######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009098 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: 885هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 885 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: 22 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009098 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9098 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9098 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # سورة الفاتحة # بسم الله القيوم الشهيد الذي لا يعزب شيء عن علمه، ولا يكون شيء إلا ~~بإذنه، الرحمن الرحيم الذي عمت رحمته الموجودات، وطبع في مرائي القلوب ~~عظمته فتعالت تلك السبحات، وأجري على الألسنة ذكره في العبادات والعادات، ~~الرحيم الذي تمت معمته بتخصيص أهل ولايته بأرضى العبادات. # قال شيخنا الإمام المحقق أبو الفضل محمد بن العلامة القدوة أبي عبد الله # محمد ابن العلامة القدوة أبي القاسم محمد المشدالي المغربي # PageV01P017 # البجائي المالكي علامة # الزمان سقى الله عهده سحائب الرضوان وأسكنه أعلى الجنان: الأمر الكلي ~~المفيد # لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سبقت له ~~السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات وتنظر إلى مراتب تلك ~~المقدمات في القرب والبعد # من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من ~~استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له اللتي له التي تقتضي ~~البلاغة شفاء العليل يدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر ~~الكلي المهيمن على حكم الربك بين جميع أجزاء القرآن، وإذا فعلته تبين لك إن ~~شاء الله وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة سورة والله الهادي. ~~انتهى. وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورة سبأ في السنة ~~العاشرة من ابتدائي في عمل هذا الكتاب أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها # PageV01P018 # لأن اسم كل شيء تظهر المناسبة بينه وبين مسماه عنوانه الدال إجمالا على ~~تفصيل ما فيه، وذلك هو الذي أنبأ به آدم عليه الصلاة والسلام عند العرض على ~~المالئكة عليهم الصلاة والسلام، ومقضود كل سورة هاد إلى تناسبها، مقثصود ~~السورة، ولا أخرج عن معاني كلماتها، فالفاتحة أسمها " أم الكتاب " " ~~والأساسا " " والمثاني " " والكنز " و" الشافية " و" الكافية " و" الوزافية ~~" و" الواقية " و" الرقية " و" الحمد " و" الشكر " و" الدعاء " و" الصلاة " ~~فمدار هذه الأسماء كما ترى على أمر خفي كاف لكل مراد وهو المراقبة التي # PageV01P019 # سأقول إنها مقصودها فكل شيء لا يفتتح بها لا ms0001 اعتداد به، وهي كنز لكل شيء ~~شافية لكل داء، كافية لكل هم، وافية بكل مرام، واقية من كل سوء رقية لكل ~~ملم، وهي إثبات للحمد الذي هو الإحاطة بصفات الكمال، وللشكر الذي هوز تعظيم ~~المنعم، وهي عين الدعاء فإنه التوجه إلى المدعو، وأعظم مجامعها الصلاة. # إذا تقررت ذلك فالغرض الذي سبقت له الفاتحة وهو إثبات # PageV01P020 # استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفا الكمال، واختصاصه بملك الدنيا ~~والآخرة، وباستحقاق العبادة والاستعانة، بالسؤال في المن بإلزام صراط ~~الفائزين والإنقاذ من طريق الهالكين مختصا بذلك كله، ومدار ذلك كله مراقبة ~~العباد لربهم، لإفراده بالعبادة، نفهو مقصود الفاتحة بالذات وغيره وسائل ~~إليه، فإنه لا بد في ذلك من إثبات إحاطته تعالى بكل شيء ولن يثبت حتى يعلم ~~أنه المختص بأنه الخالق اللملك المالك، لأن المقصود منت إرسال الرسل وإنزال ~~الكتب نصب الشرائع، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحق والمقصود ~~من جمعهم تعريفهم الملك وبما يرضيه، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته # PageV01P021 # الفاتحة بالقصد الأول، ولن يكون ذلك إلا بما ذكر علما وعملا، ولما كان ~~المقصود من جمعهم على الله تعالى معرفته لأجل عباداته وكان اتزام اسمه ~~تعالى في كل حركة وسكون قائدا إلى مراقبته وداعيا إلى مخافته واعتقاد أن ~~مصادر الأمور ومواردها منه وإليه شرعت التسمية أول كل شيء فصدرت بها ~~الفاتحة. وقد التعود الذي هو من درء المفاسد تعظيما للقرآن بالإشارة إلى أن ~~يتعين لتاليه أن يجتهد في تصفية سره وجمع متفرق أمره، لينال سؤله ومراده ~~مما أودعه من خزائن السعادة بإعراضه عن العدو الحسود وإقباله على الولي ~~الودود، ومن هنا تعرف مناسبة المعوذتين بالفاتحة. ولما افتتح التعوذ # PageV01P022 # بالهمزة أشارة إلى ابتداء الخلق وختم بالميم إيماء إلى المعاد جعلت ~~البسملة كلها للمعاد لأبتدائها بحرف شفوي، وختام أول كلماتها ومآخرها بآخر ~~إشارة إلى أن # الرجوع إليه في الدنيا معنى بتدبير الأمور وإن كان أكثر الخلق غافلا عنه، ~~وفي البرزخ حسا بالاموت، وفي الآخرة كذلك بالبعث، كما أشار إلى ذلك تكرير ~~الميم المختتم بها في ms0002 اسمها بذكرها فيه مرتين إشارة إلى المعادين الحسيين ~~والله أعلم. والمراد بالاسم الصفات العليا. وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي ~~في تفسيره في # PageV01P023 # غريب ألفاظ البسملة: الباء معناها أظهره الله سبحانه من حكمة التسبيب، " ~~الاسم " ظهور ما غاب أو غمض للقلوب بواسطة اآذان على صورة الأفراد، " الله ~~" اسم ما تعنو إليه القلوب عند موقف العقول فتأله فيه أي تتحير فتتألهه ~~وتلهو به أي تغني به عن كل شيء " الرحمن " شامل الرحمة لكافة ما تناولته ~~الربوبية، " الرحيم " خاص بالرحمة بما ترضاه اإلهية. وقال في غريب معناها: ~~لما أظهر الله سبحانه حكمة التسبيب وأرى الخلق استفادة بعض الأشياء من ~~أشياء أخر متقدمة عليها كأنها # PageV01P024 # أسبابها، وقف بعض الناس عند أول سبب فلم ير ما قبله، ومنهم من وقف عند ~~سبب السبب إلى ما عساه ينتهي إليه عقله، فطوى الحق تعالى تلك الأسباب وأظهر ~~بالبسملة أي بتقديم الجار أن كل شيء باسمه لا بسبب سواه، وقال استفتح أم ~~القرآن بالبسملة لما كانت نسبتها من متلو الصحف والكتب الماضية نسبة أم ~~القرآن الكتاب الجامع للصحف والكتب لموضع طيها الأسباب، كما تضمنت أم ~~القرآن سر ظهور الأفعلال بالعناية من الحميد المجيد ويفي آية " إياك نعبد ~~وإياك نستعين " هذا في ظاهر الخطاب إل مكا وراء ذلك من باطنه فإن لكل آية ~~ظهرا وبطنا وليلتزمها الخلق يفي ابتداء أقوالهم وأفعالهم، هكذا قال. وأشد ~~منه أنه لما كانت نسبة البسملة من الفاتحة نسبة الفاتحة من القرآن صدرت بها ~~الفاتحة كما صدر القرآن بالفاتحة، لأنها لما أفادت نسبة الأمور كلها إليه ~~سبحانه وحده أفادت أنه الإله وحده وذلك # PageV01P025 # هو إجمال لتفصيل الفاتحة كما أن الفاتحة إجمال تفصيل القرآن من الأصول ~~والفروع والمعارف واللطائف. ولما كان اسم الجلالة علما وكان جامعا لجميع ~~معاني الأسماء الحسنى أولية الرحمن من حيث أنه كالعلم في أنه لا يوصف به ~~غيره ومن حيث أنه أبلغ من الرحيم فأولى الأبلغ الأبلغ، وذلك موافق لترتيب ~~الوجود، الإيجاد ثم النعم العامة ثم الخاصة بالعبادة، وذكر الوصفان ترغيبا، ~~وطويت ms0003 النقمة في إفهام اختصاص الثاني لتمام الترغيب بالإشارة إلأى الترهيب. ~~والمراد بهما هنا أنه سبحانه يستحق لااتصاف بهما لذاته، وكررهما بعهد ~~تنبيها عل وجوب ذلك للربوبية والملك وللدلالة على أن الرحمة غلبت الغضب، ~~وفيهمات إلى ما ذك رمن الترغيب الدلالة على سائر # PageV01P026 # الصفات الحسنى، لأن من عمت رحمته امتنع أن يكون فيه شوب نقص وفي آخر ~~سبحان لهذا المكان مزيد بيان، وكونها تسعة عشر حرفا خطية وثمانية عشر لفظية ~~إشارة إلى أنها دوافع النقمة من النار التي أصحابها تسعة عشر، وجوالب ~~للرحمة بركعات الصلوات الخمس وركعة الوتر اللاتي من أعظم العبادات الكبرى. ~~ولما كانت البسملة نوعا من الحمد ناسب كل المناسبة تعقيبها باسم الحمد ~~الكلي الجامع لجميع أفراده فكأنه قبل: احمدوه لأنه المستحق لجميع المحامد، ~~وخصوا هذا النوع من الحمد في افتتاح أموركم لما ذكر من استشعار الرغبة إليع ~~والرهبة منه المؤدي إلى لزوم طريق الهدى، والله الموفق. # PageV01P027 # ولما أثبت بقوله: {الحمد لله} أنه المستحق لجميع المحامد لا لشيء غير ~~ذاته الحائز لجميع الكمالات أشار إلى أنه يستحقه أيضا من حيث كونه ربا ~~مالكا منعما فقال: {رب} وأشار بقوله: {العالمين} إلى ابتداء الخلق تنبيها ~~على الاستدلالات بالمصنوع على الصانع وبالبداءة على الإعادة # PageV01P027 # كما ابتدأ التوراة بذلك لذلك قال الحرالي: و {الحمد} المدح الكامل الذي ~~يحيط بجميع الأفعال والأوصاف، على أن جميعها إنما هو من الله سبحانه تعالى ~~وأنه كله مدح لا يتطرق إليه ذم، فإذا اضمحل ازدواج المدح بالذم وعلم سريان ~~المدح في الكل استحق عند ذلك ظهور اسم الحمد مكملا معرفا بكلمة «أل» وهي ~~كلمة دالة فيما اتصلت به على انتهائه وكماله. انتهى. # ولما كانت مرتبة الربوبية لا تستجمع الصلاح إلا بالرحمة اتبع ذلك بصفتي ~~{الرحمن الرحيم} ترغبيا في لزوم حمده، وهي تتضمن تثنية تفصيل ما شمله الحمد ~~أصلا؛ وسيأتي سر لتكرير هاتين الصفتين # PageV01P028 # في الأنعام عند {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 118] عن الإمام ~~حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى أنه لا مكرر في القرآن. # ولما كان ms0004 الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكا وكانت الربوبية لا تتم ~~إلا بالملك المفيد للعزة المقرون بالهيبة المثمرة للبطش والقهر المنتج ~~لنفوذ الأمر اتبع ذلك بقوله: {مالك يوم الدين} ترهيبا من سطوات مجده. قال ~~الحرالي: واليوم مقدار ما يتم فيه أمر ظاهر، # PageV01P029 # ثم قال: و {يوم الدين} في الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء ~~المجازاة حيث تسقط دعوى المدعين، وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد، ~~وهو في الحقيقة من أول يوم نفوذ الجزاء عند مقارفة الذنب في باطن العامل ~~أثر العمل إلى أشد انتهائه في ظاهره، لأن الجزاء لا يتأخر عن الذنب وإنما ~~يخفى لوقوعه في الباطن وتأخره عن معرفة ظهوره في الظاهر، ولذلك يؤثر عنه ~~عليه الصلاة والسلام: «إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء» وأيضا ~~فكل عقاب يقع في الدنيا على أيدي الخلق فإنما هو جزاء من الله وإن كان ~~أصحاب الغفلة ينسبونه للعوائد، كما قالوا: {مس آباءنا الضراء والسراء} ~~[الأعراف: 95] ويضيفونه للمعتدين عليهم بزعمهم، وإنما هو كمال قال تعالى: ~~{وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] وكما ورد عنه عليه ~~الصلاة والسلام: «الحمى من فيح جهنم، وإن شدة الحر والقر من نفسها» وهي سوط ~~الجزاء الذي أهل الدنيا بأجمعهم مضروبون # PageV01P030 # به، ومنهل التجهم الذي أجمعهم واردوه من حيث لا يشعر به أكثرهم، قال عليه ~~الصلاة والسلام: «المرض سوط الله في الأرض يؤدب به عبادة» وكذلك ما يصيبهم ~~من عذاب النفس بنوع الغم والهم والقلق والحرص وغير ذلك، وهو تعالى ملك ذلك ~~كله ومالكه، سواء ادعى فيه مدح أو لم يدع، فهو تعالى بمقتضى ذلك كله ملك ~~يوم الدين ومالكه مطلقا في الدنيا والآخرة وإلى الملك أنهى الحق تعالى تنزل ~~أمره العلي لأن به رجع الأمر عودا على بدء بالجزاء العائد على آثار ما ~~جبلوا عليه من الأوصاف تظهر عليهم من الأفعال كما قال تعالى: # {وسيجزيهم وصفهم} [الأنعام: 193] و {جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] ~~. [الأحقاف: 4] ، [الواقعة: 24] وبه تم انتهاء # PageV01P031 # الشرف العلي وهو ms0005 المجد الذي عبر عنه قوله تعالى: «مجدني عبدي» انتهى، ~~ولما لم يكن فرق هنا في الدلالة على الملك بين قراءة «ملك» وقراءة «مالك» ~~جاءت الرواية بهما، وذلك لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم أفاد اختصاصه بجميع ~~ما فيه من جوهرة وعرض، فلا يكون لأحد معه أمر ولا معنى للملك سوى هذا، ولما ~~لم تفد إضافته إلى الناس هذا المعنى لم يكن خلاف في {ملك الناس} [الناس: 2] ~~. فلما استجمع الأمر استحقاقا وتحبيبا وترغيبا وترهيبا كان من شأن كل ذي لب ~~الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال عادلا عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب لهذا ~~مقدما # PageV01P032 # للوسيلة على طلب الحاجة لأنه أجدر بالإجابة {إياك} أي يا من هذه الصفات ~~صفاته! {نعبد} إرشادا لهم إلى ذلك؛ ومعنى {نعبد} كما قال الحرالي: تبلغ ~~الغاية في أنحاء التذلل، وأعقبه بقوله مكررا للضمير حثا على المبالغة في ~~طلب العون {وإياك نستعين} إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى ~~أن ملاك الهداية بيدة: فانظر كيف ابتدأ سبحانه بالذات، ثم دل عليه ~~بالأفعال، ثم رقي إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه الأول والآخر ~~المحيط، فلما حصل الوصول إلى شعبة من علم الفعال والصفات علم الاستحقاق ~~للأفراد بالعبادة # PageV01P033 # فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلب الإعانة، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم ~~فيما رواه مسلم وأبو داود في الصلاة والترمذي وابن ماجه في الدعاء والنسائي ~~وهذا لفظه في التعوذ عن عائشة رضى الله عنها: «أعوذ بعفوك من عقوبتك، ~~وبرضاك من سخطك، وبك منك» ثم أتبعه فيما زاد عن النسائي الاعتراف بالعجز في ~~قوله: «لا أحصي ثناء عليك أنت أثنيت على نفسك» وفي آخر سورة اقرأ شرح بديع ~~لهذا الحديث. # قال الحرالي: وهذه الآيات أي هذه وما بعدها مما جاء كلام الله فيه جاريا ~~على لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن منه ما هو كلام الله عن نفسه ~~ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق على اختلاف # PageV01P034 # ألسنتهم وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب ms0006 تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى ~~كنهه لقصورهم وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء عنهم بما كان ~~يجب عليهم مما لا يبلغ إليه وسع خلقه وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم ~~نازلا لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهرا منهم لطفا بهم وإتماما للنعمة ~~عليهم، لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح به ~~أحوالهم في دينهم ودنياهم، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه النعمة إلا أن يتولى ~~هو تعالى بما يلقنهم من كلامه مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك، وإذا ~~كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما ~~يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده، فإذا ليس لهم # PageV01P035 # وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو بغير فهم، وتلك هي صلاتهم ~~المقسمة التي عبر عنها فيما صح عنه علية الصلاة والسلام من قوله تعالى: # «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» ثم تلا هذه السورة؛ فجاءت الآيات ~~الثلاث الأول بحمد الله تعالى نفسه، فإذا تلاها العبد قبل الله منه تلاوة ~~عبده كلامه وجعلها منه حمدا وثناء وتمجيدا، وجاءت هذه الآيات على لسان خلقه ~~فكان ظاهرها التزام عهد العبادة وهو ما يرجع إلى العبد وعمادها طلب المعونة ~~من الله سبحانه وهو # PageV01P036 # ما يرجع إلى الحق، فكانت بينه وبين عبده وتقدمت بينيته تعالى، لأن ~~المعونة متقدمة على العبادة وواقعة بها وهو مجاب فيما طلب من المعونة، فمن ~~كانت عليه مؤنة شىء فاستعان الله فيها على مقتضى هذه الآية جاءته المعونة ~~على قدر مؤنته، فلا يقع لمن اعتمد مقتضى هذه الآية عجز عن مرام أبدا وإنما ~~يقع العجز ببخس الحظ من الله تعالى والجهل بمقتضى ما أحكمته هذه الآية ~~والغفلة عن النعمة بها، وفي قوله: {نعبد} بنون الاستتباع إشعار بأن الصلاة ~~بنيت على الاجتماع. انتهى. وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار ~~الافتقار والاعتصام بحوله وقوته، فاقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال ~~فقال: {اهدنا الصراط المستقيم} تلقينا لأهل لطفه ms0007 وتنبيها على محل السلوك ~~الذي لا وصول بدونه، والهدى قال الحرالي: مرجع الضال إلى ما ضل عنه، ~~والصراط الطريق الخطر السلوك، والآية من كلام الله تعالى على لسان العلية ~~من خلقه، وجاء # PageV01P037 # مكملا بكلمة «أل» لأنه الصراط الذي لا يضل بمهتديه لإحاطته ولشمول سريانه ~~وفقا لشمول معنى الحمد في الوجود كله وهو الذي تشتت الآراء وتفرقت بالميل ~~إلى واحد من جانبيه وهو الذي ينصب مثاله. وعلى حذو معناه بين ظهراني جهنم ~~يوم الجزاء للعيان وتحفه مثل تلك الآراء خطاطيف وكلاليب، تجري أحوال الناس ~~معها في المعاد على حسب مجراهم مع حقائقها التي ابتداء في يوم العمل، وهذا ~~الصراط الأكمل وهو المحيط المترتب على الضلال الذي يعبر به عن حال من لا ~~وجهة له، وهو ضلال ممدوح لأنه يكون عن سلامة الفطرة لأن من لا علم له بوجهة ~~فحقه الوقوف عن كل وجهة وهو ضلال يستلزم هدى محيطا منه # {ووجدك ضالا فهدى} [الضحى: 6] وأما من هدى وجهة ما # PageV01P038 # فضل عن مرجعها فهو ضلال مذموم لأنه ضلال بعد هدى وهو يكون عن اعوجاج في ~~الجبلة. انتهى. ثم أكد سبحانه وتعالى الإخبار بأن ذلك لن يكون إلا بإنعامه ~~منبها بهذا التأكيد الذي أفاده الإبدال على عظمة هذا الطريق فقال: {صراط ~~الذين أنعمت عليهم} فأشار إلى أن الاعتصام به في اتباع رسله، ولما كان ~~سبحانه عام النعمة لكل موجود عدوا كان أو وليا، وكان حذف المنعم به لإرادة ~~التعميم من باب تقليل اللفظ لتكثير المعنى فكان من المعلوم أن محط السؤال ~~بعض أهل النعمة وهم أهل الخصوصية. يعني لو قيل: اتبع طريق أهل مصر مثلا لا ~~أهل دمشق، علم أن المنفي غير داخل في الأول لأن شرطه أن يتبعاه متعاطفاه ~~كما صرحوا به، بخلاف ما لو قيل: اتبع طريق أهل مصر غير الظلمة، فإنه يعلم ~~أن الظلمة منهم، فأريد هنا التعريف بأن النعمة عامة ولو لم تكن إلا ~~بالإيجاد، ومن المعلوم أن السلوك لا بد وأن يصادف طريق بعضهم وهم منعم ~~عليهم فلا يفيد ms0008 السؤال حينئذ، فعرف أن المسؤول إنما # PageV01P039 # هو طريق أهل النعمة بصفة الرحيمية تشوقت النفوس إلى معرفتهم فميزهم ببيان ~~أضدادهم تحذيرا منهم، فعرف أنهم قسمان: قسم أريد للشقاوة فعاند في إخلاله ~~بالعمل فاستوجب الغضب، وقسم لم يرد للسعادة فضل من جهة إخلاله بالعلم فصار ~~إلى العطب فقال مخوفا بعد الترجية ليكمل الإيمان بالرجاء والخوف معرفا بأن ~~النعمة عامة والمراد منها ما يخص أهل الكرامة: {غير المغضوب عليهم} أي ~~الذين تعاملهم معاملة الغضبان لمن وقع عليه غضبه، وتعرفت «غير» لتكون صفة ~~للذين بإضافتها إلى الضد فكان مثل: الحركة غير السكون، ولما كان المقصود من ~~«غير» النفي لأن السياق له وإنما عبر بها دون أداة استثناء دلالة # PageV01P040 # على بناء الكلام بادىء بدء على إخراج المتلبس بالصفة وصونا للكلام عن ~~إفهام أن ما يعد أقل ودون لا {ولا الضالين} فعلم مقدار النعمة على القسم ~~الأول وأنه لا نجاة إلا باتباعهم وأن من حاد عن سبيلهم عامدا أو مخطئا شقي ~~ليشمر أولو الجد عن ساق العزم وساعد الجهد في اقتفاء آثارهم للفوز بحسن ~~جوارهم في سيرهم وقرارهم. # قال الحرالي: {المغضوب عليهم} الذين ظهر منهم المراغمة وتعمد # PageV01P041 # المخالفة فيوجب ذلك الغضب من الأعلى والبغض من الأدنى. {الضالين} الذين ~~وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها من غير تعمد لذلك. «أمين» كلمة عزم من الأمن، ~~مدلولها أن المدعو مأمون منه أن يرد من دعاه لأنه لا يعجزه شيء ولا يمنعه ~~وهي لا تصلح إلا لله لأن ما دونه لا ينفك عن عجز أو منع انتهى وهو صوت سمي ~~به الفعل الذي هو استجب وقد انعطف المنتهى على المبتدأ بمراقبة القسم الأول ~~اسم الله فحازوا ثمرة الرحمة وخالف هذان القسمان فكانوا من حزب الشيطان ~~فأخذتهم النقمة، وعلم أن نظم القرآن على ما هو عليه معجز، ومن ثم اشتراط # PageV01P042 # في الفاتحة في الصلاة لكونها واجبة في الترتيب، فلو قدم فيها أو أخر لم ~~تصح الصلاة وكذا لو أدرج فيها ما ليس منها للإخلال بالنظم. # قال الأصبهاني: فإن القرآن معجز والركن الأبين ms0009 الإعجاز يتعلق بالنظم ~~والترتيب. انتهى. والحاصل أنه لما رفعت تلك الصفات العلية لمخاطبها الحجب ~~وكشفت له بسمو مجدها وعلو جدها وشرف حمدها جلائل الستر وأشرقت به رياض ~~الكرم ونشرت له لطائف عواطفها بسط البر والنعم ثم اخترقت به مهامه العظمة ~~والكبرياء وطوت في تيسيرها له مفاوز الجبروت والعز وأومضت له بوارق # PageV01P043 # النقم من ذلك الجناب الأشم وصل إلى مقام الفناء عن الفاني وتمكن في رتبة ~~شهود البقاء للباقي فبادر الخضوع له عن السوى حاكما على الأغيار بما لها من ~~ذواتها من العدم والتوى فقال: {إياك نعبد} وفي تلك الحال تحقق العجز عن ~~توفية ذلك المقام ما له من الحق فقال: {وإياك نستعين} . # فكشف له الشهود في حضرات المعبود عن طرق عديدة ومنازل سامية بعيدة ورأى ~~أحوالا جمة وأودية مدلهمة وبحارا مغرقة وأنوارا هادية وأخرى محرقة، ورأى ~~لكل أهلا قد أسلكوا فجاء تارة حزنا وأخرى سهلا، وعلم أن لا نجاة إلا ~~بهدايته ولا عصمة بغير عنايته ولا سعادة إلا برحمته ولا سلامة لغير أهل ~~نعمته؛ فلما أشرق واستنار # PageV01P044 # وعرف مواقع الأسرار بالأقدار كأنه قيل له: ماذا تطلب وفي أي مذهب تذهب؟ ~~فقال: {اهدنا الصراط المستقيم} . # ولما طلب أشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال: {صراط الذين أنعمت عليهم} ولما ~~كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعاذ من أولئك الذين شاهدهم في التيه ~~سائرين وعن القصد عائرين جائرين أو حائرين فقال: {غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} . # وقد أشير في أم الكتاب. كما قال العلامة سعد الدين مسعود ابن عمرو ~~التفتازاني الشافعي. إلى جميع النعم فإنها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولا وإلى ~~إيجاد وإبقاء ثانيا في دار الفناء والبقاء، أما الإيجاد الأول فبقوله ~~{الحمد لله رب العالمين} فإن الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية، وأما ~~الإبقاء الأول فبقوله: {الرحمن الرحيم} أي المنعم بجلائل النعم ودقائقها ~~التى بها البقاء، وأما الإيجاد الثاني فبقوله: {مالك # PageV01P045 # يوم الدين} وهو ظاهر، وأما الإبقاء الثاني فبقوله: {إياك نعبد} إلى ~~آخرها، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة. # ثم جاء ms0010 التصدير بالحمد بعد الفاتحة في أربع سور أشير في كل سورة منها إلى ~~نعمة من هذه النعم ترتيبها. انتهى، وسيأتي في أول كل سورة من الأربع ما ~~يتعلق بها من بقية كلامه إن شاء الله تعالى، وهذا يرجع إلى أصل مدلول الحمد ~~فإن مادته بكل ترتيب تدور على بلوغ الغاية ويلزم منه الاتساع والإحاطة ~~والاستدارة فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضا فيلزمه الشكر ~~وسيبين وينزل على الجزئيات في سورة النحل إن شاء الله تعالى، ثم في أول سبأ ~~تحقيق ما قاله الناس فيه وفي النسبة بينه وبين الشكر فقد بان سر الافتتاح ~~من حيث تصديرها بالحمد جزئيا فكليا الذي كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه فهو ~~أجذم؛ وتعقبه بمدح المحمود بما ذكر من # PageV01P046 # أسمائه الحسنى مع اشتمالها على جملة معاني القرآن من الحكم النظرية ~~والأحكام العملية فهي أم القرآن لأنها له عنوان وهو كله لما تضمنته على ~~قصرها بسط وتبيان. # قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل ~~في آخر الباب التاسع منه: ولننه هذه الأبواب بذكر القرآن ومحتواه على الكتب ~~وجمعه وقراءته وبيانه وتنزيله وإنزاله وحكيمه ومبينه ومجيده وكريمه وعظيمه ~~ومرجعه إلى السبع المثاني والقرآن العظيم أم القرآن ومحتواها عليه، فنذكر ~~جميع ذلك في الباب العاشر، الباب العاشر في محل أم القرآن من القرآن ووجه ~~محتوى القرآن على جميع الكتب والصحف المتضمنة لجميع الأديان. # اعلم أن الله سبحانه جمع نبأه العظيم كله عن شأنه العظيم في السبع ~~المثاني أم القرآن وأم الكتاب وكنزها تحت عرشه ليظهرها في الختم عند تمام ~~أمر الخلق وظهور بادىء الحمد بمحمد، لأنه تعالى يختم بما به بدأ ولم يظهرها ~~قبل ذلك، لأن ظهورها # PageV01P047 # يذهب وهل الخلق ويمحو كفرهم ولا يتم بناء القرآن إلا مع قائم بمشهود بيان ~~الفعل ليتم الأمر مسمعا ومرأى وذلك لمن يكون من خلقه كل خلق ليبين به ما من ~~أمره كل أمر، ثم فيما بين بدء الأمر المكنون وخاتم الخلق الكامل تدرج تنشؤ ~~الخلق ms0011 وبدو الأمر على حسب ذلك الأمر صحفا فصحفا وكتابا فكتابا، فالصحف لما ~~يتبدل سريعا، والكتاب لما يثبت ويدوم أمدا، والألواح لما يقيم وقتا. # ففي التوراة أحكام الله على عباده في الدنيا بالحدود والمصائب والضراء ~~والبأساء، وفي القرآن منها ما شاء الله وما يظهره الفقه من الحدود، ومعارف ~~الصوفية من مؤاخذة المصائب؛ وفي الإنجيل أصول تلك الأحكام والإعلام بأن ~~المقصود بها ليست هي بل ما وراءها من أمر الملكوت، وفي القرآن منها ما شاء ~~الله مما يظهره العلم والحكمة الملكوتية، وفي الزبور تطريب الخلق وجدا وهم ~~عن أنفسهم إلى ربهم، وفي الفرآن منه ما شاء الله مما تظهره الموعظة الحسنة، ~~ثم أنهى # PageV01P048 # الأمر والخلق من جميع وجوهه، فصار قرآنا جامعا للكل متمما للنعمة مكملا ~~للدين # {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] الآية، بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. ~~وإن إلى ربك المنتهى. # ووجه فوت أم القرآن للقرآن أن القرآن مقصود تنزيله التفصيل والجوامع، فيه ~~نجوم مبثوثة غير منتظمة، واحدة إثر واحدة، والجوامع في أم القرآن منتطمة ~~واحدة بعد واحدة إلى تمام السبع على وفاء لا مزيد فيه ولا نقص عنه؛ أظهر ~~تعالى بما له سورة صورة تجليه من بدء الملك إلى ختم الحمد، وبما لعبده ~~مصورة تأديه من براءته من الضلال إلى هدى الصراط المستقيم، {ووجدك ضالا ~~فهدى} [الضحى: 7] وبما بينه وبينه قيام ذات الأمر والخلق فكان ذلك هو ~~القرآن # PageV01P049 # العظيم الجامع لما حواه القرآن المطلق الذكر بما فيه من ذلك تفصيلا من ~~مبينه وهو ما عوينت آية مسموعة، ومن مجيده وهو ما جربت أحكامه من بين عاجل ~~ما شهد وآجل ما علم، يعلم ما شهد فكان معلوما بالتجربة المتيقنة بما تواتر ~~من القصص الماضي وما شهد له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من ~~أمثاله وأشباهه، ومن كريمه وهو ما ظهرت فيه أفانين إنعامه فيما دق وجل وخفي ~~وبدا، ومن حكيمه وهو ما ظهر في الحكمة المشهورة تقاضيه وانتظام مكتوب خلقه ~~على حسب تنزيل أمره؛ وما كان منه بتدريج وتقريب للأفهام ففاءت ms0012 من حال إلى ~~حال وحكم إلى حكم كان تنزيلا، وما أهوى به من علو إلى سفل كان إنزالا، وهو ~~إنزال حيث لا وسائط وتنزيل حيث الوسائط؛ وبيانه حيث الإمام العامل به مظهره ~~في أفعاله وأخلاقه كان خلقه القرآن، وقرآنه تلفيق تلاوته على حسب ما ~~تتقاضاه النوازل. # PageV01P050 # آخر آية أنزلت {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] قال صلى ~~الله عليه وسلم في مضمون قوله تعالى {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] ~~«اجعلوها بين آية الدين والآية التي قبلها» لأنه ربما تقدم كيان الآية ~~وتأخر في النظم قرآنها على ما تقدم عليها، آية {يا أيها النبي إنا أحللنا ~~لك أزواجك} [الأحزاب: 50] الآية متأخرة الكيان متقدمة القرآن على آية {لا ~~يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] فقد يتطابق قرآن الأمر وتطوير الخلق ~~وقد لا يتطابق والله يتولى إقامتهما؛ وأما الجمع ففي قلبه نسبة جوامعه ~~السبع في أم القرآن إلى القرآن بمنزلة نسبة جمعه في قلبه لمحا واحدا إلى أم ~~القرآن {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 50] فهو جمع في قلبه، ~~وقرآن على لسانه، # PageV01P051 # وبيان في أخلاقه وأفعاله، وجملة في صدره، وتنزيل في تلاوته، {وقال الذين ~~كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} [الفرقان: 32] قال الله تعالى: ~~كذلك أي كذلك أنزلناه، إلا ما هو منك بمنزلة سماء الدنيا من الكون # {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} [الدخان: 3] أي إلى سماء الدنيا {ونزلناه ~~تنزيلا} [الإسراء: 106] وعلى لسانه في أمد أيام النبوة، وقال في تفسيره: ~~القرآن باطن وظاهره محمد صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضى الله عنها: ~~كان خلقه القرآن، فمحمد صلى الله عليه وسلم صورة باطن سورة القرآن، فالقرآن ~~باطنه وهو ظاهره {نزل به الروح الأمين * على قلبك} [الشعراء: 194] . # وقال في تفسير الفاتحة: وكانت سورة الفاتحة أما للقرآن، لأن القرآن جميعه ~~مفصل من مجملها، فالآيات الثلاث الأول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء ~~الحسنى والصفات العلى، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها، ~~والآيات الثلاث الأخر من قوله: # PageV01P052 # {اهدنا} شاملة لكل ما ms0013 يحيط بأمر الخلق في الوصول إلى الله والتحيز إلى ~~رحمة الله والانقطاع دون ذلك، فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع هذه، ~~وكل ما يكون وصلة بين مما ظاهرهن هذه من الخلق ومبدؤه وقيامه من الحق فمفصل ~~من آية {إياك نعبد وإياك نستعين} انتهى. # ومن أنفع الأمور في ذوق هذا المشرب استجلاء الحديث القدسي الذي رواه مسلم ~~في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة # PageV01P053 # رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز ~~وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولبعدي ما سأل فإذا قال العبد» ~~الحمد لله رب العالمين «قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال» الرحمن ~~الرحيم «قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال:» مالك يوم الدين «قال الله: ~~مجدني عبدي. وقال مرة: فوض إلي عبدي، وإذا قال:» إياك نعبد وإياك نستعين ~~«قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال:» اهدنا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين «قال:» هذا لعبدي ~~ولعبدي ما سأل «والله أعلم. # PageV01P054 # (سورة البقرة) # مقصودها إقامة الدليل على أن الكتاب هدى ليتبع يفي كل ما قال، وأعظم ما ~~يهدي إليه الإيمالن بالغيب، ومجمعه الإيمان بالآخرة، فمداره الإيمان بالبعث ~~الذي أعربت عنه قصة البقرة التي مجارها الإيمان بالغيب فلذلك سميت بها ~~السورة # PageV01P055 # وكانت بذلك أحق من قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنها في نوع البشر ~~ومما تقدمها في قصة بني إسرائيل من الأحياء بعد الإماتة بالصعق وكذلك ما ~~شاكلها، لأن الأحياء في في قصة البقرة عن سبب ضعيف في الظاهر بمباشرة من ~~كان من آحاد الناس فهي أدل على القدرة ولا سيما وقد اتبعت بوصف القلوب ~~والحجارة بما عم اللمهتدين بالكتاب والضالين فوصفها بالقسوة الموجبة للشقوة ~~ووصفت الحجارة بالخشية الناشئة في الجملة عن التقوى المانحة للمدد المتعدي ~~نفعه إلى عباد الله، وفيها إشارة إلى أن هذا الكتاب فينا كما لو كان فينا ~~خليفة من أولي العزم من الرسل يرشدنا في كل ms0014 أمر إلى صواب # PageV01P056 # المخرج منه فمن أعرض خاب، ومن تردد كاد، ومن أجاب اتقى وأجاد. # وسميت الزهراء لإنارتها طريق الهداية والكفاية في الدنيا والآخرة، ~~ولأيجابها إسفار الوجوه يفي يوم الجزاء لمن آمن بالغيب ولم يكن في شك مريب ~~فيحال بينه وبين ما يشتهي، بالسنام لأنه ليس في الإيمان بالغيب بعد التوحيد ~~الذي هو الأساس الذي يتبني عليه كل خير والمنتهى الذي هو غاية السير ~~والعالي على كل غير بأعلى # PageV01P057 # ولا أجمع من الإيمان بالآخرة، ولأن السنام أعلى ما في بطن المطية الحاملة ~~والكتاب الذي هي سورته هو أعلى ما في الحامل للأمر وهو اللشرع الذي أتاهم ~~به رسولهم (صلى الله عليه وسلم) . # بسم الله الذي نصب مع كونه باطنا دلائل الهدى حتى كان ظاهرا، " الرحمن " ~~الذي أفاض رحمته على سائر خلقه بعد الإيجاد ببيان الطريق، " الرحيم " الذي ~~خص أهل وده بالتوفيق. قال العلامة أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة لمفتاح ~~الباب المقفل في معنى ما رواه عن ابن وهب من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ~~عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " كان الكتاب الأول ينزل من باب # PageV01P058 # واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر ~~وحلال وحرام ومحكم ومتشابه، وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما ~~أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه آمنوا ~~بمتشابهه وقولوا: آمنا به، كل من عند ربنا " وهذا الحديث رواه أبو بكر بن ~~أبي شيبة في مسنده وأبو يعلى الموصلي ومن طريقة ابن حبان في صحيحه، كلهم من ~~طريق ابن وهب عن حيوة عن عقيل بن خالد عن سلمة بن أبي سلمة بت عبد الرحمن ~~بن عوف عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه. فذكره من غير ذكر النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) ، وقال العلامة الحافظ أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل ~~الدمشقي الشافعي في كتابه " المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز " ~~بعد أن ساق هذا الحديث من رواية سلمة بن أبي ms0015 سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه. # PageV01P059 # قال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث عند أهل الحديث لم يثبت، وأبو سلمة ~~لم يلق ابن مسعود، وابنه سلمة ليس مم يحتج به، نوهذا الحديث مجمع على ضعفه ~~من جهة إسناده وقد رده قوم من أهل النظر منهم أحمد بن أبي عمران فيما سمعه ~~الطحاتوي منه ويرويه الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أم سلمة عن أبي سلمة عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) مرسلا، قال أبو شامة: وهكذا رواه البيهقي في ~~كتاب المدخل وقال: هذا مرسل جيد، أبو سلمة لم يدرك ابن مسعود، ثم رواه ~~موصولا وقال: فإن صح فمعنى قوله: سبعة أحرف، أي سبعة أوجه، وليس المراد به ~~اللغات التي أبيحت القراءة عليها وهذا المراد به الأنواع التي نزل القرآن ~~عليها والله أعلم. # قلت: عزاه شيخنا العلامة مقرئ زمانه شمس الدين محمد بن محمد بن محمد ابن ~~الجزري الدمشقي الشافعي في أوائل كتابه " النشر في # PageV01P060 # القراءات العشر " إلى الطبراني من حديث عمر بن أبي سلمة المخزومي رضي ~~الله عنهما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لابن مسعود رضي الله عنه: " ~~إن الكتب كانت تنزل من السماء من باب واحد وإن القرآن أنزل من سبعة أبواب ~~على سبعة أحرف: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وضرب أمثال و [آمر و] زاجر، فأحل ~~حلاله وحرم حرامه واعم لبمحكمه وقف عند ةمتشابهه واعتبر أمثاله، فإن كلا من ~~عند الله وما يذكر إلا أولو الألباب ورواه الحافظ أبو بكر بن أبي داود في ~~متالب المصاحف " من وجه آخر عن عبد الله قال: " إن القرآن أنزل على نبيكم ~~(صلى الله عليه وسلم) من سبعة أبواب على سبعة أحرف أو حروف. وإن الكتاب ~~قبلكم كان ينزل أو نزل. من باب واحد على حرف واحد ورواه البيهقي في فضل ~~القرآن من الشعب عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: " نزل القرآن على خمسة ~~أوجه: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ". # قال الحرالي: ms0016 في حديث آخر من طريق ابن عمر رضي الله عنهما: إن الكتب كانت ~~تنزل من باب واحد وإن هذا القرآن أنزل من # PageV01P061 # سبعة أبواب على سبعة أحرف وقال في معنى ذلك: اعلم أن القرآن منزل عند ~~انتهاء الخلق وكمال كل الأمر بدءا فكان # المتخلق به جامعا لانتهاء كل خلق وكمال أمر فلذلك (صلى الله عليه وسلم) ~~قثم الكون وهو الجامع الكامل. ولذلك كان خاتما، وكان كتابه ختما، وبدأ ~~المعاد من حد ظهوره، إنه هو يبدئ، ويعيد، فاستوفى # PageV01P062 # صلاح هذه الجوامع الثلاث التي قد خلت في الأولين بداياتها وتمت عنده ~~نهاياتها " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " رواه أحمد عن معاذ رضي الله عنه ~~رفعه، وهي صلاح الدنيا والدين والمعاد التي جمعها في قوله (صلى الله عليه ~~وسلم) فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: " اللهم أصلح لي ديني ~~الذي هو عصمة أمري، أصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي ~~إليها معادي " وفي كل صلاح إقدام وأحجام فتصير الثلاثة الجوامع ستة مفصلات ~~هي حروف القرآن الستة التي لم يبرح يستزيدها من ربه حرفا حرفا، فلما استوفى ~~الستة وهبه ربه حرفا جامعا سابعا فردا لا زوج له ن فتم إنزاله على سبعة ~~أحرف. # فأدنى تلك الحروف هو حرف إصلاح الدنيا، فلها حرفان، # PageV01P063 # أحدهما: حرف الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهير منه لبعدهع ~~عن تقويمها، والثاني حرف الحلال الذي تصلح النفس والبدن عليه لموافقته ~~لتقويمها، وأصل هذين الحرفين في التوراة، وتمامهما في القرآن. # ثم يلي هذين حرفا صلاح المعاد: أحدهما حرف الزجر والنهي التي لا تصلح ~~الآخرة إلا بالتطهير منه لبعده عن حسناها، والثاني حرف الأمر الذي تصلح ~~الآخرة عليه لتقاضيه بحسناها، وقد يتضرر على ذلك حال الدنيا، لأنه يأتي على ~~كثير من حلالها لوجوب إيثار الآخرة لبقائها ىوكليتها على الدنيا لفنائها ~~وجزئيتها، لكون خير الدنيا جزءا من ماله وشر الدنيا جزءا من سبعين جزءا ولا ~~يؤثر # PageV01P064 # هذا الجزء الأدنى لحضوره على ذلك الكل الأنهى لغيابه إلا من ms0017 سفه نفسه ~~وضعف إيمانه، فتخلص المرء من حرف الحرام طهره وتخلصه من النهي طيبه، وأصل ~~هذين الحرفين في الإنجيل وتمامهما في القرآن. # ثم يلي هذين حرفا صلاح الدين: أحدهما حرف المحكم الذي بان للعبد فيه خطاب ~~ربه من جهة أحوال قلبه وأخلاق نفسه وأعمال بدنه فيما بينه وبين ربه من غير ~~التفات لغرض النفس في عاجل الدنيا ولا آجلها، والثاني حرف المتشابه الذي لا ~~يبين للعبد فيه خطاب ربه من جهة قصور عقله من إدراكه ووجوب تسبيح ربه عن ~~تمثل عبده إلى أن يؤيده الله بتأييده. والحروف الخمسة للاستعمال وهذا الحرف ~~السادس للوقوف ليكون العبد قد وقف لله بقلبه عن حرف كما قد كان أقدم لله ~~على تلك الحروف ولينسخ بعجزه وإيمانه عند هذا الحرف السادس انتهاء ما تقدم ~~من طوقه وعلمه في تلك الحروف ابتداء، وأصل هذين الحرفين في الكتب المتقدمة ~~كلها وتمامها # PageV01P065 # في القرآن. # فهذه الحروف الستة يشترك فيها القرآن مع سائر الكتب ويزيد عليها تمامها ~~وبركة جمعها، ويختص القرآن بالحرف السابع الجامع مبين المثل الأعلى ومظهر ~~اللمثول الأعظم حرف الحمد الخاص بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وهو حرف المثل. ~~وعن جمعه وكمال جمعه لمحمد (صلى الله عليه وسلم) في قلبه وقراءته على لسانه ~~وبيانه في ذاته ظهرت عليه خواص خلقه الكريم وخلقه العظيم، ولا ينال إلا ~~موهبة من الله تعالى لعبده بال واسطة والستة تتنزل بتوسطات من استواء الطبع ~~وصفاء العقل بمثابة وحي النبي وإلهام الولي. # ولما كان حرف الحمد هو سابعها الجامع افتتح الله به سبحانه وتعالى ~~الفاتحة أم القرآن وأم الكتاب وجمع فيها جوامع الحروف السبعة التي بثها في ~~القرآن كما جمع في القرآن ما بث في جميع الكتب المتقدمة، كفضة ثقلت على ~~مريد السفر فابتاع بها ذهبا فذلك مثل القرآن ثم ثقل عليه الذهب فابتاع به ~~جواهرا، فذلك مثل أم القرآن فأذن كمال الحروف التي أنزل عليها القرآن ~~موجودة في جوامع # PageV01P066 # أم القرآن، فالآية الأولى تشتمل على حرف الحمد السابع، والثانية تشتمل ~~على حرفي ms0018 الحلال والحرام الذين أقامت الرحمانية بهما الدنيا يريد - والله ~~سلحانه وتعالى أعلم - أن الرحمانية وسعت على العباد الاستمتاع بالمخلوق من ~~النعم والخيرات الموافقة لطباعهم وأمزجتهم زقبول نفوسهم في جميع جهات ~~الاستمتاع، فكان في ذلك رحمتان: رحم بالإباحة وهي إزالة حرج الحظر ورحمة ~~يمنع لحاق حرج الإثم أو يجعل المباح شهيا للطبع، وأما الرحيمية فطهرتهم من ~~مضار أبدانهم ورجاسة نفوسهم ومجهلة قلوبهم، ففي ذلك رحمة واحدة وهي حمية ~~المحبوب عن المضار من المحبوب، أو يريد - وهو والله تعالى أعلم أقرب - أن ~~الرحمانية أقامت بعمومها كل ما شملته الربوبية من إفاضة النعم وإزاحة النقم ~~على وجه مسعد أو مشق، والرحيمية أقامت بخصوصها كما تقدم بما ترضاه الإلهية ~~إدرار النعم ودفع النقم على الوجه المسعد خاصة. انتهى. # والآية الثالثة تشتمل على أمر المللك القيم على حرفي الأمر والنهي # PageV01P067 # اللذين ييبدو أمرهما في الدين، والرابعة تشتمل على حرفي المحكم في قوله) ~~إياك نعبد) [الفاتحة: 5] والمتشابه في قوله) وإياك نستعين) [الفاتحة: 5] ~~ولما كانت بناء خطاب محاضرة لم تردد مسألتها في السورةى فانفرد هذان ~~الحرفان عن الدعاء فيهما / وعادتت مسألة الآيةى الخاتمسة على حرف الحمد ~~ومسألة الآية السادسة على آية النعمة من حرفي الحلال والحرام ومسألأة الآية ~~السابعة على آية الملك من حرفي الأمر والنهي فجمعت الفاتحة جوامع الحروف ~~السبعة. # ولما ابتئت الفاتحة أم القرآن بالسابع الجامع الموهوب ابتدئ القرآن ~~بالحرف السادس المعجوز عنه وهو حرف المتشابه، لأنه # PageV01P068 # عن إظهار العجز ومحض الإيمان كانت الهبة والتأييد، وليكون العبد يفتتح ~~القرآن بالإيمان يغيب متشابه في قوله " الم " فيكون أتم انقيادا لما دونه ~~وبريئا عن الدعنوى في مستطاعه في سائر الحروف، ثم ولى السادس المفتتح به ~~القرآن الخامس المحكم كم وجه في قوله سبحانه وتعالى) ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون (لأن من عمل بها من قلبه شعبة إيمان وعلم كانت له من ~~المحكم، ومن عمل بها ائتمارا وإلجاء ولم يدخل الإيمان في قلبه كانت له حرف ~~أمر) وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا) [الحجرات: 14] . # وهذا ms0019 إنما وقع ترتيبه هكذا في القرآن المتلو، وأما تنزيله يفي ترتيب ~~البيان فإن أ، ل ما نزل على النبي (صلى الله عليه وسلم) هو حرف المحكم وهو ~~قوله سبحانه وتعالى) اقرأ باسم ربك الذي خلق # PageV01P069 # خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم 8) [العلق: 1 - 5] الآياتن الخمس، ~~وأونل ما أنزل إلى الأمة يفي ترتيب البيان هو من حرف الزجر والنهي وهو قوله ~~سبحانه وتعالى) يا أيها المدثر قم فأنذر) [المدثر: 1 - 2] أي) نذير لكم بين ~~يدي عذاب شديد) [سبأ: 46] أعلمهم بما تخاف عاقبته في الآخرة وإن كانوا قد ~~اتخذوا في الدنيا مودة بأوثانهم وقال تعالى) إنما اتخذتم من دون الله ~~أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض) ~~[العنكبوت: 25] الآية، فابتدأ سبحانه وتعالى ترتيل الأمة بإصلاح المعاد ~~الأهم لأن عليه يصلح أمر الدنيا، من استقل بآخرته كفاه الله أمر دنياه، # PageV01P070 # وبدأ منها بحرف الزجر والنهي وهو المبدوء به في الحديث ورده النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) لفظ الزجر بلفظ النهي لأن المقصود بهما واحد وهو الردع عما ~~يضر في المعاد إلا أن الردع عل وجهين: خطاب لمعرض ويسمى زجرا كما يسمى في ~~حق البهائم، وخطاب لمقبل على التفهم ويسمى نهيا، قكأن الزجر يزيع الطبع ~~والنهي يزيع العقل، انتهى. وقد بان من هذا سر افتتاح البقرة بالمعروف ~~المقطعة. # ولما كان الذي ابتدئت به السور من ذلك شطر حروف المعجم كان كأنه قيل من ~~زعم أن القرآن ليس كلام الله فليأخذ الشطر الآخر ويركب عليه كلاما يعارضه ~~به، نقل ذلك الزركشي في البرهان عن القاضي أبي بكر قال: وقد علم ذلك بعض ~~أرباب الحقائق، وجمعها # PageV01P071 # الزركشي في قوله: نص حكيم قاطع له سر، وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه: ~~في كل كتا بسر وسر الله في القرآن أوائل السوروعن علي رضي الله تعالى عنه ~~وكرم الله وجهه: أن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. # ولما كانت حروف المعجم تسعة وعشرين حرفا بالهمزة وكان أحد شطرها على ms0020 ~~التحرير متعذرا فقسمت خمسة عشر وأربعة عشر، وأخذ الأقل من باب الأنصاف وفرق ~~في تسع وعشرين سورة # PageV01P072 # على عدد الحروف، وتحدي به على هذا الوجه، وأبدى الإمام شمس الدين ابن ~~فقيم الجوزيه الدمشقي الحنبلي يفي كتاب به كالتذكرة سماه " بدائع الفرائد " ~~سرا غريبا في ابتداء القرآن بقوله) الم (حاصله أن حروفه الثلاثة جمعت ~~المخارج الثلاثية: الحلق واللسان والشفتان. على ترتيبها وذلك إشارة إلى ~~البداية التي هي بدء الخلق والنهاية التي هي المعاد والوسط الذي هو المعاش ~~من التشريع بالأوامر والنواهي، وفي ذلك تنبيه على أن هذا الكتاب الذي ركب ~~من هذه الحروف التي لا تعدو المخارج الثلاثة التي بها يخاطب جميع الأمم ~~جامع لما # PageV01P073 # يصلحكم من أحوال بدء الخلق وإعادته وما بين ذلك، وكل سورة افتتحت بهذه ~~الحروف ذكرت فيها الأحوال الثلاثة. # وقال الحرالي في تفسيره: " الف " اسم للقائم الأعلى المحيط ثم لكل مستخلف ~~في القيام كآدم والكعبة، " ميم " اسم للظاهر الأعلى الذي من أظهرة ملك يوم ~~الدين، واسم للظاهر الكامل المؤتى جوامع الكلم محمد (صلى الله عليه وسلم) . ~~ثم لكل ظاهر دون ذلك كالسماء والفلك والأرض " لام " اسم لما بين باطن ~~الإلهية التي هي محار العقول التي هي وصل تنزل ما بينهما كاللطيف ونحوه، ثم ~~للوصل الذي كالملائكة وما تتولاه من أمر الملكوت، وهذه الألفاظ عند انعجام ~~معناها تسمى حروفا، والحرف طرف الشيء الذي لا يؤخذ منفردا وطرف القول الذي ~~لا يفهم وحده، وأحق ما تسمى حروفا إذا نظر إلى صورها ووقوعها أجزاء من ~~الكلم # PageV01P074 # ولم تفهم لها دلالة فتضاف إلى مثلها جزء من كلمة مفهومة تسمى عند ذلك ~~حروفا وعند النطق بها هكذا ألف لا ميم فينبغي أن يقال فيها أسماء وإن كانمت ~~غير معلومة الدلالة كحروف ألف باء تاء فإنها كلها أسماء على ما فهمه الخليل ~~وإنها إنما تسمى حروفا عند ما تكون أجزاء كلمة محركة للإبتداء أو مسكنة ~~للوقف والانتهاء. # وأما حقيقتها فهي جوامع أصلها في ذمر أول من كلام الله تعالى فنزلت إلى ~~الكلم العربية ms0021 وترجمت بها ونظم منها هذا القرآن العربي المبين، فهي في ~~الكنب العلوية الملكوتية المترتبة في الجمع والتفصيل آية وكلم وذات كتاب، ~~فلما نزلت إلى غاية مفصل القرآن أبقيت # PageV01P075 # في افتتاحه لتكون علما على نقله للتفصيل من ذلك الكتاب، ولأنها أتم وأوجز ~~فغيء الدلالة على الجمع من المفصل منها ودلالتها جامعة للوجود كله من أبطن ~~قيمه إلى أظهره وأظهر مقامه وما بينهما من الوصلة والواصلة وهي جامعة ~~الدلالة على الكون المرئي للعين بالعين والوحي المسموع، ولأجل ما اقتضته من ~~الجمع لم تنزل يفي كتاب متقدم لأن كتا بكل وقت مطابق بحال الكون فيه والكون ~~كان بعد لم يكمل فكانت كتبه وصحفه بحسبه ن ولما كمل الكون في وقت سيدنا ~~محمد (صلى الله عليه وسلم) كان كتابه كاملا جامعا فوجب ظهور هذه الجوامع ~~فيه ليطابق الختم البدئ، لأنهما طرفا كمال وما بينهما تدرج إليه، وقد كان ~~وعد بإنزالهما في بعض تلك الكتب فكان نزولها نجازا لذلك. انتهى. # PageV01P076 # وأما مناسبة ما بعد ذلك للفاتحة فهو أنه لما أخبلا سبحانه وتعالى أن ~~عباده المخلصين سألوا في الفاتحة هداية الصراط المستقيم الذي همو غير ~~طرلايق الهالكين أرشدهك في أول التي تليها إلى أن الهدى المؤول إنما هو في ~~هذا الكتاب، وبين لهم صفات الفريقين الممنوحين بالهداية حتى على التخلق بها ~~والممنوعين منها زجرا عن قربها. فكاتن ذلك أعظم المناسبات لعقيب الفاتحة ~~بالبقرة، لأنها سيقت لنفي الريب عن هذا الكتاب ولأنه هدى للمتقين، ولوصف ~~المتقين وما يجازون به بما في الآيات الثلاث ولوصف الكافرين الذين لا ~~يؤمنون لما وقع من الختم على جواسهم والحتم لعقابهم ليعلم أن ما اتصف به ~~المتقون هو الصراط المستقيم فيلزم وما اتصف به من # PageV01P077 # عداهم هو طريق الهالكين فيترك، وفي الوصف بالتقوى بعد ذكر المغضوب عليهم ~~والضالين إشارة إلى أن المقام مقام الخوف. # وإن شئت قلت: مقصود هذه السورة وصف الكتاب فقط وما عدا ذلك فتوابع ولوازم ~~ولن يثبت أنه هدى إلا بإثبات أ، ه حق معنى ونظما، ولما كان المعنى ms0022 أهم قدم ~~الاستدلال عليه فأخبر من تماديهم على الكفر بما يكون تكذيبهم به تصديقا له، ~~واتبع ذلك بذكر المنافقين إعلاما بأن المنفي الإيمان بالقلب وأنه لا عبرة ~~باللسان إذا تجرد عنه، # PageV01P078 # وساق ذلك على وجه يعلمون به أنه الحق بما هتك من سرائرهم وكشف من ~~ضمائرهم، فلما تم ذلك وكان المقصود منه الدعاء إلى الله انتهزت تلك ~~الفلبرصة بقوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) [البقرة: 21] لما أسس ~~لها من الترغيب بالترهيب، ثم أقيم الدليل على حقية نظمه بتقصيرهم عن مدى ~~سهمه، فرجع حاصل ذلك إلى إثباته بعجزهم عن معارضته في معناه بإيجاد من أخبر ~~بنفيه وفي نظمه بالإتيان بمثله، فلما ثبت ذلك ثبت أنه من عند الله فثبت ~~تأهله لتعليم الشرائع فجعلها ضمن مجادلة أهل الكتاب بما يعلمون حقيته بلا ~~ارتياب من الدعاء إلى ما أخفوه من الدعائم الخمس التي بني عليها الإسلام # PageV01P079 # ولما كان معنى {الم} هذا كتاب من جنس حروفكم التي قد فقتم في التكلم بها ~~سائر الخلق فما عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله إلا لأنه كلام الله أنتج ~~ذلك كماله، فأشير إليه بأداة البعد ولام الكمال في قوله {ذلك الكتاب} لعلو ~~مقدار بجلالة آثاره وبعد رتبته عن نيل المطرودين. ولما علم كماله أشار إلى ~~تعظيمه بالتصريح بما ينتجه ويستلزمه ذلك التعظيم فقال {لا ريب فيه} أي في ~~شيء من معناه ولا نظمه في # PageV01P079 # نفس الأمر عند من تحقق بالنظر فالمنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له، ولم ~~يقدم الظرف لأنه كان يفيد الاختصاص فيفهم أن غيره من الكتب محل الريب. # قال الحرالي: «ذا» اسم مدلوله المشار إليه، واللام مدلوله معها بعدما ~~{الكتاب} من الكتب وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفية من أصله كالخرز في ~~الجلد بقد منه والخياطة في الثوب بشيء من جنسه ليكون أقرب لصورة اتصاله ~~الأول، فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام وما أثبت بالرقوم من الكلام {لا} ~~لنفي ما هو ممتنع مطلقا أو في وقت «الريب» التردد بين موقعي تهمة بحيث ~~يمتنع ms0023 من الطمأنينة على كل واحد منها. انتهى. وأصله قلق النفس واضطرابه، ~~ومنه # PageV01P080 # ريب الزمان لنوائبه المقلقة، ولما كان ذلك يستلزم الهدى قال: {هدى} وخص ~~المنتفعين لأن الألد لا دواء له والمتعنت لا يرده شيء فقال: {للمتقين} أي ~~الذين جبلوا في أصل الخلقة على التقوى؛ فافهم ذلك أن غيرهم لا يهتدي به بل ~~يرتاب وإن كان ليس موضعا للريب أصلا. # قال الحرالي: جمع المتقي وهو المتوقف عن الإقدام على كل أمر لشعوره ~~بتقصيره عن الاستبداد وعلمه بأنه غير مستغن بنفسه فهو متق لوصفه وحسن فطرته ~~والمتقي كذا متوقف لأجل ذلك، والتقوى # PageV01P081 # أصل يتقدم الهدى وكل عبادة، لأنها فطرة توقف تستحق الهدى وكل خير وهي ~~وصية الله لأهل الكتاب. انتهى. # ثم وصفهم بمجامع الأعمال تعريفا لهم فقال: {الذين يؤمنون بالغيب} أي ~~الأمر الغائب الذي لا نافع في الإيمان غيره، وعبر بالمصدر للمبالغة. ~~{ويقيمون الصلاة} أي التي هي حضرة المراقبة وأفضل أعمال البدن بالمحافظة ~~عليها وبحفظها في ذاتها وجميع أحوالها. ولما ذكر وصلة الخلق بالخالق وكانت ~~النفقة مع أنها من أعظم دعائم الدين صلة بين الخلائق أتبعها بها فقال مقدما ~~للجار ناهيا عن الإسراف ومنبها # PageV01P082 # بالتبعيض على طيب النفقة لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وآمرا بالورع ~~وزاجرا عما فيه شبهة [لأن الرزق يشمل الحلال والحرام والمشتبه] {ومما ~~رزقناهم} أي مكناهم من الانتفاع به على عظمة خزائننا وهو لنا دونهم ~~{ينفقون} أي في مرضاتنا مما يلزمهم من الزكاة والحج والغزو وغيرها ومما ~~يتطوعون به من الصدقات وغيرها، والمراد بهذه الأفعال هنا إيجاد حقائقها على ~~الدوام. # قال أبو حيان وغيره في قوله تعالى في سورة الحج {إن الذين كفروا ويصدون} ~~[الحج: 25] المضارع قد لا يلحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال فيدل إذ ~~ذاك على الاستمرار. انتهى. وهذا مما لا محيد عنه وإلا لم يشمل هذا في هذه ~~السورة المدنية من تخلق به قبل الهجرة وقوله تعالى {فلم تقتلون أنبياء الله ~~من قبل} [البقرة: 91] قاطع في ذلك. # PageV01P083 # وقال الحرالي: {يؤمنون} ، من الإيمان ms0024 وهو مصدر آمنه يؤمنه إيمانا إذا آمن ~~من ينبهه على أمر ليس عنده أن يكذبه أو يرتاب فيه، و «الغيب» ما غاب عن ~~الحس ولم يكن عليه علم يهتدي به العقل فيحصل به العلم؛ وصيغة {يؤمنون} و ~~{يقيمون} تقتضي الدوام على الختم، وإدامة العمل إلى الختم تقتضي ظهوره عن ~~فطرة أو جبلة وأنه ليس عن تعمل ومراءاة، وعند ذلك يكون علما على الجزاء؛ و ~~{الصلاة} الإقبال بالكلية على أمر، فتكون من الأعلى عطفا شاملا، ومن الأدنى ~~وفاء بأنحاء التذلل والإقبال بالكلية على التلقي، وإيمانهم بالغيب قبولهم ~~من النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقاه بالوحي من أمر غائب الدنيا الذي هو ~~الآخرة وما فيها وأمر غائب الملكوت وما فيه إلى غيب الجبروت وما به بحيث ~~يكون عملهم على الغائب الذي تلقته قلوبهم على سبيل آذانهم كعملهم على ما ~~تلقته أنفسهم على سبيل # PageV01P084 # أعينهم وسائر حواسهم وداموا على عملهم ذلك حكم إيمانهم إلى الخاتمة. # ولما كانت الصلاة التزام عهد العبادة مبنيا على تقدم الشهادة متممة بجماع ~~الذكر وأنواع التحيات لله من القيام له تعالى والركوع له والسجود الذي هو ~~أعلاها والسلام بالقول الذي هو أدنى التحيات كانت لذلك تعهدا للإيمان ~~وتكرارا، ولذلك من لم يدم الصلاة ضعف إيمانه وران عليه كفر فلا إيمان لمن ~~لا صلاة له، والتقوى وحده أصل والإيمان فالصلاة ثمرته، والإنفاق خلافة ~~ولذلك البخل عزل عن خلافة الله {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد: ~~7] وهذا الأمر بتمامه هو الذي جعلت الخلافة لآدم به إلى ما وراء ذلك من ~~كمال أمر الله الذي أكمله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فالتقوى قلب باطن، ~~والإنفاق وجه ظاهر، والإيمان فالصلاة وصلة بينهما. ووجه ترتب الإيمان ~~بالغيب على التقوى أن المتقي لما كان متوقفا غير متمسك بأمر كان إذا أرشد # PageV01P085 # إلى غيب لا يعلمه لم يدفعه بمقتضى ما تقدم علمه؛ ووجه ترتب الإنفاق على ~~الإيمان بالغيب أن المدد غيب، لأن الإنسان لما كان لا يطلع على جميع رزقه ~~كان رزقه غيبا، فاذا أيقن ms0025 بالخلف جاد بالعطية، فمتى أمد بالأرزاق تمت ~~خلافته وعظم فيها سلطانه وانفتح له باب إمداد برزق أعلى وأكمل من الأول. # فاذا أحسن الخلافة فيه بالإنفاق منه أيضا انفتح له باب إلى أعلى إلى أن ~~ينتهي إلى حيث ليس وراءه مرأى وذلك هو الكمال المحمدي، وإن بخل فلم ينفق ~~واستغنى بما عنده فلم يتق فكذب تضاءل أمر خلافته وانقطع عنه المدد من ~~الأعلى؛ فبحق سمي الإنفاق زكاة؛ وفي أول الشورى كلام في الإيمان عن علي رضي ~~الله عنه نفيس. انتهى. # ولما وصفهم بالإيمان جملة أشار إلى تفصيله على وجه يدخل # PageV01P086 # فيه أهل الكتاب دخولا أوليا فقال {والذين يؤمنون} أي يوجدون هذا الوصف ~~بعد سماعهم للدعوة إيجادا مستمرا {بما أنزل اليك} أي القرآن والسنة سواء ~~كان قد وجد أو سيوجد؛ {وما أنزل من قبلك} أي على الأنبياء الماضين، ولما ~~كان الإيمان بالبعث من الدين بمكان عظيم جدا بينه بالتقديم إظهارا لمزيد ~~الاهتمام فقال: {وبالآخرة} أي التي هي دار الجزاء ومحل التجلي وكشف الغطاء ~~ونتيجة الأمر. قال الحرالي: الآخرة معاد تمامه على أوليته. انتهى. ولما ~~تقدم من الاهتمام عبر بالإيقان وأتى بضمير الفصل فقال: {هم يوقنون} # PageV01P087 # لأن ذلك قائد إلى كل خير وذائد عن كل ضير، والإيقان كما قال الحرالي صفاء ~~العلم وسلامته من شوائب الريب ونحوه، من يقن الماء وهو ما نزل من السماء ~~فانحدر إلى كهف جبل فلم يتغير من قرار ولا وارد. انتهى. فهو يكون بعد شك ~~ولذا لا يوصف به الله. والوصف بهده الأوصاف كما ترى إشارة إلى أمهات ~~الأعمال البدنية # PageV01P088 # والماليه من الأفعال والتروك، فالإيمان أساس الأمر والصلاة مشار بها إلى ~~التحلي بكل خير والتخلي عن كل شر {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ~~[العنكبوت: 45] وكلاهما من أعمال البدن، والنفقه عمل مالي، فحصل بذلك حصر ~~الفعل والترك الضابطين لجميع الأعمال كيف ما تشعبت، وصرح بالفعل وأومى إلى ~~الترك إيماء لا يفهمه إلا البصراء تسهيلا على السالكين، لأن الفعل من حيث ~~هو ولو كان صعبا أيسر على النفس من ms0026 الكف عما تشتهي. وفي وصفهم أيضا ~~بالإيمان بما أنزل إليه وإلى من قبله من التقريع والتبكيت لمن سواهم ما ~~ستراه في الآيات الآتيه. # ولما أخبر عن أفعالهم الظاهرة والباطنة أخبر بثمرتها فقال: {أولئك} أي ~~الموصوفون بتلك الصفات الظاهرات، ولما تضمن ما مضى أن إيمانهم كان من أعظم ~~استدلال فأثمر لهم التمسك بأوثق العرى من الأعمال استحقوا الوصف بالاستعلاء ~~الذي معناه التمكن فقال: {على # PageV01P089 # هدى} أي عظيم، وزاد في تعظيمه بقوله: {من ربهم} أي المحسن إليهم بتمكينهم ~~منه ولزومهم له تمكين من علا على الشيء، ولما لم يلازم الهدى الفلاح عطف ~~عليه قوله مشيرا بالعاطف إلى مزيد تمكنهم في كل من الوصفين {وأولئك} أي ~~العالو الرتبه {هم} أي خاصة {المفلحون} أي الكاملون في هذا الوصف الذين ~~انفتحت لهم وجوه الظفر، والتركيب دال على معنى الشق والفتح وكذا أخواته من ~~الفاء والعين نحو فلج بالجيم وفلق وفلذ وفلى. # PageV01P090 # قال الحرالي: وخرج الخطاب في هذه الآية مخرج المخاطبة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ومخرج إحضار المؤمنين بموضع الإشارة وهي مكانة حضرة دون مكانة ~~حضرة المخاطب. انتهى. وكونها للبعد إعلام بعلو مقامهم. والفلاح الفوز ~~والظفر بكل مراد ونوال البقاء الدائم في الخير. # ولما أردف البيان لأوصاف المؤمنين التعريف بأحوال الكافرين وكانوا قد ~~انقسموا على مصارحين ومنافقين وكان المنافقون قسمين جهالا من مشركي العرب ~~وعلماء من كفار بني إسرائيل كان الأنسب ليفرغ من قسم برأسه على عجل البداءة ~~أولا بالمصارحين فذكر ما أراد من أمرهم في آيتين، لأن أمرهم أهون وشأنهم ~~أيسر لقصدهم بما يوهنهم بالكلام أو بالسيف على أن ذكرهم على وجه يعم جميع ~~الأقسام فقال # PageV01P091 # مخاطبا لأعظم المنعم عليهم على وجه التسلية والإعجاز في معرض الجواب ~~لسؤال من كأنه قال: هذا حال الكتاب للمؤمنين فما حاله للكافرين؟ {إن الذين ~~كفروا} أي حكم، بكفرهم دائما حكما نفذ ومضى فستروا ما أقيم من الأدلة على ~~الوحدانية عن العقول التى هيئت لإدراكه والفطر الأولى التي خلصت عن مانع ~~يعوقها عن الانقياد له وداموا على ذلك بما ms0027 دل عليه السباق بالتعبير عن ~~أضدادهم بما يدل على تجديد الإيمان # PageV01P092 # على الدوام واللحاق بالختم والعذاب، ولعله عبر بالماضي والموضع للوصف ~~تنفيرا من مجرد إيقاع الكفر ولو للنعمة وليشمل المنافقين وغيرهم. # ولما دل هذا الحال على أنهم عملوا ضد ما عمله المؤمنون من الانقياد كان ~~المعنى {سواء عليهم أأنذرتهم} أي إنذارك في هذا الوقت بهذا الكتاب {أم لم ~~تنذرهم} أي وعدم إنذارك فيه وبعده وقد انسلخ عن أم والهمزة معنى الاستفهام، ~~قال سيبوية: جرى هذا على # PageV01P093 # حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك: اللهم اغفر لنا أيتها ~~العصابة. انتهى. ولعله عبر بصورة الاستفهام وقد سلخت عن معناه إفهاما لأنهم ~~توغلوا في الكفر توغل من وصل في الحمق إلى أنه لو شاهد الملك يستفهمك عنه ~~ما آمن. # ولما كان كأنه قيل في أي شيء استوت حالتاهم قبل في أنهم {لا يؤمنون} وهي ~~دليل على خصوص كونه هدى للمتقين وعلى وقوع التكليف بالممتنع لغيره فإنه ~~سبحانه كلفهم الإيمان وأراد منهم الكفران، فصار ممتنعا لإرادته عدم وقوعه، ~~والتكليف به جار على سنن الحكمة فإن إرادة عدم إيمانهم لم تخرج إيمانهم عن ~~حيز الممكن فيما يظهر، لعدم العلم بما أراد الله من كل شخص بعينه، فهو على ~~سنن الابتلاء ليظهر في عالم الشهادة المطيع من غيره لإقامة الحجة؛ ويأتي في ~~الصافات عند {افعل ما تؤمر} # [الصافات: 102] تتمة لهذا. # PageV01P094 # قال الحرالي: فحصل بمجموع قوله: {سواء عليهم} إلى آخره وبقوله: {لا ~~يؤمنون} خبر تام عن سابقة أمرهم ولاحقة كونهم، فتم بالكلامين الخبر عنهم ~~خبرا واحدا ملتئما كتبا سابقا وكونا لاحقا. انتهى. وكل موضع ذكر فيه الكفر ~~فإنما عبر به إشارة إلى أن الأدلة الأصلية في الوضوح بحيث لا تخفى على أحد ~~ولا يخالفها إلا من ستر مرآة عقله إما عنادا وإما بإهمال النظر السديد ~~والركون ألى نوع تقليد. # ولما كان من أعجب العجب كون شيء واحد يكون هدى لناس دون ناس علل ذلك ~~بقوله: {ختم الله} أي بجلاله {على قلوبهم} أي ختما مستعليا عليها ms0028 فهي لا ~~تعي حق الوعي، لأن الختم على الشيء يمنع # PageV01P095 # الدخول إليه والخروج منه، وأكد المعنى بإعادة الجار فقال: {وعلى سمعهم} ~~فهم لا يسمعون حق السمع، وأفرده لأن التفاوت فيه نادر، قال الحرالي: وشركه ~~في الختم مع القلب لأن أحدا لا يسمع إلا ما عقل. انتهى. {وعلى أبصارهم ~~غشاوة} فهم لا ينظرون بالتأمل. # ولما سوى هنا بين الإنذار وعدمه كانت البداءة بالقلوب أنسب تسوية لهم ~~بالبهائم، ولما كان الغبي قد يسمع أو يبصر فيهتدي وكان إلى السمع أضر ~~لعمومه وخصوص البصر بأحوال الضياء نفى السمع ثم البصر تسفيلا لهم عن حال ~~البهائم، بخلاف ما في الجاثية فإنه لما أخبر فيها بالإضلال وكان الضال أحوج ~~شيء إلى سماع الهادي نفاه، ولما # PageV01P096 # كان الأصم، إذا كان ذا فهم أو بصر أمكنت هدايته وكان الفهم أشرف نفاهما ~~على ذلك الترتيب. # ولما وصفهم بذلك أخبر بمآلهم فقال: {ولهم عذاب عظيم} قال الحرالي: وفي ~~قوله: {ولهم} إعلام بقوة تداعي حالهم لذلك العذاب واستحقاقهم له وتنشؤ ~~ذواتهم إليه حتى يشهد عيان المعرفة به - أي العذاب - وبهم أنه لهم وكان ~~عذابهم عظيما آخذا في عموم ذواتهم لكونهم لم تلتبس أبدانهم ولا نفوسهم ولا ~~أرواحهم بما يصد عنهم شيئا من عذابها كما يكون للمعاقبين من مذنبي مؤمني ~~الأمم حيث يتنكب العذاب عن وجوههم ومواضع وضوئهم ونحو ذلك. انتهى. # PageV01P097 # وسيأتى عند قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} [البقرة: ~~165] ما يلتفت إلى هنا. # قال الحرالي: «الكفر» تغطية ما حقه الإظهار، و «الإنذار» الإعلام بما ~~يحذر، و «الختم» إخفاء خبر الشيء بجمع أطرافه عليه على وجه يتحفظ به و ~~«القلب» مبدأ كيان الشيء من غيب قوامه، فيكون تغير كونه بحسب تقلب قلبه في ~~الانتهاء ويكون تطوره وتكامله بحسب مدده في الابتداء والنماء، والقلب من ~~الإنسان بمنزلة السكان من السفينة بحسب تقلبه يتصرف سائره، وبوضعه للتقلب ~~والتقليب سمي قلبا، وللطيف معناه في ذلك كان أكثر قسمه صلى الله عليه وسلم ~~بمقلب القلوب، «والغشاوة» غطاء مجلل لا يبدو معه ms0029 من المغطى شيء و «العذاب» ~~إيلام لا إجهاز فيه، و «العظيم» الآخذ في الجهات كلها. # PageV01P098 # انتهى. وفي تعقيب ذكر المؤمنين بذكر المختوم على مداركهم المختوم ~~بمهالكهم تعظيم للنعمة على من استجاب له. إذ قال «اهدنا» فهداه، وإعلام بأن ~~الهدى ليس إلا بيده ليلحلوا في الطلب ويبرؤوا من ادعاء حول أو قوة. # ولما افتتح سبحانه بالذين واطأت قلوبهم ألسنتهم في الإيمان وثنى ~~بالمجاهرين من الكافرين الذين طابق إعلانهم إسرارهم في الكفران اتبعه ذكر ~~المساترين الذين خالفت ألسنتهم قلوبهم في الإذعان وهم المنافقون، وأمرهم ~~أشد لإشكال أحوالهم والتباس أقوالهم وأفعالهم، فأضر الأعداء من يريك ~~الصداقة فيأخذك من المأمن؛ وما أحسن ما ينسب إلى الإمام أبي سليمان الخطابي ~~في المعنى: # تحرز من الجهال جهدك أنهم ... وإن أظهروا فيك المودة أعداء # وإن كان فيهم من يسرك فعله ... فكل لذيذ الطعم أوجله داء # لا جرم ثنى سبحانه بإظهار أسرارهم وهتك أستارهم في سياق شامل لقسميهم، # PageV01P099 # فقبح أمورهم ووهى مقاصدهم وضرب لهم الأمثال وبسط لهم بعض البسط في المقال ~~فقال تعالى: {ومن الناس من يقول} أي لما أرسلنا رسولنا انقسم الناس قسمين: ~~مؤمن وكافر، وانقسم الكافر قسمين: فمنهم من جاهر وقال: لا نؤمن أبدا، ومنهم ~~من يقول، ولعله أظهر ولم يضمر لانفرادهم عن المجاهرين ببعض الأحكام، أو ~~لأنه سبحانه لما ذكر طرفي الإيمان والكفر وأحوال المؤمنين وأحوال الذين ~~كفروا ذكر المنافقين المترددين بين الاتصاف بالطرفين بلفظ الناس لظهور معنى ~~النوس فيهم لاضطرابهم بين الحالين، لأن النوس هو حركة الشيء اللطيف المعلق ~~في الهواء كالخيط المعلق الذي ليس في طرفه الأسفل ما يثقله فلا يزال # PageV01P100 # مضطربا بين جهتين، ولم يظهر هذا المعنى في الفريقين لتحيزهم إلى جهة ~~واحده. قال الحرالي، وعرف للجنس أو للعهد في الذين كفروا لأنهم نوع منهم، ~~وسر الإظهار موضع الإضمار على هذا ما تقدم، {آمنا بالله} أي وحده بما له من ~~الجلال والجمال مستحضرين لذلك، ولما كانوا متهمين أكدوا بإعادة الجار ~~فقالوا: {وباليوم الآخر} الذي جحده المجاهرون، {وما هم بمؤمنين} أي بعريقين ~~في ms0030 الإيمان كما ادعوه بذكر الاسم الأعظم وإعادة الجار، ولعله نفى العراقة ~~فقط لأن منهم من كان مزلزلا حين هذا القول غير جازم بالكفر وآمن بعد ذلك، ~~وحذف متعلق الإيمان تعميما في السلب عنهم لما ذكروا وغيره، وجمع هنا وأفرد ~~في [يقول] تنبيها على عموم الكفر لهم كالأولين وقلة # PageV01P101 # من يسمح منهم بهذا القول إشارة إلى غلظتهم وشدة عثاوتهم في الكفر وقوتهم. # وفي ذكر قصتهم وتقبيح أحوالهم تنبيه على وجوب الإخلاص وحث على الاجتهاد ~~في الطهارة من الأدناس في سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم. # وتصنيف الناس آخر الفاتحة ثلاثة أصناف: مهتدين ومعاندين وضالين، مثل ~~تصنيفهم أول البقرة ثلاثة: متقين وكافرين مصارحين وهم المعاندون وضالين وهم ~~المنافقون، وإجمالهم في الفاتحة وتفصيلهم هنا من بديع الأساليب وهو دأب ~~القرآن العظيم الإجمال ثم التفصيل. # وقد سمى ابن إسحاق كثيرا من المنافقين في السيرة الشريفة في أوائل أخبار ~~ما بعد الهجرة، قال ابن هشام في تلخيص ذلك: وكان ممن انضاف إلى يهود ممن ~~سمي لنا من المنافقين من الأوس والخزرج، من الأوس زوي بن الحارث وبجاد بن ~~عثمان ابن عامر ونبتل بن الحارث وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. «من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل! وكان يأتي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # PageV01P102 # يتحدث إليه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال: إنما محمد أذن» ~~وعباد بن حنيف أخو سهل وعمرو بن خذام وعبد الله بن نبتل وبحزج وهو ممن كان ~~بنى مسجد الضرار وكذا جارية بن عامر ابن العطاف وابنه زيد وخذام بن خالد ~~وهو الذي أخرج مسجد الضرار من داره ومربع بن قيظي وهو الذي قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو عامد إلى أحد: لا أحل لك يا محمد إن كنت نبيا أن ~~تمر في حائطي! فابتدره المسلمون ليقتلوه فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال «هذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر» ، وأخوه أوس بن قيظي وهو الذي قال ~~يوم الخندق «إن بيوتنا ms0031 عورة» وحاطب بن أمية بن رافع وكان شيخا جسيما قد عسى ~~في الجاهلية وكان ابنه يزيد من خيار المسلمين، قتل رضي الله عنه يوم أحد ~~فقال أبوه لمن بشره بالجنة: غررتم والله هذا المسكين من نفسه! وبشير بن ~~أبيرق أبو طعيمة. وفي نسخة: طعمة، وهو سارق الدرعين الذي أنزل الله فيه ~~{ولا # PageV01P103 # تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} [النساء: 107] وقزمان حليف لهم أجاد يوم ~~أحد القتال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه من أهل النار، ~~فجرح فبشر بالجنة فقال: والله ما قاتلت إلا حمية لقومي! فلما اشتدت به ~~الجراحة قطع رواهش يده فمات» . # ومن الخزرج رافع بن وديعه وزيد بن عمرو وعمرو بن قيس وقيس بن عمرو بن سهل ~~والجد بن قيس وهو الذي قال: «ائذن لي ولا تفتني» وعبد الله بن أبي رأس ~~المنافقين وإليه كانوا يجتمعون # PageV01P104 # وهو القائل {ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] وفيه وفي وديعة ~~العوفي ومالك بن أبي فوقل وسويد وداعس وهم من رهطه نزل {ألم تر إلى الذين ~~نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} [الحشر: 11] الآية ~~حكاية لما كانوا يدسونه إلى بني النضير إذ حاصرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فصدق الله وكذبوا. # وكان ممن تعوذ بالإسلام وأظهره وهو منافق من أحبار يهود من بني قينقاع ~~سعد ابن حنيف وزيد بن اللصيت وهو الذي قال في عزوة تبوك: يزعم محمد أنه ~~يأتيه خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فأعلمه الله بقوله وبمكان الناقة، ~~ونعيمان بن أوفى بن عمرو وعثمان بن أوفى ورافع بن حريملة وهو الذي قال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات: «قد مات اليوم عظيم من عظماء ~~المنافقين» ، ورفاعة بن زيد بن التابوت وهو الذي قال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذ هبت تلك الريح وهو قافل من غزوة بني المصطلق: «لا تخافوا، ~~إنما هبت لموت عظيم من عظماء المنافقين» ، وسلسلة بن برهام وكنانه بن ~~صوريا. فكان هؤلاء من المنافقين ومن نحا ms0032 نحوهم يحضرون المسجد فيسمعون ~~أحاديث المسلمين ويسخرون منهم ويستهزئون بدينهم. انتهى. وفيه اختصار فأنزل ~~الله تعالى فيهم هذه الآيات. # PageV01P105 # وابتدئت قصتهم بالتنبيه على قلة عقولهم وخفة حلومهم من حيث أن محط حالهم ~~أنهم يخادعون من لا يجوز عليه الخداع وأن الذي حملهم على ذلك أنهم ليس لهم ~~نوع شعور ولا شيء من إدراك بقوله تعالى - جوابا لسؤال من كأنه قال: فما ~~قصدهم بإظهار الإيمان والإخبار عن أنفسهم بغير ما هي متصفة به مع معرفتهم ~~بقبح الكذب وشناعته وفظاعته وبشاعته؟ {يخادعون الله} أي يبالغون في معاملته ~~هذه المعاملة بإبطان غير ما يظهرون مع ما له من الإحاطة بكل شيء، والخداع ~~أصله الإخفاء والمفاعلة في أصلها للمبالغة لأن الفعل متى غولب فيه فاعله ~~جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده {والذين آمنوا} أي يعاملونهم تلك ~~المعاملة، وأمره تعالى بإجراء أحكام الإسلام عليهم في الدنيا صورته صورة ~~الخدع وكذا امتثال المؤمنين أمره تعالى فيهم. قال # PageV01P106 # الحرالي: وجاء بصيغة المفاعلة لمكان إحاطة علم الله بخداعهم ولم يقرأ ~~غيره ولا ينبغي، والخداع إظهار خير يتوسل به إلى إبطان شر يؤول إليه أمر ~~ذلك الخير المظهر. انتهى. # {وما يخدعون} أي بما يغرون به المؤمنين {إلا أنفسهم} يعني أن عقولهم ~~لخباثتها إنما تسمى نفوسا، والنفس قال الحرالي ما به ينفس المرء على غيره ~~استبدادا منه واكتفاء بموجود نفاسته على من سواه. انتهى. وقراءة الحذف هذه ~~لا تنافي قراءة يخادعون لأن المطلق لا يخالف المقيد بالمبالغة، وعبر هنا ~~بصيغة المفاعلة لشعورهم كما قال الحرالي بفساد # PageV01P107 # أحوالهم في بعض الأوقات ومن بعض الأشخاص وبصيغة المجرد لعمههم عن فساد ~~أحوالهم في أكثر أوقاتهم وعمه عامتهم ولا يكون من الله سبحانه إلا بلفظ ~~الخدع لأنهم لا يعلمون ما يخفى عنهم من أمره ولذلك جاء في آية النساء # {يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] . انتهى. # {وما يشعرون} أي نوع شعور لإفراط جهلهم بأنهم لا يضرون غير أنفسهم لأن ~~الله يعلم سرهم كما يعلم جهرهم. وحذف متعلق بالشعور للتعميم والشعور كما ~~قال الحرالي أول ms0033 الإحساس بالعلم كأنه مبدأ إنباته قبل أن تكمل صورته تتميز. ~~وانتهى. # ثم بين سبحانه أن سبب الغفلة عن هذا الظاهر كون آلة إدراكهم مريضة، شغلها ~~المرض عن إدراك ما ينفعها فهي لا تجنح إلا إلى ما يؤذيها، كالمريض لا تميل ~~نفسه إلى غير مضارها فقال جوابا لمن كأنه قال: ما سبب فعلهم هذا من الخداع ~~وعدم الشعور؟ {في قلوبهم مرض} أي من # PageV01P108 # أصل الخلقة يوهن قوى الإيمان فيها ويوجب ضعف أفعالهم الإسلامية وخللها، ~~لأن المرض كما قال الحرالي: ضعف في القوى يترتب عليه خلل في الأفعال ~~{فزادهم الله} أي بما له من صفات الجلال والإكرام لمخادعتهم بما يرون من ~~عدم تأثيرها {مرضا} أي سوء اعتقاد بما يزيد من خداعهم وألما في قلوبهم بما ~~يرون من خيبة مطلوبهم، فانسد عليهم باب الفهم والسداد جملة، والزيادة قال ~~الحرالي: استحداث أمر لم يكن في موجود الشيء. انتهى. {ولهم} أي مع ضرر ~~الغباوة في الدنيا الملحقة بالبهائم {عذاب أليم} في الآخرة أي شديد الألم ~~وهو الوجع اللازم. قاله الحرالي {وبما كانوا} قال الحرالي: من كان الشيء ~~وكان الشيء كذا إذا ظهر وجوده وتمت صورته أو ظهر ذلك الكذا من ذات نفسه. ~~انتهى. {يكذبون} أي يوقعون الكذب وهو الإخبار عن أنفسهم بالإيمان مع تلبسهم ~~بالكفران، والمعنى على قراءة التشديد يبالغون # PageV01P109 # في الكذب، أو ينسبون الصادق إلى الكذب، وذلك أشنع الكذب. # ولما أخبر تعالى عن بواطنهم أتبعه من الظاهر ما يدل عليه فبين أنهم إذا ~~نهوا عن الفساد العام ادعوا الصلاح العام بقوله: {وإذا قيل لهم} وبناؤه ~~للمجهول إشارة إلى عصيانهم لكل قائل كائنا من كان {لا تفسدوا في الأرض} أي ~~بما نرى لكم من الأعمال الخبيثة، والفساد انتقاض صورة الشيء. قاله الحرالي، ~~{قالوا} قاصرين فعلهم على الصلاح نافين عنه كل فساد مباهتين غير مكترثين ~~{إنما نحن مصلحون} والإصلاح تلافي خلل الشيء. قاله الحرالي. # ولما كان حالهم مبينا على الخداع بإظهار الخير وإبطان الشر وكانوا يرون ~~إفسادهم لما لهم من عكس الإدراك إصلاحا فكانوا يناظرون عليه ms0034 # PageV01P110 # بأنواع الشبه كان قولهم ربما غر من سمعه من المؤمنين لأن المؤمن غر كريم ~~والكافر خب لئيم فقال تعالى محذرا من حالهم مثبتا لهم ما نفوه عن أنفسهم من ~~الفساد وقاصرا له عليهم {ألا إنهم هم} أي خاصة {المفسدون} أي الكاملو ~~الإفساد البالغون من العراقة فيه ما يجعل إفساد غيرهم بالنسبة إلى إفسادهم ~~عدما لما في ذلك من خراب ذات البين وأخذ المؤمن من المأمن. # وقال الحرالي: ولما كان حال الطمأنينة بالإيمان إصلاحا وجب أن يكون ~~اضطرابهم فيه إفسادا لا سيما مع ظنهم أن كونهم مع هؤلاء تارة ومع هؤلاء ~~تارة من الحكمة والإصلاح وهو عين الإفساد لأنه بالحقيقة مخالفة هؤلاء ~~وهؤلاء فقد أفسدوا طرفي الإيمان والكفر، ولذلك قيل: ما يصلح المنافق، لأنه ~~لا حبيب مصاف ولا عدو مبائن، فلا يعتقد منه على شيء - انتهى. # ولما كان هذا الوصف موجبا لعظيم الرهبة اتبعه ما يخففه بقوله: {ولكن لا ~~يشعرون} أي هم في غاية الجلافة حتى لا شعور لهم # PageV01P111 # يحسنون به التصرف فيما يحاولونه من الفساد الآن بما دلت عليه ما في الآية ~~السابقة الدالة على أن المضارع للحال ولا فيما يستقبل من الزمان لأن لا لا ~~تقارنه إلا وهو بمعنى الاستقبال، فلأجل ذلك لا يؤثر إفسادهم إلا في أذى ~~أنفسهم، فلا تخافوهم فإني كافيكموهم. # ولما بين حالهم إذا أمروا بالصلاح العام بين أنهم إذا دعوا إلى الصلاح ~~الخاص الذي هو أس كل صلاح سموه سفها فقال: {وإذا قيل} أي من أي قائل كان ~~{لهم آمنوا} أي ظاهرا وباطنا {كما آمن الناس} أي الذين هم الناس ليظهر ~~عليكم ثمرة ذلك من لزوم الصلاح واجتناب الفساد والإيمان المضاف إلى الناس ~~أدنى مراتب الإيمان قاله الحرالي، # PageV01P112 # وهو مفهم لما صرح به قوله: وما هم بمؤمنين {قالوا أنؤمن} أي ذلك الإيمان ~~{كما آمن السفهاء} أي الذين استدرجهم إلى ما دخلوا فيه بعد ترك ما كان عليه ~~آباؤهم خفة نشأت عن ضعف العقل، ثم رد سبحانه قولهم بحصر السفه فيهم فقال: ~~{ألا إنهم هم السفهاء} ms0035 لا غيرهم لجمودهم على رأيهم مع أن بطلانه أظهر من ~~الشمس ليس فيه لبس {ولكن لا يعلمون} أي ليس لهم علم أصلا لا بذلك ولا ~~بغيره، ولا يتصور لهم علم لأن جهلهم مركب وهو أسوأ الجهل والعلم، قال ~~الحرالي: ما أخذ بعلامة وأمارة نصبت آية عليه - انتهى. ولما كان الفساد ~~يكفي في معرفته والسد عنه أدنى تأمل والسفه لا يكفي في إدراكه والنهي عنه ~~إلا رزانة العلم ختمت كل آية بما يناسب ذلك من الشعور والعلم ولما كان ~~العام جزء الخاص قدم عليه. # PageV01P113 # ولما بين نفاقهم وعلته وسيرتهم عند دعاء الداعي إلى الحق بهذة الآيات بين ~~سيرتهم في أقوالهم في خداعهم دليلا على إفسادهم بقوله: {وإذا لقوا} واللقاء ~~اجتماع بإقبال {الذين آمنوا} أي حقا ظاهرا وباطنا، ولكن إيمانهم كما قال ~~الحرالي فعل من أفعالهم لم ينته إلى أن يصير صفة لهم، وأما المؤمنون الذين ~~صار إيمانهم صفة لهم فلا يكادون يلقونهم بمقتضاه، لأنهم لا يجدون معهم ~~مدخلا في قول ولا مؤانسة، لأن اللقاء لا بد فيه من إقبال ما من الملتقيين. # انتهى {قالوا} خداعا {آمنا} معبرين بالجملة الفعلية الماضية التي يكفي في ~~إفادتها لما سقيت له أدنى الحدوث. # PageV01P114 # {وإذا خلوا} منتهين {إلى شياطينهم} أي الذين هم رؤوسهم من غير أن يكون ~~معهم مؤمن، والشيطان هو الشديد البعد عن محل الخير - قاله الحرالي، {قالوا ~~إنا معكم} معبرين بالأسمية الدالة على الثبات مؤكدين لها دلالة على نشاطهم ~~لهذا الإخبار لمزيد حبهم لما أفاده ودفعا لما قد يتوهم من تبدلهم من رأى ~~نفاقهم للمؤمنين ثم استأنفوا في موضع الجواب لمن قال: ما بالكم تلينون ~~للمؤمنين قولهم؟ {إنما نحن مستهزئون} أي طالبون للهزء ثابتون عليه فيما ~~نظهر من الإيمان والهزء إظهار الجد وإخفاء الهزل فيه قاله الحرالي. # فأجيب من كأنه قال: بماذا جوزوا؟ بقوله: {الله يستهزىء بهم} أي يجازيهم ~~على فعلهم بالاستدراج بأن يظهر لهم من أمره # PageV01P115 # المرذي لهم ما لا يدركون وجهه فهو يجري عليهم في الدنيا أحكام أهل ~~الإيمان ويذيقهم في الدارين ms0036 أعلى هوان مجددا لهم ذلك بحسب استهزائهم، وذلك ~~أنكأ من شيء دائم توطن النفس عليه، فلذلك عبر بالفعليه دون الاسمية. مع ~~أنها تفيد صحة التوبة لمن تاب دون الاسمية. # {ويمدهم} من المد بما يلبس عليهم. وقال الحرالي: من المدد وهو مزيد متصل ~~في الشيء من جنسه، {في طغيانهم} أي تجاوزهم الحد في الفساد. وقال الحرالي: ~~إفراط اعتدائهم حدود الأشياء ومقاديرها انتهى. وهذا المد بالإملاء لهم حال ~~كونهم {يعمهون} أي يخبطون خبط الذي لا بصيرة له أصلا. قال الحرالي: من ~~العمه وهو انبهام الأمور # PageV01P116 # التي فيها دلالات ينتفع بها عند فقد الحس فلا يبقى له سبب يرجعه عن ~~طغيانه، فلا يتعدون حدا إلا عمهوا فلم يرجعوا عنه فهم أبدا متزايدو الطغيان ~~- انتهى. # فلما تقرر ذلك كله كانت فذلكته من غير توقف {أولئك} أي الشديدو البعد من ~~الصواب {الذين اشتروا} أي لجوا في هواهم فكلفوا أنفسهم ضد ما فطرها الله ~~عليه مع ما نصب من الأدلة حتى أخذوا {الضلالة} أي التي هي أقبح الأشياء ~~{بالهدى} الذي هو خير الأشياء ومدار كل ذي شعور عليه، فكأنه لوضوح ما قام ~~عليه من الأدلة مع ما ركز منه في الفطر كان في أيديهم فباعوه بها، وسيأتي ~~في سورة يوسف عليه السلام بيان أن مادة شرى بتراكيبها الاثني عشر تدور على ~~اللجاجة {فما} أي فتسبب عن فعلهم هذا أنه ما {ربحت تجارتهم} مع ادعائهم ~~أنهم أبصر الناس بها {وما كانوا} في نفس جبلاتهم {مهتدين} لأنهم مع أنهم لم ~~يربحوا أضاعوا رأس المال، لأنه لم يبق # PageV01P117 # في أيديهم غير الضلال الذي صاحبه في دون رتبة البهائم مع زعمهم أنه لا ~~مثل لهم في الهداية. # PageV01P118 # فلما علم ذلك كله وكانت الأمثال ألصق بالبال وأكشف للأحوال مثل حالهم في ~~هداهم الذي باعوه بالضلالة بالأمور المحسوسة، لأن للتمثيل بها شأناعظيما في ~~إيصال المعاني حتى إلى الأذهان الجامدة وتقريرها فيها بقوله تعالى {مثلهم} ~~أي في حالهم هذه التي طلبوا أن يعيشوا بها {كمثل الذي استوقد نارا} أي طلب ~~أن توقد له ms0037 وهي هداه ليسير في نورها، وأصلها من نار إذا نفر لتحركها ~~واضطرابها، فوقدت وأنارت. # {فلما أضاءت} أي النار، وأفراد الضمير باعتبار لفظ «الذي» فقال: # PageV01P118 # {ما حوله} وأراد أن ينتفع بها في إبصار ما يريد، وهو كناية عما حصل لهم ~~من الأمنة بما قالوه من كلمة الإسلام من غير اعتقاد {ذهب الله} الذي له ~~كمال العلم والقدرة، وجمع الضمير نظرا إلى المعنى لئلا يتوهم أن بعضهم ~~انتفع دون بعض بعد أن أفراد تقليلا للنور وإن كان قويا في أوله لانطفائه في ~~آخر فقال: {بنورهم} أي الذي نشأ من تلك النار بإطفائه لها ولا نور لهم ~~سواه؛ ولم يقل: بضوئهم، لئلا يتوهم أن المذهوب به الزيادة فقط، لأن الضوء ~~أعظم من مطلق النور {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} [يونس: 5] فذهب ~~نورهم وبقيت نارهم ليجتمع عليهم حرها مع حر الفقد لما ينفعهم من النور، ~~وعبر بالإضاءة أولا إشارة إلى قوة أولهم وانمحاق آخرهم، لأن محط حالهم ~~الباطل والباطل له صولة ثم تضمحل عند من ثبت لها ليتبين الصادق من الكاذب، ~~وعبر بالذهاب به دون إذهابه ليدل نصا على أنه سبحانه ليس معهم وحقق ذلك ~~بالتعبير عن صير بترك فقال: {وتركهم في ظلمات} # PageV01P119 # أي بالضلالة من قلوبهم وأبصارهم وليلهم أي ظلمات لا ينفذ فيها بصر، فلذا ~~كانت نتيجته {لا يبصرون} أي لا إبصار لهم أصلا ببصر ولا بصيرة. # ولما فرغ من المثل كشف المراد بظلماتهم بأنها ما في آذانهم من الثقل ~~المانع من الانتفاع بالسماع، وما في ألسنتهم من الخرس عن كلام الخير ~~الناشىء عن عدم الإدراك الناشىء عن عمى البصائر وفساد الضمائر والسرائر، ~~وما على أبصارهم من الغشاوة المانعة من الاعتبار وعلى بصائرهم من الأغطية ~~المنافية للادكار فقال: {صم} أي عن السماع النافع {بكم} عن النطق المفيد ~~لأن قلوبهم مختوم عليها فلا ينبعث منها # PageV01P120 # خير تقذفه إلى الألسنة {عمي} في البصر والبصيرة عن الإبصار المرشد لما ~~تقدم من الختم على مشاعرهم، ولما كان في مقام إجابة الداعي إلى الإيمان قدم ~~السمع ms0038 لأنه العمدة في ذلك، وثنى بالقول لأنه يمكن الأصم الإفصاح عن المراد، ~~وختم بالبصر لإمكان الاهتداء به بالإشارة؛ وكذا ما يأتي في هذه السورة سواء ~~بخلاف ما في الإسراء، {فهم} أي فتسبب عن ذلك أنهم {لا} ولما كان المراد ~~التعميم في كل رجوع لم يذكر المرجوع عنه فقال: {يرجعون} أي عن طغيانهم ~~وضلالهم إلى الهدى الذي باعوه ولا إلى حالهم الذي كانوا عليه ولا ينتقلون ~~عن حالهم هذا أصلا، لأنهم كمن هذا حاله، ومن هذا حاله لا يقدر على مفارقة ~~موضعه بتقدم ولا تأخر. # PageV01P121 # {أو} مثلهم في سماع القرآن الذي فيه المتشابه والوعيد والوعد {كصيب} أي ~~أصحاب صيب أي مطر عظيم، وقال الحرالي: سحاب ممطر دار ثم اتبعه تحقيقا لأن ~~المراد الحقيقة قوله: {من السماء} وهو كما قال الحرالي ما علا فوق الرأس، ~~يعني هذا أصلة والمراد هنا معروف، ومثل القرآن بهذا لمواترة نزوله وعلوه ~~وإحيائه القلوب كما أن الصيب يحيي الأرض، ثم أخبر عن حاله بقوله: {فيه ~~ظلمات} أي لكثافة السحاب واسوداده {ورعد} أي صوت مرعب يرعد عند سماعه ~~{وبرق} أي نور مبهت للمعانه وسرعته قاله الحرالي، والظلمات مثل ما لم ~~يفهموه، والرعد ما ينادى عليهم بالفضيحة والتهديد والبرق ما لم يلوح لهم ~~معناه ويداخلهم رأي في استحسانه. # PageV01P122 # ولما تم مثل القرآن استأنف الخبر عن حال الممثل لهم والممثل بهم حقيقة ~~ومجازا فقال: {يجعلون أصابعهم} أي بعضها ولو قدروا لحشوا الكل لشدة خوفهم ~~{في آذانهم من الصواعق} أي من أجل قوتها، لأن هولها يكاد أن يصم، وقال ~~الحرالي: جمع صاعقة وهو الصوت الذي يميت سامعه أو يكاد، ثم علل هذا بقوله: ~~{حذر الموت والله} أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما {محيط ~~بالكافرين} فلا يغنيهم من قدره حذر، وأظهر موضع الإضمار لإعراضهم عن القرآن ~~وسترهم لأنواره. # ثم استأنف الحديث عن بقية حالهم فقال: {يكاد البرق} أي من # PageV01P123 # قوة لمعه وشعاعه وشدة حركته وإسراعه {يخطف أبصارهم} فهم يغضونها عند لمعه ~~وخفضه في ترائبه ورفعه، ولما كان من المعلوم أن ms0039 البرق ينقضي لمعانه بسرعة ~~كان كأنه قيل: ماذا يصنعون عند ذلك؟ فقال: {كلما} وعبر بها دون إذا دلالة ~~على شدة حرصهم على إيجاد المشي عند الإضاءة {أضاء لهم مشوا فيه} مبادرين ~~إلى ذلك حراصا عليه لا يفترون عنه في وقت من أوقات الإضاءة مع أنهم يغضون ~~أبصارهم ولا يمدونها غاية المد خوفا عليهم ووقوفا مع الأسباب ووثوقا بها ~~واعتمادا عليها وغفلة عن رب الأرباب، وهو مثل لما وجدوا من القرآن موافقا ~~لآرائهم، وعطف بإذا لتحقق خفوته بعد خفوته قوله: {وإذا أظلم عليهم قاموا} ~~أي أول حين الإظلام لا يقدرون على التقدم خطوة واحده إشارة إلى أنه ليست ~~لهم بصائر بها فيما كشف البرق لأبصارهم من الأرض قبل الإظلام # PageV01P124 # بل حال انقطاع اللمعان يقفون لعمى بصائرهم ووحشتهم وجبنهم وغربتهم وشدة ~~جزعهم وحيرتهم، وهكذا حال هؤلاء لا يقيسون ما أشكل عليهم من القرآن على ما ~~فهموه. # {ولو شاء الله} الذي له العظمة الباهرة مع شدة حرصهم وتناهي جزعهم، ودل ~~على مفعول شاء بقوله: {لذهب بسمعهم} أي بقاصف الرعد ولم يغنهم سد آذانهم ~~{وأبصارهم} بخاطف البرق ولم يمنعه غضهم لها، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} ~~أي الذي له جميع صفات الكمال {على كل شيء} أي مشيء أي يصح أن تقع عليه ~~المشيئة هذا المراد وإن كان الشيء كما قال سيبوية يقع على كل ما أخبر عنه، ~~وهو أعم العام كما أن الله أخص الخاص، يجري على الجسم والعرض والقديم ~~والمعدوم والمحال، # PageV01P125 # وقول الأشاعرة: إن المعدوم ليس بشيء، بمعنى أنه ليس بثابت في الأعيان ~~متميز فيها {قدير} إعلاما بأن قدرته لا تتقيد بالأسباب، قال الحرالي: ~~القدرة إظهار الشيء من غير سبب ظاهر انتهى. # ولعله سبحانه قدم المثل الأول لأنه كالجزء من الثاني، أو لأنه مثل ~~المنافقين، جعلت مدة صباهم بنموهم وازدياد عقولهم استيقادا مع جعل الله ~~إياهم على الفطرة القويمة وزمان بلوغهم بتمام العقل الغريزي إضاءة؛ والثاني ~~مثل المنافقين وهو أبلغ. لأن الضلال فيه أشنع وأفظع. فالصيب القرآن الذي ~~انقادوا له ظاهرا، والظلمات ms0040 متشابهه، والصواعق # PageV01P126 # وعيده، والبرق وعده، كلما أنذروا بوعيد انقطعت قلوبهم خوفا {يحسبون كل ~~صيحة عليهم} [المنافقون: 4] وكلما بشروا انقادوا رجاء، وإذا عرض المتشابه ~~وقفوا تحيرا وجفاء وكل ذلك وقوفا مع الدنيا وانقطاعا إليها، لا نفوذ لهم ~~إلى ما وراءها أصلا، بل هم كالأنعام، لا نظر لهم ألى ما سوى الجزيئات ~~والأمور المشاهدات، {فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم} [النساء: ~~141] {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاعظيما} [النساء: 73] والكلام الجامع ~~النافع في ذلك أن يقال إنه سبحانه شبه في الأول مثلهم بمثل المستوقد لا ~~بالمستوقد، وفي الثاني شبه مثلهم في خوفهم اللازم ورجائهم المنقطع بأصحاب # PageV01P127 # الصيب لا بمثلهم؛ فتقدير الأول مثلهم في أنهم سمعوا أولا الدعاء ورأوا ~~الآيات فأجابوا الداعي إما بالفعل كالمنافقين وإما بالقوة في أيام الصبا ~~لما عندهم من سلامة الفطر وصحة النظر، ثم تلذذوا فرجعوا بقلوبهم من نور ما ~~قالوه بألسنتهم من كلمة التقوى نطقا أو تقديرا إلى ظلمات الكفر، فلم ينفعهم ~~سمع ولا بصر ولا عقل، فصاروا مثل البهائم التي لا تطيع الراعي إلا بالزجر ~~البليغ، مثلهم في هذا يشبه مثل المستوقد في أنه لما أضاءت ناره رأى ما ~~حوله، فلما ذهبت لم يقدر على تقدم ولا تأخر، لأنه لا ينفع في ذلك سمع ولا ~~كلام فإذن استوى وجودهما وعدمهما، # PageV01P128 # فصار عادما للثلاثة، فكان من هذه الجهة مساويا للأصم الأبكم الأعمى، فهو ~~مثله لكونه لا يقدر على مراده إلا أن قاده قائد حسي، فهو حينئذ مثل البهائم ~~التي لا تقاد للمراد إلا بقائد، فاستوى المثلان وسيتضح ذلك عند قوله تعالى: # {كمثل الذي ينعق} [البقرة: 171] ولذلك كانت النتيجة في كل منها صم إلى ~~آخره و «او» بمعنى الواو، ولعله عبر بها دونها لأنه وإن كان كل من المثلين ~~صالحا لكل من القسمين فإن احتمال التفصيل غير بعيد، لأن الأول أظهر في ~~الأول والثاني في الثاني. # PageV01P129 # وجعل الحرالي المثلين للمنافقين فقال: ضرب لهم مثلين لما كان لهم حالان ~~وللقرآن عليهم تنزلان، منه ما يرغبون فيه لما ms0041 فيه من مصلحة دنياهم، فضرب ~~لهم المثل الأول، وقدمه لأنه سبب دخولهم مع الذين آمنوا لما رأوا من معاجلة ~~عقاب الذين كفروا في الدنيا؛ ومنه ما يرهبونه ولا يستطيعون سماعه لما ~~يتضمنه من أمور شاقة عليهم لا يحملها إلا مؤمن حقا ولا يتحملها إلا من أمن، ~~ولما يلزم منه من فضيحة خداعهم فضرب له المثل الثاني؛ فلن يخرج حالهم عند ~~نزول نجوم القرآن عن مقتضى هذين المثلين اتهى. وضرب الأمثال المنهي إلى ~~الحمد المنتهي إلى الإحاطة بكل حد لا سيما في أصول الدين الكاشف لحقيقة ~~التوحيد الموصل إلى اليقين في الإيمان بالغيب المحقق لما لله تعالى من صفات ~~الكمال الدافع للشكول الحافظ في طريق السلوك مما اختص به القرآن من حيث كان ~~منهيا إلى الحمد ومفصحا به فكان حرف الحمد، وذلك أنه حرف عام محيط شامل # PageV01P130 # لجميع الأمور كافل بكل الشرائع في سائر الأزمان؛ فكان أحق الرسل به من ~~كانت رسالته عامة لجميع الخلق وكتابه شاملا لجميع الأمر وهو أحمد ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم. # قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه «عروة المفتاح» : هذا الحرف ~~لإحاطته أنزل وترا وسائر الحروف أشفاع لاختصاصها، ووجه إنزاله تفهيم ما غمض ~~من المغيبات بضرب مثل من المشهودات، ولما كان للأمر تنزلات وللخلق تطورات ~~كان الأظهر منها مثلا لما هو دونه في الظهور، وكلما ظهر ممثول صار مثلا لما ~~هو أخفى منه، فكان لذلك أمثالا عددا منها مثل ليس بممثول لظهوره وممثولات ~~تصير أمثالا لما هو أخفى منها إلى أن تنتهي الأمثال إلى غاية محسوس أو ~~معلوم، فتكون تلك الغاية مثلا أعلى كالسماوات والأرض فيما يحس والعرش ~~والكرسي فيما يعلم {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} [الروم: 27] ~~{الذين يحملون # PageV01P131 # العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم} [غافر: 7] وذلك المثل الأعلى لإحاطته ~~اسمه الحمد {وله الحمد في السماوات والأرض} [الروم: 18] وأحمده أنهاه ~~وأدناه إلى الله تعالى بحيث لا يكون بينه وبين الله تعالى واسطة، فلذلك ما ~~استحق أكمل الخلق وأجمعه وأكمل الأمر وأجمعه وأكمل الأمر وأجمعه ms0042 الاختصاص ~~بالحمد، فكان أكمل الأمور سورة الحمد وكان أكمل الخلق صورة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، كان خلقه القرآن {لقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} # [الحجر: 87] ودون المثل الأعلى الجامع الأمثال العلية المفصلة منه {ضرب ~~لكم مثلا من أنفسكم} [الروم: 28] ولإحاطة أمر الله وكماله في كل شيء يصح أن ~~يضربه مثلا {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} [البقرة: ~~26] {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا} ~~[العنكبوت: 41] وللمثل حكم من ممثوله، إن كان حسنا حسن مثله، وإن كان سيئا ~~ساء مثله؛ ولما كان أعلى الأمثال الحمد كان أول الفاتحة الحمد، ولما كان ~~أخفى أمر الخلق النفاق كان أول مثل في الترتيب مثل النفاق، وهو أدنى مثل ~~لما خفى من أمر الخلق، كما أن الحمد أعلى مثل غاب من أمر الحق # PageV01P132 # وبين الحدين؛ أمثال حسنة وسيئة {مثل الجنة التي وعد المتقون} [الرعد: 35] ~~الآيتين، {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها} [الجمعة: 5] {فمثله كمثل ~~الكلب} [الأعراف: 176] الآيتين. وبقدر علو المثل أو دنوه أو توسطه يتزايد ~~للمؤمن الإيمان وللعالم العلم وللفاهم الفهم، وبضد ذلك لمن اتصف بأضداد تلك ~~الأوصاف، {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا ~~فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} ومعرفة ~~أمثال القرآن المعرفة إحاطة ممثولاتها وعلم آياته المعلمة اختصاص معلوماتها ~~هو حظ العقل واللب وحرفه من القرآن، ولكل حرف اختصاص بحظ من تدرك الإنسان ~~وأعمال القلوب والأنفس والأبدان، فمن يسر له القراءة والعمل بحرف منه ~~اكتفى، ومن جمع له قراءة جميع أحرفه علما وعملا فقد أتم ووفى، وبذلك يكون ~~القارىء من القراء الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنهم أعز ~~من الكبريت الأحمر» {يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [آل ~~عمران: 74] . # ثم قال فيما به يحصل قراءة هذا الحرف: اعلم أن قراءة الأحرف # PageV01P133 # الستة تماما وفاء بتفصيل العبادة، لأنها أشفاع ثلاثة للتخلص والتخلي ~~وثلاثة للعمل والتحلي، ms0043 لأن ترك الحرام طهرة البدن وترك النهي طهرة النفس ~~وترك التعرض للمتشابه طهرة القلب، ولأن تناول الحلال زكاء البدن وطاعة ~~الأمر زكاء النفس وتحقق العبودية بمقتضى حرف المحكم نور القلب؛ وأما قراءة ~~حرف الأمثال فهو وفاء العبادة بالقلب جمعا ودواما {وله الدين واصبا} ~~[النحل: 52] و {الذين هم على صلاتهم دائمون} [المعارج: 23] فالذي يحصل ~~قراءة هذا الحرف إنما هو خاص بالقلب، لأن أعمال الجوارح وأحوال النفس قد ~~استوفتها الأحرف السته التفصيلية، والذي يخص القلب بقراءة هذا الحرف هو ~~المعرفة التامه المحيطة بأن كل الخلق دقيقة وجليلة خلق الله وحده لا شريك ~~له في شيء منه، وأنه جميعه مثل لكلية أمر الله القائم بكلية ذلك الخلق، وإن ~~كلية ذلك الأمر الذي هو ممثول لمثل الخلق هو مثل لله تعلى: {وله المثل ~~الأعلى} [الروم: 27] وأن تفاصيل ذلك الخلق المحيطات أمثل لقيامها من تفاصيل ~~ذلك الأمر المحيطات بها، وأن تفاصيل الأمر المحيطات أمثال لأسماء الله ~~تعالى الحسنى بما هي محيطة؛ ولجمع هذا الحرف لم يصح إنزاله إلا على الخلق ~~الجامع الآدمي الذي هو صفوة الله وفطرته، وعلى سيد الآدميين محمد خاتم ~~النبيين وهو خاصته وخاصة آله، وعنه # PageV01P134 # كمل الدين بالإحسان، وصفا العلم بالإيقان، وشوهد في الوقت الحاضر، ما بين ~~حدي الأزل الماضي والأبد الغابر، وعن تمام اليقين والإحسان تحقق الفناء لكل ~~فان وبقي وجه رب محمد ذي الجلال والإكرام، وكان هذا الحرف بما اسمه الحمد ~~هو لكل شيء بداء وختام انتهى. # ولما ثبت بهذا البيان عما للكافرين بقسميهم من الشقاوة مع تمام القدرة ~~شمول العلم المستلزمان للواحدانية أنتج قطعا إفراده بالعباده الموجبه # PageV01P135 # للسعاده المضمنة لإياك نعبد، فوصل بذلك قوله مقبلا عليهم بعد الإعراض ~~عنهم عند التقسيم إيذانا بأنهم صاروا بما تقدم من ضرب الأمثال وغيرها من ~~حيز المتأهل للخطاب من غير واسطة تنشيطا لهم في عبادته وترغيبا وتحريكا إلى ~~رفع أنفسهم بإقبال الملك الأعظم عن الخضوع لمن هو دونه بل دونهم وبشارة لمن ~~أقبل عليه بعد أن كان معرضا عنه بدوام الترقيه، فيزال ما ms0044 أشار إليه حرف ~~النداء والتعبير عن المنادى من بقية البعد بالسهو والغفلة والإعراض ~~بالتقصير في العبادة والاضطراب والذبذبة {ياأيها الناس} . # قال الحرالي في تفسيره {يا} تنبيه من يكون بمسمع من المنبه ليقبل على ~~الخطاب، وهو تنبيه في ذات نفس المخاطب ويفهم توسط البعد بين آيا الممدودة ~~وأي المقصورة «أي» اسم مبهم، مدلوله # PageV01P136 # اختصاص ما وقع عليه من مقتضى اسم شامل، «ها» كلمة مدلولها تنبيه على أمر ~~يستفيده المنبه - انتهى. وأكد سبحانه الكلام بالإبهام والتنبيه والتوضيح ~~بتعيين المقصود بالنداء تنبيها على أن ما يأتي بعده أمور مهمة يحق لها ~~تشمير الذيول والقيام على ساق الجد. # وقال الحرالي: اعلم أنه كما اشتمل على القرآن كله فاتحة الكتاب فكذلك ~~أيضا جعل لكل سورة ترجمة جامعة تحتوي على جميع مثاني آيها، وخاتمة تلتئم ~~وتنتظم بترجمتها، ولذلك تترجم السورة عدة سور، وسيقع التنبيه على ذلك في ~~موضعه إن شاء الله تعالى. واعلم مع ذلك أن كل نبىء منبأ - يقرأ بالهمز - من ~~النبأ وهو الخبر، فإنه شرع في دعوته وهو غير عالم بطية أمره وخبر قومه، وأن ~~الله عز وجل جعل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم # PageV01P137 # نبيا منبيا من النبوة - يقرأ بغير همز. ومعناه رفعة القدر والعلو، فمما ~~أعلاه الله به أن قدم له بين يدي دعوته علم طية أمره ومكنون علمه تعالى في ~~سر التقدير الذي لم يزل خبأ في كل كتاب، فأعلمه بأنه تعالى جبل المدعوين ~~الذين هم بصفة النوس مترددين بين الاستغراق في أحوال أنفسهم وبين مرجع إلى ~~ذكر ربهم على ثلاثة أضرب: منهم من فطر على الإيمان ولم يطبع عليه أي على ~~قلبه فهو مجيب ولا بد، ومنهم من طبع على الكفر فهو آب ولا بد، ومنهم من ردد ~~بين طرفي الإيمان ظاهرا والكفر باطنا، وإن كلا ميسر لما خلق له؛ فكان بذلك ~~انشراح صدره في حال دعوته وزال به ضيق صدره الذي شارك به الأنبياء - ~~بالهمز، ثم علا بعد ذلك إلى مستحق رتبته العلية، فكان أول ما افتتح له ~~كتابه ms0045 أن عرفه معنى ما تضمنته {الم} ثم فصل من ذلك ثلاثة أحوال المدعوين ~~بهذا الكتاب، وحينئذ شرع في تلقينه الدعوة العامة للناس، فافتتح بعد ذلك ~~الدعوة والنداء والدعوة # PageV01P138 # إلى العبادة يعني بهذه الآية، وتولى الله سبحانه دعوة الخلق في هذه ~~الدعوة العامة التي هي جامعة لكل دعوة في القرآن. # ولما ضمن صدرها من الوعيد في حق رسوله فلم يجر خطاب ذلك على لسانه، ولما ~~فيها من السطوة وخطاب الملك والجزاء ومحمد صلى الله عليه وسلم رحمة ~~للعالمين فلم ينبغ إجراؤها على لسانه لذلك، وغيره من الرسل فعامة دعوة من ~~خص الله سبحانه خبر دعوته فهي مجراة على ألسنتهم ولذلك كثرت مقاواة قومهم ~~ومدعويهم لهم، ولما أجرى الحق تعالى هذه الدعوة من قبله كان فيها بشرى ~~بالغلبة وإظهار # PageV01P139 # دينه، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقاويه خلقه، ولما انتهى إلى البشرى ~~التي هي رحمة أجرى الكلام على مخاطبته عليه السلام بقوله: {وبشر} [البقرة: ~~25] ومع إجراء دعوة المرسلين على ألسنتهم علقت باسم الله بلفظ {أن اعبدوا ~~الله} [المائدة: 117] ونحو فعز على أكثر النفوس الإجابة لفوات اسم الله عن ~~إدراك العقول، ومع تولي الله سبحانه لهذه الدعوة بسلطانه العلي أجراها باسم ~~الربوبية وهو اسم أقرب مثالا على النفوس، لأنها تشاهد آياته بمعنى التربية ~~والربابة، ومع ذلك أيضا فذكر اسم الله في دعوة المرسلين غير متبع ولا موصوف ~~بآيات الإلهية، ولو ذكر لما قرب مثالا علمها فهي # PageV01P140 # كالشمس والقمر ونحو ذلك، وذكر تعالى الربوبية في هذه الدعوة متبعة ~~بآياتها الظاهرة التي لا تفوت العقل والحس ولا يمكن إنكارها، ووجه بعد ~~النفوس عن الانقياد عند الدعوة باسم الله أن آيات الربوبية التي يسهل عليها ~~الانقياد من جهتها التي بيسير منها تنقاد للملوك وأولي الإحسان، لأنها جبلت ~~على حب من أحسن إليها تبقى عند الدعوة باسم الله بمعزل عن الشعور بإضافتها ~~لاسم الله ويحار العقل في المتوجه له بالعبادة، وتضيف النفوس الغافلة آيات ~~الربوبية إلى ما تشاهده من أقرب الأسباب في العوائد، كالفصول التي نيطت ~~الموالد والأقوات ms0046 بها في مقتضى حكمة الله سبحانه أو إلى أسباب هذه الأسباب ~~كالنجوم ونحو ذلك، فلا يلتئم للمدعو حال قوامه بعبادته فيكثر التوقف ~~والإباء، واقتضى اليسر الذي # PageV01P141 # أراد الله بهذه الأمة ذكر الربوبية منوطا بآياتها - انتهى. # ولما كانت العبادة المختلة بشرك أو غيره ساقطة والازدياد من الصحيحة ~~والاستمرار عليها عبادة جديدة يحسن الأمر بها خاطب الفريقين فقال: {اعبدوا ~~ربكم} أي الذي لا رب لكم غيره عبادة هي بحيث يقبلها الغني. ثم وصفه بما ~~أشارت إليه صفة الرب من الإحسان تنبيها على وجوده ووجوب العبادة له بوجوب ~~شكر المنعم فقال: {الذي خلقكم} ، قال الحرالي: {الذي} اسم مبهم مدلوله ذات ~~موصوف بوصف # PageV01P142 # يعقب به وهي الصلة اللازمة له، والخلق تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد ~~الامتزاج والتركيب صورة {والذين من قبلكم} القبل ما إذا عاد المتوجه إلى ~~مبدأ وجهته أقبل عليه - انتهى. # ثم بين نتيجتها بقوله: {لعلكم تتقون} أي لتكون حالكم بعبادته لأنها كلها ~~محاسن ولا حسن في غيرها حال من ترجى له التقوى، وهي اجتناب القبيح من خوف ~~الله، وسيأتي في قوله: {لعلكم تشكرون} ما ينفع هنا. وقال الحرالي: لعل كلمة ~~ترج لما تقدم سببه، وبدأ من آيات الربوبية بذكر الخلق لأنه في ذواتهم، ووصل ~~ذلك بخلق من قبلهم حتى لا يستندوا بخلقهم إلى من قبلهم وترجى لهم التقوى ~~لعبادتهم ربهم من حيث نظرهم إلى خلقهم وتقدير أمشاجهم، لأنهم إذا أسندوا ~~خلقهم لربهم كان أحق أن يسندوا إليه ثمرة ذلك من صفاتهم # PageV01P143 # وأفعالهم فيتوقفون عن الاستغناء بأنفسهم فينشأ لهم. بذلك تقوى - انتهى. # وما أحسن الأمر بالعبادة حال الاستدلال على استحقاقها بخلق الأولين ~~والآخرين وما بعده عقب إثبات قدرة الداعي المشيرة إلى الترهيب من سطواته! ~~ولقد بدع هذا الاستدلال على التفرد بالاستحقاق عقب أحوال من قرب أنهم في ~~غاية الجمود بأمور مشاهدة يصل إليها كل عاقل بأول وهلة من دحو الأرض وما ~~بعده مما به قوام بقائهم من السكن والرزق في سياق منبه على النعمة محذر من ~~سلبها دال على الإله بعد # PageV01P144 # الدلالة ms0047 بالأنفس من حيث إن كل أحد يعرف ضرورة أنه وجد بعد أن لم يكن، فلا ~~بد له من موجد غير الناس، لما يشاهد من أن حال الكل كحاله بالدلالة بالآفاق ~~من حيث إنها متغيرة، فهي مفتقرة إلى مغير هو الذي أحدثها ليس بمتغير، لأنه ~~ليس بجسم ولا جسماني في سياق مذكر بالنعم الجسام الموجبة لمحبة المنعم وترك ~~المنازعة وحصول الانقياد فقال: {الذي جعل} قال الحرالي: من الجعل وهو إظهار ~~أمر عن سبب وتصيير {لكم الأرض} أي المحل الجامع لنبات كل نابت ظاهر أو ~~باطن، فالظاهر كالموالد وكل ما الماء أصله، والباطن كالأعمال والأخلاق وكل ~~ما أصله ما الماء آيته كالهدى والعلم ونحو ذلك؛ ولتحقق دلالة اسمها على هذا ~~المعنى جاء وصفها بذلك من لفظ اسمها فقيل: أرض أريضة، للكريمة المنبتة، ~~وأصل معناها ما سفل في مقابلة معنى السماء الذي # PageV01P145 # هو ما علا على سفل الأرض كأنها لوح قلمه الذي يظهر فيها كتابه - انتهى. # {فراشا} وهي بساط سقفه السماء وهي مستقر الحيوان من الأحياء والأموات، ~~وأصله كما قال الحرالي: بساط يضطجع عليه للراحة ونحو ذلك، {والسماء بناء} ~~أي خيمة تحيط بصلاح موضع السكن وهو لعمري بناء جليل القدر، محكم الأمر، بهي ~~المنظر، عظيم المخبر. # ورتبت هذه النعم الدالة على الخالق الداعية إلى شكره أحكم ترتيب، قدم ~~الإنسان لأنه أعرف بنفسه والنعمة عليه أدعى إلى الشكر، وثنى # PageV01P146 # بمن قبله لأنه أعرف بنوعه، وثلث بالأرض لأنها مسكنه الذي لا بد له منه، ~~وربع بالسماء لأنها سقفه، وخمس بالماء لأنه كالأثر والمنفعة الخارجة منها ~~وما يخرج بسببه من الرزق كالنسل المتولد بينهما فقال: {وأنزل} قال الحرالي: ~~من الإنزال وهو الإهواء بالأمر من علو إلى سفل - انتهى. {من السماء} أي ~~بإثارتها الرياح المثيرة للسحاب الحامل للماء {ماء} أي جسما لطيفا يبرد غلة ~~العطش، به حياة كل نام. قال الحرالي: وهو أول ظاهر للعين من أشباح الخلق ~~{فأخرج} من الإخراج وهو إظهار من حجاب، وفي سوقه بالفاء تحقيق للتسبيب في ~~الماء - انتهى. # وأتي بجمع القلة في ms0048 الثمر ونكر الرزق مع المشاهدة لأنهما بالغان في ~~الكثرة إلى حد لا يحصى تحقيرا لهما في جنب قدرته إجلالا له فقال: # PageV01P147 # {به من الثمرات رزقا} وإخراج الأشياء في حجاب الأسباب أوفق بالتكليف ~~بالإيمان بالغيب، لأنه كما قيل: لولا الأسباب لما ارتاب المرتاب، والثمر ~~كما قال الحرالي: مطعومات النجم والشجر وهي عليها، وعبر بمن لأن ليس كل ~~الثمرات رزقا لما يكون عليه وفيه من العصف والقشر والنوى، وليس أيضا من كل ~~الثمرات رزق فمنه ما هو للمداواة ومنه سموم وغير ذلك. وفي قوله: {لكم} ~~إشعار بأن في الرزق تكملة لذواتهم ومصيرا إلى أن يعود بالجزاء منهم. # وقد وصف الرب في هذه الآية بموصولين ذكر صلة الثاني بلفظ # PageV01P148 # الجعل، لأن حال القوام مرتب على حال الخلق ومصير منه، فلا يشك ذو عقل في ~~استحقاق الانقياد لمن تولى خلقه وأقام تركيبه؛ ولا يشك ذو حس إذا تيقظ من ~~نوم أو غفلة فوجد بساطا قد فرش له وخيمة قد ضربت عليه وعولج له طعام وشراب ~~قدم له أن نفسه تنبعث بذاتها لتعظيم من فعل ذلك بها ولتقلد نعمته وإكباره؛ ~~فلتنزيل هذه الدعوة إلى هذا البيان الذي يضطر النفس إلى الإذعان ويدخل ~~العلم بمقتضاها في رتبة الضرورة والوجدان كانت هذه الدعوة دعوة عربية جارية ~~على مقتضى أحوال العرب، لأن العرب لا تعدو بأنفسها العلم الضروري وليس من ~~شأنها تكلف الأفكار والتسبب إلى تواني العلوم النظرية المأخوذة من مقتضى ~~الإمارات والأدلة، فعوملت بما جبلت عليه فتنزل لها لتكون # PageV01P149 # نقلتها من فطرة إلى فطرة ومن علم وجداني إلى علم وجداني علي لتحفظ عليها ~~رتبة الإعراب والبيان بأن لا يتسبب لها إلى دخول ريب في علومها، لأن كل علم ~~مكتسب يتكلف التسبب له بآيات وعلامات ودلائل تبعد من الحس وأوائل هجوم ~~العقل تتعارض عليه الأدلة ويعتاده الريب، فحفظت هذه الدعوة العربية عن ~~التكلف وأجريت على ما أحكمه صدر السورة في قوله تعالى: {لا ريب فيه} . # واعلم أن حال المخلوق في رزقه محاذي به حاله في كونه، فيعلم بالاعتبار ms0049 ~~والتناسب الذي شأنه أن تتعلم من جهته المجهولات أن الماء بزر كون الإنسان ~~كما أن الماء أصل رزقه، ولذلك قال عليه السلام لمن سأله ممن هو فلم يرد أن ~~يعين له نفسه: «نحن من ماء» ويعلم كذلك # PageV01P150 # أيضا أن للأرض والسماء مدخلا في أمشاج الإنسان رتب عليه مدخلها في كون ~~رزقه، وفي ذكر الأرض معرفة أخذ للأرض إلى نهايتها وكمالها، ولذلك قال عليه ~~السلام: «من اغتصب شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين» وكذلك ذكر السماء أخذ ~~لها إلى نهايتها وكمالها؛ وقدم الأرض لأن نظر النفوس إلى ما تحتها أسبق لها ~~من نظرها إلى ما علا عليها. ثم قال: ولوضوح آية الربوبية تقلدها الأكثر ~~وإنما توقفوا في الرسالة ولذلك وصل ذكر الرسالة بالتهديد - انتهى. # ولما أمر بعبادته وذكرهم سبحانه بما يعلمون أنه فاعله وحده حسن النهي عن ~~أن يشرك به ما لا أثر له في شيء من ذلك بفاء التسبب عن الأمرين كليهما قال ~~معبرا بالجلالة على ما هو الأليق بالتوبيخ على تأله الغير {فلا تجعلوا لله} ~~أي ما إحاطته بصفات الكمال. ويجوز أن # PageV01P151 # يكون مسببا عن التقوى المرتجاة فتكون لا نافية والفعل منصوب {أندادا} أي ~~على حسب زعمكم أنها تفعل ما تريدون. قال الحرالي: جمع ند وهو المقاوم في ~~صفة القيام والدوام، وعبر بالجعل لأن بالجعل والمصير من حال إلى حال أدنى ~~منها ترين الغفلة على القلوب، حتى لا تشهد في النعم والنقم إلا الخلق من ~~ملك أو ذي إمرة أو من أي ذي يد عليا كان، ولما شهدوا ذلك منهم تعلق بهم ~~رجاؤهم وخوفهم وعاقبهم ربهم على ذلك بأيديهم فاشتد داعي رجائهم لهم وسائق ~~خوفهم منهم فتذللوا لهم وخضعوا، فصاروا بذلك عبدة الطاغوت وجعلوهم لله ~~أندادا - انتهى. وما أحسن قوله في تأنيبهم وتنبيههم على ما أزروا بأنفسهم ~~{وأنتم تعلمون} أي والحال أنكم ذوو علم على ما تزعمون # PageV01P152 # فإنه يلوح إلى أن من أشرك به مع قيام هذه الأدلة لم يكن ممن يصح منه ~~العلم فكان في عداد البهائم. ms0050 وفيه كما قال الحرالي: إعلام بظهور آيات ما ~~يمنع جعل الند لما يشاهد أن جميع الخلق أدناهم وأعلاهم مقامون من السماء ~~وفي الأرض ومن الماء، فمن جعل لله ندا مما حوته السماء والأرض واستمد من ~~الماء فقد خالف العلم الضروري الذي به تقلد التذلل للربوبية في نفسه فإن ~~يحكم بذلك على غيره مما حاله كحاله أحق في العلم - انتهى. # وفي تعقيبها لما قبلها غاية التبكيت على # PageV01P153 # من ترك هذا القادر على كل شيء وعبد ما لا يقدر على شيء. # وهذه الآية من المحكم الذي اتفقت عليه الشرائع واجتمعت عليه الكتب، وهو ~~عمود الخشوع، وعليه مدار الذل والخضوع. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في ~~العروة: وجه إنزال هذا الحرف تحقيق اتصاف العبد بما هو اللائق به في صدق ~~وجهته إلى الحق بانقطاعه عن نفسه وبراءته منها والتجائه إلى ربه استسلاما، ~~وجهده في خدمته إكبارا واستناده إليه اتكالا، وسكونه له طمأنينة {يا أيتها ~~النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية} [الفجر: 27، 28] ، ويتأكد ~~تحلي العبد بمستحق أوصافه لقراءة هذا الحرف والعمل به بحسب براءته من ~~التعرض لنظيره المتشابه، لأن اتباع المتشابه زيغ لقصور العقل والفهم عن ~~نيله، ووجوب الاقتصار على الإيمان به من غير موازنة بين ما خاطب الله به ~~عباده للتعرف وبين ما جعله للعبد للاعتبار، سبحانه من لم يجعل سبيلا إلى ~~معرفته إلا بالعجز عن معرفته. # وجامع منزل المحكم ما افتتح به التنزيل في قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك} ~~[العلق: 1] الآيات، وما قدم في الترتيب في قوله تعالى: {يا أيها الناس # PageV01P154 # اعبدوا ربكم} إلى ما ينتظم بذلك من ذكر عبادة القلب التي هي المعرفة {وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] فليكن أول ما تدعوهم إليهم ~~عبادة الله فإذا عرفوا الله، ومن ذكر عبادة النفس التي هي الإجمال في الصبر ~~وحسن الجزاء {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} [الكهف: 28] {ويدرؤون ~~بالحسنة السيئة} [الرعد: 22] {الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] لو ~~خشع قلب هذا لخشعت جوارحه إلى سائر أحوال العبد التي يتحقق ms0051 بها في حال ~~الوجهة إلى الرب، وما تقدم من حرفي الحلال والحرام لإصلاح الدنيا، وحرفي ~~الأمر والنهي لإصلاح العقبى معاملة كتابه، والعمل بهذا الحرف اغتباط بالرق ~~وعياذ من العتق، فلذلك هو أول الاختصاص ومبدأ الاصطفاء وإفراد موالاة الله ~~وحده من غير شرك في نفس ولا غير، ولذلك بدىء بتنزيله النبي العبد، وهو ثمرة ~~ما قبله وأساس # PageV01P155 # ما بعده، وهو للعبد أحوال محققة لا يشركه فيها ذو رثاء ولا نفاق، ويشركه ~~في الأربعة المتقدمة - يعني النهي والأمر والحلال والحرام، لأنها أعمال ~~ظاهرة فيتحلى بها المنافق، وليس يمكنه مع نفاقه التحلي بالمعرفة، ولا ~~بالخشوع ولا بالخضوع، ولا بالشوق للقاء ولا بالحزن في الإبطاء، ولا بالرضا ~~بالقضاء، ولا بالحب الجاذب للبقاء في طريق الفناء، ولا بشيء مما شمله آيات ~~المحكم المنزلة في القرآن وأحاديثه الواردة للبيان، وإنما يتصف بهذا الحرف ~~عباد الرحمن # {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما} [الفرقان: 63] الذين ليس للشيطان عليهم سلطان {إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان} [الحجر: 42، والإسراء: 65] . # ولما كان حرف المحكم مستحق العبد في حق الرب في فطرته التي فطر عليها كان ~~ثابتا في كل ملة وفي كل شرعة فكانت آياته لذلك هن أم الكتاب المشتمل على ~~الأحرف الأربعة، لتبدلها وتناسخها وتناسبها في الشرع والملل واختلافها على ~~مذاهب الأئمة في الملة الجامعة، مع اتفاق الملل في الحرف المحكم فهو أمها ~~وقيامها الثابت حال تبدلها وهو حرف الهدى الذي يهدي به الله من يشاء، ~~وقرأته العملة به هم المهتدون أهل السنة والجماعة، كما أن المتبعين لحرف ~~المتشابه هم المتفرقون في الملل وهم أهل البدع والأهواء المشتغلون بما لا ~~يعنيهم، # PageV01P156 # وبهذا الحرف المتشابه يضل الله من يشاء؛ فحرف المحكم للاجتماع والهدى، ~~وحرف المتشابه للافتراق والضلال {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} ~~[الأحزاب: 4] . # ثم قال: اعلم أن قراءة الأحرف الماضية الأربعة هو حظ العامة من الأمة ~~العاملين لربهم على الجزاء المقارضين له على المضاعفة، وقراءة هذا الحرف ~~تماما هو حظ المتحققين بالعبودية المتعبدين بالأحوال الصادقة ms0052 المشفقين من ~~وهم المعاملة، لشعورهم أن العبد لسيده مصرف فيما شاء وكيف شاء، ليس له في ~~نفسه حق ولا حكم، ولا حجة له على سيده فيما أقامه فيه من صورة سعادة أو ~~شقاوة {في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 8] {على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم في ما لا تعلمون} [الواقعة: 63] . # والذي تحصل به قراءة هذا الحرف إما من جهة القلب فالمعرفة بعبودية الخلق ~~للحق رق خلق ورزق وتصريف فيما شاء مما بينه وبين ربه ومما بينه وبين نفسه ~~ومما بينه وبين أمثاله من سائر العباد، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا ~~موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا يأخذ إلا ما أعطاه سيده، ولا يتقي # PageV01P157 # إلا ما وقاه سيده، ولا يكشف السوء عنه إلا هو، فيسلم له مقاليد أمره في ~~ظاهره وباطنه، وذلك هو الدين عند الله الذي لا يقبل سواه {إن الدين عند ~~الله الإسلام} [آل عمران: 19] و {من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} ~~[آل عمران: 85] وهو دين النبي العبد، وما يتحقق للعبد من ذلك عن اعتبار ~~العقل وخلوص اللب هي الملة الحنيفية ملة النبي الخليل - هذا من جهة القلب؛ ~~وإما من جهة حال النفس فجميع أحوال العبد القن المعرق في الملك: إنما أنا ~~عبد آكل مثل ما يأكل العبد؛ وجماع ذلك وأصله الذل انكسارا والذل عطفا ~~والبراءة من الترفع والفخر على سائر الخلق والتحقق بالضعة دونهم على وصف ~~النفس، بذلك ينتهي حسن التخلق مع الخلق وصدق التعبد للحق؛ وإما من جهة ~~العمل فتصرف الجوارح وإسلامها لله قولا وفعلا وبذلا، ومسالمة الخلق لسانا ~~ويدا، وهو تمام الإسلام وثبته، لا يكتب أحدكم في المسلمين حتى يسلم الناس ~~من لسانه ويده، ويخص # PageV01P158 # الهيئة من ذلك ما هو أولى بهيئات العبيد كالذي بنيت عليه هيئة الصلاة من ~~الإطراق في القيام ووضع اليمنى على اليسرى بحذاء الصدر هيئة العبد المتأدب ~~المنتظر لما لا يدري خبره من أمر سيده وكهيئة الجلوس فيها الذي هو جلوس ~~العبيد، كذلك كان صلى الله عليه وسلم ms0053 يجلس لطعامه ليستوي حال تعبده في أمر ~~دنياه وأخراه ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد» ويؤثر جميع ما هو ~~هيئة العبيد في تعبده ومطعمه ومشربه وملبسه ومركبه وظعنه وإقامته # {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] فبهذه ~~الأمور من تحقق العبودية للقلب وذل النفس وانكسار الجوارح تحصل قراءة حرف ~~المحكم والله الولي الحميد - انتهى. # PageV01P159 # ولما ثبتت هذه الأدلة فوجب امتثال ما دعت إليه ولم يبق لمتعنت شبهة إلا ~~أن يقول: لا أفعل حتى أعلم أن هذا الكتاب الذي تقدم أنه الهدى كلام الله، ~~قال مبينا إنه من عنده نظما كما كان من عنده معنى محققا ما ختم به التي ~~قبلها من أن من توقف عما دعا إليه من التوحيد وغيره لا علم له بوجه، وأتى ~~بأداة الشك سبحانه مع علمه بحالهم تنبيها على أنه من البعيد جدا أن يجزم ~~بشكهم بعد هذا البيان {وإن} أي فإن كنتم من ذوي البصائر الصافية والضمائر ~~النيرة علمتم بحقية هذه المعاني وجلالة هذه الأساليب وجزالة تلك التراكيب ~~أن هذا # PageV01P159 # كلامي، فبادرتم إلى امتثال ما أمر والانتهاء عما عنه زجر. {وإن كنتم في ~~ريب} أي شك محيط بكم من الكتاب الذي قلت - ومن أصدق مني قيلا - إنه {لا ريب ~~فيه} . # PageV01P160 # وأشار هنا أيضا إلى عظمته وعظمة المنزل عليه بالنون التفاتا من الغيبة ~~إلى التكلم فقال: {مما نزلنا} قال الحرالي: من التنزيل وهو التقريب للفهم ~~بتفصيل وترجمة ونحو ذلك - انتهى. {على عبدنا} أي الخالص لنا الذي لم يتعبد ~~لغيرنا قط، فلذلك استحق الاختصاص دون عظماء القريتين وغيرهم، فارتبتم في ~~أنه كلامنا نزل بأمرنا وزعمتم أن عبدنا محمدا أتى به من عنده لتوهمكم أن ~~فيما سمعتم من الكلام شيئا مثله # PageV01P161 # لأجل الإتيان به منجما أو غير ذلك من أحواله. # {فأتوا} أي على سبيل التنجيم أو غيره، قال الحرالي: الآتي بالأمر يكون عن ~~مكنة وقوة {بسورة} أي نجم واحد. قال الحرالي: السورة تمام جملة من المسموع ~~يحيط بمعنى تام بمنزلة إحاطة السور بالمدينة ms0054 - انتهى. وتفصيل القرآن إلى ~~سور وآيات، لأن الشيء إذا كان جنسا وجعلت له أنواع واشتملت أنواعه على ~~أصناف كان أحسن وأفخم لشأنه وأنبل ولا سيما إذا تلاحقت الأشكال بغرابة # PageV01P162 # الانتظام، وتجاوبت النظائر بحسن الالتيام، وتعانقت الأمثال بالتشابه في ~~تمام الأحكام وجمال الأحكام، وذلك أيضا أنشط للقارىء وأعظم عنده لما يأخذه ~~منه مسمى بآيات معدودة أو سورة معلومة وغير ذلك {من مثله} أي من الكلام ~~الذي يمكنكم أن تدعوا أنه مثل ما نزلنا كما قال: {قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} [الإسراء: 88] فإن ~~عبدنا منكم ونشأ بين أظهركم، فهو لا يقدر على أن يأتي بما لا تقدرون على ~~مثله إلا بتأييد منا. # ولما كانوا يستقبحون الكذب قال: {وادعوا شهداءكم} أي من تقدرون على دعائه ~~من الموجودين بحضرتكم في بلدتكم أو ما قاربها، # PageV01P163 # والشهيد كما قال الحرالي من يكثر الحضور لديه واستبصاره فيما حضره - ~~انتهى. # {من دون الله} أي لينظروا بين الكلامين فيشهدوا بما تؤديهم إليه معرفتهم ~~من المماثلة أو المباينة فيزول الريب ويظهر إلى الشهادة الغيب أو ليعينوكم ~~على الإتيان بمثل القطعة المحيطة التي تريدون معارضتها. قال الحرالي: ~~والدون منزلة القريب فالقريب من جهة سفل، وقد عقلت العرب أن اسم الله لا ~~يطلق على ما ناله إدراك العقل فكيف بالحس! فقد تحققوا أن كل ما أدركته ~~حواسهم ونالته عقولهم فإنه من دون الله - انتهى. # PageV01P164 # ففي التعبير به توبيخ لهم بأنهم لم يرضوا بشهادته سبحانه. # وحكمة الإتيان بمن التبعيضية في هذه السورة دون بقية القرآن أنه سبحانه ~~لما فرض لهم فيها الريب الذي يلزم منه زعمهم أن يكونوا اطلعوا له على مثيل ~~أو سمعوا أن أحدا عثر له على شبيه اقتضى الحال الإتيان بها ليفيد أن ~~المطلوب منهم في التحدي قطعة من ذلك المثل الذي ادعوه حكيمة المعاني ~~متلائمة المباني منتظم أولها بآخرها كسور المدينة في صحة الانتظام وحسن ~~الالتيام والإحاطة بالمباني التي هي كالمعاني والتقاء الطرفين حتى صار بحيث ~~لا يدرى أوله من ms0055 آخره سواء كانت القطعة المأتي بها تباري آية أو ما فوقها ~~لأن آيات القرآن كسورة يعرف من ابتدائها ختامها ويهدي إلى افتتاحها تمامها، ~~فالتحدي هنا منصرف إلى الآية بالنظر الأول وإلى ما فوقها بالنظر الثاني. # والمراد بالسورة هنا مفهومها اللغوي، لأنها من المثل المفروض # PageV01P165 # وهو لا وجود له في الخارج حتى يكون لقطعة اصطلاح في الأسماء معروف، ولأن ~~معرفة المعنى الاصطلاحي كانت مخصوصا بالمصدقين ولو أريد التحدي بسورة من ~~القرآن لقيل: فائتوا بمثل سورة منه، ولما كان هذا هو المراد قصرهم في ~~الدعاء على من بحضرتهم من الشهداء وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة يونس ~~عليه السلام وبقية السور المذكورة فيها هذا المعنى ما يتم به هذا الكلام. ~~وفي قوله: {إن كنتم صادقين} إيماء إلى كذبهم في دعوى الشك فيه، قال ~~الحرالي: والصادق الذي يكون قول لسانه وعمل جوارحه مطابقا لما احتوى عليه ~~قلبه مما له حقيقة ثابتة بحسبه، وقال: اتسقت آية تنزيل الوحي بآية إنزال ~~الرزق لما كان نزول ما نزل على الرسول المخصص بذلك ينبغي اعتباره بمقابلة ~~نزول الرزق، لأنهما رزقان: أحدهما ظاهر يعم الكافر في نزوله، والآخر وهو ~~الوحي رزق # PageV01P166 # باطن يخص الخاصة بنزوله ويتعين له أيهم أتمهم فطرة وأكملهم ذاتا؛ ولم ~~يصلح أن يعم بنزول هذا الرزق الباطن كعموم الظاهر، فتبطل حكمة الاختصاص في ~~الرزقين، فإن نازعهم ريب في الاختصاص فيفرضون أنه عام فيحاولون معارضته، ~~وكما أنهم يشهدون بتمكنهم من الحس عند محاولته عمومه فكذلك يجب أن يشهدوا ~~بعجزهم عن سورة من مثله تحقق اختصاص من نزل عليه به وأجرى ذكره باسم ~~العبودية إعلاما بوفائه بأنحاء التذلل وإظهارا لمزية انفراده بذلك دونهم ~~ليظهر به سبب الاختصاص. # وانتظم النون في {نزلنا} من يتنزل بالوحي من روح القدس والروح الأمين ~~ونحو ذلك، لأنها تقتضي الاستتباع، واقتضت النون في لفظ {عبدنا} ما يظهره ~~النبي صلى الله عليه وسلم لهم من الانقياد والاتباع وما اقتضاه خلقه العظيم ~~من خفض الجناح، حتى أنه يوافق من وقع على وجه من الصواب ms0056 من أمته صلى الله ~~عليه وسلم، وحتى أنه يتصف بأوصاف العبد في أكله كما قال: «آكل كما يأكل ~~العبد» انتهى. # والتحدي بسورة يشمل أقصر سورة كالكوثر ومثلها في التحدي # PageV01P167 # آية مستقلة توازيها وآيات، كما قاله الإمام جلال الدين محمد بن أحمد ~~المحلي في شرح جمع الجوامع، وسبقه الإمام شمس الدين محمد بن عبد الدائم ~~البرماوي فنظمه في القنية في الأصول ونقله في شرحها عن ظاهر كلام إمام ~~الحرمين في الشامل وعن كلام الفقهاء في الصداق فيما لو أصدقها تعليم سورة ~~فلقنها بعض آية، وسبقهما العلامة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني فقال ~~في تلويحه على توضيح صدر الشريعة: المعجز هو السورة أو مقدارها هكذا ذكر ~~الذين تكلموا في الإعجاز من الأصوليين وغيرهم أن التحدي وقع بسورة من ~~القرآن، والصواب أنه إنما وقع بقطعة آية فما فوقها، لأن المراد بالسورة ~~مفهومها اللغوي لا الاصطلاحي كما تقدم بيانه. # والحاصل أنه لما كان في آيات المنافقين ذكر الأمثال وكانوا قد استغربوا ~~بعض أمثال القرآن وجعلوها موضعا للشك من حيث كانت موضعا لليقين فقالوا: لو ~~كان هذا من عند الله لما ذكر فيه أمثال هذه الأمثال، لأنه أعظم من أن يذكر ~~ما دعاهم إلى المعارضة في هذه السورة # PageV01P168 # المدنية بكل طريق يمكنهم، وأخبرهم بأنهم عاجزون عنها وأن عجزهم دائم ~~تحقيقا لأنهم في ذلك الحال معاندون لا شاكون. # ولما كان سبحانه عالما بأن الأنفس الأبية والأنوف الشامخة الحمية التي قد ~~لزمت شيئا فمرنت عليه حتى صار لها خلقا يصعب عليها انفكاكها عنه ويعسر ~~خلاصها منه عبر عن هذا الإخبار بالعجز مهددا في سياق ملجىء إلى الإنصاف ~~بالاعتراف أو تفطر القلوب بالعجز عن المطلوب بقوله تعالى: {فإن لم تفعلوا} ~~فأتى بأداة الشك تنفيسا لهم وتهكما في نفس الأمر بهم واستجهالا لهم، ثم لم ~~يتمم ذلك التنفيس حتى ضربهم ضربة # PageV01P169 # فضمت ظهورهم وقطعت قلوبهم فقال لتكون الآية كافلة لصحة نسبة النظم ~~والمعنى آيد وآكد لادعائهم المقدرة بقوله تعالى: {ولن تفعلوا} فألزمهم ~~الخزي بما حكم عليهم به من ms0057 العجز، فلم يكن لهم فعل إلا المبادرة إلى تصديقه ~~بالكف، فكانوا كمن ألقم الحجر فلم يسعه إلا السكوت، واستمر ذلك التصديق لهم ~~ولأمثالهم على وجه الدهر في كل عصر ينادي مناديه فتخضع له الرقاب ويصدح ~~مؤذنه فتنكسر # PageV01P170 # الرؤوس، والتعبير بالفعل الأعم من الإتيان أبلغ لأن نفيه نفي الأخص ~~وزيادة. # والفعل قال الحرالي ما ظهر عن داعية من الموقع كان عن علم أو غير علم ~~لتدين كان أو لغيره كما تقدم مرارا - انتهى. # فقد ثبت أن هذا الكتاب الذي بين أنه الهادي إلى الصراط المستقيم أعظم ~~دليل على إفراده بالعبادة واختصاصه بالمراقبة التي أرشدنا إليها بقوله: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 4] الآية بما ثبت فيه من أدلة التفرد ~~بالإلهية بما ثبت من عجزهم عن معارضته وعجز جميع العرب الذين كانوا أفصح ~~الخلق وكذا جميع من ولد في بلادهم وانطبع بلسانهم من اليهود والنصارى الذين ~~لهم من الفصاحة والعلم ما هو مشهور فقد كان لليهود من بني إسرائيل الذين ~~كانوا في المدينة الشريفة وخيبر واليمن وغيرها، # PageV01P171 # ومن دخل في دينهم من العرب من الفصاحة والبلاغة والعلم ما لا يحتاج من ~~طالع السيرة فيه إلى توقف، وكان النصارى من بني إسرائيل ومن دان دينهم من ~~العرب وهم كثير كثرة قوم المنذرين ماء السماء، وما قارب الشيء من عبد القيس ~~وتنوخ وعامله وغسان كلهم فصحاء بلغاء، وزاد كثير منهم على ذلك العلم وكان ~~منهم الشعراء المبرزون؛ ومع ذلك فلم يقدر أحد منهم على طعن في هذا القرآن ~~ولا عارضه منهم إنسان إلا ما قاله مسيلمة والأسود العنسي فيما افتضحوا به ~~وأكذبهم الله تعالى فيه وسارت بفضائحهم الركبان فكانوا بها مثلا في سائر ~~البلدان. # PageV01P172 # قال عمرو بن بحر الجاحظ «في كتاب الحجة في تثبيت خبر الواحد» إن الله ~~تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم أكثر ما كانت العرب شاعرا ~~وخطيبا وأحكم ما كانت لغة وأشد ما كانت عدة فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد ~~الله وتصديق رسالته فدعاهم إلى حظهم بالحجة، فلما قطع العذر ms0058 وأزال الشبهة ~~وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة حملهم على ~~حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا له وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم ~~وبني أعمامهم وقتلوا أعمامه وبني أعمامه وعلية أصحابه وأعلام أهله، وهو في ~~ذلك يحتج عليهم بالقرآن وغيره ويدعوهم صباحا ومساء # PageV01P173 # إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد ~~تحديا لهم بها وتقريعا بعجزهم عنها تكشف من نقصهم ما كان مستورا وظهر منه ~~ما كان خفيا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار ~~الأمم ما لا نعرف فلذلك يمكنك ما لا يمكننا؛ قال: فهاتوها مفتريات، فلم يرم ~~ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر ولا طبع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ~~ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل ~~وناقض، فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم واتساع لغتهم وسهولة ~~ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم # PageV01P174 # وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض ~~لقوله وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس ~~والخروج من الأوطان وإنفاق الحرائب؛ وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على ~~من هو دون قريش والعرب في العقل والرأي بطبقات، ولهم القصيد العجيب والرجز ~~الفاخر والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج ~~واللفظ المنثور، ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم؛ فمحال أكرمك ~~الله أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر # PageV01P175 # والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص والتوقيف على العجز وهم أشد ~~الخلق أنفة وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد علمهم وقد احتاجوا إليه والحاجة ~~تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر! وكما أنه محال أن يطبقوا ~~ثلاثا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك أيضا محال أن ~~يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه - انتهى. # فثبت بهذا عجزهم وخرس قطعا إفصاحهم ورمزهم ms0059 وطأطأ ذلا كبرهم وعزهم، وكيف ~~يمكن المخلوق مع تمكنه في سمات النقص ودركات الافتقار والضعف معارضة من ~~اختص بصفات # PageV01P176 # الكمال وتعالى عن الأنداد والأشباه والأشكال. # وقد اختلف الناس في سبب الإعجاز وأحسن ما وقفت عليه من ذلك ما نقله ~~الإمام بدر الدين الزركشي الشافعي في كتابه البرهان عن الإمام أبي سليمان ~~الخطابي - وقال: وإليه ذهب الأكثرون من علماء النظر - أن وجه الإعجاز فيه ~~من جهة البلاغة لكن صعب عليهم تفصيلها ووضعوا فيه إلى حكم الذوق، قال: ~~والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في درجات البيان متفاوتة، فمنها ~~البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق ~~الرسل؛ # PageV01P177 # وهذه الأقسام هي الكلام الفاضل المحمود، فالقسم الأول أعلاه والقسم ~~الثاني أوسطه والقسم الثالث أدناه وأقربه؛ فحازت بلاغات القرآن من كل قسم ~~من هذه الأقسام حصة وأخذت من كل نوع شعبة، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف ~~نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتهما ~~كالمتضادين لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة يعالجان نوعا من ~~الزعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبو كل واحد منهما عن الآخر فضيلة ~~خص بها القرآن لتكون آية بينة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وإنما تعذر على ~~البشر جميعا الإتيان بمثله لأمور، منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة ~~العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني ~~الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه ~~النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصلوا # PageV01P178 # باختيار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، وإنما يقوم ~~الكلام بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حامل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم؛ وإذا ~~تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا ~~من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن تأليفا ~~وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه؛ وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في ~~أبوابه والترقي إلى أعلى ms0060 درجاته، وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق ~~في أنواع الكلام، فأما أن يوجد مجموعه في نوع واحد منه فلم توجد إلا في ~~كلام العليم القدير، فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح ~~الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمنا أصح المعاني من توحيد الله تعالى ~~وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته، في تحليل وتحريم ~~وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن ~~الأخلاق وزجر عن مساويها، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى ~~منه ولا يتوهم # PageV01P179 # في صورة العقل أمر أليق به منه، مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من ~~مثلات الله بمن مضى وعاند منهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار ~~الآتية من الزمان، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول ~~عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وأنبأ عن وجوب ما أمر به ونهى ~~عنه، ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم ~~وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم؛ فانقطع الخلق دونه وعجزوا ~~عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله، ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه ~~شعر - لما رأوه منظوما - ومرة: إنه سحر - لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور ~~عليه، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب وفزعا في النفوس يريبهم ويحيرهم، ~~فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف، ولذلك قالوا: إن له لحلاوة ~~وإن عليه # PageV01P180 # لطلاوة، وكانوا مرة بجهلهم يقولون: إنه # {أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5] مع ~~علمهم أن صاحبه أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك من الأمور التي ~~أوجبها العناد والجهل والعجز - انتهى. # وأول كلامه يميل إلى أن الإعجاز بمجرد النظم من غير نظر إلى المعنى، ~~وآخره يميل إلى أنه بالنظر إلى النظم والمعنى معا من الحيثية التي ذكرها، ~~وهو الذي ينبغي أن يعتقد لكن في التحدي بسورة واحدة وأما بالعشر ms0061 فبالنظر ~~إلى البلاغة في النظم فقط - نقله البغوي في تفسير سورة هود عن المبرد وقد ~~مر آنفا مثله في كلام الجاحظ. # وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل الباب الأول في ~~علو بيان القرآن على بيان الإنسان: اعلم أن بلاغة البيان تعلو على قدر علو ~~المبين، فعلو بيان الله على بيان خلقه بقدر علو الله على خلقه، فبيان كل ~~مبين على قدر إحاطة علمه، فإذا أبان الإنسان عن الكائن أبان بقدر ما يدرك ~~منه وهو لا يحيط به علمه فلا يصل إلى غاية البلاغة # PageV01P181 # فيه بيانه، وإذا أنبأ عن الماضي فبقدر ما بقي من ناقص علمه به كائنا في ~~ذكره لما لزم الإنسان من نسيانه، وإذا أراد أن ينبىء عن الآتي أعوزه البيان ~~كله إلا ما يقدره أو يزوره؛ فبيانه في الكائن ناقص وبيانه في الماضي أنقص ~~وبيانه في الآتي ساقط # {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} [القيامة: 5] وبيان الله سبحانه عن الكائن ~~بالغ إلى غاية ما أحاط به علمه {قل إنما العلم عند الله} [الملك: 26] وعن ~~المنقطع كونه بحسب إحاطته بالكائن وسبحانه من النسيان {لا يضل ربي ولا ~~ينسى} [طه: 52] وعن الأتي بما هو الحق الواقع {فلنقصن عليهم بعلم وما كنا ~~غائبين * والوزن يومئذ الحق} [الأعراف: 7، 8] والمبين الحق الذي لا يوهن ~~بيانه إيهام نسبة النقص إلى بيانه، والإنسان يتهم نفسه في البيان ويخاف أن ~~ينسب إلى العي فيقصد استقراء البيان ويضعف مفهوم بيانه ضعفا من منته ومفهوم ~~بيان القرآن أضعاف أضعاف أنبائه وقل ما ينقص عن نظيره - انتهى. # وقال الإمام محمد بن عبد الرحمن المراكشي الأكمه في شرح نظمه # PageV01P182 # لمصباح ابن مالك في المعاني والبيان ما يصلح أن يكون متنا وجملة وما تقدم ~~شرحا له وتفصيلا قال: الجهة المعجزة في القرآن تعرف بالتفكر في علم البيان ~~وهو كما اختاره جماعة في تعريفه ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى وعن ~~تعقيده، وتعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال، لأن ~~جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه ms0062 وإلا لكانت قبل نزوله معجزة، ولا مجرد ~~تأليفها وإلا لكان كل تأليف معجزا، ولا إعرابها وإلا لكان كل كلام معرب ~~معجزا، ولا مجرد أسلوبه وإلا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزا - والأسلوب ~~الطريق - ولكان هذيان مسيلمة معجزا، ولأن الإعجاز يوجد دونه أي الأسلوب في ~~نحو {فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا} [يوسف: 80] {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: ~~94] ولا بالصرف عن معارضته، لأن تعجبهم كان من فصاحته، ولأن مسيلمة وابن ~~المقفع والمعري وغيرهم قد تعاطوها فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع # PageV01P183 # وتنفر منه الطباع ويضحك منه في أحوال تركيبه ويهان بتلك الأحوال، أعجز ~~البلغاء وأخرس الفصحاء؛ فعلى إعجازه دليل إجمالي وهو أن العرب عجزت عنه وهو ~~بلسانها فغيرها أحرى، ودليل تفصيلي مقدمته التفكر في خواص تركيبه، ونتيجته ~~العلم بأنه تنزيل من المحيط بكل شيء علما - انتهى. وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى في أواخر العنكبوت ما ينفع ها هنا وأشار سبحانه في تهديدهم بقوله: ~~{فاتقوا النار} كذا قال الحرالي، وهي جوهر لطيف يفرط لشدة لطافته في تفريط # PageV01P184 # المتجمد بالحر المفرط وفي تجميد المتمتع بالبرد المفرط. # وقال غيره: جسم لطيف مضيء حار من شأنه الإحراق {التي وقودها} أي الشيء ~~الذي يتوقد ويتأجج به {الناس والحجارة} التي هي أعم من أصنامهم التي قرنوا ~~بها أنفسهم في الدنيا إلى أنهم لم يقدروا على المعارضة واستمروا على ~~التكذيب، كانوا معاندين ومن عاند استحق النار، وإلى أنهم إذا أحرقوا فيها ~~أوقد عليهم بأصنامهم تعريضا بأنها وإن كانت في الدنيا لا ضرر فيها ولا نفع ~~باعتبار ذواتها فهي في الآخرة ضرر لهم بلا نفع بشفاعة ولا غيرها؛ وتعريف ~~النار وصلة الموصول لأن أخبار القرآن بعد ثبوت أنه من عند الله معلومة ~~مقطوع بها فهو من باب تنزيل الجاهل منزلة العالم تنبيها على أن ما جهله لم ~~يجهله أحد. # PageV01P185 # وقال الحرالي: الحجارة ما تحجر أي اشتد تصام أجزائه من الماء والتراب، ~~{واتقوا} أي توقفوا عن هذه التفرقة بين الله ورسوله حيث تذعنون لربوبيته ~~وترتابون في رسوله، فالنار معدة للعذاب بأشد التفريق لألطف ms0063 الأجزاء الذي هو ~~معنى الحرق لمن فرق وقطع ما يجب وصله، أي لما فاتتكم التقوى بداعي العلم ~~فلا تفتكم التقوى بسائق الموجع المخصوص المناسب عذابه لفعلكم، فإنها نار ~~غذاؤها واشتعالها بالكون كله أنهاه تركيبا وهم الناس الملائمون لمارجها ~~بالنوس وأطرفه وأجمده وهي الحجارة فهي تسع ما بين ذلك من باب الأولى، وفيه # PageV01P186 # إشعار بمنتها وقوتها وأنها بحكم هذا الوسع للالتصاق بخلق يعني وليست كنار ~~الدنيا التي غذاؤها من ضعيف الموالد وهو النبات ولا تفعل في الطرفين إلا ~~بواسطة وكان غذاؤها ووقودها النبات إذ كانت متقدحة منه كما قال: {الذي جعل ~~لكم من الشجر الأخضر نارا} [يس: 80] وتقول العرب: في كل شجر نار واستمجد ~~المرخ والعفار، وذلك على حكم ما تحقق أن الغذاء للشيء مما منه أصل كونه ~~وقال: {وقودها} لأن النار أشد فعلها في وقودها لأن بتوسطه تفعل فيما سواه، ~~فإذا كان وقودها محرقها كانت فيه أشد عملا لتقويها به عليه، ويفهم اعتبارها ~~بنار الدنيا # PageV01P187 # انقداحها من أعمال المجزيين بها ومن كونهم، فهم منها مخلوقون وبها مغتذون ~~إلا أنها منطفية الظاهر في الدنيا متأججة في يوم الجزاء ومثال كل مجزي منها ~~بمقدار ما في كونه من جوهرها. # قلت: ويؤيده {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء: 27] أي في أن ~~الغالب عليهم العنصر الناري المفسد لما قاله: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين ~~على الكافرين تؤزهم أزا} [مريم: 27] قال: وفي ذكر الحجارة إفهام عموم البعث ~~والجزاء لما حوته السماء والأرض وأن كل شيء ليس الثقلين فقط يعمه القسم بين ~~الجنة والنار كما عمه القسم بين الخبيث والطيب؛ وإنما اقتصر في مبدأ عقيدة ~~الإيمان على الإيمان ببعث الثقلين وجزائهم تيسيرا واستفتاحا، وما سوى ذلك ~~فمن زيادة الإيمان وتكامله كما قال: # {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4] ومن العلماء من وقف بإيمانه على ~~بعث الثقلين وجزائهما، حتى أن منهم من ينكر جزاء ما سواهما ويتكلف تأويل ~~مثل قوله عليه السلام: «يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء» انتهى. # ولما تم ذلك وكان {الناس} عاما للكافر وغيره كان ms0064 كأنه قيل: هذه النار ~~لمن؟ فقيل: {أعدت} أي هيئت وأكملت قبل زمن استعمالها # PageV01P188 # وتقاد للمجهول لأن المشتكي إذا جهل فاعله كان أنكأ {للكافرين} فبين أنها ~~موجودة مهيأة لهم ولكل من اتصف بوصفهم وهو ستر ما ظهر من آيات الله. قال ~~الحرالي: وهي عدة الملك الديان لهم بمنزلة سيف الملك من ملوك الدنيا - ~~انتهى. ولما ذكر ما لهم ترهيبا اتبعه ما للمؤمنين ترغيبا فقال صارفا وجه ~~الخطاب بالرحمة إلى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم عاطفا على ما تقديره: ~~فأنذرهم بذلك، ولكنه طواه لأن السياق للاستعطاف {وبشر} والبشرى قال الحرالي ~~إظهار غيب المسرة بالقول: {الذين آمنوا} أي صدقوا الرسل {وعملوا} قال ~~الحرالي: من العمل وهو فعل بني على علم أو زعمه {الصالحات} من الأقوال ~~والأفعال، قال الحرالي: جمع صالحة، # PageV01P189 # وهو العمل المتحفظ به من مداخل الخلل فيه، وإذا كانت البشرى لهؤلاء ~~فالمؤمنون أحق بما فوق البشرى، وإنما يبشر من يكون على خطر، والمؤمن مطمئن ~~فكيف بما فوق ذلك من رتبة الإحسان إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وما لا ~~يناله علم نفس ولا خطر على قلب بشر. # ولما ذكر المبشر اتبعه المبشر به فقال: {أن لهم جنات} أي متعددة، قال ~~الحرالي: لتعدد رتب أفعالهم التي يطابق الجزاء ترتبها وتعددها كما قال عليه ~~الصلاة والسلام للتي سألت عن ابنها: «إنها جنان وإن # PageV01P190 # ابنك أصاب الفردوس الأعلى» وفي التعبير بلهم إشعار بأن ذلك الذي لهم ~~ينبغي لحاقه بذواتهم ليحصل به من كمال أمرهم وصلاح حالهم نحو مما يحصل ~~بكمال خلقهم وتسويتهم. والجنات مبتهجات للنفوس تجمع ملاذ جميع حواسها، تجن ~~المتصرف فيها أي تخفيه وتجن وراء نعيمها مزيدا دائما - انتهى. # ثم وصفها بأنها {تجري} قال الحرالي: من الجري وهو إسراع # PageV01P191 # حركة الشيء ودوامها، {من تحتها} أي من تحت غرفها، والتحت ما دون المستوى، ~~{الأنهار} جمع نهر، وهو المجرى الواسع للماء - انتهى. فإسناد الجري إليها ~~مجاز، والتعريف لما عهده السامع من الجنس ويحتمل أن يكون المعنى أن أرضها ~~منبع الأنهار، فتحت كل شجرة ms0065 وغرفة منبع نهر، فهي لا تزال غضة يانعة متصلة ~~الزهر والثمر لا كما يجلب إليه الماء وربما انقطع في وقت فاختل بعض أمره. # قال الحرالي: وإذا تعرف حال العامل من وصف جزائه علم أن أعمالهم كانت ~~مبنية على الإخلاص الذي هو حظ العاملين من التوليد الذي الماء آيته - ~~انتهى. # فلما كانت الجنان معروفة بالثمار ساق وصفها بذلك مساق ما لا شك فيه بخلاف ~~جري الأنهار فقال: {كلما} وهي كلمة تفهم تكرر الأمر في عموم الأوقات {رزقوا ~~منها من ثمرة} أي ثمرة كانت رزقا {قالوا} لكونه على صورة ما في الدنيا ~~{هذا} أي الجنس لاستحكام الشبه {الذي رزقنا من قبل} أي في الدنيا، ولما كان ~~الرزق معلوما ولم يتعلق غرض بمعرفة الآتي بالرزق بنيا للمجهول فقال تعالى ~~عاطفا # PageV01P192 # على ما تقديره لأنا خلقناه على شكل ما كان ليكونوا به أغبط ولمزيته أعرف ~~وله أقبل وإليه أميل موحدا للضمير إشارة إلى أنه لاستحكام الشبه كأنه واحد ~~{وأتوا به} أي جيء لهم بهذا الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة من غير ~~تطلب وتشوق {متشابها} في مطلق اللون والجنس ليظن أنه متشابه في الطعم، ~~فيصير فضله في ذلك بالذوق نعمة أخرى والتشابه المراد هنا اشتراك في ظاهر ~~الصورة، والإتيان بأداة التكرار يدل على أن الشبه يزداد عظمة في كل مرة ~~فيزداد العجب وجعل الحرالي # PageV01P193 # هذا خاصا بثمار الجنة فقال: من قبل إعلام بأن أشخاص ثمر الجنة وآحادها لا ~~تتمايز لأنها على أعلى صورتها لا تتفاوت بأعلى وأدنى ولا يتراخى زمان ~~عودها، فهي تتخلف لآن قطفها ولا تتمايز صور المقطوف من الخالف حتى يظن ~~القاطف أن المتخلف عين الأول؛ فحال ثمر الجنة كحال الماء الذي هو أصله، ~~وبسرعة الخلف من ثمر الجنة وأنه متصل جرية الوجود قال عليه السلام في عنقود ~~من ثمرها: «لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» ويشعر ذلك عند اعتبار ~~العمل به بأن نياتهم في الأعمال صالحة ثابتة مرابطة حتى جروا بها هذا ~~الاتصال وكمال الصورة في الرزق ومنه حديث ms0066 مرفوع أخرجه الطبراني عن سهل بن ~~سعد: «نية المؤمن خير من عمله» {وأتوا به متشابها} أظهر عذرهم في توهم # PageV01P194 # اتحاد الثمر وعرف بأمنتهم من العنا، لأنه لو تفاوت تبعه الكراهة للأدنى ~~وتكلف للانتقاء للأعلى وذلك إنما هو لائق بكيد الدنيا لا بنعيم الجنة، وقد ~~ذكر بعض العلماء اطراد هذا التشابه في ثمر الجنة وإن اختلفت أصنافه، ويضعفه ~~ما يلزم منه كمال الدلالة في المعنى والصورة في نحو # PageV01P195 # قوله تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن: 68] وما يجري مجراه - ~~انتهى. # ولما ذكر المسكن الذي هو محل اللذة وأتبعه المطعم المقصود بالذات وكانت ~~لذة الدار لا تكمل إلا بأنس الجار لا سيما المستمتع به قال: {ولهم فيها} أي ~~مع ذلك {أزواج} ولما كن على خلق واحد لا نقص فيه أشار إليه بتوحيد الصفة، ~~وأكد ذلك بالتعبير بالتفعيل إلماما بأنه عمل فيه عمل ما يبالغ فيه بحيث لا ~~مطمع في الزيادة فقال: {مطهرة} . # قال الحرالي: والزوج ما لا يكمل المقصود من الشيء إلا معه على نحو من ~~الاشتراك والتعاون، والتطهير تكرار إذهاب مجتنب بعد مجتنب عن الشيء؛ ولما ~~ذكر تعالى الرزق المستثمر من أعمال الذين آمنوا وصل به ذكر الأزواج ~~المستثمرة من حال نفوسهم من # PageV01P196 # حسن أخلاقها وجمال صورتها الباطنة في الدنيا، وكانت المرأة زوج الرجل لما ~~كان لا يستقل أمره في النسل والسكن إلا بها - انتهى. # ولما كان خوف الزوال أو الانتقال إلى أدنى منغصا فلا تروق اللذة إلا مع ~~الاستقرار وكان هذا الوصف عاما في جميع الجنان العلى وغيرها قال مقدما ~~للجار إشارة إلى أنهم لا يكونون في جنة إلا وهذه صفتها وأن نعيمهم لا آخر ~~له {وهم فيها} ولما أفاد تقديم الظرف تخصيص الكون بها وعدم الكون في غيرها ~~وكان ذلك معنى الخلود وكان قد يطلق على الإقامة بلا نهاية على طول الإقامة ~~وإن كان له آخر صرح به بيانا بأن المراد ما لا آخر له وإلا لم يفد شيئا ~~جديدا فقال: {خالدون} # PageV01P197 # والخلود طول الإقامة بالقرار، وسياق الامتنان أغنى عن ms0067 تقييده بالتأبيد ~~والدوام. # PageV01P198 # ولما ثبت بعجزهم عن المعارضة أن هذا الكلام كلامه سبحانه ثبت أن ما فيه ~~من الأمثال أقواله فهددهم في هذه السورة المدنية على العناد وتلاه بالآية ~~التي أخبر فيها بأن ثمار الدنيا وأزواجها وإن شابهت ما في الجنة بالاسم ~~وبعض الشكل فقد باينته بالطعوم والطهارة وما لا يعلمه حق علمه إلا الله ~~تعالى فاضمحلت نسبتها إليها، وكان في ختم الآية بخالدون إشارة إلى أن ~~الأمثال التي هي أحسن كلام الناس وإن شابهت أمثاله سبحانه في الاسم ودوام ~~الذكر فلا نسبة لها إليها لجهات لا تخفى على المنصف فلم يبق إلا طعنهم ~~بأنها لكونها بالأشياء الحقيرة لا تليق بكبريائه فبين حسنها ووجوب الاعتداد ~~بها وإنعام النظر فيها بالإشارة بعدم الاستحياء من ضربها لكونها حقا إلى أن ~~الأشياء كلها وإن عظمت حقيرة بالنسبة إلى جلاله وعظمته وكماله، فلو ترك ~~التمثيل بها لذلك # PageV01P198 # لانسد ذلك الباب الذي هو من أعجب العجاب فقال تعالى على طريق الاستنتاج ~~من المقدمات المسلمات وأكد سبحانه دفعا لظن أنه يترك لما لبسوا به الأمثال ~~التي هي أكشف شيء للأشكال وأجلى في جميع الأحوال. وقال الحرالي: لما كانت ~~الدعوة تحوج مع المتوقف فيها # PageV01P199 # والآبي لها إلى تقريب للفهم بضرب الأمثال وكانت هذه الدعوة جامعة الدعوات ~~وصل بها هذه الآية الجامعة لإقامة الحجة في ضرب الأمثال وأن ذلك من الحق ~~سبحانه {والله لا يستحيي من الحق} [الأحزاب: 53] وليختم ذكر ما تضمنه صدر ~~السورة من الحروف التي أنزل عليها القرآن بسابعها الذي هو حرف المثل، وبين ~~تعالى أن مقدار الحكمة الشاهد للممثل في البعوضة وفيما هو أظهر للحس وآخذ ~~في العلم. وإنما يجب الالتفات للقدر لا للمقدار ولوقع المثل على ممثله قل ~~أو جل دنا أو علا فتنزه تعالى عما يجده الخلق عندما ينشأ من بواطنهم وهمهم ~~أن يظهروا أمرا فيتوهمون فيه نقصا فيرجعهم ذلك عن إظهاره قولا أو فعلا - ~~انتهى. فقال تعالى: {إن الله} أي المحيط بكل شيء جلالا وعظمة # PageV01P200 # وكمالا {لا يستحيي} أي لا يفعل ما ms0068 يفعله المستحي من ترك ما يستحي منه. # والحياء قال الحرالي انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن ~~لمواجهة ما تراه نقصا حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن {أن} كلمة مدلولها ممن ~~أجريت عليه حقيقة باطن من ذاته وعلمه يتصل بها ما يظهرها، وسيبويه رحمه ~~الله يراها اسما، وعامة النحاة لانعجام معناها عليهم يرونها حرفا {يضرب} من ~~ضرب المثل وهو وقع المثل على الممثل، # PageV01P201 # لأن أصل الضرب وقع شيء على شيء، والمعنى أن يوجد الضرب متجددا مستمرا ~~وهذا لا يساويه أن يقال من ضربه مثلا، فإنه يصدق لمثل واحد سابق أو لاحق، ~~وتحقيقه أن المصدر لا يقع إلا على كمال الحقيقة من غير نظر إلى زمان ولا ~~غيره وأما بفعل فإنه يفهم إيقاع الحقيقة من غير نظر أيضا إلى زمان، وبفهمها ~~مع النظر إلى الزمان مع التجدد والاستمرار ومع كمال الحقيقة وقبل كمالها ~~عند الشروع فيها وإلى هذا القيد الأخير ينظر قول الحرالي: إن الحياء من أن ~~يضرب المثل استحياء من وقعه في الباطن، والحياء من ضربه المثل استحياء من ~~إظهاره بالقول، فنفى الأصل الأبلغ الذي بنفيه يكون نفي الضرب أحق، فليراجع ~~هذا المعنى مع تكرار كلمة «إن» فإنها كثيرة الدور في القرآن جليلة قدر ~~المعنى في مواقعها، وإنما يجري # PageV01P202 # على ترك الالتفات إلى موقع معناها ما يقوله النحاة في معنى التقريب إن أن ~~والفعل في معنى المصدر، والواجب في الإعراب والبيان الإفصاح عن ترتب ~~معانيهما، وعند هذا يجب أن تكون أن اسما والفعل صلتها نحو من وما {مثلا ما} ~~مثل أمر ظاهر للحس ونحوه، يعتبر به أمر خفي يطابقه فينفهم معناه باعتباره و ~~«ما» في نحو هذا الموقع لمعنى الاستغراق، فهي هنا لشمول الأدنى والأعلى من ~~الأمثال - انتهى. # ثم بين ذلك بقوله: {بعوضة} . # وقال الحرالي: ولما كان ضرب المثل متعلقا بمثل وممثل كان الضرب واقعا ~~عليهما، فكان لذلك متعديا إلى مفعولين: مثلا ما وبعوضة، والبعوض جنس معروف ~~من أدنى الحيوان الطائر مقدارا وفيه استقلال وتمام خلقة، يشعر به معنى ~~البعض ms0069 الذي منه لفظه، لأن البعض يوجد فيه # PageV01P203 # جميع أجزاء الكل فهو بذلك كل، {فما فوقها} أي من معنى يكون أظهر منها، ~~والفاء تدل على ارتباط ما إما تعقيب واتصال أو تسبيب، ففيه هنا إعلام بأقرب ~~ما يليه على الاتصال والتدريج إلى أنهى ما يكون - انتهى. والمعنى أن ذلك إن ~~اعتبر بالنسبة إليه سبحانه كان هو وأنتم وغيركم بمنزلة واحدة في الحقارة، ~~وإن اعتبر بالنسبة إليكم كان الفريقان بمنزلة واحدة في أنه خلق حقير ضعيف ~~صغير من تراب، وأما شرف بعضه على بعض فإنما كان بتشريف الله له ولو شاء ~~لعكس الحال. # ثم ذكر شأن قسمي المؤمنين والكافرين بقسمي كل منهم في قبول أمثاله فقال ~~مؤكدا بالتقسيم لأن حال كل من القسمين حال المنكر لما وقع للآخر: {فأما} ، ~~قال الحرالي: كأنها مركبة من «إن» # PageV01P204 # دالة على باطن ذات و «ما» دالة على ظاهر مبهم، يؤتى به للتقسيم - انتهى. ~~{الذين آمنوا} أي بما ذكرنا أول السورة، ولما تضمن أما معنى الشرط كما فسره ~~سيبويه بمهما يكن من شيء أجيب بالفاء في قوله: {فيعلمون أنه} أي ضرب المثل ~~{الحق} كائنا {من ربهم} أي المحسن إليهم بجميع أنواع الإحسان، وأنه ما أراد ~~بهم إلا تربيتهم بالإحسان بضربه على عوائد فضله، وأما أمثال غيره فإن لم ~~يكن فيها نوع من الباطل فلا بد فيها من ضرب من التسمح تكون به غير جديرة ~~باسم الحق ولا عريقة فيه. # قال الحرالي: لما كان الذين آمنوا ممن بادر فأجاب وكان ضرب المثل تأكيد ~~دعوة وموعظة لمن حصل منه توقف حصل للذين آمنوا استبصار بنور الإيمان في ضرب ~~المثل، فصاروا عالمين بموقع الحق فيه، وكما استبصر فيه الذين آمنوا استغلق ~~معناه على الذين كفروا وجهلوه # PageV01P205 # فاستفهموا عنه استفهام إنكار لموقعه - انتهى. فلذا قال {وأما الذين ~~كفروا} أي المجاهرون منهم والمساترون {فيقولون} أي قولا مستمرا {ماذا} أي ~~الذي {أراد الله} الذي هو أجل جليل {بهذا} الحقير أي بضربه له {مثلا} أي ~~على جهة المثلية استهزاء وجهلا وعنادا وجفاء؛ ثم وصل ms0070 بذلك ذكر ثمرته عند ~~الفريقين جوابا لسؤال من سأل # PageV01P206 # منهم فقال: {يضل به كثيرا} أي منهم بأن لا يفهمهم المراد منه فيظنون بذلك ~~الظنون. وقال الحرالي: وكان إضلالا لهم، لأن في ضرب المثل بما يسبق لهم ~~استزراؤه بنحو الذباب والعنكبوت الذي استزروا ضرب المثل به تطريق لهم إلى ~~الجهالة فكان ذلك إضلالا، وقدم الجواب بالإضلال لأنه مستحق المستفهم، ~~والإضلال التطريق للخروج عن الطريق الجادة المنجية - انتهى. # {ويهدي به كثيرا} أي ببركة اعتقادهم الخير وتسليمهم له الأمر يهديهم ربهم ~~بإيمانهم فيفهمهم المراد منه ويشرح صدورهم لما فيه من المعارف فيزيدهم به ~~إيمانا وطمأنينة وإيقانا، والمهديون كثير في الواقع قليل بالنسبة إلى ~~الضالين. ولما كان المقام للترهيب كما مضى في قوله: {فاتقوا النار} اكتفى ~~في المهتدين بما سبق من بشارتهم وقال في ذم القسم الآخر وتحذيره: {وما يضل ~~به إلا} ، قال الحرالي: كأنها مركبة # PageV01P207 # من «إن» و «لا» مدلولها نفي حقيقة ذات عن حكم ما قبلها - انتهى. ~~{الفاسقين} أي الخارجين عن العدل والخير. وقال الحرالي: الذين خرجوا عن ~~إحاطة الاستبصار وجهات تلقي الفطرة والعهد الموثق وحسن الرعاية، لأن الفسق ~~خروج عن محيط كالكمام للثمرة والجحر للفأرة - انتهى. # ثم بينهم بقوله: {الذين ينقضون} من النقض وهو حل أجزاء الشيء بعضها عن ~~بعض {عهد الله} أي الذي أخذه عليهم على ما له من العظمة بما ركز فيهم من ~~العقول ونصب لهم من الدلائل والعهد التقدم في الأمر - قاله الحرالي. # PageV01P208 # ولما كان المراد عهدا خاصا وهو إرسال الرسل عليهم السلام أثبت الخبر ~~فقال: {من بعد ميثاقه} أي بدلالة الكتب على ألسنة الرسل مع تقريبه من الفطر ~~وتسهيله للنظر، والوثاق شدة الربط وقوة ما به يربط - قاله الحرالي {ويقطعون ~~ما أمر الله} أي الملك الأعظم، ولما كان البيان بعد الإجمال أروع للنفس ~~قال: {به} ثم فسره بقوله: {أن يوصل} أي من الخيرات، قال الحرالي: والقطع ~~الإبانة في الشيء الواحد والوصل مصيرا لتكملة مع المكمل شيئا واحدا كالذي ~~يشاهد في إيصال الماء ونحوه وهو إعلام بأنهم يقطعون ms0071 متصل الفطرة ونحوها ~~فيسقطون عن مستواها وقد أمر الله أن يوصل بمزيد علم يتصل بها حتى يصل نشؤها ~~إلى أتم ما تنتهي إليه، وكذلك حالهم في كل أمر # PageV01P209 # يجب أن يوصل فيأتون فيما يطلب فيه الأمر الأكمل بضده الأنقص - انتهى. # {ويفسدون} ولما قصر الفعل ليكون أعم قال: {في الأرض} أي بالنكوب عن طريق ~~الحق. قال الحرالي: ولما كانت الأرض موضوعة للنشىء منها وفيها وموضع ظهور ~~عامة الصور الرابية اللازمة الجسمية ومحل تنشؤ صورة النفس بالأعمال ~~والأخلاق وكان الإفساد نقض الصور كما قال تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض ~~ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] كان ~~فعلهم فيها من نحو # PageV01P210 # فعلهم في وضع الضد السيء موضع ضده الأكمل والتقصير بما شأنه التكملة فكان ~~إفسادا لذلك - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: إن فعل هؤلاء لقبيح جدا فما حالهم؟ قال: {أولئك} أي ~~الأباعد من الصواب {هم الخاسرون} أي الذين قصروا الخسران عليهم، والخسارة ~~النقص فيما شأنه النماء - قاله الحرالي، ومن المعلوم أن هذا نتيجة ما مضى ~~من أوصافهم. قال الحرالي: ولما كان الخاسر من كان عنده رأس مال مهيأ للنماء ~~والزيادة فنقصه عن سوء تدبير، وكان أمرهم في الأحوال الثلاث المنسوقة حال ~~من نقص ما شأنه # PageV01P211 # النماء كانوا بذلك خاسرين فلذلك انختمت الآية بهذا؛ وأشير إليهم بأداة ~~البعد لوضعهم في أبعد المواضع عن محل الخير - انتهى. # ولما دعا سبحانه إلى التوحيد ودل عليه وأنذر من أعرض وبشر من أقبل وذكر ~~حال الفريقين في قبول الأدلة التي زبدتها الأمثال وإبائها التفت إلى تبكيت ~~المدبر لعله يستبصر، واستمر سبحانه في دلائل التوحيد حتى قامت قيام الأعلام ~~ونفذت نفوذ السهام حتى تخللت صميم العظام لقد ظهرت فلا تخفى على أحد إلا ~~على أكمه لا يبصر القمر في أسلوب مشيرا إلى البعث منبه على التخلص من ~~الخسارة، وما أبدع افتتاح ذلك عقب «الخاسرين» بقوله على طريق التفات المغضب ~~المستعطف المعجب! {كيف} # PageV01P212 # وقال الحرالي: لما تقدمت الدعوة للناس فأجاب مبادر وتوقف متوقف فضربت ~~الأمثال ms0072 فاستدرك وآمن وتمادى متماد على كفره صرف وجه الخطاب عن المواجهة من ~~الحق تعالى وأجري على لسان لؤم وإنكار، فجاء هذا الاستفهام لإيضاح انقطاع ~~العذر في التمادي على الكفر، وجاء بلفظ كيف لقصور نظرهم على الكيفيات ~~المحسوسة فإن كيف كلمة مدلولها استفهام عن عموم الأحوال التي شأنها أن تدرك ~~بالحواس، فكأنه يقال لهم بمدرك: أي حاسة تماديتم على الكفر بالله؟ على ما ~~تقتضيه صيغة الفعل الدائم في {تكفرون} انتهى. # وقال: {بالله} أي مع ظهور عظمته وعلوه، والإنكار الموجب لنفي المنكر، كما ~~في قولك: أتطير بغير جناح، يفيد أنه كان ينبغي أن يكون الكفر في حيز ~~الممتنع لما على بطلانه وصحة التوحيد من الأدلة التي تفوت الحصر، وإنكار ~~حاله إنكار لوجوده على طريق البرهان، لأنه إذا امتنع أن يوجد في حال # PageV01P213 # من الأحوال امتنع وجوده مطلقا. # قال الحرالي: وأعلى هذا الخطاب فأبعدوا عن تيسيره بذكر اسم «الله» لما لم ~~يكونوا من أهل قبول التنزل بدعوى اسم الربوبية حيث لم يكونوا ممن أجاب ~~مبادرا ولا تاليا حسبما تشعر به آية تحقيق ضرب الأمثال. ولما جرى هذا ~~الخطاب بذكر اسم الله أعقب بذكر الأفعال الإلهية التي هي غايات من الموت ~~والإحياء المعروف اللذين لا ينكر الكفار أمرهما - انتهى. {وكنتم} أي والحال ~~أنكم تعلمون أنكم كنتم {أمواتا} بل مواتا ترابا ثم نطفا. قال الحرالي: من ~~الموت وهو حال خفاء وغيب يضاف إلى ظاهر عالم يتأخر عنه أو يتقدمه تفقد فيه ~~خواص ذلك الظهور الظاهرة - انتهى. وإطلاق الموت على ما لم تحله حياة مجاز، ~~وسر التعبير به التنبيه على أنه أكثر ما تكون الإعادة التي ينكرونها مثل ~~الابتداء، فلا وجه أصلا لإنكارها مع الاعتراف بالابتداء. فكيف والإعادة ~~دونه {فأحياكم} فصرتم ذوي حس وبطش وعقل. قال # PageV01P214 # الحرالي: وجاء بالفاء المشعرة بالتعقيب لما لم يكن لهم معرفة بمهل الموت ~~الذي قبل حياة الولادة، والحياء تكامل في ذات ما أدناه حياة النبات بالنمو ~~والاهتزاز مع انغراسه إلى حياة ما يدب بحركته وحسه إلى غاية حياة الإنسان ~~في تصرفه ms0073 وتصريفه إلى ما وراء ذلك من التكامل - انتهى. {ثم يميتكم} بعد مد ~~الأعمار والتقليب في الأطوار فإذا أنتم أجساد كالفخار كأنه لم تحل بها حياة ~~ساعة قط، وبدلتم بعد الأنس بكم الوحشة، وإثر محبة القرب منكم النفرة؛ ~~وتمثيل الموت بما نعهده أن طلب الملك كما أنه يحصل به من الروع ما يكاد ~~يتلف وربما أتلف كان طلب ملك الملوك موجبا للموت. قال الحرالي: وهذه ~~الأحوال الثلاثة أي الموت المعبر به عن العدم ثم الحياة ثم الموت معروفة ~~لهم لا يمكنهم إنكارها، وإذا صح منهم الإقرار بحياة موت لزمهم الإقرار ~~بحياة موت آخر لوجوب الحكم بصحة وجود ما قد سبق مثله، كما قال تعالى: {أو ~~ليس الذي خلق السماوات والأرض # PageV01P215 # بقادر على أن يخلق مثلهم} [يس: 81] ولدن ذلك من العلم أن الموت والحياة ~~مزدوجان متضايفان، وإذا استوفى الموت الأول إحياؤه فلا بد من استيفاء الموت ~~الثاني إحياؤه أيضا، لأنه لولا استقبال الحياة لما كان موتا بل بطلا وفقدا ~~واضمحلالا، لأن حقيقة الموت حال غيب بين يديه ظهور، والحياة نهاية ثابتة، ~~والموت مبدأ غيب زائل، فجنس الموت كله متقض ونهاية، والحياة ثابتة دائمة؛ ~~ولذلك ورد ما صح عنه عليه الصلاة والسلام في أن الموت يذبح، إعلام بانقضاء ~~جنسه وثبات الحياة، ولذلك قدم في الذكر وأعقب بالحياة حيث استغرقتهما كلمة ~~«أل» في # PageV01P216 # قوله: # {خلق الموت والحياة} [الملك: 2] وثبت الخطاب على إقرار الحياة والكمال، ~~كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في قوله: «نعيم الجنة لا آخر له» فوجب ~~بظاهر ما أحسه الكفار وباطن ما اقتضاه هذا النحو من العلم دونه انتشار حياة ~~ثانية بعد ميتة الدنيا - انتهى. # ولما كان على البعث والحشر من الأدلة ما جعلهما كالمحسوسين عدهما في حيز ~~المعلوم لهم كالإحياء الأول والموت فقال: {ثم يحييكم} فينشركم بعد طيكم ~~ويبعثكم بعد حبسكم في البرزخ، فتكونون كما كنتم أول مرة ذوي قدرة على ~~الانتشار بتلك القدرة التي ابتدأكم بها وأماتكم، # PageV01P217 # وهذا لا ينفي أن يكون لهم في البرزخ إحساس بدون هذه الهيئة ms0074 الكاملة، {ثم ~~إليه ترجعون} فيحشركم بعد طول الوقوف للجزاء من الثواب والعقاب؛ وفي هذا ~~كما قال الحرالي: إعلام بأنهم إن لم يرجعوا إلى الله سبحانه بداعي العلم في ~~الدنيا فبعد مهل من الإحياء الثاني يرجعون إليه قهرا حيث يشاهدون انقطاع ~~أسبابهم ممن تعلقوا به ويتبرأ منهم ما عبدوه من دون الله، وإنما جاء هذا ~~المهل بعد البعث لما يبقى لهم من الطمع في شركائهم حيث يدعونهم فلم ~~يستجيبوا لهم، فحينئذ يضطرهم انقطاع أسبابهم إلى الرجوع إلى الله فيرجعون ~~قسرا وسوقا فحينئذ يجزيهم بما كسبوا في دنياهم، كما قال تعالى في خطاب يعم ~~كافة أهل الجزاء {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون} [البقرة: 281] وهذا آخر خطاب الإقبال عليهم من دعوة الله ~~لهم ولسان النكير عليهم، ولذلك كانت آية: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله} [البقرة: 281] آخر آية أنزلت في القرآن، لأنها نهاية ليس وراءه قول ~~يعم أهل الجزاء؛ والرجع عود # PageV01P218 # الشيء عند انتهاء غايته إلى مبدئها - انتهى. # ولما أجمل سبحانه في أول هذه الآية أول أمرهم وأوسطه وآخره على الوجه ~~الذي تقدم أنه منبه على أن الكفر ينبغي أن يكون من قبيل الممتنع لما عليه ~~من باهر الأدلة شرع يفصله على وجه داع لهم إلى جنابه بالامتنان بأنواع ~~الإحسان بأمر أعلى في إفادة المقصود مما قبله على عادة القرآن في الترقي من ~~العالي إلى الأعلى فساق سبحانه ابتداء الخلق الذي هو من أعظم الأدلة على ~~وحدانيته مساق الإنعام على عباده بما فيه من منافعهم ليكون داعيا إلى ~~توحيده من وجهين: كونه دالا # PageV01P219 # على عظمة مؤثرة وكمال قدرته، وكونه إحسانا إلى عباده ولطفا بهم، وقد جبلت ~~القلوب على حب من أحسن إليها فقال: {هو} ، قال الحرالي: وهي كلمة مدلولها ~~العلي غيب الإلهية القائم بكل شيء الذي لا يظهر لشيء، فذاته أبدا غيب، ~~وظاهره الأسماء المظهرة من علو إحاطة اسم الله إلى تنزل اسم الملك، فما ~~بينهما من الأسماء المظهرة، ثم قال: لما انتهى ms0075 الخطاب بذكر إرجاعهم إلى ~~الله وكان هذا خطابا خاصا مع المتمادي على كفره اتبع عند إعراضه وإدباره ~~بهذا الحتم تهديدا رمى به بين أكتافهم وتسبيبا نيط بهم ومد لهم كالمرخى له ~~في السبب الذي يراد # PageV01P220 # أن يجذب به، إما بأن يتداركه لطف فيرجع عليه طوعا، أو يراد به قسرا عند ~~انتهاء مدى إدباره، وانتظم به ختم آية الدعوة بنحو من ابتدائها، إلا أن هذه ~~على نهاية الاقتطاع بين طرفيها وتلك على أظهر الاتساق؛ فأبعدوا في هذه كل ~~البعد بإسناد الأمر إلى اسم هو الذي هو غيب اسم الله وأسند إليه خلق ما خلق ~~لهم في الأرض الذي هو أظهر شيء للحس - انتهى. # {الذي خلق لكم} دينا ودنيا لطفا بكم {ما في الأرض} أي بعد أن سواهن سبعا، ~~قال الحرالي: وقوله: {جميعا} إعلام بأن حاجة الإنسان لا تقوم بشيء دون شيء ~~وإنما تقوم بكلية ما في الأرض حتى لو بطل منها شيء تداعى سائرها - انتهى. ~~والآية دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة، فلا يمنع شيء إلا بدليل. # PageV01P221 # ولما كانت السماء أشرف من جهة العلو الذي لا يرام، والجوهر البالغ في ~~الأحكام، والزينة البديعة النظام، المبنية على المصالح الجسام، وكثرة ~~المنافع والأعلام، عبر في أمرها بثم فقال: {ثم استوى إلى السماء} أي وشرف ~~على ذلك جهة العلو بنفس الجهة والحسن والطهارة وكثرة المنافع، ثم علق ~~إرادته ومشيئته بتسويتها من غير أدنى عدول ونظر إلى غيرها، وفخم أمرها ~~بالإبهام ثم التفسير، والإفراد الصالح لجهة العلو # PageV01P222 # تنبيها على الشرف، وللجنس الصالح للكثرة، ولذلك أعاد الضمير جمعا، فكان ~~خلق الأرض وتهيئتها لما يراد منها قبل خلق السماء، ودحوها بعد خلق السماء؛ ~~على أن ثم للتعظيم لا للترتيب فلا إشكال، وتقديم الأرض هنا لأنها أدل لشدة ~~الملابسة والمباشرة. وقال الحرالي: أعلى الخطاب بذكر الاستواء إلى السماء ~~الذي هو موضع التخوف لهم لنزول المخوفات منه عليهم فقيل لهم: هذا المحل ~~الذي تخافون منه هو استوى إليه، ومجرى لفظ الاستواء في الرتبة والمكانة أحق ~~بمعناه من موقعه ms0076 في المكان والشهادة؛ وبالجملة فالأحق بمجرى الكلم وقوعها ~~نبأ عن الأول الحق، ثم وقوعها نبأ عما في أمره وملكوته، ثم وقوعها نبأ عما ~~في ملكه وإشهاده؛ فلذلك حقيقة اللفظ لا تصلح أن تختص بالمحسوسات البادية في ~~الملك دون الحقائق التي من ورائها من عالم الملكوت، وما به ظهر الملك ~~والملكوت من نبأ الله عن نفسه من الاستواء ونحوه في نبأ الله عن نفسه أحق # PageV01P223 # حقيقة، ثم النبأ به عن الروح مثلا واستوائها على الجسم ثم على الرأس مثلا ~~واستوائه على الجثة فليس تستحق الظواهر حقائق الألفاظ على بواطنها بل كانت ~~البواطن أحق باستحقاق الألفاظ؛ وبذلك يندفع كثير من لبس الخطاب على ~~المقتصرين بحقائق الألفاظ على محسوساتهم {فسواهن} التسوية إعطاء أجزاء ~~الشيء حظه لكمال صورة ذلك الشيء {سبع سماوات} أعطى لكل واحدة منهن حظها # {وأوحى في كل سماء أمرها} [فصلت: 12] انتهى. وخلق جميع ما فيها لكم، ~~فالآية من الاحتباك؛ # PageV01P224 # حذف أولا كون الأراضي سبعا لدلالة الثاني عليه، وثانيا كون ما في السماء ~~لنا لدلالة الأول عليه؛ وهو فن عزيز نفيس وقد جمعت فيه كتابا حسنا ذكرت فيه ~~تعريفه ومأخذه من اللغة وما حضرني من أمثلته من الكتاب العزيز وكلام ~~الفقهاء وسميته «الإدراك لفن الاحتباك» . # ولما كان الخلق على هذه الكيفية دالا بالبديهة على أتم قدرة لصانعه وكان ~~العلم بأن مبنى ذلك على العلم محتاجا إلى تأمل اغتنى في مقطع الآية بقوله: ~~{وهو بكل شيء عليم} أي فهو على كل شيء قدير. ولما ذكر # PageV01P225 # الحياة والموت المشاهدين تنبيها على القدرة على ما اتبعهما به من البعث ~~ثم دل على ذلك أيضا بخلق هذا الكون كله على هذا النظام البديع وختم ذلك ~~بصفة العلم ذكر ابتداء خلق هذا النوع البشري المودع من صفة العلم ما ظهر به ~~فضله بقوله تعالى عطفا على قوله: {اعبدوا ربكم} وبيانا لقوله: {رب ~~العالمين} [الفاتحة: 2] إذ من البدءة تعلم العودة لمن تدبر، أو يكن عطفا ~~على ما تقديره: اذكر هذا لهم، وذلك أنه سبحانه لما خاطبهم بهذا الاستفهام ms0077 ~~الذي من معانيه الإنكار ذاكرا الاسم الأعظم الذي هو أعلى الأسماء وأبطنها ~~غيبا والضمير الذي «هو» أبطن منه، وأتبعه بعض ما هم له منكرون أو به ~~جاهلون، وأشار بقوله: «لكم» مثبتة فيما هو ظاهر عندهم ومحذوفة مما هو خفي ~~عنهم، كما نبه عليه في الاحتباك إلى أنه لم يخلق هذا النوع البشري للفناء ~~بل للبقاء بما أبان عن أنه إنما خلق جميع # PageV01P226 # ما في هذه الأكوان لأجلهم، فالبعض رزق لهم والبعض أسباب له، والبعض ~~أسجدهم لأبيهم وهم في صلبه ووكلهم بهم في حفظ أعمالهم وقسم أرزاقهم ونفخ ~~أرواحهم وغير ذلك من تربيتهم وإصلاحهم؛ لم يكونوا أهلا لفهم هذا الخطاب حق ~~فهمه تلقيا عن الله لعلوه سبحانه وعلو هذا الخطاب بالأسماء الباطنة وما نظم ~~بها من المعاني اللائقة بها علوا وغيبا فأعلم سبحانه بعطف «إذ» على غير ~~ظاهر أنه معطوف على # PageV01P227 # نحو: اذكر لهم أيها الرسول هذا، لأنه لا يفهمه حق فهمه عنا سواك، وهم إلى ~~الفهم عنك أقرب «وإذ» أي واذكر ما اتفق إذ، وحذف هذا المعطوف عليه لاحتمال ~~المأمور بذكره الإنكار والسياق لإيراد الرفق والبشارة على لسانه صلى الله ~~عليه وسلم استعطافا لهم إليه وتحبيبا فيه وفي حذفه أيضا والدلالة عليها ~~بالعاطف حث على تدبر ما قبله تنبيها على جلالة مقداره ودقة أسراره، ولما ~~علمت الإشارة لكن لأهل البصارة أتبعها قصة آدم عليه السلام دليلا ظاهرا ~~ومثالا بينا لخلاصة ما أريد بهذه الجمل مما نبه عليه بالعاطف من أن النوع ~~الآدمي هو المقصود بالذات من هذا الوجود، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يترك ~~بعد موته من غير إحياء يرد به إلى دار لا يكون في شيء من أمورها من أحد نوع ~~من الخلل وتكون الحكمة فيها ظاهرة جدا لا خفاء بها أصلا. # فيظهر الحمد أتم ظهور؛ ولذلك ذكر تفضيل آدم عليه السلام # PageV01P228 # بالعلم، ثم بإسجاد الملائكة له، ثم بإسكانه الجنة، ثم بتلقي أسباب التوبة ~~عند صدور الهفوة؛ وقد روى البيهقي في أواخر الدلائل والحارث بن أبي أسامة ~~والحاكم ms0078 في المستدرك عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: ~~«إن أكرم خليقة الله على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، قلت: رحمك ~~الله! فأين الملائكة؟ فنظر ألي وضحك فقال: يا ابن أخي! وهل تدري ما ~~الملائكة؟ إنما الملائكة خلق كخلق الأرض وخلق السماء وخلق السحاب وخلق ~~الجبال وخلق الرياح وسائر الخلائق التي لا تعصي الله شيئا، وإن أكرم ~~الخلائق على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم» وقال البيهقي: إنه ليس ~~بموقوف بل حكمه الرفع. وقال الحرالي: لما جعل الله تعالى نور العقل هاديا ~~لآيات ما ظهر في الكون وكان من الخلق مهتد به ومعرض عنه بعث الله النبيين ~~مبشرين لمن اهتدى بنور العقل بمقتضى الآيات المحسوسة وتلك هي الحنيفية ~~والملة الإبراهيمية، ومنذرين لمن أعرض عن ذلك وشغلته شهوات دنياه، # PageV01P229 # فترتب لذلك خطاب الكتاب بين ما يخاطب به الأعلين المهتدين وبين ما يخاطب ~~به الأدنين المعرضين، وكذلك تفاوت الخطاب بين ما يخاطب به الأئمة المهتدين ~~والمؤتمون بهم، فكان أعلى الخطاب ما يقبل على إمام الأئمة وسيد السادات ~~وأحظى خلق الله عند الله محمد صلى الله عليه وسلم. فكان أول الخطاب ب الم ~~ذلك الكتاب إقبالا عليه وإيتاء له من الذكر الأول كما قال عليه السلام: ~~«أوتيت البقرة وآل عمران من الذكر الأول» وهو أول مكتوب حين كان الله ولا ~~شيء معه، وكتب في الذكر الأول كل شيء، فخاطبه الله عز وجل بما في الذكر ~~الأول وأنزله قرآنا ليكون آخر المنزل الخاتم هو أول الذكر السابق ليكون ~~الآخر الأول في كتابه كما هو في ذاته، فمن حيث كان الخطاب الأول من أعلى ~~خطاب الله لمحمد صلى الله عليه وسلم انتظم به ما هو أدنى خطاب من آيات ~~الدعوة تنبيها لمن أعرض عن الاستضاءة بنور العقل لما بين الطرفين من # PageV01P230 # تناسب التقابل؛ ثم عاد وجه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم بما هو إعلام ~~بغائب الماضي عن كائن الوقت من أمر ابتداء مفاوضة الحق ملائكته ms0079 في خلق آدم ~~ليكون ذلك ترغيبا للمبشرين في علو الرتب إلى التكامل كما كانت آية الدعوة ~~تنبيها للمعرضين ليعودوا إلى الإقبال، وخصوص الإنزال إنما هو في الإنباء ~~بغيب الكون من ملكوته وغائب أيام الله الماضية ومنتظر أيام الله الآتية، ~~فذلك الذي يخص المهتدين بنور العقل ليترقوا من حد الإيمان إلى رتبة اليقين، ~~وإنما يرد التنبيه والتنزيل بما في نور العقل هدايته من أجل المعرضين؛ فكان ~~ما شمله التنزيل بذلك أربعة أمور: أحدها التنبيه على الآيات بمقتضى أسماء ~~الله من اسمه الملك إلى اسمه الرحمن الرحيم إلى اسمه رب العالمين إلى اسمه ~~العظيم الذي هو الله، والثاني التنبيه على غائب المنتظر الذي الخلق صائرون ~~إليه ترغيبا وترهيبا، والثالث الإعلام بماضي أمر الله جمعا للهمم للجد ~~والانكماش في عبادة الله، والرابع التبصير ببواطن كائن الوقت الذي في ظاهره ~~إعلامه؛ فكان أول التنزيل في هذه السورة أمر أول يوم من ذكر الله وهو كتب ~~مقتضى العلم والقدرة في قسمه تعالى عباده بين مؤمن وكافر ومنافق، ثم أنزل ~~الخطاب إلى آية الدعوة من وراء حجاب الستر بسابق التقدير فعم به الناس ~~ونبههم # PageV01P231 # على آيات ربوبيته وحيا أوحاه الله منه إليه، ثم عطف على ذلك إعلاما ~~لابتداء المفاوضة في خلق آدم عطفا على ذلك الذي يعطيه إفهام هذا الإفصاح، ~~فلذلك قال تعالى {وإذ} فإن الواو حرف يجمع ما بعده مع شيء قبله إفصاحا في ~~اللفظ أو إفهاما في المعنى، وإنما يقع ذلك لمن يعلو خطابه ولا يرتاب في ~~إبلاغه. # وإذ اسم مبهم لما مضى من الأمر والوقت، {قال} من القول وهو إبداء صور ~~الكلم نظما بمنزلة ائتلاف الصور المحسوسة جمعا، فالقول مشهود القلب بواسطة ~~الأذن، كما أن المحسوس مشهود القلب بواسطة العين وغيره. # ثم قال: لما أنبأ الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بما في الذكر من ~~التقدير الذي هو خبء الشرعة ونظم به ما أنزل من دعوة الخلق إلى حكمه فانتظم ~~ذلك رتبتي أمر نظم تعالى بذلك إنزال ذكر خلق معطوفا على ms0080 ذكر خلق أعلى رتبة ~~منه، نسبته منه كنسبة الدعوة من خبئها، فذكر خلق آدم ظاهر خبء ما عطف عليه ~~وهو والله أعلم ذكر خلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو خبء خلق آدم، ~~فكأنه تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بأمر خلقه له بدء وحي سر ثم أعلن ~~بما عطف عليه # PageV01P232 # من ذكر خلق آدم وحي علن ليكون أمر خلق محمد صلى الله عليه وسلم عند ~~الخاصة فهما كما كان أمر خلق آدم عند العامة إفصاحا؛ وكان المفهوم: اذكر يا ~~محمد إذ كان في خلقك كذا وإذ قال: {ربك} أي المحسن إليك برحمة العباد بك ~~الذي خبأك في إظهار خلق آدم {للملائكة} ما أنزل، وتأويل الملائكة عند أهل ~~العربية أنه جمع ملاك مقلوب من مألك من الألك وهي الرسالة، فتكون الميم ~~زائدة ويكون وزنه معافلة، ويكون الملك من الملك وهو إحكام ما منه التصوير، ~~من ملكت # PageV01P233 # العجين، وجمعه أملاك، تكون فيه الميم أصلية، فليكن اسم ملائكة جامعا ~~للمعنيين منحوتا من الأصلين، فكثيرا ما يوجد ذلك في أسماء الذوات الجامعة ~~كلفظ إنسان بما ظهر فيه من أنه من الأنس والنسيان معا، وهو وضع للكلم على ~~مقصد أفصح وأعلى مما يخص به اللفظ معنى واحدا، فللكلام رتبتان: رتبة عامة ~~ورتبة خاصة أفصح وأعلى كلما وكلاما. # قال: وفيه أي هذا الخطاب مع ذلك استخلاص لبواطن أهل الفطانة من أن تعلق ~~بواطنهم بأحد من دونه حين أبدى لهم انفراده بإظهارهم خلقا دون ملائكته ~~الأكرمين، حتى لا تعلق قلوبهم بغيره من أهل الاصطفاء فكيف بمن يكون في محل ~~البعد والإقصاء! توطئة لقبيح ما يقع من بعضهم من اتباع خطوات الشيطان؛ وذلك ~~لأن في كل آية معنى تنتظم به بما قبلها ومعنى تتهيأ به للانتظام بما بعدها؛ ~~وبذلك # PageV01P234 # كان انتظام الآي داخلا في معنى الإعجاز الذي لا يأتي الخلق بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا. # {إني} إن حرف يفهم توكيدا من ذات نفس المؤكد وعلمه. والياء اسم علي يخص ~~المضيف إلى نفسه الذي يضيف ms0081 الأشياء إليه، {جاعل في الأرض} ولما كانت خلافة ~~آدم عليه السلام كاملة في جميع الأرض بنفسه وبذريته وحد لذلك مع أنه يصح أن ~~يراد به الجنس فقال: {خليفة} الخليفة ذات قائم بما يقوم به المستخلف على ~~حسب رتبة ذلك الخليفة منه، فهو خليقة الله في كونه ملكه وملكوته، وهم أيضا ~~بعضهم خلفاء بعض؛ فهو خليفة بالمعنيين - انتهى. # وجعل سبحانه هذا التذكير في سياق داع إلى عبادته وقائد إلى محبته حيث مت ~~إلى هذا النوع الآدمي بنعمه عليهم وإحسانه إليهم قبل # PageV01P235 # إيجادهم، فذكر لهم ما حاج به ملائكته عنهم، وما شرف به أباهم آدم من ~~العلم وأمر الملائكة المقربين بالسجود له، ثم ما وقع لإبليس معه وهما عبدان ~~من عبيده فتاب عليه ولم يتب على إبليس مع سبقه له بالعبادة بل أوجب طرده ~~وأبد بعده فقال تعالى حكاية عن الملائكة جوابا لسؤال من كأنه قال ما قالوا ~~حين أخبرهم سبحانه بذلك: {قالوا} طالبين الإيقان على الحكمة في إيجاد من ~~يقع منه شر {أتجعل فيها} أي في الأرض {من يفسد فيها} أي بأنواع المعاصي ~~بالقوة الشهوانية، {ويسفك} # PageV01P236 # من السفك، قال الحرالي: وهو سكب بسطوة {الدماء} أي بغير حقها بالقوة ~~الغضبية، لعدم عصمتهم، وخلقهم جوفا لا يتمالكون، وأصحاب شهوات عليها ~~يتهالكون؛ وكأنهم لما رأوا صورة آدم تفرسوا فيها ذلك لو سألوا عن منافع ~~أعضائه وما أودع فيها من القوى والمعاني أخبرهم تعالى بما تفرسوا منه ذلك ~~والدم. # قال الحرالي: رزق البدن الأقرب إليه المحوط فيه {ونحن} أي والحال إنا ~~نحن، وهذا الضمير # PageV01P237 # كما قال الحرالي: اسم القائل المستتبع لمن هو في طوع أمره لا يخالفه ~~{نسبح} أي نوقع التسبيح أي التنزيه لك والإبعاد عما لا يليق بك ملتبسين في ~~التسبيح {بحمدك} والحاصل إنا نبرئك عن صفات النقص حال إثباتنا لك صفات ~~الكمال، وحذف المفعول للتعميم؛ وقال الحرالي: التسبيح تنزيه الحق تعالى عن ~~بادية نقص في خلق أو رتبة، وحمد الله استواء أمره علوا وسفلا ومحو الذم عنه ~~والنقص منه، وذلك تسبيح أيضا في ms0082 علو أمر الله، فما سبح بالحمد إلا أهل ~~الحمد من آدم ومحمد صلى الله عليه وسلم، فغاية المسبح الحمد، والحمد تسبيح ~~لمن غايته وراء ذلك الاستواء - انتهى. # {ونقدس} أي نطهر كل شيء نقدر عليه من نفوسنا وغيرها، # PageV01P238 # {لك} أي لا لغيرك لعصمتنا بك، أو المعنى نوقع التقديس أي التطهير لك ~~بمعنى أنك في الغاية من الطهارة والعلو في كل صفة. قال الحرالي: القدس ~~طهارة دائمة لا يلحقها نجس ظاهر ولا رجس باطن، واللام تعلة للشيء لأجله كان ~~ما أضيف به - انتهى. # ولما تضمن تفرسهم هذا نسبتهم أنفسهم إلى العلم المثمر للإحسان، ونسبة ~~الخليفة إلى الجهل المنتج للإساءة أعلمنا سبحانه لنشكره أنه حاج ملائكته ~~عنا، فبين لهم أن الأمر على خلاف ما ظنوا بقوله استئنافا: {قال إني أعلم} ~~أي من ذلك وغيره {ما لا تعلمون} . وقال الحرالي: وأعلم تعالى بما أجرى عليه ~~خلقه من القضاء بما ظهر والحكم على الآتي بما مضى حيث أنبأ عن ملائكته ~~بأنهم قضوا على الخليفة في الأرض بحال من تقدمهم في الأرض من الجبلة ~~الأولين من الجن الذين أبقى منهم عزازيل وغيرهم ليتحقق أن أمر الله جديد ~~وأنه كل يوم هو في شأن لا يقضي على آتي وقت بحكم ما فيه ولا بما مضى قبله - ~~انتهى. والأظهر # PageV01P239 # ما ذكرته أنهم إنما قالوا ذلك تفرسا بحكم ما ظهر لهم من صورته ونحو ذلك ~~من إعلامهم بأنه يجمع فيه بين الشهوة والعقل، ومن المعلوم أن الشهوة حاملة ~~على الفساد؛ وعلم سبحانه ما خفي عنه من أنه يوفق من أراد منهم للعمل بمقتضى ~~العقل مع قيام منازع الشهوة والهوى، فيأتي غاية الكمال التي هي فوق درجة ~~العامل بمقتضى العقل من غير منازع له فيظهر تمام القدرة والله أعلم. # PageV01P240 # ولما أعلم سبحانه الملائكة أن الأمر على خلاف ما ظنوا شرع # PageV01P240 # في إقامة الدليل عليه فقال عاطفا على قوله: «قال» : {وعلم} أي لإقامة ~~الدليل على ذلك، والتعليم تكرار العلم ليثبت لما في جبلة المعلم من ~~النسيان، {آدم} من الأدم من الأديم ms0083 وهو جلدة الأرض التي منها جسمه، وحظ ما ~~فيه من أديم الأرض هو اسمه الذي أنبأ عنه لفظ آدم، {الأسماء} # PageV01P241 # أي التي للأشياء {كلها} وهو جمع اسم وهو ما يجمع اشتقاقين من السمة ~~والسمو؛ فهو بالنظر إلى اللفظ وسم وبالنظر إلى الحظ من ذات الشيء سمو، وذلك ~~السمو هو مدلول الاسم الذي هو الوسم الذي ترادفه التسمية - قاله الحرالي، ~~وقال في كتاب له في أصول الفقه: الاسم يقال على لفظ التسمية ويقال على حظ ~~ونصيب من ذوات الأشياء، وتلك هي المعروضة على الملائكة، واسم التسمية يحاذي ~~به المسمى معلومه من الشيء المسمى الذي هو الاسم المعروض، وهو عند آدم علم ~~وعند الملائكة ومن لا يعلم حقيقة الاسم المعروض توقيف ونبأ - انتهى. # PageV01P242 # ولما كان العرض على الملائكة بالغا في المراد أشار إلى تعظيمه بحرف ~~التراخي فقال: ثم {عرضهم} أي الأشياء. قال الحرالي: أظهرهم عن جانب وهو ~~العرض والناحية {على الملائكة} القائلين لذلك. وقال الحرالي: لما ذكر تعالى ~~مراجعة الملائكة في خلق هذا الخليفة ذكر إبداءه لهم وجه حكمة علية بما أعلى ~~هذا الخليفة من تعليمه إياه حقائق جميع الذوات المشهودة لهم على إحاطتهم ~~بملكوت الله وملكه شهودا فأراهم إحاطة علم آدم بما شهدوا صورة ولم يشهدوا ~~حقيقة مدلول تسميتها، وعلمه حكمة ما بين تلك الأسماء التي هي حظ من الذوات ~~وبين تسمياتها من النطق ليجتمع في علمه خلق كل شيء صورة وأمره كلمة فيكمل ~~علمه في قبله على سبيل سمعه وبصره، واستخلفه في علم ما له من الخلق والأمر، ~~وذلك في بدء كونه فكيف يحكم حكمة الله فيما يتناهى إليه كمال خلقه إلى ~~خاتمة أمره فيما انتهى إليه أمر محمد صلى الله عليه وسلم مما هو مبهم في ~~قوله تعالى: {وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} [النساء: ~~113] فأبدى الله عز وجل لهم بذلك وجه خلافة علمية وعملية في # PageV01P243 # التسمية إعلاء له عندهم، وقد جعلهم الله عز وجل مذعنين مطيعين فانقادوا ~~للوقت بفضل آدم على جميع الخلق وبدا ms0084 لهم علم أن الله يعلي من يشاء بما يشاء ~~من خلافة أمره وخلقه، وتلك الأسماء التي هي حظوظ من صور الموجودات هي ~~المعروضة التي شملها اسم الضمير في قوله تعالى {ثم عرضهم} وأشار إليه ~~«هؤلاء» عند كمال عرضهم، وأجرى على الجميع ضمير «هم» لاشتمال تلك الكائنات ~~على العاقلين وغيرهم؛ وبالتحقيق فكل خلق ناطق حين يستنطقه الحق، كما قال ~~تعالى # {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} [يس: 65] وإنما ~~العجمة والجمادية بالإضافة إلى ما بين بعض الخلق وبعضهم - انتهى. # وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: ويقال إن الاسم ~~مأخوذ من السمو وهو العلو والرفعة، وإنما جعل الاسم # PageV01P244 # تنويها بالدلالة على معنى الاسم لأن المعنى تحت الاسم - هذا قول ~~النحويين؛ والسمة تدل على صاحبها، لأنهما حرفان سين وميم، فالسين من السناء ~~والميم من المجد وهو لب الشيء، فكأنه سمى اسما لأنه يضيء لك عن لب الشيء ~~ويترجم عن مكنونه، وليس شيء إلا وقد وسمه الله بسمة تدل على ما فيه من ~~الجوهر؛ فاحتوت الأسماء على جميع العلم بالأشياء، فعلمها الله آدم وأبرز ~~فضيلته على الملائكة عليهم السلام - انتهى. # {فقال} معجزا لهم {أنبئوني} أي أخبروني إخبارا عظيما قاطعا {بأسماء ~~هؤلاء} أي الموجودات بتفرسكم فيها {إن كنتم صادقين} أي فيما تفرستموه في ~~الخليفة وفي أنساله. قال الحرالي: هذه الأسماء المواطئة للتسمية من السمة ~~والأسماء الأول هي الحظوظ من الذوات التي المتسم بها هو المسمى، ومع ذلك ~~فبين التسمية والاسم مناسبة مجعول الحكمة بينهما بمقتضى أمر العليم الحكيم ~~- انتهى. {قالوا} متبرئين من العلم # PageV01P245 # {سبحانك} أي ننزهك تنزيها يجل عن الوصف عن أن ننسب إليك نقصا في علم أو ~~صنع، ونتبرأ إليك مما يلزم قولنا من ادعاء العلم لسواك. # قال الحرالي: وفي هذا المعنى إظهار لفضلهم وانقيادهم وإذعانهم توطئة لما ~~يتصل به من إباء أبليس - انتهى. والحاصل أنه تصريح بتنزيه الله تعالى عن ~~النقص وتلويح بنسبته إليهم اعتذارا منهم عما وقعوا فيه، ولذا قالوا: {لا ~~علم لنا} أي أصلا {إلا ما ms0085 علمتنا} فهو دليل على أنه لا سبيل # PageV01P246 # إلى علم شيء من الأشياء إلا بتعليم الله. قال الحرالي: ردا لبدء الأمر ~~لمن له البدء، ولذلك ورد في أثارة من علم: من لم يختم علمه بالجهل لم يعلم، ~~وذلك الجهل هو البراءة من العلم إلا ما علم الله - انتهى. # ثم خصوه بما نفوه عن أنفسهم فقالوا: {إنك أنت} أي وحدك {العليم} أي ~~العالم بكل المعلومات {الحكيم} أي فلا يتطرق إلى صنعك # PageV01P247 # فساد بوجه فلا اعتراض أصلا. قال الحرالي: توكيد وتخليص وإخلاص للعلم ~~والحكمة لله وحده، وذلك من أرفع الإسلام، لأنه إسلام القلوب ما حلاها الحق ~~سبحانه به! فإن العلم والحكمة نور القلوب الذي تحيا به كما أن الماء رزق ~~الأبدان الذي تحيا به! فإن العلم والحكمة نور القلوب الذي تحيا به كما أن ~~الماء رزق الأبدان الذي تحيا به؛ والحكمة جعل تسبيب بين أمرين يبدو بينهما ~~تقاض من السابق واستناد من اللاحق - انتهى. # وأصلها في اللغة المنع من الفساد ولا يكون ذلك إلا عن تمام العلم. # فلما قالوا ذلك وأراد إشهادهم فضل آدم عليه السلام استأنف في جواب # PageV01P248 # من كأنه قال: ما قال لهم عند ذلك؟ قوله: {قال} مظهرا لفضيلة العلم ~~الموجبة لشرف العالم {يا آدم أنبئهم} أي ليزدادوا بصيرة في أن العالم من ~~علمته والسعيد من أسعدته في أي صورة ركبته {بأسمائهم} فأنبأهم بها. قال ~~الحرالي: ولم يقل: علمهم، فكان آدم عليما بالأسماء وكانوا هم مخبرين بها لا ~~معلميها، لأنه لا يتعلمها من آدم إلا من خلقه محيط كخلق آدم، ليكون من كل ~~شيء ومنه كل شيء، فإذا عرض عليه شيء مما منه آنس علمه عنده؛ فلذلك اختصوا ~~بالإنباء دون التعليم، فلكل شيء عند آدم عليه السلام بما علمه الله وأظهر ~~له علاماته في استبصاره # PageV01P249 # والشيء اسمان جامعان: اسم بيصره من موجود الشيء واسم يذكره لإبداء معنى ~~ذلك الشيء إلى غاية حقيقته، ولكل اسم جامع عنده وجوه متعددة يحاذي كل وجه ~~منها بتسمية تخصه، وبحسب تلك الوجوه تكثرت عنده الألسنة وتكثرت ms0086 الألسن ~~الأعجمية، فأفصحها وأعربها الاسم الجامع وذلك الاسم هو العربي الذي به أنزل ~~خاتم الكتب على خاتم المرسلين وأبقى دائما في مخاطبة أهل الجنة لمطابقة ~~الخاتمة إحاطة البادئة {حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون * وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 1، 4] وطابق ~~الختم البدء إحاطة لإحاطة - انتهى. وهذا كما كان ولده محمد خاتم النبيين ~~صلى الله عليه وسلم يكلم كل إنسان بلغته من قبائل العرب ومن العجم بل ومن ~~البهائم العجم لكان علمه لبعض اللغات من غير مخالطة لأهلها ولا إلمام ~~بلسانهم # PageV01P250 # دليلا على علم سائر اللغات، لأنه لا معلم له إلا العالم بكل شيء. {فلما ~~أنبأهم} أي أخبرهم إخبارا عظيما يأخذ بالألباب، و {لما} كلمة تفهم وجوب أمر ~~لأمر في حين فتجمع معنى الشرط والظرف - قاله الحرالي {بأسمائهم} عل ما هي ~~عليه. # قال الحرالي في التفسير وكتاب له في أصول الفقه: هذه التسميات ليس ~~الأسماء التي هي موجودة من الذوات، لأن تلك لا ينالها إلا العلم # PageV01P251 # وشهود البصيرة وقد جرى ذلك في وراثة في ولد آدم حتى كان رؤبة وأبوه ~~العجاج يرتجلان اللغة ارتجالا ويتعلمها منهم من سواهم من العرب، لأن ~~التسمية التي ينالها الإنباء للاسم الذي يناله العلم كالمثل له المبدي ~~لصورة معناه للأذن لمناسبة ومواصلة بين خصوص التسمية واسمها من الذات، ~~فيعلم ما يحاذي الشيء المفرد من منتظم الحروف كما يعلم الواصف ما يحاذي ~~الشيء ويحاكيه من منتظم الكلم، فيحاذيه ويحاكيه الواصف بكلام، ويحاذيه ~~ويسميه المسمى له بكلمة واحدة، وكما أنه ليس لكل أحد منة أن يصف فكذلك ليس ~~لكل أحد منة أن يسمى، ومنه ما يجري من ألسنة العامة من النبز والألقاب وقد ~~كان يجب الاكتفاء بما في هذه الآية من العلم ببدء أمر المسميات عما وقع ~~فيها من الاختلاف بين التوقيف والاصطلاح، فقد تبين أنها عن علم علمه الله ~~آدم لا عن توقيف كما هو عند الملائكة من آدم ولا عن اصطلاح كما قيل - ~~انتهى. # PageV01P252 # {قال} أي الله تعالى مثبتا مدخول ms0087 النفي كما هو شأن همزة التقرير {ألم أقل ~~لكم} يا ملائكتي! ولما كان هذا خبرا جسيما نبه على بلوغه النهاية في العظمة ~~وأنه مما يستغربه بعض الخلق بالتأكيد فقال: {إني أعلم} علما مستمرا لا ~~انقضاء له {غيب السماوات والأرض} فمن أردت تعليمه شيئا من ذلك كان عالما ~~به، وأما غيري فلا طريق له إلى معرفة المستقبل إلا الفراسة وقد تحظى. قال ~~الحرالي: قررهم حتى لا يكون لهم ثانية وأعلم بذلك عباده من ولد آدم حتى ~~يستنوا بحكم التسليم لله في ما يبديه من غير تعرض ولا اعتراض، فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر - انتهى. # PageV01P253 # {وأعلم ما تبدون} في كل حين {وما كنتم تكتمون} فيما مضى وفيما يأتي. قال ~~الحرالي: وفي صيغة تكتمون من الدلالة على تمادي ذلك في كيانهم ما في صيغة ~~تبدون من تمادي بادى ذلك منهم - انتهى. # ولما أخبرنا سبحانه بهذه النعمة على أبينا ضم إليها الإنعام بإسجاد ~~الملائكة له ونحن في ظهره فقال عاطفا على «إذ» الأولى وعدل عن الغيبة إلى ~~التكلم ثم إلى كونه في مظهر العظمة إعلاما بأنه أمر فصل لا فسحة في ~~المراجعة فيه. وقال الحرالي: لما أنبأ تعالى بأمر مفاوضة الملائكة وما كان ~~من ادعائهم وتسليمهم الأمر لله ولمن علمه الله وهو # PageV01P254 # آدم عليه السلام نظم بذلك نبأ انقيادهم لآدم فعلا كما انقادوا له علما ~~تماما لكمال حالهم في التسليم علما وعملا فقال تعالى - انتهى. {وإذ قلنا} ~~أي على عظمتنا {للملائكة} أي الذين أكرمناهم بقربنا {اسجدوا لآدم} عبدنا ~~اعترافا بفضله لتفضيلنا له. # قال الحرالي: فجعله بابا إليه وكعبة يجلونه بجلاله تعالى ومحرابا وقبلة، ~~يكون سجودهم له سجودا لله تجاه آدم كسجود آدم تجاه الكعبة، وظهر بذلك سوء ~~إباء إبليس عن السجود حين خالفهم في طينة الكيان، لأن الملائكة خلقت من نور ~~والنور طوع لا يحوزه أين ولا يختصه جهة، ولأن الجان خلقت من نار وهي مما ~~يحوزه أين وتختصه جهة # PageV01P255 # لا يرجع عنها إلا بقهر وقسر، فلم ينزل عن رتبة قيامه في جبلته ms0088 لمخلوق ~~الطين حيث لم يشعر بإحاطة خلق آدم كما تلقته الملائكة - انتهى. فبادروا ~~الامتثال {فسجدوا} أي كلهم له كما امرهم الله تعالى {إلا إبليس} قال ~~الحرالي: من الإبلاس وهو انقطاع سبب الرجاء الذي يكون عنه اليأس من حيث قطع ~~ذلك السبب - انتهى. # فكأنه قيل: ما فعل؟ فقيل: {أبى} ، من الإباء وهو امتناع عما حقه الإجابة ~~فيه - قاله الحرالي. {واستكبر} عن السجود له، من الاستكبار وهو استجلاب # PageV01P256 # الكبر، والكبر بطر الحق وغمض الناس وغمطهم، وموجب ذلك استحقار الغير من ~~وجه واستكمال النفس من ذلك الوجه - قاله الحرالي. # {وكان} أي في أصل جبلته بما أفهمه الاستكبار من نسبتنا إلى ترك الحكمة ~~إما جهلا أو جورا في أمرنا بسجوده لآدم وهو على زعمه خير منه {من} وهي كلمة ~~تفهم اقتباس الشيء مما جعل منه - قاله الحرالي. {الكافرين} أي الذين سبق ~~علمنا بشقاوتهم لم يتجدد لنا بذلك علم ما لم نكن نعلمه. # PageV01P257 # وفي الآيات الثلاث {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} و {كيف تكفرون بالله} و ~~{إذ قال ربك للملائكة} أيضا إشارة إلى اختلاف الحال في الخطاب بوصف ~~الربوبية مع الخلص ومع من دونهم وفي الخطاب بأوصاف الذات، وذلك أنه تعالى ~~لما بين أن الضالين في حسن أمثاله هم الخاسرون عجب ممن يكفر به إشارة إلى ~~شدة ظهوره وانتشار نوره في أمثاله وجميع أقواله وأفعاله وأن شهوده في كل ~~اعتبار أوضح من ضياء النهار، لأنه ما ثم إلا ذاته وأفعاله وصفاته: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # متجليا عليهم باسم الإلهية في أفعاله التي هم لها ناظرون وبها عارفون، ~~فقال: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} إلى أن قال: {هو الذي خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا} الآية، وأدرج في ذلك أمر البعث بقوله {ثم إليه ~~ترجعون} تنبيها على مشاركته لبقية ما في الآية من الظهور، لما قدم من ~~الاستدلال عليه بإخراج الثمرات حين تعرف إليهم بوصف الربوبية # PageV01P258 # الناظر إلى العطف والامتنان والتربية والإحسان في مثل ما هنا من أفعاله ~~الظاهرة وآثاره ms0089 الباهرة فقال: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} إلى ~~آخرها؛ وختم هذه الآية بوصف العلم الشامل لما قام عليه من الدليل ضمن هذا ~~التعجيب إشارة إلى الاستدلال على كمال الأمثال وتحديدا لمن يستمر على ~~الكفران بعد هذا البيان بأنه بمرأى منه ومسمع في كل حال، فلما فرغ من ~~خطابهم بالأمور الظاهرة على قدر فهومهم ومبلغ علومهم رقي الخطاب إلى رتبة ~~نبيه عليه الصلاة والسلام لترقية البيان إلى غيب مقاولته لملائكته فقال: ~~{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل} الآية فلكل مقام مقال، ولكل مخاطب حد في ~~الفهم وحال. # PageV01P259 # قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في المفتاح الباب السابع في إضافة ~~الربوبية ونعت الإلهية في القرآن: اعلم أن الربوبية إقامة المربوب بما خلق ~~له وأريد له، فرب كل شيء مقيمه بحسب ما أبداه وجوده، فرب المؤمن ربه ورباه ~~للإيمان، ورب الكافر ربه ورباه للكفران، ورب محمد ربه ورباه للحمد - «أدبني ~~ربي فأحسن تأديبي» ، ورب العالمين ربى كل عالم لما خلق له # {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه: 50] ؛ فللربوبية بيان في كل رتبة بحسب ما ~~أظهرته آية مربوبه - من عرف نفسه عرف ربه {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] ~~{فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك} [الكهف: 18] ~~{اعبدوا ربكم الذي خلقكم} {لهم أجرهم عند ربهم} [البقرة: 262] . # وقال في الباب الذي بعده: فخطاب الإقبال على النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعظم إفهام في القرآن {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} [الفرقان: 4] # PageV01P260 # الآية {وهو الذي جعل لكم الليل لباسا} [الفرقان: 47] الآية، تفاوت ~~الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين وكما يتضح لأهل التعرف رتب البيان بحسب ~~إضافة اسم الرب فكذلك يتحقق لأهل الفهم وجوه إحاطات البيان بحسب النعوت ~~والتبيان في اسم الله غيبا في متجلى الآيات للمؤمن، وعينا للكامل الموقن، ~~وجمعا وإحاطة عن بادىء الدوام للمحقق الواحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ~~ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط ms0090 مستقيم} [آل عمران: 101] {قل هو الله ~~أحد} [الإخلاص: 1] ؛ والتفطن في رتب البيان في موارد هذا النحو من الخطاب ~~في القرآن من مفاتيح الفهم وبوادىء مزيد العلم - انتهى. # وقد أوقع سبحانه ذكر ابتداء الخلق على ترتيب إيجاده له فقد روى مسلم في ~~صحيحه والنسائي في التفسير من سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه # PageV01P261 # قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: «خلق الله التربة يوم ~~السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه ~~يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق ~~آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ~~ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» وقال المزي في الأطراف قال البخاري ~~في التاريخ: وقال بعضهم: أبو هريرة عن كعب وهو أصح - انتهى. # وما يقال من أنه كان قبل آدم عليه السلام في الأرض خلق # PageV01P262 # يعصون قاس عليهم الملائكة عليهم السلام حال آدم عليه السلام، كلام لا أصل ~~له، والذي يدل عليه حديث مسلم هذا كما ترى أنه أول ساكني الأرض؛ والذي يلوح ~~من اسمه في بدئه بالهمزة التي هي أول الحروف وختمه بالميم التي هي آخرها ~~وختامها أنه أول ساكنيها بنفسه، كما أنه خاتمهم بأولاده، عليهم تقوم ~~الساعة. ورأيت في ترجمة للتوراة وهو أولها: خلق الله ذات السماء وذات الأرض ~~وكانت الظلمة فقال الله: # PageV01P263 # ليكن النور، فكان النور، فأراد أن يفرق بين النور والحندس فسمى النور ~~نهارا والحندس مساء؛ ثم قال: ليكن جلد وسط الماء ويميز بين الماء الأعلى ~~والماء الأسفل. # وفي نسخة: ليكن سقف بين المياه ليفصل بين الماء والماء، فكان كذلك فخلق ~~الله سقفا وفصل به بين الماء الذي تحت الجلد والماء الذي فوق الجلد وسمى ~~الله الجلد سماء؛ وقال الله: لتجتمع المياه التي تحت # PageV01P264 # السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة، فكان كذلك فسمى الله اليابسة أرضا ~~وسمى مجامع المياه بحورا؛ وقال: لتخرج الأرض نبت عشب يزرع منه زرع لجنسه ms0091 ~~وشجر ذات ثمار تثمر لجنسها يغرس منه غرس على الأرض، فأينعت الأرض نبتا عشبا ~~يزرع منه زرع لجوهره وشجر ذات ثمار لجوهرها؛ فقال الله: ليكن نجمان في جلد ~~السماء ليضيئا على الأرض وليميزا بين النهار والليل وليكونا للآيات ~~والأزمان والعدد والأيام والسنين، فخلق الله نورين عظيمين: المصباح الأكبر ~~لسلطان النهار والمصباح الأصغر لسلطان الليل وخلق النجوم، وكان المساء ~~والصباح من اليوم الرابع؛ فقال الله: ليحت الماء حيتانا ذات أنفس حية، ~~وليطر الطير فوق الأرض في جو السماء، فكان كذلك؛ وخلق تنانين عظيمة وكل نفس ~~حية تدب في الماء لأجناسها وكل طيور ذات أجنحة # PageV01P265 # لأصنافها وباركها وقال: انموا واكثروا واملؤوا مياه البحور وليكثر الطير ~~على وجه الأرض؛ وقال الله: لتخرج الأرض أنفسا حية لجنسها دواب وسباع الأرض ~~لأجناسها، فكان كذلك؛ وخلق الله سباع الأرض لأجناسها والدواب لأصنافها ~~وجميع هوام الأرض لجواهرها. # فأراد الله أن يخلق خلقا يتسلط على حيتان البحر وطير السماء وعلى الدواب ~~وجميع السباع وعلى الحشرة التي تدب على الأرض فخلق آدم بصورته ذكرا وأنثى ~~وبارك عليهما وقال لهما: انميا وأكثرا وتسلطا على حيتان البحر وطير السماء ~~والدواب وجميع السباع؛ وقال: ها أنا ذا # PageV01P266 # قد أعطيتكما جميع العشب الذي يزرع على وجه الأرض كلها وكل شجر ذات ثمار ~~تغرس فيها ليكون لكما مأكلا ولجميع سباع البر وطيور السماء ولكل ما يدب على ~~الأرض فيه نفس حية، فكان كذلك؛ وكملت السماء والأرض وجميع ما فيهما في ~~اليوم السادس، ولم يكن ظهر على الأرض شيء من عشب الأرض، لأن الله لم يكن ~~أهبط المطر على وجه الأرض بعد، وذلك لأن آدم لم يكن خلق بعد ليعمل في ~~الأرض، وكان ينبوع يظهر في قعر عدن فيسقي جميع وجه الأرض. # فجبل الله الرب آدم من تربة الأرض ونفخ في وجهه نسمة الحياة فصار آدم ذا ~~نفس حية وغرس الله الرب فردوسا بعدن من قبل وأسكنه آدم، وأنبت الله كل شجرة ~~حسنة المنظر شهية المأكل وشجرة الحياة وسط الفردوس وشجرة علم الخير والشر، ~~وكان ms0092 نهر يخرج من عدن فيسقي الفردوس وكان ينفصل من هناك وينفرق على أربعة ~~أطراف: اسم أحدها سيحون الذي يحيط بجميع أرض الهند وتلك البلاد الكثيرة، ~~وذهب تلك الأرض جيد جدا، هنالك المها وحجر البلور، واسم النهر الثاني جيحون ~~الذي يحيط بجميع أرض الحبشة، # PageV01P267 # واسم النهر الثالث دجلة الذي يخرج قبالة الموصل، والنهر الرابع الفرات؛ ~~فتقدم الرب إلى آدم وقال له: كل من جميع أشجار الفردوس، فأما شجرة علم ~~الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت موتا. # وقال الله: لا يحسن أن يكون آدم وحده فلنخلق له عونا مثله، فجمع الرب من ~~الأرض جميع سباع البر وطير السماء وأقبل بها إلى آدم ليرى ما يسميها وكل ~~نفس حية سماها آدم فذلك اسمها فسمى الجميع، فألقى الله على آدم سباتا فرقد، ~~فنزع ضلعا من أضلاعه وأخلف له بدله لحما، فخلق الله من الضلع الذي أخذ من ~~آدم امرأة، فأقبل بها إلى آدم فقال: هذه الآن التي قرنت إلي! وفي هذه عظم ~~من عظامي ولحم # PageV01P268 # من لحمي! فلتدع امرأة لأنها أخذت من الرجل، ولذلك يدع الرجل أباه وأمه ~~ويلحق بامرأته ويكونان كلاهما جسدا واحدا؛ وكانا كلاهما عريانين آدم ~~وامرأته ولا يستحييان. # وكانت الحية أعز دواب البر كلها فقالت الحية للمرأة: أحق أن الله قال ~~لكما: لا تأكلا من جميع شجر الجنة؟ فقالت المرأة: إنا لنأكل من كل ثمر ~~الجنة، فأما من ثمرة الشجرة التي في وسط الجنة فإن الله قال لنا: لا تأكلا ~~منها ولا تقرباها لكيلا تموتا؛ قالت الحية: لستما تموتان، ولكن الله علم ~~أنكما إن تأكلا منها تنفتح أعينكما وتكونا كالإله تعلمان الخير والشر. فرأت ~~المرأة الشجرة طيبة المأكل شهية في العين # PageV01P269 # فأخذت من ثمرتها فأكلت وأعطت بعلها فأكل، فانفتحت أبصارهما وعلما أنهما ~~عريانان، فوصلا من ورق التين وصنعا مآزر. # ثم ذكر أن الله تعالى سأله عن ذلك فقال آدم: المرأة التي قرنتها معي هي ~~أطعمتني من الشجرة فأكلت، فقال الله الرب للمرأة: ما هذا الذي ms0093 فعلت؟ فقالت ~~المرأة: إن الحية أعطتني فأكلت، فقال للحية: ملعونة تكونين من جميع الدواب ~~ومن كل ماشية البر، وعلى بطنك تمشين، والتراب تأكلين كل أيام حياتك، وأغرى ~~العداوة بينك وبين المرأة وبين ولدها، وولدها يطأ رأسك وأنت تلدغينهم ~~بأعقابهم! وقال للمرأة: أكثر أوجاعك وإحبالك وبالوجع تلدين البنين، وإلى # PageV01P270 # بعلك تردين وهو مسلط عليك! وقال لآدم: من أجل طاعتك امرأتك وأكلك الشجرة ~~التي نهيتك عنها ملعونة الأرض من أجلك بالشقاء تأكل منها كل أيام حياتك ~~أجاجا وشوكا تنبت لك، وتأكل عشب الأرض، وبرشح جبينك تأكل طعامك حتى تعود في ~~الأرض التي منها أخذت من أجل أنك تراب وإلى التراب تعود. # فدعا آدم اسم امرأته حواء من أجل أنها كانت أم كل حي، وصنع الله الرب ~~لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسها، فأرسله من جنة عدن ليحرث الأرض ~~التي منها أخذ، فأخرجه الله ربنا وأحاط من مشرق عدن ملكا من الكروبيين بيده ~~حربة يطوف بها ليحرس طريق شجرة الحياة. # ثم قال بعد ذلك: فكان جميع حياة آدم تسعمائة وثلاثين سنة ثم توفي عليه ~~السلام - هذا نص التوراة. والكروب بوزن زبور # PageV01P271 # بلغة العبرانيين الشخص الصغير، فكان الكروبيون الملائكة المنسوبين إلى ~~مخالطة الناس بالوحي أخذا من الكروبين تثنية كروب وهما شخصان في قبة الزمان ~~كان يسمع كلام الله من بينهما، كما يأتي قريبا. # فإن أنكر منكر الاستشهاد بالتوراة أو بالإنجيل وعمي عن أن الأحسن في باب ~~النظر أن يرد على الإنسان بما يعتقد تلوت عليه قول الله تعالى استشهادا على ~~كذب اليهود: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [آل عمران: 93] ~~وقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه} [المائدة: 48]- في آيات من أمثال ذلك كثيرة؛ وذكرته باستشهاد ~~النبي صلى الله عليه وسلم التوراة في قصة الزاني كما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى في سورة المائدة مستوفى. وروى الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تكون الأرض # PageV01P272 # يوم القيامة خبزة نزلا ms0094 لأهل الجنة، فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن ~~عليك يا أبا القاسم! ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى. قال: ~~تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه» وقريب من ذلك حديث الجساسة في ~~أشباهه. هذا فيما يصدقه كتابنا. # وأما ما لا يصدقه ولا يكذبه فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي ~~الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا ~~حرج» ورواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد رضي الله عنه، وهو معنى ما ~~في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # PageV01P273 # كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل ~~الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا ~~تكذبوهم وقولوا: {آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} » الآية، فإن دلالة ~~هذا على سنية ذكر مثل ذلك أقرب من الدلالة على غيرها، ولذا أخذ كثير من ~~الصحابة رضي الله عنهم عن أهل الكتاب. # فإن فهم أحد من الشافعية منع أئمتهم من قراءة شيء من الكتب القديمة ~~مستندا إلى قول الإمام أبي القاسم الرافعي في شرحه: وكتب التوراة والإنجيل ~~مما لا يحل الانتفاع به، لأنهم بدلوا وغيروا، وكذا قال غيره من الأصحاب؛ ~~قيل له: هذا مخصوص بما علم تبديله، بدليل أن كل من قال ذلك علل بالتبديل ~~فدار الحكم معه، ونص الشافعي ظاهر في ذلك، قال المزني في مختصره في باب ~~جامع السير: وما كان من كتبهم أي الكفار فيه طب وما لا مكروه فيه بيع وما # PageV01P274 # كان فيه شرك أبطل وانتفع بأوعيته. # وقال في الأم في سير الواقدي في باب ترجمته كتب الأعاجم قال الشافعي: وما ~~وجد من كتبهم فهو مغنم كله، وينبغي للإمام أن يدعو من يترجمه، فإن كان علما ~~من طب أو غيره لا مكروه فيه باعه كما يبيع ما سواه من المغانم، وإن كان ~~كتاب شرك ms0095 شقوا الكتاب فانتفعوا بأوعيته وأداته فباعها، ولا وجه لتحريقه ولا ~~دفنه قبل أن يعلم ما هو - انتهى. # فقوله في الأم: كتاب شرك، مفهم لأنه كله شرك، ولهذا عبر المزني عن ذلك ~~بقوله: وما كان فيه شرك، أي في أبواب الكتاب وفصوله، وأدل من ذلك قولهم في ~~باب الأحداث: إن حكمها في مس المحدث حكم ما نسخت تلاوته من القرآن في أصح ~~الوجهين، والتعبير بالأصح على ما اصطلحوا عليه يدل على أن الوجه القائل ~~بحرمة مس المحدث وحمله لها قوى، وأدل من ذلك ما ذكره محرر المذهب الشيخ ~~محيي الدين النواوي رحمه الله في مسائل ألحقها في آخر باب الأحداث من شرح ~~المهذب وأقره أن المتولي قال: فإن ظن أن فيها شيئا غير مبدل كره مسه - ~~انتهى. فكراهة المس للاحترام، والاحترام فرع جواز الإبقاء والانتفاع ~~بالقراءة، وأصرح من ذلك # PageV01P275 # كله قول الشافعي رحمه الله: إن ما لا مكروه فيه يباع، وكذا قول البغوي في ~~تهذيبه في آخر باب الوضوء: وكذلك لو تكلم - أي الجنب - بكلمة توافق نظم ~~القرآن أو قرأ آية نسخت قراءتها أو قرأ التوراة والإنجيل أو ذكر الله ~~سبحانه أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فجائز، قالت عائشة رضي الله ~~عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه» فإنه لا ~~يتخيل أنه يجوز للجنب ما لا يجوز للمحدث، بل كل ما جاز للجنب قراءته من غير ~~أمر ملجىء جاز للمحدث ولا عكس، وتعليله لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها دال ~~على أن ذلك ذكر الله تعالى، ولا يجوز الحمل على العموم لا سيما إذا لوحظ ~~قول القاضي الحسين: إنه يجوز الاستنجاء بهما، لأنه مبني على الوجه القائل ~~بأن الكل مبدل؛ وهو ضعيف أو محمول على المبدل منهما، لأنه لا يخفى على أحد ~~أن مسلما فضلا عن عالم لا يقول: إنه يستنجي بنحو قوله في العشر الكلمات ~~التي صدرت بها الألواح قال الله جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي ~~أصعدتك من أرض ms0096 مصر من العبودية والرق، لا تكونن لك آلهة غيري، لا تعملن ~~شيئا من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي # PageV01P276 # الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني ~~أنا الرب إلهك إله غيور، لا تقسم بالرب إلهك كذبا، لأن الرب لا يزكي من حلف ~~باسمه كذبا، أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها الرب إلهك، ~~لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور. # وقد أشبع الكلام في المسألة شيخنا حافظ عصره أبو الفضل بن حجر في آخر ~~شرحه للبخاري، وآخر ما حط عليه التفرقة بين من رسخ قدمه في العلوم الشرعية ~~- فيجوز له النظر في ذلك فإنه يستخرج منه ما ينتفع به المهتدون - وبين غيره ~~فلا يجوز له ذلك، وأيده بنظر الأئمة فيهما قديما وحديثا والرد على أهل ~~الكتابين بما يستخرجونه منهما؛ فلولا جواز ذلك ما أقدموا عليه - والله ~~الموفق وقد حررت المسألة في فن المرفوع من حاشيتي على شرح ألفية الشيخ زين ~~الدين العراقي فراجعه إن شئت - والله الهادي؛ ثم صنفت في ذلك تصنيفا حسنا ~~سميته «الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة» . # تنبيه: اعلم أن التوراة ثلاث نسخ مختلفة اللفظ متقاربة المعنى إلا يسيرا: ~~إحداها تسمى توراة السبعين، وهي التي اتفق عليها اثنان # PageV01P277 # وسبعون حبرا من أحبارهم؛ وذلك أن بعض اليونان من ملوك مصر سأل بعض ملوك ~~اليهود ببيت المقدس أن يرسل إليه عددا من حفاظ التوراة، فأرسل إليه اثنين ~~وسبعين حبرا، فأخلى كل اثنين منهم في بيت ووكل بهم كتابا وتراجمة، فكتبوا ~~التوراة بلسان اليونان، ثم قابل بين نسخهم الستة والثلاثين فكانت مختلفة ~~اللفظ متحدة المعنى، فعلم أنهم صدقوا ونصحوا، وهذه النسخة ترجمت بعد ~~بالسرياني ثم بالعربي وهي في أيدي النصارى؛ والنسخة الثانية نسخة اليهود من ~~الربانيين والقرائين، والنسخة الثالثة نسخة السامرة؛ وقد نبه على مثل ذلك ~~الإمام السمرقندي في الصحائف واستشهد بكثير من نصوص التوراة على كثير من ~~مسائل أصول الدين، وكذا ms0097 الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد والقاضي ~~عياض في كتاب الشفاء وغيرهم. # ثم اعلم أن أكثر ما ذكرته في كتابي هذا من نسخة وقعت لي لم أدر اسم ~~مترجمها. على حواشي فصولها الأوقات التي تقرأ فيها، فالظاهر أنها نسخة ~~اليهود وهي قديمة جدا، فكان في الورقة الأولى منها محو في أطراف الأسطر ~~فكملته من نسخة السبعين، ثم قابلت نسختي كلها مع # PageV01P278 # بعض اليهود الربانيين على ترجمة سعيد الفيومي وهي عندهم أحسن التراجم لو ~~كان هو القارىء، فوجدت نسختي أقرب إلى حقائق لفظ العبراني ومترجمها أقعد من ~~سعيد في لغة العرب، هذا وظاهر القرآن في قوله تعالى: # {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [الحجر: 29] أن الأمر ~~بالسجود له كان قبل إتمام خلقه وأن السجود كان عقب النفخ، وبه صرح البغوي ~~في تفسيره، وأجاب عن قوله تعالى في سورة الأعراف {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ~~ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} [الأعراف: 11] بأجوبة، منها أن الخلق ~~والتصوير لآدم وحده، وذكره بضمير الجمع لأنه أبو البشر فخلقه خلقهم وتصويره ~~تصويرهم؛ ومنها أن (ثم) بمعنى الواو ليست للترتيب - انتهى. والتصوير شق ~~السمع والبصر والأصابع - قاله يمان، والتسوية تعديل الخلق وإتمامه وتهيئته ~~لنفخ الروح، ويمكن أن يكون {خلقناكم} وما بعده بمعنى قدرنا ذلك تقديرا ~~قريبا من الإخراج من # PageV01P279 # العدم؛ وبذلك يتضح قوله في التوراة: فخلق آدم بصورته ذكرا وأنثى، ثم قال ~~بعد ذلك: لأن آدم لم يكن خلق بعد، ثم حكى خلقه وخلق زوجه منه؛ فهذا خلق ~~بمعنى الإيجاد، وذلك بمعنى التقدير القريب منه - والتهيئة لقبول الغايات - ~~والله أعلم. ومشى البيضاوي على أن الأمر بالسجود كان بعد الإنباء بالأسماء ~~ولم يذكر دليلا يصرف عن هذا الظاهر على أن المشي عليه أولى من جهة المعنى، ~~لأن سجود الملائكة عليهم السلام قبل يكون إيمانا بالغيب على قاعدة ~~التكاليف، وأما بعد إظهار فضيلة العلم فقد كشف الغطاء وصار وجه الفضل من ~~باب عين اليقين؛ وأما الترتيب في الذكر هنا على هذا الوجه وهو جعل السجود ~~بعد ms0098 الإنباء فهو لنكتة بديعة وهي أنه تعالى لما كان في بيان النعم التي ~~أوجبت شكره باختصاصه بالعبادة لكونه منعما فبين أولا نعمته على كل نفس في ~~خاصتها بخلقها وإفاضة الرزق عليها. ثم ذكر الكل بنعمة تشملهم وهي محاجته ~~لأقرب خلقه إذ ذاك إليه عن أبينا آدم قبل إيجاده اقتضى الأسلوب الحكيم أن ~~يوضح لهم الحجة في فضيلة هذا الخليفة فذكر ما آتاه من العلم، فلما فرغ من ~~محاجتهم بما أوجب إذعانهم ذكر بنيه بنعمة السجود # PageV01P280 # له، فما كان تقديم إظهار فضيلة العلم إلا محافظة على حسن السياق في ترتيب ~~الدليل على أقوم منهاج وأوضح سبيل. ولما فرغ من نعمة التفضيل في الصفات ~~الذاتية بين النعمة بشرف المسكن مع تسخير زوج من الجنس لكمال الأنس وما ~~يتبع ذلك فقال تعالى. وقال الحرالي: لما أظهر الله سبحانه فضيلة آدم فيما ~~أشاد به عند الملائكة من علمه وخلافته والإسجاد له وإباء إبليس عنه أظهر ~~تعالى إثر ذلك ما يقابل من أحوال آدم حال ما ظهر للملائكة بما فيه من حظ ~~مخالفة يشارك بها إفراط ما في الشيطان من الإباء لإحاطة خلق آدم بالكون كله ~~علوا وسفلا، وليظهر فضل آدم في حال مخالفته على إبليس في حال إبائه مما ~~يبدو على آدم من الرجوع بالتوبة كحال رجوع الملائكة بالتسليم، فيظهر فيه ~~الجمع بين الطرفين والفضل في الحالين: حال علمه وحال توبته في مخالفته، ~~فجعل تعالى إسكان الجنة توطئة لإظهار ذلك من أمره فقال تعالى: { {وقلنا يا ~~آدم اسكن} ، من السكن وهو الهدوء في الشيء الذي في طيه # PageV01P281 # إقلاق، أن في قوله: {أنت} اسم باطن الذات علما هي المشتركة في أنا وأنت ~~وأنت وأن تفعل كذا، والألف في أنا إشارة ذات المتكلم، وفي مقابلتها التاء ~~إشارة لذات المخاطب ذكرا أو أنثى {وزوجك الجنة} فأجنت لآدم ما فيها من خبء ~~استخراج أمر معصيته ليكون ذلك توطئة لكمال باطنه بإطلاعه على سر من أسرار ~~ربه في علم التقدير إيمانا والكمال ظاهره يكون ذلك توطئة لفضيلة توبته ~~إسلاما ms0099 ليس لبنيه التوبة # PageV01P282 # إثر المعصية مخالفة لإصرار إبليس بعد إبائه وشهادة عليه بجهله في ادعائه، ~~وجعل له ذلك فيما هو متنزل عن رتبة علمه فلم تلحقه فيه فتنة حفيظة على ~~خلافته وأنزلت معصيته إلى محل مطعمه الذي هو خصوص حال المرء من جهة أجوفية ~~خلقه ليبدو نقص الأجوف ويبدي ذلك إكبار الصمد الذي يطعم ولا يطعم، فكان ذلك ~~من فعله تسبيحا بحمد ربه؛ لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له انتهى. # ولما كان السياق هنا لمجرد بيان النعم استعطافا إلى المؤالفة كان عطف ~~الأكل بالواو في قوله: {وكلا منها} كافيا في ذلك، وكان التصريح بالرغد الذي ~~هو من أجل النعم عظيم الموقع فقال تعالى: {رغدا} أي # PageV01P283 # واسعا رافها طيبا هنيئا {حيث} أي أي مكان {شئتما} بخلاف سياق الأعراف ~~فإنه أريد منه مع التذكير بالنعم التعريف بزيادة التمكين وأنها لم تمنع من ~~الإخراج تحذيرا للمتمكنين في الأرض المتوسعين في المعايش من إحلال السطوات ~~وإنزال المثلاث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم المقصود من حكاية القصص ~~في القرآن إنما هو المعاني فلا يضر اختلاف اللفظ إذا أدى جميع المعنى أو ~~بعضه ولم يكن هناك مناقضة فإن القصة كانت حين وقوعها بأوفى المعاني الواردة ~~ثم إن الله تعالى يعبر لنا في كل سورة تذكر القصة فيها بما يناسب ذلك ~~المقام في الألفاظ عما يليق من المعاني ويترك ما لا يقتضيه ذلك المقام، ~~وسأبين ما يطلعني الله عليه من ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. # ولما أباح لهما سبحانه ذلك كله أتبعه بالنهي عن شجرة واحدة. قال الحرالي: ~~وأطلق له الرغد إطلاقا وجعل النهي عطفا ولم يجعله استثناء ليكون آدم أعذر ~~في النسيان لأن الاستثناء أهم في الخطاب من التخصيص وقال: {ولا تقربا} ولم ~~يقل: ولا تأكلا، نهيا عن حماها # PageV01P284 # ليكون ذلك أشد في النهي - انتهى. {هذه} ولما كان اسم الإشارة لا دلالة له ~~على حقيقة الذات افتقر إلى بيان ذات المشار إليه فقال: {الشجرة} أي فإنكما ~~إن قربتماها تأكلا ms0100 منها {فتكونا} أي بذلك {من الظالمين} أي الواضعين الشيء ~~في غير موضعه كمن يمشي في # PageV01P285 # الظلام؛ وفي هذا النهي دليل على أن هذه السكنى لا تدوم، لأن المخلد لا ~~يناسب أن يعرض للحظر بأن يحظر عليه شيء ولا أن يؤمر ولا ينهى، ولذلك دخل ~~عليه الشيطان من جهة الخلد، ولا داعي لبيان نوع الشجرة لأن السياق لبيان ~~شؤم المخالفة وبركة التوبة لا لتعيين المنهي عنه فليس بيانه حينئذ من ~~الحكمة. # PageV01P286 # ثم بين أنهما أسرعا المواقعة بقضية خلقهما على طبائع الشهوة لما نهيا عنه ~~فقال: {فأزلهما} ، قال الحرالي: من الزلل وهو تزلق الشيء الذي لا يستمسك ~~على الشيء الذي لا مستمسك فيه كتزلل الزلال عن الورق # PageV01P286 # وهو ما يجتمع من الطل فيصير ما على الأوراق والأزهار، وأزالهما من الزوال ~~وهو التنحية عن المكان أو المكانة وهو المصير بناحية منه؛ {الشيطان} هو مما ~~أخذ من أصلين: من الشطن وهو البعد الذي منه سمي الحبل الطويل، ومن الشيط ~~الذي هو الإسراع في الاحتراق والسمن، فهو من المعنيين مشتق كلفظ إنسان ~~وملائكة {عنها} أي عن مواقعة الشجرة وعن كلمة تقتضي المجاوزة عن سبب ثابت ~~كقولهم: رميت عن القوس - انتهى. # وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما أو زوالهما عنها {فأخرجهما} أي فتسبب عن ~~إيقاعهما في الزلل الناشىء عن تلك المواقعة أنه أخرجهما {مما كانا فيه} من ~~النعمة العظيمة التي تجل عن الوصف. قال الحرالي: «في» كلمة تقتضي وعاء مكان ~~أو مكانة، ثم قال: أنبأ الله عز وجل بما # PageV01P287 # في خبء أمره مما هو من وراء علم الملائكة بما أظهر من أمر آدم عليه ~~السلام وبما وراء علم آدم بما أبدى من حال الشيطان باستزلاله لآدم حسن ظن ~~من آدم بعباد الله مطلقا حين قاسمهما على النصيحة، وفيه انتظام بوجه ما ~~بتوقف الملائكة في أمر خلق آدم فحذرت الملائكة إلى الغاية، فجاء من وراء ~~حذرهما حمد أظهره الله من آدم، وجاء من وراء حسن ظن آدم ذنب أظهره الله من ~~الشيطان على سبيل سكن الجنة فرمى بهما عن ms0101 سكنها بما أظهر له بما فيها من حب ~~الشجرة التي اطلع عليها. ثم قال: وحكمة ذلك أي نسبة هذا الذنب إلى الشيطان ~~بتسببه، إن الله عز وجل يعطي عباده الخير بواسطة وبلا واسطة ولا ينالهم شر ~~إلا بواسطة نفس، كما وقع من الإباء للشيطان، فكانت خطيئته في ذات نفسه أو ~~بواسطة شيطان كما كانت مخالفة آدم، فكانت خطيئته ليست من ذات نفسه وعارضة ~~عليه من قبل عدو تسبب له بأدنى مأمنه من زوجه التي هي من أدنى خلقه فمحت ~~التوبة الذنب العارض لآدم وأثبت الإصرار الإباء النفساني للشيطان؛ وذكر ~~الحق تعالى الإزلال # PageV01P288 # منه باسمه الشيطان لا باسمه إبليس لما في معنى الشيطنة من البعد والسرعة ~~التي تقبل التلافي ولما في معنى الإبلاس من قطع الرجاء، فكان في ذلك بشرى ~~استدراك آدم بالتوبة - انتهى. # ولما بين أنه غرهما فضرهما بين إهباط الغار والمغرور وبين أنه أنعم على ~~المغرور دون الغار مع ما سبق له من لزوم العبادة وطول التردد في الخدمة، ~~وفي ذلك نفخيم للنعمة استعطافا إلى الإخلاص في العبادة فقال عاطفا على ما ~~يرشد إليه السياق من نحو أن يقال فتداركناهما بالرحمة وتلافينا خطأهما ~~بالعفو لكونه عارضا منهما بسبب خارج، وأبدنا تلافي الغار بشقائه لعصيانه ~~بالضلال والإضلال عن عمد فكان مغضوبا # PageV01P289 # عليه {وقلنا} أي له وللمغرور: {اهبطوا} وفي ذلك لطف لذريته بالتنفير من ~~الخطأ والترهيب الشديد من جريرته والترغيب العظيم على تقدير الوقوع فيه في ~~التوبة والهبوط. # قال الحرالي: سعى في درك والدرك ما يكون نازلا عن مستوى، فكأنه أمسك ~~حقيقته - أي آدم - في حياطته تعالى وحفظه وتوفيقه لضراعته وبكائه وسر ما ~~أودعه من أمر توبته؛ وأهبط صورته ليظهر في ذلك فرق ما بين هبوط آدم وهبوط ~~إبليس على ما أظهر من ذلك سرعة عود آدم توبة وموتا إلى محله من أنسه ~~المعهود وقربه المألوف له - من ربه، وإنظار إبليس في الأرض مصرا منقطعا عن ~~مثل معاد آدم لما نال إبليس من اللعنة التي هي مقابل التوبة {بعضكم # PageV01P290 # لبعض} البعض ms0102 ما اقتطع من جملة وفيه ما في تلك الجملة، {عدو} من العداء أي ~~المجاوزة عن حكم المسالمة التي هي أدنى ما بين المستقلين من حق المعاونة - ~~انتهى. فالمعنى فليحذر كل واحد منكم عدوه باتباع الأوامر واجتناب النواهي. # قال الحرالي: وفيه إشعار بما تمادى من عدواء الشيطان على ذرء من ولد آدم ~~حتى صاروا من حزبه، وفيه أيضا بشرى لصالحي ولد آدم بما يسبونه من ذرء إبليس ~~فيلحقون بهم بالإيمان والإسلام والتوبة فيهتدون بهداه من حيث عم بالعداوة، ~~فاعتدى ذو الخير فصارت عدواه على أهل الشر خيرا، واعتدى ذو الشيطنة فصارت ~~عدواه على أهل الخير شرا. {ولكم في الأرض مستقر} تكونون فيه، وهو من القرار ~~وهو كون # PageV01P291 # الشيء فيما له فيه تنام وظهور وعيش موافق؛ {ومتاع} تتمتعون به، والمتاع ~~هو الانتفاع بالمنتفع به وقتا منقطعا يعرف نقصه بما هو أفضل منه، يعني ففيه ~~إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه الدنيا ونقص ما به الانتفاع عن محل ما ~~كانا فيه، من حيث إن لفظ المتابع أطلق في لسان العرب على الجيفة التي هي ~~متاع المضطر وأرزاق سباع الحيوان وكلابها، فكذلك الدنيا هي جيفة متع بها ~~أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة وجعلها حظ من لا خلاق له في الآخرة؛ {إلى ~~حين} أي لا يتقدم ولا يتأخر، وفي إبهام الحين إشعار باختلاف الآجال في ذرء ~~الفريقين، فمنهم الذي يناله الأجل صغيرا، ومنهم الذي يناله كبيرا - انتهى. # PageV01P292 # ولما تسبب عن جزاء آدم عليه السلام بالإهباط الذي هو كفارة له أنه ألهم ~~الدعاء بما رحم به عبر عن ذلك بقوله: {فتلقى} أي فهبطوا فتلقى {آدم} بعد ~~الهبوط، والتلقي ما يتقبله القلب باطنا وحيا، أو كالوحي أبطن من التلقن ~~الذي يتلقنه لفظا وعلما ظاهرا أو كالظاهر - قاله الحرالي: {من ربه} أي ~~المحسن إليه في كل حال {كلمات} أي ترضيه سبحانه بما أفهمه التعبير بالتلقي، ~~وهي جمع كلمة؛ وهي دعاء دعا به ربه أو ثناء أثنى به عليه؛ وتطلق الكلمة ~~أيضا على إمضاء أمر الله من غير # PageV01P293 # تسبيب ms0103 حكمة ولا ترتيب حكم - قاله الحرالي ثم قال: في عطف الفاء في هذه ~~الآية إشعار بما استند إليه التلقي من تنبيه قلب آدم وتوفيقه مما أثبته له ~~إمساك حقيقته عند ربه، ويعاضد معناه رفع الكلمات وتلقيها آدم في إحدى ~~القراءتين، فكأنه تلقى الكلمات بما في باطنه فتلقته الكلمات بما أقبل بها ~~عليه فكان مستحقا لها، فكانت متلقية له بما جمعت القراءتان من المعنى ~~{فتاب} من التوب وهو رجوع بظاهر باطنه الإنابة وهو رجوع بعلم باطنه الأوبة ~~وهو رجوع بتقوى قلب - انتهى. # {عليه} لذكره إياه بالكلمات مخلصا في نيته، ثم علل بقوله {إنه هو} أي ~~خاصة # PageV01P294 # {التواب} أي البليغ التوبة المكرر لها، ولما كان قد جعل على نفسه المقدس ~~أن يتفضل على المحسن قال: {الرحيم} أي لمن أحسن الرجوع إليه وأهله لقربه. # قال الحرالي: وكان إقراره بلفظه أدبا وإذعانا لقيام حجة الله على عباده ~~بما أنبأ عنه من قوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا} [الأعراف: 23] الآية، وهذه توبة ~~قلب وعمل لا ينقض مخصوص حال القلب منها ناقض وهي التوبة النصوح التي تبرىء ~~من الذنب بتحقيق توحيد القلب وتوجب تكفير الخطايا الظاهرة التي لا أصل لها ~~في القلب من حجاب دعوى في الأفعال وشرك في أمر الله، فبمقتضى ما في باطنه ~~ظهر فيه اسمه الرحيم الذي هو من الرحمة وهو اختصاص فضله بالمؤمن، وبمقتضى ~~ما ظهر عليه من الضراعة والإقرار ظهر فيه مقتضى اسمه التواب؛ فجمعت توبته ~~الأمرين - انتهى. # ولما أعلموا بالعداوة اللازمة كان كأنه قيل: فما وجه الخلاص منها؟ فقيل: ~~اتباع شرعنا المشروع للتوبة والرحمة فإنا {قلنا} كما تقدم {اهبطوا} ولما ~~كان الهبوط الماضي يحتمل أن يكون من مكان من # PageV01P295 # الجنة إلى أدنى منه ولم يخرجوا منها فكرره هنا للتأكيد تصويرا لشؤم ~~المعصية وتبشيعا لها قال: {منها} أي الجنة {جميعا} أي لا يتخلف منكم أحد ~~سواء كان ذلك قران واحد أو على التعاقب، وعهدنا إليهم عند الهبوط إلى دار ~~التكليف أنا نأتيهم بالهدى ليؤديهم إلى الجنة مرة أخرى واعدين من اتبع ~~متوعدين من ms0104 امتنع فقلنا: {فإما يأتينكم} ، # PageV01P296 # وقال الحرالي: مورد هذه الآية بغير عطف إشعار بأن ظاهرها افتتاح لم ~~يتقدمه إيجاء بباطن كما تقدم في السابقة، وتكرر الإهباطان من حيث إن الأول ~~إهباط لمعنى القرار في الدنيا والاغتذاء فيها وذرء الذرية وأعمال أمر ~~العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم وإبليس، وهذا الإهباط الثاني ~~إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية التي كانت خفية في أمر آدم ظاهرة في ~~أمر إبليس، وفي قوله: {جميعا} إشعار بكثرة ذرء الخلقين وكثرة الاحداث في ~~أمر الديانة من النقلين - انتهى. # PageV01P297 # وخص في إبراز الضمير بمحض الإفراد من غير إيراد بمظهر العظمة إبعادا عن ~~الوهم فقال: {مني هدى} أي بالكتب والرسل، ولما كان الهدى الذي هو البيان لا ~~يستلزم الاهتداء قال: {فمن تبع} أي أدنى اتباع يعتد به، ولذلك اكتفى في ~~جزائه بنفي الخوف الذي قد يكون عن توبة من ضلال بخلاف ما في طه كما يأتي إن ~~شاء الله تعالى. والتبع السعي أثر علم الهدى - قاله الحرالي. {هداي} أي ~~المنقول # PageV01P298 # أو المعقول، فالثاني أعم من الأول. لأنه أعم من أن يكون منقولا عن الرسل ~~أو معقولا بالقياس على المنقول عنهم، أو بمحض العقل كما وقع لورقة بن نوفل ~~وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما المشار إليهم بالقليل في قوله تعالى: ~~{ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء: 83] قال ~~العارف شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في كتابه رشف النصائح الإيمانية: ~~فالعفل حجة الله الباطنة والقرآن حجة الله الظاهرة. قال الحرالي: وجاء ~~{هداي} شائعا ليعم رفع الخوف والحزن من تمسك بحق ما من الحق الجامع، وأدناه ~~من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فيما بينه وبين الحق وفيما بينه وبين ~~الخلق - انتهى. # ولما كان الخوف أشد لأنه يزداد بمر الزمان، والحزن يحف، قدمه فقال: {فلا ~~خوف عليهم} أي من شيء آت فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضار - قاله ~~الحرالي. {ولا هم يحزنون} أي على شيء فات، لأنهم ينجون من النار ويدخلون ~~الجنة والحزن كما ms0105 قال الحرالي: توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به ~~روح، والقرب # PageV01P299 # منه راحة، وجاء في الحزن بلفظ {هم} لاستبطانه، وبالفعل لأنه باد من باطن ~~تفكرهم في فائتهم، وجاء نفي الخوف منعزلا عن فعلهم لأنه من خوف باد عليهم ~~من غيرهم - انتهى. # ولما بشر المؤمنين الذين اتبعوا الهدى أتبعه إنذار الكافرين الذين نابذوه ~~بقوله: {والذين كفروا} قال الحرالي: هذا من أسوأ الكفر # PageV01P300 # لأنه كفر بالآيات التي جعلها الله عز وجل علما على غيب عهده وهي ما تدركه ~~جميع الحواس من السماء والأرض وما بينهما كما قال تعالى: {ومن آياته خلق ~~السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة} [الشورى: 29] لأن الحق تعالى أظهر ~~الكون كتابة دالة على أمره وجعل في العقل نورا يقرأ به كتابه، فمن لا نور ~~له فهو من أصحاب النار، فهو إما تابع هدى بنور العقل وتنبيه الإيمان، وإما ~~صاحب نار، فقال: {وكذبوا بآياتنا} لأنه لما كان من الذين كفروا بكتاب الخلق ~~من تقبل الإيمان بتنزيل الأمر اختصت كلمة العذاب بالذين تأكد كفرهم بالآيات ~~المرئية بتكذيبهم بالآيات المنزلة، فكفروا بما رأوا فكانوا عميا، وكذبوا ~~بما سمعوا فكانوا صما - انتهى. # والمعنى أنهم جمعوا بالكفر والتكذيب بين إنكار القلوب # PageV01P301 # والألسنة {أولئك} أي البعداء البغضاء {أصحاب النار} وبين اختصاصهم ~~بالخلود بقوله: {هم فيها خالدون} فعليهم الخوف الدائم لما يأتي من أنكالها ~~والحزن الدائم على فوات الجنة، فالآية من الاحتباك، انتفاء الخوف والحزن من ~~الأول دال على وجودهما في الثاني، ووجود النار في الثاني دال على انتفائها ~~ووجود الجنة في الأول، وقد علم من ذلك مع قوله {مستقر ومتاع إلى حين} أنه ~~لا بد من رجوعهم إلى تلك الدار وكيف تكون منازلهم فيها! فكأنه جواب سائل ~~قال: هل بعد هذا الهبوط من صعود؟ قال الحرالي: وقوله: {هم} فيه إشعار ~~بإشراب العذاب بواطنهم وبلاغه إلى أنفسهم بعذاب الغم والحزن واليأس وغير # PageV01P302 # ذلك من إحراق النار بواطنهم، وفيه إشعار بكونهم فيها في الوقت الحاضر من ~~حيث لا يشعرون «الذي يشرب في آنية الذهب ms0106 إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» ~~والنار أقرب إلى أحدهم من شراك نعله. فهم فيها خالدون وإن لم يحسوا في ~~الدنيا بحقيقتها، كما أن المهتدين في جنة في الدنيا وإن لم يشهدوا عيانها، ~~فكل خالد فيما هو فيه في الدنيا غيبا وفي الآخرة عيانا وفي القبر عرضا ~~{لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين} [التكاثر: 6، 7] {النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا} [غافر: 46] وهنا انتهى خطاب الفرقان المخصوص بدعوة العرب ~~الذين هم رأس أهل الدعوة المحمدية صلى الله عليه وسلم: «الناس كلهم تبع ~~لقريش، مؤمنهم لمؤمنهم، وكافرهم # PageV01P303 # لكافرهم» انتهى. يعني فهم المرادون بهذا بالقصد الأول، وهو شامل لغيرهم، ~~ومراد به ذلك الغير بالقصد الثاني، وهنا آخر الآيات الخاصة بالنعم العامة ~~لجميع بني آدم دالة على التوحيد من حيث إنها حادثة فلها محدث، وعلى النبوة ~~من حيث إنه صلى الله عليه وسلم أخبر عنها موافقا لما في التوراة والإنجيل ~~من غير تعلم، وعلى المعاد من حيث إن من قدر على خلقها ابتداء قدر على ~~إعادتها - ذكره الأصفهاني عن الإمام. وفي الآية إشارة إلى الكتاب الذي هو ~~هدى للمتقين المشتمل على الأحرف السبعة التي من أقبل على حرف منها حق ~~الإقبال كفاه، ومن اشتغل عنها بالمتاع الأدنى خسر دنياه وأخراه. # قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في التمهيد لشرط مثال القراءة لحروفه ~~السبعة وعلمها والعمل بها: اعلم أن الله سبحانه خلق آدم بيده ونفخ فيه من ~~روحه ورزقه نورا من نوره، فلأنه خلقه بيده كان في أحسن تقويم خلقا، ولأنه ~~نفخ فيه من روحه كان أكمل حياة قبضا وبسطا، ولأنه رزقه نورا من نوره كان ~~أصفى عقلا وأخلص لبا وأفصح نطقا وأعرب بيانا جمعا وفصلا، وأطلعه على ما كتب ~~من حروف مخلوقاته إدراكا وحسا، وعقله ما أقام من أمره فهما وعلما، # PageV01P304 # ونبهه على ما أودعه في ذاته عرفانا ووجدا؛ ثم جعل له فيما سخر له من خلقه ~~متاعا وأنسا فأناسه وردده من بين إقبال وإدبار وقبول وإعراض، فمن شغل ~~بالاستمتاع الأدنى عن الاطلاع الأعلى كان سفيها، ms0107 ومن شغله الاطلاع الأعلى ~~عن الاستمتاع الأدنى كان حنيفا # {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} [الكهف: 101] {ومن يرغب عن ملة ~~إبراهيم إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ~~حنيفا} [النحل: 120] . ولما كان متاع الخلق في الأرض إلى حين وشغل أكثرهم ~~أكلهم وتمتعهم وألهاهم أملهم عن حظهم من الحنيفية بما أوتي العقل من ~~التبليغ عن الله نظرا واعتبارا اصطفى الله سبحانه من الحنفاء منبهين على ~~النظر الذي اشتغل عنه المعرضون وأنف منه واستكبر عنه المدبرون، وأكدوا ~~تنبيههم بما أسمعوهم من نبأ ما وراء يوم الدنيا من أمر الله في اليوم الآخر ~~وما تتمادى إليه أيام الله، وذكروهم بما مضى من أيام الله، وأنزل الله ~~سبحانه معهم كتبا يتلونها عليهم ويبينونها لهم علما وعملا وحالا، فقبل ما ~~جاؤوا به وصدقه واستبشر به الحنيفيون وأنذر به المدبرون والمعرضون، فمنهم ~~من آمن ومنهم من كفر، آمن من تنبه للنظر والاعتبار وألقى السمع وهو شهيد، # PageV01P305 # وكفر من آثر متاعه بالعاجلة التي تراها الأعين على وعد الله ووعيده في ~~الآجلة التي إنما يعيها القلب وتسمعها الأذن، وكما شغل المدعوين إلى ~~الإسلام كفرهم ودنياهم كذلك شغل المولدين في الإسلام غفلتهم ودنياهم ولعبهم ~~في صباهم ولهوهم في شبابهم وتكاثرهم في الأموال في اكتهالهم وتكاثرهم في ~~الأولاد في شياخهم، فاشترك المدعو إلى الإسلام والمولد فيه الغافل في عدم ~~الإقبال والقبول في ترك الاهتمام في الآجلة واختصارهما على الاهتمام ~~بالعاجلة، وكلاهما جعل القرآن وراء ظهره المدعو لفظا وعلما والمولد الغافل ~~علما وعملا، فلم يسمعه المدعو ولم يفهمه الغافل فجعله بالحقيقة وراء ظهره، ~~ومن جعل القرآن خلفه ساقه إلى النار، وإنما جعله أمامه من قرأه علما وحالا ~~وعملا، ومن جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة؛ ولما قامت الحجة عليهم ~~بقراءته إذا لم يجاوز حناجرهم كانوا أشد من الكفار عذابا في النار - أكثر ~~منافقي أمتي قراؤها، {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء: ~~145] فإذا لا بد في قراءة القرآن من تجديد إقبال وتهيؤ لقبول وتحقيق تقوى ms0108 ~~لأنه إنما هو هدى للمتقين، وإجماع على الاهتمام، وكما أن أمور الدنيا لا ~~تحصل لأهلها # PageV01P306 # إلا على قدر عزائمهم واهتمامهم فأحرى أن لا يحصل أمر الأخرى إلا بأشد ~~عزيمة وأجمع اهتمام، فلا يقرأ القرآن من لم يقبل عليه بكلية ظاهره ويجمع ~~اهتمامه له بكلية باطنه # {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء} [الأعراف: 145] ~~فخذها بقوة {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} [مريم: 13] {فاستقم كما أمرت ومن تاب ~~معك} [هود: 112] فشرط منال قراءته اهتمام القلب بتفهمه وإقبال الحس على ~~استماعه وتدبره؛ ولكل حرف شرط يخصه - انتهى. # ولما أقام سبحانه دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولا وعقبها بذكر ~~الإنعامات العامة داعيا للناس عامة لا سيما بني إسماعيل العرب الذين هم قوم ~~الداعي صلى الله عليه وسلم وكان أحق من دعي بعد الأقارب وأولاه بالتقدم أهل ~~العلم الذين كانوا على حق فزاغوا عنه ولا سيما إن كانت لهم قرابة لأنهم ~~جديرون بالمبادرة إلى الإجابة بأدنى بيان وأيسر تذكير، فإن رجعوا اقتدى بهم ~~الجاهل فسهل أمره وانحسم شره، وإن لم يرجعوا طال جدالهم فبان للجاهل ضلالهم ~~فكان جديرا بالرجوع والكف عن غيه والنزوع، وعرفت من تمادي الكلام معهم ~~الأحكام وبان الحلال والحرام؛ فلذلك لما فرغ من دعوة العرب الجامعة لغيرهم ~~باختصار وختم بأن وعد في # PageV01P307 # اتباع الهدى وتوعد شرع سبحانه يخص العلماء من المنافقين بالذكر وهم من ~~كان أظهر الإسلام من أهل الكتاب على وجه استلزم عموم المصارحين منهم ~~بالكفر، إذ كانوا من أعظم من خص بإتيان ما أشار إليه من الهدى والبيان بما ~~فيه الشفاء، وكان كتابهم المشتمل على الهدى من أعظم الكتب وأشهرها وأجمعها ~~فقص عليهم ما مثله يلين الحديد ويخشع الجلاميد فقال تعالى مذكرا لهم بنعمه ~~الخاصة بهم: {يا بني إسرائيل} ويجوز أن تقرر المناسبات من أول السورة على ~~وجه آخر فيقال: لما # PageV01P308 # كان الكفار قسمين: قسم محض كفره، وقسم شابه بنفاق وخداع، وكان الماحض ~~قسمين: قسم لا علم له من جهة كتاب سبق وهم مشركو العرب، وقسم له ms0109 كتاب يعلم ~~الحق منه، ذكر تعالى قسم الماحض بما يعم قسميه العالم والجاهل فقال: {إن ~~الذين كفروا سواء عليهم} إلى آخره. ثم أتبعه قسم المنافق، لأنه أهم بسبب ~~شدة الاختلاط بالمؤمنين وإظهارهم أنهم منهم ليكونوا من خداعهم على حذر، ~~فقال: {ومن الناس من يقول آمنا} إلى آخره؛ ولما فرغ من ذلك ومما استتبعه من ~~الأمر بالوحدانية وإقامة دلائلها وإفاضة فضائلها، ومن التعجيب ممن كفر مع ~~قيام الدلائل، والتخويف من تلك الغوائل، والاستعطاف بذكر النعم، شرع في ذكر ~~قسم من الماحض هو كالمنافق في أنه يعرف الحق ويخفيه # PageV01P309 # فالمنافق ألف الكفر ثم أقلع عنه وأظهر التلبس بالإسلام واستمر على الكفر ~~باطنا، وهذا القسم كان على الإيمان بهذا النبي قبل دعوته، فلما دعاهم محوا ~~الإيمان الذي كانوا متلبسين به وأظهروا الكفر واستمرت حالتهم على إظهار ~~الكفر وإخفاء المعرفة التي هي مبدأ الإيمان، فحالهم كما ترى أشبه شيء بحال ~~المنافقين، ولهذا تراهم مقرونين بهم في كثير من القرآن، وأخرهم لطول قصتهم ~~وما فيها من دلائل النبوة وأعلام الرسالة بما أبدى مما أخفوه من دقائق ~~علومهم، فإن مجادلة العالم ترسل في ميادين العلم أفراس الأفكار فتسرع في ~~أقطار الأوطار حتى تصير كالأطيار وتأتي ببدائع الأسرار، ولقد نشر سبحانه في ~~غضون مجادلتهم وغضون محاورتهم ومقاولتهم من الجمل الجامعة في شرائع الدين ~~التي فيها بغية المهتدين ما أقام البرهان على أنه هدى للعالمين؛ هذا إجمال ~~الأمر، وفي تفاصيله كما سترى من بدائع الوصف أمور تجل عن الوصف، تذاق بحسن ~~التعليم ويشفى عي جاهلها بلطيف التكليم - والله ولي التوفيق والهادي إلى ~~أقوم طريق. # PageV01P310 # وقال الحرالي: ثم أقبل الخطاب على بني إسرائيل منتظما بابتداء خطاب العرب ~~من قوله: {يا أيها الناس} وكذلك انتظام القرآن إنما ينتظم رأس الخطاب فيه ~~برأس خطاب آخر يناسبه في جملة معناه وينتظم تفصيله بتفصيله، فكان أول وأولى ~~من خوطب بعد العرب الذين هم ختام بنو إسرائيل الذين هم ابتداء بما هم أول ~~من أنزل عليهم الكتاب الأول من التوراة التي افتتح الله بها ms0110 كتبه تلو صحفه ~~وألواحه. ثم قال: لما انتظم إقبال الخطاب على العرب التي لم يتقدم لها هدى ~~بما تقدمه من الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم انتظم بخطاب العرب خطاب بني ~~إسرائيل بما تقدم لها من هدى في وقتها {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} ~~[المائدة: 44] # PageV01P311 # وبما عهد إليها من تضاعف الهدى بما تقدم لها في ارتقائه من كمال الهدى ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وبهذا القرآن، فكان لذلك الأولى مبادرتهم إليه ~~حتى يهتدي بهم العرب ليكونوا أول مؤمن بما عندهم من علمه السابق - انتهى. # PageV01P312 # وابتدأ سبحانه بتذكيرهم بما خصهم به عن النوع الآدمي من النعم التي كانوا ~~يقابلونها بالكفران وما عاملهم به من إمهالهم على مرتكباتهم ومعاملتهم ~~بالعفو والإقالة مما يبين سعة رحمته وعظيم حلمه، وابتدأ من أوامرهم ~~بالإيفاء بالعهود التي من أعظمها متابعة هذا النبي الكريم والإيمان بكتابه ~~الذي نفى عنه الريب فقال: {يا بني إسرائيل} أي الذي شرفته # PageV01P312 # وشرفت بنيه من أجله {اذكروا} من الذكر بالكسر والضم بمعنى واحد يكونان ~~باللسان وبالجنان، وقال الكسائي: هو بالكسر باللسان وبالضم بالقلب، والذي ~~بالقلب ضده النسيان، والذي باللسان ضده الصمت - نقله الأصفهاني. وقال ~~الحرالي: من الذكر وهو استحضار ما سبقه النسيان. {نعمتي} وهي إنالة الشخص ~~ما يوافق نفسه وبدنه وعند المتفطن ما يوافق باطنه وظاهره مما بين قلبه ~~وشعوبه من أهله وحشمه {التي} تي منها إشارة لباطن نازل متخيل مبهم تفسره ~~صلته بمنزلة ذي وال منها إشارة لذلك المعنى بالإشارة المتخيلة - انتهى ~~{أنعمت} أي بها ودللت على شرفها بإضافتها إلى {عليكم} وتلك النعمة الشريفة ~~هي # PageV01P313 # الإتيان بالهدى من الكتب والرسل الذي استنقذتكم به من هوان الدنيا ~~والآخرة {وأوفوا} من الوفاء وهو عمل لاحق بمقتضى تقدم علم سابق - قاله ~~الحرالي. {بعهدي} أي الذي أخذته عليكم في لزوم ما أنزل إليكم من متابعة ~~نبيكم ومن آمركم باتباعه من بعده، والعهد التقدم في الشيء خفية اختصاصا لمن ~~يتقدم له فيه - قاله الحرالي، وقال الأصفهاني: حفظ الشيء # PageV01P314 # ومراعاته حالا فحالا، قال الخليل: أصله الاحتفاظ ms0111 بالشيء وإجداد العهد به، ~~{أوف بعهدكم} أي في جعلكم ممن لا خوف عليهم ولا حزن بسعة العيش والنصر على ~~الأعداء كما يأتي عن نص التوراة في مظانه من هذا الكتاب {وإياي} أي خاصة ~~{فارهبون} أي ولا تزلوا اجعلكم في مصير الكافرين بعد الضرب بأنواع الهوان ~~في الدنيا، والرهب حذر النفس مما شأنها منه الهرب لأذى تتوقعه، وخوطبوا ~~بالرهبة لاستبطانها فيما يختص لمخالفة العلم، قال الحرالي: وأطال سبحانه في ~~حجاجهم جريا على قانون النظر في جدال العالم الجاحد وخطاب المنكر المعاند، ~~وفي قوله تعالى: {وآمنوا بما أنزلت} # PageV01P315 # أي أوجدت إنزاله {مصدقا لما معكم} تقرير لذلك الكتاب لا ريب فيه، وأمروا ~~كما قال الحرالي تجديد الإيمان بالقرآن لما فيه من إنباء بأمور من المغيبات ~~التي لم تكن في كتابهم كتفاصيل أمور الآخرة التي استوفاها القرآن، لأنه ~~خاتم ليس وراءه كتاب ينتظر فيه بيان، وقد أبقى لكل كتاب قبله بقية أحيل ~~فيها على ما بعده - ليتناءى البيان إلى غاية ما أنزل به القرآن حين لم يعهد ~~إليهم إلا في أصله على الجملة - انتهى. وفي قوله: {ولا تكونوا أول كافر به} ~~معنى دقيق في تبكيتهم وأمر جليل من تعنيفهم وذلك أنه ليس المراد من {أول} ~~ظاهر معناه المتبادر إلى الذهن فإن العرب # PageV01P316 # كثيرا ما تطلق الأول ولا تريد حقيقته بل المبالغة في السبق، كما قال مقيس ~~بن صبابة وقد قتل شخصا من الصحابة رضوان الله عليهم كان قتل أخاه خطأ ورجع ~~إلى مكة مرتدا. # حللت به وتري وأدركت ثؤرتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع # هذا في جانب الإثبات، فإذا نفيت ناهيا فقلت: لا تكن أول فاعل لكذا، ~~فمعناه إنك إن فعلت ذلك لم تكن صفتك إلا كذلك، فهو خارج مخرج المبالغة في ~~الذم بما هو صفة المنهي فلا مفهوم له، وعبر به تنبيها على أنهم لما تركوا ~~اتباع هذا الكتاب كانوا لما عندهم من العلم بصحته في غاية اللجاجة فكان ~~عملهم في كفرهم وإن تأخر # PageV01P317 # عمل من يسابق شخصا إلى شيء، أو يكون المعنى ms0112 أنهم لم يمنعهم من الإيمان به ~~جهل بالنظر ولا عدم إطلاع على ما أتى به أنبياؤهم من البشر بل مجرد الحسد ~~للعرب أن يكون منهم نبي المستلزم لحسد هذا النبي بعينه، لأن الحكم على ~~الأعم يستلزم الحكم على الأخص بما هو من أفراد الأعم. فصارت رتبة كفرهم قبل ~~رتبة كفر العرب الجاهلين به أو الحاسدين له صلى الله عليه وسلم بخصوصه لا ~~لعموم العرب، فكان أهل الكتاب أول كافر به لا يمكن أن يقع كفرهم إلا على ~~هذا الوجه الذي هو أقبح الوجوه، فالمعنى لا تكفروا به، فإنه إن وقع منكم ~~كفر به كان أول كفر، لأن رتبته أول رتب الكفر الواقع ممن سواكم فكنتم أول ~~كافر فوقعتم في أقبح وجوه الكفر، ولذا أفرد ولم يقل: كافرين - والله أعلم. # ولما نهاهم عن الكفر بالآيات نهاهم عن الحامل عليه لقوله: {ولا تشتروا} # PageV01P318 # أي تتكلفوا وتلحوا في أن تستبدلوا {بآياتي} أي التي تعلمونها في الأمر ~~باتباع هذا النبي الكريم {ثمنا قليلا} وهو رياسة قومكم وما تأخذونه من ~~الملوك وغيرهم على حمل الشريعة، والقلة ما قصر عن الكفاية - قاله الحرالي. ~~{وإياي} أي خاصة {فاتقون} أي اجعلوا لكم وقاية من إنزال غضبي، فالتقوى ~~نتيجة الرهبة كما أن هذه الأفعال نتيجة ما في آية الرهبة، {ولا تلبسوا} ~~واللبس إبداء الشيء في غير صورته، ومنه اللباس # PageV01P319 # لإخفائه الأعضاء حتى لا تبين هيئتها - قاله الحرالي: {الحق} أي ما تقرون ~~به على ما هو عليه من التوراة والإنجيل مما لا غرض لكم في تبديله {بالباطل} ~~مما تحرفونه منهما، والحق قال الحرالي ما يقر ويثبت حتى يضمحل مقابله، فكل ~~زوجين فأثبتهما حق وأذهبهما باطل، وذلك الحق فالباطل هو ما أمد إدالته قصير ~~بالإضافة إلى طول أمد زوجه القار - انتهى. # ولما كان اللبس قد يفارق الكتمان بأن يسأل شخص عن شيء فيبديه ملتبسا ~~بغيره أو يكتمه وهو عالم به قال: {وتكتموا الحق} أي عمن لا يعلمه {وأنتم ~~تعلمون} أي مكلفون، وجعله الحرالي على ظاهره فقال: لما طلبهم تعالى بالوفاء ~~بالعهد ms0113 نهاهم عن سوء العمل وما لبسوا به الأمر عند اتباعهم من ملتهم وعند ~~من استرشدهم من العرب، فلبسوا باتباعهم حق الإيمان بموسى عليه الصلاة ~~والسلام والتوراة بباطل ما اختذلوه من كتابهم من إثبات الإيمان لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وبالقرآن، فكتموا الحق # PageV01P320 # التام الجامع ولبسوا الحق الماضي المعهود بالباطل الأعرق الأفرط، لأن ~~باطل الحق الكامل باطل مفرط معرق بحسب مقابله، وعرفهم بأن ذلك منهم كتمان ~~شهادة عليهم بعلمهم بذلك إفهاما، ثم أعقبه بالشهادة عليهم بالعلم تصريحا - ~~انتهى. # وفي هذه الآية أعظم زاجر لأهل الكتاب عما أظهروا فيه من العناد، ومن لطف ~~الله تعالى زجر القاسي البعيد ونهي العاصي القلق إلى ما دون ذلك من تنبيه ~~الغافل وزيادة الكامل. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة: وجه ~~إنزال هذا الحرف - يعني حرف النهي - كف الخلق عما يهلكهم في أخراهم وعما ~~يخرجهم عن السلامة في موتهم وبعثهم مما رضوا به واطمأنوا إليه وآثروه من ~~دنياهم، فمتوجهه للمطمئن بدنياه المعرض عن داعيه إلى اجتناب ما هو عليه ~~يسمى زجرا، ومتوجهه للمتلفت المستشعر ببعض الخلل فيما هو عليه يسمى نهيا، ~~وهما يجتمعان في معنى واحد ومقصود واحد إلا أنه متفاوت، ولذلك رددهما النبي ~~صلى الله عليه وسلم على المعنى الجامع في هذا الحديث يعني المذكور أول ~~البقرة، وأولاهما بالبدئية في الإنزال الزجر لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما # PageV01P321 # بعثه الله حين انتهى الضلال المبين في الخلق ونظر الله سبحانه إلى جميع ~~أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، كما ورد في الحديث ~~الصحيح إسنادا ومتنا، ولذلك كان أول منزل الرسالة سورة {يا أيها المدثر * ~~قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر*} [المدثر: 1-5] وهي ~~أول قوارع الأمر كما أن فجاءة الساعة أول قوارع الخلق، ولذلك انتظم فكرهما ~~في قوله تعالى: {فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين ~~غير يسير*} [المدثر: 8-10] وللمزجور حالان إما أن ينفر عند الزجرة توحشا ~~كما قال تعالى: {كأنهم حمر مستنفرة ms0114 * فرت من قسورة *} [المدثر: 50-51] وإما ~~أن يدبر بعد فكره تكبرا كما قال تعالى: {ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر ~~واستكبر} [المدثر: 21-23] وربما شارف أن يبصر فصرف، قال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: لكنها عقول كادها باريها {سأصرف آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق وإن يروا كل آية # PageV01P322 # لا يؤمنوا بها} # [الأعراف: 146] صرفوا عن آيات الحق السماوية على ظهورها عقوبة على ذنب ~~تكبرهم على الخلق مع الإحساس بظهور آية انضمام الأرحام في وضوحها وكل قارعة ~~لنوعي الكافرين النافرين والمدبرين من هذا الحرف وتمام هذا المعنى ينهى ~~المتأنس المحاصر عن الفواحش الظاهرة والباطنة الضارة في العقبى وإن تضرروا ~~بتركها في الدنيا نحو قوله تعالى: {ولا تقربوا} في أكل مال اليتيم والزنا ~~وإتيان الحائض - إلى ما دون ذلك من النهي عما يعدونه في دنياهم كيسا، نحو ~~قوله: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] {ولا تأكلوا الربا ~~أضعافا مضاعفة} [آل عمران: 13] {ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا} [الحجرات: ~~12] و {لا يسخر قوم من قوم} [الحجرات: 11] وما لحق بهذا النمط - إلى ما دون ~~ذلك على اتصال التفاوت من النهي عن سوء التأويل لطية غرض النفس # PageV01P323 # نحو قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض ~~الحياة الدنيا} [النساء: 94] إلى ما دون ذلك من النهي عما يقدح في الفضل ~~وإن كان من حكم العدل نحو قوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن ~~يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} [النور: 22] إلى ~~تمام ما لا تحصل السلامة إلا به من النهي عما زاد على الكفاف والبلغة في ~~الدنيا الذي به يصح العمل بالحكمة نحو قوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا} ~~[الإسراء: 37] إلى قوله: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} [الإسراء: 39] ~~، ونحو قوله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا لنفتنهم فيه} [طه: 131] ، لأن كل زائد على الكفاف فتنة، وهذا ~~هو أساس ما به تتفاوت درجات العلم في الدنيا ms0115 ودرحات الجنة في الآخرة، ولا ~~تصح الوجوه والحروف التي بعده أي وهي سائر الحروف علما وعملا وثباتا وقبولا ~~عند التمحيص إلا بحسب الإحكام في قراءة هذا الحرف وجمعه وبيانه # PageV01P324 # لأنه ظهور لما بعده من صلات حرف الأمر وما قصر بعشرات فرق الأمة إلى ~~التقصير في حرف النهي، لأن الملة الحنيفية مبنية على الاكتفاء باليسير من ~~المأمورات والمبالغة في الحمية من عموم ما لا يتناهى من المنهيات لكثرة ~~مداخل الآفات منها على الخلق فيما بعد الموت ويصعب هذا الحرف على الخلق بما ~~استقر في أوهامهم أن دنياهم لا تصلح إلا بالمثابرة على صنوف المنهيات ~~لنظرهم لجدواها في الدنيا وعماهم عن وبالها في الأخرى وما حوفظ على ~~الرياضات والتأديبات والتهذيبات إلا بوفاء الحمية منها، والحمية أصل ~~الدواء، فمن لم يحتم عن المنهيات لم ينفعه تداويه بالمأمورات، كالذي يتداوى ~~ولا يحتمي يخسر الدواء ويتضاعف الداء {هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ~~ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا*} [الكهف: 103، ~~104] وجاؤوا بحسنات كالجبال وكانوا يصومون ويصلون ويأخذون وهنا من الليل ~~لكن ذلك تداو بغير حمية لما لم يحتموا من الدنيا # PageV01P325 # التي نهوا عن زهرتها، فكانوا إذا لاحت لهم وثبوا عليها فيصيبون منها ~~الشهوات ويعملون المعصيات فلم ينفعهم المداواة، فمن احتمى فقد قرأ هذا ~~الحرف وهو حسبه فاقرؤوا ما تيسر منه، أحب العبادات إلى الله ترك الدنيا ~~وحمية النفس من هوى جاهها ومالها «بل نبيا عبدا» «أجوع يوما وأشبع يوما» # «ومن رغب عن سنتي فليس مني» ، والقرآن حجة لمن عمل به فصار إمامه يقوده ~~إلى الجنة. وحجة على من لم يعمل به يصير خلفه فيسوقه إلى نار الجبة التي في ~~جب وادي جهنم التي تستعيذ جهنم منها والوادي والجب في كل يوم سبع مرات ~~{ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52] {يضل به كثيرا ~~ويهدي به كثيرا} [البقرة: 26] {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا*] [الإسراء: ~~82] «أعوذ بعفوك من عقوبتك، وبرضاك # PageV01P326 # من سخطك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت ms0116 على نفسك» . # ثم قال فيما تحصل به قراءة حرف النهي: اعلم أن الموفي بقراءة حرفي الحلال ~~والحرام المنزلين لإصلاح أمر الدنيا وتحسين حال الجسم والنفس تحصل له عادة ~~بالخير تيسر عليه قراءة حرفي صلاح الآخرة من الأمر والنهي، ولما اقتضت ~~الحكمة والعلم إقامة أمر الدنيا بقراءة حرفي صلاحها تماما اقتضى الإيمان ~~بالغيب وتصديق الوعد والوعيد تجارة اشتراء الغيب الموعود من عظيم خلاق ~~الأخرى بما ملك العبد من منقود متاع الدنيا، فكل الحلال ما عدا الكفاف ~~بالسنة متجر للعبد، إن أنفقه ربحه وأبقاه فقدم عليه، وإن استمتع به أفناه ~~فندم عليه {فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم} [التوبة: 69] {لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين*} ~~[المنافقون: 10] {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران: 92] ذلك ~~مال رابح ذلك مال رابح، وكما أن حرف الحلال موسع ليحصل به الشكر فحرف النهي ~~مضيق لمتسع حرف الحلال ليحصل به الصبر ليكون به العبد شاكرا صابرا، فالذي ~~يحصل به قراءة حرفي النهي # PageV01P327 # أما من جهة القلب ورؤيا الفؤاد فمشاهدة البصيرة لموعود الجزاء حتى كأنه ~~ينظر إليه لترتاح النفس بخيره وترتاع من شره، كما قال حارثة: «كأني أنظر ~~إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون وإلى أهل النار في النار يعذبون» فأثمر له ~~ذلك ما أحبر به عن نفسه في قوله: «وعزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ~~وخزفها» وخصوصا من أيد بالمبشرات من الرؤيا الصالحة والكشف الصادق ليدع ~~الفاني للباقي على يقين ومشاهدة، وأما من جهة حال النفس فالصبر بحبسها عما ~~تشتهيه طبعا مما هو محلل لها شرعا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر ~~رضي الله عنه لما رثى لحاله: # «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» {واستعينوا بالصبر} ، ~~[البقرة: 45] وصبر النفس عن شهواتها وإن كانت حلالا هو حقيقة تزكيتها، ~~وقتلها بإضنائها منها هو حياتها، # PageV01P328 # وإطلاقها ترتع في شهواتها هو تدسيتها، {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من ~~دساها*} [الشمس: 9-10] والنفس مطية يقويها إنضاؤها، ويضعفها ms0117 استمتاعها، ~~وحبسها عن ذلك شائع في جهات وجوه الحلال كلها إلا في شيئين: في النساء ~~بكلمة الله، لأنهم من ذات نفس الرجال ولسن غيرا لهم {هو الذي خلقكم من نفس ~~واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} [الأعراف: 189] و {أتيتم إحداهن قنطارا ~~فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20] والثاني في الطيب، لأنه غذاء للروح ~~وتقوية للحواس ونسمة من باطن الملكوت إلى ظاهر الملك، وما عداهما ~~فالاستمتاع به واتباع النفس هواها فيه علامة تكذيب وعد الرحمن وتصديق وعد ~~الشيطان {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون} [النحل: ~~26] {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} [النساء: 120] هذا من جهة ~~النفس، وأما من جهة العمل وتناول اليد فرفعها عما زاد # PageV01P329 # على الكفاف وتخليته لذوي الحاجة ليتخذوه معاشا، وأن يكون التمول من غير ~~القوام تجارة نقل وضرب في الأرض وإرصاد لوقت حاجة لا حكرة وتضييقا، اتخاذ ~~أكثر من لبستين للمهنة والجمعة علامة لضعف الإيمان وخلاف السنة وانقطاع عن ~~آثار النبوة وعدول عن سنة الخلفاء وترك لشعار الصالحين، وكذلك تصفية لباب ~~الطعام وقصد المستحسن في الصورة دون المستحسن في العلم وإيثار الطيب في ~~المطعم على الطيب في الورع وتكثير الأدم وتلوين الأطعمة، وكذلك اتخاذ أكثر ~~من مسكن واحد وأكثر من مزدرع كاف ورفع البناء والاستشراف بالمباني، امتنع ~~النبي صلى الله عليه وسلم من رد السلام على رجل اتخذ قبة في المدينة حتى ~~هدمها وسواها مع بيوت أهل المدينة، وإنما الدنيا للمؤمن سجن إن شعر به وضيق ~~فيه على نفسه طلبت السراح منه إلى الآخرة فيسعد، وإن لم يشعر بأنها سجن ~~فوسع فيها على نفسه طلب البقاء فيها وليست بباقية، والخيل ثلاثة: أجر ~~للمجاهد، ووزر على المباهي، # PageV01P330 # وعفو للمستكفي بها فيما يعنيه من شأنه، والزيادة على الكفاف من النعم ~~السائمة انقطاع عن آثار النبوة وتضييق على ذوي الحاجة وتمول لما وضع لإقامة ~~المعاش وأن يتخذ منه الكفاف، قال صلى الله عليه وسلم: «لنا غنم مائة لا ~~نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها ms0118 شاة» والطعام لا يتمول ~~وكذلك ما اتخذ للقوام لا يحتكره إلا خاطىء «من احتكر طعاما أربعين يوما فقد ~~برىء من الله وبرىء الله منه» فالأمتعة تجلب وتختزن ويستنمى فيه الدينار ~~والدراهم، والطعام والقوام يجلب ولا يختزن فيستنمى فيه الدينار والدرهم، ~~ومن اختزنه يستنمي فيه الدينار والدرهم فقد احتكره، وما منع فيه من مد ~~العين فأحرى أن يمنع فيه مد اليد {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا} ~~[الحجر: 88] الآيتين، فبهذه # PageV01P331 # الأمور من إيمان القلب ورؤية الفؤاد وصبر النفس وكف اليد عن الانبساط في ~~التمول فيما به القوام تحصل قراءة حرف النهي، والله ولي التأييد - انتهى. # PageV01P332 # ولما فرغ سبحانه من أمر أهل الكتاب بالإيمان بالله والنبي والكتاب الذي ~~هو من الهدى الآتي إليهم المشار إلى ذلك كله بالإيفاء بالعهد عطف بقوله: ~~{وأقيموا الصلاة} أي حافظوا على العبادة المعهود بها في كل يوم بجميع ~~شرائطها وأركانها {وآتوا الزكاة} أي المفروضة في كل حول لتجمعوا أوصاف ~~المتقين المهديين بهذا الكتاب {الذين # PageV01P332 # يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] المحسنين ~~بذلك فيما بينهم وبين الحق وفيما بينهم وبين الخلق، وهاتان العبادتان إما ~~العبادات البدنية والمالية فخصا بالذكر، لأن من شأنهما استجرار سائر ~~العبادات واستتباعها، والزكاة قال الحرالي نماء في ظاهر حس وفي باطن ذات ~~نفس، {واركعوا} من الركوع وهو توسط بين قيام وسجود يقع في ظاهر من القامة ~~وفي حال من القلب، تخص به الأمة المتوسطة الجامعة للطرفين {مع} معناه ~~الصحبة من الأعلى بالحياطة، ومن الأدنى بحسن التبع، ومن المماثل بحسن ~~النصفة - انتهى. وقوله: الراكعين * مع مصحوبه تأكيد لأمر الصلاة وأمر ~~بالكون في هذا الدين مع الذين اتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن صلاة ~~اليهود لا ركوع فيها، كما سيأتي بيانه في سورة آل عمران إن شاء الله تعالى. # وقال الحرالي: والمتسق بذلك أي بما مضى خطاب إفهام يفهمه عطف إقامة ~~الصلاة التي هي تلو الإيمان، فكأن خطاب الإفهام: # PageV01P333 # فارجعوا واستدركوا وأعلنوا بما كتمتم وبينوا ما لبستم وانصحوا من ~~استنصحكم وأقيموا ms0119 وجهتكم لله بالصلاة وتعطفوا على الأتباع بعد تعليمهم ~~بالزكاة وكملوا صلاتكم بما به كمال الصلاة من الركوع العدل في الفعل بين ~~حال قيام الصلاة وسجودها المظهر آية عظمة الله مع الراكعين الذين هم العرب ~~الذين وضعت أول صلاتهم على كمال - انتهى. ويجوز # PageV01P334 # أن يكون المراد بالركوع الصلاة، عبر عنها به لما ذكر من خصوص هذه الأمة ~~به، فكأنه قيل: وصلوا مع المصلين جماعة، لمزيد التوصية بالجماعة. # ولما أمر علماءهم بما تركوا من معالي الأخلاق من الإيمان والشرائع بعد ~~أمرهم بذكر ما خصهم به من النعم، ونهاهم عما ارتكبوا من سفسافها من كفر ~~النعم ونقض العهود وما تبع ذلك وكانوا يأمرون # PageV01P335 # غيرهم بما يزعمون أنه تزكية وينهونه عما يدعون أنه تردية، أنكر عليهم ~~ترغيبا فيما ندبهم إليه وحثهم عليه وتوبيخا على تركه بقوله: {أتأمرون} من ~~الأمر وهو الإلزام بالحكم - قاله الحرالي {الناس بالبر} وهو التوسع في ~~أفعال الخير {وتنسون} والنسيان السهو الحادث بعد حصول العلم، {أنفسكم} أي ~~تتركون حملها على ذلك ترك الناسي، ولعله عبر به زيادة في التنفير عن هذا ~~الأمر الفظيع الذي دل العقل دلالة بينة على فحشه، لأن المقصود من أمر الغير ~~بالبر النصيحة أو الشفقة، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو ينصح ~~غيره وينسى نفسه، والظاهر أن المراد به حكم التوراة، كانوا يحملون عوامهم ~~عليه وهم يعلمون دون العوام أن من حكم التوراة اتباع محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فقد نسوا أنفسهم من الأمر بأساس البر الذي لا يصح منه شيء إلا به. # وقال الحرالي: ولما كان فيهم من أشار على من استهداه بالهداية # PageV01P336 # لاتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولم يهدوا أنفسهم لما أرشدوا إليه غيرهم ~~أعلن تعالى عليهم بذلك نظما لما تقدم من نقض عهدهم ولبسهم وكتمهم بما ظهر ~~من نقص عقولهم في أن يظهر طريق الهدى لغيره ولا يتبعه فأخرجهم بذلك عن حد ~~العقل الذي هو أدنى أحوال المخاطبين، وزاد في تبكيتهم بجملة حالية حاكية ~~تلبسهم بالعلم والحكمة الناهية عما هم ms0120 عليه فقال: {وأنتم تتلون الكتاب} من ~~التلاوة، وهو تتبع قول قائل # PageV01P337 # أول من جهة أوليته - قاله الحرالي. وهذه الجملة الحالية أعظم منبه على أن ~~من حكم التوراة اتباعه صلى الله عليه وسلم، ومشير إلى أن المعصية من العالم ~~أقبح. قال الحرالي: فيه إشعار بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في منطوق ~~تلاوته ليس في خفي إفهامه، فكان في ذلك خروج عن حكم نور العقل - انتهى. # ولما كان هذا في كتابهم وهم به يأمرون وعنه معرضون سبب سبحانه عنه ~~الإنكار في قوله: {أفلا} أي أتتلونه فلا {تعقلون} إشارة إلى أن ما هم عليه ~~من هذا لا يفعله ذو مسكة، والعقل إدراك حقائق ما نال الحس ظاهره - قاله ~~الحرالي. سمي عقلا لأنه يعقل عن التورط في الهلكة. # ولما أنكر عليهم اتباع الهوى أرشدهم إلى دوائه بأعظم أخلاق النفس وأجل ~~أعمال البدن فقال عاطفا على ما مضى من الأوامر. وقال الحرالي: فكأنهم إنما ~~حملهم على مخالفة حكم العقل ما تعودت به أنفسهم من الرياسة والتقدم فلما في ~~ذلك عليهم من المشقة أن يصيروا أتباعا # PageV01P338 # للعرب بعد ما كانوا يرون أن جميع الأرض تبع لهم نسق بخطابهم في ذلك الأمر ~~بالاستعانة بالصبر الذي يكره أنفسهم على أن تصير تابعة بعد أن كانت متبوعة ~~فقال تعالى - انتهى. {واستعينوا} أي على إظهار الحق والانقياد له وهو معنى ~~ما مضى من الأوامر والنواهي {بالصبر} أي على مخالفة الهوى، والصبر حبس ~~النفس عن حاجتها وعادتها وعلى إصلاحها وتزكيتها، هو ضياء للقلوب تبصر به ما ~~يخفيه عنها الجزع من الخروج عن العادة فيما تنزع إليه الأنفس - قاله ~~الحرالي. وهو عام في كل صبر الصوم وغيره، {والصلاة} أي الموصلة إلى المقام ~~الأعلى، # PageV01P339 # وفيه التفات إلى {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] وإشارة إلى أن من لم تنهه ~~صلاته عن ركوب الباطل والتمادي فيه وتأمره بلزوم الحق والرجوع إليه فليس ~~بمصل، فكأن المراد بالصبر تخليص النفس من أشراك الهوى وقسرها على الإخلاص، ~~فمن صلى على هذه الصفة كان لا محالة من الناجين؛ وثنى ms0121 بالصلاة لأنها ~~استرزاق يغنيهم عن اشتراء ثمن كانوا يأخذونه من أتباعهم في اللبس والكتمان # {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك} [طه: 132] قال ~~الحرالي. ويصح أن يراد بها الدعاء، فمن صبر عن الدنايا وعلى المكاره وأنهى ~~صبره إلى الصوم فأزال عنه كدورات # PageV01P340 # حب الدنيا وأضاف إلى ذلك الصلاة استنار قلبه بأنواع المعارف، فإذا ضم إلى ~~ذلك الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى بلغ نهاية البر. # ولما أمر ونهى بما ختمه بالصلاة حث على التفاؤل لعظمته سبحانه بتخصيصها ~~بالضمير فقال: {وإنها لكبيرة} أي ثقيلة جدا، والكبير ما جل قدره أو مقداره ~~في حس ظاهر أو في معنى باطن - قاله الحرالي. {إلا على الخاشعين} أي ~~المخبتين الذين هم في غاية السهولة واللين والتواضع لربهم بحيث لا يكون ~~عندهم شيء من كبر وينظرون عواقب الأمر وما # PageV01P341 # أعد عليها من الأجر، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة» وغيرهم يمنعهم ثقلها من فعلها، وإن فعلها فعلى غير رغبة. قال ~~الحرالي: وهو أي الخشوع هدو الجوارح والخواطر فيما هو الأهم في الوقت، ~~وأنبأ تعالى بكبر قدر الصلاة عن أن يتناول عملها إلا خاشع خرج عن حظ نفسه ~~وألزم نفسه ذل العبودية التي ختمت بها النبوة، وفي إشارة كمال الصلاة إشعار ~~بصلاة العصر التي هي صلاة النبي الخاتم الذي زمنه وقت العصر وحالة ~~العبودية، وذلك مما يكبر على من قرن بنبوته وبملته الملك إلا أن يخشع لما ~~يكبر على النفس، وخصت الصلاة بالكبر دون الصبر لأن الصبر صغار للنفس ~~والصلاة وجهة للحق والله هو العلي الكبير - انتهى. {الذين يظنون} من الظن ~~وهو رجحان في اعتقاد مع بقاء منازع من مقابله - قاله الحرالي. {أنهم ملاقوا ~~ربهم} # PageV01P342 # أي المحسن إليهم، وعبر بالظن عن العلم تهويلا للأمر وتنبيها على أنه يكفي ~~العاقل في الحث على ملازمة الطاعة في ظن لقاء الملك المطاع المرجو المخوف ~~فكيف والأمر متيقن لا مراء فيه ولا تطرق للريب إليه! ويجوز أن يراد ظن ~~الموت في كل لحظة، فإنه ms0122 إذا كان على ذكر من الإنسان أوجب له السعادة. # ولما كانت هذه الجملة مشيرة مع الترهيب لذوي الهمم العلية والأنفة ~~والحمية من الوقوع فيما يلم بعيب أو يوقع في عتب إلى الاستحياء من المحسن ~~الذي ما قطع إحسانه ساعة من الدهر زاد في الترهيب بقوله: {وأنهم إليه} أي ~~وحده {راجعون} ، والرجوع معاد الذاهب على # PageV01P343 # مدارج مذهبه وترقيه على معارج مهبطه - قاله الحرالي. # وعبر بذلك وإن كانوا لم يزالوا في قبضته، لأن اسمه الظاهر سبحانه يكون في ~~تلك الدار لانقطاع الأسباب في غاية الظهور لا يكون لأحد معه نوع ظهور أصلا، ~~لا كهذه الدار التي الغالب فيها معنى اسمه الباطن إلا عند أولي البصائر؛ ~~وفي الآية تبكيت لأهل الكتاب بأنهم مع تحققهم للبعث يملون عمل من لا يظنه ~~فضلا عن أنه يعلمه. وقال الحرالي: ولما كان في الصلاة مناجاة لله على الغيب ~~كانت إنما تتيسر على من يظن القبول الذي يشعر به اللقاء لربه بعد موته وذلك ~~حال من رجحت الآخرة # PageV01P344 # على الدنيا في عمله وحاله، فكان حاله وعمله حال الظان إبقاء على أحوال من ~~دون رتبة اليقين، ومقصود اللقاء ليس البعث لأنهم هم من المؤمنين بالبعث ~~ولكنه من معنى القبول بعد البعث، وفيه إشارة إلى حال الموت ويوم البرزخ وهو ~~الجزاء الأول فعطف على المرجع الآخر بعد البعث - انتهى. # ولما كان الغالب على أكثر الناس الجمود كرر النداء لهم مبالغة في اللطف ~~بهم إثر الترجية والتخويف فقال: {يا بني إسرائيل} أي الذي أكرمته وأكرمت ~~ذريته من بعده بأنواع الكرامة {اذكروا نعمتي} وفخم أمرها بقوله: {التي ~~أنعمت عليكم} أي بإنزال الكتب وإرسال الرسل وغير ذلك {وإني فضلتكم} ~~والتفضيل الزيادة من خطوة جانب القرب والرفعة فيما يقبل الزيادة والنقصان ~~منه - قاله الحرالي. {على العالمين} وهم من كان قد برز الوجود في ذلك ~~الزمان بالتخصيص # PageV01P345 # بذلك دونهم، ولا يدخل في هذا من لم يكن برز إلى الوجود في ذلك الزمان كما ~~يأتي تحقيقه عن الحرالي قريبا ومما يوجب القطع به قوله تعالى لنا: ms0123 {كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] . # ولما ذكرهم بتخصيصهم بالكرامة ونهاهم عن المخالفة وكانت المخالفة مع عظيم ~~النعمة أقبح وأشد وأفحش حذرهم يوما لا ينجي أحدا فيه إلا تقواه فقال. وقال ~~الحرالي: لما دعاهم إلى الوفاء بالعهد تنبيها لهمة من له فضل باطن يرجع إلى ~~فضائل النفس فأجاب من وفق وتمادى على حاله من خذل ثنى الخطاب لهم بالتنبيه ~~على النعمة الظاهرة ليتنبه لذلك من يخاف تغيير النعمة الظاهرة حين لم يخف ~~السقوط عن رتبة الفضيلة في الخطاب فذكرهم بالنعمة والتفضيل الذي فضلهم به ~~على العالمين وهم # PageV01P346 # من ظهرت أعلام وجودهم في زمانهم، وكذلك كل تفضيل يقع في القرآن والسنة، ~~وإنما العالم من شمله الوجود لا ما أحاط به العلم بعد، لأن ذلك لم يرفع في ~~الشهود علم وجوده؛ وفيه إشعار بأنهم كما فضلوهم على عالمي زمانهم فليس ذلك ~~بمقصور عليهم بل كذلك يفضل الله العرب في زمان نبوتها على بني إسرائيل وعلى ~~جميع الموجودين في زمانهم، وحيث انتهى الخطاب إلى تذكر ظاهر النعمة بعد ~~التذكير بباطن الفضيلة لم يبق وراء ذلك إلا التهديد بوعيد الآخرة عطفا على ~~تهديد تقتضيه الأفهام بتغيير ما بقي عليهم من النعمة في الدنيا؛ فكان # PageV01P347 # مفهوم الخطاب: فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصاب المؤاخذين في الدنيا - ~~انتهى {واتقوا} . # ولما كان المتقى إنما هو الجزاء الواقع في يوم القيامة حذفه وأقام اليوم ~~مقامه تفخيما له وتنبيها على أن عقابه لا يدفع كما يدفع ما في غيره بأنواع ~~الحيل فقال: {يوما} هو من العظمة بحيث {لا تجزي} أي تفضي وتغني فيه {نفس} ~~أي نفس كانت {عن نفس} # PageV01P348 # كذلك {شيئا} من الجزاء. # قال الحرالي: والنفس لكل امرىء لزمته نفاسة على غيره، فهؤلاء الذين لا ~~يغني بعضهم عن بعض بخلاف من آثر غيره وذهبت نفاسة نفسه، فإنه يغني عمن دونه ~~بالشفاعة والإحسان في الدنيا والآخرة، وفيه إعلام بأن ضعة النفس مبدأ ~~التوفيق ونفاستها مبدأ الخذلان {أذلة على المؤمنين} [المائدة: 54] فذل ~~العبد - بالضم - لله، وذله - بالكسر - لعباد الله بشرى ms0124 فوزه، وإعراضه عن ~~ذكر الله وصعر خده للناس نذارة هلاكه - انتهى. # ولما كان الإجزاء قد يكون بنفس كون المجزىء موجودا وهو بحيث يخشى أن يسعى ~~في الفكاك بنوع حيلة فتحرك القلوب لإجابته وفك أسيره فيحمل ذلك من أسره على ~~إطلاقه، وقد يحتال بالفعل في التوصل إلى فكه في خفية بسرقته أو فتح سجنه أو ~~نحو ذلك، وكانت وجوه الإجزاء المشهورة ثلاثة عطفها على الإجزاء الأعم منها ~~فقال: # PageV01P349 # {ولا يقبل منها} أي النفس الأولى أو الثانية {شفاعة} أي لم يؤذن فيها وهي ~~من الشفع وهو إرفاد الطالب بتثنية الرغبة له فيما رغب فيه ليصير كالإمام له ~~في وجهة حاجته - قاله الحرالي {ولا يؤخذ منها عدل} تبذله غير الأعمال ~~الصالحة، وهو ما يعدل الشيء ويكون معه كالعدلين المتكافئي القدر على ~~الحمولة، فكأن العدل - بالكسر - في الشيء المحسوس، والعدل - بالفتح - في ~~الشيء المعقول، وكذلك عادة العرب تفرق بين ما في الحس وما في المعنى بعلامة ~~إعراب في ذات نفس الكلمة لا في آخرها - قاله الحرالي. # ولما كان عدم النصرة للجمع يستلزم عدمها للمفرد بطريق الأولى # PageV01P350 # جمع فقال: {ولا هم ينصرون*} أي يتجدد لهم نصر يوما ما بمن ينقذهم قهرا ~~كائنا من كان، والنصر تأييد المقاوم في الأمر بما هو أقوى من مقاومة وهما ~~طرفان ليصير كالمتقدم له بحكم استقلاله فيما يتوقع عجز المنصور فيه - قاله ~~الحرالي. فانتفى بذلك جميع وجوه الخلاص التي يطمع فيها الظالم في الدنيا. # PageV01P351 # قال الحرالي: ولما كانت أسباب النجاة للمرء بأحد ثلاث: إما شفاعة من فوقه ~~في العلم والفضل، وإما نصرة من فوقه في الأيد والقوة، وإما فكاك من يده ~~لنفسه إذ من هو مثله لا يغني وأحرى من هو دونه، استوفى الخطاب جميع الوجوه ~~الثلاثة ليسد على ذي النفس المستمسك بنفاسته جميع الوجوه الثلاثة من ~~الشفاعة والفدية والنصرة - انتهى. # ولما تقدم أنه فضلهم وعاهدهم وأن وفاءه بعهدهم مشروط بوفائهم بعهده ناسب ~~تقديم الشفاعة ويأتي إن شاء الله تعالى في الآية # PageV01P352 # الثانية ما يتم به البيان، ولما وصف ذلك ms0125 اليوم بأنه لا ينفع فيه حيلة لذي ~~ملكة المتردي بالكبرياء المتجلل بالعظمة ذكرهم بما أنعم عليهم من إنجائه ~~لهم بموسى وهارون عليهما السلام حيث شفعا عند الملك الذي كان استعبدهم ~~وسامهم سوء العذاب، فلما لم يشفعهما فيهم قاهراه فانتصرا عليه بأيد مليكهم ~~واستنقذاهم منه بسطوة معبودهم. وقال الحرالي: ولما استوفى خطاب النداء لهم ~~وجهي التذكير بأصل فضيلة النفس الباطنة بالوفاء وغرض النفس الظاهر في ~~النعمة والرئاسة جاء ما بعد ذلك من تفاصيل النعم عطفا من غير تجديد نداء ~~إلى منتهى خاتمة الخطاب معهم حيث ثنى لهم الخطاب الأدنى بالتذكير بالنعمة ~~ختما لمتسق خطابه بما تضمنه تذكيرهم بتكرار قوله: وإذ وإذ، واحدة بعد أخرى ~~إلى جملة منها، ولما ذكرهم بالنعمة الظاهرة فانتبه من تداركته الهداية ~~وتمادى من استحق العقوبة ذكر أهل الاستحقاق بما عوقبوا به بما يستلزمه # PageV01P353 # معنى النجاة وبما فسره مما أخذوا به على ذنوب تشاكل ما هم عليه في ~~معاندتهم القرآن، فحين لم ينفع فيهم التذكيران بالعهد والنعمة هددوا ~~بتقريرهم على مواقع ما أصيبوا به من البلاء من عدوهم لما اقترفوه من ذنوبهم ~~{ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك ~~قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا} [غافر: 34] فكان في تكذيبهم بالرسالة ~~الأولى وشكهم ما أصابهم من العقوبة من آل فرعون حتى أنقذهم الله بموسى عليه ~~السلام فقال تعالى: {وإذ} أي واذكروا إذ {نجيناكم} وهو من التنجية وهي ~~تكرار النجاة، والنجاة معناه رفع على النجوة وهو المرتفع من الأرض الذي هو ~~مخلص مما ينال من الوهاد وخبث الأرض من هلاك بسيل ماء ونحوه {من # PageV01P354 # آل} آل الرجل من تبدو فيهم أحواله وأعماله وأفعاله حتى كأنهم هو في غيبه ~~من معنى الآل الذي هو السراب الذي يظهر فيه ما بعد ويتراءى ما لم يكن يرى ~~لولاه، {فرعون} اسم ملك مصر في الجاهلية، علم جنس لملوكها بمنزلة أسماء ~~الأجناس في الحيوان وغيره - انتهى. والمراد بالآل فرعون وأتباعه فإن الآل ~~يطلق على الشخص ms0126 نفسه وعلى أهله وأتباعه وأوليائه - قاله في القاموس، قال: ~~ولا يستعمل إلا فيما فيه شرف غالبا ثم بين ما أنجاهم منه بقوله: {يسومونكم ~~سوء # PageV01P355 # العذاب} سماه بذلك لأنه أشد البلاء على النفس لما فيه من استحقارها، من ~~السوم وهو تعذيب بتهاون بالمعذب، والسوم ما يشتد، تنكر النفس له وتكرهها، ~~ثم فسر هذا بقوله {يذبحون} من التذبيح وهو تكرار الذبح، والذبح قطع بالغ في ~~العنق - قاله الحرالي. # ولما كان كل من ذبح الابن وحياة المرأة بغير رجل أفحش وكانت البنت إذا ~~بقيت صارت امرأة عبر بالأبناء والنساء فقال {أبناءكم} أي سوقا لكم مساق ~~البهائم {ويستحيون} قال الحرالي: من الاستحياء وهو استبقاء الحياة {نساءكم} ~~من معنى الاتخاذ للتأهل الملابس في معنى ما جرى منه اشتقاق الإنس والإنسان ~~والنسوة باشتراكها في أحد الحروف الثلاثة من الهمزة أو الواو أو الياء مع ~~اجتماعها في النون والسين - انتهى. ثم نبههم على ما فيه من العظم بقوله ~~{وفي ذلكم} فأشار # PageV01P356 # بأداة البعد مقرونة بالميم {بلاء} أي اختبار {من ربكم} أي المحسن إليكم ~~في حالي الشدة والرخاء {عظيم*} قال الحرالي: البلاء الاختبار هو إبداء خبرة ~~الشيء بشدة ومحنة، وفيه إشعار باستحقاقهم ذلك واستصلاحهم بشدته دون ما هو ~~أيسر منه، وذكره بالعظم لشياعه في الأجسام والأنفس والأرواح، وذكر معنى ~~النجاة ثم فصله تفصيلا لكيفيته بعد ذلك تعدادا لنعمة النجاة التي هي تلو ~~رحمة الإنعام التي هي تلو رفعة التقدم بالعهد، فانتهى الخطاب نهايته في ~~المعنى يعني فلما قررهم تعالى على ما اقترفوه قبل موسى عليه السلام حين ~~أصابهم من آل فرعون ما أصابهم استجد لهم تذكيرا بنعمة نجاة من عقوبة متقدم ~~أعمالهم - انتهى. # ولما كان ما فعل بهم في البحر إهلاكا للرجال وإبقاء للنساء # PageV01P357 # طبق ما فعلوا ببني إسرائيل عقبه به فقال {وإذ} أي واذكروا إذ {فرقنا} من ~~الفرق وهو إفراج الواحد لحكمة إظهار التقابل - قاله الحرالي. فصارت لكم ~~مسالك على عدد أسباطكم {بكم} أي بسببكم عقب إخراجنا لكم من أسر القبط ~~{البحر} قال الحرالي: هو المتسع الرحب ms0127 البراح مما هو ظاهر كالماء، ومما هو ~~باطن كالعلم الذي منه الحبر، تشاركا بحروف الاشتقاق في المعنى. {فأنجيناكم} ~~من الإنجاء وهو الإسراع في الرفعة عن الهلاك إلى نجوة الفوز - انتهى. ومن ~~عجائب ذلك أنه كما كان الإنجاء منه كان به. قال الحرالي: وجعل البحر مفروقا ~~بهم كأنهم # PageV01P358 # سبب فرقة، فكأن نجاتهم هي السبب وضرب موسى عليه السلام بالعصاة هي ~~الأمارة والعلامة التي انفلق البحر عندها بسببهم، وجعل النجاة من بلاء ~~فرعون تنجية لما كان على تدريج، وجعل النجاة من البحر إنجاء لما كان وحيا ~~في سرعة وقت - انتهى. {وأغرقنا آل فرعون} فيه وبه {وأنتم تنظرون} إسراعه ~~إليهم في انطباقه عليهم، وهذا مثل ما خاض العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه ~~البحر الملح في ناحية البحرين أو انحسر له على اختلاف الروايتين، ومثل ما ~~قطع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الدجلة في وقائع الفرس عوما بالخيول ~~بجميع عساكره وكانوا زيادة على ثلاثين ألفا لم يفقد منهم أحد، وكان الفرس ~~إذا تعب وثب فصار واقفا على ظهر الماء كأنه على صخر، فإذا استراح عام. # قال الحرالي: {وأغرقنا} من الغرق وهو البلاغ في الشيء إلى غايته بحسبه، ~~فإن كان في الهلاك فهو غاية وظهر معناه في الماء والبحر لبعد قعره، وهو في ~~الماء بمنزلة الخسف في الأرض، والنظر التحديق للصورة من غير تحقق ولا بصر - ~~انتهى. فذكرهم سبحانه بنعمة الإنجاء منه # PageV01P359 # بالرحيل عنه أولا، ثم بإغراقه الذي هو أكبر من ذلك ثانيا بما كان بعينه ~~سبب سلامتهم واستمر يذكرهم بما تابع لهم من النعم حيث كانوا يستحقون النقم. ~~قال الحرالي: وقررهم على نظرهم إليهم، وفيه إشعار بفقد بصرهم لضعف بصائرهم ~~من حيث لم يقل: وأنتم تبصرون، ولذلك عادوا بعدها إلى أمثال ما كانوا فيه من ~~الشك والإباء على أنبيائهم بعد ذلك - انتهى. # PageV01P360 # ولما كان فرق البحر للإبقاء البدني وكان إنزال الكتاب للإبقاء الديني ~~عقبه به وكان الطبع السليم والمزاج المستقيم يقتضي إحسان العمل # PageV01P360 # زمن المواعدة واستعطاف المواعد والترفق له والتملق بما ms0128 تحقق الرجاء في ~~إنجاز وعده لا سيما بعد بليغ إحسانه بالإنجاء من العدو وإهلاكه نعى عليهم ~~عملهم بخلاف ذلك بقوله: {وإذ} . وقال الحرالي: لما ذكرهم تعالى بأمر الوفاء ~~بالعهد الذي هو خاتمة أمرهم وبالتفصيل الذي كان بادية أمرهم نظم ذلك بالأمر ~~المتوسط بين الطرفين الذي أعلاه مواعدة موسى عليه السلام ربه الذي النعمة ~~عليه نعمة عليهم فقال: وإذ {واعدنا} من # PageV01P361 # الوعد وهو الترجية بالخير، ووعدنا من المواعدة وهي التقدم في اللقاء ~~والاجتماع والمفاوضة ونحوه {موسى} كلمة معربة من لفظ العبراني بما تفسيره ~~فيما يقال ماء وشجر، سمي به لما أودع فيه من التابوت المقذوف في اليم ~~{أربعين ليلة} هي كمال وقت الليل والليل وقت انطماس المدركات الظاهرة - ~~انتهى. وخص الليل بالذكر إشارة إلى أن ألذ المناجاة فيه وإلى أنه لا نوم في ~~تلك المدة بل المناجاة عامة لليلها ونهارها، وانتصب أربعين بوقوعه موقع ~~المفعول الثاني لوعدنا أي انقضاء أربعين أي الكلام أو إنزال التوراة عند ~~انقضاء الأربعين وهي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقيل ذو الحجة وعشر من ~~المحرم. قال الحرالي: وفيه إشعار بأن المناجاة إنما يتهيأ لها لميقات حبس ~~النفس عما به قوامها وكمال ذلك إنما # PageV01P362 # هو الصوم وكمال العدد الذي هو طور مصير من حال إلى حال هو الأربعون، وذكر ~~الميقات بالليالي يشعر أن مناجاته صباح من ظلمة الكون في حال خصوص الخلقة ~~من حيث إن الظلمة آية على فوت مرام نور الحق والنهار آية على ظهور نور الحق ~~وأول باد بدأ من الحق للخلق كلامه لمصطفى من خلقه بغير واسطة وهو بعد في ~~دنياه وفي أرضه التي كانت سجنا، فلما جاءها الحق لعبد من عبيده مناجيا له ~~كما يأتيها يوم الجزاء بعد البعث صارت موطن رحمة وهدى ونور وهو مجيء الله ~~سبحانه من سيناء المذكور في الكتاب الأول - انتهى. وهذا دون قصة المعراج ~~التي كانت لنبينا صلى الله عليه وسلم في اختراق السماوات العلى إلى سدرة ~~المنتهى إلى ما لا يعلمه إلا الله تعالى وسمع الكلام ms0129 من غير واسطة ورجع إلى ~~بيته في ليلته وقد قطع من المسافات ما مسيرته خمسون ألف سنة كما سأبينه إن ~~شاء الله تعالى في سورة السجدة. # ولما كانت الأنفس الأبية والهمم العلية تقتضي النفرة من الظالم والأنفة ~~من كل ما ينسب إليه ويذكر به وكانوا قد اتخذوا من آثار آل فرعون من حليهم ~~ما دخلوا في رقه وعبوديته وكانت مشاهدتهم لما رأوا من الآيات مقتضية لغاية ~~البعد من الكفر عبر عن مواقعتهم له # PageV01P363 # بثم فقال: {ثم اتخذتم} قال الحرالي: من الاتخاذ وهو افتعال مما منه ~~المواخذة كأنه الوخذ، وهو تصيير في المعنى نحو الأخذ في الحس، وفيه تكلف، ~~{العجل} وذكر في هذا التقرير أصل المواعدة وذكر الميقات وتجاوز الخطاب ما ~~بعد ذلك من مهل حسب ما تفهمه كلمة ثم، فاقتضى إفهام ذلك ما نالوه من الخير ~~ثم تعقبوا ذلك بالتزام عادتهم في معاودة ما اعتادوه من أعمالهم إلى أدنى ~~عمل من لا عقل له ولا بقية نظر له من اتخاذ جسد عجل إلها بعد معرفة آثار ~~الإلهية على الغيب، ففيه تعجيب من أن موسى عليه السلام إنما واعده الله ~~بالمناجاة بعد ميقات أربعين صوما ونسكا وتحنثا وانقطاعا إلى ربه ثم يرونهم ~~أنهم شهدوا الإله مصورا محسوسا على أن موسى الذي ناجاه ربه منع الرؤية فكيف # PageV01P364 # بهم وذلك هو ظلمهم، فوضعوا الإله محل الشيء المحسوس وهو تعالى قد تعالى ~~عن أن يراه صفيه الذي ناجاه في دنياه وإنما ناجاه بعد ميقاته، وهم يهمون في ~~تأله مرئي من غير مواعدة ولا اختصاص! وفي قوله تعالى {من بعده} أي من بعد ~~إتيانه لميعادنا إضمار لذكر موسى عليه السلام تقريرا لما كان ينبغي أن ~~يكونوا عليه من الارتقاب لما يأتيهم به موسى # PageV01P365 # من فوائد المناجاة، كما يكون من تعلق قلبه بمن هو قدوته، والبعد بعد عن ~~حد يتخذ مبدأ ليكون سابقه قبل ولاحقه بعد - انتهى. # واثبات الجار لأن اتخاذهم ذلك لم يستغرق زمان البعد {وأنتم ظالمون} ~~فاعلون فعل من هو في أظلم الظلام بعد ms0130 أنجاءكم موسى بالنور المبين. # ولما كان ذلك مقتضيا لأعظم السخط المقتضي من القادر للمعاجلة بالأخذ ~~ذكرهم نعمة الإمهال بعده فقال مشيرا إلى عظم الذنب والنعمة بأداة التراخي: ~~{ثم عفونا} . وقال الحرالي: ثم تجاوز الخطاب ما أصابهم من العقوبة على ~~اتخاذهم إلى ذكر العفو تقريرا على تكرر # PageV01P366 # تلافيهم حالا بعد حال وقتا بعد وقت، كلما أحدثوا خطيئة تداركهم منه عفو، ~~وخصه باسم العفو لما ذكر ذنوبهم، لأن المغفور له لا يذكر ذنبه، فإن العفو ~~رفع العقوبة دون رفع ذكرها، والغفر إماتة ذكر الذنب مع رفع العقوبة - ~~انتهى. {عنكم} ولم نعاجلكم بالأخذ، وفي قوله تعالى {من بعد ذلك} أي الذنب ~~العظيم إشعار بما أصابهم من العقوبة وخطاب لبقية المعفو عنهم، لينتهي الأمر ~~فيهم إلى غاية يترجى معها لبقيتهم الشكر - قاله الحرالي. وكان الإشعار من ~~جهة أدخال من، على الظرفية، فاقتضى مهلة بين العفو والذنب لم يشملها العفو ~~بل كان فيها عقوبة، كما اقتضى قوله: من بعده، مهلة بين اتخاذهم العجل وأول ~~ذهاب موسى عليه السلام للمناجاة؛ ويجوز أن يكون أفرد حرف الخطاب إشارة إلى ~~أنه لا يعلم جميع ما في دينهم من الشناعة إلا إمام أهل التوحيد النبي صلى ~~الله عليه وسلم {لعلكم تشكرون *} أي # PageV01P367 # ليكون حالكم حال من يتوقع منه الشكر. # قال الحرالي: وهو ظهور بركة الباطن على الظاهر، يقال: دابة شكور، إذا ~~أنجح مأكلها بظهور سمنها؛ وفيه إشعار بأن منهم من يشكر وفيهم من يتمادى بما ~~في ترجي كلمة لعل، من الإبهام المشعر بالقسمين والمهيىء لإمكان ظهور ~~الفريقين حتى يظهر ذلك لميقاته، لأن كل ما كان في حق الخلق ترددا فهو من ~~الله سبحانه إبهام لمعلومه فيهم؛ على ذلك تجري كلمة لعل وعسى ونحوها - ~~انتهى. # PageV01P368 # ولما كان في ذلك دليل على سوء طباعهم وعكس مزاجهم وأنهم لا يحفظون عهدا ~~ولا يستقيمون على نهج ذكرهم بنعمة الكتاب الذي من شأنه الضبط في جميع ~~الأحوال بالرجوع إليه عند الضلال فقال: وقال الحرالي: لما ذكر تعالى أمر ~~موسى عليه السلام وهو خاص أمرهم ms0131 فصل لهم أمر ما جاء به موسى وما كان منهم ~~فميا جاء به - انتهى. فقال {وإذ اتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى الكتاب} ~~أي الكامل في نفسه الجامع لكم على طريق الحق. ولما كان الكتاب مع كونه ~~جامعا لما أريد منه فارقا بين الملبسات وصفه بقوله {والفرقان} أي المبين ~~للأشياء على ما هي عليه من غير أن يدع في شيء لبسا. قال الحرالي: فقررهم ~~على أمرين من الكتاب الذي فيه أحكام الأعمال والفرقان الذي فيه أمر العلم ~~وهما ملاك حال إقامة الدين بالعلم والعمل؛ والفرقان، فعلان # PageV01P369 # لفظ مبالغة يفهم استغراقا وامتلاء وعظما فيما استعمل فيه وهو في هذا ~~اللفظ من الفرق وهو إظهار ما ألبسته الحكمة الظاهرة للأعين بالتبيان لفرقان ~~لبسه بما تسمعه الأذن، وجاء فيه بكلمة لعل، إشعارا بالإبهام في أمرهم ~~وتفرقتهم بين مثبت لحكم الكتاب عامل به عالم بطية الفرقان خبير به وبين ~~تارك لحكم الكتاب غافل عن علم الفرقان - انتهى. فقال تعالى {لعلكم تهتدون ~~*} أي ليكون حالكم حال من ترجى هدايته فيغلب حلمه جهله وعقله شهوته، ولهذا ~~الختم تلاه بما هداهم به بما ألزمهم من # PageV01P370 # النقمة الزاجرة عن مثل ذلك من قتل الأنفس فقال: {وإذ} . # قال الحرالي: لما تكمل إقبال الخطاب عليهم مرات بما تقدم من ندائهم ~~والعطف على ما في صلته صرف الحق وجه الخطاب عنهم إلى ذكر خطاب نبيه صلى ~~الله عليه وسلم لهم، فإن الله يخاطب العباد بإسقاط الواسطة بينه وبينهم ~~ترفيعا لأقدارهم لديه، فيرفع من شاء فيجيبه بما شاء، ويوقف من شاء فيجعل ~~بينه وبينه في الخطاب واسطة من نبيه، فلما قررهم بما مضى من التذكير على ما ~~واجههم به الحق تعالى ذكر في هذه الآية تقريرهم على ما خاطبهم به نبيهم حين ~~أعرض الحق عن خطابهم # PageV01P371 # بما أصابوه من قبيح خطيئتهم - انتهى. # فقال {وإذ قال موسى لقومه} العابد للعجل والساكت عنه، والقوم قال الحرالي ~~اسم من لهم منة في القيام بما هم مذكورون به، ولذلك يقابل بلفظ النساء ~~لضعفهن فيما يحاولنه؛ ms0132 وفيه تخويف لهذه الأمة أن يصيبهم مثل ما أصابهم في ~~خطاب ربهم فيعرض عنهم - انتهى. {يا قوم} وأكد لعراقتهم في الجهل بعظيم ما ~~ارتكبوه وتهاونهم به لما أشربوا في قلوبهم من الهوى فقال {إنكم ظلمتم ~~أنفسكم} ظلما تستحقون به العقوبة {باتخاذكم العجل} أي الها من دون الله، ~~فجعلتم أنفسكم متذللة لمن لا يملك لها شيئا ولمن هي أشرف منه، فأنزلتموها ~~من رتبة عزها بخضوعها لمولاها الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه إلى ~~ذلها بخضوعها لمن هو دونكم أنتم، هذا هو أسوأ الظلم، فإن المرء لا يصلح أن ~~يتذلل ويتعبد لمثله فكيف # PageV01P372 # لمن دونه من حيوان! فكيف بما يشبه بالحيوان من جماد الذهب الذي هو من ~~المعادن وهو أخفض المواليد رتبة حين لم تبلغها حياتها أن تبدو فوق الأرض ~~كالنبات من النجم والشجر ولما فيه من الانتفاع بما يكون من الحب والثمر ~~الذي ينتفع به غذاء ودواء والمعادن لا ينتفع بها إلا آلات ونقودا منفعتها ~~إخراجها لا إثباتها - قاله الحرالي: {فتوبوا إلى بارئكم} الذي فطركم من قبل ~~أن تتخذوا العجل بريئين من العيب # PageV01P373 # مع إحكام الخلق على الأشكال المختلفة. وقال الحرالي: البارىء اسم قائم ~~بمعنى البرء وهو إصلاح المواد للتصوير، كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله خفا ~~وقميصا، وكالذي يطحن القمح ويعجن الطين ليجعله خبزا وفخارا ونحو ذلك، ~~ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته - انتهى. # ولما كانت توبتهم بقتل أقاربهم وإن كانوا آباء أو أبناء عبر عنهم بالنفس ~~لذلك وإشارة إلى خبث ما ارتكبوا فقال {فاقتلوا أنفسكم} أي التي أوجدها ~~فقادتكم إلى غيره. قال الحرالي: والقتل قصل الحيوان قبل انتهاء قوته بمنزلة ~~قصل الزرع قبل استحصاده - انتهى. ولما كان # PageV01P374 # ما أمرهم به أمرا لا يكاد يسمح به عظم الرغبة فيه بقوله {ذلكم} أي الأمر ~~العظيم وهو القتل {خير لكم} والخير قال الحرالي ما يصلح في الاختيار من ~~محسوس الأشياء وما هو الأصلح وما هو الأخير، وربما استعملت منه خير محذوفة ~~فيقال: هو خير في نفسه، أي مما يختار، ويقال: ms0133 هذا خير من هذا، أي أخير منه ~~أي أصلح في الاختيار، وكذلك لفظ شر في مقابله وهما مشعران بمتوسط من ~~الأشياء لا يختار لأجل زيادة صلاح ولا يطرح لأجل أذى ولا مضرة {عند} كلمة ~~تفهم اختصاص ما أضيفت إليه بوجه ما عام وأخص منه لدن، فلدن خاصتها وعند ~~عامتها، كالذي يملك الشيء فهو عنده وإن لم يكن في حضرته - انتهى. # PageV01P375 # {بارئكم} أي القادر على إعدامكم كما قدر على إيجادكم، وفي التعبير ~~بالبارىء ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان وترهيب بإيقاع الهوان. # ولما كان التقدير ففعلتم التوبة المأمور بها بأن قتل بعضكم بعضا بتوفيقه ~~لكم سبحانه مع ما فيه من عظم المشقة عطف عليه قوله {فتاب عليكم} أي مع عظم ~~جرمكم، ولولا توبته عليكم ما تبتم؛ ثم علل ذلك بقوله {إنه} أي لأنه {هو ~~التواب الرحيم} أي ما زال هذا صفة له لا لاستحقاق منكم عليه قال الحرالي: ~~وفي إظهار هو مفصولة من ضمير # PageV01P376 # وصلها إثبات معنى الرحمة لله ثبتا لا يتبدل ولا يتغير إلا أنه من وراء ~~غيب ما شاء الله من أدب وامتحان وعقاب، فلذلك ختمه باسمه الرحيم، لأن الختم ~~أبدى إظهار للمعنى الأخفى من مضمون ما فيه الختم - انتهى. # ولما استتيبوا عن عبادة العجل التي تقيدوا فيها بالمحسوس الذي هو مثل في ~~الغباوة طلبوا رؤية بارئهم بالحس على ما له من صفات الكمال التي تأبى ~~الابتذال ناسين لجميع النعم والنقم مسرعين في الكفر الذي هو من شأن الحائر ~~والحال أن الفرقان الذي لا يدع شبهة ولا يبقى حيرة قائم بين أيديهم، لأنهم ~~من الجمود والوقوف مع الوهم والحس بمكان عظيم، فذكرهم سبحانه ذلك مسليا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في إبائهم للإيمان به بما فعلوا مع موسى عليه ~~السلام وهو أحدهم # PageV01P377 # فقال {وإذ قلتم} أي بعد ما رأيتم من الآيات وشاهدتم من الأمور البينات ~~{يا موسى} فدعوتموه باسمه جفاء وغلظة كما يدعو بعضكم بعضا ولم تخصوه بما ~~يدل على تعظيمه لما رأيتم من إكرام الله له وإكرامكم على ms0134 يده {لن} وهي كلمة ~~تفهم نفي معنى باطن كأنها لا أن، يسر بالتخفيف لفظها - قاله الحرالي. {نؤمن ~~لك} أي لأجل قولك. قال # PageV01P378 # الحرالي: وجاء باللام لأنهم قد كانوا آمنوا به فتوقفوا عن الإيمان له ~~الذي يتعلق بأمور من تفاصيل ما يأتيهم به، فمن آمن لأحد فقد آمن بأمور ~~لأجله، ومن آمن به فقد قبل أصل رسالته {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} ~~[التوبة: 61] {حتى} كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها ~~مقابل معنى لكي {نرى} من الرؤية وهي اطلاع على باطن الشيء الذي أظهر منه ~~مبصره الذي أظهره منه منظره، ومنه يقال في مطلع المنام: رؤيا، لأن ذوات ~~المرئي في المنام هي أمثال باطنه في صورة المنظور إليه في اليقظة - انتهى. ~~{الله} أي مع ما له من العظمة {جهرة} أي عيانا من غير خفاء ولا نوع لبس. ~~قال الحرالي: من الجهر وهو الإعلان بالشيء إلى حد الشهرة # PageV01P379 # وبلاغه لمن لا يقصد في مقابلة السر المختص بمن يقصد به، وهذا المطلوب مما ~~لا يليق بالجهر لتحقيق اختصاصه بمن يكشف له الحجاب من خاصة من يجوزه القرب ~~من خاصة من يقبل عليه النداء من خاصة من يقع عنه الإعراض، فكيف أن يطلب ذلك ~~جهرا حتى يناله من هو في محل البعد والطرد! وفيه شهادة بتبلدهم عن موقع ~~الرؤية، فإن موسى عليه السلام قال # {رب أرني} [الأعراف: 143] وقال تعالى {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ~~*} [القيامة: 22-23] وقال عليه الصلاة والسلام: «إنكم ترون ربكم» فالاسم ~~المذكور لمعنى الرؤية إنما هو الرب لما في اسم الله تعالى من الغيب الذي لا ~~يذكر لأجله إلا مع ما هو فوت لا مع ما هو في المعنى نيل، وذلك لسر من أسرار # PageV01P380 # العلم بمواقع معاني الأسماء الحسنى فيما يناسبها من ضروب الخطاب والأحوال ~~والأعمال، وهو من أشرف العلم الذي يفهم به خطاب القرآن حتى يضاف لكل اسم ما ~~هو أعلق في معناه وأولى به وإن كانت الأسماء كلها ترجع معاني بعضها لبعض، ~~{فأخذتكم} من الأخذ ms0135 وهو تناول الشيء بجملته بنوع بطش وقوة - انتهى. أي ~~لقولكم هذا لما فيه من الفظاعة وانتهاك الحرمة، {الصاعقة} قيل: هي صيحة، ~~وقيل: نار نزلت من السماء فأحرقتهم، ويؤيده قوله {وأنتم تنظرون *} أي تلك # PageV01P381 # الصاعقة فأماتتكم، لأنكم كنتم في طلبكم رؤيته على ضرب من حال عبدة العجل، ~~فأماتكم كما أماتهم بالقتل. # ولما كان إحياؤهم من ذلك في الدار في غاية البعد وخرق العادة عبر عنه ~~بأداة التراخي ومظهر العظمة فقال {ثم بعثناكم} أي بما لنا من العظمة ~~بالإحياء. قال الحرالي: من البعث وهو الاستثارة من # PageV01P382 # غيب وخفاء، أشده البعث من القبور، ودونه البعث من النوم؛ قال: وتجاوز ~~الخطاب ما كان من سبب بعثهم، وكذلك كل موضع يقع فيه ثم، ففيه خطاب متجاوز ~~مديد الأمد كثير رتب العدد مفهوم لمن استوفى مقاصد ما وقعت كلمة ثم، بينه ~~من الكلامين المتعاطفين؛ ففي معنى التجاوز من الخطاب سؤال موسى عليه السلام ~~ربه في بعثهم حتى لا يكون ذلك فتنة على سائرهم - انتهى. # ولما كان ربما ظن أن البعث من غشى ونحوه حقق معناه مبينا أنه لم يستغرق ~~زمن البعد بقوله: {من بعد موتكم} أي هذا بتلك الصاعقة، وقال دالا على أن ~~البعث إلى هذه الدار لا يقطع ما بنيت عليه من التكليف لأنها دار الأكدار ~~فلا بد من تصفية الأسرار فيها بالأعمال # PageV01P383 # والأذكار {لعلكم تشكرون} أي لتصير حالكم حال من يصح ترجي شكره لهذه ~~النعمة العظيمة، وكل ما جاء من لعل، المعلل بها أفعال الرب تبارك وتعالى ~~ينبغي أن تؤول بنحو هذا، فإن لعل، تقتضي الشك لأنها للطمع والإشفاق فيطمع ~~في كون مدخولها ويشفق من أن لا يكون، وتارة يكون الشك للمخاطب وتارة يكون ~~للمتكلم، ولو قيل: لتشكروا، لم يكن هناك شك - قاله الرماني في سورة يوسف ~~عليه السلام. # وقال الحرالي: وفي لعل، إبهام معلومه فيهم بأن منهم من يشكر ومنهم من لا ~~يشكر - انتهى. وسيأتي في سورة طه إن شاء الله تعالى عن نص سيبويه في كتابه ~~ما يؤيد ما ذكرته. # وفي هذه ms0136 الآية وما تقدمها من آية {واتقوا يوما لا تجزي نفس} تنبيه للعرب ~~من غفلتهم في إنكار البعث وإرشاد إلى سؤال ممن يغرهم من أهل الكتاب بأنهم ~~أولى بالحق من المسلمين عن هذه القصة التي وقعت لأسلافهم من إحيائهم بعد ~~موتهم، وكذا ما أتى في محاوراتهم من قصة # PageV01P384 # البقرة ونحوها مما فيه ذكر الإحياء في هذه الدار أو في القيامة. قال ~~الحرالي: وفيه أي هذا الخطاب آية على البعث الآخر الذي وعد به جنس بني آدم ~~كلهم فجأة صعق وسرعة بعث، فإن ما صح لأحدهم ولطائفة منهم أمكن عمومه في ~~كافتهم - انتهى. # ولما ذكرت الصاعقة الناشئة غالبا من الغمام كان أنسب الأشياء إيلاءها ذكر ~~تظليل الغمام وناسب التحذير من نقمة الإحراق بالصاعقة والتذكير بنعمة ~~الإيجاد من الموت الإتباع بذكر التنعيم في الإبقاء بالصيانة عن حر الظاهر ~~بالشمس والباطن بالجوع. # PageV01P385 # وقال الحرالي وعطف تعالى على ذكر البعث ذكر حال من مثل أحوال أهل الجنة ~~الذي ينالونه بعد البعث، فكأن عامتهم الذين لم يموتوا إنما شركوا هؤلاء ~~المبعوثين لكونهم كأنهم ماتوا بموتهم وبعثوا ببعثهم، فذكر ظل الغمام وهو من ~~أمر ما بعد البعث والأرزاق بغير كلفة وهو من حال ما بعد البعث وأفهم ذلك ~~أمورا أخر في أحوالهم كما يقال إن ملابسهم كانت تطول معهم كلما طالوا ~~فكأنهم أخرجوا من أحوال أهل الدنيا بالجملة إلى شبه أحوال أهل الجنة في محل ~~تيههم ومستحق منال العقوبة لهم كل ذلك إنعاما عليهم، ثم لم يزيدوا مع # PageV01P385 # ذلك إلا بعدا عن التبصرة في كل ما أبدي لهم من العجائب - حدث عن بني ~~إسرائيل ولا حرج فقال: {وظللنا} من الظلة وهو وقاية مما ينزل من سماء ~~الموقي و {عليكم الغمام} من الغم وهو ما يغم النور أي يغطيه - # PageV01P386 # انتهى. أي فعلنا ذلك لترفيه أجسامكم وترويح أرواحكم، وعن مجاهد أن الغمام ~~أبرد من السحاب وأرق وأصفى {وأنزلنا عليكم المن} قال الحرالي: هو ما جاء ~~بغير كلفة، الكمأة من المن - انتهى. {والسلوى} أي لطعامكم على أن المن من ~~الغمام، ms0137 وحشر السلوى إليهم بالريح المثيرة له فنظمها به على غاية التناسب. ~~قال الحرالي: والسلوى اسم صنف من الطير يقال هو السماني أو غيره - انتهى. ~~وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأعراف أنه غير السماني وأنهم خصوا به إيذانا ~~بقساوة قلوبهم. # وهذه الخارقة قد كان صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم غنيين عنها بما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم كلما احتاجوا دعا بما عندهم من فضلات الزاد ~~فيدعو، فيكثره الله حتى يكتفوا من عند آخرهم، وأعطى أبا هريرة رضي الله عنه ~~تمرات وأمره أن يجعلها في مزود وقال له: أنفق ولا تنثرها، فأكل منه سنين ~~وأنفق منه أكثر من خمسين وسقا. وبارك لآخر في قليل شعير وأمره أن لا يكيله، ~~فلم يزل ينفق منه على نفسه # PageV01P387 # وامرأته وضيفه حتى كاله فنفي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لم ~~تكله لأكلتم منه ولقام لكم» وكان نحو ذلك لعائشة رضي الله عنها بعد موت ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وكذا لأم مالك رضي الله عنها في عكة سمن لم تزل ~~تقيم لها أدمها حتى عصرتها. ومثل ذلك كثير في دلائل النبوة للبيهقي وغيره. ~~وقيل لكم {وكلوا} ودل على أنه أكثر من كفايتهم بقوله {من طيبات} جمع طيبة. ~~قال الحرالي: والطيب ما خلص من منازع يشارك فيه وطيبه من سوى الأكل له أي ~~لم ينازعه وليس فيه حق لغيره، ومنه الطيب في المذاق وهو الذي لا ينازعه ~~تكره في طعمه، وهذا زاد على ذلك بكونه لم يكن عن عمل حرث # PageV01P388 # ولا معاملة مع خلق - انتهى. # {ما رزقناكم} أي على عظمتنا التي لا تضاهى. # ولما لم يرعوا هذه النعم أعرض عنهم للإيذان باستحقاق الغضب. وقال ~~الحرالي: ثم أعرض بالخطاب عنهم وأقبل به على محمد صلى الله عليه وسلم ومن ~~معه - انتهى. فقال {وما} أي فظلموا بأن كفروا هذه النعم كلها وما {ظلمونا} ~~بشيء من ذلك {ولكن كانوا} أي جبلة وطبعا {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون *} لأن ~~ضرر ذلك مقصور عليهم. قال الحرالي: وفيه إشعار ms0138 بتحذير هؤلاء أن يروا نحوا ~~مما # PageV01P389 # رأوا فينالهم نحو مما نالوه، لأن قصص القرآن ليس مقصوده مقصورا على ذكر ~~الأولين فقط بل كل قصة منه إنما ذكرت لما يلحق هذه الأمة في أمد يومها من ~~شبه أحوال من قص عليهم قصصه - انتهى. # ولما كان كل من ظل الغمام ولزوم طعام واحد غير مألوف # PageV01P390 # لهم مع كونه نعمة دنيوية وكان المألوف أحب إلى النفوس تلاه بالتذكير ~~بنعمة مألوفة من الاستظلال بالأبنية والأكل مما يشتهى مقرونة بنعمة دينية. ~~وقال الحرالي: لما ذكر تعالى عظيم فضله عليهم في حال استحقاق عقوبتهم في ~~تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وهو مبتدأ أمر تيههم حين أبوا أن يقاتلوا ~~الجبارين نظم به آخر أمر تيههم بعد وفاة موسى وهارون عليهما السلام حين ~~دخولهم مع يوشع عليه السلام وما أمروا به من دخول البلد المقدس متذللين ~~بالسجود الذي هو أخص رتب العبادة وكمال عمل العامل ودنو من الحق - انتهى. ~~فقال تعالى {وإذ قلنا} أي لكم {ادخلوا هذه القرية} إشارة إلى نعمة النصر. ~~قال الحرالي: الدخول الولوج في الشيء بالكلية حسا بالجسم ومعنى بالنظر ~~والرأي، والقرية من القرى وهو الجمع للمصالح التي بها يحصل قوام الدنيا ~~لقرى أهل الدنيا والتي تجمع مصالح أهل الآخرة، لقرى أهل الآخرة، قال عليه ~~السلام: «أمرت بقرية تأكل القرى» باستيطانها كأنها تستقري القرى تجمعها # PageV01P391 # إليها، وقد تناوبت الياء والهمزة والواو مع القاف والراء على عام هذا ~~المعنى - انتهى. وناسب سياق النعم الدلالة على تعقيب نعمة الدخول بالفاء في ~~قوله: {فكلوا منها حيث شئتم} وأتم النعمة بقوله {رغدا} موسعا عليكم طيبا. ~~قال الحرالي: وفيه أي هذا الخطاب تثنية في ذكر الأرض لما تقدم من نحوه لآدم ~~في السماء، فكان تبديلهم لذلك عن فسق لا عن نسيان كما كان أمر آدم عليه ~~السلام، فكأنهم اقتطعوا عن سنته إلى حال الشيطان الذي كان من الجن ففسق عن ~~أمر ربه، فتحقق ظلمهم حين لم يشبهوا آباءهم وأشبهوا عدو أبيهم - انتهى. ~~وأمرهم بالشكر على نعم النصر والإيواء وإدرار الرزق ms0139 بأمر يسير # PageV01P392 # من القول والفعل، وقدم الدخول السار للنفوس والسجود الذي هو أقرب مقرب ~~للحضرة الشريفة لأنه في سياق عد النعم على القول المشعر بالذنب فقال ~~{وادخلوا الباب} وهو كما قال الحرالي أول مستفتح الأشياء # PageV01P393 # والأمور المستغلقة حسا أو معنى حال كونكم {سجدا وقولوا} جامعين إلى ندم ~~القلب وخضوع الجوارح الاستغفار باللسان، ولما كان القول تحكى به الجمل ~~فتكون مفعولا بها ويعمل في المفرد إذا كان مصدرا أو صفة لمصدر كقلت حقا أو ~~معبرا به عن جملة كقلت شعرا وما كان على غير هذا كان إسنادا لفظيا لا فائدة ~~فيه غير مجرد الامتثال رفع قوله {حطة} أي عظيمة لذنوبنا. # قال الكشاف: والأصل النصب أي حط عنا ذنوبنا إلا أنه رفع ليعطي معنى ~~الثبات. قال الحرالي: من الحط وهو # PageV01P394 # وضع الحمل الثقيل بمنة وجمام قوة يكون في الجسم، والمعنى أمروا بقول ما ~~يحط عنهم ذنوبهم التي عوقتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من معه من ~~المهاجرين والأنصار بشعب من الشعاب مترددا بين الحرمين الشريفين - يعني في ~~عمرة الحديبية - فقال قولوا: «لا إله إلا الله» وعند ذلك دخول الشعب الذي ~~هو باب المدخل من نجد الأرض إلى سهلها «فقالوها، فقال: والذي نفسي بيده! ~~إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل أن يقولوها فبدلوها» انتهى. وعبر ~~بنون العظمة في قوله {نغفر لكم} إشارة إلى أنه لا يتعاظمه ذنب وإن عظم ~~كاتخاذ العجل إذا جب بالتوبة، وفي قراءة من قرأ بالتحتانية والفوقانية ~~مبنيا للمجهول إشارة إلى تحقير الذنوب إذا أراد غفرانها بحيث إنه بأدنى أمر ~~وأدق إشارة بمحوها وهي أقل من أن يباشرها بنفسه المقدسة، كل ذلك استعطاف ~~إلى التوبة. . والغفر # PageV01P395 # قال الحرالي: ستر الذنب أن يظهر منه أثر على المذنب لا عقوبة ولا ذكر - ~~ثم قال: ففي قراءة {نغفر} تول من الحق ومن هو من حزبه من الملائكة والرسل، ~~وفي قراءة: تغفر، إبلاغ أمر خطابهم بما يفهمه التأنيث من نزول القدر، وفي ~~قراءة الياء توسط بين طرفي ما يفهمه علو ms0140 قراءة النون ونزول قراءة التاء، ~~ففي ذلك بجملته إشعار بأن خطاياهم كانت في كل رتبة مما يرجع إلى عبادة ربهم ~~وأحوال أنفسهم ومعاملتهم مع غيرهم من أنبيائهم وأمثالهم حتى جمعت خطاياهم ~~جميع جهات الخطايا الثلاث، فكأنهم ثلاثة أصناف: صنف بدلوا، وصنف اقتصدوا، ~~وصنف أحسنوا فيزيدهم الله ما لا يسعه القول و {هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان} [الرحمن: 60] انتهى. ولما كان السياق هنا لتعداد النعم حسن أن ~~يعبر عن ذنوبهم بجمع الكثرة فقال {خطاياكم} إشارة إلى أنهم أصروا عليها # PageV01P396 # بحيث كادوا أن يجعلوا بإزاء كل نعمة ذنبا، والخطايا جمع خطيئة من الخطأ ~~وهو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو ود أن لا يخطىء - هكذا ~~قال الحرالي، والظاهر أن المراد هنا ما كان عن عمد كائنا ما كان، لأن ذلك ~~أولى بسياق الامتنان والعقوبة بالعصيان. # قال في القاموس: والخطيئة الذنب أو ما تعمد منه والخطأ ما لم يتعمد، جمعه ~~خطايا، وقرىء شاذا: خطيئاتكم، بالجمع السالم الدال على القلة إشارة إلى ~~أنها وإن تكاثرت فهي في جنب عفوه قليل، وهذا بخلاف الأعراف فإن السياق هناك ~~لبيان إسراعهم في الكفر كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وناسب عد النعم العطف ~~على ما تقدم منها بقوله: {وسنزيد المحسنين *} أي بعد غفران ذنوبهم. قال ~~الحرالي: جمع محسن من الإحسان # PageV01P397 # وهو البلوغ إلى الغاية في حسن العمل، فيكون مع الخلق رؤية المرء نفسه في ~~غيره فيوصل له من البر ما يجب أن يفعل معه، ورؤية العبد ربه في عبادته، ~~فالإحسان فيما بين العبد وربه أن يغيب عن نفسه ويرى ربه، والإحسان فيما بين ~~العبد وغيره أن يغيب عن غيره ويرى نفسه، فمن رأى نفسه في حاجة الغير ولم ير ~~نفسه في عبادة الرب فهو محسن، وذلك بلوغ في الطرفين إلى غاية الحسن في ~~العمل بمنزلة الحسن في الصورة - انتهى. # ولما كان هذا التصريح بالترغيب المتضمن للتلويح بالترهيب مقتضيا للعاقل ~~المبادرة إلى الطاعة بين أنه تسبب عنه أن بعضهم عصوا وكفروا هذه النعمة ms0141 ~~العظيمة ولم يقتصروا على ترك هذا الأمر بل بدلوه بدخولهم كما في الحديث ~~«يزحفون على أستاههم قائلين: حبة في شعرة» أي جنس الحب في جنس الشعرة أي في ~~الغرائر مطلوبنا لا الحطة وهي غفران # PageV01P398 # الذنوب. قال الحرالي: أمروا بالإخلاص لله نظرا إلى حياة قلوبهم فطلبوا ~~الحنطة نظرا إلى حياة جسومهم فقال تعالى {فبدل} من التبديل وهو تعويض شيء ~~مكان شيء - انتهى. {الذين ظلموا} وأسقط: منهم، لما يأتي في الأعراف {قولا} ~~أي مكان القول الذي أمروا به. # ولما كان التبديل وإن كان يفهم التغيير لكنه يصدق بأدنى تغيير ولو أنه في ~~اللفظ وإن اتحد المعنى بين أنه مضاد له بحيث لا يمكن اجتماعهما بقوله: {غير ~~الذي قيل لهم} فإن غيرا كما قال الحرالي # PageV01P399 # كلمة تفهم انتفاء وإثبات ضد ما انتفى، وقال: ذكر تعالى عدولهم عن كل ذلك ~~واشتغالهم ببطونهم وعاجل دنياهم فطلبوا طعام بطونهم التي قد فرغ منها ~~التقدير وأظهر لهم الغناء عنها في حال التيه بإنزال المن والسلوى إظهارا ~~لبلادة طباعهم وغلبة حب العاجلة عليهم فبدلوا كلمة التوحيد وهي لا إله إلا ~~الله وهي الحطة بطلب الحنطة {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} # PageV01P400 # [المائدة: 66] {ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض} [الأعراف: 96] «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي ~~السائلين» انتهى. وبين أنه خص المبدلين بالعتاب نعمة منه مع أن له أن يعم ~~فقال {فأنزلنا} أي بعظمتنا بسبب ذلك {على الذين ظلموا} أي خاصة {رجزا} قال ~~الحرالي: هو أشد العذاب، وما جره أيضا يسمى رجزا مما يجب # PageV01P401 # أن يزجر عنه والزجر كف البهائم عن عدواها - انتهى. ولما كان الإنزال ~~مفهما للسماء حققه تعظيما له بقوله: {من السماء بما} أي بسبب ما {كانوا ~~يفسقون *} أي يجددون الخروج من الطاعة إلى المعصية في كل وقت. ففي إفهامه ~~أنهم يعودون إلى الطاعة بعد الخروج منها وذلك مقتض لأن يكون يظلمون أشد منه ~~كما يأتي. قال الحرالي: ms0142 فبحق يجب على من دخل من باب جبل أو قرية أن يقول في ~~وصيدها: لا إله إلا الله، ليحط عنه ماضي ذنوبه، فكأن ذكر الله في باب ~~المدينة والشعب ذكاة لذلك المدخل، فمن لم يدخله مذكيا دخله فاسقا {لا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} [الأنعام: 121] فلذلك ما ~~انختم ذكرهم في الآية بالفسق - انتهى. # PageV01P402 # ولما بين سبحانه نعمته عليهم بالإمكان من القرية بالنصر على أهلها ~~والتمتع بمنافعها وختمه بتعذيبهم بما يميت أو يحرق وتبين من ذلك كله أن ~~قلوبهم أشد قسوة من الحجارة كما سيأتي التصريح به من قول الله تعالى في قصة ~~البقرة وأنها لا منفعة فيها اتبعه التذكير بنعمته عليهم في البرية بما يبرد ~~الأكباد ويحيي الأجساد فذكر انفجار الماء من الحجر الذي عمهم نفعه وأنقذهم ~~من الموت تبعة ودلهم على التوحيد والرسالة أصله وفرعه بقدرة الصانع وعلمه ~~جمعا لهم بذلك بين نعمتي الدين والدنيا فقال تعالى {وإذ استسقى} أي طلب ~~السقيا. قال الحرالي: والسقيا فعلى صيغة مبالغة فيما يحصل به الري من السقي ~~والسقي إحياء موات # PageV01P403 # شأنه أن يطلب الإحياء حالا أو مقالا؛ قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم اسق ~~عبادك! ثم قال: وأحي بلدك الميت» انتهى. {موسى لقومه} أي لما خافوا الموت ~~من العطش {فقلنا} أي بما لنا من العظمة حين خفيت عنهم {اضرب} قال الحرالي: ~~من الضرب وهو وقع الشيء على الشيء بقوة {بعصاك} والعصا كأنها ما يكف به ~~العاصي، وهو من ذوات الواو، والواو فيه إشعار بعلو كأنها آلة تعلو من قارف ~~ما تشعر فيه الياء بنزول عمله بالمعصية، كأن العصو أدب العصي، يقال عصا ~~يعصو أي ضرب بالعصا اشتقاق ثان، وعصى يعصي إذا خالف الأمر - انتهى. {الحجر} ~~أي جنسه فضرب حجرا {فانفجرت} وما أنسب ذكر الانفجار هنا بعد ختم ما قبل ~~بالفسق لاجتماعهما في الخروج عن محيط، # PageV01P404 # هذا خروج يحيي وذاك خروج يميت. قال الحرالي: الانفجار انبعاث وحي من شيء ~~موعى أو كأنه موعى انشق وانفلق عنه وعاؤه ومنه الفجر ms0143 وانشقاق الليل عنه - ~~انتهى. ولأن هذا سياق الامتنان عبر بالانفجار الذي يدور معناه على انشقاق ~~فيه سيلان وانبعاث مع انتشار واتساع وكثرة، ولما لم يكن {منه} أي الحجر ~~الذي ضربه {اثنتا عشرة عينا} لكل سبط عين، والعين قال الحرالي هو باد نام ~~قيم يبدو به غيره، # PageV01P405 # فما أجزأ من الماء في ري أو زرع فهو عين، وما مطر من السماء فأغنى فهو ~~عين، يقال إن العين مطر أيام لا يقلع وإنما هو مطر يغني وينجع، وما تبدو به ~~الموزونات عين، وما تبدو به المرئيات من الشمس عين، وما تنال به الأعيان من ~~الحواس عين، والركية وهي بئر السقيا عين، وهي التي يصحفها بعضهم فيقول: ~~الركبة - بالباء يعني الموحدة - وإنما هي الركية - بالياء المشددة - كذا ~~قال، وقد ذكر أهل اللغة عين الركبة؛ وعد في القاموس المعاني التي لهذا ~~اللفظ نحو أربعين، منها نقرة الركبة # PageV01P406 # أي بالموحدة، ومنها مفجر ماء الركية بالتحتانية مشددة. # ولما توقع السامع إخبار المتكلم هل كانت الأعين موزعة بينهم معروفة أو ~~ملبسة قال {قد علم كل أناس} أي منهم. قال الحرالي: وهو اسم جمع من الأنس - ~~بالضم، كالناس اسم جمع من النوس، قال: فلم يسمهم باسم من أسماء الدين لأن ~~الأسماء تجري على حسب الغالب على المسمين بها من أحوال تدين أو حال طبع أو ~~تطبع {مشربهم} مكتفاهم من الشرب المردد مع الأيام ومع الحاجات في كل وقت ~~بما يفهمه المفعل اسم مصدر ثان مشتق من مطلق الشرب أو اسم محل يلزمه # PageV01P407 # التكرار عليه والتردد، فجعل سبحانه سقياهم آية من آياته في عصاه، كما ~~كانت آيته في عصاه على عدوه الكافر، فكان فيها نقمة ورحمة؛ وظهر بذلك كمال ~~تمليكه تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم حين كان ينبع من بين أصابعه الماء ~~غنيا في نبوعه عن آلة ضرب أو حجر، وتمليك الماء من أعظم التمكين، لأنه ~~تمكين فيما هو بزر كل شيء ومنه كل حي وفيه كل مجعول ومصور - انتهى. يعني أن ~~هذه الخارقة دون ما نبع للنبي ms0144 صلى الله عليه وسلم من الماء من بين أصابعه، ~~ودون ما نبع بوضع أصحابه سهما من سهامه في بئر الحديبية وقد كانت لا ماء ~~فيها، ونحو ذلك كثير. # ولما كان السياق للامتنان وكان الإيجاد لا تستلزم التحليل للتناول قال ~~زيادة على ما في الأعراف ممتنا عليهم بنعمة الإحلال بعد الإيجاد على تقدير ~~القول لأنه معلوم تقديره {كلوا واشربوا من رزق الله} # PageV01P408 # أي الذي رزقكموه من له الكمال كله من غير كد ولا نصب. قال الحرالي: لما ~~لم يكن في مأكلهم ومشربهم جرى العادة حكمته في الأرض فكان من غيب فأضيف ~~ذكره لاسم الله الذي هو غيب {ولا # PageV01P409 # تعثوا} من العثو وهو أشد الفساد وكذلك العثي إلا أنه يشعر هذا التقابل ~~بين الواو والياء، إن العثو إفساد أهل القوى بالسطوة والعثى إفساد أهل ~~المكر بالحيلة - انتهى. {في الأرض} أي عامة، لأن من أفسد في شيء منها ~~بالفعل فقد أفسد فيها كلها بالقوة. واتباع ما معناه الفساد قوله {مفسدين} ~~دليل على أن المعنى ولا تسرعوا إلى فعل ما يكون فسادا قاصدين به الفساد، ~~فإن العثي والعيث الإسراع في الفساد، لكن قد يقصد بصورة الفساد الخير فيكون ~~صلاحا في المعنى، كما فعل الخضر عليه السلام في السفينة والغلام، وليس ~~المراد بالإسراع التقييد بل الإشارة إلى أنه لملاءمته للهوى لا يكون إلا ~~كذلك، سيأتي له في سورة هود عليه السلام إن شاء الله تعالى مزيد بيان. قال ~~الحرالي: وفيه إشعار # PageV01P410 # بوقوع ذلك منهم، لأن في كل نهي إشعارا بمخالفته، إلا ما شاء الله، وفي كل ~~أمر إشعارا بموافقته إلا ما شاء الله، لأن ما جبل عليه المرء لا يؤمر به ~~لاكتفاء إجباره فيه طبعا عن أمره، وما منع منه لا ينهى عنه لاكتفاء إجباره ~~عن أمره، وإنما مجرى الأمر والنهي توطئة لإظهار الكيان في التفرقة بين مطيع ~~وعاص، فكان منهم لذلك من العثي ما أوجب ما أخبر به الحق عنهم من الهوان، ~~وأشد الإفساد إفساد بنيان الحق الذي خلقه بيده وهي مباني أجساد بني ms0145 آدم ~~فكيف بالمؤمنين منهم # PageV01P411 # فكيف بالأنبياء منهم - انتهى. # ولما امتن عليهم بهذه النعمة العظمة من أكل المن والسلوى وشرب هذا الماء ~~الرباني بين أنهم كفروها بالتضجر منها وطلب غيرها وبالتيه كان قريبا منها ~~بل كما أن هذه في غاية العلو كان مطلوبهم في غاية الدناءة والسفول فقال ~~تعالى {وإذ قلتم} أي بعد هذه النعم كلها {يا موسى} منادين له باسمه من غير ~~تعظيم {لن نصبر} أي طويلا {على طعام} قال الحرالي: الطعام ما يقوت المتطعم ~~ويصير جزاء منه {فلينظر الإنسان إلى طعامه *} [عبس: 24] الآية - انتهى. ~~{واحد} أي لا يتبدل وإن كان متعددا # PageV01P412 # وإن كان شريفا لا تعب فيه {فادع لنا} قال الحرالي: من الدعاء وهو نداء ~~لاقتضاء غلبة لما تدعو الحاجة إليه من القائم على الداعي بتذلل وافتقار وهو ~~في مقابلة الأمر من الأعلى، لأنه اقتضاء لما لا تدعو إليه حاجة من الآمر ~~لأن الآمر بالحقيقة إنما هو الغني لا المفتقر لما يقضيه - انتهى. {ربك} ~~مضيفين لهذا الاسم إليه دون أنفسكم مع كثرة تجليه لكم بهذا الوصف الناظر ~~إلى الإحسان {يخرج لنا} أي وإن كنت أنت غير ملتفت إلى ذلك {مما تنبت} من ~~الإنبات وهو التغذية والتنمية - قاله الحرالي. {الأرض} ثم بينوا ما أرادوا ~~بقولهم {من بقلها} أي # PageV01P413 # خضرها. قال الحرالي: البقل ما يكثر به الأدم، والأدم الأشياء الدسمة فما ~~يصلح معها من نجم الأرض فهو بقل - انتهى. {وقثائها وفومها} أي الحنطة. وقال ~~الحرالي: يقال هو الحب الذي يخبز - انتهى. {وعدسها وبصلها} فكأنه قيل إن ~~هذا العجب منهم فما قال؟ فقيل قال {قال} منكرا عليهم {أتستبدلون} أي ~~أتأخذون {الذي هو أدنى} أي منزلة {بالذي هو خير} أي بدله. فالباء داخلة هنا ~~على المتروك وهذه المادة أعني الباء والدال المهملة واللام بهذا الترتيب ~~لها استعمالات كثيرة يختلف معناها معها فيشكل فهمها بسبب ذلك، فإنه قد يذكر ~~معها المتقابلان فقط، وقد يذكر معها غيرها، وقد لا يكون كذلك، وقد يكون ذلك ~~مع التبدل والاستبدال مصحوبا أحدهما بالباء، وقد لا يكون كذلك، وقد ms0146 يذكران ~~مع التبديل والإبدال، وتارة تكون الباء داخلة على المتروك، وتارة على ~~المأخوذ، وقد يعدي الفعل بنفسه إلى المفعولين، وتارة يقتصر به على مفعول ~~واحد؛ ولبعض الاستعمالات # PageV01P414 # معنى غير معنى الآخر وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى في سورة سبأ فكأنه ~~قيل: فهل أجابهم إلى سؤالهم؟ فقيل: نعم، قال {اهبطوا مصرا} أي من الأمصار، ~~قال الحرالي: المصر هو البلد الجامع لما يتعاون عليه من أمور الدنيا الذي ~~يجمع هذه المطالب التي طلبوها لأن ما دون الأمصار لا يكون فيها إلا بعضها، ~~ومنه سميت مصر لجماع أمر ما في الدنيا فيها # PageV01P415 # وغرابة سقياها، وإن وافق ذلك ما يقال إنها سميت مصر باسم رجل فالوفاق في ~~حكمه الله، لأن كل دقيق وجليل فيها جار بعلم الله وحكمته حيث كانت من وراء ~~حجاب يخفيها أو ظاهرة بادية لأهل النظر والاستبصار - انتهى. # {فإن لكم} أي فيه {ما سألتم} وينقطع عنكم المن والسلوى، والسؤال قال ~~الحرالي طلب ما تدعو إليه الحاجة وتقع به الكفاية، قال: وذكر تعالى أن ~~مطلبهم إنما يجدونه في الأمصار التي أقر فيها حكمته لا في المفاوز التي ~~تظهر فيها كلمته، ولذلك كثيرا ما تنخرق العدة لأولياء هذه الأمة في المفاوز ~~وقل ما تنخرق في الأمصار والقرى، لما في هذه الآية مضمونة، ولذلك حرص ~~السالكون على السياحة والانقطاع عن العمائر، لما يجدون في ذلك من روح رزق ~~الله عن كلمته دون كلفة حكمته. # ولما نظم سبحانه بنبأ موسى عليه السلام ما كان من نبأهم مع يوشع # PageV01P416 # عليه السلام بعده نظم في هذه الآية بخطاب موسى عليه السلام ما كان منهم ~~بعد يوشع عليه السلام إلى آخر اختلال أمرهم وانقلاب أحوالهم من حسن ~~المظاهرة لنبيهم إلى حال الاعتداء والقتل لأنبيائهم عليهم السلام، وفي ~~جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم إلا لأجل إيثار الدنيا ورئاستها ومالها ~~على الآخرة إيثارا للعاجلة على الآجلة، وفي طيه أشد التحذير لهذه الأمة في ~~اتباعهم لسنن أهل الكتاب في مثل أحوالهم؛ ولذلك انتظم بها الآية الجامعة ~~وابتدأ بذكر ms0147 الذين آمنوا من هذه الأمة ثم استوفى الملل التي لها صحة على ما ~~يذكر آنفا إن شاء الله تعالى - انتهى. ولما كان التقدير ففعلوا ما أمروا به ~~من هبوط المصر فكان ما وعدوا به عطف عليه قوله {وضربت عليهم الذلة} ملازمة ~~لهم محيطة بهم من جميع الجوانب كما يحيط البيت المضروب على الإنسان به، وهي ~~اسم من الذل وهو صغار في النفس عن قهر وغلبة. قال الحرالي: وفي # PageV01P417 # عطفه إفهام لمجاوزة أنباء عديدة غايتها في الظهور ما عطف عليها كأن ~~الخطاب يفهم فأنزلناهم حيث أنزلوا أنفسهم ومنعناهم ما لا يليق عن حاله مثل ~~حالهم فظهر منهم وجوه من الفساد، فسلط عليهم العدو فاستأصل منهم من شاء ~~الله ومن بقي منهم أخذوا بأنواع من الهوان - انتهى. {والمسكنة} أي كذلك ~~مناسبة لخساسة ما سألوه. # قال الحرالي: وهي ظهور معنى الذل أو التذلل على ظاهر الهيئة والصورة ~~سكونا وانكفاف حراك - انتهى. {وباؤوا} أي رجعوا وكانوا أحقاء {بغضب} # PageV01P418 # من باء فلان بفلان إذا كان حقيقا بأن يقتل به لمساواته له. قال الحرالي: ~~معناه إجماع القاهر على الانتقام في حق مراغمة - انتهى. # {من الله} الملك الأعظم لجرأتهم على هذا المقام الأعظم مرة بعد مرة وكرة ~~إثر كرة. قال الحرالي: وفيه تهديد لهذه الأمة بما غلب على أهل الدنيا منهم ~~من مثل أحوالهم باستبدال الأدنى في المعنى من الحرام والمتشابه بالأعلى من ~~الطيب والأطيب المأخوذ عفوا واقتناعا - انتهى. # ثم ذكر سبب هذا وقال الحرالي: ولما كان الغضب إنما يكون على من راغم ~~الجليل في معصيته ووقعت منهم المراغمة في معصيتهم واعتدائهم ذكر فعلهم - ~~انتهى. فقال {ذلك} أي الأمر العظيم الذي حل بهم من الغضب وما معه، ويجوز أن ~~يرجع إلى اهتمامهم بأمر معاشهم وعنايتهم بأحوال شهواتهم على هذا النحو ~~الأخس الأدنى {بأنهم} أي بسبب أنهم # PageV01P419 # {كانوا} أي جبلة وطبعا {يكفرون} أي مجددين مستمرين {بآيات الله} أي ~~يسترون إذعانهم وتصديقهم بسبب آيات الله الذي له جميع العظمة كتمانا عمن لا ~~يعلم الآيات وتلبيسا، وكان تجديد ذلك والإصرار ms0148 عليه ديدنا لهم وخلقا قائما ~~بهم. قال الحرالي: والكفر بالآيات أبعد الرتب من الإيمان، لأنه أدنى من ~~الكفر بالله، لأن الكفر بالله كفر بغيب والكفر بآيات الله كفر بشهادة ~~{والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة *} [البلد: 19] انتهى. {ويقتلون ~~النبيين} أي كان ذلك جبلة لهم وطبعا. قال الحرالي: وهذا جمع نبيء وهو من ~~النبأ وهو الإخبار عن غيب عجز عنه المخبر به من حيث أخبر - انتهى. # PageV01P420 # ولما كان النبي معصوما دينا ودنيا قال {بغير الحق} أي الكامل تنبيها على ~~أن قتله لا يقع إلا كذلك، لكن هذا لا ينفي أن يكون ثم شبهة كظن التنبؤ ~~فالذم على الإقدام على إراقة الدم بدون الوضوح التام وفاقا لنهي. {ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الإسراء: 33] فهو أخف مما في آل ~~عمران. ثم علل هذه الجرأة فقال {ذلك} أي الأمر الكبير من الكفر والقتل الذي ~~هو من أعظم الكفر {بما عصوا} وهو من العصيان. قال الحرالي: وهو مخالفة ~~الأمر - انتهى. {وكانوا} أي جبلة وغريزة {يعتدون} أي يتجاوزون الحدود على ~~سبيل التجدد والاستمرار، فإن من فعل ذلك مرد عليه ومرن فاجترأ على العظائم. ~~قال الحرالي: # PageV01P421 # وهو أي الاعتداء تكلف العداء، والعداء مجاوزة الحد، فيما يفسح فيه إلى حد ~~لا عذر لمجاوزه من حيث فسح له سعة ما فسح وحد له ما حد - انتهى. وقد جاء ~~نظم هذه الآيات من قصصهم على غير ترتيبها في الوجود، وفي التوراة لما ذكرت ~~من هذه المناسبات العظيمة والله أعلم شرح أمرها من التوراة قال في آخر ~~السفر الرابع منها في النسخ الموجودة بين أظهر اليهود الآن في هذا القرن ~~التاسع فيما قرأته في نسخة مترجمة بالعربية وخطها كذلك وعليها آثار قراءتهم ~~لها وبيان الأوقات التي يقرأ فيها كل فصل منها ثم قابلتها بالمعنى كما مضى ~~مع شخص منهم وكان هو القارىء ما نصه: وهذه مظاعن بني إسرائيل حيث خرجوا من ~~أرض مصر بأجنادهم على يدي موسى وهارون عليهما السلام وكتب موسى مخارجهم ~~ومراحلهم عن قول الرب ظعنوا ms0149 من رعمسيس - وفي نسخة: من عين شمس - في خمسة ~~عشر يوما من الشهر الأول من غد الفصح - وفي نسخة: # PageV01P422 # بعد الفصح بيوم - والمراد بالشهر الأول عندهم نيسان وهو شهر الفريك، وخرج ~~بنو إسرائيل بقوة عظيمة تجاه جميع أهل مصر كانوا مشاغيل بدفن الأبكار الذين ~~قتلهم الرب، وبما انتقم الرب من آلهتهم، فظعن بنو إسرائيل من رعمسيس - وفي ~~نسخة: عين شمس - ونزلوا ساحوت وارتحلوا من ساحوت ونزلوا آثم - وفي نسخة: ~~آثام - التي في أقاصى المفازة وظعنوا من آثام ونزلوا في فوهة الخندق الذي ~~في جبال بعلصفون ونزلوا بإزاء مغدول - وفي نسخة: مجدول - وارتحلوا من فوهة ~~الخندق وجازوا في وسط البحر إلى القفر - وفي نسخة: بين البحر والقفر - ~~وساروا مسيرة ثلاثة أيام في برية اثام ونزلوا مررا - وفي نسخة: المريرة - ~~وأتوا آليم وفي نسخة: ونزلوا في المراير وارتحلوا من # PageV01P423 # المراير وصاروا إلى آليم - وكان في آليم اثنتا عشرة عينا من ماء وسبعون ~~نخلة ونزلوا هناك على الماء، وارتحلوا من آليم ونزلوا ساحل بحر سوف - وفي ~~نسخة: على البحر الأحمر - وظعنوا من شاطىء بحر سوف - وفي نسخة: من البحر ~~الأحمر - وفي أخرى: بحر القلزم - ونزلوا برية سينين وارتحلوا من قفر سينين ~~ونزلوا ذفقا وظعنوا من ذقفا ونزلوا آلوش وارتحلوا من آلوش ونزلوا رفيدين - ~~وفي نسخة: رفيديم - ولم يكن هناك ماء يشرب الشعب وظعنوا من رفيدين - وفي ~~نسخة: رفيديم - فنزلوا برية - وفي نسخة: قفر سيناء - وظعنوا من قفر سيناء ~~ونزلوا الموضع المعروف بقبور الشهوة وارتحلوا من مقبرة الشهوة - وفي نسخة: ~~قفر قبور الشهوة - فنزلوا حصروث وظعنوا من حصروث فنزلوا رثما - # PageV01P424 # وفي نسخة: الرامة - وارتحلوا من رثما - وفي نسخة: الرامة - فنزلوا رمون ~~فيرص. # وقال في السفر الثاني عند ذكر الإنعام عليهم باستنقاذهم من أيدي القبط ~~بتلك الآيات العظيمة التي ستشرح إن شاء الله تعالى في سورة الأعراف فقال ~~موسى للشعب: اذكروا هذا اليوم الذي خرجتم فيه من مصر من العبودية والرق، ~~لأن الرب أخرجكم من ههنا بيد منيعة فلا يؤكل الخمير في هذا اليوم وهو ms0150 ذا ~~أنتم خارجون في شهر الفقاخ - وفي نسخة: الفريك - فإذا أدخلكم الرب إلى أرض ~~الكنعانيين والحيثانيين والأمورانيين والجاوانيين واليابسانيين والفرزانيين ~~كالذي أقسم لآبائكم أن يعطيكم الأرض التي تغل السمن والعسل، تعملون هذا ~~العمل في هذا الشهر، كلوا الفطير سبعة أيام ولا يوجدن الخمير عندكم؛ ~~وتعلمون أبناءكم في ذلك اليوم وتقولون لهم إن الله فعل بنا هذا الفعل إذ ~~أخرجنا من أرض مصر، وليكن ذلك آية على يدك وعلامة بين عينيك لتكون سنة الرب ~~وشريعته على لسانك لأن الرب أخرجك من مصر بيد عزيزة منيعة واحتفظ بهذا وهذه ~~الوصية من # PageV01P425 # سنة إلى سنة في وقته، وإذا أدخلك الرب إلى أرض الكنعانيين التي أقسم لك ~~ولآبائك أن يعطيكها فميز كل ذكر بفتح الرحم للرب وكل ذكر من البهائم التي ~~تكون لك يفتح الرحم يكون خاصة للرب تفتديه بحمل، فإن لم تفتده فاذبحه، ~~وتفتدي كل بكر ذكر من أولادك، فإذا سألك ابنك غدا وقال لك: ما هذا العمل؟ ~~فقل: إن الرب أخرجنا من أرض مصر من العبودية والرق بيد منيعة عزيزة، لأن ~~فرعون قسا وفظ وأبى أن يرسلنا، فقتل الرب جميع أبكار أرض مصر من بكر البشر ~~إلى بكر البهائم، فمن أجل ذلك أذبح للرب كل ذكر بفتح الرحم وأفتدي جميع ~~أبكار ولدي، فيكون ذلك علامة على يدك وذكرا بين عينيك، لأن الرب أخرجك من ~~مصر بيد منيعة عزيزة. # فلما أرسل فرعون الشعب وانطلقوا لم يرسلهم الله تعالى في طريق أرض ~~فلسطين، لأنه كان قريبا ولأن الله قال: لعل الشعب إذا ما عاينوا القتال أن ~~يخافوا ويرهبوا فيرجعوا إلى مصر، فساس الله الشعب في طريق برية بحر سوف، ~~وخرج بنو إسرائيل من أرض مصر وهم متسلحون، وحمل موسى عليه السلام عظام يوسف ~~عليه السلام معه، لأنه أقسم على # PageV01P426 # بني إسرائيل بأيمان وقال: إن الله سيذكركم فأصعدوا عظامي معكم من ههنا، ~~فظعنوا من ساحوت ونزلوا آثام التي في أقطار البرية، وكان الرب يسير أمامهم ~~بالنهار في عمود السحاب ليسكنهم في الطريق وبالليل في عمود ms0151 نار ليضيء لهم ~~وكان يسير أمامهم بالليل والنهار، ولم يكن عمود الغمام يزول بالنهار وعمود ~~النار بالليل من بين يدي الشعب، وكلم الرب موسى وقال له: قل لآل إسرائيل أن ~~يرجعوا فينزلوا على شاطىء الخندق وما بين مغرول والبحر أمام بعلصفون، ~~انزلوا هناك إزاء البحر حتى يقول فرعون إن بني إسرائيل غرباء في الأرض، ~~فيظن أنهم قد تاهوا في القفر وأن البر قد انغلق عليهم؛ وقال الرب لموسى: ~~أنا أقسي قلب فرعون فيسير في طلبكم فأمجد بفرعون وجميع جنوده، فيعلم أهل ~~مصر أني أنا الرب، ففعلوا كذلك؛ فأسف فرعون وعبيده لإرسال الشعب وندموا، ~~فألجم خيله وسار في جميع شعبه وظعن في ستمائة ألف راكب مختارة وجميع مواكب ~~المصريين أيضا والرجال - وفي نسخة: والقواد - على جميعها، فسار المصريون في ~~طلبهم فرهقوهم وهم حلول على المهرقان، فقرب فرعون ورفع بنو إسرائيل أبصارهم ~~فرأوا المصريين وهم في # PageV01P427 # طلبهم فخافوا خوفا شديدا، فصلى بنو إسرائيل بين يدي الرب وقالوا لموسى: ~~ألقلة القبور بمصر أخرجتنا لنموت في البرية؟ لم فعلت بنا هذا الفعل ~~وأخرجتنا من مصر؟ أليس هكذا كنا نقول لك ونحن بمصر: دعنا نتعبد للمصريين ~~كان خيرا لنا أن نتعبد للمصريين من الموت في هذا القفر؟ فقال موسى للشعب: ~~لا خوف عليكم! انتظروا فأبصروا خلاص الرب إياكم في هذا اليوم، لأنكم عاينتم ~~المصريين يومنا هذا، لا تعودون أن تعاينوهم أيضا إلى الأبد، والرب يجاهد ~~عنكم إذ أنتم في هدوء وطمأنينة؛ فصلى موسى بين يدي الرب فقال: مر بني ~~إسرائيل أن يظعنوا وأنت فارفع عصاك واضرب ماء البحر، فيسير آل إسرائيل في ~~البحر في اليبس، وها أنا ذا أقسي قلوب المصريين وأغلظها ليتبعوهم، فأمجد ~~بفرعون وبجميع جنوده وبمواكبه وفرسانه، فيعلم أهل مصر أني أنا الرب إذا ~~مجدت بفرعون وبجميع جنوده، فظعن ملك الله الذي كان يسير أمام عسكر بني ~~إسرائيل فصار على ساقتهم، فاحتمل السحاب الذي كان أمامهم فوقف خلفهم ودخل ~~بين عسكر المصريين ومحلة بني إسرائيل، وكان السحاب والحندس تلك الليلة ~~بأسرها وكان الضياء ms0152 والنور لبني إسرائيل تلك الليلة كلها، فلم يقدروا على ~~الدنو إليهم تلك الليلة. # فرفع # PageV01P428 # موسى يده على البحر فزجر الرب البحر بريح سموم - وفي نسخة: قبول عاصف - ~~أليل أجمع، فصير ماء البحر في اليبس، وانقسم الماء، فدخل بنو إسرائيل في ~~وسط البحر في اليبس، فصارت المياه كالسور بين ميامنهم ومياسرهم، فسار ~~المصريون فدخلوا في طلبهم فصار خيل فرعون وجميع مواكبه في البحر، فلما كان ~~عند حريم الغداة تراءى الرب لعسكر المصريين في عمود نار ومزنة غمامة، فأرجف ~~عسكر المصريين وأفتنه وربط مواكبهم وحبسها وجعلوهم يعنقون بالسير عليها، ~~فقال المصريون: سيروا بنا لنهرب بين يدي آل إسرائيل، لأن الرب حارب عنهم ~~بمصر، فقال الرب لموسى: ابسط يدك على المهرقان فتؤول المياه على المصريين ~~فتطفح على مواكبهم وفرسانهم، فرفع يده على البحر، فرجع البحر عند وقت ~~الغداة إلى موضعه والمصريون جعلوا يهربون إزاءه، فعذب الرب المصريين في ~~البحر وأكذبهم، فجرت المياه وطفت على المواكب والفرسان وعلى جميع جنود ~~فرعون الذين دخلوا في البحر في طلبهم، ولم ينج منهم واحد، فخلص آل إسرائيل ~~في ذلك اليوم من أيدي المصريين، فنظر بنو إسرائيل إلى المصريين موتى على ~~شاطىء المهرقان، وعاين آل إسرائيل النقمة العظيمة التي أنزلها الله ~~بالمصريين، # PageV01P429 # وخاف الشعب الرب وآمنوا به وصدقوا قول موسى عبده، حينئذ سبح موسى وبنو ~~إسرائيل بهذا التسبيح وقالوا: نسبح الرب ذا الجلال الذي تعالى على المواكب ~~وغرق فرسانها في البحر المنيع، والمحمود الرب الأزلي، فكان لي منجيا، هذا ~~إلهنا فلنحمده ولنمجده، إله آبائنا فلنعظمه ولنجله، الرب ذو الملاحم، جبار ~~اسمه، لأنه قذف بمواكب فرعون وجنوده في البحر وغرق جبابرة في بحر سوف ~~وغطتهم الأمواج وهبطوا في القعر فرسبوا مثل الجنادل، يمينك يا رب بهية ~~بالقوة، يمينك يا رب أهلكت أعداءك بعظم عزك، كبت شانئك أرسلت غضبك فأحرقهم ~~كالسهم بريح وجهك، وأمرك جمدت المياه ووقف جريها كأنه الأطواد، ورسب ~~الأغمار في قعر البحر كالرصاص في الماء المنيع؛ فمن مثلك ومن يفعل كأفعالك ~~أيها البهي في قدسه المرهوب المحمود ms0153 مظهر العجائب، سست بنعمتك هذا الشعب ~~الذي خلصت، فبلغ ذلك الشعوب فارتجفوا وقلقوا وغشي الخوف والرعب سكان ~~فلسطين، عند ذلك ذعر أشراف ادوم وغشى الرعدة والارتعاش رجال مؤاب وانكسر ~~جميع سكان كنعان فانهزموا فلينزل بهم الخوف والقلق والرجفة بعظمة ذراعك، ~~يغرقون كالجنادل حتى يجوز شعبك الذي خلصت، # PageV01P430 # تقبل بهم فتقدسهم في جبل ميرانك، الرب يملك إلى أبد الآبدين؛ وظعن موسى ~~ببني إسرائيل من بحر سوف، فخرجوا حتى انتهوا إلى برية أسود، ثم ساروا في ~~البرية مسيرة ثلاثة أيام فلم يجدوا هناك ماء، ثم انتهوا إلى مورث فلم ~~يقدروا على أن يشربوا ماء مورث، لأنه كان مرا فتذمر الشعب على موسى وقالوا ~~له: ما الذي نشرب الآن؟ فصلى موسى بين يدي الرب، فأظهر الرب له عودا فألقاه ~~في الماء، فعذب الماء هناك، علمه السنن والأحكام، فأتوا حتى انتهوا إلى ~~آليم وكان هناك اثنتا عشرة عينا من ماء وسبعون نخلة فنزلوا هناك على الماء، ~~ثم ظعنوا من آليم فأتوا برية سينين التي بين آليم وسينين في خمسة عشر من ~~الشهر الثاني من الزمان الذي خرجوا من مصر، فتذمر جميع جماعة بني إسرائيل ~~على موسى وهارون وقالوا لهما: قد كنا نحب أن نتوفى في أرض مصر إذ كنا جلوسا ~~بين أيدينا مراجل اللحم وكبار الخبز ونفضل فأخرجتمانا إلى هذه البرية ~~لتقتلا جماعة بني إسرائيل بالجوع! فقال الرب لموسى: ها أنا ذا مهبط لكم ~~الخبز من السماء فليخرج الشعب # PageV01P431 # فليلتقطوا طعام يوم بيوم لكي أمتحنهم هل يسيرون بوصاياي وسنني ويحفظونها ~~أم لا، فإذا كان اليوم السادس فليعدوا فضلا على ما يأتون به وليكن ذلك ضعف ~~ما يلتقطون في كل يوم، فقال موسى وهارون لجميع بني إسرائيل عند الأصيل: ~~تعلمون أن الرب أخرجكم من أرض مصر وبالغداة تعاينون مجد الرب، لأن تذمركم ~~بلغ الرب، ونحن فمن نحن إذ تتذمرون علينا، وقال لهم موسى: إن الرب قد ~~أعطاكم لحما عند الأصيل لتأكلوا ورزقكم خبزا بالغداة لتشبعوا، لأنه قد بلغ ~~الرب تذمركم الذي تراطنون عليه، ونحن فمن ms0154 نحن وليس إنما تتذمرون علينا بل ~~على الرب، وقال لهارون: مر جميع جماعة بني إسرائيل أن يدنوا فيقفوا بين يدي ~~الرب، فلما قال هارون ذلك لجميع جماعة بني إسرائيل التفتوا فإذا مجد الرب ~~قد اعتلن في السحاب وقال الرب لموسى: قد بلغني تذمر بني إسرائيل فقل: عند ~~مغارب الشمس تأكلون اللحم وبالغداة شرقا تشبعون من الخبز فتعلمون أني أنا ~~الرب إلهكم، فلما كان عند الأصيل صعدت السماني فتغشت العسكر، وكان بالغداة ~~ضبابة تقطر المن فأحاطت بالعسكر، # PageV01P432 # فارتفعت الضبابة فإذا على وجه الأرض دقيق يتقشر وكان شبه صفائح الجليد ~~على الأرض، فقال موسى: هذا الخبز الذي أعطاكم الرب لتأكلوا، وهذا قول الرب ~~الذي أمر به ليلتقط المرء منه على قدر قوته مكيالا لكل نفس على عدد رؤوسكم ~~ليأخذ المرء لكل من كان في خيمته، فصنع بنو إسرائيل كما أمرهم موسى ~~والتقطوا، فمنهم من أخذ كثيرا ومنهم من تناول قليلا وكالوا ذلك، فلم يفضل ~~الذي أخذ الكثير والذي أخذ القليل لم يعدمه، فقال لهم موسى: لا تبقين منه ~~للغد شيئا، فلم يطيعوا موسى فأفضل رهط منهم للغد، فدب فيه الدود وأنتن، ~~فغضب موسى، فجعلوا يلتقطونه في كل غداة كل امرىء على قدر قوته، وكان إذا ~~حميت عليه الشمس يميع، فلما كان اليوم السادس التقطوا من الخبز ضعفي ما ~~كانوا يتناولون كل رجل مكيالين، فأتى جميع أشياخ الجماعة فأخبروا موسى، ~~فقال لهم: هكذا قال الرب، إن السبت راحة ودعة وغدا يوم قدس الرب؛ وقال في ~~موضع آخر: لا تعملوا فيه عملا بل يكون سبتا للرب في جميع مساكنكم، وكل ما ~~أردتم أن تختبزوه فاخبزوه واطبخوا ما أردتم طبخه واحتفظوا بما تفضلون باردا ~~للغد، فأبقوا منه للغد كما أمر موسى، فلم ينتن ولم يدب فيه الدود فقال لهم ~~موسى: # PageV01P433 # كلوه يومكم هذا، لأن اليوم يوم سبت للرب ولستم تقدرون عليه اليوم في ~~الحقل، كونوا تلتقطونه ستة أيام واليوم السابع هو سبت لا يؤخذ فيه، فلما ~~كان اليوم السابع خرج رهط من الشعب ليلتقطوا فلم ms0155 يجدوا فقال الرب لموسى: ~~حتى متى يأبوا أن يقبلوا وصاياي وسنني، فاستراح الشعب في اليوم السابع، ~~فسماه بنو إسرائيل المن وهو كحبة الكزبرة وطعمه كشهد العسل. # وقال في السفر الرابع: والمن كان يشبه حبة الكزبرة وكان منظره أبيض ~~كالمها، وكان الشعب يترددون ويلتقطونه ويطحنونه في الرحى ويهرسونه في ~~المهراس ويطبخونه في القدور ويصيرون منه مليلا ويصير طعمه مثل طعم الخبز ~~الذي يعجن دقيقه بالزيت. رجع إلى الثاني قال: فأكل بنو إسرائيل المن أربعين ~~سنة ولم يزالوا يأكلون المن حتى انتهوا إلى أقطار الأرض ذات السكنى وحتى ~~انتهوا إلى أقطار أرض كنعان، وكان ذلك المكيال عشر جريب أي عشر ويبة، وإن ~~جماعة بني إسرائيل ظعنوا من برية سينين في مظاعنهم كما أمر الرب فوردوا ~~رفيدين ولم يكن للشعب ماء يشربون، فضج الشعب على موسى # PageV01P434 # وقالوا له: أعطنا ماء لنشرب، فقال: ما بالكم تضجون وكم تجربون الرب؟ ~~واشتد عطش الشعب هناك فتذمروا على موسى وقالوا له: لم أصعدتنا من أرض مصر ~~لتقتلنا وأبناءنا ومواشينا بالعطش؟ فصلى موسى أمام الرب وقال: ما أصنع بهذا ~~الشعب؟ إنهم كادوا أن يرجموني، فقال الرب لموسى: جز قدام الشعب وانطلق ببعض ~~أشياخ بني إسرائيل والعصا التي ضربت بها البحر ففلقته، خذها بيدك وانطلق ~~وها أنا ذا واقفا بين يديك على حجر الظران بحوريب فاضرب عند ذلك الظران ~~فيخرج الماء ويشرب الشعب، فصنع موسى هذا الصنيع بين أشياخ بني إسرائيل، ~~فسمى ذلك الموضع التجريب والتذمر، لأن بني إسرائيل تنازعوا واصطخبوا ولأنهم ~~جربوا الله وقالوا: هل الله بيننا أم لا؟ ولما كان في الشهر الثالث بعد ~~خروج بني إسرائيل من مصر انتهوا إلى برية سيناء إذ ظعنوا من رفيدين فأتوا ~~برية سيناء وحل هناك إسرائيل قبالة الجبل، فصعد موسى إلى الجبل فدعاه الله ~~من الجبل وقال: هكذا قل لآل يعقوب: قد رأيتم ما صنعت بالمصريين وحملتكم ~~كأنكم على أجنحة النسور وأقبلت بكم إلي، فإن أنتم الآن أطعتم قولي وحفظتم ~~عهدي فأنتم أحب إلي من # PageV01P435 # جميع شعوب الأرض، فأتى موسى ms0156 فدعا بأشياخ الشعب فقص عليهم جميع هذه الآيات ~~التي أمره بها الرب، فأجاب الشعب كلهم جميعا وقالوا: نحن فاعلون جميع ما ~~أمرنا به الرب، فرد موسى جواب الشعب على الرب فقال الرب لموسى: ها أنا ذا ~~مناجيك في سحابة مظلمة لكي يسمع الشعب كلامي إذا كلمتك فيقبلوا كلامك ~~ويصدقوك إلى الأبد، فقال الرب لموسى: انطلق إلى الشعب وطهرهم اليوم وغدا ~~وليبيضوا ثيابهم ويرحضوها وليستعدوا في اليوم الثالث فناشد الشعب وتقدم ~~إليهم وقل لهم: احذروا أن تصعدوا إلى الجبل ولا تقربوا إلى حافاته، ومن دنا ~~من الجبل فليقتل ولا تصيبه أيدي الناس بل يرجم رجما ويقذف به إلى أسفل به ~~بهيمة كان أو إنسانا، فإذا صمتت أصوات القرون فأنتم في حل من الصعود إلى ~~الجبل، فهبط موسى من الجبل إلى الشعب فطهر الشعب وبيضوا ثيابهم، وقال موسى ~~للشعب: كونوا مستعدين في اليوم الثالث، لا تقتربن إلى امرأة، فلما كان في ~~اليوم الثالث باكروا غلسا، فإذا هم بأصوات قرون وبروق وإذا هم أيضا بسحابة ~~عظيمة قد حلت على الجبل، فاشتد صوت القرن جدا واشتد فزع من كان في العسكر، ~~وأخرج موسى الشعب إلى لقاء الرب من العسكر فقاموا في حافات الجبل وكان جبل ~~سيناء يخرج منه القتار والدخان، لأن الرب هبط عليه بالنار وارتفع غباره ~~كغبار الأتون وتزلزل الجبل زلزلة شديدة واشتد صوت القرن، ودعا الرب # PageV01P436 # موسى إلى رأس الجبل، فصعد موسى وقال له الرب: انزل فأنشد بني إسرائيل ~~وإنذرهم أن لا يتزحزحوا عند النظر بين يدي الرب فيهلك منهم كثير، وكان جميع ~~الشعب يسمعون الأصوات ويرون المصابيح ويسمعون أصوات القرون ويرون الدخان ~~يخرج من الجبل. # فرأى ذلك الشعب ففزعوا ووقفوا من بعيد وقالوا لموسى: كلمنا أنت حتى نسمع ~~ولا يكلمنا الله لكيلا نموت، فقال موسى: لا خوف عليكم، لأن الله إنما كلمكم ~~ليمتحنكم ويجربكم لكي تخافوه وترهبوه ولا تخطئوا ولا تأثموا، فوقف الشعب من ~~بعيد ودنا موسى من الضباب التي اعتلن الله فيها، وقال الرب لموسى: هكذا قل ~~لآل إسرائيل: قد ms0157 رأيتم وعلمتم أني كلمتكم من السماء، لا تتخذوا معي آلهة من ~~ذهب ولا تعملوا لكم آلهة من فضة، ثم قال: ها أنا ذا مرسل إليك الملك بين ~~يديك ليحفظك في سفرك ويوردك البلد الذي أتقنت - وفي نسخة: الذي هيأته - ~~فاحذره واسمع منه، لأن اسمي حال عليه، فإن أنت قبلت قوله وأطعت أمره وعملت ~~بكل ما يأمرك به أبغض مبغضيك ويسير ملكي أمامك فيدخلك على الأمورانيين - ~~وذكر بعدهم خمس فرق - فأقتلهم وأبيدهم وأرسل الرعب والخوف والجزع بين يديك ~~وأبيد جميع الشعوب الذين تسير إليهم ولا أبيدهم في سنة واحدة لكي لا تخرب ~~الأرض بل رويدا رويدا حتى تعتز - وفي نسخة: تكثر - فتصير ذا بطش فترث الأرض ~~واجعل # PageV01P437 # تخومك من بحر سوف إلى فلسطين ومن البرية حتى النهر - وفسره في موضع آخر ~~بالفرات - وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل أنت وهارون وناذاب وآبيهوا ~~وسبعون رجلا من أشياخ بني إسرائيل ويسجدون من بعيد، ويقترب موسى وحده إلى ~~الرب وهم لا يقتربون ولا يصعد الشعب معه. فجاء موسى وقص على الشعب جميع ~~عهود الرب وجميع أحكامه، فنادى الشعب كلهم بصوت عال وقالوا: نحن نفعل ما ~~أمرنا الرب، وكتب موسى جميع كلام الرب، وغدا باكرا فبنى مذبحا في حافة ~~الجبل ونصب اثنتي عشرة نصبة لأسباط بني إسرائيل - ثم ذكر ذبائح وقرابين ~~وغير ذلك ثم قال: ثم أخذ سفر العهد فتلاه على الشعب، فقالوا: نحن سامعون ~~فاعلون ما أمرنا به الرب، فتناول موسى ذلك الدم - يعني دم القربان - فرشه ~~على الشعب وقال: هذا دم العهد الذي عاهدكم في جميع هذه الأقاويل، وصعد موسى ~~ومن ذكر معه ثم تركهم في مكان من الجبل ثم قال لهم امكثوا ههنا، فصعد موسى ~~إلى الجبل وتغشاه السحاب وحل مجد الله على جبل سيناء وستره السحاب ستة ~~أيام، ودعا الرب موسى في اليوم السابع من جوف السحاب ونظر إلى مجد الرب مثل ~~نار تتوقد في رأس الجبل أمام جميع # PageV01P438 # بني إسرائيل، فدخل موسى في جوف السحاب وصعد إلى الجبل فمكث موسى ms0158 في الجبل ~~أربعين يوما نهارا وأربعين ليلة، وكلم الرب موسى وقال له: قل لبني إسرائيل: ~~فليخصوا لي تزكية أموالهم، وخذ ذلك من كل رجل بلغ أشده - ثم ذكر الأموال ~~التي تزكى إلى أن قال: ويتخذون لي مظهرا حتى أحل بينهم كل شيء أريكه شبه ~~القبة وجميع متاعها كذلك فليصنعوه - ثم قال: واعمل على المثال الذي أريكه ~~في الجبل وليتخذوا تابوتا من خشب الشمشاد طوله ذراعان ونصف وسمكه ذراع ~~ونصف، وصفحه بصفائح الذهب الإبريز من داخله ومن خارجه، واتخذ له طوقا من ~~ذهب يحيط به، وضع له أربع حلقات من ذهب وسمرها في أربع زوايا التابوت ~~حلقتين في شق واحد وحلقتين في الجانب الآخر، واتخذ أصطارا من خشب الشمشاد ~~وصفحها بالذهب، وصير الأصطار في الحلق في جانبي التابوت ليحل بها، وليكن ~~الأصطار في حلق التابوت ولا ينزع منها، وتضع الشهادة التي أعطيك في ~~التابوت، وسمي هذا تابوت الشهادة، واتخذ كروبين أي شخصين من ذهب اتخذهما ~~مفرعين مصبوبين فيكونا على جانبي التطهير # PageV01P439 # وتكون أجنحة الكروبين مبسوطة تظل من فوق فتظل بأكنافها على التطهير، ~~وليكن وجه كل واحد منهما إزاء صاحبه وليكن وجها الكروبين من فوق التطهير؛ ~~وقال: واتخذ دارا للقبة من مهب الجنوب واستمر يصف له عمل هذه القبة ~~وأعمدتها وستورها وآلاتها وخدمها وما يقرب فيها ومحل ضربها من العسكر وعلى ~~أي كيفية في نحو خمس عشرة ورقة وسماها قبة الزمان، ثم أمره تعالى في آخر ~~هذا السفر الثاني بأشياء مما يتصل بأمتعها وسرادقاتها وغير ذلك في أزيد من ~~عشر ورقات كما سيأتي؛ وقال في تضاعيف ذلك: وتصير الشهادة التي أعطيك في ~~التابوت وأواعدك إلى هنالك وأكلمك فوق التطهير من بين الكروبين الذين فوق ~~تابوت الشهادة بجميع ما آمرك في بني إسرائيل وقال: ويتخذوا هذا القربان ~~دائما في كل حين في أحقابكم على باب قبة الزمان قدام الرب. # وأواعدكم إلى هناك لأكلمكم وأواعد بني إسرائيل إلى هناك فأتقدس بكرامتي ~~وأحل بين بني إسرائيل فيعلمون أني أنا الرب إلههم الذي أخرجهم من أرض ms0159 مصر، ~~ثم قال: فليؤد المرء منهم الزكاة عن نفسه إذا عددتهم لكيلا ينزل بهم ~~الوباء، ثم ذكر له تفاصيل ما يؤدى وأن الزكاة على الغني والمسكين، وكلم ~~الرب موسى وقال له: اعلم أني قد انتخبت بصليال بن أوري بن حور من سبط يهودا ~~وأسبغت عليه روح الله وملأته من الحكمة والعلم في كل علم ليعلم الصناعات في # PageV01P440 # عمل آنية الذهب والفضة والنحاس وفي رندجة الحجارة ونظمها وكمالها وفي ~~تجارة الخشب ليعمل كل عمل وقد ضممت إليه آليهب بن اخسمخ من سبط دان وأحللت ~~الحكمة والفهم في قلوب ذوي الحكمة والعقل ليعملوا جميع ما أمرتك به من عمل ~~قبة الأمد وتابوت الشهادة والتطهير الذي فوقها وجميع متاع قبة المائدة ~~وجميع متاعها والمنارة وجميع آنيتها ومذبح البخور ومذبح القرابين وجميع ~~آنيتهما والسطل وأسفله ولباس النضائد ولباس القدس لهارون الكاهن يعني ~~الإمام وكسوة بنيه ليكهنوا ودهن المسح وبخور الطيب للقدس فليعملوا جميع ما ~~أمرتك به - إلى أن قال: ودفع إلى موسى: لما فرغ من كلامه له في طور سيناء ~~لوحي الشهادة لوحي حجارة مكتوب عليهما بيد الله، فرأى الشعب أن موسى قد ~~أبطأ عن النزول من الجبل فاجتمع الشعب يعني وقالوا: نتخذ لنا آلهة تسير ~~أمامنا، لأن الرجل موسى الذي أخرجنا من أرض مصر لا علم لنا ما صار من أمره ~~- فذكر اتخاذهم العجل وأنهم ذبحوا له الذبائح وجلسوا يأكلون ويشربون وقاموا ~~يلعبون ويتسافهون وأن هارون عليه السلام ذعر من ذلك وفزع. # PageV01P441 # وإنما لم أسق نص التوراة عن هذا بلفظه لأن في أول عبارته ما رأيته غضا ~~بالنسبة إلى مقام هارون عليه السلام وحاشاه مما يوهم نقصا فجوزت أن يكون ~~مما بدلوه ثم تأملت ما رواه النسائي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن جرير عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما في حديث الفتون فوجدته ليس بعيدا من تأويله وقد ~~ذكرت محل الحاجة منه في سورة طه والله الموفق؛ ثم قال فقال الرب لموسى: ~~اهبط من ههنا لأن شعبك الذين أخرجتهم من أرض مصر ms0160 أفسدوا سيرتهم وصدوا وشيكا ~~عن الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه فاتخذوا لهم عجلا مفترغا وسجدوا له بين ~~يديه وذبحوا له الذبائح وقالوا: هذا إلهك يا إسرائيل الذي أخرجك من أرض ~~مصر، وقال الرب لموسى: إني قد رأيت هذا الشعب قاسية قلوبهم فدعني الآن ~~فيشتد غضبي عليهم فأقتلهم وأبيدهم وأصيرك إلى شعب عظيم، فصلى موسى بين يدي ~~الإله وقال: كلا يا رب! لا يشتد غضبك على شعبك الذين أخرجتم من مصر بقوتك ~~المنيعة وبذراعك العلية الرفيعة ولا يقول أهل مصر: إنك إنما أخرجتهم ~~لهلاكهم لتقتلهم بين الجبال وتستأصل شأفتهم وتبيد خضراءهم عن جديد الأرض يا ~~رب ليسكن غضبك ورجزك واغفر ذنب شعبك اذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب عبيدك ~~والأيمان التي أقسمت بها لهم وقلت: إني مكثر نسلكم # PageV01P442 # مثل نجوم السماء وجميع الأرض التي وعدت بها نسلهم أن تعطيهموها فيرثوها ~~إلى الأبد؛ فعفا الرب عن شعبه ولم ينزل بهم الشر، فنزل موسى وهبط من الجبل ~~ولوحا الشهادة في يده لوحان كتب عليهما في الوجهين جميعا واللوحان من عمل ~~الله جل ثناؤه وخط الله مكتوب عليهما، فلما دنا من العسكر نظر العجل ~~والصنوج فاشتد غضب موسى فرمى باللوحين من يده فكسرهما في سفح الجبل، ثم أخذ ~~العجل الذي اتخذوه فأحرقه بالنار وسحله بالمبرد حتى صيره مثل التراب ونثر ~~سحالته على وجه الماء، فوقف موسى على الباب قبة الزمان وقال: من كان من حزب ~~الله فليقل إلي، فانحاز إليه بنو لاوى بأجمعهم فقال لهم موسى: هكذا يقول ~~الرب إله إسرائيل ليتقلد المرء منكم سيفه وجوزوا من باب إلى باب وجولوا ~~العسكر وليقتل المرء منكم أخاه وصاحبه وقرابته، فصنع بنو لاوى كما أمرهم ~~موسى، فقتل من الشعب في ذلك اليوم نحو من ثلاثة آلاف رجل فقال لهم موسى: ~~كفوا أيديكم يومكم هذا من الحمية للرب لتحل عليكم البركة يومنا هذا، فلما ~~كان الغد من ذلك اليوم قال موسى للشعب: أنتم خطئتم وارتكبتم هذه الخطيئة ~~العظيمة! فأما الآن فإني أصعد إلى الرب لعله أن يغفر لكم ذنوبكم ms0161 وإثمكم، ~~فرجع # PageV01P443 # موسى إلى الرب وقال: أطلب إليك بالتضرع اللهم ربي حقا لقد أخطأ هذا الشعب ~~وارتكب إثما عظيما واتخذوا آلهة من ذهب، فالآن إن أنت غفرت خطاياهم وإلا ~~فامحني من سفرك الذي كتبت، فقال الرب: أنا أمحو من سفري من أخطأ وأذنب، ~~فأما الآن فانطلق بهذا الشعب إلى الموضع الذي أقول لك وهذا ملاكي ينطلق ~~أمامك إلى الأرض التي تغل السمن والعسل، لأني لا أصعد معكم؛ لأنهم شعب ~~قاسية رقابهم ولعل غضبي أن يشتد عليهم فأقتلهم في الطريق، فسمع الشعب هذا ~~القول الفظيع فحزنوا، فلم يتسلح المرء منهم بسلاحه، فأخذ موسى خيمته فنصبها ~~خارجا من العسكر وأبعدها من المحلة وسماها قبة الزمان، وكان من سأل الرب ~~أمرا يخرج إلى قبة الزمان، وكان إذا خرج موسى إلى قبة الزمان كان جميع ~~الشعب يقفون ويستعد كل امرىء منهم على باب خيمته ينظرون إلى موسى من خلفه ~~حتى يدخل إلى القبة، وإذا دخل موسى إلى القبة كان ينزل عمود السحاب فيقف ~~على باب القبة ويكلم موسى، وكان جميع الشعب ينظرون إلى عمود السحاب واقفا ~~على باب القبة وكان يقف جميع الشعب ويصلي كل امرىء منهم على باب خيمته، ~~وكلم الرب موسى مواجهة كما يكلم المرء أخاه وصاحبه، وكان يرجع إلى العسكر ~~وكان خادمه يشوع بن نون الغلام لم يكن # PageV01P444 # يفارق القبة، وقال موسى للرب: أنت يا رب أمرتني أن أصعد بهذا الشعب ولم ~~تطلعني على من ترسل معي وقلت: إني قد أطلعتك على جميع خلائقي ومجدي وظفرت ~~أيضا مني برحمة ورأفة، فالآن إن كنت قد ظفرت منك برحمة ورأفة فأرني طريقك ~~حتى أعرفك، فقال الرب لموسى: سر أمامي فأواعدك وأريحك، فقال له: إن أنت لم ~~تصعد بيننا فلا تصعدنا من ههنا، فبماذا يعرف أني قد ظفرت منك برحمة ورأقة ~~أنا وشعبك إلا إذا سرت بيننا فنكون أنا وشعبك منفصلين معروفين من جميع ~~الشعوب الذين على وجه الأرض، فقال الرب لموسى: إني فاعل ما سألت، لأنك ظفرت ~~مني برحمة ورأقة، وأصير اسمك معروفا ms0162 شهيرا إلى الأبد، فقال له: أرني مجدك، ~~فقال: أنا أجيز جميع مجدي وكرامتي بين يديك ويذكر اسم الرب أمامك وأتحنن ~~على من أردت التحنن عليه وأرحم من أردت أرحم، وقال: إنك لا تقدر على النظر ~~إلى وجهي، لأنه لا يراني بشري فيحيا، وقال الرب لموسى: انقر لوحي حجارة مثل ~~اللوحين الأولين اللذين كسرتهما وكن مستعدا بالغداة واصعد باكرا إلى الجبل ~~جبل سيناء وقف هنالك على رأس الجبل، ولا يصعدن أحد معك، ولا يرى أحد في ~~جميع الجبل، ولا ترتعي الغنم والبقر قبالة ذلك الجبل، فنقر موسى لوحين ~~آخرين من حجارة مثل الأولين وغدا باكرا فصعد إلى طور سيناء كما أمره الرب ~~وأخذ اللوحين في يده فنزل # PageV01P445 # استعلان الرب أمامه، فقال موسى: يا رب! اللهم ربي الرؤوف الرحيم الطويل ~~الأناة والمهل الكبير نعمته وقسطه حافظ النعمة والعدل إلى ألف حقب وتغفر ~~الذنوب والإثم والخطايا، فاستعجل موسى فخر على وجهه على الأرض ساجدا وقال: ~~إن ظفرت يا رب منك برحمة ورأفة فليسلك الرب الآن بيننا. # لأن هذا الشعب هو شعب قاسية رقابهم، واغفر ذنوبنا وخطايانا وخبث نياتنا؛ ~~فقال له: ها أنا ذا أعهد عهدا أمام جميع الشعب وأظهر عجائب لم أظهر مثلها ~~في الأرض كلها وفي جميع الشعوب فيرى ذلك جميع هذا الشعب الذي أنت فيه فعل ~~الرب الذي أمرك به أنه مخوف مرهوب، احتفظ بما آمرك به في هذا اليوم، ها أنا ~~ذا أقبل وأبيد من بين يديك من الكنعانيين - وسمى من تقدم، وكرر النهي عن ~~السجود لغيره سبحانه، وأوصى بأشياء منها الفطير فقال: واحتفظ بعيد الفطير ~~سبعة أيام كما أمرتك في أوان شهر الفقاج - وفي نسخة: الفريك - لأنك إنما ~~خرجت من مصر في شهر الفقاج، ثم قال: فمكث هناك عند الرب أربعين يوما ~~ولياليها لم يأكل طعاما ولم يشرب شرابا، وكتب الله على لوحي الحجارة كلام ~~العهد وهو العشر الآيات، فلما هبط موسى من جبل سيناء كان لوحا الشهادة في ~~يده ولم يعلم موسى أن بشرة وجهه قد جللت بالبهاء ms0163 إذ كلمه الله فنظر هارون ~~وجميع بني إسرائيل إلى وجه موسى ففزعوا أن يقتربوا # PageV01P446 # إليه، فدعاهم فأتاه هارون وجميع عظماء الجماعة وكلمهم موسى، فلما فرغ من ~~كلامه لهم بسط على وجهه جلبابا وكان إذا دخل إلى الرب ليكلمه يسفر عن وجهه ~~حتى يخرج، وكان يخرج فيأمر بني إسرائيل بما يؤمر به، وقال لهم: إن الرب أمر ~~أن تعمل عملك ستة أيام واليوم السابع يكون مخصوصا مقدسا، السبت يوم راحة ~~قدس الرب، ومن عمل فيه عملا فليقتل، ولا تشعلوا النار في جميع مساكنكم يوم ~~السبت، ثم أمرهم تعالى بالزكاة من الذهب والفضة والنحاس والقز والجلود وغير ~~ذلك وبأشياء يزيدونها في قبة الزمان في أكثر من عشر ورقات، وقال في آخر ~~ذلك: وقال الرب لموسى: أنصب قبة الزمان في أول يوم من الشهر الأول؛ وصير ~~تابوت الشهادة هنالك، وأسبل الجلال على التابوت - إلى أن قال: وادن بهارون ~~وبنيه إلى باب قبة الأمد واغسلهم بالماء، والبس هارون لباس القدس وامسحه ~~فليكهن لي، وادن بنيه وألبسهم السراويل وامسحهم كما مسحت هارون أخاك ~~فليكهنوا لي، وليكن لهم مسحهم للكهنوت إلى الأبد لأحقابهم، فصنع موسى كما ~~أمره الله، فلما كان أول يوم من الشهر الأول من السنة الثانية نصب القبة ~~يوم الأحد وضرب أوتادها وركب ألواحها # PageV01P447 # وزرفن عوابرها وركز أعمدتها وستر الستر على القبة وجللها من فوقها كما ~~أمر الرب، وتناول الشهادة فوضعها في التابوت، وصير الدهوق في التابوت، ووضع ~~التطهير على التابوت من فوق، وأدخل التابوت إلى القبة، وأخذ حجاب وجه الباب ~~فجلل تابوت الشهادة كما أمر الرب، ونصب المنارة عند حافات القبة مما يلي ~~مهب الشمال خارجا من الحجاب، ونضد عليها صفوف الخبز بين يدي الرب كما أمر ~~الرب موسى، ونصب المنارة إزاء المائدة في حافات القبة مما يلي مهب الجنوب، ~~ودلوا مصابيحها قدام الرب كما أمر الرب موسى، ونصب مذبح الذهب في قبة ~~الزمان خارجا من الحجاب، وبخر عليه بخور الطيب كما أمر الرب، وأسبل الستر ~~على باب القبة، ونصب مذبح القرابين على ms0164 الباب، وقرب عليه القرابين كما أمر ~~الرب، ووضع السطل بين قبة الزمان والمذبح وسكب عليه ماء الغسل، وكان هارون ~~وبنوه يغسلون أيديهم وأقدامهم إذا أرادوا الدخول إلى قبة الزمان، وكانوا ~~إذا دنوا من المذبح يغسلون أيضا كما أمر الرب موسى، ونصب دارا تحيط بالقبة ~~والمذبح، وأسبل الستر على باب الدار، وكمل موسى عملها؛ وتغشت السحابة قبة ~~الزمان وامتلأت القبة مجد الرب وكرامته، ولم يقدر موسى على الدخول إلى قبة ~~الزمان، لأن السحاب حلت عليها. # PageV01P448 # وامتلأت القبة مجد الرب وكرامته. فكان إذا ارتفع السحاب عن القبة كان بنو ~~إسرائيل يظعنون في جميع مظاعنهم، وإن لم ترتفع الغمامة لم يظعنوا إلي اليوم ~~الذي ترتفع فيه، لأن سحاب الرب كان يغشى القبة بالنهار وكانت النار تضيء ~~عليها بالليل وتزهر وتنير أمام جميع بني إسرائيل في جميع مظاعنهم. وقال في ~~أول السفر الرابع: أمر الله بإحصاء بني إسرائيل فكانوا من أبناء عشرين سنة ~~إلى ما فوقها، من خرج منهم للحرب في الأجناد ستمائة ألف وثلاثة آلاف ~~وخمسمائة وخمسين دون سبط لاوى، فإنهم لحفظ قبة الزمان وخدمتها، وتكون ~~منازلهم حولها محدقة بها، وهم من ابن شهر إلى ما فوقه اثنان وعشرون ألفا، ~~ثم قال: وكلم الرب موسى وقال له: إذا أتى على الرجل من اللاويين خمسة ~~وعشرون سنة يتقوى على أن يعمل العمل في قبة الزمان، فإذا أتت عليه خمسون ~~سنة يخرج من العمل ولا يعمل عملا في قبة الآمد، وكان ينزل بنو إسرائيل حول ~~بني لاوى بإنزال الله تعالى لهم، كل له محل من القبة على الاستدارة، وكان ~~ينزل من مشارقها موسى وهارون وبنوه ليحفظوا حفاظ القدس والقرابين على بني ~~إسرائيل ومن دنا من قبة الزمان وأعمالها من الغرباء يؤمر بقتله، فقد علم من ~~هذا ومما قبله من أن كلا يصلي على باب خيمته أن قبلتهم وهم في التيه قبة ~~الزمان، وفي اليوم الذي نصب فيه الخباء أي في قبة الزمان تغشت سحابة من عند ~~الرب قبة الزمان وحجاب باب الشهادة وكانوا يرون # PageV01P449 # في ms0165 الخباء عند المساء نارا تتوقد إلى الصباح، كذلك كان يكون في الخباء ~~دائما وكانت تغشاه سحابة بالنهار وترى فيه نار بالليل، فإذا ارتفعت السحابة ~~عن القبة ارتحل بنو إسرائيل من مواضعهم وحيث ما نزلت السحابة هناك كان ينزل ~~بنو إسرائيل، وإنما كان ارتحال بني إسرائيل عن قول الرب وبأمره، فربما مكثت ~~السحابة على القبة من المساء حتى الصباح وترتفع بعد الصبح فيرتحلون، وربما ~~مكثت الليل والنهار وربما مكثت أياما وأشهرا وربما مكثت سنة، وكلم الرب ~~موسى وقال له: اتخذ قرنين من قضة يكونان عند حضور الجماعة وارتحال العسكر ~~يهتف بهما الكهنة، فتحشد إليك جماعة بني إسرائيل أجمعون إلى باب قبة ~~الزمان، وإن نفخ في واحد اجتمع إليك القواد ورؤساء الألوف، ولما كان في ~~السنة الثانية في عشر خلون من الشهر الثاني ارتفعت السحابة عن قبة الشهادة، ~~وارتحل بنو إسرائيل من برية سيناء. # ونزلت السحابة في قفر فاران، ثم قال: وارتحلوا من عند جبل الرب مسيرة ~~ثلاثة أيام، فأما تابوت عهد الرب فظعن قبلهم مسيرة يوم ليهيء منزلا، وكانت ~~تظلهم سحابة من قبل الرب إذا ارتحلوا لئلا تؤذيهم حرارة الشمس، فلما ارتحل # PageV01P450 # حاملوا التابوت قال موسى: انهض إلينا يا رب لينكسر شانئك ويبيد أعداؤك من ~~بين يديك، وإذا نزل حملة التابوت قال: أقبل يا رب إلي ألوف بني إسرائيل، ~~فتذمر الشعب وساء الرب ذلك وغضب وسمع توشوشهم فاشتد غضبه عليهم واشتعلت ~~فيهم نار من قبل الرب، فأحرقت الذي في أطراف العسكر وحوله، وضج الشعب على ~~موسى فصلى موسى أمام الرب وخمدت النار، ودعا اسم ذلك الموضع الاحتراق، لأن ~~نار الرب اشتعلت فيهم وأحرقتهم هناك، واشتهى الخلط الذين كانوا فيهم من ~~الشعوب شهوة وأقبلوا على بني إسرائيل وقالوا: ليت أنا وجدنا من يطعمنا ~~لحما! ذكرنا السمك الذي كنا نأكله بمصر وأكلنا القثاء والبطيخ والكراث ~~والبصل والثوم والآن أنفسنا قرمة - أي يابسة - لا تقدر على شيء نأكله ما ~~خلا هذا المن الذي قدام أعيننا، وسمع موسى الشعب يبكون في قبائلهم، كل ~~إنسان على ms0166 باب خيمته، واشتد غضب الرب، وشق ذلك على موسى أيضا، ثم قال من ~~أين أقدر أعطي هذه الأمة كلها لحما؟ إنها تبكي علي وتقول: أعطنا # PageV01P451 # لحما، لست أقدر أحتمل هذه الأمة كلها وحدي، لأنها أقوى مني، إن كان فعلك ~~هذا بي فاقتلني قتلا إن وافيت منك رحمة ولا أعاين شرا ولا أرى سوء. # فقال الرب لموسى: اجمع سبعين شيخا من أشياخ بني إسرائيل الذين تعلم أنهم ~~رؤساء الشعب وكتابه وانطلق بهم إلى قبة الزمان فإني أنزل إليك وأكلمك هناك ~~وأنقص من عطية الروح التي عليك وأصيره عليهم ليحملوا أثقل هذا الشعب ولا ~~يتركوك وحدك، ثم قال موسى للشعب: تهيؤوا غدا لتأكلوا لحما، لأنكم بكيتم ~~أمام الرب وقلتم: ليت من يطعمنا لحما! وإن الموت بأرض مصر خير لنا، ~~فسيعطيكم الرب لحما وليس إنما تأكلون منه يوما أو يومين بل تأكلون منه شهرا ~~حتى يخرج من أنوفكم وتصيبكم منه تخمة، وجمع سبعين شيخا من مشايخ الشعب ~~وأقامهم حول الخباء، ونزل الرب سبحانه وكلمه وأخذ من الروح الذي عليه وصيره ~~على السبعين، ودخل موسى العسكر هو وأشياخ بني إسرائيل، وهبت ريح من قبل ~~الرب وأصعدت السلوى من البحور وألقته على العسكر ومسيرة يوم يمنة ويسرة حول # PageV01P452 # العسكر وكان مرتفعا من الأرض نحو ذراعين، وجمعوا ونشروا حول العسكر ليكون ~~لهم قديدا، فبينا اللحم بين أسنانهم قبل أن ينقلع اشتد غضب الرب عليهم وضرب ~~الشعب ضربة عظيمة جدا ودعا اسم ذلك الموضع قبور الشهوة، وارتحل الشعب من ~~قبور الشهوة فأتوا حصروث ونزلوها، وذكر أنهم مكثوا هنالك سبعة أيام ثم قال: ~~ثم ارتحل الشعب من حصروث ونزلوا مفازة فاران وكلم الرب موسى وقال له: أرسل ~~قوما يحسبون الأرض التي أعطى بني إسرائيل - فذكر إرسال النقباء الاثني عشر ~~كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المائدة ثم قال: ورجعوا إلى موسى بعد ~~أربعين يوما، فأتوا موسى وهارون وجماعة بني إسرائيل إلى برية فاران إلى ~~رقيم - انتهى شرح ما أشير إليه في هذه السورة من قصص بني ms0167 إسرائيل من ~~التوراة. # ولما بين سبحانه أنهم لما تعنتوا على موسى عليه السلام كما مر ويأتي عن ~~نصوص التوراة مرة بعد مرة أورثهم كفرا في قلوبهم فمردوا على العصيان ~~والتجرؤ على مجاوزة الحدود فضرب عليهم الذلة والمسكنة وأحلهم الغضب، وكان ~~في ذلك تحذير لمن طلب سلوك ذلك الصراط المستقيم من حالهم، وإعلام بأن ~~المتقين المستجاب لهم في الدعاء بالهداية ليسوا في شيء من ذلك بل قالوا: ~~اهدنا، عن يقين وإخلاص متبرئين من الدعاوى والاعتراض على الرسل نبه على أن ~~من عمل ضد عملهم فآمن منهم أو من غيرهم من جميع الملل كان على ضد حالهم عند ~~ربهم فلا يغضب عليهم بل يوفيهم أجورهم ويورثهم الأمن والسرور المتضمنين لضد ~~الذلة والمسكنة # PageV01P453 # فقال تعالى {إن الذين آمنوا} أو يقال إنه سبحانه لما علل إهانة بني ~~إسرائيل بعصيانهم واعتدائهم كان كأنه قيل: فما لمن أطاع؟ فأجيب بجواب عام ~~لهم ولغيرهم، أو يقال إنه لما أخبر تعالى بأنهم ألزموا الخزي طوق الحمامة ~~وكان ذلك ربما أوهم أنه لا خلاص لهم منه وإن تابوا وكانت عادته سبحانه ~~جارية بأنه إذا ذكر وعدا أو عيدا عقبه حكم ضده ليكون الكلام تاما، اعلموا ~~أن باب التوبة مفتوح والرب كريم على وجه عام. # وقال الحرالي: لما أنهى الحق # PageV01P454 # تعالى نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته مما بين أعلى تكرمتهم بالخطاب الأول ~~إلى أدنى الغضب عليهم بهذا النبأ الآخر عنهم إعراضا في مقابلة ذلك الإقبال ~~الأول وكانوا هم أول أهل كتاب أشعر تعالى بهذا الختم أن جميع من بعدهم يكون ~~لهم تبعا لنحو مما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة - انتهى. فقيل {إن ~~الذين آمنوا} أي ادعوا الإيمان بما دعا إليهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~{والذين هادوا} أي ادعوا أنهم على دين موسى عليه السلام. قال الحرالي: وهو ~~من الهود وهو رجوع بالباطن # PageV01P455 # وثبات فيه - انتهى. وقال أبو عمر وابن العلاء لأنهم يتهودون أي يتحركون ~~عند قراءة التوراة ويقولون: إن السماوات والأرض تحركتا حين آتى الله عز وجل ~~التوراة ms0168 لموسى عليه السلام {والنصارى} المدعين أنهم تبعوا المسيح عليه ~~السلام. قال الحرالي: جمع نصران فإن كان من النصرة فهو فعلان. # ولما كانت هذه السورة في استعطاف بني إسرائيل ترغيبا وترهيبا قرن هنا بين ~~فريقيهم، ولما كانت ملة الصابئة جامعة لما تفرق من أصول أديان أهل الشرك ~~تلاهم بهم مريدا كل مشرك فقال {والصابئين} المنكرين للرسالة في الصورة ~~البشرية القائلين بالأوثان السماوية والأصنام # PageV01P456 # الأرضية متوسطين إلى رب الأرباب، قال الحرالي: بالهمز من صبأ يصبأ صبأ ~~وبغير همز من صبا يصبوا صبوا، تعاقبت الهمزة والياء مع الصاد والباء لعام ~~معنى هو عود إلى حال صغر بعد كبر - انتهى. {من آمن} أي منهم بدوامه على ~~الإيمان إن كان آمن قبل ذلك، ودخوله في الإيمان إن كان كافرا فيكون من ~~الاستعمال في الحقيقة والمجاز {بالله} أي لذاته {واليوم الآخر} الذي ~~الإيمان به متضمن للإيمان بجميع الصفات من العلم والقدرة وغيرهما وحاث على ~~كل خير وصاد عن كل ضير {وعمل صالحا} أي وصدق ما ادعاه من الإيمان باتباع ~~شرع الرسول الذي في زمانه في الأعمال الظاهرة ولم يفرق بين أحد من الرسل ~~ولا أخل بشيء من اعتقاد ما جاءت به الكتب من الصلاح. # قال الحرالي: وهو العمل المراعى من الخلل، وأصله الإخلاص في النية وبلوغ ~~الوسع في المحاولة بحسب علم العامل وإحكامه، وقال: والعمل ما دبر بالعلم - ~~انتهى. # PageV01P457 # ولما كان الإفراد أدل على تخصيص كل واحد بما له والجمع أدل على إرادة ~~العموم وأقطع للتعنت أفرد أولا وجمع هنا فقال {فلهم أجرهم} الذي وعدوه على ~~تلك الأعمال المشروطة بالإيمان، وهو في الأصل جعل العامل على عمله، كائنا ~~«عند ربهم» فهو محفوظ لا يخشى عليه نسيان ولا يتوجه إليه تلف {ولا خوف ~~عليهم} من آت يستعلي عليهم من جميع الجهات {ولا هم يحزنون *} على شيء فات ~~بل هم في أعظم السرور بما لهم من العز والجدة ضد ما للمعتدين من الذل ~~والمسكنة، وحسن وضع هذه الآية في أثناء قصصهم أنهم كانوا مأمورين بقتل كل ~~ذكر ممن ms0169 عداهم، وربما أمروا بقتل النساء أيضا، فربما ظن من ذلك أن من آمن ~~من غيرهم لا يقبل. قال في التوراة في قصة # PageV01P458 # مدين: وقتلوا كل ذكر فيها، ثم قال: وغضب موسى فقال لهم: لماذا أبقيتم على ~~الإناث؟ وهن كن عشرة لبني إسرائيل عن قول بلعام ومشورته - يعني بما أفضى ~~إلى الزنا، ثم قال: وقال الرب لموسى: كلم بني إسرائيل وقل لهم: أنتم جائزون ~~الأردن لتهلكوا جميع سكان الأرض ونحو هذا مما لعل بعضه أصرح منه وقد ذكر ~~منه في سورة المائدة، وفي وضعها أيضا في أثناء قصصهم إشارة إلى تكذيبهم في ~~قولهم: {ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] وأن المدار في عصمة ~~الدم والمال إنما هو الإيمان والاستقامة وذلك موجود في نص التوراة في غير ~~موضع، وفيها تهديدهم على المخالفة في ذلك بالذلة والمسكنة، وسيأتي بعض ذلك ~~عند قوله: {لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] الآية، بل وفيها ما يقتضي ~~المنع من مال المخالف في الدين فإنه قال في وسط السفر الثاني: وإذا لقيت ~~ثور عدوك أو حماره وعليه حمولة فارددها إليه، وإذا رأيت حمار عدوك جاثما ~~تحت حمله فهممت أن لا توازره فوازره وساعده، ثم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه ~~فإنه لما ذكر تعالى للمؤمنين هذا الجزاء الذي فخم أمره ترغيبا بإبهامه ~~ونسبته إلى حضرة الرب المحسن بأنواع التربية وأنه لا خوف معه ولا حزن تلاه ~~بأنهم لم يؤمنوا بعد رؤية ما رأوا من باهر الآيات حتى رفع فوقهم الطور ~~وعلموا أنه دافنهم إن عصوا، فكان قبوله من أعظم النعم عليهم، لأن حقه الرد، ~~لأنه كالإيمان عند رؤية البأس لا إيمان بالغيب، # PageV01P459 # ثم ذكر أنه لما أقلع عنهم تولوا عن الحضرة الشريفة إلى حضرات الشيطان ~~فأكرموا المعاصي إشارة إلى أنهم أغلظ الناس أكبادا وأكثرهم جرأة وعنادا لا ~~يرعوون لرهبة ولا يثبتون لرغبة فقال تعالى {وإذ} وأخصر من هذا أن يقال إنه ~~لما قرر سبحانه قوله للعالم العامل المذعن كائنا من كان تلاه بما لليهود من ~~الجلافة الداعية إلى ms0170 النفور عن خلال السعادة التي هي ثمرة للعلم وما له ~~سبحانه من التطول عليهم بإكراههم على ردهم إليه فقال وإذ أي اذكروا يا بني ~~إسرائيل إذ {أخذنا} بما لنا من العظمة {ميثاقكم} بالسمع والطاعة من الوثيقة ~~وهي تثنية العهد تأكيدا كإثباته بالكتاب - قاله الحرالي. # {ورفعنا} ولما كان الجبل قد صار فوقهم كالظلة عاما لهم بحيث إنه إذا وقع ~~عليهم لم يفلت منهم إنسان نزع الجار فقال {وفوقكم الطور} # PageV01P460 # ترهيبا لكم لتقبلوا الميثاق الذي هو سبب سعادتكم، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه كل جبل ينبت، وكل جبل لا ينبت فليس بطور، وقلنا لكم وهو مظل ~~فوقكم {وخذوا ما آتيناكم} من الكتاب للسعادة بطاعتي والتزام أحكامي الموجبة ~~للكون في حضرتي «بقوة» أي بجد واجتهاد، والقوة باطن القدرة، من القوى وهي ~~طاقات الحبل التي يمتن بها ويؤمن انقطاعه - قاله الحرالي. {واذكروا ما فيه} ~~من التمسك به وللانتقال عنه عند مجيء الناسخ المنعوت فيه ذكرا يكون بالقلب ~~فكرا وباللسان ذكرا {لعلكم # PageV01P461 # تتقون *} أي لتكونوا على رجاء من أن تتقوا موجبات السخط. ولما كان ~~التقدير: فأخذتم ذلك وأوثقتم العهد به خوفا من أن يدفنكم بالجبل عطف عليه ~~وأشار إلى أنه من حقه البعد عن تركه بأداة البعد. # PageV01P462 # قوله: {ثم توليتم} والتولي قال الأصفهاني: أصله الإعراض عن الشيء بالجسم، ~~ثم استعمل في الإعراض عن الأمر والدين - انتهى. وهو هنا الإعراض المتكلف ~~بما يفهمه التفعل - قاله الحرالي. وذلك لأن النفوس إذا توطنت على أمر الله ~~فرأت محاسنه فرجعت بذلك إلى نحو من الفطر الأولى لم ترجع عنه إلا بمنازعة ~~من الهوى شديدة. # PageV01P462 # ولما كان توليهم لم يستغرق زمن البعد أدخل الجار فقال: {من بعد ذلك} أي ~~التأكيد العظيم عن الوفاء به {فلولا} أي فتسبب عن توليكم أنه لولا {فضل ~~الله} أي الذي له الجلال والإكرام مستعل {عليكم ورحمته} بالعفو والتوبة ~~والإكرام بالهداية والنصر على الأعداء {ولكنتم من الخاسرين *} بالعقوبة ~~وتأبد الغضب، وأيضا فلما # PageV01P463 # كان يمكنهم أن يدعوا الإيمان والعمل الصالح عقبت تلك بآية الميثاق إشارة ms0171 ~~إلى أنه ليس المنجي الإيمان في الجملة بل الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به ~~الميثاق إشارة إلى أنه ليس المنجي الإيمان في الجملة بل الإيمان بجميع ما ~~أخذ عليهم به الميثاق، وهو جميع ما آتاهم في التوراة إيمانا مصحوبا بالقوة، ~~ومما آتاهم صفة عيسى ومحمد عليهما السلام والأمر باتباعهما، فهو مما أخذ ~~عليهم به العهد وقد كفروا به فلم يصح لهم إيمان ولا عمل، لأن التفرقة بين ~~ما أتى منه سبحانه زنذقة. # ثم جاءت قصة المعتدين في السبت مؤكدة لذلك إذ كان حاصلها أنهم لما ضيعوا ~~أمرا واحدا من أوامره واستخفوا به وهو تحريم السبت عذبهم بعذاب لم يعذب به ~~أحدا من العالمين فقال: ولقد وأقرب من ذلك أن يقال إنه سبحانه لما ذكرهم ~~بنعمة العفو الحافظ لهم من الخسران قرعهم بحلافة أخرى لهم خذل بها فريقا ~~منهم حتى غلبهم الخسران فما ضروا إلا أنفسهم مقسما على أنهم بها عالمون ~~ولها مستحضرون فقال تعالى عاطفا على ما تقديره: لقد علمتم جميع ذلك من ~~عهودنا وما ذكرنا من الإيقاع بمن نقض من شديد وعيدنا ومن التهديد على ذلك ~~بضرب الذلة وما تبعها من أنواع النكال و {لقد} أي وعزتي لقد {علمتم الذين ~~اعتدوا} أي تعمدوا العدوان {منكم في السبت} بأن استحلوه وأصل السبت القطع ~~للعمل ونحوه {فقلنا} أي فتسبب عن اعتدائهم أن قلنا بما لنا من العظمة. « # PageV01P464 # لهم كونوا» بإرادتنا {قردة خاسئين *} أي صاغرين مطرودين جمع خاسىء من ~~الخسىء وهو طرد بكره واستخباث، وسبب ذلك أن الله تعالى أمرهم بيوم الجمعة ~~فأبوا إلا السبت، فألزمهم الله إياه وجعله لهم محنة وحرم عليهم فيه العمل، ~~فاصطادوا على تهيب وخوف من العقوبة، فلما طال زمن عفوه عنهم وحمله سبحانه ~~فتجاهروا بالمعصية مسخ منهم من عصى بالمباشرة ومن سكت عن النهي عن المنكر ~~{فجعلناها} أي فتسبب عن قولنا إنهم كانوا قردة كما قلنا، فجعلنا هذه ~~العقوبة {نكالا} أي قيدا مانعا {لما بين يديها} من المعاصي من أهل عالمها ~~الشاهدين لها {وما خلفها} ممن جاء ms0172 بعدهم، روي معناه عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، # PageV01P465 # والنكال إبداء العقوبة لمن يتعظ بها، واليد ما به تظهر أعيان الأشياء ~~وصورها أعلاها وأدناها، فلذلك ثنيت لأنها يد عليا هي اليمنى ويد دنيا هي ~~اليسرى، والخلف ما يخلفه المتوجه في توجهه فينطمس عن حواس إقباله شهوده - ~~قاله الحرالي. # وقال {وموعظة} من الوعظ وهو دعوة الأشياء بما فيها من العبرة للانقياد ~~للإله الحق بما يخوفها في مقابلة التذكير بما يرجيها ويبسطها {للمتقين *} ~~وقد أشعر هذا أن التقوى عصمة من كل محذور وأن النقم تقع في غيرهم وعظا لهم. # ولما بين تعالى قساوتهم في حقوقه عامة ثم خاصة اتبعه بيان جساوتهم في ~~مصالح أنفسهم لينتج أنهم أسفه الناس فقال {وإذ قال موسى لقومه} بني إسرائيل ~~{إن الله} أي الذي له الأمر كله {يأمركم # PageV01P466 # أن تذبحوا بقرة} لتعرفوا بها أمر القتيل الذي أعياكم أمره، وتاؤها ليست ~~للتأنيث الحقيقي بل لأنها واحدة من الجنس فتقع على الذكر والأنثى. ولما كان ~~من حقهم المبادرة إلى الامتثال والشكر فلم يفعلوا بين فظاظتهم على طريق ~~الاستئناف معظما لها بقوله حكاية عنهم {قالوا أتتخذنا هزوا} أي مكان هزء ~~ومهزوءا بنا حين نسألك عن قتيل فتأمرنا بذبح بقرة، فجمعوا إلى ما أشير إليه ~~من إساءتهم سوء الأدب على من ثبتت رسالته بالمعجزة فرد كلامه كفر، فذكرهم ~~بما رأوا منه من العلم بالله المنافي للهزء بأن قال {أعوذ بالله} أي أعتصم ~~بمن لا كفوء له من {أن أكون من الجاهلين *} فإنه لا يستهزىء إلا جاهل، ~~والعوذ اللجاء من # PageV01P467 # متخوف لكاف يكفيه، والجهل التقدم في الأمور المنبهمة بغير علم - قاله ~~الحرالي. {قالوا} تماديا في الغلظة {ادع لنا ربك} أي المحسن إليك فكان ~~تخصيصهم له بالإضافة غاية في الجفاء «يبين» من التبيين وهو اقتطاع الشيء، ~~والمعنى مما يلابسه ويداخله - قاله الحرالي. والمراد المبالغة في البيان ~~بما يفهمه صيغة التفعيل «لنا ما هي» تلك البقرة «قال إنه يقول» . ولما ~~كانوا يتعنتون أكد فقال {إنها بقرة لا فارض} أي مسنة فرضت سنها أي قطعتها ms0173 ~~{ولا بكر} أي فتية صغيرة {عوان} أي نصف وهو خبر مبتدأ محذوف، وبين هذا ~~الخبر بقوله {بين ذلك} أي سني الفارض والبكر {فافعلوا ما تؤمرون *} فإن ~~الاعتراض على من يجب التسليم له كفر فلم يفعلوا بل سألوا بيان اللون بعد ~~بيان السن بأن {قالوا ادع لنا ربك} تماديا في الجفاء بعدم الاعتراف # PageV01P468 # بالإحسان {يبين لنا ما لونها} بعد بيان سنها، واللون تكيف ظاهر الأشياء ~~في العين - قاله الحرالي. # {قال} وأكد لما مضى من تلددهم فقال {إنه يقول} وأكد إشارة إلى مزيد ~~تعنتهم فقال {إنها بقرة صفراء} وأكد شدة صفرتها بالعدول عن فاقعة إلى قوله ~~معبرا باللون {فاقع لونها} أي خالص في صفرته. قال الحرالي: نعت تخليص للون ~~الأصفر بمنزلة قانىء في الأحمر فهي إذن متوسطة اللون بين الأسود والأبيض ~~كما كانت متوسطة السن، {تسر الناظرين *} أي تبهج نفوسهم بأنك إذا نظرت ~~إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها - قاله وهب {قالوا ادع لنا ~~ربك} المحسن إليك بالإجابة في كل ما سألته {يبين لنا ما هي} ثم عللوا ~~تكريرهم لذلك بقولهم {إن البقر} أي الموصوف بما قدمته {تشابه} أي وقع ~~تشابهه {علينا} وذكر الفعل لأن كل جمع حروفه أقل من حروف واحدة فإن العرب ~~تذكره # PageV01P469 # نقل عن سيبويه؛ ثم أدركتهم العناية فقالوا {وإنا إن شاء الله} أي الذي له ~~صفات الكمال وأكدوا لما أوجب توقفهم من ظن عنادهم وقدموا التبرك بالمشية ~~لذلك على خبر إن {لمهتدون} أي إلى المراد فتبركوا بما لا تكون بركة إلا به ~~{قال إنه يقول إنها} أي هذه البقرة التي أطلتم التعنت في أمرها {بقرة لا ~~ذلول} من الذل وهو حسن الانقياد - قاله الحرالي ثم وصف الذلول بقوله {تثير ~~الأرض} أي يتجدد منها إثارتها بالحرث كل وقت من الإثارة قال الحرالي: وهي ~~إظهار الشيء من الثرى، كأنها تخرج الثرى من محتوى اليبس؛ ولما كان الذل ~~وصفا لازما عبر في وصفها بانتفائه بالاسم المبالغ فيه، أي ليس الذل وصفا ~~لازما لها لا أنها بحيث لا يوجد ms0174 منها ذل أصلا، فإنها لو كانت كذلك كانت ~~وحشية لا يقدر عليها أصلا. # PageV01P470 # ولما كان لا يتم وصفها بانتفاء الذل إلا بنفي السقي عنها وكان أمرا يتجدد ~~ليس هو صفة لازمة كالذل عبر فيه بالفعل وأصحبه لا عطفا على الوصف لا على ~~تثير لئلا يفسد المعنى فقال واصفا للبقرة {ولا تسقي الحرث} أي لا يتجدد ~~منها سقيه بالسانية كل وقت، ويجوز أن يكون إثبات لا فيه تنبيها على حذفها ~~قبل تثير، فيكون الفعلان المنفيان تفسيرا على سبيل الاستئناف للاذلول، وحذف ~~لا قبل تثير لئلا يظن أنه معها وصف لذلول فيفسد المعنى، والمراد أنها لم ~~تذلل بحرث ولا سقي ومعلوم من القدرة على ابتياعها وتسلمها للذبح أنها ليست ~~في غاية الإباء كما آذن به الوصف بذلول، كل ذلك لما في التوسط من الجمع ~~لأشتات الخير {مسلمة} أي من العيوب {لا شية} أي علامة # PageV01P471 # {فيها} تخالف لونها بل هي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها {قالوا الآن} أي ~~في هذا الحد من الزمان الكائن الفاصل بين الماضي والآتي {جئت بالحق} أي ~~الأمر الثابت المستقر البين من بيان وصف البقرة فحصلوها {فذبحوها} أي فتسبب ~~عما تقدم كله أنهم ذبحوها {وما كادوا} أي قاربوا قبل هذه المراجعة الأخيرة ~~{يفعلون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم لكنهم ~~شددوا في السؤال فشدد الله عليهم - يعني أنهم كلفوا بالأسهل فشددوا فنسخ ~~بالأشق، وهو دليل جواز النسخ قبل الفعل، أو يقال إنه لما كان السبت إنما ~~وجب عليهم # PageV01P472 # وابتلوا بالتشديد فيه باقتراحهم له وسؤالهم إياه بعد إبائهم للجمعة كما ~~يأتى إن شاء الله تعالى بيانه عند قوله تعالى # {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [النحل: 124] كان أنسب الأشياء ~~تعقيبه بقصة البقرة التي ما شدد عليهم في أمرها إلا لتعنتهم فيه وإبائهم ~~لذبح أي بقرة تيسرت، ويجوز أن يقال إنه لما كان من جملة ما استخفوا به ~~السبت المسارعة إلى إزهاق ما لا يحصى من الأرواح الممنوعين منها من الحيتان ~~وكان في قصة البقرة ms0175 التعنت والتباطؤ عن إزهاق نفس واحدة أمروا بها تلاه ~~بها، ومن أحاسن المناسبات أن في كل من آيتي القردة والبقرة تبديل حال ~~الإنسان بمخالطة لحم بعض الحيوانات العجم، ففي الأولى إخراسه بعد نطقه بلحم ~~السمك، وفي الثانية إنطاقه بعد خرسه بالموت بلحم البقر، ولعل تخصيص لحم ~~البقر بهذا الأمر لإيقاظهم من رقدتهم وتنبيههم من غفلتهم عن عظيم قدرة الله ~~تعالى لينزع من قلوبهم التعجب من خوار العجل الذي عبدوه. وقال الإمام أبو ~~الحسن الحرالي: وفي ذلك تشام بين أحوالهم في اتخاذهم العجل وفي طلبهم ذلك، ~~وفي كل ذلك مناسبة بين طباعهم وطباع البقرة المخلوقة للكد وعمل الأرض التي ~~معها التعب والذل والتصرف فيما هو من الدنيا توغلا فيها وفيه نسمة مطلبهم ~~ما تنبت الأرض الذي هو # PageV01P473 # أثر الحرث - يعني الذي أبدلوا الحطة به وهو حبة في شعرة، فكأنهم بذلك ~~أرضيون ترابيون لا تسمو طباع أكثرهم إلى الأمور الروحانية العلوية، فإن ~~جبلة كل نفس تناسب ما تنزع إليه وتلهج به من أنواع الحيوان {جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا} [الشورى: 11]- انتهى. ولما قسمت القصة ~~شطرين تنبيها على النعمتين: نعمة العفو عن التوقف عن الأمر ونعمة البيان ~~للقاتل بالأمر الخارق، وتنبيها على أن لهم بذلك تقريعين: أحدهما بإساءة ~~الأدب في الرمي بالاستهزاء والتوقف عن الامتثال والثاني على قتل النفس وما ~~تبعه، ولو رتبت ترتيبها في الوجود لم يحصل ذلك، وقدم الشطر الأنسب لقصة ~~السبت اتبعه الآخر. # PageV01P474 # وقال الحرالي: قدم نبأ قول موسى عليه السلام على ذكر تدارئهم في القتيل ~~ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع الذي هو القائم على أفعال الاعتداء ~~وأقوال الخصومة - انتهى. # فقال تعالى {وإذ} أي واذكروا إذ، وأسند القتل إلى الكل والقاتل واحد لأن ~~ذلك عادة العرب، لأن عادة القبيلة المدافعة عن أحدهم فقال {قتلهم نفسا} ~~فأقبل عليهم بالخطاب توبيخا لهم وإشارة إلى أن الموجودين منهم راضون بما ~~مضى من أسلافهم وأن من ود شيئا كان من عملته. # ولما كانوا قد أنكروا القتل سبب عنه قوله مشيرا ms0176 إلى إخفائه بالإدغام ~~{فادارأتم فيها} أي تدافعتم فكان كل فريق منكم يرد القتل إلى الآخر فكان ~~لكم بذلك ثلاثة آثام: إثم الكبيرة وإثم الإصرار # PageV01P475 # وإثم الافتراء بالدفع؛ قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة، ~~كأنه يشير إلى ما أذكره عنها قريبا. # ولما كان فعلهم في المدارة فعل غافل عن إحاطة علم الخالق سبحانه قال يحكي ~~حالهم إذ ذاك {والله} أي والحال أن الذي له الأمر كله {مخرج} بلطيف صنعه ~~وعظيم شأنه {وما كنتم تكتمون *} وفي تقديمه أيضا زيادة تبكيت لهم بتوقفهم ~~في ذبح بقرة أمروا بذبحها لمصلحة لهم عظيمة بعد مبادرة بعضهم إلى قتل إنسان ~~مثله بعد النهي الشديد عنه وقال منبها بالالتفات إلى أسلوب العظمة على ما ~~في الفعل المأمور به منها {فقلنا} أي بما لنا من العظمة {اضربوه} # PageV01P476 # وأضمر ذكر البقرة ولم يظهر دلالة على اتحاد هذا الشق الأول من القصة الذي ~~جعل ثانيا بالشق الذي قبله في أنهما قصة واحدة فقال {ببعضها} قال الإمام ~~أبو علي الفارسي في كتاب الحجة: قلنا اضربوا المقتول ببعض البقرة فضربوه به ~~فحيي، يعني والدليل على هذا المحذوف قوله {كذلك} أي مثل هذا الإحياء العظيم ~~على هذه الهيئة الغريبة {يحيي الله} أي الذي له صفات الكمال {الموتى} مثل ~~هذا الإحياء الذي عوين وشوهد - انتهى. روي أنهم لما ضربوه قام وقال: قتلني ~~فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتا فأخدا وقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك؛ وهذه ~~الخارقة كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم ذراع الشاة المسمومة بأنه مسموم ~~لما سمته اليهودية التي كانت في قومها هذه الآية، وجعل هذا التنبيه على ~~البعث في قصصهم، لأنه من أعظم الأدلة عليه، وقد وقع منهم ما ساغ معه عدهم ~~منكرين وهو قولهم للمشركين: دينكم خير من دين محمد، أو أن هذا تنبيه مقصود ~~به حث العرب على سؤال من # PageV01P477 # استنصحوهم في السؤال عن النبي صلى الله عليه وسلم لكونهم أهل العلم ~~الأول، فهو ملزم لهم باعتقاد البعث أو اعتقاد كذب اليهود، وعبر بالاسم ms0177 ~~العلم لأن الإحياء من أخص الآيات بصفة الإلهية كما أن الإرزاق أخص الآيات ~~بالربوبية {ويريكم آياته} فيما يشهد بصحته {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا ~~برؤية تلك الآيات الشاهدة له على رجاء من أن يحصل لكم عقل فيرشدكم إلى ~~اعتقاد البعث وغيره مما تخبر به الرسل عن الله تعالى. # PageV01P478 # ولما كان حصول المعصية منهم بعد رؤية هذه الخارقة مستبعد # PageV01P478 # التصور فضلا عن الوقوع أشار إليه بقوله {ثم قست} من القسوة وهي اشتداد ~~التصلب والتحجر {قلوبكم} ولما كانت لهم حالات يطيعون فيها أتى بالجار فقال ~~{من بعد ذلك} أي من بعدما تقدم وصفه من الخوارق في المراجعات وغيرها تذكيرا ~~لهم بطول إمهاله لهم سبحانه # PageV01P479 # مع توالي كفرهم وعنادهم، وتحذيرا من مثل ما أحل بأهل السبت {فهي} أي ~~فتسبب عن قسوتها أن كانت {كالحجارة} التي هي أبعد الأشياء عن حالها، فإن ~~القلب أحيى حي والحجر أجمد جامد، ولم يشبهها بالحديد لما فيه من المنافع، ~~ولأنه قد يلين. # ولما كانت القلوب بالنظر إلى حياتها ألين لين وبالنظر إلى ثباتها على ~~حالة أصلب شيء كانت بحيث تحير الناظر في أمرها فقال {أو} قال الحرالي: هي ~~كلمة تدل على بهم الأمر وخفيته فيقع الإبهام والإيهام - انتهى. # PageV01P480 # وهذا الإبهام بالنسبة إلى الرائين لهم من الآدميين، وأما الله تعالى فهو ~~العالم بكل شيء قبل خلقه كعلمه به بعد خلقه وزاد أشد مع صحة بناء أفعل من ~~قسى للدلالة على فرط القسوة فقال {أشد قسوة} لأنها لا تلين لما حقه أن ~~يلينها والحجر يلين لما حقه أن يلينه وكل وصف للحي يشابه به ما دونه أقبح ~~فيه مما دونه من حيث إن الحي مهيأ لضد تلك المشابهة بالإدراك. # ولما كان التقدير فإن الحجارة تنفعل بالمزاولة عطف عليه مشيرا إلى مزيد ~~قسوتهم وجلافتهم بالتأكيد قوله: {وإن من الحجارة} وزاد في التأكيد تأكيدا ~~لذلك قوله {لما يتفجر} أي يتفتح بالسعة # PageV01P481 # والكثرة {منه الأنهار} ذكر الكثير من ذلك وتذكيرا بالحجر المتفجر لهم منه ~~الأنهار بضرب العصا ثم عطف على ذلك ما هو دونه ms0178 فقال: {وإن منها لما يشقق} ~~أي يسيرا بتكلف بما يشير إليه الإدغام والتفعل من التشقق وهو تفعل صيغة ~~التكلف من الشق وهو مصير الشيء في الشقين أي ناحيتين متقابلتين - قاله ~~الحرالي. {فيخرج منه الماء} الذي هو دون النهر، ثم عطف على هذا ما هو أنزل ~~من ذلك فقال: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} أي ينتقل من مكانه من أعلى ~~الجبل إلى أسفله لأمر الملك الأعلى له بذلك وقلوبكم لانتقاد لشيء من ~~الأوامر فجعل الأمر في حق القلوب لما فيها من العقل كالإرادة في حق الحجارة ~~لما لها من الجمادية وفي ذلك تذكير لهم بالحجارة المتهافتة من الطور # PageV01P482 # عند تجلي الرب. قال الحرالي: والخشية وجل نفس العالم مما يستعظمه. # ولما كان التقدير: فما أعمالكم - أو: فما أعمالهم، على قراءة الغيب - مما ~~يرضي الله؟ عطف عليه {وما} ويجوز أن يكون حالا من قلوبكم أي قست والحال أنه ~~ما {الله} أي الذي له الكمال كله {بغافل} والغفلة فقد الشعور بما حقه أن ~~يشعر به {عما تعملون} فانتظروا عذابا مثل عذاب أصحاب السبت إما في الدنيا ~~وإما في الآخرة، ولم أر ذكر قصة البقرة في التوراة فلعله مما أخفوه لبعض ~~نجاساتهم كما أشير إليه # PageV01P483 # بقوله تعالى: # {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} [الأنعام: 91] والذي رأيت فيها ~~مما يشبه ذلك ويمكن أن يكون مسببا عنه أنه قال في السفر الخامس منها ما ~~نصه: فإذا وجدتم قتيلا في الأرض التي يعطيكم الله ربكم مطروحا لا يعرف ~~قاتله يخرج أشياخكم وقضاتكم ويذرعون ما بين القتيل والقرية، فأية قرية كانت ~~قريبة من القتيل يأخذ أشياخ تلك القرية عجلا لم يعمل به عمل ولم يحرث به ~~حرث، فينزل أشياخ تلك القرية العجل إلى الوادي الذي لم يزرع ولم يحرث فيه ~~حرث يذبحون العجل في ذلك الوادي ويتقدم الأحبار بنو لاوى الذين اختارهم ~~الله ربكم أن يخدموا ويباركوا اسم الرب وعن قولهم يقضي كل قضاء ويضرب كل ~~مضروب، وجميع أشياخ تلك القرية القريبة من القتيل يغسلون أيديهم فوق العجل ms0179 ~~المذبوح في الوادي ويحلفون ويقولون: ما سفكت أيدينا هذا الدم وما رأينا من ~~قتله فاغفر يا رب لآل إسرائيل شعبك الذين خلصت، ولا تؤاخذ شعبك بالدم ~~الزكي، ويغفر لهم على الدم وأنتم فافحصوا عن الدم واقضوا بالحق وأبعدوا ~~عنكم الإثم واعملوا الحسنات بين يدي الله ربكم - انتهى. وهو كما ترى يشبه ~~أن يكون فرع هذا الأصل المذكور في القرآن العظيم والله أعلم. # ولما بين سبحانه أن قلوبهم صارت من كثرة المعاصي وتوالي التجرؤ على ~~بارئها محجوبة بالرين كثيفة الطبع بحيث إنها أشد قسوة من # PageV01P484 # الحجارة تسبب عن ذلك بعدهم عن الإيمان فالتفت إلى المؤمنين يؤيسهم من ~~فلاحهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما كان يشتد حرصه عليه من طلب ~~إيمانهم في معرض التنكيت عليهم والتبكيت لهم منكرا للطمع في إيمانهم بعد ما ~~قرر أنه تكرر من كفرانهم فقال: {أفتطمعون} والطمع تعلق البال بالشيء من غير ~~تقدم سبب له {أن يؤمنوا} أي هؤلاء الذين بين أظهركم وقد سمعتم ما اتفق ~~لأسلافهم من الكثافة وهم # PageV01P485 # راضون بذلك وإلا لآمنوا بمجرد هذا الإخبار عن هذه القصص من هذا النبي ~~الأمي الذي يحصل التحقيق بأنه لا معلم له بها إلا الله معترفين «لكم وقد» ~~أي والحال أنه قد {كان فريق} أي ناس يقصدون الفرقة والشتات {منهم} قال ~~الحرالي: من الفرق وهو اختصاص برأي وجهة عمن حقه أن يتصل به ويكون معه - ~~انتهى. و {يسمعون كلام الله} المستحق لجميع صفات الكمال والكلام قال ~~الحرالي: هو إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من ~~أنحاء الإظهار - انتهى. # {ثم يحرفونه} أي يزيلونه عن وجهه برده على حرفه، وفي ذكر الفريق مع ~~المعطوفات عليه تأكيد لعظيم تهمكهم في العصيان # PageV01P486 # بأنهم كانوا بعد ما وصف من أحوالهم الخبيثة فرقا في الكفر والعدوان ~~والتبرء من جلباب الحياء، وقوله: {من بعد ما عقلوه} مع كونه توطية لما يأتي ~~من أمر الفسخ مشيرا إلى أن تحريفهم لم يكن في محل إشكال لكونه مدركا ~~بالبديهة، وأثبت الجار ms0180 لاختلاف أحوالهم. # ولما كان هذا مع أنه إشارة إلى أنهم على جبلات إبائهم وإلى أن من اجترأ ~~على الله لم ينبغ لعباد الله أن يطمعوا في صلاحه لهم، لأنه إذا اجترأ على ~~العالم بالخفيات كان على غيره أجرأ مشيرا إلى أنه لا يفعله عاقل ختمه ~~بقوله: {وهم يعلمون *} أي والحال أنهم مع العقل حاملون للعلم فاهمون له غير ~~غافلين بل متعمدون. # ولما كان الكلام مرشدا إلى أن التقدير فهم لجرأتهم على الله # PageV01P487 # إذا سمعوا كتابكم حرفوه وإذا حدثوا عباد الله لا يكادون يصدقون عطف عليه ~~قوله {وإذا لقوا الذين آمنوا} بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم {قالوا} ~~نفاقا منهم {آمنا وإذا خلا بعضهم} أي المنافقين {إلى بعض قالوا} لائمين لهم ~~ظنا منهم جهلا بالله لما وجدوا كثيرا من أسرارهم وخفي أخبارهم مما هو في ~~كتابهم من الدقائق وغير ذلك عند المؤمنين مع اجتهاده في إخفائها أن بعضهم ~~أفشاها فعلمت من قبله {أتحدثونهم} من التحديث وهو تكرار حدث القول أي واقعه ~~{بما فتح الله} ذو الجلال والجمال {عليكم} من العلم القديم الذي أتاكم على ~~ألسنة رسلكم أو بما عذب به بعضكم. والفتح قال الحرالي توسعة الضيق حسا ~~ومعنى # PageV01P488 # {ليحاجوكم} أي المؤمنون {به عند ربكم} والمحاجة تثبيت القصد والرأي بما ~~يصححه. ولما كان عندهم أن إفشاءهم لمثل هذا من فعل من لا يفعل قالوا إنكارا ~~من بعضهم على بعض {أفلا تعقلون *} ويمكن أن يكون خطابا للمؤمنين المخاطبين ~~يتطمعون، أي أفلا يكون لكم عقل ليردكم ذلك عن تعليق الأمل بإيمانهم. ولما ~~كان ظنهم هذا أقبح الفساد لأنه لو لم يكن علمه من قبل الله لم يقدر غيره أن ~~يعبر عنه بعبارة تعجز الخلائق عن مماثلتها وصل به قوله موبخا لهم {أولا} أي ~~ألا يعلمون أن علم المؤمنين لذلك لم يكن إلا عن الله لما قام عليه من دليل ~~الإعجاز أو لا {يعلمون أن الله} الذي له الإحاطة بكل شيء {يعلم ما يسرون} ~~أي يخفون من قولهم لأصحابهم ومن غيره {وما يعلنون} أي يظهرون ms0181 # PageV01P489 # من ذلك فيخبر به أولياءه. # ولما ذكر سبحانه هذا الفريق الذي هو من أعلاهم كفرا وأعتاهم أمرا عطف ~~عليه قسما أعتى منه وأفظ لأن العالم يرجى لفته عن رأيه أو تخجيله بالحجاج ~~بخلاف المقلد العاتي الكثيف الجافي فقال {ومنهم أميون} ويجوز أن يراد بهم ~~من لا يحسن الكتابة ومن يحسنها وهو غليظ الطبع بعيد عن الفهم، لأن الأمي في ~~اللغة من لا يكتب أو من على خلقة الأمة لم يتعلم الكتابة وهو باق على جبلته ~~وحال ولادته والغبي الجلف الجافي القليل الكلام، فالمعنى أنهم قسمان: كتبة ~~وغير كتبة، # PageV01P490 # وهم المراد بالأميين، وهؤلاء مع كونهم لا يحسنون الكتاب يجوز أن يتعلموا ~~القراءة تلقينا ولا يفهمون المعاني، ويجوز أن يكون المعنى أنهم قسمان: ~~علماء نحارير عارفون بالمعاني وجهلة غبيون لا حظ لهم من التوراة إلا ~~القراءة الخالية عن التدبر المقرونة بالتمني ولذلك قال: {لا يعلمون الكتاب} ~~أي بخلاف القسم الذي أكد فيه كونهم من أهل العلم. # ولما كان المراد سلب العلم عنهم رأسا أبرز الاستثناء مع كونه منقطعا في ~~صورة المتصل فقال: {إلا أماني} جمع أمنية، وهي تقدير الوقوع فيما يترامى ~~إليه الأمل، ويقال إن معناه يجري في التلاوة للفظ كأنها تقدير بالإضافة لمن ~~يتحقق له المعنى - قاله الحرالي. أي إن كانت # PageV01P491 # الأماني مما يصح وصفه بالعلم فهي لهم لا غيرها من جميع أنواعه. ولما أفهم ~~ذلك أن التقدير ما هم ألا يقدرون تقديرات لا علم لهم بها عطف عليه قوله: ~~{وإن هم إلا يظنون} تأكيدا لنفي العلم عنهم. ولما أثبت لهذا الفريق القطع ~~على الله بما لا علم لهم به وكان هذا معلوم الذم محتوم الإثم سبب عنه الذم ~~والإثم بطريق الأولى لفريق هو أردؤهم وأضرهم لعباد الله وأعداهم فقال: ~~{فويل} والويل جماع الشر كله - قاله الحرالي. {للذين يكتبون} أي منهم ومن ~~غيرهم {الكتاب} أي الذي يعلمون أنه من عندهم لا من عند الله {بأيديهم} ~~وأشار إلى قبح هذا الكذب وبعد رتبته في الخبث بأداة التراخي فقال {ثم ~~يقولون} لما كتبوه ms0182 كذبا وبهتانا {وهذا من عند الله} الملك الأعظم ثم بين ~~بالعلة الحاملة لهم على ذلك خساستهم وتراميهم إلى النجاسة ودناءتهم فقال: ~~{ليشتروا به} أي بهذا الكذب الذي صنعوه {ثمنا قليلا} ثم سبب عنه قوله: ~~{فويل # PageV01P492 # لهم مما كتبت أيديهم} من ذلك الكذب على الله {وويل لهم مما يكسبون *} أي ~~يجدون كسبه مما اشتروه به، وجرد الفعل لوضوح دلالته على الخبث بقرينة ما ~~تقدم وإذا كان المجرد كذلك كان غيره أولى قال الحرالي: والكسب ما يجري من ~~الفعل والقول والعمل والآثار على إحساس بمنة فيه وقوة عليه - انتهى. وفي ~~هذه الآية بيان لما شرف به كتابنا من أنه لإعجازه لا يقدر أحد أن يأتي من ~~عنده بما يدسه فيه فيلبس به - فلله المنة علينا والفضل. # ولما أرشد الكلام إلى أن التقدير: فحرفوا كثيرا في كتاب الله وزادوا ~~ونقصوا، عطف عليه ما بين به جرأتهم وجفاهم وعدم اكتراثهم بما يرتكبونه من ~~الجرائم التي هم أعلم الناس بأن بعضها موجب للخلود في النار فقال تعالى: ~~{وقالوا # PageV01P493 # لن تمسنا} من المس وهو ملاقاة ظاهر الشيء ظاهر غيره {النار} أي المعدة في ~~الآخرة {إلا أياما} ولما كان مرادهم بذلك أنهم لا يخلدون فيها وكان جمع ~~القلة وإن كان يدل على ذلك لكنه ربما استعير للكثرة فدل على ما لا آخر له ~~أو ما يعسر عده زادوا المعنى تأكيدا وتصريحا بقولهم: {معدودة} أي منقضية، ~~لأن كل معدود منقض. قال الحرالي: والعد اعتبار الكثرة بعضها ببعض، واقتصر ~~على الوصف بالمفرد لكفايته # PageV01P494 # في هذا المعنى بخلاف ما في آل عمران. # ولما ادعوا ذلك ادعوا أن المسلمين يخلفونهم بعد ذلك فيها، روى البخاري في ~~الجزية والمغازي والطب والدارمي في أول المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «اجمعوا لي من كان ههنا من يهود، فجمعوا له ~~فقال: إن سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه؟ فقالوا: نعم، فقال لهم النبي ms0183 ~~صلى الله عليه وسلم: من أبوكم؟ قالوا فلان، فقال: كذبتم، بل أبوكم فلان، ~~قالوا: صدقت وبررت، قال: فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم ~~يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم: من أهل ~~النار؟ قالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: اخسؤوا فيها! والله لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال: هل أنتم صادقي عن ~~شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة ~~سما؟ قالوا: نعم، قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن ~~نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك» ولما ادعوا ذلك كان كأنه قيل: فيما ذا ~~نرد عليهم؟ فقال {قل} منكرا لقولهم {اتخذتم} في ذلك {عند الله} أي الذي له ~~الأمر كله {عهدا فلن} # PageV01P495 # أي فيتسبب عن ذلك أنه يوفي بعهده، لأنه {يخلف الله} الذي له صفات الكمال ~~{عهده أم} لم يكن ذلك فأنتم {تقولون على الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلما ~~{ما لا تعلمون} ومعنى الإنكار في الاستفهام أنه ليس واحد من الأمرين واقعا، ~~لا اتخذتم عهدا ولا قلتم ذلك جهلا، بل قلتموه وأنتم تعلمون خلافه، ولما ~~انتفى الأمران علم أن الكائن غير ما ادعوه فصرح به في قوله: {بلى} أي ~~لتمسنكم على خلاف ما زعمتموه، فإن بلى كلمة تدل على تقرير يفهم من إضراب عن ~~نفي كأنها بل وصلت بها الألف إثباتا لما أضرب # PageV01P496 # عن نفيه - قاله الحرالي. # ونعم جواب لكلام لا جحد فيه. ولما أضرب سبحانه عما قالوه من القضاء في ~~الأعيان قاضيا عليهم بالخسران علل ذلك بوصف هم به متلبسون معلما بأن من حق ~~الجاهل بالغيب الحكم على الأوصاف التي ناط علام الغيوب بها الأحكام فقال: ~~{من كسب سيئة} أي عملا من حقه أن يسوء {وأحاطت به خطيئة} بحيث لم يكن شيء ~~من أحواله خارجا عن الخطيئة بل كانت غامرة لكل ما سواها من أعماله، ولا ~~يكون ذلك إلا ms0184 للكفر الهادم لأساس الأعمال الذي لا يتأتى بقاء الأعمال ~~بدونه. ولما كان إفراد الضمير أنص على جزاء كل فرد والحكم بالنكال على الكل ~~أنكأ وأروع وأقبح وأفظع وأدل على القدرة أفرد ثم جمع فقال آتيا بالفاء ~~دليلا أن أعمالهم سبب دخولهم النار: {فأولئك} أي البعداء البغضاء {أصحاب ~~النار هم} خاصة {فيها خالدون *} . # PageV01P497 # ولما بان بهذا مالهم ولكل من شاركهم في هذا الوصف عطف عليه ما لمن ادعوا ~~أنهم يخلفونهم في النار ولكل من شاركهم في وصفهم الذي استحقوا به ذلك فقال: ~~{والذين آمنوا} أي أقروا بالوحدانية بألسنتهم {وعملوا الصالحات} بيانا لأن ~~قلوبهم مطمئنة بذلك {أولئك} العالو المراتب الشريفو المناقب، ولم يأت ~~بالفاء دلالة على أن سبب سعادتهم إنما هو الرحمة {أصحاب الجنة} لا غيرهم ~~{وهم} أي خاصة {فيها خالدون *} . # PageV01P498 # ثم شرع سبحانه يقيم الدليل على أنهم ممن أحاطت به خطيئته فقال: {وإذ} أي ~~اذكروا ما تعلمون في كتابكم من حال من كسب سيئة محيطة واذكروا إذ {أخذنا} ~~بما لنا من تلك العظمة التي أشهدناكم كثيرا منها ميثاقكم ولكنه أظهر لطول ~~الفصل بذكر وصف يعمهم وغيرهم فقال: {ميثاق بني إسرائيل} ويجوز أن يكون ~~معطوفا على {نعمتي} في قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم} لأن الكل في مخاطبتهم وبيان أمورهم. # PageV02P001 # ولما كان الدين إنما هو الأدب مع الخالق والخلق ذكر المعاهد عليه من ذلك ~~مرتبا له على الأحق فالأحق فقال ذاكرا له في صيغة الخبر مريدا به النهي ~~والأمر وهو أبلغ من حيث إنه كأنه وقع امتثاله ومضى ودل على إرادة ذلك بعطف ~~{وقولوا} عليه: {لا تعبدون إلا الله} المنعم الأول الذي له الأمر كله ~~لتكونوا محسنين بذلك إحسانا هو الإحسان كله {و} أحسنوا أو تحسنون ~~{بالوالدين} ولو كانا كافرين. قال الحرالي: تثنية والد من الولادة لاستبقاء ~~ما يتوقع ذهابه بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه - انتهى {إحسانا} عظيما لا ~~يبلغ كنهه، لكونهما في الرتبة الثانية لجعلهما سبحانه السبب في نعمة ~~الإيجاد الأول والمباشرين للتربية، وغير السياق فلم ms0185 يقل: ولا تحسنون إلا ~~إلى الوالدين، إفهاما لأن الإحسان إليهما يشركهما فيه من بعدهما، لو جبر ~~فوات هذا الحصر بتقديمهما إيذانا بالاهتمام {وذي القربى} وهم المتوسلون ~~بالوالدين لما لهم من أكيد الوصلة # PageV02P002 # {واليتامى} لضعفهم، واليتم قال الحرالي: فقد الأب حين الحاجة، ولذلك ~~أثبته مثبت في الذكر إلى البلوغ، وفي البنت إلى الثيوبة لبقاء حاجتها بعد ~~البلوغ، والقربى فعلى من القرابة وهو قرب في النسب الظاهر أو الباطن - ~~انتهى {المساكين} لكسرهم. # ولما لم يكن وسع الناس عامة بالإحسان بالفعل ممكنا أمر بجعل # PageV02P003 # ذلك بالقول فقال عطفا على الخبر الذي معناه الإنشاء: {وقولوا للناس} عامة ~~{حسنا} أي حسنا بالتحريك وهو لغة فيه كالبخل والبخل، وذلك بأن يأمروهم بما ~~أمر الله به وينهوهم عما نهى عنه. ولما أمرهم بما إن امتثلوه اجتمعت كلمتهم ~~ذكر أعظم جامع على الله من الأعمال فقال: {وأقيموا الصلاة} ثم ذكر ما به ~~تمام الجمع ودوامه فقال: {وآتوا الزكاة} ولما كان الإعراض عن هذه المحاسن ~~في غاية البعد فكيف إذا كانت بعهد فكيف إذا كان من الله أشار إلى ذلك بأداة ~~التراخي فقال: {ثم توليتم} أي عن ذلك أو عن كثير منه، وأشار بصيغة التفعل ~~إلى أن الأمور الدينية لحسنها لا يعرض عنها إلا بعلاج بين الفطرة الأولى ~~والأمارة {إلا قليلا منكم وأنتم} أي والحال أنكم # PageV02P004 # {معرضون} عادتكم ذلك، لم يكن ذلك منكم عن غير علم، والإعراض صرف الشيء ~~إلى العرض التي هي الناحية. # قال السمين: وروى عن أبي عمرو وغيره: إلا قليل - بالرفع، وفيه أقوال، ~~أصحها رفعه على الصفة بتأويل إلا وما بعدها بمعنى غير - انتهى. ويأتي إن ~~شاء الله تعالى بسط هذا الإعراب عند قوله: {فشربوا منه إلا قليلا منهم} ~~[البقرة: 249] ذكر ما يشهد لذلك من التوراة، قال في السفر الثاني منها لما ~~ذكر أمر المناجاة وحضورهم عند الجبل وقال الله جميع هذه الآيات كلها: أنا ~~الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا تكون لك آلهة ~~غيري، لا تعملن شيئا من الأصنام والتماثيل ms0186 التي مما في السماء فوق وفي ~~الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني ~~أنا الرب، إلهك إله غيور، أجازي الأبناء بذنوب # PageV02P005 # الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة من أعدائي، وأثبت النعمة إلى ألف حقب ~~لأحبائي وحافظي وصاياي، لا تقسم بالرب إلهك كذبا، لأن الرب لا يزكي من حلف ~~باسمه كذبا. أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها الرب إلهك، ~~لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور، لا تتمن بنت ~~صاحبك، ولا تشتهين امرأة صاحبك ولا كل شيء لصاحبك - وكان جميع الشعب يسمعون ~~الأصوات ويرون المصابيح. وقال في موضع آخر من السفر الثالث: لا تسرقوا، ولا ~~تغدروا، ولا تحلفوا باسمي كذبا، ولا تنجسوا اسم الرب إلهكم، أنا الرب وليس ~~غيري، لا تظلمن صاحبك، ولا تشتمن الأخرس، ولا تضع عثرة بين يدي الضرير، اتق ~~الله ربك، لا تحيفوا في القضاء، ولا تأثموا، ولا تحابين المسكين ولا تحاب ~~الكبير أيضا بل أقض بالبر والعدل، لا تبغض أخاك في قلبك بل بكت صاحبك # PageV02P006 # ووبخه بالحق لكيلا يلزمك خطيئة في سببه، ولا تحقدن على أحد بل أحبب صاحبك ~~كما تحب نفسك، ولا تتطيروا بسنح الطير، ولا يكونن فيكم عراف، ولا تطولن شعر ~~رؤوسكم، ولا تحلقوا عنافق لحاكم، ولا تخدشوا وجوهكم على الميت، ولا تكتبوا ~~على لحومكم بالإبر، أنا الله ربكم، لا تتبعوا العرافين والقافة ولا تنطلقوا ~~إليهم ولا تسألوهم عن شيء لئلا تتنجسوا بهم، أكرم الشيخ وقم إليه إذا ~~رأيته، وأكرم من هو أكبر منك، واتق الله ربك، أنا الله ربكم، وإذا سكن ~~بينكم الذي يقبل إلي فلا تظلموه بل أنزلوه منزلة أحدكم وصيروه منكم، الذين ~~يقبلون إلي ويسكنون معكم أحبوهم كما تحبون أنفسكم لأنكم كنتم سكانا بأرض ~~مصر، أنا الله ربكم، لا تأثموا في القضاء ولا تأثموا في الأوزان والمكاييل ~~بل اتخذوا ميزان الحق واتخذوا مكاييل الحق، أنا الله ربكم الذي أخرجكم من ~~أرض مصر احفظوا جميع وصاياي وأحكامي بها، أنا ms0187 الرب وليس غيري. # وقال في الثاني: ومن تبع العرافين والقافة وضل بهم أنزل # PageV02P007 # به غضبي الشديد وأهلكه من شعبي، وأي رجل شتم والديه يقتل قتلا ودمه في ~~عنقه؛ ثم قال بعده: وأي رجل أو امرأة صار عرافا أو منجما يقتلان قتلا، ~~ويكون قتلهما الرجم بالحجارة، ودمهما في أعناقهما؛ وقال قبل ذلك: وكل من ~~ضرب رجلا فمات فليقتل قتلا، ومن ضرب أباه وأمه فليقتل قتلا، ومن سرق إنسانا ~~فوجد معه يريد بيعه فليقتل قتلا، ومن شتم أباه وأمه فليقتل قتلا، ثم قال: ~~لا يؤذن الساكن بينكم ولا تعقوهم تحوجوهم، لأنكم كنتم سكانا بأرض مصر، ولا ~~تؤذوا الأرامل والأيتام، فإن آذيتموهم فصلوا بين يدي أسمع صلاتهم وأستجيب ~~لهم فيشتد غضبي وأقتلكم في الحرب وتكون نساؤكم أرامل وبنوكم يصيرون يتامى، ~~وإن أسلفت رزقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن له كالغريم، ولا تأخذن ~~منه ربا؛ ثم قال: ولا تقبلن الرشوة، فإن الرشوة تعمي أبصار الحكماء في ~~القضاء وترد فلج الصالحين. # ولما كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل تلاه بالتذكير بما أخذ عليهم فيه ~~من العهد، وقرن به الإخراج من الديار لأن المال عديل الروح والمنزل أعظم ~~المال وهو للجسد كالجسد للروح فقال: {وإذ أخذنا ميثاقكم} # PageV02P008 # يا بني إسرائيل {لا تسفكون دماءكم} أي لا يسفك بعضكم دماء بعض {ولا ~~تخرجون أنفسكم} بإخراج بعضكم لبعض لأن المتواصلين بنسب أو دين كالنفس ~~الواحدة {من دياركم} ، قال الحرالي: وأصلها ما أدارته العرب من البيوت ~~كالحلقة استحفاظا لما تحويه من أموالها - انتهى. # ولما كانوا قد نكصوا عند حقوق الأمر فلم يقبلوا ما أتاهم من الخير حتى ~~خافوا الدمار بسقوط الطور عليهم أشار إلى ذلك بقوله: {ثم أقررتم} أي بذلك ~~كله بعد لي وتوقف، والإقرار إظهار الالتزام بما خفي أمره - قاله الحرالي: ~~{وأنتم تشهدون} بلزومه وتعاينون تلك الآيات الكبار الملجئة لكم إلى ذلك، ~~وقد مضى مما يصدق هذا # PageV02P009 # عن التوراة آنفا ما فيه كفاية للموفق، وسيأتي في المائدة بقيته، إن شاء ~~الله تعالى. ولما كان هذا بما أكد ms0188 به من ذكر الميثاق في مظهر العظمة وإضافة ~~الجناية إلى نفس الجاني جديرا بالبعد منه أشار إلى ذلك بقوله: {ثم أنتم ~~هؤلاء} الحقيرون المقدور عليهم المجهولون الذين لا يعرف لهم اسم ينادون به، ~~أو الموجودون الآن؛ ثم استأنف البيان عن هذه الجملة فقال: {تقتلون أنفسكم} ~~من غير التفات إلى هذا العهد الوثيق {وتخرجون فريقا منكم} أي ناسا هم أشقاء ~~لكم فهم جديرون منكم بالإحسان لا بالإخراج {من ديارهم} . # ولما كان من المستبعد جدا بعد الاستبعاد الأول أن يقعوا في # PageV02P010 # ذلك على طريق العدوان استأنف البيان لذلك بقوله: {تظاهرون} أي تتعاونون، ~~من التظاهر، وهو تكلف المظاهرة وهي تساند القوة كأنه استناد ظهر إلى ظهر - ~~قاله الحرالي: {عليهم بالإثم} أي مصاحبين للإثم وهو أسوأ الاعتداء في قول ~~أو فعل أو حال، ويقال لكذوب: أثوم، لاعتدائه بالقول على غيره، والإثم الخمر ~~لما يقع بها من العدواة والعدوى - قاله الحرالي: {والعدوان} أي والامتلاء ~~في مجاوزة الحدود {وإن يأتوكم} أي هؤلاء الذين تعاونتم أو عاونتم عليهم ~~{أسارى} جمع أسرى جمع أسير، وأصله المشدود بالأسر، وهو القد وهو ما يقد أي ~~يقطع من السير {تفادوهم} أي تخلصوهم بالمال، من الفداء وهو الفكاك بعوض، و ~~{تفادوهم} من المفاداة وهي الاستواء في العوضين. # قاله الحرالي. # ثم أكد تحريم الإخراج بزيادة الضمير والجملة الاسمية في قوله: # PageV02P011 # {وهو محرم} من التحريم وهو تكرار الحرمة بالكسر وهي المنع من الشيء ~~لدنايته، والحرمة بالضم المنع من الشيء لعلوه - قاله الحرالي: {عليكم} ولما ~~كان يظن أن الضمير للفداء عينه فقال: {إخراجهم} ثم أنكر عليهم التفرقة بين ~~الأحكام فقال: {أفتؤمنون ببعض الكتاب} أي التوراة وهو الموجب للمفاداة ~~{وتكفرون ببعض} وهو المحرم للقتل والإخراج، ثم سبب عن ذلك قوله: {فما جزاء ~~من يفعل ذلك} الأمر العظيم الشناعة {منكم إلا خزي} ضد ما قصدتم بفعلكم من ~~العز، والخزي إظهار القبائح التي يستحي من إظهارها عقوبة - قاله الحرالي: ~~{في الحياة الدنيا} تعجيلا للعقوبة له في الدار التي جعلها محط قصده. # PageV02P012 # وقد فعل سبحانه ذلك بأنواع الذل والقتل ms0189 فما دونه، {ويوم القيامة} هي ~~فعالة تفهم فيها التاء المبالغة والغلبة، وهو قيام أمر مستعظم، والقيام هو ~~الاستقلال بأعباء ثقيلة {يردون} أي بالبعث، والرد هو الرجوع إلى ما كان منه ~~بدء المذهب - قاله الحرالي: {إلى أشد العذاب} لأنه الخزي الأعظم. # ولما كانت المواجهة بالتهديد أدل على الغضب التفت إليهم في قراءة الجماعة ~~فعطف على ما تقديره ذلك بأن الله عالم بما قصدتموه في ذلك فهو يجازيكم بما ~~تستحقون قوله: {وما الله} أي المحيط علما وقدرة {بغافل عما} أي عن شيء بما ~~{تعملون} من ذلك ومن غيره، وقراءة نافع وابن كثير بالغيب على الأسلوب ~~الماضي. # PageV02P013 # ولما كانت هذه الآيات كلها كالدليل على قوله تعالى: {وضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة - ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} [البقرة: 61] فذلكة ذلك ~~قوله تعالى: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين اشتروا} أي لجوا فأخذوا ~~{الحياة الدنيا} على خساستها {بالآخرة} مع نفاستها، والدنيا فعلى من الدنو ~~وهو الأنزل رتبة، في مقابلة عليا، ولأنه لزمتها العاجلة صارت في مقابلة ~~الأخرى اللازمة للعلو، ففي الدنيا نزول قدر وتعجل وفي الأخرى علو قدر ~~وتأخر، فتقابلتا على ما يفهم تقابلين من معنى كل واحدة منهما - قاله ~~الحرالي: فالآية من الاحتكاك، ذكر الدنيا أولا يدل على حذف العليا ثانيا، ~~وذكر الآخرة ثانيا يدل على حذف العاجلة أولا. # {فلا} أي فتسبب عن ذلك أنه لا {يخفف} من التخفيف وهو # PageV02P014 # مصير الثقيل والمستفل إلى حال الطافي المستعلي كحال ما بين الحجر والهواء ~~- قاله الحرالي: {عنهم العذاب} في واحدة من الدارين {ولا هم ينصرون} وهو ~~أيضا من أعظم الأدلة على خذلان من غزا لأجل المغنم أو غل، وقد ورد في كثير ~~من الأحاديث والآثار التصريح بذلك، منها ما رواه مالك عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى ~~الله في قلوبهم الرعب» وهو أيضا شرع قديم ففي سفر يوشع بن نون عليه الصلاة ~~والسلام أنه لما فتح مدينة أريحا بعد موت موسى عليه السلام ms0190 بعث إلى مدينة ~~عاي ثلاث آلاف مقاتل ليفتحوها، فقتل منهم أهل عاي جماعة وهزموهم، فاضطربت ~~قلوبهم وصارت كالماء، فسجد يشوع على الأرض أمام تابوت الرب هو ومشيخة بني ~~إسرائيل، فقال له الرب: انهض قائما، وأخبره أن قومه قد غلوا فلا يقدرون ~~الآن أن يثبتوا لأعدائهم حتى ينحوا الحرام عنهم، وقال الله له: وإذا كان غد ~~فقدموا أسباطكم ليقترعوا، والسبط الذي تصيبه قرعة الرب تتقدم عشائره، ~~والعشيرة التي تصيبها القرعة تتقدم بيوتاتها، والبيت الذي يصيبه قرعة الرب # PageV02P015 # ويصاب الحرام عنده يحرق بالنار هو وكل شيء له، لأنه تعدى على أمر الرب ~~ولأنه أثم بإسرائيل؛ ففعل ما أمره الرب فأصابت القرعة عاجار بن كرمى من سبط ~~يهودا، فأحضره وبنيه وبناته ومواشيه وخيمته وكل من كان له، فأصعدهم إلى غور ~~عاجار، ورجمهم جميع بني إسرائيل بالحجارة، وأحرقوهم بالنار، وجعلوا فوقه ~~تلا من الحجارة الكبار إلى اليوم، ولذلك دعي اسم ذلك الموضع غور عاجار إلى ~~اليوم، ثم أتوا من الغد إلى عاي فقتلوا جميع من فيها من بني آدم الذكور ~~والإناث وأحرقوها. # ولما بين لهم أنهم نقضوا العهود فأحاطت بهم الخطايا فاستحقوا الخلود في ~~النار توقع السائل الإخبار عن سبب وقوعهم في ذلك هل هو جهل أو عناد فبشع ~~سبحانه ذلك عليهم بما افتتحه بحرف التوقع فقال: {ولقد} # PageV02P016 # باللام التي هي توكيد لمضمون الكلام، و «قد» هي لوقوع مرتقب مما كان خبرا ~~أو مما سيكون علما - قاله الحرالي. {آتينا} أي بعظمتنا {موسى الكتاب} أي ~~نقضتم تلك العهود مع أن عندكم فيها كتاب الله التوراة تدرسونه كل حين، فلم ~~ندعكم هملا بعد موسى عليه السلام بل ضبطنا أمركم بالكتاب {وقفينا} من ~~التقفية وهي متابعة شيء شيئا كأنه يتلو قفاه، وقفاء الصورة منها خلفها ~~المقابل الموجه - قاله الحرالي: {من بعده} أي بعد موسى {بالرسل} أي ثم لم ~~نقتصر على الضبط بالكتاب الذي تركه فيكم موسى بل واترنا من بعده إرسال ~~الرسل # PageV02P017 # مواترة، وجعلنا بعضهم في قفاء بعض ليجددوا لكم أمر الدين ويؤكدوا عليكم ~~العهود والرسالة انبعاث ms0191 أمر من المرسل إلى المرسل إليه {وآتينا} بما لنا من ~~العظمة {عيسى} اسم معرب. # أصله يسوع {ابن مريم} الذي أرسلناه لنسخ بعض التوراة تجديد ما درس من ~~بقيتها {البينات} من الآيات العظيمة التي لا مرية فيها لذي عقل، والبينة من ~~القول والكون ما لا ينازعه منازع لوضوحه - قاله الحرالي: {وأيدناه} أي # PageV02P018 # قويناه على ذلك كله، من التأييد وهو من الأيد وهو القوة، كأنه يأخذ معه ~~بيده في الشيء الذي يقويه فيه، كأخذ قوة المظاهرة من الظهر، لأن الظهر موضع ~~قوة الشيء في ذاته، واليد موضع قوة تناوله لغيره - قاله الحرالي: {بروح ~~القدس} أي الروح الطاهر وهو جبريل عليه السلام كما أيدنا به غيره من أولي ~~العزم. قال الحرالي: والروح لمحة من لمحات أمر الله، وأمر الله قيوميته في ~~كلية خلقه ملكا وملكوتا، فما هو قوام الخلق كله ملكا وملكوتا هو الأمر {ألا ~~له الخلق والأمر} ، [الأعراف: 54] ، وما هو قوام صورة من جملة الخلق هو ~~الروح الذي هو لمحة من ذلك الأمر؛ ولقيام عالم الملكوت وخصوصا جملة العرش ~~بعالم الملك وخصوصا أمر الدين الباقي سماهم الله روحا، ومن أخصهم روح ~~القدس، والقدس # PageV02P019 # الطهارة العلية التي لا يلحقها تنجس على ما تقدم، ومن أخص الروح به جبريل ~~عليه السلام بما له من روح الأمر الديني، وإسرافيل عليه السلام بما له من ~~روح النفخ الصوري - انتهى. وقد كان لعيسى عليه السلام بالروح مزيد اختصاص ~~لكثرة ما أحيى من الموتى؛ والمعنى فعلنا بكم يا بني إسرائيل ذلك ولم تزالوا ~~في عهد جميع من ذكر ناقضين للعهود، فلا أحد أحق منكم بالخلود في النار، ثم ~~جاء محمد صلى الله عليه وسلم فلم تصدقوه. # ذكر شيء من الإنجيل يدل على أنه عليه السلام أتى بالبينات مع تأييده بروح ~~القدس مستخلصا من الأناجيل الأربعة وقد جمعت بين ألفاظها، قال متى - ومعظم ~~السياق له: فلما سمع يسوع أن يوحنا - يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام - ~~قد أسلم - يعني خذله أصحابه مضى إلى الجليل وترك الناصرة وجاء وسكن ~~كفرناحوم ms0192 التي على ساحل البحر في تخوم زابلون وبغتاليم ليكمل ما قيل في ~~أشعيا النبي إذ يقول: أرض زابلون أرض بغتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل ~~الأمم الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورا عظيما الجلوس في الكورة وظلال ~~الموت نورا أشرق عليهم، ومن ذلك بعد حبس يوحنا وافى يسوع إلى الجليل يكرز ~~بإنجيل # PageV02P021 # ملكوت الله قائلا: قد كمل الزمان وقربت ملكوت الله! فتوبوا وآمنوا ~~بالإنجيل. قال متى: وكان يمشي على بحر الجليل فأبصر أخوين سمعان الذي يدعى ~~بطرس واندراوس أخاه يلقيان شباكهما في البحر لأنهما كانا صيادين، فقال ~~لهما: اتبعاني أجعلكما تكونان صيادي الناس وللوقت تركا شباكهما وتبعاه؛ ~~وجاز من هناك فرأى أخوين آخرين يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه في سفينة مع ~~أبيهما زبدي يصلحون شباكهم فدعاهما، فللوقت تركا السفينة وأباهما زبدي ~~وتبعاه وفي إنجيل يوحنا بعد قصة يحيى بن زكريا الآتية في آل عمران: هذا كان ~~في بيت عينا في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد، ومن الغد نظر يسوع مقبلا ~~إليه فقال: هذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم! هذا ذلك الذي قلت من ~~أجله: إنه يأتي وهو كان قبلي لأنه أقدم مني وأنا لم أكن أعرفه لكن ليظهر ~~لإسرائيل، من أجل هذا جئت أنا لأعمد بالماء؛ وشهد يوحنا وقال: إني رأيت ~~الروح نزل من السماء مثل حمامة وحل عليه ولم أعرفه، لكن من أرسلني لأعمد ~~بالماء هو الذي قال: الذي ترى الروح ينزل ويثبت عليه هو يعمد بروح القدس. # وأنا عاينت # PageV02P022 # وشهدت: وفي الغد كان يوحنا واقفا واثنان من تلاميذه فنظر يسوع فقال: هذا ~~حمل الله! فسمع تلميذاه كلامه فتبعا يسوع، فالتفت يسوع فرآهما يتبعانه فقال ~~لهما: ماذا تريدان؟ قالا له: ربي - الذي تأويله يا معلم - أين تكون؟ فقال ~~لهما: تعاليا لتنظرا، فأتيا وأبصرا موضعه أين يكون، وأقاما عنده يومهما ذلك ~~وكان نحو عشر ساعات، وإن واحدا من اللذين سمعا من يوحنا وتبعا يسوع كان ~~اندراوس أخا سمعان وإنه أبصر أولا سمعان أخاه وقال له: قد وجدنا مسيا ms0193 - ~~الذي تأويله المسيح - فجاء به إلى يسوع؛ فلما نظر إليه يسوع قال له: أنت ~~سمعان بن يونان الذي يدعى الصفا - الذي تأويله بطرس ومن الغد أراد الخروج ~~إلى الجليل فلقي فيليس ناتاناييل وقاله له: الذي كتب موسى من أجله في ~~الناموس والأنبياء وجدناه وهو يسوع الذي من الناصرة، فقال له: ناتاناييل هل ~~يمكن أن يخرج من الناصرة شيء فيه صلاح؟ فقال له فيليس: تعال وانظر، فلما ~~رأى يسوع ناتاناييل مقبلا إليه قال: من أجله هذا حقا إسرائيلي لا غش فيه، ~~فقال له ناتاناييل: من أين تعرفني؟ فقال له يسوع: قبل أن يدعوك فيليس وأنت ~~تحت التينة رأيتك فقال له: يا معلم! أنت هو ملك إسرائيل، قال له يسوع: لأني ~~قلت لك # PageV02P023 # إني رأيتك تحت التينة آمنت سوف تعاين ما هو أعظم من هذا، وقال له: الحق ~~الحق أقول لكم، إنكم من الآن ترون السماء مفتحة وملائكة الله ينزلون ~~ويصعدون على ابن البشر. وفي اليوم الثالث كان عرش في قانا الجليل وكانت أم ~~يسوع هناك ودعي يسوع وتلاميذه إلى العرش وكان الخمر قد فرغ، فقالت أم يسوع ~~له: ليس لهم خمر، فقال لها يسوع: ما لي ولك أيتها المرأة لم تأت ساعتي بعد؟ ~~فقالت أمه للخدام: افعلوا ما يأمركم به، وكان هناك ستة أجاجين من حجارة ~~موضوعة لتطهير اليهود تسع كل واحدة مطرين أو ثلاثة، فقال لهم يسوع: املؤوا ~~الأجاجين ماء، فملؤوها إلى فوق، وقال لهم: اغرفوا الآن وناولوا رئيس ~~السقاة، فلما ذاق رئيس السقاة ذلك الماء المتحول خمرا لم يعلم من أين هو، ~~فدعا رئيس السقاة العريس وقال له: كل إنسان إنما يأتي بالشراب الجيد أولا ~~فإذا سكروا عند ذلك يأتي بالدون وأنت أبقيت الجيد إلى الآن! هذه الآية ~~الأولى التي فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده وآمن به تلاميذه. # وبعد هذا انحدر إلى كفرناحوم هو وأمه وإخوته وتلاميذه فأقاموا هناك أياما ~~يسيرة؛ ثم قال: وعلم السيد يسوع أن الفريسيين سمعوا أنه قد اتخذ تلاميذ ~~كثيرة وأنه يعمد أكثر ms0194 من يوحنا إذ ليس هو يعمد بل # PageV02P024 # تلاميذه فترك اليهودية ومضى إلى الجليل وكان قد أزمع أن يعبر على موضع ~~السامرة، فأقبل إلى مدينة السامرة التي تسمى بسوخار إلى جانب القرية التي ~~كان يعقوب وهبها ليوسف ابنه وكان هناك بئر يعقوب وكان يسوع قد عيى من تعب ~~الطريق، فجلس على البئر في ست ساعات، فجاءت امرأة من السامرة تستقي ماء، ~~فقال لها يسوع أعطيني أشرب - وكان تلاميذه قد دخلوا إلى المدينة ليبتاعوا ~~لهم طعاما - فقالت له تلك المرأة: كيف وأنت يهودي تستقي الماء وأنا امرأة ~~سامرية واليهود لا يختلطون بالسامرة! أجاب يسوع وقال لها: لو كنت تعرفين ~~عطية الله ومن هذا الذي قال لك: ناوليني أشرب، لكنت أنت تسألينه أن يعطيك ~~ماء الحياة! قالت المرأة: يا سيد! إنه لا دلو لك والبئر عميقة فمن أين لك ~~ماء الحياة؛ لعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا هذه البئر ومنها شرب هو ~~وبنوه وماشيته! فقال لها: كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضا، فأما من يشرب ~~من الماء الذي أعطيه لا يعطش إلى الأبد، قالت المرأة: يا سيد! أعطني من هذا ~~الماء لئلا أعطش ولا أجيء ولا أستقي من ههنا، فقال: انطلقي وادعي زوجك ~~وتعالي إلى هاهنا، قالت: ليس لي زوج، قال لها: حسنا قلت: # PageV02P025 # إنه لا بعل لي، لأنه قد كان لك خمسة بعولة والذي هو لك الآن ليس هو زوجك، ~~أما هذا فحقا قلت، قالت: يا سيد! إني أرى أنك نبي، آباؤنا سجدوا في هذا ~~الجبل وأنتم تقولون: إنه ياروشليم المكان الذي ينبغي أن يسجد فيه، قال: ~~أيتها المرأة! آمني به، إنه ستأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في يروشليم ~~يسجدون للأب، أنتم تسجدون لما لا تعلمون ونحن نسجد لما نعلم، لكن ستأتي ~~ساعة وهي الآن لكيما الساجدون المحقون يسجدون بالروح والحق، والرب إنما ~~يريد مثل هؤلاء الساجدين، والذين يسجدون له بالروح والحق ينبغي أن يسجدوا، ~~قالت المرأة: قد علمت أن مسيا الذي هو المسيح يأتي، فإذا جاء ms0195 ذاك فهو ~~يعلمنا كل شيء، فقال: أنا هو الذي أكلمك وفي هذا جاء تلاميذه وتعجبوا من ~~كلامه مع امرأة ولم يقل أحد: ماذا تريد ولم تكلمها فتركت المرأة جرتها ومضت ~~إلى المدينة وقالت للناس: تعالوا انظروا رجلا أعلمني كل ما فعلت، لعل هذا ~~هو المسيح، فخرجوا من المدينة وأقبلوا نحوه؛ وفي هذا سأله تلاميذه قائلين: ~~يا معلم! كل، فقال: إن لي طعاما لا تعرفونه أنتم، فقالوا فيما بينهم: لعل ~~إنسانا وافاه # PageV02P026 # بشيء فطعمه، فقال: طعامي أنا أن أعمل مسرة من أرسلني وأتم عمله أليس أنتم ~~تقولون: إن الحصاد يأتي بعد أربعة أشهر، وأنا قائل لكم: ارفعوا أعينكم ~~وانظروا إلى الكور قد ابيضت وبلغت الحصاد، والذي يحصد يأخذ الأجرة ويجمع ~~ثمار الحياة الدائمة، والزارع والحاصد يفرحان معا، لأنه في هذا توجد كلمة ~~الحق، إن واحدا يزرع وآخر يحصد، أنا أسألكم تحصدون شيئا ليس أنتم تعبتم فيه ~~بل آخرون تعبوا فيه وأنتم دخلتم على تعب أولئك؛ فآمن به في تلك المدينة ~~سامريون كثيرون من أجل كلمة تلك المرأة، ولما صار إليه السامريون طلبوا ~~إليه أن يقيم عندهم، فمكث عندهم يومين فآمن به كثير، وكانوا يقولون للمرأة: ~~لسنا من أجل قولك نؤمن به لكنا قد سمعنا وعلمنا أن هذا هو المسيح بالحقيقة ~~مخلص العالم. # وبعد يومين خرج يسوع إلى الجليل ومضى من هناك، لأنه شهد أن النبي لا يكرم ~~في مدينته، ولما صار إلى الجليل قبله الجليليون، لأنهم عاينوا كل ما عمل ~~بايروشليم في العيد؛ ثم جاء يسوع حيث صنع الماء خمرا وكان في كفرناحوم عند ~~الملك ابن مريض فسمع أن يسوع قد جاء من يهودا إلى الجليل، فمضى إليه وسأله ~~أن ينزل ويبرىء ولده، لأنه قد كان قارب الموت، فقال له يسوع: إن لم تعاينوا ~~الآيات الأعاجيب لا تؤمنون، فقال له الملك: انزل يا سيد # PageV02P027 # قبل أن يموت فتاي، قال له يسوع: امض فابنك حي، فآمن الرجل بالكلمة التي ~~قالها يسوع ومضى، وفيما هو ماض استقبله علمانه وبشروه بأن ابنه قد عاش، ms0196 ~~فسألهم: في أي وقت؟ فقالوا له: أمس في الساعة السابعة تركته الحمى، فعلم ~~أبوه أنه في تلك الساعة التي قال له يسوع فيها: إن ابنك قد حيي، فآمن هو ~~وبيته بأسره؛ وهذه أيضا آية ثانية عملها يسوع لما جاء من يهودا إلى الجليل. ~~قال مرقس: فأقبل إلى كفرناحوم وبقي يعلم في مجامعهم يوم السبت، فتعجبوا من ~~تعليمه لأنه كان كالمسلط. قال متى: وكان يسوع يطوف في كل الجليل ويعلم في ~~مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويبرىء كل برص ووجع في الشعب، فخرج خبره في ~~جميع الشام فقدم إليه كل من به أصناف الأمراض والأوجاع المختلفة والذين بهم ~~الشياطين والمعترين في رؤوس الأهلة والمخلعين فأبرأهم، وتبعه جموع كثيرة من ~~الجليل والعشرة المدن ويروشليم واليهودية وعبر الأردن، فلما أبصر الجميع ~~صعد إلى الجبل وجلس، وجاء إليه تلاميذه وفتح فاه يعلمهم قائلا: طوبى ~~للمساكين بالروح! فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى للحزانى! فإنهم يعزون، # PageV02P028 # طوبى للمتواضعين! فإنهم يرثون الأرض، طوبى للجياع والعطاش من أجل البر! ~~فإنهم يشبعون، طوبى للرحماء! فإنهم يرحمون، طوبى للنقية قلوبهم! فإنهم ~~يعاينون الله، طوبى لفاعلي السلامة! فإنهم بني الله يدعون، طوبى للمطرودين ~~من أجل البر! فإن لهم ملكوت السماوات طوبى لكم إذا طردوكم وعيروكم وقالوا ~~فيكم كل كلمة شر من أجلي؛ افرحوا وتهللوا، فإن أجركم عظيم في السماوات، لأن ~~هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم. # وقال لوقا: هكذا كان آباؤكم يصنعون بالأنبياء الويل لكم أيها الأغنياء! ~~لأنكم قد أخذتم عزاكم، الويل لكم أيها الشباعى الآن! فإنكم ستجوعون؛ الويل ~~لكم أيها الضاحكون الآن! فإنكم ستبكون وتحزنون، الويل لكم إذا قال الناس ~~فيكم قولا حسنا! لأن آباءهم كذلك فعلوا بالأنبياء الكذبة - يعني المتنبئين ~~- وفيه من الألفاظ التي لا يجوز إطلاقها في شرعنا حمل الله والأب، وقوله: ~~بني الله، وسيأتي إن شاء الله تعالى في آل عمران تأويل مثل هذا على تقدير ~~صحته عنه وأنه يرد إلى المحكم على أوضح وجه مثل الألفاظ التي وردت في شرعنا ~~ورددناها إلى المحكم، وضل بها من حملها على ms0197 ظاهرها ممن يدعي الإسلام والله ~~الموفق. # PageV02P029 # ولما كان هذا حالهم مع الرسل مع أنسهم بهم ومعرفتهم بأحوالهم واتصالهم ~~بالله وكمالهم علم أنهم في منابذتهم لهم عبيد الهوى وأسرى الشهوات، فتسبب ~~عن ذلك الإنكار عليهم فقال: {أفكلما} أي أفعلتم ما فعلتم من نقض العهود مع ~~مواترة الرسل ووجود الكتاب فكلما {جاءكم رسول} أي من عند الله ربكم {بما لا ~~تهوى أنفسكم} # PageV02P030 # من الهوى وهو نزوع النفس لسفل شهوتها في مقابلة معتلى الروح لمنبعث ~~انبساطه، كأن النفس ثقيل الباطن بمنزلة الماء والتراب، والروح خفيف الباطن ~~بمنزلة الهواء والنار، وكأن العقل متسع الباطن بمنزلة اتساع النور في كلية ~~الكون علوا وسفلا - قاله الحرالي: وقد دل على أن المراد الباطل بالتعبير ~~بالهوى والنفس {استكبرتم} أي طلبتم الكبر وأوجدتموه بما لكم من الرئاسة على ~~قومكم عن قبول الحق ميلا إلى سنة إبليس مع إعطائكم العهد قبل ذلك على ~~الدوام على اتباعه {ففريقا} أي # PageV02P031 # فتسبب عن طلبكم الكبر أنكم فريقا {كذبتم} كعيسى ومحمد عليهما الصلاة ~~والسلام {وفريقا تقتلون} أي قتلتم ولم تندموا على قتلهم بل عزمتم على مثل ~~ذلك الفعل كلما جاءكم أحد منهم بما يخالف الهوى وهم لم يبعثوا إلا لصرف ~~الأنفس عن الهوى لأن دعوة الرسول إلى الأعلى الذي هو ضد هوى النفس؛ والظاهر ~~أنه سبحانه أشار بهذه الصيغة المستقبلة إلى قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالسم في خيبر كما أشار إليه الحديث الماضي آنفا. # PageV02P032 # ولما بين سبحانه مخازيهم حتى ختمها بعظيم ما ارتكبوا من الرسل من القتل ~~المعنوي بالتكذيب والحسي بإزهاق الروح مع العلم بأنهم أتوا بالبينات ~~والآيات المعجزات فأرشد المقام إلى أن التقدير فقالوا للأنبياء لما أتوهم ~~أمورا كثيرة يعجب من صدورها عن عاقل وأتوا في الجواب عن تكذيبهم وقتلهم من ~~التناقضات بما لا يرضاه عالم ولا جاهل عطف # PageV02P032 # عليه أو على {وقالوا لن تمسنا النار} [البقرة: 80] قوله - بيانا لشدة ~~بهتهم وقوة عنادهم: {وقالوا} في جواب ما كانوا يلقون إليهم من جواهر العلم ~~التي هي أوضح من الشمس {قلوبنا غلف} جمع ms0198 أغلف وهو المغشى الذكر بالقلفة ~~التي هي جلدته، كأن الغلفة في طرفي المرء: ذكره وقلبه، حتى يتم الله كلمته ~~في طرفيه بالختان والإيمان - قاله الحرالي. فالمعنى: علهيا أغطية فهي لا ~~تفهم ما تقولون. فكان المراد بذلك مع أنهم أعلم # PageV02P033 # الناس أن ما يقولونه ليس بأهل لأن يوجه إليه الفهم، ولذلك أضرب الله ~~سبحانه عنه بقوله: {بل} أي ليس الأمر كما قالوا من أن هناك غلفا حقيقة بل ~~{لعنهم الله} أي طردهم الملك الأعظم عن قبول ذلك لأنهم ليسوا بأهل للسعادة ~~بعد أن خلقهم على الفطرة الأولى القويمة لا غلف على قلوبهم، لأن اللعن ~~إبعاد في المعنى والمكانة إلى أن يصير الملعون بمنزلة النعل في أسفل القامة ~~يلاقي به ضرر الموطي - قاله الحرالي. # ثم بين علة ذلك بقوله: {بكفرهم} . قال الحرالي: أعظم الذنوب ما تكون ~~عقوبة الله تعالى عليها الإلزام بذنوب أشد منها، فأعقب استكبارهم اللعن كما ~~كان في حق إبليس مع آدم عليه السلام، فانتظم صدر هذه السورة إظهار ~~الشيطنتين من الجن والإنس الذي انختم به القرآن في قوله: {من الجنة والناس} ~~[الناس: 6] ليتصل طرفاه، فيكون ختما لا أول # PageV02P034 # له ولا آخر، والفاتحة محيطة به لا يقال: هي أوله ولا آخره، ولذلك ختم بعض ~~القراء بوصله حتى لا يتبين له طرف، كما قالت العربية لما سئلت عن بنيها: هم ~~كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. ولما أخبر بلعنهم سبب عنه قوله: ~~{فقليلا ما يؤمنون} ، فوصفه بالقلة وأكده بما إيذانا بأنه مغمور بالكفر لا ~~غناء له. # ولما ذكر سبحانه من جلافتهم ما ختمه بلعنهم وكان قد قدم ذكر كتابهم مرارا ~~وأشار إلى الإنجيل بإيتاء عيسى عليه السلام البينات ذكر سبحانه كفرهم بهذا ~~الكتاب الذي مقصود السورة وصفه بالهدى وبهذا الرسول الآتي به دليلا على ~~إغراقهم في الكفر، لأنهم مع استفتاحهم به صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه على ~~من يعاديهم واستبشارهم به وإشهادهم أنفسهم بالسرور بمجيئه كانوا أبعد الناس ~~من دعوته تماديا في الكفر # PageV02P035 # وتقيدا بالضلال، فكان هذا الدليل أبين من ms0199 الأول عند أهل ذلك العصر وذلك ~~قوله تعالى: {ولما جاءهم كتاب} أي جامع لجميع الهدى لعظمته لكونه {من عند ~~الله} الجامع لجميع صفات الكمال، ثم ذكر من المحببات لهم في اتباعه قوله ~~{مصدقا لما معهم} على لسان نبي يعرفون صحة أمره بأمور يشهد بها كتابهم، ~~وبتصديق هذا الكتاب له بإعجاز نظمه وتصديق معناه لكتابهم، والجواب محذوف ~~ودل ما بعد على أنه كفروا به، وفي ذلك قاصمة لهم لأن كتابهم يكون شاهدا على ~~كفرهم، ولما بين شهادة كتابهم أتبعه شهادتهم لئلا يحرفوا معنى ذلك فقال ~~{وكانوا} أي والحال أنهم كانوا، ولما كان استفتاحهم في بعض الزمان أثبت ~~الجار فقال: {من قبل} أي قبل مجيئه {يستفتحون} أي يسألون الله الفتح بالاسم ~~الآتي به تيمنا بذكره!! {على الذين كفروا} يعني أنهم لم يكونوا في غفله عنه ~~بل كانوا أعلم الناس به وقد وطنوا # PageV02P036 # أنفسهم على تصديقه ومع ذلك كله {فلما جاءهم} برسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم علم {ما عرفوا} أي ما صدقه بما ذكر من نعوته في كتابهم {كفروا به} ~~اعتلالا بأنواع من العلل البينة الكذب، منها زعمهم أن جبريل عليه السلام ~~عدوهم وهو الآتي به؛ قال الثعلبي والواحدي: «روى ابن عباس رضي الله عنهما ~~أن عبد الله بن صوريا حاج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء، فلما ~~اتجهت الحجة عليه قال: أي ملك يأتيك من السماء؟ قال: جبريل، ولم يبعث الله ~~نبيا إلا وهو وليه - وفي رواية: وسأله عمن يهبط عليه بالوحي، فقال: جبريل - ~~فقال: ذاك عدونا، ولو كان غيره لآمنا بك» وقال ابن إسحاق في السيرة: حدثني ~~عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي عن شهر بن حوشب الأشعري «أن ~~نفرا من أحبار يهود جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: خبرنا عن ~~أربع نسألك عنهن، فإن فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك، فقال لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك ~~لتصدقني، قالوا: نعم، قال: فاسألوا عما ms0200 بدا لكم! # PageV02P037 # قالوا: فأخبرنا: كيف يشبه الولد أمه وإنما النطفة من الرجل؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون ~~أن نطفة الرجل بيضاء غليظة ونطفة المرأة صفراء رقيقة فأيتهما علت صاحبتها ~~كان الشبه لها؟ قالوا: اللهم نعم، قالوا: فأخبرنا عن كيف نومك؟ قال: أنشدكم ~~بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به ~~تنام عينه وقلبه يقظان؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فكذلك نومي، تنام عيني ~~وقلبي يقظان، قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه، قال: أنشدكم بالله ~~وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان ~~الإبل ولحومها وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها فحرم على نفسه أحب الطعام ~~والشراب إليه شكرا لله فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها؟ قالوا: اللهم ~~نعم؛ قالوا: فأخبرنا عن الروح، قال: أنشدكم بالله وبأيامه هل تعلمون جبريل ~~وهو الذي يأتيني؟ قالوا: اللهم نعم ولكنه يا محمد لنا عدو، وهو ملك إنما ~~يأتي بالشدة وسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك. # فأنزل الله فيهم {من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا ~~لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين} [البقرة: 97] إلى قوله: # {أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق # PageV02P038 # منهم بل أكثرهم لا يؤمنون} [البقرة: 100] ، وأصل ذلك في البخاري في خلق ~~آدم والهجرة والتفسير عن أنس بن مالك رضي الله عنه - من روايات جمعت بين ~~ألفاظها - قال: (أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أي في ~~الهجرة - إلى أن قال: فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب رضي الله ~~عنه، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف ~~لهم، فعجل أن يضع التي يخترف لهم فيها فجاء وهي معه، # PageV02P039 # فسمع من نبي الله (صلى الله عليه وسلم) ثم رجع إلى أهله، فقال نبي الله ~~(صلى الله عليه وسلم) : (أي بيوت أهلنا أقرب (- فذكر نزوله على أبي أيوب ~~رضي ms0201 الله عنه ثم قال: (فلما جاء نبي الله (صلى الله عليه وسلم) جاء عبد ~~الله بن سلام رضي الله عنه فقال: أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق وقد علمت ~~يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم عني قبل أن ~~يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في ~~(وفي رواية: (بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو في ~~أرض يخترف فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول اشراط ~~الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن ~~أي شيء ينزع إلى أخواله (وفي رواية:) وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه - ~~فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : أخبرني بهن جبريل آنفا، فقال عبد ~~الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~هذه الآية: # {من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} [البقرة: 97] (أما ~~أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام ~~يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت) وفي رواية (الحوت) (وأما الشبه في الولد ~~فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان # PageV02P040 # الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها) وفي رواية: (وإذا سبق ماء الرجل ماء ~~المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت) (قال: اشهد أنك رسول الله ثم ~~قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم ~~بهتوني عندك، فأرسل نبي الله (صلى الله عليه وسلم) فدخلوا عليه) وفي رواية: ~~(فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت - فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) : يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم ~~لتعلمون أني رسول اللهوأني جئتكم بحق فأسلموا، قالوا: ما نعلمه - قالوا ~~للنبي (صلى الله عليه وسلم) وقالها ثلاث مرار، قال: فأي رجل فيكم عبد الله ~~بن ms0202 سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن ~~أخيرنا، قال: أفرأيتم إن أسلم قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم) وفي رواية: ~~(أعاذه الله من ذلك) قال: (يا ابن سلام اخرج عليهم) ، فخرج فقال: أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا معشر اليهود اتقوا الله فوالله ~~الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق، قالوا: كذبت، ~~وقالوا: شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه فانتقصوه، قال: فهذا الذي كنت أخاف يا ~~رسول الله فأخرجهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (وللواحدي في أسباب ~~النزول عن عمر رضي الله عنه قال: (كنت آتي # PageV02P041 # اليهود عند دراستهم التوراة فأعجب من موافقة القرآن التوراة وموافقة ~~التوراة القرآن، فقالوا: يا عمر ما أحد أحب إلينا منك، قلت: ولم؟ قالوا: ~~لأنك تأتينا وتغشانا، قلت: إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضا ~~وموافقة التوراة القرآن وموافقة القرآن التوراة، فبينا أنا عندهم ذات يوم ~~إذ مر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خلف ظهري فقالوا: إن هذا صاحبك فقم ~~إليه، فالتفت فإذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد دخل خوخة من المدينة، ~~فأقبلت عليهم فقلت: أنشدكم الله وما أنزل عليكم من كتاب أتعلمون أنه رسول ~~الله؟ قال سيدهم: قد نشدكم بالله فأخبروه، فقالوا: أنت سيدنا فأخيره، فقال ~~سيدهم: نعلم أنه رسول الله، قلت: فأني أهلككم إن كنتم تعلمون أنه رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) ثم لم تتبعوه، فقالوا: إن لنا عدوا من الملائكة وسلما ~~من الملائكة، فقلت: من عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل، قلت: ومن ~~سلمكم؟ قالوا: ميكائيل، قلت: فإني اشهد ما يحل لجبريل أن يعادي سلم ~~ميكائيل، وما يحل لميكائيل، قلت: فإني أشهد ما يحل لجبريل أن يعادي سلم ~~ميكائيل، وما يحل لميكائيل، أن يسالم عدو جبريل، وإنهما جميعا ومن معهما ~~أعداء لمن عادوا وسلم لمن سالموا، ثم قمت فاستقبلني - يعني رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) - فقالوا: يا ابن الخطاب ألا ms0203 أقرئك آيات؟ فقرأ {من كان ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك (حتى بلغ) وما يكفر بها إلا الفاسقون} ~~[البقرة: 99] قلت والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا أخبرك بقول اليهود فإذا ~~اللطيف # PageV02P042 # الخبير قد سبقني بالخبر قال عمر: (فلقد رأيتني في دين الله أشد من حجر) ~~انتهى. # وقد سألت بعض فضلاء اليهود الموجودين # في زماننا عن عداوتهم لجبريل عليه السلام فلم يسمح بالتصريح وقال: ما ~~يعطى ذلك. # وقد روى هذا الحديث أيضا إسحاق بن راهويه في مسنده عن الشعبي عن عمر رضي ~~الله عنه، قال شيخنا البوصيري: وهو مرسل صحيح الإسناد وفيه: أنه قال لهم: ~~(وكيف منزلتهما من ربهما؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر من الجانب الآخر، ~~وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا) . # ولما بين سبحانه بهذا أنهم أعتى الناس وأشدهم تدليسا وبهتا بل كذبا وفسقا ~~كانوا أحق الناس بوصف الكفر فسبب عن ذلك قوله: (فلعنة الله) أي الذي له ~~الأمر كله) على الكافرين (فأظهر موضع الإضمار تعليقا للحكم بالوصف ليعم ~~وإشعارا بصلاح من شاء الله منهم. # ولما استحقوا بهذا وجوه المذام كلها وصل به قوله) بئسما (فأتى بالكلمة ~~الجامعة للمذام المقابلة لنعم الجامعة لوجوه المدائح كلها أي # PageV02P043 # بئس شيء) اشتروا به أنفسهم) أي حظوظهم، فقدموها وآقروها فكان ذلك عين ~~فأخبرها عكس ما فعل المؤمنون من بيعهم لأنفسهم وخروجهم عنها بتعبدهم لله ~~بإيثار ما يرضيه ع لى هوى أنفسهم، فكان ذلك عين تحصيلها وتقديمها، ثم فسر ~~الضمير العائد على المبهم المأخوذ في إحراز النفس فقال: (أن يكفروا) أي ~~يستروا على التجدد والاستمرار علمهم) بما أنزل الله (الذي لا كفؤ له، أي ~~اشتروا أنفسهم فأبقوها لهم على زعمهم بالكفر ولم يجعلوها تابعة؛ ويجوز أن ~~يكون) اشتروا (بمعنى باعوا، لأنهم بذلوها للشيطان بالكفر كما بذل المؤمنون ~~أنفسهم لله بالإيمان. # ثم علل كفرهم بقوله: (بغيا) أي حسدا وظلما لأن تكون النبوة في بني ~~إسماعيل عليه السلام. # وقال الحرالي: هو اشتداد في # PageV02P044 # طلب شيء ما - انتهى. # وأصله مطلق الطلب والإرادة، كأن ms0204 الإنسان لما كان مجبولا علىا لنقصان ~~ومطبوعا على الشر والعصيان إلا من عصم الله وأعان كان مذموما على مطلق ~~الإرادة، لأن من حقه أن لا تكون له خيرة ولا إرادة بل تكون إرادته تابعة ~~لإرادة مولاه كما هو شأن العبد - والله الموفق. # ثم علل بغيهم بقوله: (أن ينزل الله (ذو الجلال والإكرام) من فضله (وفي ~~صيغة) ينزل (إشعار بتمادي ما يغيظهم فيما يستقبل، وبشرى للنبي (صلى الله ~~عليه وسلم) والمؤمنين) على من يشاء من عباده (من العرب الذين حسدوهم. # ثم سبب عن ذلك قوله) فباؤوا) أي رجعوا لأجل ذلك) بغضب (في حسدهم لهذا ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) لكونه من العرب) على غضب (كانوا استحقوه بكفرهم ~~بأنبيائهم عنادا. # ثم علق الحكم الذي استحقوه بوصفهم تعميما # PageV02P045 # وإشارة إلى أنه سيؤمن بعضهم فقال: (وللكافرين) أي الذين هم راسخون في هذا ~~الوصف منهم ومن غيرهم) عذاب مهين (من الإهانة وهي الإطراح إذلالا واحتقارا. # ولما أقام سبحانه الدليل على استحقاقهم للخلود في النار بكفرهم بالكتاب ~~الذي كانوا يستفتحون بالآتي به أقام دليلا آخر على ذلك أبين منه وذلك ~~بكفرهم بكتابهم نفسه فقال: (وإذا قيل لهم) أي هؤلاء الذين نقضوا عهود ~~كتابهم) آمنوا بما أنزل الله) أي الملك الذي له # PageV02P046 # الأمر كله مطلقا. # وعلى جهة العموم من الكتب والصحف. # ولما رفع مقدارهم بالدعاء إلى الإيمان بما أسند إلى هذا الاسم الأعظم) ~~قالوا (تسفيلا لأنفسهم) نؤمن بما أنزل علينا (فأسقطوا اسم من يتشرف بذكره ~~ويتبرك باسمه وخصوا بعض ما أنزله. # ثم عجب من دعواهم هذه بقوله: (ويكفرون) أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون) ~~بما وراءه) أي وراء ما أنزل عليهم مما أنزل الله على رسله، وهو يشمل ما قبل ~~التوراة وما بعدها، لأن وراء يراد بها تارة خلف وتارة قدام، فإذا قلت: زيد ~~ورائي، صح أن يراد في المكان الذي أورايه أنا بالنسبة غلى من خلفي فيكون ~~أمامي، وأن يراد في المكان الذي هو متوار عني فيكون خلفي. # وقال الحرالي: وراء ما لا يناله الحس ولا ms0205 العلم حيث ما كان من المكان، ~~فربما اجتمع أن يكون الشيء وراء من حيث أنه # PageV02P047 # لا يعلم ويكون أماما في المكان - انتهى. # ) وهو) أي والحال أن ذلك الذي وراءه هو) الحق (الواصل إلى أقصى غاياته ~~بما دلت عليه (أل) قال الحرالي: فأنهاه لغاية الحق بكلمة (أل) لأن ما ثبت ~~ولا زوال له لانتهائه هو) الحق (وما ثبت وقتا ما ثم يتعقبه تكملة أو يقبل ~~زيادة فإنما هو (حق) منكر اللفظ، فإن بين المعروف بكلمة (أل) وبين المنكر ~~أشد التفاوت في المعنى - انتهى. # ) مصدقا لما معهم (فصح أنهم كافرون بما عندهم، لأن المكذب بالمصدق لشيء ~~مكذب بذلك الشيء. # PageV02P048 # ثم كشف ستر مقالتهم هذه بأبين نقض فقال) قل فلم) أي تسبب عن دعواكم هذه ~~أن يقال لكم: لم) تقتلون أنبياء الله (الملك الأعظم مع أن كتابكم محرم ~~لمطلق القتل فكيف بقتل الأنبياء ثم بين أن كفرهم بهذا القتل إنما هو بطريق ~~الرضى بقتل أسلافهم بقوله مثبتا الجار لأن ذلك كان منهم في بعض الأزمان ~~الماضية) من قبل (وفي صيغة المضارع تصوير لشناعة هذا القتل بتلك الحال ~~الفظيعة ورمز إلى أنهم لو قدروا الآن فعلوا فعلهم، لأن التقدير: وتصرون على ~~قتلهم من بعد؛ وفيه إيماء إلى حرصهم على قتل النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~تحذيرا منهم، ولقد صدق هذا الإيماء الواقع، فقد عزم بنو النضير على أن ~~يلقوا عليه صخرة، وسمه أهل خيبر. # ثم أورد مضمون دعواهم بأداة الشك فقال) إن كنتم مؤمنين (إشعارا بأن مثل ~~ذلك # PageV02P049 # لا يصدر من متلبس بالإيمان. # ولما دل على كذبهم في دعوى الإيمان بما فعلوا بعد موسى مما استحقوا به ~~الخلود في النار أقام دليلا آخر أقوى من كل ما تقدمه، فإنه لم يعهد إليهم ~~في التوراة ما عهد إليهم في التوحيد والبعد عن الإشراك وهو في النسخ ~~الموجودة بين أظهرهم الآن، وقد نقضوا جميع ذلك باتخاذ العجل في أيام موسى ~~وبحضرة هارون عليهما السلام كما هو منصوص الآن فيما بين أيديهم منها فقال ~~تعالى: (ولقد جاءكم ms0206 موسى بالبينات (من الآيات. # ولما كان كفرهم مع ذلك في غاية الاستبعاد عبر عنه بأداته مصورا لزيادة ~~قبحه بترتبه على أظهر البيان وموبخا لهم فقال: (ثم اتخذتم) أي مع العلاج ~~لفطركم الأولى وعقولكم السليمة (العجل) ونبه بالجار # PageV02P050 # على أن الاتخاذ في بعض زمن البعد فقال: من بعده أي بعد مفارقة موسى لكم ~~إلى الطور كما في الآية الأخرى # {فتنا قومك من بعدك} [طه: 85] ) وأنتم) أي والحال أنكم) ظالمون) أي لم ~~تزعموا أنه إلهكم على جهل منكم بل بعد مجيء البينات إليكم أن إلهكم إنما هو ~~الله الذي أنقذكم من العبودية وأراكم من العجائب الخوارق ما لا يقبل شكا ~~وسمعتم كلامه فعلمتم أنه ليس بجسم ولا يشبه الجسم، فلم تفعلوا ذلك غلا لأن ~~الظلم وهو المشي على غير نظام خبط عشواء وصف لكم لازم. # PageV02P051 # ثم ذكر أمرا آخر هو أبين في عنادهم وأنهم إنما هم مع الهوى فقال مقبلا ~~على خطابهم لأنه أشد في التقريع {وإذ أخذنا} وأظهره في مظهر العظمة تصويرا ~~لمزيد جرأتهم {ميثاقكم} على الإيمان والطاعة {ورفعنا فوقكم الطور} الجبل ~~العظيم الذي جعلناه زاجرا لكم عن الرضى بالإقامة في حضيض الجهل ورافعا إلى ~~أوج العلم وقلنا لكم وهو فوقكم {خذوا ما آتيناكم} من الأصول والفروع في هذا ~~الكتاب العظيم {بقوة} . # ولما كانت فائدة السماع القبول ومن سمع فلم يقبل كان كمن لم يسمع قال ~~{واسمعوا} وإلا دفناكم به، وذلك حيث يكفي غيركم في التأديب رفع الدرة ~~والسوط عليه فينبعث للتعلم الذي أكثر النفوس الفاضلة تتحمل فيه المشاق ~~الشديدة لما له من الشرف ولها به من الفخار؛ # PageV02P052 # ولما ضلوا بعد هذه الآية الكبرى وشيكا مع كونها مقتضية للثبات على ~~الإيمان بعد أخذ الميثاق الذي لا ينقضه ذو مروءة فكان ضلالهم بعده منبئا عن ~~أن العناد لهم طبع لازم فكانوا كأنهم عند إعطاء العهد عاصون قال مترجما عن ~~أغلب أحوال أكثرهم في مجموع أزمانهم وهو ما عبر عنه في الآية السالفة ~~بقوله: {ثم توليتم} [البقرة: 83] مؤذنا بالغضب عليهم بالإعراض عن خطابهم ms0207 ~~بعد إفحامهم بالمواجهة في تقريعهم حيث ناقضوا ما قال لهم من السماع النافع ~~لهم فأخبروا أنهم جعلوه ضارا {قالوا سمعنا} أي بآذاننا {وعصينا} أي وعملنا ~~بضد ما سمعنا؛ وساقه لغرابته مساق جواب سائل كأنه قال: رفع الطور فوقهم أمر ~~هائل جدا # PageV02P053 # مقتض للمبادرة إلى إعطاء العهد ظاهرا وباطنا والثبات عليه فما فعلوا؟ ~~فقيل: بادروا إلى خلاف ذلك {وأشربوا} فأعظم الأمر بإسناد الفعل إليهم ثم ~~إلى قلوبهم، وهو من الإشراب وهو مداخلة نافذة سائغة كالشراب وهو الماء ~~المداخل كلية الجسم للطافته ونفوذه - قاله الحرالي: وقال الكشاف: وخلط لون ~~بلون {في قلوبهم العجل} أي حبه وحذفه للإيذان بشدة التمكن بحيث صار المضاف ~~هو المضاف إليه {بكفرهم} وفيه إشارة إلى أن من أعرض عن امتثال الأمر استحق ~~الإبعاد عن مقام الأنس. # قال الإمام أبو الحسن الحرالي في المفتاح الباب الثامن في وجوه بيان ~~الإقبال والإعراض في القرآن: اعلم أن كل مربوب يخاطب بحسب ما # PageV02P054 # في وسعه لقنه وينفى عنه ما ليس في وسعه لقنه فلكل سن من أسنان القلوب ~~خطاب إقبال بحسب لقنه، وربما كان له إباء عن بعض ذلك فيقع عنه الإعراض بحسب ~~بادي ذلك الإباء، وربما تلافته النعمة فعاد الإقبال إليه بوجه ما دون صفاء ~~الإقبال الأول، وربما تناسقت الإقبالات مترتبة فيعلو البيان والإفهام بحسب ~~رتبة من توجه إليه الإقبال، ويشتد الإدبار بحسب بادي الإدبار، وربما تراجع ~~لفف البيان فيها بعضها على بعض، فخطاب الإقبال على النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعظم إفهام في القرآن # {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} [الفرقان: 45] الآية {وهو الذي جعل لكم ~~الليل لباسا} [الفرقان: 47] الآية: تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين، ~~{أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما} ~~[الأنبياء: 30] أعرض عنهما الخطاب ونفى عنهم ما ليس في حالهم رؤيته. {خذوا ~~ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل ~~بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم} خاطبهم وأمرهم، فلما عصوا أعرض وجه ~~الخطاب عنهم ثم تلافاهم بخطاب لسان نبي الرحمة ms0208 لهم، واستمر إعراضه هو تعالى ~~عنهم في تمادي الخطاب {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1] تنزل ~~الخطاب في الرتبتين ليبين للأعلى ما يبينه للأدنى {ذلك خير لكم وأطهر} ~~[المجادلة: 12] # PageV02P055 # وهذا الباب عظيم النفع في الفهم لمن استوضح بيانه والتفاف موارده في ~~القرآن - انتهى. # والدليل الوجودي على إشرابهم حب العجل مسارعتهم إلى عبادة ما يشبهه في ~~عدم الضر والنفع والصورة، ففي السفر الرابع من التوراة في قصة بالاق ملك ~~الأمورانيين الذي استنجد بلعام بن بعور ما نصه: وسكن بنو إسرائيل ساطيم ~~وبدأ الشعب أن يسفح ببنات مواب ودعين الشعب إلى ذبائح آلهتهم وأكل الشعب من ~~ذبائحهم وسجدوا لآلهتهم وكمل بنو إسرائيل العبادة بعليون الصنم واشتد غضب ~~الله على بني إسرائيل - انتهى. # ولما بين سبحانه عظيم كفرهم وعنادهم مع وقاحتهم بادعاء الإيمان والاختصاص ~~بالجنان أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم على وجه التهكم بهم مؤكدا ~~لذمهم بالتعبير بما وضع لمجامع الذم فقال # PageV02P056 # {قل بئسما} أي بئس شيئا الشيء الذي {يأمركم به} من الكفر {إيمانكم} هذا ~~الذي ادعيتموه؛ وأوضح هذا التهكم بقوله على سبيل الفرض والتشكيك {إن كنتم ~~مؤمنين} على ما زعمتم، فحصل من هذا أنهم إما كاذبون في دعواهم، وإما أنهم ~~أجهل الجهلة حيث عملوا ما لا يجامعه الإيمان وهم لا يعلمون. # PageV02P057 # ولما نهضت الأدلة على أنه لا حظ لهم في الآخرة غير النار وذلك نقيض ~~دعواهم أنها لهم فقط في قولهم {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: ~~80] تفسيرهم ذلك بأنها سبعة أيام وأنا نخلفهم فيها ختم سبحانه ذلك بدليل ~~قطعي بديهي فقال {قل إن كانت} وقدم الجار إشعارا بالاختصاص فقال: {لكم ~~الدار الآخرة} أي كما زعمتم، وميزها بقوله: {عند الله} الذي له الكمال كله ~~وبين المراد بقوله {خالصة} ولما ذكر الخلوص تأكيدا للمعنى زاده تأكيدا ~~بقوله {من دون الناس} أي سائرهم لا يشرككم فيها أحد منهم من الخلوص وهو ~~تصفية الشيء مما يمازجه في خلقته مما هو دونه - قاله الحرالي. {فتمنوا ~~الموت} لأن ذلك علم على ms0209 صلاح حال العبد مع ربه وعمارة ما بينه وبينه ورجائه ~~للقائه. # قال الحرالي: فعلى قدر نفرة النفس من الموت يكون ضعف منال النفس مع ~~المعرفة التي بها تأنس بربها فتتمنى لقاءه وتحبه، ومن أحب لقاء الله أحب ~~الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، يقع ذلك لعامة المؤمنين عند # PageV02P058 # الكشف حال الغرغرة، ولخاصة المؤمنين في مهل الحياة لأنهم لو كشف لهم ~~الغطاء لم يزدادوا يقينا، فما هو للمؤمن بعد الكشف من محبة لقاء الله فهو ~~للموقن في حياته ويقظته، لكمال الكشف له مع وجود حجاب الملك الظاهر؛ ولذلك ~~ما مات نبي حتى يخير فيختار لقاء الله، لتكون وفادته على الله وفادة محب ~~مبادر، ولتقاصر المؤمن عن يقين النبي يتولى الله الخيرة في لقائه، لأنه ~~وليه، ومنه ما ورد: «ما ترددت في شيء ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره ~~الموت، وأنا أكره مساءته ولا بد له منه» ففي ضمن ذلك اختيار الله للمؤمن ~~لقاءه، لأنه وليه يختار له فيما لا يصل إليه إدراكه - انتهى. # PageV02P059 # ثم سجل عليهم بالكذب فقال: {إن كنتم صادقين} أي معتقدين للصدق في دعواكم ~~خلوصها لكم، ولما كان التقدير: فقال لهم فما تمنوه؟ عطف عليه قوله - إخبارا ~~بالغيب قطعا للعناد مؤكدا لأن ادعاءهم الخلوص أعظم من ادعائهم الولاية كما ~~في سورة الجمعة: {ولن يتمنوه أبدا} ، ثم ذكر السبب في عدم التمني فقال: ~~{بما قدمت} وهو من التقدمة وهي وضع الشيء قداما وهو جهة القدم الذي هو ~~الأمم والتجاه أي قبالة الوجه - قاله الحرالي: وعبر باليد التي بها أكثر ~~الأفعال إشارة إلى أن أفعالهم لقباحتها كأنها خالية عن القصد فقال: # PageV02P060 # {أيديهم} أي من الظلم وإلى ذلك أشار قوله: عاطفا على ما تقديره: فالله ~~عليم بذلك؟ {والله} الذي لا كفؤ له {عليم بالظالمين} أي كلهم حيث أظهر ~~تنبيها على الوصف الموجب للحكم وتعميما وتهديدا. # ولما بين أنهم لا يتمنونه أثبت لهم ما هو فوق ذلك من تمني الضد الدال على ~~علمهم بسوء منقلبهم فقال: {ولتجدنهم} أي بما ms0210 تعلم من أحوالهم مما منه ~~الوجدان. وهو إحساس الباطن بما هو فيه والإصابة أيضا لما له علقة الباطن، ~~كأنه فيه {أحرص} صيغة مبالغة من الحرص، # PageV02P061 # وهو طلب الاستغراق فيما يختص فيه الحظ - قاله الحرالي: {الناس على حياة} ~~على أي حالة كانت وهم قاطعون بأنه لا يخلو يوم منها عن كدر فإنهم يعلمون ~~أنها وإن كانت في غاية الكدر خير لهم مما بعد الموت {ومن} أي وأحرص من ~~{الذين أشركوا} الذين لا بعث عندهم على الحياة علما منهم بأنهم صائرون إلى ~~العذاب الدائم بالسيئات المحيطة والشرك. قال الحرالي: إسناد الأمر المختص ~~بواحد إلى من ليس له معه أمر - انتهى. # ثم بين مقدار ما يتمنونه فقال: {يود} من الود وهو صحة نزوع النفس للشيء ~~المستحق نزوعها له - قاله الحرالي. {أحدهم} أي أحد من تقدم من اليهود ~~والمشركين بجميع أصنافهم، أو من اليهود خاصة، أو من المشركين فتكون ودادة ~~اليهود من باب الأولى. قال الحرالي: وهو نحو من خطاب القرآن لا يصل إليه ~~إبلاغ الخلق {لو يعمر} من التعمير وهو تمادي العمر كأنه تكرار، والعمر أمد ~~ما بين بدو الشيء # PageV02P062 # وانقطاعه - قاله الحرالي. {ألف سنة} خوفا من الموت أو ما بعده، والألف ~~كمال العدد بكمال ثالثة رتبة؛ والسنة أمد تمام دورة الشمس وتمام ثنتي عشرة ~~دورة القمر - قاله الحرالي. وهذا المعنى وإن كان موجودا في الحول والعام ~~والحجة غير أن مأخذ الاشتقاق ملاحظ في الجملة، فلبلاغة القرآن لا يطلق واحد ~~من هذه الألفاظ إلا فيما يناسب السياق من أصل اشتقاق هذه الألفاظ، فهذا ~~السياق لما كان المراد به ذمهم بتهالكهم على بقائهم في الدنيا على أي حالة ~~كانت علما منهم بأنها ولو كانت أسوأ الأحوال خير لهم مما بعد الموت لتحقق ~~شقائهم عبر بما منه الإسنات وهو القحط وسوء الزمان. أو ما منه الدوران الذي ~~فيه كد وتعب إن كان أصلها من سنا يسنو إذا دار حول البئر قال السهيلي في ~~الروض: وقد تسمى السنة دارا في الخبر: إن بين آدم ونوح ألف ms0211 دار - أي سنة، ~~ثم قال: فتأمل هذا فإن العلم بتنزيل الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها ~~اللائقة بها يفتح بابا من العلم بإعجاز القرآن والله المستعان. {وما هو} أي ~~تعميره {بمزحزحه} والزحزحة إبعاد الشيء المستثقل المترامي لما يبعد عنه - ~~قاله الحرالي: {من العذاب} # PageV02P063 # أي زحزحة مبتدأة من العذاب، وعبر بمن دون عن إعلاما بأنهم لم يفارقوا ~~العذاب دنيا ولا آخرة وإن لم يحسوا به في الدنيا، ثم فسر الضمير بقوله: {أن ~~يعمر} إنما تزحزحه الطاعة المقرونة بالإيمان الصحيح الذي ليس فيه تفرقة. ~~ولما كان التقدير: لأنهم يعملون في أعمارهم الأعمال السيئة المحيطة، عطف ~~عليه قوله: {والله} الذي له الأمر كله {بصير بما يعملون} . # ولما ذكر عداوتهم لأخص البشر واجتراءهم عليه بالتكذيب # PageV02P064 # والقتل، وختم ذلك بعداوتهم لأكمل الخلق وأخصهم حسدا لنزول هذا الذكر عليه ~~عبارة ثم إشارة بما رمزه إلى نصبهم لقتله وأنهى ذلك بأنه لا محيص لهم من ~~العذاب، لأنه بصير بأعمالهم الموجبة له ذكر ما هو من دقيق أعمالهم في ~~عراقتهم في الكفر بعداوتهم لخواص الملائكة الذين هم خير محض لا حامل أصلا ~~على بغضهم إلا الكفر، وبدىء بذكر المنزل للقرآن، لأن عداوتهم للمنزل عليه ~~لأجل ما نزل عليه عداوة لمنزله، لأنه سبب ما كانت العداوة لأجله، فقال آمرا ~~له صلى الله عليه وسلم إعلاما بما أبصره من خفي مكرهم القاضي بضرهم: {قل} ~~أو يقال - وهو أحسن وأبين وأمتن: ولما أمره صلى الله عليه وسلم بما دل على ~~كذبهم في ادعائهم خلوص الآخرة لهم وأخبر بأنه لا بد من عذابهم أمره بدليل ~~آخر على كلا الأمرين، فعلى تقدير كونه دليلا على الأول يكون منسوقا على ~~{قل} الأولى بغير عاطف إشعار بأن كلا من الدليلين كاف فيما سيق له: على ~~تقدير كونه دليلا على الثاني الذي خصه يكون جوابا لمن كأنه قال: لم لا ~~يزحزحهم عن التعمير عن العذاب؟ {قل} # PageV02P065 # أي لهؤلاء الذين ادعوا أن دار الملك خالصة لهم وهم يعادون خواص جنده {من} ~~وهي اسم مبهم يشمل الذوات العاقلة آحادا ms0212 وجموعا واستغراقا - قاله الحرالي: ~~{كان عدوا لجبريل} أي فإنه لا يضر إلا نفسه، لأنه لا يبلغ ضره بوجه من ~~الوجوه ولعداوته بعداوته له لله الذي خصه بقربه واختياره لرسالته، فكفر ~~حينئذ هذا المعادي له بجميع كتب الله ورسله؛ وجبريل قال الحرالي: يقال هو ~~اسم عبودية، لأن إيل اسم من أسماء الله عز وجل في الملأ الأعلى وهو يد بسط ~~لروح الله في القلوب بما يحييها الله به من روح أمره إرجاعا إليه في هذه ~~الدار قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض من عزرائيل عليه السلام - انتهى. # ثم علل هذا الخبر المحذوف بما أرشد إليه فقال: {فإنه} أي جبريل {نزله} أي ~~القرآن الذي كفروا به، لحسدهم للذي أنزل عليه بعد ما كانوا يستفتحون به. ~~الآتي بما ينفعهم، الداعي إلى ما يصلحهم # PageV02P066 # فيرفعهم، ولما كان المراد تحقيق أنه كلام الله وأنه أمر بإبلاغه جمع بين ~~{قل} وبين {على قلبك} أي وهو أكمل القلوب، دون أن يقال: على قلبي - المطابق ~~لقل؛ وأداة الاستعلاء دالة على أن المنزل تمكن في القلب فصارت مجامعه ~~مغمورة به، فكان مظهرا له {بإذن الله} الملك الأعظم الذي له الأمر كله. ~~فليس لأحد إنكار ما أذن فيه. والنازل به لم يتعد شيئا مما أمر به؛ والإذن ~~رفع المنع وإيتاء المكنة كونا وخلقا ما لم يمنعه حكم تصريف - قاله الحرالي: ~~{مصدقا لما بين يديه} من كتب الله التي أعظمها كتابهم. فكانوا أحق الناس ~~بالإيمان به وكان جبريل عليه السلام أحق الملائكة بمحبتهم له # PageV02P067 # لإنزاله، وكان كفرهم به كفرا بما عندهم، فلا وجه لعداوتهم له؛ والبين حد ~~فاصل في حس أو معنى - قاله الحرالي: {وهدى} إلى كل خير، لأنه بيان ما وقع ~~التكليف به من أفعال القلوب والجوارح {وبشرى} أي ببيان الثواب {للمؤمنين} ~~أي الذين لهم الإيمان وصف لازم، فلا يفرقون بين كتب الله ولا بين رسله، بل ~~حيثما قادهم الحق انقادوا؛ فلا يدخل في ذلك الذين آمنوا بألسنتهم # {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] ولا من علم الله منه ms0213 ذلك ~~ولو كان قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم - الله أعلم بما كانوا عاملين؛ فلو ~~أنهم مؤمنون لما عادوا من نزل به بشرى لهم ولكنهم كفرة فهم في العذاب، ~~والآخرة ليست لهم بل عليهم. # ولما كانت عداوة واحد من الحزب لكونه من ذلك الحزب عداوة لجميع ذلك الحزب ~~تلاه بقوله: {من كان عدوا لله} ذي الجلال والإكرام لعداوته واحدا من ~~أوليائه لكونه من أوليائه {وملائكته} # PageV02P068 # النازلين بأمره {ورسله} من البشر وغيرهم، وخص من بينهم بالذكر من حباه ~~بالفضل فقال: {وجبريل وميكال} ، فإنه قد كفر فأهلك نفسه بكفره، وعلى ذلك دل ~~قوله: {فإن الله} الملك الأعلى: {عدو للكافرين} حيث أظهر ولم يضمر، وعبر ~~بالوصف اللازم صرفا للخطاب عمن يتعظ منهم فيرجع فلا تلحقه المعاداة لذلك؛ ~~وميكال يقال هو اسم عبودية أيضا وهو يد بسط للأرزاق المقيمة للأجسام كما أن ~~إسرافيل يد بسط للأرواح التي بها الحياة - قاله الحرالي. # ولما فرغ من ترغيبهم في القرآن بأنه من عند الله وأنه مصدق لكتابهم وفي ~~جبريل بأنه الآتي به بإذن الله ومن ترهيبهم من عداوته أتبعه مدح هذا القرآن ~~وأنه واضح الأمر لمريد الحق وإن كفر به منهم أو من غيرهم فاسق أي خارج عما ~~يعرف من الحق فإنه بحيث لا يخفى على أحد فقال تعالى - عطفا على قوله: {فإنه ~~نزله على قلبك بإذن الله} [البقرة: 97] ، أو قوله: {ولقد جاءكم موسى ~~بالبينات} [البقرة: 92] ، أو على ما تقديره: فلقد بان بهذا الذي نزله جبريل ~~عليه السلام أن الآخرة ليست خالصة لهم وأنهم # PageV02P069 # ممن أحاطت به خطيئته لكفره -: {ولقد أنزلنا} بعظمتنا في ذلك وغيره {إليك} ~~وأنت أعظم الخلق {آيات بينات} في الدلالة على صدقك وصحة أمرك، والبينة ~~الدلالة الفاصلة بين القصة الصادقة والكاذبة، ففسقوا بكفرهم بها {وما يكفر ~~بها} منهم ومن غيرهم {إلا الفاسقون} الذين الفسق لهم صفة لازمة، وعن الحسن ~~أن الفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي وقع على أعظمه من كفر وغيره # PageV02P070 # وفي ذلك رجوع إلى وصف الكتاب الذي هو مقصود السورة. # ولما ms0214 أنكر عليهم أولا ردهم للرسل لأمرهم بمخالفة الهوى في قوله: {أفكلما ~~جاءكم رسول} [البقرة: 87] وأتبعه بما يلائمه إلى أن ختم بأن آيات هذا ~~الرسول من الأمر البين الذي يشهد به كتابهم وقد أخذ عليهم العهد باتباعه ~~كما أرشد إلى قوله تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى} [البقرة: 38] الآية، أنكر ~~عليهم ثانيا كفرهم بما أتى به الرسل بقوله: {أو كلما عاهدوا عهدا نبذه} أي ~~طرحه محتقرا له {فريق منهم} أي ناس شأنهم السعي في الفرقة. ولما كان هذا ~~مترددا بين التقليل والتكثير لتردد التنوين بين التعظيم والتحقير رد احتمال ~~التقليل بقوله: {بل} أي وليس الفريق الكافر بالنبذ أقلهم بل {أكثرهم لا ~~يؤمنون} حالا ولا مآلا. # PageV02P071 # ثم أتبع هذا الإنكار ذكر الكتاب والرسول كما فعل في الإنكار الأول غير ~~أنه صرح هنا بما طواه هناك فقال: {ولما جاءهم رسول} أي عظيم محيطة دعوته ~~بما أشعر به الاسم الأعظم في قوله {من عند الله} أي الملك الذي له جميع ~~الملك والأمر {مصدق لما معهم} لكونه # PageV02P071 # أتى بكتاب محقق أنه من عند الله لإعجاز نظمه وتصديق معناه لكتابهم {نبذ} ~~أي رمى رمي استخفاف {فريق من الذين أوتوا الكتاب} الأول {كتاب الله} الملك ~~الأعلى الذي أخذ عليهم فيه الميثاق على لسان نبيهم باتباع النبي الأمي أسوأ ~~النبذ بجعله لاستخفافهم به {وراء ظهورهم} بتركهم العمل به وإن حلوه بالذهب ~~ووضعوه على الكراسي بين أيديهم. وأشعر بعنادهم بقوله: {كأنهم لا يعلمون} ~~ولما كانت سنة الله جارية بأنه ما أمات أحد سنة إلا زاد في خذلانه بأن أحيى ~~على يده بدعة أعقبهم نبذهم لكلام الله أولى الأولياء إقبالهم على كلام ~~الشياطين الذين هم أعدى الأعداء فقال تعالى: {واتبعوا ما تتلوا} أي تقرأ أو ~~تتبع، وعبر بالمضارع إشارة إلى كثرته وفشوه # PageV02P072 # واستمراره {الشياطين على ملك} أي زمن ملك {سليمان} من السحر الذي هو كفر. ~~قال الحرالي: من حيث إن حقيقته أمر يبطل بذكر اسم الله ويظهر أثره فيما قصر ~~عليه من التخييل والتمريض ونحوه بالاقتصار به من دون اسم الله ms0215 الذي هو كفر ~~- انتهى. وكأن السحر كان في تلك الأيام ظاهرا عاليا على ما يفهمه التعبير ~~بعلى، وأحسن من هذا أن يضمن {تتلوا} تكذب، فيكون التقدير: تتلو كذبا على ~~ملكه، كما أشار إليه ما رواه البغوي وغيره عن الكلبي وكذا ما روي عن السدي، ~~وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: وروى في الحديث: «أنه ~~لما مات سليمان عليه السلام عمدت الشياطين فكتبت أصناف السحر: من كان يحب ~~أن يبلغ كذا فليفعل كذا، وجعلوه في كتاب ثم ختموه بخاتم سليمان وكتبوا في ~~عنوانه: هذا كتاب آصف بن برخيا الصديق لسليمان بن داود عليهما السلام من ~~ذخائر # PageV02P073 # كنوز العلم، ثم دفنوه تحت كرسيه؛ فاستخرجه بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين ~~أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: ما كان ملك سليمان إلا بهذا، ~~فأفشوا السحر في الناس، فليس هو في أحد أكثر منه في يهود» انتهى. # وسليمان - على ما ذكر في أول إنجيل متى أثناء إنجيل لوقا - هو ابن داود ~~بن لسى ابن عونيد بن باعاز بن سلمون بن يصون بن عميناداب بن أرام بن يورام ~~بن حصرون بن فارض بن يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ~~والحاصل أنهم مع تركهم للكتب المصدقة لما معهم، الكفيلة بكل هدى وبركة، ~~الآتية من عند الله المتحبب إلى عباده بكل جميل، على ألسنة رسله الذين هم ~~أصدق الناس وأنصحهم وأهداهم، لا سيما هذا الكتاب المعجز الذين كانوا ~~يتباشرون بقرب زمن صاحبه، اتبعوا السحر الذي هو أضر الأشياء وأبشعها، الآتي ~~به الشياطين الذين هم أعدى الأعداء وأفظعها، وأعجب ما في ذلك أنهم نسبوا ~~السحر إلى سليمان عليه السلام كذبا وفجورا وكفروه به ثم كانوا هم أشد الناس ~~تطلبا له ومصاحبة علما وعملا وأكثر ما يوجد فيهم، فكانوا بذلك شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر؛ ومن المحاسن أيضا أنه لما كان قوله: # {ولقد # PageV02P074 # آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل} [البقرة: 87] وما بعده في ~~الكتب والأنبياء والرسل من البشر والملائكة كانت فذلكته ms0216 أن الكفرة من أهل ~~الكتاب نبذوا ذلك كله ونابذوه وأقبلوا على السحر الذي كان إبطاله من أول ~~معجزات نبيهم وأعظمها؛ فهو أشد شيء منافاة لشرعهم مع علمهم بأن ذلك يضرهم ~~في الدارين ولا ينفعهم. # ولما اعتقد أهل الكتاب بعد موت سليمان عليه السلام أن السحر منه، وأن ~~انتظام ملكه على الإنس والجن والطير والوحش والريح إنما كان به، نفى الله ~~تعالى ذلك عنه بقوله: {وما كفر سليمان} ، قال الحرالي: يقال هو من السلامة، ~~فإنه من سلامة صدره من تعلقه بما خوله الله تعالى من ملكه {هذا من فضل ربي ~~ليبلوني ءأشكر أم أكفر} [النمل: 40] # PageV02P075 # وهو واحد كمال في ملك العالم المشهود من الأركان الأربعة وما منها من ~~المخلوقات - انتهى. أي ما وقع منه كفر ما فضلا عن أن يكون بالسحر الذي هو ~~أبعد الأشياء عن آيات الأنبياء {ولكن الشياطين كفروا} . # ثم بين كفرهم بقوله: {يعلمون الناس} أي المضطرين الذين لم يصلوا إلى سن ~~الذين آمنوا {السحر} أي الذي ولدوه هم بما يزينونه من حاله ليعتقد أنه مؤثر ~~بنفسه ونحو ذلك، كما أن الأنبياء وأتباعهم يعلمون الناس الحق بما يبينونه ~~من أمره. والسحر قال الحرالي: هو قلب الحواس في مدركاتها عن الوجه المعتاد ~~لها في صحتها عن سبب باطل لا يثبت مع ذكر الله عليه. وقال الكرماني: أمر ~~خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا تتعذر معارضته. وقال الأصفهاني: اختلفوا ~~في تعلمه على ثلاثة أوجه: أحدها أنه حرام، الثاني أنه مكروه، الثالث أنه ~~مباح، والحق أنه إن كان تعلمه للعمل فهو حرام، وإن كان لتوقيه وعدم ~~الاغترار به فهو مباح، وقال: والمراد بالسحر ما يستعان # PageV02P076 # في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب ~~إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون ~~وبهذا يميز الساحر عن الولي والنبي؛ وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب ~~الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير حرام، وتسميته ~~سحرا على التجوز لما فيه ms0217 من الدقة، لأنه في الأصل لما خفي سببه. # وقوله: {وما} ، أي واتبعوا أو ويعلمون {ما أنزل على الملكين} قال ~~الحرالي: فيه إنباء بأن هذا التخييل ضربان: مودع في الكون هو أمر الشياطين، ~~ومنزل من غيب هو المتعلم من الملكين؛ وقال: {ببابل} تحقيقا لنزولهما إلى ~~الأرض {هاروت وماروت} بدل من الملكين، كأنهما لما كانا مع الحاجة إليهما لا ~~يحتاجان إلى أحد # PageV02P077 # وصفا أيضا بكونهما ملكين - بكسر اللام، وعبارة الحرالي: ملكان جعلا ملكين ~~في الأرض، والآية من إظهار الله للملائكة أفضل الخليفة. ثم بين نصيحة ~~الملكين بقوله: {وما} فأنبأ أن التقدير: وما كفر الملكان كما كفر الشياطين ~~فإنهما ما {يعلمان} ، وزيادة من في قوله: {من أحد} لتأكيد الاستغراق {حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة} أي على صورة الاختبار من الله لعباده، فإنه يعلم نبأ ~~من يختار السحر لما فيه من النفع العاجل على أمر النبوة فيكفر، ومن يعلم ~~حقيقته لئلا يقع فيه وهو لا يشعر ثم يتركه إقبالا على دين الله؛ ووحد ~~والمخبر عنه اثنان لأنها مصدر وهو لا يثنى ولا يجمع. قال الحرالي: وأصل ~~معناها من فتن الذهب وهو تسخيره ليظهر جوهره ويتخلص طيبه من خبيثه - انتهى. ~~{فلا تكفر} بالعمل بما نعلمكه، فإن العمل به كفر، أو باعتقاد أنه حق مغن ~~عما جاء عن الله، أو مؤثر بنفسه {فيتعلمون منهما ما يفرقون به} مخالفة ~~للملكين في النهي عن ذلك، وذكر الفرقة في أشد الاتصال ليفهم منه ما دونه ~~فقال: {بين المرء وزوجه} ، والمرء اسم سن من أسنان # PageV02P078 # الطبع يشارك الرجل به المرأة ويكون له فيه فضل ما ويسمى معناه المروة - ~~قاله الحرالي. # ولما ذكر السبب القريب للضرر رده إليه ترقية للذهن الثاقب إلى أعلى ~~المراتب وصونا له عن اعتقاده ما لا يناسب فقال: {وما هم بضارين} وهو من ~~الضر - بالفتح والضم - وهو ما يؤلم الظاهر من الجسم وما يتصل بمحسوسه، في ~~مقابلة الأذى وهو إيلام النفس وما يتصل بأحوالها، وتشعر الضمة في الضر بأنه ~~عن علو وقهر، والفتحة بأنه ما يكون عن ms0218 مماثل ونحوه، وقل ما يكون عن الأدنى ~~إلا أذى ومنه {لن يضروكم إلا أذى} [آل عمران: 111] قاله الحرالي: {به من ~~أحد} . ولما أكد استغراقه بضروب من التأكيد تلاه بمعيار العموم فقال: {إلا ~~بإذن الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلما ولا كفؤ له، وفيه إعلام لهم بأن ضرره # PageV02P079 # لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الضرر الضعيف حيث سحره لبيد بن الأعصم ~~إنما هو كضرر غيره من الأسباب التي قد تخفى فيضاف الأمر في ضررها إلى الله ~~تعالى، وقد تعرف فيضاف الضرر إليها كما كان يحصل لغيره من إخوانه من ~~الأنبياء منهم ومن غيرهم، والعلم حاصل بأن المؤثر في الجميع في الحقيقة هو ~~الله تعالى، وسيأتي عند قوله تعالى: # {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها} [الأنعام: 97] في سورة الأنعام ما ~~ينفع استحضاره هنا. # ولما كان هذا الذي تقدم وإن كان للعامل به نفع على زعمه فضره أكبر من ~~نفعه اتبعه قسما آخر ليس للعامل به شيء غير الضر؛ فليس الحامل على تعلمه ~~إلا إيثارا للحاق بإبليس وحزبه فقال: {ويتعلمون} ، أي من السحر الذي ولده ~~الشياطين لا من الملكين {ما يضرهم} لأن مجرد العمل به كفر أو معصية ثم حقق ~~أنه ضرر كله لا شائبة للنفع فيه بقوله: {ولا ينفعهم} # PageV02P080 # لأنه لا تأثير له أصلا، والنفع وصول موافق الجسم الظاهر وما يتصل به في ~~مقابلة الضر، ولذلك يخاطب به الكفار كثيرا لوقوع معنيهما في الظاهر الذي هو ~~مقصدهم من ظاهر الحياة الدنيا - قاله الحرالي. # ثم أتبعه ما يعرف أنهم ارتكبوه على علم فقال محققا مؤكدا: {ولقد علموا} ، ~~بيانا لأنهم أسفه الناس {لمن اشتراه} أي آثره على ما يعلم نفعه من الإيمان ~~{ما له في الآخرة} الباقية الباقي نفعها {من خلاق} أي نصيب موافق أصلا، ~~والخلاق الحظ اللائق لمن يقسم له النصيب من الشيء كأنه موازن به خلق نفسه ~~وخلق جسمه - قاله الحرالي. # ثم جمع لهم المذام على وجه التأكيد فقال: {ولبئس ما شروا} ، أي باعوا على ~~وجه اللجاجة {به أنفسهم} إشارة ms0219 إلى أنه مما أحاط بهم فاجتثت نفوسهم من ~~أصلها فأوجب لهم الخلود في النار، ثم قال بعد إثبات العلم لهم: {لو كانوا ~~يعلمون} ، أي لو كان لهم قابلية لتلقي واردات # PageV02P081 # الحق، إشارة إلى أن هذا لا يقدم عليه من له أدنى علم، فعلمهم الذي أوجب ~~لهم الجرأة على هذا عدم بل العدم خير منه. # ولما بين ما عليهم فيما ارتكبوه من المضار اتبعه ما في الإعراض عنه من ~~المنافع فقال: {ولو أنهم آمنوا} أي بما دعوا إليه من هذا القرآن، ومن ~~اعتقاد أن الفاعل في كل شيء إنما هو الله لا السحر {واتقوا} ما يقدح في ~~الإيمان من الوقوف مع ما كان حقا فنسخ من التوراة فصار باطلا، ومن الإقدام ~~على ما لم يكن حقا أصلا من السحر لأثيبوا خيرا مما تركوا، لأن من ترك شيئا ~~عوضه الله خيرا منه؛ هكذا الجواب ولكنه عبر عنه بما يقتضي الثبوت والدوام ~~والشرف إلى غير ذلك مما يقصر عنه الأذهان من بلاغات القرآن فقال: {لمثوبة} ~~صيغة مفعلة من الثواب وهو الجزاء بالخير، وفي الصيغة # PageV02P082 # إشعار بعلو وثبات - قاله الحرالي، وشرفها بقوله: {من عند الله} الذي له ~~جميع صفات الكمال، وزادها شرفا بقوله: {خير} ، مع حذف المفضل عليه. # قاله الحرالي: وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند ~~الله تشريفا لهذه المثوبة وإلحاقا لها بالنمط العلي من علمه وحكمته ومضاء ~~كلمته - انتهى. وهذه المثوبة عامة لما يحصل في الدنيا والأخرى من الخيرات ~~التي منها ما يعطيه الله لصالحي عباده من التصرف بأسماء الله الحسنى على ~~حسب ما تعطيه مفهوماتها من المنافع، ومن ذلك واردات الآثار ككون الفاتحة ~~شفاء وآية الكرسي حرز من الشيطان ونحو ذلك من منافع القرآن والأذكار ~~والتبرك بآثار الصالحين ونحوه. # ثم أكد الخبر بأن علمهم جهل بقوله: {لو كانوا يعلمون} وقال الحرالي: فيه ~~إشعار برتبة من العلم أعلى وأشرف من الرتبة التي كانت تصرفهم عن أخذ السحر، ~~لأن تلك الرتبة تزهد في علم ما هو # PageV02P083 # شر وهذه ترغب في ms0220 منال ما هو خير؛ وفيه بشرى لهذه الأمة بما في كيانها من ~~قبول هذا العلم الذي هو علم الأسماء ومنافع القرآن يكون لهم عوضا من علم ~~السيميا الذي هو باب من السحر، وعساه أن يكون من نحو المنزل على الملكين، ~~قال صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من السحر، ~~زاد ما زاد» . # وحقيقة السيميا أمر من أمر الله أظهر آثاره في العالم الأرضي على سبيل ~~أسماء وأرواح خبيثة من مواطن الفتن في العلويات من النيرات والكواكب ~~والصور، وما أبداه منه في علوم وأعمال لا يثبت شيء منه مع اسمه تعالى، بل ~~يشترط في صحته إخلاؤه عن اسم الله وذكره والقيام بحقه وصرف التحنثات ~~والوجهة إلى ما دونه، فهو لذلك كفر موضوع فتنة من الله تعالى لمن شاء أن ~~يفتنه به، حتى كانت فتنة اسم السيميا من هدى الاسم بمنزلة اسم اللات والعزى ~~من هداية اسم الله العزيز، ولله كلية الخلق والأمر هدى وإضلالا إظهارا ~~لكلمته الجامعة الشاملة لمتقابلات الأزواج التي منتهاها قسمة إلى دارين: ~~دار نور رحماني من اسمه العزيز الرحيم، ودار نار انتقامي من اسمه الجبار ~~المنتقم {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} [الروم: 14] . # ولما جعل سبحانه من المضرة في السحر ونحوه كان من المثوبة لمن # PageV02P084 # آمن واتقى من هذه الأمة سورة الفلق والناس والمعوذتان حرزا وإبطالا ~~وتلقفا لما يأفك سحر الساحرات عوضا دائما باقيا لهذه الأمة من عصا موسى، ~~فهما عصا هذه الأمة التي تلقف ما يأفك سحر الساحرات عوضا دائما بما فيهما ~~من التعويذ الجامع للعوذة من شر الفلق الذي من لمحة منه كان السحر مفرقا، ~~فهما عوذتان من وراء ما وراء السحر ونحوه، وذلك من مثوبة الدفع مع ما أوتوا ~~من مثوبة النفع، ويكاد أن لا يقف من جاءه هذه الآية لهذه الأمة عند غاية من ~~منال الخيرات ووجوه الكرامات - انتهى. # ولما كان من الحق كما قال الحرالي إجراء الأمور على حكم ما أثبتها الحق ~~لأنها بذلك حق هو مثال للحق المبين ms0221 وصرفها إلى من لم يثبتها الحق في حيزه ~~إفك وقلب عن وجهه فهو خيال باطل هو في باب الرأي بمنزلة السحر في الحس فهو ~~خيال لما صحة النسبة فيه مثال اتبع الآيات الذامة للسحر الحقيقي التنبيه ~~على السحر المجازي الذي حيلوا به الخير وقصدوا به الشر ليكون النهي عنه ~~نهيا عن الأول بطريق الأولى فقال ملتفتا عن ذكرهم إلى خطاب المؤمنين الذي ~~هو أخص من {يا بني إسرائيل} الأخص من {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: ~~21] {يا أيها الذين # PageV02P085 # آمنوا} ، أي أقروا بالإيمان صدقوا إقراركم به بأن {لا تقولوا} للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: {راعنا} التي تقصدون بها الرعاية والمراقبة لمقصد الخير ~~وخفض الجانب، فاغتنمها اليهود لموافقة كلمة سيئة عندهم فصاروا يلوون بها ~~ألسنتهم ويقصدون بها الرعونة وهي إفراط الجهالة فنهاهم عن موافقتهم في ~~القول منعا للصحيح الموافق في الصورة لشبهه من القبيح وعوضهم منها ما لا ~~يتطرق إليه فساد فقال: {وقولوا انظرنا} فأبقى المعنى وصرف اللفظ. قال ~~الحرالي: ففيه إلزام تصحيح الصور لتطابق تصحيح المقاصد وليقع الفرق بين ~~الصورتين كما وقع الفرق بين المعنيين فهي آية فرقان خاصة بالعرب. قال ~~الأصفهاني: # PageV02P086 # وهذا النهي اختص بهذا الوقت، قال الواحدي لإجماع الأمة على جواز المخاطبة ~~بهذا اللفظ الآن وقال: {واسمعوا} أي قولوا ما أمرتكم به وامتثلوا جميع ~~أوامري ولا تكونوا كاليهود في حملهم السماع على حقيقته وقولهم {سمعنا ~~وعصينا} وعطف {وللكافرين} على غير معطوف عليه مذكور مرشد إلى أن التقدير: ~~فإن السماع أي القبول إيمان وللسامعين نعيم كريم والإعراض كفر وللكافرين من ~~اليهود وغيرهم {عذاب أليم} . # ولما أرشد ختم الآية إلى العلة الحاملة على الامتثال علل بعلة أخرى فقال: ~~{ما يود الذين كفروا} مطلقا {من أهل الكتاب} اليهود والنصارى {ولا} من ~~المشركين بأي نوع كان من أنواع # PageV02P087 # الشرك بغضا فيكم حسدا لكم {أن ينزل عليكم} وأكد الاستغراق بقوله: {من خير ~~من ربكم} أي المحسن إليكم، فكأنه قيل: للسماع علتان حاملتان عليه داعيتان ~~إليه: إحداهما أخروية وهي النعيم للمطيع والعذاب للعاصي، والأخرى ms0222 دنيوية ~~وهي مخالفة الأعداء، فإنهم ما يودون أن ينزل عليكم شيء لكم فيه خير فضلا عن ~~أن تمتثلوه، ومخالفة الأعداء من الأغراض العظيمة للمتمكنين في الأخلاق ~~الفاضلة من ذوي الأدوات الكاملة، ولم يعطف {ما يود} لأنه مع ذلك علة للعلة، ~~فكأنه قيل: لهم عذاب أليم لأنهم يودون لكم خيرا؛ فسماعكم من جملة عذابهم، ~~لأنه واقع على خلاف ودادتهم مع ما يدخر لهم في الآخرة بكفرهم وتمنيهم ~~كفركم، ولا يخفى ما فيها وفي التي بعدها من التحريض على الكتاب الذي لا ريب ~~فيه. # ولما بين سبحانه ما يودون أتبعه التعريف بأن له التصرف التام، رضي من رضي ~~وسخط من سخط فقال معلقا الأمر بالاسم الأعظم # PageV02P088 # الجامع: {والله} أي ما يودون والحال أن ذا الأسماء الحسنى {يختص} ولما ~~كان المنزل أتم الرحمة عبر عنه بقوله: {برحمته} التي وسعت كل شيء من ~~الهداية والعلم وغير ذلك {من يشاء} أي يجعله مختصا أي منفردا بها من بين ~~الناس، ولو كان عند غيره بمحل الاحتقار كما كان العرب عند بني إسرائيل لما ~~كانوا يرون من جهلهم وضلالهم وجفائهم واختلال أحوالهم؛ و «الاختصاص» عناية ~~تعين المختص لمرتبة ينفرد بها دون غيره، و «الرحمة» نحلة ما يوافي المرحوم ~~في ظاهره وباطنه، أدناه كشف الضر وكف الأذى، وأعلاه الاختصاص برفع الحجاب - ~~قاله الحرالي. ولما كان ذلك ربما أوهم أنه إذا فعله لم يبق من رحمته ما يسع ~~غير المختص نفاه بقوله مصدرا له بالاسم الأعظم أيضا عاطفا على ما أفهمه ~~الاختصاص من نحو أن يقال # PageV02P089 # تعريضا باليهود: فالله بمن يزوي عنه الرحمة عليم {والله} أي الملك الأعلى ~~الذي له جميع العظمة والرحمة فلا كفؤ له {ذو الفضل العظيم} أي الذي لا يحصر ~~بحد ولا يدخل تحت عد. # PageV02P090 # ولما حرم سبحانه قوله {راعنا} بعد حله وكان ذلك من باب النسخ وأنهى ما ~~يتعلق به بالوصف بالفضل العظيم بعد التخصيص الذي من مقتضاه نقل ما يكون من ~~المنافع من ملك أو دين أو قوة أو علم من ناس إلى ناس، ms0223 وكان اليهود يرون أن ~~دينهم لا ينسخ، فكان النسخ لذلك من مطاعنهم في هذا الدين وفي كون هذا ~~الكتاب هدى للمتقين، لأنه على زعمهم لا يجوز على الله، قالوا: لأنه يلزم ~~منه البدا - أي بفتح الموحدة مقصورا - وهو أن يبدو الشيء أي يظهر بعد أن لم ~~يكن، وذلك لا يجوز على الله تعالى، هذا مع أن النسخ في كتابهم الذي بين ~~أظهرهم، فإن فيه أنه تعالى أمرهم بالدخول إلى بيت المقدس بعد مقاتلة ~~الجبارين، فلما أبوا حرم عليهم دخولها ومنعهم منه ومن القتال بالقدرة ~~والأمر، كما ستراه عن نص التوراة في سورة المائدة إن شاء الله # PageV02P090 # تعالى، وأمرهم بالجمعة فاختلفوا فيه، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويأتي في قوله تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [النحل: 124] ~~واختاروا السبت، ففرض عليهم وشدد عليهم فيه وأحل لهم جميع اللحوم والشحوم، ~~لما اتخذوا العجل حرم عليهم الشحوم؛ وأعظم من ذلك تعاطيهم من النسخ ما لم ~~يأذن به الله في تحريفهم الكلم عن مواضعه، وتحريم الأحبار والرهبان ~~وتحليلهم لهم ما شاؤوا من الأحكام التي تقدم عد جملة منها أصولا وفروعا، ~~كما قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] ~~، ولما قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله! إنهم لم ~~يكونوا يعبدونهم، قال: أليسوا يحلون لهم ويحرمون؟ قال: بلى، قال: فتلك ~~عبادتهم لهم» كما هو مبين في السيرة في وفادة عدي؛ وكما فعلوا في إبدال ~~الرجم في الزنا بالتحميم والجلد؛ وفي اتباع ما تتلو الشياطين مع أن فيه ~~إبطال كثير من شرعهم؛ وفي نبذ فريق منهم كتاب الله؛ وفي قولهم: {سمعنا ~~وعصينا} [البقرة: 93] ، وفي اتخاذهم العجل مع النهي عن ذلك - وكل ما شاكله ~~في كثير من فصول التوراة وفيما أشير إليه بقوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب ~~وتكفرون ببعض} [البقرة: 85] إلى غير ذلك، لما كان ذلك قال تعالى جوابا عن ~~طعنهم # PageV02P091 # سابقا له في مظهر العظمة معلما أنه قد ألبس العرب المحسودين ما كان قد ~~زين ms0224 به أهل الكتاب دهورا فابتذلوه ودنسوا محياه ورذلوه وغيروه وبدلوه إشارة ~~إلى أن الحسد لكونه اعتراضا على المنعم يكون سببا لإلباس المحسود ثوب ~~الحاسد: {ما ننسخ} والنسخ قال الحرالي: نقل باد من أثر أو كتاب ونحوه من ~~محله بمعاقب يذهبه. # أو باقتباس يغني عن غيبته وهو وارد الظهور في المعنيين في موارد الخطاب؛ ~~والمعاقبة في هذا أظهر - انتهى. وساقها بغير عطف لشدة التباسها بما قبلها ~~لاختصاصنا لأجل التمشية على حسب المصالح بالفضل والرحمة، لأنه إن كان ~~المراد نسخ جميع الشرائع الماضية بكتابنا فلما فيه من التشريف بالانفراد ~~بالذكر وعدم التبعية والتخفيف للأحمال التي كانت، وإن كان المراد نسخ ما ~~شرع لنا فللنظر في المصالح الدنيوية والأخروية بحسب ما حدث # PageV02P092 # من الأسباب {من آية} أي فنرفع حكمها، أو تلاوتها بعد إنزالها، أو نأمر ~~بذلك على أنها من النسخ على قراءة ابن عامر، سواء كانت في شرع من قبل ~~كاستقبال بيت المقدس أو لم تكن؛ وفي صيغة نفعل إشعار بأن من تقدم ربما نسخ ~~عنهم ما لم يعوضوا به مثلا ولا خيرا، ففي طيه ترغيب للذين آمنوا في كتابهم ~~الخاص بهم وأن يكون لهم عند النسخ حسن قبول فرحا بجديد أو اغتباطا بما هو ~~خير من المنسوخ، ليكون حالهم عند تناسخ الآيات مقابل حال الآبين من قبوله ~~المستمسكين بالسابق المتقاصرين عن خير لاحق وجدته - قاله الحرالي: {أو ~~ننسأها} أي نؤخرها، أي نترك إنزالها عليكم أصلا، وكذا معنى {أو ننسها} من ~~أنسى في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو، أي نأمر بترك إنزالها # PageV02P093 # {نأت بخير منها أو مثلها} كما فعلنا في {راعنا} وغيرها. أو يكون المعنى ~~{ما ننسخ من آية} فنزيل حكمها أو لفظها عاجلا كما فعلنا في {راعنا} أو ~~{ننسأها} بأن نؤخر نسخها أو نتركه - على قراءة {ننسها} زمنا ثم ننسخها ~~كالقبلة {نأت} عند نسخها {بخير منها أو مثلها} ،، وقال الحرالي: وهو الحق ~~إن شاء الله تعالى. والنسء تأخير عن وقت إلى وقت، ففيه مدار بين السابق ~~واللاحق بخلاف النسخ، لأن النسخ ms0225 معقب للسابق والنسء مداول للمؤخر، وهو نمط ~~من الخطاب علي خفي المنحى، لم يكد يتضح معناه لأكثر العلماء إلا للأئمة من ~~آل محمد صلى الله عليه وسلم لخفاء الفرقان بين ما شأنه المعاقبة وما شأنه ~~المداولة. ومن أمثاله ما وقع في النسء من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~لحوم الأضاحي فتقبله الذين آمنوا نسخا، وإنما كان إنساء وتأخيرا لحكم # PageV02P094 # الاستمتاع بها بعد ثلاث إلى وقت زوال الدافة التي كانت دفت عليهم من ~~البوادي، فلم يلقن ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى فسره فقال: «إنما ~~نهيتكم من أجل الدافة» ، ففي متسع فقهه أن أحكاما تؤخر فتشابه النسخ من وجه ~~ثم تعاد فتخالفه من هذا الوجه من حيث إن حكمة المنسوخ منقطعة وحكمة المنسء ~~متراجعة. ومنه المقاتلة للعدو عند وجدان المنة والقوة والمهادنة عند الضعف ~~عن المقاومة هو من أحكام المنسء، وكل ما شأنه أن يمتنع في وقت لمعنى ما ثم ~~يعود في وقت لزوال ذلك المعنى فهو من المنسء الذي أهمل علمه أكثر الناظرين ~~وربما أضافوا أكثره إلى نمط النسخ لخفاء الفرقان بينهما؛ فبحق أن هذه الآية ~~من جوامع آي الفرقان، فهذا حكم النسء والإنساء وهو في العلم بمنزلة تعاقب ~~الفصول بما اشتملت عليه من الأشياء المتعاقبة في وجه المتداولة في الجملة. # قلت: وحاصله تأخير الحل كما ذكر أو الحرمة كما في المتعة ونحو ذلك إلى ~~وقت آخر وذلك هو مدلول النسء على ما كانت العرب تتعارفه كما سيأتي تحريره ~~في سورة براءة عند {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] قال: وأما ~~النسيان والتنسية فمعناه أخفى من النسيء وهو ما يظهره الله # PageV02P095 # من البيانات على سبيل إدخال النسيان على من ليس شأنه أن ينسء كالسنن التي ~~أبداها النبي صلى الله عليه وسلم عن تنسيته كما ورد من قوله: إني لأنسى ~~لأسن. وقال عليه الصلاة والسلام في إفصاح القول فيه: «بئسما لأحدكم أن ~~يقول: نسيت، بل هو نسي» ومنه قيامه من اثنتين وسلامه من اثنتين حتى أظهر ~~الله ms0226 سنة ذلك لأمته، وكانت تلك الصلاة بسهوها ليست بدونها من غير سهو بل هي ~~مثلها أو خير؛ ومن نحوه منامه عن الصلاة حتى أظهر الله توقيت الصلاة بالذكر ~~كما كان قد أظهرها # PageV02P096 # بالوقت الزماني، فصار لها وقتان: وقت نور عياني من مدارها مع الشمس، ووقت ~~نور وجداني من مدارها مع الذكر، ولصحة وقوعها للوقتين كانت الموقتة بالذكر ~~أداء بحسبه، قضاء بحسب فوت الوقت الزماني؛ فلله تعالى على هذه الأمة فضل ~~عظيم فيما يكمل لها على طريق النسخ وعلى سبيل النسء وعلى جهة النسيان الذي ~~ليس عن تراخ ولا إهمال وإنما يوقعه إجبارا مع إجماع العزم، وفي كل ذلك ~~إنباء بأن ما وقع من الأمر بعد هذا النسيان خير من موقع ذلك الأمر الذي كان ~~يقع على إجماع ورعاية لتستوي أحوال هذه الأمة في جميع تقلبات أنفسها، كل ~~ذلك من اختصاص رحمته وفضله العظيم - انتهى. واستدل سبحانه على إتيانه بذلك ~~بقدرته، والقدرة الشاملة التامة مستلزمة للعلم أي وليس هو كغيره من الملوك ~~إذا أمر بشيء خاف غائلة أتباعه ورعاياه في نقضه، واستدل على القدرة بأن له ~~جميع الملك وأنه ليس لأحد معه # PageV02P097 # أمر، وحاصل ذلك أنه لما ذكر سبحانه هذا الكتاب وأكد أمره مرارا وكان ~~ناسخا لفروع شريعتهم ولا سيما ما فيها من الآصار والأغلال أشار سبحانه إلى ~~أن من أعظم ضلالهم وغيهم ومحالهم، ادعاؤهم أن النسخ لا يجوز على الله، ~~فمنعوا من {لا يسأل عما يفعل} [الأنبياء: 23] مما هو موجود في كتابهم كما ~~أمر آنفا، ومما سوغوه لأنفسهم بالتحريف والتبديل، ولزم من ذلك تكذيب كل ~~رسول أتاهم بما لا تهوى أنفسهم، وفعلوا خلاف حال المؤمنين المصدقين بما ~~أنزل إلى نبيهم وما أنزل إلى غيره، وضمن ذلك عيبهم بالقدح في الدين بالأمر ~~بالشيء اليوم والنهي عنه غدا، وأنه لو كان من عند الله لما تغير لأنه عالم ~~بالعواقب، ولا يخلو إما أن يعلم أن الأمر بذلك الشيء مصلحة فلا ينهى عنه ~~بعد، أو مفسدة فلا يأمر به اليوم، جوابهم عن ذلك ms0227 معرضا عن خطابهم تعريضا ~~بغباوتهم إلى خطاب أعلم الخلق بقوله: {ألم تعلم أن الله} أي الحائز لجميع ~~أوصاف الكمال {على كل شيء قدير} على وجه الاستفهام المتضمن للإنكار ~~والتقرير المشار فيه للتوعد والتهديد، فيخلق بقدرته من الأسباب ما يصير ~~الشيء في وقت مصلحة وفي وقت آخر مفسدة لحكم ومصالح دبرها لتصرم هذا العالم. # ويقضي هذا الكون بشمول علمه بكل ما تقدم وما تأخر. # PageV02P098 # ولو أراد لجعل الأمر على سنن واحد والناس على قلب رجل واحد {ولو شاء ربك ~~لأمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] {لجعل الناس أمة واحدة} [هود: ~~118] ولكنه مالك الملك وملك السماوات والأرض، يتصرف على حسب ما يريد، لا ~~راد لأمره ولا معقب لحكمه، ولا يسوغ الاعتراض عليه بوجه، وهل يجوز أن يعترض ~~العبد الذي لا ينفك أصلا من الرق على السيد الثابت السودد على أنه لا يلزمه ~~شيء أصلا فلا يلزمه الأمر على حسب المصالح؛ ثم أتبع ذلك بما هو كالدليل على ~~شمول القدرة فقال: {ألم تعلم أن الله} الجامع لأنواع العظمة {له ملك ~~السماوات والأرض} يفعل في ذواتهما وأحوالهما ما يشاء. قال الحرالي: فهو بما ~~هو على كل شيء قدير يفصل الآيات، وهو بما له ملك السماوات والأرض يدبر ~~الأمر - انتهى. # ولما أتم سبحانه ما أراد من إظهار قدرته وسعة ملكه وعظمته بالاسم العلم ~~الذي هو أعظم من مظهر العظمة في ننسخ وننسا بالإقبال على خطاب من لا يعلم ~~ذلك حق علمه غيره فتهيأت قلوب السامعين وصغت لفت الخطاب إليهم ترهيبا في ~~إشارة إلى ترغيب فقال: {وما لكم # PageV02P099 # من دون الله} المتصف بجمع صفات العظمة {من ولي} يتولى أموركم، وهو من ~~الولاية، قال الحرالي: وهي القيام بالأمر عن وصلة واصلة {ولا نصير} فأقبلوا ~~بجميع قلوبكم إليه ولا تلفتوها عنه، وفي ذلك تعريض بالتحذير للذين آمنوا ~~ولم يبلغوا درجة المؤمنين من مخالفة أمره إذا حكم عليهم بما أراد كائنا ما ~~كان لئلا تلقن بواطنهم عن اليهود نحوا مما لقنت ظواهر ألسنتهم، بأن تستمسك ~~بسابق فرقانها فتتثاقل ms0228 عن قبول لاحقه ومكمله، فيكون ذلك تبعا لكثرة أهل ~~الكتاب في إبائها نسخ ما لحقه التغيير من أحكام كتابها - أفاده الحرالي ~~وقال: وهو في الحقيقة خطاب جامع لتفصيل ما يرد من النسخ في تفاصيل الأحكام ~~والأحوال بمنزلة الخطاب المتقدم في صدر السورة المشتمل على جامع ضرب ~~الأمثال في قوله تعالى: # {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما} [البقرة: 26] الآية، وذلك لأن هذه ~~السورة هي فسطاط القرآن # PageV02P100 # الجامعة لجميع ما تفصل فيه؛ وهي سنام القرآن، وسنام الشيء أعلاه؛ وهي ~~سيدة سور القرآن؛ ففيها لذلك جوامع ينتظم بعضها ببعض أثر تفاصيله خلالها في ~~سنامية معانيها وسيادة خطابها نحوا من انتظام آي سورة الفاتحة المنتظمة من ~~غير تفصيل وقع أثناءها ليكون بين المحيط الجامع والابتداء الجامع مشاكلة ما ~~- انتهى. ولما كان رسخ ما ذكره سبحانه من تمام قدرته وعظيم مملكته وما أظهر ~~لذاته المقدس من العظم بتكرير اسمه العلم وإثبات أن ما سواه عدم فتأهلت ~~القلوب للوعظ صدعها بالتأديب بالإنكار الشديد فقال: {أم} أي أتريدون أن ~~تردوا أمر خالقكم في النسخ أم {تريدون أن} تتخذوا من دونه إلها لا يقدر على ~~شيء بأن {تسألوا رسولكم} أن يجعل لكم إلها غيره {كما سئل موسى} ذلك. ولما ~~كان سؤالهم ذلك في زمن يسير أثبت الجار فقال: {من قبل} أي قبل هذا الزمان ~~إذ قال قومه بعد ما رأوا من الآيات وقد مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم: ~~{اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} [الأعراف: 138] وقالوا: {أرنا الله جهرة} ~~[النساء: 153] . وقالوا: {لن نصبر على طعام # PageV02P101 # واحد} [البقرة: 61] وكانوا يتعنتون عليه في أحكام الله بأنواع التعنتات ~~كما تقدم. و «الإرادة» في الخلق نزوع النفس لباد تستقبله - قاله الحرالي. ~~وأدل دليل على ما قدرته قوله عطفا على ما تقديره: فيكفروا فإنه من سأل ذلك ~~فقد تبدل الكفر بالإيمان {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} أي يأخذ الكفر بدلا من ~~الإيمان بالإعراض عن الآيات وسؤال غيرها أو التمسك بما نسخ منه، وعبر ~~بالمضارع استجلابا لمن زل بسؤال شيء من ذلك ms0229 إلى الرجوع بالتوبة ليزول عنه ~~الاستمرار فيزول الضلال {فقد ضل سواء السبيل} أي عدله ووسطه فلم يهتد إليه ~~وإن كان في بينات منه، فإن من حاد عن السواء أوشك أن يبعد بعدا لا سلامة ~~معه {وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ~~[الأنعام: 153] وكثيرا ما كان يتزلزل طوائف من الناس عند تبدل الآيات ~~وتناسي الأحكام وبحسب ما يقع في النفس من تثاقل عنه أو تحامل على قبوله # PageV02P102 # يلحقه من هذا الضلال عن سواء هذا السبيل؛ وفيه إشعار بأن الخطاب للذين ~~آمنوا، لأن المؤمنين المعرفين بالوصف لا يتبدل أحوالهم من إيمان الكفر، لأن ~~أحدا لا يرتد عن دينه بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه {فمن يكفر بالطاغوت ~~ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} # [البقرة: 256] {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى} ؛ [لقمان: 22] وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينتزع العلم ~~انتزاعا بعد أن أعطاكموه» فبذلك يتضح مواقع خطاب القرآن مع المترتبين في ~~أسنان القلوب بحسب الحظ من الإيمان والإسلام والإحسان - قاله الحرالي. وعرف ~~{السبيل} بأنه المشتمل على قوام السائر فيه والسالك له من نحو الرعي والسقي ~~وشبهه، والسواء بأنه من الشيء أسمحه # PageV02P103 # بالأمر الذي قصد له، قال: ويقال هو وسطه وخياره. # ولما كان أكثر المثيرين لهذه الشكوك في صور أهل الإسلام قال تعالى مخاطبا ~~للمؤمنين وهم في غمارهم تنفيرا لهم عن الضلال الذي هو في نفسه أهل لأن ينفر ~~عنه فكيف وهو شماتة العدو وبتخييله وودادته تحذيرا لهم من مخالطتهم: {ود ~~كثير} وهو تعليل لمعنى الكلام وهو: فلا تتبدلوا الكفر بالإيمان، بعد تعليله ~~بالضلال؛ وذلك كما مضى في {ما يود الذين كفروا} [البقرة: 105] سواء. # ولما كان المشركون عربا عالمين بأن طبع العرب الثبات لم يدخلهم معهم في ~~هذا الود وقال: {من أهل الكتاب} فأنبأ أن المصافي منهم قليل وبشر سبحانه ~~بأن ما يودونه من قسم المحال بسوقه سوق المتمني فقال: {لو يردونكم} أي ~~بأجمعكم؛ ثم حقق أمر التمني ms0230 في كونه محالا مشيرا بإثبات الجار إلى قناعتهم ~~به ولو في زمن يسير فقال: {من بعد إيمانكم} أي الراسخ {كفارا} أي لتكونوا ~~مثلهم فتخلدوا معهم في النار {حسدا} على ما آتاكم الله من الخير الهادي إلى ~~الجنة، والحسد قلق النفس من رؤية النعمة على الغير، وعبر عن بلوغ الحسد # PageV02P104 # إلى غاية لا حيلة معها في تركه بقوله: {من عند أنفسهم} أي إنه راسخ في ~~طبائعهم فلا تطمعوا في صرفه بشيء، فإن أنفسهم غالبة على عقولهم، ثم زاده ~~تأكيدا بقوله مشيرا بإثبات الجار إلى ذمهم بأنهم استمروا على الضلال بعد ~~الدعوة، لا يطلبون الحق مع القدرة على تعرفه، حتى هجم عليهم بيانه وقهرهم ~~عرفانه، ثم لم يرجعوا إليه؛ وما كفاهم ضلالهم في أنفسهم حتى تمنوا إضلال ~~غيرهم بالرجوع عنه {من بعد ما تبين} أي بيانا عظيما بوضوحه في نفسه {لهم ~~الحق} أي من صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم النبيين المرسل ~~إلى الناس # PageV02P105 # كافة بشهادة ما طابقه من التوراة، ومن أنهم خالدون في النار، لأنهم ممن ~~أحاطت به خطيئته بما دل عليه سبحانه في جميع هذه الآيات إبطالا لدعواهم في ~~مس النار لهم أياما معدودة. # ثم أرشد إلى الدواء بقوله مسببا عن الإخبار بأن ودهم محال وبعدم رجوعهم: ~~{فاعفوا} أي عاملوهم معاملة العافي بأن لا تذكروا لهم شيئا مما تظهره تلك ~~الودادة الناشئة عن هذا الحسد من الأقوال والأفعال ولا تأخذوا في مؤاخذتهم ~~به، فإنهم لا يضرونكم ولا يرجعون إليكم، {واصفحوا} أي أظهروا لهم أنكم لم ~~تطلعوا على شيء من ذلك، وأصل معناه من الإعراض بصفحة العنق عن الشيء كأنه ~~لم يره، وأمرهم بمطلق الصفح ولم يفيده بالجميل الذي اختص به خطاب نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم في قوله: # {فاصفح الصفح الجميل} [الحجر: 85] لتنزل الخطاب على مراتبه ومستحق ~~مواقعه. وحثهم على أن يكون فعلهم ذلك اعتمادا على تفريجه سبحانه بقوله: ~~{حتى يأتي الله} الذي لا أمر لأحد معه {بأمره} فبشرهم # PageV02P106 # بذلك بظهورهم على من أمروا بالصفح والعفو عنهم، ms0231 وقد كان مبدأ ذلك ويتم في ~~زمن عيسى عليه السلام. # PageV02P107 # ولما كان النصر وهم في القلة والضعف بحال عظيم وقوة عدوهم وكثرتهم أعظم ~~مستبعدا قال: {إن الله} وأظهر موضع الإضمار تحقيقا للبشرى بالإيماء إلى ~~استحضار ما يدل عليه هذا الاسم الأعظم من صفات الجلال والإكرام {على كل شيء ~~قدير} ففي هذا الختم بشرى للمؤمنين بتقديرهم كما أن في الختم بالعلم بشرى ~~بتعليمهم. وفي إفهامه نذارة للكافرين بمقابل ذلك. # ولما أمرهم بالثقة بهذا الكتاب ما نسخ منه وما لم ينسخ وأن # PageV02P107 # لا يعوقهم عنه طعن الطاعنين ولا حسد الحاسدين وأمرهم بالإعراض عن الغير ~~أمرهم بالإقبال على إصلاح النفس والإحسان إلى الغير مما اتصف به المهتدون ~~في قوله تعالى: {ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 2] ولما كان ~~المقصود من الصلاة قصر الهمة والنية على الحضرة الإلهية وتفريغ البال من ~~جميع الشواغل علم أن التقدير بعد الختم بشمول القدرة فاعلموا ذلك وثقوا به ~~{وأقيموا الصلاة} التي هي مع كونها سنبتليكم في قبلتها بالنسخ قوام الدين ~~والمعينة على جميع النوائب بإعانة الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه ~~والتقرب إليه {وآتوا الزكاة} التي هي قرينة الصلاة، فمن فرق بينهما فقد نسخ ~~ما أثبت الله فاستحق القتال ليرجع عما ارتكب من الضلال، وهي من أعظم نفقات ~~المؤمنين إحسانا إلى الخلائق إن كنتم مصلين بالحقيقة، فإن المال بعض # PageV02P108 # ما صرفت عنه الصلاة من أعراض الدنيا. # ولما كان قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] وما ~~بعده خطابا للمؤمنين تحذيرا من كيد أعدائهم بالنهي عما يرديهم والأمر بما ~~ينجيهم وختمه بهذه الآية فذلكة لذلك كله جميعا لمعانيه وفتحها برأس ~~العبادات البدنية والمالية وكانت «أل» مشيرة إلى الواجب من ذلك ختم الآية ~~نفسها بالأمر العام الجامع فقال: {وما تقدموا لأنفسكم من خير} أي من الصلاة ~~والزكاة وغيرهما فرضا ونفلا {تجدوه} وزاد ترغيبا فيه بقوله: {عند الله} أي ~~الجامع لصفات الكمال. فهو يحفظه بما له من العلم والقدرة ويربيه بما له من ~~الكرم والرحمة - إلى غير ذلك من ms0232 أمور الفضل. # ولما كان الشيء قد يهمل لكونه صغيرا وقد لا يطلع عليه لكونه خفيا حقيرا ~~قال مرغبا مرهبا: {إن الله} المحيط قدرة وعلما {بما تعملون بصير} وأظهر ~~الاسم في موضع الإضمار إشعارا بالاستئناف للخير ليكون ختما جامعا. لأنه لو ~~عاد على خصوص هذا الخطاب لكان «إنه» ، وذلك لأن تجديد الإظهار يقع بمعنى رد # PageV02P109 # ختم الخطاب على إحاطة جملته - قاله الحرالي. والمعنى أنه لو أضمر لكان ~~ربما أفهم تقيد علمه بحيثية ما تقدم من عمل الخير؛ وعلى مثل هذا دل قول ~~العلامة شمس الدين الغزي في أول شرحه لإيساغوجي: الغالب في المضمر إرادة ~~المعنى الأول، وأما حديث: إعادة الشيء معرفة. # فأصل يعدل عنه كثيرا للقرائن. # ولما ذكر دعواهم في مس النار وأبطلها من وجوه كثيرة أحاطت بهم فيها ~~الخطايا إحاطة اقتضت خلودهم فيها من جهة ضلالهم إلى آية # PageV02P110 # النسخ مرقيا الخطاب من سيئة إلى أسوأ منها ثم من جهة إضلالهم لغيرهم من ~~آية النسخ عطف على تلك الدعوى الإخبار بدعواهم في دخول الجنة تصريحا بما ~~أفهمته الدعوى الأولى تلويحا وقرن بذلك مثل ما ختم به ما قبلها من أن من ~~فعل خيرا وجد على وجه بين فيه أن ذلك الخير الإسلام والإحسان فقال تعالى: ~~{وقالوا} أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى حسدا منهم على المسبب الذي هو ~~الجنة كما حسدوا على السبب وهو إنزال ما اقتضى الإيمان الموصل إلى الرضوان ~~الذي به تستباح الجنان {لن يدخل الجنة} المعدة لأولياء الله {إلا من كان ~~هودا} هذا قول اليهود منهم {أو نصارى} وهذا قول النصارى نشرا لما لفته ~~الواو في {وقالوا} . # PageV02P111 # ولما كانوا أبعد الناس عن هذه الأماني التي تمنوها لأنفسهم لمنابذتهم لما ~~عندهم من العلم والتي حسدوا فيها المؤمنين لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~قال مشيرا إلى بعدهم عن ذلك على وجه الاستئناف معترضا بين الدعوى وطلب ~~الدليل عليها تعجيلا لتوهيتها: {تلك} بأداة البعد {أمانيهم} تهكما بهم، أي ~~أمثال هذه الشهوة من ودهم أن لا ينزل على المؤمنين خير ms0233 من ربهم، وأن يردوهم ~~كفارا، وأن لا يدخل الجنة غيرهم - وأمثال ذلك من شهواتهم. # ولما كان كل مدع لغيب مفتقرا في تصحيح دعواه إلى دليل وكان مثل هذا لا ~~يقنع فيه إلا بقاطع أمر أعلم الخلق لأنه لا ينهض بأخراسهم في علمهم ولددهم ~~غيره بمطالبتهم بذلك ناقضا لدعواهم فقال: {قل هاتوا برهانكم} بلفظ البرهان. ~~قال الحرالي: وهو علم قاطع الدلالة غالب القوة بما تشعر به صيغة الفعلان ضم ~~أولها وزيادتا آخرها، # PageV02P112 # وهذا كما افتتح تلك بالنقض بقوله: {قل أتخذتم} وفي ذلك إعلام بأنه تعالى ~~ما غيب شيئا إلا وأبدى عليه علما ليكون في العالم المشهود شفاف عن العالم ~~الغائب - قاله الحرالي. قالوا: وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين ودليل على أن ~~كل قول لا برهان عليه باطل. # ولما نادى عليهم بالكذب في قوله: {إن كنتم صادقين} أثبت لغيرهم بقوله: ~~{بلى} ما ادعوا الاختصاص به، ثم بين أهل الجنة بقوله: {من أسلم وجهه} أي ~~كليته، لأن الوجه أشرف ما ظهر من الإنسان، فمن أسلمه أسلم كله، كما أن ~~«الإيمان» إذعان القلب الذي هو أشرف ما بطن وإذعانه إذعان جميع الأعضاء؛ و ~~«الإسلام» قال الحرالي: الإلقاء بما يكون من منة في باطن أو ظاهر؛ و ~~«الوجه» مجتمع حواس الحيوان، وأحسن ما في الموتان - وهو ما عد الحيوان، ~~وموقع الفتنة من الشيء الفتان؛ وهو أول ما يحاول إبداؤه من الأشياء لذلك ~~{لله} من أجل أنه الله الجامع للكمال. # ولما كان ذكر الأجر لكل واحد بعينه أنص على المقصود وأنفى # PageV02P113 # للتعنت، أفرد الضمير فقال: {وهو محسن} في جانب الحق بإذعان القلب، وفي ~~جانب الخلق بما يرضي الرب، فصار يعبد الله كأنه يراه، فطابق سره علنه. ولما ~~نفوا الأجر عن غيرهم وأثبته سبحانه للمتصف بالإسلام منهم وممن سواهم وكان ~~ربما قيل إنه أعطى غيرهم لكونه الملك المطلق بغير سبب ربط الأجر بالفاء ~~دليلا على أن إسلامهم هو السبب فقال: {فله} خاصة {أجره عند ربه} إحسانا ~~إليه بإثبات نفعه على حسب ما ربه به في كل شريعة. ms0234 # ولما كان ربما ادعى أنه ما أفرد الضمير إلا لأن المراد واحد بعينه فلا ~~يقدح ذلك في دعوى أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود أو النصارى جمع فقال: {ولا ~~خوف عليهم} من آت {ولا هم يحزنون} على شيء فات دفعا لضرهم، وهذا كما أثبت ~~سبحانه خلاف دعواهم في مس النار بقوله: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} ~~[البقرة: 81] الآية، فالتحم الكلام بذلك أشد التحام وانتظم أي انتظام. # ولما أبطل دعوى اختصاصهم بالرحمة قدحا منهم في غيرهم وأثبتها للمحسنين ~~أتبع ذلك قدح كل فريق منهم في الآخر وبيان انتفائها عنهم بإساءتهم بإبطال ~~كل فرقة منهم دعوى الأخرى مع ما يشهد به # PageV02P114 # كتاب كل من بطلان قوله فقال: {وقالت اليهود ليست} أنث فعلهم لضعف قولهم ~~وجمع أمرهم {النصارى على شيء} أي يعتد به لكونه صحيحا، وليس مخففة من وزن ~~فرح، ومعناها مطلق النفي لمتقدم إثبات أو مقدره - قاله الحرالي. {وقالت ~~النصارى} كذلك # PageV02P115 # {ليست اليهود على شيء} فعجب منهم في هذه الدعوى العامة لما قبل التبديل ~~والنسخ وما بعده بقوله: {وهم} أي والحال أنهم {يتلون الكتاب} أي مع أن في ~~كتاب كل منهم حقية أصل دين الآخر. # ثم شبه بهم في نحو هذا القول الجهلة الذين ليس لهم كتاب الذين هم عندهم ~~ضلال، وفي ذلك غاية العيب لهم لتسوية حالهم مع علمهم بحال الجهلة في القطع ~~في الدين بالباطل كما سوى حالهم بهم في الحرص على الحياة في الدنيا ومنهم ~~عبدة الأصنام الذين منهم العرب الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~بلده ومنعوه من مسجد أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام الذي هو الحقيق به ~~دونهم، وساق ذلك جواب سائل كأنه قال: هذا قول العلماء بالكتاب فما حال من ~~لا علم له؟ فقال: {كذلك} أي مثل هذا القول البعيد عن القصد {قال الذين لا ~~يعلمون} ولما كان صدور هذا من أهل العلم في غاية الغرابة وصدوره من الجهلة # PageV02P116 # أغرب نبه تعالى على أن سامعه جدير بأن يقول لعده له عداد ما ms0235 لا يصدق: كيف ~~قال الجهلة؟ فقال أو يقال: ولما كان قولهم هذا لا يكاد يصدق من شدة غرابته ~~كان كأنه قيل: أحق كان هذا منهم حقيقة أم كنى به عن شيء آخر؟ فأجيب بقوله: ~~{كذلك} أي الأمر كما ذكرنا عنهم حقيقة لا كناية عن شيء غيره، فلما استقر في ~~النفس كان كأنه قيل: هل وقع هذا لأحد غيرهم؟ فقيل: نعم، وقع أعجب منه وهو ~~أنه قال الجهلة «كعبدة الأصنام والمعطلة» {مثل قولهم} فعاندوا وضللوا ~~المؤمنين أهل العلم بالكتاب الخاتم الذي لا كتاب مثله وضللوا أهل كل دين. # ولما وقع الخلاف بين هذه الفرق تسبب عنه حكم الملك الذي لم يخلقهم سدى ~~بينهم فقال: {فالله} «الملك الأعظم» {يحكم بينهم} والحكم قصر المصرف على ~~بعض ما يتصرف فيه وعن بعض ما تشوف إليه - قاله الحرالي. وحقق أمر البعث ~~بقوله: {يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} والآختلاف افتعال من الخلاف ~~وهو تقابل بين رأيين # PageV02P117 # فيما ينبغي انفراد الرأي فيه - قاله الحرالي. # ولما اشتركت جميع هذه الفرق في الظلم وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة ~~المسجد الحرام بما يرضيه من القول والفعل فازدادوا بذلك ظلما آخر وكان من ~~منع مسجدا واحدا لكونه مسجدا مانعا لجميع المساجد قال: {ومن أظلم} أي منهم، ~~وإنما أبدل الضمير بقوله: {ممن منع مساجد الله} أي «الجامع لصفات الكمال ~~التي هي جنان الدنيا لكونها أسباب الجنة التي قصروها عليهم، ثم أبدل من ذلك ~~تفخيما له تذكرة مرة بعد أخرى» قوله: {أن يذكر فيها اسمه} وعطف بقوله: ~~{وسعى في خرابها} أي بتعطيلها عن ذكر الله لبعد وجوه ظلمهم زيادة في ~~تبكيتهم. والمنع الكف عما يترامى إليه. والمسجد مفعل لموضع السجود وهو # PageV02P118 # أخفض محط القائم. والسعي الإسراع في الأمر حسا أو معنى. والخراب ذهاب ~~العمارة، والعمارة إحياء المكان وإشغاله بما وضع له - قاله الحرالي. # ثم ذكر سبحانه ما رتبه على فعلهم من الخوف في المسجد الذي أخافوا فيه ~~أولياءه وفي جميع جنسه والخزي في الدنيا والآخرة ضد ما رتبه لمن أحسن ms0236 فقال: ~~{أولئك} أي البعداء البغضاء {ما كان لهم} أي ما صح وما انبغى {أن يدخلوها} ~~أي المساجد الموصوفة {إلا خائفين} وما كان أمنهم فيها إلا بسبب كثرة ~~المساعد على ما ارتكبوه من الظلم والتمالؤ على الباطل وسنزيل ذلك، ثم عمم ~~الحكم بما يندرج فيه هذا الخوف فقال: {لهم في الدنيا خزي} أي عظيم بذلك ~~وبغيره، ثم زاده بأن عطف عليه قوله: {ولهم في الآخرة} التي هم لها منكرون ~~بالاعتقاد أو الأفعال {عذاب عظيم} فدل بوصف العذاب على وصف الخزي الذي أشار ~~إليه بالتنوين. # قال الحرالي: وفيه إنباء بإحباط ما يصرف عنهم وجها من وجوه العذاب، ~~فنالهم من العذاب العظيم ما نال الكافرين حتى كان ما كان لهم من ملة وكتاب ~~لم يكن، وذلك أسوأ الخسار؛ قال: ومن الموعود أن من أعلام قيام الساعة تضييع # PageV02P119 # المساجد لذلك كل أمة وكل طائفة وكل شخص معين تطرق بجرم في مسجد يكون فعله ~~سببا لخلائه فإن الله عز وجل يعاقبه بروعة ومخافة تناله في الدنيا، حتى ~~ينتظم بذلك من خرب مدينة من مدن الإسلام أو كانت أعماله سبب خرابها، وفي ~~ضمن ذلك ما كان من أحداث المسلطين على البيت المقدس بما جرت إليه أعمال ~~يهود فيه؛ قال: كذلك أجرى الله سنته أن من لم يقم حرمة مساجده شرده منها ~~وأحوجه لدخولها تحت رقبة وذمة من أعدائه، كما قد شهدت مشاهدة بصائر أهل ~~التبصرة وخصوصا في الأرض المقدسة المتناوب فيها دول الغلب بين هذه الأمة # PageV02P120 # وأهل الكتاب {الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ~~* في بضع سنين} [الروم: 1-3] فكل طائفة في بضعها إذا ساء عملها في مسجدها ~~شردت منه ودخلته في بضع الأخرى خائفة كذلك حتى تكون العاقبة للمتقين حين ~~يفرح المؤمنون بنصر الله، قال: وفي إشعاره تحذير من غلق المساجد وإيصادها ~~وحجرها على القاصدين للتحنث فيها والخلوة بذكر الله، وليس رفع المساجد ~~منعها بل رفعها أن لا يذكر فيها غير اسم الله، قال تعالى: {في بيوت أذن ~~الله أن ms0237 ترفع} [النور: 36] قال عمر رضي الله عنه لما بنى الرحبة: من أراد ~~أن يلغط أو يتحدث أو ينشد شعرا فليخرج إلى هذه الرحبة، وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسل سيوفكم وبيعكم وشراءكم، وابنوا ~~على أبوابها المطاهر» ففي حل ذلك إنباء بأن من عمل في مساجد الله بغير ما ~~وضعت له من ذكر الله كان ساعيا في خرابها وناله الخوف في محل الأمن - ~~انتهى. # ولما أفهمت الآية أنه حصل لأولياء الله منع من عمارة بيت الله بذكره وكان ~~الله تعالى قد من على هذه الأمة بأن جعل الأرض كلها لها مسجدا سلى المؤمنين ~~بأنهم أينما صلوا بقصد عبادته لقيهم ثوابه، لأنه لا يختص به جهة دون جهة، ~~لأن ملكه للكل على حد سواء؛ فكان كأنه قيل: فأقيموا الصلاة التي هي أعظم ~~ذكر الله حيثما كنتم فإنه لله، كما أن المسجد الذي منعتموه لله؛ وعطف عليه ~~قوله: {ولله} أي الذي له الكمال كله {المشرق} أي موضع الشروق وهو مطلع ~~الأنوار {والمغرب} وهو موضع أفولها، فأنبأ تعالى كما قال الحرالي بإضافة ~~جوامع الآفاق إليه إعلاما بأن الوجهة لوجهه لا للجهة، من حيث إن الجهة له - ~~انتهى. # PageV02P121 # ولما كان هذان الأفقان مدارا للكواكب من الشمس وغيرها عبر بهما عن جميع ~~الجهات، لتحول الأفلاك حال الدوران # PageV02P122 # إلى كل منهما. فلذلك تسبب عن ذكرهما قوله: {فأينما تولوا} أي فأي مكان ~~أوقعتم فيه التولية للصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالتولية إليها من بيت ~~المقدس أو الكعبة أو غيرهما في النافلة {فثم} أي فذلك الموضع، لأن «ثم» ~~إشارة لظرف مكان {وجه الله} أي جهته التي وجهكم إليها أو مكان استقباله ~~والتوجه إليه وما يستقبلكم من جلاله وجماله ويتوجه إليكم من بره وإفضاله. ~~فإن نسبة جميع الأماكن والجهات في الإبداع والقرب والبعد وغير ذلك إليه ~~واحدة. قال الحرالي: وأبهم المولى ليقع تولي القلب لوجه الله حين تقع ~~محاذاة وجه الموجه الظاهر للجهة المضافة لله - انتهى. # PageV02P123 # ولما أخبر من سعة فضله مبثوثا في واسع ملكه بما ms0238 وقفت العقول عن منتهى ~~علمه علله بما صغر ذلك في جنبه فقال: {إن الله} فذكره بالاسم الأعظم الجامع ~~لجميع الأسماء {واسع} أي محيط بما لا تدركه الأوهام، فلا يقع شيء إلا في ~~ملكه؛ وأصل الوسع تباعد الأطراف والحدود {عليم} فلا يخفى عليه فعل فاعل أي ~~ما كان وكيف ما كان، فهو يعطي المتوجه إليه على قدر نيته بحسب بلوغ إحاطته ~~وشمول علمه وقدرته. # قال الحرالي في شرح الأسماء: والسعة المزيد على الكفاية من نحوها إلى أن ~~ينبسط إلى ما وراء امتدادا ورحمة وعلما {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: ~~156] {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] {لهم ما يشاؤون فيها ولدينا ~~مزيد} [المائدة: 35] ولا تقع السعة إلا مع إحاطة العلم والقدرة وكمال الحلم ~~وإفاضة الخير والنعمة لمقتضى كمال الرحمة، ولمسرى النعمة في وجوه الكفايات ~~ظاهرا وباطنا خصوصا وعموما لم يكد يصل الخلق إلى حظ من السعة، أما ظاهرا ~~فلا تقع منهم ولا تكاد «إنكم لن تسعوا الناس بمعروفكم» ، وأما باطنا بخصوص ~~حسن الخلق فعساه # PageV02P124 # يكاد. وقال في تفسيره: قدم تعالى: {المشرق} لأنه موطن بدو الأنوار التي ~~منها رؤية الأبصار، وأعقبه بالمغرب الذي هو مغرب الأنوار الظاهرة وهو مشرق ~~الأنوار الباطنة، فيعود التعادل إلى أن مشرق الأنوار الظاهرة هو مغرب ~~الأنوار الباطنة «الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان - وأشار بيده نحو ~~المشرق» «لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق» انتهى. قلت: ومن ذلك حديث ~~صفوان بن عسال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله ~~بالمغرب بابا - وفي رواية: باب التوبة مفتوح من قبل المغرب - مسيرة عرضه ~~سبعون عاما، لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله» # أخرجه الطبراني والبغوي في تفسيره، وقد ظهر أن المغرب في الحديث المتقدم ~~هو في الصحيح ما عدا المشرق الذي أشار إليه بالفتنة في الحديث الآخر، ~~فالمغرب حينئذ المدينة وما ينسب إليها من جهة المشرق وما وراء ذلك من جهة ~~الجنوب والشمال وما وراء ذلك من جهة الغرب إلى منتهى الأرض، فلا يعارض ms0239 ~~حينئذ حديث «وهم بالشام» فإنها من جملة المغرب على هذا التقدير، فدونك جمعا ~~طال ما دارت فيه الرؤوس وحارت فيه الأفكار في المحافل والدروس - والله ~~الموفق. # PageV02P125 # ولما أفاد ما تقدم وصفه تعالى بتمام القدرة واتساع الملك والفضل وشمول ~~العلم كان من المحال افتقاره إلى شيء ولد أو غيره قدم أهل الأديان الباطلة ~~كلهم بافترائهم في الولد اليهود في عزير والنصارى في المسيح وعبدة الأوثان ~~في الملائكة فقال معجبا ممن اجترأ على نسبة ذلك إليه مع معرفة ما تقدم ~~عاطفا على ما سبق من دعاويهم: {وقالوا اتخذ الله} الذي له الكمال كله وعبر ~~بقوله: {ولدا} الصالح للذكر والأنثى لينظم بذلك مقالات الجميع. ولما كان ~~العطف على مقالات أهل الكتاب ربما أوهم اختصاص الذم بهم حذفت واو العطف في ~~قراءة ابن عامر على طريق الاستئناف في جواب من كأنه قال: هل انقطع حبل ~~افترائهم؟ إشارة إلى ذم كل من قال بذلك، وذلك إشارة إلى شدة التباسها بما ~~قبلها كما قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة، لأن جميع المتحزبين ~~على أهل الإسلام مانعون لهم من إحياء المساجد بالذكر لشغلهم لهم بالعداوة ~~عن لزومها، والحاصل أنه إن عطف كان انصباب الكلام إلى أهل الكتاب وأما ~~غيرهم فتبع لهم للمساواة # PageV02P126 # في المقالة، وإذا حذفت الواو انصب إلى الكل انصبابا واحدا. # ونزه نفسه الشريفة استئنافا بقوله: {سبحانه} فذكر علم التسبيح الجامع ~~لإحاطة المعنى في جوامع التنزيه كله، ثم جاء بكلمة الإضراب المفهمة الرد ~~بالنفي فكأن الخطاب يفهم: ما اتخذ الله ولدا ولا له ولد {بل له ما} فعبر ~~بالأداة التي هي لغير العاقل تصلح له تعميما وتحقيرا لهم {في السماوات ~~والأرض} مما ادعت كل فرقة منهم فيه الولدية وغير ذلك. # ثم علله بقوله معبرا بما يفهم غاية الإذعان: {كل له قانتون} أي مخلصون ~~خاشعون متواضعون، لاستسلامهم لقضائه من غير قدرة على دفاع، ولا تطلع إلى ~~نوع امتناع العاقل، غيره، حتى كأنهم يسعون # PageV02P127 # في ذلك ويبادرون إليه مبادرة اللبيب الحازم. قال الحرالي: فجاء بالجمع ~~المشعر ms0240 كما يقال بالعقل والعلم لما تقدم من أنه لا عجمة ولا جمادية بين ~~الكون والمكون، إنما يقع جمادية وعجمة بين آحاد من المقصرين في الكون عن ~~الإدراك التام؛ والقنوت ثبات القائم بالأمر على قيامه تحققا بتمكنه فيه. # انتهى. # ثم علل ذلك بما هو أعظم منه فقال: {بديع السماوات والأرض} أي خالقهما على ~~غير مثال سبق، وما أبدع كلية أمر كان أحرى أن يكون ما في طيه وإحاطته ~~وإقامته من الأشياء المقامة به من مبدعه فكيف يجعل له شبيه منه؟ لأن الولد ~~مستخرج شبيه بما استخرج من عينه - ذكره الحرالي. {وإذا قضى} أي أراد {أمرا} ~~منهما أو من غيرهما، والقضاء إنفاذ المقدر. والمقدر ما حد من مطلق المعلوم ~~- قاله الحرالي. {فإنما يقول له كن} من الكون وهو كمال البادي # PageV02P128 # في ظاهره وباطنه {فيكون} فهو منزه عن حاجة التوالد وكل حاجة، وسر التعبير ~~بالمضارع يذكر إن شاء الله تعالى في آل عمران. قال الحرالي: وصيغته تمادي ~~الكائن في أطوار وأوقات وأسنان يمتد توالها في المكون إلى غاية الكمال - ~~انتهى. قالوا: ورفع «يكون» للاستئناف أي فهو يكون، أو العطف على {يقول} ~~إيذانا بسرعة التكوين على جهة التمثيل، ومن قال بالأول منع العطف على ~~{يقول} لاقتضاء الفاء أن القول مع التكوين فيلزم قدم التكوين، وقال الإمام ~~أبو علي الفارسي في كتاب الحجة: إن ذلك لا يطرد في مثل ثاني حرفي آل عمران ~~وهو قوله: {ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] لأنه لا يحسن تخالف الفعلين ~~المتعاطفين بالمضي وغيره، وأول قوله: # ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثم أقول لا يعنيني # بأن معناه: مررت ماضيا، وطعن فيه أبو شامة بأن يكون في الآية ماض مثله ~~وقد صرح أبو علي والحق معه بأنه على بابه يعني؛ وفائدة التعبير # PageV02P129 # به مضارعا، تصوير الحال والإرشاد إلى أن التقدير: كن فكان، لأنه متى قضى ~~شيئا قال له: كن، فيكون، وجعل الأحسن عطفه على {كن} لأنه وإن كان بلفظ ~~الأمر فمعناه الخبر أي يكون؛ وقال: إن ذلك أكثر اطرادا ms0241 لانتظامه لمثل قوله: ~~{ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] . وهذا الموضع مجمع على رفعه، وكذا ~~قوله تعالى في الأنعام: {ويوم يقول كن فيكون} [الأنعام: 73] . وإنما الخلاف ~~في ستة مواضع اختص ابن عامر منها بأربعة: وهي هذا الموضع، وقوله تعالى في ~~آل عمران: {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [آل عمران: 47] ، وفي ~~مريم مثله سواء، وفي غافر: {فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [غافر: ~~68] ؛ ووافقه الكسائي في حرفين في النحل: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون} [النحل: 40] وفي يس: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون} [يس: 82] فجعلوا النصب # PageV02P130 # في هذين عطفا على {يقول} وفي الأربعة الأولى جوابا للأمر في قوله: {كن} ~~اعتبارا بصورة اللفظ وإن لم يكن المعنى على الأمر فالتقدير: يقول له يكون ~~فيكون، أي فيطاوع، فطاح قول من ضعفه بأن المعنى على الخبر وأنه لا يصح ~~النصب إلا إذا تخالف الأمر وجوابه، وهذا ليس كذلك بل يلزم فيه أن يكون ~~الشيء شرطا لنفسه، لأن التقدير: إن يكن يكن؛ وصرح ابن مجاهد بوهم ابن عامر ~~وأن هذا غير جائز في العربية، كما نقله عنه الإمام أبو شامة في شرح ~~الشاطبية؛ فأمعنت النظر في ذلك لوقوع القطع بصحة قراءة ابن عامر لتواترها ~~نقلا عمن أنزل عليه القرآن، فلما رأيته لم ينصب إلا ما في حيز {إذا} علمت ~~أن ذلك لأجلها لما فيها من معنى الشرط، فيكون مثل قوله تعالى في الشورى: # {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا} [الشورى: 35] بنصب «يعلم» في قراءة غير ~~نافع وابن عامر على بعض التوجيهات، وذلك ماش على نهج السداد من غير كلفة ~~ولا استبعاد إذا تؤمل الكلام على «إذا» قال الرضي وهو العلامة نجم الدين ~~محمد بن حسن الإستراباذي في الظرف من شرحه لقول العلامة أبي عمرو عثمان بن ~~الحاجب في كافيته: ومنها «إذا» وهي للمستقبل وفيها معنى الشرط، فلذلك اختير ~~بعدها الفعل، والأصل في استعمال «إذا» أن تكون لزمان من أزمنة المستقبل ~~مختص ms0242 من بينها بوقوع حدث فيه مقطوع به، ثم قال: وكلمة الشرط ما يطلب جملتين ~~يلزم من وجود مضمون أولاهما فرضا حصول # PageV02P131 # مضمون الثانية، فالمضمون الأول مفروض ملزوم، والثاني لازمه؛ ثم قال: و ~~«إن» موضوعة لشرط مفروض وجوده في المستقبل مع عدم قطع المتكلم لا بوقوعه ~~ولا بعدم وقوعه، وذلك لعدم القطع في الجزاء لا بالوجود ولا بالعدم، سواء شك ~~في وقوعه كما في حقنا، أو لم يشك كان الواقعة في كلامه تعالى؛ وقال: ولا ~~يكون الشرط في اسم إلا بتضمن معناها؛ ثم قال: فنقول: لما كان «إذا» للأمر ~~المقطوع بوجوده في اعتقاد المتكلم في المستقبل لم يكن لمفروض وجوده، لتنافي ~~القطع والفرض في الظاهر، فلم يكن فيه معنى «إن» الشرطية، لأن الشرط كما ~~بينا هو المفروض وجوده، لكنه لما كان ينكشف لنا الحال كثيرا في الأمور التي ~~نتوقعها قاطعين بوقوعها عن خلاف ما نتوقعه جوزوا تضمين «إذا» معنى «إن» كما ~~في «متى» وسائر الأسماء الجوازم، فيقول القائل: إذا جئتني فأنت مكرم - شاكا ~~في مجيء المخاطب غير مرجح وجوده على عدمه بمعنى متى جئتني سواء؛ ثم قال: ~~ولما كثر دخول معنى الشرط في «إذا» وخروجه عن أصله من الوقت المعين جاز ~~استعماله وإن لم يكن فيه معنى «إن» الشرطية، وذلك في الأمور القطعية ~~استعمال «إذا» المتضمنة لمعنى «إن» ، وذلك لمجيء جملتين بعده على طرز الشرط ~~والجزاء وإن لم يكونا شرطا وجزاء، ثم قال في الكلام على الفاء في نواصب ~~الفعل، وقد تضمر «أن» بعد الفاء والواو الواقعتين # PageV02P132 # بعد الشرط قبل الجزاء، نحو إن تأتيني فتكرمني - أو لو. # تكرمني - آتك، أو بعد الشرط والجزاء، نحو إن تأتني آتك فأكرمك - أو: ~~وأكرمك - وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني المنفي، إذ الجزاء ~~مشروط وجوده بوجود الشرط، ووجود الشرط مفروض، فكلاهما غير موصوفين بالوجود ~~حقيقة، وعليه حمل قوله تعالى: {إن يشأ يسكن الريح فيظللن} - إلى قوله: ~~{ويعلم الذين يجادلون} [الشورى: 35] على قراءة النصب؛ ثم قال: وإنما صرفوا ~~ما بعد فاء السببية من الرفع ms0243 إلى النصب لأنهم قصدوا التنصيص على كونها ~~سببية والمضارع المرتفع بلا قرينة مخلصة للحال والاستقبال ظاهر في معنى ~~الحال، كما تقدم في باب المضارع، فلو أبقوه مرفوعا لسبق إلى الذهن أن الفاء ~~لعطف جملة حالية الفعل على الجملة التي قبل الفاء، يعني فكان يلزم أن يكون ~~الكون قديما كالقول، فصرفه إلى النصب منبه في الظاهر على أنه ليس معطوفا، ~~إذ المضارع المنصوب بأن مفرد، وقبل الفاء المذكورة جملة، ويتخلص المضارع ~~للاستقبال اللائق بالجزائية كما ذكرنا في المنصوب بعد إذن، فكان فيه شيئان: ~~رفع جانب كون الفاء للعطف. وتقوية كونه للجزاء؛ فيكون إذن ما بعد الفاء ~~مبتدأ محذوف الخبر وجوبا - انتهى. فالتقدير هنا والله أعلم: فكونه واقع حق ~~ليس بخيال كالسحر والتمويهات، فعلى هذا قراءة النصب أبلغ لظهورها في الصرف ~~عن الحال إلى الاستقبال مع # PageV02P133 # ما دلت عليه من سرعة الكون وأنه حق، ثم رأيت البرهان بن إبراهيم بن محمد ~~السفاقسي حكى في إعرابه ما خرجته عن ابن الضائع - يعني بالضاد المعجمة ~~والعين المهملة - وهو الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكتامي شيخ ~~أبي حيان فقال ما نصه: زاد ابن الضائع في نصب {فيكون} وجها حسنا وهو نصبه ~~في جواب الشرط وهو إذا، وكان مراده التسبيب عن الجواب كما ذكرت، قال ~~السفاقسي: ويصح فيه وجه ثالث على مذهب الكوفيين وهو نصبه في جواب الحصر ~~بإنما، لأنهم أجازوا: إنما هي ضربة أسد فيتحطم ظهره. # PageV02P134 # ولما تقرر بما أنبأ من بديع آياته في منبث مصنوعاته أن عظمته تقصر عنها ~~الأوهام وتنكص خاسئة دونها نوافذ الأفهام عجب من الجرأة عليه بما استوى فيه ~~حال الجهلة من العرب بالعلماء من أهل الكتاب تبكيتا لهم وتنفيرا منهم بأنه ~~لا حامل لهم على الرضى لأنفسهم بالنزول من أوج العلم إلى حضيض أهل الجهل ~~إلا اتباع الهوى فقال: {وقال الذين لا يعلمون} أي ليس لهم علم من العرب ~~{لولا} أي هلا {يكلمنا الله} أي يوجد كلامه لنا على ما له من جميع الصفات # PageV02P134 # {أو تأتينا آية} ms0244 أي على حسب اقتراحنا عادين ما آتاهم من الآيات - على ما ~~فيها من آية القرآن التي لا يوازيها آية أصلا - عدما. # ولما كان قولهم هذا جديرا بأن لا يصدق نبه عليه بقوله: {كذلك} أي الأمر ~~كما ذكرنا عنهم. ولما كان كأنه قيل: هل وقع مثل هذا قط؟ قيل: نعم، وقع ما ~~هو أعجب منه، وهو أنه {قال الذين} ولما كان المراد بعض من تقدم أدخل الجار ~~فقال: {من قبلهم} ممن ينسب إلى العلم من أهل الكتاب {مثل قولهم} ، ثم علله ~~بقوله: {تشابهت قلوبهم} في هذا وإن كانت مختلفة باعتبار العلم، وفي ذلك ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كما تعنت عليه تعنت على من قبله. ولما ~~كان ذلك توقع السامع الإخبار عن البيان فكان كأنه قيل: هل قالوا ذلك جهلا ~~أو عنادا؟ فقيل: بل عنادا لأنا {قد بينا الآيات} في كل آية في الكتاب ~~المبين المسموع والكتاب الحكيم المرئي. ولما كان يقع البيان خاصا بأهل ~~الإيقان قال: {لقوم يوقنون} وفيه بعث # PageV02P135 # للشاك على تعاطي أسباب الإيقان، وهو صفاء العلم عن كدر بطرق الريب ~~لاجتماع شاهدي السمع والعين. قال الحرالي: وفيه إشارة لما حصل للعرب من ~~اليقين، كما قال سيد العرب علي رضي الله عنه: لو كشف الغطاء ما ازددت ~~يقينا. استظهارا لما بطن من عالم الملكوت على ظاهر عالم الملك إكمالا للفهم ~~عن واضح هذا البيان الذي تولاه الله ومن اصطفاه الذي اشتمل عليه استتباع ~~ضمير {بينا} ؛ وفي استواء العالم وغيره في الجهل بعد البيان دليل على مضمون ~~التي قبلها في أن ما أراد كان. ولما تضمن هذا السياق الشهادة بصحة رسالته ~~صلى الله عليه وسلم وأنه ليس عليه إلا البيان صرح بالأمرين في قوله مؤكدا ~~لكثرة المنكرين {إنا أرسلناك} هذا على أن يكون المراد بذلك جميع الأمم، # PageV02P136 # أما إذا أريد هذه الأمة فقط فيكون المعنى: قد بينا الآيات الدالات على ~~طريق الحق بأعظم برهان وبالإخبار عن دقائق لا يعلمها إلا حذاق أهل الكتاب ~~لقوم يحق عليهم الإيقان لما ms0245 وضح لهم من الأدلة، ثم علل ذلك لقوله: {إنا ~~أرسلناك} إرسالا ملتبسا {بالحق} أي بالأمر الكامل الذي يطابقه الواقع في كل ~~جزئية يخبر بها. # قال الحرالي: والحق التام المكمل بكلمة «أل» هو استنطاق الخلق عن أمر ~~الله فيهم على وجه أعلى لرسالته العلية الخاصة به عن عموم ما وقعت به رسالة ~~المرسلين من دون هذا الخصوص، وذلك «حق» منكر، كما تقدم أي عند قوله: {وهو ~~الحق مصدقا لما معهم} [البقرة: 91] لأن ما أحق غيبا مما أنزله الله فهو ~~«حق» حتى السحر، وما أظهر غيب القضاء والتقدير وأعلن بإبداء حكمة الله على ~~ما أبداها من نفوذ مشيئته في متقابل ما أبداه من خلقه فهو «الحق» الذي خلقت ~~به السماوات والأرض ابتداء وبه ختمت الرسالة انتهاء لتطابق الأول والآخر ~~كمالا، حال كونك {بشيرا ونذيرا} وقال الحرالي: لما أجرى الله سبحانه من ~~الخطاب عن أهل الكتاب والعرب نبأ ردهم لما أنزل أولا وآخرا ونبأ ما افتروه ~~مما لا شبهة فيه دعواه أعرض بالخطاب عن الجميع وأقبل به على النبي صلى الله ~~عليه وسلم تسلية له وتأكيدا لما أعلمه به في أول السورة من أن الأمر مجرى ~~على # PageV02P137 # تقديره وقسمته الخلق بين مؤمن وكافر ومنافق، فأنبأه تعالى أنه ليس مضمون ~~رسالته أن يدعو الخلق إلى غير ما جبلوا عليه، وأن مضمون رسالته أن يستظهر ~~خبايا الأفئدة والقلوب على الألسنة والأعمال، فيبشر المهتدي والثابت على ~~هدى سابق، وينذر الأبي والمنكر لما سبق إقراره به قبل، فعم بذلك الأولين ~~والآخرين من المبشرين والمنذرين - انتهى - أي فليس عليك إلا ذلك فبشر وأنذر ~~فإنما عليك البلاغ وليس عليك خلق الهداية في قلوب أهل النعيم {ولا تسأل} ~~ويجوز أن يكون حالا من {أرسلناك} أو من {بشيرا} {عن أصحاب الجحيم} والمراد ~~بهم من ذكر في الآية السابقة من الجهلة ومن قبلهم، أي عن أعمالهم لتذهب ~~نفسك عليهم حسرات لعدم إيمانهم، كما قال تعالى {ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون} [البقرة: 141] أي فحالك مستو بالنسبة إلينا وإليهم. لأنك إن بلغتهم ~~جميع ما ms0246 أرسلت به إليهم لم نحاسبك بأعمالهم، وإن تركت بعض ذلك محاسنة لهم ~~لم يحبوك ما دمت على دينك فأقبل على أمرك ولا تبال بهم، وهو معنى قراءة ~~نافع {ولا تسأل} على النهي، أي # PageV02P138 # احتقرهم فإنهم أقل من أن يلتفت إليهم، فبلغهم جميع الأمر فإنهم لا يحبونك ~~إلا إذا انسخلت مما أنت عليه؛ وفي الحكم بكونهم أصحابها إثبات لما نفوه عن ~~أنفسهم بقوله: {لن تمسنا النار} [البقرة: 80] ونفى لما خصصوا به أنفسهم في ~~قولهم: {لن يدخل الجنة} [البقرة: 111] الآية، والجحم قال الحرالي: انضمام ~~الشيء وعظم فيه، ومن معنى حروفه الحجم وهو التضام وظهور المقدار إلا أن ~~الحجم فيما ظهر كالأجسام والجحم - بتقديم الجيم - فيما يلطف كالصوت والنار. # ولما جرت العادة بأن المبشر يسر بالبشير أخبر تعالى أن أهل الكتاب في قسم ~~المنذرين فهم لا يزالون عليه غضابا فقال عطفا على ما اقتضاه ما قبله: {ولن ~~ترضى} من الرضى وهو إقرار ما ظهر عن # PageV02P139 # إرادة - قاله الحرالي: {عنك اليهود ولا النصارى} لشيء من الأشياء {حتى ~~تتبع ملتهم} أي حتى تكون بشيرا لهم، ولن تكون بشيرا لهم حتى توافقهم فيما ~~أحدثوه من أهوائهم بأن تتبع كتابهم على ما بدلوا فيه وحرفوا وأخفوا على ما ~~أفهمته إضافة الملة إليهم لا إلى صاحبها المعصوم وهو إبراهيم عليه السلام، ~~ويكون ذلك برغبة منك تامة على ما أفهمته صيغة الافتعال وتترك كتابك الناسخ ~~لفروع كتابهم، والملة قال الحرالي: الأخذ والعمل بما في العقل هدايته من ~~إعلام المحسوسات. ولما قيل ذلك اقتضى الحال سؤالا وهو: فما أقول؟ فقال: ~~{قل} ولم يقيده بلهم إعراضا عنهم {إن هدى الله} الذي هو جميع # PageV02P140 # ما أنزل الجامع لصفات الكمال على رسله من كتابي وكتابكم {هو} أي خاصة ~~{الهدى} أي كله مشيرا بأداة التعريف إلى كمال معناه، وبالحصر إلى أن غيره ~~هو الهوى؛ وأضافه إلى الاسم الأعظم وأكده بأن وأعاده بلفظه وعبر عنه ~~بالمصدر واستعمل فيه ضمير الفصل ردا لإنكارهم له، فإن اتبعوه كله فآمنوا ~~بأن كتابهم داع إلى كتابك فبشرهم، وإن لم ms0247 يتبعوه فالزم إنذارهم، وفي الآية ~~إشارة إلى ذلك الكتاب لا ريب فيه. # ثم عطف على ما أفهمه السياق من نحو: فلئن زغت عنه لتتركن الهدى كله ~~باتباع الهوى، قوله: {ولئن اتبعت أهواءهم} الداعية لهم إلى تغيير كتابهم. ~~قال الحرالي: فأظهر إفصاحا ما أفهمته إضافة الملة إليهم من حيث كانت وضعا ~~بالهوى لا هداية نور عقل كما هي في حق الحنيفيين - انتهى. ولما كان الكلام ~~هنا في أمر الملة التي هي ظاهرة للعقل أسقط من وأتى بالذي بخلاف ما يأتي في ~~القبلة فقال: # PageV02P141 # {بعد الذي} قال الحرالي: أشارت كلمة {الذي} إلى معنى قريب من الظاهر ~~المحسوس كأنه علم ظاهر، ففيه إنباء بأن أدنى ما جاءه من العلم مظهر لإبطال ~~ما هم عليه في وجوه تلبيسهم وأهوائهم {جاءك من العلم} بأنهم على ضلال وأنك ~~على جميع الهدى. وخاطبهم بذلك صلى الله عليه وسلم والمراد والله أعلم من ~~اتبع أهواءهم بعد الإسلام من المنافقين تمسكا بولايتهم طمعا في نصرتهم ولذا ~~ختم بقوله: {ما لك من الله} الذي له الأمر كله ولا كفؤ له، وأكد النفي ~~بالجار فقال: {من ولي ولا نصير} . # ولما أفصح بمن يستحق النذارة منهم بتغيير الدين بأهوائهم فأفهم # PageV02P142 # من يستحق البشارة تلاه بالإفصاح بالقسمين: من يستحق البشارة منهم، ومن ~~يستحق النذارة، فقال: {الذين آتيناهم الكتاب} أي التوراة والإنجيل {يتلونه ~~حق تلاوته} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يتبعونه حق اتباعه، من تلا فلان ~~فلانا إذا تبعه - رواه عنه أبو عبيد. # وهي ناظرة إلى قوله قريبا: {وهم يتلون الكتاب} أي لا حق تلاوته بل تلاوة ~~ليس فيها تدبر لمعانيه ولا عمل بما فيه؛ هذا إذا جعلناه حالا، وإن جعلناه ~~خبرا وقوله: {أولئك} أي العظيمو الرتبة خاصة {يؤمنون به} خبرا ثانيا ~~فالمعنى أن من لم يؤمن بالكتاب حق الإيمان من غير تحريف له، لا إخفاء لشيء ~~فيه لما انتفى عنهم المقصود بالذات وهو الانتفاع بالكتاب المؤتى انتفى عنهم ~~أصل الإيتاء لأنه تجرد عن الفائدة؛ والضمير في {به} يصح أن يكون للهدى. قال ms0248 ~~الحرالي: وحقية الأمر هي وفاؤه إلى غايته، والإحاطة به إلى جماع حدوده حتى ~~لا يسقط منه شيء ولا يقصر فيه غاية إشعارا باشتمال الكتاب على أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # PageV02P143 # ولما وصف المؤمنين به ولم يبين ما لهم أتبعه بالكافرين فقال: {ومن يكفر ~~به} أي بالكتاب، ثم حصر الخسر فيهم بقوله: {فأولئك} أي البعداء البغضاء ~~{هم} خاصة {الخاسرون} فافهم أن المؤمنين به هم الرابحون؛ ومن الوصف بالخسار ~~يعلم أنهم كانوا على حق وشيء يمكن الربح فيه بتكملة الإيمان بكتابهم ~~بالإيمان بالكتاب الخاتم فضيعوه فخسروا، فإنه لا يخسر إلا من له أصل مال ~~متهيىء للنماء والربح - والله أعلم. # ولما طال المدى في استقصاء تذكيرهم بالنعم ثم في بيان عوارهم وهتك ~~أستارهم وختم ذلك بالترهيب بخسارهم لتضييع أديانهم بأعمالهم # PageV02P144 # وأحوالهم وأقوالهم أعاد ما صدر به قصتهم من التذكير بالنعم والتحذير من ~~حلول النقم يوم يجمع الأمم ويدوم فيه الندم لمن زلت به القدم، ليعلم أن ذلك ~~فذلكة القصة والمقصود بالذات في الحث على انتهاز الفرصة في التفصي عن حرمة ~~النقص إلى لذة الربح بدوام الشكر. قال الحرالي: فلبعده بالتقدم كرره تعالى ~~إظهارا لمقصد التئام آخر الخطاب بأوله وليتخذ هذا الإفصاح والتعليم أصلا ~~لما يمكن أن يرد من نحوه في سائر القرآن حتى كأن الخطاب إذا انتهى إلى غاية ~~خاتمة يجب أن يلحظ القلب بداية تلك الغاية فيتلوها ليكون في تلاوته جامعا ~~لطرفي البناء وفي تفهمه جامعا لمعاني طرفي المعنى؛ انتهى - فقال تعالى: {يا ~~بني إسرائيل} أي ولد الأنبياء الأصفياء ووالد الأنبياء السعداء {اذكروا ~~نعمتي} أي الشريفة بالنسبة إلي {التي أنعمت عليكم} بها في الدنيا {وأني ~~فضلتكم} واقتصر هنا على نعمة التفضيل ولم يذكر الوفاء الذي هو فضيلة النفس ~~الباطنة إشارة إلى جمودهم باقتصارهم على النظر في الظاهر على {العالمين} في ~~تلك الأزمان كلها بإتمام نعمة الدنيا بشرع الدين المقتضى للنعمة في الأخرى، ~~فإنكم إذا ذكرتم النعمة شكرتموها فقيدتموها واستوجبتم من # PageV02P145 # الله الزيادة في الدنيا والرضى في العقبى {واتقوا يوما لا تجزي} ms0249 أي تقضى، ~~أي يصنع فيه {نفس عن نفس شيئا} أي من الجزاء. # ولما ختمت الآية الماضية بحصر الخسارة فيهم ناسب تقديم نفي القبول فقال: ~~{ولا يقبل منها عدل} يبذل في فكاكها من غير الأعمال الصالحة {ولا تنفعها ~~شفاعة} غير مأذون فيها {ولا هم ينصرون} وإن كثرت جموعهم. قال الحرالي: ~~أجراها تعالى في هذا التكرار على حدها في الأول إلا ما خالف بين الإيرادين ~~في قوله {واتقوا يوما} إلى آخره ليجمع النبأ في كل واحد من الشفاعة والعدل ~~بين مجموع الردين من الأخذ والقبول فيكون شفاعتها لا مقبولة ولا نافعة، ~~ويكون عدلها لا مأخوذا ولا مقبولا، ذلك لأن المعروض للقبول أول ما يؤخذ ~~أخذا بحسبه من أخذ سمع أو عين، ثم ينظر إليه نظر تحقيق في المسموع وتبصر في ~~المنظور، فإذا صححه التحقيق والتبصير قبل، وإذا لم يصححه رد، وإنما يكون ~~ذلك لمن في حاله حظ صحة ظاهرة لا يثبت مع الخبرة، فأنبأ تعالى بمضمون ~~الآيتين الفاتحة والخاتمة أن # PageV02P146 # هؤلاء ليس في حالهم حظ صحة البتة لا في شفاعة ولا في عدل فلا يقبل ولا ~~يؤخذ إنباء بغرائه عن لبسه ظاهر صحة يقتضي أخذه بوجه ما، ففيه تبرئة ممن ~~حاله حال ما نبىء به عنهم على ما تقدم معناه في مضمون الآية، وبهذه الغاية ~~انصرف الخطاب عنهم على خصوص ما أوتوا من الكتاب الذي كان يوجب لهم أن ~~يتدينوا بقبول ما جاء مصدقا لما معهم فاتخذوا لهم بأهوائهم ملة افتعلتها ~~أهواؤهم، فنظم تعالى بذلك ذكر صاحب الملة التي يرضاها وافتتح بابتداء أمره ~~في ابتلائه ليجتمع عليهم الحجتان السابقة بحسب الملة الحنيفية الإبراهيمية ~~واللاحقة بحسب الدين المحمدي، كان صلى الله عليه وسلم يقول في الصباح: ~~«أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعلى ملة أبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم» فخص المحمدية بالدين ~~والإبراهيمية بالملة لينتظم ابتداء الأبوة الإبراهيمية بطوائف أهل الكتاب ~~سابقهم ولاحقهم بنبأ ابتداء الأبوة الآدمية في متقدم قوله تعالى: {وإذ قال ~~ربك ms0250 للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} - الآيات لينتظم رؤوس الخطابات ~~بعضها ببعض وتفاصيلها بتفاصيلها، وليكون إظهار ذلك # PageV02P147 # في سورة سنام القرآن أصلا لما في سائره من ذلك، وذكر قبل ذلك أن الملة ما ~~يدعو إليه هدى العقل المبلغ عن الله توحيده من ذوات الحنيفيين، وأن الدين ~~الإسلام، والإسلام إلقاء ما باليد ظاهرا وباطنا، وذلك إنما يكون عن بادي ~~غيب التوحيد - انتهى. # ولما عاب سبحانه أهل الضلال وكان جلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام وجميع ~~طوائف الملل تعظمه ومنهم العرب وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم مآثرهم ~~ذكر الجميع ما أنعم به عليه تذكيرا يؤدي إلى ثبوت هذا الدين باطلاع هذا ~~النبي الأمي الذي لم يخالط عالما قط على ما لا يعلمه إلا خواص العلماء، ~~وذكر البيت الذي بناه فجعله الله عماد صلاحهم، وأمر بأن يتخذ بعض ما هناك ~~مصلى تعظيما لأمره وتفخيما لعلي قدره؛ وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين ~~وفوا بحق التلاوة وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر حث على ~~الاقتداء به، وكذا في ذكر الإسلام والتوحيد هز لجميع من يعظمه إلى اتباعه ~~في ذلك. # وقال الحرالي: لما وصل الحق تعالى بالدعوة العامة الأولى في قوله تعالى: ~~{يا أيها الناس} ذكر أمر آدم وافتتاح استخلافه ليقع بذلك جمع الناس كافة في ~~طرفين في اجتماعهم في أب واحد # PageV02P148 # ولدين واحد نظم تعالى بذلك وصل خطاب أهل الكتاب بذكر إبراهيم، ليقع بذلك ~~اجتماعهم أيضا في أب واحد وملة واحدة اختصاصا بتبعية الإمامة الإبراهيمية ~~من عموم تبعية الخلافة الآدمية تنزيلا للكتاب وترفيعا للخلق إلى علو اختصاص ~~الحق، فكما ذكر تعالى في الابتداء تذكيرا معطوفا على أمور تجاوزها الإفصاح ~~من أمر آدم عطف أيضا التذكير بابتداء أمر إبراهيم عليه السلام على أمور ~~تجاوزها الإفصاح هي أخص من متجاوز الأول كما أن إفصاحها أخص من إفصاحها ~~وأعلى رتبة من حيث إن الخلق والأمر مبدوء من حد لم يزل ولا يزال يتكامل إلى ~~غاية ليس وراءها مرمى فقال تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم} انتهى. ms0251 والمعنى أنه ~~عامله بالأمر بأمور شاقة معاملة المختبر الممتحن، وقال: # PageV02P149 # {ربه} أي المحسن إليه إشعارا بأن تكليف العباد هو غاية الإحسان إليهم وفي ~~ابتداء قصته بقوله: {بكلمات فأتمهن} بيان لأن أسنى أحوال العباد الإذعان ~~والتسليم لمن قامت الأدلة على صدقه والمبادرة لأمره دون اعتراض ولا توقف ~~ولا بحث عن علة، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت المدعين لاتباعه من بني إسرائيل ~~حيث اعترضوا في ذبح البقرة وارتكبوا غاية التعنت مع ما في ذبحها من وجوه ~~الحكم بعد أن أساؤوا الأدب على نبيهم في ذلك وفي غيره في أول أمرهم وأثنائه ~~وآخره فأورثهم ذلك نكالا وبعدا، فظهر أن الصراط المستقيم حال إبراهيم ومن ~~ذكر معه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم المنعم عليهم؛ ~~والظاهر عطف {إذ} على {نعمتي} في قوله {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم} [البقرة: 122] أي واذكروا إذ ابتلى أباكم إبراهيم فأتم ما ~~ابتلاه به فما لكم أنتم لا تقتدون به فتفعلوا عند الابتلاء فعله في إيفاء ~~العهد والثبات على الوعد لأجازيكم على ذلك جزائي للمحسنين، والإتمام ~~التوفية لما له صورة تلتئم من أجزاء وآحاد - قاله الحرالي. # فكأنه قيل: فما جوزي على شكره بالإتمام قبل؟ {قال} له ربه، ويجوز أن يكون ~~«قال» بيانا لابتلى {إني جاعلك للناس} أي كافة {إماما} كما كانت خلافة أبيه ~~آدم لبنيه كافة، والإمام ما يتبع هداية إلى سداد - # PageV02P150 # قاله الحرالي. واستأنف قوله: {قال} أي إبراهيم {ومن} أي واجعل من {ذريتي} ~~أئمة {قال لا ينال} أي قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك لكن لا ينال ~~{عهدي} الذي عهدته إليك بالإمامة {الظالمين} منهم، لأنهم نفوا أنفسهم عنك ~~في أبوة الدين؛ وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه لا سيما للذين دعوا ~~قبلها إلى الوفاء بالعهد، وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما أدام ~~رفعته، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته فضربت عليهم الذلة وما معها ولا يجزي أحد ~~عنهم شيئا ولا هم ينصرون؛ والذرية مما يجمع معنى الذر والدرء، والذري مختلف ~~كونه على ms0252 وجوه اشتقاقه، فيكون فعلولة كأنه ذرورة ثم خفف بقلب الراء ياء ~~استثقالا للتضعيف ثم كسر ما قبل الياءين تحقيقا لهما. لأنه اجتمع بعد القلب ~~واو وياء سبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، أو تكون فعلية من الذر ~~منسوبا، ومن الذر مخفف فعولة بقلب الهمزة ياء ثم الواو ياء لاجتماعها معها ~~سابقة إحداهما # PageV02P151 # بالسكون ثم الإدغام، أو فعيلة إن يكن في الكلام لما فيه من ثقل اجتماع ~~الضم والكسر - قاله الحرالي، وفيه تصرف. # ولما كان من إمامته اتباع الناس له في حج البيت الذي شرفه الله ببنائه ~~قال إثر ذلك ناعيا على أهل الكتاب مخالفته وترك دينه وموطئا لأمر القبلة: ~~{وإذ جعلنا البيت} أي الذي بناه إبراهيم بأم القرى {مثابة للناس} أي مرجعا ~~يرجعون إليه بكلياتهم. كلما تفرقوا عنه اشتاقوا إليه هم أو غيرهم آية على ~~رجوعهم من الدنيا إلى ربهم. قال الحرالي: وهو مفعلة من الثوب وهو الرجوع ~~تراميا إليه بالكلية. وفي صيغة المفعلة دوام المعاودة مثابرة {وأمنا} لكونه ~~بيت الملك. # PageV02P152 # من حرب الدنيا ومن عذاب الآخرة إلا في حق من استثناه الله من الكافرين ~~فعلا بالشرك وقوة بالإلحاد، والأمن براءة عيب من تطرق أذى إليه - قاله ~~الحرالي. وقد كانوا في الجاهلية يرى الرجل قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرض ~~له. قال الأصبهاني: وهذا شيء توارثوه من زمن إسماعيل عليه السلام فقرأ عليه ~~إلى أيام النبي صلى الله عليه وسلم، فاليوم من أصاب في الحرم جريرة أقيم ~~عليه الحد بالإجماع. # ولما كان التقدير: فتاب الناس عليه ائتماما ببانيه وآمنوا بدعوته فيه عطف ~~عليه قوله: {واتخذوا} ، وعلى قراءة الأمر يكون التقدير: فتوبوا إليه أيها ~~الناس ائتماما به واتخذوا {من مقام إبراهيم} خليلنا {مصلى} وهو مفعل لما ~~تداوم فيه الصلاة، ومقام إبراهيم هو الحجر الذي قام عليه حين جاء لزيارة ~~ولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام فلم يجده، فغسلت امرأة إسماعيل رأسه ~~وهو معتمد برجله عليه وهو راكب، غسلت شق رأسه الأيمن وهو معتمد على الحجر ~~برجله اليمنى، ثم # PageV02P153 # أدارت الحجر إلى الجانب ms0253 الأيسر وغسلت شقه الأيسر، فغاصت رجلاه فيه؛ ولهذا ~~أثر قدميه مختلف، أصابع هذه عند عقب هذه، وهو قبل أن يبني البيت - والله ~~أعلم بمراده. # {وعهدنا} عطف على قوله {جعلنا} {إلى إبراهيم} الوفي {وإسماعيل} ابنه ~~الصادق الوعد، وفي ذكره إفصاح بإجابة دعوته فيه في قوله: {ومن ذريتي} ~~[البقرة: 124] و [إبراهيم: 37] وإشارة إلى أن في ذريته من يختم الأمم بأمته ~~ويكون استقباله بيته في أجل العبادات من شرعته وأتم الإشارة بقوله: {أن ~~طهرا بيتي} أي عن كل رجس حسي ومعنوي، فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في ~~الشرع؛ والبيت موضع المبيت المخصوص من الدار المخصوصة من المنزل المختص من ~~البلد - قاله الحرالي. {للطائفين} به الذين فعلهم فعل العارف بأنه ليس وراء ~~الله مرمى ولا مهرب منه إلا إليه {والعاكفين} فيه، والعكوف الإقبال على ~~الشيء وملازمته والاقتصار عليه، والطواف التحليق بالشيء في غيب أو لمعنى ~~غيب - قاله الحرالي. {والركع السجود} # PageV02P154 # قال الحرالي: وفي ذكر الركوع تخصيص للعرب الذين إنما شرع الركوع في ~~دينهم، وفي ذلك تبكيت لمن أخرج المؤمنين ومنعهم من البيت، وفي تكرير تفصيل ~~هذه الآيات بإذ تنبيه على توبيخهم بترك دينه وهو الخليل واتباع من لا يعلم ~~وهو العدو. # PageV02P155 # ولما ذكر أمر البيت الشريف فيما تكفل به سبحانه وفيما أمر به الخليل ~~وولده عليهما السلام من تطهيره ذكر باهتمامه بأهله ودعائه لهم مبكتا لمن ~~عقه من ذريته بالتصريح بكفرهم بيوم الجزاء الأمر بكل خير الزاجر عن كل ضير ~~فقال: وإذ قال إبراهيم رب} فأسقط أداة البعد إنباء بقربه كما هو حال أهل ~~الصفوة {اجعل هذا} أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني بأن أسكنته من ~~ذريتي. # ولما كان السياق للمنع من المسجد وللسعي في خرابه وكان ذلك شاملا بعمومه ~~للبادي ولذلك قرر أنه مثابة للناس عامة وأمن كان الأنسب تنكير البلد فقال: ~~{بلدا} يأنس من يحل به {آمنا} إفصاحا بما أفهمه {وإذ جعلنا البيت} [البقرة: ~~125] الآية، والمعنى أنكم عققتم أعظم آبائكم في دعوتيه كلتيهما: في كونه ~~بلدا فإنه إذا انقطع الناس ms0254 عن أهله خرب، وفي كونه آمنا، وهذا بخلاف ما يأتي ~~في سورة إبراهيم عليه السلام. # PageV02P155 # ولما ذكر القرار والأمن أتبعه الرزق وقال: {وارزق أهله} وقال: {من ~~الثمرات} ، ولم يقل: من الحبوب، لما في تعاطيها من الذل المنافي للأمن، لما ~~روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سكة حرث فقال: «ما دخلت هذه بيتا إلا ~~ذل» وقال: {من آمن منهم بالله} الجامع لصفات الكمال {واليوم الآخر} تقييدا ~~لدعوة الرزق بما قيدت به دعوة الإمامة تأدبا معه حيث قال: {لا ينال عهدي ~~الظالمين} [البقرة: 124] {قال} الله تعالى معلما أن شمول الرحمانية بأمن ~~الدنيا ورزقها لجميع عمرة الأرض {ومن كفر} أي أنيله أيضا ما ألهمتك من ~~الدعاء بالأمن والرزق، وعبر عن ذلك بقوله: {فأمتعه} تخسيسا له بما أفهمه ~~لفظ المتاع بكونه كما مضى من أسماء الجيفة التي إنما هي منال المضطر على ~~شعور يرفضه على قرب من مترجي الغناء عنها، وأكد ذلك بقوله: # PageV02P156 # {قليلا} لكن فيه إيماء إلى أنه يكون أطيب حالا في الدنيا وأوسع رزقا من ~~المؤمن، وكذا في قوله: {ثم أضطره} بما لي من العظمة الباهرة {إلى عذاب ~~النار} أي بما أستدرجه به من النعم الحاملة له على المعاصي التي هي أسباب ~~النقم، وفي التعبير بلفظ الاضطرار إلى ما لا يقدم عليه أحد باختيار إشعار ~~بإجبار الله خلقه على ما يشاء منهم من إظهار حكمته وأن أحدا لا يقدر على ~~حركة ولا سكون إلا بمشيئته؛ والاضطرار الإلجاء إلى ما فيه ضرر بشدة وقسر. ~~ولما كان التقدير: فبئس المتاع ما ذكر له في الدنيا، عطف عليه قوله: {وبئس ~~المصير} أي العذاب له في الآخرة، وهو مفعل مما منه التصيير وهو التنقيل في ~~أطوار وأحوال ينتهي إلى غاية تجب أن تكون غير حالة الشيء الأولى بخلاف ~~المرجع. # ولما ذكر بما مهده من أمر البيت دينا ودنيا أتبعه ببنائه مشيرا إلى ما ~~حباهم به من النعمة وما قابلوه به من كفرها باختيارهم لأن يكونوا من غير ~~الأمة المسلمة التي دعا لها لما دعا ms0255 للرسول فقال عاطفا على {إذ ابتلى} ~~تعديدا لوجوه النعم على العرب بأبيهم الأعظم استعطافا إلى التوحيد {وإذ ~~يرفع إبراهيم} أي اذكر الوقت الذي يباشر بالرفع {القواعد # PageV02P157 # من البيت} قال الحرالي: عدد تعالى وجوه عنايته بسابقة العرب في هذه ~~الآيات كما عدد وجوه نعمته على بني إسرائيل في سابقة الخطاب، فكانت هذه في ~~أمر إقامة دين الله، وكانت تلك في محاولة مدافعته، ليظهر بذلك تفاوت ما بين ~~الاصطفاء والعناية، والقاعدة ما يقعد عليه الشيء أي يستقر ويثبت ويجوز أن ~~يراد بها سافات البناء، لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه - قاله الأصبهاني. # ولما أفرد الخليل عليه السلام بهذا الرفع إظهارا لشرفه بكونه هو السبب ~~الأعظم في ذلك عطف عليه ولده فقال: {وإسماعيل} أي يرفع القواعد أيضا، ووصل ~~بهذا العمل الشريف قوله: {ربنا} مرادا فيه القول محذوفا منه أداة البعد: أي ~~يقولان: {ربنا تقبل منا} أي عملنا بفضلك ولا ترده علينا، إشعارا بالاعتراف ~~بالتقصير لحقارة العبد وإن اجتهد في جنب عظمة مولاه. ولما تضمن سؤال القبول ~~المشعر بخوف الرد علم الناقد البصير بالتقصير علله بقوله: {إنك} وأكده # PageV02P158 # بقوله: {أنت السميع العليم} أي فإن كنت سمعت أو علمت منا حسنا فرده حسنا، ~~وإن كنت سمعت أو علمت غير ذلك من نحو قول ناشىء عن اختلاج في النفس بما ~~سببه كلال أو إعياء فاغفره. # ولما سأل القبول سأل الزيادة عليه بقوله: {ربنا} على ما مضى من طرز دعاء ~~المقربين بإسقاط أداة البعد {واجعلنا} أي أنا وابني هذا الذي أعانني ~~{مسلمين لك ومن ذريتنا} قال الحرالي: لما تحقق مرجو الإيمان في ذريته في ~~قوله: {من آمن منهم} [البقرة: 126] طلب التكملة بإسلام الوجه والمسألة له ~~ولابنه ولمن رزق الإيمان من ذريته وذرية ابنه، فإن الإسلام لما كان ظاهر ~~الدين كان سريع الانثلام لأجل مضايقة أمر # PageV02P159 # الدنيا، وإنما يتم الإسلام بسلامة الخلق من يد العبد ولسانه والإلقاء بكل ~~ما بيده لربه مما ينازع فيه وجود النفس ومتضايق الدنيا، ولذلك هو مطلب لأهل ~~الصفوة في خاتمة العمر ليكون ms0256 الخروج من الدنيا عن إلقاء للحق وسلام للخلق ~~كما قال يوسف عليه السلام {توفني مسلما} [يوسف: 101] وطلب بقوله: {أمة ~~مسلمة لك} أن يكونوا بحيث يؤم بعضهم بعضا. # ولما كان المسلم مضطرا إلى العلم قال: {وأرنا مناسكنا} وفي ذلك ظهور لشرف ~~عمل الحج حيث كان متلقي عن الله بلا واسطة لكونه علما على آتي يوم الدين ~~حيث لا واسطة هناك بين الرب والعباد. # والمنسك مفعل من النسك وهو ما يفعل قربة وتدينا. تشارك حروفه حرف السكون ~~- قاله الحرالي. ولما كان الإنسان محل العجز فهو أضر شيء إلى التوفيق قال: ~~{وتب علينا} إنباء بمطلب التوبة أثر الحسنة كما هو مطلب العارفين بالله ~~المتصلين بالحسنات رجعا بها إلى من له الخلق والأمر، ثم علل طمعه في ذلك ~~بأن عادته تعالى التطول والفضل فقال: {إنك أنت التواب} أي الرجاع بعباده ~~إلى موطن النجاة من حضرته بعد ما سلط عليهم عدوهم بغوايته ليعرفوا فضله ~~عليهم وعظيم قدرته ثم أتبعه # PageV02P160 # وصفا هو كالتعليل له فقال: {الرحيم} . # ولما طلب ما هو له في منصب النبوة من تعليم الله له المناسك بغير واسطة ~~طلب لذريته مثل ذلك بواسطة من جرت العادة به لأمثالهم فقال: {ربنا وابعث ~~فيهم} أي الأمة المسلمة التي من ذريتي وذرية ابني إسماعيل {رسولا منهم} ~~ليكون أرفق بهم وأشفق عليهم ويكونوا هم أجدر باتباعه والترامي في نصره، ~~وذلك الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يبعث من ذريتهما بالكتاب ~~غيره، فهو دعوة إبراهيم عليه السلام أبي العرب وأكرم ذريته؛ ففي ذلك أعظم ~~ذم لهم بعداوته مع كونه مرسلا لتطهيرهم بالكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه، ~~وإليه الإشارة بقوله: {يتلوا} أي يقرأ متابعا مواصلا {عليهم آياتك} أي ~~علاماتك الدالات عليك أعم من أن يكون نزل بها الكتاب أو استنبطت منه ~~{ويعلمهم الكتاب} الكامل الشامل لكل كتاب «أوتيت جوامع الكلم» {والحكمة} ~~وهي كل أمر يشرعه لهم فيحفظهم في صراطي معاشهم ومعادهم من الزيغ المؤدي إلى ~~الضلال الموجب للهلاك. # ولما كان ظاهر دعوته عليه السلام ms0257 أن البعث في الأمة المسلمة # PageV02P161 # كانوا إلى تعليم ما ذكر أحوج منهم إلى التزكية فإن أصلها موجود بالإسلام ~~فأخر قوله: {ويزكيهم} أي يطهر قلوبهم بما أوتي من دقائق الحكمة، فترتقي ~~بصفائها، ولطفها من ذروة الدين إلى محل يؤمن عليها فيه أن ترتد على أدبارها ~~وتحرف كتابها كما فعل من تقدمها، والتزكية إكساب الزكاة، وهي نماء النفس ~~بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم - قاله الحرالي. # ولما ذكر سبحانه في سورة الجمعة بعثه في الأميين عامة اقتضى المقام تقديم ~~التزكية التي رأسها البراءة من الشرك الأكبر ليقبلوا ما جاءهم من العلم، ~~وأما تقديمها في آل عمران مع ذكر البعث للمؤمنين فلاقتضاء الحال بالمعاتبة ~~على الإقبال على الغنائم الذي كان سبب الهزيمة لكونها إقبالا على الدنيا ~~التي هي أم الأدناس؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنك أنت العزيز} أي الذي يغلب كل ~~شيء ولا يغالبه شيء، لأن العزة كما قال الحرالي: الغلبة الآتية على كلية ~~الظاهر والباطن، {الحكيم} أي الذي يتيقن ما أراد فلا يتأتى نقضه، ولا متصف ~~بشيء من ذلك غيرك؛ وفي ذلك إظهار عظيم لشرف العلم وطهارة الأخلاق، وأن ذلك ~~لا ينال إلا بمجاهدات لا يطيقها البشر ولا تدرك أصلا إلا بجد تطهره العزة # PageV02P162 # وترتيب أبرمته الحكمة؛ هذا لمطلق ذلك فكيف بما يصلح منه للرسالة؟ وفيه ~~إشارة إلى أنه يكبت أعداء الرسل وإن زاد عدهم وعظم جدهم. # ويحكم أمورهم فلا يستطيع أحد نقض شيء منها. # ولما كان التقدير: فمن يرغب في مخالفة من يرسله من هو بهذه الصفة عطف ~~عليه قوله: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} المستقيم الطريقة، الطاهر الخليقة، ~~الشفيق على ذريته، الباني لهم أعظم المفاخر، المجتهد لهم في جليل المناقب ~~والمآثر {إلا من سفه نفسه} أي امتهنها واحتقرها واستخف بها، أي فعل بها ما ~~أدى إلى ذلك؛ وفي ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب. قال الحرالي: والسفاهة خفة ~~الرأي في مقابلة ما يراد منه من المتانة والقوة، وفي نصب النفس إنباء بلحاق ~~السفاهة بكلية ذي النفس، لأن من سفهت نفسه اختص ms0258 السفه بها، ومن سفه نفسه - ~~بالنصب - استغرقت السفاهة ذاته وكليته وكان بدء ذلك وعاديته من جهة نفسه، ~~يفهم ذلك نصبها، وذلك لأن الله عز وجل جعل النفس مبدأ كل شر أبداه في ذات ~~ذي النفس، فإنه تعالى يعطي الخير بواسطة وبغير واسطة، ولا يحذى الشر إلا ~~بواسطة نفس ليكون في ذلك حجة الله على خلقه؛ وإنما استحق السفاهة من يرغب ~~عن ملة إبراهيم لظهور شاهدها في العقل وعظيم بركتها في التجربة، لأن من ~~ألقى # PageV02P163 # بيده لم يؤاخذ في كل مرتبة من رتب الدنيا والآخرة، فلا عذر لمن رغب عن ~~ذلك، لظهوره في شاهدي العقل والحس اللذين هما أظهر حجج الله على خلقه {وتلك ~~حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] . # ولما كان التقدير: فلقد آتيناه من المزايا ما قدمنا لكم مما لا يعدل عنه ~~ذو مسكة عطف عليه قوله: {ولقد اصطفيناه} فذكره بمظهر العظمة تعظيما له، فإن ~~العبد يشرف بشرف سيده، وتشريفا لاصطفائه فإن الصنعة تجل بجلالة مبدعها {في ~~الدنيا} بما ذكرناه من كريم المآثر التي يجمعها إسلامه؛ وهو افتعال من ~~الصفوة وهي ما خلص من اللطيف عن كثيفه ومكدره، وفي صيغة الافتعال من ~~الدلالة على التعمد والقصد ما يزيد فيما أشير إليه من الشرف {وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين} وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح حيث جعله من # PageV02P164 # المتصفين بها، فهو حقيق بالإمامة لعلو رتبته عند الله في الدارين، ففي ~~ذلك أعظم ترغيب في اتباع دينه والاهتداء بهديه، وأشد ذم لمن خالفه؛ وكل ذلك ~~تذكير لأهل الكتاب بما عندهم من العلم بأمر هذا النبي الكريم وما هو سبب ~~له، وإقامة للحجة عليهم، لأن أكثر ذلك معطوف على {اذكروا} قوله: # {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي} [البقرة: 122] . # ولما ذكر إمامته ذكر ما يؤتم به فيه وهو سبب اصطفائه وصلاحه وذلك دينه، ~~وما أوصى به عليه السلام بنيه، وما أوصى به بنوه بنيهم سلفا لخلف ولا سيما ~~يعقوب عليه السلام المنوه بنسبة أهل الكتاب إليه فقال: {إذ} أي اصطفيناه ~~بعظمتنا لأنه قال له ms0259 ربه أسلم} أي لإحسان ربك إليك، وحذف المفعول ليتناول ~~كل ما يصح إسلامه إلى المسلم إليه وقصره عليه وتخلى المسلم عنه {قال أسلمت ~~لرب العالمين} أي المحسن إلي وإلى جميع الخلائق {ووصى بها} أي بهذه المقالة ~~أو الوصية أو الخصلة التي اصطفاه الله بها، ولعله لم يذكر الضمير لئلا يوهم # PageV02P165 # الرجوع إلى ربه؛ وقرىء «وأوصى» فهو من إيصاء والوصية وهي التقدم في الشيء ~~النافع المحمود عاقبته، وقراءة التشديد أبلغ لدلالتها على التكرر والتكثر ~~{إبراهيم بنيه ويعقوب} وصى بها أيضا بنيه فقال كل منهم: {يا بني إن الله} ~~بعظمته وكماله {اصطفى لكم الدين} وهو الإسلام، فأغناكم عن تطلبه وإجالة ~~الفكر فيه رحمة منه لكم {فلا} أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: لا {تموتن} ~~على حالة من الحالات {إلا وأنتم} أي والحال أنكم {مسلمون} أي ملقون بأيديكم ~~وجميع ما ينسب إليكم لله لا حظ لكم في شيء أصلا ولا التفات إلى غير مولاكم، ~~فإن من كمل افتقاره إلى الغني الحكيم أغناه بحسب ذلك. وقرر سبحانه بالآيات ~~الآتية بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية، وبرأ خليله ~~والأنبياء من ذلك على وجه أوجب القطع بأنهم عالمون ببطلانه. # ذكر قصة إبراهيم عليه السلام من التوراة: ذكر في السفر الأول منها أنه ~~إبراهيم بن تارح بن ناحور بن شارغ بن آرغو # PageV02P166 # بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح؛ لأنه قال في التوراة: ~~لما أتت على سام مائة سنة ولد له أرفخشد فأتت عليه خمس وثلاثون سنة فولد له ~~شالاح وسماه في موضع آخر شالح، فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له عابر فأتت ~~عليه أربع وثلاثون سنة فولد له فالغ، فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له آرغو، ~~فأتت عليه اثنتان وثلاثون سنة فولد له شارغ فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له ~~ناحور، # PageV02P167 # فأتت عليه تسع وعشرون سنة فولد له تارح فأتت عليه خمس وسبعون سنة فولد له ~~إبرم وناحور وهاران. وخالفه في الإنجيل بعض المخالفة فقال في إنجيل لوقا: ~~ناحور ms0260 بن شارغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن صالا بن قينان بن أرفخشد بن سام ~~بن نوح؛ ونوح على ما قال في التوراة ابن لمك بن متوشلح بن خنوخ بن يارذ بن ~~هليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام. # وهكذا قال في أثناء إنجيل لوقا إلا أنه قال في لمك: # PageV02P168 # لامك، وفي يارذ: يرذ بن مهلالاييل. ثم قال في التوراة: وولد هاران لوطا، ~~ومات هاران في حياة أبيه تارح في الأرض التي ولد فيها وهي أور الكلدانيين - ~~وفي نسخة: الكزدانيين - «فتزوج إبرم سرى وكانت عاقرا فلم يولد لها ولد، ~~فانطلق تارح بابنه إبرم وبلوط ابن ابنه هاران وبكنته سرى من أور الكلدانيين ~~متيمما أرض كنعان، فانتهوا إلى حران فسكنوها، فتوفي تارح بحران عن مائتي ~~سنة وخمس سنين؛ وقال الرب لإبرم: اخرج من أرضك من حيث ولدت ومن آل أبيك إلى ~~الأرض التي أريك فأجعلك لشعب عظيم وأباركك وأعظم اسمك وكن مباركا وأبارك ~~بنيك وألعن لاعنيك ويتبارك بك جميع قبائل الأرض وبزرعك، فصنع إبرم كما أمره ~~الرب وانطلق معه لوط ابن أخيه وسرى زوجته وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة ~~ومعهم جميع مواشيهم وما اتخذوا بحران من ولدان وخدم، فخرجوا يريدون أرض ~~كنعان فأتوها، فجاء إبرم حتى أتى بلاد سحام وإلى بلوط ممرى وكان الكنعانيون ~~بعد سكانا في الأرض فاعتلن الرب لإبرم وقال له: إني معط ذريتك هذه الأرض، ~~وبنى إبرم هنالك مذبحا للرب إذ ظهر له # PageV02P169 # وانتقل من هنالك إلى الجبل من المشرق إلى بيت إيل، فنصب خيمته في بيت إيل ~~من غربها قبالة الحرب وعاي من شرقها، وبنى ثم لرب مذبحا ودعا باسم الرب، ثم ~~ظعن منطلقا وكان مظعنه إلى مهب الجنوب وكان جوع في الأرض، فهبط إبرم إلى ~~مصر ليسكنها لأن الجوع اشتد في الأرض، فلما دنا من مصر قال لسرى امرأته: ~~إني عالم أنك امرأة حسناء، فإن رآك المصريون يقولون: امرأته، فيقتلونني؛ ~~قولي: إني أخته - فذكر قصة أخذ فرعون مصر لها ms0261 والقوارع التي أصابته فحالت ~~بينه وبينها فخلى سبيلها وأحسن إليها وإلى إبراهيم - إلى أن قال: فخرج إبرم ~~من مصر هو وامرأته ولوط معه إلى أرض التيمن - وفي نسخة: إلى القبلة - وهي ~~جهة الجنوب فاستغنى إبرم جدا، فظعن لمظعنه من الجنوب حتى أتى بيت إيل إلى ~~الموضع الذي كان نصب فيه خيمته من قبل ولوط معه كان له غنم وبقر وخير كثير ~~جدا وأخبية، ولم تكن تلك الأرض تسعهما كليهما لأن مواشيهما كثرت جدا؛ فذكر ~~أن لوطا رفع بصره فنظر إلى أرض الأردن فإذا هي كلها أرض سقي وشرب مثل فردوس ~~الله ومثل أرض مصر التي في مدخل صاغار - وفي نسخة: زغر فاختار لوط أرض ~~الأردن؛ فسكن إبرم أرض كنعان، وسكن لوط قرى عاجار وورث - وفي نسخة: قرى ~~المرج - وخيم إلى سدوم وكان # PageV02P170 # أهل سدوم أشرارا خطأة جدا، فقال الرب لإبرم بعدما اعتزله لوط: مد بصرك ~~فانظر من المكان الذي أنت فيه إلى الجرنيا والتيمن - وفي نسخة: إلى الشمال ~~والجنوب والمشرق والمغرب - لأن جميع الأرض التي ترى إياك أعطيها وذريتك من ~~بعدك إلى الأبد، واجعل ذريتك مثل ثرى الأرض، فإن قدرت أن تحصي تراب الأرض ~~فإن زرعك يحصى، فأتى إبرم فسكن بين بلوط - وفي نسخة: في مرج ممرى الأموراني ~~التي بحبرون - وبنى هنالك مذبحا للرب، وكان على عهد أمرقال ملك شنعار - وفي ~~نسخة: شنوار - وأرنوخ ملك ذي اللاشار - وفي نسخة: الخزر - وكدر لعمر، ملك ~~عيلم - وفي نسخة: خوزستان وترغيل ملك جيلان - وفي نسخة: الأمم - اجتمع ~~هؤلاء في قاع السدوميين وهو البحر المالح فقتلوا الجبابرة الذين في العشرة ~~القرى والأبطال الذين بها والحورانيين الذين في جبال ساعير - وفي نسخة: ~~شراة - إلى بطمة فاران التي في البرية، ورجعوا وأتوا عين الدنيا - وفي ~~نسخة: الحكم - وهي رقيم وقتلوا كل رؤساء العمالقة والأمورانيين سكان عين ~~جاد، وخرج بارع ملك سدوم وبرشع ملك عامرا # PageV02P171 # وشنآب ملك أدوما وشاليم ملك صبويم وملك بالاع التي هي صاغر - وفي نسخة: ~~زغر - خمسة ملوك، قاتلوا الأربعة بقاع السدوميين، فهرب ملك ms0262 سدوم وملك عامرا ~~فوقعوا هناك، وهرب البقية إلى الجبل فاستباحوا جميع مواشي سدوم وعامرا ~~وجميع طعامهم واستاقوا لوطا ابن أخي إبرم وماشيته وانطلقوا، فأتى من نجا ~~منهم وأخبر إبرم العبراني، فعبى فتيانه ومولديه ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا ~~وسار في طلبهم إلى داريا - وفي نسخة: بانياس - فأحاط بهم ليلا، فقاتلهم ~~وهزمهم إلى الجوف - وفي نسخة: المزة - التي عن شمال دمشق وهي قرية يقال لها ~~حلبون ورد لوطا ابن أخيه وماشيته وجميع المواشي والنساء والشعب، فخرج ملك ~~سدوم فتلقاه فرد إليه جميع ما سلب منه؛ ومن بعد هذا حل وحي الله على إبرم ~~في الرؤيا وقال له: يا إبرم! أنا أكانفك وأساعدك، لأن ثوابك قد جزل جدا، ~~فقال إبرم: اللهم! رب ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسب ويرثني ~~اليعازر غلامي الدمشقي؟ فقال له الرب: لا يرثك هذا بل ابنك الذي يخرج من ~~صلبك فهو يرثك، وقال له: # PageV02P172 # انظر إلى السماء واحص النجوم إن كنت تقدر أن تحصيها، ثم قال له: كذلك ~~تكون ذريتك، فآمن إبرم بالله، وقال له الرب: أنا الرب إلهك الذي أخرجك من ~~أور الكلدانيين - وفي نسخة: أتون الكزدانيين - لأعطينك هذه الأرض لترثها، ~~فلما كان غروب الشمس وقع الصمت على إبرم وغشيه خوف وظلمة عظيمة فقال الرب ~~لإبرم: اعلم علما يقينا أن نسلك سيسكنون في أرض ليست لهم، فيتعبدونهم ~~ويكدونهم أربعمائة سنة، والشعب الذين يتعبدونهم فإني أدينهم ويخرجون من ~~هناك بعد ذلك بمال عظيم، وأنت تنتقل إلى آبائك بسلام وتدفن بشيخوخة خير ~~وصلاح، والحقب الرابع يرجعون إلى ههنا، لأن إثم الأمورانيين لم يكمل بعد، ~~فلما غربت الشمس صار دجى حندسة وإذا بتنور يدخن ومصباح نار يلتهب ويتردد ~~بين تلك الأنصبة، وفي ذلك اليوم عاهد الرب إبرم عهدا وقال: إني معط ذريتك ~~هذه الأرض من نهر مصر وإلى الفرات النهر الأعظم، وإن سرى امرأة إبر لم تكن ~~تلد وكانت لها أمة مصرية اسمها هاجر فقالت سرى لإبرم وهما بأرض كنعان: إن ~~الرب قد حرمني الولد فإدخل على أمتي ms0263 وابن بها لعلي أتعزى بولد منها، تسمع ~~إبرم قول سرى وأطاعها، وذلك بعدما سكن أرض # PageV02P173 # كنعان عشر سنين، فحبلت فقالت سرى لإبرم: أنت صاحب ظلامتي، أنا وضعت أمتي ~~في حضنك، فلما حبلت هنت عليها بحكم الرب بيني وبينك، فقال: هذه أمتك مسلمة ~~إليك. # اصنعي بها ما أحببت، فأهانتها سرى سيدتها فهربت منها، فلقيها ملاك الرب ~~على عين ماء في البرية في طريق سور - وفي رواية: في طريق حذر، وفي نسخة: ~~على العين التي بطريق الجفار - فقال لها: يا هاجر أمة سرى! ارجعي إلى سيدتك ~~واستكدي تحت يدها، ثم قال لها ملاك الله: لأكثرن نسلك حتى لا يحصى، ثم قال ~~لها: ها أنت حامل - وفي نسخة: إنك حبلى - وستلدين ابنا وتدعين اسمه ~~إسماعيل، لأن الرب قد عرف لك خضوعك، ويكون ابنك هذا رجلا يأوي البرية ويده ~~في جميع الناس - وفي نسخة: وحشى الناس - يده على كل ويد كل به، وسيحل على ~~جميع حدود إخوته، فدعت اسم الرب الذي كلمها فقالت: أنت الله ذو الوحي ~~والرؤيا، وذلك لأنها قالت: إني رأيت رؤيا، ولذلك دعت تلك الطوى بئر الحي ~~وهي بئر رقيم وحذر - وفي نسخة: فيما بين قادس وبارد - ثم ولدت هاجر لإبرم ~~ابنا فدعا إبرم اسمه إسماعيل، وكان إبرم ابن ست وثمانين سنة إذ ولدت هاجر ~~له إسماعيل، فلما أتى على إبرم تسع وتسعون سنة اعتلن له الرب وقال له: أنا ~~الله إله المواعيد، أرضني تكن غير ذي # PageV02P174 # عيب وأثبت عهدي بيني وبينك - وفي رواية: فأحسن أمامي ولا تكن ملوما فإني ~~جاعل بيني وبينك ميثاقا، وأكثرك جدا جدا، فخر إبراهيم على وجهه فكلمه الله ~~وقال له: أنا أثبت لك عهدي - وفي نسخة: فأوحى الله إليه قائلا له: إني قد ~~جعلت ميثاقي معك - وتكون أبا لشعوب كثيرة، ولا يدعى اسمك فيما بعد إبرم بل ~~يكون اسمك إبراهيم، لأني جعلتك أبا لشعوب كثيرة، وأنميك وأثريك جدا جدا، ~~وأجعلك للشعوب رئيسا، والملوك من صلبك يخرجون، وأثبت العهد - وفي نسخة: ~~وأفي بميثاقي - بيني وبينك وبين نسلك ms0264 من بعدك عهدا دائما، وأكون لك إلها ~~ولزرعك من بعدك، وأعطيك وذيتك من بعدك أرض سكناك وجميع أرض كنعان ميراثا ~~إلى الأبد وأكون لهم إلها، وقال الله لإبراهيم: احفظ عهدي أنت وزرعك من ~~بعدك لأحقابهم، هذا عهدي الذي آمركم به لتحفظوه ليكون بيني وبين نسلك من ~~بعدك أن تختنوا كل ذكر وتختنوا لحم غرلكم ويكون علامة العهد بيني وبينكم، ~~وليختن كل ذكر منكم ابن ثمانية أيام لأحقابكم ولاد البيت والمبتاع بالمال. # وكل من كان من أبناء الغرباء الذين ليسوا من زرعك فليختتن اختتان المولود ~~في بيتك والمبتاع بمالك، ويكون عهدي ميسما في أجسادكم عهدا دائما إلى ~~الأبد؛ وكل # PageV02P175 # ذكر ذي غرلة لا تختن غرلته في اليوم الثامن فلتهلك تلك النفس من شعبها، ~~لأنها أبطلت عهدي. وقال الله لإبراهيم: سرى صاحبتك، لا تدع اسمها سرى لأن ~~اسمها سارة وأبارك فيها، وأعطيك منها ابنا وأباركه، ويكون رئيسا لشعوب ~~كثيرة وملوك الشعوب من نسله يخرجون؛ فخر إبراهيم على وجهه ضاحكا وقال في ~~قلبه - وفي رواية متعجبا يقول في نفسه - وهل يولد لابن مائة سنة ابن وسارة ~~تلد وقد أتى عليها تسعون سنة! وقال إبراهيم لله: يا ليت إسماعيل يحيى بين ~~يديك! وقال الله لإبراهيم: حقا - وفي نسخة: نعم - إن سارة صاحبتك ستلد ابنا ~~وتسميه إسحاق، وأثبت العهد بيني وبينه إلى الأبد ولذريته من بعده، وقد ~~استجبت لك في إسماعيل فباركته وكثرته وأنميته جدا جدا، ويولد له اثنا عشر ~~عظيما، وأجعله رئيسا لشعب عظيم؛ وأثبت عهدي لإسحاق الذي تلد لك سارة في هذا ~~الحين من قابل. فلما فرغ من كلامه ارتفع استعلان الرب عن إبراهيم، فانطلق ~~إبراهيم بإسماعيل ابنه وجميع أولاد بيته والمبتاعين بما له كل ذكر من بيت ~~إبراهيم فختن غرلهم في ذلك اليوم كما أمره الله، وكان قد أتى على إبراهيم ~~تسع وتسعون سنة إذ ختن غرلته وكان قد أتى إسماعيل ابنه إذ اختتن ثلاث عشرة ~~سنة، وختن # PageV02P176 # أيضا معه أبناء الغرباء المشايعين ثم أكمل البشارة بإسحاق، كما سيأتي في ~~سورة هود ms0265 إن شاء الله تعالى - إلى أن قال: وذكر الرب سارة كما قال: وصنع ~~الله تبارك وتعالى بسارة كما وعد، فحبلت وولدت لإبراهيم ابنا على كبره في ~~الوقت الذي وعد الله، فسمى إبراهيم ابنه من سارة إسحاق، فختن إبراهيم إسحاق ~~ابنه في اليوم الثامن كما أمره الرب، وكان إبراهيم ابن مائة سنة، فقالت ~~سارة: لقد أنعم الله علي وفرحني فرحا عظيما، فمن سمع فليفرح لي، وقالت: من ~~كان يقول لإبراهيم: إن سارة ترضع غلاما وتلد ابنا بعد الكبر؛ فشب الغلام ~~وفطم وصنع إبراهيم يوم فطم مأدبة عظيمة - ثم أعاد ذكر أمر سارة بإخراج هاجر ~~وإبعادها وأن هذا شق على إبراهيم جدا وقال: فقال الله لإبراهيم: لا يشقن ~~عليك حال الصبي وأمتك، فغدا إبراهيم باكرا وأخذ خبزا وإداوة من ماء فأعطاها ~~هاجر وحملها والصبي والطعام فانطلقت وتاهت في برية بئر سبع - وفي نسخة بئر ~~الحلف، لأن إبراهيم حالف صاحب تلك الأرض عندها - ونفد الماء من الإداوة ~~فألقت الصبي تحت # PageV02P177 # شجرة من الشيح وانطلقت وجلست قبالته وتباعدت عنه كرمية بسهم كيلا تعاين ~~موته، فلما صرخ الغلام وبكى سمع الرب صوته فدعا ملاك الرب هاجر من السماء ~~وقال لها: ما لك يا هاجر؟ لا تخافي، لأن الرب قد سمع صوت الصبي حيث هو، ~~قومي فاحملي الصبي وشدي به يديك، لأني أجعله رئيسا لشعب عظيم، فجلى الله عن ~~بصرها فرأت بئر ماء، فانطلقت فملأت الإدواة وسقت الغلام، وكان الله مع ~~الغلام فشب وسكن برية فاران وكان يتعلم الرمي في تلك البرية وزوجته أمه ~~امرأة - انتهى. # وفيه إن هذا الكلام في إخراج هاجر وولدها ظاهره مناقض لما تقدم في ختان ~~إسماعيل عليه السلام، فإن فيه أنه كان ابن ثلاث عشرة سنة، وهذا ظاهره أنه ~~كان رضيعا، وفي الحديث الصحيح «أنه وضعه عند البيت وهو يرضع» ويمكن حمل هذا ~~عليه بهذا الكلام الأخير. وأما الأول فلم يقل فيه إنه كان عند الختان ببيت ~~المقدس، فيمكن أن إبراهيم عليه السلام طوى له الله الأرض بالبراق أو غيره ~~فذهب ms0266 إلى مكة المشرفة فختنه ثم رجع. وفيه بشارة بنبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم أصرح مما ذكروه وهي قوله: ويتبارك بك جميع قبائل الأرض، لأن ذلك لم ~~يحصل بأحد من أولاد إبراهيم عليه السلام إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقد أثبت البركة به صلى الله عليه وسلم والخير في غالب قبائل # PageV02P178 # الأرض، ويكون الباقي بعد نزول عيسى عليه السلام. وكذا قوله: ويده في جميع ~~الناس - إلى آخره، لأن إسماعيل عليه السلام لم ينقل أحد أن يده كانت على ~~جميع الناس، ولا حل على جميع حدود إخوته، ولا اتصف من أولاده أحد بهذا ~~الوصف إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ ثم رأيت في شرح المقاصد للشيخ سعد ~~الدين التفتازاني وشرح الصحائف للإمام السمرقندي التنبيه على هذا النص. # ولما قرر سبحانه لبني إسرائيل أن أباهم يعقوب ممن أوصى بنيه بالإسلام قال ~~مبكتا لهم: {أم} فعلم قطعا من ذكر حرف العطف أن المعطوف عليه محذوف كما ~~قالوا في أحد التقادير في هذه الآية وفي {أمن هو قانت آناء الليل} [الزمر: ~~9] في سورة الزمر فكان التقدير هنا لتوبيخهم وتقريعهم بأن أي شق اختاروه ~~لزمهم به ما يكرهون: أكنتم غائبين عن هذه الوصية من إبراهيم ويعقوب عليهما ~~السلام أم حاضرين وكنتم غائبين في أمر يعقوب عليه السلام خاصة أم {كنتم ~~شهداء} الآية، أي أكنتم غائبين عن علم ذلك أم لا حين حكمتم بتخصيص أنفسكم ~~بالجنة ليمنعكم ذلك عن مثل هذا الحكم؛ وعلى كل تقدير لا يضركم جهله، لأن ~~عندكم في كتاب الله المنزل على بيتكم من الأمر بمثله عن الله ما يغنيكم ~~عنه، وهو مانع لكم أيضا من هذا الحكم على وجه قطعي؛ # PageV02P179 # وفي ذلك إشارة إلى عدم وجوب التقيد بالآباء، وإرشاد إلى توسيع الفكر إلى ~~المنعم الأول وهو رب الآباء للتقيد بأوامره والوقوف عند زواجره سواء كان ~~ذلك موافقا لشرع الآباء أو مخالفا؛ ولما كان هذا لازما لمضمون قوله تعالى: # {تلك أمة قد خلت} [البقرة: 134] أتبعه بها، أي فما لكم وللسؤال عنها في ms0267 ~~ادعائكم أنهم كانوا هودا أو نصارى؟ كما سيأتي النص بالتوبيخ على ذلك ~~وإتباعه مثل هذه الآية، لأنه إما أن يكون السؤال عن النسب أو عن العمل ولا ~~ينفعكم شيء منهما، لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، فليس السؤال عنهم حينئذ ~~لمن عنده علم ما يأتي وما يذر إلا فضولا، وفيه تنبيه على أنهم قطعوا أنفسهم ~~عنهم، لأنهم لما لم يتبعوهم في الإسلام فصلوا ما بينهم وبينهم من الوصلة ~~بالنسب وحصلت براءتهم منهم، لأن نسب الدين أعظم من نسب الماء والطين، أو ~~يقال وهو أحسن: لما ادعى أهل الكتاب أن الجنة خاصة بهم ورد ذلك سبحانه ~~عليهم بأنها لمن أسلم محسنا وذكرهم بأحوال الخليل عليه السلام حتى ختم بأنه ~~من رؤوس المتصفين بهذا الوصف وأنه أوصى بنيه به فكان كأنه قيل إنكارا عليهم ~~في دعواهم الاختصاص بالجنة وتقريرا لهم: أكنتم شهداء لذلك منه حتى تكونوا ~~ممن ائتمر بأمره في وصيته فتكونوا أهلا للجنة أم كنتم شهداء يا بني يعقوب ~~{إذ حضر يعقوب} صاحب # PageV02P180 # نسبكم الأشهر {الموت} وهو على ما أوصى به إبراهيم بنيه {إذ قال} أي يعقوب ~~{لبنيه} . # ولما كان مراده صلى الله عليه وسلم التعميم في كل شيء ليقع التخصيص موقعه ~~فلا يحتاج إلى سؤال آخر عبر بما العامة للعاقل وغيره فقال: {ما تعبدون} ولو ~~عبر بمن لم يفد جوابهم هذا التصريح ينفي عبادة شيء مما لا يعقل، وقيده ~~بقوله: {من بعدي} لأن الخليفة كثيرا ما يخلف الغائب بسوء وإن كان مصلحا في ~~حضوره، وأدخل الجار لأن أعمارهم لا تستغرق الزمان {قالوا نعبد إلهك} الذي ~~خلقك {وإله آبائك} الذي خلقهم وبقي بعدهم ويبقى بعد كل # PageV02P181 # شيء ولا بعد له، كما كان قبل كل شيء ولا قبل له؛ ثم بينوا الآباء بقولهم: ~~{إبراهيم} أي جدك {وإسماعيل} لأنه عم والعم صنو الأب فهو أب مجازا {وإسحاق} ~~. # ولما تقدم ذكر الإله في إضافتين بينوا أن المراد به فيهما واحد تحقيقا ~~للبراءة من الشرك وتسجيلا على أهل الكتاب بتحتم بطلان قولهم فقالوا: {إلها ~~واحدا} ms0268 ثم أخبروا بعد توحيدهم الذي تقدم أنه معنى الإحسان في قوله: {وهو ~~محسن} [البقرة: 112] بإخلاصهم في عبادتهم بقولهم {ونحن له} أي وحده لا للأب ~~ولا غيره {مسلمون} أي لا اختيار لنا معه بل نحن له كالجمل الآنف حيثما ~~قادنا انقدنا، أي أم كنتم شهداء له في هذه الوصية لنشهد لكم بما شهدنا ~~لبنيه الموجودين إذ ذاك من الإسلام فتكونوا من أهل الجنة. # PageV02P182 # ولما كان في ذلك أعظم تسجيل عليهم بأنهم نابذوا وصية الأصفياء من أسلافهم ~~ومرقوا من دينهم وتعبدوا بخلافهم وكان من المعلوم قطعا أن الجواب أنهم ما ~~شهدوا ذلك ولا هم مسلمون عبر عنه بقوله: {تلك أمة قد خلت} أي قبلكم بدهور ~~لم تشهدوها، ونبه على أنهم عملوا بغير أعمالهم بقوله: {لها} أي الأمة {ما ~~كسبت} أي من دين # PageV02P182 # الإسلام خاص بها لا شركة لكم فيه {ولكم ما كسبتم} أي مما أنتم عليه من ~~الهوى خاص بكم لا يسألون هم عن أعمالكم {ولا تسألون} أي أنتم {عما كانوا ~~يعملون} ولما أخبر تعالى أنهم تركوا السنة في تهذيب أنفسهم بالاقتداء في ~~الاهتداء بالأصفياء من أسلافهم وبين بطلان ما هم عليه الآن من كل وجه وأوضح ~~أنه محض الضلال بين أنه عاقبهم على ذلك بأن صيرهم دعاة إلى الكفر، لأن سنته ~~الماضية سبقت ولن تجد لسنته تحويلا أن من أمات سنة أحيى على يديه بدعة ~~عقوبة له. قال الحرالي: لأنهما متناوبان في الأديان تناوب المتقابلات في ~~الأجسام فقال تعالى معجبا منهم عاطفا على قوله: {وقالوا لن يدخل} [البقرة: ~~111] {وقالوا} أي الفريقان من أهل الكتاب لأتباع الهدى {كونوا هودا أو ~~نصارى تهتدوا} أي لم يكفهم ارتكابهم للباطل وسلوكهم طرق الضلال حتى دعوا ~~إلى ما هم عليه ووعدوا بالهداية الصائرة إليه فأمره تعالى بأن # PageV02P183 # يجيبهم أنه مستن بسنة أبيهم لا يحول عنها كما حالوا فقال موجها الخطاب ~~إلى أشرف خلقه لعلو مقام ما يخبر به وصعوبة التقيد به على النفس: {قل بل} ~~مضربا عن مقالهم، أي لا يكون شيئا مما ذكرتم بل نكون ms0269 أو نلابس أنا ومن لحق ~~بي من كمل أهل الإسلام {ملة إبراهيم} ملابسة نصير بها إياها كأننا تجسدنا ~~منها، وهو كناية عن عدم الانفكاك عنها، فهو أبلغ مما لو قيل: بل أهل ملة ~~إبراهيم. قال الحرالي: ففيه كمال تسنن محمد صلى الله عليه وسلم في ملته ~~بملة إبراهيم عليه السلام الذي هو الأول لمناسبة ما بين الأول والآخر، وقد ~~ذكر أن الملة ما أظهره نور العقل من الهدى في ظلم ما التزمه الناس من عوائد ~~أمر الدنيا، فكان أتم ما أبداه نور العقل ملة إبراهيم {حنيفا} أي # PageV02P184 # لينا هشا سهلا قابلا للاستقامة مائلا مع داعي الحق منقادا له مسلما أمره ~~إليه، لا يتوجه إليه شيء من العشاوة والكثافة والغلظة والجمود التي يلزم ~~منها العصيان والشماخة والطغيان، وذلك لأن مادة حنف بكل ترتيب تدور على ~~الخفة واللطافة، ويشبه أن تكون الحقيقة الأولى منها النحافة، ويلزم هذا ~~المعنى الانتشار والضمور والميل، فيلزمه سهولة الانقياد والاستقامة، ويكشفه ~~آية آل عمران # {ولكن كان حنيفا مسلما} [آل عمران: 67] فبذلك حاد عن بنيات طرق الخلق في ~~انحرافهم عن جادة طريق الإسلام. وقال الحرالي: الحنيف المائل عن متغير ما ~~عليه الناس عادة إلى ما تقتضيه الفطرة حنان قلب إلى صدق حسه الباطن. # ولما أثبت له الإسلام بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله: {وما كان # PageV02P185 # من المشركين} قال الحرالي: فيه إنباء بتبرئة كيانه من أمر الشرك في ثبت ~~الأمور والأفعال والأحوال وفي إفهامه أنه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~في الكمال الخاتم كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم منه في الابتداء الفاتح، ~~قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قل إن صلاتي} [الأنعام: 162] إلى ~~قوله: {وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 163] فهذه أولية رتبة الكمال التي هي ~~خاصة به ومن سواه فهو منه فيها، لأن نفي الشيء يفهم البراءة واللحاق ~~بالمتأصل في مقابله، فمن لم يكن مثلا من الكافرين فهو من المؤمنين، لأنه لو ~~كان هو المؤمن لذكر بالصفة المقابلة لما نفى عنه، لما في ذلك من معنيي ms0270 ~~إثبات الوصف ونفي مقابله، ومثل هذا كثير الدور في خطاب القرآن، وبين من له ~~الوصف ومن هو منه تفاوت ما بين السابق واللاحق في جميع ما يرد من نحوه يعني ~~ومثل هذا التفاوت ظاهر للفهم خفي عن # PageV02P186 # مشاهد العلم، لأن العلم من العقل بمنزلة النفس؛ والفهم من العقل بمنزلة ~~الروح، فللفهم مدرك لا يناله العلم، كما أن للروح معتلى لا تصل إليه النفس، ~~لتوجه النفس إلى ظاهر الشهود ووجهة الروح إلى على الوجود - انتهى. # ولما قيل ذلك توجهت النفس إلى ما به يوصل إلى ملة إبراهيم. # فصرف الخطاب الذي كان عند الحجاج للأكل على وجه يشمل من قاربه إلى من ~~دونه بما يشمله، لأن المراد العموم، وساقه تعالى في جواب من كأنهم قالوا: ~~ما نقول: حتى نكون إياها فقال: {قولوا} أي يا أيها الذين آمنوا {آمنا ~~بالله} الذي له جميع صفات الكمال. # PageV02P187 # ولما كان المأمور المؤمنين وكانت تعدية الإنزال بإلى تقتضي الانتهاء وكان ~~ذلك يقتضي واسطة قبل الانتهاء وكان الانتهاء إلى الاتباع إنما هو بالقصد ~~الثاني كان الأنسب في هذه الآية لتوجيه الأمر إليهم التعبير بإلى بخلاف آية ~~آل عمران كما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال: {وما أنزل إلينا} أي من الكتاب ~~الذي تقدم أنه الهدى على أي وجه كان من الأحكام والنسخ والنسيء وغير ذلك ~~وقيل {وما أنزل إلى إبراهيم} ليكون المهيع واحدا {وإسماعيل وإسحاق} ابنيه. ~~قال الحرالي: فلقن العرب الأميين المحسودين على ما آتاهم الله من فضله نسق ~~ما أجرى من لفظ بني إسرائيل في عهده لهم، فكان فيه وصل العرب الذين هم ~~أبناء إسماعيل بإبراهيم وبنيه وقطع بني إسرائيل عنهم، وفيه إظهار لمزية فضل ~~الله على العرب حين يلقنهم ولا يستنطقهم فيقصروا في مقالهم فأغناهم بما ~~لقنهم فتلوه عما كانوا يقولونه لو وكلوا إلى أنفسهم فسكنهم # PageV02P188 # ربهم فأقرأهم ما يصلح من القول لهم وقال: {ويعقوب والأسباط} تكملة لما ~~تقدم في العهد السابق - انتهى. # {وما أوتي موسى وعيسى} أي من ربهم من المنزل من التوراة والإنجيل وغير ms0271 ~~المنزل، وغير الأسلوب تفضيلا لما لهما من الكتابين والمعجزات وغير ذلك من ~~المكنة؛ ثم أسند الإيتاء إلى الجميع لكون أهل الكتب العظيمة فيهم على سبيل ~~التغليب فقال مؤكدا الكلام لأنه على لسان الأتباع وهم بالتأكيد أحق: {وما ~~أوتي النبيون} أي قاطبة من تقدم وغيرهم من المنزل من كتاب وغيره {من ربهم} ~~المحسن إليهم بذلك {لا نفرق بين أحد منهم} في أمر الإيمان باصطفائهم مع ~~توجيه الأوامر إليهم {ونحن له} أي لربهم المحسن إلينا بإحسانه إليهم وحده ~~{مسلمون} أي منقادون في الظاهر بعد انقياد الباطن، لا آمر لنا معه أصلا، ~~قال الحرالي: فأجرى على ألسنة الذين آمنوا من هذه الأمة تلقينا لهم ما ~~أجراه على ألسنة الأسباط قولا منهم، فكانت العرب أحق بهم من أبناء إسرائيل ~~بما استووا في الدين وإن افترقوا في نسب الإسرائيلية - انتهى. والأسباط جمع ~~سبط، قال في القاموس: والسبط - بالكسر - ولد الولد والقبيلة من اليهود ~~وجمعه أسباط. وقال البيضاوي: والأسباط جمع سبط وهو الحافد، يريد به حفدة ~~يعقوب وأبناءه وذراريهم فإنهم حفدة لإبراهيم وإسحاق. # PageV02P189 # وقال الأصبهاني: قيل أصل السبط في اللغة شجرة ملتفة كثير الأغصان من شجرة ~~واحدة، وقال البغوي: والأسباط يعني أولاد يعقوب، واحدهم سبط، وهم اثنا عشر ~~سبطا، وسبط الرجل حافده، ومنه قيل للحسن والحسين: سبطا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب من بني إسماعيل، ~~والشعوب من العجم، وكان في الأسباط أنبياء فلذلك قال: {وما أنزل إليهم} [آل ~~عمران: 199] وقيل: هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلهم أنبياء - انتهى. قلت: ~~وهذا هو الذي يظهر إذا تأملت هذه الآية مع التي بعدها وآية النساء، فإن ~~الأسباط - أعني القبائل - كانت منهم الضلال، وقد أنكر الله على من قال: ~~إنهم كانوا هودا أو نصارى، وأخبر في آية النساء أنه أوحى إليهم، وقد عد ~~الأسباط - أعني أولاد يعقوب - جماعة، فاختلفت عباراتهم عنهم، والذي حررته ~~أنا من التوراة من عدة نسخ أصح، عدهم في آخر السفر الأول منها ثم قال في ~~أول السفر ms0272 ثاني: وهذه أسماء بني إسرائيل الذين دخلوا # PageV02P190 # مصر مع يعقوب أبيهم، دخل كل أمرىء منهم وأهل بيته، روبيل وشمعون ولاوى ~~ويهودا وايساخار وزبلون وبنيامين ودان ونفتالي وجاد وأشير، ويوسف كان بمصر ~~- انتهى. # قلت: وبنيامين شقيق يوسف عليهما السلام وربما قيل فيه: بنمن، وفي روبيل: ~~روبال، وفي شمعون: شمعان، وفي ايساخار: ايساخر، وفي زبلون: زبلون وزبولون - ~~والله أعلم. # ولما قدم تعالى ما أمرهم به وكان عين الهدى تسبب عنه قوله معبرا بأداة ~~الشك إشارة إلى أن إيمانهم لما لهم من الكثافة والغلظة والجلافة في غاية ~~البعد: {فإن آمنوا} أي أهل الكتاب الذين أرادوا أن يستتبعوكم {بمثل} أي ~~بنفس وحقيقة {ما آمنتم به} كما يأتي بيانه في {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ~~من الشورى، فكانوا تبعا لكم {فقد اهتدوا} عكس ما قالوا مثلنا تهتدوا، وعبر ~~بفعل المطاوعة لكون الإيمان مع ظهوره بظهور دلائله موافقا للفطرة الأولى، ~~وأما الكفر فإنه لما كان لأجل # PageV02P191 # ظهور الإيمان وانطباعه في الجنان بعيدا عن المزاج لا يكون إلا بنوع من ~~العلاج بين الهوى والعقل وكان لا يكون إلا بعد الإعراض عن الإيمان وغيبته ~~عن العيان عبر عن ارتكابه بما يشعر بذلك بصيغة التفعل فقال: {وإن تولوا} ~~قال الحرالي: فيه إشعار بإيمان مؤمن منهم وتولي متول منهم، لأن الله تعالى ~~إذا صنف الخطاب كان نبأ عن تصنيف الكيان، فهو تعالى لا يخرج نبأه على غير ~~كائن فيكون نبأ لا كون له، إنما ذلك أدنى أوصاف بعض الخلق {فإنما هم في ~~شقاق} أي يريدون أن يكونوا في شق غير شقكم، لأنهم يعلمون أن الهدى ليس في ~~شيء غيره كما اقتضته «إنما» . # ولما كان اللازم لمشاقتهم على هذا الحال المكايدة والمحاربة وكان ذلك على ~~وجه العناد لم يكل سبحانه كفاية أوليائه إلى غيره فسبب ذلك قوله: ~~{فسيكفيكهم الله} ؛ أي بوعد لا خلف فيه أصلا وإن تأخر شيئا من تأخر بما له ~~من قدرة وغيرها من صفات الكمال التي أفهمها الاسم الشريف، والكفاية إغناء ~~المقاوم عن مقاومة عدوه بما لا يحوجه إلى ms0273 # PageV02P192 # دفع له - قاله الحرالي. ولما كان المناوىء لشخص إما أن يكيده بقوله أو ~~بفعله وكان الفعل مسبوقا بالارتسام في الضمير وكان الكافي لشخص إنما يتوقف ~~كفايته على العلم بما يصلحه قال: {وهو السميع} أي لما يقول أعداؤكم ~~{العليم} بما يضمرون فهو يسبب لكل قول وضمير منهم ما يرد ضرره عليه، فحظكم ~~منهم مقصور على أذى في القول وسوء في ود في الضمير، وحظهم منكم قهرهم ~~وسبيهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم. وجعل الحرالي {صبغة الله} أي هيئة ~~صبغ الملك الأعلى التي هي حلية المسلم وفطرته كما أن الصبغة حلية المصبوغ ~~حالا تقاضاها معنى الكلام، وعاب على النحاة كونهم لا يعرفون الحال إلا من ~~الكلم المفردة ولا يكادون يتفهمون الأحوال من جملة الكلام، وقال: الصيغة ~~تطوير معاجل بسرعة وحيه، وقال: فلما كان هذا التلقين تلقينا وحيا سريع ~~التصيير من حال الضلال المبين الذي كانت فيه العرب في جاهليتها إلى حال ~~الهدى المبين الذي كانت فيه الأنبياء في هدايتها من غير مدة جعله تعالى ~~صبغة # PageV02P193 # كما يصبغ الثوب في الوقت فيستحيل من لون إلى لون في مقابلة ما يصبغه أهل ~~الكتاب بأتباعهم المتبعين لهم في أهوائهم في نحو الذي يسمونه الغطاس {ومن ~~أحسن من الله} أي الذي له الكمال كله # PageV02P194 # {صبغة} لأنها صبغة قلب لا تزول لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم، وتلك ~~صبغة جسم لا تنفع، وفيه إفهام بما يختص به الذين آمنوا من انقلاب جوهرهم ~~نورا، كما قال عليه الصلاة والسلام: اللهم اجعلني نورا! فكان ما انقلب إليه ~~جوهر الأئمة انصبغت به قلوب الأمة {ونحن له} أي خاصة {عابدون} تكملة لرد ~~الخطاب على خطاب عهد إسرائيل حيث قال: # {ما تعبدون من بعدي} [البقرة: 133] إلا أن العبادة في عهد إسرائيل سابقة ~~والإسلام حتم، والإسلام في هذا التلقين بدء لتقع العبادة شكرا - يختص ~~برحمته من يشاء، وجاء به بالوصف الثابت الدائم ففيه إشعار بأن أحدا منهم لا ~~يرتد عن دينه سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه، وهو حظ عام من ~~العصمة الثابت ms0274 خاصها للنبي صلى الله عليه وسلم في علي أمره - انتهى. # ولما أمر تعالى بقوله: {قل بل ملة إبراهيم} [البقرة: 135] وما بعده ~~بإعلام الخصم بالمخالفة وأن لا موافقة إلا بترك الهوى واتباع الهدى أمر ~~بمجادلتهم بما يوهي أقوالهم ويزيح شبههم فقال معرضا بالخطاب عن الجمع موجها ~~له إلى رسوله صلى الله عليه وسلم رفعا لمقامه وتعريفا بعلي منصبه إعلاما ~~بأنه لا ينهض بذلك غيره لما لهم من العلم مع ما عندهم من الجدل واللدد: ~~{قل} منكرا لمحاجتهم وموبخا لهم عليها {أتحاجوننا} ولما كان الأنسب في ~~المقارعة إعلام الخصم بالمخالفة # PageV02P195 # لأنه أقطع لطمعه وأمكن لغيظه مع أنه هنا أقرب إلى رضى الخالق قدم على ~~المجادلة، ومعنى قوله: {في الله} في اختصاصكم بالملك الذي لا ملك سواه، لأن ~~له الكمال كله المشار إلى إبطاله فيما سبق بقوله: {قل إن كانت لكم الدار ~~الآخرة عند الله خالصة} [البقرة: 94] أي أتحاجوننا في ذلك ولا وجه ~~لاختصاصكم به {وهو} أي والحال أنه {ربنا وربكم} نحن وأنتم في العبودية له ~~سواء {ولنا أعمالنا} نختص به دونكم {ولكم أعمالكم} تختصون بها دوننا، لا ~~نخاف منه أن يخصكم بأعمالنا ولا بشيء منها لتختصوا بها عنده ولا أن يخصنا ~~بأعمالكم ولا بشيء منها لنبعد بها عنه ظلما ولا غلطا، لأنه السميع العليم ~~الغني الحميد {ونحن} أحسن أعمالا منكم لأنا دونكم {له} وحده {مخلصون} لا ~~نشرك به شيئا وأنتم تشركون به عزيرا والمسيح والأحبار والرهبان، وأنتم ~~تعلمون ذلك في باطن الأمر وإن أظهرتم خلافه، فلزم قطعا أنا أخص به منكم؛ ~~والإخلاص عزل النفس جملة، فلا يبلغ عبد حقيقته حتى لا يحب أن يحمد على عمل. # ولما كان قد بقي من مباهتاتهم أنهم # PageV02P196 # يدعون أن أسلافهم كانوا على دينهم فيكون دعواهم الاختصاص بالجنة صحيحة ~~أبطلها سبحانه بقوله: {أم} أي أرجعوا عن قولهم: {كونوا هودا أو نصارى ~~تهتدوا} [البقرة: 135] لما ثبت من مخالفة ذلك لملة إبراهيم وآله أم ~~{تقولون} ولا يخفى أن التقدير على قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص ~~ورويس بالخطاب: ms0275 أرجعتم عن قولكم: {إن إبراهيم} خليل الله {وإسماعيل وإسحاق} ~~ابنيه {ويعقوب} ابن إسحاق {والأسباط} أولاد يعقوب {كانوا هودا أو نصارى} ~~لتصح دعواهم في أن الجنة خالصة لأهل ملتهم، فكأنه قيل: فما يقال لهم إن ~~قالوا ذلك؟ فقيل: {قل أنتم أعلم} بذلك وبغيره {أم الله} الذي له الإحاطة ~~كلها أعلم، فلا يمكنهم أن يقولوا: نحن، وإن قالوا: الله، فقد برأ إبراهيم ~~من ذلك فبطل ما ادعوا. # ولما كان العلم عندهم عن الله بأن الخليل ومن ذكر معه عليهم السلام على ~~دين الإسلام وكانوا يكتمون ما عندهم من ذلك مع تقرير الله لهم واستخبارهم ~~عنه ونهيه لهم عن كتمانه وما يقاربه بقوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل} ~~[البقرة: 42] وكان التقدير: فمن أظلم ممن ادعى أنه أعلم من الله بدعواه ذلك ~~صريحا أو لزومه له بإخباره بخلاف ما ثبت في القرآن المعلوم صدقه بإعجازه! ~~قال تعالى عطفا على هذا المقدور: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده} أي موجودة ~~ومودعة عنده # PageV02P197 # {من الله} أي كتمها من الملك الأعظم، أو هي عنده منه وهو يستخبره عنها مع ~~علمه بأنه فاضحه لأنه العالم بالسرائر. ولما كان التقدير: فإنه يعلم ما ~~عمله من كتمانه عطف عليه ما هو أعم منه فقال: {وما الله} المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما {بغافل عما تعملون} إشعارا بصيغة المضارع بتماديهم بعد هذا كله ~~على سوء أعمالهم وتحذيرا من مثل ذلك. ولما لم يدع لهم متمسكا من جهة ~~إبراهيم عليه السلام أتبع ذلك الإشارة على تقدير صحة دعواهم إلى أن الدين ~~دائر مع أمره في كل زمان لا مع ما قرره لأحد من خلقه فإنه لا حجر عليه ولا ~~اعتراض بل له أن يأمر اليوم بأمر وغدا مثلا بضده وأن يفعل ما يشاء من إحكام ~~ونسخ ونسيء وإنساء فقال: {تلك أمة} أي إبراهيم وآله {قد خلت} أي فهب أنهم ~~على ما زعمتم فقد مضوا وقدم زمانهم فلا ينفعكم إلا ما تستجدونه في وقتكم ~~هذا بحكم ما تجدد من المنزل المعجز لكافة أهل الأرض أحمرهم ms0276 # PageV02P198 # وأسودهم، ويجوز أن يقال: لما كان مضمون ما سبق من إثبات الأعلمية لله ~~وكتمانهم الشهادة بما عندهم ثبوت ما أخبر به سبحانه على لسان هذا النبي ~~الكريم من كون أصفيائه على دينه الإسلام فهم برآء منهم كان المعنى: إن ~~ادعيتم بهتا أن العلم جاءكم عن الله بما ادعيتموه قيل: إن من تدعون عليه ~~ذلك من الأنبياء قد انقضت معجزته بموته، وكتابكم غير مأمون عليه التحريف ~~والتبديل لكونه غير معجز، وهذا النبي الآتي بالقرآن قائم بين أظهركم وهو ~~يخبركم عن الله بكذب دعواكم، ويؤيد قوله بالمعجزات التي منها هذا القرآن ~~الذي عجزت العرب كلها عن الإتيان بسورة من مثله وأنتم كذلك مع مشاركتكم لهم ~~في الفصاحة نظما ونثرا واختصاصكم عنهم بالعلم فلزمكم قبوله، لأنكم لا ~~تستندون في ترويج كذبكم بعد الجهد إلا إلى من ثبت صدقه بثبوت رسالته، وثبتت ~~رسالته بظهور معجزته، فوجب عليكم قبول أمره، وذلك ينتج قطعا أنه يجب عليكم ~~قبول هذا الداعي بهذا القرآن لمثل ذلك سواء، وإلا كان قبول بعض من ثبت له ~~هذا الوصف دون البعض تحكما واتباعا للهوى المذموم في كل شرعة المنعي عليكم ~~بقوله تعالى: # {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم} [البقرة: 87] هذا مع أن رد قولكم ~~هذا فيهم أظهر ظاهر من حيث إنه # PageV02P199 # لا يعقل أن يكون السابق على نسبة اللاحق ما حدثت به إلا بعده بمدد ~~متطاولة، وسيأتي النص الصريح بإبطال ذلك في آل عمران إن شاء الله تعالى ~~والإشارة إلى منابذته للعقل بقوله: {أفلا تعقلون} [آل عمران: 65] ليتطابق ~~على إبطاله صادق النقل وحاكم العقل، وإلى هذا كله الإشارة بقوله: {تلك أمة ~~قد خلت} أي من قبلكم بدهور ولا يقبل الإخبار عنهم بعدها إلا بقاطع، ولا ~~سبيل لكم إليه وقد قام القاطع على مخالفتكم لهم بهذا القرآن المقطوع بصدقه ~~بإعجازه بما تقدم وبما أشار إليه قوله تعالى: {لها ما كسبت} أي من أعمالها ~~{ولكم ما كسبتم} أي من أعمالكم، فلا يسألون هم عن أعمالكم {ولا تسألون} أي ~~أنتم {عما كانوا يعملون} ms0277 . # PageV02P200 # ولما كان ادعاؤهم أن أسلافهم على دينهم لئلا تنتقض دعواهم أن الجنة خاصة ~~بهم مع كونه فضولا لا سند له يثبت به شيء محاولة لعدم # PageV02P200 # جواز النسخ وكان إبطال الله تعالى لقولهم وعيبهم بما أحدثوا في دينهم ~~وتقريعهم به ملزوما لأن يكونوا أباحوا أنفسهم منه ما منعوا منه خالقهم وهو ~~لا يسأل عما يفعل كانوا أسفه الناس فعقبه بالتصريح بعيبهم والتعجيب منهم في ~~إنكارهم لنسخ القبلة وخفتهم بالاعتراض على ربهم فقال واصلا له بما قبله على ~~وجه أعم. {سيقول} إلى آخره، لأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقية ذلك فلم ~~يتبعوهم فلا أقل من أن يكفوا عن عيبهم فكيف وهم عالمون بأنه الحق! وقال: ~~{السفهاء} ولم يقل: سيقولون، إظهارا للوصف الذي استخفهم إلى هذا القول ~~الظاهر عواره لأهل كل دين والسفيه الذي يعمل بغير دليل، إما بأن لا يلتفت ~~إلى دليل فلا يتوقف إلى أن يلوح له بل يتبع هواه، أو يرى غير الدليل # PageV02P201 # دليلا، وأكد الوصف بالطيش بقوله: {من الناس} المأخوذ من النوس وهو ~~التحرك، دون أن يقول: من أهل الكتاب، أو بني إسرائيل - ونحو ذلك تصريحا ~~بذمهم وتعميما لكل من مالأهم على ذلك {ما ولاهم} ولم يقولوا: من، زيادة في ~~الأذى بالاحتقار {عن قبلتهم} . قال الحرالي: القبلة ما تجعل قبالة الوجه، ~~والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه {التي كانوا عليها} ~~أي بيت المقدس، ولعله ترك الإفصاح ليصلح ذلك لإرادة الكعبة أيضا ليصير ~~المعنى: إن كانوا انتقلوا عن الكعبة بأمر الله فهم مبطلون في رجوعهم وإلا ~~فهم في كل حال أتباع الهوى؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه لما انقطعت حججهم ألقوا ~~هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحدا من ~~الثابتي الإيمان، كما قالوا فيما تقدم: {كونوا هودا أو نصارى} [البقرة: ~~135] ونحوه علما منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة البالغة؛ ~~ولذا جاء جوابهم بقوله: {قل} خاليا عن خطاب لا كما مضى في قوله: {قل أتخذتم ~~عند الله ms0278 عهدا} [البقرة: 80] {قل هاتوا برهانكم} [البقرة: 111] # PageV02P202 # ونحوه؛ وساق سبحانه الإخبار عنهم بذلك على طريق هو من أعلام النبوة ~~وجلائل الرسالة؛ فإنه إخبار عما سيكون من الأعداء، فكان منهم على وفق ~~الخبر؛ ولم يقدروا مع شدة عداوتهم واجتهادهم في القدح بأدنى شبهة في ~~التكذيب على تكذيبه بالكف عن ذلك؛ هذا مع توطئة لذلك فيما سلف في خمسة ~~مواضع: تحريفهم لكلام الله، وإيقاعه النسخ واستدلاله على حسن فعله، وإخباره ~~بظلم مانع المسجد، وإخباره بأنه لا يختص به جهة دون أخرى، وذكره بناء البيت ~~وما أمر به من تعظيمه واتخاذه مصلى؛ مع ما في ذلك من توطين نفوس أهل ~~الإسلام وإكرامهم بتعليم الجواب قبل الحاجة، ليكون أقطع للخصم وأكسر لشوكته ~~وأرد لشغبه. # وتسميتهم # PageV02P203 # سفهاء ناظر إلى قوله فيما مضى عمن نافق منهم ومن غيرهم {ألا إنهم هم ~~السفهاء} [البقرة: 13] ، لأنهم وإن كانوا مصارحين بالكفر فاسم النفاق منطبق ~~عليه من جهة أخرى وهو أنهم أظهروا الكفر وأبطنوا معرفة الإيمان، أظهروا ~~التكذيب وأبطنوا ما هم عارفون به من صدقه، وأيضا فإذا كان المنافقون الذين ~~أظهروا حسنا سفهاء لما أبطنوه من القبيح فالذين عمهم القبح ظاهرا وباطنا ~~أسفه: وإلى قوله قريبا {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} [البقرة: ~~130] لما تقرر من مخالفتهم له وإن ادعوا الموافقة. وقال: {لله} أي الملك ~~المحيط بكل شيء عظمة وعلما {المشرق والمغرب} مخصصا لهما لكونهما مجمعي ~~الآفاق كما مضى فلا تختص بالوجهة إليه جهة دون أخرى فما أمر به فهو الحق. # ولما قرر أن الجهات كلها بالنسبة إليه سواء لأنها ملكه، على أن من توجه ~~إلى شيء منها بأمره أصاب رضاه وذلك هو الوصول إليه فعبر عن ذلك مستأنفا ~~بقوله معظما لأهل الإسلام ومعرفا بعنايته بهم: # PageV02P204 # {يهدي إليه من يشاء} أي من عباده، وعظم الكعبة بقوله: {إلى صراط ~~المستقيم} في أي جهة كانت، فمتى سلكه وصل إلى المقصود من غير ضلال، ونكره ~~لأن المراد به جزئيات من الشريعة؛ وأما الصراط المعرف في الفاتحة فالمراد ~~به الشريعة كلها بما ms0279 دلت عليه «أل» من الكمال. # ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها عرف أنها وسط لا جور # PageV02P205 # فيها فاتبع ذلك قوله: {وكذلك} أي ومثل ما جعلنا قبلتكم وسطا لأنها إلى ~~البيت العتيق الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم عليه السلام هو أوسط ~~الأنبياء وهو مع ذلك خيار البيوت فهو وسط بكل معنى {جعلناكم} بالهداية إليه ~~في الاستقبال وإلى غيره مما نأمركم به {أمة} . قال الحرالي: من الأم وهو ~~تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي لإمام أول، فالإمام والأمة ~~كالمتقابلين، الإمام قاصد أمما، والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها، ~~والإمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى. {وسطا} أي شريفة ~~خيارا، لأن الوسط العدل الذي نسبة الجوانب كلها إليه سواء، فهو خيار الشيء. ~~قال أبو تمام الطائي. # كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا # PageV02P206 # وسالك الوسط من الطريق محفوظ من الغلط، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور ~~الموقع في الضلال عن القصد؛ ففي هذا أنهم لما ادعوا الخصوصية كذبوا وردت ~~حججهم ثم أثبتت الخصوصية لهذه الأمة؛ والوسط بالتحريك اسم لعين ما بين طرفي ~~الشيء كمركز الدائرة، وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلا، وكذا كان ~~ظرفا، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلا ومفعولا به، ولا يصح شيء من هذا في الساكن ~~- قاله الأصبهاني. # ومادة وسط مهموزة وغير مهموزة واوية ويائية بتراكيبها الأحد عشر: وسط، ~~وطس، سوط، سطو، طوس، طسو، طيس، طسى، سيط سطأ طسأ، تدور على العدل السواء ~~الذي نسبته إلى كل جانب على التساوي، ويلزم أن يكون أعلى من غيره، لأن أكثر ~~المخلوقات كري؛ وكل ما كان في وسط الكرة كان أعلى، ولأن كل جزء بعد الوسط ~~إذا نسبته إلى الطرف الذي يليه كان ما بينه وبينه أقل مما بينه وبين الوسط؛ ~~ويلزم العدل الجودة ويلزم العلو الغلبة والسطوة والكثرة والشدة، وقد يلزم ~~العلو الاضطراب فيأتي الاختلاط والاقتطاع والضعف؛ فمن الأصل الوسط من كل ~~شيء أعدله، ووسط الشيء ما بين طرفيه، فإذا سكنت السين كان ظرفا ms0280 # PageV02P207 # أو هو فيما هو مصمت فإذا كانت أجزاؤه متخلصة متباينة فبالإسكان؛ ووسطه ~~قطعه نصفين، وتوسط بينهم عمل الوساطة وأخذ الوسط بين الرديء والجيد، ووسط ~~القوم وتوسطهم هو وسط فيهم أوسطهم نسبا وأرفعهم محلا وهو المتوسط بين ~~القوم، وواسطة الرحل ما بين قادمته وآخرته، وأوطاس واد بديار هوازن لما ~~وصفه به دريد بن الصمة من أنه لا حزن ضرس ولا سهل دهس، أي يثقل المشي فيه ~~بكونه شبه الرمل وما هو برمل ولا تراب. ومن الجودة وهي ملزومة لحسن الوسط ~~الباب، والصلاة الوسطى أفضل الصلوات، والطاووس طائر حسن، والجميل من الرجال ~~والفضة، والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت، والمطوس كمعظم الشيء الحسن، ~~والطوس بالفتح القمر وحسن الوجه ونضارته بعد علة، وتطوست المرأة تزينت، ~~وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق كأنه من باب الإزالة أو بالنظر إلى أن ~~النجوم في شدة الظلام أحسن. ومن العلو: سطا الفرس أبعد الخطو، والساطىء ~~الفرس البعيد الخطوة والذي يرفع ذنبه في حضره، والطويل وواسط الكور # PageV02P208 # مقدمه، ومن الشدة والغلبة: صار الماء وسيطه غلب على الطين، وسطا عليه وبه ~~صال أو قهر بالبطش، والراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ~~ماء الفحل، والفرس ركب رأسه، وساطاه شدد عليه؛ والساطي الفحل المغتلم يخرج ~~من إبل إلى إبل، وسطأها مهموزا كمنع جامعها؛ والوطس كالوعد الضرب الشديد ~~والكسر، والوطيس التنور وحر الحرب، والوطيس شدة الأمر، وككتاب الراعي، ~~وتواطسوا علي أي تواطحوا أي تداولوا الشر بينهم، والموج تلاطم، وأوطاس واد ~~بديار هوازن لأنه أشد مما هو رمل صرف، والسوط الذي يضرب به والشدة والضرب، ~~والمسواط فرس لا يعطى حضره إلا بالسوط، والسياط قضبان الكراب الذي عليه ~~دماليقه أي عراجينه والكراب أصول السعف الغلاظ العراض، وسوط أخرج ذلك، ~~والطوس بالفتح الوطء وبالضم دوام الشيء ودواء يشرب للحفظ، وطواس كسحاب ليلة ~~من ليالي المحاق، وما أدري أين طوس به أي ذهب به # PageV02P209 # وطسى كرضى طس غلب الدسم على قلبه فاتخم كطسا أي واويا؛ وطسيء مهموزا أيضا ~~كفرح وجمع ms0281 طسأ وطساء فهو طسيء اتخم أو تغير من أكل الدسم، وأطسأه الشبع ~~ونفسي طاسئة ويدخل هذا في الاضطراب والاختلاط والضعف. # ومن الكثرة الوسط وهي الناقة تملأ الإناء ويدخل في الجيد، الطيس العدد ~~الكثير، وكل ما في وجه الأرض من تراب وقمام أو خلق كثير النسل كالذباب ~~والنمل والهوام أو دقاق التراب كالطيسل في الكل وكثرة كل شيء من الرمل ~~والماء وغيرهما؛ وسطا الماء كثر؛ والسويطاء مرقة كثيرة الماء، ومن الاختلاط ~~سياط ككتاب مغن مشهور؛ وسطا الطعام ذاقه؛ والساطىء الفحل المغتلم يخرج من ~~إبل إلى إبل، وسطا الراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ~~ماء الفحل؛ والسوط الذي يضرب به والخلط والضرب، والسياط قضبان الكراب الذي ~~عليه دماليقه، وسوط باطل ضوء يخرج من الكوة، وسطت الشيء بالسوط ضربته به، ~~والسوط أيضا ما يخلط به كالمسواط وولد لإبليس، والمسواط فرس لا يعطى حضره # PageV02P210 # إلا بالسوط، واستوط أمره اضطرب واختلط، وأموالهم سويطة بينهم مختلطة، ~~والطوس بالضم دواء يشرب للحفظ، والطاووس طائر والأرض المخضرة فيها كل ضرب ~~من النبت، ومن الاقتطاع الطاس أي الإناء يشرب فيه، والسوط النصيب والفضلة ~~من الغدير. ومن الضعف الوسط من بيوت الشعراء وهو أصغرها، وطسأ كمنع مهموزا ~~استحيى. # ولما أثبت لهم الوسط الذي من حله كان جديرا بأن لا يخفى عليه شيء من ~~الجوانب واستلزم ذلك كونه خيارا قال: {لتكونوا} أي أنتم لا غيركم {شهداء} ~~كما أفاده التعبير بهذا دون أن يقال: لتشهدوا، وقال: {على الناس} أي كافة. ~~ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم أوسطهم قال: {ويكون الرسول} أي لا غيره ~~بما اقتضاه اختصاصه بكونه وسط الوسط {عليكم} خاصة {شهيدا} بأنكم تابعتموه ~~وصدقتموه فكنتم خير أمة أخرجت للناس، # PageV02P211 # وبأنه قد بلغكم مدة حياته، فلما مات خلف فيكم كتابا معجزا متواترا لا ~~يغسله الماء ولا تحرقه النار، لأنه محفوظ في الصدور متلو بالألسن إلى أن ~~يأتي أمر الله، ولذلك عبر بأداة الاستعلاء فافهم صوغ الكلام هكذا: إنهم ~~حازوا شرفين أنه لا يشهد عليهم إلا الرسول، ms0282 وأنه لا يحتاج في الشهادة على ~~سائر الأمم إلى غير شهادتهم دفعا لتوهم أن غيرهم يشهد عليهم كما شهدوا ~~عليهم، ولتوهم أن غيرهم لا يكتفى في الشهادة عليه إلا بشهادة الرسول كما لم ~~يكتف فيهم إلا بذلك. # ولما أعلم بما {سيقول السفهاء} [البقرة: 142] وعلم جوابهم وبين سر ~~التحويل بين علة التوجيه إلى قبلتين بقوله: {وما جعلنا} أي بعظمتنا التي لا ~~يقاويها أحد {القبلة} قال الحرالي: في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي ~~مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام # PageV02P212 # ليكون تعلق القلب بالله الحكيم لا بالعمل المحكم، فالوجهة الظاهرة ليكون ~~ذلك علما على المتبع عن صدق فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق ~~التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده ~~صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره - انتهى. # وبين أنها الأولى بقوله: {التي كنت عليها} وبين أن العلة التمييز بين ~~الناس بقوله: {إلا لنعلم} أي بما لنا من العظمة بالجنود والرسل وغيرهم حين ~~وجود الأمر بالتحول عنها {من يتبع الرسول} في كل ما يأمر به اتباعا دالا ~~على تمكن إيمانه {ممن ينقلب} أي يرتد فيدبر بعد إقباله متنكسا {على عقبيه} ~~علما متعلقا بموجود تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم، والعقب مؤخر القدم. ~~وقال الحرالي: لنجعل علما ظاهرا على الصادق وغيره يشتمل العلم به من علم ~~الغيب قبل كونه وبعد كونه، ومن لم يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئني عنه ~~نون الاستتباع فهذا وجهه ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة - انتهى. # ثم بين شدتها على من أخلد إلى العادة لغلبة القوة الحيوانية البهيمية ولم ~~يتمرن في الانقياد للأوامر الإلهية على خلع الإلف وذل # PageV02P213 # النفس فقال: {وإن كانت} أي الجعلة {لكبيرة} أي ثقيلة شاقة جدا لأن مفارقة ~~الألف بعد طمأنينة النفس إليه أمر شاق جدا، ثم استثنى من أيده سبحانه بروح ~~منه وسكينة فقال: {إلا على الذين هدى الله} أي خلق الذي له الأمر كله ~~الهداية في ms0283 قلوبهم فانقادوا لما هداهم إليه بنصيب الأدلة. # ولما كان قبولهم لهذا الأمر وثباتهم عند تغير الأحكام إنما كان عن إيمان ~~وعلم محيط جعل الله عز وجل أعمالهم وتوجههم للقبلة الأولى من الإيمان فقال: ~~{وما كان الله} الذي له الكمال المطلق {ليضيع} قال الحرالي: مما منه الضياع ~~والضيعة وهو التفريط فيما له غناء وثمرة إلى أن لا يكون له غناء ولا ثمرة ~~{إيمانكم} أي المصرح به في قولكم: {آمنا بالله} [البقرة: 8] المشار إلى صدق ~~الدعوى فيه بقولكم: {ونحن له مخلصون} [البقرة: 139] في شيء من الأشياء لا ~~في صلاتكم إلى القبلة الأولى، ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق ~~بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة وغيرها ولا في اختصاصكم به سبحانه دون ~~أهل # PageV02P214 # الكتاب الجاحدين لآياته الناكبين عن مرضاته الناكثين لعهوده. # ولما نزه نفسه المقدسة عن جميع هذه الإضاعة علل ذلك بما هو أعم فقال: {إن ~~الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {بالناس} أي الذين هم أعم من المؤمنين ~~وغيرهم ممن ينوسون بين حال الهدى والفتنة {لرءوف} أي فيرحم من يشاء ممن ~~توصل إليه بعمل صالح رأفة منه به، فإن الرأفة كما قال الحرالي في التفسير ~~عطف العاطف على من لم يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، قال: ~~والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم، وقال في شرح الأسماء: إن المرؤوف به ~~تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يستدعى العفو لأجله ~~على علنه - انتهى. # وذلك مقتضى لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها كما قالوه {رحيم} لمن يشاء # PageV02P215 # ولو لم يكن منه سعي في الوصلة فتقتلعه من ذنوبه اقتلاعا أشد ما كان بها ~~اعتلاقا فتقيمه فيما ترضاه الإلهية وذلك مع موافقته لما قاله العلماء ترق ~~من العالي إلى الأعلى، فإن رحمة من لا سبب منه تقتضي العطف عليه أبلغ في ~~نوعها من حيث كونها ابتداء والأولى أبلغ في نفسها لما اقتضاها من السبب، ~~فإن كان المراد بالناس العرب فهو بشارة له صلى الله عليه وسلم بأنه يقر ~~عينه ms0284 بجعلهم من حزبه بالتثبيت لمن كان إذ ذاك مقبلا والإقبال لمن كان ~~مدبرا. وإن كان المراد أعم منهم فهو بشارة باتباع أكثر الخلائق له صلى الله ~~عليه وسلم، فإذا نزل عيسى عليه السلام وقع العموم الحقيقي في الطريق ~~المحمدي باتباع الكل له صلى الله عليه وسلم والله أعلم؛ ويجوز أن يكون ~~تعليلا للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتي رأفته ورحمته مقتضيتان للتمييز ~~بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس، لأن تسوية المصلح بالمفسد يؤلم ~~المصلح وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر براءة ما ينفع استحضاره هنا. # ولما أشعر الكلام السابق أهل البلاغة بإحداث أمر في القبلة # PageV02P216 # فتوقعوا الخبر عن ذلك وبين رأفته ورحمته بالناس عموما بين ذلك برسوله ~~خصوصا بأن تحويله إلى الكعبة رأفة منه به ورحمة له مع ما تقدم من فوائده ~~فقال تعالى: {قد نرى تقلب وجهك} قال الحرالي: فيه نبأ إسماع لمن يرتقب أمرا ~~أو خبرا يفيد مع المستقبل ندرة الوقوع، ففيه إعلام بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما انطوى ضميره على إرادة التوجه للكعبة التي هي قيام للناس حين كان ~~هو رسولا لكافة الناس وكان صلى الله عليه وسلم على ملة أبيه إبراهيم عليه ~~السلام يكتفي بعلم الله به عن مسألته، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة ~~وللمكتفين بعلم الله عبادة أجاب الله تقلب وجهه على قلة وقوع ذلك منه على ~~ما تشعر به {قد} بالتقليل للتقلب وللرؤية {في السماء} فيه إعلام بما جعله ~~من اختصاص السماء بوجه الداعي، كما اختص غيب القلوب بوجهه المصلي، فالمصلي ~~يرجع إلى غيب قلبه، ولا يرفع طرفه إلى السماء «ولينتهين أقوام عن رفع ~~أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم» والداعي يتوجه إلى السماء ~~ويمد يديه كما قال: «حتى رأينا عفرة إبطيه» # - انتهى ملخصا. {فلنولينك} أي فتسبب عن تلك # PageV02P217 # الرؤية أنا نوليك من غير شك {قبلة} قال الحرالي: نكرها لما كان من ورائها ~~قبلة التوجه العام في تنقله، فتلك هي القبلة التي هي توجه لوجه الله لا ~~توجه ms0285 لمنظر باد من خلق الله، فكان متسع القبلة ما بين اختصاص القبلة ~~الشامية إلى قيام القبلة الحجازية إلى إحاطة القبلة العامة الآفاقية؛ وفي ~~قوله: {ترضاها} إنباء بإقراره للتوجه لهذه القبلة، لأن الرضى وصف المقر لما ~~يريد، فكل واقع بإرادة لا يكون رضى إلى أن يستدركه الإقرار، فإن تعقبه ~~الرفع والتغيير فهو مراد غير مرضي - انتهى. ودل على أن مرضيه الكعبة بفاء ~~السبب في قوله: {فول وجهك} ، وأما قلبك فإنما توجهه إلى الله، الغيب # PageV02P218 # للغيب والظاهر للظاهر، {شطر} أي عين {المسجد} كما استدل الشافعي رحمه ~~الله في الرسالة على ذلك بجملة من أشعار العرب وقال: وهذا كله من أشعارهم ~~يبين أن شطر الشيء قصد عين الشيء، إذا كان معاينا فبالصواب وإن كان مغيبا ~~فبالاجتهاد {الحرام} وتعبيره بهذا دون الكعبة فيه توسعة. قال الحرالي: سماه ~~الله حراما لحرمته حيث لم يوطأ قط إلا بإذنه ولم يدخل إلا دخول تعبد وذلة ~~فكان حراما على من يدخله دخول متكبر أو متحير - انتهى. وعن الإمام الماوردي ~~أن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا هذا فالمراد ~~به الكعبة - انتهى. وعبر عنه بذلك لأن السياق للصلاة التي أعظم مقصودها ~~السجود، وسيأتي عند # PageV02P219 # {يسألونك عن الشهر الحرام} [البقرة: 217] زيادة على هذا، وفي الموطأ عن ~~سعيد بن المسيب أنه قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم ~~المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين» ولما ~~بشره سبحانه بالتحويل أولا وأوقع المبشر به ثانيا أشار إلى بشارة ثالثة ~~بتكثير أمته ونشرهم في أقطار الأرض فجمعهم إليه في قوله: {وحيث ما كنتم} أي ~~من جهات الأرض التي أورثكم إياها {فولوا وجوهكم شطره} بتوجيه قلوبكم إلي. # ولما حرر ذلك وقرره بين أن العائبين لدينه بذلك من أهل الكتاب عالمون ~~بحقية هذا التحويل وأنه من أعلام نبوته فقال: {وإن الذين أوتوا الكتاب} أي ~~من اليهود والنصارى، ولم يصفهم هنا بالسفه لإثبات العلم في قوله: {ليعلمون ~~أنه} أي هذا التحويل ms0286 {الحق} أي ليس بعده في أمر القبلة حق آخر يرفعه أصلا ~~{من # PageV02P220 # ربهم} أي المحسن إليهم بإرسال هذا الرسول الذي يرفع عنهم إصرهم وكانوا ~~ينتظرون رسالته، فعندما أتاهم ردوا رحمته، وجعل ذلك سبحانه في سياق مهدد له ~~مرج له ولأتباعه تسلية لهم وتثبيتا وتقوية لعزائمهم وتمكينا حيث ختم الآية ~~بقوله: {وما الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما {بغافل عما يعملون} قال ~~الحرالي: بالياء أي التحتانية إعراضا عنهم، وبالتاء إقبالا عليهم، ففيه ~~إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم في رتبتين: في متماد على سوء هدد فيه لما ~~أقبل عليه، وفي متماد على أسوأ منه أوجب في تهديده الإعراض عنه # PageV02P221 # والإقبال على غيره ممن لم يصل في السوء والمكائدة إلى ما وصل إليه المعرض ~~عنه. # PageV02P222 # ولما أطمع أول الآية في أهل الكتاب وقطع عنهم آخرها صرح بما لوح إليه هذا ~~الأخير وأعلمه صلى الله عليه وسلم بعاقبة أمرهم وأنه لا اتفاق بينه وبينهم ~~أصلا ولا اتفاق بين فريقيهم مع كون الكل من بني إسرائيل ليريحه صلى الله ~~عليه وسلم من التطلع إلى هدى بعضهم فقال تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا} ~~بناه للمجهول تنبيها على هوانهم {الكتاب} أي من اليهود والنصارى {بكل آية} ~~أي من الآيات المسموعة مرغبة ومرهبة ومن الآيات المرئية مغربة ومقربة {ما ~~تبعوا قبلتك} أي هذه التي حولت إليها وكنت الحقيق بها لكونها قياما للناس ~~كما أنت رسول إلى جميع الناس، لأن إعراضهم ليس عن شبهة إذا زالت زال بل عن ~~عناد. ثم أومأ إلى أنهم ينصبون له الحبائل ليعود ولو ساعة من نهار إلى ~~قبلتهم ليقدحوا بذلك فيه فقال: {وما أنت بتابع قبلتهم} ثم أشار إلى عيبهم ~~باختلافهم وتفرقهم مع نهيهم عنه فقال: {وما بعضهم} أي أهل الكتاب {بتابع ~~قبلة بعض} مع تقاربهم في النسب، وذلك حثا للعرب على الثبات على مباعدتهم ~~والحذر من مخادعتهم. # ولما كان دينهم قد نسخ أعلم سبحانه بأن ثباتهم على قبلتهم مع # PageV02P222 # ذلك مجرد هوى فقال منفرا للأمة عنهم ومحذرا لهم منهم بخطاب الرأس ms0287 ليكون ~~ذلك أدعى لقبول الاتباع {ولئن اتبعت أهواءهم} . ولما كان هذا السياق لأمر ~~القبلة فقط قال: {من بعد ما جاءك من العلم} قال الحرالي: فأبهمه ولم يكن ~~نحو الأول الذي قال فيه «بعد الذي» لظهور ما ذكر في الأول وخفاء ما وقعت ~~إليه الإشارة في هذا وجاءت فيه «من» التي هي لابتداء من أولية لخفاء مبدأ ~~أمر ما جاء من العلم هنا وظهور ذلك الأول، لأن ذلك كان في أمر الملة التي # PageV02P223 # مأخذها العقل، وهذه في أمر التوجيه الذي مأخذه الدين والغيب، قال ~~الحرالي: قال تعالى: {إنك إذا لمن الظالمين} على حد ما ذكر من أنه من لمح ~~لمحا من وصف كان من الموصوف به بألطف لطف ووصف كل رتبة بحسبها، فما يرفع ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم من باب إظهار رغبته وحرصه على هداية الخلق ~~الذي جبل على الرحمة فيه وطلب المسامحة في التقاصر عنه نظرا منه إلى حق ~~الله تعالى ومضمون وصية الله تعالى له حين أوصاه بغير ترجمان ولا واسطة أن ~~يصفح عمن ظلمه ويصل من قطعه، فكان صلى الله عليه وسلم يطلب وصل المنقطع عنه ~~حتى يعلن عليه بالإكراه في ترك ذلك وودعه فيجيبه حكما وإن كان معه علما، ~~ومنه قوله: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» # ففي طي كل خطاب له يظهر الله عز وجل فيه إكراهه على أخذ حكم الحق وإمضاء ~~العدل أعظم مدحة له والتزام لوصيته إياه، فهو ممدوح بما هو مخاطب بخطاب ~~الإكراه على إمضاء العدل والاختصار في أمر رحمته للعالمين، فرفعه الله أن ~~يكون ممن يضع رحمة في موضع استحقاق وضع النقمة، فذلك الذي بجمع معناه بين ~~متقابل الظالمين فيمن يضع النقمة موضع الرحمة فيكون أدنى الظلم، أو من يضع ~~الرحمة في موضع # PageV02P224 # النقمة فيكون منه بتغيير الوضع بوضع الفضل موضع العدل؛ وعلى ذلك جميع ما ~~ورد في القرآن من نحو قوله: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك} ms0288 أي في إمضاء العدل {فلا تكونن ~~من الممترين} [يونس: 94] في طلب الفضل لأهل العدل فإن الله يمضي عدله كما ~~يفيض فضله، وكذلك قوله: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} [عبس: 1-2] فيه إظهار ~~لمدحته بحرصه على تألف الأبعدين ووصل القاطعين حتى ينصرف عنهم بالحكم ~~وإشادة الإكراه عليه في ذلك، فلا ينصرف عن حكم الوصية إلى حكم الكتاب بالحق ~~إلا عن إشادة بإكراهه عليه، فهو محمود بما هو منهي عنه، لأن خطابه أبدا في ~~ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل، وخطاب سائر الخلق جار فيما بين العدل ~~والجور، فبين الخطابين ما بين درج العلو، ودرك السفل في مقتضى الخطابين ~~المتشابهين في القول المتباينين # PageV02P225 # في العلم - انتهى. وسيأتي في قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} ~~[التوبة: 43] في سورة التوبة ما يوضحه. # ولما ختم الخطاب بالإشارة بقوله: {أهواءهم} إلى علمهم بحقية هذا التحويل ~~تلويحا كما فتحه بالإعلام به تصريحا كر على تأكيد الإعلام بما هم عليه في ~~أمرها من التحقق إشارة إلى ما تبطنوه من العناد الموجب للتمادي في الفساد ~~فقال مضمرا له على وجه يصلح أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم معظما لهذه ~~المعرفة بإسناد الإيتاء إليه سبحانه: {الذين آتيناهم} أي بما لنا من العظمة ~~التي هم بها عارفون {الكتاب يعرفونه} أي التحويل المتضمن لزيادة تحققهم ~~لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وكمال علمهم به {كما يعرفون أبناءهم} لا ~~يشكون في حقية ذلك بوجه لظهور دلائله عندهم، لأنهم يعرفون الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بجميع نعوته معرفة لا يشكون فيها لكونها عن الله الذي لا خلف في ~~قوله، فبذلك صاروا يعرفون صحة هذا التحويل هذه المعرفة، وذلك كما أنهم لا ~~يشكون في شيء مما تقع به المعرفة لأبنائهم لشدة ملابستهم لهم؛ والحاصل أن ~~معرفتهم بنبوته تزيدهم في المعرفة بحقية التحويل بصيرة لأنه من نعته، ~~ومعرفتهم بأمر التحويل يثبتهم في حقية نبوته لكونه مما ثبت منها، ولذلك قال ~~الحرالي: في إنبائه تحققهم بعيان ما ذكر لهم من أمره، لأن # PageV02P226 # العارف ms0289 بالشيء هو الذي كان له به إدراك ظاهر بأدلة ثم أنكره لاشتباهه ~~عليه ثم عرفه لتحقق ذكره لما تقدم من ظهوره في إدراكه، فلذلك معنى المعرفة ~~لتعلقها بالحس وعيان القلب أتم من العلم المأخوذ عن علم بالفكر؛ وإنما لم ~~تجز في أوصاف الحق لما في معناها من شرط النكرة، ولذلك يقال المعرفة حد بين ~~علمين: علم على تشهد الأشياء ببواديها، وعلم دون يستدل على الأشياء ~~بأعلامها؛ وفيه أي التشبيه بالأبناء إنباء باتصال معرفتهم به كيانا كيانا ~~إلى ظهوره، ولو لم يكن شاهده عليهم إلا ارتحالهم من بلادهم من الشام إلى ~~محل الشدائد من أرض الحجاز لارتقابه وانتظاره # {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] وأجرى المثل بذكر الأبناء ~~لاشتداد عناية الوالد بابنه لاعتلاقه بفؤاده، ففيه إنباء بشدة اعتلاقهم به ~~قبل كونه {وإن فريقا منهم} أي أهل الكتاب {ليكتمون الحق} أي يخفونه ولا ~~يعلنونه. # ولما كان لا يلزم من ذلك علمهم به ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند ~~الكتمان قال: {وهم يعلمون} أي إنه حق وأنهم آثمون بكتمانه، فجعلهم أصنافا: ~~صنفا عرفوه فاتبعوه، وصنفا عرفوه فأنكروه كما في إفهامه # PageV02P227 # وفريقا علموه فكتموه؛ وفي تخصيص هذا الفريق بالعلم إشعار بفرقان ما بين ~~حال من يعرف وحال من يعلم، فلذلك كانوا ثلاثة أصناف: عارف ثابت، وعارف منكر ~~هو أردؤهم، وعالم كاتم لاحق به؛ وفي مثال يكتمون ويعلمون إشعار بتماديهم في ~~العالم وتماديهم في الكتمان. # ولأن هذا المجموع يفيد قهر الحق للخلق بما شاء منهم من هدى وفتنة لتظهر ~~فيها رحمته ونقمته وهو الحق الذي هو ماضي الحكم الذي جبلة محمد صلى الله ~~عليه وسلم تتقاضى التوقف فيه لما هو عليه من طلب الرحمة ولزوم حكم الوصية ~~خاطبه الحق بقوله: {الحق} أي هذا التفريق والتصنيف الموجب لعمارات درجات ~~الجنة وعمارات دركات النار هو الحق، أو يكون المعنى: الحق الذي أخبرت به في ~~هذه السورة أو الآيات، أو جنس الحق كائن {من ربك} أي المحسن إليك بطرد من ~~يضر اتباعه كما هو محسن إليك ms0290 بالإقبال بمن ينفع اتباعه {فلا تكونن من ~~الممترين} فيما فسر نحوه من اشتباه المرتبتين الواقعة منه فيما بين الفضل ~~والعدل والواقعة من غيره فيما بين الجور # PageV02P228 # والعدل انتهى. وفيه زيادة وتغيير، وفي تأكيد الأمر تارة بالعلم وتارة ~~بالمعرفة وتارة بغيرهما تأكيد لوجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم وإزاحة لما ~~يلقيه السفهاء العالمون به من الشبه. قال الحرالي: والممتري من الامتراء ~~وهو تكلف المرية وهي مجادلة تستخرج السوء من خبيئة المجادل، من امتراء ما ~~في الضرع وهو استيصاله حلبا، ولأنه حال الشاك ربما أطلق عليه. # ولما بين أن أحدا من هؤلاء الفرق لا يتبع قبلة الآخر وتضمن ذلك أن لكل ~~منهم قبلة وقرر أن ذلك من أهل الكتاب على وجه العناد أثبت ما تضمنه الكلام ~~السابق على وجه أعم منه وسبب عنه النتيجة فقال تعالى: {ولكل} أي لكل فريق ~~من المذكورين وغيرهم {وجهة} أي مقصد يقصده ويوجه وجهه إليه ويقبل بقلبه ~~عليه من القبلة للصلاة وغيرها من جميع المقاصد {هو موليها} إن كسر اللام ~~كان المعنى هو متوليها أي فاعل التولي أي مائل إليها بوجهه لأن المادة تدور ~~بكل ترتيب على الميل كما يأتي إن شاء الله تعالى في # PageV02P229 # آخر الأنفال، فيكون ولي بمعنى تولى كقدم بمعنى تقدم، ومن المعلوم الفرق ~~بين تولاه وتولى عنه، وإن فتح فالمعنى: هو ممال إليها. # قال الحرالي: وفي قراءة موليها - بالكسر - إشعار باختلاف جبلات أهل الملل ~~وإقامة كل طائفة منهم بما جبلت عليه، وفي قراءة «مولاها» إظهار حقيقة ذلك ~~وأنه ليس ذلك منهم بل بما أقامهم فيه المولى لهم حيث شاء، وأبهم فيه المولى ~~لما كان في طوائف منهم حظ هوى، وهو من التولية وهو ما يجعل مما يلي الجسد، ~~أو القصد أي يكون ميالا بين يديه ملاصقا له - انتهى. # ولما كان فعلهم هذا إنما هو لأجل تزكية النفس وخلاصها وكان ذلك لا يحصل ~~إلا بفعل الخير واجتناب الشر سبب عنه قوله: {فاستبقوا الخيرات} أي فاجعلوا ~~أنتم مقصدكم أنواع الخير من القبلة # PageV02P230 # وغيرها وتسابقوا في ms0291 قصدكم إليها، أي كانوا في المبادرة إلى أفعال الخير ~~كمن يسابق خصما فهو يجتهد في سبقه، فإن الاستباق تكلف السبق والسبق بروز ~~أحد المتحاربين، ثم حثهم على ذلك وحذرهم من تركه بقوله على وجه التعليل: ~~{أين ما تكونوا} أي من الجهات التي استبقتم إليها الحسية والمعنوية {يأت ~~بكم الله} أي الملك الأعظم {جميعا} منها إليه في يوم البعث، ثم علل هذه ~~العلة بقوله: {إن الله} أي الذي له الأمر كله {على كل شيء قدير} وفي ذكر ~~البعث هنا معادلة بين القبلتين: قبلة أهل الفضل الأمة الوسط التي جعلت محل ~~الأمن، والقبلة الأولى، قال الحرالي: من حيث يرد الخلق في البعث إلى موطن ~~القبلة السابقة من أرض الشام، فيكون موطن الحق والعدل أولى القبلتين بذلك، ~~لأن أعلى القبلتين موطن أمنة من حيث إن من دخله كان آمنا، فكان # PageV02P231 # المحشر إلى قبلتهم الأولى التي هي بداية الأمر ليطابق الآخر من القبلتين ~~الأولى من حيث كان الآخر في الدنيا للفضل والأول في الآخر للعدل ومن ~~الدعوتين من حيث كانت الدعوة الأولى في الأول حكما وعلما والإتيان الآخر في ~~العقبى قهرا وملكا. # ولما عظم في شأن القبلة انتشار أقوالهم في تنويع شغبهم وجدالهم وكانوا ~~أهل علم وكتاب، وقد مرت لهم دهور وهو موسومون بأنهم على صواب، فاشرأب لذلك ~~النفاق، ودارت رحى الباطل والشقاق، وقامت سوق الفسوق فيما هنالك على ساق، ~~كان الحال مقتضيا لمزيد تأكيد لأمرها تعظيما لشأنها وتوهية لشبه السفهاء ~~فقال تعالى ثانيا معبرا بعبارة مشعرة بإمامته صلى الله عليه وسلم وانتظار ~~المصلين له، {ومن حيث خرجت} أي للصلاة المفروضة باتباعك من هذه الجهة التي ~~أنت بها الآن بالمدينة الشريفة التي هي شمال الكعبة المشرفة أو من غيرها من ~~الجهات من الشرق والغرب والجنوب {فول وجهك شطر} أي عين {المسجد الحرام} ~~وأما قلبك فهو إلى الله # ولما كان التقدير فإنك مأمور بذلك لئلا يظن أن ذلك إنما # PageV02P232 # عمل لتطلعه صلى الله عليه وسلم إليه وهو فيه بالخيار فيظن أن الرجوع إلى ~~القبلة الأولى ms0292 مصلحة لما انتشر في ذلك من الكلام الذي نفذ في القلوب نفوذ ~~السهام عطف عليه قوله: {وإنه للحق من ربك} مؤكدا له بأنواع التأكيد مضيفا ~~له إلى صفة الإحسان بإحسان التربية والنظر في أدبار الأمور وأحكامها. # ولما كان التقدير: وإن ربك عالم بما قالوا من الشبه التي دارت بين الناس ~~وخيفت عاقبتها عطف عليه ما هو أعم منه فقال: {وما الله} أي الذي له الإحاطة ~~الكاملة {بغافل عما} أي عن شيء مما {يعملون} أي السفهاء من اليهود وغيرهم ~~في مستقبل الزمان فيوهيه ويبطل أذاه ويرميه ويبعده ويقصيه، وعلى قراءة ~~الخطاب أنتم في هذا الوقف وبعده فيغلبه ويثبته ويبقيه إن كان خالصا لوجهه ~~وإلا جعله هباء منثورا. قال الحرالي: ومن التفت بقلبه في صلاته إلى غير ربه ~~لم تنفعه وجهة وجه بدنه إلى الكعبة، لأن ذلك حكم حق حقيقته توجه القلب ومن ~~التفت بقلبه إلى شيء من الخلق # PageV02P233 # في صلاته فهو مثل الذي استدبر بوجهه عن شطر قبلته، فكما يتداعى الإجزاء ~~الفقهي باستدبار الكعبة حسا فكذلك يتداعى القبول باستدبار وجه القلب عن ~~الرب غيبا، فلذلك أقبل هذا الخطاب على الذين آمنوا والذين أسلموا، لأنه هو ~~صلى الله عليه وسلم مبرأ عن مثله - انتهى. {ومن حيث خرجت} أي من بقاع الأرض ~~للصلاة بأمتك {فول وجهك} أي اجعله يلي {شطر} أي عين {المسجد الحرام} . # ولما تقرر بما تكرر أن هذا التحويل فرض قي حقه صلى الله عليه وسلم حتم لا ~~فتور عنه ولا رخصة فيه إلا ما استثنى في النفل أدخل معه أمته ليعمهم الحكم ~~وربأ بمنصبه المنيف وقدره الشريف عن أن يكون لأحد عليه ما يسمى حجة بحق أو ~~باطل فقال: {وحيث ما كنتم} أي أيتها الأمة من جميع جهات الكعبة في جميع ~~أقطار الأرض الدانية والقاصية. قال الحرالي: وذكر في أمته بالكون لا ~~بالخروج إشعارا يتقاصر الأمة عن علو أحوال الأئمة وأن حال الأمة في خلوتهم ~~كحالهم في جولتهم - انتهى. # {فولوا وجوهكم} أي اجعلوها والية {شطره} للصلاة. قال الحرالي: وفيه إشعار ms0293 ~~يلحظ صحة صلواتكم فرادى وفي بيوتكم، كما قال: إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت # PageV02P234 # قد صليت في أهلك، بخلافه هو صلى الله عليه وسلم فإن صلاته لا تقع إلا ~~جمعا من حيث إنه يصلي لهم وأنه إمام لا تقع صلاته فذا - انتهى. # ولما كان ربما ظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى يزيل الكلام بين سبحانه ~~وتعالى أن الأمر بخلاف ذلك فقال: {لئلا يكون للناس} أي لأحد منهم {عليكم ~~حجة} بأن يقولوا: النبي المبشر به يستقبل بيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~ثم لا يتحول عنه وهذا لم يفعل، أو يقولوا: ما جاء بشيء جديد وإنما هو تبع ~~لنا في قبلتنا. # ولما كانت الحجة كلاما ينشأ عن مقدمات يقينية مركبة تركيبا صحيحا وقع ~~الاستثناء باعتبار تلبس المستثنى بجزء المعنى الذي نفى عن المستثنى منه ~~بدلالة التضمن فهو قريب من الاستخدام فقال: {إلا الذين} أي الناس الذين ~~{ظلموا منهم} فإنهم لعنادهم ولددهم لا يرجعون # PageV02P235 # إلى الحق الذي يعرفونه بل يكون لهم عليكم مجرد كلام هو مادة الحجة لا حجة ~~بما دل عليه وصفهم بالظلم الذي هو وضع الشيء في غير محله كما هو شأن كل ماش ~~في مأخذ الاشتقاق الذي هو الظلام، ويكون الاستثناء على هذا منقطعا بمعنى: ~~لئلا يحتج أحد عليكم لكن الذين ظلموا يقولون أو يظهرون فجورا ولددا في ذلك ~~كلاما يسمونه حجة، ولعل السر في تصويره على تقدير الانقطاع بصورة الاستثناء ~~الحث على الثبات على أمر الله سبحانه وتعالى والإعراض عمن خالفه نظرا إلى ~~ما تأصل من إبطاله واستحضارا لما ظهر من فاسد أحواله وإن أبدى من الشبه ما ~~يخفى أمره ويصعب على بعض المحقين حله حتى يظن حجة؛ ويجوز أن يراد بالحجة ~~أعم من القطعي والظني فيكون الاستثناء متصلا، قال السفاقسي: ومثار الخلاف ~~هل الحجة الدليل الصحيح والاستثناء منقطع أو الاحتجاج والخصومة فهو متصل - ~~انتهى. ووصفها بالاستعلاء عليهم لما يحصل بها من # PageV02P236 # الأذى بدلالتها على العداوة والشقاق لا بتغييرها في وجه شيء من الأدلة، و ~~{الذين ظلموا} إن ms0294 أريد بهم اليهود فهم يقولون: ما رجع إلى الكعبة إلا محبة ~~لبلده، ولو كان في قبلتنا على أمر من الله سبحانه ما تحول عنه، وإن كان ~~المشركين فهم يقولون: قد استقبل بلدكم ومسجدكم فيوشك أن يدين دينكم. ولما ~~نفى عن أهل هذه القبلة بالثبات عليها كل سبيل تسبب عنه قوله: {فلا تخشوهم} ~~أي في هذا الأمر ولا غيره، فإني أريد عنكم كيدهم وأوهن أمرهم. ولما تبين ~~أحكام فعله ومضى ما يريد من ربطه وحله حثهم على لزوم هذه القبلة محذرا من ~~مخالفته في شيء من الأشياء فقال: {واخشوني} ثم عطف على علة الاستقبال قوله: ~~{ولأتم} أي بهذا الدين المفيد لعز الدارين # PageV02P237 # ونعيمها الذي من جملته هذا الاستقبال {نعمتي عليكم} بالتمكين من الحجج ~~وغيره من أمور الدين حين أنزل عليكم آية # {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] كما أتممتها على إبراهيم خليلي ~~صاحب هذا البيت الذي وجهتكم إليه. قال الحرالي: وفي طيه بشرى بفتح مكة ~~واستيلائه على جزيرة العرب كلها وتمكنه بذلك من سائر أهل الأرض لاستغراق ~~الإسلام لكافة العرب الذين فتح الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها التي ~~انتهى إليها ملك أمته - انتهى. {ولعلكم تهتدون} أي ولتكونوا على رجاء عند ~~أنفسكم ومن يراكم ممن لا يعلم العواقب من أن تهتدوا إلى الثبات على هذه ~~القبلة وغيرها من أمر هذا الدين سبب خشيتي فإنها جالبة لكل خير ودافعة لكل ~~ضير. قال الحرالي: وفي كلمة {لعل} على ما تقدم إبهام يشعر بتصنيفهم صنفين: ~~مهتد للثبات على السنة، ومتغير فيه بوجه من وجوه البدعة، لما ذكر من أن ما ~~هو للخلق تردد فهو من الحق تقسيم وإبهام في تعيين ذلك التقسيم والتصنيف، ~~ففيه إعلام لقوم بالاهتداء الدائم بما تفهمه صيغة الدوام وإشعار بانقطاع # PageV02P238 # قوم عن ذلك التمادي بما يفهمه ما هو للخلق بموضع الترجي، وفي طيه إشعار ~~باستبدادهم بالأمر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانقسامهم فيه بين ~~ثابت عليه دائم الاهتداء فيه ومتغير عنه كما ظهر فيما كان من ثبات من ثبت ms0295 ~~بعده وردة من ارتد - انتهى. {كما} أي وجهناكم إلى الكعبة لهذه العلل ~~{أرسلنا} أي بعظمتنا {فيكم} لأجل ذلك بعينه ولئلا تقولوا ما كانوا يقولون ~~من أنكم لا حرمة لكم لإشراككم ولا إثم على من آذاكم فيتم عليكم النعمة ~~بإرسال من يستنقذكم اتباعه من الجهل والذل في الدنيا ومن العذاب في الأخرى ~~{رسولا} متصفا بأنه {منكم} تعرفون من صفته العلية وهممه الشم الحاملة على ~~اتباعه والتيمن برأيه ما لا يعرفه غيركم {يتلوا عليكم # PageV02P239 # آياتنا} الحافظة لمن رعاها حق رعايتها على الصراط المستقيم عوضا من ~~تناشدكم الأشعار. قال الحرالي: وفيه أخذهم بما هو في طباعهم من إيثار أمر ~~السمع على أمر العين الذي عليه جبلت العرب، لأنها أمة تؤثر مسموع المدح ~~والثناء من الخلق على ما تناله من الراحة فتجهد في طلب الثناء من الخلق ما ~~لم تجهد أمة غيرها، فكيف بها إذا كان ما دعيت إليه ثناء الحق عليها وتخليد ~~ذلك لها في كلام هو كلام ربها. فتنال بذلك ما هو فوق مقصودها مما جبلت عليه ~~من إيثار السماع على العين بخلاف ما عليه سائر الأمم؛ ثم قال: وفيه إغناء ~~العرب عن إعمال أفكارها في تكسب العلم والحكمة لتستخرج منه أحكاما، فكان في ~~تلاوة الآيات عليهم إغناؤهم عن الاستدلال بالدلائل وأخذ الأمور بالشواهد ~~وتولي الله ورسوله تعليمهم ليكون شرف المتعلم بحسب علاء من علمه، ففضل ~~علماء العرب على سائر العلماء كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على معلمهم ~~ممن سواه صلى الله عليه وسلم. # انتهى. # PageV02P240 # ولما كان السياق لفعل من الأفعال وهو التوجه إلى البيت للصلاة وكانت ~~الصلاة أعظم مطهر للقبول من أوضار الأدناس قدم قوله: {ويزكيكم} أي يطهركم ~~في أقوالكم وأفعالكم وينميكم بإنعاش قلوبكم لتشرف بالمعاني الصالحة ~~والأخلاق الطاهرة الموجبة للفوز الدائم والنجاة عما دنس اليهود وأوجب لهم ~~الضلال من مرض القلب بإنكار النسخ وكتم الحق وإفشاء الباطل المثمر مع ~~الضلال للإضلال. قال الحرالي: أنبأهم بأن هذا التنزيل لأنفسهم بمنزلة ~~الغذاء للأبدان، فكما تتنامى أجسادهم بماء المزن وما منه فكذلك ms0296 تتنامى ~~أنفسهم بأحكام الكتاب وتلاوة الآيات، وذلك زكاؤها ونماؤها، لتتأكد فيه ~~رغبتهم، لأن للمغتذي # PageV02P241 # رغبة في الغذاء إذا تحققه، فمن علم أن التزام الأحكام غذاء لنفسه حرص ~~عليها، ومتى نمت النفس وزكت قويت على ما شأنها أن تناله قواها، كما أن ~~البدن إذا قوي بالغذاء تمكن مما شأنه عمله - انتهى. {ويعلمكم الكتاب} ~~المقيم للدين والدنيا. قال الحرالي: أي الفقه فيه {والحكمة} دقائق الإشارات ~~الشافية لأمراض القلوب المانعة من اتباع الهوى. قال الحرالي: فخص تعليم ~~الحكمة من عموم تعليم الكتاب، لأن التوسل بالأحكام جهد عمل والتوسل بعلم ~~الحكمة يسر منال عقل، لأن الحكمة منال الأمر الذي فيه عسر بسبب فيه يسر ~~فينال الحكيم بحكمته لاطلاعه على إفضاء مجعول الأسباب بعضها لبعض مما بين ~~أسباب عاجل الدنيا ومسببات آجل الآخرة ما لا يصل إليه جهد العامل الكادح ~~وفي تكملة الكتاب والحكمة بكلمة «أل» إنهاء إلى الغاية الجامعة لكل كتاب ~~وحكمة بما يعلمه الأولون والآخرون. ثم قال: # PageV02P242 # وبذلك كان صلى الله عليه وسلم يتكلم في علوم الأولين بكلمات يعجز عنها ~~إدراك الخلق نحو قوله صلى الله عليه وسلم: «استاكوا بكل عود ما خلا الآس ~~والرمان فإنهما يهيجان عرق الجذام» لأن الخلق لا يستطيعون حصر كليات ~~المحسوسات، غاية إدراكهم حصر كليات المعقولات، ومن استجلى أحواله صلى الله ~~عليه وسلم علم اطلاع حسه على إحاطة المحسوسات وإحاطة حكمها وألسنتها ناطقها ~~وأعجمها حيها وجمادها جمعا، لما في العادة حكمة ولما في خرق العادة آية؛ ثم ~~قال: فعلى قدر ما وهب الله سبحانه وتعالى العبد من العقل يعلمه من الكتاب ~~والحكمة، يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يكلم أبا بكر رضي الله عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجمي لا أفهم ~~مما يقولان شيئا» ولما كان انتهاء ما في الكتاب عند هذه الغاية أنبأ تعالى ~~أن رسوله صلى الله عليه وسلم # PageV02P243 # يعلمهم ما لم يكن في كتابهم مثال علمه. ففيه إشعار بفتح وتجديد فطرة ~~يترقون لها إلى ما لم ms0297 يكن في كتابهم علمه - انتهى. وذلك لأن استعمال الحكمة ~~موجب للترقي فقال تعالى: {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} أي من الاستنباط من ~~الكتاب من المعارف بما يدريكم به من الأقوال والأفعال ويسلككم فيه من طرق ~~الخير الكاشفة لظلام الظلم الجالية لمرأى الأفكار المنورة لبصائر الاعتبار. # PageV02P244 # ولما كان من المعلوم أن هذا الخير الذي يفتر عنه ذو بصيرة ولا يقصر دونه ~~من له أدنى همة إنما كان يذكر الله سبحانه وتعالى للعرب تفضلا منه عليهم ~~بعد طول الشقا وتمادي الجهل والجهد والعناء رغبهم فيما يديم ذلك مسببا له ~~عما تقدم فقال: {فاذكروني} أي لأجل إنعامي عليكم بهذا وبغيره {أذكركم} ~~فأفتح لكم من المعارف وأدفع عنكم من المخاوف ما لا يدخل تحت حد {واشكروا ~~لي} وحدي من غير شريك تشركون معي أزدكم، وأكد # PageV02P244 # هذه الإشارة بقوله {ولا تكفرون} أي أسلبكم. قال الحرالي: ولما كان للعرب ~~ولع بالذكر لآبائهم ولوقائعهم ولأيامهم جعل سبحانه وتعالى ذكره لهم عوض ما ~~كانوا يذكرون، كما جعل كتابه عوضا من إشعارهم وهز عزائهم لذلك بما يسرهم به ~~من ذكره لهم - انتهى. # ولما ختم الآيات الآمرة باستقبال البيت في الصلاة بالأمر بالشكر ومجانبة ~~الكفر وكان ذلك رأس العبادة وفاعله شديد الافتقار إلى المعونة التفت إلى ~~قوله تعالى في أم الكتاب: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] فأمرهم ~~بما تضمن ذلك من الصبر والصلاة {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ~~[العنكبوت: 45] عالما بأنهم سيمتثلون حيث عصى بنو إسرائيل حين أمرهم بمثل ~~ذلك في أول قصصهم بقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع ~~الراكعين} [البقرة: 43] إلى أن قال: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها ~~لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة: 45] فكان في ذلك إشارة إلى أنهم هم ~~الخاشعون وحسن موقع هذه الآية كونها بعد أذى أهل الكتاب بنسبهم لهم إلى ~~بطلان الدين بتغيير الأحكام ونحو ذلك من # PageV02P245 # مر الكلام كما في الآية الأخرى {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل ~~عمران: ms0298 186] وكونها عقب الأمر بالذكر والشكر إيماء إلى أن ملاك كل منهما ~~الصبر والصلاة فكأنه قيل: لا تلتفتوا إلى طعن الطاعنين في أمر القبلة ~~فيشغلكم ذلك عن ذكري وشكري بل اصبروا وصلوا إلي متوجهين إلى القبلة التي ~~أمرتكم بها عالمين أن الصبر والصلاة نعم العون على كل ما ينوب من دين ~~ودنيا، وأرشق من هذا أن يقال: ولما علم من هذه الآيات إعضال ما بينهم وبين ~~السفهاء وأمرهم بالدواء المنجح من الإعراض عنهم والإقبال على ذكره وشكره ~~أتبع ذلك للإشارة إلى أن الأمر يصل إلى أشد مما توهموه فقال: يا أيها الذين ~~آمنوا} مخاطبا لهم على وجه # PageV02P246 # يشمل الكامل صلى الله عليه وسلم ولعله صرف الخطاب عنه لما في السياق مما ~~يحمي عنه صلى الله عليه وسلم مقامه العالي {استعينوا بالصبر} أي على ما ~~تلقون منهم وعلى الإقبال إلي لأكفيكم كل مهم {والصلاة} فإنها أكبر معين ~~لأنها أجمع العبادات، فمن أقبل بها على مولاه حاطه وكفاه لإعراضه عن كل ما ~~سواه، لأن ذلك شأن كل كبير فيمن أقبل بكليته عليه. # ولما كانت الصلاة لا تقوم إلا بالصبر اقتصر على التعليل به فقال: {إن ~~الله} أي الذي له الكمال كله {مع الصابرين} أي ومعلوم أن من كان الله ~~سبحانه وتعالى معه فاز. قال الحرالي: وأيسر الصبر صبر النفس عن كسلها ~~بأخذها بالنشاط فيما كلفت به {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق: 7] ~~و {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] فمتى يسر الله سبحانه ~~وتعالى عليها الجد والعزيمة جعل لها فيما كانت تصبر عليه في الابتداء ~~الاستحلاء فيه وخفت عنها وظيفة الصبر، ومتى لم تصبر عن كسلها وعلى جدها ~~تدنست فنالها عقوبات يكون الصبر عليها أشد # PageV02P247 # من الصبر الأول، كما أن من صبر عن حلو الطعام لم يحتج أن يصبر على مر ~~الدواء، فإن تحملت الصبر على عقوبات ضياع الصبر الأول تداركها نجاة من ~~اشتداد العقوبة عليها، وإن لم تتصبر على تلك العقوبات وقعت في مهالك شدائد ~~العذاب فقيل لأهلها {فاصبروا ms0299 أو لا تصبروا سواء عليكم} [الطور: 16] ثم قال: ~~فبداية الدين صبر وخاتمته يسر، فإن من كان الله سبحانه وتعالى معه رفع عنه ~~مرارة الصبر بوضع حلاوة الصحبة التي تشعر بها كلمة مع - انتهى. # ولما أشار لهم إلى ما يستقبلونه من حال الطاعنين في دينهم ورقاهم في ذلك ~~درجة بعد درجة أتبعه ما دل على أن الأمر يصل إلى القتل وما داناه ليأخذوا ~~لذلك أهبته ويعتدوا له عدته. # وقال الحرالي: ولما كان الصبر لله إنما هو حمل النفس على ما تعهد فيه ~~كرهها أنبأهم الحق تعالى أن الصبر له ليس على المعهود وأنه يوجد فيه عند ~~تجشمه حلاوة لذة الحياة وإن كان ذلك مما لا يناله شعور الذين آمنوا لخفائه ~~عن إدراك المعقول فأنبأهم بما يحملهم على تجشم الصبر في الجهاد في سبيل ~~الله فقال: {ولا تقولوا} عطفا # PageV02P248 # على متجاوز أمور تقتضيها بركة الجهاد - انتهى. أي وجاهدوهم لتقتلوهم ~~ويقتلوكم وتسلبوهم ويسلبوكم ولا تقولوا، أو يقال: ولما كان الصبر واقعا على ~~أمور أشقها الجهاد ثم الحج ثم الصوم وكان بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم ~~قد سألوا عمن مات منهم على قبلة بيت المقدس فبين لهم ما صاروا إليه بقوله ~~تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] تلو آية الصبر بتبيين ~~حال الشهداء المقتولين في الجهاد من المؤمنين دفعا لظن أنهم أموات والتفاتا ~~إلى ما أشار به إلى صيرورة الأمر إلى الحرب حيث عاب المانعين للمسجد وأخبر ~~بأنه سيحصل لهم خزي في الدنيا بالقتل والأسر وعذاب عظيم في الآخرة بالنار ~~والسخط، وإيماء إلى أنه سيأذن لهم في مقارعة من أمرهم بالصبر على أذاهم من ~~أهل الكتاب حتى يمحقهم السيف ويسكنهم الذل والخوف، فالمعنى: اصبروا على كل ~~ما يقوله أهل الكتاب وغيرهم في أمر القبلة وغيره وعلى كل ما يغير به ~~الشيطان في وجه الإيمان وصلوا إلى البيت الذي وجهتكم إليه وجاهدوا كل من ~~خالفكم حتى يكون الدين لله صابرين على كل ما ينوب في ذلك من القتل والنهب ~~وغيره ولا تقولوا إذا ms0300 قاتلتم الكفار # PageV02P249 # المناصبين لكم من العرب وغيرهم من أهل الكتاب وغيرهم {لمن يقتل} منكم {في ~~سبيل الله} أي الذي له جميع صفات الكمال بأن يقاتلوا لتكون كلمة الله هي ~~العليا لا لشيء غير ذلك من دنيا أو عصبية، فإنا سنكتب عليكم الجهاد، ~~ونستشهد منكم شهداء: إنهم {أموات} بل قولوا: إنهم شهداء، فإنهم ليسوا ~~بأموات {بل} هم {أحياء} وسيأتي في آل عمران أن ذلك معنى الشهيد. # قال الحرالي: فكأنه تعالى ينفي عن المجاهد مثال المكروه من كل وجه حتى في ~~أن يقال عنه إنه ميت، فحماه من القول الذي هو عندهم من أشد غرض أنفسهم ~~لاعتلاق أنفسهم بجميل الذكر، ثم قال وأبهم أمرهم في هذه السورة ونفى عنهم ~~القول، لأن هذه سورة الكتاب المدعو به الخلق وصرح بتفضيله في آل عمران ~~لأنها سورة قيام الله الذي به تجلى الحق فأظهر غيب أمره في سورة إظهار أمره ~~وأخفاه في سورة ظاهر دعوتهم - انتهى. # ولما كان الحس قاصرا عما أخبر به سبحانه وتعالى قال منبها على ذلك {ولكن ~~لا تشعرون} أنهم أحياء كما ترون النيام همودا # PageV02P250 # لا يتحركون ولا شعور لكم بمن فيهم ينظر، أحلاما من غيره، فلا فخر أعظم من ~~ذلك في الدنيا ولا عيش أرغد منه في الآخرة، وأما المقتول من أعدائكم فليس ~~له في الدنيا إلا الخزي والفضيحة بالقهر والذل والهوان والعذاب الذي لا آخر ~~له في الآخرة. قال الحرالي: قال ذلك نفيا بكلمة لا ومثال الدوام ففيه إعلام ~~بأن الذين آمنوا ليس في رتبتهم الشعور به أصلا إلا أن يرقيهم الله بنماء سن ~~القلوب وصفاء الأنفس إلى ما فوق ذلك من سن المؤمنين إلى سن المحسنين الذين ~~يشهدون من الغيب ما لا يشهده من في رتبة الذين آمنوا - انتهى. وفي هذا ~~إشارة إلى أن كون الله معهم لا يمنع أن يستشهد منهم شهداء، بل ذلك من ثمرات ~~كون الله معهم حيث يظفر من استشهد منهم بسعادة الأخرى ومن بقي بسعادة ~~الدارين، وتلخيص ذلك أن يقال إنه لما كان حاصل ms0301 ما تقدم # PageV02P251 # في هذه السورة أن أهل الأرض كلهم قريبهم وبعيدهم وثنيهم وكتابيهم مطبقون ~~على عداوة أهل هذا الدين وكان كثيرا ما يأمرهم بالصبر على أذاهم اشتد تشوف ~~النفوس إلى أنه هل بعد هذا الكف من فعل، فأشار إلى أنه سيأمر بعد الصبر على ~~أذى اللسان بالصبر على جلاد السيف والسنان أمرا عاما فقال عاطفا هذا النهي ~~على الأمر بالصبر، أي اصبروا الآن على هذا الأذى ثم اصبروا إذا أمرتكم ~~بالجهاد على وقع السيوف واقتحام الحتوف وفقد من يقتل منكم ولا تصفوهم ~~بالموت، ولعله فاجأهم بما تضمنته هذه الآية توطينا لهم على القتل في سبيله ~~وكان استشرافهم إلى الحرب قد كثر وبشرهم بأن القتيل فيه حي وإن رئي ميتا ~~تسلية لهم عن هذا الحادث العظيم والخطب الجسيم. # ولما كان من شأن الطين الذي منه البشر وما تولد منه أن لا يخلص عن ~~الشوائب إلا بعد معاناة شديدة، ألا ترى أن الذهب أصفاه وهو لا يخلو عن الغش ~~ولا يعرى عما خالطه من الدنس إلا بالامتحان بشديد # PageV02P252 # النيران! قال تعالى معلما لهم بالتربية بما تحصل به التصفية بما تؤدي ~~إليه مناصبة الكفار ومقارعة أهل دار البوار: {ولنبلونكم} عطفا على ما أرشد ~~إليه التقدير من نحو قوله: فلنأمركم بمقارعة كل من أمرناكم من قبل بمجاملته ~~وليتمالأن عليكم أهل الأرض ولنبلونكم أي يصيبكم بأشياء إصابة تشبه فعل ~~المختبر لأحوالكم ليظهر الصابر من الجزع. قال الحرالي: فالصبر الأول أي في ~~{أن الله مع الصابرين} عن الكسل وعلى العمل، والصبر الثاني أي في {وبشر ~~الصابرين} على مصائب الدنيا، فلذلك انتظم بهذه الآيات آية {ولنبونكم} عطفا ~~وتجاوزا لأمور يؤخذ بها من لم يجاهد في سبيل الله ضعفا عن صبر النفس عن كره ~~القتال {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة: 216] ~~فمن لم يحمل الصبر الأول على الجهاد أخذ بأمور هي بلايا # PageV02P253 # في باطنه تجاوزها الخطاب فانعطف عليها {ولنبلونكم بشيء من الخوف} وهو حذر ~~النفس من أمور ظاهرة تضرها {والجوع} وهو غلبة الحاجة ms0302 إلى الغذاء على النفس ~~حتى تترامى لأجله فيما لا تتأمل عاقبته، فإذا كان على غير غلبة مع حاجة فهو ~~الغرث، فلذلك في الجوع بلاء ما والغرث عادة جارية. وقال أيضا: الجوع فراغ ~~الجسم عما به قوامه كفراغ النفس عن الأمنة التي لها قوام ما، فأفقدها ~~القوامين في ذات نفسها بالخوف وفي بدنها بالجوع لما لم تصبر على كره ~~الجهاد، وقد كان ذلك لأهل الصبر عليه أهون من الصبر على الخوف والجوع، ~~وأيما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف حيث خافوا الأعداء على أنفسهم ~~فجاءهم إلى مواطنهم، من لم يمش إلى طبيبه ليستريح جاء الطبيب لهلاكه، وشتان ~~بين خوف الغازي للعدو في عقره وبين خوف المحصر في أهله، وكذلك شتان بين ~~أرزاق المجاهد وتزويده وخير الزاد التقوى في سبيله لجهاده وبين جوع المتخلف ~~في عيلته - انتهى. ونكر الشيء وما بعده حثا على الشكر بالإشارة إلى أن كل # PageV02P254 # ما أصاب منها ففي قدرة الله ما هو أعظم منه، فعدم الإصابة به نعمة. # ولما كان الجوع قد يكون عن رياضة بين أنه عن حاجة بقوله: {ونقص} وهو ~~التقاصر عن الكفاف {من الأموال} أي النعم التي كانت منها أغذيتهم. قال ~~الحرالي: لأن ذلك عرف استعمالهم في لفظ المال. وقال أيضا: والمال ما هو ~~للمتمول بمنزلة الجزء منه عنده لماله لذلك منه، فضاعف تعالى مثال البلاء في ~~ذوات أنفسهم وأبدانهم ليقطع عنهم راحة تطلع الكفاية من الأموال في مقابلة ~~ما ينال المجاهد من الغناء والرزق، فالمجاهد آمن في جيشه متزود في رحله ~~غانم من عدوه، والمتخلف خائف في أهله جائع في عيلته ناقص المال من ذات يده ~~- انتهى. # ولما كان ذلك قد يكون عن إفراط في الكثرة قال: {والأنفس} قال الحرالي: ~~فيه إشعار بأن من جاهد كثر عدده ونما ولده، وأن من تكاسل قل عدده ودرج ~~خلفه، وفي ضمنه إشعار بمنال المتكاسل # PageV02P255 # حواصد من جوارف الآجال من الوباء والطاعون وغيره - انتهى. وقال: ~~{والثمرات} التي هي نفس الأشجار التي بها قوام أنفس الأبدان تخصيصا لها ms0303 ~~بالذكر، لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم من أخص الناس بهذا الذكر لا ~~سيما في وقت نزول هذه الآيات وهو أول زمان الهجرة. # ولما كان السياق مرشدا إلى أن التقدير: فأنذر من لم يصبر، ولكنه طوى ~~إشارة إلى إجلال الذين آمنوا عن أن يكون فيهم من لم يصبر عطف عليه إرشادا ~~إليه وحثا على الصبر ثم ذكر الموجبين للنصر قوله: {وبشر الصابرين} وقال ~~الحرالي: ولما كان هذا البلاء عن تكاسل من الصبر الأول كما قال تعالى: {إن ~~الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11] وكان مما يتداركه ~~صبر عليه تدارك تعالى هذه الرتبة ببشرى الصابرين من هلكه ما ينال من لم ~~يصبر على هذه المصيبة # PageV02P256 # وضجر منها وتسخط فيها، فكان للصابر الأول الصحبة بقوله: {إن الله مع ~~الصابرين} . # ولما كان للصابر الثاني البشرى بالسلامة من عقوبة الآخرة ومنالهم لما ~~نولهم وشتان بين من كان الله معه وبين من قيل لنبيه بشره بصبره على بلاء ~~التخلف، وما كان للأنفس مدخل في تحمل الصبر شرفا وحفيظة على الأحساب والرتب ~~الدنيوية خلص تعالى الصابرين له من الصابرين تطبعا وتحاملا فقال: {الذين ~~إذا أصابتهم} من الإصابة # PageV02P257 # وهو وقوع المسدد على حد ما سدد له من موافق لغرض النفس أو مخالف لها ~~{مصيبة} خصيصة عرف الاستعمال بما لا يوافق نكرها لخصوص ذكره - انتهى. ~~والمراد أي مصيبة كانت ولو قلت وضعفت بما أفهمه تأنيثه الفعل {قالوا إنا ~~لله} أي الملك المحيط بكل شيء إسلاما بأنفسهم لربهم فهو يفعل بنا من هذه ~~المصيبة وغيرها ما يريد فهو المسؤول في أن يكون ذلك أصلح لنا. # ولما كان التقدير بيانا لكونهم لله تقريرا للاستسلام به: نحن مبتدئون، ~~عطف عليه {وإنا إليه} أي لا إلى غيره {راجعون} # PageV02P258 # معنى في أن جميع أمورنا لا يكون شيء منها إلا به وحسابا لبعث وظهور ذلك ~~بعده ظهورا تاما. قال الحرالي: لتكون ذلك غاية في إسلام ثمراتهم وأموالهم ~~وما نقصوا من أنفسهم، فحين لم يجاهدوا في سبيل الله فأصابتهم المصائب كان ms0304 ~~تلافيهم أن يسلموا أمرهم لله ويذكروا مرجعهم إليه ويشعروا أن ما أخذ من ~~أنفسهم وما معها ذخيرة عنده، فيكون ذلك شاهد إيمانهم ورجائهم للقائهم فتقع ~~مجاهدتهم لأنفسهم في ذلك بموقع جهادهم في سبيل الله الذي فاتهم وجعلها ~~جامعة مطلقة لكل من أصابته مصيبة فاسترجع بها ثبت أجره بما أصيب وتلاقاه ~~الله بالاهتداء إلى ما تقاصر عنه ذلك قال: {أولئك} خطابا لنبيه واستحضارا ~~لهم بمحل بعد عن قربه وغيبة عن إقباله عليهم. قال: {عليهم صلوات} صلاة الله ~~على عباده هي إقباله عليهم بعطفه إخراجا لهم من حال ظلمة إلى رفعة نور، ~~قال: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} ~~[الأحزاب: 43] فبصلاتهم عليهم إخراجهم من جهات ما أوقعهم في وجوه تلك ~~الابتلاءات، فلذلك كان ذلك صلوات بالجمع ولم يكن صلاة ليعدد ما أصابهم منه ~~عدد تلك الابتلاءات، وفي قوله تعالى: {من ربهم} إشعار بتدريجهم في ذلك # PageV02P259 # بحكم تربية وتدارك الأحوال ما أصابهم، قال تعالى: {ورحمة} إفراد لمنالها ~~لهم بعد متقدم الصلوات عليهم، فنالتهم الرحمة جمعا حين أخرجتهم الصلوات ~~أفرادا. قال تعالى: {وأولئك} إشارة إلى الذين نالتهم الصلوات والرحمة ~~فأبقاهم مع ذلك في محل بعد في الحضرة وغيبة في الخطاب {هم المهتدون} فجاء ~~بلفظ {هم} إشعارا بصلاح بواطنهم عما جره الابتلاء من أنفسهم - انتهى. والذي ~~يلوح # PageV02P260 # لي أن أداة البعد في {أولئك} إشارة إلى علو مقامهم وعز مرامهم، ولذا عبر ~~عن هدايتهم بالجملة الاسمية على وجه يفهم الحصر؛ والصلاة الإنعام بما يقتضي ~~التشريف، والرحمة الإنعام بما يقتضي العطف والتحنن - والله سبحانه وتعالى ~~الموفق؛ وفي ذلك إشارة إلى الأمر بالإعراض عن أهل الكتاب فيما يطعنون عليهم ~~به بألسنتهم والإملاء لهم إلى حين الإذن في مطاعنتهم بالرماح ومصالتتهم ~~ببيض الصفاح، كما في الآية الأخرى {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} [الأعراف: ~~186] إلى آخرها ويمكن أن يراد «بالخوف الجهاد» . وبالجوع الصوم، وبنقص ~~الأموال زكاة الصامت من المال، وبالأنفس زكاة الحيوان، وبالثمرات زكاتها؛ ~~لكن الأنسب لافتتاح الآية واختتامها وما تقدمها وتلاها أن تكون مقصورة على ~~الجهاد. ms0305 # ولما فرغ مما أراد من أحوال الطاعنين في القبلة التي هي قيام للناس وما ~~استتبع ذلك مما يضطره إليه في إقامة الدين من جدالهم وجلادهم وختم ذلك ~~بالهدى شرع في ذكر ما كان البيت به قياما # PageV02P261 # للناس من المشاعر القائدة إلى كل خير الحامية عن كل ضير التي جعلت ~~مواقفها أعلاما على الساعة لا سيما والحج أخو الجهاد في المشقة والنزوح عن ~~الوطن وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم أحد الجهادين مع أنه من أعظم ~~مقاصد البيت المذكورة في هذه الآيات مناقبه المتلوة مآثره المنصوبة شعائره ~~التي هي في الحقيقة دعائمه من الاعتكاف والصلاة والطواف المشار إلى حجه ~~واعتماره بقوله: # {مثابة للناس وأمنا} [البقرة: 125] فأفصح به بعد تلك الإشارة بعض الإفصاح ~~إذ كان لم يبق من مفاخره العظمى غيره وضم إليه العمرة الحج الأصغر ~~لمشاركتها له في إظهار فخاره وإعلاء مناره فقال: {إن الصفا والمروة} فهو ~~كالتعليل لاستحقاق البيت لأن يكون # PageV02P262 # قبلة، وعرفهما لأنهما جبلان مخصومان معهودان تجاه الكعبة، اسم الصفا من ~~الصفوة وهو ما يخلص من الكدر، واسم المروة من المرو وهو ما تحدد من الحجارة ~~- قاله الحرالي. وخصهما هنا بالذكر إشارة إلى أن بركة الإقبال عليهما على ~~ما شرع الله سبحانه وتعالى مفيدة لحياة القلوب بما أنزل على هذا الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة الباقيين إلى آخر الدهر شفاء للقلوب ~~وزكاة للنفوس زيادة للنعمة بصفة الشكر وتعليما بصفة العلم كما كان الإقبال ~~على السعي بينهما تسليما لأمر الله مفيدا لحياة أبيه إسماعيل عليه الصلاة ~~والسلام ونفع من بعده بما أنبع له من ماء زمزم الباقي إلى قيام الساعة طعام ~~طعم وشفاء سقم، وفي ذلك مع تقديم الصفا إشارة للبصراء من أرباب القلوب إلى ~~أن الصابر لله المبشر فيما قبلها ينبغي أن يكون قلبه جامعا بين الصلابة ~~والصفا، فيكون بصلابته الحجرية مانعا من القواطع الشيطانية، وبرقته ~~الزجاجية جامعا للوامع الرحمانية، بعيدا عن القلب المائي بصلابته، وعن ~~الحجري بصفائه واستنارته. ومن أعظم المناسبات أيضا كون # PageV02P263 # سبيل ms0306 الحج إذ ذاك كان ممنوعا بأهل الحرب، فكأنها علة لما قبلها وكأنه ~~قيل: ولنبلونكم بما ذكر لأن الحج من أعظم شعائر هذا البيت الذي أمرتم ~~باستقباله وهو مما يفرض عليكم وسبيله ممنوع بمن تعلمون، فلنبلونكم بقتالهم ~~لزوال مانع الحج وقتال غيرهم من أهل الكتاب وغيرهم لإتمام النعمة بتمام ~~الدين وظهوره على كل دين. ومن أحسنها أيضا أنه تعالى لما ذكر البلايا بنقص ~~الأموال بسبب الذنوب {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] ~~أتبعها الدواء الجابر لذلك النقص دينا ودنيا، «فإن الحج والعمرة ينفيان ~~الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الذهب والفضة» رواه الإمام أحمد والترمذي ~~والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما عن عبد الله ابن مسعود رضي الله ~~تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي أيضا عن عدة من الصحابة رضي ~~الله تعالى عنهم كما بينته في كتابي الاطلاع على حجة الوداع. # وقال الحرالي: لما تقدم ذكر جامعة من أمر الحج في قوله سبحانه وتعالى ~~{ولأتم نعمتي عليكم} [البقرة: 150] من حيث أن النعمة المضافة إليه أحق ~~بنعمة الدين وفي ضمنها نعمة الدنيا التي لم يتهيأ الحج إلا بها من الفتح ~~والنصر والاستيلاء على كافة العرب كما قال تعالى فيما أنزل يوم تمام الحج ~~الذي # PageV02P264 # هو يوم عرفة {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3] ~~وذلك بما أتم الله سبحانه وتعالى عليهم من نعمة تمام معالم الدين وتأسيس ~~الفتح بفتح أم القرى التي في فتحها فتح جميع الأرض لأنها قيام الناس نظم ~~تعالى بما تلاه من الخطاب تفصيلا من تفاصيل أمر الحج انتظم بأمر الذين ~~آمنوا من حيث ما في سبب إنزاله من التحرج للذين أعلموا برفع الجناح عنهم ~~وهم طائفة من الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد فتحرجوا من ~~التطوف بين الصفا والمروة. وطائفة أيضا خافوا أن يلحقهم في الإسلام بعملهم ~~نحو ما كانوا يعملونه في الجاهلية نقص في عمل الإسلام، فأعلمهم الله سبحانه ~~وتعالى أن ذلك موضوع عنهم لمختلف نياتهم فإن الأعمال ms0307 بالنيات، فما نوي لله ~~كان لله ولم يبل فيه بموافقة ما كان من عاداتهم في الجاهلية، وفي فقهه صحة ~~السجود لله سبحانه وتعالى لمن أكره على السجود للصنم، وفي طي ذلك صحة ~~التعبد لله بكلمة الكفر لمن أكره عليها، أذن صلى الله عليه وسلم # PageV02P265 # غير مرة في أن يقول فيه قائل ما يوافق الكفار بحسن نية للقائل فيه ذلك ~~ولقضاء حاجة له من حوائح دنياه عند الكفار، فظهر بذلك كونه صلى الله عليه ~~وسلم رحمة للعالمين، يقبل الضمائر ولا يبالي بالظواهر في أحوال الضرائر، ~~فرفع الله سبحانه وتعالى عنهم الجناح بحسن نياتهم وإخلاصهم لله سبحانه ~~وتعالى عملهم، فبهذا النحو من التقاصر في هذه الرتبة انتظم افتتاح هذا ~~الخطاب بما قبله من أحوال الذين آمنوا من المبتلين بما ذكر - انتهى. {من ~~شعائر الله} أي أعلام دين الملك الأعلى الذي دان كل شيء لجلاله. وقال ~~الحرالي: وهي أي الشعائر ما أحست به القلوب من حقه، وقال: والشعيرة ما شعرت ~~به القلوب من أمور باطنة {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} ~~[الحج: 32] وإنما ذكرها تعالى بالشعائر وعملها معلم من معالم الإسلام # PageV02P266 # وحرمة من حرم الله لما كان حكم في أمر القلوب التي كان في ضمائرها تحرجهم ~~فمن حيث ذكرها بالشعيرة صححها الإخلاص والنية {فمن حج} من الحج وهو ترداد ~~القصد إلى ما يراد خيره وبره. وقال الأصفهاني: أصله زيادة شيء تعظمه - ~~انتهى. {البيت} ذكر البيت في الحج والمسجد الحرام في التوجه لانتهاء الطواف ~~إلى البيت واتساع المصلى من حد المقام إلى ما وراءه لكون الطائف منتهيا إلى ~~البيت وكون المصلي قائما بمحل أدب يؤخره عن منتهى الطائف مداناة البيت، ~~وذكره تعالى بكلمة «من» المطلقة المستغرقة لأولي العقل تنكبا بالخطاب عن ~~خصوص المتحرجين، ففي إطلاقه إشعار بأن الحج لا يمنعه شيء مما يعرض في ~~مواطنه من مكروه الدين لاشتغال الحاج بما هو فيه عما سواه، ففي خفي فقهه ~~إعراض الحاج عن مناكر تلك المواطن التي تعرض فيها بحسب الأزمان والأعصار، ~~ويؤكد ms0308 ذلك أن الحج آية الحشر وأهل الحشر # {لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه} [عبس: 37] فكذلك # PageV02P267 # حكم ما هو آيته؛ وحج البيت إتيانه في خاتمة السنة من الشهور الذي هو شهر ~~ذي الحجة أنه ختم العمر، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم حيث ختم الله ~~سبحانه وتعالى عمره بعمل الحج؛ قال سبحانه وتعالى {أو اعتمر} فذكر العمرة ~~مع الحج لما كان الطواف بين الصفا والمروة من شعائر العملين {فلا جناح} وهو ~~المؤاخذة على الجنوح، والجنوح الميل عن جادة القصد - انتهى {عليه أن يطوف} ~~أي يدور بهمة وتعمد ونشاط {بهما} باديا بما بدأ الله. قال الحرالي: رفع ~~الجناح عن لفعل حكم يشترك فيه الجائز والواجب والفرض والمباح حتى يصح أن ~~يقال: لا جناح عليك أن تصلي الظهر، كما يقال: لا جناح عليك أن تطعم إذا ~~جعت؛ وإنما يشعر بالجواز والتخيير نفي الجناح عن الترك لا عن الفعل، كما ~~قال عليه الصلاة والسلام للذين سألوه عن العزل: «لا جناح عليكم أن لا ~~تفعلوا» أي أن لا تنزلوا، لأن الفعل كناية عن الثبوت لا عن الترك الذي هو ~~معنى العزل «وهو الذي قررته عائشة رضي الله تعالى عنها لما قال عروة: # PageV02P268 # ما أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما، فقالت: لو كان كما تقول كان: فلا ~~جناح عليه أن لا يطوف بهما الحديث. قلت: ولعل التعبير بالنفي إنما اختير ~~ليدل على نفي ما توهموه بالمطابقة، وتقع الدلالة على الوجوب بإفهام الجزاء ~~لأن من حج أو اعتمر ولم يتطوف بهما كان عليه حرج، وبالسنة التي بينته من ~~قوله صلى الله عليه وسلم:» اسعوا فإن الله قد كتب عليكم السعي «ومن فعله ~~صلى الله عليه وسلم مع قوله.» خذوا عني مناسككم «ومن عدهما من الشعائر ونحو ~~ذلك. قال الحرالي: وما روي من قراءة من قرأ {أن لا يطوف بهما} فليست {لا} ~~نافية على حد ما نفت معناه عائشة رضي الله تعالى عنها وإنما هي مؤكدة ~~للإثبات بمنزلة {ما منعك ألا تسجد} [الأعراف: 12] و {لئلا ms0309 يعلم أهل الكتاب} ~~[الحديد: 29] لأن من تمام المبهم استعماله في المتقابلين من النفي والإثبات ~~كاستعماله في وجوه من التقابل كما تستعمل {ما} في النفي والإثبات، وكذلك ~~جاءت» لا «في لسان العرب بمنزلتها في الاستعمال وإن كان دون ذلك في الشهرة، ~~فوارد القرآن معتبر بأعلى رتبة لغة العرب وأفصحها، لا يصل إلى تصحيح عربيته ~~من اقتصر من النحو والأدب على ما دون # PageV02P269 # الغاية لعلوه في رتبة العربية # {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} [الزخرف: 2] انتهى. والذين قرؤوا ~~بزيادة «لا» علي وابن عباس - بخلاف عنه - وأبي بن كعب وابن مسعود وأنس بن ~~مالك رضي الله تعالى عنهم وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وميمون بن مهران، ~~كما نقل ذلك الإمام أبو الفتح عثمان بن جني في كتابه المحتسب في توجيه ~~القراءات - الشواذ؛ ومعنى قول عائشة رضي الله تعالى عنها لكان أن لا يطوف ~~خاصة، ولم ترد قراءة بالإثبات؛ وأما مع قراءة الإثبات فإن المعنى يرشد إلى ~~أن قراءة النفي مثلها، لأن كونهما من الشعائر يقتضي التطوف بهما لا ~~إهمالهما - والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي: وذكره # PageV02P270 # تعالى بالتطوف الذي هو تفعل أي تشبه بالطواف، ومع البيت بالطواف في قوله ~~تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين} [البقرة: 125] لما كان السعي ترددا في طول، ~~والمراد الإحاطة بهما، فكان في المعنى كالطواف لا في الصورة، فجعله لذلك ~~تطوفا أي تشبها بالطواف - انتهى. # ولما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يقصدوا بترك الطواف بينهما إلا ~~الطاعة فأعلموا أن الطواف بينهما طاعة، عبر بما يفيد مدحهم فقال تعالى: ~~{ومن تطوع} قال الحرالي: أي كلف نفسه معاهدة البر والخير من غير استدعاء له ~~{خيرا} فيه إعلام بفضيلة النفقة في الحج والعمرة بالهدي ووجوه المرافق ~~للرفقاء بما يفهمه لفظ الخير، لأن عرف استعماله في خير الرزق والنفقة، كما ~~قال تعالى: {وإنه لحب الخير لشديد *} [العاديات: 8] و {إن ترك خيرا} ~~[البقرة: 180] ؛ ولما كان رفع الجناح تركا عادلها في الخطاب بإثبات عمل خير ~~ليقع في الخطاب إثبات يفيد عملا حين لم ms0310 يفد الأول إلا تركا، فمن تحقق ~~بالإيمان أجزل نفقاته في الوفادة # PageV02P271 # على ربه واختصر في أغراض نفسه، ومن حرم النصف من دنياه اقتصر في نفقاته ~~في وفادته على ربه وأجزل نفقاته في أغراض نفسه وشهوات عياله، فذلك من أعلام ~~المؤمنين وأعلام الجاهلين، من وفد على الملك أجزل ما يقدم بين يديه، وإنما ~~قدمه بالحقيقة لنفسه لا لربه، فمن شكر نعمة الله بإظهارها حين الوفادة، ~~عليه في آية بعثة إليه ولقائه له شكرا لله له ذلك يوم يلقاه، فكانت هدايا ~~الله له يوم القيامة أعظم من هديه إليه يوم الوفادة عليه في حجه وعمرته ~~{فإن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {شاكر} أي مجاز بالأعمال مع ~~المضاعفة لثوابها؛ قال الحرالي: وقوله: {عليم *} فيه تحذير من مداخل الرياء ~~والسمعة في إجزال النفقات لما يغلب على النفس من التباهي في إظهار الخير - ~~انتهى. # ولما تقدم أن بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا لحق وختم ما اتبعه ~~له بصفتي الشكر والعلم ترغيبا وترهيبا بأنه يشكر من فعل ما شرعه له ويعلم ~~من أخفاه وإن دق # PageV02P272 # فعله وبالغ في كتمانه انعطف الكلام إلى تبكيت المنافقين منهم والمصارحين ~~في لعنهم على كتمانهم ما يعلمون من الحق إذ كانت هذه كلها في الحقيقة قصصهم ~~والخروج إلى غيرها إنما هو استطراد على الأسلوب الحكيم المبين لأن هذا ~~الكتاب هدى وكان السياق مرشدا إلى أن التقدير بعد {شاكر عليم} ومن أحدث شرا ~~فإن الله عليم قدير، فوصل به استئنافا قوله على وجه يعمهم وغيرهم: {إن ~~الذين يكتمون} بيانا لجزائهم {ما أنزلنا} أي بعظمتنا. قال الحرالي: فانتظمت ~~هذه الآية أي في ختمها لهذا الخطاب بما مضى في أوله من قوله: {ولا تلبسوا ~~الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 42] فكانت البداية خاصة ~~وكان الختم عاما، ليكون ما في كتاب الله أمرا على نحو ما كان أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم ومن تقدمه من الرسل خلقا لينطبق الأمر على الخلق بدءا وختما ~~انطباقا واحدا، فعم كل كاتم من ms0311 الأولين والآخرين - انتهى {من البينات} أي ~~التي لا يحتاج # PageV02P273 # سامعها المجرد عن الهوى في فهمها إلى شيء معها. قال الحرالي: ففي إفهامه ~~إذن في كتم ما يخفى من العلم عن عقول لم تصل إليه - انتهى. {والهدى} أي ~~الذي من شأنه أن يقود من أحبه إلى صراط مستقيم. # ولما كان المراد الترهيب من الكتمان في وقت ما ولو قل أثبت الجار فقال ~~{من بعد ما بيناه} أي بما لنا من العظمة {للناس} أي الذين هم في أدنى طبقات ~~المخاطبين، وفيه تبكيت عظيم لبني إسرائيل فإنهم من أعظم المقصودين بذلك ~~لكتمانهم ما عندهم. قال الحرالي: لأن المسمين بالناس من أصاغر سن القلوب ~~لما ذكر من نوسهم وأكثر ما يخص به كما تقدم الملوك ورؤساء القبائل وأتباعهم ~~الذين زين لهم حب الشهوات - انتهى. {في الكتاب} أي الجامع لكل خير # PageV02P274 # قال الحرالي: فما بينه الله سبحانه وتعالى في الكتاب لا يحل كتمه، لما ~~ذكر من أن الكتاب هو ما احتوى على الأحكام والحدود بخلاف ما يختص بالفرقان ~~أو يعلو إلى رتبة القرآن انتهى. # ولما كان المضارع دالا على التجديد المستمر وكان الإصرار المتصل بالموت ~~دالا على سوء الجبلة أسقط فاء السبب إشارة إلى استحقاقهم للخزي في نفس ~~الأمر من غير نظر إلى سبب فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {يلعنهم الله} ~~أي يطردهم الملك الأعظم طرد خزي وذل {ويلعنهم اللاعنون *} أي كل من يصح منه ~~لعن؛ أي هم متهيؤن لذلك ثم يقع لهم ذلك بالفعل عند كشف الغطاء، واللعن ~~إسقاط الشيء إلى أردى محاله حتى يكون في الرتبة بمنزلة الفعل من العامة - ~~قاله الحرالي: وأخص من ذلك وأسهل تناولا أن يقال: لما كان أشق الصبر ما على ~~فقد المحبوب من الألف والأمن والسعة وكان العلم واقعا بأن عداوة الكفار لهم ~~ستؤول إلى ابتلائهم بذلك أتبع آية الصبر بقوله: {ولا تقولوا} الآيتين فكأنه ~~قيل: ولا تقولوا كذا فليكتبن عليكم الجهاد عموما {ولنبلونكم} فيه {بشيء من ~~الخوف} الآية لأن الصفا والمروة من شعائر الله # PageV02P275 # ووصولكم إليهما ممنوع ms0312 بالكفار فلا بد في الفتح من قتالهم وقد جرت العادة ~~في القتال بمثل ذلك البلاء. # PageV02P276 # ولما تم أمر القبلة وما استتبعه وختم بشريعة الحج المكتوبة على الناس ~~عامة الأمر لهم بها باني البيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن أمر الله ~~سبحانه وتعالى بقوله إذ قام المقام: يا أيها الناس! كتب عليكم الحج فحجوا، ~~فأجابه من علم الله سبحانه وتعالى أنه يحج ثم حجت الأنبياء من بني إسرائيل ~~بن إبراهيم عليهما السلام ثم أخفاها أهل الكتاب فيما أخفوه من كتابهم حسدا ~~للعرب وختمت آية الحج بعليم رجع إلى أمر الكاتمين الذين يكتمون الحق وهم ~~يعلمون، وأعظم ما كتموه أمر هذا الكتاب الذي هو الهدى المفتتح به السورة، ~~ولما بين جزاءهم استثنى منهم التائبين مبينا لشرائط التوبة الثلاثة فقال ~~{إلا الذين تابوا} بالندم على ارتكاب الذنب {وأصلحوا} بالعزم على عدم العود ~~{وبينوا} ما كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع. # ولما كان الإنسان يحب ما كان بسبب منه رغبهم في المتاب بعد توبتهم سببا ~~لتوبته ورحمته وإن كان ذلك كله منا منه في نفس # PageV02P276 # الأمر فقال معبرا بالفاء: {فأولئك} العالو الرتبة {أتوب عليهم} أي أقبل ~~توبتهم فأحفظهم بما يشعر به مثال الفعل الدائم فيما وفقتهم لابتدائه، وفي ~~الربط بالفاء إشارة إلى إسراع استنقاذ توبة الله عليهم من نار الخوف والندم ~~رحمة منه لهم برفعهم إلى موطن الإنس، لأن نار الخوف في الدنيا للمقترف رحمة ~~من عذاب النار تفديه من نار السطوة في الآخرة، من لم يحترق بنار المجاهدة ~~أحرقته نار الخوف، فمن لم يحترق بنار الخوف أحرقته نار السطوة - أفاده ~~الحرالي. ولما كان من شأن الإنسان معاودة الذنوب لصفة النسيان ختم الآية ~~بما دل على أن التقدير: فإني أحب التوابين فقال: {وأنا التواب} أي مرة بعد ~~مرة لمن كر على الذنب ثم راجع التوبة كرة إثر كرة {الرحيم *} لمن فعل ما ~~يرضيني. # ولما لعن الكاتمين واستثنى منهم التائبين ذكر المصرين معبرا عن كتمانهم ~~بالكفر لتعم العبارة كل كفر فقال: {إن الذين كفروا} # PageV02P277 # أي بهذا ms0313 الكتمان وغيره {وماتوا وهم كفار} قال الحرالي: ففي إشعاره يسر ~~توبة الكافرين وعسر توبة المنافقين من حيث صرح بذكر توبة الكاتم وتجاوز في ~~الذكر توبة الكافر، فكان الذين كفروا يتوبون إلا الأقل والذين يكتمون ~~يتمادون إلا الأقل، فلذلك وقع الاستثناء في الكاتم والتخصيص من الكافر - ~~انتهى. # ولما كان الموت على شيء دالا على أصل الجبلة فالميت كافرا مجبول جبلة شر ~~بين سبحانه وتعالى أنه مستحق في نفس الأمر لكل خزي لذلك لا لسبب جدده، فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، لأنه سبحانه ~~وتعالى لا يسأل عما يفعل، فأسقط فاء السبب وعبر عنهم بأداة البعد إشارة إلى ~~طردهم فقال: {أولئك} الذين هم في غاية السفول {عليهم لعنة الله} أي طرد ~~الملك الذي لا ملك سواه وإبعاده، ثم بين اللاعنين في التي قبلها فقال ~~{والملائكة والناس أجمعين *} أي هم أهل لذلك وكل أحد يلعن الظالم وأظلم ~~الظالمين الكافر {خالدين فيها} أي اللعنة. # PageV02P278 # ولما كان اللعن دالا على العذاب صرح به فقال: {لا يخفف عنهم العذاب} ~~لاستعلاء اللعن عليهم وإحاطته بهم. وقال الحرالي: ذكر وصف العذاب بذكر ما ~~لزمهم من اللعنة ليجمع لهم بين العقابين: عقابا من الوصف وعقابا من الفعل، ~~كما يكون لمن يقابله نعيم ورضى - انتهى. {ولا هم ينظرون *} قال الحرالي: من ~~النظرة وهو التأخير المرتقب نجازه فالمعنى أنهم لا يمهلون من ممهل ما أصلا ~~كما يمهلون في الدنيا - بل يقع عليهم العذاب حال فراقهم للحياة ثم لا يخفف ~~عنهم. قال الحرالي: ففيه إشعار بطائفة أي من عصاة المؤمنين يؤخر عذابهم، ~~وفي مقابلة علم الجزاء بأحوال أهل الدنيا تصنيفهم بأصناف في اقتراف السوء، ~~فمن داومه داومه العذاب ومن أخره وقتا ما في دنياه أخر عنه العذاب، ومن ~~تزايد فيه تزايد عذابه، وذلك لكون الدنيا مزرعة الآخرة وأن الجزاء بحسب ~~الوصف {سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم *} [الأنعام: 136] انتهى. # ولما أفاض عليهم سبحانه وتعالى ما أفاض من بحار الحجاج المفرقة بالأمواج ~~وقرر ما أراد من شرائع ms0314 الإسلام على وجه الإتقان # PageV02P279 # والإحكام وأرشد هذا السياق المذكور فيه ثواب المطيع وعقاب العاصي إلى أن ~~التقدير: فإلهكم إله واحد لا شريك له يدافعه عما يريد لا إله إلا هو ~~المنتقم من أعدائه العظيم في كبريائه، عطف عليه مكررا الزاجر لكل منافق ~~وكافر ومذكرا بالعاطف لكل موافق مؤالف قوله تعالى: {وإلهكم} ولما كان ~~المراد أن الوحدة معتبرة في نفس الأمر في الإله الحق، فلا يصح أصلا أن يكون ~~الإله الحق منقسما بالنوع ولا بالشخص ولا بالوصف ولا بالفعل ولا بغير ذلك ~~بوجه من الوجوه أعاد لفظ الإله فقال: {إله واحد} أي لا ينقسم بوجه من ~~الوجوه لا بمجانسة ولا بغيرها وهو مع ذلك {لا إله إلا هو} فهذا تقرير ~~للوحدانية بنفي غيره وإثباته فلا يصح # PageV02P280 # بوجه ولا يمكن في عقل أن يصلح للإلهية غيره أصلا فلا يستحق العبادة إلا ~~هو لأنه {الرحمن} أي العام الرحمة بالنعم الزائلة لأوليائه وأعدائه {الرحيم ~~*} أي المخصص بالنعم الباقية لأوليائه، فثبت بالتفرد بالألوهية أنه حائز ~~بجميع العظمة وبيده مجامع الكبرياء والقهر، وبوصفي الرحمة أنه مفيض لجلائل ~~النعم ودقائقها فكل ما سواه إما نعمة أو منعم عليه، فهو المخشي سطوته ~~المرجو رحمته يغفر لمن يشاء ويلعن من كفر ويخلده في العذاب من غير أن يقدر # PageV02P281 # غيره أن يعترض عليه في شيء من ذلك؛ ولا يبعد عندي وإن بعد المدى أن تكون ~~الواو في قوله {وإلهكم} عاطفة على قوله في أوائل السورة # {وهو بكل شيء عليم} [البقرة: 29] قبل قوله {وإذ قال ربك للملائكة إني ~~جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30] فإن التوحيد هو المقصود بالذات وعنه ~~تنشأ جميع العبادات، فلما قال أولا {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: ~~21] أتبعه في قوله {الذي خلقكم} [البقرة: 21] إلى آخره بوصف هو دليل ~~استحقاقه للعبادة، فلما قام الدليل قال: {فلا تجعلوا لله أندادا} [البقرة: ~~22] إعلاما بأنه لا شريك له في العبادة كما أنه قد تبين أنه لا شريك له في ~~الخلق، ثم أتبعه بما يليق لذلك المقام مما تقدم التنبيه عليه، ثم ms0315 رجع إليه ~~قائلا ثانيا {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} [البقرة: 28] إلى ~~آخرها فأعاد الدليل على وجه أبين من الأول وأبسط، فلما تقرر على وجه لا ~~مطعن فيه أمر الوحدانية والإعادة كان الأنسب ما أولاه من الآيات السابقة ~~لما ذكر فيها من غير ذلك من المهمات إلى أن صار إلى ذكر الكاتمين والتائبين ~~والمصرين وذكر ما أعد لكل من الجزاء فأتبع ذلك هذه الآية عاطفا لها على ما ~~ذكرته على وجه أصرح مما تقدم في إثبات التوحيد بيانا لما هو الحق وإشارة ~~إلى أنه تعالى ليس كملوك الدنيا الذين قد يحول بينهم وبين إثابة بعض ~~الطائعين وعقوبة بعض العاصين # PageV02P282 # بعض أتباعهم، فإنه واحد لا كفؤ له بل ولا مداني فلا مانع لنفوذ أمره؛ ولا ~~يستنكر تجويز هذا العطف لأنه جرت عادة البلغاء أن أحدهم إذا أراد إقامة ~~الحج على شيء لأمر يرتبه عليه أن يبدأ بدليل كاف ثم يتبعه تقريب الثمرات ~~المجتناة منه ثم يعود إلى تأكيده على وجه آخر لتأنس به النفوس وتسر به ~~القلوب، وربما كان الدليل طويل الذيول كثير الشعب، فيشرح كل ما يحتاج إليه ~~من ذيوله وما يستتبعه من شعبه، فإذا استوفى ذلك ورأى أن الخصم لم يصل إلى ~~غاية الإذعان أعاد له الدليل على وجه آخر عاطفا له على الوجوه الأول تذكيرا ~~بما ليس بمستنكر ذلك في مجاري عاداتهم ومباني خطاباتهم؛ ومن تأمل مناظرات ~~الباقلاني وأضرابه من أولي الحفظ الواسع والتبحر في العلم علم ذلك وقال ~~الحرالي: ولما كان مضمون الكتاب دعوة الخلق إلى الحق، والتعريف بحق الحق ~~على الخلق، وإظهار مزايا من اصطفاه الله تعالى ممن شملهم أصل الإيمان من ~~ملائكته وأنبيائه ورسله ومن يلحق بهم من أهل ولايتهم، وإظهار شواهد ذلك ~~منهم وإقامة الحجة بذلك على من دونهم في إلزامهم أتباعهم، وكان الضار للخلق ~~إنما هو الشتات كان النافع لهم إنما هو الوحدة، فلما أظهر لهم تعالى مرجعهم ~~إلى وحدة أبوة آدم عليه الصلاة والسلام في جمع الذرية # PageV02P283 # ووحدة أبوة إبراهيم عليه الصلاة ms0316 والسلام في جمع الإسلام ووحدة أحمدية ~~محمد صلى الله عليه وسلم في جمع الدين فاتضح لهم عيب الشتات والتفرق وتحقق ~~لهم شاهد النفع في الجمع إلى وحدات كان ذلك آية على أعظم الانتفاع بالرجوع ~~إلى وحدة الإلهية في أمر الحق وفي إفهام ذلك وحدات ما يظن في ظاهر الوحدات ~~الظاهرة من وحدة الروح ووحدة النفس والعقل فقال تعالى عطفا على ما ظهر ~~بناؤه من الوحدات الظاهرة وما أفاده إفهامها من الوحدات الباطنة: {وإلهكم ~~إله واحد} فإذا قبح الشتات مع وحدة الأب الوالد فكيف به مع وحدة الأب ~~المدين! فكيف به مع وحدة النبي المكمل! فكيف به مع وحدة الإله الذي هو ~~الرحمن الذي شمل خلقه رحمانية! الرحيم الذي اختص أولياءه وأصفياءه عناية ~~فجمعهم بوحدته التي هي قائم كل وحدة دونه! فجميع أسمائه لها وحدة تنتهي ~~وحدتها إلى وحدة الإله الذي انتهى إليه الإله وهو تعبد الظاهر لإلجاء ~~المتعبد إليه في كل حاجاته وإقاماته الظاهرة والباطنة، ولا أتم من وحدة ما ~~لا يتصوره # PageV02P284 # العقل ولا يدركه الحس في علو وحدة الغيب الذي لا يبدو فيه ذات فيكون لها ~~أو فيها كميات ولا كيفيات؛ ثم قال: وقد صح بالتجربة أن الراحة في حصبة ~~الواحد وأن التعب في اتباع العدد لاختصاص كل واحد بقصد في التابع يتشاكس ~~عليه لذلك حال اتباعهم، فكان أعظم دعوة إلى جمع الخلق دعوتهم إلى جمع توحيد ~~الإلهية انتظاما بما دعوا إليه من الاجتماع في اسم الربوبية في قوله تعالى ~~متقدما # {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] فإعلاء الخطاب من رتبة ~~الربوبية إلى رتبة هذه الدعوة بالإلهية لتعلو من هذا الحد إلى الدعوة إلى ~~الله الأحد الذي أحديته مركوزة في كافة فطر الخلق وجبلاتهم حين لم يقع ~~الشرك فيه بوجه وإنما وقع في رتبة الإلهية، فكان هذا أوسط الدعوة بالاجتماع ~~في وحدة الإلهية وفي إضافة اسم الإله إليهم أتم تنزل بمقدار معقولهم من ~~تعبدهم الذي هو تألههم؛ ولما كان في الإلهية دعوى كثرة توهم الضلال المبين ~~أتبع ذلك بكلمة ms0317 التوحيد بناء على اسمه المضمر في باطن ظاهر الإلهية فقال ~~تعالى: {لا إله إلا هو} ردا على إضمار ما في الأول ولم يذكر اسمه المظهر ~~ليكون للدعوة إليه رتبة عالية تكون هذه متوقلا إليها، ولما كان هذا التوحيد ~~الإلهي أمر غيب من الإله أظهره سبحانه # PageV02P285 # وتعالى بمظهر الرحمانية المحيطة الشاملة والرحيمية الاختصاصية لما عند ~~الخلق من شاهد ذلك فيما يجدونه من أثر الرحمانية في دنياهم وآثارهم وما ~~يجدون من آثار الرحيمية في اختصاصهم المزية في تضاعف رحمته، فكان في مجموع ~~هذه الآية أعظمية من غيب الإلهية إلى تمام اختصاص الرحيمية، فلذلك كانت هذه ~~الآية مع آية الإحاطة في أول آل عمران الجامعة لمقابلة ما في هذه الآية من ~~خصوص الرحيمية مع خصوص مقابلها من وصف الانتقام الظاهر عن وصف العزة الذي ~~أبداه قوله سبحانه وتعالى: # {والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 4] فكانت هذه الآية لذلك مع {الم * ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم *} [آل عمران: 1-2] اسم الله الأعظم المحيط ~~بالغيب والشهادة جمعا للرحمة والنقمة في الظاهر وإحاطة عظمة في الباطن، ~~فكان هذا الحد من علو الخطاب ابتداء رفع الخلق # PageV02P286 # إلى التعلق باسم الله الأعظم الذي يرفعهم عن سفل تقيدهم بأنفسهم المحقرة ~~إظهارا لمبدأ العناية بهذه الأمة الخاتمة - انتهى. # ولما كان هذا المقام لا يصح إلا بتمام العلم وكمال القدرة نصب الأدلة على ~~ذلك في هذه الآية الثالثة بأبسط مما في الآية الثانية كما كانت الثانية ~~أبسط من الأولى وأجلى تبصيرا للجهال وتذكيرا للعلماء؛ فكانت هذه الآية ~~تفصيلا لتينك الآيتين السابقتين ولم تدع حاجة إلى مثل هذه التفصيل في آية ~~آل عمران، لأن معظم المراد بها الدلالة على شمول القدرة وأما هذه فدليل على ~~التفرد، فكان لا بد من ذكر ما ربما أضيف إلى أسبابه القريبة تنبيها على أنه ~~لا شريك له في شيء من ذلك وأن الكل بخلقه وإن أقام لذلك أسبابا ظاهرية فقال ~~تعالى {إن في خلق السماوات والأرض} أي واختلافهما فإن # PageV02P287 # خلق ما ذكر في الآية ms0318 من نعمته على عباده كما ذكر في أول السورة، ثم ذكر ~~ما ينشأ عنهما فقال: {واختلاف} وهو افتعال من الخلف، وهو ما يقع من افتراق ~~بعد اجتماع في أمر من الأمور {الليل} قدمه لأنه الأصل والأقدم {وآية لهم ~~الليل} [يس: 37] {والنهار} وخلقهما، فالآية من الاحتباك، ذكر الخلق أولا ~~دليلا على حذفه ثانيا والاختلاف ثانيا على حذفه أولا. وقال الحرالي: ولما ~~كان من سنة الله أن من دعاه إليه وإلى رسله بشاهد خرق عادة في خلق أو أمر ~~عاجله بالعقوبة في الدنيا وجدد بعده أمة أخرى كما قال سبحانه وتعالى: {وما ~~منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} [الإسراء: 59] وكانت هذه ~~الأمة خاتمة ليس بعدها أمة غيرها أعفاها ربها من # PageV02P288 # احتياجها إلى خرق العوائد، قال عليه الصلاة والسلام «ما من نبي إلا وقد ~~أوتي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر، وإنما كان الذي آتاني الله وحيا ~~أوحاه الله سبحانه وتعالى إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا» فكان أمر ~~الاعتبار أعم إجابة وأسمح مخالفة وكفاها بما قد أظهره لها في خلقه بالإبداء ~~والتسخير من الشواهد، ليكونوا علماء منقادين لروح العلم لا لسلطان القهر، ~~فيكون ذلك من مزاياهم على غيرهم، ولم يجبها إلى ما سألته من ذلك، فلما وصل ~~تعالى بدعوة الربوبية ذكر الخلق والرزق وذكر الأرض بأنها فراش والسماء ~~بأنها بناء على عادة العرب في رتبة حس ظاهر أعلاهم في هذا الخطاب بإيراد ~~آياته وشواهده على علو رتبة معنى معقول فوق رتبة الأمر المحسوس السابق ~~فقال: {إن في خلق السماوات والأرض} خطابا مع من له نظر عقلي يزيد على نظر ~~الحس باعتبار السماوات أفلاكها وعددها بشواهد نجومها حتى يتعرف أنها سماوات ~~معدودة، وذلك مما يظهر موقعه عند من له اعتبار في مخلوق السماوات؛ ولما لم ~~يكن للأرضين شواهد محسوسة بعددها كما في السماوات لم يجر ذكرها في القرآن ~~إلا مفردة وجاء ذكر السماوات معددة لأهل النظر # PageV02P289 # العقلي ومفردة لأهل النظر الحسي، وأيسر معتبر ما بين السماوات والأرض في ~~مقابلة ms0319 حظيهما في كون السماوات في حد من العلو والصفاء والنورانية والحركة ~~والأرض في مقابل ذلك من السفل والكثافة والظلمانية والسكون، فيقع الاعتبار ~~بحصول مشهود التعاون من مشهود التقابل، وذلك مما يعجز الخلق فيعلمون أنه من ~~أمر الحق، لأن الخلق إنما يقع لهم التعاون بالمتناسب لا بالمتقابل، فمن ~~آلته الماء مثلا تفسد عليه النار، ومن آلته النار يفسد عليه الماء، والحق ~~سبحانه وتعالى أقام للخلق والموجودات والموالد آحادا مجتمعة قد قهر فيها ~~متنافرات موجودات الأركان وموجود خلق السماء والأرض المشهود تقابلهما، فما ~~وقع اجتماع النار بالماء على تقابل ما بين الحار والبارد، واجتماع الهواء ~~بالأرض على تقابل ما بين الكثيف واللطيف، واجتماع الكل في شيء واحد من جسم ~~واحد وعضو # PageV02P290 # واحد حتى في جزء واحد من أدق أجزائه إلا بأمر يعجز عنه الخلق ولا يقدر ~~عليه إلا الحق الذي يحار فيه الخلق، فهو إذن إلههم الذي هو إله واحد، آثاره ~~موجودة في أنفسهم، وشواهده مبصرة بأعينهم وحقائق تلك الشواهد بادية ~~لعقولهم، فكأنه سبحانه وتعالى أقرأهم ذكره الحكيم المرئي لأعينهم كشفا ~~لغطاء أعينهم ليتميزوا عن الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره. # ولما ذكر سبحانه وتعالى خلق متقابل العلو والسفل في ذكر السماوات والأرض ~~نظم بها اختلاف الأفقين اللذين فيهما ظهور مختلفي الليل والنهار ليتريع ~~اعتبارهم بين اعتبار الأعلى والأسفل والمشرق والمغرب فيقع شواهد الإحاطة ~~بهم عليهم في توحيد ربهم وإرجاع ذلك إليه دون أن يعزي ذلك إلى شيء من دونه ~~مما هو داخل في حصر موجود هذه الإحاطة من المحيط الأعلى والمحيط الأسفل ~~والمحيط بالجوانب كلها من ملبس الآفاق من الليل والنهار خطاب إجمال يناسب ~~مورد السورة التي موضوعها إجمالات ما يتفسر فيها وفي سائر القرآن من حيث ~~إنها فسطاطه وسنامه - انتهى. # ولما ذكر تعالى ما أنشأه سير الكواكب في ساحة الفلك أتبعه سير الفلك في ~~باحة البحر فقال: {والفلك} وهو ما عظم من السفن # PageV02P291 # في مقابلة القارب وهو المستخف منها. قال الحرالي: استوى واحده وجمعه، ~~حركات الواحد أولى في الضمير ms0320 وحركات الجمع ثوان في الضمير من حيث إن الواحد ~~أول والجمع ثان مكسر انتهى. # ولما أراد هنا الجمع لأنه أدل على القدرة وصف بأداة التأنيث فقال {التي ~~تجري} بتقدير الله، وحقق الأمر بقوله: {في البحر} أسند الجري إليها ومن ~~المعلوم أنه لا جري لها حقيقة ولا فعل بوجه ترقية إلى اعتقاد مثل ذلك في ~~النجوم إشارة إلى أنه لا فعل لها ولا تدبير كما يعتقد بعض الفلاسفة. وقال ~~الحرالي: ولما ذكر سبحانه وتعالى جملة الخلق وجملة الاختلاف في الوجهين وصل ~~بذلك إحاطة البحر بالأرض وتخلل البحار فيها لتوصل المنافع المحمولة في ~~الفلك مما يوصل من منافع المشرق للمغرب ومنافع المغرب للمشرق ومنافع الشمال # PageV02P292 # للجنوب وبالعكس، فما حملت جارية شيئا ينتفع به إلا قد تضمن ذكره مبهم ~~كلمة {ما} في قوله تعالى: {بما ينفع الناس} وذكرهم باسم الناس الذي هو أول ~~من يقع فيه الاجتماع والتعاون والتبصر بوجه ما أدنى ذلك في منافع الدنيا ~~الذي هو شاهد هذا القول - انتهى. # ولما ذكر نفع البحر بالسفن ذكر من نفعه ما هو أعم من ذلك فقال: {وما أنزل ~~الله} الذي له العظمة التامة {من السماء} أي جهتها باجتذاب السحاب له. ولما ~~كان النازل منها على أنواع وكان السياق للاستعطاف إلى رفع الخلاف ذكر ما هو ~~سبب الحياة فقال: {من ماء فأحيا به الأرض} بما ينبت منها ولما كان الإحياء ~~يستغرق الزمن المتعقب للموت نفى الجار فقال: {بعد موتها} بعدمه. # PageV02P293 # ولما ذكر حياة الأرض بالماء أشار إلى أن حياة كل ذي روح به فقال {وبث} من ~~البث وهو تفرقة أحاد مستكثرة في جهات مختلفة {فيها} بالخضب {من كل دابة} من ~~الدبيب وهو الحركة بالنفس قال الحرالي: أبهم تعالى أمر الخلق والاختلاف ~~والإجراء فلم يسنده إلى اسم من أسمائه يظهره، وأسند إنزال الماء من السماء ~~إلى اسمه العظيم الذي هو الله لموقع ظهور القهر على الخلق في استدرار أرزاق ~~الماء واستجداده وقتا بعد وقت بخلاف مستمر ما أبهم من خلق السماوات والأرض ~~الدائم على حالة ms0321 واختلاف الليل والنهار المستمر على وجهة واحتيال إجراء ~~الفلك الماضي على حكم عادته، فأظهر اسمه فيما يشهد به عليهم ضرورتهم إليه ~~في كل حول ليتوجهوا في العبادة إلى علو المحل الذي منه ينزل الماء فينقلهم ~~بذلك من عبادة ما في الأرض إلى عبادة # PageV02P294 # من في السماء {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [الملك: 16] وقال ~~عليه الصلاة والسلام للأمة: «أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها ~~مؤمنة» فأذن أدنى الإيمان التوجه إلى عبادة من في السماء ترقيا إلى علو ~~المستوى على العرش إلى غيب الموجود في أسرار القلوب، فكان في هذه التوطئة ~~توجيه الخلق إلى الإله الذي ينزل الماء من السماء وهو الله الذي لم يشرك به ~~أحد سواه ليكون ذلك توطئة لتوحيد الإله، ولذلك ذكر تعالى آية الإلهية التي ~~هي الإحياء، والحياة كل خروج عن الجمادية من حيث إن معنى الحياة في الحقيقة ~~إنما هو تكامل في الناقص، فالمهتز حي بالإضافة إلى الجماد ترقيا إلى ما فوق ~~ذلك من رتب الحياة من نحو حياة الحيوان ودواب الأرض، فلذلك ذكر تعالى ~~الإحياءين بالمعنى، وأظهر الاسم مع الأرض لظهوره في الحيوان، فأظهر حيث خفي ~~عن الخلق، ولم يذكره حيث هو ظاهر للخلق، فنبههم على الاعتبارين إنزال الماء ~~الذي لهم منه شراب ومنه شجر وبه حياة الحيوان ومنه مرعاهم. # ولما ذكر سبحانه وتعالى بث ما هو السبب للنبات المسبب عن الماء ذكر بث ما ~~هو سبب للسحاب السبب للمطر السبب للحياة فقال # PageV02P295 # تعالى: {وتصريف الرياح} أي تارة صبا وأخرى دبورا ومرة شمالا وكرة جنوبا، ~~والتصريف إجراء المصرف بمقتضى الحكم عليه، والريح متحرك الهوى في الأقطار ~~{والسحاب} وهو المتراكم في جهة العلو من جوهر ما بين الماء والهواء المنسحب ~~في الجو {المسخر} أي بها، من التسخير وهو إجراء الشيء على مقتضى غرض ما سخر ~~له {بين السماء والأرض} لا يهوى إلى جهة السفل مع ثقله بحمله بخار الماء، ~~كما تهوى بقية الأجرام العالية حيث لم يكن لها ممسك محسوس ولا ينقشع ms0322 مع أن ~~الطبع يقتضي أحد الثلاثة: فالكثيف يقتضي النزول واللطيف يقتضي الصعود، ~~والمتوسط يقتضي الانقشاع {لآيات} # PageV02P296 # وقال الحرالي: لما ذكر تعالى الأعلى والأسفل ومطلع الليل والنهار من ~~الجانبين وإنزال الماء أهواء ذكر ما يملأ ما بين ذلك من الرياح والسحب الذي ~~هو ما بين حركة هوائية إلى استنارة مائية إلى ما يلزم ذلك من بوادي نيراته ~~من نحو صواعقه وجملة أحداثه، فكان في هذا الخطاب اكتفاء بأصول من مبادىء ~~الاعتبار، فذكر السماء والأرض والآفاق وما بينهما من الرياح والسحب والماء ~~المنزل الذي جملته قوام الخلق في عاجل دنياهم، ليجعل لهم ذلك آية على علو ~~أمر وراءه ويكون كل وجه منه آية على أمر من أمر الله فيكون آيات، لتكون ~~السماء آية على علو أمر الله فيكون أعلى من الأعلى، وتكون الأرض آية على ~~باطن أمر الله فيكون أبطن من الأبطن، ويكون اختلاف الليل والنهار آية على ~~نور بدوه وظلمة غيبته مما وراء أمر الليل والنار، ويكون ما أنزل من الماء ~~لإحياء الأرض وخلق الحيوان آية ما ينزل من نور علمه على القلوب فتحيا بها ~~حياة تكون حياة الظاهر آية عليه، ويكون تصريف الرياح والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض آيات على تصريف ما بين أرض العبد الذي هو ظاهره وسمائه الذي ~~هو باطنه، وتسخير بعضه لبعض ليكون ذلك آية على علو الله على سمائه العلى في ~~الحس وعلى سماء القلوب العلية في الوجدان؛ فلجملة ذلك جعل تعالى صنوف # PageV02P297 # هذه الاعتبارات {لآيات لقوم} وهم الذين يقومون في الأمر حق القيام، ففيه ~~إشعار بأن ذلك لا يناله من هو في سن الناس حتى يتنامى طبعه وفضيلة عقله إلى ~~أن يكون من قوم يقومون في الاعتبار قيام المنتهضين في أمور الدنيا، لأن ~~العرب عرفت استعمالها في القوم إنما هو لأجل النجدة والقوة حتى يقولون: قوم ~~أو نساء. # تقابلا بين المعنيين؛ وذكر تعالى العقل الذي هو نور من نوره هدى لمن ~~أقامه من حد تردد حال الناس إلى الاستضاءة بنوره في قراءة حروف كتابه ~~الحكيم ms0323 التي كتبها بيده وأغنى الأميين بقراءة ما كتب لهم عن قراءة كتاب ما ~~كتبه الخلق - انتهى؛ فقال: {يعقلون *} أي فيعلمون أن مصرف # PageV02P298 # هذه الأمور على هذه الكيفيات المختلفة والوجوه المحكمة فاعل مختار وهو ~~قادر بما يشاهد من إحياء الأرض وغيرها مما هو أكبر منه على بعث الموتى ~~وغيره مما يريده وأنه مع ذلك كله واحد لا شريك له يمانعه العقلاء من الناس، ~~يعلمون ذلك بذلك فلا يتخذون أندادا من دونه ولا يميلون عن جنابه الأعلى إلى ~~سواه، وقد اشتملت هذه الآية على جميع ما نقل البيهقي في كتاب الأسماء ~~والصفات عن الحليمي أنه مما يجب اعتقاده في الله سبحانه وتعالى وهو خمسة ~~أشياء: الأول إثباته سبحانه وتعالى لتقع به مفارقة التعطيل، والثاني ~~وحدانيته لتقع به البراءة عن الشرك - وهذان من قوله {وإلهكم إله واحد} ~~[البقرة: 163] والثالث إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض لتقع به البراءة من ~~التشبيه وهذا من قوله {لا إله إلا هو} [البقرة: 163] لأن من لا يسد غيره ~~مسده لا شبيه له، والرابع إثبات # PageV02P299 # أن وجود كل ما سواه كان بإبداعه له واختراعه إياه لتقع به البراءة من قول ~~من يقول بالعلة والمعلول وهذا من قوله {الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] {إن ~~في خلق السماوات والأرض} [البقرة: 164] ، والخامس أنه مدبر ما أبدع ومصرفه ~~على ما يشاء لتقع به البراءة من قوله القائلين بالطبائع أو تدبير الكواكب ~~أو تدبير الملائكة وهذا من قوله {وما أنزل الله من السماء من ماء} [البقرة: ~~164] إلى آخرها قال البيهقي: كان أسماء الله سبحانه وتعالى جده التي ورد ~~بها الكتاب والسنة وأجمع العلماء على تسميته بها منقسمة بين العقائد الخمس، ~~فليلحق بكل واحدة منهن بعضها، وقد يكون منها ما يلتحق بمعنيين ويدخل في ~~بابين أو أكثر - انتهى. وسبب تكثير الأدلة أن عقول الناس متفاوتة، فجعل ~~سبحانه وتعالى العالم وهو الممكنات الموجودة وهي جملة ما سواه الدالة على ~~وجوده وفعله بالاختيار على قسمين: قسم من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة ~~ويسمى في عرف أهل الشرع الشهادة والخلق ms0324 والملك، وقسم لا يدرك بالحواس ~~الظاهرة ويسمى الغيب والأمر والملكوت، والأول يدركه عامة الناس والثاني ~~يدركه أولو الألباب الذين عقولهم خالصة عن الوهم والوساوس، فالله # PageV02P300 # سبحانه وتعالى بكمال عنايته ورأفته ورحمته جعل العالم بقسميه محتويا على ~~جمل وتفاصيل من وجوه متعددة وطرق متكثرة تعجز القوى البشرية عن ضبطها يستدل ~~بها على وحدانيته بعضها أوضح من بعض ليشترك الكل في المعرفة، فيحصل لكل ~~بقدر ما هيىء له، اللهم إلا أن يكون ممن طبع على قلبه، فذلك والعياذ بالله ~~سبحانه وتعالى هو الشقي. # PageV02P301 # ولما نهضت الأدلة وسطعت البراهين وزاحت العلل والشكوك عاب من عبد سواه ~~وفزع إلى غيره كما نهى عن الأنداد عقب الآية الأولى الداعية إلى العبادة ~~مشيرا بختم التي قبل بيعقلون، إلى أن هؤلاء ناس ضلت عقولهم وفالت آراؤهم ~~وبين أنهم يتبرأ بعضهم من بعض يوم ينكشف حجاب الغفلة عن سرادق العظمة ~~ويتجلى الجبار في صفة النقمة فقال سبحانه وتعالى عاطفا على ما قدرته مما ~~أرشد إليه المعنى: ومن، أو يكون التقدير فمن الناس من عقل تلك الآيات فآمن ~~بربه وفنى في حبه {ومن الناس من يتخذ} وهم من لا يعقل {من # PageV02P301 # دون الله} الذي لا كفؤ له مع وضوح الأدلة {أندادا} مما خلقه، ادعوا أنهم ~~شركاؤه، أعم من أن يكونوا أصناما أو رؤساء يقلدونهم في الكفر بالله ~~والتحريم والتحليل من غير أمر الله {يحبونهم} من الحب وهو إحساس بوصلة لا ~~يدرى كنهها {كحب الله} الذي له الجلال والإكرام بأن يفعلوا معهم من الطاعة ~~والتعظيم فعل المحب كما يفعل من ذلك مع الله الذي لا عظيم غيره، هذا على ~~أنه من المبني للمفعول ويجوز أن يكون للفاعل فيكون المعنى كحبهم لله لأنهم ~~مشركون {والذين آمنوا أشد حبا لله} الذي له الكمال كله من حب المشركين ~~لأندادهم فأفاض عليهم من كماله، لأنهم لا يعدلون به شيئا في حالة من ~~الحالات من ضراء أو سراء في بر أو بحر، بخلاف المشركين فإنهم # PageV02P302 # يعدلون في الشدائد إليه سبحانه وتعالى، وإذا رأوا في الرخاء ms0325 حجرا أحسن ~~تركوا الأول وعبدوه، وحبهم هوائي وحب المؤمنين عقلي. وقال الحرالي: ولما ~~استحق القوم القائمون في أمر الله سبحانه وتعالى هذا الاعتبار بما آتاهم ~~الله من العقل لم يكن من اتخذ من دون الله أندادا مما يقال فيهم: قوم، بل ~~يقصرون إلى اسم النوس الذي هو تردد وتلدد فكأنه سبحانه وتعالى عجب ممن لم ~~يلحق بهؤلاء القوم في هذا الاعتبار الظاهرة شواهده البينة آثاره، فأنبأ أن ~~طائفة من الناس على المقابلة من ذلك الاعتبار الظاهر لنور العقل في أخذهم ~~لمقابل العقل من الحزق الذي يقدم في موضع الإحجام ويحجم في موضع الإقدام، ~~ثم غلب ذلك عليهم حتى وصل إلى بواطنهم فصار حبا كأنه وصلة بين بواطنهم ~~وقلوبهم وما اتخذوه من دون الله أندادا، ففيه إشعار بنحو مما أفصح به لبني ~~إسرائيل في كون قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ففي كرم هذا الخطاب في حق ~~العرب ستر عليهم رعاية لنبيهم في أن يصرح عليهم بما صرح على بني إسرائيل، ~~ففي لحنه إشعار بأن من اتخذ ندا من دون الله فتلك لوصلة بين حال قلبه وحال ~~ما اتخذ من دون الله، فمن # PageV02P303 # عبد حجرا فقلبه في القلوب حجر ومن عبد نباتا فقلبه في القلوب نبات، وكذا ~~من عبد دابة # {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} [البقرة: 93] كذلك إلى ما يقع معبودا ~~من دون الله ما بين أعلى النيرين الذي هو الشمس إلى أدنى الأوثان إلى ما ~~يقع في الخلق من عبادة بعضهم بعضا من نحو عبادة الفراعنة والنماردة إلى ما ~~يلحق بذلك من نحو رتبة العبادة باتباع الهوى الشائع موقعه في الأمم وفي هذه ~~الأمة، لأن من غلب عليه هوى شيء فقد عبده، فكأن عابد الشمس قلبه سعير وعابد ~~النار قلبه نار وعابد القمر قلبه زمهرير، ومن عبد مثله من الخلق فقد عبد ~~هواه {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الفرقان: 43] فمن عبد الله فهو الذي علا ~~عن سواه من المخلوقات فعادل سبحانه وتعالى خطاب الأولين المعتبرين العقلاء ~~بهذا الصنف الذي انتهى أمرهم ms0326 في الكفر إلى الحب من حيث اعتقلت بواطنهم بهم ~~فيما شأنه أن يختص بالله من الخوف والرجاء والنصرة على الأعداء والإعانة ~~للأولياء، فلما توهموا فيهم مرجى الإلهية، ومخافتها أحبوهم لذلك كحب الله ~~لأن المتعبد مؤتمر ومبادر فالمبادر قبل الأمر محب، والمجيب # PageV02P304 # للأمر مطيع، فالمحب أعلى في الطرفين - انتهى. ولما عجب من حالهم حذر من ~~سوء منقلبهم ومآلهم فقال: {ولو يرى الذين ظلموا} أي ولو يرون أي المتخذون ~~للأنداد ولكنه أظهر لأجل التعميم الوصف الذي استحقوا به ما يذكر، وهو وضعهم ~~الشيء في غير محله كفعل من يمشي في مأخذ الاشتقاق وهو الظلمة، وذلك هنا ~~تسويتهم ممن لا يملك شيئا أصلا بمن يملك كل شيء {إذ يرون العذاب} أي يتخذون ~~أندادا والحال أنهم لو يعلمون حين إهانتهم ولين ما غلظ من أكبادهم ورؤية ما ~~لا يستحق غيره بالنسبة إليه يسمى عذابا {أن القوة لله} الذي له مجامع ~~الكمال {جميعا} حين يشاهدون العذاب قد أحاط بهم {وأن الله} الذي لا ملك ~~سواه {شديد العذاب} لم يتخذوا أندادا ولم يعدلوا بالله أحدا، أو يكون ~~التقدير: ولو ترى بالتاء والياء، أي لو أبصرت أو أبصر الذين ظلموا أنفسهم ~~باتخاذهم الأنداد - إلى آخره. وقال الحرالي: قال تعالى: {ولو يرى} عطفا على ~~متجاوز أمور من أمور جزائهم مما نالهم من عقوبات أثر كفرهم في الدنيا، قال ~~عليه الصلاة والسلام: « # PageV02P305 # إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء» إلى متمادي غاية رؤيتهم العذاب، ~~وفي قوله «ترى» بالتاء إقبالا على النبي صلى الله عليه وسلم تعجيب له بما ~~ينالهم مما أصابوه، وفيه إشعار بأن ذلك من أمر يعلو أمره إلى محل رؤيته ~~التي هي أتم الرؤية، وفي قوله {يرى} بالياء تحسر عليهم يشعر بأن منالهم من ~~رؤية العذاب مما كان يزجرهم عما هم عليه لو رأوه - انتهى. # {إذ يرون} أي الوقت الذي يبصرون فيه العذاب، أي الأكبر الذي لا عذاب ~~مثله؛ كما أفهمه تعريفه بأل، ثم بينه بقوله {إن القوة} وهي منة الباطن التي ~~يجدها المقتدر منشأ لما ms0327 يبديه ظاهره وما يبديه ظاهره قدرة القوى جمعها ~~وأصلها والقدرة ظاهرها وتفصيل إنشائها لله جميعا، فإنه لا شيء أشق على ~~الإنسان من أن يرى خصمه نافذ الأمر منفردا بالعز في كل معنى لا سيما إذا ~~كان جبارا متكبرا شديد البطش ممن عصاه، كما يشير إليه قوله: {وإن الله شديد ~~العذاب} ولا سيما إذا كان العاصي له قد أساء إليه بالإساءة إلى أوليائه ~~وبالغ حتى لم يدع للصلح موضعا. وقال الحرالي: موضع # PageV02P306 # الرؤية في الحقيقة هو أن القوة لله جميعا سلبا عن جميع أندادهم الذين ~~أحبوهم وعن أنفسهم، كما قال قائلهم {نحن أولو قوة وأولو بأس شديد} [النمل: ~~33] لكن لما كان رؤيتهم لذلك عن رؤية مشهود العذاب الذي هو أتم العذاب ذكر ~~العذاب الذي هو ظاهر مرأى أن القوة لله جميعا، وفي {إن القوة} إعلام ~~باطلاعهم يوم هذه الرؤية على بواطن أندادهم وسلبها ما شأن البواطن أن تتحلى ~~به من القوة من حيث وصفهم لهم بالحب الباطن أطلعهم على سلب قواهم الباطنة ~~بالرؤية التي هي باطن البصر الذي هو باطن النظر، ولما ذكر أمر القوة عطف ~~عليه ما هو أمر القدرة فقال {وإن الله شديد العذاب} إكمالا للخطاب بظاهره، ~~واستأنف معه الاسم العظيم لإظهار ما بين غايتي الباطن والظاهر في أمر ~~القدرة والقوة، ليكون مع المنظر الظاهر بالقدرة اسم أظهره واستأنفه وقدم ~~ذكره كما كان مع المرأى الباطن بالقوة اسما أضاف إليه وأنهى له ليقع ماولى ~~أول الخطاب مقابل ما ختم به الخطاب، فينعطف أوله على آخره وآخره على أوله ~~باطنا لظاهر وظاهرا لباطن في المتعاطفين جميعا في قوله {إن القوة لله جميعا ~~وإن الله شديد العذاب} انتهى أو يقال: إذ يرون العذاب الذي يتوعدون به الآن ~~لأن القوة لله جميعا # PageV02P307 # فلا مانع له من إتيانهم به، كما تبين في الآيتين قبلها أنه لا كفؤ له ~~وأنه كامل القدرة شامل العلم، والجواب محذوف لتهويله لذهاب وهم المتوعد إلى ~~كل ضرب من أنواع التوعد، ولو ذكر ضرب منه لأمكن أن يوطن نفسه ms0328 عليه، ~~فالتقدير: لو رأيت أو رأوا ذلك الوقت الذي يشاهدون فيه تلك العظمة لرأيت أو ~~لرأوا أمرا فظيعا هائلا شاغلا لهم عن اتخاذ الأنداد ومحبتها وغير ذلك من ~~الظلم، وحذف الجواب للعلم به كما حذف من أمثاله؛ ثم أبدل من {إذ يرون} ~~قوله: {إذ تبرأ} وهو من التبرؤ الذي هو طلب البراءة وإيقاعها بجد واجتهاد، ~~وهي إظهار التخلص من وصلة أو اشتباك {الذين اتبعوا} أي مع اتباع غيرهم لهم، ~~وهم الرؤساء {من الذين اتبعوا} مع نفعهم لهم في الدنيا بالاتباع لهم والذب ~~عنهم. # وقال الحرالي: قال ذلك إظهارا لإفصاح ما أفهمه مضمون الخطاب الأول لتتسق ~~الآيات بعضها ببعض، فتظهر الآية ما في ضمن سابقتها، وتجمع الآية ما في ~~تفصيل لاحقتها وإعلاء للخطاب بما هو المعقول علمه المتقدم إلى ما في ~~الإيمان نبأه ليتم نور # PageV02P308 # العقل الذي وقع به الاعتبار بنور الإيمان الذي يقع به القبول لما في ~~الآخرة عيانه، فمن عقل عبرة الكون الظاهر استحق إسماع نبأ الغيب الآتي؛ ثم ~~قال: بذا يتبرأ المتبوع في الذكر لأنه الآخر في الكون، فكأنه في المعنى: ~~إنما تعلق التابع بالمتبوع ليعيذه في الآخرة كما كان عهد منه أن يعيذه في ~~الدنيا فيتبرأ منه لما ذكر تعالى من {أن القوة لله جميعا} ولذلك اتصل ذكر ~~التبرؤ بذكر قبض القوة والقدرة عنهم - انتهى. # قال تعالى {ورأوا} أي الكل {العذاب} أي الذي لا محيص لهم عنه. وقال ~~الحرالي: قاله ردا للإضمار على الجميع، وفيه إشعار بأن ذلك قبل غلبة العذاب ~~عليهم وفي حال الرؤية، ففيه إنباء بأن بين رؤيتهم العذاب وبين أخذهم به مهل ~~يقع فيه خصومتهم وتبرؤهم وإدراكهم للحق الذي كان متغيبا عنهم في الدنيا بما ~~فتن بعضهم بعضا - انتهى. {وتقطعت} أي تكلفت وتعمدت القطع وهو بين المتصل، ~~أشار إليه الحرالي، ومعناه أنه قطع بقوة عظيمة، ويجوز أن تكون صيغة التفعل ~~إشارة إلى تكرر القطع في مهلة بأن يظهر لهم انقطاع الأسباب # PageV02P309 # شيئا فشيئا زيادة في إيهانهم وإيلامهم وهو أنهم {بهم} أي كلهم جميع ~~{الأسباب ms0329 *} أي كلها، وهي الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، والسبب ما ~~يتوصل به إلى حصول، في الأصل الحبل، ثم قيل لكل مقصد. قال الحرالي: وفيه ~~إشعار بخلو بواطنهم من التقوى ومن استنادهم إلى الله سبحانه وتعالى في ~~دنياهم، وأنهم لم يكونوا عقلوا إلا تسبب بعضهم ببعض فتقطعت بهم الأسباب ولم ~~يكن لهم، لأن ذلك واقع بهم في أنفسهم لا واقع لهم في غيرهم، فكأنهم كانوا ~~نظام أسباب تقطعت بهم فانتثروا منها، وأسبابهم وصل ما بينهم في الدنيا التي ~~لم تثبت في الآخرة، لأنها من الوصل الفانية لا من الوصل الباقية لأن متقاضى ~~ما في الدنيا ما كان منه بحق فهو من الباقيات الصالحات وما كان منه عن هوى ~~فهو من الفاني الفاسد - انتهى. # {وقال الذين اتبعوا} وهم الأذناب متمنين للمحال ندما على اتباع من لا ~~ينفع حيث لا ينفع الندم {لو أن لنا كرة} أي رجعة # PageV02P310 # إلى الدنيا. وقال الحرالي: هي رجع وعودة عند غاية فرة - انتهى. ولما كانت ~~«لو» بمعنى التمني نصب جوابها فقال {فتبرأ منهم} أي الرؤساء هناك ونذلهم ~~{كما تبرؤوا منا} وأذلونا هنا. # وقال الحرالي: فيه إنباء عن تأسفهم على اتباع من دون ربهم ممن اتبعوا ~~وإجراء لتأسفهم على وجه متوهم غير محقق على حد ما كان تمسكهم بهم متوهم ~~انتفاع غير محقق، ففيه إثبات لحالهم في الآخرة على ما كان ينالهم في الدنيا ~~من الأخذ بالموهوم والغيبة عن المعلوم - انتهى. # ولما كانت هذه الأشياء بعضها ثمرة أعمالهم وبعضها حكاية أقوالهم قال ~~تعالى: على طريق الاستئناف جوابا لمن يقول: لقد رأوا جزاء عقائدهم فهل يرون ~~جزاء أعمال الجوارح {كذلك} أي الأمر الفظيع المهول {يريهم الله} الذي له ~~القدرة التامة والعظمة الكاملة {أعمالهم} الخبيثة وغيرها {حسرات عليهم} أي ~~تلهفا على ما فات، إطلاقا للمسبب على السبب وأشار بأداة الاستعلاء إلى ~~غلبتهم وشدة هوانهم فقال: {عليهم} وقال الحرالي: لما كانت عقائدهم فيهم ~~حسرات أراهم أعمالهم التي عملوها لابتغاء الخير في الدنيا حسرات {وقدمنا ~~إلى # PageV02P311 # ما عملوا من عمل فجعلناه ms0330 هباء منثورا *} [الفرقان: 23] كما كان عمل من ~~قلبه محب ومتأله لما دون الله، وفيه إشعار بأن عمل كل عامل مردود إنى ما ~~اطمأن به قلبه وسكنت إليه نفسه وتعلق به خوفه ورجاؤه، فمن غلب على سره شيء ~~فهو ربه الذي يصرف عمله إليه، فلا يجد عنده جزاء لتبرؤه منه فيصير حسرة ~~عليه، فأنبأ سبحانه وتعالى بأنهم لا ينصرونهم في الآخرة ولا يجزونهم على ~~أعمالهم، فلم ينفعهم تألههم إياهم، والمتبوع منهم متأله لنفسه فلم يجد ~~عندها جزاء عمله، فتحسر كل منهم على ما عمل من عمل الخير لإحباطه {ولقد ~~أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] والحسرة ~~أشد الأسف على الفائت الذي يحسر المتلهف أي يقطعه عما تحسر عليه - انتهى. ~~ويدخلون بأعمالهم النار {وما هم} أي بفائت خروجهم بل هم وإن خرجوا من # PageV02P312 # السعير إلى الزمهرير يعودون إليه {بخارجين من النار *} يوما من الأيام ~~ولا ساعة من الساعات بل هم خالدون فيها على طول الآباد ومر الأحقاب، بخلاف ~~عصاة المؤمنين فإنهم إذا خرجوا منها لم يعودوا إليها. قال الحرالي: وفيه ~~إشعار بقصدهم الفرار منها والخروج كما قال سبحانه وتعالى: {كلما أرادوا أن ~~يخرجوا منها أعيدوا فيها} [السجدة: 20] فأنبأ تعالى أن وجهتهم للخروج لا ~~تنفعهم، فلم تبق لهم منة تنهضهم منها حتى ينتظم قطع رجائهم من منة أنفسهم ~~بقطع رجائهم ممن اعتلقوا به من شركائهم ولم يكن {وما هم منها بمخرجين} ~~[الحجر: 48] كما قال في أهل الجنة للإشعار بأن اليأس والانقطاع واقع منهم ~~على أنفسهم، فكما كان بوادي أعمالهم في الدنيا من أنفسهم عندهم جرى نبأ ~~جزائها على حد ذلك في المعنى كما قال: أعمال أهل الجنة عندهم من توفيق ربهم ~~جرى ذكر جزائهم على حد ذلك من المعنى بحسب ما يقتضيه اختلاف الصيغتين - ~~انتهى. # ولعل الآية ناظرة إلى قوله أول # PageV02P313 # السورة {ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين} ~~[البقرة: 8] يعني كما أن في أهل الكتاب منافقين ومصارحين فكذلك في العرب، ~~فصار قوله: {إن ms0331 الذين كفروا سواء عليهم} [البقرة: 6] شاملا للأقسام ~~الأربعة، ثم أتبع ذلك المنافقين من العرب ثم المنافقين والمشاققين من أهل ~~الكتاب ثم المجاهرين من العرب فصار قسما العرب مكتنفين لقسمي أهل الكتاب ~~إشارة إلى أنهم المقصودون بالذات وأنه سيؤمن أكثرهم ويغلبون أهل الكتاب ~~ويقتلونهم قتل الكلاب؛ ولما عجب سبحانه وتعالى من الضالين وبين من مآلهم ما ~~يزجر مثله من له أدنى عقل فكانوا بذلك في عداد المقبل بعد الإدبار والمذعن ~~بعد الاستكبار أقبل على الكل كما فعل في آية التوحيد الأولى فقال {يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم} إقبال متلطف بعموم الإذن في تناول ما أبدعه لهم ورحمهم ~~به في هذا الملكوت المذكور في ضمن ما نصب من الأدلة تذكيرا لهم بالنعمة ~~وتوددا إليهم بجميع ما يوجب المحبة وإشارة إلى أنه هو الذي خلق لهم ما ~~تقربوا به إلى غيره مما ادعوه ندا من # PageV02P314 # البحيرة والسائبة والوصيلة وما شاكلها فقال {يا أيها الناس} وإن اختصرت ~~فقل: لما أقام سبحانه وتعالى الدليل على الوحدانية بما خلق من المنافع وصنف ~~الناس صنفين ضال معطوف دال بعطفه على غير مذكور على مهتد معطوف عليه وختم ~~بتأبيد عذاب الضال أقبل على الصنفين إقبال متلطف مترفق مستعطف مناديا لهم ~~إلى تأبيد نفعهم قائلا: {يا أيها الناس} أي كافة. وقال الحرالي: لما استوفى ~~سبحانه وتعالى ذكر أمر الدين إلى أنهاه من رتبة دين الإسلام الذي رضيه وكان ~~الدين هو غذاء القلوب وزكاة الأنفس نظم به ذكر غذاء الأبدان # PageV02P315 # من الأقوات ليتم بذكر النماءين نماء الذوات ظاهرها البدني وباطنها ~~الديني، لما بين تغذي الأبدان وقوام الأديان من التعاون على جمع أمري صلاح ~~العمل ظاهرا وقبوله باطنا، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله عملا ~~إلا بالورع الشافي» ؛ وكما قيل: ملاك الدين الورع، وهلاكه الترف، ونقصه ~~السرف؛ فكما انتظم الكتاب قصر الخلق على أفضل متصرفاتهم في التدين اتصل به ~~قصرهم على أفضل مأكلهم في التقوت، ولما ذكر الدين في رتبتي صنفين من الناس ~~والذين آمنوا انتظم به ذكر المأكل في ms0332 صنفيهما فقال {يا أيها الناس} فانتظم ~~بخطاب قوله تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} لما بين العبادة والمأكل من ~~الالتزام - انتهى. # ولما كانت رتبة الناس من أدنى المراتب في خطابهم أطلق لهم الإذن تلطفا ~~بهم ولم يفجأهم بالتقييد فقال مبيحا لهم ما أنعم به عليهم {كلوا} ولما كان ~~في الأرض ما لا يؤكل قال: {مما في الأرض} أي مما بينا لكم أنه من أدلة ~~الوحدانية. # ولما كان في هذا الإذن تنبيه على أن الكل له والانتفاع به يتوقف على إذن ~~منه دلهم على أن فيه ما أباحه وفيه ما حظره فقال: {حلالا} قال الحرالي: وهو ~~ما انتفى # PageV02P316 # عنه حكم التحريم فينتظم بذلك ما يكره وما لا يكره، والتحريم المنع مما ~~يلحق الأكل منه ضرر في جسمه كالميتة، أو في نفسه كلحم الخنزير، أو رين على ~~قلبه كما أهل لغير الله به؛ ثم أشار إلى أن ما حرم خبيث بقوله: {طيبا} أي ~~غير خبيث مستقذر، والأصل فيه ما يستلذ؛ ويوصف به على جهة التشبيه الطاهر ~~لأن النجس تكرهه النفس # PageV02P317 # لقذره، والحلال لأن الحرام يقذره العقل لزجر الشرع عنه. وقال الحرالي: ~~الحلال مطلوب ليكتسب لا ليؤكل حتى يطيب، والطيب ما لا منازغ فيه - انتهى. # ولما كان هذا الصنف أدنى المتدينين قرن سبحانه وتعالى بإطعامهم مما في ~~الأرض لكونهم أرضيين نهاهم عن اتباع العدو المبني أمره على المنافرة فقال: ~~{ولا تتبعوا} وأشار بصيغة الافتعال إلى انهماك هذا الصنف على اللحاق به ~~وأنهم غير واصلين ما داموا في هذا الحيز إلى تمام منابذته وإنما عليهم ~~الجهد لأن مخالفته لا تكون إلا بمجاهدة كثيرة لا يقدرون عليها ما داموا في ~~هذه الرتبة {خطوات} جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي {الشيطان} أي ~~طرقه في وساوسه في اتخاذ الأنداد وتحريم الحلال كالسوائب وتحليل الحرام ~~كالميتات، فإن ذلك كله من أمره كما يأتي في قوله: {ولآمرنهم فليبتكن آذان ~~الأنعام} [النساء: 119] الآية وهو من شطن إذا بعد، وشاط إذا احترق، فهو ~~يبعدهم - كما قال الحرالي - عن وطن ms0333 ما هم عليه من الائتمار في مآكلهم إلى ~~التناول بشهواتهم ليستدرجهم لذلك من خطوة الأكل بالشهوة إلى الأكل بالهوى ~~فيتداعى منها إلى المحرمات - # PageV02P318 # انتهى. ثم علل ذلك بقوله: {إنه لكم عدو} بتكبره على أبيكم ومكره به ~~وسؤاله الإنظار لإضلالكم {مبين *} أي ظاهر العداوة فلا تتبعوا العدو في ~~منابذة الولي. ثم علل إبانة عداوته والنهي عن اتباعه بقوله: {إنما} فحصر ~~لينتفي عنه الأمر بشيء فيه رشد؛ وفي قوله: {يأمركم} كما قال الحرالي إنباء ~~بما مكنه الله سبحانه وتعالى حتى صار أمرا {بالسوء} وهو خبائث الأنفس ~~الباطنة التي يورث فعلها مساءة {والفحشاء} قال الحرالي: وهو ما يكرهه الطبع ~~من رذائل الأعمال الظاهرة كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع، فيتفق في حكمه ~~آيات الله الثلاث من الشرع والعقل والطبع، بذلك يفحش # PageV02P319 # الفعل {وأن تقولوا على الله} الحائز أقصى مراتب العظمة {ما لا تعلمون *} ~~مما تستفتحون قوله في أقل الموجودات من إشراك أو ادعاء ولد أو تحليل وتحريم ~~أو غير ذلك، ولقد أبلغ سبحانه وتعالى في هذه الآية في حسن الدعاء لعباده ~~إليه لطفا منه بهم ورحمة لهم بتذكيرهم في سياق الاستدلال على وحدانيته بما ~~أنعم عليهم بخلقه لهم أولا وبجعله لهم ملائما ثانيا وإباحته لهم ثالثا ~~وتحذيره لهم من العدو رابعا - إلى غير ذلك من دقائق الألطاف وجلائل المنن ~~في سياق مشير إلى جميع أصناف الحلال وسبب تحليله. # قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة في حرف الحلال: وجه إنزال ~~هذا الحرف توسيع الاستمتاع بما خلق الله في الأرض من نعمة وخيره # PageV02P320 # الموافقة لطباعهم وأمزجتهم وقبول نفوسهم في جميع جهات الاستمتاع من طعام ~~وشراب ولباس ومركب ومأوى وسائر ما ينتفع به مما أخرج الله سبحانه وتعالى ~~ومما بثه في الأرض وما عملت أيديهم في ذلك من صنعة وتركيب ومزج ليشهدوا ~~دوام لبس الخلق الجديد في كل خلق على حسب ما منه فطر خلقه؛ ولما كان ~~الإنسان مخلوقا من صفاوة كل شيء توسع له بجهات الانتفاع بكل شيء إلا ما ~~استثنى منه بحرف الحرام ms0334 ووجهه كما استثنى لآدم أكل الشجرة من متسع رغد ~~الجنة فكان له المتاع بجميعه إلا ما أضر ببدنه أو خبث نفسه أو ران على علم ~~قلبه وذلك بأن يسوغ له طبعا وتحسن مغبته في أخلاق نفسه ويسنده قلبه لمنعمه ~~الذي يشهد منه بداياته وتكملاته تجربة ثم كمل القرآن ذلك بإخلاصه للمنعم من ~~غير أثر لما سواه فيه وجامع منزله بحسب ترتيب القرآن قوله تعالى {هو الذي ~~خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29] ومن أوائله بحسب ترتيب - البيان ~~والله سبحانه وتعالى أعلم {هو الذي أنزل لكم من السماء ماء لكم منه شراب # PageV02P321 # ومنه شجر فيه تسيمون} [النحل: 10] الآية وسائر الآيات الواردة في سورة ~~النحل وفي سورة يس إذ هي القلب الذي منه مداد القرآن كله في قوله تعالى: ~~{وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون} [يس: 23] ~~الآيات إلى سائر ما في القرآن من نحوه، ومن متسع خلال هذا الحرف وقعت ~~الفتنة على الخلق بما زين لهم منه {زين للناس حب الشهوات من النساء ~~والبنين} [آل عمران: 14] الآية ووجه فتنته أن على قدر التبسط فيه يحرم من ~~طيب الآخرة {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} [الأحقاف: 20] ~~«إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» {فاستمتعوا بخلاقهم} [التوبة: 69] ~~ومن رؤية سوء هذا المخبر نشأ زهد الزاهدين، ومن رؤية حسن المتجر وربحه ~~وتضاعفه إلى ما لا يدرك مداه ونعيمه في بيع خلاق الدنيا بخلاق الآخرة نشأ ~~ورع المتورعين؛ فاستراحت قلوبهم بالزهد، وانكفؤوا بالورع عن الكد، وتفرغت ~~قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد، وتميز الشقي من السعيد بالرغبة ~~فيه أو عنه، فمن رغب في الحلال شقي ومن رغب عنه سعد؛ وهو الحرف الذي # PageV02P322 # قبض بسطه حرف النهي حتى لم يبق لابن آدم حظ فيما زاد على جلف الطعام وهي ~~كسرة وثوب يستره وبيت يكنه، وما زاد عليه متجر إن أنفقه ربحه وقدم عليه وإن ~~ادخره خسره وندم عليه؛ ولذلك لم يأذن الله سبحانه وتعالى لأحد في أكله حتى ms0335 ~~يتصف بالطيب للناس الذين هم أدنى المخاطبين بانسلاخ أكثرهم من العقل والشكر ~~والإيمان {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} [البقرة: 168] ومحا ~~اسمه عن الذين آمنوا وهم الذين لا يثبتون ولا يدومون على خير أحوالهم بل ~~يخلصون وذلك في قوله تعالى # {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172] وهو ما ~~طيبه حرف النهي علما، وبرىء من حواد القلوب طمأنينة، وتمم وأنهى صفوة ~~للمرسلين فقال {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} [المؤمنون: 51] وورد جوابا ~~لسؤالهم في قوله تعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} ~~[المائدة: 4] ؛ فمن آثر حرف النهي على حرف الحلال فقد تزكى واتبع الأحسن ~~وصح هداه وصفا لبه # PageV02P323 # ومن آثر حرف الحلال على حرف النهي فقد تدسى وحرم هدى الكتب وعلم الحكمة ~~ومزيد التأبيد بما فاته من التزكية وتورط فيه من التدسية والله يقول الحق ~~وهو يهدي السبيل. ثم قال فيما به تحصل قراءته: اعلم أن الإنسان لما كان ~~جامعا كان بكل شيء منتفعا أما في حال السعة فمع استثناء أشياء يسيرة مما ~~يضره من جهة نفسه أو غيره أو ربه على ما ذكر في الفصل الأول أي حرف الحرام ~~{هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29] {قل لا أجد فيما أوحي ~~إلي محرما} [الأنعام: 145] الآية: وأما في حال الضرورة فبغير استثناء البتة ~~{فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة: 173] ؛ {فمن اضطر في ~~مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} [المائدة: 3] ؛ والذي تحصل به ~~قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فمعرفة حكمة الله في المتناول من ~~مخلوقاته ومعرفة أخص منافعها مما خلقه، ليكون غذاء في سعة أو ضرورة وإداما ~~أو فاكهة أو دواء كذلك؛ ومعرفة موازنة ما بين الانتفاع بالشيء ومضرته ~~واستعماله على حكم الأغلب من منفعته، أو اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته ~~{قل فيهما إثم كبير ومنافع # PageV02P324 # للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] وذلك مدرك عن الله سبحانه ~~وتعالى باعتبار العقل وإدراك الحس ms0336 في مخلوقاته كما أدركه الحنيفيون، كان ~~الصديق رضي الله تعالى عنه قد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وكان إذا ~~أخذ عليه في ذلك يقول: والله لو أصبت شيئا أشتريه بمالي كله يزيد في عقلي ~~لفعلت فكيف أشتري بمالي شيئا ينقص من عقلي! وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كثيرا ما ينبه على حكمة الله سبحانه وتعالى في الأشياء التي بها ~~تتناول أو تجتنب عملا بقوله تعالى # {يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [آل عمران: 164] فقال لطلحة رضي الله ~~تعالى عنه وقد ناوله سفرجلة «تذهب بطخاء الفؤاد» وقال لأبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه وهو رمد في خبز الشعير والسلق: «كل من هذا فإنه أوفق لك» وقال في ~~التمر والقثاء: «حر هذا يكسر برد هذا» وقال لرمد: «أتأكل التمر وأنت رمد» ~~وقال لعائشة رضي الله تعالى عنها في الماء المشمس: «لا تفعلي يا حميراء! ~~فإنه يولد البرص» وقال: «استاكوا بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما ~~يهيجان عرق الجذام» وقال لامرأة استطلقت بالشبرم: «حار جار، ألا استطلقت ~~بالسنا؟ فإنه لو كان # PageV02P325 # شيء يذهب الداء لأذهبه السنا» إلى غير ذلك مما إذا أباحه أو حظره نبه على ~~حكمته. وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول للمريض: اصنعوا له خزيرة ~~فإنها مجمة لفؤاد المريض وتذهب بعض الحزن. ومثل ذلك كثير من كلام العلماء ~~رضي الله تعالى عنهم ومجربات الحكماء ومعارف الحكماء الحنفاء، قال الشافعي ~~رحمه الله تعالى في قوله سبحانه وتعالى {يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث} [الأعراف: 157] الطيبات ما استطابته نفوس العرب، والخبائث ما ~~استخبثته نفوس العرب؛ هذا من جهة القلب وأما من جهة النفس فسخاؤها بما يقع ~~فيه الاشتراك من المنتفعات المحللات، لأن الشح بالحلال عن مستحقه محظر له ~~على المختص به الضيافة على أهل الوبر {وإذا حضر القسمة أولو القربى ~~واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} [النساء: 8] {وآت ذا القربى حقه والمسكين ~~وابن السبيل} [الروم: 38] {فكلوا منها وأطعموا القانع # PageV02P326 # والمعتر} [الحج: 36] وكذلك صبرها عما تشتهيه من المضرات من الوجوه ~~المذكورة {إنما الخمر ms0337 والميسر} [المائدة: 90] إلى قوله {لعلكم تفلحون} {ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء: 2] {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون} [الحشر: 9 والتغابن: 16] وكذلك التراضي وطيب النفس فيما يقع فيه ~~الاشتراك {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] {فإن طبن لكم عن ~~شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] هذه الشروط الثلاثة من السخاء ~~والصبر والتراضي في النفس، وأما في العمل وتناول اليد فأول ذلك ذكر الله ~~والتسمية عند كل متناول، لأن كل شيء لله فما تنوول باسمه أخذ بإذنه وما ~~تنوول بغير اسمه أخذ تلصصا على غير وجهه وشارك الشيطان في تناوله فتبعه ~~المتناول معه في خطواته وشاركهم في الأموال والأولاد؛ جاء أعرابي وصبي ~~ليأكلا طعاما بين أيدي النبي صلى الله عليه وسلم بغير تسمية فأخذ بأيديهما ~~وقال «إن الشيطان جاء ليستحل بهما هذا الطعام، والذي نفسي بيده! إن يده في ~~يدي مع أيديهما» فسمى النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P327 # وأكل ثم أطلقها وقال: # «كلا باسم الله» وقال لغلام آكل: «يا غلام! سم الله» والثاني التناول ~~باليمين، لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، واليمين خادم ما علا من ~~الجسد والشمال خادم ما سفل منه. والثالث أن يتناول تناول تقنع وترفع عن ~~تناول النهبة «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاثة أصابع» «ويشرب ~~مصا في ثلاث» وقال: «هو أبرأ وأمرأ وأهنأ» وقال: «الكباد من العب» والرابع ~~الاكتفاء بما دون الشبع لما في ذلك من حسن اغتذاء البدن وحفظ الحواس ~~الظاهرة والباطنة؛ ومن علامات الساعة ظهور السمن عن الأكل في الرجال؛ و «ما ~~ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن» و «ما دخلت الحكمة معدة ملئت طعاما» و ~~«المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء» لتوكل المؤمن في ~~قوامه ولا تكال الكافر على الغذاء في قوته: «وحسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه، ~~فإن كان ولا بد فاعلا فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث # PageV02P328 # للنفس» انتهى. قلت: ولعل المراد أن الكافر يأكل شبعا فيأكل ملأ بطنه لأن ~~الأمعاء كما ms0338 قالوا سبعة، والمؤمن يأكل تقوتا فيأكل في معى واحد وهو سبع ~~بطنه، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهو الثلث - والله سبحانه وتعالى أعلم. ~~قال الحرالي: والخامس حمد الله تعالى في الختام، لأن من لم يحمد الله في ~~الختام كفر بنعمته. ومن حمد غير الله آمن بطاغوته؛ فبهذه الأمور معرفة في ~~القلب وحالا في النفس وآدابا في العمل تصح قراءة حرف الحلال ويحصل خير ~~الدنيا ويتمدد الأساس لبناء خير الآخرة، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق - ~~انتهى. # PageV02P329 # ولما نهاهم سبحانه وتعالى عن متابعة العدو ذمهم بمتابعته مع أنه عدو من ~~غير حجة بل بمجرد التقليد للجهلة فقال عاطفا على {ومن الناس} معجبا منهم: ~~{وإذا قيل} أي من أي قائل كان. ولما كان الخطاب للناس عامة وكان أكثرهم ~~مقلدا ولا سيما للآباء أعاد الضمير والمراد أكثرهم فقال: {لهم اتبعوا} أي ~~اجتهدوا # PageV02P329 # في تكليف أنفسكم الرد عن الهوى الذي نفخه فيها الشيطان، وفي قوله له {ما ~~أنزل الله} أي الذي له العلم الشامل والقدرة التامة انعطاف على ذلك الكتاب ~~لا ريب فيه وما شاكله {قالوا بل} أي لا نتبع ما أنزل الله بل {نتبع} أي ~~نجتهد في تبع {ما ألفينا} أي وجدنا، قال الحرالي: من الإلفاء وهو وجدان ~~الأمر على ما ألفه المتبصر فيه أو الناظر إليه {عليه آباءنا} أي على ما هم ~~عليه من الجهل والعجز، قال: ففيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد ~~لها شاهد أبوة الدين ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة ~~التي شأن الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم - انتهى. # PageV02P330 # ولما أبوا إلا إلف وهاد التقليد فدنوا عن السمو إلى عداد أولي العلم ~~بالنظر السديد أنكر عليهم سبحانه وتعالى ذلك فقال مبكتا لهم: {أولو} أي ~~أيتبعون أباءهم والحال أنه {كان آباؤهم لا يعقلون} ببصائر قلوبهم {شيئا} من ~~الأشياء المعقولة {ولا يهتدون *} بأبصار عيونهم إلى شيء من الأشياء ~~المحسوسة. # ولما كان التقدير: فمثلهم حينئذ كمن تبع أعمى في طريق وعر خفي في فلوات ~~شاسعة ms0339 كثيرة الخطر عطف عليه ما يرشد إلى تقديره من قوله منبها على أنهم ~~صاروا بهذا كالبهائم بل أضل لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع وتبصر فتهتدي ~~إلى منافعها {ومثل} وبين الوصف الذي حملهم على هذا الجهل بقوله: {الذين ~~كفروا} أي ستروا ما يعلمون من عظمة الله سبحانه وتعالى وقدرته وعلمه وحكمته ~~بما عندهم من الهوى في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت ~~من غير إلقاء أذهان ولا استبصار {كمثل} # PageV02P331 # قال الحرالي: المثل ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة ~~فيكون ألطف من الشيء المحسوس فيقع لذلك جاليا لمعنى مثل المعنى المعقول ~~ويكون الأظهر منهما مثلا للأخفى، فلذلك يأتي استجلاء المثل بالمثل، ليكون ~~فيه تلطيف للظاهر المحسوس وتنزيل للغائب المعلوم؛ ففي هذه الآية يقع ~~الاستجلاء بين المثلين لا بين الممثولين لتقارب المثلين يعني وهو وجه الشبه ~~وتباعد الممثولين، وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين، فاقتضى ~~ذلك تمثيلين في مثل واحد كأن وفاء اللفظ الذي أفهمه هذا الإيجاز مثل الذين ~~كفروا ومثل راعيهم كمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم وهو من أعلى خطاب ~~فصحاء العرب، ومن لا يصل فهمه إلى جمع المثلين يقتصر على تأويله بمثل واحد ~~فيقدر في الكلام: ومثل داعي الذين كفروا {كمثل الذي ينعق} أي يصيح، وذلك ~~لأن التأويل يحمل على الإضمار والتقدير، والفهم يمنع منه ويوجب فهم إيراد ~~القرآن على حده ووجهه؛ وقال: {بما} أي بسبب شيء من البهائم التي {لا} عقل ~~لها فهو {يسمع إلا دعاء} أي من الناطق فيما # PageV02P332 # يدعي إليه من قوام غذائه ونسله {ونداء} فيما ساق إليه بمحل دعائه من حيث ~~إن النداء يشعر بالبعد والدعاء يشعر بالشروع في القصد - انتهى. # فالكافرون في كونهم لا يرجعون عن غيهم لما يسمعون من الأدلة وهم أولو عقل ~~وسمع وبصر كالبهم التي تسمع # PageV02P333 # وتبصر ولكنها لكونها لا تعقل لا ترجع بالكلام لأنها لا تسمع إلا ظاهر ~~الصوت ولا تفهم ما تحته بل بالحجر والعصا، فإن الراعي إذا ms0340 أراد رجوعها عن ~~ناحية صاح بها ورمى بحجر إلى ما أمامها فترجع، فهي محل مثلهم الذي هو عدم ~~الإدراك، والبهم في كونها لا ترجع بالنداء بل بقارع كالأصم الأبكم الأعمى ~~الذي لا يرجع إلا بقارع يصكه في وجهه فينكص على عقبه فهو محل مثلها، ~~وداعيهم في كونه يتكلم فلا يؤثر كلامه مع المبالغة فيه كراعي البهم فهو ~~موضع مثله، وراعي البهم من حيث إن بهمه لا ترجع إلا بضربة بالحجر أو غيره ~~كالسوط الذي يقمع به الأصم أو كضارب الأصم المذكور فهو محل مثله؛ فلذلك ~~كانت نتيجة التمثيل قوله: {صم} أي لا يسمعون {بكم} أي لا ينطقون {عمي} أي ~~لا يبصرون، وقد علم بهذا أن الآية من الاحتباك حذف من الأول مثل الداعي ~~لدلالة الناعق عليه ومن الثاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه. ولما كان ~~موجود إدراك العقل هو حقائق المحسوسات وقد نفى عنهم الحس المدرك للمحسوسات ~~ترتب عليه قوله # PageV02P334 # {فهم} بالفاء ربطا وتعقيبا وتسبيبا {لا يعقلون *} لأنهم لا ينتفعون ~~بعقولهم كما أن هذا الأصم كذلك، ونفاه بلا النافية للممتنع وصيغة المضارع ~~المنبئة عن الدوام - قاله الحرالي. # ولما أخبر سبحانه وتعالى أن الدعاء لا يزيدهم إلا نفورا رقي الخطاب من ~~الناس إلى أعلى منهم رتبة فقال آمرا لهم أمر إباحة أيضا وهو إيجاب في تناول ~~ما يقيم البينة ويحفظها: {يا أيها الذين آمنوا كلوا} . وقال الحرالي: لما ~~كان تقدم الخطاب في أمر الدين في رتبتين أولاهما {يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم} [البقرة: 21] وثانيتهما {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} ~~[البقرة: 104] فأمر الناس فيه بالعبادة وأمر الذين آمنوا بحسن الرعاية مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك هنا أمر الناس # PageV02P335 # بالأكل مما في الأرض ونهى عن اتباع خطوات الشيطان، وأشعر الخطاب بأنهم ~~ممن يتوجه الشيطان نحوهم للأمر بالسوء والفحشاء والقول بالهوى، وأمر الذين ~~آمنوا بالأكل {من طيبات} فأعرض في خطابهم عن ذكر الأرض لتناولهم الرزق من ~~السماء، فإن أدنى الإيمان عبادة من في السماء واسترزاق من في السماء كما ~~قال ms0341 للسوداء: # «أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» قال سبحانه ~~وتعالى: {وفي السماء رزقكم} [الذاريات: 22] ، فأطعم الأرضيين وهم الناس مما ~~في الأرض وأطعم السماويين وهم الذين آمنوا من رزق السماء كذلك، وخص هذا ~~الخطاب بلفظ الحلال لما كان آخذا رزقه من السماء متناولا طيبة لبراءته من ~~حال مما في الأرض مما شأنه ضر في ظاهر أو أذى في باطن، ولذلك «ولو كانت ~~الدنيا دما عبيطا لكان قوت المؤمن منها حلالا» ، فالمسترزق من السماء يصير ~~المحرم له حلالا لأخذه منه عند الضرورة تقوتا لا تشهيا، ويصير الحلال له ~~طيبا لاقتناعه منه # PageV02P336 # بالكفاف دون التشهي {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} [المائدة: ~~4] وفي مورد هذين الخطابين بيان أن كلمة {للناس} واقعة على سن من أسنان ~~القلوب وكلمة {الذين آمنوا} واقعة على سن فوقه وليس يقع على عموم يشمل جميع ~~الأسنان القلبية، فتوهم ذلك من أقفال القلوب التي تمنع تدبر القرآن، لأن ~~خطاب القرآن يتوجه لكل أولي سن على حسب سن قلوبهم، لا يصلح خطاب كل سن إلا ~~له يتقاصر عنه من دونه ولا يحتاج إليه من فوقه، وهي أسنان متعددة: سن ~~الإنسان ثم سن الناس، ثم سن الذين آمنوا، ثم سن الذين يؤمنون، ثم سن ~~المؤمنين، ثم سن المؤمنين حقا، ثم سن المحسنين؛ هذه أسنان سبعة خطاباتها ~~مترتبة بعضها فوق بعض، ومن وراء ذلك أسنان فوقها من سن الموقنين وما وراء ~~ذلك إلى أحوال أثناء هذه الأسنان من حال الذين أسلموا والمسلمين ومن يوصف ~~بالعقل والذكر والفكر والسماع وغير ذلك من الأوصاف التي تلازم تلك الأسنان ~~في رتب متراقية لا يشمل أدناها أعلاها ولا ينهض أدناها لرتبة خطاب أعلاها # PageV02P337 # إلى ما وراء ذلك من خصوص خطاب النبي صلى الله عليه وسلم فيه بما لا يليق ~~إلا به وبمن هو منه من إله، وفي انتظام تفصيل هذه الرتب جامعة لما يقع من ~~معناه في سائر القرآن - انتهى. ولما كانت هذه الرتبة كما تقدم أرفع من رتبة ~~الناس خص في ms0342 خطابهم بعد بيان أن ما لم يحل خبيث فقال: {من طيبات} ولم يأت ~~بذلك العموم الذي تألف به {الناس} . # ولما كانوا في أول طبقات الإيمان نبههم على الشكر بقوله في مظهر العظمة: ~~{ما رزقناكم} وأخلصناه لكم من الشبه، ولا تعرضوا لما فيه دنس كما أحله ~~المشركون من المحرمات، ولا تحرموا ما أحلوا منها من السائبة وما معها ثم ~~صرح به في قوله آمرا أمر إيجاب: {واشكروا لله} أي وخصوا شكركم بالمنعم الذي ~~لا نعمة إلا منه، # PageV02P338 # وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطابا لأعلى طبقات الخلص وهم الرسل. # ولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم إياه بالعبادة فقال: ~~{إن كنتم إياه} أي وحده {تعبدون *} فإن اختصاصه بذلك سبب للشكر، فإذا انتفى ~~الاختصاص الذي هو السبب انتفى الشكر، وأيضا إذا انتفى المسبب الذي هو الشكر ~~انتفى الاختصاص لأن السبب واحد، فهما متساويان يرتفع كل واحد منهما بارتفاع ~~الآخر. وقال الحرالي: ولما كان هذا الخطاب منتظما لتناول الطيب والشكر ~~وحقيقته البذل من الطيب فشكر كل نعمة إظهارها على حدها من مال أو جاه أو ~~علم أو طعام أو شراب أو غيره وإنفاق فضلها والاقتناع منها بالأدنى والتجارة ~~بفضلها لمبتغى الأجر وإبلاغها إلى أهلها لمؤدي # PageV02P339 # الأمانة لأن أيدي العباد خزائن الملك الجواد «دعوا الناس يرزق الله بعضهم ~~من بعض» . فلما كان ذلك لا يتم إلا بمعرفة الله سبحانه وتعالى المخلف على ~~من أنفق كما قال {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} نبهوا على عهدهم الذي لقنوه ~~في سورة الفاتحة في قوله {إياك نعبد وإياك نستعين} فقيل لهم: كلوا واشكروا ~~إن كنتم إياه تعبدون؛ فمن عرف الله بالكرم هان عليه أن يتكرم ومن عرف الله ~~بالإنعام والإحسان هان عليه أن يحسن وهو شكره لله، من أيقن بالخلف جاد ~~بالعطية - انتهى. # ولما قيد الإذن لهم بالطيب من الرزق افتقر الأمر إلى بيان الخبيث منه ~~ليجتنب فبين صريحا ما حرم عليهم مما كان المشركون يستحلونه ويحرمون غيره ~~وأفهم حل ما عداه وأنه كثير ms0343 جدا ليزداد المخاطب شكرا فقال: {إنما حرم ~~عليكم} . وقال الحرالي: ولما كان إدراك المؤمنين لمقتضى الخطاب فوق إدراك ~~الناس خاطبهم تعالى بذكر ما حرم عليهم فناظر ذلك ما نهى عنه الناس من اتباع ~~خطوات # PageV02P340 # الشيطان فقال: {إنما حرم} [البقرة: 173] وأجرى إضماره على الاسم العظيم ~~الأول إعلاما بأن الذي أذن لهم إنما حرم عليهم ما لا يصلح لهم بكل وجه لشدة ~~مضرته عليهم في إحاطة ذواتهم ظاهرها وباطنها، لما ذكر أن المحرم إما لحرمته ~~علوا كالبلد الحرام وتحريم الأمر، أو لحرمته دناءة كتحريم هذه المحرمات، ~~ففي كلمة «إنما» نفي لمتوهمات ما يلحقه التحريم بما دون المذكور هنا كأن ~~قائلا يقول: حرم كذا وحرم كذا من نحو ما حرمته الكتب الماضية أو حرمته ~~الأهواء المختلفة أو حرمه نظر علمي كالذي حرمه إسرائيل على نفسه، فكان ~~الإفهام لرد تلك المحرمات كلها - انتهى. فالمعنى والله سبحانه وتعالى أعلم ~~أنكم حرمتم الوصيلة والسائبة وغيرهما مما أحله الله وأحللتم الميتة والدم ~~وغيرهما حرمه الله سبحانه وتعالى ولم يحرم الله عليكم من السائبة وما معها ~~مما حرمتموه ولا غيره مما استحللتموه إلا ما ذكرته هذه الآية؛ وإذا راجعت ~~ما في قوله سبحانه وتعالى في الأنعام # {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 118] وقوله {ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] وقوله {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما} ~~[الأنعام: 145] # PageV02P341 # من كتابي هذا عرفت المراد من هذه الآية. وقال {الميتة} أي التي سماها ~~بذلك أهل العرف، وهي ما فارقه الروح من غير ذكاة شرعية وهو مما يذكى. قال ~~الحرالي: وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوة وفناء الحياة، وهي ~~أشد مفسد للجسم لفساد تركيبها بالموت وذهاب تلذذ أجزائها وعتقها وذهاب روح ~~الحياة والطهارة منها. {والدم} أي الجاري لأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام ~~ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء، فهو ميتة من خاص حياته مرتكس في جوهره إلا ~~من طيب الله كليته كما في محمد صلى الله عليه وسلم وفيمن نزع عنه خبث ~~الظاهر ms0344 والباطن طبعا ونفسا. {ولحم الخنزير} لأذاه للنفس كما حرم ما قبله ~~لمضرتهما في الجسم، لأن من حكمة الله في خلقه أن من اغتذى # PageV02P342 # جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الشيء «الكبر والخيلاء في ~~الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم» فلما جعل في الخنزير من ~~الأوصاف الذميمة حرم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق؛ واللحم ما لحم ~~بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلد، وعرف ~~غلبة استعماله على رطبة الأحمر، وهو هنا على أصله في اللغة يجمع اللحم ~~الأحمر والشحم والأعصاب والعروق إلى حد الجلد وما اشتمل عليه ما بين ~~الطرفين من أجزاء الرطوبات، وإذا حرم لحمه الذي هو المقصود بالأكل وهو أطيب # PageV02P343 # ما فيه كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم. # ولما حرم ما يضر الجسم ويؤذي النفس حرم ما يرين على القلب فقال: {وما ~~أهل} والإهلال رفع الصوت لرؤية أمر مستعظم {به} أي رفع رافع الصوت بسببه ~~ذابحا {لغير الله} أي الذي لا كفؤ له بوجه. قال الحرالي: لأن ما لم يذكر ~~عليه اسم الله أخذ من يد من ذكر عليه اسمه وليس ذلك خالقه ومالكه، إنما ~~خالقه ومالكه الله الذي جعل ذكر اسمه عليه إذنا في الانتفاع به وذكر على ~~إزهاق الروح من هي من نفخته لا من لا يجد للدعوى فيها # PageV02P344 # سبيلا من الخلق. وذكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو ~~أشد المحرم، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر «قالوا: يا ~~رسول الله! إن ناسا يأتوننا بلحام لا ندري أسموا الله عليها أم لا. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:» سموا الله أنتم وكلوا «» # فكان المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه بل الذي علم أن غير اسم ~~الله قد أعلن به عليه، وفي تقدم إضمار المحرم في قوله {به} تأكيد لمعناه ~~لأنهم يقدمون ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى، قال صلى الله ms0345 عليه وسلم: ~~«ابدؤوا بما بدأ الله به» ، فلما كانت هذه الآية جامعة أي التحريم أظهر ~~فيها تقديم العناية بالمحرم وهي في الإبلاغ أنهى معنى من الذي أخر فيها هذا ~~الضمير. # ولما كان هذا الدين يسرا لا عسر فيه ولا حرج ولا جناح رفع حكم هذا ~~التحريم عن المضطر، ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعا من الخلق أنبأهم ~~تعالى بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم لا يبرأ # PageV02P345 # من كلية الأحكام بل يبقى مع هذه الرخصة موقع الأحكام في البغي والعدوان ~~فقال: {فمن اضطر} أي أحوجه محوج وألجأه ملجىء بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء ~~مما حرم بأن أشرف على التلف فأكل من شيء منه حال كونه {غير باغ} أي قاصد ~~فسادا بمكيدة يكيد بها لضعفه آخذا من تلك الميتة هو أقوى منه كأن يحيله على ~~غيرها خداعا منه ليستأثر عليه بالأحسن منها {ولا عاد} على غيره بأن يكون ~~أقوى منه فيدفعه عنها، ولا مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة؛ ويدخل في الآية ~~أن من بغى على إمام أو قصد بضربه في الأرض فسادا أو عدا على أحد ظلما فحصل ~~له بسبب ذلك مخمصة لا يحل له ما كان حراما لأن في ذلك إعانة له على معصيته، ~~فإن تاب استباح {فلا إثم عليه} لا من التحريم الأول ولا # PageV02P346 # من الحكم الآخر، ولو كان رفع الإثم دون هذين الاشتراطين لوقع بين ~~المضطرين من البغي والتسلط ما مثله لا يحل لغير المضطرين، فانتفى الإثم على ~~صحة من الأمرين وارتفاع الحكمين، ففي السعة يجتنب ما يضر وفي الضرورة يؤثر ~~ضرورة الجسم لقوامه على حكم الكتاب في إقامته؛ وفي إفهامه أن من اضطر لشيء ~~مما حرم عليه فأكله لم تنله مضرة، لأن الله سبحانه وتعالى إذا أباح شيئا ~~أذهب ضره «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» ففيه تنبيه لتغيير ~~هذه الأعيان للمضطر عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر وتطييبا في ~~الباطن، فكما رفع عنه حكمها الكتابي يتم فضله فيرفع عنه ms0346 ضرها الطبيعي. # ثم علل هذا الحكم مرهبا مرغبا بقوله: {إن الله} فأتى بهذا الاسم المحيط ~~إشارة إلى عموم هذا الحكم للمضطر والموسع، وفي قوله: {غفور} إشعار بأنه لا ~~يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم # PageV02P347 # عليه أحد إلا عن ذنب أصابه، فلولا المغفرة لتممت عليه عقوبته، لأن المؤمن ~~أو الموقن لا تلحقه ضرورة، لأن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء وعبد الله ~~لا يعجزه ما لا يعجز ربه # {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} [الروم: 49] فاليأس ~~الذي يحوج إلى ضرورة إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين ودون رتبة الإيمان ~~«جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا ففنيت أزوادهم فأقاموا أياما ~~يتقوتون بيسير حتى تقوتوا بتمرة تمرة فأخرج الله لهم العنبر دابة من البحر» ~~فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب ~~ماكلهم في حال السعة من صيد البحر الذي «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وفي ~~قوله: {رحيم} # PageV02P348 # إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر إليه شيئا لم يبغ فيه ولم يعد تناله من ~~الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدهاه إلى مثله فيغفر له الذنب السابق الذي ~~أوجب الضرورة ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها من لم يقع منه ما وقع ~~ممن اضطر إلى مثله - انتهى؛ وتصرفت فيه. ولما كان في بيان هذه المحرمات ~~الإشارة إلى عيب من استحلها من العرب وترك ما أمر به من الطيبات جهلا ~~وتقليدا تلاها بتكرير عيب الكاتمين لما عندهم من الحق مما أنزل في كتابهم ~~من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الحج وأمر القبلة وغيرها مما يصدق ~~هذا الكتاب الذي لا ريب فيه خوفا على انقطاع ما كان يهدي إليهم لرئاستهم من ~~دينهم على وجه عائب لهم لاستحلالهم أكل السحت على علم مبين أنهم استحقوا ~~الذم من وجهين: أحدهما نفس الأكل على هذا الوجه المؤدي إلى الإعراض عن ~~الطيبات والموافقة للعرب، الثاني كونه على كتمان ما يعلمون من الحق ms0347 فقال: ~~{إن الذين # PageV02P349 # يكتمون} مؤكدا لذمهم بأنواع التأكيد، ولقد بدع إيلاؤه لصفتي المغفرة ~~والرحمة كما ختم آية الكتمان الأولى بوصفي التوبة والرحمة، فكان مع ما فيه ~~من الترغيب من قبيل الاحتراس أي إنه إعانة لا يغفر لمثل هؤلاء إلا أن ~~اتصفوا بما أشارت إليه الآية الأولى من التوبة. قوله: {ما أنزل الله} ~~بإسناد الإنزال إلى اسمه الأعظم لإحاطة الكتاب بمختلفات الأحكام {من ~~الكتاب} أي من حدوده وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى ~~بالبينات والهدى من الحكم والأحكام. # ولما كان من الكتم ما يكون لقصد خير، فكم من كلمة حق أريد بها باطل! قيده ~~بقوله: {ويشترون به ثمنا} قال الحرالي: والثمن ما لا ينتفع بعينه حتى يصرف ~~إلى غيره من الأعواض، فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم وحرصه باستكسابه ~~بالعلم وإجرائه # PageV02P350 # في غير ما أجراه الله تعالى على ألسنة أنبيائه {وما أسألكم عليه من أجر} # [الشعراء: 109] ولما كان كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة وإن جل ~~حقيرا قال: {قليلا} هذا المراد لا تقييده بالقليل. # ولما كانوا قد بعدوا عن مواطن الرحمة ببخلهم بما لا ينقصه الإنفاق أشار ~~إليهم بأداة البعد فقال: {أولئك} وفي خطاب النبي صلى الله عليه وسلم به ~~إشعار بوقوع ذلك من طائفة من أمته حرصا على الدنيا {ما يأكلون} أي في هذه ~~الحال على ما دلت عليه ما. ولما كان الأكل يطلق على مجرد الإفساد حقق معناه ~~بقوله: {في بطونهم} جمع بطن وهو فضاء جوف الشيء الأجوف لغيبته عن ظاهره ~~الذي هو ظهر ذلك البطن {إلا النار} كما أحاط علمه سبحانه وتعالى بالغيب إن ~~ذلك على الحقيقة وبصره لعيون أهل الكشف الذين يرون العواقب في الأوائل ~~والغيب في الشهادة، وفي ذكره بصيغة الحصر نفي لتأويل المتأول بكونه سببا ~~وصرف له إلى وجه التحقيق الذي يناله # PageV02P351 # الكشف ويقصر عنه الحس، فكانوا في ذلك كالحذر الذي يجعل يده في الماء ~~الحار ولا يحس به فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه. # ولما قدم ms0348 الوعيد في الثمن لكونه الحامل على الكتم أتبعه وعيد نفس الكتم ~~فقال: {ولا يكلمهم الله} أي الملك الأعظم الذي من كلمه أقبل كل شيء عليه ~~كلاما يدل على مرضى لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم وقال: {يوم ~~القيامة} تأكيدا لما أشارت إليه ما من أن المراد بالذي قبله الحال {ولا ~~يزكيهم} أي يطهرهم من دنس الذنوب أو يثنى عليهم أو ينمي أعمالهم بما يحصل ~~لهم من الميثاق في يوم التلاق كما يزكي بذلك من يشاء من عبادة لأنهم كتموا ~~عن العباد ما يزكيهم وفي هذا تعظيم لذنب كتموا العلم {ولهم} مع هذا العذاب ~~{عذاب أليم} لما أوقعوا فيه الناس من التعب بكتمهم عنهم ما يقيمهم على ~~المحجة السهلة. # PageV02P352 # ولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة حالهم مؤكدا لبعدهم فقال: {أولئك الذين ~~اشتروا} أي لجاجا وتماديا في الغي {الضلالة} عن طريق الخير {بالهدى} ولما ~~ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر الآخرة فقال: {والعذاب} بارتكابهم هذه ~~الموبقة {بالمغفرة} التي كانت تنجيهم إذا محت صغائرهم لو سلموا من هذه ~~العضلة التي كانت سببا لضلال خلق كثير فكان عليهم وزرهم. ولما جعل سبحانه ~~وتعالى أول مأكلهم نارا وآخر أمرهم عذابا وترجمة حالهم عدم المغفرة فكان ~~بذلك أيضا أوسط حالهم نارا سبب عنه التعجيب من أمرهم بحبسهم أنفسهم في ذلك ~~الذي هو معنى الصبر لالتباسهم بالنار حقيقة أو بموجباتها من غير مبالاة ~~فقال: {فما أصبرهم} أي ما أشد حبسهم أنفسهم أو ما أجرأهم {على النار} التي ~~أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى - ذكر كثيرا من ذلك الحرالي غير أني ~~تصرفت فيه؛ # PageV02P353 # وإذا جعلته مجازا كان مثل قولك لمن عاند السلطان: ما أصبرك على السجن ~~الطويل والقيد الثقيل! تهديدا له. # ولما ذكر جزاءهم وشرح حالهم والتعجيب من أمرهم ذكر السبب الموجب لهذا ~~الإبعاد العظيم والتهديد الكبير فقال: {ذلك} مشيرا بأداة البعد {بأن الله} ~~فذكر الاسم الأعظم أيضا الذي معناه أن له جميع صفات الكمال تعظيما للمقام ~~{نزل الكتاب} أي الجامع لأنواع الهدى {بالحق} منجما تقريبا للأفهام ms0349 وتدريبا ~~للخاص والعام، وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة أي الثابت الكامل في ~~الثبات، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبته الله تعالى فقد ضاد الله في ملكه، ~~ومن خالف فيه وهو الذي لا شبهة تلحقه فقد عد الواضح ملبسا فقد أبعد المرمى. # ولما كان التقدير: فاختلفوا، أتبعه قوله: {وإن الذين اختلفوا} أي خالف ~~بعضهم بعضا {في الكتاب} نفسه أي لا في فهمه، وهذه العبارة تدل على أن ~~الاختلاف قول بعض في الكتاب كله # PageV02P354 # أو في شيء منه هو باطل والإقرار ببعض أحكامه والإنكار لبعضها وتحريف ~~الكلم عن مواضعه ونحو هذا {لفي شقاق} لكون كل واحد منهم في شق {بعيد} جدا ~~عن شق أهل الحق، ولذلك خاف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من اختلاف أهل ~~هذا الدين في القرآن كما اختلف اليهود والنصارى فجمعوهم على مصحف واحد، ~~فليس الاختلاف في وجوه الروايات وأنحاء الفهم من ذلك؛ وقد وقع كما ترى ~~تنبيه المشركين من العرب بدون ما تضمنه تنبيه بني إسرائيل من التقريع ~~والتوبيخ لفرقان ما بينهم، لأن كفر المشركين عن جهل وكفر أولئك عن تعنت بعد ~~تكرر مشاهدة الآيات، ومن تدبر القرآن وطالع التوراة علم طول مكث موسى عليه ~~الصلاة والسلام فيهم يتلو عليه التوراة على حسب تنزيلها شيئا فشيئا وأنهم ~~كانوا مع ذلك كلما شاهدوا آية أحدثوا كفرا وخلعوا شكرا وسألوا غيرها # PageV02P355 # عنادا ومكرا {وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة: 13] وقد مر من أول السورة ~~عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته في المواضع اللائقة ~~به من آيات القرآن. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ومتى بين شيء في ~~الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر ~~أي من أن كفرهم تعنت، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين ~~إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ~~ذلك؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم مع أن ~~أسوأ ms0350 الأحوال حال من أضله الله على علم؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى ~~عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه وتنكبه وظن أنه على ~~شيء وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل ~~الشرك، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد ~~إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى ~~من اتصف بأحوالهم، وبالمشركين من جعل لله سبحانه وتعالى ندا واعتقد فعلا ~~لغيره على غير طريقة الكسب. # PageV02P356 # عنادا ومكرا {وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة: 13] وقد مر من أول السورة ~~عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته في المواضع اللائقة ~~به من آيات القرآن. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ومتى بين شيء في ~~الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر ~~أي من أن كفرهم تعنت، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين ~~إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ~~ذلك؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم مع أن ~~أسوأ الأحوال حال من أضله الله على علم؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى ~~عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه وتنكبه وظن أنه على ~~شيء وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل ~~الشرك، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد ~~إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى ~~من اتصف بأحوالهم، وبالمشركين من جعل لله سبحانه وتعالى ندا واعتقد فعلا ~~لغيره على غير طريقة الكسب. # PageV02P357 # ولما بين سبحانه وتعالى كفر أهل الكتاب الطاعنين في نسخ القبلة بتكذيب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وكتمان الحق وغير ذلك إلى أن ختم بكفرهم ~~بالاختلاف في الكتاب وكتمان ما فيه من مؤيدات الإسلام اتبعه الإشارة إلى أن ~~أمر الفروع ms0351 أحق من أمر الأصول لأن الفروع ليست مقصودة لذاتها، والاستقبال ~~الذي جعلوا من جملة شقاقهم أن كتموا ما عندهم من الدلالة على حقيته وأكثروا ~~الإفاضة في عيب المتقين به ليس مقصودا لذاته، وإنما المقصود بالذات الإيمان ~~فإذا وقع تبعته جميع الطاعات من الصلاة المشترط فيها الاستقبال وغيرها فقال ~~تعالى: {ليس البر} أي الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبر في تغذية ~~البدن {أن تولوا وجوهكم} أي # PageV03P001 # في الصلاة {قبل المشرق} الذي هو جهة مطالع الأنوار {والمغرب} الذي هو جهة ~~أفوالها أي وغيرهما من الجهات المكانية، فإن ذلك كله لله سبحانه وتعالى كما ~~مضى عند أول اعتراضهم التصريح بنسبة الكل إليه {فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~[البقرة: 115] # ولما كان قد تبين للمتقين كما ذكر قبل ما يخرج عن الصراط المستقيم وحذروا ~~منه ليجتنبوه عقبه بما يلزمهم ليعملوه فابتدأ من هنا بذكر الأحكام إلى قوله ~~{آمن الرسول} [البقرة: 258] وبدأ ذلك بما بدأ به السورة وفصل لهم كثيرا مما ~~كلفوه مما أجمله قبل ذلك ففصل الإيمان تفصيلا لم يتقدم فقال: {ولكن البر ~~من} أي إيمان من، ولعله # PageV03P002 # عبر بذلك إفهاما لأن فاعل ذلك نفسه بر أي أنه زكى حتى صار نفس الزكاة ~~{آمن بالله} الذي دعت إليه آية الوحدانية فأثبت له صفات الكمال ونزهه عن كل ~~شائبة نقص مما على ذلك من دلائل أفعاله. ولما كان من أهم خلال الإيمان ~~القدرة على البعث والتصديق به لأنه يوجب لزوم الخير والبعد عن الشر قال: ~~{واليوم الآخر} الذي كذب به كثير من الناس فاختل نظامهم ببغي بعضهم على ~~بعض، فالأول مبرأ عن الأنداد وهذا مبعد عن أذى العباد. # ولما كان هذا إيمان الكمل وكان أكثر الناس نيام العقول لا يعرفون شيئا ~~إلا بالتنبيه وضلال البصائر يفترقون إلى الهداية ذكر سبحانه وتعالى الهداة ~~الذين جعلهم وسائط بينه وبين عباده بادئا بالأول فالأول فقال: {والملائكة} ~~أي الذين أقامهم فيما بينه # PageV03P003 # وبين الناس وهم غيب محض {والكتاب} الذي ينزلون به على وجه لا يكون فيه ~~ريب أعم ms0352 من القرآن وغيره {والنبيين} الذين تنزل به عليهم الملائكة، لكونهم ~~خلاصة الخلق، فلهم جهة ملكية يقدرون بها على التلقي من الملائكة لمجانستهم ~~إياهم بها، وجهة بشرية يتمكن الناس بها من التلقي منهم، ولهم من المعاني ~~الجليلة الجميلة التي صرفهم الله فيها بتكميل أبدانهم وأرواحهم ما لا يعلمه ~~إلا هو فعليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام. # قال الحرالي: ففيه أي الإيمان بهم وبما قبلهم قهر النفس للإذعان لمن هو ~~من جنسها والإيمان بغيب من ليس من جنسها ليكون في ذلك ما يزع النفس عن ~~هواها - انتهى. وكذا فضل سبحانه وتعالى الصدقة، وفي تعقيب الإيمان بها ~~إشعار بأنها المصدقة له فمن بخل بها كان مدعيا للإيمان بلا بينة، وإرشاد ~~إلى أن في بذلها سلامة من فتنة المال {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} ~~[التغابن: 15] لأن من آمن وتصدق كان قد أسلم لله روحه وماله الذي هو عديل ~~روحه فصار عبد الله حقا، وفي ذلك إشارة إلى الحث على مفارقة كل محبوب سوى ~~الله سبحانه وتعالى في الله. قال الحرالي: فمن ظن # PageV03P004 # أن حاجته يسدها المال فليس برا، إنما البر الذي أيقن أن حاجته إنما يسدها ~~ربه ببره الخفي - انتهى. فلذلك قال: {وآتى المال} أي الذي أباحه بعد جعله ~~دليلا عليه كرم نفس وتصديق إيمان بالاعتماد في الخلف على من ضمن الرزق وهو ~~على كل شيء قدير؛ وأشار إلى أن شرط الإيمان به إيثاره سبحانه وتعالىعلى كل ~~شيء بقوله: {على حبه} أي إيتاء عاليا فيه حب الله على حبه المال إشارة إلى ~~التصدق في حال الصحة والشح بتأميل الغنى وخشية الفقر؛ وأشار إلى أنه لوجهه ~~لا لما كانوا يفعلونه في الجاهلية من التفاخر فقال: {ذوي القربى} أي لأنهم ~~أولى الناس بالمعروف لأن إيتاءهم # PageV03P005 # صدقة وصلة {واليتامى} من ذوي القربى وغيرهم لأنهم أعجز الناس {والمساكين} ~~لأنهم بعدهم في العجز ويدخل فيهم الفقراء بالموافقة {وابن السبيل} لعجزهم ~~بالغربة، وإذا جعلنا ذلك أعم من الحال والمآل دخل فيه الغازي {والسآئلين} ~~لأن الأغلب أن يكون سؤالهم عن حاجة ويدخل الغارم ms0353 {وفي الرقاب} قال الحرالي: ~~جمع رقبة وهو ما ناله الرق من بني آدم فالمراد الرقاب المسترقة التي يرام ~~فكها بالكتابة وفك الأسرى منه، وقدم عليهم أولئك لأن حاجتهم لإقامة البينة. # ولما ذكر سبحانه وتعالى مواساة الخلق وقدمها حثا على مزيد الاهتمام بها ~~لتسمح النفس بما زين لها حبه من المال اتبعها حق الحق # PageV03P006 # فقال: {وأقام الصلاة} التي هي أفضل العبادات البدنية ولا تكون إلا بعد سد ~~أود الجسد ولا تكون إقامتها إلا بجميع حدودها والمحافظة عليها. ولما ذكر ما ~~يزكي الروح بالمثول بين يدي الله سبحانه وتعالى والتقرب بنوافل الصدقات ذكر ~~ما يطهر المال وينميه وهو حق الخلق فقال: {وآتى الزكاة} وفي الاقتصار فيها ~~على الإيتاء إشعار بأن إخراج المال على هذا الوجه لا يكون إلا من الإخلاص. # ولما أتم الإيمان وما يصدق دعواه في الجملة شرع في كمال ذلك فعطف على أول ~~الكلام ما دل بعطفه كذلك على أنه مقصود لذاته فإنه جامع لدخوله في جميع ما ~~تقدمه فقال: {والموفون بعهدهم} # PageV03P007 # قال الحرالي: من الإيفاء وهو الأخذ بالوفاء نجاز الموعود في أمر المعهود ~~- انتهى. # وبين قوله: {إذا عاهدوا} أن المطلوب ما ألزموا أنفسهم به للحق أو الخلق ~~تصريحا بما أفهمه ما قبله. ولما قطع الوفاء تعظيما له لدخوله فيما قبل فعل ~~كذلك في الصبر لذلك بعينه فقال: {والصابرين} وفيه رمز إلى معاملته بما كان ~~من حقه لو عطف على {من آمن} لو سيق على الأصل. قال الحرالي: وفيه إشعار بأن ~~من تحقق بالصبر على الإيثار فكان شاكرا تحقق منه الصبر في الابتلاء والجهاد ~~تأييدا من الله سبحانه وتعالى لمن شكره ابتداء بإعانته على الصبر والمصابرة ~~انتهاء، كأنه لما جاد بخير الدنيا على حبه أصابه الله ببلائها تكرمة له ~~ليوفيه حظه من مقدوره في دنياه فيكون ممن يستريح عند موته وبأنه إن جاهد ~~ثبت بما يحصل في نفس الشاكر الصابر من الشوق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى ~~تبرؤا من الدنيا وتحققا بمنال الخير من الله - انتهى. # وعين أشد ما يكون ms0354 الصبر فيه فقال: {في البأسآء} أي عند # PageV03P008 # حلول الشدة بهم في أنفسهم من الله سبحانه وتعالى بلا واسطة أو منه بواسطة ~~العباد {والضرآء} بحصول الضر في أموالهم وبقية أحوالهم من احتقار الناس لهم ~~ونحوه، وفسرها في القاموس بالشدة والنقص في الأموال والأنفس فهو حينئذ أعم ~~ليكون الأخص مذكورا مرتين. وقال الحرالي: البأساء فعلاء من البؤس وهو سوء ~~الحال والفاقة وفقد المنة عن إصلاحه، والضراء مرض البدن وآفاته، فكان ~~البأساء في الحال والضراء في البدن - انتهى. {وحين البأس} أي الحرب الجامع ~~للأنفس والأموال. وقال الحرالي: البأس الشدة في الحرب. # PageV03P009 # ولما كانت هذه الخلال أشرف خلال أشار إلى شرفها بشرف أهلها فقال مستأنفا ~~بيانا لأنه لا يستحق اسم البر إلا من اجتمعت فيه هذه الخلال: {أولئك} أي ~~خاصة الذين علت هممهم وعظمت أخلاقهم وشيمهم {الذين صدقوا} أي فيما ادعوه من ~~الإيمان، ففيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم لم يصدق في دعواه {وأولئك هم} ~~خاصة {المتقون *} ليوم الجزاء، وفي جعله نعتا لهم إشعار بأنهم تكلفوا هذه ~~الأفعال لعظيم الخوف. وقال ابن الزبير في برهانه: ثم ذكر الزكاة والصيام ~~والحج والجهاد إلى غير ذلك من الأحكام كالنكاح والطلاق والعدد والحيض ~~والرضاع والحدود والربا والبيوع إلى ما تخلل هذه الآيات من تفاصيل الأحكام ~~ومجملها وقدم منها الوفاء بالعهد والصبر، لأن ذلك يحتاج إليه في كل ~~الأعمال، وما تخلل هذه الآيات من لدن قوله {ليس البر} إلى قوله: {آمن ~~الرسول} # PageV03P010 # مما ليس من قبيل الإلزام والتكليف فلتسبب أوجب ذكره ولتعلق استدعاه - ~~انتهى. والحاصل أنه سبحانه وتعالى لما طهرهم من أوصار المحارم بقوارع ~~الزواجر شرع في تزكيتهم بالإقحام في غمرات الأوامر ليكمل تعبدهم بتحليهم ~~بأمره بعد تخليهم من سخطه بصادع زجره فذكر في هذه السورة جميع أركان هذا ~~الحرف وحظيرته. # قال الإمام أبو الحسن الحرالي في العروة: وجه إنزال هذا الحرف حمل الخلق ~~على صدق التذلل لله سبحانه وتعالى إثر التطهير من رجزهم ليعود بذلك وصل ما ~~انقطع وكشف ما انحجب وهو حرف العبادة المتلقاة بالإيمان ms0355 المثابر عليها ~~بسابق الخوف المبادر لها تشوقا بصدق المحبة، فالعابد من ساقه الخوف إليها ~~والعارف من قاده الحب لها وهو بناء ذو عمود وأركان وله حظيرة تحوطه، فأما ~~عموده فافراد التذلل لله سبحانه وتعالى توحيدا وطليعته آية ما كان نحو قوله ~~سبحانه وتعالى {اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} [النساء: 36] طهرهم حرف ~~الزجر من # PageV03P011 # رجز عبادة إله آخر فأثبت لهم حرف الأمر التفريد حتى لا يشركوا معه في ~~التذلل شيئا أي شيء كان آخر، وهو أول ما أقام الله من بناء الدين ولم يفرض ~~غيره نحو العشر من السنين في إنزال ما أنزل بمكة وسن مع فرضه الركن الأول ~~وهو الصلاة، وبدئت بالوضوء عملا من حذو تطهير القلب والنفس بحرف النهي ~~وأعقب بالصلاة عملا من حذو طهور القلب بالتوحيد بين يدي الرب سبحانه ~~وتعالى، فالوضوء وجه عمل حرف الزجر والصلاة وجه عمل حرف الأمر، وسن على ~~تأسيس بدار الحب لتبدو قوة الإيمان في مشهود ملازمة خدمة الأبدان. فكان ~~أقواهم إيمانا أكثرهم وأطولهم صلاة وقنوتا، من أحب ملكا خدمه ولازمه، ولا ~~تخدم الملوك بالكسل والتهاون وإنما تخدم بالجهد والتذلل، فكانت الصلاة علم ~~الإيمان تكثر بقوته وتقل بضعفه، لأنها لو فرضت لم يظهر فيها تفاوت قوة ~~الإيمان وصدق الحق كما لا يظهر بعد فرضها إلا في النوافل، ولإجهاد النبي ~~صلى الله عليه وسلم نفسه وبدنه في ذلك أنزل عليه {ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى * ~~الرحمن على العرش استوى} [طه: 2-5]- إلى قوله {الله # PageV03P012 # لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى*} [طه: 8] هذا التوحيد وإظهاره هو كان ~~يومئذ المقصود الأول وذلك قبل إسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمر ~~موفي أربعين من عدد المؤمنين، فلما دخل الإسلام من لا يبعثه الحب ~~والاستراحة على الصلاة بعد عشر أو نحوها فرضت الصلاة فاستوى في فرضها المحب ~~والخائف، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم التطوع على ما كان أصلها، وذلك ~~صبيحة ليلة الإسراء، وأول ms0356 منزل هذا الحرف والله سبحانه وتعالى أعلم في فرض ~~هذا الركن أو من أول منزله قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل وقرآن الفجر} [الإسراء: 78] اختص لهم بها أوقات الرحمة وجنبهم به ~~أوقات الفتنة ومنه جميع آي إقامة الصلاة وإتمامها. # الركن الآخر الصوم وهو إذلال النفس لله سبحانه وتعالى بإمساكها عن كل ما ~~تشوف إليه من خاص أمرها نهارا للمقتصر ودواما للمعتكف، وهو صلة بين العبد ~~وبين نفسه ووصل لشتاته في ذاته، وأول ما أنزل هذا الركن من هذا الحرف ~~بالمدينة بعد مدة من الهجرة وأول منزله {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] وإنما فرض والله سبحانه ~~وتعالى أعلم بالمدينة لأنهم لما آمنوا من # PageV03P013 # عداوة الأمثال والأغيار وعام الفتنة بالمدينة عادت الفتنة خاصة في الأنفس ~~بالتبسط في الشهوات وذلك لا يليق بالمؤمنين المؤثرين للدين على الدنيا، ثم ~~أنزل الله سبحانه وتعالى إتمامه بقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن} [البقرة: 185] إلى ما يختص من الآي بأحكام الصيام. الركن الآخر ~~الزكاة وهو كسر نفس الغني بما يؤخذ بأخذه منه من حق أصنافها إظهارا لأن ~~المشتغلين بالدين آثر عند الله سبحانه وتعالى من المقيمين على الأموال ~~وليميز بها الذين آمنوا من المنافقين لتمكنهم من الرياء في العمود ~~والركنين، ولم يشهد الله سبحانه وتعالى بالنفاق جهرا أعظم من شهادته على ~~مانع الزكاة، ومن منع زكاة المال عن الخلق كان كمن امتنع عن زكاة قواه ~~بالصلاة من الحق، فلذلك لا صلاة لمن لا زكاة له، وكما كانت الزكاة حبا قبل ~~فرضها كذلك كان الإنفاق لما زاد على الفضل عزما مشهورا عندهم لا يعرفون ~~غيره ولا يشعرون في الإسلام بسواه، فلما شمل الإسلام أخلاط وشحت النفوس ~~فرضت الزكاة وعين أصنافها، وذلك بالمدينة حين اتسعت أموالهم وكثر خير الله ~~عندهم وحي عم نفاق قوم بها أنفة # PageV03P014 # من حط رئاستهم بتذلل الإسلام لله والنصفة بخلق الله وتبين فيها الخطاب ~~مرة لأرباب الأموال بقوله تعالى: {وآتوا الزكاة} ms0357 [البقرة: 43] لتكون لهم ~~قربة إذا آتوها سماحا ومرة للقائم بالأمر بقوله تعالى: {خذ من أموالهم ~~صدقة} [التوبة: 103] حين يؤنس من نفوسهم شح وشدد الله سبحانه وتعالى فيها ~~الوعيد في القرآن جبرا لضعف أصنافها ونسق لذلك جميع ما أنزل في بيان ~~النفقات والصدقات بدارا عن حب أو ائتمارا عن خوف. الركن الآخر الحج وهو حشر ~~الخلق من أقطار الأرض للوقوف بين يدي ربهم في خاتم منيتهم ومشارفة وفاتهم ~~ليكون لهم أمنة من حشر ما بعد مماتهم، فكمل به بناء الدين وذلك في أواخر ~~سني الهجرة ومن آخر المنزل بالمدينة، وأول خطابه {ولله على الناس حج البيت} ~~[آل عمران: 97] بتنبيهه على أذان إبراهيم عليه الصلاة والسلام {وأذن في ~~الناس بالحج يأتوك رجالا} [الحج: 27] إلى ما أنزل في أمر الحج وأحكامه ~~الحظيرة الحائط وهي الجهاد، ولم تزل مصاحبة الأركان كلها إما مع ضعف كما ~~بمكة أو مع قوة كما في المدينة، ومن أول تصريح منزله # {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] إلى قوله {وقاتلوا المشركين ~~كافة # PageV03P015 # كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} ~~[التوبة: 123] إلى قوله: {جاهد الكفار والمنافقين} [التوبة: 73] إلى انتهاء ~~قتال أهل الكتاب في قوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر} [التوبة: 29] الآية إلى تمام المنزل في شأنه في قوله تعالى ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] وهذا تمام ~~حرف الأمر؛ ولكل في ذلك الظاهر في الإسلام موقع حدوده في الإيمان وموقع في ~~الإحسان لدى ثلاثتها الذي هو كمال الدين كله، ذلك من تنزل القرآن من بين ~~إفصاح وإفهام في هذا الحرف، وهو وفاء الدين والتعبد لله رب العالمين. ثم ~~قال فيما به تحصل قراءة حرف الأمر: اعلم أن الوفاء بقراءة حرف النهي تماما ~~يفرغ لقراءة حرف الأمر، لأن المقتنع في معاش الدنيا يتيسر له التوسع في عمل ~~الأخرى، والمتوسع في متاع الدنيا لا يمكنه التوسع في عمل الأخرى لما بينهما ~~من التضار والتضاد، والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من ms0358 جهة القلب ~~فالتوحيد والإخلاص، وأعم ذلك البراءة من الشرك العظيم لئلا يتخذ مع الله # PageV03P016 # إلها آخر، لأن المشرك في الإلهية لا تصح منه المعاملة بالعبادة {مثل ~~الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما ~~كسبوا على شيء} [إبراهيم: 18] وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الجلي ~~بأن لا يرى لله سبحانه وتعالى شريكا في شيء من أسمائه الظاهرة، لأن المشرك ~~في سائر أسمائه الظاهرة لا يصح له القبول، والذي يحلف به عبد الله بن عمر ~~رضي الله تعالى عنه: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى ~~يؤمن بالقدر، ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص كإخلاص المنفق بأن ~~الإنعام من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المنفق، وكإخلاص المجاهد بأن ~~النصر من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المجاهد {وما النصر إلا من عند ~~الله} [آل عمران: 126 والأنفال: 10] وكذلك سائر الأعمال يخصها الإخلاص في ~~اسم من الأسماء يكون أملك بذلك العمل، وأما من جهة أحوال النفس فأولها ~~وأساسها طمأنينة النفس بربها في قوامها من غير طمأنينة لشيء سواه، فمتى ~~اطمأنت النفس بما تقدر عليه وما لها من منة أو بما تملكه من مملوك أو بما ~~تستند إليه من غير ردت جميع عباداتها لما اطمأنت إليه وكتب اسمها على وجهه ~~وكانت أمته لا أمة ربها وكان # PageV03P017 # المرء عبده لا عبد ربه «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة» وهذا ~~هو الذي أحبط عمل العاملين من حيث لا يشعرون، وأما من جهة ما يخص كل واحد ~~من الأوامر في أحوال النفس فما يناسبه من أحوالها وأخلاقها كاجتماعها في ~~الصلاة بأن لا تصغي لوسواس الشيطان وأن لا تتحدث في تسويلها، وكسماحها ~~وسخائها في الإنفاق وإيتاء الزكاة، وكصبرها في الصوم والصوم الصبر كله، ~~ويصحبها كل ذلك في الحج مع زيادة اليقين، ويصحبها الجميع في الجهاد مع ~~غريزة الشجاعة، هذا من جهة حال النفس وأما من جهة العمل وأحوال الجوارح فإن ~~أدب الناطق ms0359 بكلمة الشهادة أن يجمع حواسه إلى قلبه ويحضر في قلبه كل جارحة ~~فيه وينطق بلسانه عن جميع ذاته أحوال نفس وجوارح بدن حتى يأخذ كل عضو منه ~~وكل جارحة فيه وكل حال لنفسه قسطه منها كما أشار إليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واعلم أن بذلك # «تتحات عنه الذنوب كما يتحات الورق عن الشجر» فلم يقرأ تهليل القرآن من ~~لم يكن ذلك حاله فيه وكذلك في تشهد الأذان، وبذلك يهدم التهليل سيئاته في ~~الإسلام كما هدم من المخلص به جرائم الكفران، «سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجلا # PageV03P018 # يؤذن فلما قال: الله أكبر الله أكبر، قال: على الفطرة، فلما قال: لا إله ~~إلا الله، قال: خرجت من النار» وأما أدب الصلاة فخشوع الجوارح والهدو في ~~الأركان وإتمام كل ركن بأذكاره المخصوصة به وجمع الحواس إلى القلب كحاله في ~~الشهادة حتى لا يحقق مدرك حاسة غفلة، وأما أدب الإنفاق فحسن المناولة، كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يناول السائل بيده ولا يكله إلى غيره الإسرار أتم ~~{وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271] وينفق من كل شيء ~~بحسب ما رزقه مياومة أو مشاهرة أو مسانهة {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: ~~3] وأما أدب الصوم فالسحور مؤخرا والفطر معجلا، وصوم الأعضاء كلها عن العدل ~~فأحرى عن الجور وترك العناية بما يفطر عليه إلى ما بعد الزوال والأخذ فيه ~~لشهوة العيال؛ وأما أدب الحج فاستطابة الزاد والاعتماد على ما بيد الله لا ~~على حاصل ما بيد العبد، وهو تزود التقوى والرفع مع الرفيق والرفق بالظهر ~~وتحسين الأخلاق والإنفاق في الهدي وهو الثج والإعلان بالتلبية وهو العج، ~~وتتبع أركانه على ما تقتضيه أحكامه وإقامة شعائره على معلوم السنة لا على ~~معهود # PageV03P019 # العادة، وأما أدب الجهاد فاستطابة الزاد وإصلاح العدة ومياسرة الخلطاء ~~وحسن القيام على الخيل وتطييب علفها تصفية وورعا وتناوله بيده «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتناول علف فرسه بيده ويمسحه بردائه» والتزام ما ~~يجد معه المنة من أن يكون فارسا أو ms0360 راجلا أو رامحا أو نابلا، من تكلف غير ~~ما يجد منته فقد ضيع الحق وعمل بالتكليف، والصمت عند اللقاء وغض البصر عن ~~النظر إلى الأعداء، وقال صلى الله عليه وسلم «إذا أكثبوكم فارموهم ولا ~~تسلوا السيوف حتى يغشوكم» ، وكف اليد عما للغير فيه حق وهو الغلول، وأن لا ~~يدعوا للبراز وأن يجيب إذا دعي وقال صلى الله عليه وسلم: # «يقول الله عز وجل: عبدي كل عبدي الذي يذكر الله وهو ملاق قرنه» ولكل أمر ~~وتلبس بمأمور أدب يخصه على ما يستقرأ من السنن النبوية وآثار الخلفاء ~~وصالحي الأمراء # PageV03P020 # فبهذه الأمور من إخلاص القلب وطيب النفس وأدب الجوارح، فيصح قراءة حرف ~~الأمر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم - انتهى. # ولما تقدم أن شرط رفع الإثم عن المضطر ترك العدوان وكان العدوان في ذلك ~~وفي غيره ربما أدى إلى القتل وتلا ذلك بما استتبعه كما تقدم إلى أن ختم ~~بهذه الآية وختمها بمدح الصبر والصدق في دعوى الإيمان والوفاء بالعهد وكل ~~شيء وكان من جملة ما خاف فيه أهل الكتاب العهد أمر سفك الدماء فغيروه كله ~~أو بعضه على ما أشار إليه تعالى بقوله {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون ~~دماءكم} [البقرة: 84] الآيات وكان الصبر على بذل الروح أعظم الصبر وفعله ~~أعظم مصدق في الإيمان والاستسلام للقصاص أشد وفاء بالعهد أخبر المؤمنين بما ~~أوجب عليهم من ذلك وما يتبعه فقال تعالى ملذذا لهم بالإقبال عليهم بالخطاب ~~{يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا الإيمان بألسنتهم، ولما حصل التعديل بها ~~وقع سابقا من التأديب فعلم المخاطبون أن الحكم إنما هو لله بني للمجهول ~~قوله: {كتب عليكم} أي فرض # PageV03P021 # في الكتاب وقد سمعتم إنذاري للذين اختلفوا في الكتاب، والذي عين إرادة ~~الفرض أن الكتب استفاض في الشرع في معناه وأشعر به التعبير بعلى {القصاص} ~~أي المساواة في القتل والجراحات لأنه من القص وهو تتبع الأثر. قال الحرالي: ~~كأنه يتبع بالجاني # PageV03P022 # إثر ما جنى فيتبع إثر عقوبته إثر جنايته - انتهى. {في القتلى} أي في سائر ms0361 ~~أمور القتل فمن قتل بشيء قتل به، ومن قتل على كيفية قتل بمثلها، كان قطع ~~يدا فسرى إلى النفس فتقطعه، فإن سرى وإلا جززنا رقبته لتكون الآية عامة ~~مخصوصة في بعض الصور، ومتى لم يقل بالعموم كانت مجملة والتخصيص أولى من ~~الإجمال، فصدقوا دعواكم الإيمان مما يعمل الأئمة الاستيفاء وغيرهم ~~بالانقياد فيه ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم فآمنوا ~~ببعضه وكفروا ببعضه، وأيضا لما ذكر إيتاء المال على حبه وكان قد ذكر أن ~~البار هو المؤمن بالكتاب وكان من الكتاب بذل الروح المعلوم حبها عقبه به ~~إشارة إلى أن المال عديلها لا يؤتى لأجل # PageV03P023 # الله إلا بمحض الإيمان كما أن الروح لا تبذل إلا بذلك. # ولما كان أهل الكتاب قد بدلوا حكم التوراة في القصاص الذي أشير بآية ~~المائدة إلى أنه كتب عليهم العدل فيه فكان من كان منهم أقوى جعل لقومه في ~~ذلك فضلا فكان بنو النضير كما نقله ابن هشام في السيرة يأخذون في قتلاهم ~~الدية كاملة وبنو قريظة نصف الدية وكان بعضهم كما نقله البغوي في سورة ~~المائدة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقتل النفس بالنفس أشار سبحانه ~~وتعالى إلى مخالفتهم في هذا الجور مبينا للمساواة: {الحر بالحر} ولا يقتل ~~بالعبد لأن ذلك ليس بأولى من الحكم المذكور ولا مساويا بقتل العبد به لأنه ~~أولى ولا بالحكم فهو مفهوم موافقة. # ولما قدم هذا لشرفه تلاه بقوله: {والعبد بالعبد} تعظيما للذكورية، وكذا ~~يقتل بالحر لأنه أولى، ولا يقتل الحر بالعبد لأنه ليس مساويا للحكم ~~{والأنثى بالأنثى} وتقتل # PageV03P024 # الأنثى بالذكر والذكر بها، لأن كل منهما مساو للآخر وفاقا للأصل المؤيد ~~بقوله صلى الله عليه وسلم «النساء شقائق الرجال» احتياطا للدماء التي ~~انتهاكها أكبر الكبائر بعد الشرك، ونقصت الدية النصف إن كانت بدل الدم ~~وفاقا لقوله تعالى {وللرجال عليهن درجة} [البقرة: 228] وتنبيها على انحطاط ~~حرمة الأموال عن حرمة الدماء على أن تصيب مفهوم الآية أنه لا يقتل بالمقتول ~~إلا قاتله، وإذا تأملت قوله {القتلى} دون أن ms0362 يقول: القتل. علمت ذلك. قال ~~الحرالي: لأن أخذ غير الجاني ليس قصاصا بل اعتداء ثانيا ولا ترفع العدوى ~~بالعدوى إنما ترفع العدوى بالقصاص على نحوه وحده - انتهى. وكذا أخذ غير ~~المساوي اعتداء فلا يقتل مسلم # PageV03P025 # بكافر بما أفهمه القصاص، وتقييد الحكم بأهل الإيمان مع قوله سبحانه ~~وتعالى {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} [الحشر: 20] في أمثالها من ~~الآيات. # ولما فتح سبحانه وتعالى لنا باب الرحمة بالقصاص منبها على تبكيت أهل ~~الكتاب وكان ذلك من حكم التوراة لكن على سبيل الحتم وكان العفو على النصارى ~~كذلك أظهر في الفرقان زيادة توسعة بوضع هذا الإصر عنا بالتخيير بينهما. قال ~~الحرالي: نقلا من عقاب الآخرة إلى ابتلاء الدنيا ونقلا من ابتلاء الدنيا في ~~الدم إلى الكفارة بأخذ حظ من المال كما كان في الفداء الأول لذبح إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام من ولده فقال: {فمن عفي له} عن جنايته من العفو وهو ما ~~جاء بغير تكلف ولا كره - انتهى. وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى أن الحكم ~~يتبع العفو من أي عاف كان له العفو في شيء # PageV03P026 # من الحق ولو كان يسيرا وهو معنى قوله: {من أخيه شيء} أي أي شيء كان من ~~العفو بالنزول عن طلب الدم إلى الدية، وفي التعبير بلفظ الأخ كما قال ~~الحرالي تأليف بين الجاني والمجني عليه وأوليائه من حيث {ما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 92] وإن لم يكن خطأ الطبع فهو خطأ القصد من ~~حيث لم يقصد أن يقتل مؤمنا إنما قصد أن يقتل عدوا وشاتما أو عاديا على أهله ~~وماله أو ولده. # فإذا انكشف حجاب الطبع عاد إلى أخوة الإيمان {فاتباع} أي فالأمر في ذلك ~~اتباع من ولي الدم {بالمعروف} فيه توطين النفس على كسرها عن حدة ما تجره ~~إليها أحقاد الجنايات، والمعروف ما شهد عيانة لموافقته وبقبول موقعه بين ~~الأنفس فلا يلحقها منه تنكر. # ولما أمر المتبع أمر المؤدي فقال {وأدآء إليه بإحسان} لئلا # PageV03P027 # يجمع بين جنايته أو جناية وليه وسوء قضائه، وفي إعلامه ms0363 إلزام لأولياء ~~الجاني بالتذلل والخضوع والإنصاف لأولياء المقتول بما لهم من السلطان {فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 22] فيراقبون فيهم رحمة الله التي رحمهم بها ~~فلم يأخذ الجاني بجنايته - انتهى. # ولما وسع لنا سبحانه وتعالى بهذا الحكم نبه على علته تعظيما للمنة فقال: ~~{ذلك} أي الأمر العظيم الرفق وهو التخيير بين القصاص والعفو مجانا وعلى ~~الدية {تخفيف} أي عن القتال وأوليائه {من ربكم} المحسن إليكم بهذه الحنيفية ~~السمحة وهذا الحكم الجميل، وجمع الضمير مراعاة كما قال الحرالي للجانبين ~~لأن كل طائفة معرضة لأن تصيب منها الأخرى - انتهى. {ورحمة} لأولياء القتيل ~~بالدية وللآخرين بالعفو عن الدم، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما قال: «كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فمن ~~عفي له من أخيه شيء أي يقبل الدية في العمد ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما ~~كتب على من كان قبلكم فمن # PageV03P028 # اعتدى بعد ذلك قتل بعد قبول الدية» انتهى. وقال أهل التفسير: كتب على ~~اليهود القصاص وحرم عليهم الدية والعفو وعلى النصارى العفو وحرم عليهم ~~الدية ولما كانت هذه منة عظيمة تسبب عنها تهديد من أباها فقال تعالى: {فمن ~~اعتدى} أي بالقتل {بعد ذلك} أي التخيير والعفو ولو كان العافي غيره {فله ~~عذاب أليم *} بقتله أو أخذ الدية منه جزاء على عداوته بقدره وتعديه بما ~~أشعر بإبائه لهذه الرخصة التي حكم بها المالك في عبيده الملك الذي لا تسوغ ~~مخالفته، وفي تسمية جزائه بالعذاب وعدم تخصيصه بإحدى الدارين إعلام بشياعه ~~في كليهما تغليظا عليه. قال الحرالي: وفي الآية دليل على أن القاتل عمدا لا ~~يصير بذلك كافرا، قال الأصبهاني: قال ابن عباس: سمي القاتل في أول الآية ~~مؤمنا وفي وسطها أخا ولم يؤيسه آخرها من التخفيف والرحمة. # PageV03P029 # ولما أخبر سبحانه وتعالى بفائدة العفو أخبر بفائدة مقابله تتميما لتأنيب ~~أهل الكتاب على عدولهم عن النص وعماهم عن الحكمة # PageV03P029 # فقال: {ولكم} أي يا أيها الذين آمنوا {في القصاص} أي هذا الجنس وهو قتل ~~النفس القاتلة ms0364 بالنفس المقتولة من غير مجاوزة ولا عدوان {حياة} أي عظيمة ~~بديعة لأن من علم أنه يقتل لا يقتل. وقال الحرالي: فالحياة لمن سوى الجاني ~~من عشيرته ممن كان يعتدى عليه بجناية غيره في الدنيا، والحياة للجاني بما ~~اقتص منه في الأخرى، لأن من يكفر ذنبه حيي في الآخرة، ومن بقي عليه جناية ~~فأخذ بها فهو في حال ذلك ممن لا يموت فيها ولا يحيى، لأن المعاقب في حال ~~عقوبته لا يجد طعم الحياة لغلبة ألمه ولا هو في الموت لإحساسه بعقوبته - ~~انتهى. وأما مطلق القتل كما كان أهل الجاهلية يقولون: القتل أنفى للقتل ~~وليس كذلك، لأن من علموا أنهم إذا قتلوا اثنين لا يقتل بهما إلا واحد ربما ~~كان ذلك مجريا لهم على القتل ويدخل # PageV03P030 # فيه القتل ابتداء وهو أجلب للقتل لا أنفى له، وقد كانوا مطبقين على ~~استجادة معنى كلمتهم واسترشاق لفظها، ومن المعلوم لكل ذي لب أن بينها وبين ~~ما في القرآن كما بين الله وخلقه فإنها زائدة على عبارة القرآن في الحروف ~~وناقصة في المعنى، فإذا أريد تصحيحها قبل القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما ~~فكثرت الزيادة ولم تصل إلى رشاقة ما في القرآن وعذوبته - والله سبحانه ~~وتعالى الموفق. # ولما كانت هذه العبارة كما ترى معجزة في صحة معناها ودقة # PageV03P031 # إشارته وغزير مفهوماته قال سبحانه وتعالى مرغبا في علو الهمم {يا أولي ~~الألباب} أي العقول التي تنفع أصحابها بخلوصها مما هو كالقشر لأنه جمع لب. ~~قال الحرالي: وهو باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ أمر الله في المشهودات كما ~~شأن ظاهر العقل أن يلحظ الحقائق من المخلوقات، فهم الناظرون إلى ربهم في ~~آياته - انتهى. ثم علل ذلك بقوله: {لعلكم تتقون *} أي الله بالانقياد لما ~~شرع فتتحامون القتل. قال الحرالي: وفي إبهام لعل التي هي من الخلق كما تقدم ~~تردد إعلام بتصنيفهم صنفين بين من يثمر ذلك له تقوى # PageV03P032 # وبين من يحمله ذلك ويزيده في الاعتداء - انتهى. ولما حث سبحانه وتعالى ~~على بذل المال ندبا وإيجابا في حال الصحة ms0365 والشح وتأميل الغنى وخشية الفقر ~~تصديقا للإيمان وأتبعه بذل الروح التي هو عديلها بالقتل الذي هو أحد أسباب ~~الموت أتبع ذلك بذله في حال الإشراف على النقلة والأمن من فقر الدنيا ~~والرجاء لغنى الآخرة استدراكا لما فات من بذله على حبه فقال - وقال ~~الحرالي: لما أظهر سبحانه وتعالى وجوه التزكية في هذه المخاطبات وما ألزمه ~~من الكتاب وعلمه من الحكمة وأظهر استناد ذلك كله إلى تقوى تكون وصفا ثابتا ~~أو استجدادا معالجا حسب ما ختم به آية {ليس البر} من قوله {هم المتقون} وما ~~ختم به آية القصاص في قوله: {لعلكم تتقون} رفع رتبة الخطاب إلى ما هو حق ~~على المتقين حين كان الأول مكتوبا على المترجين لأن يتقوا تربية وتزكية ~~بخطاب يتوسل به إلى خطاب أعلى في التزكية لينتهي في الخطاب من رتبة إلى ~~رتبة إلى أن يستوفي نهايات رتب أسنان القلوب وأحوالها كما تقدمت الإشارة ~~إليه، ولما كان في الخطاب السابق ذكر القتل والقصاص الذي هو # PageV03P033 # حال حضرة الموت انتظم به ذكر الوصية لأنه حال من حضره الموت، انتهى - ~~فقال: {كتب عليكم} أي فرض كما استفاض في الشرع وأكد هنا بعلى، ثم نسخ بآية ~~المواريث وجوبه فبقي جوازه، وبينت السنة أن الإرث والوصية لا يجتمعان، ~~فالنسخ إنما هو في حق القريب الوارث لا مطلقا فقال صلى الله عليه وسلم: # «إن الله سبحانه وتعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» رواه أحمد ~~والأربعة وغيرهم عن عمرو بن خارجة وأبي أمامة رضي الله تعالى عنهما {إذا ~~حضر أحدكم الموت} أي بحضور أسبابه وعلاماته {إن ترك خيرا} أي ما لا ينبغي ~~أن يوصى فيه قليلا كان أو كثيرا، أما إطلاقه على الكثير فكثير، وأطلق على ~~القليل في {إني لما أنزلت إلي من خير فقير} [القصص: 24] ثم ذكر القائم مقام ~~فاعل كتب بعد # PageV03P034 # أن اشتد التشوف إليه فقال: {الوصية} وذكر الفعل الرافع لها لوجود الفاصل ~~إفهاما لقوة طلبه {للوالدين} بدأ بهما لشرفهما وعظم حقهما {والأقربين ~~بالمعروف} أي العدل الذي يتعارفه ms0366 الناس في التسوية والتفضيل. قال الحرالي: ~~وكل ذلك في المحتضر، والمعروف ما تقبله الأنفس ولا تجد منه تكرها - انتهى. ~~وأكد الوجوب بقوله: {حقا} وكذا قوله: {على المتقين *} فهو إلهاب وتهييج ~~وتذكير بما أمامه من القدوم على من يسأله على النقير والقطمير. # PageV03P035 # ولما تسبب عن كونه فعل ما دعت إليه التقوى من العدل وجوب العمل به قال: ~~{فمن بدله} أي الإيصاء الواقع على الوجه المشروع أو الموصى به بأن غير عينه ~~إن كان عينيا أو نقصه إن كان مثليا. وقال الحرالي: لما ولي المتقين إيصال ~~متروكهم إلى والديهم وقراباتهم فأمضوه بالمعروف تولى عنهم التهديد لمن بدل ~~عليهم، وفي إفهامه أن الفرائض إنما أنزلت عن تقصير وقع في حق الوصية فكأنه ~~لو بقي على ذلك لكان كل المال حظا للمتوفى، فلما فرضت الفرائض اختزل من ~~يديه الثلثان وبقي الثلث على الحكم الأول، وبين أن الفرض عين الوصية فلا ~~وصية لوارث لأن الفرض بدلها - انتهى. # {بعد ما سمعه} أي علمه علما لا شك فيه، أما إذا لم يتحقق فاجتهد فلا إثم، ~~وأكد التحذير من تغيير المغير وسكوت الباقين عليه بقوله: {فإنمآ إثمه} أي ~~التبديل {على الذين يبدلونه} بالفعل أو التقدير لا يلحق الموصى منه شيء. ~~ولما كان للموصي والمبدل أقوال وأفعال # PageV03P036 # ونيات حذر بقوله: {إن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {سميع} أي لما ~~يقوله كل منهما {عليم *} بسره وعلنه في ذلك، فليحذر من عمل السوء وإن أظهر ~~غيره ومن دعاء المظلوم فإن الله يجيبه. # ولما كان التحذير من التبديل إنما هو في عمل العدل وكان الموصي ربما جار ~~في وصيته لجهل أو غرض تسبب عنه قوله: {فمن خاف} أي علم وتوقع وظن، أطلقه ~~عليه لأنه من أسبابه، ولعله عبر بذلك إشارة إلى أنه يقنع فيه بالظن {من موص ~~جنفا} أي ميلا في الوصية خطأ {أو إثما} أي ميلا فيها عمدا. قال الحرالي: ~~وكان حقيقة معنى الجنف إخفاء حيف في صورة بر - انتهى. # PageV03P037 # {فأصلح بينهم} أي بين الموصي والموصي لهم إن كان ذلك ms0367 قبل موته بأن أشار ~~عليه بما طابت به الخواطر، أو بين الموصي لهم والورثة بعد موته إن خيف من ~~وقوع شر فوفق بينهم على أمر يرضونه. وقال الحرالي: وفي إشعاره بذكر الخوف ~~من الموصي ما يشعر أن ذلك في حال حياة الموصي ليس بعد قرار الوصية على جنف ~~بعد الموت، فإن ذلك لا يعرض له مضمون هذا الخطاب، وفي إيقاع الإصلاح على ~~لفظة «بين» إشعار بأن الإصلاح نائل البين الذي هو وصل ما بينهم فيكون من ~~معنى ما يقوله النحاة مفعول على السعة حيث لم يكن فأصلح بينه وبينهم - ~~انتهى. {فلا إثم عليه} أي بهذا التبديل. ولما كان المجتهد قد يخطىء فلو ~~أوخذ بخطئه أحجم عن الاجتهاد جزاه الله سبحانه عليه بتعليل رفع الإثم بقوله ~~إعلاما بتعميم الحكم في كل مجتهد: {إن الله} أي المختص بإحاطة العلم # PageV03P038 # {غفور} أي لمن قصد خيرا فأخطأ {رحيم *} أي يفعل به من الإكرام فعل الراحم ~~بالمرحوم. # ولما أباح سبحانه الأكل مما خلقه دليلا على الوحدانية والرحمة العامة ~~والخاصة وكان من طبع الإنسان الاستئثار وكان الاستئثار جارا إلى الفتن، ~~وأتبعه حكم المضطر وأشار إلى زجره عن العدوان بتقييده عنه في حال التلف ~~فكان في ذلك زجر لغيره بطريق الأولى، وأولاه الندب إلى التخلي عما دخل في ~~اليد من متاع الدنيا للأصناف الستة ومن لافهم، ثم الإيجاب بالزكاة تزهيدا ~~في زهرة الحياة الدنيا ليجتث العدوان من أصله، وقفي ذلك بحكم من قد يعدو، ~~ثم بما تبعه من التخلي عن المال في حضرة الموت فتدربت النفس في الزهد بما ~~هو معقول المعنى بادىء بدء من التخلي عنه لمن ينتفع به أتبعه الأمر # PageV03P039 # بالتخلي عنه لا لمحتاج إليه بل لله الذي أوجده لمجرد تزكية النفس ~~وتطهيرها لتهيئها لما يقتضيه عليها صفة الصمدية من الحكمة، هذا مع ما ~~للقصاص والوصية من المناسبة للصوم من حيث إن في القصاص قتل النفس حسا وفي ~~الصوم قتل الشهوة السبب للوطء السبب لإيجاد النفس حسا وفيه حياة الأجساد ~~معنى وفي الصوم حياة الأرواح ms0368 بطهارة القلوب وفراغها للتفكر وتهيئها لإفاضة ~~الحكمة والخشية الداعية إلى التقوى وإماتة الشهوة وشهره شهر الصبر المستعان ~~به على الشكر، وفيه تذكير بالضر الحاث على الإحسان إلى المضرور وهو مدعاة ~~إلى التخلي من الدنيا والتحلي بأوصاف الملائكة ولذلك نزل فيه القرآن ~~المتلقى من الملك، فهو أنسب شيء لآية الوصية المأمور بها المتقون بالتخلي ~~من الدنيا عند مقاربة الاجتماع بالملائكة، وختمها بالمغفرة والرحمة إشارة ~~إلى الصائم من أقرب الناس إليهما فقال # PageV03P040 # تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} فخاطب بما يتوجه بادىء بدء إلى أدنى ~~الطبقات التي التزمت أمر الدين لأنه لم يكن لهم باعث حب وشوق يبعثهم على ~~فعله من غير فرض بخلاف ما فوقهم من رتبة المؤمنين والمحسنين فإنهم كانوا ~~يفعلون معالم الإسلام من غير إلزام فكانوا يصومون على قدر ما يجدون من ~~الروح فيه - قاله الحرالي، وقال: فلذلك لم ينادوا في القرآن نداء بعد ولا ~~ذكروا إلا ممدوحين، والذين ينادون في القرآن هم الناس الذين انتبهوا لما ~~أشار به بعضهم على بعض والذين آمنوا بما هم في محل الائتمار متقاصرين عن ~~البدار، فلذلك كل نداء في القرآن متوجه إلى هذين الصنفين إلا ما توجه ~~للإنسان بوصف # PageV03P041 # ذم في قليل من الآي - انتهى. # {كتب} أي فرض بما استفاض في لسان الشرع وتأيد بأداة الاستعلاء {عليكم ~~الصيام} وهو الإمساك عن المفطر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بالنية وقال ~~الحرالي: فرض لما فيه من التهيؤ لعلم الحكمة وعلم ما لم تكونوا تعلمون وهو ~~الثبات على تماسك عما من شأن الشيء أن يتصرف فيه ويكون شأنه كالشمس في وسط ~~السماء، يقال: صامت - إذا لم يظهر لها حركة لصعود ولا لنزول التي هي من ~~شأنها، وصامت الخيل - إذا لم تكن مركوضة ولا مركوبة، فتماسك المرء عما شأنه ~~فعله من # PageV03P042 # حفظ بدنه بالتغذي وحفظ نسله بالنكاح وخوضه في زور القول وسوء الفعل هو ~~صومه، وفي الصوم خلاء من الطعام وانصراف عن حال الأنعام وانقطاع شهوات ~~الفرج، وتمامه الإعراض عن أشغال الدنيا والتوجه إلى الله والعكوف ms0369 في بيته ~~ليحصل بذلك نبوع الحكمة من القلب، وجعل كتبا حتى لا يتقاصر عنه من كتب عليه ~~إلا انشرم دينه كما ينشرم خرم القربة المكتوب فيها - انتهى. # {كما كتب} أي فرض، فالتشبيه في مطلق الفرض {على الذين} وكأنه أريد أهل ~~الكتابين فقط وأثبت الحال فقال: {من قبلكم} فيه إشعار # PageV03P043 # بأنه مما نقضوا فيه العهد فكتموه حرصا على ضلال العرب، ولما كان في ~~التأسي إعلاء للهمة القاصرة وإسعار وإغلاء للقلوب الفاترة لأن الشيء الشاق ~~إذا عم سهل تحمله قال: {لعلكم تتقون *} أي تجعلون بينكم وبين إسخاط الله ~~وقاية بالمسارعة إليه والمواظبة عليه رجاء لرضى ربكم وخوفا ممن سبق من ~~قبلكم، لتكون التقوى لكم صفة راسخة فتكونوا ممن جعلت الكتاب هدى لهم، فإن ~~الصوم يكسر الشهوة فيقمع الهوى فيروع عن موافقة السوء. قال الحرالي: وفي ~~إشعاره تصنيف المأخوذين بذلك صنفين: من يثمر له صومه على وجه الشدة تقوى، ~~ومن لا يثمر له ذلك. # PageV03P044 # ولما كان لهذه الأمة جمع لما في الكتب والصحف كانت مبادىء أحكامها على ~~حكم الأحكام المتقدمة فكما وجهوا وجهة أهل الكتاب ابتداء ثم لهم بالوجهة ~~إلى الكعبة انتهاء كذلك صوموا صوم أهل الكتاب {أياما معدودات} أي قلائل ~~مقدرة بعدد معلوم ابتداء ثم رقوا إلى صوم دائرة الشهر وحدة قدر انتهاء، ~~وذلك أنه لما كان من قبلهم أهل حساب لما فيه حصول أمر الدنيا فكانت أعوامهم ~~شمسية كان صومهم عدد أيام لا وحدة شهر، وفي إعلامه إلزام بتجديد النية لكل ~~يوم حيث هي أيام معدودة، وفي إفهامه منع من تمادي الصوم في زمن الليل الذي ~~هو معنى الوصال الذي يشعر صحته رفع رتبة الصوم إلى صوم الشهر الذي هو دورة ~~القمر يقنع # PageV03P045 # الفطر في ليلة رخصة للضعيف لا عزما على الصائم، وكان فيه من الكلفة ما في ~~صوم أهل الكتاب من حيث لم يكن فيه أكل ولا نكاح بعد نوم، فكان فيه كلفة ما ~~في الكتب لينال رأس هذه الأمة وأوائلها حظا من منال أوائل الأمم ثم يرقيها ~~الله إلى ms0370 حكم ما يخصها فتكون مرباة تجد طعم اليسر بعد العسر - انتهى وفيه ~~تصرف. ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه تحريم الوصال، قالوا: يا رسول ~~الله! إنك تواصل! قال: «إني لست كهيئتكم» وقال: «من كان مواصلا فليواصل إلى ~~السحر» قال الحرالي: فأنبأ بتمادي الصوم إلى السحر لتنتقل وجبة الفطر التي ~~توافق حال أهل الكتاب إلى وجبة السحر التي هي خصوص أهل الفرقان - انتهى. ~~وفي مواصلة النبي صلى الله عليه وسلم بهم لما أبوا إلا الوصال أياما ما ~~يشهد لمن أباح ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي: وفي تأسيسه على ~~العدد ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي هو الهلال كما سيأتي التصريح ~~به، فصار # PageV03P046 # لهم العدد في الصوم بمنزلة التيمم في الطهور يرجعون إليه عند ضرورة فقد ~~إهلال الرؤية كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء. # ولما كان للمريض حاجة للدواء والغذاء بحسب تداعي جسمه رفع عنه الكتب ~~فتسبب عما مضى قوله سبحانه وتعالى: {فمن كان منكم مريضا} أي مرضا يضره ~~عاجلا أو يزيد في علته آجلا. قال الحرالي: فبقي على حكم التحمل بيقين مما ~~يغذو المؤمن ويسقيه من غيب بركة الله سبحانه وتعالى، كما قال عليه الصلاة ~~والسلام: «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» فللمؤمن غذاء في صومه من بركة ربه ~~بحكم يقينه فيما لا يصل إليه من لم يصل إلى محله، فعلى قدر ما تستمد بواطن ~~الناس من ظواهرهم يستمد ظاهر الموقن من باطنه حتى يقوى في أعضائه بمدد نور ~~باطنه كما ظهر ذلك في أهل الولاية والديانة، فكان فطر المريض رخصة لموضع ~~تداويه واغتذائه. # ولما كان المرض وصفا جاء بلفظ الوصف ولما كان السفر وهو إزالة الكن عن ~~الرأس تمام دورة يوم وليلة بالمسير عنه بحيث لا يتمكن من عوده لمأواه في ~~مدار يومه وليلته نسبة بين جسمانيين جاء # PageV03P047 # بحرف الإضافة مفصولا فقال: {أو على سفر} لما يحتاج إليه المسافر من ~~اغتذاء لوفور نهضته في عمله في سفره وأن وقت اغتذائه بحسب البقاع لا بحسب ~~الاختيار إذ المسافر ms0371 ومتاعه على قلب إلا ما وقى الله «السفر قطعة من ~~العذاب» وذلك لئلا يجتمع على العبد كلفتان فيتضاعف عليه المشقة دينا ودنيا ~~فإذا خف عنه الأمر من وجه طبيعي أخذ بالحكم من وجه آخر ديني {فعدة} نظمه ~~يشعر أن المكتوب عدة {من أيام} أي متتابعة أو متفرقة {أخر} لانتظام مقاطع ~~الكلام بعضها ببعض رؤوسا وأطرافا، ففي إفهامه أن مكتوب المريض والمسافر غير ~~مكتوب الصحيح والمقيم، فبذلك لا يحتاج إلى تقدير: فأفطر، لأن المقصد معنى ~~الكتب ويبقى ما دون الكتب # PageV03P048 # على حكم تحمله، فكأنه يقال للمريض والمسافر: مكتوبك أياما أخر لا هذه ~~الأيام، فتبقى هذه الأيام خلية عن حكم الكتب لا خلية عن تشريع الصوم. # ولما كانوا قوما لم يتعودوا الصوم وكانت عناية الله محيطة بهم تشريفا ~~لرسولهم صلى الله عليه وسلم قال مخيرا في أول الأمر: {وعلى الذين يطيقونه} ~~أي الصوم، من الطوق وهو ما يوضع في العنق حلية، فيكون ما يستطيعه من ~~الأفعال طوقا له في المعنى {فدية طعام} بالإضافة أو الفصل {مسكين} بالإفراد ~~إرجاعا إلى اليوم الواحد، وبالجمع إرجاعا إلى مجموع الأيام لكل يوم طعام ~~واحد، وهو مد وحفنتان بالكفين هما قوت الحافن غداء وعشاء كفافا لا إقتارا ~~ولا إسرافا، في جملته توسعة أمر الصوم على من لا يستطيعه ممن هو لغلبة # PageV03P049 # حاجة طبعه إلى الغذاء بمنزلة المريض والمسافر فهو ممراض بالنهمة كأنها ~~حال مرض جبل عليه الطبع، فكان في النظر إليه توفية رحمة النظر إلى المريض ~~والمسافر إلا ما بين رتبتي الصنفين من كون هذا مطيقا وذينك غير مطيق أو غير ~~متمكن، وفي إعلامه بيان أن من لم يقدر على التماسك عن غذائه فحقه أن يغذو ~~غيره ليقوم بذل الطعام عوضا عن التماسك عن الطعام لمناسبة ما بين المعنيين ~~لذلك؛ ولم يذكر هنا مع الطعام عتق ولا صوم {فمن تطوع خيرا} أي فزاد في ~~الفدية {فهو خير له} لأنه فعل ما يدل على حبه لربه. # ولما ساق سبحانه وتعالى الإفطار عند الإطاقة والفدية واجبها ومندوبها ~~مساق الغيبة ms0372 وترك ذكر الفطر وإن دل السياق عليه # PageV03P050 # إشارة إلى خساسته تنفيرا عنه جعل أهل الصوم محل حضرة الخطاب إيذانا بما ~~له من الشرف على ذلك كله ترغيبا فيه وحضا عليه فقال: {وأن تصوموا} أيها ~~المطيقون {خير لكم} من الفدية وإن زادت، قال الحرالي: ففيه إشعار بأن ~~الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في ~~الآخرة، كما أشار إليه الحديث القدسي: «وكل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه ~~لي» وذلك لأنه لما كانت الأعمال أفعالا وإنفاقا وسيرا وأحوالا مما شأن ~~العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه وكان من شأنه كانت له، ولما كان ~~الصوم ليس من شأنه لم يكن له، فالصلاة مثلا أفعال وأقوال وذلك من شأن المرء ~~والزكاة إنفاق وذلك من شأنه، والحج ضرب في الأرض وذلك من شأنه وليس من شأنه ~~أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا ينتصف ممن يعتدي عليه فإن امرؤ شاتمه أو ~~قاتله فليقل: إني صائم، فليس جملة مقاصد الصوم من شأنه وحقيقته إذبال جسمه ~~وإضعاف # PageV03P051 # نفسه وإماتته، ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ لينال بالصوم من قتل نفسه ~~بوجه ما ما جرى على يده خطأ من القتل، فكان في الصوم تنقص ذات الصائم فلذلك ~~قال تعالى: «فإنه لي» حين لم يكن من جنس عمل الآدمي، قال سبحانه وتعالى: ~~«وأنا أجزي به» ففي إشارته أن جزاءه من غيب الله مما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر، كل ذلك في مضمون قوله {إن كنتم تعلمون *} انتهى. ~~وجوابه والله سبحانه وتعالى أعلم: صمتم وتطوعتم، فإنهم إن لم يعلموا أنه ~~خير لهم لم يفعلوا فلم يكن خيرا لهم. قال الحرالي: كان خيرا حيث لم يكن بين ~~جمع الصوم والإطعام تعاند بل تعاضد لما يشعر به لفظ الخير - انتهى. روى ~~البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير ومسلم وأبو داود والترمذي # PageV03P052 # والنسائي عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت {وعلى ~~الذين ms0373 يطيقونه} الآية كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي ~~بعدها فنسختها وفي رواية: حتى نزلت هذه الآية {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~[البقرة: 185] وللبخاري عن ابن عمر عن أصحاب محمد رضي الله تعالى عنهم ~~قالوا: أنزل {شهر رمضان} فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ~~من يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها {وأن تصوموا خير لكم} فأمروا بالصوم. # PageV03P053 # ولما أبهم الأمر أولا في الأيام وجعله واجبا مخيرا على المطيق عين هنا ~~وبت الأمر فيه بقوله تعالى: {شهر رمضان} # PageV03P053 # لأن ذلك أضخم وآكد من تعيينه من أول الأمر. قال الحرالي: والشهر هو ~~الهلال الذي شأنه أن يدور دورة من حين أن يهل إلى أن يهل ثانيا سواء كانت ~~عدة أيامه تسعا وعشرين أو ثلاثين، كلا العددين في صحة التسمية بالشهر واحد، ~~فهو شائع في فردين متزايدي العدد بكمال العدة كما يأتي أحد الفردين لمسماه ~~رمضان، يقال: هو اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، واشتقاقه من الرمضاء وهو ~~اشتداد حر الحجارة من الهاجرة، كأن هذا الشهر سمي بوقوعه زمن اشتداد الحر ~~بترتيب أن يحسب المحرم من أول # PageV03P054 # فصل الشتاء أي ليكون ابتداء العام أول ابتداء خلق بإحياء الأرض بعد ~~موتها، قال: وبذلك يقع الربيعان في الربيع الأرضي السابق حين تنزل الشمس ~~الحوت والسماوي اللاحق حين تنزل الشمس الحمل، وقال: إنه لما وقع لسابقة هذه ~~الأمة صوم كصوم أهل الكتاب كما وجهوا إلى القبلة أولا بوجه أهل الكتاب ~~تداركه الإرفاع إلى حكم الفرقان المختص بهم، فجعل صومهم القار لهم بالشهر ~~لأنهم أهل شهور ناظرون إلى الأهلة ليسوا بالمستغرقين في حساب الشمس، فجعل ~~صومهم لرؤية الشهر وجعل لهم الشهر يوما واحدا فكأنهم نقلوا من صوم أيام ~~معدودات إلى صوم يوم واحد غير معدود لوحدته، لأنهم أمة أمية {وواعدنا موسى ~~ثلاثين ليلة} [الأعراف: 142] هي ميقات أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~{وأتممناها بعشر} [الأعراف: 142] هي ميقات موسى عليه الصلاة والسلام وأمته ~~ومن بعده من الأمم إلى هذه الأمة - انتهى. ms0374 # ولما كان هذا خطاب إرقاء مدحه سبحانه وتعالى بإنزال الذكر فيه # PageV03P055 # جملة إلى بيت العزة وابتدىء من إنزاله إلى الأرض. قال الحرالي: وأظهر فيه ~~وجه القصد في الصوم وحكمته الغيبية التي لم تجر في الكتب الأول الكتابي ~~فقال: {الذي أنزل فيه القرآن} فأشعر أن في الصوم حسن تلق لمعناه ويسرا ~~لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجد الليل، وهو صيغة مبالغة من ~~القرء وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح - انتهى. وفي مدحه بإنزاله فيه مدح ~~للقرآن به من حيث أشعر أن من أعظم المقاصد بمشروعيته # PageV03P056 # تصفية الفكر لأجل فهم القرآن ليوقف على حقيقة ما أتبع هذا به من أوصافه ~~التي قررت ما افتتحت به السورة من أنه {لا ريب فيه} [البقرة: 2] وأنه {هدى} ~~البقرة: 2] على وجه أعم من ذلك الأول فقال سبحانه وتعالى: {هدى للناس} قال ~~الحرالي: فيه إشعار بأن طائفة الناس يعليهم الصوم أي بالتهيئة للتدبر ~~والفهم وانكسار النفس إلى رتبة الذين آمنوا والمؤمنين ويرقيهم إلى رتبة ~~المحسنين، فهو هدى يغذو فيه فقد الغذاء القلب كما يغذو وجوده الجسم ولذلك ~~أجمع مجربة أعمال الديانة من الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ~~أن مفتاح الهدى إنما هو الجوع وأن المعدة والأعضاء متى أوهنت لله نور الله ~~سبحانه وتعالى القلب وصفى النفس وقوى الجسم ليظهر من أمر الإيمان بقلب ~~العادة جديد عادة هي لأوليائه أجل في القوة والمنة من عادته في الدنيا ~~لعامة خلقه؛ وفي إشارته لمح لما يعان به الصائم من سد أبواب النار # PageV03P057 # وفتح أبواب الجنة وتصفيد الشياطين، كل ذلك بما يضيق من مجاري الشيطان من ~~الدم الذي ينقصه الصوم، فكان فيه مفتاح الخير كله؛ وإذا هدى الناس كان ~~للذين آمنوا أهدى وكان نورا لهم وللمؤمنين أنور، كذلك إلى أعلى رتب ~~الصائمين العاكفين الذاكرين الله كثيرا الذين تماسكوا بالصوم عن كل ما سوى ~~مجالسة الحق بذكره. # وفي قوله: {وبينات} إعلان بذكر ما يجده الصائم من نور قلبه وانكسار نفسه ~~وتهيئة فكره لفهمه ليشهد تلك البينات في نفسه ms0375 وكونها {من الهدى} الأعم ~~الأتم الأكمل الشامل لكافة الخلق {والفرقان} الأكمل، وفي حصول الفرقان عن ~~بركة الصوم والذي هو بيان رتب ما أظهر الحق رتبه على وجهه إشعار بما يؤتاه ~~الصائم من الجمع الذي هو من اسمه الجامع الذي لا يحصل إلا بعد تحقق ~~الفرقان، فإن المبني على التقوى المنولة للصائم في قوله في الكتب الأول ~~لعلكم تتقون} فهو صوم ينبني عليه تقوى ينبني عليها فرقان كما قال تعالى {إن ~~تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] ينتهي إلى جمع يشعر به نقل ~~الصوم من عدد الأيام إلى وحدة الشهر - انتهى. فعلى # PageV03P058 # ما قلته المراد بالهدى الحقيقة، وعلى ما قاله الحرالي هو مجاز علاقته ~~السببية لأن الصوم مهيىء للفهم وموجب للنور، {الهدى} المعرف الوحي أعم من ~~الكتاب والسنة أو أم الكتاب أو غير ذلك، وعلى ما قال الحرالي يصح أن يراد ~~به القرآن الجامع للكتب كلها فيعم الكتب الأول للأيام، والفرقان هو الخاص ~~بالعرب الذي أعرب عن وحدة الشهر. ولما أتم ما في ذكر الشهر من الترغيب إثر ~~التعيين ذكر ما فيه من عزيمة ورخصة فقال: {فمن شهد} أي حضر حضورا تاما ~~برؤية بينة لوجود الصحو من غير غمام أو بإكمال عدة شعبان إن كان غيم ولم ~~يكن مريضا ولا مسافرا. قال الحرالي: وفي # PageV03P059 # شياعه إلزام لمن رأى الهلال وحده بالصوم. وقوله: {منكم} خطاب الناس ومن ~~فوقهم حين كان الصيام معليا لهم {الشهر} هو المشهود على حد ما تقول النحاة ~~مفعول على السعة، لما فيه من حسن الإنباء وإبلاغ المعنى، ويظهر معناه قوله ~~تعالى: {فليصمه} فجعله واقعا على الشهر لا واقعا على معنى: فيه، حيث لم ~~يكن: فليصم فيه؛ وفي إعلامه صحة صوم ليلة ليصير ما كان في الصوم الأول من ~~السعة بين الصوم والفطر للمطيق واقعا هنا بين صوم الليل وفطره لمن رزق ~~القوة بروح من الله تعالى - انتهى. # ولما نسخ بهذا ما مر من التخيير أعاد ما للمريض والمسافر # PageV03P060 # لئلا يظن نسخه فقال: {ومن كان مريضا} أي سواء شهده ms0376 أولا {أو على سفر} أي ~~سواء كان مريضا أو صحيحا وهو بين بأن المراد شهوده في بلد الإقامة {فعدة} ~~قال الحرالي: فمرد هذا الخطاب من مضمون أوله فمعناه: فصومه عدة، من حيث لم ~~يذكر في هذا الخطاب الكتب، ليجري مرد كل خطاب على حد مبدئه. وفي قوله: {من ~~أيام أخر} إعلام بأن القضاء لم يجر على وحدة شهر لاختصاص الوحدة بشهر رمضان ~~ونزول قضائه منزلة الصوم الأول، وفي عدده وفي إطلاقه إشعار بصحة وقوعه ~~متتابعا وغير متتابع - انتهى. ولما رخص ذلك علل بقوله: {يريد الله} أي الذي ~~لا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره # PageV03P061 # {بكم اليسر} أي شرع السهولة بالترخيص للمريض والمسافر وبقصر الصوم على ~~شهر {ولا يريد بكم العسر} في جعله عزيمة على الكل وزيادته على شهر. قال ~~الحرالي: اليسر عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم، والعسر ما يجهد النفس ~~ويضر الجسم. وقال: فيه إعلام برفق الله بالأجسام التي يسر عليها بالفطر، ~~وفي باطن هذا الظاهر إشعار لأهل القوة بأن اليسر في صومهم وأن العسر في فطر ~~المفطر، ليجري الظاهر على حكمته في الظهور ويجري الباطن على حكمته في ~~البطون، إذ لكل آية منه ظهر وبطن، فلذلك والله سبحانه وتعالى أعلم «كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصوم في رمضان في السفر ويأمر بالفطر» وكان أهل ~~القوة من العلماء يصومون ولا ينكرون الفطر - انتهى. قال الشعبي: إذا اختلف ~~عليك أمران فإن أيسرهما أقربهما # PageV03P062 # إلى الحق لهذه الآية. # ولما كانت علة التيسير المؤكد بنفي التعسير الإطاقة فكان التقدير: ~~لتطيقوا ما أمركم به ويخف عليكم أمره، عطف عليه قوله: {ولتكملوا} من ~~الإكمال وهو بلوغ الشيء إلى غاية حدوده في قدر أو عد حسا أو معنى {العدة} ~~أي عدة أيام رمضان إلى رؤية الهلال إن رأيتموه وإلى انتهاء ثلاثين التي لا ~~يمكن زيادة الشهر عليها إن غم عليكم بوجود الغمام فلم تشهدوه، فإنه لو ~~كلفكم أكثر منه أو كان إيجابه على كل حال كان جديرا بأن تنقصوا من أيامه ~~إما بالذات ms0377 بأن تنقصوا من عدتها أو بالوصف بأن تأكلوا في أثنائها كما تفعل ~~النصارى، فيؤدي ذلك إلى إعدامها أصلا ورأسا. وقال الحرالي: التقدير: لتوفوا ~~الصوم بالرؤية ولتكملوا إن أغمي عليكم، # PageV03P063 # ففي هذا الخطاب تعادل ذكر الصحو في الابتداء بقوله: {شهد} وذكر الغيم في ~~الانتهاء بالإكمال - انتهى. # وفيه إشارة إلى احتباك، فإن ذكر الشهود أولا يدل على عدمه ثانيا وذكر ~~الإكمال لأجل الغمام ثانيا يدل على الصحو أولا. # ولما كان العظيم إذا يسر أمره كان ذلك أجدر بتعظيمه قال: {ولتكبروا} ~~والتكبير إشراف القدر أو المقدار حسا أو معنى - قاله الحرالي. وقرن به ~~الاسم الأكبر لاقتضاء المقام له فقال: {الله} أي الذي تقف الأفهام خاسئة ~~دون جلاله وتخضع الأعناق لسبوغ جماله لتعتقدوا عظمته بقلوبكم وتذكروها ~~بألسنتكم في العيد وغيره ليكون ذلك أحرى بدوام الخضوع من القلوب. قال ~~الحرالي: وفيه إشارة إلى ما يحصل للصائم بصفاء باطنه من شهود ما يليح له ~~أثر صومه من هلال نوره العلي، فكما كبر في ابتداء الشهر لرؤية الهلال يكبر ~~في انتهائه لرؤية باطنه مرأى من هلال نور ربه، فكان عمل ذلك هو صلاة ضحوة ~~يوم العيد، وأعلن فيها بالتكبير وكرر # PageV03P064 # لذلك، وجعل في براح من متسع الأرض لمقصد التكبير لأن تكبير الله سبحانه ~~وتعالى إنما هو بما جل من مخلوقاته، فكان في لفظه إشعار لما أظهرته السنة ~~من صلاة العيد على اختصاصها بتكبير الركعتين والجهر لمقصد موافقة معنى ~~التكبير الذي إنما يكون علنا - انتهى. ومن أعظم أسراره أنه لما كان العيد ~~محل فرح وسرور وكان من طبع النفس تجاوز الحدود لما جبلت عليه من الشره تارة ~~غفلة وتارة بغيا أمر فيه به ليذهب من غفلتها ويكسر من سورتها، ولما كان ~~للوترية أثر عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد وكان للسبعة منها ~~مدخل عظيم في الشرع جعل تكبير صلاته وترا وجعل سبعا في الأولى لذلك وتذكيرا ~~بأعمال الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار # PageV03P065 # تشويقا إليها لأن النظر إلى العيد الأكبر أكثر وتذكيرا بخالق هذا الوجود ~~بالتفكر في ms0378 أفعاله المعروفة من خلق السماوات السبع والأرضين السبع وما ~~فيهما في الأيام السبع لأنه خلقهما في ستة وخلق آدم في اليوم السابع يوم ~~الجمعة، ولما جرت عادة الشارع بالرفق بهذه الأمة ومنه تخفيف الثانية على ~~الأولى وكانت الخمسة أقرب وترا إلى السبعة من دونها جعل تكبير الثانية خمسا ~~لذلك، ولأنه لما استحضرت عظمة الخالق بإشارة الأولى للعلم بأنه المتفرد ~~بالعظمة والقهر والملك بجميع الأمر فأقبلت القلوب إليه وقصرت الهمم عليه ~~أشير بتكبير الثانية إلى عبادته بالإسلام المبني على الدعائم الخمس وخصوصا ~~بأعظم دعائمه الصلوات الخمس - والله سبحانه وتعالى الموفق. # ولما كانت الهداية تطلق تارة على مجرد البيان وتارة عليه مع الحمل على ~~لزوم المبين وكان تخفيف المأمور به وتسهيله أعون على لزومه قال: {على} أي ~~حامدين له على {ما هداكم} أي يسر لكم من شرائع # PageV03P066 # هذا الدين فهيأكم للزومها ودوام التمسك بعراها، ولعل هذا سر الاهتمام ~~بالصيام من الخاص والعام حتى لا يكاد أحد من المسلمين يخل به إلا نادرا - ~~والله سبحانه وتعالى الموفق. # وقال الحرالي: إن الهداية إشارة إلى تلك الموجدة التي يجدها الصائم وما ~~يشهده الله من بركاته من رؤية ليلة القدر بكشف خاص لأهل الخلوة أو آيات ~~بينة لأهل التبصرة أو بآية بادية لأهل المراقبة كلا على حكم وجده من ~~استغراق تماسكه وخلوته واستغراق ذكره في صومه، فأعظم الهدى هدى المرء لأن ~~يذبل جسمه ونفسه وتفنى ذاته في حق ربه، كما يقول: «يدع طعامه وشرابه من ~~أجلي» فكل عمل فعل وثبت إلا الصوم فإنه محو وفقد، فناسب تحقيق ما هو ~~الإسلام والتقوى من إلقاء منة الظاهر وقوة الباطن - انتهى. # ولما كان الشكر صرف ما أنعمه المنعم في طاعته وكان العمل إذا خف أقرب إلى ~~لزوم الطاعة بلزومه ولو ثقل لأوشك أن يعصي بتركه قال: {ولعلكم تشكرون *} أي ~~ولتكونوا في حالة يرجى # PageV03P067 # معها لزوم الطاعة واجتناب المعصية. وقال الحرالي: فيه تصنيف في الشكر ~~نهاية كما كان فيه تصنيف للتقوى بداية، كما قال: {ولعلكم تتقون} فمن صح له ~~التقوى ms0379 ابتداء صح منه الشكر انتهاء؛ وفي إشعاره إعلام بإظهار نعمة الله ~~وشكر الإحسان الذي هو مضمون فرض زكاة الفطر عن كل صائم وعمن يطعمه الصائم، ~~فكان في الشكر إخراجه فطره بختم صومه واستقبال فطره بأمر ربه وإظهار شكره ~~بما خوله من إطعام عيلته، فلذلك جرت فيمن يصوم وفيمن يعوله الصائم - انتهى. # PageV03P068 # ولما كان دعاء الصائم مجانا وكان هذا الشهر بالخصوص مظنة الإجابة للصيام ~~ولمكان ليلة القدر وكان ذكر كبريائه سبحانه وتعالى مهيئا لعباده للإحساس ~~بالبعد فكان ربما أوقع في وهم أنه على عادة المتكبرين في بعد المسافة عن ~~محال العبيد وأنه إن كان بحيث يسمع لم يكن لأحد منهم أن يسأله إلا بواسطة ~~رفع هذا الوهم بقوله: {وإذا} دالا بالعطف على غير مذكور أن التقدير: فإذا ~~سألك عبادي عني فإني مع علو شأني رقيب على من أطاعني ومن عصاني «وإذا» . ~~وقال الحرالي: لما أثبت الحق سبحانه وتعالى كتاب الصيام لعباده لما أرادهم ~~له من إعلائهم إلى خبء جزائه وأطلعهم على ما شاء في صومهم من ملكوته بحضور ~~ليلة القدر فأنهاهم إلى التكبير على عظيم ما هداهم إليه واستخلفهم في فضله ~~وشكر نعمته بما خولهم من عظيم فضله وأظهر عليهم من رواء بركاته ما يدعو ~~الناظرين لهم # PageV03P069 # إلى سؤالهم عما نالوه من ربهم فيليحون لمن دونهم ما به يليق بهم رتبة ~~رتبة؛ يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يكلم أبا بكر رضي الله تعالى عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجم لا ~~أفهم مما يقولان شيئا» إلى أن ينتهي الأمر إلى أدنى السائلين الذين هم في ~~رتبة حضرة بعد فيبشرون بمطالعة القرب فقال: و {إذا} عطفا على أمور متجاوزة ~~كأنه يقول: إذا خرجت من معتكفك فصليت وظهرت زينة الله التي باهى بها ~~ملائكته ليست زينة الدنيا التي يتمقتها أهل حضرته من ملائكته فإذا سألك من ~~حاله كذا فأنبئه بكذا وإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا وإذا {سألك عبادي ~~عني} أي هل أنا ms0380 على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم ~~فأخبرهم أني لست كذلك. # ولما كان لا يسأل عن الشيء إلا إن كان معظما له متشوقا إلى تعجيل الإخبار ~~به كان الأنسب للمقام والأقر لعيون # PageV03P070 # العباد والأزجر لأهل العناد تقريب الجواب وإخباره سبحانه وتعالى بنفسه ~~الشريفة دون واسطة إشعارا بفرط قربه وحضوره مع كل سائل فقال: {فإني} دون ~~فقل إني، فإنه لو أثبت قل، لأوهم بعدا وليس المقام كذلك، ولكان قوله إني، ~~موهما فيحتاج إلى أن يقال إن الله أو نحوه، ومع ذلك فلا ينفك عن إشكال؛ ~~وإذا كان هذا التلطف بالسائلين فما ظنك بالسالكين السائرين! وقال الأستاذ ~~أبو القاسم القشيري ما معناه: الذين يسألون عن الجبال وعن اليتامى وعن ~~المحيض وعن الأهلة ونحوها يجابون بالواسطة، وأما الذين يسألون عني فإني ~~أرفع الوسائط بيني وبينهم. وقال الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن ميلق ما ~~معناه: إنه سبحانه وتعالى لما كان قد تعرف إلى عباده بأفعاله وآياته وما ~~ركز في العقول من معرفته كان حذف الواسطة في الإخبار عنه أنسب بخلاف الأهلة ~~ونحوها فإن العقول لا تستقل بمعرفتها، فكان الإخبار عنها بواسطة الرسول ~~الذي لا تعرف إلا من جهته أنسب. {قريب} فعيل من القرب وهو مطالعة الشيء حسا ~~أو معنى أي من طلبني بعقله وجدني وعرفني وإنما أرسلت الرسل زيادة في التعرف # PageV03P071 # ورفعا للحرج بسر التلطف، وإسقاط قل، أسرع في التعرف فهو أجدر بتعظيم ~~الواسطة لأن الإسراع في الإجابة أقرب دلالة على صدقه في الرسالة. قال ~~الحرالي: بشر أهل حضرة البعد بالقرب لما رقي أهل القرب إلى الوصول بالقرب ~~فكان المبشر واصلا وكان المتقاصر عن القرب مبشرا به، ومعلوم أن قرب الله ~~وبعد المخلوق منه ليس بعد مسافة ولا قرب مسافة، فالذي يمكن إلاحته من معنى ~~القرب أن من سمع فيما يخاطب به خطاب ربه فهو قريب ممن كان ذلك الخطاب منه، ~~ومن كان إنما يسمع الخطاب ممن واجهه بالخطاب في حسه ومحسوسه فسمعه ممن دون ~~ربه كان بعيدا بحسب تلك ms0381 الواسطة من بعد دون بعد إلى أبعد البعد، ولذلك يعلن ~~للنبي صلى الله عليه وسلم {إنما عليك البلاغ} [الرعد: 40] وكان أن ما يتلوه ~~لأمته # PageV03P072 # إنما هو كلام ربه يتلو لهم كلام ربهم ليسمعوه من ربهم لأمته حتى لا يكون ~~صلى الله عليه وسلم واسطة بين العبد وربه بل يكون يوصل العبد إلى ربه، ~~وللإشارة بهذا المعنى يتلى كلمة قل، في القرآن ليكون إفصاحا لسماع كلام ~~الله سبحانه وتعالى ممن سمع كائنا من كان، وفي إشعاره إهزاز القلوب ~~والأسماع إلى نداء الحج إثر الصوم، لأنه جعل تعالى أول يوم من شهور الحج ~~إثر يوم من أيام الصوم، فكأن منادي الله ينادي يوم الفطر بالحج، ففي خفي ~~إشارته إعلاء نداء إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم أساس أمر الإسلام ~~على حنيفيته وملته، وليكون في هذه الآية الجامعة توطئة لذكر الحج لما تقدم ~~من أن هذه السورة تنتظم جوامعها خلال تفاصيلها انتظاما عجيبا يليح المعنى ~~لأهل الفهم ويفصله لأهل العلم ثم يحكم به على أهل الحكم قال: {أجيب} من ~~الإجابة وهي اللقاء بالقول ابتداء شروع لتمام # PageV03P073 # اللقاء بالمواجهة {دعوة الداع} ففيه إشعار بإجابة الداعي أي للحج عند ~~خاتمة الصوم يعني لما بين العبادتين من تمام المناسبة، فإن حال الصوم ~~التابع لآية الموت في كونه محوا لحال البرزخ وحال الحج في كونه سفرا إلى ~~مكان مخصوص على حال التجرد كحال الحشر؛ قال: وجاء الفطر يعني بعد إكمال ~~الصوم بما يعين على إجابة دعوة الوفادة على الله سبحانه وتعالى إثر الخلوة ~~في بيت الله ليكون انتقالهم من بيت خلوته بالعكوف إلى موقف تجليه في الحج، ~~وفيه تحقيق للداعي من حاله ليس الداعي من أغراضه وشهواته، فإن الله سبحانه ~~وتعالى يجيب دعوة العبد إذا كان فيه رشد وإلا ادخرها له أو كفر بها عنه كما ~~بينه صلى الله عليه وسلم. # PageV03P074 # ولما كان كل خلق داعيا لحاجته وإن لم ينطق بها أشار تعالى إلى مقصد إظهار ~~الدعاء مقالا وابتهالا فقال: {إذا دعان} ليكون حاله صدقا بمطابقة حاله ms0382 ~~مقالا، وفي قراءة الاكتفاء بكسرة {الداع} و {دعان} عن ياءيهما وقراءة ~~تمكينهما توسعة القراءة بما تيسر على قبائل العرب بحسب ما في ألسنة بعضها ~~من التمكين وما في ألسنة بعضها من الحذف {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر} [القمر: 17] وفي إجابته حجة عليهم بأن السيد إذا التزم إجابة عبده ~~كان إجابة العبد لسيده أوجب التزاما لاستغناء السيد وحاجة العبد، فحين كان ~~الغني مجيبا كان أولى بأن يكون المحتاج مستجيبا يعني فلذلك سبب عنه قوله ~~إشارة إلى شرط الإجابة {فليستجيبوا لي} إنباء عما قد دعاهم إليه من قربه ~~وقصد بيته بما جبلهم عليه من حاجتهم # PageV03P075 # إليه، وجاء بصيغة الاستفعال المشعر باستخراج الإجابة مما شأنه الإباء لما ~~في الأنفس من كره فيما تحمل عليه من الوصول إلى بيت لم يكونوا بالغيه إلا ~~بشق الأنفس - انتهى وفيه تصرف. ولما أوجب استجابته سبحانه في كل ما دعا ~~إليه وكانت الاستجابة بالإيمان أول المراتب وأولاها وكانت مراتب الإيمان في ~~قوته وضعفه لا تكاد تتناهى قال مخاطبا لمن آمن وغيره: {وليؤمنوا بي} أي ~~مطلق الإيمان أو حق الإيمان، ثم علل ذلك بقوله: {لعلهم يرشدون *} أي ~~ليكونوا على رجاء من الدوام على إصابة المقاصد والاهتداء إلى طريق الحق. # قال الحرالي: والرشد حسن التصرف في الأمر حسا أو معنى في دين أو دنيا، ~~ومن مقتضى هذه الآية تتفضل جميع أحوال السالكين إلى الله سبحانه وتعالى من ~~توبة التائب من حد بعده إلى سلوك سبيل قربه إلى ما يؤتيه الله من وصول ~~العبد إلى ربه - انتهى. # PageV03P076 # ولما تصوروا لهذه الآية الشريفة قربه وحبه على عظمته وعلوه فتذكروا لذيذ ~~مخاطبته فيما قبل فاشتاقوا إليها وكان قد يسر لهم أمر الصوم كما على جميعهم ~~وكيفا على أهل الضرورة منهم كانوا كأنهم سألوه التيسير على أهل الرفاهية ~~فيما حرم عليهم كما حرم على أهل الكتاب والوطء في شهر الصوم والأكل بعد ~~النوم فقال تحقيقا للإجابة والقرب: {أحل لكم} فأشعر ذلك بأنه كان حراما ~~{ليلة} أي في جميع ليلة {الصيام الرفث} وهو ms0383 ما يواجه به النساء في أمر ~~النكاح، فإذا غير فلا رفث عند العلماء من أهل اللغة، ويدل عليه وصله بحرف ~~الانتهاء بيانا لتضمين الإفضاء أي مفضين {إلى نسائكم} بالجماع قولا وفعلا، ~~وخرج بالإضافة نساء الغير. # PageV03P077 # ولما كان الرفث والوقاع متلازمين غالبا قال مؤكدا لإرادة حقيقة الرفث ~~وبيان السبب في إحلاله: {هن} أي نساؤكم {لباس لكم} تلبسونهن، والمعنى: أبيح ~~ذلك في حالة الملابسة أو صلاحيتها، وهو يفهم أنه لا يباح نهارا - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم؛ ويجوز أن يكون تعليلا لأن اللباس لا غنى عنه والصبر ~~يضعف عنهن حال الملابسة والمخالطة. # ولما كان الصيام عاما للصنفين قال: {وأنتم لباس لهن} يلبسنكم، ثم علل ذلك ~~بقوله مظهرا لعظمة هذه الأمة عنده في إرادته # PageV03P078 # الرفق بها {علم الله} أي المحيط علمه ورحمته وله الإحاطة الكاملة كما قدم ~~من كونه قريبا اللازم منه كونه رقيبا {أنكم كنتم تختانون} أي تفعلون في ~~الخيانة في ذلك من المبادرة إليه فعل الحامل نفسه عليه، والخيانة التفريط ~~في الأمانة، والأمانة ما وضع ليحفظ، روى البخاري في التفسير عن البراء رضي ~~الله تعالى عنه قال: «لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله ~~وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله عز وجل {علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم} » ، روى البخاري والترمذي والنسائي عن البراء أيضا رضي الله تعالى ~~عنه قال: «كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها» وإن صرمة بن قيس ~~الأنصاري رضي الله تعالى عنه - فذكر حديثه في نومه قبل الأكل وأنه # PageV03P079 # غشي عليه قبل انتصاف النهار فنزلت الآية. # ولما كان ضرر ذلك لا يتعداهم قال: {أنفسكم} ، ثم سبب عنه قوله: {فتاب ~~عليكم} . قال الحرالي: ففيه يسر من حيث لم يؤاخذوا بذنب حكم خالف شرعة ~~جبلاتهم فعذرهم بعلمه فيهم ولم يؤاخذهم بكتابه عليهم، وفي التوب رجوع إلى ~~مثل الحال قبل الذنب «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» وكانت هذه الواقعة ~~لرجل من المهاجرين ورجل من الأنصار ليجتمع اليمن في الطائفتين، فإن أيمن ~~الناس على الناس ms0384 من وقع في مخالفة فيسر الله حكمها بوسيلة مخالفته، كما في ~~هذه # PageV03P080 # الآية التي أظهر الله سبحانه وتعالى الرفق فيها بهذه الأمة من حيث شرع ~~لها ما يوافق كيانها وصرف عنها ما علم أنها تختان فيه لما جبلت عليه من ~~خلافه، وكذلك حال الآمر إذا شاء أن يطيعه مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك ~~ودواعيه لفعلها وينهاه عن الأشياء التي لو ترك ودواعيه لاجتنبها، فبذلك ~~يكون حظ حفظ المأمور من المخالفة، وإذا شاء الله تعالى أن يشدد على أمة ~~أمرها بما جبلها على تركه ونهاها عما جبلها على فعله، فتفشوا فيها المخالفة ~~لذلك، وهو من أشد الآصار التي كانت على الأمم فخفف عن هذه الأمة بإجراء ~~شرعتها على ما يوافق خلقتها، فسارع سبحانه وتعالى لهم إلى حظ من هواهم، كما ~~قالت عائشة رضي الله تعالى عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن ربك يسارع ~~إلى هواك» ليكون لهم حظ مما لنبيهم كليته، وكما قال عليه الصلاة والسلام ~~لعلي رضي الله تعالى عنه: # «اللهم! أدر الحق معه حيث دار» كان صلى الله عليه وسلم يأمر الشجاع ~~بالحرب ويكف الجبان عنه، حتى لا تظهر فيمن معه مخالفة إلا عن سوء # PageV03P081 # طبع لا يزعه وازع الرفق، وذلك قصد العلماء الربانيين الذين يجرون المجرب ~~والمدرب على ما هو أليق بحاله وجبلة نفسه وأوفق لخلقه وخلقه، ففيه أعظم ~~اللطف لهذه الأمة من ربها ومن نبيها ومن أئمة زمانها، ومنه قوله عليه ~~الصلاة والسلام: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى سمعت أن فارس والروم ~~يصنعون ذلك فلا يضر ذلك أولادهم شيئا» لتجري الأحكام على ما يوافق الجبلات ~~وطباع الأمم لكونه رسولا إلى الناس كافة على اختلاف طباعهم، وما في السنة ~~والفقه من ذلك فمن مقتبسات هذا الأصل العلي الذي أجرى الله سبحانه وتعالى ~~الحكم فيه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم على وفق ما تستقر فيه أمانتهم ~~وتندفع عنهم خيانتهم. وفي قوله {وعفا عنكم} أي بمحو أثر الذنب إشعار بما ~~كان يستحق ذلك من تطهر ms0385 منه من نحو كفارة وشبهها، ولما كان ما أعلى إليه ~~خطاب # PageV03P082 # الصوم صوم الشهر على حكم وحدته الآتية على ليلة ونهاره إعلاء عن رتبة ~~الكتب الأول التي هي أيام معدودات مفصول ما بين أيامها بلياليها ليجري ~~النهار على حكم العبادة والليل على حكم الطبع والحاجة فكان في هذا الإعلاء ~~إطعام الضعيف مما يطعمه الله ويسقيه لا لأنه منه أخذ بطبع بل بأنه حكم عليه ~~حكم بشرع حين جعل الشرعة على حكم طباعهم، كما قال في الساهي: «إنما أطعمه ~~الله وسقاه» ، وفيه إغناء القوي عن الطعام والشراب كما قال عليه الصلاة ~~والسلام: «إني لست كهيئتكم» ، فكان يواصل، وأذن في الوصال إلى السحر، فكما ~~أطعموا وسقوا شرعة مع تمادي حكم الصوم فكذلك أنكحوا شرعة مع تمادي حكمه، ~~فصار نكاحهم ائتمارا بحكم الله لا إجابة طبع ولا غرض نفس فقال: {فالآن} أي ~~حين أظهر لكم إظهار الشرعة على العلم فيكم وما جبلت عليه طباعكم # PageV03P083 # فسدت عنكم أبواب المخالفة التي فتحت على غيركم {باشروهن} حكما، حتى استحب ~~طائفة من العلماء النكاح للصائم ليلا حيث صار طاعة، وهو من المباشرة وهي ~~التقاء البشرتين عمدا {وابتغوا} أي اطلبوا بجد ورغبة {ما كتب الله} أي الذي ~~له القدرة الكاملة فلا يخرج شيء عن أمره {لكم} أي من الولد أو المحل الحل، ~~وفيه إشعار بأن ما قضي من الولد في ليالي رمضان نائل بركة ذرئه على نكاح ~~أمر به حتى كان بعض علماء الصحابة يفطر على النكاح. # {وكلوا واشربوا} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات، «فإن ~~لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء» وقال: «إن الماء طهور» ، ~~وفي تقديم الأكل إجراء لحكم هذا الشرع على وفق الطبع - انتهى. ولأنه سبب ~~العطش، ودل على وجوب تبييت النية وجواز تأخير الغسل إلى النهار، بقوله ~~{حتى} فإن في جعل # PageV03P084 # تبين الفجر غاية لحل المفطرات إيجابا لمراقبته للكف عنها، وذلك هو حقيقة ~~النية، ومن استمر مباشرا إلى الفجر لم يمكنه الاغتسال ليلا وقال: {يتبين} ms0386 ~~قال الحرالي: بصيغة يتفعل وهو حيث يتكلف الناظر نظره، وكأن الطالع، يتكلف ~~الطلوع، ولم يقل: يبين، لأن ذلك يكون بعد الوضوح - انتهى. وفي قوله: {لكم} ~~بيان لأن الأحكام بحسب الظاهر وأن التكليف بما في الوسع {الخيط الأبيض} قال ~~الأصبهاني: وهو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود. ~~وقال الحرالي: فمد إلى غاية انتهاء الليل وتبين حد النهار بأرق ما يكون من ~~مثل الخيط {من الخيط الأسود} قال الأصبهاني: وهو ما يمتد معه من غبش الليل ~~أي البقية من الليل، # PageV03P085 # وقيل: ظلمة آخر الليل، شبها بخطين أبيض وأسود. وقال الحرالي: ففيه إنهاض ~~لحسن الاستبصار في ملتقى الليل والنهار حتى يؤتى العبد نور حسن بتبين ذلك ~~على دقته ورقته وقد كان أنزل هذا المثل دون بيان ممثوله حتى أخذ أعرابي ~~ينظر إلى خيطين محسوسين فأنزل {من الفجر} يعني فبين الأبيض، فأخرجه بذكر ~~المشبه من الاستعارة إلى التشبيه لأن من شرائطها أن يدل عليها الحالة أو ~~الكلام، وهذه الاستعارة وإن كانت متعارفة عندهم قد نطقت بها شعراؤهم ~~وتفاوضت بها فصحاؤهم وكبراؤهم لم يقتصر عليها، وزيد في البيان لأنها خفيت ~~على بعض الناس منهم عدي بن حاتم رضي الله تعال عنه، فلم تكن الآية مجملة ~~ولا تأخر البيان عن وقت الحاجة، ولو كان الأمر كذلك ما عاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم على عدي رضي الله تعالى عنه عدم فهمها. # وقال الحرالي في كتاب له في أصول الفقه بناء على أنها مجملة: والخطاب ~~بالإجمال # PageV03P086 # ممكن الوقوع وليس يلزم العمل به فالإلزام تكليف ما لا يطاق وإلزام العمل ~~يستلزم البيان وإلا عاد ذلك الممتنع، وتأخير بيان المجمل إلى وقت الإلزام ~~ممكن، لأن في ذلك تناسب حكمة الوحي المنزل بحكمة العالم المكون، فإن ~~الإجمال في القرآن بمنزلة نطق الأكوان والبيان فيه بمنزلة تخطيط الصور وذلك ~~ظاهر عند من زاوله، وحينئذ فلا يقال: خطاب الإجمال عديم الفائدة لأنه يفيد ~~تدريج حكمة التنزيل وتحصيل بركة التلاوة، وفي الاقتصار على بيانه نمط من ~~فصاحة الخطاب العربي ms0387 حيث لم يكن فيه ذكر الممثولين اكتفاء بأحدهما عن ~~الآخر، ففيه تأصيل لأصل البيان من الإفهام حيث لم يقل: من الليل، كما قال: ~~من الفجر، اكتفاء بما في الفهم من الذكر، وفي وقوع المبين إثر غير مثله نمط ~~آخر من فصاحة الخطاب العربي لأن العرب يردون الثالث إلى الأول لا إلى ~~الثاني ليتعلق بالأول في المعنى وينتظم بالثاني في اللفظ فيكون محرز المحل ~~المفهوم راجعا إلى الأول بالمعنى - انتهى. وأوضح دليل على إيجاب التبييت ~~أمره بالإتمام، فإنه لما وقع الشروع فيه فالتقدير: فإذا تبين الفجر الذي ~~أمرتم بمراقبته # PageV03P087 # لكونه غاية لما أحل لكم فصوموا أي أمسكوا عن المفطر {ثم أتموا} ذلك ~~{الصيام إلى الليل} والتعبير بثم إشارة إلى بعد ما بين طرفي الزمان الذي ~~أحل فيه المفطر. وقال الحرالي: فكان صوم النهار إتماما لبدء من صوم ليلة ~~فكأنه في الليل صوم ليس بتام لانثلامه للحس وإن كان في المعنى صوما، ومن ~~معناه رأى بعض العلماء الشروع في الاعتكاف قبل الغروب لوجه مدخل الليل في ~~الصوم التام بالعكوف وإضافة الليل للنهار في حكم صوم ما وهو في النهار تمام ~~بالمعنى والحس، وإنما ألزم بإتمام الصوم نهارا واعتد به ليلا وجرى فيه ~~الأكل والنكاح بالأمر لأن النهار معاش فكان الأكل فيه أكلا في وقت انتشار ~~الخلق وتعاطي بعضهم من بعض فيأنف عنه المرتقب، ولأن الليل سبات ووقت توف ~~وانطماس، فبدأ فيه من أمر الله ما انحجب ظهوره في النهار، كأن المطعم ~~بالليل طاعم من ربه الذي هو وقت تجليه «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» ~~فكأن الطاعم في الليل إنما أطعمه الله وسقاه، فلم يقدح ذلك في معنى صومه # PageV03P088 # وإن ظهر صورة وقوعه في حسه كالناسي بل المأذون له أشرف رتبة من الناسي - ~~انتهى. # ولما كان الصوم شديد الملابسة للمساجد والاعتكاف وكانت المساجد مظنة ~~للاعتكاف وكان سبحانه قد أطلق في صدر الآية الإذن في الوطء في جميع الأماكن ~~والأحوال غير حال الصوم خص من سائر الأحوال الاعتكاف ومن الأماكن المساجد ~~فعقب ms0388 ذلك بأن قال: {ولا تباشروهن} أي في أي مكان كان {وأنتم عاكفون} أي ~~بايتون مقيمون أو معتكفون، ومدار مادة عكف على الحبس أي وأنتم حابسون ~~أنفسكم لله {في المساجد} عن شهواتها بنية العبادة و {في المساجد} ظرف ~~لعاكفون، فتحرم المباشرة في الاعتكاف ولو في غير المسجد، وتقييد الاعتكاف ~~بها لا يفهم صحته في غير مسجد، فإنه إنما ذكر لبيان الواقع وليفهم حرمة ~~الجماع في # PageV03P089 # المساجد، لأنه إذا حرم تعظيما لما هي سبب لحرمته ومصححة له كانت حرمته ~~تعظيما لها لنفسها أولى، أو يقال وهو أحسن: لما كان معنى العكوف مطلق الحبس ~~قيده بالمسجد ليفهم خصوص الاعتكاف الذي هو الحبس عبادة، فصار كأنه قال: ~~وأنتم معتكفون، هذا معنى المبتدأ والخبر وما تعلق به، وكأنه جرد الفعل ~~ليشمل ما إذا كان اللبث في المسجد بغير نية، والحاصل أنه سبحانه وتعالى سوى ~~بين حال الصوم حال الاعتكاف في المنع من الجماع، فإن اجتمعا كان آكد، فإن ~~الاعتكاف من كمال الصوم وذلك على وجه منع من المباشرة في المسجد مطلقا. # قال الحرالي: وإنما كان العاكف في المسجد مكملا لصومه لأن حقيقة الصوم ~~التماسك عن كل ما شأن المرء أن يتصرف فيه من بيعه وشرائه وجميع أغراضه فإذا ~~المعتكف المتماسك عن التصرف كله إلا ما لا بد له من ضرورته والصائم المكمل # PageV03P090 # صيامه والمتصرف الحافظ للسانه الذي لا ينتصف بالحق ممن اعتدى عليه هو ~~المتمم للصيام، ومن نقص عن ذلك فانتصف بالحق ممن اعتدى عليه فليس بمتمم ~~للصيام، فمن أطلق لسانه وأفعاله فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، ~~فإذا حقيقة الصوم هو الصوم لا صورته حتى ثبت معناه للأكل ليلا ونهارا، قال ~~صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر» ~~وقال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صوم الدهر» وكان بعض ~~أهل الوجهة من الصحابة يقول قائلهم: أنا صائم، ثم يرى يأكل من وقته فيقال ~~له في ذلك فيقول: قد صمت ثلاثة أيام ms0389 من هذا الشهر، فأنا صائم في فضل الله ~~مفطر في ضيافة الله، كل ذلك اعتداد من أهل الأحلام والنهى بحقيقة الصوم ~~أكثر من الاعتداد بصورة ظاهرة - انتهى بمعناه. # ولما قدم سبحانه وتعالى ذكر هذه الحرمات ضمن ما قدم في # PageV03P091 # الأحكام أما في المناهي فصريحا وأما في الأوامر فلزوما وتقدم فيها لأن ~~حمله سبحانه وتعالى في الأرض محارمه نبه على تعظيمها وتأكيد تحريمها ~~باستئناف قوله مشيرا بأداة البعد: {تلك} أي الأحكام البديعة النظام العالية ~~المرام {حدود الله} وذكر الاسم الأعظم تأكيدا للتعظيم، وحقيقة الحد الحاجز ~~بين الشيئين المتقابلين ليمنع من دخول أحدهما في الآخر، فأطلق هنا على ~~الحكم تسمية للشيء باسم جزئه بدلالة التضمن وأعاد الضمير على مفهومه ~~المطابق استخداما فقال: {فلا تقربوها} معبرا بالقربان، لأنه في سياق الصوم ~~والورع به أليق، لأن موضوعه فطام النفس عن الشهوات فهو نهي عن الشبهات من ~~باب «من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» فيدخل فيه مقدمات الجماع فالورع ~~تركها. # ولما علا هذا البيان إلى حد لا يدركه حق إدراكه الإنسان كان كأنه قال ~~دهشا: هل يحصل بيان مثله لشيء غير هذا؟ فقيل بيانا للواقع وتشويقا إلى ~~التلاوة وحثا على تدبر الكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه: {كذلك} أي مثل هذا ~~البيان العلي الشأن {يبين الله} لما # PageV03P092 # له من العظمة التي لا تحصر بحد ولا تبلغ بعد {آياته} التي يحق لعظمتها أن ~~تضاف إليه وقال: {للناس} إشارة إلى العموم دلالة على تمام قدرته بشمول علمه ~~إلى أن يصل البيان إلى حد لا يحصل فيه تفاوت في أصل الفهم بين غبي وذكي، ~~وعلل ذلك بقوله: {لعلهم يتقون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى منه خوف الله ~~تعالى لما علموا من هذا البيان من عظمته، وأشعر هذا الإبهام أن فيهم من لا ~~يتقي. # ولما أذن سبحانه وتعالى فيما كان قد منع منه من المطعم والمنكح للصائم ~~وقدم المنكح لأنه أشهى إذ الطبع إليه أدعى ولأن المنع منه كان في جميع ~~الشهر فالضرر فيه أقوى، وأتبعه ms0390 الإذن في الأكل لأنه قوام الجسم وأولاه ~~المنع من النكاح في بعض الأحوال، فعل كذلك في المال الذي منه الأكل لأنه قد ~~كان مما خان فيه أهل الكتاب عهد كتابهم واشتروا به ثمنا قليلا كثيرا من ~~أمره لا سيما تحريم الرشوة فإنهم أخفوه واستباحوها حتى صارت بينهم شرعا ~~متعارفا # PageV03P093 # وكان طيب المطعم محثوثا عليه لا سيما في الصوم فنهى عن بعض أسباب تحصيل ~~المال أعم من أن تكون رشوة أو غيرها فقال: {ولا تأكلوا} أي يتناول بعضكم ~~مال بعض، ولكنه عبر بالأكل لأنه المقصد الأعظم من المال. # ولما كان المال ميالا يكون في يد هذا اليوم وفي يد غيره غدا فمن صبر وصل ~~إليه ما كتب له مما في يد غيره بالحق ومن استعجل وصل إليه بالباطل فحاز ~~السخط ولم ينل أكثر مما قدر له قال: {أموالكم} وقال: {بينكم} تقبيحا لهذه ~~المعصية وتهييجا على الأمر بالمعروف {بالباطل} وهو ما لم يأذن به الله بأي ~~وجه كان سواء كان بأصله أو بوصفه. # ولما كان من وجوه أكله بالباطل التوصل بالحاكم بحجة باطلة # PageV03P094 # يعجز الخصم عن دفعها كما قال صلى الله عليه وسلم: «ولعل بعضكم أن يكون ~~ألحن بحجته من بعض فأقضي له على حسب ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق ~~أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار» # فيكون الإثم خاصا بالأكل دون الحاكم عطف عليه ما يشاركه فيه الحاكم فقال ~~عاطفا على {تأكلوا} {وتدلوا} أي ولا تتواصلوا في خفائها {بها إلى الحكام} ~~بالرشوة العمية للبصائر، من الإدلاء. قال الحرالي وهو من معنى إنزال الدلو ~~خفية في البئر ليستخرج منه ماء فكأن الراشي يدلي دلو رشوته للحاكم خفية ~~ليستخرج جوره ليأكل به مالا - انتهى. {لتأكلوا فريقا} أي شيئا يفرق بينه ~~وبين صاحبه # PageV03P095 # {من أموال الناس} من أي طائفة كانوا {بالإثم} أي الجور العمد، ومن ~~مدلولاته الذنب وأن يعمل ما لا يحل {وأنتم} أي والحال أنكم {تعلمون *} أي ~~من أهل العلم مطلقا فإن الباطل منهم أشنع ويلزم منه العلم بأن ms0391 ذلك التوصل ~~لا يفيد الحل، ولعله إيماء إلى جواز التوصل إلى ماله عند جاحد لم يجد طريقا ~~إلى خلاصه إلا ذلك. وقال الحرالي في مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما كان ~~منزل القرآن لإقامة الأمور الثلاثة التي بها قيام المخاطبين به وهو صلاح ~~دينهم وهو ما بين العبد وربه من عمل أو إلقاء بالسلم إليه وإصلاح دنياهم ~~وهو ما فيه معاش المرء وإصلاح آخرتهم وهو ما إليه معاده كان لذلك منزل ~~القرآن مفصلا بأحكام تلك الأمور الثلاثة فكان شذرة للدين وشذرة للدنيا ~~وشذرة للآخرة، فلما كان في صدر هذا الخطاب {يا أيها الناس كلوا مما في ~~الأرض حلالا طيبا} [البقرة: 168] وهو خطاب للملوك ومن تبعهم من رؤساء ~~القبائل ومن تبعهم انتظم به بعد ذلك حكم من أحكام # PageV03P096 # أهل العلم ومن تبعهم في قوله تعالى: {إن الذين يكتمون} [البقرة: 159] ، ~~ثم انتظم به ذكر الوصية من أهل الجدة، ثم انتظم به ذكر أحوال الرشى من ~~الراشي والمرتشي، ليقع نظم التنزيل ما بين أمر في الدين ونهي في الدنيا ~~ليكون ذلك أجمع للقلب في قبول حكم الدنيا عقب حكم الدين ويفهم حال المعاد ~~من عبرة أمر الدنيا، فلذلك تعتور الآيات هذه المعاني ويعتقب بعضها لبعض ~~ويتفصل بعضها ببعض، كما هو حال المرء في يومه وفي مدة عمره حيث تعتور عليه ~~أحوال دينه ودنياه ومعاده، يطابق الأمر الخلق في التنزيل والتطور - انتهى. # PageV03P097 # ولما أتم سبحانه وتعالى البيان لما أراده مما شرعه في شهر الصوم ليلا ~~ونهارا وبعض ما تبع ذلك وكان كثير من الأحكام يدور على الهلال لا سيما أحد ~~قواعد الإسلام الحج الذي هو أخو الصوم وكانت الأهلة كالحكام توجب أشياء ~~وتنفي غيرها كالصيام والديون والزكوات وتؤكل بها الأموال حقا أو باطلا وكان ~~ذكر الشهر وإكمال # PageV03P097 # العدة قد حرك العزم للسؤال عنه بين ذلك بقوله تعالى: {يسئلونك} وجعل ذلك ~~على طريق الاستئناف جوابا لمن كأنه قال: هل سألوا عن الأهلة؟ فقيل: نعم، ~~وذلك لتقدم ما يثير العزم إلى السؤال عنها صريحا فكان سببا ms0392 للسؤال عن ~~السؤال عنها، وكذا ما يأتي من قوله {يسئلونك ماذا ينفقون} [البقرة: 215] ~~{يسئلونك عن الشهر الحرام} [البقرة: 217] {يسئلونك عن الخمر والميسر} ~~[البقرة: 219] بخلاف ما عطف على ما قبله بالواو كما يأتي، وسيأتي إن شاء ~~الله تعالى في سورة الأنعام ما ينبغي من علم النجوم وما لا ينبغي {عن ~~الأهلة} أي التي تقدم أنه ليس البر تولية الوجه قبل مشارقها ومغاربها: ما ~~سبب زيادتها بعد كونها كالحظ أو الخيط حتى تتكامل وتستوي ونقصها بعد ذلك ~~حتى تدق # PageV03P098 # وتنمحق؟ قال الحرالي: وهي جمع هلال وهو ما يرفع الصوت عند رؤيته فغلب على ~~رؤية الشهر الذي هو الهلال - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: ما جوابهم؟ قيل: {قل} معرضا عنه لما لهم فيه من ~~الفتنة لأنه ينبني على النظر في حركات الفلك وذلك يجر إلى علم تسيير النجوم ~~وما يتبعه من الآثار التي تقود إلى الكلام في الأحكام المنسوبة إليها ~~فتستدرج إلى الإلحاد وقد ضل بذلك كثير من الأمم السالفة والقرون الماضية ~~فاعتقدوا تأثيرها بذواتها وقد قال عليه الصلاة والسلام ناهيا عن ذلك لذلك: ~~«من اقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من السحر زاد ما زاد» أخرجه أحمد وأبو ~~داود وابن ماجه # PageV03P099 # عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ وقال علي رضي الله تعالى عنه: «من طلب ~~علم النجوم تكهن» مرشدا سبحانه وتعالى إلى ما فيه صلاحهم: {هي مواقيت} جمع ~~ميقات من الوقت وهو الحد الواقع بين أمرين أحدهما معلوم سابق والآخر معلوم ~~به لاحق. وقال الأصبهاني: والفرق بين الوقت والمدة والزمان أن المدة ~~المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى الزمان، والزمان مدة مقسومة، ~~والوقت الزمان المفروض لأمر ما. {للناس} في صومهم كما تقدم ومعاملاتهم ~~ليعلموا عدد السنين والحساب {والحج} صرح به لأنه من أعظم # PageV03P100 # مداخلها. قال الحرالي: وهو حشر العباد إلى الموقف في شهور آخر السنة، فهو ~~أمر ديني مشعر بختم الزمان وذهابه لما فيه من آية المعاد - انتهى. # ولما كانوا قد اعتادوا في الحج فعلا منكرا وكان ترك المألوفات أشق ms0393 شيء ~~على النفوس، ولذلك قال أهل الطريق وسادات أهل التحقيق: ملاك القصد إلى الله ~~تعالى خلع العادات واستجداد قبول الأمور المنزلات من قيوم السماوات والأرض، ~~وبذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم سادات أهل الإسلام، قال تعالى عاطفا ~~على {ليس البر} مقبحا لذلك الفعل عليهم منبها على أنهم عكسوا في سؤالهم كما ~~عكسوا في فعالهم، ويجوز أن يكون معطوفا على حال دل عليها السياق تقديرها: ~~والحال أنه ليس البر سؤالكم هذا عنها {وليس البر} وأكد النفي بزيادة الباء ~~في قوله: {بأن تأتوا البيوت} أي لا الحسية ولا المعنوية {من ظهورها} عند ~~القدوم من الحج أو غيره كما أنه # PageV03P101 # ليس البر بأن تعكسوا في مقالكم بترك السؤال عما يعنيكم والسؤال عما لا ~~يعنيكم بل يعنيكم. # ولما نفي البر عن ذلك كما نفي في الأول استدرك على نهج الأول فقال: ولكن ~~البر} قال الحرالي: بالرفع والتخفيف استدراكا لما هو البر وإعراضا عن ~~الأول، وبالنصب والتشديد مع الالتفات إلى الأول لمقصد طرحه - انتهى. {من ~~اتقى} فجعل المتقي نفس البر إلهابا له إلى الإقبال على التقوى لما كانت ~~التقوى حاملة على جميع ما مضى من خلال الإيمان الماضية اكتفى بها. ولما كان ~~التقدير: فاتقوا فلا تسألوا عما لا يهمكم في دينكم عطف عليه: {وأتوا البيوت # PageV03P102 # من أبوابها} حسا في العمل ومعنى في التلقي، والباب المدخل للشيء المحاط ~~بحائط يحجزه ويحوطه - قاله الحرالي. وتقدم تعريفه له بغير هذا. # ولما كان الأمر بالتقوى قد تقدم ضمنا وتلويحا أتى به دالا على عظيم ~~جدواها ذكرا وتصريحا دلالة على التأكيد في تركهم تلك العادة لاقتضاء الحال ~~ذلك لأن من اعتاد شيئا قل ما يتركه وإن تركه طرقه خاطره وقتا ما فقال: ~~{واتقوا الله} أي الملك الأعظم في كل ما تأتون وما تذرون ووطنوا النفوس ~~واربطوا القلوب على أن جميع أفعاله تعالى حكة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا ~~اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما في السؤال من الإيهام بمفارقة الشك، ~~ثم علله بقوله: {لعلكم تفلحون ms0394 *} أي لتكون حالكم حال من يرجى دوام التجدد ~~لفلاحه وهو ظفره بجميع مطالبه من البر وغيره، فقد دل سياق لآية على كراهة ~~هذا السؤال؛ وذكر الحرالي أن أكثر ما يقع فيه سؤال يكون مما ألبس # PageV03P103 # فتنة أو شرب محنة أو أعقب بعقوبة ولذلك قال تعالى: {لا تسألوا عن أشياء} ~~[المائدة: 101] وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها وقال: ~~«دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم» الحديث ومنه كره ~~الرأي وتكلف توليد المسائل لأنه شغل عن علم التأصيل وتعرض لوقوعه كالذي سأل ~~عن الرجل يبتلي في أهله فابتلى به، ويقال: كثرة توليد مسائل السهو أوقع ~~فيه. # وقال: وهذه الآية كالجامعة الموطئة لما ذكر بعدها من أمر توقيت القتال ~~الذي كانوا عليه كما كان من أمر الجاهلية حكم التحرج من القتال في الأشهر ~~الحرم والتساهل فيه في أشهر الحل مع كونه عدوى بغير حكم حق فكان فيه عمل ~~بالفساد وسفك الدماء - انتهى وفيه تصرف. فمحا سبحانه ما أصلوه من ذلك بما ~~شرعه من أمر القتال لكونه جهادا فيه لحظ من حظوظ الدنيا. # PageV03P104 # ولما ذكر سبحانه الحج في هذه السورة المدنية وكان سبيله إذ ذاك ممنوعا عن ~~أهل الإسلام بأهل الحرب الذين أخرجوهم من بلدهم ومنعوهم من المسجد الذي هم ~~أحق به من غيرهم وكان الحج من الجهاد وكان كل من الصوم والجهاد تخليا من ~~الدنيا «سياحة أمتي الصوم، ورهبانية أمتي الجهاد» وكانت أمهات العبادات ~~موقتة وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير موقتة وهي الذكر والجهاد وهو ~~قتال أهل الحرب خلافا لما كان عند أهل الجاهلية من توقيته مكانا بغير الحرم ~~وزمانا بغير الأشهر الحرم وكان القتال في الأشهر الحرم وفي الحرم في غاية ~~المنع فكيف عند المسجد وكان سبحانه قد ذكر العبادات الموقتة أتبعها بغير ~~الموقتة وهي الجهاد الذي هو حظيرة الموقتة الذي لا سلامة لها بدونه التفاتا ~~إلى الظالمين بالمنع عن المسجد الحرام والإخراج منه فأمر بأن يفعل معهم مثل ~~ما فعلوا من القتال والإخراج فعل ms0395 الحكيم الذي يوصي بالشيء العظيم فهو يلقيه ~~بالتدريج في أساليب البلاغة وأفانين البيان تشويقا إليه وتحريضا عليه بعد ~~أن أشار لأهل هذا الدين أولا بأنه يخزي ظالميهم وثانيا بأن المقتول منهم حي ~~يرزق # PageV03P105 # وثالثا بمدحهم على الصبر في مواطن البأس بأنهم الذين صدقوا وأنهم المتقون ~~فلما شوقهم إلى جهاد أهل البغي والعناد ألزمهم القتال بصيغة الأمر لتيسير ~~باب الحج الذي افترضه وسبيله ممنوع بأهل الحرب فقال تعالى وقيل: إنها أول ~~آية نزلت في القتال، قاله الأصبهاني: {وقاتلوا في سبيل الله} أي الذي لا ~~كفوء له إشعارا بذكره على سبيل الإطلاق بعد الموقت بالهلال إلى أنه غير ~~موقت به. قال الحرالي: من حيث إنه حظيرة على دين الإسلام المقيد بالمواقيت ~~من # PageV03P106 # حيث إن الإسلام عمل يقيده الوقت، والدفع عنه أمر لا يقيده وقت بل أيان ~~طرق الضر لبناء الإسلام دفع عنه كما هو حكم الدفع في الأمور الدينية، فكانت ~~الصلاة لمواقيت اليوم والليلة، والصوم والحج لمواقيت الأهلة، والزكاة ~~لميقات الشمس، والجهاد لمطلق الميقات حيث ما وقع من مكان وزمان ناظرا بوجه ~~ما لما يقابله من عمود الإسلام الذي هو ذكر كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا ~~الله على الدوام {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} # [الأحزاب: 41] {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] انتهى. وقال ~~{الذين يقاتلونكم} أي من شأنهم قتالكم لا من ليس شأنه ذلك كالصبيان؛ وفيه ~~إشعار بأن القتال عن سبب المقاتلة فهو مما يفعل عن سبب لا مما يفعل لوقت، ~~وصيغة المضارع لم يقصد بها إلا صدور الفعل من غير نظر إلى زمان مخصوص كما ~~قالوه في أمثاله. # ولما كان الله سبحانه وتعالى قد أوجب العدل في كل # PageV03P107 # شيء حتى في حق أعدائه قال: {ولا تعتدوا} فنظم ذلك ابتداء القتال لمن لم ~~يبح له ابتداءه به إما بعهد أو بغير دعوة لمن لم يبلغه أمر الدين أو بغير ~~ذلك من أنواع الخيانة والغدر وقتل النساء والصبيان والشيوخ الفانين الذين ~~لا منعة فيهم ولا رأي لهم، ودوام القتال لمن ms0396 ألقى السلم بعد الابتداء به، ~~فحذف المتعلق اختصارا فأفاد زيادة المعنى وهو من غريب أفانين البلاغة وكأنه ~~أفهم بصيغة الافتعال التقييد بالتعمد، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي لما ~~له من صفات الكمال {لا يحب المعتدين *} مطلقا في هذا وغيره، أي لا يفعل بهم ~~من الخير فعل المحب. # ولما حرم الاعتداء صرح بإباحة أصل القتال فقال: {واقتلوهم} أي الذين ~~يقاتلونكم {حيث ثقفتموهم} أي وجدتموهم وأنتم تطمعون # PageV03P108 # في أن تغلبوا أو حيث تمكنتم من قتلهم - قاله الأصبهاني، لأنه من ثقف ~~بالضم ثقافة إذا صلب وثقف أي بالكسر كذلك، وأيضا صار حاذقا فطنا، وثقفت ~~الشيء ثقفا إذا أخذته والشيء صادفته - قاله ابن القطاع. وقال الأصبهاني: ~~والثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة، وأطلق الوجدان فشمل الحل والحرم من ~~الزمان والمكان لأنهم كذلك يفعلون بالمسلمين، كانوا يؤذونهم ويفتنونهم عند ~~البيت في # PageV03P109 # كل وقت؛ وفي التعبير بالفعل ما يشعر بالنصر بحزب الله وبشرى بضعف العدو ~~عن مداومة المقاومة للمجاهدين وقد ظهرت التجربة مثل ذلك وأقله أنهم إذا ~~فروا لم يكروا. # ولما كانت الآية ناظرة إلى قصاص قال: {وأخرجوهم} أي فإن لم يقاتلوكم {من ~~حيث أخرجوكم} أي مكة التي هي موطن الحج والعمرة ومحل الشعائر المقصودة لأهل ~~الإسلام. ولما كان هذا مشعرا بأنهم لم يكن منهم إليهم قتال في مكة لغير ~~الأذى المحوج إلى الخروج من الديار على أن التقدير: فإن الإخراج من السكن ~~أشد فتنة وقد فتنوكم به، فعطف عليه قوله: {والفتنة} أي العذاب بالإخراج أو ~~غيره من أنواع الإخافة {أشد} تليينهم للإسلام {من القتل} أعم من أن يكون ~~المراد من قتلكم إياهم في الحرم أو غيره أو قتلهم إياكم أو غير ذلك لما فيه # PageV03P110 # من مواصلة الغم القابض للنفس عن مراداتها، فلذلك سوغنا لكم قتلهم قصاصا ~~بسبب إخراجكم، فكان المراد بالذات إخراجهم لتمكن الحج والاعتمار ولكنه لما ~~لم يمكن إلا بقتالهم وقتلهم أذن فيهما وقد كشف الواقع في أمر: عكرمة بن أبي ~~جهل وصفوان بن أمية وعبد الله بن أبي ربيعة أن الإخراج ms0397 من مكة لينهم ~~للإسلام أكثر من تليين القتل فإنهم أسلموا لما أشرفوا على فراق مكة بظهور ~~الإسلام فيها ولم يسلم أحد من قريش خوفا من القتل، فلكون السياق لإخراجهم ~~عبر هنا أشد. # ولما كان الإذن في الإخراج مستلزما في العادة للقتال وكان قد أذن في ~~الابتداء به حيث ثقفوا خصص ذلك فقال ناظرا إلى المقاصة أيضا ومشيرا إلى ما ~~سيقع في غزوة الفتح المشار إليها بقوله بعد {وكفر به والمسجد الحرام} ~~[البقرة: 217] {ولا تقاتلوهم} أي هؤلاء الذين أذن لكم في إخراجهم {عند ~~المسجد الحرام} أي الحرم إذا أردتم إخراجهم فمانعوكم {حتى يقاتلوكم فيه} أي ~~في ذلك الموضع الذي هو عند المسجد، # PageV03P111 # وكأنه عبر بفيه في الثاني وعند في الأول والمراد الحرم في كل منهما كفا، ~~عن القتال فيه مهما وجد إلى الكف سبيل تعظيما له وإجلالا لمحله لأنه موضع ~~للصلاة التي أعظم مقاصدها السجود لا لغيره فضلا عن القتال. {فإن قاتلوكم} ~~أي في ذلك المكان {فاقتلوهم} أي لا تقصروا على مدافعتهم بل اصدقوهم في ~~الضرب المجهز ولا حرج عليكم من جهة المسجد فإن الانتهاك لحرمته منسوب إلى ~~البادىء، وفي التعبير بالفعل في جواب المفاعلة في قراءة الجمهور أو الفعل ~~في قراءة حمزة والكسائي بشارة بنصرة المبغي عليه وقوة إدالته، ولما كان هذا ~~مفهما أنه خاص بهم عمم بقوله: {كذلك} أي مثل هذا الفعل العظيم الجدوى {جزاء ~~الكافرين *} كلهم. # ولما كان النزوع بعد الشروع لا سيما حالة الإشراف على الظفر عسرا على ~~الأنفس الأبية والهمم العلية قال: {فإن انتهوا} أي عن القتال ومقدماته، ~~وفيه إشعار بأن طائفة منهم تنتهي فإن العالم بكل # PageV03P112 # شيء لا يعبر بأداة الشك إلا كذلك. ولما كان التقدير: فكفوا عنهم ولا ~~تعرضوا لهم فإن الله قد غفر لهم علله بأمر عام فقال: {فإن الله} أي المحيط ~~بجميع صفات الكمال {غفور رحيم *} أي له هاتان الصفتان أزلا وأبدا فكل من ~~تاب فهذا شأنه معه. # PageV03P113 # ولما كان المراد بما مضى من قتالهم كف أذاهم بأي فعل كان حققه بقوله: ms0398 ~~{وقاتلوهم} أي هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنتكم أعم من أن ~~يكونوا كفارا أو لا {حتى لا تكون فتنة} أي توجد فتنة بأن لا يقدروا أن ~~يؤذوا أحدا من أهل الإسلام ليردوه عن دينه أو يخرجوه من داره أو يخلعوه من ~~ماله أو يغلبوه على حقه، فقتال كل من وقع منه ذلك كفرا أو بغيا في سبيل ~~الله حتى يفيء إلى أمر الله {ويكون الدين} أي الطاعة والعبادة. ولما كان # PageV03P113 # هذا في أوائل ما بعد الهجرة قبل أن يروا من نصر الله لهم ما يقوي عزائمهم ~~أعراه من التأكيد فقال: {الله} أي الذي لا كفوء له خاصا به بأن يكون أمر ~~المسلمين ظاهرا، ليس للشيطان فيه نصيب، لا يقدر أحد من أهل الكفر ولا أهل ~~البغي على التظاهر بأذى أحد منهم، وذلك بأن لا يبقى مشرك أصلا ولا يبقى ~~كتابي إلا ألزم الصغار بالجزية، والحكمة في إبقائهم دون المشركين أن لهم ~~كتبا أمهلوا لحرمتها ولينظروا فيها فيقفوا على الحق منها فإنها وإن كانت قد ~~وقع فيها التحريف قد بقي فيها ما يهدي الموفق لأنها لم يعمها التحريف، وأما ~~أهل الأوثان فليس لهم ما يرشدهم إلى الحق فكان إمهالهم زيادة في شركهم ~~مقطوعا بها من غير فائدة تنتظر. قال الحرالي: ففي طيه إشعار بما وقع وهو ~~واقع وسيقع من قتال طائفة الحق لطائفة البغي سائر اليوم المحمدي بما تخلص ~~من الفتنة # PageV03P114 # ويخلص الدين لله توحيدا ورضى وثباتا على حال السلف الصالح وزمان الخلافة ~~والنبوة - انتهى. {فإن انتهوا} أي كلفوا أنفسهم الرجوع عما استوجبوا به ~~القتال فقد تركوا الظلم، والنهي قال الحرالي الحكم المانع من الفعل ~~المترامي إليه بمنزلة أثر العقل المسمى نهى لمنعه عما تهوي إليه النفس مما ~~يستبصر فيه النهى، قال عليه الصلاة والسلام: «ليليني منكم أولو الأحلام ~~والنهى» فمن لم يكن من أهل النهى كان نهاه النهى وهو الحكم المذكور - ~~انتهى. {فلا عدوان} أي فلا سبيل يقع فيه العدو الشديد للقتال عليهم، فإنه ~~لا عدوان {إلا على الظالمين ms0399 *} قال الحرالي: فذكر الظلم الشامل # PageV03P115 # لوجوه إيقاع الأمر في غير موضعه من أعلى الدين إلى أدناه - انتهى. ويجوز ~~أن يكون التقدير: فإن انتهوا عن الشرك فقد انتفى عنهم اسم الظلم فلا تعتدوا ~~عليهم، فإن اعتديتم عليهم سلطانا عليكم لظلمكم لهم من يعتدي عليكم، فإنه لا ~~عدوان إلا على الظالمين الذين دخلتم في مسماهم وخرجوا من مسماهم بالانتهاء، ~~فلا عدوان إلا عليكم لا عليهم، ومعنى العدوان القتال بغاية العدو والشدة ~~والعزم. # ولما أباح تعالى القتال في كل مكان حتى في الحرم وكان فعله في الأشهر ~~الحرم عندهم شديدا جدا ثار - العزم للسؤال عنه فقال معلما لهم ما يفعلون في ~~عمرة القضاء إن احتاجوا على وجه عام: {الشهر الحرام} وهو ذو القعدة من سنة ~~سبع إن قاتلتموهم فيه لكونهم قاتلوكم في شهر حرام {بالشهر الحرام} الذي ~~قاتلوكم فيه وهو ذو القعدة سنة ست حيث صدوكم فيه عن عمرة الحديبية. ولما ~~أشعر ما مضى بالقصاص أفصح به على وجه أعم فقال: {والحرمات} أي كلها وهي جمع ~~حرمة وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك # PageV03P116 # {قصاص} أي تتبع للمساواة والمماثلة {فمن} أي فتسبب عن هذا أنه من {اعتدى ~~عليكم} أي تعمد أذاكم في شيء من الأشياء في أي زمان أو مكان كان {فاعتدوا ~~عليه} أي فجاوزوه، سمي اعتداء مشاكلة تقوية لعزائمهم وتوطينا لهممهم أي ~~افعلوا وإن سماه المتعنت بغير ما يحق له {بمثل ما اعتدى} أي عدوانه {عليكم} ~~أي بمثل الذي اعتدى عليكم به، ولعله أعاد الظرف وإن أفهمه الأول لدفع تعنت ~~من لعله يقول: الكلام شامل لاعتدائه علي وعلى غيري فلي أن أقابله بأعلى ما ~~وقع له من ذلك، لأن المراد ردعه ولو لم يرد الحكم هذا لقيد بما ينفيه. ولما ~~جعل المماثلة حدا وكان أمرها خفيا والوقوف عنده بعد استرسال النفس بإرسالها ~~صعبا حذر من تعديه بعد الإذن في القصاص الذي جر أغلبه # PageV03P117 # بتسميته اعتداء على وجه نادب إلى العفو للمستبصر فقال: {واتقوا الله} أي ~~المحيط علما بكل شيء بالتحري في القصاص حتى ms0400 لا تتجاوزوا {واعلموا} وأظهر ~~ولم يضمر لئلا يقيد بالتقوى في باب الاعتداء مثلا فقال: {أن الله} أي الذي ~~له جميع صفات الكمال معكم إن اتقيتم بالتحري فيه أو بالعفو فإن الله {مع ~~المتقين *} ومن كان الله معه أفلح كل الفلاح «وما زاد الله عبدا بعفو إلا ~~عزا» . قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار وتطريق لمقصد السماح الذي هو خير ~~الفضائل من وصل القاطع والفعو عن الظالم، ولما كان في هذه # PageV03P118 # التقوى خروج عن حظ النفس أعلمهم أنه تعالى يكون عوضا لهم من أنفسهم بما ~~اتقوا وداوموا على التقوى حتى كانت وصفا لهم فأعلمهم بصحبته لهم - انتهى. # ولما كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد وكان العيش في أول الإسلام ضيقا ~~والمال قليلا فكان ذلك موجبا لكل أحد أن يتمسك بما في يده ظنا أن في التمسك ~~به النجاة وفي إنفاقه الهلاك أخبرهم أن الأمر على غير ما يسول به الشيطان ~~من ذلك {الشيطان يعدكم الفقر} [البقرة: 268] وقال الحرالي: ولمكان ما لزم ~~العفو من العز الذي جاء على خلاف غرض النفس نظم به تعالى ما يجيء على خلاف ~~مدرك الحس في الإنفاق الذي يحصل به الزكاء والنماء، وأيضا لما أسس تعالى ~~حكم الجهاد الذي هو أشق الأعمال على النفس نظم به أمر الجود والإنفاق الذي ~~هو أشق منه على الأنفس، ومن حيث إن القتال مدافعة يشتمل على عدة وزاد لم ~~يكن أمره يتم إلا # PageV03P119 # بأعمال الغريزتين: الشجاعة والجود، ولذلك كان أشد الآفات في الدين البخل ~~والجبن، انتهى - فقال تعالى: {وأنفقوا} وأظهر ولم يضمر إظهارا للاعتناء ~~بأمر النفقة ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات فقال: {في سبيل الله} أي الملك ~~الذي كل شيء تحت قهره كما قال: # {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة: 190] وهو كل ما أمر به الله وإن كان ~~استعماله في الجهاد أكثر، أي ولا تخافوا العيلة والضيعة فإن الله ربكم هو ~~الذي أمركم بذلك {والله يعدكم مغفرة منه وفضلا} [البقرة: 265] قال الحرالي: ~~فالنظر للأموال بإنفاقها لا بإصلاحها وإثباتها فانتظم الخطابان ما في العفو ms0401 ~~من العز وما في الإنفاق من النماء، وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه ~~مدارك الأنفس من أن إصلاح الأموال وإمساكها تهلكة - انتهى. فقال تعالى: ~~{ولا تلقوا بأيديكم} أي تسرعوا بوضعها إسراع من # PageV03P120 # يلقي الشيء بعدم الإنفاق {إلى التهلكة} من الهلاك وهو تداعي الشيء إلى أن ~~يبطل ويفنى فإن في ذلك الإخلاد إلى الدعة والتواكل فيجترىء عليكم العدو فلا ~~يقوم لكم قائمة فإن البخل أسرع شيء إلى الهلاك، وهي تفعلة بضم العين مصدر ~~هلك، وقيل: إنه لا ثاني له في كلامهم، وحقيقة أوقع الإلقاء لما ينفعه من ~~نفسه وغيرها بيده أي بنفسه فجعل التهلكة آخذة بها مالكة لصاحبها. وقال ~~الحرالي: إحاطة الخطاب تقتضي أن التهلكة تضييع القتال والإنفاق اللذين ~~بتركهما تقع الاستطالة على مبنى الإسلام فيتطرق إلى هدمه، ولما كان # PageV03P121 # أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال لتجرد المهاجرين عنها ~~كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى. وقد روى أبو داود ~~والترمذي - وهذا لفظه وقال: حسن صحيح - والنسائي عن أبي أيوب رضي الله ~~تعالى عنه: «إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام ~~وكثر ناصروه وقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا في أموالنا! فأنزل الله هذه الآية، فكانت ~~التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو» وروى البخاري في ~~التفسير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة} قال: نزلت في النفقة «. # ولما كانت التوسعة في أمر القتال قد تجر إلى الاعتداء فختمه بالنهي عنه ~~وبأن الله لا يحب المعتدين وكانت التوسعة في الإنفاق في سبيل الله من أعلى ~~خلال الإيمان قال تعالى: {وأحسنوا} أي أوقعوا الإحسان على العموم بما أفهمه ~~قصر الفعل # PageV03P122 # وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق وظنوا بالله الحسن الجميل، وأظهر من ~~غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم {إن الله} الملك العظيم {يحب المحسنين} ~~أي يفعل معهم كل ما يفعله المحب مع من ms0402 يحبه من الإكرام والإعلاء والنصر ~~والإغناء وغير ذلك من جميع ما يحتاجه كما أنه لا يحب المعتدين. # قال الحرالي: فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل وأن يقع ~~الإحسان في المال، وفي إشعاره حض الأنصار على إنفاق أموالهم يتلون به حال ~~المهاجرين في التجرد عنها، فكما كان أمر المهاجرين أن لا ينقضوا الهجرة كان ~~أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا، فما خرج المهاجرون عن أصله خرج ~~الأنصار عند التمسك به عن وصفه، فكان إعراضهم # PageV03P123 # تابعا لترك المهاجرين أموالهم. # ولما ختم آيات القتال بالنفقة في سبيل الله لشدة حاجة الجهاد إليها وكان ~~سبيل الله اسما يقع على الحج كما يقع على الجهاد كما ورد في الحديث «الحج ~~من سبيل الله» رجع إلى الحج والعمرة المشير إليهما {مثابة للناس} [البقرة: ~~125] و {إن الصفا والمروة} [البقرة: 158] الآية، و {مواقيت للناس والحج} ~~ولا سيما وآيات القتال هذه إنما نظمت ههنا بسببهما توصيلا إليهما وبعضها ~~سببه عمرة الحديبية التي صد المشركون عنها، فكان كأنه قيل: مواقيت للناس ~~والحج فحجوا واعتمروا أي تلبسوا بذلك وإن صددتم عنه وقاتلوا في سبيل الله ~~من قاتلكم في وجهكم ذلك لينفتح لكم السبيل، ولما كان ذلك بعد الفتح ممكنا ~~لا صاد عنه عبر بالإتمام فقال: {وأتموا *} أي بعد فتح السبيل بالفتح # PageV03P124 # {الحج والعمرة} بمناسكهما وحدودهما وشرائطهما وسننهما. ولما تقدم الإنفاق ~~في سبيل الله والقتال في سبيل الله نبه هنا على أن ذلك كله إنما هو لتقام ~~العبادات التي هي مبنى الإسلام له سبحانه وتعالى فقال: {لله} الملك الذي لا ~~كفوء له أي لذاته، ولم يضمر لئلا يتقيد بقيد. # ولما كان سبحانه وتعالى قد أعز هذه الأمة إكراما لنبيها صلى الله عليه ~~وسلم فلا يهلكها بعامة ولا يسلط عليها عدوا من غيرها بل جعل كفارة ذنوبها ~~في إلقاء بأسها بينها أومأ إلى أنه ربما يقطعها عن الإتمام قاطع من ذلك ~~بقوله بانيا للمفعول لأن الحكم دائر مع وجود الفعل من غير نظر إلى فاعل ~~معين معبرا بأداة الشك ms0403 إشارة إلى أن هذا مما يقل وقوعه: {فإن أحصرتم} أي ~~منعتم وحبستم عن إتمامها، من الإحصار وهو منع العدو المحصر عن متصرفه # PageV03P125 # كالمرض يحصره عن التصرف في شأنه - قاله الحرالي {فما} أي فالواجب على ~~المحصر الذي منع عن إكماله تلافيا لما وقع له من الخلل في عملهما {استيسر} ~~أي وجد يسرة على غاية السهولة حتى كأنه طالب يسر نفسه، واليسر حصول الشيء ~~عفوا بلا كلفة {من الهدي} إذا أراد التحلل من الحج والعمرة من الإبل والبقر ~~والغنم يذبحه حيث أحصر ويتصدق به وقد رجع حلالا # PageV03P126 # ولما كان الحاج هو الشعث التفل أشار إلى حرمة التعرض لشعره بقوله: {ولا ~~تحلقوا رؤوسكم} أي شعرها إذا كنتم محرمين بحج أو عمرة، من الحلق. # قال الحرالي: وهو إزالة ما يتأتى للزوال بالقطع من الآلة الماضية في ~~عمله، والرأس مجتمع الخلقة ومجتمع كل شيء رأسه - انتهى. {حتى يبلغ} من ~~البلاغ وهو الانتهاء إلى الغاية {الهدي} أي إن كان معكم هدي {محله} أي ~~الموضع الذي يحل ذبحه فيه، إن كنتم محصرين فحيث أحصرتم وإلا فعند المروة أو ~~في منى ونحوهما. قال الحرالي: والهدي ما تقرب به الأدنى للأعلى وهو اسم ما ~~يتخذ فداء من الأنعام بتقديمه إلى الله سبحانه وتعالى وتوجيهه إلى البيت ~~العتيق، وفي تعقيب الحلق بالهدي إشعار باشتراكهما في معنى واحد وهو الفداء، ~~والهدي في الأصل فداء لذبح الناسك نفسه لله سنة إبراهيم في ولده عليهما ~~الصلاة والسلام، وإزالة الشعر فداء من جزاء لرأس لله، ولذلك لما سئل النبي ~~صلى الله عليه وسلم # PageV03P127 # عن تقديم أحدهما على الآخر قال: «افعل ولا حرج» ، لأن الجميع غاية ~~بالمعنى الشامل للفداء - انتهى. # ولما كان الإنسان محلا لعوارض المشقة وكان الله سبحانه وتعالى قد وضع عنا ~~الآصار ببركة النبي المختار صلى الله عليه وسلم فجعل دينه يسرا قال: {فمن ~~كان} وقيده بقوله: {منكم} أيها المحرمون {مريضا} يرجى له بالحلق خير {أو به ~~أذى} ولو قل، والأذى ما تعلق النفس أثره {من رأسه} بقمل أو غيره {ففدية} أي ~~فعلية ms0404 بحلق رأسه أو المداواة بما نهى المحرم عنه فدية {من صيام} لثلاثة ~~أيام {أو صدقة} لثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين، لأن الصدقة كما قال ~~الحرالي عدل الصيام عند فقده كما # PageV03P128 # تقدم. ولليوم وجبتا فطر وسحور، لكل وجبة مدان فلكل يوم صاع {أو نسك} أي ~~تقرب بذبح شيء من الأنعام وهذه فدية مخيرة. # ولما كان الله سبحانه وتعالى بسعة حمله وعظيم قدرته وشمول علمه قد أقام ~~أسبابا تمنع المفسدين على كثرتهم من التمكن من الفساد أشار إلى ذلك بأداة ~~التحقيق بعد تعبيره عن الإحصار بأداة الشك فقال: {فإذا أمنتم} أي حصلتم في ~~الأمن فزال الإحصار # PageV03P129 # والمرض، وبني الفعل هنا للفاعل إشارة إلى أنه كأنه آت بنفسه تنبيها على ~~أنه الأصل بخلاف الإحصار حثا على الشكر {فمن تمتع} أي تلذذ باستباحة دخوله ~~إلى الحرم بإحرامه في أشهر الحج على مسافة القصر من الحرم {بالعمرة} ~~ليستفيد الحل حين وصوله إلى البيت ويستمر حلالا في سفره ذلك {إلى الحج} أي ~~إحرامه به من عامة ذلك من مكة المشرفة من غير رجوع إلى الميقات {فما} أي ~~فعليه ما {استيسر} وجد اليسر به {من الهدي} من النعم يكون هذا الهدي لأجل ~~ما تمتع به بين النسكين من الحل وهو مسافر، هذا للمتمتع وأما القارن فلجمعه ~~بين النسكين في سفر واحد وشأنهما أن يكونا في وقتين وقت حل ووقت حرم، وفي ~~العبارة إشعار بصحة إرداف الحج على العمرة لأنه ترق من إحرام أدنى إلى ~~إحرام أعلى. # ولما أفهم التقييد باليسر حالة عسر بينها بقوله: {فمن لم # PageV03P130 # يجد} أي هديا، من الوجد وهو الطول والقدرة {فصيام} أي فعليه بدل الهدي ~~صيام {ثلاثة أيام في الحج} أي في أيام تلبسه به فلا يصح قبله ويجب أن يكون ~~قبل يوم عرفة بحيث يكون فيه مفطرا، {و} صيام {سبعة} أي من الأيام {إذا ~~رجعتم} إلى بلادكم فلا تصح قبل الوصول، ولم يفرد ليفهم أن العبرة إمكان ~~الرجوع لا حقيقة رجوعه، فلو أقام بمكة مثلا صام بها، ولو فاتته الثلاثة ms0405 في ~~الحج فرق بينها وبين السبعة في الوطن بقدر مدة إمكان العود وزيادة أربعة ~~أيام التشريق والعيد ليحكي القضاء الأداء. قال الحرالي: فيكون الصوم عدلا ~~للهدي الذي يطعمه المهدي كما كان الإطعام عدلا للصوم في آية {وعلى الذين ~~يطيقونه} انتهى. # ولما كان للتصريح مزية ليست لغيره قال: {تلك} # PageV03P131 # أي العدة النفسية المأمور بصومها {عشرة} دفعا لاحتمال أن تكون الواو ~~بمعنى «أو» أو أن يكون المراد بالسبع المبالغة دون الحقيقة وليحضر العدد في ~~الذهن جملة كما أحضره تفصيلا؛ والعشرة: قال الحرالي: معاد عد الآحاد إلى ~~أوله. # ولما كان زمن الصومين مختلفا قال: {كاملة} نفيا لتوهم أن الصوم بعد ~~الإحلال دون ما في الإحرام، والكمال: قال الحرالي: الانتهاء إلى الغاية ~~التي ليس وراءها مزيد من كل وجه، وقال: فكما استوى حال الهدي في انتهائه ~~إلى الحرم أو الحل كذلك استوى حال الصوم في البلد الحرام والبلد الحلال ~~ليكون في إشارته إشعار بأن الأرض لله مسجد كما أن البيت الحرام لله مسجد ~~فأظهر معنى استوائهما في الكمال في حكم الأجر لأهل الأجور والقبول لأهل ~~القبول والرضاء لأهل الرضاء # PageV03P132 # والوصول لأهل الوجهة كل عامل على رتبة عمله - انتهى. ولو قال: تامة، لم ~~يفد هذا لأن التمام قد يكون في العدد مع خلل بعض الأوصاف. # ولما كان ربما وقع في الفكر السؤال عن هذا الحكم هل هو خاص أو عام استأنف ~~تخصيصه بمن هو غائب عن حرم مكة على مسافة القصر فقال: {ذلك} أي الحكم ~~المذكور العلي في نفعه الحكيم في وضعه {لمن لم يكن أهله} من زوجته أو ~~أقاربه أو سكان وطنه. وقال الحرالي: والأهل سكن المرء من زوج ومستوطن ~~{حاضري} على مسافة الحضر بأن يكون ساكنا # PageV03P133 # في الحرم أو من الحرم على دون مسافة القصر وكل من كان هكذا فهو حاضر من ~~الحضور وهو ملازمة الوطن لا على مسافة السفر من {المسجد الحرام} أي الحرم ~~بل كان أهله على مسافة الغيبة منه وهي مسافة القصر. # قال الحرالي إفصاحا بما أفهمه معنى المتعة: وذلك ms0406 لأن الله عز وجل إذا ~~تولى إبانة عمل أنهاه إلى الغاية في الإفصاح - انتهى. وعبر عن الحرم ~~بالمسجد إجلالا وتعظيما لما قرب من الحرم، كما عظم الحرم بقربه من المسجد، ~~وعظم المسجد بمجاورة الكعبة؛ لأنه جرت عادة الأكابر أن يكون لبيوتهم دور، ~~ولدورهم أفنية، وحول تلك الأفنية بيوت خواصهم؛ وأما حاضروه فلا دم عليهم في ~~تمتع ولا قران فرقا بين خاصة الملك وغيرهم. # ولما كثرت الأوامر في هذه الآيات وكان لا يحمل على # PageV03P134 # امتثالها إلا التقوى أكثر تعالى فيها من الأمر بها. قال الحرالي: لما ~~تجره النفوس من مداخل نقص في النيات والأعمال والتنقلات من الأحكام إلى ~~أبدالها فما انبنى على التقوى خلص ولو قصر - انتهى. ولما كان من الأوامر ما ~~هو معقول المعنى ومنها ما هو تعبدي وكان عقل المعنى يساعد على النفس في ~~الحمل على امتثال الأمر ناسب اقتران الأمر به بالترغيب كما قال: {واتقوا ~~الله واعلموا أن الله شديد العقاب} [البقرة: 196] ولما كان امتثال ما ليس ~~بمعقول المعنى من عند قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] شديدا ~~على النفس مع جماحها عن جميع الأوامر ناسب اقترانه بالتهديد فكان ختامه ~~بقوله: {واتقوا} أي فافعلوا جميع ذلك واحملوا أنفسكم على التحري فيه ~~والوقوف عند حدوده ظاهرا وباطنا واتقوا {الله} أي اجعلوا بينكم وبين غضب ~~هذا الملك الأعظم وقاية، وأكد تعظيم المقام بالأمر # PageV03P135 # بالعلم وتكرير الاسم الأعظم ولئلا يفهم الإضمار تقييد شديد عقابه بخشية ~~مما مضى فقال: {واعلموا} تنبيها على أن الباعث على المخافة إنما هو العلم، ~~{أن الله} أي الذي لا يداني عظمته شيء {شديد العقاب} وهو الإيلام الذي ~~يتعقب به جرم سابق؛ هذا مع مناسبة هذا الختام لما بعده من النهي عن الرفث ~~وما في حيزه، ومن تدبر الابتداء عرف الختم ومن تأمل الختم لاح له الابتداء. ~~قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب المفتاح في الباب الخامس في تنزلات ~~القرآن بحسب الأسماء: اعلم أن خطاب الله يرد بيانه بحسب أسمائه ويجمعها ~~جوامع أظهرها ما ترى آياته وهو ms0407 اسمه الملك وما يتفصل إليه من الأسماء ~~القيمة لأمر الحكم والقضاء والجزاء نحو العزيز الحكيم الذي يختم به آيات ~~الأحكام {نكالا من الله والله عزيز حكيم} [المائدة: 38] ثم ما تسمع آياته ~~من اسمه الرحمن الرحيم وما يتفصل من الأسماء من # PageV03P136 # معنى الرحمة المنبئة عن الصفح والمغفرة الذي تختم به آيات الرحمة # {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: ~~73] فلكل تفصيل في مورد وجهي العدل والفضل أسماء يختص به بناؤها ولذلك قال ~~عليه الصلاة والسلام ما لم يختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة، ثم ما ~~توجد آياته وجدانا في النفس وهي الربوبية وما ينتهي إليه معنى سواء أمرها ~~من {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] وما يتفصل إليه من الأسماء ~~الواردة في ختم الإحاطات نحو {الواسع العليم} ، فمن تفطن لذلك استوضح من ~~التفصيل الختم واستشرح من الختم التفصيل. وقد كان ذلك واضحا عند العرب ~~فاستعجم عند المتعربين إلا ما كان ظاهر الوضوح منه ولتكرار الأسماء ~~بالإظهار والإضمار بيان متين الإفهام في القرآن - انتهى. # PageV03P137 # ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الحج موقت بالأهلة ولم يعين له وقتا من شهور ~~السنة وختم ذلك بالتفرقة في بعض أحكام الحج بسبب الأماكن تشوفت النفس إلى ~~تعيين وقته وأنه هل هو كالمكان # PageV03P137 # أو عام الحكم فقال {الحج} أي وقته {أشهر} فذكره بصيغة من جموع القلة الذي ~~أدناه ثلاث وهي ثلاث بجر المنكسر: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وليلة ~~العيد بدليل أنه يفوت بطلوع الفجر يوم النحر؛ ولما أبهم عين فقال: ~~{معلومات} أي قبل نزول الشرع فأذن هذا أن الأمر بعد الشرع على ما كان عليه ~~ولا شك أن في الإبهام ثم التعيين إجلالا وإعظاما للمحدث عنه. # ولما ختم الآية التي قبلها بالتحذير من سطواته أمر بإخلاص الحج عن ~~الشوائب ناهيا بصيغة النفي تفخيما له وتأكيدا للنهي ولما كان الحج لا يقع ~~إلا فرضا قال: {فمن فرض} أي أوجب بالإحرام، وهو من الفرض وهو الحز في الشيء ~~لينزل فيه ما يسد فرضته ms0408 حسا # PageV03P138 # أو معنى فمن تعظيمه سبحانه وتعالى له أنه جعله دون سائر العبادات لا نفل ~~فيه بعد التلبس به. قال الحرالي: لأن الفرائض من لم يقمها تساقط عضوا عضوا ~~قائم دينه كما أن النوافل من لم يأت بها عري نم زينتها فكانت الفروض صحة ~~والنوافل زينة. وفي قوله: {فيهن} إشعار بصحة وقوع الحج في بعضهن وأن الحج ~~ليس كالصوم طبق زمانه، فكان من العبادات ما هو طبق زمانه كالصوم، وما يتسع ~~فيه كالصلاة، وما لا بد أن ينتهي إلى خاتمته كالحج وتقع التوسعة في الشروع ~~- انتهى {الحج} أي تلبس به كيف كان. # ولما كان في الإنسان قوى أربع: شهوانية بهيمية، وغضبية سبعية ووهمية ~~شيطانية تبعث مع مساعدة القوتين الأخريين على المنازعة والمغالبة في كل ~~شيء، وعقلية ملكية؛ وكان المقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاث لأن ~~منشأ الشرور كلها محصور فيها بالعقلية قال دالا عليها محذرا منها مرتبة: ~~{فلا رفث} أي مواجهة للنساء بشيء من أمور النكاح. ولما كان الرفث هو داعيا ~~إلى الوقاع # PageV03P139 # الذي هو فسق بالخروج عن الإحرام الصحيح قال ضاما إليه كل ما دخل في هذا ~~الاسم: {ولا فسوق} قال الحرالي: هو الخروج عن إحاطة العلم والعقل والطبع - ~~انتهى. ولما كان المراء قد يجر إلى الفسق بما يثير من الإحن وتوعير الصدور ~~فكان فسقا خاصا عظيما ضرره قال: {ولا جدال} أي مدافعة بالقول بفتل عن القصد ~~كمدافعة الجلاد باليد أو السيف ولعله عبر بهذا المصدر الذي شأنه أن يكون ~~مزيدا دون الجدل الذي معناه الدرء في الخصومة لأن # PageV03P140 # ينصب النفي على المبالغة فيفهم العفو عن أصله لأنه لا يكاد يسلم منه أحد، ~~وكذا الحال في الفسوق {في الحج} فصار الفسق واسطة بين أمرين جارين إليه ~~والجدال لكونه قد يفسد ذات البين أعظمها خطرا ويجمع ما في الرفث من الشهوة ~~وقد يكون فسقا فقد اشتمل على قبائح الكل؛ فلذلك أجمع القراء السبعة على ~~بنائه مع لا على الفتح دون ما قبله لأن البناء دال على نفي الماهية ونفيها ms0409 ~~موجب لنفي جميع أفرادها، وأما الرفع فإنما يدل على نفي فرد منكر من تلك ~~الماهية وهو لا يوجب نفي جميع الأفراد، ولأن العرب كانوا يبنون الحج على ~~النسيء ويتخالفون فيه في الموقف، فزال الجدال فيه بعد البيان بكل اعتبار من ~~جهة الخدم والعيال وغيرهم والنسيء والموقف وغيرهما من حيث إنه قد علمت ~~مشاعره # PageV03P141 # وتقررت شرائعه وأحكمت شعائره وأوضحت جميع معالمه فارتفع النزاع أصلا في ~~أمره. # قال الحرالي: فمنع في الحج من الإقبال على الخلق بما فيه كره من رفث ~~ومسابة وجدال حتى لا يقبل الخلق على الخلق في الحج إلا بما الإقبال فيه ~~إقبال على الحق بالحقيقة فما ينزه الحق تعالى عن مواجهته بما يتحامى مع ~~الخلق في زمن الحج كما تحومي ما يختص بالنفس من الأحداث في عمل الصلاة؛ وفي ~~وروده نفيا لا نهيا إعلام بأنه مناقض لحال الحج حين نفى لأن شأن ما يناقض ~~أن ينفى وشأن ما لا يناقض ويخالف أن ينهى عنه، كما قال فيما هو قابل للجدال ~~{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46] # PageV03P142 # وبين خطاب النهي والنفي فوت في الأحكام الشرعية ينبني الفقه في الأحكام ~~على تحقيقه في تأصيلها والتفريع عليها - انتهى. # ولما كانت هذه المنفيات شرا وكان التقدير: فما فعلتم من هذه المنهيات على ~~هذا الوجه الأبلغ عوقبتم عليه عطف عليه: {وما} وقال الحرالي: ولما حمي من ~~سوء معاملة الخلق مع الخلق عرض بأن يوضع موضع ذلك الإحسان فيقع في محل ~~إخراج الأنفس أن يتودد إليها بإسداء الخير وهو الإحسان من خير الدنيا، ففي ~~إعلامه تحريض على إحسان الحج بعضهم لبعض لما يجمع وفده من الضعيف والمنقطع ~~فقال: وما {تفعلوا} انتهى. أي يوجد لكم فعله في وقت من الأوقات {من خير} في ~~الحج أو غيره بتوكل في تجرد # PageV03P143 # أو تزود في تزهد أو غير ذلك من القول الحسن عوض الرفث، والبر والتقوى ~~مكان الفسق، والأخلاق الجميلة واليسر والوفاق مكان الجدال {يعلمه الله} ~~الذي له جميع صفات الكمال فيجازيكم عليه فهو أشد ms0410 ترغيب وترهيب. # ولما عمم في الحث على الخير على وجه شامل للتزود وتركه بعد التخصيص أشار ~~إلى أن الخير هو الزاد على وجه يعم الحسي والمعنوي زيادة في الحث عليه إذ ~~لا أضر من إعواز الزاد لأكثر - العباد فقال: {وتزودوا} أي التقوى لمعادكم ~~الحاملة على التزود الحسي لمعاشكم الحامل على الزهد فيما في أيدي الناس، ~~والمواساة لمحتاجهم الواقية للعبد من عذاب الله # «اتقوا النار ولو بشق تمرة» وذلك هو ثمرة التقوى؛ والزاد هو متعة ~~المسافر. ثم علل ذلك بما أنتجه بقوله {فإن خير} ، ويجوز أن يكون التقدير: ~~وتزودوا واتقوا الله في # PageV03P144 # تزودكم {فإن خير الزاد التقوى} وفي التجرد مداخل خلل في بعض نيات ~~الملتبسين بالمتوكلين من الاتكال على الخلق، فأمر الكل بالتزود سترا ~~للصنفين، إذ كل جمع لا بد فيه من كلا الطرفين - قاله الحرالي وقال: وفي ~~ضمنه تصنيفهم ثلاثة أصناف: متكل لا زاد معه فمعه خير الزادين، ومتمتع لم ~~يتحقق تقواه فلا زاد له في الحقيقة، وجامع بين التقوى والمتعة فذلك على ~~كمال السنة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «قيدها وتوكل» لأن ذلك أستر ~~للطرفين؛ وحقيقة التقوى في أمر التزود النظر إلى الله تعالى في إقامة خلقه ~~وأمره، قال بعض أهل المعرفة: من عوده الله سبحانه وتعالى دوام النظر إليه ~~بالغيبة عما سواه فقد ملك الزاد فليذهب حيث شاء فقد استطاع سبيلا - انتهى. # PageV03P145 # ولما علم من ذلك أن التقدير: فأكثروا من الزاد مصحوبا بالتقوى وكان ~~الإنسان محل النقصان فكان الإكثار حاملا له في العادة على الطغيان إلا من ~~عصم الله وقليل ما هم قال سبحانه وتعالى مؤكدا لأمر التقوى مشرفا لها ~~بالإضافة إلى نفسه الشريفة تنبيها على الإخلاص لأجل ذاته السنية لا بالنظر ~~إلى شيء من رجاء أو خوف أو اتصاف بحج # PageV03P146 # أو غيره عاطفا على ما أرشد إلى تقديره السياق: {واتقون} أي في تقواكم ~~بالتزود، وزاد الترغيب فيها بقوله: {يا أولي الألباب *} أي العقول الصافية ~~والأفهام النيرة الخالصة التي تجردت عن جميع العلائق الجسمانية فأبصرت ~~جلالة التقوى فلزمتها. ms0411 # ولما فهم من هذا الحث على الإكثار من الزاد تحركت نفوس أولي الهمم ~~الزاكية القابلة للتجرد عن الأعراض الفانية إلى السؤال عن المتجر لإنفاقه ~~في وجوه الخير هل يكره في زمان أو مكان لا سيما عند تذكر أن أناسا كانوا في ~~الجاهلية يكرهون التجارة للحاج فأجيب بقوله معلما أن قطع العلائق لمن صدق ~~عزمه وشرفت همته أولى: {ليس عليكم جناح} أي إثم في {أن تبتغوا} أي تطلبوا ~~بجد واجتهاد {فضلا} أي إفادة بالمتجر في مواسم الحج وغيرها {من # PageV03P147 # ربكم} المحسن إليكم في كل حال فلا تعتمدوا في الفضل إلا عليه، وروى ~~البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «كانت عكاظ ~~ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت ~~{ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} في مواسم الحج» . # ولما كان الاستكثار من المال إنما يكره للشغل عن ذكر الله سبب عنه الآمر ~~بالذكر في قوله {فإذا} أي فاطلبوا الفضل من ربكم بالمتجر {أفضتم} أي أوقعتم ~~الإفاضة، ترك مفعوله للعلم به أي دفعتم ركابكم عند غروب الشمس ففاضت في تلك ~~الوهاد كما يفيض الماء المنساب في منحدر الشعاب، وأصل الإفاضة الدفع بكثرة # PageV03P148 # {من عرفات} الجبل الذي وقفتم فيه بباب ربكم الموقف الأعظم الذي لا يدرك ~~الحج إلا به من معنى التعرف لما تقدمته نكرة، وليست تاؤه للتأنيث فتمنعه ~~الصرف بل هي علامة جمع المؤنث، قاصدي المبيت بالمزدلفة، وهو علم على الموقف ~~سمي بجمع {فاذكروا الله} ذا الجلال لذاته بأنواع الذكر {عند} أي قريبا من ~~{المشعر} أي المعلم ولما كان بالحرم، قال: {الحرام} وهو الجبل المسمى قزح، ~~وهو من الشعور وهو خفي الإدراك الباطن فالموقف الأول آية على نغوض الدنيا ~~ومحوها وزوالها، والثاني دال بفجره وشمسه # PageV03P149 # على البعث لمجازاة الخلائق بأعمالها؛ والتعبير بعند للإعلام بأن مزدلفة ~~كلها موقف غير محسر فإنها كلها تقاربه، ويفهم ذلك صحة الوقوف عليه بطريق ~~الأولى. قال الحرالي: وذلك حظ من الوقوف هنيهة وقت في البلد الحرام عند ~~إقبال ms0412 النهار معادلة للوقوف بعرفة من الحل إلى إقبال الليل ليتثنى الوقوف ~~في الحل والحرم. فكان فيه موقف نهار ينتهي إلى الليل في عرفة وموقف ليل ~~ينتهي إلى النهار في المشعر؛ فوقف فيه صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر ~~وقبل طلوع الشمس، وهو ذكره عنده، لأن الذكر بحسب الذاكر، فذكر اللسان ~~القول، وذكر البدن العمل، وذكر النفس الحال والانفعال، وذكر القلب المعرفة ~~والعلم واليقين ونحو ذلك، ولكل شيء ذكر بحسبه؛ وفي جمع الموقفين في الحل ~~والحرم في معلم الحج الذي هو آية الحشر إيذان وبشرى بأن أهل الموقف صنفان: ~~صنف يقفون في موطن # PageV03P150 # روع ومخافة وقوفا طويلا اعتبارا بوقوف الواقفين بعرفة من حين زوال الشمس ~~إلى غروبها ست ساعات، وصنف حظهم من الوقوف قرار في أمنة ظل العرش الذي هو ~~حرم يوم القيامة وكعبته فتشعر خفة الوقوف بالمشعر الحرام أن أمد طول ذلك ~~اليوم يمر على المستظلين بظل العرش فيه كأيسر مدة كما قال عليه الصلاة ~~والسلام بمقدار صلاة مكتوبة، فكان في ذلك فضل ما بين موقف الحرم على موقف ~~الحل - انتهى. # ولما - علم من ذكر الاسم الأعظم أن التقدير: كما هو مستحق للذكر لذاته، ~~عطف عليه قوله {واذكروه} أي عند المشعر وغيره {كما} أي على ما ولأجل ما ~~{هداكم} أيها الناس كافة للإسلام وأيها الخمس خاصة لترك الوقوف به والوقوف ~~مع الناس في موقف # PageV03P151 # أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ولما كان التقدير: فإنه بين لكم ~~بيانا لم يبينه لأحد كان قبلكم ووفقكم للعمل عطف عليه قوله: {وإن} أي فإنكم ~~{كنتم} ولما كانوا قبل عمرو بن لحي على هدى فكان منهم بعد ذلك المهتدي كزيد ~~ابن عمرو وورقة بن نوفل فلم يستغرق زمانهم بالضلال أثبت الجار فقال: {من ~~قبله} أي الهدى الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم {لمن الضآلين *} عن ~~سنن الهدى ومواقف الأنبياء علما وعملا حيث كنتم تفيضون من المشعر الحرام. # ولما قبح عليهم ما كانوا عليه من المخالفة في الوقوف بالنسبة إلى الضلال ~~بالجملة الاسمية مؤكدة ms0413 بأنواع التأكيد وكان ما مضى من ذكر الإفاضة ليس ~~بقاطع في الوجوب أشار لهم إلى تعظيم ما هداهم له من الموافقة بأداة التراخي ~~فقال عاطفا على ما تقديره: فلا تفيضوا من المشعر الحرام الإفاضة التي كنتم ~~تخالفون فيها الناس دالا على تفاوت الإفاضتين وبعد ما بينهما على وجه معلم ~~بالوجوب: {ثم} أي بعد طول تلبسكم بالضلال أنزلت عليكم في هذا الذكر الحكيم # PageV03P152 # الذي أبيتموه وهو عزكم وشرفكم لا ما ظننتم أنه شرف لكم بالتعظم على الناس ~~بمخالفة الهدى في الوقوف بالمزدلفة والإفاضة منها {أفيضوا} أي إذا قضيتم ~~الوقوف. وقال الحرالي: لما كان للخطاب ترتيب للأهم فالأهم كما كان للكيان ~~ترتيب للأسبق فالأسبق كان حرف المهلة الذي هو ثم، يقع تارة لترتيب الكيان ~~وتارة لترتيب الإخبار فيقول القائل مثلا: امش إلى حاجة كذا - تقديما في ~~الخبر الأهم - ثم ليكن خروجك من موضع كذا، فيكون السابق في الكيان متأخرا ~~بالمهلة في الإخبار، فمن معنى ذلك قوله - انتهى. ثم أفيضوا أيها الحمس! {من ~~حيث أفاض الناس} أي معظمهم وهو عرفات، إلى المشعر الحرام لتبيتوا به، وروى ~~البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كانت قريش ومن دان ~~دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمعون الحمس وكان سائر العرب # PageV03P153 # يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله سبحانه وتعالى {ثم ~~أفيضوا} » الآية، {واستغفروا الله} أي اطلبوا من ذي الجلال والإكرام أن ~~يغفر لكم ما كنتم تفعلونه أيام جاهليتكم من مخالفة الهدى في الوقوف وما ~~يبقى في الأنفس من آثار تلك العادة ومن غير ذلك من النقائص التي يعلمها ~~الله منكم. قال الحرالي: والعادات أشد ما على المتعبدين والطريق إلى الله ~~تعالى بخلعها، وقد كان جدالهم أي في وقوفهم في الحرم بغير علم لأن العلم ~~يقتضي أن الواقف خائف والخائف لا يخاف في الحرم لأن الله سبحانه وتعالى جعل ~~الحرم آمنا، فمن حق الوقوف أن يكون في الحل ms0414 فإذا أمن دخل الحرم وإذا دخل ~~الحرم أمن - انتهى. وأظهر الاسم الشريف تعريفا للمقام وإعلاما بأنه # PageV03P154 # موصوف بما يصفه به على وجه العموم من غير نظر إلى قيد ولا حيثية فقال: ~~{إن الله} ذا الكمال {غفور} أي ستور ذنب من استغفره {رحيم *} أي بليغ ~~الرحمة يدخل المستغفر في جملة المرحومين الذين لم يبد منهم ذنب فهو يفعل ~~بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم ليكون التائب من الذنب كمن لا ذنب له. # ولما أمرهم بالذكر في المناسك وكان الإنسان فيها بصدد الذكر أمرهم بالذكر ~~بعد قضائها لأن من فرغ من العبادة كان بصدد أن يستريح فيفتر عن الذكر إلى ~~غيره وكانت عادتهم أن يذكروا بعد فراغهم مفاخر آبائهم فقال: {فإذا قضيتم} ~~أي أنهيتم إنهاء بينا لا شبهة فيه {مناسككم} أي أركان الحج، وأعاد الاسم ~~الأعظم بمثل ما مضى من التعظيم وتعميم الذكر في جميع الوجوه فقال: {فاذكروا ~~الله} الذي لا نعمة عليكم إلا منه وهو الذي هداكم، # PageV03P155 # ذكرا {كذكركم آباءكم} لكونهم أحسنوا إليكم بالتربية التي هي في الحقيقة ~~من فضل الله تعالى، على أنهم فعلوا بكم كل محنة لا توازيها نعمة فإنهم ~~أضلوكم، فسبحان من رضي وهو المنعم المطلق الهادي بأن يذكر مثل ذكر من كان ~~سببا لنعمة خاصة هو سبحان الذي أفاضها عليه مع أنه كان سببا في الضلال! قال ~~الحرالي: فانتظم ذكر إخراجهم عن قولهم المعهود بإخراجهم عن موقفهم المعهود ~~إخراجا لهم عن معتادهم في أعمالهم وأحوالهم، وفي إعلامه أخذ للخلق بأن ~~يعاملوا الحق معاملة من يجلونه من الخلق وذلك عن بلية ما غلب عليهم من ~~التقيد بما يرون وضعف الإيمان بما سمعوا أو علموا. # ولما كان في هذه التربية بخس جرى عليه هذا الخطاب كما ورد «استحي من الله ~~كما تستحيي رجلا جليلا من قومك» قال تعالى: {أو أشد ذكرا} انتهى. أي اذكروا ~~الله ذكرا أعلى من ذلك # PageV03P156 # بأن تذكروه ذكرا أشد من ذكركم لآبائكم لما له من الفضل العام، ومما يدخل ~~تحت هذا الذكر أن يأنف من ms0415 أن يكون لله في عبادته أو شيء من أموره شريك كما ~~يستنكف ابن أن يكون لأبيه فيه شريك بل يكون في أمر الشرك أشد أنفة. قال ~~الحرالي: فرفع الخطاب إلى ما هو أليق بالحق من إيثار ما يرجع إليه على ما ~~يرجع إلى الخلق انتهى. # ولما أمر تعالى بما أمر من ذكره لذاته ثم لإحسانه على الإطلاق ثم قيد ~~بإفراده بذلك وترك ذكر الغير سبب عنه تقسيم الناس في قبول الأمر فقال صارفا ~~من القول عن الخطاب دلالة على العموم: {فمن الناس من} تكون الدنيا أكبر همه ~~فلا التفات # PageV03P157 # له إلى غيرها فهو {يقول} أفرد الضمير رعاية للفظ من بشارة بأن الهالك في ~~هذه الأمة إن شاء الله قليل {ربنا} أيها المحسن إلينا {آتنا في الدنيا} ~~ومفعوله محذوف تقديره: ما نريد - {و} الحال أنه {ما له} ويجوز أن يكون عطفا ~~على ما تقديره: فيعطيه ما شاء سبحانه منها لا ما طلب هو، وليس له {في ~~الآخرة من خلاق *} أي نصيب لأنه لا رغبة له فيها فهو لا يطلبها ولا يسعى ~~لها سعيها. # قال الحرالي: والخلاق الحظ اللائق بالخلق والخلق. {ومنهم من} يجعل عبادته ~~وحجه وسيلة إلى الرغبة إلى ربه ويذكر الله تعالى كما أمر فهو {يقول ربنا} ~~بإحسانك {آتنا في الدنيا} حالة وعيشة {حسنة} لا توصل بها إلى الآخرة على ما ~~يرضيك. قال الحرالي: وهي الكفاف من المطعم والمشرب والملبس # PageV03P158 # والمأوى والزوجة على ما كانت لا شرف فيها - انتهى. {وفي الآخرة حسنة} أي ~~من رحمتك التي تدخلنا بها الجنة. ولما كان الرجاء لا يصلح إلا بالخوف ~~وإعطاء الحسنة لا ينفي المس بالسيئة قال: {وقنا عذاب النار *} أي بعفوك ~~ومغفرتك. ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل لأنهم عبدوا الله أولا كما أشار ~~إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم ذكروه على تلك المراتب الثلاث فنارت قلوبهم ~~بتجلي نور جلاله سبحانه وتعالى فتأهلوا بذلك للدعاء فكان دعاؤهم كاملا، كما ~~فعل الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال: {الذي خلقني فهو يهدين} [الشعراء: ~~78] الآيات حتى قال ms0416 {رب هب لي حكما وألحقني # PageV03P159 # بالصالحين} [الشعراء: 83] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آل ~~عمران في قوله: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم ~~فآمنا ربنا فاغفر لنا} [آل عمران: 193] الآيات، فقدموا الطاعة عظم شأنهم ~~بقوله على سبيل الاستئناف جامعا على معنى من بشارة بكثرة الناجي في هذه ~~الأمة أو يكون الجمع لعظم صفاتهم: {أولئك} أي العالو المراتب العظيمو ~~المطالب {لهم} أي هذا القسم فقط لأن الأول قد أخبر أن الأمر عليه لا له. # ولما كان غالب أفعال العباد على غير السداد وأقل ما فيها أن تكون خالية ~~عن نية حسنة قال مشيرا إلى ذلك: {نصيب} وهو اسم للحظ الذي أتت عليه القسمة ~~بين جماعة، كائن {مما} لو # PageV03P160 # قال: طلبوا - مثلا، لم يعم جميع أفعالهم؛ ولو قال: فعلوا، لظن خروج القول ~~فعدل إلى قوله: {كسبوا} أي طلبوا وأصابوا وتصرفوا واجتهدوا فيه وجمعوا من ~~خلاصة أعمالهم القولية والفعلية ومنها الاعتقادية وهو ما أخلصوا فيه فهو ~~الذي يثابون عليه وهو قليل بالنسبة إلى باقي أعمالهم. # ولما كان أسرع الناس حسابا أعلمهم بفنونه خطأ وصوابا وكان التقدير: فالله ~~عالم بخفي أعمالهم وجليها وتمييز جيدها من رديئها فهو يجازيهم على حسب ذلك ~~عطف عليه قوله: {والله} أي المحيط علما وقدرة {سريع الحساب *} وهو أحصى ~~الأعمال وبيان ما يجب لكل منها الجزاء واتصاله إلى العامل لما له من سعة ~~العلم وشمول القدرة، قيل لبعضهم: كيف يحاسب الله الخلق في وقت واحد؟ قال: ~~كما يرزقهم في وقت واحد، وفيه ترغيب بأنه لا ينسى عملا، وترهيب بأنه لا ~~يمشي عليه باطل ولا يقدر على مدافعته مطاول. # PageV03P161 # ولما كان قد أمرهم بذكره عند قضاء الأركان وكان ربما فهم اقتصارهم عليه ~~في الوقت الذي كانوا يذكرون فيه آباءهم قال معمما وليكون الحث عليه آكد ~~لتكرير الندب إليه بصيغة الأمر فيكون أضخم لشأنه: {واذكروا} بالرمي، أمر ~~بالرمي وعبر عنه بالذكر ليشمل كل ذكر لسانيا كان أو غيره {الله} أي لما ~~يستحقه في ذاته من الكمال {في ms0417 أيام} ولما كانت لا تحتاج إلى غير العد ~~لكونها قليلة وبعد الأيام التي يحتاط في أمرها بالرأي وغيره حتى تكون ~~معلومات قال جامعا صفة ما لا يعقل بما اطرد فيها من الألف والتاء إذا كان ~~موصوفها جمع قلة: {معدودات} وهي أيام إقامتكم بمنى في ضيافته سبحانه لفعل ~~بقية ما عليكم من تتمات العبادات الحجية أولها # PageV03P162 # يوم القر، وهو الحادي عشر ليستقر الناس فيه بمنى، ثانيها يوم النفر ~~الأول، ثالثها يوم النفر الأعظم، والثلاثة تسمى أيام التشريق، وهى مع يوم ~~العيد تسمى أيام النحر. والأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير والذكر، ولما ~~فهم من هذا أنه لا بد من الإقامة بها - في مدة الثلاثة الأيام نفى ذلك ~~ميسرا لأن الحج يجمع القوي والضعيف والخادم والمخدوم، والضعيف في هذا الدين ~~أمير على القوي فقال مشيرا إلى أن الإنسان في ذلك الجمع الأعظم له نازعان ~~نازع ينزع إلى الإقامة في تلك الأماكن المرضية والجماعات المغفورة ونازع ~~ينزعه إلى أهله وأوطانه وعشائره وإخوانه: {فمن تعجل} منكم النفر للرجوع إلى ~~أوطانه {في يومين} منها {فلآ إثم عليه} والعجلة فعل الشيء # PageV03P163 # قبل وقته الأليق به، وقيد باليومين إعلاما بأن من أدركه غروب اليوم ~~الثاني بمنى وهو مقيم لزمه مبيت الليلة الثالثة ورمى اليوم الثالث، فإن نفر ~~قبل غروبه سقط عنه المبيت والرمي، قال في شرح المهذب: بلا خلاف، وكذا إن ~~أدركه الغروب وهو راحل قبل أن ينفصل # PageV03P164 # منها، ولم يقيد التأخر لأن نهايته باليوم الثالث معروفة من أن الأيام ~~ثلاثة. # ولما كان ذلك ربما أفهم أن المتأخر يلحقه إثم كما كان أهل الجاهلية ~~يقولون وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم قوما يسابقون إلى المعالي وكان ~~سبحانه وتعالى يريد الرفق بأهل هذا الدين ستر التصريح بالترغيب في التأخر ~~فعبر عنه أيضا بنفي الإثم كالأول بعد أن أشار إلى الترغيب فيه بالتعبير عن ~~النفر الأول بالتعجل فقال: {ومن تأخر} أي فأقام في منى إلى تمام الثلاثة ~~فرمى اليوم الثالث {فلآ إثم عليه} والتأخر إبعاد الفعل من الآن الكائن. ms0418 قال ~~الشيخ محيي الدين في شرح المهذب: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه والأصحاب: ~~يجوز النفر في اليوم الثاني من التشريق ويجوز في الثالث، وهذا مجمع عليه ~~لقوله تعالى: {فمن تعجل} - الآية، قالوا: والتأخر إلى اليوم الثالث أفضل ~~للأحاديث الصحيحة # «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر في اليوم الثالث» . # PageV03P165 # ولما كان مدار الأعمال البدنيات على النيات قيد ذلك بقوله: {لمن} أي هذا ~~النفي للإثم عن القسمين لمن {اتقى} من أهلهما فأدار أفعاله على ما يرضي ~~الله. ولما كان التقدير: فافعلوا ما شئتم من التعجل والتأخر عطف عليه ما ~~علم أنه روحه فقال: {واتقوا الله} أي الذي له الإحاطة الشاملة. ولما كان ~~الحج حشرا في الدنيا والانصراف منه يشبه انصراف أهل الموقف بعد الحشر عن ~~الدنيا فريقا إلى الجنة وفريقا إلى السعير ذكرهم بذلك بقوله: {واعلموا ~~أنكم} جميعا {إليه} لا إلى غيره {تحشرون *} بعد البعث، والحشر الجمع بكره، ~~وهو واقع على أول خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف، فاعلموا لما يكون ~~سببا في انصرافكم منه إلى دار كرامته # PageV03P166 # لا إلى دار إهانته. قال الحرالي: وكلية الحج ومناسكه مطابق في الاعتبار ~~لأمر يوم الحشر ومواقفه من خروج الحاج من وطنه متزودا كخروج الميت من ~~الدنيا متزودا بزاد العمل، ووصوله إلى الميقات وإهلاله متجردا كانبعاثه من ~~القبر متعريا، وتلبيته في حجه كتلبيته في حشره {مهطعين إلى الداع} [القمر: ~~80] كذلك اعتباره موطنا إلى غاية الإفاضة والحلول بحرم الله في الآخرة التي ~~هي الجنة، والشرب من ماء زمزم التي هي آية نزل الله لأهل الجنة على وجوه من ~~الاعتبارات يطالعها أهل الفهم واليقين، فلأجل ذلك كان أتم ختم لأحكام الحج ~~ذكر الحشر - انتهى. وهنا تم ما أراد سبحانه وتعالى من بيان قواعد الإسلام ~~الخمس: الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج، المشار إلى الثلاث الأول ~~منها بقوله تعالى أول السورة: {يؤمنون # PageV03P167 # بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] وذكر الحج لمزيد ~~الاعتناء به لاحقا للصوم بعد ذكره سابقا عليه، ولعل ذلك هو السبب في تقديم ms0419 ~~الصوم على الحج تارة وتأخيره أخرى في روايات حديث ابن عمر رضي الله تعالى ~~عنهما في الصحيح «بني الإسلام على خمس» . # ولما كان قد ذكر سبحانه وتعالى الراغب في الدنيا وحدها والراغب في ~~الدارين وكان قد بقي من الأقسام العقلية المعرض عنهما وهو مفقود فلم يذكره ~~والراغب في الآخرة فقط، وكل من الأقسام تارة يكون مسرا وتارة يكون معلنا ~~وكان المحذور منها - إنما هو المسر لإرادة الدنيا بإظهاره لإرادة الآخرة ~~وكان هذا هو المنافق بدأ به بعد ذكر التقوى والحشر ليكون مصدوعا بادىء بدء ~~بذلك الأمر مقصودا بالتهديد بالحشر وساقه بصيغة ما في أول السورة من ذكر ~~المنافقين ليتذكر السامع تلك القصص ويستحضرها بتلك الأحوال وحسن ذلك طول ~~الفصل وبعد العهد فقال: {ومن الناس من} # PageV03P168 # أي شخص أو الذي {يعجبك} أي يروقك ويأخذ بمجامع قلبك أيها المخاطب {قوله} ~~كما ذكرنا أول السورة أنه يخادع، ويعجب من الإعجاب وهو من العجب وهو كون ~~الشيء خارجا عن نظائره من جنسه حتى يكون ندرة في صنعه - قاله الحرالي. # وقال الأصبهاني: حالة تغشى الإنسان عند إدراك كمال مجهول السبب، وعن ~~الراغب أنه قال: وليس هو شيئا له في ذاته حالة بل هو بحسب الإضافات إلى من ~~يعرف السبب ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا: # PageV03P169 # ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. # ولما كان ذكر هذا بعد ذكر الحشر ربما أوهم أن يكون القول أو الإعجاب ~~واقعا في تلك الحالة قيده بقوله: {في} أي الكائن في {الحياة الدنيا} لا ~~يزداد في طول مدته فيها إلا تحسينا لقوله وتقبيحا لما يخفى من فعله وأما في ~~الآخرة فكلامه غير حسن ولا معجب {ويشهد الله} المستجمع لصفات الكمال # PageV03P170 # {على ما في قلبه} أنه مطابق لما أظهره بلسانه {وهو} أي والحال أنه {ألد ~~الخصام *} أي يتمادى في الخصام بالباطل لا ينقطع جداله كل ذلك وهو يظهر أنه ~~على الحسن الجميل ويوجه لكل شيء من خصامه وجها يصرفه عما أراد به من ~~القباحة إلى الملاحة، واللدد شدة الخصومة، والخصام القول الذي ms0420 يسمع المصيح ~~ويولج في صماخه ما يكفه عن مزعمه ودعواه - قاله الحرالي. وقال الأصبهاني: ~~هو التعمق في البحث عن الشيء والمضايقة فيه ويجوز أن يجعل الخصام ألد على ~~المبالغة - انتهى. # ولما ذكر أنه ألد شرع يذكر وجه لدده فقال عاطفا على ما # PageV03P171 # تقديره: فإذا واجهك اجتهد في إظهار أنه مصلح أو تكون جملة حالية {وإذا ~~تولى} أي أعرض بقلبه أو قاله عمن خدعه بكلامه، وكنى بالتعبير بالسعي عن ~~الإسراع في إيقاع الفتنة بغاية الجهد فقال: {سعى} ونبه على كثرة فساده ~~بقوله: {في الأرض} أي كلها بفعله وقوله عند من يوافقه {ليفسد} أي ليوقع ~~الفساد وهو اسم لجميع المعاصي {فيها} أي في الأرض في ذات البين لأجل ~~الإهلاك والناس أسرع شيء إليه فيصير له مشاركون في أفعال الفساد، فإذا فعل ~~منه ما يريد كان معروفا عندهم فكان له عليه أعوان وبين أنه يصل بإفساده إلى ~~الغاية بقوله مسميا المحروث حرثا # PageV03P172 # مبالغة: {ويهلك الحرث} أي المحروث الذي يعيش به الحيوان، قال الحرالي ~~سماه حرثا لأنه الذي نسبه إلى الخلق، ولم يسمه زرعا لأن ذلك منسوب إلى الحق ~~- انتهى. ولأنه إذا هلك السبب هلك المسبب من غير عكس {والنسل} أي المنسول ~~الذي به بقاء نوع الحيوان. قال الحرالي: وهو استخراج لطيف الشيء من جملته - ~~انتهى. وفعله ذلك للإفساد ونظمت الآية هكذا إفهاما لأن المعنى أن غرضه أولا ~~بإفساد ذات البين التوصل إلى الإهلاك وثانيا بالإهلاك التوصل إلى الإفساد ~~{والله} أي والحال أن الملك الأعظم {لا يحب الفساد *} أي لا يفعل فيه فعل ~~المحب فلا يأمر به بل ينهى عنه ولا يقر عليه بل يغيره وإن طال المدى ويعاقب ~~عليه، ولم يقل: الهلاك، لأنه قد يكون صورة فقط فيكون صلاحا كما إذا كان ~~قصاصا ولا # PageV03P173 # قال: الإفساد يشمل ما إذا كان الفساد عن غير قصد، والآية من الاحتباك، ~~ذكر أولا الإفساد ليدل على حذفه ثانيا وثانيا الإهلاك ليدل على حذفه أولا، ~~وذكر الحرث الذي هو السبب دلالة على الناسل والنسل الذي هو المسبب دلالة ms0421 ~~على الزرع فهو احتباك ثان. # ولما كان من الناس من يفعل الفساد فإذا نهى عنه انتهى بين أن هذا على غير ~~ذلك تحقيقا لألديته فقال مبشرا بأداة التحقيق بأنه لا يزال في الناس من ~~يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {وإذا قيل له} من أي قائل كان {اتق ~~الله} أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره واترك ما أنت عليه من الفساد ~~{أخذته} أي قهرته لما له من ملكة الكبر {العزة} في نفسه # PageV03P174 # لما فيها من الكبرياء والاستهانة بأمر الله، وليس من شأن الخلق الاتصاف ~~بذلك فإن العزة لله جميعا {بالإثم} أي مصاحبا للذنب، وهو العمل الرذل ~~السافل وما - لا يحل ويوجب العقوبة باحتقار الغير والاستكبار عليه. # ولما كان هذا الشأن الخبيث شأنه دائما يمهد به لنفسه التمكين مما يريد ~~سبب عنه قوله: {فحسبه} أي كفايته {جهنم} تكون مهادا له كما مهد للفساد، ~~وتخصيص هذا الاسم المنبىء عن الجهامة في المواجهة أي الاستقبال بوجه كريه ~~لما وقع منه من المواجهة لمن أمره من مثله. قال الحرالي: فلمعنى ما يختص ~~بالحكم يسمي تعالى # PageV03P175 # النار باسم من أسمائها - انتهى. {ولبئس المهاد *} هي والمهاد موطن الهدوء ~~والمستطاب مما يستفرش ويوطأ - قاله الحرالي، وقال: فيه إشعار بإمهال الله ~~عز وجل لهذه الأمة رعاية لنبيها فأحسب فاجرها وكافرها بعذاب الآخرة، ولو ~~عاجل مؤمنها بعقوبة الدينا فخلص لكافرها الدنيا ولمؤمنها الآخرة وأنبأ بطول ~~المقام والخلود فيها. # ولما أتم الخبر عن هذا القسم الذي هو شر الأقسام أتبعه خيرها ليكون ختاما ~~وبينهما تباين فإن الأول من يهلك الناس لاستبقاء نفسه وهذا يهلك نفسه ~~لاستصلاح الناس فقال: {ومن الناس من} أي شخص أو الذي {يشري} أي يفعل هذا ~~الفعل كلما لاح له وهو أنه يبيع بغاية الرغبة والانبعاث {نفسه} فيقدم على ~~إهلاكها # PageV03P176 # أو يشتريها بما يكون سبب إعتاقها وإحيائها بالاجتهاد في أوامر الله ~~بالنهي لمثل هذا الألد عن فعله الخبيث والأمر له بالتقوى والتذكير بالله، ~~وروي أنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لأنه لما هاجر ms0422 أرادت قريش رده ~~فجعل لهم ماله حتى خلوا سبيله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # «ربح البيع» فعلى هذا يكون شرى بمعنى اشترى، ثم علل ذلك بقوله: {ابتغآء} ~~أي تطلب وتسهل وتيسر بغاية ما يمكن أن يكون كل من ذلك {مرضات الله} أي رضى ~~المحيط بجميع صفات الكمال وزمان الرضى ومكانه بما دل عليه كون المصدر ميميا ~~ويكون ذلك غاية في بابه بما دل عليه من وقفه بالتاء الممدودة لما يعلم من ~~شدة رحمة الله تعالى به {والله رؤوف} أي بالغ الرحمة، # PageV03P177 # وأظهر موضع الإضمار دلالة على العموم وعلى الوصف المقتضي للرحمة والشرف ~~فقال: {بالعباد *} كلهم حيث أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة مع كفرهم به أو ~~تقصيرهم في أمره، وبين لهم الطريق غاية البيان بالعقل أولا والرسل ثانيا ~~والشرائع ثالثا والكتب الحافظة لها رابعا، ولعل الفصل بين الأقسام الأربعة ~~بالأيام المعدودات اهتماما بأمرها لكونها من فعل الحج وتأخيرها عن أخواتها ~~إشارة إلى أنها ليست من دعائم المناسك بل تجبر بدم. # ولما ختم هذين القسمين بالساعي في رضى الله عنه مشاكلة للأولين حسن جدا ~~تعقيبه بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} # PageV03P178 # ليكون هذا النداء واقعا بادىء بدء في أذن هذا الواعي كما كان المنافق ~~مصدوعا بما سبقه من التقوى والحشر مع كونه دليلا على صفة الرأفة، وتكرير ~~الأمر بالإيمان بين طوائف الأعمال من أعظم دليل على حكمة الآمر به فإنه مع ~~كونه آكد لأمره وأمكن لمجده وفخره يفهم أنه العماد في الرشاد الموجب ~~للإسعاد يوم التناد فقال: {ادخلوا في السلم} أي الإيمان الذي هو ملزم ~~لسهولة الانقياد إلى كل خير، وهو في الأصل بالفتح والكسر الموادعة في ~~الظاهر بالقول والفعل أي يا من آمن بلسانه كهذا الألد ليكن الإيمان أو ~~الاستلام بكلية الباطن والظاهر ظرفا محيطا بكم من جميع الجوانب فيحيط ~~بالقلب والقالب كما أحاط باللسان ولا يكون لغرامة الجهل وجلافة الكفر إليكم ~~سبيل {كآفة} أي وليكن جميعكم في ذلك شرعا # PageV03P179 # واحدا كهذا الذي يشري نفسه، ولا تنقسموا فيكون بعضكم هكذا ms0423 وبعضكم كذلك ~~الألد، فإن ذلك دليل الكذب في دعوى الإيمان. # ولما كان الإباء والعناد الذي يحمل عليه الأنفة والكبر فعل الشيطان وثمرة ~~كونه من نار قال: {ولا تتبعوا} أي تكلفوا أنفسكم من أمر الضلال ضد ما فطرها ~~الله تعالى عليه وسهله لها من الهدى {خطوات الشيطان} أي طرق المبعد المحترق ~~في الكبر عن الحق. قال الحرالي: ففي إفهامه أن التسليط في هذا اليوم له، ~~وفيه إشعار وإنذار بما وقع في هذه الأمة وهو واقع وسيقع من خروجهم من السلم ~~إلى الاحتراب بوقوع الفتنة في الألسنة والأسنة على أمر الدنيا وعودهم إلى ~~أمور جاهليتهم، لأن الدنيا أقطاع الشيطان كما أن الآخرة خلاصة الرحمن، فكان ~~ابتداء الفتنة منذ كسر الباب الموصد على السلم وهو عمر بن الخطاب رضي الله ~~تعالى عنه فلم يزل الهرج ولا يزال إلى أن تضع الحرب أوزارها. # PageV03P180 # ثم علل ذلك سبحانه وتعالى بقوله: {إنه لكم عدو مبين *} أي بما أخبرناكم ~~به في أمر أبيكم آدم عليه الصلاة والسلام وغير ذلك مما شواهده ظاهرة، وما ~~أحسن هذا الختم المضاد لختم التي قبلها! فإن تذكر الرأفة منه سبحانه على ~~عظمته والعبودية منا الذي هو معنى الولاية التي روحها الانقياد لكل ما يحبه ~~الولي وتذكر عداوة المضل أعظم منفر منه وداع إلى الله سبحانه وتعالى. # ولما أقام سبحانه وتعالى الأدلة على عظمته التي منها الوحدانية وأزال ~~الشبه ومحا الشكوك وذكر بأنواع اللطف والبر إلى أن ختم الآيتين بما ذكر من ~~ولايته وعداوة المضل عن طريقه سبب عن ذلك قوله {فإن زللتم} مشيرا بأداة ~~الشك إلى أنهم صاروا إلى حالة من وضوح الطريق الواسع الأمكن الأمين ~~المستقيم الأسلم يبعد معها كل البعد أن يزلوا عنه ولذلك قال: {من بعد ما ~~جاءتكم # PageV03P181 # البينات} أي بهذا الكتاب الذي لا ريب فيه. قال الحرالي: بينات التجربة ~~شهودا ونبأ عما مضى وتحققا بما وقع، وقال: إن التعبير بأن يشعر بأنهم ~~يستزلون، والتعبير بالماضي إشعار بالرجوع عنه رحمة من الله لهم كرحمته قبل ~~لأبويهم حين أزلهما الشيطان ms0424 فكما أزل أبويهم في الجنة عن محرم الشجرة أزلهم ~~في الدنيا عن شجرة المحرمات من الدماء والأموال والأعراض - انتهى. # ولما كان الخوف حاملا على لزوم طريق السلامة قال: {فاعلموا} فإن العلم ~~أعون شيء على المقاصد {أن الله} الحاوي لصفات الكمال {عزيز} لا يعجزه من زل ~~ولا يفوته من ضل {حكيم} يبرم ما لا يقدر أحد على نقض شيء منه. # PageV03P182 # ولما كان هذا الختم مؤذنا بالعذاب وكان إتيان العذاب من محل تتوقع منه ~~الرحمة أفظع وكان أنفع الأشياء السحاب لحمله الغيث والملائكة الذين هم خير ~~محض وكان الذين شاهدوا العذاب من السحاب الذي هو مظنة الرحمة ليكون أهول ~~عادا وبني إسرائيل وكان عاد قد مضوا فلا يمكن عادة سؤالهم وكان من زل بعد ~~هذا البيان قد أشبه بني إسرائيل في هذا الحال فكان جديرا بأن يشبههم في ~~المآل فيما صاروا إليه من ضرب الذلة والمسكنة وحلول الغضب والوقوع في العطب ~~قال تعالى: {هل ينظرون} أي ينتظرون إذا زلوا. سائقا له في أسلوب الإنكار، ~~وصيغة الغيبة مجردة عن الافتعال تنبيها على أن الزالين في غاية البعد عن ~~مواطن الرأفة والاستحقاق بمظهر الكبر والنقمة بإعراض السيد عن خطابهم ~~وإقباله من عذابهم على ما لم يكن في حسابهم {إلا أن يأتيهم الله} أي مجد ~~الذي # PageV03P183 # لا يحتمل شيء تجلى عظمته وظهور جلاله، كائنا مجده {في ظلل من الغمام} ظلة ~~في داخل ظلة، وهي ما يستر من الشمس فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة ~~لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها وتدمر ما أتت عليه - إلى ~~غير ذلك من أنواع المجد الذي لا يقدره حق قدره إلا الله {والملائكة} أي ~~ويأتي جنده الذين لا يعصون الله ما أمرهم، هذا على قراءة الجماعة، وعلى ~~قراءة أبي جعفر بالخفض، المعنى وظلل من الملائكة أي جماعات يملؤون الأقطار ~~ليتبادروا إلى امتثال أوامره؛ وهل ينتظرون # PageV03P184 # من القوي المحكم لما يفعل العزيز الذي يعلو أمره كل أمر إلا إتيانه ~~بالبأس إذا غضب بعد طول الحلم وتمادي الأناة ms0425 فلا يرد بأسه ولا يعارض أمره ~~وهو المراد من قوله: {وقضي} أي والحال أنه قد قضي {الأمر} أي نفذ بإهلاكهم ~~سريعا فرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى بأسرهم لا يملكون لأنفسهم شيئا {وإلى ~~الله} الذي له الإحاطة الكاملة وحده {ترجع الأمور} كلها دنيا وأخرى، فإن ~~حكمه لا يرد وقدرته لا تحد. # قال الحرالي: وإتيان الله في محل الإيمان أمر مبهم لا يناله علم العالمين ~~ويقف دونه إيمان المؤمنين، لا يأخذونه بكيف ولا يتوهمونه بوهم، وإتيان الله ~~في أوائل فهم # PageV03P185 # الفاهمين بدو أمره وخطابه في محل ما من السماء والأرض أو العرش أو الكرسي ~~أو ما شاء من خلقه؛ فهو تعالى يجل أن يحجبه كون، فحيث ما بدأ خطابه كفاحا ~~لا بواسطة فهناك هو {وناديناه من جانب الطور الأيمن} [مريم: 52] إلى: {إني ~~أنا الله} [طه: 14] وفي الكتاب الأول: جاء الله من سيناء - انتهى. وتمامه: ~~وشرق من جبل ساعير وظهر لنا من جبال فاران؛ والمراد بالأول نبوة موسى عليه ~~الصلاة والسلام وهو واضح، وبالثاني نبوة عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن جبل ~~ساعير هو جبل الجليل وهو الذي بين طبرية ومرج بني عامر، وبالثالث نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فإن فاران هي مكة المشرفة. # PageV03P186 # ولما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في الغمام لما رأى ~~أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان وما في ذلك على ~~ما نقل إليهم من وفور الهيبة وتعاظم # PageV03P186 # الجلال قال تعالى: جوابا لمن كأنه قال: كيف يكون هذا؟ {سل} بنقل حركة ~~العين إلى الفاء فاستغنى عن همزة الوصل {بني إسرائيل} أي الذين هم أحسد ~~الناس للعرب ثم استفهم أو استأنف الإخبار {كم آتيناهم} من ذلك ومن غيره # PageV03P187 # {من آية بينة} بواسطة أنبيائهم فإنهم لا يقدرون على إنكار ذلك، وسكوتهم ~~على سماعه منك إقرار منهم. وقال الحرالي: ولما كان هذا الذي أنذروا به أمرا ~~مجملا أحيلوا في تفاصيل الوقائع وتخصيص الملاحم ووقوع الأشباه والنظائر على ~~ما تقدم ووقع مثاله في بني إسرائيل لتكرار ms0426 ما وقع فيهم من هذه الأمة حذو ~~النعل بالنعل والقذة بالقذة فقال: {سل} ، استنطاقا لحالهم لا لإنبائهم ~~وإخبارهم، فالتفات النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يشهده الله من أحوال ~~بني إسرائيل وأحوال ملوكهم وأحبارهم وأيامهم وتفرقهم واختلافهم وصنوف ~~بلاياهم هو سؤاله واستبصاره لا أن يسأل واحدا فيخبره؛ انتهى - كذا قال، ~~والظاهر أنه إباحة لسؤالهم فإنه صلى الله عليه وسلم ما سألهم عن شيء وكذبوا ~~في جوابه فبين كذبهم إلا عرفوا بالكذب، كقصة حد الزنا وقضية سؤالهم عن ~~أبيهم وقضية سم الشاة ونحو هذا، وفي ذلك زيادة لإيمان من يشاهده وإقامة ~~للحجة # PageV03P188 # عليهم وغير هذا من الفوائد. # ولما كان التقدير: فكانوا إذا بدلوا شيئا من آياتنا واستهانوا به ~~عاقبناهم فشددنا عقابهم، كما دل عليه ما سقته من التوراة في هذا الديوان ~~لمن تدبر عطف عليه قوله: {ومن يبدل} من التبديل وهو تصيير الشيء على غير ما ~~كان {نعمة الله} أي الذي لا نعمة إلا منه التي هي سبب الهدى فيجعلها سببا ~~لضلال أو سببا لشكر فيجعلها سبب الكفر كائنا من كان. قال الحرالي: وأصل هذا ~~التبديل رد علم العالم عليه ورد صلاح الصالح إليه وعدم الاقتداء بعلم ~~العالم والاهتداء بصلاح الصالح وذلك المشاركة التي تقع بين العامة وبين ~~العلماء والصلحاء وهو كفر نعمة الله وتبديلها - انتهى. # ولما كان الفطن من الناس يستجلب النعم قبل إتيانها إليه والجامد الغبي # PageV03P189 # يغتبط بها بعد سبوغها عليه وكان المحذور تبديلها في وقت ما لا في كل وقت ~~قال تعالى: {من بعد ما جآءته} أي وتمكن من الرسوخ في علمها تنبيها على أن ~~من بدلها في تلك الحال فقد سفل عن أدنى الإنسان والتحق بما لا يعقل من ~~الحيوان. ولما كان التقدير: يهلكه الله، علله بقوله: {فإن الله} أي العظيم ~~الشأن {شديد العقاب *} وهو عذاب يعقب الجرم، وذكر بعض ما يدل على صدق ~~الدعوى في معرفة بني إسرائيل بما في ظهور المجد في الغمام من الرعب وما ~~آتاهم من الآيات البينات، قال في أوائل السفر ms0427 الخامس من التوراة: فاسمعوا ~~الآن يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أعلمكم لتعملوا بها وتعيشوا ~~وتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله رب آبائكم، لا تزيدوا على الوصية ~~التي أوصيكم # PageV03P190 # بها، قد رأيتم ما صنع الله ببعلصفون من أجل أن كل رجل اتبع بعلصفون أهلكه ~~الله ربكم من بينكم وأنتم الذين تبعتم الله ربكم أنتم أحياء - سالمون إلى ~~اليوم، انظروا أني قد علمتكم السنن والأحكام كما أمرني الله لتعملوا بها ~~الأرض التي تدخلونها وتحفظوها وتعملوا بها، لأنها حكمتكم وفهمكم تجاه ~~الشعوب التي تسمع منكم هذه السنن كلها ويقولون إذا سمعوها: ما أحكم هذا ~~الشعب العظيم! وما أحسن فهمه! أي شعب عظيم إلهه قريب منه مثل الله ربنا ~~فيما دعوناه! وأي شعب عظيم له سنن وأحكام معتدلة مثل هذه السنة التي أتلو ~~عليكم اليوم! ولكن احتفظوا واحترسوا بأنفسكم ولا تنسوا جميع الآيات التي ~~رأيتم ولا تزل عن قلوبكم كل أيام حياتكم بل علموها بنيكم وبني بنيكم ~~وأخبروهم بما رأيتم يوم وقفتم أمام الله ربكم في حوريب يوم قال الرب: اجمع ~~هذا الشعب أمامي لأسمعهم آياتي ويتعلموا أن يتقوني كل أيام حياتهم على ~~الأرض # PageV03P191 # ويعلموا بنيهم أيضا وتقدمتم وقمتم في سفح الجبل والجبل يشتعل نارا يرتفع ~~لهيبها إلى جو السماء ورأيتم الظلة والضباب والسحاب فكلمكم الرب في الجبل ~~من النار، كنتم تسمعون صوت الكلام ولم تكونوا ترون شبها، فأظهر لكم عهده ~~وأمركم أن تعلموا العشر آيات. # وكتبها على لوحين من حجارة، احترسوا واحتفظوا بأنفسكم جدا لأنكم لم تروا ~~شبها في اليوم الذي كلمكم الله ربكم من الجبل من النار، احتفظوا، لا تفسدوا ~~ولا تتخذوا أصناما وأشباهها من كل جنس شبه ذكر أو أنثى أو شبه بهيمة في ~~الأرض أو شبه كل طير في الهواء أو شبه كل هوام الأرض، ولا ترفعوا أعينكم ~~إلى السماء وتنظروا إلى الشمس والقمر والكواكب وإلى كل أجناد السماء وتضلوا ~~بها وتسجدوا لها وتعبدوها، التي اتخذها جميع الشعوب الذين تحت السماء؛ فأما ~~أنتم فقربكم الله وأخرجكم من كور الحديد ms0428 من أرض مصر لتصيروا له ميراثا ~~كاليوم - هذا نصه وقد تقدم ذلك مستوفى من السفر الثاني من التوراة عند قوله ~~تعالى: {وإذ استسقى موسى لقومه} [البقرة: 60] فكان الرجوع إلى قص ما يريد ~~الله سبحانه وتعالى # PageV03P192 # من أحوال بني إسرائيل للأغراض الماضية على غاية ما يكون من الأحكام وفي ~~الذروة العليا من حسن الانتظام وتجلي الملائكة في ظلل الغمام أمر مألوف منه ~~ما في الصحيح عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: # «كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة ~~فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر؛ فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكر له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن» وعن عمران بن حصين رضي الله ~~تعالى عنه «أنه بينما هو يقرأ سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس، ~~فسكت وسكنت، ثم قرأ فجالت، فانصرف؛ فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال: فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فرفعت حتى ~~لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو ~~قرأت لأصبحت # PageV03P193 # ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم» . # ولما تقدم من الأمر بالسلم والتهديد على الزلل عنه ما يقتضي لزومه حتما ~~كان كأنه قيل: ما فعل من خوطب بهذه الأوامر وقمع بتلك الزواجر؟ فقيل: أبى ~~أكثرهم، فقيل: إن هذا لعجب! ما الذي صدهم؟ فقيل: تقدير العزيز الذي لا ~~يخالف مراده الحكيم الذي يدق عن الأفكار استدراجه، فقيل: كيف يتصور من ~~العاقل كفر النعمة؟ فبين أن سبب ذلك غالبا الترفع والتعظم والكبر والبطر ~~فرحا بما في اليد وركونا إليه وإعراضا عما خبىء في خزائن الله في حجب ~~القدرة فقال مستأنفا بانيا للمفعول دلالة على ضعف عقولهم بأنهم يغترون بكل ~~مزين {زين} قال الحرالي: من التزيين بما منه الزينة. # PageV03P194 # وهي بهجة العين التي لا تخلص إلى باطن المزين - انتهى. {للذين كفروا} حتى ~~بدلوا النعمة {الحياة الدنيا} لحضورها فألهتهم عن غائب الآخرة. قال ~~الحرالي: ففي ضمنه إشعار بأن ms0429 استحسان بهجة الدنيا كفر ما من حيث إن نظر ~~العقل والإيمان يبصر طيتها ويشهد جيفتها فلا يغتر بزينتها وهي آفة الخلق في ~~انقطاعهم عن الحق، وأبهم تعالى المزين في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين ~~الواقع على لسان الشيطان وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في ~~قوله تعالى: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} [الأنعام: 108] . # ولما ذكر ذلك بين حالهم عنده فقال: {ويسخرون} أي والحال أنهم لا يزالون ~~يسخرون أي يوقعون السخرية، وهي استزراء # PageV03P195 # العقل هزؤا. وقال الحرالي: هي استزراء العقل معنى بمنزلة الاستسخار في ~~الفعل حسا {من الذين آمنوا} لما هم فيه من الضعف والحاجة لإعراضهم عن ~~الدنيا رغبة فيما عند الله لما وهبهم الله سبحانه وتعالى من العلم الخارق ~~لتلك الحجب الكاشف لأستار المغيب ولأن الله يزوي عنهم الدنيا ويحميهم منها ~~رغبة بهم عنها لكرامتهم عليه كما يحمي الإنسان حبيبه الطعام والشراب إن كان ~~مريضا لكرامته عليه فصار الكفار بهذا التزيين مع ما بوأناهم من الهوان ~~بأنواع التهديد التي لا مرية في قدرتنا عليها مشغولين بلعاعة من العيش فهم ~~راضون بأحوالهم مسرورون بها بحيث إنهم لا ينظرون في عاقبة بل مع الحالة ~~الراهنة فيهزؤون بأهل الحق متعامين عن البينات معرضين عن التهديد تاركين ~~الاستبصار بأحوال بني إسرائيل. # ولما كان الاستسخار بذوي الأقدار مرا وللنفوس مضرا قال تعالى مبشرا ~~بانقلاب الأمر في دار الخلد مرغبا في التقوى بعد الإيمان: {والذين اتقوا} ~~أي آمنوا خوفا من الله تعالى، فأخرج المنافقين والذين يمكن دخولهم في ~~الجملة الماضية {فوقهم} في # PageV03P196 # الرزق والرتبة والمكان بدليل {أفيضوا} [الأعراف: 50] وآية {إني كان لي ~~قرين} [الصافات: 51] وكل أمر سار {يوم القيامة} فهم يضحكون منهم جزاء بما ~~كانوا يفعلون. # ولما كان تبدل الأحوال قريبا عندهم من المحال كان كأنه قيل في تقريب ذلك: ~~برزق من عند الله يرزقهموه {والله} بعز سلطانه وجلال عظمته وباهر كرمه ~~{يرزق من يشاء} أي في الدنيا وفي الآخرة ولو كان أفقر الناس وأعجزهم. ولما ~~كان الإعطاء جزافا لا يكون إلا عن كثرة ms0430 وبكثرة قال: {بغير حساب *} أي رزقا ~~لا يحد ولا يعد، لأن كل ما دخله الحد فهو محصور متناه يعد، وفي هذه الأمة ~~من لا يحاسبه الله على ما آتاه فهي في # PageV03P197 # حقه على حقيقتها من هذه الحيثية. # ولما كان كأنه قيل: هل كان هذا الكفر والتزيين من بدء الأمر أم هو شيء ~~حدث فيكون حدوثه أعجب؟ فقيل: لا فرق عند الحكيم بين هذا وذاك، فإن قدرته ~~على الكبير والصغير والجاهل والعليم والطائش والحليم على حد سواء على أن ~~الواقع أن ذلك شيء حدث بعد البيان والواضح {كان الناس} أي كلهم {أمة} أي ~~مجتمعين على شيء واحد يؤم بعضهم بعضا ويقتدي بعضهم بعضا ثم أكد اجتماعهم ~~فقال: {واحدة} أي على الصراط المستقيم فزل بعضهم فاختلفوا وتفرقت بهم السبل ~~كما في آية يونس {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} [يونس: 19] وعلى ~~هذا أكثر المحققين كما قاله الأصفهاني وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده ~~بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: على الإسلام كلهم # PageV03P198 # {فبعث الله} أي الذي لا حكم لغيره {النبيين} الذين رفعهم الله تعالى على ~~بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره وأرسلهم إلى خلقه {مبشرين} لمن أطاع، ~~وهو جار مجرى حفظ الصحة، ولأنه مقصود بالذات قدم {ومنذرين} لمن عصى، وذلك ~~جار مجرى إزالة المرض بالدواء. قال الحرالي: فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء ~~من الهداية شيء وإنما هم مستجلون لأمر جبلات الخلق وفطرهم فيبشرون من فطر ~~على خير وينذرون من جبل على شر، لا يستأنفون أمرا لم يكن بل يظهرون أمرا ~~كان مغيبا، وكذلك حال كل إمام وعالم في زمانه يميز الله الخبيث من الطيب - ~~انتهى. {وأنزل معهم الكتاب} أي كلامه الجامع للهداية. # قال الحرالي: إبراما لثني الأمر المضاعف ليكون الأمر بشاهدين أقوى منه ~~بشاهد واحد فقد كان في الرسول كفاية وفي الكتاب وحده كفاية لكن الله تعالى ~~ثنى الأمر وجمع الكتاب # PageV03P199 # والرسول لتكون له الحجة البالغة - انتهى. {بالحق} أي الثابت كل ثبات ~~{ليحكم} أي ms0431 الله بواسطة الكتاب {بين الناس فيما اختلفوا فيه} من الدين الحق ~~الذي كانوا عليه قبل ذلك أمة واحدة فسلكوا بهم بعد جهد السبيل الأقوم ثم ~~ضلوا على علم بعد موت الرسل فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب {وما ~~اختلف فيه} أي الكتاب الهادي للحق الذي لا لبس فيه المنزل لإزالة الاختلاف ~~{إلا الذين} ولما كان العالم يقبح منه مخالفة العلم مطلقا لا بقيد كونه من ~~معلم مخصوص بني للمفعول {أوتوه} أي فبدلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف ~~فيما أنزل لرفع الخلاف، ففي هذا غاية التعجيب وإظهار القدرة الباهرة التي ~~حملتهم على ذلك. # PageV03P200 # ولما كان الخلاف ربما كان عن أمر غامض بين أن الأمر على غير ذلك فقال ~~مشيرا بإثبات الجار إلى أنه لم يستغرق الزمان {من بعد ما جاءتهم البينات} ~~أي الدلائل العقلية والنقلية التي ثبتت بها النبوة التي ثبت بها الكتاب. ~~قال الحرالي: الجامعة لآيات ما في المحسوس وآيات ما في المسموع، فلذلك كانت ~~البينات مكملة لاجتماع شاهديها - انتهى. # ولما كان هذا محل السؤال عن السبب بين أنه الحسد والاستطالة عدولا عن ~~الحق محبة لما زين من الدنيا وتنافسا فيها فقال: {بغيا} قال الحرالي: ~~والبغي أعمال الحسد بالقول والفعل قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث لا يسلم ~~منهن أحد» ومنهن متحلي الحسد والطيرة والظن، فإذا حسدت فلا تبغ لأن الحسد ~~واقع في النفس كأنها مجبولة عليه فلذلك عذرت فيه؛ فإذا استعملت بحسبه ~~مقالها وفعالها # PageV03P201 # كانت باغية - انتهى. وزاده عجبا بقوله {بينهم} أي لا بغيا على غيرهم ~~فبدلوا من كل جهة. # ولما ذكر إنزال الكتاب وسببه ذكر ما تسبب عنه فقال عاطفا على ما تقديره: ~~فعموا عن البينات: {فهدى الله} في إسناده إلى الاسم الأعظم كما قال الحرالي ~~إعلام بأنه ليس من طوق الخلق إلا بعون وتوفيق من الحق - انتهى. {الذين ~~آمنوا} أي بالنبيين ببركة إيمانهم {لما اختلفوا} أي أهل الضلالة {فيه} ثم ~~بينه بقوله: {من الحق} ويجوز أن تكون تبعيضية لما عموا عنه # PageV03P202 # من الحق الذي نزل به الكتاب الذي ms0432 جاء به النبيون {بإذنه} أي بما ارتضاه ~~لهم من علمه وإرادته وتمكينه. قال الحرالي: فيه إشعار بما فطرهم عليه من ~~التمكين لقبوله لأن الإذن أدناه التمكين وإزالة المنع - انتهى. {والله} أي ~~المحيط علما وقدرة {يهدي من يشاء} أي بما له من أوصاف الكمال {إلى صراط ~~مستقيم *} قال الحرالي: هذا هدى أعلى من الأول كأن الأول هدى إلى إحاطة علم ~~الله وقدرته وهذا هدى إليه، وفي صيغة المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم ~~إلى ختم اليوم المحمدي # «لا تزال طائفة من # PageV03P203 # أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله» انتهى. ولما أفهم ما صرح به ~~الكلام السابق من الاختلاف وقوع العداوات وكان في العداوات خطر الأموال ~~والأنفس وكان ذلك أشق ما يكون وكانت العادة قاضية بأن المدعوين إلى ذلك إن ~~لم يصممواعلى الآيات كانوا بين مستثقلين لأمر الرسل يرون أنهم يفرقون ما ~~اتفق من الكلمة ورضي به الناس لأنفسهم ويشتتون أمرهم مستثقلين لطول انتظار ~~الانتصار كان حالهم حال من يطلب الراحات في ذرى الجنات بلا مشقات وذلك محال ~~ومحض ضلال، فإن الثبات على الصراط المستقيم لا يكون إلا باحتمال شدائد ~~التكاليف فكان كأنه قيل في جواب ذلك عدولا عن خطاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم المقول له {سل بني إسرائيل} [البقرة: 212] إلى خطاب الأتباع تشريفا له ~~عن ذلك ورفعا # PageV03P204 # لهممهم بالمواجهة بالخطاب والتأسية بمن مضى من أولي الألباب تنشيطا لهم ~~وتقوية لعزائمهم: أحسبتم أنا لا نرسل الرسل لتمييز الخبيث من الطيب {أم ~~حسبتم} بعد إرسالهم أن الأمر هين بأن تنالوا السعادة بلا اجتهاد في ~~العبادة. قال الحرالي: هو مما منه الحسبان وهو ما تقع غلبته فيما هو من نوع ~~المفطور عليه المستقر عادته، والظن الغلبة فيما هو من المعلوم المأخوذ ~~بالدليل والعلم؛ فكأن ضعف علم العالم ظن وضعف عقل العاقل حسبان - انتهى. ~~وهذا الذي قدرته هو معنى {أن تدخلوا الجنة} أي التي هي نعيم دائم {و} الحال ~~أنه # PageV03P205 # {لما يأتكم مثل} أي وصف {الذين خلوا} ولما كان القرب في الزمان أشد ms0433 في ~~التأسية أثبت الجار فقال: {من قبلكم} أي يقص عليكم لتعلموا به أو يصيبكم ما ~~أصابهم من الأحوال الغريبة والقضايا العجيبة التي هي في غرابتها كالأمثال. ~~وقال الحرالي: وأم عطف على أمور يفهمها مبدأ الخطاب كأنه يقول: أحسبتم أن ~~تفارق أحوالكم أحوال الأمم الماضية في حكمة الله وسنته ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا إلى ما يستجره معنى الخطاب إجمالا وتفصيلا في واقع الدنيا من ~~شدائدها وحرها وبردها وضيق عيشها وأنواع أذاها وحال البرزخ وحال النشر ~~والحشر إلى ما وراء ذلك إلى غاية دخول الجنة فكان عند انتهاء ذلك بادئة ~~خطاب {أم حسبتم} تجاوزا لما بين أول البعث وغاية دخول الجنة - انتهى. ونبهت ~~لما التي فيها معنى التوقع لأنها في النفي نظيرة قد في الإثبات على أنه كان ~~ينبغي لهم أن يكون دخولهم # PageV03P206 # في الدين على بصيرة من حصول الشدائد لكثرة المخالف والمعاند فيكونوا ~~متوقعين في كل وقت مكابدة القوارع وحلول الصوادع والصوارع ليكون ذلك أجد في ~~أمرهم وأجدر لهم بالثبات والارتقاء إلى أعلى الدرجات. # ولما كان كأنه قيل: ما ذلك المثل؟ أجيب بيانا بقوله: {مستهم البأساء} أي ~~المصائب في الأموال {والضراء} أي في الأنفس - نقله أبو عبيد الهروي عن ~~الأزهري، والأحسن عندي عكسه، لأن البأس كثير الاستعمار في الحرب والضر كثير ~~الاستعمال في الفقر؛ أي جزاء لهم كما قال الحرالي على ما غيروا مما يجلب ~~كلا منهما ولكل عمل جزاء {وزلزلوا} لأمور باطنة من خفايا القلوب # PageV03P207 # انتهى. والمعنى أنهم أزعجوا بأنواع البلايا والرزايا والأهوال والأفزاع ~~إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة التي تكاد تهد الأرض وتدك الجبال {حتى يقول} ~~رفعه نافع على حكاية الحال في وقتها بمعنى أن الغاية والمغيا قد وجدا ومضيا ~~فهما ماضيان وكأنك تحكي ذلك حين وقوعه مثل من يقول عن مريض يشاهده: مرض حتى ~~لا يرجونه، فإن النصب بتقدير أن وهي علم الاستقبال فهي لا تنصب إلا مضارعا ~~بمعناه؛ ونصبه الجماعة على حكاية الحال أيضا لكن بتقدير أن الزلزال مشاهد ~~والقول منتظر حقق ذلك المتبين حتى يقول: # PageV03P208 # {الرسول} ms0434 وهو أثبت الناس {والذين آمنوا معه} وهم الأثبت بعده لطول تمادي ~~الزمان فيما مسهم وعبر بالمضارع تصويرا لحالهم وإشارة إلى تكرير ذلك من ~~مقالهم. وقال الحرالي: فذكر قول الرسول الواقع في رتبة الذين آمنوا معه لا ~~قوله فيما يخصه في ذاته وحده ومن هو منه أو متبعه، لأن للنبي ترتبا فيما ~~يظهر من قول وفعل مع رتب أمته، فكان قول الرسول المنبىء عن حالهم {متى نصر ~~الله} فكأنهم في مثل ترقب المتلدد الحائر الذي كأنه وإن وعد بما هو الحق ~~يوقع له التأخير صورة الذي انبهم عليه الأمر لما يرى من اجتثاث أسباب ~~الفرج، ففي إشعاره إعلام بأن الله سبحانه وتعالى إنما يفرج # PageV03P209 # عن أنبيائه ومن معهم بعد انقطاع أسبابهم ممن سواه ليمتحن قلوبهم للتقوى ~~فتتقدس سرائرهم من الركون لشيء من الخلق وتتعلق ضمائرهم بالله تعالى وحده ~~حتى يقول صلى الله عليه وسلم: «لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر ~~عبده، وهزم الأحزاب وحده» إعلاما بأن الله سبحانه وتعالى ناصره دون حجاب ~~ولا وسيلة شيء من خلقه، كذلك سنته مع رسله {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا} [غافر: 51] وعلى ذلك جرت خوارق العادات للأولياء وأهل ~~الكرامات لا يكاد يقع لهم إلا عن ضرورة قطع الأسباب، وفي قراءة النصب إعراب ~~بأن غاية الزلزال القول، وفي الرفع إعراب عن غاية الزلزال وأنه أمر مبهم، ~~له وقع في البواطن والظواهر، أحد تلك الظواهر وقوع هذا القول، ففي الرفع ~~إنباء باشتداد الأمر بتأثيره في ظاهر القول وما وراءه - انتهى. وهو في ~~النصب واضح فإن حتى مسلطة على الفعل، وأما في الرفع فهي مقطوعة عن الفعل ~~لأنها لم تعمل فيه لمضيه لتذهب النفس في الغاية كل مذهب ثم استؤنف شيء # PageV03P210 # من بيانها بالفعل. # ولما كان معنى الكلام طلب النصر واستبطاء الأمر أجابهم تعالى إجابة ~~المنادي في حال اشتداد الضر بقوله: {ألا} قال الحرالي: استفتاحا وتنبيها ~~وجمعا للقلوب للسماع {إن} تأكيدا وتثبيتا {نصر الله} الذي لا سبب له إلا ~~العناية من ملك الملوك ms0435 بعد قطع كل سبب من دونه {قريب *} لاستغنائه عن عدة ~~ومدة، ففي جملته بشرى بإسقاط كلفة النصر بالأسباب والعدد والآلات المتعية، ~~والاستغناء بتعلق القلوب بالله، ولذلك إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها، ~~لأن نصرتها بتقوى القلوب لا بمدافعة الأجسام، فلذلك تفتح خاتمة هذه الأمة ~~«قسطنطينية الروم بالتسبيح والتكبير» قال صلى الله عليه وسلم: «إنا إذا ~~نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» فانعطف ذلك على ما أراده الله تبارك ~~وتعالى بأنبيائه وأصفيائه من اليسر الذي كماله لهذه الأمة فأراد بهم اليسر ~~في كل حال - انتهى. وفي بعض الآثار: إنما تقاتلون الناس بأعمالكم، والحاصل ~~أنه لا يكفي مجرد ادعائهم الدخول في السلم بل لا بد من إقامة البينة بالصبر # PageV03P211 # على ما يمتحنهم كما امتحن الأمم الخالية والقرون الماضية، فانظر هذا ~~التدريب في مصاعد التأديب، وتأمل كيف ألقي إلى العرب وإن كان الخطاب لمن ~~آمن ذكر القيامة في قوله: {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة} [البقرة: 212] ~~والجنة في قوله: {أن تدخلوا الجنة} [البقرة: 214] وهم ينكرونهما إلقاء ما ~~كأنه محقق لا نزاع فيه تأنيسا لهم بذكرهما، وانظر ما في ذلك من بدائع ~~الحكم. # PageV03P212 # ولما كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين {ومما ~~رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] ثم كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أن ~~أمر بها في أول آيات الحج الماضية آنفا مع أنها من دعائم بدايات الجهاد إلى ~~أن تضمنتها الآية السالفة مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع ~~السؤال عنهما فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش وذلك مؤيد لما ~~فهمته في البأساء والضراء فإن استعماله في القرآن أكثر من المرتب فقال ~~معلما لمن سأل: هل سأل المخاطبون بذلك عنهما؟ {يسئلونك ماذا} أي أي شيء # PageV03P212 # {ينفقون} من الأموال. وقال الحرالي: لما كان منزل القرآن على نحو متصرف ~~المرء في الأزمان كان انتظام خطابه متراجعا بين خطاب دين يتلقى عن الله ~~وبين إقامة بحكم يكون العبد فيه خليفة الله في نفاذ أمره وبين إنفاق يكون ~~فيه خليفة ms0436 في أيصال فضله، لأن الشجاعة والجود - خلافة والجبن والبخل عزل ~~عنها، فكان في طي ما تقدم من الخطاب الإحسان والإنفاق، وكان حق ذلك أن لا ~~يسأل عماذا ينفق، لأن المنفق هو الفضل كله، قال صلى الله عليه وسلم: «يا ~~ابن آدم! إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك» ففي هذا السؤال ممن سأله ~~له نوع تلدد من نحو ما تقدم لبني إسرائيل في أمر البقرة من مرادة المسألة، ~~لم يستأذن الصديق رضي الله تعالى عنه حين أتى بماله كله ولا استأذن عمر رضي ~~الله عنه حين أتى بشطر # PageV03P213 # ماله ولا استأذن سعد بن الربيع حين خرج لعبد الرحمن بن عوف رضي الله ~~تعالى عنهما عن شطر ماله وإحدى زوجتيه؛ فكان في هذا السؤال إظهار مثل الذين ~~خلوا من قبلهم ولولا أن الله رحيم لكان جوابهم: تنفقون الفضل، فكان يقع ~~واجبا ولكن الله لطف بالضعيف لضعفه وأثبت الإنفاق وأبهم قدره في نكس ~~الإنفاق بأن يتصدق على الأجانب مع حاجة من الأقارب فقال تعالى خطابا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وإعراضا منه عن السائلين لما في السؤال من التبلد ~~الإسرائيلي - انتهى. فقال: {قل ما أنفقتم من خير} أي من مال وعدل عن بيان ~~المنفق ما هو إلى بيان المصرف لأنه أنفع على وجه عرف منه سؤالهم وهو كل مال ~~عدوه خيرا فقال معبرا بالماضي ليكون أشمل: {ما أنفقتم من خير} فعمم المنفق ~~منه وهو كل ماله تعدونه خيرا وخص المصرف مبينا أهمه لأن النفقة # PageV03P214 # لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها فقال: فللوالدين} لأنهما أخرجاه إلى ~~الوجود في عالم الأسباب {والأقربين} لما لهم من الحق المؤكد بأنهم كالجزء ~~لما لهم من قرب القرابة {واليتامى} لتعرضهم للضياع لضعفهم. # وقال الحرالي: لأنهم أقارب بعد الأقارب باليتم الذي أوجب خلافة الغير ~~عليهم - انتهى {والمساكين} لمشاركتهم الأيتام في الضعف وقدرتهم في الجملة ~~على نوع كسب. # PageV03P215 # قال الحرالي: وهم المتعرضون لغة والمستترون الذين لا يفطن لهم ولا يجدون ~~ما يغنيهم شرعا ولغة نبوية - انتهى. {وابن ms0437 السبيل} لضعفه بالغربة والآية ~~محكمة فحمل ما فيها على ما يعارض غيرها. # ولما خص من ذكر عمم وبشر بقوله: {وما تفعلوا من خير} أي مما يعد خيرا من ~~عين أو معنى من هذا أو غيره مع هؤلاء أو غيرهم {فإن الله} المحيط علما ~~وقدرة بكل شيء. ولما كان على طريق الاستئناف في مقام الترغيب والترهيب ~~لكونه وكل الأمر إلى المنفقين وكان سبحانه عظيم الرفق بهذه الأمة أكد علمه ~~بذلك فقدم بذلك فقدم الظرف إشارة إلى أن له غاية النظر إلى أعمالهم الحسنة ~~فقال: {به عليم *} أي بالغ العلم # PageV03P216 # وهو أولى من جازى على الخير. وقال الحرالي: ختم بالعلم لأجل دخول الخلل ~~على النيات في الإنفاق لأنه من أشد شيء تتباهى به النفس فيكاد لا يسلم لها ~~منه إلا ما لا تعلمه شمالها التي هي التفاتها وتباهيها ويختص بيمينها التي ~~هي صدقها وإخلاصها - انتهى. ولما أخبروا بما سألوا عنه من إحدى الخصلتين ~~المضمنتين لآية الزلزال كان ذلك موضع السؤال عن الأخرى فأجيبوا على طريق ~~الاستئناف بقوله: {كتب} . وقال الحرالي: لما التف حكم الحج بالحرب تداخلت ~~آيات اشتراكهما وكما تقدم تأسيس فرض الحج في آية {فمن فرض فيهن الحج} ~~[البقرة: 197] انتظم به كتب القتال، والفرض من الشيء ما ينزل بمنزلة الجزء ~~منه، والكتب ما خرز بالشيء فصار كالوصلة فيه، كما جعل الصوم لأن في الصوم ~~جهاد النفس كما أن في القتال جهاد العدو، فجرى ما شأنه # PageV03P217 # المدافعة بمعنى الكتب وما شأنه العمل والإقبال بمعنى الفرض، وهما معنيان ~~مقصودان في الكتاب والسنة تحق العناية بتفهمهما لينزل كل من القلب في محله ~~ويختص النية في كل واحد على وجهه وقد كان من أول منزلة آي القتال {أذن ~~للذين يقاتلون} [الحج: 39] فكان الأول إذنا لمن شأنه المدافعة عن الدين ~~بداعية من نفسه من نحو ما كانت الصلاة قبل الفرض واقعة من الأولين بداعية ~~من حبهم لربهم ورغبتهم إليه في الخلوة به والأنس بمناجاته فالذين كانت ~~صلاتهم حبا كان الخطاب لهم بالقتال إذنا لتلفتهم إليه في ms0438 بذل أنفسهم لله ~~الذين كان ذلك حبا لهم يطلبون الوفاء به حبا للقاء ربهم بالموت كما أحبوا ~~لقاء ربهم بالصلاة «حين عقلوا» وأيقنوا أنه لا راحة لمؤمن إلا في لقاء ربه، ~~فكان من عملهم لقاء ربهم بالصلاة في السلم، وطلب لقائه بالشهادة «في الحرب» ~~، فلما اتسع أمر الدين ودخلت الأعراب والأتباع الذين لا يحملهم صدق المحبة ~~للقاء الله على البدار للجهاد نزل كتبه كما نزل فرض الصلاة # PageV03P218 # استدراكا فقال: {كتب عليكم القتال} أي أيتها الأمة! وكان في المعنى راجعا ~~لهذا الصنف الذين يسألون عن النفقة، وبمعنى ذلك انتظمت الآية بما قبلها ~~فكأنهم يتبلدون في الإنفاق تبلدا إسرائيليا ويتقاعدون عن الجهاد تقاعد أهل ~~التيه منهم الذين قالوا: # {اذهب أنت وربك فقاتلا} [المائدة: 24] انتهى. {وهو كره} وهو ما يخالف غرض ~~النفس وهواها، ولعله لكونه لما كان خيرا عبر باللام في {لكم} وهذا باعتبار ~~الأغلب وهو كما قال الحرالي عند المحبين للقاء الله من أحلى ما تناله ~~أنفسهم حتى كان ينازع الرجل منهم في أن يقف فيقسم على الذي يمسكه أن يدعه ~~والشهادة، قال بعض التابعين: لقد أدركنا قوما كان # PageV03P219 # الموت لهم أشهى من الحياة عندكم اليوم وإنما كان ذلك لما خربوه من دنياهم ~~وعمروه من أخراهم فكانوا يحبون النقلة من الخراب إلى العمارة - انتهى. # ولما كان هذا مكروها لما فيه على المال من المؤونة وعلى النفس من المشقة ~~وعلى الروح من الخطر من حيث الطبع شهيا لما فيه من الوعد بإحدى الحسنيين من ~~حيث الشرع أشار إلى ذلك بجملة حالية فقال: {وعسى أن} وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى في سورة براءة من شرح معاني {عسى} ما يوضح أن المعنى: وحالكم جدير ~~وخليق لتغطية علم العواقب عنكم بأن {تكرهوا شيئا} أي كالغزو # PageV03P220 # فتعرضوا عنه لظنكم أنه شر لكم {وهو} أي والحال أنه {خير لكم} لما فيه من ~~الظفر والغنيمة أو الشهادة والجنة فإنكم لا تعلمون والذي كلفكم ذلك عالم ~~بكل شيء غير محتاج إلى شيء وما كلفكم ذلك إلا لنفعكم. قال الحرالي: فشهد ms0439 - ~~لهم لما لم يشهدوا مشهد الموقنين الذين يشاهدون غيب الإيمان كما يشهدون عن ~~الحس، كما قال ثعلبة: «كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون وأنظر إلى ~~أهل النار في النار يعذبون» ولم يبرم لهم الشهادة ولكن ناطها بكلمة {عسى} ~~لما علمه من ضعف قبول من خاطبه بذلك، وفي إعلامه إلزام بتنزل العلي الأدنى ~~رتبة لما أظهر هذا الخطاب من تنزل الحق في مخاطبة الخلق إلى حد مجاوزة ~~المترفق في الخطاب - انتهى. # ولما رغبهم سبحانه وتعالى في الجهاد بما رجالهم فيه من الخير رهبهم من ~~القعود عنه بما يخشى فيه من الشر. قال الحرالي: فأشعر أن المتقاعد له في ~~تقاعده آفات وشر في الدنيا والآخرة ليس أن لا ينال خير الجهاد فقط بل وينال ~~شر التقاعد والتخلف - انتهى. # PageV03P221 # فقال تعالى: {وعسى أن تحبوا شيئا} أي كالقعود فتقبلوا عليه لظنكم أنه خير ~~لكم {وهو} أي والحال أنه {شر لكم} لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة ~~والأجر وليس أحد منكم إلا قد جرب مثل ذلك مرارا في أمور دنياه، فإذا صح ذلك ~~في فرد صار كل شيء كذلك في إمكان خيريته وشريته فوجب ترك الهوى والرجوع إلى ~~العالم المنزه عن الغرض ولذلك قال عاطفا على ما تقديره: فالله قد حجب عنكم ~~سر التقدير {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {يعلم} أي له علم كل شيء ~~وقد أخبركم في صدر هذا الأمر أنه رؤوف بالعباد فهو لا يأمركم إلا بخير. # وقال الحرالي: شهادة بحق العلم يرجع إليها عند الأغبياء في تنزل الخطاب - ~~انتهى. # والآية من الاحتباك ذكر الخير أولا دال على حذفه ثانيا وذكر الشر ثانيا ~~دال على حذفه مثله أولا. # PageV03P222 # ولما أثبت سبحانه وتعالى شأنه العلم لنفسه نفاه عنهم فقال: {وأنتم لا ~~تعلمون *] أي ليس لكم من أنفسكم علم وإنما عرض لكم ذلك من قبل ما علمكم ~~فثقوا به وبادروا إلى كل ما يأمركم به وإن شق. وقال الحرالي: فنفى العلم ~~عنهم لكلمة «لا» أي التي هي للاستقبال حتى تفيد دوام ms0440 الاستصحاب {وما أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] قال من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من ~~الأعراب وغيرهم، وأما المؤمنون أي الراسخون فقد علمهم الله من علمه ما ~~علموا أن القتال خير لهم وأن التخلف شر لهم - انتهى. حتى أن علمهم ذلك أفاض ~~على ألسنتهم ما يفيض الدموع وينير القلوب، «حتى شاورهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في التوجه إلى غزوة بدر» فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ~~ثم قام عمر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ثم قام المقداد رضي الله تعالى ~~عنه فقال: يا رسول الله! امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما ~~قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ~~[المائدة: 24] # PageV03P223 # ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق! لو سرت ~~إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه؛ فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خيرا ودعا له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشيروا علي ~~أيها الناس! فقال سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله تعالى عنه: والله لكأنك ~~تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت ~~به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا ~~رسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر ~~فخضته لخضناه معك! ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا! ~~إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر ~~بنا على بركة الله تعالى» . # ولما أخبرهم سبحانه وتعالى بإيجاب القتال عليهم مرسلا في جميع الأوقات ~~وكان قد أمرهم فيما مضى بقتلهم حيث تقفوهم ثم قيد عليهم في القتال في ~~المسجد الحرام كان بحيث يسأل هنا: هل # PageV03P224 # الأمر في الحرم والحرام كما مضى أم لا؟ وكان المشركون قد نسبوهم في سرية ~~عبد الله بن جحش التي ms0441 قتلوا فيها من المشركين عمرو بن الحضرمي إلى التعدي ~~بالقتال في الشهر الحرام واشتد تعييرهم لهم به فكان موضع السؤال: هل سألوا ~~عما عيرهم به الكفار من ذلك؟ فقال مخبرا عن سؤالهم مبنيا لحالهم: {يسئلونك} ~~أي أهل الإسلام لا سيما أهل سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنهم {عن # PageV03P225 # الشهر الحرام} فلم يعين الشهر وهو رجب ليكون أعم، وسميت الحرم لتعظيم ~~حرمتها حتى حرموا القتال فيها، فأبهم المراد من السؤال ليكون للنفس إليه ~~التفات ثم بينه ببدل الاشتمال في قوله: {قتال فيه} ثم أمر بالجواب في قوله: ~~{قل قتال فيه} أي قتال كان فالمسوغ العموم. # ولما كان مطلق القتال فيه في زعمهم لا يجوز حتى ولا لمستحق القتل وكان في ~~الواقع القتال عدوانا فيه أكبر منه في غيره قال: {كبير} أي في الجملة. # ولما كان من المعلوم أن المؤمنين في غاية السعي في تسهيل سبيل الله ~~فليسوا من الصد عنه ولا من الكفر في شيء لم يشكل أن ما بعده كلام مبتدأ هو ~~للكفار وهو قوله: {وصد} أي صد كان {عن سبيل الله} الملك الذي له الأمر كله ~~أي الذي هو دينه الموصل إليه أي إلى رضوانه، أو البيت الحرام فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سمى الحج سبيل الله. قال الحرالي: والصد صرف إلى ناحية ~~بإعراض وتكره، والسبيل طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكل سالك # PageV03P226 # منهجه {وكفر به} أي كفر كان، أي بالدين، أو بذلك الصد أي بسببه فإنه كفر ~~إلى كفرهم، وحذف الخبر لدلالة ما بعده عليه دلالة بينة لمن أمعن النظر وهو ~~أكبر أي من القتال في الشهر الحرام، والتقييد فيما يأتي بقوله: {عند الله} ~~يدل على ما فهمته من أن المراد بقوله: {كبير} في زعمهم وفي الجملة لا أنه ~~من الكبائر. # ولما كان في تقدم الإذن بالقتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام بشرط ~~كما مضى كان مما يوجب السؤال عن القتال فيه في الجملة بدون ذلك الشرط أو ~~بغيره توقعا للإطلاق لا سيما ms0442 والسرية التي كانت سببا لنزول هذه الآية وهي ~~سرية عبد الله بن جحش كان الكلام فيها كما رواه ابن إسحاق عن الأمرين ~~كليهما فإنه قال: إنهم لقوا الكفار الذين قتلوا منهم وأسروا وأخذوا عيرهم ~~في آخر يوم من رجب فهابوهم فلطفوا لهم حتى سكنوا فتشاوروا في أمرهم وقالوا: ~~لئن تركتموهم # PageV03P227 # هذه الليلة ليدخلن الحرم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، ~~فترددوا ثم شجعوا أنفسهم ففعلوا ما فعلوا فعيرهم المشركون بذلك فاشتد ~~تعييرهم لهم واشتد قلق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لا سيما أهل السرية ~~من ذلك ولا شك أنهم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بكل ذلك فإخبارهم له ~~على هذه الصورة كاف في عدة سؤالاتهم فضلا عن دلالة ما مضى على التشوف إلى ~~السؤال عنه لما كان ذلك قال تعالى: {والمسجد} أي ويسألونك عن المسجد ~~{الحرام} أي الحرم الذي هو للصلاة والعبادة بالخضوع لا لغير ذلك «قتال فيه ~~قل قتال فيه كبير» عندكم على نحو ما مضى ثم ابتدأ قائلا: {وإخراج} كما ~~ابتدأ قوله: {وصد عن سبيل الله} وقال: {أهله} أي المسجد الذي كتبه الله لهم ~~في القدم وهم أولى الناس به {منه أكبر} أي من القتال في الشهر الحرام خطأ ~~وبناء على الظن والقتل فيه {عند الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما # PageV03P228 # فقد حذف من كل جملة ما دل عليه ما ثبت في الأخرى فهو من وادي الاحتباك، ~~وسر ما صنع في هذا الموضع من الاحتباك أنه لما كان القتال في الشهر الحرام ~~قد وقع من المسلمين حين هذا السؤال في سرية عبد الله بن جحش أبرز السؤال ~~عنه والجواب، ولما كان القتال في المسجد الحرام لم يقع بعد وسيقع من ~~المسلمين أيضا عام الفتح طواه وأضمره، ولما كان الصد عن سبيل الله الذي هو ~~البيت والكفر الواقع بسببه لم يقع وسيقع من الكفار عام الحديبية أخفى خبره ~~وقدره، ولما كان الإخراج قد وقع منهم ذكر خبره وأظهره؛ فأظهر سبحانه وتعالى ~~ما أبرزه على يد الحدثان، وأضمر ms0443 ما أضمره في صدر الزمان، وصرح بما صرح به ~~لسان الواقع، ولوح إلى ما لوح إليه صارم الفتح القاطع - والله الهادي. # والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله، قال الماوردي من أصحابنا: كل موضع ذكر ~~الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا قوله تعالى: {فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام} [البقرة: 149] فإن المراد به الكعبة - نقله عن ابن الملقن. ~~وقال غيره: إنه يطلق أيضا على نفس مكة مثل {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # PageV03P229 # من المسجد الحرام} [الإسراء: 1] فإن في بعض طرق البخاري: «فرج سقف بيتي ~~وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست - إلى أن ~~قال: ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء» ويطلق أيضا على نفس المسجد نحو قوله ~~تعالى: {ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف ~~فيه والباد} # [الحج: 25] . # ولما كان كل ما تقدم من أمر الكفار فتنة كان كأنه قيل: أكبر، لأن ذلك ~~فتنة {والفتنة} أي بالكفر والتكفير بالصد والإخراج وسائر أنواع الأذى التي ~~ترتكبونها بأهل الله في الحرم والأشهر الحرم {أكبر من القتل} ولو كان في ~~الشهر الحرام لأن همه يزول وغمها يطول. # ولما كان التقدير: وقد فتنوكم وقاتلوكم وكان الله سبحانه وتعالى عالما ~~بأنهم إن تراخوا في قتالهم ليتركوا الكفر لم يتراخوا هم في قتالهم # PageV03P230 # ليتركوا الإسلام وكان أشد الأعداء من إذا تركته لم يتركك قال تعالى عاطفا ~~على ما قدرته: {ولا يزالون} أي الكفار {يقاتلونكم} أي يجددون قتالكم كلما ~~لاحت لهم فرصة. # ولما كان قتالهم إنما هو لتبديل الدين الحق بالباطل علله تعالى بقوله: ~~{حتى} ولكنهم لما كانوا يقدرون أنه هين عليهم لقلة المسلمين وضعفهم تصوروه ~~غاية لا بد من انتهائهم إليها، فدل على ذلك بالتعبير بأداة الغاية، ~~{يردوكم} أي كافة ما بقي منكم واحد {عن دينكم} الحق، ونبه على أن «حتى» ~~تعليلية بقوله مخوفا من التواني عنهم فيستحكم كيدهم ملهبا للأخذ في الجد في ~~حربهم وإن كان يشعر بأنهم لا يستطيعون: {إن استطاعوا} أي إلى ذلك ms0444 سبيلا، # PageV03P231 # فأنتم أحق بأن لا تزالوا كذلك، لأنكم قاطعون بأنكم على الحق وأنكم ~~منصورون وأنهم على الباطل وهم مخذولون؛ ولا بد وإن طال المدى لاعتمادكم على ~~الله واعتمادهم على قوتهم، ومن وكل إلى نفسه ضاع؛ فالأمر الذي بينكم وبينهم ~~أشد من الكلام فينبغي الاستعداد له بعدته والتأهب له بأهبته فضلا عن أن ~~يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين طعنا في الدين وصدا عن ~~السبيل وشبههم التي أضلوا عليهم دينهم ولا أصل لها، وفي الآية إشارة إلى ما ~~وقع من الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فإن القتال على الدين لم ~~ينقض إلا بعد الفروغ من أمرهم. قال الحرالي: الاستطاعة مطاوعة النفس في ~~العمل وإعطاؤها الانقياد فيه، ثم قال: فيه إشعار بأن طائفة ترتد عن دينها ~~وطائفة تثبت، لأن كلام الله لا يخرج في بته واشتراطه إلا لمعنى واقع لنحو ~~ما ويوضحه تصريح الخطاب في قوله: {ومن يرتدد} إلى آخره؛ وهو من الردة ومنه ~~الردة وهو كف بكره لما شأنه الإقبال بوفق - انتهى. وكان صيغة الافتعال ~~المؤذنة بالتكلف والعلاج إشارة إلى أن الدين لا يرجع عنه إلا بإكراه النفس ~~لما في مفارقة الإلف من الألم؛ وإجماع القراء على الفك هنا للإشارة إلى أن ~~الحبوط # PageV03P232 # مشروط بالكفر ظاهرا باللسان وباطنا بالقلب فهو مليح بالعفو عن نطق اللسان ~~مع طمأنينة القلب، وأشارت قراءة الإدغام في المائدة إلى أن الصبر أرفع درجة ~~من الإجابة باللسان وإن كان القلب مطمئنا. # ولما حماهم سبحانه وتعالى بإضافة الدين إليهم بأنهم يريدون سلبهم ما ~~اختاروه لأنفسهم لحقيته وردهم قهرا إلى ما رغبوا عنه لبطلانه خوفهم من ~~التراخي عنهم حتى يصلوا إلى ذلك فقال: {ومن يرتدد منكم} أي يفعل ما يقصدونه ~~من الردة {عن دينه} وعطف على الشرط قوله: {فيمت} أي فيتعقب ردته أنه يموت ~~{وهو} أي # PageV03P233 # والحال أنه {كافر} . # ولما أفرد الضمير على اللفظ نصا على كل فرد فرد جمع لأن إخزاء الجمع ~~إخزاء لكل فرد منهم ولا عكس، وقرنه بفاء السبب إعلاما بأن ms0445 سوء أعمالهم هو ~~السبب في وبالهم فقال: {فأولئك} البعداء البغضاء {حبطت أعمالهم} أي بطلت ~~معانيها وبقيت صورها؛ من حبط الجرح إذا برأ ونفي أثره. وقال الحرالي: من ~~الحبط وهو فساد في الشيء الصالح يأتي عليه من وجه يظن به صلاحه وهو في ~~الأعمال بمنزلة البطح في الشيء القائم الذي يقعده عن قيامه كذلك الحبط في ~~الشيء الصالح يفسده عن وهم صلاحه {في الدنيا} بزوال ما فيها من روح الأنس ~~بالله سبحانه وتعالى ولطيف الوصلة به وسقوط إضافتها إليهم إلا مقرونة ببيان ~~حبوطها فقط بطل ما كان لها من الإقبال من الحق # PageV03P234 # والتعظيم من الخلق {والآخرة} بإبطال ما كان يستحق عليها من الثواب بصادق ~~الوعد. ولما كانت الردة أقبح أنواع الكفر كرر المناداة بالبعد على أهلها ~~فقال: {وأولئك أصحاب النار} فدل بالصحبة على أنهم أحق الناس بها فهم غير ~~منفكين منها. # ولما كانوا كذلك كانوا كأنهم المختصون بها دون غيرهم لبلوغ ما لهم فيها ~~من السفول إلى حد لا يوازيه غيره فتكون لذلك اللحظ لهم بالأيام من غيرهم ~~فقال تقريرا للجملة التي قبلها: {هم فيها خالدون *} أي مقيمون إقامة لا آخر ~~لها، وهذا الشرط ملوح إلى ما وقع بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الردة لأن الله سبحانه وتعالى إذا ساق شيئا مساق الشرط اقتضى أنه سيقع شيء ~~منه فيكون المعنى: ومن يرتد فيتب عن ردته يتب الله عليه كما وقع لأكثرهم، ~~وكان التعبير بما قد يفيد الاختصاص إشارة إلى أن عذاب غيرهم # PageV03P235 # عدم بالنسبة إلى عذابهم لأن كفرهم أفحش أنواع الكفر. # PageV03P236 # ولما بين سبحانه وتعالى المقطوع لهم بالنار بين الذين هم أهل لرجاء الجنة ~~لئلا يزال العبد هاربا من موجبات النار مقبلا على مرجئات الجنة خوفا من أن ~~يقع فيما يسقط رجاءه - وقال الحرالي: لما ذكر أمر المتزلزلين ذكر أمر ~~الثابتين؛ انتهى - فقال: {إن الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان. # ولما كانت الهجرة التي هي فراق المألوف والجهاد الذي هو المخاطرة بالنفس ~~في مفارقة وطن البدن والمال في مفارقة ms0446 وطن النعمة أعظم الأشياء على النفس ~~بعد مفارقة وطن الدين كرر لهما الموصول إشعارا # PageV03P236 # باستحقاقهما للاصالة في أنفسهما فقال مؤكدا للمعنى بالإخراج في صيغة ~~المفاعلة: {والذين هاجروا} أي أوقعوا المهاجرة بأن فارقوا بغضا ونفرة ~~تصديقا لإقرارهم بذلك ديارهم ومن خالفهم فيه من أهلهم وأحبابهم. قال ~~الحرالي: من المهاجرة وهو مفاعلة من الهجرة وهو التخلي عما شأنه الاغتباط ~~به لمكان ضرر منه {وجاهدوا} أي أوقعوا المجاهدة، مفاعلة من الجهد - فتحا ~~وضما، وهو الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل {في سبيل الله} أي دين الملك ~~الأعظم كل من خالفهم {أولئك} العالو الرتبة العظيمو الزلفى والقربة ولما ~~كان أجرهم إنما هو من فضل الله قال: {يرجون} من الرجاء وهو ترقب الانتفاع ~~بما تقدم له سبب ما - قاله الحرالي {رحمت الله} # PageV03P237 # أي إكرامه لهم غير قاطعين بذلك علما منهم أن له أن يفعل ما يشاء لأنه ~~الملك الأعظم فلا كفوء له وهم غير قاطعين بموتهم محسنين، قاطعون بأنه ~~سبحانه وتعالى لو أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم. # ولما كان الإنسان محل النقصان فهو لا يزال في فعل ما إن أوخذ به هلك قال ~~مشيرا إلى ذلك مبشرا بسعة الحلم في جملة حالية من واو {يرجون} ويجوز أن ~~يكون عطفا على ما تقديره: ويخافون عذابه فالله منتقم عظيم: {والله} أي الذي ~~له صفات الكمال {غفور} أي ستور لما فرط منهم من الصغائر أو تابوا عنه من ~~الكبائر {رحيم *} فاعل بهم فعل الراحم من الإحسان والإكرام والاستقبال ~~بالرضى. قال الحرالي: وفي الختم بالرحمة أبدا في خواتم الآي إشعار بأن # PageV03P238 # فضل الله في الدنيا والآخرة ابتداء فضل ليس في الحقيقة جزاء العمل فكما ~~يرحم العبد طفلا ابتداء يرحمه كهلا انتهاء ويبتدئه برحمته في معاده كما ~~ابتدأه برحمته في ابتدائه - انتهى بالمعنى. # ولما كان الشراب مما أذن فيه في ليل الصيام وكان غالب شرابهم النبيذ من ~~التمر والزبيب وكانت بلادهم حارة فكان ربما اشتد فكان عائقا عن العبادة لا ~~سيما الجهاد لأن السكران لا ينتفع به في رأي ms0447 ولا بطش ولم يكن ضروريا في ~~إقامة البدن كالطعام آخر بيانه إلى أن فرغ مما هو أولى منه بالإعلام وختم ~~الآيات المتخللة بينه وبين آيات الإذن بما بدأها به من الجهاد ونص فيها على ~~أن فاعل أجد الجد وأمهات الأطايب من الجهاد وما ذكر معه في محل الرجاء ~~للرحمة فاقتضى الحال السؤال: هل سألوا عن أهزل الهزل وأمهات الخبائث؟ فقال ~~معلما بسؤالهم عنه مبينا لما اقتضاه الحال من حلمه فيبقى ما عداه على ~~الإباحة المحضة: {يسئلونك عن الخمر} الذي هو أحد ما غنمه عبد الله بن جحش ~~رضي الله تعالى عنه في سريته التي أنزلت # PageV03P239 # الآيات السالفة بسببها. # قال الحرالي: وهو مما منه الخمر - بفتح الميم - وهو ما وارى من شجر ~~ونحوه، فالخمر - بالسكون - فيما يستبطن بمنزلة الخمر - بالفتح - فيما ~~يستظهر، كأن الخمر يواري ما بين العقل المستبصر من الإنسان وبهيميته ~~العجماء، وهي ما أسكر من أي شراب كان سواء فيه القليل والكثير {والميسر} ~~قال الحرالي: اسم مقامرة كانت الجاهلية تعمل بها لقصد انتفاع الضعفاء ~~وتحصيل ظفر المغالبة - انتهى. وقرنهما سبحانه وتعالى لتآخيهما في الضرر ~~بالجهاد وغيره # PageV03P240 # بإذهاب المال مجانا عن غير طيب نفس ما بين سبحانه وتعالى من المؤاخاة ~~بينهما هنا وفي المائدة وإن كان سبحانه وتعالى اقتصر هنا على ضرر الدين وهو ~~الإثم لأنه أس يتبعه كل ضرر فقال في الجواب: {قل فيهما} أي في استعمالهما ~~{إثم كبير} لما فيهما من المساوي المنابذة لمحاسن الشرع من الكذب والشتم ~~وزوال العقل واستحلال مال الغير فهذا مثبت للتحريم بإثبات الإثم ولأنهما من ~~الكبائر. قال الحرالي: في قراءتي الباء الموحدة والمثلثة إنباء عن مجموع ~~الأمرين من كبر المقدار وكثرة العدد وواحد من هذين مما يصد ذا الطبع الكريم ~~والعقل الرصين عن الإقدام عليه بل يتوقف عن الإثم الصغير القليل فكيف عن ~~الكبير الكثير - انتهى. {ومنافع للناس} يرتكبونهما لأجلها من التجارة في ~~الخمر واللذة بشربها، ومن أخذ # PageV03P241 # المال الكثير في الميسر وانتفاع الفقراء وسلب الأموال والافتخار على ~~الأبرام والتوصل بهما إلى مصادقات ms0448 الفتيان ومعاشراتهم والنيل من مطاعمهم ~~ومشاربهم وأعطياتهم ودرء المفاسد مقدم فكيف {وإثمهما أكبر من نفعهما} وفي ~~هذا كما قال الحرالي تنبيه على النظر في تفاوت الخيرين وتفاوت الشرين - ~~انتهى. قال أبو حاتم أحمد بن أحمد الرازي في كتاب الزينة: وقال بعض أهل ~~المعرفة: والنفع الذي ذكر الله في الميسر أن العرب في الشتاء والجدب كانوا ~~يتقامرون بالقداح على الإبل ثم يجعلون لحومها لذوي الفقر والحاجة فانتفعوا ~~واعتدلت أحوالهم؛ قال الأعشى في ذلك: # المطعمو الضيف إذا ما شتوا ... والجاعلو القوت على الياسر # انتهى. وقال غيره: وكانوا يدفعونها للفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون ~~بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم، وبيان المراد من الميسر عزيز ~~الوجود مجتما وقد استقصيت ما قدرت عليه # PageV03P242 # منه إتماما للفائدة قال المجد الفيروز آبادي في قاموسه: والميسر اللعب ~~بالقداح، يسر ييسر، أو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها، أو النرد أو كل ~~قمار - انتهى. # وقال صاحب كتاب الزينة: وجمع الياسر يسر وجمع اليسر أيسار فهو جمع الجمع ~~مثل حارس وحرس وأحراس - انتهى. والقمار كل مراهنة على غرر محض وكأنه مأخوذ ~~من القمر آية الليل، لأنه يزيد مال المقامر تارة وينقصه أخرى كما يزيد ~~القمر وينقص؛ وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين وعبد الحق الإشبيلي في ~~كتابه الواعي: قال مجاهد: كل شيء فيه قمار فهو الميسر حتى لعب الصبيان ~~بالجوز، وفي تفسير الأصبهاني عن الشافعي: إن الميسر ما يوجب دفع مال أو أخذ ~~مال، فإذا خلا # PageV03P243 # الشطرنج عن الرهان واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان لم يكن ميسرا. ~~وقال الأزهري: الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسرا لأنه ~~يجزأ أجزاء فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجازر ~~لأنه يجزىء لحم الجزور، قال وهذا الأصل في الياسر ثم يقال للضاربين بالقداح ~~والمتقامرين على الجزور: ياسرون، لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك، ويقال: ~~يسر القوم - إذا قامروا، ورجل يسر وياسر والجمع أيسار؛ القزاز: فأنت ياسر ~~وهو ميسور برجع والمفعول ميسور - يعني الجزور، وأيسار جمع يسر ويسر ms0449 جمع ~~ياسر، وقال القزاز: واليسر القوم الذين # PageV03P244 # يتقامرون على الجزور، واحدهم ياسر كما تقول: غائب وغيب، ثم يجمع أيسر ~~فيقال: أيسار، فيكون الأيسار جمع الجمع، ويقال للضارب بالقداح: يسر، والجمع ~~أيسار، ويقال للنرد: ميسر، لأنه يضرب عليها كما يضرب على الجزور، ولا يقال ~~ذلك في الشطرنج لمفارقتها ذلك المعنى؛ وقال عبد الحق في الواعي: والميسر ~~موضع التجزئة؛ أبو عبد الله: كان أمر الميسر أنهم كانوا يشترون جزورا ~~فينحرونها ثم يجزئونها أجزاء، قال أبو عمرو: على عشرة أجزاء، وقال الأصمعي: ~~على ثمانية وعشرين جزءا، ثم يسهمون عليها بعشرة قداح، لسبعة منها أنصباء ~~وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل # PageV03P245 # والمعلي، وثلاثة منها ليس لها أنصباء وهي المنيح والسفيح والوغد، ثم ~~يجعلونها على يد رجل عدل عندهم يجيلها لهم باسم رجل رجل، ثم يقسمونها على ~~قدر ما يخرج لهم السهام، فمن خرج سهمه من هذه السبعة أخذ من الأجزاء بحصة ~~ذلك، ومن خرج له واحد من الثلاثة فقد اختلف الناس في هذا الموضع فقال ~~بعضهم: من خرجت باسمه لم يأخذ شيئا ولم يغرم ولكن تعاد الثانية ولا يكون له ~~نصيب ويكون لغوا؛ وقال بعضهم: بل يصير # PageV03P246 # ثمن الجزور كله على أصحاب هؤلاء الثلاثة فيكونون مقمورين ويأخذ أصحاب ~~السبعة أنصباء على ما خرج لهم فهؤلاء الياسرون. قال أبو عبيد: ولم أجد ~~علماءنا يستقصون علم معرفة هذا ولا يدعونه، ورأيت أبا عبيدة أقلهم ادعاء ~~له، قال أبو عبيدة: وقد سألت عنه الأعراب فقالوا: لا علم لنا بهذا، هذا شيء ~~قد قطعه الإسلام منذ جاء فلسنا ندري كيف كانوا ييسرون. # قال أبو عبيد: وإنما كان هذا منهم في أهل الشرف والثروة والجدة - انتهى. ~~ولعل هذا سبب تسميته ميسرا. وقال صاحب الزينة: فالتي لها الغنم وعليها ~~الغرم أي من السهام يقال لها: موسومة، لأجل الفروض فإنها بمنزلة السمة، ~~ويكون عدد الأيسار سبعة أنفس يأخذ كل رجل قدحا، وربما نقص عدد الرجال عن ~~السبعة فيأخذ الرجل منهم قدحين، فإذا فعل ذلك مدح به وسمي مثنى الأيادي، ~~قال ms0450 النابغة: # إني أتمم إيثاري وأمنحهم ... مثنى الأيادي وأكسو الحفنة الأدما # وقال: ويقال للذي يضرب بالقداح: حرضة، وإنما سمي بذلك لأنه رجل يجيل لا ~~يدخل مع الأيسار ولا يأخذ نصيبا ولذلك يختارونه # PageV03P247 # لأنه لا غنم له ولا غرم عليه، والذي لا يضرب القداح ولا يدخل مع الأيسار ~~في شيء من أمورهم يقال له: البرم، وتجمع القداح في جلدة، وقال بعضهم: في ~~خرقة، وتسمى تلك الجلدة الربابة، أي بكسر الراء المهملة وموحدتين، ثم تجمع ~~أطرافها ويعدل بينها وتكسى يده أديما لكي لا يجد مس قدح له فيه رأي وتشد ~~عيناه، فيجمع أصابعه عليها ويضمها كهيئة الضغث ثم يضرب رؤوسها بحاق راحته ~~فأيها طلع من الربابة كان فائزا؛ قال: وقال غيره: تكون الربابة شبه الخريطة ~~تجمع فيها القداح ثم يؤمر الحرضة أن يجيلها، فمنها ما يعترض في الربابة فلا ~~يخرج ومنها ما لا يعترض فيطلع، فذاك يكون فائزا، ويقعد رجل أمين على الحرضة ~~يقال له: الرقيب، ويقال للذي يضرب بالقداح: مفيض، والإفاضة الدفع وهو أن ~~يدفعها دفعة واحدة إلى قدام ويجيلها ليخرج منها قدح؛ وكذلك الإفاضة من عرفة ~~هو الدفع منها إلى جمع - انتهى. وقال في القاموس: كانوا إذا أرادوا أن ~~ييسروا اشتروا جزورا نسيئة ونحروه قبل أن ييسروا وقسموه # PageV03P248 # ثمانية وعشرين سهما أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر ~~فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل - انتهى. وقال عبد ~~الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: الياسر هو الضارب في القداح، وهو من ~~الميسر وهو القمار الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، وكانوا يتقامرون على ~~الجزور أو غيره ويجزئونه أجزاء ويسهمون عليها مثلا بعشرة لسبعة منها أنصباء ~~وهي الفذ - إلى آخره، ثم يخرجون ذلك، فمن خرج سهمه من السبعة أخذ بحصته، ~~ومن خرج له واحد من الثلاثة لم يأخذ شيئا؛ ولهم في ذلك مذاهب ما عرفها أهل ~~الإسلام ولم يكن أحد من أهل اللغة على ثبت في كيفية ذلك - انتهى. # هذا ما قالوه في مادة يسر وقد ms0451 نظمت أسماء القداح تسهيلا لحفظها في قولي: # الفذ والتوأم والرقيب ... والحلس والنافس يا ضريب # ومسبل مع المعلى عدوا ... ثم منيح وسفيح وغد # وأما ما قالوه في مادة كل اسم منها فقال في القاموس: الفذ أي بفتح الفاء ~~وتشديد الذال المعجمة: أول سهام الميسر، والتوأم أي # PageV03P249 # بفتح الفوقانية المبدلة من الواو وإسكان الواو وفتح الهمزة - وزن كوكب: ~~سهم من سهام الميسر أو ثانيها، والرقيب أمين أصحاب الميسر أو الأمين على ~~الضريب والثالث من قداح الميسر، وقال في مادة ضرب: والضريب الموكل بالقداح ~~أو الذي يضرب بها كالضارب والقدح الثالث؛ وقال في الجمع بين العباب ~~والمحكم: والرقيب الحافظ ورقيب القداح الأمين على الضريب، وقيل: هو أمين ~~أصحاب الميسر، وقيل: هو الرجل الذي يقوم خلف الحرضة في الميسر ومعناه كله ~~سواء، وإنما قيل للعيوق: رقيب الثريا، تشبيها برقيب الميسر، والرقيب الثالث ~~من قداح الميسر، وفيه ثلاثة فروض، وله غنم ثلاثة أنصباء إن فاز، وعليه غرم ~~ثلاثة إن لم يفز؛ وقال في مادة ضرب: وضرب بالقداح والضريب الموكل بالقداح، ~~وقيل: الذي يضرب بها، قال سيبويه: فعيل بمعنى فاعل، والضريب القدح الثالث ~~من قداح الميسر، قال اللحياني: وهو الذي يسمى الرقيب، قال: وفيه ثلاثة فروض ~~إلى آخر ما في الرقيب؛ وقال في القاموس: والحرضة أي بضم المهملة وإسكان ~~المهملة ثم معجمة أمين المقامرين، # PageV03P250 # والحلس بكسر المهملة وإسكان اللام ثم مهملة وككتف الرابع من سهام الميسر، ~~والنافس بنون وفاء مكسورة ومهملة اسم فاعل خامس سهام الميسر، ومسبل أي بسين ~~مهملة وموحدة قال: بوزن محسن، السادس أو الخامس من قداح الميسر؛ وقال في ~~مجمع البحرين: وهو المصفح أيضا يعني بفتح الفاء، والمعلى كمعظم سابع سهام ~~الميسر، والمنيح كأمير أي بنون وآخره مهملة قدح بلا نصيب، والسفيح أي بوزنه ~~وبمهملة ثم فاء وآخره مهملة قدح من الميسر لا نصيب له، والوغد أي بفتح ثم ~~سكون المعجمة ثم مهملة الأحمق الضعيف الرذل الدنيء وقدح لا نصيب له؛ وقال ~~صاحب الزينة: وكانوا يبتاعون الجزور ويتضمنون ثمنه ثم يضربون بالقداح عليه ms0452 ~~ثم ينحرونه ويقسمونه عشرة أجزاء على ما حكاه أكثر علماء اللغة، ثم يجيلون ~~عليها القداح فإن خرج المعلى أخذ صاحبه سبعة أنصباء ونجا من الغرم، ثم ~~يجيلون عليها ثانيا فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم، ~~ثم يجيلون عليها ثانيا فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من ~~الغرم ونفدت أجزاء الجزور، وغرم الباقون على عدد أنصبائهم فغرم صاحب الفذ ~~نصيبا واحدا وصاحب التوأم نصيبين فعلى # PageV03P251 # ذلك يقسمون الغرم بينهم. وذكر عن الأصمعي أنه قال: كانوا يقسمون الجزور ~~على ثمانية وعشرين جزءا: للفظ جزء، وللتوأم جزءان، وللرقيب ثلاثة أجزاء - ~~فعلى هذا حتى تبلغ ثمانية وعشرين جزءا؛ وخالفه في ذلك أكثر العلماء وخطؤوه ~~وقالوا: إذا كان ذلك كذلك وأخذ كل قدح نصيبه لم يبق هنالك غرم فلا يكون إذا ~~قامر ولا مقمور، ومن أجل ذلك قالوا لأجزاء الجزور: أعشار، لأنها عشرة ~~أجزاء، قال امرؤ القيس. # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل # جعل القلب بدلا لأعشار الجزور وجعل العينين مثلا للقدحين أي سبت قلبه ~~ففازت به كما يفوز صاحب المعلى والرقيب؛ وقال القزاز في التاء الفوقانية من ~~ديوانه: والتوأم أحد أقداح الميسر وهو الثاني منها، وإنما سمي توأما بما ~~عليه من الحظوظ، وعليه حظان وله من أنصباء الجزور نصيبان، وإن قمرت أنصباء ~~الجزور غرم من خرج له التوأم نصيبين، وذلك أنها عشرة قداح أولها الفذ وعليه ~~فرض # PageV03P252 # وله نصيب، والثاني التوأم وعليه فرضان وله نصيبان، والثالث الرقيب وعليه ~~ثلاثة فروض وله ثلاثة أنصباء، والرابع الحلس وعليه أربعة فروض وله أربعة ~~أنصباء، والخامس النافس وعليه خمسة فروض وله خمسة أنصباء، والسادس المسبل ~~وعليه ستة فروض وله ستة أنصباء، والسابع المعلى وعليه سبعة فروض وله سبعة ~~أنصباء، ومنها ثلاثة لا حظوظ لها وهي السفيح والمنيح والوغد، وربما سموها ~~بأسماء غير هذه لكن ذكرنا المستعمل منها هاهنا ونذكرها بأسمائها في مواضعها ~~من الكتاب إن شاء الله تعالى؛ وهذه التي لا حظوظ لها ليس عليها فرض، ولذلك ~~تدعى ms0453 أغفالا لأن الغفل من الدواب الذي لا سمة له. وهيئة ما يفعلون في ~~القمار هو أن تنحر الناقة وتقسم عشرة أجزاء فتعجل إحدى الوركين جزءا، ~~والورك الأخرى جزء وعجزها جزء، والكاهل جزء، والزور وهو الصدر جزء، والملحا ~~أي ما بين الكاهل والعجز من الصلب جزء، والكتفان وفيهما العضدان جزءان، ~~والفخذان جزءان، وتقسم الرقبة والطفاطف بالسواء على تلك الأجزاء، وما بقي ~~من عظم أو بضعة # PageV03P253 # فهو الريم وأصله من الزيادة على الحمل وهي التي تسمى علاوة فيأخذ الجازر؛ ~~وربما استثنى بائع الناقة منها شيئا لنفسه وأكثر ما يستثنى الأطراف والرأس، ~~فإذا صارت الجزور على هذه الهيئة أحضروا رجلا يضرب بها بينهم يقال له ~~الحرضة فتشد عيناه ويجعل على يديه ثوب لئلا يحس القداح ثم يؤتى بخريطة فيها ~~القداح واسعة الأسفل ضيقة الفم قدر ما يخرج منها سهم أو سهمان والقداح فيها ~~كفصوص النرد الطوال غير أنها مستديرة فتجعل الخريطة على يدي الحرضة، ويؤتى ~~برجل يجعل أمينا عليه يقال له الرقيب فيقال له: جلجل القداح، فيجلجلها في ~~الخريطة مرتين أو ثلاثا، فإذا فعل ذلك أفاض بها وهو أن يدفعها دفعة واحدة ~~فتندر من مخرجها ذلك الضيق، فإذا خرج قدح أخذه الرقيب، فإن كان من الثلاثة ~~التي لا فروض عليها رده إلى الخريطة وقال: أعد، وإن كان من السبعة ذوات ~~الحظوظ دفعه إلى صاحبه وقال له: اعتزل القوم، وذاك أن الذين يتقامرون قد ~~أخذ كل واحد منهم قدحا على ما يحب، # PageV03P254 # فإن كان الذي خرج الفذ أخذ صاحبه جزءا وسلم من الغرم وأعاد الحرضة ~~الإفاضة، وإن كان الذي خرج التوأم أخذ صاحبه نصيبين واعتزل القوم وسلم من ~~الغرم أيضا، وكذا كل واحد منهم يأخذ ما خرج له ويعتزل القوم ويسلم من ~~الغرم، فإذا خرج في الثانية قدح أخذ صاحبه ما خرج له وكذا الثالث يأخذ ما ~~خرج له ويعتزل القوم ما لم يستغرق الأول والثاني أنصباء الجزور، مثل أن ~~يخرج للأول الرقيب فيأخذ ثلاثة أنصباء، ثم يخرج للثاني المعلى فيأخذ سبعة ~~أنصباء ويغرم ms0454 الباقون ثمن الجزور. # أو يخرج في الأول الفذ وفي الثاني التوأم وفي الثالث المعلى فيذهب أيضا ~~سائر الأنصباء ويغرم باقي القوم ثمن الجزور، وكذا ما كان مثل هذا؛ فإن زادت ~~سهام من خرج له قدح على ما بقي من الجزور غرم له من بقي ما زاد سهمه؛ وذلك ~~مثل أن يخرج للأول المعلى فيأخذ سبعة أنصباء ثم يخرج للثاني النافس وحظه ~~خمسة وإنما بقي من الجزور ثلاثة فيأخذها ويغرم له الباقون خمسي الجزور، ~~وكذا لو خرج للأول النافس وأخذ خمسة أنصباء ثم خرج للثاني الحلس فأخذ أربعة ~~أنصباء وخرج للثالث المعلى أخذ النصيب الذي بقي وغرم له الباقون ثلاثة ~~أخماس # PageV03P255 # الجزور، وعلى هذا سائر قمارهم، إذا تدبرته علمت كيف يجري جميعه ويغرم ~~القوم ما يلزمهم على قدر سهامهم الباقية يفرضون ما لزمهم على عدد ما في ~~أنصبائهم من الفرض، وقد ذكر أن الجزور تجزأ على عدد ما في القداح من الفروض ~~وهي ثمانية وعشرون جزءا، ولا معنى لهذا القول لأنه يلزم أن لا يكون في هذا ~~قمار ولا فوز ولا خيبة إذ كل واحد يختار لنفسه ما أحب من السهام ثم يأخذ ما ~~خرج له ثم لا تفرغ أجزاء الجزور إلا بفراغ القداح، فلا معنى للتقامر عليها، ~~والأول أصح ويدل عليه شعر العرب، وذلك لأن الرجل ربما أخذ في الميسر قدحين ~~فيفوز بأجزاء الجزور، مثل أن يأخذ المعلى والرقيب فإذا ضرب له الحرضة خرج ~~له أحدهما ففاز بحظه ثم إذا ضرب الثانية خرج له الآخر فيفوز بسائر الجزور، ~~ولو كان السهام والأنصباء على ما ذكروا لم يفز صاحب سهمين بسائر # PageV03P256 # الأنصباء إذ لا تذهب الأنصباء إلا بفراغ القداح، ومما يدل على فوز صاحب ~~السهمين بالكل قول امرىء القيس: # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل # يقول: تضرب بسهميها المعلى والرقيب فتحوز القلب كله، ومن هذا قول كثير ~~ووصف ناقة هزلها السير حتى أذهب لحمها: # وتؤبن من نص الهواجر والسرى ... بقدحين فازا من قداح المقعقع # يقول: هذه الناقة ms0455 هزلها السير حتى لم يبق من لحمها شيء فكأنه ضرب عليها ~~بالقداح ففاز منها قدحان فاستوليا على أعشارها وهو الرقيب والمعلى - انتهى. ~~هكذا ذكر شرح قول كثير ورأيت على حاشية نسخة من كتابه ما لعله أليق، وذلك ~~لأنه قال أي يظن بها فضل على الإبل في سيرها بعد نص الهواجر والسرى لصبرها ~~وكرمها وشدتها كفضل رجل فاز قدحه مرتين على قداح أصحابه؛ والمقعقع هو الذي ~~يجيل القداح - انتهى. وهو أقرب مما قاله لأن قوله: تؤبن بقدحين فازا، ظاهر ~~في أن القدحين لها وأنها هي الفائزة؛ والله سبحانه # PageV03P257 # وتعالى الموفق - هذا. وقوله: لا معنى للتقامر عليها، على تقدير التجزئة ~~بثمانية وعشرين ليس كذلك بل تظهر ثمرته في التفاوت في الأنصباء، وذلك بأن ~~تكون السهام وهي القداح عشرة، فإنه لما قال: إن الأجزاء تكون ثمانية ~~وعشرين، لم يقل: إنها على عدد السهام، حتى تكون السهام ثمانية وعشرين، بل ~~قال: إنها على عدد الفروض التي في السهام، وقد علم أنها عشرة؛ وقد صرح صاحب ~~الزينة وغيره عن الأصمعي كما مضى وهو ممن قال بهذا القول، فحينئذ من خرج له ~~المعلى مثلا أخذ سبعة أنصباء من ثمانية وعشرين فيكون أكثر حظا ممن خرج له ~~ما عليه ستة فروض فما دونها للضربات؛ وقوله: إن الرجل ربما أخذ قدحين - إلى ~~آخره، يبين وجها آخر من التفاوت، وهو أن الرجل ربما خرج له سهم واحد ~~لاعتراض السهام وتحرفها عن سنن الاستقامة حال الخروج، وربما خرج له # PageV03P258 # سهمان أو ثلاثة في إفاضة واحدة لاستقامة السهام واعتدالها للخروج ففاز ~~بمعظم الجزور، وذلك بأن يكون الرجال أقل من السهام، وربما خرج له أكثر من ~~ذلك مع الوفاء للثمن بينهم على السواء، وهذا الوجه يتأتى أيضا بتقدير أن ~~تكون السهام والرجال على عدد الأجزاء، لانحصار العد فيمن خرج له سهام سواء ~~كان على عددهم أو أكثر وانحصار الغرم فيمن لم يخرج له سهم على تقدير أن ~~يخرج لغيره عدد من السهام؛ وبتقدير أن لا يخرج لكل واحد واحد يكون قمارا ~~أيضا، ms0456 لأن كل واحد منهم غير واثق بالفوز ويكون فائدة ذلك حينئذ للفقراء، ~~ومن قال: إن من خرج له شيء من السهام الثلاثة الأغفال يغرم، كان القمار ~~عنده لازما في كل صورة بكل تقدير. وقال في الكشاف: إنهم كانوا يعطون ~~الأنصباء للفقراء ولا يأخذون منها شيئا، وقد تقدم نقل ذلك عن صاحب الزينة ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولما ذكر ما يذهب ضياء الروح وقوام البدن وذم النفقة فيهما # PageV03P259 # اقتضى الحال السؤال عما يمدح الإنفاق فيه فقال عاطفا على السؤال عن ~~المقتضي لتبذير المال {ويسئلونك ماذا ينفقون} وأشعر تكرير السؤال عنها ~~بتكرير الواردات المقتضية لذلك، فأنبأ ذلك بعظم شأنها لأنها أعظم دعائم ~~الجهاد وساق ذلك سبحانه وتعالى على طريق العطف لأنه لما تقدم السؤال عنه ~~والجواب في قوله: # {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين} [البقرة: 215] ، منع من توقع سؤال آخر، ~~وأما اليتامى والمحيض فلم يتقدم ما يوجب توقع السؤال عن السؤال عنهما أصلا، ~~وادعاء أن سبب العطف النزول جملة وسبب القطع النزول مفرقا مع كونه غير شاف ~~للغلة بعدم بيان الحكمة يرده ما ورد أن آخر آية نزلت {واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى الله} [البقرة: 281] وهي بالواو أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي ~~من وجهين في مقدمة أسباب النزول وترجم لها البخاري في الصحيح ومن تتبع ~~أسباب النزول وجد كثيرا من ذلك. وقال الحرالي: في العطف إنباء بتأكد التلدد ~~مرتين كما في قصة بني إسرائيل، لكن ربما تخوفت هذه الأمة من ثالثتها فوقع ~~ضمهم عن السؤال في الثالثة لتقاصر ما يقع في هذه # PageV03P260 # الأمة عما وقع في بني إسرائيل بوجه ما، وقال سبحانه وتعالى في الجواب: ~~{قل العفو} وهو ما سمحت به النفس من غير كلفة قال: فكأنه ألزم النفس نفقة ~~العفو وحرضها على نفقة ما تنازع فيه ولم يلزمها ذلك لئلا يشق عليها لما ~~يريده بهذه الأمة من اليسر، فصار المنفق على ثلاث رتب: رتبة حق مفروض لا بد ~~منه وهي الصدقة المفروضة التي إمساكها هلكة في الدنيا والآخرة، وفي مقابلته ~~عفو ms0457 لا ينبغي الاستمساك به لسماح النفس بفساده فمن أمسكه تكلف إمساكه، ~~وفيما بينهما ما تنازع النفس إمساكه فيقع لها المجاهدة في إنفاقه وهو ~~متجرها الذي تشتري به الآخرة من دنياها «قالت امرأة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: ما يحل لنا من أموال أزواجنا - تسأل عن الإنفاق منها، قال: الرطب - ~~بضم الراء وسكون الطاء - تأكلينه وتهدينه» لأنه من العفو الذي يضر إمساكه ~~بفساده؛ لأن الرطب هو ما إذا أبقي ين يوم إلى يوم تغير كالعنب والبطيخ وفي ~~معناه الطبائخ وسائر الأشياء التي تتغير بمبيتها - انتهى. وفي تخصيص المنفق ~~بالعفو منع # PageV03P261 # لمتعاطي الخمر قبل حرمتها من التصرف، إذ كان الأغلب أن تكون تصرفاته لا ~~على هذا الوجه، لأن حالة السكر غير معتد بها والتصرف فيها يعقب في الأغلب ~~عند الإفاقة أسفا وكذا الميسر بل هو أغلظ. ولعل تأخير بيان أن المحثوث عليه ~~من النفقة إنما هو الفضل إلى هذا المحل ليحمل أهل الدين الرغبة فيه مع ما ~~كانوا فيه من الضيق على الإيثار على النفس من غير أمر به رحمة لهم، ومن ~~أعظم الملوحات إلى ذلك أن في بعض الآيات الذاكرة له فيما سلف {وآتى المال ~~على حبه} [البقرة: 177] . قال الأصبهاني: قال أهل التفسير: كان الرجل بعد ~~نزول هذه الآية إذا كان له ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع ينظر ما يكفيه وعياله ~~لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره، فإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله ~~يومه ذلك وتصدق بالباقي حتى نزلت آية الزكاة فنسختها هذه الآية. # لما بين الأحكام الماضية في هذه السورة أحسن بيان وفصل ما قص من جميع ما ~~أراد أبدع تفصيل لا سيما أمر النفقة فإنها بينها مع أول السورة إلى هنا في ~~أنواع من البيان على غاية الحكمة والإتقان كان موضع سؤال: هي يبين لنا ربنا ~~غير هذا من الآيات كهذا البيان؟ فقال: {كذلك} أي مثل ما مضى من هذا البيان ~~العلي الرتبة # PageV03P262 # البعيد المنال عن منازل الأرذال {يبين الله} الذي له جميع صفات الكمال ms0458 ~~{لكم} جميع {الآيات} قال الحرالي: فجمعها لأنها آيات من جهات مختلفات لما ~~يرجع لأمر القلب وللنفس وللجسم ولحال المرء مع غيره - انتهى. وأفرد الخطاب ~~أولا وجمع ثانيا إعلاما بعظمة هذا القول للإقبال به على الرأس، وإيماء إلى ~~أنه صلى الله عليه وسلم قد امتلأ علما من قبل هذا بحيث لا يحتاج إلى زيادة ~~وأن هذا البيان إنما هو للأتباع يتفهمونه على مقادير أفهامهم وهممهم، ويجوز ~~أن يكون الكلام تم بكذلك أي البيان ثم استأنف ما بعده فيكون البيان مذكورا ~~مرتين: مرة في خطابه تلويحا، وأخرى في خطابهم تصريحا؛ أو يقال: أشار إلى ~~علو الخطاب بالإفراد وإلى عمومه بالجمع انتهى {لعلكم تتفكرون *} أي لتكونوا ~~على حالة يرجى لكم معها التفكر، وهو طلب الفكر وهو يد النفس التي تنال بها ~~المعلومات كما تنال بيد الجسم المحسوسات - قاله الحرالي. # PageV03P263 # ولما كان البيان من أول السؤال إلى هنا قد شفي في أمور # PageV03P263 # الدارين وكفى وأوضح ثمرات كل منهما وكان العرب ينكرون الآخرة ساق ذكرها ~~مساق ما لا نزاع فيه لكثرة ما دل عليها فقال: {في الدنيا والآخرة} أي في ~~أمورهما فتعلموا بما فتح الله لكم سبحانه وتعالى من الأبواب وما أصل لكم من ~~الأصول ما هو صالح وما هو أصلح وما هو شر وما هو أشر لتفعلوا الخير وتتقوا ~~الشر فيؤول بكم ذلك إلى فوز الدارين. # ولما كان العفو غير مقصور على المال بل يعم القوى البدنية والعقلية وكان ~~النفع لليتيم من أجل ما يرشد إليه التفكر في أمور الآخرة وكان الجهاد من ~~أسباب القتل الموجب لليتم وكانوا يلون يتاماهم فنزل التحريج الشديد في أكل ~~أموالهم فجانبوهم واشتد ذلك عليهم سألوا عنهم فأفتاهم سبحانه وتعالى فيهم ~~وندبهم إلى مخالطتهم على وجه الإصلاح الذي لا يكون لمن يتعاطى الخمر ~~والميسر فقال: {ويسئلونك عن اليتامى} # PageV03P264 # أي في ولايتهم لهم وعملهم في أموالهم وأكلهم منها ونحو ذلك مما يعسر ~~حصره؛ وأمره بالجواب بقوله: {قل إصلاح لهم خير} أي من تركه، ولا يخفى ~~الإصلاح على ذي لب فجمع ms0459 بهذا الكلام # PageV03P265 # اليسير المضبوط بضابط العقل الذي أقامه تعالى حجة على خلقه ما لا يكاد ~~يعد، وفي قوله: {لهم} ما يشعر بالحث على تخصيصهم بالنظر في أحوالهم ولو أدى ~~ذلك إلى مشقة على الولي. # ولما كان ذلك قد يكون مع مجانبتهم وكانوا قد يرغبون في نكاح يتيماتهم ~~قال: {وإن تخالطوهم} أي بنكاح أو غيره ليصير النظر في الصلاح مشتركا بينكم ~~وبينهم، لأن المصالح صارت كالواحدة. قال الحرالي: وهي رتبة دون الأولى، ~~والمخالطة مفاعلة من الخلطة وهي إرسال الأشياء التي شأنها الانكفاف بعضها ~~في بعض كأنه رفع التحاجز بين ما شأنه ذلك {فإخوانكم} جمع أخ وهو الناشىء مع ~~أخيه من منشأ واحد على السواء بوجه ما - انتهى. أي فعليكم من مناصحتهم ما ~~يقودكم الطبع إليه من مناصحة الإخوان ويحل لكم من الأكل من أموالهم ~~بالمعروف وما يحل من أموال إخوانكم؛ قالت عائشة # PageV03P266 # رضي الله عنها: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي كالغدة حتى أخلط طعامه ~~بطعامي وشرابه بشرابي. قالوا: وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعا كان في ~~غيرهم أوسع، وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار، يخرجون النفقات ~~بالسوية ويتباينون في قلة المطعم وكثرته - نقله الأصبهاني. # ولما كان ذلك مما قد يدخل فيه الشر الذي يظهر فاعله أنه لم يرد به إلا ~~الخير وعكسه قال مرغبا مرهبا: {والله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {يعلم} ~~أي في كل حركة وسكون. # ولما كان الورع مندوبا إليه محثوثا عليه لا سيما في أمر اليتامى فكان ~~التحذير بهذا المقام أولى قال: {المفسد} أي الذي الفساد صفة له {من المصلح} ~~فاتقوا الله في جميع الأمور ولا تجعلوا خلطتكم إياهم ذريعة إلى أكل ~~أموالهم. # ولما كان هذا أمرا لا يكون في بابه أمر أصلح منه ولا أيسر من عليهم بشرعه ~~في قوله: {ولو شاء الله} أي بعظمة كماله # PageV03P267 # {لأعنتكم} أي كلفكم في أمرهم وغيره ما يشق عليكم مشقة لا تطاق فحد لكم ~~حدودا وعينها يصعب لوقوف عندها وألزمكم لوازم يعسر تعاطيها، من الإعنات ms0460 وهو ~~إيقاع العنت وهو أسوأ الهلاك الذي يفحش نعته - قاله الحرالي. ثم علل ذلك ~~بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {عزيز} يقدر على ما يريد {حكيم *} يحكمه ~~بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء منه. ولما ذكر تعالى فيما مر حل الجماع في ~~ليل الصيام وأتبع ذلك من أمره ما أراد إلى أن ذكر المخالطة على وجه يشمل ~~النكاح في سياق مانع مع الفساد داع إلى # PageV03P268 # الصلاح وختم بوصف الحكمة ولما كان النكاح من معظم المخالطة في النفقة ~~وغيرها وكان الإنسان جهولا تولى سبحانه وتعالى بحكمته تعريفه ما يصلح له ~~وما لا يصلح من ذلك، وأخر أمر النكاح عن بيان ما ذكر معه من الأكل والشرب ~~في ليل الصيام لأن الضرورة إليهما أعظم، وقدمه في آية الصيام لأن النفس ~~إليه أميل فقال عاطفا على ما دل العطف على غير مذكور على أن تقديره: ~~فخالطوهم وأنكحوا من تلونه من اليتيمات على وجه الإصلاح إن أردتم {ولا ~~تنكحوا} # PageV03P269 # قال الحرالي: مما منه النكاح وهو إيلاج نهد في فرج ليصيرا بذلك كالشيء ~~الواحد - انتهى. وهذا أصله لغة، والمراد هنا العقد لأنه استعمل في العقد في ~~الشرع وكثر استعماله فيه وغلب حتى صار حقيقة شرعية فهو في الشرع حقيقة في ~~العقد مجاز في الجماع وفي اللغة بالعكس وسيأتي عند {حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] عن الفارسي قرينة يعرف بها مراد أهل اللغة {المشركات} أي ~~الوثنيات، والأكثر على أن الكتابيات مما شملته الآية ثم خصت بآية ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] {حتى يؤمن} فإن ~~المشركات شر محض {ولأمة} رقيقة {مؤمنة} لأن نفع الإيمان أمر ديني # PageV03P270 # يرجع إلى الآخرة الباقية {خير} على سبيل التنزيل {من مشركة} حرة {ولو ~~أعجبتكم} أي المشركة لأن نفع نسبها ومالها وجمالها يرجع إلى الدنيا الدنية ~~الفانية. قال الحرالي: فانتظمت هذه الآيات في تبيين خير الخيرين وترجيح أمر ~~الغيب في أمر الدين والعقبى في أدنى الإماء من المؤمنات خلقا وكونا وظاهر ~~صورة على حال العين في أمر العاجلة من ms0461 الدنيا في أعلى الحرائر من المشركات ~~خلقا وظاهر صورة وشرف بيت - انتهى {ولا تنكحوا} أيها الأولياء # PageV03P271 # {المشركين} أي الكفار بأي كفر كان شيئا من المسلمات {حتى يؤمنوا} فإن ~~الكفار شر محض {ولعبد} أي مملوك {مؤمن خير} على سبيل التنزيل {من مشرك} حر ~~{ولو أعجبكم} أي المشرك وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب ~~الأولى مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاما بأن خيريتهما أمر مقطوع ~~به لا كلام فيه وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدونه دنيا فشرفه ~~الإيمان ومن يعدونه شريفا فحقره الكفران، وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في ~~الموضعين ليدل على أنه وإن كان دنيا موضع التفضيل لعلو وصفه، وأثبت الوصف ~~بالشرك في الموضعين مقتصرا عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف ~~موصوفه. # ولما كانت مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد الذي ربما أدى إلى التهاون ~~بالدين فربما دعا الزوج زوجته إلى الكفر فقاده الميل إلى # PageV03P272 # اتباعه قال منبها على ذلك ومعللا لهذا الحكم: {أولئك} أي الذين هم أهل ~~للبعد من كل خير {يدعون إلى النار} أي الأفعال المؤدية إليها ولا بد فربما ~~أدى الحب الزوج المسلم إلى الكفر ولا عبرة باحتمال ترك الكافر للكفر ~~وإسلامه موافقة للزوج المسلم لأن درء المفاسد مقدم؛ وسيأتي في المائدة عند ~~قوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} [المائدة: 5] لذلك مزيد ~~بيان. # ولما رهب من أهل الشرك حثا على البغض فيه رغب في الإقبال إليه سبحانه ~~وتعالى بالإقبال على أوليائه بالحب فيه وبغير ذلك فقال: {والله} أي بعز ~~جلاله وعظمة كماله {يدعوا} أي بما يأمر به {إلى الجنة} أي الأفعال المؤدية ~~إليها. ولما كان ربما لا يوصل إلى الجنة إلا بعد القصاص قال: {والمغفرة} أي ~~إلى أن يفعلوا ما يؤدي إلى أن يغفر لهم ويهذب نفوسهم بحيث يصيرون إلى حالة ~~سنية # PageV03P273 # يغفرون فيها للناس ما أتوا إليهم. ولما كان الدعاء قد يكون بالحمل على ~~الشيء وقد يكون بالبيان بحيث يصير المدعو إليه متهيئا للوصول إليه قال: ~~{بإذنه} أي بتمكينه من ms0462 ذلك لمن يريد سعادته {ويبين آياته} في ذلك وفي غيره ~~{للناس} كافة من أراد سعادته وغيره {لعلهم يتذكرون *} أي ليكونوا على حالة ~~يظهر لهم بها بما خلق لهم ربهم من الفهم وما طبع في أنفسهم من الغرائز حسن ~~ما دعاهم إليه وقبح ما نهاهم عنه غاية الظهور بما أفهمه الإظهار. # ولما كان في ذكر هذه الآية رجوع إلى تتميم ما أحل من الرفث في ليل الصيام ~~على أحسن وجه تلاها بالسؤال عن غشيان الحائض ولما كان في النكاح شائبة ~~للجماع تثير للسؤال عن أحواله وشائبة للانس والانتفاع تفتر عن ذلك كان نظم ~~آية الحرث بآية العقد بطريق العطف أنسب منه بطريق الاستئناف فقال: ~~{ويسئلونك عن المحيض} أي عن نكاح النساء فيه مخالفة لليهود. # قال الحرالي: وهو # PageV03P274 # مفعل من الحيض وهو معاهدة اندفاع الدم العفن الذي هو في الدم بمنزلة ~~البول والعذرة في فضلتي الطعام والشراب من الفرج {قل هو أذى} أي مؤذ للجسم ~~والنفس لأن فيه اختلاط النطفة بركس الدم الفاسد العفن - قاله الحرالي، ~~وقال: حتى أنه يقال إن التي توطأ وهي حائض يقع في ولدها من الآفات أنواع - ~~انتهى. ولهذا سبب سبحانه وتعالى عنه قوله: {فاعتزلوا النساء} أي كلفوا ~~أنفسكم ترك وقاعهن، من الاعتزال وهو طلب العزل وهو الانفراد عما شأنه ~~الاشتراك - قاله الحرالي. {في المحيض} أي زمنه، وأظهره لئلا يلبس لو أضمر ~~بأن الضمير لمطلق المراد بالأذى من الدم فيشمل الاستحاضة وهي دم صالح يسيل ~~من عرق ينفجر من عنق الرحم فلا يكون أذى كالحيض الذي هو دم فاسد يتولد من ~~طبيعة المرأة من طريق الرحم ولو احتبس لمرضت المرأة، فهو كالبول والغائط ~~فيحل الوطء معه دون الحيض لإسقاط العسر - قاله الإمام. {ولا تقربوهن} أي في ~~محل الإتيان بجماع ولا مباشرة في ما دون الإزار وإنما تكون المباشرة في ما ~~علا عن الإزار {حتى} ولما كان فيه ما أشير إليه # PageV03P275 # من الركس قال: {يطهرن} أي بانقطاعه وذهاب إبانه والغسل منه، والذي يدل ~~على إرادة ذلك مع قراءة التشديد ms0463 قوله تعالى: {فإذا تطهرن} أي اغتسلن، ~~فالوطء له شرطان: الانقطاع والاغتسال وربما دلت قراءة التخفيف على جواز ~~القربان لا الإتيان وذلك بالمباشرة فيما سفل عن الإزار {فأتوهن} أي جماعا ~~وخلطة مبتدئين {من حيث أمركم الله} أي الذي له صفات الكمال، وهو القبل على ~~أي حالة كان ذلك؛ ولما دل ما في السياق من تأكيد على أن بعضهم عزم أو أحب ~~أن يفعل بعض ما تقدم النهي عنه علل بقوله: {إن الله} # PageV03P276 # مكررا الاسم الأعظم تعظيما للمقام ولم يضمره إعلاما بأن هذا حكم عام لما ~~يقع من هفوة بسبب الحيض أو غيره {يحب} أي بما له من الاختصاص بالإحاطة ~~بالإكرام وإن كان مختصا بالإحاطة بالجلال {التوابين} أي الرجاعين عما كانوا ~~عزموا عليه من ذلك ومن كل ذنب أوجب لهم نقص الإنسانية ولا سيما شهوة الفرج ~~الإلمام به، كلما وقعت منهم زلة أحدثوا لها توبة لأن ذلك من أسباب إظهاره ~~سبحانه صفة الحلم والفعو والجود والرحمة والكرم «لو لم تذنبوا لجاء الله ~~بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب رضي ~~الله تعالى عنه. وإذا أحب من يتكرر منه التوبة بتكرار المعاصي فهو في ~~التائب الذي لم يقع منه بعد توبته زلة إن كان ذلك يوجد أحب وفيه أرغب وبه ~~أرحم، ولما كان ذلك مما يعز التخلص من إشراكه إما في تجاوز ما في المباشرة ~~أو في # PageV03P277 # الجماع أولا أو آخرا أتى بصيغة المبالغة. # قال الحرالي: تأنيسا لقلوب المتحرجين من معاودة الذنب بعد توبة منه، أي ~~ومن معاودة التوبة بعد الوقوع في ذنب ثان لما يخشى العاصي من أن يكتب عليه ~~كذبه كلما أحدث توبة وزل بعدها فيعد مستهزئا فيسقط من عين الله ثم لا يبالي ~~به فيوقفه ذلك عن التوبة. # ولما كانت المخالطة على الوجه الذي نهى الله عنه قذره جدا # PageV03P278 # أشار إلى ذلك بقوله: {ويحب} ولما كانت شهوة النكاح وشدة الشبق جديرة بأن ~~تغلب الإنسان إلا بمزيد مجاهدة منه أظهر تاء التفعل فقال: {المتطهرين *} أي ~~الحاملين أنفسهم ms0464 على ما يشق من أمر الطهارة من هذا وغيره، وهم الذين ~~يبالغون ورعا في البعد عن كل مشتبه فلا يواقعون حائضا إلا بعد كمال التطهر؛ ~~أي يفعل معهم من الإكرام فعل المحب وكذا كل ما يحتاج إلى طهارة حسية أو ~~معنوية. # ولما بين سبحانه وتعالى المأتي في الآية السابقة نوع بيان أوضحه مشيرا ~~إلى ثمرة النكاح الناهية لكل ذي لب عن السفاح فقال: {نساؤكم} أي اللاتي هن ~~حل لكم بعقد أو ملك يمين # PageV03P279 # ولما كان إلقاء النطفة التي يكون منها النسل كإلقاء البذر الذي يكون منه ~~الزرع شبههن بالمحارث دلالة على أن الغرض الأصيل طلب النسل فقال مسميا موضع ~~الحرث باسمه موقعا اسم الجزء على الكل موحدا لأنه جنس {حرث لكم} فأوضح ذلك. ~~قال الحرالي: ليقع الخطاب بالإشارة أي في الآية الأولى لأولي الفهم ~~وبالتصريح أي في هذه لأولي العلم لأن الحرث كما قال بعض العلماء إنما يكون ~~في موضع الزرع - انتهى. وفي تخصيص الحرث بالذكر وتعميم # PageV03P280 # جميع الكيفيات الموصلة إليه بقوله: {فأتوا حرثكم} أي الموضع الصالح ~~للحراثة {أنى شئتم} أي من أين وكيف إشارة إلى تحريم ما سواه لما فيه من ~~العبث بعدم المنفعة. قال الثعلبي: الأدبار موضع الفرث لا موضع الحرث. # ولما كانت هذه أمورا خفية لا يحمل على صالحها وتحجر عن فاسدها إلا محض ~~الورع قال: {وقدموا} أي أوقعوا التقديم. ولما كان السياق للجمع وهو من ~~شهوات النفس قال مشيرا إلى الزجر عن اتباعها كل ما تهوي: {لأنفسكم} أي من ~~هذا العمل وغيره من كل ما يتعلق بالشهوات ما إذا عرض على من تهابونه ~~وتعتقدون خيره افتخرتم به عنده وذلك بأن تصرفوا مثلا هذا العمل عن محض ~~الشهوة إلى قصد الإعفاف وطلب الولد الذي يدوم به صالح العمل فيتصل الثواب، ~~ومن التقديم التسمية عند الجماع على ما وردت به السنة وصرح به الحبر ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما على # PageV03P281 # ما نقل عنه. # ولما كانت أفعال الإنسان في الشهوات تقرب من فعل من عنده شك احتيج إلى ms0465 ~~مزيد وعظ فقال: {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ما يكرهه الملك الأعظم ~~من ذلك وغيره وقاية من الحلال أو المشتبه. # وزاد سبحانه وتعالى في الوعظ والتحذير بالتنبيه بطلب العلم وتصوير العرض ~~فقال: {واعلموا أنكم ملاقوه} وهو سائلكم عن جميع ما فعلتموه من دقيق وجليل ~~وصالح وغيره فلا تقعوا فيما تستحيون منه إذا سألكم فهو أجل من كل جليل. قال ~~الحرالي: وفيه إشعار بما يجري في أثناء ذلك من الأحكام التي لا يصل إليها ~~أحكام حكام الدنيا مما لا يقع الفصل فيه إلا في الآخرة من حيث إن أمر ما ~~بين الزوجين سر لا يفشى، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يسأل الرجل فيم ضرب ~~امرأته» وقال: «لا أحب للمرأة أن تشكو زوجها» # PageV03P282 # فأنبأ تعالى أن أمر ما بين الزوجين مؤخر حكمه إلى لقاء الله عز وجل حفيظة ~~على ما بين الزوجين ليبقى سرا لا يظهر أمره إلا الله تعالى، وفي إشعاره ~~إبقاء للمروة في أن لا يحتكم الزوجان عند حاكم في الدنيا وأن يرجع كل واحد ~~منهما إلى تقوى الله وعلمه بلقاء الله - انتهى. # ولما كان هذا لا يعقله حق عقله كل أحد أشار إلى ذلك بالالتفات إلى أكمل ~~الخلق فقال عاطفا على ما تقديره: فأنذر المكذبين فعلا أو قولا، قوله تعالى: ~~{وبشر المؤمنين *} أي الذين صار لهم الإيمان وصفا راسخا تهيؤوا به ~~للمراقبة، وهو إشارة إلى أن مثل هذا من باب الأمانات لا يحجز عنه إلا ~~الإخلاص في الإيمان والتمكن فيه. # ولما أذن في إتيان النساء في محل الحرث كيف ما اتفق ومنع مما سوى ذلك ~~ومنع من محل الحرث في حال الحيض بين حكم ما إذا منع الإنسان نفسه من ذلك ~~بالإيلاء أو بمطلق اليمين ولو على غير سبيل الإيلاء لأنه نقل عن كثير منهم ~~شدة الميل إلى النكاح فكان يخشى المواقعة في حال المنع فتحمله شدة الورع ~~على أن يمنع نفسه بمانع # PageV03P283 # مظاهرة كما بين في سورة المجادلة أو غيرها من الأيمان فمنعهم من ذلك ~~بقوله تعالى ms0466 عادلا عن خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم تعظيما لمقامه: {ولا ~~تجعلوا الله} أي الذي لا شيء يداني جلاله وعظمته وكماله {عرضة} أي معرضا ~~{لأيمانكم} فيكون في موضع ما يمتهن ويبتذل فإن ذلك إذا طال حمل على ~~الاجتراء على الكذب فجر إلى أقبح # PageV03P284 # الأشياء. قال الحرالي: والعرضة ذكر الشيء وأخذه على غير قصد له ولا صمد ~~نحوه بل له صمد غيره {أن} أي لأجل أن {تبروا} في أموال اليتامى وغيرها مما ~~تقدم الأمر به أو النهي عنه {وتتقوا} أي تحملكم أيمانكم على البر وهو ~~الاتساع في كل خلق جميل والتقوى وهي التوغل في خوف الله سبحانه وتعالى ~~{وتصلحوا بين الناس} فتجعلوا الأيمان لكم ديدنا فتحلفون تارة أن تفعلوا ~~وتارة أن لا تفعلوا لإلزام أنفسكم بتلك الأشياء فإن من لا ينقاد إلى الخير ~~إلا بقائد من يمين أو غيرها ليس بصادق العزيمة، وفي الأمثال: فرس لا تجري ~~إلا بمهماز بئس الفرس. # ولما أرشد السياق والعطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فالله # PageV03P285 # جليل عظيم عطف عليه قوله: {والله} أي بما له من العز والعظمة {سميع} ~~لجميع ما يكون من ذلك وغيره {عليم *} بما أسر منه وما أعلن، فاحذروه في ~~جميع ما يأمركم به وينهاكم عنه، ويجوز أن يكون الجملة حالا من واو {تجعلوا} ~~فلا يكون هناك مقدر ويكون الإظهار موضع الإضمار لتعظيم المقام. # PageV03P286 # ولما تقدم إليهم سبحانه وتعالى في هذا وكانت ألسنتهم قد مرنت على الأيمان ~~من غير قصد بحيث صاروا لا يقدرون على ترك ذلك إلا برياضة كبيرة ومعالجة ~~طويلة وكان مما رحم الله به هذه الأمة العفو عما أخطأت به ولم تتعمده قال ~~في جواب من كأنه سأل عن ذلك: {لا يؤاخذكم} أي لا يعاقبكم، وحقيقته يعاملكم ~~معاملة # PageV03P286 # من يناظر شخصا في أن كلا منهما يريد أخذ الآخر بذنب أسلفه إليه {الله} ~~فكرر في الإطلاق والعفو الاسم الأعظم الذي ذكره في التقييد والمنع إيذانا ~~بأن عظمته لا تمنع من المغفرة {باللغو} وهو ما تسبق إليه الألسنة من القول ~~على ms0467 غير عزم قصد إليه - قاله الحرالي. {في أيمانكم} فإن ذلك لا يدل على ~~الامتهان بل ربما دل على المحبة والتعظيم. ولما بين ما أطلقه بين ما منعه ~~فقال: {ولكن يؤاخذكم} والعبارة صالحة للإثم والكفارة. ولما كان الحامل على ~~اليمين في الأغلب المنافع الدنيوية التي هي الرزق وكان الكسب يطلق على طلب ~~الرزق وعلى القصد والإصابة عبر به فقال: {بما كسبت} أي تعمدت {قلوبكم} # PageV03P287 # فاجتمع فيه مع اللفظ النية. قال الحرالي: فيكون ذلك عزما باطنا وقولا ~~ظاهرا فيؤاخذ باجتماعهما، ففي جملته ترفيع لمن لا يحلف بالله في عزم ولا ~~لغو، وذلك هو الذي حفظ حرمة الحلف بالله، وفي مقابلته من يحلف على الخير أن ~~لا يفعله - انتهى. ولم يبين هنا الكفارة صريحا إشارة إلى أنهم ينبغي أن ~~يكونوا أتقى من أن يمنعوا من شيء فيقارفوه، وأشار إليها في الإيلاء كما ~~يأتي. # ولما كان ذكر المؤاخذة قطعا لقلوب الخائفين سكنها بقوله مظهرا موضع ~~الإضمار إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه: {والله} أي مع ما له من العظمة ~~{غفور} أي ستور لذنوب عباده إذا تابوا. ولما كان السياق للمؤاخذة التي هي ~~معالجة كل من المتناظرين لصاحبه بالأخذ كان الحلم أنسب الأشياء لذلك فقال ~~{حليم *} # PageV03P288 # لا يعاجلهم بالأخذ، والحلم احتمال الأعلى للأذى من الأدنى، وهو أيضا رفع ~~المؤاخذة عن مستحقها بجناية في حق مستعظم - قاله الحرالي. ولما كان الإيلاء ~~حلفا مقيدا وبين حكم مطلق اليمين قبله لتقدم المطلق على المقيد بانفكاكه ~~عنه بينه دليلا على حلمه حيث لم يؤاخذهم به فقد كانوا يضارون به النساء في ~~الجاهلية بأن يحلفوا على عدم الوطء أبدا فتكون المرأة لا أيما ولا ذات بعل ~~وجعل لهم فيه مرجعا يرجعون إليه فقال في جواب من كأنه سأل عنه لما أشعر به ~~ما تقدم: {للذين يؤلون} أي يحلفون حلفا مبتدئا {من نسائهم} في صلب النكاح ~~أو علقة الرجعة بما أفادته الإضافة بأن لا يجامعوهن أبدا أو فوق # PageV03P289 # أربعة أشهر فالتعدية بمن تدل على أخذ في البعد عنهن. # قال الحرالي: والإيلاء ms0468 تأكيد الحلف وتشديده سواء كانوا أحرارا أو عبيدا ~~أو بعضا وبعضا في حال الرضى أو الغضب محبوبا كان أو لا لأن المضارة حاصلة ~~بيمينه {تربص} أي إمهال وتمكث يتحمل فيه الصبر الذي هو مقلوب لفظه - انتهى. ~~{أربعة أشهر} ينتظر فيها رجوعهم إليهن حلما من الله سبحانه وتعالى حيث لم ~~يجعل الأمر بتاحين الحلف بفراق أو وفاق. قال الحرالي: ولما كان لتخلص ~~المرأة من الزوج # PageV03P290 # أجل عدة كان أجلها مع أمد هذا التربص كأنه - والله سبحانه وتعالى أعلم - ~~هو القدر الذي تصبر المرأة عن زوجها، يذكر أن عمر رضي الله تعالى عنه سأل ~~النساء عن قدر ما تصبر المرأة عن الزوج، فأخبرنه أنها تصبر ستة أشهر، فجعل ~~ذلك أمد البعوث فكان التربص والعدة قدر ما تصبره المرأة عن زوجها، وقطع ~~سبحانه وتعالى بذلك ضرار الجاهلية في الإيلاء إلى غير حد - انتهى وفيه ~~تصرف. # ولما كان حالهم بعد ذلك مرددا بين تعالى قسميه فقال مفصلا له {فإن فاؤوا} ~~أي رجعوا في الأشهر، وأعقبها عن المفاصلة إلى المواصلة، من الفيء وهو ~~الرجوع إلى ما كان منه الانبعاث {فإن الله} يغفر لهم ما قارفوه في ذلك من ~~إثم ويرحمهم بإنجاح مقاصدهم لأنه {غفور رحيم *} له هاتان الصفتان ينظر بهما ~~إلى من # PageV03P291 # يستحقهما فيغفر ما في ذلك من جناية منهما أو من أحدهما إن شاء ويعامل بعد ~~ذلك بالإكرام. قال الحرالي: وفي مورد هذا الخطاب بإسناده للأزواج ما يظافر ~~معنى إجراء أمور النكاح على سترة وإعراض عن حكم الحكام من حيث جعل التربص ~~له والفيء منه، فكأن الحكم من الحاكم إنما يقع على من هتك حرمة ستر أحكام ~~الأزواج التي يجب أن تجري بين الزوجين من وراء ستر كما هو سر النكاح الذي ~~هو سبب جمعهما ليكون حكم السر سرا وحكم الجهر جهرا - انتهى. # ولما كان الحال في مدة الإيلاء شبيها بحال الطلاق وليس به قال مبينا أن ~~الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة الأشهر بل إما أن يفيء أو يطلق فإن أبى ~~طلق عليه ms0469 الحاكم: {وإن عزموا الطلاق} فأوقع عليه العزم من غير حرف جر بمعنى ~~أنهم تركوا ما كانوا فيه من الذبذبة وجعلوا الطلاق عزيمة واقعا من غير ~~مجمجة ولا ستر، # PageV03P292 # والعزم الإجماع على إنفاذ الفعل، والطلاق هو في المعنى بمنزلة إطلاق ~~الشيء من اليد الذي يمكن أخذه بعد إطلاقه - قاله الحرالي. # ولما كان المطلق ربما ندم فحمله العشق على إنكار الطلاق رهبه بقوله: {فإن ~~الله} أي الملك الذي له الجلال والإكرام {سميع} أي لعبارتهم عنه. قال ~~الحرالي: في إشارته إعلام بأن الطلاق لا بد له من ظاهر لفظ يقع مسموعا - ~~انتهى. # {عليم} أي به وبنيتهم فيه. قال الحرالي: وفيه تهديد بما يقع في الأنفس ~~والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام ولا ~~يمكن أن يصل إلى علمها الحكام فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر، ~~ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال كما أن # PageV03P293 # العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء، فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في ~~عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه - انتهى. وبقي من أحكام الإيلاء قسم ثالث ~~ترك التصريح به إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا في غاية النزاهة عنه وهو ~~الإصرار على الإضرار، وأشار بصفتي المغفرة والرحمة لفاعل ضده إلى أن مرتكبه ~~يعامل بضدهما مما حكمه معروف في الفقه والله الموفق. # ولما ختم آيتي الإيلاء بالطلاق بين عدته فقال: - وقال الحرالي: لما ذكر ~~تربص الزوج - سبحانه وتعالى في أمر الطلاق الذي هو أمانته ذكر تربص المرأة ~~في أمر العدة التي هي أمانتها؛ انتهى - فقال: {والمطلقات} أي المدخول بهن ~~بما أفهمه الإيلاء من أن الكلام فيهن غير الحوامل لأن عدتهن بالولادة وغير ~~ذوات الأشهر لصغر # PageV03P294 # أو كبر. ولما أريد التأكيد لأمرهن بالعدة سبق بعد تأكيده ببنائه على ~~المبتدأ في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وانقضى إيماء إلى ~~المسارعة إلى امتثاله فقيل: {يتربصن} أي ينتظرن اعتدادا. # ولما كانت النفس داعية إلى الشهوات لا سيما أنفس النساء إلى الرجال وكان ~~التربص عاما ms0470 في النفس بالعقد لزوج آخر وفي التعرض له باكتحال وتزين وتعريض ~~بكلام مع البينونة وبغير ذلك خص الأول معبرا لها بالنفس هزا إلى الاحتياط ~~في كمال التربص والاستحياء مما يوهم الاستعجال فقال: {بأنفسهن} فلا يطمعنها ~~في مواصلة رجل قبل انقضاء العدة. # ولما كان القرء مشتركا بين الطهر والحيض وكان الأقراء مشتركا بين جمع كل ~~منهما وكان الطهر مختصا عند جمع من أهل اللغة بأن يجمع على قروء كان مذكرا ~~يؤنث عدده وكانت الحيضة مؤنثة يذكر # PageV03P295 # عددها دل على أن المراد الإظهار بما يخصه من الجمع وبتأنيث عدده فقال ~~ذاكرا ظرف التربص: {ثلاثة قروء} أي جموع من الدم وسيأتي في أول سورة الحجر ~~أن هذه المادة بأي ترتيب كان تدور على الجمع وأن المراد بالقروء الأطهار ~~لأنها زمن جمع الدم حقيقة، وأما زمن الحيض فإنما يسمى بذلك لأنه سبب تحقق ~~الجمع، والمشهور من كلام أهل اللغة أن جمع القرء بمعنى الطهر أقراء وقروء، ~~وأن جمعه إذا أطلق على الحيض أقراء فقط؛ وذلك لأن المادة لما كانت للجمع ~~كانت أيام الطهر هي المتحققة بذلك وكان جمع الكثرة أعرف # PageV03P296 # في الجمع كان بالطهر أولى. # وقال الحرالي: قروء جمع قرء وهو الحد الفاصل بين الطهر والحيض الذي يقبل ~~الإضافة إلى كل واحد منهما، ولذلك ما تعارضت في تفسير لغته تفاسير اللغويين ~~واختلف في معناه أقوال العلماء لخفاء معناه بما هو حد بين الحالين كالحد ~~الفاصل بين الظل والشمس فالقروء الحدود، وذلك حين تطلق المرأة لقبل عدتها ~~في طهر لم تمس فيه ليطلقها على ظهور براءة من علقتهما لئلا يطلق ما لم ~~تنطلق عنه، فإذا انتهى الطهر وابتدأ الحيض كان ما بينهما قرءا لأن القرء ~~استكمال جمع الحيض حين يتعفن فما لم ينته إلى الخروج لم يتم قرءا، فإذا ~~طهرت الطهر الثاني وانتهى إلى الحيض كانا قرءين، فإذا طهرت الطهر الثالث ~~وانتهى إلى الحيض شاهد كمال القرء كان ثلاثة أقراء، فلذلك يعرب معناه عن حل ~~المرأة عند رؤيتها الدم من الحيضة الثالثة لتمام عدة الأقراء ms0471 الثلاثة، ~~فيوافق معنى من يفسر القرء بالطهر ويكون أقرب من تفسيره بالحيض فأمد الطهر ~~ظاهرا هو أمد الاستقراء للدم باطنا فيبعد تفسيره بالحيض عما هو تحقيقه من ~~معنى الحد بعدا ما - انتهى. # PageV03P297 # ولما كان النكاح أشهى ما إلى الحيوان وكان حبك للشيء يعمي ويصم وكان ~~النساء أرغب في ذلك مع ما بهن من النقص في العقل والدين فكان ذلك ربما ~~حملهن على كتم ولد لإرادة زوج آخر تقصيرا للعدة وإلحاقا للولد به، أو حيض ~~لرغبة في رجعة المطلق قال سبحانه وتعالى: {ولا يحل لهن} أي المطلقات {أن ~~يكتمن ما خلق الله} أي الذي له الأمر كله من ولد أو دم {في أرحامهن} جمع ~~رحم. قال الحرالي: وهو ما يشتمل على الولد من أعضاء التناسل يكون فيه تخلقه ~~من كونه نطفة إلى كونه خلقا آخر - انتهى. وليس فيه دليل على أن الحمل يعلم، ~~إنما تعلم أماراته. # ولما كان معنى هذا الإخبار النهي ليكون نافيا للحل بلفظه مثبتا للحرمة ~~بمعناه تأكيدا له فكان التقدير: ولا يكتمن، قال مرغبا # PageV03P298 # في الامتثال مرهبا من ضده: {إن كن يؤمن بالله} أي الذي له جميع العظمة ~~{واليوم الآخر} الذي تظهر فيه عظمته أتم ظهور ويدين فيه العباد بما فعلوا، ~~أي فإن كتمن شيئا من ذلك دل على عدم الإيمان. وقال الحرالي: ففي إشعاره ~~إثبات نوع نفاق على الكاتمة ما في رحمها؛ انتهى - وفيه تصرف. # ولما كان الرجعي أخف الطلاق بين الرجعة تنبيها على أنه إن كان ولا بد من ~~الطلاق فليكن رجعيا فقال تعالى: {وبعولتهن} أي أزواجهن، جمع بعل. قال ~~الحرالي: وهو الرجل المتهيىء لنكاح الأنثى المتأتي له ذلك، يقال على الزوج ~~والسيد - انتهى. ولما كان # PageV03P299 # للمطلقة حق في نفسها قال: {أحق بردهن} أي إلى ما كان لهم عليهن من العصمة ~~لإبطال التربص فله حرمة الاستمتاع من المطلقات بإرادة السراح {في ذلك} أي ~~في أيام الأقراء فإذا انقضت صارت أحق بنفسها منه بها لانقضاء حقه والكلام ~~في الرجعية بدليل الآية التي بعدها. # ولما أثبت الحق لهم ms0472 وكان منهم من يقصد الضرر قيده بقوله: {إن أرادوا} أي ~~بالرجعة {إصلاحا} وهذا تنبيه على أنه إن لم يرد الإصلاح وأرادت هي السراح ~~كان في باطن الأمر زانيا. قال الحرالي: الإصلاح لخلل ما بينهما أحق في علم ~~الله وحكمته من افتتاح وصلة ثانية لأن تذكر الماضي يخل بالحاضر، مما حذر ~~النبي صلى الله عليه وسلم نكاح اللفوت وهي التي لها ولد من زوج سابق، فلذلك ~~كان الأحق إصلاح الأول دون استفتاح وصلة لثان - انتهى. # PageV03P300 # ولما اخرج أمر الرجعة عنهن جبرهن بقوله: {ولهن} أي من الحقوق {مثل الذي ~~عليهن} أي في كونه حسنة في نفسه على ما يليق بملك منهما لا في النوع، فكما ~~للرجال الرجعة قهرا فلهن العشرة بالجميل، وكما لهم حبسهن فلهن ما يزيل ~~الوحشة بمن يؤنس ونحو ذلك. ولما كان كل منهما قد يجور على صاحبه قال: ~~{بالمعروف} أي من حال كل منهما. قال الحرالي: والمعروف ما أقره الشرع وقبله ~~العقل ووافقه كرم الطبع - انتهى. # ولما ذكر الرجعة له بصيغة الأحق وبين الحق من الجانبين بين فضل الرجال ~~بقوله: {وللرجال} أعم من أن يكونوا بعولة # PageV03P301 # {عليهن} أي أزواجهم {درجة} أي فضل من جهات لا يخفى كالإنفاق والمهر لأن ~~الدرجة المرقى إلى العلو. وقال الحرالي: لما أوثروا به من رصانة العقل ~~وتمام الدين - انتهى. فالرجل يزيد على المرأة بدرجة من ثلاث لأن كل امرأتين ~~بمنزلة رجل. # ولما أعز سبحانه وتعالى الرجل وصف نفسه بالعزة مبتدئا بالاسم الأعظم ~~الدال على كل كمال فقال عطفا على ما تقديره: لأن الله أعزهم عليهن بحكمته: ~~{والله} أي الذي له كمال العظمة {عزيز} إشارة إلى أنه أعز بل لا عزيز إلا ~~هو ليخشى كل من أعاره ثوب عزة سطوته؛ وقال: {حكيم} تنبيها على أنه ما فعل ~~ذلك إلا لحكمة # PageV03P302 # بالغة تسلية للنساء وإن ما أوجده بعزته وأتقنه بحكمته لا يمكن نقضه. ولما ~~ذكر الرجعة ولم يبين لها غاية تنتهي بها فكانت الآية كالمجمل عرض سؤال: هل ~~هي ممتدة كما كانوا يفعلون في الجاهلية متى ms0473 راجعها في العدة له أن يطلقها ~~ما دام يفعل ذلك ولو ألف مرة أو منقطعة؟ فقال: {الطلاق} أي المحدث عنه وهو ~~الذي تملك فيه الرجعة. قال الحرالي: لما كان الطلاق لما يتهيأ رده قصره ~~الحق تعالى على المرتين اللتين يمكن فيهما تلافي النكاح بالرجعة - انتهى. ~~وقال تعالى: {مرتان} دون طلقتان تنبيها - على أنه ينبغي أن تكون مرة بعد ~~مرة كل طلقة في مرة لا أن يجمعهما في مرة. # PageV03P303 # ولما كان له بعد الثانية في العدة حالان إعمال وإهمال وكان الإعمال إما ~~بالرجعة وإما بالطلاق بدأ بالإعمال لأنه الأولى بالبيان لأنه أقرب إلى أن ~~يؤذي به وأخر الإهمال إلى أن تنقضي العدة لأنه مع فهمه من آية الأقراء ~~سيصرح به في قوله في الآية الآتية {أو سرحوهن بمعروف} [البقرة: 231] فقال ~~معقبا بالفاء {فإمساك} أي إن راجعها في عدة الثانية. قال الحرالي: هو من ~~المسك وهو إحاطة تحبس الشيء، ومنه المسك - بالفتح - للجلد {بمعروف} قال ~~الحرالي فصرفهم بذلك عن ضرار الجاهلية الذي كانوا عليه بتكرير الطلاق إلى ~~غير حد فجعل له حدا يقطع قصد الضرار - انتهى {أو تسريح} أي إن طلقها ~~الثالثة، ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة لما كان عليه حال أهل ~~الجاهلية. قال الحرالي: سمى الثالثة تسريحا لأنه إرسال لغير معنى الأخذ ~~كتسريح الشيء الذي لا يراد إرجاعه. وقال أيضا: هو إطلاق الشيء على وجه لا ~~يتهيأ للعود، فمن أرسل البازي # PageV03P304 # مثلا ليسترده فهو مطلق، ومن أرسله لا ليسترجعه فهو مسرح انتهى. ويجوز أن ~~يراد بالتسريح عدم المراجعة من الثانية لا أنه طلقة ثالثة، ولما كان مقصود ~~النكاح حسن الصحبة وكانت من الرجل الإمتاع بالنفس والمال وكان الطلاق منعا ~~للإمتاع بالنفس قال: {بإحسان} تعريضا بالجبر بالملل لئلا يجتمع منعان: منع ~~النفس # PageV03P305 # وذات اليد - أفاده الحرالي وقال: ففيه بوجه ما تعريض بما صرحت به آية ~~المتعة الآتية - انتهى. ومن ذلك بذل الصداق كاملا وأن لا يشاححها في شيء ~~لها فيه حق مع طيب المقال وكرم الفعال. # ولما كان سبحانه وتعالى ms0474 قد خيره بين شيئين: الرجعة والتسريح الموصوفين ~~وكانت الرجعة أقرب إلى الخير بدأ بها ولكنها لما كانت قد تكون لأجل ~~الافتداء بما أعطيته المرأة وكان أخذه أو شيئا منه مشاركا للسراح في أنه ~~يقطع عليه ما كان له من ملك الرجعة ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة ~~كما كان عليه حال أهل الجاهلية وكان الافتداء قد يكون في الأولى لم يفرعها ~~بالقابل قال مشيرا إلى أن من إحسان التسريح سماح الزوج بما أعطاها عاطفا ~~على ما تقديره: فلا يحل لكم مضارتهن: {ولا يحل لكم} أي أيها المطلقون أو ~~المتوسطون # PageV03P306 # من الحكام وغيرهم لأنهم لما كانوا آمرين عدوا آخذين {أن تأخذوا} إحسانا ~~في السراح {مما آتيتموهن} من صداق وغيره {شيئا} أي بدون مخالفة. قال ~~الحرالي: لأن إيتاء الرجل للمرأة إيتاء نحلة لإظهار مزية الدرجة لا في ~~مقابلة الانتفاع فلذلك أمضاه ولم يرجع منه شيئا ولذلك لزم في النكاح الصداق ~~لتظهر مزية الرجل بذات اليد كما ظهرت في ذات النفس - انتهى. # ولما كان إسناد الخوف إلى ضمير الجمع ربما ألبس قال: {إلا # PageV03P307 # أن يخافا} نصا على المراد بالإسناد إلى الزوجين، وعبر عن الظن بالخوف ~~تحذيرا من عذاب الله، وعبر في هذا الاستثناء إن قلنا إنه منقطع بأداة ~~المتصل تنفيرا من الأخذ ومعنى البناء للمفعول في قراءة حمزة وأبي جعفر ~~ويعقوب إلا أن يحصل لهما أمر من حظ أو شهوة يضطرهما إلى الخوف من التقصير ~~في الحدود، ولا مفهوم للتقييد بالخوف لأنه لا يتصور من عاقل أن يفتدي بمال ~~من غير أمر محوج ومتى حصل المحوج كان الخوف ومتى خاف أحدهما خافا لأنه متى ~~خالفه الآخر حصل التشاجر المثير للحظوظ المقتضية للإقدام على ما لا يسوغ ~~والله سبحانه وتعالى أعلم {ألا يقيما} أي في الاجتماع {حدود الله} العظيم ~~فيفعل كل منهما ما وجب عليه من الحق. # قال الحرالي: وفي إشعاره أن الفداء في حكم الكتاب مما أخذت الزوجة من ~~زوجها لا من غير ذلك من مالها، والحدود جمع حد وهو النهاية في ms0475 المتصرف ~~المانع من الزيادة عليه - انتهى. ثم زاد الأمر بيانا لأنه في مقام # PageV03P308 # التحديد فقال مسندا إلى ضمير الجمع حثا على التحقق ليحل الفداء حلا نافيا ~~لجميع الحرج: {فإن خفتم} أي أيها المتوسطون بينهما من الحكام وغيرهم من ~~الأئمة بما ترون منهما وما يخبرانكم به عن أنفسهما {ألا يقيما حدود الله} ~~وتكرير الاسم الأعظم يدل على رفعة زائدة لهذا المقام، وتعظيم كبير لهذه ~~لأحكام، وحث عظيم على التقيد في هذه الرسوم بالمراعاة والالتزام، وذلك لأن ~~كل إنسان مجبول على تقديم نفسه على غيره، والشرع كله مبني على العدل الذي ~~هو الإنصاف ومحبة المرء لغيره ما يحب لنفسه {فلا جناح} أي ميل بإثم ~~{عليهما} وسوغ ذلك أن الظن شبهة فإنك لا تخاف ما لا تظنه # PageV03P309 # {فيما افتدت به} أي لا على الزوج بالأخذ ولا عليها بالإعطاء سواء كان ذلك ~~مما آتاها أو من غيره أكثر منه أو لا لأن الخلع عقد معاوضة فكما جاز لها أن ~~تمتنع من أول العقد حتى ترضى ولو بأكثر من مهر المثل فكذا في الخلع يجوز له ~~أن لا يرضى إلا بما في نفسه كائنا ما كان ويكون ذلك عما كان يملكه عليها من ~~الرجعة، فإذا أخذه بانت المرأة فصارت أحق بنفسها فلا سبيل عليها إلا ~~بإذنها. # ولما كانت أحكام النساء تارة بالمرافقة وتارة بالمفارقة وكانت مبنية على ~~الشهوات تارة على البهيمية وتارة على السبعية وكان سبحانه وتعالى قد حد ~~فيها حدودا تكون بها المصالح وتزول المفاسد منع سبحانه وتعالى من تعدى تلك ~~الحدود أي الأحكام التي بينها في ذلك ولم يذكر قربانها كما مضى في آية ~~الصوم فقال: {تلك} أي الأحكام # PageV03P310 # العظيمة التي تولى الله بيانها من أحكام الطلاق والرجعة والخلع وغيرها ~~{حدود الله} أي شرائع الملك الأعظم الذي له جميع العزة من الأوامر والنواهي ~~التي بينها فصارت كالحدود المعروفة في الأراضي. # ولما كانت شرائع الله ملائمة للفطرة الأولى السليمة عن نوازع النقائص ~~وجواذب الرذائل أشار إلى ذلك سبحانه بصيغة الافتعال في قوله: {فلا تعتدوها} ms0476 ~~أي لا تتكلفوا مجاوزتها، وفيه أيضا إشارة إلى العفو عن المجاوزة من غير ~~تعمد. # ولما أكد الأمر تارة بالبيان وتارة بالنهي زاد في التأكيد بالتهديد فقال ~~عاطفا على ما تقديره: فمن تعدى شيئا منها فقد ظلم: {ومن يتعد} أي يتجاوز ~~{حدود الله} أي المحيط بصفات الكمال التي بينها # PageV03P311 # وأكد أمرها وزاد تعظيمها بتكرير اسمه الأعظم. قال الحرالي: ففيه ترجية ~~فيما يقع من تعدي الحدود من دون ذلك من حدود أهل العلم ووجوه السنن وفي ~~إعلامه إيذان بأن وقوع الحساب يوم الجزاء على حدود القرآن التي لا مندوحة ~~لأحد بوجه من وجوه السعة في مخالفتها ولذلك تتحقق التقوى والولاية مع الأخذ ~~بمختلفات السنن ومختلفات أقوال العلماء - انتهى. وإليه يرشد الحصر في قوله: ~~{فأولئك} أي المستحقون للابعاد {هم الظالمون *} أي العريقون في الظلم بوضع ~~الأشياء في غير مواضعها فكأنهم يمشون في الظلام. قال الحرالي: وفي إشعاره ~~تصنيف الحدود ثلاثة أصناف: حد الله سبحانه وتعالى، وحد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وحد العالم؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ما جاء من الله فهو الحق، وما ~~جاء مني فهو السنة، وما جاء من أصحابي فهو السعة» فأبرأ العباد من الظلم من ~~حافظ على أن لا يخرج عن حدود العلماء ليكون أبعد أن يخرج من حدود السنة ~~ليكون أبعد أن يخرج من حدود الكتاب، فالظالم المنتهي ظلمه الخارج عن الحدود ~~الثلاثة: حد العالم، وحد السنة، وحد الله - انتهى. ولما بين قسمي الطلاق ~~البائن - وكان نظر الطلاق إلى العدد أشد # PageV03P312 # من نظره إلى العوض قدم قسمه في قوله {أو تسريح بإحسان} ثم فرع عليه فقال ~~موحدا لئلا يفهم الحكم على الجمع أن الجمع قيد في الحكم وأفهم التكرير ~~للجمع شدة الذم لما كانوا يفعلون في الجاهلية من غير هذه الأحكام: # PageV03P313 # {فإن طلقها} أي الثالثة التي تقدم التخيير فيها بلفظ التسريح فكأنه قال: ~~فإن اختار الطلاق البات بعد المرتين إما في العدة من الطلاق الرجعي أو بعد ~~الرجعة بعوض أو غيره ولا فرق في جعلها ثالثة بين ms0477 أن تكون بعد تزوج المرأة ~~بزوج آخر أو لا. قال الحرالي: فردد معنى التسريح الذي بينه في # PageV03P313 # موضعه بلفظ الطلاق لما هيأها بوجه إلى المعاد، وذلك فيما يقال من خصوص ~~هذه الأمة وإن حكم الكتاب الأول أن المطلقة ثلاثا لا تعود أبدا فلهذا العود ~~بعد زوج صار السراح طلاقا - انتهى. {فلا تحل له} ولما كان إسقاط الحرف ~~والظرف يوهم أن الحرمة تختص بما استغرق زمن البعد فيفهم أن نكاحه لها في ~~بعض ذلك الزمن يحل قال: {من بعد} أي في زمن ولو قل من أزمان ما بعد استيفاء ~~الدور الذي هو الثلاث بما أفاده إثبات الجار، وتمتد الحرمة {حتى} أي إلى أن ~~{تنكح} أي تجامع بذوق العسيلة التي صرح بها النبي صلى الله عليه وسلم، قال ~~الفارسي: إذا قال العرب: نكح فلان فلانة، أرادوا عقد عليها؛ وإذا قالوا: # PageV03P314 # نكح امرأته أو زوجته، أرادوا جامعها؛ وقال الإمام: إن هذا الذي قاله أبو ~~علي جار على قوانين الأصول وإنه لا يصح إرادة غيره ودل على ذلك بقياس رتبة، ~~فالآية دالة على أنه لا يكتفى في التحليل بدون الجماع كما بينته السنة وإلا ~~كانت السنة ناسخة، لأن غاية الحرمة في الآية العقد وفي الخبر الوطء وخبر ~~الواحد لا ينسخ القرآن، وأشار بقوله: {زوجا} إلى أن شرط هذا الجماع أن يكون ~~حلالا في عقد صحيح {غيره} أي المطلق، وفي جعل هذا غاية للحل زجر لمن له غرض ~~ما في امرأته عن طلاقها ثلاثا لأن كل ذي مروة يكره أن يفترش امرأته آخر ~~ومجرد العقد لا يفيد هذه الحكمة وذلك بعد أن أثبت له سبحانه وتعالى من كمال ~~رأفته بعباده الرجعة في الطلاق الرجعي مرتين # PageV03P315 # لأن الإنسان في حال الوصال لا يدري ما يكون حاله بعده ولا تفيده الأولى ~~كمال التجربة فقد يحصل له نوع شك بعدها وفي الثانية يضعف ذلك جدا ويقرب ~~الحال من التحقق فلا يحمل على الفراق بعدها إلا قلة التأمل ومحض الخرق ~~بالعجلة المنهي عنها {فإن طلقها} أي الثاني وتعبيره بإن ms0478 التي للشك للتنبيه ~~على أنه متى شرط الطلاق على المحلل بطل العقد بخروجه عن دائرة الحدود ~~المذكورة. لأن النكاح كما قال الحرالي عقد حرمة مؤبدة لا حد متعة مؤقتة ~~فلذلك لم يكن الاستمتاع إلى أمد محللا في السنة وعند الأئمة لما يفرق بين ~~النكاح والمتعة من التأبيد والتحديد - انتهى. # {فلا جناح عليهما} أي على المرأة ومطلقها الأول {أن يتراجعا} بعقد جديد ~~بعد عدة طلاق الثاني المعلومة مما تقدم من قوله: {والمطلقات يتربصن} وهذه ~~مطلقة إلى ما كانا فيه من النكاح {إن ظنا} أي وقع في ظن كل منهما {أن يقيما ~~حدود الله} أي الذي له الكمال كله التي # PageV03P316 # حدها لهما في العشرة. قال الحرالي: لما جعل الطلاق سراحا جعل تجديد ~~النكاح مراجعة كل ذلك إيذانا بأن الرجعة للزوج أولى من تجديد الغير - ~~انتهى. # ولما كان الدين مع سهولته ويسره شديدا لن يشاده أحد إلا غلبه وكانت ~~الأحكام مع وضوحها قد تخفى لما في تنزيل الكليات على الجزئيات من الدقة لأن ~~الجزئي الواحد قد يتجاذبه كليان فأكثر فلا تجردها من مواقع الشبه إلا من ~~نور الله بصيرته عطف على تلك الماضية تعظيما للحدود قوله: {وتلك} أي ~~الأحكام المتناهية في مدارج العظم ومراتب الحكم {حدود الله} أي العظيمة ~~بإضافتها إليه سبحانه وتعالى وبتعليقها بالاسم الأعظم {يبينها} أي يكشف ~~اللبس عنها بتنوير القلب {لقوم} فيهم نهضة وجد في الاجتهاد وقيام وكفاية ~~{يعلمون *} أي يجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل وقت فبذلك يعطيهم ~~الله ملكة يميزون بها ما يلبس على غيرهم {أن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} ~~[الأنفال: 29] {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282] . # ولما ذكر الطلاق رجعية وبائنة عقبه ببيان وصف الرجعة من الحل والحرمة ~~وبيان وقتها وتحديده والإشارة إلى تصوير بعض # PageV03P317 # صور المضارة ترهيبا منها فليست الآية مكررة فقال: {وإذا طلقتم النساء} أي ~~طلاقا رجعيا والمراد من يملك نكاحها من هذا النوع الشامل للقليل والكثير ~~ولم يقل: نساءكم، لئلا تفهم الإضافة أن لطلاقهم غير نسائهم حكما مغائرا ~~لهذا في بلوغ الأجل مثلا ms0479 ونحوه. # ولما كانت إباحة الرجعة في آخر العدة دالة على إباحتها فيما قبل ذلك ~~بطريق الأولى وكان من المقطوع به عقلا أن لما بعد الأجل حكما غير الحكم ~~الذي كان له قبله لم يكن التعبير بالبلوغ ملبسا وكان التعبير به مفيدا أقصى ~~ما يمكن به المضارة فقال: {فبلغن أجلهن} أي شارفن انقضاء العدة، بدليل ~~الأمر بالإمساك لأنه لا يتأتى بعد # PageV03P318 # الأجل. وقال الحرالي: ولما كان للحد المحدود الفاصل بين أمرين متقابلين ~~بلوغ وهو الانتهاء إلى أول حده وقرار وهو الثبات عليه ومجاوزة لحده ذكر ~~سبحانه وتعالى البلوغ الذي هو الانتهاء إلى أول الحد دون المجاوزة والمحل، ~~والأجل مشارفة انقضاء أمد الأمر حيث يكون منه ملجأ الذي هو مقلوبه كأنه ~~مشارفة فراغ المدة - انتهى {فأمسكوهن} أي بالمراجعة إن أردتم ولو في أخر ~~لحظة من العدة {بمعروف} أي بحال حسنة تحمد عاقبتها، ونكره إشعارا بأنه لا ~~يشترط فيه رضى المرأة {أو سرحوهن بمعروف} بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة ~~فيملكن أنفسهن من غير تلبيس بدعوى ولا تضييق في شيء من الأشياء. # PageV03P319 # وقال الحرالي: هذا معروف الإمتاع والإحسان وهو غير معروف الإمساك، ولذلك ~~فرقه الخطاب ولم يكن: فأمسكوهن أو سرحوهن بمعروف - انتهى. # ولما كان المعروف يعم كل خير وكان الأمر به لا يفيد التكرار خص ترك الشر ~~اهتماما به معبرا بما يتناول جميع الأوقات فقال: {ولا تمسكوهن} أي ~~بالمراجعة في آخر العدة {ضرارا} كما كان في الجاهلية {لتعتدوا} أي قاصدين ~~بذلك التوصل إلى شيء من مجاوزة الحدود التي بينت لكم مثل أن يريد تطويل ~~العدة عليها فإنه قد يفضي إلى اعتدادها تسعة أشهر. # ولما كان التقدير: فمن يفعل ذلك فقد ظلم زوجه عطف عليه زيادة في التنفير ~~عنه قوله: {ومن يفعل ذلك} أي الفعل البعيد عن الخير، وفي التعبير بالمضارع ~~إشعار بأن في الأمة من يتمادى على فعله {فقد ظلم نفسه} أي بتعريضها لسخط ~~الله عليه ونفرة الناس منه. # ولما كان قد لا يقصد شيئا من انتهاك الحرمات ولا من المصالح فكان مقدما ~~على ms0480 ما لا يعلم أو يظن له عاقبة حميدة تهاونا بالنظر وكان فاعل ذلك شبيها ~~بالهازىء كما يقال لمن لا يجد فى أمر: هو لاعب، قال: {ولا تتخذوا آيات ~~الله} أي مع ما تعلمون من عظمتها بعظمة # PageV03P320 # ناصبها {هزوا} بإهمالها عن قصد المصالح الذي هو زوجها. # ولما كان على العبد أن يقتفي أثر السيد في جميع أفعاله قال: {واذكروا ~~نعمة الله} أي الذي له الكمال كله ثم عبر بأداة الاستعلاء إشارة إلى عموم ~~النعم وغلبتها فقال: {عليكم} هل ترون فيها شيئا من وادي العبث بخلوه عن ~~حكمة ظاهرة {وما} أي وخصوا بالذكر الذي {أنزل عليكم من الكتاب} الذي فاق ~~جميع الكتب وعلا عن المعارضة فغلب جميع الخلق بما أفادته أداة الاستعلاء ~~{والحكمة} التي بثها فيه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم حال كونه {يعظكم} ~~أي يذكر بما يرقق قلوبكم {به} أي بذلك كله {واتقوا الله} أي بالغوا في ~~الخوف ممن له الإحاطة بجميع صفات الكمال باستحضار # PageV03P321 # ما له من العظمة التي لا تتناهى ونبه على عظيم أمره بقوله: {واعلموا} ~~وبتكرير الاسم الأعظم في قوله: {أن الله} فلم يبق وراء ذلك مرمى {بكل شيء} ~~أي من أمور النكاح وغيرها {عليم *} أي بالغ العلم فاحذروه حذر من يعلم أنه ~~بحضرته وكل ما يعمله من سر وعلن فبعينه. قال الحرالي: والتهديد بالعلم ~~منتهى التحديد - انتهى. # ولما نهى عن الضرار في العصمة وفي أثرها الذي هو العدة أتبعه النهي عما ~~كان منه بعد انقضائها بالعضل من كل من يتصور منه عضل لكن لما كان نهي ~~الأولياء إذا كانوا أزواجا نهيا لغيرهم بطريق الأولى أسنده إلى الأزواج وهم ~~في غمارهم فقال: {وإذا طلقتم} أي أيها الأزواج، وأظهر ولم يضمر لأن المذكور ~~هنا أعم من الأول فقال: {النساء} أي طلاق كان {فبلغن أجلهن} أي # PageV03P322 # انقضت عدتهن فقد دل سياق الكلامين على اختلاف البلوغين - نقله الأصبهاني ~~عن الشافعي يعني أن الأول دل على المشارفة للأمر بالإمساك وهذا على الحقيقة ~~للنهي عن العضل {فلا تعضلوهن} أي تمنعوهن أيها ms0481 الأولياء أزواجا كنتم أو غير ~~أزواج، والعضل قال الحرالي هو أسوأ المنع، من عضلت الدجاجة إذا نشبت بيضتها ~~فيها حتى تهلك - انتهى. # PageV03P323 # {أن ينكحن أزواجهن} أي الذين طلقوهن وغيرهم، وسموا أزواجا لمآل أمرهم إلى ~~ذلك كما أن المطلقين سموا أزواجا بما كان؛ واستدل الشافعي رضي الله تعالى ~~عنه ورحمه بها على أنه لا نكاح إلا بولي، لأن التعبير بالعضل دال على المنع ~~الشديد المعبر من الداء العضال، وإن عضل من غير كفوء جاز ولم تزوج منه ولو ~~كانت المرأة تزوج نفسها لما كان إعياء ولا يثبت عضله الممنوع ليحصل عزله ~~إلا إذا منع عند الحاكم وقد بينت ذلك السنة. وهذه الآية من عجائب أمر ~~الاحتباك {طلقتم} يفهم الأزواج من {تعضلوهن} # PageV03P324 # و {تعضلوهن} يفهم الأولياء من {طلقتم} وقد بينت ذلك في كتابي الإدراك ~~{إذا تراضوا} أي النساء والأزواج الأكفاء بما أفهمته الإضافة دون أن يقال: ~~أزواجا لهن مثلا. ولما كان الرضى ينبغي أن يكون على العدل أشار إليه بقوله: ~~{بينهم} ولما كانا قد يتراضيان على ما لا ينبغي قيده بقوله: {بالمعروف} فإن ~~تراضوا على غيره كما لو كان الزوج غير كفوء فاعضلوهن، وعرفه كما قال ~~الحرالي لاجتماع معروفين منهما فكان مجموعهما المعروف التام وأما المنكر ~~فوصف أحدهما - انتهى. # ولما ذكر الأحكام مبينا لحكمها فكان {ذلك} وعظا وكان أكثر الناس يظن أن ~~الوعظ مغائر للأحكام أقبل على المختار للكمال فقال: ذلك الأمر العظيم يا ~~أيها الرسول {يوعظ} أي يرقق {به} قلوب {من كان} والوعظ قال الحرالي إهزاز ~~النفس بموعود الجزاء ووعيده - انتهى. فهو تهديد لمن تشق عليه الأحكام وهم ~~الأكثر. # ولما كان من أتباعه صلى الله عليه وسلم من جاهد نفسه حتى صار أهلا لفهم ~~الدقائق وإدراك الإشارات والرقائق فألقى كليته للسماع # PageV03P325 # لحظه بقوله: {منكم} معلما أن الخطاب في الحقيقة لكل فاهم، وإنما قيد بهم ~~لأنهم المنتفعون به الفاهمون له لما لهم من رقة القلوب الناشئة عن الإذعان ~~لأن الخطاب وإن كان بالأحكام فهو وعظ يتضمن الترهيب كما يتضمن الترغيب ولما ~~كان ms0482 من الحكمة أن من لا ينتفع بشيء لا يقصد به أشار إلى ذلك بقوله: {يؤمن ~~بالله} أي لما له من العظمة {واليوم الآخر} خوفا من الفضيحة فيه، وفي ~~تسميته وعظا إفهام بأن من تجاوز حدا في غيره سلط عليه من يتجاوز فيه حدا. # قال الحرالي: لأن من فعل شيئا فعل به نحوه كأنه من عضل عن زوج عضل ولي ~~آخر عنه حين يكون هو زوجا، ومن زنى زنى به {سيجزيهم وصفهم} [الأنعام: 139] ~~. # فلما وقع ما هيجوا إليه من كمال الإصغاء قال مقبلا عليهم: {ذلكم} أي ~~الأمر العظيم الشأن {أزكى لكم} أي أشد تنمية # PageV03P326 # وتكثيرا وتنقية وتطهيرا بما يحصل منه بينكم من المودة والبركة من الله ~~سبحانه وتعالى {وأطهر} للقلوب. ولما كان وصف المتكلم بالعلم أدعى لقبول من ~~دونه منه قال مظهرا ومعيدا للاسم الأعظم تعظيما للأمر: {والله} أي أشير ~~إليكم بهذا والحال أن الملك الأعظم {يعلم} أي له هذا الوصف {وأنتم لا ~~تعلمون*} أي ليس لكم هذا الوصف بالذات لا في الحال ولا في الاستقبال لما ~~أفهمه النفي بكلمة لا وصيغة الدوام. # PageV03P327 # ولما كان النكاح قد يكون عنه ولادة فيكون عنها رضاع وقد تكون المرضعة ~~زوجة وقد تكون أجنبية والزوجة قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة وكان الفراق ~~بالطلاق أكثر منه بالموت وسطه بين عدتي الطلاق والوفاة لإدلائه إلى كل بسبب ~~واهتماما بشأنه وحثا على الشفقة على الصغير وشدة العناية بأمره لأن الأم ~~ربما كانت مطلقة فاستهانت بالولد إيذاء للزوج إن كان الطلاق عن شقاق أو ~~رغبة في زوج آخر، وكذا الأب فقال تعالى عاطفا على ما تقديره مثلا: فالنساء ~~لهن أحكام كثيرة وقد علمتم منها هنا أصولا تفهم من بصره الله كثيرا من ~~الفروع، والمطلقات إن لم يكن بينكم وبينهن علقة بولادة أو نحوها فلا سبيل ~~لكم عليهن. وقال الحرالي: لما ذكر سبحانه وتعالى أحكام الاشتجار بين ~~الأزواج التي عظم متنزل الكتاب لأجلها وكان من حكم تواشج الأزواج وقوع ~~الولد وأحكام الرضاع # PageV03P328 # نظم به عطفا أيضا على معاني ما ms0483 يتجاوزه الإفصاح ويتضمنه الإفهام لما قد ~~علم من أن إفهام القرآن أضعاف إفصاحه بما لا يكاد ينتهي عده فلذلك يكثر فيه ~~الخطاب عطفا أي على غير مذكور ليكون الإفصاح أبدا مشعرا بإفهام يناله من ~~وهب روح العقل من الفهم كما ينال فقه الإفصاح من وهبه الله نفس العقل الذي ~~هو العلم؛ انتهى - فقال تعالى: {والوالدات} أي من المطلقات وغيرهن، وأمرهن ~~بالإرضاع في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد فعل وتم تنبيها على تأكيده ~~وإن كان الندب بما أفهمه إيجاب الأجرة لهن هنا وفي سورة الطلاق وما يأتي من ~~الاسترضاع فقال: {يرضعن أولادهن} قال الحرالي: جعل تعالى # PageV03P329 # الأم أرض النسل الذي يغتذي من غذائها في البطن دما كما يغتذي أعضاؤها من ~~دمها فكان لذلك لبنها أولى بولدها من غيرها ليكون مغذاه وليدا من مغذاه ~~جنينا فكان الأحق أن يرضعن أولادهن، وذكره بالأولاد ليعم الذكور والإناث؛ ~~وقال: الرضاعة التغذية بما يذهب الضراعة وهو الضعف والنحول بالرزق الجامع ~~الذي هو طعام وشراب وهو اللبن الذي مكانه الثدي من المرأة والضرع من ذات ~~الظلف - انتهى. # ولما ذكر الرضاع ذكر مدته ولما كان المقصود مجرد تحول الزمان بفصوله ~~الأربعة ورجوع الشمس بعد قطع البروج الاثني عشر إلى البرج الذي كانت فيه ~~عند الولادة وليس المراد الإشعار بمدح الزمان ولا ذمه ولا وصفه بضيق ولا ~~سعة عبر بما يدل على مطلق التحول فقال: {حولين} والحول تمام القوة في الشيء ~~الذي ينتهي لدورة # PageV03P330 # الشمس وهو العام الذي يجمع كمال النبات الذي يتم فيه قواه - قاله ~~الحرالي. وكأنه مأخوذ مما له قوة التحويل. ولما كان الشيء قد يطلق على ~~معظمه مجازا فيصح أن يراد حول وبعض الثاني بين أن المراد الحقيقة قطعا ~~لتنازع الزوجين في مدة الرضاع وإعلاما بالوقت المقيد للتحريم كما قال صلى ~~الله عليه وسلم «إنما الرضاعة من المجاعة» بقوله: {كاملين} ولما كان ذلك ~~ربما أفهم وجوب الكمال نفاه بقوله: {لمن} أي هذا الحكم لمن {أراد أن يتم # PageV03P331 # الرضاعة} فأفهم أنه يجوز الفطام للمصلحة ms0484 قبل ذلك وأنه لا رضاع بعد ~~التمام. وقال الحرالي: وهو أي الذي يكتفى به دون التمام هو ما جمعه قوله ~~تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] فإذا كان الحمل تسعا كان ~~الرضاع أحدا وعشرين شهرا، وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثا وثلاثين شهرا ~~فيكون ثلاثة آحاد وثلاثة عقود فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع ليجتمع في ~~الثلاثين تمام الرضاع وكفاية الحمل - انتهى. # ولما أوهم أن ذلك يكون مجانا نفاه بقوله: {وعلى} ولما كانت الوالدية لا ~~تتحقق في الرجل كما تتحقق في المرأة وكان النسب يكتفى فيه بالفراش وكان ~~للرجل دون المرأة فقال: {المولود له} أي على فراشه {رزقهن} أي المرضعات ~~لأجل الرضاع سواء كن # PageV03P332 # متصلات أو منفصلات فلو نشزت المتصلة لم يسقط وإن سقط ما يخص الزوجية. ~~فلما كان اشتغالها بالرضاع عن كل ما يريده الزوج من الاستمتاع ربما أوهم ~~سقوط الكسوة ذكرها فقال: {وكسوتهن} أجرة لهن. قال الحرالي: الكسوة رياش ~~الآدمي الذي يستر ما ينبغي ستره من الذكر والأنثى وقال: فأشعرت إضافة الرزق ~~والكسوة إليهن باعتبار حال المرأة فيه وعادتها بالسنة لا بالبدعة - انتهى. # ولما كان الحال مختلفا في النفقة والكسوة باختلاف أحوال الرجال والنساء ~~قال: {بالمعروف} أي - من حال كل منهما. قال الحرالي: فأكد ما أفهمته ~~الإضافة وصرح الخطاب بإجماله - انتهى. ثم علله أو فسره بالحنيفية التي من ~~علينا سبحانه وتعالى بها فقال: {لا تكلف} قال الحرالي: من التكليف وهو أن ~~يحمل المرء على أن يكلف بالأمر كلفة بالأشياء التي يدعوه إليها طبعه {نفس} ~~أي لا يقع تكليفها وإن كان له سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء {إلا وسعها} ~~أي ما تسعه وتطيقه لا كما فعل سبحانه بمن قبل، # PageV03P333 # كان أحدهم يقرض ما أصاب البول من جلده بالمقراض والوسع قال الحرالي ما ~~يتأتى بمنة وكمال قوة. # ولما كانت نتيجة ذلك حصول النفع ودفع الضر قال: {لا تضآر والدة بولدها} ~~أي لا تضر المنفق به ولا يضرها، وضم الراء ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب على ~~الخير وهو آكد، وفتح الباقون ms0485 على النهي، ويحتمل فيها البناء للفاعل ~~والمفعول {ولا مولود له # PageV03P334 # بولده} أي المولود على فراشه ليس له أن يضر الوالدة به وليس لها أن تضره ~~به ولا أن تضر الولد بتفريط ونحوه حملا للمفاعلة على الفعل المجرد، وكل من ~~أسند سبحانه وتعالى المضارة إليه أضاف إليه الولد استعطافا له عليه وتحريكا ~~لطبعه إلى مزيد نفعه. قال الحرالي: ففيه إيذان بأن لا يمنع الوالد الأم أن ~~ترضع ولدها فيضرها في فقدها له ولا يسيء معاملتها في رزقها وكسوتها بسبب ~~ولدها، فكما لم يصلح أن يمسكها زوجة إلا بمعروف لم يصلح أن يسترضعها إلا ~~بالمعروف ولا يتم المعروف إلا بالبراءة من المضارة. وفي إشعاره تحذير ~~الوالدات من ترك أولادهن لقصد الإضرار مع ميل الطبع إلى القيام بهم وكذلك ~~في إشعاره أن لا تضره في سرف رزق ولا كسوة - انتهى. # ولما تم الأمر بالمعروف وما تبعه من تفسيره وكان ذلك على تقدير وجود ~~الوالد إذ ذاك بين الحال بعده فقال: {وعلى الوارث} أي # PageV03P335 # وارث الوالد وهو الرضيع {مثل ذلك} أي المأمور به من المعروف على ما فسره ~~به في ماله إن مات والده والوارث. قال الحرالي: المتلقى من الأحياء عن ~~الموتى ما كان لهم من حق أو مال - انتهى. وقيل في الوارث غير ذلك لأنه تقدم ~~ذكر الوالدات والولد والمولود له فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم. # ولما بين أمد الرضاع وأمر النفقة صرح بما أفهمه الكلام من جواز الفطام ~~قبل التمام فقال مسببا عما أفهمته العبارة: {فإن أرادا} أي الوالدان ~~{فصالا} أي فطاما قبل تمام الحولين للصغير عن الرضاع. قال الحرالي: وهو من ~~الفصل وهو عود المتواصلين إلى بين سابق - انتهى. وهو أعم من الفطم فلذا عبر ~~به. ولما بين ذلك نبه على أنه لا يجوز إلا مع المصلحة فقال: {عن تراض ~~منهما} # PageV03P336 # ثم بين أن الأمر خطر يحتاج إلى تمام النظر بقوله: {وتشاور} أي إدارة ~~للكلام في ذلك ليستخرج الرأي الذي ينبغي أن يعمل به. قال الحرالي: فأفصح ~~بإشعار ما ms0486 في قوله: {أن يتم} وأن الكفاية قد تقع بدون الحولين فجعل ذلك لا ~~يكون بريا من المضارة إلا باجتماع إرادتهما وتراضيهما وتشاورهما لمن له ~~تبصرة لئلا تجتمعا على نقص الرأي، قال عليه الصلاة والسلام # «ما خاب من استخار ولا ندم من استشار» والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي ~~وخالصه من خلايا الصدور كما يشور العسل جانيه - انتهى. {فلا جناح عليهما} ~~فيما نقصاه عن # PageV03P337 # الحولين لأنهما غير متهمين في أمره واجتماع رأيهما فيه ورأي من يستشيرانه ~~قل ما يخطىء. قال الحرالي: فيه إشعار بأنها ثلاث رتب: رتبة تمام فيها الخير ~~والبركة، ورتبة كفاية فيها رفع الجناح، وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى. ~~وقد أفهم تمام هذه العناية أن الإنسان كلما كان أضعف كانت رحمة الله له ~~أكثر وعنايته به أشد. # ولما بين رضاع الوالدات وقدمه دليلا على أولويته أتبعه ما يدل على جواز ~~غيره فقال: {وإن أردتم} أي أيها الرجال {أن تسترضعوا} أي أن تطلبوا من يرضع ~~{أولادكم} من غير الأمهات {فلا جناح} أي ميل بإثم {عليكم إذا سلمتم} أي إلى ~~المراضع {ما آتيتم} أي ما جعلتم لهن من العطاء {بالمعروف} موفرا طيبة به ~~أنفسكم من غير تشاحح ولا تعاسر لأن ذلك أقطع لمعاذير لمراضع # PageV03P338 # فهو أجدر بالاجتهاد في النصيحة وعدم التفريط في حق الصغير. # ولما كان التقدير: فافعلوا جميع ما أمرتكم به وانتهوا عن جميع ما نهيتكم ~~عنه فقد جمعت لكم مصالح الدارين في هذا الكتاب الذي هو هدى للمتقين، عطف ~~عليه قوله: {واتقوا الله} أي الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل ثم ~~خوفهم سطواته بقوله منبها على عظم هذه الأحكام {واعلموا} وعلق الأمر بالاسم ~~الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى فقال: {أن الله} أي المحيط بصفات ~~الكمال تعظيما للمقام ولذلك أكد علمه سبحانه وتعالى هنا على نحو ما مضى في ~~{وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} [البقرة: 215] بتقديم قوله للإعلام ~~بمزيد الاهتمام {بما تعملون} أي من سر وعلن. # ولما كانت هذه الأحكام أدق مما في الآية التي بعدها وكثير # PageV03P339 # منها ms0487 منوط بأفعال القلوب ختمها بما يدل على البصر والعلم فقال: {بصير *} ~~أي بالغ العلم به فاعملوا بحسب ذلك. # PageV03P340 # ولما ذكر الرضاع وكان من تقاديره ما إذا مات الأب ذكر عدة الوفاة لذلك ~~وتتميما لأنواع العدد فقال. وقال الحرالي: لما ذكر عدة الطلاق الذي هو فرقة ~~الحياة انتظم برأس آيته ذكر عدة الوفاة الذي هو فراق الموت واتصل بالآية ~~السابقة لما انجر في ذكر الرضاع من موت الوالد وأمر الوارث وكذلك كل آية ~~تكون رأسا لها متصلان متصل بالرأس النظير لها المنتظمة به ومتصل بالآية ~~السابقة قبلها بوجه ما- انتهى. فقال: {والذين} أي وأزواج الذين {يتوفون ~~منكم} أي يحصل وفاتهم بأن يستوفي أنفسهم التي كانت عارية في أبدانهم الذي ~~أعارهم إياها. قال الحرالي: من الوفاة وهو استخلاص الحق # PageV03P340 # من حيث وضع، إن الله عز وجل نفخ الروح وأودع النفس ليستوفيها بعد أجل من ~~حيث أودعها فكان ذلك توفيا تفعلا من الوفاء وهو أداء الحق {ويذرون} من ~~الوذر وهو أن يؤخذ المرء عما شأنه إمساكه {أزواجا} بعدهم. ولما أريد تأكيد ~~التربص مراعاة لحق الأزواج وحفظا لقلوب الأقارب واحتياطا للنكاح أتى به في ~~صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وتم فقال: {يتربصن} أي ينتظرن ~~أزواجهن لانقضاء العدة. ولما كان الممنوع إنما هو العقد والتعرض له ~~بالأفعال دون طلبه بالتعريض قال معبرا بالنفس لذلك وللتنبيه على أن العجلة ~~عن ذلك إنما تكون شهوة نفسانية بهيمية ليكون ذلك حاويا على البعد عنها: ~~{بأنفسهن} فلا يبذلنها لزوج ولا يخرجن من منزل الوفاة ويتركن الزينة وكل ما ~~للنفس فيه شهوة تدعو إلى النكاح كما بينت ذلك السنة {أربعة أشهر وعشرا} # PageV03P341 # إن كن حرائر ولم يكن حمل سواء كانت صغيرة أو كبيرة تحيض أو لا، ابتداؤها ~~من حين الوفاة لأنها السبب وغلب الليالي فأسقط التاء لأن أول الشهر الليل ~~{فإذا بلغن أجلهن} ولما كان الله سبحانه وتعالى قد جعل المسلمين كالجسد ~~الواحد وكان الكلام في أزواج الموتى أعلم سبحانه وتعالى بأنه يجب على ~~إخوانهم المسلمين من ms0488 حفظ حقوقهم ما كانوا يحفظونه لو كانوا أحياء بقوله: ~~{فلا جناح # PageV03P342 # عليكم} أي يا أهل الدين {فيما} ولما كان لا بد من إذن المرأة وقد تأذن ~~للقاضي على رغم الولي عند عضله مثلا أسند الفعل إليهن فقال: {فعلن في ~~أنفسهن} أي من النكاح ومقدماته التي كانت ممنوعة منها بالإحداد، ولا يحمل ~~هذا على المباشرة ليكون دليلا على - إنكاح المرأة نفسها لمعارضة آية {ولا ~~تعضلوهن} المتأيدة بالسنة. ولما كان ذلك قد لا يكون على وجه شرعي قال: ~~{بالمعروف} لينصرف إلى الكامل فلا يكون في ذلك شوب نكارة، فإن فعلن ما ينكر ~~كان على الناس الجناح بترك الأمر كما عليهن بالفعل؛ وأجمع الفقهاء غير أبي ~~مسلم الأصفهاني على أن هذه الآية ناسخة لآية العدة بالحول، والتقدم في ~~التلاوة لا يمنع التأخر في النزول لأن الترتيب ليس على ترتيب النزول - نقل ~~ذلك الشمس الأصفهاني، ويرد عليه ما سيأتي نقله له عن مجاهد. # ولما كان التقدير: فالله حد لكم هذه الحدود فاحفظوها عطف # PageV03P343 # عليه قوله محذرا من التهاون في شيء منها في أنفسهم أو من الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر في حق غيرهم: {والله} أي الذي له صفات الكمال {بما ~~تعملون} من سر وعلانية. ولما كان هنا من أمر العدة ما لم تعرفه العرب قبل ~~فربما أنكرته القلوب لكونها لم تفهم سره وكان أمر النكاح إن قيد بالمعروف ~~باطنا ختم بقوله {خبير *} أي يعلم خفايا البواطن كما يعلم ظواهرها فاحذروا ~~مخالفته وأطيعوا أمره. # ولما حد سبحانه وتعالى هذه المدة لمنعهن عن الرجال بين أن التعريض ~~بالخطبة ليس داخلا في المنع فقال: {ولا جناح عليكم} أي إثم يميل {فيما ~~عرضتم به} أي قلتموه وأنتم تقصدون ما هو بعيد عنه كأنه في جانب وهو في جانب ~~آخر لا يتأدى إليه إلا بدورة كأنت جميلة أو نافعة، وأنا عازم على أن أتزوج، ~~وعسى أن ييسر الله لي قرينة صالحة وقال الحرالي: من التعريض وهو تفعيل من # PageV03P344 # العرض والعرض وهو إلقاء القول عرضا أي ناحية على غير قصد ms0489 إليه وصمد نحوه ~~- انتهى. والفرق بينه وبين الكناية أنه كلام ظاهر في معنى يقصد به غير ~~معناه الظاهر فلا يفهم المراد إلا بالقرائن، كقول المحتاج: جئت لأسلم عليك ~~وأنظر وجهك الكريم، ويسمى التلويح أيضا، والكناية ذكر اللازم وإرادة ~~الملزوم، وقد أفهم نوط الحل بالتعريض تحريم التصريح المقابل له وللكناية، ~~والصريح اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع بحيث يسبق إلى فهمه المراد ولا ~~يسبق غيره عند الإطلاق {من خطبة} وهي الخطاب في قصد التزوج. وقال الحرالي: ~~هي هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها هو الخطبة بالضم ~~{النساء} المتوفى عنهن أزواجهن ومن أشبههن في طلاق بائن بالثلاث أو غيرها. # PageV03P345 # ولما أحل له التعريض وكان قد يعزم على التصريح إذا حل له ذلك نفى عنه ~~الحرج فيه بقوله {أو أكننتم} أي أضمرتم {في أنفسكم} من تصريح وغيره سواء ~~كان من شهوات النفس أو لا. قال الحرالي: من الكن - بالفتح - وهو الذي من ~~معناه الكن - بالكسر - وهو ما وارى بحيث لا يوصل به إلى شيء. # ولما كان لله سبحانه وتعالى بهذه الأمة عناية عظيمة في التخفيف عنها ~~أعلمها بذلك بقوله على سبيل التعليل: {علم الله} أي بما له من صفات الكمال ~~{أنكم ستذكرونهن} أي في العدة فأذن لكم في ذلك على ما حد لكم. # قال الحرالي: ففيه إجراء الشرعة على الحيلة الخاص # PageV03P346 # بهذه الأمة انتهى. # ولما كان التقدير: فاذكروهن، استثنى منه قوله: {ولكن لا تواعدوهن} أي في ~~ذكركم إياهن {سرا} ولما كان السر يطلق على ما أسر بالفعل وما هو أهل أن يسر ~~به وإن جهر بين أن المراد الثاني وهو السر بالقوة فقال: {إلا أن تقولوا} أي ~~في الذكر لهن {قولا معروفا} لا يستحيي منه عند أحد من الناس، فآل الأمر إلى ~~أن المعنى لا تواعدوهن إلا ما لا يستحيي من ذكره فيسر وهو التعريض؛ فنصت ~~هذه الآية على تحريم التصريح بعد إفهام الآية الأولى لذلك اهتماما به لما ~~للنفس من الداعية إليه. # ولما كانت عدة الوفاة طويلة فكان ms0490 حبس النفس فيها عن النكاح شديدا وكانت ~~إباحة التعريض قريبة من الرتع حول الحمى وكان من يرتع حول الحمى يوشك أن ~~يواقعه خصها باتباعها النهي عن العقد قبل الانقضاء حملا على التحري ومنعا ~~من التجري فقال: {ولا تعزموا} أي تبتوا أي تفعلوا فعلا بتا مقطوعا به غير ~~متردد فيه # PageV03P347 # {عقدة النكاح} أي النكاح الذي يصير معقودا للمعتدة عدة هي فيها بائن فضمن ~~العزم البتة ولذلك أسقط «على» وأوقعه على العقدة التي هي من آثاره ولا ~~تتحقق بدونه فكأنه قال: ولا تعزموا على النكاح باقين عقدته، وهو أبلغ مما ~~لو قيل: ولا تعقدوا النكاح، فإن النهي عن العزم الذي هو سبب العقد نهي عن ~~العقد بطريق الأولى. قال الحرالي: والعقدة توثيق جمع الطرفين المفترقين ~~بحيث يشق حلها # PageV03P348 # وهو معنى دون الكتب الذي هو وصلة وخرز {حتى يبلغ الكتاب} أي الذي تقدم ~~فيما أنزلت عليكم منه بيان عدة من زالت عصمتها من رجل بوفاه أو طلاق، أو ما ~~كتب وفرض من العدة {أجله} أي أخر مدته التي ضربها للعدة. # ولما أباح سبحانه وتعالى التعريض وحظر عزم العقدة وغلظ الأمر بتعليقه ~~بالكتاب وبقي بين الطرفين أمور كانت الشهوة في مثلها غالبة والهوى مميلا ~~غلظ سبحانه وتعالى الزواجر لتقاوم تلك الدواعي فتولى تلك الأمور تهديد قوله ~~تعالى: {واعلموا} أي أيها الراغبون في شيء من ذلك {أن الله} وله جميع ~~الكمال {يعلم ما في أنفسكم} كله {فاحذروه} ولا تعزموا على شر فإنه يلزم من ~~إحاطة العلم إحاطة القدرة. # ولما هددهم بعلمه وكان ذلك النهاية في التهديد وكان كل أحد يعلم من نفسه ~~في النقائص ما يجل عن الوصف أخبرهم بما أوجب الإمهال على ذلك من منه ~~بغفرانه وحلمه حثا على التوبة وإقامة بين الرجاء والهيبة فقال: {واعلموا أن ~~الله} أي كما اقتضى جلاله العقوبة # PageV03P349 # اقتضى جماله العفو فهو لذلك {غفور} أي ستور لذنوب الخطائين إن تابوا ~~{حليم *} لا يعاجل أحد العقوبة فبادروا بالتوبة رجاء غفرانه ولا تغتروا ~~بإمهاله فإن غضب الحليم لكونه بعد طول الأناة ms0491 لا يطاق، ويجوز أن يكون ~~التقدير: ولا تصرحوا للنساء المعتدات بعقدة النكاح في عدة من العدد؛ والسر ~~في تفاوتها أن عدة الوفاة طولت مراعاة للورثة إلى حد هو أقصى دال على براءة ~~الرحم، لأن الماء يكون فيه أربعين يوما نطفة ومثلها علقة ومثلها مضغة ثم ~~ينفخ فيه الروح فتلك أربعة أشهر، وقد تنقص الأشهر أربعة أيام فزيدت عليها ~~وجبرت بما أتم أقرب العقود إليها؛ وفي صحيح مسلم رضي الله تعالى عنه تقدير ~~المدة الأولى «باثنين وأربعين يوما» وفي رواية: «خمس وأربعين» وفي رواية: ~~«بضع وأربعين» فإذا حمل البضع على ست وزيد # PageV03P350 # ما قد تنقصه الأشهر صارت أربعة أشهر وعشرا؛ ولم تزد على ذلك مراعاة ~~للمرأة لما قيل: إنه يقل صبر النساء بعد ذلك، واقتصر في الاستبراء على قرء ~~وهو أقل دال على براءة الرحم لأن السيد يكون مخالطا للأمة غالبا فيشق ~~الصبر، وثلثت عدة الحرة جريا على سنة الشارع في الاستظهار بالتثليث مع زوال ~~علة الإسراع من المخالطة، ولأن أكثر الطلاق رجعي فربما كان عن غيظ فمدت ~~ليزول فيتروى، وكانت عدة الأمة من الطلاق بين الاستبراء وعدة الحرة لما ~~تنازعها من حق السيد المقتضي للقصر وحق الزوج المقتضي للطول مع عدم إمكان ~~التصنيف - والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولما تمت أحكام العدد وما يتبعها مما حق الرجال فيه أغلب أتبعها أحكام ~~الأصدقة، ولما كان الكلام قد طال في أحكام الطلاق # PageV03P351 # والموت ولم يذكر الصداق وكان قد ختم تلك الأحكام بصفتي الغفر والحلم وكان ~~الصداق معلوما عندهم قبل الإسلام اقتضى ذلك السؤال: هل يجب للمفارقة صداق ~~أو هو مما دخل تحت المغفرة والحلم فلا يجب؟ فقيل: {لا جناح عليكم} أي لا ~~تبعة من مهر ولا غيره إلا ما يأتي من المتعة، وأصل الجناح الميل من الثقل ~~{إن طلقتم النساء} أي إن طلق أحد منكم ما يملك عصمته منهن {ما لم تمسوهن} ~~أي تجامعوهن. من المس ومن المماسة في القراءة الأخرى وهو ملاقاة الجرمين ~~بغير حائل بينهما - قاله الحرالي {أو تفرضوا لهن فريضة} ms0492 أي تسموا لهن مهرا ~~معلوما. أي لا جناح عليكم ما لم يقع أحد الأمرين أي مدة انتفائه ولا ينتفي ~~الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معا فإذا انتفيا انتفى الجناح وإن وجدا ~~أو أحدهما وجد، فإن وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل. وإن وجد الفرض وجب ~~نصفه إن خلا عن مسيس. قال الحرالي: ففي إنبائه صحة عقد النكاح مع إهمال ذكر ~~الصداق # PageV03P352 # لا مع إبطاله، ففيه صحة نكاح التفويض ونكاح التأخير لذكر الصداق، فبان به ~~أن الصداق ليس ركنا فيه وأن إبطاله مانع من بنائه، فيكون له ثلاثة أحوال من ~~رفع الجناح فيه عن المهمل الذي لم يمس فيه كأنه كان يستحق فرضا ما فرفع عنه ~~جناحه من حيث إن على الماس كلية النحلة وعلى الفارض شطر النحلة فرفع عنه ~~جناح الفرض وجبر موضع الفرض بالإمتاع، ولذلك ألزمت المتعة طائفة من العلماء ~~- انتهى. # ولما كان التقدير: وطلقوهن إن أردتم وراعوا فيهن ما أوجبت من الحقوق لكم ~~وعليكم عطف عليه قوله: {ومتعوهن} أي جبرا لما وقع من الكسر بالطلاق على حسب ~~حال المطلقين، والمطلقة من غير مس ولا فرض تستحقه للمتعة بالإجماع - نقله ~~الأصبهاني. و {على الموسع} منهم أي الذي له في حاله سعة. وقال الحرالي: هو ~~من الإيساع وهو المكنة في السعة التي هي أكثر من # PageV03P353 # الكفاية {قدره} من القدر وهو الحد المحدود في الشيء حسا أو معنى {وعلى ~~المقتر} أي الذي في حاله ضيق. قال الحرالي: هو من الإقتار وهو النقص من ~~القدر الكافي - انتهى {قدره} أي ما يقدر عليه ويطيقه، وقراءة فتح الدال ~~كقراءة إسكانها فإنهما لغتان أو أن الفتح مشير إلى التفضل بتحمل شيء ما فوق ~~القدرة {متاعا} أي تمتيعا {بالمعروف} وهو ما ليس فيه في الشرع نكارة {حقا ~~على المحسنين *} أي الذين صار الإحسان لهم وصفا لازما، والإحسان غاية رتب ~~الدين كأنه كما قال الحرالي إسلام ظاهر يقيمه إيمان باطن يكمله إحسان شهودي ~~- انتهى. فالكلام على هذا النظام إلهاب وتهييج لا قيد، وإنما كانت إحسانا ~~لأن ms0493 ملاك القصد فيها كما قال الحرالي ما تطيب به نفس المرأة ويبقى باطنها ~~وباطن أهلها سلما أو ذا مودة # PageV03P354 # {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] انتهى. ولا شك في أن هذا ~~إحسان. # ولما نفي الجناح بانتفاء المسيس والفرض فأفهم أنهما إذا وجدا وجد الجناح ~~بوجوب المفروض كله أتبعه ما إذا انتفى أحدهما فقط فذكر الحكم عند انتفاء ~~المسيس وحده صريحا في ضد المفوضة السابقة وأفهم بذلك ما إذا انتفى الفرض ~~وحده تلويحا فقال: {وإن طلقتموهن} أي الزوجات {من قبل أن تمسوهن} أي ~~تجامعوهن سواء كانت هناك خلوة أو لا {وقد} أي والحال أنكم {فرضتم} أي سميتم ~~{لهن فريضة} أي مهرا مقدرا {فنصف} أي فالمأخوذ نصف {ما فرضتم} أي سميتم لهن ~~من الصداق لا غير. # ولما أوجب لها ذلك بعثها على تركه لأن الزوج لم ينتفع منها بشيء بالتعبير ~~بالعفو فقال: {إلا أن يعفون} أي النساء فإن النون ضميرهن والواو لام الفعل ~~فلا يؤخذ منكم شيء {أو يعفوا الذي # PageV03P355 # بيده} أي إليه ولكن لما كان أغلب الأعمال باليد أسندت كلها إليها فصارت ~~كناية عن القدرة {عقدة النكاح} وهو الزوج الذي إن شاء أبقاها وإن شاء حلها ~~فيسمح لها بالجميع كان التعبير بهذا هزا للزوج إلى العفو في نظير ما جعل ~~إليه من هذا دونها. # قال الحرالي: إذا قرن هذا الإيراد بقوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح} خطابا ~~للأزواج قوي فسر من جعل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج معادلة للزوجات، ~~ومن خص عفوهن بالمالكات أي الراشدات خص هذا بالأولياء فكان هذا النمط من ~~التهديف للاختلاف ليس عن سعة إيهام وكأنه عن تبقية بوجه ما من نهاية ~~الإفصاح فمنشأ الخلاف فيه دون منشأ الخلاف من خطابات السعة بالإيهام - ~~انتهى. وجعل الإمام هذا مفهوما من التعبير بالعقدة لأنها تدل على المفعول ~~كالأكلة واللقمة والذي بيده ذلك الزوج والذي بيد الولي العقد وهو المصدر ~~كالأكل واللقم لا العقدة الحاصلة بعد العقد {وأن تعفوا} أيها الرجال ~~والنساء {أقرب} أي من الحكم بالعدل الذي هو السواء. ms0494 # ولما كان المقام للترغيب عبر باللام الدالة على مزيد القرب دون # PageV03P356 # إلى فقال: {للتقوى} أما من المرأة فلأجل أن الزوج لم ينل منها شيئا ولا ~~حظي بطائل فهو أقرب إلى رضاه، وأما من الرجل فلما أشار إليه بجعل العقدة ~~بيده فإنه كما ربطها باختياره حلها باختياره فدفعه الكل أقرب إلى جبر ~~المرأة ورضاها، ومن فعل الفضل كان بفعله ذلك أقرب إلى أن يفعل الواجب بمن ~~لم يفضل. # ولما كان العفو فضلا من العافي وإحسانا لها منه وكانوا إنما يتفاخرون ~~بالفضائل أكده بقوله: {ولا تنسوا} أي تتركوا ترك المنسي، والتعبير بالنسيان ~~آكد في النهي {الفضل} أي أن تكونوا مفضلين في جميع ما مضى لا مفضلا عليكم، ~~فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، وزاده تأكيدا بقوله: {بينكم} أي حال ~~كونه واقعا فيكم من بعضكم لبعض ليس شيء منه خارجا عنكم، ولن ينال الله منه ~~شيء لأنه غني عن كل شيء، فما أمركم به إلا لنفعكم خاصة، لئلا يتأذى الزوج # PageV03P357 # ببذل لم ينتفع في مقابله من المرأة بشيء، ولا المرأة بطلاق لم يحصل لها ~~في نظير ما يلحقها من الكسر بسببه شيء، وهو يصح أن يكون بالتغليب خطابا ~~للقبيلين. وخصه الحرالي بالرجال فقال: فمن حق الزوج الذي له فضل الرجولة أن ~~يكون هو العافي وأن لا يؤاخذ النساء بالعفو، ولذلك لم يأت في الخطاب أمر ~~لهن ولا تحريض، فمن أقبح ما يكون حمل الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها ~~بما يصرح به قوله: {أو آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [آل ~~عمران: 20] فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به - ~~انتهى. # PageV03P358 # ثم علل ذلك مرغبا مرهبا بقوله: {إن الله} أي الذي له الكمال كله {بما ~~تعملون} أي وإن دق {بصير *} وأفهم ذلك: وإن طلقتموهن بعد المسيس وقبل الفرض ~~فجميع مهر المثل. # PageV03P359 # ولما ذكرت أحكام النساء وشعبت حتى ضاق فسيح العقل بانتشارها وكاد أن يضيع ~~في متسع مضمارها مع ما هناك من مظنة الميل بالعشق والنفرة بالبغض ms0495 الحامل ~~على الإحن والشغل بالأولاد وغير ذلك من فتن وبلايا ومحن يضيق عنها نطاق ~~الحصر ويكون بعضها مظنة للتهاون بالصلاة بل وبكل عبادة اقتضى الحال أن ~~يقال: يا رب! إن الإنسان ضعيف وفي بعض ذلك له شاغل عن كل مهم فهل بقي له ~~سعة لعبادتك؟ فقيل: {حافظوا} بصيغة المفاعلة الدالة على غاية العزيمة أي ~~ليسابق بعضكم بعضا في ذلك ويجوز أن يكون ذلك # PageV03P359 # بالنسبة إلى العبد وربه فيكون المعنى: احفظوا صلاتكم له ليحفظ صلاته ~~عليكم فلا يفعل فيها فعل الناسي فيترك تشريفكم بها، وأخصر منه أن يقال: لما ~~ذكر سبحانه وتعالى ما بين العباد خاصة ذكر ما بينه وبينهم فقال: - وقال ~~الحرالي: لما كان ما أنزل له الكتاب إقامة ثلاثة أمور: إقامة أمر الدين ~~الذي هو ما بين العبد وربه، وتمشية حال الدنيا التي هي دار محنة العبد، ~~وإصلاح حال الآخرة والمعاد الذي هو موضع قرار العبد، صار ما يجري ذكره من ~~أحكام تمشية الدنيا غلسا نجوم إنارته أحكام أمر الدين فلذلك مطلع نجوم ~~خطابات الدين أثناء خطابات أمر الدنيا فيكون خطاب الأمر نجما خلال خطابات ~~الحرام والحلال في أمر الدنيا؛ وإنما كان نجم هذا الخطاب للمحافظة على ~~الصلاة لأن هذا الاشتجار المذكور بين الأزواج فيما يقع من تكره في الأنفس ~~وتشاح في الأموال إنما وقع من تضييع المحافظة على الصلوات لأن الصلاة بركة ~~في الرزق وسلاح على الأعداء وكراهة الشيطان؛ فهي دافعة للأمور التي منها ~~تتضايق الأنفس وتقبل # PageV03P360 # الوسواس ويطرقها الشح، فكان في إفهام نجم هذا الخطاب أثناء هذه الأحكام ~~الأمر بالمحافظة على الصلوات لتجري أمورهم على سداد يغنيهم عن الارتباك في ~~جملة هذه الأحكام - انتهى. فقال تعالى: {حافظوا} قال الحرالي: من المحافظة ~~مفاعلة من الحفظ وهو رعاية العمل علما وهيئة ووقتا وإقامة بجميع ما يحصل به ~~أصله ويتم به عمله # PageV03P361 # وينتهي إليه كماله، وأشار إلى كمال الاستعداد لذلك بأداة الاستعلاء فقال: ~~{على الصلوات} فجمع وعرف حتى يعم جميع أنواعها، أي افعلوا في حفظها فعل من ~~يناظر آخر فيه ms0496 فإنه لا مندوحة عنها في حال من الأحوال حتى ولا في حال خوف ~~التلف، فإن في المحافظة عليها كمال صلاح أمور الدنيا والآخرة لا سيما إدرار ~~الأرزاق وإذلال الأعداء {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} [طه: 132] و ~~{استعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 193] «كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» ولا شك أن اللفظ صالح لدخول صلاة الجنازة ~~فيه، ويزيده وضوحا اكتناف آيتي الوفاة لهذه الآية سابقا ولاحقا. # وقال الحرالي: إن الله سبحانه وتعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة وأبى أن ~~يعطي الآخرة على نية الدنيا، خلل حال المرء في دنياه ومعاده إنما هو عن خلل ~~حال دينه، وملاك دينه وأساسه إيمانه وصلاته، فمن حافظ على الصلوات أصلح ~~الله حال دنياه وأخراه، وفي المحافظة عليها تجري مقتضيات عملها عملا ~~إسلاميا وخشوعا وإخباتا إيمانيا ورؤية وشهودا إحسانيا فبذلك تتم المحافظة ~~عليها، وأول ذلك # PageV03P362 # الطهارة لها باستعمال الطهور على حكم السنة وتتبع معاني الحكمة، كما في ~~مسح الأذنين مع الرأس، لأن من فرق بينهما لم يكد يتم له طهور نفسه بما ~~أبدته الحكمة وأقامته السنة وعمل العلماء فصد عنه عامة الخلق الغفلة؛ ثم ~~التزام التوبة عندها لأن طهور القلب التوبة كما أن طهور البدن والنفس الماء ~~والتراب، فمن صلى على غير تجديد توبة صلى محدثا بغير طهارة؛ ثم حضور القلب ~~في التوحيد عند الأذان والإقامة، فإن من غفل قلبه عند الأذان والإقامة عن ~~التوحيد نقص من صلاته روحها فلم يكن لها عمود قيام، من حضر قلبه عند الأذان ~~والإقامة حضر قلبه في صلاته، ومن غفل قلبه عندهما غفل قلبه في صلاته؛ ثم ~~هيئتها في تمام ركوعها وسجودها؛ وإنطاق كل ركن عملي بذكر الله يختص به أدنى ~~ما يكون ثلاثا فليس في الصلاة عمل لا نطق له؛ ولا يقبل الله صلاة من لم يقم ~~صلبه في ركوعه وسجوده وقيامه وجلوسه؛ فبالنقص من تمامها تنقص المحافظة ~~عليها وبتضييع المحافظة عليها يتملك الأعداء النفس ويلحقها الشح فتنتقل ~~عليها الأحكام وتتضاعف عليها مشاق الدنيا، ms0497 وما من عامل يعمل عملا في وقت ~~صلاة أو حال أذان إلا كان وبالا عليه وعلى من ينتفع به من عمله، وكان ما ~~يأخذه من أجر فيه # PageV03P363 # شقى خبث لا يثمر له عمل بر ولا راحة نفس في عاجلته ولا آجلته، وخصوصا بعد ~~أن أمهل الله الخلق من طلوع شمس يومهم إلى زوالها ست ساعات فلم يكن لدنياهم ~~حق في الست الباقية فكيف إذا طولبوا منها بأويقات الأذان والصلاة وما نقص ~~عمل من صلاة، فبذلك كانت المحافظة على الصلوات ملاكا لصلاح أحوال الخلق مع ~~أزواجهم في جميع أحوالهم - انتهى. {والصلاة الوسطى} أي خصوصا فإنها أفضل ~~الصلوات لأنها أخصها بهذا النبي الخاتم كما مضى بيانه في أول السورة في ~~قوله: {استعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 193] فخصها سبحانه وتعالى بمزيد ~~تأكيد وأخفاها لأداء ذلك إلى المحافظة على الكل ولهذا السبب أخفى ليلة ~~القدر في رمضان، وساعة الإجابة في يوم الجمعة، والاسم الأعظم في جميع ~~الأسماء، ووقت الموت حملا على التوبة في كل لحظة. وقال الحرالي: وما من ~~جملة إلا ولها زهرة فكان في الصلوات ما هو منها بمنزلة الخيار من الجملة ~~وخيارها وسطاها فلذلك خصص تعالى خيار الصلوات بالذكر، وذكرها بالوصف إبهاما ~~ليشمل الوسطى الخاصة بهذه الأمة وهي العصر التي لم تصح لغيرها من الأمم، ~~ولينتظم # PageV03P364 # الوسطى العامة لجميع الأمم ولهذه الأمة التي هي الصبح، ولذلك اتسع لموضع ~~أخذها بالوصف مجال العلماء فيها ثم تعدت أنظارهم إلى جميعها لموقع الإبهام ~~في ذكرها حتى تتأكد المحافظة في الجميع بوجه ما، وفي قراءة عائشة رضي الله ~~تعالى عنها: وصلاة العصر - عطفا ما يشعر بظاهر العطف باختصاص الوسطى بالصبح ~~على ما رآه بعض العلماء، وفيه مساغ لمرجعه على {الصلاة الوسطى} بنفسها ~~ليكون عطف أوصاف، وتكون تسميتها بالعصر مدحة ووصفا من حيث إن العصر خلاصة ~~الزمان كما أن عصارات الأشياء خلاصاتها # {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} [يوسف: 49] فعصر ~~اليوم هو خلاصة لسلامته من وهج الهاجرة وغسق الليل، ولتوسط الأحوال ~~والأبدان والأنفس ms0498 بين حاجتي الغداء والعشاء التي هي مشغلتهم بحاجة الغذاء؛ ~~ومن إفصاح العرب عطف الأوصاف المتكاملة فيقال: فلان كريم وشجاع - إذا تم ~~فيه الوصفان، فإذا نقصا عن التمام قيل: كريم شجاع - بالاتباع، فبذلك يقبل ~~معنى هذه القراءة أن تكون الوسطى هي العصر عطفا لوصفين ثابتين لأمر واحد - ~~انتهى. ويوضح ما قاله رحمه الله تعالى قولهم في الرمان المز: حلو حامض - من ~~غير عطف، # PageV03P365 # وبرهانه أنهم قالوا: إن الجمل إذا تتابعت من غير عطف كان ذلك مؤذنا بتمام ~~الاتصال بينها فتكون الثانية إما علة للأولى وإما مستأنفة على تقدير سؤال ~~سائل ونحو ذلك مما قاله البيانيون في باب الفصل والوصل، ولولا إشعار الكلام ~~الأول بالجملة الثانية لاحتياجه إليها لم يوجد محرك للسؤال بخلاف ما إذا ~~تعاطفت كان ذلك يؤذن بأن كل واحدة منها غنية عما بعدها وذلك مؤذن بالتمام: ~~وأما أسماء الله تعالى فتتابعها دون عطف، لأن شيئا منها لا يؤدي جميع مفهوم ~~اسم الذات العلم ولذلك ختم سبحانه وتعالى آيات سورة الحشر بقوله: {له ~~الأسماء الحسنى} [الحشر: 24] أي أن هذه الأسماء التي ذكرت هي مما أفهمه ~~مدلول الاسم العلم المبتدأ به سواء قلنا إنه مشتق أو لا، ومهما اطلعت على ~~وصف حسن يليق به سبحانه وتعالى فهو مما دل عليه الاسم الأعظم، لأن من يستحق ~~العبادة لا يكون إلا كذلك جامعا لأوصاف الكمال، أو لأنه لما جبلت النفوس ~~وطبعت القلوب على المعرفة بأنه سبحانه وتعالى منزه عن شوائب النقص ومتصف ~~بأوصاف الكمال كان الإعراء من العطف فيها للإيذان بذلك وما عطف منها فلمعنى ~~دعا إليه كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مواضعه، وأنا لا أشك أن ~~المعطل إذا وقع في ضيق أخرجه ودهمه من البلاء ما أعجزه وأحرق # PageV03P366 # قلبه وأجرى دمعه التفت قلبه ضرورة إلى الله سبحانه وتعالى في كشفه وضرع ~~إليه في إزالته لما ركز في جبلته من كماله وعظمته وجلاله ذاهلا عما تكسبه ~~من قرناه السوء من سوء الاعتقاد وجر نفسه إليه من العناد - والله سبحانه ~~وتعالى ms0499 أعلم؛ فدونك قاعدة نفيسة طال ما تطلبتها وسألت عنها الفضلاء فما ~~وجدتها وضربت بفكري في رياض الفنون ومهامه العلوم حتى تصورتها ثم بعد فراغي ~~من تفسيري رأيت الكشاف أشار إليها في آية «والمستغفرين بالأسحار» في آل ~~عمران - والله سبحانه وتعالى الموفق. # ولما أمر بالمحافظة عليها أتبعه جامع ذلك فقال: {وقوموا لله} أي الذي له ~~الجلال والإكرام {قانتين *} أي مطيعين - قاله الحسن وسعيد بن جبير والشعبي ~~وعطاء وقتادة وطاوس. وروى الطبراني في الأوسط والإمام أحمد وأبو يعلى ~~الموصلي في مسنديهما وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل حرف ذكر من القنوت في القرآن ~~فهو الطاعة» وقيل: القنوت السكوت، ففي الصحيحين عن زيد بن أرقم رضي الله # PageV03P367 # تعالى عنه قال: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في ~~حاجته حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» وقال ~~مجاهد: خاشعين، وقيل غير ذلك؛ وإذا علم أصل معنى هذه الكلمة لغة علم أن ~~المراد: مخلصين، وإليه يرجع جميع ما قالوه، وذلك أن مادة قنت بأي ترتيب كان ~~تدور على الضمور من القتين للقليل اللحم والطعم، وقتن المسك إذا يبس، ~~فيلزمه الاجتذاب والخلوص، فإنه لولا تجاذب الأجزاء لزوال ما بينها من ~~المانع لم يضمر، ومنه امرأة ناتق إذا كانت ولودا كأنها تجتذب المني كله ~~فتظفر بما يكون منه الولد، أو أنه لما كان المقصود الأعظم من الجماع الولد ~~كانت كأنها المختصة بجذب المني وكأن اجتذاب غيرها عدم، أو كأنها تجتذب ~~الولد من رحمها فتخرجه، وذلك من نتق السقاء وهو نفضه، حتى يقتلع ما فيه ~~فيخلص، ومن # PageV03P368 # ذلك: البيت المعمور نتاق الكعبة، أي مطل عليها من فوق فلو أنه جاذب شيئا ~~من الأرض لكان إياها لأنه تجاهها، ومن الضمور: التقن - لرسابة الماء؛ وهو ~~الكدر الذي يبقى في الحوض فإنه متهيىء لاجتذاب العكولة؛ ويلزم الضمور ~~الإحكام لجودة التراص في الأجزاء لخلوصها عن مانع، ومنه: أمر متقن، أي ~~محكم، ms0500 و: رجل تقن - إذا كان حاذقا بالأشياء، فهو خالص الرأي؛ ويلزمه ~~الإخلاص والخشوع والتواضع فتأتي الطاعة بالدعاء وغيره فإنها جمع الهم على ~~المطاع {أمن هو قانت آناء الليل} [الزمر: 9] ونحو ذلك، والتقن أيضا الطبيعة ~~فإنها سر الشيء وخالصه، ومنه الفصاحة من: تقن فلان، أي طبعه؛ ويلزم الضمور ~~القيام فإنه ضمور بالنسبة إلى بقية الهيئات؛ ومنه: أفضل الصلاة طول القنوت. # والسكوت ضمور بالنسبة إلى الكلام؛ ويلزم الضمور اليبس والذبول ومنه التقن ~~للطين الذي يذهب عنه الماء فييبس ويتشقق؛ والقلة ومنه: قراد قتين، أي قليل ~~الدم، فيأتي أيضا السكوت والإحكام؛ وإذا راجعت معاني هذه المادة وهي قنت ~~وقتن وتقن ونتق من كتب اللغة ازددت بصيرة في هذا، وإذا علم ذلك علم # PageV03P369 # أن الآية منطبقة على الحديث محتملة لجميع أقوال العلماء رضي الله تعالى ~~عنهم، وذلك أن الصلاة إذا أخلصت لم يكن فيها قول ولا فعل ليس منها وذلك محض ~~الطاعة والخشوع. وقال الحرالي: القنوت الثبات على أمر الخير وفعله، وذلك أن ~~فعل الخير والبر يسير على الأكثر ولكن الثبات والدوام عسير عليهم، وكان من ~~القنوت مداومة الحق فيما جاء به في الصلاة حتى لا يقع التفات للخلق، فلذلك ~~لزم الصمت عن الخلق من معناه، لأن كلام الناس قطع لدوام المناجاة، ففي ~~إشعاره أن من قام لله سبحانه وتعالى قانتا في صلاته أقام الله سبحانه ~~وتعالى في دنياه حاله في إقامته ومع أهله، كما يشير إليه معنى آية {وأمر ~~أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك} [طه: 32] ففيه إيذان ~~بأن الصلاة تصلح الحال مع الأهل وتستدر البركة في الرزق - انتهى. وحديث زيد ~~هذا صريح في أن الصلاة في أول الأمر لم تكن على الحدود التي صارت إليها ~~آخرا؛ فيحتمل أن الفعل كان مباحا فيها كما كان الكلام، ويؤيده أن الأصل في ~~الأشياء الإباحة حتى يأتي نص بالمنع، وبهذا يزول ما في حديث ذي اليدين من ~~الإشكال من أنه يقتضي إباحة القول والفعل للمصلي إذا ظن # PageV03P370 # أنه أكمل الصلاة أو نسي أنه ms0501 فيها، «لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~إحدى صلاتي العشي فسلم من ركعتين ثم قام إلى خشبة في ناحية المسجد فاتكأ ~~عليها وخرج سرعان الناس، فلما أعلمه ذو اليدين بالحال سأل الناس فصدقوه، ~~فرجع فأكمل الصلاة» فإن الحديث غير مؤرخ فيحتمل أنه كان قبل تحريم الأفعال ~~والأقوال بهذه الآية. ويؤيد احتمال إباحة الأفعال أولا اتباع الآية بقوله ~~تعالى: {فإن خفتم} أي بحال من أحوال الجهاد الذي تقدم أنه {كتب عليكم} أو ~~نحو ذلك من عدو أو سبع أو غريم يجوز الهرب منه أو غير ذلك {فرجالا} أي ~~قائمين على الأرجل، وهو جمع راجل من حيث إنه أقرب إلى صورة الصلاة. قال ~~البغوي: أي إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف فصلوا ~~مشاة على أرجلكم {أو ركبانا} أي كائنين على ظهور الدواب على هيئة التمكن. ~~وقال الحرالي: ما من حكم شرعه الله في السعة إلا وأثبته في الضيق والضرورة # PageV03P371 # بحيث لا يفوت في ضيقه بركة من حال سعته ليعلم أن فضل الله لا ينقصه وقت ~~ولا يفقده حال، وفيه إشعار بأن المحافظة على الصلاة في التحقيق ليس إلا في ~~إقبال القلب بالكلية على الرب، فما اتسع له الحال ما وراء ذلك فعل وإلا ~~اكتفى بحقيقتها، ولذلك انتهت الصلاة عند العلماء في شدة الخوف إلى تكبيرة ~~واحدة يجتمع إليها وحدها بركة أربع الركعات التي تقع في السعة، وفيها على ~~حالها من البركة في اتساع الرزق وصلاح الأهل ما في الواقعة في السعة مع # PageV03P372 # معالجة النصرة لعزيمة إقامتها على الإمكان في المخافة، وقد وضح باختلاف ~~أحوال صلاة الخوف أن حقيقتها أنها لا صورة لها، فقد صح فيها عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أربع عشرة صورة وزيادة صور في الأحاديث الحسان - انتهى. # وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كيفية ~~في صلاة الخوف ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على ~~أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. ms0502 قال مالك: قال نافع: ~~لا أرى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - يعني لأن مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي {فإذا أمنتم} أي ~~حصل لكم الأمن مما كان أخافكم. # ولما كان المراد الأعظم من الصلاة الذكر وهو دوام حضور القلب قال مشيرا ~~إلى أن صلاة الخوف يصعب فيها ذلك منبها بالاسم الأعظم على ما يؤكد الحضور ~~في الصلاة وغيرها من كل ما يسمى ذكرا {فاذكروا الله} أي الذي له الأمر كله. ~~قال البغوي: أي فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها. وقال الحرالي: أظهر ~~المقصد في عمل الصلاة وأنه # PageV03P373 # إنما هو الذكر الذي هو قيام الأمن والخوف - انتهى: فكأنه سبحانه وتعالى ~~لما منع مما ليس من الصلاة من الأقوال والأفعال استثنى الأفعال حال الخوف ~~فأبقيت على الأصل لكن قد روى الشافعي رضي الله تعالى عنه وصرحه في كتاب ~~اختلاف الحديث من الأم وأبو داود والنسائي من طريق عاصم بن أبي النجود عن ~~أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا نسلم على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو في الصلاة - الحديث في أنه لما رجع من الحبشة قال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن ~~لا تتكلموا في الصلاة» وحكم بأنه قيل حديث ذي اليدين لما في بعض طرقه مما ~~يقتضي أن رجوعه كان قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو ~~كذلك، لكن عاصم له أوهام في الحديث وإن كان حجة في القراءة فلا يقوى حديثه ~~لمعارضة ما في الصحيحين من حديث زيد الماضي المغيا بنزول الآية. # والبقرة مدنية كما في الصحيح في فضائل القرآن عن عائشة رضي الله تعالى ~~عنها أنها قالت: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وفيه في النكاح وغيره أنه صلى الله عليه وسلم بنى بها وهي بنت ~~تسع سنين وأقامت ms0503 عنده تسعا، فيكون ذلك في السنة الثانية من الهجرة. وقال # PageV03P374 # الشافعي رضي الله تعالى عنه في الرسالة في باب وجه آخر من الناسخ ~~والمنسوخ: أخبرنا محمد بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد ~~الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: ~~«حبسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد ~~المغرب يهوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله سبحانه وتعالى: {وكفى الله ~~المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا} [الأحزاب: 25] قال: فدعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان ~~يصليها في وقتها، ثم أقام العصر كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام ~~العشاء فصلاها كذلك أيضا؛ وذلك قبل أن ينزل الله تعالى في صلاة الخوف {فإن ~~خفتم فرجالا أو ركبانا} [البقرة: 239] » وقد روى الشيخان أيضا حديث ابن ~~مسعود رضي الله تعالى عنه بلفظ: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا ~~وقال: «إن في الصلاة شغلا» لكنه ليس صريحا في تحريم الكلام فيعود الاحتمال ~~السابق، فإن كان الواقع أن حديث زيد متأخر كان ما قلت وإلا كان الذي ينبغي ~~القول به أنه لا فرق بين القول والفعل لأن اشتمال حديث ذي اليدين عليهما ~~على حد سواء، كما صححه صاحب التتمة من أصحاب الشافعي # PageV03P375 # ونقل عن اختيار الشيخ محيي الدين النواوي في كتابه التحقيق وتبعه عليه ~~السبكي وغيره من المتأخرين، وكلام الشافعي ظاهر فيه فإنه قال في الرد على ~~من نسبه إلى أنه خالف في التفريع على الحديث المذكور: فأنت خالفت أصله ~~وفرعه ولم نخالف نحن من أصله ولا من فرعه حرفا واحدا - هذا نصه في كتاب ~~الرسالة. # ولما أمر سبحانه وتعالى بالذكر عند الأمن علله بقوله: {كما علمكم} أي ~~لأجل إنعامه عليكم بأن خلق فيكم العلم المنقذ من الجهل، فتكون ms0504 الكاف ~~للتعليل وقد جوزه أبو حيان في النهر ونقله في موضع آخر منه عن النحاة - ~~والله سبحانه وتعالى أعلم {ما لم تكونوا تعلمون *} بما آتاكم على لسان هذا ~~النبي الكريم من الأحكام التي تقدمت في هذه السورة المفصلة ببدائع الأسرار ~~من الأصول ودقائق العلوم كلها. # وقال الحرالي: من أحكام هيئة الصلاة في الأعضاء # PageV03P376 # والبدن وحالها في النفس من الخشوع والإخبات والتخلي من الوسواس وحالها في ~~القلب من التعظيم والحرمة، وفي إشارته ما وراء ظاهر العلم من أسرار القلوب ~~التي اختصت بها أئمة هذه الأمة - انتهى. # ولما كان ذكر أحكام عشرة النساء على هذا الوجه مظنة سؤال سائل كما تقدم ~~يقول: قد استغرق الاشتغال بهن الزمان وأضر بالفراغ للعبادة وكان هذا السؤال ~~إيماء إلى الاستئذان في الرهبانية والاختصاء الذي سأل فيه من سأل كما سيبين ~~إن شاء الله سبحانه وتعالى في المائدة في قوله: {ولا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم} [المائدة: 87] وكان الإعراض عن جواب السائل بالأمر بالمحافظة على ~~الصلاة ربما أشعر بالإقرار على مضمون السؤال والإذن في الترهب بقرينة ~~الإعراض عن السؤال وربما كان مشيرا إلى النهي عن الترهب بقرينة السكوت على ~~ما تقدم من الأمر بعشرتهن من غير نهي عنه عقب الأمر بذلك ببعض آيات النساء ~~تأكيدا لما أفهمته تلك الإشارة أي اتركوا الترهب وكونوا رجالا في الاقتداء ~~بنبيكم صلى الله عليه وسلم # PageV03P377 # في القيام بحقوق الله وحقوق نفسه وغيره من سائر العباد وجعل ما تعقب آية ~~الصلاة من تعلق النكاح آيتين فقط أولاهما في حكم من أحكام الموت وهي منسوخة ~~كما قال الأكثر ليست من دعائم أحكام هذا الباب إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون ~~الإقبال على العبادة أكثر وأن يكون الاشتغال بأمر النساء والأولاد إنما هو ~~على وجه التزود للموت وما بعده فقال تعالى: {والذين} وقال الحرالي: لما ذكر ~~سبحانه وتعالى أحكام الأزواج في الطلاق والوفاة وحكم الفرض والمتعة في ~~المطلقات قبل الدخول ختم هذه الأحكام المؤكدة بالفرض والأمر بما هو من ~~نحوها فنظم بالمتعة من ms0505 النفقة والكسوة والإخدام وما في معناه المتعة ~~بالسكنى للمتوفى عنها زوجها إلى حد ما كانت العدة في الجاهلية ليكون للخير ~~والمعروف بقاء في الإسلام بوجه ما أيما عقد وعهد كان في الجاهلية فلن يزيده ~~الإسلام إلا شدة - انتهى. فقال تعالى: {يتوفون منكم} أي يقاربون أن يستوفي ~~أرواحهم من أعارها أبدانهم فيخلصها منها كاملة لا يغادر منها شيئا ولا يأخذ ~~شيئا من الجسم معها مع ما بينهما من كمال الامتزاج الذي لا يقدر معه على ~~تمييز أحدهما عن الآخر إلا هو سبحانه وتعالى {ويذرون أزواجا} بعد موتهم، ~~فليوصوا {وصية} ومن رفع فالتقدير عندهم: فعليهم # PageV03P378 # وصية، ويجوز أن تحمل الوفاة على حقيقتها ويكون التقدير: وصية من الله ~~لأزواجهم، أو يوصيكم الله وصية {لأزواجهم} بالسكنى في بيوتهم {متاعا} لهن ~~{إلى} رأس {الحول} من حين الوفاة. قال الحرالي: وهو غاية العمر وجامع لجملة ~~الفصول التي بوفائها تظهر أحوال الصبر عن الشيء والحرص عليه وإنما الحول ~~الثاني استدراك - انتهى. # {غير إخراج} أي غير مصاحب ذلك المتاع بنوع إخراج أو غير ذوي إخراج. قال ~~الحرالي: لتكون الأربعة الأشهر والعشر فرضا وباقي الحول متاعا لتلحق أنواع ~~المتعة بأنواع اللازم في الزوجية من نفقة وكسوة وإخدام وسكنى، ولما كان هذا ~~المتاع الزائد إنما هو تقرير للزوجة في حال ما كانت عليه مع زوجها إشعارا ~~ببقاء العصمة وإلاحة من الله تعالى بحسن صبر المرأة المتوفى عنها زوجها على ~~زوجها، لا تتزوج عليه غيره حتى تلقاه فتكون معه على النكاح السابق ليكون ~~للأمة في أزواجهم لمحة حظ من تحريم أزواج نبيهم بعده اللاتي يقمن بعده إلى ~~أن يلقينه أزواجا بحالهن، فيكون ذلك لمن يستشرف من خواص أمته إلى اتباعه في ~~أحكامه وأحكام أزواجه لأن الرجال مما يستحسنون ذلك لأزواجهم، فمن أشد # PageV03P379 # ما يلحق الرجل بعد وفاته تزوج زوجه من بعده لأنها بذلك كأنها هي المطلقة ~~له، ولذلك ورد أن المرأة إنما تكون لآخر زوج. لأنها تركت الزوج ولم يتركها ~~هو، قال صلى الله عليه وسلم: «أنا وسفعاء الخدين حبست نفسها ms0506 على يتاماها ~~حتى ماتوا - أو: بانوا - كهاتين في الجنة» كأنه صلى الله عليه وسلم أكد ذلك ~~المعنى على من ترك لها المتوفى ذرية لأنه أثبت عهد معه - انتهى. روى ~~البخاري في التفسير عن مجاهد {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا} [البقرة: ~~234] قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله عز وجل: ~~{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج} [البقرة: 240] قال: جعل الله سبحانه وتعالى لها تمام السنة سبعة ~~أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله ~~سبحانه وتعالى: {غير إخراج} فالعدة كما هي واجب عليها. # ولما كان هذا المتاع الواجب من جهة الزوج جائزا من جهة المرأة نبه عليه ~~بقوله {فإن خرجن} أي من أنفسهن من غير مزعج # PageV03P380 # ولا مخرج {فلا جناح عليكم} يا أهل الدين الذين يجب عليهم الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر {فيما فعلن في أنفسهن} من النكاح ومقدماته. ولما كانت لهن ~~في الجاهلية أحوال منكرة في الشرع قيده بقوله: {من معروف} أي عندكم يا أهل ~~الإسلام. # ولما كان في هذا حكمان حكم من جهة الرجال فضل وآخر من جهة النساء عفو ~~فكان التقدير: فالله غفور حليم، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي لا كفوء له ~~{عزيز حكيم *} وفي ضمنه كما قال الحرالي تهديد شديد للأولياء إن لم ينفذوا ~~ويمضوا هذه الوصية بما ألزم الله، ففي إلاحته أن من أضاع ذلك ناله من عزة ~~الله عقوبات في ذات نفسه وزوجه ومخلفيه من بعده ويجري مأخذ ما تقتضيه العزة ~~على وزن الحكمة جزاء وفاقا وحكما قصاصا، وهذه # PageV03P381 # الآية مما ذكر فيها بعض الناس النسخ وإنما هي مما لحقها نسيان أوقعه الله ~~تعالى على الخلق حتى لا يكاد أن يكون عمل بها أحد إلا أحدا لم يذكر به ولم ~~يشتهر منه فهي مما أنسى فران عليه النسيان لأمر شاءه الله سبحانه وتعالى ~~والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وقد ورد «أن النبي صلى الله عليه وسلم ms0507 ~~أنفذ لامرأة من تركة زوجها نفقة سنة» وذلك والله سبحانه وتعالى أعلم قبل ~~نزول آية الفرائض حين كانت الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف - انتهى. # وبما قال الحرالي من أنها غير منسوخة قال مجاهد كما تقدم في رواية ~~البخاري عنه أن الزوجة إن اختارت هذا فعدتها الحول وإلا فعدتها الآية ~~الأولى، ونقله الشمس الأصفهاني عنه في تفسيره، ونقل عن بلديه أبي مسلم ~~قريبا منه فإنه قال بعد أن نقل عنه أنها غير منسوخة: ليس # PageV03P382 # التقدير ما يفيد الوجوب على الزوج مثل: فليوصوا بل التقدير: وقد وصوا، ~~أو: ولهم وصية. وحسن تعقيب آية المحافظة على الصلاة بعدة الوفاة كون الخوف ~~المذكور فيها من أسباب القتل، ولعل إثباتها في التلاوة مع كونها منسوخة ~~الحكم على ما قال الجمهور تذكيرا للنساء بما كان عدة لهن في أول الأمر لئلا ~~يستطلن العدة الثابتة بأربعة أشهر وعشر فينتهكن شيئا من حرماتها، كما أشار ~~إليه ما في الصحيحين وغيرهما عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها «» أن امرأة ~~استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تكحل ابنتها لوجع أصابها، فأبى وقال: ~~«قد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» «. # PageV03P383 # ولما ذكر سبحانه وتعالى متاع المتوفى عنهن عقبه متاع المطلقات تأكيدا ~~للحكم بالتكرير وتعميما بعد تخصيص بعض أفراده فقال تعالى: {وللمطلقات} أي ~~أي المدخول بهن بأي طلاق كان {متاع} أي من جهة الزوج يجبر ما حصل لها من ~~الكسر {بالمعروف} أي من حالهما {حقا على المتقين *} قال الحرالي: # PageV03P383 # حيث كان الذي قبل الدخول حقا على المحسنين كان المحسن يمتع بأيسر وصلة في ~~القول دون الإفضاء والمتقي يحق عليه الإمتاع بمقدار ما وقع له من حرمة ~~الإفضاء ولما وقع بينهم من الإرهاق والضجر فيكون في المتعة إزالة لبعض ذلك ~~وإبقاء بسلام أو مودة - انتهى. وفيه إشارة إلى أن الطلاق كالموت لانقطاع ~~حبل الوصلة الذي هو كالحياة وأن المتاع كالإرث. # ولما بين سبحانه وتعالى هذه الأحكام هذا البيان الشافي كان كأن سائلا ~~قال: هل يبين غيرها مثلها؟ فقال: {كذلك} ms0508 أي مثل هذا البيان {يبين الله} أي ~~الذي له الحكمة البالغة لأنه المحيط بكل شيء {لكم آياته} أي المرئية بما ~~يفصل لكم في آياته المسموعة {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا على حال يرجى لكم ~~معها # PageV03P384 # التفكر في الآيات المسموعات والآيات المرئيات كما يفعل العقلاء فيهديكم ~~ذلك إلى سواء السبيل؛ وقد كرر مثل هذا القول كثيرا وفصلت به الآيات تفصيلا ~~وكان لعمري يكفي الفطن السالم من مرض القلب وآفة الهوى إيراده مرة واحدة في ~~الوثوق بمضمونه والركون إلى مدلوله، وإنما كرر تنبيها على بلاغة الآيات ~~المختومة به وخروجها عن طوق البشر وقدرة المخلوق، وذلك أنهم كلما سمعوا ~~شيئا من ذلك وهم أهل السبق في البلاغة والظفر على جميع أرباب الفصاحة ~~والبراعة فرأوه فائتا لقواهم وبعيدا من قدرهم خطر لهم السؤال عن مثل ذلك ~~البيان ناسين لما تقدم من صادق الوعد وثابت القول بأن الكل على هذا المنوال ~~البديع المثال البعيد المنال، لما اعتراهم من دهش العقول وانبهار الألباب ~~والفهوم. # ولما انقضى ما لا بد منه مما سيق بعد الإعلام بفرض القتال المكروه للأنفس ~~من تفصيل ما أحمل في ليل الصيام من المشارب والمناكح وما تبعها وكان الطلاق ~~كما سلف كالموت وكانت المراجعة كالإحياء وختم ذلك بالصلاة حال الخوف الذي ~~أغلب صورة # PageV03P385 # الجهاد ثم بتبيين الآيات أعم من أن تكون في الجهاد أو غيره عقب ذلك بقوله ~~دليلا على آية كتب القتال المحثوث فيها على الإقدام على المكاره لجهل ~~المخلوق بالغايات: {ألم تر} وقال الحرالي: لما كان أمر الدين مقاما بمعالمه ~~الخمس التي إقامة ظاهرها تمام في الأمة وإنما تتم إقامتها بتقوى القلوب ~~وإخلاص النيات كان القليل من المواعظ والقصص في شأنه كافيا، ولما كان حظيرة ~~الدين # PageV03P386 # إنما هو الجهاد الذي فيه بذل الأنفس وإنفاق الأموال كثرت فيه مواعظ ~~القرآن وترددت وعرض لهذه الأمة بإعلام بما يقع فيه فذكر ما وقع من الأقاصيص ~~في الأمم السالفة وخصوصا أهل الكتابين بني إسرائيل ومن لحق بهم من أبناء ~~العيص فكانت وقائعهم مثلا لوقائع هذه الأمة ms0509 فلذلك أحيل النبي صلى الله عليه ~~وسلم على استنطاق أحوالهم بما يكشفه الله سبحانه وتعالى له من أمرهم عيانا ~~وبما ينزله من خبرهم بيانا وكان من جامعة معنى ذلك ما تقدم من قوله سبحانه ~~وتعالى: # {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة} [البقرة: 211] وكان من جملة ~~الآيات التي يحق الإقبال بها على النبي صلى الله عليه وسلم لعلو معناها ~~فأشرف المعاني ما قيل فيه {ألم تر} إقبالا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعموم المعاني ما قيل فيه {ألم تروا} [لقمان: 20] إقبالا على الأمة ليخاطب ~~كل على قدر ما قدم لهم من تمهيد موهبة العقل لتترتب المكسبة من العلم على ~~مقدار الموهبة من العقل فكان من القصص العلي العلم اللطيف الاعتبار ما ~~تضمنته هذه الآيات من قوله: {ألم تر} # PageV03P387 # ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة حتى لا يفروا من الموت فرار من قبلهم، قال ~~عليه الصلاة والسلام: «إذا نزل الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا ~~منه» وذلك لتظهر مزيتهم على من قبلهم بما يكون من عزمهم كما أظهر الله ~~تعالى مزيتهم على من قبلهم بما آتاهم من فضله ورحمته التي لم ينولها لمن ~~قبلهم - انتهى. # ولما كانت مفارقة الأوطان مما لا يسمح به نبه بذكره على عظيم ما دهمهم ~~فقال: {إلى الذين خرجوا} أي ممن تقدمكم من الأمم {من ديارهم} التي ألفوها ~~وطال ما تعبوا حتى توطنوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به على الموت {وهم ~~ألوف} أي كثيرة جدا تزيد على العشرة بما أفهمه جمع التكثير. قال الحرالي: ~~فيه إشعار بأن تخوفهم لم يكن من نقص عدد وإنما كان من جزع أنفس فأعلم ~~سبحانه # PageV03P388 # وتعالى أن الحذر لا ينجي من القدر وإنما ينجى منه كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم الدعاء «إن الدعاء ليلقي القدر فيعتلجان إلى يوم القيامة» انتهى. ~~{حذر الموت} فرارا من طاعون وقع في مدينتهم أو فرارا من عدو دعاهم نبيهم ~~إلى قتاله - على اختلاف الرواية - ظنا منهم أن الفرار ينجيهم. # ودل ms0510 سبحانه وتعالى على أن موتهم كان كنفس واحدة بأن جعلهم كالمأمور الذي ~~لم يمكنه التخلف عن الامتثال بقوله مسببا عن خروجهم على هذا الوجه: {فقال ~~لهم الله} أي الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه طالب لأن له الكمال كله {موتوا} ~~أي فماتوا أجمعون موت نفس واحدة لم ينفعهم حذرهم ولا صد القدر عنهم علمهم ~~بالأمور وبصرهم إعلاما بأن من هاب القتال حذر الموت لم يغنه حذره مع ما ~~جناه من إغضاب ربه ومن أقدم عليه لم يضره إقدامه مع ما فاز به من مرضاة ~~مولاه. # قال الحرالي: في إشعاره # PageV03P389 # إنباء بأن هذه الإماتة إماتة تكون بالقول حيث لم يقل: فأماتهم الله، ~~فتكون إماتة حاقة لا مرجع منها، ففيه إبداء لمعنى تدريج ذات الموت في أسنان ~~متراقية من حد ضعف الأعضاء والقوى بالكسل إلى حد السنة إلى حد النوم إلى حد ~~الغشي إلى حد الصعق إلى حد هذه الإماتة بالقول إلى حد الإماتة الآتية على ~~جملة الحياة التي لا ترجع إلا بعد البعث وكذلك الإماتة التي يكون عنها تبدد ~~الجسم مع بقائه على صورة أشلائه أشد إتيانا على الميت من التي لا تأتي على ~~أعضائه «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء والعلماء ~~والمؤذنين» فكما للحياة أسنان من حد ربو الأرض إلى حد حياة المؤمن إلى ما ~~فوق ذلك من الحياة كذلك للموت أسنان بعدد أسنان الحياة مع كل سن حياة موت ~~إلى أن ينتهي الأمر إلى الحي الذي لا يموت {وإن إلى ربك المنتهى} [النجم: ~~42] ، فبذلك يعلم ذو الفهم أن # PageV03P390 # ذلك توطئة لقوله: {ثم أحياهم} وفي كلمة {ثم} إمهال إلى ما شاء الله - ~~انتهى. وجعل سبحانه وتعالى ذلك تقريرا له صلى الله عليه وسلم بالرؤية إما ~~لأنه كشف له عنهم في الحالتين وإما تنبيها على أنه في القطع بإخبار الله ~~تعالى له على حالة هي كالرؤية لغيره تدريبا لأمته؛ ولعل في الآية حضا على ~~التفضل بالمراجعة من الطلاق كما تفضل الله على هؤلاء بالإحياء بعد أن أدبهم ms0511 ~~بالإماتة وختم ما قبلها بالإقامة في مقام الترجي للعقل فيه إشارة إلى أن ~~الخارجين من ديارهم لهذا الغرض سفهاء فكأنه قيل: لتعقلوا فلا تكونوا كهؤلاء ~~الذين ظنوا أن فرارهم ينجيهم من الله بل تكونون عالمين بأنكم أينما كنتم ~~ففي قبضته وطوع # PageV03P391 # مشيئته وقدرته فيفيدكم ذلك الإقدام على ما كتب عليكم مما تكرهونه من ~~القتال، أو يقال: ولما كان المتوفى قد يطلق زوجه في مرض موته فرارا من ~~إرثها وقد يخص بعض وارثيه مما يضار به غيره وقد يحتال على المطلقة ضرارا ~~بما يمنع حقها ختم آية الوفاة عن الأزواج والمطلقات بترجية العقل بمعنى ~~أنكم إذا عقلتم لم تمنعوا أحدا من فضل الله الذي آتاكم علما منكم بأنه ~~تعالى قادر على أن يمنع المراد إعطاؤه ويمنح المراد منعه بأسباب يقيمها ~~ودواعي يخلقها أو يشفي فاعل ذلك من مرضه ثم يسلبه فضله فيفقره بعد غناه ~~ويضعفه بعد قواه، فإنه لا ينفع من قدره حذر، ولا يدفع مراده كيد ولا حيل ~~وإن كثر العدد وجل المدد، {ألم تر} إلى أن قال: {إن الله} أي الذي له ~~الإحاطة بالجلال والإكرام {لذو فضل} {على الناس} أي عامة فليذكر كل واحد ما ~~له عليه من الفضل، # PageV03P392 # وليرغبوا في العفو عمن يرون أن منعه عدل لأن ذلك أقرب إلى الشكر وأبعد عن ~~الكفر، فطلاق الفار إخراج الزوجة عن دائرة عصمته حذرا من إماتة ماله بأخذ ~~ما يخصها منه وخروج الزوج عن دائرة النكاح حذرا من موت مقيد بكونها في ~~عصمته وخروج الألوف من دار الإقامة حذرا من موت مطلق، ومن المناسبات ~~البديعة أنه لما كانت حقيقة حال العرب أنهم انتقلوا بعد أبيهم إسماعيل عليه ~~الصلاة والسلام والتابعين له بإحسان من ضيق دار العلم والإيمان حذرا من ~~هلاك الأبدان بتكاليف الأديان إلى # PageV03P393 # قضاء الشهوات والعصيان فوقعوا في موت الجهل والكفران فلما نزل عليهم ~~القرآن وكان أكثر هذه السورة في الرد على أهل الكتاب وكرر فيها هداية العرب ~~من الكفر والجهل بكلمة الإطماع في غير موضع نحو # {ولأتم نعمتي ms0512 عليكم ولعلكم تهتدون} [البقرة: 150] {لعلكم تتقون} [البقرة: ~~21] {لعلهم يرشدون} [البقرة: 186] {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} ~~[البقرة: 219، 220] وغير ذلك إلى أن ختم هذه الآيات بترجي العقل وكان أهل ~~الكتاب قد اشتد حسدهم لهم بجعل النبي الذي كانوا ينتظرونه منهم وكان الحاسد ~~يتعلق في استبعاد الخير عن محسوده بأدنى شيء كانوا كأنهم قالوا: أيحيي ~~هؤلاء العرب على كثرتهم وانتشارهم في أقطار هذه الجزيرة من موت الكفر ~~والجهل بالإيمان والعلم بعد أن تمادت بهم فيهما الأزمان وتوالت عليهم ~~الليالي والأيام حتى عتوا فيهما وعسوا ومردوا عليهما وقسوا؟ فأجيبوا بنعم ~~وما استبعدتموه غير بعيد، فقالوا: فإن كان لله بهم عناية فلم تركهم يجهلون ~~ويكفرون بعد ما شرع لهم أبوهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام دين أبيه ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ فأجيبوا بأنه فعل بهم ذلك لذنب استحقوه # PageV03P394 # لحكمة اقتضاها سابق علمه ثم ذكرهم قدرته في مثل ذلك من العقوبة واللطف ~~بما هم به عالمون فقال تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم والمراد هم - ~~كما يقال: الكلام لك واسمعي يا جارة - {ألم تر} ويجوز أن يكون الخطاب لكل ~~فاهم أي تعلم بقلبك أيها السامع علما هو كالرؤية ببصرك لما تقدم من الأدلة ~~التي هي أضوأ من الشمس على القدرة على البعث ويؤيد أنه لمح فيه الإبصار ~~تعديته بإلى في قوله: {إلى الذين خرجوا} وقال: {فقال لهم الله} أي الذي له ~~العظمة كلها عقوبة لهم بفرارهم من أمره {موتوا ثم أحياهم} بعد أن تطاول ~~عليهم الأمد وتقادم بهم الزمن كما أفهمه العطف بحرف التراخي تفضلا منه، ~~فكما تفضل على أولئك بحياة أشباههم بعد عقوبتهم بالموت فهو يتفضل على هؤلاء ~~بحياة أرواحهم من موت الكفر والجهل إظهارا لشرف نبيهم صلى الله عليه وسلم، ~~ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له العظمة كلها بما له من الجلال ~~والعظمة والكمال {لذو فضل} أي عظيم {على الناس} أي # PageV03P395 # كافة مطيعهم وعاصيهم. # قال الحرالي: بما ينسبهم تارة إلى أحوال مهوية ثم ينجيهم منها إلى أحوال ~~منجية بحيث لو أبقى ms0513 هؤلاء على هذه الإماتة ومن لحق بسنتهم من بعدهم لهلكت ~~آخرتهم كما هلكت دنياهم ولكن الله سبحانه وتعالى أحياهم لتجدد فضله عليهم - ~~انتهى. كما تفضل عليكم يا بني إسرائيل بأن أحياكم من موت العبودية وذلك ~~الذل بعد أن كان ألزمكموه بذنوبكم دهورا طويلة وكما تفضل عليكم أيها العرب ~~بقص مثل هذه الأخبار عليكم لتعتبروا {ولكن أكثر الناس} كرر الإظهار ولم ~~يضمر ليكون أنص على العموم لئلا يدعي مدع أن المراد بالناس الأول أهل زمان ~~ما فيخص الثاني أكثرهم {لا يشكرون *} وذلك تعريض ببني إسرائيل في أنهم لم ~~يشكروه سبحانه وتعالى في الوفاء بمعاهدته لهم في اتباع هذا النبي الكريم ~~عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي هذا الأسلوب بعد هذه المناسبات إثبات لقدرته ~~سبحانه وتعالى على الإعادة وجر لمنكر ذلك إلى الحق من حيث # PageV03P396 # لا يشعر. قال الحرالي: والشكر ظهور باطن الأمر على ظاهر الخلق بما هو ~~باطن فمن حيث إن الأمر كله لله قسرا فالشكر أن يبدو الخلق كله بالله شكرا، ~~لأن أصل الشكور الدابة التي يظهر عليها ما تأكله سمنا وصلاحا، فمن أودع خلق ~~أمر لم يبد على خلقه فهو كفور. فلما أودعه سبحانه وتعالى في ذوات الأشياء ~~من معرفته وعلمه وتكبيره كان من لم يبد ذلك على ظاهر خلقه كفورا، ومن بدا ~~ما استسر فيه من ذلك شكورا، وليس من وصف الناس ذلك لترددهم بين أن يكون ~~البادي عليهم عندهم تارة من الله سبحانه وتعالى وتارة من أنفسهم وممن دون ~~الله ممن اتخذوه أولياء على حد كفر أو هوى أو بدعة أو خطيئة وعلى حد رين ~~كسبهم على قلوبهم، ففي اعتبار هذه الآية تحذير لهذه الأمة من أن يحذروا ~~الموت. قال بعض التابعين رضي الله تعالى عنهم: لقد رأينا أقواما يعنون من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت إلى أحدهم أشهى من الحياة عندكم ~~اليوم؛ وإنما ذلك لما تحققوا من موعود الآخرة حتى كأنهم يشاهدونه فهان ~~عليهم الخروج من خراب الدنيا إلى عمارة آخرتهم - انتهى. وما أحسن ms0514 # PageV03P397 # الرجوع إلى قصص الأقدمين والالتفات إلى قوله: {كتب عليكم القتال وهو كره ~~لكم} [البقرة: 216] على هذا الوجه وهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم؛ قال ~~أهل التفسير: إن إحياءهم كان على يد حزقيل أحد أنبياء بني إسرائيل عليهم ~~الصلاة والسلام؛ وقال البغوي: إنه ثالث خلفائهم، والذي رأيته في سفر ~~الأنبياء المبعوثين منهم بعد موسى عليه الصلاة والسلام لتجديد أمر التوراة ~~وإقامة ما درس من أحكامها وهم ستة عشر نبيا أولهم يوشع بن نون وآخرهم ~~دانيال على جميعهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام أن حزقيل خامس عشرهم ~~عليه الصلاة والسلام. # قال في الإصحاح الحادي والعشرين من نبوته: وكانت # PageV03P398 # على يد الرب وأخرجني روح الرب إلى صحراء مملوءة عظام موتى وأمرني أجوز ~~عليها وأدور حولها، فرأيتها كثيرة في الصحراء يابسة وقال لي: يا ابن ~~الإنسان! هل تعيش هذه العظام؟ فقلت: أنت تعلم يا رب الأرباب! قال لي: تنبأ ~~على هذه العظام وقل لها: أيتها العظام البالية! اسمعوا كلام الله أن هكذا ~~يقول رب الأرباب لهذه العظام: إني أرد فيكم الروح فتحيون وتعلمون أني أنا ~~الرب، آتي بالعصب والجلد واللحم أنبته، وأرد فيكم الأرواح فتحيون، فلما ~~تنبأت بهذا صار صوت عظيم وزلزلة، واقتربت العظام كل عظم إلى مفصله، ورأيت ~~قد صعد عليها العصب ونبت اللحم ورد عليها الجلد من فوق ذلك ولم يكن فيهم ~~روح، وقال الرب: يا ابن الإنسان! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن ~~الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل، تنبأ أيها ~~الإنسان وقل للروح: هكذا يقول رب الأرباب: تعالوا أيها الأرواح، وأنفخ في ~~هؤلاء القتلى فيعيشوا، فتنبأت كالذي أمرني الرب، فدخلت فيهم الروح # PageV03P399 # وعاشوا وقاموا على أرجلهم جيش عظيم جدا، وقال لي الرب: يا ابن الإنسان! ~~هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت ~~عظامهم وكل رجل بطل، فمن أجل هذا تنبأ وقل: هكذا يقول رب الأرباب: هو ذا ~~أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم وآتي بكم إلى أرض إسرائيل وتعلمون أني أنا ms0515 ~~الرب أنفخ فيكم روحي فتعيشون وأترككم تعملون؛ قد قلت هذا وأنا أفعله - ~~انتهى. ولما بين سبحانه وتعالى أن الموت لا يصون منه فرار أمر بالجهاد الذي ~~هو المقصود الأعظم بهذه السياقات ولفت القول إلى من يحتاج إلى الأمر به ~~وصدره بالواو فأفهم العطف على غير معطوف عليه مذكور أن التقدير: فلا تفروا ~~من أسباب الموت بل اثبتوا في مواطن البأساء {وقاتلوا} وعبر بفي الظرفية ~~إشارة إلى وجوب كونهم # PageV03P400 # في القتال وإن اشتدت الأحوال مظروفين للدين مراعين له لا بخرجون عنه بوجه ~~ما فيصدقون في الإقدام على من لج في الكفران ويسارعون إلى الإحجام عمن بدا ~~منه الإذعان ونحو ذلك من مراعاة شرائع الإيمان، وعبر بالسبيل إشارة إلى يسر ~~الدين ووضوحه فلا عذر في الخروج عن شيء منه بحال فقال: {في سبيل الله} أي ~~الذي لا كفوء له كما كتبه عليكم وإن كنتم تكرهون القتال. # ولما أمرهم بعد ما حذرهم رغبهم ورهبهم بقوله: {واعلموا} منبها لهم لأن ~~يلقوا أسماعهم ويحضروا أفهامهم لما يلقى عليهم {أن الله} أي الذي له القدرة ~~الكاملة والعلم المحيط {سميع} لما تقولون إذا أمرتم بما يكره من القتال ~~{عليم *} بما تضمرون من الإعراض عنه والإقبال فهو يجازيكم على الخير قولا ~~وعملا ونية، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعفا إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف ~~كثيرة وعلى السيئة بمثلها إن شاء # {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] . # PageV03P401 # ولما كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة أوثق دعائم الجهاد وأقوى ~~مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديان كرر الحث عليها على وجه أبلغ ~~تشويقا مما مضى فقال على هيئه الممتحن للصادق ممن أمره وحذره وأنذره: {من ~~ذا الذي} منكم يا من كتب عليهم القتال والخروج عن الأنفس والأموال {يقرض ~~الله} الذي تفرد بالعظمة، وهو من الإقراض أي إيقاع القرض ولذا قال: {قرضا} ~~وشبه سبحانه وتعالى العمل به لما يرجى عليه من الثواب فهو كالقرض الذي هو ~~بذل المال للرجوع بمثله، وعبر به لدلالته على المحبة لأنه لا يقرضك إلا ~~محب، ولأن ms0516 أجره أكثر من أجر # PageV03P402 # الصدقة {حسنا} أي جامعا لطيب النفس وإخلاص النية وزكاء المال. وقال ~~الحرالي: القرض الجز من الشيء والقطع منه، كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع ~~له من ثوابه أقطاعا مضاعفة، والقرض بين الناس قرضا بقرض مثلا بمثل فمن ~~ازداد فقد أربى ومن زاد من غير عقد ولا عهد فقد وفى، فالقرض مساواة والربا ~~ازدياد، ووصف سبحانه وتعالى القرض الذي حرض عليه بالحسن لتكون المعاملة ~~بذلة على وجه الإحسان الذي هو روح الدين وهو أن يعامل الله به كأنه يراه - ~~انتهى. # ولما كانت الأنفس مجبولة على الشح بما لديها إلا لفائدة رغبها بقوله ~~مسببا عن ذلك: {فيضاعفه} قال الحرالي: من المضاعفة مفاعلة من الضعف - ~~بالكسر - وهي ثني الشيء بمثله مرة أو مرات، وأزال عنه ريب الاحتمال بقوله: ~~{له} أي في الدنيا والآخرة. # PageV03P403 # قال الحرالي: هذه المضاعفة أول إنبائها أن الزائد ضعف ليس كسرا من واحد ~~المقرض ليخرج ذلك عن معنى وفاء القضاء فإن المقترض تارة يوفي على الواحد ~~كسرا من وزنه، «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقترض قرضا إلا وفى ~~عليه زيادة، وقال: خير الناس أحسنهم قضاء» فأنبأ تعالى أن اقتراضه ليس بهذه ~~المثابة بل بما هو فوق ذلك لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله إلى ما يقال فيه ~~الكثرة؛ وفي قوله: {أضعافا} ما يفيد أن الحسنة بعشر، وفي قوله: {كثيرة} ما ~~يفيد البلاغ إلى فوق العشر وإلى المائة كأنه المفسر في قوله بعد هذا {مثل ~~الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} [البقرة: 261] ، فأوصل تخصيص هذه ~~الكثرة إلى المئين ثم فتح باب التضعيف إلى ما لا يناله علم العالمين في ~~قوله: # {والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261]- انتهى. # ولما رغب سبحانه وتعالى في إقراضه أتبعه جملة حالية من ضمير يضاعف مرهبة ~~مرغبة فقال: {والله} أي المحيط علما وقدرة # PageV03P404 # {يقبض} أي له هذه الصفة وهي إيقاع القبض والإقتار بمن يشاء وإن جلت ~~أمواله. قال الحرالي: والقبض إكمال الأخذ، أصله القبض باليد كله، والقبض - ~~بالمهملة - أخذ بأطراف الأصابع ms0517 وهو جمع عن بسط فلذلك قوبل به {ويبصط} أي ~~لمن يشاء وإن ضاقت حاله، والبسط توسعة المجتمع إلى حد غاية {وإليه ترجعون ~~*} حسا بالبعث ومعنى في جميع أموركم، فهو يجازيكم في الدارين على حسب ما ~~يعلم من نياتكم. # ولما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتمنون في مكة المشرفة الإذن في ~~مقارعة الكفار ليردوهم عما هم عليه من الأذى والغي والعمى عجب من حال بني ~~إسرائيل حيث سألوا الأمر بالقتال ثم لم ينصفوا إذ أمروا تحذيرا من مثل ~~حالهم، وتصويرا لعجيب قدرته على نقض العزائم وتقليب القلوب، وإعلاما بعظيم ~~مقادير الأنبياء وتمكنهم في المعارف الإلهية، ودليلا على ختام الآية التي ~~قبلها فقال مقبلا على أعلى الخلق إشارة إلى أن للنفوس من دقائق الوساوس ما ~~لا يفهمه # PageV03P405 # إلا البصراء: {ألم تر} قال الحرالي: أراه في الأولى حال أهل الحذر من ~~الموت بما في الأنفس من الهلع الذي حذرت منه هذه الأمة ثم أراه في هذه ~~مقابل ذلك من الترامي إلى طلب الحرب وهما طرفا انحراف في الأنفس، قال صلى ~~الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه ~~فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» ففيه إشعار لهذه الأمة بأن لا ~~تطلب الحرب ابتداء وإنما تدافع عن منعها من إقامة دينها كما قال سبحانه ~~وتعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] وقال عليه الصلاة ~~والسلام: # «والمشركون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا» # فحق المؤمن أن يأبى الحرب ولا يطلبه فإنه إن طلبه فأوتيه عجز كما عجز ~~هؤلاء حين تولوا إلا قليلا فهذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثا عن الماضين ~~وإنما هو إعلام بما يستقبله الآتون، إياك # PageV03P406 # أعني واسمعي يا جارة! فلذلك لا يسمع القرآن من لم يأخذه بجملته خطابا ~~لهذه الأمة بكل ما قص له من أقاصيص الأولين - انتهى. ويجوز أن يكون الخطاب ~~لكل من ألقى السمع وهو شهيد. # ولما كان الإخلال من الشريف أقبح قال {إلى الملإ} أي الأشراف، قال ~~الحرالي: الذين يملؤون العيون بهجة والقلوب ms0518 هيبة - انتهى. ولما كان ذلك من ~~أولاد الصلحاء أشنع قال: {من بني إسراءيل} ولما كان ممن تقرر له الدين ~~واتضحت له المعجزات واشتهرت عنده الأمور الإلهيات أفحش قال {من بعد موسى} ~~أي الذي أتاهم من الآيات بما طبق الأرض كثرة وملأ الصدور عظمة وأبقى فيهم ~~كتابا عجبا ما بعد القرآن من الكتب السماوية مثله. # قال الحرالي: وفيه إيذان بأن الأمة تختل بعد نبيها بما يصحبها من نوره ~~زمن وجوده # PageV03P407 # معهم، قالوا: ما نفضنا أيدينا من تراب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~أنكرنا قلوبنا - انتهى. {إذ قالوا} ولما كان الإخلاف مع الأكابر لا سيما مع ~~الأنبياء أفظع قال: {لنبي لهم} ونكره لعدم مقتض لتعريفه. قال الحرالي: لأن ~~نبيهم المعهود الآمر لهم إنما هو موسى عليه الصلاة والسلام، ومن بعده إلى ~~عيسى عليهم الصلاة والسلام إنما هم أنبياء بمنزلة الساسة والقادة لهم ~~كالعلماء في هذه الأمة منفذون وعالمون بما أنزل على موسى عليه الصلاة ~~والسلام كذلك كانوا إلى حين تنزيل الإنجيل فكما قص في صدر السورة حالهم مع ~~موسى عليه الصلاة والسلام قص في خواتيمها حالهم من بعد موسى لتعتبر هذه ~~الأمة من ذلك حالها مع نبيها صلى الله عليه وسلم وبعده انتهى. # ولما كان عندهم من الغلظة ما لا ينقادون به إلا لإنالة الملك وكان القتال ~~لا يقوم إلا برأس جامع تكون الكلمة به واحدة قالوا: {ابعث لنا} أي خاصة ~~{ملكا} أي يقيم لنا أمر الحرب {نقاتل} أي عن أمره {في سبيل الله} أي الملك ~~الأعلى. # PageV03P408 # قال الحرالي في إعلامه أخذهم الأمر بمنة الأنفس حيث لم يظهر في قولهم ~~إسناد إلى الله سبحانه وتعالى الذي لا تصح الأعمال إلا بإسنادها # PageV03P409 # إليه فما كان بناء على تقوى تم، وما كان على دعوى نفس انهد {قال} أي ذلك ~~النبي {هل} كلمة تنبىء عن تحقيق الاستفهام اكتفي بمعناها عن الهمزة - ~~انتهى. {عسيتم} أي قاربتم ولما كانت العناية بتأديب السائلين في هذا المهم ~~أكثر قدم قوله: {إن كتب} أي فرض - كذا قالوا، والأحسن ms0519 عندي كما يأتي إن شاء ~~الله تعالى تحقيقه في سورة براءة أن يكون المعنى: هل تخافون من أنفسكم، ~~ولما كان القصد التنبيه على سؤال العافية والبعد عن التعرض للبلاء لخطر ~~المقام بأن الأمر إذا وجب لم تبق فيه رخصة فمن قصر فيه هلك وسط بين عسى ~~وصلتها قوله: {عليكم القتال} فرضا لازما، وبناه للمفعول صيانة لاسم الفاعل ~~عن مخالفة يتوقع تقصيرهم بها {ألا تقاتلوا} فيوقعكم ذلك في العصيان، قال ~~الحرالي: بكسر سين عسى وفتحها لغتان، عادة النحاة أن لا يلتمسوا اختلاف ~~المعاني من أوساط الصيغ وأوائلها، وفي فهم اللغة وتحقيقها إعراب في الأوساط ~~والأوائل كما اشتهر إعراب الأواخر عند عامة النحاة، فالكسر حيث # PageV03P410 # كان مبنى عن باد عن ضعف وانكسار، والفتح معرب عن باد عن قوة واستواء - ~~انتهى. فكأنه صلى الله عليه وسلم فهم أن بعضهم يترك القتال عن ضعف عنه ~~وبعضهم يتركه عن قوة ولذلك نفى الفعل ولم يقل: أن تعجزوا. # قال الحرالي: فأنبأهم بما آل إليه أمرهم فلم يلتفوا عنه وحاجوه وردوا ~~عليه بمثل سابقة قولهم، ففي إشعاره إنباء بما كانوا عليه من غلظ الطباع ~~وعدم سرعة التنبه - انتهى. # ولما كان مضمون هذا الاستفهام: إني أخشى عليكم القعود عن القتال أعلمنا ~~الله عن جوابهم بقوله: {قالوا} أي لموسى في المخالفة ولما أرشد العطف على ~~غير مذكور أن التقدير: ما يوجب لنا القعود وإنا لا نخاف ذلك على أنفسنا بل ~~نحن جازمون بأنا نقاتل أشد القتال! عطف عليهم قولهم: {وما} أي وأي شيء ~~{لنا} في {ألا نقاتل} ولما كانت النفس فيما لله أجد وإليه أنهض قالوا: # PageV03P411 # {في سبيل الله} أي الذي لا كفوء له إلهابا وتهييجا {وقد} أي والحال أنا ~~قد {أخرجنا} أعم من أن يكون مع لإخراج إبعاد أو لا، وبناه للمجهول لأن موجب ~~الإحفاظ والإخراج نفس الإخراج لا نسبة إلى حد بعينه {من ديارنا} التي هي ~~لأبداننا كأبداننا لأرواحنا. ولما كان في {أخرجنا} معنى أبعدنا عطف عليه ~~{وأبنائنا} فخلطوا بذلك ما لله بما لغيره وهو أغنى الشركاء ms0520 لا يقبل إلا ~~خالصا. قال الحرالي: فأنبأ سبحانه وتعالى أنهم أسندوا ذلك إلى غضب الأنفس ~~على الإخراج وإنما يقاتل في سبيل الله من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا - ~~انتهى. ولما كان إخلاف الوعد مع قرب العهد أشنع قال: {فلما} بالفاء المؤذنة ~~بالتعقيب {كتب عليهم} أي خاصة {القتال} أي الذي سألوه كما كتب عليكم بعد أن ~~كنتم تمنونه إذ كنتم بمكة كما سيبين إن شاء الله تعالى في النساء عند قوله ~~تعالى: {ألم تر إلى الذين # PageV03P412 # قيل لهم كفوا أيديكم} [النساء: 77] ، {تولوا} فبادروا الإدبار بعد شدة ~~ذلك الإقبال {إلا قليلا منهم} أي فقاتلوا والله عليم بهم {والله} أي الذي ~~له الإحاطة بكل كمال {عليم} بالمتولين، هكذا كان الأصل ولكنه قال: ~~{بالظالمين *} معلما بأنهم سألوا البلاء وكان من حقهم سؤال العافية، ثم لما ~~أجيبوا إلى ما سألوا أعرضوا عنه فكفوا حيث ينبغي المضاء ومضوا حيث كان ~~ينبغي الكف فعصوا الله الذي أوجبه عليهم، فجمعوا بين عار الإخلاف وفضيحة ~~العصيان وخزي النكوص عن الأقران وقباحة الخذلان للإخوان. # ولما أرشد العطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فقال لهم # PageV03P413 # نبيهم: ألم أقل لكم: لا تسألوا البلاء ولا تدانوا أمر القضاء فإن أكثر ~~قول النفس كذب وجل أمانيها زور وأما أمر الله فمتى برز يجب، عطف عليه قوله: ~~{وقال لهم} أي خاصة لم يكن معهم أحد غيرهم يحال عليهم جوابهم الذي لا يليق ~~وصرح بالمقصود لئلا يظن أن القائل الله وأنهم واجهوه بالاعتراض فقال: ~~{نبيهم} أي الذي تقدم أنهم سألوه ذلك مؤكدا معظما محققا بأداة التوقع لأن ~~سؤالهم على لسان نبي يقتضي توقع الإجابة {إن الله} أي بجلاله وعز كماله ~~{قد} ولما كان إلباس الشخص عز الملك مثل إعزاز الجماد بنفخ الروح كان ~~التعبير عن ذلك بالبعث أليق فقال: {بعث لكم} أي خاصة # PageV03P414 # لأجل سؤالكم {طالوت} اسم ملك من بني إسرائيل من سبط لم يكن الملك فيهم ~~{ملكا} تنتهون في تدبير الحرب إلى أمره. # قال الحرالي: فكان أول ما ابتلوا به أن ملك عليهم ms0521 من لم يكن من أهل # PageV03P415 # بيت الملك عندهم فكان أول فتنتهم بما طلبوا ملكا فأجيبوا فلم يرضوا بما ~~بعث لهم - انتهى. ولما أجابهم إلى ما سألوا كان من أول جلافتهم اعتراضهم ~~على أمر الملك الديان الذي أورده لهم باسمه الأعظم الدال على جميع الكمال ~~من الجلال والجمال ليكون أجدر لهم بقبول أمره والوقوف عند زجره وأورد ~~اعتراضهم في جواب من كأنه قال: ما فعلوا إذ أجابهم إلى ما سألوا؟ فقال: ~~{قالوآ} أي هم لا غيرهم {أنى} أي من أين وكيف {يكون له} أي خاصة {الملك ~~علينا ونحن} أي والحال أنا نحن {أحق بالملك منه} لأن فينا من هو من سبط ~~الملوك دونه. قال الحرالي: فثنوا اعتراضهم بما هو أشد # PageV03P416 # وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم فكان فيه ~~حظ من فخر إبليس حيث قال حين أمر بالسجود لآدم: {أنا خير منه} [ص: 76] ~~انتهى. {ولم} أي والحال أنه لم {يؤت سعة من المال} أي فصار له مانعان: ~~أحدهما أنه ليس من بيت المملكة، والثاني أنه مملق والملك لا بد له من مال ~~يعتضد به. قال الحرالي: فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال وأنه مما ~~يقام به ملك وإنما الملك بايتاء الله فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، ~~فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم - انتهى. # ولما كان الخلق كلهم متساوين في أصل الجسمية وإنما جاء تفضيل بعضهم على ~~بعض من الله فكان هو المدار علق الأمر به في قوله: {قال} أي النبي لا غيره ~~مؤكدا لأجل إنكارهم معظما عليهم الحق # PageV03P417 # بإعادة الاسم الأعظم {إن الله} أي الذي له جميع الأمر فلا اعتراض عليه ~~وهو أعلم بالمصالح {اصطفاه} قال الحرالي: والاصطفاء أخذ الصفوة - انتهى. ~~ولما كان ذلك مضمنا معنى ملكه قال في تعديته {عليكم} ثم أتبع ذلك ما أودعه ~~سبحانه مما اقتضى ذلك فقال: {وزاده} أي عليكم {بسطة في العلم} الذي به تحصل ~~المكنة في التدبير والنفاذ في كل أمر، وهو يدل على ms0522 اشتراط العلم في الملك، ~~وفي تقديمه أن الفضائل النفسانية أشرف من الجسمانية وغيرها، وأن الملك ليس ~~بالإرث {والجسم} الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من الشجعان وقصده من ~~سائر الأقران. # ولما كان من إليه شيء كان له الخيار في إسناده إلى غيره قال: والله} أي ~~اصطفاه والحال أن الملك الذي لا أمر لغيره {يؤتي ملكه} أي الذي هو له وليس ~~لغيره فيه شيء {من يشاء} # PageV03P418 # كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل فرعون {والله} الذي له الإحاطة ~~الكاملة فلا يجوز الاعتراض عليه {واسع} أي في إحاطة قدرته وشمول عظمته ~~وكثرة جنوده ورزقه {عليم *} أي بالغ العلم، فما اختاره فهو المختار وليس ~~لأحد معه خيرة فهو يفعل بما له من السعة في القدرة والعلم ما قد لا تدركه ~~العقول ولا تحتمل وصفه الألباب والفهوم ويؤتي من ليس له مال من خزائن رزقه ~~ما يشاء. # PageV03P419 # ولما كان أغلبهم واقفا مع المشاهدات غير ثابت القدم في الإيمان بالغيب ~~قال: {وقال لهم نبيهم} مثبتا لأمر طالوت {إن آية} أي علامة {ملكه} قال ~~الحرالي: وقل ما احتاج أحد في إيمانه إلى آية خارقة # PageV03P419 # إلا كان إيمانه إن آمن غلبة يخرج عنه بأيسر فتنة، ومن كان إيمانه ~~باستبصار ثبت عليه ولم يحتج إلى آية، فإن كانت الآية كانت له نعمة ولم تكن ~~عليه فتنة {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون - وما نرسل ~~بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] فإن الآيات طليعة المؤاخذة والاقتناع ~~بالاعتبار طليعة القبول والثبات - انتهى. {أن يأتيكم} أي من غير آت به ~~ترونه {التابوت} قال الحرالي: ويعز قدره - انتهى. وهو والله سبحانه وتعالى ~~أعلم الصندوق الذي وضع فيه اللوحان اللذان كتب فيهما العشر الآيات التي ~~نسبتها من التوراة نسبة فاتحة الكتاب من القرآن وهو يسمى تابوت الشهادة كما ~~تقدم ذكره في وصف قبة الزمان فيما مضى أول قصة بني إسرائيل وكانوا إذا ~~حاربوا حمله جماعة منهم موظفون لحمله # PageV03P420 # ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ذلك سبب نصرهم وكان العمالقة أصحاب ms0523 جالوت ~~لما ظهروا عليهم أخذوه في جملة ما أخذوا من نفائسهم وكأن عهدهم به كأن قد ~~طال فذكرهم بماثره ترغيبا فيه وحملا على الانقياد لطالوت فقال: {فيه سكينة} ~~أي شيء يوجب السكون والثبات في مواطن الخوف. وقال الحرالي: معناه ثبات في ~~القلوب يكون له في عالم الملكوت صورة بحسب حال المثبت، ويقال: كانت سكينة ~~بني إسرائيل صورة هر من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد ملفق منه أعضاء تلك الصورة تخرج ~~منه ريح هفافة تكون علم النصر لهم - انتهى. وزاده مدحا بقوله: {من ربكم} أي ~~الذي # PageV03P421 # طال إحسانه إليكم وتربيته باللطف لكم. وقال الحرالي وغيره: إنه كان في ~~التابوت صورة يأتي منها عند النصر ريح تسمع. قال الحرالي: كما كانت الصبا ~~تهب لهذه الأمة بالنصر، قال صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصبا» فكانت ~~سكينتها كلية آفاقها وتابوتها كلية سمائها حتى لا تحتاج إلى محمل يحملها ~~ولا عدة تعدها لأنها أمة أمية تولى الله لها إقامة علمها وأعمالها - انتهى. # ولما كان الكليم وأخوه عليهما الصلاة والسلام أعظم أنبيائه قال: {وبقية} ~~قال الحرالي: فضلة جملة ذهب جلها {مما ترك} من الترك وهو أن لا يعرض للأمر ~~حسا أو معنى {آل موسى وهارون} أي وهي لوحا العهد. قال الحرالي: وفي إشعار ~~تثنية # PageV03P422 # ذكر الآل ما يعلم باختصاص موسى عليه الصلاة والسلام بوصف دون هارون عليه ~~السلام بما كان فيه من الشدة في أمر الله وباختصاص هارون عليه الصلاة ~~والسلام بما كان فيه من اللين والاحتمال حيث لم يكن آل موسى وهارون، لأن ~~الآل حقيقة من يبدو فيه وصف من هو آله. # وقال: الآل أصل معناه السراب الذي تبدو فيه الأشياء البعيدة كأنه مرآة ~~تجلو الأشياء فآل الرجل من إذا حضروا فكأنه لم يغب - انتهى. ثم صرح بما ~~أفهمه إسناد # PageV03P423 # الإتيان إليه فقال: {تحمله} من الحمل وهو ما استقل به الناقل {الملائكة} ~~وما هذا بأغرب من قصة سفينة رضي الله تعالى عنه قال: «خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومعه أصحابه رضي الله تعالى عنهم فثقل ms0524 عليهم متاعهم فقال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابسط كساءك، فبسطته فجعلوا فيه متاعهم ~~فحملوه علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احمل فإنما أنت سفينة! قال: ~~فلو حملت من يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو ~~سبعة ما ثقل علي» وأما مقاتلة الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم في غزوة ~~بدر فأمر شهير، كان الصحابي يكون قاصدا الكافر ليقاتله فإذا رأسه قد سقط من ~~قبل أن يصل إليه، ولما كان هذا أمرا باهرا قال منبها على عظمته: {إن في ~~ذلك} أي الأمر # PageV03P424 # العظيم الشأن {لآية} أي باهرة {لكم إن كنتم مؤمنين *} فإن المواعظ لا ~~تنفع غيرهم. قال الحرالي: ولما ضعف قبولهم عن النظر والاستبصار صار حالهم ~~في صورة الضعف الذي يقال فيه: إن كان كذا، فكان في إشعاره خللهم وفتنتهم ~~إلا قليلا - انتهى. وفي هذه القصة توطئة لغزوة بدر وتدريب لمن كتب عليهم ~~القتال وهو كره لهم وتأديب لهم وتهذيب وإشارة عظيمة واضحة إلى خلافة الصديق ~~رضي الله تعالى عنه بما دل عليه من أمر استخلافه في الإمامة في الصلاة التي ~~هي خلاصة هذا الدين كما أن ما في تابوت الشهادة كان خلاصة ذلك الدين، ~~وتحذير لمن لعله يخالف فيها أو يقول إنه ليس من بني هاشم ولا عبد مناف ~~الذين هم بيت الإمامة والرئاسة ونحو ذلك مما حمى الله المؤمنين منه، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يأبى الله ذلك والمؤمنون» وفي توجيه الخطاب ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم إعلام بأن أول مقصود به الأقرب منه صلى الله ~~عليه وسلم فالأقرب، وفيها تشجيع للصحابة رضوان الله تعالى عليهم فيما ~~يندبهم إليه الصديق رضي الله عنه من قتال أهل الردة وما بعده إلى غير ذلك ~~من الإشارات التي تقصر عنها العبارات - والله سبحانه وتعالى الموفق. # PageV03P425 # ولما كان التقدير: فأتاهم التابوت على الصفة المذكورة فأطاعوا نبيهم فيه ~~فملكوه وانتدبوا معه فخرج بهم إلى العدو وفصل بالجنود من محل السكن، ms0525 عطف ~~عليه قوله: {فلما فصل} من الفصل وهو انقطاع بعض من كل، وأصله: فصل نفسه أو ~~جنده - أو نحو ذلك، ولكنه كثر حذف المفعول للعلم به فصار يستعمل استعمال ~~اللازم {طالوت} أي الذي ملكوه {بالجنود} أي التي اختارها وخرجوا للقاء من ~~سألوا لقاءه لكفره بالله مع ما قد أحرقهم به من أنواع القهر. # قال الحرالي: وهو جمع جند وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع {قال} أي ملكهم ~~{إن الله} أي الذي لا أعظم منه وأنتم خارجون في مرضاته {مبتليكم بنهر} من ~~الماء الذي جعله سبحانه وتعالى حياة لكل # PageV03P426 # شيء، فضربه مثلا للدنيا التي من ركن إليها ذل ومن صدف عنها عز. قال ~~الحرالي: فأظهر الله على لسانه ما أنبأ به نبيهم في قوله {وزاده بسطة في ~~العلم} [البقرة: 247]- انتهى. {فمن شرب منه} أي ملأ بطنه {فليس مني} أي كمن ~~انغمس في الدنيا فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون {ومن لم يطعمه فإنه ~~مني} كمن عزف عنها بكليته ثم تلا هذه # PageV03P427 # الدرجة العلية التي قد قدمت للعناية بها بما يليها من الاقتصاد فقال ~~مستثنيا من {فمن شرب} : {إلا من اغترف} أي تكلف الغرف {غرفة بيده} ففي ~~قراءة فتح الغين إعراب عن معنى إفرادها أخذة ما أخذت من قليل أو كثير، وفي ~~الضم إعلام بملئها، والغرف بالفتح الأخذ بكلية اليد، والغرفة الفعلة ~~الواحدة منه، وبالضم اسم ما حوته الغرفة، فكان في المغترفين من استوفى ~~الغرفة ومنهم من لم يستوف - قاله الحرالي وقال: فكان فيه إيذان بتصنيفهم ~~ثلاثة أصناف: من لم يطعمه البتة وأولئك الذين ثبتوا وظنوا أنهم ملاقو الله، ~~ومن شرب منهم وأولئك الذين افتتنوا وانقطعوا عن الجهاد في سبيل الله ومن ~~اغترف غرفة وهم الذين ثبتوا وتزلزلوا حتى ثبتهم الذين لم يطعموا. ولما كان ~~قصص بني إسرائيل مثالا لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر ابتلاهم بنهر ~~الدنيا الجاري خلالها، فكانت جيوشهم بحكم هذا الإيحاء الاعتباري إذا مروا ~~بنهر أموال الناس وبلادهم وزروعهم وأقطارهم في سبيلهم إلى غزوهم، فمن أصاب ~~من ms0526 أموال الناس ما لم ينله الإذن من الله انقطع عن ذلك الجيش ولو حضره. فما ~~كان في بني إسرائيل # PageV03P428 # عيانا يكون وقوعه في هذه الأمة استبصارا سترة لها وفضيحة لأولئك، ومن لم ~~يصب منها شيئا بتا كان أهل ثبت ذلك الجيش الثابت المثبت، قيل لعلي رضي الله ~~تعالى عنه: يا أمير المؤمنين! ما بال فرسك لم يكب بك قط؟ قال: ما وطئت به ~~زرع مسلم قط. ومن أصاب ما له فيه ضرورة من منزل ينزله أو غلبة عادة تقع منه ~~ويوده أن لا يقع فهؤلاء يقبلون التثبيت من الذين تورعوا كل الورع، فملاك ~~هذا الدين الزهد في القلب والورع في التناول باليد، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # «إنما تنصرون بضعفائكم» وفي إلاحة هذا التمثيل والاعتبار أن أعظم الجيوش ~~جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد الثابتين من أصحاب طالوت الذين بعددهم كان ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد ~~المرسلين من كثرة عدد النبيين، قال: وفي إفراد اليد إيذان بأنها غرفة اليد ~~اليمنى لأنها اليد الخاصة # PageV03P429 # للتعريف، ففي اعتباره أن الأخذ من الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين لاشتمال ~~اليدين على جانبي الخير والشر - انتهى. فعرض لهم النهر كما أخبرهم به ~~{فشربوا منه} مجاوزين حد الاقتصاد {إلا قليلا منهم} فأطاعوا فأرواهم الله ~~وقوى قلوبهم، ومن عصى في شربه غلبه العطش وضعف عن اللقاء فبقي على شاطىء ~~النهر. قال الحرالي: وفيما يذكر أنه قرىء بالرفع وهو إخراج لهم من الشاربين ~~بالاتباع كأن الكلام # PageV03P430 # مبني عليه حيث صار تابعا وإعرابه مما أهمله النحاة فلم يحكموه وحكمه أن ~~ما بني على إخراج اتبع وما لم يبن على إخراجه وكأنه إنما انثنى إليه بعد ~~مضار الكلام الأول قطع ونصب - انتهى. وكان المعنى في النصب أنه لما استقر ~~الفعل للكل رجع الاستثناء إلى البعض، وفي الاتباع نوى الاستثناء من الأول ~~فصار كالمفرغ وهذه القراءة عزاها الأهوازي في كتاب الشواذ إلى الأعمش ~~وعزاها السمين في إعرابه إلى عبد الله ms0527 وأبي رضي الله تعالى عنهما، وعقد ~~سيبويه رحمه الله تعالى في نحو نصف كتابه لاتباع مثل هذا بابا ترجمه بقوله: ~~باب ما يكون فيه إلا وما بعده وصفا بمنزلة غير ومثل، ودل عليه بأبيات # PageV03P431 # كثيرة منها: # وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان # قال كأنه قال: وكل أخ غر الفرقدين، وسوى بين هذا وبين آية {لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} [النساء: 95] بالرفع {وغير المغضوب ~~عليهم} [الفاتحة: 7] ، وجوز في ما قام القوم إلا زبد، - بالرفع البدل ~~والصفة، قال الرضي تمسكا بقوله: وكل أخ - البيت، وقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون ~~والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم» وقال السمين: ~~والفرق بين الوصف بإلا والوصف بغيرها أن لا يوصف بها المعارف والنكرات ~~والظاهر والمضمر، وقال بعضهم: لا يوصف بها إلا النكرة والمعرفة بلام الجنس ~~فإنه في قوة النكرة. # ولما ذكر فتنتهم بالنهر أتبعه فتنة اللقاء ببحر الجيش وما فيه من عظيم ~~الخطر المزلزل للقلوب حثا على سؤال العافية وتعريفا بعظيم رتبتها كما قال ~~صلى الله عليه وسلم يوم عرض نفسه الشريفة على أهل الطائف ومسه منهم من عظيم ~~الأذى ما مسه: إن لم يكن بك علي غضب # PageV03P432 # فلا أبالي ولكن هي أوسع لي! فقال سبحانه وتعالى: {فلما جاوزه} أي النهر ~~من غير شرب، من المجاوزة مفاعلة من الجواز وهو العبور من عدوة دنيا إلى ~~عدوة قصوى {هو والذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان وجاوزوا {معه} وتراءت ~~الفئتان {قالوا} أي معظمهم. # قال الحرالي: رد الضمير مردا عاما إيذانا بكثرة الذين اغترفوا وقلة الذين ~~لم يطعموا كما آذن ضمير شربوا بكثرة الذين شربوا منه - انتهى. {لا طاقة} ~~مما منه الطوق وهو ما استقل به الفاعل ولم يعجزه {لنا اليوم} أي على ما نحن ~~فيه من الحال {بجالوت وجنوده} لما هم فيه من القوة والكثرة. قال الحرالي: ~~ففيه من نحو قولهم {ولم يؤت سعة من المال} اعتمادا على أن النصر بعدة ms0528 مال ~~أو قوة، وليس إلا بنصر الله، ثم قال: فإذا نوظر هذا الإنباء منهم والطلب أي ~~كما يأتي في {ربنا أفرغ} بما تولى الله من أمر هذه الأمة في جيشهم الممثول ~~لهذا الجيش في سورة الأنفال من نحو # PageV03P433 # قوله {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} [الأنفال: 11]- الآيات، علم عظيم فضل ~~الله على هذه الأمة واستشعر بما يكون لها في خاتمتها مما هو أعظم نبأ وأكمل ~~عيانا فلله الحمد على ما أعظم من فضله ولطفه - انتهى. # ولما أخبر عنهم بهذا القول نبه على أنه لا ينبغي أن يصدر ممن يظن أن أجله ~~مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام ولا ينقص بالجرأة والإقدام وأنه يلقى الله ~~فيجازيه على عمله وأن النصر من الله لا بالقوة والعدد فقال: {قال الذين ~~يظنون} أي يعلمون ولكنه عبر بالظن لما ذكر {أنهم ملاقوا الله} أي الذي له ~~الجلال والإكرام إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من الله والرجاء له الظن لأنه ~~يوجب فرار العقل مما يظن أنه يكرهه سبحانه وتعالى إنقاذا لنفسه من الهلاك ~~بذلك كما أسرف هؤلاء في الشرب لظن الهلاك بعدمه ورجعوا لظن الهلاك باللقاء؛ ~~ويجوز أن يكون الظن على بابه ويأول اللقاء بالحالة الحسنة {كم من فئة ~~قليلة} كما كان في هذه الأمة في يوم # PageV03P434 # بدر {غلبت فئة كثيرة} ثم نبه على أن سبب النصر الطاعة والذكر لله بقوله: ~~{بإذن الله} أي بتمكين الذي لا كفوء له، فلا ينبغي لمن علم ذلك أن يفتر عن ~~ذكره ويرضى بقضائه. ثم بين أن ملاك ذلك كله الصبر بقوله: {والله} أي الملك ~~الأعظم {مع الصابرين *} ولا يخذل من كان معه. # ثم بين أنهم صدقوا قولهم قبل المباشرة بالفعل عندها فقال عاطفا على ما ~~تقديره: فلما قالوا لهم ذلك جمع الله كلمتهم فاعتمدوا عليه وبرزوا للقتال ~~بين يديه: {ولما برزوا} وهم على ما هم عليه من الضعف والقلة، والبروز هو ~~الخروج عن كل شيء يوارى في براز من الأرض وهو الذي لا يكون فيه ما يتوارى ~~فيه عن عين ms0529 الناظر {لجالوت} اسم ملك من ملوك الكنعانيين كان بالشام في زمن # PageV03P435 # بني إسرائيل {وجنوده} على ما هم عليه من القوة والكثرة والجرأة بالتعود ~~بالنصر {قالوا ربنا أفرغ} من الإفراغ وهو السكب المفيض على كلية المسكوب ~~عليه {علينا صبرا} حتى نبلغ من الضرب ما نحب في مثل هذا الموطن {وثبت} من ~~التثبيت تفعيل من الثبات وهو التمكن في الموضع الذي شأنه الاستزلال ~~{أقدامنا} جمع قدم وهو ما يقوم عليه الشيء ويعتمده، أي بتقوية قلوبنا حتى ~~لا نفر وتكون ضرباتنا منكبة موجعة وأشاروا بقولهم {وانصرنا على القوم ~~الكافرين*} موضع قولهم: عليهم، إلى أنهم إنما يقاتلونهم لتضييعهم حقه ~~سبحانه وتعالى لا لحظ من حظوظ النفس كما كان من معظمهم أول ما سألوا وإلى ~~أنهم أقوياء فلا بد لهم من معونته عليهم سبحانه وتعالى، ثم رتب على ذلك ~~النتيجة حثا على الاقتداء بهم لنيل # PageV03P436 # ما نالوا فقال عاطفا على ما تقديره: فأجاب الله سبحانه وتعالى دعاءهم: ~~{فهزموهم} مما منه الهزيمة وهو فرار من شأنه الثبات - قاله الحرالي، وقال: ~~ولم يكن فهزمهم الله، كما لهذه الأمة في # {ولكن الله قتلهم} [الأنفال: 17] انتهى. {بإذن الله} أي الذي له الأمر ~~كله. ثم بين ما خص به المتولي لعظم الأمر بتعريض نفسه للتلف في ذات الله ~~سبحانه وتعالى من الخلال الشريفة الموجبة لكمال الحياة الموصلة إلى البقاء ~~السرمدي فقال: {وقتل داود} وكان في جيش طالوت {جالوت} قال الحرالي: مناظرة ~~قوله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] وكان فضل الله عليك ~~عظيما - انتهى. وفي الزبور في المزمور الحادي والخمسين بعد المائة وهو ~~آخره: صغيرا كنت في إخوتي، حدثا في بيت # PageV03P437 # أبي، راعيا غنمه، يداي صنعتا الأرغن، وأصابعي عملت القيثار، من الآن ~~اختارني الرب إلهي واستجاب لي وأرسل ملاكه وأخذني من غنم أبي ومسحني بدهن ~~مسحته إخوتي حسان وأكرمني ولم يسر بهم الرب، خرجت ملتقيا الفلسطيني الجبار ~~الغريب فدعا علي بأوثانه فرميته بثلاثة أحجار في جبهته بقوة الرب فصرعته ~~واستللت سيفه وقطعت به رأسه ونزعت العار عن بني ms0530 إسرائيل. {وآتاه الله} ~~بجلاله وعظمته {الملك} قال الحرالي: كان داود عليه الصلاة والسلام عندهم من ~~سبط الملك فاجتمعت له المزيتان من استحقاق البيت وظهور الآية على يديه بقتل ~~جالوت، قال تعالى: {والحكمة} تخليصا للملك مما يلحقه بفقد الحكمة من اعتداء ~~الحدود انتهى. فكان داود عليه الصلاة والسلام أول من جمع له بين الملك ~~والنبوة {وعلمه} أي زيادة مما يحتاجان إليه {مما يشاء} من صنعة الدروع ~~وكلام الطير وغير ذلك. # PageV03P438 # ولما بين سبحانه وتعالى هذه الواقعة على طولها هذا البيان الذي يعجز عنه ~~الإنس والجان بين حكمة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل ما هو ~~أعم من ذلك من تسليط بعض الناس على بعض بسبب أنه جبل البشر على خلائق موجبة ~~للتجبر وطلب التفرد بالعلو المفضي إلى الاختلاف فقال - بانيا له على ما ~~تقديره: فدفع الله بذلك عن بني إسرائيل ما كان ابتلاهم به -: {ولولا دفع ~~الله} المحيط بالحكمة والقدرة بقوته وقدرته {الناس} وقرىء: دفاع. # قال الحرالي: فعال من اثنين وما يقع من أحدهما دفع وهو رد الشيء # PageV03P439 # بغلبة وقهر عن وجهته التي هو منبعث إليها بأشد منته، وهو أبلغ من الأول ~~إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى يفعل في ذلك فعل المبالغ. # ولما أثبت سبحانه وتعالى أن الفعل له خلقا وإيجادا بين أنه لعباده كسبا ~~ومباشرة فقال: {بعضهم ببعض} فتارة ينصر قويهم على ضعيفهم كما هو مقتضى ~~القياس، وتارة ينصر ضعيفهم - كما فعل في قصة طالوت - على قويهم حتى لا يزال ~~ما أقام بينهم من سبب الحفظ بهيبة بعضهم لبعض قائما {لفسدت الأرض} بأكل ~~القوي الضعيف حتى لا يبقى أحد {ولكن الله} تعالى بعظمته وجلاله وعزته ~~وكماله يكف بعض الناس ببعض ويولي بعض الظالمين بعضا وقد يؤيد الدين بالرجل ~~الفاجر على نظام دبره وقانون أحكمه في الأزل يكون سببا لكف القوي عن الضعيف ~~إبقاء لهذا الوجود على هذا النظام إلى الحد الذي حده ثم يزيل الشحناء على ~~زمن عيسى عليه الصلاة والسلام # PageV03P440 # ليتم العلم بكمال قدرته واختياره وذلك من فضله ms0531 على عباده وهو {ذو فضل} ~~عظيم جدا {على العالمين *} أي كلهم أولا بالإيجاد وثانيا بالدفاع فهو يكف ~~من ظلم الظلمة إما بعضهم ببعض أو بالصالحين وقليل ما هم ويسبغ عليهم غير ~~ذلك من أثواب نعمه ظاهرة وباطنة، ومما يشتد اتصاله بهذه القصة ما أسنده ~~الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الكنى من تاريخ دمشق في ترجمة أبي عمرو بن ~~العلاء عن الأصمعي قال: أنشدنا أبو عمرو بن العلاء قال: سمعت أعرابيا ينشد ~~وقد كنت خرجت إلى ظاهر البصرة متفرجا مما نالني من طلب الحجاج واستخفائي ~~منه: # صبر النفس عند كل ملم ... إن في الصبر حيلة المحتال # لا تضيقن في الأمور فقد ... يكشف لأواؤها بغير احتيال # ربما تجزع النفوس من ... الأمر له فرجة كحل العقال # قد يصاب الجبان في آخر ... الصف وينجو مقارع الأبطال # فقلت ما وراءك يا أعربي؟ فقال: مات الحجاج، فلم أدر بأيهما أفرح بموت ~~الحجاج أو بقوله: له فرجة! لأني كنت أطلب شاهدا لاختياري # PageV03P441 # القراءة في سورة البقرة {إلا من اغترف غرفة} [البقرة: 249]- انتهى. ولعل ~~ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصة لما فيها للنبي صلى الله عليه وسلم من ~~واضح الدلالة على صحة دعواه الرسالة لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق ~~علماء بني إسرائيل ثم عقبها بآية الكرسي التي هي العلم الأعظم من دلائل ~~التوحيد فكان ذلك في غاية المناسبة لما في أوائل السورة في قوله تعالى # {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] إلى آخر تلك الآيات من دلائل ~~التوحيد المتضمنة لدلائل النبوة المفتتح بها قصص بني إسرائيل فكانت دلائل ~~التوحيد مكتنفة قصتهم أولها وآخرها مع ما في أثنائها جريا على الآسلوب ~~الحكيم في مناضلة العلماء ومجادلة الفضلاء، فكان خلاصة ذلك كأنه قيل: {ألم} ~~تنبيها للنفوس بما استأثر العليم سبحانه وتعالى بعلمه فلما ألقت الأسماع ~~وأحضرت الأفهام قيل يا أيها الناس فلما عظم التشوف قال {اعبدوا ربكم} ~~[البقرة: 21] ثم عينه بعد وصفه بما بينه بقوله {الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم} [البقرة: 255] كما سيجمع ذلك ms0532 من غير فاصل أول سورة التوحيد آل ~~عمران المنزلة في مجادلة أهل الكتاب من النصارى وغيرهم، وتختم قصصهم بقوله: ~~{ربنا إننا سمعنا # PageV03P442 # مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم} [آل عمران: 193] يعني بالمنادي ~~والله سبحانه وتعالى أعلم القائل {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: ~~21]- إلى آخرها، ومما يجب التنبه له من قصتهم هذه ما فيها لأنها تدريب لمن ~~كتب عليهم القتال وتأديب في ملاقاة الرجال من الإرشاد إلى أن أكثر حديث ~~النفس وأمانيها الكذب لا سيما بالثبات في مزال الأقدام فتشجع الإنسان، فإذا ~~تورط أقبلت به على الهلع حتى لا يتمنوا لقاء العدو كما أدبهم به نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم، وذلك أن بني إسرائيل مع كونهم لا يحصون كثرة سألوا نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم بعث ملك للجهاد، فلما بعث فخالف أغراضهم لم يفاجئوه إلا ~~بالاعتراض، ثم لما استقر الحال بعد نصب الأدلة وإظهار الآيات ندبهم، فانتدب ~~جيش لا يحصى كثرة، فشرط عليهم الشاب الفارغ بناء دار وبناء بامرأة، فلم يكن ~~الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفا؛ ثم امتحنوا بالنهر فلم يثبت منهم إلا ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ثمن العشر من المتصفين بالشرط من ~~الذين هم دون الدون من المنتدبين الذين هم دون الدون من السائلين في بعث ~~الملك، فكان الخالصون معه، كما قال بعض الأولياء المتأخرين لآخر قصده ~~بالزيارة: # ألم تعلم بأني صيرفي ... أحك الأصدقاء على محك # PageV03P443 # فمنهم بهرج لا خير فيه ... ومنهم من أجوزه بشك # وأنت الخالص الذهب المصفى ... بتزكيتي ومثلي من يزكي # وهذا سر قول الصادق عليه الصلاة والسلام «أمتي كالإبل المائة لا تكاد تجد ~~فيها راحلة» وقوله صلى الله عليه وسلم «لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله ~~العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» فالحاصل أنه على العاقل المعتقد جهله ~~بالعواقب وشمول قدرة ربه أن لا يثق بنفسه في شيء من الأشياء، ولا يزال ~~يصفها بالعجز وإن ادعت خلاف ذلك، ويتبرأ من حوله وقوته إلى حول مولاه وقوته ~~ولا ينفك يسأله العفو والعافية. # ولما علت هذه الآيات ms0533 عن أقصى ما يعرفه البصراء البلغاء من الغايات، ~~وتجاوزت إلى حد تعجز العقول عن مناله، وتضاءل نوافذ الأفهام عن الإتيان ~~بشيء من مثاله، نبه سبحانه وتعالى على ذلك بقوله: {تلك} أي الآيات المعجزات ~~لمن شمخت أنوفهم، وتعالت في مراتب الكبر هممهم ونفوسهم؛ والإشارة إلى ما ~~ذكر في هذه السورة ولا سيما هذه القصة من أخبار بني إسرائيل والعبارة عن ~~ذلك في هذه الأساليب الباهرة والأفانين المعجزة القاهرة {آيات الله} أي ~~الذي علت عظمته وتمت قدرته وقوته، ولما كانت الجلالة من حيث إنها اسم للذات ~~جامعة لصفات الكمال والجمال ونعوت الجلال # PageV03P444 # لفت القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى إعجازهم عن هذا النظم بنعوت الكبر ~~والتعالي فقال: {نتلوها} أي ننزلها شيئا في إثر شيء بما لنا من العظمة ~~{عليك} تثبيتا لدعائم الكتاب الذي هو الهدى، وتشييدا لقواعده {بالحق} قال ~~الإمام سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد: الحق الحكم المطابق للواقع، ~~يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ~~ويقابله الباطل، وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب، وقد ~~يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع. وفي الصدق من جانب ~~الحكم؛ فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع. ومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه - ~~انتهى. فمعنى الآية على هذا: إنا عالمون بالواقع من هذه الآيات فأتينا ~~بعبارة يطابقها ذلك الواقع لا يزيد عنها ولا ينقص، فتلك العبارة ثابتة ثبات ~~الواقع لا يتمكن منصف عالم من إنكارها ولا إنكار شيء منها، كما لا يتمكن من ~~إنكار الواقع المعلوم وقوعه، ويكون الخبر عنها صدقا لأنه مطابق لذلك الواقع ~~بغير زيادة ولا نقص؛ والحاصل أن الحق يعتبر من جانب المخبر، فإنه يأتى ~~بعبارة يساويها الواقع فتكون حقا، وأن الصدق يعتبر من جانب السامع، فإنه # PageV03P445 # ينظر إلى الخبر، فإن وجده مطابقا للواقع قال: هذا صدق، وليس ببعيد أن ~~يكون من الشواهد على ذلك هذه الآية وقوله سبحانه وتعالى {والذي جاء بالصدق ~~وصدق به} [الزمر: 33] وقوله {قال فالحق والحق أقول} [ص: 84] {بل جاء بالحق ms0534 ~~وصدق المرسلين} [الصافات: 37] و {هو الحق مصدقا لما بين يديه} [فاطر: 31] ، ~~وكذا {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} [الحجر: 85] أي أن ~~هذا الفعل وهو خلقنا لها لسنا متعدين فيه، وهذ الواقع يطابق خلقها لا يزيد ~~عليه بمعنى أنه كان علينا أن نزيد فيها شيئا وليس لنا الاقتصار على ما وجد ~~ولا ننقص عنه بمعنى أنه كان علينا أن نجعلها ناقصة عما هي عليه ولم يكن لنا ~~إتمامها هكذا؛ أو بالحق الذي هو قدرتنا واختيارنا لا كما يدعيه الفلاسفة من ~~الفعل بالذات من غير اختيار: أو بسبب الحق أي إقامته وإثباته وإبطال الباطل ~~ونفيه، وقوله # {وآتيناك بالحق وإنا لصادقون} [الحجر: 64] أي أتيناك بالخبر بعذابهم وهو ~~ثابت، لأن مضمونه إذا وقع فنسبته إلى الخبر # PageV03P446 # علمت مطابقته له أي مطابقة الواقع إياه وإخبارنا عنه على ما هو به فنحن ~~صادقون فيه، أي نسبنا وقوع العذاب إليهم نسبة تطابق الواقع فإذا وقع نظرت ~~إلى إخبارنا فرأيته مطابقا له فعلمت صدقنا فيه؛ والذي لا يدع في ذلك لبسا ~~قوله سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة والسلام {قد جعلها ربي حقا} ~~[يوسف: 100] أتى بمطابقة الواقع لتأويلها، وأما صدقه صلى الله عليه وسلم ~~فهو بنسبة الخبر إلى الواقع وهو أنه رأى ما أخبر به وذلك موجود من حين ~~إخباره صلى الله عليه وسلم فإن خبره كان حين إخباره به مطابقا للواقع، وأما ~~صدق الرؤيا فباعتبار أنه كان لها واقع طابقه تأويلها؛ فإن قيل: تأسيس ~~المفاعلة أن تكون بين اثنين فصاعدا يفعل أحدهما بالآخر ما يفعل الآخر به، ~~فهب أنا اعتبرنا المطابقة من جانب واحد فذلك لا ينفي اعتبارها من الجانب ~~الآخر فماذا يغني ما ادعيته، قيل إنها وإن كان لا بد فيها من مراعاة ~~الجانبين لكنها تفهم أن الذي أسند إليه الفعل هو الطالب، بخلاف باب التفاعل ~~فإنه لا دلالة لفعله على ذلك، وجملة الأمر أن الواقع أحق باسم الحق لأنه ~~الثابت والخبر أحق باسم الصدق، والواقع # PageV03P447 # طالب لخبر يطابقه ليعرف على ما هو ms0535 عليه والخبر طالب لمطابقة الواقع له ~~فيكتسب الشرف بتسميته صدقا. وأول ثابت في نفس الأمر هو الواقع فإنه قبل ~~الخبر عنه بأنه وقع، فإذا كان مبدأ الطلب من الواقع سمي الخبر باسمه، إذا ~~كان مبدأ الطلب من الخبر سمي باسمه الحقيق به، ولعلك إذا اعتبرت آيات ~~الكتاب الناطق بالصواب وجدتها كلها على هذا الأسلوب - والله سبحانه وتعالى ~~الموفق. ولما ثبت أن التلاوة عليه صلى الله عليه وسلم حق قال تعالى: {وإنك} ~~أي والحال أنك {لمن المرسلين *} بما دلت هذه الآيات عليه من علمك بها من ~~غير معلم من البشر ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر. # PageV03P448 # ولما تقدم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنه صلى الله ~~عليه وسلم منهم تشوفت النفس إلى معرفة أحوالهم في الفضل هل هم فيه سواء أو ~~هم متفاضلون، فأشار إلى علو مقادير الكل في قوله: {تلك الرسل} بأداة البعد ~~إعلاما ببعد مراتبهم وعلو منازلهم وأنها بالمحل الذي لا ينال والمقام الذي ~~لا يرام، وجعل الحرالي التعبير بتلك التي هي أداة التأنيث دون أولئك التي ~~هي إشارة المذكر توطئة وإشارة لما يذكر بعد من اختلاف الأمم بعد أنبيائها ~~وقال: يقول فيه النحاة إشارة لجماعة المؤنث وإنما هو في العربية لجماعة ~~ثانية في الرتبة، لأن التأنيث أخذ الثواني عن أولية تناسبه في المعنى # PageV04P001 # وتقابله في التطرق، قال: ومن لسن العرب وإشارة تأسيس كلمها أن المعنى متى ~~أريد إرفاعه أطلق عن علامة الثاني في الرتبة وإشارته، ومتى أريد إنزاله قيد ~~بعلامة الثاني وإشارته، ثم قال: ففي ضمن هذه الإشارة لأولي التنبه إشعار ~~بما تتضمنه الآية من الإخبار النازل عن رتبة الثبات والدوام إلى رتبة ~~الاختلاف والانقطاع كما أنه لما كان الذكر واقعا في محل إعلاء في آية ~~الأنعام قيل: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] ولما كان ~~شأن الاختلاف والانقطاع غير مستغرب في محل النقص والإشكال وطأ لهذا الواقع ~~بعد الرسل بأنه ليس من ذلك وأنه من الواقع بعد إظهار التفضيل وإبلاغ ~~البينات لما ms0536 يشاؤه من أمره - انتهى. ثم أتبع هذه الإشارة حالا منها أو ~~استئنافا قوله: {فضلنا بعضهم على بعض} أي بالتخصيص بمآثر لم تجتمع لغيره ~~بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة. # PageV04P002 # ولما كان أكثر السورة في بني إسرائيل وأكثر ذلك في أتباع موسى عليه ~~الصلاة والسلام بدأ بوصفه وثنى بعيسى عليه الصلاة والسلام لأنه الناسخ ~~لشريعته وهو آخر أنبيائهم فقال مبينا لما أجمل من ذلك التفضيل بادئا بدرجة ~~الكلام لأنها من أعظم الدرجات لافتا القول إلى مظهر الذات بما لها من جميع ~~الصفات لأنه أوفق للكلام المستجمع للتمام {منهم من كلم الله} أي بلا واسطة ~~بما له من الجلال كموسى ومحمد وآدم عليهم الصلاة والسلام {ورفع بعضهم} وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم على غيره، ومن # PageV04P003 # فوائد الإبهام الاستنباط بالدليل ليكون مع أنه أجلى أجدر بالحفظ وذلك ~~الاستنباط أن يقال إنه سبحانه وتعالى قد عمهم بالتفضيل بالرسالة أولا، ثم ~~بين أنه فضل بعضهم على غيره، وذلك كله رفعة فلو كانت هذه مجرد رفعة لكان ~~تكريرا فوجب أن يفهم أنها رفعة على أعلاهم، وأسقط الفوقية هنا إكراما للرسل ~~بخلاف ما في الزخرف فقال معينا # PageV04P004 # بعض ما اقتضاه التفضيل: {درجات} أي عظيمة بالدعوة العامة والمعجزات ~~الباقية؛ والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة، من غير تبديل ولا تحريف، ~~وبنسخ شرعه لجميع الشرائع، وبكونه رحمة العالمين، وأمته خير أمة أخرجت ~~للناس، وكونه خاتما للنبيين الذين أرسلهم سبحانه وتعالى عند الاختلاف ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب، فلا نبي بعده ينسخ شريعته، وإنما يأتي ~~النبي الناسخ لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام مقررا لشريعته مجددا لما درس ~~منها كما كان من أنبياء بني إسرائيل الذين بينه وبين موسى عليهم الصلاة ~~والسلام، ولما كان الشخص لا يبين فضله إلا بآثاره وكانت آيات موسى وعيسى ~~عليهما الصلاة والسلام أكثر من آيات من سبقهما خصهما بالذكر إشارة إلى ذلك، ~~فكان فيه إظهار الفضل لنبينا صلى الله عليه وسلم، لأنه لا نسبة لما أوتي ~~أحد من الأنبياء إلى ما أوتي، وإبهامه يدل على ذلك من ms0537 حيث إنه إشارة إلى أن # PageV04P005 # إبهامه في الظهور والجلاء كذكره، لأن ما وصف به لا ينصرف إلا إليه. # ولما كان الناس واقفين مع الحس إلا الفرد النادر وكان لعيسى صلى الله ~~عليه وسلم من تكرر الآيات المحسوسات كالإحياء والإبراء ما ليس لغيره ومع ~~ذلك ارتد أكثرهم بعد رفعه عليه الصلاة والسلام قال صارفا القول إلى مظهر ~~العظمة تهديدا لمن كفر بعد ما رأى أو سمع من تلك الآيات الكبر: {وءاتينا} ~~بما لنا من العظمة بالقدرة على كل شيء من الخلق والتصوير كيف نشاء وعلى غير ~~ذلك {عيسى} ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا أب له فقال: {ابن مريم} أي الذي ~~خلقناه منها بغير واسطة ذكر أصلا {البينات} من إحياء الموتى وغيره. قال ~~الحرالي: والبينة ما ظهر # PageV04P006 # برهانه في الطبع والعلم والعقل بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، وذلك فيما ~~أظهر الله سبحانه وتعلى على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات ~~الله، فإن كل باد في الخلق ومتنزل في الأمر فهو من آيات الله، فما كان أقرب ~~إلى ما اختص الله تعالى به كان أعلى وأبهر، وما كان مما يجري نحوه على أيدي ~~خلقه كان أخفى وألبس إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه {وأيدناه} أي ~~بعظمتنا البالغة {بروح القدس} في إعلامه ذكر ما جعل تعالى بينه وبين عيسى ~~عليه الصلاة والسلام في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة الروح كما قال ~~سبحانه وتعالى: {فأرسلنا إليها روحنا} [مريم: 17] كذلك كان فعله مع تأييده؛ ~~وفي ذلك بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسلام موازنة ابتدائية، حيث كان ~~أمر موسى من ابتداء أمر التكليم الذي هو غاية سقوط الواسطة، وكان أمر عيسى ~~عليه الصلاة والسلام من ابتداء أمر الإحياء الذي هو غاية تصرف المتصرفين - ~~انتهى. # ذكر شيء مما في الإنجيل من بيناته وحكمه وآياته # قال متى: أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح فبماذا يملح! لا يصلح لشيء لكن ~~يطرح خارجا وتدوسه الناس. # وقال لوقا: جيد هو الملح فإن ms0538 # PageV04P007 # فسد بماذا يملح! لا يصلح للأرض ولا المزبلة لكن خارجا، من كان له أذنان ~~سامعتان فليسمع. وقال متى: أنتم نور العالم، لا تستطيع مدينة تخفي وهي ~~موضوعة على رأس جبل، ولا يوقد سراج فيوضع تحت مكيال لكن يوضع على منارة ~~ويضيء لكل من في البيت، هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ~~ويمجدوا أباكم الذي في السماوات، لا تظنوا أني جئت لأخل الناموس أو ~~الأنبياء، لم آت لأخل بل لأكمل الحق، أقول لكم إن السماء والأرض تزولان، ~~وخطة واحدة لا تزول من الناموس حتى يكون هذا كله؛ فمن أخل إحدى هذه الوصايا ~~الصغار وعلم الناس هكذا يدعى في ملكوت السماوات صغيرا، والذي يعمل ويعلم ~~هذا يدعى عظيما في ملكوت السماء؛ ثم قال: وإذا صليتم فلا تكونوا كالمرائين، ~~لأنهم يحبون القيام في المجامع وزوايا الأزقة يصلون ليظهروا للناس الحق، ~~أقول لكم: لقد أخذوا أجرهم، وإذا صليت فادخل # PageV04P008 # إلى مخدعك وأغلق بابك عليك، وصل لأبيك سرا وأبوك يرى السر فيعطيك علانية، ~~وإذا صليتم فلا تكثروا الكلام مثل الوثنيين، لأنهم يظنون أنهم سيسمع لهم ~~لكثرة كلامهم، فلا تتشبهوا بهم، لأن أباكم عالم ما تحتاجون إليه قبل أن ~~تسألوه، وهكذا تصلون أنتم: أبانا الذي في السماوات! قدوس اسمك، يأتي ~~ملكوتك، تكون مشيئتك كما في السماء على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا في ~~اليوم، واغفر لنا ما يجب علينا كما غفرنا لمن أخطأ إلينا، ولا تدخلنا ~~التجارب لكن نجنا من الشرير، لأن لك المجد والقوة إلى الأبد - آمين. وقال ~~مرقس: وإذا قمتم تصلون اغفروا لكل من لكم عليه لكيما أبوكم الذي في ~~السماوات يترك لكم هفواتكم. وقال متى: فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم ~~أبوكم السمائي خطاياكم، وإن لم تغفروا للناس سيئاتهم لم يغفر لكم خطاياكم. ~~وقال لوقا وكان يصلي في قفر فلما فرغ قال واحد من تلاميذه: يا رب! علمنا ~~نصلي كما علم # PageV04P009 # يوحنا تلاميذه، فقال لهم: إذا صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات! ~~يتقدس اسمك، يأتي ملكوتك، تكون إرادتك كما في السماء كذلك ms0539 على الأرض، خبزنا ~~كفافنا أعطنا كل يوم، اغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه، ولا تدخلنا ~~التجارب لكن نجنا من الشرير؛ ثم قال لهم: من منكم له صديق يمضي إليه نصف ~~الليل فيقول له: يا صديقي! هبني ثلاث خبزات فإن صديقا لي جاء إلي من طريق ~~وليس لي ما أقدم إليه، فيجيبه ذلك من داخل ويقول: لا تتعبني قد أغلقت بابي، ~~وأولادي معي على مرقدي ولا أقدر أقوم فأعطيك، أقول لكم: إن لم يقم ويعطيه ~~من أجل الصداقة فيقوم ويعطيه من أجل الحاجة ما يحتاج إليه، وأنا أيضا أقول ~~لكم: سلوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم، كل من سأل أعطي، ومن طلب ~~وجد، ومن يقرع يفتح له. # وقال متى: وإذا صمتم فلا تكونوا كالمرائين لأنهم يعبسون وجوههم ويغيرونها ~~ليظهروا للناس صيامهم، الحق أقول لكم، لقد أخذوا أجرهم، وأنت إذا صمت ادهن ~~رأسك واغسل وجهك لئلا يظهر للناس صيامك. وقال لوقا: من منكم له عبد يحرث أو ~~يرعى فإذا جاء من الحقل يقول له للوقت: اصعد # PageV04P010 # واجلس، أو ليس يقول له: أعد لي ما آكله وشد حقويك، واخدمني حتى آكل ~~وأشرب، ومن بعد ذلك تأكل وتشرب أنت، هل لذلك العبد فضل عند ما فعل ما أمر ~~به! كذلك أنتم إذا فعلتم كل شيء أمرتم به قولوا: إنا عبيد بطالون، إنما ~~عملنا ما يجب علينا؛ وقال أيضا: فقال له واحد من الجمع: يا معلم! قل لأخي: ~~يقاسمني الميراث، فقال له: يا إنسان! من أقامني عليكم حاكما أو مقسما! وقال ~~لهم: انظروا وتحفظوا من كل الشره لأن الحياة ليست للإنسان بكثرة ماله، وقال ~~لهم مثلا: إنسان غني أخصبت له كورة ففكر وقال: ماذا أصنع إذ ليس لي حيث أضع ~~غلاتي، أهدم أهرائي وأبنيها وأوسعها وأخزن هناك وأقول لنفسي: يا نفس! لك ~~خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة، استريحي وكلي واشربي وافرحي، فقال له الله ~~سبحانه وتعالى: يا جاهل! في هذه الليلة تنزع نفسك وهذا الذي أعددته لمن ~~يكون هكذا، من يدخر ذخائر ms0540 وليس هو غنيا بالله. وقال متى: لا تكنزوا لكم ~~كنوزا في الأرض حيث # PageV04P011 # الآكلة والسوس يفسد ولا ينقب السارقون يتحيلون فيسرقون، اكنزوا لكم كنوزا ~~في السماء حيث لا آكلة ولا سوس يفسد ولا ينقب السارقون فيسرقون. وقال لوقا: ~~بيعوا أمتعتكم وأعطوا رحمة فاجعلوا لكم أكياسا لا تبلى وكنوزا في السماوات ~~لا تفنى حيث لا يصل إليه سارق ولا يفسده سوس. وقال متى: لأنه حيث تكون ~~كنوزكم هناك تكون قلوبكم، سراج الجسد العين، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله ~~يكون نيرا، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما، فإذا كان النور الذي ~~فيك ظلاما فالظلام ما هو! ليس يستطيع إنسان يعبد ربين إلا أن يبغض الواحد ~~ويحب الآخر أو يجل الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال، ~~فلهذا أقول لكم: لا تهتموا لنفوسكم بما تأكلون أو بما تشربون ولا لأجسادكم ~~بما تلبسون، ألبس النفس؛ وقال قوقا: لأن النفس أفضل من المآكل، والجسد من ~~اللباس، انظروا إلى طيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء ~~وأبوكم السمائي يقوتها، # PageV04P012 # أليس أنتم بالحريين أن تكونوا أفضل منها؛ وقال لوقا فيكم: أنتم أفضل من ~~الطيور، من منكم يهتم فيقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدا! فلماذا تهتمون ~~باللباس! اعتبروا بزهر الحقل كيف يتربى ولا يتعب؛ وقال لوقا: تأملوا الزهر ~~كيف ينمو بغير تعب ولا عمل - انتهى. # أقول لكم إن سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدة منها، فإذا كان زهر الحقل ~~يكون اليوم وفي غد يطرح في التنور يلبسه الله هكذا فيكم أنتم أحرى يا قليلي ~~الإيمان فلا تهتموا وتقولوا: ماذا نأكل ونشرب وماذا نلبس؟ هذا كله يطلبه ~~الأمم البرانية وأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا جميعه، اطلبوا أولا ملكوت ~~الله وبره وهذا كله تزادونه، لا تهتموا بالغد، فالغد يهتم بشأنه، ويكفي كل ~~يوم شره؛ وقال لوقا: تكون أوساطكم مشدودة وسرجكم موقودة، كونوا متشبهين ~~بأناس ينتظرون سيدهم متى يأتيهم من العرش لكي إذا جاء وقرع يفتحون له، طوبى ~~لأولئك ms0541 # PageV04P013 # العبيد الذين يأتي سيدهم فيجدهم مستيقظين! الحق أقول لكم إنه يشد وسطه ~~ويتكئون هم ويقف يخدمهم لذلك، فطوبى لأولئك العبيد! ثم قال: فقال له بطرس: ~~يا رب! من أجلنا تقول هذا المثل أم للجميع؟ فقال: من ترى الوكيل الأمين ~~الحكيم الذي يقيمه سيده على حشمه يعطيهم طعامهم في حينه؟ فطوبى لذلك العبد ~~الذي يأتي سيده فيجده فعل هكذا! الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع ماله، ~~فإن قال ذلك العبد الشرير في قلبه: إن سيدي يبطىء قدومه ويأخذ في ضرب عبيد ~~سيده وإمائه ويأكل ويشرب ويسكر فيأتي سيده في يوم لا يظن وساعة لا يعلم ~~فيشقه من وسطه ويجعل نصيبه مع الغير مؤمنين، فأما العبد الذي يعلم إرادة ~~سيده ولا يستعد ويعمل إرادة سيده فيضرب كثيرا، والذي لا يعلم ويعمل ما ~~يستوجب به الضرب يضرب يسيرا، لأن من أعطى كثيرا يطلب كثيرا والذي استودع ~~كثيرا يطلب بكثير؛ وقال في موضع آخر: الأمين في القليل يكون أمينا في ~~الكثير، والظالم في القليل ظالم في لكثير، فإن كنتم غير أمناء في مال الظلم ~~فمن يأتمنكم في الحق! وإن كنتم غير أمناء فيما ليس لكم فمن يعطيكم مالكم! ~~جئت لألقي نارا في الأرض وما أريد إلا # PageV04P014 # اضطرامها، ولي صبغة أصطبغها، وأنا مجد لتكمل، هل تظنون أني جئت لألقي ~~سلامة في الأرض! أقول لكم: يكون افتراق من الآن، يكون خمسة في بيت، واحد ~~يخالف اثنين واثنان ثلاثة، يخالف الأب ابنه، والابن أباه، والأم ابنتها، ~~والابنة أمها، والحمأة كنتها، والكنة حمأتها. وقال متى: لا تدينوا لئلا ~~تدانوا، وبالكيل الذي تكيلون يكال لكم. وقال لوقا: لا تحبوا الحكم على أحد ~~لئلا يحكم عليكم، اغفروا يغفر لكم، أعطوا تعطوا بمكيال صالح مملوء فائض ~~ملقى في حضونكم، لأنه بالكيل الذي تكيلون يكال لكم، هل يستطيع أعمى أن يقود ~~أعمى! أليس يقعان كلاهما في حفرة! وقال متى: لماذا تنظر القذى الذي في عين ~~أخيك ولا تفطن بالخشبة التي في عينك، وكيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من ~~عينك. # وفي ms0542 عينك خشبة يا مرائي! أخرج أولا الخشبة من عينك وحينئذ تنظر أن تخرج ~~القذى من عين أخيك، لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تلقوا جواهركم أمام ~~الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وترجع فتزمنكم، # PageV04P015 # سلوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يطلب يجد، ومن سأل ~~يعط ومن يقرع يفتح له، أي إنسان منكم يسأله ابنه خبزا فيعطيه حجرا! أو ~~يسأله سمكة فيعطيه حية! فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون تمنحون العطايا ~~الصالحة لأبنائكم فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات يعطي الخيرات لمن ~~يسأله! وكل ما تريدون أن يفعل الناس افعلوه أنتم بهم؛ فهذا هو الناموس ~~والأنبياء. # قال لوقا: وزوال السماء والأرض أسهل من أن يبطل من الناموس حرف واحد؛ ~~وقال أيضا وقال لهم مثلا: لكي يصلوا كل حين ولا يملوا؛ قال: كان قاض في ~~مدينة لا يخاف الله تعالى ولا يستحيي من الناس وكان في تلك المدينة أرملة ~~وكانت تأتي إليه وتقول: أنصفني من خصمي، ولم يكن يشاء إلى زمان، وبعد ذلك ~~قال في نفسه: إن كنت لا أخاف الله سبحانه وتعالى ولا أستحيي من الناس لكن ~~من أجل هذه المرأة أحكم لها ولا تعود تعنفني وتأتي إلي في كل حين لتتعبني! ~~قال الرب سبحانه وتعالى: اسمعوا ما قال قاضي الظلم، # PageV04P016 # أفليس الله أحرى أن ينتقم لمختاريه الذين يدعونه النهار والليل! نعم أقول ~~لكم إنه ينتقم لهم سريعا. # وقال متى: ادخلوا من الباب الضيق، فإن المسلك واسع، والطريق المؤدية إلى ~~الهلاك رحبة، والداخلين فيها كثيرهم، ما أضيق الباب وأكرب الطريق التي تؤدي ~~إلى الحياة! وقليل هم الذين يجدونها احذروا من الأنبياء الكذبة الذين ~~يأتونكم بلباس الحملان وداخلهم ذئاب خطفة، ومن ثمارهم فاعرفوهم، هل يجمع من ~~الشوك عنب ومن العوسج تين! هكذا كل شجرة صالحة تخرج ثمرة جيدة، والشجرة ~~الرديئة تخرج ثمرة شريرة، لا تقدر شجرة صالحة تخرج ثمرة شريرة، ولا شجرة ~~رديئة تخرج ثمرة جيدة. # وقال لوقا: وكل شجرة تعرف من ثمرتها ليس يجمع من الشوك تين، ولا يقطف من ~~العليق ms0543 عنب، الرجل الصالح من الذخائر التي في قلبه يخرج الصالحات، والشرير ~~من ذخائره الشريرة يخرج الشر، لأن من فضل ما في القلب ينطق الفم. # PageV04P017 # وقال متى: وكل شجرة لا تثمر ثمرة جيدة تقطع وتلقى في النار، فمن ثمارهم ~~تعرفونهم، ليس كل من يقول: يا رب! يا رب! يدخل ملكوت السماوات، لكن الذي ~~يعمل إرادة الذي في السماوات أي أمره، كثيرون يقولون لي في ذلك اليوم: يا ~~رب! يا رب! أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا الشياطين وباسمك صنعنا آيات ~~كثيرة! فحينئذ أعترف لهم أني ما أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم. # وقال لوقا: فقال له واحد: يا رب! قليل هم الذين ينجون! فقال: احرصوا على ~~الدخول من الباب الضيق، فإني أقول لكم إن كثيرا يريدون الدخول منه فلا ~~يستطيعون، فإذا قام رب البيت يغلق الباب فعند ذلك يقفون خارجا ويقرعون ~~الباب ويقولون: يا رب! يا رب! افتح لنا، فيجيب: لا أعرفكم، من أين أنتم؟ ~~فيقولون: أكلنا قدامك وشربنا، فيقول: ما أعرفكم، من أين أنتم؟ تباعدوا عني ~~بأعمال الظلم، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. # قال متى: كل من يسمع كلماتي هذه ويعمل بها يشبه رجلا عاقلا بنى بيته على ~~الصخرة. # وقال لوقا: بنى بيتا وحفر وعمق ووضع الأساس على صخرة، فنزل المطر وجرت ~~الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فلم يسقط، لأن أساسه ثابت على الصخرة، ~~وكل من يسمع كلماتي هذه # PageV04P018 # ولا يعمل بها يشبه رجلا جاهلا بنى بيته على الرمل، فنزل المطر وجرت ~~الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيما. وكان لما أكمل ~~يشوع هذه الكلمات بهت الجميع من تعليمه، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس ~~كمثل كتابهم. # وفيه مما يمتنع إطلاقه في شرعنا لفظ الأب والرب وسيأتي في آل عمران ما ~~يشفي العليل في تأويل مثل ذلك على تقرير صحته. وكل ما ورد من وصف الأنبياء ~~بالكذبة فالمراد به المدعي للنبوة كذبا. # ولما تقدم أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلا وأنزل معهم كتبا، وأنهم تعبوا ms0544 ~~ومستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى جمعوا الناس على الحق، وأن أتباعهم ~~اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات كان مما يتوجه النفس للسؤال عنه سبب ~~اختلافهم، فبين أنه مشيئته سبحانه وتعالى لا غير إعلاما بأنه الفاعل ~~المختار فكان التقدير: ولو شاء الله سبحانه وتعالى لساوى بين الرسل في ~~الفضيلة، ولو شاء لساوى بين أتباعهم في قبول ما أتوا به فلم يختلف عليهم ~~اثنان، ولكنه لم يشأ ذلك فاختلفوا عليهم وهم يشاهدون البينات، وعطف عليه ~~قوله تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم لافتا القول إلى التعبير بالجلالة ~~إشارة إلى أن الاختلاف # PageV04P019 # مع دلالة العقل على أنه لا خير فيه شاهد للخالق بجميع صفات الجلال ~~والجمال {ولو شاء الله} أي الذي له جميع الأمر. قال الحرالي: وهي كلمة ~~جامعة قرآنية محمدية تشهد الله وحده وتمحو عن الإقامة ما سواه - انتهى. {ما ~~اقتتل} أي ما تكلف القتال مع أنه مكروه للنفوس {الذين من بعدهم} لاتفاقهم ~~على ما فارقوا عليه نبيهم من الهدى. قال الحرالي: فذكر الاقتتال الذي إنما ~~يقع بعد فتنة المقال بعد فتنة الأحوال بالضغائن والأحقاد بعد فقد السلامة ~~بعد فقد الوداد بعد فقد المحبة الجامعة للأمة مع نبيها - انتهى {من بعد ما ~~جآءتهم البينات} أي على أيدي رسلهم. # قال الحرالي: فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي آثارها إلا بإمضاء ~~كلمة الله فيها - انتهى. {ولكن اختلفوا} لأنه سبحانه وتعالى لم يشأ اتفاقهم ~~على الهدى {فمنهم} أي فتسبب عن اختلافهم أن كان منهم {من آمن} أي ثبت على ~~ما فارق عليه نبيه حسبما دعت إليه البينات فكان إيمانه هذا هو الإيمان في ~~الحقيقة لأنه أعرق في أمر الغيب {ومنهم من كفر} ضلالا عنها أو عنادا. # ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين # PageV04P020 # من الخلق إليهم استقلالا قال تعالى معلما أن الكل بخلقه تأكيدا لما مضى ~~من ذلك معيدا ذكر الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الحال في أمر القتال الكاشف ~~لمن باشره في ضلال عن أقبح الخلال: {ولو شاء الله} الذي ms0545 لا كفوء له {ما ~~اقتتلوا} بعد اختلافهم بالإيمان والكفر، وكرر الاسم الأعظم زيادة في ~~الإعلام بعظم المقام {ولكن الله} أي بجلاله وعز كماله شاء اقتتالهم فإنه ~~{يفعل ما يريد *} فاختلفوا واقتتلوا طوع مشيئته على خلاف طباعهم وما يناقض ~~ما عندهم من العلم والحكمة. # ولما كان الاختلاف على الأنبياء سببا للجهاد الذي هو حظيرة الدين وكان ~~عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعا إلى أول السورة من هنا إلى آخرها ~~وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة: {يا أيها الذين ~~آمنوا} أي أقروا بألسنتهم # PageV04P021 # بالإيمان {أنفقوا} تصديقا لدعواكم في جميع أبواب الجهاد الأصغر والأكبر ~~ولا تبخلوا فأي داء أدوأ من البخل {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} ~~[الحشر: 9] # ولما أمر بذلك هونه عليهم بالإعلام بأنه له لا لهم فقال: {مما} أي الشيء ~~الذي ورد القول إلى مظهر العظمة حثا على المبادرة إلى امتثال الأمر وتقبيحا ~~بحال من أبطأ عنه فقال: {رزقناكم} # PageV04P022 # بما لنا من العظمة، وجزم هنا بالأمر لأنه لما رغب في النفقة من أول ~~السورة إلى هنا مرة بعد أخرى في أساليب متعددة صارت دواعي العقلاء في درجة ~~القبول لما تندب إليه من أمرها وإن كان الخروج عما في اليد في غاية الكراهة ~~إلى النفس، وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب، فمنع احتجاج المعتزلة ~~بها في أن الرزق لا يكون إلا حلالا لكونه مأمورا به، وأتبعه بما يرغب ويرهب ~~من حال يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها سبحانه وتعالى في ~~هذه الدار فقال: {من قبل أن يأتي يوم} موصوف بأنه {لا بيع فيه} موجود {ولا ~~خلة} قال الحرالي: هي مما منه المخاللة وهي المداخلة فيما يقبل التداخل حتى ~~يكون كل واحد خلال الآخر، وموقع معناها الموافقة في وصف الرضى والسخط، ~~فالخليل من رضاه رضى خليله وفعاله من فعاله - انتهى. # {ولا شفاعة} والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال، ولا يراعى لصداقة من ~~مساو ولا شفاعة من كبير، لعدم إرادة الله # PageV04P023 # سبحانه وتعالى لشيء ms0546 من ذلك ولا يكون إلا ما يريد، وفي الآية التفات شديد ~~إلى أول السورة حيث وصف المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم والإيقان بالآخرة، ~~وبيان لأن المراد بالإنفاق أعم من الزكاة وأن ذلك يحتمل جميع وجوه الإنفاق ~~من جميع المعادن والحظوظ التي تكسب المعالي وتنجي من المهالك، وسيأتي في ~~الآيات الحاثة على النفقة ما يرشد إلى ذلك كقوله تعالى {إن تبدوا الصدقات} ~~[البقرة: 271] وغيرها وقال الحرالي: فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب بما في ~~ابتداء السورة من {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} [البقرة: 3] إلى ~~قوله {المفلحون} [البقرة: 5] فلذلك وقع بعد هذا الانتهاء افتتاح آية هي ~~سيدة آي هذه السورة المنتظمة بأولها انتظاما معنويا برأس {الم ذلك الكتاب} ~~[البقرة: 1 2] فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما أفصح به الخطاب في ~~فاتحة سورة آل عمران، لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام وحمد. فكان أوله ~~حمدا وآخره حمدا ينثني ما بين الحمدين على أوله، كما قال «حمدني عبدي، أثنى ~~علي عبدي» فجملته حمد وتفاصيله ثناء - انتهى. # ولما حث سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذم الكافرين لكونهم لم ~~يتحلوا بهذه الصفة لتخليهم من الإيمان وبعدهم عنه وتكذيبهم # PageV04P024 # بذلك اليوم فهم لا ينفقون لخوفه ولا رجائه فقال بدل - ولا نصرة لكافر: ~~{والكافرون} أي المعلوم كفرهم في ذلك اليوم، وهذا العطف يرشد إلى أن ~~التقدير: فالذين آمنوا يفعلون ما أمرناهم به لأنهم المحقون، والكافرون {هم} ~~المختصون بأنهم {الظالمون *} أي الكاملون في الظلم لا غيرهم، ومن المعلوم ~~أن الظالم خاسر وأنه مخذول غير منصور، لأنه يضع الأمور في غير مواضعها، ومن ~~كان كذلك لا يثبت له أمر ولا يرتفع له شأن بل هو دائما على شفا جرف هار، ~~ولأجل ذلك يختم سبحانه وتعالى كثيرا من آياته بقوله {وما للظالمين من ~~أنصار} [البقرة: 270] فقد انتفى بذلك جميع أنواع الخلاص المعهودة في الدنيا ~~في ذلك اليوم من الافتداء بالمال والمراعاة لصداقة أو عظمة ذي شفاعة أو ~~نصرة بقوة. # PageV04P025 # ولما أبتدأ سبحانه وتعالى الفاتحة كما مضى بذكر الذات، ثم تعرف ms0547 بالأفعال ~~لأنها مشاهدات، ثم رقي الخطاب إلى التعريف بالصفات، ثم أعلاه رجوعا إلى ~~الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة الكلام لأنها أعظم المعجزات ~~وأبينها وأدلها على غيب الذات وأوقعها # PageV04P025 # في النفوس لا سيما عند العرب، ثم تعرف بالأفعال فأكثر منها. فلما لم يبق ~~لبس أثبت الوحدانية بآيتها السابقة مخللا ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام ~~وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب فلما تمت الأوامر وهالت ~~تلك الزواجر وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل ~~بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم، إذ كان المألوف من ملوك ~~الدنيا أنهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حق التمكن من كثرة الشفعاء ~~والراغبين من الأصدقاء، إذ كان الملك منهم لا يخلو مجلسه قط عن جمع كل منهم ~~صالح للقيام مقامه ولو خذله أو وجه إليه مكره ضعضع أمره وفت في عضده فهو ~~محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومداراتهم، بين سبحانه وتعالى صفة الآمر بما ~~هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصد والتنزه عن الكفر ~~والند والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتم ~~انكشاف لأن تتوجه الهمم لغيره وأن تنطق بغير إذنه وأن يكون غير ما يريد ~~ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره والوقوف عند نهيه وزجره، ولأجل هذه الأغراض ~~ساق الكلام مساق جواب السؤال فكأنه # PageV04P026 # قيل: هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك فمن الملك في ذلك اليوم؟ فذكر آية ~~الكرسي سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحا لها بالاسم ~~العلم الفرد الجامع الذي لم يتسم به غيره، وذلك لما تأهل السامع بعد التعرف ~~بالكلام والتودد بالأفعال لمقام المعرفة فترقى إلى أوج المراقبة وحضرة ~~المشاهدة فقال عائدا إلى مظهر الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرام لأنه من ~~أعظم مقاماته: {الله} أي هو الملك في ذلك اليوم ثم أثبت له صفات الكمال # PageV04P027 # منزها عن شوائب النقص مفتتحا لها بالتفرد فقال: {لا إله إلا هو} مقررا ~~لكمال التوحيد، فإنه المقصود الأعظم من جميع الشرائع ولكن ms0548 الإنسان لما جبل ~~عليه من النقصان لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترفقه وأعمال ~~تصدقه وأخلاق تحققه، فخلل سبحانه وتعالى أي التوحيد بالأحكام والقصص، ~~والأحكام تفيد الأعمال الصالحة فترفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكسب ~~الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن مرائي النفوس فتتجلى فيها حقائق التوحيد، ~~والقصص تلزم بمواعظها واعتباراتها بالأحكام وتقرر دلائل المعارف فيرسخ ~~التوحيد، وكان هذا التفصيل لأنه أنشط للنفس بالانتقال من نوع إلى آخر مع ~~الهز بحسن النظم وبلاغة التناسب والإلهاب ببداعة الربط وبراعة التلاحم. # وقال الحرالي: لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين وجهات ~~الاعتبار وبيان أحكام الجهاد # PageV04P028 # والإنفاق فيه فتم الدين بحظيرته معالم إسلام وشعائر إيمان ولمحة إحسان ~~أعلى تعالى الخطاب إلى بيان أمر الإحسان كما استوفى البيان في أمر الإيمان ~~والإسلام فاستفتح هذا الخطاب العلي الذي يسود كل خطاب ليعلي به الذين آمنوا ~~فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر إلى ~~صفاء ضياء الإيقان الذي يصير نور الإيمان بالإضافة إليه ظلمة كما يصير نور ~~القمر عند ضياء الشمس ظلمة، فكانت نسبة هذه الآية من آية الإلهية في قوله ~~سبحانه وتعالى {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وما بعدها من الاعتبار في ~~خلق السماوات والأرض نسبة ما بين علو اسمه الله الذي لم يقع فيه شرك بحق ~~ولا بباطل إلى اسمه الإله الذي وقع فيه الشرك بالباطل فينقل تعالى المؤمنين ~~الذين استقر لهم إيمان الاعتبار بآية {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وما ~~بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض إلى يقين العيان باسمه {الله} ~~وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة - انتهى. # ولما وحد سبحانه وتعالى نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته وبين أن ~~المراد بالحياة الأبدية بوصف القيومية فقال: # PageV04P029 # {الحي} أي الذي له الحياة وهي صفة توجب صحة العلم والقدرة أي الذي يصح أن ~~يعلم ويقدر {القيوم} أي القائم بنفسه المقيم لغيره على الدوام على أعلى ما ~~يكون من القيام والإقامة. قال الحرالي: فيعول زيدت في أصوله الياء ms0549 ليجتمع ~~فيه لفظ ما هو من معناه الذي هو القيام بالأمر مع واوه التي هي من قام يقوم ~~فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام على حد ما تفهمه معاني ~~الحروف عند المخاطبة بها من أئمة العلماء الوالجين في مدينة العلم المحمدي ~~من بابه العلوي - انتهى. # ثم بين قيوميته وكمال حياته بقوله: {لا تأخذه سنة} قال الحرالي: هي مجال ~~النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس ويخامر القلب {ولا نوم} وهو ما وصل ~~من النعاس إلى القلب فغشيه # PageV04P030 # في حق من ينام قلبه وما استغرق الحواس في حق من لا ينام قلبه - انتهى، ~~ولما عبر بالأخذ الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة، كما لو قيل: ~~فلان لا يغلبه أمير ولا سلطان، ثم بين هذه الجملة بقوله: {له} أي بيده وفي ~~تصرفه واختصاصه {ما في السماوات} الذي من جملته الأرض {وما في الأرض} أي من ~~السنة والنوم وغيرهما إبداعا ودواما وما هو في قبضته وتصرفه لا يغلبه. قال ~~الحرالي: وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته ~~والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع ~~من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته، فكان هذا الخطاب بما ~~أبدى للفهم إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية التي هي حجاب ~~قيوميته سلبا لقيام ما سواه - انتهى. # ثم بين ما تضمنته هذه الجملة بقوله منكرا على من ربما توهم أن شيئا يخرج ~~عن أمره فلا يكون مختصا به {من ذا الذي يشفع} أي مما ادعى الكفار شفاعته ~~وغيره {عنده إلا بإذنه} أي بتمكينه لأن # PageV04P031 # من لم يقدر أحد على مخالفته كان من البين أن كل شيء في قبضته، وكل ذلك ~~دليل على تفرده بالإلهية. قال الحرالي: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع ~~والمشفوع له لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده، فكان الإذن في باطن ~~الشفاعة حظا من سلب ما للشفعاء ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله سبحانه ~~وتعالى عند الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى ms0550 بالحقيقة الذي شفع عند ~~نفسه بنفسه، فبإخفائه تعالى شفاعته في شفاعة الشفعاء كان هو الشفيع في ~~الابتداء من وراء حجاب لأن إبداءه كله في حجاب وإعادته من غير حجاب، فلذلك ~~هو سبحانه وتعالى خاتم الشفعاء حيث يقول كما ورد في الخبر «شفع الأنبياء ~~والمرسلون ولم يبق إلى الحي القيوم» انتهى. ثم بين جميع ما مضى بقوله: ~~{يعلم ما بين أيديهم} أي ما في الخافقين ممن ادعت شفاعته وغيرهم. قال ~~الحرالي: أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم، لأن ما بين يدي المرء ~~يحيط به حسه، وما علمه أيضا فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه {وما خلفهم} ~~وهو ما لم ينله علمهم، لأن الخلف هو ما لا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من ~~وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا - انتهى. # ولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من علمه إلا ما # PageV04P032 # أفاض عليهم بحلمه فقال: {ولا يحيطون بشيء} أي قليل ولا كثير {من علمه إلا ~~بما شاء} فبان بذلك ما سبقه، لأن من كان شامل العلم ولا يعلم غيره إلا ما ~~علمه كان كامل القدرة، فكان كل شيء في قبضته، فكان منزها عن الكفوء متعاليا ~~عن كل عجز وجهل، فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق إلا بإذنه لأنه يسبب له ما ~~يمنعه مما لا يريده. # ثم بين ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصورا لعظمته ~~وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاده الناس في ملوكهم: {وسع كرسيه} ومادة ~~كرس تدور على القوة والاجتماع والعظمة # PageV04P033 # والكرس الذي هو البول والبعر الملبد مأخوذ من ذلك. وقال الأصفهاني: ~~الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد. وقال الحرالي: معنى الكرس هو ~~الجمع، فكل ما كان أتم جمعا فهو أحق بمعناه، ويقال على المرقى للسرير الذي ~~يسمى العرش الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل وحين يستوي إن شاء: ~~كرسي، ثم قال: والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته ms0551 في الأرض # PageV04P034 # التي فيها موجودات الأشياء كلها، فما في الأرض صورة إلا ولها في الكرسي ~~مثل، فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته، وما في السماوات إقامته ففي ~~الأرض صورته، فكان الوجود مثنيا كما كان القرآن مثاني إجمالا وتفصيلا في ~~القرآن ومدادا وصورا في الكون، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات ~~وانبهام صورة المداديات بنسبة ما بين السماء وما منه، وجعل وسع الكرسي وسعا ~~واحدا حيث قال: {السماوات والأرض} ولم يكن وسعان لأن الأرض في السماوات ~~والسماوات في الكرسي والكرسي في العرش والعرش في الهواء - انتهى. # فبان بذلك ما قبله لأن من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع ~~المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لا يثقلها شيء ولذا قال: {ولا ~~يؤوده} أي يثقله. قال الحرالي: من الأود أي # PageV04P035 # بلوغ المجهود ذودا، ويقابله ياء من لفظ لايد أي وهو القوة، وأصل معناه ~~والله سبحانه وتعالى أعلم أنه لا يعجزه علو أيده ولذلك يفسره اللغويون ~~بلفظة يثقله {حفظهما} في قيوميته كما يثقل غيره أو يعجزه حفظ ما ينشئه بل ~~هو عليه يسير لأنه لو أثقله لاختل أمرهما ولو يسيرا ولقدر غيره ولو يوما ما ~~على غير ما يريده. والحفظ قال الحرالي: الرعاية لما هو متداع في نفسه فيكون ~~تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله - انتهى. ولما لم يكن علوه وعظمته ~~بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصرا فيما تقدم عطف عليه قوله: {وهو} ~~أي مع ذلك كله المتفرد بأنه {العلي} أي الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن ~~رتبته {العظيم *} كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم الأعظم الجامع ~~لجميع معاني الأسماء الحسنى علوا وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما غلب عليها ~~من الأوهام، ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد ~~المنال عن إدراك # PageV04P036 # العقول، وقد ختمت الآية بما بدئت به غير أن بدأها بالعظمة كما قال ~~الحرالي كان باسم {الله} إلاحة وختمها كان بذلك إفصاحا لما ذكر من أن ~~الإبداء من وراء حجاب والإعادة بغير ms0552 حجاب، كذلك تنزل القرآن، مبدأ الخطاب ~~إلاحة وخاتمته إفصاح ليتطابق الوحي والكون تطابق قائم ومقام {ألا له الخلق ~~والأمر} [الأعراف: 54] ولما في العلو من الظهور وفي العظمة من الخفاء لموضع ~~الإحاطة لأن العظيم هو ما يستغرق كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار ~~{وله المثل الأعلى} [الروم: 27] وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي ~~شهد به كبير خلقه، قال سبحانه وتعالى فيما أنبأ عنه نبيه صلى الله عليه ~~وسلم # «الكبرياء ردائي» لأن الرداء هو ما على الظاهر «والعظمة إزاري» والإزار ~~ما ستر الباطن والأسفل، فإذا في السماء كبرياؤه وفي الأرض عظمته، وفي العرش ~~علوه وفي الكرسي عظمته، فعظمته أخفى ما يكون حيث التفصيل، وكبرياؤه وعلوه ~~أجلى ما يكون حيث الإبهام والانبهام، فتبين بهذا المعنى علو رتبة هذه الآية ~~بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران، ولما ألاحته للأفهام من ~~قيوميته تعالى وعلوه وعظمته وإبادة ما سواه في أن ينسب إليهم شيء لأنه ~~سبحانه وتعالى إذا بدا باد ما سواه كان في إلاحة هذه الآية العلية العظيمة ~~تقرير دين الإسلام الذي هو دين الإلقاء كما كان فيما تقدم من إيراد السورة ~~تقرير دين القيمة الذي # PageV04P037 # ما أمروا إلا ليعبدوا به مخلصين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ~~ولذلك كان ذكر دين الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران إثر ~~قوله {شهد الله أنه لا إله إلا هو} [آل عمران: 18]- انتهى. وقد علم من هذا ~~التقرير أن كل جملة استؤنفت فهي علة لما قبلها وأن الأخيرة شارحة للازم ~~العلم المحيط وهو القدرة التامة التي أقمت دليل لزومها في طه، فمن ادعى ~~شركة فليحفظ هذا الكون ولو في عام من الأعوام وليعلم بما هو فاعل في ذلك ~~العام ليصح قوله: وأنى له ذلك وأنى! واتضح بما تقرر له سبحانه وتعالى من ~~العلو والعظمة أن الكافر به هو الظالم، وأن يوم تجليه للفصل لا تكون فيه ~~شفاعة ولا خلة، وأما البيع فهم عنه في أشغل الشغل، وإن كان المراد به ~~الفداء فقد ms0553 علم أنه لا سبيل إليه ولا تعريج عليه، وبهذه الأسرار اتضح قول # PageV04P038 # السيد المختار صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الآية سيدة آي القرآن» وذلك ~~لما اشتملت عليه من أسماء الذات والصفات والأفعال، ونفي النقص وإثبات ~~الكمال، ووفت به من أدلة التوحيد على أتم وجه في أحكم نظام وأبدع أسلوب ~~متمحضة لذلك، فإن فضل الذكر والعلم يتبع المذكور والمعلوم، وقد احتوت على ~~الصفات السبع: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام صريحا، فإن الإذن لا ~~يكون إلا بالكلام والإرادة، وعلى السمع والبصر من لازم {له ما في السماوات ~~وما في الأرض} ومن لازم {الحي} لأن المراد الحياة الكاملة؛ وكررت فيها ~~الأسماء الشريفة ظاهرة ومضمرة سبع عشرة مرة بل إحدى وعشرين، ولم يتضمن هذا ~~المجموع آية غيرها في كتاب الله، وهي خمسون كلمة على عدد الصلوات المأمور ~~بها أولا في تلك الحضرة السماء حضرة العرش والكرسي فوق سدرة المنتهى، وبعدد ~~ما استقرت عليه من رتبة الأجر آخرا، فكأنها مراقي لروح قارئها إلى ذلك ~~المحل الأسمى الذي هو آتيه الذي تعرج الملائكة والروح إليه في يوم # PageV04P039 # كان مقداره خمسين ألف سنة، ولعل هذا سر ما ثبت من أنه لا يقرب من يقرؤها ~~عند النوم شيطان، لأن من كان في حضرة الرحمن عال عن وساوس الشيطان - والله ~~سبحانه وتعالى الموفق. # ولما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد لا يحتاج فيه منصف ~~لنفسه إلى إكراه فيه فقال: {لا إكراه في الدين} وقال الحرالي: لما نقل ~~سبحانه وتعالى رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود وما ينبني عليه ~~المقام به دين القيمة الذي أخفى لهم أمر العظمة والجبروت الجابر لأهل ~~الملكوت والملك فيما هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضي الذي لا ~~لبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له، وهو اطلاعه سبحانه وتعالى عبده على ~~قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من كل باد وعظمته ~~الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي ms0554 مداد كل مداد بين سبحانه ~~وتعالى وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة من حيث ما فيه من حمل ~~الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما هو علم عقابها وآية عذابها، فذهب ~~بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ما تجري ~~فيه لها ما عليها. # PageV04P040 # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد ~~الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلوا، كما ~~يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - ~~انتهى. # ثم علل سبحانه وتعالى انتفاء الإكراه عنه بقوله: {قد تبين الرشد} قال ~~الحرالي: وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم {من ~~الغي} وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته - انتهى. أي ~~فصار كل ذي لب يعرف أن الإسلام خير كله وغيره شر كله، لما تبين من الدلائل ~~وصار بحيث يبادر كل من أراد نفع نفسه إليه ويخضع أجبر الجبابرة لديه فكأنه ~~لقوة ظهوره وغلبة نوره قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره، # PageV04P041 # لأن الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه المصلحة فلم يبق منه مانع إلا ~~حظ النفس الخبيث في شهواتها البهيمية والشيطانية {فمن} أي فكان ذلك سببا ~~لأنه من {يكفر بالطاغوت} وهو نفسه وما دعت إليه ومالت بطبعها الرديء إليه. ~~وقال الحرالي: وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة صيغة ~~مبالغة وزيادة انتهاء مما منه الطغيان - انتهى. {ويؤمن بالله} أي الملك ~~الأعلى ميلا مع العقل الذي هو خير كله لما رأى بنوره من الأدلة القاطعة ~~والبراهين الساطعة وداوم على ذلك بما أفادته صيغة المضارع من يكفر ويؤمن ~~{فقد استمسك} على بصيرة منه {بالعروة الوثقى} أي التي لا يقع شك في أنها ~~أوثق الأسباب في نجاته بما ألقى بيده واستسلم لربه # {ومن يسلم وجهه إلى الله} [الحج: 31] ، والعروة ما تشد به العياب ونحوها # PageV04P042 # بتداخلها بعضها في بعض دخولا لا ينفصم بعضه من بعض إلا بفصم ms0555 طرفه فإذا ~~انفصمت منه عروة انفصم جميعه، والوثقى صيغة فعلى للمبالغة من الثقة بشدة ما ~~شأنه أن يخاف وهنه، ثم بين وثاقتها بقوله: {لا انفصام لها} أي لا مطاوعة في ~~حل ولا صدع ولا ذهاب. قال ابن القطاع: فصمت الشيء صدعته، والعقدة حللتها، ~~والشيء عنه ذهب. وقال الحرالي: من الفصم وهو خروج العرى بعضها من بعض، أي ~~فهذه العروة لا انحلال لها أصلا، وهو تمثيل للمعلوم بالنظر والاحتجاج ~~بالمشاهد المحسوس ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده فيه ~~ويجل اغتباطه به، فعلم من هذا أنه لم يبق عائق عن الدخول في هذا الدين إلا ~~القضاء والقدر، فمن سبقت له السعادة قيض الله سبحانه وتعالى له من الأسباب ~~ما يخرجه به من الظلمات إلى النور، ومن غلبت عليه الشقاوة سلط عليه ~~الشياطين فأخرجته من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والحيرة. # ولما كان كل من الإيمان والكفر المتقدمين قولا وفعلا واعتقادا قال مرغبا ~~فيهما ومرهبا من تركهما: {والله} الذي له صفات # PageV04P043 # الكمال {سميع} أي لما يقال مما يدل على الإيمان {عليم *} أي بما يفعل أو ~~يضمر من الكفر والطغيان ومجاز عليه، ولعل في الآية التفاتا إلى ما ذكر أول ~~السورة في الكفار من أنه سواء عليهم الإنذار وتركه وإلى المنافقين وتقبيح ~~ما هم عليه مما هو في غاية المخالفة لما صارت أدلته أوضح من الشمس وهي ~~مشعرة بالإذن في الإعراض عن المنافقين، ولما قرر ذلك وأرشد السياق إلى شيء ~~اقتضت البلاغة طيه إرشادا إلى البعد منه والهرب عنه لبشاعته وسوء مغبته وهو ~~ومن يؤمن بالطاغوت ويكفر بالله فلا يتمسك له والله يهويه إلى الجحيم، كأنه ~~قيل: فمن يخلص النفس من ظلمات الهوى والشهوة ووساوس الشيطان؟ فقال مستأنفا: ~~{الله} أي بما له من العظمة والأسماء الحسنى # PageV04P044 # {ولي الذين آمنوا} أي يتولى مصالحهم، ولذلك بين ولايته بقوله: {يخرجهم من ~~الظلمات} أي المعنوية جمع ظلمة وهو ما يطمس الباديات حسا أو معنى، وجمعها ~~لأن طرق الضلال كثيرة فإن الكفر أنواع {إلى النور} أي المعنوي ms0556 وهو ما يظهر ~~الباديات حسا أو معنى - قاله الحرالي، ووحده لأن الصراط المستقيم واحد {ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] ومن المحامل الحسنة أن ~~يشار بالجمع إلى ما ينشأ من الجهل عن المشاعر التي أخبر بالختم عليها، فصار ~~البصر عريا عن الاعتبار، والسمع خاليا عن الفهم والاستبصار، والقلب معرضا ~~عن التدبر والافتكار، وبالوحدة في النور إلى صلاح القلب فإنه كفيل بجلب كل ~~سار ودفع كل ضار، والنور الذي هو العقل والفطرة الأولى ذو جهة واحدة وهي ~~القوم، والظلمة الناشئة عن النفس ذات جهات هي في غاية الاختلاف. # PageV04P045 # ولما ذكر عباده الخلص ذكر عباد الشهوات فقال: {والذين كفروا} أي ستروا ما ~~دلت عليه أدلة العقول أولا والنقول ثانيا بشهوات النفوس {أولياؤهم الطاغوت} ~~من شهواتهم وما أدت إليه من اتباع كل ما أطغى من الشياطين والعكوف على ~~الأصنام وغير ذلك، ثم بين استيلاءهم عليهم بقوله: {يخرجونهم} وإسناده إلى ~~ضمير الجمع يؤيد أن جمع الظلمات لكثرة أنواع الكفر {من النور} أي الفطرى ~~{إلى الظلمات} قال الحرالي: وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور ~~الأول إلى الروح المجندة إلى الفطرة المستوية «كل مولود يولد على الفطرة» ~~انتهى. # PageV04P046 # ولما ذكر استيلاء الشهوات عليهم الداعي إليها الطيش والخفة الناشىء عن ~~عنصر النار التي هي شعبة من الشيطان بين أن أجزاءهم من جنس مرتكبهم فقال: ~~{أولئك} أي الحالون في محل البعد والبغض {أصحاب النار} قال الحرالي: الذين ~~اتبعوها من حيث لم يشعروا من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبه - انتهى. ولما ~~علم من ذكر الصحبة دوامهم فيها صرح به تأكيدا بقوله مبينا اختصاصهم بها: ~~{هم} أي خاصة {فيها خالدون *} إلى ما لا آخر له. قال الحرالي: وجعل الخلود ~~وصفا لهم إشعارا بأنهم فيها وهم في دنياهم - انتهى. # ولما ذكر ما له سبحانه وتعالى من الإحاطة والعظمة وأتبعه أمر الإيمان ~~وتوليه حزبه وأمر الكفران وخذلانه أهله أخذ يدل على ذلك بقصة المحاج للخليل ~~والمار على القرية مذكرا بقصة الذين قال لهم موتوا ثم أحياهم في ms0557 سياق ~~التعجيب من تلك الجرأة - قال الحرالي: ولما كان ما أظهره الحق في آية عظمته ~~وما اتصل بها في خاصة عباده اختص هذا الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~لعلو مفهوم مغزاه عمن دونه، انتهى - فقال تعالى: {ألم تر} أي تعلم بما ~~نخبرك # PageV04P047 # به علما هو عندك كالمشاهدة لما لك من كمال البصيرة وبما أودعناه فيك من ~~المعاني المنيرة. ولما كان هذا المحاج بعيدا من الصواب كثيف الحجاب أشار ~~إلى بعده بحرف الغاية فقال: {إلى الذي حآج إبراهيم} أي الذي هو أبو العرب ~~وهم أحق الناس بالاقتداء به {في ربه} الضمير يصح أن يعود على كل منهما أي ~~فيما يختص به خالقه المربي له المحسن إليه بعد وضوح هذه الأدلة وقيام هذه ~~البراهين إشارة إلى أنه سبحانه أوضح على لسان كل نبي أمره وبين عظمته وقدره ~~مع أنه ركز ذلك في جميع الفطر وقادها إلى بحور جلاله بأدنى نظر فكأن نمرود ~~المحاج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى الظلمات، # PageV04P048 # ولما كان ذلك أمرا باهرا معجبا بين أن علته الكبر الذي أشقى إبليس فقال: ~~{أن} أي لأجل أن {آتاه الله} أي الملك الأعلى بفيض فضله {الملك} الفاني في ~~الدنيا الدنيئة، فجعل موضع ما يجب عليه من شكر من ملكه ذلك محاجته فيه ~~وكبره رغم عليه، وعرفه إشارة إلى كماله بالنسبة إلى الآدميين بالحكم على ~~جميع الأرض. # قال الحرالي: وفي إشعاره أن الملك فتنة وبلاء على من أوتيه - انتهى. ~~فتكبر بما خوله الله فيه على عباد الله وهم يطيعونه لما مكن الله له من ~~الأسباب إلى أن رسخت قدمه في الكبر المختص بالملك الأعظم مالك الملك ومبيد ~~الملوك فظن جهلا أنه أهل له. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بمحاجته بين ما هي تقريرا لآية {فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم} [البقرة: 243] دلالة على البعث ليوم لا بيع فيه ولا خلة ~~ولا شفاعة فقال: {إذ} أي حاجه حين {قال إبراهيم ربي} أي الذي أحسن إلي ~~بخلقي وإدامة الهداية لي # PageV04P049 # {الذي يحيي ويميت} أي ms0558 وحده، وهذه العبارة تدل على تقدم كلام في هذا ~~وادعاء أحد لمشاركة في هذه الصفة. # ولما كان كأنه قيل: هذا أمر ظاهر مجمع عليه فماذا الذي يحاج المحاج فيه؟ ~~أجيب بقوله: {قال} أي ذلك المحاج بجرأة وعدم تأمل لما ألفه من ذل الناس له ~~وطواعيتهم لجبروته {أنا} أي أيضا {أحيي وأميت} بأن أمن على من استحق القتل ~~وأقتل من لا يستحق القتل. # فلما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قد اجترأ على عظيم وأن محاجته ~~في نفس الإحياء ربما خفيت أو طالت رأى أن يعجل إبهاته مع بيان حقارته بما ~~هو أجلى من ذلك، وفيه أنه دون ما ادعاه بمراتب لأن الإحياء إفاضة الروح على ~~صورة بعد إيجادها من العدم بأن # PageV04P050 # {قال إبراهيم} وقال الحرالي: ولما كان من حسن الاحتجاج ترك المراء ~~بمتابعة الحجة الملبسة كما قال تعالى {فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا} ~~[الكهف: 53] نقل المحاج من الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة الواقعة في ~~الآفاق بأعظم كواكبها الشمس {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} [فصلت: ~~53] ففي ظاهر الاحتجاج انتقال وفي طيه تقرير الأول لأن الروح شمس البدن ~~فكأنه ضرب مثل من حيث إن الإحياء إنما هو أن يؤتى بشمس الروح من حيث غربت ~~فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة باطنه تتميم للحجة الأولى قال تعالى: ~~{فإن} بالفاء الرابطة بين الكلامين إشعارا لتتمة الحجة الأولى بالحجة ~~الثانية - انتهى. أي تسبب عن دعواك هذه أو أقول لك: إن {الله} بما له من ~~العظمة والجلال باستجماع صفات الكمال {يأتي بالشمس} أي وهو الذي أوجدها {من ~~المشرق} أي في كل يوم من قبل أن توجد أنت بدهور {فأت بها} أنت {من المغرب} ~~ولو يوما واحدا. # PageV04P051 # قال الحرالي: إظهارا لمرجع العالم بكليته إلى واحد، وأن قيوم الإنسان في ~~الإحياء والإماتة هو قيوم الآفاق في طلوع الشمس وغروبها، وفي لحنه إشعار ~~بأن الله سبحانه وتعالى لا بد وأن يأتي بالشمس من المغرب ليكون في ذلك ~~إظهار تصريفه لها حيث شاء حتى يطلعها من حيث ms0559 غربت كما يطلع الروح من حيث ~~قبضت ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة قيام الساعة وطلوع الأرواح من ~~أبدانها - انتهى. {فبهت} قال الحرالي: من البهت وهو بقاء الشيء على حاله ~~وصورته لا يتغير عنها لأمر يبهره وقعه أي فتسبب عن ذلك أنه بهت {الذي كفر} ~~أي حصل له الكفر بتلك الدعوى التي لزمه بها إنكاره لاختصاصه سبحانه وتعالى ~~بالقدرة على ذلك وادعاؤه لنفسه الشركة، فبين له الخليل عليه الصلاة والسلام ~~بهذا المثال أنه عاجز عن تحويل صورة صورها الله سبحانه وتعالى ووضعها في ~~جهة إلى غير تلك الجهة فكيف له بأن يوجد صورة من العدم فكيف ثم كيف بإفاضة ~~الروح عليها فكيف بالروح الحساسة فكيف بالروح الناطقة! وسيأتي لهذا الشأن ~~في سورة الشعراء مزيد بيان، فيالله ما أعلى مقامات الأنبياء! وما أصفى ~~بصائرهم! وما أسمى درجاتهم وأزكى عناصرهم! عليهم أجمعين مني أعظم الصلاة ~~والسلام وأعلى # PageV04P052 # التحية والإكرام. وقال الحرالي: فعرفه أي في قوله: {كفر} بوصفه من حيث ~~دخل عليه البهت منه - انتهى. أي لأنه ستر ما يعلمه من عجز نفسه وقدرة ~~خالقه، فكشف سبحانه وتعالى بلسان خليله صلى الله عليه وسلم الستر الذي ~~أرخاه كشفا واضحا وهتكه بعظيم البيان هتكا فاضحا. # ولما كان التقدير: لأنه ظلم في ادعائه ذلك وفي الوجه الذي ادعى ذلك بسبه ~~من قتل البريء وترك المجترىء، قال سبحانه وتعالى: {والله} أي الذي لا أمر ~~لأحد معه {لا يهدي القوم} أي الذين أعطاهم قوة المقاومة للأمور {الظالمين ~~*} عامة لوضعهم الأشياء بإرادته وتقديره في غير مواضعها، لأنه أظلم قلوبهم ~~فجعلها أحلك من الليل الحالك فلم يبق لهم ذلك وجها ثابتا يستمسكون به، فأين ~~منهم الهداية وقد صاروا بمراحل عن مواطن أهل العناية! وقصر فعل الهداية ~~لإفادة العموم، قال الإمام: فاختصر اللفظ إفادة لزيادة المعنى وهو من ~~اللطائف القرآنية. # PageV04P053 # ولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات الربانية وأخصها بها أظهر سبحانه ~~وتعالى الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي للمشاركة، وتارة # PageV04P053 # بإشهاد المستبعد في نفسه وغيره بفعل ربه، وتارة بإشهاد ms0560 المسترشد في غيره ~~بنفسه معبرا في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله، فعبر في الكافر ~~بإلى إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب صلى الله عليه وسلم، وفي ~~المتعجب بإسقاطها إسقاطا لذلك البعد، وفي المسترشد المستطلع بإذ كما هي ~~العادة المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب من حال ~~المحاجج التعجيب أيضا من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية. ولما كان ~~معنى {ألم تر} هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضي وغيره تختص مع كونها للاستفهام ~~بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها {إلا} قصدا للايجاب كقوله ~~سبحانه تعالى {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60] وقوله سبحانه ~~وتعالى {هل هذا إلا بشر مثلكم} [الأنبياء: 3] كان كأنه قيل: هل رأيت الذي ~~حاج إبراهيم {أو} هل رأيت {كالذي} ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار الأولين ~~إنما هي مواعظ لنا: أقومك كهذا المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون: إن الإحياء ~~ليس على حقيقته بالبعث بعد الموت، # PageV04P054 # أو هم كالذي {مر} قال الحرالي: من المرور وهو جعل الشيء على مسلك إلى ~~غيره مع التفات إليه في سبيله {على قرية} وهي التي خرج منها الألوف أو بيت ~~المقدس {وهي خاوية} أي متهدمة ساقطة جدرانها {على عروشها} أي سقوفها، أو ~~خالية على بقاء سقوفها. قال الحرالي: من الخوا وهو خلو الشيء عما شأنه أن ~~يعينه حسا أو معنى، والعروش جمع عرش من نحو معنى العريش وهو ما أقيم من ~~البناء على حالة عجالة يدفع سورة الحر والبرد ولا يدفع جملتها كالكن ~~المشيد، فكان المشيد في الحقيقة عريشا لوهاء الدنيا بجملتها في عين ~~الاستبصار - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: ما الذي في حاله ذلك مما يعجب منه؟ قيل: {قال أنى ~~يحيي هذه} أي القرية {الله} أي الذي له الأمر كله {بعد موتها} أي بما صارت ~~إليه من الخراب وذهاب الأهل فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة. قال ~~الحرالي: وفي لفظة «أنى» لشمول معناها لمعنى كيف وحيث ومتى استبعاده ~~الإحياء في ms0561 الكيف والمكان والزمان، ومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق النفس # PageV04P055 # من طلبها لمعرفة تكييف ما لا يصل إليه علمها - انتهى. # ولما كان هذا المستبعد قاصرا عن رتبة الخليل عليه الصلاة والسلام في ~~التهيؤ للطمأنينة بل كان إيقانه على الكيفية متوقفا في الحكمة على تركه في ~~عالم الغيب المدة التي ضربت لبقائه ميتا ليكون ذلك كالتخمير في الطين ~~لتتهيأ نفسه لعلم ذلك والإيقان به قال: {فأماته} أي فتسبب عن ذلك أن أماته ~~{الله} أي الذي لا كفوء له فمهما أراد كان لإيقانه على علم ذلك عناية من ~~الله به {مائة} ولما كان المراد أن مدة موته كانت طويلة ليكون قد بلي فيها ~~فتكون إعادته أمكن في القدرة على ما تستبعده العرب وأن ذلك الزمان كان حسنا ~~طيبا لقبوله الإحياء والعمارة عبر عنه بما يدل على السعة فقال: {عام} حتى ~~بلي حماره وحفظ طعامه وشرابه من التغير ليتحقق كمال القدرة بحفظ ما شأنه ~~التغير وتغير ما شأنه البقاء وإعادة ما فني. # قال الحرالي: وخص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد والعشرات ~~وعشرها وتر الشفع لأن ما تم في الثالث كان ما زاد عليه تكرارا يجزىء عنه ~~الثلاث {ثم بعثه} في بيانه إشعار # PageV04P056 # بأن بدنه لم يتغير ولا فني فناء حماره حيث لم يكن ثم نشره والله سبحانه ~~وتعالى أعلم كما قال {ثم إذا شاء أنشره} [عبس: 22]- انتهى. # ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه على القدرة تشوفت النفس إلى ~~ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيها له ولكل سامع على ما في قصته من ~~الخوارق: {قال} أي له الله سبحانه وتعالى أو من شاء ممن خطابه ناشىء عنه ~~{كم لبثت} أي في رقدتك هذه {قال} لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه {لبثت يوما} ~~ثم تغير ظنه بحسب الشمس أو غيرها فقال: {أو بعض يوم} وكأنه استعجل بهذا ~~الجواب - كما هي عادة الإنسان - قبل النظر إلى حماره {قال} أي الذي خاطبه ~~مضربا عن جوابه بيانا لأنه غلط ظاهر {بل لبثت مائة عام} ms0562 معبرا عن الحول ~~بلفظ يدور على معنى السعة والامتداد والطول ودله على ذلك وعلى كمال القدرة ~~بقوله: {فانظر إلى طعامك وشرابك} أي الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع ~~الأشياء فسادا تين وعصير {لم يتسنه} من السنة أي يتغير بمر السنين على طول ~~مرورها وقوة تقلباتها وتأثيرها، ومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك ~~أمر جازم مقنع لا مرية فيه ولا تردد أصلا {وانظر إلى} {حمارك} باليا رميما، ~~فجمع الله له سبحانه # PageV04P057 # وتعالى بين آيتي الرطب في حفظه واليابس في نقضه. # ولما كان التقدير: فعلنا ذلك لنجعله آية لك على كمال القدرة أو لتعلم أنت ~~قدرتنا، عطف عليه قوله: {ولنجعلك} أي في مجموع خبرك {آية للناس} أي كافة ~~فكان أمره إبقاء وتثبيتا آية في موجود الدنيا على ما سيكون في أمر الآخرة ~~قيام ساعة وبعثا ونشورا - قاله الحرالي. # ولما أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره ~~بالنظر إلى ما جعله له آية على اقتداره على الإحياء كيف ما أراد فقال: ~~{وانظر إلى العظام} أي من حمارك وهي جمع عظم وهو عماد البدن الذي عليه مقوم ~~صورته {كيف ننشزها} قال الحرالي: بالراء من النشر وهو عود الفاني إلى صورته ~~الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه، وبالزاي من النشز وهو إظهار الشيء وإعلاؤه، ~~من نشز الأرض وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى. # وضم بعضها إلى بعض على ما كانت عليه ينظم ذلك كله {ثم نكسوها لحما} قال ~~الحرالي: جعل حياته بعثا وحياة حماره نشورا وأراه النشر، واللحم الذي لحم ~~بين العظام حتى # PageV04P058 # صارت صورة واحدة ليتبين أمر الساعة عيانا فيكون حجة على الكافر والمستبعد ~~{فلما تبين له} أي هذا الأمر الخارق الباهر الدال على ما وصف سبحانه وتعالى ~~به نفسه المقدسة في آية الكرسي. قال الحرالي: وفي صيغة تفعل إشعار بتردده ~~في النظر بين الآيتين حتى استقر عنده أمر ما أعلم به واضمحل عنده ما قدره ~~{قال أعلم} بصيغة الفعل بناء على نفسه وبصيغة الأمر إفادة لغيره ms0563 ما علم ~~لتدل القراءتان على أنه علم وعلم لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير ~~العالم فيجمع فضل العلم والتعليم - انتهى. ويجوز أن يدل التعبير بالمضارع ~~في أعلم على أنه لم يزل متصفا بهذا العلم من غير نظر إلى حال ولا استقبال ~~ويكون ذلك اعتذارا عن تعبيره في التعجيب بما دل على الاستبعاد بأنه إنما ~~قاله استبعادا لتعليق القدرة بذلك لا للقدرة عليه {أن الله} أي لما أعلم من ~~عظمته {على كل شيء} أي من هذا وغيره {قدير *} قال الحرالي: في إشعاره إلزام ~~البصائر شهود قدرة الله سبحانه وتعالى في تعينها في الأسباب الحكمية التي ~~تتقيد بها الأبصار إلحاقا لما دون آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي في ~~العلم أن محييك هو مصرفك، فكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك # PageV04P059 # بقدرته فلاءم تفصيل افراد القدرة لله بما تقدم من إبداء الحفظ بالله ~~والعظمة لله، فكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر الله سبحانه ~~وتعالى بكلية ما أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى. وفي الآية بيان لوجه ~~مغالطة الكافر لمن استخفه من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات الله وسلامه ~~عليه بأن الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية هو هذا الإحياء الحقيقي لا ~~التخلية عمن استحق القتل. # ولما كان الإيمان بالبعث بل الإيقان من المقاصد العظمى في هذه السورة ~~وانتهى إلى هذا السياق الذي هو لتثبيت دعائم القدرة على الإحياء مع تباين ~~المناهج واختلاف الطرق فبين أولا بالرد على الكافر ما يوجب الإيمان وبإشهاد ~~المتعجب ما ختم الإيقان علا عن ذلك البيان في قصة الخليل صلوات الله وسلامه ~~عليه إلى ما يثبت الطمأنينة، وقد قرر سبحانه وتعالى أمر البعث في هذه ~~السورة بعد ما أشارت إليه الفاتحة بيوم الدين أحسن تقرير، فبث نجومه فيها ~~خلال سماوات آياتها وفرق رسومه في أرجائها بين دلائلها وبيناتها فعل الحكيم ~~الذي يلقي ما يريد بالتدريج غير عجل ولا مقصر، فكرر # PageV04P060 # سبحانه وتعالى ذكره بالآخرة تارة والإحياء أخرى تارة في الدنيا وتارة في ~~الآخرة في مثل قوله ms0564 # {وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 4] {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم} [البقرة: 28] {ثم بعثناكم من بعد موتكم} [البقرة: 56] {كذلك يحيي ~~الله الموتى} [البقرة: 73] {فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} [البقرة: 243] ~~وما كان من أمثاله ونظائره وأشكاله في تلك الأساليب المرادة غالبا بالذات ~~لغيره فاستأنست أنفس المنكرين له به، فصار لها استعداد لسماع الاستدلال ~~عليه حتى ساق لهم أمر خليله عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام، فكان ~~كأنه قيل: يا منكري البعث ومظهري العجب منه ومقلدي الآباء في أمره بالأخبار ~~التي أكثرها كاذب! اسمعوا قصة أبيكم إبراهيم صلى الله عليه وسلم التي لقاكم ~~بها الاستدلال على البعث وجمع المتفرق وإعادة الروح باخبار من لا يتهم ~~بشهادة القرآن الذي أعجزكم عن الإتيان بمثل شيء منه فشهادته شهادة الله ~~لتصيروا من ذلك على علم اليقين بل عين اليقين فقال تعالى: {وإذ} عطفا على ~~نحو اذكروا ما تلي عليكم من أمر البعث واذكروا قصة أبيكم إبراهيم فيما يدل ~~عليه إذ. وقال الحرالي: ولما # PageV04P061 # كان أمر منزل القرآن إقامة الدين بمكتوبه وحدوده فأنهاه تعالى منتهى منه ~~ثم نظم به ما نظم من علنه في آية الكرسي ورتب على ذلك دين الإسلام الذي هو ~~إلقاء كإلقاء اليد عند الموت انتظم به أمر المعاد الذي لا مدخل للعباد في ~~أمره فرتب سبحانه وتعالى ذكر المعاد في ثلاثة أحوال: حال الجاحد الذي انتهت ~~غايته إلى بهت، ثم حال المستبعد الذي انتهت غايته إلى علم وإيمان، وأنهى ~~الخطاب إلى حال المؤمن الذي انتهى حاله إلى يقين وطمأنينة ورؤية ملكوت في ~~ملكوت الأرض - انتهى، فقال سبحانه وتعالى: واذ {قال إبراهيم} ولقد استولى ~~الترتيب والتعبير في هذه الآيات الثلاث على الأمد الأقصى من الحسن، فإنها ~~بدئت بمن أراد أن يخفي ما أوضحته البراهين من أمر الإله في الإحياء بأن ~~ادعى لنفسه المشاركة بإحياء مجازي تلبيسا بلفظ إلى الدال على بعده ولعنه ~~وطرده، ثم بمن استبعد إحياء القرية فأراه الله سبحانه وتعالى كيفية الإحياء ~~الحقيقي آية له وتتميما للرد على ذلك مع الإقبال عليه ms0565 بالمخاطبة ولذة ~~الملاطفة ثم بمن سأل إكرام الله تعالى له بأن يريه كيف يحيي فيثبت ثم أثبتت ~~ثم أكدت، ومناسبة الثلاث بكونها في إحياء الأشباح بالأرواح # PageV04P062 # لما قبلها وهو في إحياء الأرواح بأسرار الصلاح أجل مناسبة، فالمراد ~~التحذير عن حال الأول والندب إلى الارتقاء عن درجة الثاني إلى مقام الثالث ~~الذي حقيقته الصدق في الإيمان لرجاء الحيازة مما أكرم به، ولذلك عبر في ~~قصته بقوله واذ ولم يسقها مساق التعجيب كالأول {رب} أي أيها المحسن إلي ~~{أرني كيف تحيي الموتى} قال الحرالي: طلب ما هو أهله بما قال تعالى # {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} [الأنعام: 75] فمن ملكوت ~~الأرض الإحياء، فقرره سبحانه وتعالى على تحقيق ابتداء حاله من تقرر الإيمان ~~فقال مستأنفا: {قال} ولما كان التقدير: ألم تعلم أني قادر على الإحياء لأني ~~قادر على كل شيء عطف عليه قوله: {أو لم تؤمن} فإن الإيمان يجمع ذلك كله ~~{قال بلى} فتحقق أن طلبه كيفية الإحياء ليس عن بقية تثبت في الإيمان، فكان ~~في إشعاره أن أكثر طالبي الكيف في الأمور إنما يطلبونه عن وهن في إيمانهم، ~~ومن طلب لتثبت الإيمان مع أن فيما دون الكيف من الآيات كفايته لم ينتفع ~~بالآية في إيمانه، لأن كفايتها فيما دونه ولم يعل لليقين لنقص إيمانه عن ~~تمام حده، فإذا تم الإيمان بحكم آياته التي في موجود حكمة الله في # PageV04P063 # الدنيا بيناته ترتب عليه برؤية ملكوت شهود الدنيا رتبة اليقين، كما وجد ~~تجربته أهل الكشف من الصادقين في أمر الله حيث أورث لهم اليقين، ومتى ~~شاركهم في أمر من رؤية الكشف أو الكرامات ضعيف الإيمان طلب فيه تأويلا، ~~وربما كان عليه فتنة تنقصه مما كان عنده من حظ من إيمانه حتى ربما داخله ~~نفاق لا ينفك منه إلا أن يستنقذه الله، فلذلك أبدى تعالى خطاب تقريره ~~لخليله صلى الله عليه وسلم على تحقيق الإيمان ليصح الترقي منه إلى رتبة ~~الإيقان، وهو مثل نحو ما تقدم في مطلق قوله سبحانه وتعالى {الله ولي الذين ~~آمنوا ms0566 يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257] وذكر عن الخليل عليه ~~الصلاة والسلام أنه نظر إلى بدن دابة توزعها دواب البحر ودواب البر وطير ~~الهواء، فتعجب منها وقال: يا رب! قد علمت لتجمعنها فأرني كيف تحييها لأعاين ~~ذلك، فإنما ينبني يقين العيان على تحقيق الإيمان {ولكن} أريد المعاينة ~~{ليطمئن} من الطمأنينة وهي الهدو والسكون على سواء الخلقة واعتدال الخلق ~~{قلبي} من فطر على نيل شيء جبل على الشوق له، فلما كان إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام متهيئا # PageV04P064 # لقبول الطمأنينة قذف في قلبه طلبها، فأجابه الله بما قد هيأه له، فضرب ~~سبحانه وتعالى له مثلا أراه إياه، جعله جري العيان جلي الإيقان، وذلك أن ~~الله تعالى سبحانه هو الأحد الذي لا يعد ولا يحد وكان من تنزل تجليه لعباده ~~أنه الإله الواحد، والواحد بريء من العد، فكان أول ظهور الخلق هو أول ظهور ~~العد، فأول العد الاثنان {ومن كل شيء خلقنا زوجين} [الذاريات: 49] فالاثنان ~~عد هو خلق كل واحد منهما واحد، فجعل تعالى اثنين كل واحد منهما اثنان لتكون ~~الاثنينية فيه كلا وجزءا فيكون زوجا من زوج، فكان ذلك العد هو الأربع، ~~فجعله الله سبحانه وتعالى أصلا لمخلوقاته فكانت جملتها وتره، فجعل الأقوات ~~من أربع # {وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام} [فصلت: 10] وجعل الأركان التي خلق ~~منها صور المخلوقات أربعا، وجعل الأقطار أربعا، وجعل الأعمار أربعا، وقال ~~عليه الصلاة والسلام: «خير الرفقاء أربعة، وخير البعوث أربعون، وخير ~~السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف» والمربعات في أصول الخلق كثيرة ~~تتبعها العلماء واطلع عليها الحكماء {هو الذي بعث في الأميين رسولا} ~~[الجمعة: 2] # PageV04P065 # ولما كان خلق آدم وسائر المخلوقات من مداد الأركان التي هي الماء والتراب ~~والهواء والنار فأظهر منها الصور {وصوركم فأحسن صوركم} [غافر: 64] ثم أظهر ~~سبحانه وتعالى قهره بإماتته وإفناء صوره، «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب ~~الذنب، منه خلق وفيه يركب» فكان بددها في أربعة أقطار شرقا وغربا وشمالا ~~وجنوبا، أرى خليله عليه الصلاة والسلام كيف يدعو خلقه من أقطار آفاقه ~~الأربعة ms0567 بعد بددها واختلاطها والتئام أجزائها على غير حدها، يقال إن عليا ~~رضي الله تعالى عنه ضرب بيده على قدح من فخار فقال: كم فيه من خد أسيل وعين ~~كحيل! {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} [ق: 4] فأرى تعالى خليله عليه الصلاة ~~والسلام مثلا من جملة ذلك {قال فخذ} بالفاء تحقيقا لمقاله وتصديقا فيما ~~تحقق من إيمانه وإبداء لاستحقاقه اليقين والطمأنينة بتقرر إيمانه {أربعة من ~~الطير} هو اسم جمع من معنى ما منه الطيران وهو الخفة من ثقل ما ليس من شأنه ~~أن يعلو في الهواء، جعل تعالى المثل من الطير لأن الأركان المجتمعة في ~~الأبدان طوائر تطير إلى أوكارها ومراكزها التي حددها الله تعالى لها جعلا # PageV04P066 # فيها لا طبعا واجبا منها، فإن الله عز وجل هو الحكيم الذي جعل الحكمة، ~~فمن أشهده الحكمة وأشهده أنه جاعلها فهو حكيمها، ومن أشهده الحكمة ~~الدنياوية ولم يشهده أنه جاعلها فهو جاهلها، فالحكمة شهود الحكمة مجعولة من ~~الله كل ماهية ممهاة، وكل معنوية ممعناة، وكل حقيقة محققة، فالطبع وما فيه ~~جعل من الله، من جهله ألحد ومن تحققه وحد. كذلك المعقول وما فيه إقباس من ~~الله وإراءة من أمر الله، من تقيد به واعتقده لا ينفك نسبة الحد في الطبع ~~واحتاج إلى ملجأ فتن التأويل في غيب الشرع، وكل ما سوى الحق موضوع معطي حظا ~~وحدا ينال ما أعطى ويعجز عما فوقه، للعقول حد تقف عنده لا تتعداه، فلذلك ~~جعلها تعالى طوائر يقهرها قفص الصورة وتمام التسوية، ويظهر تماسكها نفخ ~~الروح انتهى. وقوله سبحانه وتعالى، {فصرهن} أي اضممهن {إليك} أي لتعرف ~~أشكالها فيكون ذلك أثبت في أمرها. قال الحرالي: من الصور وهو استمالة ~~القلوب بالإحسان حتى يشتد إلى المستميل صغوها وميلها، وإشعاره ينبىء والله ~~سبحانه وتعالى أعلم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام رباهن وغذاهن حتى عرفنه ~~ليكون ذلك مثلا لما لله # PageV04P067 # سبحانه وتعالى في خلقه من تربيتهم بخلقهم ورزقهم حتى عرفوه بما احتاجوا ~~إليه، فوجدوه معرفة عجز عنه لا معرفة نيل له، فمتى دعاهم ms0568 من أقطار الآفاق ~~أجابوه إجابة هذه الطوائر لخليله بحظ يسير من تربيته لهن، وإذا كانت هذه ~~الأربع مجيبة للخليل عليه السلام بهذا الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف ~~تكون إجابة الجملة للجليل العزيز الحكيم! قال تعالى: {ثم اجعل} عطفا بكلمة ~~المهلة تجاوزا بعد تربيتهن عن ذبحهن ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لا ~~يبين في جملتها شيء من الصور الذاهبة، كما تصير المواليد ترابا عند موتها ~~وتبددها صورة واحدة ترابية ليتطابق المثل والممثول مطابقة تامة إلى ما وراء ~~ذلك من مجاوزة عبرة وروية {على كل جبل} من الجبال القريبة إليك {منهن جزءا} ~~والجزء بعض من كل يشابهه كالقطعة من الذهب ونحوه، فجعل الجبال مثل الأقطار ~~وهي لارتفاعها أمكن في الرؤية وأبعد من الاشتباه # {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} [يس: 53] {فإنما هي ~~زجرة واحدة # PageV04P068 # فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 13] فما كان بالصيحة والزجرة من الممثول ~~كان بالدعاء في المثل، كما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان بالصور ~~في المثل وجعله جزءا حيث كان يشبه بعضه بعضا {ثم ادعهن يأتينك سعيا} والسعي ~~هو العدو والقصد المسرع يكون في الحس، والمعنى في إتيان الطائر طائرا حظ من ~~منته وفي إتيانه سعيا حظ من ذلته، فلذلك جلبهن عليه سعيا بحال المتذلل ~~الطالب للرزق والأمنة من اليد التي عهد منها الرزق والجنبة التي ألف منها ~~الأمن فبدأ المثل مطابقا للمثول وغايته مرأى عين، فصار موقنا مطمئنا وليس ~~ذلك بأعجب من مشي الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى إلى خدمة ولده ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم، «وكذا إلحام يد معوذ بن عفراء بعد ما قطعت ~~وجاء يحملها كما ذكر في السير في غزوة بدر، فصارت مثل أختها» في أشياء من ~~أمثال ذلك، على أنه قد كان له من إحياء الموتى ما أذكره في آل عمران، وكان ~~لآحاد أمته من ذلك ما ذكره البيهقي في الدلائل منه عددا كثيرا، وإنما لم ~~يكثر ذلك على يده صلى الله عليه وسلم لأنه مرسل ms0569 إلى قوم لا يقرون بالبعث، ~~ومحط الإيمان التصديق بالغيب، فلو كثر وقوع ذلك له صلى الله عليه وسلم # PageV04P069 # لكشف الغطاء، وإذا كشف الغطاء عوجل من تخلف عن الإيمان بالعذاب وهو نبي ~~الرحمة صلى الله عليه وسلم، وأما عيسى عليه الصلاة والسلام فكان في قوم ~~يؤمنون بالآخرة ففعله ذلك لإظهار المعجزة بنوع أعلى مما كانوا يصلون إليه ~~بالطب، على أنه لا فرق في إظهار الخارق بين واحد وأكثر - والله سبحانه ~~وتعالى الموفق. # ولما أراه سبحانه وتعالى ملكوت الأرض صارت تلك الرؤية علما على عزة الله ~~من وراء الملكوت في محل الجبروت فقال: {واعلم أن الله} أي المحيط علما ~~وقدرة {عزيز} ولما كان للعزة صولة لا تقوى لها فطر المخترعين نزل تعالى ~~الخطاب إلى محل حكمته فقال: {حكيم *} فكان فيه إشعار بأنه سبحانه وتعالى ~~جعل الأشياء بعضها من بعض كائنة وبعضها إلى بعض عامدة وبعضها من ذلك البعض ~~معادة {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55] وهذه ~~الحكمة التي أشار إليها اسمه الحكيم حكمة ملكوتية جامعة لوصلة ما بين حكمة ~~الدنيا وحكمة الآخرة، لأن الحكيم بالحقيقة ليس من علمه الله # PageV04P070 # حكمة الدنيا وألبس عليه جعله لها بل ذلك جاهلها كما تقدم، إنما الحكيم ~~الذي أشهده الله حكمة الدنيا أرضا وأفلاكا ونجوما وآفاقا وموالد وتوالدا، ~~وأشهده أنه حكيمها، ومزج له علم حكمة موجود الدنيا بعلم حكمة موجود الآخرة، ~~وأراه كيفية توالج الحكمتين بعضها في بعض ومآل بعضها إلى بعض حتى يشهد ~~دوران الأشياء في حكمة أمر الآخرة التي هي غيب الدنيا إلى مشهود حكمة ~~الدنيا ثم إلى مشهود حكمة الآخرة كذلك عودا على بدء وبدءا على عود في ظهور ~~غيب الإبداء إلى مشهوده وفي عود مشهوده إلى غيبه {قالوا ربنا أمتنا اثنتين ~~وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] كذلك إلى المعاد الأعظم الإنساني {يوم يجمعكم ~~ليوم الجمع ذلك يوم التغابن} [التغابن: 9] فهذا هو الحكيم المتوسط الحكمة، ~~ثم وراء ذلك أمر آخر من على أمر الله في متعالي تجلياته بأسماء وأوصاف ~~يتعالى ويتعاظم للمؤمنين ويتبارك ms0570 ويستعلن للموقنين الموحدين، فله سبحانه ~~وتعالى العزة في خلقه وأمره وله الحكمة في خلقه وأمره ومن ورائها كلمته ~~التي لا ينفد تفصيل حكمها {قل لو كان البحر مدادا} [الكهف: 109] وكلماته لا ~~تحد ولا تعد # PageV04P071 # {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} [لقمان: 27] ، فهو العزيز الحكيم ~~العلي العظيم - انتهى. وهو أعلى من الجوهر الثمين وقد لاح بهذا أن قصد ~~الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين بل ~~إلى حق اليقين، وكأنه عد المرتبة الدنيا من الطمأنينة بالنسبة إلى العليا ~~عدما، وقيل: بل كان قصده بالسؤال رؤية المحيي ولكنه طلبها تلويحا فأجيب ~~بالمنع منها بوصف العزة تلويحا، وموسى عليه الصلاة والسلام لما سأل تصريحا ~~أجيب تصريحا، وسؤال الخليل عليه الصلاة والسلام ليس على وجه الشك، وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم «نحن أحق بالشك من إبراهيم» يرشد إلى ذلك، لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يشك، وإذا انتفى الشك عن الأحق انتفى الشك عن غيره ~~من باب الأولى، ولئن سلمنا فالمراد أنه فعل مثل ما يفعل الشاك إطلاقا لاسم ~~الملزوم على اللازم في الجملة، وأما نفس الشك فقد نفاه القرآن عنه صلى الله ~~عليه وسلم تصريحا بقوله «بلى» وتلويحا بكون هذه الآية عقب آية محاجته لذلك ~~الذي بهت، نقل # PageV04P072 # أن الشيخ أحمد أخا حجة الإسلام الغزالي سئل أيما أعلى المقام الإبراهيمي ~~في سؤال الطمأنينة أو المقام العلوي القائل: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا؟ ~~فقال: الإبراهيمي لقوله تعالى {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} [النمل: 14] ~~. # PageV04P073 # ولما انقضى جواب السؤال عن الملك الذي لا تنفع عنده شفاعة بغير إذنه ولا ~~خلة ولا غيرهما وما تبع ذلك إلى أن ختم بقصة الأطيار التي صغت إلى الخليل ~~بالإنفاق عليها والإحسان إليها ثنى الكلام إلى الأمر بالنفقة قبل ذلك اليوم ~~الذي لا تنفع فيه الوسائل إلا بالوجه الذي شرعه بعد قوله: {من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضاعفه له} [الحديد: 11] نظرا إلى أول السورة تذكيرا بوصف ~~المتقين حثا عليه، فضرب لذلك ms0571 مثلا صريحة لمضاعفتها فاندرج فيه مطلق الأمر ~~بها اندراج المطلق في المقيد وتلويحه الذي هو من جملة المشار إليه بحكيم ~~للاحياء، فصرح بأن النفقة المأمور بها من ذخائر ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه ~~إلا ما شرعه وهو من جليل العزة، وساقه على وجه يتضمن إحياء الموات الذي هو ~~أنسب الأشياء # PageV04P073 # لما قبله من نشر الأموات، فهو إيماء إلى الاستدلال على البعث بأمر محسوس، ~~وذلك من دقيق الحكمة، فكأنه سبحانه وتعالى يقول: إن خليلي عليه الصلاة ~~والسلام لما كان من الراسخين في رتبة الإيمان أهلته لامتطاء درجة أعلى من ~~درجة الإيقان بخرق العادة في رفع الأستار على يده عن إحياء الأطيار وأقمت ~~نمطا من ذلك لعامة الخلق مطويا في إحياء النبات على وجه معتاد فمن اعتبر به ~~أبصر ومن عمي عنه انعكس حاله وأدبر فقال سبحانه وتعالى: {مثل} فكان كأنه ~~قيل: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [الحديد: 11] {يا أيها الذين آمنوا ~~أنفقوا} [البقرة: 254] فإنه مثل {الذين ينفقون} أي يبذلون {أموالهم} بطيب ~~نفس {في سبيل الله} أي الذي له الكمال كله كمثل زارع مثل ما ينفقون {كمثل ~~حبة} مما زرعه. قال الحرالي: من الحب وهو تمام النبات المنتهي إلى صلاحية ~~كونه طعاما للآدمي الذي هو أتم الخلق، فالحب أكمل من الثمرة طعامية والثمرة ~~إدامية {أنبتت} أي بما جعل الله سبحانه وتعالى لها من قوة الإنبات بطيب # PageV04P074 # أرضها واعتدال ريها {سبع سنابل} بأن تشعب منها سبع شعب في كل شعبة سنبلة ~~وهو من السنبل. قال الحرالي: وهو مجتمع الحب في أكمامه، كأنه آية استحقاق ~~اجتماع أهل ذلك الرزق في تعاونهم في أمرهم، وتعريف بأن الحب يجمعه لا ~~بوحدته {في كل سنبلة مائة حبة} فصارت الحبة سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها. ~~قال الحرالي: فضرب المثل للإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من ~~التمام بالحرث الذي هو كيميا عباده يشهدون من تثميره حيث تصير الحبة أصلا ~~ويثمر الأصل سنابل ويكون في كل سنبلة أعداد من الحب، فكان ما ذكر تعالى ms0572 هو ~~أول الإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام وما يقبله من ~~التكثير، فإن ما أنبت أكثر من سبع إذا قصد بالتكثير أنبأ عنه بالسبع، لأن ~~العرب تكثر به ما هو أقل منه أو أكثر، فجعل أدنى النفقة في سبيل الله ~~سبعمائة ضعف، ثم فتح تعالى باب التضعيف إلى ما لا يصل إليه عد - انتهى. # فالآية من الاحتباك وتقديرها: مثل الذين ينفقون ونفقتهم كمثل حبة ~~وزارعها، فذكر المنفق أولا دليل على حذف الزارع ثانيا، وذكر الحبة ثانيا ~~دليل على حذف النفقة أولا. # PageV04P075 # ولما كان التقدير: فكما ضاعف سبحانه وتعالى للزارع حبته فهو يضاعف للمنفق ~~نفقته، عطف عليه قوله: {والله يضاعف لمن يشاء} بما له من السعة في القدرة ~~وكل صفة حسنى {والله} أي بما له من الكمال في كل صفة {واسع} لا يحد في صفة ~~من صفاته التي تنشأ عنها أفعاله {عليم *} فهو يضاعف لأهل النفقة على قدر ما ~~علمه من نياتهم؛ ولما ختم أول آيات هذه الأمثال بهاتين الصفتين ختم آخرها ~~بذلك إشارة إلى أن سعته قد أحاطت بجميع الكائنات فهو جدير بالإثابة في ~~الدارين، وأن علمه قد شمل كل معلوم فلا يخشى أن يترك عملا. # ولما كان الإنسان قد يزرع ما يكون لغيره بين أن هذا لهم بشرط فقال: - ~~وقال الحرالي: ولما كان للخلافة وخصوصا بالإنفاق موقع من النفس بوجوه مما ~~ينقص التضعيف أو يبطله كالذي يطرأ على الحرث الذي ضرب به المثل مما ينقص ~~نباته أو يستأصله نبه تعالى على ما يبطل؛ انتهى. فقال سبحانه وتعالى: ~~{الذين ينفقون} ورغبهم في إصلاحها ورهبهم من إفسادها بإضافتها إليهم فقال: ~~{أموالهم} وحث على الإخلاص في قوله: {في سبيل الله} أي الذي له الأسماء ~~الحسنى. # PageV04P076 # ولما كانت النفس مطبوعة على ذكر فضلها وكان من المستبعد جدا تركها له نبه ~~عليه بأداة البعد إعلاما بعظيم فضله فقال: {ثم لا يتبعون ما أنفقوا} بما ~~يجاهدون به أنفسهم {منا} قال الحرالي: وهو ذكره لمن أنفق عليه فيكون قطعا ~~لوصله بالإغضاء عنه ms0573 لأن أصل معنى المن القطع {ولا أذى} وهو ذكره لغيره ~~فيؤذيه بذلك لما يتعالى عليه بإنفاقه - انتهى. وكذا أن يقول لمن شاركه في ~~فعل خير: لو لم أحضر ما تم، وتكرير {لا} تنبيه على أن انتفاء كل منهما شرط ~~لحصول الأجر {لهم} ولم يقرنه بالفاء إعلاما بأنه ابتداء عطاء من الله ~~تفخيما لمقداره وتعظيما لشأنه حيث لم يجعله مسببا عن إنفاقهم {أجرهم} أي ~~الذي ذكره في التضعيف فأشعر ذلك أنه إن اقترن بما نهي عنه لم يكن لهم، ثم ~~زادهم رغبة بقوله: {عند ربهم} أي المحسن إليهم بتربيتهم القائم على ما يقبل ~~من النفقات بالحفظ والتنمية حتى يصير في العظم إلى حد يفوت الوصف {ولا خوف ~~عليهم} من هضيمة تلحقهم {ولا هم يحزنون *} على فائت، لأن ربهم سبحانه ~~وتعالى لم يترك شيئا من الفضل اللائق بهم إلا أوصله إليهم. # ولما أفهم هذا وهي ما لا يقترن بالشرط من الإنفاق فتشوقت # PageV04P077 # النفس إلى الوقوف على الحقيقة من أمره صرح به في قوله: {قول معروف} قال ~~الحرالي: وهو ما لا يوجع قلب المتعرض بحسب حاله وحال القائل. ولما كان ~~السائل قد يلح ويغضب من الرد وإن كان بالمعروف من القول فيغضب المسؤول قال: ~~{ومغفرة} للسائل إذا أغضب من رده {خير من صدقة} وهي الفعلة التي يبدو بها ~~صدق الإيمان بالغيب من حيث إن الرزق غيب فالواثق منفق تصديقا بالخلف إعلاما ~~بعظم فضله {يتبعها أذى} بمن أو غيره، لأنه حينئذ يكون جامعا بين نفع وضر ~~وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر {والله} أي والحال أن الملك الذي لا ~~أعظم منه {غني} فهو لا يقبل ما لم يأذن فيه. ولما رهب المتصدق بصفة الغني ~~رغبة في الحلم عمن أغضبه بكفران الإحسان أو الإساءة في القول عند الرد ~~بالجميل فقال: {حليم *} أي لا يعاجل من عصاه بل يرزقه وينصره وهو يعصيه ~~ويكفره. ولما شرط لقبولها شرطا ووهى # PageV04P078 # ما عري منها عنه أتبعه التصريح بالنهي عن إهماله والنص على محقه لها ~~وإبطاله وضرب لذلك مثلا ms0574 وضرب للمثل مثلا مبالغة في الزجر عن ذلك فقال: {يا ~~أيها الذين آمنوا} أي أقروا بذلك صدقوا إقراركم بأن {لا تبطلوا} قال ~~الحرالي: فبين أن ما اشترطه في الأجر المطلق مبطل للإنفاق - انتهى {صدقاتكم ~~بالمن والأذى} فربما وازى عقابهما ثواب الصدقة أو زاد فكان كالإبطال لأوله ~~إلى أن لا ثواب. قال الحرالي: فألحق عمل الإخلاص بآفة ما تعقبه بما بني على ~~أصل الرياء - انتهى. فقال: {كالذي ينفق ماله} لغير الله، إنما ينفقه {رئاء ~~الناس} أي لقصد أن يروه. قال الحرالي: هو الفعل المقصود به رؤية الخلق غفلة ~~عن رؤية الحق وعماية عنه. # ولما شبه المان والمؤذي بالمرائي لأنه أسقط الناس وأدناهم همة وأسوؤهم ~~نظرا وأعماهم قلبا فأولو الهمم العلية لا سيما العرب أشد شيء نفرة منه ~~وأبعده عنه وكان لمن يرائي حالان ألحقه # PageV04P079 # بأشدهما فقال: {ولا يؤمن بالله} أي الذي له صفة الكمال {واليوم الآخر} ~~الذي يقع فيه الجزاء بعد نقد الأعمال جيدها من رديئها. قال الحرالي: ولما ~~ضرب مثلا لنماء النفقة بالحرث ضرب مثلا لإبطالها بخطأ الحارث في الحرث ~~فقال: {فمثله} في إنفاقه مقارنا لما يفسده، ومثل نفقته {كمثل صفوان} وما ~~زرع عليه، وهو صيغة مبالغة من الصفا وهي الحجارة الملس الصلبة التي لا تقبل ~~انصداعها بالنبات - انتهى. {عليه تراب} فاغتر به بعض الجهلة فزرع عليه. # ولما كانت إزالة التراب عما وقع عليه عقب وقوعه أجدر ما زالت بحذافيره ~~ولا سيما إن كان حجرا أملس قال إبلاغا في إبطال الرياء للعمل: {فأصابه} أي ~~عقب كون التراب عليه من غير مهمة بخلاف ما يأتي من الربوة فإنها صفة لازمة ~~فلو تعقبها المطر لدام بدوامها فأفسدها {وابل} أي مطر كثير فأزال التراب ~~عنه {فتركه صلدا} أي صخرا لا يقبل النبات بوجه بل يخيب من # PageV04P080 # يأمله كما يقال أصله الزند إذا لم يور، فجعل قلب المؤذي المان بمنزلة ~~الصفوان الذي أصابه وابل المطر، فأذهب عائد نفقته كما أذهب بذر الحارث على ~~الصفوان وابل المطر الذي شأنه أن يصلح البذر - قاله الحرالي وفيه ms0575 تصرف. # ولما بان بهذا بطلان العمل في المثل والممثول ترجمة بقوله: {لا يقدرون} ~~أي الممثل لهم والممثل بهم {على شيء مما كسبوا} فالآية من الاحتباك ولما ~~كان الزارع على مثل هذا عجبا في الضلال والغباوة وكان التقدير: فإن الله لا ~~يقبل عمل المؤذين كما لا يقبل عمل المرائين، عطف عليه معلما أنه يعمي ~~البصراء عن أبين الأمور إذا أراد ومهما شاء فعل قوله: {والله} الذي له ~~الحكمة كلها {لا يهدي} أي لوجه مصلحة. ولما كان كل من المؤذي والمرائي قد ~~غطى محاسن عمله بما جره من السوء قال: {القوم الكافرين} وفي ذكره ولهذه ~~الجملة وحدها أشد ترهيب للمتصدق على هذا الوجه. # ولما فرغ من مثل العاري عن الشرط ضرب للمقترن بالشرط من # PageV04P081 # الإنفاق مثلا منبها فيه على أن غيره ليس مبتغى به وجه الله فقال: {ومثل} ~~قال الحرالي: عطفا على {الذي ينفق ماله رئاء الناس} {ولا يؤمن بالله واليوم ~~الآخر} عطف مقابلة وعلى {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} [البقرة: ~~261] عطف مناسبة - انتهى. {الذين ينفقون أموالهم} أي مثل نفقاتهم لغير علة ~~دنياوية ولا شائبة نفسانية بل {ابتغاء مرضات الله} أي الذي له الجلال ~~والإكرام فلذلك صلح كل الصلاح فعري عن المن والأذى وعيرهما من الشوائب ~~الموجبة للخلل قال الحرالي: والمرضاة مفعلة لتكرر الرضى ودوامه - انتهى. ~~{وتثبيتا من أنفسهم} بالنظر في إصلاح العمل وإخلاصه بالحمل على الحلم ~~والصفح والصبر على جميع مشاق التكاليف فإن من راض نفسه بحملها على بذل ~~المال الذي هو شقيق # PageV04P082 # الروح وذلت له خاضعة وقل طمعها في اتباعه لشهواتها فسهل عليه حملها على ~~سائر العبادات، ومتى تركها وهي مطبوعة على النقائص زاد طمعا في اتباع ~~الشهوات ولزوم الدناءات، فمن للتبعيض مفعول به مثلها في قولهم: لين من عطفه ~~وحرك من نشاطه {كمثل جنة} أي بستان ومثل صاحبها. قال الحرالي: ولما كان حرث ~~الدنيا حبا وثمرا جعل نفقات الأخرى كذلك حبا وتمرا. فمن أنفق في السبيل جعل ~~مثله كالحب، ومن أنفق ابتغاء لمرضاة الله جعل مثله كالجنة ms0576 التي لها أصل ~~ثابت تدور عليها الثمرات وهي ثابتة وتستغني من الماء بما لا يستغني به ~~الحرث لأن الحرث مستجد في كل وقت، كما أن الجهاد واقع عند الحاجة إليه ~~والمنفق ابتغاء مرضاة الله ينفق في كل وجه دائم الإنفاق، فكان مثله مثل ~~الجنة الدائمة ليتطابق المثلان بالممثولين، فعمت هذه النفقة جهات الإنفاق ~~كلها في جميع # PageV04P083 # سبل الخير - انتهى. # {بربوة} أي مكان عال ليس بجبل. قال الحرالي: في إعلامه أن خير الجنات ما ~~كان في الربوة لتنالها الشمس وتخترقها الرياح اللواقح، فأما ما كان من ~~الجنان في الوهاد تجاوزتها الرياح اللواقح من فوقها فضعفت حياتها، لأن ~~الرياح هي حياة النبات «الريح من نفس الرحمن» انتهى. ثم وصفها بقوله: ~~{أصابها وابل} أي مطر كثير {فأتت أكلها} أي أخرجته بإذن الله سبحانه وتعالى ~~حتى صار في قوة المعطي {ضعفين} أي مثل ما كانت تخرجه لو أصابها دون الوابل ~~- كذا قالوا: مثلين، والظاهر أن المراد أربعة أمثاله، لأن المراد بالضعف ~~قدر الشيء ومثله معه فيكون الضعفان أربعة - والله سبحانه وتعالى أعلم؛ ~~والآية من الاحتباك، ذكر المنفق أولا دال على حذف صاحب الجنة ثانيا، وذكر ~~الجنة ثانيا دال على حذف النفقة أولا. # ولما كان الوابل قد لا يوجد قال: {فإن لم يصبها وابل فطل} أي فيصيبها ~~لعلوها طل، وهو الندى الذي ينزل في الضباب. وقال الحرالي: الطل سن من أسنان ~~المطر خفي لا يدركه الحس حتى يجتمع، فإن المطر ينزل خفيا عن الحس وهو الطل، ~~ثم يبدو بلطافة وهو الطش، ثم يقوى وهو الرش، ثم يتزايد ويتصل وهو الهطل، ثم ~~يكثر ويتقارب وهو الوابل، ثم يعظم سكبه وهو الجود؛ فله # PageV04P084 # أسنان مما لا يناله الحس للطافته إلى ما لا يحمله الحس كثرة - انتهى. ~~والمعنى أن أهل هذا الصنف لا يتطرق إلى أعمالهم فساد، غايتها أن يطرقها ~~النقص باعتبار ضعف النيات، ولذلك كان التقدير تسبيبا عن ذلك: فالله بما ~~تستحقون على نياتكم عليم، فعطف عليه قوله: {والله} أي المحيط علما وقدرة ~~{بما تعملون} أي بما ms0577 ظهر منه {بصير *} كما هو كذلك بما بطن، فاجتهدوا في ~~إحسان الظاهر والباطن. وقدم مثل العاري عن الشرط عليه لأن درء المفاسد أولى ~~من جلب المصالح. # ولما قدم سبحانه وتعالى أن المن مبطل للصدقة ومثله بالرياء وضرب لهما ~~مثلا ورغب في الخالص وختم ذلك بما يصلح للترهيب من المن والرياء رجع إليهما ~~دلالة على الاهتمام بهما فضرب لهما مثلا أوضح من السالف وأشد في التنفير ~~عنهما والبعد منهما فقال - وقال الحرالي: ولما تراجع خبر الإنفاقين ~~ومقابلهما تراجعت أمثالها فضرب لمن ينفق مقابلا لمن يبتغي مرضاة الله تعالى ~~مثلا بالجنة المخلفة، انتهى. # فقال - منكرا على من يبطل عمله كأهل مثل الصفوان بعد كشف الحال بضرب هذه ~~الأمثال: {أيود أحدكم} أي يحب حبا شديدا # PageV04P085 # {أن تكون له جنة} أي حديقة تستر داخلها وعين هنا ما أبهمه في المثل الأول ~~فقال: {من نخيل} جمع نخلة وهي الشجرة القائمة على ساق الحية من أعلاها أشبه ~~الشجر بالآدمي، ثابت ورقها، مغذ مؤدم ثمرها، في كليتها نفعها حتى في خشبها ~~طعام للآدمي بخلاف سائر الشجر، مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله ~~{وأعناب} جمع عنب وهو شجر متكرم لا يختص ذهابة بجهة العلو اختصاص النخلة بل ~~يتفرع علوا وسفلا ويمنة ويسرة، مثله مثل المؤمن المتقي الذي يكرم بتقواه في ~~كل جهة - قاله الحرالي. # ولما كانت الجنان لا تقوم وتدومها إلا بالماء قال: {تجري من تحتها ~~الأنهار} أي لكرم أرضها. وقال الحرالي: وفي إشعاره تكلف ذلك فيها بخلاف ~~الأولى التي هي بعل فإن الجائحة في السقي أشد على المالك منها في البعل ~~لقلة الكلفة في البعل ولشدة الكلف في السقي - انتهى. # ولما وصفها بكثرة الماء ذكر نتيجة ذلك فقال: {له فيها من كل الثمرات} أي ~~مع النخل والعنب. ولما ذكر كرمها ذكر شدة # PageV04P086 # الحاجة إليها فقال: {وأصابه} أي والحال أنه أصابه {الكبر} فصار لا يقدر ~~على اكتساب {وله ذرية ضعفاء} بالصغر كما ضعف هو بالكبر {فأصابها} أي الجنة ~~مرة من المرات {إعصار} أي ريح شديدة جدا. قال ms0578 الحرالي: صيغة اشتداد بزيادة ~~الهمزة والألف فيه من العصر وهو الشدة المخرجة لخبء الأشياء، والإعصار ريح ~~شديدة في غيم يكون فيها حدة من برد الزمهرير، وهو أحد قسمي النار، نظيره من ~~السعير السموم. وقال الأصفهاني: ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء ~~كالعمود {فيه نار، فاحترقت} تلك الجنة وبقي صاحبها بمضيعة مع ضعفه وثقل ~~ظهره بالعيال وقلة المال. قال الحرالي: من الاحتراق وهو ذهاب روح الشيء ~~وصورته ذهابا وحيا بإصابة قاصف لطيف يشيع في كليته فيذهبه ويفنيه؛ فجعل ~~المثل الأول في الحب أي الذي على الصفوان لآفة من تحته. وجعل المثل في ~~الجنة بجائحة من فوقه كأنهما جهتا طرو العلل والآفات من جهة أصل أو فرع - ~~انتهى. فحال من رأى في أعماله أو آذى في صدقة ماله في يوم القيامة وأهواله ~~كحال هذا في نفسه وعياله عند خيبة # PageV04P087 # آماله، وروى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن عبيد بن عمير قال ~~قال عمر رضي الله تعالى عنه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «فيم ترون ~~هذه الآية نزلت {أيود أحدكم} إلى أن قال: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ~~ضربت مثلا لعمل، قال عمر رضي الله تعالى عنه: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، ~~قال عمر رضي الله تعالى عنه: لرجل غني يعمل بطاعة الله سبحانه وتعالى ثم ~~بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله» . # ولما بين لهم هذا البيان الذي أبهت بلغاء الإنس والجان نبههم على تعظيمه ~~لتبجيله وتكريمه بقوله مستأنفا: {كذلك} أي مثل هذا البيان {يبين الله} أي ~~الذي له الكمال كله {لكم الآيات} أي كلها {لعلكم تتفكرون *} أي ليكون حالكم ~~حال من يرجى أن يحمل نفسه على الفكر، ومن يكون كذلك ينتفع بفكره. وقال ~~الحرالي: فتبنون الأمور على تثبيت، لا خير في عبادة إلا بتفكر، كما أن ~~الباني لا بد أن يفكر في بنائه، كما قال الحكيم: أول الفكرة آخر العمل وأول ~~العمل آخر الفكرة، كذلك من حق أعمال الدين أن لا ms0579 تقع إلا بفكرة في إصلاح ~~أوائلها السابقة وأواخرها اللاحقة، فكانوا في ذلك صنفين بما يشعر به ~~{لعلكم} مطابقين للمثل متفكر مضاعف # PageV04P088 # حرثه وجنته وعامل بغير فكرة تستهويه أهواء نفسه فتلحقه الآفة في عمله في ~~حرثه وجنته من سابقه أو لاحقه - انتهى. # ولما رغب في الفعل وتخليصه عن الشوائب أتبعه المال المنفق منه فأمر بطيبه ~~فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {أنفقوا} أي تصديقا ~~لإيمانكم {من طيبات ما كسبتم} وإنما قدم الفعل لأنه ألصق بالإنسان وتطييبه ~~أعم نفعا، ولما ذكر ما أباحه سبحانه وتعالى من أرباح التجارات ونحوها أتبعه ~~ما أباحه من منافع النباتات ونحوها منبها بذلك على أن كل ما يتقلب العباد ~~فيه من أنفسهم وغيرها نعمة منه أنشأها من الأرض التي أبدعها من العدم ~~ترغيبا في الجود به وفي جعله خيارا حلالا وترهيبا من الشح به وجعله دينا أو ~~حراما فقال: {ومما أخرجنا} أي بعظمتنا {لكم} نعمة منا عليكم {من الأرض} قال ~~الحرالي: قدم خطاب المكتسبين بأعمالهم كأنهم المهاجرون وعطف عليهم المنفقين ~~من الحرث والزرع كأنهم الأنصار - انتهى. # ولما أمر بذلك أكد الأمر به بالنهي عن ضده فقال: {ولا تيمموا} أي لا ~~تتكلفوا أن تقصدوا {الخبيث منه} أي خاصة # PageV04P089 # {تنفقون} قال الحرالي: الخبيث صيغة مبالغة بزيادة الياء من الخبث وهو ما ~~ينافر حس النفس: ظاهره وباطنه، في مقابله ما يرتاح إليه من الطيب الذي ~~ينبسط إليه ظاهرا وباطنا، وقال: ففي إلاحته معنى حصر كأنهم لا ينفقون إلا ~~منه ليتجاوز النهي من ينفق من طيبه وخبيثه على غير قصد اختصاص النفقة من ~~الخبيث - انتهى. ثم أوضح قباحة ذلك بقوله: {ولستم بآخذيه} أي إذا كان لكم ~~على أحد حق فأعطاكموه {إلا أن تغمضوا} أي تسامحوا {فيه} بالحياء مع ~~الكراهة. قال الحرالي: من الإغماض وهو الإغضاء عن العيب فيما يستعمل، أصله ~~من الغمض وهي نومة تغشي الحس ثم تنقشع، وقال: ولما كان الآخذ هو الله ~~سبحانه وتعالى ختم بقوله: {واعلموا} انتهى. # وعبر بالاسم الأعظم فقال: {أن الله} المستكمل لجميع صفات ms0580 الكمال من ~~الجلال والجمال {غني} يفضل على من أسلف خيرا رغبة فيما عنده وليست به حاجة ~~تدعوه إلى أخذ الرديء ولا رغبكم في أصل الإنفاق لحاجة منه إلى شيء مما ~~عندكم # PageV04P090 # وإنما ذلك لطف منه بكم ليجري عليه الثواب والعقاب {حميد *} يجازي المحسن ~~أفضل الجزاء على أنه لم يزل محمودا ولا يزال عذب أو أثاب. قال الحرالي: وهي ~~صيغة مبالغة بزيادة ياء من الحمد الذي هو سواء أمر الله الذي لا تفاوت فيه ~~من جهة إبدائه وافق الأنفس أو خالفها. # ولما رغب سبحانه وتعالى في الإنفاق وختم آياته بما يقتضي الوعد من أصدق ~~القائلين بالغنى والإثابة في الدارين أتبعه بما للعدو الكاذب من ضد ذلك ~~فقال محذرا من البخل - في جواب من كأنه قال: هذا ما لا يشك فيه فما للنفوس ~~لا توجد غالبا إلا شحيحة بالإنفاق-: {الشيطان} أي الذي اسمه أسوأ الأسماء، ~~فإنه يقتضي الهلاك والبعد، وأحد الوصفين كاف في مجانبته فكيف إذا اجتمعا! ~~{يعدكم الفقر} المانع من الإنفاق. قال الحرالي: الذي لخوفه تقاطع أهل ~~الدنيا وتدابروا وحرصوا وادخروا. وكل ذلك لا يزيل الفقر، كل حريص فقير ولو ~~ملك الدنيا، وكل مقتنع غني، ومن حق من كان عبدا لغني أن يتحقق أنه غني يغني ~~سيده، ففي خوف الفقر إباق العبد عن ربه؛ والفقر فقد ما إليه الحاجة في وقت ~~من قيام المرء في ظاهره وباطنه - انتهى. {ويأمركم بالفحشاء} المبطلة له من ~~المن والأذى وغيرهما من مستلذات الأنفس وربما كان فيها إتلاف الأموال ~~وإذهاب # PageV04P091 # الأرواح. وقال الحرالي: وكل ما اجتمعت عليه استقباحات العقل والشرع ~~والطبع فهو فحشاء، وأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء، لمناسبة ذكر ~~الفقر، وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق ~~به الشر كله انتهى وفيه تصرف. # ولما ذكر ما للعدو من الشر أتبعه سبحانه وتعالى بما له من الخير فقال ~~مصرحا بما تقدم التلويح به: {والله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات ~~العلى الرحيم الودود {يعدكم مغفرة منه} لما وقع منكم ms0581 من تقصير، وفيه إشعار ~~بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره لما له من الإحاطة بصفات الكمال ~~ولما جبل عليه الإنسان من النقص {وفضلا} بالزيادة في الدارين، وكل نعمة من ~~فضل؛ ثم أكد ذلك بقوله: {والله} أي المحيط بكل كمال {واسع} لتضمنه معنى ~~حليم غني، وأتبعه بقوله: {عليم *} إشارة إلى أنه لا يضيع شيئا وإن دق. قال ~~الحرالي: وفي إشعاره توهين لكيد الشيطان ووعد كريم للمفتون بخوف الفقر وعمل ~~الفحشاء لما # PageV04P092 # علمه من ضعف الأنفس وسرعة قبولها من الوسواس - انتهى. فختم آخر آيات ~~الأمثال بما ختم به أولها ترغيبا وترهيبا. # PageV04P093 # ولما انقضى الكلام في الإنفاق والمال المنفق على هذا الأسلوب الحكيم ~~تصريحا وتلويحا وختم ذلك بهاتين الصفتين وتضمن ذلك مع التصريح بأنه عليم ~~أنه حكيم أتبع ذلك الوصف بأن من سعته وعلمه وحكمته أنه يهب من صفاته ما ~~يشاء لمن يشاء بأن يؤتيه الحكمة فيوقفه على علم ما خفي من هذه الأمثال ~~المتقنة والأقوال الحسنة تصريحا وتلويحا ويوفقه للعمل بذلك إنشاء وتصحيحا ~~فقال تعالى منبها على ترجيح العمل بأمر الرحمن وقبول وعده بأنه على مقتضى ~~العقل والحكمة وأن أمر الشيطان ووعده على وفق الهوى والشهوة: - وقال ~~الحرالي: ولما أبدى سبحانه وتعالى أمر الآخرة وأظهر ما فيها وبين أمر ~~الدنيا من الترتيب والتسبيب ورجع بعضها على بعض عودا على بدء أنبأ تعالى أن ~~ذلك من حكمته وأنهى الحكمة لما فيها من استيفاء حكمة الدارين فليس الحكيم ~~من علم أمر الدنيا بل من علم # PageV04P093 # أمر ما بين الدنيا والآخرة فداوى أدواء الدنيا بدواء الآخرة وداوى النفس ~~بدواء الدارين وضم جوامعها في تيسير الكلم كما ضمها لمن اصطفاه {ذلك مما ~~أوحى إليك ربك من الحكمة} [النحل: 39] فقال سبحانه وتعالى: {يؤتي الحكمة} ~~انتهى. وفي ترتيبها على واسع عليم بعد غني حميد بعد عزيز حكيم التحذير من ~~التعريض لإنفاق ما يرده لعزته وغناه وسعته ويذم عليه لعلمه لرداءته أو فساد ~~في نيته وإن خفي فإن ذلك خارج عن منهاج الحكمة منا ومقتضى الحكمة ms0582 منه ~~سبحانه وتعالى كما وقع لقابيل إذ قرب رديئا كما هو مشهور في قصته، ولعله ~~لوح إليه بالتذكر في ختام هذه الآية ثم بقوله: {وما للظالمين من أنصار} ~~فصار كأنه قال سبحانه وتعالى: واعلم أن الله عزيز حكيم يؤتي الحكمة وهي ~~العلم بالأشياء على ما هي عليه المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم {من ~~يشاء} من عباده، ثم مدح من حلاه بها فقال مشيرا ببناء الفعل للمفعول إلى ~~أنها مقصودة في نفسها: {ومن يؤت الحكمة} أي التي هي صفة من صفاته، وأشار ~~بالتعريف إلى كمالها # PageV04P094 # بحسب ما تحتمله قوى العبيد، والحكمة قوة تجمع أمرين: العلم المطابق وفعل ~~العدل وهو العمل على وفق العلم. قال الأصبهاني: والقرآن مملوء من الآيات ~~الدالة على أن كمال الإنسان ليس إلا هاتين القوتين {فقد أوتي خيرا كثيرا} ~~قال الحرالي ما معناه: إنه نكرة لما في الحكمة من التسبب الذي فيه كلفة ولو ~~يسرت فكان الخير الكثير المعرف في الكلمة لما فيها من اليسر والحياطة ~~والإنالة الذي لا ينال منه منال بسبب وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء فيصير ~~سبحانه وتعالى سمعه وبصره - إلى آخره. # ولما كان التقدير: فإن ذلك الذي أوتي الحكمة يصير ذا لب فيتأهل لأن يتذكر ~~بما يلقيه الله سبحانه وتعالى من كلمته ما بث في الأنفس والآفاق من حكمته ~~وصل به قوله: {وما يذكر} أي بكلام الله سبحانه وتعالى حكمه {إلا أولوا ~~الألباب *} # PageV04P095 # أي أصحاب العقول الصافية عن دواعي الهوى المنبعثة من التوهمات الحاصلة عن ~~الوسوسة فهم يترقون بالتذكر بأنهم لا حول لهم عن المسببات إلى أسبابها إلى ~~أن يصلوا إلى مسببها فيعرفوه حق معرفته. # وقال الحرالي: الذين لهم لب العقل الذي ينال لب الحس كأن الدنيا قشر تنال ~~بظاهر العقل، والآخرة لب تنال بلب العقل ظاهرا لظاهر وباطنا لباطن، من تذكر ~~ابتداء من الابتداءات السابقة ورد عليه فضل الله منه، من رجع من حسه إلى ~~نفسه تنشأت له أوصاف الفضائل النفسانية وترقى عما في محسوسه من المهاوي ~~الشهوانية، ومن تخلص من نفسه ms0583 إلى روحه تحسس بالوصلة الرحمانية والمحبة ~~الربانية، كذلك من ترقى من روحه إلى أمره تحقق بالإحاطة الوحدانية، ومن ~~استبطن من أمره إلى سره اجتمع إلى الأولية الفردانية؛ فهذا الترتيب من ~~كمالات هذه الحكمة المؤتاة المنزلة بالوحي في هذا الكتاب الجامع لنبأ ما ~~سبق وخبر ما لحق وباطن ما ظهر أنهى تعالى إلى ذكرها أعمال # PageV04P096 # الخلق وخصوصا في الجود بالموجود كما أنهى إقامة مبنى الدين بظهور وجوده، ~~فأنهى تنزيل أمره بظهور وجوده وأنهى استخلاف عباده بالانتهاء إلى مدد جوده، ~~فكان أعلى الحكمة الجود بالموجود فبذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - اتصل ~~ذكر آية الحكمة بالإنفاق نظما وبآية الكرسي مناظرة - انتهى. # ولما كان السياق سابقا ولاحقا للإنفاق علم أن التقدير: فما جمعتم من شيء ~~فإن الله مطالبكم في وضعه وجمعه بوجه الحكمة ومحاسبكم على ذلك، فعطف عليه ~~حثا على الإسرار بالنفقة في الخير والوفاء بالنذر وتحذيرا من الإنفاق في ~~المعصية ولو على أدق الوجوه بأنه يعلم ذلك كله ويجازي عليه قوله: {وما ~~أنفقتم من نفقة} أي في وجه من الوجوه، فدخل فيه جميع التوسعات المشروعات ~~عند النكاح والختان والولادة واتخاذ المسكن وفي الدعوات للإخوان وغير ذلك. # ولما كان الإنسان كثيرا ما يخشى فوات أمر فينذر إن حصل بنفقة في وجه خير ~~ونحو ذلك ولكن ربما ظن أن الترغيب في الإنفاق خاص بما ندب الله إليه ابتداء ~~لا بما ألزمه الإنسان نفسه # PageV04P097 # قال {أو نذرتم من نذر} وإدخال من لتأكيد الاستغراق. قال الحرالي: والنذر ~~إبرام العدة بخير يستقبل فعله أو يرتقب له ما يلتزم به وهو أدنى الإنفاق لا ~~سيما إذا كان على وجه الاشتراط، قال صلى الله عليه وسلم: «إنما يستخرج به ~~من البخيل» انتهى. {فإن الله} عظم الأمر بهذا الاسم الأعظم {يعلمه} ذكر ~~الضمير لأنه مع وضوح عوده إلى المتقدم أشد تعظيما للنذر لما قد يتوهم فيه ~~من النقص عن مندوب الشرع فتحروا في طيب ذلك والوفاء به وجميع ما يدخل فيه ~~من الأوامر والنواهي تحري من يطلب إرضاء ملك عظيم بما ms0584 يهدي إليه ويعرضه ~~عليه، فما تصرفتم فيه بالحكمة من إنفاق أو غيره فالله سبحانه وتعالى ~~يجازيكم عليه على حسب ما ذكر لكم من التضعيف، ومن فعل منكم شيئا منه على ~~غير وجه الحكمة فهو ظالم واضع للشيء في غير موضعه فهو مردود عليه ومعاقب به ~~وما له من ناصر، هكذا كان الأصل ولكنه سبحانه وتعالى عم وعلق الحكم بالوصف ~~فقال: {وما للظالمين} أي الواضعين للشيء في # PageV04P098 # غير موضعه {من أنصار *} قال الحرالي: ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخي ~~وبيد الكريم كلما عثر فيجد له نصيرا ولا يجد الظالم بوضع القهر موضع البر ~~ناصرا، وفيه استغراق نفي بما تعرب عنه كلمة من - انتهى. # ولما كان حال الإنفاق المحثوث عليه يختلف بالسر والجهر فكان مما يسأل عنه ~~قال سبحانه وتعالى حاثا على الصدقة في كلتا الحالتين مع ترجيح الإسرار لما ~~فيه من البعد عن الرياء: {إن تبدوا الصدقات} أي المتطوع بها، قال الحرالي: ~~وهي من أدنى النفقة ولذلك لا تحل لمحمد ولا لآل محمد لأنها طهرة وغسول ~~يعافها أهل الرتبة العلية والاصطفاء، وقال: والهدية أجل حق المال لأنها لمن ~~فوق رتبة المهدي والهبة لأنها للمثل {فنعما هي} فجمع لها الأمداح المبهمة ~~لأن نعم كلمة مبالغة تجمع المدح كله وما كلمة مبهمة تجمع الممدوح فتطابقتا ~~في الإبهام؛ وقال أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح: إن نعم،، وبئس للمبالغة ~~فالمراد بهما التناهي في المدح والذم ولاختصاصهما بهذا المعنى منعتا ~~التصرف، واقتصر بهما على المعنى لأن المدح والذم إنما يكونان متعلقين بما ~~ثبت واستقر، لا يمدح الإنسان بما لم يقع منه - # PageV04P099 # انتهى. {وإن تخفوها} حتى لا يعلم بها إلا من فعلتموها له. ولما كان ~~المقصود بها سد الخلة قال: {وتؤتوها الفقراء فهو} أي فذلك الإخفاء والقصد ~~للمحتاج {خير لكم} لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص الذي هو روح ~~العبادات، وفي تعريفها وجمعها ما ربما أشعر بعموم الفرض والنفل لما في ~~إظهار المال الخفي من التعرض للظلم والحسد وفي إفهام السياق أن الصدقة تجوز ms0585 ~~على الغني. ولما كان التقدير: فإنا نرفع بها درجاتكم، عطف عليه قوله: ~~{ويكفر عنكم من سيئاتكم} أي التي بيننا وبينكم. # ولما كان التقدير: فلا تخافوا من إخفائها أن يضيع عليكم شيء منها فإن ~~الله بكل ما فعلتموه منها عليم، عطف عليه تعميما وترغيبا وترهيبا: {والله} ~~أي الذي له كل كمال {بما تعملون} أي من ذلك وغيره {خبير *} فلم يدع حاجة ~~أصلا إلى الإعلان فعليكم بالإخفاء فإنه أقرب إلى صلاح الدين والدنيا ~~فأخلصوا فيه وقروا عينا بالجزاء عليه. # ولما حث سبحانه وتعالى على وجوه الخير ورغب في لزوم الهدى وكان أكثرهم ~~معرضين، لأن ما دعا إليه هادم لما جبلوا عليه # PageV04P100 # من الحب لتوفير المال والحفيظة على النفس، وكان صلى الله عليه وسلم شديد ~~الأسف عليهم دائم القلق من أجلهم لعظيم رحمته لهم وشفقته عليهم، فكان يجد ~~من تقاعدهم عما يدعوهم إليه من هذه الحالة العلية التي هي حكمة الله التي ~~رأسها الإيمان بالله واشتراء الآخرة بكلية الدنيا وجدا شديدا، خفض سبحانه ~~وتعالى عليه الأمر وخفف عليه الحال فقال: {ليس عليك} أي عندك {هداهم} حتى ~~تكون قادرا عليه، فما عليك إلا البلاغ، وأما خلق الهداية لهم فليس عليك ولا ~~تقدر عليه {ولكن الله} الذي لا كفوء له هو القادر على ذلك وحده فهو {يهدي ~~من يشاء} فظهر من هذا أنه يتعين أن يكون عليك بمعنى عندك ومعك ونحو ذلك، ~~لأن لكن للاستدراك وهو أن يكون حكم ما بعدها مخالفا لما قبلها وكلام أهل ~~اللغة يساعد على ذلك، قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: في حديث عمران ~~بن حصين رضي الله تعالى عنهما: كنت أضحي بالجذع وعلينا ألف شاة، معناه: ~~وعندنا ألف شاة، تقول العرب: علينا كذا وكذا، أي مننا - فسره قاسم؛ انتهى. ~~وهو يرجع إلى القدرة كما تقول: علي رضى فلان، أي أنا مطيق لذلك قادر على ~~حمله، فالمعنى: # PageV04P101 # لست تقدر على إيجاد الاهتداء فيهم أصلا وإنما ذلك إلى الله سبحانه وتعالى ~~فهو يهدي من يشاء فيفعل ما يقدره سبحانه له ms0586 من وجوه الهدى من نفقة وغيرها. ~~قال الحرالي ما معناه: إن الأنصار رضي الله تعالى عنهم من أول مراد بهذه ~~الجملة لأنه سبحانه وتعالى جعل فيهم نصرة دينه. # ولما كان المقصود الأعظم في هذه الحكمة وهذا الهدى إنما هو الهدى للتوسل ~~إلى الجواد بالجود بالنفس والمال النائل عموما القريب والبعيد والمؤمن ~~والكافر بمنزلة المطر الجود الذي يأخذ السهل والجبل حتى كان هذا الخطاب ~~صارفا لقوم تحرجوا من الصدقة على فقراء الكفار وصلة قراباتهم منهم فحملوا ~~على عموم الإنفاق - انتهى. فقال سبحانه وتعالى: {وما تنفقوا من خير} أي مال ~~ومعروف على مؤمن أو كافر يحل فعل ذلك معه ولو قل «لا تحقرن جارة لجارتها ~~ولو فرسن شاة» {فلأنفسكم} كما قيل له صلى الله عليه وسلم عن شاة ذبحت: ذهبت ~~أي بالهدية والصدقة إلا رقبتها! فقال: بقيت إلا رقبتها! فهو يفهم أنكم إن ~~بخلتم أو مننتم فإنما تفعلون # PageV04P102 # ذلك بأنفسكم. # ولما كان الكلام في النفقة مع المؤمنين المنفقين وفي سبيل الله وعبر عنها ~~بالخير وكل ذلك إشارة إلى الإخلاص الحري بحال المؤمن فقال: {وما} أي والحال ~~أنكم ما {تنفقون إلا ابتغاء} أي إرادة. # ولما كان تذكر الوجه لما له من الشرف أدعى إلى الاجتهاد في تشريف العمل ~~بإحسانه وإخلاصه قال: {وجه الله} أي الملك الأعظم من سد خلة فقير أو صلة ~~رحم مسلم أو كافر تجوز الصدقة عليه لا لأنفسكم ولا غيرها بل تخلصا من إمساك ~~المال بأداء الأمانة فيه إلى عباد الله لأنهم عباده، هذا هو الذي يدعو إليه ~~الإيمان فلا يظن لمؤمن أن يفعل غيره وذلك يقتضي البعد جدا عن الأذى والرياء ~~وكل نقيصة والملابسة لكل ما يوجب القبول من الكمال الحسي والمعنوي. # ولما كان الإيقان بالوفا مرغبا في الإحسان ومبعدا من الإساءة والامتنان ~~خوفا من جزاء الملك الديان قال {وما تنفقوا من خير} أي على أي وجه كان وبأي ~~وصف كان التصدق # PageV04P103 # والمتصدق عليه {يوف} أي يبالغ في وفائه بالتضعيف واصلا {إليكم وأنتم لا ~~تظلمون *} أي لا يقع عليكم ms0587 ظلم في ترك شيء مما أنفقتموه ولا في نقص مما ~~وعدتموه من التضعيف إن أحسنتم والمماثلة إن أسأتم. # ولما كان غالب هذه الأحكام التي ذكرت في الإنفاق من أجل المحاويج وكان ما ~~مضى شاملا للمؤمن وغيره بين أن محط القصد في الحث عليها المؤمن قال سبحانه ~~وتعالى: {للفقراء} أي هذه الأحكام لهم {الذين أحصروا} أي منعوا عن التكسب، ~~وأشار بقوله: {في سبيل الله} أي الذي له الجلال والإكرام إلى أن المقعد لهم ~~عن ذلك الاشتغال بإقامة الدين بالجهاد وغيره {لا يستطيعون ضربا في الأرض} ~~بالتجارة لأجل ذلك وأشار إلى شدة رضاهم عن الله سبحانه وتعالى بعدم شكايتهم ~~فقال: {يحسبهم الجاهل} أي الذي ليس عنده فطنة الخلص {أغنياء من} أجل ~~{التعفف} عن المسألة والتلويح بها قناعة بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى ~~مولاهم ورضي عنه # PageV04P104 # وشرف نفس، والتعفف تكلف العفة وهي كف ما ينبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ~~ووجهه - قاله الحرالي. # ولما ذكر خفاءهم على الغبي ذكر جلاءهم عند المتوسم فقال: {تعرفهم} أي يا ~~أبصر الموقنين وأفطنهم أنت ومن رسخت قدمه في متابعتك {بسيماهم} قال ~~الحرالي: وهي صيغة مبالغة من السمة والوسم وهي العلامة الخفية التي تتراءى ~~للمستبصر - انتهى. وتلك العلامة والله سبحانه وتعالى أعلم هي السكينة ~~والوقار وضعف الصوت ورثاثة الحال مع علو الهمة والبراءة من الشماخة والكبر ~~والبطر والخيلاء ونحو ذلك {لا يسئلون} لطموح أبصار بصائرهم عن الخلق إلى ~~الخالق {الناس} من ملك ولا غيره {إلحافا} سؤال إلزام، أخذا من اللحاف الذي ~~يتغطى به للزومه لما يغطيه، ومنه لاحفه أي لازمه. وقال الحرالي: هو لزوم ~~ومداومة في الشيء من حروف الحلف الذي هو إنهاء الخبر إلى الغاية كذلك اللحف ~~إنهاء السؤال إلى الغاية - انتهى. وإنما يسألون إن سألوا على وجه العرض # PageV04P105 # والتلويح الخفي، كما كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يستقرىء غيره ~~الآية ليضيفه وهو أعرف بها ممن يستقرئه فلا يفهم مراده إلا النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ فالتعبير بالتعفف يفيد الاجتهاد في العفة والمبالغة فيها، ~~والتقيد بالإلحاف ms0588 يدل على وقوع السؤال قليلا جدا أو على وجه التلويح لا ~~التصريح كما يؤيده ويؤكده المعرفة بالسيما. # ولما ذكر سبحانه وتعالى أخفى مواضع النفقة أشار إلى إخفائها لا سيما في ~~ذلك الموضع فقال: {وما تنفقوا من خير} أي في أي وقت أنفقتموه {فإن الله} أي ~~المستجمع لصفات الكمال {به عليم *} وإن اجتهدتم في إخفائه بإعطائه لمن لا ~~يسأل بأن لا يعرف أو بغير ذلك، وذكر العلم في موضع الجزاء أعظ مرغب وأخوف ~~مرهب كما يتحقق ذلك بإمعان التأمل لذلك. # ولما حض على النفقة فأكثر وضرب فيها الأمثال وأطنب في المقال ولم يعين ~~لها وقتا كان كأن سائلا قال: في أي وقت تفعل؟ فبين في آية جامعة لأصناف ~~الأموال والأزمان والأحوال أنها حسنة في كل وقت وعلى كل حال فقال: {الذين ~~ينفقون أموالهم} # PageV04P106 # أي في الوجوه الصالحة التي تقدم التنبيه عليها وقدم من المتقابلين ما كان ~~أقرب إلى الإخلاص اهتماما به دلالة على فضله فقال: {بالليل} إن اقتضى ذلك ~~الحال {والنهار} إن دعتهم إلى ذلك خطة رشد {سرا وعلانية} كذلك. # ولما كان الانتهاء عن المن والأذى في بعض الأحوال أشد ما يكون على النفس ~~لما يرى من المنفق عليه من الغض ونحو ذلك فلا يكاد يسلم منه أحد. # ابتدأ الجزاء في آيته من غير ربط بالفاء إشارة إلى العفو عما يغلب النفس ~~منه تنزيلا له منزلة العدم، وإيماء إلى تعظيمه بكونه ابتداء عطية من الملك، ~~ترغيبا في الكف عنه، لأنه منظور إليه في الجملة، وربط الجزاء في هذه إعلاما ~~بأنه مسبب عن هذه الأحوال، لأن الأفعال أيسر من التروك فحصوله متوقف على ~~حصولها، حثا على الإتيان بها كلها للسهولة في ذلك، لأن من سمح بالإنفاق لله ~~سبحانه وتعالى استوت عنده فيه الأوقات فقال: {فلهم أجرهم} وسببيته # PageV04P107 # كونه علامة لحصول الأجر، لا أنه سبب حقيقي، إنما السبب الحقيقي رحمة الله ~~بالتوفيق للعمل والاعتداد به، وأعلم بأنه محفوظ مضاعف مربي لا يضيع أصلا ~~بقوله: {عند ربهم} أي فهو يربي نفقاتهم ويزكيها كما رباهم، ms0589 ثم ختم آي ~~النفقات بما بدأها به من الأمن والسرور فقال: {ولا خوف عليهم} كما فرحوا ~~بها عن غيرهم {ولا هم يحزنون *} لأنه لا ثواب أعظم من ذلك، إذ لا عيشة ~~لحزين ولا خائف؛ ولشدة مشاق الإنفاق على الأنفس لا سيما في أول الإسلام لما ~~كانوا فيه من الضيق أكد تعالى فيه هذا التأكيد بجملته وبينه هذا البيان ~~الواضح حتى لم يبق فيه خفية وجه إلا أظهرها وحذر منها وقررها - أشار إلى ~~ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي فقال: فأفضلهم المنفق ليلا سرا. وأنزلهم ~~المنفق نهارا علانية؛ فهم بذلك أربعة أصناف - انتهى. # PageV04P108 # ولما كان سبحانه وتعالى قد ذكر النفقة مما أفاض عليهم من الرزق من أول ~~السورة إلى هنا في غير آية، ورغب فيها بأنواع من الترغيب في فنون من ~~الأساليب، وكان الرزق يشمل الحلال # PageV04P108 # والحرام، وكان مما يسترزقون به قبل الإسلام الربا، وهو أخذ مجانا، وهو في ~~الصورة زيادة وفي الحقيقة نقص وعيب، ضد ما تقدم الحث عليه من الإعطاء ~~مجانا، وهو في الظاهر نقص وفي الباطن زيادة وخير؛ نهاهم عن تعاطيه ونفرهم ~~منه، وبين لهم حكمه وأنه خبيث لا يصلح لأكل ولا صدقة، وجعل ذلك في أسلوب ~~الجواب لمن قال هل يكون النفقة المحبوبة المحثوث عليها من كل مال؟ فأجاب ~~بقوله: - وقال الحرالي: ولما كان حال المنفق لا سيما المبتغي وجه الله ~~سبحانه وتعالى أفضل الأحوال، وهو الحال الذي دعوا إليه؛ نظم به أدنى ~~الأحوال، وهو الذي يتوسل به إلى الأموال بالربا، فأفضل الناس المنفق، وشر ~~الناس المربي؛ فنظم به خطاب الربا فقال: - {الذين} ولما كان من الصحابة من ~~أكل الربا عبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا الجزاء يخص المصر فقال: {يأكلون ~~الربا} وهو الزيادة من جنس المزيد عليه المحدود بوجه ما - انتهى. فجرى على ~~عادة هذا الذكر الحكيم في ذكر أحد الضدين بعد الآخر، وعبر بالأكل عن ~~التناول، لأنه أكبر المقاصد وأضرها ويجري # PageV04P109 # من الإنسان مجرى الدم كالشيطان {لا يقومون} أي عند البعث يظهر ثقله في ~~بطونهم فيمنعهم ms0590 النشاط ويكون ذلك سيماهم يعرفون به بين أهل الموقف هتكا لهم ~~وفضيحة. وقال الحرالي: في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة، ~~ففي إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل، ~~يقبل في محل الإدبار ويدبر في محل الإقبال انتهى. وهو مؤيد بالمشاهدة فإنا ~~لم نر ولم نسمع قط بآكل ربا ينطق بالحكمة ولا يشهر بفضيلة بل هم أدنى الناس ~~وأدنسهم {إلا كما يقوم} المصروع {الذي يتخبطه} أي يتكلف خبطه ويكلفه إياه ~~ويشق به عليه {الشيطان} ولما كان ذلك قد يظن أنه يخبط الفكر بالوسوسة مثلا ~~قال: {من} أي تخبطا مبتدئا من {المس} أي الجنون، فأشار سبحانه وتعالى بذلك ~~إلى المنع من أن تكون النفقة من حرام ولا سيما الربا، وإلى أن الخبيث ~~المنهي عن تيمم إنفاقه قسمان: حسي ومعنوي، # PageV04P110 # والنهي في المعنوي أشد. وقال البيضاوي تبعا للزمخشري: وهو أي التخبط ~~والمس وارد على ما يزعمون أي العرب أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع وأن ~~الجني يمسه فيختلط عقله - انتهى. وظاهره إنكار ذلك وليس بمنكر بل هو الحق ~~الذي لا مرية فيه، قال المهدوي في تفسيره: وهذا دليل على من أنكر أن الصرع ~~من جهة الجن وزعم أنه فعل الطبائع. # وقال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد: وبالجملة فالقول بوجود ~~الملائكة والجن والشياطين مما انعقد عليه إجماع الآراء ونطق به كلام الله ~~سبحانه وتعالى وكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحكي مشاهدة الجن عن ~~كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات من الأولياء، فلا وجه لنفيها؛ وقال: الجن ~~أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أحوال عجيبة، والشياطين ~~أجسام نارية شأنها إلقاء الناس في الفساد والغواية؛ ولكون الهواء والنار في ~~غاية اللطافة والتشفيف كانت الملائكة والجن والشياطين يدخلون المنافذ ~~الضيقة حتى أجواف # PageV04P111 # الناس ولا يرون بحس البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات - انتهى. وقد ورد ~~في كثير من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن «الشيطان يجري من ابن ~~آدم مجرى الدم» وورد «أنه صلى الله ms0591 عليه وسلم أخرج الصارع من الجن من جوف ~~المصروع في صورة كلب» ونحو ذلك؛ وفي كتب الله سبحانه وتعالى المتقدمة ما لا ~~يحصى من مثل ذلك، فأما مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات وهو مصروع غائب الحس، ~~وربما كان يلقى في النار وهو لا يحترق، وربما ارتفع في الهواء من غير رافع، ~~فكثير جدا لا يحصى مشاهدوه - إلى غير ذلك من الأمور الموجبة للقطع أن ذلك ~~من الجن أو الشياطين؛ وها أنا أذكر لك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم من كتب الله القديمة ما فيه مقنع لمن تدبره - والله سبحانه وتعالى ~~الموفق: روى الدارمي في أوائل مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: «أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم # PageV04P112 # فقالت: يا رسول الله! إن ابني به جنون وإنه يأخذه عند أغدائنا وعشائنا ~~فيخبث علينا، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا فثع ثعة وخرج من ~~صدره مثل الجرو الأسود» فثع ثعة بمثلثة ومهملة أي قاء وللدارمي أيضا وعبد ~~بن حميد بسند صحيح حسن أيضا عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: «خرجت مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فركبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا، فعرضت ~~له امرأة معها صبي لها فقالت: يا رسول الله! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل ~~يوم ثلاث مرار، فتناول الصبي فجعله بينه وبين مقدم الرحل ثم قال: اخسأ عدو ~~الله أنا رسول الله ثلاثا! ثم دفعه إليها» وأخرجه الطبراني من وجه آخر وبين ~~أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك في حرة واقم، قال جابر: « # PageV04P113 # فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان فعرضت لنا المرأة ومعها صبيها ومعها ~~كبشان تسوقهما فقالت: يا رسول الله! اقبل مني هديتي، فوالذي بعثك بالحق ما ~~عاد إليه بعد ذلك! فقال: خذوا منها واحدا وردوا عليها الآخر» # وروى البغوي في شرح السنة عن يعلى ms0592 بن مرة رضي الله تعالى عنه. وفي ~~الإنجيل من ذلك كثير جدا، قال في إنجيل متى ولوقا ومرقس يزيد أحدهم على ~~الآخر وقد جمعت بين ألفاظهم: وجاء يعني عيسى عليه الصلاة والسلام إلى عبر ~~البحر إلى كورة الجرجسيين، وقال في إنجيل لوقا: التي هي مقابل عبر الجليل، ~~فلما خرج من السفينة استقبله مجنون، قال لوقا: من المدينة معه شياطين، وقال ~~متى مجنونان جائيان من المقابر رديئان جدا حتى أنه لم يقدر أحد أن يجتاز من ~~تلك الطريق فصاحا قائلين: ما لنا ولك يا يسوع! جئت لتعذبنا قبل الزمان؛ قال ~~لوقا: # PageV04P114 # وكان يربط بالسلاسل والقيود ويحبس، وكان يقطع الرباط ويقوده الشيطان إلى ~~البراري، فسأله يسوع: ما اسمك؟ فقال: لاجاون، لأنه دخل فيه شياطين كثيرة؛ ~~وقال مرقس: فقال له: اخرج أيها الروح النجس! اخرج من الإنسان، ثم قال له: ~~ما اسمك؟ فقال: لاجاون اسمي لأنا كثير، وطلب إليه أن يرسلهم خارجا من ~~الكورة؛ وكان هناك نحو الجبل قطيع خنازير كثيرة يرعى بعيدا منهم، فطلب إليه ~~الشياطين قائلين: إن كنت تخرجنا فأرسلنا إلى قطيع الخنازير فقال لهم: ~~اذهبوا، وقال مرقس: فأذن لهم يسوع، فللوقت خرجت الأرواح النجسة ودخلت في ~~الخنازير وقال: متى: فلما خرجوا ومضوا في الخنازير وإذا بقطيع خنازير قد ~~وثب على جرف وتواقع في البحر ومات جميعه في المياه، # PageV04P115 # وأن الرعاة هربوا ومضوا إلى المدينة وأخبروهم بكل شيء وبالمجنونين، فخرج ~~كل من في المدينة للقاء يسوع؛ قال مرقس: وأبصروا ذلك المجنون جالسا لابسا ~~عفيفا فخافوا، فلما أبصروه - يعني عيسى عليه الصلاة والسلام - طلبوا إليه ~~أن يتحول عن تخومهم؛ قال لوقا: لأنهم خافوا عظيما، وقال مرقس: فلما صعد ~~السفينة طلب إليه المجنون أن يكون معه فلم يدعه يسوع لكن قال له امض إلى ~~بيتك وعرفهم صنع الرب بك ورحمته إياك، فذهب وكرز في العشرة مدن، وقال كل ما ~~صنع به يسوع فتعجب جميعهم؛ وفي إنجيل لوقا معناه، وفي آخره: فذهب وكان ~~ينادي في المدينة كلها بكل ما صنعه معه يسوع؛ وفي إنجيل ms0593 متى: فلما خرج يسوع ~~من هناك قدموا إليه أخرس به شيطان، فلما خرج الشيطان تكلم الأخرس، فتعجب ~~الجميع قائلين: لم يظهر قط هكذا في بني إسرائيل، فقال الفريسيون: إنه ~~باركون الشياطين # PageV04P116 # يخرج الشياطين. # ثم قال: حينئذ أتى إليه بأعمى به شيطان أخرس، فأبرأه حتى أن الأخرس تكلم ~~وأبصر، فبهت الجمع كلهم وقالوا: لعل هذا هو ابن داود، فتسمع الفريسيون ~~فقالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا بباعل زبول رئيس الشياطين. # وفيه بعد ذلك: فلما جاء إلى الجمع جاء إليه إنسان ساجدا له قائلا: يا رب! ~~وفي إنجيل لوقا: يا معلم! ارحم ابني، فإنه يعذب في رؤوس الأهلة، ومرارا ~~كثيرة يريد أن ينطلق في النار، ومرارا كثيرة في الماء؛ وفي إنجيل مرقس: قد ~~أتيتك يا بني! وبه روح نجس وحيث ما أدركه صرعه وأزبده وضرر أسنانه فتركه ~~يابسا، وفي إنجيل لوقا: أضرع إليك أن تنظر إلى ابني، لأنه وحيدي، وروح ~~يأخذه فيصرخ بغتة ويلبطه بجهل، ويزيد عند انفصاله عنه ويرضضه، وضرعت # PageV04P117 # لتلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا؛ وفي إنجيل متى: وقدمته إلى تلاميذك فلم ~~يقدروا أن يبرئوه، أجاب يسوع: أيها الجيل الأعوج الغير مؤمن! إلى متى أكون ~~معكم! وحتى متى أحتملكم! قدمه إلى هنا؛ وفي إنجيل لوقا: وفيما هو جاء به ~~طرحه الشيطان ولبطه؛ وفي إنجيل مرقس: فلما رأته الروح النجسة من ساعته ~~صرعته وسقط على الأرض مضطربا مزبدا؛ ثم قال لأبيه: من كم أصابه هذا؟ فقال: ~~منذ صباه، ثم قال ما معناه: افعل معه ما استطعت وتحنن علينا، فقال له يسوع: ~~كل شيء مستطاع للمؤمن، فصاح أبو الصبي وقال: أنا أومن فأعن ضعف إيماني، ~~فلما رأى يسوع تكاثر الجمع انتهر الروح النجس وقال: يا أيها الروح الأصم ~~الغير ناطق! أنا آمرك أن تخرج منه ولا تدخل فيه، فصرخ # PageV04P118 # ولبطه كثيرا وخرج منه وصار كالميت، وقال كثير: إنه مات، فأمسك يسوع بيده ~~وأقامه فوقف؛ وفي إنجيل متى: فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان وبرىء الفتى في ~~تلك الساعة، حينئذ أتى التلامذة إلى يسوع منفردين ms0594 وقالوا له: لماذا لم نقدر ~~نحن نخرجه؟ فقال لهم يسوع: من أجل قلة إيمانكم، الحق أقول لكم أن لو كان ~~لكم إيمان مثل حبة خردل لقلتم لهذا الجبل: انتقل من هاهنا إلى هناك، فينتقل ~~ولا يعسر عليكم شيء، وهذا الجنس لا يخرج إلا بالصوم والصلاة؛ وقال مرقس: لا ~~يستطاع أن يخرج بشيء إلا بصلاة وصوم؛ وقال في إنجيل مرقس: إنه كان يعلم في ~~كفرناحوم مدينة في الجليل، قال: وكان في مجمعهم رجل فيه روح شيطان نجس فصاح ~~بصوت عظيم قائلا: ما لنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا! قد عرفنا من ~~أنت يا قدوس الله! فنهره يسوع قائلا: اسدد # PageV04P119 # فاك واخرج منه! فأقلقته الروح النجسة وصاح بصوت عظيم وخرج منه؛ وفي إنجيل ~~لوقا: فطرحه الشيطان في وسطهم وخرج منه ولم يؤلمه وخاف الجمع مخاطبين بعضهم ~~بعضا قائلين: ما هو هذا العلم الجديد الذي سلطانه يأمر الأرواح النجسة ~~فتطيعه! وخرج خبره في كل كورة الجليل؛ وفيه: ثم قام من هناك وذهب إلى تخوم ~~صور وصيدا ودخل إلى بيت فأراد أن لا يعلم أحد به، فلم يقدر أن يختفي، فلما ~~سمعت امرأة كانت بابنة لها روح نجس جاءت إليه وسجدت قدام قدميه، وكانت ~~يونانية صورية، وسألته أن يخرج الشيطان من ابنتها، فقال لها: دعي البنين ~~حتى يشبعوا أولا، لا تحسبن # PageV04P120 # أن يؤخذ خبز البنين يدفع للكلاب، وأجابت بنعم يا رب! والكلاب أيضا تأخذ ~~مما يسقط من المائدة من فتات الأطفال، فقال لها من أجل هذه الكلمة: اذهبي ~~قد خرج الشيطان من ابنتك، فذهبت إلى بنتها فوجدت الصبية على السرير ~~والشيطان قد خرج منها؛ وفي آخر إنجيل مرقس: إنه أخرج من مريم المجدلانية ~~سبعة شياطين؛ وفي إنجيل لوقا: وكان بعد ذلك يسير إلى كل مدينة وقرية ويكرز ~~ويكبر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر ونسوة كن أبرأهن من الأمراض والأرواح ~~الخبيثة: مريم التي تدعى المجدلانية التي أخرج منها سبعة شياطين ومرثا ~~امراة خوزي خازن هين ودس وسوسنة وأخوات كثيرات؛ وفي إنجيل لوقا: وفيما هو ms0595 ~~يعلم في أحد المجامع في السبت فإذا امرأة معها روح # PageV04P121 # مزمن منذ ثمان عشرة سنة وكانت منحنية لا تقدر أن تستوي البتة، فنظر إليها ~~يسوع وقال: يا امرأة! أنت محلولة من مرضك ووضع يده عليها، فاستقامت للوقت ~~ومجدت الله، فأجاب رئيس الجماعة وهو مغضب وقال للجميع: لكم ستة أيام ينبغي ~~العمل فيها وفيها تأتون وتستشفعون إلا في السبت! فقال: يا مراؤون! واحد ~~منكم يحل ثوره أو حماره من المدود في السبت ويذهب فيسقيه وهذه ابنة إبراهيم ~~كان الشيطان قد ربطها منذ ثمان عشرة سنة! أما كان يحل أن تطلق من هذا ~~الرباط في يوم السبت؟ فلما قال هذا الكلام أخزى كل من كان يقاومه. # وكل الشعب كانوا يفرحون بالأعمال الحسنة التي كانت منه - انتهى. # وإنما كتبت هذا مع كون ما نقل عن نبينا صلى الله عليه وسلم كافيا لأنه لا ~~يدفع أن يكون فيه إيناس له ومصادقة تزيد في الإيمان مع أن فيه دلائل رادة ~~على النصارى في ادعائهم التثليث والاتحاد # PageV04P122 # وأحسن ما رد على الإنسان من كلامه وبما يعتقده، وسيأتي إن شاء الله ~~سبحانه وتعالى في المائدة عند قوله سبحانه وتعالى: {وما من إله إلا الله} ~~ما يلتفت إلى بعض هذا ويشرحه شرحا جيدا نافعا وكذا في جميع ما أنقله من ~~الإنجيل كما ستراه إن شاء الله تعالى في مواضعه، وكل ما فيه من متشابه لم ~~تألفه مما يوهم اتحادا أو تثليثا فلا تزدد نفرتك منه وراجع ما سيقرر في آل ~~عمران وغيرها يرجع معك إلى المحكم رجوعا جليا، على أن أكثره إذا تؤملت ~~أطرافه وجدته لا شبهة فيه أصلا، وإن لم تكن أهلا للجري في مضمار ما ينسب ~~إلى أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: كن ممن يعرف الرجال بالحق ولا ~~تكن ممن يعرف الحق بالرجال، فانظر كتاب الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح ~~الإنجيل لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى تجده أول كثيرا مما ~~ذكرته بمثل تأويلي أو قريب منه، ولم أر كتابه إلا بعد ms0596 كتابتي لذلك - # PageV04P123 # والله سبحانه وتعالى الموفق. # وفي الآية إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى قضى بنزع نور العقل من المربي ودل ~~على ذلك بقوله: {ذلك} أي الأمر البعيد من الصواب {بأنهم} أي المربون ~~{قالوا} جدالا لأهل الله {إنما البيع} أي الذي تحصرون الحل فيه يا أهل ~~الإسلام {مثل الربا} في أن كلا منهما معاوضة، فنحن نتعاطى الربا كما ~~تتعاطون أنتم البيع، فما لكم تنكرونه علينا؟ فجعلهم الربا أصلا انسلاخ مما ~~أودعه الله في نور العقل وحكم الشرع وسلامة الطبع من الحكمة؛ والبيع كما ~~عرفه الفقهاء نقل ملك بثمن. وقال الحرالي: هو رغبة المالك عما في يده إلى ~~ما في يد غيره، والشراء رغبة المستملك فيما في يد غيره بمعاوضة بما في يده ~~مما رغب عنه، فلذلك كل شار بائع {وأحل} أي والحال أنه أحل {الله} الذي له ~~تمام العظمة المقتضية للعدل {البيع} أي لما فيه من عدل الانتفاع، لأنه ~~معاوضة على سبيل النصفة للتراضي من الجانبين، لأن # PageV04P124 # الغبن فيه غير محقق على واحد منهما، لأن من اشترى ما يساوي درهما بدرهمين ~~يمكن أن يبيعه بعد ذلك لرواجه أو وجود راغب فيه لأمر دعاه إليه بثلاثة ~~{وحرم الربا} لما فيه من اختصاص أحد المتعاملين بالضرر والغبن والآخر ~~بالاستئثار على وجه التحقيق، فإن من أخذ درهما بدرهمين لا يرجى خير ما فاته ~~من ذلك الوجه أصلا، وكذلك ربا المضاعفة وهو ما إذا طلب دينه فكان الغريم ~~معسرا فألزمه بالدفع أو الزيادة في الدين فإنه ليس في مقابلة هذا الزائد ~~شيء ينتفع به المدين. قال الحرالي: فيقع الإيثار قهرا وذلك الجور الذي ~~يقابله العدل الذي غايته الفضل، فأجور الجور في الأموال الربا، وأجور الجور ~~في الربا الربا كالذي يقتل بقتيل قتيلين، وكل من طفف في ميزان فتطفيفه ربا ~~بوجه ما؛ ولذلك تعددت أبواب الربا وتكثرت؛ قال قال صلى الله عليه وسلم: ~~«الربا بضع وسبعون بابا، # PageV04P125 # والشرك مثل ذلك وهذا رأسه» وهو ما كانت تتعامل به أهل الجاهلية، من ~~قولهم: إما أن تربي وإما أن ms0597 تقضي، ثم لحق به سائر أبوابه، فهو انتفاع ~~للمربي وتضرر للذي يعطي الربا، وهذا أشد الجور بين العبيد الذين حظهم ~~التساوي في أمر بلغة الدنيا؛ فكما أعلمهم سبحانه وتعالى أثر حكمة الخير في ~~الإنفاق أعلمهم أثر حكمة الشر في الربا في دار الآخرة وفي غيب أمر الدنيا ~~وكما أنه يعجل للمنفق خلفا في الدنيا كذلك يعجل للمربي محقا في الدنيا حسب ~~ما صرح به الخطاب بعد هذا الإشعار - انتهى. # ومادة بيع بجميع تقاليبها التسعة يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة: بيع ~~وعيب وعبي وبوع وبعو ووبع ووعب وعبو وعبا - تدور على الاتساع، فالبيع يدور ~~على التصرف التام بالقوة تارة وبالفعل أخرى، والذي بالفعل يكون بالملك تارة ~~وبغيره أخرى، والذي بالملك يكون بالتحصيل تارة وبالإزالة أخرى، ولا يخفى أن ~~كل ذلك من الاتساع فمن الذي بالقوة: باعه من السلطان سعى به إليه، وامرأة ~~بائع إذا كانت نافقة لجمالها، والبياعة السلعة، والبيع كسيد: المساوم، ~~وأبعته بمعنى عرضته للبيع؛ ومن # PageV04P126 # الذي بالفعل من غير ملك: باع على بيعه أي قام مقامه في المنزلة والرفعة ~~وظفر به، وكذا أبعت الرجل فرسا أي أعرته إياه ليغزو عليه؛ ومن الذي بالملك ~~إزالة: بعته وأبعته أي أزلت ملكي عنه بثمن، واستباعه سأله أن يبيعه منه، ~~وانباع نفق، وانباع لي في سلعته سامح في بيعها وامتد إلى الإجابة إليه؛ ومن ~~الذي بالملك تحصيلا: باع الشيء بمعنى اشتراه. قال الفارابي في ديوان الأدب: ~~قال أبو ثروان: بع لي تمرا بدرهم - يريد اشتر، وهذا الحرف من الأضداد، ~~وابتاعه: اشتراه. والعيب بمعنى الوصمة توسع الكلام في العرض وسببه توسع ~~الإنسان في قول أو فعل على غير منهاج العقل، والعيبة وعاء من أدم يوضع فيه ~~المتاع وهي أيضا الصدر والقلب وموضع السر، والعائب من اللبن الخادر أي ~~الآخذ طعم حموضة # PageV04P127 # إما من العيب وإما لأنه انتشر عن طعمه الأول؛ والعباية ضرب من الأكسية ~~لاتساعه عن الأزر ونحوها طولا وعرضا والرجل الجافي الثقيل تشبيها بها في ~~الخشونة والثقالة، وتعبئة الجيش تهيئته من موضعه كأن ms0598 مراكزه عياب له وضعت ~~كل فرقة منه في عيبتها، وعيبك من الجزور نصيبك، والتعابي أن يميل رجل مع ~~قوم وآخر مع آخرين لأن ذلك اتساع بالفريقين وانتشار من الرجلين؛ ومن ~~المهموز العبء - بالكسر وهو الحمل الثقيل من أي شيء كان لأنه بقدر وسع ~~الحامل أو فوق وسعه وهو أوسع مما دونه من الأحمال، وهو أيضا العدل لأنه يسع ~~ما يوضع فيه والمثل، ويفتح لأن الاثنين أوسع من الواحد، والعبء بالفتح ضياء ~~الشمس وهو واضح في السعة، وعبأ المتاع والأمر كمنع هيأ كعبأه تعبئة لأنه # PageV04P128 # أعطاه ما يسعه ووضعه في مواضع تسعه، والطيب صنعه وخلطه فاتسع بالخلط ~~وانتشرت رائحته بالصنعة؛ والعباء كساء معروف وهو يسع ما يلف به كالعباية، ~~والأحمق الثقيل الوخم وتقدم تخريجه ويمكن جعله من العبء بمعنى الحمل وبمعنى ~~الثقيل والمعبأة كمكنسة خرقة الحائض لأنها بقدر ما يسعه الفرج، والمعبأ ~~كمقعد المذهب لاتساعه للذاهب فيه، وما أعبأ به ما أصنع، وبفلان: ما أبالي ~~أي ما أوسع الفكر فيه - انتهى المهموز؛ والباع قدر مد اليدين والشرف ~~والكرم، والبوع أبعاد خطو الفرس في جريه، وبسط اليد بالمال، والمكان ~~المنهضم أي المطمئن في لصب الجبل - واللصب بالكسر الشعب الصغير من الجبل ~~أضيق من اللهب وأوسع من الشقب، واللهب مهواة ما بين كل جبلين أو الصدع في ~~الجبل أو الشعب الصغير، والشعب بالعين الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن # PageV04P129 # أرض أو ما انفرج بين الجبلين، والشقب بالقاف صدع يكون في لهوب الجبال ~~ولصوب الأودية دون الكهف توكر فيه الطير - وباعة الدار ساحتها، والبائع ولد ~~الظبي إذا باع في مشيه، وانباع العرق سال، والحية بسطت نفسها بعد تحويها ~~لتساور؛ والوباعة الاست لاتساعها بخروج الخارج منها، وكذبت وباعته أي حبق ~~يعني ضرط، والوباعة من الصبي ما يتحرك من يافوخه لامتداده إلى الحركة، ~~ووعبه كوعده أخذه أجمع، كأوعبه واستوعبه، وأوعب جمع، والشيء في الشيء أدخله ~~كله أي وسعه حتى دخل فيه، والوعب من الطرق: الواسعة، وبيت وعيب واسع؛ ~~والبعو الجناية والجرم لأن ذلك يوسع الكلام ms0599 في العرض، وهو أيضا العارية، ~~وبعاه قمره وأصاب منه، وبعاه بالعين أصابه بها كأنه وسع لعينه فيه حظا. # PageV04P130 # ولما كان الوعظ كما قال الحرالي دعوة الأشياء بما فيها من العبرة ~~للانقياد للإله الحق بما يخوفها ويقبضها في مقابلة التذكير بما يرجيها ~~ويبسطها، وكان فيما أخبر به سبحانه وتعالى عن حال المربي أتم زاجر لأن أجل ~~ما للإنسان بعد روحه عقله سبب عن ذلك قوله: {فمن جاءه} قال الحرالي: أطلق ~~الكلمة من علامة التأنيث النازل الرتبة ترفيعا لقدر هذه الموعظة الخفية ~~المدرك العظيمة الموقع {موعظة} بناء مبالغة وإعلاء لما أشعرت المفعلة ~~الزائدة الحروف على أصل لفظ الوعظ بما يشعر به الميم من التمام والهاء من ~~الانتهاء، فوضع الأحكام حكمة، والإعلام بثمراتها في الآخرة موعظة تشوق ~~النفس إلى رغبتها ورهبتها - انتهى. # ولما كان التخويف من المحسن أردع لأن النفس منه أقبل قال: {من ربه} أي ~~المربي له المحسن إليه بكل ما هو فيه من الخير. # PageV04P131 # قال الحرالي: في إشعاره أن من أصل التربية الحمية من هذا الربا - انتهى. ~~{فانتهى} أي عما كان سببا للوعظ. قال الحرالي: أتى بالفاء المعقبة فلم يجعل ~~فيه فسحة ولا قرارا عليه لما فيه من خبل العقل الذي هو أصل مزية الإنسانية ~~وإن لم يشعر به حكماء الدنيا ولا أطباؤها - انتهى. # ولما كان السياق بما أرشد إليه التعليل بقوله: {ذلك بأنهم قالوا} دالا ~~على أن الآية في الكفرة وأن المراد بالأكل الاستحلال أكد ذلك بقوله: {فله ~~ما سلف} أي من قبيح ما ارتكبه بعد أن كان عليه ولا يتبعه شيء من جريرته لأن ~~الإسلام يجب ما قبله وتوبة المؤمن لا تجب المظالم. قال الحرالي: والسلف هو ~~الأمر الماضي بكليته الباقي بخلفه، وقال: في إعلامه إيذان بتحليل ما استقر ~~في أيديهم من ربا الجاهلية ببركة توبتهم من استئناف العمل به في الإسلام ~~لما كان الإسلام يجب ما قبله، وفي طي إشعاره تعريض برده لمن # PageV04P132 # يأخذ لنفسه بالأفضل ويقوي إشعاره قوله {وأمره إلى الله} انتهى، أي فهو ~~يعامله بما له ms0600 من الجلال والإكرام بما يعلمه من نيته من خلوص وغيره. # ولما كان المربون بعد هذه الزواجر بعيدين من رحمة الله عبر عنهم سبحانه ~~وتعالى بأداة البعد في قوله: {ومن عاد} أي إلى تحليل الربا بعد انتهائه عنه ~~نكوبا عن حكمة ربه {فأولئك} أي البعداء من الله {أصحاب النار} ولما كانت ~~نتيجة الصحبة الملازمة قال: {هم فيها خالدون*} . # ولما كان المرغب في الربا ما فيه من الربح الناجز المشاهد، والمفتر عن ~~الصدقة كونها نقصا محققا بالحس بين أن الربا وإن كان بصورة الزيادة فهو نقص ~~وأن الصدقة وإن كانت بصورة النقص فهي زيادة لأن ذلك إنما هو بيده سبحانه ~~وتعالى فما شاء محقه وإن كان كثيرا # PageV04P133 # أو ما أراد نماه وإن كان يسيرا فقال كالتعليل للأمر بالصدقة والنهي عن ~~الربا ولكون فاعله من أهل النار: {يمحق الله} أي بما له من الجلال والقدرة ~~{الربا} بما يفتح له من أبواب المصارف. قال الحرالي: والمحق الإذهاب ~~بالكلية بقوة وسطوة {ويربي الصدقات} أي يزيد الصدقات بما يسد عنها مثل ذلك ~~ويربح في تقلباتها؛ ويجوز كونه استئنافا وذلك أنه لما تقرر أن فاعليه من ~~أصحاب النار ساقه مساق الجواب لمن كأنه قال: وإن تصدقوا من أموال الربا ~~وأنفقوا في سبيل الخير! إعلاما بأن الربا مناف للخير فهو مما يكون هباء ~~منثورا. ولما آذن جعلهم من أصحاب النار أن من لم ينته عن الربا أصلا أو ~~انتهى وعاد إلى فعله مرتبك في شرك الشرك قاطع نحوه عقبات: ثنتان منها في ~~انتهاك حرمة الله: ستر آياته في عدم الانتهاء، والاستهانة بها في العود ~~إليه، الثالثة انتهاك حرمة عباد الله فكان إثمه متكررا مبالغا فيه لا يقع ~~إلا كذلك عبر سبحانه وتعالى بصيغة # PageV04P134 # المبالغة في قوله عطفا على ما تقديره تعليلا لما قبله: فالمتصدق مؤمن ~~كريم والمربي كفار أثيم: {والله} المتصف بجميع صفات الكمال {لا يحب كل ~~كفار} أي في واجب الحق بجحد ما شرع من آياته وسترها والاستهانة بها، أو ~~كفار لنعمته سبحانه وتعالى بالاستطالة بما أعطاه ms0601 على سلب ما أعطى عباده ~~{أثيم *} في واجب الخلق، أي منهمك في تعاطي ما حرم من اختصاصاتهم بالربا ~~وغيره، فلذا لا يفعل معهم سبحانه وتعالى فعل المحب لا بالبركة في أموالهم ~~ولا باليمن في أحوالهم، وهذا النفي من عموم السلب، وطريقه أنك تعتبر النفي ~~أولا ثم تنسبه إلى الكل، فيكون المعنى: انتفى عن كل كفار أثيم حبه، وكذا كل ~~ما ورد عليك من أشباهه إن اعتبرت النسبة إلى الكل أولا ثم نفيت فهو لسلب ~~العموم، وإن اعتبرت النفي أولا ثم نسبته إلى الكل فلعموم السلب، وكذلك جميع ~~القيود؛ فالكلام المشتمل على نفي وقيد قد يكون لنفي التقييد وقد يكون ~~لتقييد النفي، فمثل: ما ضربته تأديبا، أي بل إهانة، سلب للتعليل والعمل # PageV04P135 # للفعل، وما ضربته إكراما له، أي تركت ضربه للإكرام، تعليل للسلب والعمل ~~للنفي، وما جاءني راكبا، أي بل ماشيا، نفي للكيفية، وما حج مستطيعا، أي ترك ~~الحج مع الاستطاعة، تكييف للنفي؛ وقد أشبع الشيخ سعد الدين التفتازاني رحمه ~~الله تعالى الكلام في ذلك في شرحه للمقاصد في بحث الرؤية عند استدلال ~~المعتزلة بقوله تعالى: # {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 104] . # PageV04P136 # ولما بين تعالى ما سلبه عن الكافرين من محبته أتبعه ما أثبته للمؤمنين ~~المصدقين من رحمة الملوح إليهم فيما قبل بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر ~~كما تقدم آنفا على وجه لم يخله من ذكر النفقة فقال تعالى مشيرا إلى قسيم ~~{ومن عاد} {إن الذين آمنوا} أي صدقوا بجميع ما أتتهم به الرسل صلوات الله ~~وسلامه عليهم عن الله سبحانه وتعالى {وعملوا} تصديقا لإيمانهم {الصالحات} ~~ائتمارا # PageV04P136 # وانتهاء لا سيما ترك الربا. # ولما كانت الصلاة زبدة الدين فيما بين الحق والخلق خصها بالذكر فقال: ~~{وأقاموا الصلاة} بجميع حدودها {إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر} ~~[العنكبوت: 45] . ولما كان الإيثار أجل ما بين الحق والخلق وزبدته إخراج ~~الواجب من المال عن طيب نفس قال: {وآتوا الزكاة} فضلا عن أن يبخلوا فضلا عن ~~أن يربوا ودل على أن جزاءهم بحسب النيات لثباتهم في فتنة الردة ms0602 بقوله: {لهم ~~أجرهم} وأعلم بحفظه وتنميمته بقوله: {عند ربهم} وآذن بتمام الانتفاع بقوله: ~~{ولا خوف عليهم} أي من طارق يطرقهم بغير ما يلائمهم لأنهم في كنف العزيز ~~العليم {ولا هم يحزنون} على شيء فاتهم فهم في غاية الرضى بما هم فيه، ~~ولعظيم الجدوى في ذلك كرره في هذه الآيات غير مرة ونوه به كرة في أثر كرة. # ولما كانت نتيجة الآية الماضية في الاعتماد على ما عند الله سبحانه ~~وتعالى من الأجر وعدم الحزن على ما فات من ربا وغيره والخوف # PageV04P137 # من شيء آت من فقر أو غيره ترك كل شيء ينسب إلى الربا وكان بين أهل ~~الإسلام وأهل الجاهلية وبين بعضهم وبعض معاملات في الجاهلية ربوية لم تتم ~~بعد بين أمرها نفيا لما قد يتوهم من قوله سابقا {فله ما سلف} من تحليل ~~بقايا الربا وأن النهي خاص بما تجدد منه فقال مخاطبا لأقرب من ذكره ممن ~~تلبس بالإيمان ولم يلتفت إلى غيرهم تشريفا لهم: {يا أيها الذين آمنوا} أي ~~أقروا بالتصديق بألسنتهم. ولما كان الربا قد يكون مؤجلا فيكون صاحبه قد مضت ~~عليه مدد وهو موطن نفسه على أخذه فيصير الكف عنه يعدل الموت عنده أبلغ ~~سبحانه وتعالى في التشديد في هذه المواعظ فقال: {اتقوا الله} أي الذي له ~~جميع العظمة تصديقا لإقراركم {وذروا} أي اتركوا أي ترك كان {ما بقي من ~~الربا} أي الذي كنتم تتعاملون به فلا تستحلوه ولا تأكلوه. # ولما لوح في أول الآية إلى أن من أصر فهو غير صادق # PageV04P138 # في دعوى الإيمان صرح بذلك في آخرها فقال: {إن كنتم مؤمنين} أي متصفين بما ~~ذكرتموه بألسنتكم. قال الحرالي: فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان وأكثر ~~بلايا هذه الأمة حتى أصابها ما أصاب بني إسرائيل من البأس الشنيع والانتقام ~~بالسنين إنما هو من عمل من عمل بالربا، وهذه الآية أصل عظيم في أحكام ~~الكفار إذا أسلموا فما مضى منها لم ينقص وما لم يمض لم يفعل - نبه عليه ~~الأصبهاني. # ولما كان من حق من عاند ms0603 السيد الأخذ سبب عن ذلك قوله: {فإن لم تفعلوا} أي ~~ترك الربا. قال الحرالي: في إشعاره أن طائقة منهم لا يذرونه بعد تحريمه بما ~~أنهم ليسوا من الذين كانوا مؤمنين - انتهى. {فأذنوا بحرب} أي عظيمة. قال ~~الحرالي: والحرب مدافعة بشدة عن اتساع، المدافع بما يطلب منه الخروج عنه ~~فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد مستطاع؛ ثم عظم أمرها بإيراد الاسم الأعظم ~~فقال: {من الله} العظيم الجليل {ورسوله} صلى الله عليه وسلم الذي هو أعظم ~~الخلائق بتشريفه بالإضافة إليه. وقال # PageV04P139 # الحرالي: الذي هيأه للرحمة، فكان نبي الرحمة محاربا له، فانقطعت وصلته من ~~الرحيم والشفيع - انتهى. {وإن تبتم} أي فعلتم بعد الإذن بالقتال أو قبله ما ~~أمركم الله به من ترك ما بقي منه {فلكم رؤوس أموالكم} أي كما هو حال البيع. ~~ولما كان ذلك هو العدل لأنه الحق قال: {لا تظلمون} أي بأخذ شيء مما بقي من ~~الربا {ولا تظلمون} بنقص من رأس المال أو دفع بمطال لأنه الحق. ولما كان ~~الناس منقسمين إلى موسر ومعسر أي غني وفقير كان كأنه قيل: هذا حكم الموسر ~~{وإن كان} أي وجد من المدينين {ذو عسرة} لا يقدر على الأداء في هذا الوقت ~~{فنظرة} أي فعليكم نظرة له. قال الحرالي: وهو التأخير المرتقب نجازه {إلى ~~ميسرة} إن لم ترضوا إلا بأخذ أموالكم؛ وقرأ نافع وحمزة بضم السين؛ قال ~~الحرالي: إنباء عن استيلاء اليسر وهي أوسع النظرتين، والباقون بالفتح إنباء ~~عن توسطها ليكون اليسر # PageV04P140 # في مرتبتين، فمن انتظر إلى أوسع اليسرين كان أفضل توبة - انتهى. {وأن ~~تصدقوا} أي وصدقتكم على المعسر بتركه له، ذلكم {خير} في الدنيا بما يبارك ~~الله سبحانه وتعالى {لكم} ويعوضكم وفي الآخرة بما يجزل لكم من الأجر. # ولما كان كل أحد يدعي العلم ويأنف أشد أنفة من النسبة إلى الجهل قال: {إن ~~كنتم تعلمون} أي إن كنتم من ذوي العلم فأنتم تعرفون صحة ما دعوتكم إليه مما ~~يقتضي الإدبار عنه أو الإقبال عليه، فإذا تحققتم ذلك فامتثلوه فإنه يقبح ~~على العلم ms0604 بقبح الشيء الإصرار عليه وإلا فبينوا أنه ليس بخير وإلا فأنتم من ~~أهل الاعوجاج بالجهل تقومون بالحرب والضرب والطعن كالسباع الضارية والذئاب ~~العاوية. وقال الحرالي: فأعلم سبحانه وتعالى أن من وضع # PageV04P141 # كيانه للعلم فكان ممن يدوم علمه؟ تنبه لأن خير الترك خير من خير الأخذ ~~فأحسن بترك جميعه - انتهى. # وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «لما أنزلت ~~الآيات الأواخر - وفي رواية: من آخر سورة البقرة في الربا - قرأهن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفي رواية: على الناس في المسجد - ثم حرم التجارة في ~~الخمر» وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «آخر آية نزلت على النبي ~~صلى الله عليه وسلم آية الربا» ولأبي عبيد عن ابن شهاب قال: آخر القرآن ~~عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين. وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~قال: آخر آية نزلت من القرآن {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: ~~281] قال: زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بعدها تسع ليال وبدىء ~~به يوم السبت ومات يوم الاثنين - انتهى. ولا مخالفة لأنها من آية الربا ~~والدين. وروى الحديث أبو عمرو الداني في كتاب «البيان في عدد آي القرآن» ~~وقال فيه: «قال الملك: اجعلها على # PageV04P142 # رأس ثمانين ومائتين من البقرة» . # ولما كان من المعلوم أنه لا يدفعه حجة كان التقدير: فامتثلوا ما أمرتم به ~~واجتنبوا ما نهيتم عنه، فعطف عليه تخويفا من يوم العرض عليه والمجازاة بين ~~يديه فقال - وقال الحرالي: لما أنهي الخطاب بأمر الدين وعلنه وأمر الآخرة ~~على وجوهها وإظهار حكمتها المرتبطة بأمر الدنيا وبين أمر الإنفاق والربا ~~الذي هو غاية أمر الدين والدنيا في صلاحهما وأنهى ذلك إلى الموعظة بموعود ~~جزائه في الدنيا والآخرة أجمل الموعظة بتقوى يوم الرجعة إلى إحاطة أمره ~~ليقع الختم بأجمل موعظة وأشملها ليكون انتهاء الخطاب على ترهيب الأنفس ~~لتجتمع عزائمها على ما هو ملاك أمرها من قبول صلاح دينها ودنياها ومعادها ~~من خطاب الله سبحانه وتعالى لها ms0605 فختم ذلك بكمال معناه بهذه الآية كما أنها ~~هي الآية التي ختم بها التنزيل أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هو في ~~الشكاية وهي آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في مقابلة {اقرأ ~~باسم ربك} [العلق: 1] الذي هو أول منزل النبوة # PageV04P143 # و {يا أيها المدثر} [المدثر: 1] الذي هو أول منزل الرسالة فكان أول الأمر ~~نذارة وآخره موعظة تبعث النفس على الخوف وتبعث القلب على الشوق من معنى ما ~~انختم به أمر خطاب الله سبحانه وتعالى في آية {مالك يوم الدين} [الفاتحة: ~~4] انتهى - فقال تعالى: {واتقوا يوما} أي في غاية العظم {ترجعون فيه} حسا ~~بذواتكم كما أنتم في الدنيا ومعنى بجميع أموركم رجوعا ظاهرا لا يحجبه شيء ~~من الأسباب ولا يحول دونه عارض ارتياب {إلى الله} الذي لا يحصر عظمته وصف ~~ولا يحيط بها حد، فيكون حالكم بعد النقلة من الدنيا كحالكم قبل البروز ~~إليها من البطن لا تصرف لكم أصلا ولا متصرف فيكم إلا الله ويكون حالكم في ~~ذلك اليوم الإعسار، لأنه لا يمكن أحد أن يكافىء ما لله سبحانه وتعالى عليه ~~من نعمه، فمن نوقش الحساب عذب؛ فإن كنتم تحبون المجاوزة عنكم هنالك # PageV04P144 # فتجاوزوا أنتم عن إخوانكم اليوم، وتصدقوا ما دمتم قادرين على الصدقة، ~~واتقوا النار في ذلك اليوم ولو بشق تمرة؛ وأشار سبحانه وتعالى إلى طول ~~وقوفهم ذلك الموقف في مقام الهيبة وتمادي حبسهم في مشهد الجلال والعظمة ~~بأداة التراخي في قوله {ثم} قال الحرالي وقيل: # «يا رسول الله! أين يكون الناس {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} ~~[إبراهيم: 48] ؟ قال: في الظلمة دون الجسر» وقال صلى الله عليه وسلم: ~~«يقيمون في الظلمة ألف سنة» وورد عن علي رضي الله تعالى عنه في تفصيل مواقف ~~يوم الجزاء أن الخلق يوقفون على قبورهم ألف سنة ويساقون إلى المحشر ألف ~~سنة، ويوقفون في الظلمة ألف سنة؛ ثم يكون انشقاق السماوات السبع وتبديل ~~الأرض وما شاء الله سبحانه وتعالى من أمره انتظارا لمجيئه؛ ففي عبرة مقاله ~~والله سبحانه ms0606 وتعالى أعلم أن ذلك يكون ستة آلاف # PageV04P145 # سنة وأنها كما بنيت في ستة أيام تهدم في ستة أيام {كما بدأنا أول خلق ~~نعيده} [الأنبياء: 104] ، فيكون ذلك تسعة أيام؛ ويكون مجيئه في اليوم ~~العاشر الذي هو يوم عاشوراء ذلك اليوم الذي تكرر مجيء أمره فيه في يوم ~~الدنيا - ثم وصف صلى الله عليه وسلم المواقف إلى منتهاها - انتهى. # ولما كان إيقاف الإنسان على كل ما عمل من سر وعلن في غاية الكراهة إليه ~~فضلا عن جزائه على كل شيء منه لا بالنسبة إلى موقف معين بني للمفعول قوله: ~~{توفى} أي تعطى على سبيل الوفاء {كل نفس ما كسبت} من خير وشر. قال الحرالي: ~~جاء بصيغة فعل المشعر بجري العمل على غير تكلف وتحمل، ففي إشعاره أنها توفى ~~ما كسبت من الخير وما كونت له من الشر وأن ما تكلفته من الشر وفي دخلتها ~~كراهية ربما غفر لها حيث لم تكن توفى ما كسبت وما اكتسبت كما قال في الآية ~~التي بعدها {لها # PageV04P146 # ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] فكان مكتسبها عليها وربما غفر ~~لها فإنها وفيت ما كسبته من الشر واشتمل عليه ظاهرها وباطنها حتى يسرت له - ~~انتهى. # ولما كانت عادة الناس أنه إذا بقي شيء يسير وقع في محل المسامحة وكان ~~اليسير يختلف باختلاف الأصل فالألف مثلا يتسامح فيه بمائة مثلا بين أن ~~الأمر عنده على غير ذلك فقال: {وهم لا يظلمون *} شيئا من الأشياء ولو قل، ~~وهذا إشارة إلى العدل بين عباده قال الحرالي: وهذه الآية ختم للتنزيل وختم ~~لتمام المعنى في هذه السورة التي هي سنام القرآن وفسطاطه وختم لكل موعظة ~~وكل ختم، فهو من خواص المحمدية الجامعة المفصلة من سورة الحمد المشيرة إلى ~~تفاصيل عظيم أمر الله في حقه وفي خلقه وفيما بينه وبين خلقه - انتهى. # ولما نهى سبحانه وتعالى عن الربا وكان أحد مدايناتهم وكان غيره من الدين ~~مأذونا فيه وهو من أنواع الإنفاق مع دخوله في المطالبة برؤوس الأموال عقب ~~ذلك بآية الدين. وأيضا فإنه ms0607 سبحانه # PageV04P147 # وتعالى لما ذكر في المال أمرين ينقصانه ظاهرا ويزكيانه باطنا: الصدقة ~~وترك الربا، وأذن في رؤوس الأموال وأمر بالإنظار في الإعسار وختم بالتهديد ~~فكان ذلك ربما أطمع المدين في شيء من الدين ولو بدعوى الإعسار اقتضى حال ~~الإنسان لما له من النقصان الإرشاد إلى حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد ~~والتنبيه على كيفية التوثق فقال: {يا أيها الذين آمنوا} كالذي تقدمه {إذا ~~تداينتم} من التداين تفاعل بين اثنين من الدين، والدين في الأمر الظاهر ~~معاملة على تأخير كما أن الدين بالكسر فيما بين العبد وبين الله سبحانه ~~وتعالى معاملة على تأخير - قاله الحرالي. أي أوقعتم بينكم ذلك. والدين مال ~~مرسل في الذمة سواء كان مؤجلا أو لا، وهو خلاف الحاضر والعين، وقال: {بدين} ~~مع دلالة الفعل عليه ليخرج بيع الدين بالدين، لأنه مداينة بدينين. قال ~~الحرالي: فكان # PageV04P148 # في إعلامه أي بالإتيان بصيغة إذا أنهم لا بد أن يتداينوا لأنها حين منتظر ~~في أغلب معناها - انتهى. وأرشد إلى ضبطه بالوقت إشارة إلى أنه يجوز كونه ~~حالا وإلى أن الأجل وهو الوقت المحدود وأصله التأخير إن كان مجهولا كان ~~باطلا بقوله: {إلى أجل مسمى} قال الحرالي: من التسمية وهي إبداء الشيء ~~باسمه للسمع في معنى المصور - وهو إبداء الشيء بصورته في العين. # ولما كان الله سبحانه وتعالى وهو العليم الخبير قد أجرى سنته في دينه ~~بالكتابة فأمر ملائكته وهم الأمناء العدول بإثبات أعمال الخلق لحكم ومصالح ~~لا تخفى وأنزل كتابه الشريف شهادة لهم وعليهم بما يوفونه في يوم الدين من ~~ثواب وعقاب قطعا لحججهم أمرهم أن يكون عملهم في الدين كما كان فعله في ~~الدين فأرشدهم إلى إثبات ما يكون دينهم من المعاملات لئلا يجر ذلك إلى ~~المخاصمات # PageV04P149 # فقال سبحانه وتعالى أمرا للإرشاد لا للإيجاب {فاكتبوه} وفي ذكر الأجل ~~إشارة إلى البعث الذي وقع الوعد بالوفاء فيه {أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا ~~وإنكم إلينا لا ترجعون *} [المؤمنون: 115] {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} ~~[الأنعام: 2] ولما أمر بالكتابة وكان المراد تحصيلها في الجملة ms0608 لا من أحد ~~بعينه لأن أغلب الناس لا يحسنها أتبعها الإرشاد إلى تخير الكاتب بقوله: ~~{وليكتب بينكم} أي الدين المذكور {كاتب} وإن كان صبيا أو عبدا كتابة مصحوبة ~~{بالعدل} استنانا به سبحانه وتعالى في ملائكته # {وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين *} [الانفطار: 10] {بأيدي سفرة * كرام ~~بررة *} [عبس: 15] . # ولما أرشد إلى تخير الكاتب تقدم إليه بالنهي تقديما لدرء المفاسد ثم ~~الأمر فقال: {ولا يأب كاتب أن يكتب} أي ما ندب إليه من ذلك {كما علمه الله} ~~أي لأجل الذي هو غني عنه وعن غيره # PageV04P150 # من خلقه شكرا له على تلك النعمة وكتابة مثل الكتابة التي علمها الله ~~سبحانه وتعالى لا ينقص عنها شيئا {فليكتب} وفي ذلك تنبيه على ما في بذل ~~الجهد في النصيحة من المشقة. # ولما كان ذلك وكان لا بد فيه من ممل بين من يصح إملاؤه للمكتوب فقال: ~~{وليملل} من الإملال وهو إلقاء ما تشتمل عليه الضمائر على اللسان قولا وعلى ~~الكتاب رسما - قاله الحرالي {الذي عليه الحق} ليشهد عليه المستملي ومن ~~يحضره. # ولما كانت الأنفس مجبولة على محبة الاستئثار على الغير حذرها مما لا يحل ~~من ذلك فقال: {وليتق الله} فعبر بالاسم الأعظم ليكون أزجر للمأمور ثم قال: ~~{ربه} تذكيرا بأنه لإحسانه لا يأمر إلا بخير، وترجية للعوض في ذلك إذا أدى ~~فيه الأمانة في الكم والكيف من الأجل وغيره؛ وأكد ذلك بقوله: {ولا يبخس} من ~~البخس وهو أسوأ النقص الذي لا تسمح به الأنفس لبعده عن # PageV04P151 # محل السماح إلى وقوعه في حد الضيم {منه شيئا} . # ولما كان هذا المملي قد يكون لاغي العبارة وكان الإملاء لا يقدر عليه كل ~~أحد قال سبحانه وتعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها} فلا يعتبر إقراره ~~لضعف رأيه ونظره ونقص حظه من حكمة الدنيا {أو ضعيفا} عن الإملاء في ذلك ~~الوقت لمرض أو غيره من صبا أو جنون أو هرم من الضعف وهو وهن القوى حسا أو ~~معنى {أو لا يستطيع أن يمل هو} كعي أو حياء أو عجمة ونحوه {فليملل ms0609 وليه} ~~القائم لمصالحه من أب أو وصي أو حاكم أو ترجمان أو وكيل {بالعدل} فلا يحيف ~~عليه ولا على ذي الحق. قال الحرالي: فجعل لسان الولي لسان المولى عليه، ~~فكان فيه مثل لما نزل به الكتاب من إجراء كلام الله سبحانه وتعالى على ~~ألسنة خلقه في نحو ما تقدم من قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ~~وما تفصل منها {الله ولي الذين آمنوا} [البقرة: 257] أمل ما عليهم من ~~الحقوق له فجعل كلاما من كلامه يتلونه، فكان الإملال منه لهم لتقاصرهم عن ~~واجب حقه تقاصر السفيه ومن معه عن إملال وليه عنه لرشده وقوته وتمكن # PageV04P152 # استطاعته - انتهى. # ولما لم يكن بين الكتابة والشهادة ملازمة نص عليها وبين أهلها فقال: ~~{واستشهدوا} أي اطلبوا الشهادة وأوجدوها مع الكتابة ودونها {شهيدين} قال ~~الحرالي فجعل شهادة الدين باثنين كما جعل الشاهد في الدين اثنين: شاهد ~~التفكر في الآيات المرئية وشاهد التدبر للآيات المسموعة، وفي صيغة فعيل ~~مبالغة في المعنى في تحقق الوصف بالاستبصار والخبرة - انتهى. # ولما بين عدد الشاهد بين نوعه فقال: {من رجالكم} وأعلم بالإضافة اشتراط ~~كونه مسلما وإطلاق هذا الذي ينصرف إلى الكامل مع ما يؤيده في الآية يفهم ~~الحرية كقوله {ولا يأب الشهداء} والإتيان بصيغة المبالغة في الشاهد وتقييده ~~مع ذلك بالرضى وتعريف الشهداء ونحوه. قال الحرالي: ولكثرة المداينة وعمومها ~~وسع فيها الشهادة # PageV04P153 # فقال: {فإن لم يكونا} أي الشاهدان {رجلين} أي على صفة الرجولية كلاهما ~~{فرجل وامرأتان} وفي عموم معنى الكون إشعار بتطرق شهادة المرأتين مع إمكان ~~طلب الرجل بوجه ما من حيث لم يكن، فإن لم تجدوا ففيه تهدف للخلاف بوجه ما ~~من حيث إن شمول الكتاب توسعة في العلم سواء كان على تساو أو على ترتب؛ ولما ~~كن ناقصات عقل ودين جعل ثنتان منهن مكان رجل - انتهى. ولما بين العدد بين ~~الوصف فقال: {ممن ترضون} أي في العدالة {من الشهداء} هذا في الديون ونحوها. ~~قال الحرالي: وفي مفهوم الشهادة استبصار نظر الشاهد لما في الشهود من إدراك ~~معنى خفي في ms0610 صورة ظاهر يهدي إليها النظر النافذ - انتهى. # ولما شرط في القيام مقام الواحد من الرجال العدد من النساء علله بما يشير ~~إلى نقص الضبط فيهن فقال: {أن تضل إحداهما} أي تغيب عنها الشهادة فتنساها ~~أو شيئا منها {فتذكر إحداهما الأخرى} فتهتدي إلى ما ضلت عنه بواسطة ~~الذاكرة. قال الحرالي: بما هي أعرف بمداخل الضلال عليها، لأن المتقاربين ~~أقرب في التعاون، وفي قراءتي التخفيف والتثقيل إشعار بتصنيف النساء صنفين ~~في رتبة هذه الشهادة من يلحقها الضلال عن بعض ما شهدت فيه حتى تذكر ~~بالتخفيف # PageV04P154 # ولا يتكرر عليها ذلك ومن شأنها أن يتكرر عليها ذلك، وفي إبهامه بلفظ إحدى ~~أي من غير اقتصار على الضمير الذي يعين ما يرجع إليه إشعار أن ذلك يقع ~~بينهما متناوبا حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر فأذكرت كل ~~واحدة منهما صاحبتها فلذلك يقوم بهما معا شاهد واحد حافظ - انتهى. وفي ذكر ~~الإذكار منع من الشهادة بدون الذكر، والآية من الاحتباك. ولما أفهم ذلك ~~الحث على الشهادة صرح به في قوله: {ولا يأب الشهداء} أي تحمل الشهادة ~~وأدائها بعد التحمل {إذا ما دعوا} دعاء جازما بما أفهمته زيادة ما. # ولما تم ذلك وكان صغير الحق وكبيره ربما تركت تهاونا بالصغير ومللا ~~للكبير حذر من ذلك ولم يجعله في صلب الأمر قبل الإشهاد بل أفرده بالذكر ~~تعظيما لشأنه فقال: {ولا تسئموا} من السآمة. قال الحرالي: بناء مبالغة وهو ~~أشد الملالة {أن تكتبوه} أي لا تفعلوا فعل السئيم فتتركوا كتابته {صغيرا} ~~كان الدين {أو كبيرا} طالت الكتابة أو قصرت. # قال الحرالي: ولم يكن قليلا أو كثيرا، لأن الكثرة والقلة واقعة بالنسبة ~~إلى الشيء المعدود في ذاته، والصغير والكبير يقع بالنسبة إلى المداين، ~~فربما كان الكثير في العدد صغير القدر عند الرجل الجليل المقدار، وربما كان ~~القليل العدد كثيرا بالنسبة إلى الرجل المشاحح فيه، فكان الصغر والكبر # PageV04P155 # أشمل وأرجع إلى حال المداين الذي هو المخاطب بأن يكتب انتهى. {إلى أجله} ~~أي الذي توافقتم وتواثقتم عليه. ms0611 # ولما كان كأنه قيل: ما فائدة ذلك؟ فقيل: {ذلكم} إشارة بأداة البعد وميم ~~الجمع إلى عظم جدواه. قال الحرالي: ولبيانه ووضوحه عندهم لم يكن إقبالا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقبل عليه في الأمور الخفية - انتهى. {أقسط} ~~أي أعدل فقد نقل عن ابن السيد أنه قال في كتابه الاقتضاب: إن قسط بمعنى جار ~~وبمعنى عدل. وقال الحرالي: {أقسط} من الإقساط وهو وضع القسط وهو حفظ ~~الموازنة حتى لا تخرج إلى تطفيف. ثم زاد تعظيمه بقوله: {عند الله} أي الذي ~~هو محيط بصفات الكمال بالنسبة إلى كل صفة من صفاته، لأنه يحمل على العدل ~~بمنع المغالطة والتلون في شيء من أحوال ذلك الدين {وأقوم للشهادة} أي وأعدل ~~في قيام الشهادة إذا طلب من الشاهد أن يقيمها بما هو مضبوط له وعليه ~~{وأدنى} أي أقرب في {ألا ترتابوا} أي تشكوا في شيء من الأمر الذي # PageV04P156 # وقع. قال الحرالي: ففي إشعاره أنه ربما داخل الرجل والرجلين نحو ما داخل ~~المرأتين فيكون الكتاب مقيما لشهادتهما، فنفى عن الرجال الريبة بالكتاب كما ~~نفى عن النساء الضلال بالذكر - انتهى. # ولما كان الدين المؤجل أعم من أن يكون قرضا أو تجارة ينمي بها المال ~~المأمور بالإنفاق منه في وجوه الخير النافعة يوم الدين وكان قد أكد في أمر ~~الكتابة تأكيدا ربما ظن معه الحث عليها ولو لم يكن أجل نبه على أن العلة ~~فيها الأجل الذي هو مظنة النسيان المستولي على الإنسان بقوله: {إلا أن ~~تكون} أي المداينة {تجارة حاضرة} هذا على قراءة عاصم، وكان في قراءة غيره ~~تامة {تديرونها بينكم} أي يدا بيد، من الإدارة. قال الحرالي: من أصل الدور ~~وهو رجوع الشيء عودا على بدئه {فليس عليكم} حينئذ {جناح} أي اعتراض في {ألا ~~تكتبوها} أي لأنها مناجزة وهي عرض زائل لا يكاد يستقر في يد أحد لأن القصد ~~به المتجر لا الاستبقاء # PageV04P157 # فبعد ما يخشى من التجاحد. # ولما كان البيع أعم من أن يقصد به المتجر أو غير ذلك من وجوه الانتفاع ~~قال: ms0612 {وأشهدوا} سواء كانت كتابة أو لا {إذا تبايعتم} أي على وجه المتجر ~~عاجلا أو آجلا أو لا للمتجر، لأن الإشهاد أبعد من الخلاف وأقرب إلى التصادق ~~بما فيه من الإنصاف، والأمر للإرشاد فلا يجب. # ولما ألزم في صدر الخطاب الكاتب أن يكتب والشهيد أن يجيب ولا يأبى وأكد ~~ذلك بصيغة تشمل المستكتب والمستشهد فقال ناهيا: {ولا يضار} يصح أن يكون ~~للفاعل والمفعول وهو صحيح المعنى على كل منهما {كاتب ولا شهيد} أي لا يحصل ~~ضرر منهم ولا عليهم. قال الحرالي: ففي إلاحته تعريض بالإحسان منه للشهيد ~~والكاتب ليجيبه لمراده ويعينه على الائتمار لأمر ربه بما يدفع عنه من ضرر ~~عطلته واستعماله في أمر من أمور دنياه، ففي تعريضه إجازة لما يأخذه الكاتب ~~ومن يدعي لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض # PageV04P158 # له فيما يضره التخلي عنه - انتهى. {وإن تفعلوا} أي ما نهيتم عنه من ~~الضرار وغيره {فإنه فسوق} أي خروج {بكم} عن الشرع الذي نهجه الله لكم. قال ~~الحرالي: وفي صيغة فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة - انتهى. # وختم آيات هذه المعاملات بصفة العلم بعد الأمر بالتقوى في غاية المناسبة ~~لما يفعله المتعاملون من الحيل التي يجتلب كل منهم بها الحظ لنفسه، ~~والترغيب في امتثال ما أمرهم به في هذه الجمل بأنه من علمه وتعليمه فقال ~~تعالى - عاطفا على ما تقدم من أمر ونهي، أو على ما تقديره: فافعلوا ما ~~أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه-: {واتقوا الله} أي خافوا الذي له العظمة ~~كلها فيما أمركم به ونهاكم من هذا وغيره. ولما كان التقدير استئنافا لبيان ~~فخامة هذه التنبيهات يرشدكم الله إلى مثل هذه المراشد لإصلاح ذات بينكم، ~~عطف عليه قوله: {ويعلمكم الله} أي يدريكم الذي له الكمال كله بذلك على ~~العلم. وقال الحرالي: وفي قوله: {يعلم} بصيغة الدوام إيذان بما # PageV04P159 # يستمر به التعليم من دون هذا المنال انتهى. # وأظهر الاسم الشريف هنا وفي الذي بعده تعظيما للمقام وتعميما للتعليم ~~فقال: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {بكل شيء عليم *} وهذا ms0613 الختم ~~جامع لبشرى التعليم ونذارة التهديد. # PageV04P160 # ولما كان التقدير: هذا إذا كنتم حضورا يسهل عليكم إحضار الكاتب والشاهد، ~~عطف عليه قوله: {وإن كنتم} ولما كان الإنسان في السفر يكون مستجمع القوى ~~كامل الآلات تام الأهبة عبر بأداة الاستعلاء فقال: {على سفر} يعوز مثله ~~إحضار كاتب {ولم تجدوا كاتبا فرهان} أي فيغنيكم عن الكتب رهن يكون بدلا ~~عنه، وقرىء: فرهان، وكلاهما جمع رهن - بالفتح والإسكان، وهو التوثقة بالشيء ~~مما يعادله بوجه ما. وأشار بأن بدليتها لا تفيد إلا بما وصفها من قوله: ~~{مقبوضة} أي بيد رب الدين وثيقة لدينه. # PageV04P160 # ولما كان التقدير: هذا إن تخوفتم من المداين، عطف عليه قوله: {فإن أمن} ~~ولما كان الائتمان تارة يكون من الدائن وتارة يكون من الراهن قال: {بعضكم ~~بعضا} أي فلم تفعلوا شيئا من ذلك {فليؤد} أي يعط، من الأداء وهو الإتيان ~~بالشيء لميقاته. ولما كان المراد التذكير بالإحسان بالائتمان ليشكر ولم ~~يتعلق غرض بكونه من محسن معين بني للمفعول قوله: {الذي اؤتمن} من الائتمان ~~وهو طلب الأمانة وهو إيداع الشيء لحفيظته حتى يعاد إلى المؤتمن - قاله ~~الحرالي: {أمانته} وهو الدين الذي ترك المؤتمن التوثق به من المدين إحسانا ~~إليه وحسن ظن به، وكذا إن كان الائتمان من جهة الراهن {وليتق الله} ~~المستجمع لصفات العظمة {ربه} أي الذي رباه في نعمه وصانه من بأسه ونقمه ~~وعطف عليه قلب من أعطاه وائتمنه ليؤدي الحق على الصفة التي أخذه بها فلا ~~يخن في شيء مما اؤتمن عليه. # PageV04P161 # ولما كانت الكتابة لأجل إقامة الشهادة وكانت الأنفس مجبولة على الشح ~~مؤسسة على حب الاستئثار فيحصل بسبب ذلك مخاصمات ويشتد عنها المشاحنات وربما ~~كان بعض المخاصمين ممن يخشى أمره ويرجى بره فيحمل ذلك الشهود على السكوت ~~قال سبحانه وتعالى: {ولا تكتموا الشهادة} أي سواء كان صاحب الحق يعلمها أو ~~لا. ولما نهى أتبع النهي التهديد فقال: {ومن يكتمها فإنه آثم} ولما كان ~~محلها القلب الذي هو عمدة البدن قال: {قلبه} ومن أثم قلبه فسد، ومن فسد ~~قلبه فسد كله، ms0614 لأن القلب قوام البدن، إذا فسد فسد سائر الجسد. # ولما كان التقدير: فإن الله سبحانه وتعالى عالم بأنه كتم وكان للشهداء ~~جهات تنصرف بها الشهادة عن وجه الإقامة عطف عليه قوله - ليشمل التهديد تلك ~~الأعمال بإحاطة العلم: {والله} أي # PageV04P162 # المحيط بجميع صفات الكمال. ولما كان الإنسان هو المقصود الأعظم من سائر ~~الأكوان فكانت أحواله مضبوطة بأنواع من الضبط كأن العلم البليغ مقصور عليه ~~فلذلك قدم قوله: {بما تعملون} أي كله وإن دق سواء كان فعل القلب وحده أو لا ~~{عليم *} قال الحرالي: فأنهى أمر ما بين الحق والخلق ممثولا وأمر ما بين ~~الخلق والخلق مثلا - انتهى. # ولما أخبر عن سعة علمه دل عليه بسعة ملكه المستلزم لسعة قدرته ليدل ذلك ~~على جميع الكمال لأنه قد ثبت كما قال الأصبهاني إن الصفات التي هي كمالات ~~حقيقة ليست إلا القدرة والعلم المحيط فقال واعدا للمطيع متوعدا للعاصي ~~مصرحا بأن أفعال العباد وغيرها مخلوق له: - وقال الحرالي: ولما كان أول ~~السورة إظهار كتاب التقدير في الذكر الأول كان ختمها إبداء أثر ذلك الكتاب ~~الأول في الأعمال والجزاء التي هي الغاية في ابتداء أمر التقدير فوقع الختم ~~بأنه سلب الخلق ما في أيديهم مما أبدوه وما أخفوه من أهل السماوات والأرض؛ ~~انتهى - فقال: {لله} أي الملك الأعظم. ولما # PageV04P163 # كانت ما ترد لمن يغفل وكان أغلب الموجودات والجمادات عبر بها فقال: {ما ~~في السماوات} أي كله على علوها واتساعها من ملك وغيره {وما في الأرض} مما ~~تنفقونه وغيره من عاقل وغيره، يأمر فيهما ومنهما بما يشاء وينهى عما يشاء ~~ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويضاعف لمن يشاء. # ولما كان التقدير: فهو يعلم جميع ما فيهما من كتمانكم وغيره ويتصرف فيه ~~بما يريد، عطف عليه محذرا من يكتم الشهادة أو يضمر سوءا غيرها أو يظهره ~~قوله تعالى: {وإن تبدوا} أي تظهروا # PageV04P164 # {ما في أنفسكم} من شهادة أو غيرها {أو تخفوه} مما وطنتموه في النفس ~~وعزمتم عليه وليس هو من الخواطر التي كرهتموها ولم تعزموا عليها. ms0615 قال ~~الحرالي: من الإخفاء وهو تغييب الشيء وأن لا يجعل عليه علم يهتدي إليه من ~~جهته {يحاسبكم} من المحاسبة مفاعلة من الحساب والحسب، وهو استيفاء الأعداد ~~فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة والباطنة يعني ليجازي بها {به الله} ~~أي بذكره لكم وأنتم تعلمون ما له من صفات الكمال. قال الحرالي: وفي ضمن هذا ~~الخطاب لأولي الفهم إنباء بأن الله سبحانه وتعالى إذا عاجل العبد بالحساب ~~بحكم ما يفهمه ترتيب الحساب على وقوع العمل حيث لم يكن فيحاسبكم مثلا فقد ~~أعظم اللطف به، لأن من حوسب بعمله عاجلا في الدنيا خف جزاؤه عليه حيث يكفر ~~عنه بالشوكة يشاكها حتى بالقلم يسقط من يد الكاتب، فيكفر عن المؤمن بكل ما ~~يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من ذنوبه وفراغ من حسابه كالذي يتعاهد ~~بدنه وثوبه بالتنظيف فلا يتسخ ولا يدرن ولا يزال # PageV04P165 # نظيفا - انتهى وفيه تصرف. # ولما كان حقيقة المحاسبة ذكر الشيء والجزاء عليه وكان المراد بها هنا ~~العرض وهو الذكر فقط بدلالة التضمن دل عليه بقوله مقدما الترجئة معادلة لما ~~أفهمه صدر الآية من التخويف: {فيغفر لمن يشاء} أي فلا يجازيه على ذلك كبيرة ~~كان أو لا {ويعذب من يشاء} بتكفير أو جزاء. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بهذا أنه مطلق التصرف ختم الكلام دلالة على ذلك ~~بقوله مصرحا بما لزم تمام علمه من كمال قدرته: {والله} أي الذي لا أمر لأحد ~~معه {على كل شيء قدير *} أي ليس هو كملوك الدنيا يحال بينهم وبين بعض ما ~~يريدون بالشفاعة وغيرها. قال الحرالي: فسلب بهذه الآية القدرة عن جميع ~~الخلق - انتهى. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية خاصة بأمر الشهادة، ~~وقال الأكثرون: هي عامة كما فهمها الصحابة رضوان الله سبحانه وتعالى عليهم ~~في الوسوسة وحديث النفس المعزوم عليه وغيره ثم خففت بما بعدها، روى مسلم في ~~صحيحه عن أبي هريرة رضي الله # PageV04P166 # تعالى عنه قال: «لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لله ما في ~~السماوات} الآية إلى ms0616 {قدير} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: يا رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق: ~~الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من ~~قبلكم: {سمعنا وعصينا} [البقرة: 93] ، قولوا: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ~~وإليك المصير} قالوا: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} . # فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها {آمن الرسول بما ~~أنزل إليه} إلى {المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى وأنزل {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} إلى {أو أخطأنا} قال: نعم» قال البغوي: وفي رواية عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: قد فعلت، واستمر إلى آخر السورة كلما قرؤوا جملة ~~قال: نعم. فقد تبين # PageV04P167 # من هذا تناسب هذه الآيات، وأما مناسبتها لأول السورة ردا للمقطع على ~~المطلع فهو أنه لما ابتدأ السورة بوصف المؤمنين بالكتاب الذي لا ريب فيه ~~على الوجه الذي تقدم ختمها بذلك بعد تفصيل الإنفاق الذي وصفهم به أولها على ~~وجه يتصل بما قبله من الأوامر والنواهي والاتصاف بأوصاف الكمال أشد اتصال، ~~وجعل رأسهم الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام تعظيما للمدح وترغيبا في ~~ذلك الوصف فأخبر بإيمانهم بما أنزل إليه بخصوصه وبجميع الكتب وجميع الرسل ~~وبقولهم الدال على كمال الرغبة وغاية الضراعة والخضوع فقال استئنافا لجواب ~~من كأنه قال: ما فعل من أنزلت عليه هذه الأوامر والنواهي وغيرها؟ {آمن ~~الرسول} أي بما ظهر له من المعجزة القائمة على أن الآتي إليه بهذا الوحي ~~ملك من عند الله سبحانه وتعالى كما آمن الملك به بما ظهر له من المعجزة ~~الدالة على أن الذي أتى به كلام الله أمره الله سبحانه وتعالى بإنزاله ~~فعرفه إشارة إلى أنه أكمل الرسل في هذا الوصف باعتبار إرساله إلى جميع ~~الخلائق # PageV04P168 # الذين هم لله سبحانه وتعالى، وأنه الجامع لما تفرق فيهم من الكمال، وأنه ~~المخصوص بما لم يعطه أحد منهم ms0617 من المزايا والأفضال {بما أنزل إليه} أي من ~~أن الله سبحانه وتعالى يحاسب بما ذكر وغير ذلك مما أمر بتبليغه ومما اختص ~~هو به ورغب في الإيمان بما آمن به بقوله: {من ربه} أي المحسن إليه بجليل ~~التربية المزكي له بجميل التزكية فهو لا ينزل إليه إلا ما هو غاية في الخير ~~ومنه ما حصل له في دنياه من المشقة. # قال الحرالي: فقبل الرسول هذا الحساب الأول العاجل الميسر ليستوفي أمره ~~منه وحظه في دنياه، قال صلى الله عليه وسلم لما قالت له فاطمة رضي الله ~~تعالى عنها عند موته: واكرباه! : «لا كرب على أبيك بعد اليوم» وقال صلى ~~الله عليه وسلم فيما رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله تعالى عنه ~~«ما أوذي أحد في الله ما أوذيت» فنال حظه من حكمة ربه في دنياه حتى كان ~~يوعك كما يوعك عشرة رجال، وما شبع من خبز بر ثلاثا تباعا عاجلا حتى لقي ~~الله؛ وكذلك المؤمن لا راحة له دون لقاء ربه ولا سجن # PageV04P169 # عليه بعد خروجه من دنياه، «الحمى حظ كل مؤمن من النار» انتهى. ولما أخبر ~~عن الرأس أخبر عمن يليه فقال: {والمؤمنون} معبرا بالوصف الدال على الرسوخ ~~أي آمنوا بما ظهر لهم من المعجزة التي أثبتت أنه كلام الله سبحانه وتعالى ~~بما دلت على أن الآتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولما أجمل فصل فقال مبتدئا: {كل} أي منهم. قال الحرالي: فجمعهم في كلية ~~كأن قلوبهم قلب واحد لم يختلفوا، لأن القبول واحد والرد يقع مختلفا - ~~انتهى. ثم أخبر عن ذلك المبتدأ بقوله: {آمن بالله} أي لما يستحقه من ذلك ~~لذاته لما له من الإحاطة بالكمال {وملائكته} الذين منهم النازلون بالكتب، ~~لأن الإيمان بالمنزل يستلزم ذلك {وكتبه} أي كلها {ورسله} كلهم، من البشر ~~كانوا أو من الملائكة، فإن فيما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم الإخبار # PageV04P170 # بذلك. قال الحرالي: انقيادا لامتثال من البشر. # ولما كان في الناس من يؤمن ببعض الأنبياء ويكفر ببعض ms0618 قال مؤكدا لما ~~أفهمته صيغة الجمع المضاف من الاستغراق أي قالوا: {لا نفرق} كما فعل أهل ~~الكتاب وعبر بما يشمل الاثنين فما فوقهما فقال: {بين أحد} أي واحد وغيره ~~{من رسله} أي لا نجعل أحدا منهم على صفة الفرقة البليغة من صاحبه في ذلك بل ~~نؤمن بكل واحد منهم، والذي دل على تقدير «قالوا» دون غيره أنه لما أكمل ~~قولهم في القوة النظرية الكفيلة باعتقاد المبدأ أتبعه قولهم في القوة ~~العملية الكائنة في الوسط عطفا عليها: {وقالوا سمعنا} أي بآذان عقولنا كل ~~ما يمكن أن يسمع عنك وعلمناه وأذعنا له {وأطعنا} أي لكل ما فيه من أمرك. # قال الحرالي: فشاركوا أهل الكتاب في طليعة الإباء وخالفوهم في معاجلة ~~التوبة والإقرار بالسمع والطاعة فكان لهؤلاء ما للتائب وعلى أولئك ما على ~~المصر - انتهى. # PageV04P171 # ولما كان الإنسان محل الزلل والنقصان أشاروا إلى ذلك تواضعا منهم كما هو ~~الأولى بهم لمقام الألوهية فقالوا مع طاعتهم معترفين بالمعاد: {غفرانك} أي ~~اغفر لنا أو نسألك غفرانك الذي يليق إضافته إليك لما له من الكمال والشرف ~~والجلال ما قصرنا فيه ولا تؤاخذنا به فإنك إن فعلت ذلك هلكنا، والحاصل أنهم ~~طلبوا أن يعاملهم بما هو أهله لا بما هم أهله فجرى بما جراهم عليه في قوله: ~~{فيغفر لمن يشاء} . قال الحرالي: فهذا القول من الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كشف عيان، ومن المؤمنين نشء إيمان، ومن القائلين للسمع والطاعة قول إذعان، ~~فهو شامل للجميع كل على رتبته - انتهى. وزادوا تملقا بقولهم: {ربنا} ذاكرين ~~وصف الإحسان في مقام طلب الغفران. قال الحرالي: وهو خطاب قرب من حيث لم ~~يظهر فيه أداة نداء، ولم يجر الله سبحانه وتعالى على ألسنة المؤمنين في ~~كتابه العزيز نداء بعد قط؛ والغفران فعلان صيغة مبالغة تعطي الملء ليكون ~~غفرا للظاهر والباطن وهو مصدر محيط المعنى نازل # PageV04P172 # منزلة الاستغفار الجامع لما أحاط به الظاهر والباطن مما أودعته الأنفس ~~التي هي مظهر حكمة الله سبحانه وتعالى التي وقع فيها مجموع الغفران والعذاب ~~{فيغفر لمن ms0619 يشاء ويعذب من يشاء} ففي ضمنه بشرى بتعيين القائلين المذعنين ~~ومن تبعهم بالقول لحال المغفرة، لأن هذه الخواتيم مقبولة من العبد بمنزلة ~~الفاتحة لاجتماعهما في كونهما من الكنز الذي تحت العرش، وعلى ما ورد من ~~قوله: «حمدني عبدي - إلى أن قال: ولعبدي ما سأل» وعلى ما ورد في دعاء هذا ~~الختم في قوله: «قد فعلت قد فعلت» وبما ابتدأ تعالى به آية هذا الحساب ~~وختمها به من سلب الأمر أولا وسلب القدرة عما سواه آخرا، وكان في الابتداء ~~والختم إقامة عذر القائلين، فوجب لهم تحقق الغفران كما كان لأبيهم آدم حيث ~~تلقى الكلمات من ربه - انتهى. # ولما كان التقدير بما أرشد إليه {ربنا} : فإنه منك مبدأنا، عطف عليه قوله ~~حثا على الاجتهاد في كل ما أمر به ونهى عنه على وجه الإخلاص: {وإليك} أي لا ~~إلى غيرك {المصير} أي مطلقا لنا ولغيرنا. وقال ابن الزبير: ولما بين سبحانه ~~وتعالى أن الكتاب هو الصراط المستقيم ذكر افتراق الأمم كما يشاء وأحوال ~~الزائغين والمتنكبين تحذيرا من حالهم ونهيا عن مرتكبهم وحصل # PageV04P173 # قبيل النزول بجملته وانحصار التاركين وأعقب بذكر ملتزمات المتقين وما ~~ينبغي لهم امتثاله والأخذ به من الأوامر والأحكام والحدود وأعقب ذلك بأن ~~المرء يجب أن ينطوي على ذلك ويسلم الأمر لمالكه فقال سبحانه وتعالى: {آمن ~~الرسول بما أنزل} فأعلم أن هذا إيمان الرسول ومن كان معه على إيمانه وأنهم ~~قالوا: {سمعنا وأطعنا} لا كقول بني إسرائيل. # {سمعنا وعصينا} [البقرة: 93] وأنه أثابهم على إيمانهم رفع الإصر والمشقة ~~والمؤاخذة بالخطأ والنسيان فقال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ، فحصل من ~~هذه السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال أخذا وتركا ~~وبيان شرف من أخذ به وسوء حال من تنكب عنه. وكان العباد لما علموا {اهدنا ~~الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6]- إلى آخر السورة قيل لهم: عليكم بالكتاب - ~~إجابة لسؤالهم؛ ثم بين لهم حال من سلك ما طلبوا فكان قيل لهم: أهل الصراط ~~المستقيم وسالكوه هم الذين بين شأنهم وأمرهم، والمغضوب عليهم من المتنكبين ~~هم ms0620 اليهود الذين بين أمرهم وشأنهم، والضالون هم النصارى الذين بين # PageV04P174 # أمرهم وشأنهم؛ فيجب على من رغب في سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب ~~هؤلاء مما نبه عليه وأن يأخذ نفسه بكذا وكذا وأن ينسحب إيمانه على كل ذلك، ~~وأن يسلم الأمر لله الذي تطلب منه الهداية، ويتضرع إليه بأن لا يؤاخذه بما ~~يثمره الخطأ والنسيان، وأن لا يحمله ما ليس في وسعه، وأن يعفو عنه - إلى ~~آخر السورة؛ انتهى. # ولما منوا بالإيمان في سؤال الغفران عللوا السؤال بقولهم: {لا يكلف الله} ~~أي الملك الأعظم الرحيم الأكرم الذي له جميع صفات الكمال {نفسا إلا وسعها} ~~أي ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه، وذلك هو الممكن لذاته الذي يتعلق اختيار ~~العبد بفعله، ولم يخبر الله تعالى بأنه لا يقع لا المحال لذاته ولا الممكن ~~لذاته سواء كان مما لا مدخل للإنسان في اختياره كالنوم أو كان له مدخل فيه ~~وقد تعلق العلم # PageV04P175 # الأزلي بعدم وقوعه وأخبر سبحانه وتعالى بعدم وقوعه معينا لصاحبه، فهذا لا ~~يقع التكليف به ويجوز التكليف به؛ وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه ~~الثناء طلبا للوفاء بما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه ~~وتعالى خوفا من أن يكلفوا بما لله سبحانه وتعالى كما دلت عليه الآية وقول ~~المؤمنين عند نزولها وجواب النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يكلف به من ~~المؤاخذة بالوساوس التي لا يقع العزم عليها لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة ~~على دفعه فهو من باب: # إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء # ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن ~~له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم ومن صفات الحلم والرحمة والرأفة ~~ما يرفه عنهم ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله سبحانه وتعالى جزاء لهم على ~~قولهم {سمعنا وأطعنا} - الآية، # PageV04P176 # فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس الذي لا عزم فيه؛ فانتفى ما شق ~~عليهم من قوله {وإن تبدوا ما ms0621 في أنفسكم} - الآية، بخلاف ما أفاد بني ~~إسرائيل قولهم # {سمعنا وعصينا} [البقرة: 93] من الآصار في الدنيا والآخرة، فيكون حينئذ ~~استئنافا جوابا لمن كأنه قال: هل أجاب دعاءهم؟ ويكون شرح قوله أول السورة: ~~{أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5] ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه لحكم ما في ~~الوسع على طريق الاستئناف أو الاستفتاح بقوله: {لها} أي خاصا بها {ما كسبت} ~~وذكر الفعل مجردا في الخير إيماء إلى أنه يكفي في الاعتداد به مجرد وقوعه ~~ولو مع الكسل بل ومجرد نيته. قال الحرالي: وصيغة فعل مجردة تعرب عن أدنى ~~الكسب فلذلك من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة - انتهى. {وعليها} أي ~~بخصوصها {ما اكتسبت} فشرط في الشر صيغة الافتعال الدالة على الاعتمال إشارة ~~إلى أن من طبع النفس الميل إلى الهوى بكليتها وإلى أن الإثم لا يكتب إلا مع # PageV04P177 # التصميم والعزم القوي الذي إن كان عنه عمل ظاهر كان بجد ونشاط ورغبة ~~وانبساط، فلذلك من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وربما جاءت العبارة ~~بخلاف ذلك لمعنى في ذلك السياق اقتضاه المقام. # ولما بشرهم بذلك عرفهم مواقع نعمه في دعاء رتبه على الأخف فالأخف على ~~سبيل التعلي إعلاما بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسيانا ولا بما قارفوه خطأ ~~ولا حمل عليهم ثقلا بل جعل شريعتهم حنيفية سمحا ولا حملهم فوق طاقتهم مع أن ~~له جميع ذلك، وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم، ثم ~~رحمهم بأن أحلهم محل القرب فجعلهم أهلا للخلافة؛ فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم ~~على كل أمر ويظهر دينهم على كل دين، إذ كان سبحانه وتعالى هو الداعي عنهم، ~~وليكون الدعاء كله محمولا على الإصابة ومشمولا بالإجابة فقال سبحانه ~~وتعالى: {ربنا لا تؤاخذنا} أي لا تفعل معنا فعل # PageV04P178 # من يناظر خصما فهو يناقشه على كل صغير وكبير {إن نسينآ} أي ففعلنا ما ~~نهيتنا عنه {أو أخطأنا} أي فعلناه ذاكرين له لكنا لم نتعمد سوءا. قال ~~الحرالي: والخطأ هو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل ms0622 مع عزم الإصابة أو ود أن ~~لا يخطىء، وفي إجرائه من كلام الله سبحانه وتعالى على لسان عباده قبوله - ~~انتهى. وإعادة ربنا في صدر كل جملة من هذا الطراز كما تقدمت الإشارة إليه ~~في التذكير بعظم المقام في حسن التربية ولطف الإحسان والرأفة. # ولما كان ذلك قد يكون فإن له أن يكلف بما يشاء مع تحميل ما تعظم مشقته من ~~التكاليف فإنه لا يسأل عما يفعل قال: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا} أي ثقلا. # قال الحرالي: هو العهد الثقيل أي الذي في تحمله أشد المشقة - انتهى. ثم ~~عظم المنة # PageV04P179 # بقوله: {كما حملته على الذين من قبلنا} إشارة إلى أنه كان حمل على من سبق ~~من الأحكام ما يهد الأركان تأكيدا لما يحمل على الشكر على تخفيف ذلك عنا، ~~وأصل الإصر العاطف، أصره الشيء يأصره: عطفه، ويلزمه الثقل لأن الغصن إذا ~~ثقل مال وانعطف وهو المقصود هنا؛ وتلك الآصار المشار إليها كثيرة جدا، منها ~~ما في السفر الثاني من التوراة في القربان أنه ينضح من دك الذبيحة على ~~زوايا المذبح، ثم قال: ومن تقرب بذبح ثور أو غيره في مكان غير باب قبة ~~الزمان بيت الرب يعاقب ذلك الرجل عقوبة من قتل قتيلا لأنه سفك دما ويهلك ~~ذلك الرجل من شعبه، ومن أكل دما نزل به الغضب وهلك لأن أنفس البهائم هي ~~الدم، وإنما أمروا أن يقربوه على المذبح لغفران خطاياهم وتطهير أنفسهم لأنه ~~إنما يغفر للنفس بالدم، # PageV04P180 # ومن قرب قربانا أكل منه يوم ذبحه وثانيه، وما بقي في الثالث أحرق بالنار، ~~ومن أكل منه هلك من شعبه؛ ومن ذلك في ذوي العاهات أن من برص من الآدميين ~~يجلس وحده ولا يختلط مع الناس ويكون سكنه خارجا من محلة بني إسرائيل - حتى ~~ذكر البرص في الثياب والبيوت وغيرها، فما برص من الجلود والثياب يقطع موضع ~~البرص منه، فإن ظهر فيه بعد القطع أحرق كله بالنار، وإن ظهر في بيت برص ~~يهدم وتجمع حجارته وخشبه وترابه خارجا من القرية ويحرق بالنار؛ وكذا ms0623 مرض ~~السلس فيه تشديدات كثيرة، منها أن من جلس على ثوب عليه مسلوس يغسل ثيابه ~~ويستحم بالماء ويكون نجسا إلى الليل - ونحو هذا؛ ثم قال: وكلم الرب موسى ~~وقال له: هذه سنة الأبرص الذي يتطهر: يقدم إلى الكاهن ويخرجه خارجا من ~~العسكر وينظر الحبر # PageV04P181 # إن كانت ضربة البرص قد برأت وتطهر منها يأمر الحبر فيقدم، ويؤتى بعصفورين ~~حيين زكيين، وعود من خشب الأرز، وعهنة حمراء - وعد أشياء أخرى؛ وقربانا على ~~كيفية مخصوصة صعبة على عين ماء، ويغسل ثيابه وبدنه، ويحلق شعر رأسه ولحيته ~~وحاجبيه وكل شعر جسده، وأنه يمكث خارجا من بيته سبعة أيام، وفي اليوم ~~الثامن يأتي بقربان آخر فيقرب على كيفية مخصوصة، وينضح الكاهن من دمه على ~~ثياب وبدن هذا الذي تطهر من البرص، وكذا من زيت قربانه، ويصب بقيته على ~~رأسه. وكذا في مرض السلس إذا برأ المسلوس يمكث سبعة أيام، ثم يتطهر ويغسل ~~ثيابه، ويقرب قربانا في باب قبة الزمان. وقال: وأي رجل أمذى أو خرج منه ~~منيه يغسل جسده كله بالماء، ويكون نجسا إلى الليل؛ ومن دنا من الحائض يكون # PageV04P182 # نجسا إلى الليل وأي ثوب أو فراش وقعت عليه جنابة يغسل بالماء ويكون نجسا ~~إلى الليل وأي ثوب رقدت عليه وهي حائض كان نجسا، ومن دنا من فراشها يغسل ~~ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجسا إلى الليل، وكذا المستحاضة. # وفيه أيضا: وكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: المرأة إذا ~~حبلت وولدت ذكرا تكون نجسة سبعة أيام كما تكون في أيام حيضها، وفي اليوم ~~الثامن يختن الصبي، وتكون نجسة وتجلس مكانها ثلاثة وثلاثين يوما، لا تدنو ~~من شيء مقدس، ولا تدخل بيت الله سبحانه وتعالى لأن الصلاة محرمة عليها حتى ~~تتم أيام تطهيرها؛ فإن ولدت جارية تكون مثل نجاستها في أيام حيضها أربعة ~~عشر يوما وتجلس مكانها على الدم الزكي ستة وستين يوما، فإذا كملت أيام ~~تطهيرها ابنا ولدت أو بنتا تجيء بحمل حول - فذكر قربانا في قبة الزمان على ~~يد الكاهن لتطهر ms0624 مما كان يجري منها من الدم. ومن الآصار ما في السفر الثاني ~~أيضا من أنهم إذا حصدوا أرضا أو قطفوا كرما حرم عليهم الاستقصاء وأمروا أن ~~يتركوا للمساكين، ثم قال: # PageV04P183 # ولا تلتقطوا ما ينتثر من زيتونكم بل دعوه للمساكين والذين يقبلون إلي ~~لأني أنا الله ربكم، ثم قال: فإذا دخلتم الأرض وغرستم فيها كل شجر يثمر ~~ثمارا تؤكل فدعوها ثلاث سنين ولا تأكلوا من ثمارها، فإذا كان في السنة ~~الرابعة صيروا جميع ثمار شجركم حرمة للرب ومجدا لإكرامه، وفي السنة الخامسة ~~كلوا ثمارها فإنها تنمو وتزداد لكم غلاتها، أنا الله ربكم! وقال في أواخر ~~السفر الخامس وهو آخر أسفارها: لا تحيفوا على المسكين واليتيم والساكن ~~بينكم في القضاء، ولا تأخذوا ثوب الأرملة رهنا، واذكروا أنكم كنتم عبيدا ~~بأرض مصر وأنقذكم الرب من هناك، لذلك آمركم وأقول لكم إنه واجب عليكم أن ~~تفعلوا مثل هذا الفعل، وإذا حصدتم حقل أرضكم ونسيتم حزمة لا ترجعوا في طلب ~~أخذها بل تكون للساكن ولليتيم والأرملة، ليبارك الله ربكم في جميع أعمال ~~أيديكم؛ وإذا نثرتم زيتونكم فلا تطلبوا ما نسيتم في حقلكم بل يكون لليتيم ~~والساكن والأرملة؛ وإذا قطعتم كرومكم لا تستقصوا ما فيها بل دعوها ما يعيش ~~به الساكن # PageV04P184 # واليتيم والأرملة؛ واذكروا أنكم كنتم عبيدا بأرض مصر، لذلك آمركم أن ~~تفعلوا هذا الفعل - وأما ما على النصارى من ذلك فسيأتي كثير منه إن شاء ~~الله تعالى في المائدة عند قوله تعالى {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله ~~فيه} [المائدة: 47] . # ولما دعوا بما تضمن الإيمان بما نزل إليهم مما حمل من كان قبلهم من الثقل ~~أتبعوه ما يدل على اعتقادهم أن ذلك عدل منه في القضاء، وأنه له أن يفعل فوق ~~ذلك فيكلف بما ليس في الوسع، لأنه المالك التام الملك والملك المنفرد ~~بالملك، وسألوا التخفيف برفع ذلك فقالوا: {ربنا ولا} وعبر بالتفعيل لما فيه ~~بما يفهم من العلاج من مناسبة التكليف بما لا يطاق فقال: {تحملنا ما لا ~~طاقة} أي قدرة {لنا به} . # ولما ms0625 كان الإنسان قد يتعمد الذنب لشهوة تدعوه إليه وغرض يحمله عليه ~~أتبعوا ذلك دعاء عاما فقالوا: {واعف عنا} أي ارفع عنا عقاب الذنوب كلها ~~{واغفر لنا} أي ولا تذكرها لنا أصلا، فالأول العفو عن عقاب الجسم، والثاني ~~العفو عن عذاب الروح. # PageV04P185 # وقال الحرالي: ولما كان قد يلحق من يعفى عنه ويغفر له قصور في الرتبة عن ~~منال الحظ من الرحمة ألحق تعالى المعفو عنه المغفور له بالمرحوم ابتداء ~~بقوله: {وارحمنا} أي حتى يستوي المذنب التائب والذي لم يذنب قط في منال ~~الرحمة. # ولما ضاعف لهم تعالى عفوه ومغفرته ورحمته أنهاهم بذلك إلى محل الخلافة ~~العاصمة {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} [هود: 43] فلما صاروا ~~خلفاء تحقق منهم الجهاد لأعداء الله والقيام بأمر الله ومنابذة من تولى غير ~~الله، فتحقق أنه لا بد أن يشاققهم أعداء وينابذوهم، فعلمهم الذي رحمهم ~~سبحانه إسناد أمرهم بالولاية إليه قائلا عنهم: {أنت مولانا} والمولى هو ~~الولي اللازم الولاية القائم بها الدائم عليها لمن تولاه بإسناد أمره إليه ~~فيما ليس هو بمستطيع لها - انتهى بالمعنى. وكان حقيقته الفاعل لثمرة ~~الولاية وهي القرب والإقبال، وذلك أنهم لما سألوا العفو عن عذاب الجسم ~~والروح سألوا ثوابهما، فثواب الجسم الجنة وثواب الروح لذة الشهود وذلك ثمرة ~~الولاية وهي الإقبال على الولي بالكلية، ثم جعل ختام توجه المؤمنين إلى ~~ربهم الدعاء بثمرة الولاية فقال: {فانصرنا} باللسان والسنان، وأشار إلى قوة # PageV04P186 # المخالفين حثا على تصحيح الالتجاء والصدق في الرغبة بقوله: {على القوم} ~~وأشار إلى أن الأدلة عليه سبحانه في غاية الظهور لكل عاقل بقوله: ~~{الكافرين} أي الساترين للأدلة الدالة لهم على ربهم المذكورين أول السورة، ~~فتضمن ذلك وجوب قتالهم وأنهم أعدى الأعداء، وأن قوله تعالى {لا إكراه في ~~الدين} [البقرة: 256] ليس ناهيا عن ذلك وإنما هو إشارة إلى أن الدين صار في ~~الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية ~~الرغبة فضلا عن الإحواج إلى إرهاب، فمن نصح نفسه دخل فيه ms0626 بما دله عليه ~~عقله، ومن أبى أدخل فيه قهرا بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام ونافذ ~~السهام. ولما كان الختم بذلك مشيرا إلى أنه تعالى لما ضاعف لهم عفوه عن ~~الذنب فلا يعاقب عليه ومغفرته له بحيث يجعله كأن لم يكن فلا يذكره أصلا ولا ~~يعاقب عليه ورحمته في إيصال المذنب المعفو عنه المغفور له إلى المنازل ~~العالية أنهاهم إلى رتبة الخلافة في القيام بأمره والجهاد لأعدائه وإن جل ~~أمرهم وأعنى حصرهم كان منبها على أن بداية هذه الصورة هداية وخاتمتها ~~خلافة، فاستوفت تبيين أمر النبوة إلى حد ظهور الخلافة فكانت سناما للقرآن، ~~وكان جماع ما في القرآن منضما إلى معانيها إما لما صرحت به أو لما ألاحته ~~وأفهمه إفصاح من إفصاحها كما تنضم هي مع سائر القرآن إلى سورة # PageV04P187 # الفاتحة فتكون أما للجميع - أفاد ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي. # وقد بان بذكر المنزل والإيمان به والنصرة على الكفار بعد تفصيل أمر ~~النفقة والمال الذي ينفق منه رد مقطعها على مطلعها وآخرها على أولها، ومن ~~الجوامع العظيمة في أمرها وشمول معناها المبين لعلو قدرها ما قال الحرالي ~~إنه لما كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه ~~وعليهم أجمعين منزلا حروفا محيطة المعاني مخاطبا بها النبي والأئمة وتفصيل ~~آيات مخاطبا به عامة الأمة انتظمت هذه السورة صنفي الخطابين فافتتحت بالم ~~حروفا منبئة عن إحاطة بما تضمنته معانيها من إحاطة القائم من معنى الألف ~~وإحاطة المقام من معنى الميم وإحاطة الوصلة من معنى اللام؛ ولما كانت ~~الإحاطة في ثلاث رتب إحاطة إلهية قيومية وإحاطة كتابية وإحاطة تفصيلية كانت ~~الإحاطة الخاصة بهذه الأحرف التي افتتحت بها هذه السورة إحاطة كتابية ~~متوسطة، فوقع الافتتاح فيما وقع عليه أمر القرآن في تلاوته في الأرض ~~بالرتبة المتوسطة من حيث هي أقرب للطرفين وأيسر للاطلاع على الأعلى والقيام ~~بالأدنى، فكان ما كان # PageV04P188 # في القرآن من {الم تلك آيات الكتاب الحكيم} [لقمان: 26] ونحوه تفصيل ~~إحاطة من إحاطة الكتاب التي أنزلت فيها سورة البقرة، فكانت ms0627 مشتملة على ~~إحاطات الكتب الأربعة: كتاب التقدير الذي كتبه الله سبحانه وتعالى قبل أن ~~يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد وعدد، ورد «أن الله كتب الكتاب وقضى ~~القضية وعرشه على الماء» ، و «أن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلائق ~~قبل أن يخلقهم بخمسين ألف عام» وأنه قدر الأرزاق قبل أن يخلق الصور بألفي ~~عام - وكثير من ذلك مما ورد في الأخبار؛ وفي مقابلة هذا الكتاب السابق ~~بالتقدير الكتاب اللاحق بالجزاء الذي كتبه الله سبحانه وتعالى ويكتبه أثر ~~تمام الإبداء باستبقاء الأعمال البادية على أيدي الخلق الذين ينالهم النعيم ~~والجحيم والأمن والروع والكشف والحجاب؛ وهذا الكتاب الآخر مطابق للكيان ~~الأول، ويبين بتطرقهما كتاب الأحكام المتضمن لأمر الدين والدعوة الذي وقعت ~~فيه الهداية والفتنة، ثم كتاب الأعمال الذي كتبه الله سبحانه وتعالى في ~~ذوات المكلفين من # PageV04P189 # أفعالهم وأحوال أنفسهم وما كتب في قلوبهم من إيمان أو طبع علهيا أو ختم ~~عليها بفجور أو طغيان؛ فتطابقت الأوائل والأواخر واختلف كتاب الأحكام وكتاب ~~الأعمال بما أبداه الله سبحانه وتعالى من وراء حجاب من معنى الهدى والفتنة ~~والإقدام والإحجام، فتضمنت سورة البقرة إحاطات جميع هذه الكتب واستوفت كتاب ~~الأقدار بما في صدرها من تبيين أمر المؤمنين والكافرين والمنافقين، وكتاب ~~الأفعال كما ذكر سبحانه وتعالى أمر الختم على الكافرين والمرض في قلوب ~~المنافقين، وما يفصل في جميع السورة من أحكام الدين وما يذكر معها مما ~~يناسبها من الجزاء من ابتداء الإيمان إلى غاية الإيقان الذي انتهى إليه ~~معنى السورة فيما بين الحق والخلق من أمر الدين، وفيما بين الخلق والخلق من ~~المعاملات والمقاومات، وفيما بين المرء ونفسه من الأيمان والعهود، إلى حد ~~ختمها بما يكون من الحق للخلق في استخلاف الخلفاء الذين ختم بذكرهم هذه ~~السورة الذين قالوا: {غفرانك ربنا} إلى انتهائها؛ ولما كان مقصود هذه ~~السورة الإحاطة الكتابية كان ذلك إفصاحها ومعظم آياتها وكانت الإحاطة ~~الإلهية # PageV04P190 # القيومية إلاحتها ونور آياتها، فكان ذلك في آية الكرسي تصريحا وفي سائر ~~آيها الإحة بحسب قرب الإحاطة الكتابية ms0628 من الإحاطة الإلهية، وفي بدء سابق أو ~~ختم لاحق أو حكمة جامعة، فلذلك انتظم بالسورة التي ذكرت فيها البقرة السورة ~~التي يذكر فيها آل عمران، لما نزل في سورة آل عمران من الإحاطة الإلهية حتى ~~كان في مفتتحها اسم الله الأعظم، فكان ما في البقرة إفصاحا في سورة آل ~~عمران إلاحة، وكان ما في البقرة إلاحة في سورة آل عمران إفصاحا، إلا ما ~~اطلع في كل واحدة منهما من تصريح الأخرى؛ فلذلك هما سورتان مرتبطتان ~~وغيايتان وغمامتان تظلان صاحبهما يوم القيامة، وبما هما من الذكر الأول ~~وبينهما من ظاهر التفاوت ما بين الإحاطة الكتابية وبين الإحاطة الإلهية ~~فلذلك كانت سورة البقرة سناما له والسنام أعلى ما في الحيوان المنكب وأجمله ~~جملة وهو البعير، وكانت سورة آل عمران تاج القرآن والتاج هو أعلى ما في # PageV04P191 # المخلوقات من الخلق القائم المستخلف في الأرض ظاهره وفي جميع المكون ~~إحاطته؛ فوقع انتظام هاتين السورتين على نحو من انتظام الآي يتصل الإفصاح ~~في الآية بإلاحة سابقتها كما تقدم التنبيه عليه في مواضع - انتهى. # وسر ترتيب سورة السنام على هذا النظام أنه لما افتتحها سبحانه وتعالى ~~بتصنيف الناس الذين هم للدين كالقوائم الحاملة لذي السنام فاستوى وقام ~~ابتداء المقصود بذكر أقرب السنام إلى أفهام أهل القيام فقال مخاطبا لجميع ~~الأصناف التي قدمها {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] واستمر إلى ~~أن بان الأمر غاية البيان فأخذ يذكر مننه سبحانه على الناس المأمورين ~~بالعبادة بما أنعم عليهم من خلق جميع ما في الوجود لهم بما أكرم به أباهم ~~آدم عليه الصلاة والسلام، ثم خص العرب ومن تبعهم ببيان المنة عليهم في ~~مجادلة بني إسرائيل وتبكيتهم، وهو سبحانه وتعالى يؤكد كل قليل أمر الربوبية ~~والتوحيد بالعبادة من غير ذكر شيء من الأحكام إلا ما انسلخ منه بنو ~~إسرائيل، فذكره على وجه الامتنان به على العرب وتبكيت بني إسرائيل بتركه لا ~~على # PageV04P192 # أنه مقصود بالذات، فلما تزكوا فترقوا فتأهلوا لأنواع المعارف قال معليا ~~لهم من مصاعد الربوبية إلى معارج ms0629 الإلهية # {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو} [البقرة: 163] فلما تسنموا هذا الشرف ~~لقنهم العبادات المزكية ونقاهم أرواحها المصفية فذكر أمهات الأعمال أصولا ~~وفروعا الدعائم الخمس والحظيرة وما تبع ذلك من الحدود في المآكل والمشارب ~~والمناكح وغير ذلك من المصالح فتهيؤوا بها وأنها المواردات الغر من ذي ~~الجلال فقال مرقيا لهم إلى غيب حضرته الشماء ذاكرا مسمى جميع الأسماء {الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] ولما كان الواصل إلى أعلى مقام ~~الحرية لا بد عند القوم من رجوعه إلى ربقة العبودية ذكر لهم بعض الأعمال ~~اللائقة بهم، فحث على أشياء أكثرها من وادي الإحسان الذي هو مقام أولي ~~العرفان، فذكر مثل النفقة التي هي أحد مباني السورة عقب ما ذكر مقام ~~الطمأنينة # PageV04P193 # إيذانا بأن ذلك شأن المطمئن، ورغب فيها إشارة إلى أنه لا مطمع في الوصول ~~إلا بالانسلاخ من الدنيا كلها، وأكثر من الحث على طيب المطعم الذي لا بقاء ~~بحال من الأحوال بدونه، ونهى عن الربا أشد نهي إشارة إلى التقنع بأقل ~~الكفاف ونهيا عن مطلق الزيادة للخواص وعن كل حرام للعوام، وأرشد إلى آداب ~~الدين الموجب للثقة بما عند الله المقتضي بصدق التوكل المثمر للعون من الله ~~سبحانه وتعالى والإرشاد إلى ذلك، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو متلبس ~~به؛ وبنى سبحانه وتعالى كل ثلث من هذه الأثلاث على مقدمة في تثبيت أمره ~~وتوجه بخاتمة في التحذير من التهاون به، وزاد الثالث لكونه الختام وبه بركة ~~التمام أن أكد عليهم بعد خاتمته في الإيمان بجميع ما في السورة، وختم ~~بالإشارة إلى أن عمدة ذلك الجهاد الذي لذوي الغي والعناد، والاعتماد فيه ~~على مالك الملك وملك العباد، وذلك هو طريق أهل الرشاد، والهداية والسداد ~~والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب. # PageV04P194 # {بسم الله} الواحد المتفرد بالإحاطة بالكمال {الرحمن} الذي وسعت رحمة ~~ايجاد كل مخلوق وأوضح للمكلفين طريق النجاة {الرحيم} الذي اختار أهل ~~التوحيد لمحل أنسه وموطن جمعه وقدسه {الم *} المقاصد التي سيقت لها هذه ~~السورة إثبات الوحدانية ms0630 لله سبحانه وتعالى، والإخبار بأن رئاسة الدنيا ~~بالأموال والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية عنهم ~~شيئا في الدنيا ولا في الآخرة، وأن ما أعد للمتقين من الجنة والرضوان هو ~~الذي ينبغي الأقبال عليه والمسارعة اليه وفي وصف المتقين بالإيمان والدعاء ~~والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار # PageV04P195 # ما يتعطف عليه كثير من أفانين أساليب هذه السورة هذا ما كان ظهر لي أولا، ~~وأحسن منه أن نخص القصد الأول وهو التوحيد بالقصد فيها فإن الأمرين الآخرين ~~يرجعان إليه، وذلك لأن الوصف بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة، فالقيام ~~يكون على كل نفس، والاستقامه العدل كما قال: {قائما بالقسط} [آل عمران: 18] ~~أي بعقاب العاصي وثواب الطائع بما يقتضي للموفق ترك العصيان ولزوم الطاعة؛ ~~وهذا الوجه أوفق للترتيب، لأن الفاتحة لما كانت جامعة للدين إجمالا جاء به ~~التفصيل محاذيا لذلك، فابتدىء بسورة الكتاب المحيط بأمر الدين، ثم بسورة ~~التوحيد الذي هو سر حرف الحمد وأول حروف الفاتحة، لأن التوحيد هو الأمر ~~الذي لا يقوم بناء إلا عليه، ولما صح الطريق وثبت الأساس جاءت التي بعدها ~~داعية إلى الاجتماع على ذلك؛ وأيضا # PageV04P196 # فلما ثبت بالبقرة أمر الكتاب في أنه هدى وقامت به دعائم الإسلام الخمس ~~جاءت هذه لإثبات الدعوة الجامعة في قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] فأثبت الوحدانيه له بإبطال إلهيه غيره بإثبات أن ~~عيسى عليه الصلاة والسلام الذي كان يحيي الموتى عبده فغيره بطريق الأولى، ~~فلما ثبت أن الكل عبيده دعت سورة النساء إلى إقبالهم إليه واجتماعهم عليه؛ ~~ومما يدل على أن القصد بها هو التوحيد تسميتها بآل عمران، فإن لم يعرب عنه ~~في هذه السورة ما أعرب عنه ما ساقه سبحانه وتعالى فيها من أخبارهم بما فيها ~~من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد الذي ليس في درج الإيمان أعلى ~~منه، فهو التاج الذي هو خاصة الملك المحسوسة، كما أن التوحيد خاصته ~~المعقولة، والتوحيد موجب لزهرة المتحلي به فلذلك سميت الزهراء. # PageV04P197 # القصد الأول التوحيد # ومناسبه هذا الأول بالإبتدائيه لآخر ms0631 ما قبلها أنه لما كان آخر البقرة في ~~الحقيقة آية الكرسي وما بعدها إنما هو بيان، لأنها أوضحت أمر الدين بحيث لم ~~يبقى وراءها مرمى لمتنعت، أو تعجب من حال من جادل في الإلهية أو استبعد ~~شيئا من القدرة ولم ينظر فيما تضمنته هذه الآية من الأدله مع وضوحه، أو ~~إشارة إلى الاستدلال على البعث بأمر السنابل في قالب الإرشاد إلى ما ينفع ~~في اليوم الذي نفى فيه نفع البيع والخلة والشفاعة من النفقات، وبيان بعض ما ~~يتعلق بذلك، وتقرير أمر ملكه لما منه الإنفاق من السماوات والأرض، والإخبار ~~بإيمان الرسول وأتباعه بذلك، وبأنهم لا يفرقون بين أحد من الرسل المشار ~~إليهم في السورة، وبصدقهم في التضرع برفع الأثقال التي كانت على من قبلهم ~~من بني إسرائيل وغيرهم، وبالنصرة على عامة الكافرين؛ لما كان ذلك على هذا ~~الوجه ناسب هذا الاختتام غايه المناسبة ابتداء هذه السورة بالذي وقع ~~الإيمان به سبحانه وتعالى ووجهت الرغبات آخر تلك إليه؛ وأحسن منه أنه لما ~~نزل إلينا كتابه فجمع مقاصده في الفاتحه على وجه أرشد فيه إلى سؤال الهداية ~~ثم شرع في # PageV04P198 # تفصيل ما جمعه في الفاتحة، فأرشد في أول البقرة إلى أن الهدايه في هذا ~~الكتاب، وبين ذلك بحقية المعنى والنظم كما تقدم إلى أن ختم البقرة بالإخبار ~~عن خلص عباده بالإيمان بالمنزل بالسمع والطاعة، وأفهم ذلك مع التوجه ~~بالدعاء إلى المنزل له أن له سبحانه وتعالى كل شيء وبيده النصر، علم أنه ~~واحد لا شريك له حي لا يموت قيوم لا يغفل وأن ما أنزل هو الحق، فصرح أول ~~هذه بما أفهمه آخر تلك، كما يصرح بالنتيجة بعد المقدمات المنتجة لها فقال: ~~{الله} أي الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه لأن له الإحاطة بجميع ~~أوصاف الكمال والنزاهة الكاملة من كل شائبة نقص. # وقال الحرالي مشيرا إلى القول الصحيح في ترتيب السور من أنه باجتهاد ~~الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إقرارا لله سبحانه وتعالى لهذا الانتظام ~~والترتيب السوري في مقرر ms0632 هذا الكتاب: هو ما رضيه الله سبحانه وتعالى فأقره؛ ~~فلما كانت سورة الفاتحة جامعة لكلية أمر الله سبحانه وتعالى فيما يرجع ~~إليه، وفيما يرجع إلى عبده، وفيما بينه وبين عبده، فكانت أم القرآن وأم ~~الكتاب؛ جعل مثنى تفصيل # PageV04P199 # ما يرجع منها إلى الكتاب المنبأ عن موقعه في الفاتحة مضمنا سورة البقرة ~~إلى ما أعلن به، لألأ نور آية الكرسي فيها، وكان منزل هذه السورة من مثنى ~~تفصيل ما يرجع إلى خاص علن الله سبحانه وتعالى في الفاتحة، فكان منزلة سورة ~~آل عمران منزله تاج الراكب وكان منزله سورة البقرة منزلة سنام المطية؛ قال ~~صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة، لكل شيء تاج ~~وتاج القرآن سورة آل عمران» وإنما بدىء هذا الترتيب لسورة الكتاب لأن علم ~~الكتاب أقرب إلى المخاطبين من تلقي علن أمر الله، فكان في تعلم سورة البقرة ~~والعمل بها تهيؤ لتلقي ما تضمنته سورة آل عمران ليقع التدرج والتدرب بتلقي ~~الكتاب حفظا وبتلقيه على اللقن منزل الكتاب بما أبداه علنه في هذه السورة؛ ~~وبذلك يتضح أن إحاطة {الم} المنزلة في أول سورة البقرة إحاطة كتابية بما هو ~~قيامه وتمامه، ووصلة ما بين قيامه وتمامه، وأن إحاطة {الم} المنزلة في أو ~~هذه السورة إحاطة إلهية حيايية قومية مما بين غيبة عظمة اسمه {الله} إلى ~~تمام # PageV04P200 # قيوميته البادية في تبارك ما أنبأ عنه اسمه {الحي القيوم} وما أوصله لطفه ~~من مضمون توحيده المنبىء عنه كلمه الإخلاص في قوله: {لا إله الا هو} فلذلك ~~كان هذا المجموع في منزله قرآنا حرفيا وقرآنا كلميا اسميا وقرآنا كلاميا ~~تفصيليا مما هو اسمه الأعظم كما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: # «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وإلهكم أله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] ، {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} » ~~وكما وقعت إلاحة في سورة البقرة لما وقع بها الإفصاح في سورة آل عمران كذلك ~~وقع في آل عمران من نحو ما وقع ms0633 تفصيله في سورة البقرة ليصير منزلا واحدا ~~بما أفصح مضمون كل سورة بالإحة الأخرى، فلذلك هما غمامتان وغيايتان على ~~قارئهما يوم القيامة كما تقدم لا تفترقان، فأعظم {الم} هو مضمون {الم} الذي ~~افتتحت به هذه السورة ويليه في الرتبة ما افتتحت به سورة البقرة، ويليه في ~~الرتبة ما افتتحت به سور الآيات نحو قوله سبحانه وتعالى {الم تلك آيات ~~الكتاب الحكيم} [لقمان: 2] فللكتاب الحكيم إحاطة قواما وتماما ووصلة، # PageV04P201 # ولمطلق الكتاب إحاطة كذلك، وإحاطه الإحاطات وأعظم العظمة إحاطة افتتاح ~~هذه السورة؛ وكذلك أيضا اللواميم محيطة بإحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني ~~حروفها من دون إحاطات حروف اللواميم، وإحاطة الحواميم من دون إحاطة ~~الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف الطواسيم على ما ~~يتضح تراتبه وعلمه لمن آتاه الله فهما بمنزله قرآن الحروف المخصوص بإنزاله ~~هذه الأمة دون سائر الأمم، الذي هو من العلم الأزلي العلوي؛ ثم قال: ولما ~~كانت أعظم الإحاطات إحاطة عظمة اسمه «الله» الذي هو مسمى التسعة والتسعين ~~أسماء التي أولها {إله} كان ما أفهمه أول الفهم هنا اسم ألف بناء في معنى ~~إحاطات الحروف على نحو إحاطة اسمه «الله» في الأسماء، فكانت هذه الألف مسمى ~~كل ألف كما كان اسمه {الله} سبحانه وتعالى مسمى كل اسم سواه حتى أنه مسمى ~~سائر الأسماء الأعجمية التي هي أسماؤه سبحانه وتعالى في جميع الألسن كلها ~~مع أسماء العربية أسماء لمسمى هو هذا الاسم العظيم # PageV04P202 # الذي هو {الله} الأحد الذي لم يتطرق إليه شرك، كما تطرق إلى أسمائه من ~~اسمه {إله} إلى غايه اسمه «الصبور» وكما كان إحاطة هذا الألف أعظم إحاطة ~~حرفية وسائر الألفات أسماء لعظيم إحاطتة؛ وكذلك هذه الميم أعظم إحاطة ميم ~~تفصلت فيه وكانت له أسماء بمنزلة ما هي سائر الألفات أسماء لمسمى هذا الألف ~~كذلك سائر الميمات اسم لمسمى هذا الميم، كما أن اسمه {الحي القيوم} أعظم ~~تمام كل عظيم من أسماء عظمته؛ وكذلك هذه اللام بمنزلة ألفه وميمه، وهي لام ~~الإلهية الذي أسراره لطيف ms0634 التنزل إلى تمام ميم قيوميته؛ فمن لم ينته إلى ~~فهم معاني الحروف في هذه الفاتحة نزل له الخطاب إلى ما هو إفصاح إحاطتها في ~~الكلم والكلام المنتظم في قوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ، فهو ~~قرآن حرفي يفصله قرآن كلمي يفصله قرآن كلامي انتهى. # فقوله: {الله} أي الذي آمن به الرسول وأتباعه بما له من الإحاطة بصفات ~~الكمال {لا إله إلا هو} أي متوحد لا كفوء له فقد فاز قصدكم إليه بالرغبة ~~وتعويلكم عليه في المسألة. قال الحرالي: فما أعلن به هذا الاسم العظيم أي ~~الله في هذه # PageV04P203 # الفاتحة هو ما استعلن به في قوله تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ، ~~ولما كان إحاطة العظمة أمرا خاصا لأن العظمة إزاء الله الذي لا يطلع عليه ~~إلا صاحب سر كان البادي لمن دون أهل الفهم من رتبة أهل العلم اسمه «الله ~~الصمد» الذي يعنى اليه بالحاجات والرغبات المختص بالفوقية والعلو الذي يقال ~~للمؤمن عنه: أين الله؟ فيقول: في السماء، إلى حد علو أن يقول: فوق العرش، ~~فذلك الصمد الذي أنبأ عنه اسمه {إله} الذي أنزل فيه إلزام الإخلاص والتوحيد ~~منذ عبدت في الأرض الأصنام، فلذلك نضم توحيد اسمه الإله بأحدية مسمى هو من ~~اسمه العظيم «الله» ، ورجع عليه باسم المضمر الذي هو في جبلات الأنفس ~~وغرائز القلوب الذي تجده غيبا في بواطنها فتقول فيه: هو، فكان هذا الخطاب ~~مبدوءا بالاسم العظيم المظهر منتهيا إلى الاسم المضمر، كما كان خطاب {قل هو ~~الله أحد} [الإخلاص: 1] مبدوءا بالاسم المضمر منتهيا إلى الاسم العظيم ~~المظهر، وكذلك أيضا اسم الله الأعظم في سورة {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ~~كما هو في هذه الفاتحة. # ولما كان لبادي الخلق افتقار إلى قوام لا يثبت طرفة عين دون قوامه كان ~~القوام البادي آيته هي الحياة فما حيي ثبت وما مات فني وهلك؛ انتهى ولما ~~كان المتفرد بالملك من أهل الدنيا # PageV04P204 # يموت قال: {الحي} أي الحياة الحقيقية التي لا موت معها. ولما كان الحي قد ~~يحتاج في ms0635 التدبير إلى وزير لعجزه عن الكفاية بنفسه في جميع الأعمال قال: ~~{القيوم *} إعلاما بأن به قيام كل شيء وهو قائم على كل شيء. قال الحرالي: ~~فكما أن الحياة بنفخة من روح أمره فكل متماسك على صورته حي بقيوميته انتهى. # وفي وصفه بذلك إعلام بأنه قادر على نصر جنده وإعزاز دينه وعون وليه، وحث ~~على مراقبته بجهاد أعدائه ودوام الخضوع لديه والضراعة اليه. ولما كان من ~~معنى القيوم أنه المدبر للمصالح اتصل به الإعلام بتنزيل ما يتضمن ذلك، وهو ~~الكتاب المذكور في قوله: {بما أنزل إليه من ربه} [البقرة: 285] والكتب ~~المذكورة في أول البقرة في قوله: {بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} ~~[البقرة: 4] وفي آخرها بقوله {وكتبه ورسله} [البقرة: 285] التي من جملتها ~~التوراة والإنجيل اللذان فيهما الآصار المرفوعة عنا، ثم شرح بعده أمر ~~التصوير في الأحشاء، وذلك لأن المصالح قسمان: روحانية وجسمانية، وأشرف ~~المصالح الروحانية العلم الذي هو الروح كالروح للبدن فإنها تصير به مرآة ~~مجلوة ينجلي فيها صور الحقائق، # PageV04P205 # وأشرف المصالح الجسمانية تعديل المزاج وتسوية البنية في أحسن هيئة، وقدم ~~الروحانية المتكفل بها الكتاب لأنها أشرف. # ولما كانت مادة «كتب» دائرة على معنى الجمع عبر بالتنزيل الذي معناه ~~التفريق لتشمل هذه الجملة على وجازتها من أمره على إجمال وتفصيل فقال: وقال ~~الحرالي: ولما كانت إحاطة الكتاب أي في البقرة ابتداء وأعقبها أي في أول ~~هذه السورة إحاطة الإلهية جاء هذا الخطاب ردا عليه، فتنزل من الإحاطة ~~الإلهية إلى الأحاطة الكتابية بالتنزيل الذي هو تدرج من رتبة إلى رتبة ~~دونها؛ انتهى فقال: {نزل} أي شيئا فشيئا في هذا العصر {عليك} أي خاصة بما ~~اقتضاه تقديم الجار من الحصر، وكأن موجب ذلك ادعاء بعضهم أنه يوحي إليه ~~وأنه يقدر على الإتيان بمثل هذا الوحي {الكتاب} أي القرآن الجامع للهدى ~~منجما بحسب الوقائع، لم يغفل عن واحدة منها ولا قدم جوابها ولا أخره عن محل ~~الحاجة، لأنه قيوم لا يشغله شأن عن شأن. # PageV04P206 # قال الحرالي: وهذا الكتاب هو الكتاب المحيط الجامع الأول ms0636 الذي لا ينزل ~~إلا على الخاتم الآخر المعقب لما أقام به حكمته من أن صور الأواخر مقامة ~~بحقائق الأوائل، فأول الأنوار الذي هو نور محمد صلى الله عليه وسلم هو قثم ~~خاتم الصور التي هي صورة محمد انتهى. تنزيلا ملتبسا {بالحق} أي الأمر ~~الثابت، فهو ثابت في نفسه، وكل ما ينشأ عنه من قول وفعل كذلك. قال الحرالي: ~~وكما أن هذا الكتاب هو الكتاب الجامع الأول المحيط بكل كتاب كذلك هو الحق ~~المنزل به هذا الكتاب هو الحق الجامع المحيط الذي كل حق منه، وهو الحق الذي ~~أقام به حكمته فيما رفع ووضع انتهى. حال كونه {مصدقا} ولما كان العامل ~~مرفوعا لأنه أمر فاعل قواه في اللام فقال: {لما بين يديه} أي من الكتب ~~السماوية التي أتت بها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم عن الحضرة ~~الإلهية. # قال الحرالي: لما كان هذا الكتاب أولا وجامعا ومحيطا كان كل كتاب بين ~~يديه ولم يكن من ورائه كتاب انتهى. # ولما كان نزاع وفد ونجران في الإله أو النبي أو فيهما # PageV04P207 # كان هذا الكلام كفيلا على وجازتة بالرد عليهم في ذلك ببيان الحق في الإله ~~بالقيومية، وفي المعنى بالكتاب المعجز، ولما كانوا مقرين بالكتب القديمة ~~أشار إلى أن ليس لهم إنكار هذا الكتاب وهو أعلى منها في كل أمر أوجب ~~تصديقها وإلى أن من أنكره بعد ذلك كان من الأمر الظاهر أنه معاند لا شك في ~~عناده فقال: {وأنزل التوراة} وهو «فوعلة» لو صرفت من الورى وهو قدح النار ~~من الزند، استثقل اجتماع الواوين فقلب أولهما تاء كما في اتحاد واتلاج ~~واتزار واتزان ونحوه قال الحرالي: فهي توراة بما هي نور أعقبت ظلام ما وردت ~~عليه من كفر دعي إليها من الفراعنة، فكان فيها هدى ونور {والإنجيل *} من ~~النجل، وضع على زيادة «إفعيل» لمزيد معنى ما وضعت له هذة الصيغة، وزيادتاها ~~مبالغه في المعنى، وأصل النجل استخراج خلاصه الشيء، ومنه يقال للولد: نجل ~~أبيه. كان الإنجيل استخلص خلاصه نور التوراة فأظهر باطن ما شرع ms0637 في التوراة ~~ظاهرة، فإن التوراة كتاب إحاطة لأمر الظاهر الذي يحيط بالأعمال وإصلاح أمر ~~الدنيا وحصول الفوز من عاقبة يوم الأخرى فهو جامع إحاطة # PageV04P208 # الظواهر، وكل آية ظاهرة فمن كتاب التوراة والإنجيل كتاب إحاطة لأمر ~~البواطن يحيط بالأمور النفسانية التي بها يقع لمح موجود الآخرة مع الإعراض ~~عن إصلاح الدنيا بل مع هدمها، فكان الإنجيل مقيما لأمر الآخرة هادما لأمر ~~الدنيا مع حصوله أدنى بلغة، وكانت التوراة مقيمة لإصلاح الدنيا مع تحصيل ~~الفوز في الآخرة، فجمع هذان الكتابان إحاطتي الظاهر والباطن، فكان منزل ~~التوراة من مقتضى اسمه الظاهر، وكان منزل الإنجيل من مقتضى اسمه الباطن، ~~كما كان منزل الكتاب الجامع من مقتضى ما في أول هذه السورة من أسمائه ~~العظيمة مع لحظ التوحيد ليعتبر الكتاب والسورة بما نبه بتنزيله من اسمه ~~الله وسائر أسمائه على وجوه إحاطاتها انتهى وفيه تصرف؛ فأحاط هذا الكتاب ~~إحاطة ظاهرة بأمري الظاهر والباطن بما أذن منه تصديقه للكتابين، وخصهما ~~سبحانه وتعالى بالتنويه بذكرهما إعلاما بعلي قدرهما. # ولما لم يكن إنزالهما مستغرقا للماضي لأنه لم يكن في أول الزمان أدخل ~~الجار معريا من التقيد بمن نزلا عليه لشهرته وعدم النزاع بخلاف القرآن {من ~~قبل} أي من قبل هذا الوقت إنزالا انقضى # PageV04P209 # أمره ومضى زمانه حال كون الكل {هدى} أي بيانا، ولذا عم فقال: {للناس} ~~وأما في أول البقرة فبمعنى خلق الهداية في القلب، فلذا خص المتقين؛ والحاصل ~~أن هذه الآية كالتعليل لآخر البقرة فكأنه قيل: كل آمن بالله لأنه متفرد ~~بالألوهية، لأنه متفرد بالحياة، لأنه متفرد بالقيومية؛ وآمن برسله الذين ~~جاؤوا بكتبه المنزلة بالحق من عنده بواسطة ملائكته. # ولما كانت مادة «فرق» للفصل عبر بالإنزال الذي لا يدل على التدريج لما ~~تقدم من إرادة الترجمة بالإجمال والتفصيل على غاية الإيجاز لاقتضاء ~~الإعجاز، وجمع الكتابين في إنزال واحد واستجد لكتابنا إنزالا تنبيها على ~~علو رتبته عنهما بمقدار علو رتبه المتقين الذين هو هدى لهم، وبتقواهم يكون ~~لهم فرقان على رتبة الناس الذين هما هدى لهم فقال تعالى: ms0638 {وأنزل الفرقان *} ~~أي الكتاب المصاحب للعز الذي يكسب صاحبه قوة التصرف فيما يريد من الفصل ~~والوصل الذي هو وظيفه السادة المرجوع إليهم عند الملمات، المقترن بالمعجزات ~~الفارقة بين الحق والباطل، وسترى هذا المعنى إن شاء # PageV04P210 # الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال بأوضح من هذا؛ فعل ذلك لينفذ قائله ~~أمر الكتاب المقرر فيه الشرع الحق المباين لجميع الملل الباطلة والأهواء ~~المضلة والنحل الفاسدة، وذلك هو روح النصر على أعداء الله المرشد إلى ~~الدعاء به ختام البقرة. قال الحرالي: فكان الفرقان جامعا لمنزل ظاهر ~~التوراة ومنزل باطن الإنجيل جمعا يبدي ما وراء منزلهما بحكم استناده للتقوى ~~التي هي تهيؤ لتنزل الكتاب {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الانفال: 29] ~~فكان الفرقان أقرب الكتب للكتاب الجامع، فصار التنزيل في ثلاث رتب: رتبة ~~الكتاب المنزل بالحق الجامع، ثم رتبة الفرقان المظهر لمحل الجمع بين الظاهر ~~والباطن، ثم منزل التوراة والإنجيل المختفي فيه موضع ظاهر التوراة بباطن ~~الإنجيل انتهى. # ومناسبة ابتدائها بالتوحيد لما في أثنائها أنه لما خلق عيسى عليه الصلاة ~~والسلام من أنثى فقط وهي أدنى أسباب النماء كان # PageV04P211 # وجوده إشارة إلى أن الزيادة قد انتهت، وأن الخلق أخذ في النقصان، وهذا ~~العالم أشرف على الزوال، فلم يأت بعده من قومه نبي بل كان خاتم أنبياء بني ~~إسرائيل، وكان هذا النبي الذي أتى بعده من غير قومه خاتم الأنبياء مطلقا، ~~وكان مبعوثا مع نفس الساعة، وكان نزوله هو آخر الزمان علما على الساعة، ~~وصدرت هذه السورة التي نزل كثير منها بسببه بالوحدانية إشارة إلى أن الوارث ~~قد دنا زمان إرثه، وأن يكون ولا شيء معه كما كان، وأن الحين الذي يتمحض فيه ~~تفرد الواحد قد حان، والآن الذي يقول فيه سبحانه له الملك اليوم قد آن؛ ~~ويوضح ذلك أنه لما كان آدم عليه الصلاه والسلام مخلوقا من التراب الذي هو ~~أمتن أسباب النماء، وهو غالب على كل ما جاوره، وكانت الأنثى مخلوقة من آدم ~~الذي هو الذكر وهو أقوى سببي التناسل كان ذلك إشارة إلى ms0639 كثرة الخلائق ~~ونمائهم وازديادهم، فصدر أول سورة ذكر فيها خلقه وابتداء أمره بالكتاب ~~إشارة إلى أن ما يشير إليه ذكره من تكثر الخلائق وانتشار الأمم والطوائف ~~داع إلى إنزال الشرائع وإرسال الرسل بالأحكام والدلائل، فالمعنى أن آدم ~~عليه الصلاة والسلام لما كان منه الابتداء # PageV04P212 # وعيسى عليه الصلاة والسلام لما كان دليلا على الانتهاء اقتضت الحكمة أن ~~يكون كل منهما مما كان منه، وأن تصدر سورة كل بما صدرت به والله سبحانه ~~وتعالى الموفق. # وقال ابن الزبير ما حاصله: إن اتصالها بسورة البقرة والله سبحانه وتعالى ~~أعلم من جهات: إحداها ما تبين في صدر السورة مما هو إحالة على ما ضمن في ~~سورة البقرة بأسرها، ثانيها الإشارة في صدر السورة أيضا إلى أن الصراط ~~المستقيم قد تبين شأنه لمن تقدم في كتبهم، فإن هذا الكتاب جاء مصدقا لما ~~نزل نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه، فهو بيان لحال الكتاب الذي ~~هو هدى للمتقين، ولما بين افتراق الأمم بحسب السابقة إلى أصناف ثلاثة، وذكر ~~من تعنت بني إسرائيل وتوقفهم ما تقدم أخبر سبحانه وتعالى هنا أنه أنزل ~~عليهم التوراة، وأنزل بعدها الإنجيل، وأن كل ذلك هدى لمن وفق، إعلاما منه ~~سبحانه وتعالى لأمه محمد صلى الله عليه وسلم أن من تقدمهم قد بين لهم {وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ؛ والثالثة قصة عيسى عليه الصلاة ~~والسلام وابتداء أمره من غير أب والاعتبار به نظير الاعتبار بآدم عليه ~~الصلاة والسلام ولهذا أشار قوله سبحانه وتعالى {إن مثل # PageV04P213 # عيسى عند الله كمثل آدم} [آل عمران: 59] انتهى. # ولما علم بذلك أمر القيوم سبحانه وتعالى بالحق وهو الإيمان علم أن ~~لمخالفي أمره من أضداد المؤمنين الموصوفين وهم الكفرة المدعو بخذلانهم ~~المنزل الفرقان لمحو أديانهم الويل والثبور، فاتصل بذلك بقوله: {إن الذين ~~كفروا} أي غطوا ما دلتهم عليه الفطرة الأولى التي فطرهم الله سبحانه وتعالى ~~عليها، ثم ما بينت لهم الرسل عليهم الصلاة والسلام عنه سبحانه وتعالى من ~~البيان الذي لا لبس معه {بآيات ms0640 الله} المستجمع لصفات الكمال إقبالا منهم ~~على ما ليس له أصلا صفة كمال، وهذا الكفر كما قال الحرالي دون الكفر بأسماء ~~الله الذي هو دون الكفر بالله، قال: فكما بدأ خطاب التنزيل من أعلاه نظم به ~~ابتداء الكفر من أدناه انتهى. {لهم عذاب شديد} كما تقتضيه صفتا العزة ~~والنقمة، وفي وصفه بالشدة إيذان بأن من كفر دون هذا الكفر كان له مطلق ~~عذاب. قال الحرالي: ففي إشعاره أن لمن داخله كفر ما حط بحسب خفاء ذلك ~~الكفر، فأفصح الخطاب بالأشد وألاح بالأضعف انتهى. # PageV04P214 # والآية على تقدير سؤال ممن كأنه قال: ماذا يفعل بمن أعرض عن الكتب ~~الموصوفة؟ أو يقال: إنه لما قال: {وأنزل الفرقان} [آل عمران: 4] أي الفارق ~~بين الحق والباطل من الآيات والأحكام عليك وعلى غيرك من الأنبياء لم يبق ~~لأحد شبهة فقال: وأحسن من ذلك كله أنه سبحانه وتعالى ولما أنزل سورة البقرة ~~على طولها في بيان أن الكتاب هدى للمتقين، وبين أن أول هذه وحدانيته وحياته ~~وقيوميته الدالة على تمام العلم وشمول القدرة، فأنتج ذلك صدق ما أخبر به ~~سبحانه وتعالى، أيد ذلك بالإعلام بأن ذلك الكتاب مع أنه هاد اليه حق، ودل ~~على ذلك لمصادقته لما قبله من الكتب. # ولما ختم أوصافه بأنه فرقان لا يدع لبسا ولا شبهة أنتج ذلك قطعا أن الذين ~~قدم أول تلك أنهم أصروا على الكفر به خاسرون، فأخبر سبحانه وتعالى بما أعد ~~لهم من العذاب فقال: {إن الذين} مؤكدا مظهرا لما كان من حقه الإضمار، لولا ~~إرادة تعليق الحكم بالوصف وهو الكفر أي الستر لما تفضل عليهم به من الآيات؛ ~~ثم قرر قدرته على ما هدد به وعبر به فقال: عاطفا على ما أرشد السياق مع ~~العطف على غير مذكور إلى أنه: فالله سبحانه وتعالى عالم بما له # PageV04P215 # من القيومية بجميع أحوالهم: {والله} أي الملك العظيم مع كونه رقيبا ~~{عزيز} لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء {ذو انتقام *} أي تسلط وبطش شديد ~~بسطوة. قال الحرالي: فأظهر وصف العزة موصولا ms0641 بما أدام من انتقامه بما يعرب ~~عنه كلمة ذو المفصحة بمعنى صحبة ودوام، فكأن في إشعاره دواما لهذا الانتقام ~~بدوام أمر الكتاب الجامع المقابل علوه لدنو هذا الكفر، وكان في طي إشعار ~~الانتقام أحد قسمي إقامة اليومية في طرفي النقمة والرحمة، فتقابل هذان ~~الخطابان إفصاحا وإفهاما من حيث ذكر تفصيل الكتب إفصاحا فافهم متنزل الفتنة ~~في الابتداء إلاحة، فإنه كما أنزل الكتب هدى أنزل متشابهها فتنة، فتعادل ~~الإفصاحان والإلاحتان، وتم بذلك أمر الدين في هذه السورة انتهى. وما أحسن ~~إطلاق العذاب بعد ذكر الفرقان ليشمل الكون في الدنيا نصرة للمؤمنين استجابة ~~لدعائهم، وفي الآخرة تصديقا لقولهم وزيادة في سرورهم ونعيمهم، وتهديدا لمن ~~ترك كثير من هذه السورة بسببهم وهم وفد نصارى نجران. يجادلون النبي في أمر ~~عيسى عليه الصلاة والسلام، # PageV04P216 # فتارة يقولون: هو الله، وتارة يقولون: هو ابن الله، وتارة يقولون، هو ~~ثالث ثلاثة، وكان بعضهم عالما بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام وبأن ~~أحمد الذي بشر به هو هذا النبي العربي فقال له بعض أقاربه: فلم لا تتبعه ~~وأنت تعلم أن عيسى أمر باتباعه؟ فقال له: لو اتبهناه لسلبنا ملك الروم جميع ~~ما ترى من النعمة، وكان ملوك الروم قد أحبوهم لاجتهادهم في دينهم وعظموهم ~~وسودوهم وخولوهم في النعم حتى عظمت رئاستهم وكثرت أموالهم على ما بين في ~~السيرة الهشامية وغيرها، واستمر سبحانه وتعالى يؤكد استجابته لدعاء أوليائه ~~بالنصرة آخر البقرة في نحو قوله: # {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم} [آل عمران: 10] {قل للذين كفروا ~~ستغلبون} [آل عمران: 12] إلى أن ختم السورة بشرط الاستجابة فقال: {اصبروا ~~وصابروا} [آل عمران: 200] ، ثم قال توضيحا لما قدم في آية الكرسي من إثبات ~~العلم، واستدلالا على وصفه سبحانه وتعالى بالقيومية التي فارق بها كل من ~~يدعي فيه الإلهية مشيرا بذلك إلى الرد على من جادل في عيسى عليه الصلاة ~~والسلام فأطراه بدعواه أنه إله، وموضحا لأن كتبه هدى # PageV04P217 # وأنه عالم بالمطيع والعاصي بما تقدم أنه أرشد العطف في {والله عزيز} لى ms0642 ~~تقديره، ومعللا لوصفه بالعزة والقدرة لما يأتي في سورة طه من أن تمام العلم ~~يستلزم شمول القدرة: {إن الله} بما له من صفات الكمال التي منها القيومية ~~{لا يخفى عليه شيء} وإن دق، ولما كان تقريب المعلومات بالمحسوسات أقيد في ~~التعليم والبعد عن الخفاء قال وإن كان علمه سبحانه وتعالى لا يتقيد بشيء: ~~{في الأرض ولا في السماء *} أي ولا هم يقدرون على أن يدعوا في عيسى عليه ~~الصلاة والسلام مثل هذا العلم، بل في إنجيلهم الذي بين أظهرهم الآن في حدود ~~السبعين والثمانمائة التصريح بأنه يخفى عليه بعض الأمور، قال في ترجمة ~~إنجيل مرقس في قصة التي كانت بها نزف الدم: إنها أتت من ورائه فأمسكت ثوبه ~~فبرأت فعلم القوة التي خرجت منه، فالتفت إلى الجمع وقال: من مس ثوبي؟ فقال ~~له تلاميذه: ما ندري، الجمع يزحمك، ويقول: من اقترب؟ فجاءت وقالت له الحق، ~~فقال: يا ابنة! إيمانك خلصك؛ وهو في إنجيل لوقا بمعناه ولفظه: فجاءت من ~~ورائه وأمسكت طرف ثوبه، فوقف جري دمها الذي كان يسيل منها، فقال يسوع من ~~لمسني؟ فأنكر جميعهم، فقال بطرس والذي # PageV04P218 # معه: يا معلم الخير! الجميع يزحمك ويضيق عليك ويقول: من الذي لمسني من ~~قرب مني؟ قد علمت أن قوة خرجت مني إلى آخره. وقال ابن زبير: ثم أشار قوله ~~تعالى: {إن الله لا يخفى عليه شيء} إلى ما تقدم أي في البقرة من تفصيل ~~أخبارهم. فكان الكلام في قوة أن لو قيل: أيخفي عليه مرتكبات العباد! وهو ~~مصورهم في الأرحام والمطلع عليهم حيث لا يطلع عليهم غيره انتهى. # PageV04P219 # ولما قرر سبحانه وتعالى شمول علمه أتبعه دليله من تمام قدرته فقال: وقال ~~الحرالي: ولما كان كل تفصيل يتقدمه بالرتبة مجمل جامع، وكانت تراجم السورة ~~موضع الإجمال ليكون تفصيلها موضع التفاصيل، وكان من المذكور في سورة الكتاب ~~ما وقع من اللبس كذلك كان في هذه السورة التي ترجمها جوامع إلهية ما وقع من ~~اللبس في أمر الإلهية في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، فكان ms0643 في هذه الآيه ~~الجامعة توطئة لبيان الأمر في شأنه عليه السلام من حيث إنه مما صور في ~~الرحم وحملته الأنثى ووضعته، وأن جميع ما حوته السماء والأرض لا ينبغي أن ~~يقع فيه لبس في أمر الإلهية؛ انتهى # PageV04P219 # فقال مبينا أمر قدرته بما لا يقدر عليه عيسى عليه الصلاة والسلام ولا ~~غيره: {هو} أي وحده {الذي} وقرعهم بصرف القول من الغيبه إلى الخطاب ليعظم ~~تنبههم على ما هم فيه من قهر المصور لهم على ما أوجدهم عليه مما يشتهونه ~~ولا يفقهونه فقال: {يصوركم} أي أن كنتم نطفا من التصوير وهو إقامه الصورة. ~~وهي تمام البادي التي يقع عليها حس الناظر لظهورها، فصورة كل شيء تمام بدوه ~~قال الحرالي: {في الأرحام} أي التي لا اطلاع لكم عليها بوجه، ولما كان ~~التصوير في نفسه أمرا معجبا وشينا للعقل إذا تأمله وإن كان قد هان لكثرة ~~الإلف باهرا فكيف بأحواله المتباينه وأشكاله المتخالفة المتباينة أشار إلى ~~التعجب من أمره وجليل سره بآلة الاستفهام وإن قالوا: إنها في هذا الوطن ~~شرط، فقال: {كيف} أي كما {يشاء} أي على أي حالة أراد، سواء عنده كونكم من ~~نطفتي ذكر وأنثى أو نطفة أنثى وحدها دليلا على كمال العلم والقيومية، ~~وإيماء إلى أن من صور في الأرحام كغيره من العبيد لا يكون إلا عبدا، إذ ~~الإله متعال عن ذلك لما فيه من أنواع الاحتياج والنقص. # PageV04P220 # وقال الحرالي: فكان في إلاحة هذه الآية توزيع أمر الإظهار على ثلاثة وجوه ~~تناظر وجوه التقدير الثلاثة التي في فاتحة سورة البقرة، فينتج هدى وإضلالا ~~وإلباسا أكمل الله به وحيه، كما أقام بتقدير الإيمان والكفر والنفاق خلقه ~~فطابق الأمر الخلق فأقام الله سبحانه وتعالى بذلك قائم خلقه وأمره، فكان في ~~انتظام هذه الإفهامات أن بادي الأحوال الظاهرة عند انتهاء الخلق إنما ظهرت ~~لأنها مودعة في أصل التصوير فصورة نورانية يهتدي بها وصورة ظلمانية يكفر ~~لأجلها، وصورة ملتبسة عيشية علمية يفتتن ويقع الإلباس والالتباس من جهتها، ~~مما لا يفي ببيانها إلا الفرقان المنزل على ms0644 هذه الأمه، ولا تتم إحاطة ~~جميعها إلا في القرآن المخصوصة به أئمة هذه الأمه انتهى. # فقد علم أن التصوير في الرحم أدق شيء علما وقدرة، فعلم فاعله بغيره ~~والقدرة عليه من باب الأولى فثبت أنه لا كفوء له؛ فلذلك وصل به كلمه ~~الإخلاص وقال الحرالي: ولما تضمنت إلاحة هذه الآية ما تضمنته من الإلباس ~~والتكفير أظهر سبحانه وتعالى كلمه الإخلاص ليظهر نورها أرجاس تلك الإلباسات ~~وتلك التكفيرات فقال: {لا إله إلا هو} # PageV04P221 # إيذانا بما هي له الإلباس والتكفير من وقوع الإشراك بالإلهية والكفر فيها ~~والتلبس والإلتباس في أمرها؛ فكان في طي هذا التهليل بشرى بنصرة أهل ~~الفرقان وأهل القرآن على أهل الالتباس والكفران وخصوصا على أهل الإنجيل ~~الذين ذكرت كتبهم صريحا في هذا التنزيل بل يؤيد إلاحته في التهليل إظهار ~~الختم في هذه الآية بصفتي العزة المقتضية للانتقام من أهل عداوته والحكمة ~~المقتضية لإكرام أهل ولايته؛ انتهى فقال: {العزيز} أي الغالب غلبة لا يجد ~~معها المغلوب وجه مدافعة ولا انفلات، ولا معجز له في إنفاذ شيء من أحكامه ~~{الحكيم *} أي الحاكم بالحكمة، فالحكم المنع عما يترامى إليه المحكوم عليه ~~وحمله على ما يمتنع منه من جميع أنواع الصبر ظاهرا بالسياسة العالية نظرا ~~له، والحكمة العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر العاجله وحسن ~~العقبى في الآجلة؛ ففي ظاهر ذلك الجهد، وفي باطنه الرفق، وفي عاجله الكره، ~~وفي آجله الرضى والروح؛ ولايتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم، ~~فبذلك يكون # PageV04P222 # تنزيل أمر العزة على وزن الحكمة قاله الحرالي بالمعنى. # ولما ختم سبحانه وتعالى بوصف العزة الدالة على الغلبة الدالة على كمال ~~القدرة والحكمة المقتضي لوضع كل شيء في أحسن محاله وأكملها المستلزم لكمال ~~العلم، تقديرا لما مر من التصوير وغيره، وكان هذا الكتاب أكمل مسموعات ~~العباد لنزوله على وجه هو أعلى الوجوه، ونظمه على أسلوب أعجز الفصحاء وأبكم ~~البلغاء إلى غير ذلك من الأمور الباهرة والأسرار الظاهرة، وعلى عبد هو أكمل ~~الخلق؛ أعقب الوصفين بقوله بيانا لتمام علمه ms0645 وشمول قدرته: {هو} أي وحده ~~{الذي} ولما فصل أمر المنزل إلى المحكم والتشابه نظر إليه جملة كما اقتضاه ~~التعبير بالكتاب فعبر بالإنزال دون التنزيل فقال: {أنزل عليك} أي خاصة ~~{الكتاب} أي القرآن، وقصر الخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا ~~موضع الراسخين وهو رأسهم دلالة على أنه لا يفهم هذا حق فهمه من الخلق غيره. ~~قال الحرالي: ولما كانت هذه السورة فيما اختصت به من علن أمر الله سبحانه ~~وتعالى مناظرة بسورة البقرة فيما أنزلت من إظهار كتاب الله سبحانه وتعالى ~~كان المنتظم بمنزل فاتحتها ما يناظر المنتظم بفاتحة سورة البقرة، فلما # PageV04P223 # كانت سورة البقرة منزل كتاب هو الوحي انتظم بترجمتها الإعلام بأمر كتاب ~~الخلق الذي هو القدر، فكما بين في أول سورة البقرة كتاب تقدير الذي قدره ~~وكتبه في ذوات من مؤمن وكافر ومردد بينهما هو المنافق فتنزلت سورة كتاب ~~للوحي إلى بيان قدر الكتاب الخلقي لذلك كان متنزل هذا الافتتاح الإلهي إلى ~~أصل منزل الكتاب الوحي؛ ولما بين أمر الخلق أن منهم من فطره على الإيمان ~~ومنهم من جبله على الكفر ومنهم من أناسه بين الخلقين، بين في الكتاب أن منه ~~ما أنزله على الإحكام ومنه ما أنزله على الاشتباه؛ وفي إفهامه ما أنزله على ~~الافتنان والإضلال بمنزله ختم الكفار؛ انتهى فقال: {منه آيات محكمات} أي لا ~~خفاء بها. # قال الحرالي: وهي التي أبرم حكمها فلم ينبتر كما يبرم الحبل الذي يتخذ ~~حكمة أي زماما يزم به الشيء الذي يخاف خروجه على الانضباط، كأن الآيه ~~المحكمة تحكم النفس عن جولانها وتمنعها من جماحها وتضبطها إلى محال ~~مصالحها، ثم قال: فهي آي التعبد من الخلق للخلق # PageV04P224 # اللائي لم يتغير حكمهن في كتاب من هذه الكتب الثلاث المذكورة، فهن لذلك ~~أم انتهى. # ولما كان الإحكام في غاية البيان فكان في تكامله ورد بعض معانيه إلى بعض ~~كالشيء الواحد، وكان رد المتشابه إليه في غايه السهولة لمن رسخ إيمانه وصح ~~قصده واتسع علمه ليصير الكل شيئا واحدا أخبر عن ms0646 الجمع بالمفرد فقال: {هن أم ~~الكتاب} والأم الأمر الجامع الذي يؤم أي يقصد، وقال الحرالي: هي الأصل ~~المقتبس منه الشيء في الروحانيات والنابت منه أو فيه في الجسمانيات {وأخر} ~~أي منه {متشابهات} قال الحرالي: والتشابه تراد التشبه في ظاهر أمرين لشبه ~~كل واحد منهما بالآخر بحيث يخفى خصوص كل واحد منهما؛ ثم قال: وهن الآي التي ~~أخبر الحق سبحانه وتعالى فيهن عن نفسه وتنزلات تجلياته ووجوه إعانته لخلقه ~~وتوفيقه وإجرائه ما أجرى من اقتداره وقدرته في بادئ # PageV04P225 # ما أجراه عليهم، فهن لذلك متشبهات من حيث إن نبأ الحق عن نفسه لا تناله ~~عقول الخلق، ولا تدركه أبصارهم، وتعرف لهم فيما تعرف بمثل أنفسهم، فكأن ~~المحكم للعمل والمتشابه لظهور العجز، فكان لذلك حرف المحكم أثبت الحروف ~~عملا، وحرف المتشابه أثبت الحروف إيمانا، واجتمعت على إقامته الكتب الثلاث، ~~واختلفت في الأربع اختلافا كثيرا فاختلف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها، ~~واتفق على محكمها ومتشابهها انتهى. فبين سبحانه وتعالى بهذا أنه كما يفعل ~~الأفعال المتشابهه مثل تصوير عيسى عليه الصلاة والسلام من غير نطفة ذكر، مع ~~إظهار الخوارق على يديه لتبين الراسخ في الدين من غيره كذلك يقول الأقوال ~~المتشابهه، وأنه فعل في هذا الكتاب ما فعل في غيره من كتبه من تقسيم آياته ~~إلى محكم ومتشابه ابتلاء لعباده ليبين فضل العلماء الراسخين الموقنين بأنه ~~من عنده، وأن كل ما كان من عند الله سبحانه وتعالى فلا اختلاف فيه في نفس ~~الأمر، لأن سبب الاختلاف الجهل أو العجز، وهو سبحانه وتعالى متعال جده منزه ~~قدره عن شيء من ذلك، فبين فضلهم بأنهم يؤمنون به، ولا يزالون يستنصرون منه ~~سبحانه وتعالى فتح المنغلق وبيان المشكل حتى يفتحه عليهم بما يرده إلى ~~المحكم، وهذا على وجه يشير إلى المهمة الذي تاه # PageV04P226 # فيه النصارى، والتيه الذي ضلوا فيه عن المنهج، واللج الذي أغرق جماعاتهم، ~~وهو المتشابه الذي منه أنهم زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يقول له ~~القائل: يا رب! افعل لي كذا ويسجد له، فيقره على ms0647 ذلك ويجيب سؤاله، فدل ذلك ~~على أنه إله، ومنه إطلاقه على الله سبحانه وتعالى أبا وعلى نفسه أنه ابنه، ~~فابتغوا الفتنه فيه واعتقدوا الأبوة والنبوة على حقيقتهما ولم يردوا ذلك ~~إلى المحكم الذي قاله لهم فأكثر منه، كما أخبر عنه أصدق القائلين سبحانه ~~وتعالى في الكتاب المتواتر الذي حفظه من التحريف والتبديل: # {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} [فصلت: 42] ، وهو {إني عبد ~~الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا} [مريم: 30، 31] {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن ~~اعبدوا الله ربي وربكم} [المائدة: 117] {إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا ~~صراط مستقيم} [مريم: 51] ، هذا مما ورد في كتابنا الذي لم يغيروا ما عندهم ~~فإن كانوا قد بدلوه فقد ولله الحمد منه في الأناجيل الأربعة التي بين ~~أظهرهم الآن في أواخر هذا القرن التاسع من المحكم ما يكفي في # PageV04P227 # رد المتشابه إليه، ففي إنجيل لوقا أن جبريل عليه الصلاة والسلام ملاك ~~الرب لما تبدى لمريم مبشرا بالمسيح عليه السلام وخافت منه قال لها: لا ~~تخافي يا مريم ظفرت بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى، وأنت تقبلين حبلا ~~وتلدين ابنا يدعى يسوع، يكون عظيما، وابن العذراء يدعى؛ ويعطيه الرب الإله ~~كرسي داود أبيه؛ وفي إنجيله أيضا وإنجيل متى أن عيسى عليه الصلاة والسلام ~~قال وقد أمره إبليس أن يجرب قدره عند الله بأن يطرح نفسه من شاهق: مكتوب: ~~لا تجرب الرب إلهك، وقال وقد أمره أن يسجد له: مكتوب: للرب إلهك اسجد، ~~وإياه وحده اعبد، وصرح أن الله سبحانه وتعالى واحد في غير موضع؛ وفي إنجيل ~~لوقا أنه دفع إلى المسيح سفر أشعيا النبي فلما فتحه وجد الموضع الذي فيه ~~مكتوب: روح الرب علي، من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأبشر ~~بالسنة المقبولة للرب، والأيام التي أعطانا إلهنا، ثم طوى السفر ودفعه # PageV04P228 # إلى الخادم؛ وفيه وفي غيره من أناجيلهم: من قبل هذا فقد قبلني، ومن قبلني ~~فقد قبل الذي أرسلني، ms0648 ومن سمع منكم فقد سمع مني، ومن جحدكم فقد جحدني، ومن ~~جحدني فقد شتم الذي أرسلني ومن أنكرني قدام الناس أنكرته قدام الناس، ~~أنكرته قدام ملائكة الله، وفي إنجيل يوحنا أنه قال عن نفسه عليه الصلاة ~~والسلام: الذي أرسله الله إنما ينطق بكلام الله لأنه ليس بالكيس، أعطاه ~~الله الروح، وقال: قد سأله تلاميذه أن بأكل فقال لهم: طعامي أن أعمل مسرة ~~من أرسلني وأتم عمله؛ وفيه في موضع آخر: الحق الحق أقول لكم! أن من يسمع ~~كلامي وآمن بمن أرسلني وجبت له الحياة المؤبده، لست أقدر أعمل شيئا من ذات ~~نفسي، وإنما أحكم بما أسمع، وديني عدل لأني لست أطلب مسرتي بل مسرة من ~~أرسلني؛ وفي إنجيل مرقس أنه قال لناس: تعلمتم وصايا الناس وتركتم وصايا ~~الله، وزجر بعض من اتبعه فقال: اذهب يا شيطان! فإنك لم تفكر في # PageV04P229 # ذات الله، وتفكر في ذات الناس؛ فقد جعل الله إلهه وربه ومعبوده، واعترف ~~له بالوحدانيه وجعل ذاته مباينا لذات الناس الذي هو منهم؛ وفي جميع ~~أناجيلهم نحو هذا، وأنه كان يصوم ويصلي لله ويأمر تلاميذه بذلك، ففي إنجيل ~~لوقا أنهم قالوا له: يا رب! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه، فقال لهم: ~~إذا صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات يتقدس اسمك! كفافنا أعطنا في كل ~~يوم، واغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه، ولا تدخلنا في التجارب، ~~لكن نجنا من الشرير؛ ولما دخل الهيكل بدأ يخرج الذين يبيعون ويشترون فيه، ~~فقال لهم: مكتوب أن بيتي هو بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مفازة اللصوص! فعلم ~~من هذا كله أن إطلاق اسم الرب عليه لأن الله سبحانه وتعالى أذن له أن يفعل ~~بعض أفعاله التي ليست في قدرة البشر، والرب يطلق على السيد أيضا، كما قال ~~يوسف عليه الصلاة والسلام: # {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] . ثم وجدت في أوائل إنجيل يوحنا أن الرب ~~تأويله العلم، ولو ردوا أيضا الأب والابن إلى هذا المحكم وأمثاله وهي كثيرة ~~في جميع أناجيلهم لعلموا بلا شبهة أن ms0649 معناه أن الله سبحانه # PageV04P230 # وتعالى يفعل معه ما يفعل الوالد مع ولده من الترية والحياطة والنصرة ~~والتعظيم والإجلال، كما لزمهم حتما أن يأولوا قوله فيما قدمته: أبانا الذي ~~في السماوات، وقوله في إنجيل متى لتلاميذه: هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ~~ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات، وقال: وأحسنوا إلى ~~من أبغضكم، وصلوا على من يطردكم ويخزيكم لكيما تكونوا بني أبيكم الذي في ~~السماوات، لأنه المشرق شمسه على الأخيار والأشرار، والممطر على الصديقين ~~والظالمين، انظروا! لا تصنعوا أمرا حكم قدام الناس لكي يروكم، فليس لكم أجر ~~عند أبيكم الذي في السماوات، وإذا صنعت رحمة فلا تضرب قدامك بالبوق، ولا ~~تصنع كما يصنع المراؤون في المجامع وفي الأسواق لكي يمجدوا من الناس، الحق ~~أقول لكم! لقد أخذوا أجرهم؛ وأنت إذا صنعت رحمة لا تعلم شمالك ما صنعته ~~يمينك، لتكون صدقة في خفية، وأبوك الذي يرى الخفية يعطيك على نية؛ وقل في ~~الفصل العاشر منه: وصل لأبيك سرا، وأبوك يرى السر فيعطيك علانية. # PageV04P231 # وهكذا في جميع آيات الأحكام من الإنجيل كرر لهم هذه اللفظة تكريرا كثيرا، ~~فكما تأول لها النصارى بأن المراد منها تعظيمهم له أشد من تعظيمهم لآبائهم ~~ليعتني بهم أكثر من اعتناء الوالد بالولد فكذلك يأولون ما في إنجيل لوقا ~~وغيره أن أم عيسى وإخواته أتوا اليه فلم يقدروا لكثره الجمع على الوصول ~~إليه فقالوا له أملك وإخواتك خارجا يريدون أن ينظروا إليك، فأجاب: أمي ~~وأخوتي الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها؛ فكذلك يلزمهم تأويلها في حق ~~عيسى عليه الصلاة والسلام لذلك ليرد المتشابه إلى المحكم. وإن لم يأولوا ~~ذلك في حق أنفسهم وحملوه على الظاهر كما هو ظاهر قوله سبحانه وتعالى: ~~{وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18] كانوا ~~مكابرين في المحسوس بلا شبهة، فإن كل أحد منهم مساو لجميع الناس وللبهائم ~~في أن له أبوين، وكانت دعواهم هذة ساقطة لا يردها عليهم إلا من تبرع ~~بإلزامهم بمحسوس آخر هم به يعترفون، وقد أقام هو نفسه عليه ms0650 الصلاة والسلام ~~أدلة على صرفها عن ظاهرها، منها غير ما تقدم أنه كثيرا ما كان يخبر عن نفسه ~~فيقول: ابن الإنسان يفعل كذا، # PageV04P232 # ابن البشر قال كذا يعني نفسه الكريمة، فحيث نسب نفسه إلى البشر كان مريدا ~~للحقيقة، لأنه ابن امرأة منهم، وهو مثلهم في الجسد، والمعاني حيث نسبها إلى ~~الله سبحانه وتعالى كان على المجاز كما تقدم. وأما السجود فقد ورد في ~~التوراة كثيرا لأحاد الناس من غير نكير، فكأنه كان جائزا في شرائعهم فعله ~~لغير الله سبحانه وتعالى على وجه التعظيم والله سبحانه وتعالى أعلم، وأما ~~نحن فلا يجوز فعله لغير الله، ولا يجوز في شريعتنا أصلا إطلاق الأب ولا ~~الابن بالنسبة إليه سبحانه وتعالى، وكذا كل لفظ أوهم نقصا سواء صح أن ذلك ~~كان جائزا في شرعهم أم لا، وإذا راجعت تفسير البيضاوي لقوله سبحانه وتعالى ~~في البقرة {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] زادك بصيرة ~~فيما هنا؛ والحاصل أنهم لم يصرفوا ذلك في حق عيسى عليه الصلاة والسلام عن ~~ظاهره وحقيقته وتحكموا بأن المراد منه المجاز وهو هنا إطلاق اسم الملزوم ~~على اللازم، وكذا غيره من متشابه الإنجيل، كما فعلنا نحن بمعونة الله ~~سبحانه وتعالى في وصف الله سبحانه وتعالى بالرضى والغضب والرحمة والضحك ~~وغير ذلك مما يستلزم حمله على الظاهر وصفات المحدثين، وكذا ذكر اليد والكف ~~والعين ونحو ذلك # PageV04P233 # فحملنا ذلك كله على أن المراد منه لوازمه وغاياته مما يليق بجلاله سبحانه ~~وتعالى مع تنزيهنا له سبحانه وتعالى عن كل نقص وإثباتنا له كل كمال، فإن ~~الله سبحانه وتعالى عزه وجده وجل قدره ومجده أنزل حرف المتشابه ابتلاء ~~لعباده لتبين الثابت من الطائش والموقن من الشاك. # قال الحرالي في كتابه عروة المفتاح: وجه إنزال هذا الحرف تعرف الحق للخلق ~~بمعتبر ما خلقهم عليه ليلفتوا عنه وليفهموا خطابه، وليتضح لهم نزول رتبهم ~~عن علو ما تعرف به لهم، وليختم بعجزهم عن إدراك هذا الحرف علمهم بالأربعة ~~يعني الأمر والنهي والحلال والحرام، وحبسهم بالخامس ms0651 وتوقفهم عنه والاكتفاء ~~بالإيمان منه ما تقدم من عملهم بالأربعة، واتصافهم بالخامس ليتم لهم ~~العبادة بالوجهين من العمل والوقوف والإدراك والعجز {فارجع البصر هل ترى من ~~فطور} [الملك: 3] علما وحسا # PageV04P234 # {ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} [الملك: 4] عجزا، ~~أعلمهم بحظ من علم أنفسهم وغيرهم بعد أن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون ~~شيئا ثم أعجزهم عن علم أمره وأيامه الماضية والآتية وغائب الحاضرة ليسلموا ~~له اختيار فيرزقهم اليقين بأمره وغائب أيامه، كما أسلموا له في الصغر ~~اضطرارا، فرزقهم حظا من علم خلقه، فمن لم يوقفه في حد الإيمان اشتباه خطابه ~~سبحانه وتعالى عن نفسه وما بينه وبين خلقه وحاول تدركه بدليل أو فكر أو ~~تأويل حرم اليقين بعلي الأمر والتحقيق في علم الخلق، وأوخذ بما أضاع من ~~محكم ذلك المتشابه حين اشتغل لما يعنيه من حال نفسه بما لا يعنيه من أمر ~~ربه، فكان كالمتشاغل بالنظر في ذي الملك، وتنظره يرمي نفسه عن مراقبة ما ~~يلزمه من تفهم حدوده وتذلله لحرمته؛ وجوامع منزل هذا الحرف في رتبتين: ~~مبهمة ومفصلة، # PageV04P235 # أما انبهامه فلوقوف العلم به على تعريف الله سبحانه وتعالى من غير واسطة ~~من وسائط النفس من فكر ولا استدلال، وليتدرب المخاطب بتوقفه على المبهم على ~~توقفه عن مفصله ومبهمه، وهو جامع الحروف المنزلة في أوائل السور التسع ~~والعشرين من سوره وبه افتتح الترتيب في القرآن، ليتلقى الخلق بادي أمر الله ~~بالعجز والوقوف والاستسلام إلى أن يمن الله سبحانه وتعالى بعلمه بفتح من ~~لدنه، ولذلك لم يكن في تنزيله في هذه الرتبة ريب لمن علمه الله سبحانه ~~وتعالى كنهه من حيث لم يكن للنفس مدخل في علمه، وذلك قوله سبحانه وتعالى: ~~{آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه} [البقرة: 1، 2] لمن علمه الله إياه {هدى ~~للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 2، 3] وقوفا عن محاولة علم ما ليس ~~في وسع الخلق علمه، حتى تلحقه العنايه من ربه فعلمه ما لم يكن في علمه؛ ~~وأما الرتبة الثانية فمتشابه الخطاب المفصل المشتمل على ms0652 إخبار الله عن نفسه ~~وتنزيلات أمره، ورتب إقامات خلقه بإبداع كلمته وتصيير حكمته وباطن ملكوته ~~وعزيز جبروته وأحوال أيامه؛ وأول ذلك في ترتيب القرآن إخباره عن استوائه في ~~قوله: # {ثم استوى إلى السماء} [البقرة: 29] # PageV04P236 # إلى قوله سبحانه وتعالى {فأينما تولوا فثم وجه الله} [لبقرة: 115] إلى ~~سائر ما أخبر عنه من عظم شأنه في جملة آيات متعددات لقوله سبحانه وتعالى ~~{إلا لنعلم من يتبع الرسول} [البقرة: 143] ، {فإني قريب} [البقرة: 186] {هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة} [البقرة: 210] ، ~~{الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] {فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله} [البقرة: 279] ، {هو الذي يصوركم في الأرحام} [آل عمران: 6] ، ~~{ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 128] ، {ولله ملك السماوات والأرض} [آل ~~عمران: 189] ، {والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284] ، {وكان الله سميعا ~~بصيرا} [النساء: 85] ، {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} [المائده: 64] ، ~~{وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم} [الأنعام: 3] ، {خلق ~~السماوات والأرض} [الأعراف: 54] ، {ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] ، ~~{ولتصنع على عيني} [طه: 39] ، {قل من بيده ملكوت كل شيء} [المؤمنون: 88] ، ~~{فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا ~~موسى إني أنا الله} [القصص: 30] ، {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] ، ~~{هو الذي يصلي عليكم وملائكته} [الأحزاب: 43] ، {إن الله وملائكته يصلون ~~علىلنبي} [الأحزاب: 56] ، {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [الأعراف: 12] ، ~~{وهو # PageV04P237 # الذي في السماء إله وفي الأرض إله} [الزخرف: 84] ، {وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثيه: 13] ، {وله الكبرياء في ~~السماوات والأرض} [الجاثيه: 37] ، {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك} ~~[الرحمن: 26، 27] ، {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} [الحديد: 3] ، {وهو ~~معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4] ، {ما يكون من نجوى ثلاثه إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} ~~[المجادلة: 7] ، {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} [الحشر: 2] ، {تبارك الذي ~~بيده الملك} [الملك: 1] ، {تعرج الملائكة والروح اليه} [المعارج: 4] ، ~~{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} ms0653 [القيامة: 22، 23] ، {وما تشاؤون إلا أن ~~يشاء الله} [الإنسان: 30] ، {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] إلى ~~سائر ما أخبر فيه عن تنزلات أمره وتسوية خلقه وما أخبرعنه حبيبه صلى الله ~~عليه وسلم من محفوظ الأحاديث التي عرف بها أمته ما يحملهم في عبادتهم على ~~الانكماش والجد والخشية والوجل والإشفاق وسائر الأحوال المشار إليها في حرف ~~المحكم من نحو حديث النزول والقدمين والصورة والضحك والكف والأنامل، وحديث ~~عناية لزوم التقرب بالنوافل وغير ذلك من الأحاديث التي ورد بعضها في ~~الصحيحين، واعتنى بجمعها الحافظ المتقن أبو الحسن الدارقطني رحمه الله # PageV04P238 # تعالى، ودون بعض المتكلمين جملة منها لقصد التأويل، وشدد النكير في ذلك ~~أئمة المحدثين، يؤثر عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه ورحمة أنه ~~قال: آيات الصفات وأحاديث الصفات صناديق مقفلة مفاتيحها بيد الله سبحانه ~~وتعالى، تأويلها تلاوتها، ولذلك أئمة الفقهاء وفتياهم لعامة المؤمنين والذي ~~اجتمعت عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ولقنته العرب كلها أن ورود ذلك ~~عن الله ومن رسوله ومن الأئمة إنما هو لمقصد الإفهام، لا لمقصد الإعلام، ~~فلذلك لم يستشكل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم شيئا قط، بل كلما كان ~~وارده عليهم أكثر كانوا به أفرح، وللخطاب به أفهم، حتى قال بعضهم لما ذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # «إن الله تعالى يضحك من عبده: لا نعدم الخير من رب يضحك» وهم وسائر ~~العلماء بعدهم صنفان: إما متوقف عنه في حد الإيمان، قانع بما أفاد من ~~الإفهام، وإما مفتوح عليه بما هو في صفاء الإيقان، وذلك أن الله سبحانه ~~وتعالى تعرف لعباده في الأفعال والآثار في الآفاق وفي أنفسهم تعليما، وتعرف ~~للخاصة منهم # PageV04P239 # بالأوصاف العليا والأسماء الحسنى مما يمكنهم اعتباره تعجيزا، فجاوزوا ~~حدود التعلم بالإعلام إلى عجز الإدراك فعرفوا أن لا معرفة لهم، وذلك هو حد ~~العرفان وإحكام قراءة هذا الحرف المتشابه في منزل القرآن، وتحققوا أن {ليس ~~كمثله شيء} [الشورى: 11] و {لم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] فتهدفوا بذلك ~~لما يفتحه الله على من يحبه من ms0654 صفاء الإيقان، والله يحب المحسنين. ثم قال ~~فيما به تحصل قراءة هذا الحرف: اعلم أن تحقيق الإسلام بقراءة حرف المحكم لا ~~يتم إلا بكمال الإيمان بقراءة حرف المتشابه تماما لأن حرف المحكم حال يتحقق ~~للعبد. ولما كان حرف المتشابه إخبارا عن نفسه سبحانه وتعالى بما يتعرف به ~~لخلقه من أسماء وأوصاف كانت قراءته بتحقق العبد أن تلك الأسماء والأوصاف ~~ليست مما تدركه حواس الخلق ولا ما تناله عقولهم، وإن أجرى على تلك الاسماء ~~والأوصاف على الخلق فيوجه، لا يلحق أسماء الحق ولا أوصافه منها تشبيه في ~~وهم ولا تمثيل في عقل {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] ، ~~{ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] ، فلاذي يصح به قراءة هذا الحرف أما من ~~جهة القلب # PageV04P240 # فالمعرفة بأن جميع أسماء الحق وأوصافه تعجز عن معرفتها إدراكات الخلق ~~وتقف عن تأويلها إجلالا وإعظاما معلوماتهم، وأن حسبها معرفتها بأنها لا ~~تعرفها، وأما من جهة حال النفس والاستكانة لما يوجبه تعرف الحق بتلك ~~الأسماء والأوصاف من التحقق بما يقابلها والبراءة من الاتصاف بها لأن ما ~~صلح للسيد حرم على العبد لتحقق فقر الخلق من تسمي الحق بالغنى، ولا يتسمى ~~بالغنى فيقدح في هداه، فيهلك باسمه ودعواه، ولتحقق ذلهم من تسميته تعالى ~~بالعزة وعجزهم عن تسميته بالقدرة، واستحقاق تخليهم من جميع ما تعرف به من ~~أوصاف الملك والسلطان والغضب والرضى والوعد والوعيد والترغيب والترهيب إلى ~~سائر ما تسمى به في جميع تصرفاته مما ذكر في المتشابه من الآي، وأشير إليه ~~من الأحاديث، وما عليه اشتملت «واردات الأخبار» في جميع الصحف والكتب، ~~ومرائي الصالحين ومواقف المحدثين ومواجد المروعين؛ وأما من جهة # PageV04P241 # العمل فحفظ اللسان عن إطلاق ألفاظ التمثيل والتشبيه تحقيقا لما في مضمون ~~قوله سبحانه وتعالى # {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] لأن مقتضاها الرد على المشبه من هذه ~~الأمة، وليس لعمل الجوارح في هذا الحرف مظهر سوى ما ذكر من لفظ اللسان، ~~فقراءته كالتوطئة لتخليص العبادة بالقلب في قراءة مفرد حرف الأمثال؛ والله ~~العلي الكبير انتهى. ms0655 # وقد تقدم حرف الأمثال عند قوله تعالى {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} ~~[البقرة: 7] وقد بين سبحانه وتعالى أنه لا يضل بحرف المتشابه إلا ذوو الطبع ~~العوج الذين لم ترسخ أقدامهم في الدين ولا استنارت معارفهم في العلم فقال: ~~{فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي اعوجاج عدلوا به عن الحق. وقال الحرالي: هو ~~ميل المائل إلى ما يزين لنفسه الميل إليه، والمراد هنا أشد الميل الذي هو ~~ميل القلب عن جادة الاستواء وفي إشعاره ما يلحق بزيغ القلوب من سيىء ~~الأحوال في الأنفس وزلل الأفعال في الأعمال، فأنبأ تعالى عما هو الأشد ~~وأبهم ما هو الأضعف: {فيتبعون} في إشعار هذه الصيغة بما تنبئ عنه # PageV04P242 # من تكلف المتابعه بأن من وقع له الميل فلفته لم تلحقه مذمه هذا الخطاب، ~~فإذا وقع الزلل ولم يتتابع حتى يكون اتباعا سلم من حد الفتنة بمعالجة ~~التوبة {ما تشابه منه} فأبهمه إبهاما يشعر بما جرت به الكليات فيما يقع نبأ ~~عن الحق وعن الخلق من نحو أوصاف النفس كالتعليم والحكيم وسائر أزواج ~~الأوصاف كالغضب والرضى بناء على الخلق في بادئ الصورة من نحو العين واليد ~~والرجل والوجه وسائر بوادي الصورة، كل ذلك مما أنه متشابهات أنزلها الله ~~تعالى ليتعرف للخلق بما جبلهم عليه مما لو لم يتعرف لهم به لم يعرفوه، ~~ففقائدة إنزالها التعرف بما يقع به الامتحان بإحجام الفكر عنه والإقدام على ~~التعبد له، ففائدة إنزاله عملا في المحكم وفائدة إنزاله فيه توقفا عنه ليقع ~~الابتلاء بالوجهين: عملا بالمحكم ووقوفا عن المتشابه، قال عليه الصلاة ~~والسلام: «لا تتفكروا في الله» وقال علي رضي الله عنه: من تفكر في ذات الله ~~تزندق ووافق العلماء إنكار الخلق عن التصرف في تكييف شيء منه، كما ذكر عن ~~مالك رحمه الله تعالى في قوله: الكيف مجهول والسؤال عنه بدعة، فالخوض في ~~المتشابه بدعة، والوقوف عنه سنة؛ وأفهم عنه الإمام أحمد يعني فيما تقدم في ~~آيات الصفات من أن تأويلها # PageV04P243 # تلاوتها، هذا هو حد الإيمان وموقفه، وإليه أذعن الراسخون في ms0656 العلم، وهم ~~الذين تحققوا في أعلام العلم، ولم يصغوا إلى وهم التخييل والتمثل به في شيء ~~مما أنبأ الله سبحانه وتعالى به نفسه ولا في شيء مما بينه وبين خلقه وكان ~~في توقفهم عن الخوض في المتشابه تفرغهم للعمل في المحكم، لأن المحكم واضح ~~وجداني، متفقه عليه مدارك الفطن وإذعان الجبلات ومنزلات الكتب، لم يقع فيه ~~اختلاف بوجه حتى كان لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، للزوم ~~الواجب من العمل بالمحكم في إذعان النفس، فكما لا يصلح العراء عن الاتصاف ~~بالمحكم لا يصلح الترامي إلى شيء من الخوض في المتشابه لأحد من أهل العلم ~~والإيمان أهل الدرجات، لأن الله سبحانه وتعالى جبل الخلق وفطرهم على إدراك ~~حظ من أنفسهم من أحوالهم، وأوقفهم عن إدراك ما هو راجع إليه، فأمر الله ~~وتجلياته لا تنال إلا بعنايه منه، يزج العبد زجه يقطع به الحجب الظلمانية ~~والنورانية # PageV04P244 # التي فيها مواقف العلماء؛ فليس في هذا الحرف المتشابه إلا أخذ لسانين: ~~لسان وقفة عن حد الإيمان للراسخين في العلم المشتغلين بالاتصاف بالتذلل ~~والتواضع والتقوى والبر الذي أمر صلى الله عليه وسلم أن يتبع فيه حتى ينتهي ~~العبد إلى أن يحبه الله، فيرفع عنه عجز الوقفه عن المتشابه، وينقذه من حجاب ~~النورانية، فلا يشكل عليه دقيق ولا يعييه خفي بما أحبه الله، وما بين ذلك ~~من خوض دون إنقاذ هذه العناية فنقص عن حد رتبة الإيمان والرسوخ في العلم، ~~فكل خائض فيه ناقص من حيث يحب أن يزيد، فهو إما عجز إيماني من حيث الفطر ~~الخلقي، وإما تحقق إيقاني توجبه العناية والمحبة انتهى. # ولما ذكر سبحانه وتعالى اتباعهم له ذكر علته فقال: {ابتغاء الفتنة} أي ~~تمييل الناس عن عقائدهم بالشكوك {وابتغاء تأويله} أي ترجيعه إلى ما يشتهونه ~~وتدعوا إليه نفوسهم المائلة وأهويتهم الباطلة بادعاء أنه مآله. قال ~~الحرالي: والابتغاء افتعال: تكلف البغي، وهو شدة الطلب، وجعله تعالى ~~ابتغاءين لاختلاف وجهيه، فجعل # PageV04P245 # الأول فتنة لتعلقه بالغير وجعل الثاني تأويلا أي طلبا للمآل ms0657 عنده، ~~لاقتصاره على نفسه، فكان أهون الزيغين انتهى. # ولما بين زيغهم بين أن نسبة خوضهم فيما لا يمكنهم علمه فقال: {وما} أي ~~والحال أنه ما {يعلم} في الحال وعلى القطع {تأويله} قال الحرالي: هو ما ~~يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده {إلا الله} أي المحيط قدرة وعلما، ~~قال: ولكل باد من الخلق مآل كما أن الآخرة مآل الدنيا {يوم يأتي تأويله ~~يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 53] لذلك كل يوم ~~من أيام الآخرة مآل للذي قبله، فيوم الخلود مآل يوم الجزاء، ومآل الأبد مآل ~~يوم الخلود؛ وأبد الأبد مآل الأبد، وكذلك كل الخلق له مآل من الأمر فأمر ~~الله مآل خلقه وكذلك الأمر، كل تنزيل أعلى منه مآل التنزيل الأدنى إلى كمال ~~الأمر، وكل أمر الله مآل من أسمائه وتجلياته، وكل تجل أجلى مآل لما دونه من ~~تجل أخفى، قال عيه الصلاة والسلام: # «فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونها الحديث إلى قوله: أنت ربنا» ~~فكان تجليه # PageV04P246 # الأظهر لهم مآل تجليه الأخفى عنهم؛ فكان كل أقرب للخلق من غيب خلق وقائم ~~أمر وعلى تجل إبلاغا إلى ما وراءه فكان تأويله، فلم تكن الإحاطة بالتأويل ~~المحيط إلا لله سبحانه وتعالى. ولما ذكر الزائغين ذكر الثابتين فقال: ~~{والراسخون في العلم} قال الحرالي: وهم المتحققون في أعلام العلم من حيث إن ~~الرسوخ النزول بالثقل في الشيء الرخو ليس الظهورعلى الشيء، فلرسوخهم كانوا ~~أهل إيمان، ولو أنهم كانوا ظاهرين على العلم كانوا أهل إيقان، لكنهم راسخون ~~في العلم لم يظهروا بصفاء الإيقان على نور العلم، فثبتهم الله سبحانه ~~وتعالى عند حد التوقف فكانوا دائمين على الإيمان بقوله: {يقولون آمنا به} ~~بصيغة الدوام انتهى أي هذا حالهم في رسوخهم. # ولما كان هذا قسيما لقوله: {وأما الذين في قلوبهم زيغ} كان ذلك واضحا في ~~كونه ابتداء وأن الوقوف على ما قبله، ولما كان هذا الضمير محتملا للمحكم ~~فقط قال: {كل} أي من المحكم والمتشابه. قال الحرالي: وهذه الكلمة معرفة ms0658 ~~بتعريف الإحاطة التي أهل النحاة ذكرها في وجوه التعريف إلا من ألاح معناها ~~منهم # PageV04P247 # فلم يلقن ولم ينقل جماعتهم ذلك؛ وهو من أكمل وجوه التعريف، لأن حقيقة ~~التعريف التعين بعيان أو عقل، وهي إشارة إلى إحاطة ما أنزله على إبهامه، ~~فكان مرجع المتشابه والمحكم عندهم مرجعا واحدا، آمنوا بمحل اجتماعه الذي ~~منه نشأ فرقانه، لأن كل مفترق بالحقيقة إنما هو معروج من حد اجتماع، فما ~~رجع إليه الإيمان في قلولهم: آمنا به، هو محل اجتماع المحكم والمتشابه في ~~إحاطة الكتاب قبل تفصيله انتهى. {من عند ربنا} أي المحسن إلينا بكل اعتبار، ~~ولعله عبر بعند وهي بالأمر الظاهر بخلاف لدن إشارة إلى ظهور ذلك عند ~~التأمل، وعبروه عن الاشتباه. # ولما كان مع كل مشتبه أمر إذا دقق النظر فيه رجع إلى مثال حاضر للعقل إما ~~محسوس وإما في حد ظهور المحسوس قال معمما لمدح المتأملين على دقة الأمر ~~وشدة عموضه بإدغام تاء التفعل مشيرا إلى أنهم تأهلوا بالرسوخ إلى الارتقاء ~~عن رتبته، ملوحا إلى أنه لا فهم لغيرهم عاطفا على ما تقديره: فذكرهم الله ~~من معاني المتشابه ببركه إيمانهم وتسليمهم بما نصبه من الآيات في الآفاق ~~وفي أنفسهم ما يمكن أن # PageV04P248 # يكون إرادة منه سبحانه وتعالى وإن لم يكن على القطع بأنه إرادة: {وما ~~يذكر} أي من الراسخين بما سمع من المتشابه ما في حسه وعقله من أمثال ذلك ~~{إلا أولوا الألباب*} قال الحرالي: الذين لهم لب العقل الذي للراسخين في ~~العلم ظاهره، فكان بين أهل الزيغ وأهل التذكر مقابلة بعيدة، فمنهم متذكر ~~ينتهي إلى إيقان، وراسخ في العلم يقف عند حد إيمان، ومتأول يركن إلى لبس ~~بدعة، وفاتن يتبع هوى؛ فأنبأ جملة هذا البيان عن أحوال الخلق بالنظر إلى ~~تلقي الكتاب كما أنبأ بيان سورة البقرة عن جهات تلقيهم للأحكام انتهى. # PageV04P249 # ولما علم بذلك أن الراسخين أيقنوا أنه من عند الله المستلزم لأنه لا عوج ~~فيه أخبر أنهم أقبلوا على التضرع إليه في أن يثبتهم بعد هدايته ثم أن ~~يرحمهم ms0659 ببيان ما أشكل عليهم بقوله حاكيا عنهم وهو في الحقيقة تلقين منه لهم ~~لطفا بهم مقدما ما ينبغي تقديمه من السؤال في تطهير القلب عما لا ينبغي على ~~طلب تنويره بما ينبغي لأن إزالة المانع قبل إيجاد المقتضي عين الحكمة: ~~{ربنا} أي المحسن إلينا # PageV04P249 # {لا تزغ قلوبنا} أي عن الحق. # ولما كان صلاح القلب صلاح الجملة وفساده فسادها وكان ثبات الإنسان على ~~سنن الاستقامة من غير عوج أصلا مما لم يجر به سبحانه وتعالى عادته لغير ~~المعصومين قال نازعا الجار مسندا الفعل غلى ضمير الجملة: {بعد إذ هديتنا} ~~إليه. وقال الحرالي: ففي إلاحة معناه أن هذا الابتهال واقع من أولي الألباب ~~ليترقوا من محلهم من التذكر إلى ما هو أعلى وأبطن انتهى. فلذلك قالوا: {وهب ~~لنا من لدنك} أي أمرك الخاص بحضرتك القدسية، الباطن عن غير خواصك {رحمة} أي ~~فضلا ومنحة منك ابتداء من غير سبب منا، ونكرها تعظيما بأن أيسر شيء منها ~~يكفي الموهوب. # ولما لم يكن لغيره شيء أصلا فكان كل عطاء من فضله قالوا وقال الحرالي: ~~ولما كان الأمر اللدني ليس مما في فطر الخلق وجبلاتهم وإقامة حكمتهم، وإنما ~~هو موهبة من الله سبحانه وتعالى بحسب العناية ختم بقوله: {إنك أنت الوهاب ~~*} وهي صيغة مبالغة من # PageV04P250 # الوهب والهبة، وهي العطية سماحا من غير قصد من الموهوب انتهى. # ولما كان من المعلوم من أول ما فرغ السمع من الكتاب في الفاتحة وأول ~~البقرة وأثنائها أن للناس يوما يدانون فيه وصلوا بقولهم السابق قوله: {ربنا ~~إنك جامع} قال الحرالي: من الجمع، وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفا ~~أو قهرا انتهى. {الناس} أي كلهم {ليوم} أي يدانون فيه {لا ريب فيه} ثم ~~عللوا نفي الريب بقولهم عادلين عن الخطاب آتين بالاسم الأعظم لأن المقام ~~للجلال: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {لا يخلف} ولما كان نفي الخلف في ~~زمن الوعد ومكانه أبلغ من نفي خلافه نفسه عبر بالمفعال فقال: {الميعاد *} ~~وقال الحرالي: هو مفعال من الوعد، وصيغ لمعنى تكرره ms0660 ودوامه، والوعد العهد ~~في الخير انتهى. وكل ذلك تنبيها على أنه يجب التثبت في فهم الكتاب والإحجام ~~عن مشكله خوفا من الفضيحة يوم الجمع يوم يساقون إليه ويقفون بين يديه، ~~فكأنه تعالى يقول للنصارى: هب أنه أشكل عليكم بعض أفعالي # PageV04P251 # وأقوالي في الإنجيل فهلا فعلتم فعل الراسخين فنزهتموني عما لا يليق ~~بجلالي من التناقض وغيره، ووكلتم أمر ذلك إلي، وعولتم في فتح مغلقه علي ~~خوفا من يوم الدين؟ قال ابن الزبير: ثم لما بلغ الكلام إلى هنا أي إلى آيه ~~التصوير كان كأنه قد قيل: فكيف طرأ عليهم ما طرأ مع وجود الكتب؟ أخبر تعالى ~~بشأن الكتاب وأنه محكم ومتشابه، وكذا عيره من الكتب والله سبحانه وتعالى ~~أعلم، فحال أهل التوفيق تحكيم المحكم، وحال أهل الزيغ اتباع المتشابه ~~والتعلق به، وهذا بيان لقوله: # {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} [البقرة: 26] وكل هذا بيان لكون الكتاب ~~العزيز أعظم فرقان وأوضح بيان إذ قد أوضح أحوال المختلفين ومن أين أتى ~~عليهم مع وجود الكتب، وفي أثناء ذلك تنبيه العباد على عجزهم وعدم استبدادهم ~~لئلا يغتر الغافل فيقول مع هذا البيان ووضوح الأمر: لا طريق إلى تنكب ~~الصراط، فنبهوا حين علموا الدعاء من قوله: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 4] ثم ~~كرر تنبيههم لشدة الحاجة ليذكر هذا أبدا، ففيه معظم البيان، ومن اعتقاد ~~الاستبداد ينشأ الشرك الأكبر إذ اعتقاد الاستبداد بالأفعال إخراج لنصف ~~الموجودات عن يد بارئها {والله خلقكم # PageV04P252 # وما تعملون} [الصافات: 96] فمن التنبيه {إن الذين كفروا} [البقرة: 6] ~~ومنه: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} [البقرة: 26] ومنه {آمن الرسول} ~~[البقرة: 285] إلى خاتمتها، هذا من جلي التنبيه ومحكمه، ومما يرجع إليه ~~ويجوز معناه بعد اعتباره: {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وقوله: {الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] ، فمن رأى الفعل أو بعضه لغيره ~~تعالى حقيقة فقد قال بإلهية غيره، ثم حذروا أشد التحذير لما بين لهم فقال ~~تعالى: {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد} [آل عمران: 4] ثم ارتبطت ~~الآيات إلى آخرها انتهى. # ولما تحقق ms0661 أن يوم الجمع كائن لا محالة تحقق أن من نتائجه تحقيقا لعزته ~~سبحانه وتعالى وانتقامه من الكفرة قوله تعالى: {إن الذين كفروا} أي الذين ~~يظنون لسترهم ما دلت عليه مرأى عقولهم أنهم يمتنعون من أمر الله لأنهم ~~يفعلون في عصيانه وعداوة أوليائه فعل من يريد المغالبه {لن تغني عنهم ~~أموالهم} أي وإن كثرت، وقدمها لأن بها قوام ما بعدها وتمام لذاته، وأكد ~~بإعادة النافي ليفيد النفي عن كل حالة وعن المجموع فيكون أصرح في المرام # PageV04P253 # {ولا أولادهم} وإن جلت وعظمت {من الله} أي الملك الأعظم {شيئا} أي من ~~إغناء مبتدئا من جهة الله، وإذا كانت تلك الجهة عارية عما يغني كان كل ما ~~يأتيهم من قبله سبحانه وتعالى من بأس واقعا بهم لا مانع له، فمهما أراد بهم ~~كان من خذلان في الدنيا وبعث بعد الموت وحشر بعد البعث وعذاب في الآخرة، ~~فأولئك المعرضون منه لكل بلاء {وأولئك هم وقود النار *} وفي ذلك أعظم تنبيه ~~على أن الزائغين الذين خالفوا الراسخين فوقفت بهم نعمه المقتضيه لتصديقه عن ~~تصديقه ليست مغنية عنهم تلك النعم شيئا، وأنهم مغلوبون لا محالة في الدنيا ~~ومحشورون في الآخرة إلى جهنم. # ولما كانت هذه السورة سورة التوحيد كان الأليق بخطابها أن يكون الدعاء ~~فيه إلى الزهد أتم من الدعاء في غيرها، والإشارة فيه إلى ذلك أكثر من ~~الإشارة في غيره، فكانت هذه الآية قاطعة للقلوب النيرة بما أشارت إليه من ~~فتنة الأموال والأولاد الموجبة للهلاك. قال الحرالي: ولما كان من مضمون ~~ترجمة سورة البقرة إطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على سر التقدير الذي صرف ~~عن الجواب فيه وإظهار # PageV04P254 # سره موسى كليم الله وعيسى كلمة الله عليهما الصلاة والسلام كان مما أظهره ~~الله سبحانه وتعالى لعامة أمة محمد صلى الله عليه وسلم إعلاء لها على كل ~~أمة، واختصاصا لها بما علا اختصاص نبيها صلى الله عليه وسلم حتى قال ~~قائلهم: أخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني لقوم لم يظهروا على سر القدر، ~~وقال: والذي يحلف ms0662 به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما ~~قبل منه حتى يؤمن بالقدر، فأفهم الله سبحانه وتعالى علماء هذه الأمة أن ~~أعمالها لا تقبل إلا على معرفة سر التقدير لتكون قلوبها بريئة من أعمال ~~ظواهرها، كما قيل في أثارة من العلم: من لم يختم عمله بالعلم لم يعمل، ومن ~~لم يختم علمه بالجهل لم يعلم فختم العامل عمله بالعلم أن يعلم أنه لا عمل ~~له، وأن المجرى على يديه أمر مقدر قدره الله تعالى عليه وأقامه فيه لما ~~خلقه له من حكمته من وصفه من خير أو شر ومن تمام كلمته في رحمته أو عقوبته ~~ليظهر بذلك حكمة الحكيم، ولا حجة للعبد على ربه ولا حجة للصنعة على صانعها ~~ولله سبحانه وتعالى الحجة البالغة؛ وكذلك العالم متى # PageV04P255 # لم ينطو سره على أنه لا يعلم وإنما العلم عند الله سبحانه وتعالى لم يثبت ~~له علم، فذلك ختم العمل بالعمل وختم العلم بالجهل، فكما أطلعه سبحانه ~~وتعالى في فاتحة سورة البقرة على سر تقديره في خلقه أظهره في فاتحة سورة آل ~~عمران على علن قيوميته الذي هو شاهده في وحي ربه، كما هو بصير بسر القدر في ~~تفرق أفعال خلقه، فكان منزل سورة البقرة قوام الأفعال ومنزل سورة آل عمران ~~قوام التنزيل والإنزال فكان علن القيومية قوام التنزيل للكتاب الجامع ~~الأول، والتنزيل قوام إنزال الكتب، وإنزال الكتاب الجامع لتفسير الكتب قوام ~~تفصيل الآيات المحكمات والمتشابهات، والإحكام والتشابه إقامة الهدى ~~والفتنة، والهدى والفتنة إقامة متصرف الحواس الظاهرة والباطنة، والأحوال ~~وما دونها من الأفعال على وجه جمع يكون قواما لما تفصل من مجمله وتكثر من ~~وحدته وتفرق من اجتماعه، ولعلو مضمون هذه السورة لم يقع فيها توجه الخطاب ~~بها لصنف الناس، واختص خطابها بالذين آمنوا في علو من معاني الإيمان لما ~~ذكر من شرف سن الإيمان على سن الناس في تنامي أسنان # PageV04P256 # القلوب، وكان خطاب سورة البقرة بمقتضى رتبة العقل الذي به يقع أول ~~الإصغاء والاستماع، كما ظهر في ms0663 آيات الاعتبار فيها في قوله سبحانه وتعالى: # {إن في خلق السماوات والأرض} [البقرة: 164] إلى قوله: {لقوم يعقلون} ~~[البقرة: 164] فكان خطاب سورة آل عمران إقبالا على أولي الألباب الذين لهم ~~لب العقل، بما ظهر في أولها وخاتمتها في قوله: {وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب} [آل عمران: 7] وفي خاتمتها في آيات اعتبارها في قوله سبحانه ~~وتعالى {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب} [آل عمران: 190] فبالعقل يقع الاعتبار لمنزل الكتاب وباللب يكون ~~التذكر، إيلاء إلى الذي نزل الكتاب، وبالجملة فمثاني هذه السورة من تفاصيل ~~آياتها وجمل جوامعها مما هو أعلق بطيب الإيمان واعتبار اللب، كما أن منزل ~~سورة البقرة أعلق بما هو من أمر الأعمال وإقامة معالم الإسلام بما ظهر في ~~هذه السورة من علن أمر الله، وبما افتتحت به من اسم الله الأعظم الذي جميع ~~الأسماء أسماء له لإحاطته واختصاصها بوجه ما، فكان فيها علن التوحيد وكماله ~~وقوام تنزيل الأمر وتطورالخلق في جميع متنزلها ومثانيها، وظهر # PageV04P257 # فيها تفصيل وجوه الحكم العلية التي تضمن جملة ذكرها الآية الجامعة في ~~سورة البقرة في قوله سبحانه وتعالى {يؤتي الحكمة من يشاء} [البقرة: 269] ~~فكان من جملة بناء الحكمة ما هو السبب في ظهور الكفر من الذين كفروا بما ~~غلب عليهم من الفتنة بأموالهم وأولادهم حتى ألهتهم عن ذكر الله، فانتهوا ~~فيه إلى حد الكفر الذي نبه عليه {الذين آمنوا} في قوله سبحانه وتعالى {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} [المنافقون: ~~9] انتهى. # ولما كان السبب المقتضي لاستمرارالكفر من النصارى المجادلين في أمر عيسى ~~عليه الصلاة والسلام الخوف ممن فوقهم من ملوك النصرانية نبههم سبحانه ~~وتعالى على أول قصة أسلافهم من بني إسرائيل، وما كانوا فيه من الذل مع آل ~~فرعون، وما كان فيه فرعون من العظمة التي تقسر بها ملوك زمانهم، ثم لما ~~أراد الله سبحانه وتعالى قهر أسلافهم له لم تضرهم ذلتهم ولا قلتهم، ولا ~~نفعته عزته ولا كثرة آله، فلذلك صرح بهم سبحانه وتعالى ms0664 وطوى ذكر من قبلهم ~~فقال: {كدأب} أي لم يغن عنهم ذلك شيئا مثل عادة {آل فرعون} أي الذين اشتهر ~~لديكم استكبارهم وعظمتهم وفخارهم، قال الحرالي: # PageV04P258 # الدأب العادة الدائمة التي تتأبد بالتزامها، وآل الرجل من إذ أحصر تراءى ~~فيهم فكأنه لم يغب؛ وفرعون اسم ملك مصر في الكفر، ومصر أرض جامعة كليتها ~~وجملة، إقليمها نازل منزلة الأرض كلها، فلها إحاطة بوجه ما، فلذلك أعظم ~~شأنها في القرآن وشأن العالي فيها من الفراعنة، وكان الرسول المبعوث إليه ~~أول المؤمنين بما وراء أول الخلق من طليعة ظهور الحق لسماع كلامه بلا واسطة ~~ملك، فكان أول من طوى في رتبة بنوتة رتبة البنوة ذات الواسطة، فلذلك بدىء ~~به في هذا الخطاب لعلو رتبة بنوته بما هو كليم الله ومصطفاه على الناس، ~~ولحق به من تقدمهم بما وقعت في بنوته من واسطة زوج أو ملك، وخص آله لأنه هو ~~كان عارفا بأمر الله سبحانه وتعالى فكان جاحدا لا مكذبا انتهى. # {والذين} ولما كان المكذبون إنما هم بعض المتقدمين أدخل الجار فقال: {من ~~قبلهم} وقد نقلت إليكم أخبارهم وقوتهم واستظهارهم فكأنه قيل: ماذا كانت ~~عادتهم؟ فقيل: {كذبوا} ولما كان التكذيب موجبا للعقوبة # PageV04P259 # كان مظهر العظمة به أليق، فصرف القول إليه فقال: {بآياتنا} السورية ~~والصورية مع ما لها من العظمة بما لها من إضافتها إلينا {فأخذهم} ولما ~~أفحشوا في التكذيب عدل إلى أعظم من مظهر العظمة تهويلا لأخذهم فقال: {الله} ~~فاظهر الاسم الشريف تنبيها على باهر العظمة {بذنوبهم} أي من التكذيب وغيره. ~~قال الحرالي: فيه إشعار بأن صريح المؤاخذة مناط بالذنوب، وأن المؤاخذة ~~الدنيوية لا تصل إلى حد الانتقام على التكذيب، فكان ما ظهر من أمر الدنيا ~~يقع عقابا على ما ظهر من الأعمال، وما بطن من أمر الآخرة يستوفي العقاب على ~~ما أصرت عليه الضمائر من التكذيب، ولذلك يكون عقاب الدنيا طهرة للمؤمن ~~لصفاء باطنه من التكذيب، ويكون واقع يوم الدنيا كفاف ما جرى على ظاهره من ~~المخالفة فكأن الذنب من المؤمن يقع في دنياه خاصة، ms0665 والذنب من الكافر يقع في ~~دنياه وأخراه من استغراقه لظاهره وباطنه، وأظهر الاسم الشريف ولم يضمر ~~للتنبيه على زيادة العظمه في عذابهم لمزيد اجترائهم فقال: {والله} أي الحال ~~أن الملك الذي لا كفوء له في جبروته ولا شيء من نعوته {شديد العقاب *} لا ~~يعجزه شيء. # PageV04P260 # ولما تم ذلك على هذه الوجوه الظاهره التي أوجبت اليقين لكل منصف بأنهم ~~مغلوبون وصل بها أمره صلى الله عليه وسلم وهو الحبيب العزيز بأن يصرح لهم ~~بمضمون ذلك فقال: {قل للذين كفروا} أي من أهل زمانك جريا على منهاج أولئك ~~الذين أخذناهم {ستغلبون} كما غلبوا وإن كنتم ملأ الأرض لأنكم إنما تغالبون ~~خالقكم وهو الغالب لكل شيء: «وليغلبن مغالب الغلاب» واللام على قراءة ~~الجمهور بالخطاب معدية، وعلى قراءة الغيب معللة، أي قل لأجلهم، أو هي بمعنى ~~عن، أي قل عنهم، وقد أفهم الإخبار بمجرد الغلبة دون ذكر العذاب كما كان ~~يذكر في تهديد من قبلهم أن أخذهم بيد المغالبة والمدافعة والنصرة تشريفا ~~لنبيهم صلى الله عليه وسلم لأنه عرض عليه عذابهم فأبى إلا المدافعة على سنة ~~المصابرة، فكان أول ذلك غلبته صلى الله عليه وسلم على مكة المشرفة، وكان ~~فتحها فتحا لجميع الأرض لأنها أم القرى نبه على ذلك الحرالي. {وتحشرون} أي ~~تجمعون بعد موتكم أحياء كما كنتم قبل الموت # PageV04P261 # {إلى جهنم} قال الحرالي: وهي من الجهامة، وهي كراهه المنظر انتهى؛ فتكون ~~مهادكم، لا مهاد لكم غيرها {وبئس} أي والحال أنها بئس {المهاد *} . # PageV04P262 # ولما كان الكفرة من أهل الكتاب وغيرهم من العرب بمعرض أن يقولوا حين قيل ~~لهم ذلك: كيف نغلب وما هم فينا إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود؟ ~~قيل لهم: إن كانت قصة آل فرعون لم تنفعكم لجهل أو طول عهد فإنه {قد كان لكم ~~آية} أي عظيمة بدلالة تذكير كان {في فئتين} تثنية فئة للطائفة التي يفيء ~~إليها أي يرجع من يستعظم شيئا، استنادا إليها حماية بها لقوتها ومنعتها ~~{التقتا} أي في بدر {فئة} أي منهما مؤمنة، لما يرشد إليه ms0666 قوله: {تقاتل في ~~سبيل الله} أي الملك الأعلى لتكون كلمة الله هي العليا، ومن كان كذلك لم ~~يكن قطعا إلا مؤمنا {وأخرى} أي منهما {كافرة} # PageV04P262 # أي تقاتل في سبيل الشيطان، فالآية كما ترى من وادي الاحتباك، وهو أن يؤتى ~~بكلامين يحذف من كل منهما شيء إيجازا، يدل ما ذكر من كل على ما حذف من ~~الآخر، وبعبارة أخرى: هو أن يحذف من كل جملة شيء إيجازا ويذكر في الجملة ~~الأخرى ما يدل عليه. # ولما نبه سبحانه وتعالى على الاعتبار بذكر الآية نبه على موضعها بقوله: ~~{يرونهم} وضمن يرى البصيرية القاصرة على مفعول واحد فعل الظن، وانتزع منه ~~حالا ودل عليها بنصب مفعول ثان فصار التقدير: ظانيهم {مثليهم} فعلى قراءة ~~نافع بالتاء الفوقانية يكون المعنى: ترون أيها المخاطبون الكفار المقاتلين ~~للمؤمنين، وعلى قراءة غيره بالغيب المعنى، يرى المسلمون الكفار مثلي ~~المسلمين {رأي العين} أي بالحزر والتخمين، لا بحقيقة العدد، هذا أقل # PageV04P263 # ما يجوزونه فيهم، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ومع ذلك فجزاهم الله على ~~مصادمتهم ونصرهم عليهم، أو يرى الكفار المسلمين مثلي الكفار مع كونهم على ~~الثلث من عدتهم، كما هو المشهور في الآثار تأييدا من الله سبحانه وتعالى ~~لأوليائه ليرعب الأعداء فينهزموا، أو يرى الكفار المسلمين ضعفي عدد ~~المسلمين قال الحرالي: لتقع الإراءة على صدقهم في موجود الإسلام الظاهر ~~والإيمان الباطن، فكان كل واحد منهم بما هو مسلم ذاتا، وبما هو مؤمن ذاتا، ~~فالمؤمن المسلم ضعفان أبدا {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين} [الأنفال: 66] وذلك بما أن الكافر ظاهر لا باطن له ~~فكان ذات عين، لا ذات قلب له، فكان المؤمن ضعفه، فوقعت الإراءة للفئة ~~المؤمنة على ما هي عليه شهادة من الله سبحانه وتعالى بثبات إسلامهم ~~وإيمانهم، وكان ذلك أدنى الإراءة لمزيد موجود الفئة المقاتلة في سبيل الله ~~بمقدار الضعف الذي هو أقل # PageV04P264 # الزيادة الصحيحة، وأما بالحقيقة فإن التام الدين بما هو مسلم مؤمن صاحب ~~يقين إنما هو بالحقيقة عشر تام نظير موجود ms0667 الوجود الكامل، فهو عشر ذوات بما ~~هو صاحب يقين ودين # {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65] انتهى. وهذا ~~التقليل والتكثير واقع بحسب أول القتال وآخره، وقبل اللقاء وبعده، لما أراد ~~الله سبحانه وتعالى من الحكم كما في آية الأنفال، والمعنى: إنا فاعلون بكم ~~أيها الكفارعلى أيديهم ما فعلناه بأولئك، وقد كانوا قائلين أعظم من ~~مقالاتكم، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئا، ولا شدة شكيمتهم ونخوتهم فإن الله ~~سبحانه وتعالى ولي المؤمنين لطيبهم {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك ~~كثرة الخبيث} [المائدة: 100] . # ولما كان التقدير: فنصر الله سبحانه وتعالى الفئة القليلة، عطف عليه ~~قوله: {والله} أي الذي له الأمر كله {يؤيد} والأيد تضعيف القوة الباطنة ~~{بنصره} قال الحرالي: والنصر لا يكون إلا لمحق، وإنما # PageV04P265 # يكون لغير المحق الظفر والانتقام انتهى. {من يشاء} أي فلا عجب فيه في ~~التحقيق، فلذلك اتصل به قوله: {إن في ذلك} أي الأمر الباهر، وفي أداة البعد ~~كما قال الحرالي إشارة بعد إلى محل علو الآية {لعبرة} قال: هي المجاوزة من ~~عدوة دنيا إلى عدوة قصوى، ومن علم أدنى إلى علم أعلى، ففي لفظها بشرى بما ~~ينالون من ورائها مما هو أعظم منها إلى غاية العبرة العظمى من الغلبة ~~الخاتمة التي عندها تضع الحرب أوزارها حيث يكون من أهل الكمال بعدد أهل بدر ~~ثلاثمائة ثلاثة عشر، فهو غاية العبرة لمن له بصر نافذ ونظر جامع بين ~~البداية والخاتمة {كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104]- انتهى. ~~{لأولي الأبصار *} أي يصيرون بها من حال إلى أشرف منها في قدرة الله وعظمته ~~وفعله بالاختيار. قال الحرالي: أول موقع العين على الصورة نظر، ومعرفة ~~خبرتها الحسية بصر، ونفوذه إلى حقيقتها رؤية، فالبصر متوسط بين النظر ~~والرؤية # PageV04P266 # كما قال سبحانه وتعالى: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} [الأعراف: ~~198] فالعبرة هي المرتبة الأولى لأولي الأبصار الذين يبصرون الأواخر ~~بالأوائل، فأعظم غلبة بطشه في الابتداء غلبة بدر، وأعظمها في الانتهاء ~~الغلبة الخاتمة التي لا حرب وراءها، التي تكون بالشام في آخر الزمان ms0668 - ~~انتهى. # ولما علم بهذا أن الذي وقف بهم عن الإيمان من الأموال والأولاد وسائر ~~المتاع إنما هو شهوات وعرض زائل، لا يؤثره على اتباع ما شرعه الملك إلا من ~~انسلخ من صفات البشر إلى طور البهائم التي لا تعرف إلا الشهوات، وختم ذلك ~~بذكر آية الفئتين كان كأنه قيل: الآية العلامة، ومن شأنها الظهور، فما ~~حجبها عنهم؟ فقيل: تزيين الشهوات لمن دنت همته. وقال # PageV04P267 # الحرالي: لما أظهر سبحانه وتعالى في هذه السورة ما أظهره بقاء لعلن ~~قيوميته من تنزيل الكتاب الجامع الأول، وإنزال الكتب الثلاثة: إنزال ~~التوراة بما أنشاء عليه قومها من وضع رغبتهم ورهبتهم في أمر الدنيا، فكان ~~وعيدهم فيها ووعدهم على إقامة ما فيها إنما هو برغبة في الدنيا ورهبتها، ~~لأن كل أمة تدعى لنحو ما جبلت عليه من رغبة ورهبة، فمن مجبول على رغبة ~~ورهبة في أمر الدنيا، ومن مجبول على ما هو من نحو ذلك في أمر الآخرة ومن ~~مفطور على ما هو من غير ذلك من أمر الله، فيرد خطاب كل أمة وينزل عليها ~~كتابها من نحو ما جبلت عليه، فكان كتاب التوراة كتاب رجاء ورغبة وخوف ورهبة ~~في موجود الدنيا، وكان كتاب الإنجيل كتاب دعوة إلى مكلوت الآخرة، وكانا ~~متقابلين، بينهما ملابسة، لم يفصل أمرهما فرقان واضح، فكثر فيهما الاشتباه، ~~فأنزل الله تعالى الفرقان لرفع لبس ما فيهما فأبان فيه المحكم والمتشابه من ~~منزل الوحي، وكما أبان فيه فرقان الوحي أبان فيه أيضا فرقان الخلق وما ~~اشتبه من أمر الدنيا والآخرة ووام التبس على # PageV04P268 # أهل الدنيا من أمر الخلق بلوائح آيات الحق عليهم، فتبين في الفرقان محكم ~~الوحي من متشابهه، ومحكم الخلق من متشابهه وكان متشابه الخلق هو المزين من ~~متاع الدنيا، ومحكم الخلق هو المحقق من دوام خلق الآخرة، فاطلع نجم هذه ~~الآية لإنارة غلس ما بنى عليه أمر التوراة من إثبات أمر الدنيا لهم وعدا ~~ووعيدا، لتكون هذه الآية تطئة لتحقيق صرف النهي عن مد اليد والبصر إلى ما ~~متع به أهلها، ms0669 فأنبأ تعالى أن متاع الدنيا أمر مزين، لا حقيقة لزينته ولا ~~حسن لما وراء زخرفه فقال: {زين للناس} فأبهم المزين لترجع إليه ألسنة ~~التزيين مما كانت في رتبة علو أو دنو، وفي إناطة التزيين بالناس دون الذين ~~آمنوا ومن فوقهم إيضاح لنزول سنهم في أسنان القلوب وأنهم ملوك الدنيا ~~وأتباعهم ورؤساء القبائل وأتباعهم الذين هم أهل الدنيا {حب الشهوات} جمع ~~شهوة، وهي # PageV04P269 # نزوع النفس إلى محسوس لا تتمالك عنه - انتهى. # وفي هذا الكلام إعلام بأن الذي وقع عليه التزين الحب، لا الشيء المحبوب، ~~فصار اللازم لأهل الدنيا إنما هو محبة الأمر الكلي من هذه المسميات وربما ~~إذا تشخص في الجزئيات لم تكن تلك الجزئيات محبوبة لهم، وفيه تحريك لهمم أهل ~~الفرقان إلى العلو عن رتبة الناس الذين أكثرهم لا يعلمون ولا يشكرون ولا ~~يعقلون، ثم بين ذلك بما هو محط القصد كله، وآخر العمل من حيث إن الأعلق ~~بالنفس حب أنثاها التي هي منها {خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} ~~[النساء: 1] فقال: {من النساء} أي المبتدئة منهن، وأتبعه ما هو منه أيضا ~~وهو بينه وبين الأنثى فقال: {والبنين} قال الحرالي: وأخفى فتنة النساء ~~بالرجال سترا لهن، كما أخفى أمر حواء في ذكر المعصية لآدم حيث قال: {وعصى ~~آدم ربه} [طه: 121] فأخفاهن لما في ستر الحرم من الكرم، والله سبحانه ~~وتعالى حي كريم - انتهى. # ثم أتبع ذلك ما يكمل به أمره فقال: {والقناطير} قال الحرالي: جمع # PageV04P270 # قنطار، يقال: هو مائة رطل ويقال: إن الرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية ~~أربعون درهما، والدرهم خمسون حبة وخمسا من حب الشعير، وأحقه أن يكون من ~~شعير المدينة {المقنطرة} أي المضاعفة مرات - انتهى. ثم بينها بقوله: {من ~~الذهب والفضة} ثم أتبعها الزينة الظاهرة التي هي أكبر الأسباب في تحصيل ~~الأموال فقال: {والخيل} قال الحرالي: اسم جمع لهذا الجنس المجبول على هذا ~~الاختيال لما خلق له من الاعتزاز به وقوة المنة في الافتراس عليه الذي منه ~~سمي واحدة فرسا {المسومة} أي المعلمة بأعلام هي سمتها وسيماها ms0670 التي تشتهر ~~بها جودتها، من السومة - بضم السين، وهي العلامة التي تجعل على الشاة لتعرف ~~بها، وأصل السوم # PageV04P271 # بالفتح الإرسال للرعي مكتفي في المرسل بعلامات تعرف بها نسبتها لمن تتوفر ~~الدواعي للحفيظة عليها من أجله من الواقع عليها من الخاص والعام، فهي مسومة ~~بسيمة تعرف بها جودتها ونسبتها {والأنعام} وهي جمع نعم، وهي الماشية فيها ~~إبل، والإبل واحدها، فإذا خلت منها الإبل لم يجر على الماشية اسم نعم - ~~انتهى. وقال في القاموس: النعم - وقد تسكن عينه - الإبل والشياء جمع أنعام، ~~وجمع جمعه أناعيم. وقال القزاز في جامعه: النعم اسم يلزم الإبل خاصة، وربما ~~دخل في النعم سائر المال، وجمع النعم أنعام، وقد ذكر بعض اللغويين أن النعم ~~في الإبل خاصة، فإذا قلت: الأنعام - دخل فيها البقر والغنم، قال: وإن أفردت ~~الإبل والغنم لم يقل فيها نعم ولا أنعام. وقال قوم: النعم والأنعام بمعنى، ~~وقال في المجمل: والأنعام البهائم، وقال الفارابي في ديوان الأدب: والنعم ~~واحد الأنعام، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. ولما ذكر هذه الأعيان ~~التي زين حبها في نفسها أتبعها ما يطلب لأجل تحصيلها # PageV04P272 # أو تنميتها وتكثيرها فقال: {والحرث} . # ولما فصلها وختمها بما هو مثل الدنيا في البداية والنهاية والإعادة أجمل ~~الخبر عن ثمرتها وبيان حقيقتها فقال: {ذلك} أي ما ذكر من الشهوات المفسر ~~بهذه الأعيان تأكيدا لتخسيسه البعيد من إخلاد ذوي الهمم إليه ليقطعهم عن ~~الدار الباقية. وقال الحرالي: الإشارة إلى بعده عن حد التقريب إلى حضرة ~~الجنة انتهى. {متاع الحياة الدنيا} أي التي هي مع دناءتها إلى فناء. قال ~~الحرالي: جعل سبحانه وتعالى ما أحاط به حس النظر العاجل من موجود العادل ~~أدنى، فافهم أن ما أنبأ به على سبيل السمع أعلى، فجعل تعالى من أمر اشتباه ~~كتاب الكون المرئي به وذكر المشهود أن عجل محسوس العين وحمل على تركه وقبض ~~اليد بالورع والقلب بالحب عنه، وأخر مشهود مسموع الأذن من الآخرة # PageV04P273 # وأنبأ بالصدق عنه ونبه بالآيات عليه ليؤثر المؤمن مسمعه على منظره، كما ~~آثر ms0671 الناس منظرهم على مسمعهم، حرض لسان الشرع على ترك الدنيا والرغبة في ~~الأخرى، فأبت الأنفس وقبلت قلوب وهيم لسان الشعر في زينة الدنيا فقبلته ~~الأنفس ولم تسلم القلوب منه إلا بالعصمة، فلسان الحق يصرف إلى حق الآخرة ~~ولسان الخلق يصرفه إلى زينة الدنيا، فأنبا سبحانه وتعالى أن ما في الدنيا ~~متاع، والمتاع ما ليس له بقاء، وهو في نفسه خسيس خساسة الجيفة انتهى. # ثم أتبع ذلك سبحانه وتعالى حالا من فاعل معنى الإشارة لقال: {والله} الذي ~~بيده كل شيء، ويجوز أن يكون عطفا على ما تقديره: وهو سوء المبدأ في هذا ~~الذهاب إلى غاية الحياة، والله {عنده حسن المآب *} قال الحرالي: مفعل من ~~الأوب وهو الرجوع إلى ما منه كان الذهاب انتهى. فأرشد هذا الخطاب اللطيف كل ~~من ينصح نفسه إلى منافرة هذا العرض الخسيس بأنه إن حصل له يعرض عنه بأن ~~يكون في يده، لا في قلبه فلا يفرح به بحيث # PageV04P274 # يشغله عن الخير، بل يجعل عونا على الطاعة وأنه إن منع منه لا يتأسف عليه ~~لتحقق زواله ولرجاء الأول إلى ما عند خالقه الذي ترك ذلك لأجله. # ولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوجب الإعراض عن هذا العرض فكان السامع جديرا ~~بأن يقول فعلا أقبل؟ أمر سبحانه وتعالى أقرب الخلق إليه وأعزهم لديه بجوابه ~~لتكون البشارة داعية إلى حبه فقال: {قل} أي لمن فيه قابلية الإقبال إلينا، ~~ولما أجرى سبحانه وتعالى هذه البشارة على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ~~لتقوم الحجة على العباد بحاله كما تقوم بمقاله من حيث إنه لا يدعو إلى شيء ~~إلا كان أول فاعل له، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، لإيثاره الغائب ~~المسموع من بناء الآخرة على العاجل المشهود من أثر الدنيا كما قال صلى الله ~~عليه وسلم لعمر رضي الله تعالى عنه حين أشفق عليه من تأثير رمال السرير في ~~جنبه فذكر ما فيه فارس والروم من النعيم: «أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ # PageV04P275 # أما ترضى أن تكون ms0672 لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» شوق إليها بالاستفهام في ~~قوله: {أؤنبئكم بخير من ذلكم} أي الذي ذكر من الشهوات، وعظمه بأداة البعد ~~وميم الجمع لعظمته عندهم والزيادة في التعظيم ما يرشد إليه، ثم استأنف بيان ~~هذا الخير بقوله: {للذين اتقوا} أي اتصفوا بالتقوى فكان مما أثمر لهم ~~اتصافهم بها أن أعرضوا عن هذه الشهوات من حيث إنها شهوات وجعلوها عبادات ~~واقية لهم من عذاب ربهم، فتلذذوا بالنساء لا لمجرد الشهوة بل لغض البصر من ~~الجانبين وابتغاء ما كتب لهم من الولد إنفاذا لمراد ربهم من تكثير خلائفهم ~~في الأرض للإصلاح، ولقوله صلى الله عليه وسلم: # «تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» ونحو ذلك وفرحوا ~~بالبنين لا لمجرد المكاثرة بل لتعليمهم العلم وحملهم على الذكر والجهاد ~~والشكر وأنواع السعي في رضى السيد، وحازوا النقدين لا للكنز، بل للإنفاق في ~~سبيل الخيرات، وربطوا # PageV04P276 # للجهاد، لا للفخر والرئاسة على العباد بل لقمع أولياء الشيطان ورفع ~~أولياء الرحمن المسلتزم لظهور الإيمان، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ~~متشابه اقتنائها فقال: «وهي لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر» ثم عظم ~~سبحانه وتعالى ما لهم بقوله مرغبا بلفت القول إلى وصف الإحسان المقتضي ~~لتربية الصدقات وغيرها من الأعمال الصالحات: {عند ربهم} أي المحسن إليهم ~~بلباس التقوى الموجب لإيثارهم الآخرة على الدنيا، وقوله: {جنات} مرفوع ~~بالابتداء، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف إذا كان وللذين، متعلقا بخير، ثم ~~وصفها بقوله: {تجري من تحتها الأنهار} أي أن ماءها غير مجلوب، بل كل مكان ~~منها متهيىء لأن ينبع منه ماء يجري لتثبت بهجتها وتدوم زهرتها ونضرتها، ثم ~~أشار بقوله: {خالدين فيها} إلى أنها هي المشتملة على جميع الإحسان المغنية ~~عن الحرث والأنعام، # PageV04P277 # وأن ذلك على وجه لا انقطاع له. قال الحرالي: وفي معنى لفظ الخلود إعلام ~~بسكون الأنفس إليها لما فيها من موافقتها انتهى. ولعله إنما خص من بين ما ~~تقدم من الشهوات ذكر النسوان في قوله: {وأزواج} لأنها أعظم المشتهيات، ولا ~~يكمل التلذذ بها إلا ms0673 بحصول جميع ما يتوقف ذلك عليه، فصار ذكرهن على سبيل ~~الامتنان من القادر كناية عن جميع ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. # ولما كانت التقوى حاملة على تطهير الأنفس من أوضار الأدناس من الأوصاف ~~السيئة وكان الوصف بالمفرد أدل على أنهن في أصل الطهارة كأنهن نفس واحدة ~~قال عادلا عما هو الأولى من الوصف بالجمع لجمع من يعقل: {مطهرة} لأنهن ~~مقتبسات من أنفسهم {خلق لكم من أنفسكم أزواجا} [الروم: 31] . # ولما ذكر حظ البدن قرر لذة هذا النعيم بما للروح، وزاده من الأضعاف ~~المضاعفة ما لا حد له بقوله: {ورضوان} قال الحرالي: بكسر الراء وضمها، اسم ~~مبالغة في معنى الرضى، وهو على عبرة امتلاء بما تعرب عنه الألف والنون ~~وتشعر ضمة رائه بظاهر إشباعه، وكسرتها بباطن إحاطته - انتهى. # PageV04P278 # ولما جرى وعد الجنات على اسم الربوبية الناظر إلى الإحسان بالتربية فخم ~~أمر هذا الجزاء وأعلاه على ذلك بنوطه بالاسم الأعظم فقال: {من الله} أي ~~المحيط بصفات الكمال. ولما كان شاملا لجميعهم وكان ربما ظن أنهم فيه ~~متساوون أشار إلى التفاوت بقوله مظهرا في موضع الإضمار إشارة إلى الإطلاق ~~عن التقييد بحيثية ما: {والله} أي الذي له الحكمة البالغة {بصير بالعباد} ~~أي بنياتهم ومقادير ما يستحقونه بها على حسب إخلاصها، وبغير ذلك من أعمالهم ~~وأقوالهم وسائر أحوالهم. # PageV04P279 # ولما أخبر سبحانه وتعالى بأنه بصير بمن يستحق ما أعد من الفوز أتبعه ما ~~استحقوا ذلك به من الأوصاف تفضلا منه عليهم بها وبإيجاب ذلك على نفسه حثا ~~لهم على التخلق بتلك الأوصاف فقال: - وقال الحرالي: لما وصف تعالى قلوبهم ~~بالتقوى وبرأهم من الاستغناء بشيء من دونه وصف أدبهم في المقال فقال؛ انتهى ~~- {الذين يقولون ربنا} أي يا من ربانا بإحسانه وعاد علينا بفضله، وأسقط ~~أداة # PageV04P279 # النداء إشعارا بما لهم من القرب لأنهم في حضرة المراقبة؛ ولما كانت ~~أحوالهم في تقصيرها عن أن يقدر الله حق قدره كأنها أحوال من لم يؤمن اقتضى ~~المقام التأكيد فقالوا: {إننا} فأثبتوا النون إبلاغا فيه {آمنا} أي بما ~~دعوتنا إليه، وأظهروا ms0674 هذا المعنى بقولهم: {فاغفر لنا ذنوبنا} أي فإننا ~~عاجزون عن دفعها ورفع الهمم عن مواقعتها وإن اجتهدنا لما جبلنا عليه من ~~الضعف والنقص، تنبيها منه تعالىعلى أن مثل ذلك لا يقدح في التقوى إذا هدم ~~بالتوبة لأنه ما أصر من استغفر، والتوبة تجب ما قبلها. قال الحرالي: وبين ~~المغفرة على مجرد الإيمان إشارة إلى أنه لا تغيرها الأفعال، من ترتب إيمانه ~~على تقوى غفرت ذنوبه، فكانت مغفرة الذنوب لأهل هذا الأدب في مقابلة الذين ~~آخذهم الله بذنوبهم من الذين كذبوا، ففي شمول ذكر الذنوب في الصنفين إعلام ~~بإجراء قدر الذنوب على الجميع، فما كان منها مع التكذيب أخذ به، وما كان ~~منها مع التقوى والإيمان غفر له - انتهى. # ولما رتب سبحانه وتعالى الغفران على التقوى ابتداء رتب عليها الوقاية ~~انتهاء فقال: {وقنا عذاب النار} أي الذي استحققناه بسوء أعمالنا. # PageV04P280 # قال الحرالي: ولما وصف تقوى قلوبهم باطنا وأدب مقالهم ظاهرا وصف لهم ~~أحوال أنفسهم ليتطابق ظاهر أمرهم بمتوسطه وباطنه فقال: {الصابرين} فوصفهم ~~بالصبر إشعارا بما ينالهم من سجن الدنيا وشدائدها، والصبر أمدح أوصاف ~~النفس، به تنحبس عن هواها وعما زين من الشهوات المذكورة بما تحقق من ~~الإيمان بالغيب الموجب لترك الدنيا للآخرة فصبروا عن الشهوات؛ أما النساء ~~فبالاقتصار على ما ملكوه وأما البنون فبمراعاة أن ما تقدم خير مما تأخر، ~~قال صلى الله عليه وسلم - يعني فيما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه «لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي» وأما الذهب والفضة ~~فبالنظر إليها أصناما يضر موجودها، وبالحري أن ينال منها السلامة بنفقة لا ~~يكاد يصل إنفاقها إلى أن يكون كفارة كسبها وجمعها، فكان الصبر عنها أهون من ~~التخلص منها؛ وأما # PageV04P281 # الخيل فلما يصحبها من التعزز الممد لخيلاء النفس الذي هو أشد ما على ~~النفس أن تخرج عن زهوها وخيلائها إلى احتمال الضيم والسكون بحب الذل، يقال: ~~إنه آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة؛ وأما الأنعام فبالاقتصار ~~منها على قدر الكفاف، لأن ms0675 كل مستزيد تمولا من الدنيا زائدا على كفاف منه من ~~مسكن أو ملبس أو مركب أو مال فهو محجر على من سواه من عباد الله ذلك الفضل ~~الذي هم أحق به منه، قال صلى الله عليه وسلم: # «لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد» الحديث {وإن من شيء إلا عندنا خزائنة وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم} [الحجر: 21] ؛ وأما الحرث فبالاقتصار منه على قدر ~~الكفاية لما يكون راتبا للإلزام ومرصدا للنوائب ومخرجا للبذر، فإن أعطاه ~~الله فضلا أخرجه بوجه من وجوه الإخراج ولو بالبيع، ولا يمسكه متمولا لقلبه ~~إلى غيره من الأعيان فيكون محتكرا، قال عليه الصلاة والسلام كما أخرجه أحمد ~~وأبو يعلى عن ابن عمر رضي الله # PageV04P282 # تعالى عنهما «من احتكر أربعين يوما فقد برىء من الله وبرىء الله منه» ~~فبذلك يتحقق الصبر بحبس النفس عما زين للناس من التمولات من الدنيا الزائدة ~~على الكفاف التي هي حظ من لا خلاق له في الآخرة، ولذلك يحق أن تكون هذه ~~الكلمات معربة بالنصب مدحا، لأن الصفات المتبعة للمدح حليتها النصب في لسان ~~العرب، وإنما يتبع في الإعراب ما كان لرفع لبس أو تخصيص - انتهى. # ولما كان سن التقوى فوق سن الإيمان عطف أمداحهم كلها بالواو إيذانا ~~بكمالهم في كل وصف منها وتمكنهم فيءه بخلاف ما في آية براءة على ما سيأتي ~~إن شاء الله تعالى فقال: {والصادقين} قال الحرالي: في عطف الصفات ما يؤذن ~~بكمال الوصف لأن العرب تعطفها إذا كملت وتتبع بعضها بعضا إذا تركبت ~~والتأمت، يعني مثل: الرمان حلو حامض - إذا كان غير صادق الحلاوة ولا ~~الحموضة، ففي العطف إشعار بكمال صبرهم عن العاجلة على ما عينه حكم النظم، ~~في الآية # PageV04P283 # السابقة، ومن شأن الصابر عن الدنيا الصدق، لأن أكثر المداهنة والمراءاة ~~إنما ألجأ إليها التسبب إلى كسب الدنيا، فإذا رغب عنها لم يحمله على ترك ~~الصدق حامل قيتحقق به فيصدق في جميع أموره والصدق مطابقة أقواله وأفعاله ~~لباطن حاله في نفسه وعرفان قلبه - انتهى {والقانتين} أي المخلصين لله ms0676 في ~~جميع أمورهم الدائمين عليه. # ولما ذكر سبحانه وتعالى العمل الحامل عليه خوف الحق ورجاؤه أتبعه ما ~~الحامل عليه ذلك مع الشفقة على الخلق، لأن من أكرم المنتمي إليك فقد بالغ ~~في إكرامك فقال: {والمنفقين} أي ما رزقهم الله سبحانه وتعالى في كل ما ~~يرضيه، فإنه لا قوام لشيء من الطاعات إلا بالنفقة. قال الحرالي: فيه إشعار ~~بأن من صبر نول، ومن صدق أعلى، ومن قنت جل وعظم قدره، فنوله الله ما يكون ~~له منفقا، والمنفق أعلى حالا من المزكي، لأن المزكي يخرج ما وجب عليه فرضا، ~~والمنفق يجود بما في يده فضلا - انتهى. # ولما ذكر هذه الأعمال الزاكية الجامعة العالية أتبعها الإشارة إلى أن ~~الاعتراف بالعجز عن الوفاء بالواجب هو العمدة في الخلاص: # PageV04P284 # {والمستغفرين} أي من نقائصهم مع هذه الأفعال والأحوال التي هي نهاية ما ~~يصل إليه الخلق من الكمال {بالأسحار *} التي هي أشق الأوقات استيقاظا ~~عليهم، وأحبها راحة لديهم، وأولاها بصفات القلوب، وأقربها إلى الإجابة ~~المعبر عنها في الأحاديث بالنزول كما يأتي بيانه في آية التهجد في سورة ~~الإسراء. قال الحرالي: وهو جمع سحر، وأصل معناه التعلل عن الشيء بما يقاربه ~~ويدانيه ويكون منه بوجه ما، فالوقت من الليل الذي يتعلل فيه بدنو الصباح هو ~~السحر، ومنه السحور، تعلل عن الغداء؛ ثم قال: وفي إفهامه تهجدهم في الليل ~~كما قال سبحانه وتعالى: {كانوا قليلا من اليل ما يهجعون وبالأسحار هم ~~يستغفرون} [الذاريات: 17، 18] فهم يستغفرون من حسناتهم كما يستغفر أهل ~~السيئات من سيئاتهم تبرؤا من دعوى الأفعال ورؤية الأعمال التئاما بصدق ~~قولهم في الابتداء: {ربنا إننا آمنا} وكمال الإيمان بالقدر خيره وشره، ~~فباجتماع هذه الأوصاف السبعة من التقوى والإيمان والصبر # PageV04P285 # والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار كانت الآخرة خيرا لهم من الدنيا وما ~~فيها، وقد بان بهذا محكم آيات الخلق من متشابهها بعد الإعلام بمحكم آيات ~~الأمر ومتشابهها، فتم بذلك منزل الفرقان في آيات الوحي المسموع والكون ~~المشهود - انتهى. ولعله سبحانه وتعالى أشار بهذه الصفات الخمس المتعاطفة ~~إلى دعائم الإسلام الخمس، ms0677 فأشار بالصبر إلى الإيمان، وبالصدق إلى الزكاة ~~المصدقة لدعواه، وبالقنوت الذي مدار مادته على الإخلاص إلى الصلاة التي هي ~~محل المراقبة، وبالإنفاق إلى الحج الذي أعظم مقوماته المال، وبالاستغفار ~~إلى الصيام الذي مبناه التخلي من أحوال البشر والتحلي بحلية الملك لا سيما ~~في القيام ولا سيما في السحر؛ وسر ترتيبها أنه لما ذكر ما بين العبد ~~والخالق في التوحيد الذي هو العدول أتبعه ما بينه وبين الخلائق في الإحسان، ~~ولما ذكر عبادة القلب والمال ذكر عبادة البدن الدالة على الإخلاص في ~~الإيمان، ولما ذكر عبادة البدن مجردا بعد عبادة المال مجردا ذكر عبادة ~~ظاهرة مركبة منهما، شعارها تعرية الظاهر، ثم أتبعه # PageV04P286 # عبادة بدنية خفية، عمادها تعرية الباطن، فختم بمثل ما بدأ به، وهو ما لا ~~يطلع عليه حق الاطلاع إلا الله سبحانه وتعالى. # ولما أخبر سبحانه وتعال بوحدانيته في أول السورة واستدل عليها وأخبر عما ~~أعد للكافرين واستدل عليه بما دل على الوحدانية وختم بالإخبار بما أعد ~~للمتقين مما جر إلى ذكره تعالى بما يقتضي الوحدانية أيضا من الأوصاف ~~المبنية على الإيمان أنتج ذلك ثبوتها ثبوتا لا مرية فيه، فكرر تعالى هذه ~~النتيجة على وجه أضخم من الماضي كما اقتضته الأدلة فقال - وقال الحرالي: ~~لما أنهى تعالى الفرقان نهايته ببيان المحكمين والمتشابهين في الوحي والكون ~~انتظمت هذه الشهادة التي هي أعظم شهادة في كتاب الله بآية القيومية التي هي ~~أعظم آية الوجود لينتظم آية الشهود بآية الوجود، انتهى. # فقال سبحانه وتعالى: {شهد الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له {أنه} ~~قال الحرالي: فأعاد بالإضمار ليكون الشاهد والمشهود له {لا إله إلا هو} ~~فأعاد بالهوية لمعنى الوحدانية في الشهادة ولم يقل: إلا الله، لما يشعر به ~~تكرار الاسم في محل الإضمار من التنزل # PageV04P287 # العلي - انتهى. والمعنى أنه سبحانه وتعالى فعل فعل الشاهد في إخباره عما ~~يعلم حقيقته بلفظ الشهادة جريا على عادة الكبراء إذا رأوا تقاعس أتباعهم ~~عما يأمرون به من المهمات في تعاغطيهم له بأنفسهم تنبيها على أن الخطب ms0678 قد ~~فدح والأمر قد تفاقم، فيتساقط حينئذ إليه الأتباع ولو أن فيه الهلاك تساقط ~~الذباب في أحلى الشراب، وإلى ذلك ينظر قول وفد ثقيف: ما لمحمد يأمرنا بأن ~~نشهد له بالرسالة ولا يشهد هو لنفسه! فكان صلى الله عليه وسلم بعد لا يخطب ~~خطبة إلا شهد لنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم الشهادة لله فيها بالرسالة، ~~فكأنه قيل: إن ربكم الذي أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قد نصب لكم الأدلة ~~بخلق ما خلق على تفرده بحيث انتفى كل ريب فكان ذلك أعظم شهادة منه سبحانه # PageV04P288 # لنفسه، وإليه أومأ من قال: # ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # ثم شهد بذلك لنفسه بكلامه جمعا بين آيتي السمع والبصر فلم يبق لكم عذرا. ~~قال الحرالي: وهذه الشهادة التي هي من الله لله هي الشهادة التي إليها قصد ~~القاصدون وسلك السالكون وإليه انتهت الإشارة، وعندها وقفت العبارة، وهي ~~أنهى المقامات وأعظم الشهادات، فمن شهد بها فقد شهد شهادة ليس وراءها مرمى، ~~ومن شهد بما دونها كانت شهادته مشهودا عليها لا شهادة، يؤثر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يزل يوم الجمعة وهو قائم بعرفة منذ كان وقت العصر إلى أن ~~غربت الشمس في حجته التي كمل بها الدين وتمت بها النعمة يقول هذه الآية لا ~~يزيد عليها، فأي عبد شهد لله بهذه الشهادة التي هي شهادة الله لله سبحانه ~~وتعالى بالوحدانية فقد كملت شهادته، وأتم الله سبحانه وتعالى النعمة عليه، ~~وهي سر كل شهادة من دونها، وهي آية علن التوحيد الذي هو منتهى المقامات ~~وغاية الدرجات في الوصول إلى محل الشهود الذي منه النفوذ إلى الموجود ~~بمقتضى الأعظمية التي في الآية الفاتحة - انتهى. # PageV04P289 # ولما أخبر سبحانه وتعالى عن نفسه المقدسة أخبر عمن يعتد به من خلقه فقال ~~مقدما لأن المقام للعلم لمن هم أعلم به سبحانه وتعالى ممن أطلعهم من الملك ~~والملكوت على ما لم يطلع عليه الإنسان ولا شاغل لهم من شهوة ms0679 ولا حظ ولا ~~فتور: {والملائكة} أي العباد المقربون المصفون من أدناس البشر، الذين لا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولما خص أهل السماوات عم فقال: ~~{وأولوا العلم} وهم الذين عرفوه بالأدلة القاطعة ففعلوا ما فعل العظيم من ~~الشهادات ليكون ذلك أدعى لغيرهم إليه وأحث عليه، ولما كانت الشهادة قد تكون ~~على غير وجه العدل نفى ذلك بقوله: {قائما} وأفرد ليفهم أنه حال كل من ~~المذكورين لا المجموع بقيد الجمع، ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون حالا من ~~الاسم الشريف إشارة إلى أنه ما وحد الله سبحانه وتعالى حق توحيده غيره، ~~لأنه لا يحيط به أحد علما. وقال الحرالي: أفرد القيام فاندرج من ذكر من ~~الملائكة وأولي العلم في هذا القيام إفهاما، كما اندرجوا في الشهادة ~~إفصاحا، فكان في إشعاره أن الملائكة وأولي العلم لا يقاد منهم فيما يجريه ~~الله سبحانه وتعالى على أيديهم، لأن أمرهم قائم بالقسط من الله، يذكر أن ~~عظيم عاد لما كشف له عن الملائكة في يوم النقمة قال # PageV04P290 # لهود عليه الصلاة والسلام: يا هود! ما هذا الذي أراهم في السحاب كأنهم ~~البخاتي؟ فقال: ملائكة ربي، فقال له: أرأيت إن آمنت بالهك أيقيدني منهم بمن ~~قتلوا من قومي؟ قال: ويحك! وهل رأيت ملكا يقيد من جنده - انتهى. {بالقسط} ~~أي العدل السواء الذي لا حيف فيه أصلا بوجه من الوجوه، وقد ثبت بهذه ~~الشهادة على هذا الوجه أن التوحيد في نفس الأمر على ما وقعت به الشهادة، ~~ويجوز أن يراد مع ذلك أن قيامه بالعدل فعله في خلقه فإنه عدل وإن كان من ~~بعضهم إلى بعض ظلما، فإنه تصرف منه سبحانه في ملكه الذي لا شائبة لأحد فيه، ~~فهو إذا نسب إليه كان عدلا، لأنه فعله بالحكمة، وإذا نسب إلى الظالم كان ~~ظلما، لأنه فعله لحظه لا للحكمة فلذلك قال على طريق الاستنتاج والتعليل ~~للقيام بالقسط والتلقين للعباد لأن يقولوها بعد ثبوتها بما تقدم وأن ~~يكرروها دائما أبدا: {لا إله إلا هو} وقال الحرالي: كرر هذا التهليل ms0680 لأنه ~~في مرتبة القسط الفعلي، لأن التهليل الأول في مرتبة الشهادة العلمية ~~فاستوفى التهليلان جميع البادي علما وفعلا - انتهى. وأتبعه سبحانه # PageV04P291 # وتعالى بقوله: {العزيز الحكيم *} دليلا على قسطه، لأنه لا يصح أبدا لذي ~~العزة الكاملة والحكمة الشاملة أن يتصرف بجور، وعلى وحدانيته، لأنه لا يصح ~~التفرد بدون الوصفين وليسا على الإطلاق لأحد غيره أصلا، ولما كانت الآيات ~~كلها في الإيقاع بالكافرين قدم الوصف الملائم لذلك. # قال الحرالي: وقسط الله هو إخفاء عدله في دار الدنيا من حيث إنه خفض ~~ورفع، يعادل خفضه رفعه ورفعه خفضه، فيؤول إلى عدل، ويراه بذلك في حال ~~تفاوته كل ذي لب بما أنه عزيز يظهر عزته فيما يرفع، حكيم يخفي معنى حكمه ~~فيما يخفض، فكل ما هو باد من الخلق جود فهو من الله سبحانه وتعالى قسط، ~~طيته عدل، سره سواء، فيظهر عزته فيما حكم انتقاما وحكمته في الموازنة بين ~~الأعمال والجزاء عدلا - انتهى. # ولما كان ذلك علم أنه يجب أن تخضع له الرقاب ويخلص له التوحيد جميع ~~الألباب وذلك هو الإسلام فقال معللا للشهادة منهم بالعدل - وقراءة الكسائي ~~بالفتح أظهر في التعليل: {إن الدين} واصله الجزاء، أطلق هنا على الشريعة ~~لأنها مسببة {عند الله} # PageV04P292 # أي الملك الذي له الأمر كله {الإسلام} فاللام للعهد في هذه الشهادة فإنها ~~أس لكل طاعة، فلأجل أن الدين عنده هذا شهدوا له هذه الشهادة المقتضية ~~لنهاية الإذعان. # ولما كان ذلك مصرحا بأنه لا دين عنده غيره كان كأن قائلا قال: فكان يجب ~~أن يعلم بذلك الأنيباء الماضون والأمم السالفون ليلزموه ويلزموه أتباعهم! ~~فقيل: قد فعل ذلك، فقيل: فما لهم لم يلزموه؟ فقيل: قد لزموه مدة مديدة ~~{وما} ويجوز وهو أحسن أن يكون التقدير: بين الله سبحانه وتعالى بشهادته ما ~~يرضيه بآياته المرئية ثم أوضحة غاية الإيضاح بآياته المسموعة بكتبه وما ~~{اختلف الذين أوتوا الكتاب} هذا الاختلاف الذي ترونه {إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم} بذلك كله، وما كان اختلافهم لجهلهم بذلك بل {بغيا} واقعا {بينهم} لا ~~بينهم وبين غيرهم، ms0681 بل من بعضهم على بعض للحسد والتنافس في الدنيا لشبه ~~أبدوها ودعاو ادعوها، طال بينهم فيها النزاع وعظم الدفاع، والله سبحانه ~~وتعالى عالم بكشفها، قادر على صرفها. قال الحرالي: والبغي السعي بالقول ~~والفعل # PageV04P293 # في إزالة نعم أنعم الله تعالى بها على خلق بما اشتملت عليه ضمائر الباغي ~~من الحسد له - انتهى. # ولما كان التقدير: فمن استمر على الإيمان فإن الله عظيم الثواب، عطف عليه ~~قوله: {ومن يكفر} أي يستمر على كفره ولم يقل حلما منه: ومن كفر {بآيات ~~الله} أي المرئيات والمسموعات الدالة على إحاطته بالكمال وقوفا مع تلك ~~الشبه وعمى عن الدليل فالله مهلكه عاجلا {فإن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما ولا كفوء له {سريع} قال الحرالي: من السرعة وهي وحاء النجاز فيما ~~شأنه الإبطاء - انتهى. ويحتمل أن يكون كنى بالسرعة عن القرب فالمعنى: قريب ~~{الحساب *} أي عن قريب يجازيهم على كفرهم في هذه الحياة الدنيا بأيدي بعضهم ~~وبأيدي المؤمنين، ثم ينقلون إلى حسابه سبحانه وتعالى في الدار الآخرة ~~المقتضي لعذاب الكفرة، ويحتمل أن تكون السرعة على بابها، والمراد أنه لا ~~يتهيأ في حسابه ما يتهيأ في حساب غيره من المغالطة المقتضية للنجاة أو ~~المطاولة في مدة الحساب المقتضية لتأخر الجزاء في مدة المراوغة # PageV04P294 # والله تعالى أعلم. # ومن الكفر بالآيات الكفر بعيسى عليه الصلاة والسلام حين انتحلوا فيه ~~الإلهية. قال الحرالي: كان آية من الله سبحانه وتعالى للهداية، فوقع عندهم ~~بحال من كفروا به، فكان سبب كفرهم ما كان مستحقا أن يكون سبب هداية ~~المهتدي، وكان ذلك فيه لمحل اشتباهه لأنه اشتبه عليهم خلقه بما ظهر على ~~يديه من آيات الله سبحانه وتعالى، وفي التعريض به إلاحة لما يقع لهذه الأمة ~~في نحوه ممن هو مقام الهداية فوقع في طائفة موقع آية كفروا بها، كما قال ~~عليه الصلاة والسلام في علي رضي الله تعالى عنه «مثلك يا علي كمثل عيسى ابن ~~مريم أبغضه يهود فبهتوا أمه وأحبه النصارى فأنزلوه بالمحل الذي ليس به» ~~كذلك تفرقت فرق في ms0682 علي رضي الله تعالى عنه من بين خارجيهم ورافضيهم انتهى. # PageV04P295 # ولما تم ذلك كان كأنه قيل: قد جئناك بالأمر الواضح الذي لا يشكون فيه ~~{فإن حاجوك} بعده في شيء مما تضمنه وهدى إليه ودل صريحا أو تلويحا عليه ~~فاعلم أن جدالهم عن عناد مع العلم بحقيقة الحال {فقل} أي فأعرض عنهم إلى أن ~~آمرك بالقتال، لأن من الواجبات - كما تقرر في آداب البحث - الإعراض عمن ~~كابر في # PageV04P295 # المحسوس، وقل أنت عملا بالآية السالفة: {أسلمت وجهي} أي أخلصت قصدي ~~وتوجهي، وانقدت غاية الانقياد {لله} الملك الأعظم الذي له الأمر كله، فلا ~~كفوء له. # قال الحرالي: ولما أدرج تعالى شهادة الملائكة وأولي العلم في شهادته لقن ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدرج من اتبعه في إسلامه وجهه لله ليكون ~~إسلامهم بإسلام نبيهم صلى الله عليه وسلم لا بإسلام أنفسهم، لتلحق التابعة ~~من الأمة بالأئمة، وذلك حال الفرقة الناجية مؤثرة الفرق الاثنين والسبعين ~~التي قال النبي صلى الله عليه وسلم «وما أنا عليه» فيما أوتي من اليقين ~~«وأصحابي» فيما أوتوه من الانقياد وبراءتهم من الرجوع إلى أنفسهم في أمر، ~~كما كانوا يقولون عند كل ناشئة علم أو أمر: الله ورسوله أعلم، فمن دخل ~~برأيه في أمر نقص حظه من الاتباع بحسب استبداده - انتهى. فقال تعالى عاطفا ~~على الضمير المرفوع المتصل لأجل الفعل: {ومن} أي وأسلم من {اتبعن} وجوههم ~~له سبحانه وتعالى. # ولما كان المكمل لنفسه يجب عليه السعي في إكمال غيره أعلمه بذلك في قوله: ~~{وقل} تهديدا وتعجيزا وتبكيتا وتقريعا # PageV04P296 # {للذين أوتوا الكتاب} أي عامة من هؤلاء النصارى الذين يجادلونك ومن ~~اليهود أيضا {والأمين} الذين لا كتاب لهم، مشيرا بالاستفهام إلى عنادهم ~~منكرا عليهم موبخا لهم: {ءأسلمتم فإن أسلموا} عند ذلك {فقد اهتدوا} فنفعوا ~~أنفسهم في الدنيا والآخرة، وفي صيغة «افتعلوا» ما يليح إلى أن الأنفس مائلة ~~إلى الضلال زائغة عن طريق الكمال {وإن تولوا} أي عن الإسلام فهم معاندون ~~فلا يهمنك أمرهم {فإنما عليك البلاغ} أي وعليهم وبال توليهم، وفي بنية ms0683 ~~التفعل ما يومىء إلى أن طرق الهدى بعد البيان آخذ محاسنها بمجامع القلوب، ~~وأن الصادف عنها بعد ذلك قاهر لظاهر عقله وقويم فطرته الأولى برجاسة نفسه ~~واعوجاج طبعه. # ولما كان التقدير: فالله يوفق لقبول البلاغ عنك من علم فيه الخير، وينكب ~~عنه من علم فيه الشر، عطف عليه قوله: {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما ~~{بصير بالعباد} أي فهو يوفق من خلقه للخير منهم ويخذل غيره. لا يقدر على ~~فعل ذلك غيره، ولا يقدر أحد غيره أن يفعل غير ذلك. # ولما أشرك اليهود في هذا الخطاب وأفهم شرط التولي بأداة # PageV04P297 # الشك وقوعه، فتشوفت النفس إلى معرفة جزائهم أشار إليه واصفا لهم ببعض ما ~~اشتد فحشه من أفعالهم فقال: - وقال الحرالي: ولما كانت هذه السورة منزلة ~~لتبيين ما اشتبه على أهل الإنجيل جرى ذكر أهل التوراة فيها مجملا بجوامع من ~~ذكرهم، لأن تفاصيل أمرهم قد استقرأته سورة البقرة، فكان أمر أهل التوراة في ~~سورة البقرة بيانا وأهل الإنجيل إجمالا، وكان أمر أهل الإنجيل في سورة آل ~~عمران بيانا وذكر أهل التوراة إجمالا، لما كان لبس أهل التوراة في الكتاب ~~فوقع تفصيل ذكرهم في سورة # {الم ذلك الكتاب} [البقرة: 1، 2] ، ولما كان اشتباه أمر أهل الإنجيل في ~~شأن الإلهية كان بيان ما تشابه عليهم في سورة {الم الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم} [آل عمران: 1، 2] فجاء هذا الذكر لأهل التوراة معادلة بينهم وبين ~~أهل الإنجيل بما كفروا بالآيات من المعنى الذي اشتركوا فيه في أمر الإلهية ~~في عزير واختصوا بقتل الأنبياء وقتل أهل الخير الآمرين بالقسط؛ انتهى. فقال ~~تعالى: {إن الذين يكفرون} وهم الذين خذلهم الله {بآيات الله} في إبراز ~~الاسم الأعظم إشارة # PageV04P298 # إلى عظيم كفرهم بكونه مما أضيف إليه سبحانه وتعالى. قال الحرالي: وفي ~~ذكره بصيغة الدوام ما يقع منهم من الكفر بآيات الله في ختم اليوم المحمدي ~~مع الدجال فإنهم أتباعه {ويقتلون النبيين} في إشعاره ما تمادوا عليه من ~~البغي على الأنيباء حتى كان لهم مدخل في شهادة النبي ms0684 صلى الله عليه وسلم ~~التي رزقه الله فيما كان يدعو به حيث كان يقول صلى الله عليه وسلم: «اللهم ~~ارزقني شهادة في يسر منك وعافية» . # ولما كان قتلهم إياهم بدون شبهة أصلا بل لمحض والكفر والعناد، لأن ~~الأنبياء مبرؤون من أن يكون لأحد قبلهم حق دنيوي أو أخروي قال: {بغير حق} ~~أي لا صغير ولا كبير في نفس الأمر ولا في اعتقادهم، فهو أبلغ مما في البقرة ~~على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف فالأخف. ولما خص ذكر أكمل الخلق ~~عبر بما يعم أتباعهم فقال معيدا للفعل زيادة في لومهم وتقريعهم: # PageV04P299 # {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط} أي العدل، ولما كان ذلك شاملا لمن لا قدرة ~~لهم على قتله من الملائكة قال: {من الناس} أي كلهم، سواء كانوا أنبياء أو ~~لا، ويجوز أن يكون المراد بهذا القيد زيادة توبيخهم بأنهم يقتلون جنسهم ~~الذي من حقهم أن يألفوه ويسعوا في بقائه، وهذا تحقيق لأن قتلهم لمجرد ~~العدوان قال الحرالي: فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل الخير من الملوك ~~والرؤساء، فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من علم التطبب ومخالطتهم ~~رؤساء الناس بالطب الذي توسل كثير منهم إلى قتلهم به عمدا وخطأ، ليجري ذلك ~~على أيديهم خفية في هذه الأمة نظير ما جرى على أيدي أسلافهم في قتل ~~الأنبياء جهرة - انتهى. # ويجوز أن يكون الخبر عنهم محذوفا والتقدير: أنهم مطبوع على قلوبهم، أو: ~~لا يؤمنون، أو: لا يزالون يجادلونك وينازعونك ويبغون لك الغوائل {فبشرهم ~~بعذاب أليم *} أي اجعل إخبارهم بأنه لهم موضع البشارة، فهو # PageV04P300 # من وادي: تحيتهم بينهم ضرب وجيع. # ولما كان الحال ربما اقتضى أن يقال من بعض أهل الضلال: إن لهؤلاء أعمالا ~~حسانا واجتهادات في الطاعة عظيمة، بين تعالى أن تلك الأفعال مجرد صور لا ~~معاني لها لتضييع القواعد، كما أنهم هم أيضا ذوات بغير قلوب، لتقع المناسبة ~~بين الأعمال والعاملين فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين حبطت} أي ~~فسدت فسقطت، وأشار بتأنيث الفعل إلى ضعفها من أصلها {أعمالهم} أي كلها ms0685 ~~الدنياوية والدينية، وأنبأ تعالى بقوله: {في الدنيا} كما قال الحرالي - ~~أنهم يتعقبون أعمال خيرهم ببغي يمحوها فلا يطمعون بجزائها في عاجل ولا آجل، ~~وبذلك تمادى عليهم الذل وقل منهم المهتدي - انتهى {والآخرة} فلا يقيم لهم ~~الله في يوم الدين وزنا، وأسقط ذكر الحياة إشارة إلى أنه لا حياة لهم في ~~واحدة من الدارين. # ولما كان التقدير: فلا ينتصرون بأنفسهم أصلا، فإنهم لا يدبرون تدبيرا إلا ~~كان فيه تدميرهم، عطف عليه قوله: {وما لهم من ناصرين *} # PageV04P301 # قال الحرالي: فيه إعلام بوقوع الغلبة عليهم غلبة لا نصرة لهم فيها في يوم ~~النصر الموعود في سورة الروم التي هي تفصيل من معنى هذه السورة في قوله ~~تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء} [الروم: 4، 5] فهم ~~غير داخلين فيمن ينصر بما قد ورد أنهم «يقتلون في آخر الزمان حتى يقول ~~الحجر: يا مسلم! خلفي يهودي فاقتله، حتى لا يبقى منهم إلا من يستره شجر ~~الفرقد» كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنه من شجرهم» وفي إفهامه أن طائفة ~~من أهل الإنجيل يقومون بحقه، فيكونون ممن تشملهم نصرة الله سبحانه وتعالى ~~مع المسلمين، فتنتسق الملة واحدة مما يقع من الاجتماع حين تضع الحرب ~~أوزارها - انتهى. # ولما كان من المعلوم أن ثبات الأعمال وزكاءها إنما هو باتباع أمر الله ~~سبحانه وتعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وأمر الذين ورثوا العلم عنه ~~دل على ما أخبر به من الحبوط وعدم النصر بما يشاهد من أحوالهم في منابذة ~~الدين فقال: {ألم تر} وكان الموضع لأن يقال: إليهم، ولكنه قال: {إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب} # PageV04P302 # ليدل على أن ضلالهم على علم، وأن الذي أوتوه منه قراءتهم له بألسنتهم ~~وادعاء الإيمان به. وقال الحرالي: كتابهم الخاص بهم نصيب من الكتاب الجامع، ~~وما أخذوا من كتابهم نصيب من اختصاصه، فإنهم لو استوفوا حظهم منه لما عدلوا ~~في الحكم عنه ولرضوا به، وكان في هذا التعجيب أن يكون غيرهم يرضى بحكم ~~كتابهم ثم لا يرضون هم به - انتهى. ms0686 # {يدعون إلى كتاب الله} أظهر الاسم الشريف ولم يقل: إلى كتابهم، احترازا ~~عما غيروا وبدلوا ولأنهم إنما دعوا إلى كتاب الله الذي أنزل على موسى عليه ~~الصلاة والسلام، لا إلى ما عساه أن يكون بأيديهم مما غيروا - نبه عليه ~~الحرالي. وفيه أيضا إشارة إلى عظيم اجترائهم بتوليهم عمن له الإحاطة ~~الكاملة {ليحكم بينهم} قال الحرالي: في إشعاره أن طائفة منهم على حق منه، ~~أي وهم المذعنون لذلك الحكم الذي دعي إليه - انتهى. # ولما كان اتباعه واجبا واضحا نفعه لمن جرد نفسه عن الهوى عبر عن مخالفته ~~بأداة البعد فقال: {ثم} وقال الحرالي: في إمهاله ما يدل على تلددهم وتبلدهم ~~في ذلك بما يوقعه الله من المقت والتحير على من دعي إلى حق فأباه، وفي صيغة ~~يتفعل في قوله: {يتولى} # PageV04P303 # ما يناسب معنى ذلك في تكلف التولي على انجذاب من بواطنهم لما عرفوه ~~وكتموه، وصرح قوله: {فريق منهم} بما أفهمه ما تقدم من قوله: {ليحكم بينهم} ~~فأفهم أن طائفة منهم ثابتون قائلون لحكم كتاب الله تعالى، وأنبأ قوله ~~المشير إلى كثرة أفراد هذا الفريق {وهم معرضون *} بما سلبوه من ذلك التردد ~~والتكلف، فصار وصفا لهم بعد أن كان تعملا، ما أنكر منكر حقا وهو يعلمه إلا ~~سلبه الله تعالى علمه حتى يصير إنكاره له بصورة وبوصف من لم يكن قط علمه - ~~انتهى. # وفي هذا تحذير لهذه الأمة من الوقوع في مثل ذلك ولو بأن يدعى أحدهم من ~~حسن إلى أحسن منه - نبه عليه الحرالي وقال: إذ ليس المقصود حكاية ما مضى ~~فقط ولا ما هو كائن فحسب، بل خطاب القرآن قائم دائم ماض كلية خطابه في غابر ~~اليوم المحمدي مع من يناسب أحوال من تقدم منهم، وفي حق المرء مع نفسه في ~~أوقات مختلفة - انتهى. ثم علل اجتراءهم على الله تعالى فقال: {ذلك} أي ~~الإعراض البعيد عن أفعال أهل الكرم المبعد من الله {بأنهم قالوا} كذبا على ~~الله - كما تقدم بيانه في سورة البقرة {لن تمسنا النار إلا أياما} ولما # PageV04P304 # كان ms0687 المقام هنا لتناهي اجترائهم على العظائم لاستهانتهم بالعذاب ~~لاستقصارهم لمدته والتصريح بقتل الآمرين بالقسط عامة وبحبوط الأعمال، وكان ~~جمع القلة قد يستعار للكثرة أكدت إرادتهم حقيقة القلة بجمع آخر للقلة، فقيل ~~على ما هو الأولى من وصف جمع القلة لما لا يعقل بجمع جبرا له: {معدودات} ~~وتطاول الزمان وهم على هذا الباطل حتى آنسوا به واطمأنوا إليه لأنه ما كذب ~~أحد بحق إلا عوقب بتصديقه بباطل، وما ترك قوم سنة إلا أحيوا بدعة، على أن ~~كذبهم أيضا جرهم إلى الاستهانة بعذاب الله الذي لا يستهان بشيء منه ولو قل. # ولما نسبوا ذلك إلى الكتاب فجعلوه دينا قال: {وغرهم} قال الحرالي: من ~~الغرور وهو إخفاء الخدعة في صورة النصيحة - انتهى {في دينهم ما كانوا} أي ~~بما هيؤوا له وجبلوا عليه {يفترون *} أي يتعمدون كذبة، قال الحرالي: فتقابل ~~التعجيبات في ردهم حق الله سبحانه وتعالى وسكونهم إلى باطلهم - انتهى. # PageV04P305 # ولما تسبب عن اجترائهم بالكذب على الله أن يسأل عن حالهم معه قال صارفا ~~القول إلى مظهر العظمة المقتضي للمجازاة والمناقشة: {فكيف} أي يكون حالهم ~~{إذا جمعناهم} أي وقد رفعنا حجاب العظمة وشهرنا سيف العزة والسطوة. ولما ~~كان المقصود بالجمع الجزاء قال: {ليوم} ووصفه بقوله: {لا ريب فيه} مشعر- ~~كما قال الحرالي - بأنهم ليسوا على طمأنينة في باطلهم بمنزلة الذي لم يكن ~~له أصل كتاب، فهم في ريبهم يترددون إلى أن يأتي ذلك اليوم. # ولما كان الجزاء أمرا متحققا لا بد منه أشار إليه بصيغة الماضي في قوله: ~~{ووفيت} والبناء للمفعول للإفهام بسهولة ذلك عليه وإن كان يفوت الحصر ~~وتأنيث الفعل للإشارة إلى دناءة النفوس وضعفها وقوله: {كل نفس} قال ~~الحرالي: الفصل الموقع للجزاء مخصوص بوجود النفس التي دأبها أن تنفس فتريد ~~وتختار وتحب وتكره، فهي التي توفي، فمن سلب الاختيار والإرادة والكراهة ~~بتحقق الإسلام الذي تقدم ارتفع عنه التوفية، إذ لا وجود نفس له # PageV04P306 # بما أسلم وجهه لله، فلذلك اختص وعيد القرآن كله بالنفس في نفاستها ~~بإرادتها وما تنشأ لها عليه من أحوالها ms0688 وأفعالها ودعواها في ملكها وملكها، ~~فمتى نفست فتملكت ملكا أو تشرفت ملكا خرجت عن إسلامها حتى ينالها سلب القهر ~~منه وإلزام الذل عنه، وبلمح من هذا المعنى اتصلت الآية التي بعدها بختم هذه ~~الآية وناظرت رأس آية ذكر الإسلام، فإنما هو مسلم لله وذو نفس متملك على ~~الله حتى يسلبه الله في العقبى أو يذله في الدنيا، فشمل هذا الوفاء لكل نفس ~~أهل الكتاب وغيرهم، وعم الوفاء لكل من يعمه الجمع، كذلك خطاب القرآن يبدأ ~~بخصوص فيختم بعموم، ويبدأ بعموم فيثنيه تفصيل - انتهى. # ولما كان هذا الجزاء شاملا للخير والشر قال: {ما} أي جزاء ما {كسبت} فأتى ~~به مخففا ليشمل المباشرة بكسب أو اكتساب، وأنث الفعل مع جواز التذكير ~~مراعاة للفظ كل إشارة إلى الإحاطة بالأفعال ولو كانت في غاية الحقارة، ~~وراعى معنى «كل» للوفاء بالمعنى مع موافقة الفواصل {وهم لا يظلمون *} أي لا ~~يقع عليهم ظلم # PageV04P307 # بزيادة ولا نقص، ولا يتوقعونه. # ولما أخبر تعالى أن الكفار سيغلبون وأنه ليس لهم من ناصرين كان حالهم ~~مقتضيا لأن يقولوا: كيف ونحن أكثر من الحصى وأشد شكائم من ليوث الشرى، فكيف ~~نغلب؟ أم كيف لا ينصر بعضنا بعضا وفينا الملوك والأمراء والأكابر والرؤساء ~~ومناوونا القليل الضعفاء، أهل الأرض الغبراء، وأولو البأساء والضراء، فقال ~~تعالى لينتبه الراقدون من فرش الغفلات المتقلبون في فلوات البلادات من ~~تلهيهم بما رأوا وسمعوا من نزع الملك من أقوى الناس وإعطائه لأضعفهم ~~فيعلموا أن الذي من شأنه أن يفعل ذلك مع بعض أعدائه جدير بأن يفعل أضعافه ~~لأوليائه: {قل اللهم} قال الحرالي: ولما كان هذا الأمر نبوة ثم خلافة ثم ~~ملكا فانتظم بما تقدم من أول السورة أمر النبوة في التنزيل والإنزال، وأمر ~~الخلافة في ذكر الراسخين # PageV04P308 # في العلم الذين يقولون: # {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل عمران: 8] ، وكانت من هجيري أبي ~~بكر رضي الله تعالى عنه، يقنت بها في وتر صلاة النهار في آخر ركعة من ~~المغرب - انتظم برؤوس تلك المعاني ذكر الملك الذي آتى ms0689 الله هذه الأمة، وخص ~~به من لاق به الملك، كما خص بالخلافة من صلحت له الخلافة، كما تعين للنبوة ~~الخاتمة من لا يحملها سواه - انتهى؛ فقال: {قل} أي يا محمد أو يا من آمن ~~بنا مخاطبا لإلهك مسمعا لهم ومعرضا عنهم ومنبها لهم من سكرات غفلاتهم في ~~إقبالهم على ملوك لا شيء في أيديهم، وإعراضهم عن هذا الملك الأعظم الذي ~~بيده كل شيء. قال الحرالي: لعلو منزل هذه السورة كثر الإقبال فيها بالخطاب ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وجعل القائل لما كانت المجاورة معه، لأن منزل ~~القرآن ما كان منه لإصلاح ما بين الخلق وربهم يجيء الخطاب فيه من الله ~~سبحانه وتعالى إليهم مواجهة حتى ينتهي إلى الإعراض عند إباء من يأبى منهم، ~~وما كان لإصلاح ما بين الأمة ونبيها يجري الله الخطاب فيه على لسانه من حيث ~~توجههم بالمجاورة إليه، فإذا قالوا قولا # PageV04P309 # يقصدونه به قال الله عز وجل: قل لهم، ولكون القرآن متلوا ثبتت فيه كلمة ~~قل - انتهى. {اللهم مالك الملك} أي لا يملك شيئا منه غيرك. قال الحرالي: ~~فأقنعه صلى الله عليه وسلم ملك ربه، فمن كان منه ومن آله وخلفائه وصحابته ~~يكون من إسلامه وجهه لربه إسلام الملك كله الذي منه شرف الدنيا لله، فلذلك ~~لم يكن صلى الله عليه وسلم يتظاهر بالملك ولا يأخذه مآخذه، لأنه كان نبيا ~~عبدا، لا نبيا ملكا، فأسلم الملك لله، كذلك خلفاؤه أسلموا الملك لله فلبسوا ~~الخلقان والمرقعات واقتصروا على شظف العيش، ولانوا في الحق، وحملوا جفاء ~~الغريب، واتبعوا اثره في العبودية، فأسلموا الملك لله سبحانه وتعالى، ولم ~~ينازعوه شيئا منه، حمل عمر رضي الله تعالى عنه قربة على ظهره في زمن خلافته ~~حتى سكبها في دار امرآة من الأنصار في أقصى المدينة، فلما جاء الله بزمن ~~الملك واستوفيت أيام الخلافة عقب وفاء زمان النبوة أظهر الله سبحانه وتعالى ~~الملك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكما خصص بالنبوة والإمامة بيت محمد ~~وآل # PageV04P310 # محمد صلى الله عليه وسلم ms0690 وخصص بالخلافة فقراء المهاجرين خصص بالملك ~~الطلقاء الذين كانوا عتقاء الله ورسوله، لينال كل من رحمة الله وفضله، التي ~~ولى جميعها نبيه صلى الله عليه وسلم كل طائفة على قدر قربهم منه، حتى اختص ~~بالتقدم قريشا ما كانت، ثم العرب ما كانت إلى ما صار له الأمر بعد الملك من ~~سلطنة وتجبر إلى ما يصير إليه من دجل كل ذلك مخول لمن يخوله بحسب القرب ~~والبعد منه {تؤتي الملك من تشآء} في الإيتاء إشعار بأنه تنوبل من الله من ~~غير قوة وغلبة ولا مطاولة فيه وفي التعبير بمن العامة للعقلاء إشعار بمنال ~~الملك من لم يكن من أهله وأخص الناس بالبعد منه العرب، ففيه إشعار بأن الله ~~ينول ملك فارس والروم العرب كما وقع منه ما وقع، وينتهي منه ما بقي إلى من ~~نال الملك بسببها وعن الاستناد إليها من سائر الأمم الذين دخلوا في هذه ~~الأمة من قبائل الأعاجم وصنوف أهل الأقطار حتى ينتهي الأمر إلى أن يسلب ~~الله الملك جميع أهل الأرض، فيعيده إلى إمام العرب الخاتم # PageV04P311 # للهداية من ذريته ختمه صلى الله عليه وسلم للنبوة من ذرية آدم، ويؤتيهم ~~من المكنة، كما قال صلى الله عليه وسلم: # «لو شاء أحدهم أن يسير من المشرق إلى المغرب في خطوة لفعل» ومع ذلك ~~فليسوا من الدنيا وليست الدنيا منهم، فيؤتيهم الله ملكا من ملكه - ظاهر ~~هداية من هداه، شأفة عن سره الذي يستعلن به في خاتمة يوم الدنيا ليتصل ~~بظهوره ملك يوم الدين، والملك التلبس بشرف الدنيا والاستئثار بخيرها؛ قال ~~أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما في وصيته: إذا جنيت فلتهجر يدك فاك حتى ~~يشبع من جنيت له، فإن نازعتك نفسك في مشاركتهم فشاركهم غير مستأثر عليهم، ~~وإياك والذخيرة! فإن الذخيرة تهلك دين الإمام وتسفك دمه، فالملك التباس ~~بشرف الدنيا واستئثار بخيرها واتخاذ ذخيرة منها. # لما أرادوا أن يغيروا على عمر رضي الله تعالى عنه زيه عند إقباله على بيت ~~المقدس نبذ زيهم وقال: إنا قوم أعزنا الله ms0691 بالإسلام! فلن نلتمس العزة ~~بغيره. فمن التمس الشرف بجاه الدنيا فهو ملك بقدر ما يلتمس من شرفها قل ذلك ~~الحظ أو جل، وهو به من أتباع # PageV04P312 # ملوك الدنيا، وكذلك من التمس الاستئثار بخيرها واتخذ الذخيرة منها، كل ~~ينال من الملك ويكون من شيعة الملوك بحسب ما ينال ويحب من ذلك حتى ينتهي ~~إلى حشره مع الصنف الذي يميل إليه، فمن تذلل وتقلل وتوكل بعث مع الأنبياء ~~والمرسلين والخلفاء، كما أن من تشرف بالدنيا واستأثر وادخر منها حشر مع ~~الملوك والسلاطين؛ جلس عمر رضي الله تعالى عنه يوما وسلمان وكعب وجماعة رضي ~~الله تعالى عنهم فقال: أخبروني أخليفة أنا أم ملك؟ فقال له سلمان رضي الله ~~عنه: يا أمير المؤمنين! إن جبيت درهما من هذا المال فوضعته في غيره حقه ~~فأنت ملك، وإن لم تضعه إلا في حقه فأنت خليفة، فقال كعب: رحم الله تعالى! ~~ما ظننت أن أحدا يعرف الفرق بين الخليفة والملك غيري، فالتزام مرارة العدل ~~وإيثار الغير خلافة وتشيع في سبيلها، ومنال حلاوة الاستئثار بالعاجلة شرفها ~~ومالها ملك وتحيز لتباعه - انتهى. # وفي تقديم الإيتاء على # PageV04P313 # النزع إشارة إلى أن الداعي ينبغي أن يبدأ بالترغيب {وتنزع} قال الحرالي: ~~من النزع، وهو الأخذ بشدة وبطش - انتهى. {الملك ممن تشآء} وفيه إشارة إلى ~~إن الدعاء باللين إن لم يجد ثني بالترهيب، وعلى هذا المنوال أبرز قوله: ~~{وتعز من تشآء} أي إعزازه {وتذل من تشآء} أي إذلاله، وهو كما قال: «إن ~~رحمتي سبقت غضبي» قال الحرالي: وفي كلمة النزع بما ينبىء عنه من البطش ~~والقوة ما يناسب معنى الإيتاء، فهو إيتاء للعرب ونزع من العجم، كما ورد أن ~~كسرى رأى في منامه أنه يقال له: سلم ما بيدك لصاحب الهراوة، فنزع ملك ~~المولك من الأكاسرة والقياصرة وخوله قريشا ومن قام بأمرها وانتحل الملك ~~باسمها من صنوف الأمم غربا وشرقا وجنوبا وشمالا، إلى ما يتم به الأمر في ~~الختم، والعز - والله سبحانه وتعالى أعلم - عزة الله سبحانه وتعالى: لأهله ~~ولآل نبيه صلى الله ms0692 عليه وسلم والأنصار والصلحاء من صحابته وعشيرته ~~وأبنائهم وذرياتهم الذين سلبهم الله ملك الدنيا فحلاهم بعز الآخرة وبعزة ~~الدين كما قال # PageV04P314 # سبحانه وتعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] ليكون في ~~الخطاب إنباء بشرى لهم أنه أتاهم من العز بالدين ما هو خير من الشرف بملك ~~الدنيا {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} [فاطر: 10] فالملوك وإن ~~تشرفوا بملك الدنيا فليس لهم من عزة الدين شيء، أعزهم الله سبحانه وتعالى ~~بالدين، تخدمهم الأحرار وتتوطد لهم الأمصار، لا يجدون وحشة، ولا يحصرون في ~~محل، ولا تسقط لهم حرمة حيث ما حلوا وحيث ما كانوا استتروا أو اشتهروا، ~~والمتلبسون بالملك لا يخدمهم إلا من استرقوه قهرا، يملكون تصنع الخلق ولا ~~يملكون محاب قلوبهم، محصورون في أقطار ممالكهم، لا يخرجون عنها ولا ينتقلون ~~منها حتى يمنعهم من كمال الدين، فلا ينصرفون في الأرض ولا يضربون فيها، حتى ~~يمتنع ملوك من الحج مخافة نيل الذل في غير موطن الملك، والله عز وجل يقول: ~~«إن عبدا أصححت له جسمه، وأوسعت عليه في رزقه، يقيم خمسة أعوام لا يفد على ~~المحروم» # PageV04P315 # فالملوك مملوكون بما ملكوا، وأعزاء الله ممكنون فيما إليه وجهوا، لا ~~يصدهم عن تكملة أمر الدين وإصلاح أمر الآخرة صاد، ولا يردهم عنه راد ~~لخروجهم من سجن الملك إلى سعة العز بعزة الله سبحان وتعالى، فقارض الله أهل ~~بيت نبيه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، ولم يرضه للملك بعز الإمامة ورفعة ~~الولاية والاستيلاء على محاب القلوب فاسترعاهم الله قلوب العالمين بما ~~استرعى الملوك بعض حواس المستخدمين والمستتبعين، والذل مقابل ذلك العزة، ~~فإذا كان ذلك العز عزا دينيا ربانيا عوضا عن سلب الملك كان هذا الذل - ~~والله تعالى أعلم - ذل أهل الدنيا في دنياهم الذي ألزمهم سبحانه وتعالى ~~إياه بما أذلتهم أنفسهم، فاستعملتهم في شواتها وأذلهم أتباعهم فتوسلوا بهم ~~إلى قضاء أغراضهم في أهوائهم، ويستذلهم من يظلمونه بما ينتصفون منهم، ~~وينالهم من ذل تضييع الدين، ويبدو على وجوههم من ظلمة الظلم ما يشهد ذلهم ~~فيه أبصار ms0693 العارفين - انتهى. # ولعل نصارى نجران أشد قصدا بهذا الخطاب، فإنهم خافوا أن ينزع منه ملوك ~~الروم ما خولوهم فيه من الدنيا إن أخبروا بما يعلمون من أمر هذا النبي # PageV04P316 # الأمي صلى الله عليه وسلم. # ولما تقرر أنه مالك لما تقدم أنتج أن له التصرف المطلق فعبر عنه بقوله: ~~{بيدك} أي وحدك {الخير} ولم يذكر الشر تعليما لعباده الأدب في خطابه، ~~وترغيبا لهم في الإقبال عليه والإعراض عما سواه، لان العادة جارية بأن ~~الناس أسرع شيء إلى معطي النوال وباذل الأموال، وتنبيها على أن الشر أهل ~~للإعراض عن كل شيء من أمره حتى عن مجرد ذكره وإخطاره بالبال، مع أن ~~الاقتصار على الخير يملك الخير كله مستلزم لمثل ذلك في الشر، لأنهما ضدان، ~~كل منهما مساو لنقيض الآخر، فإثبات أحدهما نفي للآخر ونفيه إثبات للآخر، ~~فلا يعطى الخير إلا وقد نفي الشر، ولا ينزع الخير إلا وقد وضع الشر - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. ولما أفهم أن الشر بيده كما أعلم أن الخير بيده وخاص ~~به قرر ذلك على وجه أعم بقوله معللا: {إنك على كل شيء قدير *} # PageV04P317 # فلما ثبتت خصوصيته سبحانه وتعالى بصفة القدرة على الوجه # PageV04P317 # الأعم ذكر بعض ما تحت ذلك مما لم يدخل شيء منه تحت قدرة غيره فقال: - ~~وقال الحرالي: ولما كانت هذه الآية متضمنة تقلبات نفسانية في العالم القائم ~~الآدمي اتصل بها ذكر تقلبات في العالم الدائر ليؤخذ لكل منها اعتبار من ~~الآخر. ولما ظهر في هذه الآية افتراق النزع والإيتاء والإعزاز والإذلال ~~أبدى في الآية التالية توالج بعضها في بعض ليؤذن بولوج العز في الذل والذل ~~في العز، والإيتاء في النزع والنزع في الإيتاء، وتوالج المفترقات ~~والمتقابلات بعضها في بعض، ولما كانت هذه السورة متضمنة لبيان الإحكام ~~والتشابه في منزل الكتاب بحكم الفرقان أظهر تعالى في آياتها ما أحكم وبين ~~في خلقه وأمره وما التبس وأولج في خلقه وأمره، فكان من محكم آية في الكائن ~~القائم الآدمي ما تضمنه إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال، وكان من ms0694 ~~الاشتباه إيلاج العز في الذل وإيلاج الذل في العز، فلما صرح بالإحكام ببيان ~~الطرفين في الكائن القائم الآدمي، وضمن الخطاب اشتباهه في ذكر العز والذل ~~صرح به في آية الكون الدائر، فذكر آية الآفاق وهو الليل والنهار بما يعاين ~~فيها من التوالج حيث ظهر ذلك فيها وخفي في توالج أحوال الكائن القائم، لأن ~~الإحكام والاشتباه # PageV04P318 # متراد بين الآيتين: آية الكائن القائم الآدمي وآية الكون الدائر العرشي، ~~فما وقع اشتباهه في أحدهما ظهر إحكامه في الآخر فقال سبحانه وتعالى: {تولج} ~~من الولوج، وهو الدخول في الشيء الساتر لجملة الداخل {اليل في النهار} فيه ~~تفصيل من مضاء قدرته، فهو سبحانه وتعالى يجعل كل واحد من المتقابلين بطانة ~~للآخر والجا فيه على وجه لا يصل إليه منال العقول لما في المعقول من افتراق ~~المتقابلات، فكان في القدرة إيلاج المتقابلات بعضها في بعض وإيداع بعضها في ~~بعض على وجه لا يتكيف بمعقول ولا ينال بفكر - انتهى. {وتولج النهار في ~~اليل} أي تدخل كلا منهما في الآخر بعد ظهوره حتى يذهب فيه فيخفى ولا يبقى ~~له أثر. قال الحرالي: ولما جعل المتعاقبين من الليل والنهار متوالجين جعل ~~المتباطنين من الحي والميت مخرجين، فما ظهر فيه الموت بطنت فيه الحياة، وما ~~ظهرت فيه الحياة بطن فيه الموت؛ انتهى. فقال سبحانه وتعالى: {وتخرج الحي} ~~أي من النبات والحيوان {من الميت} منهما {وتخرج # PageV04P319 # الميت} منهما {من الحي} منهما كذلك. # قال الحرالي: فهذه سنة الله وتعالى وحكمته في الكائن القائم وفي الكون ~~الدائر، فأما في الكون الدائر فبإخراج حي الشجر والنجم من موات البذر ~~والعجم، وبظهوره في العيان كان أحكم في البيان مما يقع في الكائن القائم، ~~كذلك الكائن القائم يخرج الحي المؤمن الموقن من الميت الكافر الجاهل # {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعده وعدها إياه فلما تبين له ~~أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 14] ويخرج الكافر الآبي من المؤمن الراحم ~~{يا نوح إنه ليس من أهلك} [هود: 46] أظهر سبحانه وتعالى بذلك وجوه الإحكام ~~والاشتباه في آيتي ms0695 خلقه ليكون ذلك آية على ما في أمره، وليشف ذلك عما يظهر ~~من أمر علمه وقدرته على من شاء من عباده كما أظهر في ملائكته وأنيبائه، ~~وكما خصص بما شاء من إظهار عظيم أمره في المثلين الأعظمين: مثل آدم وعيسى ~~عليهما الصلاة والسلام، فأنزلت هذه السورة لبيان الأمر فيما اشتبه على من ~~التبس عليه أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، # PageV04P320 # فهو تعالى أظهر من موات الإنسانية ما شاء من الإحياء بإذنه، وأظهر في آدم ~~عليه الصلاة والسلام ما شاء من علمه حين علم آدم الأسماء كلها كذلك أظهر في ~~عيسى عليه الصلاة والسلام ما شاء من قدرته كما أظهر في الخلق ما شاء من ~~ملكه، فملك من شاء ونزع الملك ممن شاء، وأعز من شاء وأذل من شاء، وأظهر ~~بالنهار ما شاء وطمس بالليل ما شاء، وأولج المتقابلين بعضهما في بعض وأخرج ~~المتباطنين بعضهما من بعض - انتهى. # ولما بدأ الآية سبحانه وتعالى مما يقتضي الترغيب بما هو محط أحوال الأنفس ~~من الملك وأنواع الخير ختمها بمثل ذلك مما لا يقوم الملك ولا يطيب العيش ~~إلا به فقال: {وترزق من تشاء} قويا كان أو ضعيفا {بغير حساب *} أي تعطيه ~~عطاء واسعا جدا متصلا من غير تضييق ولا عسر، كما فعل بأول هذه الأمة على ما ~~كانوا فيه من القلة والضعف حيث أباد بهم الأكاسرة والقياصرة وآتاهم كنوزهم ~~وأخدمهم أبناءهم وأحلهم ديارهم. وقال الحرالي: ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا ~~الإحكام والاشتباه في أمر العلية من الخلق أهل شرف الملك وأهل عزة الدين ~~ختم الخطاب بأمر الرزق الذي هو # PageV04P321 # تتمة الخلق، وفيه من الإحكام والاشتباه نحو ما في الإيتاء والنزع ولما ~~فيه من الوزن والإيتاء بقدر ختم بأعزيه وهو الإرزاق الذي لا يقع على وزن ~~ولا يكون بحساب، وفيه إشعار بالإرزاق الختمي الذي يكون في آخر اليوم ~~المحمدي للذين يؤتيهم الله سبحانه وتعالى ما شاء من ملكه وعزه وسعة رزقه ~~بغير حساب، فكما ختم الملك لبني إسرائيل بملك سليمان عليه الصلاة والسلام ~~في قوله ms0696 سبحانه وتعالى {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} [ص: 39] كذلك ~~يختم لهذه الأمة بأن يرزقهم بغير حساب حين تلقي الأرض بركاتها وتتطهر من ~~فتنتها، فتقع المكنة في ختم اليوم المحمدي بالهداية والهدنة كما انقضت لبني ~~إسرائيل بالملك والقوة - انتهى. # ولما بان بهذه الآية أن لا شيء في يد غيره، واقتضى ذلك قصر الهمم عليه، ~~وكان نصارى نجران إنما داموا على موالاة ملوك الروم لمحض الدنيا مع العلم ~~ببطلان ما هم عليه حذر المؤمنين من مداناة مثل ذلك مع كونهم مؤمنين كما وقع ~~لحاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه مما قص في سورة الممتحنة إشارة إلى ~~أنه لا تجتمع # PageV04P322 # موالاة المؤمنين وموالاة الكافرين في قلب إلا أوشكت إحداهما أن تغلب على ~~الأخرى فتنزعها، فقال تعالى منبها على ذلك كله سائقا مساق النتيجة لما قبله ~~- وقال الحرالي: ولما كان مضمون هاتين الآيتين بشرى لخصوص هذه الأمة ~~وعمومها بالعز والملك وختم الرزق الذي لا حساب فيه كان من الحق أن تظهر على ~~المبشرين عزة البشرى فلا يتولوا غيره، ولما قبض ما بأيدي الخلق إليه في ~~إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال، وأظهر إحاطة قدرته على كل شيء وإقامة ~~امتحانه بما أولج وأخرج، وأنبأ عن إطلاق حد العد عن أرزاقه فسد على النفس ~~الأبواب التي منها تتوهم الحاجة إلى الخلق؛ نهي المؤمنين الذين كانت لهم ~~عادة بمباطنة بعض كفرة أهل الكتاب وغيرهم من المشركين ومن شمله وصف الكفر ~~أن يجروا على عادتهم في موالاتهم ومصافاتهم والحديث معهم، لأن المؤمنين ~~يفاوضونهم بصفاء، والكافرون يتسمعون ويأخذون منهم بدغل ونفاق عليهم كما قال ~~تعالى # {هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} [آل عمران: 119] فنهاهم الله سبحانه ~~وتعالى عما غاب عنهم خبرته وطيته فقال تعالى: # PageV04P323 # {لا يتخذ المؤمنون} أي الراسخون في الإيمان وعبر في أضدادهم بالوصف لئلا ~~يتوهم ذلك في كل من تلبس بكفر في وقت ما فقال: {الكافرين أولياء} ونبه ~~بقوله: {من دون المؤمنين} على أن ولاية أوليائه من ولايته، وأن المنهي عنه ~~إنما هو الولاية التي ms0697 قد توهن الركون إلى المؤمنين لأن في ذلك - كما قال ~~الحرالي - تبعيد القريب وتقريب البعيد، والمؤمن أولى بالمؤمن كما قال عليه ~~الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» فأقواهم له ركن، ~~وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي، فإذا والاه قوى به مما يباطنه ويصافيه، ~~وإذا اتخذ الكافر وليا من دون مؤمنه القوي ربما تداعى ضعفه في إيمانهم إلى ~~ما ينازعه فيه من ملابسة أحوال الكافرين، كما أنهم لما أصاخوا إليهم إصاخة ~~أوقعوا بينهم سباب الجاهلية كما في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن ~~تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} [آل عمران: ~~100] وكما قال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا ~~يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} [آل عمران: 149] ، ولم يمنع سبحانه ~~وتعالى من صلة أرحام من لهم من الكافرين، ولا من خلطتهم في أمر الدنيا فيما ~~يجري مجرى المعاملة من البيع والشرى # PageV04P324 # والأخذ والعطاء وغير ذلك ليوالوا في الدين أهل الدين، ولا يضرهم أن ~~يباروا من لم يحاربهم من الكافرين - انتهى. # ولما كان التقدير: فمن تولاهم وكل إليهم وكان في عدادهم، لأنه ليس من ~~الراسخين في صفة الإيمان عطف عليه ترهيبا لمن قد تتقاصر همته فيرضى بمنزلة ~~ما دون الرسوخ قوله: {ومن يفعل ذلك} أي هذا الأمر البعيد من أفعال ذوي ~~الهمم الذي يكون به في عداد الأعداء بعد هذا البيان ومع رفع هذا الحجاب ~~الذي كان مسدولا على أكثر الخلق {فليس من الله} أي الذي بيده كل شيء فلا ~~كفوء له {في شيء} قال الحرالي: ففي إفهامه أن من تمسك بولاية المؤمنين فهو ~~من الله في شيء بما هو متمسك بعنان من هو له وسيلة إلى الله سبحانه وتعالى ~~من الذين إذا رؤوا ذكر الله - انتهى. # ولما كان من الناس القوي والضعيف والشديد واللين نظر إلى أهل الضعف ~~سبحانه وتعالى فوسع لهم بقوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي إلا أن تخافوا ~~منهم أمرا خطرا مجزوما به، لا كما خافه نصارى نجران ms0698 وتوهمه حاطب، فحينئذ ~~يباح إظهار الموالاة # PageV04P325 # وإن كانت درجة من تصلب في مكاشرتهم وتعزز لمكابرتهم ومكاثرتهم، وإن قطع ~~أعظم فإياكم أن تركنوا إليهم! فإن الله سبحانه وتعالى يحذركم إقبالكم على ~~عدوه، فإن ذلك موجب لإعراضه عنكم {ويحذركم الله} أي الملك الأعظم {نفسه} ~~فإنه عالم بما تفعلونه. وهو الحكم في الدنيا كما ترون من إذلاله العزيز ~~وإعزازه الذليل، وهذا المحذر منه وهو نفسه سبحانه وتعالى - كما قال الحرالي ~~- مجموع أسماء تعاليه المقابلة بأسماء أوصافهم التي مجموعها أنفسهم. وموجود ~~النفس ما تنفس، وإن كانت أنفس الخلق تنفس على ما دونها إلى حد مستطاعها، ~~فكان ما حذره الله من نفسه أولى وأحق بالنفاسة في تعالي أوصافه وأسمائه أن ~~تنفس على من يغنيه فلا يستغني، ويكفيه فلا يكتفي ويريه مصارف سد خلاته ~~وحاجاته فلا ينصرف إليها ولا يتوجه نحوها، فهو سبحانه وتعالى يعذب من تعرف ~~له بنفسه فلم يعرفه أشد من عذاب من يتعرف له بآياته فلا يعتبر بها، بما أن ~~كل ما أبداه من نفسه بلا واسطة فهو أعظم مما أبداه بالواسطة من نعيم وعذاب، ~~فلا أعظم من نعيم من تعرف له بنفسه فعرفه، ولا أشد من عذاب من تعرف له ~~بنفسه فأنكره - انتهى. # PageV04P326 # ولما كانت مصائب الدنيا قد تستهان قال سبحانه وتعالى عاطفا على نحو ما ~~تقديره: فمن الله المبدأ: - وقال الحرالي: ولما كان الزائل أبدا مؤذنا بترك ~~الاعتماد عليه أقام تعالى على المتمسك بما دونه حجة بزواله، فلا يستطيع ~~الثبات عليه عند ما تناله الإزالة والإذهاب، ويصير الأمر كله لله، فأعلم أن ~~المصير المطلق إلى الله سبحانه وتعالى، فنم تعرف إليه فعرفه نال أعظم ~~النعيم، ومن تعرف إليه فأنكره نال أشد الجحيم - انتهى؛ فقال -: {وإلى الله} ~~أي الذي له الإحاطة الكاملة {المصير *} أي وإن طال إملاؤه لمن أعرض عنه ~~فيوشك أن ينتقم منه. # ولما كانت الموالاة بالباطن المنهي عنها مطلقا ودائما قد تفعل ويدعى ~~نفيها لخفائها أمره صلى الله عليه وسلم بتحذيرهم من موالاة أعدائه على وجه ~~النفاق أو غيره فقال: ms0699 - وقال الحرالي: ولما كان حقيقة ما نهى عنه في ~~الولاية والتقاة أمرا باطنا يترتب عليه فعل ظاهر فوقع التحذير فيه على ~~الفعل كرر فيه التحذير على ما وراء الفعل مما في الصدور ونبه فيه على منال ~~العلم خفية، فإنه قد يترك الشيء فعلا ولا تترك النفس الغية صغوا ونزوعا ~~إليه في أوقات، وكرر في ختمه التحذير ليتثنى التحذيران ترقيا من الظاهر في ~~الفعل إلى باطن الحماية في العلم خفية، فإنه قد يترك الشيء فعلا # PageV04P327 # ولا تترك النفس الغية صغوا ونزوعا إليه في أوقات، وكرر في ختمه التحذير ~~ليتثنى التحذيران ترقيا من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في العلم كما ~~تثنى الأمران في الظاهر والباطن، وكان في إجراء هذا الخطاب على لسان النبي ~~صلى الله عليه وسلم حجة عليهم بما أنه بشر مثلهم يلزمهم الاقتداء به فيما ~~لم يبادروا إلى أخذه من الله في خطابه الذي عرض به نحوهم؛ انتهى. فقال ~~تعالى -: {قل إن تخفوا} أي يا أيها المؤمنون {ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه ~~الله} أي المحيط قدرة وعلما، ثم قال عاطفا على جملة الشرط التي هي مقول ~~القول إرادة التعميم: {ويعلم ما} أي جميع ما {في السموات} ولما كان الإنسان ~~مطبوعا على ظن أنه إذا أخفي شيئا في نفسه لا يعلمه غيره أكد بإعادة الموصول ~~فقال: {وما} أي وجميع ما {في الأرض} ظاهرا كان أو باطنا. # ولما كان ذو العلم لا يكمل إلا بالقدرة، وكان يلزم من تمام العلم شمول ~~القدرة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى برهانه في سورة طه - كان التقدير: ~~فالله بكل شيء عليم، فعطف عليه قوله: {والله} أي بما له # PageV04P328 # من صفات الكمال {على كل شيء قدير *} ومن نمط ذلك قوله سبحانه وتعالى: {إن ~~الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} [آل عمران: 5] مع ذكر ~~التصوير كيف يشاء والختم بوصفي العزة والحكمة، وقد دل سبحانه وتعالى ~~بالتفرد بصفتي العلم والقدرة على التفرد بالألوهية. # ولما تم الوصف بالعلم والقدرة بعد التحذير من ms0700 سطواته ذكر يوم المصير ~~المحذر منه، المحصى فيه كل كبير وصغير، المعامل فيه كل عامل بما يليق به، ~~الذي يتم فيه انكشاف الأوصاف لكل ذكي وغبي فقال تعالى: {يوم} وهو معمول ~~لعامل من معنى «يحذر» {تجد كل نفس} والذي يرشد إلى تعيين تقدير هذا العامل ~~- إذا جعل العامل مقدرا - قوله سبحانه وتعالى {ويحذركم الله نفسه} [آل ~~عمران: 28] سابقا لها ولا حقا، ويجوز أن يكون بدلا من يوم في قوله # {ليوم لا ريب فيه} [آل عمران: 9] وتكون فتحته للبناء لإضافته إلى الجملة ~~- والله سبحانه وتعالى أعلم، والمراد بالنفس - والله سبحانه وتعالى أعلم - ~~المكلفة {ما عملت من خير محضرا} أي لا نقص فيه ولا زيادة، بأمر القاهر ~~القادر على كل شيء {وما عملت من سوء} حاضرا ملازما، فما عملت من خير # PageV04P329 # تود أنها لا تفارقه ولا ينقص منه شيء [وما عملت من سوء {تود} أي تحب حبا ~~شديدا {ولو أن بينها وبينه} أي ذلك العمل السوء {أمدا} أي زمانا. قال ~~الحرالي: وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري، فهو مقدار ما يستوفي ~~ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه {بعيدا} من البعد، وهو منقطع الوصلة في ~~حس أو معنى - انتهى. فالآية من الاحتباك: ذكر إحضار الخير دلالة على حضور ~~السوء، وود بعد السوء دلالة على ود لزوم الخير. # ولما ذكر هول ذلك اليوم كان كأنه قال: فاتقوه فإن الله يحذركموه {ويحذركم ~~الله} أي الذي له العظمة التي لا يحاط بها {نفسه} فالله سبحانه وتعالى ~~منتقم ممن تعدى طوره ونسي أنه عبد، قال الحرالي: أن تكون لكم أنفس فتجد ما ~~عملت، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة، بل الذي ينبغي أن يبرىء العبد من نفسه ~~تبرئته من أن يكون له إرادة، وأن يلاحظ علم الله وقدرته في كلية ظاهره ~~وباطنه وظاهر الكون وباطنه - انتهى. # ولما كان تكرير التحذير قد ينفر بين أن تحذيره للاستعطاف، # PageV04P330 # فإنه بنصب الأدلة وبعث الدعاة والترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية ~~المسبب عنه سعادة الدارين، فهو من رأفته بالمحذرين فقال ms0701 بانيا على ما ~~تقديره: ويعدكم الله سبحانه وتعالى فضله ويبشركم به لرأفته بكم: {والله} أي ~~والحال أن الذي له وحده الجلال والإكرام {رؤوف بالعباد *} قال الحرالي: ~~فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائيا، والتحذير السابق انتهائيا، فكان هذا ~~رأفة سابقة، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيرا لاحقا متصلا بالمصير ~~إلى الله، وهذا الخاتم مبتدأ بالرأفة من الله. # والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق الرحمة، والذي يفصح عن المعنى - ~~والله سبحانه وتعالى أعلم - أنها عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة، فهي ~~رحمة ذي الصلة بالراحم، فنم تحقق أن الأمر لله سبحانه وتعالى وجد رفقه ~~وفضله ورحمته عليه لما برىء من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نفسه، فأحبه ~~لذلك، قيل لأعرابي: إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله؟ فقال: أتهددونني بمن لم ~~أر الخير قط إلا منه فلذلك إذا تحقق العبد ذلك من ربه أحبه بما وحده وبما ~~وجده # PageV04P331 # في العاجلة فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - انتهى. # وقد علم أن الآية من الاحتباك: التحذير أولا دال على الوعد بالخير ثانيا، ~~والرأفة ثانيا دالة على الانتقام أولا - والله سبحانه وتعالى الموفق. # ولما فطمهم سبحانه وتعالى عن موالاة الكفار ظاهرا وباطنا بما اقتضى القصر ~~على موالاة أهل الله لنفيه من تولي الكفر عن أن يكون في شيء من الله، وكان ~~الإنسان ربما وإلى الكافر وهو يدعي محبة الله سبحانه وتعالى، وختم برأفته ~~سبحانه وتعالى بعباده، وكانت الرأفة قد تكون عن المحبة الموجبة للقرب، فكان ~~الإخبار بها ربما دعا إلى الاتكال، ووقع لأجله الاشتباه في الحزبين، جعل ~~لذلك سبحانه وتعالى علامه فقال: - وقال الحرالي: لما كان أعظم ما يترامى ~~إليه مقامات السالكين إلى الله سبحانه وتعالى القاصدين إليه من مبدإ حال ~~الذكر الذي هو منتهى المقامات العشر المترتبة في قوله سبحانه وتعالى {إن ~~المسلمين} محبة الله سبحانه وتعالى بما أن المحبة وصلة خفية يعرف الحاس بها ~~كنهها، أقام سبحانه وتعالى الحجة على المترامين لدعوى القرب من الله ~~والادعاء في أصل ما يصل ms0702 إليه القول من محبته بما # PageV04P332 # أنبأنهم أن من انتهى إلى أن يحب الله سبحانه وتعالى فليتبع هذا النبي ~~الذي أحبه الله سبحانه وتعالى فمن اتبعه أحبه الله، فقامت بذلك الحجة على ~~كل قاصد وسالك ومتقرب، فإن نهاية الخلق أن يحبوا الله، وعناية الحق أن يحب ~~العبد، فرد سبحانه وتعالى جميع من أحاط به الاصطفاء والاجتباء والاختصاص، ~~ووجههم إلى وجهة الاتباع لحبيبه الذي أحبه، كما قال صلى الله عليه وسلم «لو ~~أن موسى بين أظهركم ما وسعه إلا اتباعي» وإذا كان ذلك في موسى عليه الصلاة ~~والسلام كان في المنتحلين لملته ألزم بما هم متبعون لمتبعه عندهم، وأصل ذلك ~~أنه صلى الله عليه وسلم لما كان في في الأبد وجب أن يكون النهاية في ~~المعاد، فألزم الله سبحانه وتعالى على الخليقة ممن أحب الله سبحانه وتعالى ~~أن يتبعوه، وأجرى ذلك على لسان إشعارا بما فيه من الخير والوصول إلى الله ~~سبحانه وتعالى من حيث إنه نبي البشرى، وليكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه - ~~انتهى، فقال سبحانه وتعالى -: {قل إن كنتم تحبون الله} أي المحيط بصفات ~~الكمال مخلصين في حبه لاعتقاد أنه على غاية الكمال، فإن الكمال محبوب لذاته # PageV04P333 # {فاتبعوني} قال الحرالي: قد فسر صلى الله عليه وسلم ظاهر اتباعه فقال «في ~~البر» وأصل حقيقته الإيمان بالله والإيثار لعباده، والتقوى وهي ملاك الأمر ~~وأصل الخير، وهي إطراح استغناء العبد بشيء من شأنه، لا من ملك ولا من ملك ~~ولا من فعل ولا من وصف ولا من ذات حتى يكون عنده كما هو عند ربه في أزله ~~قبل أن يكون موجودا لنفسه ليكون أمره كله بربه في وجوده كما كان أمره بربه ~~قبل وجوده لنفسه، وقد فسر حق التقاة التي هي غاية التقوى بأن يكون العبد ~~يشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، ويطيع فلا يعصى - انتهى. # قال الإمام: المحبة توجب اإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض عن غيره - ~~انتهى. فمن ادعى محبته وخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب، ~~وكتاب الله ms0703 سبحانه وتعالى يكذبه {يحببكم الله} أي الذي له الأسماء الحسنى ~~والصفات العلى حبا ظهرت أماراته بما أعلم به الفك، فإن الأمر المنجي غاية ~~النجاة إنما هو محبة الله سبحانه وتعالى للعبد، لا محبة العبد لله، فإنه ~~ربما كانت له حالة # PageV04P334 # يظن بها أنه يحب الله والواقع أنه ليس كما ظن لكونه يعمل بما يسخطه ~~سبحانه وتعالى، والأمارة الصحيحة لذلك رد الأمر كله إلى الله، وحينئذ يفعل ~~الله مع العبد فعل المحب من حسن الثناء والإكرام بالثواب. قال الحرالي: فإن ~~من رد الأمانة إلى الله سبحانه وتعالى أحبه الله فكان سمعه وبصره ويده ~~ورجله، وإذا أحب الله عبدا أراحه وأنقذه من مناله في أن يكون هو يحب الله، ~~فمن أحب الله وله، ومن أحبه الله سكن ي ابتداء عنايته وثبته الله سبحانه ~~وتعالى - انتهى. فقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن الدلالة الناشئة عن الرافة ~~من الإكرام بالنعم من الهداية بالبيان والإبلاغ في الإحسان عامة للمحبوب ~~وغيره، وأن الدليل على المحبة الإلهية هو الاتباع الداعي «اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له فأما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من ~~كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة» «ما تقرب المتقربون إلي بمثل ~~أداء ما افترضته عليهم، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» . # ولما كان الدين شديدا لن يشاده أحد إلا غلبه، لما عليه العبد من العجز ~~والمعبود من عظيم الأمر أتبع ذلك الإعلام بأنه مع # PageV04P335 # إيصال الثواب يرفع العقاب فقال - وقال الحرالي: ولما كان من آية حب الله ~~له صلى الله عليه وسلم ما أنزل عليه من قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 1 2] أجرى لمن أحبه الله ~~باتباعه حظ منه في قوله -: {ويغفر لكم ذنوبكم} أي مطلقا، وذنب كل عبد ~~بحسبه، لأن أصل معنى الذنب أدنى مقام العبد، فكل ذي مقام أعلاه حسنته ~~وأدناه ذنبه، ولذلك في كل مقام توبة، حتى تقع التوبة من التوبة ms0704 فيكمل ~~الوجود والشهود. # ولما كان هذا الأمر من أخص ما يقع، وكان مما دونه مقامات خواص الخلق فيما ~~بين إسلامهم إلى محبتهم لله سبحانه وتعالى ختم تعالى بما يفهم أحوال ما ~~يرجع إلى من دون هذا الكمال فقال: {والله} أي الذي له الكمال كله {غفور ~~رحيم *} أي لمن لم ينته لرتبة حب الله له بما يقع في أثناء أحواله من موجب ~~المغفرة واستدعاء الرحمة حيث لم يصل إلى المحبة، فمرحوم بعد مغفرة وهو ~~القاصد، ومغفور بعد محبة وهو الواصل - انتهى. # ولما كان الاتباع قد يكون عن غلبة لا عن طاعة بين أنه لا ينفع إلا مع ~~الإذعان فقال - أو يقال: لما كان صلى الله عليه وسلم في غاية # PageV04P336 # الرأفة بالعبادة وكان يعلم أن آحاد الأمة لا يقدرون على كمال اتباعه لما ~~له مع العصمة من الطبع على خصال الكمال كان كأنه قال له سبحانه وتعالى: فإن ~~لم يقدروا على كمال اتباعي؟ فقال: {قل} وقال الحرالي: ولما ذكر تعالى ما ~~تقدم من التحذيرين، في رتبتين أولاهما في الذكر بحاتين من موجب التحذيرين، ~~فكان الاتباع موجب النجاة من التحذير الثاني الباطن الذي مبدؤه الرأفة، ~~وكان الطاعة موجب النجاة من التحذير الأول السابق، فمن أطاع الله روسوله ~~فيما نهى عنه من اتخاذ ولاية الكافرين من دون ولاية المؤمنين سلم من ~~التحذيرالظاهر، ومن اتبع الرسول فأحبه الله سلم من التحذير الباطن، فختم ~~الخطاب بما به بدأ، أو لما كانت رتبة الاتباع عليا وليتها رتبة الائتمار، ~~فهو إما متبع على حب وإما مؤتمر على طاعة، فمن لم يكن من أهل الاتباع فليكن ~~من أهل الطاعة، فكأن الخطاب يفهم: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} [آل ~~عمران: 31] ، فإن لم تستطيعوا أن تتبعوني فأطيعوني، انتهى فقال سبحانه ~~وتعالى: {قل أطيعوا الله} أي لما له من صفات # PageV04P337 # الكمال. ولما قدم أن رضاه في اتباعه صلى الله عليه وسلم فدل على أن ~~الطاعتين واحدة قال موحدا للعامل: {والرسول} أي الكامل في الرسلية لما له ~~به سبحانه وتعالى من مزايا ms0705 الاتصال، وهو وإن كان اسما كليا لكنه كان حين ~~إنزال هذا الخطاب مختصا بأكمل الخلق محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المرسل ~~إلى الخلق كافة على أن طاعته طاعة لجميع الرسل الذين بينوا للناس أمره صلى ~~الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وسلم. قال الحرالي: فكان إشارة ذلك إلى ما ~~نهوا عنه من التولي إلى ما ينتظم في معنى ذلك، وفيه إشعار بأن الأمر يكون ~~فيه محوطا بالرحمة من حيث ذكر الرسول فيه بما هو رحمة للعالمين {فإن تولوا} ~~أي عن طاعة خطاب الله والرسول المحفوف باللطف من الله سبحانه وتعالى ~~والرحمة من رسول الله - انتهى. و {تولوا} يحتمل المضارع والمضي، فكان الأصل ~~في الكلام: {فإن الله} الذي له الغنى المطلق لا يحبكم، أو: لا يحبهم، ولكنه ~~أظهر الوصف المعلم بأن التولي كفر فقال: {لا يحب # PageV04P338 # الكافرين *} قال الحرالي: أفرد لله لما كان وعيدا، إبقاء لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم في حيز الرحمة. # ولما نفى عمن تولى أن يحبه كان في إشعارة أن هذا الكفر عموم كفر يداخل ~~رتبا من الإيمان من حيث نفي عنه الحب فنفي منه ما يناله العفو أو المغفرة ~~والرحمة ونحو ذلك بحسب رتب تناقص الكفر، لأنه كفر دون كفر، ومن فيه كفر فهو ~~غير مستوفي اتباع الرسول بما أنه الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وإنما ~~يحب الله من اتبع رسوله، فعاد الختم في الخطاب إلى إشعار من معنى أوله وفي ~~إلاحته أن حب الله للعبد بحسب توحيده، فكلما كان أكمل توحيدا كان أحب، وما ~~سقط عن رتبة أدنى التوحيد الذي هو محل الأمر بطاعة الله سبحانه وتعالى ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم كان كفرا بحسب ما يغطى على تلك الرتبة من ~~التوحيد، لأن هذه السورة سورة إلهية إيمانية حبية توحيدية، فخطابها مخصوص ~~بما يجري في حكم ذلك من الإيمان والكفر والمحكم والمتشابه وكشف غطاء الأعين ~~ورفع حجب القلوب - انتهى. # وقد وضح أن الآية من الاحتباك - فأصل نظمها: فإن تولوا # PageV04P339 # فإن الله لا يحبهم لكفرانهم، ms0706 وإن أقبلوا فإن الله يحبهم لإيمانهم، فإن ~~الله لا يحب الكافرين والله يحب المؤمنين - إثبات التولية في الأول يدل على ~~حذف الإقبال من الثاني، إثبات الكراهة في الثاني يدل على حذف مثلها في ~~الأول. # ولما كان الأصفياء أخص من مطلق الأحباب بين بعض الأصفياء وما أكرمهم به ~~تصديقا لقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الشريف «فإذا احببته كنت سمعه ~~الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي ~~بها» تنبيها لوفد نصارى نجران وغيرهم على أنه مثل ما اصطفى لنفسه دينا ~~اصطفى للتخلق به ناسا يحبونه ويطيعونه ويوالون أولياءه ويعادون أعداءه، ~~وليسوا من صفات الكافرين في شيء فقال - أو يقال: إنه سبحانه وتعالى لما شبه ~~أفعاله في التشابه وغيره بأقواله وعرف أن الطريق الأقوم رد المتشابه منها ~~إلى الواضح المحكم والالتجاء في كشف المشكل إليه مع الاعتقاد الجازم ~~المستقيم، وبين أن الموقف عن هذا الطريق الأقوم الوقوف مع العرض الدنيوي مع ~~الرئاسة وغيرها وألف الدين مع التعلل فيه # PageV04P340 # بالتمني الفارغ، وأنهى ذلك وتوابعه إلى أن ختم بتهديد من تولى عن الحق ~~أخذ في تصوير تصويره في الأرحام كيف شاء بما شوهد من ذلك ولم يشك فيه من ~~أحوال أناس هم من خلص عباده المقبلين على ما يرضيه فقال: أو يقال ولعله ~~أحسن: ولما أخبر سبحانه وتعالى أن أهل الكتاب ما اختلفوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم فكفروا بذلك، وألحق به ما تبعه إلى أن ختم بالأمر باتباع ~~الرسول وبأنه لا يحب الكافرين بالتولي عن رسله اشتد تشوف النفس إلى معرفة ~~الرسل الآتين بالعلم الذين توجب مخالفتهم الكفر فبينهم بقوله: وقال ~~الحرالي: لما كان منزل هذه السورة لإظهار المحكم والمتشابه في الخلق والأمر ~~قدم سبحانه وتعالى بين يدي إبانة متشابه خلق عيسى عليه الصلاة والسلام وجه ~~الاصطفاء المتقدم للآدمية ومن منها من الذرية لتظهر معادلة خلق عيسى عليه ~~الصلاة والسلام آخرا لمتقدم خلق آدم عليه الصلاة والسلام أولا، حتى يكونا ~~مثلين محيطين بطرفي الكون في ms0707 علو ورحه ودنو أديم تربته وأنه سبحانه وتعالى ~~نزل # PageV04P341 # الروح إلى الخلق الآدمي كما قال # {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} [الأنعام: 9] ~~وظهر أثر ذلك اللبس بما وقع لأهل الزيغ في عيسى كما أنه رقى الخلق الطيني ~~رتبة رتبة إلى كمال التسوية إلى أن نفخ فيه من روحه، فكان ترقي الآدمي إلى ~~النفخة لتنزل الروح إلى الطينة الإنسانية التي تم بها وجود عيسى عليه ~~الصلاة والسلام كما كمل وجود آدم عليه الصلاة والسلام بالنفخة. # PageV04P342 # ولما كان أصل الإبداء نورا عليا نزله الحق سبحانه وتعالى في رتب التطوير ~~والتصيير والجعل إلى أن بدأ عالما دنياويا محتويا على الأركان الأربعة ~~والمواليد الثلاثة، وخفيت نورانيته في موجود أصنافه صفي الله سبحانه وتعالى ~~من وجود كلية ذلك هذا الخلق الآدمي فكان صفي الله، فأنبأ الخطاب عن تصييره ~~إلى الصفاء بالافتعال؛ انتهى - فقال سبحانه وتعالى: {إن الله} أي بجلاله ~~وعظمته وكماله في إحاطته وقدرته {اصطفى} أي للعلم والرسالة عنه سبحانه ~~وتعالى إلى خلقه والخلافة له في ملكه {آدم} أباكم الأول الذي لا تشكون في ~~أنه خلقه من تراب، وهو تنبيه لمن غلط في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على ~~أن أعظم ما استغربوا من عيسى كونه من # PageV04P342 # غير ذكر، وآدم أغرب حالا منه بأنه ليس من ذكر ولا أنثى ولا من جنس ~~الأحياء - كما سيأتي ذلك صريحا بعد هذا التلويح لذي الفهم الصحيح. # قال الحرالي: فاصفطاه من كلية مخلوقه الذي أبداه ملكا وملكوتا خلقا ~~وأمرا، وأجرى اسمه من أظهر ظاهره الأرضي وأدنى أدناه، فسماه آدم من أديم ~~الأرض، على صيغة أفعل، التي هي نهاية كمال الآدمية والأديمية. فكان مما ~~أظهر تعالى في اصطفاء آدم ما ذكر جوامعه علي رضي الله عنه في قوله: لما خلق ~~الله سبحانه وتعالى أبان فضله للملائكة وأراهم ما اختصه به من سابق العلم ~~من حيث علمه عند استنبائه إياه أسماء الأشياء فجعل الله سبحانه وتعالى آدم ~~محرابا وكعبة وبابا وقبلة، أسجد له الأبرار والروحانيين الأنوار، ثم نبه ms0708 ~~آدم على مستودعه وكشف له خطر ما ائتمنه عليه بعد أن سماه عند الملائكة ~~إماما، فكان تنبيهه على خطر أمانته ثمرة اصطفائه - انتهى {ونوحا} أباكم ~~الثاني الذي أخرجه من بين أبوين شابين على عادتكم المستمرة فيكم. وقال ~~الحرالي: أنبأ تعالى أنه عطف لنوح عليه الصلاة والسلام اصطفاء على اصطفاء ~~آدم ترقيا إلى كمال الوجود الآدمي وتعاليا إلى الوجود الروحي العيسوي، ~~فاصطفى نوحا عليه الصلاة والسلام # PageV04P343 # بما جعله أول رسول بتوحيده من حيث دحض الشرك وأقام كلمة الإيمان بقول «لا ~~إله إلا الله» ، لما تقدم بين آدم ونوح من عبادة الأصنام والأوثان، فكان ~~هذا الاصطفاء اصطفاء باطنا لذلك الاصطفاء الظاهر فتأكد الاصطفاء وجرى من ~~أهلكته طامة الطوفان مع نوح عليه الصلاة والسلام من الذر الآدمي مجرى تخليص ~~الصفاوات من خثارتها، وكما صفي آدم من الكون كله صفي نوحا عليه السلام ~~وولده الناجين معه من مطرح الخلق الآدمي الكافرين الذين لا يلدون إلا فاجرا ~~كفارا، فلم يكن فيهم ولا في مستودع ذراريهم صفاوة تصلح لمزية الإخلاص الذي ~~اختص بصفوته نوح عليه الصلاة والسلام # {وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} [الأحزاب: 7] فكان ميثاق ~~نوح عليه السلام ما قام به من كلمة التوحيد ورفض الأصنام والطاغوت التي ~~اتخذها الظلمانيون من ذر آدم، فتصفى بكلمة التوحيد النوارانيون منه، فكان ~~نوح عليه الصلاة والسلام ومن نجا معه صفوة زمانه، كما كان آدم صفوة حينه - ~~انتهى. # PageV04P344 # ولما كان أكثر الأنبياء من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام زاد في ~~تعظيمه بقوله: {وآل إبراهيم} أي الذين أود فيهم الخوارق ولا سيما في إخراج ~~الولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لمثلهما، وفي ذلك إشارة إلى أن عيسى ~~عليه الصلاة والسلام مثلهم لأنه أحدهم، وكذا قوله: {وآل عمران} في قوله: ~~{على العالمين *} إشارة إلى أنه كسائر أقاربه منهم، وأفصح بذلك إفصاحا جليا ~~في قوله: {ذرية بعضها من بعض} أي فهم كلهم من بني آدم، لا مزية لبعضهم على ~~بعض في ذلك، لا مزية في شيء من ذلك، وأنتم ms0709 لا تشكون فيه من شيء من الخصائص ~~مما دون أمد عيسى عليه الصلاة والسلام، فما لكم لما خص سبحانه وتعالى آل ~~عمران من بين العالمين بخرق العادة فيهم بإخراج ولد من أنثى فقط من غير ذكر ~~لم تردوا ما لم تعرفوا منه إلى ما تعرفون من الخوارق حتى انجلى لكم واتضح ~~لديكم؟ بل أشكل لعيكم وقامت فيكم قيامتكم بما يفضي إلى الشك في قدرة الإله ~~الذي لا تشكون أن من شك في تمام قدرته كفر. # PageV04P345 # وقال الحرالي: فإثبات هذه الجملة بتشابه وتماثل تتعالى عن نحوه الإلهية، ~~فأبان هذا الخطاب في عيسى عليه الصلاة والسلام اصطفاء من جملة هذا ~~الاصطفاء، فكما لم يقع فيمن سواه لبس من أمر ألإلهية فكذلك ينبغي أن لايقع ~~فيه هو أيضا لبس لمن يتلقن بيان الإحكام والتشابه من الذي أنزل الكتاب ~~محكما ومتشابها وأظهر الخلق باديا وملتبسا انتهى. وقد عاد سبحانه وتعالى ~~بهذا الخطاب على أحسن وجه إلى قصة عيسى عليه الصلاة والسلام الذي نزلت هذه ~~الآيات كلها في المجادلة في أمره والإخبار عن حمله وولادته وغير ذلك من ~~صفاته التي يتنزه الإله عنها، وكراماته التي لا تكون إلا للقرب، فأخبر أولا ~~عن حال أمه وأمها وأختها وما اتفق لهن من الخوارق التي تمسك بوقوع مثلها من ~~عيسى عليه السلام من كفر برفعه فوق طوره، ثم شرع في قص أمره حتى لم يدع فيه ~~لبسا بوجه. # وقال الحرالي: في التعبير عن اصطفاء إبراهيم ومن بعده عليهم الصلاة ~~والسلام في إشعار الخطاب اختصاص إبراهيم عليه الصلاة والسلام # PageV04P346 # بما هو أخص من هذا الاصطفاء من حيث انتظم في سلكه آله لاختصاصه هو بالخلة ~~التي لم يشركه فيها أهل هذا الاصطفاء، فاختص نمط هذا الاصطفاء بآله، وهم - ~~والله سبحانه وتعالى أعلم - إسحاق ويعقوب والعيص عليهم الصلاة والسلام ومن ~~هو منهم من ذريتهم لأن إسماعيل عليه السلام اختص بالوصلة بين إبراهيم ~~الخليل ومحمد الحبيب صلوات الله وسلامه عليهم، فكان مترقى ما هو لهم من ~~وراء هذا الاصطفاء، ولأن إنزال هذا ms0710 الخطاب لخلق عيسى عليه الصلاة والسلام، ~~وهو من ولد داود عليه الصلاة والسلام فيما يذكر، وداود من سبط لاوي بن ~~إسرائيل عليهم الصلاة والسلام فيما ينسب، فلذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم ~~- جرى هذا الاصطفاء على آله، فظهر من مزية هذا الاصطفاء لآله ما كان من ~~اصطفاء موسى عليه السلام بالتكليم وإنزال الكتاب السابق # {يا موسى إني اصطفيتك على الناس} [الأعراف: 144] فكان هذا الاصطفاء ~~استخلاص صفاوة من صفاوة نوح عليه الصلاة والسلام المستخلصين من صفاوة آدم ~~عليه الصلاة والسلام، وآل عمران - والله سبحانه وتعالى أعلم - مريم وعيسى ~~عليهما الصلاة والسلام ليقع الاصطفاء في نمط يتصل من آدم إلى عيسى عليهما ~~الصلاة # PageV04P347 # والسلام ليحوزوا طرفي الكون روحا وسلالة، والعالمون علم الله الذي له ~~الملك، فكما أن الملك لا بد له من علم يعلم به بدوه وظهوره جعل الله ما ~~أبداه من خلقه علما على ظهور ملكه بين يدي ظهور خلقه في غاية يوم الدين ~~عاما، وفي يوم الدنيا لمن شاء من أهل اليقين والعيان خاصا، وأعلى معناه بما ~~ظهر في لفظه من الألف الزائدة على لفظ العلم، فاصطفى سبحانه وتعالى آدم ~~عليه الصلاة والسلام على الموجودين في وقته، وكذلك نوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران كلا على عالم زمانه، ومن هو بعد في غيب لم تبد صورته في العالم ~~العياني لم يلحقه بعد عند أهل النظر اسم العالم وأشار سبحانه وتعالى بذكر ~~الذرية من معنى الذرء الذي هو مخصوص بالخلق ليظهر انتظام عيسى عليه الصلاة ~~والسلام في سلك الجميع ذرءا، وأنه لا يكون مع الذرء لبس الإلهية، لأن الله ~~سبحانه وتعالى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فكان نصب لفظ الذرية ~~تكييفا لهذا الاصطفاء المستخلص على وجه الذر، وهو الذي يسميه النحاة حالا - ~~انتهى. # ولما ذكر سبحانه وتعالى هؤلاء الذين اصطفاهم، وكان مدار # PageV04P348 # أمر الاصطفاء على العلم، ومدار ما يقال لهم وفيهم مما يكون كفرا أو ~~إيمانا على السمع ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله عاطفا على ما تقديره: ~~فالله سبحانه ms0711 وتعالى يفعل بإحاطته ما يريد: {والله} أي المحيط قدرة وعلما ~~{سميع عليم *} إشارة إلى أنه اصطفاهم على تمام العلم بهم ترغيبا في أحوالهم ~~والاقتداء بأفعالهم وأقوالهم. # ولما كان جل المقصود هنا بيان الكرامات في آل عمران لا سيما في الولادة، ~~وكان آدم الممثل به عليه الصلاة والسلام قد تقدم بيان أمره في سورة البقرة ~~سورة الكتاب المثمر للعلم، وكذا بيان كثير مما اصطفى به إبراهيم وآله عليهم ~~الصلاة والسلام إذ كان معظم القصد بالكلام لذريته، وكان معظم المقصود من ~~ذكر نوح عليه الصلاة والسلام كونه في عمود النسب، وليس في أمر ولادته ما هو ~~خارج عن العادة قال طاويا لمن قبل: {إذ} أي اذكر جوابا لمن يجادلك في أمرهم ~~ويسألك عن حالهم حين {قالت امرأة عمران} وهي حامل. # وقال الحرالي: لما اكن من ذكر في الاصطفاء إنما ذكر توطئة لأمر عيسى عليه ~~الصلاة والسلام اختص التفصيل بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام دون سائر من ~~ذكر معه، وكان في هذه المناظرة بين الصورتين حظ من التكافؤ من حيث ذكر أمر ~~خلق آدم عليه الصلاة والسلام # PageV04P349 # في سورة البقرة، فذكر خلق المثل المناظر له في السورة المناظرة لسورة ~~البقرة وهي هذه السورة، فعاد توقيت هذا القول إلى غاية هذا الاصطفاء، فأنبأ ~~عن ابتداء ما اختص منه بعيسى عليه الصلاة والسلام من قول أم مريم امرأة ~~عمران حين أجرى على لسانها وأخطر بقلبها أن تجعل ما في بطنها نذرا، ففصل ما ~~به ختم من اصفطاء آل عمران، ولذلك عرفت أم مريم في هذا الخطاب بأنها امرأة ~~عمران ليلتئم التفصيل بجملته السابقة {رب إني نذرت لك ما في بطني} وكان نذر ~~الولد شائعا في بني إسرائيل إلا أنه كان عندهم معهودا في الذكور لصلاحهم ~~لسدانة بيت الله والقيام به، فأكمل الله سبحانه وتعالى مريم لما كمل له ~~الرجال - كما قال عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام «كمل من الرجال كثير ولم ~~يكمل من النساء إلا أربع» فذكر مريم بنت عمران عليها السلام، فكان من ~~كمالها ms0712 خروج والدتها عنها، وكان أصله من الأم التي لها الإشفاق، فكان ~~خروجها أكمل من خروج الولد لأنها لها في زمن الحمل والرضاع والتربية إلى أن ~~يعقل الولد أباه فحينئذ يترقى إلى حزب أبيه، ولذلك - والله سبحانه وتعالى ~~أعلم - أري إبراهيم عليه الصلاة والسلاح ذبح ولده عند تمييزه، وخرجت امرأة ~~عمران عن حملها وهو في بطنها حين ما هو أعلق بها - # PageV04P350 # انتهى. ونذرته لله تعالى حال كونه {محررا} أي لا اعتراض ولا حكم لأحد من ~~الخلق عليه، قال الحرالي: والتحرير طلب الحرية، والحرية رفع اليد عن الشيء ~~من كل وجه، وفي الإتيان بصيغة التكثير والتكرير إشعار بمضي العزيمة في قطع ~~الولاية عنه بالكلية لتسلم ولايته لله تعالى - انتهى. {فتقبل مني} ولما كان ~~حسن إجابة المهتوف به الملتجأ إليه على حسب إحاطة سمعه وعلمه عللت سؤالها ~~في التقبل بأن قصرت السمع والعلم عليه سبحانه فقالت: {إنك أنت} أي وحدك ~~{السميع العليم *} فقالت كما قال سلفها إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة ~~والسلام # {ربنا تقبل منا} [البقرة: 127] ، أي فلا يسمع أحد قولي مثل سمعك، ولا ~~يعلم أحد نيتي مثل علمك ولا أنا، فإن كان فيهما شيء لا يصلح فتجاوز عنه. # ولما أخبر بما اقتضى مضى عزمها قبل الوضع أخبر بتحقيقه بعده فقال: {فلما ~~وضعتها قالت} أي تحسرا ذاكرة وصف الإحسان استمطارا للامتنان {رب إني ~~وضعتها} قال الحرالي: من الوضع وهو إلقاء الشيء المستثقل {أنثى} هي أدنى ~~زوجي الحيوان المتناكح - انتهى. # PageV04P351 # ولما كان الإخبار عادة إنما هو لمن لا يعلم الخبر بينت أن أمر الله ~~سبحانه وتعالى ليس كذلك، لأن المقصود بإخباره ليس مضمون الخبر وإنما هو شيء ~~من لوازمه وهنا التحسر فقالت: {والله} أي الذي له صفات الكمال. # ولما كان المراد التعجيب من هذه المولودة بأنها من خوارق العادات عبرت ~~عنها بما فقالت: {أعلم بما وضعت} وعبرت بالاسم الأعظم موضع ضمير الخطاب ~~إشارة إلى السؤال في أن يهبها من كماله ويرزقها من هيبته وجلاله، وفي قراءة ~~إسكان التاء الذي هو إخبار من الله سبحانه وتعالى ms0713 عنها - كما قال الحرالي - ~~إلاحة معنى أن مريم عليها الصلاة والسلام وإن كان ظاهرها الأنوثة ففيها ~~حقيقة المعنى الذي ألحقها بالرجال في الكمال، حتى كانت ممن كمل من النساء ~~لما لا يصل إليه كثير من رجال عالمها، فكان في إشعاره أن الموضوع كان ظاهره ~~ذكرا وحقيقته أنثى. # ولما كان مقصودها مع إمضاء نذرها بعد تحقق كونها أنثى التحسر على ما ~~فاتها من الأجر في خدمة البيت المقدس بما يقابل فضل قوة الذكر على الأنثى ~~وصلاحيته للخدمة في كل أحواله قالت: {وليس الذكر} # PageV04P352 # أي الذي هو معتاد للنذر وكنت أحب أن تهبه لي لأفوز بمثل أجره في هذا ~~الفرض في قوته وسلامته من العوارض المانعة من المكث في المسجد ومخالطة ~~القومة {كالأنثى} التي وضعتها، وهي داخلة في عموم النذر بحكم الإطلاق في ~~الضعف وعارض الحيض ونحوه فلا ينقص يا رب أجري بسبب ذلك، ولو قالت: وليست ~~الأنثى كالذكر، لفهم أن مرادها أن نذرها لم يشملها فلا حق للمسجد فيها من ~~جهة الخدمة. # قال الحرالي: وفي إشعار هذا القول تفصل مما تتخوفه أن لا يكون ما وضعته ~~كفافا لنذرها، لما شهدت من ظاهر أنوثة ما وضعت، فجعلها الله سبحانه وتعالى ~~لها أكمل مما اشتملت عليه عزيمتها من رتبة الذكورة التي كانت تعهدها، فكانت ~~مريم عليها السلام أتم من معهود نذرها مزيد فضل من ربها عليها بعد وفاء ~~حقيقة مقصودها في نذرها - انتهى. ويجوز أن يكون هذا من كلام الله سبحانه ~~وتعالى كالحالية التي قبله إذا أسكنت التاء، والتقدير: قالت كذا والحال أن ~~الله أعلم منها بما وضعت، والحال أيضا أنه ليس الذكر الذي أرادته بحكم ~~معتاد النذر كالأنثى التي وهبت لها فدخلت فيه بحكم إطلاقه، # PageV04P353 # بل هي أعلى، لأن غاية ما تعرفه من المنذورين أن يكون كأنبيائهم المقررين ~~لحكم التوراة، وهذه الأنثى مع ما لها من العلو في نفسها ستكون سببا في ~~السؤال في نبي هو أعظم أنبيائهم، وتلد صاحب شريعة مستقلة، ثم يكون مقررا ~~لأعظم الشرائع. # ولما تم ما قالته عند ms0714 الوضع او قاله الله في تلك الحالة أتم سبحانه ~~وتعالى الخبر عن بقية كلامها وأنها عدلت عن مظهر الجلالة إلى الخطاب على ~~طريق أهل الحضرة، وأكدت إعلاما بشدة رغبتها في مضمون كلامها فقال حاكيا: ~~{وإني سميتها مريم} ومعنى هذا الاسم بلسانهم: العابدة. قال الحرالي: فيه ~~إشعار بأن من جاء بشيء أو قربه فحقه أن يجعل له اسما، ورد أن السقط إذا لم ~~يسم يطالب من حقه أن يسميه فيقول: يا رب! أضاعوني، فكان من تمام أن وضعتها ~~أن تسميها، فيكون إبداؤها لها وضع عين وإظهار اسم، لما في وجود الاسم من ~~كمال الوجود في السمع كما هو في العين، ليقع التقرب والنذر بما هو كامل ~~الوجود عينا واسما. # ولما كانت محررة لله سبحانه وتعالى كان حقا أن يجري الله سبحانه وتعالى ~~إعاذتها قولا كما هو جاعلها معاذة كونا من حيث هي له، وما # PageV04P354 # كان في حمى الملك لا يتطرق إليه طريدة فقالت: {وإني أعيذها بك} وفي قوله: ~~{وذريتها} إشعار بما أوتيته من علم بأنها ذات ذرية، فكأنها نطقت عن غيب من ~~أمر الله سبحانه وتعالى مما لا يعلمه إلا الله، فهو معلمه لمن شاء. # ولما كان من في حصن الملك وحرزه بجواره بعيدا ممن أحرقه بنار البعد ~~وأهانه بالرجم حققت الإعاذة بقولها: {من الشيطان الرجيم *} وفي هذا التخليص ~~لمريم عليها السلام بالإعاذة ولذريتها حظ من التخليص المحمدي لما شق صدره ~~ونبذ حظ الشيطان منه وغسل قلبه بالماء والثلج في البداية الكونية، وبماء ~~زمزم في البداية النبوية عند الانتهاء الكوني، فلذلك كان لمريم ولذريتها ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم اتصال واصل؛ قال صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى ~~الناس بعيسى ابن مريم، من أجل أنه ليس بيني وبينه نبي، وبما هو حكم أمامه ~~في خاتمة يومه وقائم من قومه دينه» . # PageV04P355 # ولما أخبر بدعائها أخبر بإجابتها فيه فقال: {فتقبلها} فجاء بصيغة التفعل ~~مطابقة لقولها {فتقبل} ، ففيه إشعار بتدرج وتطور وتكثر، كأنه يشعر بأنها ~~مزيد لها في كل طور تتطور إليه، من حيث ms0715 لم يكن فاقبل مني فلم تكن إجابته ~~{فقبلها} ، فيكون إعطاء واحدا منقطعا عن التواصل والتتابع، فلا تزال بركة ~~تحريرها متجددا لها في نفسها وعائدا بركته على أمها حتى تترقى لى العلو ~~المحمدي فيتكون في أزواجه ومن يتصل به - انتهى. # وجاء بالوصف المشعر بالإحسان مضافا إليها إبلاغا في المعنى فقال: {ربها} ~~قال الحرالي: وظهر سر الإجابة في قوله سبحانه وتعالى: {بقبول حسن} حيث لم ~~يكن «بتقبل» - جريا على الأول. # ولما أنبأ القبول عن معنى ما أوليته باطنا أنبأ الإنبات عما أوليته ظاهرا ~~في جسمانيتها، وفي ذكر الفعل من «أفعل» في قوله: # PageV04P356 # {وأنبتها} والاسم من «فعل» في قوله: {نباتا حسنا} إعلام بكمال الأمرين من ~~إمدادها في النمو الذي هو غيب عن العيون وكمالها في ذاتية النبات الذي هو ~~ظاهر للعين، فكمل في الإنباء والوقوع حسن التأثير وحسن الأثر، فأعرب عن ~~إنباتها ونباتها معنى حسنا - انتهى. فوقع الجواب لأنها عناية من الله ~~سبحانه وتعالى بها على ما وقع سؤالها فيه، فلقد ضل وافترى من قذفها وبهتها، ~~وكفر وغلا من ادعى في ولدها من الإطراء ما ادعى. # وقال الحرالي: وقد أنبأ سبحانه وتعالى في هذه السورة الخاصة بقصة مريم ~~عليها الصلاة والسلام من تقبلها وإنباتها وحسن سيرتها بما نفي اللبس في ~~أمرها وأمر ولدها، لأن المخصوص بمنزل هذه السورة ما هو في بيان رفع اللبس ~~الذي ضل به النصارى، فيذكر في كل سورة ما هو الأليق والأولى بمخصوص منزلها، ~~فلذلك ينقص الخطاب في القصة الواحدة في سورة ما يستوفيه في سورة أخرى ~~لاختلاف مخصوص منزلها، كذلك الحال في القصص المتكررة في القرآن من قصص ~~الأنبياء وما ذكر فيه لمقصد الترغيب والتثبيت والتحذير وغير ذلك من وجوه ~~التنبيه - انتهى، وفيه تصرف. # PageV04P357 # ولما كان الصغير لا بد له فيما جرت به العادة من كبير يتولى أمره قال: ~~{وكفلها} قال الحرالي: من الكفل وهو حياطة الشيء من جميع جهاته حتى يصير ~~عليه كالفلك الدائر {زكريا} وفي قراءة التشديد إنباء بأن الله سبحانه ~~وتعالى هو في الحقيقة كفيلها ms0716 بما هو تقبلها، وفي استخلاص لزكريا من حيث ~~جعله يد وكالة له فيها - انتهى. # ولما كان من شأن الكفيل القيام بما يعجز عنه المكفول بين سبحانه وتعالى ~~أن تلك الكفالة إنما كانت جريا على العوائد وأنه تبين أن تقبل الله لها ~~أغناها عن سواه فقال في جواب من لعله يقول: ما فعل في كفالتها؟ : {كلما} أي ~~كان كلما {دخل عليها زكريا المحراب} أي موضع العبادة. وقال الحرالي: هو صدر ~~البيت ومقدمه الذي لا يكاد يوصل إليه إلا بفضل منه وقوة وجهد حرب {وجد ~~عندها رزقا} وذلك كما وجد عند خبيب بن عدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه قطف ~~العنب - كما سيأتي في آخر المائدة، ومثل ذلك كثير في هذه الأمة، وفي هذه ~~العبارة أي من أولها إلاحة لمعنى حسن كفالته # PageV04P358 # وأنه كان يتفقدها عند تقدير حاجتها إلى الطعام بما تفيده كلمة {كلما} من ~~التكرار، فيجد الكفيل الحق قد عاجلها برزق من غيب بما هو سبحانه وتعالى ~~المتولي لإنباتها ليكون نباتها من غيب رزقه فتصلح لنفخ روحه ومستودع كلمته، ~~ولا يلحقها بعد الإعاذة ما فيه مس من الشيطان الرجيم الذي أعاذها الله ~~سبحانه وتعالى منه بكثرة الاختلاط في موجودات الأرزاق، فكان من حفظها أن ~~تولى الله سبحانه وتعالى أرزاقها من غيب إلا ما يطيبه من باد، وليكون حسن ~~نباتها من أحسن رزق الله سبحانه وتعالى كما يقال: من غذي بطعام قوم غذي ~~بقلوبهم ومن غذي بقلوبهم آل إلى منقلبهم، وكانت هي مثل ما كفلها كافلها ~~ظاهرا كفلته باطنا حين أبدى الله سبحانه وتعالى له من أمره ما لم يكن قبل ~~بدا له، فكان لمريم عليها الصلاة والسلام توطئة في رزقها لما يكون كماله في ~~حملها فيكون رزقها بالكلمة ابتداء ليكون حملها بالكلمة، فعند ذلك طلب زكريا ~~عليه السلام نحو ما عاين لها من أن يرزقه الولد في غير إبانه كما رزق مريم ~~الرزق في غير أوانه، وفي # PageV04P359 # تعيين محلها بالمحراب ما يليح معنى ما ذكر من رجوليتها باطنا من حيث إن ms0717 ~~محل النساء أن يتأخرن فأبدى الله سبحانه وتعالى في محلها ذكر المحراب إشارة ~~بكمالها، والمحراب صدر البيت المتخذ للعبادة، ويف لزومها لمحرابها في وقت ~~تناول الرزق إعلام بأن الحبيس والمعتكف بيته محرابه ومحرابه بيته، بخلاف من ~~له متسع في الأرض ومحل من غير بيت الله، إنما المساجد بيوت أهل الله ~~المنقطعين إليه، فهو محلهم في صلاتهم ومحلهم في تناول أرزاقهم، ففيه إشعار ~~بحضورها، وحضور أهل العكوف حضور سواء في صلاتهم وطعامهم، ولذلك أنمى حال ~~العبد عند ربه بما هو عليه في حال تناول طعامه وشرابه، فأهل الله سواء ~~محياهم ومماتهم وأكلهم وصلاتهم، من غفل عند طعامه قلبه لم يستطع أن يحضر في ~~صلاته قلبه، ومن حضر عند طعامه قلبه لم يغب في صلاته قلبه، وفي ذكر الرزق ~~شائعا إشعار بأنها أنواع من أرزاق من حيث إنه لو اختص يخص به ما هو أخص من ~~هذا الاسم - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: فما كان يقول لها إذا رأى ذلك؟ قيل: # PageV04P360 # كان كلما وجد ذلك، أو: لما تكرر وجدانه لذلك {قال يا مريم أنى} أي من أين ~~{لك هذا} قال الحرالي: كلمة أنى تشعر باستغرابه وجود ذلك الرزق من وجوه ~~مختلفة: من جهة الزمان أنه ليس زمانه، ومن جهة المكان أنه ليس مكانه، ومن ~~جهة الكيف ووصوله إليها أنه ليس حاله، وفي ذكر الضمير في قوله: {قالت هو من ~~عند الله} إيذان بنظرها إلى مجموع حقيقة ذلك الرزق لا إلى أعيانه، فهو ~~إنباء عن رؤية قلب، لا عن نظر عين لأن هو كلمة إضمار جامعة لكل ما تفصلت ~~صورة مما اتحد مضمره، ولما لم يكن من معهود ما أظهرته حكمته سبحانه مما ~~يجريه على معالجات أيدي الخلق قالت {من عند الله} ذي الجلال والإكرام، لأن ~~ما خرج من معهود معالجة الحكمة فهو من عنده، وما كان مستغربا فيما هو من ~~عنده فهو من لدنه، فهي ثلاث رتب: رتبة لدنية، ورتبة عندية، ورتبة حكمية ~~عادية؛ فكان هذا وسط الثلاث - كما قال تعالى: # {آتيناه ms0718 رحمة من عندنا وعلمناه من لدنه علما} [الكهف: 65] حيث كان ~~مستغربا عند أهل الخصوص كما قال: {أخرقتها لتغرق # PageV04P361 # أهلها لقد جئت شيئا إمرا} [الكهف: 71] والإمر العجب، ولعلو رتبته عن ~~الرتبة العادية جرى النبأ عنه مضافا إلى الاسم العظيم الذي هو مسمى الأسماء ~~كلها من حيث لم يكن {من عند ربي} لما في ذكر اسم الربوبية من إشعار بمادة ~~أو قريب منها أو ما كان من نحوها كما قال {هذا من فضل ربي} [النمل: 40] لما ~~كان من عادته المكنة على الملوك، وكان ممكنا فيما أحاط به موجود الأركان ~~الأربعة - انتهى. # ولما أخبرت بخرقه سبحانه وتعالى لها العادة عللت ذلك بقولها مؤكدة تنبيها ~~على أن ذلك ليس في قدرة ملوك الدنيا: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكلية. ~~قال الحرالي: في تجديد الاسم العظيم في النبأ إشعار باتساع النبأ وإيذان ~~وإلاحة بأن ذلك يكون لك ولمن شاء الله كما هو لي بما شاء الله، من حيث لم ~~يكن أنه فيكون مليحا لاختصاص ما بها، ويؤيده عموم قولها: {يرزق من يشاء} ~~وقولها: {بغير حساب *} يشعر بأنه عطاء متصل، فلا يتحدد ولا يتعدد، فهو رزق ~~لا متعقب عليه، لأن كل محسوب في الإبداء # PageV04P362 # محاسب عليه في الإعادة، فكان في الرزق بغير حساب من علاج الحكمة بشرى ~~برفع الحساب عنهم في المعاد وكفالة بالشكر عنه، لأن أعظم الشكر لرزق الله ~~سبحانه وتعالى معرفة العبد بأنه من الله تعالى، إنما يشكر رزق الله من أخذه ~~من الله سبحانه وتعالى - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: فما قال زكريا حينئذ؟ قيل: {هنالك} أي في ذلك الوقت ~~وذلك المكان العظيمي المقدار {دعا زكريا ربه} تذكرا لما عودهم الله سبحانه ~~وتعالى به من الإكرام، فظهرت عليه كرامات هذه الكفالة، قال الحرالي: لما ~~أشهده الله سبحانه وتعالى أنه يخرق عادته لمن شاء بكلمته في حق كفيلته في ~~الظاهر، الكافلة له في هذا المعنى، دعا ربه الذي عوده بالإحسان أن يرزقه ~~ولدا في غير إبانه كما رزق مريم رزقا في غير زمانه ms0719 فوجب دعاؤه - انتهى. ~~{قال رب} أي الذي عودني بإحسانه {هب لي من لدنك} قال الحرالي: طلب عليه من ~~باطن الأمر كما قال سبحانه وتعالى: # {وعلمناه # PageV04P363 # من لدنا علما} [الكهف: 65] ، وكما قال فيه {وحنانا من لدنا} [مريم: 13] ، ~~لأن كل ما كان من لدن فهو أبطن من عند {ذرية} فيه إشعار بكثرة ونسل باق، ~~فأجيب بولد فرد لما كان زمان انتهاء في ظهور كلمة الروح وبأنه لا ينسل فكان ~~يحيي حصورا لغلبة الروحانية على إنسانيته - انتهى. {طيبة} أي مطيعة لك لأن ~~ذلك طلبة أهل الخصوص، ثم علل إدلاله على المقام الأعظم بالسؤال بقوله: {إنك ~~سميع الدعاء} أي مريده ومجيبه لأن من شأن من يسمع - ولم يمنع - أن يجب إذا ~~كان قادرا كاملا، وقد ثبتت القدرة بالربوبية الكاملة التي لا تحصل إلا من ~~الحي القيوم، بخلاف الأصنام ونحوها مما عبد فإنها لا تسمع، ولو سمعت لم ~~تقدر على الإجابة إلى ما تسأل فيه لأنها مربوبة. قال الحرالي: أعلم الداعي ~~بما لله سبحانه وتعالى من الإجاة، والقرب «وسيلة في قبول» دعائه - انتهى. # PageV04P364 # ولما كان الله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به سمع دعاءه كما قال {فنادته} ~~أي فتسبب عن دعائه وحسن رجائه أن نادته {الملائكة} # PageV04P364 # يعني هذا النوع، لا كلهم بل ناداه البعض، وكان متهيئا بما آتاه الله ~~سبحانه وتعالى من المفضل لمناداة الكل، كما هو شأن أهل الكمال من الرسل ~~{وهو قائم يصلي في المحراب} وهو موضع محاربة العابد للشيطان، وهو أشرف ~~الأماكن لذلك. قال الحرالي: فيه إشعار بسرعة إجابته ولزومه معتكفه وقنوته ~~في قيامه وأن الغالب على صلاته القيام لأن الصلاة قيام، وسجود يقابله، ~~وركوع متوسط، فذكرت صلاته بالقيام إشعارا بأن حكم القيام غالب عليها - ~~انتهى. ثم استأنف في قراءة حمزة وابن عامر بالكسر لجواب من كأنه قال: بأي ~~شيء نادته الملائكة؟ قوله: {أن الله يبشرك} قال الحرالي: فذكر الاسم الأعظم ~~المحيط معناه بجميع معاني الأسماء، ولم يقل إن ربك لما كان أمر إجابته من ~~وراء الحكمة العادية؛ وفي قوله: {بيحيى} مسمى ms0720 بصيغة الدوام - مع أنه كما ~~قيل: قتل - إشعار بوفاء حقيقة الروحانية الحياتية فيه دائما، لا يطرقه طارق ~~موت الظاهر حيث قتل شهيدا - انتهى. {مصدقا بكلمة} أي نبي خلق بالكلمة # PageV04P365 # لا بالمعالجة العادية، يرسله الله سبحانه وتعالى إلى عباده فيكذبه أكثرهم ~~ويصدقه هو، وإطلاق الكلمة عليه من إطلاق السبب على المسبب. # قال الحرالي: فكان عيسى عليه الصلاة والسلام كلمة الله سبحانه وتعالى، ~~ويحيى مصدقه بما هو منه كمال كلمته حتى أنهما في سماء واحدة، ففي قوله: {من ~~الله} إشعار بإحاطته في ذات الكلمة - انتهى. {وسيدا وحصورا} أي فلا يتزين ~~بزينة لأنه بالغ الحبس لنفسه والتضييق لعيها في المنع من النكاح. قال في ~~القاموس: والحصور من لا يأتي النساء وهو قادر على ذلك، أو الممنوع منهن، أو ~~من لا يشتهيهن ولا يقربهن، والمجبوب - والهيوب المحجم عن الشيء. وقال ~~الحرالي: وهو من الحصر وهو المنع عما شأن الشيء أن يكون مستعملا فيه - ~~انتهى {ونبيا} # PageV04P366 # ولما كان النبي لا يكون إلا صالحا لم يعطف بل قال: {من الصالحين *} ~~إعلاما بمزية رتبة الصلاح واحترازا من المتنبيين، فكأنه قيل: فما قال حين ~~أجابه ربه سبحانه وتعالى؟ فقيل: {قال} يستثبت بذلك ما يزيده طمأنينة ويقينا ~~وسكينة {رب} أي أيها المحسن إلي. # ولما كان مطلوبه ولدا يقوم مقامه فيما هو فيه من النبوة التي لا يطيقها ~~إلا الذكور الأقويا الكلمة، وكانت العادة قاضية بأن ولد الشيخ يكون ضعيفا ~~لا سيما إن كان حرثه مع الطعن في السن في أصله غير قابل للزرع أحب أن يصرح ~~له بمطلوبه فقال: {أنى} أي كيف ومن أين {يكون لي} وعبر بما تدور مادته على ~~الغلبة والقوة زيادة في الكشف فقال: {غلام} وفي تعبيره به في سياق الحصور ~~دليل على أنه في غاية ما يكون من صحة الجسم وقوته اللازم منه شدة الداعية ~~إلى النكاح، وهو مع ذلك يمنع نفسه منه منعا زائدا على الحد، لما عنده من ~~غلبة لاشهود اللازم منه الإقبال على العبادة بكليته والإعراض عن كل ما يشغل ~~عنها جملة ms0721 لا سيما النكاح، # PageV04P367 # بحيث يظن أنه لا إرب له فيه، وهذا الموافق للتعبير الأول للحصور في ~~القاموس، وهو الذي ينبغي ألا يعرج على غيره لأنه بناء مبالغة من متعد، ~~ولأنه أمدح له صلى الله عليه وسلم، ومهما دار الشيء على صفة الكمال في ~~الأنبياء عليهم السلام وجب أن لا يعدل عنه، وما ورد - كما يأتي إن شاء الله ~~تعالى في سورة مريم عليها السلام - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «ذكره مثل هذه القذاة» فقد ضعفوه، وعلى تقدير صحته فيكون ذلك إخبارا عن ~~أنه لما أعرض عنه رأسا ضعف ما معه لذلك، فهو إخبار عن آخر أمره الذي أدت ~~إليه عزيمته، والآية مشيرة إلى ما اقتضته خلقته وغريزته وإن كان الجمع ~~لكمال الوجود الإنساني بالنكاح أكمل كما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم ~~ويقع لعيسى عليه السلام بعد نزوله {وقد} أي والحال أنه قد {بلغني الكبر} ~~إلى حد لا يولد فيه عادة {وامرأتى عاقر} قال الحرالي: من العقر وهو البلوغ ~~إلى حد انقطاع النسل هرما - انتهى؛ كذا قال، وآية سورة مريم تدل على أن ~~المعنى أنها لم تزل عقيما، وعليه يدل كلام أهل اللغة، قال في القاموس في ~~الراء: العقرة وتضم: العقم، وقد # PageV04P368 # عقرت كعنى فهي عاقر، ورجل عاقر وعقير: لا يولد له ولد، والعقرة كهمزة: ~~خرزة تحملها المرأة لئلا تلد، وقال في الميم: العقم بالضم: هزمة تقع في ~~الرحم فلا تقبل الولد، عقمت كفرح ونصر وكرم وعنى، ورحم عقيم وامرأة عقيم ~~ورجل عقيم: لا يولد له، وقال الإمامان أبو عبد الله القزاز في ديوانه وعبد ~~الحق في واعيه: والعقر بضم العين وسكون القاف مصدر العاقر من النساء وهي ~~التي لا تحمل من غير داء ولا كبر، يقال: الإمام أبو غالب «ابن التياني» في ~~كتابه الموعب صاحب [تلقيح] العين: العقر مصدر العاقر من النساء وهي التي لا ~~تحمل من غير داء ولا كبر، لكن خلقة، ثم قال وتعقرت: إذا ولدت ثم أمسكت - ~~والله الموفق. # PageV04P369 # ثم وصل به قوله: {قال ms0722 كذلك} أي مثل هذا الفعل الجليل البعيد الرتبة. ولما ~~كان استنباؤه عن القوة والكمال لا عن الخلق عبر سبحانه في تعليل ذلك بالفعل ~~بخلاف ما يأتي في قصة مريم عليها السلام فقال: {الله يفعل ما يشاء *} لأنه ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما فكأنه قيل: قد قرت عينه فا قال؟ قيل {قال} إرادة ~~تعجيل البشرى وتحقيق السراء: {رب اجعل لي آية} أي علامة أعلم بها ذلك {قال ~~آيتك ألا تكلم الناس} أي لا تقدر على أن تكلمهم بكلام دنيوي {ثلاثة أيام} . # ولما كان الكلام يطلق على الفعل مجازا استثنى منه قوله: {إلا رمزا} لتخلص ~~هذه المدة للذكر شكرا على النعمة فاحمد ربك على ذلك. قال الحرالي: والرمز ~~تلطف في الإفهام بإشارة تحرك طرف كاليد واللحظ والشفتين ونحوها، والغمز أشد ~~منه باليد ونحوها - انتهى. فعدم الكلام مع صحة آلته دليل إيجاد المتكلم مع # PageV04P370 # ضعف آلته إلى حد لا يتكون عنها عادة، ولما كان الأتم في القدرة أن يحبس ~~عن كلام دون آخر قال: {واذكر ربك} أي بالحمد وهو أن تثبت له الإحاطة بكل ~~كمال {كثيرا} في الأيام التي منعت فيها من كلام الناس خصوصا، وفي سائر ~~أوقاتك عموما {وسبح} أي أوقع التسبيح لمطلق الخليل ربك بأن تنفي عنه كل نقص ~~{بالعشي} وقال الحرالي: من العشو وأصل معناه: إيقاد نار على علم لمقصد هدى ~~أو قرى ومأوى على حال وهن، فسمي به عشي النهار لأنه وقت فعل ذلك، ويتأكد ~~معناه في العشاء، ومنه سمي الطعام: العشاء {والإبكار *} وأصله المبادرة ~~لأول الشيء، ومنه التبكير وهو السرعة، والباكورة وهو أول ما يبدو من الثمر، ~~فالإبكار اقتطاف زهرة النهار وهو أوله - انتهى. # ولما فرغ مما للكافل بعد ما نوه بأمر المكفولة بيانا لاستجابة الدعاء من ~~أمها لها أعاد الإشارة بذكرها والإعلام بعلي قدرها فقال عاطفا على ما ~~تقديره: هذا ما للكافل فاذكره لهم فإنهم لا يشكون معه في نبوتك: {و} اذكر ~~{إذ قالت الملائكة} وعبر بالجمع والمراد جبريل وحده عليه الصلاة والسلام ~~كما في سورة مريم ms0723 عليها # PageV04P371 # السلام لتهيئها لخطاب كل منهم كما مضى {يا مريم إن الله} أي الذي له ~~الأمر كله {اصطفاك} أي اختارك في نفسك، لا بالنظر إلى شيء آخر عما يشين بعض ~~من هو في نفسه خيار {وطهرك} أي عن كل دنس {واصطفاك} أي اصطفاء خاصا {على ~~نساء العالمين *} فمن هذا الاصطفاء والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال ~~الحرالي: أن خلصت من الاصطفاء الأول العبراني إلى اصطفاء على عربي حتى ~~أنكحت من محمد صلى الله عليه وسلم النبي العربي؛ قال صلى الله عليه وسلم ~~لخديجة رضي الله عنها: «أما شعرت أن الله سبحانه وتعالى زوجني معك مريم بنت ~~عمران» - انتهى. # ولما أخبرها سبحانه وتعالى بما اختصها به أمرها بالشكر فقال: {يا مريم ~~اقنتي} أي أخلصي أفعالك للعبادة {لربك} الذي عودك الإحسان بأن رباك هذه ~~التربية. # ولما قدم الإخلاص الذي هو روح العبادة أتبعه أشرفها فقال: {واسجدي} فإن ~~أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. قال الحرالي: وكان من اختصاص هذا ~~الاصطفاء العلي - أي الثاني - ما اختصها من الخطاب بالركوع الذي لحقت به ~~بهذه الأمة الراكعة التي أطلعها الله سبحانه وتعالى من سر عظمته التي هي ~~إزاره # PageV04P372 # على ما لم يطلع عليه أحدا ممن سواها في قوله: {واركعي مع الراكعين *} كما ~~قال لبني إسرائيل عند الأمر بالملة المحمدية {واركعوا مع الراكعين} ~~[البقرة: 43]- إلى ما يقع من كمال ما بشرت به حيث يكلم الناس كهلا في خاتمة ~~اليوم المحمدي، ويكمل له الوجود الإنساني حيث يتزوج ويولد له - كما ذكر، ~~ولك كله فيما يشعر به ميم التمام في ابتداء الاسم وانتهائه، وفيما بين ~~التمامين من كريم التربية لها ما يشعر به الراء من تولي الحق لها في ~~تربيتها ورزقها، وما تشعر به الياء من كمالها الذي اختصت على عالمها - ~~انتهى. # والمراد باتباع قصتها لما مضى التنبيه على انخراطها في سلك ما مضى من أمر ~~آدم ويحيى إفصاحا، وإبراهيم في ابنية إلاحة في خرق العادة فيهم، وأن ~~تخصيصها بالإنكار أو التعجب والتنازع مع الإقرار بأمرهم ms0724 ليس من أفعال ~~العقلاء؛ والظاهر أن المراد بالسجود في هذا المقام ظاهره وبالركوع الصلاة ~~نفسها، فكأنه قيل: واسجدي مصلية # PageV04P373 # ولتكن صلاتك مع المصلين أي في جماعة، فإنك في عداد الرجال لما خصصت به من ~~الكمال، ولم يقل: مع الراكعات، لأن الاقتداء بالرجال أفضل وأشرف وأكمل، ~~وإنما قلت هذا لأني تتبعت التوراة فلم أره ذكر فيها الركوع في صلاة إبراهيم ~~عليه السلام ولا من بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا أتباعهم إلا ~~في موضع واحد لا يحسن جعله فيه على ظاهره، ورأيته ذكر الصلاة فيها على ~~ثلاثة أنحاء: الأول إطلاق لفظها من غير بيان كيفية، والثاني إطلاق لفظ ~~السجود مجردا، والثالث إطلاقه مقرونا بركوع أو جثو أو خرور على الوجه ونحو ~~ذلك؛ ففي السفر الأول منها في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ماتت ~~زوجته سارة رضي الله تعالى وسأل بني حاث أهل تلك الأرض أن يعطوه مكانا ~~يدفنها فيه فأجابوه: فقام إبراهيم فسجد لشعب الأرض بني حاث وكلمهم؛ وفيه في ~~قصة ربانية قال: وسجد على الأرض وقال: يا رب - فذكر دعاء ثم قال: وصلى ~~إبراهيم بين يدي الرب؛ وفيه في قصة عبد لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه ~~ذهب إلى بلاد حران يخطب لإسحاق عليه السلام امرأة فظفر بقصده: فجثا الرجل - ~~أي عبد إبراهيم - على الأرض # PageV04P374 # فسجد للرب وقال: تبارك الله رب سيدي إبراهيم؛ وفيه لما أجابه أهل المرأة: ~~فلما سمع غلام إبراهيم كلامهم سجد على الأرض قدام المرأة، وفيه عند لقاء ~~عيصو لآخيه يعقوب عليه الصلاة والسلام: فدنت الأمان وأولادهما فسجدوا - أي ~~لعيصوا، ودنت ليا وولدها فسجدوا؛ فلما كان أخيرا دنت راحيل ويوسف فسجدوا؛ ~~وفيه في قصة يوسف عليه السلام: ودنا إخوته فخروا له سجدا وقالوا له: ها نحن ~~لك عبيد؛ وفي السفر الثاني عند قدوم موسى عليه الصلاة والسلام إلى بني ~~إسرائيل وإخباره لهم بإرسال الله سبحانه وتعالى له وإظهاره لهم الآيات: ~~فآمن الشعب وسمعوا أن الرب قد ذكر بني إسرائيل وأبصر إلى خضوعهم وجثا الشعب ~~وسجدوا للرب؛ ms0725 وفيه في خروجهم من مصر: فركع الشعب كله ساجدا لله سبحانه ~~وتعالى؛ وفيه: فاستعجل موسى فخر على وجهه على الأرض ساجدا؛ وفيه في # PageV04P375 # تلقي موسى عليه السلام لختنه شعيب عليهما السلام إذ جاءه يهنئه بما أنعم ~~الله عليه بعد غرق فرعون: فخرج موسى يتلقى ختنه وسجد له وقبله وسأل كل ~~منهما عن سلامة صاحبه؛ وفيه: وقال الله سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة ~~والسلام عند ما بشره بقتل الكنعانيين وغيرهم من سكان بلاد القدس: لا تسجدوا ~~لآلهتهم ولا تعبدوها ولا تفعلوا كأفعالهم - بل كبهم كبا على وجوههم وكسر ~~أصنامهم - واعبدوا الرب إلهكم، وفي أوائل السفر الثالث في ذكر ظهور مجد ~~الرب لهم في قبة الزمان التي كانوا يصلون إليها على حياة موسى عليه الصلاة ~~والسلام: وعاين ذلك جميع الشعب وحمدوا الله سبحانه وتعالى وخر الشعب كله ~~على وجهه، وفي الرابع عندما هم بنو إسرائيل بالرجوع إلى مصر تضجرا من ~~حالهم: فخر موسى وهارون عليهما السلام على وجوههما ساجدين بين يدي جماعة ~~بني إسرائيل كلها؛ وفيه: وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما: تنحيا عن هذه ~~الجماعة لأني مهلكها، فخرا ساجدين على وجوههما؛ وفيه عندما تذمروا عليه من ~~أجل العطش: فجاء موسى وهارون من عند الجماعة إلى باب قبة الزمان # PageV04P376 # فخرا على وجوههما فظهر لهما مجد الرب - فذكر قصة ضرب الحجر بالعصا ~~وانفجار الماء؛ وفيه في قصة بلعام بن باعور حين رأى ملكا في طريقه فجثا على ~~وجهه ساجدا. # وأما إطلاق لفظ الصلاة فقال في آخر لاسفر الثاني: وكان إذا خرج موسى عليه ~~الصلاة والسلام إلى قبة الزمان كان جميع الشعب يقفون ويستعد كل امرىء منهم ~~على باب خيمته، وينظرون إلى موسى عليه الصلاة والسلام من خلفه حتى يدخل إلى ~~القبة، وإذا دخل موسى القبة كان ينزل عمود السحاب فيقف على باب القبة، ~~ويكلم موسى وكان جميع الشعب ينظرون إلى عمود السحاب واقفا على باب القبة ~~وكان يقف جميع الشعب ويصلي كل امرىء منهم على باب خيمته؛ وفيه: وعمل سطلا ~~من نحاس فنصبه ms0726 عند منظر النسوة اللاتي يأتين فيصلين على باب قبة الأمد. # وكل ما فيها من ذكر الصلاة فهكذا يطلق لفظه غير مقرون بما يرشد إلى ~~كيفية، فلا فائدة في سرده؛ وهذا القبة أمر الله سبحانه # PageV04P377 # وتعالى موسى عليه الصلاة والسلام باتخاذها مظهر المجد وأن يجعلها كهيئة ~~الغمام الذي ظهر له مجده تعالى فيه في جبل طور سيناء، وهي من غرائب الدهر ~~في الارتفاع والسعة والهيئة، ففيها من الخشب والبيوت والتوابيت والأعمدة ~~والجواهر وصفائح الذهب والفضة والنحاس والسرداقات والستور من الحرير ~~والأرجوان والكتاب والأطناب وغير ذلك مما يكل عنه الوصف، وكله بنص نم الله ~~سبحانه وتعالى على الطول والعرض والوزن والمحل بحيث إنه كان فيها من صفائح ~~الذهب ومساميره ونحوها تسعة وعشرون قنطارا وأربعمائة وثلاثون مثقالا بمثقال ~~القدس، ومن الفضة مائة قنطار وألف وسبعمائة وسبعون مثقالا، ومن النحاس ~~سبعون قنطارا وألفان وأربعمائة مثقال؛ وكانت هذه القبة تنصب في مكان من ~~الأرض وينزل بنو لاوي سبط موسى عليه الصلاة والسلام وهارون حولها يخدمونها ~~بين يدي هارون عليه الصلاة والسلام وبنيه، ومن دنا منها من غيرهم احترق، ~~وينزل أسباط بني إسرائيل حول بني لاوي، لكل سبط منزلة لا يتعداها من شرقها ~~وغربها وجنوبها وشمالها، كل ذلك بأمر من الله سبحانه وتعالى لموسى عليه ~~الصلاة والسلام؛ وكان # PageV04P378 # السحاب يغشاها بالنهار، وكان النار تضيء عليها بالليل وتزهر، فما دام ~~السحاب مجللا لها فهم مقيمون، فإذا ارتفع عنها كان إذنا في سفرهم. # فالذي فهمته من هذه الأماكن وغيرها أن الصلاة عندهم تطلق على الدعاء وعلى ~~فعل هو مجرد السجود، فإن ذكر معه ما يدل على وضع الوجه على الأرض فذاك ~~حينئذ يسمى صلاة، وإلا كان المراد به مطلق الانحناء للتعظيم، وذلك موافق ~~للغة، قال في القاموس: سجد: خضع؛ والخضوع التطأمن، وأما المكان الذي فيه ~~ذكر الركوع فالظاهر أن معناه: فصلى الشعب كله ساجدا لله سبحانه وتعالى، لأن ~~الركوع في اللغة يطلق على معان منها الصلاة، يقال: ركع - أي صلى، وركع - ~~إذا انحنى كبوا، والراكع من يكبو على ms0727 وجهه، ولا يصح حمل الركوع على ظاهره، ~~لأنه لا يمكن في حال السجود، وإن ارتكب فيه تأويل لم يكن بأولى مما ذكرته ~~في الركوع - والله سبحانه وتعالى أعلم، واحتججت باللغة لأن مترجم النسخة ~~التي وقعت لي في عداد البلغاء، يعرف ذلك من تأمل مواقع ترجمته لها، على أني ~~سألت عن صلاة اليهود الآن فأخبرت أنه ليس فيها ركوع، ثم رأيت البغوي # PageV04P379 # صرح في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43] ~~بأن صلاتهم لا ركوع فيها، وكذا بان عطية وغيرهما. # ولما كان المقصود من ذكر هذه الآيات بيان الخوارق التي كانت لآل عمران من ~~زكريا ويحيى وعيسى وأمه عليهم الصلاة والسلام للمجادلة بالحق في أمر عيسى ~~عليه الصلاة والسلام، وبيان أن ما أشكل عليهم من أمره ليس خارجا عن إشكال ~~الخوارق في آله، وكان الرد على كل طائفة بما تعتقد أولى وجب ذكر ذلك من ~~الأناجيل الأربعة الموجودة الآن بين أظهر النصارى: ذكر قصة يحيى عليه ~~الصلاة والسلام في حمله وولادته ونبوته وما اتفق في ذلك من الخوارق من ~~الأناجيل وقد مزجت بي ألفاظها فجعلتها شيئا واحدا على وجه ألم بعضه بأول ~~أمر المسيح عليه الصلاة والسلام؛ قال مترجمها في أول إنجيل لوقا: كان في ~~أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن، أي حبر إمام، اسمه زكريا من خدمة آل أبيا، ~~وامرأته من بنات هارون واسمها اليصابات، وكانا كلاهما تقيين قدام الله ~~سائرين ي # PageV04P380 # جميع وصاياه وحقوق الرب بغير عيب، ولم يكن لهما ولد لأن اليصابات كانت ~~عاقرا، وكانا كلاهما قد طعنا في أيامهما، فبينما هو يكهن في أيام ترتيب ~~خدمته أمام الله كعادة الكهنوت إذ بلغته نوبة وضع البخور فجاء ليبخر، فدخل ~~إلى هيكل الله وجميع الشعب يصلون خارجا في وقت البخور، فتراءى له ملاك الرب ~~قائما عن يمين مذبح البخور، فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف فقال له ~~الملاك: لا تخف يا زكريا! قد سمعت طلبتك، وأمرأتك اليصابات تلد ابنا، ويدعي ~~اسمه يوحنا، ويكون لك فرح وتهلل، وكثير يفرحون ms0728 بمولده، يوكون عظيما قدام ~~الرب، لا يشرب خمرا ولا سكرا، ويمتلىء من روح القدس وهو في بطن أمه، ويعيد ~~كثيرا من بني إسرائيل إلى إلههم، وهو يتقدم أمامه بالروح وبقوة ألياء، ~~ويقبل بقلوب الآباء على الأبناء والعصاة إلى علم الأبرار، ويعد للرب شعبا ~~مستقيما، فقال زكريا للملاك: كيف أعلم هذا وأنا شيخ وامرأتي قد طعنت في ~~أيامها؟ فأجاب الملاك وقال: أنا جبريل الواقف # PageV04P381 # قدام الله، أرسلت أكلمك بهذا وأبشرك، ومن الآن تكون صامتا، لا تستطيع أن ~~تتكلم إلى اليوم الذي يكون هذا. # وكان الشعب منتظرين زكريا متعجبين من إبطائه في الهيكل، فلما خرج لم يقدر ~~يكلمهم، فعلموا أنه قد رأى رؤيا في الهيكل، فكان يشير إليهم، وأقام صامتا، ~~فلما كملت أيام خدمته مضى إلى بيته، ومن بعد تلك الأيام حملت اليصابات ~~امرأته، وكتمت حملها خمسة أشهر قائلة: هذا ما صنع بي الرب في الأيام التي ~~نظر إلي فيها لينزع عني العار بين الناس، ولما كانت في الشهر السادس أرسل ~~جبريل عليه الصلاة والسلام الملاك من عند الله سبحانه وتعالى إلى مدينة في ~~الجليل تسمى ناصرة إلى عذراء خطيبة لرجل اسمه يوسف من بيت داود، واسم ~~العذراء مريم، فلما دخل إليها الملاك قال لها: افرحي يا ممتلئة نعمة الرب ~~معك! مباركة أنت في النساء، فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت قائلة ما هذا ~~السلام؟ فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم! فقد ظفرت # PageV04P382 # بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى وأنت تقبلين حبلا وتلدين ابنا، ويدعى ~~اسمه يسوع، هذا يكون عظيما، وابن العذراء يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي ~~داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه انقضاء، فقالت ~~مريم للملاك: كيف يكون هذا ولا أعرف رجلا؟ فأجاب الملاك وقال لها: روح ~~القدس يحل عليك وقوة العلي تقبلك، فإنه ليس عند الله سبحانه وتعالى أمر ~~عسير، فقالت مريم: هانذا عبدة الرب فيكون في كقولك، وانصرف عنها الملاك، ~~فقامت مريم في تلك الأيام ومضت مسرعة إلى عين كرم إلى مدينة يهودا، ms0729 ودخلت ~~إلى بيت زكريا فسلمت على اليصابات، فلما سمعت اليصابات صوت سلام مريم تحرك ~~الطفل في بطنها، فامتلأت اليصابات من روح القدس وصرخت بصوت عظيم وقالت: ~~مباركة أنت في النساء! ومباركة ثمرة بطنك! من أين لي هذا أن يأتي أمر ربي ~~إلي، منذ وقع صوت سلامك في أذني تحرك الطفل بتهليل في بطني، فطوبى للتي ~~آمنت أن يتم لها ما قيل من الرب! فقالت # PageV04P383 # مريم: تعظم نفسي بالرب ويتهلل روحي بالله مخلصي لأنه نظر إلى تواضع ~~عبدته، وقدوس اسمه، ورحمته لخائفيه، صنع القوة بذراعه وفرق المستكبرين بفكر ~~قلوبهم، أنزل القادرين عن الكراسي ورفع المتواضعين، أشبع الجياع من ~~الخيرات، فأقامت مريم عليها السلام عندها نحوا من ثلاثة أشهر وعادت إلى ~~بيتها. # ولما تم زمان اليصابات لتلد ولدت ابنا، فسمع جيرانها وأقاربها أن الرب قد ~~أعظم رحمته معها، ففرحوا لها، فلما كانت في اليوم الثامن جاؤوا ليختنوا ~~الصبي ودعوه باسم أبيه زكريا فأجاب أمه قائلة: لا ولكن ادعوه يوحنا، فقالوا ~~لها: ليس أحد في جنسك يدعى بهذا الاسم، فأشاروا إلى أبيه: ما تريد أن ~~تسميه؟ فاستدعى لوحا وكتب قائلا: يوحنا، فتعجب جميعهم، وانفتح فوه قائلا من ~~ساعته ولسانه، وتكلم وبارك، ووقع خوف عظيم على جميع جيرانهم، وتحدث بهذا ~~الكلام في جميع تخوم يهودا، وفكر جميع السامعين # PageV04P384 # في قلوبهم قائلين: ماذا ترى يكون من هذا الصبي! ويد الرب كانت معه، ~~فامتلأ زكريا أبوه من روح القدس وبدأ قائلا: تبارك الرب إله إسرائيل الذي ~~اطلع وصنع نجاة لشعبه وأقام لنا قرن خلاص من بيت داود فتاه كالذي تكلم على ~~أفواه أنبيائه القديسين من الأبد، خلاص من أعدائنا ومن يدي كل مبغضا، صنع ~~رحمة مع آبائنا، وذكر عهدة القديس: القسم الذي عهد به لإبراهيم أبينا ~~ليعطينا الخلاص بلا خوف من يدي أعدائنا لنخدمه بالبر والعدل قدامه في كل ~~أيام حياتنا، وأنت ايها الصبي نبي العلاء تدعى، وتنطلق قدام وجه الرب لتصلح ~~طريقة ليعطي علم الخلاص لشعبه لمغفرة الخطايا بتحنن ورحمة، إلهنا الذي ~~افتقدنا شرق من ms0730 العلو ليضيء للجالس في الظلمة وظلال الموت لتستقيم سبل ~~أرجلنا للسلامة. # PageV04P385 # فأما الصبي فكان يشب ويتقوى بالروح وأقام في البرية إلى يوم ظهوره ~~لإسرائيل، وفي سنة خمس عشرة من ولاية طيباريوس قيصر وفيلاطوس النبطي على ~~اليهودية وهيرودس رئيس الجليل، وفيلفوس أخوه على ربع الصورية وكورة ~~أبطرحيون وأوساسوس رئيس على ربع الإيليا، وحنان وقيافا رؤساء الكهنة، حلت ~~كلمة الله سبحانه وتعالى على يوحنا بن زكريا في البرية فجاء إلى كل البلاد ~~المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا - كا هو مكتوب في سفر ~~كلام أشعيا النبي - قائلا: صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب فاصنعوا ~~سبله مستقيمة، جميع الأودية تمتلىء وجميع الجبال والآكام تتضع، ويصير الوعر ~~سهلا والخشنة إلى طريق سهلة، ويعاين كل ذي جسد خلاص الله سبحانه وتعالى؛ # PageV04P386 # وفي إنجيل متى: وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية يهودا ~~ويقول: توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات - هذا هو الذي في أشعيا النبي: إذ ~~يقول صوت صارخ، وقال مرقس: مكتوب في أشعيا النبي: هوذا أنا مرسل ملاكي أمام ~~وجهك ليسهل طريقك قدامك، ثم استنعى صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب ~~وسهلوا سبله، وكان لباس يوحنا وبر الإبل، ومنطقته جلدا على حقويه، وكان ~~طعامه الجراد وعسل البر، حينئذ خرجوا إليه من يروشليم، وكل اليهودية وجميع ~~كور الأردن، وكان يعمدهم في نهر الأردن معترفين بخطاياهم؛ وفي مرقس: كان ~~يوحنا يعمد في القفر ويكرز بمعمودية التوبة لغفران الخطايا، وكان يخرج إليه ~~جميع # PageV04P387 # كور يهودا وكل يروشليم فيعمدهم في نهر الأردن معترفين بخطاياهم فقال ~~للجمع الذين يأتون إليه ويعتمدون منه: يا ثمرة الأفاعي! وفي متى: فلما رأى ~~كثيرا من الفريسيين والزنادقة يأتون إلى معموديته قال لهم: يا أولاد ~~الأفاعي - ثم اتفق هو ولوقا - من دلكم على الهرب من الغضب الآتي؟ اعملوا ~~الآن ثمارا تليق بالتوبة ولا تقولوا في نفوسكم: إن أبانا إبراهيم، أقول ~~لكم: إن الله سبحانه وتعالى قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم ~~ها هوذا الفأس موضوع على أصول الشجر، ms0731 وكل شجرة لا تثمر ثمرة طيبة تقطع ~~وتلقى في النار، فسأله الجموع، ماذا نصنع؟ أجاب وقال لهم: من له ثوبان ~~فليعط من ليس له، ومن له طعام فليصنع مثل ذلك، فأتى العشارون ليعتمدوا منه ~~فقالوا: ماذا نصنع يا معلم؟ فقال لهم: لا تفعلوا أكثر مما أمرتم به، وسأله ~~أيضا الجند قائلين: ماذان نصنع نحن أيضا؟ فقال لهم: لا تعيبوا أحدا ولا ~~تظلموا أحدا، واكتفوا بأرزاقكم. # PageV04P388 # وإن جميع الشعب فكروا في قلوبهم وظنوا أن يوحنا المسيح، أجابهم يوحنا ~~أجمعين وقال لهم: أما أنا فأعمدكم بالماء للتوبة، وسيأتي الذي هو أقوى من ~~الذي لا أستحق أن أحل سيور حذائه؛ وقال متى: لا أستحق أن أحمل حذاءه؛ وقال ~~مرقس: وكان يبشر قائلا: الذي يأتي بعدي أوقى مني، لست أهلا - أعني لحل سيور ~~حذائه، أنا أعمدكم بالماء وهو يعمدكم بروح القدس والنار، الذي بيده المرفش، ~~ينقي به الذرة، ويجمع القمح إلى أهرائه، ويحرق التبن بناء لا تطفأ، ولا ~~يخبز الشعب، ويبشرهم بأشياء كثيرة؛ وفي إنجيل يوحنا: كان إنسان أرسل من ~~الله، اسمه يوحنا، جاء للشهادة للنور الذي هو نور الحق الذي يضيء لكل ~~إنسان، # PageV04P389 # الآتي إلى العالم، إلى خاصته، جاء وخاصته لم تقبله، فأما الذين قبلوه ~~فأعطاهم سلطانا، والكلمة صارت جسدا، وحل فينا، ورأينا مجده مجدا مثل الوحيد ~~الممتلىء نعمة، وحقا يوحنا شهد من أجله وصرخ وقال: هذا الذي قلت إنه يأتي ~~بعدي كان قبلي، لأنه أقدم مني، ومن امتلائه نحن بأجمعنا أخذنا نعمة من أجل ~~أن الناموس بموسى أعطى، والنعمة والحق أوحيا بيسوع المسيح الذي لم يره أحد ~~قط، الابن الوحيد. # هذه شهادة يوحنا إذا أرسل إليه اليهود من يروشليم كهنة ولاويين - أي ناسا ~~من أولاد لاوي - ليسألوه: من أنت، فاعترف وأقر أني لست المسيح، فسألوه: فمن ~~ألياء؟ فقال: لست أنا النبي، قال: كلا! فقالوا له: فمن أنت لنرد الجواب إلى ~~الذين أرسلونا، ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا الصوت الصارخ في البرية: سهلوا ~~طريق الرب - كما قال أشعيا النبي. فأما أولئك الذين ms0732 أرسلوا فكانوا من ~~الفريسيين فقالوا: ما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا ألياء ولا النبي؟ ~~أجابهم يوحنا: أنا أعمدكم بالماء، وفي وسطكم قائم ذاك الذي ليستم تعرفونه، # PageV04P390 # الذي يأتي بعدي وهو أقوى مني، وهو قبلى كان، ذاك الذي لست مستحقا أن أحل ~~سيور حذائه. هذا كان في بيت عنيا في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد. قال ~~لوقا: فأما هيرودس رئيس الربع فكان يوحنا يبكته من أجل هيروديا امرأة أخيه ~~فيلفوس ولأجل الشر الذي كان هيرودس يفعله، وزاد على ذلك أنه طرح يوحنا في ~~السجن؛ وقال مرقس وقد ذكر آيات أظهرها المسيح: وسمع هيرودس الملك وقال: إن ~~يوحنا المعمدان قام من الأموات، ومن أجل تلك القوات يعمل، وقال آخرون: إنه ~~ألياء، وآخرون: إنه نبي كواحد من الأنبياء، فلما سمع هيرودس قال: أنا قطعت ~~رأس يوحنا؛ وفي متى: وفي ذلك الزمان سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال ~~لغلمانه: هذا هو يوحنا المعمدان، وهو قام من الأموات، من أجل هذه القوات ~~يعمل، وكان هيرودس قد # PageV04P391 # أمسك يوحنا وشده وجعله في السجن، وقال مرقس: وحبسه من أجل هيروديا امرأة ~~فيلفوس، لأنه كان قد تزوجها وقال له يوحنا: ما يحل لك أن تأخذ امرأة أخيك، ~~وكانت هيروديا حنقة عليه تريد قتله، ولم تقتله لأن هيرودس كان يخاف من ~~يوحنا، لأنه يعلم أنه رجل صديق قديس ويحفظه ويسمع منه كثيرا بشهوة، وكان في ~~يوم من الزمان وافى هيرودس مولود، فصنع وليمة لعظمائه ورؤسائه ومقدمي ~~الجليل، ودخلت ابنة هيروديا فرقصت، فوافق ذلك هيرودس وجلساءه، فقال الملك ~~للصبية: سلي ما أردت فأعطيك! وحلف لها أني أعطيك ما سألت ولو كان نصف ملكي، ~~فخرجت وقالت لأمها: أي شيء أسأله؟ فقالت: رأس يوحنا المعمدان، فرجعت للوقت ~~بسرعة إلى الملك وسألت رأس يوحنا على طبق، فحزن الملك، ومن أجل اليمين ~~والمنكبين لم ير منعها، # PageV04P392 # فأنفذ سيافا من ساعته وأمر أن يؤتى برأسه في طبق، فمضى وقطع رأسه في ~~الحبس وجاء به في طبق وأعطاه للصبية، فأخذته الصبية ودفعته ms0733 لأمها؛ وسمع ~~تلاميذه فجاؤوا ورفعوا جثته وجعلوها في قبر؛ قال متى: وجاء تلاميذه فأخذوا ~~جسده ودفنوه وأتوا فأخبروا يسوع فلما سمع يسوع مضى من هناك في سفينة إلى ~~البرية مفردا، فسمع الجمع فتبعوه ماشين من المدن، فلما خرج أبصر جمعا كثيرا ~~فتحنن عليهم وأبرأ اعلاءهم ومرضاهم انتهى. # PageV04P393 # ولما أتى نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الأخبار الغريبة المحررة العجيبة ~~التي لا يعرفها على وجهها إلا الحذاق من علماء بني إسرائيل كان من حق ~~سامعها أن يتنبه من غفلته ويستيقظ من رقدته، لأنها منبهة بنفسها للمنصف ~~الفطن على أن الآتي بها - والسامع خبير بأنه لم يخالط عالما قط - صادقا لا ~~مرية في صدقه في كل ما يدعيه عن الله سبحانه وتعالى، وكان من حق من يتنبه ~~أن يبادر إلى الإذعان فيصرح بالإيمان، فلما لم يفعلوا التفت إلى تنبيه ~~الغبي وتبكيت # PageV04P393 # العتي فقال: {ذلك} أي الخطاب العلي المقام الصادق المرام البديع النظام ~~{من أنباء الغيب نوحيه} أي نجدد إيحاءه في أمثاله {إليك} في كل حين فما كنت ~~لديهم في هذا الذي ذكرناه لك يوما على هذا التحرير مع الإعجاز في البلاغة ~~ويجوز أن تكون الجملة حالا تقديرها: {و} الحال أنك {ما كنت} ولما كان هذا ~~مع كونه من أبطن السر هو من أخفى العلم عبر فيه بلدي لما هو في أعلى رتب ~~الغرابة كما تقدم في قوله: {هو من عند الله} وكررها زيادة في تعظيمه ~~وتنبيها على أنه مما يستغرب جدا حتى عند أهل الاصطفاء فقال: {لديهم} قال ~~الحرالي: لدى هي عند حاضرة لرفعة ذلك الشيء الذي ينبأ به عنه - انتهى. {إذ ~~يلقون} لأجل القرعة - {أقلامهم} قال الحرالي: جمع قلم، وهو مظهر الآثار ~~المنبئة عما وراءها من الاعتبار - انتهى {أيهم} # PageV04P394 # أي يستهمون أيهم {يكفل مريم} أي يحضنها ويربيها تنافسا في أمرها لما ~~شرفها الله تعالى به {وما كنت لديهم إذ} أي حين {يختصمون *} أي في ذلك حتى ~~نقص مثل هذه الأخبار على هذا الوجه السديد - يعني أنه لا وجه لك إلى علم ms0734 ~~ذلك إلا بالكون معهم إذ ذاك، أو أخذ ذلك عن أهل الكتاب، أو بوحي منا؛ ومن ~~الواضح الجلي أن بعد نسبتك إلى التعلم من البشر كبعد نسبتك إلى الحضور ~~بينهم في ذلك الوقت، لشهرتك بالنشأة أميا مباعدا للعلم والعلماء حتى ما ~~يتفاخر به قومك من السجع ومعاناة الصوغ لفنون الكلام على الوجوه الفائقة، ~~فانحصر إخبارك بذلك في الوحي منا، وجعل هذا التنبيه في نحو وسط هذا القصص ~~ليكون السامع على ذكر مما مضى ويلقي السمع وهو شهيد لما بقي، وجعله بعد ~~الافتتاح بقصة مريم عليها السلام تنبيها على عظم شأنها وأنها المقصودة ~~بالذات للرد على وفد نصارى نجران، وكأنه أتبع التنبيه ما كان في أول # PageV04P395 # القصة من اقتراعهم بالأقلام واختصامهم في كفالتها لخفائه إلا على خواص ~~أهل الكتاب، هذا مع ما في مناسبة الأقلام للبشارة بمن يعلمه الكتاب، واستمر ~~في إكمال المقال على ذلك الأسلوب الحكيم حتى تمت الحجة واستقامت المحجة ~~فقال تعالى مبدلا من إذ الأولى إيذانا بأن ما بينهما اعتراض لما نبه عليه ~~من شريف الأغراض: {إذ قالت الملائكة يا مريم} ولما كانت هذه السورة سورة ~~التوحيد المقتضي للتفرد بالعظمة عبر بما صدرت به من اسم الذات الجامع لجميع ~~الصفات فقال: {إن الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له، فلا راد لأمره ~~{يبشرك} وكرر هذا الاسم الشريف في هذا المقام زيادة في إيضاح هذا المرام ~~بخلاف ما يأتي في سورة مريم عليها السلام، وقوله: {بكلمة} أي مبتدئة {منه} ~~من غير واسطة أب هو من تسمية المسبب باسم السبب، والتعبير بها أوفق لمقصود ~~السورة وأنفى لما يدعيه المجادلون في أمره، ثم بين أنه ليس المراد بالكلمة ~~حقيقتها، بل ما يكون عنها ويكون فعالا بها فقال مذكرا للضمير: {اسمه} أي ~~الذي يتميز به عمن سواه مجموع ثلاثة أشياء: # PageV04P396 # {المسيح} أصل هذا الوصف أنه كان في شريعتهم: من مسحه الإمام بدهن القدس ~~كان طاهرا متأهلا للملك والعلم والمزايا الفاضلة مباركا، فدل سبحانه وتعالى ~~على أن عيسى عليه الصلاة والسلام ملازم ms0735 للبركة الناشئة عن المسح وإن لم ~~يمسح؛ وأما وصف الدجال بذلك فإما أن يكون لما كان هلاكه على يد عيسى عليه ~~الصلاة والسلام وصف بوصفه - من باب التسمية بالضد، وإما أن يكون إشارة إلى ~~أنه ملازم للنجاسة فهو بحيث لا ينفك - ولو مسح - عن الاحتياج إلى التطهير ~~بالمسح من الدهن الذي يمسح به المذنبون ومن كان به برص ونحوه فيبرأ - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # ولما وصفه بهذا الوصف الشريف ذكر اسمه فقال {عيسى} وبين أنه يكون منها ~~وحدها من غير ذكر بقوله موضع ابنك: {ابن مريم} وذلك أنفى لما ضل به من ضل ~~في أمره، وأوضح في تقرير مقصود السورة وفي تفخيم هذا الذكر بجعله نفس ~~الكلمة وبإبهامه أولا ثم تفسيره، وقوله: {اسمه} تعظيم لقدره وبيان لفضله # PageV04P397 # على يحيى عليهما السلام حيث لم يجعل له في البشارة به مثل هذا الذكر، ثم ~~أتم لها البشارة بأوصاف جعلها أحوالا دالة على أنه يظهر اتصافه بها حال ~~الولادة تحقيقا لظهور أثر الكلمة عليه فقال: {وجيها} قال الحرالي: صيغة ~~مبالغة مما منه الوجاهة، وأصل معناه الوجه وهو الملاحظ المحترم بعلو ظاهر ~~فيه - انتهى. {في الدنيا} ولما كان ذلك قد لا يلازم الوجاهة بعد الموت قال: ~~{والآخرة} ولما كانت الوجاهة ثم مختلفة ذكر أعلاها عاطفا بالواو إشارة إلى ~~تمكنه في الصفات فقال: {ومن المقربين *} أي عند الله. # ولما كان ذلك قد لا يقتضي خرق العادات قال: {ويكلم الناس} أي من كلمه من ~~جميع هذا النوع، بأي لسان كان كلمه، حال كونه {في المهد} قال الحرالي: هو ~~موطن الهدوء والسكون للمتحسس اللطيف الذي يكون بذلك السكون والهدو قوامه - ~~انتهى. # وبشرها بطول حياتها بقوله: {وكهلا} أي بعد نزوله من السماء في خاتمة ~~اليوم المحمدي، ويكون كلامه في الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت. # PageV04P398 # قال الحرالي: والكهولة سن من أسنان أرابيع الإنسان، وتحقيق حده أنه الربع ~~الثالث الموتر لشفع متقدم سنيه من الصبا والشباب فهو خير عمره، يكون فيمن ~~عمره ألف شهر - بضع وثمانون سنة - من حد ms0736 نيف وأربعين إلى بضع وستين، إذا ~~قسم الأرباع لكل ربع إحدى وعشرون سنة صبا، وإحدى وعشرون شبابا، وإحدى ~~وعشرون كهولة، وإحدى وعشرون شيوخة، فذلك بضع وثمانون سنة - انتهى. وهذا ~~تحقيق ما اختلف من كلام أهل اللغة، وقريب منه قول الإمام أبي منصور عبد ~~الملك بن أحمد الثعالبي في الباب الرابع عشر من كتابه فقه اللغة: ثم ما ادم ~~بين الثلاثين والأربعين فهو شاب، ثم كهل إلى أن يستوفي الستين؛ ويقال: شاب ~~الرجل، ثم شمط، ثم شاخ، ثم كبر - انتهى. والكهل - قال أهل اللغة - مأخوذ ~~من: اكتهل النبات - إذا تم طوله قبل أن يهيج، وكلام الفقهاء لا يخالفه، فإن ~~مبناه العرف، فالنص على كهولته إشارة لأمه بأنه ممنوع من أعدائه إذا قصدوه، ~~وتنبيه على أن دعواهم لصلبه كاذبة. # PageV04P399 # ولما كانت رتبة الصلاح في غاية العظمة قال مشيرا إلى علو مقدارها: {ومن ~~الصالحين *} ومعلما بأنها محيطة بأمره، شاملة لآخر عمره، كما كانت مقارنة ~~لأوله، وكأنها لما سمعت ذلك امتلأت تعجبا فاستخفها ذلك إلى الاستعجال ~~بالسؤال قبل إكمال المقال بأن {قالت رب} أيها المحسن إلى {أنى} أي من أين ~~وكيف {يكون لي} ولما كان استبعادها لمطلق الحبل، لا بقيد كونه ذكرا كما في ~~قصة زكريا عليه السلام قالت {ولد} وقالت: {ولم يمسسني بشر} لفهمها ذلك من ~~نسبته إليها فقط. قال الحرالي: والبشر هو اسم المشهود من الآدمي في جملته ~~بمنزلة الوجه في أعلى قامته، من معنى البشرة، وهو ظاهر لاجلد انتهى (ولعل ~~هذا الكلام خطر لها ولم تلفظ به فعلم الملك عليه السلام أنه شغل فكرها ~~فأجابها عنه لتفريغ الفهم بأن {قال كذلك} أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن ~~العالم الرتبة يكون ما بشرتك به) ولما كان استبعادها لمطلق التكوين من # PageV04P400 # غير سبب أصلا عبر في تعليل ذلك بالخلق فقال: {الله} أي الملك الأعظم الذي ~~لا اعتراض عليه {يخلق} أي يقدر ويصنع ويخترع {ما يشاء} فعبر بالخلق إشارة ~~إلى أن العجب فيه لا في مطلق الفعل كما في يحيى عليه السلام من جعل ms0737 الشيخ ~~كالشاب، ثم علل ذلك بما بين سهولته فقال: {اذا قضى أمرا} أي جل أو قل ~~{فإنما يقول له كن فيكون *} بيانا للكلمة، فلما أجابها عما شغل قلبها من ~~العجب فتفرغ الفهم أخذ في إكمال المقال بقوله عطفا علي {ويكلم الناس} ~~بالياء كما قبله في قراءة نافع وعاصم، وبالنون في قراءة الباقين نظرا إلى ~~العظمة إظهارا لعظمة العلم: {ويعلمه} أو يكون مستأنفا فيعطف على ما تقديره: ~~فنخلقه كذلك ونعلمه {الكتاب} أي الكتابة أو جنس الكتاب فيشمل ذلك معرفة ~~الكتاب وحفظه وفهمه وغير ذلك من أمره {والحكمة} أي العلوم الإلهية # PageV04P401 # لتفيده تهذيب الأخلاق فيفيض عليه قول الحق وفعله على أحكم الوجوه بحيث لا ~~يقدر أحد على نقض شيء مما يبرمه. # ولما وصفه بالعلوم النظرية والعملية فصار متأهلا لأسرار الكتب الإلهية ~~قال: {والتوراة} أي التي تعرفينها {والإنجيل *} بإنزاله عليه تاليا لهما، ~~وتأخيره في الذكر الشرط فيقتضي اتصاف كل مقضي بهذه الأوصاف كلها. # ولما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال بعد ما أفاد عظمتها ~~بجعله ما مضى مقدمات لها: {ورسولا} عطفا على «تاليا» المقدر، أو ينصب ~~بتقدير: يجعله {إلى بني إسراءيل} أي بالإنجيل. ولما كان ذكر الرسالة موجبا ~~لتوقع الآية دلالة على صحتها، وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم ~~وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان الرسالة مقرونا بحرف التوقع فقال: ~~{أني} أي ذاكرا أني {قد جئتكم بآية من ربكم} أي الذي طال إحسانه إليكم، ثم ~~أبدل من «آية» {إني أخلق لكم} أي لأجل تربيتكم بصنائع الله # PageV04P402 # {من الطين} قال الحرالي: هو متخمر الماء والتراب حيث يصير متهيئا لقبول ~~وقع الصورة فيه {كهيئة} وهي كيفية وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي ~~يدركها ظاهر الحس - انتهى وهي الصورة المتهيئة لما يراد منها {الطير} ثم ~~ذكر احتياجه في إحيائه إلى معالجة بقوله معقبا للتصوير: {فأنفخ} قال ~~الحرالي: من النفخ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة انتهى. {فيه} أي في ~~ذلك الذي هو مثل الهيئة {فيكون طيرا} أي طائرا بالفعل - كما في قراءة ms0738 نافع، ~~وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه خالق حقيقة، ثم أكد ذلك إزالة لجميع الشبه ~~بقوله: {بإذن الله} أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال، له ~~روح كامل لحمله في الهواء تذكيرا بخلق آدم عليه السلام من تراب، وإشارة إلى ~~أن هذا أعجب من خلق آدمي من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك. # ولما ذكر ما يشبه أمر آدم عليه السلام أتبعه علاج أجساد أولاده بما يردها ~~إلى معتادها بما يعجز أهل زمانه، وكان الغلب عليهم الطب وبدأ بأجزائها ~~فقال: {وأبرىء} قال الحرالي: من الإبراء # PageV04P403 # وهو تمام التخلص من الداء، والداء ما يوهن القوى ويغير الأفعال العامة ~~للطبع والاختيار - انتهى. # {الأكمه والأبرص} بإيجاد ما فقد منها من الروح المعنوي؛ والكمه - قال ~~الحرالي - ذهاب البصر في أصل معناه: تلمع الشيء بلمع خلاف ما هو عليه، ومنه ~~براص الأرض - لبقع لا نبت فيها، ومنه البريص في معنى البصيص، فما تلمع من ~~الجلد على غير حاله فهو لذلك برص وقال الحرالي: البرص عبارة عن سور مزاج ~~يحصل بسببه تكرج، أي فساد بلغم يضعف القوة المغيرة عن إحالته إلى لون الجسد ~~- انتهى. # ولما فرغ من رد الأرواح إلى جزاء الجسم أتبعه رد الروح الكامل في جميعه ~~المحقق لأمر البعث المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في ~~بعض الآدميين فقال: {وأحي الموتى} أي برد أرواحهم إلى أشباحهم، بعضهم ~~بالفعل وبعضهم بالقوة، لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل، ~~وقد أعطاني قوة ذلك، # PageV04P404 # وهذا كما نقل القضاعي أن الحسن قال: «أتى رجل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فذكر أنه طرح بنية له في وادي كذا، فمضى معه إلى الوادي وناداها ~~باسمها: يا فلانة! أجيبي بإذن الله سبحانه وتعالى! فخرجت وهي تقول: لبيك ~~وسعديك! فقال لها: إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أردك إليهما، فقالت: لا ~~حاجة لي بهما، وجدت الله خيرا لي منهما» وقد تقدم في البقرة عند {أرني كيف ~~تحيي الموتى} [البقرة: 260] ما ينفع هنا، وقصة قتادة ms0739 ابن دعامة في رده صلى ~~الله عليه وسلم عينه بعد أن أصابها سهم فسالت على خده، فصارت أحسن من أختها ~~شهيرة، وقصة أويس القرني رحمه الله تعالى في إبراه الله سبحانه وتعالى له ~~من البرص ببره لأمه كذلك. # ولما كان ذلك من أمر الإحياء الذي هو من خواص الإلهية وأبطن آيات ~~الملكوتيه ربما أورث لبسا في أمر الإله تبرأ منه ورده إلى من هو له، مزيلا ~~للبس وموضحا للأمر فقال مكررا لما قدمه في مثله معبرا بما يدل على عظمه: ~~{بإذن الله} أي بعلمه وتمكينه، # PageV04P405 # ثم أتبعه ما هو من جنسه في الإخراج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فقال: ~~{وأنبئكم} أي من الأخبار الجليلة من عالم الغيب {بما تأكلون} أي مما لم ~~أشاهده، بل تقطعون بأني كنت غائبا عنه {وما تدخرون} ولما كان مسكن الإنسان ~~أعز البيوت عنده وأخفى لما يريد أن يخفيه قال: {في بيوتكم} قال الحرالي: من ~~الادخار: افتعال من الدخرة، قلب حرفاه الدال لتوسط الدال بين تطرفهما في ~~متقابلي حالهما؛ والدخرة ما اعتنى بالتمسك به عدة لما شأنه أن يحتاج إليه ~~فيه، فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو ادخار، وما كانت لتكسب فيما يكون من ~~القوام فهو احتكار - انتهى. # ولما ذكرهذه الخوارق نبه على أمرها بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم ~~{لآية لكم} أي أيها المشاهدون على أني عبد الله ومصطفاه، فلا تهلكوا في ~~تكويني من أنثى فقط فتطروني، فإني لم أعمل شيئا منها إلا ناسبا له إلى الله ~~سبحانه وتعالى وصانعا فيه ما يؤذن بالحاجة المنافية للإلهية ولو بالدعاء، ~~وأفرد كاف الخطاب أولا لكون ما عده ظاهرا لكل أحد على انفراده أنه آية ~~لجميع المرسل إليهم، وكذا # PageV04P406 # جمع ثانيا قطعا لتعنت من قد يقول: إنها لا تدل إلا باجتماع أنظار جميعهم ~~- لو جمع الأول، وإنها ليست آية لكلهم بل لواحد منهم - لو وحد في الثاني، ~~ولما كانت الآيات لا تنفع مع المعاندات قال: {إن كنتم مؤمنين *} أي مذعنين ~~بأن الله سبحانه وتعالى قادر على ms0740 ما يريد، وأهلا لتصديق ما ينبغي التصديق ~~به. # ولما كان ترجمة {إني قد جئتكم} آتيا إليكم بآية كذا، مصدقا بها لما أتيت ~~به، عطف على الحال المقدر منه تأكيدا لأنه عبد الله قوله: {ومصدقا لما بين ~~يدي} أي كان قبل إتياني إليكم {من التوراة} أي المنزلة على أخي موسى عليه ~~الصلاة والسلام، لأن القبلية تقتضي العدم الذي هو صفة المخلوق؛ أو يعطف على ~~{بآية} إذا جعلنا الباء للحال، لا للتعدية، أي وجئتكم مصحوبا بآية ومصدقا. # ولما ذكر التوراة أتبعها ما يدل على أنه ليس كمن بينه وبين موسى من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في إقرارها كلها على # PageV04P407 # ما هي عليه وتحديد أمرها على ما كان زمن موسى عليه الصلاة والسلام بل هو ~~مع تصديقها ينسخ بعضها فقال: {ولأحل} أي صدقتها لأحثكم على العمل بها ولأحل ~~{لكم بعض الذي حرم عليكم} أي فيها تخفيفا عليكم {وجئتكم} اية ليس مكررا ~~لتأكيد: {أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين} على ما توهم، ~~بل المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن عيسى عليه الصلاة والسلام لما ~~أتاهم بهذه الخوارف التي من جملتها إحياء الموتى، وكان من المقرر عندهم - ~~كما ورد في الأحاديث الصحيحة - التحذير من الدجال، وكان من المعلوم من حاله ~~أنه يأتي بخوارق، منها إحياء ميت ويدعى الإلهية، كان من الجائز أن يكون ذلك ~~سببا لشبهة تعرض لبعض الناس، فختم هذا الدليل على رسالته بما هو البرهان ~~الأعظم على عبوديته، وذلك مطابقته لما دعا إليه الأنبياء والمرسلون كلهم من ~~إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى فقال: وجئتكم {بآية} أي عظيمة خارقة ~~للعادة {من} عند {ربكم} أي المحسن إليكم بعد التفرد بخلقكم، وهي أجل ~~الأمارات وأدلها على صدقي في رسالتي، هو عدم تهمتي بوقوع شبهة في عبوديتي. # PageV04P408 # ولما تقرر بذكر الآية مرة بعد مرة مع ما أفادته من تأسيس التفصيل لأنواع ~~الآيات تأكيد رسالته تلطيفا لطباعهم الكثيفة، فينقطع منها ما كانت ألفته في ~~الأزمان المتطاولة من العوائد الباطلة سبب عن ذلك ما ms0741 يصرح بعبوديته أيضا ~~فقال مبادرا للإشارة إلى أن الأدب مع المحسن آكد والخوف منه أحق وأوجب لئلا ~~يقطع إحسانه ويبدل امتنانه {فاتقوا الله} أي الذي له الأمر كله {وأطيعون *} ~~أي في قبولها فإن التقوى مستلزمة لطاعة الرسول. # PageV04P409 # ولما كان كأنه قيل: ما تلك الآية التي سميتها «آية» بعد ما جئت به من ~~الأشياء الباهرة قال: {إن الله} الجامع لصفات الكمال {ربي وربكم} أي خالقنا ~~ومربينا، أنا وأنتم في ذلك شرع واحد، وقراءة من فتح {إن} أظهر في المراد ~~{فاعبدوه هذا} أي الذي دعوتكم إليه {صراط مستقيم *} أنا وأنتم فيه سواء، لا ~~أدعوكم # PageV04P409 # إلى شيء إلا كنت أول فاعل له، ولا أدعي أني إله ولا أدعو إلى عبادة غير ~~الله تعالى كما يدعي الدجال ويغره من الكذبة الذين تظهر الخوارق على أيديهم ~~امتحانا من الله سبحانه وتعالى لعباده فيجعلونها سببا للعلو في الأرض ~~والترفع على الناس، وجاء بالتحذير منهم وتزييف أحوالهم الأنبياء، وإلى هذا ~~يرشد قول عيسى عليه السلام فيما سيأتي عن إنجيل يوحنا أن من يتكلم من عنده ~~إنما يطلب المجد لنفسه، فأما الذي يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ~~ظلم؛ وإلى مثل ذلك أرشدت التوراة فإنه جعل العلامة على صدق الصادق وكذب ~~الكاذب الدعوة، فمن كانت دعوته إلى الله سبحانه وتعالى وجب تصديقه، من كذبه ~~هلك، ومن دعا إلى غيره وجب تكذيبه، ومن صدقه هلك؛ قال في السفر الخامس ~~منها: وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم الله ربكم فلا تعملوا مثل أعمال تلك ~~الشعوب، ولا يوجد فيكم من يقبر ابنه أو ابنته في النار نذرا للأصنام، ولا ~~من يطلب تعليم العرافين، ولا من يأخذ بالعين، ولا يوجد فيكم # PageV04P410 # من يتطير طيرة، ولا ساحر، ولا من يرقى رقية، ولا من ينطلق إلى العرافين ~~والقافة فيطلب إليهم ويسألهم عن الموتى، لأن كل من يعمل هذه الأعمال هو نجس ~~بين يدي الله ربكم، ومن أجل هذه النجاسة يهلك الله هذه الشعوب من بين ~~أيديكم؛ ولكن كونوا متواضعين مخبتين أما الله ربكم، ms0742 لأن هذه الشعوب التي ~~ترثونها كانت تطيع العرافين والمنجمين، فأما أنتم فليس هكذا يعطيكم الله ~~ربكم، بل يقيم لكم نبيا من إخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي كما أطعتم الله ~~ربكم في حوريب يوم الجماعة وقلتم: لا نسمع صوت الله ربنا ولا نعاين هذه ~~النار العظيمة لئلا نموت، فقال الرب: ما أحسن ما تكلموا! سأقيم لهم نبيا من ~~إخوتهم مثلك وأجري قولي فيه ويقول لهم ما آمره به، والرجل الذي لا يقبل # PageV04P411 # قول النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه، فأما النبي الذي يتكلم ويتجرأ ~~باسمي ويقول ما لم آمره أن يقوله ويتكلم بأسماء الآلهة الأخرى ليقتل ذلك ~~النبي، وإن قلتم في قلوبكم: كيف لنا أن نعرف القول الذي لم يقله الرب، إذا ~~تكلم ذلك النبي باسم الرب فلم يكمل قوله: ولم يتم فلذلك القول لم يقله الرب ~~ولكن تكلم ذلك النبي جراءة وصفاقة وجه، فلا تخافوه ولا تفزعوا منه؛ وقال ~~قبل ذلك بقليل: وإذا أهلك الله الشعوب التي تنطلقون إليها وأبادهم م نبين ~~أيديكم وورثتموهم وسكنتم أرضهم، احفظوا، لا تتبعوا آلهتهم من بعد ما يهلكهم ~~الله من بين أيديكم، ولا تسألوا عن آلهتهم ولا تقولوا: كيف كانت هذه الشعوب ~~تعبد آلهتها حتى نفعل نحن مثل فعلها؟ ولا تفعلوا مثل فعالها أمام الله ~~ربكم، لأنهم عملوا بكل ما أبغض الله وأحرقوا بنيهم وبناتهم لآلهتهم، ولكن ~~القول الذي آمركم به إياه احفظوا وبه اعملوا! لا تزيدوا ولا تنقصوا منه ~~شيئا # PageV04P412 # فإن قام بينكم نبي أو من يفسر أحلاما وعمل آية أو عجيبة ويقول: اقبلوا ~~بنا نعبد الآلهة الأخرى التي لا تعرفونها ونتبعها - لا يقبل قول ذلك النبي ~~وصاحب الأحلام، لأنه إنما يريد، أن يجربكم ليعلم هل تحبون الله ربكم، ~~احفظوا وصاياه واتقوا واسمعوا قوله واعبدوه والحقوا به، فأما ذلك النبي ~~وذلك الذي تحلم الأحلام فليقتل، لأنه نطق بإثم أمام الله ربكم الذي أخرجكم ~~من أرض مصر وخلصكم من العبودية فأراد أن يضلكم عن الطريق الذي أمركم الله ~~ربكم أن تسيروا فيه، واستأصلوا ms0743 الشر من بينكم، وإن شوقك أخوك ابن أمك وأبيك ~~أو ابنتك أو حليلتك أو صديقك ويقول لك: هلم بنا نتبع الآلهة الأخرى التي لم ~~تعرفها أنت ولا آباؤك من آلهة الشعوب التي حولكم - القريبة منكم والبعيدة - ~~ومن أقطار الأرض إلى أقصاها - لا تقبل قوله ولا تطعه ولا تشفق عليه ولا ~~ترحمه ولا تلتم عليه ولا تتعطف عليه، ولكن اقتله قتلا، وابدأ به # PageV04P413 # أنت قتلا، ثم يبدأ به جميع الشعوب، وارجموه بالحجارة وليمت، لأنه أراد أن ~~يضلك عن عبادة الله ربك الذي أخرجك من أرض مصر وخلصك من العبودية، ويسمع ~~بذلك جميع بني إسرائيل، ويفزعون فلا يعودوا أن يعملوا مثل هذا العمل السوء ~~بينكم، وإذا سمعتم أن في قرية من القرى التي أعطاكم الله قوما قد ارتكبوا ~~خطيئة وأضلوا أهل قريتهم وقالوا لهم: ننطلق فنعبد آلهة أخرى لم تعرفوها، ~~ابحثوا نعما وسلوا حسنا، إن كان القول الذي بلغكم يقينا وفعلت هذه النجاسة ~~في تلك القرية اقتلوا أهل تلك القرية بالسيف، واقتلوا كل من فيها من النساء ~~والصبيان والبهائم بالسيف، واجمعوا جميع نهبها خارج القرية وأحرقوا القرية ~~بالنار وأحرقوا كل نهبها أما الله ربكم، وتصير القرية تلا خرابا إلى الأبد ~~ولا تبنى أيضا، ولا يلصق بأيديكم من خرابها شيء ليصرف الرب غضبه عنكم ويعطف ~~عليكم ويفيض رحمته عليكم ويجيبكم ويرحمكم ويكثركم كما قال لآبائكم؛ هذا إن ~~أنتم سمعتم قول الله ربكم، وحفظتم وصاياه التي أمرتكم بها اليوم، وعملتم ~~الحسنات أمام الله ربكم، فإذا فعلتم هذا صرتم لله ربكم، لا تأثموا # PageV04P414 # ولا تصيروا شبه الوحش ولا تخدشوا وجوهكم وبين أعينكم على الميت، لأنكم ~~شعب طاهر لله ربكم، وإياكم اختار الله ربكم أن تكونوا له شعبا حبيبا أفضل ~~من جميع شعوب الأمم - انتهى. # فقد تبين من هذا كله أن عيسى عليه الصلاة والسلام مصدق للتوراة في الدعاء ~~إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وأن الآية الكبرى على صدق النبي الحق اختصاصه ~~الله تعالى بالدعوة وتسويته بين نفسه وجميع من يدعوه في الإقبال عليه ~~والتعبد له ms0744 والتخشع لديه، وأن الآية على كذب الكاذب دعاؤه إلى غير الله؛ ~~وفي ذلك وأمثاله مما سيأتي عن الإنجيل في سورة النساء تحذير من الدجال ~~وأمثاله، فثبت أن المراد بالآية في هذه الآية ما قدمته من الإخبار بأن الله ~~سبحانه وتعالى رب الكل والأمر بعبادته، وهذا كما يأتي من أمر الله سبحانه ~~وتعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] إلى قوله: {ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله} [آل عمران: 64] . # ولما ختم سبحانه وتعالى هذه البشارة بالآية القاطعة القويمة الجامعة، ~~وكان قوله: في أول السورة {يصوركم في الأرحام # PageV04P415 # كيف يشاء} وقوله هنا {يخلق ما يشاء} مغنيا عن ذكر حملها، طواه وأرشد ~~السياق حتما إلى أن التقدير: فصدق الله فيما قال لها، فحملت به من غير ذكر ~~فولدته - على ما قال سبحانه وتعالى - وجيها وكلم الناس في المهد وبعده، ~~وعلمه الكتاب والحكمة وأرسله إلى بني إسرائيل، فأتم لهم الدلائل ونفى الشبه ~~على ما أمره به الذي أرسله سبحانه وتعالى وعلموا أنه ناسخ لا مقرر، فتابعه ~~قوم وخالفه آخرون فغطوا جميع الآيات وأعرضوا عن الهدى والبينات، ونصبوا له ~~الأشراك والحبائل وبغوه الدواهي والغوائل، فضلوا على علم وظهر منهم الكفر ~~البين واعوجوا عن الصراط المستقيم عطف عليه قوله مسليا لهذا النبي الكريم ~~صلى الله عليه وسلم: {فلما أحس} قال الحرالي: من الإحساس وهو منال الأمر ~~بادرا إلى العلم والشعور الوجداني - انتهى {عيسى منهم الكفر} أي علمه علم ~~من شاهد الشيء بالحس ورأى مكرهم على ذلك يتزايد وعنادهم يتكاثر # PageV04P416 # بعد أن علم كفرهم علما لا مرية فيه، فاستغاث بالأنصار وعلم أن منجنون ~~الحرب قد دار، فعزم على إلحاقهم دار البوار {قال من أنصاري} . # ولما كان المقصود ثبات الأنصار معه إلى أن يتم أمره عبر عن ذلك بصلة دلت ~~على تضمين هذه الكلمة كلمة توافق الصلة فقال: {إلى} أي سائرين أو واصلين ~~معي بنصرهم إلى {الله} أي الملك الأعظم {قال الحواريون} ms0745 قال الحرالي: جمع ~~حواري وهو المستخلص نفسه في نصرة من تحق نصرته بما كان من إيثاره على نفسه ~~بصفاء وإخلاص لا كدر فيه ولا شوب - انتهى. # وهو مصروف لأن ياءه عارضة {نحن أنصار الله} أي الذي أرسلك وأقدرك على ما ~~تأتي به من الآيات، فهو المحيط بكل شيء عزة وعلما، ثم صححوا النصرة وحققوا ~~بأن عللوا بقولهم: {آمنا بالله} أي على ما له من صفات الكمال، ثم أكدوا ذلك ~~بقولهم مخاطبين لعيسى عليه الصلاة والسلام رسولهم أكمل الخق إذ ذاك: {واشهد ~~بأنا مسلمون *} أي منقادون لجميع ما تأمرنا به كما هو حق من آمن لتكون # PageV04P417 # شهادتك علينا أجدر لثباتنا ولتشهد لنا بها يوم القيامة. # ثم لما خاطبوا الرسول أدبا ترقوا إلى المرسل في خطابهم إعظاما للأمر ~~وزيادة في التأكيد فقالوا مسقطين لأداة النداء استحضارا لعظمته بالقرب ~~لمزيد القدرة وترجي منزلة أهل الحب: {ربنا آمنا بما أنزلت} أي على ألسنة ~~رسلك كلهم {واتبعنا الرسول} الآتي إلينا بذلك معتقدين رسالته منك وعبوديته ~~لك {فاكتبنا} لتقبلك شهادتنا واعتدادك بها {مع الشاهدين *} أي الذين قدمت ~~أنهم شهدوا لك بالوحدانية مع الملائكة، ولعله عقب ذلك بقوله: {ومكروا} ~~المعطوف على قوله: {قال من أنصاري إلى الله} بالإضمار الصالح لشمول كل من ~~تقدم له ذكر إشارة إلى أن التمالؤ عليه يصح أن ينسب إلى المجموع من حيث هو ~~مجموع، أما مكر اليهود فمشهور، وأما الحواريون الاثنا عشر فنقض أحدهم وهو ~~الذي تولى # PageV04P418 # كبر الأمر وجر اليهود إليه ودلهم عليه - كما يأتي بيانه إن شاء الله ~~تعالى في سورة النساء، وترتيب المكر على الشرط يفهم أنهم لما علموا إحساسه ~~بفكرهم خافوا غائلته فأعملوا الحيلة في قتله. والمكر - قال الحرالي - إعمال ~~الخديعة والاحتيال في هدم بناء ظاهر كالدنيا، والكيد أعمال الخدعة ~~والاحتيال في هدم بناء باطن كالتدين والتخلق وغير ذلك، فكان المكر خديعة حس ~~والكيد خديعة معنى - انتهى. ثم إن مكرهم تلاشى واضمحل بقوله: {ومكر الله} ~~أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما. # ولما كان المقام لزيادة العظمة أظهر ولم ms0746 يضمر لئلا يفهم الإضمار خصوصا من ~~جهة ما فقال: {والله} أي والحال أنه الذي له هذا الاسم الشريف فلم يشاركه ~~فيه أحد بوجه {خير الماكرين *} بإرادته تأخير حربه لهم إلى وقت قضاه في ~~الأزل فأمضاه وذلك عند مجيء الدجال بجيش اليهود فيكون أنصاره الذين سألهم ~~ربه هذه الأمة تشريفا لهم، ثم بين ما فعله بهم من القضاء الذي هو على صورة ~~المكر في كونه أذى يخفى على المقصود به بأنه رفعه إليه وشبه ذلك عليهم # PageV04P419 # حتى ظنوا أنهم صلبوه وإنما صلبوا أحدهم، ويقال: إنه الذي دلهم، وأما هو ~~عليه الصلاة والسلام فصانه عنده بعد رفعه إلى محل أوليائه وموطن قدسه ~~لينزله في آخر الزمان لاستئصالهم بعد أن ضرب عليهم الذلة بعد قصدهم له ~~بالأذى الذى طلبوا به العز إلى آخر الدهر فكان تدميرهم في تدبيرهم، وذلك ~~أخفى الكيد فقال تعالى مخبرا عن ذلك على وجه مبشر له بأنه عاصمه من أن ~~يقتلوه ومميته حتف أنفه: {إذ} أي مكر حين {قال الله} أي ما له من التفرد ~~بصفات الكمال {يا عيسى إني متوفيك} وعبر عن ذلك بطريق الكناية الإيمائية ~~فإن عصمته من قتل الكفار ملزومة للموت حتف الأنف، وأما قول الزمخشري: أي ~~مستوفى أجلك ومعناه: إني عاصمك من أن يقتلك الكفار، ومؤخرك إلى أجل كتبته ~~لك، ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم - ليكون كناية تلويحية عن العصمة من ~~القتل لأنها ملزومة لتأخيره إلى الأجل المكتوب والتأخير ملزوم للموت حتف ~~الأنف - فلا ينبغي الاغترار به لأنه مبني على مذهب الاعتزال من أن القاتل # PageV04P420 # قطع أجل المقتول المكتوب، وكأن القاضي البيضاوي لم يتفطن له فترجم هذه ~~العبارة بما يؤديها؛ ويجوز أن يكون معنى متوفيك: آخذك إلي من غير أن يصلوا ~~منك إلى محجم دم ولا ما فوقه من عضو ولا نفس فلا تخش مكرهم. # قال في القاموس: أوفى فلانا حقه: أعطاه وافيا، كوفاه ووافاه فاستوفاه ~~وتوفاه. # ثم زاد سبحانه وتعالى في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته وموطن ملائكته ~~ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال: ms0747 {ورافعك} وزاد إعظام ذلك بقوله: {إلي ~~ومطهرك من الذين كفروا} . # ولما كان لذوي الهمم العوال، أشد التفات إلى ما يكون عليه خلائفهم بعدهم ~~من الأحوال، بشره سبحانه وتعالى في ذلك بما يسره فقال: {وجاعل الذين ~~اتبعوك} أي ولو بالاسم {فوق الذين كفروا} أي ستروا ما يعرفون من نبوتك بما ~~رأوا من الآيات التي أتيت بها مطابقة لما عندهم من البشائر بك {إلى يوم ~~القيامة} وكذا # PageV04P421 # كان، لم يزل من اتسم بالنصرانية حقا أو باطلا فوق اليهود، ولا يزالون ~~كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد. # ولما كان البعث عاما دل عليه بالالتفات إلى الخطاب فقال تكميلا لما بشر ~~به من النصرة: {ثم إلي مرجعكم} أي المؤمن والكافر في الآخرة {فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون *} ثم فصل له الحكم فقال مرهبا لمخالفيه مرغبا ~~لموافقيه، وقدم المخالفين لأن السياق لبيان إذلالهم: {فإما الذين كفروا} أي ~~من الطائفتين {فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا} بالذل والهوان والقتل والأسر ~~{والآخرة} بالخزي الدائم {وما لهم من ناصرين *} وإن كثر عددهم ولم يقل: ~~وأما الذين اتبعوك - لئلا يلتبس الحال وإن كان من اتبع النبي الأمي فقد ~~اتبعه في بشارته به والأمر باتباعه بل قال: {وأما الذين آمنوا وعموا ~~الصالحات} لأن هذه ترجمة الذين اتبعوه حق الاتباع. # ولما كان تمام الاعتناء بالأولياء متضمنا لغاية القهر للأعداء أبدى # PageV04P422 # في مظهر العظمة قوله تعظيما لهم وتحقيرا لأعدائهم: {فيوفيهم أجورهم} أي ~~نحبهم من غير أن نبخسهم منها شيئا أو نظلم أحدا من الفريقين في شيء فإن ~~الله سبحانه وتعالى متعال عن ذلك {والله} الذي له الكمال كله {لا يحب ~~الظالمين *} من كانوا، أي لا يفعل معهم فعل المحب، فهو يحبط أعمالهم ~~لبنائها على غير أساس الإيمان، فالآية من الاحتباك، ونظمها على الأصل: ~~فنوفيهم لأنا نحبهم والله يحب المؤمنين، والذين ظلموا نحبط أعمالهم لأنا لا ~~نحبهم والله لا يحب الظالمين؛ فتوفية الأجر أولا ينفيها ثانيا، وإثبات ~~الكراهة ثانيا يثبت ضدها أولا، وحقيقة الحال أنه أثبت للمؤمنين لازم المحبة ~~المراد منها ms0748 في حق الله سبحانه وتعالى لأنه أسر، # PageV04P423 # ولازم المراد من عدمها في الظالمين لأنه أنكأ. # ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام من ~~ابتداء تكوينه إلى انتهاء رفعه وما كان بعده من أمر أتباعه مشيرا بذلك إلى ~~ما فيه من بدائع الحكم وخزائن العلوم واللطائف المتنزلة على مقادير الهمم ~~على أتقن وجه وأحكمه وأتمه وأخلصه وأسلمه، وختمه بالتنفير من الظلم، وكان ~~الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وكان هذا القرآن العظيم قد حاز من حسن ~~الترتيب ورصانة النظم بوضع كل شيء منه لفظا ومعنى في محله الأليق به المحل ~~الأعلى، لا سيما هذه الآيات التي أتت بالتفصيل من أمر عيسى عليه الصلاة ~~والسلام، فلم تدع فيه شكا ولا أبقت شبهة ولا لبسا، أتبع ما تقدم من تفصيل ~~الآيات البينات قوله منبها على عظمة هذه الآيات الشاهدات الآتي بها صلى ~~الله عليه وسلم بأوضح الصدق بإعجازها في نظمها وفي العلم بمضامينها من غير ~~معلم من البشر كما تقدم نحو ذلك في {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} {هود: ~~49] {ذلك} أي النبأ العظيم والأمر الجسيم الذي لم تكن تعلم شيئا منه ولا ~~علمه من شبان قومك # PageV04P424 # {نتلوه} أي نتابع قصه بما لنا من العظمة {عليك} وأنت أعظم الخلق حال كونه ~~{من الآيات} أي التي لا إشكال فيها، ويجوز أن يكون خبر اسم الإشارة، ~~{والذكر الحكيم *} إشارة إلى ذلك لأن الحكمة وضع الشيء في أعدل مواضعه ~~وأتقنها، وأشار بأداة البعد تنبيها على علو منزلته ورفيع قدره. # PageV04P425 # ثم أكد ظلمهم وصور حكمته بمثل هذا الفرقان في أمر عيسى عليه الصلاة ~~والسلام الكاشف لما في ذلك مما ألبس عليهم فقال: {إن مثل عيسى} أي في كونه ~~من أنثى فقط {عند الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما في إخراجه من غير سبب ~~حكمي عادي {كمثل آدم} في أن كلا منهما أبدع من غير أب، بل أمر آدم أعجب ~~فإنه أوجده من غير أب ولا أم، ولذلك فسر مثله بأنه {خلقه} ms0749 أي قدره وصوره ~~جسدا من غير جنس البشر، بل {من تراب} فعلمنا أن تفسير مثل عيسى كونه خلقه ~~من جنس البشر من أم فقط بغير أب، فمثل عيسى أقل غرابة من هذه الجهة وإن كان ~~أغرب من حيث إنهم لم يعهدوا مثله، فلذلك كان مثل آدم مثلا له موضحا لأنه مع ~~كونه أغرب اشهر (وعبر بالتراب دون الماء والطين والحمأ وغيره كما في # PageV04P425 # غير هذا الموطن، لأن التراب أغلب أجزائه ولأن المقام لإظهار العجب، ~~وإبداع ما أسكنه أنواع الأنوار بالهداية والعلوم الباهرة من التراب الذي هو ~~أكثف الأشياء أغرب كما أن تغليب ظلام الضلال على الشياطين من كونهم من عنصر ~~نير أعجب) . # ولما شبه المثل بالمثل علمنا أن مثل عيسى كل ولد نشاهده تولد من أنثى، ~~ومثل آدم كل حيوان نشاهده تولد من تراب، وما شاهده بنو إسرائيل من خلق عيسى ~~عليه الصلاة والسلام الطير من الطين فهذا المثل الذي هو كل ما تولد من أنثى ~~مثل ذلك المثل الذي هو كل ما تولد من تراب في أن كلا منهما لم يكن إلا ~~بتكوين الله سبحانه وتعالى، وإلا لكان كل جماع موجبا للولد وكل تراب موجبا ~~لتولد الحيوان منه، فلما كان أكثر الجماع لا يكون منه ولد علمنا أن الإيجاد ~~بين الذكر والأنثى إنما هو بقدرة الله سبحانه وتعالى وإرادته، ومن إرادته ~~وقدرته كونه من ذكر وأنثى، فلا فرق في ذلك بين أن يريد كونه من أنثى بتسبيب ~~جماع من ذكر يخرق به عادة الجماع فيجعله موجبا للحبل وبين أن يريد كونه من # PageV04P426 # أنثى فقط فيخرق به عادة ما نشاهده الآن من التوليد بين الذكر والأنثى، ~~كما أنا لما علمنا أنه ليس كل تراب يكون منه حيوان علمنا قطعا أن هذا ~~المتولد من تراب إنما هو بإرادة القادر واختياره لا بشيء آخر، وإلى ذلك ~~أشار يحيى عليه الصلاة والسلام بقوله فيما سلف قريبا: إن الله قادر على أن ~~يقيم من الحجارة أولادا لإبراهيم، أي لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخلق ms0750 ~~المسببات فلا فرق حينئذ بين مسبب وسبب، بل كلها في قدرته سواء، وإلى ذلك ~~أشار قوله: {ثم قال له كن} أي بشرا كاملا روحا وجسدا، وعبر بصيغة المضارع ~~المقترن بالفاء في {فيكون *} دون الماضي وإن كان المتبادر إلى الذهب أن ~~المعنى عليه حكاية للحال وتصويرا لها إشارة إلى أنه كان مع الأمر من غير ~~تخلف وتنبيها على أن هذا هو الشأن دائما، يتجدد مع كل مراد، لا يتخلف عن ~~مراد الآمر أصلا - كما تقدم التصريح به في آية # {إذا قضى أمرا} [البقرة: 117] وذلك أغرب مما كان سبب ضلال النصارى الذين ~~يجادل عن معتقدهم وفد نجران، قال سبحانه وتعالى ذلك إشارة إلى أنهم ظلموا ~~في القياس، وكان العدل أن يقاس في خرقه للعادة بأبي أمه الذي كان يعلم ~~الأسماء كلها وسجد له الملائكة، لا بخالقه ومكونه تعالى عما # PageV04P427 # يقول الظالمون علوا كبيرا. # قال الحرالي: جعل سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسلام مثلا مبدؤه ~~السلالة الطينية، وغايته النفخة الأمرية، وكان عيسى عليه الصلاة ولاسلام ~~مثلا مبدؤه الروحية والكلمة، وغايته التكمل بملابسة السلالة الطينية، حتى ~~قال صلى الله عليه وسلم: إنه عند نزوله في خاتمة اليوم المحمدي يتزوج امرأة ~~من بني أسد ويولد له غلام لتكمل به الآدمية في العيسوية كما كملت العيسوية ~~في الآدمية وليكون مثلا واحدا أعلى جامعا {وله المثل الأعلى في السماوات ~~والأرض} [الروم: 27]- انتهى. # ولما ابتدأ القصة بالحق في قوله: {نزل عليك الكتاب بالحق} ختمها بذلك على ~~وجه آكد وأضخم فقال: {الحق} أي الكامل في الثبات كائن {من ربك} أي المحسن ~~إليك بأنه لا يدع لخصم عليك مقالا، ولما تسبب عما مضى نقلا وعقلا الاعتقاد ~~الحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام قال: {فلا تكن من الممترين *} مشيرا ~~بصيغة الافتعال إلى أنه لا يشك فيه بعد هذا إلا من أمعن الفكر في شبه ~~يثيرها وأوهام يزاولها ويستزيرها، وما أحسن ما في سفر الأنبياء # PageV04P428 # الإسرائيليين الذي هو بأيدي الطائفتين اليهود ثم النصارى، يتناقلونه ~~معتقدين ما فيه، وأوضحه في خلاف معتقدهم ms0751 في عيسى عليه الصلاة والسلام ~~وموافقة معتقدنا فيه، لكنهم لا يتدبرون، وذلك أنه قال في نبوة أشعيا عليه ~~السلام: اسمع مني يا يعقوب عبدي وأنت يا إسرائيل الذي انتخبته! أنا الذي ~~خلقتك في الرحم وأعنتك، ثم قال: هكذا يقول: يقول الرب: أنا الذي جبلتك في ~~الرحم وخلصتك وأعنتك، أنا الذي خلقت الكل، وأنا الذي مددت السماء وحدي، ~~وأنا الذي ثبت الأرض، أنا الذي أبطل آيات العرافين، وأصير كل تعريفهم جهلا، ~~وأرد الحكماء إلى خلفهم، وأعرف أعمالهم للناس، وأثبت كلمة عبيدي، وأتمم قول ~~رسلي؛ ثم قال: أنا الرب الذي خلقت هذه الأشياء، الويل للذي يخاصم خالقه ولا ~~يعلم أنه من خزف الطين! لعل الطين يقول للفاخوري: لماذا تصنعني؟ أو لعله ~~يقول له: لست أنا من صنعتك، الويل للذي يقول لأبيه: لماذا ولدتني؟ أو لأمه: ~~لماذا حبلت بي؟ هكذا يقول الرب قدوس # PageV04P429 # إسرائيل ومخلصه: أنا الذي خلقت السماء ومددتها بيدي وجميع أجنادها، وجعلت ~~فيها الكواكب البهية. # ذكر ما يحتاج إليه المفسرون - ويثمر إن شاء الله سبحانه وتعالى زيادة ~~الإيقان لكل مسلم - من قصة عيسى عليه السلام في ولادته وما يتعلق بهذه ~~السورة من مبدإ أمره ومنتهاه وبعض ما ظهر على يديه من الآيات ولسانه من ~~الحكم المشيرة إلى أنه عبد الله ورسوله وغير ذلك من الأناجيل الأربعة التي ~~في أيدي النصارى اليوم، وقد أدخلت كلام بعضهم في بعض وجمعت ما تفرق من ~~المعاني في سياقاتهم بحيث صار الكل حديثا واحدا: # قال متى - ومعظم السياق له -: كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داود بن ابراهيم ~~عليهم الصلاة والسلام، ثم قال: لكل الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر ~~جيلا، ومن داود إلى زربابل أربعة عشر جيلا، ومن زربابل إلى المسيح أربعة ~~عشر جيلا؛ لما خطبت مريم أمه ليوسف قبل أن يفترقا وجدت حبلا من # PageV04P430 # روح القدس، وكان يوسف خطيبها صديقا ولم يرد أن ينشرها، وهم بتخليتها سرا، ~~وفيما هو مفكر في هذا إذا ظهر له ملاك الرب في الحلم قائلا: يا يوسف بن ~~داود! ms0752 لا تخف أن تأخذ مريم خطيبتك، فإن الذي تلده هو من روح القدس، وستلد ~~ابنا ويدعى اسمه يسوع، وهو يخلص شعبه من خطاياهم، هذا كله كان لكي يتم ما ~~قيل من قبل الرب على لسان النبي القابل: ها هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنا، ~~ويدعى اسمه «عمانويل» الذي تفسيره: الله معنا، فقام يوسف من النوم وصنع كما ~~أمره ملاك الرب وأخذ مريم خطيبته ولم يعرفها حتى ولدت ابناه البكر، ودعي ~~اسمه يسوع. # وفي إنجيل لوقا: ولما كان في تلك الأيام - أي أيام ولادة يحيى بن زكريا ~~عليهم السلام - خرج أمر من أوغوسطوس قيصر # PageV04P431 # بأن يكتب جميع المسكونة هذه الكتبة الأولى في ولاية فرسوس على الشام، ~~فمضى جميعهم ليكتتب كل واحد منهم في مدينته، فصعد يوسف أيضا من الجليل من ~~مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم، لأنه كان من ~~بيت داود وقبيلته ليكتتب مع مريم خطيبته وهي حبلى، فبينما هما هناك إذ تمت ~~أيام ولادتها لتلد، فولدت ابنها البكر ولفته وتركته في مزود لأنه لم يكن ~~لهما موضع حيث نزلا، وكان في تلك الكورة رعاة يسهرون لحراسة الليل نوبا على ~~مراعيهم، وإذا ملاك الرب قد وقف بهم ومجد الرب أشرق عليهم، فخافوا خوفا ~~عظيما، قال لهم الملاك: لا تخافوا الآن، هو ذا أبشركم بفرح عظيم يكون لكم ~~ولجميع الشعوب، لأنه ولد لكم اليوم مخلص، الذي هو المسيح في مدينة داود، ~~وهذه علامة لكم أنكم تجدون طفلا ملفوفا موضوعا في مزود، وللوقت بغتة تراءى ~~مع الملاك جنود كثيرة سماويون، يسبحون الله سبحانه وتعالى ويقولون: المجد ~~لله في العلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة؛ فلما صعد الملائكة إلى ~~السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: امضوا بنا إلى بيت لحم لننظر الكلام ~~الذي أعلمنا به الرب، فجاؤوا مسرعين فوجدوا مريم ويوسف والطفل موضوعا في # PageV04P432 # مزود؛ فلما رأوه علموا أن الكلام الذي قيل لهم عن الصبي حق، وكل من سمع ~~تعجب مما تكلم به الرعاة، وكانت مريم تحفظ هذا ms0753 الكلام كله وتقيه، ورجع ~~الرعاة يمجدون الله سبحانه وتعالى ويسبحون على كل ما سمعوا وعاينوا كما قيل ~~لهم. # ولما تمت ثمانية أيام أتوا به ليختن ودعوا اسمه يسوع كالذي دعاه الملاك ~~قبل أن تحبل به في البطن، فلما كملت أيام تطهيرها - على ما في ناموس موسى - ~~صعدوا به إلى يروشليم ليقيموه للرب، كما هو مكتوب في ناموس الرب أن كل ذكر ~~فاتح رحم أمه يدعى قدوس الرب، ويقرب عنه - كما هو مكتوب في ناموس الرب - ~~زوج # PageV04P433 # يمام أو فرخا حمام؛ وكان إنسان بايروشليم اسمه شمعون، وكان رجلا بارا ~~تقيا، يرجو عز بني إسرائيل، وروح القدس كان عليه، وكان يوحى إليه من روح ~~القدس أنه لا يموت حتى يعاين المسيح الرب، فأقبل بالروح إلى الهيكل عندما ~~جاؤوا بالطفل يسوع ليصفى عنه كما يجب في الناموس، فحمله على ذراعه وبارك ~~الرب قائلا: الآن يا سيد! أطلق عبدك بسلام لكلامك، لأن عيني أبصرتك خلاصك ~~الذي أعددت قدام جميع الشعوب، نور استعلن للأمم ومجد لشعبك إسرائيل، وكان ~~يوسف وأمه يتعجبان مما يقال عنه، وباركهما شمعون وقال لمريم أمه: هوذا هذا ~~موضوع لسقوط كثير وقيام كثير من بني إسرائيل. وكانت حنة النبية ابنة فانوئل ~~من سبط أشير قد طعنت في أيامها وأقامت مع # PageV04P434 # زوجها سبعة وستين بعد بكوريتها، وترملت أربعة وثمانين عاما غير مفارقة ~~للهيكل عائدة للصوم، وللطلبة ليلا ونهارا، وفي تلك الساعة جاءت قدامه ~~معترفة لله وكانت تتكلم من أجله عند كل أحد، تترجى خلاص يروشليم، فلما ~~أكملوا كل شيء على ما في ناموس الرب رجعوا إلى الجليل إلى مدينتهم الناصرة، ~~فأما الصبي فكان ينشأ ويتقوى بالروح ويمتلىء بالحكمة، ونعمة الله كانت ~~عليه، وأبواه يمضيان إلى يروشليم في كل سنة في عيد الفصح. # وقال متى: فلما ولد يسوع في بيت لحم يهودا في أيام هيرودس الملك إذا مجوس ~~وافوا من المشرق إلى يروشليم قائلين: أين هو المولود ملك اليهود لأنا رأينا ~~نجمة في المشرق، ووافينا لنسجد له، فلما سمع هيرودس الملك اضطرب وجمع ~~يروشليم ms0754 وجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب واتسخبرهم: أين يولد المسيح؟ ~~فقالوا # PageV04P435 # له: في بيت لجحم أرض يهودا - كما هو مكتوب في النبي: وأنت يا بيت لحم أرض ~~يهودا لست بصغيرة في ملوك يهود، يخرج منك مقدم، الذي يرعى شعب بني إسرائيل. # حينئذ دعا هيرودس والروم المجوس سرا، وتحقق منهم الزمان الذي ظهر لهم فيه ~~النجم وأرسلهم إلى بيت لحم قائلا: امضوا فابحثوا عن الصبي باجتهاد، فإذا ~~وجدتموه فأخبروني لآتي أنا وأسجد له، فلما سمعوا من الملك ذهبوا، وإذا ~~النجم الذي رأوه في المشرق يقدمهم حتى جاء ووقف حيث كان الصبي، فلما رأوا ~~النجم فرحوا فرحا عظيما جدا، وأتوا إلى البيت فرأوا الصبي، مع مريم أمه، ~~فخروا له سجدا وفتحوا أوعيتهم وقدموا له قرابين ذهبا ولبانا ومرا، وأنحى ~~إليهم في الحلم أن لا يرجعوا إلى هيردوس، بل يذهبوا في طريق أخرى إلى ~~كورتهم، فلام ذهبوا وإذ ملاك الرب تراءى ليوسف في الحلم قائلا: قم، خذ ~~الصبي وأمه واهرب إلى أرض مصر وكن هناك حتى أقول لك فإن هيردوس مزمع أن ~~يطلب الصبي ليهلكه، فقام وأخذ الصبي أمه # PageV04P436 # ليلا، ومضى إلى مصر وكان هناك إلى وفاة هيرودس، لكي يتم ما قيل من قبل ~~الرب بالنبي القابل من مصر: دعوت ابني؛ حينئذ لما رأى هيرودس سخرية المجوس ~~به غضب جدا وأرسل، فقتل كل صبيان بيت لحم وكل تخومها من ابن سنتين فما دون، ~~كنحو الزمان الذي تحقق عنده من المجوس، حينئذ تم ما قيل من أرميا النبي حيث ~~يقول: صوت سمع في الزأمة، بكاء ونوح وعويل كثير، راحيل تبكي على بنيها ولا ~~تريد أن تتعزى لفقدهم؛ فلما مات هيرودس ظهر ملاك الرب ليوسف في الحلم بمصر ~~قائلا: قم، خذ الصبي وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل؛ فما سمع أن أورشلاوش قد ~~ملك على اليهودية عوض هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك، فأخبر في الحلم ~~وذهب إلى حور ناحية الجليل، فأتى وسكن في مدينة تدعى ناصرة لكي يتم ما قيل ~~في الأنبياء: إنه يدعى ms0755 ناصريا # PageV04P437 # وفي إنجيل لوقا: فلما تمت له اثنتا عشرة سنة مضوا إلى يروشليم إلى العيد ~~كالعادة، فلما كملت الأيام ليعودوا تخلف عنهما يسوع في يروشليم ولم تعلم ~~أمه ويوسف، لأنهما كانا يظنان أنه مع السائرين في الطريق، فلما ساروا نحو ~~يوم طلباه عند أقربائهما ومعارفهما فلم يجداه، فرجعا إلى يروشليم يطلبانه، ~~وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل جالسا بين العلماء يسمع منهم ويسألهم، ~~وكان كل من يسمعه مبهوتين من علمه وإجابته لهم، فلما أبصراه بهتا، فقالت له ~~أمه: يا بني! ما هذا الذي صنعت بنا؟ إن أباك وأنا كنا نطلبك باجتهاد ~~معذبين، فقال لهما: لم تطلباني؟ أما تعلمان أنه ينبغي أن أكون في الذي ~~لأبي؟ فأما هما فلم يفهما الكلام ونزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان ~~يطيعهما، فأما يسوع فكان ينشأ في قامته وفي الحكمة والنعمة عند الله ~~والناس. # قال متى: وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية # PageV04P438 # يهودا - إلى آخر ما تقدم آنفا من بشارة يحيى عليه الصلاة والسلام به، ثم ~~قال: حينئذ أتى يسوع من الجليل إلى الأردن ليعتمد من يوحنا، فامتنع يوحنا ~~منه وقال: أنا المحتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إلي، فأجاب يسوع: دع الآن، ~~هكذا يجب لنا أن نكمل كل البر، حينئذ تركه فاعتمد يسوع، وللوقت صعد من ~~الماء فانفتحت له السماوات، ورأى روح الله نازلا كمثل حمامة جائيا إليه. ~~وقال مرقس: وكان تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واصطنع في نهر الأردن ~~من يوحنا، فساعة صعد من الماء رأى السماوات قد انشقت، وروح القدس كالحمامة ~~نزلت عليه، وللوقت أخرجه الروح إلى البرية، وأقام بها أربعين يوما وأربعين ~~ليلة، وهو مع الوحوش، والملائكة تخدمه. وقال متى: وصام أربعين يوما وأربعين ~~ليلة. وقال لوقا: وكان لما اعتمد جميع الشعب واعتمد يسوع فبينما هو يصلي ~~انفتحت السماء ونزل عليه روح القدس شبه جسد حمامة، وكان قد صار ليسوع ~~ثلاثون سنة وكان يظن أنه ابن يوسف وأن يسوع امتلأ من روح القدس ورجع من ~~الأردن، ms0756 فانطلق به الروح أربعين يوما، # PageV04P439 # لم يأكل شيئا في تلك الأيام؛ ثم قال: ورجع يسوع إلى الجليل بقوة الروح ~~وخرج خبره في كل الكورة، وكان يعلم في مجامعهم ويمجده كل أحد، وجاء إلى ~~الناصرة حيث كان تربى ودخل كعادته إلى مجمعهم يوم السبت، وقام ليقرأ فدفع ~~إليه سفر أشعيا النبي فلما فتح السفر وجد الموضع الذي فيه مكتوب: روح الرب ~~علي، من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأشفي منكسري القلوب وأبشر ~~المأسورين بالتخلية والعميان بالنظر، وأرسل المربوطين بالتخلية، وأبشر ~~بالسنة المقبولة للرب والأيام التي أعطانا إلهنا؛ ثم طوى السفر ودفعه إلى ~~الخادم وجلس، وكل من كان في الجمع كانت عيونهم محدقة إليه، فبدأ يقول لهم: ~~اليوم كمل هذا المكتوب بأسماعكم؛ وفي إنجيل يوحنا: إن يسوع قال: إن كنت أنا ~~أشهد لنفسي فليست شهادتي حقا، ولكن الذي يشهد لي بها حق، أنتم أرسلتم إلي ~~يوحنا فشهد لي بالحق، وأما أنا فلست أطلب شهادة من إنسان ولكني # PageV04P440 # أقول هذا لتخلصوا أنتم، وأنا على أعظم من شهادة يوحنا لأن الأعمال التي ~~أعملها تشهد من أجلي أن الرب أرسلني، والذي أرسلني قد شهد لي ولم تسمعوا قط ~~صوته ولا عرفتموه ولا رأيتموه، وكلمته لا تثبت فيكم لأنكم لستم تؤمنون ~~بالذي أرسل، فتشوا الكتب التي تظنون أن تكون لكم بها حياة الأبد فهي تشهد ~~من أجلي، لست آخذ المجد من الناس أنا أتيت باسم أبي فلم تقبلوني، وإن أتاكم ~~آخر باسم نفسه قبلتموه، كيف تقدرون أن تؤمنوا وإنما تقبلون المجد بعضكم، من ~~بعض ولا تظنون أن المجد من الله تعالى الواحد، لا تظنوا أني أشكوكم، إن لكم ~~من يشكوكم: موسى الذي عليه تتوكلون، فلو كنتم آمنتم بموسى آمنتم بي، لأن ~~ذلك كتب من أجلي، وإن كنتم لا تؤمنون بكتب ذلك فكيف تؤمنون بكلامي - انتهى ~~ما وقع الاختيار أخيرا على إثباته هنا، وفيه من الألفاظ المنكرة في شرعنا ~~إطلاق الأب والابن، وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك. # ولما أتاهم سبحانه وتعالى من أمر عيسى عليه ms0757 الصلاة والسلام بالفصل في ~~البيان الذي ليس بعده إلا العناد، فبين أولا ما تفضل # PageV04P441 # فيه عيسى عليه الصلاة والسلام من أطوار الخلق الموجبة للحاجة المنافية ~~للإلهية، ثم فضح بتمثيله بآدم عليه الصلاة والسلام شبهتهم، ألزمهم عل ~~تقديره بالفيصل الأعظم للمعاند الموجب للعذاب المستأصل أهل الفساد فقال ~~سبحانه وتعالى: {فمن} أي فتسبب عما آتيناك به من الحق في أمره أنا نقول لك: ~~من {حآجك فيه} أي خاصمك بإيراد حجة، أي كلام يجعله في عداد ما يقصد. # ولما كان الملوم إنما هو من بلغته هذه الآيات وعرف معناها دون من حاج في ~~الزمان الذي هو بعد نزولها دون اطلاعه عليها قال: {من} أي مبتدئا المحاجة ~~من، ويجوز أن يكون الإتيان بمن لئلا يفهم أن المباهلة تختص بمن استغرق زمان ~~البعد بالمجادلة {بعدما جآءك من العلم} أي الذي أنزلنان إليك وقصصناه عليك ~~في أمره {فقل تعالوا} أي اقبلوا أيها المجادلون إلى أمر نعرف فيه علو المحق ~~وسفول المبطل {ندع أبنآءنا وأبناءكم} أي الذي هم أعز ما عند الإنسان لكونهم ~~بعضه {ونساءنا ونساءكم} أي اللاتي هن أولى ما يدافع عنه # PageV04P442 # أولو الهمم العوالي {وأنفسنا وأنفسكم} فقدم ما يدافع عنه ذوو الأحساب ~~ويفدونه بنفوسهم، وقدم منه الأعز الألصق بالأكباد وختم بالمدافع، وهذا ~~الترتيب على سبيل الترقي إذا اعتبرت أنه قدم الفرع ثم الأصل وبدأ بالأدنى ~~وختم بالأعلى، وفائدة الجمع الإشارة إلى القطع بالوثوق بالكون على الحق. ثم ~~ذكر ما له هذا الجمع مشيرا بحرف التراخي إلى خطر الأمر وأنه مما ينبغي ~~الاهتمام به والتروي له وإمعان النظر فيه لوخامة العاقبة وسوء المنقلب ~~للكاذب فقال: {ثم نبتهل} أي نتضرع - قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~كما نقله الإمام أبو حيان في نهره. وقال الحرالي: الابتهال طلب البهل، ~~والبهل أصل معناه التخلي والضراعة في مهم مقصود - انتهى. {فنجعل لعنت الله} ~~أي الملك الذي له العظمة كلها فهو يجبر ولا يجار عليه، أي إبعاد وطرده {على ~~الكاذبين *} وقال ابن الزبير بعد ما تقدم من كلامه: ثم لما ms0758 أتبعت قصة آدم ~~عليه الصلاة والسلام - يعني في البقرة - بذكر بني إسرائيل لوقوفهم من تلك ~~القصص على ما # PageV04P443 # لم تكن العرب تعرفه، وأنذروا وحذروا؛ أتبعت قصة عيسى عليه الصلاة والسلام ~~- يعني هنا - بذكر الحواريين وأمر النصارى إلى آية المباهلة - انتهى. # ولما كان العلم الأزلي حاصلا بأن المجادلين في أمر عيسى عليه الصلاة ~~والسلام يكفون عن المباهلة بعد المجادلة خوفا من الاستئصال في العاجلة مع ~~الخزي الدائم في الآجلة، وكان كفهم عن ذلك موجبا للقطع بإبطالهم في دعواهم ~~لكل من يشاهدهم أو يتصل به خبرهم، حسن كل الحسن تعقيب ذلك بقوله: - تنبيها ~~على ما فيه من العظمة - {إن هذا} أي الذي تقدم ذكره من أمر عيسى عليه ~~السلام وغيره {لهو} أي خاصة دون غيره مما يضاده {القصص الحق} والقصص - كما ~~قال الحرالي - تتبع الوقائع بالإخبار عنها شيئا بعد شيء على ترتيبها، في ~~معنى قص الأثر، وهو اتباعه حتى ينتهي إلى محل ذي الأثر - انتهى. # ولما بدأ سبحانه وتعالى القصة أول السورة بالإخبار بوحدانيته مستدلا على ~~ذلك بأنه الحي القيوم صريحا ختمها بمثل ذلك إشارة وتلويحا فقال - عاطفا على ~~ما أنتجه ما تقدم من أن عيسى صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله معمما ~~للحكم معرقا بزيادة الجار في النفي: {وما من إله} أي معبود بحق، لأن له ~~صفات الكمال، فهو بحيث # PageV04P444 # يضر وينفع {إلا الله} أي المحيط بصفات الكمال، لأنه الحي القيوم - كما ~~مضى التصريح به، فاندرج في ذلك عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره، وقد علم من ~~هذا السياق أنهم لما علموا تفرده تركوا المباهلة رهبة منه سبحانه وتعالى ~~علما منهم بأنهم له عاصون ولحقه مضيعون وأن ما يدعون إلهيته لا شيء في يده ~~من الدفع عنهم ولا من النفع لهم، فلا برهان أقطع من هذا. # ولما كان في نفي العزة والحكمة عن غيره تعالى نوع خفاء أتى بالوصفين على ~~طريق الحصر فقال - عاطفا على ما قدرته مام أرشد السياق إلى أنه علة ما قبله ~~من نفي: {وإن الله} أي الملك ms0759 الأعظم {لهو} أي وحده {العزيز الحكيم *} وهذا ~~بخلاف الحياة والقيومية فإنه لم يؤت بهما على طريق الحصر لظهورهما، وقد علم ~~بلا شبهة بما علم من أنه لا عزيز ولا حكيم إلا هو أنه لا إله إلا هو. # ولما ثبت ذلك كله سبب عنه تهديدهم على الإعراض بقوله - منبها بالتعبير ~~بأداة الشك على أنه لا يعرض عن هذا المحل البين إلا من كان عالما بأن مبطل، ~~ومثل ذلك لا يظن بذي عقل ولا مروة، # PageV04P445 # فمن حق ذكره أن يكون من قبيل فرض المحالات: {فإن تولوا} أي عن إجابتك إلى ~~ما تدعوا إليه {فإن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما {عليهم} بهم، هكذا ~~كان الأصل، فعدل عنه لتعليق الحكم بالوصف تنفيرا من مثل حالهم فقال: ~~{بالمفسدين *} أي فهو يحكم فيهم بعلمه فينتقم منهم فسادهم بعزته انتقاما ~~يتقنه بحكمته فينقلبون منه بصفقة خاسر ولا يجدون من ناصر. # PageV04P446 # ولما نكصوا عن المباهلة بعد أن أورد عليهم أنواع الحجج فانقطعوا، فلم تبق ~~لهم شبهة وقبلوا الصغار والجزية، فعلم انحلالهم عما كانوا فيه من المحاجة ~~ولم يبق إلا إظهار النتيجة، اقتضى ذلك عظم تشوفه صلى الله عليه وسلم إليها ~~لعظم حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق، فأمره بأن يذكرها مكررا ~~إرشادهم بطريق أخف مما مضى بأن يؤنسهم فيما يدعوهم إليه بالمؤاساة، فيدعو ~~دعاء يشمل المحاجين من النصارى وغيرهم ممن له كتاب من اليهود وغيرهم إلى ~~الكلمة التي قامت البراهين على حقيتها ونهضت الدلائل على صدقها، # PageV04P446 # دعاء لا أعدل منه، على وجه يتضمن نفي ما قد يتخيل من إرادة التفضل عليهم ~~والاختصاص بأمر دونهم، وذلك أنه بدأ بمباشرة ما دعاهم إليه ورضى لهم ما رضي ~~لنفسه وما اجتمعت عليه الكتب واتفقت عليه الرسل فقال سبحانه وتعالى: {قل} ~~ولما كان قد انتقل من طلب الإفحام خاطبهم تلطفا بهم بما يحبون فقال: {يا ~~أهل الكتاب} إشارة إلى ما عندهم في ذلك من العلم {تعالوا} أي ارفعوا أنفسكم ~~من حضيض الشرك الأصغر والأكبر الذي أنتم به {إلى ms0760 كلمة} ثم وصفها بقوله: ~~{سواء} أي ذات عدل لا شطط فيه بوجه {بيننا وبينكم} ثم فسرها بقوله: {ألا ~~نعبد إلا الله} أي لأنه الحائز لصفات الكمال، وأكد ذلك بقوله: {ولا نشرك به ~~شيئا} أي لا نعتقد له شريكا وإن لم نعبده. # ولما كان التوجه إلى غير الله خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى عبر بصيغة ~~الافتعال فقال: {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا} أي كعزير والمسيح والأحبار ~~والرهبان الذين يحلون ويحرمون. ولما كان الرب قد يطلق على المعلم والمربي ~~بنوع تربية نبه على # PageV04P447 # أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد، والأجتراء على ما يختص به الله ~~سبحانه وتعالى فقال: {من دون الله} الذي اختص بالكمال. # ولما زاحت الشكوك وانتفت العلل أمر بمصارحتهم بالخلاف في سياق ظاهره ~~المتاركة وباطنه الإنذار الشديد المعاركة فقال - مسببا عن ذلك مشيرا ~~بالتتعبير بأداة الشك إلى أن الإعراض عن هذا العدل لا يكاد يكون: {فإن ~~تولوا} أي عن الإسلام له في التوحيد {فقولوا} أنتم تبعا لأبيكم إبراهيم ~~عليه السلام إذ قال: {أسلمت لرب العالمين} [البقرة: 131] وامتثالا لوصيته ~~إذ قال: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] {اشهدوا بأنا} أي نحن ~~{مسلمون *} أي متصفون بالإسلام منقادون لأمره، فيوشك أن يأمرنا نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بقتالكم لنصرته عليكم جريا على عادة الرسل، فنجيبه بما أجاب ~~به الحواريون المشهدون بأنهم مسلمون، ثم نبارزكم متوجهين إليه معتمدين ~~عليه، وأنتم تعرفون أيامه الماضية ووقائعه السالفة. # ولما علم أهل الكتاب ما جبل عليه العرب من محبة أبيهم إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام وأن محمدا صلى الله عليه وسلم أتى بدينة كما تقدم في قوله ~~سبحانه وتعالى # {بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من # PageV04P448 # المشركين} [البقرة: 135] اجتمع ملأ من قرابتهم بحضرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وضلل كل منهم الآخر وادعى كل منهم قصدا لاجتذاب المسلمين إلى ضلالهم ~~بكيدهم ومحالهم اتباع إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه صلى الله عليه وسلم ~~كان على دينهم، ولم يكن لذلك ذكر في كتابهم، مع أن العقل يرده بأدنى ~~التفات، لأن ms0761 دين كل منهم إنما قرر بكتابهم، وكتابهم إنما نزل على نبيهم، ~~ونبيهم إنما كان بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام بدهور متطاولة، واليهود ~~ينسبون إلى يهوذا بن يعقوب عليه السلام، لأخذه البكورية عن أخيه بنيامين ~~لأمر مذكور في كتابهم، والنصارى ينسبون إلى الناصرة مخرج عيسى عليه الصلاة ~~والسلام في جبل الجليل، ولا يعقل أن يكون المتقدم على دين ما حدث إلا بعده ~~وعلى نسبة متأخرة عنه، وكان دينه صلى الله عليه وسلم إنما هو الإسلام، وهو ~~الحنيفية السمحة فقال سبحانه وتعالى مبكتا لهم: {يا أهل الكتاب} كالمعلل ~~لتبكيتهم، لأن الزلة من العالم أشنع {لم تحآجون في إبراهيم} فيدعيه كل من ~~فريقكم {و} # PageV04P449 # الحال أنه {ما أنزلت التوراة والإنجيل} المقرر كل منهما لأصل دين متجدد ~~منكم {إلا} ولما كان إنزال كتاب كل منهم غير مستغرق للزمان الآتي بعده أدخل ~~الجار فقال: {من بعده} وأعظم ما يتمسك به كل فرقة منهما السبت والأحد، ولم ~~يكن ما يدعونه فيهما في شريعة إبراهيم عليه السلام، لا يقدرون على إنكار ~~ذلك، ولا يأتي مثل ذلك في دعوى أنه مسلم لأن الإسلام الذي هو الإذعان ~~للدليل معنى قديم موجود من حين خلق الله العقل، والدليل أنه لا يقدر أحد أن ~~يدعي أنه ما حدث إلا بعد إبراهيم عليه السلام كما قيل في الدينين ~~المذكورين. # ولما كان الدليل العقلي واضحا في ذلك ختم الآية بقوله منكرا عليهم {أفلا ~~تعقلون *} أي هب أنكم لبستم وادعيتم أن ذلك في كتابكم زورا وبهتانا، وظننتم ~~أن ذلك يخفى على من لا إلمام له بكتابكم، فكيف غفلتم عن البرهان العقلي! ثم ~~استأنف تبكيتا آخر فقال منبها لهم مكررا التنبيه إشارة إلى طول رقادهم أو ~~شدة عنادهم: {ها أنتم هؤلاء} أي الأشخاص الحمقى، ثم بين ذلك بقوله: ~~{حاججتم} أي قصدتم مغالبة من يقصد الرد عليكم {فيما لكم به علم} أي نوع # PageV04P450 # من العلم من أمر موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لذكر كل منهما في ~~كتابكم وإن كان جدالكم فيهما على خلاف ما تعلمون من ms0762 أحوالهما عنادا أو ~~طغيانا {فلم تحاجون} أي تغالبون بما تزعمون أنه حجة، وهو لا يستحق أن يسمى ~~شبهة فضلا عن أن يكون حجة {فيما ليس لكم به علم} اصلا، لكونه لا ذكر له في ~~كتابكم بما حاججتم فيه مع مخالفته لصريح العقل {والله} أي المحيط بكل شيء ~~{يعلم} أي وأنتم تعلمون أن مجادلتكم في الحقيقة إنما هي مع الله سبحانه ~~وتعالى، وتعلمون أن علمه محيط بجميع ما جادلتم فيه {وأنتم} أي وتعلمون أنكم ~~أنتم {لا تعلمون *} أي ليس لكم علم أصلا إلا ما علمكم الله سبحانه وتعالى، ~~هذا على تقدير كون «ها» في «ها أنتم» للتنبيه، ونقل شيخنا ابن الجزري في ~~كتابه «النشر في القراءات العشر» عن أبي عمرو بن العلاء وعن أبي الحسن ~~الأخفش أنها بدل من همزة، وروي عن أبي حمدون عن اليزيدي أن أبا عمرو قال: ~~وإنما هي {أأنتم} ممدودة، فجعلوا الهمزة # PageV04P451 # هاء، والعرب تفعل هذا، فعلى هذا التقدير يكون استفهاما معناه التعجيب ~~منهم والتوبيخ لهم. # ولما وبخهم على ذلك من جهلهم نفيى سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام ما ادعاه عليه كل منهم طبق ما برهنت عليه الآية الأولى، ونفى عنه ~~كل شرك أيضا، وأثبت أنه كان مائلا عن كل باطل منقادا مع الدليل إلى كل حق ~~بقوله سبحانه وتعالى: {ما كان إبراهيم يهوديا} أي كما ادعى اليهود {ولا ~~نصرانيا} كما ادعى النصارى - لما تقدم من الدليل {ولكن كان حنيفا مسلما} ~~وقد بين معنى الحنيف عند قوله تعالى: {قل بل ملة إبراهيم حنيفا} [البقرة: ~~135] بما يصدق على المسلم، وقال الإمام العارف ولي الدين الملوي في كتابه ~~حصن النفوس في السؤال في القبر: واليهودي أصله من آمن بموسى عليه الصلاة ~~والسلام والتزم أحكام التوراة، والنصراني من آمن بعيسى عليه الصلاة والسلام ~~والتزم أحكام الإنجيل، ثم صار اليهودي من كفر بما أنزل بعد موسى عليه ~~الصلاة والسلام، والنصراني من كفر بما أنزل بعد عيسى عليه الصلاة والسلام، ~~والحنيف المائل عن كل دين باطل، والمسلم # PageV04P452 # المطيع لأوامر الله ms0763 سبحانه وتعالى في أي كتاب أنزلت مع أي رسول أوردت، ~~وإن شئت قلت: هو المنقاد لله سبحانه وتعالى وحده بقلبه ولسانه وجميع جوارحه ~~المخلص عمله لله عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له: قل لي ~~في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك «قل: آمنت بالله ثم استقم» انتهى. # ثم خص بالنفي من عرفوا بالشرك مع الصلاح لكل من داخله شرك من غيرهم كمن ~~أشرك بعزير والمسيح عليهما الصلاة والسلام فقال: {وما كان من المشركين *} ~~وفي ذكر وصفي الإسلام والحنف تعريض لهم بأنهم في غاية العناد والجلافة ~~واليبس في التمسك بالمألوفات وترك ما أتاهم من واضح الأدلة وقاطع الحجج ~~البينات. # ولما نفي عنه صلى الله عليه وسلم كل زيغ بعد أن نفي عنه أن يكون على ملة ~~هو متقدم عن حدوثها شرع في بيان ما يتم به # PageV04P453 # نتيجة ما مضى ببيان من هو أقرب إليه ممن جاء بعده، فقرر أن الأولى به ~~إنما هو من اتبعه في أصل الدين، وهو التوحيد والتنزيه الذي لم يختلف فيه ~~نبيان أصلا، وفي الانقياد للدليل وترك المألوف من غير تلعثم حتى صاروا ~~أحقاء بالإسلام الذي هو وصفه بقوله سبحانه وتعالى مؤكدا ردا عليهم وتكذيبا ~~لمحاجتهم: {إن أولى الناس} أي أقربهم وأحقهم {بإبراهيم للذين اتبعوه} أي في ~~دينه من أمته وغيرهم، لا الذين ادعوا أنه تابع لهم، ثم صرح بهذه الأمة ~~فقال: {وهذا النبي} أي هو أولى الناس به {والذين آمنوا} أي من أمته وغيرهم ~~وإن كانوا في أدنى درجات الإيمان {والله} أي بما له من صفات الكمال - ~~وليهم، هذا الأصل، ولكنه قال: {ولي المؤمنين *} ليعم الأنبياء كلهم ~~وأتباعهم من كل فرقة، ويعلم أن الوصف الموجب للتقريب العراقة في الإيمان ~~ترغيبا لمن لم يبلغه في بلوغه. # ولما كان قصد بعضهم بدعواه أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام على دينه إنما ~~هو إضلال أهل الإسلام عقب ذلك بالإعراب عن مرادهم بقوله تعالى - جوابا لمن ~~كأنه قال: فما كان مراد أهل الكتابين بدعواهم # PageV04P454 # فيه ms0764 مع علمهم أن ذلك مخالف لصريح العقل؟ {ودت طآئفة} أي من شأنها أن تطوف ~~حولكم طواف التابع المحب مكرا وخداعا {من أهل الكتاب} حسدا لكم {لو ~~يضلونكم} بالرجوع إلى دينهم الذي يعلمون أنه قد نسخ {وما} أي والحال أنهم ~~ما {يضلون} بذلك التمني أو الإضلال لو وقع {إلا أنفسهم} لأن كلا من تمنيهم ~~وإضلالهم ضلال لهم مع أنهم لا يقدرون أن يضلوا من هداه الله، فمن تابعهم ~~على ضلالهم فإنما أضله الله {وما يشعرون *} أي وليس يتجدد لهم في وقت من ~~الأوقات نوع شعور، فكيدهم لا يتعداهم فقد جمعوا بين الضلال والجهل، إما ~~حقيقة لبغضهم وإما لأنهم لما عملوا بغير ما يعلمون عد علمهم جهلا وعدوا هم ~~بهائم، فكانت هذه الجملة على غاية التناسب، لأن أهم شيء في حق من رمى بباطل ~~- إنما غلبة الرامي ليتعاظم بأنه شأنه - بيان إبطاله في دعواه، ثم تبكيته ~~المتضمن لبراءة المقذوف، ثم التصريح ببراءته، ثم بيان من هو أولى بالكون من ~~حربه، ثم بيان المراد من تلك الدعوى الكاذبة ليحذر غائلتها السامع. # ولما ختم الكلام فيهم بنفي شعورهم بين تعالى في معرض التبكيت # PageV04P455 # أن نفيهم عنه إنما هو لأنهم معاندون، لا يعملون بعلمهم، بل يعملون ~~بخلافه، فقال مستأنفا بما يدل على غاية التبكيت المؤذنة بشديد الغضب: {يا ~~أهل الكتاب} أي الذين يدعون أنهم أهل العلم {لم تكفرون} أي كفرا تجددونه في ~~كل وقت {بآيات الله} أي تسترون ما عندكم من العلم بسبب الآيات التي أنزلت ~~عليكم من الملك المحيط بكل شيء عظمة وعزا وعلما {وأنتم تشهدون *} أي تعلمون ~~علما هو عندكم في غاية الانكشاف أنها آياته؛ ثم أتبع ذلك استئنافا آخر مثل ~~ذلك إلا أن الأول قاصر على ضلالهم وهذا متعد إلى إضلالهم فقال: {يا آهل ~~الكتاب لم تلبسون الحق} أي الذي لا مرية فيه {بالباطل} أي بأن تؤولوه بغير ~~تأويله، أو تحملوه على غير محله {وتكتمون الحق} أي الذي لا يقبل تأويلا، ~~وهو ما تعلمون من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وتوابعها ms0765 {وأنتم} أي ~~والحال أنكم {تعلمون *} أي من # PageV04P456 # ذوي العلم، فأنتم تعرفون ذلك قطعا وأن عذاب الضال المضل عظيم جدا. # ولما ذكر لبسهم دل عليه بقوله عطفا على {ودت طائفة} مبينا لنوع إضلال ~~آخر: {وقالت طائفة من أهل الكتاب} أي من يهود المدينة {آمنوا} أي أظهروا ~~الإيمان {بالذي أنزل على الذين آمنوا} متابعة لهم {وجه} أي أول {النهار} ~~سمي وجها لأنه أول ما يستقبلك منه وهو ما يظهر ولذا عبروا به عن الأول الذي ~~يصلح لاستغراق النصف، لأن مرادهم التلبيس بظاهر لا باطن له، ولفظ لا حقيقة ~~له، في جزء يسير جدا {واكفروا آخره} أي ليظنوا أنه لا غرض لكم إلا الحق، ~~وأنه ما ردكم عن دينهم بعد ابتاعكم له إلا ظهور بطلانه {لعلهم يرجعون *} أي ~~ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن دينه {ولا تؤمنوا} أي توقعوا التصديق ~~الحقيقي {إلا لمن تبع دينكم} فصوبوا طريقته وصدقوا دينه وعقيدته. # ولما كان هذا عين الضلال أمره سبحانه وتعالى أن يعجب # PageV04P457 # من حالهم منبها على ضلالهم بقوله معرضا عنهم إيذانا بالغضب: {قل إن الهدى ~~هدى الله} أي المختص بالعظمة وجميع صفات الكمال، أي لا تقدرون على إضلال ~~أحد منا عنه، ولا نقدر على إرشاد أحد منكم إليه إلا بإذنه، ثم وصل به ~~تقريعهم فقال: {أن} بإثبات همزة الإنكار في قراءة ابن كثير، وتقديرها في ~~قراءة غيره، أي أفعلتم الإيمان على الصورة المذكورة خشية أن {يؤتى أحد} أي ~~من طوائف الناس {مثل ما أوتيتم} أي من العلم والهدى الذي كنتم عليه أول ~~الأمر {أو} كراهة أن {يحاجوكم} أي يحاجكم أولئك الذين أوتوا مثل ما أوتيتم ~~{عند ربكم} الذي طال إحسانه إليكم بالشهادة عليكم أنهم آمنوا وكفرتم بعد ~~البيان الواضح فيفضحوكم. # ولما كانت هذه الأية شبيهة بآية البقرة {ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} [البقرة: 105] في الحسد ~~على ما أوتي غيرهم من الدين الحق وكالشارحة لها ببيان ما يلبيسونه لقصد ~~الإضلال ختمت بما ختمت به ms0766 تلك، لكن لما قصد بها # PageV04P458 # الرد عليهم في كلا هذين الأمرين اللذين دبروا هذا المكر لأجلهما زيدت ما ~~له مدخل في ذلك فقال تعالى مجيبا لمن تشوف إلى تعليم ما لعله يكف من مكرهم ~~ويؤمن من شرهم معرضا عنهم بالخطاب بعد الإقبال عليهم به إيذانا بشديد ~~الغضب: {قل إن الفضل} في التشريف بإنزال الآيات وغيرها {بيد الله} المختص ~~بأنه لا كفوء له، فله الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وأتبعه نتيجته فقال: ~~{يؤتيه من يشاء} فله مع كمال القدرة كمال الاجتباء، ثم قال مرغبا مرهبا ~~ورادا عليهم في الأمر الثاني: {والله} الذي له من العظمة وسائر صفات الكمال ~~ما لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأوهام {واسع عليم *} أي يوسع على من علم ~~فيه خيرا، ويهلك من علم أنه لا يصلح لخير، ويعلم دقيق أمركم وجليله، فلا ~~يحتاج سبحانه وتعالى إلى تنبيه أحد بمحاجتكم عليه عنده. # ولما كان هذا من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تأكيد انتقل عنه إلى تأكيد ~~الرد عليهم في الأمر الأول بثمرة هذه الجملة ونتيجتها # PageV04P459 # من أنه فاعل بالاختيار تام الاقتدار فقال: {يختص برحمته من يشاء} ثم أكد ~~تعظيم ما لديه دفعا لتوهم من يظن أن اختصاص البعض لضيق الرحمة عن العموم ~~فقال: {والله} الذي كل شيء دونه فلا ينقص ما عنده {ذو الفضل العظيم *} وكرر ~~الاسم الأعظم هنا تعظيما لما ذكر من النعم مشيرا بذلك كله إلى التمكن من ~~الإعطاء باختباره وغزارة فضله وإلى القدرة على الإنجاء من حبائل المكر بسعة ~~علمه. # فلما تقرر أن الأمر كله له ذكر دليل ذلك فيهم بأنه فضل فريقا منهم ~~فأعلاه، ورذل فريقا منهم فأرداه، فلم يردهم الكتاب - وهم يتلونه - إلى ~~الصواب، فقال عاطفا على ما مضى من مخازيهم مقررا لكتمانهم للحق مع علمهم ~~بأنه الحق بأنه الخيانة ديدنهم في الأعيان الدنيوية والمعاني الدينية منبها ~~على أنهم وإن شاركوا الناس في انقسامهم إلى أمين وخائن فهم يفارقونهم من ~~حيث ان خائنهم يتدين بخيانته ويسندها - مروقا من ربقة الحياء - إلى ms0767 الله، ~~مادحا للأمين منهم: {ومن # PageV04P460 # أهل الكتاب} أي الموصوفين {من إن تأمنه بقنطار} أي من الذهب المذكور في ~~الفريق الآتي {يؤده إليك} غير خائن فيه، فلا تسوقوا الكل مساقا واحدا في ~~الخيانة {ومنهم من إن تأمنه بدينار} أي واحد {لا يؤده إليك} في زمن من ~~الأزمان دناءة وخيانة {إلا ما} أي وقت ما {دمت عليه قائما} تطالبه به غالبا ~~له بما دلت عليه أداة الاستعلاء، ثم استأنف علة الخيانة بقوله: {ذلك} أي ~~الأمر البعيد من الكمال {بأنهم قالوا} كذبا على شرعهم {ليس علينا في ~~الأميين} يعني من ليس له كتاب فليس على دينهم {سبيل} . # ولما كان الكذب من عظم القباحة بمكان يظن بسببه أنه لا يجترىء عليه ذو ~~عقل فكيف على الله سبحانه وتعالى قال: {وهم # PageV04P461 # يعلمون *} أي ذوو علم فيعلمون أنه كذب. # ولما ادعوا نفي الجناح عنهم فيهم وبين تعالى أنهم لا يتحاشون عن الكذب ~~صرح بكذبهم في هذا الأمر بخصوصه بقوله: {بلى} أي عليكم في خيانتهم لتحريم ~~العذر عليكم مطلقا، أي سبيل - كما هو في التوراة وقد مضى نقله في البقرة في ~~آية {إن الذين آمنوا والذين هادوا} [البقرة: 62] وآية {وقولوا للناس حسنا} ~~[البقرة: 83] . # ولما مضى تقسيمهم إلى أمين وخائن استأنف بشارة الأول ونذارة الثاني على ~~وجه عام لهم ولغيرهم لتحريم الخيانة في كل شرع في حق كل أحد منهما، إن الله ~~يبغض الخائن فقال: {من أوفى بعهده} في الدين والدنيا {واتقى} أي كائنا من ~~كان {فإن الله} ذا الجلال والإكرام يحبه، هكذا الأصل، لكنه أظهر الوصف ~~لتعليق الحكم به وإشعارا بأنه العلة الحاملة له على الأمانة فقال: {يحب ~~المتقين *} . # ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة رواغة عند مضائق الأمانة، # PageV04P462 # وكانت الخيانة تجر إلى الكذب بسط في الإنذار فقال: {إن الذين يشترون} أي ~~يلجون في أن يأخذوا على وجه العوض {بعهد الله} أي الذي عاهدوه عليه من ~~الإيمان بالرسول الذي عاهدهم على الإيمان به وذكر صفته للناس، وهو سبحانه ~~أعلى وأعز من كل شيء فهو محيط بكل شيء ms0768 قدرة وعلما {وأيمانهم} أي التي ~~عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل بما دل عليه العقل {ثمنا ~~قليلا} في الدنيا {أولئك} أي البعيدو الرتبة في الدناءة {لا خلاق} أي نصيب ~~{لهم في الآخرة} أي لبيعهم له بنصيب الدنيا {ولا يكلمهم الله} أي الملك ~~الأعظم استهانة بهم وغضبا عليهم بما انتهكوا من حرمته. # ولما زادت هذه عن آية البقرة العهد والحلف، وكان من عادة الحالف والمعاهد ~~النظر إلى من فعل ذلك لأجله زاد قوله: {ولا ينظر إليهم} أي بل يعدهم أحقر ~~شيء بما أعرضوا عنه، ولما كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة الخزي قال: ~~{يوم القيامة} الذي من افتضح في جمعه لم يفز {ولا يزكيهم} لأنهم لم يزكوا # PageV04P463 # اسمه {ولهم} أي مع ذلك {عذاب أليم *} يعرفون به ما جهلوا من عظمته. # ولما نسبهم إلى الكذب عموما نبه على نوع خاص منه هو أكذب الكذب فقال: ~~{وإن منهم لفريقا} أي جبلوا على الفرقة، فهم لا يزالون يسعون في التفريق ~~{يلون} أي يفتلون ويحرفون {ألسنتهم بالكتاب} بأن ينقلوا اللسان لتغيير ~~الحرف من مخرج إلى آخر - مثلا بأن يقولوا في {اعبدوا الله} [المائدة: 72 ~~وغيرها] اللات، وفي {لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الأنعام: ~~151] بالحد، وفي «من زنى فارجموه» فارحموه بالمهملة، أو فحمموه، أو اجلدوه ~~- ونحو هذا. # ولما كان كلام الله سبحانه وتعالى لما له من الحلاوة والجلالة لا يلبس ~~بغيره إلا على ضعيف العقل ناقص الفطرة عبر بالحسبان تنفيرا عن السماع منهم ~~وتنبيها على بعد ما يسمعه الإنسان من غيره فقال: {لتحسبوه} أي الذي لوى به ~~اللسان فحرف {من # PageV04P464 # الكتاب} أي المنزل من عند الله، ولما علم بهذه أنه ليس منه نبه على أنه ~~في غاية البعد عنه فقال: {ما هو من الكتاب} أعاده ظاهرا تصريحا بالتعميم. # ولما كان إيهامهم هذا من الجرأة بمكان أعلم سبحانه وتعالى أنهم تجاوزوا ~~إلى ما هو أعظم منه فصرحوا بما أوهموه فقال: {ويقولون} أي مجددين التصريح ~~بالكذب في كل وقت بأن يقولوا {وهو من ms0769 عند الله} أي المحيط بجميع صفات ~~الكمال، ثم صرح بكذبهم بقوله - مبعدا لما لووا به ألسنتهم عن أن يكون فيه ~~ثبوت حق مظهرا في موضع الإضمار لأن الاسم الذي لم يشارك فيه أحد بوجه أنص ~~على المراد وأنفى لكل احتمال: {وما هو} أي الذي لووا به ألسنتهم حتى أحالوه ~~عن حقيقته {من عند الله} أي الذي له الإحاطة العامة، فما لم يكن من عنده ~~فلا حق فيه بوجه من الوجوه، لا بكونه من الكتاب ولا من غيره. # ولما بين بهذا كذبهم على الله سبحانه وتعالى تصريحا بعد أن قدم في الآية ~~الأولى بيانه بما يظن تلويحا أخبر بأن ذلك عادة لهم، لا يقفون # PageV04P465 # منه عند عد، ولا ينحصرون فيه بحد، فقال: {ويقولون على الله} أي الحائز ~~لجميع العظمة جرأة منهم {الكذب} أي العام كما قالوا عليه هذا الكذب الخاص، ~~ولما كان الكذب قد يطلق على ما لم يتعمد، بل وقع خطأ احترز عنه بقوله: {وهم ~~يعلمون *} أي أنه كذب، لا يشكون فيه. # PageV04P466 # ولما فرغ من بيان ما أراد من كتمانهم للحق مع الإشارة إلى بعض توابعه إلى ~~أن ختم بأنهم لا يتحاشون من الكذب على الله المقتضي للكذب على الأنبياء ~~صلوات الله وسلامة عليهم، لأنهم لا علم لهم بقول الله سبحانه وتعالى إلا ~~بواسطة الأنبياء عليهم السلام، ومهما كان القول كذبا على الله سبحانه ~~وتعالى اقتضى أن يكون تعبدا للمنسوب إليه من دون الله سبحانه وتعالى لأنه ~~هو الذي شرعه، وذلك موجب لأن يدعي أن النبي دعا إليه عبادته من دون الله ~~سبحانه وتعالى، وذلك بعد أن اوضح سبحانه وتعالى من صفات عيسى عليه الصلاة ~~والسلام # PageV04P466 # المقتضية لنفي الإلهية عنه ما لا يخفى على ذي لب شرع يبين أنهم كاذبون ~~فيما يدعونه في عيسى عليه الصلاة والسلام، فنفي أن يكون قال لهم ذلك أو ~~شيئا منه على وجه شامل له ولكل من اتصف بصفته وبسياق هو بمجرده كاف في ~~إبطال قولهم فقال: {ما كان} أي صح ولا تصور بوجه من ms0770 الوجوه {لبشر} أي من ~~البشر كائنا من كان من عيسى وعزير عليهما الصلاة والسلام وغيرهما {أن يؤتيه ~~الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما {الكتاب والحكم} أي الحكمة المهيئة ~~للحكم، وهي العلم المؤيد بالعمل والعمل المتقن بالعلم، لأن أصلها الإحكام، ~~وهو وضع الشيء في محله بحيث يمتنع فساده {والنبوة} وهي الخبر من الله ~~سبحانه وتعالى المقتضي لأتم الرفعة، يفعل الله به ذلك الأمر الجليل وينصبه ~~للدعاء إلى اختصاصه الله بالعبادة وترك الأنداد {ثم} يكذب على الله سبحانه ~~وتعالى بأن {يقول للناس كونوا عبادا لي} . # ولما كان ذلك قد يكون تجوزا عن قبول قوله والمبادرة # PageV04P467 # لامتثال أمره عن الله سبحانه وتعالى احتراز عنه بقوله: {من دون الله} أي ~~المختص بجميع صفات الكمال إذ لا يشك عاقل أن من أوتي نبوة وحكمة - وهو بشر ~~- في غاية البعد عن ادعاء مثل ذلك، لأن كل صفة من صفاته - لا سيما تغير ~~بشرته الدالة على انفعالاته - مستقلة بالإبعاد عن هذه الدعوى، فلم يبق لهم ~~مستند، لا من جهة عقل ولا من طريق نقل، فصار قول مثل ذلك منافيا للحكمة ~~التي هو متلبس بها، فصح قطعا انتقاؤه عنه. # ولما ذكر ما لا يكون له أتبعه ما له فقال: {ولكن} أي يقول {كونوا ~~ربانيين} أي تابعين طريق الرب منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل، ~~والألف والنون زيدتا للإيذان بمبالغتهم في المتابعة ورسوخهم في العلم ~~اللدني، فإن الرباني هو الشديد التمسك بدين الله سبحانه وتعالى وطاعته، قال ~~محمد بن الحنفية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما مات: مات رباني هذه ~~الأمة: {بما كنتم تعلمون الكتاب} أي بسبب كونكم عالمين به معلمين له {وبما ~~كنتم تدرسون *} فإن فائدة الدرس العلم، وفائدة العلم العمل، ومنه الحث على ~~الخير والمراقبة للخالق. # ولما نفي أن يكون الحكيم من البشر داعيا إلى نفسه # PageV04P468 # وأثبت أنه يكون ولا بد داعيا إلى الله سبحانه وتعالى لتظهر حكمته أثبت أن ~~ذلك لا بد وأن يكون على وجه الإخلاص، لأن بعض الشياطين يحكم مكره بإبعاد ms0771 ~~التهمة عن نفسه بالدعاء إلى إلى غيره على وجه الشرك لا سيما إن كان ذلك ~~الغير ربانيا كعيسى عليه الصلاة والسلام فقال: {ولا يأمركم} أي ذلك البشر ~~{أن تتخذوا} أتى بصيغة الافتعال إيذانا بأن الفطر مجبولة على التوجه لله ~~سبحانه وتعالى من غير كلفة {الملائكة والنبيين} فضلا عن غيرهم {أربابا} أي ~~مع الله سبحانه وتعالى أو من دونه، ثم بين أن كل عبادة كان فيها أدنى شائبة ~~فهي باطلة بقوله على طريق الإنكار تبرئة لعبادة الخلص من مثل ذلك: {أيأمركم ~~بالكفر} إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى غني، لا يقبل إلا ما كان خالصا ~~لوجهه {بعد إذ أنتم مسلمون *} أي منقادون لأحكامه، أو متهيئون للتوحيد على ~~علي الفطرة الأولى. # ولما بين سبحانه وتعالى فيما مضى أن التولي عن الرسل كفر، وذكر كثيرا من ~~الرسل فخص في ذكرهم وعمم، ذكر قانونا كليا لمعرفة الرسول عنه سبحانه وتعالى ~~والتمييز بينه وبين الكاذب فقال عاطفا على {إذ أنتم مسلمون} {وإذ أخذ الله} ~~أي الذي له الكمال كله {ميثاق النبيين} أي كافة، والمعنى: ما كان له أن ~~يقول ذلك بعد # PageV04P469 # الإنعام عليكم بالإسلام والإنعام عليه بأخذ الميثاق على الناس - الأنبياء ~~وغيرهم - بأن يؤمنوا به إذا آتاهم، فيكون بذلك الفعل مكفرا لغيره وكافرا ~~بنعمة ربه، وهذا معنى قوله: {لما} أي فقال لهم الله: لما {آتيتكم} وقراءة ~~نافع: آتيناكم، أوفق لسياق الجلالة - قاله الجعبري {من كتاب وحكمة} أي ~~أمرتكم بها بشرع من الشرائع، فأمرتم بذلك من أرسلتم إليه {ثم جآءكم رسول} ~~أي من عندي، ثم وصفه بما يعلم أنه من عنده فقال: {مصدق لما معكم} أي من ذلك ~~الكتاب والحكمة {لتؤمنن به} أي أنتم وأممكم {ولتنصرنه} أي على من يخالفه، ~~فكأنه قيل: إن هذا الميثاق عظيم، فقيل: إن، زاد في تأكيده اهتماما به فقال: ~~{قال ءأقررتم} أي يا معشر النبيين {وأخذتم على ذلكم} أي العهد المعظم ~~بالإشارة بأداة البعد وميم الجمع {إصري} أي عهدي، سمي بذلك لما فيه من ~~الثقل، فإنه يشد في نفسه بالتوثيق والتوثق، ms0772 ويشتد بعد كونه على النفوس لما ~~لها من النزوع إلى الإطلاق عن # PageV04P470 # عهد التقيد بنوع من القيود، فكأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: {قالوا أقررنا} ~~أي بذلك، فقيل: ما قال؟ فقيل {قال فاشهدوا} أي يا أنبياء! بعضكم على بعض، ~~أو يا ملائكة! عليهم {وأنا معكم من الشاهدين * فمن} أي فتسبب عنه أنه من ~~{تولى} أي منكم أو من أممكم الذي بلغهم ذلك عن نصرة نبي موصوف بما ذكر. # ولما كان المستحق لغاية الذم إنما هو من اتصل توليه بالموت لم يقرن الظرف ~~بجار فقال: {بعد ذلك} أي الميثاق البعيد الرتبة بما فيه من الوثاقة ~~{فأولئك} أي البعداء من خصال الخير {هم الفاسقون *} أي المختصون بالخروج ~~العظيم عن دائرة الحق. # ولما كان المدرك لكل نبي إنما هم أمة النبي الذي قبله، وكانوا يكذبونه ~~ويخالفونه قال - خاتما لهذه القصص بعد الشهادة بنفسه المقدسة بما بدأها به ~~في قوله {شهد الله} الآية إلى {إن الدين عند الله الإسلام} على وجه الإنكار ~~والتهديد عاطفا على ما دل عليه السياق -: {أفغير} أي أتولوا ففسقوا، فتسبب ~~عن ذلك أنهم غير دين الله، وأورد بأن تقديم « # PageV04P471 # غير» يفهم أن الإنكار منحط على طلبهم اختصاصا لغير دين الله، وليس ذلك هو ~~المراد كما لا يخفى، وأجيب بأن تقديمه الاهتمام بشأنه في الإنكار، ~~والاختصاص متأخر مراعاته عن نكبة غيره - كما تقرر في محله {دين الله} الذي ~~اختص بصفات الكمال {يبغون} أي يطلبون بفسقهم، أو أتوليتم - على قراءة ~~الخطاب {وله} أي والحال أنه له حاصة {أسلم} أي خضع بالانقياد لأحكامة ~~والجري تحت مراده وقضائه، لا يقدرون على مغالبة قدره بوجه {من في السموات ~~والأرض} وهم من لهم قوة الدفاع بالبدن والعقل فكيف بغيرهم {طوعا} بالإيمان ~~أو بما وافق أغراضهم {وكرها} بالتسليم لقهره في إسلام أحدهم وإن كثرت ~~أعوانه وعز سلطانه إلى أكره ما يكره وهو صاغر داخر، لا يستطيع أمرا ولا يجد ~~نصرا {وإليه يرجعون *} بالحشر، لا تعالجون مقرا ولا تلقون # PageV04P472 # ملجأ ولا مفرا، فإذا كانوا كذلك لا يقدرون على التفصي ms0773 من قبضته بنوع قوة ~~ولا حيلة في سكون ولا حركة فكيف يخالفون ما أتاهم من أمره على ألسنة رسله ~~وقد ثبت أنهم رسله بما أتى به كل منهم من المعجزة! ومن المعلوم أن المعاند ~~للرسول صلى الله عليه وسلم معاند للمرسل. # ولما تم تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الدعاء إلى شيء غير ~~الله، ثم هدد من تولى، فكان السامع جديرا بأن يقول: أنا مقبل غير متول فما ~~اقول وما أفعل؟ قال مخاطبا لرأس السامعين ليكون أجدر لامتثالهم: {قل} أي ~~قبل كل شيء، أي ملفتا لمن نفعه هذا التذكير والتهديد فأقبل {آمنا} أنا ومن ~~أطاعني من أمتي - مبكتا لأهل الكتاب بما تركوه من دين إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام ومن بعده من خلص أبنائه، وأبوه وجادلوا فيه عدوانا وادعوه؛ ثم فصل ~~المأمور بالإيمان به فقال: {بالله} الذي لا كفوء له. # ولما كان الإنزال على الشيء مقصودا به ذلك الشيء بالقصد الأول كان الأنسب ~~أن يقال: {وما أنزل علينا} فيكون ذلك له حقيقة ولأتباعه مجازا، وكانت هذه ~~السورة بذلك أحق لأنها سورة التوحيد # PageV04P473 # {وما أنزل على إبراهيم} أي أبينا {وإسماعيل وإسحاق} أي ابنيه {ويعقوب} ~~ابن إسحاق {والأسباط} أي أولاد يعقوب. # ولما كان ما ناله صاحبا شريعة بني إسرائيل من الكتابين المنزلين عليهما ~~والمعجزات الممنوحين بها أعظم مما كان لمن قبلهما غير السياق إلى قوله: ~~{وما أوتي موسى} من أولاد الأسباط من التوراة والشريعة {وعيسى} من ذرية ~~داود من الإنجيل والشريعة الناسخة لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام. # ولما كان النظر هنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر لكونها سورة ~~التوحيد الذي هو أخلق به وأغرق فيه ناسب الإعراء عن التأكيد بما في البقرة، ~~ونظر إلى الكل لمحا واحدا فقال: {والنبيون} أي كافة من الوحي والمعجزات ~~ليكون الإيمان بالمنزل مذكورا مرتين لشرفه {من ربهم} أي المحسن إليهم خاصة ~~وإلى العباد عامة بإرسالهم إليهم؛ ثم استأنف تفسير هذا الإيمان بقوله: {لا ~~نفرق بين أحد منهم} تنبيها على الموضع الذي كفر به اليهود والنصارى {ونحن ms0774 ~~له} أي لله وما أنزل من عنده {مسلمون *} أي منقادون على طريق الإخلاص ~~والرضى. # PageV04P474 # ولما أمر سبحانه وتعالى بإظهار الإيمان بهذا القول، وكان ذلك هو الإذعان ~~الذي هو الإسلام قال - محذرا من الردة عنه عاطفا على {آمنا} ومظهرا لما من ~~حقه الإضمار لولا إرادة التنبيه على ذلك مشيرا بصيغة الافتعال إلى مخالفة ~~الفطرة الأولى -: {ومن يبتغ} أي يتطلب {غير} دين {الإسلام} الذي هو ما ذكر ~~من الانقياد لله سبحانه وتعالى المشتمل على الشرائع المعروفة التي أساسها ~~الإيمان بعد التلبس به حقيقة بإظهار اتباع الرسل أو مجازا بالكون على ~~الفطرة الأولى بما أشعر به الابتغاء - كما تقدم، وكرر الإسلام في هذا ~~السياق كثيرا لكونه في حيز الميثاق المأخوذ بمتابعة الرسول المصدق حثا على ~~تمام الانقياد له {دينا} وأتى بالفاء الرابطة إعلاما بأن ما بعدها مسبب عما ~~قبلها ومربوط به فقال: {فلن يقبل منه} أي في الدنيا، وأشعر ترتيب هذا على ~~السبب بأنه يرجى زوال السبب لأنه مما عرض للعبد كما جرى في الردة في خلافة ~~الصديق رضي الله تعالى عنه، فإنه رجع إلى الإسلام أكثر المرتدين وحسن ~~إسلامهم، وقوله: {وهو في الآخرة من الخاسرين *} معناه: ولا يقبل منهم في ~~الآخرة، مع زيادة التصريح بالخسارة - وهي حرمان الثواب - المنافية ~~لمقاصدهم، والقصد الأعظم بهذا أهل الكتاب مع العموم لغيرهم لإقرارهم بهذا ~~النبي الكريم # PageV04P475 # وتوقعهم له، عالمين قطعا بصدقه لما في كتبهم من البشارة به. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بخسارة من ارتد عن الإسلام شرع يستدل على ~~استحقاقه لذلك بقوله: {كيف يهدي الله} مع ما له من كمال العظمة {قوما} أي ~~يخلق الهداية في قلوب ناس بهم قوة المحاولة لما يريدونه {كفروا} أي أوقعوا ~~الكفر بالله ربهم وبما ذكر مما أتت به رسله إعراضا عنه وعنهم، ولما كان ~~المقصود بكمال الذم من استمر كفره إلى الموت قال من غير جار: {بعد إيمانهم} ~~بذلك كله {وشهدوا} أي وبعد أن شهدوا {أن الرسول حق} بما عندهم من العلم به ~~{وجاءهم البينات} أي القاطعة بأنه حق وأنه ms0775 رسول الله قطعا، لا شيء أقوى من ~~بيانه ولا أشد من ظهوره بما أشعر به إسقاط تاء التأنيث من جاء. # ولما كان الحائد عن الدليل بعد البيان لا يرجى في الغالب عوده كان ~~الاستبعاد بكيف موضحا لأن التقدير لأجل التصريح بالمراد: أولئك لا يهديهم ~~الله لظلمهم بوضعهم ثمرة الجهل بنقض عهد الله سبحانه وتعالى المؤكد بواسطة ~~رسله موضع ثمرة العلم، فعطف على هذا المقدر المعلوم تقديره قوله: {والله} ~~أي الذي له الكمال كله {لا يهدي # PageV04P476 # القوم الظالمين *} أي الغريقين في الظلم لكونه جبلهم على ذلك، تحذيرا من ~~مطلق الظلم، ولما علمت بشاعة خيانتهم تشوف السامع إلى معرفة جزائهم فقال: ~~{أولئك} أي البعداء البغضاء {جزاؤهم أن عليهم لعنة الله} أي الملك الأعظم، ~~وهي غضبه وطرده {والملائكة والناس أجمعين *} حتى أنهم هم ليلعنون أنفسهم، ~~فإن الكافر يطبع على قلبه فيظن أنه على هدى ويصير يلعن الكافر ظانا أنه ليس ~~بكافر، وهذا اللعن واقع عليهم حال تلبسهم بالفعل لوضعهم الشيء في غير محله، ~~فصار كل من له علم يبعدهم لسوء صنيعهم لتبديلهم الحسن بالسيىء، وحذرا من ~~فعل مثل ذلك معه {خالدين فيها} أي اللعنة دائما. # ولما كان المقيم في الشدة قد تنقص شدته على طول نفي ذلك بقوله: {لا يخفف ~~عنهم العذاب} مفيدا ان عليهم مع مطلق الشدة بالطرد شدائد أخرى بالعقوبة. ~~ولما كان المعذب على شيء ربما استمهل وقتا ما ليرجع عن ذلك الشيء أو ليعتذر ~~نفى ذلك بقوله: {ولا هم ينظرون *} أي يؤخرون للعلم بحالهم باطنا وظاهرا ~~حالا ومآلا، ولإقامة الحجة عليهم من جميع الوجوه، لم يترك شيء نمها # PageV04P477 # لأن المقيم لها منزه عن العجز والنسيان. # ولما انخلعت القلوب بهذه الكروب نفس عنها سبحانه وتعالى مشيرا إلى أن ~~فيهم - وإن استبعد رجوعهم - موضعا للرجاء بقوله: {إلا الذين تابوا} أي ~~رجعوا إلى ربهم متذكرين لإحسانه، ولما كان التائب لم يستغرق زمان ما بعد ~~الإيمان بالكفر، وكانت التوبة مقبولة ولو قل زمنها أثبت الجار فقال: {من ~~بعد ذلك} الارتدار حيث تقبل التوبة {وأصلحوا} ms0776 أي بالاستمرار على ما تقضيه ~~من الثمرات الحسنة {فإن الله} أي الذي له الجلال والإكرام يغفر ذنوبهم لأن ~~الله {غفور} يمحو الزلات {رحيم *} بإعطاء المثوبات، هذه صفة لهم ولكل من ~~تاب من ذنبه. # ولما رغب في التوبة رهب من التواني عنها فقال: {إن الذين كفروا} أي بالله ~~وأوامره، وأسقط الجار لما مضى من قوله {من بعد إيمانهم} بذلك. ولما كان ~~الكفر لفظاعته وقبحه وشناعته جديرا بالنفرة عنه والبعد منه نبه سبحانه ~~وتعالى على ذلك باستبعاد إيقاعه، فكيف بالتمادي عليه فكيف بالازدياد منه! ~~وعبر عن ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم ازدادوا كفرا} أي بأن تمادوا على ذلك ~~ولم يبادروا # PageV04P478 # بالتوبة {لن تقبل توبتهم} أي إن تابوا، لأن الله سبحانه وتعالى يطبع على ~~قلوبهم فلا يتوبون توبة نصوحا يدومون عليها ويصلحون ما فسد، أو لن توجد ~~منهم توبة حتى يترتب عليها القبول لأنهم زادوا عن أهل القسم الأول ~~بالتمادي، ولم يأت بالفاء الدالة على أنه مسبب عما قبله إعلاما بأن ذلك ~~إنما هو لأنهم مطبوع على قلوبهم، مهيؤون للكفر من أصل الجبلة، فلا يتوبون ~~أبدا توبة صحيحة، فالعلة الحقيقية الطبع لا الذنب، وهذا شامل لمن تاب عن ~~شيء وقع منه كأبي عزة الجمحي، ولمن لم يتب كحيي بن أخطب {وأولئك هم} أي ~~خاصة {الضالون *} أي الغريقون في الضلال وإليه أشار {ولو أسمعهم لتولوا} ~~[الأنفال: 23] لوقوعهم في أبعد شعابة وأضيق نقابه، فأنى لهم بالرجوع منه ~~والتقصي عنه! # ولما أثبت لهم الخصوصية بذلك لائنا لهم فيه إلى حد أيس معه من رجوعهم ~~تشوف السامع إلى حالهم في الآخرة فقال مبينا لهم # PageV04P479 # أن السبب في عدم قبول توبتهم تفويت محلها بتماديهم على الكفر: {إن الذين ~~كفروا} أي هذا الكفر أو غيره، ويجوز أن يكون المراد أنهم ثلاثة أقسام: ~~التائبون توبة صحيحة وهم الذين أصلحوا، والتائبون توبة فاسدة، والواصلون ~~كفرهم بالموت من غير توبة، ولذا قال: {وماتوا وهم كفار} ولما كان الموت ~~كذلك سببا للخلود في النار لأن السياق للكفر والموت عليه، صرح بنفي قبول ~~الفداء ms0777 كائنا من كان، وربطه بالفاء فقال: {فلن يقبل} أي بسبب شناعة فعلهم ~~الذي هو الاجتراء على الكفر ثم الموت عليه {من أحدهم} أي كائنا من كان {ملء ~~الأرض ذهبا} أي من الذهب لا يتجدد له قبول ذلك لو بذله هبة أوهدية أو غير ~~ذلك {ولو افتدى به} لو في مثل هذا السياق تجيء منبهة على أن ما قبلها جاء ~~على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصا على الحالة التي يظن أنها لا ~~تندرج فيما قبلها، كقوله صلى الله عليه وسلم «أعطوا السائل ولو جاء على ~~فرس» فكونه # PageV04P480 # جاء على فرس يؤذن بغناه، فلا يناسب أن يعطى فنص عليه؛ وأما هنا فلما كان ~~قبول الفدية واجبا عند أهل الكتاب - كما مر في قوله سبحانه وتعالى # {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم} [البقرة: 85] كان بحيث ربما ظن أن بذله - على ~~طريق الافتداء يخالف بذله على غير ذلك الوجه حتى يجب قبوله، فنص عليه؛ ~~وأيضا فحالة الافتداء حالة لا يمتن فيها المفتدي على المفتدى منه، إذ هي ~~حالة قهر من المفتدى منه للمفتدى - قاله أبو حيان. فالمعنى: لا يقبل من ~~أحدهم ما يملأ الأرض من الذهب على حال من الأحوال ولو على حال الافتداء، ~~والمراد بالمثال المبالغة في الكثرة، أي لا يقبل منه شيء؛ وإنما اقتصر على ~~ملء الأرض لأنه أكثر ما يدخل تحت أوهام الناس ويجري في محاوراتهم - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # ولما تشوف السامع إلى معرفة ما يحل بهم أجيب بقوله: {أولئك} أي البعداء ~~من الرحمة {لهم عذاب أليم} ولعظمته أغرق في النفي بعده بزيادة الجار فقال: ~~{وما لهم من ناصرين *} أي ينصرونهم بوجه من الوجوه، فانتفى عنهم كل وجه من ~~وجوه الاستنقاذ. # PageV04P481 # ولما كان آخر هذه القصص في الحقيقة إبطال كل ما خالف الإسلام الذي هو ~~معنى {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19]- وما بعد ذلك إنما جره - ~~ختم الآية بدعوى أن المخالفين من الخاسرين، وختم ذلك بأن من مات على الكفر ~~لا يقبل إنفاقه للإنقاذ مما يلحقه من الشدائد، لا ms0778 بدفع لقاهر ولا بتقوية ~~لناصر، فتشوفت النفس إلى الوقت الذي يفيد فيه الإنفاق وأي وجوهه أنفع، ~~فأرشد إلى ذلك وإلى أن الأحب منه أجدر بالقبول، رجوعا إلى ما قرره سبحانه ~~وتعالى قبل آية الشهادة بالوحدانية من صفة عباده المنفقين والمستغفرين ~~بالأسحار على وجه أبلغ بقوله: {لن تنالوا البر} وهو كمال الخير {حتى ~~تنفقوا} أي في وجوه الخير {مما تحبون} أي من كل ما تقتضون، كما ترك إسرائيل ~~عليه الصلاة والسلام أحب الطعام إليه لله سبحانه وتعالى. # PageV05P001 # ولما كان التقدير: فإن أنفقتم منه علمه الله سبحانه وتعالى فأنالكم به ~~البر، وإن تيممتم الخبيث الذي تكرهونه فأنفقتموه لم تبروا، وكان كل من ~~المحبة والكراهة أمرا خفيا، قال سبحانه وتعالى مرغما مرهبا: {وما تنفقوا من ~~شيء} أي من المحبوب وغيره {فإن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة. وقدم ~~الجار اهتماما به إظهارا لأنه يعلمه من جميع وجوهه ما تقول لمن سألك - هل ~~تعلم كذا: لا أعلم إلا هو، فقال: {به عليم *} فهذا كما ترى احتباك. # ولما أخبر بذلك بين أنه كان ديدن أهل الكمال على وجه يقرر به ما مضى من ~~الإخبار بعظيم اجتراء أهل الكتاب على الكذب بأمر حسي فقال تعالى: {كل ~~الطعام} أي من الشحوم مطلقا وغيرها {كان حلا لبني إسرائيل} أي أكله - كما ~~كان حلا لمن قبلهم على أصل الإباحة {إلا ما حرم إسرائيل} تبررا وتطوعا {على ~~نفسه} وخصه بالذكر استجلابا لبنيه إلى ما يرفعهم بعد اجتذابهم للمؤمنين إلى ~~ما يضرهم ولا ينفعهم. ولما كانوا بما أغرقوا فيه من الكذب ربما قالوا: إنما ~~حرم ذلك اتباعا لحكم التوراة قال: # PageV05P002 # {من قبل} وأثبت الجار لأن تحريمه كان في بعض ذلك الزمان، لا مستغرقا له. ~~وعبر بالمضارع لأنه أدل على التجدد فقال: {أن تنزل التوراة} وكان قد ترك ~~لحوم الإبل وألبانها وكانت أحب الأطعمة إليه لله وإيثارا لعباده - كما تقدم ~~ذلك في البقرة عند {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] . # ولما كانت هذه الآية إلزاما لليهود باعتقاد النسخ الذي طعنوا به ms0779 في هذا ~~الدين في أمر القبلة، وكانوا ينكرونه ليصير عذرا لهم في التخلف عن اتباع ~~النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم، فكانوا يقولون: لم تزل الشحوم وما ~~ذكر معها حراما على من قبلنا كما كانت حراما علينا، فأمر بجوابهم بأن قال: ~~{قل} أي لليهود {فأتوا بالتوارة فاتلوها} أي لتدل لكم {إن كنتم صادقين *} ~~فيما ادعيتموه، فلم يأتلوا بها فبان كذبهم فافتضحوا فضيحة لا مثل لها في ~~الدنيا {فمن} أي فتسبب عن ذلك أنه من {افترى} أي تعمد {على الله} أي الملك ~~الأعظم {الكذب} أي في أمر المطاعم أو غيرها. # ولما كان المراد النهي عن إيقاع الكذب في أي زمن كان، لا عن إيقاعه في ~~جميع الزمان الذي بعد نزول الآية أثبت الجار فقال: {من بعد ذلك} أي البيان ~~العظيم الظاهر جدا {فأولئك} أي الأباعد الأباغض {هم} خاصة # PageV05P003 # لتعمدهم الكذب على من هو محيط بهم ولا تخفى عليه خافية {الظالمون *} أي ~~المتناهو الظلم بالمشي على خلاف الدليل فعل من يمشي في الظلام، فهو لا يضع ~~شيئا في موضعه، وذلك بتعرضهم إلى أن يهتكهم التام العلم ويعذبهم الشامل ~~القدرة. # ولما اتضح كذبهم وافتضح تدليسهم - لأنه لما استدل عليهم بكتابهم فلم ~~يأتوا به صار ظاهرا كالشمس، لا شك فيه ولا لبس، ولم يزدهم ذلك إلا تماديا ~~في الكذب - أمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {قل} أي لأهل ~~الكتاب الذي أنكروا النسخ فأقمت عليهم الحجة من كتابهم {صدق الله} أي الملك ~~الأعظم الذي له الكمال كله في جميع ما أخبر، وتخبر به عن ملة إبراهيم وغيره ~~من بنيه أسلافكم، وتبين أنه ليس على دينكم هو ولا أحد ممن قبل موسى عليه ~~الصلاة والسلام، لأنكم لو كنتم صادقين لأتيتم بالتوراة، نافيا بذلك أن يكون ~~تأخرهم عن الإتيان بها لعلة يعتلون بها غير ذلك، وإذ قد تبين صدقه تعالى في ~~جميع ما قال وجب اتباعه في كل ما يأمر به، وأعظمه ملة إبراهيم فإنها ~~الجامعة للمحاسن. # ولما ثبت ذلك بهذا الدليل المحكم لزم ms0780 قطعا أنه ما كان يهوديا # PageV05P004 # ولا نصرانيا ولا مشركا، وقد أقروا بأن ملته هي الحق وأنهم أتباعه، فتسبب ~~عن ذلك وجوب اتباعه فيما أخبر الله سبحانه وتعالى به فبان كالشمس صدقه، لا ~~فيما افتروه هم من الكذب، فقال سبحانه وتعالى: {فاتبعوا ملة إبراهيم} وهي ~~الإسلام أي الانقياد للدليل، وهو معنى قوله: {حنيفا} أي تابعا للحجة إذا ~~تحررت، غير متقيد بمألوف. ولما كان صلى الله عليه وسلم مفطورا. على الإسلام ~~فلم يكن في جبلته شيء من العوج فلم يكن له دين غير الإسلام نفى الكون فقال: ~~{وما كان من المشركين} أي بعزير ولا غيره من الأكابر كالأحبار الذين ~~تقلدونهم مع علمكم بأنهم يدعون إلى ضد ما دعا إليه سبحانه وتعالى. # ولما ألزمهم سبحانه وتعالى بالدليل الذي دل على النسخ أنهم على غير ملة ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأوجب عليهم اتباعها بعد بيان أنها هي ما ~~عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، أخبر عن البيت الذي يخول إليه ~~التوجه في الصلاة، فعابوه على أهل الإسلام أنه أعظم شعائر إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام التي كفروا بتركها، ولذلك أبلغ في تأكيده فقال سبحانه ~~وتعالى: {إن أول بيت} # PageV05P005 # أي من البيوت الجامعة للعبادة {وضع للناس} أي على العموم متعبدا واجبا ~~عليهم قصده وحجه بما أمرهم به على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، ~~واستقباله في الصلاة بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولعل ~~بناء وضع، للمفعول إشارة إلى أن وضعه كان قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~{للذي ببكة} أي البلدة التي تدق أعناق الجبابرة، ويزدحم الناس فيها إزدحاما ~~لا يكون في غيرها مثله ولا قريب منه، فلا بد أن يدق هذا النبي الذي أظهرته ~~منها الأعناق من كل من ناواه ويزدحم الناس على الدخول في دينه ازدحاما لم ~~يعهد مثله فإن فاتكم ذلك ختم في الدارين غاية الخيبة ودام ذلكم وصغاركم؛ ~~حال كونه {مباركا} أي عظيم الثبات كثير الخيرات في الدين والدنيا {وهدى ~~للعالمين *} أي من بني إسرائيل ومن قبلهم ومن ms0781 بعدهم، فعاب عليهم سبحانه ~~وتعالى في هذه الآية فعلهم من النسخ ما أنكروه على مولاهم. # وذلك نسخهم لما شرعه من حجة من عند أنفسهم تحريفا منهم مثالا لما قدم من ~~الإخبار به عن كذبهم، وهذا أمر شهير يسجل عليهم بالمخالفة ويثبت للمؤمنين # PageV05P006 # المؤالفة، فإن حج البيت الحرام وتعظيمه من أعظم ما شرعه إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام - كما هو مبين في السير وغيرها وهم عالمون بذلك، وقد حجه ~~أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام وأسلافهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم - كما روي من ~~غير طريق عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى أن في بعض الطرق أنه كان مع موسى ~~عليه الصلاة في حجة إليه سبعون ألفا من بني إسرائيل، ومن المحال عادة أن ~~يخفى ذلك عليهم، ومن الأمر الواضح أنهم قد تركوا هذه الشريعة العظيمة أصلا ~~ورأسا، فكيف يصح لهم دعوى أنهم على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ~~انسلاخهم من معظم شرائعه! ثم فسر الهدى بقوله: {فيه آيات بينات} وقوله: ~~{مقام إبراهيم *} أي أثر قدمه عليه الصلاة والسلام في الحجر حيث قام لتغسل ~~كنته رأسه الشريف - أعربه أبو حيان بدلا أو عطف بيان من الموصول الذي هو ~~خبر {إن} في قوله: {للذي ببكة} فكأنه قيل: إن أول بيت وضع للناس لمقام ~~إبراهيم، وأعربه غيره بدل بعض من قوله {آيات} وهو وحده آيات لعظمه ولتعدد ~~ما فيه من تأثير القدم، وحفظه # PageV05P007 # إلى هذا الزمان مع كونه منقولا، وتذكيره بجميع قضايا إبراهيم وإسماعيل ~~عليهما الصلاة والسلام. # ولما كان أمن أهله في بلاد النهب والغارات التي ليس بها حاكم يفزع إليه ~~ولا رئيس يعول في ذلك عليه من أدل الآيات قال سبحانه وتعالى: {ومن دخله} أي ~~فضلا عن أهله {كان آمنا} أي عريقا في الأمن، أو فأمنوه بأمان الله، وتحويل ~~العبارة عن «وأمن داخله» لأن هذا أدل على المراد من تمكن الأمن، وفيه بشارة ~~بدخول الجنة. # ولما أوضح سبحانه وتعالى براءتهم من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~لمخالفتهم ms0782 إياه بعد دعواهم بهتانا أنه على دينهم، وكانت المخالفة في الواجب ~~أدل قال سبحانه وتعالى: {ولله} أي الملك الذي له الأمر كله {على الناس} أي ~~عامة، فأظهر في موضع الإضمار دلالة على الإحاطة والشمول - كما سيأتي بيان ~~ذلك إن شاء الله تعالى عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي في {استطعما أهلها} ~~[الكهف: 77] في الكهف، # PageV05P008 # وذلك لئلا يدعي خصوصة بالعرب أو غيرهم {حج البيت} أي زيارته زيارة عظيمة، ~~وأظهر أيضا تنصيصا عليه وتنويها بذكره تفخيما لقدره، وعبر هنا بالبيت لأنه ~~في الزيارة، وعادة العرب زيارة معاهد الأحباب وأطلالهم وأماكنهم وحلالهم، ~~وأعظم ما يعبر به عن الزيارة عندهم الحج، ثم من بالتخفيف بقوله مبدلا من ~~الناس، تأكيدا بالإيضاح بعد الإبهام وحملا على الشكر بالتخفيف بعد التشديد ~~وغير ذلك من البلاغة: {من استطاع} أي منهم {إليه سبيلا} فمن حجه كان مؤمنا. # ولما كان من الواضح أن التقدير: ومن لم يحجه مع الاستطاعة كفر بالنعمة إن ~~كان معترفا بالوجوب، وبالمروق من الدين إن جحد، عطف عليه قوله: {ومن كفر} ~~أي بالنعمة أو بالدين {فإن الله} اي الملك الأعلى {غني} ولما كان غناه ~~مطلقا دل عليه بقوله موضع عنه: {عن العالمين *} أي طائعهم وعاصيهم، صامتهم ~~وناطقهم، رطبهم ويابسهم، فوضح بهذه الآية وما شاكلها أنهم ليسوا على دينه ~~كما وضح بما تقدم أنه ليس على دينهم، فثبتت بذلك براءته منهم، # PageV05P009 # والآية من الاحتباك لأن إثبات فرضه أولا يدل على كفر من أباه، وإثبات ~~{ومن كفر} ثانيا يدل على إيمان من حجه. # ولما أتم سبحانه وعز شأنه البراهين وأحكم الدلائل عقلا وسمعا، ولم يبق ~~لمتعنت شبهة، ولم يبادروا الإذعان، بل زادوا في الطغيان، وكادوا أن يوقعوا ~~الضراب والطعان بين أهل الإيمان، أعرض سبحانه وتعالى عن خطابهم إيذانا ~~بشديد الغضب ورابع الانتقام فقال سبحانه وتعالى مخاطبا لرسوله الذي يكون ~~قتلهم على يده: {قل} وأثبت أداة دالة على بعدهم عن الحضرة القدسية فقال: ~~{يا أهل الكتاب} أي من الفريقين {لم تكفرون} أي توقعون الكفر {بآيات الله} ~~أي وهي - لكونه الحائز ms0783 بجميع الكمال - البينات نقلا وعقلا الدالة على أنكم ~~على الباطل لما وضح من أنكم على غير ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. # ولما كان كفرهم ظاهرا ذكر شهادته تعالى فقال مهددا {والله} أي والحال أن ~~الله الذي هو محيط بكل شيء قدرة وعلما فلا إله غيره وقد أشركتم به {شهيد ~~على} كل {ما تعملون *} أي لكونه يعلم # PageV05P010 # سبحانه السر وأخفى وإن حرفتم وأسررتم. ثم استأنف إيذانا بالاستقلال ~~تقريعا آخر لزيادتهم على الكفر التكفير فقال: {قل يا آهل الكتاب} أي ~~المدعين للعلم واتباع الوحي، كرر هذا الوصف لأنه مع أنه أبعد في التقريع ~~أقرب إلى التطلف في صرفهم عن ضلالهم {لم تصدون} أي بعد كفركم {عن سبيل ~~الله} أي الملك الذي له القهر والعز والعظمة والاختصاص بجميع صفات الكمال، ~~وسبيله دينه الذي جاء به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقدمه اهتماما به. ~~ثم ذكر المفعول فقال: {من أمن} حال كونكم {تبغونها} أي السبيل {عوجا} أي ~~بليكم ألسنتكم وافترائكم على الله، ولم يفعل سبحانه وتعالى إذ أعرض عنهم في ~~هذه الآية ما فعل من قبل إذ أقبل عليهم بلذيذ خطابه تعالى جده وتعاظم مجده ~~إذ قال: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} [آل عمران: 65] {يا أهل ~~الكتاب لم تكفرون} [آل عمران: 70] والآية التي بعدها بغير واسطة. وقال أبو ~~البقاء في إعرابه: إن تبغون يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون حالا من الضمير ~~في تصدون أو من السبيل، # PageV05P011 # لأن فيها ضميرين راجعين إليها، فلذلك يصح أن يجعل حالا من كل واحد منهما، ~~وعوجا حال - انتهى. وقال صاحب القاموس في بنات الواو: بغا الشيء بغوا: نظر ~~إليه كيف هو، وقال في بنات الياء: بغيته أبغيه: طلبته، فالظاهر أن جعل عوجا ~~حالا - كما قال أبو البقاء - أصوب من جعله مفعولا - كما قال في الكشاف. ~~ويكون تبغون إما يائيا فيكون معناه: تريدونها معوجة أو ذات عوج، فإن طلب ~~بمعنى: أراد؛ وإما أن يكون واويا بمعنى: ترونها ذات عوج، أي تجعلونها في ~~نظركم يعني: تتكلفون وصفها ms0784 بالعوج مع علمكم باستقامتها، لكن قوله صلى الله ~~عليه وسلم في الصحيح «ابغني أحجارا أستنفض بهن» يؤيد قول صاحب الكشاف. # ولما ذكر صدهم وإرادتهم العوج الذي لا يرضاه ذو عقل قال موبخا: {وأنتم ~~شهداء} أي باستقامتها بشهادتكم باستقامة دين إبراهيم مع قيام أدلة السمع ~~والعقل أنها دينه وأن النبي والمؤمنين أولى الناس به # PageV05P012 # لانقيادهم للأدلة. ولما كان الشهيد قد يغفل، وكانوا يخفون مكرهم في صدهم، ~~هددهم بإحاطة علمه فقال: {وما الله} أي الذي تقدم أنه شهيد عليكم وله صفات ~~الكمال كلها {بغافل} أي أصلا {عما تعملون *} ولما تم إيذانه بالسخط على ~~أعدائه وأبلغ في إنذارهم عظيم انتقامه إن داموا على إضلالهم، أقبل بالبشر ~~على أحبائه، مواجها لهم بلذيذ خطابه وصفي غنائه، محذرا لهم الاغترار ~~بالمضلين، ومنبها ومرشدا ومذكرا ودالا على ما ختم به ما قبلها من إحاطة ~~علمه بدقيق مكر اليهود، فقال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي ~~بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم {إن تطيعوا فريقا} أتى بهذا اللفظ لما كان ~~المحذر منه الافتراق والمقاطعة الذي يأتي عيب أهل الكتاب به {من الذين ~~أوتوا الكتاب} أي القاطعين بين الأحباب مثل شأس بن قيس الذي مكر بكم إلى أن ~~أوقع الحرب بينكم، فلولا النبي الذي رحمكم به ربكم لعدتم إلى شر ما كنتم ~~فيه {يردوكم} وزاد في تقبيح هذا الحال بقوله مشيرا بإسقاط الجار إلى ~~الاستغراق زمان البعد: {بعد إيمانكم كافرين *} # PageV05P013 # أي غريقين في صفة الكفر، فيا لها من صفقة ما أخسرها وطريقة ما أجورها! . # ولما حذرهم منهم عظم عليهم طاعتهم بالإنكار والتعجيب من ذلك مع ما هم ~~عليه بعد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحوال الشريفة فقال - عاطفا ~~على ما تقديره: فكيف تطيعونهم وأنتم تعلمون عداوتهم: {وكيف تكفرون} أي يقع ~~منكم ذلك في وقت من الأوقات على حال من الأحوال {وأنتم تتلى} أي تواصل ~~بالقراءة {عليكم آيات الله} أي علامات الملك الأعظم البينات {وفيكم رسوله} ~~الهادي من الضلالة المنقذ من الجهالة، فتكونون قد جمعتم إلى موافقة ms0785 العدو ~~مخالفة الولي وأنتم بعينه وفيكم أمينه {ومن} أي والحال أنه من {يعتصم} أي ~~يجهد نفسه في ربط أموره {بالله} المحيط بكل شيء علما وقدرة في جميع أحواله ~~كائنا من كان. ولما # PageV05P014 # كان من قصر نفسه على من له الكمال كله متوقعا للفلاح عبر بأداة التوقع ~~مقرونة بفاء السبب فقال: {فقد هدى} وعبر بالمجهول على طريقة كلام القادرين ~~{إلى صراط مستقيم *} . # ولما انقضى هذا التحذير من أهل الكتاب والتعجيب والترغيب، أمر بما يثمر ~~ذلك من رضاه فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك بألسنتهم {اتقوا ~~الله} أي صدقوا دعواكم بتقوى ذي الجلال والإكرام {حق تقاته} فأديموا ~~الانقياد له بدوام مراقبته ولا تقطعوا أمرا دونه {ولا تموتن} على حالة من ~~الحالات {إلا وأنتم مسلمون *} أي منقادون أتم الانقياد، ونقل عن العارف أبي ~~الحسن الشاذلي أن هذه الآية في أصل الدين وهو التوحيد، وقوله سبحانه ~~وتعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] في فروعه. # ولما كان عزم الإنسان فاترا وعقله قاصرا، دلهم - بعد أن أوقفتهم التقوى - ~~على الأصل لجميع الخيرات المتكفل بالحفظ من جميع الزلات فقال: {واعتصموا} ~~أي كلفوا أنفسكم الارتباط الشديد والانضباط العظيم {بحبل الله} أي طريق دين ~~الملك الذي لا كفوء له التي نهجها لكم ومهدها، وأصل الحبل السبب الذي يوصف ~~به # PageV05P015 # إلى البغية والحاجة، وكل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله عنه ~~إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن الخوف، ولا يخفى دقة ~~الصراط بما ورد به النقل الصحيح وهذا الدين مثاله فصعوبته وشدته على النفوس ~~بما لها من النوازع والحظوظ مثال دقته، فمن قهر نفسه وحفظها على التمسك به ~~حفظ عن السقوط عما هو مثاله. # ولما أفهم كل من الضمير والحبل والاسم الجامع إحاطة الأمر بالكل أكده ~~بقوله: {جميعا} لا تدعوا أحدا منكم يشذ عنها، بل كلما عثرتم على أحد فارقها ~~ولو قيد شبر فردوه إليها ولا تناظروه ولا تهملوا أمره، ولا تغفلوا عنه ~~فيختل النظام، وتتعبوا على الدوام، بل تزالوا كالرابط ربطا ms0786 شديدا حزمة نبل ~~بحبل، لا يدع واحدة منها تنفرد عن الأخرى، ثم أكد ذلك بقوله: {ولا تفرقوا} ~~ثم ذكرهم نعمة الاجتماع، لأن ذلك باعث على شكرها، وهو باعث # PageV05P016 # على إدامة الاعتصام والتقوى، وبدأ منها بالدنيوية لأنها أس الأخروية ~~فقال: {واذكروا نعمة الله} الذي له الكمال كله {عليكم} يا من اعتصم بعصام ~~الدين! {إذا كنتم أعداء} متنافرين أشد تنافر {فألف بين قلوبكم} بالجمع على ~~هذا الصراط القويم والمنهج العظيم {فأصبحتم بنعمته إخوانا} قد نزع ما في ~~قلوبكم من الإحن، وأزال تلك الفتن والمحن. # ولما ذكر النعمةت التي أنقذتهم من هلاك الدنيا ثنى بما تبع ذلك من نعمة ~~الدين التي عصمت من الهلاك الأبدي فقال: {وكنتم على شفا} أي حرف وطرف {حفرة ~~من النار} بما كنتم فيه من الجاهلية {فأنقذكم منها} . # ولما تم هذا البيان على هذا الأسلوب الغريب نبه على ذلك بقوله - جوابا ~~لمن يقول: لله در هذا البيان! ما أغربه من بيان! - {كذلك} أي مثل هذا ~~البيان البعيد المنال البديع المثال {يبين الله} المحيط علمه الشاملة قدرته ~~بعظمته {لكم آياته} وعظم الأمر # PageV05P017 # بتخصيصهم به وإضافة الآي إليه. ولما كان السياق لبيان دقائق الكفار في ~~إرادة إضلالهم ختم الآية بقوله: {لعلكم تهتدون *} أي ليكون حالكم عند من ~~ينظركم حال من ترجى وتتوقع هدايته، هذا الترجي حالكم فيما بينكم، وأما هو ~~سبحانه وتعالى فقد أحاط علمه بالسعيد والشقي، ثم الأمر إليه، فمن شاء هداه، ~~ومن أراد أرداه. # PageV05P018 # ولما عاب سبحانه وتعالى الكفار بالضلال ثم بالإضلال أمر المؤمنين بالهدى ~~في أنفسهم، وأتبعه الأمر بهداية الغير بالاجتماع، وكان الأمر بالاجتماع ~~المؤكد بالنهي عن التفرق ربما أفهم الوجوب لتفرد الجميع في كل جزئية من ~~جزئيات العبادة في كل وقت على سبيل الاجتماع مع الإعراض عن كل عائق عن ذلك ~~سواء كان وسيلة أو لا بالنسبة إلى كل فرد فرد؛ أتبعه بقوله - منبها على ~~الرضى بإيقاع ذلك في الجملة سواء كان بالبعض أو الكل كما هو شأن فروض ~~الكفايات -: {ولتكن منك أمة} أي جماعة تصلح لأن ms0787 يقصدها غيرها، ويكون بعضها ~~قاصدا بعضا، حتى تكون أشد شيء ائتلافا واجتماعا في # PageV05P018 # كل وقت من الأوقات على البدل {يدعون} مجددين لذلك في كل وقت {إلى الخير} ~~أي بالجهاد والتعليم والوعظ والتذكير. # ولما عم كل خير خص ليكون المخصوص مأمورا به مرتين دلالة على جليل أمره ~~وعلي قدره فقال: {ويأمرون بالمعروف} أي من الدين {وينهون عن المنكر} فيه ~~بحيث لا يخلو وقت من الأوقات عن قوم قائمين بذلك، وهو تنبيه لهم على أن ~~يلازموا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه رضي الله ~~تعالى عنهم من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر حين استفزهم الشيطان بمكر ~~شأس بن قيس في التذكير بالأحقاد والأضغان والأنكاد، وإعلام بأن الذكرى تنفع ~~المؤمنين. # ولما كان هذا السياق مفهما لأن التقدير: فإنهم ينالون بذلك خيرا كثيرا، ~~ولهم نعيم مقيم؛ عطف عليه مرغبا: {وأولئك} أي العالون الرتبة العظيمو النفع ~~{هم المفلحون *} حق الإفلاح، فبين سبحانه وتعالى أن الاجتماع المأمور به ~~إنما هو بالقلوب الجاعلة لهم كالجسد الواحد، ولا يضر فيه صرف بعض الأوقات ~~إلى المعاش وتنعيم البدن ببعض المباحات، وإن كان الأكمل صرف الكل بالنية ~~إلى العبادة. # PageV05P019 # ولما أمر بذلك أكده بالنهي عما يضاده معرضا بمن نزلت هذه الآيات فيهم من ~~أهل الكتاب مبكتا لهم بضلالهم واختلافهم في دينهم على أنبيائهم فقال: {ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا} بما ابتدعوه في أصول دينهم وبما ارتكبوه من المعاصي، ~~فقادهم ذلك ولا بد إلى التخاذل والتواكل والمداهنة التي قصدوا بها المسالمة ~~فجرتهم إلى المصارمة. ولما كان التفرق ربما كان بالأبدان فقط مع الاتفاق في ~~الآراء بين أن الأمر ليس كذلك فقال: {واختلفوا} بما أثمر لهم الحقد الحامل ~~على الاتصاف بحالة من يظن أنهم جميع وقلوبهم شتى. # ولما ذمهم بالاختلاف الذي دل العقل على ذمه زاد في تقبيحه بأنهم خالفوا ~~فيه بعد نهي العقل واضح النقل فقال: {من} أي وابتدأ اختلافهم من الزمان ~~الذي هو من {بعد ما جاءهم} وعظمه بإعرائه عن التأنيث {البينات} أي بما ~~يجمعهم ويعليهم ms0788 ويرفعهم ويوجب اتفاقهم وينفعهم، فأرداهم ذلك الافتراق ~~وأهلكهم. # ولما كان التقدير: فأولئك قد تعجلوا الهلاك في الدنيا فهم الخائبون، # PageV05P020 # عطف عليه قوله: {وأولئك} أي البعداء البغضاء {لهم عذاب عظيم *} أي في ~~الدار الآخرة بعد عذاب الدنيا باختلافهم منابذين لما من شأنه الجمع، والآية ~~من الاحتباك: إثبات «المفلحون» أولا يدل على «الخاسرون» ثانيا، والعذاب ~~العظيم ثانيا يدل على النعيم المقيم أولا. # ولما قدم ما لأهل الكتاب المقدمين على الكفر على علم يوم القيامة في قوله ~~{إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم} [آل عمران: 77] وختم تلك الآية بأنهم ~~لهم عذاب أليم واستمر حتى ختم هذه الآية بأنه مع ذلك عظيم؛ بين ذلك اليوم ~~بقوله - بادئا بما هو أنكى لهم من تنعيم أضدادهم -: {يوم تبيض وجوه} أي بما ~~لها من المآثر الحسنة {وتسود وجوه} بما عليها من الجرائر السيئة {فأما ~~الذين اسودت وجوههم} # PageV05P021 # بدأ بهم لأن النشر المشوش أفصح، ولأن المقام للترهيب وزيادة النكاية ~~لأهله، فيقال لهم توبيخا وتقريعا: {أكفرتم} يا سود الوجوه وعبيد الشهوات! ~~{بعد إيمانكم} بما جبلتم عليه من الفطر السليمة ومكنتم به من العقول ~~المستقيمة من النظر في الدلائل، ثم بما أخذ عليكم أنبياؤكم من العهود ~~{فذوقوا العذاب} أي الأليم العظيم {بما كنتم تكفرون *} وأنتم تعلمون، فإنكم ~~في لعنة الله ماكثون {وأما الذين ابيضت وجوهم} إشراقا وبهاء لأنهم آمنوا ~~فأمنوا من العذاب {ففي رحمة الله} أي ثمرة فعل ذي الجلال والإكرام الذي هو ~~فعل الراحم. لا في غير رحمته. ثم أجاب عن سؤال من كأنه قال: هل تزول عنهم ~~كما هو حال النعم في الدنيا؟ بقوله - على وجه يفهم لزومها لهم في الدنيا ~~والآخرة -: {هم} أي خاصة {فيها خالدون} فلذا كانوا يؤمنون، فالآية من ~~الاحتباك: إثبات الكفر أولا دل على إرادة الإيمان ثانيا، وإثبات الرحمة ~~ثانيا دل على حذف اللعنة أولا. # PageV05P022 # ولما حازت هذه الآيات من التهذيب وإحكام الترتيب وحسن السياق قصب السباق ~~أشار إليها مع قربها بأداة البعد وأضافها إلى أعظم أسمائه فقال: {تلك آيات ~~الله} أي هذه دلائل ms0789 الملك الأعظم العالية الرتب البعيدة المتناول، ثم ~~استأنف الخبر عنها في مظهر العظمة قائلا: {نتلوها} أي نلازم قصها، وزاد في ~~تعظيمها بعد المبتدأ بالمنتهي فقال: {عليك} ثم أكد ذلك بقوله: {بالحق} أي ~~ثابتة المعاني راسخة المقاصد صادقة الأقوال في كل مما أخبرت به من فوزكم ~~وهلاكهم من غير أن نظلم أحدا منهم {وما الله} أي الحائز لجميع الكمال {يريد ~~ظلما} قل أو جل {للعالمين *} أي ما ظلمهم ولا يريد ظلم أحد منهم، لأنه ~~سبحانه وتعالى متعال عن ذلك، لا يتصور منه وهو غني عنه، لأن له كل شيء. # ولما كان أمرهم بالإقبال عليه ونهيهم عن الإعراض عنه ربما أوقع في وهم ~~أنه غير قادر على ضبطهم أو محتاج إلى ربطهم أزال ذلك دالا على أنه غني عن ~~الظلم بقوله: {ولله} الملك الأعلى {ما} أي # PageV05P023 # كل شيء {في السماوات و} كل {ما في الأرض} من جوهر وعرض ملكا وملكا. ولما ~~كان المقصود سعة الملك لم يضمر لئلا يظن تخصيص الثاني بما في حيز الأول ~~فقال: {وإلى الله} الذي لا أمر لأحد معه {ترجع الأمور} أي كلها، التي فيهما ~~والتي في غيرهما، فلا داعي له إلى الظلم، لأنه غني عن كل شيء وقادر على كل ~~شيء. # ولما كان من رجوع الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال - ~~مادحا لهذه الأمة ليمعنوا في رضاه حمدا وشكرا ومؤيسا لأهل الكتاب عن ~~إضلالهم ليزدادوا حيرة وسكرا: {كنتم خير أمة} أي وجدتم على هذا الوصف ~~الثابت لكم جبلة وطبعا. ثم وصف الأمة بما يدل على عموم الرسالة وأنهم ~~سيقهرون أهل الكتاب فقال: {أخرجت للناس} ثم بين وجه الخيرية بما لم يحصل ~~مجموعة لغيرهم على ما هم عليه من المكنة بقوله: {تأمرون} أي على سبيل ~~التجدد والاستمرار {بالمعروف} أي كل ما عرفه الشرع وأجازه # PageV05P024 # {وتنهون عن المنكر} وهو ما خالف ذلك، ولو وصل الأمر إلى القتال، مبشرا ~~لهم بأنه قضى في ألأزل أنهم يمتثلون ما أمرهم به من الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر في قوله: ms0790 {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} إراحة لهم من كلفة ~~النظر في أنهم هل يمتثلون فيفلحوا، وإزاحة لحملهم أعباء الخطر بكونهم ~~يعانون عليه ليفوزوا ويربحوا، فصارت فائدة الأمر كثيرة الثواب بقصد امتثال ~~الواجب، وللترمذي - وقال: حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي ~~صلى الله عليه يقول في هذه الآية: «أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها ~~وأكرمها على الله سبحانه وتعالى» وللبخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي ~~الله تعالى عنه قال: «أنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في ~~أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام» . # ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه ما زاده شرفا، وهو أنهم ~~فعلوه في حال إيمانهم فهو معتبر به لوجود شرطه # PageV05P025 # الذي هو أساس كل خير فقال {وتؤمنون} أي تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون ~~{بالله} أي الملك الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته، وارتدت ~~نوافذ أبصار البصائر خاسئة عن حصر صفاته، أي تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في ~~كل ما أخبروا به قولا وفعلا ظاهرا وباطنا، وتفعلون جميع أوامره وتنهون عن ~~جميع مناهيه؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم فليس من هذه الأمة أصلا، ~~لأن الكون المذكور لا يحصل إلا بجميع ما ذكر، وكرر الاسم الأعظم زيادة في ~~تعظيمهم، وقد صدق الله ومن أصدق من الله حديثا! # قال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في خطبة كتاب الاستيعاب: روى ~~ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول: لما دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحاب عيسى ابن مريم ~~الذين قطعوا بالمناشير وصلبوا على الخشب بأشد اجتهادا من هؤلاء - انتهى. # ولما كان من المعلوم أن التقدير: وذلك خير لكم، عطف عليه # PageV05P026 # قوله: {ولو آمن أهل الكتاب} أي أوقعوا الإيمان كما آمنتم بجميع الرسل ~~وجميع ما أنزل عليهم في كتابهم وغيره، ولم يفرقوا بين شيء من ذلك {لكان} أي ~~الإيمان {خيرا لهم} إشارة إلى تسفيه ms0791 أحلامهم في وقوفهم مع ما منعهم عن ~~الإيمان من العرض القليل الفاني والرئاسة التافهة، وتركهم الغنى الدائم ~~والعز الباهر الثابت. # ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفا: {منهم ~~المؤمنون} أي الثابتون في الإيمان، ولكنهم قليل {وأكثرهم الفاسقون *} أي ~~الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجا يضمحل معه خروج غيرهم. ولما كانت ~~مخالفة الأكثر قاصمة خفف عن أوليائه بقوله: {لن يضروكم} ولما كان الضر- كما ~~تقدم عن الحرالي - إيلام الجسم وما يتبعه من الحواس، والأذى إيلام النفس ~~وما يتبعها من الأحوال، أطلق الضر هنا على جزء معناه وهو مطلق الإيلام، ثم ~~استثنى منه فقال: {إلا أذى} أي بألسنتهم، وعبر بذلك لتصوير مفهومي الأذى ~~والضر ليستحضر في الذهن، فيكون الاستثناء أدل على نفي وصولهم إلى المواجهة ~~{وإن يقاتلوكم} أي يوما من الأيام {يولوكم} # PageV05P027 # صرح بضمير المخاطبين نصا في المطلوب {الأدبار} أي انهزاما ذلا وجبنا. # ولما كان المولي قد تعود له كرة بعد فرة قال - عادلا عن حكم الجزاء لئلا ~~يفهم التقييد بالشرط مشيرا بحرف التراخي إلى عظيم رتبة خذلانهم -: {ثم لا ~~ينصرون *} أي لا يكون لهم ناصر من غيرهم أبدا وإن طال المدى، فلا تهتموا ~~بهم ولا بأحد يمالئهم من المنافقين، وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلا! ~~لم يقاتلوا في موطن إلا كانوا كذلك. # ولما أخبر عنهم سبحانه وتعالى بهذا الذل أتبعه الإخبار بأنه في كل زمان ~~وكل مكان معاملة منه لهم بضد ما أرادوا، فعوضهم عن الحرص على الرئاسة ~~إلزامهم الذلة، وعن الإخلاد إلى المال إسكانهم المسكنة، وأخبر أن ذلك لهم ~~طوق الحمامة غير مزائلهم إلى آخر الدهر باق في أعقابهم بأفعالهم هذه التي ~~لم ينابذهم فيها الأعقاب فقال سبحانه وتعالى مستأنفا: {ضربت عليهم الذلة} ~~وهي الانقياد كرها، وأحاطت بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه {أين ما ~~ثقفوا} أي # PageV05P028 # وجدهم من هو حاذق خفيف فطن في كل مكان وعلى كل حال {إلا} حال كونهم ~~معتصمين {بحبل} أي عهد وثيق مسبب للأمان، وهو عهد الجزية وما شاكله ms0792 {من ~~الله} أي الحائز لجميع العظمة {وحبل من الناس} أي قاطبة: الذي آمنوا ~~وغيرهم، موافق لذلك الحبل الذي من الله سبحانه وتعالى. # ولما كان الذل ربما كان مع الرضى ولو من وجه قال: {وبآءو} أي رجعوا عما ~~كانوا فيه من الحال الصالح {بغضب من الله} الملك الأعظم، ملازم لهم، ولما ~~كان الوصفان قد يصحبهما اليسار قال: {وضربت} أي مع ذلك {عليهم} أي كما يضرب ~~البيت {المسكنة} أي الفقر ليكونوا بهذه الأوصاف أعرق شيء في الذل، فكأنه ~~قيل: لم استحقوا ذلك؟ فقيل: {ذلك} أي الإلزام لهم بما ذكر {بأنهم} أي ~~أسلافهم الذي رضوا هم فعلهم {كانوا يكفرون} أي يجددون الكفر مع الاستمرار ~~{بآيات الله} اي # PageV05P029 # الملك الأعظم الذي له الكمال كله، وذلك أعظم الكفر لمشاهدتهم لها مع ~~اشتمالها من العظم على ما يليق بالاسم الأعظم {ويقتلون الأنبياء} أي الآتين ~~من عند الله سبحانه وتعالى حقا على كثرتهم بما دل عليه جمع التكسير، فهو ~~أبلغ مما في أولها الأبلغ مما في البقرة ليكون ذمهم على سبيل الترقي كما هي ~~قاعدة الحكمة. # ولما كانوا معصومين دينا ودنيا قال: {بغير حق} أي يبيح قتلهم؛ ثم علل ~~إقدامهم على هذا الكفر بقوله: {ذلك} أي الكفر والقتل العظيمان {بما عصوا ~~وكانوا} أي جبلة وطبعا {يعتدون *} أي يجددون تكليف أنفسهم الاعتداء، فإن ~~الإقدام على المعاصي والاستهانة بمجاوزة الحدود يهون الكفر، فقال ~~الأصفهاني: قال أرباب المعاملات: من ابتلى بترك الآداب وقع في ترك السنن، ~~ومن ابتلى بترك السنن وقع في ترك الفرائض، ومن ابتلى بترك الفرائض وقع في ~~استحقار الشريعة، ومن ابتلى بذلك وقع في الكفر، والآية دليل على مؤاخذة ~~الابن الراضي بذنب الأب وإن علا، وذلك طبق ما رأيته في ترجمة التوراة التي ~~بين أيديهم الآن، قال في السفر الثاني: وقال الله سبحانه # PageV05P030 # وتعالى جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من ~~العبودية والرق، لا تكون لك آلهة أخرى، لا تعملن شيئا من الأصنام والتماثيل ~~التي مما في السماء فوق وفي الأرض ms0793 من تحت، ومما في الماء أسفل الأرض، لا ~~تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أجازي الأبناء بذنوب ~~الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة خلوف، وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحبائي ~~وحافظي وصاياي. # PageV05P031 # ولما كان السياق ربما أفهم أنهم كلهم كذلك قال مستأنفا نافيا لذلك: ~~{ليسوا سوآء} أي في هذه الأفعال، يثني سبحانه وتعالى على من أقبل على الحق ~~منهم وخلع الباطل ولم يراع سلفا ولا خلفا بعيدا ولا قريبا. ثم استأنف قوله ~~بيانا لعدم استوائهم: {من أهل الكتاب} فأظهر لئلا يتوهم عود الضمير على ~~خصوص من حكم بتكفيرهم {أمة} أي جماعة يحق لها أن تؤم {قائمة} أي مستقيمة ~~على ما أتاها به نبيها في الثبات على ما شرعه، متهيئة بالقيام للانتقال عنه ~~عند مجيء الناسخ الذي بشر به ووصفه. غير زائغة بالإيمان ببعضه والكفر ~~ببعضه. ثم ذكر الحامل على الاستقامة فقال: {يتلون} أي # PageV05P031 # يتابعون مستمرين {آيات الله} أي علامات ذي الجلال والإكرام المنزلة ~~الباهرة التي لا لبس فيها {آناء الليل} أي ساعاته {وهم يسجدون *} أي يصلون ~~في غاية الخضوع. ثم ذكر ما أثمر لهم التهجد فقال: {يؤمنون} وكرر الاسم ~~الأعظم إشارة إلى استحضارهم لعظمته فقال: {بالله} أي الذي له من الجلال ~~وتناهي الكمال ما حير العقول. وأتبعه اليوم الذي تظهر فيه عظمته كلها، لأنه ~~الحامل على كل خير فقال: {واليوم الآخر} أي إيمانا يعرف أنه حق بتصديقهم له ~~بالعمل الصالح بما يرد عليهم من المعارف التي ما لها من نفاد، فيتجدد ~~تهجدهم فتثبت استقامتهم. # ولما وصفهم بالاستقامة في أنفسهم في أنفسهم وصفهم بأنهم يقومون غيرهم ~~فقال: {ويأمرون بالمعروف} أي مجددين ذلك مستمرين عليه {وينهون عن المنكر} ~~لذلك، ولما ذكر فعلهم للخير ذكر نشاطهم # PageV05P032 # في جميع أنواعه فقال: {ويسارعون في الخيرات} ولما كان التقدير: فأولئك من ~~المستقيمين، عطف عليه: {وأولئك} أي العالو الرتبة {من الصالحين *} إشارة ~~إلى أن من لم يستقم لم يصلح لشيء، وأرشد السياق إلى أن التقدير: وأكثرهم ~~ليسوا بهذه الصفات. # ولما كان التقدير: فما فعلوا ms0794 من خير فهو بعين الله سبحانه وتعالى، يشكره ~~لهم، عطف عليه قوله: {وما تفعلوا} أي أنتم {من خير} من إنفاق أو غيره {فلن ~~تكفروه} بل هو مشكور لكم بسبب فعلكم، وبني للمجهول تأدبا معه سبحانه ~~وتعالى، وليكون على طريق المتكبرين. وعطف على ما تقديره: فإن الله عليم بكل ~~ما يفعله الفاعلون، قوله: {والله} أي المحيط بكل شيء {عليم بالمتقين *} من ~~الفاعلين الذين كانت التقوى حاملة لهم # PageV05P033 # على كل خير، فهو يثيبهم أعظم الثواب، ويغيرهم فهو يعاقبهم بما يريد من ~~العقاب، هذا على قراءة الخطاب، وأما على قراءة الغيبة فأمرها واضح في نظمها ~~بما قلته. # ولما رغبهم في الإنفاق بما يشمل كل خير وأخبرهم بأنه عالم بدقة وجله، ~~وأخبر أن ذلك كان دأب إسرائيل عليه الصلاة والسلام على وجه أنتج أن بنيه ~~كاذبون في ادعائهم أنهم على ملة جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم حذر ~~منهم وختم ما ختمه بالمتقين بالترغيب في الخير بما اندرج فيه الإنفاق الذي ~~قدم أول السورة أنه من صفة المتقين المستغفرين بالأسحار التي هي أشرف آناء ~~الليل وكان مما يمنع منه خوف الفقر والنزول عن حال الموسرين من الكفار ~~المفاخرين بالإكثار المعيرين بالإقلال من المال والولد وقوفا مع الحال ~~الدنيوي، وكان قد أخبر أنه لا يقبل من أحد منهم في الآخرة ملء الأرض ذهبا، ~~أعقب هذا بمثل ذلك على وجه أعم فقال - واصفا أضداد من تقدم، نافيا ما ~~يعتقدون من أن أعمالهم الصورية تنفعهم -: {إن الذين # PageV05P034 # كفروا} أي بالله بالميل عن المنهج القويم وإن ادعوا الإيمان به نفاقا أو ~~غيره {لن تغني عنهم أموالهم} أي وإن كثرت {ولا أولادهم} وإن عظمت {من الله} ~~أي الملك الذي لا كفوء له {شيئا} أي من الإغناء تأكيدا لما قرر من عدم نصرة ~~أهل الكتاب الذين حملهم على إيثار الكفر على الإيمان استجلاب الأموال ~~والرئاسة على الأتباع على وجه يعم جميع الكفار - كما قال في أول السورة - ~~سواء. # ولما كان التقدير: فأولئك هم الخاسرون، عطف عليه قوله: {وأولئك أصحاب ~~النار} ms0795 أي هم مختصون بها، ثم استأنف ما يفيد ملازمتها فقال: {هم فيها ~~خالدون *} ولما كان ربما قيل: فما حال ما يبدلونه في المكارم ويواسون به في ~~المغارم؟ ضرب لذلك مثلا جعله هباء منثورا، ضائعا وإن كثر بورا، كأن لم يكن ~~شيئا مذكورا، بقوله سبحانه وتعالى جوابا لهذا السؤال: {مثل ما ينفقون} أي ~~من المال، وحقر قصدهم بتحقير محطه فقال: {في هذه الحياة الدنيا} أي على وجه ~~القربة أو غيرها، لكونهم ضيعوا الوجه الذي به يقبل، وهو الإخلاص. ومثل ~~إنفاقهم له ومثل حرث أصيب بالريح {كمثل ريح فيها صر} أي برد شديد {أصابت ~~حرث قوم} موصوفين بأنهم # PageV05P035 # {ظلموا أنفسهم} أي بالبناء على غير أساس الإيمان {فأهلكته} فمثل ما ~~ينفقون في كونه لم ينفعهم في الدنيا بإنتاج ما أرادوا في الدنيا وضرهم في ~~الدارين، أما في الدنيا فبضياعه في غير شيء، وأما في الآخرة فبالمعاقبة ~~عليه لتضييع أساسه وقصدهم الفاسد به، مثل الزرع الموصوف فإنه لم ينفع أهله ~~الموصوفين، بل ضرهم في الدنيا بضياعه، وفي الآخرة بما قصدوا به من المقصود ~~الفاسد، ومثل إنفاقهم له في كونه ضرهم ولم ينفعهم مثل الريح في كونها ضرت ~~الزرع ولم تنفعه، فلما كانت الريح الموصوفة أمرا مشاهدا جليا جعلت في ~~إهلاكها مثلا لضياع أنفاقهم الذي هو أمر معنوي خفي، ولما كان الزرع المحترق ~~أمرا محسوسا جعل فيما حصل له بعد التعب من العطب مثالا لأمر معقول، وهو ~~أموالهم في كون إنفاقهم إياها لم يثمر لهم شيئا غير الخسارة والتعب، ~~فالمثلان ضياع الرزع والإنفاق، وضياع الزرع أظهر فهو مثل لضياع الإنفاق ~~لأنه أخفى، وقد بان أن الآية من الاحتباك: حذف أولا مثل الإنفاق لدلالة ~~الريح عليه، وثانيا الحرث لدلالة ما ينفق عليه. # ولما كان سبحانه وتعالى موصوفا بأنه الحكم العدل القائم بالقسط وأنه لا ~~ينسى خيرا فعل قال دفعا لتوهم أن ذلك بخس: {وما ظلمهم} أي الممثل بهم ~~والممثل لهم {الله} الملك الأعظم الغني الغنى المطلق # PageV05P036 # لأنه المالك المطلق، وقد كفروا، أما الممثل لهم فبكونهم أنفقوا ms0796 على غير ~~الوجه الذي شرعه، وأما الممثل بهم فبكونهم لم يحرسوا زرعهم بالطاعات، وفي ~~الآية دليل على أن أهل الطاعات تحرس ضوائعهم من الآفات وتخرق فيها العادات، ~~ثم قال: {ولكن} لوما كان الممثل لأجلهم الذين كفروا أعم من أن يموتوا عليه ~~أو يسلموا لم يعبر في الظلم بما تقتضيه الجبلة من فعل الكون وقال: الأساس ~~بكفرهم، وأن ظلمهم مقصور على أنفسهم، لا يتعداها إلى غيرها وإن ظهر ~~لإنفاقهم نكاية في عدوهم، فإن العاقبة لما كانت للمؤمنين كانت نكايتهم ~~كالعدم، بل هي زيادة في وبالهم، فهي من ظلمهم لأنفسهم. # PageV05P037 # ولما كان الجمال بالمال لا سيما مع الإنفاق من أعظم المرغبات في ~~الموالاة، وكانت هذه الآية قد صيرت جميلة قبيحا وبذوله شحيحا؛ قال سبحانه ~~وتعالى - مكررا التنبيه على مكر ذوي الأموال والجمال الذين يريدون إيقاع ~~الفتنة بينهم من اليهود والمنافقين ليضمحل أمرهم وتزول شوكتهم: {يا أيها ~~الذين آمنوا} أي إيمانا صحيحا مصدقا ادعاؤه بالعمل الصالح الذي من أعظمه ~~الحب في الله والبغض في الله {لا تتخذوا بطانة} أي من تباطنونهم بأسراركم ~~وتختصونهم بالمودة # PageV05P037 # والصفاء ومبادلة المال والوفاء {من دونكم} أي ليسوا منكم أيها المؤمنون، ~~وعبر بذلك إعلاما بأنهم يهضمون أنفسهم وينزلونها عن علي درجتها بموادتهم. ~~ثم وصفهم تعليلا للنهي بقوله: {لا يألونكم خبالا} أي يقصرون بكم من جهة ~~الفساد، ثم بين ذلك بقوله على سبيل التعليل أيضا: {ودوا ما عنتم} أي تمنوا ~~مشقتكم. # ولما كان هذا قد يخفى بينه بقوله معللا: {قد بدت البغضاء من أفواههم} أي ~~هي بينة في حد ذاتها مع اجتهادهم في إخفائها، لأن الإنسان إذا امتلأ من شيء ~~غلبه بفيضه، ولكنكم لحسن ظنكم وصفاء نياتكم لا تتأملونها فتأملوا. ثم أخبر ~~عن علمه سبحانه قطعا وعلم الفطن من عباده بالقياس ظنا بقوله: {وما تخفي ~~صدورهم أكبر} مما ظهر على سبيل الغلبة. ثم استأنف على طريق الإلهاب ~~والتهييج قوله: {قد بينا} أي بما لنا من العظمة {لكم} أي بهذه الجمل ~~{الآيات} أي الدالات على سعادة الدارين ومعرفة الشقي والسعيد والمخالف ms0797 ~~والمؤالف. وزادهم إلهابا بقوله: {إن كنتم} أي جبلة وطبعا {تعقلون *} ثم ~~استانف الإخبار عن ملخص حالهم معهم # PageV05P038 # فقال منبها أو مبدلا الهاء من همزة الإنكار: {ها أنتم أولاء} أي المؤمنون ~~المسلمون المستسلمون {تحبونهم} أي لاغتراركم بإقرارهم بالإيمان لصفاء ~~بواطنكم {ولا} أي والحال أنهم لا {يحبونكم} لمخالفتهم لكم في الدين، فإنهم ~~كاذبون في إقرارهم بالإيمان {وتؤمنون} أي أنتم {بالكتاب كله} أي ويكفرون هم ~~به كله، إما بالقصد الأول وإما بالإيمان بالبعض والكفر بالبعض {وإذا لقوكم ~~قالوا} أي لكم {آمنا} لتغتروا بهم {وإذا خلوا} أي منكم، وصور شدة حنقهم ~~بقوله: {عضوا عليكم} لما يرون من ائتلافكم وحسن أحوالكم {الأنامل من الغيظ} ~~أي المفرط منكم، ومن جعل الهاء في {ها أنتم} بدلا عن همزة الاستفهام ~~فالمراد عنده: أأنتم يا هؤلاء القرباء مني تحبونهم والحال أنهم على ما هم ~~عليه من منابذتكم وأنتم على ما أنتم عليه من الفطنة بصفاء الأفكار وعلي ~~الآراء بقبولكم الحق كله، لأن المؤمن كيس فطن؛ فهو استفهام - وإن كان من ~~وادي التوبيخ - المراد به التنبيه والتهييج المنقل من سافل الدركات إلى ~~عالي الدرجات - والله الموفق. # PageV05P039 # ولما كانوا كأنهم قالوا: فما نفعل؟ قال مخاطبا للرأس المسموع الأمر ~~المجاب الدعاء: {قل} أي لهم {موتوا بغيظكم} أي ازدراء بهم ودعاء عليهم ~~بدوام الغيظ من القهر وزيادته حتى يميتهم. ولما كانوا يحلفون على نفي هذا ~~ليرضوهم قال تعالى مؤكدا لما أخبر به لئلا يظن أنه أريد به غير الحقيقة: ~~{إن الله} أي الجامع لصفات الكامل {عليم بذات الصدور *} أي فلا تظنوا أنه ~~أراد بعض ما يتجوز بالغيظ عنه. # PageV05P040 # ولما كان ما أخبرت به هذه الجمل من بغضهم وشدة عداوتهم محتاجا ليصل إلى ~~المشاهدة إلى بيان دل عليه بقوله: {إن تمسسكم} أي مجرد مس {حسنة تسؤهم} ~~ولما كان هذا دليلا شهوديا ولكنه ليس صريحا أتبعه الصريح بقوله: {وإن ~~تصبكم} أي بقوة مرها وشدة وقعها وضرها {سيئة يفرحوا بها} ولما كان هذا أمرا ~~مبكتا غائظا مؤلما داواهم بالإشارة إلى النصر مشروطا بشرط التقوى والصبر ~~فقال: ms0798 {وإن تصبروا وتتقوا} أي تكونوا من أهل الصبر والتقوى {لا يضركم كيدهم ~~شيئا} ثم علل ذلك بقوله: # PageV05P040 # {إن الله} أي ذال الجلال والإكرام {بما يعملون محيط *} أي فهو يعد لكل ~~كيد ما يبطله، والمعنى على قراءة الخطاب: بعملكم كله، فمن صبر واتقى ظفرته، ~~ومن عمل على غير ذلك انتقمت منه. # ولما كان ما تضمنته هذه الآية من الإخبار ومن الوعد ومن الوعيد منطوقا ~~ومفهوما محتاجا إلى الاجتلاء في صور الجزئيات ذكرهم سبحانه وتعالى بالوقائع ~~التي شوهدت فيها أحوالهم من النصر عند العمل بمنطوق الوعد من الصبر والتقوى ~~وعدمه عند العمل بالمفهوم، وشوهدت فيها أحوال عدوهم من المساءة عند السرور ~~والسرور عد المساءة، وذلك غني عن دليل لكونه من المشاهدات، مشيرا إلى ذلك ~~بواو العطف على غير مذكور، مخاطبا لأعظم عباده فطنة وأقربهم إليه رتبة، ~~تهييجا لغيره إلى تدقيق النظر واتباع الدليل من غير أدنى وقوف مع المألوف ~~فقال تعالى: {وإذ} أي اذكر ما يصدق ذلك من أحوالكم الماضية حين صبرتم ~~واتقيتم # PageV05P041 # فنصرتم، وحين ساءهم نصركم في كل ذلك في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، ~~ثم في بدر، ثم في غزوة بني قينقاع ونحو ذلك، واذكر إذ لم يصبر أصحابك ~~فأصيبوا، وإذ سرتهم مصيبتكم في وقعة أحد إذ {غدوت} أي يا خاتم الأنبياء ~~وأكرم المرسلين! {من أهلك} أي بالمدينة الشريفة صبيحة يوم الجمعة إلى ~~أصحابك في مسجدك لتستشيرهم في أمر المشركين. وقد نزلوا بأحد في أواخر يوم ~~الأربعاء، أو في يوم الخميس لقتالكم. وبنى من {غدوت} حالا إعلاما بأن ~~الشروع في السبب شروع في مسببه فقال: {تبوىء} أي تنزل {المؤمنين} أي صبيحة ~~يوم السبت وعبر بقوله: {مقاعد} إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم تقدم إلى ~~كل أحد بالثبات في مركزه، وأوعز إليه في أن لا يفعل شيئا إلا بأمره لا سيما ~~الرماة، ثم ذكر علة ذلك فقال: {للقتال} . # ولما كان التقدير: وتتقدم إليهم بأبلغ مقال في تشديد الأقوال والأفعال، ~~أشار تعالى إلى أنه وقع في غضون ذلك منه ms0799 ومنهم كلام # PageV05P042 # كثير خفي وجلي بقوله: {والله} أي والحال أن الملك الأعظم الذي أنتم في ~~طاعته {سميع} أي لأقوالكم {عليم *} أي بنياتكم في ذلك وغيره فاحذروه، ولعله ~~خص النبي صلى الله عليه وسلم بلذيذ الخطاب في التذكير تحريضا لهم مع ما ~~تقدمت الإشارة إليه على المراقبة تعريضا لهم بأنهم خفوا مع الذين ذكرهم أمر ~~بعاث حتى تواثبوا حين تغاضبوا إلى السلاح - كما ذكر في سبب نزول قوله ~~تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب} [آل عمران: ~~100] ، فوقفوا عن نافذ الفهم وصافي الفكر خفة إلى ما أراد بهم عدوهم فاقتضى ~~هذا التحذير كله، ويؤيد ذلك إقباله في الخطاب عليهم عند نسبة الفشل إليها - ~~كما يأتي قريبا، ولعله إنما خص هذه الغزوة بالذكر دون ما ذكرت أن واو عطفها ~~دلت عليه مما أيدوا فيه بالنصر لأن الشماتة بالمصيبة أدل على البغضاء ~~والعداوة من الحزن بما يسر، ودل ذكرها على المحذوف لأن المدعي فيما قبلها ~~شيئان: المساءة بالحسنة، # PageV05P043 # والفرح والمسرة بالمصيبة، فإذا برهن المتكلم على الثاني عليم ولا بد أنه ~~حذف برهان الأول، وأنه إنما حذفه - وهو حكيم - لنكتة، وهي هنا عدم الاحتياج ~~إلى ذكره لوضوحه بدلالة السياق مع واو العطف عليه، وما تقدم من كونه غير ~~صريح الدلالة في أمر البغض على أنه تعالى قد ذكر بدرا - كما ترى - بعد ~~محكمة ستذكر، وأطلق سبحانه وتعالى - كما عن الطبري وغيره - التبوء على ~~ابتداء القتال بالاستشارة فإن الكفار لما نزلوا يوم الأربعاء ثاني عشر شوال ~~سنة ثلاث من الهجرة في سفح أحد مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر ~~فيهم ما يأتيه من الوحي بقية يوم الأربعاء ويوم الخميس وليلة الجمعة وباتت ~~وجوه الأنصار في المسجد بباب النبي صلى الله عليه وسلم يحرسونه صلى الله ~~عليه وسلم وحرست المدينة الشريفة، ثم دعا الناس صبيحة يوم الجمعة فاستشارهم ~~في أمرهم وأخبرهم برؤياه تلك الليلة: البقر المذبوحة، والثلم في سيفه، ~~وإدخال يده في الدرع الحصينة، وكان رأيه مع رأي كثير ms0800 من الصحابة المكث في ~~المدينة، فإن قاتلوهم فيها قاتلهم الرجال مواجهة والنساء والصبيان من فوق ~~الأسطحة، وكان عبد الله بن أبي المنافق على هذا الرأي، فلم يزل ناس ممن ~~أكرمهم الله # PageV05P044 # بالشهادة - منهم أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله ~~عنه - يلحون عليه صلى الله عليه وسلم في الخروج إليهم حتى أجاب فدخل بيته ~~ولبس لأمته بعد أن صلى الجمعة فندموا على استكراههم له صلى الله عليه وسلم ~~وهو يأتيه الوحي، فلما خرج إليهم أخبروه وسألوه في الإقامة إن شاء فقال: ~~«ما كان ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه» ~~. # وفي رواية «حتى يلاقي» فأتى الشيخين - وهما أطمان - فعرض بهما عسكره ففرغ ~~مع غياب الشمس، ورآه المشركون حين نزل بهما، واستعمل تلك الليلة على حرسه ~~محمد ابن مسلمة، واستعمل المشركون على حرسهم عكرمة بن أبي جهل، ثم أدلج من ~~سحر ليلة السبت، وندب الأدلاء ليسيروا أمامه، وحانت صلاة الصبح في الشوط ~~وهم بحيث يرون المشركين، فأمر بلالا رضي الله عنه فأذن وأقام، وصلى بأصحابه ~~صلى الله عليه وسلم الصبح صفوفا، فانخزل عبد الله بن أبي بثلث العسكر فرجع ~~وقال: أطاع الولدان، ومن لا رأي له وعصاني، وما ندري علام نقتل أنفسنا! ~~وتبعهم عبد الله بن عمرو # PageV05P045 # بن حرام أبو جابر ابن عبد الله -أحد بني سلمة وأحد من استشهد في ذلك ~~اليوم وكلمه الله قبلا - يناشدهم الله في الرجوع، فلم يرجعوا فقال: أبعدكم ~~الله! سيغني الله نبيه صلى الله عليه وسلم عنكم، ورجع فوافق النبي صلى الله ~~عليه وسلم يصف أصحابه، وكادت طائفتان من الباقين - وهما بنو سلمة عشيرة عبد ~~الله بن عمرو وبنو حارثة - أن تفشلا لرجوع المنافقين، ثم ثبتهم الله تعالى؛ ~~ونزل صلى الله عليه وسلم الشعب من أحد، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وعبأ ~~أصحابه وقال: # «لا يقاتلن أحد حتى نأمره!» وعين طائفة من الرماة وأنزلهم بعينين - جبيل ~~هناك من ورائهم - وأوعز إليهم في أن لا يتغيروا ms0801 منه حتى يأمرهم إن كانت له ~~أو عليه، حتى قال لهم: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تعينونا، وإن ~~رأيتمونا هزمناهم فلا تشركونا في الغنيمة، وانضحوا الخيل عنا إذا أتت من ~~ورائنا» وبرز # PageV05P046 # صاحب لواء المشركين وطلب المبارزة، فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله ~~المسلم فحمله آخر وبرر فقتل، وفعلوا ذلك واحدا بعد واحد حتى تموا عشرة كلهم ~~يقتل، فلما انكسرت قلوب المشركين بتوالي القتل في أصحاب اللواء أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه فشدوا فهزموا المشركين وخلوا عسكرهم ونساءهم، ~~وكان الخيل كلما أتت من وراء المسلمين نضحهم الرماة بالنبل فرجعوا فلما وقع ~~الصحابة رضي الله عنهم في نهب العسكر خلى الرماة ثغرهم، فنهاهم أميرهم ~~وحذرهم مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يطعه منهم إلا نحو ~~العشرة، فأتى أصحاب الخيل فقتلوا من بقي من الرماة، ثم أتوا الصحابة رضي ~~الله عنهم من ورائهم وهم ينتهبون، فأسرعوا فيهم القتل ونادى إبليس: إن ~~محمدا قد قتل، فانهزم الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يثبت مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم منهم إلا قليل ما بين العشرة إلى الثلاثين - على اختلاف ~~الأقوال، فاستمر يحاول بهم العدو، والله تعالى يحفظه ويدافع عنه حتى دنت ~~الشمس للمغرب، وصرف الله العدو، فدفن النبي صلى الله عليه وسلم الشهداء وصف ~~أصحابه رضي الله عنهم فأثنى على الله عز وجل ثناء عظيما، ذكر فيه فضله ~~سبحانه وعدله، وأن الملك ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، ورجع إلى المدينة ~~الشريفة وقد أصابته الجراحة في # PageV05P047 # مواضع من وجهه بنفسي هو وأبي وأمي ووجهي وعيني. # ولما كان رجوع عبد الله بن أبي المنافق - كما يأتي في صريح الذكر آخر ~~القصة - من الأدلة على أن المنافقين فضلا عن المصارحين بالمصارمة متصفون ~~بما أخبر الله تعالى عنهم من العداوة والبغضاء مع أنه كان سببا في هم ~~الطائفتين من الأنصار بالفشل كان إيلاء هذه القصة للنهي عن اتخاذ بطانة ~~السوء الذين لا يقصرون عن فساد في غاية المناسبة، ولذلك افتتحها سبحانه ~~وتعالى بقوله ms0802 - مبدلا من {إذ غدوت} دليلا على ما قبله من أن بطانة السوء لا ~~تألوهم خبالا وغير ذلك -: {إذا همت طائفتان} وكانا جناحي العسكر {منكم} أي ~~بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس {أن تفشلا} أي تكسلا وتراخيا ~~وتضعفا وتجبنا لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم فترجعا، كما رجع ~~المنافقون {والله} أي والحال أن ذا الجلال والإكرام {وليهما} وناصرهما ~~لأنهما مؤمنتان فلا يتأتى وقوع الفشل وتحققه منهما لذلك، فليتوكلا عليه ~~وحده لإيمانهما، # PageV05P048 # أو يكون التقدير: فالعجب منهما كيف تعتمدان على غيره سبحانه وتعالى ~~لتضعفا بخذلانه {و} الحال أنه {على الله} أي الذي له الكمال كله وحده ~~{فليتوكل المؤمنون *} أي الذين صار الإيمان صفة لهم ثابتة، أجمعون لينصرهم، ~~لا على كثرة عدد ولا قوة جلد، والأحسن تنزيل الآية على الاحتباك ويكون أصل ~~نظمها: والله وليهما لتوكلهما وإيمانهما فلم يمكن الفشل منهما، فتولوا الله ~~وتوكلوا عليه ليصونكم من الوهن، وعلى الله فليتوكل المؤمنون كلهم ليفعل بهم ~~ذلك، فالأمر بالتوكل ثانيا دال على وجوده أولا، وإثبات الولاية أولا دال ~~على الأمر بها ثانيا، وفي البخاري في التفسير عن جابر رضي الله عنه قال: ~~فينا نزلت {إذ همت طائفتين منكم أن تفشلا} قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة ~~وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله عز وجل: {والله وليهما} . # PageV05P049 # ولما كان ظاهر الحال فيما أصاب الكفار من المسلمين في هذه الغزوة ربما ~~كان سببا في شك من لم يحقق بواطن الأمور ولا له أهلية النفوذ في الدقائق من ~~عجائب المقدور في قوله تعالى: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا} [آل عمران: 10] {قل للذين كفروا ستغلبون} [آل عمران: ~~12] ذكرهم الله تعالى نصره لهم في غزوة بدر، وهم في القلة دون ما هم الآن ~~بكثير، مشيرا لهم إلى ما أثمره توكلهم من النصر، وحالهم إذ ذاك حال الآيس ~~منه، ولذلك كانوا في غاية الكراهة للقاء بخلاف ما كانوا عليه في هذه الكرة، ~~حثا على ملازمة التوكل، منبها على أنه لا ms0803 يزال يريهم مثل ذلك النصر ويذيق ~~الكفار أضعاف ذلك الهوان حتى يحق الحق ويبطل الباطل ويظهر دينه الإسلام على ~~الدين كله فقال - عاطفا على ما تقديره: فمن توكل عليه نصره وكفاه وإن كان ~~قليلا فلقد نصركم الله أول النهار في هذه الغزوة حيث صبرتم واتقيتم بطاعتكم ~~للرسول صلى الله عليه وسلم في ملازمة التعب والإقبال على الحرب وغير ذلك ~~بما أمركم به صلى الله عليه وسلم ولم تضركم قلتكم ولا ضعفكم بمن رجع # PageV05P050 # عنكم شيئا -: {ولقد نصركم الله} بما له من صفات الجلال والجمال {ببدر} ~~المشار إليها أول السورة بقوله تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا} ~~[آل عمران: 13] لما صبرتم واتقيتم. # ولما كانوا في عدد يسير أشار إليه بجمع القلة فقال: {وأنتم أذلة} أي ~~فاذكروا ذلك واجعلوه نصب أعينكم لينفعكم، وكان الإتيان بأمر بدر بعد آية ~~الفشل المختتمة بالحث على التوكل في الغاية من حسن النظم، وهو دليل أيضا ~~على منطوق قوله تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} [آل عمران: ~~120] كما كان أمر أحد دليلا على منطوقها ومفهومها معا: دل على منطوقها ~~بنصرهم أول النهار عند صبرهم، وعلى مفهومها بإدالة العدو عليهم عند فشلهم ~~آخره - والله الموفق؛ على أنك إذا أنعمت التأمل في قصة أحد من السير وكتب ~~الأخبار علمت أن الظفر فيها ما كان إلا للنبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي ~~الخبر به في قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} [آل ~~عمران: 52] ، فإن الصحابة رضي الله عنهم هزموهم - كما مضى - في أول النهار ~~حتى لم يبق في عسكرهم أحد ولا بقي عند نسائهم حام، فلما خالف الرماة أمره ~~صلى الله عليه وسلم # PageV05P051 # وأقبلوا على الغنيمة أراد الله تأديبهم وتعريفهم أن نصرته لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم غير محتاجة في الحقيقة إليهم حين انهزموا حتى لم يبق مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم منهم غير نفر يسير ما يبلغون الخمسين، والكفار ثلاثة ~~آلاف وخيلهم مائتان، فاستمر عليه الصلاة والسلام في نحورهم يحاولهم ms0804 ~~ويصاولهم، يرامونه مرة ويطاعنون أخرى، ويجتمعون عليه كرة ويفترقون عنه ~~أخرى، والله تعالى يمنعه منهم بأيده ويحفظه بقوته حتى تدلت الشمس للغروب، ~~وقتل بيده صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف مبارزة، تصديقا لما كان أوعده به ~~قبل الهجرة، وخالطوه غير مرة ولم يمكنهم الله منه ولا أقدرهم على أسر أحد ~~من أصحابه، ثم ردهم خائبين بعد أن تراجع إليه من أصحابه في أثناء النهار، ~~ولم يرجع صلى الله عليه وسلم من أحد إلا بعد انصرافهم ودفن من استشهد من ~~أصحابه، وأما هم فاستمروا راجعين ولم يلووا على أحد ممن قتل منهم، وهم ~~اثنان وعشرون رجلا من سرواتهم وحمال راياتهم، وقال الجلال الخجندي في كتابه ~~فردوس المجاهدين: إنه صح النقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما نصر # PageV05P052 # النبي صلى الله عليه وسلم في موطن من المواطن نصرته في يوم أحد - انتهى. # كفى على ذلك دليلا ما نقل موسى بن عقبة - وسيرته أصح السير في غزوة الفتح ~~- عن قائد الجيش بأحد أبي سفيان بن حرب أنه قال عندما عرض عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم الإسلام: يا محمد! قد استنصرت إلهي واستنصرت إلهك، فوالله ~~ما لقيتك من مرة إلا ظهرت علي، فلو كان إلهي محقا وإلهك مبطلا لقد ظهرت ~~عليك، وإنما كانت الهزيمة وقتل من قتل لحكم ومصالح لا تخفى على من له رسوخ ~~في الشريعة وثبات قدم في السنن، ويمكن أن تكون هذه القصة مندرجة في حكم ~~النهي في القصة التي قبلها عن طاعة فريق من أهل الكتاب عطفا على قوله ~~تعالى: {نعمة} في قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين ~~قلوبكم} [آل عمران: 103] لتشابه القصتين في الإصغاء إلى الكفار قولا أو ~~فعلا، المقتضي لهدم الدين من أصله، لأن هم الطائفتين بالفشل إنما كان من ~~أجل رجوع عبد الله بن أبي المنافق حليف أهل الكتاب ومواليهم ومصادقهم ~~ومصافيهم، ويؤيد ذلك نهيه تعالى في أثناء هذه عن مثل ذلك بقوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا ms0805 إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين} [آل عمران: 149] ، ويكون # PageV05P053 # إسناد الفعل في {غدوت} ، وأمثاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد ~~الإسناد إلى الجمع، لأنه الرئيس فخطابه خطابهم، ولشرف هذا الفعل، فكان ~~الأليق إفراده به صلى الله عليه وسلم، وأما الفشل ونحوه فأسند إليهم وقصر- ~~كما هو الواقع - عليهم. # ولما امتن الله سبحانه عليهم بالنصرة في تلك الكرة سبب عن ذلك أمرهم ~~بالتقوى إشارة إلى أنها السبب لدوام النعمة فقال: {فاتقوا الله} أي في جمع ~~أوامره ونواهيه بأن التقوى التنزه عن المعاصي، والشكر فعل ينبىء عن تعظيم ~~المنعم، وشكر الله صرف جميع ما أنعم به في طاعاته فحينئذ التقوى من الشكر ~~فإن أريد العموم انحل الكلام إلى: اشكروا لعلكم تشكرون، ولا يتحرر الجواب ~~إلا بعد معرفة حقيقة التقوى لغة؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: ~~الواقية ما وقاك الشر، وكل شيء وقيت به شيئا فهو وقاء له ووقاية، وقوله ~~سبحانه وتعالى: {لعلكم تتقون} قال ابن عرفة - أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما ~~أمركم به وقاية بينكم وبين النار - انتهى. # فاتضح أن حقيقة {واتقوا} : اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية، وأن # PageV05P054 # سبب اتخاذ الوقاية الخوف من ضاره فالظاهر - والله أعلم - أن اتقوا بمعنى: ~~خافوا - مجازا مرسلا من إطلاق اسم المسبب على السبب، فالمعنى: خافوا الله ~~لتكونوا على رجاء من أن يحملكم خوفه على طاعته على سبيل التجديد ~~والاستمرار، ولئن سلمنا أن التقوى من الشكر فالمعنى: اشكروا هذا الشكر ~~الخاص ليحملكم على جميع الشكر، وغايته أنه نبه على أن هذا الفرد من الشكر ~~هو أصل الباب الذي يثمر باقيه، وهوالمراد بقول ابن هشام في السيرة: إن ~~المعنى: فاتقوني، فإنه شكر نعمتي، ويجوز أن يكون: لعلكم تزدادون نعما ~~فتشكرون عليها - إقامة للمسبب مقام السبب - والله أعلم. # ولما اشتملت هذه القصة على المصيبة التي سيقص الله كثيرا منها، وهي ~~مستوفاة في السير كان أنسب من قصها وبيان ما اتفق لها - لوعظ من يأتي - ~~البداءة بتذكير من باشرها بما وعدهم الله به على ms0806 لسان نبيه صلى الله عليه ~~وسلم قبل وقوع القتال من النصر المشروط بالصبر # PageV05P055 # والتقوى تنبيها لهم على أن الخلل من جهتهم أتى، ثم وعظمهم بالنهي عما ~~منعهم النصر، والأمر بما يحصله لهم كما سيحثهم على ذلك بما يقص عليهم من ~~نبأ من قاتل مع الأنبياء قبلهم بأنهم لما أصابهم القتل لم يهنوا وعلموا أن ~~الخلل من أنفسهم، فبادروا إلى إصلاحه بأفعال المتقين من الصبر والتضرع ~~والإقرار بالذنب، فقال - مبدلا من {إذ غدوت} عودا على بدء تعظيما للأمر حثا ~~على النظر في موارده ومصادره والتدبر لأوائله وأواخره -: {إذ تقول ~~للمؤمنين} أي الذين شاورتهم في أمر أحد - وفي غمارهم المنافقون - لما ~~زلزلوا برجوع أكثر المنافقين به، حتى كاد بعض الثابتين أن يرجع ضعفا وجبنا، ~~مع ما كان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم به من تلك الرؤيا التي أولها ~~بذبح يكون في أصحابه، ليكون إقدامهم على بصيرة، أو يصدهم ذلك عن الخروج إلى ~~العدو كما كان ميل النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر أصحابه وإعلامهم إلى ~~المكث في المدينة قال منكرا آتيا بأداة التأكيد للنفي: {ألن يكفيكم} أي ~~أيها المؤمنون {أن يمدكم} إمدادا خفيا - بما أشار إليه الإدغام {ربكم} أي ~~المتولي لتربيتكم ونصر دينكم {بثلاثة آلاف} # PageV05P056 # ثم عظم أمرهم بقوله: {من الملائكة} ثم زاد في إعظامهم بأنهم من السماء ~~بقوله: {منزلين *} ثم تولى سبحانه وتعالى هو الجواب عنهم تحقيقا للكفاية ~~فقال: {بلى} أي يكفيكم ذلك، ثم استأنف قوله: {إن تصبروا وتتقوا} أي توقعوا ~~الصبر والتقوى لله ربكم، فتفعلوا ما يرضيه وتنتهوا عما يسخطه {ويأتوكم} أي ~~الكفار {من فورهم} أي وقتهم، استعير للسرعة التي لا تردد فيها، من: فارت ~~القدر - إذا غلت {هذا} أي في هذه الكرة {يمددكم} أي إمدادا جليا - بما أشار ~~إليه إشارة لفظية: الفك، وإشارة معنوية: التسويم {ربكم} أي المحسن إليكم ~~بأكثر من ذلك {بخمسة آلاف من الملائكة} ثم بين أنهم من أعيان الملائكة ~~بقوله: {مسومين *} أي معلمين بما يعرف به مقامهم في الحرب، والظاهر من ~~التعبير بالتسويم إفهام ms0807 القتال، ومن الاقتصار على الإنزال عدمه، ويكون ~~فائدة نزولهم البركة بهم وإرهاب الكفار بمن يرونه منهم. # قال البغوي: قال ابن عباس ومجاهد: لم يقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم ~~بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون، إنما يكونون عددا ومددا. # ولما كان التقدير: وليس الإمداد بهم موجود للنصر، وكان قد قدم في أول ~~السورة قوله: {والله يؤيد بنصره من يشاء} [آل عمران: 13] قال هنا # PageV05P057 # قاصرا للأمر عليه: {وما جعله الله} أي الإمداد المذكور وذكره لكم على ما ~~له من الإحاطة بصفات الكمال التي لا يحتاج مراقبها إلى شيء أصلا {إلا بشرى} ~~. # وما كانت الهزيمة عليهم في هذه الكرة، وكان المقتول منهم أكثر قال: {لكم} ~~لئلا يتوهم أن ذلك بشرى لضدهم، ولمثل هذا قدم القلوب فقال: {ولتطمئن} وعلم ~~أن التقدير - لتكون الآية من الاحتباك: لتستبشر نفوسكم به وطمأنينة لكم ~~لتطمئن {قلوبكم به} أي الإمداد، فحكم هنا بأنه بشرى مقيدا بلكم، فكانت ~~العناية بضمير أشد حتى كأنه قيل: إلا وبشرى لكم وطمأنينتكم، فوجب تأخير ~~ضميره عنهم، والمعنى أنهم كانوا أولا خائفين، فلما وردت البشرى اطمأنوا بها ~~رجاء أن يفعل بهم مثل ما فعل في بدر، فلما اطمأنوا بها وقع النصر كما وقع ~~به الوعد ثم لما اطمأنت قلوبهم إلى شيء ألز قوتها لأنه قد سبق لها نصر ~~وسرور بضرب وطعن في بدر # PageV05P058 # وغيرها فلمحت نحو شيء من ذلك؛ حصلت الهزيمة ليصيروا إلى حق اليقين بأنه ~~لا حول لهم ولا قوة، ولذلك قال تعالى: {وما النصر} أي في ذلك غيره {إلا من ~~عند الله} أي المستجمع لصفات الكمال، لا بمدد ولا غيره فلا تجدوا في أنفسكم ~~من رجوع من رجع ولا تأخر من تأخر ولا هزيمة من انهزم. # ولما قدم أمر بدر هنا وأول السورة، وتحقق بذلك ما له من العزة والحكمة ~~قال: {العزيز} الذي لا يغالب، فلا يحتاج إلى قتال أحد ولا يحتاج في نصره - ~~إن قاتل - إلى معونة أحد {الحكيم *} الذي يضع الأشياء في أتقن محالها من ~~غير تأكيد أي ms0808 الذي نصركم قبل هذه الغزوة وفي أول النهار فيها، ليس لكم ولا ~~لغيركم ناصر غيره، فمتى التفت أحد إلى سواه وكله إليه فخذل، فاحذروه ~~لتطيعوه طاعة أولي الإحسان في كل أوان، وهذا بخلاف ما في قصة بدر في ~~الأنفال وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بها من المقال مما اقتضاه هناك الحال، ~~والحكيم رأس آية بإجماع أهل العلم - كما في الأنفال، ولما قرر الوعد ذكر ~~ثمرته فقال معلقا الجار بيمددكم: {ليقطع} أي بالقتل {طرفا} أي طائفة من ~~كرامهم، يهنون بهم {من الذين كفروا} أي ويهزم الباقين {أو يكبتهم} أي ~~يكسرهم ويردهم بغيظهم مع الخزي # PageV05P059 # أذلاء، وأصل الكبت صرع الشيء على وجهه {فينقلبوا} أي كلهم مهزومين ~~{خائبين *} وذلك في كلتا الحالتين بقوتكم عليهم بالمد وضعفهم عنكم به، ~~ويجوز تعليق {ليقطع} بفعل التوكل، أي فليتوكلوا عليه ليفعل بأعدائهم ما ~~يشاءه من نصرهم عليهم، فيقبل بهم إلى الإسلام رغبة أو رهبة، أو يميتهم على ~~كفرهم فيديم عذابهم مع عافيتهم منهم؛ ورأيت في سير الإمام محمد بن عمر ~~الواقدي ما يدل على تعليقه بجعل من قوله: {وما جعله الله إلا بشرى} أو ~~بقوله: {ولتطمئن} وهو حسن أيضا. # PageV05P060 # ولما كان صلى الله عليه وسلم حريصا على طلب الإدالة عليهم ليمثل بهم كما ~~مثلوا بعمه حمزة وعدة من أصحابه رضي الله عنهم قال تعالى: {ليس لك من ~~الأمر} أي فيهم ولا غيرهم {شيء} موسطا له بين المتعاطفات، يعني من الإدالة ~~عليهم بقتل أو هزيمة تدرك بهما ما تريد، بل الأمر له كله، إن أراد فعل بهم ~~ما تريد، وإن أراد منعك منه بالتوبة عليهم أو إماتتهم على الكفر حتف الأنف ~~فيتولى هو عذابهم، وذلك معنى قوله: {أو يتوب عليهم} أي كلهم بما يكشف عن ~~قلوبهم من حجاب الغفلة فيرجعوا عما هم عليه من الظلم {أو يعذبهم} كلهم ~~بأيديكم بأن تستأصلوهم فلا يفلت منهم أحد، أو يعذبهم هو من # PageV05P060 # غير واسطتكم بما يستدرجهم به مما يوجب إصرارهم حتى يموتوا على الكفر مع ~~النصر عليكم وغيره مما هو ms0809 لهم في صورة النعم الموجب لزيادة عقابهم. ثم علل ~~الأقسام الأربعة بقوله: {فإنهم ظالمون *} وفي المغازي من صحيح البخاري ~~معلقا عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله قال: «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن ~~هشام فنزلت {ليس لك من الأمر شيء} - إلى قوله: {ظالمون} » ورواه موصولا في ~~المغازي والتفسير والاعتصام عن سالم عن أبيه بغير هذا اللفظ، وفيه «اللهم ~~العن فلانا وفلانا» . # ولما كان التقدير: بل الأمر له سبحانه وحده عطف عليه قوله - مبينا لقدرته ~~على ما قدم من فعله بهم على وجه أعم -: {ولله} أي الملك الأعظم وحده {ما في ~~السماوات} أي كلها على عظمها من عاقل وغيره، وعبر ب «ما» لأن غير العاقل ~~أكثر وهي به أجدر {وما في الأرض} كذلك ملكا وملكا فهو يفعل في ملكه وملكه ~~ما يشاء، وفي التعبير ب «ما» أيضا إشارة إلى أن الكفرة الذين السياق لهم في ~~عداد ما لا يعقل. # PageV05P061 # ولما كانت الأقسام كلها راجعة إلى قسمين: عافية وعذاب، قال - مترجما لذلك ~~مقررا لقوله: {ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران: 128] : {يغفر لمن يشاء} أي ~~منهم ومن غيرهم فيعطيه ما يشاء من خيري الدنيا والآخرة ويغنيه عن الربا ~~وغيره {ويعذب من يشاء} بالمنع عما يريد من خيري الدارين، لا اعتراض عليه، ~~فلو عذب الطائع ونعم العاصي لحسن منه ذلك، ولا يقبح منه شيء، ولا اعتراض ~~بوجه عليه، هذا مدلول الآية وهو لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل. # ولما كان صلى الله عليه وسلم لشدة غيظه عليهم في الله جديرا بالانتقام ~~منهم بدعاء أو غيره أشار له سبحانه إلى العفو للحث على التخلق بأخلاق الله ~~الذي سبقت رحمته غضبه بقوله: {والله} أي المختص بالجلال والإكرام {غفور ~~رحيم *} أي محاء للذنوب عينا وأثرا، مكرم بعد ذلك بأنواع الإكرام، فانطبق ~~ذلك على إيضاح {ليس لك} [آل عمران: 128] وإفهامه الموجب لاعتقاد أن يكون له ~~سبحانه وتعالى الأمر # PageV05P062 # وحده. # ولما ms0810 أنزل عليه ذلك وما في آخر النحل مما للصابرين والعافين حرم المثلة ~~واشتد نهيه صلى الله عليه وسلم عنها، فكان لا يخطب خطبة إلا منع منها. # ولما كان الختم بهاتين الصفتين ربما أطمع في انتهاك الحرمات لاتباع ~~الشهوات فكان مبعدا لمتعاطيه من الرحمة مدنيا من النقمة، وكان أعظم ~~المقتضيات للخذلان تضييعهم للثغر الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بحفظه بسبب إقبالهم قبل إتمام هزيمة العدو على الغنائم للزيادة في الأعراض ~~الدنيوية التي هي معنى الربا في اللغة إذ هو مطلق الزيادة أقبل تعالى عليهم ~~بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان، صدقوا إيمانكم بأن {لا ~~تأكلوا الربا} أي المقبح فيما تقدم أمره غاية التقبيح، وهو كما ترى إقبال ~~متلطف مناد لهم باسم الإيمان الناظر إلى الإنفاق المعرض عن التحصيل {ومما ~~رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] ؛ {والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} [آل ~~عمران: 17] ؛ {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران: 92] ناه عن ~~الالتفات إلى الدنيا بالإقبال على غنيمة أو غيرها # PageV05P063 # بطريق الإشارة بدلالة التضمن، إذ المطلق جزء المقيد، ففي هذه العبارة ~~التي صريحها ناه عن الإقبال على الدنيا إقبالا يوجب الإعراض عن الآخرة ~~باستباحة أكل الربا المتقدم في البقرة من النهي عنه من المبالغة ما يردع من ~~له أدنى تقوى، ويوجب لمن لم يتركه وما يقاربه الضمان بالخذلان في كل زمان ~~{فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 278] ، {أولئك الذين ~~اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون} ~~[البقرة: 86] . # ولما كان في تركه الإثخان في العدو بعد زوال المانع منه بالهزيمة مع أن ~~فيه من حلاوة الظفر ما يجل عن الوصف لأجل الغنيمة التي هي لمن غلب، وليس في ~~المبادرة إلى حوزها كبير فائدة، دلالة على تناهي الحب للتكاثر، ناسب المقام ~~ربا التضعيف فقال: - أو يقال: لما كان سبب الهزيمة طلبهم الزيادة بالغنيمة، ~~وكان حب الزيادة حلالا قد يجر إلى حبها حراما، فيجر إلى الربا المضاعف، لأن ~~من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه قال -: {أضعافا ms0811 مضاعفة} أي لا تتهيؤوا ~~لذلك بإقبالكم على مطلق الزيادة، فإن المطلوب منكم بذل المال فضلا عن ~~الإعراض عنه فضلا عن الإقبال عليه، فالحاصل أنه دلت على الربا بمطابقتها، # PageV05P064 # وعلى مطلق الزيادة بتضمنها، وهي من وادي قوله صلى الله عليه وسلم: «من ~~يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» # وختام الآية بقوله: {واتقوا الله} أي الملك الأعظم {لعلكم تفلحون} مشير ~~إلى ذلك، أي واجعلوا بينكم وبين مخالفة نهيه عن الربا وقاية بالإعراض عن ~~مطلق محبة الدنيا والإقبال عليها، لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطالب، فمن ~~له ملك الوجود وملكه فإنه دير بأن يعطيكم من ملكه إن اتقيتم، ويمنعكم إن ~~تساهلتم، فهو نهي عن الربا بصريح العبارة، وتحذير من أن يعودوا إلى ما صدر ~~منهم من الإقبال على الغنائم قبل انفصال الحرب فعلا وقوة بطريق الإشارة، ~~وهي من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والذي ~~دلنا على إرادة المعنى التضمني المجازي نظمها، والناظم حكيم في سلك هذه ~~القصة ووضعها في هذا الموضع، فلا يقدح في ذلك أنه قد كان في هذه القصة أمر ~~يصلح أن يكون سببا لنزول هذه الآية ووضعها عنا، لأن ذلك غير لازم ولا مطرد، ~~فقد كان حلفه صلى الله عليه وسلم أنه يمثل بسبعين منهم كما مثلوا بعمه # PageV05P065 # حمزة رضي الله عنه سببا لنزول آخر سورة النحل {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ~~ما عوقبتم به} [النحل: 126] إلى آخرها، ولم توضع هنا، والأمر الصالح لأن ~~يكون سببا لها ما روى أبو داود في سننه بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي ~~هريرة أن عمروا بن أقيش رضي الله عنه كان له ربا في الجاهلية، فكره أن يسلم ~~حتى يأخذه، فجاء يوم أحد فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ ~~قالوا: بأحد، قال: فأين فلان؟ قالوا: بأحد؛ فلبس لأمته وركب فرسه ثم توجه ~~قبلهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت، ~~فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحا، فجاءه سعد بن معاذ رضي ms0812 الله عنه فقال ~~لأخته: سليه: حمية لقومك أو غضبا لهم، أم غضبا لله عز وجل؟ فقال: بل غضبا ~~لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمات فدخل الجنة وما صلى لله عز وجل ~~صلاة. والقصة في جزء عبيد الله بن محمد بن حفص العيشي - بالمهملة ثم ~~التحتانية ثم المعجمة - تخريج أبي القاسم # PageV05P066 # عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز البغوي، والجزء السابع عشر من المجالسة ~~للدينوري من طريق حماد بن سلمة شيخ أبي داود، ولفظ العيشي: إن عمرو بن وقش ~~- وقال الدينوري: أقيش - كان له ربا في الجاهلية، وكان يمنعه ذلك الربا من ~~الإسلام حتى يأخذه ثم يسلم، فجاء ذات يوم ورسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~زاد الدينوري: وأصحابه بأحد فقال: أين سعد ابن معاذ؟ وقال العيشي: فقال ~~لقومه: أين سعد بن معاذ؟ قالوا: هو بأحد، قال الدينوري: فقال: أين بنو ~~أخيه؟ قالوا: بأحد، فسأل عن قومه، فقالوا: بأحد، فأخذ سيفه ورمحه ولبس ~~لأمته، ثم أتى أحدا؛ وقال الدينوري: ثم ذهب إلى أحد، فلما رآه السملمون ~~قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت! فقاتل فحمل إلى أهله جريحا، ~~فدخل عليه سعد بن معاذ فقال - يعني لامرأته -: سليه! وقال العيشي: فقال ~~لأخته: ناديه، فقولي؛ وقال الدينوري: فقالت: أجئت غضبا لله ورسوله أم حمية ~~وغضبا لقومك؟ فنادته، فقال: جئت غضبا لله ورسوله! فمات فدخل الجنة ولم يصل ~~لله قط؛ وقال الدينوري: قال أبو هريرة: ودخل الجنة، وما صلى لله صلاة. # ورواها ابن إسحاق والواقدي عن أبي هريرة رضي الله عنهم أنه كان يقول: ~~حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط؛ وقال الواقدي: أخبروني برجل يدخل الجنة # PageV05P067 # لم يسجد لله قط، فيسكت الناس، فيقول أبو هريرة رضي الله عنه: هو أخو بني ~~عبد الأشهل؛ وقال ابن إسحاق: فإذا لم يعرفه الناس سألوا: من هو؟ فيقول: ~~أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش رضي الله تعالى عنه؛ زاد ابن ~~إحساق: قال الحصين - يعني شيخه: فقلت لمحمود بن ms0813 لبيد: كيف كان شأن الأصيرم؟ ~~قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى أحد بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيف فغدا حتى دخل في عرض ~~الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون ~~قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم! ما جاء به؟ ~~لقد تركناه وإنه لمنكر بذا الحديث! فسألوه ما جاء به، فقالوا: ما جاء بك يا ~~عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت ~~بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني. ثم لم يلبث أن # PageV05P068 # مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنه لمن أهل ~~الجنة» والمعنى على هذا: يا أيها الذين يريدون الإيمان! لا تفعلوا مثل فعل ~~الأصيرم في تأخير إيمانه لأجل الربا، بل سابقوا الموت لئلا يأتيكم بغتة ~~فتهلكوا، أو يا أيها الذين أخبروا عن أنفسهم بالإيمان ورسوخ الإذعان في ~~أنفسهم والإيقان بمر الزمان! افعلوا مثل فعله ساعة أسلم في صدق الإيمان ~~وإسلام نفسه إلى ربه بركوب الأهوال في غمرات القتال من غير خوف ولا توقف ~~ولا التفات إلى أمر دنيوي وإن عظم؛ فقد بان أنه نبه بالإشارة إلى قصة بدر ~~ثم بهذه الآية على أن من أعرض عن الدنيا حصلت له بعز وإن كان قليلا، ومن ~~أقبل عليها فاتته بذل وإن كان كثيرا جليلا، لأن من له ملك السماوات والأرض ~~يفعل ما يشاء، ولا تفيد الآية إباحة مطلق الفضل في الربا ما لم ينته إلى ~~الأضعاف المضاعفة، لأن إفهامها لذلك معارض لمنطوق آيات البقرة الناهية عن ~~مطلق الربا، والمفهوم لا يعمل به إذا عارض منطوق نص آخر، وهذا من مزيد ~~الاعتناء بشأن الربا إذ حرم كل نوع منه في آية تخصه، فحرم ربا الفضل في ~~آيات البقرة، # PageV05P069 # ويلزم من ترحيمه تحريم ربا الأضعاف، ms0814 ثم نص عليه في هذه الآية، فصار محرمأ ~~مرتين: مفهوما ومنطوقا، مع ما أفاد ذكره من النكت التي تقدم التنبيه عليها. # PageV05P070 # ولما كان الفائز بالمطالب قد لا يوقي المعاطب قال تعالى: {واتقوا النار} ~~أي إن لم تكونوا ممن يتقيه سبحانه لذاته {التي أعدت} أي هيئت {للكافرين *} ~~أي بالله باستحلال الربا وغيره بالذات، وللكافرين بالنعمة عصيانا بالعرض. ~~ولما كان الفائز السالم قد لا يكون مقربا قال اتباعا للوعيد بالوعد: ~~{وأطيعوا الله} ذا الجلال والإكرام {والرسول} أي الكامل في الرسلية كمالا ~~ليس لأحد مثله، أي في امتثال الأوامر واجتناب النواهي بالإخلاص {لعلكم ~~ترحمون *} أي لتكونوا على رجاء وطمع في أن يفعل بكم فعل المرحوم بالتقريب ~~والمحبة وإنجاز كل ما وعد على الطاعة من نصره وغيره. # ولما نهى عما منع النصر بالنهي عن الربا، المراد بالنهي عنه الصرف عن ~~مطلق الإقبال على الدنيا، المشار إلى ذمها في قوله تعالى: {زين للناس حب ~~الشهوات من النساء والبنين} [آل عمران: 14] ، وأمر بما تضمن الفوز والنجاة ~~والقرب، وكان ذلك قد يكون مع التواني أمر بالمسارعة فيه # PageV05P070 # توصلا إلى ما أعد للذين اتقوا الموعودين بالنصر المشروط بتقواهم وصبرهم ~~في قوله: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم} [آل عمران: ~~125] ، {وإن تصبرو وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} [آل عمران: 120] الموصوفين ~~بما تقدم في قوله تعالى في المقصد الثالث من دعائم هذه السورة {قل أأنبئكم ~~بخير من ذلك للذين اتقوا} [آل عمران: 15] ، على وجه أبلغ من ذلك بالمسارعة ~~إلى ما يوجب المغفرة من الرب اللطيف بعباده، وإلى ما يبيح الجنة أعدت ~~للمتقين الذين تقدمت الإشارة إليهم في قوله تعالى: {واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون} [آل عمران: 130] الذين يتخلون عن الأموال وجميع مصانع الدنيا فلا ~~تمتد أعينهم إلى الازدياد من شيء منها ويتحلون بالزهد فيها والإنفاق لها في ~~سبيل الله في مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجهاد وغيره في ~~السراء والضراء، لا بالإقبال على الدنيا من غنيمة أو غيرها إقبالا يخل ببعض ~~الأوامر، وبالصبر بكظم الغيظ ms0815 عمن أصيب منهم بقتل او جراحة، والعفو عمن # PageV05P071 # يحسن العفو عنه في التمثيل بالقتل في أحد أو غير ذلك إرشادا إلى أن لا ~~يكون جهادهم إلا غضبا لله تعالى، لا مدخل فيه لحظ من حظوظ النفس أصلا، ~~وبالصبر أيضا على حمل النفس على الإحسان إلى من أساء بذلك أو غيره كما فعل ~~صلى الله عليه وسلم في فتح مكة بعد أن كان حلف ليمثلن بسبعين منهم مكان ~~تمثيلهم بسيد الشهداء أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة ابن ساقي الحجيج عبد ~~المطلب، فإنه وقف صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم الذي كان أعظم أيام ~~الدنيا الذي أثبت فيه نور الإسلام عل مشرق الأرض ومغربها، فهزم ظلام الكفر ~~وضرب أوتاده في كل قطر على درج الكعبة وهم في قبضته فقال: # «ما تظنون إني فاعل بكم يا معشر قريش؟ قالوا: خيرا! أخ وابن أخ كريم، ~~قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» ، وبالاستغفار عنعمل الفاحشة من خذلان المؤمنين ~~أو أكل الربا أو التولي عن قتال الأعداء، وعن ظلم النفس من محبة الدنيا ~~الموجب للإقبال على الغنائم التي كانت سبب الانهزام أو يغر ذلك مما أراد ~~الله تعالى فقال تعالى: {وسارعوا} أي بأن تفعلوا في الطاعات فعل من يسابق ~~خصما {إلى مغفرة من ربكم} أي المحسن إليكم بإرسال الرسل وإنزال الكتب بعمل ~~ما يوجبها من التوبة والإخلاص وكل ما يزيل العقاب {وجنة} أي عظيمة جدا بعمل ~~كل ما يحصل # PageV05P072 # الثواب، ثم بين عظمها بقوله: {عرضها السماوات والأرض} أي كعرضهما، فكيف ~~بطولها، ويحتمل أن يكون كطولهما، فهي أبلغ من آية الحديد - كما يأتي لما ~~يأتي، وعلى قراءة {سارعوا} بحذف الواو يكون التقدير: سارعوا بفعل ما تقدم، ~~فهو في معناه، لا مغائر له. # ولما وصف الجنة بين أهلها بقوله: {أعدت} أي الآن وفرغ منها {للمتقين *} ~~وهم الذين صارت التقوى شعارهم، فاستقاموا واستمروا على الاستقامة، ثم وصف ~~المتقين بما تضمن تفصيل الطاعة المأمور بها قبل إجمالا على وجه معرف بأسباب ~~النصر إلى آخر ما قص من خبر الأنبياء الماضين ms0816 ومن معهم من المؤمنين بادئا ~~بما هو أشق الأشياء ولا سيما في ذلك الزمان من التبر ومن المال الذي هو ~~عديل الروح فقال: {الذين ينفقون} أي مما آتاهم الله، وهو تعريض بمن أقبل ~~على الغنيمة {في السراء والضراء} أي في مرضاة الله في حال الشدة والرخاء. ~~ولما ذكر أشق ما يترك ويبذل أتبعه أشق ما يحبس فقال: {والكاظمين} أي ~~الحابسين {الغيظ} عن # PageV05P073 # أن ينفذوه بعد أن امتلؤوا منه. # ولما كان الكاظم غيظه عن أن يتجاوز في العقوبة قد لا يعفو حثه على العفو ~~بقوله: {والعافين} وعمم في الحكم بقوله: {عن الناس} أي ظلمهم لهم ولو كانوا ~~قد قتلوا منهم أو جرحوهم. ولما كان التقدير: فإن الله يحبهم لإحسانهم عطف ~~عليه تنويها بدرجة الإحسان قوله: {والله} أي الذي له صفات الكمال {يحب ~~المحسنين *} أي يكرمهم بأنواع الإكرام على سبيل التجديد والاستمرار. # ولما أخبر أنها للمحسنين إلى الغير ومن قاربهم أخبر أناه لمن دونهم في ~~الرتبة من التائبين المحسنين إلى أنفسهم استجلابا لمن رجع عن أحد من ~~المنافقين ولغيرهم من العاصين فقال: {والذين إذا فعلوا} أي باشروا عن علم ~~أوجهل فعله {فاحشة} أي من السيئات الكبار {أو ظلموا أنفسهم} أي بأي نوع كان ~~من الذنوب، لتصير الفاحشة موعودا بغفرانها بالخصوص وبالعموم {ذكروا الله} ~~أي بما له من كمال العظمة فاستحيوه وخافوه {فاستغفروا} الله، أي فطلبوا ~~المغفرة بالتوبة بشرطها {لذنوبهم} أي فإنه يغفر لهم # PageV05P074 # لأنه غفار لمن تاب. # ولما كان هذا مفهما لأنه تعالى يغفر كل ذنب أتبعه تحقيق ذلك ونفي القدرة ~~عليه عن غيره، لأن المخلوق لا يمضي غفرانه لذنب إلا إذا كان مما شرع الله ~~غفرانه، فكان لا غافر في الحقيقة إلا الله قال مرغبا في الإقبال عليه ~~بالاعتراض بين المتعاطفين: {ومن يغفر الذنوب} أي يمحو آثارها حتى لا تذكر ~~ولا يجازى عليها {إلا الله} أي الملك الأعلى. ولما كان سبحانه وتعالى قد ~~تفضل برفع القلم عن الغافل قال: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون *} أي ~~إنهم على ذنب. # ولما ms0817 أتم وصف السابقين وهم المتقون واللاحقين وهم التائبون قال - معلما ~~بجزائهم الذين سارعوا إليه من المغفرة والجنة مشيرا إليهم بأداة البعد ~~تعظيما لشأنهم على وجه معلم بأن أحدأ لا يقدر الله حق قدره -: {أولئك} أي ~~العالو الرتبة {جزآؤهم مغفرة} أي لتقصيرهم أو لهفواتهم أو لذنوبهم، وعظمها ~~بقوله: {من ربهم} أي المسحن إليهم بكل إحسان، وأتبع ذلك للإكرام فقال: ~~{وجنات} أي جنات، ثم بين عظمها بقوله: {تجري من تحتها الأنهار} حال كونكم ~~{خالدين فيها} هي أجرهم على عملهم {ونعم أجر العاملين *} هي، هذا على تقدير ~~أن تكون الإشارة لجميع الموصوفين، وإن كانت للمستغفرين خاصة فالأمر واضح في ~~نزول رتبتهم عمن قبلهم. # PageV05P075 # ولما فرغ من بيان الزلل الذي وقع لهم به الخلل، والترهيب مما يوقع فيه، ~~والترغيب فيما ينجى منه في تلك الأساليب التي هي أحلى من رائق الزلال ولذيذ ~~الوصال بعد طول المطال أخذ يشجعهم على الجهاد لذوي الفساد، فبدأ بالسبب ~~الأقوى، وهو الأمر بمشاهدة مصارع من مضى من المكذبين برؤية ديارهم وتتبع ~~آثارهم مع أنهم كانوا أشد خلقا وأقوى همما وأكثر عددا وأحكم عددا، فقال ~~تعالى معللا للأمر بالمسارعة إلى المغفرة: {قد خلت} ولما كان العلم بالقريب ~~في الزمان والمكان أتم، وكان الذين وقعت فيهم السنن جميع أهل الأرض، ولا في ~~جميع الزمان، أثبت الجار فقال: {من قبلكم} اي فلا تظنوا بما أملى لهم بهذه ~~الإدالة أن نعمته انقطعت عنهم {سنن} أي وقائع سنها الله في القرون الماضية ~~والأمم الخالية في المؤمنين والمكذبين، وأحوال وطرائق كانت للفريقين، ~~فتأسوا بالمؤمنين وتوقعوا لأعدائكم مثل ما للمكذبين، فانظروا وأنعموا ~~التأمل في أحوال الفريقين وإن لم يحصل ذلك إلا بالسير في الكد والتعب ~~الشديد {فسيروا في الأرض} أي للاتعاظ بأحوال تلك الأمم برؤية آثارهم لتضموا ~~الخير إلى الخير، وتعتبروا من العين بالأثر، وتقرنوا بين النقل والنظر، ~~ولما كان الرجوع عن الهفوة واجبا على الفور عقب بالفاء قوله: {فانظروا} أي ~~نظر اعتبار، ونبه على # PageV05P076 # عظمة المنظور فيه بأنه أهل لأن يستفهم عنه لأنه خرج عن ms0818 العوائد فتعاظم ~~إشكاله فقال: {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المكذبين *} . # ولما تكفلت هذه الجمل بالهداية إلى سعادة الدارين نبه على ذلك سبحانه ~~وتعالى بقوله على طريق الاستفتاح: {هذا بيان} أي يفيد إزالة الشبه {للناس} ~~أي المصدقين والمكذبين {وهدى} أي إرشاد بالفعل {وموعظة} أي ترقيق ~~{للمتقين*} . # PageV05P077 # ولما أمرهم بالمسارعة وأتبعها علتها ونتيجتها نهاهم عما يعوق عنها من قبل ~~الوهن الذي عرض لهم عند رؤيتهم الموت فقال - ويجوز أن يعطف على ما تقديره: ~~فتبينوا واهتدوا واتعظوا إن كنتم متقين، وانظروا أخذنا لمن كان قبلكم من ~~أهل الباطل وإن كان لهم دول وصولات ومكر وحيل -: {ولا تهنوا} أي في جهاد ~~أعدائكم الذين هم أعداء الله، فالله معكم عليهم، وإن ظهروا يوم أحد نوع ~~ظهور فسترون إلى من يؤول الأمر {ولا تحزنوا} أي على ما أصابكم منهم ولا على ~~غيره مما عساه ينوبكم {و} الحال أنكم {أنتم الأعلون} أي في الدارين {إن ~~كنتم مؤمنين *} أي إن كان الإيمان - وهو التصديق بكل ما يأتي عن الله - لكم ~~صفة راسخة، فإنهم لا يهنون؛ # PageV05P077 # لأنكم بين إحدى الحسنيين - كما لم يهن من سيقص عليكم نبأهم ممن كانوا مع ~~الأنبياء قبلكم لعلوكم عدوكم، أما في الدنيا فلأن دينكم حق ودينهم باطل، ~~ومولاكم العزيز الحكيم الذي قد وعدكم الحق الملك الكبير لمن قتل، والنصر ~~والتوزر لمن بقي، وهو حي قيوم، ولا يخفى عليه شيء من أحوالكم، فهو ناصركم ~~وخاذلكم، وأما في الآخرة فلأنكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وهم في النار ~~عند ملائكة العذاب الغلاظ الشداد أبدا. # ولما نهاهم عما تقدم وبشرهم سلاهم وبصرهم بقوله: {إن يمسسكم قرح} أي ~~مصيبة بإدالتهم عليكم اليوم {فقد مس القوم} أي الذين لهم من قوة المحاولة ~~ما قد علمتم، أي في يوم أحد نفسه وفي يوم بدر {قرح مثله} أي في مطلق كونه ~~قرحا وإن كان أقل من قرحكم في يوم أحد وأكثر منه في يوم بدر، على أنه كما ~~أنه ظفرهم - بعدما أصابهم وأنكأهم يوم بدر بالزهد الذي ليس بعده ms0819 وهن - بقتل ~~مثل من قتل منكم وأسر مثلكم، ويوم أحد بالقتل # PageV05P078 # والهزيمة أول النهار وهم أعداؤه، فهو جدير بأن يظفركم بعد وهنكم وأنتم ~~أولياؤه، فكما لم يضعفهم وهنهم وهم على الباطل فلا تضعفوا أنتم وأنتم على ~~الحق، ترجون من الله ما لا يرجون، فقد أدلناكم عليهم يوما وأدلناهم عليكم ~~آخر {وتلك الأيام} ولما نبه على تعظيمها بأداة البعد، وكانت إنما تعظم بعظم ~~أحوالها ذكر الحال المنبه عليها بقوله: {نداولها بين الناس} أي بأن نرفع من ~~نشاء تارة ونرفع عليه أخرى. # ولما كان التقدير: ليدال على من كانت له الدولة، فيعلم كل أحد أن الأمر ~~لنا بلا شريك ولا منازع عطف عليه قوله: {وليعلم الله} أي المحيط بجميع ~~الكمال {الذين آمنوا} أي بتصديق دعوى الإيمان بنية الجهاد فيكرمهم، ومعنى ~~{ليعلم} أنه يفعل فعل من يريد علم ذلك بأن يبرز ما يعلمه غيبا إلى عالم ~~الشهادة ليقيم الحجة على الفاعلين على ما يتعارفه الناس بينهم {ويتخذ منكم ~~شهداء} أي بأن يجعل قتلهم عين الحياة التي هي الشهادة، لا غيبة فيها، فهو ~~سبحانه وتعالى يزيد في إكرامهم بما صدقوا في إيمانهم بأن لا يكونوا مشهودا ~~عليهم # PageV05P079 # أصلا بفتنة في قبورهم ولا غيرها ولا يغفلوا بخوف ولا صعق ولا غيره، فإن ~~الله يحب المؤمنين، وليعلم الذين ظلموا ويمحق منهم أهل الجحد والاعتداء ~~{والله} أي الملك الأعلى {لا يحب الظالمين *} أي الذين يخالف فعلهم قولهم، ~~فهو لا يستشهدهم، وإنما يجعل قتلهم أول خيبتهم وعذابهم، وفيه بشارة في ~~ترغيب بأنه لا يفعل مع الكفرة فعل المحب، لئلا يحزنوا على ما أصابهم، ~~ونذارة في تأديب بأنهم ما أخذوا إلا بتضييعهم الثغر الذي أمرهم به من ~~التزموا طاعته وأمر الله بها في المنشط والمكره بحفظه، وأقبلوا على الغنائم ~~قبل أن يفرغوا من العدو، والآية من الاحتباك: إثبات الاتخاذ أولا دال على ~~نفيه ثانيا، وإثبات الكراهة ثانيا دال على المحبة أولا. # ولما قدم التنفير من الظلم دلالة على الاهتمام به أكمل ثمرات المداولة ~~بقوله: {وليمحص} أي وليطهر {الله} أي ms0820 ذو الجلال والإكرام {الذين أمنوا} أي ~~إن أصيبوا، ويجعل مصيبتهم سببا لقوتهم {ويمحق الكافرين *} أي شيئا فشيئا في ~~تلك الحالتين بما يلحقهم من # PageV05P080 # الرجس، أما إذا كانت لهم فبالنقص بالقوة بالبطر الموجب للعكس، وأما إذا ~~كانت عليهم فبالنقص بالفعل الموجب للقطع بالنار. ولما كان السياق يرشد إلى ~~أن المعنى: أحسبتم أنه لا يفعل ذلك، عادله بقوله: {أم حسبتم} أي يا من ~~استكره نبينا على الخروج في هذا الوجه {أن تدخلوا الجنة} أي التي أعدت ~~للمتقين {ولما يعلم الله} أي يفعل المحيط علما وقدرة بالامتحان فعل من يريد ~~أن يعلم {الذين جاهدوا منكم} أي أوقعوا الجهاد بصدق العزيمة، ثم أمضوه ~~بالفعل تصديقا للدعوى {ويعلم الصابرين *} أي الذين شأنهم الصبر عند الهزاهز ~~والثبات عند جلائل المصائب تصديقا لظاهر الغرائز، فإن ذلك أعظم دليل على ~~الوثوق بالله ووعده الذي هو صريح الإيمان. # ولما أرشد السياق إلى أن التقدير: فلقد كنتم تقولون: لئن خرجت بنا ~~ليبتلين الله بلاء حسنا، عطف عليه قوله: {ولقد} ويجوز أن يكون حالا من فاعل ~~{حسبتم} {كنتم تمنون الموت} أي الحرب، عبر عنها به لأنها سببه، ولقد تمنى ~~بعضهم الموت نفسه بتمني الشهادة # PageV05P081 # {من قبل أن تلقوه} أي رغبة فيما أعد الله للشهداء {فقد رأيتموه} أي برؤية ~~قتل إخوانكم، والضمير يصلح أن يكون للموت المعبر به عن الحرب، وللموت نفسه ~~برؤية أسبابه القريبة، وقوله: {وأنتم تنظرون *} بمعنى رؤية العين، فهو ~~تحقيق لإرادة الحقيقة. # PageV05P082 # ولما كان التقدير: فانهزمتم عندما صرخ الشيطان كذبا: ألا إن محمدا قد ~~قتل! ولم يكن لكم ذلك فإنكم إنما تعبدون رب محمد الحي القيوم وتقاتلون له، ~~وأما محمد فما هو بخالد لكم في الدنيا قال: {وما محمد إلا رسول} أي من شأنه ~~الموت، لا إله، ثم قرر المراد من السياق بقوله: {قد خلت} أي بمفارقة أممهم، ~~إما بالموت أو الرفع إلى السماء، ولما كان المراد أن الخلو منهم إنما كان ~~في بعض الزمان الماضي لما مضى أثبت الجار فقال: {من قبله الرسل} أي فيسلك ~~سبيلهم، فاسلكوا أنتم ms0821 سبيل من نصح نفسه من أتباعهم فاستمسك بنورهم. # ولما سبب عن ذلك إنكار انهزامهم ودعتهم على تقدير فقده أنكر عليهم بقوله: ~~{أفإن} ولما كان الملك القادر على ما يريد # PageV05P082 # لا يقول شيئا وإن كان فرضا إلا فعله ولو على أقل وجوهه، وكان في علمه ~~سبحانه أنه صلى الله عليه وسلم يموت موتا - لكونه على فراشه، وقتلا - لكونه ~~بالسم، قال: {مات} أي موتا على الفراش {أو قتل} أي قتلا {انقلبتم} أي عن ~~الحال التي فارقكم عليها فأضعتم مشاعر الدين وتركتم مشاريع المرسلين! ثم ~~قرر المعنى بقوله: {على أعقابكم} لئلا يظن أن المراد مطلق الانتقال وإن كان ~~على الاستواء والانتقال إلى أحسن {ومن} أي انتقلتم والحال أنه من {ينقلب ~~على عقبيه} أي بترك ما شرعه له نبيه أو التقصير فيه {فلن يضر الله} أي ~~المحيط بجميع العظمة {شيئا} لأنه متعال عن ذلك بأن الخلق كلهم طوع أمره، لا ~~يتحركون حركة إلا على وفق مراده، فلو أراد لهداهم أجمعين، ولو أراد أضلهم ~~أجمعين، وإنما يضر ذلك المنقلب نفسه لكفره بالله، وسيجزي الله الشاكرين، ~~ومن سار ثابتا على المنهج السوي فإنما ينفع نفسه لشكره لله {وسيجزي الله} ~~أي الذي له جميع صفات الكمال {الشاكرين *} أي كلهم، فالآية من الاحتباك: ~~أثبت الانقلاب وعدم الضر أولا دليلا على حذف ضده ثانيا، والجزاء ثانيا ~~دليلا على حذف مثله أولا. # PageV05P083 # ولما كان موت الرأس من أنصار الدين لا يصلح أن يكون سببا للفرار إلا إذا ~~كان موته بغير إذن صاحب الدين، وكان الفرار لا يصلح إلا أذا كان يمكن أن ~~يكون سببا للنجاة، وأما إذا كان موته لا يكون إلا بإرادة رب الدين، والفرار ~~لا يكون سببا في زيادة الأجل ولا نقصه؛ أشار إلى ذلك بقوله: {وما كان لنفس} ~~أي من الأنفس كائنة من كانت {أن تموت} أي بشيء من الأشياء {إلا بإذن الله} ~~أي بعلم الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامة وإرادته وتمكينه من قبضها ~~«كتب لكل نفس عمرها» {كتابا مؤجلا} أي أجلا لا يتقدم عنه بثبات، ms0822 ولا يتأخر ~~عنه بفرار أصلا. # ولما كان المعنى: فمن أقدم شكرته ولم يضره الإقدام، ومن أحجم ذممته ولم ~~ينفعه الإحجام، وكان الحامل على الإقدام إيثار ما عند الله، والحامل على ~~الإحجام إيثار الدنيا؛ عطف على ذلك قوله: {ومن يرد ثواب الدنيا} أي بعمله - ~~كما افهمه التعبير بالثواب، وهم المقبلون على الغنائم بالنهب والفارون كفرا ~~لنعمة الله {نؤته منها} أي ما أراد، وختام الآية يدل على أن التقدير هنا: ~~وسنردي الكافرين ولكنه طواه رفقا لهم {ومن يرد ثواب الآخرة} أي وهم ~~الثابتون شكرا على إحسانه إليهم من غير أن يشغلهم شاغل عن الجهاد، ولما كان ~~قصد الجزاء غير قادح في الإخلاص منه من الله تعالى علينا قال: # PageV05P084 # {نؤته} ونبه على أن العمل لذات الله من غير نظر إلى ثواب ولا عقاب أعلى ~~فقال: {منها} أي وسنجزيه لشكره، وهو معنى قوله: {وسنجزي الشاكرين *} لكنه ~~أظهر لتعليق الحكم بالوصف وعمم. # ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه الجمل على هذا الوجه الذي بين فيه العلل، ~~وأوضح بحال الزلل، وكان التقدير بعد انقضائها: فكأين من قوم أمرناهم ~~بالجهاد، فكانوا على هذين القسمين، فأثبنا الطائع وعذبنا العاصي، ولم يضرنا ~~ذلك شيئا، ولا جرى شيء منه على غير مرادنا، عطف عليه يؤسيهم بطريق الصالحين ~~من قبلهم ويسيلهم بأحوالهم قوله: {وكأين} وهي بمعنى كم، وفيها لغات كثيرة، ~~قرىء منها في العشر بثنتين: الجمهور بفتح الهمزة بعد الكاف وتشديد الياء ~~المكسورة، وابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وهمزة مكسورة، ولعلها ~~أبلغ - لأنه عوض عن الحرف المحذوف - من المشهورة بالمد، والمد أوقع في ~~النفس وأوقر في القلب؛ وفيها كلام كثير - في لغاتها ومعناها وقراءاتها ~~المتواترة والشاذة وصلا ووقفا، ورسمها في مصحف الإمام عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه # PageV05P085 # الذي وقع إجماع الصحابة عليه ليكون المرجع عند الاختلاف إليه، وهل هي ~~بسيطة أو مركبة ومشتقة أو جامدة وفي كيفية التصرف في لغاتها - استوعبته في ~~كتابي الجامع المبين لما قيل في {كأين} ، وقال سبحانه: {من نبي} لتكون ~~التسلية أعظم بذكر ما ms0823 هو طبق ما وقع في هذه الغزوة من قتل أصحابه، واحتمال ~~العبارة لقتله نفسه بقوله: {قتل} أي ذلك النبي حال كونه {معه} لكن الأرجح ~~إسناد {قتل} إلى {ربيون} لموافقته قراءة الجماعة - سوى الحرميين وأبي عمرو ~~-: قاتل معه {ربيون} أي علماؤهم ورثة الأنبياء، وعلى منهاجهم {كثير فما} أي ~~فما تسبب عن قتل نبيهم وهنهم، أو يكون المعنى ويؤيده الوصف بالكثرة -: قتل ~~الربيون، فما تسبب عن قتلهم أن الباقين بعدهم {وهنوا} أي ضعفوا عن عملهم ~~{لما أصابهم في سبيل الله} أي الملك الأعظم من القتل لنبيهم الذي هو ~~عمادهم، أو لإخوانهم الذين هم أعضادهم لكونه من الله {وما ضعفوا} أي # PageV05P086 # مطلقا في العمل ولا في غيره {وما استكانوا} أي وما خضعوا لأعدائهم فطلبوا ~~أن يكونوا تحت أيديهم - تعريضا بمن قال: اذهبوا إلى أبي عامر الراهب ليأخذ ~~لنا أمانا من أبي سفيان، بل صبروا، فأحبهم الله لصبرهم {والله} أي الذي له ~~صفات الكمال {يحب الصابرين *} أي فليفعلن بهم من النصر وإعلاء القدر وجميع ~~أنواع الإكرام فعل من يحبه. # ولما أثنى سبحانه وتعالى على فعلهم أتبعه قولهم فقال: {وما كان} أي شيء ~~من القول {قولهم} أي بسبب ذلك الأمر الذي دهمهم {إلا أن قالوا} أي وهم ~~يجتهدون في نصر دين الله ناسبين الخذلان إلى أنفسهم بتعاطي أسبابه {ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا} أي التي استوجبنا بها الخذلان {وإسرافنا في أمرنا} هضما ~~لأنفسهم، فمع كونهم ربانيين مجتهدين نسبوا ما أصابهم إلى ذنوبهم، فافعلو ~~أنتم فعلهم لتنالوا من الكرامة ما نالوا، كما أشار لكم سبحانه وتعالى إلى ~~ذلك قبل الأخذ في قص القصة عندما وصف به المتقين من قوله: {أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] . # PageV05P087 # ولما دعوا بمحو ما أوجب الخذلان دعوا بثمرة المحو فقالوا: {وثبت أقدامنا} ~~إشارة إلى أن الرعب من نتائج الذنب، والثبات من ثمرات الطاعة - إنما ~~تقاتلون الناس بأعمالكم - ثم أشاروا إلى أن قتالهم لهم إنما هو لله، لا لحظ ~~من حظوظ النفس أصلا بقوله: {وانصرنا على القوم الكافرين *} . # PageV05P088 # فلما تم ms0824 الثناء على فعلهم وقولهم ذكر ما سببه لهم ذلك من الجزاء فقال ~~{فأتاهم الله} المحيط علما وقدرة {ثواب الدنيا} أي بأن قبل دعاءهم بالنصر ~~والغنى بالغنائم وغيرها وحسن الذكر وانشراح الصدر وزوال شبهات الشر. # ولما كان ثواب الدنيا كيف ما كان لا بد أن يكون بالكدر مشوبا وبالبلاء ~~مصحوبا، لأنها دار الأكدار؛ أعراه من وصف الحسن، وخص الآخرة به فقال: {وجسن ~~ثواب الآخرة} أي مجازا بتوفيقهم إلى الأسباب في الدنيا، وحقيقة في الآخرة، ~~فإنهم أحسنوا في هذا الفعال والمقال، لكونهم لم يطلبوا بعبادتهم غير وجه ~~الله، فأحبهم # PageV05P088 # لإحسانهم {والله} المحيط بصفات الكمال {يحب المحسنين *} كلهم، فهو جدير ~~بأن يفعل بهم كل جميل ولذلك رفع منزلتهم ولم يجعل ثوابهم بعضا، كما فعل بمن ~~عبد لإرادة الثواب فقال: {نؤته منها} [آل عمران: 145] فقد بان أن هذه الآية ~~منعطفة على ما أمر به الصحابة رضي الله عنهم على طريقة اللف والنشر المشوش، ~~فنفي الوهن تعريض بمن أشير إليه في آية {ولقد كنتم تمنون الموت} [آل عمران: ~~143] ونحو ذلك والثناء لعى قولهم حث عل مثل ما ندبهم إليه في قولهم {ذكروا ~~الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] وثبات الإقدام إشارة إلى {وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] وإلى أن ثبات القدم للنصر على ~~أعداء الله كان شاغلا لهم عن الالتفات إلى غيره، وتعريض بمن أقبل على ~~الغنائم وترك طلب العدو لتمام النصر المشار إليهم بآية {ومن يرد ثواب ~~الدنيا نؤته منها} [آل عمران: 145] وإيتاء الثواب ناظر إلى النهي عن الربا ~~وما انتظم في سلكه وداناه، وإلى الأمر بالمسارعة إلى الجنة وما والاه، ~~وإيماء إلى أن من فعل فعلهم نال ما نالوا، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا ~~منه، لأن علمه محيط، وكرمه لا يحد، وخزائنه لا تنفد، بل # PageV05P089 # لا تنقص، ثم ختمها بما ختم به للحث على التخلق بأوصاف المتقين؛ فقد اتضح ~~بغير لبس أن المراد بهذه الآية - وهي الإخبار عن إيتائهم الثواب - التنبيه ~~على أن أهم الأمور وأحقها بالبداءة التخلق بما وعظوا ms0825 به قبل قص القصة، ولا ~~ريب أن في مدح من سواهم تهييجا زائدا لانبعاث نفوسهم وتحرك هممهم وتنبيه ~~نشاطهم وثوران عزائمهم غيرة منهم أن يكون أحد - وهم خير أمة أخرجت للناس - ~~أعلى همة وأقوى عزيمة وأشد شكيمة وأصلب عودا واثبت عمودا وأربط جأشا وأذكر ~~لله وأرغب فيما عنده وأزهد فيما أعرض عنه منهم. # ولما أمر سبحانه وتعالى بطاعته الموجبة للنصر والأجر وختم بمحبته ~~للمحسنين، حذر من طاعة الكافرين المقتضية للخذلان رغبة في موالاتهم ومنا ~~صرتهم فقال تعالى واصلا بالنداء في آية الربا: {يا أيها الذين آمنوا} أي ~~أقروا بالإيمان {إن تطيعوا} بخضوع واستئمان أو غيره {الذين كفروا} أي هذا ~~الفريق منهم أو غيره {يردوكم على أعاقبكم} بتعكيس أحوالكم إلى أن تصيروا ~~مثلهم ظالمين كافرين # PageV05P090 # {فتنقلبوا خاسرين *} في جميع أموركم في الدارين، فتكونوا في غاية البعد ~~من أحوال المحسنين، فتكونوا بمحل السخط من الله صغرة تحت أيدي الأعداء في ~~الدنيا خالدين في العذاب في الأخرى، وذلك ناظر إلى قوله تعالى أول ما حذر ~~من مكر الكفار # {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب} [آل عمران: ~~100] ، وموضح أن جميع هذه الآيات شديد اتصال بعضها ببعض - والله الموفق. # ولما كان التقدير: فلا تطيعوهم، إنهم ليسوا صالحين للولاية مطلقا ما دمتم ~~مؤمنين، عطف عليه قوله: {بل الله} أي الملك الأعظم {مولاكم} مخبرا بأنه ~~ناصرهم وأن نصره لا يساويه نصر أحد سواه بقوله: {وهو خير الناصرين *} أي ~~لأن من نصره سبب له جميع أسباب النصر وأزال عنه كل أسباب الخذلان فمنع غيره ~~- كائنا من كان - من إذلاله ثم قرر ذلك بقوله محققا للوعد: {سنلقي} أي ~~بعظمتنا {في قلوب الذين كفروا الرعب} أي المقتضي لامتثال ما أمر به من ~~الجرأة عليهم وعدم الوهن في أمرهم، كما افتتح القصة بالإيماء إلى ذلك ~~بالأمر بالسير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين، ثم بين سبب ذلك فقال: ~~{بما أشركوا بالله} أي ليعلموا # PageV05P091 # قطعا أنه لا ولي لعدوه لأنه لا كفوء له، وبين بقوله: {ما لم ms0826 ينزل} أي في ~~وقت من الأوقات {به سلطانا} أنه لا حجة لهم في الإشراك، وما لم ينزل به ~~سلطانا فلا سلطان له، ومادة سلط ترجع إلى القوة، ولما كان التقدير: فعليهم ~~الذل في الدنيا لاتباعهم ما لا قوة به، عطف عليه: {ومأواهم النار} ثم هول ~~أمرها بقوله: {وبئس مثوى الظالمين *} أي هي، وأظهر في موضع الإضمار للتعميم ~~وتعليق الحكم بالوصف. # ولما كانت السين في {سنلقي} مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم ~~يرغبهم فيما مضى، فنفى هذا الوهم محققا لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من ~~وعده في أول هذه الوقعة مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله ~~تعالى - عطفا على قوله: {بلى إن تصبروا وتتقوا} [آل عمران: 125] ، مصرحا ~~بما لوح إليه تقديرا قبل {ولقد نصركم الله ببدر} [آل عمران: 123] كما مضى ~~-: {ولقد صدقكم الله وعده} أي في قوله {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم} ~~[آل عمران: 120] {إذ تحسونهم} أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين بالقوة ~~التي هيأها لكم {بإذنه} فإن الحسن بالفتح: القتل والاستئصال - قاله في ~~القاموس. ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون # PageV05P092 # رادعا لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبينا لغاية الحسن: {حتى إذا فشلتم} ~~أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي، ~~فكيف بهم إذا كانوا من حزب مولى الموالي! فلو كانت العرب على حال جاهليتها ~~تتفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم - ~~كما قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر: # هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي # إذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم # طورا يعرض للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرموم # يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم # وقال يفاخر بقومه كلهم: # إنا إذا حمس الوغى نروي القنا ... ونعف عند مقاسم الأنفال # ولما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب فقال: {وتنازعتم} أي ~~بالاختلاف، وأصله من نزع بعض شيئا ms0827 من # PageV05P093 # يد بعض {في الأمر} أي أمر الثغر المأمور بحفظه {وعصيتم} أي وقع العصيان ~~بينكم بتضييع الثغر. وأثبت الجار تصويرا للمخالفة بأنها كانت عقب رؤية ~~النصر سواء، وتبشيرا بزوالها فقال: {من بعد ما أراكم ما تحبون} أي من حسهم ~~بالسيوف وهزيمتهم. # ولما كان ذلك ربما أفهم أن الجميع عصوا نفي ذلك معللا للعصيان بقوله: ~~{منكم من يريد الدنيا} أي قد أغضى عن معايبها التي أجلاها فناؤها. ولما كان ~~حكم الباقين غير معين للفهم من هذه الجملة قال: {ومنكم من يريد الآخرة} وهم ~~الثابتون في مراكزهم، لما يعرجوا على الدنيا. # ولما كان التقدير جوابا لإذا: سلطهم عليكم، عطف عليه قوله: {ثم صرفكم ~~عنهم} أي لاندهاشكم إتيانهم إليكم من ورائكم، وعطفه بثم لاستبعادهم للهزيمة ~~بعد ما رأوا من النصرة {ليبتليكم} أي يفعل في ذلك فعل من يريد الاختبار في ~~ثباتكم على الدين في حالي السراء والضراء. ولما كان اختباره تعالى بعصيانهم ~~شديد الإزعاج # PageV05P094 # للقلوب عطف على قوله {صرفكم} {ولقد عفا عنكم} أي تفضلا عليكم لإيمانكم ~~{والله} الذي له الكمال كله {ذو فضل على المؤمنين *} أي كافة، وهو من ~~الإظهار في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف. # PageV05P095 # ولما ذكر علة الصرف والعفو عنه صوره فقال: {إذ} أي صرفكم وعفا عنكم حين ~~{تصعدون} أي تزيلون الصعود فتنحدرون نحو المدينة، أو تذهبون في الأرض ~~لتبعدوا عن محل الوقعة خوفا من القتل {ولا تلوون} أي تعطفون {على أحد} أي ~~من قريب ولا بعيد {والرسول} أي الذي أرسل إليكم لتجيبوه إلى كل ما يدعوكم ~~إليه وهو الكامل في الرسلية {يدعوكم في أخراكم} أي ساقتكم وجماعتكم الأخرى، ~~وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير لا يبلغون أربعين ~~نفسا على اختلاف الروايات - وثوقا بوعد الله ومراقبة له يقول كلما مرت عليه ~~جماعة منهزمة: «إلي عباد الله! أنا رسول الله! إلي إلي عباد الله» كما هو ~~اللائق بمنصبه الشريف من الاعتماد على الله والوثوق بما عنده وعد من دونه ~~من ولي # PageV05P095 # وعدو عدما؛ وإنما قلت: ms0828 إن معنى ذلك الانهزام، لأن الدعاء يراد منه ~~الإقبال على الداعي بعد الانصراف عما يريده ليأمر وينهى، فعلم بذلك أنهم ~~مولون عن المقصود وهو القتال، وفي التفسير من البخاري عن البراء رضي الله ~~تعالى عنه قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد عبد الله ~~بن جبير رضي الله تعالى عنه وأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في ~~أخراهم، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا. # ولما تسبب عن العفو ردهم عن الهزيمة إلى القتال قال تعالى: {فأثابكم} أي ~~جعل لكم ربكم ثوابا {غما} أي باعتقادكم قتل الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~وكان اعتقادا كاذبا ملتئم به رعبا {بغم} أي كان حصل لكم من القتل والجراح ~~والهزيمة، وسماه - وإن كان في صورة العقاب - باسم الثواب لأنه كان سببا ~~للسرور حين تبين أنه خبر كاذب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم سالم حتى ~~كأنهم - كما قال بعضهم - لم تصبهم مصيبة، فهو من الدواء بالداء، ثم علله ~~بقوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} أي من النصر والغنيمة {ولا ما أصابكم} ~~أي من القتل والجراح والهزيمة لاشتغالكم عن ذلك # PageV05P096 # بالسرور بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم. # ولما قص سبحانه وتعالى عليهم ما فعلوه ظاهرا وما قصدوه باطنا وما داواهم ~~به قال - عاطفا على ما تقديره: فالله سبحانه وتعالى خبير بما يصلح أعمالكم ~~ويبرىء أدواءكم -: {والله} أي المحيط علما وقدرة {خبير بما تعملون *} أي من ~~خير وشر في هذه الحال وغيرها، وبما يصلح من جزائه ودوائه، فتارة يداوي ~~الداء بالداء وتارة بالدواء، لأنه الفاعل القادر المختار. # ولما كان أمانهم بعد انخلاع قلوبهم بعيدا، ولا سيما بكونه بالنعاس الذي ~~هو أبعد شيء عن ذلك المقام الوعر والمحل الضنك عطف بأداة البعد في قوله: ~~{ثم أنزل عليكم} ولما أفاد بأداة الاستعلاء عظمة الأمن، وكان متصلا بالغم ~~ولم يستغرق زمن ما بعده أثبت الجار فقال: {من بعد الغم} أي المذكور وأنتم ~~في نحر العدو {أمنة} أي أمنا عظيما، ثم ms0829 ابدل منها تنبيها على ما فيها من ~~الغرابة قوله: {نعاسا} دليلا قطعيا فإنه لا يكون إلا من أمن؛ روي البخاري ~~في التفسير عن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة رضي الله عنه # PageV05P097 # قال: # «غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ~~ويسقط وآخذه» ولما كان لبعضهم فقط استأنف وصفه بقوله: {يغشى طائفة منكم} ~~وهم المؤمنون، وابتدأ الإخبار عن الباقين بقوله: {وطائفة} أي أخرى من ~~المنافقين {قد أهمتهم أنفسهم} لا المدافعة عن الدين فهم إنما يطلبون ~~خلاصها، ولا يجدون إلى ذلك فيما يظنون سبيلا لاتصال رعبهم وشدة جزعهم، ~~فعوقبوا على ذلك بأنه لم يحصل لهم الأمن المذكور، ثم فسر همهم فقال: {يظنون ~~بالله} المحيط بصفات الكمال {غير الحق} أي من أن نصره بعده هذا لا يمكن، أو ~~أنهم لو قعدوا في المدينة لم يقتل أحد، ونحو ذلك من سفساف الكلام وفاسد ~~الظنون التي فتحتها لو والأوهام {ظن الجاهلية} أي الذين لا يعلمون - من ~~عظمة الله سبحانه وتعالى بأن ما أراده كان ولا يكون غيره - ما يعلم أتباع ~~الرسل. ثم فسر الظن بقوله: {يقولون} أي منكرين لأنه لم يجعل الرأي رايهم ~~ويعمل بمقتضاه غشبا وتاسفا على خروجهم في هذا الوجه وعدم رجوعهم مع ابن أبي ~~بعد أن خرجوا {هل لنا من الأمر} أي المسموع، ولكون الاستفهام بمعنى النفي ~~ثبتت أداة الاستغراق في قوله: {من شيء} فكأنه قيل: فماذا يقال لهم؟ فقيل: ~~{قل} أي لهم ردا عليهم احتقارا # PageV05P098 # بهم {إن الأمر} أي الحكم الذي لا يكون سواه {كله لله} أي الذي لا كفوء ~~له، وليس لكم ولا لغيركم منه شيء، شئتم أو أبيتم، غزوتم أو قعدتم، ثبتم أو ~~فررتم. # ولما قص سبحانه وتعالى عليهم بعض أمرهم في هذه الحرب، وبين لهم شيئا من ~~فوائد ما فعل بهم بقوله: {إن يمسسكم قرح} [آل عمران: 140] وكان من جملة ذلك ~~ما أظهر من أسرار المنافقين بهذه الوقعة في اتهامهم الله ورسوله، حتى وصل ~~إلى هنا، وكان قولهم هذا غير صريح ms0830 في الاتهام لإمكان حمله على مساق ~~الاستفهام أخبر سبحانه وتعالى بتدليسهم بقوله: {يخفون} أي يقولون ذلك مخفين ~~{في أنفسهم ما لا يبدون لك} لكونه لا يرضاه اللهز ثم بين ذلك بعد إجماله ~~فقال: {يقولون لو كان لنا من الأمر} أي المسموع {شيء ما قتلنا ههنا} لأنا ~~كنا نمكث في المدينة ولا نخرج إلى العدو. # ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم بما أخفوه جهلا منهم ظنا أن الحذر يغني من ~~القدر أمره سبحانه وتعالى بالرد عليهم بقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم} أي ~~بعد أن أجمع رأيكم على أن لا يخرج منكم # PageV05P099 # أحد {لبرز الذين كتب عليهم القتل} أي في هذه الغزوة {إلى مضاجعهم} أي ~~التي هي مضاجعهم بالحقيقة وهي التي قتلوا بها، لأن ما قدرناه لا يمكن أحدا ~~دفعه بوجه من الوجوه، ثم عطف على ما علم تقديره ودل عليه السياق قوله: ~~{ليبتلي} أي لبرز المذكورون لينفذ قضاؤه ويصدق قوله لكم في غزوة بدر: إن ~~فاديتم الأسارة ولم تقتلوهم قتل منكم في العام المقبل مثلهم {وليبتلي الله} ~~أي المحيط بصفات الكمال بهذا الأمر التقديري {ما في صدوركم} أي من الإيمان ~~والنفاق بأن يفعل في إظهاره من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فعل المختبر ~~كما فعل بما وجد في هذه الغزوة من الأمور التحقيقية {وليمحص ما في قلوبكم} ~~اي يطهره ويصفيه من جميع الوساوس الصارفة عن المراقبة من محبة الدنيا من ~~الغنائم التي كانت سبب الهزيمة وغيرها. وختم بقوله: {والله} أي الذي له ~~الإحاطة بكل شيء {عليم بذات الصدور *} مرغبا ومرهبا ودافعا لما قد يتوهم من ~~ذكر الابتلاء من عدم العلم بالخفايا. # ولما كانوا في هذه الغزوة قد حصل لهم ضرر عظيم، لكنه كان بما وقع من ~~بعضهم من الخلل الظاهر فأدبهم بذلك، عفا عنهم سبحانه # PageV05P100 # وتعالى بعد ذلك التأديب ورحمهم وطيب قلوبهم بهذه الآية بما فيها من ~~التأمين صريحا، وبما فيها من الإشارة بجمع جميع حروف المعجم فيها تلويحا ~~إلى أن أمرهم لا بد أن يتم كما تمت الحروف في هذه ms0831 الآية. لكنه افتتحها ~~بأداة التراخي إشارة إلى أنه لا يكون إلا بعد مدة مديدة حتى تصقل مرائي ~~الصدور التي ختمها بها بخلاف ما في الآية الأخرى الجامعة للحروف في آخر ~~سورة الفتح التي نزلت في الحديبية التي ساءهم رجوعهم منها دون وصولهم إلى ~~قصدهم - كما يأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى. # PageV05P101 # ولما كان فيه مع ذلك معنى التعليل والتنبيه على أنه غني عن الاختبار، ~~خبير بدقائق الأسرار أتبعه قوله مستأنفا لبيان ما هو من ثمرات العلم: {إن ~~الذين تولوا منكم} أي عن القتال ومقارعة الأبطال {يوم التقى الجمعان} أي من ~~المؤمنين والكفار {إنما استزلهم} أي طلب زللهم عن ذلك المقام العالي ~~{الشيطان} أي عدوهم البعيد من الرحمة المحترق باللعنة {ببعض ما كسبوا} أي ~~من الذنوب التي لا تليق بمن طلب الدنو إلى حضرات القدس ومواطن الأنس من ترك ~~المركز والإقبال على الغنيمة وغير ذلك، فإن القتال في الجهاد إنما هو ~~بالأعمال، # PageV05P101 # فمن كان أصبر في أعمال الطاعة كان أجلد على قتال الكفار، ولم يكن توليهم ~~عن ضعف في نفس الأمر. # ولما كان ذلك مفهما أن الذين تولوا صاروا من حزب الشيطان فاستحقوا ما ~~استحق ألصق به قوله: {ولقد عفا الله} أي الذي له صفات الكمال {عنهم} لئلا ~~تطير أفئدة المؤمنين منهم، وختم ذلك ببيان علته مما هو أهله من الغفران ~~والحلم فقال معيدا للاسم الأعظم تنبيها على أن الذنب عظيم والخطر بسببه ~~جسيم، فلولا الاشتمال على جميع صفات الكمال لعوجلوا بأعظم النكال: {إن الله ~~غفور} أي محاء للذنوب عينا وأثرا. ولما كان الغفر قد يكون مع تحمل نفاه ~~بقوله: {حليم *} أي حيث لم يعامل المتولين حذر الموت معاملة الذين خرجوا من ~~ديارهم - كما تقدم - حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا. # ولما كان قولهم: إنا لو ثبتنا في المدينة الممثلة بالدرع الحصينة - كما ~~«كان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأكابر من أصحابه» لسلمنا، إلى ~~غير ذلك مما أشار سبحانه وتعالى إليه قولا موجبا لغيظ رسول الله صلى الله ~~عليه ms0832 وسلم. لما فيه من الاتهام وسوء العقيدة، وكان مع ذلك مظنة لأن يخدع ~~كثيرا من أهل الطاعة لشدة حبهم لمن قتل منهم # PageV05P102 # وتعاظم أسفهم عليهم. كان أنسب الأشياء المبادرة إلى الوعظ بما يزيل هذا ~~الأثر، ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مؤيدا بأعظم الثبات لما طبع ~~عليه من الشيم الطاهرة والمحاسن الظاهرة كان الأنسب البداءة بغيره، فنهى ~~الذين آمنوا عن الانخداع بأقوالهم فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي ~~أظهروا الإقرار بالإيمان! صدقوا قولكم بأن {لا تكونوا كالذين كفروا} أي ~~بقلوبهم على وجه الستر {وقالوا} أي ما فضحهم {لإخوانهم} أي لأجل إخوانهم ~~الأعزة عليهم نسبا أو مذهبا {إذا ضربوا} أي سافروا مطلق سفر {في الأرض} أي ~~لمتجر أو غيره {أو كانوا غزى} أي غزاة مبالغين في الغزو في سبيل الله بسفر ~~أو غيره جمع غاز، فماتوا أو قتلوا {لو كانوا عندنا} أي لم يفارقونا {ما ~~ماتوا وما قتلوا} وهذا في غاية التهكم بهم، لأن إطلاق هذا القول منهم - لا ~~سيما على هذا التأكيد - يلزم منه ادعاء أنه لا يموت أحد في المدينة، وهو لا ~~يقوله عاقل # ولما كان هذا القول محزنا اعتقاده وكتمانه علق سبحانه وتعالى بقوله: ~~«قالوا» وبانتفاء الكون كالذين قالوا قوله: {ليجعل الله} أي الذي لا كفوء ~~له {ذلك} أي القول أو الانفراد به عن مشارك # PageV05P103 # {حسرة في قلوبهم} أي باعتقاده وعدم المواسي فيه وعلى تقدير التعليق ب ~~«قالوا» يكون من باب التهكم بهم لأنهم لو لم يقولوه لهذا الغرض الذي لا ~~يقصده عاقل لكانوا قد قالوه لا لغرض أصلا وذلك أعرق في كونه ليس من أفعال ~~العقلاء {والله} أي لا تكونوا مثلهم والحال. # أو قالوا ذلك والحال. أن الذي له الإحاطة الكاملة {يحيي} أي من أراد في ~~الوقت الذي يريد {ويميت} أي من أراد إذا أراد لا يغني حذره من قدره {والله} ~~أي المحيط بكل شيء قدره وعلما {بما تعملون} أي بعملكم وبكل شيء منه {بصير ~~*} وعلى كل شيء منه قدير لا يكون شيء منه بغير ms0833 إذنه ومتى كان على خلاف أمره ~~عاقب عليه. # ولما نهاهم عن قول المنافقين الدائر على تمني المحال من دوام البقاء ~~وكراهة الموت بين لهم ثمرة فوات أنفسهم في الجهاد بالموت أو القتل ليكون ~~ذلك مبعدا لهم مما قال المنافقون موجبا لتسليم الأمر للخالق بل محببا فيه ~~وداعيا إليه فقال: {ولئن} وهو حال أخرى من لا «تكونوا» {قتلتم} أي من أية ~~قاتل كان {في سبيل الله} # PageV05P104 # أي الملك الأعظم قتلا {او متم} أي فيه موتا على أية حالة كانت. ولما كان ~~للنفوس غاية الجموح عن الموت زاد في التأكيد فقال: {لمغفرة} أي لذنوبكم ~~تنالكم فهذا تعبد بالخوف من العقاب {من الله} أي الذي له نهاية الكمال بما ~~كنتم عليه من طاعة {ورحمة} أي لأجل ذلك وهو تعبد لطلب الثواب {خير مما ~~يجمعون *} أي مما هو ثمرة البقاء في الدنيا عند أهل الشقاء مع أنه ما فاتكم ~~شيء من أعماركم. # PageV05P105 # ولما ذكر أشرف الموت بادئا بأشرفه ذكر ما دونه بادئا بأدناه فقال: {ولئن ~~متم أو قتلتم} أي في أي وجه كان على حسب ما قدر عليكم في الأزل {لإلى الله} ~~أي الذي هو متوفيكم لا غيره، وهو ذو الجلال والإكرام الذي ينبغي أن يعبد ~~لذاته. ودل على عظمته بعد الدلالة بالاسم الأعظم بالبناء للمجهول فقال: ~~{تحشرون *} فإن كان ذلك الموت أو القتل على طاعته أثابكم وإلا عاقبكم، ~~والحاصل أنه لا حيلة في دفع الموت على حالة من الحالات: قتل أو غيره، ولا ~~في الحشر إليه سبحانه وتعالى، وأما الخلاص من هول ذلك اليوم ففيه حيلة ~~بالطاعة. والله سبحانه وتعالى الموفق. وما أحسن ما قال عنترة في نحوه وهو # PageV05P105 # جاهلي، فالمؤمن أولى منه بمثل ذلك: # بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل # فأجبتها إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهل # فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل # ولما فرغ من وعظ الصحابة رضي الله تعالى عنهم أتبعه تحبيب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما ms0834 فعل بهم من الرفق والللين مع ما سبب الغضب الموجب للعنف ~~والسطوة من اعتراض من اعترض على ما أشار به، ثم مخالفتهم لأمره في حفظ ~~المركز والصبر والتقوى، ثم خذلانهم له وتقديم أنفسهم على نفسه الشريفة، ثم ~~عدم العطف عليه وهو يدعوهم إليه ويأمر بإقبالهم عليه، ثم اتهام من اتهمه. ~~إلى غير ذلك من الأمور التي توجب لرؤساء الجيوش وقادة الجنود اتهام أتباعهم ~~وسوء الظن بهم الموجب للغضب والإيقاع ببعضهم ليكون ذلك زاجرا لهم عن العود ~~إلى مثله فقال تعالى: {فبما رحمة من الله} أي الذي له الكمال كله {لنت لهم} ~~أي ما لنت لهم هذا اللين الخارق للعادة ورفقت بهم هذا الرفق بعدما فعلوا بك ~~إلا بسبب رحمة عظيمة من # PageV05P106 # الله الحائز لجميع الكمال، فقابلتهم بالجميل ولم تعنفهم بانهزامهم عنك ~~بعد إذ خالفوا رأيك، وهم كانوا سببا لاستخراجك؛ والذي اقتضى هذا الحصر هو ~~ما لأنها نافية في سياق الإثبات فلم يمكن أن توجه إلا إلى ضد ما أثبته ~~السياق، ودلت زيادتها على أن تنوين «رحمة» للتعظيم، أي فبالرحمة العظيمة لا ~~بغيرها لنت. # ولما بين سبحانه وتعالى سبب هذا اللين المتين بين ثمرته ببيان ما في ضده ~~من الضرر فقال: {ولو كنت فظا} أي سيىء الخلق جافيا في القول {غليظ القلب} ~~أي قاسية لا تتأثر بشيء، تعاملهم بالعنف والجفاء {لانفضوا} أي تفرقوا تفرقا ~~قبيحا لا اجتماع معه {من حولك} أي ففات المقصود من البعثة. # ولما أخبره سبحانه وتعالى أنه هو عفا عنهم ما فرطوا في حقه أمره بالعفو ~~عنهم فيما يتعلق به صلى الله عليه وسلم، وبالاستمرار على مشاورتهم عند ~~النوائب لئلا يكون خطؤهم في الرأي - أولا في الخروج من المدينة. # وثانيا في تضييع المركز، وثالثا في إعراضهم عن الإثخان في العدو بعد ~~الهزيمة الذي ما شرع القتال إلا لأجله بإقبالهم عن النهب، ورابعا # PageV05P107 # في وهنهم عند كر العدو إلى غير ذلك - موجبا لترك مشاورتهم، فيفوت ما فيها ~~من المنافع في نفسها وفيما تثمره من التألف والتسنن وغير ذلك فقال ms0835 سبحانه ~~وتعالى: {فاعف عنهم} أي ما فرطوا في هذه الكره في حقك {واستغفر لهم} أي ~~الله سبحانه وتعالى لما فرطوا في حقه {وشاورهم} أي استخرج آراءهم {في ~~الأمر} أي الذي تريده من أمور الحرب تألفا لهم وتطييبا لنفوسهم ليستن بك من ~~بعدك {فإذا عزمت} أي بعد ذلك على أمر فمضيت فيه، وقراءة من ضم التاء ~~للمتكلم بمعناها، أي فإذا فعلت أنت أمرا بعد المشاورة لأني فعلت فيه - بأن ~~أردته - فعل العازم. # ولما أمر بالمشاورة التي هي النظر في الأسباب أمر بالاعتصام بمسببها من ~~غير التفات إليها ليكمل جهاد الإنسان بالملابسة ثم التجرد فقال: {فتوكل} أي ~~فيه {على الله} أي الذي له الأمر كله، ولا يردك عنه خوف عاقبة - كما فعلت ~~بتوفيق الله في هذه الغزوة، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي لا كفوء ~~له {يحب المتوكلين *} أي فلا يفعل بهم إلا ما فيه إكرامهم # PageV05P108 # وإن رئي غير ذلك. # ولما كان التقدير؛ فإذا فعلوا ما يحبه أعطاهم مناهم مما عزموا عليه ~~لأجله؛ استأنف الإخبار بما يقبل بقلوبهم إليه ويقصر هممهم عليه، بأن من ~~نصره هو المنصور، ومن خذله هو المخذول، فقال تعالى: {إن ينصركم الله} أي ~~الذي له جميع العظمة {فلا غالب لكم} أي إن كان نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~بينكم أو لا، فما بالكم وهنتم لما صاح إبليس أن محمدا قد قتل! وهلا فعلتم ~~كما فعل سعد بن الربيع رضي الله تعالى عنه وكما فعل أنس بن النضير رضي الله ~~تعالى عنه حين قال: «موتوا على ما مات عليه نبيكم صلى الله عليه وسلم! فهو ~~أعذر لكم عند ربكم» {وإن يخذلكم} أي بإمكان العدو منكم {فمن ذا الذي ينصركم ~~من بعده} أي من نبي أو غيره، ولما كان التقدير: فعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين، عطف عليه قوله: {وعلى الله} أي الملك الأعظم وحده، لا على نبي ولا ~~على قوة بعد ولا بمال من غنيمة ولا غيرها {فليتوكل المؤمنون *} أي كلهم ~~فيكون ذلك أمارة صحة إيمانهم. # ولما ms0836 كان الغلول من أعظم موجبات الخذلان أو أعظمها. والنزاهة عن من أعظم ~~موجبات النصر، كان أنسب الأشياء تعقيب هذه الآية # PageV05P109 # بآية الغلول بيانا، لأنه كان سبب هزيمتهم في هذه الغزوة، فإنه لا يخذل ~~إلا بالذنوب، ومن أعظم الذنوب الموجبة للخذلان الغلول فيكون المراد بتنزيهه ~~صلى الله عليه وسلم عنه - والله أعلم - أن إقبالهم عن نهب الغنائم قبل وقته ~~إما أن يكون لقصد أن يغلو بإخفاء ما انتهبوه أو بعضه، وإما أن يكون للخوف ~~من أن يغل رئيسهم وحاشاه! وإما أن يكون للخوف من مطلق الخيانة بأن لا يقسمه ~~صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء، وحاشاه من كل من ذلك! وأما المبادرة ~~إلى النهب لغير هذا القصد فخفة وطيش وعبث، لا يصوب عاقل إليه؛ إذا تقرر هذا ~~فيمكن أن يكون التقدير: فليتوكلوا في كبت العدو وتحصيل ما معه من الغنائم، ~~فلا يقبلوا على ذلك إقبالا يتطرق منه احتمال لظن السوء بهاديهم في أن يغل، ~~وهو الذي أخبرهم بتحريم الغلول وبأنه سبب للخذلان، وما نهى صلى الله عليه ~~وسلم قط عن شيء إلا كان أول تارك له وبعيد منه وما كان ينبغي لهم أن يفتحوا ~~طريقا إلى هذا الاحتمال فعبر عن ذلك بقوله عطفا على # {وكأين من نبي} [آل عمران: 146] {وما كان} أي ما تأتى وما صح في وقت من ~~الأوقات # PageV05P110 # ولا على حالة من الحالات {لنبي} أي أي نبي كان فضلا عن سيد الأنبياء ~~وإمام الرسل {أن يغل} تبشيعا لفعل ما يؤدي إلى هذا الاحتمال زجرا من معاودة ~~مثل ذلك الفعل المؤدي إلى تجويز شيء مما ذكر، وعلى قراءة الجماعة غير ابن ~~كثير وأبي عمرو - بضم الياء وفتح العين مجهولا من: أغل - المعنى: وما كان ~~له وما صح أن يوجد غالا، أو ينسب إلى الغلول، أو يظن به ما يؤدي إلأى ذلك؛ ~~ويجوز أن يكون التقدير بعد الأمر بالتوكل على الله سبحانه وتعالى وحده: فلا ~~تأتوا إن كنتم مؤمنين بما يقدح في التوكل كالغلول وما يدانيه فتخذلوا، فإنه ~~ما كان ms0837 لكم أن تغلوا، وما كان أي ما حل لنبي أي من الأنبياء قط أن يغل، أي ~~لم أخصكم بهذه الشريعة بل ما كان في شرع نبي قط إباحة الغلول، فلا تفعلوه ~~ولا تقاربوه بنحو الاستباق إلى النهب، فإن ذلك يسلب كمال التوكل، فإنه من ~~يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه، فيوجب له الخذلان، روى الطبراني في الكبير- ~~قال الهيثمي: ورجاله ثقات - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم جيشا فردت رايته. ثم بعث فردت، ثم بعث فردت بغلول ~~رأس غزال من ذهب، فنزلت {وما كان لنبي أن يغل} » . # PageV05P111 # ولما كان فعلهم ذلك محتملا لقصدهم الغلول ولخوفهم من غلول غيرهم عمم في ~~التهديد بقوله: {ومن يغلل} أي يقع منه ذلك كائنا من كان {يأت بما غل يوم ~~القيامة} ومن عرف كلام أهل اللغة في الغلول عرف صحة قولي: إنه لمطلق ~~الخيانة، وإنه يجوز أن يكون التقدير: وما كان لأحد أن يفعل ما يؤدي - ولو ~~وعلى بعد - إلى نسبة نبي إلى غلول، قال صاحب القاموس: أغل فلانا: نسبه إلى ~~الغلول والخيانة، وغل غلولا: خان - كأغل، أو خاص بالفيء، وقال الإمام عبد ~~الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: أغل الرجل أغلالا - إذا خان، فهو مغل وغل ~~في المغنم يغل غلولا، وقرىء: أن يغل، وأن يغل، فمن قرأ: يغل - أراد: يخون، ~~ومن قرأ: يغل - أراد: يخان، ويجوز أن يريد: لا ينسب إلى الخيانة وكل من خان ~~شيئا في خفاء فقد غل يغل غلولا، ويسمى الخائن غالا، وفي الحديث # «لا إغلال ولا إسلال» الإغلال: الخيانة في كل شيء، وغللت الشيء أغله غلا ~~- إذا سترته، قالوا: ومنه الغلول في المغنم، إنما أصله أن الرجل كان إذا ~~أخذ منه شيئا ستره في متاعه، فقيل للخائن: غال ومغل، ويقال: غللت الشيء في ~~الشيء - إذا أدخلته فيه، وقد انغل - إذا دخل في الشيء، وقد انغل في الشجر. # PageV05P112 # دخل - انتهى. فهذه الآية نهي للمؤمنين عن الاستباق إلى المغنم على طريق ~~الإشارة، فتم بها الوعظ الذي ms0838 في أواخره القصة، كما أن آية الربا نهي عنه ~~على طريق الإشارة، فتم بها الوعظ الذي في أوائل القصة، فقد اكتنف التنفير ~~من الغلول - الذي هو سبب الخذلان في هذه الغزوة بخصوصها لمباشرة ما هو مظنة ~~له وفي الغزو مطلقا - طرفي الوعظ فيها، ليكون من أوائل ما يقرع السمع ~~وأواخره. # ولما كان ثمرة الإتيان به الجزاء عليه عمم الحكم تنبيها على أن ذلك اليوم ~~يوم الدين، فلا بد من الجزاء فيه وتصويرا له تبشيعا للفضيحة فيه بحضرة ~~الخلق أجمعين، وزاد في تعظيمه وتعظيم الجزاء فيه بأداة التراخي وتضعيف ~~الفعل فقال معمما الحكم ليدخل الغلول من باب الأولى: {ثم توفى} أي في ذلك ~~اليوم العظيم، وبناه للمجهول إظهارا لعظمته على طريق كلام القادرين {كل ~~نفس} أي غالة وغير غالة {ما كسبت} أي ما لها فيه فعل ما من خير أو شر وافيا ~~مبالغا في تحريز وفائه {وهم لا يظلمون *} أي لا يقع عليهم ظلم في شيء منه ~~بزيادة ولا نقص. # PageV05P113 # ولما أخبر تعالى أنه لا يقع في ذلك اليوم ظلم أصلا تسبب عنه # PageV05P113 # الإنكار على من حدثته نفسه بالأماني الكاذبة، فظن غير ذلك من استواء حال ~~المحسن وغيره، أو فعل فعلا وقال قولا يؤدي إلأى ذلك كالمنافقين وكالمقبلين ~~على الغنيمة فقال تعالى: {أفمن اتبع} أي طلب بجد واجتهاد {رضوان الله} أي ~~ذي الجلال والإكرام بالإقبال على ما أمر به الصادق، فصار إلى الجنة ونعم ~~الصبر {كمن بآء} أي رجع من تصرفه الذي يريد به الربح، أو حل وأقام {بسخط من ~~الله} أي من الملك الأعظم بأن فعل ما يقتضي السخط بالمخالفة ثم الإدبار ~~لولا العفو {ومأواه جهنم} أي جزاء بما جعل أسباب السخط مأواه {وبئس المصير ~~*} أي هي. # ولما أفهم الإنكار على من سوى بين الناس أنهم متمايزون صرح بذلك في قوله: ~~{هم درجات} أي متباينون تباين الدرجات. ولما كان اعتبار التفاوت ليس بما ~~عند الخلق قال: {عند الله} أي الملك الأعلى في حكمه وعلمه وإن خفي ذلك ~~عليكم، لأن الله ms0839 سبحانه وتعالى خلقهم فهو عالم بهم حين خلقهم {والله} أي ~~الذي له جميع صفات الكمال {بصير} أي بالبصر والعلم {بما يعملون *} أي بعد ~~إيجادهم، لأن ذلك أيضا خلقه وتقديره، ولس لهم فيه إلا نسبته # PageV05P114 # إليهم بالكسب، فهو يجازيهم بحسب تلك الأعمال، فكيف يتخيل أنه يساوي بينهم ~~في المآل وقد فاوت بينهم في الحال وهو الحكم العدل! فعلم بما في هذا الختام ~~من إحاطته بتفاصيل الأعمال صحة ما ابتدىء به الكلام من التوفية. # ولما أرشدهم إلى هذه المراشد، وبين لهم بعض ما اشتملت عليه من الفوائد، ~~وبان بهذه القصة قدر من أسدى إليهم ذلك على لسانه صلى الله عليه وسلم بما ~~له من الفضائل التي من أعظمها كونه من جنسهم، يميل إليهم ويرحمهم ويعطف ~~عليهم، فيألفونه فيعلمهم؛ نبه على ذلك سبحانه وتعالى ليستمسكوا بغرزه، ولا ~~يلتفتوا لحظة عن لزوم هدية فقال سبحانه وتعالى - مؤكدا لما اقتضاه الحال من ~~فعل يلزم منه النسبة إلى الغلول -: {لقد من الله} أي ذو الجلال والإكرام ~~{على المؤمنين} خصهم لأنهم المجتبون لهذه النعمة {إذا بعث فيهم} أي فيما ~~بينهم أو بسببهم {رسولا} وزادهم رغبة فيه بقوله: {من أنفسهم} أي نوعا ~~وصنفا، يعلمون أمانته وصيانته وشرفه ومعاليه # PageV05P115 # وطهارته قبل النبوة وبعدها {يتلوا عليهم آياته} أي فيمحو ببركة نفس ~~التلاوة كبيرا من شر الجان وغيرها مما ورد في منافع القرآن مما عرفناه، وما ~~لم نعرفه أكثر {ويزكيهم} أي يطهرهم من أوضار الدنيا والأوزار بما يفهمه ~~بفهمه الثاقب من دقائق الإشارات وبواطن العبارات، وقدم التزكية لاقتضاء ~~مقام المعاتبة على الإقبال على الغنيمة ذلك، كما مضى في سورة البقرة ~~{ويعلمهم الكتاب} أي تلاوة بكونه من نوعهم يلذ لهم التلقي منه {والحكمة} ~~تفسيرا وإبانة وتحريرا {وإن} أي والحال أنهم {كانوا} ولما كانوا قد مرت لهم ~~أزمان وهم على دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام نبه على ذلك بإدخال ~~الجار فقال {من قبل} أي من قبل ذلك {لفي ضلال مبين *} أي ظاهر، وهو من شدة ~~ظهوره كالذي ينادي على نفسه بإيضاح لبسه، ms0840 وفي ذلك إشارة إلى أنه عليه ~~السلام علمهم من الحكمة في هذه الوقعة ما أوجب نصرتهم في أول النهار، فلما ~~خالفوه حصل الخذلان. # ولما أزال شبهة النسبة إلى الغلول بحذافيرها. وأثبت ما له من أضدادها من ~~معالي الشيم وشمائل الكرم صوب إلى شبهة قولهم: لو كان رسولا ما انهزم ~~أصحابه عنه، # PageV05P116 # فقال تعالى: {أولما} أي أتركتم ما أرشدكم إليه الرسول الكريم الحليم ~~العليم الحكيم ولما {أصابتكم} أي في هذا اليوم {مصيبة} لمخالفتكم لأمره ~~وإعراضكم عن إرشاده {قد أصبتم مثليها} أي في بدر وأنتم في لقاء العدو ~~وكأنما تساقون إلى الموت على الضد مما كنتم فيه في هذه الغزوة، وما كان ذلك ~~إلا بامتثالكم لأمره وقبولكم لنصحه {قلتم أنى} من أين وكيف أصابنا {هذا} أي ~~بعد وعدنا النصر {قل هو من عند أنفسكم} أي لأن الوعد كان مقيدا بالصبر ~~والتقوى، وقد تركتم المركز وأقبلتم على الغنائم قبل الأمر به، وعن علي رضي ~~الله تعالى عنه أن ذلك باختيارهم الفداء يوم بدر الذي نزل فيه {لولا كتاب ~~من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 68] وأباح لهم سبحانه ~~وتعالى الفداء بعد أن عاتبهم وشرط عليهم إن اختاروه أن يقتل منهم في العام ~~المقبل بعد الأسرى، فرضوا وقالوا: نستعين بما نأخذه منهم عليهم ثم نرزق ~~الشهادة. ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي لا كفوء له {على كل شيء} أي ~~من النصر والخذلان ونصب أسباب كل منهما {قدير *} # PageV05P117 # وقد وعدكم بذلك سبحانه وتعالى في العام الماضي حين خيركم فاخترتم الفداء، ~~وخالف من خالف منكم الآن، فكان ذكر المصيبة التي كان سببها مخالفة ما رتبه ~~صلى الله عليه وسلم بعد ختم الآية التي قبلها بالتذكير بما كانوا عليه من ~~الضلال على ما ترى من البلاغة. # ولما كانت نسبة المصيبة إليهم ربما أوهمت من لم ترسخ قدمه في المعارف ~~الإلهية أن بعض الأفعال خارج عما مراده تعالى قال: {وما أصابكم} ولما ~~استغرقت الحرب ذلك اليوم نزع الجار فقال: {يوم التقى الجمعان} أي حزب ms0841 الله ~~وحزب الشيطان في أحد {فبإذن الله} أي بتمكين من له العظمة الكاملة وقضائه، ~~وإثبات أن ذلك بإذنه نحو ما ذكر عند التولية يوم التقى الجمعان من نسبة ~~الإحياء والإماتة إليه. # ولما كان التقدير: ليؤدبكم به، عطف عليه قوله: {وليعلم المؤمنين *} أي ~~الصادقين في إيمانهم. ولما كان تعليق العلم بالشيء على حدته أتم وآكد من ~~تعليقه به مع غيره أعاد العامل لذلك، وإشعارا بأن أهل النفاق أسفل رتبة من ~~أن اجتمعوا مع المؤمنين في شيء فقال: {ولعلم الذين نافقوا} أي علما تقوم به ~~الحجة في مجاري عاداتكم، وهذا مثل قوله هناك {وليبتلي الله ما في صدوركم} ~~[آل عمران: 154] . وعطف # PageV05P118 # على قوله {نافقوا} ما أظهر نفاقهم، أو يكون حالا من فاعل {نافقوا} فقال: ~~{وقيل لهم تعالوا قاتلوا} أي أوجدوا القتال {في سبيل الله} أي الذي له ~~الكمال كله بسبب تسهيل طريق الرب الذي شرعه {أو ادفعوا} أي عن أنفسكم ~~وأحبائكم على عادة الناس لا سيما العرب {قالوا لو نعلم} أي نتيقن {قتالا} ~~أي أنه يقع قتال {لاتبعناكم} أي لكنه لا يقع فيما نظن قتال ورجعوا. # ولما كان هذا الفعل المسند إلى هذا القول ظاهرا في نفاقهم ترجمة بقوله: ~~{هم للكفر يومئذ} أي يوم إذ كان هذا حالهم {أقرب منهم للإيمان} عند كل من ~~سمع قولهم أو رأى فعلهم، ثم علل ذلك أو استأنف بقوله - معبرا بالأفواه التي ~~منها ما هو أبعد من اللسان لكونهم منافقين، فقولهم إلى أصوات الحيوان أقرب ~~منه إلى كلام الإنسان ذي العقل واللسان لأنهم -: {يقولون بأفواههم} ولما ~~أفهم هذا أنه لا يجاوز ألسنتهم فلا حقيقة له ولا ثبات عندهم؛ صرح به في ~~قوله {ما ليس في قلوبهم} بل لا شك عندهم في وقوع القتال، علم الله هذا منهم ~~كما علموه من أنفسهم {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {أعلم} أي منهم ~~{بما يكتمون *} أي كله لأنه يعلمه قبل كونه وهم لا يعلمونه إلا بعد كونه، ~~وإذا كان نسوه بتطاول الزمان # PageV05P119 # والله سبحانه وتعالى لا ينساه. # PageV05P120 # ولما حكى ms0842 عنهم ما لا يقوله ذو إيمان أتبعه ما لا يتخيله ذو مروة ولا ~~عرفان فقال مبينا للذين نافقوا: {الذين قالوا لإخوانهم} أي لأجل إخوانهم ~~والحال أنهم قد أسلموهم {وقعدوا} أي عنهم خذلانا لهم {لو أطاعونا} أي في ~~الرجوع {ما قتلوا} ولما كان هذا موجبا للغضب أشار إليه بإعراضه في قوله: ~~{قل} أي لهؤلاء الأجانب الذين هم بمنزلة الغيبة عن حضرتي لما تسبب عن قولهم ~~هذا من ادعاء القدرة على دفع الموت {فادرءوا} أي ادفعوا بعز ومنعة وميلوا ~~{عن أنفسكم الموت} أي حتى لا يصل إليكم أصلا {إن كنتم صادقين} أي في أن ~~الموت يغني منه حذر. فقد انتظم الكلام بما قبل الجملة الواعظة أتم انتظام ~~على أنه قد لاح لك أن ملائمة الجمل الواعظة لما قبلها وما بعدها ليس بدون ~~ملاءمة ما قبلها من صلب القصة لما بعدها منه. # ولما أزاح سبحانه وتعالى العلل وشفى الغلل وختم بأنه لا مفر من القدر، ~~فلم يبق عند أهل الإيمان إلا ما طبع عليه الإنسان من الأسف على فقد ~~الإخوان، وكان سرور المفقود يبرد غلة الموجود بشرهم بحياتهم وما نالوه من ~~لذاتهم؛ ولما كان العرب بعيدين قبل الإسلام # PageV05P120 # من اعتقاد الحياة بعد الموت خاطب الذي لا ريب في علمه بذلك إشارة إلى أنه ~~لا يفهمه حق فهمه سواه، كما أشار إليه قوله في البقرة {ولكن لا تشعرون} ~~[البقرة: 153] فقال تعالى عاطفا على قل محببا في الجهاد، إزالة لما بغضه به ~~المنافقون من أنه سبب الموت: {ولا تحسبن الذين قتلوا} أي وقع لهم القتل في ~~هذه الغزوة أو غيرها {في سبيل الله} أي الملك الأعظم، والله أعلم بمن يقتل ~~في سبيله {أمواتا} أي الآن {بل} هم {أحياء} وبين زيادة شرفهم معبرا عن ~~تقربهم بقوله: {عند ربهم} أي المحسن إليهم في كل حال، فكيف في حال قتلهم ~~فيه حياة ليست كالحياة الدنيوية! فحقق حياتهم بقوله {يرزقون *} أي رزقا ~~يليق بحياتهم {فرحين بما آتاهم الله} أي الحاوي لجميع الكمال من ذلك الفوز ~~الكبير {من فضله} لأنه ms0843 لو حاسبهم على أقل نعمة من نعمة لم توف جميع أعمالهم ~~بها لأن أعمالهم من نعمه، فأعلمنا سبحانه وتعالى بهذا تسلية وحسن تعزية أن ~~لم يفت منهم إلا حياة الكدر التي لا مطمع لأحد في بقائها وإن طال المدى، ~~وبقيت لهم # PageV05P121 # حياة الصفاء التي لا انفكاك لها ولا آخر لنعيمها بغم يلحقهم ولا فتنة ~~تنالهم ولا حزن يعتريهم ولا دهش يلم بهم في وقت الحشر ولا غيره، فلا غفلة ~~لهم، فكان ذلك مذهبا لحزن من خلفوه ومرغبا لهم في الأسباب الموصلة إلى مثل ~~حالهم، وهذا - والله سبحانه وتعالى أعلم - معنى الشهادة، أي أنهم ليست لهم ~~حال غيبة، لأن دائم الحياة بلا كدر أصلا كذلك. # ولما ذكر سرورهم بما نالوه ذكر سرورهم بما علموه لمن هو على دينهم فقال: ~~{ويستبشرون} أي توجد لهم البشرى وجودا عظيم الثبات حتى كأنهم يوجدونها كلما ~~أرادوا {بالذين لم يلحقوا بهم} أي في الشهادة في هذه الغزوة. ثم بين ذلك ~~بقوله: {من خلفهم} أي في الدنيا. ثم يبن المبشر به فقال: {ألا خوف عليهم} ~~أي على إخوانهم في آخرتهم {ولا هم يحزنون *} أي أصلا، لأنه لا يفقد منه ~~شيء، بل هم كل لحظة في زيادة، وهذا أعظم البشرى لمن تركوا على مثل حالهم من ~~المؤمنين، لأنهم يلحقونهم في مثل ذلك، لأن السبب واحد، وهو منحة الله لهم ~~بالقتل فيه، أو مطلق الإيمان لمطلق ما هم فيه من السعادة بغير قيد الشهادة. # ولما ذكر سرورهم لأنفسهم تارة ولإخوانهم أخرى كرره تعظيما له وإعلاما ~~بأنه في الحقيقة عن غير استحقاق. وإنما هو مجرد من فقال: {يستبشرون بنعمة ~~من الله} أي ذي الجلال والإكرام، كبيرة # PageV05P122 # {وفضل} أي منه عظيم {وأن الله} أي الملك الأعظم الذي لا يقدره أحد حق ~~قدره {لا يضيع أجر المؤمنين *} أي منهم ومن غيرهم، بل يوفيهم أجرهم على ~~أعمالهم ويفضل عليهم، ولو شاء لحاسبهم على سبيل العدل، ولو فعل ذلك لم يكن ~~لهم شيء. # ولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح، ومدح أحوال ms0844 الشهداء ~~ترغيبا في الشهادة، وأحوال من كان على مثل حالهم ترغيبا في النسج على ~~منوالهم، وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان، أخذ يذكر ما أثمر لهم إيمانهم ~~من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم إليه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ~~أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق فقال: {الذين ~~استجابوا} أي أوجدوا الإجابة في الجهاد إيجادا مؤكدا محققا ثابتا ما عندهم ~~من خالص الإيمان {لله والرسول} أي لا لغرض مغنم ولا غيره، ثم عظم صدقهم ~~بقوله - مثبتا الجار لإرادة ما يأتي من إحدى الغزوتين إلا استغراق ما بعد ~~الزمان -: {من بعد ما أصابهم القرح} . # ولما كان تعليق الأحكام بالأوصاف حاملا على التحلي بها عند المدح قال ~~سبحانه وتعالى: {للذين أحسنوا} وعبر بما يصلح للبيان # PageV05P123 # والبعض ليدوم رغبهم ورهبهم فقال: {منهم واتقوا أجر عظيم *} وهذه الآيات ~~من تتمة هذه القصة سواء قلنا: إنها إشارة إلى غزوة حمراء الأسد، أو غزوة ~~بدر الموعد، فإن الوعد كان يوم أحد - والله الهادي، ومما يجب التنبيه له أن ~~البيضاوي قال تبعا للزمخشري: إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر ~~الموعد في سبعين راكبا، وفي تفسير البغوي أن ذلك كان في حمراء الأسد، فإن ~~حمل على أن الركبان من الجيش كان ذلك عددهم وأن الباقين كانوا مشاة فلعله، ~~وإلا فليس كذلك، وأما في حمراء الأسد فإن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن ~~المشركين هموا بعد انفصالهم من أحد بالرجوع، فأراد أن يرهبهم وأن يريهم من ~~نفسه وأصحابه قوة، فنادى مناديه يوم الأحد - الغد من يوم أحد - بطلب العدو ~~وأن لا يخرج معه إلا من كان حاضرا معه بالأمس، فأجابوا بالسمع والطاعة، ~~فخرج في أثرهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، ولا يشك في أنهم أجابوا ~~كلهم، ولم يتخلف منهم أحد، وقد كانوا في أحد نحو سبعمائة ولم يأذن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الخروج معه لأحد لم يشهد القتال يوم أحد، ~~واستأذنه رجال لم يشهدوها ms0845 فمنعهم إلا ما كان من جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنهما # PageV05P124 # فإنه أذن له لعلة ذكرها في التخلف عن أحد محمودة. # قال الواقدي: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل ~~من الأمس، فدفعه إلى علي رضي الله عنه، ويقال: إلى أبي بكر رضي الله عنه، ~~وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه مشجوج وهو مجروح، في وجهه أثر ~~الحلقتين، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر، ورباعيته قد سقطت، وشفته قد كلمت ~~من باطنها وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة، وركبتاه مجحوشتان بأبي ~~هو وأمي ووجهي وعيني! فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فركع ~~ركعتين والناس قد حشدوا، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ، ثم ركع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، فدعا بفرسه على باب المسجد، وتلقاه طلحة ~~رضي الله عنه وقد سمع المنادي فخرج ينظر متى يسير، فإذا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليه الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه فقال: يا طلحة سلاحك! ~~قال: قلت: قريب، قال: فأخرج، أعدو فألبس درعي ولأنا أهم بجراح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # PageV05P125 # مني بجراحي، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلحة فقال: «أين ~~ترى القوم الآن؟ قال: هم بالسيالة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك ~~الذي ظننت! أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة ~~علينا!» ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى عسكر بحمراء ~~الأسد، قال جابر رضي الله عنه: وكان عامة زادنا التمر، وحمل سعد بن عبادة ~~رضي الله عنه ثلاثين بعيرا حتى وافت الحمراء، وساق جزورا فنحروا في يوم ~~اثنين وفي يوم ثلاثاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم في النهار ~~بجمع الحطب، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران، فيوقد كل رجل نارا، فلقد كنا ~~تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى نرى من المكان البعيد، وذهب ذكر معسكرنا ~~ونيراننا ms0846 في كل وجه حتى كان ما كبت الله به عدونا فهنا ظاهر في أنهم كانوا ~~خمسمائة رجل - والله أعلم - ويؤيده ذلك ما نقل من أخبار المثقلين بالجراح - ~~قال الواقدي: جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه والجراح في الناس فاشية، عامة ~~بني عبد الأشهل جريح، بل كلهم - رضي الله عنهم! فقال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV05P126 # يأمركم أن تطلبوا عدوكم، قال: يقول أسيد بن حضير رضي الله عنه وبه سبع ~~جراحات وهو يريد أن يداويها: سمعا وطاعة لله ولرسوله! فأخذ سلاحه ولم يعرج ~~على دواء جراحه ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وجاء سعد بن عبادة رضي ~~الله عنه قومه بني ساعده فآمرهم بالمسير، فلبسوا ولحقوا، وجاء أبو قتادة ~~رضي الله عنه أهل خربى وهم يداوون الجراح فقال: هذا منادي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يأمركم بطلب العدو، فوثبوا إلى سلاحهم وما عرجوا على ~~جراحاتهم - رضي الله عنهم! فخرج من بني سلمة رضي الله عنهم أربعون جريحا، ~~وبالطفيل بن النعمان رضي الله عنه ثلاثة عشر جرحا، وبقطبه بن عامر بن حديدة ~~رضي الله عنه تسع جراحات حتى وافوا النبي صلى الله عليه وسلم ببئر أبي عتبة ~~إلى رأس الثنية عليهم السلاح، قد صفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ~~نظر إليهم والجراح فيهم فاشية قال: # «اللهم ارحم بني سلمة!» وحدث ابن إسحاق والواقدي أن عبد الله بن سهل ~~ورافع بن سهل رضي الله عنهما كان بهما جراح كثيرة، # PageV05P127 # فلما بلغهما النداء قال أحدهما لصاحبه: والله إن تركنا غزوة مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لغبنا والله ما عندنا دابة نركبها وما ندري كيف نصنع! ~~قال عبد الله: انطلق بن، قال رافع: لا والله ما بي مشي! قال أخوه: انطلق ~~بنا نتجار، فخرجا يزحفان فضعف رافع فكان عبد الله يحمله على ظهره عقبة ~~ويمشي الآخر عقبة حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العشاء وهو ~~يوقدون النيران، فأتى بهما رسول الله صلى الله ms0847 عليه وسلم وعلى حرسه تلك ~~الليلة عباد بن بشر فقال: «ما حبسكما؟ فأخبراه بعلتهما، فدعا لهما بخير ~~وقال: إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل وبغال وإبل، وليس ذلك بخير ~~لكم» وأما غزوة بدر الموعد فروى الواقدي - ومن طريقه الحاكم في الإكليل - ~~كما حكاه ابن سيد الناس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج في ~~هذه الغزوة في ألف وخمسمائة من # PageV05P128 # أصحابه رضي الله عنهم، وكان الخيل عشرة قال الواقدي: وأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أكثر أهل الموسم: يا محمد! لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم ~~أحد، فما أعلمكم إلا أهل الموسم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~«ليرفع ذلك إلى عدوه: ما أخرجنا إلا موعد أبي سفيان وقتال عدونا، وإن شئت ~~مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك العهد ثم جالدناكم قبل أن نبرح من منزلنا هذا، ~~فقال الضمري: بل نكف أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك» . # PageV05P129 # ولما كان قول نعيم بن مسعود أو ركب عبد القيس عند الصحابة رضي الله عنهم ~~صدقا لا شك فيه لما قام عندهم من القرائن، فكان بمنزلة المتواتر الذي تمالأ ~~عليه الخلائق، وكانت قريش أعلى الناس شجاعة وأوفاهم قوة وأعرقهم أصالة ~~فكانوا كأنهم جميع الناس، كان التعبير - بصيغة في قوله: {الذين قال لهم ~~الناس} أي نعيم أو ركب عبد القيس {إن الناس} يعني قريشا {قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم} أمدح للصحابة رضي الله عنهم من التعبير عمن أخبرهم ومن جمع لهم ~~بخاص اسمه أو وصفه. # PageV05P129 # ولما كان الموجب لأقدامهم على اللقاء بعد هذا القول الذي لم يشكوا في ~~صدقه ثبات الإيمان وقوة الإيقان قال تعالى: {فزادهم} أي هذا القول {إيمانا} ~~لأنه ما ثناهم عن طاعة الله ورسوله {وقالوا} ازدراء بالخلائق اعتمادا على ~~الخالق {حسبنا} أي كافينا {الله} أي الملك الأعلى في القيام بمصالحنا. ولما ~~كان ذلك هو شأن الوكيل وكان في الوكلاء من يذم قال: {ونعم الوكيل *} أي ~~الموكول إليه المفوض إليه جميع الأمور؛ روى البخاري في التفسير عن ms0848 ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال: «هذه الكلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في ~~النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم. ~~وقال: كان آخر كلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار: حسبي ~~الله ونعم الوكيل» . ولما كان اعتمادهم على الله سببا لفلاحهم قال ~~{فانقلبوا} أي فكان ذلك سببا لأنهم انقلبوا، أي من الوجه الذي ذهبوا فيه مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم {بنعمة} وعظمها بإضافتها إلى الاسم الأعظم فقال: ~~{من الله} أي الذي له الكمال كله {وفضل} # PageV05P130 # أي من الدنيا ما طاب لهم من طيب الثناء بصدق الوعد ومضاء العزم وعظيم ~~الفناء والجرأة إلى ما نالوه. عند ربهم حال كونهم {لم يمسسهم سوء} أي من ~~العدو خوفوه ولا غيره {واتبعوا} أي مع ذلك بطاعتهم لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بغاية جهدهم {رضوان الله} أي الذي له الجلال والجمال فحازوا أعظم ~~فضله {والله} أي الذي لا كفوء له {ذو عظيم *} أي في الدارين على من يرضيه، ~~فستنظرون فوق ما تؤملون، فليبشر المجيب ويغتم ويحزن المتخلف، ولعظم الأمر ~~كرر الاسم الأعظم كثيرا. # ولما جزاهم سبحانه على أمثال ذلك بما وقع لهم من فوزهم بالسلامة والغنيمة ~~بفضل من حاز أوصاف الكمال وتنزه عن كل نقص بما له من رداء الكبرياء ~~والجلال، ورغبهم فيما لديه لتوليهم إياه، أتبع ذلك بما يزيدهم بصيرة من أن ~~المخوف لهم من كيده ضعيف وأمره هين خفيف واه سخيف وهو الشيطان، وساق ذلك ~~مساق التعليل لما قبله من حيازتهم للفضل وبعدهم عن السوء بأن وليهم الله ~~وعدوهم # PageV05P131 # الشيطان فقال التفاتا إليهم بزيادة في تنشيطهم أو تشجيعهم وتثبيتهم: ~~{إنما ذلكم} أي القائل الذي تقدم أنه الناس {الشيطان} أي الطريد البعيد ~~المحترق. # ولما نسب القول إلأيه لأنه الذي زينه لهم حتى أشربته القلوب وامتلأت به ~~الصدور، كان كأنه قيل: فماذا عساه يصنع؟ فقال: {يخوف} أي يخوفكم {أولياءه} ~~لكنه أسقط المفعول الأول إشارة إلى أن تخويفه يؤول إلى خوف أوليائه، لأنه ms0849 ~~أولياء الرحمن إذا ثبتوا لأجله أنجز لهم ما وعدهم من النصرة على أولياء ~~الشيطان، وإلى أن من خاف من تخويفه وعمل بموجب خوفه ففيه ولاية له تصحح ~~إضافته إليه قلت أو كثرت. # ولما كان المعنى أنه يشوش بالخوف من أوليائه، تسبب عنه النهي عن خوفهم ~~فقال: {فلا تخافوهم} أي لأن وليهم الشيطان {وخافون} أي فلا تعصوا أمري ولا ~~تتخلفوا أبدا عن رسولي {إن كنتم مؤمنين *} أي مباعدين لأولياء الشيطان بوصف ~~الإيمان. # ولما مدح سبحانه وتعالى المسارعين في طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وختم ذلك بالنهي عن الخوف من أولياء الشيطان، # PageV05P132 # أعقبه بذم المسارعين في الكفر والنهي عن الحزن من أجلهم. # ولما كان أكثر الناس - كالمنافقين الراجعين عن أحد، ثم المقاتلين ~~القائلين: هل لنا من الأمر من شيء - أرجفوا إلى أبي عامر وعبد الله بن أبي ~~لأخذ الأمان من أبي سفيان، ثم ركب عبد القيس أو نعيم بن مسعود، ثم من ~~استجاب من أهل المدينة وأرجف بما قالوا في ثبط المؤمنين، وكان ذلك مما يخطر ~~بالبال تمادي أيام الكفر وأهله غالبين، ويقدح في رجاء قصر مدته، ويوجب ~~الحزن على ذلك، قال تعالى قاصرا الخطاب على أعظم الخلق وأشفقهم وأحبهم في ~~صلاحهم {ولا يحزنك الذين يسارعون} أي يسرعون إسراع من يسابق خصما {في ~~الكفر} ثم علل ذلك بقوله: {إنهم لن يضروا الله} أي الذي له جميع العظمة ~~{شيئا} أي دينه بإذلال أنصاره والقائمين به، وحذف المضاف تفخيما له وترغيبا ~~فيه حيث جعله هو المضاف إليه. # ولما نفى ما خيف من أمرهم كان مظنة السؤال عن الحاكم لهم على المسارعة ~~فقيل جوابا: {يريد الله} أي الذي له الأمر كله {ألا يجعل لهم حظا} أي نصيبا ~~{في الآخرة} ولما كانت المسارعة في ذلك عظيمة ختمت الآية بقوله: {ولهم عذاب ~~عظيم *} قد عم # PageV05P133 # جميع ذواتهم، لأن المسارعة دلت على أن الكفر قد ملأ أبدانهم ونفوسهم ~~وأرواحهم. # ولما كان قبول نعيم وركب عبد القيس لذلك الجعل الذي هو من أسباب الكفر ~~شرى الكفر بالإيمان ms0850 عقب بقوله: {إن الذين اشتروا الكفر} أي فأخذوه ~~{بالإيمان} أي فتركوه، وأكد نفي الضرر وأبده فقال: {لن يضروا الله} أي الذي ~~لا كفوء له {شيئا} لما يريد سبحانه وتعالى من الإعلاء للإسلام وأهله، ~~وختمها بقوله: {ولهم عذاب أليم *} لما نالوه من لذة العوض في ذلك الشرى كما ~~هي العادة في كل متجدد من الأرباح والفوائد. # ولما كان مما اشترى به الكفر رجوع المنافقين عن أحد الذي كان سببا ~~للإملاء لهم قال سبحانه وتعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا} أي بالله ورسوله ~~{إنما نملي} أي أن إملاءنا أي إمهالنا وإطالتنا {لهم خير لأنفسهم} ولما نفى ~~عنهم الخير بهذا النهي تشوفت النفس إلى ما لهم فقال: {إنما نملي لهم} أي ~~استدراجا {ليزدادوا إثما} وهو جميع ما سبق العلم الأزلي بأنهم يفعلونه، ~~فإذا بلغ النهاية أوجب # PageV05P134 # الأخذ. ولما كان الرجوع المسفر عن السلامة مظنة لعزهم في هذه الدار ~~الفانية عند من ظن حسن ذلك الرأي؛ عوضوا عنه الإهانة الدائمة فقال سبحانه ~~وتعالى: {ولهم عذاب مهين *} . # PageV05P135 # ولما كان مطلق المسارعة أعم مما بالعوض، وهو أعم مما بالرجوع، جاء نظم ~~الآيات على ذاك؛ ولما كشفت هذه الوقعة جملة من المغيبات من أعظمها تمييز ~~المخلص فعلا أو قولا من غيره، أخبر تعالى أن ذلك من أسرارها على وجه يشير ~~إلى النعي على المنافقين بتأخيرهم أنفسهم بالرجوع وغيره فقال مشيرا بخطاب ~~الأتباع إلى مزيد علمه صلى الله عليه وسلم وعلو درجته لديه وعظيم قربه منه ~~سبحانه وتعالى: {ما كان الله} أي مع ما له من صفات الكمال. # ولما كان ترك التمييز غير محمود، عبر بفعل الوذر، وأظهر موضع الإضمار ~~لإظهار شرف الوصف تعظيما لأهله فقال: {ليذر المؤمنين} أي الثابتين في وصف ~~الإيمان {على ما أنتم عليه} من الاختلاط بالمنافقين ومن قاربهم من الذين ~~آمنوا على حال الإشكال # PageV05P135 # للاقتناع بدعوى اللسان دليلا على الإيمان {حتى يميز الخبيث من الطيب} بأن ~~يفضح المبطل وإن طال ستره بتكاليف شاقة وأحوال شيديدة، لا يصبر عليها إلا ~~المخلص من العباد، المخلصون في الاعتقاد ms0851 {وما كان الله} لاختصاصه بعلم ~~الغيب {ليطلعكم على الغيب} أي وهو الذي لم يبرز إلى عالم الشهادة بوجه ~~لتعلموا به الذي في قلوبهم مع احتمال أن يكون الرجوع للعلة التي ذكروها في ~~الظاهر والقول لشدة الأسف على إخوانهم {ولكن الله} أي الذي له الأمر كله ~~{يجتبي} أي يختار اختيارا بليغا {من رسله من يشاء} أي فيخبر على ألسنتهم ~~بما يريد من المغيبات كما أخبر أنهم برجوعهم للكفر أقرب منهم للإيمان، ~~وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. ولما تسبب عن هذا وجوب الإيمان به ~~قال: {فأمنوا بالله} أي في عالم الغيب والشهادة، له الأسماء الحسنى {ورسله} ~~في أنه أرسلهم وفي أنهم صادقون في كل ما يخبرون به عنه. # ولما كان التقدير: فإنكم إن لم تؤمنوا كان لكم ما تقدم من العذاب العظيم ~~الأليم المهين، عطف عليه قوله: {وإن تؤمنوا} أي بالله # PageV05P136 # ورسله {وتتقوا} أي بالمداومة على الإيمان وما يقتضيه من العمل الصالح ~~{فلكم أجر عظيم *} أي منه أنه لا يضركم كيد أعدائكم شيئا كما تقدم وعدكم ~~به. # ولما كان من جملة مباني السورة الإنفاق، وتقدم في غير آية مدح المتقين به ~~وحثهم عليه، وتقدم أن الكفار سارعوا في الكفر: أبو سفيان بالإنفاق في سبيل ~~الشيطان على من يخذل الصحابة، ونعيم أو عبد القيس بالسعي في ذلك. وكان ~~المبادرون إلى الجهاد قد تضمن فعلهم السماح بما آتاهم الله من الأنفس ~~والأموال، وكان الله سبحانه وتعالى قد أخبر لما لهم عنده من الحياة التي هي ~~خير من حياتهم التي أذهبوها في حبه، والرزق الذي هو أفضل مما أنفقوا في ~~سبيله، ذم الله سبحانه وتعالى الباخلين بالأنفس والأموال في سبيل الله فقال ~~رادا الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم لأنه أمكن لسروره وأوثق في إنجاز ~~الوعد: {ولا تحسبن} أي أنت يا خير البرية - هذا على قراءة حمزة، وعند ~~الباقين الفاعل الموصول في قوله: {الذين يبخلون} أي عن الحقوق الشرعية {بما ~~آتاهم الله} أي بجلاله وعز كماله {من فضله} أي لا لاستحاقهم له ببخلهم ms0852 {هو ~~خيرا لهم} أي لتثمير المال بذلك # PageV05P137 # {بل هو} أي البخل {شر لهم} لأنهم مع جعل الله البخل متلفة لأموالهم ~~{سيطوقون} أي يفعل من يأمره بذلك كائنا من كان بغاية السهولة عليه {ما ~~يخلوا به} أي يجعل لهم بوعد صادق لا خلف فيه بعد الإملاء لهم طوقا بأن ~~يجعله شجاعا أي حية عظيمة مهولة، تلزم الإنسان منهم، محيطة بعنقه، تضربه في ~~جانبي وجهه {يوم القيامة} لأن الله سبحانه وتعالى يرثه منهم بعد أن كان ~~خولهم فيه، فيجعله بسبب ذلك التخويل عذابا عليهم، روى البخاري رضي الله ~~تعالى عنه في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا أقرع، له زبيبتان، ~~يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - يقول: أنا مالك! أنا ~~كنزك! - ثم تلا هذه الآية» . ولما كان هذا طلبا منهم للإنفاق، وكان الطالب ~~منا محتاجا إلى ما يطلبه، وكان ذو المال إذا علم أنه ذاهب وأن ماله موروث ~~عنه تصرف فيه؛ أخبر تعالى بغناه على وجه يجرئهم على الإنفاق فقال عاطفا على ~~ما تقديره: لأنه ثمرة كونه من فضله فلله كل ما في أيديهم: {ولله} أي الذي ~~له الكمال كله {ميراث السماوات والأرض} أي اللذين هذا مما فيهما، بأن يعيد ~~سبحانه وتعالى جميع الأحياء وإن # PageV05P138 # أملى لهم، ويفنى سائر ما وهبهم من الأعراض، ويكون هو الوارث لذلك كله. # ولما كانت هذه الجمل في الإخبار عن المغيبات دنيا وأخرى، وكان البخل من ~~الأفعال الباطنة التي يستطاع إخفاؤها ودعوى الاتصاف بضدها كان الختم بقوله: ~~{والله} أي الملك الأعظم. ولما كان منصب النبي صلى الله عليه وسلم الشريف ~~في غاية النزاهة صرف الخطاب إلى الأتباع في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو، ~~وهو أبلغ في الوعيد من تركه على مقتضى السياق من الغيبة في قراءتهما، وقدم ~~الجار إشارة إلى أن علمه بأعمالهم بالغ إلى حد لا تدرك عظمته لأن ذلك أبلغ ~~في الوعيد الذي ms0853 اقتضاه السياق: {بما تعملون خبير *} . # ولما كان العمل شاملا لتصرفات الجوارح كلها من القلب واللسان وسائر ~~الأركان قال - دالا على خبره بسماع ما قالوه متجاوزين وهدة البخل إلى حضيض ~~القبح مريدين التشكيك لأهل الإسلام بما يوردونه من الشبه قياسا على ما ~~يعرفونه من أنفسهم من أنه - كما تقدم - لا يطلب إلا محتاج -: {لقد سمع ~~الله} أي الذي له جميع الكمال {قول الذين قالوا} أي من اليهود {إن الله} أي ~~الملك الأعظم {فقير} # PageV05P139 # أي لطلبه القرض {ونحن أغنياء} لكونه يطلب منا، وهذا رجوع منه سبحانه ~~وتعالى إلى إتمام ما نبه عليه قبل هذه القصة من بغض أهل الكتاب لأهل هذا ~~الدين وحسدهم لهم وإرادة تشكيكهم فيه للرجوع عنه على أسنى المناهج وأعلى ~~الأساليب. # ولما تشوفت النفوس إلى جزائهم على هذه العظيمة، وكانت الملوك إذا علمت ~~انتقاص أحدها وهي قادرة عاجلته لما عندها من نقص الأذى بالغيظ قال سبحانه ~~وتعالى مهددا لهم مشيرا إلى أنه على غير ذلك: {سنكتب} أي على عظمتنا لإقامة ~~الحجة عليهم على ما يتعارفونه في الدنيا {ما قالوا} أي من هذا الكفر ~~وأمثاله، والسين للتأكيد، ويجوز أن تكون على بابها من المهلة للحث على ~~التوبة قبل ختم رتب الشهادة، وسيأتي في الزخرف له مزيد بيان. # ولما كان هذا اجتراء على الخالق أتبعه اجتراءهم على أشرف الخلائق فقال - ~~مشيرا بإضافة المصدر إلى ضميرهم، وبجمع التكسير الدال على الكثير إلى أنهم ~~أشد الناس تمردا تمرنا على ارتكاب العظائم، وأن الاجتراء على أعظم أنواع ~~الكفر قد صار لهم خلقا -: {وقتلهم الأنبياء} # PageV05P140 # أي الذي أقمناهم فيهم لتجديد ما أوهوه من بنيان دينهم، ولما لم يكن في ~~قتلهم شبهة أصلا يقال: {بغير حق} فهو أعظم ذما مما قبله من التعبير بالفعل ~~المضارع في قوله {ويقتلون الأنبياء بغير حق} [آل عمران: 112] . ثم عطف على ~~قوله {سنكتب} قوله: {ونقول} أي بما لنا من الجلال {ذوقوا} أي بما نمسكم به ~~من المصائب في الدنيا والعقاب في الأخرى كما كنتم تذوقون الأطعمة التي كنتم ~~تبخلون بها فلا ms0854 تؤدون حقوقها {عذاب الحريق *} جزاء على ما أحرقتم به قلوب ~~عبادنا، ثم بين السبب فيه بقوله: {ذلك} أي العذاب العظيم {بما قدمت أيديكم} ~~أي من الكفر بقتلهم وبغيره {وأن} أي وبسبب أن {الله} أي الذي له جميع صفات ~~الكمال {ليس بظلام} أي بذي ظلم {للعبيد *} ولو لم يعذبكم لكان ترككم على ~~صورة الظلم لمن عادوكم فيه واشتد أذاكم لهم. # ولما كان القربان من جنس النفقات ومما يتبين به سماح النفوس وشحها حسن ~~نظم آية القربان هنا بقوله - رادا شبة لهم أخرى ومبينا قتلهم الأنبياء: ~~{الذين قالوا} تقاعدا عما يجب عليهم من المسارعة بالإيمان {إن الله} أي ~~الذي لا أمر لأحد معه {عهد إلينا} وقد كذبوا في ذلك {ألا نؤمن لرسول} أي ~~كائن من كان # PageV05P141 # {حتى يأتينا بقربان} أي عظيم نقربه لله تعالى، فيكون متصفا بأن {تأكله ~~النار} عند تقريبه له وفي ذلك أعظم بيان لأنهم ما أرادوا - بقولهم {إن الله ~~فقير} حيث طلب الصدقة - إلا التشكيك حيث كان التقرب إلى الله بالمال من ~~دينهم لاذي يتقربون إلى الله به، بل وادعوا أنه لا يصح دين بغيره. # ولما افتروا هذا التشكيك أمر سبحانه بنقضه بقوله: {قل قد جاءكم رسل} فضلا ~~عن رسول. ولما كانت مدتهم لم تستغرق الزمان الماضي أثبت الجار فقال {من ~~قبلي} كزكريا وابنه يحيى وعيسى عليه السلام {بالبينات} أي من المعجزات ~~{وبالذي قلتم} أي من القربان فإن الغنائم لم تحل - كما في الصحيح - لأحد ~~كان قبلنا، فلم تحل لعيسى عليه السلام فلم تكن مما نسخه من أحكام التوراة، ~~وقد كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها إلا إن وقع فيها غلول {فلم ~~قتلتموهم} أي # PageV05P142 # قتلهم أسلافكم ورضيتم أنتم بذلك فشاركتموهم فيه {إن كنتم صادقين *} أي في ~~أنكم تؤمنون لمن أتاكم على الوجه الذي ذكرتموه، وفي ذلك رد على الفريقين: ~~اليهود المدعين أنهم قتلوه الزاعمين أنه عهد إليهم في الإيمان بمن أتاهم ~~بذلك، والنصارى المسلمين لما ادعى اليهود من قتله المستلزم لكونه ليس بإله. # PageV05P143 # ولما كانت هذه السورة متضمنة ms0855 لكثير من الدقائق التي أخفوها من كتابهم ~~الذي جعلوه قراطيس، يبدونها ويخفون كثيرا، وفي هذه الآية بخصوصها من ذلك ما ~~يقتضي تصديقه صلى الله عليه وسلم وكان سبحانه عالما بأن أكثرهم يعاندون سبب ~~عن ذلك أن سلاه في تكذيب المكذبين منهم بقوله: {فإن كذبوك} فكان كأنه قيل: ~~هذا الذي أعلمتك به يوجب تصديقك، فإن لم يفعلوا بل كذبوا {فقد} ولما كان ~~السياق لإثبات مبالغتهم في الغلظة والجفاء # PageV05P143 # والكفر وعدم الوفاء وكانت السورة سورة التوحيد، والرسل متفقون عليه، وقد ~~أتى كل منهم فيه بأنهى البيان وأزال كل لبس أسقط تاء التأنيث لأنها ربما ~~دلت على نوع ضعف فقال: {كذب رسل} ولما كانت تسلية الإنسان بمن قاربه في ~~الزمان أشد أثبث الجار فقال {من قبلك} أي فلك فيهم مسلاة وبهم أسوة {جآءو ~~بالبينات} أي من المعجزات {والزبر} أي من الصحف المضمنة للمواعظ والحكم ~~الزواجر والرقائق التي يزبر العالم بها عن المساوي {والكتاب المنير} أي ~~الجامع للأحكام وغيرها. الموضح لأنه الصراط المستقيم. # ولما تقدم في قصة أحد رجوع المنافقين وهزمية بعض المؤمنين مما كان سبب ~~ظفر الكافرين، وعاب سبحانه ذلك عليهم بأنهم هربوا من موجبات السعادة ~~والحياة الأبدية إلى ما لا بد منه، وإلى ذلك أشار بقوله: {قل لو كنتم في ~~بيوتكم} [آل عمران: 154] {ولئن قتلتم في سبيل الله} [آل عمران: 157] {قل ~~فادرءوا عن أنفسكم الموت} [آل عمران: 168] {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله} [آل عمران: 169] وغير ذلك مما # PageV05P144 # بكتهم به في رجوعهم حذر الموت وطلب امتداد العمر، مع ما افتتح به من أن ~~موت هذا النبي الكريم وقتله ممكن كما كان من قبله من إخوانه من الرسل على ~~جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام! وختم بالإخبار بأنه وقع قتل ~~كثير من الرسل، فكان ذلك محققا لأنه لا يصان من الموت خاص ولا عام، مضموما ~~إلى ما نشاهد من ذلك في كل لحظة؛ صور ذلك الموت بعد أن صار مستحضرا للعيان ~~تصويرا أوجب التصريح به إشارة إلى أن حالهم في هربهم ورجوعهم ms0856 وما تبع ذلك ~~من قولهم حال من هو في شك منه فقال تعالى: {كل نفس} أي منفوسة من عيسى ~~وغيره من أهل الجنة والنار {ذآئقة الموت} أي وهو المعنى الذي يبطل معه تصرف ~~الروح في البدن وتكون هي باقية بعد موته لأن الذائق لا بد أن يكون حال ذوقه ~~حيا حساسا، ومن يجوز عليه ذوق الموت يجوز عليه ذوق النار، وهو عبد محتاج، ~~فالعاقل من سعى في النجاة منها والإنجاء كما فعل الخلص الذين منهم عيسى ~~ومحمد عليهما أفضل الصلاة وأزكى السلام، وكان نظمها بعد الآيات المقتضية ~~لتوفية الأجور بالإثابة عليها وأنه ليس بظلام للعبيد شديد الحسن، وذلك ~~مناسب أيضا لختم الآية بالتصريح # PageV05P145 # لتوفية الأجور يوم الدين، وأن الزحزحة عن النار ودخول الجنة لهو الفوز، ~~لا الشح في الدنيا بالنفس والمال الذي ربما كان سببا لامتداد العمر وسعة ~~المال بقوله: {وإنما توفون} أي تعطون {أجوركم} على التمام جزاء على ما ~~عملتموه من خير وشر {يوم القيامة} وأما ما يكون قبل ذلك من نعيم القبر ~~ونحوه فبعض لا وفاء {فمن زحزح} أي أبعد في ذلك اليوم إبعادا عظيما سريعا ~~{عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} أي بالحياة الدائمة والنعيم الباقي. # والمعنى أن كل نفس توفى ما عملت، فتوفى أنت أجرك على صبرك على أذاهم، ~~وكذا من أطاعك، ويجازون هم على ما فرطوا في حقك فيقذفون في غمرة النار، ~~وكان الحصر إشارة إلى تقبيح إقبالهم على الغنيمة وغيرها من التوسع العاجل، ~~أي إنما مقتضى الدين الذي دخلتم فيه هذا، وذلك ترهيبا من الالتفات إلى تعجل ~~شيء من الأجر في الدنيا - كما قال أبو بكر رضي الله عنه في أول إسلامه: ~~وجدت بضاعة بنسيئة، ما وقعت على بضاعة قط أنفس منها، وهي لا إله إلا الله. ~~فالحاصل أن «كل نفس» أي حذرة من الموت ومستسلمة {ذائقة الموت} أي فعلام ~~الاحتراس منه بقعود عن الغزو أو هرب من العدو! {وإنما توفون أجوركم} أي يا ~~أهل الإسلام التي وعدتموها على الأعمال الصالحة # PageV05P146 # {يوم القيامة} أي ms0857 فما لكم تريدون تعجلها بإسراعكم إلى الغنائم أو غيرها ~~مما يزيد في أعراض الدنيا فتكونوا ممن تعجل طيباته في الحياة الدنيا {فمن} ~~أي فحيث علم أنه لا فوز في الدنيا إلا بما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى ~~تسبب عن ذلك أنه من {زحزح عن النار} أي بكونه وفي أجره ولم يتعجل طيباته ~~{وأدخل الجنة} أي بما عمل من الصالحات فحاز الحياة الدائمة مع الطيبات ~~الباقية {فقد فاز} أي كل الفوز، ولما صح أنه لا فوز إلا ذلك صح قوله: {وما ~~الحياة الدنيا} أي التي أملي لهم فيها وأزيلت عن الشهداء {إلا متاع الغرور ~~*} أي المتاع الذي يدلس الشيطان أمره على الناس حتى يغتروا به فيغبنوا بترك ~~الباقي وأخذ الأشياء الزائلة بانقضاء لذاتها والندم على شهواتها بالخوف من ~~تبعاتها. # وفي ذلك أيضا مناسبة من وجه آخر، وهو أنه لما سلاه سبحانه وتعالى بالرسل ~~- الذين لازموا الصبر والاجتهاد في الطاعة حتى ماتوا - وأممهم. وتركوا ما ~~كان بأيديهم عاجزين عن المدافعة، ولم يبق إلا ملكه سبحانه وتعالى، وأن ~~الفريقين ينتظرون الجزاء، فالرسل لتمام الفوز، والكفار لتمام الهلاك؛ أخبر ~~أن كل نفس كذلك، ليجتهد الطائع ويقتصر العاصي، وفي ذلك تعريض بالمنافقين ~~الذين رجعوا عن أحد خوف القتل وقالوا عن الشهداء: {لو أطاعونا ما قتلوا} أي ~~إن الذي فررتم # PageV05P147 # منه لا بد منه، والحياة التي آثرتموها متاع يندم عليه من محضه للتمتع كما ~~يندم المغرور بالمتاع الذي غر به، فالسعيد من سعى في أن يكون موته في رضى ~~مولاه الذي لا محيص له عن الرجوع إليه والوقوف بين يديه. # ولما سلى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم لما بما ~~لقي إخوانه من الرسل وبأنه لا بد من الانقلاب إليه، فيفوز من كان من أهل ~~حزبه، ويشقى من والى أعداءه وذوي حزبه؛ أعاد التسلية على وجه يشمل ~~المؤمنين، وساقها مساق الإخبار بحلول المصائب الكبار التي هي من شعائر ~~الأخيار في دار الأكدار المعلية لهم في دار القرار فقال - مؤكدا لأن الواقف ~~في ms0858 الخدمة ينكر أن يصيبه معبوده بسوء، هذا طبع البشر وإن تطبع بخلافه، ~~وأفاد ذكره قبل وقوعه تهوينه بتوطين النفس عليه، وأفاد بناؤه للمفعول أن ~~المنكى البلاء لا كونه من جهة معينة -: {لتبلون} أي تعاملون معاملة المختبر ~~لتبيين المؤمن من المنافق {في أموالكم} أي بأنواع الإنفاق {وأنفسكم} أي ~~بالإصابة في الجهاد وغيره، فكما نالكم ما نالكم من الأذى بإذني ليلحقنكم ~~بعده من الأذى ما أمضيت به سنتي في خلص عبادي وذوي محبتي، وكان إيلاء ذلك ~~للآية التي فيها الإشارة إلى أن توفية الأجور للأعمال الصالحة مما ينيل # PageV05P148 # الفوز مناسبا من حيث الترغيب في كل ما يكون سببا لذلك من الصبر على ما ~~يبتلي به سبحانه وتعالى من كل ما يأمر به من التكاليف، أو يأذن فيه من ~~المصائب، وقدم المال لأنه - كما قيل - عديل الروح، وربما هان على الإنسان ~~الموت دون الفقر المؤدي إلى الذل بالشماتة والعار بما تقصر عنه يده بفقده ~~من أفعال المكارم، وما أحسن ذكر هذه الآية إثر قصة أحد التي وقع فيها القتل ~~بسبب الإقبال على المال، وكان ذكرها تعليلا لبغضة أهل الكتاب وغيرهم من ~~الكفار. # ولما كان يومها يوم بلاء وتمحيص، وكان ربما أطمع في العافية بعده، فتوطنت ~~النفس على ذلك فاشتد انزعاجها بما يأتي من أمثاله، وليس ذلك من أخلاق ~~المشمرين أراد سبحانه وتعالى توطين النفوس على ما طبعت عليه الدار من ~~الأثقال والآصار، فأخبر أن البلاء لم ينقص به، بل لا بد بعده من بلايا ~~وسماع أذى من سائر الكفار، ورغب في شعار المتقين: الصبر الذي قدمه في أول ~~السورة ثم قبل قصة أحد، وبناها عليه معلما أنه مما يستحق أن يعزم عليه ولا ~~يتردد فيه فقال: {ولتسمعن} أي بعد هذا اليوم {من الذين} ولما كان المراد ~~تسوية العالم بالجاهل في الذم نزه المعلم عن الذكر فبنى للمفعول # PageV05P149 # قوله: {أوتوا الكتاب} ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن الماضي أدخل ~~الجار فقال: {من قبلكم} أي من اليهود والنصارى {ومن الذين أشركوا} أي من ~~الأميين ms0859 {أذى كثيرا} أي من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة أو غيرها ~~{وإن تصبروا} أي تتخلقوا بالصبر على ذلك وغيره {وتتقوا} أي وتجعلوا بينكم ~~وبين ما يسخط الله سبحانه وتعالى وقاية بأن تغضوا عن كثير من أجوبتهم ~~اعتمادا على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف {فإن ذلك} أي الأمر العالي الرتبة ~~{من عزم الأمور *} أي الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على فعلها، ولا يتردد ~~فيه، ولا يعوق عنه عائق، فقد ختمت قصة أحد بمثل ما سبقت دليلا عليه من ~~قوله: # {قد بدت البغضاء من أفواههم} [آل عمران: 118] إلى أن ختم بقوله: {وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} [آل عمران: 120] ما أخبر به هنا بأنه ~~من عزم الأمور. # ولما قدم سبحانه وتعالى في أوائل قصص اليهود أنه أخذ على النبيين الميثاق ~~بما أخذ، وأخبرهم أنه من تولى بعد ذلك فهو الفاسق، ثم أخبر بقوله: {قد ~~جائكم رسل من قبلي} [آل عمران: 183] {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} [آل ~~عمران: 184] أن النبيين وفوا بالعهد، وأن كثيرا من أتباعهم خان؛ ثنى هنا ~~بالتذكير بذلك العهد على وجه يشمل العلماء بعد الإخبار بسماع الأذى المتضمن ~~لنقضهم للعهد، فكان التذكير بهذا الميثاق كالدليل على # PageV05P150 # مضمون الآية التي قبلها، وكأنه قيل: فاذكروا قولي لكم {لتبلون} واجعلوه ~~نصب أعينكم لتوطنوا أنفسكم عليه، فلا يشتد جزعكم بحلول ما يحل منه {و} ~~اذكروا {إذ أخذ الله} الذي لا عظيم إلا هو {ميثاق الذين} . # ولما كانت الخيانة من العالم أشنع، وكان ذكر العلم دون تعيين المعلم ~~كافيا في ذلك بنى للمجهول قوله: {أوتوا الكتاب} أي في البيان، فخافوا فما ~~آذوا إلا أنفسهم، وإذا آذوا أنفسهم بخيانة عهد الله سبحانه وتعالى كانوا في ~~أذاكم اشد وإليه أسرع، أو يكون التقدير: واذكروا ما أخبرتكم به عند ما ~~أنزله بكم، واصبروا لتفوزوا، واذكروا إذ اخذ الله ميثاق من قبلكم فضيعوه ~~كيلا تفعلوا فعلهم، فيحل بكم ما حل بهم من الذل والصغار في الدنيا مع ما ~~يدخر في الآخرة من عذاب النار. ms0860 # هذا ما كان ظهر لي أولا، ثم بان أن الذي لا معدل عنه أنه لما انقضت قصة ~~أحد وما تبعها إلى أن ختمت بعد الوعظ بتحتم الموت الذي فر من فر منهم منه ~~وخوف الباقين أمره بمثل ما تقدم أن جعلها # PageV05P151 # دليلا عليه من بغض أهل الكتاب وما تبعه؛ عطف على «إذا» المقدرة لعطف ~~{وإذا غدوت} [آل عمران: 121] عليها - قوله: {وإذا أخذ الله} أي اذكروا ذلك ~~يدلكم على عداوتهم، واذكروا ما صح عندكم من إخبار الله تعالى المشاهد ~~بإخبار من أسلم من الأحبار والقسيسين أن الله أخذ {ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب} أي من اليهود والنصارى بما أكد في كتبه وعلى ألسنة رسله: {ليبيننه} ~~أي الكتاب {للناس ولا يكتمونه} أي نصيحة منهم لله سبحانه وتعالى ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم ولأئمة المؤمنين وعامتهم ليؤمنوا بالنبي المبشر به ~~{فنبذوه} أي الميثاق بنبذ الكتاب {ورآء ظهورهم} حسدا لكم وبغضا، وهو تمثيل ~~لتركهم العمل به، لأن من ترك شيئا وراءه نسيه {واشتروا به} ولما كان الثمن ~~الذي اشتروه خسارة لا ربح فيه أصلا على العكس مما بذلوه على أنه ثمن، وكان ~~الثمن إذا نض زالت مظنة الربح منه عبر عنه بقوله: {ثمنا} وزاد في بيان ~~سفههم بقوله: {قليلا} أي بالاستكثار من المال والاستئمار للرئاسة، قكتموا ~~ما عندهم من العلم بهذا النبي الكريم {فبئس ما يشترون *} أي لأنه مع فنائه ~~أورثهم العار الدائم والنار # PageV05P152 # الباقية، وعبر عن هذا الأخذ بالشراء إعلاما بلجاجهم فيه، ونبه بصيغة ~~الافتعال على مبالغتهم في اللجاج. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بأنهم احتووا على المال والجاه بما كتموا من ~~العلم وأظهروا من خلافه المتضمن لمحبة أهل دينهم فيهم وثنائهم عليهم بأنهم ~~على الدين الصحيح وأنهم أهل العلم، فهم أهل الاقتداء بهم؛ قال سبحانه ~~وتعالى مخبرا عن مآلهم تحذيرا من مثل حالهم على وجه يعم كل امرىء: {لا ~~تحسبن} على قراءة الجماعة بالغيب {الذين يفرحون بما آتوا} أي مما يخالف ~~ظاهره باطنه. وتوصلوا به إلى الأغراض الدنيوية من الأموال والرئاسة وغير ~~ذلك، أي ms0861 لا يحسبن أنفسهم، وفي قراءة الكوفيين ويعقوب بالخطاب المعنى: لا ~~تحسبنهم أيها الناظر لمكرهم ورواجهم بسببه في الدنيا واصلين إلى خير ~~{ويحبون أن يحمدوا} أي ويجد الثناء بالوصف الجميل عليهم {بما لم يفعلوا} أي ~~بذلك الباطن الذي لم يفعلوه، قال ابن هشام في السيرة: أن يقول الناس: ~~علماء، وليسوا بأهل علم، لم يتحملوهم على هدى ولا حق. # ولما تسبب عن ذلك العلم بهلاكهم قال: {فلا تحسبنهم} أي تحسبن أنفسهم، على ~~قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب وضم الباء # PageV05P153 # وعلى قراءة الجماعة المعنى: لا تحسبنهم أيها الناظر {بمفازة من العذاب} ~~بل هم بمهلكة منه {ولهم عذاب أليم *} . # PageV05P154 # ولما أخبر بهلاكهم دل عليه بحال من فاعل «يحسب» فقال تعالى: {ولله} أي ~~الذي له جميع صفات الكمال وحده {ملك السماوات والأرض} أي لا يقع في فكرهم ~~ذلك والحال أن ملكه محيط بهم، وله جميع ما يمكنهم الانحياز إليه، وله ما لا ~~تبلغه قدرهم من ملك الخافقين فهو بكل شيء محيط {والله} أي الذي له جميع ~~العظمة {على كل شيء قدير *} وهو شامل القدرة، فمن كان في ملكه كان في ~~قبضته، ومن كان في قبضته كان عاجزا عن التفصي عما يريد به، لأنه الحي ~~القيوم الذي لا إله إلا هو - كما افتتح به السورة. # ولما ذكر هذا الملك العظيم وختم بشمول القدرة دل على ذلك بالتنبيه على ~~التفكر فيه الموجب للتوحيد الذي هو المقصد الأعظم من هذه السورة الداعي إلى ~~الإيمان الموجب للمفازة من العذاب، لأن المقصود الأعظم من إنزال القرآن ~~تنوير القلوب بالمعرفة، وذلك لا يكون إلا بغاية التسليم، وذلك هو اتباع ~~الملة الحنيفية، وهو متوقف على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فبدأ سبحانه ~~وتعالى السورة بدلائل صدقه بإعجاز القرآن بكشفه - مع الإعجاز بنظمه على ~~لسان النبي الأمي - # PageV05P154 # للشبهات وبيانه للخفيات، وأظهر مكابرة أهل الكتاب، وفضحهم أتم فضيحة، ~~فلما تم ذلك على أحسن وجه منظما ببدائع الحكم من الترغيب والترهيب شرع في ~~بث أنوار المعرفة بنصب دلائلها القريبة وكشف أستارها العجيبة فقال: ms0862 {إن في ~~خلق السماوات والأرض} أي على كبرهما وما فيهما من المنافع، ونبه على التغير ~~الدال على المغير بقوله: {واختلاف الليل والنهار} أي اختلافا هو - كما ترون ~~- على غاية الإحكام بكونه على منهاج قويم وسير لا يكون إلا بتقدير العزيز ~~العليم {لآيات} أي على جميع ما جاءت به الرسل عن الخالق، وزاد الحث على ~~التفكر والتهييج إليه والإلهاب من أجله بقوله: {لأولي الألباب *} وذكر ~~سبحانه وتعالى في أخت هذه الآية في سورة البقرة ثمانية أنواع من الأدلة ~~واقتصر هنا على ثلاثة، لأن السالك يفتقر في ابتداء السلوك إلى كثرة الأدلة. ~~فإذا استنار قلت حاجته إلى ذلك، وكان الإكثار من الأدلة كالحجاب الشاغل له ~~عن استغراق القلب في لجج المعرفة، واقتصر هنا من آثار الخلق على السماوية ~~لأناه أقهر وأبهر والعجائب فيها أكثر، وانتقال القلب منها إلى عظمته سبحانه ~~وتعالى وكبريائه أشد وأسرع، وختم تلك بما هو لأول السلوك: العقل، وختم هذه ~~بلبه لأنها لمن تخلص من وساوس الشيطان وشوائب هواجس الوهم المانعة من ~~الوصول إلى حق اليقين بل علم اليقين. # PageV05P155 # ولما كان كل مميز يدعي أنه في الذروة من الرشاد نعتهم بما بين من يعتد ~~بعقله فقال: {الذين يذكرون الله} أي الذي ليس في خلقه لهما ولا لغيرهما شك، ~~وله جميع أوصاف الكمال. # ولما كان المقصود الدوام وكان قد يتجوز به عن الأكثر، عبر عنه لهذا ~~التفصيل نفيا لاحتمال التجوز ودفعا لدعوى العذر فقال: {قياما وقعودا} ولما ~~كان أكثر الاضطجاع على الجنب قال: {وعلى جنوبهم} أي في اشتغالهم بأشغالهم ~~وفي وقت استراحتهم وعند منامهم، فهم في غاية المراقبة. # ولما بدأ من أوصافهم بما يجلو أصداء القلوب ويسكنها وينفي عنها الوساوس ~~حتى استعدت لتجليات الحق وقبول الفيض بالفكر لانتفاء قوة الشهوة وسورة ~~الغضب وقهرهما وضعف داعية الهوى، فزالت نزغات الشيطان ووساوسه وخطرات النفس ~~ومغالطات الوهم قال: {ويتفكرون} أي على الأحوال. # ولما كانت آيات المعرفة إما في الآفاق وإما في الأنفس، وكانت آيات الآفاق ~~أعظم {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} ms0863 [غافر: 57] . قال: {في خلق ~~السماوات والأرض} على كبرهما واتساعهما وقوة ما فيهما من النافع لحصر ~~الخلائق فيعلمون - بما في ذلك من الأحكام # PageV05P156 # مع جري ما فيهما من الحيوان الذي خلقا لأجله على غير انتظام - أن وراء ~~هذه الدار دارا يثبت فيها الحق وينفى الباطل ويظهر العدل ويضمحل الجور، ~~فيقولون تضرعا إليه وإقبالا عليه: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {ما خلقت ~~هذا} أي الخلق العظيم المحكم {باطلا} أي لأجل هذه الدار التي لا تفصل فيها ~~على ما شرعت القضايا، ولا تنصف فيها الرعاة الرعايا، بل إنما خلقته لأجل ~~دار أخرى، يكون فيها محض العدل، ويظهر فيها الفصل. # ولما كان الاقتصار على هذه الدار مع ما يشاهده من ظهور الأشرار نقصا ~~ظاهرا وخللا بينا نزهوه عنه فقالوا: {سبحانك} وفي ذلك تعليم العباد أدب ~~الدعاء بتقديم الثناء قبله، وتنبيه على أن العبد كلما غزرت معرفتة زاد خوفه ~~فزاد تضرعه، فإنه يحسن منه كل شيء من تعذيب الطائع وغيره، ولولا أن ذلك ~~كذلك لكان الدعاء بدفعه عبثا، وما أحسن ختمها حين تسبب عما مضي تيقنهم أن ~~أمامنا دارا يظهر فيها العدل مما هو شأن كل أحد في عبيده، فيعذب فيها ~~العاصي وينعم فيها الطائع، كما هو دأب كل ملك في رعيته بقولهم # PageV05P157 # رغبة في الخلاص في تلك الدار: {فقنا عذاب النار *} على وجه جمع بين ذكر ~~العذاب المختتم به آية محبي المحمدة بالباطل، والنار المحذر منها في {فمن ~~زحزح عن النار} [آل عمران: 185] ثم تعقبها بقولهم معظمين ما سألوا دفعه من ~~العذاب ليكون موضع السؤال أعظم، فيدل على أن الداعية في ذلك الدعاء أكمل ~~وإخلاصه أتم، مكررين الوصف المقتضي للإحسان مبالغة في إظهار الرغبة ~~استمطارا للإجابة: {ربنآ} وأكدوا مع علمهم بإحاطة علم المخاطب إعلاما بأن ~~حالهم في تقصيرهم حال من أمن النار حثا لأنفسهم على الاجتهاد في العمل ~~فقالوا: {إنك من تدخل النار} أي للعذاب {فقد أخزيته} أي أذللته وأهنته ~~إهانة عظيمة بكونه ظالما. # وختمها بقوله: {وما للظالمين من أنصار *} الحاسم لطمع من يظن ms0864 منهم أنه ~~بمفازة من العذاب، وأظهر موضع الإضمار لتعليق الحكم بالوصف والتعميم. # ولما ابتهلوا بهاتين الآيتين في الإنجاء عن النار توسلوا بذكر مسارعتهم ~~إلى إجابة الداعي بقولهم {ربنآ} ولما كانت حالهم - لمعرفتهم بأنهم لا ~~ينفكون عن تقصير وإن بالغوا في الاجتهاد، لأنه لا يستطيع أحد أن يقدر الله ~~حق قدره - شبيهة بحال من لم يؤمن؛ اقتضى # PageV05P158 # المقام التأكيد إشارة إلى هضم أنفسهم بالاعتراف بذنوبهم فقالوا مع علمهم ~~بأن المخاطب عالم بكل شيء: {إننا} فأظهروا النون إبلاغا في التأكيد {سمعنا ~~مناديا} أي من قبلك، وزاد في تفخيمه بذكر ما منه النداء مقيدا بعد الإطلاق ~~بقوله: {ينادي} قال محمد بن كعب القرظي: هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # ولما كانت اللام تصلح للتعليل ومعنى «إلى» عبر بها فقيل: {للإيمان} ثم ~~فسروه تفخيما له بقولهم: {أن آمنوا بربكم} ثم أخبر بمسارعتهم إلى الإجابة ~~بقولهم: {فآمنا} أي عقب السماع. ثم أزالوا ما ربما يظن من ميلهم إلى ربوة ~~الإعجاب بقولهم تصريحا بما أفهمه التأكيد لمن علمه محيط: {ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا} أي التي أسلفناها قبل الإيمان بأن تقبل منا الإيمان فلا تزيغ ~~قلوبنا، فيكون جابا لما قبله عندك كما كان جابا له في ظاهر الشرع، وكذا ما ~~فرط منا بعد الإيمان ولو كان بغير توبة، وإليه الإشارة بقولهم: {وكفر عنا ~~سيآتنا} أي بأن توفقنا بعد تشريفك لنا بالإيمان لاجتناب الكبائر بفعل ~~الطاعات المكفرة للصغائر {وتوفنا مع الأبرار *} أي ليس لنا سيئات. # ولما كان الله سبحانه وتعالى هو المالك التام الملك، فهو ذو التصرف ~~المطلق الذي لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء؛ أشار إلى ذلك بقوله ملقنا ~~لهم مكررا صفة الإحسان تنبيها على مزيد الابتهال والتضرع # PageV05P159 # والتخضع والتخشع: {ربنا وآتنا ما وعدتنا} ثم أشار إلى صدق هذا الوعد بحرف ~~الاستعلاء الدال على الالتزام والوجوب فقال: {على رسلك} أي من إظهار الدين ~~والنصر على الأعداء وحسن العاقبة وإيراث الجنة في مثل قوله تعالى: {وبشر ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم ms0865 جنات} [البقرة: 25] وفي الدعاء بذلك ~~إشارة إلى أنه لا يجب على الله سبحانه وتعالى شيء ولو تقدم به وعده الصادق ~~وإن كنا نعتقد أنه لا يبدل القوة لديه {ولا تخزنا يوم القيامة} أي ~~بالمؤاخذة بالسيئاتن ثم أرشدهم إلى الإلهاب والتهييج مع التنبيه على ما نبه ~~عليه أولا من أنه لا يجب عليه شيء بقوله باسطا لهم بلذة المنادمة ~~بالمخاطبة: {إنك لا تخلف الميعاد} . # ولما تسبب عن هذا الدعاء الإجابة لتكمل شروطه وهي استحضار عظمته تعالى ~~بعد معرفته بالدليل وإدامة ذكره والتفكر في بدائع صنعه وافتتاحه بالثناء ~~عليه سبحانه وتنزيهه والإخلاص في سؤاله قال: {فاستجاب} أي فأوجد الإجابة ~~حتما {لهم} قال الأصفهاني: وعن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات ~~«ربنا» أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد - وقرأ هذه الآية. وأشار إلى ~~أنها من # PageV05P160 # منه وفضله بقوله: {ربهم} أي المحسن إليهم المتفضل عليهم {إني لا أضيع عمل ~~عامل منكم} كائنا من كان {من ذكر أو أنثى} وقوله معللا: {بعضكم من بعض} ~~التفات إلى قوله سبحانه {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} [آل عمران: 59] ~~الناظر إلى قوله {ذرية بعضها من بعض} [آل عمران: 34] المفتتح بأن الله ~~سبحانه وتعالى {اصطفى آدم ونوحا} [آل عمران: 33] المنادي بأن البشر كلهم في ~~العبودية للواحد - الذي ليس كمثله شيء الحي القيوم - سواء من غير تفاوت في ~~ذلك أصلا، والمراد أنهم إذا كانوا مثلهم في النسب فهم مثلهم في الأجر على ~~العمل. # ولما أقر أعينهم بألإجابة، وكان قد تقدم ذكر الأنصار عموما في قوله: ~~{ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم - وأن الله لا يضيع أجر ~~المؤمنين} [آل عمران: 170-171] خص المهاجرين بيانا لفضلهم وزيادة شرفهم ~~بتحقيقهم لكونهم معه، لم يأنسوا بغيره ولم يركنوا لسواه من أهل ولا مال ~~بقوله مسببا عن الوعد المذكور ومفصلا ومعظما ومبجلا: {فالذين هاجروا} أي ~~صدقوا إيمانهم بمفارقة أحب الناس غليهم في الدين المؤدي إلى المقاطعة وأعز ~~البلاد عليهم. # ولما كان للوطن من القلب منزل ليس لغيره نبه عليه بقوله: ms0866 {وأخرجوا من ~~ديارهم} أي وهي آثر المواطن عندهم بعد أن # PageV05P161 # باعدوا أهلهم وهم أقرب الخلائق إليهم، ولما كان الأذى مكروها لنفسه لا ~~بالنسبة إلى معين بنى للمفعول قوله: {وأوذوا} أي بغير ذلك من أنواع الأذى ~~{في سبيلي} أي بسبب ديني الذي نهجته ليسلك إلي فيه، وحكمت أنه لا وصول إلى ~~رضائي بدونه {وقاتلوا} أي في سبيلي. # ولما كان القتل نفسه هو المكروه، لا بالنسبة إلى معين؛ كان المدح على ~~اقتحام موجباته، فبنى للمفعول قوله: {وقتلوا} أي فيه فخرجوا بذلك عن مساكن ~~أرواحهم بعد النزوح عن منازل أشباحهم، وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني ~~للمفعول أبلغ معنى، لأنها أشد ترغيبا في الإقدام على الأخصام، لأن من ~~استقتل أقدم على الغمرات إقدام الأسد فقتل أخص منه ولم يقف أحد أمامه، ~~فكأنه قيل: وأرادوا القتل، هذا بالنظر إلى الإنسان نفسه، ويجوز أن يكون ~~الخطاب للمجموع فيكون المعنى: وقاتلوا بعد أن رأوا كثيرا من أصحابهم قد قتل ~~{لأكفرن عنهم سيئاتهم} كما تقدم سؤالهم إياي في ذلك علما منهم بأن أحدا لن ~~يقدر على أن يقدر الله حق قدره # PageV05P162 # وإن اجتهد {ولأدخلنهم} أي بفضلي {جنات تجري من تحتها الأنهار} كما سبق به ~~الوعد {ثوابا} وهو وإن كان على أعمالهم فهو فضل منه، وعظمه بقوله: {من عند ~~الله} أي المنعوت بالأسماء الحسنى التي منها الكرم والرحمة لأن أعمالهم لا ~~توازي أقل نعمه {والله} أي الذي له الجلال والإكرام، ونبه على عظمة المحدث ~~عنه بالعندية فقال: {عنده} أي في خزائن ملكوته التي هي في غاية العظمة {حسن ~~الثواب *} أي وهو ما لا شائبة كدر فيه، لأنه شامل القدرة بخلاف غيره. # PageV05P163 # ولما كانت هذه المواعدة آجلة، وكان نظرهم إلى ما فيه الكفار من عاجل ~~السعة ربما أثر في بعض النفوس أثرا يقدح في الإيمان بالغيب الذي هو شرط ~~قبول الإيمان؛ داواه سبحانه بأن تلا تبشير المجاهدين بإنذار الكفار ~~المنافقين والمصارحين الذين أملى لهم بخذلانهم المؤمنين بالرجوع عن قتال ~~أحد وغيره من أسباب الإملاء على وجه يصدق ما تقدم أول ms0867 السورة من الوعد ~~بأنهم سيغلبون، وأن أموالهم إنما هي صورة، لا حقائق لها، عطفا لآخرها على ~~أولها، وتأكيدا لاستجابة دعاء أوليائه آخر التي قبلها بقوله مخاطبا لأشرف ~~عباده، والمراد من # PageV05P163 # يمكن ذلك عادة فيه، لأن خطاب الرئيس أمكن في خطاب الأتباع - {لا يغرنك ~~تقلب} أي لا تغترر بتصرف {الذين كفروا} تصرف من يقلب الأمور بالنظر في ~~عواقبها لسلامتهم في تصرفهم وفوائدهم وجودة ما يقصدونه في الظاهر كجودة ~~القلب في البدن {في البلاد *} فإن تقلبهم {متاع قليل} أي لا يعبأ به ذو همة ~~علية، وعبر بأداة التراخي إشارة إلى أن تمتيعهم - وإن فرض أنه طال زمانه ~~وعلا شأنه - تافه لزواله ثم عاقبته، وإلى هول تلك العاقبة وتناهي عظمتها، ~~فقال: {ثم مأواهم} أي بعد التراخي إن قدر {جهنم} أي الكريهة المنظر الشديدة ~~الأهوال، العظيمة الأوجال، لا مهاد لهم غيرها {وبئس المهاد *} أي الفراش ~~الذي يوطأ ويسهل للراحة والهدوء. # ولما بين بآية المهاجرين أن النافع من الإيمان هو الموجب للثبات عند ~~الامتحان. وكانت تلك الشروط قد لا توجد، ذكر وصف التقوى العام للأفراد ~~الموجب للإسعاد، فعقب تهديد الكافرين بما لأضدادهم المتقين الفائزين بما ~~تقدم الدعاء إليه بقوله تعالى: {قل أأنبئكم بخير من ذلكم} [آل عمران: 15] ~~فقال تعالى: {لكن الذين اتقوا ربهم} أي أوقعوا الاتصاف بالتقوى بالائتمار ~~بما أمرهم به المحسن إليهم والانتهاء عما نهاهم شكرا # PageV05P164 # لإحسانه وخوفا من عظم شأنه {لهم جنات} وإلى جنات، ثم وصفها بقوله: {تجري ~~من تحتها الأنهار} تعريفا بدوام تنوعها وزهرتها وعظيم بهجتها. # ولما وصفها بضد ما عليه النار وصف تقلبهم فيها بضد ما عليه الكفار من ~~كونهم في ضيافة الكريم الغفار فقال: {خالدين فيها} ولما كان النزل ما يعد ~~للضيف عند نزوله قال معظما ما لمن يرضيه: {نزلا} ولما كان الشيء يشرف بشرف ~~من هو من عنده نبه على عظمته بقوله: {من عند الله} مضيفا إلى الاسم الأعظم، ~~وأشار بجعل الجنات كلها نزلا إلى التعريف بعظيم ما لهم بعد ذلك عنده سبحانه ~~من النعيم الذي لا يمكن الآدميين ms0868 وجه الاطلاع على حقيقة وصفه، ولهذا قال ~~معظما - لأنه لو أضمر لظن الاختصاص بالنزل - {وما عند الله} أي الملك ~~الأعظم من النزل وغيره {خير للأبرار *} مما فيه الكفار ومن كل ما يمكن أن ~~يخطر بالبال من النعيم. # PageV05P165 # ولما كان للمؤمنين من أهل الكتابين - مع التشرف بما كانوا عليه من الدين ~~الذي أصله حق - حظ من الهجرة، فكانوا قسما ثانيا من المهاجرين، وكان إنزال ~~كثير من هذه السورة في مقاولة أهل الكتاب ومجادلتهم والتحذير من مخاتلتهم ~~ومخادعتهم والإخبار - بأنهم # PageV05P165 # يبغضون المؤمنين مع محبتهم لهم، وأنهم لا يؤمنون بكتابهم، وأنهم سيسمعون ~~منهم أذى كثيرا إلى أن وقع الختم في أوصافهم بأنهم اشتروا بآيات الله ثمنا ~~قليلا - ربما أيأس من إيمانهم؛ أتبع ذلك مدح مؤمنيهم وغير الأسلوب عن أن ~~يقال مثلا: والذين آمنوا من أهل الكتاب - إطماعا في موالاتهم بعد التدريب ~~بالتحذير منهم على مناواتهم وملاواتهم فقال: {وإن من أهل الكتاب} أي اليهود ~~والنصارى {لمن يؤمن بالله} أي الذي حاز صفات الكمال، وأشار إلى الشرط ~~المصحح لهذا الإيمان بقوله: {وما أنزل إليكم} أي من هذا القرآن {وما أنزل ~~إليهم} أي كله، فيذعن ملا يأمر منه باتباع هذا النبي العربي، وإليه الإشارة ~~بقوله جامعا للنظر إلى معنى من تعظيما لوصف الخشوع بالنسبة إلى مطلق ~~الإيمان: {خاشعين لله} أي لأنه الملك الذي لا كفوء له، غير مستنكفين عن نزل ~~المألوف {لا يشترون بآيات الله} أي التي متى تأملوها علموا أنه لا يقدر ~~عليها إلا من أحاط بالجلال والجمال، الآمرة لهم بذلك {ثمنا قليلا} بما هم ~~عليه من الرئاسة ونفوذ الكلمة - كما تقدم قريبا في وصف معظمهم، فهم ~~يبينونها ويرشدون إليها ولا يحرفونها. # PageV05P166 # ولما أخبر تعالى عن حسن ترحمهم إليه أخبر عن جزائهم عنده بما يسر النفوس ~~ويبعث الهمم فقال: {أولئك} أي العظيمو الرتبة {لهم أجرهم} أي الذي يؤملونه ~~ثم زادهم فيه رغبة تشريفة بقوله: {عند ربهم} أي الذي رباهم ولم يقطع إحسانه ~~لحظة عنهم، كل ذلك تعظيما له من حيث إن لهم الأجر مرتين. # ولما ms0869 اقتضت هذه التأكيدات المبشرات إنجاز الأجر وإتمامه وإحسانه، وكان قد ~~تقدم أنه تعالى يؤتي كل أحد من ذكر وأنثى أجره، ولا يضيع شيئا، ويجازي ~~المسيء والمحسن، وكانت العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول زمن الحساب، ~~وذلك سبب لطول الانتظار، وذلك سبب لتعطيل الإنسان عن مهماته ولضيق صدره ~~بتفرق عزمه وشتاته كان ذلك محل عجب يورث توهم ما لا ينبغي، فأزال هذا ~~التوهم بأن أمره تعالى على غير ذلك لأنه لا يشغله شأن عن شأن بقوله: {إن ~~الله} أي بما له من الجلال والعظمة والكمال {سريع الحساب *} ولما كثر في ~~هذه الآيات الأمر بمقاساة الشدائد وتجرع مرارات الأذى واقتحام الحروب ~~واستهانة عظائم الكروب، والحث على المعارف الإلهية والآداب الشرعية من ~~الأصول والفروع انخلاعا من المألوفات # PageV05P167 # إلى ما يأمر به سبحانه من الطاعات، وختم بتجرع فرقة من أهل الكتاب لتلك ~~المرارات كانت نتيجة ذلك لا محالة قوله تعالى منبها على عظمة ما يدعو إليه ~~لأنه شامل لجميع الآداب: {يا أيها الذين آمنوا} أي بكل ما ذكرنا في هذه ~~السورة {اصبروا} أي أوقعوا الصبر تصديقا لإيمانكم على كل ما ينبغي الصبر ~~عليه مما تكرهه النفوس مما دعتكم إليه الزهراوان {وصابروا} أي أوجدوا ~~المصابرة للأعداء من الكفار والمنافقين وسائر العصاة، فلا يكونن على باطلهم ~~أصبر منكم على حقكم {ورابطوا} أي بأن تربطوا في الثغور خيلا بإزاء ما لهم ~~من الخيول إرهابا لهم وحذرا منهم - هذا أصله، ثم صار الرباط يطلق على المكث ~~في الثغور لأجل الذب عن الدين ولو لم تكن خيول، بل وتطلق على المحافظة على ~~الطاعات، ثم أمر بملاك ذلك كله فقال: {واتقوا الله} أي في جميع ذلك بأن ~~تكونوا مراقبين له، مستحضرين لجميع ما يمكنكم أن تعلموه من عظمته بنعمته ~~ونقمته {لعلكم تفلحون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى فلاحه وظفره بما يريد ~~من النصر على الأعداء والفوز بعيش الشهداء، وهذه الآية - كما ترى - معلمة ~~بشرط استجابة الدعاء بالنصرة على الكافرين، # PageV05P168 # المختتم به البقرة # {فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ms0870 دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون} [البقرة: 186] داعية إلى تذكير أولي الألباب بالمراقبة للواحد الحي ~~القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء في اتباع آياته ~~ومعاداة أعدائه، كما أن التي قبلها فيمن آمن بجميع الكتب: هذا القرآن ~~المصدق لما بين يديه والتوراة والإنجيل، كل ذلك للفوز بالفرقان بالنصر ~~وتعذيب أهل الكفر بأيديهم تمكينا من الله - والله عزيز ذو انتقام - ردا ~~للمقطع على المطلع على أحسن وجه - والله أعلم بالصواب وعنده حسن المآب. # مقصودها الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه آل عمران، والكتاب الذي حدت ~~عليه البقرة لأجل الدين الذي جمعته الفاتحة تحذيرا مما أراده شأس بن قيس ~~وأنظاره من الفرقة، وذه السورة من أواخر ما نزل، روى البخاري في فضائل ~~القرآ، " عن يوسف بن ماهك أن عراقيا سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ~~أن تريه مصحفها، فقالت: لم؟ قال لعلي: أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ # PageV05P169 # غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من ~~المفصل، فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل احلال ~~والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو ~~نزل لا تزنوا لقالوا: لا تدع الزنى أبدا، لقد نزل بمكة على محمد وإني ~~لجارية ألعب) بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) [القمر: 46] وما نزلت ~~سورة البقرة والنساء إلأا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي ~~السورة انتهي. وقد عنت بهذا رضي الله عنعا أن القرآن حاز أعلى البلاغة في ~~إنزاله مطابقا لما تقتضيه الأحوال بحسب الأزمان، ثم رتب على أعلى وجوه ~~البلاغة بحسب ما تقتضيه المفاهيم من المقال، كما تشاهده من هذا الكتاب ~~البديع البعيد المنال # PageV05P170 # ولما كان مقصودها الاجتماع على ما دعت إليه السورتان قبلها # PageV05P170 # من التوحيد، وكان السبب الأعظم في الاجتماع والتواصل عادة الأرحام ~~العاطفة التي مدارها النساء سميت «النساء» لذلك، ولأن بالاتقاء فيهم تتحقق ~~العفة والعدل الذي لبابه التوحيد {بسم ms0871 الله} الجامع لشتات الأمور بإحسان ~~التزاوج في لطائف المقدور {الرحمن} الذي جعل الأرحام رحمة عامة {الرحيم *} ~~الذي خص من أراد بالتواصل على ما دعا إليه دينه الذي جعله نعمة تامة. # لما تقرر أمر الكتاب الجامع الذي هو الطريق، وثبت الأساس الحامل الذي هو ~~التوحيد احتيج إلى الاجتماع على ذلك، فجاءت هذه السورة داعية إلى الاجتماع ~~والتواصل والتعاطف والتراحيم فابتدأت بالنداء العام لكل الناس، وذلك أنه ~~لما كانت أمهات الفضائل - كما تبين في علم الأخلاق - أربعا: العلم والشجاعة ~~والعدل والعفة، كما يأتي شرح ذلك في سورة لقمان عليه السلام، وكانت آل ~~عمران داعية مع ما ذكر من مقاصدها إلى اثنين منها، وهما العلم والشجاعة - ~~كما أشير إلى ذلك في غير آية {نزل عليك الكتاب بالحق} [آل عمران: 3] ، {وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] ، {شهد الله أنه ~~لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} [آل عمران: 18] {ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] {فما وهنوا لما ~~أصابهم في سبيل الله} [آل عمران: 146] {فإذا عزمت فتوكل على الله} [ # PageV05P171 # آل عمران: 159] {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} [آل عمران: ~~169] ، {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} [آل عمران: ~~172] ، {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا} [آل عمران: 200] ، وكانت قصة ~~أحد قد أسفرت عن أيتام استشهد مورثوهم في حب الله، وكان من أمرهم في ~~الجاهلية منع أمثالهم من الإرث جورا عن سواء السبيل وضلالا عن أقوم الدليل؛ ~~جاءت هذه السورة داعية إلى الفضيلتين الباقيتين، وهما العفة والعدل مع ~~تأكيد الخصلتين الأخريين حسبما تدعو إليه المناسبة، وذلك مثمر للتواصل ~~بالإحسان والتعاطف بإصلاح الشأن للاجتماع على طاعة الديان، فمقصودها الأعظم ~~الاجتماع على الدين بالاقتداء بالكتاب المبين، وما أحسن ابتداءها بعموم: ~~{يا أيها الناس} بعد اختتام تلك بخصوص «يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا» الآية. # ولما اشتملت هذه السورة على أنواع كثيرة من التكاليف، منها التعطف على ~~الضعاف بأمور كانوا قد مرنوا على خلافها، فكانت في غاية ms0872 المشقة على النفوس، ~~وأذن بشدة الاهتمام بها بافتتاح السورة واختتامها بالحث عليها قال: {اتقوا ~~ربكم} أي سيدكم ومولاكم المحسن إليكم بالتربية بعد الإيجاد، بأن تجعلوا ~~بينكم وبين سخطه وقاية، لئلا يعاقبكم بترك إحسانه إليكم فينزل بكم كل بؤس. ~~ابتدأ هذه ببيان # PageV05P172 # كيفية ابتداء الخلق حثا على أساس التقوى من العفة والعدل فقال: {الذي} ~~جعل بينكم غاية الوصلة لتراعوها ولا تضيعوها، وذلك أنه {خلقكم من نفس ~~واحدة} هي أبوكم آدم عليه الصلاة والسلام مذكرا بعظيم قدرته ترهيبا للعاصي ~~وترغيبا للطائع توطئة للأمر بالإرث، وقد جعل سبحانه الأمر بالتقوى مطلعا ~~لسورتين: هذه وهي رابعة النصف الأول، والحج وهي رابعة النصف الثاني، وعلل ~~الأمر بالتقوى في هذه بما دل على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حكمته من أمر ~~المبدإ، وعلل ذلك في الحج بما صور المعاد تصويرا لا مزيد عليه، فدل فيها ~~على المبدإ والمعاد تنبيها على أنه محط الحكمة، ما خلق الوجود إلا لأجله، ~~لتظهر الأسماء الحسنى والصفات العلى أتم ظهور يمكن البشر الاطلاع عليه، ~~وربت ذلك على الترتيب الأحكم، فقدم سورة المبدإ على سورة المعاد لتكون ~~الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية، وأبدع من ذلك كله وأدق أنه لما كان ~~أعظم مقاصد السورة الماضية المجادلة في أمر عيسى، وأن مثله كمثل آدم عليهما ~~الصلاة والسلام، وكانت حقيقة حاله أنه ذكر يولد من أنثى فقط بلا واسطة ذكر؛ # PageV05P173 # بين في هذه السورة بقوله - عطفا على ما تقديره جوابا لمن كأنه قال: كيف ~~كان ذلك؟ - إنشاء تلك النفس، أو تكون الجملة حالية - {وخلق منها زوجها} أي ~~مثله في ذلك أيضا كمثل حواء: أمه فإنها أنثى تولدت من ذكر بلا واسطة أنثى ~~فصار مثله كمثل كل من أبيه وأمه: آدم وحواء معا عليهما الصلاة والسلام، ~~وصار الإعلام بخلق آدم وزوجه وعيسى عليهم الصلاة والسلام - المندرج تحت آية ~~بعضكم من بعض مع آية البث التي بعد هذه - حاصرا للقسمة الرباعية العقلية ~~التي لا مزيد عليها، وهي بشر لا من ذكر ولا أنثى، بشر منهما، بشر من ms0873 ذكر ~~فقط، بشر من أنثى فقط؛ ولذلك عبر في هذه السورة بالخلق، وعبر عن غيرها ~~بالجعل، لخلو السياق عن هذا الغرض، ويؤيد هذا أنه قال تعالى في أمر يحيى ~~عليه الصلاة والسلام # {كذلك الله يفعل ما يشاء} [آل عمران: 40] وفي أمر عيسى عليه الصلاة ~~والسلام {يخلق ما يشاء} [آل عمران: 47] ، وأيضا فالسياق هنا للترهيب الموجب ~~للتقوى، فكان بالخلق الذي هو أعظم في إظهار الاقتداء - لأنه اختراع الأسباب ~~وترتيب المسببات عليها - أحق من الجعل الذي هو ترتيب المسببات على أسبابها ~~وإن لم يكن اختراع - فسبحان العزيز العليم العظيم الحكيم! . # ولما ذكر تعالى الإنشاء عبر بلفظ الرب الذي هو من التربية، ولما # PageV05P174 # كان الكل - المشار إليه بقوله تعالى عطفا على ما تقديره: وبث لكم منه ~~إليها: {وبث منهما} أي فرق ونشر من التوالد، ولما كان المبثوث قبل ذلك عدما ~~وهو الذي أوجده من العدم نكر لإفهام ذلك قوله: {رجالا كثيرا ونساء} من نفس ~~واحدة؛ كان إحسان كل من الناس إلى كل منهم من صلة الرحم، ووصف الرجال دونهن ~~مع أنهن أكثر منهم إشارة إلى أن لهم عليهن درجة، فهم أقوى وأظهر وأطيب ~~وأظهر في رأي العين لما لهم من الانتشار وللنساء من الاختفاء والاستتار. # ولما كان قد أمر سبحانه وتعالى أول الآية بتقواه مشيرا إلى أنه جدير بذلك ~~منهم لكونه ربهم، عطف على ذلك الأمر أمرا آخر مشيرا إلى أنه يستحق ذلك ~~لذاته لكونه الحاوي لجميع الكمال المنزه عن كل شائبة نقص فقال: {واتقوا ~~الله} أي عموما لما له من إحاطة الأوصاف كما اتقيتموه خصوصا لما له إليكم ~~من الإحسان والتربية، واحذروه وراقبوه في أن تقطعوا أرحامكم التي جعلها ~~سببا لتربيتكم. # ولما كان المقصود من هذه السورة المواصلة وصف نفسه المقدسة بما يشير إلى ~~ذلك فقال: {الذين تساءلون} أي يسأل بعضكم بعضا {به} فإنه لا يسأل باسمه ~~الشريف المقدس إلا الرحمة والبر والعطف، # PageV05P175 # ثم زاد المقصود إيضاحا فقال: {والأرحام} أي واتقوا قطيعة الأرحام التي ~~تساءلون بها، فإنكم تقولون: ناشدتك بالله والرحم! وعلل ms0874 هذا الأمر بتخويفهم ~~عواقب بطشه، لأنه مطلع على سرهم وعلنهم مع ما له من القدرة الشاملة. فقال ~~مؤكدا لأن أفعال الناس في ترك التقوى وقطيعة الأرحام أفعال من يشك في أنه ~~بعين الله سبحانه: {إن الله} أي المحيط علما وقدرة {كان عليكم} وفي أداة ~~الاستعلاء ضرب من التهديد {رقيبا *} وخفض حمزة «الأرحام» المقسم بها تعظيما ~~لها وتأكيدا للتنبيه على أنهم قد نسوا الله في الوفاء بحقوقها - كما أقسم ~~بالنجم والتين وغيرهما، والقراءاتان مؤذنتان بأن صلة الأرحام من الله بمكان ~~عظيم، حيث قرنها باسمه سواء كان عطفا كما شرحته آية {وقضى ربك أن لا تعبدوا ~~إلا إياه} [الإسراء: 23] ، وغيرها - أو كان قسما، واتفق المسلمون على أن ~~صلى الرحم واجبة، وأحقهم بالصلة الولد، وأول صلته أن يختار له الموضع ~~الحلال. # ولما بان من هذا تعظيمه لصلة الرحم بجعلها في سياق ذكره سبحانه وتعالى ~~المعبر عنه باسمه الأعظم - كما فعل نحو ذلك في غير آية، وكان # PageV05P176 # قد تقدم في السورة الماضية ذكر قصة أحد التي انكشفت عن أيتام، ثم ذكر في ~~قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] ، أن الموت مشرع لا بد ~~لكل نفس من وروده؛ علم أنه له بد من وجود الأيتام في كل وقت، فدعا إلى ~~العفة والعدل فيهم لأنهم بعد الأرحام أولى من يتقى الله فيه ويخشى مراقبته ~~بسببه فقال: {وآتوا اليتامى} أي الضعفاء الذين انفردوا عن آبائهم، وأصل ~~اليتيم الانفراد {أموالهم} أي هيئوها بحسن التصرف فيها لأن تؤتوهم إياها ~~بعد البلوغ - كما يأتي، أو يكون الإيتاء حقيقة واليتم باعتبار ما كان. # أو باعتبار الاسم اللغوي وهو مطلق الانفراد، وما أبدع إيلاءها للآية ~~الآمرة بعد عموم تقوى الله بخصوصها في صلة الرحم المختتمة بصفة الرقيب! لما ~~لا يخفى من أنه لا حامل على العدل في الأيتام إلا المراقبة، لأنه لا ناصر ~~لهم، وقد يكونون ذوي رحم. # ولما أمر بالعفة في أموالهم أتبعه تقبيح الشره الحامل للغافل على لزوم ~~المأمور به فقال: {ولا تتبدلوا} أي تكلفوا أنفسكم أن تأخذوا ms0875 على وجه ~~البدلية {الخبيث} أي من الخباثة التي لا أخبث منها، # PageV05P177 # لأنها تذهب بالمقصود من الإنسان، فتهدم - جميع أمره {بالطيب} أي الذي هو ~~كل أمر يحمل على معالي الأخلاق الصائنة للعرض، المعلية لقدر الإنسان؛ ثم ~~بعد هذا النهي العام نوه بالنهي عن نوع منه خاص، فقال معبرا بالأكل الذي ~~كانت العرب تذم بالإكثار منه ولو أنه حلال طيب، فكيف إذا كان حراما ومن مال ~~ضعيف مع الغنى عنه: {ولا تأكلوا أموالهم} أي تنتفعوا بها أي انتفاع كان، ~~مجموعة {إلى أموالكم} شرها وحرصا وحبا في الزيادة من الدنيا التي علمتم ~~شؤمها وما أثرت من الخذلان في آل عمران، وعبر بإلى إشارة إلى تضمين الأكل ~~معنى الضم تنبيها على أنها متى ضمت إلى مال الولي أكل منها فوقع في النهي، ~~فحض بذلك على تركها محفوظة على حيالها؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنه} أي الأول ~~{كان حوبا} أي إثما وهلاكا {كبيرا *} . # PageV05P178 # ولما كان تعالى قد أجرى سنة الإلهية في أنه لا بد في التناسل من توسط ~~النكاح إلا ما كان من آدم وحواء وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكانوا قد ~~أمروا بالعدل في أموال اليتامى، وكانوا يلون أمور يتاماهم، وكانوا ربما ~~نكحوا من في حجورهم منهن، فكان ربما أوقفهم هذا التحذير من أموالهم عن ~~النكاح خوفا من التقصير في # PageV05P178 # حق من حقوقهن أتبعه تعالى عطفا على ما تقديره: فإن وثقتم من أنفسكم ~~بالعدل فخالطوهم بالنكاح وغيره: {وإن خفتم} فعبر بأداة الشك حثا على الورع ~~{ألا تقسطوا} أي تعدلوا {في اليتامى} ووثقتم من أنفسكم بالعدل في غيرهن ~~{فانكحوا} . # ولما كانت النساء ناقصات عقلا ودينا، عبر عنهن بأداة ما لا يعقل إشارة ~~إلى الرفق بهن والتجاوز عنهن فقال: {ما} ولما أفاد أنكحوا الإذن المتضمن ~~للحل، حمل الطيب على اللذيذ المنفك عن النهي السابق ليكون الكلام عاما ~~مخصوصا بما يأتي من آية المحرمات من النساء - ولا يحمل الطيب على الحل لئلا ~~يؤدي - مع كونه تكرارا - إلى أن يكون الكلام مجملا - لأن الحل لم يتقدم ~~علمه، والحمل على ms0876 العام المخصوص أولى، لأنه حجة في غير محل التخصيص، ~~والمجمل ليس بحجة أصلا - أفاده الإمام الرازي؛ فقال تعالى: {طاب} أي زال ~~عنه حرج النهي السابق ولذ، وأتبعه قيدا لا بد منه بقوله: {لكم} وصرح بما ~~علم التزاما فقال: {من النساء} أي من غيرهن {مثنى وثلاث ورباع} أي حال كون ~~هذا المأذون في نكاحه موزعا هكذا: ثنتين ثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا ~~لكل واحد، وهذا الحكم عرف من العطف بالواو، ولو كان بأو لما أفاد التزوج ~~إلا على أحد هذه الوجوه الثلاثة، # PageV05P179 # ولم يفد التخيير المفيد للجمع بينها على سبيل التوزيع، وهذا دليل واضح ~~على أن النساء أضعاف الرجال، وروى البخاري في التفسير «عن عروة ابن الزبير ~~أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى} [النساء: 3] ، فقالت: يا ابن أختي! هذه اليتيمة تكون في حجر ~~وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير ~~أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن ذلك أن ينكحوهن ~~إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما ~~طاب لهم من النساء سواهن قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله عز وجل {ويستفتونك في ~~النساء} [النساء: 127] قالت عائشة: وقول الله عز وجل في آية أخرى {وترغبون ~~أن تنكحوهن} [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال ~~والجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء ~~إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهم إذا كن قليلات المال والجمال» وفي رواية « # PageV05P180 # في النكاح» ، فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا ~~رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في الصداق؛ وهذا الخطاب ~~للأحرار دون العبيد، لأن العبد لا يستقل بنكاح ما طاب له، بل لا بد من إذن ~~السيد. # ولما كان النساء كالتيامى في الضعف قال مسببا عن الإذن في ms0877 النكاح: {فإن ~~خفتم ألا تعدلوا} أي في الجمع {فواحدة} أي فانكحوها، لأن الاقتصار عليها ~~أقرب إلى العدل لأنه ليس معها من يقسم له فيجب العدل بينها وبينه ولما كان ~~حسن العشرة المؤدي إلى العدل دائرا على اطراح النفس، وكان الإماء - لكسرهن ~~بالغربة وعدم الأهل - أقرب إلى حسن العشرة سوى بين العدد منهم إلى غير ~~نهاية وبين الواحدة من الحرائر فقيل: {أو ما} أي انكحوا ما {ملكت أيمانكم} ~~فإنه لا قسم بينهن، وذكر ملك اليمين يدل أيضا على أن الخطاب من أوله خاص ~~بالأحرار {ذلك} أي نكاح غير التيامى والتقلل من الحرائر والاقتصار على ~~الإماء {أدنى} أي أقرب إلى {ألا تعولوا *} أي تميلوا بالجور عن منهاج القسط ~~وهو الوزن المستقيم، أو تكثر عيالكم، أما عند الواحدة فواضح، وأما # PageV05P181 # عند الإماء فالبعزل، وعدم احتياج الرجل معهن لخادم له أو لهن، والبيع لمن ~~أراد منهن، وأمرهن بالاكتساب، أو تحتاجوا فتظلموا بعض النساء، أو تأكلوا ~~أموال التيامى؛ وكل معنى من هذه راجع إلى لازم لمعنى المادة الذي مدارها ~~عليه، لأن مادة «علا» - واوية بجميع تقاليبها الست: علو، عول، لوع، لعو، ~~وعل، ولع؛ ويائية بتركيبيها: ليع، عيل تدور على الارتفاع، ويلزمه الزيادة ~~والميل، فمن الارتفاع: العلو والوعل والولع، ومن الميل والزيادة: العول، ~~وبقية المادة يائية وواوية إما للإزالة، وإما لأحد هذه المعاني - على ما ~~يأتي بيانه؛ فعلا يعلو: ارتفع، والعالية: الفتاة القويمة - لأ، ها تكون ~~أرفع مما ساواها وهو معوج، والعالية من محال الحجاز - لإشرافها على ما ~~حولها، وكذا العوالي - لقرى بظاهر المدينة الشريفة - لأنها في المكان ~~العالي الذي يجري ماؤه إلى غيره، والمعلاة: كسب الشرف، ومقبرة مكة بالحجون ~~- لأنها في أعلى مكة وماؤها يصوب إلى ما دونه، وفلان من علية الناس، أي ~~أشرافهم، والعلية بالتشديد: الغرفة، وعلى # PageV05P182 # حرف الاستعلاء، وتعلت المرأة من نفاسها، أي طهرت وشفيت - لأنها كانت في ~~سفول من الحال، والعلاوة: رأس الجبل وعنقه، وما يحمل على البعير بين ~~العدلين، ومن كل شيء: ما زاد عليه، والمعلى: القدح السابع من الميسر - لأنه ms0878 ~~الغاية في القداح الفائزة، لأن القداح عشرة: السبعة الأولى منها فائزة، ~~والثلاثة الأخيرة مهملة لا أنصباء لها، وعلوان الكتاب: عنوانه وارتفاعه على ~~بقية الكتاب واضح، والعليان: الطويل والضخم، والناقة المشرفة، ومن الأصوات: ~~الجهيرة، والعلاة: السندان، والعلياء: رأس كل جبل مشرف، والسماء، والمكان ~~العالي، وكل ما علا من شيء، وعليك زيدا: الزمه - لأنه يلزم من ملازمته له ~~العلو على أمره، وعلا النهار: ارتفع وعلا الدابة: ركبها وأعلى عنها: نزل - ~~كأنه من الإزالة وكذا على المتاع عن الدابة تعلية: أنزله، وأعليت عن ~~الوسادة وعاليت: ارتفعت وتنحيت، ورجل عالي الكعب: شريف، وعلى الكتاب تعلية: ~~عنونه كعلونه، وعالوا نعيه: أظهروه، والعلي: الشديد القوي، وعليون في ~~السماء # PageV05P183 # السابعة، وأخذه علوا: عنوة، والتعالي: الاتفاع، إذا أمرت منه قلت: تعال - ~~بفتح اللام، ولها: تعالي - بفتح اللام، - ولو كنت في موضع أسفل من موضع ~~المأمور، لأنه يحتاج إلى تطاول مهما كان بينك وبينه مسافة، ولأن الآمر أعلى ~~من المأمور رتبة فموضعه كذلك، وتعلى: علا في مهلة، والمعتلي: الأسد؛ ~~واللعو: السيء الخلق، والفسل، والشره الحريص، واللاعي: الذي يفزعه أدنى ~~شيء، إما لأنه وصل إلى الغاية في السفول فتسنم أعلاها حتى رضي لنفسه هذه ~~الأخلاق، وإما لأنه من باب الإزالة، أو التسمية بالضد، وذئبة لعوة وامرأة ~~لعوة، أي حريصة، واللعوة: السواد بين حلمتي الثدي، إما لأن ذلك أعلاه، وإما ~~لعلو لون السواد على لون الثدي، والألعاء: السلاميات، والسلامى عظم يكون في ~~فرسن البعير، # PageV05P184 # وعظام الصغار في اليد والرجل، وذلك لأن العظام أعلى ما في الجسد في القوة ~~والشدة والصلابة، وهي أعظم قوامه؛ واللاعية: شجيرة في سفح الجبل، لها نور ~~أصفر، ولها لبن، وإذا ألقي منه شيء في غدير السمك أطفاها، أي جعلها طافية ~~أي عالية على وجه الماء، سميت بذلك إما من باب الإزلاة نظرا إلى محل بيتها، ~~وإما لأن ريحها يعلو كل ما خالطه ويكسبه طعمها وإما لفعلها هذا في السمك ~~وتلعى العسل: تعقد وزنا ومعنى - إما من اللاعية لأنها كثيرة العقد، وإما من ~~لازم العلو: القوة والشدة، ولعا ms0879 لك - يقال عند العثرة، أي أنعشك الله؛ ~~والعول: ارتفاع الحساب في الفرائض، والعول: الميل، وقدم تقدم أنه لازم ~~للعلو، والعول: كل ما أمر غلبك، كأنه علا عنك فلم تقدر على نيله والمستعان ~~به - لأنه لا يتوصل به إلى المقصود إلا وفيه علو، وقوت العيال - لأنه سبب ~~علوهم، وعول عليه معولا: اتكل # PageV05P185 # واعتمد، والاسم كعنب، وعيل ككيس، وعال: جار والميزان: نقص أو زاد، ~~فالزيادة من الارتفاع، والنقص من لازم الميل، وعالت الفريضة: ارتفعت أي ~~زادت سهامها فدخل النقصان على أهل الفرائض، قال أبو عبيد: أظنه مأخوذا من ~~الميل، وعال أمرهم: اشتد وتفاقم، وعال فلان عولا وعيالا: كثر عياله، كأعول ~~وأعيل، ورجل معيل ومعيل ذو عيال، وأعال الرجل وأعول - إذا حرص، إما مما ~~تقدم تخريجه، وإما لأنه لازم لذي العيال، وعال عليه: حمل، أي رفع عليه ~~الحمول كعول، وفلان: حرص، والفرس، صوتت، وأعولت المرأة: رفعت صوتها ~~بالبكاء، وعيل عوله: ثكلته أمه - لما يقع من صياحها، وعيل ما هو عائله: غلب ~~ما هو غالبه، يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه لأنه لا يكون كذلك إلا وقد خرج ~~عن أمثاله علوا، وقد يكون بسفول، فيكون من التسمية بالضد، والعالة: النعامة ~~لأنها أطول الطير، وما له عال ولا مال: شيء ح لأن ذلك غاية في السفول إن ~~كان عجزا، وفي العلو إن كان زهدا، ويقال للعاثر: عالك عاليا. # كقولهم: لعا لك، والمعول: حديدة تنفر بها الجبال - من القوة اللازمة ~~للعلو، والعالة، شبه الظلة يستر بها # PageV05P186 # من المطر؛ واللوعة: حرقة توجد من الحزن أو الحب أو المرض أو الهم - لأنها ~~تعلو الإنسان، ولاعه الحب: أمرضه، وأتان لاعة الفؤاد إلى جحشها - كأنها ~~ولهى فزعا، ولاع يلاع: جزع أو مرض ورجل هاع لاع: جبان جزوع، أو حريص، أو ~~سيىء الخلق - لما علاه من هذه الأخلاق المنافية للعقل وغلبه منها، ولاعته ~~الشمس: غيرت لونه واللاعة أيضا: الحديدة الفؤاد الشهمة - لأنه يعلوا غيره، ~~وامرأة لاعة: التي تغازلك ولا تمكنك - لما لها في ذلك من الغلبة والعلو على ~~القلوب؛ والوعل: تيس ms0880 الجبل، والشريف، والملجأ، والوعلة: الموضع المنيع من ~~الجبل، أو صخرة مشرفة منه، وهم علينا وعل واحد: مجتمعون، وما لك عن ذلك ~~وعل، أي بد - إنه لولا علوه عليك ما اضطررت إليه والوعل: اسم شوال - كأنه ~~لما له من العلو بالعيد والحج، والوعل ككتف: اسم شعبان ح لما له من العلو ~~بتوسطه بين رجب وشوال، والوعلة أيضا: عروة القميص # PageV05P187 # والزير زره والقدح والإبريق الذي يعلق بها فيعلو، ووعال كغراب: حصن ~~باليمن، والمستوعل - بفتح العين: حرز الوعل، ووعل كوعد: أشرف، وتوعلت ~~الجبل: علوته؛ وأولع فلان بكذا، أو ولع بالكسر: استخف، أي صار عاليا عليه ~~غالبا له إطاقته حمله، وولع بحقه: ذهب، وولع بالفتح - إذا كذب، إما للإزالة ~~وإما لأنه استخفه الكذب فحمله، وولع والع - مبالغة، أي كذب عظيم والمولع: ~~الذي فيه لمع من ألوان - كأنه علا على تلك الألوان، أو غلب تلك الألوان أصل ~~لونه، وعبارة القاموس: والتوليع: استطالة البلق، يقال برذون وثور مولع - ~~كمعظم، والوليع: الطلع ما دام في قيقائه، أي وعائه. وهو قشرة الطلع لعلوه، ~~وما أدري ما ولعه - بالفتح أي حبسه، إما للإزالة، لإنه لما منعه كان كأنه ~~أزال علوه، وإما لأنه علا عليه، وأولعه به، أي أغراه، أي حمله عليه؛ ~~والعيلة: الحاجة، وعال يعيل - إذا افتقر، وذلك إما من الإزالة، أو لأن ~~الحاجة علته، أو لأنها ميل، وعالني الشيء: أعجزني، وعيل صبري: قل وضعف أي ~~علاه من الأمر ما أضعفه، وعلت الضالة: لم أدر أين أبغيها، والمعيل: # PageV05P188 # الأسد والنمر والذئب - لأنه يعيل صيدا أي يلتمس فهو يرجع إلى العلو ~~والقدرة على الطلب، وعالني الشيء: أعوزني - إما أزال علوي، أو علا عني، ~~وعال في مشيه: تمايل واختال وتبختر - لأنه لا يفعله إلا عال في نفسه مع أنه ~~كله من الميل، وعال في الأرض: ذهب أي علا عليها مشيا، والذكر من الضباع ~~عيلان، والعيل محركة: عرضك حديثك وكلامك على من لا يريده وليس من شأنه - ~~كأنه لم يهتد لمن يريده فعرضه على من لا يريده، فهو يرجع إلى الحاجة ~~المزيلة ms0881 للعلو؛ وليعة الجوع - بالفتح: حرقته - كما تقدم في اللوعة، ولعت - ~~بالكسر: ضجرت، كأنه من الإزالة، أو أن العلو للأمر المتضجر منه، والملياع - ~~علاها، والملياع: التي تقدم الإبل سابقة ثم ترجع إليها، وريح لياع - ~~بالكسر: شديدة، وقد وضح بذلك صحة ما فسر به إمامنا الشافعي صريحا ومطابقة - ~~كما تقدم، وشهد له العول في الحساب والسهام، وهو كثرتها، وظهر تحامل من # PageV05P189 # رد ذلك وقال: إنه لا يقال في كثرة العيال إلا: عال يعيل، وكم من عائب ~~قولا صحيحا! وكيف لا وهو من الأئمة المحتج بأقوالهم في اللغة، وقد وافقه ~~غيره وشهد لقوله الحديث الصحيح؛ قال الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني ~~الشافعي في كتابه البيان: {ألا تعولوا} قال الشافعي: معناه أن لا تكثر ~~عيالكم ومن تمونونه، وقيل: إن أكثر السلف قالوا: المعنى أن لا تجوروا، ~~يقال: عال يعول - إذا جار وأعال يعيل - إذا كثر عياله؛ إلا زيد بن أسلم ~~فإنه قال: معناه أن لا تكثر عيالكم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم يشهد ~~لذلك، قال: # «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» انتهى. # وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما عن حكيم بن حزام عن أبي هريرة رضي ~~الله عنهما بلفظ «أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد ~~السفلى، وابدأ بمن تعول» وفي الباب أيضا عن عمران بن حصين وأبي رمثة البلوي ~~وأبي أمامة رضي الله عنهم، وأثر زيد بن أسلم رواه الدارقطني والبيهقي من ~~طريق سعيد بن أبي هلال عنه، قال: «ذلك أدنى أن لا يكثر من يعولونه» أفاده ~~شيخنا ابن حجر # PageV05P190 # في تخريج أحاديث الرافعي وقال الإمام: إن تفسير الشافعي هو تفسير ~~الجماعة، عبر عنه بالكناية وهي ذكر الكثرة، وأراد الميل لكون الكثرة، لا ~~تنفك عنه، وقال ابن الزبير: لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم ~~عليه الصلاة والسلام من غير أب ولا أم، وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها - مع ~~ذكر في صدرها - أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه كمثل آدم عليه الصلاة ~~والسلام في عدم الافتقار إلى ms0882 أب، وعلم الموقنون من ذلك أنه تعالى لو شاء ~~لكانت سنة فيمن بعد آدم عليه الصلاة والسلام، فكأن سائر الحيوان لا يتوقف ~~إلا على أم فقط؛ أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين عليهما الصلاة والسلام من ~~ذرية آدم سبيلهم سبيل الأبوين فقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} إلى ~~قوله: {وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} ثم أعلم تعالى كيفية النكاح المجعول ~~سببا في التناسل وما يتعلق به، وبين حكام الأرحام والمواريث فتضمنت السورة ~~ابتداء الأمر وانتهاءه، فأعلمنا بكيفية التناكح وصورة الاعتصام واحترام ~~بعضنا لبعض وكيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند التشاجر والشقاق، ~~وبين لنا ما ينكح # PageV05P191 # وما أبيح من العدد وحكم من لم يجد الطول وما يتعلق بهذا إلى المواريث، ~~فصل ذلك كله إلا الطلاق. # لأن أحكامه تقدمت، ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ~~ذوي الأرحام وحفظ ذلك كله إلى حالة الموت المكتوب علينا، وناسب هذا المقصود ~~من التواصل والألفة ما افتتحت به السورة من قوله تعالى: {الذي خلقكم من نفس ~~واحدة} [النساء: 1] ، فافتتحها بالالتئام والوصلة ولهذا خصت من حكم تشاجر ~~الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والمعدلة إبقاء لذلك التواصل فلم يكن ~~الطلاق ليناسب هذا، فلم يقع له هنا ذكر إلا إيماء {وإن يتفرقا يغن الله كلا ~~من سعته} [النساء: 13] ولكثرة ما يعرض من رعي حظوظ النفوس عند الزوجية ومع ~~القرابة - ويدق ذلك ويغمض - تكرر كثيرا في هذه السورة الأمر بالاتقاء، وبه ~~افتتحت {اتقوا ربكم} [النساء: 1] ، {واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام} ~~[النساء: 1] ، {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا ~~الله} [النساء: 131] ، ثم حذروا من حال من صمم على الكفر وحال اليهود ~~والنصارى والمنافقين وذوي التقلب في الأديان بعد أذن اليقين، وكل ذلك تأكيد ~~لما أمروا به من الاتقاء، والتحمت الآيات إلى الختم # PageV05P192 # بالكلالة من المواريث المتقدمة - انتهى. # PageV05P193 # ولما حذروا من القول الذي من مدلوله المحاجة عن كثرة النساء؛ كان ربما ~~تعلق به من يبخل عن بعض الحقوق، لا سيما ما يستكثره من الصداق، ms0883 فأتبعه ما ~~ينفي ذلك، فقال - مخاطبا للأزواج، لأن السياق لهم، معبرا بما يصلح للدفع ~~والالتزام المهيىء له: {وآتوا النساء} أي عامة من اليتامى وغيرهن {صدقاتهن} ~~، وقوله مؤكدا للإيتاء بمصدر من معناه: {نحلة} مؤيد لذلك، لأن معناها: عطية ~~عن طيب نفس؛ قال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: وأصله - أي النحل: ~~إعطاء الشيء لا يراد به عوض وكذا إن قلنا: معنى النحلة الديانة والملة ~~والشرعة والمذهب، أي آتوهن ذلك ديانة. # ولما وقع الأمر بذلك كان ربما أبى المتخلق بالإسلام قبول ما تسمح به ~~المرأة منه بإبراء أو رد على سبيل الهبة - لظنه أن ذلك لا يجوز أو غير ذلك ~~فقال: {فإن طبن لكم} أي متجاوزات {عن شيء} ووحد الضمير ليرجع إلى الصداق ~~المفهوم من الصدقات، ولم يقل: منها، لئلا يظن أن الموهوب لا يجوز إلا إن ~~كان صداقا كاملا فقال: {منه} أي الصداق {نفسا} أي عن شهوة صادقة من غير ~~إكراه # PageV05P193 # ولا خديعة {فكلوه} أي تصرفوا فيه بكل تصرف يخصكم {هنيئا} أي سائغا صالحا ~~لذيذا في عافية بلا مشقة ولا مضرة {مريئا *} أي جيد المغبة بهجا سارا، لا ~~تنغيص فيه، وربما كان التبعيض ندبا إلى التعفف عن قبول الكل، لأنه في ~~الغالب لا يكون إلا عن خداع أو ضجر فربما أعقب الندم، وهذا الكلام يدل أيضا ~~على تخصيص الأحرار دون العبيد، لأنهم لا يملكون ماجعلته النساء لهم ليأكلوه ~~هنيئا. قال الأصبهاني: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة علم أنها لم تطب ~~نفسها، وعن الشعبي ان رجلا أتى مع امرأته شريحا في عطية أعطتها إياه وهي ~~تطلب أن ترجع، فقال شريح: رد عليها، فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: ~~{فإن طبن لكم} [النساء: 4] قال: لو طابت نفسها لما رجعت فيه؛ وعنه قال: ~~أقيلها فيما وهبت ولا أقيله، لأنهن يخدعن. # PageV05P194 # ولما أمر بدفع أموال اليتامى والنساء إليهم، ونهى عن أكل شيء منها تزهيدا ~~في المال واستهانة به، وكان في النساء والمحاجير من الأيتام وغيرهم سفهاء، ~~وأمر بالاقتصاد في المعيشة ms0884 حذرا من الظلم والحاجة نهى عن التبذير، وقد حث ~~سبحانه على حسن رعاية المال في غير آية من كتابه لأنه «نعم المال الصالح ~~للرجل الصالح» رواه أحمد وابن منيع عن عمرو بن العاص رفعه؛ لأن الإنسان ما ~~لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل ما يهمه من الدنيا، وما لم يتمكن ~~من تحصيل ما يهمه من الدنيا لا يمكنه أمر الآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا ~~بواسطة ما يكفيه من المال - لأنه لا يتمكن في هذه الدار التي مبناها على ~~الأسباب من جلب المنافع ودفع المضار إلا به، فمن أراده لهذا الغرض كان من ~~أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرين، ومن أراد لنفسه كان من ~~أعظم المعوقات عن سعادة الآخرة فقال تعالى: {ولا تؤتوا} أيها الأزواج ~~والأولياء {السفهاء} أي من محاجيركم ونسائكم وغيرهم {أموالكم} أي الأموال ~~التي خلقها الله لعباده سواء كانت مختصة بكم أو بهم، ولكم بها علقة بولاية ~~أو غيرها، فإنه يجب عليكم حفظها {التي جعل الله} أي الذي له # PageV05P195 # الإحاطة بالعلم الشامل والقدرة التامة {لكم قياما} أي ملاكا وعمادا تقوم ~~بها أحوالكم، فيكون ذلك سببا لضياعها، فضياعها سبب لضياعكم، فهو من تسمية ~~السبب باسم المسبب للمبالغة، في سببيته {وارزقوهم} متجرين {فيها} وعبر ~~بالظرف إشارة إلى الاقتصاد واستثمار الأموال حتى لا تزال موضعا للفضل، حتى ~~تكون النفقة والكسوة من الربح لا من رأس المال {واكسوهم} أي فإن ذلك ليس من ~~المنهي عنه، بل هو من معالي الأخلاق ومحاسن الأعمال {وقولوا لهم} أي مع ذلك ~~{قولا معروفا *} أي في الشرع والعقل كالعدة الحسنة ونحوها، وكل ما سكنت ~~إليه النفس وأحبته من قول أو عمل وليس مخالفا للشرع فهو معروف، فإن ذلك ~~ربما كان أنفع في كثير من الإعطاء وأقطع للشر؛ والحجر على السفيه مندرج في ~~هذه الآية، لأن ترك الحجر عليه من الإيتاء المنهي عنه. # ولما نهى عن ذلك البذل للسفهاء أيتاما كانا أو غيرهم، بين أنه ليس دائما ~~بل ما دام السفه قائما، فمست الحاجة ms0885 إلى التعريف بمن يعطي ومن يمنع وكيف ~~عند الدفع، ولما كان السفه أمرا # PageV05P196 # باطنا لا يعرف إلا بالتصرف ولا سيما في المال؛ بدأ سبحانه بتعليم ما ~~يتوصلون به إلى معرفته فقال مصرحا بالأيتام اهتماما بأمرهم: {وابتلوا ~~اليتامى} أي اختبروهم في أمر الرشد في الدين والمال في مدة مراهقتهم ~~واجعلوا ذلك دأبكم {حتى إذا بلغوا النكاح} أي وقت الحاجة إليه بالاحتلام أو ~~السن {فإن آنستم} أي علمتم علما أنتم في عظيم تيقنه كأنكم تبصرونه على وجه ~~تحبونه وتطيب أنفسكم به {منهم} أي عند بلوغه {رشدا} أي بذلك التصرف، ونكره ~~لأن وجود كمال الرشد في أحد يعز وقوعه {فادفعوا إليهم أموالهم} أي لزوال ~~الحاجة إلى الحجر بخوف التبذير، وأضافها إليهم بعد إضافتها أولا إلى ~~المعطين إشارة إلى أنه لا يستحقها إلا من يحسن التصرف فيها. # ولما كان الإنسان مجبولا على نقائص منها الطمع وعدم الشبع لا سيما إذا ~~خالط، لا سيما إن حصل له إذن ما؛ أدبه سبحانه بقوله: {ولا تأكلوها} أي بعلة ~~استحقاقكم لذلك بالعمل فيها {إسرافا} أي مسرفين بالخروج عن القصد في التصرف ~~ووضع الشيء في غير موضعه وإغفال العدل والشفقة {وبدارا} أي مبادرين {أن ~~يكبروا} أي فيأخذوها منكم عند كبرهم فيفوتكم الانتفاع بها، وكأنه عطف # PageV05P197 # بالواو الدالة على تمكن الوصف وتمامه إشارة إلى عدم المؤاخذة بما يعجز ~~عنه الإنسان المجبول على النقصان مما يجري في الأفعال مجرى الوسوسة في ~~الأقوال # «ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» . # ولما أشعر النهي عن أكل الكل بأن لهم في الأكل في الجملة علة مقبولة، ~~أفصح به في قوله: {ومن كان} أي منكم أيها الأولياء {غنيا فليستعفف} أي يطلب ~~العفة ويوجدها ويظهرها عن الأكل منها جملة، فيعف عنه بما بسط الله له من ~~رزقه {ومن كان فقيرا} وهو يتعهد مال اليتيم لإصلاحه، ولما كان يخشى من ~~امتناعه من الأكل منه التفريط فيه بالاشتغال بما يهمه في نفسه، أخرج الكلام ~~في صيغة الأمر فقال معبرا بالأكل لأنه معظم المقصود: {فليأكل بالمعروف} أي ~~بقدر أجرة سعيه. ms0886 # ولما كان ذلك ربما أفهم الأمان إلى الرشد بكل اعتبار، أمر بالحزم - كما ~~في الطبراني الأوسط عن أنس «احترسوا من الناس بسوء الظن» - فقال: {فإذا ~~دفعتم إليهم} أي اليتامى {أموالهم} أي التي كانت تحت أيديكم لعجزهم عن ~~حفظها {فأشهدوا عليهم} # PageV05P198 # أي احتياطا لأن الأحوال تتبدل، والرشد يتفاوت، فالإشهاد أقطع للشر، وأنفع ~~في كل أمر، والأمر بالإشهاد أزجر للولي عن الخيانة، لأن من عرف أنه لا يقبل ~~عند الخصام إلا ببينة عف غاية العفة، واحترز غاية الاحتراز. # ولما كانت الأموال مظنة لميل النفوس، وكان الحب للشيء يعمي ويصم؛ ختم ~~الآية بقوله: {وكفى بالله} أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الباهرة ~~والعظمة التي لا مثل لها، والباء في مثل هذا تأكيد لأن ما قرنت به هو ~~الفاعل حقيقة لا مجازا - كما إذا أمرنا بالفعل مثلا {حسيبا *} أي محاسبا ~~بليغا في الحساب، فهو أبلغ تحذيرا لهم وللأيتام من الخيانة والتعدي ومد ~~العين إلى حق الغير. # PageV05P199 # ولما ذكر أموال اليتامى على حسب ما دعت إليه الحاجة واقتضاه التناسب إلى ~~أن ختم بهذه الآية، كان كأن سائلا سأل: من أين تكون أموالهم؛ فبين ذلك ~~بطريق الإجمال بقوله تعالى: {للرجال} أي الذكور من أولاد الميت وأقربائه، ~~ولعله عبر بذلك دون الذكور لأنهم كانوا لا يورثون الصغار، ويخصون الإرث بما ~~عمر الديار، فنبه # PageV05P199 # سبحانه على أن العلة النطفة {نصيب} أي منهم معلوم {مما ترك الوالدان ~~والأقربون} . # ولما كانوا لا يورثون النساء قال: {وللنساء نصيب} ولقصد التصريح للتأكيد ~~قال موضع «مما تركوا» : {مما ترك الوالدان والأقربون} مشيرا إلى أنه لا فرق ~~بينهن وبين الرجال في القرب الذي هو سبب الإرث، ثم زاد الأمر تأكيدا ~~وتصريحا بقوله إبدالا مما قبله بتكرير العامل: {مما قل منه أو كثر} ثم عرف ~~بأن ذلك على وجه الحتم الذي لا بد منه، فقال مبينا للاعتناء به بقطعه عن ~~الأول بالنصب على الاختصاص بتقدير أعني: {نصيبا مفروضا *} أي مقدرا واجبا ~~مبينا، وهذه الآية مجملة بينتها آية المواريث، وبالآية علم أنها خاصة ~~بالعصبات من التعبير ms0887 بالفرض لأن الإجماع - كما نقله الأصبهاني عن الرازي - ~~على أنه ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر. # ولما بين المفروض أتبعه المندوب فقال تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا ~~القربى} أي ممن لا يرث صغارا أو كبارا {واليتامى والمساكين} أي قرباء أو ~~غرباء {فارزقوهم منه} أي المتروك، # PageV05P200 # وهو أمر ندب لتطييب قلوبهم، وقرينة صرفه عن الوجوب ترك التحديد {وقولوا ~~لهم} أي مع الإعطاء {قولا معروفا *} أي حسنا سائغا في الشرع مقبولا تطيب به ~~نفوسهم. # PageV05P201 # ولما أعاد الوصية باليتامى مرة بعد أخرى، وختم بالأمر بالإنة القول، وكان ~~للتصوير في التأثير في النفس ما ليس لغيره؛ أعاد الوصية بهم لضعفهم مصورا ~~لحالهم مبينا أن القول المعروف هو الصواب الذي لا خلل فيه فقال: {وليخش} أي ~~يوقع الخشية على ذرية غيرهم {الذين} وذكر لهم حالا هو جدير بإيقاع الخشية ~~في قلوبهم فقال: {لو تركوا} أي شارفوا الترك بموت أو هرم، وصور حالهم وحققه ~~بقوله: {من خلفهم} أي بعد موتهم أو عجزهم العجز الذي هو كموتهم {ذرية} أي ~~أولادا من ذكور أو إناث {ضعافا} أي لصغر أو غيره {خافوا عليهم} أي جور ~~الجائرين. # ولما تسبب عن ذلك التصور في أنفسهم خوفهم على ذرية غيرهم كما يخافون على ~~ذريتهم سواء كانوا أوصياء أو أولياء أو أجانب، وكان هذا الخوف ربما أداهم ~~في قصد نفعهم إلى جور على غيرهم؛ أمر بما # PageV05P201 # يحفظهم على الصراط السوي بقوله: {فليتقوا} وعبر بالاسم الأعظم إرشادا إلى ~~استحضار جميع عظمته فقال: {الله} أي فليعدلوا في أمرهم ليقيض الله لهم من ~~يعدل في ذريتهم، وإلا أوشك أن يسلط على ذريتهم من يجور عليهم {وليقولوا} أي ~~في ذلك وغيره {قولا سديدا *} أي عدلا قاصدا صوابا، ليدل هذا الظاهر على ~~صلاح ما أتمره من الباطن. # ولما طال التحذير والزجر والتهويل في شأن اليتامى، وكان ذلك ربما أوجب ~~النفرة من مخالطتهم رأسا فتضيع مصالحهم؛ وصل بذلك ما بين أن ذلك خاص ~~بالظالم في سياق موجب لزيادة التحذير فقال مؤكدا لما كان قد رسخ في نفوسهم ~~من الاستهانة بأموالهم: ms0888 {إن الذين} ولما كان الأكل أعظم مقاصد الإنسان عبر ~~به عن جميع الأغراض فقال: {يأكلون أموال اليتامى ظلما} أي أكلا هو في غير ~~موضعه بغير دليل يدل عليه، فهو كفعل من يمشي في الظلام، ثم أتبعه ما زاده ~~تأكيدا بالتحذير في سياق الحصر فقال: {إنما يأكلون} أي في الحال وصور الأكل ~~وحققه بقوله: {في بطونهم نارا} أي # PageV05P202 # تحرق المعاني الباطنية التي تكون بها قوام الإنسانية وبين أنها على ~~حقيقتها في الدنيا ولكنا لا نحسها الآن لأنها غير النار المعهودة في الظاهر ~~بقوله - مكررا التحذير مبينا بقراءة الجماعة بالبناء للفاعل أنهم يلجؤون ~~إليها إلجاء يصيرهم كأنهم يدخلونها بأنفسهم: {وسيصلون} أي في الآخرة - ~~بوعيد حتم لا خلف فيه {سعيرا *} أي عظيما هو نهاية في العظمة، وذلك هو معنى ~~ابن عامر وعاصم بالبناء للمجهول، أي يلجئهم إلى صليها ملجىء قاهر لا يقدرون ~~على نوع دفاع له. # PageV05P203 # ولما تم ذلك تشوفت النفوس إلى بيان مقادير الاستحقاق بالإرث لكل واحد، ~~وكان قد تقدم ذكر استحقاق الرجال والنساء من غير تقييد يتيم، فاقتضت ~~البلاغة بيان أصول جميع المواريث، وشفاء العليل بإيضاح أمرها، فقال - ~~مستأنفا في جواب من كأنه سأل عن ذلك مؤكدا لما أمر به منها غاية التأكيد ~~مشيرا إلى عظمة هذا العلم بالتقدم في الإيصاء في أول آياته، والتحذير من ~~الضلال في آخرها، ورغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نصف العلم، وحذر ~~من إضاعته بأنه أول علم ينزع من الأمة: {يوصيكم الله} أي بما له من # PageV05P203 # العظمة الكاملة والحكمة البالغة، وبدأ بالأولاد لأن تعلق الإنسان بهم أشد ~~فقال: {في أولادكم} أي إذا مات مورثهم. # ولما كان هذا مجملا كان بحيث يطلب تفسيره، فقال جوابا لذلك بادئا بالأشرف ~~بيانا لفضله بالتقديم وجعله أصلا والتفضيل: {للذكر} أي منهم إذا كان معه ~~شيء من الإناث، ولم يمنعه مانع من قتل ولا مخالفة دين ونحوه {مثل حظ ~~الأنثيين} أي نصيب من شأنه أن يغني ويسعد، وهو الثلثان، إذا انفردتا ~~فللواحدة معه الثلث، فأثبت سبحانه للإناث حظا تغليظا ms0889 لهم من منعهن مطلقا، ~~ونقصهن عن نصيب الرجال تعريضا بأنهم أصابوا في نفس الحكم بانزالهن عن درجة ~~الرجال. # ولما بان سهم الذكر مع الأنثى بعبارة النص، واشعر ذلك بأن لهن إرثا في ~~الجملة وعند الاجتماع مع الذكر، وفهم بحسب إشارة النص وهي ما ثبت بنظمه، ~~لكنه غير مقصود، ولا سبق له النص - حكم الأنثيين إذا لم يكن معهن ذكر، وهو ~~أن لهما الثلثين، وكان ذلك أيضا مفهما لأن الواحدة غذا كان لها مع الأخ ~~الثلث كان لها ذلك مع الأخت إذا لم يكن ثم ذكر من باب الأولى، # PageV05P204 # فاقتضى ذلك أنهن إذا كن ثلاثا أو أكثر ليس معهم ذكر استغرقن التركة، وإن ~~كانت واحدة ليس معها ذكر لم تزد على الثلث؛ بين أن الأمر ليس كذلك - كما ~~تقدم - بقوله مبينا إرثهن حال الانفراد: {فإن كن} أي الوارثات {نساء} أي ~~إناثا. # ولما كان ذلك قد يحمل على أقل الجمع، وهو اثنتان حقيقة أو مجازا حقق ونفى ~~هذا الاحتمال بقوله: {فوق اثنتين} أي لا ذكر معهن {فلهن ثلثا ما ترك} أي ~~الميت، لا أزيد من الثلثين {وإن كانت} أي الوارثة {واحدة} أي منفردة، ليس ~~معها غيرها {فلها النصف} أي فقط. # ولما قدم الإيصاء بالأولاد لضعفهم إذا كانوا صغارا، وكان الوالد أقرب ~~الناس إلى الولد وأحقهم بصلته وأشدهم اتصالا به أتبعه حكمه فقال: {ولأبويه} ~~أي الميت، ثم فصل بعد أن أجمل ليكون الكلام آكد، ويكون سامعه إليه أشوق ~~بقوله مبدلا بتكرير العامل: {لكل واحد منهما} أي أبيه وأمه اللذين ثنيا ~~بأبوين # PageV05P205 # {السدس مما ترك} ثم بين شرط ذلك فقال: {إن كان له} أي الميت {ولد} أي ~~ذكر، فإن كانت أنثى أخذ الأب السدس فرضا، والباقي بعد الفروض حق عصوبة. # ولما بين حكمهما مع الأولاد تلاه بحالة فقدهم فقال: {فإن لم يكن له ولد} ~~أي ذكر ولا أنثى {وورثه أبواه} أي فقط {فلأمه الثلث} أي وللأب الباقي لأن ~~الفرض أنه لا وارث له غيرهما، ولما كان التقدير: هذا مع فقد الإخوة أيضا، ~~بني عليه ms0890 قوله: {فإن كان له إخوة} أي اثنان فصاعدا ذكورا أو لا، مع فقد ~~الأولاد {فلأمه السدس} أي لأن الإخوة ينقصونها عن الثلث إليه، والباقي ~~للأب، ولا شيء لهم، وأما الأخت الواحدة فإنها لا تنقصها إلى السدس سواء ~~كانت وارثة أو لا، وكذا الأخ إذا كان واحدا، ثم بين أن هذا كله بعد إخراج ~~الوصية والدين لأن ذلك سبق فيه حق الميت الذي جمع المال فقال: {من بعد وصية ~~يوصي بها} أي كما مندوب لكل ميت، وقدمها في الوضع على ما هو مقدم عليها في ~~الشرع بعثا على أدائها، لأن أنفس الورثة تشح بها، لكونها مثل مشاركتهم في ~~الإرث لأنها بلا عوض {أو دين} أي إن كان # PageV05P206 # عليه دين. # ولما كان الإنسان قد يرى أن بعض أقربائه من أصوله أو فصوله أو غيرهم أنفع ~~له، فأحب تفضيله فتعدى هذه الحدود لما رآه، وكان ما رآه خلاف الحق في الحال ~~أو في المآل، وكان الله تعالى هو المستأثر بعلم ذلك، ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم: «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما» الحديث لأن ~~القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف شاء؛ قال تعالى حاثا على ~~لزوم ما حده مؤكدا بالجملة الاعتراضية - كما هو الشأن في اعتراض - لأن هذه ~~القسمة مخالفة لما كانت العرب تفعله، وهي على وجوه لا تدرك عللها: {أبآؤكم ~~وأبنآؤكم} أي الذين فضلنا لكم إرثهم على ما ذكرنا {لا تدرون أيهم أقرب لكم ~~نفعا} أي من غيره، لأنه لا إحاطة لكم في علم ولا قدرة، فلو وكل الأمر في ~~القسمة إليكم لما وضعتم الأمور في أحكم مواضعها. # ولما بين أن الإرث على ما حده سبحانه وتعالى مؤكدا له بلفظ الوصية، وزاده ~~تأكيدا بما جعله اعتراضا بين الإيصاء وبين (فريضة) بين أنه على سبيل الحتم ~~الذي من تركه عصى، فقال ذاكرا مصدرا # PageV05P207 # مأخوذا من معنى الكلام: {فريضة من الله} أي الذي له الأمر كله، ثم زادهم ~~حثا على ذلك ورغبة فيه بقوله تعليلا لفريضته عليهم ms0891 مطلقا وعلى هذا الوجه: ~~{إن الله} أي المحيط علما وقدرة {كان} ولم يزل ولا يزال لأن وجود لا يتفاوت ~~في وقت من الأوقات، لأنه لا يجري عليه زمان، ولا يحويه مكان، لأنه خالقهما ~~{عليما} أي بالعواقب {حكيما *} أي فوضع لكم هذه الأحكام على غاية الإحكام ~~في جلب المنافع لكم ودفع الضر عنكم، ورتبها سبحانه وتعالى أحسن ترتيب، فإن ~~الوارث يتصل بالميت تارة بواسطة وهو الكلالة، وأخرى بلا واسطة، وهذا تارة ~~يكون بنسب، وتارة بصهر ونسب، فقدم ما هو بلا واسطة لشدة قربه، وبدأ منه ~~بالنسب لقوته، وبدأ منهم بالولد لمزيد الاعتناء به. # PageV05P208 # ولما كان الإرث بالمصاهرة أضعف من الإرث بالقرابة ذكره بعده، وقدمه على ~~الإرث بقرابة الأخوة تعريفا بالاهتمام به ولأنه بلا واسطة، وقدم منه الرجل ~~لأنه أفضل فقال: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} وبين شرط هذا بقوله: {إن لم يكن ~~لهن ولد} أي منكم أو من غيركم، ثم بين الحكم على التقدير الآخر فقال: {فإن ~~كان لهن ولد} أي وارث وإن سفل سواء كان ابنا أو بنتا {فلكم الربع مما تركن} ~~أي # PageV05P208 # تركت كل واحدة منهن، ويغسلها الزوج لأن الله أضافها إليه باسم الزوجية، ~~والأصل الحقيقة، ولا يضر حرمة جماعها بعد الموت وحل نكاح أختها وأربع ~~سواها، لأن ذلك لفقد المقتضي أو المانع وهو الحياة، وذلك لا يمنع علقة ~~النكاح المبيح للغسل - كما لم يمنعها لأجل العدة لو كان الفراق بالطلاق، ثم ~~كرر حكم الوصية اهتماما بشأنها فقال: {من بعد وصية يوصين بها} أي الأزواج ~~أو بعضهن، ولعله جمع إشارة إلى أن الوصية أمر عظيم ينبغي أن يكون مستحضرا ~~في الذهن غير مغفول عنه عند أحد من الناس {أو دين} . # ولما بين إرث الرجل أتبعه إرثها فقال معلما أنه على النصف مما للزوج - ~~كما مضى في الأولاد -: {ولهن} أي عددا كن أو لا {الربع مما تركتم} أي ~~يشتركن فيه على السواء إن كن عددا، وتنفرد به الواحدة إن لم يكن غيرها، ثم ~~بين شرطه بقوله: {إن لم يكن لكم ms0892 ولد} ثم بين حكم القسم الآخر بقوله: {فإن ~~كان لكم ولد} أي # PageV05P209 # وارث {فلهن الثمن مما تركتم} كما تقدم في الربع، ثم كرر الخروج عن حق ~~الموروث فقال: {من بعد وصية توصون بها أو دين} . # ولما فرغ من قسمي ما اتصل بالميت بلا واسطة أتبعه الثالث وهو ما اتصل ~~بواسطة، ولما كان قسمين، لأنه تارة يتصل من جهة الأم فقط وهم الأخياف، أمهم ~~واحدة وآباؤهم شتى، وتارة من جهة الأب فقط وهم العلات، أبوهم واحد وأمهاتهم ~~شتى، وتارة من جهة الأبوين وهم الأعيان، وكانت قرابة الأخوة أضعف من قرابة ~~البنوة؛ أكدها بما يقتضيه حالها، فجعلها في قصتين، ذكر إحداهما هنا إدخالا ~~لها في حكم الوصية المفروضة، وختم بالأخرى السورة لأن الختام من مظنات ~~الاهتمام. # ولما كانت قرابة الأم أضعف من قرابة الأب قدمها هنا دلالة على الاهتمام ~~بشأنها، وأن ما كانوا يفعلونه من حرمان الإناث خطأ وجور عن منهاج العدل، ~~فقال تعالى: {وإن كان} أي وجد {رجل يورث} ي من ورث حال كونه {كلالة} أي ذا ~~حالة لا ولد له فيها ولا والد، أو يكون يورث من: أورث - بمعنى أن إرث ~~الوارث بواسطة من مات كذلك: لا هو ولد للميت ولا والد، # PageV05P210 # ووارثه أيضا كلالة لأنه ليس بوالد ولا ولد، فالمورث كلالة وارثه، والوارث ~~كلالة مورثة؛ قال الأصبهاني: رجل كلالة، وامرأة كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ~~ولا يجمع، لأنه مصدر كالدلالة والوكالة، وهو بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوة ~~من الإعياء، وقد تطلق الكلالة على القرابة من غير جهة الولد والوالد، ومنه ~~قولهم: ما ورث المجد عن كلالة {أو} وجدت {امرأة} أي تورث كذلك، ويجوز أن ~~يكون (يورث) صفة، و (كلالة) خبر كان {وله} خبر كان {وله} أي للمذكور وهو ~~الموروث على أي الحالتين كان. # ولما كان الإدلاء بمحض الأنوثة يستوي بين الذكر والأنثى لضعفها قال {أخ ~~أو أخت} أي من الأم - بإجماع المفسرين، وهي قراءة أبي وسعد بن مالك رضي ~~الله عنهما {فلكل واحد منهما السدس} أي من تركته، من ms0893 غير فضل للذكر على ~~الأنثى. # ولما أفهم ذلك - أي بتحويل العبارة المذكورة من أن يقال: فله السدس - ~~أنهما إن كانا معا كان لهما الثلث، وكان ذلك قد يفهم أنه # PageV05P211 # إن زاد وارثه زاد الإرث عن الثلث نفاه بقوله: {فإن كانوا} أي ما أفهمه ~~(أخ أو أخت) من الوراث منهم {أكثر من ذلك} أي واحد، كيف كانوا {فهم شركاء} ~~أي بالسوية {في الثلث} أي المجتمع من السدسين اللذين تقدم أنهما بينهما، لا ~~يزادون على ذلك شيئا، ثم كرر الحث على مصلحة الميت بيانا للاهتمام بها ~~فقال: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} . # ولما كان الميت قد يضار ورثته، أو بعضهم بشيء يخرجه عنهم ظاهرا أو باطنا ~~كأن يقر بماله لأجنبي، أو بدين لا حقيقة له، أو بدين كان له بأنه استوفاه؛ ~~ختم الآية بالزجر عن ذلك بقوله: {غير مضار} مع ما تقدم من الإشارة إلى ذلك ~~أول القصة بقوله {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} [النساء: 11] ؛ قال ~~الأصبهاني: والإضرار في الوصية من الكبائر، ثم أكد ذلك بقوله مصدرا ~~ليوصيكم: {وصية من الله} أي الذي له الأمر كله مع تأكيده بجميع ما في ~~الآيات تعظيما للأمر باكتناف الوصية بأولها وأخرها، وهو دون الفريضة في حق ~~الأولاد، لأن حقهم آكد. # ولما بين سبحانه الأصول وفصل النزاع، وكان ذلك خلاف مألوفهم # PageV05P212 # وكان الفطام عن المألوف في الذروة من المشقة؛ اقتضى الحال الوعظ بالترغيب ~~والترهيب، فختم القصة بقوله: {والله} أي الجامع لصفات الكمال من الجلال ~~والجمال، وللإشارة إلى عظيم الوصية كرر هذا الاسم الأعظم في جميع القصة، ثم ~~قال: {عليم} أي فلا يخفى عليه أمر من خالف بقول أو فعل، نية أو غيرها {حليم ~~*} فهو من شأنه أن لا يعاجل بالعقوبة فلا يغتر بإمهاله، فإنه إذا أخذ بعد ~~طول الأناة لم يفلت فاحذروا غضب الحليم! وفي الوصفين مع التهديد استجلاب ~~للتوبة. # PageV05P213 # ولما كان فطم أنفسهم عن منع الأطفال والنساء شديدا عليهم لمرونهم عليه ~~بمرور الدهور الطويلة على إطباقهم على فعله واستحسانهم له أتبعه سبحانه ms0894 ~~الترغيب والترهيب لئلا يغتر بوصف الحليم، فقال معظما للأمر بأداة البعد ~~ومشيرا إلى جميع ما تقدم من أمر المواريث والنساء واليتامى وغيره: {تلك} أي ~~هذه الحدود الجليلة النفع العظيمة الجدوى المذكورة من أول هذه السورة، بل ~~من أول القرآن {حدود الله} أي الملك الأعظم، فمن راعاها - ولو لم يقصد # PageV05P213 # طاعته، بل رفعا لنفسه عن دناءة الإخلاد إلى الفاني ومعرة الاستئثار على ~~الضعيف المنبىء عن البخل وسفول الهمة - نال خيرا كبيرا، فإنه يوشك أن يجره ~~ذلك إلى أن يكون ممن يطيع الله {ومن يطع الله} الحائز لصفتي الجلال ~~والإكرام {ورسوله} أي في جميع طاعاته هذه وغيرها، بالإقبال عليها وترك ما ~~سواها لأجله سبحانه؛ قال الأصبهاني: «من» عام ووقوعه عقيب هذه التكاليف ~~الخاصة لا يخصصه. # ولما تشوف السامع بكليته إلى الخبر التفت إليه تعظيما للأمر - على قراءة ~~نافع وابن عامر بالنون - فقال: {ندخله جنات} أي بساتين، وقراءة الجماعة ~~بالياء عظيمة أيضا لبنائها على الاسم الأعظم وإن كانت هذه أشد تنشيطا بلذة ~~الالتفات {تجري من تحتها الأنهار} أي لأن أرضها معدن المياه، ففي أي موضع ~~أردت جرى نهر. فهي لا تزال يانعة غضة، وجمع الفائزين بدخول الجنة في قوله: ~~{خالدين فيها} تبشيرا بكثرة الواقف عند هذه الحدود، ولأن منادمة الإخوان من ~~أعلى نعيم الجنان. # PageV05P214 # ولما كان اختصاصهم بالإرث عن النساء والأطفال من الفوز عندهم، بل لم يكن ~~الفوز العظيم عندهم إلا الاحتواء على الأموال وبلوغ ما في البال منها من ~~الآمال قال تعالى معظما بأداة البعد: {وذلك} أي الأمر العالي المرتبة من ~~الطاعة المندوب إليها {الفوز العظيم *} أي لا غيره من الاحتواء على ما لم ~~يأذن به الله، وهذا أنسب شيء لتقديم الترغيب لتسمح نفوسهم بترك ما كانوا ~~فيه مع ما فيه من التلطف بهذه الأمة والتبشير له صلى الله عليه وسلم بأنها ~~مطيعة راشدة. # ولما أشربت القلوب الصافية ذوات الهمم العالية حب نيل هذا الفوز أتبعه ~~الترهيب فطما لها عن تلك الفوائد بالكلية فقال: {ومن يعص الله} أي الذي له ~~العظمة كلها ms0895 {ورسوله} أي في ذلك وغيره {ويتعد حدوده} أي التي حدها في هذه ~~الأحكام وغيرها، وأفرد العاصي في النيران في قوله: {يدخله نارا خالدا فيها} ~~لأن الانفراد المقتضي للوحشة من العذاب والهوان، ولما كان منعهم للنساء ~~والأطفال من الإرث استهانة بهم ختم الآية بقوله: {وله عذاب مهين *} . # ولما تقدم سبحانه في الإيصاء بالنساء، وكان الإحسان في الدنيا تارة يكون ~~بالثواب، وتارة يكون بالزجر والعتاب، لأن مدار الشرائع على العدل والإنصاف، ~~والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط # PageV05P215 # والتفريط، وختم سبحانه بإهانة العاصي إحسانا إليه بكفه عن الفساد، لئلا ~~يلقيه ذلك إلى الهلاك أبد الآباد، وكان من أفحش العصيان الزنى، وكان الفساد ~~في النساء أكثر، والفتنة بهن أكبر، والضرر منهن أخطر، وقد يدخلن على الرجال ~~من يرث منهم من غير أولادهم؛ قدمهن فيه اهتماما بزجرهن فقال: {واللاتي} وهو ~~جمع «التي» ولعله عبر فيهن بالجمع إشارة إلى كثرتهن - كما أشار إلى ذلك # {مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] وإلى كثرة الفساد منهن {يأتين} أي يفعلن ~~- من إطلاق السبب على المسبب، والتعبير به أبلغ {الفاحشة} أي الفعلة ~~الشديدة الشناعة، وفي الآية - لأن من أعظم المرادات بنظمها عقب آيات الإرث ~~وما تقدمها الاحتياط للنسب - إشارة بذكر عقوبة الزانية من غير تعرض لإرث ~~الولد الآتي منها إلى أن الولد للفراش، وأنه لا ينفي بالمظنة، بل بعد ~~التحقق على ما في سورة النور، لأنه لا يلزم من وجود الزنى نفيه، وكونه من ~~الزنى، قال ابو حيان في النهر: والفاحشة هنا الزنى بإجماع المفسرين إلا ما ~~ذهب إليه مجاهد وتبعه أبو مسلم الأصفهاني من أنها المساحقة، ومن الرجال ~~اللواط، ثم بين الموصول بقوله: # PageV05P216 # {من نسائكم} أي الحرائر {فاستشهدوا} أي فاطلبوا أن تشهدوا {عليهن أربعة} ~~من الرجال. # ولما كان تعالى قد جعل هذه الأمة وسطا يقبلون على غيرهم ولا يقبل غيرهم ~~عليهم قال: {منكم} أي من عدول المسلمين بأنهن فعلنها {فإن شهدوا} أي بذلك ~~{فأمسكوهن} أي فاحبسوهن {في البيوت} أي وامنعوهن من الخروج، فإن ذلك أصون ~~لهن، وليستمر هذا المنع {حتى ms0896 يتوفاهن الموت} أي يأتيهن وهن وافيات الأعراض ~~{أو يجعل الله} المحيط علمه وحكمته {لهن سبيلا *} اي للخروج قبل الموت ~~بتبين الحد أو بالنكاح، وإن لم يشهد الأربعة لم يفعل بهن ذلك وإن تحقق ~~الفعل. # PageV05P217 # ولما ذكر أمر النساء أتبعه حكم الرجال على وجه يعم النساء أيضا فقال: ~~{والذان} وهو تثنية «الذي» وشدد نونه ابن كثير تقوية له ليقرب من الأسماء ~~المتمكنة {يأتيانها منكم} أي من بكر أو ثيب، أو رجل أو امرأة، ويثبت ذلك ~~بشهادة الأربعة - كما تقدم {فآذوهما} وقد بين مجمل الأذى الصادق باللسان ~~وغيره آية الجلد وسنة الرجم {فإن تابا} أي بالندم والإقلاع والعزم على عدم ~~العود {وأصحا} # PageV05P217 # أي بالاستمرار على ما عزما عليه، ومضت مدة علم فيها الصدق في ذلك ~~{فأعرضوا عنهما} أي عن أذاهما، وهو يدل على أن الأذى باللسان يستمر حتى ~~يحصل الاستبراء، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال ~~{كان توابا} أي رجاعا بمن رجع عن عصيانه إلى ما كان فيه من المنزلة {رحيما ~~*} أي يخص من يشاء من عباده بالتوفيق لما يرضاه له، فتخلقوا بفعله سبحانه ~~وارحموا المذنبين إذا تابوا، ولا يكن أذاكم لهم إلا لله ليرجعوا، وليكن ~~أكثر كلامكم لهم الوعظ بما يقبل بقلوبهم إلى ما ترضاه الإلهية، ويؤيده أن ~~المراد بهذا البكر والثيب من الرجال والنساء تفسير النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقوله فيما رواه مسلم والأربعة والدارمي عن عبادة بن الصامت رضي الله ~~عنه «قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب ~~بالثيب جلد مائة والرجم» فالحديث مبين لما أجمل في الآية من ذكر السبيل. # ولما ختم ذلك بذكر توبة الزناة، وكان الحامل على الزنى - على ما يقتضيه ~~الطبع البشري - شدة الشبق وقلة النظر في العواقب، وكان # PageV05P218 # ذلك إنما هو في الشباب؛ وصل بذلك قوله تعالى معرفا بوقت التوبة وشرطها ~~مرغبا في تعجيلها مرهبا من تأخيرها: {إنما التوبة} وهي رجوع العبد عن ~~المعصية اعتذارا إلى الله تعالى، والمراد هنا قبولها، سماه ms0897 باسمها لأنها ~~بدون القبول لا نفع لها، فكأنه لا حقيقة لها. # ولما شبه قبوله لها بالواجب من حيث إنه بها، لأنه لا يبدل القول لديه؛ ~~عبر بحرف الاستعلاء المؤذن بالوجوب حثا عليها وترغيبا فيها فقال: {على ~~الله} أي الجامع بصفات الكمال {للذين يعملون السوء} أي سوء كان من فسق أو ~~كفر، وقال: {بجهالة} إشارة إلى شدة قبح العصيان، لا سيما الزنى من المشايخ، ~~لإشعار السياق ترهيبا بأن الأمر فيهم ليس كذلك - كما صرح به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما رواه البزار بإسناد جيد عن سلمان رضي الله عنه «ثلاثة لا ~~يدخلون الجنة: الشيخ الزاني، والإمام الكذاب، والعائل المزهو» وهو في مسلم ~~وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه # «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر» وهو عن كثير من الصحابة من طرق ~~كثيرة، وذلك لأن حضور الموت بالقوة القريبة من الفعل # PageV05P219 # وإضعاف القوى الموهنة لداعية الشهوة قريب من حضوره بالفعل، وذلك ينبغي أن ~~يكون مذهبا لداعية الجهل، ماحقا لعرامة الشباب، سواء قلنا: إن المراد ~~بالجهالة ضد الحلم، أو ضد العلم؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: قال ~~أبو عبد الله - يعني القزاز: والجاهلية الجهلاء اسم وقع على أهل الشرك يكون ~~مأخوذا من الجهل الذي هو ضد العلم والذي هو ضد الحلم قال وأصل الجهل من ~~قولهم: استجهلت الريح الغصن - إذا حركته، فكأن الجهل إنما هو حركة تخرج عن ~~الحق والعلم - انتهى. فالمعنى حينئذ: يعملون السوء ملتبسين بسفه أو بحركة ~~وخفة أخرجتهم عن الحق والعلم فكانوا كأنهم لا يعلمون - بعملهم عمل أهل ~~الجاهلية الذين لا يعلمون، وزاد في التنفير من مواقعة السوء والتحذير ~~بقوله: {ثم يتوبون} أي يجددون التوبة. # ولما كان المراد الترغيب فيها ولو قصر زمنها بمعاودة الذنب أثبت الجار ~~فقال: {من} أي من بعض زمان {قريب} أي من زمن المعصية وهم في فسحة من الأجل، ~~وذلك كناية عن # PageV05P220 # عدم الإصرار إلى الموت، ولعله عبر ms0898 بثم إشارة إلى بعد التوبة ولا سيما مع ~~القرب ممن واقع المعصية، لأن الغالب أن الإنسان إذا ارتبك في حبائلها لا ~~يخلص إلا بعد عسر، ولذلك أشار إلى تعظيمهم بأداة البعد في قوله - مسببا عن ~~توبتهم واعدا أنه فاعل ما أوجبه على نفس لا محالة من غير خلف وإن كان لا ~~يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء: {فأولئك} أي العظيمو الرتبة الصادقو ~~الإيمان {يتوب الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عليهم} أي يردهم إلى ما ~~كانوا فيه عندهم من مكانة القرب قبل مواقعة الذنب {وكان الله} أي المحيط ~~علما وقدرة {عليما} أي بالصادقين في التوبة والكاذبين وبنياتهم، فهو ~~يعاملهم بحسب ما يقتضيه حالهم {حكيما} فهو يضع الأشياء في أحكم محل لها، ~~فمهما فعله لم يمكن نقضه. # ولما بين سبحانه المقبول أتبعه المطرود فقال: {وليست التوبة} أي قبولها ~~{للذين يعملون السيئات} أي واحدة بعد أخرى مصرين عليها فسقة كانوا أو كفرة، ~~غير راجعين من قريب، بل يمهلون {حتى إذا حضر} ولما كان تقديم المفعول - على ~~وجه يجوز كل سامع وقوعه عليه - أهول، لكونه يصير مرتقبا حال فاعله، خائفا ~~من عاقبته قال: {أحدهم الموت} أي بأن وصل إلى حد الغرغرة، وهي # PageV05P221 # حالة المعاينة {قال} أي بلسانه كفرعون، أو قلبه {إني تبت الآن} فبين أن ~~ما قبل الاحتضار قريب مع الترغيب في المسارعة جدا بالتعبير بقريب {ولا ~~الذين} أي وليست التوبة للذين {يموتون وهم كفار} حقيقة أو مجازا، من غير أن ~~يتوبوا، ولا عند الغرغرة، فسوى بين الفسق والكفر تنفيرا من الفسق لصعوبة ~~النزع عنه بعد مواقعته، ولذلك جمعهما في العذاب بقوله - جوابا لمن كأنه ~~قال: فما جزاء هذين الصنفين: {أولئك} أي البعداء من الرحمة، الذين لم ~~يتوبوا إلا حال الغرغرة، والذين ماتوا مصرين {أعتدنا} أي هيأنا وأحضرنا ~~{لهم عذابا} ولما كان تأخير التوبة لذة نفسانية ختم بقوله: {أليما *} أي ~~نعذب به الكافرين ومن شئنا من عصاة المؤمنين، لأن توبتهم في تلك الحالة ~~عدم، والميت من غير توبة من المؤمنين في ms0899 المشيئة. # PageV05P222 # ولما انقضى ما تخلل ذكر النساء الوالدات للوراث، وختمه بهذا التهديد ~~الهائل لمن فعل ما لا يحل له؛ وصل الكلام فيهن بأمر من فعله، فهو زان مصر ~~على الزنى إلى الموت إن اعتقد حرمته، أو كافر # PageV05P222 # إن اعتقد حله، فقال مشيرا بتخصيص المؤمنين عقب {ولا الذين يموتون وهم ~~كفار} [النساء: 18] إلى أنه لا يرث كافر من مسلم، وإلا لقال: يا أيها الناس ~~- مثلا، منفرا من ذلك بالتقييد بما هو لأدنى الإيمان: {يا أيها الذين ~~آمنوا} أي فوقف بهم الإيمان عند زواجرنا {لا يحل لكم أن ترثوا النساء} أي ~~مالهن {كرها} أي كارهين لهن، لا حامل لكم على نكاحهن إلا رجاء الإرث، وذلك ~~أنهم كانوا ينكحون اليتامى لمالهن، وليس لهم فيهن رغبة إلا تربص الموت لأخذ ~~مالهن ميراثا - كما سيأتي في تفسير {ويستفتونك في النساء} [النساء: 127] أو ~~يكون الفعل واقعا على نفس النساء، ويكون (كرها) على هذا حالا مؤكدة، أي ~~كارهات، أو ذوات كره، وذلك لأن الرجل كان إذا مات وله امرأة جاء ابنه من ~~غيرها أو قريبه من عصبته فيلقي ثوبه عليها، فيصير أحق بها من نفسها ومن ~~غيرها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن ~~شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج، يضارها ~~لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، وكان أهل المدينة على ~~هذا حتى توفي # PageV05P223 # أبو قيس بن الأسلت، ففعل ابنه حصن هذا مع زوجة له، فشكت ذلك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية، روى البخاري في التفسير عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال؛ «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق ~~بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، ~~وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك {لا يحل لكم أن ترثوا النساء ~~كرها} » ولهذا أتبعه سبحانه قوله: {ولا تعضلوهن} أي تمنعوهن من التزوج بعد ~~طلاقكم لهن أو بعد موت أزواجهن، أوتشددوا ms0900 عليهن بالمضارة وهن في حبائلكم؛ ~~قال البيضاوي: وأصل العضل: التضييق، يقال عضلت الدجاجة بيضها - انتهى. ~~والظاهر أن مدار مادته إنما هو على الاشتداد، من عضلة الساق، وهي اللحمة ~~التي في باطنه، ونقل عبد الحق أنها كل لحم اجتمع، قال: وقال الخليل: كل ~~لحمة اشتملت على عصبة - انتهى. وتارة يكون الاشتداد ناظرا إلى المنع، وتارة ~~إلى الغلبة والضيق، ثم علل ذلك بقوله: {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} أي أنتم ~~إن كن أزواجا لكم، أو مورثوكم إن كن أزواجا لهم وعضلتموهن بعدهم، ليذهب ذلك ~~بسبب إنفاقهن له على أنفسهن في زمن العضل، # PageV05P224 # أو بسبب افتدائهن لأنفسهن به منكم، ثم استثنى من تحريم العضل في جميع ~~الحالات فقال: {إلا أن} أي لا تفعلوا ذلك لعلة من العلل إلا لعلة أن {يأتين ~~بفاحشة} أي فعلة زائدة القبح {مبينة} أي بالشهود الأربعة إن كانت زنى ~~فاعضلوهن بالإمساك في البيوت - كما مضى - لأن من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب ~~بحرمانه، أو بمن يقبل من الشهود إن كانت نشوزا وسوء عشرة، فلكم العضل حينئذ ~~إلى الصلاح أو الافتداء بما تطيب به النفس، والأنسب لسياق الأمر في ~~{وعاشروهن} أن يكون {تعضلوهن} منهيا، لا معطوفا على «أن ترثوا» {بالمعروف} ~~أي من القول والفعل بالمبيت والنفقة والموادة قبل الإتيان بالفاحشة {فإن} ~~أي إن كنتم لا تكرهونهن فالأمر واضح، وإن {كرهتموهن} فلا تبادروا إلى ~~المضاجرة أو المفارقة، واصبروا عليهن نظرا لما هو الأصلح، لا لمجرد الميل ~~النفسي، فإن الهوى شأنه أن لا يدعو إلى خير ثم دل على هذه العلة بقوله: ~~{فعسى} ولوضوح دلالتها على ذلك صح جعلها جوابا للشرط {أن تكرهوا شيئا} أي ~~من الأزواج أو غيرها، لم يقيده سبحانه تعميما تتميما للفائدة {ويجعل الله} ~~أي المحيط علما وقدرة، وغيب بحكمته علمكم العواقب # PageV05P225 # لئلا تسكنوا إلى مألوف، أو تنفروا من مكروه {فيه خيرا كثيرا *} . # ولما نهى عن العضل تسببا إلى إذهاب بعض ما أعطيته المرأة أتبعه التصريح ~~بالنهي عن أخذ شيء منه في غير الحالة التي أذن فيها في المضارة فقال: ms0901 {وإن} ~~أي إن لم تعضلوا المرأة، بل {أردتم استبدال زوج} أي تنكحونها {مكان زوج} أي ~~فارقتموها أو لا، ولم يكن من قبلنا ما يبيح الضرار. # ولما كان المراد بزوج الجنس جمع في قوله: {وآتيتم إحداهن} أي إحدى النساء ~~اللاتي وقع الإذن لكم في جمعهن في النكاح سواء كانت بدلا أو مستبدلا بها ~~{قنطارا} أي مالا جما {فلا تأخذوا منه شيئا} أي بالمضارة عن غير طيب نفس ~~منها، ولا سبب مباح، ثم عظم أخذه باستفهام إنكار وتوبيخ فقال: {أتأخذونه} ~~أي على ذلك الوجه، ولما تقدم أن من صور الغصب على الافتداء حال الإتيان ~~بالفاحشة شبه الأخذ في هذه الحالة التي لا سبب لها بالأخذ في تلك الحالة، ~~فجعل الأخذ على هذه الصورة قائما # PageV05P226 # مقام القذف بما لا حقيقة له فلذلك قال: {بهتانا وإثما مبينا *} أي كذوي ~~بهتان في أخذه وإثم مبين - لكونه لا سبب له - يورث شبهة فيه، ثم غلظ ذلك ~~باستفهام آخر كذلك فقال: {وكيف تأخذونه وقد} أي والحال أنه قد {أفضى} أي ~~بالملامسة {بعضكم إلى بعض} أي فكدتم أن تصيروا جسدا واحدا {وأخذن} أي ~~النساء {منكم} أي بالإفضاء والاتحاد {ميثاقا غليظا *} قويا عظيما، أي بتقوى ~~الله في المعاشرة بالإحسان وعدم الإساءة، لأن مبنى النكاح على ذلك وإن لم ~~يصرح به فيه. # PageV05P227 # ولما كرر ذكر الإذن في نكاحهن وما تضمنه منطوقا مفهوما، وكان قد تقدم ~~الإذن في نكاح ما طاب من النساء، وكان الطيب شرعا قد يحمل على الحل؛ مست ~~الحاجة إلى ما يحل منهن لذلك وما يحرم فقال: {ولا تنكحوا} أي تتزوجوا ~~وتجامعوا {ما نكح} أي بمجرد العقد في الحرة، وبالوطء في ملك اليمين ~~{آبآؤكم} وبين {ما} بقوله: {من النساء} أي سواء كانت إماء أو لا، بنكاح أو ~~ملك يمين، وعبر بما دون «من» لما في النساء غالبا من السفه المدني لما لا ~~يعقل. # ولما نهى عن ذلك فنزعت النفوس عما كان قد ألف بهاؤه # PageV05P227 # فلاح أنه في غاية القباحة وأن الميل إليه إنما هو شهوة بهيمية لا شيء ms0902 ~~فيها من عقل ولا مروة، وكانت عادتهم في مثل ذلك مع التأسف على ارتكابه ~~السؤال عما مضى منه - كما وقع في استقبال بيت المقدس وشرب الخمر؛ أتبعه ~~الاستثناء من لازم الحكم وهو: فإنه موجب لمقت من ارتكبه وعقابه فقال: {إلا ~~ما قد سلف} أي لكم من فعل ذلك في أيام الجاهلية كما قال الشافعي رحمه الله ~~في الأم، قال السهيلي في روضه: وكان ذلك مباحا في الجاهلية لشرع متقدم، ولم ~~يكن من الحرمات التي انتهكوها. ثم علل النهي بقوله: {إنه} اي هذا النكاح ~~{كان} أي الآن وما بعده كونا راسخا {فاحشة} أي والفاحشة لا يقدم عليها تام ~~العقل {ومقتا} أي أشر ما يكون بينكم وبين ذوي الهمم لما انتهكتم من حرمة ~~آبائكم {وساء سبيلا *} أي قبح طريقا طريقه. # ولما ابتدأ بتعظيم الآباء واحترامهم في أن ينكح الأبناء أزواجهم على ~~العموم ثنى بخصوص الأم بقوله: {حرمت عليكم} ولما كان أعظم مقصود من النساء ~~النكاح، فكان إضافة التحريم إلى أعيانهن إفادة التأكيد غير قادح في فهمه، ~~وكان مع ذلك قد تقدم ما يدل # PageV05P228 # على أن المراد النكاح؛ أسند التحريم إلى الذات تأكيدا للتحريم فقال: ~~{أمهاتكم} أي التمتع بهن بنكاح أو ملك يمين، فكان تحريمها مذكورا مرتين ~~تأكيدا له وتغليظا لأمره في نفسه واحتراما للأب وتعظيما لقدره {وبناتكم} أي ~~وإن سفلن لما في ذلك من ضرار أمهاتهن، وهذان الصنفان لم يحللن في دين من ~~الأديان {وأخواتكم} أي أشقاء أو لا {وعماتكم} كذلك {وخالاتكم} أيضا، ~~والضابط لهما أن كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك، وقد تكون من جهة الأم ~~وهي أخت أبي أمك؛ وكل أنثى رجع نسبك إليها بالولادة فأختها خالتك، وقد تكون ~~الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك {وبنات الأخ} شقيقا كان أو لا {وبنات ~~الأخت} أي كذلك، وفروعهن وإن سفلن. # ولما انقضى أمر النسب وهو سبعة أصناف أتبعه أمر السبب وهو ثمانية: أوله ~~أزواج الآباء، أفردها وقدمها تعظيما لحرمتها، لما كانوا استهانوا من ذلك، ~~وآخره المحصنات، وبدأ من هذا ms0903 القسم بالأم من الرضاع كما بدأ النسب بالأم ~~فقال: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} تنزيلا له منزلة النسب، ولذلك سماها أما، ~~فكل أنثى انتسب باللبن # PageV05P229 # إليها فهي أمك، وهي من أرضعتك، أو أرضعت امرأة أرضعتك، أو رجلا أرضعك ~~بلبانه من زوجته أو أم ولده، وكل امرأة ولدت امرأة أرضعتك أو رجلا أرضعك ~~فهي أمك من الرضاعة والمراضعة أختك، وزوج المرضعة الذي أرضعت هي بلبانه ~~أبوك وأبواه جداك، وأخته عمتك، وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع ~~وبعده إخوة الأب، وأم المرضعة جدتك، وأختها خالتك، وكل من ولد لها من هذا ~~الزوج إخوة لأب وأم، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم، فعلى ذلك ~~ينزل قوله: {وأخواتكم من الرضاعة} كما في النسب بشرط أن يكون خمس رضعات وفي ~~الحولين، وبتسمية المرضعة أما والمشاركة في الرضاع أختا علم أن الرضاع ~~كالنسب. كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «يحرم من الرضاع ما يحرم ~~من النسب» فالصورتان منبهتان على بقية السبع؛ الأم منبهة على البنت بجامع ~~الولادة، والأخوات على العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت بجامع ~~الأخوة. # ولما انقضى ما هو كلحمة النسب أتبعه أمر بالمصاهرة فقال: # PageV05P230 # {وأمهات نسائكم} أي دخلتم بهن أو لا - لما في ذلك من إفساد ذات البين ~~غالبا {وربائبكم} وذكر سبب الحرمة فقال: {اللاتي في حجوركم} أي بالفعل أو ~~بالقوة - لما فيهن من شبه الأولاد {من نسائكم} ولما كانت الإضافة تسوغ في ~~اللغة بأدنى ملابسة بين سبحانه أنه لا بد من الجماع الذي كنى عنه بالدخول ~~لأنه ممكن لحكم الأزواج الذي يصير به أولادها كأولاده فقال: {اللاتي دخلتم ~~بهن} قيد بالدخول لأن غيرة الأم من ابنتها دون غيرة البنت من أمها. # ولما أشعر هذا القيد بحل بنت من عقد عليها ولم يدخل بها أفصح به تنبيها ~~على عظيم حرمة الإرضاع فقال: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن} أي الأمهات {فلا ~~جناح عليكم} أي في نكاحهن؛ ولما افتتح المحرمات على التأبيد بزوجة الأب ~~ختمها بزوجة الولد فقال: {وحلائل ms0904 أبنائكم} أي زوجة كانت أو موطوءة بملك ~~يمين؛ ولما لم يكن المتبنى مرادا قيد بقوله: {الذين من أصلابكم} أي وإن ~~سفلوا، ودخل ما بالرضاع لأنه كلحمة النسب فلم يخرجه القيد. # ولما انقضى التحريم المؤبد أتبعه الموقت فقال: {وأن} أي وحرم عليكم أن ~~{تجمعوا} بعقد نكاح لأن مقصوده الوطء، # PageV05P231 # أو بوطء في ملك يمين {بين الأختين} فإن كانت إحداهما منكوحة والأخرى ~~مملوكة حلت المنكوحة وحرمت المملوكة ما دام الحل، لأن النكاح أقوى، فإذا ~~زال الحل حلت الأخرة ولو في عدة التي كانت حلالا. # ولما كان الجمع بين الأختين شرعا قديما قال: {إلا ما قد سلف} أي فإنه لا ~~إثم عليكم فيه رحمة من الله لكم، ثم علل رفع حرجه فقال: {إن الله} أي ~~المحيط بصفات الكمال {كان غفورا} أي ساترا لما يريد من أعيان الزلل وآثاره ~~{رحيما *} أي معاملا بغاية الإكرام الذي ترضاه الإلهية. # PageV05P232 # ولما ذكر مضارة الجمع أتبعه مضارة الإغارة على الحق والأول جمع بين ~~المنكوحين وهذا جمع بين الناكحين فقال - عاطفا على النائب عن فاعل {حرمت} : # PageV05P232 # {والمحصنات} أي الحرائر المزوجات لأنهن منعت فروجهن بالنكاح عن غير ~~الأزواج {من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} أي من أزواج أهل الحرب، فإن الملك ~~بالأسر يقطع النكاح. # ولما أتم ذلك قال مؤكدا له ومبينا عظمته: {كتاب الله} أي خذوا فرض الملك ~~الأعظم الذي أوجبه عليكم إيجاب ما هو موصول في الشيء بقطعه منه، والزموه ~~غير ملتفتين إلى غيره، وزاد في تأكيده بأداة الوجوب فقال: {عليكم} ولما ~~أفهم ذلك حل ما سواه أفصح به احتياطا للإيضاح وتعظيما لحرمتها في قوله: ~~{وأحل لكم} وبين عظمة هذا التحريم بأداة البعد فقال: {ما وراء ذلكم} أي ~~الذي ذكر لكم من المحرمات العظيمة. # ولما كان الكلام في المنع لمن يصرح بالفاعل بل قال؛ «حرمت» - ترفقا في ~~الخطاب حثا على الآداب، فلما وصل الأمر إلى الحل أظهره تطييبا للقلوب ~~وتأنيسا للنفوس في قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر بفتح الهمزة ~~والحاء، وأبهمه في قراءة الباقين على نسق ms0905 {حرمت} لأن فاعل الحل والحرمة عند ~~أهل هذا الكتاب معروف أنه الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه أصلا، ثم أتبع ~~التحليل علته فقال: {أن} أي إرادة أن {تبتغوا} أي تطلبوا متبعين من شئتم ~~مما أحل لكم {بأموالكم} اللاتي تدفعونها مهورا # PageV05P233 # حال كونكم {محصنين} أي قاصدين بذلك العفة لأنفسكم ولهن {غير مسافحين} أي ~~قاصدين قضاء الشهوة وصب الماء الدافق لذلك فقط، وهو على هذا الوجه لا يكون ~~إلا زنى سرا وجهرا، فيكون فيه حينئذ إضاعة المال وإهلاك الدين، ولا مفسدة ~~أعظم مما يجمع هذين الخسرانين. # ولما تقدم أول السورة وأثناءهها الأمر بدفع الصداق والنهي عن أخذ شيء مما ~~دفع إلى المرأة، وكان ذلك أعم من أن يكون بعد الدخول أو قبله، مسمى أو لا ~~قال هنا مسببا عن الابتغاء المذكور: {فما استمتعتم} أي أوجدتم المتاع وهو ~~الانتفاع {به منهن} بالبناء بها، متطلبين لذلك من وجوهه الصحيحة راغبين فيه ~~{فآتوهن أجورهن} أي عليه كاملة، وهي المهور {فريضة} أي حال كونها واجبة من ~~الله ومسماة مقدرة قدرتموها على أنفسكم، ويجوز كونه تأكيدا لآتوا بمصدر من ~~معناه {ولا جناح} أي حرج وميل {عليكم فيما تراضيتم به} أي أنتم والأزواج ~~{من بعد الفريضة} أي من طلاق أو فراق أو زيادة أو نقص إن كانت موجودة ~~مقدرة، أو من مهر المثل من بعد تقديره إن لم تكن مسماة فيمن عقد عليها من ~~غير تسمية صداق. # ولما ذكر في هذه الآيات أنواعا من التكاليف هي في غاية الحكمة، والتعبير ~~عنها في الذروة العليا من العظمة، وختمها بإسقاط الجناح عند الرضى وكان ~~الرضى أمرا باطنا لا يطلع عليه حقيقة إلا الله تعالى، # PageV05P234 # حث على الورع في شأنه بنوط الحكم بغلبة الظن فقال مرغبا في امتثال أوامره ~~ونواهيه: {إن الله} أي الذي له الإحاطة التامة علما وقدرة {كان عليما} أي ~~بمن يقدم متحريا لرضى صاحبه أو غير متحر لذلك {حكيما *} أي يضع الأشياء في ~~أمكن مواضعها من الجزاء على الذنوب وغيره. # PageV05P235 # ولما مضى ذلك على هذا الوجه الجليل ms0906 عرف أنه كله في الحرائر لأنه الوجه ~~الأحكم في النكاح، وأتبعه تعليم الحكمة في نكاح الإماء؛ فقال عاطفا على ما ~~تقديره: هذا حكم من استطاع نكاح حرة: {ومن لم يستطع منكم} أي أيها المؤمنون ~~{طولا} أي سعة وزيادة عبر فيما قبله بالمال تهوينا لبذله بأنه ميال، لا ~~ثبات له، وهنا بالطول الذي معناه: التي قل من يجدها {أن} أي لأن {ينكح ~~المحصنات} أي الحرائر، فإن الحرة مظنة العفة الجاعلة لها فيما هو كالحصن ~~على مريد الفساد، لأن العرب كانوا يصونونهن وهن أنفسهن عن أن يكن كالإماء ~~{المؤمنات} بسبب كثرة المؤنة وغلاء المهر {فمن} أي فلينكح إن أراد من {ما ~~ملكت أيمانكم} أي مما ملك غيركم من المؤمنين {من فتياتكم} أي إمائكم، ~~وأطلقت الفتوة - # PageV05P235 # وهي الشباب - على الرقيق لأنه يفعل ما يفعل الشاب لتكليف السيد له إلى ~~الخدمة وعدم توقيره وإن كان شيخا، ثم وضح المراد بالإضافة فقال: {المؤمنات} ~~أي لا من الحرائر الكافرات ولا مما ملكتم من الإماء الكافرات ولا مما ملك ~~الكفار حذرا من مخالطة كافرة خوفا من الفتنة - كما مضى في البقرة، ولئلا ~~يكون الولد المسلم بحكم تبعية أمه في الرق ملكا لكافر، هذا ما تفهمه ~~العبارة ولكنهم قالوا: إن تقييد المحصنات بالمؤمنات لا مفهوم له، وإلا لصار ~~نكاح الحرة الكتابية المباح بآية المائدة مشروطا بعقد مسلمة، حرة كانت أو ~~أمة، ولم يشترط ذلك؛ ومذهب الشافعي أنه لا يجوز نكاح الأمة مع القدرة على ~~حرة كتابية، والظاهر أن فائدة التقييد الندب إلى مباعدة الكفار فلا ينكح ~~منهن إلا لضرورة، فكأن هذه سورة المواصلة، أسقط فيها أهل المباعدة، ~~والمائدة سورة تمام الدين، فذكر فيها ما يجوز لأهله فلا ضرر في القيد، لأن ~~المفهوم لا يقوى لمعارضة المنطوق مع ما فيه من فائدة الندب إلى الترك، وهذا ~~كما أن قيد الإحصان هنا للندب إلى عدم نكاح الزواني مع جوازه بآية النور ~~{وانكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] كما يأتي بيانه هناك إن شاء الله ~~تعالى. # PageV05P236 # ولما شرط في هذا النكاح الإيمان، وعبر ms0907 فيه بالوصف، وكان أمرا قلبيا، لا ~~يطلع على حقيقته إلا الله؛ أعقبه ببيان أنه يكتفى فيه بالظاهر فقال: ~~{والله} أي الذي له الإحاطة التامة بالمعلومات والمقدورات {أعلم بإيمانكم} ~~فربما ظهر ضعف إيمان أحد والباطن بخلافه، لكن في التعبير به وبالوصف لا ~~بالفعل إرشاد إلى مزيد التحري من جهة الدين «فاظفر بذات الدين، تربت يداك!» ~~. ولما اشترط الدين كان كأنه قيل: فالنسب؟ فأشير إلى عدم اشتراطه بقوله: ~~{بعضكم من بعض} أي كلكم من آدم وإن تشعبتم بعده {فانكحوهن} أي بشرط العجز ~~{بإذن أهلهن} أي من مواليهن، ولا يجوز نكاحهن من غير إذنهم. # ولما كان مما لا يخفى أن السيد المالك للرقبة مالك للمنفعة من باب الأولى ~~كان الأمر بدفع المهور إليهن مفيدا لندب السيد إلى جبرها به من غير أن يوهم ~~أنها تملكه وهي لا تملك نفسها، فلذلك قال تعالى: {وآتوهن أجورهن} وهي ~~المهور {بالمعروف} أي من غير ضرار، لا عليكم ولا عليهن ولا على أهلهن، حال ~~كونهن {محصنات} أي عفائف بانفسهن أو بصون الموالي لهن {غير مسافحات} # PageV05P237 # أي مجاهرات بالزنى لمن أراد، لا لشخص معين {ولا متخذات أخدان} أي أخلاء ~~في السر للزنى معينين، لا تعدو ذات الخدن خدنها إلى غيره؛ قال الأصبهاني: ~~وهو - أي الخدن - الذي يكون معك في كل ظاهر وباطن. # ولما لم يتقدم بيان حد الإماء قال مبنيا له: {فإذا أحصن} مبنيا للفاعل في ~~قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم، والمفعول في قراءة الباقين، أي ~~انتقلن من حيز التعريض للزنى بالإكراه إلى حيز الحرائر بأن حفظن فروجهن ~~بكراهتهن للزنى، أو حفظهن الموالي بالرضى لهن بالعفة؛ وقال الشافعي في ~~أوائل الرسالة في آخر الناسخ والمنسوخ الذي يدل الكتاب على بعضه والسنة على ~~بعضه: إن معنى (أحصن) هنا: أسلمن، لا نكحن فاصبن بالنكاح، ولا أعتقن وإن لم ~~يصبن، وقال: فإن قال قائل: أراك توقع الإحصان على معان مختلفة؟ قيل: نعم، ~~جماع الإحصان أن يكون دون التحصين مانع من تناول المحرم، فالإسلام مانع، ~~وكذلك الحرية مانعة، وكذلك التزوج والإصابة ms0908 مانع وكذلك الحبس في البيوت # PageV05P238 # مانع، وكل ما منع أحصن، وقد قال الله عز وجل {وعلمناه صنعة لبؤس لكم ~~لتحصنكم من بأسكم} [الأنبياء: 80] وقال: {لا يقاتلونكم جميعا إلى في قرى ~~محصنة} [الحشر: 41] يعني ممنوعة، قال: وآخر الكلام وأوله يدلان على أن معنى ~~الإحصان المذكور عام في موضع دون غيره، إذ الإحصان ها هنا الإسلام دون ~~النكاح والحرية والتحصين بالحبس والعفاف، وهذه الأسماء التي يجمعها اسم ~~الإحصان - انتهى. {فإن أتين بفاحشة} ولا تكون حينئذ إلا عن رضى من غير ~~إكراه. # ولما كان من شأن النكاح تغليظ الحد، فغلظ في الحرائر بالرجم؛ بين تعالى ~~أنه لا تغليظ على الإماء، بل حدهن بعده هو حدهن قبله، فقال {فعليهن نصف ما ~~على المحصنات} أي الحرائر لأنهن في مظنة العفة وإن كن بغير أزواج {من ~~العذاب} أي الحد - كما كان ذلك عذابهن قبل الإحصان، وهذا يفهمه بطريق ~~الأولى، والمراد هنا الجلد، لأن الرجم لا ينتصف. # ولما كان كأنه قيل: هل هذا لكل عاجز عن الحرة؟ استؤنف جواب هذا السؤال ~~بقوله تعالى مشيرا بأداة البعد إلى أنه مما لا يحسن قربه: {ذلك} أي حل نكاح ~~الإماء الذي ينبغي البعد منه {لمن خشي العنت} أي الوقوع في الزنا الموجب ~~للإثم المقتضي للهلاك # PageV05P239 # بالعذاب في الدنيا والآخرة بما عنده من عظيم الداعية إلى النكاح ومشقة ~~الصبر عنه؛ قالوا: وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة ~~وضرر؛ قال الأصبهاني: وقيل: إن الشبق الشديد والغلمة العظيمة قد يؤدي ~~بالإنسان إلى الأمراض الشدية، أما في حق النساء فقد يؤدي إلى اختناق الرحم، ~~وأما في حق الرجال فقد يؤدي إلى أوجاع الوركين والظهر. # ولما كان هذا التخفيف والتيسير خاصا بالمؤمنين منا قيد بقوله: {منكم} . # ولما بين إباحته وأشار إلى البعد عنه لما فيه من استرقاق الولد صرح ~~بالندب إلى حبس النفس عنه فقال: {وإن تصبروا} أي عن نكاحهن متعففين {خير ~~لكم} أي لئلا تعيروا بهن، أو تسترق أولادكم منهن، ثم أتبع ذلك بتأكيده لذوي ~~البصائر والهمم في سياق دال على ms0909 رفع الحرج فقال: {والله} أي الذي له الجلال ~~والإكرام {غفور} أي لمن لم يصبر، والمغفرة تشير إلى نوع تقصير {رحيم *} أي ~~فاعل به فعل الراحم منكم بالإذن في قضاء وطره واللطف فيما يتبع ذلك من ~~المحذور. # PageV05P240 # ولما أتم سبحانه الحلال والحرام من هذه الحدود والأحكام، # PageV05P240 # وختمها بصفة الرحمة بين ما أراد بها من موجبات الرحمة تذكيرا بالنعمة ~~لتشكر، وتحذيرا من أن تنسى فتكفر فقال تعالى: {يريد الله} أي الملك الأعظم ~~إنزال هذه الأحكام على هذا النظام {ليبين لكم} أي ليوقع لكم البيان الشافي ~~فيما لكم وعليكم من شرائع الدين {ويهديكم} أي يعرفكم {سنن} أي طرق {الذين} ~~ولما كان المراد بعض الماضين قال: {من قبلكم} أي من أهل الكتاب: الأنبياء ~~وأتباعهم {ويتوب عليكم} أي يرجع بكم عن كل ما لا يرضيه، لا سيما ما يجر إلى ~~المقاطعة - مثل منع النساء والأطفال الإرث، ومثل نكاح ما يحرم نكاحه وغير ~~ذلك، فأعلمهم بهذا أنهم لم يخصهم بهذه التكاليف، بل يسلك بهم فيها صراط ~~الذين أنعم عليهم ليكون ذلك أدعى لهم إلى القبول وأعون على الامتثال، ~~وليتحققوا أن إلقاء أهل الكتاب الشبه إليهم وتذكيرهم بالأضغان لإرادة إلقاء ~~العداوة محض حسد لمشاركتهم لهم في مننهم إذ هدوا لسننهم، وما أحسن ختم ذلك ~~بقوله: {والله} أي المحيط بأوصاف الكمال {عليم حكيم *} فلا يشرع لكم شيئا ~~إلا وهو في غاية الإحكام. فاعملوا به يوصلكم إلى دار السلام. # بيان ذلك أن ما في هذه السورة الأمر بالتقوى والحث عليها، # PageV05P241 # وبيان الفرائض وأمر الزناة، وما يحل ويحرم من النساء، والتحري في ~~الأموال، والإحسان إلى الناس، لا سيما الأيتام والوالدين، والإذعان ~~للأحكام، وتحريم القتل، والأمر بالعدل في الشهادة وغيرها، وكل ذلك مبين ~~أصوله في التوراة كما هو مبثوث في هذا الديوان عن نصوصها في المواضع ~~اللائقة به، لكن القرآن أحسن بيانا وأبلغ تبيانا وأبدع شأنا وألطف عبارة ~~وأدق إشارة، وأعجب ذلك أن سبب إنزال فرائض الميراث في شريعتنا النساء، ففي ~~الصحيحين وغيرهما عن جابر رضي الله عنه قال: «مرضت فعادني ms0910 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فأتاني وقد أغمي علي» وفي رواية البخاري في التفسير: ~~«عادني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ فصب علي وضوءه فأفقت، ~~فقلت: يا رسول الله! كيف أصنع في مالي؟» وفي رواية لمسلم: «إنما يرثني ~~كلالة فلم يجبني بشيء» وفي رواية الترمذي: «وكانت لي تسع أخوات حتى نزلت ~~آية الميراث» وفي رواية للبخاري: «فنزلت» وفي رواية للترمذي: «حتى نزلت ~~(يوصيكم الله في أولادكم) » وفي رواية للترمذي: حتى نزلت آية الميراث ~~{يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} الآية، وقال: حديث صحيح. ولأبي داود ~~والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: # «جاءت # PageV05P242 # امرأة سعد بن ربيع بابنتيها من سعد رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك ~~يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ~~ولهما مال، قال: يقضي الله عز وجل في ذلك، فنزلت آية الميراث» وفي رواية ~~أبي داود: ونزلت الآية في سورة النساء، {يوصيكم الله في أولادكم} وفي رواية ~~الدارقطني: «فنزلت سورة النساء، وفيها {يوصيكم الله في أولادكم} إلى آخر ~~الآية - فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد ~~الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» وفي رواية للدارقطني: «إن ~~امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله! إن سعدا هلك وترك ابنتين وأخاه ~~فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن، فلم يجبها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه ذلك، ثم جاءته فقالت: يا رسول الله! ~~ابنتا سعد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعي لي أخاه! فجاء فقال: ~~ادفع إلى ابنتيه الثلثين، وإلى امرأته الثمن، # PageV05P243 # ولك ما بقي» وقال شيخنا حافظ عصره أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر ms0911 في ~~الإصابة في أسماء الصحابة: روى أبو الشيخ في تفسيره من طريق عبد الله بن ~~الأجلح الكندي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان ~~أهل الجاهلية لا يورثون البنات ولا الأولاد الصغار حتى يدركوا، فمات رجل من ~~الأنصار يقال له أوس بن ثابت، وترك بنتين وابنا صغيرا، فجاء ابنا عمه خالد ~~وعرفطة فأخذا ميراثه، فقالت امرأته للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل ~~الله تعالى {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 7] فأرسل ~~إلى خالد وعرفطة فقال: لا تحركا من الميراث شيئا» ورواه أبو الشيخ من وجه ~~آخر فقال: قتادة وعرفطة ورواه الثعلبي في تفسيره فقال: سويد وعرفطة، ووقع ~~عنده أنهما أخوا أوس: ورواه مقاتل في تفسيره لفقال: إن أوس بن مالك توفي ~~يوم أحد وترك امرأته أم كجة وبنتين # PageV05P244 # فذكر القصة «وذكر شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف أن الثعلبي والبغوي ساقا ~~بلا سند أن أوس بن الصامت الأنصاري ترك امرأته أم كجة وثلاث بنات، فزوى ~~ابنا عمه سويد وعرفطه أو قتادة وعرفجة ميراثة عنهن، وكان أهل الجاهلية لا ~~يورثون النساء ولا الأطفال ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن ~~الحوزة، وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مسجد الفضيخ، فشكت إليه، فقال: ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله، فنزلت # {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 7] فبعث إليهما: لا ~~تفرقا من مال أوس شيئا، فإن الله قد جعل لهن نصيبا، ولم يبين حتى نزلت ~~{يوصيكم الله في أولادكم} الآية، فأعطى أم كجة الثمن والبنات الثلثين ~~والباقي لابني العم «ورواه الطبري من طريق ابن جريج عن عكرمة على غير هذا ~~السياق، ولفظه:» نزلت في أم كجة وابنة أم كجة وثعلبة وأوس بن سويد، وهم من ~~الأنصار، كان أحدهما زوجها والآخر عم ولدها، فقالت: يا رسول الله! توفي ~~زوجي وتركني وابنته فلم نورث، فقال عم ولدها: إن ولدها لا يركب فرسا ولا ~~يحمل كلا # PageV05P245 # ولا ينكأ عدوا، ms0912 فنزلت {للرجال نصيب} [النساء: 7] ، وروي من طريق السدي، ~~قال في قوله: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] «كان أهل الجاهلية لا ~~يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان، ولا يورثون إلا من أطاق القتال، ~~فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة يقال لها أم كجة، وترك خمس ~~أخوات، فجاءت الورثة فأخذوا ماله، فشكت أم كجة ذلك إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأنزل الله {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} [النساء: 11] ~~ثم قال في أم كجة {ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد} [النساء: 12] » ~~. # فجميع هذه الروايات - كما ترى - ناطقة بأن سبب نزول آيات الميراث النساء، ~~ويمكن أن يكون المجموع سببا - والله أعلم؛ وذلك كما أن سبب إنزال الفرائض ~~في التوراة كان النساء أيضا، وذلك أنه جل أمره وعز اسمه وتعالى جده لما ~~أمات من نكص عن أمره من بني إسرائيل ومن آلافهم في التيه وأخرج أبناءهم ~~منه؛ أمر موسى عليه الصلاة والسلام بقسمة أرض الكنعانيين بين بنيهم بعد ~~معرفة عددهم على منهاج ذكره، ولم يذكر البنات، وكان فيهم بنات لا أب # PageV05P246 # لهن فسألن ميراث أبيهن، فأنزل الله حكمهن؛ قال في السفر الرابع من ~~التوراة ما نصه: ولما كان بعد الموت الفاشي قال الرب لموسى ولليعازر بن ~~هارون الحبر: احفظا عدد جماعة بني إسرائيل من ابن عشرين سنة إلى فوق، كل من ~~خرج للمحاربة من بين بني إسرائيل فكلما الجماعة في عربات مؤاب التي عند ~~أردن أريحا، وأخبراهم بقول الرب، ثم أحصياهم، فكان عددهم ستمائة ألف ~~وسبعمائة وثلاثين رجلا غير اللاويين سبط موسى فإنهم كانوا لحفظ قبة الزمان ~~وخدمتها، وكانوا ثلاث قبائل: أحدهم فغث فولد له عمران، وكان اسم امرأة ~~عمران حنة ابنة لوى، ولدت له بأرض مصر هارون # PageV05P247 # وموسى ومريم، وكان عددهم في هذا الوقت ثلاثة وعشرين ألفا، كل ذكر منهم ~~ابن شهر فما فوق، ولم يكن في هؤلاء ممن أحصاه موسى وهارون حيث عدا بني ~~إسرائيل في برية سيناء، لأن الرب قال لهم: يقتلون ms0913 في هذه المفازة، ولا يبقى ~~منهم رجل ما خلا كلاب بن يوفنا ويوشع بن نون، ودنا بنات صلفحد من قبيلة ~~منشى بن يوسف وقلن: أبونا توفي في البرية ولم يخلف ابنا، أعطنا ميراثنا، ~~فرفع موسى أمرهن إلى الرب فقال الرب لموسى: الحق قلن أعطهن ميراثا مع ~~أعمامهن ليتبين ميراث أبيهن وقلن لبني إسرائيل: أي رجل مات ولم يخلف ابنا ~~يعطى ميراثه ابنته وإن لم يكن له ابنة يعطى ميراثه إخوته ومن لم يكن له ~~إخوة يعطى ميراثه أعمامه ومن لم يكن له أعمام يعطى ميراثه لمن كان قرابته ~~من أهل عشيرته، وتكون هذه سنة لبني إسرائيل في أحكامهم كما أمر الرب موسى؛ ~~وقال في السفر الثالث منها ما نصه سنة الخطايا التي إذا ارتكبها إنسان # PageV05P248 # عوقب بالموت: وكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل، وقل لهم: أنا ~~الله ربكم! لا تعملوا مثل أعمالكم أهل مصر التي سكنتموها، ولا تعملوا مثل ~~أعمال أهل كنعان التي أدخلكم إليها ولا تسيروا سنتهم ولكن اعملوا بأحكامي، ~~واحفظوا وصاياي، وسيروا بها، أنا الله ربكم! احفظوا شرائعي وأحكامي. # لأن الذي يعمل بها يعيش، أنا الرب وليس إله غيري! ولا يجسرن الرجل منكم ~~أنيكشف عورة قرابته، أنا الرب وليس إله غيري! ولا تكشفن عورة أبيك ولا عورة ~~أمك، لأنها أمك، ولا تفضح امرأة ابنك ولا تكشف عورتها، لان عورتها عورة ~~ابنك، ولا تفضح أختك من أبيك ومن أمك التي ولدت من أبيك، أو أختك من أمك لا ~~من أبيك، لا تكشف عورتها، لأن فضيحتها فضيحتك، ولا تكشف عورة بنت امرأة ~~أبيك التي ولدت من أبيك، لأنها أختك، ولا تكشف عورة عمتك لإنها أخت أبيك ~~ولا تكشف عورة خالتك لأنها أخت أمك ولا تكشف عورة امرأة عمك ولا تدن من ~~امرأته، لأنها امرأة عمك، ولا تكشف عورة كنتك، لأنها امرأة ابنك، ولا تكشف # PageV05P249 # عورة امرأة أخيك، لأن فضيحتها فضيحة أخيك، ولا تكشف عورة امرأة وبنتها، ~~أي لا تتزوج بهما، ولا تكشف عورة بنت الابن ولا بنت البنت، ms0914 لأن فضيحتهما ~~فضيحتك، ولا تكشف عورتهما، هن قرابتك وارتكابهن إثم، ولا تتزوج أخت امرأتك ~~في حياتها فتحزنها، ولا تكشف عورتهما جميعا في حياة امرأتك، والمرأة إذا ~~حاضت وطمثت لا تدن لتكشف عورتها، ولا تسفح بامرأة صاحبك ولا تنجس، ولا تنجس ~~اسم إلهك، أنا الله ربكم! لا تضاجعن الذكر، ولا ترتكب من الذكر ما ترتكب من ~~المرأة، لأنه فعل نجس، ولا بهيمة، ولا تلق زرعك فيها فتنجس بها، والمرأة ~~أيضا لا تقوم بين يدي بهيمة تطأها، لأنه فعل نجس، لا تنجسوا منها بشيء، ~~فبهذه كلها تنجست الشعوب التي أهلكتها من بين أيديكم وتنجست أرضهم بفعلهم ~~وعاقبتها بإثمها وتعطلت الأرض من سكانها لحال خطاياهم؛ احفظوا عهودي ~~وأحكامي ولا ترتكبوا شيئا من هذه الخطايا لأن أهل البلاد التي ترثونها ~~فعلوا هذه الأفاعيل كلها # PageV05P250 # وتنجست الأرض بهم، ولا تنجسوا الأرض لئلا تعطل منكم كما تعطلت من الشعوب ~~التي كانوا يها قبلكم، لأن كل من يفعل هذه الخطايا يهلك؛ احفظوا شرائعي ولا ~~ترتكبوا شيئا من سير الخطايا التي فعلها من كان قبلكم، ولا تنجسوا بها، أنا ~~الله ربكم! . # ثم كلم الرب موسى وقال له: كلم جميع بني إسرائيل وقل لهم: تقدسوا، لأني ~~قدوس، أنا الله ربكم! يهاب كل امرىء منكم والديه ويكرمهما، واحفظوا وصاياي، ~~لأني أنا الله ربكم! لا تقبلوا إلى الشيطان ولا تتخذوا آلهة مسبوكة، أنا ~~الله ربكم وقال في السفر الثاني: ولا تصدقن الخبر الكاذب، لا توال الخبيث ~~لتكون له شاهد زور، ولا تتبعن هوى الكبير فتنسى، ولا تشايعن الكبراء الذين ~~يحيفون في القضاء فتحيف معهم، ولا تعن المسكين على الظلم، لا تحيفن في فضاء ~~المسكين وتباعد عن القول الكاذب. وقال في السفر الخامس: ودعا موسى بجميع ~~بني إسرائيل وقال لهم: اسمعوا يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أتلوا ~~عليكم لتعلموها وتحفظوها وتعملوا بها، وتعلمون # PageV05P251 # أن الله ربنا عاهدنا عهدا بأرض حوريب، ولم يعاهد الله آباءنا بهذا العهد، ~~بل إنما عاهدنا، نحن الذين ها هنا أحيانا سالمين، وجها قبل وجه كلمنا الرب ~~في ms0915 النار عن الجبل، فأنا كنت قائما بين يدي الرب وبينكم لأظهر لكم ذلك ~~الزمان أقول الله ربكم، حيث فرقتم من النار ولم تصعدوا إلى الجبل، وقال ~~الرب: أنا الله ربكم الذي أخرجتكم من أرض مصر وخلصتكم من العبودية! لا يكون ~~لكم إله غيري، ولا تتخذوا أصناما ولا أشباها، ولا تقسم باسم ربك كذبا، لأن ~~الرب لا يزكي من يحلف باسمه كذبا، احفظوا يوم السبت وطهروه - إلى أن قال؛ ~~لا تعملوا فيه عملا ليستريح عبيدكم وإماؤكم معكم، واذكروا أنكم كنتم عبيدا ~~بأرض مصر فأخرجكم الله ربكم من هناك بيد منيعة وذراع عظيمة، لذلك أمركم ~~ربكم أن تحفظوا يوم السبت، فيكرم كل امرىء منكم والديه كما أمركم الله ربكم ~~لتطول أعماركم، وينعم عليكم في الأرض التي يعطيكم، لا تقتلوا، لا تزنوا، لا ~~تسرقوا، لا يشتهين الرجل منكم امرأة صاحبه - إلى أن قال: ولا شيئا مما ~~لصاحبك - هذه الآيات # PageV05P252 # التي أمر بها الرب بني إسرائيل، وكلمهم بها في الجبل من النار بالسحاب ~~والضباب بصوت عظيم لا يوصف ولا يحد، وهي التي كتبها على لوحي الحجارة ~~ودفعها إلى موسى النبي - فما سمعتم صوتا من الظلمة ورأيتم نارا تشتعل في ~~الجبل تقدم إلي رؤساؤكم، وقالوا: قد أرانا الله ربنا مجده وكرامته وعظمته، ~~اليوم رأينا أن كلم الله الناس وعاشوا، إن عدنا نسمع صوت الله ربنا متنا، ~~تقدم أنت واسمع ما يقول الله ربنا وقص علينا فسمع الرب صوت كلامكم حين ~~كلمتموني وقال لي الرب: قد سمعت صوت الشعب وما قالوا لك، نعم ما تكلموا به ~~ويا ليت تكون لهم قلوب هكذا، فتكون تسمع وتطيع وتتقوى، ويفزعون من قولي، ~~ويحفظون جميع وصاياي، كلها احفظوا، واعملوا بما أمركم الله ربكم ولا تحيدوا ~~يمنة ولا يسرة، بل سيروا في كل الطريق الذي أمركم ربكم لتعيشوا، وينعم ~~عليكم، وتطول # PageV05P253 # مدتكم في الأرض التي ترثون - هذه السنن والوصايا والأحكام التي أمرني ~~الله ربكم أن أعلمكم لتعلموا وتتقوا الله ربكم أنتم وبنوكم كل أيام حياتكم ~~فتطول أعماركم، اسمعوا يا بني إسرائيل! ms0916 الله ربنا واحد، أحبوا الله ربكم في ~~كل قلوبكم، ولتكن هذه الآيات التي أمركم في قلوبكم أبدا، وعلموها بنيكم، ~~وتكلموا بها إذا حضرتم في منازلكم، وإذا سافرتم، وإذا رقدتم، وإذا قمتم، ~~وشدوها علامة على أيديكم، ويكون ميسما بين أعينكم، واكتبوها على قوائم ~~بيوتكم وعلى أبوابكم، ولا تنسوا الله ربكم، وإياه فاعبدوا وباسمه فأقسموا، ~~ولا تتبعوا الآلهة الأخرى التي تعبدها الشعوب التي حولكم، لأن الله ربكم ~~الحال فيكم هو إله غيور فاتقوه، لا يشتد غضبه عليكم، ويهلككم عن حديد ~~الأرض، ولا تجربوا الله ربكم كما جربتموه بالبلايا، ولكن احفظوا وصية الله ~~ربكم وشهادته وسنته التي أمركم بها، فاعملوا الحسنات، وأنصفوا واعدلوا ~~لينعم عليكم، وتدخلوا وترثوا الأرض المخصبة # PageV05P254 # التي أقسم الله لآبائكم، ويكسر جميع أعدائكم ويهزمهم قدامكم كما قال ~~الرب، فإذا سألكم بنوكم غدا وقالوا: ما الشهادة والسنة والحكومة التي أمركم ~~الله بها؟ قولوا لبنيكم: إنا كنا عبيدا لفرعون بأرض مصر، وأخرجنا الرب من ~~أرض مصر بيد منيعة، وأنزل بأهل مصر بلاء شديدا، وفعل ذلك بفرعون وجميع أهل ~~بيته تجاهنا، وأخرجنا الرب من هناك ليدخلنا ويعطينا الأرض التي أقسم ~~لآبائنا، وأمرنا الرب أن نعمل هذه السنن كلها، وأن نتقي الله ربنا لينعم كل ~~أيامنا، ويحيينا بالخير والنعم، ويكون ربنا بنا برا إذا حفظنا هذه الوصية ~~كلها، وعلمناها أمام الله ربنا كما أمرنا. # وقال في السفر الخامس: ولا تكف يدك عن العطاء والصدقة على أخيك المسكين، ~~ولكن يصدق بعضكم على بعض، ويعطي بعضكم بعضا، ولا يضيق قلبك، ولا تحزن إذا ~~صدقت على أخيك، لأنك إذا فعلت هذا القول وأوسعت على أخيك يبارك الله لك في ~~جميع أعمالك، وفي كل ما تمد يدك إليه، من أجل أن الأرض لا تعدم المساكين، ~~فلذلك # PageV05P255 # آمرك - والعزم إليك - أن تمد يدك إلى أخيك المسكين، وتصدق على الفقير في ~~الأرض. وقال فيه: أنصفوا بين إخوتكم وأحكموا بالحق ولا تحيفوا في القضاء، ~~واسمعوا من الصغير كما تسمعون من الكبير، ولا تهابوا الرجل ولو عظم شأنه ~~وكثرت أمواله، لأن القضاء ms0917 لله. # وقال فيه: صيروا لكم قضاة وكتابا في جميع قراكم، وتقضون للشعب قضاء العدل ~~والبر، ولا تحيفن في القضاء، ولا تحابوا ولا ترتشوا، لأن الرشوة تعمي أعين ~~الحكام في القضاء، ولكن أقضي بالحق لتعيشوا وتبقوا وترثوا الأرض التي ~~يعطيكم الله ربكم - فقد علم من هذا أصول غالب ما ذكره تعالى في هذه السورة ~~مع ما تقدم من أشكاله في البقرة عند قوله تعالى: {وإذا أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] وغيرها من الآيات، وفي آل عمران ~~أيضا، وأما حد الزاني وأمر القتل والجراح فسيذكر إن شاء الله تعالى في ~~المائدة. # PageV05P256 # ولما قرر سبحانه وتعالى إرادته لصلاحهم ورغب في اتباع الهدى بعلمه وحكمته ~~عطف على ذلك قوله: {والله} بلطف منه وعظم سلطانه {يريد} إي بإنزاله هذا ~~الكتاب العظيم وإرساله هذا الرسول # PageV05P256 # الكريم {أن يتوب عليكم} أي يرجع لكم بالبيان الشافي عما كنتم عليه من طرق ~~الضلال لما كنتم فيه من العمى بالجهل، وزادهم في ذلك رغبة بقوله: {ويريد ~~الذين يتبعون} أي على سبيل المبالغة والاستمرار {الشهوات} أي من أهل ~~الكتابين وغيرهم كشاش بن قيس وغيره من الأعداء {أن تميلوا} أي عن سبيل ~~الرشاد {ميلا عظيما *} أي إلى أن تصيروا إلى ما كنتم فيه من الشرك والضلال، ~~فقد أبلغ سبحانه في الحمل على الهدى بموافقة الولي المنعم الجليل الذي لا ~~تلحقه شائبة نقص، ومخالفة العدو الحسود الجاهل النازل من أوج العقل إلى ~~حضيض طباع البهائم. # ولما كان الميل متعبا لمرتكبه أخبرهم أن علة بيانه للهداية وإرادته ~~التوبة الرفق بهم فقال: {يريد الله} أي وهو الذي له الجلال والجمال وجميع ~~العظمة والكمال {أن يخفف عنكم} أي يفعل في هذا البيان وهذه الأحكام فعل من ~~يريد ذلك، فيضع عنكم الآصار التي كانت على من كان قبلكم الحاملة على الميل، ~~ويرخص لكم في # PageV05P257 # بعض الأشياء كنكاح الأمة - على ما تقدم، ودل على علة ذلك بالواو العاطفة؛ ~~لأنكم خلقتم ضعفاء يشق عليكم الثقل {وخلق الإنسان} أي الذي أنتم بعضه ~~{ضعيفا *} مبناه الحاجة، فهو ms0918 لا يصبر عن النكاح ولا غيره من الشهوات، ولا ~~يقوى على فعل شيء إلا بتأييد منه سبحانه. # ولما كان غالب ما مضى مبنيا على الأموال تارة بالإرث، وتارة بالجعل في ~~النكاح، حلالا أو حراما؛ قال تعالى - إنتاجا مما مضى بعد أن بين الحق من ~~الباطل وبين ضعف هذا النوع كله، فبطل تعليلهم لمنع النساء والصغار من الإرث ~~بالضعف، وبعد أن بين كيفية الترصف في أمر النكاح بالأموال وغيرها حفظا ~~للأنساب، ذاكرا كيفية التصرف في الأموال، تطهيرا للإنسان، مخاطبا لأدنى ~~الأسنان في الإيمان، ترفيعا لغيرهم عن مثل هذا الشأن: {يا أيها الذين ~~آمنوا} أي أقروا بالإيمان والتزام الأحكام. # ولما كان الأكل أعظم المقاصد بالمال، وكان العرب يرون التهافت على الأكل ~~أعظم العار وإن كان حلالا؛ كنى به التناول # PageV05P258 # فقال: {لا تأكلوا} أي تتناولو {أموالكم} أي الأموال التي جعلها الله ~~قياما للناس {بينكم بالباطل} أي من التسبب فيها بأخذ نصيب النساء والصغار ~~من الإرث، وبعضل بعض النساء وغير ذلك مما تقدم النهي عنه وغيره. # ولما نهى عن الأكل بالباطل، استدرك ما ليس كذلك فقال: {إلا أن تكون} أي ~~المعاملة المدارة المتداولة بينكم {تجارة} هذا في قراءة الكوفيين بالنصب، ~~وعلى قراءة غيرهم: إلا أن توجد تجارة كائنة {عن تراض منكم} أي غير منهي عنه ~~من الشارع، ولعل الإتيان بأداة الاستثناء المتصل - والمعنى على المنقطع - ~~للإشارة إلى أن تصرفات الدنيا كلها جديرة بأن يجري عليها اسم الباطل ولو لم ~~يكن إلا معنيا بها تزهيدا فيها وصدا عن الاستكثار منها، وترغيبا فيما يدوم ~~نفعه ببقائه، وهكذا كل استثناء منقطع في القرآن، من تأمله حق التأمل وجد ~~للعدول عن الحرف الموضوع له - «وهو لكن» - إلى صورة الاستثناء حكمة بالغة - ~~والله الموفق. # ولما كان المال عديل الروح ونهى عن إتلافه بالباطل، نهى عن # PageV05P259 # إتلاف النفس، لكون أكثر إتلافهم لها بالغارات لنهب الأموال وما كان ~~بسببها وتسبيبها على أن من أكل ماله ثارت نفسه فأدى ذلك إلى الفتن التي ~~ربما كان آخرها القتل، فكان النهي عن ذلك أنسب ms0919 شيء لما بنيت عليه السورة من ~~التعاطف والتواصل فقال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} أي حقيقة بأن يباشر ~~الإنسان قتل نفسه، أو مجازا بأن يقتل بعضكم بعضا، فإن الأنفس واحدة، وذلك ~~أيضا يؤدي إلى قتل نفس القاتل، فلا تغفلوا عن حظ أنفسكم من الشكر فمن غفل ~~عن حظها فكأنما مثلها، ثم علله بما يلين أقسى الناس فقال: {إن الله} أي مع ~~ما له من صفات العظمة التي لا تدانيها عظمة {كان بكم} أي خاصة حيث خفف ~~عليكم ما شدده على من كان قبلكم {رحيما *} أي بليغ الرحمة حيث يسر لكم ~~الطاعة ووفقكم لها فأبلغ سبحانه الترغيب في الامتثال؛ ثم قال ترهيبا من ~~مواقعة الضلال: {ومن يفعل ذلك} أي المنهي عنه من القتل وغيره العظيم ~~الإبعاد عن حضرات الإله {عدوانا وظلما} أي بغير حق، وعطفه للوصف بالواو يدل ~~على تناهي كل منهما، هذا مع ما أفهمه صفة الفعلان من المبالغة، فكان المراد ~~العدو الشديد المفرط المتجاوز # PageV05P260 # للحدود الناشيء عن العهد وتناهي الظلم الذي لا شائبة فيه للحق {فسوف ~~نصليه نارا} أي ندخله إياها بوعيد لا خلف فيه وإن طال إمهاله {وكان ذلك} أي ~~الأمر العظيم الذي توعد به {على الله} أي الذي له الجلال والجمال {يسيرا *} ~~أي لأنه لا ينقصه من مكله شيئا، ولا يمنع منه مانع. # ولما بين تعالى ما لفاعل ذلك تحذيرا، وكان قد تقدم جملة من الكبائر، ~~أتبعه ما للمنتهي تبشيرا جوابا لمن كأنه قال: هذا للفاعل فما للمجتنب؟ فقال ~~على وجه عام: {إن تجتنبوا} أي تجهدوا أنفسكم بالقصد الصالح في أن تتركوا ~~تركا عظيما وتباعدوا {كبائر ما تنهون عنه} أي من أكل المال والقتل بالباطل ~~والزنى وغير ذلك مما تقدم روى البزار - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - ~~عن عبد الله - يعني ابن مسعود - أنه سئل عن الكبائر فقال: ما بين أول سورة ~~النساء إلى رأس ثلاثين قال الأصبهاني: وكل ذنب عظم الشرع الوعيد عليه ~~بالعذاب وشدده، أو عظم ضرره في الخمس الضرورية: حفظ الدين والنفس والنسب ~~والعقل والمال، ms0920 فهو كبيرة، وما عداه صغيرة {نكفر عنكم سيئاتكم} أي التي هي ~~دون الكبائر كلها، فإن ارتكبتم # PageV05P261 # شيئا من الكبائر وأتيتم بالمكفرات من الصلوات الخمس والجمعة وصوم رمضان ~~والحج، أو فرطتم في شيء منها فمن الله عليكم بأن أتاكم بالمرض؛ كفر ذلك ~~المأتي به الصغائر، ولم يقاوم تلك الكبيرة فلم يكفر جميع السيئات، لعدم ~~إتيانه على تلك الكبيرة {وندخلكم مدخلا كريما *} أي يجمع الشرف والعمل ~~والجود وكل معنى حسن، ومن فاته جميع ذلك لم يكفر عنه سيئاته، ولم يدخله هذا ~~المدخل، ويكفي في انتفائه حصول القصاص في وقت ما؛ وقال الإمام أحمد: ~~المسلمون كلهم في الجنة - لهذه الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم # «ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فالله تعالى يغفر ما دون الكبائر، ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم يشفع في الكبائر، فأي ذنب على المسلمين! ذكره ~~عنه الأصبهاني، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما عن أنس رضي ~~الله عنه. # ولما نهى عن القتل وعن الأكل بالباطل بالفعل وهما من أعمال الجوارح، ~~ليصير الظاهر طاهرا عن المعاصي الوخيمة؛ نهى عن التمني الذي هو مقدمة ~~الأكل، ليكون نهيا عن الأكل بطريق الأولى، فإن التمني قد يكون حسدا، وهو ~~المنهي عنه هنا كما هو ظاهر الآية: وهو حرام والرضى بالحرام، والتمني على ~~هذا # PageV05P262 # الوجه يجر إلى الأكل والأكل يعود إلى القتل، فإن من يرتع حول الحمى يوشك ~~أن يواقعه، والنهي هنا للتحريم عند أكثر العلماء فقال: {ولا تتمنوا} أي ~~تتابعوا أنفسكم في ذلك {ما فضل الله} أي الذي له العظمة كلها، فلا ينقصه ~~شيء {به} اي من المال وغيره {بعضكم عن بعض} أي في الإرث وغيره من جميع ~~الفضائل النفسانية المتعلقة بالقوة النظرية كالذكاء التام والحدس الكامل ~~وزيادة المعارف بالكمية والكيفية، أو بالقوة العملية كالعفة التي هي وسط ~~بين الجمود والفجور، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن، والسخاء الذي ~~هو وسط بين الإسراف والبخل، وكاستعمال هذه القوى على الوجه الذي ينبغي وهو ~~العدالة، أو الفضائل البدنية كالصحة والجمال والعمر ms0921 الطويل مع اللذة ~~والبهجة، أو الفضائل الخارجية مثل كثرة الأولاد الصلحاء، وكثرة العشائر ~~والأصدقاء والأعوان، والرئاسة التامة ونفاذ القول، وكونه محبوبا للناس حسن ~~الذكر فيهم؛ فهذه مجامع السعادات وبعضها نظرية لا مدخل للكسب فيها، وبعضها ~~كسبية، ومتى تأمل العاقل في ذلك وجده محض عطاء من الله، فمن # PageV05P263 # شاهد غيره أرفع منه في شيء من هذه الأحوال تألم قلبه وكانت له حالتان: ~~إحداهما أن يتمنى حصول مثل تلك السعادة له، والأخرى أن يتمنى زوالها عن ~~صاحبها وهذا هو الحسد المذموم، لأنه كالاعتراض على الله الذي قسم هذه ~~القسمة، فإن اعتقد أنه أحق منه فقد فتح على نفسه باب الكفر، واستجلب ظلمات ~~البدعة، ومحا نور الإيمان، فإن الله فعال لما يريد، لا يسأل عما يفعل فلا ~~اعتراض عليه، وكما أن الحسد سبب الفساد في الدين فهو سبب الفساد في الدنيا؛ ~~فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علما بأن ذلك مصلحة، ولو كان غير ذلك فسد، ~~فإن ذلك كله قسمة من الله صادرة عن حكمه وتدبيره وعلمه بأحوال العباد فيما ~~يصلحهم ويفسدهم. # وأما تمني المثل فإن كان دينيا كان حسنا، كما قال صلى الله عليه وسلم «لا ~~حسد إلا في اثنتين» وإن كان دنيويا فمن الناس من جوز ذلك، ومنهم من قال - ~~وهم المحققون: لا يجوز ذلك، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في ~~الدين ومضرة في الدنيا كقصة قارون - قال معنى ذلك الإمام الرازي. # PageV05P264 # ولما نهى سبحانه عن ذلك علله بما ينبه على السعي في الاسترزاق والإجمال ~~في الطلب، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ~~عن شداد بن أوس رضي الله عنه «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، ~~والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله» وكما قال صلى الله عليه وسلم ~~فيما رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه «المؤمن ~~القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، ms0922 ~~واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا. ~~ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» فقال مشيرا إلى ~~أنه لا ينال أحد جميع ما يؤمل: {للرجال نصيب} أي قد فرغ من تقديره فهو بحيث ~~لا يزيد ولا ينقص، وبين سبحانه أنه ينبغي الطلب والعمل، كما أشار إليه ~~الحديث فقال: {مما اكتسبوا} أي كلفوا أنفسهم وأتعبوها في كسبه من أمور ~~الدارين من الثواب وأسبابه من الطاعات ومن الميراث والسعي في المكاسب ~~والأرباح «جعل رزقي تحت # PageV05P265 # ظل رمحي» «لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا» {وللنساء نصيب ~~مما اكتسبن} أي وكذلك فالتمني حينئذ غير نافع، فالاشتغال به مجرد عناء. # ولما أشار بالتبعيض إلى أن الحصول بتقديره، لا بالكسب الذي جعله سببا، ~~فإنه تارة ينجحه وتارة يخيبه، فكان التقدير: فاكتسبوا ولا تعجزوا فتطلبوا ~~بالتمني؛ أمر بالإقبال - في الغنى وكل شيء - عليه إشارة إلى تحريك السبب مع ~~الإجمال في الطلب فقال: {وسئلوا الله} أي الذي له جميع صفات الكمال. # ولما كان سبحانه تعالى عظمته لا ينقصه شيء وإن جل قال: {من فضله} أي من ~~خزائنه التي لا تنفد ولا يقضيها شيء، وفي ذلك تنبيه على عدم التعيين، لأنه ~~ربما كان سبب الفساد، بل يكون الطلب لما هو له صلاح، وأحسن الدعاء المأثور، ~~وأحسنه {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ~~[البقرة: 201] ثم علل ذلك # PageV05P266 # بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم الذي بيده مقاليد كل شيء {كان بكل شيء ~~عليما *} أي فكان على كل شيء قديرا، فإن كمال العلم يستلزم شمول القدرة - ~~كما سيبين إن شاء الله تعالى في سورة طه، والمعنى أنه قد فعل بعلمه ما ~~يصلحكم فاسألوه بعلمه وقدرته ما ينفعكم، فإنه يعلم ما يصلح كل عبد وما ~~يفسده. وعطف على ذلك ما هو من جملة لعلة فقال: {ولكل} أي من القبيلتين ~~صغارا كانوا أو كبارا {جعلنا} بعظمتنا التي لا تضاهى {موالي} أي حكمنا ~~بأنهم هم ms0923 الأولياء، أي الأنصار، والأقرباء لأجل الإرث، هم الذين يلون المال ~~ويرثونه، سواء كانوا عصبة خاصة وهم الوراث، أو عصبة عامة وهم المسلمون. # ولما كان الاهتمام بتوريث الصغار أكثر قال: {مما} أي من أجل ما {ترك} أي ~~خلفه {الوالدان} أي لكم، ثم أتبع ذلك ما يشمل حقي الأصل والفرع فقال: ~~{والأقربون} أي إليكم، ثم عطف على ذلك قوله: {والذين} أي وما ترك الذين ~~{عقدت أيمانكم} أي مما تركه من تدلون إليه بنسب أو سبب بالحلف أو الولاء أو ~~الصهر، وذكر اليمين لأن العهد يكون مع # PageV05P267 # المصافحة بها، ثم سبب عن ذلك قوله: {فآتوهم} أي الموالي وإن كانوا صغارا ~~أو إناثا على ما بينت لكم في آية المواريث السابقة، واتركوا كل ما خالف ذلك ~~فقد نسخ بها {نصيبهم} أي الذي فرضناه لهم من الإرث موافرا غير منقوص، ولا ~~تظنوا أن غيرهم أولى منهم أو مساو لهم، ثم رهب من المخالفة، وأكد الأمر ~~وعدا ووعيدا بقوله: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {كان على كل شيء ~~شهيدا *} أي فهو يعلم الولي من غيره والخائن من غيره وإن اجتهد في الإخفاء، ~~لأنه لا يخفى عليه شيء، لأنه لا يغيب شيء ولا يغيب عنه شيء، فالمعنى: إنا ~~لم نفعل سوى ما قصدتم من إعطاء المال لمن يحمي الذمار ويذب عن الحوزة، ~~وأنتم كنتم غير منزليه حق منازله لغيبتكم عن حقائق الأمور وغيبتها عنكم، ~~فإنا لم نخرج شيئا منه لغير الموالي - أي الأنصار - إما بالقرابة أو ~~بالمعاقدة بالولاء أو المصاهرة، فالحاصل أنه لمن يحمي بالفعل، أو بالقوة ~~القريبة منه، أو البعيدة الآئلة إلى القرب، وأما التفضيل في الأنصباء فأمر ~~استأثرنا بعلم مستحقيه، وفي البخاري في التفسير عن ابن عباس: «موالي: ورثة ~~والذين عاقدت أيمانكم # PageV05P268 # كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجرين الأنصاري دون ذوي رحمه ~~للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت {ولكل جعلنا ~~موالي} نسخت، ثم قال: {والذي عاقدت أيمانكم} من النصر والرفادة والنصيحة، ~~وقد ذهب الميراث، ويوصي له» . # PageV05P269 # ثم بين ms0924 سبحانه وجه استحقاق بعض المفضلين، فقال - جوبا لسؤال من كأنه قال: ~~ما للرجال فضلوا؟ - {الرجال قوامون} أي قيام الولاة {على النساء} في ~~التأديب والتعليم وكل أمر ونهي، وبين سببي ذلك بقوله: {بما فضل الله} أي ~~الذي له الحكمة البالغة والكمال الذي لا يدانى، هبة منه وفضلا نم غير تكسب ~~{بعضهم} وهم الرجال، في العقل والقوة والشجاعة، ولهذا كان فيهم الأنيباء ~~والولاة والإمامة الكبرى والولاية في النكاح ونحو ذلك من كل أمر يحتاج إلى ~~فضل قوة في البدن والعقل والدين {على بعض} يعني النساء، فقال للرجال ~~{انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] وقال للنساء: {وقرن في بيوتكن} ~~[الأحزاب: 33] . # PageV05P269 # ولما ذكر السبب الموهبي أتبعه الكسبي فقال: {وبما أنفقوا} أي من المهور ~~والكسى وغيرها {من أموالهم} أي عليهن، فصارت الزيادة في أحد الجانبين ~~مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر. # ولما بان بذلك فضلهم، فأذعنت النفس لما فضلوا به في الإرث وغيره، وكان قد ~~تقدم ذكر نكاحهم للنساء والحث على العدل فيهن؛ حسن بيان ما يلزم الزوجات من ~~حقوقهم وتأديب من جحدت الحق، فقال مسببا لما يلزمهن من حقوقهم عما ذكر من ~~فضلهم {فالصالحات قانتات} أي مخلصات في طاعة الأزواج، ولذلك ترتب عليه ~~{حافظات للغيب} أي لحقوق الأزواج من الأنفس والبيوت والأموال في غيبتهم ~~عنهن {بما} أي بالأمر الذي {حفظ الله} أي المحيط علما وقدرة به غيبتهم ~~بفعله فيه فعل من يحفظ من الترغيب في طاعتهم فيما يرضي الله والترهيب من ~~عصيانهم بما يسخطه، ورعي الحدود التي أشار إليها سبحانه من البقرة، وشرحتها ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولما عرف بالصالحات لاستحقاق الإنفاق في اللوازم أتبعه حكم غيرهن فقال: ~~{واللاتي تخافون نشوزهن} أي ترفعهن عليكم عن # PageV05P270 # الرتبة التي أقامهن الله بها، وعصيانهن لكم فيما جعل الله لكم من الحق، ~~وأصل النشوز: الانزعاج في ارتفاع، قال الشافعي: دلالات النشوز قد تكون ~~قولا، وقد تكون فعلا، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها، وتخضع له بالقول ~~إذا خاطبها، ثم تغيرت؛ والفعل مثل أن كانت تقوم له إذا ms0925 دخل إليها، أو كانت ~~تسارع إلى أمره، وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم إذا تغيرت ~~فحينئذ ظن نشوزها؛ ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز {فعظوهن} أي ذكروهن ~~من أمر الله بما يصدع قلوبهن ويرققها ويخيفهن من جلال الله. # ولما كان الوعظ موجبا لتحقق الطاعة أو المعصية قال: {واهجروهن} أي إن لم ~~يرجعن بالوعظ {في المضاجع} أي التي كنتم تبيتون معهن فيها من البيت، وفي ~~ضمن الهجر امتناعه من كلامها؛ قال الشافعي: ولا يزيد في هجرة الكلام على ~~ثلاث {واضربوهن} أي إن أصررن ضرب تأديب غير مبرح، وهو ما لا يكسر عظما ولا ~~يشين عضوا، ويكون مفرقا على بدناه ولا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه ~~لأنه مجمع المحاسن، ويكون دون الأربعين؛ قال الشافعي: الضرب مباح وتركه ~~أفضل {فإن أطعنكم} أي بشيء من الوعظ، # PageV05P271 # والهجر في موضع المبيت من البيت، أو الضرب {فلا تبغوا} أي تطلبوا {عليهن ~~سبيلا} أي طريقا إلى الأذى على ما سلف من العصيان من توبيخ على ما سلف ~~نحوه، بما لكم عليهن من العلو، بل اغفروا لهن ما سلف، ولا يحملنكم ما منحكم ~~الله من العلو على المناقشة، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي وقد علمتم ما ~~له من الكمال {كان} ولم يزل {عليا كبيرا *} أي له العلو والكبر على الاطلاق ~~بكمال القدرة ونفوذ المشيئة فهو لا يحب الباغي ولا يقره على بغيه، وقدرته ~~عليكم أعظم من قدرتكم عليهن، وهو مع ذلك يعفو عمن عصاه وإن ملأ الأرض خطايا ~~- إذا أطاعه، ولا يؤاخذه بشيء مما فرط في حقه، بل يبدل سيئاته حسنات، فلو ~~أخذكم بذنوبكم أهلككم؛ فتخلقوا بما قدرتم عليه من صفاته لتنالوا جليل ~~هباته، وخافوا سطواته، واحذروا عقوبته، بما له من العلو والكبر. # ولما بين حال الوفاق وما خالطه من شيء من الأخلاق التي يقوم بإصلاحها ~~الزوج، أتبعه حال المباينة والشقاق المحوج إلى من ينصف أحدهما من الآخر ~~فقال: {وإن خفتم} أي أيها المتقون القادرون على الإصلاح من الولاة وغيرهم ~~{شقاق بينهما} أي ms0926 الزوجين المفهومين من السياق، يكون كل واحد منهما في شق ~~غير الشق الذي فيه الآخر، # PageV05P272 # ولا يكون ذلك إلا وأحدهما على باطل، وأضاف الشقاق إلى البين ليفيد أن هذا ~~العمل إنما يكون عند الخوف من شقاق خاص، وهو أن يكون البين المضاف إليهما - ~~وهو الذي يميز كل واحد منهما من الآخر - لا تمكن في العادة إزالته ليكونا ~~شيئا واحدا كما كانا لا بين لهما، وذلك بظن أنه لا صلاح في اجتماعهما ~~{فابعثوا} أي إليهما للإصلاح بينهما بإنصاف المظلوم من الظالم {حكما من ~~أهله} أي الزوج {وحكما من أهلها} أي الزوجة، هذا أكمل لأن أهلهما أقرب إلى ~~إزالة أسباب الشقاق من بينهما، لأنهم أجدر بالإطلاع على بواطن أمورهما وعلى ~~حقائق أحوالهما، والزوجان أقرب إلى إطلاعهما إن كانا قريبين على ضمائرهما، ~~وأقرب إلى إخفاء ذلك عن الأجانب؛ وفائدة الحكمين أن يخلو كل منهما بصاحبة ~~ويستكشف حقيقة الحال ليعرف وجه الصلاح. # ثم أجاب من كأنه قال: وماذا عسى أن يضيفا؟ بقوله: {إن يريدا} أي الحكمان ~~{إصلاحا} أي بينهما، وكأنه نكره لأن الإخلاص ووجود الكمال قليل {يوفق الله} ~~الذي له الإحاطة بعلم الغيب والشهادة {بينهما} أي الزوجين لأن صلاح النية ~~أكبر معين # PageV05P273 # على بلوغ المقاصد، وهذا دالعلى أنه لا يكون شيء إلا بالله، وأن الأسباب ~~إنما هي محنة من الله، يسعد بها من يباشرها ويعتمد على الله دونها، ويشقى ~~بها من يجعلها محط قصده، فيعتمد عليها. # ولما كان المصلح قد يظن مفسدا لصدعه بمر الحق من غير مداراة، والمفسد قد ~~يعد مصلحا لما يرى منه من المداهنة والمراءاة والمكر، فيظن من يخلق الوعد ~~بالتوفيق غير ما في نفس الأمر؛ قال تعالى مزيلا لهذا الوهم مرغبا ومرهبا: ~~{إن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {كان عليما} أي مطلقا على ما يمكن ~~الاطلاع عليه وإن غاب عن غيره {خبيرا *} أي لا يخفى عليه من ذلك خفي، ولا ~~يغيب عنه خبيء، فصارت هذه الآيات كفيلة بغالب أحوال النكاح، ولم يذكر ~~سبحانه وتعالى الطلاق عندما ذكر الشقاق لتقدمه ms0927 في البقرة، ولأن مبنى هذه ~~السورة على التواصل والتواد دون التفاصل والتراد كما قال ابن الزبير، ولهذا ~~- أي لبناء السورة على التواصل والائتلاف دون التفاصل والاختلاف - خصت من ~~حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والعدالة إبقاء لذلك التواصل، ~~فلم يكن الطلاق # PageV05P274 # ليناسب هذا، فلم يقع له هنا ذكر ولا إيماء إلا قوله: {وإن يتفرقا يغن ~~الله كلا من سعته} [النساء: 130]- انتهى. # PageV05P275 # ولما كثرت في هذه السورة الوصايا من أولها إلى هنا بنتيجة التقوى: العدل ~~والفضل، والترغيب في نواله، والترهيب من نكاله - إلى أن ختم ذلك بإرشاد ~~الزوجين إلى المعاملة بالحسنى، وختم الآية بما هو في الذروة من حسن الختام ~~من صفتي العلم والخبر، وكان ذلك في معنى ما ختم به الآية الآمرة بالتقوى من ~~الوصف بالرقيب، اقتضى ذلك تكرير التذكير بالتقوى التي افتتحت السورة بالأمر ~~بها، فكان التقدير حتما: فاتقوه؛ عطف عليه، أو على نحو {وسئلوا الله من ~~فضله} [النساء: 32] أو على {اتقوا ربكم} الخلق المقصود من الخلق المبثوثين ~~على تلك الصفة، وهو العبادة الخالصة التي هي الإحسان في معاملة الخالق، ~~وأتبعها الإحسان في معاملة الخلائق فقال: {واعبدوا الله} أي أطيعوا - الذي ~~له الكمال كله فلا يشبهه شيء - طاعة محضة من غير شائبة خلاف مع الذل ~~والانكسار، لأن ملاك ذلك كله التعبد بامتثال الأوامر واجتناب الزواجر. # ولما كان سبحانه غنيا لم يقبل إلا الخالص، فقال مؤكدا لما أفهمه # PageV05P275 # ما قبله: {ولا تشركوا به شيئا} . # ولما أمر للواحد الحقيقي بما ينبغي له، وكان لذلك درجتان: أولاهما ~~الإيمان، وأعلاهما الإحسان، فصار المأمور بذلك مخلصا في عبادته؛ أمره ~~بالإحسان في خلافته، وبدأ بأولى الناس بذلك، وهو من جعله سببا لإيجاده فقال ~~- مشيرا إلى أنه لا يرضى له من ذلك إلا درجة الإحسان، وإلى أن من أخلص له ~~أغناه عن كل ما سواه، فلا يزال منعما على من عداه -: {وبالوالدين} أي ~~وأحسنوا بهما {إحسانا} وكفى دلالة على تعظيم أمرهما جعل برهما قرين الأمر ~~بتوحيده سبحانه. # ولما كان مبنى السورة على الصلة لا سيما لذي ms0928 الرحم، قال مفصلا لما ذكر ~~أول السورة تأكيدا له: {وبذي القربى} لتأكد حقهم بمزيد قربهم، ولاقتضاء هذه ~~السورة مزيد الحث على التعاطف أعاد الجار، ثم أتبع ذلك من تجب مراعاته لله، ~~أو لمعنى تفسد بالإخلال به ذات البين، وبدأ بما لله لأنه إذا صح تبعه غيره ~~فقال: {واليتامى والمساكين} أي وإن لم تكن رحمهم معروفة، وخصهم لضعفهم وقدم ~~اليتيم لأنه أضعف، لأنه لصغره يضعف عن دفع حاجته ورفعها إلى غيره {والجار ~~ذي القربى} أي لأن له حقين {والجار الجنب} # PageV05P276 # أي الذي لا قرابة له، للبلوى بعشرته خوفا من بالغ مضرته «اللهم! إني أعوذ ~~بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول» {والصاحب الجنب} ~~أي الملاصق المخالط في أمر من الأمور الموجبة لامتداد العشرة {وابن السبيل} ~~أي المسافر لغربته وقلة ناصره ووحشته {وما ملكت أيمانكم} أي من العبيد ~~والإماء كذلك، فإن الإحسان إليهم طاعة عظيمة «آخر ما تكلم به النبي صلى ~~الله عليه وسلم الصلاة وما ملكت أيمانكم» . # ولما ذكر الإحسان الذي عماده التواضع والكرم، ختم الآية ترغيبا فيه ~~وتحذيرا من منعه معللا للأمر به بقوله: {إن الله} أي بما له من الأسماء ~~الحسنى والصفات العلى {لا يحب} أي لا يفعل فعل المحب مع {من كان مختالا} أي ~~متكبرا معجبا بنفسه متزينا بحليته مرائيا بما آتاه الله تعالى من فضله على ~~وجه العظم واحتقار الغير، يأنف من أن ينسب إليه أقاربه الفقراء، ويقذر ~~جيرانه إذا كانوا ضعفاء، فلا يحسن إليهم لئلا يلموا به فيعير بهم. # ولما كان المختال ربما أحسن رياء، قال معلما أنه لا يقبل إلا الخالص: ~~{فخورا *} مبالغا في التمدح بالخصال، يأنف من عشرة الفقراء # PageV05P277 # وفي ذلك أتم ترهيب من الخلق المانع من الإحسان، وهو الاختيال على عباد ~~الله والافتخار عليهم ازدراء بهم، فإنه لا مقتضى لذلك لأن الكل من نفس ~~واحدة، والفضل نعمة منه سبحانه، يجب شكرها بالتواضع لتدوم، ويحذر كفرها ~~بالفخار خوفا من أن تزول. # ولما كان الاختيال والفخر على الفرح بالأعراض الفانية والركون ms0929 إليها ~~والاعتماد عليها، فكانا حاملين على البخل خوفا من زوالها؛ قال واصفا لهم ~~بجملة من الأخلاق الرديئة الجلية، ذلك منشأها: {الذين يبخلون} أي يوقعون ~~البخل بما حملهم من المتاع الفاني على الفخار، وقصره ليعم كتم العلم ونحوه؛ ~~ثم تلا ذلك بأسوأ منه فقال {ويأمرون الناس بالبخل} مقتا للسخاء، وفي ~~التعبير بما هو من النوس إشارة إلى أنهم لا يعلقون أطماعهم بذلك إلا بذوي ~~الهمم السافلة والرتب القاصرة، ويحتمل أن يكون الأمر كناية عن حملهم غيرهم ~~على البخل بما يرى من اختيالهم وافتخارهم عليهم؛ ثم أتبع ذلك أخبث منه، وهو ~~الشح بالكلام الذي لا يخشى نقصه وجحد النعمة وإظهار الافتقار فقال: ~~{ويكتمون ما أتاهم الله} أي الذي له الجلال # PageV05P278 # والإكرام {من فضله} أي من العلم جاحدين أن يكون لهم شيء يجودون به. قال ~~الأصبهاني: ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر ~~الشكاية لله سبحانه وتعالى ولا يرضى بالقضاء. ثم عطف على {إن الله لا يحب} ~~ملتفتا إلى مقام التكلم، دلالة على تناهي الغضب وتعيينا للمتوعد، مصرحا ~~بمظهر العظمة الذي دل عليه هناك بالاسم الأعظم قوله: {وأعتدنا} أي أحضرنا ~~وهيأنا، وكان الأصل: لهم، ولكنه قال - تعميما وتعليقا للحكم بالوصف، ~~وإعلاما بأن ذلك حامل على الكفر -: {للكافرين} أي بفعل هذه الخصال كفرا ~~حقيقيا بما أوصلهم إليه لزوم الأخلاق الدنية، أو مجازيا بكتمان النعمة ~~{عذابا مهينا *} أي بما اغتروا بالمال الحامل على الفخر والكبر والاختيال ~~«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر» . # ولما ذم المقترين، أتبعه ذم المسرفين المبذرين فقال - عطفا على ~~{الكافرين} أو {الذين يبخلون} معرفا أن الذين لا يحسنون على الوجه المأمور ~~به فيمن تقدم الأمر بالإحسان إليهم فرقتان: فرقة يمنعون النفقة أصلا، وفرقة ~~يمنعون وصفها ويفعلونها رياء، فيعدمون بذلك روحها -: {والذين ينفقون} وأشار ~~إلى عظيم رغبتهم في نفقتهم # PageV05P279 # بقوله: {أموالهم} ودل على خسة مقاصدهم وسفول هممهم بقوله: {رئاء الناس} ~~أي لقصور نظرهم وتقيده بالمحسوسات كالبهائم التي لا تدرك إلا الجزيئات ~~المشاهدات. ms0930 # ولما ذكر إخراج المال على وجه لا يرضاه ذو عقل، ذكر الحامل عليه مشيرا ~~إلى أنهم حقروا أنفسهم بما عظموها به، وذلك أنهم تعبدوا للعبيد، وتكبروا ~~على خالقهم العزيز المجيد فقال: {ولا يؤمنون بالله} وهو الملك الأعظم. ولما ~~كان المأمور بالإحسان إليهم هنا من الوالدين ومن ذكر معهم أخص ممن أشير ~~إليهم في البقرة، أكد بزيادة النافي فقال: {ولا باليوم الآخر} الحامل على ~~كل خير، والنازع عن كل شر. # ولما كان التقدير: فكان الشيطان قرينهم، لكفره بإعجابه وكبره؛ عطف عليه ~~قوله: {ومن يكن الشيطان} أي وهو عدوه البعيد من كل خير، المحترق بكل ضير ~~{له قرينا} فإنه يحمله على كل شر، ويبعده عن كل خير؛ وإلى ذلك أشار بقوله: ~~{فساء قرينا *} # ولما كان التقدير: فماذا لهم في الكفر والإنفاق رياء لمن لا ضر # PageV05P280 # ولا نفع بيده؟ عطف عليه قوله تعنيفا لهم وإنكارا عليهم: {وماذا عليهم} أي ~~من حقير الأشياء وجليلها {لو آمنوا بالله} أي الذي له كل كمال، وبيده كل ~~شيء {واليوم الآخر} الحامل على كل صلاح {وأنفقوا} . # ولما وصفهم بإنفاق جميع أموالهم للعدو الحقير أشار إلى شحهم فيما هو لله ~~العلي الكبير بشيء يسير يحصل لهم به خير كثير، فقال: {مما رزقهم الله} الذي ~~له الغنى المطلق والجود الباهر، ولما كان التقدير: فقد كان الله عليهم لما ~~بذروا أموالهم قديرا، عطف عليه قوله: {وكان الله} أي المحيط بصفات الكمال ~~{بهم} أي في كلتا الحالتين {عليما *} أي بليغ العلم، وللإعلام بعظمة العلم ~~بهم قدم الجار المفيد للاختصاص في غير هذا الموضع. # PageV05P281 # ولما فرغ من توبيخهم قال معللا: {إن الله} أي الذي له كل كمال، فهو الغني ~~المطلق {لا يظلم} أي لا يتصور أن يقع منه ظلم ما {مثقال ذرة} أي فما دونها، ~~وإنما ذكرها لأنها كناية عن العدم، لأنها مثل في الصغر، أي فلا ينقص أحدا ~~شيئا مما عمله، ولا يثيب عليه شيئا لم يعمله، فماذا على من آمن به وهو # PageV05P281 # بهذه الصفة العظمى. # ولما ذكر التخلي من الظلم، أتبعه ms0931 التحلي بالفضل فقال عاطفا على ما ~~تقديره: فإن تك الذرة سيئة لم يزد عليها، ولا يجزي بها إلا مثلها: {وإن} ~~ولما كان تشوف السامع إلى ذلك عظيما، حذف منه النون بعد حذف المعطوف عليه ~~تقريبا لمرامه فقال: {تك} أي مثقال الذرة، وأنثه لإضافته إلى مؤنث، وتحقيرا ~~له، ليفهم تضعيف ما فوقه من باب الأولى، وهذا يطرد في قراءة الحرميين برفع ~~{حسنة} أي وإن صغرت {يضاعفها} أي من جنسها بعشرة أمثالها إلى سبعين إلى ~~سبعمائة ضعف إلى أزيد من ذلك بحسب ما يعلم من حسن العمل بحسن النية {ويؤت ~~من لدنه} أي من غريب ما عنده فضلا من غير عمل لمن يريد. قال الإمام: ~~وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادات الجسمانية، وهذا الأجر إلى ~~السعادات الروحانية {أجرا عظيما *} وسماه أجرا - وهو من غير جنس تلك الحسنة ~~- لابتنائه على الإيمان، أي فمن كان هذا شأنه لا يسوغ لعاقل توجيه الهمة ~~إلا إليه، ولا الاعتماد أصلا بإنفاق وغيره إلا عليه. # ولما تم تحذيره من اليوم الآخر وما ذكره من إظهار العدل # PageV05P282 # واستقصائه فيه كان سببا للسؤال عن حال المبكتين في هذه الآيات إذ ذاك، ~~فقال: {فكيف} أي يكون حالهم وقد حملوا أمثال الجبال من مساوي الأعمال! {إذا ~~جئنا} على عظمتنا {من كل أمة بشهيد} أي يشهد عليهم {وجئنا بك} وأنت أشرف ~~خلقنا {على هؤلاء} أي الذين أرسلناك إليهم وجعلناك شهيدا عليهم {شهيدا *} ~~وفي التفسير من البخاري عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: «قال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم» اقرأ علي «قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال» إني ~~أحب أن أسمعه من غيري «فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت {فكيف إذا جئنا من ~~كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} قال» أمسك «فإذا عيناه تذرفان» ثم ~~استأنف الجواب عن ذلك بقوله: {يومئذ} أي تقوم الإشهاد {يود الذين كفروا} أي ~~ستروا ما تهدي إليه العقول من آياته وبين أنهم مخاطبون بالفروع في قوله: ~~{وعصوا الرسول} بعد ستر ما أظهر من ms0932 بيناته {لو تسوى بهم الأرض} أي تكون ~~مستوية معتدلة بهم، ولا تكون كذلك إلا وقد غيبتهم واستوت بهم، # PageV05P283 # ولم يبق فيها شيء من عوج ولا نتو بسبب أحد منهم ولا شيء من أجسامهم؛ ~~وإنما ودوا ذلك خوفا مما يستقبلهم من الفضيحة بعتابهم ثم الإهانة بعقابهم. # ولما كان التقدير: فلا تسوى بهم، عطف عليه قوله: {ولا يكتمون الله} أي ~~الملك الأعظم {حديثا *} أي شيئا أحدثوه بل يفتضحون بسيىء أخبارهم، ويحملون ~~جميع أوزارهم، جزاء لما كانوا يكتمون من آياته وما نصب للناس من بيناته. # ولما وصف الوقوف بين يديه في يوم العرض والأهوال الذي أدت فيه سطوة ~~الكبرياء والجلال إلى تمني العدم، ومنعت قوة يد القهر والجبر أن يكتم ~~حديثا، وتضمن وصفه أنه لا ينجو فيه إلا من كان طاهر القلب والجوارح ~~بالإيمان به والطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ وصف الوقوف بين يديه في ~~الدنيا في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الوقوف في ذلك اليوم، ~~والذي خطرت معاني اللطف والجمال فهي الالتفات إلى غيره، وأمر بالطهارة في ~~حال التزين به عن الخبائث فقال: {يا أيها الذين أمنوا} أي أقروا بالتصديق ~~بالرسل وما أتوا به عن الله، وأوله وأولاه # PageV05P284 # أن لا تشركوا به شيئا من الإشراك {لا تقربوا الصلاة} أي بأن لا تكونوا في ~~موضعها فضلا عن أن تفعلوها {وأنتم} أي والحال أنكم {سكارى} أي غائبو العقل ~~من الخمر أو نحوها، فإنه يوشك أن يسبق اللسان - بتمكن الشيطان بزوال العقل ~~- إلى شيء من الإشراك، فيكون شركا لسانيا وإن كان القلب مطمئنا بالإيمان، ~~فيوشك أن يعرض ذلك عليه يوم الوقوف الأكبر، فإن من أنتم بين يديه لا يكتم ~~حديثا، فيود من نطق سانه بذلك - لما يحصل له من الألم - لو كان من أهل ~~العدم! وأصل السكر في اللغة: سد الطريق؛ وسبب نزولها ما رواه مسدد بإسناد - ~~قال شيخنا البوصيري: رجاله ثقات - عن علي رضي الله تعالى عنه «أن رجلا من ~~الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه فسقاهما ms0933 قبل أن تحرم ~~الخمر، فأمهم علي رضي الله تعالى عنه في المغرب وقرأ {قل يا أيها الكافرون} ~~[الكافرون: 1] فنزلت» هكذا رواه، وقد رواه أصحاب السنن الثلاثة وأحمد وعبد ~~بن حميد والبزار والحاكم والطبري، فبينوا المراد، وهو أن الذي صلى بهم قرأ: ~~أعبد ما تعبدون، وفي رواية الترمذي: ونحن نعبد ما تعبدون. # PageV05P285 # ولما أفهم النهي عن قربانها ي هذا الحال زواله بانقضائه، صرح به في قوله: ~~{حتى} أي ولا يزال هذا النهي قائما حتى {تعلموا} بزوال السكر {ما تقولون} ~~فلا يقع منكم حينئذ تبديل؛ وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه أن المراد ~~بالصلاة نفسها وموضعها وهو المسجد، وذلك من أدلته على استعمال الشيء في ~~حقيقته ومجازه؛ نهى السكران أن يصلي إلى أن يفهم، أي يصحو، ونهى كل واحد أن ~~يكون في المسجد وهو جنب بقوله عطفا على محل {وأنتم سكارى} : {ولا} أي ولا ~~تقربوا الصلاة بالكون في محالها فضلا عنها {جنبا} أي ممنين بالفعل أو القوة ~~القريبة منه بالتقاء الختانين، لأن الجنابة المني سواء كان عن جماع أو لا ~~في حال من أحوال الجنابة {إلا عابري سبيل} أي مارين مرورا من غير مكث ولا ~~صلاة؛ ولما غيى منع الجنابة بقوله: {حتى تغتسلوا} أي تغسلوا البدن عمدا، ~~ولما كان للإنسان حالات يتعسر أو يتعذر فيها عليه استعمال الماء؛ ذكرها ~~فقال مرتبا لها على الأحوج إلى الرخصة فالأحوج: {وإن كنتم مرضى} أي بجراحة ~~أو غيرها مرضا يمنع من طلب الماء أو استعماله {أو على سفر} كذلك سواء كان ~~السفر طويلا أو قصيرا {أو جاء أحد منكم} أي # PageV05P286 # أيها المؤمنون! ولو كان حاضرا صحيحا {من الغائط} أي المكان المطمئن من ~~الأرض الواسع الذي يقصد للتخلي، أي: أو جاء من التخلي فقضى حاجته التي لا ~~بد له منها، فهو بها أحوج إلى التخفيف مما بعده. # ولما تقدم أمر الجنابة التي هي المني أعم من أن تكون بجماع أو غيره، ذكر ~~هنا ما يعمها وغيرها من وجه فقال: {أو لامستم النساء} أي بمجرد التقاء ~~البشرتين أو ms0934 بالجماع سواء حصل إنزال أو لا، وأخر هذا لأنه مما منه بد، ولا ~~يتكرر تكرر قضاء الحاجة {فلم تجدوا ماء} أي إما بفقده أو بالعجز عن ~~استعماله {فتيمموا} أي اقصدوا قصدا صادقا بأن تلابسوا ناوين {صعيدا} أي ~~ترابا {طيبا} أي طهورا خالصا فهو بحيث ينبت {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ~~ربه} [الأعراف: 58] {فامسحوا} وهذه عبادة خاصة بنا. # ولما كان التراب لا يتمكن من جميع العضو وإن اجتهد الإنسان في ذلك أدخل ~~الباء قاصرا للفعل في قوله: {بوجوهكم} أي أوقعوا المسح بها سواء عم التراب ~~منبت الشعر أم لا {وأيديكم} أي منه # PageV05P287 # كما صرح به في المائدة، لا فيه ولا عليه مثلا، ليفهم التمعك أو أن الحجر ~~مثلا يكفي، والملامسة جوز الشافعي رضي الله تعالى عنه أيضا أن يراد بها ~~المس - أي ملاقاة البشرتين - الذي هو حقيقة اللمس والجماع الذي هو مسبب عن ~~المس، أو هو مماسة خاصة، فهو من تسمية الكل باسم البعض حينئذ. # ولما نهى عما يدني من وقوع صورة الذنب الذي هو جري اللسان بما لا يليق به ~~سبحانه وتعالى، وخفف ما كان شديدا بالتيمم؛ ختم الآية بقوله: {إن الله} أي ~~الذي اختص بالكمال {كان عفوا} أي بترك العقاب على الذنب، وكأن هذا راجع إلى ~~ما وقع حالة السكر {غفورا *} أي بترك العقاب وبمحو الذنب حتى لا يذكر بعد ~~ذلك أصلا، وكأن هذا راجع إلى التيمم، فإن الصلاة معه حسنة، ولولاه كانت ~~سيئة مذكورة ومعاقبا عليها، إما على تركها لمشقة استعمال الماء عند ~~التساهل، أو على فعلها بغير طهارة في بعض وجوه التنطع، وذلك معنى قوله ~~سبحانه وتعالى في المائدة {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} [المائدة: 6] ~~ومن كانت عادته العفو والمغفرة كان ميسرا غير معسر. # PageV05P288 # ولما أفهم ختام هذه الآية أن التشديد في الأحكام يكون سببا للإجرام، ~~فيكون سببا في الانتقام؛ قرر ذلك بحال اليهود الذين أوجبت # PageV05P288 # لهم الآصار عذاب النار فقال - ليكون ذلك مرغبا في تقبل ما مر من التكاليف ~~ليسره ولرجاء الثواب، مرهبا من ms0935 تركها خوفا من العقاب، وليصير الكلام حلوا ~~رائقا بهجا بتفصيل نظمه تارة بأحكام، وتارة بأقاصيص عظام، فينشط الخاطر ~~وتقوى القريحة -: {ألم تر} أو يقال: إنه لما حذر سبحانه وتعالى فيما مضى من ~~أهل الكتاب بقوله سبحانه وتعالى {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~ميلا عظيما} [النساء: 27] ومر إلى أن أنزل هذه فيمن حرف في الصلاة لسانه ~~فقط لا عن عمد الكلم عن واضعه؛ أتبعها التصريح بالتعجيب من حال المحرفين ~~بالقلب واللسان عمدا وعدوانا اجتراء على الله سبحانه وتعالى، الملوح إليهم ~~بالآية السابقة أنهم يريدون لنا الضلال عما هدينا إليه من سننهم فقال: {ألم ~~تر} . # ولما كانوا بمحل البعد - بما لهم من اللعن - عن حضرته الشريفة، عبر بأداة ~~الانتهاء، بصرية كانت الرؤية أو قلبية، فقال: {إلى الذين أوتوا} وحقر أمرهم ~~بالبناء للمفعول وبقوله: {نصيبا من الكتاب} أي كشاس بن قيس الذي أراد الخلف ~~بين الأنصار، وفي ذلك أن أقل شيء من الكتاب يكفي في ذم الضلال، لأنه كاف في ~~الهداية # PageV05P289 # {يشترون} أي يتكلفون ويلحون - بما هم فيه من رئاسة الدنيا من المال ~~والجاه - أن يأخذوا {الضلالة} معرضين عن الهدى غير ذاكريه بوجه، وسبب كثير ~~من ذلك ما في دينهم من الآصال والأثقال، كما أشار إليه قوله سبحانه وتعالى ~~{فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} [مريم: 59] أي بسبب ما شدد عليهم فيها ~~بأنها لا تفعل إلا في الموضع المبني لها، وبغير ذلك من أنواع الشدة، وكذا ~~غيرها المشار إليه بقوله سبحانه وتعالى {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] ~~وغير ذلك، ومن أعظمه ما يخفون من صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ليتقربوا ~~بذلك إلى أهل دينهم، ويأخذوا منهم الرشى على ذلك، ويجعلوهم عليهم رؤساء. # ولما ذكر ضلالهم المتضمن لإضلالهم، أتبعه ما يدل على إعراقهم فيه، فقال ~~مخاطبا لمن يمكن توجيه هممهم بإضلال إليه: {ويريدون أن تضلوا} أي يا أيها ~~الذين آمنوا {السبيل *} حتى تساووهم، فلذلك يذكرونكم بالأحقاد والأضغان ~~والأنكاد - كما فعل شاس - لا محبة فيكم، ويلقون إليكم الشبهة، فالله سبحانه ~~وتعالى أعلم بهم حيث ms0936 # PageV05P290 # حذركم منه بقوله {لا يألونكم خبالا} [آل عمران: 118] وما بعده إلى هنا ~~{والله} أي المحيط علمه وقدرته {أعلم} أي من كل أحد {بأعدائكم} أي كلهم ~~هؤلاء وغيرهم، بما يعلم من البواطن، فمن حذركم منه كائنا من كان فاحذره. # ولما كان كل من قبيلتي الأنصار قد والوا ناسا من اليهود ليعتزوا بهم ~~وليستنصروهم، قال تعالى فاطما لهم عن موالاتهم: {وكفى} أي والحال أنه كفى ~~به هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الاسم الأعظم لتستحضر عظمته، فيستهان أمر ~~الأعداء فقال: {بالله وليا} أي قريبا بعمل جميع ما يفعله القريب الشفيق. # ولما كان الولي قد تكون فيه قوة النصرة، والنصير قد لا يكون له شفقة ~~الولي، وكانت النصرة أعظم ما يحتاج إلى الولي فيه؛ أفردها بالذكر إعلاما ~~باجتماع الوصفين مكررا الفعل والاسم الأعظم اهتماما بأمرها فقال: {وكفى ~~بالله} أي الذي له العظمة كلها {نصيرا *} أي لمن والاه فلا يضره عداوة أحد، ~~فثقوا بولايته ونصرته دونهم، ولا تبالوا بأحد منهم ولا من غيرهم، فهو ~~يكفيكم الجميع. # PageV05P291 # ولما وفرت هذه الآيات الدواعي على تعيين هؤلاء الذين يريدون الإضلال، قال ~~بعد الاعتراض بما بين المبين والمبين من الجمل لمزيد الاهتمام به: {من ~~الذين هادوا} ثم بين ما يضلون به ويضلون بقوله - ويجوز أن يكون استئنافا ~~بمعنى: بعضهم، أو منهم من -: {يحرفون الكلم} أي الذي أتى به شرعهم من صفة ~~النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وصفه دينه وأمته وغير ذلك مما يريدون ~~تحريفه لغرض، فيتألفون في إمالته وتغييره عن حده وطرفه إلى حد آخر مجاوزين ~~به {عن} ولما كانت الكلمة إذا غيرت تبعها الكلام وهو المقصود بالذات، نبه ~~على ذلك بتذكير الضمير فقال: {مواضعه} أي التي هي به أليق، فيتم ضلالهم ~~وإضلالهم، وهو يشمل ما إذا كان المعنى المغير إليه بعيدا عن المغير أو ~~قريبا، فالذي في المائدة أخص. # ولما كان سبحانه وتعالى عالما بجميع تحريفهم، أشار إليه بالعطف على ما ~~تقديره: فيقولون كذا ويقولون كذا: {ويقولون سمعنا} أي ما تقول {وعصينا} ~~موهمين أنهم يريدون أن ذلك ms0937 حكاية ما وقع لأسلافهم قديما، وإنما يريدون أنهم ~~هم سمعوا ما تقول وخالفوه عمدا ليظن من سمع ذلك أنهم على بصيرة في المخالفة ~~بسبب ما عندهم # PageV05P292 # من العلم الرباني ليورثه ذلك شكا في أمره وحيرة في شأنه {واسمع} حال كونك ~~{غير مسمع} موهمين عدم إسماعه ما يكره من قولهم: فلان أسمع فلانا الكلام، ~~وإنما يريدون الدعاء، كما يقال: اسمع لا سمعت! {وراعنا} موهمين إرادة ~~المراعاة والإقبال عليهم، وإنما يريدون الشتم بالرعونة؛ وقال الأصفهاني: ~~ويحتمل شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها وهي: راعينا، فكانوا - سخرية ~~بالدين وهزءا برسول الله صلى الله عليه وسلم - يكلمونه بكلام محتمل، ينوون ~~به الشتيمة والإهانة ويظهرون التوقير والإكرام، ولذلك قال: {ليا بألسنتهم} ~~أي صرفا لها عن مخارج الحروف التي تحق لها في العربية إلى ما يفعله ~~العبرانيون من تغليظ بعض الحروف وشوب بعضها بغيره، لإرادة معان عندهم قبيحة ~~مع احتمالها لإرادة معان غير تلك يقصدها العرب مليحة {وطعنا في الدين} أي ~~بما يفسرونه به لمن يطمعون فيه من تلك المعاني الخبيثة. # ولما ذكر هذه الكلمات الموجهة، بين ما كان عليهم لو وقفوا # PageV05P293 # فقال قاطعا جدالهم: {ولو أنهم قالوا} أي في الجواب له صلى الله عليه وسلم ~~{سمعنا وأطعنا} أي بدل الكلمة الأولى {واسمع وانظرنا} بدل ما بعدها {لكان} ~~أي هذا القول {خيرا لهم} أي من ذلك، لعدم استيجابهم الإثم {وأقوم} أي لعدم ~~الاحتمال الذم {ولكن لعنهم الله} أي طردهم الذي له جميع صفات العظمة ~~والكمال، وأبعدهم عن الخير {بكفرهم} أي بدناءتهم بما يغطون من أنوار الحق ~~ودلائل الخير، فلم يقولوا ذلك. # ولما سبب عن طردهم استمرار كفرهم قال: {فلا يؤمنون} أي يتجدد لهم إيمان ~~{إلا قليلا *} أي منهم؛ استثناء من الواو، فإنهم يؤمنون، أو هو استثناء ~~مفرغ من مصدر يؤمن أي من إيمانهم ببعض الآيات الذي لا ينفعها لكفرهم بغيره. # PageV05P294 # ولما بكتهم على فعلهم وقولهم وصرح بلعنهم، خوفهم إظهار ذلك في الصور ~~المحسوسة فقال مقبلا عليهم إقبال الغضب: {يا أيها الذين} مناديا لهم من محل ~~البعد ms0938 {أوتوا الكتاب} ولم يسند الإيتاء إليه تحقيرا لهم، ولم يكتف بنصيب ~~منه لأنه لا يكفي في العلم # PageV05P294 # بالمصادقة إلا الجميع {آمنوا بما نزلنا} أي تدريجا كما نزلنا التوراة ~~كذلك، على ما لنا من العظمة التي ظهرت في إعجازه وإخباره بالمغيبات ودقائق ~~العلوم مما عندكم وغيره على رشاقته وإيجازه؛ وأعلم بعنادهم وحسدهم بقوله: ~~{مصدقا لما معكم} من حيث أنهم له مستحضرون، وبه في حد ذاته مقرون. # ولما أمرهم وقطع حجتهم، حذرهم فقال - مخففا عنهم بالإشارة بحرف الجر إلى ~~أنه متى وقع منهم إيمان في زمن مما قبل الطمس أخره عنهم -: {من قبل أن ~~نطمس} أي نمحو {وجوها} فإن الطمس في اللغة: المحو؛ وهو يصدق بتغيير بعض ~~الكيفيات، ثم سبب عن ذلك قوله: {فنردها} فالتقدير: من قبل أن نمحو أثر وجوه ~~بأن نردها {على أدبارها} أي بأن نجعل ما إلى جهة القبل من الرأس إلى جهة ~~الدبر، وما إلى الدبر النقل من حال إلى ما دونها من ضدها بجعلها على حال ~~القفا، ليس فيها معلم من فم ولا غيره، ليكون المعنى بالطمس مسح ما في الوجه ~~من المعاني؛ قال ابن هشام: نطمس: نمسحها فنسويها، فلا يرى فيها عين ولا أنف ~~ولا فم ولا شيء مما يرى في الوجه، وكذلك {فطمسنا أعينهم} [القمر: 37] ~~المطموس العين: الذي # PageV05P295 # ليس بين جفنيه شق، ويقال: طمست الكتاب والأثر فلا يرى منه شيء. ويكون ~~الوجه في هذا التقدير على حقيقته؛ ثم خوفهم نوعا آخر من الطمس فقال عاطفا ~~على (نردها) : {أو نلعنهم} أي نبعدهم جدا عن صورة البشر أن نقلب وجوههم أو ~~جميع ذواتهم على صورة القردة {كما لعنا أصحاب السبت} إذ قلنا لهم {كونوا ~~قردة خاسئين} [البقرة: 65] ويكون الوجه في هذا التقدير الأخير عبارة عن ~~الجملة، فهو إذن مما استعمل في حقيقته ومجازه، ويجوز أن يكون واحد الوجهاء، ~~فيكون عود الضمير إليه استخداما، ويكون المراد بالرد على الأدبار جعلهم ~~أدنياء صغرة من الأسافل - والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولما كان ذلك أمرا غريبا ومقدورا عجيبا، وكان التقدير: فقد ms0939 كان أمر الله ~~فيهم بذلك - كما علمتم - نافذا؛ أتبعه الإعلام بأن قدرته شاملة، وأن وجوه ~~مقدوراته لا تنحصر فقال عاطفا على ما قدرته: {وكان أمر الله} أي حكمه ~~وقضاؤه ومراده في كل شيء شاء منهم ومن غيره بذلك وبغيره، لأن له العظمة ~~التي لا حد لها والكبرياء التي تعيي الأوصاف دونها {مفعولا *} أي كائنا ~~حتما، لا تخلف # PageV05P296 # له أصلا، فلا بد من وقوع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا، وقد آمن بعضهم فلم ~~يصح أنهم لم يؤمنوا، لأنه قد وقع منهم إيمان. # ولما كانوا مع ارتكابهم العظائم يقولون: سيغفر لنا، وكان امتثالهم لتحريف ~~أحبارهم ورهبانهم شركا بالله - كما قال سبحانه وتعالى {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] قال - معللا لتحقيق وعيدهم، ~~معلما أن ما أشير إليه من تحريفهم أداهم إلى الشرك -: {إن الله} أي الجامع ~~لصفات العظمة {لا يغفر أن يشرك به} أي على سبيل التجديد المستمر إلى الموت ~~سواء كان المشرك من أهل الكتاب أم لا، وزاد ذلك حسنا انه في سياق {واعبدوا ~~الله ولا تشركوا به شيئا} [النساء: 36] . # ولما أخبر بعدله أخبر بفضله فقال: {ويغفر ما دون ذلك} الأمر الكبير ~~العظيم من كل معصيته سواء كانت صغيرة أو كبيرة، سواء تاب فاعلها أو لا، ~~ورهب بقوله - إعلاما بأنه مختار، لا يجب عليه شيء -: {لمن يشاء} . # ولما كان التقدير: فإن من أشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا، عطف عليه قوله: ~~{ومن يشرك} أي يوجد منه شرك في الحال أو المآل، وأما الماضي فجبته التوبة ~~{بالله} أي الذي كل شيء # PageV05P297 # دونه {فقد افترى} أي تعمد كذبا {إثما عظيما *} أي ظاهرا في نفسه من جهة ~~عظمه أنه قد ملأ أقطار نفسه وقلبه وروحه وبدنه مظهرا للغير أنه إثم، فهو في ~~نفسه مناد بأنه باطل مصر، فلم يدع للصلح موضعا، فلم تقتض الحكمة العفو عنه، ~~لأنه قادح في الملك، وإنما طوى مقدمة الضلال وذكر مقدمة الافتراء - لكون ~~السياق لأهل الكتاب الذين ضلالهم على علم منهم وتعمد وعناد، بخلاف ما يأتي ~~عن ms0940 العرب، وفي التعبير بالمضارع استكفاف مع استعطاف واستجلاب في استرهاب. # PageV05P298 # ولما كان في ذلك إشارة إلى أن المرادين بهذه الآيات من أهل الكتاب أضل ~~الناس، وكانوا يقولون: إنهم أهدى الناس؛ عجب منهم منكرا عليهم بعد افترائهم ~~تزكية أنفسهم فقال: {ألم تر} وأبعدهم بقوله: {إلى الذين يزكون أنفسهم} أي ~~بما ليس لهم من قولهم {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] ~~وقولهم {لن يدخل الجنة لا من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111] وقوله: ~~{ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} [آل عمران: 188] {ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} [النساء: 27] فإن إبعاد غيرهم # PageV05P298 # في الميل مصحح لتزكيتهم أنفسهم بالباطل ونحو ذلك مما تقدم وغيره. # ولما كان معنى الإنكار: ليس لهم ذلك لأنهم كذبوا فيه وظلموا، أشار إليه ~~بقوله: {بل الله} أي الذي له صفات الكمال {يزكي من يشاء} أي بما له من ~~العلم التام والقدرة الشاملة والحكمة البالغة والعدل السوي بالثناء عليه ~~وبخلق معاني الخير الظاهرة فيه لتنشأ عنها الأعمال الصالحة، فإذا زكي أحدا ~~من أصفيائه بشيء كالنبوة، كان له أن يزكي نفسه بذلك حملا على ما ينفع الناس ~~به عن الله {ولا} أي والحال أن الذين يزكيهم أو يدسيهم لا {يظلمون فتيلا *} ~~أي مقدار ما في شق النواة من ذلك الشيء المفتول، أي قليلا ولا كثيرا، لأنه ~~عالم بما يستحقون وهو الحكم العدل الغني عن الظلم، لأن له صفات الكمال. # ولما أخبر تعالى أن التزكية إنما هي إليه بما له من العظمة والعلم ~~الشامل، وكان ذلك أمرا لا نزاع فيه، وشهد عليهم بالضلال، وثبت أن ذلك كلامه ~~بما له من الإعجاز في حالتي الإطناب والإيجاز؛ ثبت كذبهم فزاد في توبيخهم ~~فقال - معجبا لرسوله صلى الله عليه وسلم # PageV05P299 # من وقاحتهم واجترائهم على من يعلم كذبهم، ويقدر على معالجتهم بالعذاب، ~~مبينا أنه صلى الله عليه وسلم في الحضرة بعد بيان بعدهم -: {انظر كيف ~~يفترون} أي يتعمدون {على الله} أي الذي لا يخفي عليه شيء ولا يعجزه شيء ~~{الكذب} أي من غير خوف ms0941 منهم لذلك عاقبة {وكفى} أي والحال أنه كفي {به} أي ~~بهذا الكذب {إثما مبينا *} أي واضحا في نفسه ومناديا عليها بالبطلان. # ولما عجب من كذبهم دل عليه بقوله: {ألم تر} وكان الأصل: إليهم، ولكنه قال ~~- لزيادة التقريع والتوبيخ والإعلام بأن كفرهم عناد لكونه عن علم -: {إلى ~~الذين} وعبر بإلى دلالة على بعدهم عن الحضرات الشريفة {أوتوا نصيبا من ~~الكتاب} أي الذي هو الكتاب في الحقيقة لكونه من الله {يؤمنون بالجبت} وهو ~~الصنم والكاهن والساحر والذي لا خير فيه وكل ما عبد من دون الله {والطاغوت} ~~وهو اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من ~~دون الله؛ وكل هذه المعاني تصح إرادتها هنا، وهي مما نهي عنه في كتابهم - ~~وأصله ومداره مجاوزة الحد عدوانا، وهو واحد وقد يكون جمعا، قال سبحانه ~~وتعالى # {أوليائهم الطاغوت يخرجونهم} [البقرة: 257] والحال أن أقل نصيب من الكتاب ~~كاف في النهي عن ذلك وتكفير فاعله. # PageV05P300 # ولما دل على ضلالهم دل على إضلالهم بقوله - معبرا بصيغة المضارع دلالة ~~على عدم توبتهم -: {ويقولون للذين كفروا} ودل بالتعبير بالإشارة دون الخطاب ~~على أنهم يقولون ذلك فيهم حتى في غيبتهم، حيث لا حامل لهم على القول إلا ~~محض الكفر فقال: {هؤلاء} أي الكفرة العابدون للأصنام {أهدى} أي أقوم في ~~الهداية {من الذين آمنوا} أي أوقعوا هذه الحقيقة، فيفهم ذمهم بالتفضيل على ~~الذين يؤمنون ومن فوقهم من باب الأولى {سبيلا *} مع أن في كتابهم من إبطال ~~الشرك وهدمه وعيب مدانيه وذمه في غير موضع تأكيدا أكيدا وأمرا عظيما شديدا. # ولما أنتج ذلك خزيهم قال: {أولئك} أي البعداء عن الحضرات الربانية {الذين ~~لعنهم الله} أي طردهم بجميع ما له من صفات الكمال طردا هم جديرون بأن ~~يختصوا به. ولما كان قصدهم بهذا القول مناصرة المشركين لهم وكان التقدير: ~~فنالوا بذلك اللعن الذل والصغار، عطف عليه قوله: {ومن يلعن الله} أي الملك ~~الذي له الأمر كله منهم ومن غيرهم {فلن تجد له نصيرا *} أي في وقت من ~~الأوقات أصلا، وكرر ms0942 التعبير بالاسم الأعظم لأن المقام يقتضيه إشعارا لتناهي ~~الكفر # PageV05P301 # الذي هو أعظم المعاصي بتناهي الغضب. # ولما كان التقدير: كذلك كان من إلزامهم الذل والصغار، عطف عليه قوله: ~~{أم} أي ليس {لهم نصيب} أي واحد من الأنصباء {من الملك فإذا} أي فيتسبب عن ~~ذلك أنهم إذا كان لهم أدنى نصيب منه {لا يؤتون الناس} أي الذين آمنوا ~~{نقيرا *} أي شيئا من الدنيا ولا الآخرة من هدى ولا من غيره، والنقير: ~~النقرة في ظهر النواة، قيل: غاية في القلة؛ فهو كناية عن العدم، فهو بيان ~~لأنهم لإفراط بخلهم لا يصلحون إلا لما هم فيه من الذل فكيف بدرجة الملك لأن ~~الملك والبخل لا يجتمعان {أم} أي ليس لهم نصيب ما من الملك، بل ذلهم لازم ~~وصغارهم أبدا كائن دائم، فهم {يحسدون الناس} أي محمدا صلى الله عليه وسلم ~~الذي جمع فضائل الناس كلهم من الأولين والآخرين وزاد عليهم ما شاء الله، أو ~~العرب الذي لا ناس # PageV05P302 # الآن غيرهم، لأنا فضلناهم على العالمين - بأن يتمنوا دوام ذلهم كما دام ~~لهم هم، ودل على نهاية حسدهم بأداة الاستعلاء في قوله: {على ما آتاهم الله} ~~أي بما له من صفات الكمال {من فضله} حسدوهم لما رأوا من إقبال جدهم وظهور ~~سعدهم وأنهم سادة الناس وقادة أهل الندى والبأس: # إن العرانين تلقاها محسدة ... ولن ترى للئام الناس حسادا # وقد آتاهم الله سبحانه وتعالى جميع أنواع الملك، فإنه على ثلاثة أقسام: ~~ملك على الظواهر والبواطن معا، وهو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما لهم ~~من غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة والشفاعة والبر واللطف التي كل منها ~~سبب للانقياد، وذلك مع ما لهم بالله سبحانه وتعالى من تمام الوصلة؛ وملك ~~على الظواهر فقط، وهو ملك الملوك؛ وملك على البواطن فقط، وهو ملك العلماء. # ولما ذمهم سبحانه وتعالى أولا بالجهل ومدح النفس تشبعا بما لم يعطوا، ~~وذلك سبب لجميع النقائص، وثانيا بأعظم منه: منع الحق من أهله بخلا، وثالثا ~~بأعظم منهما: تمنى ألا يصل إلى أحد نعمة وإن كانت لا ms0943 تنقصهم، فحازوا بذلك ~~أعلى خلال الذم، وكانت # PageV05P303 # المساوي تضع والمحاسن ترفع، تسبب عن هذا توقع السامع لإعلاء العرب وإدامة ~~ذل اليهود وموتهم بحسدهم فقال: {فقد} أي فتسبب عن هذا وتعقبه أنا آتيناهم - ~~هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر للتنبيه على التوصيف الذي شاركوهم به في ~~استحقاق الفضائل فقال: {آتينا} أي بما لنا من العظمة {آل إبراهيم} أي الذي ~~أعلمناكم في كتابكم أنا أقسمنا له أنا نعز ذريته ونهديهم ونجعل ابنة ~~إسماعيل حالا على جميع حدود إخوته، ويده في جميع الناس ويده على كل أحد ويد ~~كل به {الكتاب} أي الذي لا كتاب إلا هو لما له من الحفظ والفضل بالإعجاز ~~والفصل {والحكمة} أي النبوة التي ثمرتها العمل المتقن بالعلم المحرر المحكم ~~{وآتيناهم} مع ذلك {ملكا عظيما *} أي ضخما واسعا باقيا إلى أن تقوم الساعة ~~{فمنهم} أي من آل إبراهيم {من آمن به} وهم أغلب العرب {ومنهم من صد عنه} أي ~~أعرض بنفسه، وصد غيره كبني إسرائيل وبعض العرب. # ولما كان قد علم من السياق أن الطاعن فيه ميت بحسده من غير أن يضره بأمر ~~دنيوي، وكان التقدير لبيان أمرهم في الآخرة: فحكمنا أن تسعر بهم النار بعد ~~الذل في هذه الدار والهوان والصغار، عطف # PageV05P304 # عليه قوله: {وكفى بجهنم سعيرا *} أي توقدا والتهابا في غاية الإحراق ~~والعسر والإسراع إلى الأذى، وفي آية الطاغوت أنهم سمحوا ببدل الدين - وهو ~~لا أعز منه عند الإنسان - في شهادتهم للكفرة بالهداية، وفي آية الملك ~~الإيماء إلى أنهم في الحضيض من الشح بالخسيس الفاني، وفي آية الحسد أنه لم ~~يكفهم التوطن في حضيض الشح بما أوتوا مع الغنى حتى سفلوا عنه إلى أدنى من ~~ذلك بالحسد لمن آتاه الله ما لا ينقصهم. # PageV05P305 # ولما أثبت لمن صد عنه النار علله بقوله: {إن الذين كفروا بآياتنا} أي ~~ستروا ما أظهرته عقولهم بسببها {سوف نصليهم} أي بوعيد ثابت وإن طال معه ~~الإمهال {نارا} ولما كانت النار - على ما نعهده - مفنية ماحقة، استأنف قوله ~~ردا لذلك: {كلما نضجت جلودهم} أي صارت ms0944 بحرها إلى حالة اللحم النضيج الذي ~~أدرك أن يؤكل، فصارت كاللحم الميت الذي يكون في الجرح، فلا يحس بالألم ~~{بدلناهم} أي جعلنا لهم {جلودا غيرها} أي غير النضيجة بدلا منها بأن ~~أعدناها إلى ما كانت عليه قبل تسليط النار عليها، # PageV05P305 # كما إذا صغت من خاتم خاتما على غير هيئته، فإنه هو الأول لأن الفضة ~~واحدة، وهو غيره لأن الهيئة متغايرة، وهكذا الجلد الثاني مغاير للنضيج في ~~الهيئة {ليذوقوا} أي أصحاب الجلود المقصودون بالعذاب {العذاب} أي ليدوم لهم ~~تجدد ذوقه، فتجدد لهم مشاهده الإعادة بعد البلى كل وقت، كما كانوا يجددون ~~التكذيب بذلك كل وقت، ليكون الجزاء من جنس العمل، فإنه لو لم يعد منهم ما ~~وهي لأداه وهيه إلى البلى، ولو بلى منهم شيء لبلوا كلهم فانقطع عذابهم. # ولما كان هذا أمرا لم يعهد مثله، دل على قدرته عليه بقوله: {إن الله} أي ~~الملك الأعظم {كان} ولم يزل {عزيزا} أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {حكيما ~~*} ي يتقن صنعه، فجعل عذابهم على قدر ذنوبهم، لأن عزائمهم كانت على دوامهم ~~على ما استحقوا به ذلك ما بقوا. # ولما ذكر الترهيب بعقاب الكافرين أتبعه الترغيب بثواب المؤمنين فقال: ~~{والذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {وعملوا} بيانا لصدقهم فيه {الصالحات ~~سندخلهم} أي بوعد لا خلف فيه، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف - كما ~~في الكافرين - أنهم أقصر الأمم # PageV05P306 # مدة، أو أنهم أقصرهم أعمارا إراحة لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء، ~~وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف {جنات} أي ~~بساتين، ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال: {تجري من تحتها ~~الأنهار} أي إن أرضها في غاية الري، كل موضع منها صالح لأن تجري منه نهر. # ولما ذكر قيامها وما به دوامها، أتبعه ما تهواه النفوس من استمرار ~~الإقامة بها فقال: {خالدين فيها أبدا} ولما وصف حسن الدار ذكر حسن الجار ~~فقال: {لهم فيها أزواج} والمطرد في وصف جمع القلة لمن يفضل الألف والتاء، ~~فعدل هنا عن ذلك ms0945 إلى الوحدة لإفهام أنهن لشدة الموافقة في الطهر كذات واحد ~~فقيل: {مطهرة} أي متكرر طهرها، لا توجد وقتا ما على غير ذلك. ولما كانت ~~الجنان في الدنيا لا تحسن إلا بتمكن الشمس منها وكانت الشمس تنسخ الظل ~~فتخرج إلى التحول إلى مكان آخر، وربما آذى حرها، أمن من ذلك فيها بقوله: ~~{وندخلهم} أي فيها {ظلا} أي عظيما، وأكده بقوله {ظليلا *} # PageV05P307 # أي متصلا لا فرج فيه، منبسطا لا ضيق معه دائما لا تصيبه الشمس يوما ما، ~~ولا حر فيه ولا برد، بل هو في غاية الاعتدال. # ولما تقدم في هذه السورة الأمر بالإحسان والعدل في النساء واليتامى في ~~الإرث وغيره، وفي غير ذلك من الدماء والأموال والأقوال والأفعال، وذكر ~~خيانة أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب، وذكر أنه آتى هذه الأمة ~~الملك المقتضي للحكم، وآتاهم الحكمة بعد جهلهم وضعفهم؛ أقبل عليهم بلذيذ ~~خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ثوابه بما ختمه بالظل الموعود ~~على العدل في حديث «سبعة يظلمهم الله في ظله» فقال: {إن الله} أي الذي له ~~صفات الكمال {يأمركم} أي أيتها الأمة {أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} أي من ~~غير خيانة ما، كما فعل أهل الكتاب في كتمان ما عندهم والإخبار بغيره، ~~والأمانة: كل ما وجب لغيرك عليك. # ولما أمر بما يحق للإنسان في نفسه، أمر بما يحق له في معاملة غيره، # PageV05P308 # وحقق لهم ما لم يكونوا يرومونه من أمر الملك بقوله بأداة القطع عاطفا ~~شيئين على شيئين: {إذا حكمتم} وبين عموم ملكهم لسائر الأمم بقوله: {بين ~~الناس} وبين المأمور به بقوله: {أن تحكموا بالعدل} أي السواء بأن تأمروا من ~~وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له، فإن ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن ~~المقيل في الظل الظليل، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ~~إمام عادل» الحديث. # ولما أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله: ms0946 {إن الله} معبرا أيضا بالاسم الأعظم ~~{نعما} أي نعم شيئا عظيما {يعظكم به} وحثهم على المبادرة إلى حسن الامتثال ~~بقوله: {إن الله} مكررا لهذا الاسم الشريف ليجتهدوا في الترقي في طهارة ~~الأخلاق إلى حد لم يبلغه غيرهم. ولما كان الرقيب في الأمانات لا بد له من ~~أن يكون له من يد سمع وعلم قال: {كان} أي ولم يزل ولا يزال # PageV05P309 # {سميعا} أي بالغ السمع لكل ما يقولونه جوابا لأمره وغيره ذلك {بصيرا *} ~~أي بالغ البصر والعلم بكل ما يفعلونه في ذلك وغيره من امتثال وغيره. # ولما أمر سبحانه بالعدل ورغب فيه، ورهب من تركه؛ أمر بطاعة المتنصبين ~~لذلك الحاملة لهم على الرفق بهم والشفقة عليهم فقال: {يا أيها الذين آمنوا} ~~أي أقروا بالإيمان، وبدأ بما هو العمدة في الحمل على ذلك فقال: {أطيعوا} أي ~~بموافقة الأمر تصديقا لدعواكم الإيمان {الله} أي فيما أمركم به في كتابه ~~مستحضرين ما له من الأسماء الحسنى، وعظم رتبة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بإعادة العامل فقال: {وأطيعوا الرسول} فيما حده لكم في سنته عن الله وبينه ~~من كتابه لأن منصب الرسالة مقتض لذلك، ولهذا عبر به دون النبي {وأولي الأمر ~~منكم} أي الحكام، فإن طاعتهم فيما لم يكن معصية - كما أشير إلى ذلك بعدم ~~إعادة العامل - من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاعته من طاعة الله ~~عز وجل؛ والعلماء من أولي الأمر أيضا، وهم العاملون فإنهم يأمرون بأمر الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم. # PageV05P310 # ولما أبان هذا الحكم الأصول الثلاثة أتبعها القياس، فسبب عما تقديره: هذا ~~في الأمور البينة من الكتاب والسنة والتي وقع الإجماع عليها، قوله: {فإن ~~تنازعتم في شيء} أي لإلباسه فاختلفت فيه آراؤكم {فردوه إلى الله} أي المحيط ~~علما وقدرة بالتضرع بين يديه بما شرعه لكم من الدعاء والعبادة، ليفتح لكم ~~ما أغلق منه ويهديكم إلى الحق منه {والرسول} أي الكامل الرسالة بالبحث عن ~~آثار رسالته من نص في ذلك بعينه أو أولى قياس، ودلت الآية على ترتيب الأصول ms0947 ~~الأربعة على ما هو فيها وعلى إبطال ما سواها، وعلم من إفراده تعالى وجمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع أعلام أمته أن الأدب توحيد الله حتى في مجرد ~~ذكره، وأكد البيان لدعوى الطاعة بقوله: {إن كنتم تؤمنون} أي دائمين على ~~الإيمان بتجديده في كل أوان {بالله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ~~{واليوم الآخر} الحامل على الطاعة الحاجز عن المعصية، ثم دل على عظمة هذا ~~الأمر وعميم نفعه بقوله مخصصا رسوله صلى الله عليه وسلم: {ذلك} أي الأمر ~~العالي الرتبة {خير} أي وغيره شر {وأحسن تأويلا *} أي عاقبة أو # PageV05P311 # ترجيعا وردا من ردكم إلى ما يقتضيه قويم العقل من غير ملاحظة لآثار ~~الرسالة من الكتاب والسنة، فإن في الأحكام ما لا يستقل عنهما قال: «نزلت ~~هذه الآية {أطيعوا الله} في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي ~~صلى الله عليه وسلم في سرية» يعني فأمرهم أن يدخلوا في النار. # PageV05P312 # ولما كان التقدير - كما أفهمه آخر الآية وأشعر به أولها بعد أن جمع الخلق ~~على طاعته بالطريق الذي ذكره: فمن أبى ذلك فليس بمؤمن، دل عليه بقوله معجبا ~~مخاطبا لأكمل الخلق الذي عرفه الله المنافقين في لحن القول: {ألم تر} وأشار ~~إلى بعدهم عن على حضرته بقوله: {إلى الذين} وإلى كذبهم ودوام نفاقهم بقوله: ~~{يزعمون أنهم آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم {بما أنزل ~~إليك} ودل على أن هذا الزاعم المنافق كان من أهل الكتاب قبل ادعاء الإسلام ~~بقوله: {وما} أي ويزعمون أنهم آمنوا بما {أنزل من قبلك} أي من التوراة ~~والإنجيل، قال الأصبهاني: ولا يستعمل - أي الزعم - في الأكثر # PageV05P312 # إلا في القول الذي لا يتحقق، يقال: زعم فلان - إذا شك فيه فلم يعرف كذبه ~~أو صدقه، والمراد أن هؤلاء قالوا قولا هو عند من لا يعلم البواطن أهل لأن ~~يشك فيه بدليل أنهم {يريدون أن يتحاكموا} أي هم وغرماؤكم {إلى الطاغوت} أي ~~إلى الباطل المعرق في البطلان {وقد} أي والحال أنهم قد ms0948 {أمروا} ممن له ~~الأمر {أن يكفروا به} في كل ما أنزل من كتابك وما قبله، ومتى تحاكموا إليه ~~كانوا مؤمنين به كافرين بالله وهو معنى قوله: {ويريد الشيطان} بإرادتهم ذلك ~~التحاكم {أن يضلهم} أي بالتحاكم إليه {ضلالا بعيدا *} بحيث لا يمكنهم معه ~~الرجوع إلى الهدى. وهذه الآية سبب تسمية عمر رضي الله عنه بالفاروق لضربه ~~عنق منافق لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ذكرها الثعلبي ~~من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما. # ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت، ذكر فعلهم فيه ~~في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {وإذا قيل ~~لهم} أي من أي قائل كان {تعالوا} أي أقبلوا رافعين أنفسكم من وهاد الجهل ~~إلى شرف العلم {إلى ما أنزل الله} # PageV05P313 # أي الذي عنده كل شيء {وإلى الرسول} أي الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع أنه ~~أكمل الرسل الذين هم أكمل الخلق رسالة، رأيتهم - هكذا كان الأصل، ولكنه ~~أظهر الوصف الذي دل على كذبهم فيما زعموه من الإيمان فقال: {رأيت المنافقين ~~يصدون} أي يعرضون {عنك} وأكد ذلك بقوله: {صدودا} أي هو في أعلى طبقات ~~الصدود. # ولما تسبب عن هذا تهديدهم، قال - مهولا لوعيدهم بالإبهام والتعجيب منه ~~بالاستفهام، معلما بأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم، ولا يغني عنهم ~~الاعتذار -: {فكيف} أي يكون حالهم {إذا أصابتهم مصيبة} أي عقوبة هائلة {بما ~~قدمت أيديهم} مما ذكرنا ومن غيره. # ولما كان الذي ينبغي أن يكون تناقضهم بعيدا لأن الكذب عند العرب كان ~~شديدا؛ قال: {ثم جاءوك} أي خاضعين بما لينت منهم تلك المصيبة حال كونهم ~~{يحلفون بالله} أي الحاوي لصفات الكمال من الجلال والجمال غير مستحضرين ~~لصفة من صفاته {إن} أي ما {أردنا} أي في جميع أحوالنا وبسائر أفعالنا {إلا ~~إحسانا وتوفيقا *} أي أن تكون الأمور على الوجه الأحسن والأوفق لما رأينا ~~في ذلك مما خفي على غيرنا - وقد كذبوا في جميع ذلك. # PageV05P314 # ولما ذكر سبحانه ms0949 وتعالى بعض ما يصدر منهم من التناقضات وهم غير محتشمين ~~ولا هائبين، قال معلما بشأنهم معلما لما يصنع بهم: {أولئك} أي البعداء عن ~~الخير {الذين يعلم الله} أي الحاوي لنعوت العظمة {ما في قلوبهم} أي من شدة ~~البغض للإسلام وأهله وإن اجتهدوا في إخفائه عنه، ثم سبب تعليما لما يصنع ~~بهم وإعلاما بأنهم لا يضرون إلا أنفسهم قوله: {فأعرض عنهم} أي عن عقابهم ~~وعن الخشية منهم وعن عتابهم، لأنهم أقل من أن يحسب لهم حساب {وعظهم} أي وإن ~~ظننت أن ذلك لا يؤثر، لأن القلوب بيد الله سبحانه وتعالى يصطنعها لما أراد ~~متى أراد {وقل لهم في أنفسهم} أي بسببها وما يشرح أحوالها ويبين نقائصها من ~~نفائسها، أو خاليا معهم، فإن ذلك أقرب إلى ترقيقهم {قولا بليغا *} أي يكون ~~في غاية البلاغة في حد ذاته. # PageV05P315 # ولما أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذم من حاكم إلى غيره وهدده، ~~وختم تهديده بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنه والوعظ له، فكان ~~التقدير: فما أرسلناك وغيرك من الرسل إلا الرفق بالأمة والصفح عنهم والدعاء ~~لهم على غاية الجهد والنصيحة، عطف عليه قوله: {وما أرسلنا} أي بما لنا من ~~العظمة، ودل على الإعراق في الاستغراق بقوله: {من رسول} ولما كان ما يؤتيهم # PageV05P315 # سبحانه وتعالى من الآيات ويمنحهم به من المعجزات حاملا في ذاته على ~~الطاعة شبهه بالحامل على إرساله فقال: {إلا ليطاع} أي لأن منصبه الشريف ~~مقتض لذلك آمر به داع إليه {بإذن الله} أي بعلم الملك الأعظم الذي له ~~الإحاطة بكل شيء في تمكينه من أن يطاع، لما جعلنا له من المزية بالصفات ~~العظيمة والمناصب الجليلة والأخلاق الشريفة كما قال صلى الله عليه وسلم «ما ~~من الأنبياء نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» أخرجه ~~الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه. # ولما كان التقدير: فلو أطاعوك لكان خيرا لهم، عطف عليه قوله: {ولو أنهم ~~إذ} أي حين {ظلموا أنفسهم} أي بالتحاكم إلى الطاغوت أو غيره ms0950 {جاءوك} أي ~~مبادرين {فاستغفروا الله} أي عقبوا مجيئهم بطلب المغفرة من الملك الأكرم ~~لما استحضروه له من الجلال {واستغفر لهم الرسول} أي ما فرطوا بعصيانه فيما ~~استحقه عليهم من الطاعة {لوجدوا الله} أي الملك الأعظم {توابا رحيما *} أي ~~بليغ التوبة على عبيده والرحمة، لإحاطته بجميع صفات الكمال، فقبل توتبهم ~~ومحا ذنوبهم وأكرمهم. # PageV05P316 # ولما أفهم ذلك أن إباءهم لقبول حكمه والاعتراف بالذنب لديه سبب مانع لهم ~~من الإيمان، قال - مؤكدا للكلام غاية التأكيد بالقسم المؤكد لإثبات مضمونه ~~و «لا» النافية لنقيضه: {فلا وربك} أي المحسن إليك {لا يؤمنون} أي يوجدون ~~هذا الوصف ويجددونه {حتى يحكموك} أي يجعلوك حكما {فيما شجر} أي اختلط ~~واختلف {بينهم} من كلام بعضهم لبعض للتنازع حتى كانوا كأغصان الشجر في ~~التداخل والتضايق. # ولما كان الإذعان للحكم بما يخالف الهوى في غاية الشدة على النفس أشار ~~إليه بأداة التراخي فقال: {ثم لا يجدوا في نفسهم حرجا} أي نوعا من الضيق ~~{مما قضيت} أي عليهم به، وأكد إسلامهم لأنفسهم بصيغة التفعيل فقال: ~~{ويسلموا} أي يوقعوا التسليم البليغ لكل ما هو لهم من أنفسهم وغيرها لله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم خالصا عن شوب كره؛ ثم زاده تأكيدا بقوله: ~~{تسليما *} وفي الصحيح أن الآية نزلت في الزبير وخصم له من الأنصار، فلا ~~التفات إلى من قال: إنه حاطب رضي الله عنه. # ولما كان التقدير: فقد كتبنا عليهم طاعتك والتسيم لك في هذه الحنيفية ~~السمحة التي دعوتهم إليها وحملتهم عليها، عطف عليه قوله: {ولو أنا كتبنا ~~عليهم} أي هذا المخاصم للزبير رضي الله تعالى عنه # PageV05P317 # وأشباه هذا المخاصم ممن ضعف إيمانه كتابة مفروضة {إن اقتلوا أنفسكم} أي ~~كما كان في التوراة في كفارة بعض الذنوب مباشرة حقيقة، وكما فعل المهاجرون ~~بتعريض أنفسهم لذلك ثلاث عشرة سنة، هم فيها عند أعداء الله مضغة لحم بين ~~يدي نسور يتخاطفونها {أو اخرجوا} كما فعل المهاجرون - رضي الله تعالى عنهم ~~- الذين الزبير من رؤوسهم {من دياركم} أي التي هي لأشباحكم كأشباحكم ~~لأرواحكم - توبة لربكم {ما ms0951 فعلوه} أي لقصور إيمانهم وضعف إيقانهم، ولو ~~كتبناه عليهم ولم يرضوا به كفروا، فاستحقوا القتل. # ولما كان كل كدر لا يخلو عن خلاصه، قال: {إلا قليل منهم} أي وهم العالمون ~~بأن الله سبحانه وتعالى خير لهم من أنفسهم، وأن حياتهم إنما هي في طاعته؛ ~~روي أن من هؤلاء ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه، قال: أما والله! ~~إن الله ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلها! وكذا قال ابن ~~مسعود وعمار ابن ياسر رضي الله عنهما، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ~~والله لو أمرنا ربنا لفعلنا! والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك. ولا ريب في ~~أن التقدير: ولكنا لم نكتب عليهم فليشكروا لنا ويستمسكوا # PageV05P318 # بهذه الحنيفية السمحة. # ولما كان مبنى السورة على الائتلاف وكان السياق للاستعطاف، قال مرغبا: ~~{ولو أنهم} أي هؤلاء المنافقين {فعلوا ما يوعظون} أي يجدد لهم الوعظ في كل ~~حين {به لكان} أي فعلهم ذلك {خيرا لهم} أي مما اختاروه لأنفسهم {وأشد ~~تثبيتا *} أي مما ثبتوا به أنفسهم بالأيمان الحانثة {وإذا لآتيناهم} أي ~~وإذا فعلوا ما يوعظون به آتيناهم بما لنا من العظمة إيتاء مؤكدا لا مرية ~~فيه. وأشار بقوله: {من لدنا} إلى أنه من غرائب ما عنده من خوارق خوارق ~~العادات ونواقض نواقض المطردات {أجرا عظيما * ولهديناهم} أي بما لنا من ~~العظمة {صراطا مستقيما *} أي يوصلهم إلى مرادهم، وقد عظم سبحانه وتعالى هذا ~~الأجر ترغيبا في الطاعة أنواعا من العظمة منها التنبيه ب «إذا» ، والإتيان ~~بصيغة العظمة و «لدن» مع العظمة والوصف بالعظيم. # PageV05P319 # ولما رغب في العمل بمواعظه، وكان الوعد قد يكون لغلظ في الموعوظ، وكان ما ~~قدمه في وعظه أمرا مجملا؛ رغب بعد ترقيقه بالوعظ في مطلق الطاعة التي ~~المقام كله لها، مفصلا إجمال ما وعد # PageV05P319 # عليها فقال: {ومن يطع الله} أي في امتثال أوامره والوقوف عند زواجره ~~مستحضرا عظمته - طاعة هي على سبيل التجدد والاستمرار {والرسول} أي في كل ما ~~أراده، فإن منصب الرسالة ms0952 يقتضي ذلك، لا سيما من بلغ نهايتها {فأولئك} أي ~~العالو الرتبة العظيمو الشرف {مع الذين أنعم} أي بما له من صفات الجلال ~~والجمال {عليهم} أي معدود من حزبهم، فهو بحيث إذا أراد زيارتهم أو رؤيتهم ~~وصل إليها بسهولة، لا أنه يلزم أن يكون في درجاتهم وإن كانت اعماله قاصرة. ~~ثم بينهم بقوله: {من النبيين} أي الذين أنبأهم الله بدقائق الحكم، وأنبؤوا ~~الناس بحلائل الكلم، بما لهم من طهارة الشيم والعلو والعظم {والصديقين} أي ~~الذين صدقوا أول الناس ما أتاهم عن الله وصدقوا هم في أقوالهم وأفعالهم، ~~فكانوا قدوة لمن بعدهم {والشهداء} أي الذين لم يغيبوا أصلا عن حضرات القدس ~~ومواطن الأنس طرفة عين، بل هم مع الناس بجسومهم ومع الله سبحانه وتعالى ~~بحلومهم وعلومهم سواء شهدوا لدين الله بالحق، ولسواه بالبطلان بالحجة أو ~~بالسيف، ثم قتلوا في سبيل الله {والصالحين} أي الذين لا يعتريهم في ظاهر ~~ولا باطن بحول الله فساد أصلا، وإلى # PageV05P320 # هذا يشير كلام العارف الشيخ رسلان حيث قال: ما صلحت ما دامت فيك بقية ~~لسواه، وقد تجتمع الصفات الأربع في شخص وقد لا تجتمع، وأبو بكر رضي الله ~~تعالى عنه أحق الأمة بالصديقية وإن قلنا: إن عليا وزيدا رضي الله تعالى ~~عنهما أسلما قبله، لأنه - لكبره وكونه لم يكن قبل الإسلام تابعا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم - كان قدوة لغيره، ولذلك كان سببا لإسلام ناس كثير وأولئك ~~كانوا سببا لإسلام غيرهم، فكان له مثل أجر الكل، وكان فيه حين إسلامه قوة ~~الجهاد في الله سبحانه وتعالى بالمدافعة عن النبي صلى الله عليه وسلم - ~~وغير ذلك من الأفعال الدالة على صدقه، ولملاحظة هذه الأمور كانت رتبتها تلي ~~رتبة النبوة، ولرفع الواسطة بينهما وفق الله سبحانه وتعالى هذه الأمة التي ~~اختارها بتولية الصديق رضي الله تعالى عنه بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم ~~ودفنه إلى جانبه، ومن عظيم رتبتهم تنويه النبي صلى الله عليه وسلم في آخر ~~عمره بهم فقال: «مع الرفيق الأعلى» روى البخاري في التفسير عن عائشة ms0953 رضي ~~الله عنهما قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «ما من نبي يمرض إلا ~~خير بين الدنيا # PageV05P321 # والآخرة» # ، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: {مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} فعلمت أنه خير. # ولما أخبر أن المطيع مع هؤلاء، لم يكتف بما أفهم ذكرهم من جلالهم وجلال ~~من معهم، بل زاد في بيان علو مقامهم ومقام كل من معهم بقوله: {وحسن} أي وما ~~أحسن {أولئك} أي العالو الأخلاق السابقون يوم السباق {رفيقا *} من الرفق، ~~وهو لغة: لين الجانب ولطافة الفعل وهو مما يستوي واحده وجمعه. ثم أشار إلى ~~تعظيم ما منحهم به مرغبا في العمل بما يؤدي إليه بأداة البعد فقال: {ذلك ~~الفضل} وزاد في الترغيب فيه بالإخبار عن هذا الابتداء بالاسم الأعظم فقال: ~~{من الله} . # ولما كان مدار التفضيل على العلم، قال - بانيا على تقديره: لما يعلم من ~~صحة بواطنهم اللازم منها شرف ظواهرهم -: {وكفى بالله} أي الذي له الإحاطة ~~الكاملة {عليما *} يعلم من الظواهر والضمائر ما يستحق به التفضيل من فضله ~~على غيره. # ولما دل على درجة الشهادة بعد ما ذكر من ثواب من قبل موعظته # PageV05P322 # ولو في قتل نفسه، وذم من أبى ذلك بعد ما حذر من الأعداء من أهل الكتاب ~~والمشركين والمنافقين المخادعين، فتوفرت دواعي الراغبين في المكارم على ~~ارتقابها؛ التفت إلى المؤمنين ملذذا لهم بحسن خطابه نادبا إلى الجهاد مع ~~الإرشاد إلى الاستعداد له مما يروع الأضداد، فقال سبحانه وتعالى - منبها ~~بأداة البعد وصيغة المضي إلى أن الراسخ لا ينبغي له أن يحتاج إلى تنبيه على ~~مثل هذا -: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان. # ولما كان سبحانه وتعالى قد خلق للإنسان عقلا يحمله على التيقظ والتحرز من ~~الخوف، فكان كالآلة له، وكان - لما عنده من السهو والنسيان في غالب الأوقات ~~- مهملا له، فكان كأنه قد ترك آلة كانت منه؛ قال سبحانه وتعالى: {خذوا ~~حذركم} أي من الأعداء الذين ذكرتهم لكم وحذرتكم منهم: المشاققين ms0954 منهم ~~والمنافقين {فانفروا} أي اخرجوا تصديقا لما ادعيتم إلى جهادهم مسرعين ~~{ثبات} أي جماعات متفرقين سرية في إثر سرية. لا تملوا ذلك أصلا {أو انفروا ~~جميعا *} أي عسكرا واحدا، ولا تخاذلوا تهلكوا، فكأنه قال: خففت # PageV05P323 # عنكم قتل الأنفس على الصفة التي كتبتها على من قبلكم، ولم آمركم إلا بما ~~تألفونه وتتمادحون به فيما بينكم وتذمون تاركه، من موارد القتال الذي هو ~~مناهج الأبطال، ومشارع فحول الرجال، وجعلت للباقي منكم المحبوبين من الظفر ~~وحل المغنم، وللماضي أحب المحبوب، وهو الدرجة التي ما بعدها إلا درجة ~~النبوة، مع أنه لم ينقص من أجله شيء، ولو لم يقتل في ذلك السبيل المرضى ~~لقتل في غيره في ذلك الوقت. # ولما كان التقدير: فإن منكم الخارج إلى الجهاد عن غير حزم ولا حذر، عطف ~~عليه قوله - مبينا لما هو من أجل مقاصد هذه الآيات من تبكيت المنافقين ~~للتحذير منهم، ووصفهم ببعض ما يخفون، مؤكدا لأن كل ما ادعى الإيمان ينكر أن ~~يكون كذلك -: {وإن منكم} أي يا أيها الذين آمنوا وعزتنا {لمن ليبطئن} أي ~~يتثاقل في نفسه عن الجهاد لضعفه في الإيمان أو نفاقه، ويأمر غيره بذلك أمرا ~~مؤكدا إظهارا للشفقة عليكم وهو عين الغش فإنه يثمر الضعف المؤدي إلى جرأة ~~العدو المفضي إلى التلاشي. # ولما كان لمن يتثاقل عنهم حالتا نصر وكسر، وسبب عن تثاقله # PageV05P324 # مقسما لقوله فيهما: {فإن أصابتكم مصيبة} أي في وجهكم الذي قعدوا عنه ~~{قال} ذلك القاعد جهلا منه وغلظة {قد أنعم الله} أي الملك الأعظم، ذاكرا ~~لهذا الاسم غير عارف بمعناه {علي إذ} أي حين، أو لأني {لم أكن معهم شهيدا ~~*} أي حاضرا، ويجوز أن يريد الشهيد الشرعي، ويكون إطلاقه من باب التنزل، ~~فكأنه يقول: هذا الذي هو أعلى ما عندهم أعد فواته مني نعمة عظيمة {ولئن ~~أصابكم فضل} أي فتح وظفر وغنيمة {من الله} أي الملك الأعلى الذي كل شيء ~~بيده. # ولما كان تحسره إنما هو على فوات الأغراض الدنيوية أكد قوله: {ليقولن} أي ~~في غيبتكم، واعترض بين القول ms0955 ومقوله تأكيدا لذمهم بقوله: {كأن} أي كأنه ~~{لم} أي مشبها حاله حال من لم {يكن بينكم وبينه مودة} أي بسبب قوله: {يا ~~ليتني كنت معهم فأفوز} أي بمشاركتهم في ذلك {فوزا عظيما *} وذلك لأنه لو ~~كان ذا مودة لقال حال المصيبة: يا ليتها لم تصبهم! ولو كنت معهم لدافعت ~~عنهم! وحال الظفر: لقد سرني عزهم، ولكنه لم يجعل # PageV05P325 # محط همه في كلتا الحالتين غير المطلوب الدنيوي، ولعله خص الحالة الثانية ~~بالتشبيه لأن ما نسب إليه فيها لا يقتصر عليه محب، وأما الحالة الأولى ~~فربما اقتصر المحب فيها على ذلك قصدا للبقاء لأخذ الثأر ونكال الكفار، وذكر ~~المودة لأن المنافقين كانوا يبالغون في إظهار الود والشفقة والنصيحة ~~للمؤمنين. # PageV05P326 # ولما بين أن محط حال القاعد عن الجهاد الدنيا، علم أن قصد المجاهد ~~الآخرة، فسبب عن ذلك قوله: {فليقاتل في سبيل الله} أي بسبب تسهيل طريق ~~الملك الذي له الأمر كله وحفظ الناس عليه {الذين يشرون} أي يبيعون برغبة ~~ولجاجة وهم المؤمنون، أو يأخذون وهم المنافقون - استعمالا للمشترك في ~~مدلوليه {الحياة الدنيا} فيتركونها {بالآخرة} ولما كان التقدير: فإنه من ~~قعد عن الجهاد فقد رضي في الآخرة بالدنيا، عطف عليه قوله: {ومن يقاتل في ~~سبيل الله} أي فيريد إعلاء كلمة الملك المحيط بصفات الجمال والجلال {فيقتل} ~~أي في ذلك الوجه وهو على تلك النية بعد أن يغلب القضاء والقدر على نفسه {أو ~~يغلب} أي الكفار فيسلم {فسوف نؤتيه} أي بوعد لا خلف فيه بما لنا من العظمة ~~المحيطة بالخير والشر، والآية من الاحتباك: # PageV05P326 # ذكر القتل أولا دليل على السلامة ثانيا، وذكر الغالبية ثانيا دليل على ~~المغلوبية أولا؛ وربما دل التعبير بسوف على طول عمر المجاهد غالبا خلافا ~~لما يتوهمه كثير من الناس - إعلاما بأن المدار على فعل الفاعل المختار، لا ~~على الأسباب {أجرا عظيما *} أي في الدارين على اجتهاده في إعزاز دين الله ~~سبحانه وتعالى، واقتصاره على هذين القسمين حث على الثبات ولو كان العدو ~~أكثر من الضعف {فكم من فئة قليلة غلبت فئة ms0956 كثيرة} [البقرة: 249] {والله ~~يؤيد بنصره من يشاء} [آل عمران: 13] والله مع الصابرين. # ولما كان التقدير: فما لكم لا تقاتلون في سبيل الله لهذا الأجر الكثير ~~ممن لا يخلف الميعاد، وكانوا يقولون: إنا لا نعطي الميراث إلا لمن يحمي ~~الذمار، ويذب عن الجار، ويمنع الحوزة؛ قال عاطفا على هذا المقدر ملهبا لهم ~~ومهيجا، ومبكتا للقاعدين وموبخا: {وما} أي وأي شيء {لكم} من دنيا آو آخره ~~حال كونكم {لا تقاتلون} أي تجددون القتال في كل وقت، لا تملونه {في سبيل ~~الله} أي بسبب تسهيل طريق الملك الذي له العظمة الكاملة والغنى المطلق ~~وبسبب خلاص {والمستضعفين} أي المطلوب من الكفار ضعفهم حتى صار موجودا، ~~ويجوز - وهو أقعد - أي يكون منصوبا # PageV05P327 # على الاختصاص تنبيها على أنه من أجل ما في سبيل الله. # ولما كان الإنكاء من هذا ما لمن كان رجاء نفعه أعظم، ثم ما لمن يكون ~~العار به أقوى وأحكم؛ رتبهم هذا الترتيب فقال: {من الرجال والنساء ~~والولدان} أي المسلمين الذين حبسهم الكفار عن الهجرة، وكانوا يعذبونهم ~~ويفتنونهم عن دينهم، وكل منهما كاف في بعث ذوي الهمم العالية والمكارم على ~~القتال، ثم وصفهم بما يهيج إلى نصرهم ويحث على غياثهم فقال: {الذين يقولون} ~~أي لا يفترون {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بإخراجنا من الظلمات إلى النور ~~{أخرجنا من هذه القرية} ثم وصفوها بالحامل على هذا الدعاء فقالوا: {الظالم ~~أهلها} أي بما تيسره لنا من الأسباب {واجعل لنا من لدنك} أي من أمورك ~~العجيبة في الأمور الخارقة للعادات {وليا} يتولى مصالحنا. # ولما كان الولي قد لا يكون فيه قوة النصر قالوا: {واجعل لنا} ولما كانوا ~~يريدون أن يأتيهم خوارق كرروا قولهم: {من لدنك نصيرا *} أي بليغ النصر إلى ~~حد تعجب منه المعتادون للخوارق، فكان بهذا الكلام كأنه سبحانه وتعالى قال: ~~قد جعلت لكم # PageV05P328 # الحظ الأوفر من الميراث، فما لكم لا تقاتلون في سبيلي شكرا لنعمتي وأين ~~ما تدعون من الحمية والحماية! ما لكم لا تقاتلون في نصر هؤلاء الضعفاء ~~لتحقق حمايتكم للذمار ومنعكم للحوزة ms0957 وذبكم عن الجار! . # ولما أخبر عن افتقارهم إلى الأنصار وتظلمهم من الكفار، استأنف الإخبار عن ~~الفريقين فقال مؤكدا للترغيب في الجهاد: {الذين آمنوا} أي صدقوا في دعواهم ~~الإيمان {يقاتلون} أي تصديقا لدعواهم من غير فترة أصلا {في سبيل الله} أي ~~الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال قاصدين وجهه بحماية الذمار وغيره، وأما ~~من لم يصدق دعواه بهذا فما آمن {والذين كفروا يقاتلون} أي كذلك {في سبيل ~~الطاغوت} فلا ولي لهم ولا ناصر. # ولما كان الطاغوت الشيطان أو من زينه الشيطان، وكان كل من عصى الله منه ~~وممن أغواه حقيرا؛ سبب عن ذلك قوله: {فقاتلوا أولياء الشيطان} ثم علل ~~الجرأة عليهم بقوله: {إن كيد الشيطان} أي الذي هو رأس العصاة {كان} جبلة ~~وطبعا {ضعيفا *} . # ولما عرفهم هذه المفاوز الأخروية والمفاخر الدنيوية، وختم بما # PageV05P329 # ينهض الجبان، ويقوي الجنان، ورغبهم بما شوق إليه من نعيم الجنان؛ عجب من ~~حال من توانى بعد ذلك واستكان، فقال تعالى مقبلا بالخطاب على أعبد خلقه ~~وأطوعهم لأمره: {ألم تر} وأشار إلى أنهم بمحل بعد عن حضرته تنهيضا لهم ~~بقوله: {إلى الذين قيل لهم} أي جوابا لقولهم: إنا نريد أن نبسط ايدينا إلى ~~الكفار بالقتال لأن امتحاننا بهم قد طال {كفوا أيديكم} أي ولا تبسطوها ~~إليهم فإنا لم نأمر بهذا {وأقيموا الصلاة} أي صلة بالخالق واستنصارا على ~~المشاقق {وأتوا الزكاة} منماة للمال وطهرة للأخلاق وصلة للخلائق {فلما كتب ~~عليهم القتال} أي الذي طلبوه وهم يؤمرون بالصفح، كتابة لا تنفك إلى آخر ~~الدهر {إذا فريق منهم} أي ناس تلزم عن فعلهم الفرقة، فأحبوا هذه الكتب ~~بأنهم {يخشون الناس} أي الذين هم مثلهم، أن يضروهم، والحال أنه يقبح عليهم ~~أن يكونوا أجرا منهم وهم ناس مثلهم {كخشية الله} أي مثل ما يخشون الله الذي ~~هو القادر لا غيره. # PageV05P330 # ولما كان كفهم عن القتال شديدا يوجب لمن يراه منهم أن يظن بهم من الجبن ~~ما يتردد به في الموازنة بين خوفهم من الناس وخوفهم من الله، عبر بأداة ~~الشك فقال: {أو ms0958 أشد خشية} أي أو كانت خشيتهم لهم عند الناظر لهم أشد من ~~خشيتهم من الله، فقد أفاد هذا أن خوفهم من الناس ليس بأقل من خوفهم من الله ~~جزما بل إما مثله أو أشد منه؛ وقد يكون الإبهام لتفاوت بالنسبة إلى وقتين، ~~فيكون خوفهم منه في وقت متساويا، وفي آخر أزيد، فهو متردد بين هذين ~~الحالين؛ ويجوز أن يكون ذلك كناية عن كراهتهم القتال في ذلك الوقت وتمنيهم ~~لتأخيره إلى وقت ما. # وأيد ما تقدم من الظن بقوله ما هو كالتعليل للكراهة: {وقالوا} جزعا من ~~الموت أو المتاعب - إن كانوا مؤمنين، أو اعتراضا - إن كانوا منافقين، على ~~تقدير صحة ما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم {ربنا} أي أيها المحسن إلينا ~~القريب منا {لم كتبت علينا القتال} أي ونحن الضعفاء {لولا} أي هلا {أخرتنا} ~~أي عن الأمر بالقتال {إلى أجل قريب} أي لنأخذ راحة مما كنا فيه من الجهد من ~~الكفار بمكة، «وسبب نزولها أن عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود الكندي ~~وقدامة بن مظعون وسعد بن # PageV05P331 # أبي وقاص وجماعة رضي الله عنهم كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيرا ~~قبل أن يهاجروا، ويقولون: يا رسول الله! إئذن لنا في قتالهم فإنهم قد ~~آذونا، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفوا أيديكم، فإني لم أومر ~~بقتالهم، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم ~~الله سبحانه وتعالى بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم» حكاه البغوي عن ~~الكلبي، وحكاه الواحدي عنه بنحوه، وروي بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما «أن عبد الرحمن ابن عوف وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا رسول الله! كنا في عز ونحن مشركون، فلما ~~آمنا صرنا أذلة، فقال:» إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم «فلما حوله ~~الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله عز وجل {ألم إلى ~~الذين قيل لهم كفوا أيديكم} » الآية. وهذا يفهم أن نسبة القول إليهم إنما ~~هي ms0959 حالهم في التأخر عن المبادرة إلى القتال حال من يقول ذلك، فالمراد من ~~الآية إلهابهم إلى القتال وتهييجهم، ليس غير. # ولما عجب عليه الصلاة والسلام منهم إنكارا عليهم كان كأنه قال: فما أقول ~~لهم؟ أمره بوعظهم وتضليل عقولهم وتقييل أرائهم # PageV05P332 # بقوله: {قل متاع الدنيا قليل} أي ولو فرض أنه مد في آجالكم إلى أن تملوا ~~الحياة، فإن كل منقطع قليل، مع أن نعيمها غير محقق الحصول، وإن حصل كان ~~منغصا بالكدورات {والآخرة خير لمن اتقى} أي لأنها لا يفنى نعيمها مع أنه ~~محقق ولا كدر فيه، وهي شر من الدنيا لمن لم يتق، لأن عذابها طويل لا يزول ~~{ولا تظلمون فتيلا *} أي لا في دنياكم بأن تنقص آجالكم بقتالكم، ولا ~~أرزاقكم باشتغالكم، ولا في آخرتكم بأن يضيع شيء من ثوابكم على ما تنالونه ~~من المشقة، لأنه سبحانه وتعالى حكيم لا يضع شيئا في غير موضعه، ولا يفعل ~~شيئا إلا على قانون الحكمة، فما لكم تقولون قول المتهم: لم فعلت؟ أتخشون ~~الظلم في إيجاب ما لم يجب عليكم وفي نقص الرزق والعمر؟ أتخشون الظلم في ~~إيجاب العدل وله أن يفعل ما شاء، # {لا يسئل عما يفعل} [الأنبياء: 23] يحسن ويعطي من تقبل إحسانه أتم الفضل. # PageV05P333 # ولما زهدهم في دار المتاعب والأكدار على تقدير طول البقاء، # PageV05P333 # وكانوا كأنهم يرجون بترك القتال الخلود، أو تأخير موت يسببه القتال؛ ~~نبههم على ما يتحققون من أن المنية منهل لا بد من وروده في الوقت الذي قدر ~~له وإن امتنع الإنسان منه في الحصون، أو رمى نفسه في المتألف فقال تعالى - ~~مبكتا من قال ذلك، مؤكدا بما النافية لنقيض ما تضمنه الكلام لأن حالهم حال ~~من ينكر الموت بغير القتال، مجيبا بحاق الجواب بعد ما أورد الجواب الأول ~~على سبيل التنزل -: {أينما تكونوا} أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم {يدرككم ~~الموت} أي فإنه طالب، لا يفوته هارب {ولو كنتم في بروج} أي حصون برج داخل ~~برج، أو كل واحد منكم في برج. # ولما كان ذلك جمعا ناسب التشديد ms0960 المراد به الكثرة في {مشيدة} أي مطولة، ~~كل واحد منها شاهق في الهواء منيع، وهو مع ذلك مطلي بالشيد أي بالجص، فلا ~~خلل فيه أصلا، ويجوز أن يراد بالتشيد مجرد الإتقان، يعني أنها مبالغ في ~~تحصينها - لأن السياق أيضا يقتضيه، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يكون في ~~الجهاد الذي يستعقب السعادة الأبدية أولى من أن يكون في غيره. # PageV05P334 # ثم عطف ما بقي من أقوالهم على ما سلف منها في قوله: {ربنا لم كتبت} ~~[النساء: 77] إلى آخره وإن كان هذا الناس منهم غير الأولين، ويجوز أن يقال: ~~إنه لما أخبر أن الحذر لا يغني من القدر أتبع ذلك حالا لهم مبكتا به لمن ~~توانى في أمره، مؤذنا بالالتفات إلى الغيبة إعراضا عن خطابهم ببعض غضب، ~~لأنهم جمعوا إلى الإخلال بتعظيمهم لله تعالى الإخلال بالأدب مع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم الذي أرسله ليطاع بإذن الله فقال: {وإن} أي قالوا ذلك ~~والحال أنه إن {تصبهم} أي بعض المدعوين من الأمة، وهم من كان في قلبه مرض ~~{حسنة} أي شيء يعجبهم، ويحسن وقعه عندهم من أي شيء كان {يقولوا هذه من عند ~~الله} أي الذي له الأمر كله، لا دخل لك فيها {وإن تصبهم سيئة} أي حالة ~~تسوءهم من أي جهة كانت {يقولوا هذه من عندك} أي من جهة حلولك في هذا البلد ~~تطيرا بك. # ولما كان هذا أمرا فادحا، وللفؤاد محرقا وقادحا، سهل عليه بقوله: {قل كل} ~~أي من السيئة والحسنة في الحقيقة دنيوية كانت أو أخروية {من عند الله} أي ~~الذي له كل شيء، ولا شيء لغيره، وذلك كما قالوا لما مات أبو أمامة أسعد بن ~~زرارة نقيب بني النجار رضي الله تعالى عنه عندما هاجر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، # PageV05P335 # فقال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في السيرة -: # «بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب! يقولون: لو كان نبيا لم يمت ~~صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا» . ولما تسبب عن هذا معرفة ~~أنهم أخطؤوا ms0961 في ذلك، فاستحقوا الإنكار قال منكرا عليهم: {فما} وحقرهم ~~بقوله: {لهؤلاء} وكأنه قال: {القوم} الذي هو دال على القيام والكفاية، إما ~~تهكما بهم، وإما نسبة لهم إلى قوة الأبدان وضعف المكان {لا يكادون يفقهون} ~~لا يقربون من أن يفهموا {حديثا *} أي يلقي إليهم أصلا فهما جيدا. # ولما أجابهم بما هو الحق إيجادا علمهم ما هو الأدب لماحظة السبب فقال ~~مستأنفا: {ما أصابك من حسنة} اي نعمة دنيوية أو أخروية {فمن الله} أي ~~إيجادا وفضلا، والإيمان أحسن الحسنات، قال الإمام: إنهم يقولون: إنهم ~~اتفقوا على أن قوله {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله} [فصلت: 33] المراد به ~~كلمة الشهادة {وما أصابك} وأنت خير الخلق {من سيئة} أي بلاء {فمن نفسك} أي ~~بسببها فغيرك بطريق الأولى. # PageV05P336 # ولما اقتضى قولهم إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم إلا أن فعل كل خارق، ~~وأخبر سبحانه وتعالى بأنه مستو مع الخلق في القدرة قال سبحانه وتعالى مخبرا ~~بما اختصه به عنهم: {وأرسلناك} أي مختصين لك بعظمتنا {للناس} أي كافة ~~{رسولا} أي تفعل ما على الرسل من البلاغ ونحوه، وقد اجتهدت في البلاغ ~~والنصيحة، ولم نجعلك إلها تأتي بما يطلب منك من خير وشر، فإن أنكروا رسالتك ~~فالله يشهد بنصب المعجزات والآيات البينات {وكفى بالله} المحيط علما وقدرة ~~{شهيدا *} لك بالرسالة والبلاغ. ولما نفى عللهم في التخلف عن طاعته إلى أن ~~ختم بالشهادة برسالته؛ قال مرغبا مرهبا على وجه عام يسكن قلبه، ويخفف من ~~دوام عصيانهم له، دالا على عصمته في جميع حركاته وسكناته: {من يطع الرسول} ~~أي كما هو مقتضى حاله {فقد أطاع الله} الملك الأعظم الذي لا كفوء له، لأنه ~~داع إليه، وهو لا ينطق عن الهوى، إنما يخبر بما يوحيه إليه {ومن تولى} أي ~~عن طاعته. # ولما كان التقدير: فإنما عصى الله. والله سبحانه وتعالى عالم به وقادر ~~عليه، فلو راد لرده ولو شاء لأهلكه بطغيانه، فاتركه وذاك! # PageV05P337 # عبر عن ذلك كله بقوله: {فما أرسلناك} أي بعظمتنا {عليهم حفيظا} إنما ~~أرسلناك داعيا. # ولما كان ms0962 من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحفظ من أطاعه ومن عصاه ~~ليبلغ ذلك من أرسله، وكان سبحانه وتعالى قد أشار له إلى الإعراض عن ذلك، ~~لكونه لا يحيط بذلك علما وإن اجتهد؛ شرع يخبره ببعض ما يخفونه فقال حاكيا ~~لبعض أقوالهم مبينا لنفاقهم فيه وخداعهم {ويقولون} أي إذا أمرتهم بشيء من ~~أمرنا وهم بحضرتك {طاعة} أي كل طاعة منا لك دائما، نحن ثابتون على ذلك، ~~والتنكير للتعظيم بالتعميم {فإذا برزوا} أي خرجوا {من عندك بيت طائفة} هم ~~في غاية التمرد {منهم} أي قدرت وزورت على غاية من التقدير والتحرير مع ~~الاستدارة والتقابل كفعل من يدبر الأمور ويحكمها ويتقنها ليلا {غير الذي ~~تقول} أي تجدد قوله لك في كل حين من الطاعة التي أظهروها أو غير قولك الذي ~~بلغته لهم، وأدغم أبو عمرو وحمزة التاء بعد تسكينها استثقالا لتوالي ~~الحركات في الطاء لقرب المخرجين، والطاء تزيد بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص ~~في الأزيد؛ وأظهر الباقون، والإدغام أوفق لحالهم، والإظهار أوفق لما # PageV05P338 # فصح من محالهم. # ولما كان الإنسان من عادته إثبات الأمور التي يريد تخليدها بالكتابة أجرى ~~الأمر على ذلك فقال: {والله} أي والحال أن الملك المستجمع لصفات الكمال ~~{يكتب ما يبيتون} أي يجددون تبييته كلما فعلوه، وهو غني عنه ولكن ذلك ~~ليقربهم إياه يوم يقوم الأشهاد، ويقيم به الحجة عليهم على ما جرت به ~~عاداتهم، أو يوحى به إليك فيفضحهم بكتابته وتلاوته مدى الدهر، فلا يظنوا أن ~~تبييتهم يغنيهم شيئا. # ولما تسبب عن ذلك كفايته صلى الله عليه وسلم هذا المهم قال: {فأعرض عنهم} ~~أي فإنهم بذلك لا يضرون إلا أنفسهم {وتوكل} أي في شأنهم وغيره {على الله} ~~أي الذي لا يخرج شيء عن مراده {وكفى بالله} أي المحيط علما وقدرة {وكيلا *} ~~فستنظر كيف تكون العاقبة في أمرك وأمرهم. # PageV05P339 # ولما كان سبب إبطانهم خلاف ما يظهرونه اعتقاد أنه صلى الله عليه وسلم ~~رئيس، لا يعلم إلا ما أظهروه، لا رسول من الله الذي يعلم السر وأخفى؛ سبب ~~عن ذلك على ms0963 وجه الإنكار إرشادهم # PageV05P339 # إلى الاستدلال على رسالته بما يزيح الشك ويوضح الأمر، وهو تدبر هذا ~~القرآن المتناسب المعاني المعجز المباني، الفائت لقوى المخاليق، المظهر ~~لخفاياهم على اجتهادهم في إخفائها، فقال سبحانه وتعالى دالا على وجوب النظر ~~في القرآن والاستخراج للمعاني منه: {أفلا يتدبرون} أي يتأملون، يقال: تدبرت ~~الشيء - إذا تفكرت في عاقبته وآخر أمره {القرآن} أي الجامع لكل ما يراد ~~علمه من تمييز الحق من الباطل على نظام لا يختل ونهج لا يمل؛ قال المهدوي: ~~وهذا دليل على وجوب تعلم معاني القرآن وفساد قول من قال: لا يجوز أن يؤخذ ~~منه إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنع أن يتأول على ما يسوغه ~~لسان العرب، وفيه دليل على النظر والاستدلال. # ولما كان التقدير: فلو كان من عند غير الله لم يخبر بأسرارهم، عطف عليه ~~قوله: {ولو كان من عند غير الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة - كما زعم ~~الكفار {لوجدوا فيه اختلافا كثيرا *} أي في المعنى بالتناقض والتخلف عن ~~الصدق في الإخبار بالمغيبات أو بعضها، وفي النظم بالتفاوت في الإعجاز؛ فإذا ~~علموا أنه من عند الله بهذا الدليل القطعي حفظوا سرائرهم كما يحفظون ~~علانياتهم، لأن الأمر بالطاعة مستو عند السر والعلن؛ والتقيد بالكثير يفيد ~~أن المخلوق عاجز عن # PageV05P340 # التحرز من النقص العظيم بنفسه، وإفهامه - عند استثناء نقيض التالي - وجود ~~الاختلاف اليسير فيه تدفعه الصرائح. # ولما أمر سبحانه وتعالى بالنفر إلى الجهاد على الحزم والحذر، وأولاه ~~الإخبار بأن من الناس المغرر والمخذل تصريحا بالثاني وتلويحا إلى الأول، ~~وحذر منهما ومن غيرهما إلى أن ختم بأمر الماكرين، وبأن القرآن قيم لا عوج ~~فيه؛ ذكر أيضا المخذلين والمغررين على وجه أصرح من الأول مبينا ما ان عليهم ~~فقال: {وإذا جاءهم} أي هؤلاء المزلزلين {أمر من الأمن} من غير ثبت {أو ~~الخوف} كذلك {أذاعوا} أي أوقعوا الإذاعة لما يقدرون عليه من المفاسد {به} ~~أي بسببه نم غير علم منهم بصدقه من كذبه، وحقه من باطله، ومتفقه من مختلفه، ~~فيحصل الضرر البالغ ms0964 لأهل الإسلام، أقله قلب الحقائق؛ قال في القاموس: أذاعه ~~وبه: أفشاه ونادى به في الناس. وذلك كما قالوا في أمر الأمن حين انهزم أهل ~~الشرك بأحد، فتركوا المركز الذي وضعهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وخالفوا أمره وأمر أميرهم، فكان سبب كرة المشركين وهزيمة المؤمنين، وفي أمر ~~الخوف حين صاح الشيطان: إن محمدا قد قتل، فصدقوه وأذاعه بعضهم لبعض، ~~وانهزموا وأرادوا الاستجارة بالكفار من أبي سفيان # PageV05P341 # وأبي عامر، وكذا ما أشاعوه عند الخروج إلى بدر الموعد من أن أبا سفيان قد ~~جمع لهم ما لا يحصى كثرة، وأنهم إن لقوة لم يبق منهم أحد - إلى غير ذلك من ~~الإرجاف إلى أن صارت المدينة تفور بالشر فوران المرجل، حتى أحجموا كلهم - ~~أو إلا أقلهم - حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: # «والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد» فاستجابوا حينئذ، وأكسبهم هذا القول ~~شجاعة وأنالهم طمأنينة، فرجعوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء كما وعدهم ~~الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إن صبروا واتقوا، فكذب ظنهم ~~وصدق الله ورسوله، وفي هذا إرشاد إلى الاستدلال على كون القرآن من عنده ~~سبحانه وتعالى بما يكذب من أخبارهم هذه التي يشيعونها ويختلف، وأن ما كان ~~من غيره تعالى فمختلف - وإن تحرى فيه متشبه - وإن دل عقله وتناهي نبله إلا ~~أن استند عقله إلى ما ورد عن العالم بالعواقب، المحيط بالكوائن على لسان ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام، وإلى أن القياس حجة. وأن ~~تقليد القاصر للعالم واجب، وأن الاستنباط واجب على العلماء، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم # PageV05P342 # رأس العلماء، وإلى ذلك يومي قوله تعالى: {ولو ردوه} أي ذلك الأمر الذي لا ~~نص فيه من قبل أن يتكلموا به {إلى الرسول} أي نفسه إن كان موجودا، وأخباره ~~إن كان مفقودا {وإلى أولي الأمر منهم} أي المتأهلين لأن يأمروا وينهوا من ~~الأمراء بالفعل أو بالقوة من العلماء وغيرهم {لعلمه} أي ذلك الأمر على ~~حقيقته وهل هو مما يذاع أو لا {الذين ms0965 يستنبطونه} أي يستخرجونه بفطنتهم ~~وتجربتهم كما يستخرج الإنباط المياه ومنافع الأرض {منهم} أي من الرسول ~~وأولي الأمر. # ولما كان التقدير: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بالرسول ووراث علمه ~~لاستبيحت بإشاعاتهم هذه بيضة الدين واضمحلت أمور المسلمين؛ عطف عليه قوله: ~~{ولولا فضل الله عليكم} أي أيها المتسمون بالإسلام بإنزال الكتاب وتقويم ~~العقول {ورحمته} بإرسال الرسول {لاتبعتم الشيطان} أي المطرود المحترق {إلا ~~قليلا *} أي منكم فإنهم لا يتبعونه حفظا من الله سبحانه وتعالى بما وهبهم ~~من صحيح العقل من غير واسطة رسول؛ وهذه الآية من المواضع المستصعبة على ~~الأفهام بدون توقيف على المراد بالفضل إلا عند من آتاه الله سبحانه وتعالى ~~علما بالمناسبات، وفهما ثاقبا بالمراد بالسياقات، وفطنة بالأحوال والمقامات # PageV05P343 # تقرب من الكشف، وذلك أن من المقرر أنه لا بد من مخالفة حكم المستثنى لحكم ~~المستثنى منه وهو هنا من وجد عليهم الفضل والرحمة فاهتدوا ومخالفة المستثنى ~~لهم تكون بأحد أمور ثلاثة كل منها فاسد، إما بأن يعدموا الفضل فيتبعوه، ~~ويلزم عليه أن يكون الضال أقل من المهتدي، وهو خلاف المشاهد؛ أو بأن يعدموه ~~فلا يتبعوه، فيكونوا مهتدين من غير فضل؛ أو بأن يوجد عليهم الفضل فيتبعوه، ~~فيكونوا ضالين مع الفضل والرحمة اللذين كانا سببا في امتناع الضلال عن ~~المخاطبين. # فيكونان تارة مانعين، وتارة غير مانعين، فلم يفيدا إذن مع أن أيضا يلزم ~~عليه أن يكون الضال أقل من المهتدي؛ فإذا حمل الكلام على أن المراد بالفضل ~~الإرسال وضح المعنى ويكون التقدير: ولولا إرسال الرسول لاتبعتم الشيطان إلا ~~قليلا منكم، فإنهم لا يتبعونه من غير إرشاد الرسول، بل بهداية من الله ~~سبحانه وتعالى وفضل بلا واسطة كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن ~~نوفل؛ والدليل على هذا المقدر أن السياق لرد الأشياء كلها إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، والمنع من الاستقلال بشيء دونه. # ولما بين سبحانه وتعالى نفاقهم المقتضي لتقاعدهم عن الجهاد بأنفسهم # PageV05P344 # وتنشيطهم لغيرهم، كان ذلك سببا لأن يمضي صلى الله عليه وسلم لأمره سبحانه ~~وتعالى من ms0966 غير التفات إليهم وافقوا أو نافقوا، فقال سبحانه وتعالى بعد ~~الأمر بالنفر ثبات وجميعا، وبيان أن منهم المبطىء، مشيرا إلى أن الأمر باق ~~وإن بطأ الكل: {فقاتل في سبيل الله} أي الذي له الأمر كله ولو كنت وحدك. # ولما كان كأنه قيل: فما أفعل فيمن أرسلت إليهم إن لم يخرجوا؟ قال - معلما ~~بأنه قد جعله أشجع الناس وأعلمهم بالحروب وتدبيرها، وهو مع تأييده بذلك قد ~~تكفل بنصرته ولم يكله إلى أحد -: {لا تكلف إلا نفسك} أي ليس عليك إثم ~~أتباعك لو تخلفوا عنك، وقد أعاذهم الله سبحانه وتعالى من ذلك، ولا ضرر عليك ~~في الدنيا أيضا من تخليهم، فإن الله سبحانه وتعالى ناصرك وحده، وليس النصر ~~إلا بيده سبحانه وتعالى، وما كان سبحانه وتعالى ليأمره بشيء إلا وهو كفوء ~~له، فهو ملىء بمقاتلة الكفار كلهم وحده وإن كانوا أهل الأرض كلهم، ولقد عزم ~~في غزوة بدر الموعد - التي قيل: إنها سبب نزول هذه الآية - على الخروج إلى ~~الكفار ولو لم يخرج معه أحد؛ وقد اقتدى به صاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه ~~في قتال أهل الردة فقال للصحابة رضي الله تعالى عنهم: والله لو لم أجد إلا ~~هاتين - يعني ابنتيه: # PageV05P345 # عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما - لقاتلتهم بهما. # ولما كان ذلك قد يفتر عن الدعاء قال: {وحرض المؤمنين} أي مرهم بالجهاد ~~وانههم عن تركه وعن مواصلة كل من يثبطهم عنه وعظمهم واجتهد في أمرهم حتى ~~يكونوا مستعدين للنفر متى ندبوا حتى كأنهم لشدة استعدادهم حاضرون في الصف ~~دائما. ثم استأنف الذكر لثمرة ذلك فقال: {عسى الله} أي الذي استجمع صفات ~~الكمال {أن يكف} بما له من العظمة {بأس الذين كفروا} أي عن أن يمنعوك من ~~إظهار الدين بقتالك وقتال من تحرضه، ولقد فعل سبحانه وتعالى ذلك، فصدق ~~وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، حتى ظهر الدين، ولا يزال ظاهرا حتى ~~يكون آخر ذلك على يد عيسى عليه الصلاة والسلام. # ولما كان السامع ربما فهم أنه لا يتأتى كفهم إلا بذلك، ms0967 قال ترغيبا ~~وترهيبا واحتراسا: {والله} أي الذي لا مثل له {أشد بأسا} أي عذابا وشدة من ~~المقاتلين والمقاتلين {وأشد تنكيلا *} أي تعذيبا بأعظم العذاب، ليكون ذلك ~~مهلكا للمعذب ومانعا لغيره عن مثل فعله؛ قال الإمام أبو عبد الله القزاز: ~~يقال: نكلته تنكيلا - إذا عملت به عملا يكون نكالا لغيره، أي عبرة فيرجع عن ~~المراد من # PageV05P346 # أجله، وهو أن الناظر إليه والذي يبلغه ذلك يخاف أن يحل به مثله، أي فيكون ~~له ذلك قيدا عن الإقدام؛ والنكل - بالكسر: القيد. # PageV05P347 # ولما كان ذلك موجبا للرغبة في طاعة النبي صلى الله عليه وسم لا سيما في ~~الجهاد، وللرغبة فيمن كان بصفة المؤمنين من الإقبال على الطاعة، والإعراض ~~عن كل من كان بصفة المنافقين، والإدامة لطردهم وإبعادهم والغلظة عليهم ~~والحذر من مجالستهم حتى يتبين إخلاصهم، وكان بين كثير من خلص الصحابة رضي ~~الله تعالى عنهم وبينهم قرابات توجب العطف المقتضي للشفقة عليهم، الحاملة ~~للشفاعة فيهم، إما بالإذن في التخلف عن الجهاد لما يزخرفون القول من ~~الأعذار الكاذبة، أو في العفو عنهم عند العثور على نقائصهم، أو في إعانتهم ~~أو إعانة غيرهم بالمال والنفس في أمر الجهاد عند ادعاء أن المانع له عنه ~~العجز - وفي غير ذلك، وكانت التوبة معروضة لهم ولغيرهم، وكان البر ما سكن ~~إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر، والإنسان على نفسه بصيرة، وكانت ~~البواطن لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، وكان الإنسان ربما أظهر شرا في ~~صورة خير؛ رغب سبحانه وتعالى في البر، وحذر من الإثم بقوله - معمما مستأنفا ~~في جواب من كأنه قال: # PageV05P347 # أما تقبل فيهم شفاعة -: {من يشفع} أي يوجد ويجدد، كائنا من كان، في أي ~~وقت كان {شفاعة حسنة} أي يقيم بها عذر المسلم في كل ما يجوز في الدين ليوصل ~~إليه خيرا، أو يدفع عنه ضيرا {يكن له نصيب منها} بأجر تسببه في الخير {ومن ~~يشفع} كائنا من كان، في أي زمان كان {شفاعة سيئة} أي بالذب عن مجرم في أمر ~~لا يجوز، والتسبب في إعلائه ms0968 وجبر دائه؛ وعظم الشفاعة السيئة لأن درء ~~المفاسد أولى من جلب المصلح، فقال - معبرا بما يفهم النصيب ويفهم أكثر مه ~~تغليظا في الزجر -: {يكن له كفل منها} وهذا بيان لأن الشفاعة فيهم سيئة إن ~~تحقق إجرامهم، حسنة إن علمت توبتهم وإسلامهم. # ولما كان كل من تحريض المؤمنين على الجهاد والشفاعة الحسنة من وادي «من ~~سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» حسن اقترانهما ~~جدا، والنصيب قدر متميز من الشيء يخص من هو له، وكذا الكفل إلا أن ~~الاستعمال يدل على أنه أعظم من النصيب، ويؤيده ما قالوا من أنه قد يراد به ~~الضعف، فكأنه نصيب متكفل بما هو له # PageV05P348 # من إسعاد وإبعاد؛ قال أهل اللغة: النصيب: الحظ، والكفر - بالكسر: الضعف ~~والنصيب والحظ، ومادة «نصب» يدور على العلم المنصوب، ويلزمه الرفع والوضع ~~والتمييز والأصل والمرجع والتعب، فيلزمه الوجع، ومن لوازمه أيضا الحد ~~والغاية والجد الوقوف؛ ومادة «كفل» تدور على الكفل - بالتحريك وهو العجز أو ~~ردفه، ويلزمه الصحابة واللين والرفق والتأخر؛ وقال الإمام: الكفل هو النصيب ~~الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه، ~~والمقصود هنا حصول ضد ذلك كقوله # {فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21 والتوبة: 34 والانشقاق: 24] والغرض ~~منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سيقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة ~~العقاب عند الله سبحانه وتعالى - انتهى. وما غلظ هذا الزجر إلا للعلم بأن ~~أكثر النفوس ميالة بأصحابها للشفاعة بالباطل. # ولما كان الأليق بالرغبة أن لا يقطع في موجبها وإن عظم بالحقية، ليكون ~~ذلك زاجرا عن مقارفة شيء منها وإن صغر؛ عبر في الحسنة بالنصيب، وفي السيئة ~~بالكفل؛ ويؤيد إرادة هذا أنه # PageV05P349 # تعالى لما ذكر ما يوجب الجنة من الإيمان والتقوى، وكان في سياق الوعظ ~~لأهل الكتاب الذين هم على شرع أصله حق بتشريع رسول من عند الله، فتركهم ~~لذلك بعيد يحتاج إلى زيادة ترغيب؛ عبر بالكفل فقال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ms0969 رحمته} [الحديد: 28] إلى ~~آخرها. # ولما كان النصيب مبهما بالنسبة إلى علمنا لتفاوته بالنسبة إلى قصور ~~الشافعين، وإقدامهم على الشفاعة على علم أو جهل وغير ذلك مما لا يمكن ~~الإحاطة به إلا الله سبحانه وتعالى علما وقدرة؛ قال تعالى مرغبا ومرهبا: ~~{وكان الله} أي ذو الجلال والإكرام {على كل شيء} من الشافعين وغيرهم وجزاء ~~الشفاعة {مقيتا *} أي حفيظا وشهيدا وقديرا على إعطاء ما يقوت من أخلاق ~~النفوس وأحوال القلوب وأرزاق الأبدان وجميع ما به القوام جزاء وابتداء من ~~جميع الجهات، وعلى تقدير ما يستحق كل أحد من الجزاء على الشفاعة وكل خير ~~وشر. # ولما كان ذلك موجبا للإعراض عنهم رأسا ومنابذتهم قولا وفعلا، وبين سبحانه ~~وتعالى أن التحية ليست من وادي الشفاعة، وأن الشفاعة تابعة للعمل، والتحية ~~تابعة للظاهر، فقال سبحانه وتعالى عاطفا # PageV05P350 # على ما تقديره: فلا تشفعوا فيهم وأنتم تعلمون سوء مقاصدهم، فقال معبرا ~~بأداة التحقق بشارة لهم بأنهم يصيرون - بعد ما هم فيه الآن من النكد - ~~ملوكا، وفي حكم الملوك، يحبون ويشفع عندهم، وحثا على التواضع: {وإذا حييتم ~~بتحية} أي أي تحية كانت إذا كانت مشروعة، وأصل التحية الملك، واشتقاقها من ~~الحياة، فكأن حياة الملك هي الحياة وما عداها عدم ثم أطلقت على كل دعاء ~~يبدأ به عند اللقاء؛ وقال الأصبهاني: لفظ التحية صار كناية عن الإكرام، ~~فجميع أنواع الإكرام تدخل تحت لفظ التحية {فحيوا بأحسن منها} كأن تزيدوا ~~عليها {أو ردوها} أي من غير زيادة ولا نقص، وذلك دال على وجوب رد السلام - ~~من الأمر، وعلى الفور - من الفاء والإجماع موافق لذلك، وترك الجواب إهانة، ~~والإهانة ضرر، والضرر حرام؛ قال الأصبهاني: والمبتدىء يقول: السلام عليكم، ~~والمجيب يقول: وعليكم السلام، ليكون الافتتاح والاختتام بذكر الله سبحانه ~~وتعالى. # وما أحسن جعلها تالية لآية الجهاد إشارة إلى أن من بذل السلام وجب الكف ~~عنه ولو كان في الحرب، على أن من مقتضيات هاتين الآيتين أن مبني هذه السورة ~~على الندب إلى الإحسان والتعاطف # PageV05P351 # والتواصل، وسبب ذلك إما المال وقد تقدم الأمر ms0970 به في قوله تعالى {وإذا حضر ~~القسمة} [النساء: 8] ، وإما غيره ومن أعظمه القول، لأنه ترجمان القلب الذي ~~به العطف، ومن أعظم ذلك الشفاعة والتحية، قال عليه الصلاة والسلام فيما ~~أخرجه مسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه «والذي نفسي بيده! لا ~~تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا ~~فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» فناسب ذكر هاتين الآيتين بعد ذكر آية ~~الجهاد المختتمة بالبأس والتنكيل. # ولما كانت الشفاعة أعظمها في الإحسان قدمت ولا سيما وموجبها الإعراض، ~~ومقصد السورة التواصل، فشأنها أهم والنظر إليها آكد، ثم رغب في الإحسان في ~~الرد، ورهب من تركه بقوله معللا: {إن الله} أي الذي له الإحاطة علما وقدرة ~~{كان} أي أزلا وأبدا {على كل شيء حسيبا *} أي محصيا لجميع المتعددات دقيقها ~~وجليلها، كافيا لها في أقواتها ومثوباتها، محاسبا بها، مجازيا عليها، وذلك ~~كله شأن المقيت؛ ثم علل ذلك بقوله دالا على تلازم التوحيد والعدل: {الله} ~~أي الذي لا مثل له {لا إله إلا هو} أي وقد أمركم بالعدل في الشفاعة ~~والسلام، فإن لم تفعلوه - لما لكم من النقائص # PageV05P352 # التي منها عدم الوحدانية - فهو فاعله ولا بد فاحذروه لأنه واحد فلا معارض ~~له في شيء من الحساب ولا غيره، ولا يخفى عليه شيء فالحكم على البواطن إنما ~~هو له تعالى، وأما أنتم فلم تكلفوا إلا بالظاهر. # ولما تبين أنه لا معارض له أنتج قوله مبينا لوقت الحساب الأعظم: ~~{ليجمعنكم} وأكده باللام والنون دلالة على تقدير القسم لإنكار المنكرين له، ~~ولما كان التدريج بالإماتة شيئا فشيئا، عبر بحرف الغاية فقال: {إلى يوم ~~القيامة} والهاء للمبالغة، ثم آكده بقوله: {لا ريب فيه} أي فيفصل بينكم ~~وبين من أخبركم بهم من المنافقين ونقد أحوالهم وبين محالهم، فيجازي كلا بما ~~يستحق. # ولما كان التقدير: فمن أعظم من الله قدرة! عطف عليه قوله: {ومن أصدق من ~~الله} أي الذي له الكمال كله فلا شوب نقص يلحقه {حديثا} وهو قد وعد بذلك ~~لأنه عين الحكمة، وأقسم ms0971 عليه، فلا بد من وقوعه، وإذ قد تحرر بما مضى أن ~~المنافقين كفرة، لا لبس في أمرهم، وكشف سبحانه وتعالى الحكم في باطن أمرهم ~~بالشفاعة وظاهره بالتحية، وحذر من خالف ذلك بما أوجبته على نفسه حكمته من ~~الجمع ليوم الفصل للحكم بالعدل، وختم بأن الخبر عنهم وعن جميع ذلك صدق؛ كان ~~ذلك سببا لجزم القول بشقاوتهم والإعراض # PageV05P353 # عنهم والبعد عن الشفاعة فيهم، والإجماع على ذلك من كل مؤمن وإن كان مبنى ~~السورة على التواصل، لأن ذلك إنما هو حيث لا يؤدي إلى مقاطعة أمر الله، ~~فقال تعالى مبكتا لمن توقف عن الجزم بإبعادهم: {فما لكم} أيها المؤمنون {في ~~المنافقين} أي أي شيء لكم من أمور الدنيا أو الآخرة في افتراقكم فيهم ~~{فئتين} بعضكم يشتد عليهم وبعضكم يرفق بهم. # ولما كان هذا ظاهرا في بروز الأمر المطاع بين القول بكفرهم وضحه بقوله؛ ~~{والله} أي والحال أن الملك الذي لا أمر لأحد معه {أركسهم} أي ردهم منكوسين ~~مقلوبين {بما كسبوا} أي بعد إقرارهم بالإيمان من مثل هذه العظائم، فاحذروا ~~ذلك ولا تختلفوا في أمرهم بعد هذا البيان؛ وفي عزوة أحد والتفسير من ~~البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: «لما خرج النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم فرقتين: فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم، فنزلت: {فما لكم ~~في المنافقين} - الآية، وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب وفي رواية: - كما تنفي ~~النار خبث الفضة» انتهى. فالمعنى حينئذ: اتفقوا على أن تسيروا فيها بما ~~ينزل عليكم في هذه الآيات. # PageV05P354 # ولما كان حال من يرفق بهم حال من يريد هدايتهم، أنكر سبحانه وتعالى ذلك ~~عليهم صريحا لبت الأمر في كفرهم فقال {أتريدون} أي أيها المؤمنون {أن ~~تهدوا} أي توجدوا الهداية في قلب {من أضل الله} أي وهو الملك الأعظم الذي ~~لا يرد له أمر، وهو معنى قوله: {ومن} أي والحال أنه من {يضلل الله} أي ~~بمجامع أسمائه وصفاته {فلن ms0972 تجد} أي أصلا أيها المخاطب كائنا من كان {له ~~سبيلا *} أي إلى ما أضله عنه أصلا، والمعنى: إن كان رفقكم بهم رجاء هدايتهم ~~فذلك أمر ليس إلا الله، وإنما عليكم أنتم الدعاء، فمن أجاب صار أهلا ~~للمواصلة، ومن أبى صارت مقاطعته دينا، وقتله قربة، والإغلاظ واجبا. # PageV05P355 # ولما أخبر بضلالهم وثباتهم عليه، أعلم بأعراقهم فيه فقال: {ودوا} أي ~~أحبوا وتمنوا تمنيا واسعا {لو تكفرون} أي توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون ~~عليه دائما {كما كفروا} ولما لم يكن بين ودهم لكفرهم وكونهم مساوين لهم ~~تلازم، عطف على الفعل المودود - ولم يسبب - قوله: {فتكونون} أي وودوا # PageV05P355 # أن يتسبب عن ذلك ويتعقبه أن تكونوا أنتم وهم {سواء} أي في الضلال، أي ~~توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون عليه دائما، فأنتم ترجون في زمان الرفق بهم ~~هدايتهم وهم يودون فيه كفركم وضلالكم، فقد تباعدتم في المذاهب وتباينتم في ~~المقاصد. # ولما أخبر بهذه الودادة، سبب عنه أمرهم بالبراءة منهم حتى يصلحوا، بيانا ~~لأن قولهم في الإيمان لا يقبل ما لم يصدقوه بفعل فقال: {فلا تتخذوا} أي ~~أيها المؤمنون {منهم أولياء} أي أقرباء منكم {حتى يهاجروا} أي يوقعوا ~~المهاجرة {في سبيل الله} أي يهجروا من خالفهم في ذات من لا شبه له، ~~ويتسببوا في هجرانه لهم إن كانوا في دار الحرب فبتركها، وإن كانوا عندكم ~~فبترك موادة الكفرة والموافقة لهم في أقوالهم وأفعالهم وإن كانوا أقرب ~~أقربائهم، وهجرتهم في جميع ذلك بمواصلتكم في جميع أقوالكم وأفعالكم، ~~والهجرة العامة هي ترك ما نهى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم عنه. # PageV05P356 # ولما نهى عن موالاتهم وغيي النهي بالهجرة، سبب عنه قوله: {فإن تولوا} أي ~~عن الهجرة المذكورة {فخذوهم} أي اقهروهم بالأسر وغيره {واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم} أي في حل أو حرم. ولما كانوا في هذه الحالة لا يوالون المؤمنين ~~إلا تكلفا قال: {ولا تتخذوا} أي تتكلفوا أن تأخذوا {منهم وليا} أي من ~~تفعلون معه فعل المقارب المصافي {ولا نصيرا} على أحد من أعدائكم، بل ~~جانبوهم مجانبة كلية. # ولما كان سبحانه وتعالى ms0973 قد أمر فيهم على تقدير توليهم بما أمر، استثنى ~~منه فقال: {إلا الذين يصلون} فرارا منكم، وهم من الكفار عند الجمهور {إلى ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي عهد وثيق بأن لا تقاتلوهم ولا تقاتلوا من لجأ ~~إليهم أو دخل فيما دخلوا فيه فكفوا حينئذ عن أخذهم وقتلهم {أو} الذين ~~{جاءوكم} حال كونهم {حصرت} أي ضاقت وهابت وأحجمت {صدورهم أن} أي عن أن ~~{يقاتلوكم} أي لأجل دينهم وقومهم {أو يقاتلوا قومهم} أي لأجلكم فرارا أن ~~يكفوا عن قتالكم وقتال قومهم فلا تأخذوهم ولا تقاتلوهم، لأنهم كالمسالمين ~~بترك القتال، ولعله عبر بالماضي في «جاء» # PageV05P357 # إشارة إلى أن شرط مساواتهم للواصلين إلى المعاهدين عدم التكرر، فإن تكرر ~~ذلك منهم فهم الآخرون الآتي حكمهم. # ولما كان التقدير: فلو شاء الله لجعلهم مع قومهم إلبا واحدا عليكم، عطف ~~عليه قوله: {ولو} أي يكون المعنى: والحال أنه لو {شاء الله} أي وهو المتصف ~~بكل كمال {لسلطهم} أي هؤلاء الواصلين والجائين على تلك الحال من الكفار ~~{عليكم} ينوع من أنواع التسليط، تسليطا جاريا على الأسباب ومقتضى العوائد، ~~لأن بهم قوة على قتالكم {فلقاتلوكم} أي فتسبب عن هذا التسليط أنهم قاتولكم ~~منفردين أو مع غيرهم من أعدائكم، واللام فيه جواب «لو» على التكرير، أو ~~البدل من سلط. # ولما كان المغيي على النهي عن قتالهم حينئذ، صرح به في قوله: {فإن ~~اعتزلوكم} أي هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عنهم من المنافقين، فكفوا عنكم {فلم ~~يقاتلوكم} منفردين ولا مجتمعين مع غيرهم {وألقوا إليكم السلم} أي الانقياد ~~{فما جعل الله} أي الذي # PageV05P358 # لا أمر لأحد معه بجهة من الجهات {لكم عليهم سبيلا *} أي إلى شيء من أخذهم ~~ولا قتلهم. # ولما كان كأنه قيل: هل بقي من أقسام المنافقين شيء؟ قيل: نعم! {ستجدون} ~~أي عن قرب بوعد لا شك فيه {آخرين} أي من المنافقين {يريدون أن يأمنوكم} أي ~~فلا يحصل لكم منهم ضرر {ويأمنوا قومهم} كذلك، لضعفهم عن كل منكم. فهم ~~يظهرون لكم الإيمان إذا لقوكم، ولهم الكفر إذا لقوهم، وهو معنى {كلما ms0974 ردوا ~~إلى الفتنة} أي الابتلاء بالخوف عند المخالطة {أركسوا} أي قلبوا منكوسين ~~{فيها} . # ولما كان هؤلاء أعرق في النفاق وأردى وأدنى من الذين قبلهم وأعدى، صرح ~~بمفهوم ما صرح به في أولئك، لأنه أغلظ وهم أجدر من الأولين بالإغلاظ، وطوى ~~ما صرح به، ثم قال: {فإن لم يعتزلوكم} ولما كان الاعتزال خضوعا لا كبرا، ~~صرح به في قوله: {ويلقوا إليكم السلم} أي الانقياد. ولما كان الإلقاء لا بد ~~له من قرائن يعرف بها قال: {ويكفوا أيديهم} أي عن قتالكم وأذاكم {فخذوهم} ~~أي اقهروهم بكل نوع من أنواع القهر تقدرون عليه {واقتلوهم} . # PageV05P359 # ولما كان نفاقهم - كما تقدم - في غاية الرداءة، وأخلاقهم في نهاية ~~الدناءة، أشار إلى الوعد بتيسير التمكين منهم فقال: {حيث ثقفتموهم} فإن ~~معناه: صادفتموهم وأدركتموهم وأنتم ظافرون بهم، حاذقون في قتالهم، فطنون ~~به، خفيفون فيه، فإن الثقف: الحاذق الخفيف الفطن، ولذلك أشار إليهم بأداة ~~البعد فقال: {وأولئكم} أي البعداء عن منال الرحمة من النصر والنجاة وكل خير ~~{جعلنا} أي بعظمتنا {لكم عليهم سلطانا} أي تسلطا {مبينا *} أي ظاهرا قوته ~~وتسلطه. وهذه الآيات منسوخة بآية براءة، فإنها متأخرة النزول فإنها بعد ~~تبوك. # ولما بين أقسامهم بيانا ظهر منه أن أحوالهم ملبسة، وأمر بقتالهم مع ~~الاجتهاد في تعرف أحوالهم، وختم بالتسلط عليهم، وكان ربما قتل من لا يستحق ~~القتل بسبب الإلباس؛ أتبع ذلك بقوله المراد به التحريم، مخرجا له في صورة ~~النفي المؤكد بالكون لتغليظ الزجر عنه لما للنفوس عند الحظوظ من الدواعي ~~إلى القتل: {وما كان لمؤمن} أي يحرم عليه {أن يقتل مؤمنا} أي في حال من ~~الحالات {إلا خطأ} أي في حالة الخطأ بأن لا يقصد القتل، أو لا يقصد الشخص، ~~أو يقصده # PageV05P360 # بما لا يقصد به زهوق الروح، أو لا يقصد ما هو ممنوع منه كمن يرمي إلى صف ~~الكفار وفيهم مسلم، أو بأن يكون غير مكلف، فإن القتل على هذا الوجه ليس ~~بحرام، وهذا الذي ذكره في أقسام المنافقين إشارة إلى أنه ينبغي التثبت ~~والتحري في جميع ms0975 أمر القتل متى احتمل أن يكون القاتل مؤمنا احتمالا لا تقضي ~~العادة بقربه، فلزم من ذلك بيان حكم الخطأ، ولام الاختصاص قد تطلق على ما ~~لا مانع منه «فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» وكأنه عبر به ليفيد بإيجاب ~~الكفارة والدية غاية الزجر عن قتل المؤمن، لأنه إذا كان هذا جزاء ما هو له ~~فما الظن بما ليس له! فقال تعالى: {ومن قتل مؤمنا} صغيرا كان أو كبيرا، ~~ذكرا كان أو أنثى، ولعله عبر سبحانه وتعالى بالوصف تنبيها على أنه إن لم ~~يكن كذلك في نفس الأمر لم يكن عليه شيء في نفس الأمر وإن ألزم به في الظاهر ~~{خطأ} . # ولما كان الخطأ مرفوعا عن هذه الأمة، فكان لذلك يظن أنه لا شيء على ~~المخطىء؛ بين أن الأمر في القتل ليس كذلك حفظا للنفوس، لأن الأمر فيها خطر ~~جدا، فقال - مغلظا عليه حثا على زيادة النظر والتحري عند فعل ما قد يقتل -: ~~{فتحرير} أي فالواجب عليه تحرير {رقبة} أي نفس، عبر بها عنها لأنها لا تعيش ~~بدونها # PageV05P361 # كاملة الرق {مؤمنة} ولو ببيع الدار أو البساتين، سليمة عما يخل بالعمل، ~~وقدم التحرير هنا حثا على رتق ما خرق من حجاب العبد، وإيجاب ذلك في الخطأ ~~إيجاب له في العمد بطريق الأولى، وكأنه لم يذكره في العمد لأنه تخفيف في ~~الجملة والسياق للتغليظ {ودية مسلمة} أي مؤداة بيسر وسهولة {إلى أهله} أي ~~ورثته يقتسمونها كما يقسم الميراث {إلا أن يصدقوا} أي يجب ذلك عليه في كل ~~حال إلا في حال تصدقهم بالعفو عن القاتل بإبرائه من الدية، فلا شيء عليه ~~حينئذ، وعبر بالصدقة ترغيبا {فإن كان} أي المقتول {من قوم} أي فيهم منعة ~~{عدو لكم} أي محاربين {وهو} أي والحال أنه {مؤمن فتحرير} أي فالواجب على ~~القاتل تحرير {رقبة مؤمنة} وكأنه عبر بذلك إشارة إلى التحري في جودة ~~إسلامها، وقد أسقط هذا حرمة نفسه بغير الكفارة بسكناه في دار الحرب التي هي ~~دار الإباحة أو وقوعه في صفهم، ولعده في عدادهم ms0976 قال: {من} ومعناه - كما قال ~~الشافعي وغيره تبعا لابن عباس رضي الله تعالى عنهما -: في {وإن كان} أي ~~المقتول {من قوم} أي كفرة أيضا عدو لكم {بينكم وبينهم ميثاق} وهو كافر ~~مثلهم {فدية} أي فالواجب فيه كالواجب # PageV05P362 # في المؤمن المذكور قبله دية {مسلمة إلى أهله} على حسب دينه، إن كان ~~كتابيا فثلث دية المسلم، وإن كان مجوسيا فثلثا عشرها {وتحرير رقبة مؤمنة} ~~وكأنه قدم الدية هنا إشارة إلى المبادرة بها حفظا للعهد، ولتأكيد أمر ~~التحرير بكونه ختاما كما كان افتتاحا حثا على الوفاء به، لأنه أمانة لا ~~طالب له إلا الله؛ وقال الأصبهاني: إن سر ذلك أن إيجابه في المؤمن أولى من ~~الدية، وبالعكس ها هنا - انتهى. # وكان سره النظر إلى خير الدين في المؤمن، وإلى حفظ العهد في الكافر {فمن ~~لم يجد} أي الرقبة ولا ما يتوصل به إليها {فصيام} أي فالواجب عليه صيام ~~{شهرين متتابعين} حتى لو أفطر يوما واحدا بغير حيض أو نفاس وجب الاستئناف، ~~وعلل ذلك بقوله عادا للخطأ - بعد التعبير عنه باللام المقتضية أنه مباح - ~~ذنبا تغليظا للحث على مزيد الاحتياط: {توبة} أي أوجب ذلك عليكم لأجل قبول ~~التوبة {من الله} أي الملك الأعظم الذي كل شيء في قبضته. # ولما كان الكفارات من المشقة على النفس بمكان، رغب فيها سبحانه وتعالى ~~بختم الآية بقوله: {وكان الله} أي المحيط بصفات الكمال # PageV05P363 # {عليما} أي بما يصلحكم في الدنيا والآخرة، وبما يقع خطأ في نفس الأمر أو ~~عمدا، فلا يغتر أحد بنصب الأحكام بحسب الظاهر {حكيما *} في نصبه الزواجر ~~بالكفارات وغيرها، فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة. # PageV05P364 # ولما ساق تعالى الخطأ مساق ما هو للفاعل منفرا عنه هذا التنفير، ناسب كل ~~المناسبة أن يذكر ما ليس له من ذلك، إذ كان ضبط النفس بعد إرسالها شديدا، ~~فربما سهلت قتل من تحقق إسلامه إحنة، وجرت إليه ضغينة وقوت الشبه فيه شدة ~~شكيمة، ولعمري إن الحمل على الكف بعد الإرسال أصعب من الحمل على الإقدام! ~~وإنما يعرف ذلك من ms0977 جرب النفوس حال الإشراف على الظفر واللذاذة بالانتقام مع ~~القوى والقدرة فقال: {ومن يقتل مؤمنا} ولعله أشار بصيغة المضارع إلى دوم ~~العزم على ذلك لأجل الإيمان، وهو لا يكون إلا كفرا، وترك الكلام محتملا ~~زيادة تنفير من قتل المسلم {متعمدا} أي وأما الخطأ فقد تقدم حكمه في المؤمن ~~وغيره {فجزاؤه} أي على ذلك {جهنم} أي تتلقاه بحالة كريهة جدا كما تجهم ~~المقتول # PageV05P364 # {خالدا فيها} أي ماكثا إلى ما لا آخر له {وغضب الله} أي الملك الأعلى ~~الذي لا كفوء له مع ذلك {عليه ولعنه} أي وأبعده من رحمته {وأعد له عذابا ~~عظيما *} أي لا تبلغ معرفته عقولكم، وإن عمم القول في هذه الآية كان الذي ~~خصها ما قبلها وما بعدها من قوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~[النساء: 48 و116] لا آية الفرقان فإنها مكية وهذه مدنية. # ولما تبين بهذا المنع الشديد من قتل العمد، وما في قتل الخطأ من المؤاخذة ~~الموجبة للتثبت، وكان الأمر قد برز بالقتال والقتل في الجهاد ومؤكدا بأنواع ~~التأكيد، وكان ربما التبس الحال؛ أتبع ذلك التصريح بالأمر بالتثبت جوابا ~~لمن كأنه قال: ماذا نفعل بين أمري الإقدام والإحجام؟ فقال: {يا أيها الذين ~~أمنوا} مشيرا بأداة البعد والتعبير بالماضي الذي هو لأدنى الأسنان إلى أن ~~الراسخين غير محتاجين إلى مزيد التأكيد في التأديب، وما أحسن التفاته إلى ~~قوله تعالى {وحرض المؤمنين} [النساء: 84] إشارة منه تعالى إلى أنهم يتأثرون ~~من تحريضه صلى الله عليه وسلم # PageV05P365 # وينقادون لأمره، بما دلت عليه كلمة «إذا» في قوله تعالى: {إذا ضربتم} أي ~~سافرتم وسرتم في الأرض {في سبيل الله} أي الذي له الكمال كله، لأجل وجهه ~~خالصا {فتبينوا} أي اطلبوا بالتأني والتثبت بيان الأمور والثبات في تلبسها ~~والتوقف الشديد عند منالها، وذلك بتميز بعضها من بعض وانكشاف لبسها غاية ~~الانكشاف؛ ولا تقدموا إلا على ما بان لكم {ولا تقولوا} قولا فضلا عما هو ~~أعلى منه {لمن ألقى} أي كائنا من كان {إليكم السلام} أي بادر بأن حياكم ~~بتحية افسلام ms0978 ملقيا قياده {لست مؤمنا} أي بل متعوذ - لتقتلوه. # ولما كان اتباع الشهوات عند العرب في غاية الذم قال موبخا منفرا عن مثل ~~هذا في موضع الحال من فاعل «تقولوا» {تبتغون} أي حال كونكم تطلبون طلبا ~~حثيثا بقتله {عرض الحياة الدنيا} أي بأخذ ما معه من الحطام الفاني والعرض ~~الزائل، أو بإدراك ثأر كان لكم قبله؛ روى البخاري ي التفسير ومسلم في آخر ~~كتابه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: # « {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} قال: # PageV05P366 # كان رجل في غنيمة له، فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم: فقتلوه وأخذوا ~~غنيمته، فأنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك إلى قوله {عرض الحياة الدنيا} » ~~ورواه الحارث بن أبي أسامة عن سعيد بن جبير وزاد {كذلك كنتم من قبل} تخفون ~~إيمانكم وأنتم مع المشركين، {فمن الله عليكم} وأظهر الإسلام {فتبينوا} ثم ~~علل النهي عن هذه الحالة بقوله: {فعند الله} أي الذي له الجلال والإكرام ~~{مغانم كثيرة} أي يغنيكم بها عما تطلبون من العرض مع طيبها؛ ثم علل النهي ~~من أصله بقوله: {كذلك} أي مثل هذا الذي قتلتموه بجعلكم إياه بعيدا عن ~~الإسلام {كنتم} وبعض زمان القتل - كما هو الواقع - بقوله: {من قبل} أي قبل ~~ما نطقتم بكلمة الإسلام {فمن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عليكم} أي ~~بأن ألقى في قلوب المؤمنين قبول ما أظهرتم امتثالا لأمره سبحانه وتعالى ~~بذلك، فقوى أمر الإيمان في قلوبكم قليلا قليلا # PageV05P367 # حتى صرتم إلى ما أنتم عليه في الرسوخ في الدين والشهرة به والعز، ولو شاء ~~لقسى قلوبكم وسلطهم عليكم فقتلوكم. فإذا كان الأمر كذلك فعليكم أن تفعلوا ~~بالداخلين في الدين من القبول ما فعل بكم، وهو معنى ما سبب عن الوعظ من ~~قوله تأكيدا لما مضى إعلاما بفظاعة أمر القتل: {فتبينوا} أي الأمور وتثبتوا ~~فيها حتى تنجلي؛ ثم علل هذا الأمر بقوله مرغبا مرهبا: {إن الله} أي المختص ~~بأنه عالم الغيب والشهادة {كان بما تعملون خبيرا *} أي يعلم ما أقدمتم عليه ~~عن تبيين وغيره فاحذروه بحفظ ms0979 بواطنكم وظواهركم. # ولما ناسبت هذه الآية ما قبلها من آية القتل العمد، والتفتت إلى {وحرض ~~المؤمنين} [النساء: 84] وإلى آية التحية، فاشتد اعتناقها لهما، وعلم بها أن ~~في الضرب في سبيل الله هذا الخطر، فكان ربما فتر عنه؛ بين فضله لمن كأنه ~~قال: فحينئذ نقعد عن الجهاد لنسلم، بقوله: {لا يستوي القاعدون} أي عن ~~الجهاد حال كونهم {من المؤمنين} أي الغريقين في الإيمان، ليفيد التصريح ~~بتفضيل المؤمن المجاهد على المؤمن القاعد لئلا يخصه أحد بالكافر الجاحد. # ولما كان من الناس من عذره سبحانه وتعالى برحمته استثناهم، # PageV05P368 # فقال واصفا للقاعدين أو مستثنيا منهم: {غير أولي الضرر} أي المانع أو ~~العائق عن الجهاد في سبيل الله من عوج أو مرض أو عمى ونحوه، وبهذا بان أن ~~الكلام في المهاجرين؛ وفي البخاري في التفسير عن زيد بن ثابت رضي الله ~~تعالى عنه # «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه {لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي فقال: ~~يا رسول الله! والله لو استطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى؛ فأنزل الله ع ~~وجل على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سرى عنه ~~فأنزل الله {غير أولي الضرر} » وأخرجه في فضائل القرآن عن البراء رضي الله ~~تعالى عنه قال: «لما نزلت {لا يستوي القاعدون} - الآية، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ادع لي زيدا وليجىء باللوح والدواة والكتف؛ ثم قال: اكتب - ~~فذكره» وحديث زيد أخرجه أيضا أبو داود والترمذي والنسائي، وفي رواية أبي ~~داود: قال: «كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة ~~فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فما وجدت شيئا أثقل من ~~فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سرى عنه فقال لي: اكتب، # PageV05P369 # فكتبت في كتف {لا يستوي القاعدون} إلى آخرها؛ فقام ابن أم مكتوم - وكان ~~رجلا أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله صلى الله عليه ms0980 ~~وسلم! فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في ~~المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، فسرى عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: اقرأ يا زيد! فقرأت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {غير أولي الضرر} - الآية كلها، قال زيد: أنزلها ~~الله وحدها فألحقتها والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في ~~كتف» ورواه أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي وفيه: «إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه دام بصره مفتوحة عيناه، وفرغ سمعه وقلبه ~~لما يأتيه من الله عز وجل» . # ولما ذكر القاعد أتبعه قسيمه المجاهد بقوله: {والمجاهدون في سبيل الله} ~~أي دين الملك الأعظم الذي من سلكه وصل إلى رحمته {بأموالهم وأنفسهم} ولما ~~كان نفي المساواة سببا لترقب كل من الحزبين الأفضليبة، لأن القاعد وإن فاته ~~الجهاد فقد تخلف الغازي في أهله، إذ يحيي الدين بالاشتغال بالعلم ونحوه؛ ~~قال # PageV05P370 # متسأنفا: {فضل الله} أي الذي له صفات الكمال {المجاهدين} ولما كان المال ~~في أول الأمر ضيقا قال مقدما للمال: {بأموالهم وأنفسهم} أي جهادا كائنا ~~بالفعل {على القاعدين} أي عن ذلك وهم متمكنون منه بكونهم في دار الهجرة ~~{درجة} أي واحدة كاملة لأنهم لم يفوقوهم بغيرها، وفي البخاري في المغازي عن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: # «لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر» . # ولما شرك بين المجاهدين والقاعدين بقوله: {وكلا} أي من الصنفين {وعد ~~الله} أي المحيط بالجلال والإكرام أجرا على إيمانهم {الحسنى} بين أن القاعد ~~المشارك إنما هو الذي يه قوة الجهاد القريبة من الفعل، وهو التمكن من تنفيذ ~~الأمر بسبب هجرته لأرض الحرب وكونه بين أهل الإيمان، وأما القاعد عن الهجرة ~~مع التمكن فليس بمشارك في ذلك، بل هو ظالم لنفسه فإنه ليس متمكنا من تنفيذ ~~الأوامر فلا هو مجاهد بالفعل ms0981 ولا بالقوة القريبة منه، فقال: {وفضل الله} أي ~~الملك الذي لا كفوء له فلا يجبر عليه {المجاهدين} أي بالفعل مطلقا بالنفس ~~أو المال {على القاعدين} أي عن الأسباب الممكنة من الجهاد ومن الهجرة {أجرا ~~عظيما *} ثم بينه بقوله: {درجات} # PageV05P371 # وعظمها بقوله: {منه} وهي درجة الهجرة، ودرجة التمكن من الجهاد بعد الهجرة ~~ودرجة مباشرة الجهاد بالفعل. # ولما كان الإنسان لا يخلو عن زلل وإن اجتهد في العمل قال: {ومغفرة} أي ~~محوا لذنوبهم بحيث أنها لا تذكر ولا يجازى عليها {ورحمة} أي كرامة ورفعة ~~{وكان الله} أي المحيط بالأسماء الحسنى والصفات العلى {غفورا رحيما *} أزلا ~~وأبدا، لم يتجدد له ما لم يكن؛ ثم علل ذلك بأبلغ حث على الهجرة فقال: {إن ~~الذين توفاهم الملائكة} أي تقبض أرواحهم كاملة على ما عندهم من نقص بعض ~~المعاني بما تركوا من ركن الهجرة بما أشارة إليه حذف التاء، وفي الحذف ~~إرشاد إلى أنه إذا ترك من يسعى في جبره بصدقة أو حج ونحوه من أفعال البر ~~جبر، لأن الأساس الذي تبنى عليه الأعمال الصالحة موجود وهو الإيمان {ظالمي ~~أنفسهم} أي بالقعود عن الجهاد بترك الهجرة والإقامة في بلاد الحرب حيث لا ~~يتمكنون من إقامة شعائر الدين كلها {قالوا} أي الملائكة موبخين لهم {فيم ~~كنتم} أي في أي شيء من الأعمال والأحوال كانت إقامتكم في بلاد الحرب. # ولما كان المراد من هذا السؤال التوبيخ لأجل ترك الهجرة # PageV05P372 # {قالوا} معتذرين {كنا مستضعفين في الأرض} أي أرض الكفار، لا نتمكن من ~~إقامة الدين، وكأنهم أطلقوها إشارة إلى أنها عندهم لا تساعها لكثرة الكفار ~~هي الأرض كلها، فكأنه قيل: هل قنع منهم بذك؟ فقيل: لا، لأنهم لم يكونوا ~~ضعفاء عن الهجرة، فكأنه قال: فما قيل لهم؟ فقيل: {قالوا} أي الملائكة بيانا ~~لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة إلى موضع يأمنون فيه على دينهم {ألم تكن ~~أرض الله} أي المحيط بكل شيء، الذي له كل شيء {واسعة فتهاجروا} أي بسبب ~~اتساعها كل من يعاديكم في الدين ضاربين {فيها} أي إلى ms0982 حيث يزول عنكم ~~المانع، فالآية من الاحتباك: ذكر الجهاد أولا في {وفضل الله المجاهدين} ~~[النساء: 95] دليل عى حذفه ثانيا بعد {ظالمي أنفسهم} [النساء: 97] ، وذكر ~~الهجرة ثانيا دليل على حذفها أولا بالقعود عنها، ولذلك خص الطائفة الأولى ~~بوعد الحسنى. # ولما وبخوا على تركهم الهجرة، سبب عنه جزاؤهم فقيل: {فأولئك} أي البعداء ~~من اجتهادهم لأنفسهم {مأواهم جهنم} أي لتركهم الواجب وتكثيرهم سواد الكفار ~~وانبساطهم في # PageV05P373 # وجوه أهل الناس {وساءت مصيرا *} روى البخاري في التفسير والفتن عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون ~~سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتي السهم يرمي به ~~فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله تعالى {إن الذين توافاهم} ~~[النساء: 97] . # PageV05P374 # ولما توعد على ترك الهجرة، أتبع ذلك بما زاد القاعد عنها تخويفا بذكر من ~~لم يدخل في المحكوم عليه بالقدرة على صورة الاستثناء تنبيها على أنهم ~~جديرون بالتسوية في الحكم لولا فضل الله عليهم، فقال بيانا لأن المستثنى ~~منهم كاذبون في ادعائهم الاستضعاف: {إلا المستضعفين} أي الذين وجد ضعفهم في ~~نفس الأمر وعدوا ضعفاء وتقوى عليهم غيرهم {من الرجال والنساء والولدان} ثم ~~بين ضعفهم بقوله: {لا يستطيعون حيلة} أي في إيقاع الهجرة {ولا يهتدون سبيلا ~~*} أي إلى ذلك. # ولما كانت الهجرة شديدة، وكان ربما تركها بعض الأقوياء واعتل بالضعف، ~~وربما ظن القادر مع المشقة أنه ليس بقادر؛ نفر من ذلك بالإشارة إليهم بأداة ~~البعد فقال: {فأولئك} ولما كان الله سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء، لا يجب ~~عليه شيء # PageV05P374 # ولا يقبح منه شيء، بل له أن يعذب الطائع وينعم العاصي، ويفعل ويقول ما ~~يشاء {لا يسأل عما يفعل} [الأنبياء: 23] أحل هؤلاء المعذورين محل الرجاء ~~إيذانا بأن ترك الهجرة في غاية الخطر فقال: {عسى الله} أي المرجو والخليق ~~والجدير من الملك المحيط بأوصاف الكمال {أن يعفو عنهم} أي ولو آخذهم لكان ~~له ذلك، وكل ما جاء في القرآن من نحو هذا فهو للإشارة إلى هذا المعنى، ms0983 وقول ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن عسى من الله واجبة، معناه أنه مع أن له ~~أن يفعل ما يشاء لا يفعل إلا ما يقتضيه الحكمة على ما يستصوبه منهاج العقل ~~السليم {وكان الله} أي الملك الذي له كل شيء فلا اعتراض عليه أزلا وأبدا ~~{عفوا} أي يمحو الذنب إذا أراد فلا يعاقب عليه وقد يعاتب عليه {غفورا *} أي ~~يزيل أثره أصلا ورأسا بحيث لا يعاقب عليه ولا يعاتب ولا يكون بحيث يذكر ~~أصلا، ولعل العفو راجع إلى الرجال، والغفران إلى النساء والولدان. # ولما رهب من ترك الهجرة، رغب فيها بما يسلي عما قد يوسوس به الشيطان من ~~أنه لو فارق رفاهية الوطن وقع في شدة الغربة، وأنه ربما تجشم المشقة فاخترم ~~قبل بلوغ القصد، فقال تعالى: {ومن يهاجر} أي يوقع الهجرة لكل ما أمر الله ~~سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بهجرته {في سبيل الله} أي الذي لا ~~أعظم من # PageV05P375 # ملكه ولا أوضح من سبيله ولا أوسع {يجد في الأرض} أي في ذات الطول والعرض ~~{مراغما} أي مهربا ومذهبا ومضطربا يكون موضعا للمراغمة، يغضب الأعداء به ~~ويرغم أنوفهم بسبب ما يحصل له من الرفق وحسن الحال، فيخجل مما جروه من سوء ~~معاملتهم له؛ من الرغم وهو الذل والهوان، وأصله: لصوق الأنف بالرغام وهو ~~التراب، تقول: راغمت فلانا، أي هجرته وهو يكره مفارقتك لذلة تلحقه بذلك. # ولما كان ذلك الموضع وإن كان واحدا فإنه لكبره ذو أجزاء عديدة، وصف بما ~~يقتضي العدد فقال {كثيرا} . # ولما كانت المراغمة لذة الروح، فكانت أعز من لذة البدن فقدمها؛ أتبعها ~~قوله: {وسعة} أي في الرزق، كما قال صلى الله عليه وسلم «صوموا تصحوا ~~وسافروا تغنموا» أخرجه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه «واغزوا، ~~وهاجروا تفلحوا» . # ولما كان ربما مات المهاجر قبل وصوله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فظن ~~أنه لم يدرك الهجرة مع تجشمه لفراق بلده قال: {ومن يخرج من بيته} أي فضلا ~~عن بلده {مهاجرا إلى الله} أي ms0984 رضى الملك # PageV05P376 # الذي له الكمال كله {ورسوله} أي ليكون عنده {ثم يدركه الموت} أي بعد ~~خروجه من بيته ولو قبل الفصول من بلده {فقد وقع أجره} أي في هجرته بحسب ~~الوعد فضلا، لا بحسب الاستحقاق عدلا {على الله} أي الذي له تمام الإحاطة ~~فلا ينقصه شيء، وكذا كل من نوى خيرا ولم يدركه «لا حسد إلا في اثنتين» فهو ~~موفيه إياه توفية ما يلتزمه الكريم منكم. # ولما كان بعضهم ربما قصر به عن البلوغ توانيه في سيره أو عن خروجه من ~~بلده فظن أن هجرته هذه لم تجبر تقصيره قال: {وكان الله} أي الذي له جميع ~~صفات الكمال {غفورا} أي لتقصير إن كان {رحيما *} يكرم بعد المغفرة بأنواع ~~الكرامات. # ولما أوجب السفر للجهاد والهجرة، وكان مطلق السفر مظنة المشقة فكيف ~~بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء؛ ذكر تخفيف الصلاة ~~بالقصر بقوله سبحانه وتعالى: {وإذا ضربتم} أي بالسفر {في الأرض} أي سفر كان ~~لغير معصية. ولما كان القصر رخصة غير عزيمة، بينه بقوله: {فليس عليكم جناح} ~~أي إثم وميل في {أن تقصروا} ولما كان القصر خاصا ببعض الصلوات، أتى بالجار ~~لذلك ولإفادة أنه في الكم لا في الكيف فقال: {من # PageV05P377 # الصلاة} أي فاقصروا إن أردتم وأتموا إن أردتم، وبينت السنة أعيان الصلوات ~~المقصورات، وكم يقصر منها من ركعة، وأن القصر من الكمية لا من الكيفية ~~بالإيماء مثلا في صلاة الخوف بقول عمر رضي الله تعالى عنه ليعلى بن أمية - ~~حين قال له: كيف تقصر وقد أمنا -: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك -، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صدقة تصدق ~~الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» وهذا هو حقيقة القصر والذي دلت عليه «من» ، ~~وأما الإيماء ونحوه من كيفيات صلاة الخوف فإبدال لا قصر، والسياق كام ترى ~~مشير إلى شدة الاهتمام بشأنها، وأنه لا يسقطها عن المكلف شيء، وقاض بأن ~~المخاطرة بالنفس والمال لا تسقط الجهاد ولا الهجرة إذ الخوف ms0985 والخطر مبنى ~~أمرهما ومحط قصدهما، فهذا سر قوله: {وإن خفتم أن يفتنكم} أي يخالطم مخالطة ~~مزعجة {الذين كفروا} لا أنه شرط في القصر، كما بينت نفي شرطيته السنة، ~~والحاصل أن هذا الشرط ذكر لهذا المقصد، لا لمخالفة المفهوم للمنطوق بشهادة ~~السنة؛ وقد كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين ركعتين، فأتمت بعد الهجرة إشارة ~~إلى أن المدينة دار الإقامة وما قبلها كان محل سفر ونقلة؛ # PageV05P378 # روى الشيخان وأحمد - وهذا لفظه - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: # «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة أقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» . # ولما ذكر الخوف منهم، علله مشيرا بالإظهار موضع الإضمار، وباسم الفاعل ~~إلى أن من تلبس بالكفر ساعة ما، أعرق فيه، أو إلى أن المجبول على العداوة ~~المشار إليه بلفظ الكون إنما هو الراسخ في الكفر المحكوم بموته عليه فقال: ~~{إن الكافرين} أي الراسخين منهم في الكفر {كانوا} أي جبلة وطبعا. ولعله ~~اشار إلى أنهم مغلوبون بقوله: {لكم} دون عليكم {عدوا} ولما كان العدو مما ~~يستوي فيه الواحد والجمع قال: {مبينا} أي ظاهر العداوة، يعدون عليكم لقصد ~~الأذى مهما وجدوا لذلك سبيلا، فربما وجدوا الفرصة في ذلك عند طول الصلاة ~~فلذلك قصرتها، ولولا أنها لا رخصة فيها بوجه لوضعتها عنكم في مثل هذه ~~الحالة، أو جعلت التخفيف في الوقت فأمرت بالتأخير، ولكنه لا زكاء للنفوس ~~بدون فعلها على ما حددت من الوقت وغيره. # PageV05P379 # ولما أتم سبحانه وتعالى بيان القصر في الكمية مقرونا بالخوف لما ذكر، ~~وكان حضور النبي صلى الله عليه وسلم مظنة الأمن بالتأييد بالملائكة ووعد ~~العصمة من الناس، وما شهر به من الشجاعة ونصر به من الرعب وغير ذلك من ~~الأمور القاضية بأن له العاقبة؛ بين سبحانه وتعالى حال الصلاة في الكيفية ~~عند الخوف، وأن صلاة الخوف تفعل عند الأنس بحضرته كما تفعل عند الاستيحاش ~~بغيبته صلى الله عليه وسلم، فجوازها لقوم ليس هو صلى الله عليه وسلم فيهم ~~مفهوم موافقة، فقال سبحانه وتعالى: ms0986 {وإذا كنت} حال الخوف الذي تقدم فرضه ~~{فيهم} أي في أصحابك سواء كان ذلك في السفر أو في الحضر {فأقمت} أي ابتدأت ~~وأوجدت {لهم الصلاة} أي الكاملة وهي المفروضة {فلتقم طائفة منهم معك} أي في ~~الصلاة ولتقم الطائفة الأخرى وجاه العدو ويطوفون في كل موضع يمكن أن يأتي ~~منه العدو {وليأخذوا} أي المصلون لأنهم المحتاجون إلى هذا الأمر لدخولهم في ~~حالة هي بترك السلاح أجدر {أسلحتهم} كما يأخذها من هو خارج الصلاة، وسبب ~~الأمر بصلاة الخوف - كما في صحيح مسلم وغيره عن جابر رضي الله تعالى عنه ~~«أنهم غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاتلوا قوما من جهينة فقاتلوا ~~قتالا شديدا، قال جابر رضي الله تعالى عنه: فلما صلينا الظهر قال المشركون: ~~لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم، # PageV05P380 # فأخبر جبرئيل عليه الصلاة والسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ~~فذكر ذلك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة ~~هي أحب إليهم من الأولاد فلما حضرت العصر صفنا صفين والمشركون بيننا وبين ~~القبلة» الحديث {فإذا سجدوا} يمكن أن يكون المراد بالسجود ظاهره، فيكون ~~الضمير في {فليكونوا} للجمع الذين منهم هذه الطائفة - المذكورين بطريق ~~الإضمار في قوله {وإذا كنت فيهم} وفي {فلتقم طائفة منهم} أي فإذا سجد الذين ~~قاموا معك في الصلاة فليكن المحدث عنهم وهم الباقون الذين أنت فيهم وهذه ~~الطائفة منهم {من ورائكم} فإذا أتمت هذه الطائفة صلاتها فلتذهب إلى الحراسة ~~{ولتأت طائفة أخرى} أي من الجماعة {لم يصلوا فليصلوا معك} كما صلت الطائفة ~~الأولى، فإن كانت الصلاة ثنائية ولم تصل بكل طائفة جميع الصلاة فلتسلم ~~بالطائفة الثانية، وإن كانت رباعية ولم تصل بكل فرقة جميع الصلاة فلتتم ~~صلاتها، ولتذهب إلى وجاه العدو ولتأت طائفة أخرى - هكذا حتى تتم الصلاة؛ ~~ويمكن أن يكون المراد بالسجود الصلاة - من إطلاق اسم الجزء على الكل، فكأنه ~~قال: فإذا صلوا، أي أتموا صلاتهم - على ما مضت الإشارة إليه، والضمير حينئذ # PageV05P381 # في «فليكونوا» للطائفة الساجدة، وقوله: {وليأخذوا} يمكن أن ms0987 يكون ضميره ~~للكل، لئلا يتوهم أن الأمر بذلك يختص بالمصلي، لأن غيره لا عائق له عن ~~الأخذ متى شاء، أو ولتأخذ جميع الطوائف الحارسون والمصلون {حذرهم وأسلحتهم} ~~في حال صلاتهم وحراستهم وإتيانهم إلى الصلاة وانصرافهم منها فجعل الحذر ~~الذي هو التيقظ والتحرز بإقبال الفكر على ما يمنع كيد العدو كالآلة ~~المحسوسة، وخص في استعماله في الصلاة في شأن العدو وخص آخر الصلاة بزيادة ~~لاحذر إشارة إلى أن العدو في أول الصلاة قلما يفطنون لكونهم في الصلاة ~~بخلاف الآخر، فلهذا خص بمزيد الحذر، وهذا الكلام على وجازته محتمل - كما ~~ترى - لجميع الكيفيات المذكورة في الفقه لصلاة الخوف إذا لم يكن العدو في ~~وجه القبلة على أنها تحتمل التنزيل على ما إذا كان في وجه القبلة بأن يحمل ~~الواء على ما واراه السجود عنكم وإتيان الطائفة الأخرى على الإقبال على ~~المتابعة للامام في الأفعال {ولم يصلوا} اي بقيد المتابعة له فيها - والله ~~سبحانه وتعالى الهادي. # وما أحسن اتصال ذلك بأول آيات الجهاد في هذه السورة {يا أيها الذين آمنوا ~~خذوا حذركم} [النساء: 71] فهو من رد المقطع على المطلع، ثم علل أمره بهذه ~~الكيفية على هذا الاحتياط والحزم بقوله مقويا لترغيبهم في ذلك بإقبال ~~الخطاب # PageV05P382 # عليهم: {ود} أي تمنى تمنيا عظيما {الذين كفروا} أي باشروا الكفر وقتا ما، ~~فكيف بمن هو غريق فيه {لو تغفلون} أي تقع لكم غفلة في وقت ما {عن أسلحتكم} ~~. # ولما كانت القوة بالآلات مرهبة للعدو ومنكبة قال: {وأمتعتكم} ولما كانت ~~الغفلة ضعفا ظاهرا، تسبب عنها قوله: {فيميلون} وأشار إلى العلو والغلبة ~~بقوله: {عليكم} وأشار إلى سرعة الأخذن بقوله: {ميلة} وأكده بقوله: {واحدة} ~~. # ولما كان الله - وله المن - قد رفع عن هذه الأمة الحرج، وكان المطر ~~والمرض شاقين قال: {ولا جناح} أي حرج {عليكم إن كان بكم أذى} أي وإن كان ~~يسيرا {من مطر} أي لأن حمل السلاح حينئذ يكون سببا لبله {أو كنتم مرضى} أي ~~متصفين بالمرض وكأن التعبير بالوصف إشارة إلى أن أدنى شيء منه لا يرخص ms0988 {أن ~~تضعوا أسلحتكم} أي لأن حملها يزيد المريض وهنا. # ولما خفف ما أوجبه أولا من أخذ السلاح برفع الجناح في حال العذر، فكان ~~التقدير: فضعوه إن شئتم؛ عطف عليه بصيغة الأمر إشارة إلى وجوب الحذر منهم ~~في كل حال قوله: {وخذوا حذركم} أي في كل حالة، فإن ذلك نفع لا يتوقع منه ~~ضرر؛ ثم علل ذلك بما بشر فيه بالنصر تشجيعا للمؤمنين، وإعلاما بأن الأمر ~~بالحزم إنما هو # PageV05P383 # للجري على ما رسمه من الحكمة في قوله - ربط المسببات بالأسباب، فهو من ~~باب «اعقلها وتوكل» فقال: {إن الله} المحيط علما وقدرة {أعد} أي في الأزل ~~{للكافرين} أي الدائمين على الكفر، لا من اتصف به وقتا ما وتاب منه {عذابا ~~مهينا *} أي يهينهم به، من أعظمه حذركم الذي لا يدع لهم عليكم مقدما، ولا ~~تمكنهم معه منكم فرصة. # PageV05P384 # ولما علمهم بما يفعلون في الصلاة حال الخوف، أتبع ذلك ما يفعلون بعدها ~~لئلا يظن أنها تغني عن مجرد الذكر، فقال مشيرا إلى تعقيبه به: {فإذا قضيتم ~~الصلاة} أي فرغتم من فعلها وأديتموها على حالة الخوف أو غيرها {فاذكروا ~~الله} أي بغير الصلاة لأنه لإحاطته بكل شيء يستحق أن يراقب فلا ينسى {قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم} أي في كل حالة، فإن ذكره حصنكم في كل حالة من كل عدو ~~ظاهر أو باطن. # ولما كان الذكر أعظم حفيظ للعبد، وحارس من شياطين الإنس والجن، ومسكن ~~للقلوب {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] ؛ أشار # PageV05P384 # إلى ذلك بالأمر بالصلاة حال الطمأنينة، تنبيها على عظم قدرها، وبيانا ~~لأنها أوثق عرى الدين وأقوى دعائمه وأفضل مجليات القلوب ومهذبات النفوس، ~~لأنها مشتملة على مجامع الذكر {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر ~~الله أكبر} [العنكبوت: 48] فقال: {فإذا اطمأننتم} أي عما كنتم فيه من الخوف ~~{فأقيموا الصلاة} أي فافعلوها قائمة المعالم كلها على الحالة التي كنتم ~~تفعلونها قبل الخوف؛ ثم علل الأمر بها في الأمن والخوف والسعة والضيق سفرا ~~أو حضرا بقوله: {إن الصلاة} مظهرا لما كان الأصل فيه الإضمار تنيبها ms0989 على ~~عظيم قدرها بما للعبد فيها من الوصلة بمعبوده {كانت على المؤمنين كتابا} أي ~~هي - مع كونها فرضا - جامعة على الله جمعا لا يقارنها فيه غيره {موقوتا *} ~~أي وهي - مع كونها محدودة - مضبوطة بأوقات مشهورة، فلا يجوز إخراجها عنها ~~في أمن ولا خوف فوت - بما أشارت إليه مادة وقت للأبدان بما تسبب من ~~الأرزاق. وللقلوب بما تجلب من المعارف والأنوار. # ولما عرف من ذلك أن آيات الجهاد في هذه السورة معلمة للحذر خوف الضرر، ~~مرشدة إلى إتقان المكائد للتخلص من الخطر، # PageV05P385 # وكان ذلك مظنة لمتابعة النفس والمبالغة فيه، وهو مظنة للتواني في أمر ~~الجهاد؛ أتبع ذلك قوله تعالى منبها على الجد في أمره، وأنه لم يدع في ~~الصلاة ولا غيرها ما يشغل عنه، عاطفا على نحو: فافعلوا ما أمرتكم به، أو ~~على {فأقيموا الصلاة} : {ولا تهنوا} أي تضعفوا وتتوانوا بالاشتغال بذكر ولا ~~صلا، فقد يسرت ذلك لكم تيسيرا لا يعوق عن شيء من أمر الجهاد {في ابتغاء ~~القوم} أي طلبهم بالاجتهاد وإن كانوا في غاية القوم والقيام بالأمور؛ ثم ~~علل ذلك بقوله: {إن تكونوا تألمون} أي يحصل لكم ألم ومشقة بالجهاد من القتل ~~وما دونه {فإنهم يألمون كما تألمون} أي لأنهم يحصل لهم من ذلك ما يحصل لكم، ~~فلا يكونن على باطلهم اصبر منكم على حقكم. # ولما بين ما يكون مانعا لهم من الوهن دونهم، لأنه مشترك بينهم؛ بين ما ~~يحملهم على الإقدام لاختصاصه به فقال: {وترجون} أي أنتم {من الله} أي الذي ~~له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى {ما لا يرجون} أي من النصر والعزم ~~والكرم واللطف، لأنكم تقاتلون فيه وهم يقاتلون في الشيطان، وهذا لكل من ~~يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سواء كان ذلك في جهاد الكفار أو لا. # PageV05P386 # ولما كان العلم مبنى كل خير، وكانت الحكمة التي هي نهاية العلم وغاية ~~القدرة مجمع الصفات العلى قال تعالى؛ {وكان الله} أي الآمر لكم بهذه ~~الأوامر وهو المحيط بكل شيء {عليما} أي بالغ العلم فهو لا يأمر إلا بما ms0990 ~~يكون بالغ الحسن مصلحا للدين والدنيا {حكيما} فهو يتقن لمن يأمره الأحوال، ~~ويسدده في المقال والفعال، فمن علم منه خيرا أراده ورقاه في درج السعادة، ~~ومن علم منه شرا كاده فنكس مبدأه ومعاده. # ولما كان أول هذه القصص والتعجيب من حال الذين أوتوا نصيبا من الكتاب في ~~ضلالهم وإضلالهم، ثم التعجيب من إيمانهم بالجبت والطاغوت، ثم التعجيب من ~~حال من ادعى الإيمان بهذا الكتاب مع الكتب السالفة، ثم رضي بحكم غيره، وساق ~~سبحانه وتعالى أصول ذلك وفروعه، ونصب الأدلة حتى علت على الفرقدين، وانتشر ~~ضياؤها على جميع الخافقين، وختم ذلك بمجاهدة المبطلين بالحجة والسيف، وسور ~~ذلك بصفتي العلم والحكمة؛ ناسب أتم مناسبة الإخبار بأنه أنزل هذا الكتاب ~~بالحق وبين فائدته التي عدل عنها المنافقون في استحكام غيره فقال: {إنا ~~أنزلنا} أي بما لنا من العظمة التي تتقاصر دونها كل عظمة {إليك} أي خاصة ~~وأنت أكمل الخلق {الكتاب} أي الكامل الجامع لكل خير {بالحق} أي ملتبسا بما ~~يطابقه الواقع # PageV05P387 # {لتحكم بين الناس} أي عامة، لأن دعوتك عامة فلا أضل ممن عدل عن حكمك ~~وابتغى خيرا من غير كتابك، وأشار إلى أنه لا ينطق عن الهوى بقوله: {بما ~~أراك الله} أي عرفكه الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل، فإن كان قد بين ~~لك شيئا غاية البيان فافعله، وإلا فانتظر منه البيان؛ ثم شرع سبحانه وتعالى ~~في إتمام ما بقي من أخبارهم، وكشف ما بطن من أسرارهم، وبيان علاماتهم ~~ليعرفوا، ويجتنبها المؤمنون لئلا يوسموا بميسمهم. # ولما كان سبحانه وتعالى قد خفف عليه صلى الله عليه وسلم بأن شرع له ~~القناعة في الحكم بالظاهر وعدم التكليف بالنقب عن سرائرهم بالدفع عن طعمة ~~بن أبيرق، لأن أمره كان مشكلا، فإنه سرق درعا وأودعها عند يهودي، فوجدت ~~عنده فادعى أن طعمة أودعها عنده، ولم يثبت ذلك على طعمة حتى أنزل الله ~~سبحانه وتعالى الآية، فأراد تعالى إنزاله في هذه النازلة وغيرها مما يريده ~~سبحانه وتعالى في المقام الخضري من الحكم بما في نفس الأمر مما لا ms0991 يعلمه ~~إلا الله سبحانه وتعالى إذ كان الصحيح الذي عليه الجمهور - كما نقله شيخنا ~~قاضي الشافعية بمصر أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر رحمه الله تعالى # PageV05P388 # في الإصابة في أسماء الصحابة - أن الخضر عليه الصلاة والسلام نبي، وكان ~~نبينا صلى الله عليه وسلم قد أعطى مثل جميع معجزات الأنيباء صلوات الله ~~عليهم مع ما اختص به دونهم - على جميعهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ~~والبركات، فقال تعالى عاطفا على ما علم تقديره من نحو: فاحكم بما نريك من ~~بحار العلوم التي أودعناها هذا الكتاب: {ولا تكن للخائنين} أي لأجلهم، من ~~طعمة وغيره {خصيما *} أي مخاصما لمن يخاصمهم، وأتبع ذلك قوله: {واستغفر ~~الله} أي الذي له الإحاطة التامة والغنى المطلق {كان} أي أزلا وأبدا {غفورا ~~رحيما *} وهذا الاستغفار لا عن ذنب إذ هو منزه عن ذلك، معصوم منه، ولكن عن ~~مقام عال تام للارتقاء إلى أعلى منه وأتم؛ وقد روى الترمذي سبب نزول هذه ~~الآيات إلى قوله تعالى {فقل ضل ضلالا بعيدا} من وجه مستقص مبين بيانا شافيا ~~وسمى بني أبيرق بشرا وبشيرا ومبشرا، ولم يذكر طعمة - والله # PageV05P389 # سبحانه وتعالى أعلم، قال: عن قتادة بن النعمان قال: «كان أهل بيت منا ~~يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبشير ومبشر، فكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر ~~يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: ~~قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر ~~قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث! قال: وكانوا أهل بيت حاجة ~~وفاقة في الجاهلية والإسلام، فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن ~~زيد حملا من الدرمك فجعله في مشربة له، وفي المشربة سلاح درع وسيف، فعدى ~~عليه من تحت البيت فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني ~~عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي! إنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا ~~وذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار، فقيل لنا: قد ms0992 رأينا بني ~~أبيرق # PageV05P390 # استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان ~~بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار -؛ والله ما نرى صابحكم إلا لبيد بن ~~سهل - رجل منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق! ~~فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة! قالوا: إليك عنا أيها ~~الرجل! فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي ~~عمي: يا ابن أخي! لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له! قال ~~قتادة: فأتيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سآمر في ذلك، فلما سمع بنو ~~أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك ~~أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله! إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا ~~إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت! ~~قال # PageV05P391 # قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته، فقال: عمدت إلى أهل ~~بيت ذكر منهم إسلام وصلاح! ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة! قال: فقال لي ~~عمي: يا ابن أخي! ما صنعت؟ فأخبرته بام قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: الله المستعان! فلم يلبث أن نزل القرآن {إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق} إلى {خصيما} بني أبيرق، {واستغفر الله} مما قلت لقتادة، {إن الله ~~كان غفورا رحيما} إلى قوله: {فسوق نؤتيه أجرا عظيما} ؛ فلا نزل القرآن أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة، فلما نزل القرآن لحق ~~بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله سبحانه وتعالى ~~{ومن يشاقق الرسول} إلى قوله: {ضلالا بعيدا} » وروى الحديث ابن إسحاق في ~~السيرة وزاد: إن حسانا قال في نزوله عندها أبياتا فطردته، فلحق بالطائف ~~فدخل بيتا ليسرق منه، فوقع عليه فمات، فقالت قريش: والله ما يفارق محمدا من ~~أصحابه أحد فيه خير. # PageV05P392 # ولما نهاه عن الخصام لمطلق الخائن، ms0993 وهو من وقعت منه خيانة ما؛ أتبعه ~~النهي عن المجادلة عمن تعمد الخيانة فقال سبحانه وتعالى: {ولا تجادل} أي في ~~وقت ما {عن الذين يختانون} أي يتجدد منهم تعمد أن يخونوا {أنفسهم} بأن ~~يوقعوها في الهلكة بالعصيان فيما اؤتمنوا عليه من الأمور الخفية، والتعبير ~~بالجمع - مع أن الذي نزلت فيه الآية واحد - للتعميم وتهديد من أعانه من ~~قومه، ويجوز أن يكون أشار بصيغة الافتعال إلى أن الخيانة لا تقع إلا مكررة، ~~فإنه يعزم عليها أولا ثم يفعلها، فأدنى لذلك أن يكون قد خان من نفسه مرتين، ~~قال الإمام ما معناه أن التهديد في هذه الآية عظيم جدا، وذلك أنه سبحانه ~~وتعالى عاتب خير الخلق عنده وأكرمهم لديه هذه المعاتبة وما فعل إلا الحق في ~~الظاهر، فكيف بمن يعلم الباطن ويساعد أهل الباطل؟ فكيف إن كان بغيرهم؟ ثم ~~أشار سبحانه وتعالى إلى أن من خان غيره كان مبالغا في الخيانة بالعزم ~~وخيانة الغير المستلزمة لخيانة النفس فلذا ختمت بالتعليل بقوله: {إن الله} ~~أي الجليل العظيم ذا الجلال والإكرام {لا يحب} أي لا يكرم {من كان # PageV05P393 # خوانا أثيما} بصيغتي المبالغة - على أن مراتب المبالغين في الخيانة ~~متفاوتة، وفيه مع هذا استعطاف لمن وقعت منه الخيانة مرة واحدة وقدم سبحانه ~~وتعالى ذلك، لأن فيه دفعا للضر عن البريء وجلبا للنفع إليه؛ ثم أتبعه بعيب ~~هذا الخائن وقلة تأمله والإعلام بأن المجادلة عنه قليلة الجدوى، فقال ~~سبحانه وتعالى معجبا منهم بما هو كالتعليل لما قبله: {يستخفون} أي هؤلاء ~~الخونة: طعمة ومن مالأه وهو يعلم باطن أمره {من الناس} حياء منهم وخوفا من ~~أن يضروهم لمشاهدتهم لهم وقوفا مع الوهم كالبهائم {ولا يستخفون} أي يطلبون ~~ويوجدون الخفية بعدم الخيانة {من الله} أي الذي لا شيء أظهر منه لما له من ~~صفات الكمال {وهو} أي والحال أنه {معهم} لا يغيب عنه شيء من أحوالهم، ولا ~~يعجزه شيء من نكالهم، فالاستخفاء منه لا يكون إلا بترك الخيانة ومحض ~~الإخلاص، فواسوأتاه من أغلب الأفعال والأقوال والأحوال! {إذ} أي ms0994 حين ~~{يبيتون} أي يرتبون ليلا على طريق الإمعان في الفكر والإتقان للرأي {ما لا ~~يرضى من القول} أي من البهت والحلف عليه، فلا يستحيون منه ولا يخافون، ~~لاستيلاء الجهل والغفلة على قلوبهم وعدم إيمانهم بالغيب. # PageV05P394 # ولما أثبت علمه سبحانه وتعالى بهذا من حالهم عمم فقال: {وكان الله} أي ~~الذي كل شيء في قبضته لأنه الواحد الذي لا كفوء له {بما يعملون} أي من هذا ~~وغيره {محيطا *} أي علما وقدرة. # ولما وبخهم سبحانه وتعالى على جهلهم، حذر من مناصرتهم فقال مبنيا أنها لا ~~تجديهم شيئا، مخوفا لهم جدا بالمواجهة بمثل هذا التنبيه والخطاب ثم الإشارة ~~بعد: {هاأنتم هؤلاء} وزاد في الترهيب للتعيين بما هو من الجدل الذي هو أشد ~~الخصومة - من جدل الحبل الذي هو شدة فتله - وإظهاره في صيغة المفاعلة، فقال ~~مبينا لأن المراد من الجملة السابقة التهديد: {جادلتم عنهم} في هذه الواقعة ~~أو غيرها {في الحياة الدنيا} أي بما جعل لكم من الأسباب. # ولما حذرهم وبخهم على قلة فطنتهم وزيادة في التحذير بأن مجادلتهم هذه سبب ~~لوقوع الحكومة بين يديه سبحانه وتعالى فقال: {فمن يجادل الله} أي الذي له ~~الجلال كله {عنهم} أي حين تنقطع الأسباب {يوم القيامة} ولا يفترق الحال في ~~هذا بين أن تكون «ها» من {هأنتم} للتنبيه أو بدلا عن همزة استفهام - على ما ~~تقدم، فإن معنى الإنكار هنا واضح على كلا الأمرين. # PageV05P395 # ولما كان من أعظم المحاسن كف الإنسان عما لا علم له به، عطف على الجملة ~~من أولها من غير تقييد بيوم القيامة منبها على قبح المجادلة عنهم بقصور علم ~~الخلائق قوله: {أم من يكون} أي فيما يأتي من الزمان {عليهم وكيلا *} أي ~~يعلم منهم ما يعلم الله سبحانه وتعالى بأن يحصي أعمالهم فلا يغيب عنه منها ~~شيء ليجادل الله عنهم، فيثبت لهم ما فارقوه، وينفي عنهم ما لم يلابسوه ~~ويرعاهم ويحفظهم مما يأتيهم به القدر من الضرر والكدر. # ولما نهى عن نصرة الخائن وحذر منها، ندب إلى التوبة من كل سوء فقال - ~~عاطفا ms0995 على ما تقديره: فمن يصر على مثل هذه المجادلة يجد الله عليما حكيما ~~-: {من يعمل سوءا} أي قبيحا متعديا يسوء غيره شرعا، عمدا - كما فعل طعمة - ~~أو غير عمد {أو يظلم نفسه} بما لا يتعداه إلى غيره شركا كان أو غيره، أو ~~بالرضى لها بما غيره أعلى منه، ولم يسمه بالسوء لأنه لا يقصد نفسه بما ~~يضرها في الحاضر {ثم يستغفر الله} أي يطلب من الملك الأعظم غفرانه بالتوبة ~~بشروطها {يجد الله} أي الجامع لكل كمال {غفورا} أي ممحيا للزلات # PageV05P396 # {رحيما *} أي مبالغا في إكرام من يقبل إليه «من تقرب مني شبرا تقربت منه ~~ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» ~~روى إسحاق بن راهويه عن عمر رضي الله تعالى عنه وأبو يعلى الموصلي عن أبي ~~الدرداء رضي الله تعالى عنه أن هذه الآية نسخت {من يعمل سوءا يجز به} ~~[النساء: 123] وأنها نزلت بعدها. # ولما ندب إلى التوبة ورغب فيها، بين أن ضرر إثمه لا يتعدى نفسه، حثا على ~~التوبة وتهييجا إليها لما جبل عليه كل أحد من محبة نفع نفسه ودفع الضر عنها ~~فقال: {ومن يكسب إثما} أي إثم كان {فإنما يكسبه على نفسه} لأن وباله راجع ~~عليه إذ الله له بالمرصاد، فهو مجازيه على ذلك لا محالة غير حامل لشيء من ~~إثمه على غيره كما أنه غير حامل لشيء من إثم غيره عليه، والكسب: فعل ما يجر ~~نفعا أو يدفع ضرا. # ولما كان هذا لا يكون إلا مع العلم والحكمة قال تعالى: {وكان الله} أي ~~الذي له كمال الإحاطة أزلا وأبدا {عليما} أي بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله، ~~فلا يترك شيئا منه {حكيما *} فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه، وإذا أراد شيئا ~~وضعه في أحكم مواضعه فلا يمكن غيره شيء من نقضه. # PageV05P397 # ولما ذكر ما يخص الإنسان من إثمه أتبعه ما يعديه إلى غيره فقال: {ومن ~~يكسب خطيئة} أي ذنبا غير متعمد له {أو إثما} أي ذنبا تعمده. ولما كان ~~البهتان شديدا جدا ms0996 قل من يجترىء عليه، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم ~~يرم به بريئا} أي ينسبه إلى من لم يعمله - كما فعل طعمة باليهودي، وابن أبي ~~بالصديقة رضي الله تعالى عنها. وعظم جرم فاعل ذلك بصيغة الافتعال في قوله: ~~{فقد احتمل} وبقوله: {بهتانا} أي خطر كذب يبهت المرمى به لعظمه، وكأنه ~~إشارة إلى ما يلحق الرامي في الدنيا من الذم {وإثما} أي ذنبا كبيرا {مبينا} ~~يعاقب به في الآخرة، وإنما كان مبينا لمعرفته بخيانة نفسه وبراءة المرمى ~~به، ولأن الله سبحانه وتعالى أجرى عادته الجميلة أن يظهر براءة المقذوف به ~~يوما ما بطريق من الطرق ولو لبعض الناس. # ولما وعظ سبحانه وتعالى في هذه النازلة وحذر ونهى وأمر، بين نعمته على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم في عصمته عما أرادوه من مجادلته عن الخائن بقوله ~~تعالى: {ولولا فضل الله} أي الملك الأعلى # PageV05P398 # {عليك} أي بإنزال الكتاب {ورحمته} أي بإعلاء أمرك وعصمتك من كل ذي كيد ~~وحفظك في أصحابك الذين أتوا يجادلون عن ابن عمهم سارق الدرع في التمسك ~~بالظاهر وعدم قصد العناد {لهمت طائفة منهم} أي فرقة فيها أهلية الاستدارة ~~والتخلق، لا تزال تتخلق فتفيل الآراء وتقلب الأمور وتدير الأفكار في ترتيب ~~ما تريد {أن يضلوك} أي يوقعوك في ذلك بالحكم ببراءة طعمة، ولكن الله حفظك ~~في أصحابك فما هموا بذلك، وإنما قصدوا المدافعة عن صاحبهم بما لم يتحققوه، ~~ولو هموا لما أضلوك {وما يضلون} أي على حالة من حالات هذا الهم {إلا ~~أنفسهم} إذ وبال ذلك عليهم {وما يضرونك} أي يجددون في ضرك حالا ولا مالا ~~بإضلال ولا غيره {من شيء} وهو وعد بدوام العصمة في الظاهر والباطن كآية ~~المائدة أيضا وإن كانت هذه بسياقها ظاهرة في الباطن وتلك ظاهرة في الظاهر ~~{وأنزل الله} أي الذي له جميع العظمة {عليك} وأنت أعظم الخلق عصمة لأمتك ~~{الكتاب} أي الذي تقدم أول القصة الإشارة إلى كماله وجمعه لخيري الدارين ~~{والحكمة} # PageV05P399 # أي الفهم لجميع مقاصد الكتاب فتكون أفعالك وأفعال من تابعك فيه على ms0997 أتم ~~الأحوال، فتظفروا بتحقيق العلم وإتقان العمل، وعمم بقوله: {وعلمك ما لم تكن ~~تعلم} أي من المشكلات وغيرها غيبا وشهادة من أحوال الدين والدنيا {وكان فضل ~~الله} أي المتوحد بكل كمال {عليك عظيما *} أي بغير ذلك من أمور لا تدخل تحت ~~الحصر، وهذا من أعظم الأدلة على أن العلم أشرف الفضائل. # ولما كان قوم طعمة قد ناجوا النبي صلى الله عليه وسلم في الدفع عنه، ~~نبههم سبحانه وغيرهم على ما ينبغي أن يقع به التناجي، ويحسن فيه التفاؤل ~~والتجاذب على وجه ناه عن غيره أشد نهي بقوله سبحانه وتعالى: {لا خير في ~~كثير من نجواهم} أي نجوى جميع المناجين {إلا من} أي نحوى من {أمر بصدقة} ~~ولما خص الصدقة لعزة المال في ذلك الحال، عمم بقوله: {أو معروف} أي معروف ~~كان مما يبيحه الشرع من صدقة وغيرها. # ولما كان إصلاح ذات البين أمرا جليلا، نبه على عظمه بتخصيصه بقوله: {أو ~~إصلاح بين الناس} أي عامة، فقد بين سحانه وتعالى أن غير المستثنى من ~~التناجي لا خير فيه، وكل ما انتقى عنه الخير كان مجتنبا - كما روى أحمد ~~والطبراني في الكبير بسند لا بأس به وهذا لفظه # PageV05P400 # عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن عيسى ~~عليه الصلاة والسلام قال: إنما الأمور ثلاثة: أمر تبين لك رشده فاتبعه، ~~وأمر تبين لك غيه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فرده إلى عالمه» . # ولما كان التقدير: فمن أمر بشي من ذلك فنجواه خير، وله عليها أجر؛ عطف ~~عليه قوله: {من يفعل ذلك} أي الأمر العظيم الذي أمر به من هذه الأشياء ~~{ابتغاء مرضاة الله} الذي له صفات الكمال، لأن العمل لا يكون له روح إلا ~~بالنية {فسوف نؤتيه} أي في الآخرة بوعد لا خلف فيه {أجرا عظيما *} وهذه ~~الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب ~~في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي، فإن كان رياء ~~انقلبت فصارت من أعظم المفاسد. ms0998 # ولما رتب سبحانه وتعالى الثواب العظيم على الموافقة، رتب العقاب الشديد ~~على المخالفة والمشاققة، ووكل المخالف إلى نفسه بقوله تعالى: {ومن يشاقق ~~الرسول} أي الكامل في الرسلية، فيكون بقلبه أو شيء من فعله في جهة غير جهته ~~على وجه المقاهرة، وعبر بالمضارع رحمة منه سبحانه بتقييد الوعيد ~~بالاستمرار، وأظهر القاف إشارة إلى تعليقه بالمجاهرة، ولأن السياق لأهل ~~الأوثان وهم مجاهرون، وقد جاهر سارق الدرعين الذي كان سببا لنزول الآية في ~~آخر قصته - كما مضى. # PageV05P401 # ولما كان في سياق تعليم الشريعة التي لم تكن معلومة قبل الإيحاء بها، لا ~~في سياق الملة المعلومة بالعقل، أتى ب «من» تقييدا للتهديد بما بعد الإعلام ~~بذلك فقال: {من بعد ما} ولو حذفت لفهم اختصاص الوعيد بمن استغرق زمان البعد ~~بالمشاققة. ولما كان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الظهور ~~قال: {تبين له الهدى} أي الدليل الذي هو سببه. # ولما كان المخالف للإجماع لا يكفر إلا بمنابذة المعلوم بالضرورة، عبر بعد ~~التبين بالاتباع فقالك {ويتبع غير سبيل} أي طريق {المؤمنين} أي الذين صار ~~الإيمان لهم صفة راسخة، والمراد الطريق المعنوي، وجه الشبه الحركة البدنية ~~الموصلة إلى المطلوب في الحسي، والنفسانية في مقدمات الدليل الموصل إلى ~~المطلوب في المعنوي {نوله} أي بعظمتنا في الدنيا والآخرة {ما تولى} أي نكله ~~إلى ما اختار لنفسه وعالج فيه فطرته الأولى خذلانا منا له {ونصله} أي في ~~الآخرة {جهنم} أي تلقاه بالكراهة والغلظة والعبوسة كما تجهم أولياءنا ~~وشاققهم. # ولما كان التقدير: فهو صائر إليها لا محالة، بين حالها في ذلك فقال: ~~{وساءت مصيرا *} وهذه الآية دالة على أن الإجماع حجة لأنه لا يتوعد إلا على ~~مخالفة الحق، وكذا حديث «لا تزال طائفة من أمتي # PageV05P402 # قائمة بأمر الله - وفي رواية: ظاهرين على الحق - حتى يأتي أمر الله» رواه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثوبان ~~والمغيرة وجابر بن سمرة وجابر بن عبد الله ومعاوية وأنس وأبو هريرة، بعض ~~أحاديثهم في الصحيحين، ms0999 وبعضها في السنن، وبعضها في المسانيد، وبعضها في ~~المعاجيم وغير ذلك؛ ووجه الدلالة أن الطائفة التي شهد لها النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالحق في جملة أهل الإجماع والله سبحانه وتعالى الموفق. # ولما كان فاعل ذلك بعد بيان الهدى هم أهل الكتاب ومن أضلوه من المنافقين ~~بما ألقوه إليهم من الشبه، فردوهم إلى ظلام الشرك والشك بعد أن بهرت ~~أبصارهم أشعة التوحيد؛ حسن إيلاؤه قوله سبحانه وتعالى - معللا تعظيما لأهل ~~الإسلام، وحثا على لزوم هديهم، وذما لمن نابذهم وتوعدا له، إشارة إلى أن من ~~خرق إجماع المسلمين صار حكمه حكم المشركين، فكيف بمن نابذ المرسلين: {إن ~~الله} أي الأحد المطلق فلا كفوء له {لا يغفر أن يشرك به} أي وقوع الشرك به، ~~من أي شخص كان، وبأي شيء كان، لأن من قدح في الملك استحق البوار والهلك، ~~وسارق الدرع أحق الناس بذلك {ويغفر ما} أي كل شيء هو {دون ذلك} أي الأمر ~~الذي لم يدع للشناعة # PageV05P403 # موضعا - كما هو شأن من ألقى السلم ودخل في ربقة العبودية، ثم غلبته ~~الشهوة فقصر في بعض أنواع الخدمة. ثم دل على نفوذ أمره بقوله: {لمن يشاء} . # ولما كان التقدير: فإن من أشرك به فقد افترى إثما مبينا، عطف عليه قوله: ~~{ومن يشرك} أي يوقع هذا الفعل القذر جدا في أي وقت كان من ماض أو حال أو ~~استقبال مداوما على تجديده {بالله} أي الملك الذي لا نزاع في تفرده بالعظمه ~~لأنه لا خفاء في ذلك عند أحد {فقد ضل} أي ذهب عن السنن الموصل {ضلالا بعيدا ~~*} لا تمكن سلامة مرتكبه، وطوزى مقدمة الافتراء الذي هو تعمد الكذب، وذكر ~~مقدمة الضلال، لأن معظم السياق للعرب أهل الأوثان والجهل فيهم فاش، بخلاف ~~ما مضى لأهل الكتاب فإن كفرهم عن علم فهو تعمد للكذب. # PageV05P404 # ولما كان المنافقون هم المقصودين بالذات بهذه الآيات، وكان أكثرهم أهل ~~أوثان؛ ناسب كل المناسبة قوله معللا لأن الشرك ضلال: {إن} أي ما {يدعون} ~~وما أنسب التعبير لعباد الأوثان عن العبادة بالدعاء ms1000 إشارة إلى أن كل معبود ~~لا يدعي في الضرورات فيسمع، فعابده أجهل الجهلة. ولما كان كل شيء دونه ~~سبحانه # PageV05P404 # وتعالى، لأنه تحت قهره؛ قال محتقرا لما عبدوه: {من دونه} أي وهو الرحمن. # ولما كانت معبوداتهم أوثانا متكثرة، وكل كثرة تلزمها الفرقة والحاجة ~~والضعف مع أنهم كانوا يسمون بعضها بأسماء الإناث من اللات والعزى، ويقولون ~~في الكل: إنها بنات الله، ويقولون عن كل صنم: أنثى بني فلان؛ قال: {إلا ~~إناثا} أي فجعلوا أنفسهم للإناث عبادا وهم يأنفون من أن يكون لهم لهم ~~أولادا، وفي التفسير من البخاري: إناثا يعني الموات حجرا أو مدرا - أو ما ~~أشبه ذلك؛ هذا مع أن مادة «أنث» و «وثن» يلزمها في نفسها الكثرة والرخاوة ~~والفرقة، وكل ذلك في غاية البعد عن رتبة الإلهية، وسيأتي إن شاء الله تعالى ~~بسط ذلك في سورة العنكبوت وأن هذا القصر قلب قصر لاعتقادهم أنها آلهة، ~~ومعنى الحصر: ما هي إلا غير آلهة لما لها من النقص {وإن يدعون} أي يعبدون ~~في الحقيقة {إلا شيطانا} أي لأنه هو الآمر لهم بذلك، المزين لهم {مريدا} أي ~~عاتيا صلبا عاصيا ملازما للعصيان، مجردا من كل خير، محترقا بأفعال الشر، ~~بعيدا من كل أمن، من: شاط وشطن؛ ومرد - بفتح عينه وضمها، وعبر بصيغة فعيل ~~التي هي للمبالغة في سياق ذمهم تنبيها على أنهم تعبدوا لما لا إلباس في ~~شرارته، لأنه شر كله، بخلاف ما في سورة الصافات، فإن سياقه يقتضي # PageV05P405 # عدم المبالغة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ ثم بين ذلك بقوله: {لعنه ~~الله} أي أبعده الملك الأعلى منكل خير فبعد فاحترق. # ولما كان التقدير: فقال إصرارا على العداوة بالحسد: وعزتك لأجتهدن في ~~إبعاد غيري كما أبعدتني! عطف عليه قوله: {وقال لأتخذن} أي والله لأجتهدن في ~~أن آخذ {من عبادك} الذين هم تحت قهرك، ولا يخرجون عن مرادك {نصيبا مفروضا ~~*} أي جزءا أنت قدرته لي {ولأضلنهم} أي عن طريقك السوي بما سلطتني به من ~~الوساوس وتزيين الأباطيل {ولأمنينهم} أي كل ما أقدر عليه من ms1001 الباطل من عدم ~~البعث وغيره من طول الأعمال وبلوغ الآمال من الدنيا والآخرة بالرحمة والعفو ~~والإحسان ونحوه مما هو سبب للتسويف بالتوبة {ولآمرنهم} . # ولما كان قد علم مما طبعوا عليه من الشهوات والحظوظ التي هيأتهم لطاعته، ~~وكانت طاعته في الفساد عند كل عاقل في غاية الاستبعاد؛ أكد قوله: {فليبتكن} ~~أي يقطعن تقطيعا كثيرا {آذان الأنعام} ويشققونها علامة على ما حرموه على ~~أنفسهم {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} أي الذي له الحكمة الكاملة فلا كفوء ~~له، بأنواع التغيير من تغيير الفطرة الأولى السليمة إلى ما دون ذلك من فقء ~~عين الحامي # PageV05P406 # ونحو ذلك، وهو إشارة إلى ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم بالتقريب ~~للأصنام من السائبة وما معها، المشار إلى إبطاله في أول المائدة بقوله # {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1] المصرح به في ~~آخرها بقوله: {ما جعل الله من بحيرة} [المائدة: 103] ويكون التغيير بالوشم ~~والوشر، ويدخل فيه كل ما خالف الدين، فإن الفطرة الأولى داعية إلى خلاف ذلك ~~حتى أدخلوا فيه تشبيه الرجال بالنساء في التخنث وما يتفرع عنه في تشبيه ~~النساء بالرجال في السحق ومانحا فيه نحوه. # ولما كان التقدير: فقد خسر من تابعه في ذلك، لأنه صار للشيطان وليا؛ عطف ~~عليه معمما قوله: {ومن يتخذ} أي يتكلف منهم ومن غيرهم تغيير الفطرة الأولى ~~فيأخذ {الشيطان وليا} ولما كان ذلك ملزوما لمحادة الله سبحانه وتعالى، وكان ~~ما هو أدنى من رتبته في غاية الكثرة؛ بعض ليفهم الاستغراق من باب الأولى ~~فقال: {من دون الله} أي المستجمع لكل وصف جميل {فقد خسر} باتخاذه ذلك ولو ~~على أدنى وجوه الشرك {خسرانا مبينا *} أي في غاية الظهور والرداءة بما ~~تعطيه صيغة الفعلان، لأنه تولى من لا خير عنده؛ ثم علل ذلك بقوله: {يعدهم} ~~أي بأن يخيل إليهم بما يصل إلى قلوبهم بالوسوسة في شيء من الأباطيل أنه ~~قريب الحصول، وأنه # PageV05P407 # لا درك في تحصيله، وأنه إن لم يحصل كان في فواته ضرر، فيسعون في تحصيله، ~~فيضيع عليهم في ذلك الزمان، ms1002 ويرتكبون فيه ما لا يحل من الأهوال والهوان ~~{ويمنيهم} أي يزين لهم تعليق الآمال بما لا يتأتى حصوله، ثم بين ذلك بقوله: ~~{وما} أي والحالة أنه ما {يعدهم} وأظهر في موضع الإضمار تنبيها على مزيد ~~النفرة فقال: {الشيطان} أي المحترق البعيد عن الخير {إلا غرورا *} أي ~~تزيينا بالباطل خداعا ومكرا وتلبيسا، إظهارا - لما لا حقيقة له أو له حقيقة ~~سيئة - في أبهى الحقائق وأشرفها وألذها إلى النفس وأشهاها إلى الطبع، فإن ~~مادة «غر» و «رغ» تدول على الشرف والحسن ورفاهة العيش، فالغرور إزالة ذلك. # PageV05P408 # ولما أثبت لهم ذلك أنتج بلا شك قوله: {أولئك} أي البعداء من كل خير ~~{مأواهم جهنم} أي تتجهمهم وتتقد عليهم بما اتخذوا من خلق منها وليا {ولا ~~يجدون عنها محيصا *} أي موضعا ما يميلون إليه شيئا من الميل. # ولما ذكر ما للكافرين ترهيبا أتبعه ما لغيرهم ترغيبا فقال: {والذين ~~آمنوا} أي بوعد لا خلف فيه {جنات تجري} # PageV05P408 # وقرب وبعض بقوله: {من تحتها الأنهار} أي لري أرضها، فحيث ما أجرى منها ~~نهر جرى. # ولما كان الانزعاج عن مطلق الوطن - ولو لحاجة تعرض - شديدا، فكيف بهذا! ~~قال: {خالدين فيها} ولما كان الخلود يطلق على مجرد المكث الطويل، دل على ~~أنه لا بإلى آخر بقوله: {أبدا} ثم أكد ذلك بأن الواقع يطابقه، وهويطابق ~~الواقع فقال: {وعد الله حقا} أي يطابقه الواقع، لأنه الملك الأعظم وقد برز ~~وعده بذلك، ومن أحق من الله وعدا، وأخبر به خبرا صاداق يطابق الواقع {ومن ~~أصدق من الله} أي المختص بصفات الكمال {قيلا *} وأكثر من التأكيد هنا لأنه ~~في مقابلة وعد الشيطان، ووعد الشيطان موافق للهوى الذي طبعت عليه النفوس ~~فلا تنصرف عنه إلا بعسر شديد. # ولما أخبر تعالى عما أعد لهم ولمن أضلهم من العقاب وعما أعد للمؤمنين من ~~الثواب، وكانوا يمنون أنفسهم الأماني الفارغة من أنه لا تبعة عليهم في ~~التلاعب بالدين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ويشجعهم على ذلك أهل الكتاب ~~ويدعون أنهم أبناء الله وأحباؤه، لا يؤاخذهم بشيء، ولا ms1003 يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا أو نصارى أو من شفعوا فيه، ونحو هذه التكاذيب مما يطمعون به من ~~والاهم بأنهم ينجونه، وكان # PageV05P409 # المشركون يقولون: {نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين} [سبأ: 35] ، ~~ونحو ذلك - كنا قال العاصي بن وائل لخباب بن الأرت وقد تقاضاه دينا كان له ~~عليه: دعني إلى تلك الدار فأقضيك مما لي فيها، فوالله لا تكون أنت وصاحبك ~~فيها آثر عند الله مني ولا أعظم حظا، فأنزل الله في ذلك: {أفرأيت الذي كفر ~~بآياتنا} [مريم: 77] الآيات من آخر مريم، ويقول لهم أهل الكتاب: أنتم أهدى ~~سبيلا، لما كان ذلك قال تعالى رادا على الفريقين: {ليس} أي ما وعده الله ~~وأوعده {بأمانيكم} أي أيها العرب {ولا أماني أهل الكتاب} أي التي يمنيكم ~~جميعا بها الشيطان. # ولما اكنت أمانيهم أنهم لا يجازون بأعمالهم الخبيثة، أنتج ذلك لا محالة ~~قوله: {ومن يعمل سوءا يجز به} أي بالمصائب من الأمراض وغيرها، عاجلا إن ~~أريد به الخير، وآجلا إن أريد به الشر، وما أحسن إيلاؤها لتمنيه الشيطان ~~المذكورة في قوله {يعدهم ويمنيهم} # [النساء: 120] فيكون الكلام وافيا بكشف عوار شياطين الجن ثم الإنس في ~~غرورهم لمن خف معهم مؤيسا لمن قبل منهم، وما أبدع ختامها بقوله: {ولا # PageV05P410 # يجد له} ولما كان كل أحد قاصرا عن مولاه، عبر بقوله: {من دون الله} أي ~~الذي حاز جميع العظمة {وليا} أي قريبا يفعل معه ما يفعل القريب {ولا نصيرا ~~*} أي ينصره في وقت ما! وما أشد التئامها بختام أول الآيات المحذرة منهم ~~{ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة} [النساء: 44] إلى ~~قوله {وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا} [النساء: 45] إشارة إلى أن مقصود ~~المنافقين من مشايعة أهل الكتاب ومتابعتهم إنما هو الولاية والنصرة، وأنهم ~~قد ضيعوا منيتهم فاستنصروا بمن لا نصرة له، وتركوا من ليست النصرة إلا له. # PageV05P411 # ولما أبدى جزاء المسيء تحذيرا، أولاه أجر المحسن تبشيرا فقال: {ومن يعمل} ~~وخفف تعالى عن عباده بقوله: {من الصالحات} ولما عمم بذكر (من) صرح ms1004 بما ~~اقتضته في قوله: {من ذكر وأنثى} وقيد ذلك بقوله: {وهو} أي والحال أنه ~~{مؤمن} ليكون بناؤه الأعمال على أساس الإيمان {فأولئك} أي العالو الرتبة، ~~وبنى فعل الدخول للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وأبي جعفر وأبي بكر ~~عن عاصم وروح عن يعقوب، وللفاعل في قراءة غيرهم، لأن المقصود نفس الفعل، لا ~~كونه من فاعل معين؛ وإن كانت قراءة الأولين أكثر فائدة {يدخلون} أي يدخلهم ~~الله {الجنة} أي الموصوفة {ولا يظلمون} وبنى الفعل للمجهول، لأن المقصود ~~الخلاص # PageV05P411 # منه لا بقيد فاعل معين {نقيرا *} أي لا يظلم الله المطيع منهم بنقص شيء ~~ما، ولا العاصي بزيادة شيء ما، والنقير: ما في ظهر النواة من تلك الوقبة ~~الصغيرة جدا، كني بها عن العدم، وهذا على ما يتعارفه الناس وإلا فالله ~~تعالى له أن يفعل ما يشاء، فإن ملكه وملكه عام، لا يتصور منه ظلم كيف ما ~~فعل. # ولما كشف سبحانه زورهم وبين فجورهم، أنكر أن يكون أحد أحسن دينا ممن اتبع ~~ملة إبراهيم الذي يزعمون أنه كان على دينهم زعما تقدم كشف عواره وهتك ~~أستاره في آل عمران، فقال عاطفا على ما تقديره: فمن أحسن دائنا ومجازيا ~~وحاكما منه سبحانه وتعالى: {ومن أحسن دينا} أو يكون التقدير: لأنهم أحسنوا ~~في دينهم ومن أحسن دينا منهم! لكنه أظهر الوصف تعميما وتعليقا للحكم به ~~وتعليما لما يفعل يفعل المؤمن وحثا عليه فقال: {ممن أسلم} أي أعطى. # ولما كان المراد الإخلاص الذي هو أشرف الأشياء، عبر عنه بالوجه الذي هو ~~أشرف الأعضاء فقال: {وجهه} أي قياده، أي الجهة التي يتوجه إليها بوجهه أي ~~قصده كله الملازم للإسلام نفسه كلها {لله} فلا حركة له سكنة إلا فيما ~~يرضاه، لكونه الواحد الذي لا مثل له، فهو حصر بغير صيغة الحصر، فأفاد فساد ~~طريق من # PageV05P412 # لفت وجهه نحو سواه باستعانة أو غيرها ولا سيما المعتزلة الذين يرون ~~الطاعة من أنفسهم، ويرون أنها موجبة لثوابهم، والمعصية كذلك وأنها موجبة ~~لعقابهم، في الحقيقة لا يرجون إلا أنفسهم، ولا يخافون ms1005 غيرها؛ وأهل السنة ~~فوضوا التدبير والتكوين والخلق إلى الحق، فهم المسلمون. # ولما عبر تعالى عن كمال الاعتقاد بالماضي، شرط فيه الدوام والأعمال ~~الظاهرة بقوله: {وهو} أي والحال أنه {محسن} أي مؤمن مراقب، لا غفلة عنده ~~أصلا، بل الإحسان صفة له راسخة، لأنه يعبد الله كأنه يراه، فقد اشتملت هذه ~~الكلمات العشر على الدين كله أصلا وفرعا مع الترغيب بالمدح الكامل لمتبعه ~~وإفهام الذم الكامل لغيره. # ولما كان هذا ينتظم من كان على دين أي نبي كان قبل نسخه، قيده بقوله: ~~{واتبع} أي بجهد منه {ملة إبراهيم} الذي اشتهر عند جميع الطوائف أنه ما دعا ~~إلا إلى الله سبحانه وتعالى وحده، وتبرأ مما سواه من فلك وكوكب وصنم وطبيعة ~~وغيرها حال كون ذلك المتبع {حنيفا} أي لينا سهلا ميالا مع الدليل، والملة: ~~ما دعت إليه الفطرة الأولى بمساعدة العقل السليم من كمال الإسلام بالتوحيد. # PageV05P413 # ولما كان التقدير ترغيبا في هذا الاتباع: فقد جعل الله سبحانه وتعالى ملة ~~إبراهيم أحسن الملل، وخلقه يوم خلقه حنيفا، عطف عليه قوله: {واتخذ الله} أي ~~الملك الأعظم أخذ من معين بذلك مجتهد فيه {إبراهيم خليلا *} لكونه كان ~~حنيفا، وذلك عبارة عن اختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله من ترديد ~~الرسل بالوحي بينه وبينه، وإجابة الدعوة، وإظهار الخوارق عليه وعلى آله، ~~والنصرة على الأعداء وغير ذلك من الألطاف، وأظهر اسمه في موضع الإضمار ~~تصريحا بالمقصود احتراسا من الإبهام وإعلاء لقدره تنويها بذكره. # PageV05P414 # ولما أخبر بمن يحبه ومن يبغضه وبما يرضيه وما يغضبه، وكان ربما توهم عدم ~~القدرة على أخذه لغير ما أخذ، وجعله لغير ما جعل، أو تعنت بذلك متعنت فظن ~~أن في الكلام دخلا بنوع احتياج إلى المحالة أو غيرها قال: {ولله} أي والحال ~~أن للمختص بالوحدانية - فلا كفوء له {ما في السماوات} . # ولما كان السياق للمنافقين والمشركين أكد فقال: {وما في الأرض} من ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن غيره إشارة إلى أنه التام الملك العظيم ~~الملك، فلا يعطي إلا من تابع أولياءه وجانب أعداءه، ms1006 ولا يختار إلا من علمه ~~خيارا # PageV05P414 # وهو مع ذلك قادر على ما يريد من إقرار وتبديل، ولذلك قال: {وكان الله} أي ~~الملك الذي له الكمال كله {بكل شيء} أي منهما ومن غيرهما {محيطا *} علما ~~وقدرة، فمهما راد كان في وعده ووعيده للمطيع والعاصي، لا يخفى عليه أحد ~~منهم، ولا يعجزه شيء. # ولما كان سبحانه وتعالى قد رتب هذا الكتاب على أنه يذكر أحكاما من الأصول ~~والفروع، ثم يفصلها بوعد ووعيد وترغيب وترهيب، وينظمها بدلائل كبريائه ~~وجلاله وعظيم بره وكماله، ثم يعود إلى بيان الأحكام على أبدع نظام لأن ~~إلقاء المراد في ذلك القالب أقرب إلى القبول، والنظم كذلك أجدر بالتأثير في ~~القلوب، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا تنقاد له النفوس إلا إذا كان ~~مقرونا ببشارة ونذارة، وذلك لا يؤثر إلا عند القطع بغاية الكمال لمن صدر ~~عنه ذلك المقال، ولا ينتقل مع ذلك من أسلوب إلى آخر إلا على غاية ما يكون ~~من المناسبة بين آخر كل نوع وأول ما بعده بكمال التعلق لفظا ومعنى، وفعل ~~سبحانه وتعالى في هذه السورة في أحكام العدل الذي بدأ السورة به في ~~المواصلة التي مبناها النكاح والإرث وغير ذلك مما اتصل به - كما بين - إلى ~~أن ختم هنا بالإسلام المثمر لقبول ذلك # PageV05P415 # كله وعظمة الملك الموجبة لتمام الإسلام، وقامت البراهين وسطعت الحجج، ~~وكان من أعظم مقاصد السورة العدل في الضعفاء من الأيتام وغيرهم في الميراث ~~وغيره، وكان توريث النساء والأطفال - ذكورا كانوا أو إناثا - مما أبته ~~نفوسهم، وأشربت بغضه قلوبهم، وكان التفريق في إثبات ما هذا سبيله أنجع، ~~وإلقاؤه شيئا فشيئا في قوالب البلاغة أنفع؛ وصل بذلك قوله تعالى: ~~{ويستفتونك} في جملة حالية من اسم الجلالة التي قبلها، أي له ما ذكر فلا ~~مساغ للاعتراض عليه والحال أنهم يسألونك طلبا لأن تتفتى عليهم بالجواب في ~~بعض ما أعطى من ملكه لبعض مخلوقاته {في النساء} طمعا في الاستئثار عليهم ~~بالمال وغيره محتجين بأنه لا ينبغي أن يكون المال إلا لمن يحمي الذمار ~~والحال أنهم ms1007 قد عبدوا من دونه إناثا، وجعلوا لهم مما خولهم فيه من الرزق ~~الذي ملكهم له بضعف من الحرث والأنعام نصيبا، فلا تعجب من حال من كرر ~~الاستفتاء - الذي لا يكون في العرف غالبا إلا فيما فيه اعتراض - في إناث ~~أحياء وأطفال ذكور وأعطاهم الملك التام الملك العظيم الملك بعض ما يريد، ~~ولم يعترض على نفسه حيث أعطى إناثا # PageV05P416 # لا حياة لها ولا منفعة مما في يده، وملكه في الحقيقة لغيره، ولم يأذن فيه ~~المالك ما لا ينتفع به المعطي. # ولما كان المقام بكثرة الاستفتاء محتاجا إلى زيادة الاعتناء قال: {قل ~~الله} آمرا معبرا بالاسم الأعظم منبها على استحضار ما ذكر أول السورة ~~{يفتيكم} أي يبين لكم حكمه {فيهن} أي الآن لأن تقوموا لهن بالقسط {وما} أي ~~مع ما {يتلى عليكم} أي تجدد فيكم تلاوته إلى آخر الدهر سيفا قاطعا وحكما ~~ماضيا جامعا {في الكتاب} أي فيما سبق أول السورة في قوله: {وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ، وغير ذلك {في يتامى ~~النساء} أي في شأن التيامى من هذا الصنف {اللاتي لا تؤتونهن} أي بسبب ~~التوقف في ذلك وتكرير الاستفتاء عنه {ما كتب لهن} أي ما فرض من الميراث ~~وسائر الحقوق فرضا وهو في غاية اللزوم {وترغبون أن} أي في أن أو عن أن ~~{تنكحوهن} لجمالهن أو لدمامتهن {و} يفتيكم في {المستضعفين} أي الموجود ~~ضعفهم والمطلوب إضعافهم، يمنعهم حقوقهم {من الولدان} . # ولما كان التقدير؛ في أن تقوموا لهم بالقسط، أي في ميراثهم وسائر حقوقهم ~~ولا تحقروهم لصغرهم؛ عطف عليه قوله: {وأن تقوموا} أي تفعلوا فيه من القوة ~~والمبادرة فعل القائم المنشط {لليتامى} # PageV05P417 # من الذكور والإناث {بالقسط} أي بالعدل من الميراث وغيره. # ولما كان التقدير: فما تفعلوا في ذلك من شر فإن الله كان به عليما وعليكم ~~قديرا؛ عطف عليه قوله ترغيبا: {وما تفعلوا من خير} أي في ذلك أو في غيره ~~{فإن الله} أي الذي له الكمال كله {كان به عليما *} أي فهو جدير - وهو ms1008 أكرم ~~الأكرمين وأحكم الحاكمين - بأن يعطي فاعله على حسب كرمه وعلو قدره، فطيبوا ~~نفسا وتقروا عينا؛ روى البخاري في الشركة والنكاح ومسلم في آخر الكتاب وأبو ~~داود والنسائي في النكاح «عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن ~~قول الله عز وجل: {فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} إلى {رباع} قالت: يا ~~ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها ~~وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما ~~يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن ~~من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن؛ قال عروة: قالت ~~عائشة رضي الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV05P418 # بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله عز وجل (ويستفتونك - إلى - وترغبون أن ~~تنكحوهن) » # والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب: الآية الأولى التي قال فيها: ~~{وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} قالت عائشة ~~رضي الله عنها: وقول الله تعالى في الآية الأخرى: {وترغبون أن تنكحوهن} هي ~~رغبة أحدكم يتيمته - وقال مسلم: عن يتيمته - التي تكون في حجره حين تكون ~~قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى ~~النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، زاد مسلم: إذا كن قليلات المال ~~والجمال، وقال البخاري في النكاح: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم ~~أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في ~~الصداق؛ وفي البخاري # PageV05P419 # ومسلم في التفسير عن عروة أيضا {يستفتونك في النساء} الآية قالت: «هو ~~الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها فأشركته - وقال مسلم: لعلها أن ~~تكون قد شركته، في ماله حتى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا ~~فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها فنزلت هذه الآية؛ وفي رواية مسلم: نزلت ~~في الرجل تكون له اليتيمة وهو وليها ms1009 ووارثها ولها مال وليس لها أحد يخاصم ~~دونها فلا ينحكها لمالها فيضر بها ويسيء صحبتها فقال: {وإن خفتم ألا تقسطوا ~~في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} يقول: ما حللت لكم، ودع هذه التي ~~تضر بها» وفي رواية له وللبخاري في النكاح «فيرغب عنها أن يتزوجها ويكره أن ~~يزوجها غيره فيشركه في ماله - وقال البخاري: فيدخل عليه في ماله - فيعضلها ~~ولا يتزوجها ولا يزوجها، زاد البخاري: فنهاهم الله سبحانه وتعالى» عن ذلك، ~~وحاصل ذلك ما نقله الأصبهاني أنه كان الرجل في الجاهلية # PageV05P420 # تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن ~~يتزوجها أبدا، فإن كانت جميلة وهواها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة ~~منعها الرجال حتى تموت، فإذا ماتت ورثها. # وما أنسب ذكر هذا الحكم الذي كثرت فيه المراجع على وجه يؤذن بعدم إذعان ~~بعض النفوس له عقب آية الإسلام الذي معناه الانقياد والخضوع والإحسان الذي ~~صار في العرف أكثر استعماله للاعطاء والتألف والعطف لا سيما للضعيف، وذكر ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم أنه أتم ما ابتلاه الله تعالى به من ~~الكلمات ووفي بها من غير مراجعة ولا تلعثم، وأنه كان حنيفا ميالا مع ~~الدليل، تعنيفا لمن قام عليه دليل العقل وأتاه صريح النقل وهو يراجع! وإذا ~~تأملت قوله تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: 123] مع قوله فيما قبل ~~{وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم} [النساء: 9] لاحت ~~لك أيضا مناسبة بديعة. # PageV05P421 # ولما صاروا يعطفون اليتامى أموالهم، وصاروا يتزوجون ذوات الأموال منهن ~~ويضاجرون بعضهن؛ عقب ذلك تعالى بالإفتاء في أحوال المشاققة بين الأزواج ~~فقال: {وإن امرأة} أي واحدة أو على ضرائر. # ولما كان ظن المكروه مخوفا قال: {خافت} أي توقعت # PageV05P421 # وظنت بما يظهر لها من القرائن {من بعلها نشوزا} أي ترفعا بما ترى من ~~استهانته لها بمنع حقوقها أو إساءة صحبتها {أو إعراضا} عنها بقلبه بأن لا ~~ترى من محادثته ومؤانسته ومجامعته ما كانت ترى قبل ذلك، تخشى أن ms1010 يجر إلى ~~الفراق وإن كان متكلفا لملاطفتها بقوله وفعله {فلا جناح} أي حرج وميل ~~{عليهما أن يصلحا} أي يوقع الزوجان {بينهما} تصالحا ومصالحة، هذا على قراءة ~~الجماعة، وعلى قراءة الكوفيين بضم الياء وإسكان الصاد وكسر اللام التقدير: ~~إصلاحا، لكنه لما كان المأمور به يحصل بأقل ما يقع عليه اسم الصلح بنى ~~المصدر على غير هذين الفعلين فقال مجردا له: {صلحا} بأن تلين هي بترك بعض ~~المهر أو بعض القسم أو نحو ذلك، وأن يلين لها هو بإحسان العشرة في مقابلة ~~ذلك. # ولما كان التقدير: ولا حناح عليهما أن يتفارقا على وجه العدل، عطف عليه ~~قوله: {والصلح} أي بترك كل منهما حقه أو بعض حقه {خير} أي المفارقة التي ~~أشارت إليها الجملة المطوية لأن الصلح مبناه الإحسان الكامل بالرضى من ~~الجانبين، والمفارقة مبناها العدل الذي يلزمه في الأغلب غيظ أحدهما وإن ~~كانت مشاركة للصلح في الخير، لكنها مفضولة، وتخصيص المفارقة بالطي لأن مبنى ~~السورة على المواصلة. # PageV05P422 # ولما كان منشأ التشاجر المانع من الصلح شكاسة في الطباع، صور سبحانه ~~وتعالى ذلك تنفيرا عنه، فقال اعتراضا بين هذه الجمل للحث على الجود بانيا ~~الفعل للمجهول إشارة إلى أن هذا المحضر لا يرضى أحد نسبته إليه: {وأحضرت ~~الأنفس} أي الناظرة إلى نفاستها عجبا {الشح} أي الحرص وسوء الخلق وقلة ~~الخير والنكد والبخل بالموجود، وكله يرجع إلى سوء الخلق والطبع الرديء ~~واعوجاج الفطرة الأولى الذي كني عنه بالإحضار الملازم الذي لا انفكاك له ~~إلا بجهاد كبير يناله به الأجر الكثير. # ولما كان هذا خلقا رديئا لم يذكر فاعله، والمعنى: أحضرها إياه محضر. فصار ~~ملازما لها، لا تنفك عنه إلا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى في قهرها عليه ~~بتذكير ما عنده سبحانه وتعالى من حسن الجزاء، ولما كان التقدير: فإن شححتم ~~فإنه أعلم بها في الشح من موجبات الذم، عطف عليه قوله: {وإن تحسنوا} أي ~~توقعوا الإحسان بالإقامة على نكاحكم وما ندبتم إليه من حسن العشرة وإن كنتم ~~كارهين {وتتقوا} أي توقعوا التقوى بمجانبة كل ما ms1011 يؤذي نوع أذى إشارة إلى أن ~~الشحيح لا محسن ولا متق {فإن الله} أي وهو الجامع لصفات الكمال # PageV05P423 # {كان} أزلا وأبدا {بما تعملون} أي في كل شح وإحسان {خبيرا *} أي بالغ ~~العلم به وأنتم تعلمون أنه أكرم الأكرمين، فهو مجازيكم عليه أحسن جزاء. # ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الوقوف على الحق فضلا عن الإحسان - وإن كانت ~~المرأة واحدة - متعسر، أتبعه أن ذلك عند الجمع أعسر، فقال تعالى معبرا ~~بأداة التأكيد: {ولن تستطيعوا} أي توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة {أن ~~تعدلوا} أي من غير حيف أصلا {بين النساء} في جميع ما يجب لكل واحدة منهن ~~عليكم من الحقوق {ولو حرصتم} أي على فعل ذلك، وهذا مع قوله تعالى: {فإن ~~خفتم ألا تعدلوا فواحدة} [النساء: 3] كالمختم للاختصار على واحدة. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بأن لا يخلو نكاح العدد عن ميل، سبب عنه قوله: ~~{فلا} أي فإن كان لا بد لكم من العدد، أو فإن وقع الميل والزوجة واحدة فلا ~~{تميلوا} ولما كان مطلق الميل غير مقدور على تركه فلم يكلف به، بين المراد ~~بقوله: {كل الميل} ثم سبب عنه قوله: {فتذروها} أي المرأة {كالمعلقة} أي بين ~~النكاح والعزوبة والزواج والانفراد. # ولما كان الميل الكثير مقدورا على تركه، فكان التقدير: فإن # PageV05P424 # ملتم كل الميل مع إبقاء العصمة فإن الله كان منتقما حسيبا، عطف عليه ~~قوله: {وإن تصلحوا وتتقوا} أي بأن توجدوا الإصلاح بالعدل في القسم والتقوى ~~في ترك الجور على تجدد الأوقات {فإن الله} أي الذي له الكمال كله {كان ~~غفورا رحيما *} أي محاء للذنوب بليغ الإكرام فهو جدير بأن يغفر لكم مطلق ~~الميل، ويسبغ عليكم ملابس الإنعام. # ولما كان من الإصلاح المعاشرة بالمعروف، ذكر قسيمه فقال: {وإن يتفرقا} أي ~~يفترق كل من الزوجين من صاحبه {يغن الله} أي الذي له صفات الكمال {كلا} أي ~~منهما، أي يجعله غنيا هذه برجل وهذا بامرأة أو بغير ذلك من لطفه، وبين منشأ ~~هذا الغني فقال: {من سعته} أي من شمول قدرته وغير ذلك من ms1012 كل صفة كمال، ~~ولمزيد الاعتناء بتقرير هذه المعاني في النفوس لإحضارها الشح، كرر اسمه ~~الأعظم الجامع فقال: {وكان الله} أي ذو الجلال والإكرام أزلا وأبدا {واسعا} ~~أي محيطا بكل شيء {حكيما *} أي يضع الأشياء في أقوم محالها. # PageV05P425 # ولما كان مبنى هذه السورة على التعاطف والتراحم والتواصل، # PageV05P425 # لم يذكر فيها الطلاق إلا على وجه الإيماء في هذه الآية على وجه البيان ~~لرأفته وسعة رحمته وعموم تربيته، وفي ذلك معنى الوصلة والعطف، قال ابن ~~الزبير: ولكثرة ما يعرض من رعى حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ~~ذلك ويغمض - لذلك ما تكرر كثيرا في هذه السورة الأمر بالاتقاء، وبه افتتحت ~~{اتقوا ربكم} [النساء: 1] ، {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} ~~[النساء: 1] ، {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [النساء: 131] . # ولما ذكر تعالى آية التفرق وختمها بصفتي السعة والحكمة دل على الأول ~~ترغيبا في سؤاله: {ولله} أي الذي له العظمة كلها {ما في السماوات} ولما كان ~~في السياق بيان ضعف النفوس وجبلها على النقائص، فكانت محتاجة إلى تقوية ~~الكلام المخرج لها عما ألفت من الباطل قال: {وما في الأرض} وعلى الثانية ~~بالوصية بالتقوى لأنه كرر الحث على التقوى في هذه الجمل في سياق الشرط ~~بقوله: {وإن تحسنوا وتتقوا} [النساء: 128] {وإن تصلحو وتتقوا} [النساء: ~~129] فأخبر تعالى بعد اللطف بذلك السياق أن وصيته بها مؤكدة، لم تزل قديما ~~وحديثا، لأن العلم بالمشاركة في الأمر يكون أدعى للقبول، وأهون على النفس، ~~فقال تعالى: {ولقد وصينا} أي على ما لنا من العظمة. # PageV05P426 # ولما كان الاشتراك في الأحكام موجبا للرغبة فيها والتخفيف لثقلها، وكانت ~~الوصية للعالم أجدر بالقبول قال: {الذين أوتوا الكتاب} أي التوراة والإنجيل ~~وغيرهما وبنى الفعل للمجهول لأن القصد بيان كونهم أهل علم ليرغب فيما أوصوا ~~به، ودلالة على أن العلم في نفسه مهيىء للقبول، ولإفادة أن وصيتهم أعم من ~~أن تكون في الكتاب، أو على لسان الرسول من غير كتاب، ولما كان إيتاؤهم ~~الكتاب غير مستغرق للماضي وكذا الإيصاء قال: {من قبلكم} أي من بني إسرائيل ms1013 ~~وغيرهم {وإياكم} أي ووصيانكم مثل ما وصيناهم؛ ولما كانت التوصية بمعنى ~~القول فسرها بقوله: {أن اتقوا الله} أي الذي لا يطاق انتقامه لأنه لا كفوء ~~له. # ولما كان التقدير: فإن تتقوا فهو حظكم وسعادتكم في الدارين، عطف عليه ~~قوله: {وإن تكفروا} أي بترك التقوى {فإن الله} أي الذي له الكمال المطلق ~~{ما في السماوات} ولما كان السياق لفرض الكفر حسن التأكيد في قوله: {وما في ~~الأرض} منكم ومن غيركم من حيوان وجماد أجسادا وأروحا وأحوالا. # ولما كان المعنى: لا يخرج شيء عن ملكه ولا إرادته، ولا يلحقه ضرر بكفركم، ~~ولم تضروا إن فعلتم إلا أنفسكم، لأنه غني عنكم، # PageV05P427 # لا يزداد جلاله بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات؛ أكده بقوله دالا ~~على غناه واستحقاقه للمحامد: {وكان الله} أي الذي له الإحاطة كلها {غنيا} ~~أي عن كل شيء الغنى المطلق لذاته {حميدا *} أي محمودا بكل لسان قالي وحالي، ~~كفرتم أو شكرتم، فكان ذلك غاية في بيان حكمته. # ولما كان الملك قد لا يمنع الاعتراض على المالك بين أن ذلك إنما هو في ~~الملك الناقص وأنه ملكه تام: {ولله} أي الذي له العلم الكامل والقدرة ~~الشاملة {ما في السماوات} وأكد لمثل ما مضى فقال: {وما في الأرض} أي هو ~~قائم بمصالح ذلك كله، يستقل بجميع أمره، لا معترض عليه، بل هما وكل من ~~فيهما مظهر العجز عن أمره، معلق مقاليد نفسه وأحواله إليه طوعا أو كرها، ~~فهو وكيل على كل ذلك فاعل به ما يفعل الوكيل من الأخذ والقبض والبسط، ولمثل ~~ذلك كرر الاسم الأعظم فقال: {وكفى بالله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر ~~لأحد معه {وكيلا *} أي قائما بالمصالح قاهرا متفردا بجميع الأمور، قادرا ~~على جميع المقدور، وقد بان - كما ترى - أن جملة «لله» المكررة ثلاث مرات ~~ذكرت كل مرة دليلا على شيء غير الذي قبله وكررت، لأن الدليل الواحد إذا كان ~~دالا على مدلولات كثيرة يحسن # PageV05P428 # أن يستدل به على كل واحد منها. وإعادته مع كل واحد أولى من الاكتفاء ~~بذكره ms1014 مرة واحدة، لأن عند إعادته يحضر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول، ~~فيكون العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجل؛ وفي ختم كل جملة بصفة من ~~الصفات الحسنى تنبيه الذهن بها إلى أن هذا الدليل دال على أسرار شريفة ~~ومطالب جليلة لا تنحصر، فيجتهد السامع في التفكر لإظهار الأسرار والاستدلال ~~عل صفات الكمال لأن الغرض الكلي من هذا الكتاب صرف العقول والأفهام عن ~~الاشتغال بغير الله تعالى إلى الاستغراق في معرفته سبحانه، وهذا التكرير ~~مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده، فكان في غاية الحسن والكمال. # ولما تقرر بهذا شمول علم من هذا من شأنه وتمام قدرته أنتج قوله مهددا ~~مخوفا مرهبا: {إن يشأ يذهبكم} وصرح بالعموم إشارة إلى عموم الإرسال بقوله: ~~{أيها الناس} أي المتفرعون من تلك النفس الواحدة كافة لغناه عنكم وقدرته ~~على ما يريد منكم {ويأت بآخرين} أي من غيركم يوالونه {وكان الله} أي الواحد ~~الذي لا شريك له أزلا وأبدا {على ذلك} أي الأمر العظيم من الإيجاد والإعدام ~~{قديرا *} أي بالغ القدرة، وهذا غاية البيان لغناه وكونه حميدا وقاهرا ~~وشديدا، وإذا تأملت ختام قوله تعالى في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام # PageV05P429 # في آخر هذه السورة {سبحانه أن يكون له ولد} [النساء: 171] زاد ذلك هذا ~~السر - وهو كونه لا اعتراض عليه - وضوحا. # ولما كان في هذا تهديد بليغ وتعريف بسعة الملك وكمال التصرف، وكان مدار ~~أحوال المتشاححين في الإرث وحقوق الأزواج وغيرها الأمر الدنيوي، وكان ~~سبحانه وتعالى قد بين فيما مضى أن مبنى أحوال المنافقين على طلب العرض ~~الفاني خصوصا قصة طعمة بن أبيرق الراضي لنفسه بالفضيحة في نيل شيء تافه؛ ~~قال تعالى تفييلا لآرائهم وتخسيسا لهممهم حيث نزلوا إلى الأدنى مع القوة ~~على طلب الأعلى مع طلب الأدنى أيضا منه تعالى، فلا يفوتهم شيء من معولهم مع ~~إحراز الأنفس: {ما كان يريد ثواب الدنيا} لقصور نظره على المحسوس الحاضر مع ~~خسته كالبهائم {فعند} أي فليقبل إلى الله فإنه عند {الله} أي الذي له ~~الكمال المطلق {ثواب الدنيا} الخسيسة ms1015 الفانية {والآخرة} أي النفسية الباقية ~~فليطلبها منه، فإنه يعطي من أراد ما شاء، ومن علت همته عن ذلك فأقبل بقلبه ~~إليه وقصر همه عليه فلم يطلب إلا الباقي جمع سبحانه وتعالى له بينهما، كمن ~~يجاهد الله خالصا، فإنه يجمع له بين الأجر والمغنم، وما أشد التئامها مع ~~ذلك بما قبلها، لأن من كان تام القدرة واسع الملك كان كذلك. # PageV05P430 # ولما كان الناشيء عن الإرادة إما قولا أو فعلا، وكان الفعل قد يكون قلبيا ~~قال: {وكان الله} أي المختص بجميع صفات الكمال {سميعا} أي بالغ السمع لكل ~~قول وإن خفي، نفسيا كان أو لسانيا {بصيرا *} أي بالغ البصر لكل ما يمكن أن ~~يبصر من الأفعال، والعلم بكل ما يبصر وما لا يبصر منها ومن غيرها فيكون من ~~البصر ومن البصيرة، فليراقبه العبد قولا وفعلا. # PageV05P431 # ولما كان ذلك من أحسن المواعظ لقوم طعمة الذين اعتصبوا له، التفت إليهم ~~مستعطفا بصيغة الإيمان، جائيا بصيغة الأمر على وجه يعم غيرهم، قائلا ما هو ~~كالنتيجة لما مضى من الأمر بالقسط من أول السورة إلى هنا على وجه أكده وحث ~~عليه: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم {كونوا قوامين} أي ~~قائمين قياما بليغا مواظبا عليه مجتهدا فيه. # ولما كان أعظم مباني هذه السورة العدل قدمه فقال: {بالقسط} بخلاف ما يأتي ~~في المائدة فإن النظر فيها إلى الوفاء الذي إنما يكون بالنظر إلى الموفى له ~~{شهداء} أي حاضرين متيقظين حضور المحاسب لكل شيء أردتم الدخول فيه {لله} أي ~~لوجه الذي كل شيء بيده لا لشيء غيره {ولو} كان ذلك القسط {على أنفسكم} أي ~~فإني لا أزيدكم بذلك إلا عزاء، وإلا تفعلوا ذلك قهرتكم على الشهادة على ~~أنفسكم على # PageV05P431 # رؤوس الأشهاد، ففضحتم في يوم يجتمع فيه الأولون والآخرون من جميع العباد. # ولما كان ذكر أعز ما عند الإنسان أتبعه ما يليه وبدأ منه بمن جمع إلى ذلك ~~الهيبة فقال: {أو} أي أو كان ذلك القسط على {الوالدين} وأتبعه ما يعمهما ~~وغيرها فقال: {والأقربين} أي من الأولاد ms1016 وغيرهم، ثم علل ذلك بقوله: {إن ~~يكن} أي المشهود له أو عليه {غنيا} أي ترون الشهادة له بشيء باطل دافعة ضرا ~~منه للغير من المشهود عليه أو غيره، أو مانعة فسادا أكبر منها، أو عليه بما ~~لم يكن صلاحا طمعا في نفع الفقير بما لا يضره ونحو ذلك {أو فقيرا} فيخيل ~~إليكم أن الشهادة له بما ليس له نفعه رحمة له أو بما ليس عليه لمن هو أقوى ~~منه تسكن فتنة {فالله} أي ذو الجلال والإكرام {أولى بهما} أي بنوعي الغني ~~والفقير المندرج فيهما هذان المشهود بسببهما منكم، فهو المرجو لجلب النفع ~~ودفع الضر بغير ما ظننتموه، فالضمير من الاستخدام، ولو عاد للمذكور لوحد ~~الضمير لأن المحدث عنه واحد مبهم. # PageV05P432 # ولما كان هذا، تسبب عنه قوله: {فلا تتبعوا} أي تتكلفوا تبع {الهوى} ~~وتنهمكوا فيه انهماك المجتهد في المحب له {أن} أي إرادة أن {تعدلوا} فقد ~~بان لكم أنه لا عدل في ذلك. # ولما كان التقدير: فإن تتبعوه لذلك أو لغيره فإن الله كان عليكم قديرا، ~~عطف عليه قوله: {وإن تلوا} أي ألسنتكم لتحرفوا الشهادة نوعا من التحريف أو ~~تديروا ألسنتكم أي تنطقوا بالشهادة باطلا، وقرأ ابن عامر وحمزة بضم اللام - ~~من الولاية أي تؤدوا الشهادة على وجه من العدل، أو اللي {أو تعرضوا} أي ~~عنها وهي حق فلا تؤدوها لأمر ما {فإن الله} أي المحيط علما وقدرة {كان} أي ~~لم يزل ولا يزال {بما تعملون خبيرا *} أي بالغ العلم باطنا وظاهرا، فهو ~~يجازيكم على ذلك بما تستحقونه، فاحذروه إن خنتم، وارجوه إن وفيتم، وذلك بعد ~~ما مضى من تأديبهم على وجه الإشارة والإيماء من غير أمر، وما أنسبها لختام ~~التي قبلها وأشد التئام الختامين: ختام هذه بصفة الخبر وتلك بصفتي السمع ~~والبصر. # PageV05P433 # ولما أمر بالعدل على هذا الوجه أمر بالحامل على ذلك، وهو الإيمان بالشارع ~~والمبلغ والكتاب الناهج لشرائعه المبين لسرائره الذي افتتح القصة بحقيته ~~وبيان فائدته فقال: {يا أيها الذين ءامنوا} أي أقروا بالإيمان؛ ولما ناداهم ~~بوصف الإيمان أمرهم ms1017 بما لا يحصل إلا به فقال مفصلا له: {ءامنوا بالله} أي ~~لأنه أهل لذلك لذاته المستجمع لجميع صفات الكمال كلها. # ولما كان الإيمان بالله لا يصح إلا بالإيمان بالوسائط، وكان أقرب الوسائط ~~إلى الإنسان الرسول قال: {ورسوله} أي لأنه المبلغ عنه سواء كان من الملك أو ~~البشر {والكتاب الذي نزل} أي مفرقا بحسب المصالح تدريجا تثبيتا وتفهيما ~~{على رسوله} أي لأنه المفصل لشريعتكم المتكفل بما تحتاجون إليه من الأحكام ~~والمواعظ وجميع ما يصلحكم، وهو القرآن الواصل إليكم بواسطة أشرف الخلق ~~{والكتاب الذي أنزل} أي أوجد إنزاله ومضى؛ ولما لم يكن إنزاله مستغرقا ~~للزمان الماضي بين المراد بقوله: {من قبل} من الإنجيل والزبور # PageV05P434 # والتوراة وغيرها لأن رسولكم بلغكم ذلك فلا يحصل الإيمان إلا بتصديقه في ~~كل ما يقوله. # ولما كان المؤمن الذي الخطاب معه عالما بأن التنزيل والإنزال لا يكون إلا ~~من الله بنيا للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وابن عامر للعلم ~~بالفاعل، وصرحت قراءة الباقين به. # ولما كان التقدير: فمن آمن بذلك فقد اهتدى وآمن قطعا بالملائكة واليوم ~~الآخر وغير ذلك من كل ما دعا إليه الكتاب والرسول، عطف عليه قوله: {ومن ~~يكفر} أي يوجد الكفر ويجدده وقتا من الأوقات {بالله وملائكته وكتبه} أي ~~التي أنزلها على أنبيائه بواسطة ملائكته أو بغير واسطة {ورسله} أي من ~~الملائكة والبشر، فكان الإيمان بالترقي للاحتياج إليه، وكان الكفر بالتدلي ~~للاجتراء عليه. # ولما كان الإيمان بالبعث - وإن كان أظهر شيء - مما لا تستقل به العقول ~~فلا تصل إليه إلا بالرسل، ذكره بعدهم فقال: {واليوم الآخر} أي الذي أخبرت ~~به رسله، وقضت به العقول الصحيحة وإن كانت لا تستقل بإدراكه قبل تنبيه ~~الرسل لها عليه، وهو روح الوجود وسره وقوامه وعماده، فيه تكشف الحقائق ~~وتجمع الخلائق، # PageV05P435 # ويظهر شمول العلم وتمام القدرة ويبسط ظل العدل وتجتني ثمرات الفضل {فقد ~~ضل} وأبلغ في التأكيد لكثرة المكذبين فقال: {ضلالا بعيدا *} أي لا حيلة في ~~رجوعه معه. # PageV05P436 # ولما كان المتمادي بعد نزول هذا الهدي موجدا للكفر مجددا ms1018 له، نبه على ~~إغراقه في البعد بغضبه سبحانه وتعالى لتماديه معلما أن الثبات على الكفر ~~عظيم جدا، وصوره بأقبح صورة، وفي ذلك ألطف استعطاف إلى النزوع عن الخلاف ~~فقال: {إن الذين ءامنوا} أي بما كانوا مهيئين له من الإيمان بالفطرة الأولى ~~{ثم كفروا} أي أوقعوا الكفر فعوجوا ما أقامه الله من فطرهم {ثم ءامنوا} أي ~~حقيقة أو بالقوة بعد مجيء الرسول بما هيأهم له بإظهار الأدلة وإقامة الحجج ~~{ثم كفروا} أي بذلك الرسول أو برسول آخر بتجديد الكفر أو التمادي فيه {ثم ~~ازدادوا} أي بإصرارهم على الكفر إلى الموت {كفرا لم يكن الله} أي الذي له ~~صفات الكمال {ليغفر لهم} أي ما داموا على هذا الحال لأنه لا يغفر أن يشرك ~~به {ولا ليهديهم سبيلا *} أي من السبل الموصلة إلى المقصود. # ولما كانت جميع صور الآية منطبقة على النفاق، بعضها حقيقة # PageV05P436 # وبعضها مجازا، قال جوابا لمن كأنه سأل عن جزائهم متهكما بهم: {بشر ~~المنافقين} فأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف {بأن لهم عذابا ~~أليما *} ثم وصفهم بما يدل على أنهم المساترون بالكفر بقوله تعالى: {الذين ~~يتخذون الكافرين} أي المجاهرين بالكفر {أولياء} أي يتعززون بهم تنفيرا من ~~مقاربة صفتهم ليتميز المخلص من المنافق، وبيانا لأن مرادهم بولايتهم إنما ~~هو التعزز بهم فإن محط أمرهم على العرض الدنيوي، ونبه على دناءة أمرهم على ~~أن الغريق في الإيمان أعلى الناس بقوله: {من دون المؤمنين} أي الغريقين في ~~الإيمان، ثم أنكر عليهم هذا المراد بقوله: {أيبتغون} أي المنافقون يتطلبون، ~~تطلبا عظيما {عندهم} أي الكافرين {العزة} فكأنه قال: طلبهم العزة بهم سفه ~~من الرأي وبعد من الصواب، لأنه لا شيء من العزة عندهم. # ولما أنكر عليهم هذا الابتغاء علله بقوله: {فإن العزة لله} أي الذي لا ~~كفوء له {جميعا *} أي وهم أعداء الله فإنما يترقب لهم ضرب الذلة والمسكنة، ~~وما أحسن التفات هذه الآية إلى أول الآيات المحذرة من أهل الكتاب {ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} [النساء: 44] المختتمة بقوله: {وكفى ~~بالله ms1019 وليا وكفى بالله نصيرا} [النساء: 45] {وقد} # PageV05P437 # أي يتخذونهم والحال أنه قد {نزل عليكم} أي أيتها الأمة، الصادقين منكم ~~والمنافقين {في الكتاب} أي في سورة الأنعام النازلة بمكة المشرفة النهي عن ~~مجالستهم فضلا عن ولايتهم، أفلا تخافون عزة من نهاكم عن ذلك أن يضربكم بذل ~~لا تخلصون منه أبدا، لأنهم لا ينفكون عن الكفر بآيات الله فإنه لا تباح ~~ولايتهم في حال من الأحوال إلا عند الإعراض عن الكفر، وذلك هو المراد من ~~قوله: {أن} أي إنه {إذا سمعتم آيات الله} أي ذي الجلال والإكرام. # ولما كان السماع مجملا بين المراد بقول: {يكفر بها} أي يستر ما أظهرت من ~~الأدلة من أي كافر كان من اليهود وغيرهم {ويستهزأ بها} أي يطلب طلبا شديدا ~~أن تكون مما يهزأ به {فلا تقعدوا معهم} أي الذين يفعلون ذلك بها {حتى ~~يخوضوا} وعبر عن الشروع بالخوض إيماء إلى أن كلامهم لا يخلو عن شيء في غير ~~موضعه، رمزا إلى عدم مجالستهم على كل حال {في حديث غيره} فهذا نهي من مجرد ~~مجالستهم فكيف بولايتهم. # ولما كانت آية الأنعام مكية اقتصر فيها على مجرد الإعراض وقطع المجالسة ~~لعدم التمكن من الإنكار بغير القلب، وأما هذه الآية فمدنية فالتغيير عند ~~إنزالها باللسان واليد ممكن لكل مسلم، فالمجالس من # PageV05P438 # غير نكير راض، فلهذا علل بقوله: {إنكم إذا} أي إذا قعدتم معهم وهم يفعلون ~~ذلك {مثلهم} أي في الكفر لأن مجالسة المظهر للإيماء المصرح بالكفران دالة ~~على أن إظهاره لما أظهر نفاق، وأنه راض بما يصرح به هذا الكافر والرضى ~~بالكفر كفر، فاشتد حسن ختم الآية بجمع الفريقين في جهنم بقوله مستأنفا ~~لجواب السؤال عما تكون به المماثلة: {إن الله} أي الذي أحاط علمه فتمت ~~قدرته {جامع} . # ولما كان حال الأخفى أهم قدم قوله: {المنافقين} أي الذين يظهرون الإيمان ~~ويبطنون الكفر فيقعدون مع من يسمعونه بكفر {والكافرين} أي الذين يجاهرون ~~بكفرهم لرسوخهم فيه {في جهنم} التي هي سجن الملك {جميعا} كما جمعهم معهم ~~مجلس الكفر الذي هو طعن في ms1020 ملك الملك، والتسوية بينهم في الكفر بالقعود ~~معهم دالة على التسوية بين العاصي ومجالسه بالخلطة من غير إنكار؛ ثم وصفهم ~~سبحانه وتعالى بما يعرف بهم فقال: {الذين يتربصون بكم} أي يثبتون على حالهم ~~انتظارا لوقوع ما يغيظكم {فإن كان لكم فتح} أي ظهور وعز وظفر، وقال: {من ~~الله} أي الذي له العظمة كلها - تذكيرا للمؤمنين بما يديم اعتمادهم عليه ~~وافتقارهم إليه {قالوا} أي الذين آمنوا نفاقا لكم أيها المؤمنون {ألم نكن ~~معكم} أي ظاهرا بأبداننا بما تسمعون من # PageV05P439 # أقوالنا فأشركونا في فتحكم {وإن كان للكافرين} أي المجاهرين، وقال: ~~{نصيب} تحقيرا لظفرهم وأنه لا يضر بما حصل للمؤمنين من الفتح {قالوا} ~~للكافرين ليشركوهم في نصيبهم {ألم نستحوذ عليكم} أي نطلب حياطتكم والمحافظة ~~على مودتكم حتى غلبنا على جميع أسراركم واستولينا عليها، وخالطناكم مخالطة ~~الدم للبدن، من قولهم: حاذه، أي حاطه وحافظ عليه {ونمنعكم من المؤمنين} أي ~~من تسلطهم عليكم بما كنا نخادعهم به، ونشيع فيهم من الإرجافات والأمور ~~المرغبات الصارفة لهم عن كثير من المقاصد، لتصديقهم لنا لأظهارنا الإيمان، ~~ورضانا من مداهنة من نكره بما لا يرضاه إنسان. # ولما كان هذا لأهل الله سبحانه وتعالى أمرا غائظا مقلقا موجعا؛ سبب عنه ~~قوله: {فالله} أي بما له من جميع صفات العظمة {يحكم بينكم} أي أيها ~~المؤمنون والكافرون المساترون والمجاهرون. # ولما كان الحكم في الدارين بين أنه في الدار التي لا يظهر فيها لأحد غيره ~~أمر ظاهرا ولا باطنا، وتظهر فيها جميع المخبئات فقال: {يوم القيامة} ولما ~~كان هذا ربما أيأسهم من الدنيا قال: {ولن يجعل الله} عبر بأداة التأكيد ~~وبالاسم الأعظم لاستبعاد الغلبة # PageV05P440 # على الكفرة لما لهم في ذلك الزمان من القوة والكثرة {للكافرين} أي سواء ~~كانوا مساترين أو مجاهرين {على المؤمنين} أي كلهم {سبيلا *} أي بوجه في ~~دنيا ولا آخرة، وهذا تسفيه لآرائهم واستخفاف بعقولهم فكأنه يقول: يا أيها ~~المتربصون بأحباب الله الدوائر، المتمنون لأعدائه النصر - وقد قامت الأدلة ~~على أن العزة جميعا لله -! ما أضلكم في ظنكم أنه يخذل أولياءه! ms1021 وما أغلظ ~~أكبادكم! ويدخل في عمومها أنه لا يقتل مسلم بذمي، ولا يملك كافر مال مسلم ~~قهرا؛ ثم بين أن صورتهم في ضربهم الشقة بالوجهين صورة المخادع، وما أضلهم ~~حيث خادعوا من لا يجوز عليه الخداع لعلمه بالخافيا، فقال معاللا لمنعهم ~~السبيل. # PageV05P441 # {إن المنافقين} لإظهارهم لكل من غلب أنهم منه {يخادعون الله} أي يفعلون ~~بإظهار ما يسر وإبطان ما يضر فعل المخادع مع من له الإحاطة الكاملة بكل شيء ~~لأنه سبحانه وتعالى يستدرجهم من حيث لا يشعرون، وهم يخدعون المؤمنين بإظهار ~~الإيمان وإبطان الكفر {وهو} الذي أمر المؤمنين بما أمرهم فكأنهم يفعلون ذلك ~~معه وهو {خادعهم} باستدراجهم من حيث لا يعلمون، لأنه قادر على أخذهم من ~~مأمنهم وهم ليسوا قادرين على خدعه بوجه {وإذا} أي يخادعونه والحال أنهم قد ~~فضحوا أنفسهم بما أظهر مكرهم للمستبصرين وهو أنهم إذا {قاموا إلى الصلاة} ~~أي المكتوبة {قاموا كسالى} # PageV05P441 # متقاعسين متثاقلين عادة، لا ينفكون عنها، بحيث يعرف ذلك منهم كل من ~~تأملهم، لأنهم يرون أناه تعب من غير أرب، فالداعي إلى تركها - وهو الراحة - ~~أقوى من الداعي إلى فعلها وهو خوف الناس؛ ثم استأن في جواب من كأنه قال: ما ~~لهم يفعلون ذلك؟ فقال: {يرآءون الناس} أي يفعلون ذلك ليراهم الناس، ليس إلا ~~ليظنوهم مؤمنين، ويريهم الناس لأجل ذلك ما يسرهم من عدهم في عداد المؤمنين ~~لما يرون هم المؤمنين حين يصلون {ولا يذكرون الله} أي الذي له جميع صفات ~~الكمال في الصلاة وغيرها {إلا قليلا *} أي حيث يتعين ذلك طريقا لمخادعتهم، ~~يفعلون ذلك حال كونهم {مذبذبين} أي مضطربين كما يضطرب الشيء الخفيف المعلق ~~في الهواء، وحقيقة: الذي يذب عن كلا الجانبين ذبا عظيما. # ولما كان ما تقدم يدل على إيمانهم تارة وكفرهم أخرى قال: {بين ذلك} أي ~~الإيمان والكفر؛ ولما كان الإيمان يدل على أهله والكفر كذلك قال: {لا إلى} ~~أي لا يجدون سبيلا مفر إلى {هؤلاء} أي المؤمنين {ولا إلى هؤلاء} أي ~~الكافرين؛ ولما كان التقدير! لأن الله أضلهم، بنى عليه قوله: ms1022 {ومن يضلل ~~الله} أي # PageV05P442 # الشامل القدرة الكامل العلم {فلن تجد} أي أصلا {له سبيلا *} أي طريقا إلى ~~شيء يريده. # ولما انقضى ما أراد من الإنكار على من ادعى الإيمان في اتخاذ الكافرين ~~أولياء، المستلزم للنهي عن ذلك الاتخاذ، صرح به مخاطبا للمؤمنين فقال: {يا ~~أيها الذين ءامنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم صدقا أو كذبا {لا تتخذوا} ~~أي تكلفوا أنفسكم غير ما تدعوا إليه الفطرة الأولى السليمة فتأخذوا ~~{الكافرين} أي المجاهرين بالكفر الغريقين فيه {أولياء} أي أقرباء، تفعلون ~~معهم من الود والنصرة ما يفعل القريب مع قريبه. # ولما كان الغريق في الإيمان أعلى الناس، وكان تحت رتبته رتب متكاثره، نبه ~~على ذلك وعلى دناءة مقصدهم بالجار فقال: {من دون المؤمنين} أي الغريقين في ~~الإيمان، وهذا إشارة إلى أنه لا يصح لمن يواليهم دعوى الإيمان، ولذلك قال ~~منكرا: {أتريدون} أي بموالاتهم {أن تجعلوا لله} أي الذي لا تطاق سطوته لأن ~~له الكمال كله {عليكم} أي في النسبة إلى النفاق {سلطانا} أي دليلا اضحا على ~~كفركم باتباعكم غير سبيل المؤمنين {مبينا *} واضحا مسوغا لعقابكم وخزيكم # PageV05P443 # وجعلكم في زمرة المنافقين. # PageV05P444 # ولما نهاهم عن فعل المنافقين استأنف بيان جزائهم عنده فقال: {إن ~~المنافقين في الدرك} أي البطن والمنزل {الأسفل من النار} لأن ذلك أخفى ما ~~في النار وأستره وأدناه وأوضعه كما أن كفرهم أخفى الكفر وأدناه، وهو أيضا ~~أخبث طبقات النار كما أن كفرهم أخبث أنواع الكفر، وفيه أن من السلطان وضع ~~فاعل ذلك في دار المنافقين لفعله مثل فعلهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وسميت ~~طبقات النار أدراكا لأناه متداركة متتابعة إلى أسفل كما أن الدرج متراقية ~~إلى فوق. # ولما أخبر أنهم من هذا المحل الضنك، أخبر بدوامه لهم على وجه مؤلم جدا ~~فقال: {ولن تجد} أي أبدا {لهم نصيرا *} وأشار بالنهي عن موالاتهم وعدم ~~نصرهم إلى ختام أول الآيات المحذرة من الكافرين {وكفى بالله وليا وكفى ~~بالله نصيرا} [النساء: 45] . # ولما كان فيما تقدم أن الغفران للكافر - أعم من أن يكون منافقا أولا - ~~متعذر، ms1023 وأتبعه ما لاءمه إلى أن ختم بما دل على أن النفاق أغلظ أنواع الكفر ~~استثنى منه دلالة على أن غيره من الكفرة في هذا الاستثناء أولى، تنبيها على ~~أن ذلك النفي المبالغ فيه إنما هو لمن # PageV05P444 # مات على ذلك، ولكنه سيق على ذلك الوجه تهويلا لما ذكره في حيزه وتنفيرا ~~منه فقال تعالى: {إلا الذين تابوا} أي رجعوا عما كانوا عليه من النفاق ~~بالندم والإقلاع {وأصلحوا} أي أعمالهم الظاهرة من الصلاة التي كانوا يراؤون ~~فيها وغيرها بالإقلاع عن النفاق {واعتصموا بالله} أي اجتهدوا في أن تكون ~~عصمتهم - أي ارتباطهم - بالملك الأعظم في عدم العود إلى ما كانوا عليه. # ولما كان الإقلاع عن النفاق الذي من أنواعه الرياء - أصلا ورأسا في غاية ~~العسر قال حثا على مجاهدة النفس فيه: {وأخلصوا دينهم} أي كله {لله} أي الذي ~~له الكمال كله، فلم يريدوا بشيء من عبادتهم غير وجهه لا رياء ولا غيره ~~{فأولئك} أي العالو الرتبة {مع المؤمنين} أي الذي صار الإيمان لهم وصفا ~~راسخا في الجنة، وإن عذبوا على معاصيهم ففي الطبقة العليا من النار {وسوف ~~يؤت الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما {المؤمنين} أي بوعد لا خلف فيه وإن ~~أصابهم قبل ذلك ما أصابهم وإن طال عذابهم، تهذيبا لهم من المعاصي بما أشار ~~إليه لفظ «سوف» {أجرا عظيما *} أي بالخلود في الجنة التي لا ينقضي نعيمها، ~~ولا يتكدر يوما نزيلها، فيشاركهم من كان معهم، لأنهم القوم لا يشقى بهم ~~جليسهم. # PageV05P445 # ولما كان معنى الاستثناء أنه لا يعذبهم، وأنهم يجدون الشفيع بإذنه؛ قال ~~مؤكدا لذلك على وجه الاستنتاج منكرا على من ظن أنه لا يقبلهم بعد الإغراق ~~في المهالك: {ما يفعل الله} أي وهو المتصف بصفات الكمال التي منها الغنى ~~المطلق {بعذابكم} أي أيها الناس، فإنه لا يجلب له نفعا ولا يدفع عنه ضرا. # ولما كان الخطاب مع الذين آمنوا قال: {إن شكرتم} أي نعمه التي من أعظمها ~~إنزال الكتاب الهادي إلى الرشاد، المنقذ من كل ضلال، المبين لجميع ما يحتاج ms1024 ~~إليه العباد، فأداكم التفكر في حالها إلى معرفة مسديها، فأذعنتم له وهرعتم ~~إلى طاعته بالإخلاص في عبادته وأبعدتم عن معصيته. # ولما كان الشكر هو الحامل على الإيمان قدمه عليه، ولما كان لا يقبل إلا ~~به قال: {وآمنتم} أي به إيمانا خالصا موافقا فيه القلب ما أظهره اللسان؛ ~~ولما كان معنى الإنكار أنه لا يعذبكم، بل يشكر ذلك قال عاطفا عليه: {وكان ~~الله} أي ذو الجلال والإكرام أزلا وأبدا {شاكرا} لمن شكره بإثابته على ~~طاعته فوق ما يستحقه {عليما *} بمن عمل له شيئا وإن دق، لا يجوز عليه سهو ~~ولا غلط ولا اشتباه. # PageV05P446 # ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من تقبيح حال المجالسين الخائضين في ~~آياته بما هي منزهة عنه، ومما يتبعه من وصفهم وبيان قصدهم # PageV05P446 # بتلك المجالسة من النهي عن مثل حالهم، ومن جزاء من فعل مثل فعلهم - إلى ~~أن ختم بأشد عذاب المنافقين، وحث على التوبة بما ختمه بصفتي الشكر والعلم؛ ~~أخبر أنه يبغض خوض الكافرين الذين قبح مجالستهم حال التلبس به، وكذا كل جهر ~~بسوء إلا ما استثناه، فمن أقدم على ما لا يحبه لم يقم بحق عبوديته، فقال ~~معللا ما مضى قبل افتتاح أمر المنافقين من الأمر بإحسانه التحية: {لا يحب ~~الله} أي المختص بصفات الكمال {الجهر} أي ما يظهر فيصير في عداد الجهر ~~{بالسوء} أي الذي يسوء ويؤذي {من القول} أي لأحد كائنا من كان، فإن ذلك ليس ~~من شكر الله تعالى في الإحسان إلى عباده وعياله ولا من شكر الناس في شيء ~~ولا يشكر الله من لا يشكر الناس {إلا من} أي جهر من {ظلم} أي كان من أحد من ~~الناس ظلم إليه كائنا من كان فإنه يجوز له الجهر بشكواه والتظلم منه ~~والدعاء عليه وإن ساءه ذلك بحيث لا يعتدي. # ولما كان القول مما يسمع، وكان من الظلم ما قد يخفي، قال مرغبا مرهبا: ~~{وكان الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {سمعيا} أي لكل ما يمكن سماعه من ~~جهر وغيره {عليما *} أي بكل ما ms1025 يمكن أن يعلم # PageV05P447 # فاحذروه لئلا يفعل بكم فعل الساخط، وجهر ومن ظلم - وإن كان داخلا فيما ~~يحبه الله تعالى على تقدير كون الاستثناء متصلا - لكن جعله من جملة السوء ~~وإن كان من باب المشاكلة فإن فيه لطيفة، وهي نهي الفطن عن تعاطيه وحثه على ~~العفو، لأن من علم أن فعله بحيث ينطلق اسم السوء - على أي وجه كان إطلاقه - ~~كف عنه إن كان موفقا. # ولما كانت معاقد الخيرات على كثرتها منحصرة في قسمين: إيصال النفع إبداء ~~وإخفاء، ودفع الضرر، فكان قد أشار سبحانه وتعالى إلى العفو، وختم بصفتي ~~السمع والعلم؛ قال مصرحا بالندب إلى العفو والإحسان، فكان نادبا إليه ~~مرتين: الأولى بطريق الإشارة لأولى البصارة، والثانية بطريق العبارة ~~للراغبين في التجارة، حثا على الأحب إليه سبحانه والأفضل عنده والأدخل في ~~باب الكرم: {إن تبدوا خيرا} أي من قول أو غيره {أو تخفوه} أي تفعلوه خفية ~~ابتداء أو في مقابلة سوء فعل إليكم؛ ولما ذكر فعل الخير أتبعه نوعا منه هو ~~أفضله فقال: {أو تعفوا عن سوء} أي فعل بكم. # ولما كان التقدير: يعلمه بما له من صفتي السمع والعلم فيجازي عليه بخير ~~أفضل منه وعفو أعظم من عفوكم؛ سبب عنه قوله: {فإن} # PageV05P448 # أي فأنتم جديرون بالعفو بسبب علمكم بأن {الله كان} أي دائما أزلا وأبدا ~~{عفوا} ولما كان ترك العقاب لا يسمى عفوا إلا إذا كان من قادر وكان الكف - ~~عند القدرة عن الانتقام، ممن أثر في القلوب الآثار العظام - بعيدا، شاقا ~~على النفس شديدا؛ قال تعالى مذكرا للعباد بذنوبهم إليه وقدرته عليهم: ~~{قديرا *} أي بالغ العفو عن كل ما يريد العفو عنه من أفعال الجانين والقدرة ~~على كل ما يريد ومن يريد، فالذي لا ينفك عن ذنب وعجز أولى بالعفو طمعا في ~~عفو القادر عنه وخوفا من انتقامه منه وتخلقا بخلقه العظيم والاقتداء بسنته. # ولما انقضى ذلك على أتم وجه وأحسن سياق ونحو، وختم بصفتي العفو والقدرة؛ ~~شرع في بيان أحوال من لا يعفى عنه من أهل الكتاب، وبيان ms1026 أنهم هم الذين ~~أضلوا المنافقين بما يلقون إليهم من الشبه التي وسع عقولهم لها ما أنعم به ~~عليهم سبحانه وتعالى من العلم، فأبدوا الشر وكتموا الخير، فوضعوا نعمته حيث ~~يكره، ثم كشف سبحانه وتعالى بعض شبههم، فقال مبينا لما افتتح به قصصهم من ~~أنهم اشتروا الضلالة بالهدى، ويريدون ضلال غيرهم، بعد أن كان ختم هناك # PageV05P449 # ما قبل قصصهم بقوله عفوا قديرا: {إن الذين يكفرون} أي يسترون ما عندهم من ~~العلم {بالله} أي الذي له الاختصاص بالجلال والجمال {ورسله} . # ولما ذكر آخر أمرهم ذكر السبب الموقع فيه فقال: {ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله} أي الذي له الأمر كله، ولا أمر لأحد معه {ورسله} أي فيصدقون بالله ~~ويكذبون ببعض الرسل فينفون رسالاتهم، المستلزم لنسبتهم إلى الكذب على الله ~~المقتضي لكون الله سبحانه وتعالى بريئا منهم. # ولما ذكر الإرادة ذكر ما نشأ عنها فقال: {ويقولون نؤمن ببعض} أي من الله ~~ورسله كاليهود الذين آمنوا بموسى عليه الصلاة والسلام وغيره إلا عيسى ~~ومحمدا صلى الله عليه وسلم فكفروا بهما {ونكفر ببعض} أي من ذلك وهم الرسل ~~كمحمد صلى الله عليه وسلم {ويريدون أن يتخذوا} أي يتكلفوا أن يأخذوا {بين ~~ذلك} أي الإيمان والكفر {سبيلا *} أي طريقا يكفرون به، وعطف الجمل بالواو - ~~وإن كان بعضها سببا لبعض - إشارة إلى أنهم جديرون بالوصف بكل منها على ~~انفراده، وأن كل خصلة كافية في نسبة الكفر إليهم، وقدم نتيجتها، # PageV05P450 # وختم بالحكم بها على وجه أضخم، تفظيعا لحالهم، وأصل الكلام: أرادوا سبيلا ~~بين سبيلين، فقالوا: نكفر ببعض، فأرادوا التفرقة، فكفروا كفرا هو في غاية ~~الشناعة على علم منهم، فأنتج ذلك: {أولئك} أي البعداء البغضاء {هم ~~الكافرون} أي الغريقون في الكفر {حقا} ولزمهم الكفر بالجميع لأن الدليل على ~~نبوة البعض لزم منه القطع بنبوة كل من حصل منه مثل ذلك الدليل، وحيث جوز ~~حصول الدليل بدون المدلول تعذر الاستدلال به على شيء كالمعجزة، فلزم حينئذ ~~الكفر بالجميع، فثبت أن من كذب بنبوة أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~لزمه الكفر ms1027 بجميع الأنبياء، ومن لزمه الكفر بهم لزمه الكفر بالله وكل ما ~~جاء به. # ولما كان التقدير: فلا جرم أنا أعتدنا - أي هيأنا - لهم عذابا مهينا، عطف ~~عليه تعميما: {وأعتدنا للكافرين} أي جميعا {عذابا مهينا *} أي كما استهانوا ~~ببعض الرسل وهم الجديرون بالحب والكرامة، والآية شاملة لهم ولغيرهم ممن كان ~~حاله كحالهم، وإيلاء ذلك بيان أحوال المنافقين أنسب شيء وأحسنه للتعريف ~~بأنهم منافقون، من حيث أنهم يظهرون شيئا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويبطنون غيره وإن كان ما يظهرونه على الضد مما يظهره المنافقون، وبأنهم هم ~~الذين أضلوا # PageV05P451 # المنافقين، وللتحذير من أقوالهم وتزييف ما حرفوا من محالهم، وفي ذلك ~~التفات إلى أول هذه القصة {يا أيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله} ~~[النساء: 136] . # PageV05P452 # ولما بين سبحانه وتعالى ما أعد لهم بين ما أعد لأضدادهم من أهل طاعته ~~بقوله: {والذين ءامنوا بالله} أي الذي له الكمال والجمال {ورسله} ولما ~~جمعوهم في الإيمان ضد ما فعل أهل الكفران، صرح بما أفهمه فقال: {ولم ~~يفرقوا} أي في اعتقادهم {بين أحد منهم} أي لم يجعلوا أحدا منهم على صفة ~~الفرقة البليغة من صاحبه بأن كفروا ببعض وآمنوا ببعض - كما فعل الأشقياء، ~~والتفرقة تقتضي شيئين فصاعدا، و «أحد» عام في الواحد المذكر والمؤنث ~~وتثنيتهما وجمعهما، فلذلك صح التعبير به بمعنى: بين اثنين أو جماعة، وكأنه ~~اختير للمبالغة بأن لو أن الواحد يمكن فيه التفرقة فكان الإيمان بالبعض دون ~~البعض كفرا {أولئك} أي العالو الرتبة في رتب السعادة. # ولما كان المراد تأكيد وعدهم، وكان المشاهد فيه غالبا التأخر قال: {سوف ~~نؤتيهم} أي بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه وإن تأخر، فالمراد تحقيقه، ~~لا تحقيق تأخره، ولكنه أتى بالأداة التي هي أكثر حروفا وأشد تنفيسا، لأن ~~هذا السياق لأهل الإيمان المجرد، الشامل # PageV05P452 # لمن لم يكن له عمل، ولذا أضاف الأجور إليهم، وختم بالمغفرة لئلا يحصل لهم ~~بأس وإن طال المدى {أجورهم} أي كاملة بحسب نياتهم وأعمالهم. # ولما كان الإنسان محل النقصان قال: {وكان الله} أي ms1028 الذي لا يبلغ الواصفون ~~كنه ما له من صفات الكمال {غفورا} لما يريد من الزلات {رحيما *} أي بمن ~~يريد إسعادة بالجنات. # ولما أخبر تعالى بما على المفرقين بين الله ورسله وما لأضدادهم أتبعه بعض ~~ما أرادوا به الفرقة، وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا من اليهود ~~قالا كذبا: إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء نعاينه حين ينزل - كما ~~أتى موسى عليه الصلاة والسلام بكتابه كذلك، فأنزل الله تعالى موبخا لهم على ~~هذا الكذب مشيرا إلى كذبهم فيه موهيا لسؤالهم محذرا من غوائله مبينا لكفرهم ~~بالله ورسله: {يسألك} . # ولما كانت هذه من أعظم شبههم التي أضلوا بها من أراد الله، وذلك أنهم ~~رأوا أن هذا الكتاب المبين أعظم المعجزات، وأن العرب لم يمكنهم الطعن فيه ~~على وجه يمكن قبوله، فوجهوا مكايدهم نحوه # PageV05P453 # بهذه الشبهة ونحوها، زيفها سبحانه وتعالى أتم تزييف، وفضحهم بسببها غاية ~~الفضيحة، وزاد سبحانه في تبكيتهم بقوله: {أهل الكتاب} إشارة إلى أن العالم ~~ينبغي له أن يكون أبعد الناس من التمويه فضلا عن الكذب الصريح {أن تنزل ~~عليهم} أي خاصا بهم بإثبات أسمائهم {كتابا من السماء} ؛ وما أوهموا به في ~~قولهم هذا من أن موسى عليه الصلاة والسلام أتى بالتوراة جملة كذبة تلقفها ~~منهم من أراد الله تعالى من أهل الإسلام، ظنا منهم أن الله تبارك وتعالى ~~أقرهم عليها وليس كذلك - كما يفهمه السياق كله، ويأتي ما هو كالصريح فيه في ~~قوله: {إنا أوحينا إليك} - الآية كما سيأتي بيانه، واليهود الآن معترفون ~~بأنها لم تنزل جملة، وقال الكلبي في قصة البقرة التي ذبحوها لأجل القتيل ~~الذي تداروا فيه: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة. # ولما كان هذا مما يستعظمه النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك مبينا ~~تسلية له صلى الله عليه وسلم أن عادتهم التعنت، وديدنهم الكفر وأنهم أغرق ~~الناس في غلظ الأكباد وجلافة الطبائع، وأن أوائلهم تعنتوا على من يدعون ~~الإيمان به الآن، وأنهم على شريعته، وأحب شيء فيه ما أراهم من ms1029 تلك الآيات ~~العظام التي منها استنقاذهم من العبودية بل من الذبح وأن ذلك تكرر منهم مع ~~ما يشاهدونه من القوارع والعفو # PageV05P454 # فقال: {فقد} أي إن تستعظم ذلك فقد {سألوا} أي آباؤهم، أي وهم على نهجهم ~~في التعنت فهم شركاؤهم {موسى} لغير داع سوى التعنت {أكبر} أي أعظم {من ذلك} ~~أي الأمر العظيم الذي واجهوك به بعد ما ظهرت من المعجزات ما أوجبنا على كل ~~من علمها الإيمان بك والتأديب معك، ثم بينه بقوله: {فقالوا أرنا الله} أي ~~الملك الأعلى الذي لا شبيه له وتقصر العقول عن الإحاطة بعظمته {جهرة} أي ~~عيانا من غير ستر ولا حجاب ولا نوع من خفاء بل تحيط به أبصارنا كما يحيط ~~السمع بالقول الجهر، وهذا يدل على أن كلا من السؤالين ممنوع لكونه ظلما، ~~لأدائه إلى الاستخفاف بما نقدمه من المعجزات، وعده غير كاف مع أن إنزا ~~الكتاب جملة غير مناسب للحكمة التي بنيت عليها هذه الدار من ربط المسببات ~~بالأسباب وبنائها عليها، لأن من المعلوم أن تفريق الأوامر سبب لخفة حملها، ~~وذلك أدعى لامتثالها وايسر لحفظها وأعون على فهمها، وأعظم تثبيتا للمنزل ~~عليه وأشرح لصدره وأقوى لقلبه وأبعث لشوقه، والرؤية على هذا الوجه الذي ~~طلبوه - وهو الإحاطة - محال فسؤالهم لذلك استخفاف مع أنه تعنت، ولذلك سبب ~~عن سؤالهم قوله: {فأخذتهم} أي عقب هذا السؤال وبسببه من غير إمهال أخذ قهر ~~وغلبة {الصاعقة} أي نار نزلت من # PageV05P455 # السماء بصوت عظيم هو جدير بأن لا يسمى غيره - إذا نسب إليه - صاعقة، ~~فأهلكتهم {بظلمهم} أي بسبب ظلمهم بهذا السؤال وغيره، لكونه تعنتا من غير ~~مقتض له أصلا، وبطلب الرؤية على وجه محال وهو طلب الإحاطة {ثم} بعد العفو ~~عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة {اتخذوا العجل} أي تكلفوا أخذه وعتوا ~~أنفسهم باصطناعه. # ولما كان الضال بعد فرط البيان أجدر بالتبكيت قال: {من بعد} وأدخل الجار ~~إعلاما بأن اتخاذهم لم يستغرق زمان البعد، بل تابوا عنه {ما جاءتهم ~~البينات} أي بهذا الإحياء وغيره من المعجزات {فعفونا} أي على ms1030 ما لنا من ~~العظمة {عن ذلك} أي الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصال لهم ~~{وآتينا} أي بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة {موسى سلطانا} أي تسلطا واستيلاء ~~قاهرا {مبينا *} أي ظاهرا فإنه أمرهم بقتل أنفسهم فبادروا الامتثال بعد ما ~~ارتكبوا من عظيم هذا الضلال، وفي رمز ظاهر إلى أنه سبحانه وتعالى يسلط ~~محمدا صلى الله عليه وسلم على كل من يعانده أعظم من هذا التسليط. # PageV05P456 # ولما بين هذا من عظمته أتبعه أمرا آخر أعظم منه فقال: {ورفعنا} أي ~~بعظمتنا؛ ولما كان قد ملأ جهة الفوق بأن وارى جميع أبدانهم ولم يسلم أحد ~~منهم من ذلك؛ نزع الجار فقال: {فوقهم الطور} أي الجبل العظيم، ثم ذكر سبب ~~رفعه فقال: {بميثاقهم} # PageV05P456 # أي حتى التزموه وأذعنوا له وقبلوه. # ولما ذكر الميثاق على هذا الوجه العجيب أتبعه ما نقضوا فيه على سهولته ~~دليلا على سوء طباعهم فقال: {وقلنا لهم} أي بما تكرر لهم من رؤية عظمتنا ~~{ادخلوا الباب} أي الذي لبيت المقدس {سجدا} أي فنقضوا ذلك العهد الوثيق ~~وبدلوا {وقلنا لهم} أي على لسان موسى عليه الصلاة والسلام في كثير من ~~التوراة {لا تعدوا} أي لا تتجاوزوا ما حددناه لكم {في السبت} أي لا تعملوا ~~فيه عملا من الأعمال - تسمية للشيء باسم سببه سمي عدوا لأن العالم للشيء ~~يكون لشدة إقباله عليه كأنه يعدو {وأخذنا منهم} أي في جميع ذلك {ميثاقا ~~غليظا *} وإنما جزمت بأن المراد بهذا - والله تعالى أعلم - على لسان موسى ~~عليه الصلاة والسلام، لأنه تعالى كرر التأكيد عليهم في التوراة في حفظ ~~السبت، وأوصاهم به، وعهد إليهم فيه ما قل أن عهده في شيء من الفروع غيره، ~~قال بعض المترجمين للتوراة في السفر الثاني في العشر الآيات التي أولها ~~«أنا إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا يكون لك إله غيري» ~~ما # PageV05P457 # نصه: اذكر حفظ يوم السبت وطهره ستة أيام، كد فيها واصنع جميع ما ينبغي لك ~~أن تصنعه، واليوم السابع سبت الله ربك، لا تعملن فيه شيئا ms1031 من الأعمال أنت ~~وابنك وابنتك وعبدك وأمتك ودوابك والساكن في قراك، لأن الرب خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام والبحور وجميع ما فيها، واستراح في اليوم السابع، ولذلك ~~بارك الله اليوم السابع وقدسه، أكرم أباك - إلى آخر ما مر في سورة البقرة؛ ~~ثم عاد العشر الآيات في أوائل السفر الخامس وقال في السبت: احفظوا يوم ~~السبت وظهوره كما أمركم الله ربكم، واعملوا الأعمال في ستة أيام كما أمركم ~~الله ربكم، واعملوا الأعمال في ستة أيام، فاصنعوا ما أردتم أن تصنعوا فيها، ~~فأما يوم السبت فأسبوع ربكم، لا تعملوا فيه عملا أنتم وبنوكم وعبيدكم ~~وإماؤكم وثيرانكم وحميركم وكل بهائمكم والساكن الذي في قراكم ليستريح ~~عبيدكم - إلى آخر ما في أوائل هذه السورة عند {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} ~~وقال في الثاني بعد ذلك: وقال الرب لموسى: وأنت فأمر بني إسرائيل أن تحفظوا ~~السبوت، لأنها أمارة العهد وعلامة فيما بيني وبينكم لأحقابكم، فتعلموا أني ~~أنا الرب إلهكم مقدسكم، احفظوا يوم السبت # PageV05P458 # فإنه مطهر مخصوص لكم، ومن نقصه وأخذ العمل فيه فليقتل، ومن عمل عملا ~~فليهلك ذلك الإنسان من شعبه، اعملوا أعمالكم ستة أيام، واليوم السابع فهو ~~يوم سبت قدس للرب، لأن الرب خلق السماوات والأرض في ستة أيام والبحور وما ~~فيها، وهذا في اليوم السابع ودفع إلى موسى عليه الصلاة والسلام لما فرغ ~~كلامه له في طور سيناء لوحي الشهادة، وأبلغ في تأكيد حفظه عليهم في غير ذلك ~~من المواضع، حتى أنه شرع لهم أسباب الأرض ونحوها، فقال في السفر الثاني ~~أيضا: ازرع أرضك ست سنين واحمل أثقالها وفي السنة السابعة ابذرها ودعها ~~فيأكل مسكين شعبك، وما يبقى بعد ذلك يأكله حيوان البر وكذلك فافعل بكرومك ~~وزيتونك، اعمل عملك في ستة أيام وفي اليوم السابع تستريح لكي يستريح ثورك ~~وحمارك، وتستريح أمتك وابن أمتك والساكن في قراك، ثم ذكر الأعياد في السفر ~~الثالث، وحرم العمل فيها؛ وقال في بعضها: وكل نفس يعمل عملا في هذا اليوم ~~تهلك تلك النفس من شعبها، فلا ms1032 تعملوا فيه عملا، لأنه سنة جارية لكم إلى ~~الأبد في جميع مساكنكم، فليكن هذا اليوم سبت السبوت؛ ثم أمرهم بعيد المظال ~~سبعة أيام وقال: ليعلم أحقابكم أنني # PageV05P459 # أجلست بني إسرائيل في المظال حيث أخرجتهم من أرض مصر، ثم ذكر بعض ~~القرابين وقال: ويصف هارون الخبز صفين في اليوم السادس وهو يوم الجمعة، ~~ويكون ذلك من عيد بني إسرائيل؛ وكلم الرب موسى وقال له في طور سيناء كلم ~~بني إسرائيل وقل لهم: إذا دخلتم الأرض التي أعطيكم ميراثا تسبت الأرض سبتا ~~للرب، ازرعوا مزارعكم ست سنين واكسحوا كرومكم ست سنين، واستغلوا غلاتكم ست ~~سنين، فأما السنة السابعة فلتكن سبت الراحة للأرض، لا تزرعوا مزارعكم، ولا ~~تكسحوا كرومكم، ول تحصدوا ما ينبت في أرضكم في تلك السنة من غير أن يزرع، ~~ولا تقطعوا عنب كرومكم، بل يكون سبت الراحة للأرض لكم ولبنيكم ولإمائكم ~~ولإخوانكم وللسكان الذين يسكنون معكم، وأحصوا سبع مرات سبعا سبعا: تسعا ~~وأربعين سنة، وقدسوا سنة خمسين، وليكن رد الأشياء إلى أربابها، ولا تزرعوا ~~أرضكم في تلك السنة، ولا تحصدوا ما نبت فيها، ولا تقطعوا عشبها لأنها سنة ~~الرد، واتقوا الله لأني أنا الله ربكم، احفظوا وصاياي واعملوا بها، واحفظوا ~~أحكامي واعملوا بها، واسكنوا أرضكم بالسكون والطمأنينة لتغل لكم الأرض ~~غلاتها، وتأكلوا وتشبعوا وتسكنوها مطمئنين، وإن قلتم: من أين نأكل في السنة ~~السابعة التي لا نزرع فيها # PageV05P460 # فلا تهتموا! أنا منزل لكم بركاتي في السادسة، وتغل لكم أرضكم في تلك ~~السنة غلة ثلاث سنين، حتى إذا زرعتم في السنة الثامنة لم تحتاجوا إلى ~~غلتها، لأنكم تأكلون من السنة السادسة إلى التاسعة، وأما الأرض فلا تباع ~~بيعا صحيحا أبدا، لن الأرض لي، وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا نسبة ~~الاستراحة إليه سبحانه هذا مع أنه أكد سبحانه العهود عليهم في التوحيد وحفظ ~~الأحكام في جميع التوراة على نحو ما تراه فيما أنقله منها في هذا الكتاب. # فلما بين سبحانه أنه أكد عليهم الميثاق، وأكثر من التقدم في حفظ العهد؛ ~~بين ms1033 أنهم نقضوا، فأقبهم بسبب ذلك ما هددوا به في التوراة من الخزي وضرب ~~الذلة مع ما ادخر لهم في الآخرة فقال: {فبما} مؤكدا بإدخال «ما» {نقضهم ~~ميثاقهم} أي فعلنا بهم بسبب ذلك جميع ما ذكرنا في التوراة من الخزي، وقد ~~تقدم كثير منه في القرآن، ولا يبعد عندي تعليقه بقوله الآتي «حرمنا عليهم ~~طيبات - واعتدنا» ويكون من الطيبات العز ورغد العيش، وذلك جامع لنكد ~~الدارين وعطف على هذا الأمر العام ما اشتدت به العناية من إفراده عطف الخاص ~~على العام فقال: {وكفرهم بآيات الله} مما جاءهم على لسان محمد صلى الله ~~عليه وسلم واقتضت حكمته سبحانه أن يكون عظمتها مناسبة لعظمة اسمه # PageV05P461 # الأعظم الذي هو مسمى جميع الأسماء، فاستلزم كفرهم به كفرهم بما أنزل على ~~موسى عليه الصلاة والسلام لأنه أعظم ما نقضوا فيه وأخص من مطلق النقض ~~{وقتلهم الأنبياء} وهو أعظم من مطلق كفرهم، لأن ذلك سد لباب الإيمان عنهم ~~وعن غيرهم، لأن الأنبياء سبب الإيمان وفي محو السبب محو المسبب. # ولما كان الأنيباء معصومين من كل نقيصة، ومبرئين من كل دنية، لا يتوجه ~~عليهم حق لا يؤدونه؛ قال: {بغير حق} أي كبير ولا صغير أصلا. وهذا الحرف - ~~لكونه في سياق طعنهم في القرآن الذي هو أعظم الآيات - وقع التعبير فيه أبلغ ~~مما في آل عمران الذي هو أبلغ مما سبق عليه، لأن هذا مع جمع الكثرة وتنكير ~~الحق عبر فيه بالمصدر المفهم لأن الاجتراء على القتل صار لهم خلقا وصفة ~~راسخة، بخلاف ما مضى، فإنه بالمضارع الذي ربما دل على العروض؛ ثم ذكر أعظم ~~من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى فقال: {وقولهم قلوبنا غلف} ~~أي لا ذنب لنا لأن قلوبنا خلقت من أصل الفهم بعيدة عن فهم مثل ما يقول ~~الأنبياء، لكونها في أغشية، فهي شديدة الصلابة، وذلك سبب قتلهم ورد قولهم، ~~وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبي الكريم، ويشهدون له بالرسالة وبأنه ~~خاتم الأنبياء، ويصفون # PageV05P462 # بأشهر صفاته، ويترقبون إتبانه، لا جرم رد الله ms1034 عليهم بقوله عطفا على ما ~~تقديره: وقد كذبوا لأنهم ولدوا على الفطرة كسائر الولدان، فلم تكن قلوبهم ~~في الأصل غلفا: {بل طبع الله} أي الذي له معاقد العز ومجامع العظمة {عليها} ~~طبعا عارضا {بكفرهم} بل إنه خلقها أولا على الفطرة متمكنة من اختيار الخير ~~والشر، فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم له من قبول النقض - عن الخير، واختاروا ~~الشر باتباع شهواتهم الناشئة من نفوسهم، وترك ما تدعو إليه عقولهم، طبع ~~سبحانه وتعالى عليها. # فجعلها قاسية محجوبة عن رحمته، ولذا سبب عنه قوله: {فلا يؤمنون} أي ~~يجددون الإيمان في وقت من الأوقات الآتية، ويجوز أن يتعلق بما تقديره تتمة ~~لكلامهم: طبع الله عليها فهي لا تعي، وتكون «بل» استدراكا للطبع بالكفر ~~وحده، لأنه ربما انضم إليه، وأن يكون أضرب عن قولهم: إنها في غلف، لكون ما ~~في الغلاف قد يكون مهيئا لإخراجه من الغلاف إلى الطبع الذي من شأنه الدوام ~~{إلا قليلا *} من الإيمان بأن يؤمنوا وقتا يسيرا كوجه النهار ويكفروا في ~~غيره، ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض، أو إلا إناسا قليلا منهم - كما كان ~~أسلافهم يؤمنون بما يأتي به موسى عليه الصلاة والسلام # PageV05P463 # من الآيات، ثم لم يكن بأسرع من كفرهم وتعنتهم بطلب آية أخرى كما هو مذكور ~~في توراتهم التي بين أظهرهم، ونقلت كثيرا منه في هذا الكتاب، فقامت الحجة ~~عليهم بأنهم يفرقون بين قدرتهم على الإيمان وقدرتهم على الطيران. # PageV05P464 # ولما بين كفرانهم بقتل الأنبياء بين كفرهم بالبهتان الذي هو سبب القتل، ~~والفتنة أكبر من القتل، فقال معظما له باعادة العامل: {وبكفرهم} أي المطلق ~~الذي هو سبب اجترائهم على الكفر بنبي معين كموسى عليه الصلاة والسلام، وعلى ~~القذف، ليكون بعض كفرهم معطوفا على بعض آخر، ولذلك قال: {وقولهم على مريم} ~~أي بعد علمهم بما ظهر على يديها من الكرامات الدالة على براءتها وأنها ~~ملازمة للعبادة بأنواع الطاعات {بهتانا عظيما *} ثم علمهم بما لم ينالوا من ~~قتل أعظم من جاء من أنبيائهم بأعظم ما رأوا من الآيات من بعد موسى وهو عيسى ms1035 ~~عليهما الصلاة والسلام، ثم بادعائهم لقتله وصلبه افتخارا به مع شكهم فيه ~~فقال: {وقولهم إنا قتلنا المسيح} ثم بينه بقوله: {عيسى ابن مريم} ثم تهكموا ~~به بقولهم {رسول الله} # PageV05P464 # أي الذي له أنهى العظمة، فجمعوا بين أنواع من القبائح، منها التشيع بما ~~لم يعطوا، ومنها أنه على تقدير صدقهم جامع لأكبر الكبائر مطلقا، وهو الكفر ~~بقتل النبي لكونه نبيا، وأكبر الكبائر بعده وهو مطلق القتل، ولم يكفهم ذلك ~~حتى كانوا يصفونه بالرسالة مضافة إلى الاسم الأعظم استهزاء به وبمن أرسله ~~عز اسمه وجلت عظمته وتعالى كبرياؤه وتمت كلماته ونفذت أوامره لكونه لم ~~يمنعه منهم على زعمهم {وما} أي والحالة أنهم ما {قتلوه وما صلبوه} وإن كثر ~~قائلو ذلك منهم، وسلمه لهم النصارى {ولكن} لما كان المقصود وقوع اللبس ~~عليهم الضار لهم، لا لكونه من معين قال: {شبه لهم} أي فكانوا في عزمهم بذلك ~~متشيعين بما لم يعطوا. # ولما أفهم التشبيه الاختلاف، فكان التقدير: فاختلفوا بسبب التشبيه في ~~قتله، فمنهم من قال: قتلناه جازما، ومنهم من قال: ليس هو المقتول، ومنهم من ~~قال: الظاهر أنه هو، عطف عليه قوله دالا على شكهم باختلافهم: {وإن الذين ~~اختلفوا فيه} أي في قتله {لفي شك منه} أي تردد مستوى الطرفين، كلهم وإن جزم ~~بعضهم، ثم أكد هذا المعنى بقوله: {ما لهم به} وأغرق في النفي بقوله: {من ~~علم} . # PageV05P465 # ولما كانوا يكلفون أنفسهم اعتقاد ذلك بالنظر في شهادته، فربما قويت عندهم ~~شبهة فصارة أمارة أوجبت لهم - لشغفهم بآمالها - ظنا ثم اضمحلت في الحال ~~لكونها لا حقيقة لها، فعاد الشك وكان أبلغ في التحير؛ قال: {إلا} أي لكن ~~{اتباع الظن} أي يكلفون أنفسهم الارتقاء من درك الشك إلى رتبة الظن، وعبر ~~بأداة الاستثناء دون «لكن» الموضوعة للانقطاع إشارة إلى أن إدراكهم لما ~~زعموه من قتله مع كونه في الحقيقة شكا يكلفون أنفسهم جعله ظنا، ثم يجزمون ~~به، ثم صار عندهم متواترا قطعيا، فلا أجهل منهم. # ولما أخبر بشكهم فيه بعد الإخبار بنفيه أعاد ذلك على وجه ms1036 أبلغ فقال: {وما ~~قتلوه} أي انتفى قتلهم له انتفاء {يقينا *} أي انتفاؤه على سبيل القطع، ~~ويجوز أن يكون حالا من «قتلوه» أي ما فعلوا القتل متيقنين أنه عيسى عليه ~~الصلاة والسلام، بل فعلوه شاكين فيه والحق أنهم لم يقتلوا إلا الرجل الذي ~~ألقى شبهه عليه، والوجه الأول أولى لقوله: {بل رفعه الله} بما له من العظمة ~~البالغة والحكمة الباهرة، رفع عيسى عليه الصلاة والسلام {إليه} أي # PageV05P466 # إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي، وعن وهب أنه أوحى إليه ابن ثلاثين، ورفع ~~ابن ثلاث وثلاثين فكانت رسالته ثلاثا وثلاثين سنة {وكان الله} أي الذي له ~~جميع صفات الكمال في كل حال عند قصدهم له وقبله وبعده {عزيزا} أي يغلب ولا ~~يغلب {حكيما *} أي إذا فعل شيئا أتقنه بحيث لا يطمع أحد في نقض شيء منه، ~~وختم الآية بما بين الصفتين يدل على أن المراد ما قررته من استهزائهم، وأنه ~~قصد الرد عليهم، أي إنه قد فعل ما يمنع من استهزائكم، فرفعه إليه بعزته ~~وحفظه بحكمته، وسوف ينزله ببالغ قدرته، فيردكم عن أهوائكم، ويسفك دماءكم، ~~ويبيد خضراءكم، وله في رفعه وإدخاله الشهبة عليكم حكمة تدق عن أفكار ~~أمثالكم. # قصة رفعه عليه الصلاة والسلام من الإنجيل الموجود اليوم بين أظهر ~~النصارى، وهي تتضمن الإنذار بالدجال والإخبار بنزوله صعيد، والبشارة بنبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم الذي وصفه بالفارقليط وبالأركون، وأن إخبارهم ~~بقتله وصلبه ليس مستندا إلا إلى شك - كما قال الله تعالى، وأحسن ما رد على ~~الإنسان بما يعتقده، قال مترجمهم في إنجيل متى: إنه عليه الصلاة والسلام ~~دخل إلى الهيكل في يروشليم - # PageV05P467 # وهي القدس - وجرت بينه وبين الأحبار محاورات كان آخرها أن قال لهم: إني ~~أقول لكم: إنكم لا تروني الآن حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب، ثم خرج ~~من الهيكل، فجاء إليه تلاميذه كي يروه بناء الهيكل، فأجاب وقال لهم: انظروا ~~هذا كله، الحق أقول لكم: إنه لا يترك هنا حجر على حجر إلا نقض، ثم جلس على ~~جبل الزيتون - قال ms1037 مرقس: قدام الهيكل - فجاء إليه تلاميذه قائلين: قل لنا: ~~متى هذا وما علامة مجيئك وانقضاء الزمان؟ فقال لهم: انظروا لا يضلنكم أحد - ~~قال مرقس ولوقا: فإن كثيرا يأتون باسمي قائلين: إنما هو المسيح، ويضلون ~~كثيرا - فإذا سمعتم بالحروب وأخبار الحروب انظروا لا تقلقوا، فلا بد أن ~~يكون هذا كله، تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة، ويكون خوف عظيم واضطراب ~~وجوع ووباء - قال لوقا: وعلامات عظيمة من السماء - وزلازل في أماكن، وكل ~~هذا أول المخاض - وقال مرقس: وهذه بداية الطلق، انظروا أنتم! إنهم يسلمونكم ~~إلى المجامع والمحافل وتضربون - وقال لوقا: وقبل هذا كله يضعون أيديهم ~~عليكم، ويطردونكم إلى المجامع والسجون وتقامون أمام الملوك والقواد # PageV05P468 # شهادة عليهم وعلى كل الأمم، ينبغي أولا أن يكرز بالإنجيل، فإذا قدموكم ~~وأسلموكم فلا تهتموا بما تقولون ولا ماذا تجيبون، فإنكم تعطون في تلك ~~الساعة الذي تتكلمون به ولستم المتكلمين، لكن روح القدس؛ قال لوقا: فإني ~~معطيكم فما وحكمة لا يقدر الذين يناصبونكم يقاومونها ولا الجواب عنها، ~~ويسلم الأخ أخاه للموت، والأب ابنه، ويثب الأبناء على آبائهم؛ قال متى: ~~حينئذ يسلمونكم إلى الضيق ويقتلونكم، وتكونون مبغوضين من كل الأمم، وحينئذ ~~يشك كثير، ويسلم بعضكم بعضا، ويبغض بعضكم بعضا، ويقوم كثير من المنتهى ~~يخلص، ويكرز بهذه البشارة في الملكوت في جميع المسكونة بشهادة لكل الأمم؛ ~~قال مرقس: فإذا رأيتم فساد الحراب المذكور في دانيال النبي قائما حيث لا ~~ينبغي - فليفهم القارىء - حينئذ الذين تهودوا يهربون إلى # PageV05P469 # الجليل، والذي فوق السطح لا يقدر أن ينزل إلى بيته ليأخذ شيئا، والويل ~~للحبالى والمرضعات في تلك الأيام؛ وقال لوقا: وحينئذ الذين في اليهودية ~~يهربون إلى الجبال، والذين في وسطها يفرون خارجا، والذين في الكورة لا ~~يدخلونها، لأن هذه في أيام الانتقام لكي يتم كل ما هو مكتوب، يكون على ~~الأرض ضر وشدة عظيمة، وسخط على هذا الشعب، ويقعون في فم السيف، ويسبون في ~~كل الأمم. # ويكون يروشليم موطىء الأمم حتى يكمل الزمان، وتكون علامات في الشمس ~~والقمر والنجوم، وتخرج نفوس ms1038 أناس من الخوف؛ وقال متى: وحينئذ يأتي ~~الانفصال، ثم قال: سيكون ضيق عظيم - قال مرقس: تلك الأيام - لم يكن مثله في ~~أول العالم حتى الآن ولا يكون، ولولا أن تلك الأيام قصرت لم يخلص ذو جسد - ~~وقال مرقس: فلولا أن الرب أقصر تلك الأيام لم يحيى ذو جسد - لكن لأجل ~~المتحببين قصرت تلك الأيام، فإن قال لكم أحد: إن المسيح ها هنا فلا تصدقوا، ~~فسيقوم مسيحو كذب وأنبياء كذبة، ويعطون علامات عظاما وآيات، ويضلون ~~المختارين إن قدروا، هو ذا قد تقدمت وأخبرتكم، فإن قالوا لكم: إنه في ~~البرية، فلا تخرجوا، أو في المخادع، فلا تصدقوا، وكما أن البرق يخرج من ~~المشرق فيظهر في المغرب، كذلك يكون حضور ابن البشر، لأنه حيث تكون الجثة # PageV05P470 # تجتمع النسور وتلوف بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، ~~والكواكب تتساقط من السماء، وقوات ترتج، وحينئذ تظهر علامات ابن الإنسان في ~~السماء، وتنوح كل قبائل الأرض، وترون ابن الإنسان آتيا في سحاب السماء مع ~~قوات ومجد كثير، ويرسل الملائكة مع صوت الناقور العظيم، ويجمع مختاريه من ~~الأربعة الأزياج من أقصى السماوات - وقال مرقس: من أطراف الأرض إلى أطراف ~~السماء - فمن شجرة التينة - وقال لوقا: ومن كل الأشجار - تعلمون المثل، إذا ~~لانت أغصانها وفرعت أوراقها علمتم أن الصيف قد دنا. # كذلك أنتم إذا رأيتم هذا كله علمتم أنه قد قرب على الأبواب، الحق أقول ~~لكم! إن هذا الجيل لا يزول حتى يتم هذا كله، والأرض والسماء تزولان وكلامي ~~لا يزول، لأجل ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعرفها أحد ولا ملائكة السماوات - ~~وقال مرقس: ولا الابن - إلا الأب وحده، وقال لوقا: سأله الفريسيون: متى ~~يأتي ملكوت الله؟ فقال: ليس يأتي ملكوت الله برصد ولا يقولون: هوذا هاهنا # PageV05P471 # أو هناك! ها هو ذا ملكوت الله؛ ثم قال لتلاميذه: ستأتي أيام تشتهون أن ~~تروا يوما واحدا من أيام ابن الإنسان ولا ترون، فإن قالوا لكم: هوذا هاهنا ~~أو هناك، فلا تذهبوا ولا تسرعوا، لأنه كمثل البرق الذي ms1039 يضيء في السماء ~~فيضيء تحت السماء، كذلك تكون أيام ابن البشر - انتهى. وكما كان في أيام نوح ~~عليه الصلاة والسلام كذلك يكون استعلاء ابن الإنسان، لأنه كما كنوا قبل ~~أيام الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح إلى ~~السفينة، ولم يعلموا حتى جاء الطوفان فأدرك جميعهم، كذلك يكون حضور ابن ~~الإنسان؛ وقال لوقا: ومثل ما كان في أيام لوط يأكلون ويشربون ويبيعون ~~ويشترون ويغرسون ويبنون إلى اليوم الذي خرج فيه لوط من سدوم، وأمطر من ~~السماء نارا وكبريتا، وأهلك جميعهم، كذلك في اليوم الذي يظهر فيه ابن ~~الإنسان، وفي ذلك اليوم من كان في السطح وآلته في البيت لا ينزل كي يأخذها، ~~ومن كان في الحقل أيضا لا يرجع هكذا إلى ورائه. انظروا إلى امرأة لوط، من ~~أراد أن يحيي نفسها فليهلكها، ومن أهلكها أحياها، أقول لكم: إن في هذه ~~الليلة - وقال متى: حينئذ - يكون اثنان في الحقل، يؤخذ واحد، ويترك الآخر، ~~واثنتان تطحنان على رحى واحدة، تؤخذ الواحدة، وتترك # PageV05P472 # الأخرى، وقال مرقس: فانظروا واسهروا وصلوا، لأنكم لا تعلمون متى يكون ~~الزمان! اسهروا فإنكم لا تعملون متى يأتي رب البيت ليلا! يأتي بغتة فيجدكم ~~نياما، والذي أقول لكم أقوله للجميع، اسهروا! قال لوقا: في كل حين وتضرعوا ~~لكي تقووا على الهرب في هذه الأمور الكائنة كلها، وتقفوا قدام ابن الإنسان، ~~وقال متى: فاسهروا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم، واعلموا أنه لو ~~علم رب البيت في أي هجعة يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب، كذلك كونوا ~~مستعدين لأن ابن الإنسان يأتي ساعة لا تظنونها، من ترى هو العبد الأمين ~~الحليم الذي يقيمه سيده على بيته ليعطيهم الطعام في حينه! طوبى لذلك العبد، ~~يأتي سيده فيجده يعمل هكذا، الحق أقول لكم! إنه يقيمه على جميع ماله، فإن ~~قال ذلك العبد الرديء في قلبه: إن سيدي يبطىء، فيبدأ يأكل ويشرب مع ~~المسكرين فيأتي سيده في يوم لا يظنه وساعة لا يعرفها، فيجعل نصيبه مع ~~المرائين، هناك ms1040 يكون البكاء وصرير الأسنان. # يشبه ملكوت السماوات عشرة عذاراى أخذن # PageV05P473 # مصابيحهن وخرجن للقاء العريس، خمس منهن جاهلات، وخمس حليمات، فأما ~~الجاهلات فأخذن مصابيحهن ولم يأخذن زيتا، وأما الحليمات فأخذن زيتا في إناء ~~مع مصابيحهن، فلما أبطأ العريس نعسن كلهن ونمن، وانتصف الليل فصرخ: هذا ~~العريس قد أقبل، اخرجن للقائه! حينئذ قام جميع العذارى وزين مصابيحهن، فقال ~~الجاهلات للحليمات: أعطيننا من زيتكن، فإن مصابيحنا قد طفئت! فقلن: ليس ~~معنا ما يكفينا وإياكن، فاذهبن إلى الباعة وابتعن لكن، فلما ذهبن ليبتعن ~~جاء العريس، فالمستعدات ذهبن معه وأغلق، فجاء بقية العذارا قائلات: يا رب! ~~افتح لنا، فأجاب وقال: الحق أقول لكن! إني لا أعرفكن؛ اسهروا الآن فإنكم لا ~~تعرفون ذلك اليوم ولا تلك الساعة، كمثل إنسان أراد السفر، فدعا عبيدا له ~~فأعطاهم ماله، فأعطى خمس وزنات لواحد، ووزنتين للآخر، وواحدا وزنة، كل منهم ~~على قدر قوته، وسافر للوقت، فمضى الذي أخذ الخمس فاتجر فيها، فربح خمس ~~وزنات أخرى وهكذا الذي أخذ الوزنتين ربح فيهما وزنتين أخريين، وأما الذي ~~أخذ الوزنة فمضى وحفر في الأرض ودفن حصة سيده، وبعد زمان كثير جاء سيد ~~هؤلاء فحاسبهم، فجاء الذي أخذ الخمس وزنات فأعطى خمس وزنات أخرى قائلا: يا ~~رب! خمس وزنات أعطيتني، وهذه خمس وزنات أخرى ربحتها، قال له سيده - قال ~~لوقا-: # PageV05P474 # حبذا أيها العبد الصالح! ألفيت أمينا على القليل، وقال متى: نعم يا عبد ~~صالح أمين! وجدت في القليل أمينا، أنا أقيمك على الكثير أمينا، ادخل إلى ~~فرح سيدك، وجاء الذي أخذ الوزنتين فقال: يا سيد! وزنتين دفعت إلي وهذان ~~وزنتان أخريان ربحتهما فقال له سيده: نعم يا عبد صالح أمين! وجدت في القليل ~~أمينا، أنا أقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح سيدك، فجاء الغير مصيب الذي أخذ ~~الوزنة فقال: يا سيد! عرفت أنك إنسان شديد، تحصد ما لم تزرع، وتجمع من حيث ~~لا تبذر، فخفت ومضيت فدفنت مالك في الأرض، هذا مالك، فأجاب سيده وقال: أيها ~~العبد الشرير الكسلان! علمت أنني أحصد من حيث ms1041 لا أزرع، وأجمع من حيث لا ~~أبذر، كان ينبغي لك أن تجعل حصتي على مائدة، فأنا آتي وآخذه إلي مع أرباحه، ~~خذوا منه الوزنة، وأعطوها للذي له عشر وزنات، لأن من له يعطي ويزاد، والذي ~~ليس له يؤخذ منه ما معه، والعبد الشرير الغير نافع ألقوه في الظلمة ~~القصياء، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان؛ إذا جاء ابن الإنسان في مجده، ~~وجميع الملائكة المقدسين معه، حينئذ يجلس على # PageV05P475 # كرسي مجده،، ويجمع إليه كل الأمم، فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي ~~الخراف من الجداء، ويقيم الخراف عن يمينه والجداء عن شماله، حينئذ يقول ~~الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم من قبل ~~إنشاء العالم، جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وغريبا كنت فآويتموني، ~~وعريانا فكسوتموني، ومريضا فعدتموني، ومحبوسا فأتيتم إلي، حينئذ يجيب ~~الصديقون ويقولون: يا رب! متى رأيناك جائعا فأطعمناك؟ أو عطشانا فسقيناك؟ ~~ومتى رأيناك غريبا فآويناك؟ أو عريانا فكسوناك؟ أو مريضا أو محبوسا فأتينا ~~إليك؟ فيجيب الملك ويقول: الحق أقول لكم! الذي فعلتموه بأحد هؤلاء الحقيرين ~~فبي فعلتم، حينئذ يقول للذين عن يساره: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار ~~المؤبدة المعدة لإبليس وجنوده، جعت فلم تطعموني - إلى آخره، فيذهب هؤلاء ~~إلى العذاب الدائم، والصديقون إلى الحياة الأبدية. # ولما أكمل يسوع هذا الكلام كله قال لتلاميذه: علمتم أن بعد يومين يكون ~~الفسح - وقال مرقس: وكان الفسح والفطير بعد يومين - واجتمع رؤساء الكيسر ~~والكهنة ومشايخ الشعب في دار رئيس الكهنة الذي يقال له قيافا، فتشاوروا على ~~يسوع ليمسكوه - قال # PageV05P476 # مرقس: بمكر - ويقتلوه، وقالوا: ليس في العيد لئلا يكون شجن؛ وقال مرقس: ~~شغب في الشعب؛ وقال يوحنا: فجمع عظماء الكهنة والفريسيين محفلا وقالوا: ~~ماذا نصنع إذا كان هذا الرجل يعمل آيات كثيرة، وإن تركناه هكذا فسيؤمن به ~~جميع الناس، وتأتي الروم فتتغلب على أمتنا، وإن واحدا منهم اسمه قيافا كان ~~رئيس الكهنة فقال: إنه خير لنا أن يموت رجل واحد عن الشعب من أن تهلك الأمة ~~كلها، لأن يسوع كان ms1042 مزمعا أن يجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد؛ وفي تلك ~~الساعة تشاوروا على قتله، فأما يسوع فلم يكن يمشي بين اليهود علانية، ولكنه ~~انطلق من هناك إلى البرية إلى كورة تسمى مدينة أفريم، وكان يتردد هناك مع ~~تلاميذه، وكان عيد فسح اليهود قد قرب فصعد كثير من القرى إلى يروشليم قبل ~~الفسح ليطهروا أنفسهم، فطلب اليهود يسوع، وكانوا أمروا إن علم إنسان مكانه ~~أن يدلهم عليه، وإن يسوع قبل ستة أيام من الفسح قصد إلى بيت عنيا حيث كان ~~لعازر الميت الذي أقامه يسوع، فصنعوا له هناك وليمة، وجعلت # PageV05P477 # مرتا تخدم، وعلم جمع كثير من اليهود فجاؤوا إليه، ولينظروا إلى لعازر ~~الذي أقامه من بين الأموات، وتشاور عظماء الكهنة أن يقتلوا لعازر، لأن ~~كثيرا من اليهود من أجله كانوا يؤمنون بيسوع، وكان الجمع الذي معه يشهد له ~~أنه دعا لعازر من القبر وأقامه، ومن الغد سمعوا أن يسوع يأتي إلى يروشليم، ~~فخرجوا للقائه يصرخون: مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل! ووجد يسوع حمارا ~~فركبه - كما هو مكتوب: لا تخافي يا بنت صيون! هوذا ملكك يأتيك راكبا على ~~جحش - ابن أتان - ثم قال: وقال يسوع: قد قربت الساعة التي يمجد فيها ابن ~~البشر، الحق الحق أقول لكم! إنه حبة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمت بقيت ~~وحدها، وإن هي ماتت أتت بثمار كثيرة، من أحب نفسه فليهلكها، ومن أبغض نفسه ~~في هذا العالم فإنه يحفظها لحياة الأبد، وقال: يا رباه! مجد اسمك، فجاء صوت ~~من السماء: قد مجدت وأيضا أمجد، فسمع الجمع الذي كان واقفا فقال بعضهم: ~~إنما كان رعدا، وقال آخرون: إن ملاكا كلمه، قال يسوع: ليس من أجلي كان هذا ~~الصوت، ولكن من أجلكم، # PageV05P478 # وقد حضر الآن دينونة هذا العالم، الآن يلقى رئيس هذا العالم إلى خارج، ~~وأنا إذا ارتفعت من الأرض جبيت إلي كل واحد، فأجاب الجمع: نحن سمعنا في ~~الناموس أن المسيح يدوم إلى الأبد، فكيف تقول أنت: يرتفع ابن البشر، فقال ~~لهم يسوع: إن النور ms1043 معكم زمانا يسيرا، فسيروا ما دام لكم النور لئلا يدرككم ~~الظلام، إن الذي يمشي في الظلام ليس يدري أين يتوجه، فما دام لكم النور ~~آمنوا بالنور لتكونوا أبناء النور؛ تكلم يسوع بهذا ثم مضى وتوارى عنهم، ~~وقال: يا بني! أنا معكم زمانا قليلا، وتطلبوني فلا تجدوني، وكما قلت ~~لليهود: إن الموضع الذي امضي إليه أنا، لستم تقدرون على المضي إليه، قال ~~يوحنا في محاورته ليهود في الهيكل: قال يسوع: أنا أمضى وتطلبوني وتموتون ~~بخطاياكم، وحيث أنا أذهب لستم تقدرون على إتيانه، فقال اليهود: لعله يريد ~~أن يقتل نفسه، فقال لهم: أنتم من أسفل، وأنا من فوق، أنتم من هذا العالم، ~~وأما أنا فلست من هذا العالم، قد أخبرتكم أنكم تموتون بخطاياكم، فقالوا له: ~~أنت من أنت؟ ثم قال: وقالوا له: إن أبانا هو إبراهيم، قال: لو كنتم بني ~~إبراهيم كنتم تعملون أعمال إبراهيم، لكنكم تريدون قتل إنسان كلمكم بالحق ~~الذي سمعه من الله تعالى، ولم يفعل إبراهيم هذا، أنتم تعملون أعمال أبيكم؟ ~~فقالوا: أما نحن فلسنا مولودين من زنى، # PageV05P479 # فقال لهم: أنتم من أبيكم إبليس، وشهوة أبيكم تهوون إن لم تعملوا ذلك، ~~الذي هو من البدء قتال الناس ولم يلبث على الحق لأنه ليس فيه حق، وإذا ما ~~تكلم بالكذب فإنما يتكلم بما هو له، وأما أنا فأتكلم بالحق ولستم تؤمنون ~~بي، من منكم يوبخني على خطيئة - انتهى، وأقول لكم الآن أن يحب بعضكم بعضا ~~كما أحببتكم، فبهذا يعرف كل أحد أنكم تلاميذي، وقال يسوع: من يؤمن بي ليس ~~من يؤمن بي فقط، بل وبالذي أرسلني، ومن رآني فقد رأى الذي أرسلني، أنا جئت ~~نور العالم لكي ينجو كل من يؤمن بي من الظلام، ومن يسمع كلامي ولا يؤمن بي ~~أنا لا أدينه، لأني لم آت لأدين العالم، بل لأحيي العالم، من جحدني ولم ~~يقبل كلامي فإن له من يدينه، الكلمة التي نطقت بها هي تدينه في اليوم ~~الآخر، لأني لم أتكلم من نفسي، لأن الرب الذي أرسلني هو أعطاني ms1044 الوصية، ثم ~~قال: الحق الحق أقول لكم! من يؤمن بي يعمل الأعمال التي أعملها، وأفضل منها ~~يصنع، إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب يعطيكم فارقليط ~~آخر ليثبت معكم إلى الأبد - روح الحق الذي لم يطق العالم أن يقبلوه، لأنهم ~~لم يروه ولم يعرفوه، وأنتم تعرفونه، لأنه مقيم عندكم وهو فيكم، لست أدعكم ~~يتامى لأني سوف أجيئكم عن قليل، من يحبني يحفظ كلمتي، ومن لا يحبني ليس ~~يحفظ كلامي، الكلمة التي تسمعونها # PageV05P480 # ليست لي، بل للرب الذي أرسلني، كلمتكم بهذا لأني عندكم مقيم، والفارقليط ~~روح القدس الذي يرسله ربي باسمي هو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كل ما قلت ~~لكم، السلام استودعتكم، سلامي خاصة أعطيكم، لا تقلق قلوبكم ولا تجزع، قد ~~سمعتم أني قلت لكم: إني منطلق وعائد إليكم، لو كنتم تحبوني لكنتم تفرحون ~~بمضيي إلى الرب، لأن الرب أعظم مني، وها قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا ~~كان تؤمنون، ولست أكلمكم كثيرا لأن أركون العالم يأتي وليس له في شيء، ولكن ~~ليعلم العالم أني أحب الرب، وكما أوصاني الرب كذلك أفعل، أنا هو الكرمة ~~الحقيقية وربي الغارس، كل غصن لا يأتي بثمار ينزعه، والذي يأتي بثمار ينقيه ~~ليأتي بثمار كثيرة، أنتم لتيامن هذا الكلام الذي كلمتكم به اثبتوا في وأنا ~~فيكم، كما أن الغصن لا يطيق أن يأتي بالثمار من عنده إن لم يثبت في الكرمة، ~~كذلك أنتم إن لم تثبتوا في، أنا هو الكرمة وأنتم الأغصان، من ثبت في وأنا ~~فيه يأتي بثمار كثيرة، وبغيري لستم تقدرون تعملون شيئا، فإن لم يثبت أحد في ~~طرح خارجا مثل الغصن الذي يجني فيأخذونه ويطرحونه في النار فيحترق، وإن ~~أنتم ثبتم في وثبت كلامي فيكم كان لكم كل ما تريدونه، وبهذا يمجد ربي بأن ~~تأتوا # PageV05P481 # بثمار كثيرة، وأنتم أحبابي إن علمتم كل ما وصيتكم به، إنما وصيتكم بهذا ~~لكي يحب بعضكم بعضا، فإن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم، ~~لو كنتم من العالم كان العالم ms1045 يحب من هو منه، لكنكم لستم من العالم، بل ~~اخترتكم من العالم، من أجل هذا يبغضكم العالم، لو لم آت وأكلمهم لم يكن لهم ~~خطيئة، والآن ليس لهم حجة في خطيئتهم، لو لم أعمل أعمالا لم يعملها أحد لم ~~يكن لهم خطيئة، لتتم الكلمة المكتوبة في ناموسهم أنهم أبغضوني باطلا، إذا ~~جاء الفارقليط الذي أرسله إليكم - روح الحق الذي من الرب بسق - هو يشهد ~~وأنتم تشهدون، لأنكم معي صفوة، كلمتكم بهذا لكيلا تشكون، فإنهم سوف ~~يخرجونكم من مجامعهم، ولم أخبركم بهذا من قبل لأني كنت معكم، والآن فإني ~~منطلق إلى من أرسلني، أقول لكم الحق! إنه خير لكم أن أنطلق، لأني إن لم ~~أنطلق لم يأتكم الفارقليط، فإذا انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء ذاك فهو ~~موبخ العالم على الخطيئة، وإن لي كلاما كثيرا أريد أن أقول لكم، ولكنكم ~~لستم تطيقون حمله الآن، وإذا جاء روح الحق ذاك فهو يرشدكم إلى جميع الحق، ~~لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما يأتي، وهو # PageV05P482 # مجدني لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم، قليلا ولا ترونني، وقليلا وترونني، ~~قالوا: ما هذا القليل الذي يقول؟ فقال لهم: أفي هذا يراطن بعضكم بعضا، الحق ~~أقول لكم! إنكم تبكون وتنوحون والعالم يفرح، وأنتم تحزنون لكن حزنكم يؤول ~~إلى فرح، كالمرأة إذا حضر ولادها تحزن لأن قد جاءت ساعتها، فإذا ولدت ابنا ~~لم تذكر الشدة من أجل الفرح، لأنها ولدت إنسانا في العلم؛ تكلم يسوع بهذا ~~ورفع عينيه إلى السماء وقال: يا رب! قد حضرت الساعة فمجد عبدك ليمجدك عبدك، ~~كما أعطيته السلطان على كل ذي جسد، ليعطي كل من أعطيته حياة الأبد، وهذه هي ~~حياة الأبد أن يعرفوك أنك أنت إله الحق وحدك، والذي أرسلته يسوع المسيح، ~~أنا قد مجدتك على الأرض، ذلك العمل الذي أعطيتني لأصنعه قد أكمت، والآن ~~مجدني أنت يا رباه بالمجد الذي عندك، قد أظهرت اسمك للناس، الآن علموا أن ~~كل ما أعطيتني هو من عندك، وعلموا حقا أني ms1046 من عندك أتيت، وآمنوا أنك ~~أرسلتني، وأنا أجيء إليك أيها الرب القدوس! احفظهم باسمك الذي أعطيتني كي ~~يكونوا واحدا كما نحن، إذ كنت معهم في العالم أنا كنت أحفظهم باسمك، ليس ~~أسأل أن تنزعهم من العالم، بل أن نحفظهم من الشرير، لأنهم ليسوا من العالم، ~~كما أني لست من العالم، قدسهم بحقك فإذا كلمتك خاصة هي الحق، كما أرسلتني ~~إلى العالم # PageV05P483 # أرسلتهم أنا أيضا إلى العالم، ولست أسأل في هؤلاء فقط، بل وفي الذين ~~يؤمنون بي بقولهم ليكونوا بأجمعهم واحدا، كما أنك يا رباه في وأنا فيك ~~ليكونوا أيضا فينا واحدا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني؛ قال يسوع هذا وخرج مع ~~تلاميذه إلى عين عمرة وادي الأرز، وكان هناك بستان، دخله هو وتلاميذه، وكان ~~يهودا الذي أسلمه يعرف ذلك المكان، لأن يسوع كان يجتمع هناك مع تلاميذه ~~كثيرا، وقبل عيد الفسح كان يسوع يعلم أن قد حضرت الساعة التي ينتقل فيها من ~~هذا العالم، فلما حضر العشاء خامر الشيطان قلب يهودا شمعون الإسخريطي لكي ~~يسلمه، فقام يسوع عن العشاء وترك ثيابه وائتزر وسطه بمنديل، وبدأ يغسل ~~أقدام التلامذة وينشفها بمنديل كان مؤتزرا به، فلما انتهى إلى شمعون الصفا ~~قال له: أنت يا سيدي تغسل لي قدمي؟ فقال يسوع: إن الذي أصنعه لست تعرفه ~~الآن، ولكنك ستعرفه فيما بعده، قال له شمعون الصفا: إنك لست غاسلا لي قدمي ~~الآن، قال له يسوع: إن أنا لم أغسلهما فليس لك معي نصيب، قال شمعون: يا ~~سيدي! ليس تغسل لي قدمي فقط، بل ويدي ورأسي، قال له يسوع: # PageV05P484 # إن الذي يطهر لا يحتاج إلا إلى غسل قدمي؛ فلما غسل أرجلهم تناول ثيابه ~~واتكأ وقال لهم: تعلمون ما صنعت بكم؟ أنتم تدعونني معلما وربا، وما أحسن ما ~~تقولون! فإذا كنت أنا معلمكم وربكم قد غسلت أقدامكم فأنتم أحرى أن يغسل ~~بعضكم أرجل بعض، والحق الحق أقول لكم! ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم ~~ممن أرسله وقال: اتلحق والحق أقول لكم! إن واحدا منكم يسلمني؛ ms1047 وقال متى: ~~ولما كان يسوع في بيت عنيا في بيت شمعون الأبرص جاءت امرأة معها قارورة طيب ~~كثير الثمن فأفاضته على رأسه وهو متكىء، حينئذ مضى أحد الاثني عشر - أي ~~الحواريين الذي سيذكرون في المائدة والأنعام بأسمائهم - وهو الذي يقال له ~~يهودا الإسخريطي إلى رؤساء الكهنة وقال لهم: ماذا تعطوني حتى أسلمه إليكم؟ ~~فأقاموا له ثلاثين من الفضة، ومن ذلك الوقت جعل يطلب فرصة ليسلمه، وفي أول ~~يوم الفطير - قال مرقس: لما ذبحوا الفسح - قال له تلاميذه: أين تريد حتى ~~نستعد لتأكل الفسح؟ فقال: اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولوا له: المعلم ~~يقول: زماني قد اقترب، وعندك أصنع الفسح مع تلاميذي، ففعل التلاميذ كما ~~أمرهم يسوع وأعدوا الفسح، وقال لوقا: وكان في النهار يعلم في الهيكل، ويخرج ~~في الليل ليستريح في الجبل الذي يدعى جبل الزيتون، وكان جميع الشعب يدلجون ~~إليه ليسمعوا منه وكان لما قرب عيد الفطير المسمى بالفسح # PageV05P485 # تطلب الكهنة كيف يهلكونه، وكانوا يخافون من الشعب، فدخل الشيطان في يهودا ~~الذي يدعى الإسخريطي الذي كان من الأثني عشرة، فمضى وكلم رؤساء الكهنة ~~ليسلمه إليهم، ففرحوا ووعدوه، وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم مفردا عن الجمع، ~~فجاء يوم الفطير الذي يذبح فيه الفسح، فأرسل بطرس ويوحنا وقال: امضيا وأعدا ~~لنا الفسح، ثم قال: فانطلقا وأعدا الفسح، ولما كان المساء اتكأ مع الاثني ~~عشر تليمذا، قال: فقال لهم: شهوة اشتهيت أن آكل معكم الفسح، فإني أقول لكم: ~~إني أيضا لا آكل منه حتى يتم في ملكوت الله؛ وقال متى: وفيما هم يأكلوا ~~قال: الحق أقول لكم! إن واحدا منكم يسلمني، فحزنوا جدا وشرع كل واحد منهم ~~يقول: لعلي أنا هو؛ وقال يوحنا: وقال: الحق الحق أقول لكم! إن واحدا منكم ~~يسلمني، فنظر التلاميذ بعضهم إلى بعض، وكان واحدا من تلاميذه متكئا في حضن ~~يسوع، وهو الذي كان يسوع يحبه، فأومأ شمعون الصفا إليه أن يعلمه من الذي ~~قال لأجله؛ فوقع ذلك التلميذ على صدر يسوع وقال له: يا سيدي! من هذا؟ ms1048 فقال ~~يسوع: هو الذي أبل خبزا وأناوله، فبل خبزا ودفعه إلى شمعون الإسخريوطي، ~~وقال متى: فقال: الذي يجعل يده معي في الصحفة هو يسلمني؛ وابن الإنسان ماض ~~كما كتب # PageV05P486 # من أجله، الويل لذلك الإنسان الذي يسلم ابن الإنسان، حبذا له لو لم يولد، ~~أجابه يهودا مسلمه وقال: لعلي أنا هو يا معلم! قال: أنت، قال: فسبحوا ~~وخرجوا إلى جبل الزيتون؛ وقال لوقا: فقال لهم: إن ملوك الأمم هم ساداتهم، ~~والمسلطون عليهم يدعون المحسنين إليهم، فأما أنتم فليس كذلك، لكن الكبير ~~منكم يكون كالصغير والمقدم كالخادم، من أكبر؟ المتكىء أم الذي يخدم؟ أليس ~~المتكىء فأما أنا في وسطكم فمثل الخادم، وأنتم الذي صبرتم معي في تجاربي، ~~وأنا أعد لكم كما وعدني ربي الملكوت، لتأكلوا وتشروبوا على مائدتي في ~~ملكوتي، وتجلسوا على كرسي، وتدينوا اثني عشر سبط إسرائيل - إلى أن قال: ثم ~~خرج كالعادة ومضى إلى جب الزيتون، ومعه أيضا تلاميذه، فلما انتهى إلى ~~المكان قال لهم: صلوا لئلا تدخلوا التجربة، وانفرد عنهم كرمية حجر وخر على ~~ركبتيه فصلى؛ وقال متى: حينئذ قال لهم يسوع: كلكم تشكون في هذه الليلة، ~~لأنه مكتوب: أضرب الراعي، تفرق خراف الرعية، فأجاب بطرس وقال له: لو شك ~~جميعهم لم أشك أنا، قال له يسوع: الحق أقول لك! في هذه الليلة قبل أن يصيح ~~الديك تنكرني ثلاث مرات؛ وقال يوحنا: الحق الحق أقول لكم! لا يصيح الديك ~~حتى تنكرني ثلاثا، لا تضطرب قلوبكم، آمنوا بالله وآمنوا بي؛ # PageV05P487 # وقال متى: قال له بطرس: لو ألجئت إلى أن أموت معك ما أنكرت؛ وقال مرقس: ~~فتمادى بطرس وقال: يا أبت! وإن اضطررت إلى أن أموت معك ليس أنكرك، وهكذا ~~قال جميع التلاميذ، حينئذ جاء معهم إلى قرية تدعى جسمانية، فقال للتلاميذ: ~~اجلسوا ها هنا لأمضي أصلي هناك، امكثوا واسهروا معي، وبعد ذلك خر على وجهه ~~يصلي، وجاء إلى التلاميذ فوجدهم نياما، قال مرقس: فقال البطرس: يا شمعون! ~~أنت نائم؟ ما قدرت تسهر معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا التجارب، ms1049 ~~أما الروح فمستبشرة، وقال مرقس: فمستعدة، وأما الجسد فضعيف، ومضى أيضا ~~وصلى، وجاء أيضا فوجدهم نياما، لأن عيونهم كانت ثقيلة، فتركهم؛ ومضى أيضا ~~يصلي، قال لوقا: وظهر له ملاك من السماء ليقويه، وكان يصلي تواترا، وكان ~~عرفه كعبيط الدم نازلا على الأرض! وقال متى: حينئذ جاء إلى التلاميذ وقال ~~لهم: ناموا الآن واستريحوا! قد اقتربت الساعة، وفيما هو يتكلم إذ جاء يهودا ~~الإسخريوطي أحد الاثني عشر، معه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة ~~ومشايخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة وقال: الذي أقبله هو هو فأمسكوه، ~~وجاء إلى يسوع وقال له: السلام يا معلم! # PageV05P488 # وقبله فقال له يسوع: يا هذا! ألهذا جئت؟ حينئذ جاؤوا فوضعوا أيديهم على ~~يسوع وقبضوا عليه، ثم قال: في تلك الساعة قال يسوع للجموع: كأنكم قد خرجتم ~~إلى لص بالسيوف والعصي لتأخذوني، في كل يوم كنت أجلس عندكم أعلم في الهيكل ~~فما قبضتم علي، وهذا كله كان لتكميل كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ~~وقال يوحنا: إن يهودا أخذ جندا من عند عظماء الكهنة والفريسيين وشرطا، وجاء ~~إلى هناك بسرج ومصابيح وسلاح، ويسوع كان عارفا بكل شيء يأتي عليه، فخرج ~~وقال لهم: من تطلبون؟ قالوا: يسوع الناصري، قال: أنا هون وكان يهودا واقفا ~~معهم، فلما قال: أنا هو، رجعوا إلى ورائهم وسقطوا على الأرض، فقال يسوع: إن ~~كنتم تطلبوني فدعوا هؤلاء يذهبوا، لتتم الكلمة التي قالها: إن الذي أعطيتني ~~لن يهلك منهم أحد؛ وقال متى: حينئذ تركه تلاميذه كلهم وهربوا، والذين أخذوا ~~يسوع اقتادوه إلى دار قيافا رئيس الكهنة، وأما بطرس فأتبعه على بعد منه إلى ~~دار رئيس الكهنة، ودخل إلى داخلها وجلس مع الخدام لينظر التمام، وقال مرقس: ~~وجلس مع الخدام عند النار # PageV05P489 # يصطلي؛ وقال يوحنا: وإن شمعون الصفا والتلميذ الآخر - يعني الذي تقدم أن ~~عيسى كان يحبه - تبعا يسوع، وكان عظيم الكهنة يعرف ذلك التلميذ، فدخل يسوع ~~إلى دار عظيم الكهنة، فأما شمعون فكان واقفا خارج الباب، فخرج التلميذ ~~الآخر الذي كان معارف رئيس ms1050 الكهنة، فقال للبوابة وأدخل شمعون بطرس، فقالت ~~الجارية البوابة لشمعون: أما أنت من تلاميذ هذا الرجل؟ فقال لها: لا! وكان ~~العبيد والشرط قياما يوقدون نارا ليصطلوا، لأنها كانت ليلة باردة، وقام ~~شمعون معهم أيضا يصطلي: قال متى: فقال رئيس الكهنة: أستحلفك بالله الحي أن ~~تقول لنا إن كنت أنت هو المسيح! قال له يسوع: أنت قلت؛ ثم ذكر أنهم أفتوا ~~بقتله وقال: عند ذلك بصقوا في وجهه وستروا وجهه بثوب ولطموا وجهه فوقه ~~قائلين: أيها المسيح! بين لنا من هو الذي ضربك؟ قال مرقس: وبينما بطرس في ~~أسفل الدار جاءت فتاة من جواري رئيس الكهنة فقالت له: وأنت أيضا قد كنت مع ~~يسوع الناصري؛ وقال متى: مع يسوع الجليلي، وقال لوقا: فلما رأته جارية ~~جالسا عند الضوء ميزته فقالت: هذا أيضا كان معه، فأنكر وقال: ما أعرفه؛ ~~وقال متى: فجحد بين أيديهم أجمعين، وعند خروجه إلى الباب أبصرته جارية أخرى ~~فقالت: وهذا أيضا كان مع # PageV05P490 # يسوع الناصري، فجحد أيضا بيمين: إني لست أعرف الرجل، وبعد قليل تقدم ~~الوقوف فقالوا لبطرس: بالحقيقة إنك منهم أنت! لأن كلامك يدل عليك؛ وقال ~~مرقس: وأنت جليلي وكلامك يشبه كلامهم، وقال: حينئذ أقبل بطرس يلعن ويحلف: ~~إني لست أعرف الإنسان، وفي الحال صاح الديك، فذكر بطرس كلمة يسوع: قبل أن ~~يصيح الديك، تجحدني ثلاثا، فخرج إلى خارج وبكى بكاء مرا. # ولما كان الصبح عملوا كلهم مؤامرة على يسوع حتى يميتوه فربطوه وساقوه إلى ~~بيلاطيس النبطي، ولما أبصر يودس - يعني يهودا الإسخريوطي - أنه قد حكم عليه ~~تندم ورد الثلاثين الفضة على رؤساء الكهنة قائلا: قد أخطأت إذ أسلمت دما ~~زكيا، فقالوا: ما علينا! فطرح الفضة في الهيكل ومضى فخنق نفسه، فأخذ رؤساء ~~الكهنة الفضة وقالوا: لن يجوز لنا أن نلقيها في داخل الزكاة، لأنها ثمن دم، ~~فتشاوروا وابتاعوا حقل الفاخوري لدفن الغرباء، لذلك دعي ذلك الحقل حقل الدم ~~إلى اليوم، حينئذ تم قول إرميا النبي القائل: وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن ~~الدم الذي ثمنه بنوا إسرائيل، ms1051 وجعلوها في حقل الفاخوري على ما رسم لي؛ وأما ~~يسوع فوقف أمام الوالي، # PageV05P491 # ثم ذكر أن الوالي كان كارها لقتله، وأن امرأته أرسلت إليه تقول: إياك ودم ~~ذاك الصديق، فإني توجعت في هذا اليوم كثيرا من أجله في الحلم، وأنه اجتهد ~~بهم ليطلقوه فأبوا إلا صلبه، وصاحوا عليه، وأنه قال لهم: أي شر عمل؟ ~~فازدادوا صياحا وقالوا: يصلب؛ فلما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئا أخذ ماء ~~وغسل يديه قدام الجمع وقال: إنني بريء من دم هذا الصديق، فقالوا: دمه علينا ~~وعلى أولادنا، وقال لوقا: وإن بيلاطس قال لرؤساء الكهنة: أنا لم أجد على ~~هذا الإنسان علة - حتى قال: فلما علم أنه من سلطان هيرودس - يعني من الجليل ~~- أرسله إلى هيرودس، لأنه كان في تلك الأيام بيروشليم، وأن هيرودس لما رأى ~~يسوع فرح جدا، لأنه كان يشتهي أن يراه من زمان طويل لما كان يسمع عنه من ~~الأمور الكثيرة، وكان يرجو أن يعاين آية يعملها، وسأله عن كلام كثير ذكره، ~~وذكر أنه لم يجبه، فاحتقره هيرودس وجنده واستهزؤوا به وألبسه ثيابا حمراء، ~~وأرسله إلى بيلاطس وصار بيلاطس وهيرودس صديقين في ذلك اليوم، لأنه كان ~~بينهما عداوة، ثم ذكر أن بيلاطس قال لهم: لم أجد عليه علة آخذة بها، ولا ~~هيرودس أيضا، وأنهم لم يقبلوا منه ذلك وصاروا يصيحون: اصلبه اصلبه، وقال ~~يوحنا: ثم جلس - # PageV05P492 # يعني بيلاطس - على كرسي في موضع يعرف برصيف الحجارة، وبالعبرانية يسمى ~~جاحلة؛ ثم ذكر جميع نقلة أناجيلهم أنهم صلبوه بين لصين، وأنهم كانوا ~~يستهزئون به حتى اللصان المصلوبان؛ قال مرقس: فلما كانت الساعة السادسة ~~تفشت الأرض كلها ظلمة إلى الساعة التاسعة، وأنه صاح بصوت عظيم منه: إلهي! ~~إلهي! لم تركتني! فانشق ستر حجاب الهيكل باثنين من فوق إلى أسفل، والأرض ~~تزلزلت، وتشققت الصخور، وتفتحت القبور، وكثير من أجساد القدسين النيام ~~قاموا من قبورهم، ودخلوا المدينة فظهروا لكثير، وكان هناك نسوة كثير ينظرن ~~من بعيد، ومن اللاتي تبعن عيسى من الجليل منهم مريم المجدلانية، ومريم أم ~~يعقوب ms1052 الصغير، وأم يوسا، وأم ابن يزبدي، وقال يوحنا: وكان واقفا عند صلبه ~~أمه وأخت أمه مريم ابنة إكلاوبا ومريم المجدلية، ثم ذكروا أنه دفن؛ وذكر ~~مرقس أنه كان يوم جمعة؛ وقال يوحنا: وأما اليهود - فلأنه يوم الجمعة - ~~قالوا: هذه الأجساد لا تثبت على صلبها، لأن السبت كان عظيما، ثم ذكر أنهم ~~أنزلوهم، وأن عيسى دفن؛ وقال متى: إن الملك جاء # PageV05P493 # بعد ثلاث وأقامه، وقال للنسوة: إنه قد قام فأسرعن فقلن لتلاميذه: هوذا ~~سبقكم إلى الجليل، وإن رؤساء اليهود رشوا الجند الذين كانوا يحرسون قبره ~~ليقولوا: إن تلاميذه سرقوه من القبر، فقالوا وشاع ذلك عند اليهود إلى ~~اليوم، فأما الأحد عشر تلميذا فمضوا إلى الجليل الذي أمروا به، فلما رأوه ~~سجدوا له، وبعضهم شك؛ وقال لوقا: وفيما هم يتكلمون وقف عيسى إلى وسطهم، ~~وقال لهم: السلام عليكم يا هؤلاء! لا تخافوا! فاضطربوا وخافوا وظنوا أنهم ~~ينظرون روحا، فقال لهم: ما بالكم تضطربون؟ ولم يأتي الإنكار في قلوبكم؟ ~~انظروا يدي ورجلي فإني أنا هو، جسوني وانظروا إلي! الروح ليس له لحم ولا ~~عظم، كما ترون أنه لي، ولما قال هذا أراهم يديه ورجليه، وإذا هم غير مصدقين ~~من الفرح والتعجب، وقال لهم: أعندكم هاهنا ما يؤكل؟ فأعطوه جزءا من حوت ~~مشوي ومن شهد عسل، فأخذ قدامهم وأكل، وأخذ الباقي وأعطاهم، ثم قال: ثم ~~أخرجهم خارجا إلى بيت عنيا فرفع يديه وباركهم، وكان فيما هو يباركهم انفرد ~~عنهم، وصعد إلى السماء؛ وقال يوحنا: إنه قال لمريم: امضي إلى إخوتي وقولي ~~لهم: إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي والهكم؛ وقال متى: فجاء # PageV05P494 # يسوع فكلمتهم فقال: أعطيت كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا الآن ~~وتلمذوا كل الأمم. # انتهى ما أردته هنا من الأناجيل من هذه القصة، فقد بان لك أن أناجيلهم ~~كلها اتفقت على أن علمهم في أمره انتهى إلى واحد، وهو الإسخريوطي، وأما ~~غيره من الأعداء فلم يكن يعرفه، وأنه إنما وضع يده عليه، ولم يقل بلسانه: ~~إنه هو، وأن الوقت كان ليلا، ms1053 وأن عيسى نفسه قال لأصحابه: كلكم تشكون في هذه ~~الليلة، وأن تلاميذه كلهم هربوا، فلم يكن لهم علم بعد ذلك بما اتفق في ~~أمره، وأن بطرس إنما تبعه من بعيد، وأن الذي دل عليه خنق نفسه، وأن الناقل ~~لأن الملك قال: إنه قام من الأموات، إنما هو نسوة كن عند القبر في مدى ~~بعيد، وما يدري النسوة الملك من غيره - ونحوه ذلك من الأمور التي لا تفيد ~~غير الظن بالجهد، وأما الآيات التي وقعت فعلى تقدير تسليمها لا يضرنا ~~التصديق بها، وتكون لجرأتهم على الله بصلب من يظنونه المسيح ومن أحسن ما في ~~ذلك قوله بعد اجتماعهم به بعد رفعه: أعطيت كل سلطان، فأثبت أن المعطي غيره، ~~وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه، ويدل على أن المصلوب - إن صح ~~أنهم صلبوه من ظنوه إياه - هو الذي دل عليه، كما # PageV05P495 # قال بعض العلماء: إنه ألقى شبهه عليه، ويؤيد ذلك قولهم: إنه خنق نفسه، ~~فالظاهر أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه، فجزموه به - والله ~~أعلم، وقوله: إنك يا رباه في وأنا فيك، ليكونوا - أي التلاميذ - فينا، ~~ونحوه مما يوهم حلولا المراد به الاتحاد في المراد بحيث أن واحدا منهم لا ~~يريد إلا ما يريد الآخر، ولا يرضى إلا ما يرضاه، فهو من وادي ما في الحديث ~~القدسي # «كنت سمعه الذي يسمع به» - إلى آخره، وكذا إطلاق الابن والأب معناه أنه ~~يعاملهم في لطفه معاملة الأب ابنة، فالمراد الغاية، كما يؤل ذلك في إطلاق ~~الغضب والمحبة ونحو ذلك في حق الله تعالى في شرعنا، وقد مضى كثير من رد ~~المتشابه في مثل ذلك إلى المحكم في آل عمران، ومضى في ذلك الموضع وغيره أن ~~كل ما أوهم نقصا لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى - والله الموفق. # PageV05P496 # ولما أنجز الكلام إلى أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على هذا المنهاج ~~البديع بما ذكر في نصائح اليهود وقبائح أفعالهم، وأنهم قصدوا قتله عليه ~~الصلاة والسلام، فخاب قصدهم، ms1054 واصلد زندهم، # PageV05P496 # وقال رأيهم، ورد عليهم بغيهم، وحصل له بذلك أعلى المناصب وأولى المراتب؛ ~~قال محققا لما أثبته في الآية قبلها من القطع بكذبهم، مثبتا أنهم في ~~مبالغتهم في عداوته سيكونون من أتباعه المصدقين بجميع أمره الذي منه ~~التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومؤكدا له أشد تأكيد لما عندهم من ~~الإنكار له: {وإن} أي والحال أنه ما {من أهل الكتاب} أي أحد يدرك نزوله في ~~آخر الزمان {إلا} وعزتي {ليؤمنن به} أي بعيسى عليه الصلاة والسلام {قبل ~~موته} أي موت عيسى عليه الصلاة والسلام، أي إنه لا يموت حتى ينزل في آخر ~~الزمان، يؤيد الله دين الإسلام، حتى يدخل فيه جميع أهل الملل، إشارة إلى أن ~~موسى عليه الصلاة والسلام إن كان قد أيده الله تعالى بأنبياء كانوا يجددون ~~دينه زمانا طويلا، فالنبي الذي نسخ شريعة موسى - وهو عيسى عليهما الصلاة ~~والسلام - هو الذي يؤيد الله به هذا النبي العربي في تجديد شريعته وتمهيد ~~أمره والذب عن دينه، ويكون من أمته بعد أن كان صاحب شريعة مستقلة وأتباع ~~مستكثرة، أمر قضاء الله في الأزل فأمضاه، فأطيلوا أيها اليهود أو أقصروا! ~~فمعنى الآية إذن - والله أعلم - أنه ما من أحد من أهل الكتاب المختلفين في ~~عيسى عليه الصلاة والسلام على شك إلا وهو يوقن بعيسى عليه الصلاة والسلام ~~قبل موته بعد نزوله # PageV05P497 # من السماء أنه ما قتل وما صلب، ويؤمن به عند زوال الشبهة - والله أعلم؛ ~~روى الشيخان وأحمد وأبو بكر بن مردويه وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن ~~مريم حكما مقسطا وإماما عادلا، فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن ~~الجزية، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها» ؛ وفي رواية: ~~وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين؛ وفي رواية: حتى يهلك الله الملل كلها ~~غير الإسلام، فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، يقول أبو هريرة: ~~اقرؤوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب ms1055 إلا ليؤمنن به قبل موته} الآية: موت ~~عيسى عليه الصلاة والسلام - ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات - ولتذهبن ~~الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد؛ وفي رواية: ~~ويفيض المال حتى لا يقبله أحد؛ ولمسلم عنه رضي الله عنه: كيف بكم إذا نزل ~~ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؛ وفي رواية: فأمكم منكم، قال الوليد بن مسلم - ~~أحد رواة الحديث: قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت تخبرني! قال: ~~فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم؛ # PageV05P498 # ولمسلم أيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى ~~يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فيقول أميرهم: تعال ~~صل لنا! فيقول: لا! إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة؛ وروى عن ~~ابن عباس ومحمد بن علي المشهور بابن الحنفية رضي الله عنهم أن المعنى: ألا ~~ليؤمنن بعيسى عليه الصلاة والسلام قبل موت ذلك الكتابي عند الغرغرة حين لا ~~ينفعه الإيمان، ليكون ذلك زيادة في حسرته، قال الأصبهاني: وتدل على صحة هذا ~~التأويل قراءة أبي: ليؤمنن قبل موتهم - بضم النون. # ولما أخبر تعالى عن حالهم معه في هذه الدار أتبعه فعله بهم في تلك فقال: ~~{ويوم القيامة} أي الذي يقطع ذكره القلوب، ويحمل التفكر فيه على كل خير ~~ويقطع عن كل شر {يكون} وأذن بشقائهم بقوله: {عليهم شهيدا} أي بما عملوا؛ ~~ولما أذن حرف الاستعلاء في الشهادة بأنه لا خير لهم في واحد من الدارين، ~~وبأن التقدير: فبظلمهم، سبب عنه قوله دلالة على أن التوراة نزلت منجمة: ~~{فبظلم} أي عظيم جدا راسخ ثابت، وهو جامع لتفصيل نقض الميثاق وما عطف # PageV05P499 # عليه مما استحلوه بعد أن حرمته التوارة، وقال مشيرا إلى زيادة تبكيتهم: ~~{من الذين هادوا} أي تلبسوا باليهودية في الماضي ادعاء أنهم من أهل التوراة ~~والرجوع إلى الحق، ولم يضمر تعيينا لهم زيادة في تقريعهم ms1056 {حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت} أي كان وقع إحلالها في التوراة {لهم} كالشحوم التي ذكرها الله ~~تعالى في الأنعام. # ولما ذكر ظلمهم ذكر مجامع من جزئياته، وبدأها بإعراضهم عن الدين الحق، ~~فقال معيدا للعامل تأكيدا له: {وبصدهم عن سبيل الله} أي الذي لا أوضح منه ~~ولا أسهل ولا أعظم، لكون الذي نهجه له من العظمة والحكمة ما لا يدرك، و ~~«صد» يجوز أن يكون قاصرا فيكون {كثيرا *} صفة مصدر محذوف، وأن يكون متعديا ~~فيكون مفعولا به، أي وصدهم كثيرا من الناس بالإضلال عن الطريق، فمنعوا ~~مستلذات تلك المآكل بما منعوا أنفسهم وغيرهم من لذاذة الإيمان. # ولما ذكر امتناعهم ومنعهم من المحاسن التي لا أطيب منها ولا أشرف، أتبعه ~~إقدامهم على قبائح دنية فيها ظلمهم للخلق فقال: {وأخذهم الربا} أي وهو قبيح ~~في نفسه مزر بصاحبه {وقد} أي الحال أنهم قد {نهوا عنه} فضموا إلى مخالفة ~~الطبع السليم الاجتراء على انتهاك حرمة الله العظيم. # PageV05P500 # ولما ذكر الربا أتبعه ما هو أعم منه فقال: {وأكلهم أموال الناس بالباطل} ~~أي سواء كانت ربا أو رشوة أو غيرهما؛ ولما ذكر بعض ما عذبهم به في الدنيا ~~أتبعه جزاءهم في الآخرة، فقال عاطفا على قوله «حرمنا» : {وأعتدنا للكافرين} ~~أي الذين صار الكفر لهم صفة راسخة فماتوا عليه؛ ولما علم أن منهم من يؤمن ~~فيدخل الجنة فقال: {منهم} ولما كان الجزاء من جنس العمل قال: {عذابا أليما ~~*} أي بسبب ما آلموا الناس بأكل أموالهم وتغطيتهم على حقوقهم من الفضائل ~~والفواضل. # ذكر تحريم المال بالربا وغيره من أنواع الباطل بنص التوراة، قال في السفر ~~الثاني بعد ما قدمته في البقرة من الأمر بالإحسان إلى الناس والنهي عن ~~أذاهم: وإن أسلفت ورقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن له كالغريم ولا ~~تأخذن منه ربا؛ وقال في الثالث: وإن افتقر أخوك واستعان بك فلا تتركه ~~بمنزلة الغريب الساكن معك، بل وسع عليه، وإياك أن تأخذ منه ربا أو عينة، لا ~~تقرضه بالعينة؛ وقال في الخامس: ولا تطعموا بيت الله ms1057 ربكم أجر زانية ولا ~~ثمن كلب، ولا تأخذوا من إخوتكم ربا في فضة ولا في طعام ولا في شيء مما ~~تعانونه، # PageV05P501 # وأما الغريب فخذوا منه إن أحببتم؛ فقد ثبت من توراتهم النهي عن الربا، ~~وأما تخصيصه بالغريب فتبديل منهم بلا ريب، بدليل ما قدمته عنها في البقرة ~~عند قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} [البقرة: 62] من النهي عن ~~غدر العدو، وعند قوله تعالى: {لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] من الإحسان ~~إلى عامة الناس لا سيما الغريب - والله الموفق. # PageV05P502 # ولما بين تعالى ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من العقاب، بين ~~ما لنيري البصائر بالرسوخ في العلم والإيمان من الثواب فقال: {لكن الراسخون ~~في العلم منهم} أي الذي هيئت قلوبهم في أصل الخلقة لقبول العلم فأبعد عنها ~~الطبع، وجلت الحكمة، ورسخت بالرحمة، فامتلأت من نور العلم، وتمكنت بأنس ~~الإيمان. # ولما ذكر نعت العلم المفيد لجميع الفضائل أبتعه ما نشأ عنه فقال: ~~{والمؤمنون} أي الذين هيئوا للإيمان ودخلوا فيه، فصار لهم خلقا لازما، منهم ~~ومن غيرهم {يؤمنون} أي يجددون الإيمان في كل لحظة {بما أنزل إليك} لأنهم ~~أعرف الناس بأنه حق {وما أنزل من # PageV05P502 # قبلك} أي على موسى عليه الصلاة والسلام، وبسبب إيمانهم الخالص أمنوا بما ~~أنزل على عيسى عليه الصلاة والسلام، ثم بما أنزل إليك. # ولما كانت الصلاة أعظم دعائم الدين، ولذلك كانت ناهية عن الفحشاء ~~والمنكر، نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات إظهارا لفضلها فقال تعالى: ~~{والمقيمين الصلاة} أي بفعلها بجميع حدودها، ويجوز على بعد أن يكون المقتضي ~~لنصبها جعل «لكن» بالنسبة إليها بمعنى «إلا» وتضمينها لفظها، لما بينهما من ~~التآخي، فيكون المعنى أنهم مستثنون ممن أعد لهم العذاب الأليم على معنى أن ~~الله سبحانه وتعالى - وهو الفاعل المختار - سبق علمه بأن مقيم الصلاة بجميع ~~حدودها لا يموت كما يموت كافر بل تناله بركتها فيسلم وهذا أعظم مدح لها ~~والحاصل أن (لكن) استعيرت لمعنى (إلا) بجامع أن ما بعد كل منهما مخالف في ~~الحكم لما قبله كما ms1058 استعيرت «إلا» لمعنى «لكن» في الاستثناء المنقطع. # ولما كان الرجوع بما بعدها إلى الأسلوب الماضي أبين في مدحها قال: ~~{والمؤتون الزكاة} ولما ذكر أنهم جمعوا إلى صلة الخالق # PageV05P503 # الإحسان إلى الخلائق ذكر الإيمان بانيا على عظمته مفصلا له بعض التفصيل ~~ومشيرا غلأآ أن نفعه كما يشترط أن يكون فاتحا يشترط أن يكون خاتما فقال: ~~{والمؤمنون بالله} أي مستحضرين ما له من صفات الكمال، وضم إليه الحامل على ~~كل خير والمقعد عن كل شر ترغيبا وترهيبا فقال: {واليوم الآخر} فصار الإيمان ~~مذكورا خمس مرات، فإن هذه الأوصاف لموصوف واحد عطفت بالواو تفخيما لها ~~وإشارة إلى أن وصف الرسوخ في العلم مقتض لأنهم في الذروة من كل وصف منها ~~والاتصاف بكل منها يتضمن الإيمان بيوم الدين، فإنه لا يمدح أحد اتصف بشيء ~~منها عريا عن الإيمان به، لا جرم نبه على فخامة أمرهم وعلو شأنهم بأداة ~~البعد فقال: {أولئك} أي العالو الرتبة والهمم، ولكون السياق في الراسخين ~~العاملين أنهى في التأكيد بالسين لأن المكر هنا أقل منه في الأولى، ولم ~~يعرف الأجر، ووصفه بالعظم فقال: {سنؤتيهم} أي بعظمتنا الباهرة بوعد لا خلف ~~فيه {أجرا عظيما} . # ولما كانت هذه الأوصاف منطبقة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان ~~من أحوالهم الوحي، قال تعالى إبطالا لشبهتهم القائلة: # PageV05P504 # لو كان نبيا أتى بكتابه جملة من السماء كما أتى موسى عليه الصلاة والسلام ~~بالتوارة كذلك، بإقرارهم بنبوة هؤلاء الأنبياء عليهم السلام مع كونهم ليس ~~لهم تلك الصفة، ولم يكن ذلك قادحا في نبوة أحد منهم ولا رسالته: {إنا} ويصح ~~أن يكون هذا تعليلا ليؤمنون، أي إنهم آمنوا بما أنزل إليك لأنا {أوحينا ~~إليك كما} أي مثل ما {أوحينا إلى نوح} وقد آمنوا بما به لما أتى به من ~~المعجز الموجب للإيمان من غير توقف على معجز آخر ولا غيره، لأن إثبات ~~المدلول إنما يتوقف على ثبوت الدليل، فإذا تم الدليل كانت المطالبة بدليل ~~آخر طلبا للزيادة وإظهارا للتعنت واللجاج - والله سبحانه يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد. ms1059 # ولما كان مقام الإيحاء - وهو الأنبياء - من قبل الله تعالى قال: ~~{والنبيين من بعده} أي فهم يعلمون ذلك بما لهم من الرسوخ في العلم وطهارة ~~الأوصاف، ولا يشكون في أن الكل من مشكاة واحدة، مع أن هذا الكتاب أبلغ، ~~والتعبير فيه عن المقاصد أجلى وأجمع، فهم إليه أميل، وله أقبل، وأما ~~المطبوع على قلوبهم، الممنوعون من رسوخ العلم فيها بكثافة الحجاب، حتى أنها ~~لا تنظر إلى اسراره إلا من وراء غشاء، فهم غير قابلين لنور العلم المتهيىء ~~للإيمان، فأسرعوا إلى الكفر، وبادروا بالذل والصغار، وفي الآخرة بالسخط ~~والنار. # PageV05P505 # ولما أجمل تعالى ذكر النبيين فصل فقال منبها على شرف من ذكرهم وشهرتهم: ~~{وأوحينا إلى إبراهيم} أي أبيكم وأبيهم كذلك {وإسماعيل} أي ابنه الأكبر ~~الذي هو أبوكم دونهم {وإسحاق} وهو ابنه الثاني وأبوهم {ويعقوب} أي ابن ~~إسحاق {والأسباط} أي أولاد يعقوب. # ولما أجمل بذكر الأسباط بعد تفصيل من قبلهم فصل من بعدهم فقال: {وعيسى} ~~أي الذي هو آخرهم من ذرية يعقوب {وأيوب} وهو من ذرية عيصو بن إسحاق على ما ~~ذكروا {ويونس وهارون وسليمان} ولما كان المقام للتعظيم بالوحي، وكان داود ~~عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب قال: {وآتينا داود زبورا *} أي وهم ~~يدعون الإيمان به مع اعترافهم بأنه لم ينزل جملة ولا مكتوبا من السماء. # ولما تم ما اقتضاه مقام النبوة، وكان فيهم رسل، وكان ربما قال متعنت: إن ~~شأن الرسل غير شأن الأنيباء في الوحي، قال عاطفا على ما تقديره من معنى ~~«أوحينا» : أرسلنا من شئنا من هؤلاء الذين قصصناهم عليك هنا إلى من شئنا من ~~الناس: {ورسلا} أي غير هؤلاء {قد قصصناهم} أي تلونا ذكرهم {عليك} ولما كان ~~القص عليه غير مستغرق للزمان الماضي قال: {من قبل} أي من قبل إنزال هذه ~~الآية {ورسلا لم نقصصهم عليك} أي إلى الآن. # PageV05P506 # ولما كان المراد أنه لا فرق بين النبي والرسول في الوحي نبه على ذلك ~~بقوله: {وكلم الله} أي الذي له الكمال كله فهو يفعل ما يريد لا أمر لأحد ms1060 ~~معه {موسى تكليما *} أي على التدرج شيئا فشيئا بحسب المصالح من غير واسطة ~~ملك، فلا فرق في الوحي بين ما كان بواسطة وبين ما كان بلا واسطة، والمعنى ~~أنكم لو كنتم إنما تتوقفون عن الإيمان ببعض الأنبياء تثبتا لتعلموا أنه فعل ~~به ما فعل بموسى عليه الصلاة والسلام من الكرامة، لم تؤمنوا بإبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وهارون وغيرهم، فإنه خص بالتكليم دونهم، فلم جعلتم ~~الإتيان بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام شرطا في الإيمان ببعض ~~الأنبياء دون بعض؟ وإن جعلتم الشرط الإتيان بالكتاب جملة ومن السماء مدعين ~~أنه كان له ذلك دون التكليم وغيره مما جعل له، كان ذلك - على تقدير التسليم ~~تنزلا - تحكما وترجيحا من غير مرجح، على أن التوراة أيضا - كما تقدم بيانه ~~- كهذا القرآن في إنزالها منجمة على حسب الوقائع على ما أشار إليه قوله ~~(تكليما) ولم يكتب منها جملة إلا اللوحان اللذان وضعا في تابوت الشهادة كما ~~أنزل بعض سور القرآن جملة كسورة الأنعام، وليس في نزول موسى عليه الصلاة ~~والسلام بهما من جبل الطور مكتوبين دليل # PageV05P507 # على نزولهما من السماء ويدل على ذلك كثير من نصوصها أصرحها أنه تعالى حرم ~~عليهم العمل في السبت عقب إخراجهم من البحر عند إنزال المن - كما بين في ~~السفر الثاني منهما - ولم يبين كيف يفعل بالعاصي فيه إلا بعد ذلك بدهر، ~~بدليل ما في السفر الرابع منها في قصة التيه: ومكث بنو إسرائيل في البرية ~~ووجدوا رجلا يحتطب حطبا يوم السبت، فقدمه الذين وجدوه يحتطب إلى موسى ~~وهارون وإلى الجماعة كلها، وحبسوه في السجن، لأنه لم يكن أوحى إلى موسى كيف ~~يصنع به؟ فقال الرب لموسى: يقتل هذا الرجل، يرجم بالحجارة خارجا من العسكر، ~~ورجمه الجماعة كلها بالحجارة ومات - كما أمر الرب موسى؛ ومنها أنه أمرهم - ~~كما بين في السفر الثاني - بنصب قبة الزمان التي كانوا يصلون إليها، ويسمع ~~موسى الكلام منها، ثم بعد ذلك بمدة أمرهم - كما بين في السفر الرابع - ~~بالزيادة فيها؛ ومنها أنه كتب ms1061 له الألواح في الطور: اللوحين اللذين كسرهما ~~غضبا من اتخاذهم العجل، ثم لوحين عوضا عنهما، ثم لما نصبت قبة الزمان صار ~~سبحانه وتعالى يكلمه منها، وغالب أحكامهم إنما شرعت بالكلام الذي كان في ~~قبة الزمان - كما هو في غاية الوضوح في التوراة؛ ومنها ما قال في أوخر ~~السفر الخامس وهو آخرها: فلما أكمل موسى كتاب آيات هذه التوراة في السفر ~~وفرغ منها، أمر موسى الأحبار الذين يحملون تابوت عهد الرب وقال لهم: خذوا ~~سفر هذه السنن واجعلوه # PageV05P508 # في جوف تابوت عهد الله ربكم في جانب من جوانبه، ليكون هناك شاهدا، لأني ~~قد عرفت جفاءكم وقساوة قلوبكم وما تصيرون إليه، وكيف لا يكون ذلك وقد ~~أغضبتم الرب وأنا حي معكم؟ فمن بعد موتي أحرى أن تفعلوا ذلك، فليجتمع إلي ~~أشياخ أسباطكم وكتابكم فأتلو عليهم هذه الأقوال، ولأشهد عليهم السماء ~~والأرض، لأنكم مفسدون من بعد وفاتي، تحيدون عن الطريق الذي آمركم به، شر ~~شديد في آخر الأيام إذا عملتم السيئات بين يدي الرب، وأغضبتموه بأعمال ~~أيديكم، وقال موسى بين يدي جماعة بني إسرائيل: انصتي أيتها السماء فأتكلم، ~~ولتسمع الأرض النطق من في - وقال كلاما كثيرا في ذمهم أذكره إن شاء الله ~~تعالى في المائدة عند # {من لعنه الله وغضب عليه} [المائدة: 60] ثم قال: يقول الله: أسخطوني مع ~~الغرباء بأوثانهم، وأغضبوني حين ذبحوا للشياطين - ومضى يتكلم من كلام الله ~~الذي هو من أحسن التوراة إلى أن قال: فلما أكمل موسى هذه الآيات كلها لبني ~~إسرائيل قال لهم: أقبلوا بقلوبكم إلى هذه الأقوال؛ ثم قال: وكلم الرب موسى ~~ذلك اليوم وقال: # PageV05P509 # اصعد إلى جبل العبرانيين، هذا جبل نابو الذي في أرض مواب حيال إيريحا، ~~وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل ميراثا - وذكر بعد ذلك كلاما ~~طويلا فيها كلها لمن يتأملها كثير مما هو ظاهر في ذلك، بل صريح، وفي قصة ~~نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام ما هو صريح في أن الإيحاء إليهما كان ~~منجما - كما مضى عنهما في قصة إبراهيم عليه السلام ms1062 في البقرة، ويأتي إن شاء ~~الله تعالى في ذكر الأحبار في الأعراف وفي قصة نوح عليه الصلاة والسلام في ~~سورة هود - والله الموفق، وقد ابتدأ سبحانه في هذه الآية بنوح عليه الصلاة ~~والسلام أول أولي العزم وأصحاب الشرائع وجودا، وهو من أوائل الأنبياء، ~~وزمانه في القدم بحيث لا يعلم مقداره على الحقيقة إلا الله تعالى، ثم ثنى ~~بثانيهم في الوجود وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم ذكر أولاده على ~~ترتيبهم، والأسباط يحتمل أن يراد بهم أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام ~~أنفسهم وقبائلهم، ويكون المعنى حينئذ: وأنبياء الأسباط، ويكون مما استعمل ~~في حقيقته ومجازه، ويكون شاملا لجميع أنبياء بني إسرائيل، ثم صرح ببعض من ~~دخل منهم في العموم فبدأهم بآخرهم بعثا # PageV05P510 # وهو عيسى عليه الصلاة والسلام الذي هو أحد نبي أهل الكتابين، وختم الآية ~~بأحد أصحاب الكتب منهم، وهو جده المشهور بالنسبة إليه، فإن اليهود يقولون ~~لعيسى عليه الصلاة والسلام: يا ابن داود! لأن أمه في ذريته، وختم الآية ~~بأول نبي أهل الكتابين موسى عليه الصلاة والسلام الذي آخر آجر تبنى على ~~الإسلام، فانتقله المنتمون إلى أتباعه، ووسط أخاه هارون عليه الصلاة ~~والسلام بين اثنين من أهل البلاء: أيوب ويونس واثنين من أهل الملك - وأحدهم ~~صاحب كتاب - وهما سليمان وداود، وكل ذلك إشارة إلى أنه لا فرق في كيفية ~~الإيحاء بحوما إلى الأنبياء بين متقدمهم ومتأخرهم، سواء كان من بني إسرائيل ~~أو من غيرهم، وسواء منهم من أوتي الملك ومن لم يؤته، ومن أتى بكتاب ومن لم ~~يأت؛ ومن لطائف هذا الترتيب أن المخصوصين بالذكر في الآية الأولى بعد ~~دخولهم في العموم أحد عشر أسماء، الأسباط أحدها، والمشهور بالكتب والصحف ~~منهم ثلاثة: إبراهيم وعيسى وداود، وقد وقع كل منهم سادسا لصاحبه، وهو العد ~~الذي كان فيه الخلق، فلعل ذلك إشارة إلى أن الله لا يحب العجلة، فكما أنه ~~لم يعجل في إنشاء الخلق فكذلك # PageV05P511 # لم يعجل بإنزال الكتب التي بها قوامهم وبقاؤهم دفعة، بل أنزلها منجمة ~~تبعا لمصالحهم وتثبيتا لدعائمهم، ومن ms1063 لطائفه أنه تعالى بدأ المذكورين، ~~وختمهم باثنين من أولي العزم اشتركا في أن كلا منهما أهلك من عانده كنفس ~~واحدة بالإغراء، ترهيبا لهؤلاء الملبسين على أهل الإسلام بالباطل المدعين ~~أنهم أتباع، ووسط بينهم وبين بقية المسمين عموم النبيين والمرسلين، ولعله ~~آخر الرسل ليفهم أن كل من عطفوا عليه مرسل، ولأن رتبة النبوة قبل رتبة ~~الرسالة، بمعنى أنها أعم منها. # ولما سرد أسماء من دخل في العموم بدأهم بأشرفهم ثم بالأقرب إلى هذا النبي ~~الكريم فالأقرب من المرتبين على حسب ترتيب الوجود، إشارة إلى أنه سن به في ~~الوحي سنة آبائه وإخوانهم وذرياتهم - والله أعلم. # PageV05P512 # ولما كان معظم رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم بشارة ونذارة، قال مبينا ~~أنهم مثله في ذلك كما كانوا قبله في الوحي، لأن المقصود من الإرسال لجميع ~~الرسل جمع الخلق بالبشارة والنذارة: {رسلا} أي جعلناهم رسلا، ويجوز أن يكون ~~بدلا من «رسلا» الماضي، وأن يكون حالا، حال كونهم {مبشرين ومنذرين} ثم علل ~~ذلك بقوله: {لئلا يكون} أي لينتفي أن يوجد {للناس} أي نوع من فيه قوة ~~النوس. # PageV05P512 # ولما كانت الحجة قد تطلق على مطلق العذر ولو كان مردودا، عبر بأداة ~~الاستعلاء فقال: {على الله حجة} أي واجبة القبول على الملك الذي اختص بجميع ~~صفات الكمال في أن لا يعذب عصاتهم؛ ولما كان المراد استغراق النفي لجميع ~~الزمان المتعقب للإرسال أسقط الجار فقال: {بعد} أي انتفى ذلك انتفى مستغرقا ~~لجميع الزمان الذي يوجد بعد إرسال {الرسل} وتبليغهم للناس، وذلك على أن ~~وجوب معرفته تعالى إنما يثبت بالسمع، وأما نفس المعرفة والنظر والتوحيد ~~فطريقها العقل، فالمعرفة متلقاة من العقل، والوجوب متلقى من الشرع والنقل. # ولما كان ذلك ربما أوهم أنه ربما امتنع عليه قبل ذلك سبحانه أخذ بحجة أو ~~غيرها، قال مزيلا لذلك: {وكان الله} أي المستجمع لصفات العظمة {عزيزا} أي ~~يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، فهو قادر على ما طلبوه، ولكنه لا يجب عليه شيء، ~~لأنه على سبيل اللجاج وهم غير معجزين {حكيما *} أي يضع الأشياء ms1064 في أتقن ~~مواضعها، فلذلك رتب أمورا لا يكون معها لأحد حجة ومن حكمته أنه لا يجيب ~~المتعنت. # PageV05P513 # ولما لم يبق سبحانه لهم شبهة، واستمروا على عنادهم، أشار تعالى إلى ما ~~تقديره: إنهم لا يشهدون لك عند اتضاح الأمر، فقال: {لكن} أي ومع ما قام من ~~البراهين على صدقك وكون كتابك من عند الله فهم لا يشهدون بذلك لكن {الله} ~~أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له {يشهد} أي لك {بما أنزل إليك} أي من هذا ~~الكتاب المعجز الذي قد أخرس الفصحاء وأبكم البلغاء، وفيه هذه الأحكام ~~الصادقة لما عندهم وهم يريدون الإضلال عنها، فشهادته ببلاغته وحكمته بصدق ~~الآتي به هي شهادة الله لأنه قائله، ولذلك عللل بقوله: {أنزله بعلمه} أي ~~عالما بإنزاله على الوجه المعجز مع كثرة المعارض فلم يقدر أحد ولا يقدر على ~~إحداث شيء فيه من تغيير ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان ولا معارضة ~~{والملائكة} أيضا {يشهدون} بذلك لأنهم كانوا حضورا لإنزاله وأمناء على من ~~كان منهم على يده ليبلغه - كما قال تعالى: {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} [الجن: 27-28] وهذا خطاب للعباد على ~~حسب ما يعرفون. # PageV05P514 # ولما كان ربما أفهم نقصا نفاه بقوله: {وكفى بالله} أي الذي له الكمال كله ~~{شهيدا} أي وكفى بشهادته في ذلك شهادة عن شهادة غيره، وذلك لأنه أنزله ~~سبحانه شاهدا بشهادته ناطقا بها لإعجازه بنظمه وبما فيه من علمه من الحكم ~~والأحكام وموافقة كتب أهل الكتاب، فشهادته بذلك هي شهادة الله، وهي لعمري ~~لا تحتاج إلى شهادة أحد غيره. # PageV05P515 # ولما بين سبحانه أنه أقام الأدلة على صحته بالمعجزات، فصار كأنه شهد ~~بحقيقته كان أنفع الأشياء اتباع ذلك بوصف من جحده في نفسه وصد عنه غيره ~~زجرا عن مثل حاله وتقبيحا لما أبدى من ضلاله فقال: {إن الذين كفروا} أي ~~ستروا ما عندهم من العلم بصدقه بما دل عليه من شاهد العقل وقاطع النقل، من ~~اليهود وغيرهم {وصدوا عن سبيل الله} أي ms1065 الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه ~~بأنفسهم وبإضلال غيرهم بما يلقونه من الشبه من مثل هذه وقولهم كذبا: إن في ~~التوراة أن شريعة موسى عليه الصلاة والسلام لا تنسخ، وقولهم: إن الأنبياء ~~لا يكونون إلا من أبناء هارون وداود عليهما الصلاة والسلام {قد ضلوا} أي عن ~~الطريق الموصل إلى مقصودهم في حسده ومنع # PageV05P515 # ما يراد من إعلائه {ضلالا بعيدا *} أي لأن أشد الناس ضلالا مبطل يعتقد ~~أنه محق، ثم يحمل غيره على مثل باطله، فصاروا بحيث لا يرجى لهم الرجوع إلى ~~الطريق النافع، لا سيما إن ضم إلى ذلك الحسد، لأن داء الحسد أدوأ داء؛ ثم ~~علل إغراقهم في الضلال بإضلاله لهم لتماديهم فيما تدعوا إليه نقيصة النفس ~~من الظلم بقوله وعيدا لهم: {إن الذين كفروا} أي ستروا ما عندهم من نور ~~العقل {وظلموا} أي فعلوا لحسدهم فعل الماشي في الظلام بإعراضهم وإضلالهم ~~غيرهم {لم يكن الله} أي بجلاله {ليغفر لهم} أي لظلمهم {ولا ليهديهم طريقا ~~*} أي لتضييعهم ما أتاهم من نور العقل ومنابذتهم؛ ثم تهكم بهم بقوله: {إلا ~~طريق جهنم} أي بما تجهموا من ظلموه. # ولما كان المعنى: فإنه يسكنهم إياها، قال: {خالدين فيها} أي لأن الله لا ~~يغفر الشرك، وأكد ذلك بقوله: {أبدا} ولما كان ذلك مع ما لهم من العقول أمرا ~~عجيبا قال تعالى: {وكان ذلك} أي الأمر العظيم من كفرهم وضلالهم وعذابهم ~~{على الله يسيرا *} أي لأنه قادر على كل شيء. # PageV05P516 # ولما وضح بالحجاج معهم الحق، واستبان بمحو شبههم كلها من وجوه كثيرة ~~الرشد، وأوضح فساد طرقهم، وأبلغ في وعيدهم؛ أنتج # PageV05P516 # ذلك صدق الرسول وحقيقة ما يقول: فأذعنت النفوس، فكان أنسب الأشياء أن عمم ~~سبحانه في الخطاب لما وجب من اتباعه على وجه العموم عند بيان السبيل ونهوض ~~الدليل، فقال مرغبا مرهبا {يا أيها الناس} أي كافة {قد جاءكم الرسول} أي ~~الكامل في الرسلية الذي كان ينتظره أهل الكتاب لرفع الارتياب ملتبسا ~~{بالحق} أي الذي يطابقه الواقع، وستنظرون الوقائع فتطبقونها على ما سبق من ~~الأخبار، ms1066 كائنا ذلك الحق {من ربكم} أي المحسن إليكم، فإن اتبعتم رسوله ~~قبلتم إحسانه، فتمت نعمته عليكم، ولهذا سبب عن ذلك قوله: {فآمنوا} . # ولما كان التقدير بما أرشد إليه السياق توعدا لهم: إن تؤمنوا يكن الإيمان ~~{خيرا لكم} ، عطف عليه قوله: {وإن تكفروا} أي تستمروا على كفرانكم، أو ~~تجددوا كفرا، يكن الكفران شرا لكم، أي خاصا ذلك الشر بكم، ولا يضره من ذلك ~~شيء، ولا ينقصه من ملكه شيئا، كما أن الإيمان لم ينفعه شيئا ولا زاد في ~~ملكه شيئا لأن له الغنى المطلق، وهذا معنى قوله: {فإن الله} أي الكامل ~~العظمة {ما في السماوات والأرض} فإنه من إقامة العلة مقام المعلول، ولم ~~يؤكد بتكرير «ما» وإن كان الخطاب مع المضطربين، لأن # PageV05P517 # قيام الأدلة أوصل إلى حد من الوضوح بشهادة الله ما لا مزيد عليه، فصار ~~المدلول به كالمحسوس. # ولما كان التقدير: فهو غني عنكم، وله عبيد غيركم لا يعصونه، وهو قادر على ~~تعذيبكم بإسقاط ما أراد من السماء، وخسف ما أراد من الأرض وغير ذلك، وكان ~~تنعيم المؤالف وتعذيب المخالف وتلقي النصيحة بالقبول دائرا على العلم وعلى ~~الحكمة التي هي نتيجة العلم والقدرة قال: {وكان الله} أي الذي له الاختصاص ~~التام بجميع صفات الكمال أزلا وأبدا مع أن له جميع الملك {عليما} أي فلا ~~يسع ذا لب أن يعدل عما أخبر به من أن أمر هذا الرسول حق إذ هو لم يخبر به ~~إلا عن تمام العلم، ولا يخفى عليه عاص ولا مطيع {حكيما *} فلا ينبغي لعاقل ~~أن يضيع شيئا من أوامره لأنه لم يضعها إلا على كمال الأحكام، فهو جدير بأن ~~يحل بمخالفه أي انتقام، ويثيب من أطاعه بكل إنعام. # ولما اقتضى السياق الأكمل فيما سبق إتمام أمر عيسى عليه الصلاة والسلام # PageV05P518 # إذ كان الكلام في بيان عظيم جرأتهم وجفاءهم، وكان ما فعلوا معه أدل دليل ~~على ذلك، وكان كل من أعدائه وأحبابه قد ضل في أمره، وغلا في شأنه اليهود ~~بخفضه، والنصارى برفعه؛ اقتضى قانون العلم والحكمة المشار ms1067 إليهما بختام ~~الآية السالفة بيان ما هو الحق من شأنه ودعاء الفريقين إليه فقال: {يا أهل ~~الكتاب} أي عامة {لا تغلوا في دينكم} أي لا تفرطوا في أمره، فتجاوزوا بسببه ~~حدود الشرع وقوانين العقل {ولا تقولوا على الله} أي الملك الأعلى الذي لا ~~كفوء له شيئا من القول {إلا الحق} أي الذي يطابقه الواقع، فمن قال عن عيسى ~~عليه الصلاة والسلام أنه لغير رشدة، فقد أغرق في الباطل، فإنه لو كان كذلك ~~ما وقفت أمه للدوام على الطاعات، ولا ظهرت عليها عجائب الكرامات، ولا تكلم ~~هو في المهد، ولا ظهرت على لسانه ينابيع الحكمة، ولا قدر على إحياء الموتى، ~~وذلك متضمن لأن الله تعالى العليم الحكيم أظهر المعجزات على يد من لا يحبه، ~~وذلك مناف للحكمة، فهو كذب على الله بعيد عن تنزيهه، ومن قال: إن الله أو ~~ابن الله، فهو أبطل وأبطل، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثا ولما احتاج إلى ~~الطعام والشراب وما ينشأ عنهما، ولا قدر أحد على أذاه ولثبتت الحاجة إلى ~~الصاحبة للإله، فلم يصلح للإلهية، وذلك أبطل الباطل. # ولما ادعى اليهود أنه غير رسول، والنصارى أنه إله، حسن تعقيبه بقوله: ~~{إنما المسيح} أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه الإمام # PageV05P519 # بدهن القدس، لما فيه من صلاحية الإمامة، وهو أهل أيضا لأن يمسح الناس ~~ويطهرهم. لما له من الكرامة، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر، وكان قد يوصف ~~به غيره بينه بقوله: {عيسى} ثم أخبر عنه بقوله: {ابن مريم} أتصل بها اتصال ~~الأولاد بأمهاتهم، لا يصح نسبته للبنوة إلى غيرها، وليس هو الله ولا ابن ~~الله - كما زعم النصارى {رسول الله} لا أنه لغير رشدة - كما كذب اليهود. # ولما كان تكونه بكلمة الله من غير واسطة ذكر، جعل نفس الكلمة فقال: ~~{وكلمته} لأن كان بها من غير تسبب عن أب بل، كونا خارقا للعوائد {ألقاها} ~~أي تشريفا بقوله: {وروح} أي عظيمة نفخها فيما تكون في مريم من الجسد الذي ~~قام بالكلمة، لا بمادة من ذكر، والروح ms1068 هو النفخ في لسان العرب، وهو كالريح ~~إلا أنه أقوى، بما له من الواو والحركة المجانسة لها، ولغلبة الروح عليه ~~كان يحيي الموتى إذا اراد، وأكمل شرفه بقوله: {منه} أي وإن كان جبرئيل هو ~~النافخ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل: روح، لا سيما إن كان به حياة في ~~دين أو بدن. # PageV05P520 # ولما أفصح بهذا الحق سبب عنه قوله: {فآمنوا بالله} أي الذي لا يعجزه شيء، ~~ولا يحتاج إلى شيء {ورسله} أي عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره عامة، من غير ~~إفراط ولا تفريط، ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض، فإن ذلك حقا هو الكفر ~~الكامل - كما مر. # ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم عن التلبس بالباطل فقال: {ولا تقولوا} أي ~~في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام {ثلاثة} أي استمروا أيها اليهود على ~~التكذيب بما يقول فيه النصارى، ولا تقولوا: إنه متولد من أب وأم لغير رشدة ~~- المقتضي للتثليث، وارجعوا أيها النصارى عن التثليث الذي تريدون به أن ~~الإله بثلاثة وإن ضممتم إليه أنه إله واحد، لأن ذلك بديهي البطلان، فالحاصل ~~أنه نهى كلا عن التثليث وإن كان المرادان به مختلفين، وإنما العدل فيه أنه ~~ابن مريم، فهما اثنان لا غير، وهو عبد الله ورسوله وكلمته وروح منه. # ولما نهاهم عن ذلك بصيغة النهي صرح به في مادته مرغبا مرهبا في صيغة ~~الأمر بقوله: {انتهوا} أي عن التثليث الذي نسبتموه إلى الله بسببه، وعن كل ~~كفر، وقد أرشد سياق التهديد إلى أن التقدير: إن تنتهوا يكن الانتهاء {خيرا ~~لكم} . # ولما نفى أن يكون هو الله، كما تضمن قولهم، حصر القول فيه سبحانه في ضد ~~ذلك، كما فعل في عيسى عليه الصلاة والسلام فقال: # PageV05P521 # {إنما الله} أي الذي له الكمال كله؛ ولما كان النزاع إنما هو في ~~الوحدانية من حيث الإلهية، لا من حيث الذات قال: {إله واحد} أي لا تعدد فيه ~~بوجه. # ولما كان المقام عظيما زاد في تقديره، فنزهه عما قالوه فقال: {سبحانه} أي ~~تنزه وبعد بعدا عظيما وعلا علوا كبيرا ms1069 {أن} أي عن أن {يكون له ولد} أي كما ~~قلتم أيها النصارى! فإن ذلك يقتضي الحاجة، ويقتضي التركيب والمجانسة، فلا ~~يكون واحدا؛ ثم علل ذلك بقوله: {له} أي لأنه إله واحد لا شريك له له {ما في ~~السماوات} وأكد لأن المقام له فقال: {وما في الأرض} أي خلقا وملكا وملكا، ~~فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء منهما ولا إلى شيء متحيز فيهما، ولا يصح بوجه ~~أن يكون بعض ما يملكه المالك جزءا منه وولدا له، وعيسى وأمه عليهما الصلاة ~~والسلام من ذلك، وكل منهما محتاج إلى ما في الوجود. # ولما كان معنى ذلك أنه الذي دبرهما وما فيهما، لأن الأرض في السماء، وكل ~~سماء في التي فوقها، والسابعة في الكرسي، والكرسي في العرش، وهو ذو العرش ~~العظيم لا نزاع في ذلك، وذلك هو وظيفة الوكيل # PageV05P522 # بالحقيقة ليكفي من وكله كل ما يهمه؛ كان كأنه قيل: وهو الوكيل فيهما وفي ~~كل ما فيهما في تدبير مصالحكم، فبنى عليه قوله: {وكفى بالله} أي الذي أحاط ~~بكل شيء علما وقدرة {وكيلا *} أي يحتاج إليه كل شيء، ولا يحتاج هو إلى شيء، ~~وإلا لما كان كافيا. # PageV05P523 # ولما كان الوكيل من يقوم مقام الموكل، ويفعل ما يعجز عنه الموكل، وكان ~~الله تعالى لا يعجزه شيء، ولا يحتاج إلى شيء، وكان عيسى عليه الصلاة السلام ~~لا يدعي القدرة على شيء إلا بالله، وكان يحتاج إلى النوم وإلى الأكل والشرب ~~وإلى ما يستلزمانه، صح أنه عبد الله فقال سبحانه دالا على ذلك: {لن يستنكف} ~~أي يطلب ويريد أن يمتنع ويأبى ويستحي ويأنف ويستكبر {المسيح} أي الذي ادعوا ~~فيه الإلهية، وأنفوا له من العبودية لكونه خلق من غير ذكر، ولكونه أيضا ~~يخبر ببعض المغيبات، ويحيي بعض الأموات، ويأتي بخوارق العادات {أن} أي من ~~أن {يكون عبدا لله} أي الملك الأعظم الذي عيسى عليه الصلاة والسلام من جملة ~~مخلوقاته، فإنه من جنس البشر في الجملة وإن كان خلقه خارقا لعادة البشر ~~{ولا الملائكة} أي الذين هم أعجب خلقا منه ms1070 في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى # PageV05P523 # ولا ما يجانس عنصر البشر، فكانوا لذلك أعجب خلقا من آدم عليه الصلاة ~~والسلام أيضا، وهم لا يستنكفون بذلك عن أن يكونوا عباد الله. # ولما كان التقريب مقتضيا في الأغلب للاستحقاق، وكان صفة عامة للملائكة ~~قال: {المقربون} أي الذين هم في حضرة القدس، فهم أجدر بعلم المغيبات وإظهار ~~الكرامات، وجبرئيل الذي هو أحدهم كان سببا في حياة عيسى عليه الصلاة ~~والسلام، وقد ادعى بعض الناس فيهم الإلهية أيضا، وبهذا طاح استدلال ~~المعتزلة بهذه الآية على أفضلية الملك على البشر بأن العادة في مثل هذا ~~السياق الترقي من الأدنى إلى الأعلى بعد تسليم مدعاهم، لكن في الخلق لا في ~~المخلوق. # ولما أخبر تعالى عن خلص عباده بالتشرف بعبوديته أخبر عمن يأبى ذلك، فقال ~~مهددا محذرا موعدا: {ومن يستنكف} أي من الموجودات كلهم {عن عبادته} ولما ~~كان الاستنكاف قد يكون بمعنى مجرد الامتناع لا كبرا، قال مبينا للمراد من ~~معناه هنا: {ويستكبر} أي يطلب الكبر عن ذلك ويوجده، لأن مجرد الامتناع لا ~~يستلزمه. # ولما كان الحشر عاما للمستكبر وغيره كان الضمير في {فسيحشرهم} عائدا على ~~العباد المشار إليهم بعبدا وعبادته، ولا يستحسن عوده على «من» لأن التفصيل ~~يأباه، والتقدير حينئذ: فسيذلهم لأنه سيحشر العباد # PageV05P524 # {إليه جميعا *} أي المستكبرين وغيرهم بوعد لا خلف فيه لأن الكل يموتون، ~~ومن مات كان مخلوقا محدثا قطعا، ومن كان مقدورا على ابتدائه وإفنائه كانت ~~القدرة على إعادته أولى، والحشر: الجمع بكره. # ولما عم بالحشر المستكبرين وغيرهم جاء التفصيل إلى القسمين فقال: {فأما ~~الذين آمنوا} أي أذعنوا الله تعالى وخضعوا له {وعملوا الصالحات} تصديقا ~~لإقرارهم بالإيمان {فيوفيهم أجورهم} أي التي جرت العادات بينكم أن يعطوها ~~وإن كانوا في الحقيقة لا يستحقونها، لأن الله تعالى هو الذي وفقهم لها، فهي ~~فضل منه عليهم {ويزيدهم} أي بعد ما قضيت به العادات {من فضله} أي شيئا لا ~~يدخل تحت الحصر لأنه ذو الفضل العظيم {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} أي ~~طلبوا كلا من الإباء والكبر ms1071 {فيعذبهم عذابا أليما *} أي بما وجدوا من لذاذة ~~الترفع والكبر، وآلموا بذلك أولياء الله {ولا يجدون لهم} أي حالا ولا مآلا ~~{من دون الله} الذي لا أمر لأحد معه {وليا} أي قريبا يصنع معهم ما يصنع ~~القريب {ولا نصيرا *} أي وإن كان بعيدا، وفي هذا أتم زاجر عما قصده ~~المنافقون من موالاة أهل الكتاب، وأعظم ناف لما منوهم إياه مما لهم وزعموا ~~من المنزلة عند الله، المقتضية أن يقربوا # PageV05P525 # من شاؤوا، ويبعدوا من شاؤوا، وهو من أنسب الأشياء لختام أول الآيات ~~المحذرة منهم # {وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا} [النساء: 45] . # ولما أزاح شبه جميع المخالفين من سائر الفرق: اليهود والنصارى ~~والمنافقين، وأقام الحجة عليهم، وأقام الأدلة القاطعة على حشر جميع ~~المخلوقات، فثبت أنهم كلهم عبيده؛ عم في الإرشاد لطفا منه بهم فقال: {يا ~~أيها الناس} أي كافة أهل الكتاب وغيرهم. # ولما كان السامع جديرا بأن يكون قد شرح صدرا بقواطع الأدلة بكلام وجيز ~~جامع قال: {قد جاءكم برهان} أي حجة نيرة واضحة مفيدة لليقين التام، وهو ~~رسول مؤيد بالأدلة القاطعة من المعجزات وغيرها {من ربكم} أي المحسن إليكم ~~بإرسال الذي لم تروا قط إحسانا إلا منه. # ولما كان القرآن صفة الرحمن أتى بمظهر العظمة فقال: {وأنزلنا} أي بما لنا ~~من العظمة والقدرة والعلم والحكمة على الرسول الموصوف، منتهيا {إليكم نورا ~~مبينا *} أي واضحا في نفسه موضحا لغيره، وهو هذا القرآن الجامع بإعجازه ~~وحسن بيانه بين تحقيق النقل وتبصير العقل، فلم يبق لأحد من المدعوين به نوع ~~عذر، والحاصل أنه سبحانه لما خلق للآدمي عقلا وأسكنه نورا لا يضل ولا يميل ~~مهما جرد، # PageV05P526 # ولكنه سبحانه حفه بالشهوات والحظوظ والملل والفتور، فكان في أغلب أحواله ~~قاصرا إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن ألحقه سبحانه بهم؛ أنزل كتبه ~~بذلك العقل مجردا عن كل عائق، وأمرهم أن يجعلوا عقولهم تابعة له منقادة به، ~~لأنها مشوبة، وهو مجرد لا شوب فيه بوجه. # PageV05P527 # ولما أشار في هذه الآية إلى الرسول الأصفى والنبي الأهدى، المجبول على ~~هذا ms1072 العقل الأقوم الأجلي، والكتاب الأتم الأوفى، الجاري على هذا القانون ~~الأعلى، الوافي تعبيره الوجيز بأحكام الأولى والأخرى، الكفيل سياقه وترتيب ~~آياته بوضوح الأدلة وظهور الحجج؛ أخذ يقسم المنذرين فقال تعالى: {فأما ~~الذين آمنوا بالله} أي الذي اتضح أنه لا أمر لأحد معه في ذاته وصفاته ~~وأفعاله وأحكامه وأسمائه بما دل عليه قاطع البرهان {واعتصموا به} أي جعلوه ~~عصاما لهم في الفرائض التي هي من أعظم مقاصد هذه السورة، يربطهم ويضبطهم عن ~~أن يضلوا بعد الهدى، ويرجعوا من الاسبتصار إلى العمى، لأن العصام هو الرابط ~~للوعاء أن يخرج شيء مما فيه، وصيغة الافتعال تدل على الاجتهاد في ذلك، لأن ~~النفس داعية إلى الإهمال المنتج للضلال {فسيدخلهم} أي بوعد لا خلف فيه، ~~ولعل السين ذكرت لتفيد # PageV05P527 # مع تحقيق الوعد الحث على المثابرة والمداومة على العمل إشارة إلى عزة ما ~~عنده سبحانه {في رحمة منه} أي ثواب عظيم هو برحمته لهم، لا بشيء استوجبوه، ~~وأشار إلى البر على ما تقتضيه أعمالهم لو كانت لهم بقوله: {وفضل} أي عظيم ~~يعلمون أنه زيادة، لا سبب لهم فيها {ويهديهم} أي في الدنيا والآخرة {إليه ~~صراطا} أي عظيما واضحا جدا {مستقيما *} أي هو مرشد قومه، كأنه طالب لتقويم ~~نفسه، فهو يوصلهم لا محالة إلى وعده بما يحفظهم في سرهم وعلنهم، يستجلي ~~أنوار عالم القدس في أرواحهم وتوفيقهم لاتباع ما هدت إليه من أمر الفرائض ~~وغيرها، فقد أتى - كما ترى - بأما المقتضية للتقسيم لا محالة، وأتى بأحد ~~القسمين المذكورين في الآية التي قبلها، ووصفهم بالاعتصام بالله في النصرة ~~وقبول جميع أحكامه في الفرائض غيرها، وافقت أهويتهم أو خالفتها، تعريضا ~~للمنافقين الذين والوا غيرهم، وبالكافرين الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ~~وترك القسم الآخر وهو قسم المستنكفين والمستكبرين، ووضع موضعه حكما من ~~أحكام الفرائض المفتتح بها السورة التي هي من أعظم مقاصدها من غير حرف عطف، ~~بل بكمال الاتصال، فقال منكرا عليهم تكرير السؤال # PageV05P528 # عن النساء والأطفال بعد شافي المقال، مبينا أنه قد هدى في ذلك كله أقوم ~~طريق: {يستفتونك} ms1073 أي يسألونك أن تفتيهم، أي أن تبين لهم بما عندك من الكرم ~~والجود والسخاء ما انغلق عليهم أمره وانبهم لديهم سره من حكم الكلالة، ~~وللاعتناء بامر المواريث قال إشارة إلى أن الله لم يكل أمرها إلى غيره: {قل ~~الله} أي الملك الأعظم {يفتيكم في الكلالة} وهو من لا ولد له؛ ولا والد روى ~~البخاري في التفسير عن البراء رضي الله عنه قال: آخر سورة نزلت براءة وآخر ~~آية نزلت {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} ، وقال الأصبهاني عن ~~الشعبي: اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الكلالة، فقال أبو بكر: هو ~~ما عدا الوالد، وقال عمر: ما عدا الوالد والولد، ثم قال عمر: إني لأستحي من ~~الله أن أخالف أبا بكر رضي الله عنه؛ ثم استأنف قوله: {إن امرؤ هلك} أي وهو ~~موصوف بأنه، أو حال كونه {ليس له ولد} أي وإن سفل سواء كان ذكرا أو أنثى ~~عند إرث النصف، وليس له أيضا والد، فإن كان له أحدهما لم يسم كلالة وقد ~~بينت ذلك السنة؛ قال الأصبهاني: وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب ~~والآخر بالسنة، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: # «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر، والأب أولى من الأخ» # PageV05P529 # {و} الحال أنه {له أخت} أي واحدة من أب شقيقة كانت أو لا، لأنه سيأتي أن ~~أخاها يعصبها، فلو كان ولد أم لم يعصب {فلها نصف ما ترك وهو} أي وهذا الأخ ~~الميت {يرثها} أي إن ماتت هي وبقي هو، جميع مالها {إن لم يكن لها ولد} أي ~~ذكرا كان أو أنثى - كما مر في عكسه، هذا إن أريد بالإرث جميع المال، وإلا ~~فهو يرث مع الأنثى كما أنها هي أيضا ترث مع الأنثى - كما يرشد إليه السياق ~~أيضا - دون النصف. # ولما بين الأمر عند الانفراد أتبعه بيانه عند الاجتماع، وقدم أقله فقال: ~~{فإن كانتا} أي الوارثتان ببيان السياق لهما وإرشاده إليهما؛ ولما أضمر ما ~~دل عليه السياق، وكان الخبر صالحا لأن يكون: صالحتين، أو صغيرتين، ms1074 أو غير ~~ذلك؛ بين أن المراد - كما يرشد إليه السياق أيضا - مطلق العدد على أي وصف ~~اتفق فقال: {اثنتين} أي من الأخوات للأب شقيقتين كانتا أو لا {فلهما ~~الثلثان مما ترك} فإن كانت شقيقتين كان لكل منهما ثلث، وإن اختلفتا كان ~~للشقيقة النصف وللتي للأب فقط السدس تكملة الثلثين. # ولما بين أقل الاجتماع أتبعه ما فوقه فقال: {وإن كانوا} أي # PageV05P530 # الوارث {إخوة} أي مختلطين {رجالا ونساء فللذكر} أي منهم {مثل حظ ~~الأنثيين} وقد أنهى سبحانه ما أراد من بيان إرث الأخوة لأب، فتم بذلك جميع ~~أحوال ما أراد من الإرث، وهو على وجازته كما ترى - يحتمل مجلدات - والله ~~الهادي، ووضع هذه الآية هنا - كما تقدم - إشارة منه إلى أن من أبى توريث ~~النساء والصغار الذي تكرر الاستفتاء عنه فقد استنكف عن عبادته واستكبر وإن ~~آمن بجميع ما عداه من الأحكام، ومن استنكف عن حكم من الأحكام فذاك هو ~~الكافر حقا، وهذا مراد شياطين أهل الكتاب العارفين بصحة هذه الأحكام، ~~الحاسدين لكم عليها، المريدين لضلالكم عنها لتشاركوهم في الشقاء الذي وقع ~~لهم لما بدلوا الأحكام المشار إليهم بعد ذكر آيات الميراث وما تبعها من ~~أحوال النكاح بقوله: # {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم} [النساء: 26] وقوله: ~~{ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} [النساء: 27] ثم المصرح ~~بهم في قوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ~~ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم} [النساء: 44] ولذلك - والله ~~أعلم - ختم هذه الآية بقوله: {يبين الله} أي الذي # PageV05P531 # أحاط بكل شيء قدرة وعلما {لكم} أي ولم يكلكم في هذا البيان إلى بيان ~~غيره، وقال مرغبا مرهبا: {أن} أي كراهة أن {تضلوا والله} أي الذي له الكمال ~~كله {بكل شيء عليم *} أي فقد بين لكم بعلمه ما يصلحكم بيانه محيا ومماتا ~~دنيا وأخرى، حتى جعلكم على المحجة البيضاء في مثل ضوء النهار، لا يزيغ عنها ~~منكم إلا هالك، والحاصل أن تأخير هذه الآية إلى هنا لما تقدم من أن ms1075 تفريق ~~القول فيما تأباه النفوس وإلقاءه شيئا فشيئا باللطف والتدريج أدعى لقبوله، ~~وللإشارة إلى شدة الاهتمام بأمر الفرائض بجعل الكلام فيها في جميع السورة ~~أولها وأثنائها وآخرها، والتخويف من أن يكون حالهم كحال المنافقين في إضلال ~~أهل الكتاب لهم بإلقاء الشبهة وأخذهم من الموضع الذي تهواه نفوسهم ومضت ~~عليه أوائلهم، وأشربته قلوهبم، والترهيب من أن يكونوا مثلهم في افيمان ببعض ~~والكفر ببعض، فيؤديهم ذلك إلى إكمال الكفر، لأن الدين لا يتجزأ، بل من كفر ~~بشيء منه كفر به جميعه، ومن هنا ظهرت مناسبة آخر هذه السورة لأولها، لأن ~~أولها مشير إلى أن الناس كلهم كشيء واحد، وذلك يقتضي عدم الفرق بينهم إلا ~~فيما شرعه الله، وآخرها مشير إلى ذلك بالتسوية بين النساء # PageV05P532 # والرجال في مطلق التوريث بقرب الأرحام وإن اختلفت الأنصباء، فكأنه قيل: ~~يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء، وسوى بينهم فيما أراد من الأحكام فإنه من استكبر ~~- ولو عن حكم من أحكامه - فسيجازيه يوم الحشر، ولا يجد له من دون الله ~~ناصرا؛ ولا يخفى عليه شيء من حاله، وما أشد مناسبة ختامها بإحاطة العلم لما ~~دل عليه أولها من تمام القدرة، فكان آخرها دليلا على أولها لأن تمام العلم ~~مستلزم لشمول القدرة، قال الإمام: وهذان الوصفان هما اللذان بهما ثبتت ~~الربوية والإلهية والجلال والعزة، وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعا ~~للأوامر والنواهي منقادا لكل التكاليف - انتهى. ولختام أول آية فيها بقوله: ~~{إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1] أي وهو بكل شيء من أحوالكم وغيرها ~~عليم، فلا تظنوا أنه يخفى عليه شيء وإن دق، فليشتد حذركم منه ومراقبتكم له، ~~وذلك أشد شيء مناسبة لأول المائدة - والله الموفق بالصواب، وإليه المرجع ~~والمآب. # PageV05P533 # مقصودها الوفاء بما هدى إليه الكتاب، ودل عليه ميثاق العقل من توحيد ~~الخالق ورحمة الخلائق شكرا لنعمه واستدفاعا لنقمة، وقصة ### | المائدة # أدل ما فيها على ذلك، فإن مضمونها أن من زاغ عن # PageV06P001 # الطمأنينة بعد الكشف الشافي ms1076 والإنعام الوافي نوقش الحساب فأخذه العذاب، ~~وتسميتها بالعقود أوضح دليل على ما ذكرت من مقصودها وكذا الأحبار. # {بسم الله} أي الذي تمت كلماته فصدقت وعوده وعمت مكرماته {الرحمن} الذي ~~عم بالدعاء إلى الوفاء في حقوقه وحقوق مخلوقاته {الرحيم} الذي نظر إلى ~~القلوب فثبت منها على الصدق ما جبله على التخلق بصفاته. # لما أخبر تعالى في آخر سورة النساء أن اليهود لما نقضوا المواثيق التي ~~أخذها عليهم حرم عليهم طيبات أحلت لهم من كثير من بهيمة الأنعام المشار ~~إليها بقوله {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] ، واستمر ~~تعالى في هتك أستارهم وبيان عوارهم إلى أن ختم بآية في الإرث الذي افتتح ~~آياته بالإيصاء وختمها بأنه شامل العلم، ناسب افتتاح هذه بأمر المؤمنين ~~الذي اشتد تحذيره لهم منهم بالوفاء الذي جل مبناه القلب الذي هو عيب، فقال ~~مشيرا إلى أن الناس الذين خوطبوا أو تلك الأهلوا لأول أسنان الإيمان ووصفوا ~~بما هم محتاجون إليه، وتخصيصهم مشير إلى أن من فوقهم من الأسنان عنده من ~~الرسوخ ما يغنيه عن الحمل بالأمر، وذلك أبعث له على التدبر والأمتثال: # PageV06P002 # {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك بألسنتهم {أوفوا} أي صدقوا ذلك بأن ~~توفوا {بالعقود} أي العهود الموثقة المحكمة وهي تعم جميع أحكامه سبحانه ~~فيما أحل أو حرم أو ندب على سبيل الفرض أو غيره، التي من جملتها الفرائض ~~التي افتتحها بلفظ الإيصاء الذي هو من أعظم العهود، وتعم سائر ما بين الناس ~~من ذلك، حتى ما كان في الجاهلية من عقد يدعو إلى بر، وأما غير ذلك فليس ~~بعقد، بل حل بيد الشرع القوية، تذكيرا بما أشار إليه قوله تعالى في حق ~~أولئك {اذكروا نعمتي وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون} [البقرة: 40] ~~وإخبارا لهم بأنه أحل لهم ما حرم على أولئك، فقال على سبيل التعليل مشيرا ~~إلى أن المقصود من النعمة كونها، لا بقيد فاعل مخصوص، وإلى أن المخاطبين ~~يعلمون أنه لا منعم غيره سبحانه: {أحلت لكم} والإحلال من أجل العقود ~~{بهيمة} وبينها ms1077 بقوله: {الأنعام} أي أوفوا لأنه أحل لكم بشامل علمه وكامل ~~قدرته لطفا بكم ورحمة لكم ما حرم على من قبلكم من الإبل والبقر والغنم ~~بإحلال أكلها والانتفاع بجلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وغير ذلك من ~~شأنها، فاحذروا أن تنقضوا كما نقضوا، فيحرم عليكم ما حرم عليهم، ويعد لكم ~~من العقاب ما أعد لهم، ولا تعترضوا على نبيكم، ولا تتعنتوا كما اعترضوا ~~وتعنتوا، فإن ربكم # PageV06P003 # لا يسأل عما يفعل، وسيأتي في قوله: # {لا تسئلوا عن أشياء} [المائدة: 101] ما يؤيد هذا. # ولما كانوا ربما فهموا من هذا الإحلال ما ألفوا من الميتات ونحوها قال ~~مستثنيا من نفس البهيمة، وهي في الأصل كل حي لا يميز، مخبرا أن من أعظم ~~العقود ما قدم تحريمه من ذلك في البقرة: {إلا ما يتلى عليكم} أي في بهيمة ~~الأنعام أنه محرم، فإنه لم يحل لكم، ونصب {غير محلي الصيد} على الحال أدل ~~دليل على أن هذا السياق. وإن كان صريحه مذكرا بالنعمة لتشكر - فهو مشار به ~~إلى التهديد إن كفرت، أي أحل لكم ذلك في هذه الحال، فإن تركتموها انتفى ~~الإحلال، وهذه مشيرة إلى تكذيب من حرم من ذلك ما أشير إليه بقوله تعالى في ~~التي قبلها حكاية عن الشيطان {ولآمرنهم فليبتكن أذان الأنعام ولآمرنهم ~~فليغيرن خلق الله} [النساء: 119] من السائبة وما معها مما كانوا اتخذوه ~~دينا، وفصلو فيه تفاصيل - كما سيأتي صريحا في آخر هذه السورة بقوله تعالى: ~~{ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} [المائدة: 103] الآية، وكذا في آخر ~~الأنعام، وفي الأمر بالوفاء بالعقود بعد الإخبار بأنه بكل شيء عليم غاية ~~التحذير من تعمد الإخلال بشيء من ذلك وإن دق، وفي افتتاح هذه المسماة ~~بالمائدة بذكر الأطعمة عقب سورة النساء - التي من أعظم مقاصدها النكاح ~~والإرث، # PageV06P004 # المتضمن للموت المشروع فيهما الولائم والمآتم. أتم مناسبة، وقال ابن ~~الزبير: لما بين تعالى حال أهل الصراط المستقيم، ومن تنكب عن نهجهم، ومآل ~~الفريقين من المغضوب عليهم والضالين، وبين لعباده المتقين ما فيه هداهم وبه ~~خلاصهم أخذا وتركا، وجعل ms1078 طي ذلك الأسهم الثمانية الواردة في حديث حذيفة رضي ~~الله عنه في قوله: «الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم والشهادة سهم، ~~والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، والحج سهم، والأمر بالمعروف سهم، ~~والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له» قلت: وهذا الحديث أخرجه ~~البزار عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام ~~ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم» فذكره، وصحح الدارقطني وقفه، ورواه ~~أبو يعلى الموصلي عن علي رضي الله عنه مرفوعا والطبراني في الأوسط عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قالك «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» الإسلام ~~عشرة أسهم، وقد خاب من لا سهم له: شهادة أن لا إله إلا الله سهم وهي الملة، ~~والثانية: الصلاة وهي الفطرة، والثالثة: الزكاة وهي الطهور، والرابعة: ~~الصوم وهي الجنة، والخامسة: الحج وهي الشريعة، والسادسة: الجهاد وهي ~~الغزوة، والسابعة: الأمر بالمعروف # PageV06P005 # وهو الوفاء والثامنة: النهي عن المنكر وهي الحجة، والتاسعة: الجماعة وهي ~~الألفة، والعاشرة: الطاعة وهي العصمة « # وفي سنده من ينظر في حاله؛ قال ابن الزبير: وقال صلى الله عليه وسلم: ~~«بني الإسلام على خمس» أي في الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر ~~وغيره واحد من الصحابة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان» قال ابن الزبير: وقد تحصلت - ~~أي الأسهم الثمانية والدعائم الخمس - فيما مضى، وتحصل مما تقدم أن أسوأ حال ~~المخالفين حال من غضب الله عليه ولعنه، وأن ذلك ببغيهم وعداوتهم ونتقضهم ~~العهود {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} [المائدة: 13] وكان النقض كل مخالفة، ~~قال الله تعالى لعباده المؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} ~~[المائدة: 1] لأن اليهود والنصارى إنما أتى عليهم من عدم الوفاء ونقض ~~العهود، فحذر المؤمنين - انتهى. والمراد بالأنعام الأزواج الثمانية ~~المذكورة في الأنعام وما شابهها من حيوان البر، ولكون الصيد مراد الدخول في ms1079 ~~بهيمة الأنعام استثنى بعض أحواله فقال: {وأنتم حرم} أي أحلت البهيمة مطلقا ~~إلا ما يتلى عليكم # PageV06P006 # من ميتاتها وغيرها في غير حال الدخول في الإحرام بالحج أو العمرة أو دخول ~~الحرم، وأما في حال الإحرام فلا يحل الصيد أكلا ولا فعلا. # ولما كان مدار هذه السنة على الزجر والإحجام عن أشياء اشتد ألفهم لها ~~والتفاتهم إليها، وعظمت فيها رغباتهم من الميتات وما معها، والأزلام والذبح ~~على النصب، وأخذ الإنسان بجريمة الغير، والفساد في الأرض، والسرقة والخمر ~~والسوائب والبحائر - إلى غير ذلك؛ ذكر في أولها بالعهود التي عقدوها على ~~أنفسهم ليلة العقبة حين تواثقوا على الإسلام من السمع والطاعة في المنشط ~~والمكر والعسر واليسر فيما أحبوا وكرهوا، وختم الآية بقوله معللا: {إن ~~الله} أي ملك الملوك {يحكم ما يريد *} أي من تحليل وتحريم وغيرهما على سبيل ~~الإطلاق كالأنعام، وفي حال دون حال كما شابهها من الصيد، فلا يسأل عن تخصيص ~~ولا عن تفضيل ولا غيره، فما فهمتم حكمته فذاك، وما لا فكلوه إليه، وارغبوا ~~في أن يلهمكم حكمته؛ قال الإمام - وهذا هو الذي يقوله أصحابنا -: إن علة ~~حسن التكليف هو الربوبية والعبودية، لا ما يقوله المعتزلة من رعاية ~~المصلحة. # PageV06P007 # ولما استثنى بعض ما أحل على سبيل الإبهام شرع في بيانه، ولما كان منه ما ~~نهى عن التعرض له لا مطلقا، بل ما يبلغ محله، بدأ به # PageV06P007 # لكونه في ذلك كالصيد، وقدم على ذلك عموم النهي عن انتهاك معالم الحج ~~المنبه عليه بالإحرام، أو عن كل محرم في كل مكان وزمان، فقال مكررا لندائهم ~~تنويها بشأنهم وتنبيها لعزائمهم وتذكيرا لهم بما ألزموه أنفسهم: {يا أيها ~~الذين آمنوا} أي دخلوا في هذا الدين طائعين {لا تحلو شعائر الله} أي معالم ~~حج بيت الملك الأعظم الحرام، أو حدوده في جميع الدين، وشعائر الحج أدخل في ~~ذلك، والاصطياد أولاها. # ولما ذكر ما عممه في الحرم أو مطلقا، أتبعه ما عممه في الزمان فقال: {ولا ~~الشهر الحرام} أي فإن ذلك لم يزل معاقدا على احترامه في ms1080 الجاهلية والإسلام، ~~ولعله وحده والمراد الجمع إشارة إلى أن الأشهر الحرم كلها في الحرمة سواء. # ولما ذكر الحرم والأشهر الحرم ذكر ما يهدى للحرم فقال: {ولا الهدي} وخص ~~منه أشرفه فقال: {ولا القلائد} أي صاحب القلائد من الهدي، وعبر بها مبالغة ~~في تحريمه؛ ولما أكد في احترام ما قصد به الحرم من البهائم رقى الخطاب إلى ~~من قصده من العقلاء، فإنه مماثل لما تقدمه في أن قصد البيت الحرام حام له ~~وزاجر عنه، مع ما زاد به من شرف العقل فقال: {ولا آمين} أي ولا تحلوا ~~التعرض لناس قاصدين {البيت الحرام} لأن من قصد بيت الملك كان محترما ~~باحترام ما قصده. # PageV06P008 # ولما كان المراد القصد بالزيارة بقوله: {يبتغون} أي حال كونهم يطلبون على ~~سبيل الاجتهاد {فضلا من ربهم} أي المحسن إليهم شكرا لإحسانه، بأن يثيبهم ~~على ذلك، لأن ثوابه لا يكون على وجه الاستحقاق الحقيقي أصلا؛ ولما كان ~~الثواب قد يكون مع السخط قال: {ورضوانا} وهذا ظاهر في المسلم، ويجوز أن ~~يراد به أيضا الكافر، لأن قصده البيت الحرام على هذا الوجه يرق قلبه فيهيئه ~~للإسلام، وعلى هذا فهي منسوخة. # ولما كان التقدير: فإن لم يكونوا كذلك. أي في أصل القصد ولا في وصفه - ~~فهم حل لكم وإن لم تكونوا أنتم حرما، والصيد حلال لكم، عطف عليه التصريح ~~بما أفهمه التقييد فيما سبق بالإحرام فقال: {وإذا حللتم} أي من الإحرام ~~بقضاء المناسك والإحصار {فاصطادوا} وترك الشهر الحرام إذ كان الحرام فيه ~~حراما في غيره، وإنما صرح به تنويها بقدره وتعظيما لحرمته، ثم أكد تحريم ~~قاصد المسجد الحرام وإن كان كافرا، وإن كان على سبيل المجازاة بقوله: {ولا ~~يجرمنكم} أي يحملنكم {شنئان قوم} أي شدة بغضهم. # ولما ذكر البغض أتبعه سببه فقال: {إن} على سبيل الاشتراط الذي يفهم تعبير ~~الحكم به أنه سيقع، هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، # PageV06P009 # والتقدير في قراءة الباقين بالفتح: لأجل أن {صدوكم} أي في عام الحديبية ~~أو غيره {عن المسجد الحرام} أي على {أن تعتدوا} ms1081 أي يشتد عدوكم عليهم بأن ~~تصدوهم عنه أو بغير ذلك، فإن المسلم من لم يزده تعدي عدوه فيه حدود الشرع ~~إلا وقوفا عند حدوده، وهذا قبل نزول # {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام} [التوبة: 28] سنة تسع. # ولما نهاهم عن ذلك، وكان الانتهاء عن الحظوظ شديدا على النفوس، وكان لذلك ~~لا بد في الغالب من منته وآب، أمر بالتعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر فقال: {وتعاونوا على البر} وهو ما اتسع وطاب من حلال الخير ~~{والتقوى} وهي كل ما يحمل على الخوف من الله، فإنه الحامل على البر، فإن ~~كان منكم من اعتدى فتعاونوا على رده، وإلا فازدادوا بالمعاونة خيرا. # ولما كان المعين على الخير قد يعين على الشر قال تنبيها على الملازمة في ~~المعاونة على الخير، ناهيا أن يغضب الإنسان لغضب أحد من صديق أو قريب إلا ~~إذا كان الغضب له داعيا إلى بر وتقوى: {ولا تعانوا على الإثم} أي الذنب ~~الذي يستلزم الضيق {والعدوان} أي المبالغة في مجاوزة الحدود والانتقام ~~والتشفي وغير ذلك وكرر الأمر بالتقوى إشارة إلى أنها الحاملة على كل خير ~~فقال: {واتقوا} أي الذي له صفات الكمال لذاته فلا تتعدوا شيئا من حدوده؛ ~~ولما كان # PageV06P010 # كف النفس عن الانتقام وزجرها عن شفاء داء الغيظ وتبريد غلة الاحن في غاية ~~العسر، ختم الآية بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {شديد العقاب} . # PageV06P011 # ولما أتم الكلام على احترام أعظم المكان وأكرم الزمان وما لابسهما، فهذب ~~النفوس بالنهي عن حظوظها، وأمر بعد تخليتها عن كل شر بتحليتها بكل خير عدد ~~على سبيل الاستئناف ما وعد بتلاوته عليهم مما حرم مطلقا إلا في حال الضرورة ~~فقا: {حرمت} بانيا الفعل للمفعول لأن الخطاب لمن يعلم أنه لا محرم إلا ~~الله، وإشعارا بأن هذه الأشياء لشدة قذارتها كأنها محرمة بنفسها {عليكم ~~الميتة} وهي ما فقد الروح بغير ذكاة شرعية، فإن دم كل ما مات حتف أنفه يحبس ~~في عروقه ويتعفن ويفسد، فيضر أكله البدن بهذا الضرر الظاهر، والدين بما ~~يعلمه أهل ms1082 البصائر {والدم} أي المسفوح، وهو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق ~~{ولحم الخنزير} خصة بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارة أكله كالدين {وما ~~أهل} ولما كان القصد في هذه السورة إلى حفظ محكم العهود المذكر بجلاله ~~الباهر، قدم المفعول له فقال: {لغير الله} أي الملك الأعلى {به} أي ذبح على ~~اسم غيره من صنم أو غيره على وجه التقرب عبادة لذلك الشيء، والإهلاك: رفع ~~الصوت. # ولما كان من الميتات ما لا تعافه النفوس عيافتها لغيره، نص عليه # PageV06P011 # فقال: {والمنخنقة} أي بحبل ونحوه، سواء خنقها أو لا {والموقوذة} أي ~~المضروبة بمثقل، من: وقذه - إذا ضربه {والمتردية} أي الساقطة من عال، ~~المضطربة غالبا في سقوطها {والنطيحة} أي التي نطحها فماتت {وما أكل السبع} ~~أي كالذئب والنسر ونحوهما. # ولما كان كل واحدة من هذه قد تدرك حية فتذكى، استثنى فقال: {إلا ما ~~ذكيتم} أي من ذلك كله بأن أدركتموه وفيه حياة مستقرة، بأن اشتد اضطرابه ~~وانفجر منه الدم؛ ولما حرم الميتات وعد في جملتها ما ذكر عليه اسم غير الله ~~عبادة، ذكر ما ذبح على الحجارة التي كانوا ينصبونها للذبح عندها تدينا وإن ~~لم يذكر اسم شيء عليها فقال: {ما ذبح على النصب} وهو واحد الأنصاب، وهي ~~حجارة كانت حول الكعبة تنصب، فيهل عليها ويذبح عندها تقربا إليها وتعظيما ~~لها {وأن تستقسموا} أي تطلبوا على ما قسم لكم {بالأزلام} أي القداح التي لا ~~ريش لها ولا نصل، واحدها بوزن قلم وعمر وكانت ثلاثة، على واحد: أمرني ربي، ~~وعلى آخر: نهاني ربي، والآخر غفل، فإن خرج الآمر فعل، أو الناهي ترك، أو ~~الغفل أجيلت ثانية، فهو دخول في علم الغيب وافتراء على الله بادعاء أمره ~~ونهيه، وإن أراد المنسوب إلى الصنم فهو الكفر الصريح وقال # PageV06P012 # صاحب كتاب الزينة: يقال: إنه كانت عندهم سبعة قداح مستوية من شوحط، وكانت ~~بيد السادن، مكتوب عليها «نعم» «لا» «منكم» «من غيركم» «ملصق» «العقل» «فضل ~~العقل» فكانوا إذا اختلفوا في نسب الرجل جاؤوا إلى السادن بمائة درهم، ثم ~~قالوا للصنم: ms1083 يا إلهنا! قد تمارينا في نسب فلان، فأخرج علينا الحق فيه، ~~فتجال القداح فإن خرج القدح الذي عليه «منكم» كان أوسطهم نسبا، وإن خرج ~~الذي عليه «من غيركم» كان حليفا وإن خرج «ملصق» كان على منزلته لا نسب له ~~ولا حلف، وإذا أرادوا سفرا أو حاجة جاؤوا بمائة فقالوا: يا إلهنا! أردنا ~~كذا، فإن خرج «نعم» فعلوا، وإن خرج «لا» لم يفعلوا، وإن جنى أحدهم جناية، ~~فاختلفوا فيمن يحمل العقل جاؤوا بمائة فقالوا: يا إلهنا! فلان جنى عليه، ~~أخرج الحق، فإن خرج القدح الذي عليه «العقل» لزم من ضرب عليه وبرىء ~~الآخرون، وإن خرج غيره كان على الآخرين العقل، وكانوا إذا عقلوا العقل ففضل ~~الشيء منه تداروا فيمن يحمله، فضربوا عليه؛ فإن خرج القدح الذي عليه «فضل ~~العقل» للذي ضرب عليه لزمه، وإلا كان على الآخرين الذين لم يضرب عليهم فهذا ~~الاستقسام الذي حرمه الله لأنه يكون عند الأصنام ويطلبون # PageV06P013 # ذلك منها، ويظنون أن الذي أخرج لهم ذلك هو الصنم، وأما إجالة السهام لا ~~على هذا الوجه فهو جائز، هو وتساهم واقتراع لا استقسام وقال أبو عبيدة: ~~واحد الأزلام زلم - بفتح الزاء، وقال بعضهم بالضم وهو القدح لا ريش له ولا ~~نصل، فإذا كان مريشا فهو السهم - والله أعلم؛ ويجوز أن يراد مع هذا ما ~~كانوا يفعلونه في الميسر - على ما مضى في البقرة، فإنه طلب معرفة ما قسم من ~~الجزور، ويلتحق بالأول كل كهانة وتنجيم، وكل طيرة يتطيرها الناس الآن من ~~التشاؤم ببعض الأيام وبعض الأماكن والأحوال، فإياك أن تعرج على شيء من ~~الطيرة، فتكون على شعبة جاهلية، ثم إياك! . # ولما كانت هذه الأشياء شديدة الخبث أشار إلى تعظيم النهي عنها بأداة ~~البعد وميم الجمع فقال: {ذلكم} أي الذي ذكرت لكم تحريمه {فسق} أي فعله خروج ~~من الدين. # ولما كانت هذه المنهيات معظم دين أهل الجاهلية، وكان سبحانه قد نهاهم ~~قبلها عن إحلال شعائر الله والشهر الحرام وقاصدي المسجد الحرام بعد أن كان ~~أباح لهم ذلك في بعض الأحوال ms1084 والأوقات بقوله {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم - ~~ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191] {الشهر ~~الحرام بالشهر الحرام} [البقرة: 194] {واقتلوهم حيث # PageV06P014 # ثقفتموهم} [البقرة: 191] علم أن الأمر بالكف عن انتهاز الفرص إنما هو ~~للأمن من الفوت، وذلك لا يكون إلا من تمام القدرة، وهو لا يكون إلا بعد ~~كمال الدين وإظهاره على كل دين - كما حصل به الوعد الصادق، وكذا الانتهاء ~~عن جميع هذه المحارم إنما يكون لمن رسخ في الدين قدمه، وتمكنت فيه عزائمه ~~وهممه، فلا التفات له إلى غيره ولا همه إلى سواه، ولا مطمع لمخالفه فيه، ~~فعقب سبحانه النهي عن هذه المناهي كلها بقوله على سبيل النتيجة والتعليل: ~~{اليوم} أي وقت نزول هذه الآية {يئس الذين كفروا} أي لابسوا الكفر سواء ~~كانوا راسخين فهي أو لا {من دينكم} أي لم يبق لكم ولا لأحد منكم عذر في شيء ~~من إظهار الموافقة لهم أو التستر من أحد منهم، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة ~~رضي الله عنه حين كاتبهم ليحمي بذلك ذوي رحمه، لأن الله تعالى قد كثركم بعد ~~القلة، وأعزكم بعد الذلة، وأحيى بكم منار الشرع، وطمس معالم شرع الجهل، وهد ~~منار الضلال، فأنا أخبركم - وأنتم عالمون بسعة علمي - أن الكفار قد اضمحلت ~~قواهم، وماتت هممهم، وذلت نخوتهم، وضعفت عزائمهم، فانقطع رجاؤهم عن أن ~~يغلبوكم أو يستميلوكم إلى دينهم بنوع استمالة، فإنهم رأوا دينكم قد قامت ~~منائره، وعلت في المجامع منابره، وضرب محرابه، وبرك بقواعده وأركانه، ولهذا ~~سبب # PageV06P015 # عما مضى قوله: {فلا تخشوهم} أي أصلا {واخشون} أي وامحضوا الخشية لي وحدي، ~~فإن دينكم قد أكمل بدره، وجل عن المحلق محله وقدره، ورضي به الآمر، ومكنه ~~على رغم أنف الأعداء. # وهو قادر على ذلك، وذلك قوله تعالى مسوقا مساق التعليل: {اليوم أكملت لكم ~~دينكم} أي الذي أرسلت إليكم به أكمل خلقي لتدينوا به وتدانوا، وإكماله ~~بإنزال كل ما يحتاج إليه من أصل وفرع، نصا على البعض، وبيانا لطريق القياس ~~في الباقي، وذلك بيان لجميع الأحكام، وأما قبل ذلك ms1085 اليوم فهو وإن كان كاملا ~~لكنه بغير هذا المعنى، بل إلى حين ثم يزيد فيه سبحانه ما يشاء، فيكون به ~~كاملا أيضا وأكمل مما مضى، وهكذا إلى هذه النهاية، وكان هذا هو المراد من ~~قوله: {وأتممت عليكم نعمتي} أي التي قسمتها في القدم من هذا الدين على لسان ~~هذا الرسول، بأن جمعت عليه كلمة العرب الذين قضيت في القدم بإظهارهم على من ~~ناواهم من جميع أهل الملل، ليظهر بهم الدين، وتنكسر شوكة المفسدين من غير ~~حاجة في ذلك إلى غيرهم وإن كانوا بالنسبة إلى المخالفين كالشعرة البيضاء في ~~جلد الثور الأسود {ورضيت لكم الإسلام} أي الذي هو الشهادة لله بما شهد به ~~لنفسه من الوحدانية التي لمن يتبع الإذعان لها الإذعان لكل طاعة {دينا} ~~تتجازون به فيما بينكم ويجازيكم به ربكم؛ # PageV06P016 # روى البخاري في المغازي وغيره، ومسلم في آخر الكتاب، والترمذي في ~~التفسير، والنسائي في الحج عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أن رجلا من ~~اليهود قال له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر ~~اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي آية؟ قال: {اليوم أكملت لكم ~~دينكم} فقال عمر رضي الله عنه: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة» وفي التفسير ~~من البخاري عن طارق بن شهاب «قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية لو نزلت ~~فينا لاتخذناها عيدا، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت» وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: كان ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى ~~والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده، قلت: ويوم ~~الجمعة هو اليوم الذي أتم الله فيه خلق هذه الموجودات بخلق آدم عليه السلام ~~بعد عصره، وهو حين نزول هذه الآية إن شاء الله تعالى، فكانت تلك الساعة من ~~ذلك اليوم تماما ابتداء، وروى ms1086 هارون بن عنترة عن أبيه قال: «لما نزلت هذه ~~الآية بكى عمر رضي الله عنه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # «ما يبكيك يا عمر؟ فقال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فإذا كمل # PageV06P017 # فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، قال: صدقت!» فكانت هذه الآية نعي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، عاش بعدها إحدى وثمانين يوما وقد روي أنه كان هجيري ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة من العصر إلى الغروب شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو - الآية، وكأن ذلك كان جوابا منه صلى الله عليه وسلم لهذه ~~الآية، لفهمه صلى الله عليه وسلم أن إنزال آية سر الإسلام وأعظمه وأكمله، ~~وهذه الآية من المعجزات، لأنها إخبار بمغيب صدقها فيه الواقع. # ولما تمت هذه الجمل الاعتراضية التي صار ما بينها وبين ما قبلها وما ~~بعدها بأحكام الرصف واتقان الربط من الامتزاج أشد مما بين الروح والجسد، ~~المشيرة إلى أن هذه المحرمات هي التي تحقق بها أهل الكفر كمال المخالفة، ~~فأيسوا معها من المواصلة والمؤالفة؛ رجع إلى تتمات لتلك المحظورات، فقال ~~مسببا عن الرضى بالإسلام الذي هو الحنيفة السمحة المحرمة لهذه الخبائث ~~لإضرارها بالبدن والدين: {فمن اضطر} أي ألجىء إلجاء عظيما - من أي شيء كان ~~- إلى تناول شيء مما مضى أنه حرم، بحيث لا يمكنه معه الكف عنه {في مخمصة} ~~أي مجاعة عظيمة {غير متجانف} أي متعمد ميلا {لإثم} أي بالأكل على غير سد ~~الرمق، أو بالبغي على مضطر آخر بنوع مكر أو العدو عليه # PageV06P018 # بضرب قهر، وزاد بعد هذا التقييد تخويفا بقوله: {فإن الله} أي الذي له ~~الكمال كله {غفور رحيم *} أي يمحو عنه إثم ارتكابه للمنهي ولا يعاقبه عليه ~~ولا يعاتبه ويكرمه، بأن يوسع عليه من فضله، ولا يضطره مرة أخرى - إلى غير ~~ذلك من الإكرام وضروب الأنعام. # PageV06P019 # ولما تقدم إحلال الصيد وتحريم الميتة، وختم ذلك بهذه الرخصة، «وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الكلاب» وكان الصيد ربما مات في يد ms1087 الجارح ~~قبل إدراك ذكاته، سأل بعضهم عما يحل من الكلاب، وبعضهم عما يحل من ميتة ~~الصيد إحلالا مطلقا لا بقيد الرخصة، إذ كان الحال يقتضي هذا السؤال؛ روى ~~الواحدي في أسباب النزول بسنده عن أبي رافع رضي الله عنه قال: «أمرني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب، فقال الناس: يا رسول الله! ما أحل ~~لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله تعالى: {يسئلونك} » . # ولما كان هذا إخبارا عن غائب قال: {ماذا أحل لهم} دون «لنا» قال الواحدي: ~~أي من إمساك الكلاب وأكل الصيود وغيرها، أي من المطاعم، ثم قال الواحدي: ~~رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه، وذكر المفسرون شرح هذه القصة، قال: قال ~~أبو رافع رضي الله عنه: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن ~~عليه، فأذن له فلم يدخلن فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد أذنا # PageV06P019 # لك! قال: أجل يا رسول الله! ولكنا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب، فنظر ~~فإذا في بعض بيوتهم جرو، قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلبا إلا ~~قتلته، حتى بلغت العوالي فإذا امرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته، ~~فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، ~~فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الكلاب جاء أناس فقالوا: يا ~~رسول الله! ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه، ~~وأمر بقتل الكلاب الكلب والعقور ما يضر ويؤذي، ورفع القتل عما سواها مما لا ~~ضر فيه، وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل ~~الطائيين رضي الله عنهما، وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم زيد الخير، وذلك أنهما جاءا إلى رسول ms1088 الله صلى الله عليه وسلم فقالا: ~~«يا رسول الله! إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلاب آل درع وآل أبي ~~حورية تأخذ البقر والحمر والظباء والضب، فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما يقتل ~~فلا ندرك ذكاته، وقد حرم الله # PageV06P020 # الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: {يسئلونك} الآية {الطيبات} يعني ~~الذبائح، و {الجوارح} الكواسب من الكلاب وسباع الطير» انتهى. # فإذا أريد كون الكلام على وجه يعم قيل: {قل} لهم في جواب من سأل {أحل} ~~وبناه للمفعول طبق سؤالهم ولأن المقصود لا كونه من معين {لكم الطيبات} أي ~~الكاملة الطيب، فلا خبث فيها بنوع تحريم ولا تقذر، من ذوي الطباع السليمة ~~مما لم يرد به نص ولا صح فيه قياس، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه ~~مما كانوا يحرمونه على أنفسهم من السائبة وما معها، وكل ما أذن فيه من غير ~~ذبح كحيوان البحر وما أذن فيه من غير المطاعم {وما} وهو على حذف مضاف للعلم ~~به، فالمعنى: وصيد ما {علمتم من الجوارح} أي التي من شأنها أن تجرح، أو ~~تكون سببا للجرح وهو الذبح، أو من الجرح بمعنى الكسب {ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار} [الأنعام: 60] وهو كواسب الصيد من السباع والطير، فأحل إمساكها ~~للقنية وصيدها وشرط فيه التعليم، قال الشافعي: والكلب لا يصير معلما إلا ~~عند أمور: إذا أشلى استشلى، وإذا زجر انزجر وحبس ولم يأكل، وإذا دعي أجاب، ~~وإذا أراده لم يفر منه، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم، ولم يذكر حدا # PageV06P021 # لأن الاسم إذا لم يكن معلوما من نص ولا إجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف، ~~وبنى الحال من الكلاب وإن كان المراد العموم، لأن التأديب فيها أكثر فقال: ~~{مكلبين} أي حال كونكم متكلفين تعليم هذه الكواسب ومبالغين في ذلك، قالوا: ~~وفائدة هذه الحال أن يكون المعلم نحريرا في علمه موصوفا به، وأكد ذلك بحال ~~أخرى أو استئناف فقال: {تعلمونهن} وحوشا كن أو طيورا {مما علمكم الله} أي ~~المحيط بصفات الكمال من علم التكليب، فأفاد ذلك أن ms1089 على كل طالب لشيء أن لا ~~يأخذه إلا من أجل العلماء به وأشدهم دراية له وأغوصهم على لطائفه وحقائقه ~~وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ من غير متقن قد ضيع ~~أيامه، وعض عند لقاء النجارين إبهامه! ثم سبب عن ذلك قوله: {فكلوا} . # ولما كان في الصيد من العظم وغيره ما لا يؤكل قال: {مما أمسكن} أي ~~الجوارح مستقرا إمساكها {عليكم} أي على تعليمكم، لا على جبلتها وطبيتعها ~~دون تعليمكم، وذلك هو الذي لم يأكلن منه وإن مات قبل إدراك ذكاته، وأما ما ~~أمسك الجارح على أي مستقرا على جبلته وطبعه، ناظرا فيه إلى نفاسه نفسه فلا ~~يحل {واذكروا اسم الله} أي الذي له كل شيء ولا كفوء له {عليه} أي على ما ~~أمسكن عند إرسال الجارح أو عند الذبح إن أدركت ذكاته، لتخالفوا سنة ~~الجاهلية # PageV06P022 # وتأخذوه من مالكه، وقد صارت نسبة هذه الجملة. كما ترى. إلى {حرمت عليكم ~~الميتة} [المائدة: 3] نسبة المستثنى إلى المستثنى منه، وإلى مفهوم غير محلي ~~الصيد وانتم حرم نسبة الشرح. # ولما كان تعليم الجوارح أمرا خارجا عن العادة في نفسه وإن كان قد كثر، ~~حتى صار مألوفا، وكان الصيد بها أمرا تعجب شرعته وتهز النفوس كيفيته، ختم ~~الآية بما هو خارج عن عادة البشر وطرقها من سرعة الحساب ولطف العلم بمقدار ~~الاستحقاق من الثواب والعقاب، فقال محذرا من إهمال شيء مما رسمه: {واتقوا} ~~أي حاسبوا أنفسكم واتقوا {الله} أي عالم الغيب والشهادة القادر على كل شيء ~~فيما أدركتم ذكاته وما لم تدركوها، وما أمسكه الجارح عليكم وما أمسكه على ~~نفسه - إلى غير ذلك من أمور الصيد التي لا يقف عندها إلا من غلبت عليه ~~مهابة الله واستشعر خوفه، فاتقاه فيما أحل وما حرم، ثم علل ذلك بقوله: {إن ~~الله} أي الجامع لمجامع العظمة {سريع الحساب *} أي عالم بكل شيء وقادر عليه ~~في كل وقت، فهو قادر على كل جزاء يريده، لا يشغله أحد عن أحد ولا شأن عن ~~شأن. # PageV06P023 # ولما كان ms1090 قد تقدم النهي عن نكاح المشركات، والمنافرة لجميع أصناف الكفار، ~~وبيان بغضهم وعداوتهم، والحث على طردهم ومنابذتهم {هآ أنتم أولاء تحبونهم} ~~[آل عمران: 119] ونحوها لضعف الأمر إذ ذاك وشدة الحاجة إلى # PageV06P023 # إظهار الفظاظة والغلظة لهم لتعظيم دين الله، حتى كانت خلطتهم من أمارات ~~النفاق. كما سيأتي في كثير من آيات هذه السورة، وكان الدين وصل عند نزولها ~~من العظمة إلى حد لا يحتاج في إلى تعظيم معظم، وكانت مخالطة أهل الكتاب لا ~~بد منها عند فتوح البلاد التي وعد الصادق بهان وسبق في الأزل علمها، فكانت ~~الفتنة في مخالطتهم قد صارت في حد الأمن وسع الأمر بحل طعامهم ونسائهم، ~~فقال تعالى مكررا ذكر الوقت الذي أنزل فيه هذه الآيات، تنبيها على عظم ~~النعمة فيه بتذكر ما هم فيه من الكثرة والأمن والجمع والألفة، وتذكر ما ~~كانوا فيه قبل ذلك من القلة والخوف والفرقة، فقال معيدا لصدر الآية التي ~~قبلها إعلاما بعظم النعمة فيه، ومفيدا بذكر وقت الإحلال أنه إحلال مقصود به ~~الثبات، لكونه يوم إتمام النعمة فهو غير الأول: {اليوم} . # ولما كان القصد إنما هو الحل، لا كونه من محل معين، مع أن المخاطبين بهذه ~~الآيات يعلمون أنه لا محل إلا الله، بني الفعل للمجهول فقال: {أحل} أي ثبت ~~الإحلال فلا ينسخ أبدا {لكم} أي أيها المؤمنون {الطيبات} أي التي تقدم في ~~البقرة وصفها بالحل لزوال الإثم وملاءمة الطبع، فهي الكاملة في الطيب. # PageV06P024 # ولما كانت الطيبات أعم من المآكل قال: {وطعام الذين} ولما كان سبب الحل ~~الكتاب، ولم يتعلق بذكر مؤتيه غرض، بني الفعل للمجهول فقال: {أوتوا الكتاب} ~~أي مما يصنعونه أو يذبحونه، وعبر بالطعام الشامل لما ذبح وغيره وإن كان ~~المقصود المذبوح، لا غيره، ولا يتخلف حاله من كتابي ولا غيره تصريحا ~~بالمقصود {حل لكم} أي تناوله لحاجتكم، أي مخالطتهم للإذن في إقرارهم على ~~دينهم بالجزية، ولما كان هذا مشعرا بإبقائهم على ما اختاروا لأنفسهم زاده ~~تأكيدا بقوله: {وطعامكم حل لهم} أي فلا عليكم في بذله لهم ولا عليهم ms1091 في ~~تناوله. # ولما كانت الطيبات أعم من المطاعم وغيرها، وكانت الحاجة إلى المناكح بعد ~~الحاجة إلى المطاعم، وكانت المطاعم حلالا من الجانبين والمناكح من جانب ~~واحد قال: {والمحصنات} أي الحرائر {من المؤمنات} ثم أكد الإشارة إلى إقرار ~~أهل الكتاب فقال: {والمحصنات} أي الحرائر {من الذين أوتوا الكتاب} وبني ~~الفعل للمفعول للعلم بمؤتيه مع أنه لم يتعلق بالتصريح به غرض. # ولما كان إيتاؤهم الكتاب لم يستغرق الزمن الماضي، أثبت الجار فقال: {من ~~قبلكم} أي وهم اليهود والنصارى، وعبر عن العقد بالصداق # PageV06P025 # للملابسة فقال مخرجا للأمة لأنها لا تعطى الأجر وهو الصداق، لأنها لا ~~تملكه بل يعطاه سيدها: {إذا آتيتموهن أجورهن} أي عقدتم لهن، ودل مساق الشرط ~~على تأكد وجوب الصداق، وأن من تزوج وعزم على عدم الإعطاء، كان في صورة ~~الزاني، وورد فيه حديث، وتسميته بالأجر تدل على أنه لا حد لأقله. # ولما كان المراد بالأجر المهر، وكان في اللغة يطلق على ما يعطاه الزانية ~~أيضا، بينه بقوله: {محصنين} أي قاصدين الإعفاف والعفاف {غير مسافحين} أي ~~قاصدين صب الماء لمجرد الشهوة جهارا {ولا متخذي أخذان} أي صدائق لذلك في ~~السر، جمع خدن، وهو يقع على الذكر والأنثى، فكانت هذه الآية مخصصة لقوله ~~تعالى {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] فبقي على التحريم مما ~~تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من الوثنيات وغيرهن من جميع المشركات حتى ~~المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى غير دين الإسلام، وصرح هنا بالمؤمنات ~~المقتضي لهن قوله تعالى في النساء {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ~~وقوله {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات} [النساء: 25] ~~ولعل # PageV06P026 # ذكر وصف الإحصان الواقع على العفة للتنبيه على أنه لا يقصد المتصفة بغيره ~~لمجرد الشهوة إلا من سلب الصفات البشرية، وأخلد إلى مجرد الحيوانية، فصار ~~في عداد البهائم، بل أدنى، مع أن التعليق بذلك الوصف لا يفهم الحرمة عند ~~فقده، بل الحل من باب الأولى، لأن من حكم مشروعية النكاح الإعفاف، فإذا شرع ~~إعفاف العفائف كان شرع إعفاف غيرهن أولى، ms1092 لأن زناها إما لشهوة أو حاجة، ~~وكلاهما للنكاح مدخل عظيم في نفيه. والله أعلم. # ولما كان السر في النهي عن نكاح المشركات في الأصل ما يخشى من الفتنة، ~~وكانت الفتنة - وإن علا الدين روسخ الإيمان واليقين. لم تنزل عن درجة ~~الإمكان، وكانت الصلاة تسمى إيمانا لأنها من أعظم شرائعه {وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] أي صلاتكم، وروى الطبراني في الأوسط عن عبد ~~الله بن قرط رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما ~~يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد ~~سائر عمله» وله في الأوسط أيضا بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال: «قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم» أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة ينظر في ~~صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، وإن فسدت فقد خاب وخسر «وكانت مخالطة الأزواج ~~مظنة للتكاسل عنها، ولهذا أنزلت آية {حافظوا على الصلوات} [البقرة: 238] # PageV06P027 # كما مضى بالمحل الذي هي به، لما كان ذلك كذلك ختمت هذه الآية بقوله تعالى ~~منفردا من نكاحهن بعد إحلاله، إشارة إلى أن الورع ابتعد عنه، امتثالا ~~للآيات الناهية عن موادة المحاد لئلا يحصل ميل فيدعو إلى المتابعة، أو يحصل ~~ولد، فتستميله لدينها: {ومن} أي أحل لكم ذلك والحال أنه من {يكفر} أي يوجد ~~ويجدد الكفر على وجه طمأنينة القلب به والاستمرار عليه إلى الموت ~~{بالإيمان} أي بسبب التصديق القلبي بكل ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب، ~~الذي منه حل الكتابيات، فيدعوه ذلك إلى نكاحهن، فتحمله الخلطة على اتباع ~~دينهن، فيكفر بسبب ذلك التصديق فيكفر بالصلاة التي يلزم من الكفر بها الكفر ~~به، فإطلاقه عليها تعظيم لها # {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] أي صلاتكم {فقد حبط} أي فسد ~~{عمله} أي إذا اتصل ذلك بالموت بدليل قوله: {وهو في الآخرة من الخاسرين *} ~~والآية من أدلة إمانا الشافعي على استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، ~~فحيث قصد التحذير من الكفر حقيقة فالإيمان حقيقة وحيث ms1093 أريد الترهيب من ~~إضاعة الصلاة فهو مجاز، ومما يؤيد ذلك أن في السفر الثاني من التوراة: لا ~~تعاهدن سكان الأرض لكيلا تضلوا # PageV06P028 # بأوثانهم، وتذبحوا لآلهتهم، أو يدعوك فتأكل من ذبائحهم، وتزوج بنيك من ~~بناتهم وبناتك من بنيهم، فتضل بناتك خلف آلهتهم ويضل بنوك بآلهتهم، وقال في ~~الخامس منها: وإذا أدخلكم الله ربنا الأرض التي تدخلونها لترثوها، وأهلك ~~شعوبا كثيرة من بين أيديكم: حتانيين وجرجسانيين وأمورانيين وكنعانيين ~~وفرزانيين وحاوانيين ويابسانيين. سبعة شعوب أكثر وأقوى منكم، ويدفعهم الله ~~ربكم في أيديكم فاضربوهم واقتلوهم وانفوهم وحرموهم ولا تعاهدوهم عهدا ولا ~~ترحموهم، وتحاشوهم ولا تزوجوا بناتكم من بنيهم، ولا تزوجوا بنيكم من بناتهم ~~لئلا يغوين بنيكم عن عبادتي، ويخدعنهم فيعبدوا آلهة أخرى، ويشتد غضب الرب ~~عليكم ويهلككم سريعا، ولكن اصنعوا بهم هذا الصنيع: استأصلوا مذابحهم، ~~وكسروا أنصابهم، وحطموا أصنامهم المصبوغة، وأحرقوا أوثانهم المنحوتة، لأنكم ~~شعب طاهر لله ربكم - انتهى. وإذا تأملت جميع ذلك، وأمعنت فيه النظر لاح لك ~~سر تعقيبها بقوله تعالى في سياق مشير إلى البشارة بأن هذه الأمة تطيع ولا ~~تعصى فتؤمن ولا تكفر، لما خص به كتابها من البيان الأتم في النظم المعجز # PageV06P029 # مع شرف التذكير بما أفاضه من شرف جليل الأيادي، فافتتح هذه السورة بالأمر ~~بالوفاء بحق الربوبية، وأتبعه التذكير بما وفى به سبحانه من حق الربوبية من ~~نوع المنافع في لذة المطعم وتوابعه ولذة المنكح وتوابعه، وقدم المطعم لأن ~~الحاجة إليه فوق الحاجة إلى المنكح، فلما أتم ما ألزمه نفسه الأقدس من عهد ~~الربوبية فضلا منه، أتبعه الأمر بالوفاء بعهد العبودية، وقدم منه الصلاة ~~لأنها أشرفه بعد الإيمان، وقدم الوضوء لأنه شرطها فقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا} أي أقروا به! صدقوه بأنكم {إذا} عبر بأداة التحقيق بشارة بأن الأمة ~~مطيعة {قمتم} أي بالقوة، وهي العزم الثابت على القيام الذي هو سبب القيام ~~{إلى الصلاة} أي جنسها محدثين، لما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بجمعه ~~بعده صلوات بوضوء واحد وإن كان التجديد أكمل، وخصت الصلاة ومس المصحف من ~~بين ms1094 الأعمال بالأمر بالوضوء تشريفا لهما ويزيد حمل الإيمان على الصلاة حسنا ~~تقدم قوله تعالى # {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] الثابت أنها نزلت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد عصر يوم عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم على ناقته ~~يخطب، وكان من خطبته في ذلك الوقت أو في يوم النحر أو في كليهما: «ألا إن ~~الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» ~~رواه أحمد ومسلم في صفة القيامة # PageV06P030 # والترمذي عن جابر رضي الله عنه، فقوله «المصلون» إشارة إلى أن الماحي ~~للشرك هو الصلاة، فما دامت قائمة فهو زائل، ومتى زالت والعياذ بالله - رجع، ~~وإلى ذلك يشير ما رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن جابر رضي ~~الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:» بين العبد والكفر ترك الصلاة ~~«وللأربعة وابن حبان في صحيحه والحاكم عن بريدة رضي الله عنه» أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» ولأبي ~~يعلى بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم:» إن أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى ~~الصلاة «. ولما كان الوضوء في سورة النساء إنما هو على سبيل الإشارة ~~إجمالا، صرح به هنا على سبيل الأمر وفصله، فقال مجيبا للشرط إعلاما بأن ~~الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة، لأن المعلق على الشيء بحرف الشرط يعدم ~~عند عدم الشرط: {فاغسلوا} أي لأجل إرادة الصلاة، ومن هنا يعلم وجوب النية، ~~لأن فعل العاقل لا يكون إلا مقصودا، وفعل المأمور به لأجل الأمر هو النية ~~{وجوهكم} وحد الوجه منابت شعر الرأس ومنتهى الذقن طولا وما بين الأذنين ~~عرضا، وليس منه داخل العين وإن كان مأخوذا من المواجهة، لأنه من الحرج، # PageV06P031 # وكذا إيصال الماء إلى البشرة إذا كثفت اللحية خفف للحرج واكتفى عنه بظاهر ~~اللحية، وأما العنفقة ونحوها من الشعر الخفيف فيجب {وأيديكم} . # ولما كانت اليد تطلق على ما ms1095 بين المنكب ورؤوس الأصابع، قال مبينا إن ~~ابتداء الغسل يكون من الكفين، لأنهما لعظم النفع أولى بالاسم: {إلى ~~المرافق} أي آخرها، أخذا من بيان النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، فإنه كان ~~يدير الماء على مرفقيه، وإنما كان الاعتماد على البيان لأن الغاية تارة تدل ~~كقوله تعالى {من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1] وتارة لا ~~تدخل كقوله تعالى {ثم أتموا الصيام إلى الليل} # [البقرة: 187] والمرفق ملتقى العظمين، وعفي عما فوق ذلك تخفيفا {وامسحوا} ~~ولما عدل عن تعدية الفعل إلى الرأس، فلم يفعل كما فعل في الغسل مع الوجه، ~~بل أتى بالباء فقال: {برءوسكم} علم أن المراد إيجاد ما يسمى مسحا في أي ~~موضع كان من الرأس، دون خصوص التعميم وهو معنى قول الكشاف: المراد إلصاق ~~المسح بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح. # ولما كان غسل الرجل مظنة الإسراف فكان مأمورا بالاقتصاد فيه، وكان المسح ~~على الخف سائغا كافيا، قرىء: {وأرجلكم} بالجر على المجاورة إشارة إلى ذلك ~~أو لأن الغاسل يدلك في الأغلب، # PageV06P032 # قال في القاموس: المسح كالمنع: إمرار اليد على الشيء السائل. فيكون في ~~ذلك إشارة أيضا إلى استحباب الدلك، والقرينة الدالة على استعمال هذا ~~المشترك في أحد المعنيين قراءة النصب وبيان النبي صلى الله عليه وسلم، ومر ~~استعماله فيه وفيه الإشارة إلى الرفق بالنصب على الأصل. # ولما كانت الرجل من موضع الانشعاب من الأسفل إلى آخرها، خص بقوله دالا ~~بالغاية على أن المراد الغسل - كما مضى في المرافق، لأن المسح لم يرد فيه ~~غاية في الشريعة وعلى أن ابتداء الغسل يكون من رؤوس الأصابع، لأن القدم ~~بعظم نفعه أولى باسم الرجل: {إلى الكعبين} وهما العظمان الناتئان عند مفصل ~~الساق والقدم، وثنى إشارة إلى أن لكل رجل كعبين، ولو قيل: إلى الكعاب، لفهم ~~أن الواجب كعب واحد من كل رجل - كما ذكره الزركشي في مقابلة الجمع بالجمع ~~من حرف الميم من قواعده، والفصل بالمسح بين المغسولات معلم بوجوب الترتيب، ~~لأن عادة العرب - كما نقله الشيخ محيي الدين ms1096 النووي في شرح المهذب عن ~~الأصحاب - أنها لا تفعل ذلك إلا للإعلام بالترتيب، وقال غيره معللا لما ~~ألزمته العرب: ترك التمييز بين النوعين بذكر كل منهما على حدته مستهجن في ~~الكلام البليغ لغير فائدة، فوجب تنزيه كلام الله # PageV06P033 # عنه أيضا، فدلالة الآية على وجوب البداءة بالوجه مما لا مدفع له لترتيبها ~~له بالحراسة على الشرط بالفاء، وذلك مقتض لوجوب الترتيب في الباقي إذ لا ~~قائل بالوجوب بالبعض دون البعض، ولعل تكرير الأمر بالغسل والتيمم للاهتمام ~~بهما، وللتذكير بالنعمة في التوسعة بالتيمم، وأن حكمه باق عند أمنهم وسعتهم ~~كراهة أن يظن أنه إنما كان عند خوفهم وقلتهم وضيق التبسط في الأرض، لظهور ~~الكفار وغلبتهم، كما كان المتعة تباح تارة وتمنع أخرى نظرا إلى الحاجة ~~وفقدها، وللإشارة إلى أنه من خصائص هذه الأمة، والإعلام بأنه لم يرد به ولا ~~بشيء من المأمورات والمنهيات قبله الحرج، وإنما أراد طهارة الباطن والظاهر ~~من أدناس الذنوب وأوضار الخلائق السالفة، فقال تعالى معبرا بأداة الشك ~~إشارة إلى أنه قد يقع وقد لا يقع وهو نادر على تقدير وقوعه، عاطفا على ما ~~تقديره: هذا إن كنتم محدثين حدثا أصغر: {وإن كنتم} أي حال القصد للصلاة ~~{جنبا} أي ممنين باحتلام أو غيره {فاطهروا} أي بالغسل إن كنتم خالين عن عذر ~~لجميع البدن، لأنه أطلق ولم يخص ببعض الأعضاء كما في الوضوء. # ولما أتم أمر الطهارة عزيمة بالماء من الغسل والوضوء، وبدأ بالوضوء ~~لعمومه، ذكر الطهارة رخصة بالتراب، فقال معبرا بأداة الشك إشارة إلى أن ~~الرخاء أكثر من الشدة: {وإن كنتم مرضى} أي # PageV06P034 # بجراح أو غيره، فلم تجدوا ماء حسا أو معنى بعدم القدرة على استعماله ~~وأنتم جنب {أو على سفر} طويل أو قصير كذلك، ولما ذكر الأكبر أتبعه الأصغر ~~فقال {أو جاء أحد منكم} وهو غير جنب {من الغائط} أي الموضع المطمئن من ~~الأرض وهو أي مكان التخلي، أي قضيتم حاجة الإنسان التي لا بد له منها، ~~وينزه الكتاب عن التصريح بها لأنها من النقائص المذكرة له بشديد ms1097 عجزه وعظيم ~~ضرورته وفقره ليكف من إعجابه وكبره وترفعه وفجره. كما ورد أن بعض الأمراء ~~لقي بعض البله في طريق فلم يفسح له، فغضب وقال: كأنك ما تعرفني؟ فقال بلى ~~والله! إني لأعرفك، أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك ~~تحمل العذرة. # ولما ذكر ما يخص الأصغر ذكر ما يعم الأكبر فقال: {أو لامستم النساء} أي ~~بالذكر أو غيره أمنيتم أولا {فلم تجدوا ماء} أي حسا أو معنى بالعجز عن ~~استعماله للمرض بجرح أو غيره {فتيمموا} أي اقصدوا قصدا متعمدا {صعيدا} أي ~~ترابا {طيبا} أي طهورا خالصا {فامسحوا} . # PageV06P035 # ولما كان التراب لكثافته لا يصل إلى ما يصل إليه الماء بلطافته، قصر ~~الفعل وعداه بالحرف إشارة إلى الاكتفاء بمرة والعفو عن المبالغة، وبينت ~~السنة أن المراد جميع العضو، فقال: {بوجوهكم وأيديكم منه} أي حال النية ~~التي هي القصد الذي هو التيمم، ثم أشار لهم إلى حكمته سبحانه في هذه الرخصة ~~فقال مستأنفا: {ما يريد الله} أي الغنى الغنى المطلق {ليجعل عليكم} وأغرق ~~في النفي بقوله: {من حرج} أي ضيق علما منه بضعفكم، فسهل عليكم ما كان عسره ~~على من كان قبلكم، وإكراما لكم لأجل نبيكم صلى الله عليه وسلم، فلم يأمركم ~~إلا بما يسهل عليكم ليقل عاصيكم {ولكن يريد ليطهركم} أي ظاهرا وباطنا ~~بالماء والتراب وامتثال الأمر على ما شرعه سبحانه، عقلتم معناه أو لا، مع ~~تسهيل الأوامر والنواهي لكيلا يوقعكم التشديد في المعصية التي هي رجس ~~الباطن {وليتم نعمته} أي في التخفيف في العزائم ثم في الرخص، وفي وعدكم ~~بالأجور على ما شرع لكم من الأفعال {عليكم} لأجل تسهيلها، ليكون فعلكم لها ~~واستحقاقكم لما رتب عليها من الأجر مقطوعا به، إلا لمن لج طبعه في العوج، ~~وتمادى في الغواية والجهل والبطر {لعلكم تشكرون *} أي وفعل ذلك كله. # هذا التسهيل وغيره ليكون حالكم لما سهل # PageV06P036 # عليكم حال من يرجى صرفه لنعم ربه عليه في طاعته المسهلة له المحببة إليه، ~~روى البخاري في التفسير وغيره عن عائشة رضي الله ms1098 عنها قالت: «خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات ~~الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، ~~وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء. وفي رواية: سقط قلادة لي ~~بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم ونزل، فثنى ~~رأسه في حجري راقدا. فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت ~~عائشة؟ فجاء أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال: حبست النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قلادة، فبي الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوجعني، ~~ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد، ~~فنزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6] ، وفي ~~رواية: فأنزل الله آية التيمم {فتيمموا} فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله ~~للناس فيكم يا آل أبي بكر! ما أنتم إلا بركة لهم، وفي رواية: ما هي بأول ~~بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي # PageV06P037 # كنت عليه فإذا العقد تحته» وفي رواية له عنها في النكاح أنها استعارت من ~~أسماء قلادة فهلكت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من أصحابه في ~~طلبها، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرا! ~~فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه ~~بركة «وهذا الحديث يدل على أن هذه الآية نزلت قبل آية النساء، فكانت تلك ~~نزلت بعد ذلك لتأكيد هذا الحكيم ومزيد الامتنان به، لما فيه من عظيم اليسر ~~وليحصل في التيمم من الجناية نص خاص، فيكون ذلك أفخم لشأنها وأدل على ~~الاهتمام به. # PageV06P038 # ولما كان في هذه المأمورات والمنهيات خروج عن المألوفات، وكانت الصلاة ~~أوثق عرى الدين، وكان قد عبر عنها بالإيمان الذي هو أصل الدين وأساس ~~الأعمال، عطف ms1099 عليها قوله تذكيرا بما يوجب القبول والانقياد: {واذكروا} أي ~~ذكر اتعاظ وتأمل واعتبار. # ولما كان المقصود من الإنعام غايته قال: {نعمة الله} أي الملك الأعلى ~~{عليكم} أي في هدايته لكم إلى الإسلام بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها، وفي غير ذلك من جميع النعم، وإنما # PageV06P038 # لم تجمع لئلا يظن أن المقصود تعداد النعم، لا الندب إلى الشكر بتأمل أن ~~هذا الجنس لا يقدر عليه غيره سبحانه وعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~يستحقه بجعل فعله سبحانه فعله صلى الله عليه وسلم فقال: {وميثاقه} أي عقده ~~الوثيق {الذي واثقكم به} أي بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم حين بايعكم ~~ليلة العقبة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره {إذ} أي ~~حين {قلتم سمعنا وأطعنا} وفي ذلك تحذير من مثل ما أراد بهم شاس بن قيس، ~~وتذكير بما أوجب له صلى الله عليه وسلم عليهم من الشكر بهدايته لهم إلى ~~الإسلام المثمر لالتزام تلك العهود ليلة العقبة الموجبه للوفاء الموعود ~~عليه الجنة، والتفات إلى قوله أول السورة {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] ~~وحديث إسباغ الوضوء على المكاره مبين لحسن هذه التناسب. # ولما كان أمر الوفاء بالعهد صعبا، لا يقوم به إلا من صدقت عريقته وصلحت ~~سريرته، وإنما يحمل عليه مخافة الله قال: {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم ~~وبين ما يغضب الملك الأعظم. الذي يفعل ما يشاء. من نقض العهد وقاية من حسن ~~القيام، لتكونوا في أعلى درجات وعيه، ثم علل ذلك مرغبا مرهبا بقوله: {إن ~~الله} أي الذي له صفات الكمال {عليم} أي بالغ العلم {بذات الصدور *} أي ~~أحوالها من سرائرها # PageV06P039 # وإن كان صاحبها لم يعلمها لكونها لم تبرز إلى الوجود، وعلانيتها وإن ~~صاحبها قد نسيها. # ولما تقدم القيام إلى الصلاة، وتقدم ذكر الأزواج المأمور فيهن بالعدل في ~~أول النساء وأثنائها، وكان في الأزواج المذكورات هنا الكافرات، ناسب تعقيب ~~ذلك بعد الأمر بالتقوى بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا ~~بالإيمان ولما كان العدل في غاية ms1100 الصعوبة على الإنسان، فكان لذلك يحتاج ~~المتخلق به إلى تدريب كبير ليصير صفة راسخة، عبر بالكون فقال تعالى: {كونوا ~~قوامين} أي مجتهدين في القيام على النساء اللاتي أخذتموهن بعهد الله، ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وعلى غيرهن في الصلاة وغيرها من جميع الطاعات ~~التي عاهدتم على الوفاء بها. # ولما كان مبنى السورة على الوفاء بالعهد الوثيق، وكان الوفاء بذلك إنما ~~يخف على النفوس، ويصح النشاط فيه، ويعظم العزم عليه بالتذكير بجلالة موثقة ~~وعدم انتهاك حرمته، لأن المعاهد إنما يكون باسمه ولحفظ وحده ورسمه، قدم ~~قوله: {لله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء. # بخلاف ما مضى في النساء. # ولما كان من جملة المعاقد عليه ليلة العقبة «ليلة تواثقوا على الإسلام» ~~أن يقولوا الحق حيث ما كانوا، لا يخافون في الله لومة لائم، # PageV06P040 # قال: {شهداء} أي متيقظين محضرين أفهامكم غاية الإحضار بحيث لا يسد عنها ~~شيء مما تريدون الشهادة به {بالقسط} أي العدل، وقال الإمام أبو حيان في ~~نهره: إن التي جاءت في سورة النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى ~~الوالدين والأقربين، فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل والسواء من غير محاباة ~~نفس ولا والد ولا قرابة، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والاحن، فبدىء ~~فيها بالقيام لله إذ كان الأمر بالقيام لله أولا أردع للمؤمنين، ثم أردف ~~بالشهادة بالعدل، فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدىء فيها بما هو آكد وهو ~~القسط، والتي في معرض العدواة والشنآن، بدىء فيها بالقيام لله، فناسب كل ~~معرض ما جيء به إليه، وأيضا فتقدم هناك حديث النشوز والإعراض وقوله {ولن ~~تستطيعوا أن تعدلوا} [النساء: 129] وقوله {فلا جناح عليهما أن يصلحا} ~~[النساء: 128] فناسب ذكر تقديم القسط، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن ~~يجاورها ذكر القسط - انتهى. # ولما كان أمر بهذا الخبر، نهى مما يحجب عنه فقال: {ولا يجرمنكم} # PageV06P041 # أي يحملنكم {شنئان قوم} أي شدة عداوة من لهم قوة على القيام في الأمور من ~~المشركين، بحيث يخشى من إهمالهم ازدياد قوتهم {على ألا تعدلوا} أي أن ~~تتركوا ms1101 قصد العدل، وهو يمكن أن يدخل فيه بغض أهل الزوجة الكافرة أو ~~ازدراؤها في شيء من حقوقها لأجل خسة دينها، فأمروا بالعدل حتى بين هذه ~~المرأة الكافرة وضراتها المسلمات، وإذا كان هذا شأن الأمر به في الكافر فما ~~الظن به في المسلم؟ ثم استأنف قوله آمرا بعد النهي تأكيدا لأمر العدل: ~~{اعدلوا} أي تحروا العدل واقصدوه في كل شيء حتى في هذه الزوجات وفيمن يجاوز ~~فيكم الحدود، فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه فيهم، فإن الذي منعكم من التجاوز ~~وفيمن يجاوز فيكم الحدود، فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه فيهم، فإن الذي ~~منعكم من التجاوز خوفه يريكم من النصرة وصلاح الحال ما يسركم. # ولما كان ترك قصد العدل قد يقع لصاحبه العدل اتفاقا، فيكون قريبا من ~~التقوى، قال مستأنفا ومعللا: {هو} أي قصد العدل {أقرب} أي من ترك قصده ~~{للتقوى} والإحسان الذي يتضمنه الصلح أقرب من العدل إليها، وتعدية {أقرب} ~~بالام دون إلى المقتضية لنوع بعد زيادة في الترغيب - كما مر في البقرة؛ ~~ولما كان الشيء لا يكون إلا بمقدماته، وكان قد علم من هذا أن العدل مقدمة ~~التقوى، قال عاطفا # PageV06P042 # على النهي أو على نحو: فاعدلوا: {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين غضب ~~الملك الأعظم وقاية بالإحسان فضلا عن العدل، ويؤيد كون الآية ناظرة إلى ~~النكاح مع ما ذكر ختام آية الشقاق التي في أول النساء بقوله # {إن الله كان عليما خبيرا} [النساء: 35] ، وختام قوله تعالى في أواخرها ~~وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا بقوله {فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا} وختام هذه بقوله معللا لما قبله: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال ~~{خبير بما تعملون*} لأن ما بين الزوجين ربما دق علمه عن إدراك غير العليم ~~الخبير؛ وقالو أبو حيان: لما كان الشنآن محله القلب، وهو الحامل على ترك ~~العدل، أمر بالتقوى وأتى بصفة {خبير} ومعناها عليم ولكنها مما تختص بما لطف ~~إدراكه انتهى. {وشهداء} يمكن أن يكون من الشهادة التي هي حضور القلب - كما ~~تقدم من قوله ms1102 {أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق: 37] وأن يكون من الشهادة ~~المتعارفة، ويوضح المناسبة فيها مع تأييد إرادتها كونها بعد قوله {إن الله ~~عليم بذات الصدور} [آل عمران: 119] ومع قوله تعالى: {ومن يكتمها # PageV06P043 # فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] وختام آية النساء التي في الشهادة بقوله: ~~{وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 135] كما ~~ختمت هذه بمثل ذلك. # PageV06P044 # ولما أمر سبحانه ونهى، بشر وحذر فقال: {وعد الله} أي الملك الذي له ~~الكمال المطلق فله كل شيء {الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم ~~{وعملوا} تصديقا لهذا الإقرار {الصالحات} وترك المفعول الثاني أقعد في باب ~~البشارة، فإنه يحتمل كل خير، وتذهب النفس في تحريزه كل مذهب. # ولما كان الموعود شيئين: فضلا وإسقاط حق قدم الإسقاط تأمينا للخوف فقال ~~واضعا له موضع الموعود في صيغة دالة على الثبات والاختصاص: {لهم مغفرة} أي ~~لما فرط منهم لما طبع الإنسان عليه من النقص نسيانا أو عمدا، بعمل الواجبات ~~إن كان صغيرة، وبالتوبة إن كان كبيرة، وفيه إشارة إلى أنه لا يقدر أحد أن ~~يقدر الله حق قدره؛ ولما أمنهم بالتجاوز أتبعه الجود بالعطاء فقال {وأجر} ~~أي على قدر درجاتهم من حسن العمل {عظيم *} أي لا يدخل تفاوت درجاته تحت ~~الحصر. # ولما قدم الوعد لأنه في سورة الذين آمنوا أتبعه الوعيد لأضدادهم، وهو ~~أعظم وعد لأحبابه المؤمنين أيضا فقال: {والذين كفروا} أي غطوا ما اتضح ~~لعقولهم من أدلة الوحدانية {وكذبوا} أي زيادة # PageV06P044 # على الستر بالعناد: {بآياتنا} على ما لها من العظمة في أنفسها وبإضافتها ~~إلينا {أولئك} أي البغضاء البعداء من الرحمة خاصة {أصحاب الجحيم *} أي ~~النار التي اشتد توقدها فاشتد احمرارها، فلا يراها شيء إلا أحجم عنها، فهم ~~يلقون فيها بما أقدموا على ما هو أهل للإجحام عنه من التكذيب بما لا ينبغي ~~لأحد التكذيب به، ثم يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب. # ولما كان من الأجر ما يحصل من أسباب السعادة في الدنيا، قال تعالى ذاكرا ~~لهم بعض ذلك مذكرا ببعض ما ms1103 خاطبهم به ليقدموا على مباينة الكفرة ويقفوا عند ~~حدوده كائنة ما كانت: {يا أيها الذين آمنوا} أي صدقوا بالله ورسوله وكتابه ~~{اذكروا نعمت الله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما {عليكم} عظمها ~~بإبهامها، ثم زادها تعظيما بالتذكير بوقتها فقال: {إذ} أي حين {هم قوم} أي ~~لهم قوة ومنعه وقدرة على ما يقومون فيه {أن يبسطوا إليكم أيديهم} أي ~~بالقتال والقتل، وهو شامل - مع ذكر من أسباب نزوله - لما اتفق صبيحة ليلة ~~العقبة من أن قريشا تنطست الحبر عن البيعة، فلما صح عندهم طلبوا أهل البيعة ~~ففاتوهم إلا أنهم أدركوا سعد بن عبادة بأذاخر، والمنذر بن عمرو أخا بني ~~ساعدة، وكلاهما كان نقيبا، فأما المنذر فأعجزهم، وأما سعد فأخذوه فربطوه ~~وأقبلوا يضربونه، حتى خلصه الله منهم بجبير بن مطعم # PageV06P045 # والحارث بن حرب بن أمية بما كان بينه وبينهما من الجوار، فكان في سوق ~~الآية بعد آية الميثاق الذي أعظمه ما كان ليلة العقبة أعظم مذكر بذلك {فكف ~~أيديهم عنكم} أي مع قلتكم وكثرتهم وضعفكم وقوتهم، ولم يكن لكم ناصر إلا ~~الذي آمنتم به تلك الليلة وتوكلتم عليه وبايعتم رسوله، فكف ببعض الأعداء ~~عنكم أيدي بعض، ولو شاء لسلطهم عليكم كما سلط ابن آدم على أخيه؛ وينبغي أن ~~يعلم أن القصة التي عزيت في بعض التفاسير هنا إلى بني قريظة في الاستعانة ~~في دية القتيلين إنما هي لبني النضير، وهي كانت سبب إجلائهم. # ولما أمرهم بذكر النعمة، عطف على ذلك الأمر الأمر بالخوف من المنعم أن ~~يبدل نعمته بنقمة فقال: {واتقوا الله} أي الملك الذي لا يطاق انتقامه لأنه ~~لا كفوء له، حذرا من أن يسلط عليكم أعداءكم ومن غير ذلك من سطواته. # ولما كان التقدير: على الله وحده في كل حالة فتوكلوا، فإنه جدير بنصر من ~~انقطع إليه ولم يعتمد إلا عليه، عطف على ذلك قوله تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف: {وعلى الله} أي وحده لكونه لا مثل له {فليتوكل المؤمنون *} أي في ~~كل وقت فإنه يمنعهم إذا شاء كهذا المنع ms1104 وإن اشتد الخطب وتعاظم الأمر، ~~فتوكلوا ولا تنكلوا عن أعدائكم الذين وعدكم الله أرضهم وديارهم وأبناءهم ~~وتهابوا جموعهم كما هاب # PageV06P046 # بنو إسرائيل - كما سيقص عليكم، وقوله هنا {المؤمنون} وفي قصة بني إسرائيل ~~{إن كنتم مؤمنين} شديد التآخي، معلم بمقامي الفريقين، وحينئذ حسن كل الحسن ~~تعقيبها مع ما تقدم من أمر العقبة وأمر بني النضير في نقضهم عهدهم وغدرهم، ~~بما هموا به من قتل النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء الرحى عليه من سطح ~~البيت الذي أجلسوه إلى جانبه، بقوله إشارة إلى أن اليهود ما زالوا على ~~النقض قديما، تحذيرا للمؤمنين من أن يكونوا مثلهم في النقض لئلا يحل بهم ما ~~حل بهم من الصغار، وإعلاما بأن عادته سبحانه في الإلزام بالتكاليف قديمة ~~غير مخصوصة بهم، بل هي عامة لعباده وقد كلف أهل الكتاب، تشريفا لهم بمثل ما ~~كلفهم به، ورغبهم ورهبهم ليسابقوهم في الطاعة، فإن الأمر إذا عم هان، ~~والإنسان إذا سابق اجتهد في أخذ الرهان، وأكد الخبر بذلك لئلا يظن لشدة ~~انهماكهم في النفس أنه لم يسبق لهم عهد قبل ذلك فقال تعالى: {ولقد أخذ ~~الله} أي بما له من جميع الجلال والعظمة والكمال {ميثاق بني إسرائيل} أي ~~العهد الموثق بما أخذ عليكم من السمع والطاعة {وبعثنا} أي بما لنا من ~~العظمة {منهم اثني عشر نقيبا} أي شاهدا، على كل سبط نقيب يكفلهم بالوفاء ~~بما عليهم من الوفاء به - كما بعثنا منكم ليلة العقبة اثني عشر نقيبا ~~وأخذنا منكم الميثاق على # PageV06P047 # ما أحاله الإسلام - كما قال كعب بن مالك رضي الله عنه في تخلفه عن تبوك: ~~«ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على ~~الإسلام» وأما تفصيله فمذكور في السير، والنقيب: الذي ينقب عن أحوال القوم ~~كما قيل: عريف، لأنه يتعرفها، ومن ذلك المناقب وهي الفضائل، لأنها لا تظهر ~~إلا بالتنقيب عنها {وقال الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما لبني إسرائيل، ~~وأكد لتكرر جزعهم وتقلبهم فقال: {إني معكم} وهو كناية عن الكفاية ms1105 لأن ~~القادر إذا كان مع أحد كان كذلك إذا لم يغضبه. # ولما أنهى الترغيب بالمعية استأنف بيان شرط ذلك بقوله مؤكدا لمثل ما مضى: ~~{لئن اقمتم} أي أنشأتم {الصلاة} أي التي هي صلة ما بين العبد والخالق بجميع ~~شروطها وأركانها؛ ولما كان المقصود من الإنفاق المؤاساة بالإيتاء قال: ~~{وآتيتم الزكاة} أي التي هي بين الحق والخلائق. # ولما كان الخطاب مع من آمن بموسى عليه الصلاة والسلام، وكانوا في كل قليل ~~يتردعون عن اتباعه أو كمال اتباعه، وكان سبحانه عالما بأن ميلهم بعده يكون ~~أكثر، فرتب في الأزل أنه تواتر إليهم بعده الرسل يحفظونهم عن الزيغ ويقومون ~~منهم الميل قال: {وآمنتم برسلي} أي # PageV06P048 # أدمتم الإيمان بموسى عليه السلام، وجددتم الإيمان بمن يأتي بعده، ~~فصدقتموهم في جميع ما يأمرونكم به {وعزرتموهم} أي ذببتم عنهم ونصرتموهم ~~ومنعتموهم أشد المنع، والتعزير والتأزير من باب واحد. # ولما كان من أعظم المصدق للإيمان ونصر الرسل بذل المال فهو البرهان قال: ~~{وأقرضتم الله} أي الجامع لكل وصف جميل {قرضا حسنا} أي بالإنفاق في جميع ~~سبل الخير، وأعظمها الجهاد والإعانة فيه للضعفاء. # ولما كان الإنسان محل النقصان، فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد في ~~صالح العمل، قال سادا. بجواب القسم الذي وطأت له اللام الداخلة على الشرط - ~~مسد جواب الشرط: {لأكفرن} أي لأسترن {عنكم سيئاتكم} أي فعلكم لما من شأنه ~~أن يسوء {ولأدخلنكم} أي فضلا مني {جنات تجري} ولما كان الماء لا يحسن إلا ~~بقربه وانكشافه عن بعض الأرض قال: {من تحتها الأنهار} أي من شدة الري {فمن ~~كفر} ولما كان الله سبحانه لا يعذب حتى يبعث رسولا. وكان المهلك من المعاصي ~~بعد الإرسال ما اتصل بالموت فأحبط ما قبله، نزع الجار فقال: {بعد ذلك} أي ~~الشرط المؤكد بالأمر العظيم الشأن {منكم} أي بعد ما رأى من الآيات واقر به ~~من المواثيق {فقد ضل} أي ترك وضيع، يستعمل قاصرا بمعنى: حار، ومتعديا كما ~~هنا {سواء} أي وسط وعدل {السبيل *} # PageV06P049 # أي لأن ذلك كفر بعد البيان ms1106 العظيم فهو أعظم من غيره، وفي هذا تحذير شديد ~~لهذه الأمة، لأن المعنى: فإن نقضتم الميثاق - كما نقضوا - بمثل استدراج شاس ~~بن قيس وغيره، صنعنا بكم ما صنعنا بهم حين نقضوا، من إلزامهم الذلة ~~والمسكنة وغير ذلك من آثار الغضب، وإن وفيتم بالعقود آتيناكم أعظم مما ~~آتيناهم من فتح البلاد والظهور على سائر العباد؛ قال ابن الزبير: ولهذا ~~الغرض والله أعلم - أي غرض التحذير من نقض العهد - ذكر هنا العهد المشار ~~إليه في قوله تعالى # {أوفوا بعهدي} [البقرة: 40] فقال تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني ~~إسرائيل} إلى قوله {فقد ضل سواء السبيل} [المائدة: 12] ثم بين نقضهم وبنى ~~اللعنة وكل محنة ابتلوا بها عليه فقال {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 55 ~~والمائدة: 13] وذكر تعالى عهد الآخرين فقال {ومن الذين قالوا إنا نصارى ~~أخذنا ميثاقهم} [المائدة: 14] ثم فصل تعالى للمؤمنين أفعال الفريقين ليتبين ~~لهم ما نقضوا فيه من ادعائهم في المسيح ما ادعوا، وقولهم نحن أبناء الله ~~وأحباؤه، وكفهم عن فتح الأرض المقدسة، وإسرافهم في القتل وغيره، وتغييرهم ~~أحكام التوراة - إلى غير ذلك مما ذكره في هذه السورة، ثم بين تفاوتهم في ~~البعد عن الاستجابة فقال تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا} ~~[المائدة: 82] انتهى. وينبغي ذكر النقباء من هذه الفرق الثلاث بأسمائهم وما ~~دعي إلى ذلك تحقيقا # PageV06P050 # للأمر وزيادة تبصرة، أما اليهود فكان فيهم ذلك مرتين: الأولى: قال في ~~السفر الرابع من التوراة: إن الرب تبارك اسمه كلم موسى النبي في جبل سينا ~~وفي قبة الأمد في أول يوم من الشهر الثاني في السنة الثانية لخروج بني ~~إسرائيل من مصر وقال الله: احص عدد جماعة بني إسرائيل كلها في قبائلهم. كل ~~ذكر من أبناء عشرين سنة إلى فوق، كل من يخرج في الحرب، وأحصهم أنت وأخوك ~~هارون، وليكن معكما من كل سبط رجل ويكون الرجل رئيسا في بيته، ثم بين بعد ~~ذلك أن كل رجل منهم يكون قائد جماعته، ينزلون بنزوله حول قبة الزمان ~~ويرحلون برحيله، ويطيعونه فيما يأمر به، ففعل موسى ms1107 وهارون ما أمرهما الله ~~به وانتدبوا اثني عشررجلا كما أمر الله، فمن سبط روبيل: إليصور بن شداور، ~~ومن سبط شمعون: سلوميل بن صور يشدي، ومن سبط يهودا: نحسون بن عمينا ذاب، ~~ومن سبط إيشاخار: نتنائيل بن ضوغر، ومن سبط زابلون: أليب بن حيلون، ومن سبط ~~يوسف من آل إفرائيم: إليسمع بن عميهوذ. ومن سبط منشا: جماليال بن فداهصور - ~~قلت: ومنشا هو # PageV06P051 # ابن يوسف وهو أخو إفرائيم - ومن سبط بنيامين: أبيذان بن جدعوني، ومن سبط ~~دان: أخيعزر بن عميشدي، ومن سبط آشير: فجعائيل بن عخرن، ومن سبط جاد: ~~إليساف بن دعوائيل، ومن سبط نفتالي: أخيراع ابن عينان؛ وسبط لاوي هم سبط ~~موسى وهارون عليهما السلام لم يذكروا لأنهم كانوا لحفظ قبة الزمان، فموسى ~~وهارون عليهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم على قومه - كما سيأتي، ~~والمرة الثانية كانت ليجسوا أمر بيت المقدس، قال في أثناء هذا السفر: وكلم ~~الرب موسى وقال له: أرسل قوما يجسون الأرض التي أعطى بني إسرائيل، وليكون ~~الذين ترسل رجلا من كل سبط من رؤساء آبائهم، فأرسلهم موسى من برية فاران عن ~~قول الرب، رجالا من رؤساء بني إسرائيل، وهذه أسماءهم من سبط روبيل: ساموع ~~بن ذكور، ومن سبط شمعون: سافاط بن حوري، ومن سبط يهودا: كالاب بن يوفنا، ~~ومن سبط إيشاخار: إجال بن يوسف، ومن سبط إفرائيم: هو ساع بن نون، # PageV06P052 # ومن سبط بنيامين: فلطي بن رافو، ومن سبط زابلون: جدي إيل بن سودي، ومن ~~سبط يوسف من سبط منشا: جدي بن سوسي، ومن سبط دان: عميال بن جملي، ومن سبط ~~آشير: ساتور بن ميخائيل، ومن سبط نفتالي: نجني بن وفسي، ومن سبط جاد: جوائل ~~بن ماخي؛ هؤلاء الذين أرسلهم وتقدم إليهم بالوصية. # وأما النصارى ففي إنجيل متى ما نصه: ودعا يعني عيسى عليه السلام. تلاميذه ~~الاثني عشر، وأعطاهم سلطانا على جميع الأرواح النجسة لكي يخرجوها ويشفوا كل ~~الأمراض؛ وفي إنجيل مرقس: وصعد إلى الجبل ودعا الذين أحبهم فأتوا إليه، ~~وانتخب اثني عشر ليكونوا معه، ms1108 ولكي يرسلهم ليكروزا، وأعطاهم سلطانا على ~~شفاء الأمراض وإخراج الشياطين؛ وفي إنجيل لوقا: ودعا الاثني عشر الرسل ~~وأعطاهم قوة وسلطانا على جميع الشياطين وإشفاء المرضى، وأرسلهم يكرزون ~~مملكوت الله ويشفون الأوجاع، وهذه أسماؤهم: شمعون المسمى بطرس، وأندراوس ~~أخوه، ويعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه - وقال في إنجيل مرقس: وسماهما # PageV06P053 # باسم بوانرجس اللذين هما ابنا الرعد - وفيلبس، وبرتولوماوي، وتوما، ومتى ~~العشار، ويعقوب بن حلفا، وليا الذي يدعى بداوس وقد اختلفت الأناجيل في هذا، ~~ففي إنجيل مرقس بدله: تدي، وفي إنجيل لوقا: يهودا بن يعقوب، ثم اتفقوا: ~~وشمعون القاناني - وفي إنجيل لوقا: المدعو الغيور - ويهودا الإسخريوطي الذي ~~أسلمه. وأما نقباء الإسلام فكانوا ليلة العقبة الأخيرة حين بايع النبي صلى ~~الله عليه وسلم الأنصار رضي الله عنهم على الحرب وأن يمنعوه إذا وصل إلى ~~بلدهم، وقال لهم صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ~~يكونون على قومهم كما اختار موسى من قومه، وأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا: ~~تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، فقال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ~~ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم، وهذه ~~اسماؤهم من الخزرج: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وسعد بن ~~عبادة، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، ~~وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، وعبادة بن الصامت، والمنذر بن عمرو؛ ~~ومن الأوس: أسيد بن حضير، وسعد بن خثيمة، ورفاعة بن عبد المنذر، وأبو ~~الهيثم بن التيهان، قال # PageV06P054 # ابن هشام: وقال كعب بن مالك يذكرهم فيما أنشدني أبو زيد الأنصاري وذكر ~~أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة فقال: # أبلغ أبيا أنه قال رأيه ... وحان غداة الشعب والحين واقع # أبى الله ما منتك نفسك إنه ... بمرصاد أمر الناس راء وسامع # وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا ... بأحمد نور من هدى الله ساطع # فلا ترغبن في حشد أمر تريده ... وألب وجمع كل ما أنت جامع # ودونك فاعلم أن نقض ms1109 عهودنا ... أباه عليك الرهط حين تبايعوا # أباه البراء وابن عمرو كلاهما ... وأسعد يأباه عليك ورافع # وسعد أباه الساعدي ومنذر ... لأنفك إن حاولت ذلك جادع # وما ابن ربيع إن تناولت عهده ... بمسلمه لا يطمعن ثم طامع # وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة ... وإخفاره من دونه السم ناقع # وفاء به والقوقلي بن صامت ... بمندوحة عما تحاول يافع # أبو هيثم أيضا وفى بمثلها ... وفاء بما أعطى من العهد خانع # وما ابن حضير إن أردت بمطمع ... فهل أنت عن أحموقة الغي نازع # PageV06P055 # وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه ... ضروح لما حاولت ملأمر مانع # اولاك نجوم لا يغبك منهم ... عليك بنحس في دجى الليل طالع # فأما نقباء اليهود في جس الأرض فلم يوف منهم إلا اثنان - كما سيأتي قريبا ~~عن بعض التوراة التي بين أيديهم، وأما نقباء النصارى فنقض منهم واحد - كما ~~مضى عند قوله تعالى: {وما قتلوه وما صلبوه} [النساء: 157] وسيأتي إن شاء ~~الله تعالى في الأنعام عند قوله تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] ~~، وأما نقباؤنا فكلهم وفي وبر بتوفيق الله وعونه فله أتم الحمد. # PageV06P056 # ولما ذكر سبحانه ما أخذ على اليهود من الميثاق ووعيده لهم إن كفروا بعد ~~ذلك، ذكر أنهم نقضوا مرة بعد مرة - كما تقدم في سورة البقرة وغيرها كثير ~~منه عن نص ما عندهم من التوراة - فاستحقوا ما هم فيه من الخزي، فقال تعالى ~~مسببا عما مضى مؤكدا بما النافية لضد ما أثبته الكلام: {فبما نقضهم ~~ميثاقهم} أي بتكذيب الرسل الآتين من بعد موسى عليه السلام، وقتلهم ~~الأنبياء، ونبذهم كتاب الله وراء ظهورهم في كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم وغير ذلك # PageV06P056 # لا بغير ذلك كما نقض بنو النضير فسلطكم الله عليهم بما أشار إليهم في ~~سورة الحشر {لعناهم} أي أبعدناهم بعد أنا وعدناهم القرب بالكون معهم إن ~~وفوا. # ولما كان البعيد قد يكون رقيق القلب، متأسفا على بعده. ساعيا في أسباب ~~قربه، باقيا على عافية ربه، فيرجى بذلك له الغفران لذنبه. أخبر أنهم على ~~غير ذلك بقوله: {وجعلنا} ms1110 أي بعظمتنا {قلوبهم قاسية} أي صلبة عاسية بالغش ~~فهي غير قابلة للنصحية، لأن الذهب الخالص يكون لينا، والمغشوش يكون فيه يبس ~~وصلابة، وكل لين قابل للصلاح بسهولة، ثم بين قساوتها بما دل على نقضهم ~~بقوله: {يحرفون الكلم} أي يجددون كل وقت تحريفه {عن مواضعه} فإنهم كلما ~~وجدوا شيئا من كلام الله يشهد بضلالهم حرفوه إلى شهواتهم، وأولوه التأويل ~~الباطل بأهوائهم، فهم يحرفون الكلم ومعانيها. # ولما كانوا قد تركوا أصلا ورأسا ما لا يقدرون لصراحته على تحريفه، قال ~~معبرا بالماضي إعلاما بحرمهم بالبراءة من ذلك: {ونسوا حظا} أي نصيبا نافعا ~~معليا لهم {مما ذكروا به} أي من التوراة على ألسنة أنبيائهم عيسى ومن قبله ~~عليهم السلام، تركوه ترك الناسي للشيء لقلة مبالاته # PageV06P057 # به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قد ~~ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية. # ولما ذكر سبحانه ما يفعلونه في حقه في كلامه الذي هو صفته، أتبعه ما يعم ~~حقه وحق نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه معلم أن الخيانة ديدنهم، تسلية له ~~صلى الله عليه وسلم فقال: {ولا تزال} أي بما نطلعك عليه يا أكرم الخلق! ~~{تطلع} أي تظهر ظهورا بليغا {على خائنة} أي خيانة عظيمة تستحق أن تسمي ~~فاعلها الخؤون لشدتها و {منهم} أي في حقك بقصد الأذى، وفي حق الله تعالى ~~بإخفاء بعض ما شرعه لهم {إلا قليلا منهم} فإنهم يكونون على نهج الاستقامة ~~إما بالإيمان، وإما بالوفاء وهم متمسكون بالكفر، ثم سبب عن هذا الذي في حقه ~~صلى الله عليه وسلم قوله: {فاعف عنهم} أي امح ذنبهم ذلك الذي اجترحوه، وهو ~~دون النقض والتحريف فلا تعاقبهم عليه. # ولما كان العفو لا يمنع المعاتبة قال: {واصفح} أي وأعرض عن ذلك أصلا ~~ورأسا، فلا تعاتبهم عليه كما لم تعاقبهم، فإن ذلك إحسان منك، وإذا أحسنت ~~أحبك الله {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {يحب المحسنين *} وذلك - ~~كما روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله ms1111 عنهما - أن النبي صلى الله سحره ~~رجل من # PageV06P058 # اليهود يقال له لبيد بن الأعصم وفي رواية للبخاري: إنه رجل من بني زريق ~~حليف ليهود وكان منافقا - حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، ~~وذلك أشد السحر، ثم إن الله تعالى شفاه وأعلمه أن السحر في بئر ذروان، ~~فقالت له عائشة رضي الله عنها: أفلا أخرجته؟ فقال: لا، أما أنا فقد عافاني ~~الله وكرهت أن أثير على الناس شرا، فأمر بها فدفنت، وهو في معجم الطبراني ~~الكبير - وهذا لفظه - ومسند أبي يعلى الموصلي وسنن النسائي الكبرى ومسند ~~عبد بن حميد وأبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع عن زيد بن أرقم رضي الله ~~عنه قال: «كان رجل يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم. فعقد له عقدا فجعله ~~في بئر رجل من الأنصار، فأتاه ملكان يعودانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر ~~عند رجليه، فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: فلان الذي يدخل عليه عقد له ~~عقدا فألقاه في بئر فلان الأنصاري، فلو أرسل إليه رجلا لوجد الماء أصفر، ~~فبعث رجلا فأخذ العقد فحلها فبرأ، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلم يذكر له شيئا منه ولم يعاتبه» وللشيخين عن أنس رضي الله ~~عنه «أن # PageV06P059 # امرأة يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء ~~بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، ~~قال: ما كان الله ليسلطك على ذلك - أو قال: علي - قالوا: فلا تقتلها؟ قال: ~~لا، قال: فما زلت أعرفها في لهوات النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: ~~إنها كانت سبب موت النبي صلى الله عيله وسلم بانقطاع أبهره الشريف منها بعد ~~سنين» وفي سنن أبي داود من وجه مرسل أنه قتل اليهودية. والأول هو الصحيح، ~~وسيأتي لهذا الحديث ذكر في هذه السورة عند {والله يعصمك من الناس} ~~[المائدة: 67] ، فهذا غاية العفو والإحسان امتثالا لأمر الله سبحانه. # ولما دخل النصارى فيما مضى ms1112 لأنهم من بني إسرائيل، خصهم بالذكر لأن كفرهم ~~أشد وأسمج فقال: {ومن الذين قالوا} أي مسمين أنفسهم ملزمين لها النصرة لله، ~~مؤكدين قولهم ردا على من يرتاب فيه: {إنا نصارى} أي مبالغون في نصرة الحق، ~~فالتعبير بذلك دون ومن النصارى تنبيه على أنهم تسموا بما لم يفوا به ~~{أخذنا} أي بما لنا من العظمة {ميثاقهم} أي كما أخذ على الذين من قبلهم. # ولما كان كفرهم في غاية الظهور والجلاء، لم ينسبهم إلى غير الترك فقال: ~~{فنسوا} أي تركوا ترك الناسي {حظا} أي # PageV06P060 # نصيبا عظيما يتنافس في مثله {مما ذكروا به} أي في الإنجيل مما سبق لهم ~~ذكره في التوراة من أوصاف نبيه صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الحق. # ولما أدى ذلك إلى تشعبهم فرقا، فأنتج تشاحنهم وتقاطعهم وتدابرهم، سبب عنه ~~قوله: {فأغرينا} أي ألصقنا بعظمتنا إلصاق ما هو بالغراء لا ينفك بل يصير ~~كجزء الشيء {بينهم} أي النصارى بعد أن جعلناهم فرقا متباينين بتفريق الدين، ~~وكذا بينهم وبين اليهود {العداوة} ولما كان العداوة قد تكون عن بغي ونحوه ~~إذا زال زالت أو خفت، قال معلما أنها لأمر باطني نشأ من تزيين الهوى، فهو ~~ثابت غير منفك: {والبغضاء} بالأهواء المختلفة {إلى يوم القيامة} . # ولما أخبر بنكدهم في الدنيا، أعقبه ما لهم في الأخرى فقال: {وسوف ينبئهم} ~~أي يخبرهم {الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلما إخبارا بعظيم ~~الشأن بما فيه من عظم التقريع والتوبيخ في الآخرة بوعيد لا خلف فيه؛ ولما ~~كانت خيانتهم قد صارت لهم فيها ملكات بما لازموا منها حتى ضربوا بها ~~وتدربوا عليها، حتى # PageV06P061 # صارت لهم أحوالا لأنفسهم وأخلاقا لقلوبهم، سماها صنائع فقال: {بما كانوا ~~يصنعون *} أي دربوا أنفسهم عليه حتى صار كالصنعة، فيجازيهم عليه بما يقيم ~~عليهم من الحجة. # PageV06P062 # ولما علم بذلك كله أحوال الفريقين، أقبل عليهم واعظا مناديا متلطفا ~~مستعطفا مرغبا مرهبا فقال: {يا أهل الكتاب} أي عامة {قد جاءكم رسولنا} أي ~~الذي أرسلناه مما لنا من العظمة فليظهرن بذلك على من ms1113 ناواه {يبين لكم} أي ~~يوضح إيضاحا شافيا {كثيرا مما كنتم} أي بما لكم من جبلة الشر والخيانة ~~{تخفون من الكتاب} أي العظيم المنزل عليكم، من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وحكم الزنا وغيرهما، لإحياء سنة وإماتة بدعة - كما مضى منه ما شاء الله في ~~سورة البقرة، وذلك دال بلا شبهة على صحة رسالته {ويعفوا عن كثيرا *} أي فلا ~~يفضحكم بإظهاره امتثالا لأمرنا له بذلك - كما تقدم أنه إحسان منه صلى الله ~~عليه وسلم إليكم، لأنه لا فائدة في إظهاره إلا فضيحتكم. # ولما أخبر عن فصله للخفايا، وكان التفصيل لا يكون إلا بالنور، اقتضى ~~الحال توقع الإخبار بأنه نور، فقال مفتتحا بحرف التوقيع والتحقيق: # PageV06P062 # {قد جاءكم} وعظمه بقوله معبرا بالاسم الأعظم: {من الله} أي الذي له ~~الإحاطة بأوصاف الكمال {نور} أي واضح النورية، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي كشف ظلمات الشك والشرك، ودل على جمعه مع فرقه بقوله: {وكتاب} أي جامع ~~{مبين} أي بين في نفسه، مبين لما كان خافيا على الناس من الحق. # ولما كانت هدايته مشروطة بشرط صلاح الجبلة، بين ذلك بقوله واصفا له: ~~{يهدي به} أي الكتاب {الله} أي الملك الأعظم القادر على التصرف في البواطن ~~والظواهر {من اتبع} أي كلف نفسه وأجهدها في الخلاص من أسر الهوى بأن تبع ~~{رضوانه} أي غاية ما يرضيه من الإيمان والعمل الصالح، ومعلوم أن ذلك لا ~~يكون إلا بتوفيقه، ثم ذكر مفعول {يهدي} فقال: {سبل} أي طرق {السلام} أي ~~الله، باتباع شرائع دينه والعافية والسلامة من كل مكروه {وخرجهم من ~~الظلمات} أي كدورات النفوس والأهواء والوساس الشيطانية {إلى النور} أي الذي ~~دعا إليه العقل فيصيروا عاملين بأحسن الأعمال كما يقتضيه اختيار من هو في ~~النور {بإذنه} أي بتمكينه. # ولما كان من في النور قد يغيب عنه غرضه الأعظم فلا ينظره لغيبته عنه ~~ببعده منه، وتكثر عليه الأسباب فلا يدري أيها الوصف أو يقرب إيصاله ويسهل ~~أمره، قال كافلا لهم بالنور مريحا من تعب # PageV06P063 # السير: {ويهديهم} أي بما له ms1114 من إحاطة العلم والقدرة {إلى صراط مستقيم *} ~~أي طريق موصل إلى الغرض من غير عوج أصلا، وهو الدين الحق، وذلك مقتض للتقرب ~~المستلزم لسرعة الوصول. # PageV06P064 # ولما تم ذلك موضحا لأن من لم يتبع الكتاب الموصوف كان كافرا وعن الطريق ~~الأمم جائرا حائرا، وكان محصل حال اليهود كما رأيت فيما تقدم ويأتي من نصوص ~~التوراة - أنهم لا يعتقدون على كثرة ما يرون من الآيات أن الله مع نبيهم ~~دائما، وكان أنسب الأشياء بعد الوعظ أن يذكر حال النصارى في نبيهم، فإنه ~~مباين لحال اليهود من كل وجه، فأولئك على شك في أنه معه، وهؤلاء اعتقدوا ~~أنه هو، فقال تعالى مبينا أنهم في أظلم الظلام وأعمى العمى: {لقد} أو يقال: ~~إن اليهود لما فرطوا فكفروا، أفهم ذلك أن النصارى لما أفرطوا كفروا، فصار ~~حالهم كالنتيجة لما مضى فقال: لقد {كفر الذين قالوا} مؤكدين لبعد ما قالوه ~~من العقل فهو في غاية الإنكار {إن الله} أي على ما له من جميع صفات الكمال ~~التي لا يجهلها من له أدنى تأمل إذا ترجى الهدى وانخلع من أسر الهوى {هو ~~المسيح} أي عينه، وهو أقطع الكفر وأبينه بطلانا، ووصفه بما هو في غاية ~~الوضوح في بطلان قولهم لبعده عن رتبة الألوهية في الحاجة إلى امرأة فقال: ~~{ابن مريم} فهو محتاج إلى كفالتها بما لها من الأمومة. # ولما بطل مدعاهم على أتقن منهاج وأخصره، وكان بما دق # PageV06P064 # على بعض الأفهام، أوضحه بقوله: {قل} دالا على أن المسيح عليه السلام عبد ~~مملوك لله، مسببا عن كفرهم {فمن يملك من الله} أي الملك الذي له الأمر كله ~~{شيئا} أي من الأشياء التي يتوهم أنها قد تمنعه مما يريد، بحيث يصير ذلك ~~المملوك أحق به منه ولا ينفذ له فيه تصرف {إن أراد} أي الله سبحانه {أن ~~يهلك المسيح} وكرر وصفه بالنوبة إيضاحا للمراد فقال: {ابن مريم} وأزال ~~الشبهة جدا بقوله: {وأمه} ولما خصهما دليلا على ضعفهما المستلزم للمراد، عم ~~دلالة على عموم القدرة المستلزم لتمام القهر لكل من ms1115 يماثلهما المستلزم لعجز ~~الكل المبعد من رتبة الإلهية، فقال موضحا للدليل بتسويتهما ببقية ~~المخلوقات: {ومن في الأرض جميعا} أي فمن يملك منعه من ذلك. # ولما كان التقدير: فإن ذلك كله لله، يهلكه كيف شاء متى شاء، عطف عليه ما ~~هو أعم منه، فقال معلما بأنه - مع كونه مالكا ملكا - له تمام التصرف: ~~{ولله} أي الملك الأعلى الذي لا شريك له {ملك السماوات} أي التي بها قيام ~~الأرض {والأرض وما بينهما} أي ما بين النوعين وبين أفرادهما، بما به تمام ~~أمرهما؛ ثم استأنف قوله دليلا على ما قبله ونتيجة له: {يخلق ما يشاء} على ~~أي كيفية أراد - # PageV06P065 # كما تقدم أن له أن يعدم ما يشاء كذلك، فلا عجب في خلقه بشرا من أنثى فقط، ~~لا بواسطة ذكر، حتى يكون سببا في ضلال من ضل به، ولما دل ذلك على تمام ~~القدرة على المذكور عم فقال: {والله} أي ذو الجلال والإكرام {على كل شيء} ~~أي من ذلك وغيره {قدير *} . # ولما عم سبحانه في ذكر فضائح بني إسرائيل تارة، وخص أخرى، عم بذكر طامة ~~من طوامهم، حملهم عليها العجب والبطر بما أنعم الله به عليهم، فقال: {وقالت ~~اليهود والنصارى} أي كل طائفة قالت ذلك على حدتها خاصة لنفسها دون الخلق ~~أجمعين {نحن أبناؤا الله} أي بما هو ناظر إلينا به من جميع صفات الكمال ~~{وأحباؤه} أي غريقون في كل من الوصفين - كما يدل عليه العطف بالواو، ثم شرع ~~ينقض هذه الدعوى نقضا بعد نقض على تقدير كون البنوة على حقيقتها أو مجازها، ~~والذي أورثهم هذه الشبهة - إن لم يكونوا قالوا ذلك عنادا - أن في موضع من ~~التوراة عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام: شعبي بكري، وقال في أول نبوة ~~موسى عليه السلام - كما ذكرته في الأعراف: وقل لفرعون: هكذا يقول الرب: ~~ابني بكري إسرائيل أرسل ليعبدني، فإن أبيت أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك ~~بكرك - ونحو هذا؛ وفي كثير مما بين أيديهم من الإنجيل عن قول عيسى عليه ~~السلام: # PageV06P066 # افعلوا كذا لتكونوا ms1116 بني أبيكم الذي في السماء - ونحو ذلك، وقد بينت معناه ~~على تقدير صحته بما يوجب رده إلى المحكم بلا شبهة في أول سورة آل عمران؛ ~~قال البيضاوي في أول سورة الكهف: إنهم كانوا يطلقون الأب والابن في تلك ~~الأديان بمعنى المؤثر والأثر، وقال في البقرة في تفسير {بديع السماوات} ~~[البقرة: 117] : أنهم كانوا يطلقون الأب على الله باعتبار أنه السبب ~~الأصلي، ثم ظنت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة، فلذاك كفر قائله ~~ومنع منه منعا مطلقا انتهى. فأول نقض نقض به سبحانه وتعالى هذه الدعوى بيان ~~أنه يعذبهم فقال: {قل فلم يعذبكم} أي إن كنتم جامعين بين كونكم أبناء ~~وأحباء بين عطف النبوة وحنو المحبة {بذنوبكم} وعذابهم مذكور في نص توراتهم ~~في غير موطن ومشهور في تواريخهم بجعلهم قردة وخنازير وغير ذلك، أي فإن كان ~~المراد بالبنوة الحقيقة فابن الإله لا يكون له ذنب فضلا عن أن يعذب به، لأن ~~الابن لا يكون إلا من جنس الأب - تعالى الله عن النوعية والجنسية والصاحبة ~~والولد علوا كبيرا! وإن كان المراد المجاز، أي بكونه يكرمكم إكرام الولد ~~والحبيب، كان ذلك مانعا من التعذيب. # ولما كان معنى ذلك أن يعذذبكم لأنكم لستم أبناء ولا أحباء، # PageV06P067 # عطف عليه نقضا آخر أوضح من الأول فقال: {بل أنتم بشر ممن خلق} وذلك أمر ~~مشاهد، والمشاهدات من أوضح الدلائل، فأنتم مساوون لغيركم في البشرية ~~والحدوث، لا مزية لأحد منكم على غيره في الخلق والبشرية، وهما يمنعان ~~البنوة، فإن القديم لا يلد بشرا، والأب لا يخلق ابنه، فامتنع بهذين الوصفين ~~البنوة، وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله؛ فبطل الوصفان اللذان ~~ادعوهما. # ولما كان التقدير: يفعل بكم ما يفعل بسائر خلقه، وصل به قوله جوابا لمن ~~يقول: وما هو فاعل بمن خلق؟ : {يغفر لمن يشاء} أي من خلقه منكم ومن غيركم ~~فضلا منه تعالى {ويعذب من يشاء} عدلا كما تشاهدونه يكرم ناسا منكم في هذه ~~الدار ويهين آخرين. # ولما كان التقدير: لأنه مالك خلقه وملكهم لا اعتراض عليه في ms1117 شيء من أمره، ~~عطف عليه قوله نقضا ثالثا بما هو أعم مما قبله فقال: {ولله} أي الذي له ~~الأمر كله، فلا كفوء له {ملك السماوات} وقدمها لشرفها دلالة على ملك غيرها ~~من باب أولى، وصرح بقوله: {والأرض وما بينهما} أي وأنتم مما بينهما، وقد ~~اجتمع بذلك مع الملك والإبداع الملك والتصريف والتصرف التام، وذلك هو الغنى ~~المطلق، ومن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى شيء من ولد ولا غيره، ولا يكون ~~لأحد عليه حق، ولا يسوغ عليه اعتراض. # ولما كان التقدير: فمنه وحده الابتداء، عطف عليه قوله: # PageV06P068 # {وإليه} أي وحده {المصير *} أي الصيرورة والرجوع وزمان ذلك ومكانه معنى ~~في الدنيا بأنه لا يخرج شيء عن مراده، وحسا في الآخرة، فيحكم بين مصنوعاته ~~على غاية العدل - كما هو مقتضى الحكمة وشأن كل ملك في إقامة ملكه بإنصاف ~~بعض عبيده من بعض، لا يجوز عنده في موجب السياسة إطلاق قويهم على ضعيفهم، ~~فإن ذلك يؤدي إلى خراب الملك وضعف الملك، فإذا كان هذا شأن الملوك في ~~العبيد الناقصين فما ظنك بأحكم الحاكمين! فإذا عاملهم كلهم بالعدل أسبغ على ~~من يريد ملابس الفضل. # PageV06P069 # ولما دحضت حجتهم، ووضحت أكذوبتهم، اقتضى ذلك الالتفات إلى وعظهم على وجه ~~الامتنان عليهم وإبطال ما عساهم يظنونه حجة، فقال تعالى: {يا أهل الكتاب} ~~أي من الفريقين؛ ولما كان ما حصل لهم من الضلال بتضييع ما عندهم من البينات ~~وتغييرها ما لا يتوقع معه الإرسال، قال معبرا بحرف التوقع: {قد جاءكم ~~رسولنا} أي الذي عظمته من عظمتنا، فإعظامه وإجلاله واجب لذلك، ثم بين حاله ~~مقدما له على متعلق جاء بيانا لأنه أهم ما إلى الرسل إليهم إرشادا إلى قبول ~~كل ما جاء به بقوله: {يبين لكم} أي يوقع لكم البيان في كل ما ينفعكم بيانا ~~شافيا لما تقدم وغيره. # PageV06P069 # ولما كان مجيئه ملتبسا ببيانه وظرفا له غير منفك عنه، وكان بيانا مستعليا ~~على وقت مجيئه وما مضى قبله وما يأتي بعده ببقاء كتابه، محفوظا لعموم دعوته ~~وختامه وتفرده، فلا نبي ms1118 بعده، قال معلقا بجاء: {على فترة} أي طويلة بالنسبة ~~إلى ما كان يكون بين النبيين من بني إسرائيل، مبتدئة تلك الفترة {من الرسل} ~~أي انقطاع من مجيئهم، شبه فقدهم وبعد العهد بهم ونسيان أخبارهم، وبلاء ~~رسومهم وآثارهم، وانطماس معالمهم وأنوارهم بشيء كان يفنى ففتر، لم يبق من ~~وصفه المقصود منه إلا أثر خاف ورسم دارس، يقال: فتر الشيء - إذا سكنت حدته ~~وصار أقل مما كان عليه وذلك لأنه كان بين عيسى وبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم ستمائة سنة فسد فيها أمر الناس، ولعله عبر بالمضارع في يبين إشارة إلى ~~أن دينه وبيانه لا ينقطع أصلا بحفظ كتابه، فكلما درست سنة منح الله بعالم ~~يرد الناس إليها بالكتاب المعجز القائم أبدا، فلذلك لا يحتاج الأمر إلى نبي ~~مجدد إلا عند الفتنة التي لا يطيقها العلماء، وهي فتنة الدجال ويأجوج ~~ومأجوج، ثم علل ذلك بقوله: {أن} أي كراهة أن {تقولوا} أي إذا حشرتم وسئلتم ~~عن # PageV06P070 # أعمالكم {ما جاءنا} ولتأكيد النفي قيل: {من بشير} أي يبشرنا لنرغب فنعمل ~~بما يسعدنا فنفوز {ولا نذير} أي يحذرنا لنرهب فنترك ما يشقينا فنسلم، لأن ~~الإنسان موزع النقصان بين الرغبة والرهبة، وقد كان اختلط في تلك الفترة ~~الحق بالباطل فالتبس الأمر وجهل الحال، لكنه لم يجهل جهلا يحصل به عذر في ~~الشرك، وسأبينه في أول ص. # ولما كان المعنى: فلا تقولوا ذلك، سبب عنه قوله: {فقد جاءكم} أي من هو ~~متصف بالوصفين معا فهو {بشير ونذير} أي كامل في كل من الوصفين وإن تباينا؛ ~~ولما كان ربما كان توهم أحد من ترك الإرسال زمن الفترة، ومن ترك التعذيب ~~بغير حجة الإرسال، وبالعدول عن بني إسرائيل إلى بني إسماعيل شيئا في ~~القدرة، قال كاشفا لتلك الغمة: {والله} أي جاءكم والحال أن الملك الذي له ~~الكمال كله {على كل شيء} أي من أن يرسل في كل وقت وأن يترك ذلك، وأن يهدي ~~بالبيان وأن يضل، ومن أن يعذب ولا يقبل عذرا وأن يغفر كل شيء وغير ذلك ~~{قدير ms1119 *} وفي الختم بوصف القدرة واتباعه تذكيرهم ما صاروا إليه من العز ~~بالنبوة والملك بعدما كانوا فيه من الذل بالعبودية والجهل إشارة إلى أن ~~إنكارهم # PageV06P071 # لأن يكون من ولد إسماعيل عليه السلام نبي يلزم منه إنكارهم للقدرة. # PageV06P072 # ولما ذكر سعة مملكته وتمام علمه وشمول قدرته أتبع ذلك الدلالة عليه بقصة ~~بني إسرائيل في استنقاذهم من أسر العبودية والرق وإعلاء شأنهم وإيراثهم أرض ~~الجبارين بعد إهلاك فرعون وجنوده وغير ذلك مما تضمنته القصة، إظهارا - بعدم ~~ردهم إلى مصر التي باد أهلها - لتمام القدرة وسعة الملك ونفوذ الأمر وهي مع ~~ذلك دالة على نقضهم الميثاق وقساوتهم ونقض ما ادعوه من بنوتهم ومحبتهم، ~~وذلك أنها ناطقة بتعذيبهم وتفسيقهم وتبرئهم من الله، ولا شيء من ذلك فعل ~~حبيب ولا ولد، فقال عاطفا على نعمة في {واذكروا نعمة الله عليكم} [المائدة: ~~7] تذكيرا لهذه الأمة بنعمة التوثيق للسمع والطاعة التي أباها بنو إسرائيل ~~بعدما رأوا من الآيات، وبما كف عنهم على ضعفهم وشجع به قلوبهم، وألزمهم ~~الطاعة وكره إليهم المعصية بضد ما فعل ببني إسرائيل - وغير ذلك مما يرشد ~~إليه إنعام النظر في القصة: {وإذ} أي واذكروا حين {قال موسى لقومه} أي من ~~اليهود {يا قوم اذكروا} أي بالقلب واللسان، أي ذكر اعتبار واتعاظ بما لكم ~~من قوة القيام بما تحاولونه ليقع منكم الشكر {نعمة الله} أي إنعام الملك ~~الأعظم الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام، وعبر عن # PageV06P072 # الإنعام بالغاية لأنها المقصود {عليكم} وعظم ذلك التذكير بالاسم الأعظم، ~~ونبه بذكر ظرفها على أجل النعم، وهي النبوة المنقذة لهم من النار فقال: ~~{إذ} أي حين {جعل فيكم} وبشرهم بمن يأتي بعده من الأنبياء من بني إسرائيل ~~فجمع جمع الكثرة في قوله: {أنبياء} أي يحفظونكم من المهالك الدائمة، ففعل ~~معكم - بذلك وغيره من النعم التي فضلكم بها على العالمين في تلك الأزمان - ~~فعل المحب مع حبيبه والوالد مع ولده، ومع ذلك عاقبكم حين عصيتم، وغضب عليكم ~~إذ أبيتم، فعلم أن الإكرام والإهانة دائران بعد مشيئته على الطاعة ~~والمعصية. # ولما نقلهم ms1120 من الحيثية التي كانوا فيها عبيدا لفرعون، لا يصلحون معها ~~لملك، ولا تحدثهم أنفسهم به، إلى حيثية الحرية القابلة لأن يكون كل منهم ~~معها ملكا بعد أن أرسل فيهم رسولا وبشر بأنه يتبعه من الأنبياء ما لم يكن ~~في أمة من الأمم غيرهم، قال: {وجعلكم ملوكا} أي فكما جعلكم كذلك بعد ما ~~كنتم غير طامعين في شيء منه، فقد نقله منكم وجعله في غيركم بتلك القدرة ~~التي أنعم عليكم بها، وذلك لكفركم بالنعم وإيثاركم الجهل على العلم، ~~فإنكاركم لذلك وتخصيص النعم بكم تحكم وترجيح بلا مرجح، ويوضح ذلك أن كفر ~~النعمة سبب لزوالها، وقد كانوا يهددون في التوراة وغيرها بما هم فيه الآن ~~من ضرب الذلة # PageV06P073 # والمسكنة التي لا يصلحون معها لملك إن هم كفروا - كما سيأتي بعض ذلك في ~~هذه السورة. # ولما ذكرهم تعالى بما ذكرهم به من النعم العامة، أتبعه التذكير بنعمة ~~خاصة فقال: {وآتاكم ما لم يؤت} أي في زمانكم ولا فيما قبله من سالف الزمان ~~- كما اقتضاه التعبير بلم {أحدا من العالمين *} من الآيات التي أظهرها على ~~يد موسى عليه السلام، فأخرجكم بها من الظلمات إلى النور، والكتاب الذي جعله ~~تبيانا لكل شيء؛ ثم أتبعه ما يقيد به هذه النعم من الشكر بامتثال الأمر في ~~جهاد الأعداء في سياق مؤذن بالنصر معلم بأنه نعمة أخرى يجب شكرها، فلذلك ~~وصله بما قبله وصل المعلول بالعلة فقال: {يا قوم ادخلوا} عن أمر الله الذي ~~أعلمكم بما صنع من الآيات أنه غالب على جميع أمره {الأرض المقدسة} أي ~~المطهرة المباركة التي حكم الله أن يطهرها بأنبيائه ورسله من نجس الشرك وضر ~~المعاصي والإفك، ويبارك فيها، ثم وصفها بما يوجب للمؤمن الإقدام لتحققه ~~النصر فقال: {التي كتب الله} أي الذي له الأمر كله فلا مانع لما أعطى {لكم} ~~أي بأن تجاهدوا أعداءه فترثوا أرضهم التي لا مثل لها، فتحوزوا سعادة ~~الدارين، وهي بيت المقدس والتي وعد # PageV06P074 # أباكم إبراهيم عليه السلام أن تكون ميراثا لولده بعد أن جعلها مهاجرة. # ولما أمرهم ms1121 بذلك نهاهم عن التقاعد عنه، فقال مشيرا إلى أن مخالفة أمر ~~الله لا تكون إلا بمعالجة للفطرة الأولى: {ولا ترتدوا} أي تكلفوا أنفسكم ~~الرجوع عن أخذها، وصور لهم الفتور عن أخذها بما يستحيي من له همة من ذكره ~~فقال: {على أدباركم} ولما جمع بين الأمر والنهي، خوفهم عواقب العصيان معلما ~~بأن ارتدادهم سبب لهلاكهم بغير شك، فقال معبرا بصيغة الانفعال: {فتنقلبوا} ~~أي من عند أنفسكم من غير قالب يسلط عليكم {خاسرين *} أي بخزي المعصية عند ~~الله وعار الجبن عن الناس وخيبة السعي من خيري الدارين. # PageV06P075 # ولما كان هذا السياق محركا للنفس إلى معرفة جوابهم عنه، أورده على تقدير ~~سؤال من كأنه قال: إن هذا لترغيب مشوق وترهيب مقلق، فما قالوا في جوابه؟ ~~فقال: {قالوا} معرضين عن ذلك كله بهمم سافلة وأحوال نازلة، مخاطبين له ~~باسمه جفاء وجلافة وقلة أدب {يا موسى} وأكدوا قولهم تأكيد من هو محيط ~~العلم، فقالوا مخاطبين بجرأة وقلة حياء لأعلم أهل زمانه: {إن فيها} أي دون ~~غيرها {قوما جبارين} أي عتاة قاهرين لغيرهم مكرهين له على ما يريدون {وإنا ~~لن ندخلها} خوفا منهم {حتى يخرجوا منها} ثم صرحوا بالإتيان بالجملة الاسمية ~~المؤكدة # PageV06P075 # بتهالكهم على الدخول وأنه لا مانع لهم إلا الجبن فقالوا: {فإن يخرجوا ~~منها} أي بأي وجه كان، وعبروا بأداة الشك مع إعلام الله لهم بإهلاكهم على ~~أيديهم جلافة منهم وعراقة طبع في التكذيب {فإنا داخلون *} فكأنه قيل: إن ~~هذه لسقطة ما مثلها، فما اتفق لهم بعدها؟ فقيل: {قال رجلان} وأشار إلى ~~كونهما من بني إسرائيل بقوله ذما لمن تقاعس عن الأمر منهم: {من الذين ~~يخافون} أي يوجد منهم الخوف من الجبارين، ومع ذلك فلم يخافا وثوقا منهما ~~بوعد الله، ولما كان بنو إسرائيل أهلا لأن يخافهم من يقصدونهم بالحرب لأن ~~الله معهم بعونه ونصره، قرىء: يخافون - مبينا للمفعول {أنعم الله} أي بما ~~له من صفات الكمال {عليهما} أي بالثبيت على العمل بحق النقابة، وهما يوشع ~~بن نون وكالاب بن يوفنا - كما أنعم عليكم أيها ms1122 العرب وخصوصا النقباء ~~بالثبات في كل موطن {ادخلوا عليهم الباب} أي باب قريتهم امتثالا لأمر الله ~~وإيقانا بوعده. # ولما كانا يعلمان أنه لا بد من دخولهم عليهم وإن تقاعسوا وإن طال المدى، ~~لأن الله وعد بنصرهم عليهم ووعده حق عبرا بأداة التحقيق خلاف ما مضى ~~لجماهيرهم فقالا: {فإذا دخلتموه} ثم أكد خبرهما إيقانا بوعد الله فقالا: ~~{فإنكم غالبون} أي لأن الملك معكم دونهم {وعلى الله} أي الملك الأعظم الذي ~~وعدكم بإرثها وحده {فتوكلوا} أي لا على عدة منكم ولا عدة ولا حول ولا قوة. # PageV06P076 # ولما كان الإخلاص يلزمه التوكل وعدم الخوف من غير الله، ألهمهم بقوله؛ ~~{إن كنتم} أي جبلة وطبعا {مؤمنين *} أي عريقين في الإيمان بنبيكم صلى الله ~~عليه وسلم والتصديق بجميع ما أتى به، فكأنه قيل: لقد نصحا لهم وبرا، ~~واجتهدا في إصلاح الدين والدنيا فما خدعا ولا غرا، فما قالوا؟ فقيل: لم ~~يزدهم ذلك إلا نفارا واستضعافا لأنفسهم لإعراضهم عن الله واستصغارا لأنهم ~~{قالوا} معرضين عمن خاطباهم غيرعادين لهما {يا موسى} وأكدوا نفيهم للإقدام ~~عليهم بقولهم: {إنا} وعظموا تأكيدهم بقولهم: {لن ندخلها} وزادوه تأكيدا ~~بقولهم: {أبدا} وقيدوا ذلك بقولهم: {ما داموا} أي الجبابرة {فيها} أي لهم ~~اليد عليها، ثم اتبعوه بما يدل على أنهم في غاية الجهل بالله الفعال لما ~~يريد. # الغني عن جميع العبيد، فقالوا مسببين عن نفيهم ذلك قولهم: {فاذهب أنت ~~وربك} أي المحسن إليك، فلم يذكروا أنه أحسن إليهم كثافة طباع وغلظ أكباد، ~~بل خصوه بالإحسان، وهذا القول إن لم يكن قائلوه يعتقدون التجسيم فهم ~~مشارفون له، وكذلك أمثاله، وكان اليهود الآن عريقين في التجسيم، ثم سببوا ~~عن الذهاب قولهم: {فقاتلا} ثم استأنفوا قولهم مؤكدين لأن من له طبع سليم ~~وعقل مستقيم لا يصدق أن أحدا يتخلف عن # PageV06P077 # أمر الله لا سيما إن كان بمشافهة الرسول: {إنا هاهنا} أي خاصة {قاعدون} ~~أي لا نذهب معكما، فكان فعلهم فعل من يريد السعادة بمجرد ادعاء الإيمان من ~~غير تصديق له بامتحان بفعل ما يدل على الإيقان؛ ms1123 روى البخاري في المغازي ~~والتفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «قال المقداد بن عمرو يوم ~~بدر: يا رسول الله! لا نقول كما قال قوم موسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~هاهنا قاعدون} ولكن امض ونحن معك، نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ~~وخلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره» فكأنه قيل: فما قال ~~موسى عليه السلام؟ فقيل: {قال} لما أيس منهم معرضا عنهم شاكيا إلى الله ~~تعالى {رب} أي أيها المحسن إلي. # ولما كان من حق الرسول أن يقيه كل أحد بنفسه وولده فكيف بما دون ذلك، ~~فكان لا يصدق أحد أن أتباعه لا يطيعونه، جرى على طبع البشر وإن كان يخاطب ~~علام الغيوب قال مؤكدا: {إني} ولما فهم من أمر الرجلين لهم بالدخول أنهما ~~قيدا دخولهما بدخول الجماعة، خص في قوله: {لا أملك إلا نفسي وأخي} أي ونحن ~~مطيعان لما تأمر به {فافرق بيننا} أي أنا وأخي {وبين القوم الفاسقين *} أي ~~الخارجين # PageV06P078 # عن الطاعة قولا وفعلا، ولا تجمعنا معهم في بين واحد، في فعل ولا جزاء ~~{قال فإنها} أي الأرض المقدسة {محرمة عليهم} أي بسبب أقوالهم هذه وأفعالهم، ~~لا يدخلها ممن قاله هذه المقالة أو رضهيا أحد، بل يمكثون {أربعين سنة} ثم ~~استأنف جوابا لمن تشعب فكره في تعرف حالهم في هذه الأربعين ومحلهم من الأرض ~~قوله: {يتيهون} أي يسيرون متحيرين {في الأرض} حتى يهلكوا كلهم، والتيه: ~~المفازة التي يحير سالكها فيضل عن وجه مقصده، روي أنهم أقاموا هذه المدة في ~~ستة فراسخ يسيرون كل يوم جادين، ثم يمشون في الموضع الذي ساروا منه، ثم سبب ~~عن إخباره بعقوبتهم قوله: {فلا تأس} أي تحزن حزنا مؤيسا {على القوم} أي ~~الأقوياء الأبدان الضعفاء القلوب {الفاسقين *} أي الخارجين من قيد الطاعات، ~~ثم بعد هلاكهم أدخلها بنيهم الذين نشأوا في التيه لسلامتهم من اعوجاج ~~طباعهم التي ألبستهم إياها بلاد الفراعنة، فإني كتبتها لبني إسرائيل، ولم ~~أخبر بتعيينهم - وإن كانوا معينين في علمي - كما اقتضت ms1124 ذلك حكمتي؛ وفي هذه ~~القصة أوضح دليل على نقضهم للعهود التي بنيت السورة على طلب الوفاء بها ~~وافتتحت بها، وصرح بأخذها عليهم في قوله: # {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} [المائدة: 12] # PageV06P079 # إلى أن قال: {وآمنتم برسلي وعزرتموهم} [المائدة: 12] وفي ذلك تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما يفعلونه معه، وتذكير له بالنعمة على قومه ~~بالتوفيق، وترغيب لمن أطاع منهم وترهيب لمن عصى، ومات في تلك الأربعين كل ~~من قال ذلك القول أو رضيه حتى النقباء العشرة، وكان الغمام يظلهم من حر ~~الشمس، ويكون لهم عمود من نور بالليل يضيء هاهنا عليهم - وغير هذا من ~~النعم، لأن المنع بالتيه كان تأديبا لهم لا غضبا فإنهم تابوا. # شرح هذه القصة ما بين أيديهم من التوراة وذكر بعض ما عذبهم فيه بذنوبهم، ~~قال في السفر الرابع منها: وكلم الرب موسى وقال له: أرسل قوما يجسون الأرض ~~التي أعطى بني إسرائيل، فأرسلهم موسى من برية فاران رجالا من رؤساء بني ~~إسرائيل - اثني عشر رجلا - فيهم كالاب بن يوفنا وهو ساع بن نون، ودعا موسى ~~هوساع بن نون يوشع، وأرسلهم ليستخبروا أرض كنعان وقال لهم: اعرفوا خبر ~~الشعب الذي بها، أقوي هو أم ضعيف؟ أكثير هو أم قليل؟ وما خبر الأرض التي هم ~~فيها، أمخصبة أم لا؟ أفيها شجر أم لا؟ وفي نسخة: وما المدن التي يسكنونها؟ ~~وإن كانت محوطا عليها أم لا؟ وتقووا وخذوا من ثمار الأرض؛ فصعدوا فاستخبروا ~~الأرض، وأخذوا من برية صين حتى # PageV06P080 # انتهوا إلى راحوب التي في مدخل حمات، وصعدوا إلى التيمن فأتوا حبران - ~~وفي نسخة: حبرون - وكان بها بنو الجبابرة، ثم أتوا وادي العنقود وقطعوا ~~قضيبا من الكرم فيه عنقود عنب، فحمله رجلان بأسطار، ودعوا اسم ذلك الموضع ~~وادي العنقود من أجل ذلك، وأخذوا من الرمان والتين أيضا، ورجعوا إلى موسى ~~بعد أربعين ليلة إلى برية فاران إلى رقيم، وأخبروا موسى والجماعة كلها خبر ~~الأرض وقالوا: انطلقنا فإذا الأرض تغل اللبن والعسل وهذه ثمارها، ولكن ~~الشعب الذي في الأرض عزيز ms1125 قوي، وقراهم كبار مشيدة، ورأينا ثم بني الجبابرة، ~~ثم ذكر أن الكنعانيين على ساحل البحر إلى نهر الأردن، قالوا: وكنا عندهم ~~مثل الجراد، كذلك رأينا أنفسنا، فضجت الجماعة كلها ورفعوا أصواتهم بالبكاء، ~~وبكوا في تلك الليلة بكاء شديدا، وتذمر جميع بني إسرائيل على موسى وهارون ~~في ذلك اليوم وضجوا عليهما، وقال لهما محافل بني إسرائيل كلها: يا ليتنا! ~~متنا بأرض مصر على يدي الرب، وليتنا متنا في هذه البرية ولا يدخلنا الرب ~~إلى الإرض التي نصرع فيها قتلا! وتنتهب مواشينا وأهلونا! كان المنون بأرض ~~مصر خيرا لنا، وقال كل امرىء منهم لأخيه: اجتمعوا حتى نصير علينا رئيسا، ~~ونرجع إلى أرض مصر، # PageV06P081 # فخر موسى وهارون على وجوههما ساجدين بين يدي جماعة بني إسرائيل كلها، ~~فأما يشوع ابن نون وكالاب بن يوفنا اللذان كانا من الجواسيس فقالا: الأرض ~~مخصبة جدا، فإن شاء الرب دفعها إلينا، فهي أرض تغل السمن والعسل، فلا تعصوا ~~الرب ولا تفتتنوا ولا تخافوا شعب هذه الأرض لأن أهلها مبذولون لنا مثل ~~الطعام للأكل، واعلموا أن قويهم سيضعف وتزول عنهم شدتهم، ونحن الغالبون لأن ~~الرب معنا، فلا تفرقوا منهم، وظهر مجد الرب بالسحابة في قبة الزمان تجاه ~~بني إسرائيل، وقال الرب لموسى: إلى متى يسخطني هذا الشعب؟ وكم إلى كم لا ~~يصدقونني؟ ألم يروا جميع الآيات التي أتيتهم بها؟ سأضربهم بالموت وأهلكهم، ~~وأصيرك الشعب أعظم من هذا وأعز منهم، فقال موسى أمام الرب: يسمع أهل مصر ~~الذين أخرجت هذا الشعب من بينهم بقوتك، ويقول لسكان هذه الأرض أيضا الذين ~~سمعوا أنك رب هذا الشعب، فإن أنت قتلت هذا الشعب جميعا كرجل واحد تقول ~~الشعوب التي بلغها خبرك: إن الرب لم يقدر أن يدخل هذا الشعب الأر ض التي ~~كان وعد إياهم، فلذلك قتلهم في البرية، فلتعظم قوتك الآن يا رب كما وعدت ~~وقلت! يا رب # PageV06P082 # أنت ذو المودة والنعمة، تغفر الإثم والخطايا، وتزكي من ليس بمزكي، اغفر ~~يا رب كما غفرت لهم مذ خرجوا من أرض مصر إلى الآن! ms1126 فقال الرب لموسى: قد ~~غفرت لهم لقولك ولكني حي قيوم، أقسم بذلك وبمجدي الذي امتلأت الأرض كلها ~~منه أن جميع الرجال الذين عاينوا مجدي والآيات التي أظهرت لهم بمصر ~~والفضاء، وجربوني عشر مرات، ولم يطيعوني ولم يقبلوا قولي، لا يعاينون الأرض ~~التي أقسمت لآبائهم أني أعطيهم، ولا يدخلها أحد من الذين أغضبوني، فأقبلوا ~~غدا وارتحلوا إلى طريق بحر سوف؛ وقال الرب: إلى متى تغفر هذه الجماعة ~~الرديئة بين يدي؟ فبي أقسم أنكم تصيرون إلى ما قلتم، وكما فكرتم ذلك يصيبكم ~~في هذه البرية، فتسقط جثثكم فيها وتبلى أجسادكم ويهلك كل عددكم وحسابكم من ~~ابن عشرين سنة إلى فوق، لأنكم تشوشتم وتذمرتم علي، لا تدخلوا الأرض التي ~~رفعت يدي لأنزلكم فيها، لوا يدخلها إلا كالاب بن يوفنا ويوشع بن نون، وأما ~~مواشيكم التي قلتم: إنها تنتهب، وبنوكم الذين لا يعلمون الخير من الشر فهم ~~يدخلون الأرض وأصيرهم إليها وأورثهم الأرض، فأما جيفكم فتسقط وتبلى في هذه ~~البرية. # وتمكث بنوكم يترددون في هذه المفازة أربعين سنة، يعاقبون حتى تهلك جثثكم ~~في هذه البرية على عدد الأيام التي اجتس الجواسيس الأرض فيها، لكل يوم سنة، # PageV06P083 # وتعاقبون بإثمكم، لكل يوم سنة، أربعين سنة لأربعين يوما، فتعلمون أني ~~إنما فعلت ذلك لتذمركم بين يدي، أنا الرب قلت: كذلك أصنع بهذه الجماعة ~~الرديئة التي اجتمعت بين يدي، تهلك في هذه البرية، يموتون كلهم، والقوم ~~الذين أرسلهم موسى أن يجتسوا الأرض له فانقلبوا وشغبوا عليه وأفسدوا ~~الجماعة كلها، وذلك أنهم أخبروا الشعب في أمر الأرض خبرا رديئا، ومات القوم ~~الذين أخبروا الخبر السوء موت الفجاءة أمام الرب، فأما يشوع وكالاب فنجوا ~~من الموت، ولم يهلكا مع الذين استخبروا الأرض، فأخبر موسى بني إسرائيل هذه ~~الأقوال، وجلسوا في حزن شديد وقالوا: نحن صاعدون إلى الموضع الذي أمر الرب ~~ونقر بخطايانا، قال لهم موسى: اعلموا أنكم لا تنجحون ولا يتم أمركم، لا ~~تصعدوا لأن الرب ليس معكم لئلا يهزمكم أعداؤكم، فإن صعدتم هزمتم وقتلتم، ~~لأنكم أغضبتم الرب ورجعتم عن ms1127 قوله، فلذلك لا يكون الرب معكم، فصعد القوم ~~إلى رأس الجبل، فأما تابوت عهد الرب وموسى النبي فلم يبرحا من العسكر، ونزل ~~العملقانيون الذين يسكنون ذلك الجبل وحاربوهم وهزموهم، وقتلوا منهم مقتلة ~~عظيمة وطردوهم إلى حرما؛ وكان ذكر قبل ذلك في السفر الثاني وقبل معصيتهم في ~~أمر الجواسيس قتالهم في رفيدين ورقيم لعماليق فقال ما نصه: وإن عماليق جاء ~~ليقاتل بني إسرائيل برفيدين فقال موسى ليشوع: # PageV06P084 # اختر رجلا من أهل الجلد والشدة واخراج بنا نقاتل عماليق غدا وأنا واقف ~~على رأس الأكمة، وقضيب الله في يدي، فصنع يشوع كما قال له موسى فخرج إلى ~~حرب عماليق، وصعد موسى وهارون وحور إلى رأس الجبل، وكان موسى إذا رفع يده ~~قوى بنو إسرائيل، وإذا خفض يده قوى عماليق، فأعيت يد موسى فأخذ حجارة ~~فوضعها تحته، ثم استوى عليها جالسا، وكان هارون وحور يدعمان يديه، أحدهما ~~يمينا والآخر شمالا حتى غربت الشمس، فهزم يشوع عماليق ومن معه وقتلوهم بحد ~~السيف، فقال الرب لموسى: اكتب هذا الأمر في سفر الكتاب وضعه أما يشوع بن ~~نون، لأني أمحق وأبيد ذكر عماليق من تحت السماء، فبنى للرب مذبحا، ودعا ~~اسمه الله علمي، ثم قال: وأرسل رسلا من رقيم إلى ملك أدوم بأنهم نازلون في ~~رقيم - القرية التي في حد بلاده - واستأذنه في الجواز في بلاده، فهددهم ~~بالمقاتلة فقالوا: لا نشرب لك ماء إلا بثمن، فقال: لا تجوزوا في حدي، وخرج ~~إليهم بجيش عظيم وسلاح شاك فصغا بنو إسرائيل عنه وظعنوا # PageV06P085 # من رقيم، وأتى جميع بني إسرائيل إلى هور الجبل حيث توفي هارون، ثم قال: ~~ونزل موسى وإليعازر من الجبل، فرأت محافل بني إسرائيل كلها أن هارون قد ~~توفي، وبكى على هارون جميع بني إسرائيل ثلاثين يوما، وسمع الكنعاني ملك ~~عراد الذي كان يسكن التيمن أن بني إسرائيل قد نزلوا في طريق الجواسيس ~~فحاربهم وسبى منهم قوما، فنذر بنو إسرائيل نذرا للرب وقالوا: إن أنت دفعت ~~إلينا هذا الشعب يا رب وقويتنا عليه جعلنا قراهم حريمة للرب، ms1128 فسمع الرب ~~أصوات بني إسرائيل ودفع إليهم الكنعانيين وقواهم عليهم، وهزموهم وقتلوهم ~~وجعلوا قراهم حريمة للرب ودعوا اسم تلك البلاد حريمة، فظعن الشعب من هور ~~الجبل في طريق بحر سوف ليدوروا حول أرض أدوم، ففزعت أنفس الشعب من شدة ~~الطريق وكلت، وتذمر الشعب على الله وعلى موسى وقالوا: لم أصعدتنا من مصر؟ ~~لتميتنا في موضع ليس فيه خبز ولا ماء، قد ضاقت أنفسنا من قلة الطعام، فسلط ~~الله عليهم حيات فنهشت قوما من الشعب ومات منهم كثير، فاجتمعوا إلى موسى ~~وقالوا: قد أخطأنا إذ تذمرنا على الله وعليك، صل أمام الرب لتنصرف عنا ~~الحيات، فصلى موسى فقال الرب له: اتخذ حية من نحاس مثال الحية وارفعها على ~~خشبة علامة، ومن نهشته حية ينظر إلى الحية المعلقة # PageV06P086 # فيبرأ، ففعل ذلك، فطعن بنو إسرائيل فنزلوا أبوت، ثم ارتحلوا من أبوت ~~ونزلوا على عين العبرانيين التي في البرية أمام أرض موآب في الجانب الشرقي ~~وحيث مشارق الشمس، ثم ظعنوا من هناك ونزلوا وادي زرود، وارتحلوا من هناك ~~ونزلوا عبر أرنون في البرية أمام أرض موآب في الجانبين التي تخرج من حد ~~الأمورانيين وهي في حد الموآبيين، ولذلك يقال في كتاب حروب الرب: واهب في ~~سوفة ووادي أرنون ومصب الأودية المائلة إلى سكان عار التي تنتهي إلى حد ~~الموآبيين؛ ثم أرسل بنو إسرائيل رسلا إلى سيحون ملك الأمورانيين وقالوا له: ~~نجوز في أرضك من غير أن نطأ لك حقلا ولا كرما، ولا نشرب من ماء جناتك، ولكن ~~نلزم الطريق الأعظم حتى نجوز أرضك، فأبى سيحون وجمع جميع أجناده وخرج إلى ~~البرية وحارب بني إسرائيل، فقتل بنو إسرائيل سيحون وأصحابه وورثوا أرضه، ~~وصعدوا إلى أرض متنين، وخرج عوج ملك متنين # PageV06P087 # إليهم هو وأجناده ليحاربهم في أدرعى، وقال الرب لموسى: لا تخفه لأني ~~دافعة في يدك وأصير جميع شعبه وأرضه في يدك، فاصنع به كما صنعت بسيحون ملك ~~الأمورانيين، فلما حاربوه قتل هو وبنوه وجميع شعبه ولم يبق منهم أحد، فظعن ~~بنو إسرائيل ونزلوا عربات موآب ms1129 التي عند أردن إريحا؛ ثم ذكر قصة بلعام بن ~~باعور وغيرها وقال: ثم قال الرب لموسى: اصعد إلى هذا الجبل جبل العبرانيين، ~~وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل، فإذا نظرت إليها اجتمع معك ~~شعبك، وصر إلى ما صار إليه آباؤك كما صار [إليه] هارون أخوك، فتكلم موسى ~~أمام الرب وقال: يأمر الله رجلا يريد الجماعة ويدخل ويخرج أمامهم، ويدخلهم ~~ويخرجهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي ليس لها راع، فقال الرب لموسى: ~~اعمد إلى يشوع بن نون - رجل عليه من الروح نعمة - فضع يدك عليه، وأقمه بين ~~يدي إليعازر الحبر أمام الجماعة كلها ومن تجاههم قبلا، وأعطه من المجد الذي ~~عليك، فتطيعه جماعة بني إسرائيل كلها، ويقوم بين يدي إليعازر الحبر ليكون ~~يسأل الرب عن حوائجه وسننه، ويحفظ بنو إسرائيل قوله، # PageV06P088 # وعن قوله يخرجون وعن قوله يدخلون، وفعل موسى كالذي أمره الله في يوشع ~~وغيره - ثم ذكره أشياء من القرابين والأعياد وفتح مدين وبقية قصة بلعام ~~وغير ذلك ثم قال: وكثرت مواشي بني روبيل وبني جاد جدا، ونظروا إلى يعزير ~~وأرض جلعاد أنه موضع يصلح للمواشي فقالوا لموسى: إن نحن ظفرنا منك برحمة ~~ورأفة تعطي هذه الأرض لعبيدك ميراثا ولا تجزنا نهر الأردن، فقال موسى: ~~إخوتكم يخرجون إلى الحرب وأنتم تستقرون هاهنا؟ لم تكسرون قلوب إخوتكم أن لا ~~يجوزوا إلى الأرض التي يعطيهم الرب ميراثا! هكذا صنع أيضا آباؤكم فاشتد غضب ~~الرب عليهم، وأقسم أنه لا يعاين أحد منهم الأرض التي وعدت بها آباءهم، ~~لأنهم لم يتموا قولي ولم يتبعوا وصيتي ما خلا كالاب بن يوفنا القنزابي ~~ويشوع بن نون، إنهما أتما قول الرب فاشتد غضب الرب على بني إسرائيل وتوههم ~~في البرية أربعين سنة حتى هلك حقب الرجال الذين أسخطوا الرب، وأنتم اليوم ~~أيضا تريدون أن ينزل غضب الرب ببني إسرائيل، وإن أنتم انقلبتم عن أمر الرب ~~أيضا يعود أن يتوهكم في التيه، فتفسدون على جميع هذا الشعب، # PageV06P089 # فدنا منه القوم وقالوا: نبني هاهنا قرى لعيالاتنا وحظائر ms1130 لأنعامنا، ونحن ~~نتسلح أمام بني إسرائيل حتى ندخلهم إلى مواضعهم ولا نرجع إلى بيوتنا حتى ~~يرث بنو إسرائيل كل إنسان ميراثه، ولا نرث معهم من عبر الأردن وما خلف ذلك، ~~لأنا قد قبضنا ميراثنا في مجاز الأردن في مشارق الشمس، فقال لهم موسى: إذا ~~أنتم فعلتم هذا الفعل وتسلحتم أمام ربكم، حينئذ ترجعون وتستجلبون أرضكم ~~ويرضى بنو إسرائيل عنكم، وتصير هذه الأرض لكم ميراثا، وإن لم تفعلوا هذا ~~تصيروا أمام الرب خطأة، واعلموا أن خطاياكم تدرككم، ثم قال: وهذه خطأ عن ~~بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر - فذكر ما تقدم في البقرة، ثم قال: ~~وارتحلوا من مقبرة الشهوة ونزلوا حضروت، وظعنوا من حضروت ونزلوا رثما، ~~وارتحلوا من رثما ونزلوا رمون فرص، وظعنوا من رمون فرص ونزلوا لبنا - وفي ~~نسخة: لبونا - # PageV06P090 # وارتحلوا من لبنا ونزلوا أراسيا - وفي نسخة: رسا - وظعنوا من أراسيا أو ~~رسا ونزلوا قهاث - وفي نسخة: بقهالاث - وارتحلوا من قهاث ونزلوا جبل شافار ~~- وفي نسخة: شافر - وارتحلوا من جبل شافار ونزلوا حرادة - وفي نسخة: حرذا - ~~وارتحلوا من حرادة - وفي نسخة: حارذا - ونزلوا مقهلوث - وفي نسخة: مهقلوث - ~~وظعنوا من مقهلوث نزلوا تحاث - وارتحلوا من تحاث ونزلوا ترح، وارتحلوا من ~~ترح ونزلوا مثقا، وارتحلوا من مثقا ونزلوا حشمونا، وظعنوا من حشمونا ونزلوا ~~مسروت، وارتحلوا من مسروت ونزلوا بحي بني يعقان، وظعنوا من حي بني يعقان ~~ونزلوا جبل جدجاد، وارتحلوا من جدجاد ونزلوا يطبث - وفي نسخة: يطباثا - ~~وظعنوا من يطبث ونزلوا عجرونا - وفي نسخة: عبرونا - وارتحلوا من عجرونا ~~ونزلوا عصيون جابر وهي قلزم، ورحلوا من عصيون جابر ونزلوا برصين - وفي ~~نسخة: برية صين المعروفة بقداش - وهي رقيم، وظعنوا من قداش ونزلوا هور ~~الجبل الذي في أقاصي # PageV06P091 # أرض أدوم - وفي نسخة: وظعنوا من برية صين فنزلوا في قفر فاران وهي القدس، ~~وارتحلوا من القدس فنزلوا في جبل هور بحذاء أرض أدوم وهي الروم - وصعد ~~هارون الحبر عن قول الله إلى هور الجبل، وتوفي هناك في سنة أربعين بخروج ~~بني إسرائيل من أرض ms1131 مصر في الشهر الأول أول يوم منه، وقد كان أتى على هارون ~~يوم توفي مائة وثلاث وعشرون سنة، وبلغ الكنعاني ملك حديا الساكن بالتيمن في ~~أرض كنعان - وفي نسخة: عراد الساكن في الداروم في بلد ماءب - أن بني ~~إسرائيل أتوا حده، فينون من هور الجبل ونزلوا صلمونا، وارتحلوا من صلمونا ~~ونزلوا فينون وظعنوا من فينون ونزلوا أبوث - وفي نسخة: أباث - وارتحلوا من ~~أبوث ونزلوا العين المعروفة بالعبرانيين على حد موآب - وفي نسخة: ونزلوا ~~عايا في العين على تخوم موآب - وارتحلوا من عايا فنزلوا جاد - وفي نسخة: ~~ورحلوا من عين العبرانيين ونزلوا ديبون قرية جاد - وارتحلوا من قرية جاد ~~ونزلوا علمون التي دبلثيم - وفي نسخة: دبلاثيم - وظعنوا من # PageV06P092 # علمون التي دبلثيم - وفي نسخة: دبلاثيم - فنزلوا جبل العبرانيين الذي ~~أمام نابو، وارتحلوا من جبل العبرانيين ونزلوا عربة موآب التي بأردن يريحا ~~- وفي نسخة: ونزلوا مغارب موآب على الأردن قبالة يريحا - ونزلوا على شاطىء ~~الأردن من عند أشيموت إلى آبل شاطيم التي عند عربة موآب - وفي نسخة: قبالة ~~مغارب موآب. # وكلم الرب موسى على مغارب موآب عند الأردن قبالة يريحا فقال: كلم بني ~~إسرائيل وقل لهم: أنتم جائزون الأردن إلى أرض كنعان لتهلكوا جميع سكان ~~الأرض، وتحرقوا بيوت أصنامهم المسبوكة، وتقلعوا مذابحهم كلها، وتصير الأرض ~~إليكم وترثونها، فاقسموها لعشائركم سهاما، وصيروا الكثير على قدر كثرتهم، ~~والقليل على قدر قلتهم، وكل قبيلة على ما يرتفع السهم بها وتصيبها القرعة، ~~وإن لم تهلكوا سكان الأرض من بين أيديكم فالذين يبقون منهم يكونون أسنة في ~~أعينكم وسهاما في أصداغكم، ويضيقون عليكم في الأرض التي تسكنونها، وكما ~~رأيت أن أصنع بهم كذلك أصنع بكم، فهكذا اقسموا الأرض في مواريثكم: أرض ~~كنعان بحدودها، # PageV06P093 # فأما حد التيمن فيكون لكم من ساحل البحر الملح من ناحية المشرق، ويدور ~~حدكم من التيمن إلى عقبة عقربيم ويجوز إلى صين، وتكون مخارجه من التيمن إلى ~~رقيم الجائي، ويخرج من هناك إلى حصر إدار - وفي نسخة: إلى رفح - ويجوز إلى ~~عصمون إلى وادي مصر، ms1132 وتكون مخارجه إلى ناحية البحر ويكون حد البحر حدكم ~~والبحر الأعظم بحدوده، هذا حدكم من ناحية البحر وأما حدكم مما يلي الجربيا ~~- وفي نسخة: الشمال - فيكون من البحر الأعظم إلى هور الجبل، وحدود ذلك من ~~الجبل إلى مدخل حماة، وتكون مخارج الجبل إلى صدد، ويخرج الحد إلى زفرون، ~~وتكون مخارجه إلى حصر عينن، هذه حدودكم من ناحية الجربيا، وأما حدودكم من ~~ناحية المشرق فحدوده من حصر عينن إلى شافم، وينزل الحد نم شافمم إلى ربلة ~~إلى مشارق غاب، حتى ينتهي إلى بحر كنرت - وفي نسخة: البحيرة الميتة - من ~~مشارقه، ويدور حتى ينزل إلى حد الأردن، وتكون مخارجه إلى بحر الملح، هذه ~~حدود الأرض التي ترثونها كما تدور ثم ذكر القسمة وشيئا من الأحكام، ثم قال ~~في أول السفر الخامس: هذه الآيات والأقوال التي قال موسى لبني إسرائيل عند ~~مجاز الأردن في البرية في عرابا - وفي نسخة: البيداء وهو الجانب الغربي - # PageV06P094 # حيال سوف بين فاران وبين تفال ولبان وحضروت وذي ذهب - وفي نسخة: ودار ~~الذهب وهو إشارة إلى الموضع الذي عبدوا فيه العجل - مسير أحد عشر يوما من ~~حوريب إلى ساعير وإلى رقام الجائي. # لما كان في سنة أربعين من خروج بني إسرائيل من مصر في الشهر الحادي عشر ~~في أول يوم منه كلم موسى بني إسرائيل وأمرهم بعد قتلهم سيحون ملك ~~الأمورانيين وعوج ملك متنين في مجاز الأردن في أرض موآب، قال: إن الله قال ~~لنا في حوريب: قد طال مكثكم في هذا الجبل، انهضوا فارتحلوا من هاهنا ~~وادخلوا جبل الأمورانيين وكل ما حوله إلى القرى والجبل وإلى ساحل البحر ~~أسفل الجبال، والتيمن أرض الكنعانيين، ولبنان إلى النهر الكبير الذي هو ~~الفرات، ادخلوا ورثوا الأرض التي وعد الله آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن ~~يعطيهم، ويورثها نسلهم من بعدهم، ثم قال: وأمرتكم في ذلك الزمان بما ينبغي ~~أن تصنعوا، وارتحلنا من حوريب وسرنا في البرية العظيمة المرهوبة كما أمرنا ~~الله ربنا، وانتهينا إلى رقيم الجائي، وقلت لكم: # PageV06P095 # قد انتهيتم إلى جبل ms1133 الأمورانيين الذي أعطانا الله ربنا، اصعدوا ورثوا ~~الأرض كما قال لكم الله رب آبائكم، لا تخافوا ولا تفزعوا، وتقدمتم إلي ~~بأجمعكم وقلتم: نرسل بين أيدينا رجالا يتجسسون لنا الأرض ويخبرونا بخبرها ~~ويدلونا على الطريق الذي نسير فيه والقرى التي ندخلها؛ فكان قولكم عندي ~~حسنا، وعمدت إلى اثني عشر رجلا منكم، من كل سبط منكم رجل، وأرسلتهم، وصعدوا ~~إلى الجبل حتى انتهوا إلى وادي العنقود، واستخبروا الأرض وأخذوا من ثمار ~~الأرض وأتوا به وأخبرونا وقالوا لنا: ما أخصب الأرض التي يعطينا الله ربنا! ~~ولم يعجبكم أن تصعدوا، ولكن اجتنبتم قول الله ربكم وأغضبتموه وتوشوشتم في ~~خيمتكم وقلتم: لبغض الرب أخرجنا من أرض مصر ليدفعنا في أيدي الأمورانيين ~~ليهلكونا، إلى أين نصعد! إخوتنا كسروا قلوبنا وقالوا: الشعب أعظم وأعز منا ~~وأقوى، وقراهم عظيمة مشيدة إلى السماء، ورأينا هناك أبناء جبابرة، وقلت ~~لكم: لا تخافوا ولا تفزعوا منهم، من أجل أن الله ربكم هو يسير أمامكم، وهو ~~يجاهد عنكم كما صنع بكم في أرض مصر وفي البرية. # كما رأيتم أنه فداكم كما يفدي الوالد ولده في كل الأرض التي سلكتموها حتى ~~انتهيتم إلى هذه البلاد، # PageV06P096 # وبهذا القول لم تصدقوا أن الله ربكم يكمل لديكم أنه يسير أمامكم في ~~الطريق ليهيىء لكم موضعا تسكنون فيه، أليس هو الذي أراكم طريقا تسلكون فيه ~~بالليل بالنار، وستركم بالنهار من حر الشمس بالغمام، وسمع الرب كلامكم ~~وأصواتكم وغضب وأقسم وقال: لا يعاين أحد من هؤلاء القوم - أهل هذا الحقب ~~الرديء - الأرض المخصبة التي أقسمت أن أعطي آباءهم غير كالاب بن يوفنا، إني ~~أدفع إليه الأرض التي مشى فيها وأورثها ولده، لأنه أتم قول الرب وأكمل ~~سنته، وقال لي: وأنت أيضا لا تدخلها، ولكن يشوع بن نون الذي يخدمك هو يدخل ~~هناك، إياه قو وأيد، لأنه هو الذي يورث بني إسرائيل الأرض المخصبة التي ~~وعدت بها آباءهم أن أعطيهم، وأما مواشيكم التي قلتم: إنها تنتهب، وبنوكم ~~الذين لا يعلمون الخير من الشر، فهم يدخلون هناك، وإليهم أدفعها وهم ms1134 ~~يرثونها، فأما أنتم فاقبلوا وارتحلوا إلى البرية في طريق بحر سوف، فرددتم ~~علي وقلتم: أسأنا وأجرمنا بين يدي الله ربنا، نحن صاعدون ومجاهدون كما قال ~~لنا، وتسلح كل امرىء منكم بسلاحه، وتهيأتم للصعود إلى الجبل، وقال الرب لي: ~~أنذرهم وقل لهم: لا تصعدوا ولا تجاهدوا، لأني لست بينكم، لئلا يهزمكم ~~أعداؤكم، وقلت ولم تقبلوا، اجتنبتم قول الرب وأغضبتموه وجسرتم وطلعتم إلى ~~الجبل، فخرج الأموريون الساكنون # PageV06P097 # في ذلك الجبل للقائكم وطردوكم كما تطرد الزنابير بالدخان، ودفعوكم من ~~ساعير إلى حرما، وجلستم وبكيتم ولم يسمع الرب أصواتكم، فبكيتم أمام الرب في ~~رقام أياما كثيرة ما مكثتم فيها، فأقبلنا فارتحلنا في البرية في طريق بحر ~~سوف كما قال الرب، وترددنا حول جبل ساعير أياما كثيرة، وقال لي الرب: قد ~~طال ترددكم حول هذا الجبل اقبلوا إلى الجانب الجربي، فتقدم إلى الشعب وقل ~~لهم: أنتم تجوزون في حد إخوتكم بني عاسو - وفي نسخة: عيصو - الذين يسكنون ~~ساعير، فاحفظوا أن لا تولعوا بهم. # لأني لست أعطيكم من أرضهم ميراثا ولا موضع قدم، ابتاعوا منهم طعاما ~~لمأكلكم وامتاروا منهم ماء بفضة لمشربكم، وليبارك الله ربكم عليكم ويبارك ~~لكم في كل ما عملت أيديكم، كما علم أن يسوسكم في هذه البرية أربعين سنة، ~~الله ربكم ما دام معكم لا يعوز بكم شيء، وجزنا طريق العربة - وفي نسخة: ~~البيداء - وأيلة، وأقبلنا وجزنا في البرية إلى طريق موآب، وقال لي الرب: لا ~~تضيق على الموآبيين ولا تحاربهم، لأني لست أعطيك من أرضهم ميراثا، بل قد ~~جعلت هذه # PageV06P098 # الأرض ميراثا لبني لوط هذه التي سكنها إمتى أولا، شعبا كان عظيما، كان ~~الموآبيون يسمونهم إمتى، فأما ساعير فكان سكانها الحورانيين أولا وورثها ~~بنو عاسو، فقوموا الآن فجوزوا وادي زرد، فجزنا وادي زرد حينئذ، وكان عدد ~~الأيام التي سرنا من رقيم إلى أن جزنا وادي زرد ثماني وثلاثين سنة، حتى هلك ~~جميع الرجال الأبطال أهل ذلك الحقب من عسكر بني إسرائيل كما أقسم عليهم ~~الرب، لأن يد الرب كانت عليهم حتى هلكوا، ms1135 فلما ماتوا من الشعب كلمني الرب ~~وقال لي: أنت جائز اليوم إلى حد موآب، وتدنو من حد بني عمون فلا تتعرض لهم، ~~لست أعطيك ميراثا من أرض بني عمون، لأني قد جعلتها ميراثا لبني لوط، فقم ~~وارتحل وجز وادي أرنون، إني قد دفعت إليك سيحون ملك الأمورانيين فحاربه ~~وأهلك أصحابه، فإني أبدأ فألقي خوفك وفزعك على الناس منذ يومك هذا، وعلى ~~جميع الشعوب التي تحت السماء، حتى إذا سمعوا بخبرك فرقوا وفزعوا منك، ~~وأرسلت رسلا من برية قدموت إلى سيحون ملك حجبون بكلام طيب وبالسلام، وقلت ~~له: نجوز في أرضك ونسير في الطريق الأعظم، لا نميل يمنة ولا يسرة نمتار ~~منكم طعاما بفضة لمأكلنا، وكذلك نبتاع ماء لمشربنا بثمن، فدعونا نجز # PageV06P099 # سائرين في الطريق كما صنع بنا بنو عاسو الذين في ساعير، والموآبيون الذي ~~في عار، حتى يجوز في الأردن إلى الأرض التي يعطينا الله ربنا، لوم يسر ~~سيحون ملك حجبون أن نجوز في حده، لأن الله ربكم قسى قلبه وعظم روحه ليدفعه ~~في أيديكم، وخرج إلينا هو وجميع أجناده ليحاربونا في ياهاص، فدفعه الرب ~~إلينا وقتلناه هو وجميع أجناده وفتحنا قراه وأهلكنا كل من كان في قراه، ولم ~~يبق منهم أحد، وأهلكنا نساءهم وعيالاتهم، ولم يبق منهم أحد من حد عروعير ~~التي على حد وادي أرنون، والقرية التي في الوادي وإلى جلعاد لم تفتنا قرية، ~~بل دفعها الله ربنا في أيدينا جميعا، فأما أرض بني عمون فلم نقربها، وكل ما ~~كان على وادي يبوق وقرى الجبال أيضا، وكل ما أمرنا الله ربنا به، ثم أقبلنا ~~وصعدنا إلى أرض متنين، وخرج إلينا عوج ملك متنين هو وكل شيعته ليحاربنا في ~~أدرعى، وقال لي الرب: لا تفرق فإني قد دفعته في يديك، وأسلمت إليك كل ~~أجناده وأرضه، وقتلناهم ولم يبق منهم أحد، وظفرنا بكل قراه في ذلك الزمان، ~~ولم تفتنا قرية إلا أخذناها منهم ستين قرية، كل جبل أرجوب، كل القرى التي ~~كانت أسوارها # PageV06P100 # مشيدة محصنة بالأبواب الشديدة الموثقة، وأحرمناهن كما ms1136 صنعنا بسيحون ~~وأخذنا الأرض في ذلك الزمان من ملكي الأمورانيين اللذين كانا عند مجاز ~~الأردن من وادي أرنون إلى جبل حرمون، فأما الصيدانيون فكانوا يدعون حرمون ~~سريون، وأما الأمورانيون فكانوا يسمونها سنير، وأخذنا كل القرى التي كانت ~~في الصحراء وكل جلعاد وكل متنين إلى سلكة وأدرعى، جميع قرى ملك عوج، لأن ~~عوجا كان الجبار الذي بقي وحده من الجبابرة، وكان سريره من حديد، وفي مدينة ~~بني عمون التي تسمى ربة، طوله تسع أذرع وعرضه أربع أذرع بذراع الجبابرة، ~~وورثنا هذه الأرض في ذلك الزمان؛ ثم قال: أمرت يشوع في ذلك الزمان وقلت: قد ~~رأيت بعينيك ما صنع الله ربكم بملكي الأمورانيين، كذلك يصنع الرب بجميع ~~المملكات التي تجوز إليها، لأن الله ربكم هو يجاهد عنكم، وتضرعت إلى الرب ~~في ذلك الزمان وقلت: أطلب إليك يا ربي وإلهي أن تظهر لعبدك عظمتك بيدك ~~المنيعة وبذراعك العظيمة، أي إله في السماء أو في الأرض يعمل مثل أعمالك ~~وجرائحك! أتأذن # PageV06P101 # لي الآن فأعبر وأعاين الأرض المخصبة التي في مجاز الأردن، هذا الجبل ~~المخصب ولبنان، ولم يتسجب لي وقال لي الرب: حسبك! لا تعد أن تقول هذا القول ~~بين يدي، اصعد رأس الأكمة وارفع عينيك إلى المغرب والمشرق وإلى الجربي ~~والتيمن، وانظر إليها نظرا ولا تجز هذا الأردن، ومر يشوع وتقدم إليه وقوه ~~وأيده، لأنه هو الذي يجوز أمام هذا الشعب وهو الذي يورثهم الأرض التي ~~تراها، ونزلنا الوادي حيال بيت فغور: ثم قال: وأقسم - أي الرب -أني لا أجوز ~~هذا الأردن ولا أدخل إلى الأرض التي أعطاكم الله ربكم ميراثا، فأنا الآن ~~متوف في هذه الأرض، ولا أجوز هذا الأردن، فأما أنتم فتجوزون وترثون هذه ~~الأرض المخصبة، احفظوا لا تنسوا عهد ربكم الذي عاهدكم، ولا تفسدوا وتتخذوا ~~أصناما وأشباها، من أجل أن الله ربكم هو نار محرقة وهو إله غيور، وإذا ولد ~~لكم بنون وبنو بنين وعتقتم في الأرض. # واتخذتم أصناما وأشباها وارتكبتم الشر أمام الله ربكم وأغضبتموه قد أشهد ~~عليكم السماء والأرض ms1137 أنكم تهلكون سريعا من الأرض التي تجوزون لترثوها، ولا ~~تكثر أيامكم فيها، ويبددكم الرب من بين الشعوب ويبقي منكم عدد قليل بين ~~الشعوب # PageV06P102 # التي يفرقكم الرب فيها، سلوا عن الأيام الأولى التي مضت قبلكم منذ يوم ~~خلق الله الناس على الأرض من أقصى السماء إلى أقطارها، هل كان مثل هذا ~~الأمر العظيم أو سمع بمثله قط؟ هل سمع شعب آخر صوت الله يكلمه من النار كما ~~سمعتم أنتم، وجربوا الله الذي اتخذهم شعبا من الشعوب بالبلايا والآيات ~~والأعاجيب والحروب واليد المنيعة والذراع العظيمة وبالمناظر العظيمة، كما ~~صنع الله بأهل مصر تجاهكم أنتم وعاينتم وعلمتم أن الله هو رب كل شيء وليس ~~إله غيره، أسمعكم صوته من السماء ليعلمكم وأراكم ناره العظيمة، وسمعتم ~~أقاويله من النار، ولحبه لآبائكم اختار نسلهم من بعدهم، وأخرجكم بوجهه من ~~مصر بقوته العظيمة، ليهلك من بين أيديكم شعوبا أعظم وأعز منكم ليدخلكم ~~ويعطيكم أرضهم ميراثا، لتعلموا يومكم هذا وتقبلوا بقلوبكم لأن الرب هو إله ~~في السماء فوق وفي الأرض أسفل، وليس إله سواه، احفظوا سننه ووصاياه التي ~~أمركم بها يومكم هذا لينعم عليكم وعلى أبنائكم من بعدكم ويطول مكثكم في ~~الأرض التي يعطيكم الله ربكم طول الأيام. # هذه الشهادات والأحكام التي قص موسى على بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض ~~مصر، فانتهوا إلى مجاز الأردن في الوادي في مشارق الشمس، وإلى بحر العربة ~~إلى سدود الفسجة، ثم قال بعد ذلك في أواخر هذا السفر بعد أن قص عليهم # PageV06P103 # أحكاما كثيرة وحكما عزيزة: الرب يقبل بكم إلى الخير ويفرحكم كما فرح ~~آباؤكم، وذلك إن أنتم سمعتم قول الله ربكم وحفظتم سننه ووصاياه المكتوبة في ~~هذا الكتاب من كل قلوبكم وأنفسكم، من أجل أن هذه الوصية لم تخف عليكم ولم ~~تغب، وليس هو بمستور في السماء فتقولوا: من يصعد لنا إلى السماء ويأتينا به ~~فنسمعه ونعمل به! وليس بغائب عنكم في أقصى البحر فتقولوا: من ينزل لنا إلى ~~البحر ويأتينا به فنسمعه ونعمل به! ولكن القول قريب من ms1138 فمك وقلبك فاعمل به، ~~وانظر أني قد صيرت بين يديك اليوم الحياة والخير، فأخبرتك بالموت والشر، ~~وأنا آمرك اليوم أن تحب الله ربك وتسلك في طرقه وتحفظ سننه ووصاياه ~~وأحكامه، لتحيى وتكثر جدا، ويبارك الله ربك عليك، وينميك في الأرض التي ~~تدخلها لترثها، وإن مال قلبك وزاغ ولم تسمع وضللت وتبعت الآلهة الأخرى ~~وسجدت لها فقد بينت لكم اليوم أنكم تهلكون هلاكا، ولا يطول مكثكم في الأرض ~~التي تجوزون الأردن لترثوها، وأوعزت إليكم وناشدتكم السماء والأرض والحياة ~~والموت - وفي نسخة: وأشهدت عليكم السماء والأرض وجعلت بين يديكم الحياة ~~والموت - وتلوت # PageV06P104 # عليكم اللعن والدعاء، فاختر الحياة لتحيى أنت ونسلك إذا أحببت الله ربك ~~وسمعت قوله ولحقت بعبادته، لأنه حياتك وطول عمرك، وتسكن في الأرض التي أقسم ~~الرب لآبائك ووعد إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيك؛ ثم انطلق موسى وكلم بني ~~إسرائيل وقص عليهم هذه الأقوال كلها وقال لهم: اليوم مائة وعشرون سنة، ولست ~~أقدر على الدخول والخروج أيضا، والرب قال: إنك لا تجوز هذا الأردن، فالله ~~ربكم هو يجوز أمامكم، وهو يهلك هذه الشعوب من بين أيديكم وترثونهم، ويشوع ~~هو يجوز أمامكم كما قال الرب، وسيصنع بهم الرب كما صنع بسيحون وعوج ملكي ~~الأمورانيين اللذين أهلكهما، ويهزمهم الله ربكم من بين أيديكم، فاصنعوا بهم ~~حينئذ ما أمرتكم به، فتقووا واعتزوا ولا تخافوا ولا تفزعوا، ولا ترعب ~~قلوبكم منهم، لأن الله ربكم سائر أمامكم، لا يخذلكم ولا يرفضكم؛ ودعا موسى ~~يشوع بن نون وقال له بين يدي جماعة بني إسرائيل: تقو واعتز، لأنك أنت الذي ~~تدخل هذا الشعب الأرض التي أقسم الله لآبائهم أن يعطيهم، وأنت تورثها ~~أبناءهم، والرب هو يسير أمامكم وهو يكون معك ولا يخذلك ولا يرفضك، فلا تخف ~~ولا تفزع ولا يرعب قلبك؛ وكتب موسى هذه التوراة وسننها ودفعها إلى الأحبار ~~بني لاوي الذين يحملون # PageV06P105 # تابوت عهد الرب وإلى جميع أشياخ بني إسرائيل؛ ثم قال: وكلم الرب موسى في ~~ذلك اليوم وقال له: اصعد إلى جبل العبرانيين هذا جبل نابو ms1139 الذي في أرض موآب ~~حيال يريحا وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل ميراثا، ولتتوف هناك ~~في الجبل الذي تصعد إليه واجتمع إلى آبائك، كما توفي أخوك هارون في الجبل ~~وصار إلى قومه، ثم قال في آخر هذا السفر وهو آخر التوراة: فطلع موسى من ~~عربوب - وفي نسخة: من بيداء موآب - إلى جبل نبو إلى رأس الأكمة التي قبالة ~~وجه إريحا، وأراه الله جميع جلعد إلى دان وجميع أرض نفتالي وجميع أرض ~~إفرائيم ومنشا، وجميع أرض يهودا إلى آخر البحر والبرية وما حول بقعة بلد ~~إريحا مدينة النخل إلى صاغر، فقال الرب لموسى: إن هذه هي في الأرض التي ~~أقسمت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وقلت: إني لنسلكم أعطيها، قد أريتكها بعينيك، ~~فأما أنت فما تدخلها، وقضى عبد الله موسى بأرض موآب بأمر الرب، فدفن - يعني ~~في أرض موآب - حذاء بيت فاغور، ولم يعرف # PageV06P106 # أحد أين قضى إلى يومنا هذا، وكان موسى وقت قضى ابن مائة وعشرين سنة، لم ~~يضعف بصره ولم يشخ جدا؛ فناح بنو إسرائيل على موسى بعربوب - وفي نسخه: في ~~بيداء موآب - ثلاثين يوما، وتمت أيام بكاء مأتم موسى؛ وامتلأ يشوع بن نون ~~روح الحكمة، لأن موسى وضع عليه يده، وأطاع له بنو إسرائيل وامتثلوا ما أمر ~~الرب به موسى - انتهى ما أردته من أخبار التيه وما يتصل بذلك من مساواتهم ~~لجميع الناس في العذاب بالمعاصي والإلطاف بالطاعات، الهادم لكونهم أبناء ~~وأحباء. # وفيه مما يحتاج إلى تفسير: الجربي، وهو نسبة إلى الجربياء - بكسر الجيم ~~والموحدة، بينهما مهملة ساكنة ثم تحتانية ممدودة، وهي جهة الشمال، والتيمن ~~- بفتح الفوقانية وإسكان التحتانية وضم الميم، وهو أفق اليمن الذي يقابل ~~الشمال فالمراد الجنوب، وفيه قاصمة لهم من إنكار النسخ في أمرهم بنص ~~التوراة بالدخول إلى يبت المقدس ثم نهيهم عن ذلك لما عصوا، فإنه قال: ~~اصعدوا ورثوا الأرض كما قال لكم الله رب آبائكم، لا تخافوا ولا تفزغوا، ~~ولما عصوا هذا الأمر وأعلمهم موسى عليه السلام عليه السلام بغضب الله عليهم ~~وعقوبته ms1140 بالتيه أرادوا امتثال الأمر في الصعود توبة، فقال لهم موسى عليه ~~السلام: وقال لي الرب: أنذرهم وقل لهم: لا تصعدوا # PageV06P107 # ولا تجاهدوا لأني لست بينكم، لئلا يهزمكم أعداؤكم - هذا نصه فراجعه. وأما ~~دخول أبنائهم إلى بلاد القدس وغلبتهم على أهلها وتبسطهم في أرضها تصديقا ~~لمواعد الله على يد يشوع بن نون عليه السلام فسيذكر إن شاء الله تعالى عند ~~قوله تعالى في سورة يونس عليه السلام: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} ~~[يونس: 93] ، ولكن أقدم هنا من أمر يوشع بعد موسى عليهما السلام - والمعونة ~~بالله - ما يبنى عليه بعض مناسبات الآية التي بعدها، قال البغوي: فتوجه - ~~يعني يوشع - ببني إسرائيل إلى إريحا ومعه تابوت الميثاق، فأحاط بها ستة ~~أشهر، ثم نفخوا في القرون وضج الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة ودخلوا، ~~فقاتلوا الجبارين فقتلوهم، وكان القتال في يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية ~~وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال: اللهم أردد الشمس علي! فردت عليه ~~وزيد في النهار ساعة، ثم قتلهم أجمعين، وتبع ملوك الشام واستباح منهم واحدا ~~وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض الشام وفرق عماله في نواحيها، وجمع ~~الغنائم فلم تنزل النار، فأوحى الله إلى يوشع أن فيها غلولا فمرهم ~~فليبايعوك، فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: هلم ما عندك! فأتاه ~~برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر، فجعله في القربان وجعل الرجل ~~معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان - انتهى. ورأيت أنا في تاريخ نبوة ~~يوشع بعد موت موسى عليهما السلام ما ربما يخالف هذا في الأشهر والبلد، أما ~~الأشهر فجعلها سبعة أيام، وأما البلدة التي وقفت عندها الشمس فجبعون لا ~~إريحا، فإنه قال ما نصه: قال الرب ليشوع: انظر، إني قد دفعت في يدك إريحا ~~وملكها وكل أجنادها، فليحط بالمدينة جميع الرجال المقاتلة، ودوروا حول ~~المدينة في اليوم مرة، وافعلوا ذلك في ستة أيام، ويحمل سبعة من الكهنة سبعة ~~أبواق ويهتفون أمام التابوت، حتى إذا كان اليوم السابع دوروا حول المدينة ~~سبع مرات، ويهتف الكهنة ms1141 بالقرون، وإذا هتفت الأبواق وسمعتم أصواتها يهتف ~~جميع الشعب بأعلى أصواتهم صوتا شديدا، فيقع سور المدينة مكانه، ويصعد الشعب ~~كل إنسان حياله - انتهى. # PageV06P108 # ثم ذكر امتثالهم لأمر الله وفتحهم لإريحا على ما قال الله، وأما البلدة ~~التي ردت فيها الشمس فهي جبعون، وذلك أنه ذكر بعد فتح إريحا هذه أن سكون ~~جعبون وهم الحاوانيون صالحوا يوشع بحيلة فعلوها، ثم قال: وهذه أسماء قراهم: ~~جبعون والكفيرة وبيروت ويعاريم، فلما سمع بذلك أدونصداق ملك أورشليم فرق ~~فرقا شديدا، لأن جبعون كانت مدينة عظيمة كمثل مدن الملك، وكان أهلها رجالا ~~جبابرة، فأرسل إلى هوهم ملك حبران - # PageV06P109 # وفي موضع آخر: حبرون - وإلى فرآم ملك يرموث، وإلى يافع ملك لخيس، وإلى ~~دابير ملك عقلون - وقال لي بعض اليهود: إن المراد بهذه عجلون - وقال لهم: ~~اصعدوا لتعينوني على محاربة أهل جبعون، لأنهم قد صالحوا يشوع، فاجتمع ~~الخمسة من ملوك الأمورانيين وجميع عساكرهم فنزلوا على جبعون، فأرسل أهل ~~جبعون إلى يشوع فصعد يشوع من الجلجال هو وجميع أبطال الشعب، فأوحى الرب إلى ~~يشوع: لا تخف ولا تفزع منهم، لأني قد أسلمتهم في يدك، فأتاهم بغتة، لأنه ~~صعد من الجلجال الليل أجمع، فهزمهم الرب بين يدي آل إسرائيل وجرحوا منهم ~~جرحى كثيرة في جبعون التي بحوران، وهربوا في طريق عقبة حوران ولم يزالوا ~~يقتلون منهم إلى عزيقة ومقيدة، فلما هرب الذين بقوا منهم ونزلوا عقبة حوران ~~أمطر الرب عليهم حجارة برد كبار من السماء إلى عزيقة وماتوا كلهم، فكان ~~الذين ماتوا بحجارة البرد أكثر من الذين قتلوا، ثم قام يشوع أمام الرب ~~مصليا في اليوم الذي دفع الرب الأمورانيين في يدي بني إسرائيل وقال: أيتها ~~الشمس! امكثي في جبعون ولا تسيري، وأنت أيها القمر! لا تبرح قاع أيلون، # PageV06P110 # فثبتت الشمس وقام القمر حتى انتقم الشعب من أعدائهم؛ فكتبت هذه الأعجوبة ~~في سفر التسابيح، لأن الشمس وقفت في وسط السماء ولم تزل إلى الغروب، وصار ~~النهار يوما تاما، ولم يكن مثل ذلك اليوم قبله ولا بعده - انتهى. وقد ذكر ms1142 ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة، روى الشيخان: البخاري في الخمس ~~والنكاح، ومسلم في المغازي عن أبي هريرة رضي الله عنه قالك «قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم:» غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع ~~امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع ~~سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا فدنا من ~~القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، ~~اللهم احبسها علينا! فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم، فجاءت - يعني ~~النار - لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولا، فليبايعني من كل قبيلة ~~رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد ~~رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من ~~الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم، رأى بعض ~~ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا « # وفي # PageV06P111 # رواية المسند للحافظ نور الدين الهيثمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس لم يحبس على بشر إلا ليوشع ~~ليالي سار إلى بيت المقدس» ، قال: وهو في الصحيح ولم أر فيه حصرا كما هنا؛ ~~وفي سيرة ابن إسحاق ما ينقضه، قال: حدثنا يونس عن الأسباط بن نصر الهمداني ~~عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأخبر قومه بالرفعة والعلامة عما في العير قالوا: فمتى تجيء؟ قال: يوم ~~الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولى النهار ولم تجىء، ~~فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس، ~~ولم ترد الشمس على أحد إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى يوشع بن ~~نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة. # PageV06P112 # ولما كانت قصتهم هذه - في أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة لما فيها من ~~نقض العهود والتبرؤ من الله والحكم عليهم ms1143 بالفسق والتعذيب - ناقضة لما ~~ادعاه اليهود من البنوة، كان ذلك كافيا في إبطال مدعى النصارى لذلك، لأنهم ~~أبناء اليهود، وإذا بطل كون أبيك ابان لأحد بطل أن تكون أنت ابنه، لما كان ~~ذلك كذلك ناسب أن تعقب بقصة ابني آدم لما يذكر، فقال تعالى عاطفا على قوله: ~~{وإذ قال موسى} [المائدة: 20] {واتل عليهم} # PageV06P112 # أي على المدعوين الذين من جملتهم اليهود تلاوة، وهي من أعظم الأدلة على ~~نبوتك، لأن ذلك لا علم لك ولا لقومك به إلا من جهة الوحي {نبأ ابني آدم} أي ~~خبرهما الجليل العظيم، تلاوة ملتبسة {بالحق} أي الخبر الذي يطابقه الواقع ~~إذا تعرف من كتب الأولين وأخبار الماضين كائنا ذلك النبأ {إذ} أي حين ~~{قربا} أي ابنا آدم؛ ولما لم يتعلق الغرض في هذا المقام ببيان أي نوع قربا ~~منه، قال: {قربانا} أي بأن قرب كل واحد منهما شيئا من شأنه أن يقرب إلى ~~المطلوب مقاربته غاية القرب. # ولما كان المؤثر للحسد إنما هو عدم التقبل، لا بالنسبة إلى متقبل خاص، ~~بناه للمفعول فقال: {فتقبل} أي قبل قبولا عظيما ظاهرا لكل أحد {من أحدهما} ~~أبهمه أيضا لعدم الاحتياج في هذا السياق إلى تعيينه {ولم يتقبل من الآخر} ~~علما ذلك بعلامة كانت لهم في ذلك، إما أكل النار للمقبول كما قالوه أو غير ~~ذلك؛ ومناسبتها لما قبلها من حيث إنها أيضا ناقضة لدعواهم البنوة، لأن ~~قابيل ممن ولد في الجنة على ما قيل، ومع ذلك فقد عذب لما نقض العهد، فانتفى ~~أن يكون ابنا وكان هو وغيره شرعا واحدا دائرا أمرهم في # PageV06P113 # العذاب والثواب على الوفاء والنقض، من وفى كان حبيبا وليا، ومن نقض كان ~~بغيضا عدوا، وإذا انتفت البنوة عن ولد لآدم صفي الله مع كونه لصلبه لا ~~واسطة بينهما ومع كونه ولد في الجنة دار الكرامة، فانتفاؤها عمن هو أسفل ~~منه من باب الأولى، وكذا المحبة؛ ومن المناسبات أيضا أن كفر بني إسرائيل ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم إنما هو للحسد، فنبهوا بقضة ابني آدم على ms1144 أن ~~الحسد يجر إلى ما لا يرضي الله وإلى ما لا يرضاه عاقل ويكب في النار؛ ومنها ~~أن في قصة بني إسرائيل إحجامهم عن قتال أعداء الله البعداء منهم المأمورين ~~بقتالهم الموعودين عليه بخيري الدارين، وأن الله معهم فيه، وفي قصة ابني ~~آدم إقبال قابيل على قتل أخيه حبيب الله المنهي عن قتله المتوعد بأن الله ~~يتبرأ منه إن قتله، ففي ذلك تأديب لهذه الأمة عند كل إقدام وإحجام، وتذكير ~~بالنعمة في حفظهم من مثل ذلك، وأن فيها أن موسى وهارون عليهما السلام أخوان ~~في غاية الطواعية في أنفسهما، ورحمة كل منهما للآخر والطاعة لله، وقصة ابني ~~آدم بخلاف ذلك، وفي ذلك تحذير مما جر إليه وهو الحسد، وأن في قصة بني ~~إسرائيل أنهم لما قدموا الغنائم للنار فلم تأكلها، علم نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم أنها لم تقبل لغلول غلوه، فاستخرجه ووضعه فيها فأكلتها، ففي ذلك ~~الاستدلال بعدم أكل النار على عدم القبول - كما # PageV06P114 # في قصة ابني آدم، وأن بني إسرائيل عذبوا بالمنع من بيت المقدس بالتيه. # وقابيل نفي من الأرض التي كان فيها مقتل أخيه، وأن بني إسرائيل تاهوا ~~أربعين سنة على عدد الأيام التي غاب فيها نقباؤهم في جس أخبار الجبابرة، ~~وأن قابيل حمل هابيل بعد أن قتله أربعين يوما - ذكره البغوي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال: وقصده السباع فحمله على ظهره أربعين يوما، وكل هذه ~~محسنات والعمدة هو الوجه الأول وأحسن منه أن يكون الأمر لموسى عليه السلام ~~عطفا على النهي في لاتاس، والمعنى أن الأرض المقدسة مكتوبة لهم كما قدمته ~~أنت أول القصة في قولك: {التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] فأنا مورثها لا ~~محالة لأبنائهم وأنت متوف قبل دخولها، وقد أجريت سنتي في ابني آدم بأنهم ~~إذا توطنوا واستراحوا تحاسدوا، وإذا تحاسدوا تدابروا فقتل بعضهم بعضا، فاتل ~~عليهم هذه القصة لتكون زاجرة لهم من أن يفعلوا ذلك إذا فرغوا من الجبابرة ~~وأبادوهم وصفت لهم البلاد فتوطنوها، وأخرجت لهم بركاتها فأبطرتهم النعم، ~~ونسوا غوائل ms1145 النقم؛ ويكون ذلك وعظا لهذه الأمة ومانعا من فعل مثل ذلك بعد ~~إكمال دينهم ووفاة نبيهم وإظهارهم على الدين كله، كما تقدم به الوعد لهم ~~فقهروا العباد وفتحوا البلاد وانتثلوا كنوزها # PageV06P115 # وتحكموا في أموالها، فنسوا ما كانوا فيه من القلة والحاجة والذلة ~~فأبطرتهم النعم، وارتكبوا أفعال الأمم، وأعرضوا عن غوائل النقم - كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، الا ~~والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» أخرجه الترمذي ~~والإمام أحمد وأبو داود الطيالسي في مسنديهما والبزار - قال المندري: ~~بإسناد جيد - والبيهقي وقال: «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا» رواه ~~الطبراني ورواته ثقات، وذكر الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في القسم ~~الثاني من سيرته في فتح جلولاء من بلاد فارس أن سعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنه لما أرسل الغنيمة إلى عمر رضي الله عنه أقسم عمر رضي الله عنه: لا ~~يخبأها سقف بيت حتى تقسم! فوضعت في صحن المسجد، فبات عبد الرحمن بن عوف ~~وعبد الله بن أرقم رضي الله عنهما يحرسانه، فلما جاء الناس كشف عنه فنظر ~~عمر رضي الله عنه إلى ياقوتة وزبرجدة وجوهرة فبكى، فقال عبد الرحمن رضي ~~الله عنه: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا إلا موطن شكر! فقال ~~عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا ~~وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم. # شرح قصة ابني آدم من التوراة، قال المترجم في أولها بعد قصة أكل آدم # PageV06P116 # عليه السلام من الشجرة ما نصه: فدعا آدم اسم امرأته حواء من أجل أنها ~~كانت أم كل حي، وصنع الرب لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسهما، فأرسله ~~الله من جنة عدن ليحرث الأرض التي منها أخذ، فأخرجه الله ربنا، فجامع آدم ~~امرأته حواء فحبلت وولدت قايين وقالت: لقد استفدت لله رجلا، وعادت فولدت ~~أخاه هابيل، فكان هابيل راعي غنم، وكان قايين يحرث الأرض، فلما كان بعد ~~أيام جاء ms1146 قايين من ثمر أرضه بقربان لله، وجاء هابيل أيضا من أبكار غنمه ~~بقربان، فسر الله بهابيل وقربانه ولم يسر بقايين وقربانه، فساء ذلك قايين ~~جدا وهم أن يسوءه وعبس وجهه، فقال الرب لقايين: ما ساءك؟ ولم كسف وجهك؟ إن ~~أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطيئة رابضة على الباب وأنت تقبل إليها ~~وهي تتسلط عليك، فقال قايين لهابيل أخيه: تتمشى بنا في البقعة، فبينما هما ~~يتمشيان في الحرث وثب قايين على أخيه هابيل فقتله، فقال الله لقايين: أين ~~هابيل أخوك؟ فقال: لا أدري، أرقيب أنا على أخي؟ قال الله: ماذا فعلت! فإن ~~دم أخيك ينادي لي من الأرض، من الآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها # PageV06P117 # فقبلت دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك ~~حراثها، وتكون فزعا تائها في الأرض، فقال قايين للرب: عظمت خطيئتي من أن ~~تغفرها، وقد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قدامك وأكون فزعا ~~تائها في الأرض، وكل من وجدني يقتلني، فقال الله ربنا: كلا! ولكن كذلك كل ~~قاتل، وأما قايين فإنه يجزى بدل الواحد سبعة، فخرج قايين من قدام الله فجلس ~~في الأرض نود شرقي عدن - انتهى. قال البغوي عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم ~~بالكتاب الأول: إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت ~~فيها بقابيل وتوأمته - فذكر قصته في النكاح وقتله لأخيه وشرب الأرض لدمه ~~قولو قابيل لله - حين قال له: إنه قتله -: إن كنت قتلته فأين دمه؟ فحرم ~~الله على الأرض يومئذ أن تشرب دما بعده أبدا - انتهى. # ولما أخبر الله تعالى بأن أحدهما فعل معه من عدم القبول ما غاظه، كان ~~كأنه قيل: فما فعل حين غضب؟ فقيل: {قال} أي لأخيه الذي قبل قربانه حسدا له ~~{لأقتلنك} فكأنه قيل: بما أجابه؟ # PageV06P118 # فقيل: نبهه أولا على ما يصل به إلى رتبته ليزول حسده بأن {قال إنما يتقبل ~~الله} أي يقبل قبولا عظيما المحيط لكل شيء قدرة وعلما الملك ms1147 الذي له الكمال ~~كله، فليس هو محتاجا إلى شيء، وكل شيء محتاج إليه {من المتقين *} أي ~~العريقين في وصف التقوى، فلا معصية لهم يصرون عليها بشرك ولا غيره، فعدم ~~تقبل قربانك من نفسك لا مني، فلم تقتلني؟ فقتلك لي مبعد لك عما حسدتني ~~عليه. # ولما وعظه بما يمنعه من قتله ويقبل به على خلاص نفسه، أعلمه ثانيا أن ~~الخوف من الله منعه من أن يمانعه عن نفسه ملينا لقلبه بما هو جدير أن يرده ~~عنه خشية أن تجره الممانعة إلى تعدي الحد المأذون فيه، لأن أخاه كان عاصيا ~~لا مشركا، فقال مؤكدا بالقسم لأن مثل ما يخبر به عظيم لا يكاد يصدق: {لئن ~~بسطت إلي} أي خاصة {يدك لتقتلني} أي لتوجد ذلك بأي وجه كان، ثم بالغ في ~~إعلامه بامتناعه من الممانعة فقال: {ما أنا} وأغرق في النفي فقال: {بباسط} ~~أي أصلا، وقدم المفعول به تعميما، ثم خص المتعلق لمناسبة الحال فقال: {يدي ~~إليك لأقتلك} أي في أي وقت من الأوقات، ولعله أتى بالجملة الاسمية المفيدة ~~لنفي الثبات والدوام أدبا مع الله في عدم الحكم على # PageV06P119 # المستقبل، ثم علله بقوله: {إني أخاف الله} أي أستحضر جميع ما أقدر على ~~استحضاره من كماله، ثم وصفه بالإحسان إلى خلقه ليكون ذلك مانعا له من ~~الإساءة إلى أحد منهم فقال: {رب العالمين *} أي الذي أنعم عليهم بنعمة ~~الإيجاد ثم التربية، فأنا لا أريد أن أخرب ما بنى، وهذا كما فعل عثمان رضي ~~الله عنه. # ولما كان من النهايات للواصلين إلى حضرات القدس ومواطن الأنس بالله، ~~المتمكنين في درجة الغناء عن غير الفاعل المختار أن لا يراد إلا ما يريد ~~سبحانه، فإن كان طاعة أراده العبد ورضيه، وإن كان معصية أراده من حيث إنه ~~مراد الله ولم يرضه لكونه معصية، فيرضى بالقضاء دون المقضي، وكأنه من ~~الممكن القريب أن يكون هابيل قد كشف له عن أنه سبق في علم الله أن أخاه ~~يقتله، قال مرهبا له معللا بتعليل آخر صاد له أيضا عن الإقدام ms1148 على القتل: ~~{إني أريد} أي بعدم الممانعة لك {أن تبوأ} أي ترجع من قتلي إن قتلتني ~~{بإثمي} أي الإثم الذي ينالك من أجل قتلك لي، وبعقوبته الذي من جملته أنه ~~يطرح عليك من سيئاتي بمقدار ما عليك من حقي إذا لم تجد ما ترضيني به من ~~الحسنات {وإثمك} أي الذي لا سبب لي فيه، وهو الذي كان سببا لرد قربانك ~~واجترائك علي وعدوانك، وأفوز أنا بأجري وأجرك، أي # PageV06P120 # أجري الذي لا سبب لك فيه والأجر الذي أثمره استسلامي لك وكف يدي عنك ~~{فتكون} أي أنت بسبب ذلك {من أصحاب النار} أي الخالدين فيها جزاء لك لظلمك ~~بوضعك القتل في غير موضعه، ثم بين أن هذا يعم كل من فعل هذا الفعل فقال: ~~{وذلك جزاء الظالمين *} أي الراسخين في وصف الظلم كلهم، وأكون أنا من أصحاب ~~الجنة جزاء لي بإحساني في إيثار حياتك لإرادة المعصية من حيث كونها معصية ~~بإرادة ظهور الكفار، لما علم من أن النصر بيد الله، فهو قادر على نصر ~~الباقي بعد استشهاد الشهيد. # PageV06P121 # ولما كان هذا الوعظ جديرا بأن يكون سببا لطاعته وزاجرا له عن معصيته، بين ~~تعالى أنه قسا قلبه فجعله سببا لإقدامه، فقال - مبينا بصيغة التفعيل، إذ ~~القتل لما جعل الله له من الحرمة وكساه من الهيبة لا يقدم عليه إلا بمعالجة ~~كبيرة من النفس -: {فطوعت له} أي الذي لم يتقبل منه {نفسه قتل أخيه} أي ~~فعالجته معالجة كبيرة وشجعته، وسهلت له بما عندها من النفاسة على زعمها حتى ~~غلبت على عقله فانطاع لها وانقاد فأقدم عليه؛ وتحقيق المعنى أن من تصور ~~النهي عن الذنب والعقاب عليه امتنع منه فكان فعله كالعاصي عليه، ومن استولت ~~عليه نفسه بأنواع الشبه في تزيينه صار فعله له وإقدامه عليه كالمطيع له # PageV06P121 # الممكن من نفسه بعد أن كان عاصيا عليه نافرا عنه، ثم سبب عن هذا التطويع ~~قوله: {فقتله} وسبب عن القتل قوله: {فأصبح} أي فكان في كل زمن {من الخاسرين ~~*} أي العريقين في صفة الخسران بغضب الله عليه ms1149 لاجترائه على إفساده مصنوعه، ~~وغضب أبناء جنسه عليه لاجترائه على أحدهم، وعبر بالإصباح والمراد جميع ~~الأوقات، لأن الصباح محل توقع الارتياح، قيل: إنه لم يدر كيف يقتله، فتصور ~~له إبليس في يده طائر فشدخ رأسه بحجر فقتله، فاقتدى به قابيل، فأتى هابيل ~~وهو نائم فشدخ رأسه بحجر. # ولما كان التقدير: ثم إنه لم يدر ما يصنع به، إذ كان أول ميت فلم يكن ~~الدفن معروفا، سبب عنه قوله: {فبعث الله} أي الذي له كمال القدرة والعظمة ~~والحكمة؛ ولما كان المعنى يحصل بالغراب الباحث فقط قال: {غرابا يبحث} أي ~~يوجد البحث وهو التفتيش في التراب بتليين ما تراص منه وإزاحته من مكانه ~~ليبقى مكانه حوزة خالية. # PageV06P122 # ولما كان البحث مطلق التفتيش، دل على ما ذكرته بقوله: {في الأرض} ليواري ~~غرابا آخر مات؛ ولما كان الغراب سبب علم ابن آدم القاتل للدفن، كان كأنه ~~بحث لأجل تعليمه فقال تعالى: {ليريه} أي الغراب يرى ابن آدم، ويجوز أن يكون ~~الضمير المستتر لله تعالى، والأول أولى لتوقيفه على عجزه وجهله بأن الغراب ~~أعلم منه وأقرب إلى الخير {كيف يواري} . # ولما كانت السوءة واجبة الستر، وكان الميت يصير بعد موته كله سوءة، قال ~~منبها على ذلك وعلى أنها السبب في الدفن بالقصد الأول: {سوءة} أي فضيحة ~~{أخيه} أي أخي قابيل وهو هابيل المقتول، وصيغة المفاعلة تفيد أن الجثة تريد ~~أن يكو القاتل وراءها، والقاتل يريد كون الجثة وراءه، فيكونان بحيث لا يرى ~~واحد منهما الآخر، ولعل بعث الغراب إشارة إلى غربة القاتل باستيحاش الناس ~~منه وجعله ما ينفر عنه ويقتله كل من يقدر عليه، ومن ثم سمى الغراب البين، ~~وتشاءم به من يراه. # ولما كان كأنه قيل: إن هذا لعجب، فما قال؟ قيل: {قال} الكلمة التي تستعمل ~~عند الداهية العظيمة لما نبهه ذلك، متعجبا متحيرا متلهفا عالما أن الغراب ~~أعلم منه وأشفق، منكرا على نفسه {يا ويلتي} # PageV06P123 # أي احضرني يا ويل! هذا أوانك أن لا يكون لي نديم غيرك؛ ولما تفجع غاية ~~الفجيعة وتأسف كل ms1150 الأسف، أنكر على نفسه فقال: {أعجزت} أي مع ما جعل لي من ~~القوة القاطعة {أن أكون} مع ما لي من الجوارح الصالحة لأعظم من ذلك {مثل ~~هذا الغراب} وقوله مسببا عن ذلك: {فأواري سوءة} أي عورة وفضيحة {أخي} نصب ~~عطفا على أكون لا على جواب الاستفهام، لأنه إنكاري فمعناه النفي، لأنه لم ~~تكن وقعت منه مواراة لينكر على نفسه ويوبخها بسببها، ولو كانت وقعت لم يصح ~~إنكارها على تقدير عدم العجز الذي أفادته الهمزة {فأصبح} بسبب قتله {من ~~النادمين *} أي على ما فعل، لأنه فقد أخاه وأغضب ربه وأباه، ولم يفده ذلك ~~ما كان سبب غيظه، بل زاده بعدا، وذكر أن آدم عليه السلام لما علم قتله رثاه ~~بشعر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما رد ذلك، وأن الأنبياء عليهم السلام كلهم ~~في النهي عن الشعر سواء، وقال صاحب الكشاف: وقد صح أن الأنبياء معصومون من ~~الشعر، «ولا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم هذا كفل من دمها بما سن» ~~رواه مسلم وغيره عن عبد الله، وكذا «كل من سن سنة سيئة» ولهذا قال عليه ~~السلام «إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون» ، وهذا لأن الآدمي # PageV06P124 # لنقصانه أسرع شيء إلى الاقتداء في النقائص، وهذا ما لم يتب الفاعل، فإذا ~~تاب أو كان غير متعمد للفعل كآدم عليه السلام لم يكن سانا لذلك فلا شيء ~~عليه ممن عمل بذلك. # ولما علم بهذا أن الإنسان موضع العجلة الإقدام على الموبقات من غير تأمل، ~~فكان أحوج شيء إلى نصب الزواجر، أتبعه تعالى قوله: {من أجل ذلك} أي من غاية ~~الأمر الفاحش جدا ومدته وعظم الأمر وشدة قبحه في نفسه وعند الله وصغره عند ~~القاتل وحبسه ومنعه وجنايته وإثارته وتهييجه وجرأة الإنسان على العظائم ~~بغير تأمل {كتبنا} أي بما لنا من العظمة ليفيد ذلك عظمة المكتوب والتنبيه ~~على ما فيه من العجز ليفيد الانزجار {على بني إسرائيل} أي أعلمناهم بما لنا ~~من العناية بهم في التوراة التي كتبناها لهم، ويفهم ذلك ms1151 أيضا أنهم أشد ~~الناس جرأة على القتل، ولذلك كانوا يقتلون الأنيباء، فأعلمهم الله بما فيهم ~~من التشديد، ولما علم من الأدميين - لا سيما هم - من الجرأة عليه، ليقيم ~~عليهم بذلك الحجة على ما يتعارفونه بينهم، ويكف عن القتل من سبقت له منه ~~العناية بما يتصور من فظاعة القتل، وقبح صورته وفحش أمره، وعبر بأداة ~~الاستعلاء التي هي للحتم من الوجوب والحرمة، لأن السياق للزجر، فهي تفهم ~~المنع عن الإقدام على القتل في هذا المقام # PageV06P125 # {أنه من قتل نفسا} أي من ابني آدم، وكأنه أطلق تعظيما لهم إشارة إلى أن ~~غيرهم جماد {بغير نفس} أي بغير أن تكون قتلت نفسا تستحق أن تقاد بها ~~فاستباح قتلها لتلك النفس التي قتلتها {أو} قتلها بغير {فساد} وقع منها. # ولما كانت الأرض - مع أنها فراشنا فهي محل التوليد والتربية والتنمية - ~~دار الكدر، وكان فساد من أفسد فراشه الموصوف - لا سيما وهو في كدر - دالا ~~على سوء جبلته، وكان سوء الجبلة موجبا للقتل، قال: {في الأرض} أي يبيح ذلك ~~الفساد دمها كالشرك والزنا بعد الإحصان وكل ما يبيح إراقة الدم، وقد علم ~~بهذا أن قصة ابني آدم مع شدة التحامها بما قبل توطئة لما بعد، وتغليظ أمر ~~القتل تقدم عن التوراة في سورة البقرة، وقوله: {فكأنما قتل الناس جميعا} من ~~جملة الأدلة المبطلة لما ادعوا من البنوة، إذ معناه أن الناس شرع واحد من ~~جهة نفوسهم متساوون فيها. كلهم أولاد آدم، لا فضل لأحد منهم على آخر في أصل ~~تحريم القتل بغير ما ذكر من الموجب من قصاص أو فساد لا من بني إسرائيل ولا ~~من غيرهم، وذلك كما قال تعالى في ثاني النقوض {بل أنتم بشر ممن خلق} ~~[المائدة: 18] فصار من قتل نفسا واحدة بغير ما ذكر # PageV06P126 # فكأنما حمل إثم من قتل الناس جميعا، لأن اجتراءه على ذلك أوجب اجتراء ~~غيره، ومن سن سنة كان كفاعلها {ومن أحياها} أي بسبب من الأسباب كعفو، أو ~~إنقاذ من هلكة كغرق، أو مدافعة لمن يريد أن يقتلها ms1152 ظلما {فكأنما أحيا} أي ~~بذلك الفعل الذي كان سببا للأحياء {الناس جميعا} أي بمثل ما تقدم في القتل، ~~والآية دالة على تعليمه سبحانه لعباده الحكمة، لما يعلم من طباعهم التي ~~خلقهم عليها ومن عواقب الأمور - لا على أنه يجب عليه - رعاية المصلحة، ومما ~~يحسن إيراده هاهنا ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، ورأيت من ينسبه للشافعي رحمه الله تعالى: # الناس من جهة التمثال أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء # نفس كنفس وأرواح مشاكلة ... وأعظم خلقت فيهم وأعضاء # فإن يكن لهم في أصلهم حسب ... يفاخرون به فالطين والماء # ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء # وقدر كل امرىء ما كان يحسنه ... وللرجال علىلأفعال أسماء # وضد كل امرىء ما كان يجهله ... والجاهلون لأهل العلم أعداء # ففز بعلم تعش حيا به أبدا ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء # PageV06P127 # ولما أخبر سبحانه أنه كتب عليهم ذلك، أتبعه حالا منهم دالة على أنهم ~~بعيدون من أن يكونوا أبناء وأحباء فقال: {ولقد} أي والحال أنهم قد {جاءتهم ~~رسلنا} أي على ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا واختيارنا لهم لأن يأتوا ~~عنا، فهم لذلك أنصح الناس وأبعدهم عن الغرض وأجلهم وأجمعهم للكمالات ~~وأرفعهم عن النقائص، لأن كل رسول دال على مرسله {بالبينات} أي الآيات ~~الواضحة للعقل أنها من عندنا، آمره لهم بكل خير، زاجرة عن كل ضير، لم نقتصر ~~في التغليظ في ذلك على الكتاب بل وأرسلنا الرسل إليهم متواترة. # ولما كان وقوع الإسراف - وهو الإبعاد عن حد الاعتدال في الأمر منهم بعد ~~ذلك - بعيدا - عبر بأداة التراخي مؤكدا بأنواع التأكيد فقال: {ثم إن كثيرا ~~منهم} أي بني إسرائيل، وبين شدة عتوهم بإصرارهم خلفا بعد سلف فلم يثبت ~~الجار فقال: {بعد ذلك} أي البيان العظيم والزجر البليغ بالرسل والكتاب {في ~~الأرض} أي التي هي مع كونها فراشا لهم - ويقبح على الإنسان أن يفسد فراشه - ~~شاغلة - لما فيها من عظائم الكدورات وترادف القاذورات - عن الكفاف فضلا عن ~~الإسراف {لمسرفون *} أي ms1153 عريقون في الإسراف بالقتل وغيره. # PageV06P128 # ولما كان هذا الإسراف بعد هذه الموانع محاربة للناهي عنه، وكان تارة يكون ~~بالقتل وتارة بغيره، وكان ربما ظن أن عذاب القاتل يكون بأكثر من القتل ~~لكونه كمن قتل الناس جميعا، وصل به سبحانه قوله على طريق الحصر: {إنما ~~جزاؤا} وكان الأصل: جزاؤهم، ولكن أريد تعليق الحكم بالوصف والتعميم فقال: ~~{الذين يحاربون الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له {ورسوله} أي بمحاربة ~~من نهيا عن محاربته بقطع الطريق وهم مسلمون، ولهم منعة ممن أرادهم، ويقصدون ~~المسلمين في دمائهم وأموالهم سواء كانوا في البلد أو خارجها. # ولما كان عباد الرحمن يمشون على الأرض هونا، أعلم أن هؤلاء عماد الشيطان ~~بقوله: {ويسعون في الأرض} ولما كان هذا ظاهرا في الفساد، صرح به في قوله: ~~{فسادا} أي حال كونهم ذوي فساد، أو للفساد، ويجوز أن يكون مصدرا ليسعون - ~~على المعنى، ولما كانت أفعالهم مختلفة، فسم عقوبتهم بحسبها فقال: {أن ~~يقتلوا} أي إن كانت جريمتهم القتل فقط، لأن القتل جزاؤه القتل، وزاد - ~~لكونه في قطع الطريق - صيرورته حتما لا يصح العفو عنه {أو يصلبوه} أي مع ~~القتل إن ضموا إلى القتل أحد المال، بأن يرفع المصلوب على جذع، ومنهم من ~~قال: يكون ذلك وهو حي، فحينئذ تمد يداه مع الجذع، والأصح عند الشافعية أنه ~~يقتل ويصلى عليه ثم يرفع على الجذع زمنا يشيع خبره فيه لينزجر غيره، ولا ~~يزاد على ثلاثة أيام {أو تقطع أيديهم} # PageV06P129 # أي اليمنى بأخذهم المال من غير قتل {وأرجلهم} أي اليسرى لإخافة السبيل، ~~وهذا معنى قوله: {من خلاف} أي إن كانت الجريمة أخذ المال فقط {أو ينفوا من ~~الأرض} أي بالإخافة والإزعاج إن لم يقعوا في قبضة الإمام ليكونوا منتقلين ~~من بلد إلى آخر ذعرا وخوفا، وبالحبس إن وقعوا في القبضة، وكانوا قد كثروا ~~سواد المحاربين وما قتلوا ولا أخذوا مالا {ذلك} أي النكل الشديد المفصل إلى ~~ما ذكر {لهم} أي خاصا بهم {خزي} أي إهانة وذل بإيقاعه بهم {في الدنيا} أي ~~ليرتدع بهم ms1154 غيرهم {ولهم} أي إن لم يتوبوا {في الآخرة} أي التي هي موطن ~~الفصل بإظهار العدل {عذاب عظيم} أي هو بحيث لا يدخل تحت معارفكم أكثر من ~~وصفه بالعظم. # ولما كان التعبير ب «إنما» يدل بختم الجزاء على هذا الوجه، استثنى من ~~المعاقبين هذه العقوبة بقوله: {إلا الذين تابوا} أي رجعوا عما كانوا عليه ~~من المحاربة خوفا من الله تعالى، ولذا قال: {من قبل} وأثبت الجار إشارة إلى ~~القبول وإن طال زمن المعصية وقصر زمن التوبة {أن تقدروا عليهم} أي فإن تحتم ~~الجزاء المذكور يسقط، فلا يجازون على ما يتعلق بحقوق الآدمي إلا إذا طلب ~~صاحب الحق، # PageV06P130 # فإن عفا كان له ذلك، وأما حق الله تعالى فإنه يسقط، وإلى هذا الإشارة ~~أيضا بقوله تعالى: {فاعلموا أن الله} أي على ما له من صفات العظمة {غفور ~~رحيم *} أي صفته ذلك أزلا وأبدا، فهو يفعل منه ما يشاء لمن يشاء، وأفهمت ~~الآية أن التوبة بعد القدرة لا تسقط شيئا من الحدود. # ولما ذكر تعالى حكمهم عند التوبة، وختم الآية بما يناسب من الغفران ~~والرحمة، وكان ذلك ربما كان جزاء من لم يرسخ قدمه في الدين على جنابه ~~المتعالي، أتبع ذلك الأمر بالتقوى وجهاد كل من أفسد بقطع الطريق أو الكفر ~~أو غيره فقال على وجه الاستنتاج مما قبله: {يا أيها الذين آمنوا} أي وجد ~~منهم الإقرار بالإيمان {اتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ما سمعتم من ~~وعيده للمفسدين وقاية تصديقا لما أقررتم به، لما له سبحانه من العظمة التي ~~هي جديرة بأن تخشى وترجى لجمعها الجلال والإكرام. # ولما كانت مجامع التكليف منحصرة في تخل من فضائح المنهيات وتحل بملابس ~~المأمورات، وقدم الأول لأنه من درء المفاسد، أتبعه الثاني فقال: {وابتغوا} ~~أي اطلبوا طلبا شديدا {إليه} أي خاصة {الوسيلة} أي التقريب بكل ما يوصل ~~إليه من طاعته، ولا تيأسوا وإن عظمت ذنوبكم لأنه غفور رحيم. # ولما كان سببحانه قد قدم أوامر ونواهي، وكان الاستقراء # PageV06P131 # قد أبان الناس عند الأمر والنهي بين مقبل ومعرض، وكان ms1155 قد أمر المقبل ~~بجهاد المعرض، وكان للجهاد. بما له من عظيم النفع وفيه من المشقة - مزيد ~~خصوصية، أفرد بالذكر تأكيدا لما مضى منه وإعلاما بأنه للعاصي مطلقا سواء ~~كان بالكفر أو بغيره فقال: {وجاهدوا في سبيله} أي لتكون كلمته هي العليا ~~{لعلكم تفلحون *} أي لتكون حالكم حال من يرجى نيله لكل ما يطلبه، وهذا شامل ~~لكل أمر بمعروف ونهي عن منكر في أعلى درجاته وأدناها. # PageV06P132 # ولما كان ترك هذه الأوصاف الثلاثة: التقوى وطلب الوسيلة والجهاد مزيلا ~~للوصف الأول وهو الإيمان، ناسب كل المناسبة تحذيرا من تركها ذكر حال الكفار ~~وأنه لا تنفعهم وسيلة في تلك الدار فقال معللا لما قبله: {إن الذين كفروا} ~~أي بترك ما في الآية السابقة، ورتب الجزاء عن الماضي زيادة في التحذير {لو ~~أن لهم ما في الأرض} وأكد ما أفهمه الكلام من استغراق الظرف والمظروف فقال: ~~{جميعا} أي مما كان يطلب منهم شيء يسير جدا منه، وهو الإذعان بتصديق الجنان ~~إنفاق الفضل من المال، وزاد الأمر هولا بقوله: {ومثله} ولما كان لدفع ~~الفداء جملة ما ليس له مفرقا قال {معه} . # ولما كان المقصود تحقير ذلك بالنسبة إلى عظمة يوم التغابن وإن كان # PageV06P132 # عند الكفار الذين جعلوا غاية أمرهم الحياة الدنيا أعظم ما يكون، والإفهام ~~بأن المراد بالمثل الجنس ليشمل ما عساه أن يفرض من الأمثال، أعاد الضمير ~~على هذين الشيئين على كثرتهما وعظمتهما مفردا، فقال معبرا بالمضارع الدال ~~على تجديد الرغبة في المسألة على سبيل الاستمرار ولأن السياق للمتصفين ~~بالكفر والمحاربة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم والسعي في الأرض بالفساد، ~~ولذلك صرح بنفي القبول على الهيئة الآتية: {ليفتدوا به} أي يجددوا الافتداء ~~في كل لحظة، أي بما ذكر {من عذاب يوم القيامة} . # ولما كان المراد تهويل الأمر برده، وكان ذلك يحصل بغير تعيين الراد، قال: ~~{ما تقبل منهم} بالبناء للمفعول، أي على حالة من الحالات وعلى يد من كان، ~~لأن المدفوع إليه ذلك تام القدرة وله الغنى المطلق. # ولما كان من النفوس ما هو ms1156 سافل لا ينكبه الرد، وكان الرد لأجل إمضاء ~~المعد من العذاب، قال مصرحا بالمقصود: {ولهم} أي بعد ذلك {عذاب أليم *} أي ~~بالغ الإيجاع بما أوجعوا أولياء الله بسترهم لما أظهروا من شموس البيان، ~~وانتهكوا من حرمات الملك الديان. ثم علل # PageV06P133 # شدة إيلامه بدوامه فقال: {يريدون أن يخرجوا} أي يكون لهم خروج في وقت ما ~~إذا رفعهم اللهب إلى أن يكاد أن يلقيهم خارجا {من النار} ثم نفى خروجهم على ~~وجه التأكيد الشديد فقال: {وما هم} وأغرق في النفي بالجار واسم الفاعل ~~فقال: {بخارجين منها} أي ما يثبت لهم خروج أصلا، ولعله عبر في النفي ~~بالاسمية إشارة إلى أنه يتجدد لهم الخروج من الحرور إلى الزمهرير، فإن سمى ~~أحد ذلك خروجا فهو غير مرادهم. # ولما كان المعذبون في دار ربما دام لهم المكث فيها وانقطع عنهم العذاب ~~قال: {ولهم} أي خاصة دون عصاة المؤمنين {عذاب} أي تارة بالحر وتارة بالبرد ~~وتارة بغيرهما، دائم الإقامة لا يبرح ولا يتغير {مقيم *} . # ولما كانت السرقة من جملة المحاربة والسعي بالفساد، وكان فاعلها غير متق ~~ولا متوسل، عقب بها فقال: {والسارق} الآخذ لما هو في حرز خفية لكونه لا ~~يستحقه {والسارقة} أي كذلك؛ ولما كان التقدير: وهما مفسدان، أو حكمهما فيما ~~يتلى عليكم، سبب عنه قوله: {فاقطعوا} وال - قال المبرد - للتعريف بمعنى: ~~الذي، والفاء للسبب كقولك: # PageV06P134 # الذي يأتيني فله كذا كذا درهم {أيديهما} أي الأيامن من الكوع إذا كان ~~المأخوذ ربع دينار فصاعدا من حرز مثله من غير شبهة له فيه - كما بين جميع ~~ذلك النبي صلى الله عليه وسلم - ويرد مع القطع ما سرقه؛ ثم علل ذلك بقوله: ~~{جزاء بما كسبا} أي فعلا من ذلك، وإدالته على أدنى وجوه السرقة وقاية للمال ~~وهوانا لها للخيانة، وديتها إذا قطعت في غير حقها خمسمائة دينار وقاية ~~للنفس من غير أن ترخصها الخيانة، ثم علل هذا الجزاء بقوله: {نكالا} أي منعا ~~لهما كما يمنع القيد {من الله} أي الذي له جميع العظمة فهو المرهوب لكل ~~مربوب، وأعاد ms1157 الاسم الأعظم تعظيما للأمر فقال: {والله} أي الذي له جميع ~~صفات الكمال {عزيز} أي في انتقامه فلا يغالبه شيء {حكيم *} أي بالغ الحكم ~~والحكمة في شرائعه، فلا يستطاع الامتناع من سطوته ولا نقض شيء يفعله، لأنه ~~يضعه في أتقن مواضعه. # ولما ختم بوصفي العزة والحكمة، سبب عنهما قوله: {فمن تاب} أي ندم وأقلع، ~~ودل على كرمه بالقبول في أي وقت وقعت التوبة فيه ولو طال زمن المعصية ~~بإثبات الجار فقال: {من بعد} وعدل عن أن يقول «سرقته» إلى {ظلمه} تعميما ~~للحكم في كل ظلم، فشمل ذلك فعل طعمة وما ذكر بعده مما تقدم في النساء وغير ~~ذلك # PageV06P135 # من كل ما يسمى ظلما {وأصلح} أي أوجد الإصلاح وأوقعه برد الظلامة والثبات ~~على الإقلاع {فإن الله} أي بما له من كمال العظمة {يتوب عليه} أي يقبل ~~توبته ويرجع به إلى أتم ما كان عليه قبل الظلم من سقوط عذاب الآخرة دون ~~عقاب الدنيا، رحمة من الله له ورفقا به وبمن ظلمه وعدلا بينهما، لا يقدر ~~أحد أن يمنعه من ذلك ولا يحول بينه وبينه لحظة ما؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن ~~الله} أي الذي له الكمال كله أزلا وأبدا {غفور رحيم *} أي بالغ المغفرة ~~والرحمة، لا مانع له من ذلك ولا من شيء منه ولا من شيء يريد فعله، بل هو ~~فعال لما يريد، والآية معطوفة على آية المحاربين وإنما فصل بينهما بما تقدم ~~لما ذكر من العلة الطالبة لمزيد العناية به. # PageV06P136 # ولما كان معنى ذلك أنه لا اعتراض عليه سبحانه في شيء من ذلك ولا مانع، ~~لأن قدرته تامة، ليس هو كمن يشاهد من الملوك الذين ربما يعجزون من اعتراض ~~أتباعهم ورعاياهم عن تقريب بعض ما لم يباشر إساءة، وإبعاد بعض من لم يباشر ~~إحسانا، فكيف بغير ذلك! قال تعالى مقررا لذلك بتفرده في الملك: {ألم تعلم ~~أن الله} أي الذي له جميع العز {له ملك السماوات} أي على علوها وارتفاع ~~سمكها وانقطاع أسباب ما دونها منها {والأرض} أي أن الملك ms1158 خالص له عن جميع ~~الشوائب. # PageV06P136 # ولما كان إيقاع النقمة أدل على القدرة، وكان السياق لها لما تقدم من ~~خيانة أهل الكتاب وكفرهم وقصة ابني آدم والسرقة والمحاربة وغير ذلك، قدم ~~قوله معللا لفعل ما يشاء بتمام الملك لا بغيره من رعاية لمصالح أو غيرها: ~~{يعذب من يشاء} أي من بني إسرائيل الذين ادعوا النبوة والمحبة وغيرهم وإن ~~كان مطيعا أي له فعل ذلك لآنه لا يقبح منه شيء {ويغفر لمن يشاء} أي وإن كان ~~عمله موبقا، لأنه لا يتصور منه ظلم ولا يسوغ عليه اعتراض. # ولما كان التقدير: لأنه قادر على ذلك، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له ~~الإحاطة بكل كمال {على كل شيء} أي شيء {قدير *} أي ليس هو كغيره من الملوك ~~الذين قد يعجز أحدهم عن تقريب ابنه وتبعيد أعدى عدوه، وهذه القضية الضرورية ~~ختم بها ما دعت المناسبة إلى ذكره من الأحكام، وكر بها على أتم انتظام إلى ~~أوائل نقوض دعواهم في قوله {بل أنتم بشر ممن خلق} [المائدة: 18]-. # ولما تقرر ذلك، كان من غير شك علة لعدم الحزن على شيء من أمرهم ولا من ~~أمر غيرهم ممن عصى شيئا من هذه الأحكام، كما قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة ~~في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] إلى أن ~~قال: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم} [الحديد: 23] ، فقوله: {يا أيها الرسول} ~~أي المبلغ لما أرسل به - معلول لما قبله. وأدل دليل # PageV06P137 # على ذلك قوله تعالى {ومن يرد اله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} {ولا ~~يحزنك} أي لا يوقع عندك شيئا من الحزن صنع {الذين يسارعون في الكفر} أي ~~يفعلون في إسراعهم يف الوقوع فيه غاية الإسراع فعل من يسابق غيره، وفي ~~تبيينهم بالمنافقين وأهل الكتاب بشارة بإتمام النعمة على العرب بدوام ~~إسلامهم ونصرهم عليهم، وقدم أسوأ القسمين فقال: {من الذين قالوا آمنا} . # ولما كان الكلام هو النفسي، أخرجه بتقييده بقوله: {بأفواههم} معبرا ~~لكونهم منافقين بما منه ما هو أبعد ms1159 عن القلب من اللسان، فهم إلى الحيوان ~~أقرب منهم إلى الإنسان، وزاد ذلك بيانا بقوله: {ولم تؤمن قلوبهم} . # ولما بين المسارعين بالمنافقين، عطف عليهم قسما آخر هم أشد الناس مؤاخاة ~~لهم فقال: {ومن الذين هادوا} أي الذين عرفت قلوبهم وكفرت ألسنتهم تبعا ~~لمخالفة قلوبهم لما تعرف عنادا وطغيانا، ثم أخبر عنهم بقوله: {سماعون} أي ~~متقبلون غاية التقبل بغاية الرغبة {للكذب} أي من قوم من المنافقين يأتونك ~~فينقلون عنك الكذب {سماعون لقوم آخرين} أي الصدق، ثم وصفهم بقوله: {لم ~~يأتوك} أي لعلة، وذكر الضمير لإرادة الكلام، لأن المقصود البغض على # PageV06P138 # نفاقهم {يحرفون الكلم} أي الذي يسمعونه عنك على وجهة فيبالغون في تغييره ~~وإمالته بعد أن يقيسوا المعنيين: المغير والمغير إليه، واللفظين فلا يبعدوا ~~به، بل يأخذون بالكلم عن حده وطرفه إلى حد آخر قريب منه جدا، ولذلك، أثبت ~~الجار فقال: {من بعد} أي يثبتون الإمالة من مكان قريب من {مواضعه} أي ~~النازلة عن رتبته بأن يتأولوه على غير تأويله، أو يثبتوا ألفاظا غير ألفاظه ~~قريبة منها فلا يبعد منها المعنى جدا وهذا أدق مكرا مما في النساء وهو من ~~الحرف وهو الحد والطرف، وانحرف عن الشيء: مال عنه، قال الصغاني: وتحريف ~~الكلام عن مواضعه: تغييره، وقال أبو عبد الله القزاز: والتحريف التفعيل، ~~من: انحرف عن الشيء - إذا مال، فمعنى حرفت الكلام: أزلته عن حقيقة ما كان ~~عليه في المعنى، وأبقيت له شبه اللفظ، ومنه قوله تعالى {يحرفون الكلم} ، ~~وذلك أن اليهود كانت تغير معاني التوراة بالأشباه، وفي الحديث «يسلط عليهم ~~طاعون يحرف القلوب» أي يغيرها عن التوكل ويدعوهم إلى الانتقال عن تلك ~~البلاد، وحكي: حرفته عن جهته - أي بالتخفيف - مثل: حرفته، والمحارفة: ~~المقايسة، من المحراف وهو # PageV06P139 # الميل الذي يقاس به الجراح - انتهى. فالآية من الاحتباك: حذف منها أولا ~~الإتيان وأثبت عدمه ثانيا للدلالة عليه، وحذف منها ثانيا الصدق ودل عليه ~~بإثبات ضده - الكذب - في الأولى. # ولما كان كأنه قيل: ما غرضهم بإثبات الكذب وتحريف الصدق؟ قال: {يقولون} ~~أي لمن يوافقهم {إن ms1160 أوتيتم} أي من أي مؤت كان {هذا} أي المكذوب والمحرف ~~{فخذوه} أي اعملوا به {وإن لم تؤتوه} أي بأن أوتيتم غيره أو سكت عنكم ~~{فاحذروا} أي بأن تؤتوا غيره فتقبلوه. # ولما كان التقدير: فأولئك الذين أراد الله فتنتهم، عطف عليه قوله: {ومن ~~يرد الله} أي الذي له الأمر كله {فتنته} أي أن يحل به ما يميله عن وجه ~~سعادته بالكفر حقيقة أو مجازا {فلن تملك له من الله} أي الملك الأعلى الذي ~~لا كفوء له {شيئا} أي من الإسعاد، وإذا لم تملك ذلك أنت وأنت أقرب الخلق ~~إلى الله فمن يمكله. # ولما كان هذا، أنتج لا محالة قوله: {أولئك} أي البعداء من الهدى {الذين ~~لم يرد الله} أي وهو الذي لا راد لما يريده، ولا فاعل لما يرده، فهذه أشد ~~الآيات على المعتزلة {أن يطهر قلوبهم} أي بالإيمان، والجملة كالعلة لقوله ~~{فلن تملك له من الله شيئا} ، ولما ثبت # PageV06P140 # أن قلوبهم نجسة، أنتج ذلك قوله: {لهم في الدنيا خزي} أي بالذل والهوان، ~~أما المنافقون فبإظهار الأسرار والفضائح الكبار وخوفهم من الدمار، وأما ~~اليهود فببيان أنهم حرفوا وبدلوا وضرب الجزية عليهم وغير ذلك من الصغار ~~{ولهم في الآخرة} التي من خسرها فلا ربح له بوجه ما {عذاب عظيم *} أي لعظيم ~~ما ارتكبوه من هذه المعاصي المتضاعفة. # PageV06P141 # ولما ذكر التحريف، ذكر أثره وهو الحكم به فقال مكررا لوصفهم زيادة في ~~توبيخهم وتقبيح شأنهم: {سماعون} أي هم في غاية الشهوة والانهماك في سماعهم ~~ذلك {للكذب أكالون} أي على وجه المبالغة {للسحت} أي الحرام الذي يسحت ~~البركة أي يستأصلها، وهو كل ما لا يحل كسبه، وذلك أخذهم الرشى ليحكموا ~~بالباطل على نحو ما حرفوه وغيره من كلام الله، قال الشيخ أبو العباس ~~المرسي: ومن آثر من الفقراء السماع لهواه، وأكل ما حرمه مولاه، فقد استهوته ~~نزعة يهودية، فإن القوال يذكر العشق والمحبة والوجد وما عنده منها شيء. # ولما كانوا قد يأخذون الرشوة ولا يقدرون على إبرام الحكم بما أرادوه، ~~فيطمعون في أن يفعلوا ذلك ms1161 بواسطة ترافعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيترافعون إليه، فإن حكم بينهم بما أرادوا قبلوه واحتجوا به على # PageV06P141 # من لعله يخالفهم، وإن حكم بما لم يريدوه قالوا: ليس هذا في ديننا - طمعا ~~في أن يخليهم فلا يلزمهم بما حكم، أعلمه الله تعالى بما يفعل في أمرهم، ~~وحذره غوائل مكرهم، فقال مفوضا الخيرة إليه في أمر المعاهدين إلى مدة - ~~وأما أهل الجزية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلى حاكمنا - مسببا عن أكلهم ~~الحرام وسماعهم الكذب: {فإن جاءوك} أي طمعا في أن تؤتيهم ما حرفوا إليه ~~الكلم {فاحكم بينهم} أي إن شئت بما أنزل الله عليك من الحق {أو أرض عنهم} ~~أي كذلك. # ولما كان قوله: {وإن} دالا بعطفه على غير معطوف عليه أن التقدير: فإن ~~حكمت بينهم لم ينفعوك شيئا لإقبالك عليهم، قال: وإن {تعرض عنهم} أي الكفرة ~~كلهم من المصارحين والمنافقين {فلن يضروك شيئا} أي إعراضك عنهم واستهانتك ~~بهم. # ولما كان التخيير غير مراد الظاهر في جواز الحكم بينهم عند الترافع إلينا ~~وعدمه، بل معناه عدم المبالاة بهم، أعرض عنهم أولا، فحقيقته بيان العاقبة ~~على تقديري الفعل والترك، علمه كيف يحكم بينهم، فقال عاطفا على ما قدرته: ~~{وإن حكمت} أي فيهم {فاحكم} أي أوقع الحكم {بينهم بالقسط} أي العدل الذي ~~أراكه الله - على أن # PageV06P142 # الآية ليست في أهل الذمة، والحكم في ترافع الكفار إلينا أنه كان منهم أو ~~من أحدهم التزام لأحكامنا أم منا التزام للذب عنهم وجب، لقوله تعالى {فاحكم ~~بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} وإلا لم يجب، ثم علل ذلك بقوله: {إن ~~الله} أي الذي له صفات الكمال {يحب المقسطين} أي الفاعلين للعدل السوي من ~~غير حيف أصلا. # ولما كان التقدير: فكيف يحكمونك وهم يكذبونك ويدعون أنك مبطل، عطف عليه ~~قوله معجبا منهم موبخا لهم: {وكيف يحكمونك} أي في شيء من الأشياء {وعندهم} ~~أي والحال أنه عندهم {التوراة} ثم استأنف قوله: {فيها حكم الله} أي الذي لا ~~يداني عظمته عظمة وهو الذي كان مقررا في ms1162 شرعهم أنه لا يسوغ خلافه، فإن ~~كانوا يعتقدون ذلك إلى الآن لم يجز لهم العدول إليك على زعمهم، وإن كانوا ~~لا يعتقدونه ويعتقدون أن حكمك هو الحق ولم يؤمنوا بك كانوا قد آمنوا ببعض ~~وكفروا ببعض. # ولما كان الإعراض عن حكمه سبحانه عظيما، وكان وقوعه ممن يدعي أنه مؤمن به ~~بعيدا عظيما شديدا، قال: {ثم يتولون} أي يكلفون أنفسهم الإعراض عنه سواء ~~تأيد بحكمك به أو لا لأجل الأعراض الدنيوية، ولما كان المراد بالحكم الجنس، ~~وكانوا يفعلون بعض أحكامها # PageV06P143 # فلم يستغرق زمان توليهم زمان البعد، أدخل الجار لذلك فقال: {من بعد ذلك} ~~أي الأمر العالي وهو الحكم الذي يعلمون أنه حكم الله، فلم يبق تحكيمهم لك ~~من غير إيمان بك إلا تلاعبا. # ولما كان التقدير: فما أولئك بالمريدين للحق في ترافعهم إليك، عطف عليه ~~قوله: {وما أولئك} أي البعداء من الله {بالمؤمنين *} أي العريقين في صفة ~~الإيمان بكتابهم ولا بغيره مما يستحق الإيمان به، لأنهم لو كانوا عريقين في ~~ذلك آمنوا بك لأن كتابهم دعا إليك. # PageV06P144 # ولما تضمن هذا مدح التوراة، صرح به فقال تأكيدا لذمهم في الإعراض عما دعت ~~إليه من أصل وفرع، وتحذيرا من مثل حالهم: {إنا أنزلنا} أي على ما لنا من ~~العظمة {التوراة} ثم استأنف قوله معظما لها: {فيها هدى} أي كلام يهدي بما ~~يدعو إليه إلى طريق الجنة {ونور} أي بيان لا يدع لبسا، ثم استأنف المدح ~~للعاملين بها فقل: {يحكم بها النبيون} ووصفهم بأعلى الصفات وذلك الغنى ~~المحض، فقال مادحا لا مقيدا: {الذين أسلموا} أي أعطوا قيادهم لربهم سبحانه ~~حتى لم يبق لهم اختيار أصلا، وفيه تعريض بأن اليهود بعداء من الإسلام وإلا ~~لاتبعوا أنبياءهم فيه، فكانوا يؤمنون بكل من قام الدليل على نبوته. # ولما كان من المعلوم أن حكمهم بأمر الله لهم باتباع التوراة ومراعاتها، ~~علم أن التقدير: بما استحفظوا من كتاب الله، فحذف لدلالة ما يأتي عليه # PageV06P144 # وإشعار الإسلام به، ثم بين المحكوم له تقييدا به إشارة إلى أنها ستنسخ ~~فقال: {للذين ms1163 هادوا} أي لمن التزم اليهودية {والربانيون} أي أهل الحقيقة، ~~منهم الذين انسلخوا من الدنيا وبالغوا فيما يوجب النسبة إلى الرب ~~{والأحبار} أي العلماء الذي أسلموا {بما} أي بسبب ما. # ولما كان سبب إسلام أمرهم بالحفظ، لا كونه من الله بلا واسطة، بني ~~للمفعول قوله: {استحفظوا} أي الأنبياء ومن بعدهم {من كتاب الله} أي بسبب ما ~~طلبوا منهم وأمروا به من الحفظ لكتاب الذي له جميع صفات الكمال الذي هو ~~صفته، فعظمته من عظمته، وحفظه: دراسته والعمل بما فيه {وكانوا} أي وبما ~~كانوا {عليه شهداء} أي رقباء حاضرين لا يغيبون عنه ولا يتركون مراعاته ~~أصلا، فالآية - كما ترى - من فن الاحتباك: ترك أولا «بما استحفظوا» لدلالة ~~ما ذكر هنا عليه، وترك ذكر الإسلام هنا لدلالة ذكره أولا عليه، وإنما خص ~~الأول بذكر الإسلام لأن الأنبياء أحق به، وهو داع إلى الحفظ قطعا، وخص ~~الثاني بالاستحفاظ لأن الأتباع أولى به، وهو دال على الإسلام. # ولما كان هذا كله ذما لليهود بما تركوا من كتابهم، ومدحا لمن راعاه منهم، ~~وكان ذلك الترك إما لرجاء أو خوف، قال مخاطبا لهذه الأمة # PageV06P145 # كلها طائعها وعاصيها، وحذرا لها من مثل حالهم ومرغبا في مثل حال الأنبياء ~~والتابعين لهم بإحسان، مسببا عن ذلك: {فلا تخشوا الناس} أي في العمل بحكم ~~من أحكام الله {واخشون} أي فإن ذلك حامل لكم على العدل والإحسان، فمن كان ~~منكم مسلما طائعا فليزدد طاعة، ومن لم يكن كذلك فليبادر بالانقياد والطاعة، ~~وهذا شامل لليهود وغيرهم. # ولما قدم الخوف لأنه أقوى تأثيرا أتبعه الطمع فقال: {ولا تشتروا} ولما ~~كان الاشتراء معناه اللجاجة في أخذ شيء بثمن، وكان المثمن أشرف من الثمن من ~~حيث إنه المرغوب فيه، جعل الآيات مثمنا وإن اقترنت بالباء، حتى يفيد الكلام ~~التعجب من الرغبة عنها، وأنها لا يصح كونها ثمنا فقال: {بآياتي ثمنا قليلا} ~~أي من الرشى وغيرها لتبدلوها كما بدل أهل الكتاب. # ولما نهى عن الأمرين، وكان ترك الحكم بالكتاب إما لاستهانة أو لخوف أو ~~رجاء أو شهوة، ms1164 رتب ختام الآيات على الكفر والظلم والفسق، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: من جحد حكم الله كفر ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم فاسق. ~~فلما كان التقدير: فمن حكم بما أنزل الله فأولئك هم المسلمون، عطف عليه ما ~~أفهمه من قوله: # PageV06P146 # {ومن لم يحكم} أي يوجد الحكم ويوقعه على وجه الاستمرار {بما أنزل الله} ~~أي الذي له الكمال كله فلا أمر لأحد معه تدينا بالإعراض عنه، أعم من أن ~~يكون تركه له حكما بغيره أو لا {فأولئك} أي البعداء من كل خير {هم ~~الكافرون} أي المختصون بالعراقة في الكفر، وهذه الآيات من قوله تعالى {يا ~~أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] إلى هنا نزلت ~~في الزنا، ولكن لما كان السياق للمحاربة، وكان كل من القتل وقطع الطريق ~~والسرقة محاربة ظاهرة مع كونه فسادا صرح به، ولما كان الزنا محاربة خفية ~~بالنظر إلى فحشه وحرمته وجره في بعض الصور إلى المحاربة وغير محاربة بالنظر ~~إلى كونه في الغالب عن تراض، وصاحبه غير متزي بزي المحاربين، لم يصرح في ~~هذه الآيات باسمه وإن كانت نزلت فيه، روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما عن عمر رضي الله عنه أنه قال في خطبته: «إن الله بعث محمدا وأنزل ~~عليه كتابا، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها» الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم «وقد رجم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده - الحديث. وفي آخره: ولولا أني ~~أخشى أن يقول الناس: زاد في كتاب الله، لأثبته في حاشية المصحف» وأصله في ~~الصحيحين وغيرهما، وللحاكم والطبراني عن أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء ~~رضي الله عنها بلفظ: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من ~~اللذة» وفي صحيح ابن حبان عن أبي بن كعب # PageV06P147 # رضي الله عنه أنه قال لزر بن حبيش: «كم تعدون سورة الأحزاب من آية؟ قال: ~~قلت: ثلاثا وسبعين، قال: والذي يحلف به! كانت ms1165 سورة الأحزاب توازي سورة ~~البقرة، وكان فيها آية الرجم: الشيخ والشيخة» الحديث. وللشيخين: البخاري في ~~مواضع، ومسلم وأحمد وأبي داود - وهذا لفظه - والدرامي والترمذي في الحدود ~~والنسائي في الرجم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: # «إن اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم ~~وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة ~~في شأن الزنا؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون - وفي رواية: فقال: لا تجدون في ~~التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئا - فقال عبد الله بن سلام رضي الله ~~عنه: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة، ~~فنشروها فجعل أحدهم - وفي رواية - مدراسها الذي يدرسها منهم - يده على آية ~~الرجم فجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، ~~فرفعها فقال: ما هذه؟ فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد! فيها آية ~~الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال عبد الله # PageV06P148 # بن عمر رضي الله عنهما: فرأيت الرجل يحنأ على المرأة يقيها الحجارة» وفي ~~لفظ للبخاري في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجدون في ~~التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئا، فقال لهم عبد الله بن سلام: ~~كذبتم! فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين» وفي لفظ له في التوحيد - ~~وهو رواية أحمد - أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال: «فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين» ولأبي داود عن ابن عمر أيضا رضي الله ~~عنهما قال: «أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~القف، فأتاهم في بيت المدراس فقالوا: يا أبا القاسم! إن رجلا منا زنى ~~بامرأة فاحكم، فوضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة فجلس عليها ثم ~~قال: ائتوني بالتوراة فأتي بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها ثم ~~قال: آمنت بك وبمن أنزلك، ثم قال: ائتوني بأعلمكم، فأتي بفتى شاب» فذكر قصة ms1166 ~~الرجم نحو الذي قبله، وسكت عليه أبو داود # PageV06P149 # والحافظ المنذري في مختصره وسنده حسن، ولمسلم وأبي داود - وهذا لفظه - ~~والنسائي وابن ماجه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «مر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم. فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني؟ ~~فقالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال: نشدتك بالله الذي أنزل التوراة ~~على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالك اللهم! لا، ولولا أنك ~~نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في ~~أشرافنا فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه ~~الحد، فقلنا: تعالوا فنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا ~~على التحميم والجلد وتركنا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل ~~{يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] إلى قوله: ~~{يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} [المائدة: 41] إلى ~~قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] في ~~اليهود - إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} ~~[المائدة: 45] في اليهود - إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله # PageV06P150 # فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47] قال: هي في الكفار كلها» # يعني هذه الآية. # وروى الدارقطني في آخر النذور من السنن عن جابر رضي الله عنه قال: «أتي ~~النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي ويهودية قد زنيا، فقال لليهود: ما يمنعكم ~~أن تقيموا عليهما الحد؟ فقالوا: كنا نفعل إذا كان الملك لنا، فلما أن ذهب ~~ملكنا فلا نجتري على الفعل، فقال لهم: ائتوني بأعلم رجلين فيكم، فأتوه ~~بابني صوريا، فقال لهما: أنتم أعلم من ورائكما؟ قالا: يقولون، قال: ~~فأنشدكما بالله الذي أنزل التوراة على موسى كيف تجدون حدهما في التوراة؟ ~~فقالا: الرجل مع المرأة زنية وفيه عقوبة، والرجل على بطن المرأة زنية وفيه ~~عقوبة، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يدخله فيها ms1167 كما يدخل الميل في المكحلة ~~رجم، قال: ائتوني بالشهود فشهد أربعة، فرجمهما النبي صلى الله عليه وسلم» - ~~انتهى. وهذه الآية ملتفتة إلى آية {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ~~إليه الوسيلة} - الآية والتي بعدها أي التفات وذلك أن هؤلاء لما تركوا هذا ~~الحكم، جرهم إلى الكفر وليس في هذه الروايات - كما ترى - تقييد الرجم ~~بالإحصان، # PageV06P151 # وكذا هو فما هو موجود عندهم في التوراة، قال في السفر الثالث وغيره: ثم ~~كلم الله موسى وقال له: قل لبني إسرائيل: أي رجل من بني إسرائيل ومن الذين ~~يقبلون إلى أي ويسكنون بين بني إسرائيل ألقى زرعه في امرآة غريبة يقتل ذلك ~~الرجل فليرجمه جميع الشعب بالحجارة، وأنا أيضا أنزل غضبي بذلك الرجل وأهلكه ~~من شعبه، لأنه ألقى زرعه في غريبة وأراد أن ينجس مقدسي وأن ينجس اسم قدسي، ~~فإن غفل شعب الأرض عن الرجل الذي ألقى زرعه في غريبة ولم يوجبوا عليه القتل ~~أنزل غضبي بذلك الرجل وبقبيلته وأهلكه وأهلك من يضل به، لأنهم ضلوا بنساء ~~غريبات لسن لهم بحلال، ثم قال: الرجل الذي يأتي امرأة صاحبه وامرأة رجل ~~غريب يقتلان جميعا، والرجل الذي يرتكب ذكرا مثله فيرتكب منه ما يرتكب من ~~النساء فقد ارتكبا نجاسة، يقتلان ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يتزوج ~~امرأة وأمها فقد ارتكب خطيئة، يحرق بالنار هو وهما، والرجل الذي يرتكب من ~~البهيمة ما يرتكب من النساء يقتل قتلا، والبهيمة ترجم أيضا، والمرأة التي ~~ترقد بين يدي البهيمة لترتكب منها البلاء تقتل المرأة والبهيمة جميعا، ~~يقتلان ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يأتي امرأة طامثا ويكشف عورتها، قد ~~كشف عن ينبوعها وهي أيضا كشفت عن ينبوع دمها، # PageV06P152 # يهلكان جميعا من شعبهما، وقال: والرجل الذي يأتي امرأة أبيه قد كشف هذا ~~عورة أبيه، يقتلان جميعا ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يأتي كنته يقتلاه ~~كلاهما، لأنهما ارتكبا خطيئة، ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يتزوج أخته ~~من أمه أو من أبيه ويرى عورتها وترى عورته، هذا عار شديد، يقتلان قدام ~~شعبهم، وذلك ms1168 لأنه كشف عورة أخته، يكون إثمهما في رؤوسهما، لا تكشفن عورة ~~عمتك ولا خالتك! لأنهما قرابتك، ومن فعل ذلك يعاقب بإثم فضيحته، والرجل ~~الذي يأتي امرأة عمه قد كشف عورة عمه يعاقبان بخطيئتهما ويموتان، والرجل ~~الذي يتزوج امرأة أخيه قد ارتكب إثما، لأنه كشف عورة أخيه يموتان، بل وصرح ~~برجم البكر فقال في السفر الخامس فيمن تزوج بكرا فادعى أنه وجدها ثيبا: فإن ~~كان قذفه إياها حقا ولم يجدها عذراء تخرج الجارية إلى بيت أبيها، ويرجمهاه ~~أهل القرية بالحجارة وتموت، لأنها ارتكبت حوبا بين يدي بني إسرائيل وزنت في ~~بيت أبيها، نحوا الشر عنكم، وإن وجد رجل يسفح بامرأة رجل يقتلان كلاهما: ~~الرجل والمرأة، بل صرح برجم البكر المكرهة فقال عقب ما تقدم: وإن كان لرجل ~~خطيبة بكر لم يبتن بها بعد، فخرجت خارجا فظفر بها # PageV06P153 # رجل وقهرها وضاجعها، يخرجان جميعا ويرجمان حتى يموتا، وإنما تقتل الجارية ~~مع الرجل لأنها لم تصرخ ولم تستغث - انتهى. # فالأحاديث المفيدة بالإحصان في هذه القصة ينبغي أن تكون مرجوحة، لأن ~~رواتها ظنوا أن الجادة الإسلامية شرع لهم. # PageV06P154 # ولما كان ختام هذه الآيات في ترهيب المعرض عن الحكم بما أنزل الله مطابقا ~~لقوله في أول سياق المحاربة {ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} ~~رجع إلى القتل مبينا أنهم بدلوا في القتل كما بدلوا في الزنا، ففضلوا بني ~~النضير على بني قريظة، فقال: {وكتبنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم فيها} ~~أي في التوراة، عطفا على قوله {كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير ~~نفس} ، وإذا أنعمت النظر وجدت ما بينهما لشدة اتصاله وقوة الداعية إليه ~~كأنه اعتراض {أن النفس} أي مقتولة قصاصا مثلا بمثل {بالنفس} أي بقتل النفس ~~بغير وجه مما تقدم {والعين} أي تقلع {بالعين} أي قلعت بغير شبهة {والأنف} ~~يجدع {بالأنف} كذلك {والأذن} تصلم {بالأذن} على ما تقدم {والسن} تقلع ~~{بالسن} إذا قلعت عمدا بغير حق {والجروح} أي التي تنضبط كلها {قصاص} مثلا ~~بمثل سواء بسواء. # ولما أوجب ms1169 سبحانه هذا، رخص لهم في النزول عنه، فسبب عن # PageV06P154 # ذلك قوله: {فمن تصدق به} أي عفا عن القصاص ممن يستحقه سواء كان هو ~~المجروح إن كان باقيا أو وارثه إن كان هالكا {فهو} أي التصدق بالقصاص ~~{كفارة له} أي ستارة لذنوب هذا العافي ولم يجعل لهم دية، إنما هو القصاص أو ~~العفو، فمن حكم بما أنزل الله على وجه الاستمرار {بما أنزل الله} أي الذي ~~لا كفوء له فلا أمر لأحد معه لخوف أو رجاء، أو تدينا بالإعراض عنه سواء حكم ~~بغيره أو لا {فأولئك} أي البعداء عن طريق الاستقامة، البغضاء إلى أهل ~~الكرامة {هم الظالمون *} أي الذي تركوا العدل فضلوا، فصاروا كمن يمشي في ~~الظلام، فإن كانا تدينا بالترك كان نهاية الظلم وهو الكفر، وإلا في الزنا ~~نحو ما تقدم ثم قال: وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما «أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها {فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم} [المائدة: 42] إلى: {المقسطين} إنما نزلت في الدية بين بني النضير ~~وبني قريظة وذلك أن قتلى بني النضير وكان لهم شرف - يؤدون الدية الكاملة ~~وأن # PageV06P155 # بني قريظة كانوا يؤدون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الحق في ذلك فجعل الدية سواء» قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان! ~~وأخرجه النسائي في سننه من طريق ابن إسحاق، وروي من طريق آخر عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أيضا، قال: كان قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، ~~وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير ~~رجلا من قريظة أدى مائة وسق من تمر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل ~~رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله فقالوا: بيننا ~~وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فنزلت # {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: ms1170 42] والقسط: النفس بالنفس، ثم ~~نزلت {أفحكم الجاهلية يبغون} [المائدة: 50] انتهى. # وهذا نص ما عندهم من التوراة في القصاص قال في السفر الثاني: وكل من ضرب ~~رجلا فمات فليقتل قتلا، وإذا تشاجر رجلان فأصابا امرأة حبلى فأخرجا جنينها ~~ولم تكن الروح حلت في السقط بعد، فليغرم على قدر ما يلزمه زوج المرأة، ~~وليؤد ما حكم عليه الحاكم، فإن كانت الروح حلت في السقط فالنفس بالنفس ~~والعين بالعين والسن بالسن واليد باليد والرجل بالرجل # PageV06P156 # والجراحة بالجراحة واللطمة باللطمة، وقال في السفر الثالث بعد ذكر ~~الأعياد في الاصحاح السابع عشر: ومن قتل إنسانا يقتل، ومن قتل بهيمة يدفع ~~إلى صاحبها مثلها، والرجل يضرب صاحبه ويؤثر فيه أثرا يعاب به يصنع به كما ~~صنع، والجروح قصاص: الكسر بالكسر والعين بالعين والسن بالسن، كما يصنع ~~الإنسان بصاحبه كذلك يصنع به، القضاء واحد لكم وللذين يقبلون إلي، وقال في ~~الثاني: إذا ضرب الرجل عين عبده أو أمته ففقأها فليعتقه بدل عينه، وإذا قلع ~~سن عبده أو أمته فليعتقه بدل سنة - وذكر أحكاما كثيرة، ثم قال: ومن ذبح ~~للأوثان فيهلك، بل لله وحده، وقال في الرابع: ومن يقتل نفسا لا يقتل إلا ~~ببينة عادلة، ولا تقبل شهادة شاهد واحد على قتل النفس، ولا تقبلوا رشوة في ~~إنسان يجب عليه القتل بل يقتل، لوا تأخذوا منه رشوة ليهرب إلى قرية إلى ~~الملجأ ليسكنها إلى وفاة الحبر العظيم، ولا تنجسوا الأرض التي تسكنونها، ~~لأن الدم ينجس الأرض، والأرض التي يسفك فيها الدم لا يغفر لتلك الأرض حتى ~~يقتل القاتل الذي قتل، وقال في الخامس: ولا يقتل من قد وجب عليه القتل إلا ~~بشهادة رجلين، # PageV06P157 # لا يقتل بشهادة رجل واحد، وإذا رجمتم فالذي يشهد عليه فليبدأ برجمه ~~الشهود أولا ثم يبدأ به جميع الشعوب، وأهلكوا الذين يعملون الشر واستأصلوهم ~~من بينكم، وإن شهد رجل على صاحبه شهادة زور يقوم الرجلان قدام الحبر ~~والقاضي فيفحصون عن أمرهما فحصا شديدا، فإن وجدوا رجلا شهد شهادة، زور ~~يصنعوا به مثل ما أراد أن ms1171 يصنع بأخيه، ونحوا الشر من بينكم، وعاقبوا بالحق ~~ليسمع الذين يتقون فيفزعوا ولا يعودوا أن يفعلوا مثل هذا الفعل القبيح ~~بينكم، ولا تشفق أعينكم على الظالم، بل يكون قضاؤكم نفسا بنفس وعينا بعين ~~وسنا بسن ويدا بيد ورجلا برجل. # ولما كانت هذه الآيات كلها - مع ما فيها من الأسرار - ناقضة أيضا لما ~~ادعوا من البنوة بما ارتكبوه من الذنوب من تحريف كلام الله وسماع الكذب ~~وأكل السحت والإعراض عن أحكام التوراة والحكم بغير حكم الله، أتبعها ما أتى ~~به عيسى عليه السلام الذي ادعى فيه النصارى النبوة الحقيقية والشركة في ~~الإلهية، وقد أتى بتصديق التوراة في الشهادة على من خالفها من اليهود ~~بالتبرؤ من الله، مؤكدا لما فيها من التوحيد الذي هو عماد الدين وأعظم ~~آياتها التي أخذت عليهم بها العهود ووضعت في تابوت الشهادة الذي كانوا ~~يقدمونه أمامهم في الحروب، فإن كانوا باقين على ما فيه من الميثاق نصروا ~~وإلا خذلوا، وناسخا لشريعتهم مجازاة لهم # PageV06P158 # من جنس ما كانوا يعملون من التحريف، وشاهدا على من أطراه بالضلال فقال: ~~{وقفينا} إلى آخرها، وكذا كل ما بعدها من آياتهم إلى آخر السورة، لا تخلوا ~~آية منها من التعرض إلى نقض دعواهم لها بذكر ذنب، أو ذكر عقوبة عليه، أو ~~ذكر تكذيب لهم من كتابهم أو نبيهم، والمعنى: أوجدنا التقفية، وهي اتباع شيء ~~بشيء تقدمه، فيكون أتيا في قفاه لكونه وراءه، وإلقاؤه في مظهر العظمة ~~لتعظيم شأن عيسى عليه السلام {على آثارهم} أي النبيين الذين يحكمون ~~بالتوراة، وذكر الأثر يدل على أنهم كانوا قد تركوا دينهم، لم يبق منه إلا ~~رسم خفي {بعيسى} ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا والد له تكذيبا لليهود، ~~وإلى أنه عبد مربوب تكذيبا للنصارى، فقال: {ابن مريم مصدقا} أي عيسى عليه ~~السلام في الأصول وكثير من الفروع و {لما بين يديه} أي مما أتى به موسى ~~عليه السلام قبله {من التوراة} وأشار إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها بقوله: ~~{وآتيناه الإنجيل} أي أنزلناه بعظمتنا عليه كما ms1172 أنزلنا التوراة على موسى ~~عليه السلام. # ولما كان في الإنجيل المحكم الذي يفهمه كل أحد، والمتشابه الذي لا يفهمه ~~إلا الأفراد من خلص العباد، ولا يقف بعد فهمه عند حدوده إلا المتقون، قال ~~مبينا لحاله: {فيه} أي آتيناه إياه بحكمتنا وعظمتنا كائنا # PageV06P159 # فيه {هدى} أي وهو المحكم، يهتدي به كل أحد سمعه إلى صراط مستقيم {ونور} ~~أي حسن بيان كاشف للمشكلات، لا يدع بذلك الصراط لبسا. # ولما كان الناسخ للشيء بتغيير حكمه قد يكون مكذبا له، أعلم أنه ليس كذلك، ~~بل هو مع النسخ للتوراة مصدق لها فقال - أي مبينا لحال الإنجيل عطفا على ~~محل {فيه هدى} : {ومصدقا} أي الإنجيل بكماله {لما بين يديه} ولما كان الذي ~~نزل قبله كثيرا، عين المراد بقوله: {من التوراة} فالأول صفة لعيسى عليه ~~السلام، والثاني صفة لكتابه، بمعنى أنه هو والتوراة والإنجيل متصادقون، فكل ~~من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما، لم يتخالفوا في شيء، بل هو متخلق ~~بجميع ما أتى به. # ولما كان المتقون خلاصة الخلق، فهم الذين ينزلون كل ما في كتب الله من ~~محكم ومتشابه على ما يتحقق به أنه هدى ويتطابق به المتشابه والمحكم، وكان ~~قد بين أنه فيه من الهدى ما يسهل به رد المتشابه إليه فصار بعد البيان كله ~~هدى، قال معمما بعد ذلك التخصيص: {وهدى وموعظة للمتقين *} أي كل ما فيه ~~يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به وينتقلون مترقين من حال عالية ~~إلى حال أعلى منها. # PageV06P160 # ذكر بعض ما يدل على ذلك من الإنجيل الذي بين ظهراني النصارى الآن وقد ~~مزجت فيه كلام بعض الأناجيل ببعض وأغلب السياق لمتى، وعينت بعض ما خالفه، ~~قال لوقا: وجاء إليه قوم وأخبروه خبر الجليليين الذين خلط بيلاطس دماءهم مع ~~دماء ذبائحهم، فأجاب يسوع وقال لهم: لا تظنوا أن أولئك الجليليين أشد خطأ ~~من كل الجليليين إذا أصابتهم هذه الأوجاع، لا أقول لكم إن لم تتوبوا كلكم ~~أنتم تهلكون مثلهم، وهؤلاء الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سيلوخا ~~وقتلهم أتظنون ms1173 أنهم أكبر جرما من جميع سكان يروشليم، كلا أقول لكم، إن لم ~~تتوبوا فجميعكم يهلك؛ وقال لهم: شجرة تين كانت لواحد مغروسة في كرمه، جاء ~~يطلب فيها ثمرة فلم يجد، فقال للكرام: هذه ثلاث سنين آتي وأطلب فيها ثمرة ~~فلا أجد، اقطعها لئلا تبطل الأرض، فقال: يا رب! دعها في هذه السنة لأنكحها ~~وأصلحها، لعلها تثمر في السنة الآتية، فإن هي أثمرت وإلا أقطعها. قال متى: ~~ولما نزل من الجبل تبعه جمع كبير وإذا أبرص قد جاء فسجد له وقال: إن شئت ~~فأنت قادر أن تطهرني، فمد يده ولمسه وقال له: قد شئت فاطهر، وللوقت طهر ~~برصه، وقال له يسوع: لا تقل لأحد ولكن امض فأر نفسك # PageV06P161 # للكاهن وقدم قربانا كما أمر موسى للشهادة عليهم - وقال مرقس: بشهادتهم - ~~قال لوقا: فذاع عنه الكلام وزاد، واجتمع جمع كثير ليسمعوا منه ويستشفوا من ~~أمراضهم، وأما هو فكان يمضي إلى البرية ويصلي هناك. وقال متى: ولما دخل ~~كفرناحوم جاء إليه قائد مائة فطلب إليه قائلا: يا رب! فتاي ملقى في البيت ~~مخلع وسقيم جدا، فقال له: إني آتي وأبرئه، فأجاب قائد المائة وقال: يا رب! ~~لست مستحقا أن تدخل تحت سقف بيتي، ولكن قل كلمة فقط فيبرأ فتاي لأني تحت ~~سلطان، ولي جند، إن قلت لهذا: اذهب، ذهب، ولآخر: ائت، أتى، ولعبدي: اعمل ~~هذا، عمل، فلما سمع يسوع تعجب وقال للذين يتبعونه: الحق أقول لكم! إنني لم ~~أجد مثل هذه الأمانة في إسرائيل، أقول لكم: إن كثيرا يأتون من المشرق ~~والمغرب - وقال لوقا: والشمال واليمين - يتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ ~~قال لوقا: وكل الأنبياء في ملكوت الله وأنتم خارجا ويكون الأولون آخرين ~~والآخرون أولين؛ وقال متى: في ملكوت السماوات، وبنو الملكوت يلقون في ~~الظلمة البرانية، الموضع الذي يكون فيه البكاء وصرير الأسنان، وقال يسوع ~~لقائد المائة: اذهب كأمانتك # PageV06P162 # يكن لك، فبرأ الفتى في تلك الساعة، وقال لوقا: ولما أكمل جميع كلامه ودخل ~~كفرناحوم، وكان عبد لقائد المائة قد قارب الموت وكان كريما عنده، ms1174 فلما سمع ~~بيسوع أرسل إليه شيوخ اليهود يسألونه المجيء ليخلص عبده، فلما جاؤوا إلى ~~يسوع طلبوا منه باجتهاد وقالوا: إنه مستحق أن يفعل معه هذا، لأنه محب ~~لأمتنا وهو بنى لنا كنيسة، فمضى يسوع معهم، وفيما هو قريب من البيت أرسل ~~إليه قائد المائة أصدقاءه قائلا: يا رب! لا تتعب فإني لا أستحق أن تدخل تحت ~~سقف بيتي، من أجل ذلك لم أستحق أن أجيء أنا إليك لكن قل كلمة فيبرأ لأني ~~رجل ذو سلطان وتحت يدي جند فأقول لهذا: امض فيمضي ولآخر: ائت فيأتي فلما ~~سمع يسوع هذا تعجب منه والتفت إلى الجمع الذي يتبعه وقال: الحق أقول لكم! ~~إني لم أجد في بني إسرائيل مثل هذه الأمانة، فرجع المرسلون إلى اليبت ~~فوجدوا المريض قد برأ، وفي غد كان يسوع ماضيا إلى مدينة اسمها نايين وتبعه ~~تلاميذه أجمع وجمع كبير، فلما قرب من باب المدينة إذا محمول قد مات وحيدا ~~لأمه وكانت أرملة، وجمع كبير من أهل المدينة معها، فلما رآها # PageV06P163 # الرب تحنن عليها وقال لها: لا تبكي، وتقدم ولمس النعش فوقف الحاملون له، ~~وقال له: أيها الشاب! لك أقول: قم واجلس! فجلس الميت وبدأ يتكلم، ودفعه ~~لأمه، ولحقهم خوف ومجدوا الله قائلين: لقد قام فينا نبي عظيم، وتعاهد الله ~~شعبه بصلاح، فذاع هذا الكلام في كل اليهودية وكل الكور التي حولها. # قال متى: وجاء يسوع إلى بيت بطرس فنظر إلى حماته ملقاة تحمى؛ وقال مرقس: ~~وجاء إلى بيت سمعان وأندراوس مع يعقوب ويوحنا فرأى حماة سمعون في حمى شديدة ~~فقالوا له من أجلها، فقدم وأمسك بيدها وأقامها؛ وقال متى: فمس يديها فتركها ~~الحمى وقامت تخدمهم؛ وقال لوقا: ونهضت للوقت تخدمهم، فلما كان المساء - قال ~~مرقس: عند غروب الشمس - قدموا إليه مجانين كثيرا، قال مرقس: ووقف جميع أهل ~~المدينة على الباب، وأبرأ كثيرا ممن به علة رديئة، وأخرج شياطين كثيرة؛ ~~وقال متى: وكان يخرج الأرواح بكلمة، وأبرأ كل سقيم لكي يتم ما قيل في ~~أشعياء النبي القائل: إنه أخذ ms1175 أمراضنا وحمل أوجاعنا. وسحرا جدا قام وخرج ~~إلى البرية ليصلي # PageV06P164 # هناك وسمعون ومن معه يطلبونه، فلما وجدوه قالوا له: إن الجمع يطلبك، فقال ~~لهم: سيروا بنا إلى القرى والمدن القريبة لنكرز، فإني لهذا وافيت، فأقبل ~~يبشر في مجمعهم في كل الجليل ويخرج الشياطين؛ وقال لوقا: وفي غد اليوم خرج ~~وذهب إلى موضع قفر والجمع يطلبونه، وجاؤوا إليه وأمسكوه لئلا يمضي من ~~عندهم، فقال لهم: إنه ينبغي أن أبشر في المدن الأخر بملكوت الله، لأني لهذا ~~أرسلت، وكان يكرز في مجامع الجليل، وكان لما اجتمع إليه جمع ليسمعوا كلام ~~الله كان هو واقفا على بحيرة جاناسر، فرأى سفينتين موقفتين على شاطىء ~~البحيرة والصيادون قد صعدوا عليها ليغسلوا شباكهم، فصعد إلى إحداهما التي ~~لسمعان، وأمر أن يبعدها عن الشط قليلا، وجلس يعلم في الجمع من السفينة؛ ~~ولما أكمل كلامه قال لسمعان: تقدم إلى اللج وألقوا شباككم! فقال: يا معلم! ~~قد تعبنا الليل أجمع ولم نأخذ شيئا، وبكلمتك نحن نلقي شباكنا، ولما فعلوا ~~ذلك أخذوا سمكا كثيرا، وكادت شباكهم تتخرق، فأشاروا إلى شركائهم في السفينة ~~الأخرى ليأتوا يعينوهم، فلما جاؤوا ملؤوا السفينتين حتى كادتا أن تغرقا، ~~فلما رأى سمعان ذلك خر عند قدمي يسوع وقال له: ابعد عني يا سيدي! لأني رجل ~~خاطىء، لأن الخوف اعتراه # PageV06P165 # وكل من معه لأجل صيد الحيتان التي اصطادوا، وكذلك يعقوب ويوحنا ابنا زبدي ~~اللذان كانا صديقي سمعان، فقال يسوع لسمعان: لا تخف، من الآن تكون صيادا ~~تصيد للناس، وقربوا السفن إلى الشط وتركوا كل شيء وتبعوه؛ وقال متى: فلما ~~نظر يسوع إلى الجمع الذي حوله أمر أن يذهبوا إلى العبر، فجاء إليه كاتب ~~وقال له: يا معلم! أتبعك إلى حيث تمضي، فقال له يسوع: إن للثعالب أجحارا، ~~ولطير السماء أوكارا، فأما ابن الإنسان فليس له موضع يسند رأسه؛ وقال لوقا: ~~وقال لآخر: اتبعني، فقال: يا رب! ائذن لي أن امضي أولا وأدفن أبي، فقال له ~~يسوع: اتبعني ودع الموتى يدفنوا موتاهم، وقال الآخر أيضا: بل تأذن لي ms1176 أولا ~~أن أرتب أهل بيتي، فقال: ما من أحد يضع يده على سكة الفدان وينظر إلى ورائه ~~يستحق ملكوت الله؛ وقال متى: فلما صعد السفينة تبعه تلاميذه - وقال لوقا: ~~صعد السفينة هو وتلاميذه وقال لهم: امضوا بنا إلى عبر البحيرة، فساروا ~~وفيما هم سائرون نام - وإذا اضطراب عظيم كان في البحر حتى كادت الأمواج ~~تغطي السفينة - لأن الريح كانت مضادة لهم - وهو نائم، فتقدم إليه تلاميذه ~~وقالوا: يا رب! - وقال # PageV06P166 # مرقس: وكانت رياح عواصف عظيمة، وكانت الأمواج تضرب السفينة وتدخلها ~~المياه حتى كادت تمتلىء، وهو نائم في مؤخرها على وسادة - فأيقظوه وقالوا ~~له: يا معلم! نجنا فقد هلكنا! فقال لهم: ما أخافكم يا قليلي الأمانة؟ حينئذ ~~قام وانتهر الرياح والبحر، فصار هدوءا عظيما، ثم قال متى: فلما صعد السفينة ~~وجاء إلى العبر ودخل مدينته قدم إليه مخلع ملقى على سرير - وفي إنجيل مرقس ~~ولوقا: إنهم أرادوا الدخول به إليه فلم يقدروا لكثرة الجمع، فصعدوا إلى ~~السطح ودلوه بسريره إليه - حينئذ قال للمخلع: قم! امل سريرك واذهب إلى ~~بيتك! فقام ومضى إلى بيته، فنظر الجمع وتعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى هذا ~~السلطان كذا للناس؛ وقال يوحنا في إنجيله: وبعد هذا كان عيد اليهود فصعد ~~يسوع إلى يروشليم، وكان هناك بيروشليم مكان يسمى بالعبرانية بيت الرحمة، ~~وكان فيه خمسة أروقة، وكان خلق كثير من المرضى مطروحين فيها وعمي ومقعدون ~~وجافون، فكانوا يتوقعون تحريك الماء، لأن ملاكا كان ينزل إلى الصبغة في حين ~~بعد حين، وكان يحرك الماء، والذي كان ينزل فيه أولا من بعد حركة الماء يبرأ ~~من كل الوجع الذي به، وكان هنا رجل سقيم منذ ثمان وثلاثين # PageV06P167 # سنة، فنظر إليه يسوع ملقى فقال له: أتحب أن تبرأ؟ فقال: نعم يا سيدي! ~~ولكن ليس لي إنسان إذا تحرك الماء يلقيني في البركة أولا، فإلى أن أجيء أنا ~~ينزل قدامي آخر، فقال له: قم، احمل سريرك وامض فمن ساعته برأ ونهض حاملا ~~سريره، وكان ذلك اليوم يوم سبت، فقال له اليهود: إنه ms1177 يوم سبت، ولا يحل لك ~~أن تحمل سريرك، فأجابهم: الذي أبرأني هو قال لي: احمل سريرك وامش، فسألوه: ~~من هو؟ فلم يكن يعلم من هو، لأن يسوع كان قد استتر في الجمع الكبير الذي ~~كان في ذلك الموضع، ثم قال: وقال لهم يسوع: لقد عملت عملا واحدا فعجبتم ~~بأجمعكم، أعطاكم موسى الختان وليس هو من موسى ولكنه من الآباء، وقد تختنون ~~الإنسان يوم السبت لئلا تنقضوا سنة موسى، فلم تتذمرون علي لإبرائي الإنسان ~~يوم السبت، لا تحكموا بالمحاباة ولكن احكموا حكما عدلا، ثم قال: فبينما هو ~~مار رأى رجلا ولد أعمى فقال تلاميذه: يا معلم! من أخطأ؟ هذا أم أبواه ~~حتىأنه ولد أعمى، فقال: لا هو ولا أبواه، ولكن لتظهر أعمال الله فيه، ينبغي ~~أن أعمل أعمال من أرسلني ما دام النهار، سيأتي الليل الذي لا يستطيع أحد أن ~~يعمل فيه عملا، ما دمت في العالم أن نور العالم - قال هذا وتفل على التراب # PageV06P168 # وصنع من تفله طينا وطلى به عيني ذلك الأعمى وقال له: امض واغتسل في عين ~~سيلوخا التي تأويلها المبعوثة، فمضى وغسلهما فعاد ينظر، فأما جيرانه والذين ~~كانوا يرونه يتسول فقالوا: ليس هو هذا الذي كان يجلس ويتسول، وآخرون قالوا: ~~إنه هو، وآخرون قالوا: إنه يشبهه، فأما هو فكان يقول: إني أنا هو، فقالوا ~~له: كيف انفتحت عيناك؟ فقص عليهم القصة، فقالوا: أين هو ذاك؟ فقال: ما ~~أدري، فأتوا به إلى الفريسيين، لأن يسوع صنع الطين يوم السبت، فسأله ~~الفريسيون فأخبرهم، فقال قوم منهم: ليس هذا الرجل من الله إذ لا يحفظ ~~السبت، وآخرون قالوا: كيف يقدر رجل خاطىء أن يعمل هذه الآيات! فوقع بينهم ~~لذلك شقاق، فقالوا للأعمى: ما تقول أنت من أجله؟ قال لهم: إنه نبي، ولم ~~يصدق اليهود أنه كان أعمى حتى دعوا أبويه وسألوهما، فقالا: نحن نعلم أن هذا ~~ولدنا وأنه ولد أعمى، ووقعت بين الأعمى وبينهم محاورة، كان آخر ما قالوا ~~له: أنت ولدت بالخطايا وأنت تعلمنا! وأخرجوه. # وقال متى: واجتاز يسوع ms1178 هناك فرأى إنسانا جالسا على التعشير اسمه متى فقال ~~له: اتبعني، فترك كل شيء وقام وتبعه. وقال لوقا: وبعد هذا خرج فنظر إلى ~~عشار اسمه لاوي جالسا على المكس، # PageV06P169 # فقال له: اتبعني، فترك كل شيء وقام وتبعه، وصنع له لاوي في بيته وليمة ~~عظيمة، وكان جمع كثير من العشارين وآخرين متكئين معه. وقال مرقس: ثم خرج ~~إلى شاطىء البحر واجتمع إليه جمع كبير وعلمهم، وعند مضيه رأى لاوي ابن حلفي ~~جالسا على العشارين فقال له: اتبعني، فقام وتبعه، وبينما هو متكىء في بيته ~~- وقال متى: وبينما هو متكىء في بيت سمعان - جاء عشارون وخطأة كثيرون، ~~فاتكؤوا مع يسوع وتلاميذه، فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه: لماذا ~~معلمكم يأكل مع العشارين والخطأة؟ فلما سمع يسوع قال لهم: الأصحاء لا ~~يحتاجون إلى طبيب، لكن ذوو الأسقام، اذهبوا فاعلموا ما هو، إني أريد رحمة ~~لا ذبيحة، لم آت لأدعو الصديقين لكن الخطأة للتوبة. وقال لوقا: وطلب إليه ~~واحد من الفريسيين أن يأكل معه، فدخل بيت ذلك الفريسي وجلس، وكان في تلك ~~المدينة امرأة خاطئة، فلما علمت أنه متكىء في بيت ذلك الفريسي أخذت قارورة ~~طيب ووقفت من ورائه عند رجليه باكية، وبدأت تبل قدميه بدموعها وتمسحها بشعر ~~رأسها، # PageV06P170 # وكانت تقبل قدميه وتدهنهما بالطيب، فلما رأى ذلك الفريسي الذي دعاه فكر ~~في نفسه قائلا: لو كان هذا نبيا علم ما هذه وأنها خطائة، فأجاب يسوع وقال ~~له: يا سمعان! غريمان عليها لإنسان دين، على أحدهما خمسمائة دينار وعلى ~~الآخر خمسون، وليس لهما ما يوفيان فوهب لهما، فأيهما أكثر حبا له؟ فقال: ~~أظن الذي وهب له الأكثر، فقال له: بالحق حكمت؛ ثم التفت إلى المرأة وقال: ~~يا سمعان! دخلت بيتك فلم تسكب على رجلي ماء وهذه بلت رجلي بالدموع ومسحتهما ~~بشعر رأسها، أنت لم تقبلني وهذه منذ دخلت لم تكف عن تقبيل قدمي، أنت لم ~~تدهن رأس بزيت وهذه دهنت بالطيب قدمي، لأجل ذلك أقول لك: إن خطاياها مغفورة ~~لها، لأنها أحبت كثيران ثم قال لها: ms1179 اذهبي بسلام! إيمانك خلصك؛ وكان بعد ~~ذلك يسير إلى كل مدينة ويكرز ويبشر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر ونسوة كن ~~أبرأهن من الأمراض والأرواح الخبيثة: مريم التي تدعى المجدلانية التي أخرج ~~منها سبعة شياطين، ويونا امرأة خوزي خازن هيرودس، وأخر كثيرات. # وقال متى: حينئذ جاء إليه تلاميذ يوحنا قائلين: لماذا نحن والفريسيون ~~نصوم كثيرا وتلاميذك # PageV06P171 # لا يصومون؟ فقال لهم يسوع: لا يستطيع بنو العرس أن ينوحوا ما دام العريس ~~معهم، وستأتي أيام إذا ارتفع العريس عنهم حينئذ صومون؛ ليس أحد يأخذ خرقة ~~جديدة يجعلها في ثوب بال، لأنها تأخذ ملأها من الثوب فيصير الخرق أكبر وقال ~~مرقس: إنه لا يرقع إنسان ثوبا باليا بخرقة جديدة إلا مد الجديد البالي ~~فيخرقه؛ وقال متى: ولا تجعل خمر جديدة في زقاق عتق فتنشق الزقاق وتهلك ~~وتهراق الخمر لكن تجعل خمر جديدة في زقاق جدد فيتحفظان جميعا؛ وقال لوقا: ~~وما من أحد يشرب قديما فيحب الجديد للوقت لأنه يقول: إن القديم أطيب، وقال ~~متى: وفيما هو يكلمهم إذا رئيس قد جاء إليه ساجدا قائلا: إن ابنتي ماتت ~~الآن، تأتي فتضع يدك عليها فتحيى! فقام يسوع وتبعه تلاميذه، فإذا امرأة بها ~~نزيف دم منذ اثنتي عشرة سنة؛ قال مرقس: أعيت من الأطباء، أنفقت كل مالها، ~~لم تجد راحة بل تزداد وجعا، فلما سمعت بيسوع - قال متى: جاءت من خلفه ومست ~~طرفه ثوبه - فالتفت يسوع فرآها فقال لها: ثقي يا ابنة! إيمانك خلصك، فبرئت ~~المرأة من تلك الساعة، وجاء يسوع إلى بيت الرئيس؛ وقال مرقس: ولم يدع أحدا ~~يتبعه إلا بطرس # PageV06P172 # ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب - انتهى. فنظر إلى الجمع مضطربين، فقال لهم: ~~اخرجوا، لم تمت الجارية لكنها نائمة، فضحكوا منه، فلما خرج الجمع دخل وأمسك ~~يدها فقامت الجارية؛ وقال مرقس: وأخرج جميعهم وأخذ معه أبا الصبية وأمها ~~والذين معه، ثم دخل إلى الموضع الذي فيه الصبية موضوعة، وأخذ بيدها وقال ~~لها: طليثا! قومي، الذي تأويله: يا صبية! لك أقول: قومي، فللوقت قامت ~~الصبية ومشت، وكان لها ms1180 اثنتا عشرة سنة، فبهتوا وعجبوا عجبا عظيما، فأمرهم ~~كثيرا أن لا يعلموا أحدا بهذا، وقال: أطعموها تأكل؛ وقال متى: وخرج خبرها ~~في جميع تلك الأرض. # PageV06P173 # ولما كان التقدير: آتيناه ذلك لينتهي أهل التوراة عما نسخه منها، عطف ~~عليه قوله: {وليحكم} في قراءة حمزة بكسر اللام والنصب، والتقدير على قول ~~الجماعة بالإسكان والجمع والجزم: فلينته أهل التوراة عما نسخ منها وليحكم ~~{أهل الإنجيل} وهم أتباع عيسى عليه السلام {بما أنزل الله} أي الواحد الأحد ~~الذي له جميع صفات الكمال {فيه} من الدلائل على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ومن غير ذلك مما أودعناه إياه من الأحكام والمواعظ الجسام. # ولما كان التقدير: فمن انتهى فأولئك هم المسلمون، ومن حكم بما # PageV06P173 # أنزل الله فيه فأولئك هم المفلحون، عطف عليه قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله} أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه، فله كل شيء وليس لأحد معه ~~شيء، وكل شيء إليه مفتقر، ولا افتقار له إلى شيء فيه أو في غيره؛ وهو غير ~~منسوخ، تدينا بتركه أو لشهوة دعت {فأولئك} أي البعداء عن كل خير البغضاء ~~{هم الفاسقون *} أي المختصون بكمال الفسق، فإن كان تدينا كان كفرا، وإن كان ~~لاتباع الشهوات كان مجرد معصية، لأن الحظوظ والشهوات تحمل على الخروج عن ~~دائرة الشرع مرة بعد أخرى، فمن ترك الحكم تكذيبا فقد جمع الدركات الثلاث: ~~ستر الدلائل فتنقل من درجة النور إلى دركة الظلام، فانكب في مهواة الخروج ~~من المحاسن، فانحط إلى أقبح المساوي؛ والتعبير بالوصف المؤذن بالعراقة في ~~مأخذ الاشتقاق معلم بأن المراد بكل واحد منها الكفر، فحق أن المراد منه ~~الشرعي لا مطلق الستر غاية التحقيق، فبين بوصفه بالظلم أنه ستر لما ينبغي ~~إظهاره، وبالفسق أنه بلغ في كونه في غير موضعه النهاية حتى خرق جميع دائرة ~~المأذون فيه فخرج منها، وهذا إشارة إلى ذنوب أهل الإنجيل لينتج نقض دعواهم ~~البنوة والمحبة، لأن المعنى: ومن الواضح بكتابك الذي جعل مهيمنا على جميع ~~الكتب أنهم خالفوا أحكامه فهم فاسقون، ms1181 أي خارجون عما من شأنه الاستقرار فيه ~~لنفعه، فواقعون في الظلمة الموجبة لوضع الشيء في غير موضعه المقتضية ~~للتغطية والستر، وقدم الوصف بالكفر لأن السياق لمن حرف الكلم عن موضعه، ~~وغير # PageV06P174 # ما كتب من محكم أحكام التوراة من الحدود، وذلك هو التغطية التي هي معنى ~~الكفر لأنه من الظلام، كما أن الفسق سبب الظلم لأنه الخروج عما من شأنه ~~النفع، فكان الآخر أولا في المعنى والأول نهاية في الحقيقة، والآية دالة ~~على أن فيه أحكاما، وكذا قوله تعالى في آل عمران: {ولأحل لكم بعض الذي حرم ~~عليكم} [آل عمران: 5] ، وهذا هو الحق، وأعظم ما غير تحريم السبت الذي كان ~~أعظم شعائرهم فأحله، وغير أيضا غير ذلك من أحكامهم؛ قال فيما رأيته من ~~ترجمة إنجيل متى: سمعتم ما قيل للأولين: لا تقتل، فإن من قتل وجبت عليه ~~لائمة الجماعة، ومن قال لأخيه: أحمق، فقد وجبت عليه نار جهنم، إن أنت قدمت ~~قربناك على المذبح وذكرت هناك أن أخاك واجد عليك فدع قربانك هناك قدام ~~المذبح، وامض أولا وصالح أخاك، وحينئذ فائت وقدم قربانك، كن متفهما من خصمك ~~سريعا ما دمت معه في الطريق، لئلا يسلمك الخصم إلى الحاكم، والحاكم إلى ~~المستخرج وتلقى في السجن؛ وفي إنجيل لوقا: إذا رأيتم سحابة تطلع من المغرب ~~قلتم: إن المطر يأتي؛ فيكون كذلك، وإذا هبت ريح الجنوب قلتم: سيكون حر، يا ~~مراؤون! تحسنون تمييز وجه السماء والأرض وهذا الزمان كيف لا تميزونه، ولا ~~تحكمون بالصدق من قبل نفوسكم! # PageV06P175 # لأنك إذا ذهبت مع خصمك إلى الرئيس فأعطه ما يجب عليك في الطريق تتخلص ~~منه، لئلا يذهب بك إلى الحاكم فيدفعك الحاكم إلى المستخرج ويلقيك المستخرج ~~في السجن؛ وقال متى: الحق الحق أقول لك! إنك لا تخرج من هناك حتى تؤدي آخر ~~فلس عليك، سمعتم ما قيل للأولين: لا تزن، وأنا أقول لكم: إن كل من نظر إلى ~~امرأة واشتهاها فقد زنى بها في قلبه، إن شككتك عينك اليمنى فاقلعها وألقها، ~~لأنه خير لك أن تهلك أحد ms1182 أعضائك ولا تلقي جسدك كله في جهنم، قيل: إن من طلق ~~امرأته فيدفع لها كتاب الطلاق، وأنا أقول لكم: إن من طلق امرأته من غير ~~كلمة زنا فقد جعلها زانية، ومن تزوج مطلقة فقد زنى، وأيضا سمعتم ما قيل ~~للأولين: لا تحنث في مينك، وأوف للرب قسمك، وأنا اقول لكم: إن من طلق ~~امرأته من غير كلمة زنا فقد جعلها زانية، ومن تزوج مطلقة فقد زنى، وأيضا ~~سمعتم ما قيل للأولين: لا تحنث في مينك، وأوف للرب قسمك، وأنا أقول لكم: لا ~~تحلفوا البتة لا بالسماء فإنها كرسي الله، ولا بالأرض لأنها موطىء قدميه، ~~ولا بيروشليم فإنها مدينة الملك العظيم، ولا برأسك لأنك لا تقدر تصنع شعرة ~~بيضاء أو سوداء، ولتكن كلمتكم: نعم ونعم ولا لا، وما زاد على ذلك فهو من ~~الشر، سمعتم ما قيل: العين بالعين والسن بالسن، وأنا أقول لكم: لا تقاوموا ~~الشر، ولكن من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر، # PageV06P176 # ومن أراد خصومتك وأخذ ثوبك دفع له رداءك، ومن سخرك ميلا فامض مع اثنين، ~~قال لوقا: وكل من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده، ولا تطلب من ~~الذي يأخذ مالك، وكما تحبون أن يصنع الناس بكم كذلك فاصنعوا أنتم بهم؛ وقال ~~متى: سمعتم ما قيل: أحبب قريبك وابغض عدوك، وأنا أقول لكم: حبوا أعداءكم ~~وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا إلى من أبغضكم - وقال لوقا: يبغضكم - وصلوا على ~~من يطردكم ويحزنكم، لكيما تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات، لأنه المشرق ~~شمسه على الأخيار والأشرار، والممطر على الصديقين والظالمين، وإذا أحببتم ~~من يحبكم فأي أجر لكم! أليس العشارون يفعلون مثل ذلك! وإن سلمتم على إخوتكم ~~فقط فأي فضل عملتم! أليس كذلك يفعل العشارون! وقال لوقا: إن كنتم إنما ~~تحبون من يحبكم فأي أجر لكم! إن الخطأة يحبون من يحبهم، وإن صنعتم الخير مع ~~من يحسن إليكم فأي فضل لكم! إن الخطأة هكذا يصنعون، وإن كنتم إنما تقرضون ~~من تظنون أنكم تأخذون العوض منه فأي فضل لكم! ms1183 إن الخطأة أيضا يقرضون الخطأة ~~لكي يأخذوا منهم العوض، لكن حبوا أعداءكم وأحسنوا إليهم، وكونوا رحماء مثل ~~أبيكم فهو رؤوف، وقال متى: كونوا أنتم كاملين مثل أبيكم السمائي فهو كامل. # ثم قال في الفصل الثالث والثلاثين: وفي ذلك الزمان # PageV06P177 # مر يسوع في سبت بالزروع وجاع تلاميذه، فبدؤوا يفركون سنبلا ويأكلون - وفي ~~لوقا: كان تلاميذه يقطعون السنبل ويفركون بأيديهم ويأكلون - فلما أبصرهم ~~الفريسيون قالوا له: ها هو ذا تلاميذك يعملون ما لا يحل في السبت - وفي ~~لوقا: لماذا تفعلون ما لا يحل أن يفعل في السبوت - فقال لهم: أما قرأتم ما ~~صنع داود لما جاع هو والذين معه! كيف دخل إلى بيت الله وأكل خبز التقدمة ~~الذي لا يحل أكله إلا للكهنة! قال مرقس: وأعطى الذين كانوا مع، ثم قال لهم: ~~السبت من أجل الإنسان كان ولم يخلق الإنسان من أجل السبت؛ قال متى: أوما ~~قرأتم في الناموس أن الكهنة في السبت في الهيكل ينجسون السبت وليس عليهم ~~جناح! وأقول لكم: إن ها هنا أعظم من الهيكل لو كنتم تعلمون ما هو مكتوب، ~~إني أريد الرحمة لا الذبيحة، لم تحكمون على من لا ذنب له! وقال لوقا: ودخل ~~بيت أحد الرؤساء الفريسيين في يوم سبت ليأكل خبزا وهم كانوا يرصدونه فإذا ~~إنسان به استسقاء، فقال يسوع للكهنة والفريسيين: هل يحل أن يبرأ في السبت؟ ~~فسكتوا فأخذه وأبرأه ثم قال لهم: من منكم يقع ابنه في بئر يوم السبت ولا ~~يصعده في الوقت؟ فلم يقدروا أن يجيبوه عن هذا؛ ثم قال متى: فجاء الفريسيون ~~ليجربوه # PageV06P178 # قائلين: هل يحل للإنسان أن يطلق امرأته لأجل كل كلمة؟ أجاب: أما قرأتم أن ~~الذي خلق في البدء خلقهما ذكرا وأنثى، من أجل ذلك يترك الإنسان أباه وأمه ~~ويلصق بامرأته، ويكونان كلاهما جسدا واحدا، وليس هما اثنين لكن جسد واحد، ~~وما زوجه الله لا يفرقه الإنسان - وقال مرقس: لا يقدر إنسان يفرقه - قالوا ~~له: لماذا أمر موسى أن يعطى كتاب الطلاق وتخلى؟ قال لهم: موسى من أجل ms1184 قسوة ~~قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم - وفي مرقس: إنهم سألوه فقال لهم: بماذا ~~أوصاكم موسى؟ قالوا: أمر أن يكتب كتاب الطلاق وتخلى، قال لهم يسوع: من أجل ~~قسوة قلوبكم كتب لكم موسى هذه الوصية، من البدء لم يكن هكذا، وأقول لكم: من ~~طلق امرأته من غير زنا فقد ألجأها إلى الزنا، ومن تزوج مطلقة فقد زنى، وفي ~~إنجيل مرقس: وفي البيت أيضا سأله التلاميذ عن هذا فقال لهم: من طلق امرأته ~~وتزوج أخرى فقد زنى عليها، وإن هي خلت زوجها وتزوجت آخر فهي زانية؛ وفي ~~لوقا: كل من يطلق امرأته ويتزوج أخرى فهو يزني، وكل من تزوج مطلقة من زوجها ~~فهو يزني؛ قال متى: فقال له التلاميذ: إن كان هكذا علة الرجل مع المرأة ~~فخير له أن لا يتزوج، فقال لهم: ما كل أحد يستطيع هذا الكلام إلا الذين قد ~~أعطوا، الآن خصيان ولدوا # PageV06P179 # من بطون أمهاتهم، وخصيان أخصاهم الناس، وخصيان أخصوا نفوسهم من أجل ملكوت ~~السماوات، ومن استطاع أن يحتمل فليحتمل. # ولما ذكر سبحانه الكتابين، ذكر ختامهما وتمامهما، وهو ما أنزل إلى هذا ~~النبي الأمي من الفرقان الشاهد على جميع الكتب التي قبله، فقال تعالى: ~~{وأنزلنا} أي بعظمتنا {إليك} أي خاصة {الكتاب} أي الكامل في جمعه لكل ما ~~يطلب منه وهو القرآن {بالحق} أي الكامل الذي لا يحتاج إلى شيء يتمه، ثم ~~مدحه بمدح الأنبياء الذين تقدموه فقالك {مصدقا لما بين يديه} أي تقدمه. # ولما كانت الكتب السماوية من شدة تصادقها كالشيء الواحد، عبر بالمفرد ~~لإفادته ما يفيد الجمع وزيادة دلالة على ذلك فقال: {من الكتاب} أي الذي جاء ~~به الأنبياء من قبل {ومهيمنا} أي شاهدا حفيظا مصدقا وأمينا رقيبا {عليه} أي ~~على كل كتاب تقدمه - كما قاله البخاري في أول الفضائل من الصحيح عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما، وفي هذه الصفة بشارة لحفظه سبحانه لكتابنا حتى لا ~~يزال بصفة الشهادة، فإن الله تعالى استحفظهم كتبهم فعجزوا عنها، فحرفها ~~محرفوهم وأسقطوا منها وأسقط مسرفوهم، فتكفل هو سبحانه ms1185 بحفظ كتابنا فكان ~~قيما عليها، فما كان فيها موافقا له فهو حق، وما كان فيها مخالفا فهو إما ~~منسوخ # PageV06P180 # أو مبدل فلا يعبر، بل يحكم بما في كتابنا لأنه ناسخ لجميع الكتب، والآتي ~~به مرسل إلى جميع العالمين، فملته ناسخة لجميع الملل، فأنتج هذا وجوب الحكم ~~بما فيه على المؤالف والمخالف بشرطه؛ فلذا قال مسببا عما قبله: {فاحكم ~~بينهم} أي بين جميع أهل الكتب، فغيرهم من باب الأولى {بما أنزل الله} أي ~~الملك الذي له الأمر كله إليك في هذا الكتاب الناسخ لكتبهم المهيمن عليها ~~في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم باتباعك ونحو ذلك من أوصافك {ولا تتبع ~~أهواءهم} فيما خالفه منحرفين {عما جاءك} وبينه بقوله: {من الحق} . # ولما كان كل من كتابيهم من عند الله، كان كأنه قيل: كيف يكون الحكم ~~بكتابهم الذي يصدقه كتابنا انحرافا عن الحق؟ علل ذلك دالا على النسخ بقوله: ~~{لكل} أي لكل واحد {جعلنا} أي بعظمتنا التي نفعل بها ما نشاء من نسخ وغيره، ~~ثم خصص الإبهام بقوله: {منكم} أي يا أهل الكتب {شرعة} أي دينا موصلا إلى ~~الحياة الأبدية، كما أن الشرعة موصلة إلى الماء الذي به الحياة الدنيوية ~~{ومنهاجا} أي طريقا واضحا مستنيرا ناسخا لما قبله، وقد جعلنا شرعتك ناسخة ~~لجميع الشرائع، وهذا وأمثاله - مما يدل على أن كل متشرع مختص بشرع وغير ~~متعبد بشرع من قبله - محمول على الفروع، وما دل # PageV06P181 # على الاجتماع كأنه شرع لكم من الدين محمول على الأصول {ولو شاء الله} أي ~~الملك الأعظم المالك المطلق الذي له التصرف التام والأمر الشامل العام أن ~~يجمعكم على شيء واحد {لجعلكم أمة} أي جماعة متفقة يؤم بعضها بعضا، وحقق ~~المراد بقوله: {واحدة} أي على دين واحد، ولم يجعل شيئا من الكتب ناسخا لشيء ~~من الشرائع، لأن الكل بمشيئته، ولا مشيئة لأحد سواه إلا بمشيئته {ولكن} لم ~~يشأ ذلك، بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة {ليبلوكم} أي ليعاملكم معاملة ~~المبتلى المختبر {فيما آتاكم} أي أعطاكم وقسم بينكم من الشرائع ms1186 المختلفة ~~ليبرز إلى الوجود ما تعملون في ذلك من اتباع وإذعان اعتقادا أن ذلك مقتضى ~~الحكمة الإلهية؛ فترجعون عنه إذا قامت البراهين بالمعجزات على صدق ناسخه، ~~ونهضت الأدلة البينات على صحة دعواه بعد طول الإلف له وإخلاد النفوس إليه ~~واستحكامه بمرور الأعصار وتقلب الأدوار؛ أو زيغ وميل اتهاما وتجويزا كما ~~فعل أول المتكبرين إبليس، فتؤثرون الركون إليه والعكوف عليه لمتابعة الهوى ~~والوقوف عند مجرد الشهوة. # ولما كان في الاختبار أعظم تهديد، سبب عنه قوله: {فاستبقوا الخيرات} أي ~~افعلوا في المبادرة إليها بغاية الجهد فعل من يسابق شخصا يخشى العار بسبقه ~~له، ثم علل ذلك بقوله: {إلى الله} أي الشارع لذلك، لا إلى غيره، لأنه الملك ~~الأعلى {مرجعكم جميعا} وإن اختلفت # PageV06P182 # شرائعكم، حسا في القيامة، ومعنى في جميع أموركم في الدارين {فينبئكم} أي ~~يخبركم إخبارا عظيما {بما كنتم} أي بحسب اختلاف الجبلات؛ ولما كان في تقديم ~~الظرف إبهام، وكان الإفهام بعد الإبهام أوقع في النفس، قال {فيه تختلفون *} ~~أي تجددون الخلاف مستمرين عليه، ويعطي كلاما يستحقه، ويظهر سر الاختلاف ~~وفائدة الوفاق والائتلاف. # PageV06P183 # ولما كان الأمر بالحكم فيما مضى لكونه مسببا عما قبله من إنزال الكتاب ~~على الأحوال المذكورة، أعاد الأمر به سبحانه مصرحا بذلك لذاته لا لشيء آخر، ~~ليكون الأمر به مؤكدا غاية التأكيد بالأمر به مرتين: مرة لأن الله أمر به، ~~وأخرى لأنه على وفق الحكمة، فقال تأكيدا له وتنويها بعظيم شأنه ومحذرا من ~~الأعداء فيما يلقونه من الشبه للصد عنه: {وأن} أي احكم بينهم بذلك لما قلنا ~~من السبب وما ذكرنا من العلة في جعلنا لكل دينا، ولأنا قلنا آمرين لك أن ~~{احكم بينهم} أي أهل الكتب وغيرهم {بما أنزل الله} أي المختص بصفات الكمال ~~لأنه يستحق أن يتبع أمره لذاته وبين أن مخالفتهم له وإعراضهم عنه إنما هو ~~مجرد هوى، لأن كتابهم داع إليه، فقال: {ولا تتبع أهواءهم} أي في عدم ~~التقييد به {واحذرهم أن يفتنوك} أي يخالطوك بكذبهم # PageV06P183 # على الله وافترائهم وتحريفهم الكلم ومراءاتهم مخالطة تميلك {عن ms1187 بعض ما ~~أنزل الله} أي الذي لا أعظم منه، فلا وجه أصلا للعدول عن أمره {إليك فإن ~~تولوا} أي كلفو أنفسهم الإعراض عما حكمت به بينهم مضادين لما دعت إليه ~~الطفرة الأولة من اتباع الحق ودعت إليه كتبهم من اتباعك {فاعلم إنما يريد ~~الله} أي الذي له جميع العظمة العظمة {أن يصيبهم} لأنه لو أراد بهم الخير ~~لهداهم إلى القبول الذي يطابق عليه شاهد العقل بما تدعو إليه الفطرة الأولى ~~والنقل بما في كتبهم، إما من الأمر بذلك الحكم بعينه، وإما من الأمر ~~باتباعك {ببعض ذنوبهم} أي التي هذا منها، وأبهمه زيادة في استدراجهم ~~وإضلالهم وتحذيرا لهم من جميع مساوي أعمالهم، لئلا يعلموا عين الذنب الذي ~~اصيبوا به، فيحملهم ذلك على الرجوع عنه، ويصير ذلك كالإلجاء، أو يكون ~~إبهامه للتعظيم كما أن التنكير يفيد التعظيم، فيؤذن السياق بتعظيم هذا ~~التولي وبكثرة ذنوبهم واجترائهم على مواقعتها. # ولما كان التقدير: فإنهم بالتولي فاسقون، عطف عليه: {وإن كثيرا من الناس} ~~أي هم وغيرهم {لفاسقون *} أي خارجون عن دائرة الطاعات ومعادن السعادات، ~~متكلفون لأنفسهم إظهار ما في بواطنهم من خفي الحيلة بقوة؛ ولما كان من ~~المعلوم أن من أعرض عن حكم الله أقبل ولا بد على حكم الشيطان الذي هو عين ~~الهوى الذي هو دين أهل الجهل الذين لا كتاب لهم هاد ولا شرع ضابط، سبب عن ~~إعراضهم # PageV06P184 # الإنكار عليهم بقوله: {أفحكم الجاهلية} أي خاصة مع أن أحكامها لا يرضى ~~بها عاقل، لكونها لم يدع إليها كتاب، بل إنما هي مجرد أهواء وهم أهل كتاب ~~{يبغون} أي يريدون بإعراضهم عن حكمك مع ما دعا إليه كتابهم من اتباعك، وشهد ~~به كتابك بالعجز عن معارضته من وجوب رسالتك إلى جميع الخلائق، وقراءة ابن ~~عامر بالالتفات إلى الخطاب أدل على الغضب. # ولما كان حسن الحكم تابعا لإتقانه، وكان إتقانه دائرا على صفات الكمال من ~~تمام العلم وشمول القدرة وغير ذلك، قال - معلما أن حكمه أحسن الحكم عاطفا ~~على ما تقديره: فمن أضل منهم: {ومن} ويجوز أن ms1188 تكون الجملة حالا من واو ~~يبغون، أي يريدون ذلك والحال أنه يقال: من {أحسن من الله} أي المستجمع ~~لصفات الكمال {حكما} ثم زاد في تقريعهم بكثافة الطباع وجمود الأذهان ووقوف ~~الأفهام بقوله معبرا بلام البيان إشارة إلى المعنى بهذا الخطاب: {لقوم} أي ~~فيهم نهضة وقوة محاولة لما يريدونه {يوقنون *} أي يوجد منهم اليقين يوما ما ~~وأما غيرهم فليس بأهل الخطاب فكيف بالعتاب! إنما عتابه شديد العقاب، وفي ~~ذلك أيضا غاية التبكيت لهم والتقبيح عليهم من حيث إنهم لم يزالوا يصفون أهل ~~الجاهلية بالضلال، وأن دينهم لم ينزل الله به # PageV06P185 # من سلطان، وقد عدلوا في هذه الأحكام إليه تاركين جميع ما أنزل الله من ~~كتابهم والكتاب الناسخ له، فقد ارتكبوا الضلال بلا شبهة على علم، وتركوا ~~الحق المجمع عليه. # ولما بين عنادهم وأن عداوتهم لأهل هذا الدين التي حملتهم على هذا الأمر ~~العظيم ليس بعدها عداوة، نهى من اتسم بالإيمان عن موالاتهم، لأنه لا يفعلها ~~بعد هذا البيان مؤمن ولا عاقل، فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا ~~بالإيمان؛ ولما كان الإنسان لا يوالي غير قومه إلا باجتهاد في مقدمات ~~يعملها وأشياء يتحبب بها إلى أولئك الذين يريد أن يواليهم، أشار إلى ذلك ~~بصيغة الافتعال فقال: {لا تتخذوا} أي إن ذلك لو كان يتأتى بسهولة لما كان ~~ينبغي لكم أن تفعلوه، فكيف وهو لا يكون إلا ببذل الجهد! {اليهود والنصارى ~~أولياء} أي أقرباء تفعلون معهم ما يفعل القريب مع قريبه، وترجون منهم مثل ~~ذلك، وهم أكثر الناس استخفافا بكم وازدراء لكم؛ ثم علل ذلك بقوله: {بعضهم ~~أولياء بعض} أي كل فريق منهم يوالي بعضهم بعضا، وهم جميعا متفقون - بجامع ~~الكفر وإن اختلفوا في الدين - على عداوتكم يا أهل هذا الدين الحنيفي! {ومن ~~يتولهم منكم} أي يعالج فطرته الأولى حتى يعاملهم معاملة الأقرباء {فإنه ~~منهم} لأن الله غني عن العالمين، فمن والى أعداءه تبرأ منه ووكله إليهم؛ ثم ~~علل ذلك # PageV06P186 # تزهيدا فيهم وترهيبا لمتوليهم بقوله: {إن الله} أي الذي له الغنى المطلق ms1189 ~~والحكمة البالغة، وكان الأصل: لا يهديهم، أو لا يهديه، ولكنه أظهر تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف فقال: الأصل: لا يهديهم، أو لا يهديه، ولكنه أظهر ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: {لا يهدي القوم الظالمين *} أي الذين ~~يضعون الأشياء في غير مواضعها، فهم يمشون في الظلام، فلذلك اختاروا غير دين ~~الله ووالوا من لا تصلح موالاته، ومن لم يرد الله هدايته لم يقدر أحد أن ~~يهديه، ونفي الهداية عنهم دليل على أن العبرة في الإيمان القلب، إذ معناه ~~أن هذا الذي يظهر من الإقرار ممن يواليهم ليس بشيء، لأن الموالي لهم ظالم ~~بموالاته لهم، والظالم لا يهديه الله، فالموالي لهم لا يهديه الله فهو ~~كافر، وهكذا كل من كان يقول أو يفعل ما يدل دلالة ظاهرة على كفره وإن كان ~~يصرح بالإيمان - والله الهادي، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبه ~~المخالف في الدين واعتزاله - كما قال صلى الله عليه وسلم: # «لا تراءى ناراهما» ومنه قول عمر لأبي موسى رضي الله عنهما حين اتخذ ~~كاتبا نصرانيا: لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا ~~تدنوهم إذ أقصاهم الله، وروي أن أبا موسى رضي الله عنه قال: لا قوام للبصرة ~~إلا به، # PageV06P187 # فقال عمر رضي الله عنه: مات النصراني - والسلام، يعني هب أنه مات فما كنت ~~صانعا حينئذ فاصنعه الساعة. # PageV06P188 # ولما علل بذلك، كان سببا لتمييز الخالص الصحيح من المغشوش المريض، فقال: ~~{فترى} أي فتسبب عن أن الله لا يهدي متوليهم أنك ترى {الذين في قلوبهم مرض} ~~أي فساد في الدين كابن أبي وأصحابه - أخزاهم الله تعالى {يسارعون} أي بسبب ~~الاعتماد عليهم دون الله {فيهم} أي في موالاة أهل الكتاب حتى يكونوا من شدة ~~ملابستهم كأنهم مظروفون لهم كأن هذا الكلام الناهي لهم كان إغراء، ويعتلون ~~بما بما لا يعتل به إلا مريض الدين من النظر إلى مجرد السبب في النصرة عند ~~خشية الدائرة {يقولون} أي قائلين اعتمادا عليهم وهم أعداء الله اعتذارا عن ~~موالاتهم {نخشى} أي نخاف خوفا ms1190 بالغا {أن تصيبنا دائرة} أي مصيبة محيطة بنا، ~~والدوائر: التي تخشى، والدوائل: التي ترجى. # ولما نصب سبحانه هذا الدليل الذي يعرف الخالص من المغشوش، كان فعلهم هذا ~~للخالص سببا في ترجي أمر من عند الله ينصر به دينه، إما الفتح أو غيره مما ~~أحاط به علمه وكونته قدرته يكون سببا لندمهم، فلذا قال: {فعسى الله} أي ~~الذي لا أعظم منه فلا يطلب النصر إلا منه {أن يأتي بالفتح} أي بإظهار الدين ~~على الأعداء {أو أمر من عنده} # PageV06P188 # بأخذهم قتلا بأيديكم أو بإخراج اليهود من أرض العرب أو بغير ذلك فينكشف ~~لهم الغطاء. # ولما كانت المصيبة عند الإصباح أعظم، عبر به وإن كان المراد التعميم ~~فقال: {فيصبحوا} أي فيسبب عن كشف غطائهم أن يصبحوا والأحسن في نصبه ما ذكره ~~أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح للفارسي من أنه جواب «عسى» إلحاقا لها ~~بالتمني لكونها للطمع وهو قريب منه، ويحسنه أن الفتح وندامتهم المترتبة ~~عليه عندهم من قبيل المحال، فيكون النصب إشارة إلى ما يخفون من ذلك، وهو ~~مثل ما يأتي إن شاء الله تعالى في توجيه قراءة حفص عن عاصم في غافر {فاطلع} ~~[غافر: 37] بالنصب {على ما أسروا} . # ولما كان الإسرار لا يكون إلا لما يخشى من إظهاره فساد، وكان يطلق على ما ~~دار بين جماعة خاصة على وجه الكتمان عن غيرهم، بين أنه أدق من ذلك وأنه على ~~الحقيقة منعهم خوفهم من غائلته وغرته عندهم أن يبرزوه إلى الخارج فقال: {في ~~أنفسهم} أي من تجويز محو هذا الدين وإظهار غيره عليه {نادمين *} أي ثابت ~~لهم غاية الندم في الصباح وغيره {ويقول الذين آمنوا} من رفعه عطفه على معنى ~~{نادمين} فإن أصله: يندمون، ولكنه عبر بالاسم إعلاما بدوام ندمهم # PageV06P189 # بشارة بدوام الظهور لهذا الدين على كل دين، أو على {يقولون نخشى} ، ومن ~~أسقط الواو جعله حالا، ومن نصبه جاز أن يعطفه على «يصبحوا» أي يكون ذلك ~~سببا لتحقق المؤمنين أمر المنافقين بالمسارعة في أهل الكتاب عند قيامهم ~~سرورا بهم والندم عند ms1191 خذلانهم ومحقهم، فيقول بعض المؤمنين لبعض تعجبا من ~~حالهم واغتباطا بما من الله عليهم به من التوفيق في الإخلاص مشيرين إلى ~~المنافقين تنبيها وإنكارا: {أهؤلاء} أي الحقيرون {الذين أقسموا بالله} أي ~~وهو الملك الأعظم {جهد أيمانهم} أي مبالغين في ذلك اجتراء على عظمته {إنهم ~~لمعكم} أيها المؤمنون! ويجوز أن يكون هذا القول من المؤمنين لليهود في حق ~~المنافقين حيث قاسموهم على النصرة؛ ثم ابتدأ جوابا من بقية كلام المؤمنين ~~أو من كلام الله لمن كأنه قال: فماذا يكون حالهم؟ فقال: {حبطت} أي فسدت ~~فسقطت {أعمالهم فأصبحوا} أي فتسبب عن ذلك أنهم صاروا {خاسرين} أي دائمي ~~الخسارة بتعبهم في الدنيا بالأعمال وخيبة الآمال، وجنايتهم في الآخرة ~~الوبال، وعبر بالإصباح لأنه لا أقبح من مصابحة السوء لما في ذلك من البغتة ~~بخلاف ما ينتظر ويؤمل. # PageV06P190 # ولما نهى عن موالاتهم وأخبر أن فاعلها منهم. نفى المجاز مصرحا بالمقصود ~~فقال مظهرا لنتيجة ما سبق: {يا أيها الذين آمنوا} # PageV06P190 # أي أقروا بالإيمان! من يوالهم منكم - هكذا كان الأصل، ولكنه صرح بأن ذلك ~~ترك الدين فقال: {من يرتد} ولو على وجه خفي - بما أشار إليه الإدغام في ~~قراءة من سوى المدنيين وابن عامر {منكم عن دينه} أي الذي معناه موالاة ~~أولياء الله ومعاداة أعداء الله، فيوالون أعداءه ويتركون أولياءه، فيبغضهم ~~الله ويبغضونه، ويكونون أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين، فالله غني ~~عنهم {فسوف يأتي الله} اي الذي له الغنى المطلق والعظمة البالغة مكانهم وإن ~~طال المدى بوعد صادق لا خلف فيه {بقوم} أي يكون حالهم ضد حالهم، يثبتون على ~~دينهم، وهم أبو بكر والتابعون له بإحسان - رضي الله عنهم. # ولما كانت محبته أصل كل سعادة قدمها فقال: {يحبهم} فيثبتهم عليه ويثيبهم ~~بكرمه أحسن الثواب {ويحبونه} فيثبتون عليه، ثم وصفهم بما يبين ذلك فقال: ~~{أذلة} وهو جمع ذليل؛ ولما كان ذلهم هذا إنما هو الرفق ولين الجانب لا ~~الهوان، كان في الحقيقة عزا، فأشار إليه بحرف الاستعلاء مضمنا له معنى ~~الشفقة، فقال مبينا أن تواضعهم عن علو ms1192 منصب وشرف: {على المؤمنين} أي لعلمهم ~~أن الله يحبهم {أعزة على الكافرين} أي يظهرون الغلظة والشدة عليهم لعلهم أن ~~الله خاذلهم ومهلكهم وإن اشتد أمرهم وظهر علوهم وقهرهم، فالآية # PageV06P191 # من الاحتباك: حذف أولا البغض وما يثمره لدلالة الحب عليه، وحذف ثانيا ~~الثبات لدلالة الردة عليه؛ ثم علل ذلك بقوله: {يجاهدون} أي يوقعون الجهاد ~~على الاستمرار لمن يستحقه من غير ملال ولا تكلف كالمنافقين، وحذف المفعول ~~تعميما ودل عليه مؤذنا بأن الطاعة محيطة بهم فقال: {في سبيل الله} أي طريق ~~الملك الأعظم الواسع المستقيم الواضح، لا لشيء غير ذلك كالمنافقين. # ولما كان المنافقون يخرجون في الجهاد، فصلهم منهم بقوله: {ولا} أي والحال ~~أنهم لا {يخافون لومة} أي واحدة من لوم {لائم} وإن كانت عظيمة وكان هو ~~عظيما، فبسبب ذلك هم صلاب في دينهم إذا شرعوا في أمر من أمور الدين - أمر ~~بالمعروف أو نهي عن منكر - كانوا كالمسامير المحماة، لا يروعهم قول قائل ~~ولا اعتراض معترض، ويفعلون في الجهاد في ذلك جميع ما تصل قدرتهم وتبلغ ~~قوتهم إليه من إنكال الأعداء وإهانتهم ومناصرة الأولياء ومعاضدتهم، وليسوا ~~كالمنافقين يخافون لومة أوليائهم من اليهود فلا يفعلون وإن كانوا مع ~~المؤمنين شيئا ينكيهم. # ولما كانت هذه الأوصاف من العلو في رتب المدح بمكان لا يلحق، قال مشيرا ~~إليها بأداة البعد واسم المذكر: {ذلك} أي الذي تقدم من # PageV06P192 # أوصافهم العالية {فضل الله} أي الحاوي لكل كمال {يؤتيه} أي الله لأنه ~~خالق لجميع أفعال العباد {من يشاء} أي فليبذل الإنسان كل الجهد في طاعته ~~لينظر إليه هذا النظر برحمته {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {واسع} أي ~~محيط بجميع أوصاف الكمال، فهو يعطي من سعة ليس لها حد ولا يلحقها أصلا نقص ~~{عليم *} أي بالغ العلم بمن يستحق الخير ومن يستوجب غيره، وبكل ما يمكن ~~علمه. # ولما نفى سبحانه ولايتهم بمعنى المحبة وبمعنى النصرة وبمعنى القرب بكل ~~اعتبار، أنتج ذلك حصر ولاية كل من يدعي الإيمان فيه وفي أوليائه فقال: ~~{إنما وليكم الله} أي لأنه القادر ms1193 على ما يلزم الولي، ولا يقدر غيره على ~~شيء من ذلك إلا به سبحانه؛ ولما ذكر الحقيق بإخلاص الولاية له معلما بأفراد ~~المبتدأ أنه الأصل في ذلك وما عداه تبع، أتبعه من تعرف ولايته سبحانه ~~بولايتهم بادئا بأحقهم فقال: {ورسوله} وأضافة إليه إظهارا لرفعته {والذين ~~آمنوا} أي أوجدوا الإيمان وأقروا به ثم وصفهم بما يصدق دعواهم الإيمان ~~فقال: {والذين يقيمون الصلاة} أي تمكينا لوصلتهم بالخالق {ويؤتون الزكاة} ~~إحسانا إلى الخلائق، وقوله: {وهم راكعون *} يمكن أن يكون معطوفا على ~~{يقيمون} أي ويكونون من أهل الركوع، فيكون فضلا مخصصا # PageV06P193 # بالمؤمنين المسلمين، وذلك لأن اليهود والنصارى لا ركوع في صلاتهم - كما ~~مضى بيانه في آل عمران، ويمكن أن يكون حالا من فاعل الإيتاء؛ وفي أسباب ~~النزول أنها نزلت في علي رضي الله عنه، سأله سائل وهو راكع فطرح له خاتمه. ~~وجمع وإن كان السبب واحدا ترغيبا في مثل فعله من فعل الخير والتعجيل به ~~لئلا يظن أن ذلك خاص به. # ولما كان التقدير: فمن يتول غيرهم فأولئك حزب الشيطان، وحزب الشيطان هم ~~الخاسرون، عطف عليه: {ومن يتول الله} أي يجتهد في ولاية الذي له مجامع العز ~~{ورسوله} الذي خلقه القرآن {والذين آمنوا} وأعاد ذكر من خص الولاية بهم ~~تبركا بأسمائهم وتصريحا بالمقصود، فإنهم الغالبون - هكذا كان الأصل، ولكنه ~~أظهر ما شرفهم به ترغيبا لهم في ولايته فقال: {فإن حزب الله} أي القوم ~~الذين يجمعهم على ما يرضي الملك الأعلى ما حزبهم أي اشتد عليهم فيه {هم ~~الغالبون *} أي لا غيرهم، بل غيرهم مغلوبون، ثم إلى النار محشورون، لأنهم ~~حزب الشيطان. # ولما نبه سبحانه على العلل المانعة من ولاية الكفار وحصر الولاية فيه ~~سبحانه، أنتج ذلك قطعا قوله منبها على علل أخرى موجها للبراءة منهم: {يا ~~أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان، ونبه بصيغة الافتعال على أن من # PageV06P194 # يوالهم يجاهد عقله على ذلك اتباعا لهواه فقال: {لا تتخذوا الذين اتخذوا} ~~أي بغاية الجد والاجتهاد منهم {دينكم} أي الذي شرفكم الله به {هزوا ولعبا} ~~ثم ms1194 بين المنهي عن موالاتهم بقوله: {من الذين} . # ولما كان المقصود بهم منح العلم، وهو كاف من غير حاجة إلى تعيين المؤتي، ~~بني للمجهول قوله: {أوتوا الكتاب} ولما كان تطاول الزمان له تأثير فيما ~~عليه الإنسان من طاعة أو عصيان، وكان الإيتاء المذكور لم يستغرق زمان القبل ~~قال: {من قبلكم} يعني أنهم فعلوا الهزو عنادا بعد تحققهم صحة الدين. # ولما خص عم فقال: {والكفار} أي من عبدة الأوثان الذين لا علم لهم نقل عن ~~الأنبياء، وإنما ستروا ما وضح لعقولهم من الأدلة فكانوا ضالين، وكذا غيرهم، ~~سواء علم أنهم يستهزؤون أولا، كما أرشد إليه غير قراءة البصريين والكسائي ~~بالنصب {أولياء} أي فإن الفريقين اجتمعوا على حسدكم وازدرائكم، فلا تصح لكم ~~موالاتهم أصلا. # ولما كان المستحق لموالاة شخص - إذا تركه ووالى غيره - يسعى في إهانته، ~~حذرهم وقوعهم بموالاتهم على ضد مقصودهم فقال: # PageV06P195 # {واتقوا الله} من له الإحاطة الكاملة، فإن من والى غيره عاداه، ومن عاداه ~~هلك هلاكا لا يضار معه {إن كنتم مؤمنين *} أي راسخين في الإيمان بحيث صار ~~لكم جبلة وطبعا، فإن لم تخافوه بأن تتركوا ما نهاكم عنه فلا إيمان. # ولما عم في بيان استهزائهم جميع الدين، خص روحه وخالصته وسره فقال: {وإذا ~~ناديتم} أي دعا بعضكم الباقين إلى الإقبال إلى الندى وهو المجتمع، فأجابه ~~الباقون بغاية الرغبة، ومنه دار الندوة، أو يكون المعنى أن المؤذن كلم ~~المسلمين برفع صوته كلام من هو معهم في الندى بالقول فأجابوه بالفعل، فكان ~~ذلك مناداة - هذا أصله، فعبر بالغاية التي يكون الاجتماع بها فقال مضمنا له ~~الانتهاء: {الى الصلاة} أي التي هي أعظم دعائم الدين، وموصل إلى الملك ~~العظيم، وعاصم بحبلة المتين {اتخذوها} على ما لها من العظمة والجد والبعد ~~من الهزء بغاية هممهم وعزائمهم {هزوا ولعبا} فيتعمدون الضحك والسخرية ~~ويقولون: صاحوا كصياح العير - ونحو هذا، وبين سبحانه أن سبب ذلك عدم ~~انتفاعهم بعقولهم فكأنهم لا عقول لهم، وذلك لأن تأملها - في التطهر لها ~~وحسن حال فاعلها عند التلبس بها من التخلي عن ms1195 الدنيا جملة والإقبال على ~~الحضرة الإلهية، والتحلي # PageV06P196 # بالقراءة لأعظم الكلام، والتخشع والتخضع لملك الملوك الذي لم تخف عظمته ~~على أحد، ولا نازع قط في كبريائه وقدرته منازع - بمجرده كاف في اعتقاد ~~حسنها وجلالها وهيبتها وكمالها فقال: {ذلك} أي الأمر العظيم الشناعة {بأنهم ~~قوم} وإن كانوا أقوياء لهم قدرة على القيام في الأمور {لا يعقلون *} أي ~~ليست لهم هذه الحقيقة، ولو كان لهم شيء من عقل لعلموا أن النداء بالفم أحسن ~~من التبويق وضرب الناقوس بشيء لا يقاس، وأن التذلل بين يدي الله بالصلاة ~~أمر لا شيء أحسن منه بوجه، وللأذان من الأسرار ما تعجز عنه الأفكار، منه ~~أنه جعل تسع عشرة كلمة، ليكف الله به عن قائله خزنة النار التسعة عشر، ~~وجعلت الإقامة إحدى عشرة كلمة رجاء أن يكون معتقدها رفيقا لأحد عشر: العشرة ~~المشهود لهم بالجنة، وقطبهم وقطب الوجود كله النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وناهيك أن من أسراره أنه جمع الدين كله أصولا وفروعا - كما بنت ذلك في ~~كتابي «الإيذان بفتح أسرار التشهد والأذان» . # PageV06P197 # ولما كانت النفوس نزاعة إلى الهوى، عمية عن المصالح، جامحة عن الدواء بما ~~وقفت عنده من النظر إلى زينة الحياة الدنيا، وكان الدليل على سلب العقل عن ~~أهل الكتاب دليلا على العرب بطريق الأولى، وكان أهل الكتاب لكونهم أهل علم ~~لا ينهض بمحاجتهم # PageV06P197 # إلا الأفراد من خلص العباد، قال تعالى دالا على ما ختم به الآية من عدم ~~عقلهم آمرا لأعظم خلقه بتبكيتهم وتوبيخهم وتقريعهم: {قل} وأنزلهم بمحل ~~البعد فقال مبكتا لهم بكون العلم لم يمنعهم عن الباطل: {يا أهل الكتاب} أي ~~من اليهود والنصارى {هل تنقمون} أي تنكرون وتكرهون وتعيبون {منا إلا أن ~~آمنا} أي أوجدنا الإيمان {بالله} أي لما له من صفات الكمال التي ملأت ~~الأقطار وجاوزت حد الإكثار {وما أنزل إلينا} أي لما له من الإعجاز في حالات ~~الإطناب والتوسط والإيجاز {وما أنزل} . # ولما كان إنزال الكتب والصحف لم يستغرق زمان المضي، أثبت الجار فقال: {من ~~قبل} أي لما شهد له ms1196 كتابنا، وهذه الأشياء التي آمنا بها لا يحيد فيها عاقل، ~~لما لها من الأدلة التي وضوحها يفوق الشمس، فحسنها لا شك فيه ولا لبس {وأن} ~~أي آمنا كلنا مع أن أو والحال أن {أكثركم} قيد به إخراجا لمن يؤمن منهم بما ~~دل عليه التعبير بالوصف {فاسقون *} أي عريقون في الفسق، وهو الخروج عن دار ~~السعادة بحيث لا يمكن منهم رجوع إلى المرضى من العبادة، فبين أنهم لا ~~ينقمون من المؤمنين إلا المخالفة، والمخالفة إنما هي بإيمان المسلمين بالله ~~وما أمر به، وكفر أهل الكتاب بجميع ذلك مع علمهم بما تقدم لهم أن من آمن ~~بالله كان الله معه، # PageV06P198 # فنصره على كل من يناويه، وجعل مآله إلى الفوز الدائم، وأن من كفر تبرأ ~~منه فأهلكه في الدنيا، وجعل مآله إلى عذاب لا ينقضي سعيره، ولا ينصرم أنينه ~~وزفيره، ومن ركب ما يؤديه إلى ذلك على علم منه واختيار لم يكن أصلا أحد أضل ~~منه ولا أعدم عقلا، وتخصيص النقم بما صدر من المؤمنين يمنع عطف {وأن} على ~~{أن آمنا} . # ولما أنزلهم سبحانه إلى عداد البهائم بكونهم ينسبونهم إلى الشر بجعلهم ~~إياهم موضع الهزء واللعب وبكونهم ينظرون إلى أي من خالفهم، فيبعدون منه ~~وينفرون عنه من غير أن يستعملوا ما امتازوا به عن البهائم في أن المخالف ~~ربما كان فيه الدواء، والمكروه قد يؤول إلى الشفاء، والمحبوب يجر إلى العطب ~~والتوي، بين لهم أن تلك رتبة سنية ومنزلة علية بالنسبة إلى ما هم فيه، فقال ~~على سبيل التنزل وإرخاء العنان: {قل} أي يا من لا ينهض بمحاجتهم لعلمهم ~~ولددهم غيره لما جبلت عليه من قوة الفهم ثم لما أنزل عليك من العلم {هل ~~أنبئكم} أي أخبركم إخبارا متقنا معظما جليلا {بشر من ذلك} أي الأمر الذي ~~نقمتموه علينا مع كونه قيما وإن تعاميتم عنه، ووحد حرف الخطاب إشارة إلى ~~عمى قلوبهم وأن هذه المقايسة لا يفهمها حق الفهم إلا المؤيد بروح # PageV06P199 # من الله {مثوبة} أي جزاء صالحا ويرجع إليه، فإن المثوبة للخير ms1197 كما أن ~~العقوبة للشر، وهي مصدر ميمي كالميسور والمعقول، ثم نوه بشرفه بقوله: {عند ~~الله} أي المحيط بصفات الجلال والإكرام، ثم رده أسفل سافلين بيانا لأنه ~~استعارة تهكمية على طريق: تحية بينهم ضرب وجيع. # بقوله - جوابا لمن كأنه قال: نعم: {من} أي مثوبة من {لعنة الله} أي أبعده ~~الملك الأعظم وطرده {وغضب عليه} أي أهلكه، ودل على اللعن والغضب بأمر محسوس ~~فقال: {وجعل} ودل على كثرة الملعونين بجمع الضمير فقال: {منهم} أي بالمسخ ~~على معاصيهم {القردة} تارة {والخنازير} أخرى، والتعريف للجنس، وقال ابن ~~قتيبة: إن التعريف يفيد ظن أنهم لم ينقرضوا بل توالدوا حتى كان منهم أعيان ~~ما تعرفه من النوعين، فما أبعد من كان منهم هذا من أن يكونوا أبناء الله ~~وأحباءه! ثم عطف - على قراءة الجماعة - على قوله {لعنه الله} سبب ذلك بعد ~~أن قدم المسبب اهتماما به لصراحته في المقصود، مع أن اللعن والغضب سبب ~~حقيقي، والعبادة سبب ظاهري، فقال: {وعبد الطاغوت} وقرأه حمزة بضم الباء على ~~أنه جمع والإضافة عطف على القردة، فهو - كما قال في القاموس - اللات والعزى ~~والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل ~~الكتاب، للواحد والجمع، فلعوت من # PageV06P200 # طغوت، وكل هذه المعاني تصلح ها هنا، أما اللات والعزى وغيرهما مما لم ~~يعبدوه صريحا فلتحسينهم دين أهله حسدا للإسلام وقد عبدوا الأوثان في كل ~~زمان حتى في زمان موسى عليه السلام كما في نص التوراة: ثم بالغوا في النجوم ~~لاستعمال السحر فشاركوا الصابئين في ذلك. فمعنى الآية: تنزلنا إلى أن ~~نسبتكم لنا إلى الشر صحيحة، ولكن لم يأت كتاب بلعننا ولا بالغضب علينا ولا ~~مسخنا قردة ولا خنازير، ولا عبدنا غير الله منذ أقبلنا عليه، وأنتم قد وقع ~~بكم جميع ذلك، لا تقدرون أن تتبرؤوا من شيء منه، فلا يشك عاقل أنكم شر منا ~~وأضل، والعاقل من إذا دار أمره بين شرين لم يختر إلا أقلهما شرا، فثبت ~~كالشمس صحة دعوى أنهم قوم لا يعقلون، ولذلك ختم ms1198 الآية بقوله {أولئك} أي ~~البعداء البغضاء الموصوفون باللعن وما معه {شر مكانا} وإذا كان ذلك لمكانهم ~~فما ظنك بأنفسهم، فهو كناية عن نسبتهم إلى العراقة في الشر {وأضل} أي ممن ~~نسبوهم إلى الشر والضلال، وسلم لهم ذلك فيهم إرخاء للعنان قصدا للإبلاغ في ~~البيان {عن سواء} أي قصد وعدل {السبيل *} أي الطريق، ويجوز أن تكون الإشارة ~~في ذلك إلى ما دل عليه الدليل الأول من عدم عقلهم ولا تنزل حينئذ، وإنما ~~قلت: إنهم لا يقدرون على إنكار شيء # PageV06P201 # من ذلك، لأن في نص التوراة التي بين أظهرهم في السفر الخامس: فالرب يقول ~~لكم ويأمركم أن تكونوا له شعبا حبيبا، وتحفظوا جميع وصاياه وتعملوا بها، ~~فإنه يرفعكم فوق جميع الشعوب، وإذا جزتم الأردن انصبوا الحجارة التي آمركم ~~بها اليوم على جبل عبل وكلسوها بالكلس، وابنوا هناك مذبحا من الحجارة لم ~~يقع عليها حديد، ولكن ابنوا الحجارة كاملة لم تقطع، وقربوا عليها ذبائح ~~كاملة أمام الله ربكم، وكلوا هناك وافرحوا أمام الله ربكم، واكتبوا على تلك ~~الحجارة جميع آيات هذه السنة. # ثم عين موسى رجالا يقومون على جبل إذا جازوا الأردن ويهتفون بصوت عال ~~ويقولون لبني إسرائيل: ملعونا يكون الذي يتخذ أصناما مسبوكة وأوثانا منحوتة ~~أمام الرب، والشعب كلهم يقولون: آمين! ملعونا يكون من ينقل حد صاحبه ويظلمه ~~في أرضه، ويقول الشعب كلهم: آمين! ملعونا يكون من يضل الأعزى عن الطريق، ~~ويقول الشعب كلهم: آمين! ملعونا يكون من يحيف على المسكين واليتيم والأرملة ~~في القضاء، ويقول الشعب كلهم: آمين! - إلى أن قال: ملعونا يكون كل من لا ~~يثبت على عهد آيات هذه التوراة ويعمل بها، ويقول الشعب كلهم: آمين! ثم قال: ~~وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم ولم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه ~~ووصاياه التي آمركم بها اليوم، ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص # PageV06P202 # عليكم كله ويدرككم العقاب، وتكونوا ملعونين في القرية، ملعونين في الحرب، ~~ويلعن نسلكم وثمار أرضكم، وتكونون ملعونين إذا دخلتم وملعونين إذا خرجتم، ~~ينزل بكم الرب البلاء والحشرات، ms1199 وينزل بكم الضربات الشديدة، وبكل شيء تمدون ~~أيديكم إليه لتعملوه حتى يهلككم ويتلفكم سريعا من أجل سوء أعمالكم وترككم ~~لعبادتي، ويسلط عليكم هذه الشعوب حتى تهلكوا، وتكون السماء التي فوقكم ~~عليكم شبه النحاس، والأرض تحتكم شبه الحديد، ويكسركم الرب بين يدي أعدائكم، ~~تخرجون إليهم في طريق واحدة وتهربون في سبعة طرق، وتكونون مثلا وقرعا لجميع ~~مملكات الأرض، وتكون جيفكم مأكلا لجميع السباع وطيور السماء ولا يذب أحد ~~عنكم، تكونون مقهورين مظلومين مغصوبين كل أيام حياتكم، يسبي بنيك وبناتك ~~شعب آخر وتنظر إليهم ولا تقدر لهم على خلاص، وتكون مضطهدا مظوما طور عمرك ~~يسوقك الرب، ويسوق ملكك الذي مكله عليك إلى شعب لم يعرفه أبوك، وتعبد هناك ~~آلهة أخرى عملت من خشب وحجارة، وتكون مثلا وعجبا ويفكر فيك كل من يسمع خبرك ~~في جميع الشعوب التي يقركم الله فيها، تزرع كثيرا وتحصد قليلا، ويتعظم عليك ~~سكانك ويصيرون فوقك، هذا اللعن # PageV06P203 # كله يلزمك وينزل بك ويدركك حتى تهلك، لأنك لم تقبل قول الله ربك، ولم ~~تحفظ سننه ووصاياه التي أمرك بها، وتظهر فيك آيات وعجائب وفي نسلك إلى ~~الأبد، لأنك لم تعبد الله ربك ولم تعمل بوصاياه، ويصير أعداؤك دق الحديد ~~على عنقك، ويسلط الله عليك شعبا يأتيك وأنت جائع ظمآن عريان فقير، قد أعوزك ~~كل شيء يحتاج إليه، وتخدم أعداءك، ويسرع إليك مثل طيران النسر شعب لا تعرف ~~نعتهم، شعب وجوههم صفيقة، لا تستحيي من الشيوخ ولا ترحم الصبيان، ويضيق ~~عليك في جميع قراك حتى يظفر بسوراتك المشيدة التي تتوكل عليها وتثق بها في ~~كل أرضك، وتضطر حتى تأكل لحم ولدك، والرجل المدلل منكم المفنق تنظر عيناه ~~إلى أخيه وخليله وإلى من بقي من ولده جائعا، لا يعطيهم من لحم ابنه الذي ~~يأكله لأنه لا يبقى عنده شيء من الاضطهاد والضيق الذي يضيق عليك عدوك، وإن ~~لم تحفظ وتعمل بجميع الوصايا والسنن التي كتبت في هذا الكتاب وتتقي الله ~~ربك وتهب اسمه المحمود المرهوب يخصك الرب بضربات موجعة، ويبتليك بها ويبتلي ms1200 ~~نسلك من بعدك، ويبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم التي كانت قد صارت مثل ~~نجوم السماء، # PageV06P204 # لأنك لم تسمع قول الله، كما فرحكم الرب وأنعم عليكم وكثركم كذلك يفرح ~~الرب لكم ليستأصلكم بالعقاب والنكال، ويدمر عليكم ويتلفكم، وتجلون عن الأرض ~~التي تدخلونها لترثوها، ويفرقكم الرب بين جميع الشعوب - هذه أقوال العهد ~~التي أمر الله بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في أرض موآب سوى العهد الذي ~~عاهدهم بحوريب، فإن قالوا: نحن لم ننقض بعد موسى عليه السلام حتى يلزمنا ~~هذا اللعن المشروط بنقض العهد! قيل: قد شهد عليكم بذلك ما بين أيديكم من ~~كتابكم، فإنه قال في آخر أسفاره ما نصه: وقال الرب لموسى: قد دنت أيام ~~وفاتك فادع يشوع وقوما في قبة الزمان لآمره بما أريد، وانطلق يشوع وموسى ~~وقاما في قبة الزمان، وظهر الرب في قبة الزمان بعمود من سحاب، وقام عمود من ~~سحاب في باب قبة الزمان، وقال الرب لموسى: أنت مضطجع منقلب إلى آبائك، ~~فيقول هذا الشعب فيضل ويتبع آلهة أخرى آلهة الشعوب التي تدخل وترى وتسكن ~~بينها، ويخالفني ويبطل عهدي الذي عهدته، ويشتعل غضبي عليه في ذلك اليوم، ~~وأخذلهم وأدير وجهي عنهم، ويصيرون مأكلا لأعدائهم، ويصيبهم شر شديد وغم ~~طويل، لأنهم تبعوا الآلهة الأخرى، فاكتب لهم الآن هذا التسبيح وعلمه بني ~~إسرائيل وصيره في أفواههم، ليكون هذا التسبيح شهادة على # PageV06P205 # بني إسرائيل، لأني مدخلهم الأرض التي أقسمت لآبائهم، الأرض التي تغل ~~السمن والعسل، ويأكلون ويشبعون ويتلذذون، ويتبعون الآلهة الأخرى ويعبدونها، ~~ويغضبوني ويبطلون عهدي، فإذا نزل بهم هذا الشر الشديد والغموم يتلى عليهم ~~هذا التسبيح للشهادة، ولا تعدمه أفواه ذريتهم، لأني عالم بأهوائهم، وكل ما ~~يصنعونه ها هنا اليوم قبل أن أدخلهم الأرض التي أقسمت لآبائهم، وكتب موسى ~~هذا التسبيح ذلك اليوم وعلمه بني إسرائيل - وذكر بعد هذا كله ما ذكرته عند # {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين} [النساء: 163] في النساء ~~فراجعه، ثم قال: أنصتي أيتها السماء فأتكلم، ولتسمع الأرض النطق من ms1201 في ~~لأنها ترجو كلامي عطشانة، وكمثل الندى ينزل قولي وكالمطر على النخيل وشبه ~~الضباب على العشب، لأني دعوت باسم الرب أبدا وبالتعظيم لله الرب العدل وليس ~~عنده ظلم، الرب البار الصادق، أخطأ أولاد الأنجاس، الجيل المتعوج المنقلب، ~~وبهذا كافؤوا الرب، لأنه شعب جاهل وليس بحليم، أليس الرب استخلصك وخلقك! ~~اذكروا أيام الدهر وتفهموا ما مضى من سنني جيلا بعد جيل، استخبر أباك ~~فيخبرك، وشيوخك فيفهموك، حين قسم العلى للأمم بني آدم الذين فرقهم، أقام ~~حدود الأمم على عدد الملائكة، # PageV06P206 # وصار جزء الرب شعبه، يعقوب حبل ميراثه، إسرائيل فأرواه في البرية من عطش ~~الحر حيث لم يكن ماء، وحاطه وأدبه وحفظه مثل حدقة العين، وكمثل النسر حيث ~~نقل عشه وإلى فراخه اشتاق، فنشر أجنحته وقبلهم وحملهم على صلبه، الرب وحده ~~ساقهم ولم يكن معهم إله آخر، وأصعدهم إلى علو الأرض وأطعمهم من ثمر الشجر ~~وغذاهم عسلا من حجر، من الصخرة أخرج لهم الزيت، ومن سمن البقر ولبن الغنم ~~وشحم الخراف والكباش والثيران والجداء ولب القمح، أكل يعقوب المخصوص، حين ~~شحم وغلظ وعرض، ترك الإله الذي خلقه وبعد من الله مخلصه، يقول الله: ~~أسخطوني مع الغرباء بأوثانهم وأغضبوني حين ذبحوا للشياطين ولم يقربوا لإله ~~الآلهة ولم يعرفه الجيل الجديد الذين أتوا ونسوا آباءهم. # هذا ما أردت ذكره من التوراة في الشهادة على لزوم اللعن والغضب لهم ~~بعبادتهم الطواغيت، وقد صدق الله قوله فيها وأتم كلماته - وهو أصدق ~~القائلين - بما وقع لهم بعد وفاة موسى عليه السلام ثم بعد يوشع عليه السلام ~~مع ما تقدم لهم في أيام يوشع عليه السلام من عبادة بعليون # PageV06P207 # الصنم كما مضى عند قوله تعالى {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} [البقرة: ~~93] . # ذكر ما يصدق ذلك من سفر يوشع، قال: ودعا يوشع جميع بني إسرائيل وقال لهم: ~~أنا قد شخت وطعنت في السن، وأنتم قد رأيتم ما صنع الله بهذه الشعوب، إنه ~~أهلكهم من بين أيديكم، وإن الله ربكم هو تولى حروبكم وظفركم، قد علمتم أني ~~قسمت لكم الشعوب ms1202 التي بقيت. فأما عند النهر الأعظم في مغارب الشمس فقد ~~قسمتها لكم، والله ربكم يهزمهم ويهلكهم في أمامكم وترثون أرضهم كما قال ~~الله ربكم، ولكن تقووا جدا واعلموا بجميع ما كتب في سفر موسى عند الرب، ~~أهلك الرب من أمامكم شعوبا عظيمة ولم يثبت لكم إنسان إلى اليوم، الرجل منكم ~~يهزم ألف رجل، لأن الله ربكم معكم وهو يجاهد عنكم كما قال لكم، فاحترسوا ~~لأنفسكم، إن أنتم خالطتم الشعوب الذين بقوا بينكم وصرتم لهم أختانا صاروا ~~لكم فخاخا وعثرات وأسنة في أصدافكم وصنارات في أعينكم حتى تهلكوا من الأرض ~~الصالحة التي أعطاكم الله ربكم، وأما أنا فسائر في طريق أهل الأرض كلهم، ~~وقد تعلمون يقينا من كل قلوبكم وأنفسكم أنه ما سقطت كلمة واحدة من الكلام ~~الذي وعدكم الله ربكم، # PageV06P208 # وكما تم كل الكلام الصالح الذي وعدكم الله به كذلك ينزل بكم كل اللعن حتى ~~تهلكوا وتبيدوا إن أنتم عصيتم وتعديتم على ميثاق الله ربكم والوصايا التي ~~أوصاكم بها؛ وجمع جميع بني إسرائيل إلى سجام وأقامهم أمام الرب في قبة ~~الزمان وقال: اسمعوا قول الله إله إسرائيل: كان آباؤكم سكانا في مجاز النهر ~~في الدهر الأول، ترح أبو إبراهيم وناحور، وكانوا يعبدون هناك آلهة أخرى، ~~وعهد إلى إبراهيم أبيكم وأخرجته من مجاز النهر وسيرته في أرض كنعان كلها، ~~وأكثرت ذريته ورزقته إسحاق ابنا، ورزقت إسحاق يعقوب وعيسو، وأعطيت عيسو جبل ~~ساعير ميراثا، فأما يعقوب وبنوه فنزلوا إلى مصر، وأرسلت موسى وهارون وعاقبت ~~أهل مصر وأكثرت في أرضهم من الآيات والأعاجيب، ومن بعد ذلك أخرجتهم منها، ~~وشق لهم الرب بحر سوف وأجاز إياكم فيه مشيا، فلما أراد المصريون أن يجوزوا ~~أقلب البحر عليهم وغرقهم، ورأت أعينكم ما صنعت بأهل مصر، ثم أتيت بكم ~~المفازة وسكنتموها أياما كثيرة، وأتيت بكم أرض الأمورانيين الذين يسكنون ~~عند مجاز الأردن، وحاربوكم ودفعتهم إليكم، ووثب عليكم بالاق بن صفور ملك ~~الموآبيين، وحارب إسرائيل فأرسل فدعا بلعام بن بعور ليلعنكم، ولم يسرني أن ~~أسمع قول بلغام، ولكن ms1203 باركت عليكم ونجيتكم من يديه، # PageV06P209 # ثم جزتم نهر الأردن وأتيتم أهل أريحا فحاربكم أهلها والأمورانيون - ثم عد ~~بقية الطوائف السبع - فدفعتهم إليكم أجمعين، وأعطيتكم أرضا لم تتعبوا فيها، ~~فاتقوا الرب واعبدوه بالبر والعدل، واصرفوا عن قلوبكم الفكر في عبادة ~~الآلهة الأخرى التي عبدها أباؤكم عند مجاز النهر وفي أرض مصر، واعبدوا الرب ~~وحده، وإن كان يشق عليكم أن تعبدوا الرب اختاروا لأنفسكم يومنا هذا من ~~تعبدون، أتحبون أن تعبدوا الآلهة التي عبدها آباؤكم عند مجاز نهر الفرات أم ~~آلهة الأمورانيين الذين سكنتم بينهم! أما أنا وأهل بيتي فإنا نعبد الله ~~الرب، فأجاب الشعب وقالوا: حاشا لله أن نجتنب عبادة الرب ونعبد الآلهة ~~الأخرى! لأن الله ربنا هو الذي أخرجنا من أرض مصر وخلصنا من العبودية، ~~وأكمل الآيات والأعاجيب أمامنا، وحفظنا في كل الطرق التي سلكناها، وقوانا ~~على جميع الشعوب التي حاربناها لذلك نعبد الرب لأنه هو الإلهة وحده وهو ~~إلهنا، فقال: انظروا! لعلكم تجتنبون عبادة الله وتعبدون الآلهة الغريبة، ~~فيغضب الرب عليكم وينزل بكم البلاء ويهلككم من بعد إنعامه عليكم، فقال ~~الشعب: لا يكون لنا عبادة أخرى غير عبادة الله، ربنا، قال يشوع: اشهدتم على ~~أنفسكم: أنتم الذين اخترتم عبادة الرب # PageV06P210 # قالوا له: نشهد! فأول ما دخل عليهم الدخيل أنهم لم يستأصلوا الكفرة ~~وخالطوهم في أيام يوشع؛ قال في سفره: فصعد رسول الرب من الجلجال إلى سجين ~~وقال لبني إسرائيل: هكذا يقول الرب: أنا الذي أصعدتكم من أرض مصر وأتيت بكم ~~الأرض التي أقسمت لآبائكم وقلت: إني لا أبطل عهدي إلى الأبد، وأمرتكم أن لا ~~تعاهدوا أهل هذه الأرض، ولكن استأصلوا مذابحهم، ولم تقبلوا ولم تطيعوني، ~~وأنا أيضا قد قلت: إني لا أهلكهم من أمامكم، ولكن تكون لكم آلهتهم عشرة، ~~فلما قال رسول الرب لبني إسرائيل هذا القول رفع القوم أصواتهم بالبكاء ~~ودعوا اسم ذلك الموضع تحناد أي موضع البكاء، وذبحوا هناك ذبائح للرب؛ وتوفي ~~يشوع بن نون عند الرب ابن مائة وعشرين سنة، ودفن في حد ميراثه بسرح التي ms1204 في ~~جبل إفرائيم عن يسار جبل جعس، وكل ذلك الحقب أيضا قبضوا، ونشأ من بعدهم حقب ~~لم يعرف الرب ولم يعرف أعماله التي عملها، وارتكب بنو إسرائيل السيئات أمام ~~الرب واجتنبوا عبادة الله إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر، وتبعوا آلهة ~~الشعوب التي حولهم وسجدوا لها وعبدوا بعلا وأشتراثا الصنمين، وغضب الرب على ~~بني إسرائيل، وسلط عليهم المنتهبين، ودفعهم إلى أعدائهم، ولم يقدروا # PageV06P211 # أن يثبتوا لأعدائهم، وكلما كانوا يخرجون إلى الحرب كانت يد الرب عليهم ~~بالعقاب والبلاء كما قال لهم الرب وكما أقسم لآبائهم، واضطروا وضاق بهم ~~جدا، فصير الرب عليهم قضاة، وأعان قضاتهم وخلصوهم من أيدي أعدائهم، وكان ~~الرب يسمع أنينهم وما يشكون من المضيقين عليهم والمزعجين لهم، فلما توفيت ~~قضاتهم رجعوا إلى الفساد كآبائهم، وعبدوا الأصنام وسجدوا لها، ولم ينقصوا ~~من سوء أعمالهم الأولى وطرقهم الرديئة، فاشتد غضب الرب على بني إسرائيل ~~وقال: لأن الشعب اعتدوا الوصية التي أوصيت آباءهم، ولم يسمعوا قولي، لا ~~أعود أن أهلك إنسانا بين أيديهم من الشعوب التي خلف يشوع بعد وفاته، ليجرب ~~الرب بها بني إسرائيل هل يحفظون طرق الرب كما حفظ آباؤهم أولا! فلذلك ترك ~~الرب هذه الشعوب ولم يهلكهم سريعا، ولم يسلمها في يدي يشوع، والذين تركوا ~~خمسة رؤساء أهل فلسطين وجميع الكنعانيين والصيدانيين والحاوانيين والذين ~~يسكنون جبل لبنان ومن جبل بني حرمون إلى مدخل حماة ليجرب بهم بني إسرائيل، ~~وجلس بنو إسرائيل بين يدي الأمورانيين وبقية القبائل، وزوجوا بنيهم من ~~بناتهم وزوجوا بناتهم من بنيهم وعبدوا آلهتهم، وارتكب بنو إسرائيل السيئات ~~أمام الرب ونسوا صنيع الرب إلههم وعبدوا بعلا وأشتراثا، # PageV06P212 # واشتد غضب الرب على بني إسرائيل ودفعهم إلى كوشان الأتيم ملك حران، ~~فاستعبدهم ثماني سنين، ودعا بنو إسرائيل الرب متضرعين، وصير الرب لهم ~~مخلصا، وخلصهم عثنايال بن قنز أخو كالاب الأصغر، فأعانه الرب وصار حكما ~~لبني إسرائيل فخرج إلى الحرب، وأسلم الرب في يده كوشان الأتيم، واستراحت ~~الأرض من الحرب أربعين سنة، وتوفي عثنايال ابن قنز، وعاد بنو ms1205 إسرائيل في ~~سوء أعمالهم أمام الرب فقوى الرب عليهم ملك موآب، واستمروا هكذا في كل حين ~~ينقضون، وسنة الرب كل قليل يرفضون، ولا يستقيمون إلا بقدر ما ينسون حرارة ~~النقم ويذوقون لذاذة النعم - ولولا خوف الإطالة الموجبة للسآمة والملالة ~~لذكرت من ذلك كثيرا من الكتب التي بين أيديهم، لا يقدرون على إنكار ما ~~يلزمهم بها من الفضيحة والعار - والله الموفق. # PageV06P213 # ولما تم ذلك عطف سبحانه على {وإذا ناديتم إلى الصلاة} قوله دالا على ~~استحقاقهم للعن وعلى ما أخبر به من شرهم وضلالهم بما فضحهم به من سوء ~~أعمالهم دلالة على صحة دين الإسلام بإطلاع شارعه عليه أفضل الصلاة والسلام ~~على خفايا الأسرار: {وإذا جاءوكم} أي أيها المؤمنون! هؤلاء المنافقون من ~~الفريقين، وإعادة ضمير الفريقين عليهم لأنهم في الحقيقة منهم، ما أفادتهم ~~دعوى الإيمان شيئا عند الله، والعدول إلى # PageV06P213 # خطاب المؤمنين دال على عطفه على ما ذكرت، وفيه إشارة إلى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعرفهم في لحن القول، فلا يغتر بخداعهم ولا يسكن إلى مكرهم ~~بما أعطى من صدق الفراسة وصحة التوسم {قالوا آمنا} أي لا تغتروا بمجرد ~~قولهم الحسن الخالي عن البيان بما يناسبه من الأفعال فكيف بالمقترن بما ~~ينفيه منها، وقد علم أن الفصل بين المتعاطفين بالآيتين السالفتين لا يضر، ~~لكونهما علة للمعطوف عليه، فهما كالجزء منه. # ولما ادعوا الإيمان كذبهم سبحانه في دعواهم بقوله مقربا لماضيهم من الحال ~~رجاء لهم غير الدخول، لأنها تكاد تظهر ما هم مخفوه، فوجب التوقع للتصريح ~~بها: {وقد} أي قالوا ذلك والحال أنهم قد {دخلوا} أي إليكم {بالكفر} مصاحبين ~~له متلبسين به. # ولما كان المقام يقتضي لهم بعد الدخول حسن الحال، لما يرون من سمت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الجليل وكلامه العذب ودينه العدل وهدية الحسن، فلم ~~يتأثروا لما عندهم من الحسد الموجب للعناد، أخبر عن ذلك بأبلغ من الجملة ~~التي أخبرت بكفرهم تأكيدا للأخبار عن ثباتهم على الكفر، لأنه أمر ينكره ~~العاقل فقال: {وهم} أي من عند أنفسهم ms1206 لسوء ضمائرهم وجبلاتهم من غير سبب من ~~أحد منكم، لا منك ولا من أتباعك {قد خرجوا به} أي الكفر بعد دخولهم ورؤية ~~ما # PageV06P214 # رأوا من الخير، دالا على قوة عنادهم بالجملة الاسمية المفيدة للثبات، ~~وذكر المسند إليه مرتين، وهم بما أظهروا يظنون أنه يخفي ما أضمروا. # ولما كان في قلوبهم من الفساد والمكر بالإسلام وأهله ما يطول شرحه، نبه ~~عليه بقوله: {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال وبكل شيء علما وقدرة ~~{أعلم} أي منهم وممن توسم فيهم النفاق {بما كانوا} أي بما في جبلاتهم من ~~الدواعي العظيمة للفساد {يكتمون *} أي من هذا وغيره في جميع أحوالهم من ~~أقوالهم وأفعالهم. # ولما كذبهم في دعوى الإيمان، أقام سبحانه الدليل على كفرهم فقال مخاطبا ~~لمن له الصبر التام، مفيدا أنه أطلعه صلى الله عليه وسلم على ما يعلم منهم ~~مما يكتمونه من ذلك تصديقا لقوله تعالى {ولتعرفنهم في لحن القول} إطلاعا هو ~~كالرؤية، عاطفا على ما تقديره: وقد أخبرنا غيرك من المؤمنين بما نعلم منهم ~~من ذلك، وأما أنت فترى ما في قلوبهم بما آتيناك من الكشف: {وترى} أي لا ~~تزال يتجدد لك ذلك {كثيرا منهم} أي اليهود والكفار منافقهم ومصارحهم. # ولما كان التعبير بالعجلة لا يصح هنا، لأنها لا تكون إلا في شيء له ~~وقتان: وقت لائق، ووقت غير لائق، والإثم لا يتأتى فيه ذلك، # PageV06P215 # قال: {يسارعون} أي يفعلون في تهالكهم على ذلك فعل من يناظر خصما في ~~السرعة فيما هو فيه محق وعالم بأنه في غاية الخير، وكان موضع لأن يعبر ~~بالضمير فيقال: فيه - أي الكفر فعبر عنه تعميما وتعليقا للحكم بالوصف إفادة ~~لأن كفرهم عن حيلة هي في غاية الرداءة بقوله: {في الإثم} أي كل ما يوجب ~~إثما من الذنوب، وخص منه أعظمه فقال: {والعدوان} أي مجاوزة الحد في ذلك ~~الذي أعظمه الشرك، ثم حقق الأمر وصوره بما يكون لوضوحه دليلاعلى ما قبله من ~~إقدامهم على الحرام الذي لا تمكن معه صحة القلب أصلا، ولا يمكنهم إنكاره ~~فقال: {وأكلهم السحت} ms1207 أي الحرام الذي يستأصل البركة من أصلها فيمحقها، ومنه ~~الرشوة، وكان هذا دليلا على كفرهم لأنهم لون كانوا مؤمنين ما أصروا على شيء ~~من ذلك، فكيف بجميعه! فكيف بالمسارعة فيه! ولذلك استحقوا غاية الذم بقوله: ~~{لبئس ما كانوا} ولما كانوا يزعمون العلم، عبر عن فعلهم بالعمل فقال: ~~{يعملون *} . # ولما كان المنافقون من الأميين وأهل الكتاب قد صاروا شيئا واحدا في ~~الانحياز إلى المصارحين من أهل الكتاب، فأنزل فيهم سبحانه هذه الآيات على ~~وجه يعم غيرهم حتى تبينت أحوالهم وانكشف زيغهم ومحالهم - أنكر- على من ~~يودعونهم أسرارهم ويمنحونهم مودتهم وأخبارهم من علمائهم وزهادهم - عدم ~~أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، لكونهم # PageV06P216 # جديرين بذلك لما يزعمونه من اتباع كتابهم فقال: {لولا} أي هلا ولم لا ~~{ينهاهم} أي يجدد لهم النهي {الربانيون} أي المدعون للتخلي من الدنيا إلى ~~سبيل الرب {والأحبار} أي العلماء {عن قولهم الإثم} أي الكذب الذي يوجبه وهو ~~مجمع له {وأكلهم السحت} وذلك لأن قولهم للمؤمنين {آمنا} وقولهم لهم {إنا ~~معكم إنما نحن مستهزءون} [البقرة: 14] لا يخلو عن كذب، وهو محرم في توراتهم ~~وكذا أكلهم الحرام، فما سكوتهم عنهم في ذلك إلا لتمرنهم على المعاصي ~~وتمردهم في الكفر واستهانتهم بالجرأة على من لا تخفى عليه خافية، ولا يبقى ~~لمن عاداه باقية. # ولما كان من طبع الإنسان الإنكار على من خالفه، كانت الفطرة الأولى ~~مطابقة لما أتت به الرسل من قباحة الكذب وما يتبعه من الفسوق. وكان الإنسان ~~لا ينزل عن تلك الرتبة العالية إلى السكوت عن الفاسقين فضلا عن تحسين ~~أحوالهم إلا بتدرب طويل وتمرن عظيم، حتى يصير له ذلك كالصفة التي صارت ~~بالتدريب صنعة يألفها وملكة لا يتكلفها، فجعل ذنب المرتكب للمعصية غير ~~راسخ، لأن الشهوة تدعوه إليها، وذنب التارك للنهي راسخا لأنه لا شهوة له ~~تدعوه إلى الترك، بل معه # PageV06P217 # حامل من الفطرة السليمة تحثه على النهي، فكان أشد حالا؛ قال: {لبئس ما} ~~ولما كان ذلك في جبلاتهم، عبر بالكون فقال: {كانوا يصنعون *} أي في سكوتهم ~~عنهم وسماعهم منهم. # PageV06P218 # ولما ms1208 لم تزل الدلائل على إبطال دعوى أهل الكتاب في البنوة والمحبة تقوم، ~~وجبوش البراهين تنجد، حتى انتشبت فيهم سهام الكلام أي انتشاب، قال تعالى ~~معجبا من عامتهم بعد تعيين خاصتهم، معلما بأنهم لم يقنعوا بالسكوت عن ~~المنكر حتى تكلموا بأنكره، مشيرا إلى سفول رتبتهم ودناءة منزلتهم بأداة ~~التأنيث: {وقالت اليهود} معبرين عن البخل والعجز جرأة وجهلا بأن قالوا ~~ذاكرين اليد لأنها موضع القدرة وإفاضة الجود والنصرة: {يد الله} أي الذي ~~يعلم كل عاقل أن له صفات الكمال {مغلولة} أي فهو لا يبسط الرزق غاية البسط، ~~وهذا كناية عن البخل والعجز من غير نظر إلى مدلول كل من ألفاظه على حياله ~~أصلا، كما قال تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} ~~[الإسراء: 29] ولم يقصد من ذلك غير الجود وضده، لا غل ولا عنق ولا بسط ~~أصلا، بل صار هذا الكلام عبارة عما وقع مجازا عنه، كأنهما متعقبان على معنى ~~واحد، حتى لو جاد # PageV06P218 # الأقطع إلى المنكب لقيل له ذلك، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة، منه ~~الاستواء «وقالت: في السماء» المراد منه - كما قاله العلماء - أنه ليس مما ~~يعبده المشركون من الأوثان، قال في الكشاف: ومن لم ينظر في علم البيان عمي ~~عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية، ولم يتخلص عن يد الطاعن إذا ~~عبثت به. # ولما نطقوا بهذه الكلمة الشنعاء، وفاهوا بتلك الداهية الدهياء، أخبر عما ~~جازاهم به سبحانه على صورة ما كان العرب يقابلون به من يستحق الهلاك من ~~الدعاء، فقال معبرا بالمبني للمفعول إفادة لتحتم الوقوع وتعليما لنا كيف ~~ندعو عليهم، ولم يسببه عما قبله بالفاء تقوية له على تقدير سؤال سائل: {غلت ~~أيديهم} دعاء مقبولا وخبرا صادقا، عن كل خير، فلا تكاد تجد فيهم كريما ولا ~~شجاعا ولا حاذقا في فن، وإن كان ذلك لم تظهر له # PageV06P219 # ثمرة {ولعنوا} أي أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم {بما قالوا} والمعنى ~~أنهم كما رأوا أحوال المنافقين المقضي في التوراة بأنها إثم وأقروا عليها، ms1209 ~~فكذلك نطق بعضهم بكلمة الكفر التي لا أفظع منها، وسكت عليه الباقون ~~فشاركوه، ولما كان الغل كناية عن البخل وعدم الإنفاق، وكان الدعاء بغلهم ~~ولعنهم متضمنا أن الأمر ليس كما قالوا، ترجمة سبحانه بقوله: {بل يداه} وهو ~~منزه عن الجارحة وعن كل ما يدخل تحت الوهم {مبسوطتان} مشيرا بالتثنية إلى ~~غاية الجود، ليكون رد قولهم وإنكاره بأبلغ ما يكون في قطع تعنتهم وتكذيب ~~قولهم. # ولما كان معنى هذا إثبات ما نفوه على أبلغ الأحوال، قال مصرحا بالمقصود ~~معرفا أنه في إنفاقه مختار فلا غرو أن يبسط لبعض دون بعض: {ينفق} ولما كان ~~إنفاقه سبحانه تحقيقا للاختيار على أحوال متباينة بحيث إنها تفوت الحصر، ~~أشار إلى التعجيب من ذلك بالتعبير بأداة الاستفهام وإن قالوا: إنها في هذا ~~الموطن شرط، فقال: {كيف} أي كما {يشاء} أي على أي حالة أراد دائما من تقتير ~~وبسط وغير ذلك. # ولما كان قولهم هذا غاية في العجب لأن كتابهم كاف في تقبيحه بل تقبيح ما ~~هو دونه في الفحش، فكيف وقد انضم إلى ذلك ما أنزل في القرآن من واضح ~~البيان، قال سبحانه عاطفا على {وترى كثيرا منهم} [المائدة: 62] # PageV06P220 # مؤكدا لمضمون ما سبق من قوله {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا} [المائدة: 41] بأنه جعل سبب هذا القول منهم ما أتاهم من الهدى الأكمل ~~في هذا الكتاب المعجز على لسان هذا النبي الذي هم به أعرف منهم بأبنائهم: ~~{وليزيدن كثيرا منهم} أي ممن أراد الله فتنته، ثم ذكر فاعل الزيادة فقال: ~~{ما أنزل إليك} أي على ما له من النور وما يدعو إليه من الخير {من ربك} أي ~~المحسن إليك بكل ما ينفعك دنيا وأخرى {طغيانا} أي تجاوزا عظيما عن الحد ~~تمتلىء منه الأكوان في كل إثم وشنأ، وذلك بما جره إليهم داء الحسد، لأنهم ~~كلما رأوه سبحانه قد زاد إحسانه إليك طعنوا في ذلك الإحسان، وهو - لما له ~~من الكمال وعلو الشأن - يكون الطعن فيه من أعظم الدليل عليه والبرهان، ~~فيكون أعدى ms1210 العدوان {وكفرا} أي سترا لما ظهر لعقولهم من النور ودعت إليه ~~كتبهم من الخير، وهذا كما يؤذي الخفاش ضياء الصباح، وكلما قوي الضياء زاد ~~أذاه، وفي هذا إياس من توبتهم وتأكيد لعداوتهم وزجر عن موالاتهم ومودتهم، ~~أي إنهم لا يزدادون بحسن وعظم وجميل تلاوتك عليهم الآيات إلا شقاقا ما ~~وجدوا قوة، فإن ضعفوا فنفاقا. # PageV06P221 # ولما كان الإخبار باجتماع كلمتهم على شقاوة الكفر ربما أحدث خوفا من ~~كيدهم، نفى ذلك بقوله {وألقينا} أي بما لنا من العظمة الباهرة {بينهم} أي ~~اليهود {العداوة} ولما كانت العداوة - وهي أي يعدون بعضهم إلى أذى بعض - ~~ربما زالت بزوال السبب، أفاد أنها لازمة لا تنفك بقوله: {والبغضاء} أي ~~لأمور باطنية وقعت في قلوبهم وقوع الحجر الملقى من علو {إلى يوم القيامة} . # ولما كان ذلك مفيدا لوهنهم ترجمه بقوله: {كلما أوقدوا} على سبيل التكرار ~~لأحد من الناس {نارا للحرب} أي باحكام أسبابها وتفتيح جميع أبوابها ~~{اطفأها} أي خيب قصدهم في ذلك {الله} أي الذي له جميع صفات الكمال، فلا ~~تجدهم في بلد من البلاد إلا في الذل وتحت القهر، وأصل استعارة النار لها ما ~~في كل منهما من التسلط والغلبة والحرارة في الظاهر والباطن، مع أن المحارب ~~يوقد النار في موضع عال ليجتمع إليه أنصاره، ولقد قام لعمري دليل المشاهدة ~~على صدق ذلك بغزوة قينقاع تم النضير ثم قريضة، والقبائل الثلاث بالمدينة لم ~~يتناصروا ولم ينصروا، ثم غزوة خيبر وأهل فدك ووادي القرى وهم متقاربون ولم ~~يتناصروا ولم ينصروا، هذا فيما في خاصتهم، # PageV06P222 # وأما في غير ذلك فقد ألبوا الأحزاب وجمعوا القبائل وأتقنوا في أمرهم على ~~زعمهم المكايد، ثم أطفأ الله نارهم حسا ومعنى بالريح والملائكة، وألزمهم ~~خزيهم وعارهم وجعل الدائرة عليهم - وساق جيش المنون على أيدي المؤمنين ~~إليهم، وإلى ذلك وأمثاله من أذاهم الإشارة بقوله: {ويسعون} أي يوجدون ~~مجتهدين اجتهاد الساعي على سبيل الاستمرار بما يوجدون من المعاصي من كتمان ~~ما عندهم من الدليل على صحة الإسلام وغير ذلك من أنواع الأجرام {في الأرض} ~~أي ms1211 كل ما قدروا عليه بالفعل والباقي بالقوة. # ولما كان الإنسان لكونه محل نقصان لا ينبغي أن يتحرك فضلا عن أن يمشي ~~فضلا عن أن يسعى إلا بما يرضي الله، وحينئذ لا ينسب الفعل إلا إلى الله ~~لكونه آمرا به خالقا له، فكانت نسبة السعي إلى الإنسان دالة على الفساد، ~~صرح به في قوله: {فسادا} أي للفساد أو ذوي فساد {والله} أي والحال أن الذي ~~له الكمال كله {لا يحب المفسدين *} أي لا يفعل معهم فعل المحب، فلا ينصر ~~لهم جيشا، ولا يعلي لهم كعبا، ولا يصلح لهم شأنا، وبذلك توعدهم سبحانه في ~~التوراة أنهم إذا خالفوا أمره سلط عيهم من عذابه بواسطة عباده وبغير ~~واسطتهم ما يفوت الحصر - كما مضى ذلك قريبا عما بين أيديهم من التوراة ~~بنصه. # PageV06P223 # ولما أثبت بقوله {وليزيدن} أنهم كانوا كفرة قبل إتيان هذا الرسول عليه ~~السلام، وكرر ما أعده لهم من الخزي الدائم على نحو ما أخبرهم به كتابهم، ~~وعظهم ورجاهم سبحانه استعطافا لهم لئلا ييأسوا من روح الله على عادة منه في ~~رحمته لعباده ورأفته بهم بقوله تعالى عاطفا على ما تقديره: فلو أنهم كفوا ~~عن هذه الجرائم العظائم لاضمحلت صغائرهم فلم تكن لهم سيئات: {ولو أن} ولما ~~كان الضلال من العالم أقبح، قال: {أهل الكتاب} أي الفريقين منهم. # ولما كان الإيمان أساس جميع الأعمال، قدمه إعلاما بأنه لا نجاة لأحد إلا ~~بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم. هذا مع أنه حقيق باشتداد العناية بهم ~~لمبالغتهم في كتمان ما عندهم منه صلى الله عليه وسلم فقال: {آمنوا} أي بهذا ~~النبي الكريم وما أنزل إليه من هذا الهدى {واتقوا} أي ما هددوا به في ~~كتابهم على ترك الإيمان به على حسب ما دعاهم إليه كتابهم كما في قصة ~~إسماعيل وغيرها إلى أن كان آخر ما فارقهم عليه موسى عليه السلام في آخر ~~كتابهم التصريح بنبوته عليه السلام والإشارة إلى أن اتباعه أحق من اتباعه ~~فقا: جاء ربنا من سيناء؛ وشرق من ساعير، وتبدى من جبال ms1212 فاران، فأضاف الرب ~~إليهم، وجعل الإتيان من جبال فاران - التي هي مكة، لا نزاع لهم في ذلك - ~~تبديا وظهورا أي لاخفاء # PageV06P224 # به بوجه، ولا ظهور أتم منه {لكفرنا} وأشار إلى عظيم جرأتهم بمظهر العظمة ~~{عنهم سيئاتهم} أي التي ارتكبوها قبل مجيئه وهي مما يسوء، أي يشتد تنكر ~~النفس له أو تكرهها، وأشار إلى سعة رحمته وأنها لا تضيق عن شيء أراده بمظهر ~~العظمة فقال: {ولأدخلناهم} أي بعد الموت {جنات النعيم *} أي بدل ما هم فيه ~~من هذا الشقاء الذي لا يدانيه شقاء. # ولما كان المعنى: ما فعلوا ذلك، فألزمناهم الخزي في الدنيا والعذاب ~~الدائم في الآخرة، وكان هذا إجمالا لحالتهم الدنيوية والأخروية، وكان محط ~~نظرهم الأمر الدنيوي، رجع - بعد إرشادهم إلى إصلاح الحالة الأخروية لأنها ~~أهم في نفسها - إلى سبب قولهم تلك الكلمة الشنعاء والداهية القبيحة ~~الصلعاء، وهو تقتير الرزق عليهم، وبين أن السبب إنما هو من أنفسهم فقال: ~~{ولو أنهم أقاموا التوراة} أي قبل إنزال الإنجيل بالعمل بجميع ما دعت إليه ~~من أصل وفرع وثبات عليها وانتقال عنها {والإنجيل} أي بعد إنزاله كذلك، وفي ~~إقامته إقامة التوراة الداعية إليه {وما أنزل إليهم من ربهم} أي المحسن ~~إليهم من أسفار الأنبياء المبشرة بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ومن ~~القرآن بعد إنزاله، وفي إقامته إقامة جميع ذلك، لأنه مبشر به وداع إليه ~~{لأكلوا} أي لتيسر لهم الرزق، وعبر ب «من» لأن المراد بيان جهة المأكول # PageV06P225 # لا الأكل {من فوقهم} . # ولما كان ذلك كناية عن عظم التوسعة، قال موضحا له معبرا بالأحسن ليفهم ~~غيره بطريق الأولى: {ومن تحت أرجلهم} أي تيسرا واسعا جدا متصلا لا يحصر، أو ~~يكون كناية عن بركات السماء والأرض، فبين ذلك أنه ما ضربهم بالذل والمسكنة ~~إلا تصديقا لما تقدم إليهم به في التوراة، قال مترجمها في السفر الخامس - ~~الدعاء والبركات: وإن أنتم سمعتم قول الله ربكم وحفظتم وعملتم بجميع ~~الوصايا التي آمركم بها اليوم، يصيركم الرب فوق جميع الشعوب، فتصيرون إلى ~~هذا الدعاء، يبارك لكل امرىء منكم ms1213 في القرية والحقل، يبارك في أولادكم ~~وأرضكم، يبارك لكم في بهائمكم وما يضع في أقطاع بقركم وأحزاب غنمكم، ويبارك ~~فيكم إذا دخلتم ويبارك فيكم إذا خرجتم، ويدفع إليكم الله أعداءكم أسارى، ~~يخرجون إليكم في طريق واحد ويهربون منكم في سبعة طرق، يأمر الله ببركاته في ~~أهرائكم وفي جميع الأشياء التي تمدون أيديكم إليها، وينظر إليكم جميع شعوب ~~الأرض ويعلمون أن اسم الرب عليكم وقد وسمتم به فيخافونكم، ويزيدكم الرب ~~خيرا ويبارك في ثمار أرضكم، يفتح الله ربكم أهراء السماء ويهبط المطر على ~~أهله في زمانه، وتتسلطون على شعوب كثيرة ولا يتسلط عليكم أحد، ويصيركم الرب ~~رأسا ولا يصيركم ذنبا، وتصيرون فوق ولا تصيرون # PageV06P226 # أسفل إذا عملتم بجميع وصايا الله ربكم ولم تروغوا عنها يمنة ولا يسرة، ~~ولا تتبعوا الشعوب ولا تعبدوا آلهتها، وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم ~~ولم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه ووصاياه التي آمركم بها اليوم، ينزل بكم ~~هذا اللعن الذي أقص عليكم كله، ويدرككم العقاب، وتكونون ملعونين في القرية ~~- إلى آخر اللعن الذي تقدم قريبا، وقال في الثالث: إذا سلكتم بسنتي وحفظتم ~~وصاياي وعملتم بها، أديم أمطاركم في وقتها، وتبذل الأرض لكم غلاتها، وتبذل ~~لكم الشجر ثمارها، ويدرك الدراس القطاف، والقطاف يدرك الزرع، وتأكلون خبزا ~~وتشبعون وتسكنون أرضكم مطمئنين، ولا يكون من يخرجكم، وأصرف عن أرضكم السباع ~~الضارية، وتطردون أعداءكم، الخمسة منكم يهزمون مائة، والمائة منكم يهزمون ~~عشرة آلاف، وتقع أعداؤكم قتلى بين أيديكم في الحرب، وأقبل إليكم وأكثركم ~~وأديم مقدسي بينكم ولا أدبر عنكم، بل أكون معكم وأسير بينكم، وإن لم ~~تطيعوني وتسمعوا قولي ولم تعملوا بهذه الوصايا وأبطلتم عهودي، أنا أيضا ~~أصنع بكم مثل صنيعكم، وآمر بكم البلايا والبرص والبهق المقشر الذي لا يبرأ، ~~والسل الذي يطفىء البصر ويهلك النفس، ويكون تعبكم في الزرع باطلا، وذلك لأن ~~أعداءكم يأكلون ما تزرعون، وأنزل بكم غضبي، ويهزمكم أعداؤكم، ويتسلط # PageV06P227 # عليكم شناؤكم، وتنهزمون من غير أن يهزمكم أحد، وأصير السماء فوقكم مثل ~~الحديد، والأرض تحتكم مثل ms1214 النحاس، ولا تغل لكم أرضكم غلاتها، ولا تثمر ~~الشجر ثمارها، وأرسل عليكم السباع الضارية فتلهككم وتهلك بهائمكم، ويستوحش ~~الطرق منكم، وأسلط عليكم الموت وأدفعكم إلى أعدائكم، وتأكلون ولا تشبعون، ~~وتصيروا إلى ضيق حتى تأكلوا لحوم بناتكم، وأخرب منازلكم، وأفرقكم بين ~~الأمم، وتخرب قراكم، فحينئذ تهوى الأرض أسباتها، وتسبت كل أيام وحشتها ما ~~لم تسبت حيث كنتم فيها عصاة لا تسبتون، والذين يبقون منكم ألقي في قلوبهم ~~فزعة، ويطردهم صوت ورقة تحرك، ويهربون من صوت الورقة كما يهربون من السيف، ~~ويعنفون بإثمهم ويعاقبون بإثم آبائهم، ومن بعد ذلك تنكسر قلوبهم الغلف. # ولما كان ما مضى من ذمهم ربما أفهم أنه لكلهم، قال مستأنفا جوابا لمن ~~يسأل عن ذلك: {منهم} أي أهل الكتاب {أمة} أي جماعة هي جديرة بأن تقصد ~~{مقتصدة} أي مجتهدة في العدل لا غلو ولا تقصير، وهم الذين هداهم الله ~~للإسلام بحسن تحريهم واجتهادهم {وكثير منهم} أي بني إسرائيل {سآء ما يعملون ~~*} أي ما أسوأ # PageV06P228 # فعلهم الذي هم فيه مستمرون على تجديده، ففيه معنى التعجيب، والتعبير ~~بالعمل لأنهم يزعمون أنه لا يصدر منهم إلا عن علم، وهم الذين حرفوا الكلم ~~عن مواضعه، وارتكبوا العظائم في عداوة الله ورسوله. # ولما أتم ذلك سبحانه وعلم منه أن من أريدت سعادته يؤمن ولا بد، ومن أريدت ~~شقاوته لا يؤمن أصلا، ومن أقام ما أنزل عليه سعد، ومن كفر بشيء منه شقي، ~~وكان ذلك ربما فتر عن الإبلاغ، قرن بقوله تعالى {يا أيها الرسول لا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] قوله حاثا على الإبلاغ لإسعاد من ~~أريد للسعادة، وهم الأمة المقتصدة منهم وإن كانوا قليلا، وكذا إبلاغ جميع ~~من عداهم: {يا أيها الرسول} أي الذي موضوع أمره البلاغ {بلغ} أي أوصل إلى ~~من أرسلت إليهم {ما أنزل إليك} أي كله {من ربك} أي المحسن إليك بإنزاله غير ~~مراقب أحدا، ولا خائف شيئا، لتعلم ما لم تكن تعلم، ويهدي على يدك من أراد ~~الله هدايته، فيكون لك مثل أجره. # ولما كان إبلاغ ما ms1215 يخالف الأهواء من الشدة على النفوس بمكان لا يعلمه إلا ~~ذوو الهمم العالية والأخلاق الزاكية، كان المقام شديد الاقتضاء لتأكيد الحث ~~على الإبلاغ، فدل على ذلك بالاعتراض بين الحال والعامل فيها، # PageV06P229 # بالتعبير بالفعل الدال على داعية هي الردع بأن قال: {وإن لم تفعل} أي وإن ~~لم تبلغ جميع ذلك، أو إن لم تعمل به {فما بلغت رسالته} لأن من المعلوم أن ~~ما تقع على كل جزء مما أنزل، فلو ترك منه حرف واحد صدق نفي البلاغ لما ~~أنزل، ولأن بعضها ليس بأولى بالإبلاغ من بعض، فمن أغفل شيئا منها فكأنه ~~أغفل الكل، كما أن من لم يؤمن ببعضها لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما ~~يدليه الآخر، فكانت لذلك في حكم شيء واحد، والمعنى: فلنجازينك، ولكنه كنى ~~بالسبب عن المسبب إجلالا له صلى الله عليه وسلم وإفادة لأن المؤاخذة تقع ~~على الكل، لأنه ينتفي بانتفاء الجزء. # ولما تقدم أنهم يسعرون الحروب، ويسعون في إيقاع أشد الكروب، وكان ذلك - ~~وإن وعد سبحانه بإخماده عند إيقاده - لا يمنع من تجويز أنه لا يخمد إلا بعد ~~قتل ناس وجراح آخرين، وكان كأنه قيل: إذا بلغ ذلك وهو ينقص أديانهم خيف ~~عليه، قال: {والله} أي بلغ أنت والحال أن الذي أمرك بذلك وهو الملك الأعلى ~~الذي لا كفوء له {يعصمك} أي يمنعك منعا تاما {من الناس} أي من أن يقتلوك ~~قبل إتمام البلاغ وظهور الدين، فلا مانع من إبلاغ شيء منها لأحد من الناس ~~كائنا من كان. # PageV06P230 # ولما آذن ضمان العصمة بالمخالفة المؤذنة بأن فيهم من لا ينفعه البلاغ فهو ~~لا يؤمن، فلا يزال يبغي الغوائل. أقر على هذا الفهم بتعليل عدم الإيمان ~~بقوله: {إن الله} أي الذي لا أمر لغيره {لا يهدي القوم الكافرين} أي ~~المطبوع على قلوبهم في علم الله مطابقة لقوله {ومن يرد الله فتنته فلن تملك ~~له من الله شيئا} [المائدة: 41] ويهدي المؤمنين في علمه المشار إليهم في ~~قوله {ويغفر لمن يشاء} والحاصل أنه تبين من الآية الإرشاد إلى أن ms1216 لترك ~~البلاغ سببين: أحدهما خوف فوات النفس، والآخر خوف فوات ثمرة الدعاء، فنفي ~~الأول بضمان العصمة، والثاني بختام الآية، أي ليس عليك إلا البلاغ، فلا ~~يحزنك من لا يقبل، فليس إعراضه لقصور في إبلاغك ولا حظك، بل لقصور إدراكه ~~وحظه لأن الله حتم بكفره وختم على قلبه لما علم من فساد طبعه، والله لا ~~يهدي مثله، وتلخيصه: بلغ، فمن أجابك ممن أشير إليه - فيما سلف من غير ~~الكثير الذين يزيدهم ما أنزل إليك عمى على عماهم ومن الأمة المقتصدة وغيرهم ~~- فهو حظه في الدنيا والآخرة، ومن أبى فلا يحزنك أمره، لأن الله هو الذي ~~أراد ضلاله. فالتقدير: بلغ، فليس عليك إلا البلاغ، وإلى الله الهدى ~~والضلال، إن الله لا يهدي القوم الكافرين ويهدي القوم المؤمنين، أو فإذا ~~بلغت هدى بك ربك من أراد إيمانه، ليكتب لك مثل أجرهم، وأضل من شاء كفرانه، ~~ولا يكون عليك شيء من # PageV06P231 # وزرهم، إن الله لا يهدي القوم الكافرين، والمعنى كما تقدم: يعصمك من أن ~~ينالوك بما يمنعك من الإبلاغ حتى يتم دينك ويظهر على الدين كله كما وعدتك، ~~وعلى مثل هذا دل كلام إمامنا الشافعي رحمه الله، قال في الجزء الثالث من ~~الأم: ويقال - والله أعلم: إن أول ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم # {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] ثم أنزل عليه بعدها ما لم يؤمر فيه ~~بأن يدعو إليه المشركين، فمرت لذلك مدة، ثم يقال: أتاه جبريل عليه السلام ~~عن الله عز وجل بأن يعلمهم نزول الوحي عليه ويدعوهم إلى الإيمان. فكبر ذلك ~~عليه وخاف التكذيب وأن يتناول، فنزل عليه {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالتك والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] : ~~من قبلهم أن يقتلوك حتى تبلغ ما أنزل إليك - انتهى. ولقد وفى سبحانه بما ~~ضمن ومن أوفى منه وعدا وأصدق قيلا! فلما أتم الدين وأرغم أنوف المشركين، ~~أنفذ فيه السم الذي تناوله بخيبر قبل سنين فتوفاه شهيدا كما أحياه سعيدا؛ ~~روى ms1217 الشيخان: البخاري في الهبة، ومسلم في الطب، وأبو داود في الديات عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه «أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها ~~عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، فقال: ما كان الله # PageV06P232 # ليسلطك على ذلك - أو قال: علي - فقالوا: ألا تقتلها؟ قال: لا، فما زلت ~~أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم» قال أبو داود: هي أخت مرحب ~~اليهودي قال الحافظ عبد العظيم المنذري في مختصر سنن أبو داود: وذكره غيره ~~أنها بنت أخي مرحب أن اسمها زينب بنت الحارث، وذكر الزهري أنها أسلمت، ~~ولأبي داود والدارمي - وهذا لفظه - عن أبي سلمة - وهو ابن عبد الرحمن بن ~~عوف - قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الهدية ولا يقبل ~~الصدقة، فأهدت له امرأة من يهود خيبر شاة مصلية فتناول منها، وتناول منها ~~بشر بن البراء، ثم رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده ثم قال: إن هذه تخبرني ~~أنها مسمومة، فمات بشر بن البراء رضي الله عنه، فأرسل إليها النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: إن كنت نبيا لم يضرك شيء، وإن ~~كنت ملكا أرحت الناس منك، قال أبو داود: فأمر بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقتلت. زاد الدارمي: فقال في مرضه: ما زلت من الأكلة التي أكلت بخيبر، ~~فهذا أوان انقطاع أبهري» وهذا مرسل. قال البيهقي: ورويناه عن حماد بن سلمة ~~عن محمد بن عمرو # PageV06P233 # عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال البيهقي: ويحتمل أنه لم ~~يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر أمر بقتلها. وقصة هذه الشاة عن أبي ~~هريرة رواها البخاري في الجزية والمغازي والطب، والدارمي في أول المسند ~~بغير هذا السياق - كما مضى في البقرة في قوله تعالى # {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] وقد مضى في أول ~~هذه السورة عند ms1218 قوله {فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين} [المائدة: 13] ~~شيء منه. ولأبي داود والدارمي عن ابن شهاب قال: «كان جابر بن عبد الله رضي ~~الله عنهما يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها، ~~وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفعوا ~~أيديكم، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها، فقال ~~لها: أسممت هذه الشاة؟ قالت اليهودية من أخبرك؟ قال: أخبرتني هذه في يدي - ~~للذراع، قالت: نعم، قال: فما أردت؟ قالت: قلت: إن كان نبيا فلن يضره، وإن ~~لم يكن نبيا استرحنا منه، فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أو هند # PageV06P234 # بالقرن والشفرة، وهو مولى لبني بياضة من الأنصار» قال الدارمي: وهو من ~~بني ثمامة - وهم حي من الأنصار، قال المنذري: وهذا منقطع، الزهري لم يسمع ~~من جابر بن عبد الله، وفي غزوة خيبر من تهذيب السيرة لابن هشام: «فلما ~~اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارثة امرأة سلام ~~بن مشكم شاة مصلية وقد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم ثم سمت سائر الشاة، ثم ~~جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع ~~فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما ~~أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعاها ~~فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف ms1219 عليك، فقلت: ~~إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر، فتجاوز عنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ومات بشر من أكلته التي أكل» وذكر موسى بن عقبة أن بشرا ~~رضي الله عنه لم يسغ لقمته حتى أساغ النبي صلى الله عليه وسلم لقمته وقال ~~بعد # PageV06P235 # أن أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم: والذي أكرمك! لقد وجدت ذلك في أكلتي ~~التي أكلت، فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك طعامك، فلما أسغت ~~ما في فيك لم أكن لأرغب بنفسي عن نفسك. # ونقلت من خط شيخنا حافظ عصره أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر الكناني ~~الشافعي ما نصه: وأخرج الحافظ أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البزار في ~~مسنده المشهور، وأبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني في معجمه ~~الكبير من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يأكل من هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها للشاة التي أهديت ~~له بخيبر» . قال شيخنا الحافظ أبو الحسن الهيثمي: رجاله ثقات، قلت: وذكر ~~محمد بن إسحاق في السيرة الكبرى وكذلك الواقدي في المغازي - انتهى. وقال ~~ابن إسحاق: وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال: «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه ودخلت عليه أم بشر ~~بنت البراء بن معرور تعوده: يا أم بشر! إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهري من ~~الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر» ، قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة. ولابن ~~ماجه في الطب عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لا يزال، يصيبك في كل عام وجع ~~من الشاة المسمومة التي أكلت، قال: ما أصابني # PageV06P236 # شيء منها إلا وهو مكتوب علي وآدم في طينته «وللبخاري في آخر المغازي عن ~~عائشة رضي الله عنها» أن النبي صلى الله عليه ms1220 وسلم كان يقول في مرضه الذي ~~مات فيه: يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان ~~وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم «قال ابن فارس في المجمل: الأبهر عرق مستبطن ~~الصلب، والقلب متصل به، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:» هذا أوان قطعت أبهري ~~«وعبارة المحكم: عرق في الظهر، يقال: هو الوريد في العنق، وبعضهم يجعله ~~عرقا مستبطن الصلب وقال ثابت بن عبد العزيز في كتاب خلق الإنسان: وفي الصلب ~~الوتين، وهو عرق أبيض غليظ كأنه قصبة، وفي الصلب الأبهر والأبيض وهما ~~عرقان، وقال الزبيدي في مختصر العين: والأبهران عرقان مكتنفا الصلب، وقيل: ~~هما الأكحلان. وقال الفيروزآبادي في قاموسه: والأبهر: الظهر وعرق فيه ووريد ~~العنق والأكحل والكلية، والوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. وقال ~~ابن الفرات في الوفاة من السيرة من تاريخه: قال الحربي: العرق في الظهر ~~يسمى الأبهر، وفي اليد الأكحل، وفي العنق الوريد، وفي الفخذ النسا، وفي ~~الساق الأبجل، وفي العين الشأن، # PageV06P237 # وهو عرق واحد، كله يسمى الجدول. وقال ابن كيسان أيضا: هو الوتين في القلب ~~والصافن. # وقال الإمام أبو غالب بن التياني الأندلسي في كتابه الموعب: إسماعيل بو ~~حاتم: الأبهر عرق في الظهر، وقال: هو الوريد في العنق، ثم يقال: والأبهر ~~عرق مستبطن المتن؛ الأصمعي: وفي الصلب الأبهر وهو عرق؛ صاحب العين: ~~الأبهران الأكحلان، ويقال: هما عرقان مكتنفا الصلب من جانبيه. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: «ما زالت أكلة خيبر تعادني كل عام فالآن حين قطعت أبهري» ~~يعني عرقي، ويقال: الأبهر عرق مستبطن الصلب، وإذا انقطع فلا حياة بعده. ~~وهذا اللفظ الذي ذكره رواه البخاري والطبراني عن عائشة رضي الله عنها. ~~ومعنى تعادني: تناظرني وتخالفني، ومن العديد بمعنى الند الذي هو المثل ~~المضاد والمنافر، أي إني كلما زدت في جسمي صحة، نقصته بما لها من الضر ~~والأذى. # PageV06P238 # ولما أمر سبحانه بالتبليغ العام، أمره بنوع منه على وجه يؤكد ما ختمت به ~~آية التبليغ من عدم الهداية لمن حتم بكفره، ويبطل - مع ms1221 تأكيده - هذه ~~الدعوى: قولهم: نحن أبناء الله وأحباءه، فقال مرهبا لهم بعد ما تقدم من ~~الترغيب في إقامته: {قل يا أهل الكتاب} # PageV06P238 # أي من اليهود والنصارى {لستم على شيء} أي سار أو يعتد به من دنيا ولا ~~آخرة، لأنه لعدم نفعه لبطلانه لا يسمى شيئا أصلا {حتى تقيموا} أي بالعمل ~~بالقلب والقالب {التوراة والإنجيل} وما فيهما من الإيمان بعيسى ثم بمحمد ~~عليهما الصلاة والسلام بالإشارة إلى كل منهما بالخصوص بنحو ما تقدم في ~~الإشراق من ساعير والظهور ممن فاران، وبالإشارة بالعموم إلى تصديق كل من ~~أتى بالمعجز، وصدق ما قبله من منهاج الرسل {وما أنزل} . # ولما كان ما عندهم إنما أوتي إليهم بواسطة الأنبياء، عداه بحرف الغاية ~~فقال: {إليكم من ربكم} أي المحسن إليكم بإنزاله على ألسنة أنبيائكم من ~~البشارة بهما، وعلى لسان هذا النبي العربي الكريم مما يصدق ما قبله، فإنهم ~~يعلمون ذلك ولكنهم يجحدونه. # ولما كان السياق لأن أكثرهم هالك، صرح به دالا بالعطف على غير معطوف عليه ~~أن التقدير: فليؤمنن به من أراد الله منهم، فقال: {وليزيدن كثيرا منهم} أي ~~ما عندهم من الكفر بما في كتابهم {مآ أنزل إليك من ربك} المحسن إليك ~~بإنزاله {طغيانا} تجاوزا شديدا للحد {وكفرا} أي سترا لما دل عليه العقل. # ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الشفقة على خلق الله، سلاه في ذلك ~~بقوله: {فلا} أي فتسبب عن إعلام الله لك بذلك قبل وقوعه ثم عن وقوعه كما ~~أخبر أن تعلم أنه بإرادته وقدرته، فقال لك: # PageV06P239 # لا {تأس} أي تحزن {على القوم الكافرين} أي على فوات العريقين في الكفر ~~لأنهم لم يضروا إلا أنفسهم لأن ربك العليم القدير لو علم فيهم خيرا لأقبل ~~بهم إليك، والحاصل أنه ختم هذه الآية بمعلول الآية التي قبلها، فكأنه قبل: ~~بلغ، فإن الله هو الهادي المضل، فلا تحزن على من أدبر. # ولما كان ما مضى في هذه السورة غالبا في فضائح أهل الكتاب لا سيما اليهود ~~وبيان أنهم عضوا على الكفر، ومردوا على الجحد، ms1222 وتمرنوا على البهت، وعتوا عن ~~أوامر الله، كان ذلك موجبا لأنه ربما حدث في الخاطر أنه إن آمن منهم أحد ما ~~يقبل، أو لأن يقولوا هم: ليس في دعائنا حينئذ فائدة فلا تدعنا، أخبر أن ~~الباب مفتوح لهم ولغيرهم من جميع أهل الملل، وأنه ليس بين الإنسان وبين أن ~~يكون من أهله إلا عدم الإخلاص، فإذا أخلص أذن في دخوله ونودي بقبوله، أو ~~يقال - وهو أحسن: لما أخبر عن كثير منهم بالزيادة في الكفر، رغب القسم ~~الآخر على وجه يعم غيرهم، أو يقال: إنه لما طال الكلام معهم. # كان ربما ظن أن الأمر ترغيبا وترهيبا وأمرا ونهيا خاص بهم، فوقع الإعلام ~~بأنهم وغيرهم من جميع الفرق في ذلك سواء، تشريفا لمقدار هذا النبي الكريم ~~بعموم الدعوة وإحاطة الرسالة # PageV06P240 # فقال سبحانه: {إن الذين آمنوا} أي قالوا: آمنا {والذين هادوا} أي اليهود ~~{والصابئون} أي القائلون بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية {والنصارى} أي ~~الذين يدعون اتباع المسيح عليه السلام. # ولما كان اليهود قد عبدوا الأصنام متقربين بها إلى النجوم في استنزال ~~الروحانيات انهماكا في السحر الذي جاء نبيهم موسى عليهم السلام بإبطاله، ~~وكان ذلك هو معنى دين الصابئة، وفرق بين فريقي بني إسرائيل بهم مكتفيا بهم ~~عن ذكر بقية المشركين لما مضى في البقرة، ولما سبق في هذه السورة من ذم ~~اليهود بالنقض للميثاق والكفر واللعن والقسوة وتكرر الخيانة وإخفاء الكتاب ~~والمسارعة في الكفر والنفاق والتخصيص بالكفر والظلم والفسق وغير ذلك من ~~الطامات ما يسد الأسماع، كان قبول توبتهم جديرا بالإنكار، وكانوا هم ينكرون ~~عنادا فلاح العرب من آمن منهم ومن لم يؤمن، فاقتضى الحال كون الفريقين في ~~حيز التأكيد، ولم يتقدم للصابئة ذكر هنا فأخرجوا منه تنبيها على أن المقام ~~لا يقتضيه لهم، فابتدىء بذكرهم اعتراضا ودل على الخبر عنهم بخبر «إن» ، أو ~~أنه لما كان المقام للترغيب في التوبة، وجعل هؤلاء مع شناعة حالهم بظهور ~~ضلالهم كمن لا إنكار لقبول توبته، كان غيرهم أولى بذلك، ولما كان حال ~~النصارى مشتبها، جعلوا في ms1223 حيز الاحتمال للعطف على اليهود لما # PageV06P241 # تقدم من ذمهم، وعلى الصابئة لخفة حالهم بأنهم مع أن أصل دينهم صحيح لم ~~يبلغ ذمهم السابق في هذه السورة مبلغ ذم اليهود {من آمن} أي منهم مخلصا من ~~قلبه، ولعله ترك الجار إعراقا في التعميم {بالله} أي الذي له جميع الجلال ~~والإكرام {واليوم الآخر} أي الذي يبعث فيه العباد بأرواحهم وأشباحهم، ويبعث ~~من ذكره على الزهادة وألحد في العبادة، وبالإيمان به يحصل كمال المعرفة ~~بالله تعالى باعتقاد كمال قدرته {وعمل صالحا} أي صدق إيمانه القلبي بالعمل ~~بما أمر به، ليجمع بين فضيلتي العلم والعمل، ويتطابق الجنان مع الأركان ~~{فلا خوف عليهم} يعتد به في دنيا ولا في آخرة {ولا هم} أي خاصة {يحزنون *} ~~أي على شيء فات، لأنه لا يفوتهم شيء يؤسف عليه أصلا، وأما غيرهم فهم في ~~الحزن أبدا، وفي الآية تكذيب لهم في قولهم {ليس علينا في الأميين سبيل} [آل ~~عمران: 75] المشار إليه في هذه السورة بنسبتهم إلى أكل السحت في غير موضع، ~~وفي نصوص التوراة الموجودة بين أظهرهم الآن أعظم ناصح لهم في ذلك كما سبق ~~في أوائل البقرة، وقال في السفر الرابع منها عند ذكر التيه ووصاياهم إذ ~~أدخلهم الأرض المقدسة، ومكنهم فيها بأشياء # PageV06P242 # منها القربان: وإن سكن بينكم رجل غريب يقبل إلي أو بين أولادكم لأحقابكم ~~ويقرب قربانا لريح قتار الذبيحة للرب يفعل كما فعلتم أنتم، ولتكن السنة ~~واحدة لكم وللذين يقبلون إلي ويسكنون بينكم سنة جارية لأحقابكم إلى الأبد، ~~والذين يقبلون إلي من الغرباء يكونون أمام الرب مثلكم، ولتكن لكم سنة واحدة ~~وحكومة واحدة لكم وللذين يقبلون إلي ويسكنون معكم. # PageV06P243 # ولما كانت هذه البشارة - الصادقة من العزيز العليم الذي أهل الكتاب أعرف ~~الناس به لمن آمن كائنا من كان - موجبة للدخول في الإيمان والتعجب ممن لم ~~يسارع إليه، وكان أكثر أهل الكتاب إنما يسارعون في الكفر، كان الحال مقتضيا ~~لتذكر ما مضى من قوله تعالى {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم ~~اثني عشر نقيبا} [المائدة: ms1224 12] وزيادة العجب منهم مع ذلك، فأعاد سبحانه ~~الإخبار به مؤكدا له تحقيقا لأمره وتفخيما لشأنه، وساقه على وجه يرد دعوى ~~البنوى والمحبة، ملتفتا مع التذكير بأول قصصهم في هذه السورة إلى أول ~~السورة {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] وعبر في موضع الجلالة بنون العظمة، ~~وجعل بدل النقباء الرسل فقال مستأنفا: {لقد أخذنا} أي على ما لنا من العظمة ~~{ميثاق بني إسرائيل} أي على الإيمان بالله ثم بمن يأتي بالمعجز مصدقا لما ~~عنده بحيث يقوم # PageV06P243 # الدليل على أنه من رسل الله الذين تقدم أخذ العهد عليهم بالإيمان بهم، ~~ودل على عظمة الرسل بقوله في مظهر العظمة: {وأرسلنا إليهم رسلا} أي لم نكتف ~~بهذا العهد، بل لم نخلهم من بعد موسى من الرسل الذين يرونهم الآيات ويجددون ~~لهم أوامر الرب إلى زمن عيسى عليه السلام، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه - البخاري في بني إسرائيل ومسلم في المغازي - أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، ~~وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ~~ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» انتهى. ~~ومع ذلك فلم يخل لهم زمان طويل من الكفر لا في زمن موسى ولا في زمن من بعده ~~من الأنبياء عليهم السلام، حتى قتلوا كثيرا من الرسل وهو معنى قوله - جوابا ~~لمن كأنه قال: ما فعلوا بالرسل: {كلما جاءهم رسول} أي من أولئك الرسل أي ~~رسول كان {بما لا تهوى أنفسهم} أي بشيء لا تحبه نفوسهم محبة تتساقط بها ~~إليه، خالفوه، فكأنه قيل: أي مخالفة؟ فقيل: {فريقا} أي من الرسل {كذبوا} أي ~~كذبهم بنو إسرائيل من غير قتل، ودل على شدة بشاعة القتل وعظيم شناعته ~~بالتعبير بالمضارع تصويرا للحال الماضية وتنبيها على أن هذا ديدنهم # PageV06P244 # وهو أشد من التكذيب فقال: {وفريقا يقتلون *} أي مع التكذيب وليدل على ما ~~وقع منهم في سم النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم المفعول للدلالة على انحصار ~~أمرهم في ms1225 حال التكذيب والقتل، فلا حظ لهم في تصديق مخالف لأهوتيهم {وحسبوا} ~~أي لقلة عقولهم مع مباشرتهم لهذه العظائم التي ليس بعدها شيء {ألا تكون} أي ~~توجد {فتنة} أي أنه لا يصيبهم بها عذاب في الدنيا ولا خزي في الأخرى، بل ~~استحقوا بأمرها، فلا تعجب أنت من جرأتهم في ادعائهم أنهم أبناء الله ~~وأحباؤه، وقرىء: تكون - بالرفع تنزيلا للحسبان منزلة العلم فتكون مخففة من ~~الثقيلة التي للتحقيق، وبالنصب كان الحسبان على بابه، وأن، على بابها خفيفة ~~ناصبه للفعل، لأن القاعدة - كما ذكر الواحدي - أن الأفعال على ثلاثة أضرب: ~~فعل للثبات والاستقرار كالعلم والتيقن والبيان، تفع بعده الثقيلة دون ~~الخفيفة، وفعل للزلزلة والاضطراب كالطمع والخوف والرجاء، فلا يكون بعده إلا ~~الخفيفة الناصبة للمضارع، وفعل يقع على وجهين كحسب: تارة تكون بمعنى # PageV06P245 # طمع فتنصب، وتارة بمعنى علم فترفع، فإن رفع هنا كان الحسبان بمعنى العلم ~~عندهم لقوة عنادهم، وإن نصب كان بمعنى الطمع لأنهم عالمون بأن قتلهم لهم ~~خطأ، فتنزل القراءتان على فريقين - والله أعلم، وأيضا فقراءة الرفع تفيد ~~تأكيد حسبانهم المفيد لعدم خوفهم بزيادة عماهم {فعموا} أي فتسبب عن إدلالهم ~~إدلال الولد والمحبوب جهلا منهم وحماقة بظنهم أنهم لا تنالهم فتنة أنهم وجد ~~عماهم العمى الذي لا عمى في الحقيقة سواه، وهو انطماس البصائر # {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] حتى ~~في زمن موسى عليه السلام {وصموا} أي بعده وبعد يوشع عليهما السلام، لأن ~~الصمم أضر من العمى، فصاروا كمن لا يهتدي إلى سبيل أصلا، لأنه لا بصر له ~~بعين ولا قلب ولا سمع {ثم تاب الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال ~~{عليهم} أي فرجعوا إلى الحق وتكرر لهم ذلك {ثم عموا} أي في زمن المسيح عليه ~~السلام {وصموا} أي بعده. # ولما كان الإتيان بالضمير مفهما لأن ذلك عمهم كلهم، أعلم سبحانه أن ذلك ~~ليس كذلك بقوله: {كثير منهم} إلا أن سوقه للعبارة هذا المساق يدل على أن من ~~لم يكفر منهم كان مزلزلا غير راسخ ms1226 القدم في الهدى - والله أعلم، وربما دل ~~عليه قوله: {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما {بصير بما يعملون *} أي ~~وإن دق وإن كانوا # PageV06P246 # يظنون أنهم أسسوا عملهم على علم، وقد مضى في قوله «من لعنه الله وغضب ~~عليه» ما يشهد لهذا من عبادتهم بعلا الصنم وغيره من الأصنام مرة بعد مرة. # ولما أخبر تعالى بفساد أعمالهم، دل على ذلك بقوله مستفتحا مبينا من حال ~~النصارى ما بين من حال اليهود، ومؤكدا لختم آية التبليغ بما ينقض دعواهم في ~~البنوة والمحبة: {لقد كفر} أي ستر ما دل عليه النقل وهدى إليه العقل {الذين ~~قالوا إن الله} أي على ما له من نعوت الجلال والجمال {هو المسيح} فبين ~~بصيغة فعيل - التي لا مانع من أن تكون للمفعول - بعده عما ادعوه فيه، ثم ~~أوضح ذلك بقوله: {ابن مريم} أيضاحا لا خفاء معه. # ولما كانت دعوى الاتحاد الذي هو قول اليعقوبية أشد في الكفر وأنفى للإله ~~من دعوى التثليث الذي هو قول النسطورية والملكية القائلين بالأقانيم، قدمها ~~وبين تعالى أنهم خالفوا فيها أمر المسيح الذي ادعوا أنه الإله فقال: {وقال} ~~أي قالوا هذا الذي كفروا به والحال أنه قال لهم {المسيح} ضغطه عليهم ودعاء ~~إلى ما هو الحق {يا بني إسرائيل} أي الذي كان يتشرف بعبادة الله وتسميته ~~بأنه عبده {اعبدوا الله} أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره، فأمرهم ~~بأداء الحق لأهله مذكرا لهم بعظمته، ثم ذكرهم بإحسانه وأنه وإياهم في ذلك ~~شرع # PageV06P247 # واحد، فقال مقدما لما يتعلق به لأنه أهم لإنكارهم له {ربي وربكم} فلم ~~يطيعوا الإله الحق ولا الذي ادعوه إلها، فلا أضل منهم ولا أسفه، قال أبو ~~حيان في النهر: وهذا الذي ذكره الله تعالى عنه هو مذكور في إنجيلهم يقرؤونه ~~ولا يعملون به، وهو قول المسيح: يا معشر بني المعمودية - وفي رواية: يا ~~معشر الشعوب - قوموا بنا إلى أبي وأبيكم وإلى إلهي وإلهكم ومخلصي ومخلصكم - ~~انتهى. وقد أسلفت أنا في آل عمران وغيرها عن الإنجيل كثيرا من ms1227 شواهد ذلك، ~~ويأتي في هذه السورة وغيرها كثير منه. # ولما أمرهم بما يفهم منه الإخلاص لله تعالى في العبادة لما ذكر من جلاله ~~وأن ما سواه مربوب، ولأنه أغنى الأغنياء، فمن أشرك به شيئا لم يعتد له ~~بعبادة، علل ذلك بقوله: {إنه من يشرك} أي الآن أو بعد الآن في زمن من ~~الأزمان {بالله} أي الذي تفرد بالجلال في عبادة أو فيما هو مختص به من صفة ~~أو فعل {فقد حرم الله} أي الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه {عليه الجنة} ~~أي منعه من دخولها منعا عظيما متحتما. # PageV06P248 # ولما كان المنع من دار السعداء مفهما لكونه في دار الأشقياء، صرح به ~~فقال: {ومأواه} أي محل سكناه {النار} ولما جرت عادة الدنيا بأن من نزل به ~~ضيم يسعى في الخلاص منه بأنصاره وأعوانه، نفى ذلك سبحانه مظهرا للوصف ~~المقتضي لشقائهم تعليلا وتعميما فقال: {وما للظالمين} أي لهم لظلمهم {من ~~أنصار *} لا بفداء ولا بشفاعة ولا مقاهرة بمجاهرة ولا مساترة، لأن من وضع ~~عمله في غير موضعه فكان ماشيا في الظلام، لا تمكنه أصلا مقاومة من هو في ~~أتم ضياء، وهذا على التهديد على الكفر فلا يصح أن يكون على مطلق المعصية ~~ولو كانت كبيرة، فبطل قول المعتزلة. # ولما انقضى هذا النقض، وقدمه لأنه كما مضى أشد، أتبعه إبطال دعوى التثليث ~~بقوله مبدلا من تلك النتيجة نتيجة أخرى: {لقد كفر الذين قالوا} بجرأة على ~~الكلام المتناقض وعدم حياء {إن الله} أي على ما له من العظمة التي منها ~~الغنى المطلق {ثالث} أي واحد {ثلاثة} أي كلهم آلهة، وأما القائل بأنه ثالث ~~بالعلم فلا يكفر. # ولما أعلم بكفرهم، أشار إلى إبطاله كما أشار إلى إبطال الأول كما سلف بما ~~لا يخفى على أحد، تحقيقا لتلبسهم بمعنى الكفر الذي هو ستر ما هو ظاهر فقال: ~~{وما} وأغرق في النفي كما هو الحق واقتضاه المقام فقال: {من إله إلا إله ~~واحد} أي قالوا ذلك والحال أنه لا يصح # PageV06P249 # ولا يتصور في العقل أن ms1228 يكون الإله متعددا لا تحقيقا ولا تقديرا بوجه من ~~الوجوه، لا يكون إلا واحدا بكل اعتبار، وهو الله تعالى لا غيره، وقد بين ~~عيسى عليه السلام في الإنجيل الذي بين أظهرهم أنه لا يصح أن يكون الإله إلا ~~واحدا - بالمعتمد من أدلة ذلك عند محققي أهل الأصول وهو برهان التمانع ~~المشار إليه في كتابنا بقوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ~~[الأنبياء: 22] فقال مترجمهم في إنجيل متى: حينئذ أتى إليه - أي عيسى عليه ~~لاسلام - بأعمى أخرس له شيطان، فأبرأه حتى أنه تكلم وأبصر، فبهت الجمع كلهم ~~وقالوا: لعل هذا هو ابن داود! فسمع الفريسيون فقالوا: هذا لا يخرج الشياطين ~~إلا بباعل زبول رئيس الشياطين، فلما علم مكرهم قال لهم: كل مملكة تنقسم على ~~ذاتها تخرب، وكل مدينة أو بيت ينقسم لا يثبت، فإن كان الشيطان يخرج الشيطان ~~فقد انقسم فكيف يقوم ملكه؟ فإن كنت أنا أخرج الشياطين بباعل زبول فأبناؤكم ~~بما تخرجونهم! من أجل هذا هم يكونون عليكم، وإن كنت أنا بروح الله أخرج ~~الشياطين فقد قربت منكم ملكوت الله، وكيف يستطيع حد أن يدخل بيت القوي ~~ويخطف متاعه إلا أن يربط القوي أولا، حينئذ ينهب بيته. وقال مرقس: وأما ~~الكتبة الذين أتوا من يروشليم فقالا: إن بعل زبول معه، وباركون الشياطين ~~يخرج الشياطين؛ فدعاهم وقال لهم: كيف # PageV06P250 # يقدر شيطان أن يخرج شيطانا! وكل مملكة تنقسم لا تثبت تلك المملكة، فإذا ~~اختلف أهل البيت لا يثبت ذلك البيت، وإن كان الشيطان الذي يقاوم بقيته ~~وينقسم فلن يقدر أن يثبت، لكن له انقضاء، لا يقدر أحد أن يدخل بيت القوي ~~وينتهب بيته إلا أن يربطه أولا وينتهب متاعه الحق أقول لكم! إن كل شيء يغفر ~~لبني الناس من الخطايا والتجديف الذي يجدفونه، والمجدفين على روح القدس ليس ~~يغفر لهم إلى لأبد، بل يحل بهم العقاب الدائم، لأنهم يقولون: إن معه روحا ~~نجسا. قال متى: من ليس معي فهو علي، ومن لا يجمع معي فهو يفرق، من أجل هذا ~~أقول ms1229 لكم: إن كل خطيئة وتجديف يترك للناس، والتجديف على روح القدس لا يترك، ~~ومن يقل كلمة على ابن الإنسان يترك له، والذي يقول على روح القدس لا يترك ~~له في هذا الدهر ولا في الآتي، إما أن تصيروا الشجرة الجيدة وثمرتها جيدة، ~~وإما أن تصيروا الشجرة الرديئة وثمرتها رديئة، لأن من الثمرة تعرف الشجرة، ~~يا أولاد الأفاعي! كيف تقدرون أن تتكلموا بالصلاح وأنتم أشرار! إنما يتكلم ~~الفم من فضل ما في القلب، الرجل الصالح من كنزه الصالح يخرج الصلاح، والرجل ~~الشرير من كنزه الشرير يخرج الشر، أقول لكم: إن كل كلمة يتكلم بها الناس ~~بطالة يعطون عنها جوابا في يوم # PageV06P251 # الدين، لأنك من كلامك تبرر، ومن كلامك يحكم عليك. # وفي إنجيل لوقا: وفيما هو يتكلم إذا رفعت امرأة من الجمع صوتها وقالت: ~~طوبى لبطن التي حملتك، ولثدي التي أرضعتك، فقال لها: مهلا! طوبى لمن يسمع ~~كلام الله ويحفظه - انتهى. حينئذ أجابه قوم من الكتبة والفريسين قائلين: ~~نريد يا معلم أن ترينا آية أجابهم وقال لهم: الجيل الشرير الفاسق يطلب آية ~~فلا يعطي آية إلا آية يونان النبي؛ قال لوقا: فكما كان في يونان آية لأهل ~~نينوى، كذلك يكون ابن الإنسان لهذا الجيل آية - انتهى. رجال نينوى يقومون ~~في الحكم ويحاكمون هذا الجيل، لأنهم تابوا بكريزة يونان - وقال لوقا: ~~بإنذار يونان - وهاهنا أفضل من يونان ملكة التيمن تقوم في الحكم مع هذا ~~الجيل وتحاكمه، لأنها أتت من أقصى الأرض لتسمع من حكمة سليمان، وههنا أفضل ~~من سليمان، إن الروح النجس إذا خرج من الإنسان يأتي أمكنة ليس فيها ماء، ~~يطلب راحة فلا يجد، فيقول حينئذ: أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه، فيأتي فيجد ~~المكان فارغا مكنوسا مزينا، فيذهب حينئذ ويأخذ معه سبعة أرواح أخر شرا منه ~~ويأتي ويسكن هناك، فتصير آخرة ذلك الإنسان شرا من أوليته، وهكذا يكون لهذا ~~الجيل الشرير - انتهى. والتجديف هو الكفر بالنعم، ويونان: # PageV06P252 # يونس عليه السلام، والكريزة - بينها لوقا بأنها الإنذار، والتيمن: اليمن، ~~والأركون - بضم الهمزة والكاف ms1230 بينهما راء مهملة ساكنة: الكبير، ويروشليم - ~~بفتح التحتانية وضم المهملة ثم شين معجمة: بيت المقدس، وباعل زبول - لا تصح ~~أصلا، وأما الدليل على عدم شركة كل من عيسى وأمه عليهما السلام بخصوصهما ~~فسيأتي تقريره بقوله تعالى {كانا يأكلان الطعام} [المائدة: 75] والمراد من ~~ذلك كله أنه متى دخلت الشركة أتى النقص فعلا أو إمكانا، ومن اعترته شائبة ~~نقص لم يصح كونه إلها. # ولما أخبر أنهم كفروا، وأشار إلى نقض قولهم، كان أنسب الأشياء بعده أن ~~يعطف عليه ترهيبهم ثم ترغيبهم فقال تعالى: {وإن لم ينتهوا} أي الكفرة بجميع ~~أصنافهم {عما يقولون} أي من هاتين المقالتين وما داناهما {ليمسن} أي مباشرة ~~من غير حائل {الذين كفروا} أي داموا على الكفر، وبشر سبحانه بأنه يتوب على ~~بعضهم بقوله: {منهم عذاب أليم} . # PageV06P253 # ولما كان من شأن العاقل أنه لا يقدم على باطل، فإن وقع ذلك منه وشعر بنوع ~~ضرر يأتي بسببه بادر إلى الإقلاع عنه، تسبب عن هذا الإنذار - بعد بيان ~~العوار - الإنكار عليهم في عدم المبادرة إلى التوبة إيضاحا # PageV06P253 # لأن معنى كفروا: داموا عليه، فقال: {أفلا يتوبون} أي يرجعون بعد هذا ~~الكفر الذي لا أوضح من بطلانه ولا أبين من فساده والوعيد الشديد {إلى الله} ~~أي المتصف بكل وصف جميل {ويستغفرونه} أي يطلبون منه غفران ما أقدموا عليه ~~من العار البين العوار؛ ولما كان التقدير: فالله تواب حكيم، عطف عليه قوله: ~~{والله} ويجوز أن يكون التقدير: والحال أن المستجمع لصفات الكمال أزلا ~~وأبدا {غفور} أي بليغ المغفرة، يمحو الذنوب فلا يعاقب عليها ولا يعاتب ~~{رحيم *} أي بالغ الإكرام لمن أقبل إليه. # ولما أبطل الكفر كله بإثبات أفعاله من إرساله وإنزاله وغير ذلك من كماله، ~~وأثبت التوحيد على وجه عام، أتبع ذلك تخصيص ما كفر به المخاطبون بالإبطال، ~~فكان ذلك دليلا على وجه عام، أتبع ذلك تخصيص ما كفر به المخاطبون بالإبطال ~~فكان ذلك دليلا خاصا بعد دليل عام، فقال تعالى على وجه الحصر في الرسلية ~~ردا على من يعتقد فيه الإلهية واصفا له ms1231 بصفتين لا يكونان إلا لمصنوع مربوب: ~~{ما المسيح} أي الممسوح بدهن القدس المطهر المولود لأمه {ابن مريم إلا ~~رسول} وبين أنه ما كان بدعا ممن كان قبله من إخوانه بقوله: {قد خلت من قبله ~~الرسل} أي فما من خارقة له، وإلا وقد كان مثلها أو أعجب منها لمن قبله كآدم ~~عليه السلام في خلقه من تراب، وموسى عليه السلام في قلب العصى # PageV06P254 # حية تسعى - ونحو ذلك. # ولما كفروا بأمه أيضا عليهما السلام بين ما هو الحق في أمرها فقال: {وأمه ~~صديقة} أي بليغة الصدق في نفسها والتصديق لما ينبغي أن يصدق، فرتبتها تلي ~~رتبة الأنبياء، ولذلك تكون من أزواج نبينا صلى الله عليه وسلم في الجنة. ~~وهذه الآية من أدلة من قال: إن مريم عليها السلام لم تكن نبية، فإنه تعالى ~~ذكر أشرف صفاتها في معرض الرد على من قال بإلهيتهما إشارة إلى بيان ما هو ~~الحق في اعتقاد ما لهما من أعلى الصفات، وأنه من رفع واحدا منها فرق ذلك ~~فقد أطراه، ومن نقصه عنه فقد ازدراه، فالقصد العدل بين الإفراط والتفريط ~~باعتقاد أن أعظم صفات عيسى عليه السلام الرسالة، وأكمل صفات أمه الصديقية. # ولما كان المقام مقام البيان عن نزولهما عن رتبة الإلهية، ذكر أبعد ~~الأوصاف منها فقال: {كانا يأكلان الطعام} وخص الأكل لأنه مع كونه ضعفا ~~لازما ظاهرا هو أصل الحاجات المعترية للإنسان فهو تنبيه على غيره، ومن ~~الأمر الجلي أن الإله لا ينبغي أن يدنو إلى جنابه عجز أصلا، وقد اشتمل قوله ~~تعالى {وقال المسيح} وقوله {كانا يأكلان الطعام} [المائدة: 75] على أشرف ~~أحوال الإنسان وأخسها، فأشرفها عبادة الله، وأخسها الاشتغال عنها بالأكل ~~الذي هو مبدأ الحاجات. # PageV06P255 # ولما أوضح ما هو الحق في أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما أدعوه فيهما، ~~أتبعه التعجب من تمام قدرته على إظهار الآيات وعلى الإضلال بعد ذلك البيان ~~فقال: {انظر كيف نبين لهم الآيات} أي نوضح إيضاحا شافيا العلامات التي من ~~شأنها الهداية إلى الحق والمنع من الضلال؛ ولما كان العمى ms1232 عن هذا البيان في ~~غاية البعد، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم انظر أنى} أي كيف ومن أين؛ ~~ولما كان العجب قبولهم للصرف وتأثرهم به، لا كونه من صارف معين، بنى ~~للمفعول قوله: {يؤفكون *} أي يصرفون عن الحق وبيان الطريق صرف من لا نور له ~~أصلا من أي صارف كان، فصرفهم في غاية السفول، وبيان الآيات في غاية العلو، ~~فبينهما بون عظيم. # ولما نفى عنهما الصلاحية لرتبة الإلهية للذات، أتبعها نفي ذلك من حيث ~~الصفات، فقال منكرا مصرحا بالإعراض عنهم إشارة إلى أنهم ليسوا أهلا للإقبال ~~عليهم: {قل} أي للنصارى أيها الرسول الأعظم {أتعبدون} ونبه على أن كل شيء ~~دونه، وأنهم اتخذوهم وسيلة إليه بقوله: {من دون الله} ونبه بإثبات الاسم ~~الأعظم على أن له جميع الكمال، وعبر عما عبدوه بأداة ما لا يعقل تنبيها على ~~أنه سبحانه هو الذي # PageV06P256 # أفاض عليه ما رفعه عن ذلك الحيز، ولو شاء لسلبه عنه فقال: {ما لا يملك ~~لكم ضرا} أي من نفسه فتخشوه {ولا نفعا} أي فترجوه، ليكون لكم نوع عذر أو ~~شبهة، ولا هو سميع يسمع كل ما يمكن سمعه بحيث يغيث المضطر إذا استغاث به في ~~أي مكان كان ولا عليم يعلم كل ما يمكن علمه بحيث يعطي على حسب ذلك، وكل ما ~~يملك من ذلك فبتمليك الله له كما ملككم من ذلك ما شاء. # ولما نفى عنه ما ذكر تصريحا وتلويحا، أثبته لنفسه المقدسة كذلك فقال: ~~{والله} أي والحال أن الملك الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والكمال ~~كله {هو} أي خاصة {السميع العليم *} وهو وحده الضار النافع، يسمع منكم هذا ~~القول ويعلم هذا المعقد السيىء، وإنما قرن بالسميع العليم، دون البصير ~~لإرادة التهديد لمن عبد غيره، لأن العبادة قول أو فعل، ومن الفعل ما محله ~~القلب وهو الاعتقاد، ولا يدرك بالبصر بل بالعلم، والآية - كما ترى - من ~~الاحتباك: دل بما أثبته لنفسه على سبيل القصر على نفيه في الجملة الأولى عن ~~غيره، وبما نفاه في الجملة الأولى عن ms1233 غيره على إثباته له - والله الموفق. # PageV06P257 # ولما قامت الأدلة على بطلان قول اليهود ثم على بطلان مدعى النصارى، ولم ~~يبق لأحد علة، أمره صلى الله عليه وسلم أن ينهى الفريقين عن الغلو بالباطل ~~في أمر عيسى عليه السلام: اليهود # PageV06P257 # بإنزاله عن رتبته، والنصارة برفعه عنها بقوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب} ~~أي عامة {لا تغلوا} أي تجاوزوا الحد علوا ولا نزولا {في دينكم} . # ولما كان الغلو ربما أطلق على شدة الفحص عن الحقائق واستنباط الخفي من ~~الأحكام والدقائق من خبايا النصوص، نفى ذلك بقوله: {غير الحق} وعرفه ليفيد ~~أن المبالغة في الحق غير منهي عنها، وإنما المنهي عنه تجاوز دائرة الحق ~~بكمالها، ولو نكر لكان من جاوز حقا إلى غيره واقعا في النهي، كما جاوز ~~الاجتهاد في الصلاة النافلة إلى الجد في العلم النافع، ولو قيل: باطلا، ~~لأوهم أن المنهي عنه المبالغة في الباطل، لا أصله ومطلقه. # ولما نهاهم أن يضلوا بأنفسهم، نهاهم أن يقلدوا في ذلك غيرهم فقال: {ولا ~~تتبعوا} أي فاعلين فعل من يجتهد في ذلك {أهواء قوم} أي هووا مع ما لهم من ~~القوة، فكانوا أسفل سافلين، والهوى لا يستعمل إلا في البشر {قد ضلوا} ولما ~~كان ضلالهم غير مستغرق للزمان الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي من قبل ~~زمانكم هذا عن منهاج العقل فصبروا على ضلالهم وأنسوا بما تمادوا عليه في ~~محالهم {وأضلوا} أي لم يكفهم ضلالهم في أنفسهم حتى أضلوا غيرهم {كثيرا} أي ~~من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى # PageV06P258 # ظن حقا {وضلوا} أي بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمنابذة الشرع {عن ~~سواء} أي عدل {السبيل *} أي الذي لا سبيل في الحقيقة غيره، لأن الشرع هو ~~الميزان القسط والحكم العدل، وهذا إشارة إلى أنهم إن لم ينتهوا كانوا على ~~محض التقليد لأسلافهم الذين هم في غاية البعد عن النهج وترك الاهتداء بنور ~~العلم، وهذا غاية في التبكيت، فإن تقليدهم لو كان فيما يشبه الحق كان جهلا، ~~فكيف وإنما هو تقليد ms1234 في هوى. # ولما نهاهم عن ذلك وقبحه عليهم. علله محذرا منه بقوله تعالى بانيا ~~للمفعول، لأن الفاعل معروف بقرينة من هو على لسانهما: {لعن} ووصفهم بما نبه ~~على علة لعنهم بقوله: {الذين كفروا} وصرح بنسبتهم تعيينا لهم وتبكيتا ~~وتقريعا فقال: {من بني إسرائيل} وأكد هذا اللعن وفخمه بقوله: {على لسان ~~داود} أي الذي كان على شريعة موسى عليه السلام، وذلك باعتدائهم في السبت ~~فصاروا قردة {وعيسى ابن مريم} أي الذي نسخ شرع موسى عليه السلام، بكفرهم ~~بعد المائدة فمسخوا خنازير، لأنهم خالفوا النبيين معا، فلا هم تعبدوا بما ~~دعاهم إليه داود عليه السلام من شرعهم الذي هم مدعون التمسك به، وعارفون # PageV06P259 # بأن ما دعاهم إليه منه حقا، ولا هم خرجوا عنه إلى ما أمروا بالخروج إليه ~~على لسان موسى عليه السلام في بشارته به متقيدين بطاعته، فلم تبق لهم علة ~~من التقيد به ولا التقيد بحق دعاهم إليه غيره، فعلم قطعا أنهم مع الهوى كما ~~مضى، ولم ينفعهم مع نسبتهم إلى واحدة من الشريعتين نسبتهم إلى إسرائيل عليه ~~السلام، فإنه لا نسب لأحد عند الله دون التقوى لا سيما في يوم الفصل إذ ~~الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. # ولما أخبر بلعنهم وأشار إلى تعليله بكفرهم، صرح بتعليله بقوله: {ذلك} أي ~~اللعن التام {بما} أي بسبب ما {عصوا} أي فعلوا في ترك أحكام الله فعل ~~العاصي على الله {وكانوا يعتدون *} أي كانت مجاوزة الحدود التي حدها الله ~~لهم خلقا. # ذكر الإشارة إلى لعنهم في الزبور والإنجيل، قال في المزمور السابع ~~والسبعين من الزبور: أنصت يا شعبي لوصاياي، قربوا أسماعكم إلى قول فمي، ~~فإني أفتح بالأمثال فمي، وأنطق بالسرائر الأزلية التي سمعناها وعرفناها ~~وأخبرنا آباؤنا بها ولم يخفوها عن أبنائهم ليعرفوا الجيل الآتي تسابيح الرب ~~وقوته وعجائبه التي صنعها، أقام شهادته في يعقوب # PageV06P260 # وجعل ناموسا في إسرائيل كالذي أوصى آباءنا ليعلموا أبناءهم، لكيما يخبر ~~الجيل الآخر البنين الذين يولدون ويقومون، ويعلمون أيضا بنيهم أن يجعلوا ~~توكلهم على الله ولا ينسوا ms1235 أعمال الرب، ويتبعوا وصاياه لئلا يكونوا كآبائهم ~~الجيل المنحرف المخالف الخلف الذي لم يثق قلبه ولم يؤمن بالله المفرج عنه، ~~بنو إفرام الذين أوتروا ورفعوا عن قسيهم وانهزموا في يوم القتال لأنهم لم ~~يحفظوا عهد الرب ولم يشاؤوا أن يسيروا في سبله، ونسوا حسن أعماله وصنائعه ~~التي أظهرها قدام آبائهم، العجائب التي صنعها بأرض مصر في مزارع صاعان، فلق ~~البحر وأجازهم وأقام المياه كالزقاق، هداهم بالنهار في الغمام وفي الليل ~~أجمع بمصابيح النار، فلق صخرة في البرية وسقاهم منها كاللجج العظيمة، أخرج ~~الماء من الحجر فجرت المياه كجري الأنهار، وعاد الشعب أيضا في الخطيئة، ~~وأسخطوا العلي حيث لم يكن ماء، جربوا الله في قلوبهم بمسألة الطعام ~~لنفوسهم، وقذفوا على الله وقالوا: هل يقدر أن يصنع لنا مائدة في البرية، ~~لأنه ضرب الصخرة فجرت المياه وفاضت الأودية، هل يستطيع أن يعطينا خبزا أو ~~يعد مائدة لشعبه، سمع الرب فغضب واشتعلت النار في يعقوب، وصعد الرجز على ~~إسرائيل لأنهم لم يؤمنوا بالله ولا رجوا خلاصه، فأمر السحاب من فوق # PageV06P261 # وانفتحت أبواب السماء ليشبعوا، أهاج ريح التيمن من السماء وأتى بقوة ~~العاصف، وأنزل اللحم مثل التراب وطير السماء ذات الأجنحة مثل رمل البحار، ~~يسقطن في محالهم حول خيامهم، فأكلوا وشبعوا جدا، أعطاهم شهوتهم ولم يحرمهم ~~إرادتهم، فبينما الطعام في أفواههم إذ غضب الله نزل عليهم فقتل في كثرتهم ~~وصرع في مختاري إسرائيل، ومع هذا كله أخطؤوا إليه أيضا ولم يؤمنوا بعجائبه، ~~فنيت بالباطل أيامهم، وتصرمت عاجلا سنوهم، فحين قتلهم رغبوا إلى الله ~~وعادوا وابتكروا إليه وذكروا أن الله معينهم وأن الله العلي مخلصهم، أحبوه ~~بأفواههم وكذبوه بألسنتهم، ولم تخلص له قلوبهم ولم يؤمنوا بعهده، وهو رحيم ~~رؤوف، يغفر ذنوبهم ولا يهلكهم، ويرد كثرة سخطه عنهم ولا يبعث كل رجزه، وذكر ~~أنهم لحم وروح يذهب ولا يعود، مرارا كثيرة أسخطوه في البرية وأغضبوه في أرض ~~ظامئة، وعادوا وجربوا الله وأسخطوا قدوس إسرائيل، ولم يذكروا يده في يوم ~~نجاهم من المضطهدين - انتهى. # هذا بعض ما ms1236 في الزبور، وأما الإنجيل فطافح بذلك، منه ما في # PageV06P262 # إنجيل متى، قال: وانتقل يسوع من هناك وجاء إلى عبر الجليل، وصعد إلى ~~الجبل وجلس هناك، وجاء إليه جمع كبير معهم خرس وعمى وعرج وعسم وآخرون ~~كثيرون، فخروا عند رجليه فأبرأهم، وتعجب الجمع لأنهم نظروا الخرس يتكلمون ~~والصم يسمعون والعرج يمشون والعمى يبصرون، ومجدوا إله إسرائيل، وإن يسوع ~~دعا تلاميذه وقال لهم: إني أتحنن على هذا الجمع، لأن لهم معي ثلاثة أيام ~~ههنا، وليس عندهم ما يأكلون، ولا أريد أطلقهم صياما لئلا يضيعوا في الطريق، ~~قال مرقس: لأن منهم من جاء من بعيد - انتهى. قال له التلاميذ: من أين نجد ~~من خبز القمح في البرية ما يشبع هذا الجمع؟ فقال لهم يسوع: كم عندكم من ~~الخبز؟ فقالوا: سبعة أرغفة ويسير من السمك، فأمر الجمع أن يجلس على الأرض ~~وأخذ السبع خبزات والسمك وبارك وكسر وأعطى تلاميذه، وناول التلاميذ الجمع، ~~فأكل جميعهم وشبعوا ورفعوا فضلات الكسر سبع قفاف مملوءة، وكان الذين أكلوا ~~نحو أربعة آلاف رجل سوى النساء والصبيان، وأطلق الجمع وصعد السفينة وجاء ~~إلى تخوم مجدل - وقال مرقس: إلى نواحي مابونا - وجاء الفريسيون # PageV06P263 # والزنادقة يجربونه ويسألونه أن يريهم آية من السماء، فأجابهم يسوع قائلا: ~~إذا كان المساء قلتم: إن السماء صاحية - لاحمرارها، وبالغداة تقولون: اليوم ~~شتاء - لاحمرار جو السماء العبوس، أيها المراؤون! تعلمون آية هذا الزمان، ~~الجيل الشرير الفاسق يطلب آية، ولا يعطى إلا آية يونان النبي - وتركهم ~~ومضى، ثم جاء التلاميذ إلى العبر ونسوا أن يأخذوا خبزا - قال مرقس: ولم يكن ~~في السفينة إلا رغيف واحد - وإن يسوع قال لهم: انظروا وتحرزوا من خمير ~~الفريسيين والزنادقة - وقال مرقس: وخمير هيرودس - ففكروا قائلين: إنا لم ~~نجد خبزا، فعلم يسوع فقال لهم: لماذا تفكرون في نفوسكم يا قليلي الأمانة؟ ~~إنكم ليس معكم خبز، أما تفهمون ولا تذكرون الخمس خبزات لخمسة آلاف وكم سلا ~~أخذتم؟ والسبع خبزات لأربعة آلاف، وكم قفة أخذتم؟ لماذا لا تفهمون؟ لأني لم ~~أقل لكم من أجل الخبز، حينئذ ms1237 فهموا أنه لم يقل لهم أن يتحرزوا من خمير ~~الخبز، لكن من تعليم الزنادقة والفريسيين، وقال لوقا: تحرزوا لأنفسكم من ~~خمير الفريسيين الذي هو الرياء، لأنه ليس خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا ~~سيعلم، الذي تقولونه في الظلام سيسمع في النور، والذي وعيتموه في الآذان ~~سوف ينادى به على السطوح، # PageV06P264 # أقول لكم: يا أحبائي لا تخافوا ممن يقتل الجسد، وبعد ذلك ليس له أن يفعل ~~أكثر، خافوا ممن إذا قتل له سلطان أن يلقى في نار جهنم - وسيأتي بقية ~~الإشارة إلى لعنهم في سورة الصف إن شاء الله تعالى، والعسم جمع أعسم - ~~بمهملتين، وهو من في يده أو قدمه اعوجاج أو يده يابسة. # PageV06P265 # ولما علل تعالى لعنهم بعصيانهم وغلوهم في الباطل، بينه مخصصا للعلماء ~~منهم بزيادة تهديد، لأنهم مع كونهم على المنكر لا ينهون غيرهم عنه، مع أنهم ~~أجدر من غيرهم بالنهي، فصاروا علي منكرين شديدي الشناعة، وسكوتهم عن النهي ~~مغو لأهل الفساد ومغر لهم ولغيرهم على الدخول فيه والاستكبار منه فقال ~~تعالى: {كانوا لا يتناهون} أي لا ينهى بعضهم بعضا، وبين إغراقهم في عدم ~~المبالاة بالتنكير في سياق النفي فقال: {عن منكر} . # ولما كان الفعل ما كان من الأعمال عن داهية من الفاعل سواء كان عن علم أو ~~لا، عبر به إشارة إلى أن لهم في المناكر غرام من غلبته الشهوة، ولم يبق لهم ~~نوع علم، فقال: {فعلوه} ؛ ولما كان من طبع الإنسان النهي عن كل ما خالفه ~~طبعا أو اعتقادا، لا سيما إن تأيد بالشرع، فكان لا يكف عن ذلك إلا بتدريب ~~النفس عليه لغرض # PageV06P265 # فاسد أداه إليه، أكد مقسما معبرا بالفعل الذي يعبر به عما قد لا يصحبه ~~علم ولا يكون إلا عن داهية عظيمة فقال: {لبئس ما كانوا} أي جبلة وطبعا ~~{يفعلون *} إشارة إلى أنهم لما تكررت فضائحهم وتواترت قبائحهم صاروا إلى ~~حيز ما لا يتأتى منه العلم. # ولما أخبر بإقرارهم على المناكر، دل على ذلك بأمر ظاهر منهم لازم ثابت ~~دائم مقوض لبنيان دينهم، فقال ms1238 موجها بالخطاب لأصدق الناس فراسة وأوفرهم ~~علما وأثبتهم توسما وفهما: {ترى كثيرا منهم} أي من أهل الكتاب؛ ولما كان ~~الإنسان لا ينحاز إلى حزب الشيطان إلا بمنازعة الفطرة الأولى السليمة، أشار ~~إلى ذلك بالتفعل فقال: {يتولون} أي يتبعون بغاية جهدهم {الذين كفروا} أي ~~المشركين مجتهدين في ذلك مواظبين عليه، وليس أحد منهم ينهاهم عن ذلك ولا ~~يقبحه عليهم، مع شهادتهم عليهم بالضلال هم وأسلافهم إلى أن جاء هذا النبي ~~الذي كانوا له في غاية الانتظار وبه في نهاية الاستبشار، وكانوا يدعون ~~الإيمان به ثم خالفوه، فمنهم من استمر على المخالفة ظاهرا وباطنا، ومنهم من ~~ادعى أنه تابع واستمر على المخالفة باطنا، فكانت موالاته للمشركين دليلا ~~على كذب دعواه ومظهرة لما أضمره من المخالفة وأخفاه. # ولما كان ذلك منهم ميلا مع الهوى بغير دليل أصلا قال: # PageV06P266 # {لبئس ما قدمت} أي تقديم النزل للضيف {لهم أنفسهم} أي التي من شأنها ~~الميل مع الهوى ثم بين المخصوص بالذم - وهو ما قدمت - بقوله: {إن سخط الله} ~~أي وقع سخطه بجميع ما له من العظمة {عليهم} ولما كان من وقع السخط عليه ~~يمكن أن يزول عنه، قال مبينا أن مجرد وقوعه جدير بكل هلاك: {وفي العذاب} أي ~~الكامل من الأدنى في الدنيا والأكبر في الآخرة {هم خالدون *} . # ولما كان هذا دليلا على كفرهم، دل عليه بقوله: {ولو} أي فعلوا ذلك مع ~~دعواهم الإيمان والحال أنهم لو {كانوا} أي كلهم {يؤمنون} أي يوجد منهم ~~إيمان {بالله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة بكل شيء {والنبي} أي الذي ~~له الوصلة التامة بالله، ولذا أتبعه قوله: {وما أنزل إليه} أي من عند الله ~~أعم من القرآن وغيره إيمانا خالصا من غير نفاق {ما اتخذوهم} أي المشركين ~~مجتهدين في ذلك {أولياء} لأن مخالفة الاعتقاد تمنع الوداد، فمن كان منهم ~~باقيا على يهوديته ظاهرا وباطنا، فالألف في «النبي» لكشف سريرته للعهد، أي ~~النبي الذي ينتظرونه ويقولون: إنه غير محمد صلى الله عليه وسلم أو للحقيقة ~~أي لو كانوا يؤمنون بهذه ms1239 الحقيقة - أي حقيقة النبوة - ما والوهم، فإنه لم ~~يأت نبي إلا بتكفير المشركين - كما أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله ~~«الأنبياء أولاد علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد» # PageV06P267 # كما سيأتي قريبا في حديث أبي هريرة، يعني - والله أعلم - أن شرائعهم وإن ~~اختلفت في الفروع فهي متفقة في الأصل وهو التوحيد، ومن كان منهم قد أظهر ~~الإيمان فالمراد بالنبي في إظهار زيغه وميله وحيفه محمد صلى الله عليه ~~وسلم، لأنه نهى عن موالاة المشركين، بل عن متاركتهم، ولم يرض إلا بمقارعتهم ~~ومعاركتهم. # ولما أفهمت الشرطية عدم إيمانهم، استثنى منها منبها بوضع الفسق موضع عدم ~~الإيمان على أنه الحامل عليه فقال: {ولكن كثيرا منهم فاسقون} أي متمكنون في ~~خلق المروق من دوائر الطاعات. # PageV06P268 # ولما دل كالشمس ميلهم إلى المشركين دون المؤمنين على أنهم في غاية ~~العداوة لهم، صرح تعالى بذلك على طريق الاستنتاج، فقال دالا على رسوخهم في ~~الفسق: {* لتجدن أشد الناس} أي كلهم {عداوة للذين آمنوا} أي أظهروا الإقرار ~~بالإيمان فكيف بالراسخين فيه {اليهود} قدمهم لأنهم أشد الفريقين لأنه لا ~~أقبح من ضال على علم {والذين أشركوا} لما جمعهم من الاستهانة بالأنبياء ~~هؤلاء جهلا وأولئك عنادا وبغيا، فعرف أن من صدق في إيمانه لا يواليهم بقلبه ~~ولا بلسانه، وأنهم ما اجتمعوا على الموالاة إلا لاجتماعهم في أشدية العداوة ~~لمن # PageV06P268 # آمن، فهذه الآية تعليل لما قبلها، كأنه قيل: هب أنهم لا يؤمنون بالله ~~والنبي، وذلك لا يقتضي موادة المشركين فلم والوهم حينئذ؟ فقيل: لأن ~~الفريقين اجتمعوا في أشدية العداوة للذين آمنوا. # ولما أخبر تعالى بأبعد الناس مودة لهم، أخبر بضدهم فقال: {ولتجدن أقربهم} ~~أي الناس {مودة للذين آمنوا} أي أوجدوا الإيمان بالقلب واللسان {الذين ~~قالوا} وفي التوريك على قولهم إشارة إلى أنهم ما كانوا على حقيقة النصرانية ~~{إنا نصارى} أي لقلة اهتمامهم بالدنيا بمجرد قولهم ذلك ولو لم يكونوا ~~عريقين في الدين وإقبالهم على علم الباطن، ولذلك علله بقوله: {ذلك بأن منهم ~~قسيسين} أي مقبلين على العلم، من القس، وهو ملامة ms1240 الشيء وتتبعه {ورهبانا} ~~أي في غاية التخلي من الدنيا؛ ولما كان التخلي منها موجبا للبعد من الحسد، ~~وهو سبب لمجانبة التكبر قال: {وأنهم لا يستكبرون *} أي لا يطلبون الرفعة ~~على غيرهم ولا يوجدونها. # ولما كان ذلك علة في الظاهر ومعلولا في الباطن لرقة القلب قال: # PageV06P269 # {وإذا سمعوا} أي أتباع النصرانية {ما أنزل إلى الرسول} أي الذي ثبتت ~~رسالته بالمعجز، فكان من شأنه أن يبلغ ما أنزل إليه للناس {ترى أعينهم} ~~ولما كان البكاء سببا لامتلاء العين بالدمع وكان الامتلاء سببا للفيض الذي ~~حقيقته السيلان بعد الامتلاء، عبر بالمسبب عن السبب فقال: {تفيض من الدمع} ~~أصله: يفيض دمعها ثم تفيض هي دمعا، فهو من أنواع التمييز، ثم علل الفيض ~~بقوله: {مما عرفوا من الحق} أي وليس لهم غرض دنيوي يمنعهم عن قبوله، ثم بين ~~حالهم في مقالهم بقوله: {يقولون ربنا} أي أيها المحسن إلينا {آمنا} أي بما ~~سمعنا {فاكتبنا} . # ولما كان من شأن الشاهد إحضار القلب وإلقاء السمع والقيام التام بما يتلى ~~عليه ويندب إليه قال: {مع الشاهدين *} أي أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة، فإن تقويتنا على ذلك ليست إلا إليك ~~{وما} أي ويقولون: ما، أي أي شيء حصل أو يحصل {لنا} حال كوننا {لا نؤمن ~~بالله} أي الذي لا كفوء له ولا خير إلا منه {وما} أي وبما {جاءنا من الحق} ~~أي الأمر الثابت الذي مهما عرض على الواقع طابقه الواقع سواء كان حالا أو ~~ماضيا أو آتيا. # ولما كانوا يهضمون أنفسهم، عبروا بالطمع الذي لا نظر معه لعمل # PageV06P270 # فقالوا: {ونطمع أن يدخلنا ربنا} أي بمجرد إحسانه، لا بعمل منا، ولجريهم ~~في هذا المضمار عبروا بمع دون «في» قولهم: {مع القوم الصالحين *} هضما ~~لأنفسهم وتعظيما لرتبة الصلاح. # ولما ذكر قولهم الدال على حسن اعتقادهم وجميل استعدادهم، ذكر جزاءهم عليه ~~فقال: {فأثابهم الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {بما قالوا} أي جعل ~~ثوابهم على هذا القول المستند إلى خلوص النية الناشئ عن حسن ms1241 الطوية {جنات ~~تجري} ولما كان الماء لو استغرق المكان أفسد، أثبت الجار فقال: {من تحتها ~~الأنهار} ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال: {خالدين فيها} . # ولما كان التقدير: لإحسانهم، طرد الأمر في غيرهم فقال: {وذلك} أي الجزاء ~~العظيم {جزاء المحسنين *} أي كلهم، واختلفوا في هذه الواقعة بعد اتفاقهم ~~على أنها في النجاشي وأصحابه، وذلك مبسوط في شرحي لنظمي للسيرة النبوية، ~~فمن ذلك أنه لما قدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من مهاجرة الحبشة مع ~~أصحابه رضي الله عنهم قدم معهم سبعون رجلا بعثهم النجاشي رضي الله عنه وعن ~~الجميع وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، # PageV06P271 # عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم ~~بحيرا الراهب وأبرهة وإدريس وأشرف وثمامة وقثم ودريد وأيمن، فقرأ عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن ~~وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى! فأنزل الله فيهم هذه ~~الآية {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن ~~أقربهم مودة للذين آمنوا} [المائدة: 82]- إلى آخرها، ذكر ذلك الواحدي في ~~أسباب النزول بغير سند، ثم أسند عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {ذلك بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا} [المائدة: 82] قال: بعث النجاشي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من خيار أصحابه ثلاثين رجلا، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يس فبكوا، فنزلت فيهم هذه الآية. وإذا نظرت مكاتبات النبي صلى ~~الله عليه وسلم للملوك ازددت بصيرة في صدق هذه الآية، فإنه ما كاتب نصرانيا ~~إلا آمن، أو كان لينا ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهوذة بن علي وغيرهم، ~~وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم، وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية الفظاظة ~~ككسرى فإنه مزق كتابه صلى الله عليه وسلم ولم يجز رسوله بشيء، وأما اليهود ~~فكانوا جيران الأنصار ومواليهم # PageV06P272 # وأحبابهم، ومع ذلك فأحوالهم في العداوة غاية، كما هو واضح في السير، مبين ~~جدا في شرحي ms1242 لنظمي للسيرة، وكان السر في ذلك - مع ما تقدم من باعث الزهد - ~~أنه لما كان عيسى عليه السلام أقرب الأنبياء زمنا من زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودة لاتباع النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وإلى ذلك يشير ما رواه الشيخان في الفضائل عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا أولى الناس بعيسى ~~ابن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء أولاد علات - وفي رواية: أبناء، وفي ~~رواية: إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وليس بيني وبينه، وفي رواية: ~~وليس بيني وبين عيسى - نبي. # وفي رواية لمسلم: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة، ~~قالوا: كيف يا رسول الله! قال: الأنبياء إخوة من علات، أمهاتهم شتى ودينهم ~~واحد، فليس بيننا نبي» . # PageV06P273 # ولما ذكر سبحانه وتعالى جزاء المطيعين المبادرين إلى الإذعان ترغيبا، ذكر ~~جزاء من لم يفعل فعلهم ترهيبا فقال: {والذين كفروا} أي ستروا ما أوضحته له ~~عقولهم من الدلالة على صحة ما دعتهم إليه الرسل {وكذبوا} أي عنادا ~~{بآياتنا} أي بالعلامات المضافة لعظمها إلينا {أولئك} أي البعداء من الرحمة ~~{أصحاب الجحيم *} أي الذين لا ينفكون # PageV06P273 # عنها، لا غيرهم من العصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم. # ولما مدح سبحانه الرهبان، وكان ذلك داعيا إلى الترهب، وكانت الرهبانية ~~حسنة بالذات قبيحة بالعرض، شريفة في المبدأ دنية في المآل، فإنها مبنية على ~~الشدة والاجتهاد في الطاعات والتورع عن أكثر المباحات، والإنسان مبني على ~~الضعف مطبوع على النقائص، فيدعوه طبعه ويساعده ضعفه إلى عدم الوفاء بما ~~عاقد عليه، ويسرع بما له من صفة العجلة إليه، فيقع في الخيانة كما قال ~~تعالى: {فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] عقب ذلك بالنهي عنها في هذا ~~الدين والإخبار عنه بأنه بناه على التوسط رحمة منه لأهله ولطفا بهم تشريفا ~~لنبيهم صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عن الإفراط فيه والتفريط فقال تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا} أي وجد منهم الإقرار بذلك {لا تحرموا} أي تمنعوا ms1243 ~~أنفسكم بنذر أو يمين أو غيرهما تصديقا لما أقررتم به، ورغبهم في امتثال ~~أمره بأن جعله موافقا لطباعهم ملائما لشهواتهم فقال: {طيبات ما} أي ~~المطيبات وهي اللذائذ التي {أحل الله} وذكر هذا الاسم الأعظم مرغب في ذلك، ~~فإن الإقبال على المنحة يكون على مقدار المعطي، وأكد ذلك بقوله: {لكم} أي ~~وأما هو سبحانه فهو منزه عن الأغراض، لا ضر يلحقه ولا نفع، لأن له الغنى ~~المطلق. # ولما أطلق لهم ذلك، حثهم على الاقتصاد، وحذرهم من مجاوزة الحد # PageV06P274 # إفراطا وتفريطا فقال: {ولا تعتدوا} فدل بصيغة الافتعال على أن الفطرة ~~الأولى مبنية على العدل، فعدولها عنه لا يكون إلا بتكلف، ثم علل ذلك بقوله ~~مؤكدا لاستبعاد أن ينهى عن الإمعان في العبادة: {إن الله} أي وهو الملك ~~الأعظم {لا يحب المعتدين *} أي لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في ~~الورع بحيث يحرمون ما أحللت، ولا للمفرطين فيه الذين يحللون ما حرمت، أي ~~يفعلون فعل المحرم من المنع وفعل المحلل من التناول، وما ذكر من سبب نزول ~~الآية واضح في ذلك؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما «أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ~~إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء وإني حرمت علي اللحم، فنزلت: ~~{لا تحرموا ما أحل الله لكم} ونزلت: {وكلوا مما رزقكم الله} # [المائدة: 88] «. وأخرجه الترمذي في التفسير من جامعه وقال: حسن غريب، ~~ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلا. وقال الواحدي: وتبعه عليه البغوي: قال ~~المفسرون:» جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناس ووصف القيامة ولم ~~يزدهم على التخويف فرق الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة رضي الله عنهم ~~في بيت عثمان بن مظعون # PageV06P275 # الجمحي، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد ~~الله بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود ~~وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا ms1244 الليل ~~ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ~~ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير؛ ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «ألم أنبأ أنكم اتفقتم ~~على كذا وكذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله! وما أردنا إلا الخير، فقال: إني لم ~~أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا. وقوموا وناموا، فإني ~~أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، ومن رغب عن سنتي فليس مني؛ ثم ~~جمع الناس فخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم ~~وشهوات الدنيا! أما! إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا، فإنه ليس في ~~ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ~~ورهبانيتهم الجهاد، واعبدوا الله # PageV06P276 # ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا ~~رمضان، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا فشدد الله عليهم، فأولئك ~~بقاياهم في الديارات والصوامع» ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالوا: يا ~~رسول الله! فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما عليه ~~اتفقوا، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} ~~[المائدة: 89، والبقرة: 225] ، ولا تعارض بين الخبرين لإمكان الجمع بأن ~~يكون الرجل لما سمع تذكير النبي صلى الله عليه وسلم سأل، ولو لم يجمع صح أن ~~يكون كل منهما سببا، فالشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة، بعضها أقرب من ~~بعض، فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما روى البغوي بسنده من طريق ابن المبارك ~~في كتاب الزهد عن سعد بن مسعود «أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: ائذن لنا في الاختصاء، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ليس منا من خصي ولا اختصى، إن خصاء أمتي الصيام، فقال: يا رسول ~~الله! ائذن لنا في السياحة، فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله. ~~فقال: يا رسول الله! ائذن لنا في الترهب، فقال: إن ترهب ms1245 أمتي الجلوس في ~~المساجد انتظارا لصلاة» # PageV06P277 # وللشيخين والترمذي والنسائي والدارمي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ~~أيضا قال: «أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولو أذن له - وفي رواية: ولو أجاز له - التبتل لاختصينا» وللدارمي عن ~~سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أيضا قال: «لما كان من أمر عثمان بن مظعون ~~رضي الله عنه الذي كان ممن ترك النساء بعث إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا عثمان! إني لم أومر بالرهبانية، أرغبت عن سنتي؟ قال: لا يا ~~رسول الله! قال: إن من سنتي أن أصلي وأنام وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني، يا عثمان! إن لأهلك عليك حقا، ولعينك عليك حقا، قال ~~سعد: فوالله لقد كان أجمع رجال من المؤمنين على أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن هو أقر عثمان على ما هو عليه أن نختصي فنتبتل» وقال شيخنا ابن حجر ~~في تخريج أحاديث الكشاف: وروى الطبراني من طريق ابن جريج عن مجاهد قال: ~~«أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا ~~أنفسهم ويلبسوا المسوح» ومن طريق ابن جريج عن عكرمة «أن عثمان بن مظعون ~~وعلي # PageV06P278 # بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالما مولى أبي حذيفة في ~~جماعة رضي الله عنهم تبتلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء ولبسوا ~~المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام ~~الليل وصيام النهار، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم} - الآية، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن ~~لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا» ~~وللترمذي عن سمرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل. # وقرأ قتادة: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} ~~وللنسائي عن عائشة رضي الله عنها نحوه وأشار إليه الترمذي. وللطبراني في ~~الأوسط ms1246 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا. يقول: «تزوجوا الودود الولود، ~~فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» ومنها ما روى الشيخان عن عبد الله # PageV06P279 # رضي الله عنه أنه قال: «كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس ~~لنا شيء - وفي رواية: نساء، وفي رواية: كنا ونحن شباب - فقلنا: يا رسول ~~الله! ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم ~~قرأ علينا عبد الله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~» الآية. # ومنها ما روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قلت: يا ~~رسول الله! إني رجل شاب، وإني أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به ~~النساء - قال النسائي: أفاختصي - فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم ~~قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~أبا هريرة! جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر- وقال النسائي: أو ~~دع» ومنها ما روى الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «جاء ~~ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن يسألون ~~عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم - وفي رواية مسلم والنسائي أن نفرا من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~عمله # PageV06P280 # في السر - فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا ~~فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا ~~أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا؛ وفي رواية: وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال ~~بعضهم: لا أنام على فراش؛ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله ~~وأثنى عليه وقال: ms1247 ما بال أقوام كذا وكذا! وفي رواية: فجاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا! أما والله إني ~~لأخشاكم لله وأتقاكم له! لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني» والمبهمون في الحديث - قال شيخنا في مقدمة شرحه ~~للبخاري - هم ابن مسعود وأبو هريرة وعثمان بن مظعون، وسيأتي مفرقا ما يشير ~~إلى ذلك، يعني ما قدمته أنا، قال: وقيل: هم سعد بن أبي وقاص وعثمان بن ~~مظعون وعلي بن أبي طالب، وفي مصنف عبد الرزاق من طريق سعيد بن المسيب أن ~~منهم عليا وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، وقال شيخنا في تخريج ~~أحاديث الكشاف: إن هذا أصل ما رواه الواحدي عن المفسرين، وللشيخين والترمذي ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما ~~نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما # PageV06P281 # أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» ، وفي رواية: ~~«ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم» ولأبي داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم» وللإمام أحمد في المسند عن أنس ~~رضي الله عنه والحاكم في علوم الحديث في فن الغريب - وهذا لفظه - عن جابر ~~بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا ~~الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض عبادة الله إليك، فإن المنبت لا أرضا ~~قطع ولا ظهرا أبقى» المتين: الصلب الشديد، والإيغال: المبالغة، والمنبت - ~~بنون وموحدة وفوقانية مشددة هو الذي انقطع ظهره، وروى البخاري عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد ~~الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا؛ وفي بعض الروايات: والقصد ~~القصد تبلغوا» ولمسلم وابن ماجه - وهذا لفظه - عن حنظلة الكاتب التميمي ~~الأسيدي ms1248 رضي الله عنه قال: «كنا # PageV06P282 # عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا الجنة والنار حتى كانا رأي ~~العين، فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت، قال: فذكرت الذي كنا فيه، فخرجت ~~فلقيت أبا بكر رضي الله عنه فقلت: نافقت نافقت! فقال أبو بكر: إنا لنفعله، ~~فذهب حنظلة فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا حنظلة! لو كنتم كما ~~تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو على طرقكم، يا حنظلة! ساعة ~~وساعة» ولفظ مسلم من طرق جمعت متفرقها عن حنظلة - وكان من كتاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا ~~حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة كانا رأي عين، فإذا خرجنا من ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا ~~كثيرا، قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا ~~وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يا ~~رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» وما ذاك «؟ قلت: يا رسول ~~الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا رأي # PageV06P283 # عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» والذي نفسي بيده! أن لو تدومون على ما ~~تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا ~~حنظلة ساعة وساعة وساعة - ثلاث مرات «» وفي رواية: قال: «كنا عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فوعظنا فذكرنا النار - وفي رواية: الجنة والنار - ثم ~~جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ~~ذلك له فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر، فلقينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة! فقال: مه؟ فحدثته بالحديث، فقال أبو ~~بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: ms1249 يا حنظلة! ساعة وساعة، فلو كانت تكون ~~قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق» # ومن هنا تبين لك مناسبة أول المجادلة لآخر الحديد التي كاع في معرفتها ~~الأفاضل، وكع عن تطلبها لغموضها الأكابر الأماثل، وسيأتي إن شاء الله تعالى ~~بيان ذلك وإيضاح ما فيه من لطيف المسالك، ومن هذه الآية وقع الالتفات إلى ~~قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [الأنعام: 1] وقوله تعالى: {قل أحل ~~لكم الطيبات} [المائدة: 4] وما أحسن تصديرها # PageV06P284 # بيا أيها الذين آمنوا - كما صدر أول السورة به، وقد مضى بيان جميع ما مضى ~~في الوفاء بالعقود، فكان كأنه تعالى قال: أوفوا بالعقود، فلا تتهاونوا بها ~~فتنقضوها، ولا تبالغوا فيها فتكونوا معتدين فتضعفوا، فإنه لن يشاد الدين ~~أحد إلا غلبه، بل سددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا، وقال ابن الزبير بعد ~~قوله: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} [المائدة: 14] ثم فصل ~~للمؤمنين أفعال الفريقين - أي اليهود والنصارى - ليتبين لهم فيما نقضوا، ثم ~~بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة} ~~[المائدة: 82] . ثم نصح عباده وبين لهم أبوابا منها دخول الامتحان، وهي سبب ~~في كل الابتلاء، فقال: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا} ~~[المائدة: 87] فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم شارعين لأنفسكم وظالمين - انتهى. و ~~{ما أحل} شامل لكل ما كانوا أرادوا أن يتورعوا عنه من المآكل والملابس ~~والمناكح والنوم وغير ذلك. # PageV06P285 # ولما كان الحال لما ألزموا به أنفسهم مقتضيا للتأكيد، أمر بالأكل بعد أن ~~نهى عن الترك ليجتمع على إباحة ذلك الأمر والنهي فقال: {وكلوا} ورغبهم فيه ~~بقوله: {مما رزقكم الله} أي الملك الأعظم الذي لا يرد عطاؤه. # ولما كان الرزق يقع على الحرام، قيده بعد القيد بالتبعيض بقوله: {حلالا} ~~ولما كان سبحانه قد جعل الرزق شهيا، وصفه # PageV06P285 # امتنانا وترغيبا فقال: {طيبا} ويجوز أن يكون قيدا محذرا مما فيه شبهة ~~تنبيها على الورع، ويكون معنى طيبه تيقن حله، فيكون بحيث تتوفر الدواعي على ~~تناوله دينا توفرها على تناول ms1250 ما هو نهاية في اللذة شهوة وطبعا، وأن يكون ~~مخرجا لما تعافه النفس مما أخذ في الفساد من الأطعمة لئلا يضر، قال ابن ~~المبارك: الحلال ما أخذ من جهته، والطيب ما غذي ونمي، فأما الطين والجوامد ~~وما لا يغذي فمكروه إلا على جهة التداوي، وأن يكون مخرجا لما فوق سد الرمق ~~في حالة الضرورة، ولهذا وأمثاله قال: {واتقوا الله} أي الملك الذي له ~~الجلال والإكرام من أن تحلوا حراما أو تحرموا حلالا، ثم وصفه بما يوجب رعي ~~عهوده والوقوف عند حدوده فقال: {الذي أنتم به مؤمنون *} أي ثابتون على ~~الإيمان به، فإن هذا الوصف يقتضي رعي العهود، وخص سبحانه الأكل، والمراد ~~جميع ما نهي عن تحريمه من الطيبات، لأنه سبب لغيره من المتمتعات، فلما نزلت ~~- كما نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما - هذه الآية قالوا: يا ~~رسول الله! وكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما ~~اتفقوا عليه - كما تقدم، فأنزل الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله} أي على ما له ~~من تمام الجلال {باللغو} وهو ما يسبق إليه اللفظ من غير قصد {في أيمانكم} ~~على أني لم أعتمد على # PageV06P286 # سبب النزول في المناسبة إلا لدخوله في المعنى، لا لكونه سببا، فإنه ليس ~~كل سبب يدخل في المناسبة - كما بينته في أول غزوة أحد في آل عمران، وإنما ~~كان السبب هنا داخلا في مناسبة النظم، لأن تحريم ما أحل يكون تارة بنذر ~~وتارة بيمين، والنذر في المباح - وهو مسألتنا - لا ينعقد وكفارته كفارة ~~يمين، فحينئذ لم تدع الحاجة إلا إلى التعريف بالأيمان وأحكامها، فقسمها ~~سبحانه إلى قسمين: مقصود وغير مقصود، فأما غير المقصود فلا اعتبار به، وأما ~~المقصود فقسمان: حلف على ماض، وحلف على آت، فأما الحلف على الماضي فهو ~~اليمين الغموس التي لا كفارة لها عند بعض العلماء، وسيأتي في آية الوصية، ~~وأما الحلف على الآتي - وهو الذي يمكن التحريم به - فذكر حكمه هنا بقوله ~~تعالى: {ولكن يؤاخذكم} . # ولما كان مطلق الحلف الذي منه اللغو ms1251 يطلق عليه عقد لليمين، أعلم أن ~~المؤاخذة إنما هي بتعمد القلب، وهو المراد بالكسب في الآية الأخرى، فعبر ~~بالتفعيل في قراءة الجماعة، والمفاعلة على قراءة ابن عامر تنبيها على أن ~~ذلك هو المراد من قراءة حمزة والكسائي بالتخفيف فقال {بما عقدتم الأيمان} ~~أي بسبب توثيقها وتوكيدها وإحكامها بالجمع # PageV06P287 # بين اللسان والقلب، سواء كان على أدنى الوجوه كما تشير إليه قراءة ~~التخفيف، أو على أعلاها كما تشير إليه قراءة التشديد، فلا يحل لكم الحنث ~~فيها إلا بالكفارة بخلاف اللغو فإنه باللسان فقط، فلا عقد فيه فضلا عن ~~تعقيد، و «ما» مصدرية. # ولما أثبت المؤاخذة سبب عنها قوله: {فكفارته} أي الأمر الذي يستر النكث ~~والحنث عن هذا التعقيد، ويزيل أثره بحيث تصيرون كأنكم ما حلفتم {إطعام عشرة ~~مساكين} أي أحرار مساكين، لكل مسكين ربع صاع، وهو مدمن طعام، وهو رطل وثلث ~~{من أوسط ما} كان عادة لكم أنكم {تطعمون أهليكم} أي من أعدله في الجودة ~~والقدر كمية وكيفية، فهو مد جيد من غالب القوت، سواء كان من الحنطة أو من ~~التمر أو غيرهما. # ولما بدأ بأقل ما يكفي تخفيفا ورحمة، عطف على الإطعام ترقيا قوله: {أو ~~كسوتهم} أي بثوب يغطي العورة من قميص أو إزار أو غيرهما مما يطلق عليه اسم ~~الكسوة {أو تحرير} أي إعتاق {رقبة} أي مؤمنة سليمة عما يخل بالعمل - كما ~~تقدم في كفارة القتل - حملا لمطلق الكفارات على ذلك المقيد، ولأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما استأذنه أحد في إعتاق رقبة في كفارة إلا اختبر إيمانها، ~~هذا ما على المكلف على # PageV06P288 # سبيل التخيير من غير تعيين. والتعيين إليه إذا كان واجدا للثلاثة أو ~~لأحدها، والإتيان بأحدها مبرئ من العهدة، لأن كل واحد من الثلاثة بعينه أخص ~~من أحدها على الإبهام، والإتيان بالخاص يستلزم الإتيان بالعام {فمن لم يجد} ~~أي واحدا منها فاضلا عن قوته وقوت من تلزمه مؤنته {فصيام} أي فالكفارة صيام ~~{ثلاثة أيام} ولو متفرقة. # ولما تم ذلك. أكده في النفوس وقرره بقوله: {ذلك} أي الأمر ms1252 العدل الحسن ~~الذي ذكر {كفارة أيمانكم} أي المعقدة {إذا حلفتم} وأردتم نكثها سواء كان ~~ذلك قبل الحنث أو بعده. # ولما كان التقدير: فافعلوا ما قدرتم عليه منه، عطف عليه لئلا تمتهن ~~الأيمان لسهولة الكفارة قوله: {واحفظوا أيمانكم} أي فلا تحلفوا ما وجدتم ~~إلى ذلك سبيلا، ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، فإنه سبحانه عظيم، ومن أكثر ~~الحلف وقع في المحذور ولا بد، وإذا حلفتم فلا تحنثوا دون تكفير، ويجوز ~~للمكفر الجمع بين هذه الخصال كلها واستشكل، وحله بما قال الشيخ سعد الدين ~~التفتازاني في التلويح في بحث أو: والمشهور في الفرق بين التخيير والإباحة ~~أنه يمنتع في التخيير الجمع ولا يمتنع في الإباحة، لكن الفرق هاهنا أنه لا ~~يجب في الإباحة الإتيان بواحد وفي التخيير يجب، وحينئذ إن كان الأصل فيه ~~الحظر وثبت # PageV06P289 # الجواز بعارض الأمر - كما إذا قال: بع من عبيدي هذا أو ذاك - يمتنع الجمع ~~ويجب الاقتصار على الواحد. # لأنه المأمور به. وإن كان الأصل فيه الإباحة ووجب بالأمر واحد - كما في ~~خصال الكفارة - يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية، وهذا يسمى التخيير على ~~سبيل الإباحة - انتهى. # ولما اشتملت هذه الآيات من البيان على ما يدهش الإنسان كان كأنه قيل: هل ~~يبين كل ما يحتاج إليه هكذا؟ فنبه من هذه الغفلة بقوله: {كذلك} أي مثل هذا ~~البيان العظيم الشأن {يبين الله} أي على ما له من العظمة {لكم آياته} أي ~~أعلام شريعته وأحكامه على ما لها من العلو بإضافتها إليه. # ولما اشتمل ما تقدم من الأحكام والحكم والتنبيه والإرشاد والإخبار بما ~~فيها من الاعتبار على نعم جسيمة وسنن جليلة عظيمة، ناسب ختمها بالشكر ~~المربى لها في قوله على سبيل التعليل المؤذن بقطعها إن لم توجد العلة: ~~{لعلكم تشكرون *} أي يحصل منكم الشكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية. # PageV06P290 # ولما تم بيان حال المأكل وكان داعية إلى المشرب، احتيج إلى بيانه، فبين ~~تعالى المحرم منه. فعلم أن ما عداه مأذون في التمتع به، # PageV06P290 # وذلك محاذ في تحريم شيء مقترن باللازم بعد إحلال ms1253 آخر لما في أول السورة ~~من تحريم الميتة وما ذكر معها بعد إحلال بهيمة الأنعام وما معها، فقال ~~تعالى مذكرا لهم بما أقروا به من الإيمان الذي معناه الإذعان: {يا أيها ~~الذين آمنوا} أي أقروا به. ونبههم على ما يريد العدو بهم من الشر بقوله ~~تعالى: {إنما الخمر} وهي كل ما أسكر سواء فيه قليله وكثيره، وأضاف إليها ما ~~واخاها في الضرر دينا ودنيا وفي كونه سببا للخصام وكثرة اللغط المقتضي ~~للحلف والإقسام تأكيدا لتحريم الخمر بالتنبيه على أن الكل من أفعال ~~الجاهلية، فلا فرق بين شاربها والذابح على النصب والمعتمد على الأزلام ~~فقال: {والميسر} أي الذي تقدم ذكره في البقرة {والأنصاب والأزلام} المتقدم ~~أيضا ذكرهما أول السورة، والزلم: القدح لا ريش له - قاله البخاري؛ وحكمة ~~ترتيبها هكذا أنه لما كانت الخمر غاية في الحمل على إتلاف المال، قرن بها ~~ما يليها في ذلك وهو القمار، ولما كان الميسر مفسدة المال، قرن به مفسدة ~~الدين وهي الأنصاب، ولما كان تعظيم الأنصاب شركا جليا إن عبدت، وخفيا إن ~~ذبح عليها دون عبادة، قرن بها نوعا من الشرك الخفي وهو الاستقسام بالأزلام: ~~ثم أمر باجتناب الكل إشارة وعبارة على أتم وجه فقال: {رجس} أي قذر أهل لأن ~~يبعد عنه بكل اعتبار حتى عن ذكره سواء كان عينا أو معنى، وسواء كانت ~~الرجسية في الحس أو المعنى، # PageV06P291 # ووحد الخبر للنص على الخمر والإعلام بأن أخبار الثلاثة حذفت وقدرت، لأنها ~~أهل لأن يقال في كل واحد منها على حدتها كذلك ولا يكفي عنها خبر واحد على ~~سبيل الجمع؛ ثم زاد في التنفير عنها تأكيدا لرجسيتها بقوله: {من عمل ~~الشيطان} أي المحترق البعيد، ثم صرح بما اقتضاه السياق من الاجتناب فقال: ~~{فاجتنبوه} أي تعمدوا أن تكونوا عنه في جانب آخر غير جانبه. وأفرد لما تقدم ~~من الحكم، ثم علل بما يفهم أنه لا فوز بشيء من المطالب مع مباشرتها فقال: ~~{لعلكم تفلحون *} أي تظفرون بجميع مطالبكم، روى البخاري في التفسير عن ابن ~~عمر رضي الله ms1254 عنهما قال: «لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء» وفي ~~رواية: «نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب ~~العنب» وفي رواية عنه: «سمعت عمر على منبر النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب - وفي ~~رواية: من الزبيب - والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل» ~~وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا، وإني ~~لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال: # PageV06P292 # حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس! فما سألوا عنها ولا راجعوها ~~بعد خبر الرجل» وفي رواية عنه: «حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر ~~الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر» قال الأصبهاني: وذلك بعد ~~غزوة الأحزاب بأيام. # ولما كانت حكمة النهي عن الأنصاب والأزلام قد تقدمت في أول السورة، وهي ~~أنها فسق، اقتصر على بيان علة النهي عن الخمر والميسر إعلاما بأنهما ~~المقصودان بالذات، وإن كان الآخرين ما ضما إلا لتأكيد تحريم هذين - كما ~~تقدم، لأن المخاطب أهل الإيمان، وقد كانوا مجتنبين لذينك، فقال مؤكدا لأن ~~الإقلاع عما حصل التمادي في المرون عليه يحتاج إلى مثل ذلك: {إنما يريد ~~الشيطان} أي بتزيين الشرب والقمار لكم {أن يوقع بينكم العداوة} . # ولما كانت العداوة قد تزول أسبابها، ذكر ما ينشأ عنها مما إذا استحكم ~~تعسر أو تعذر زواله، فقال: {والبغضاء في الخمر والميسر} أي تعاطيهما لأن ~~الخمر تزيل العقل، فيزول المانع من إظهار الكامن من الضغائن والمناقشة ~~والمحاسدة، فربما أدى ذلك إلى حروب طويلة وأمور مهولة، والميسر يذهب المال ~~فيوجب ذلك الإحنة على من سلبه ماله ونغص عليه أحواله. # ولما ذكر ضررهما في الدنيا، ذكر ضررهما في الدين فقال: # PageV06P293 # {ويصدكم عن ذكر الله} أي الملك الأعظم الذي لا إله لكم غيره ولا كفوء له، ~~وكرر الجار تأكيدا للأمر وتغليظا في التحذير فقال: {وعن الصلاة} أما في ~~الخمر فواضح، وأما في الميسر ms1255 فلأن الفائز ينسى ببطر الغلبة، والخائب مغمور ~~بهمه، وأعظم التهديد بالاستفهام والجملة الاسمية الدالة على الثبات بعد ~~التأكيد بالحصر والضم إلى فعل الجاهلية وبيان الحكم الداعية إلى الترك ~~والشرور المنفرة عن الفعل فقال: {فهل أنتم منتهون *} أي قبل أن يقع بكم ما ~~لا تطيقون. # ولما كان ذلك مألوفا لهم محبوبا عندهم، وكان ترك المألوف أمر من ضرب ~~السيوف، أكد دعوتهم إلى اجتنابه محذرا من المخالفة بقوله عاطفا على ما ~~تقديره: فانتهوا: {وأطيعوا الله} أي الملك الأعلى الذي لا شريك له ولا أمر ~~لأحد سواه، أي فيما أمركم به من اجتناب ذلك، وأكد الأمر بإعادة العامل ~~فقال: {وأطيعوا الرسول} أي الكامل في الرسلية في ذلك، وزاد في التخويف ~~بقوله: {واحذروا} أي من المخالفة، ثم بلغ الغاية في ذلك بقوله: {فإن ~~توليتم} أي بالإقبال على شيء من ذلك، وأشار بصيغة التفعل إلى أن ذلك إنما ~~يعمل بمعالجة من النفس للفطرة الأولى، وعظم الشأن في ابتداء الجزاء ~~بالتنبيه # PageV06P294 # بالأمر بالعلم فقال: {فاعلموا} أنكم لم تضروا إلا أنفسكم، لأن الحجة قد ~~قامت عليكم، ولم يبق على الرسول شيء لأنكم علمتم {أنما على رسولنا} أي ~~البالغ في العظمة مقدارا يجل عن الوصف بإضافته إلينا {البلاغ المبين *} أي ~~البين في نفسه الموضح لكل من سمعه ما يراد منه لا غيره، فمن خالف فلينظر ما ~~يأتيه من البلاء من قبلنا، وهذا ناظر إلى قوله: # {بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] فكأنه قيل: ما عليه إلا ما تقدم ~~من إلزامنا له به من البلاغ، فمن اختار لنفسه المخالفة كفر، والله لا يهدي ~~من كان مختارا لنفسه الكفر. # PageV06P295 # ولما كانوا قد سألوا عند نزول الآية عما من شأن الأنفس الصالحة الناظرة ~~للورع المتحرك للسؤال عنه، وهو من مات منهم وهو يفعلهما، قال جوابا لذلك ~~السؤال: {ليس على الذين آمنوا وعملوا} أي تصديقا لإيمانهم {الصالحات جناح} ~~فبين سبحانه أن هذا السؤال غير وارد لأنهم لم يكونوا منعوا منهما، وكانوا ~~مؤمنين عاملين للصالحات متقين لما يسخط الرب من المحرمات، وقد ms1256 بين ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: «حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم ~~يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، # PageV06P295 # فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم {يسئلونك عن الخمر ~~والميسر} [البقرة: 219] ، فقال الناس: لم يحرم علينا، إنما قال: إن فيهما ~~إثما، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين ~~المغرب فخلط في قراءته، فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] فكانوا يشربونها حتى يأتي أحدهم الصلاة ~~وهو مفيق، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام} [المائدة: 90] ، فقالوا: انتهينا يا رب! وقال الناس: يا رسول ~~الله! ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ~~ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجسا من مل الشيطان! فأنزل الله {ليس على ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} [المائدة: 93] ، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم» ولا يضر كونه من رواية أبي ~~معشر وهو ضعيف لأنه موافق لقواعد الدين، وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه ~~قال: «كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة رضي الله عنه وما ~~شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، وإذا مناد ينادي: ألا! إن الخمر قد حرمت، ~~فقال لي أبو طلحة رضي الله عنه: اخرج فاهرقها، # PageV06P296 # فهرقتها، فقال بعض القوم: قد قتل فلان وفلان وهي في بطونهم؟ فأنزل الله ~~تعالى {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} على أنه لو لم يرد هذا ~~السبب كانت المناسبة حاصلة، وذلك أنه تعالى لما أباح الطيب من المأكل وحرم ~~الخبيث من المشرب، نفى الجناح عمن يأكل ما أذن فيه أو يشرب عدا ما حرمه. ~~فأتى بعبارة تعم المأكل والمشرب فقال: {فيما طعموا} أي مأكلا كان أو مشربا، ~~وشرط ذلك عليهم بالتقوى ليخرج المحرمات ms1257 فقال: {إذا ما اتقوا} أي أوقعوا ~~جميع التقوى التي تطلب منهم فلم يطعموا محرما. # ولما بدأ بالتقوى وهي خوف الله الحامل على البعد عن المحرمات، ذكر أساسها ~~الذي لا تقبل إلا به فقال: {وآمنوا} ولما ذكر الإقرار باللسان، ذكر مصداقه ~~فقال: {وعملوا} أي بما أداهم إليه اجتهادهم بالعلم لا اتفاقا {الصالحات ثم ~~اتقوا} أي فاجتنبوا ما جدد عليهم تحريمه {وآمنوا} أي بأنه من عند الله، وأن ~~الله له أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، وهكذا كلما تكرر تحريم شيء كانوا ~~يلابسونه. # ولما كان قد نفى الجناح أصلا ورأسا، شرط الإحسان فقال: {ثم اتقوا ~~وأحسنوا} أي لازموا التقوى إلى أن أوصلتهم إلى مقام المراقبة، وهي الغنى عن ~~رؤية غير الله، فأفهم ذلك أن من لم يبلغ # PageV06P297 # رتبة الإحسان لا يمتنع أن يكون عليه جناح مع التقوى والإيمان، يكفر عنه ~~بالبلايا والمصائب حتى ينال ما قدر له مما لم يبلغه عمله من درجات الجنان، ~~ومما يدل على نفاسة التقوى وعزتها أنه سبحانه لما شرطها في هذا العموم، حث ~~عليها عند ذكر المأكل بالخصوص - كما مضى فقال «واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون» ، وهذا في غاية الحث على التورع في المأكل والمشرب وإشارة إلى أنه ~~لا يوصل إلى مقام الإحسان إلا به - والله الموفق؛ ولما كان التقدير: فإن ~~الله يحب المتقين المؤمنين، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له صفات الكمال ~~{يحب المحسنين} . # ولما ذكر ما حرم من الطعام في كل حال، وكان الصيد ممن حرم في بعض ~~الأوقات، وكان من أمثل مطعوماتهم، وكان قد ذكر لهم بعض أحكامه عقب قوله: ~~{أحلت لكم بهيمة الأنعام} {وأحل لكم الطيبات} أخذ هنا في ذكر شيء من ~~أحكامه، وابتدأها - لأنهم خافوا على من مات منهم على شرب الخمر قبل تحريمها ~~بأنه يبتليهم لتمييز الورع منهم من غيره - بالصيد في الحال التي حرمه عليهم ~~فيها كما ابتلى إسرائيل في السبت، فكان ذلك سببا لجعلهم قردة، ومن سبحانه ~~على الصحابة من هذه الأمة بالعصمة عند بلواهم بيانا ms1258 لفضلهم على من سواهم، ~~فقال تعالى مناديا لهم # PageV06P298 # بما يكفهم ذكره عن المخالفة: {يا أيها الذين آمنوا} أي أوقعوا الإيمان ~~ولو على أدنى وجوهه، فعم بذلك العالي والداني {ليبلونكم الله} أي يعاملكم ~~معاملة المختبر في قبولكم تحريم الخمر وغيره المحيط بكل شيء قدرة وعلما، ~~وذكر الاسم الأعظم إشارة بالتذكير بما له من الجلال إلى أن له أن يفعل ما ~~يشاء، وأشار إلى تحقير البلوى تسكينا للنفوس بقوله: {بشيء من الصيد} أي ~~الصيد في البر في الإحرام، وهو ملتفت إلى قوله: {هل أنبئكم بشر من ذلك ~~مثوبة عند الله} [المائدة: 60] وشارح لما ذكر أول السورة في قوله {غير محلي ~~الصيد وأنتم حرم} ، وما ذكر بعد المحرمات من قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} # [المائدة: 4] ، ووصف المبتلى به بوصف هو من أعلام النبوة فقال: {تناله ~~أيديكم} أي إن أردتم أخذه سالما {ورماحكم} إن أردتم قتله، ثم ذكر المراد من ~~ذلك وهو إقامة الحجة على ما يتعارفه العباد بينهم فقال: {ليعلم الله} أي ~~وهو الغني عن ذلك بما له من صفات الكمال التي لا خفاء بها عند أحد يعلم هذا ~~الاسم الأعظم {من يخافه بالغيب} أي بما حجب به من هذه الحياة الدنيا التي ~~حجبتهم عن أن يعرفوه حق معرفته سبحانه، والمعنى أنه يخرج بالامتحان ما كان ~~من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فيصير تعلق العلم به ~~تعلقا شهوديا كما كان تعلقا غيبيا لتقوم بذلك الحجة على الفاعل في مجاري ~~عاداتهم، ويزداد من # PageV06P299 # له اطلاع على اللوح المحفوظ من الملائكة إيمانا ويقينا وعرفانا، وقد حقق ~~سبحانه معنى هذه الآية فابتلاهم بذلك عام الحديبية حتى كان يغشاهم الصيد في ~~رحالهم ويمكنهم أخذه بأيديهم. # ولما كان هذا زاجرا في العادة عن التعرض لما وقعت البلوى به وحاسما للطمع ~~فيه بمن اتسم بما جعل محط النداء من الإيمان، سبب عنه قوله: {فمن اعتدى} أي ~~كلف نفسه مجاوزة الحد في التعرض له؛ ولما كان سبحانه يقبل التوبة عن عباده، ~~خص الوعيد بمن استغرق الزمان بالاعتداء ms1259 فأسقط الجار لذلك فقال: {بعد ذلك} ~~أي الزجر العظيم {فله عذاب أليم *} بما التذ من تعرضه إليه لما عرف بالميل ~~إلى هذا أنه إلى ما هو أشهى منه كالخمر وما معها أميل. # PageV06P300 # ولما أخبرهم بالابتلاء صرح لهم بما لوح إليه بذكر المخافة من تحريم ~~التعرض لما ابتلاهم به، فقال منوها بالوصف الناهي عن الاعتداء: {يا أيها ~~الذين آمنوا} وذكر القتل الذي هو أعم من الذبح إشارة إلى أن الصيد - لما ~~عنده من النفرة المانعة من التمكن من ذبحه - يحبس بأي وجه كان من أنواع ~~القتل فقال: {لا تقتلوا الصيد} أي لا تصطادوا ما يحل أكله من الوحش، وأما ~~غير المأكول فيحل قتله، فإنه لاحظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه ~~المراد بالفسق في قوله صلى الله عليه وسلم: «خمس في الدواب فواسق، لا جناح ~~على من قتلها في حل ولا حرم» وذكر منهن السبع العادي، فدل الحكم برفع ~~الجناح عقب الوصف بالفسق # PageV06P300 # على أنه علة الإباحة، ولا معنى لفسقها إلا أذاها {وأنتم حرم} أي محرومون ~~أو في الحرم. # ولما كان سبحانه عالما بأنه لا بد أن يوافق موافق تبعا لأمره ويخالف ~~مخالف موافقة لمراده، شرع لمن خالف كفارة تخفيفا منه على هذه الأمة ورفعا ~~لما كان على من كان من قبلها من الآصار، فقال عاطفا على ما تقديره: فمن ~~انتهى فله عند ربه أجر عظيم: {ومن قتله منكم متعمدا} أي قاصدا للصيد ذاكرا ~~للإحرام إن كان محرما، والحرم إن كان فيه عالما بالتحريم. # ولما كان هذا الفعل العمد موجبا للإثم والجزاء، ومتى اختل وصف منه كان ~~خطأ موجبا للجزاء فقط، وكان سبحانه قد عفا عن الصحابة رضي الله عنهم العمد ~~الذي كان سببا لنزول الآية كما في آخرها، لم يذكره واقتصر على ذكر الجزاء ~~فقال: {فجزاء} أي فمكافأة {مثل ما قتل} أي أقرب الأشياء به شبها في الصورة ~~لا النوع، ووصف الجزاء بقوله: {من النعم} لما قتله عليه، أي عليه أن يكافئ ~~ما قتله بمثله، وهو من إضافة المصدر ms1260 إلى الفاعل، هذا على قراءة الجماعة ~~بإضافة «جزاء» إلى «مثل» ، وأما على قراءة الكوفيين ويعقوب بتنوين «جزاء» ~~ورفع «مثل» فالأمر واضح. # PageV06P301 # ولما كان كأنه قيل: بما تعرف المماثلة؟ قال: {يحكم به} أي بالجزاء؛ ولما ~~كانت وجوه المشابهة بين الصيد وبين النعم كثيرة، احتاج ذلك إلى زيادة ~~التأمل فقال: {ذوا عدل منكم} أي المسلمين، وعن الشافعي أن الذي له مثل ~~ضربان: ما حكمت فيه الصحابة، وما لم تحكم فيه، فما حكمت فيه لا يعدل إلى ~~غيره لأنه قد حكم به عدلان فدخل تحت الآية، وهم أولى من غيرهم لأنهم شاهدوا ~~التنزيل وحضروا التأويل؛ وما لم يحكموا به يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين، ~~فينظر إلى الأجناس الثلاثة من الأنعام، فكل ما كان أقرب شبها به يوجبانه؛ ~~فإن كان القتل خطأ جاز أن يكون الفاعل أحد الحكمين، وإن كان عمدا فلا، لأنه ~~يفسق به. # ولما كان هذا المثل يساق إلى مكة المشرفة على وجه الإكرام والنسك رفقا ~~بمساكينها، قال مبينا لحاله من الضمير في «به» : {هديا} ولما كان الهدي هو ~~ما تقدم تفسيره، صرح به فقال: {بالغ الكعبة} أي الحرم المنسوب إليها، وإنما ~~صرح بها زيادة في التعظيم وإعلاما بأنها هي المقصودة بالذات بالزيارة ~~والعمارة لقيام ما يأتي ذكره، تذبح الهدي بمكة المشرفة ويتصدق به على ~~مساكين الحرم، والإضافة لفظية لأن الوصف # PageV06P302 # بشبه «يبلغ» فلذا وصف بها النكرة. # ولما كان سبحانه رحيما بهذه الأمة، خيرها بين ذلك وبين ما بعد فقال: {أو} ~~عليه {كفارة} هي {طعام مساكين} في الحرم بمقدار قيمة الهدي، لكل مسكين مد ~~{أو عدل ذلك} أي قيمة المثل {صياما} في أي موضع تيسر له، عن كل مد يوم، فأو ~~للتخيير لأنه الأصل فيها، والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل. # ولما كان الأمر مفروضا في المتعمد قال معلقا بالجزاء، أي فعليه أن يجازي ~~بما ينقص المال أو يؤلم الجسم {ليذوق وبال} أي ثقل {أمره} وسوء عاقبته ~~ليحترز عن مثل ما وقع فيه؛ ولما كان هذا الجزاء محكوما به في دار العمل ms1261 ~~التي لا يطلع أهلها بمجرد عقولهم فيها على غيب، ولا يعرفون عاقبة أمر إلا ~~تخرصا، طرد الحكم في غير المتعمد لئلا يدعي المتعمد أنه مخطئ، كل ذلك حمى ~~لحرمة الدين وصونا لحرمة الشرع وحفظا لجانبه ورعاية لشأنه، ولما كان قد مضى ~~منهم قبل نزولها من هذا النوع أشياء، كانوا كأنهم قالوا: فكيف نصنع بما ~~أسلفنا؟ قال جوابا: {عما سلف} أي تعمده، أي لكم من ذلك، فمن # PageV06P303 # حفظ نفسه بعد هذا فاز {ومن عاد} إلى تعمد شيء من ذلك ولو قل؛ ولما كان ~~المبتدأ متضمنا معنى الشرط، قرن الخبر بالفاء إعلاما بالسببية فقال: ~~{فينتقم الله} أي الذي له الأمر كله {منه} أي بسبب عوده بما يستحقه من ~~الانتقام. # ولما كان فاعل ذلك منتهكا لحرمة الإحرام والحرم، وكان التقدير: فالله ~~قادر عليه، عطف على ذلك ما اقتضاه المقام من الإتيان بالاسم الأعظم ووصف ~~العزة فقال: {والله} أي الملك الأعلى الذي لا تداني عظمته عظمة {عزيز} لا ~~يغلب {ذو انتقام *} ممن خالف أمره. # PageV06P304 # ولما كان هذا عاما في كل صيد، بين أنه خاص بصيد البر فقال: {أحل لكم صيد ~~البحر} أي اصطياده، أي الذي مبناه غالبا على الحاجة، والمراد به جميع ~~المياه من الأنهار والبرك وغيرها {وطعامه} أي مصيده طريا وقديدا ولو كان ~~طافيا قذفه البحر، وهو الحيتان بأنواعها وكل ما لا يعيش في البر، وما أكل ~~مثله في البر. # ولما أحل ذلك ذكر علته فقال: {متاعا لكم} أي إذا كنتم مسافرين أو مقيمين ~~{وللسيارة} أي يتزودونه إلى حيث أرادوا من البر أو البحر، وفي تحليل صيد ~~البحر حال الابتلاء من النعمة على هذه الأمة ما يبين فضلها على من كان ~~قبلها ممن جعل صيد البحر له محنة يوم الابتلاء - # PageV06P304 # ولله الحمد، والظاهر أن المراد بصيد البحر الفعل، لأن ثم أمرين: الاصطياد ~~والأكل، والمراد بيان حكمهما، فكأنه أحل اصطياد حيوان البحر، وأحل طعام ~~البحر مطلقا ما اصطادوه وما لم يصطادوه، سواء كانوا مسافرين أو مقيمين، ~~وذلك لأنه لما قدم تحريم اصطياد ما في ms1262 البر بقوله {لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم} [المائدة: 95] أتبعه بيان إحلال اصطياد مصيد البحر في حال تحريم ذلك، ~~ثم أتبعه بيان حرمة مصيد البر بقوله: {وحرم عليكم صيد البر} أي اصطياده ~~وأكل ما صيد منه لكم وهو ما لا عيش له إلا فيه، وما يعيش فيه وفي البحر، ~~فإن صيد للحلال حل للمحرم أكله، فإنه غير منسوب إليه اصطياده بالفعل ولا ~~بالقوة {ما دمتم حرما} لأن مبنى أمره غالبا في الاصطياد والأكل مما صيد على ~~الترف والرفاهية، وقد تقدم أيضا حرمة اصطياد مصيد البر وحرمة الأكل مما صيد ~~منه، وتكرر ذلك بتكرر الإحرام في آية {غير محلي الصيد} [المائدة: 1] وآية ~~{لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] فلا يعارضه مفهوم {ما دمتم ~~حرما} [المائدة: 96] وعبر بذلك ليكون نصا في الحرمة في كل جزء من أجزاء وقت ~~الإحرام إلى تمام التحلل - والله أعلم، ولا يسقط الجزاء بالخطأ والجهل ~~كسائر محظورات الإحرام. # ولما كان الاصطياد بحشر المصيد إلى حيث يعجز عن الخلاص # PageV06P305 # منه، وكانت حالة الإحرام أشبه شيء بحالة الحشر في التجرد عن المخيط ~~والإعراض عن الدنيا وتمتعاتها، ختم الآية بقوله عطفا على ما تقديره: فلا ~~تأكلوا شيئا منه في حال إحرامكم: {واتقوا الله} أي الذي له الأمر كله في ~~ذلك وفي غيره من الاصطياد وغيره {الذي إليه تحشرون *} ليكون العرض عليه نصب ~~أعينكم فتكونوا مواظبين على طاعته محترزين عن معصيته. # ولما كان الإحرام وتحريم الصيد فيه إنما هو لقصد تعظيم الكعبة، بين تعالى ~~حكمة ذلك وأنه كما جعل الحرم والإحرام سببا لأمن الوحش والطير جعله سببا ~~لأمن الناس وسببا لحصول السعادة دنيا وأخرى، فقال مستأنفا بيانا لحكمة ~~المنع في أول السورة من استحلال من يقصدها للزيارة: {جعل الله} أي بما له ~~من العظمة وكمال الحكمة ونفوذ الكلمة {الكعبة} وعبر عنها بذلك لأنها مأخوذة ~~من الكعب الذي به قيام الإنسان وقوامه، وبينها مادحا بقوله: {البيت الحرام} ~~أي الممنوع من كل جبار دائما الذي تقدم في أول السورة أني منعتكم من ~~استحلال من يؤمه ms1263 {قياما للناس} أي في أمر معاشهم ومعادهم لأنها لهم كالعماد ~~الذي يقوم به البيت، فيأمن به الخائف ويقوى فيه الضعيف ويقصده التجار ~~والحجاج والعمار فهو عماد الدين والدنيا. # ولما ذكر ما به القوام من المكان، أتبعه ذلك من الزمان فقال: {والشهر ~~الحرام} أي الذي يفعل فيه الحج وغيره يأمن فيه الخائف. # PageV06P306 # ولما ذكر ما به القوام من المكان والزمان، أتبعه ما به قوام الفقراء من ~~شعائره فقال: {والهدي} ثم أتبعه أعزه وأخصه فقال: {والقلائد} أي والهدي ~~العزيز الذي يقلد فيذبح ويقسم على الفقراء، وفي الآية التفات إلى ما في أول ~~السورة من قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر ~~الحرام} [المائدة: 2]- فقوانينها أن من قصدها في شهر الحرام لم يتعرض له ~~أحد ولو كان قتل ابنه، ومن قصدها في غيره ومعه هدي قلده أو لم يقلده أو لم ~~يكن معه هدي وقلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يعرض له أحد حتى أن بعضهم يلقي ~~الهدي وهو مضطر فلا يعرض له ولو مات جوعا، وسواء في ذلك صاحبه وغيره لأن ~~الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيمها، لأنه تعالى جبل العرب على الشجاعة ~~ليفتح بهم البلاد شرقا وغربا ليظهرعموم رسالة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ~~فلزم من ذلك شدة حرصهم على القتل والغارات، وعلم أن ذلك إن دام بهم شغلهم ~~عن تحصيل ما يحتاجون إليه لعيشهم، فأدى إلى فنائهم، فجعل بيته المكرم وما ~~كان من أسبابه أمانا يكون به قوام معاشهم ومعايشهم، فكان ذلك برهانا ظاهرا ~~على أن الإله عالم بجميع المعلومات وأن له الحكمة البالغة. # PageV06P307 # ولما أخبر بعلة التعظيم لما أمر بتعظيمه من نظم أمور الناس، ذكر علة ذلك ~~الجعل فقال: {ذلك} أي الجعل العظيم الذي تم أمره على ما أراد جاعله سبحانه ~~{لتعلموا} أي بهذا التدبير المحكم {أن الله} أي الذي له الكمال كله الذي ~~جعل ذلك {يعلم ما في السماوات} فلذلك رتبها ترتيبا فصلت به الأيام ~~والليالي، فكانت من ذلك الشهور والأعوام، وفصل من ms1264 ذلك ما فصل للقيام ~~المذكور {وما في الأرض} فلذلك جعل فيها ما قامت به مصالح الناس وكف فيه ~~أشدهم وأفتكهم عن أضعفهم وآمن فيه الطير والوحش، فيؤدي ذلك من له عقل رصين ~~وفكر متين إلى أن يعلم أن فاعل ذلك من العظمة ونفوذ الكلمة بحيث يستحق ~~الإخلاص في العبادة وأن يمتثل أمره في إحلال ما أحل من الطعام وتحريم ما ~~حرم من الشراب وغير ذلك. # ولما ذكر هذا العلم العظيم، ذكر ما هو أعم منه فقال: {وأن} أي ولتعلموا ~~أن {الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما الذي فعل ذلك فتم له {بكل شيء عليم ~~*} وإلا لما أثبت جميع مقتضيات ذلك ونفى جميع موانعه حتى كان، ولقد اتخذ ~~العرب - كما في السيرة الهشامية وغيرها - طواغيت، وهي بيوت جعل لها سدنة ~~وحجابا وهدايا أكثروا منها، وعظمت كل قبيلة ما عندها أشد تعظيم وطافوا به ~~فلم يبلغ # PageV06P308 # شيء منها ما بلغ أمر الكعبة المشرفة ولا قارب، ليحصل العلم بأنه سبحانه ~~لا شيء مثله ولا شريك له. # PageV06P309 # ولما أنتج هذا كله أنه على كل شيء قدير لأنه بكل شيء عليم، وكانت هذه ~~الآية - كما تقدم - ناظرة إلى أول السورة من آية {لا تحلوا شعائر الله} ~~[المائدة: 2] وما بعدها أتم نظر، ذكر سبحانه ما اكتنف آية {حرمت عليكم ~~الميتة} [المائدة: 3] من الوعيد الذي ختم به ما قبلها والوعد الذي ختمت هي ~~به في هذه الآية على ترتيبه، سائقا له مساق النتيجة والثمرة لما قبله، ~~بيانا لأن من ارتكب شيئا من هذه المنهيات كان حظه، فقال محذرا ومبشرا لأن ~~الإيمان لا يتم إلا بهما: {اعلموا أن الله} أي الذي له المعظمة كلها الذي ~~نهاه عنها {شديد العقاب} فليكن عباده على حذر منه، وأن من أوقعه في شيء ~~منها القدر، ثم فتح له التوفيق باب الحذر، فكفر فيما فيه كفارة وتاب، كان ~~مخاطبا بقوله: {وأن} أي واعلموا أن {الله} أي الذي له الجلال والإكرام مع ~~كونه شديد العقاب {غفور رحيم *} يقبل عليه ويمحو زلله ويكرمه، فكان ms1265 اكتناف ~~أسباب الرجاء سابقا للإنذار ولاحقا معلما بأن رحمته سبقت غضبه وأن العقاب ~~إنما هو لإتمام رحمته، قال ابن الزبير: ثم قال {جعل الله الكعبة} [المائدة: ~~97]- فنبه على سوء العاقبة في منع البحث على التعليل وطلب الوقوف على ما ~~لعله مما استأثر الله بعلمه، ومن هذا الباب أتى على بني إسرائيل في # PageV06P309 # أمر البقرة وغير ذلك؛ وجعل هذا التنبيه إيماء، ثم أعقبه بما يفسره {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء} [المائدة: 101]- ووعظهم بحال غيرهم ~~في هذا، وأنهم سألوا فأعطوا ثم امتحنوا، وقد كان التسليم أولى لهم، فقال ~~تعالى {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} [المائدة: 102] ثم عرف ~~عباده أنهم إذا استقاموا فلن يضرهم خذلان غيرهم {يا أيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم} [المائدة: 105]- انتهى. # ولما رغب سبحانه ووهب، علم أنه المجازى وحده، فأنتج ذلك أنه ليس إلى غيره ~~إلا ما كلفه به، فأنتج ذلك ولا بد قوله: {ما على الرسول} أي الذي من شأنه ~~الإبلاغ {إلا البلاغ} أي بأنه يحل لكم الطعام وغيره ويحرم عليكم الخمر ~~وغيرها، وليس عليه أن يعلم ما تضمرون وما تظهرون ليحاسبكم عليه {والله} أي ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما {يعلم ما تبدون} أي تجددون إبداءه على الاستقرار ~~{وما تكتمون *} من إيمان وكفر وعصيان وطاعة وتعمد لقتل الصيد وغيره ومحبة ~~للخمر وغيرها وتعمق في الدين بتحريم الحلال من الطعام والشراب وغيره إفراطا ~~وتفريطا، لأنه الذي خلقكم وقدر ذلك فيكم في أوقاته، فيجازيكم على ما في نفس ~~الأمر، من عصي أخذه بشديد العقاب، ومن أطاعه منحه حسن الثواب، وأما الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فلا يحكم إلا بما يعلمه مما تبدونه ما لم أكشف له ~~الباطن وآمره فيه بأمري، وهذه أيضا ناظرة إلى قوله تعالى # PageV06P310 # {بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] . # ولما سلب سبحانه العلم عن كل أحد وأثبته لنفسه الشريفة، أنتج ذلك أنه لا ~~أمر لغيره ولا نهي ولا إثبات ولا نفي، فأخذ سبحانه يبين حكمة ما مضى من ~~الأوامر في ms1266 إحلال الطعام وغيره من الاصطياد والأكل من الصيد وغيره والزواجر ~~عن الخمر وغيرها بأن الأشياء منها طيب وخبيث، وأن الطيب وإن قل خير من ~~الخبيث وإن كثر، ولا يميز هذا من ذاك إلا الخلاق العليم، فربما ارتكب ~~الإنسان طريقة شرعها لنفسه ظانا أنها حسنة فجرته إلى السيئة وهو لا يشعر ~~فيهلك، كالرهبانية التي كانوا عزموا عليها والخمر التي دعا شغفهم بها إلى ~~الإنزال فيها مرة بعد أخرى إلى أن أكد فيها هنا أشد تأكيد، وحذر فيها أبلغ ~~تحذير، فقال تعالى صارفا الخطاب إلى أشرف الورى صلى الله عليه وسلم إشارة ~~إلى أنه لا ينهض بمعرفة هذا من الخلق غيره: {قل لا يستوي الخبيث} أي من ~~المطعومات والطاعمين {والطيب} أي كذلك، فإن ما يتوهمونه في الكثرة من الفضل ~~لا يوازي النقصان من جهة الخبيث. # ولما كان الخبيث من الذوات والمعاني أكثر في الظاهر وأيسر قال: {ولو ~~أعجبك كثرة الخبيث} والخبيث والطيب منه جسماني ومنه روحاني، وأخبثهما ~~الروحاني وأخبثه الشرك، وأطيب الطيب الروحاني وأطيبه معرفة الله وطاعته، ~~وما يكون للجسم من طيب أو خبث # PageV06P311 # ظاهر لكل أحد، فما خالطه نجاسة صار مستقذرا لأرباب الطباع السليمة، وما ~~خالط الأرواح من الجهل صار مستقذرا عند الأرواح الكاملة المقدسة، وما خالطه ~~من الأرواح معرفة الله فواظب على خدمته أشرق بأنوار المعارف الإلهية وابتهج ~~بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة، وكما أن الخبيث والطيب لا يستويان في ~~العالم الروحاني كذلك لا يستويان في العالم الجسماني، والتفاوت بينهما في ~~العالم الروحاني أشد، لأن مضرة خبث الجسماني قليلة، ومنفعة طيبه يسيرة، ~~وأما خبث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة، وطيب الروحاني منفعته جليلة دائمة، ~~وهي القرب من الله والانخراط في زمرة السعداء، وأدل دليل على إرادة العصاة ~~والمطيعين قوله: {فاتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ما يسخط الملك الأعظم ~~الذي له صفات المال من الحرام وقاية من الحلال لتكونوا من قسم الطيب، فإنه ~~لا مقرب إلى الله مثل الانتهاء عما حرم - كما تقدم الإشارة بقوله: {ثم ~~اتقوا وأحسنوا} [المائدة: 93] ويزيد المعنى ms1267 وضوحا قوله {يا أولي الألباب} ~~أي العقول الخالصة من شوائب النفس فتؤثروا الطيب وإن قل في الحبس لكثرته في ~~المعنى على الخبيث وإن كثر في الحس لنقصه في المعنى {لعلكم تفلحون *} أي ~~لتكونوا على رجاء من أن تفوزوا بجميع المطالب، وحينئذ ظهر كالشمس مناسبة ~~تعقيبها # PageV06P312 # بقوله على طريق الاستئناف والاستنتاج: {يا أيها الذين آمنوا} أي أعطوا من ~~أنفسهم العهد على الإيمان الذي معناه قبول جميع ما جاء به من وقع به ~~الإيمان {لا تسئلوا عن أشياء} وذلك لأنهم إذا كانوا على خطر فيما يسرعون ~~وفيما به ينتفعون من المآكل والمشارب وغيرها من الأقوال والأفعال فهم مثله ~~فيما عنه يسألون سواء سألوا شرعه أو لا، لأنه ربما أجابهم من لا يضره شيء ~~إلى ما فيه ضررهم مما سألوه، فإنهم لا يحسنون التفرقة بين الخبيث والطيب ~~كما فعل بأهل السبت حيث أبوا الجمعة وسألوه، فاشتد اعتناقها حينئذ بقوله: # {إن الله يحكم ما يريد} [المائدة: 1] وبقوله: {ما على الرسول إلا البلاغ} ~~[المائدة: 99] فكان كأنه قيل: فما بلغكم إياه فخذوه بقبول وحسن انقياد، وما ~~لا فلا تسألوا عنه، وسبب نزولها - كما في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه ~~«أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فغضب فصعد ~~المنبر فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم - وشرح يكرر ذلك، وإذ ~~جاء رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه فقال: يا رسول الله! من أبي؟ ~~قال: أبوك حذافة، ثم أنشأ عمر رضي الله عنه فقال: رضينا بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد # PageV06P313 # رسولا، نعوذ بالله من سوء الفتن. وفي آخره: فنزلت {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} » وللبخاري في التفسير عن أنس أيضا ~~قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو ~~تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فغطى أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وجوههم، لهم حنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت {لا ~~تسئلوا ms1268 عن أشياء} » الآية. وللبخاري أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~«كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل: من ~~أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء} حتى فرغ من الأية كلها» ولابن ماجه ~~مختصرا وللحافظ أبي القاسم بن عساكر في الموافقات فيما أفاده المحب الطبري ~~في مناقب العشرة وأبي يعلى في مسنده مطولا عن أنس رضي الله عنه قال: «خرج ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان ونحن نرى أن معه جبرئيل عليه ~~السلام حتى صعد المنبر - وفي رواية: فخطب الناس - فقال: سلوني! فوالله لا ~~تسألوني عن شيء اليوم إلا أخبرتكم وفي رواية: أنبأتكم به - فما رأيت يوما ~~كان أكثر باكيا منه، فقال رجل: يا رسول الله - وفي رواية: فقام إليه رجل ~~فقال: يا رسول الله - إنا كنا # PageV06P314 # حديث عهد بجاهلية، من أبي؟ قال: أبوك حذافة - لأبيه الذي كان يدعى له - ~~وفي رواية: أبوك حذافة الذي تدعى له - فقام إليه آخر فقال: يا رسول الله ~~أفي الجنة أنا أم في النار؟ فقال: في النار، فقام إليه آخر فقال: يا رسول ~~الله! أعلينا الحج كل عام؟ - وفي رواية: في كل عام - فقال: لو قلت: نعم، ~~لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذبتم، فقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم نبيا - وفي رواية: رسولا - لا تفضحنا بسرائرنا - وفي رواية: فقام إليه ~~عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! إنا كنا حديث عهد بجاهلية ~~فلا تبد علينا سرائرنا، أتفضحنا بسرائرنا - اعف عنا عفا الله عنك، فسرى ~~عنه، ثم التفت إلى الحائط فذكر بمثل الجنة والنار» وللإمام أحمد ومسلم ~~والنسائي والدارقطني والطبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطب - وفي ~~رواية: خطبنا - رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # «يا أيها الناس! إن الله قد ms1269 فرض عليكم الحج حجوا» ، فقال رجل - وفي رواية ~~النسائي: «فقال الأقرع بن حابس التميمي -: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى ~~قالها ثلاثا، فقال: من السائل؟ فقال: فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: والذي نفسي بيده! لو قلت: نعم، لوجبت، ثم إذا لا تسمعون ولا تطيعون، ~~ولكن حجة واحدة» - وفي رواية الدارقطني والطبري: « # PageV06P315 # ولو وجبت ما أطقتموها، ولو لم تطيقوها» - وفي رواية الطبري: «ولو تركتموه ~~- لكفرتم» ، فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن ~~تبد لكم تسؤكم} ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة ~~سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم، ~~وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه - وفي رواية: فاجتنبوه» وهذا الحديث له ألفاظ ~~كثيرة من طرق شتى استوفيتها في كتابي «الاطلاع على حجة الوداع» ولا تعارض ~~بين هذه الأخبار ولو تعذر ردها إلى شيء واحد لما تقدم عند قوله تعالى: {لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} من أن الأمر الواحد قد تعدد أسبابه، بل وكل ~~ما ذكر من أسباب تلك وما أشبهه كقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم ~~كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال} [النساء: ~~77]- الآية، يصلح أن يكون سببا لهذه، وروى الدارقطني في آخر الرضاع من سننه ~~عن أبي ثعلبة الخشني وفي آخر الصيد عن أبي الدرداء رضي الله عنهما أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد ~~حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» وقال أبو ~~الدرداء: «فلا تكلفوها، رحمة من ربكم فاقبلوها» وأخرج حديث أبي الدرداء ~~أيضا الطبراني. # PageV06P316 # ولما كان الإنسان قاصرا عن علم ما غاب، فكان زجره عن الكشف عما يسوءه ~~زجرا له عن كل ما يتوقع أن يسوءه، قال تعالى: {إن تبد} أي تظهر {لكم} ~~بإظهار عالم الغيب لها {تسؤكم} ولما كان ربما وقع في وهم متعنت ms1270 أن هذا ~~الزجر إنما هو لقصد راحة المسؤول عن السؤال خوفا من عواقبه - قال: {وإن ~~تسئلوا عنها} أي تلك الأشياء التي تتوقع مساءتكم عند إبدائها {حين ينزل ~~القرآن} أي والملك حاضر {تبد لكم} ولما كان ربما قال: فما له لا يبديها سئل ~~عنها أم لا؟ قال: {عفا الله} بما له من الغنى المطلق والعظمة الباهرة وجميع ~~صفات الكمال {عنها} أي سترها فلم يبدها لكم رحمة منه لكم وإراحة عما يسوءكم ~~ويثقل عليكم في دين أو دنيا؛ ولما كانت صفاته سبحانه أزلية، لا تتوقف ~~لواحدة منها على غيرها، وضع الظاهر موضع المضمر لئلا يختص بما قبله فقال ~~نادبا من وقع منه ذنب إلى التوبة: {والله} أي الذي له مع صفة الكمال صفة ~~الإكرام {غفور} أزلا وأبدا يمحو الزلات عينا وأثرا ويعقبها بالإكرام على ~~عادة الحكماء {حليم *} أي لا يعجل على العاصي بالعقوبة. # PageV06P317 # ولما نهى عن السؤال عنها ليتعرف حالها، علل ذلك بأن غيرهم عرف أشياء وطلب ~~أن يعطاها، إما بأن سأل غيره ذلك، وإما بأن شرعها # PageV06P317 # وسأل غيره أن يوافقه عليها وهو قاطع بأنها غاية في الحسن فكانت سبب شقائه ~~فقال: {قد سألها} يعني أمثالها، ولم يقل: سأل عنها، إشارة إلى ما أبدته ~~{قوم} أي أولو عزم وبأس وقيام في الأمور. # ولما كان وجود القوم فضلا عن سؤالهم لم يستغرق زمان القبل، أدخل الجار ~~فقال: {من قبلكم} ولما كان الشيء إذا جاء عن مسألة جديرا بالقبول لا سيما ~~إذا كان من ملك فكيف إذا كان من ملك الملوك. فكان رده في غاية البعد، عبر ~~عن استبعاده بأداة العبد في قوله: {ثم أصبحوا بها} أي عقب إتيانهم إياها ~~سواء من غير مهلة {كافرين *} أي ثابتين في الكفر، هذا زجر بليغ لأن يعودوا ~~لمثل ما أرادوا من تحريم ما أحل لهم ميلا إلى الرهبانية والتعمق في الدين ~~المنهي عنه بقوله: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] . # ولما فرغ من زجرهم عن أن يشرعوا لأنفسهم أو يسألوه عن أن يشرع لهم وأن ms1271 ~~يسألوا من رحمهم بابتدائهم بهذا الشرع عن شيء من الأشياء اعتمادا على أنه ~~ما ابتدأ بذلك إلا وهو غير مخف عنهم شيئا ينفعهم ولا مبد لهم شيئا يضرهم ~~لأنه بكل شيء عليم - كما تقدم التنبيه على ذلك، قال معللا بختام الآية التي ~~قبلها: {ما جعل الله} أي الذي له صفات الكمال فلا يشرع شيئا إلا وهو على ~~غاية الحكمة، وأغرق # PageV06P318 # في النفي بقوله: {من بحيرة} وأكد النفي بإعادة النافي فقال: {ولا سائبة ~~ولا وصيلة ولا حام} دالا بذلك على أن الإنسان قد يقع في شرعه لنفسه على ~~الخبيث دون الطيب، وذلك لأن الكفار شرعوا لأنفسهم هذا وظنوا أنه من محاسن ~~الأعمال، فإذا هو مما لا يعبأ الله به بل ومما يعذب عليه، لكونه أوقعهم ~~فيما كانوا معترفين بأنه أقبح القبائح وهو الكذب، بل في أقبح أنواعه وهو ~~الكذب على ملك الملوك، ثم صار لهم دينا، وصاروا أرسخ الناس فيه وهو عين ~~الكفر، وهم معترفون بأنه ما شرعه إلا عمرو بن لحي وهو أول من غير دين ~~إبراهيم - كما رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن عمرا أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة ~~وسيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي» ورواه عبد بن حميد في مسنده عن ~~جابر بن عبد الله رضي الله عنه وفي آخره: «وكان عمرو بن لحي أول من حمل ~~العرب على عبادة الأصنام» # ورواه البخاري في المناقب من صحيحه ومسلم في صفة النار عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن عامر ~~الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب» قال ابن هشام في ~~السيرة: # PageV06P319 # والبحيرة عندهم الناقة تشق أذنها فلا يركب ظهرها ولا يجز وبرها ولا يشرب ~~لبنها إلا ضيف أو يتصدق به وتهمل لآلهتهم. وروى البخاري في المناقب ومسلم ~~في صفة النار عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت ولا ms1272 ~~يحلبها أحد من الناس، والسائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها ~~شيء. وكذا رواه البخاري أيضا في التفسير وقال: والوصيلة الناقة البكر تبكر ~~في أول نتاج الإبل ثم تثنى بعد بأنثى. وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت ~~إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر وقال البرهان السفاقسي في إعرابه: قال أبو ~~عبيد: وهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، في الآخر. ذكر، شقوا أذنها وخلو ~~سبيلها لا تركب ولا تحلب - وقيل غير ذلك، وقال أبو حيان في النهر: قال ابن ~~عباس: السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق، وكان الرجل يسيب من ماله شيئا ~~فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها للسبيل، والوصيلة قال ~~ابن عباس - إنها الشاة تنتج سبعة أبطن، فإن كان السابع أنثى لم تنتفع ~~النساء منها بشيء إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء، وإن كان ذكرا ذبحوه ~~وأكلوه جميعا، # PageV06P320 # وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فتترك مع أخيها فلا تذبح، ~~ومنافعها للرجال دون النساء، فإذا ماتت اشترك الرجال والنساء فيها. وقال ~~ابن هشام: والحامي الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر، حمى ~~ظهره فلم يركب ظهره ولم يجز وبره وخلى في إبله يضرب فيها لا ينتفع منه بغير ~~ذلك. وقال السفاقسي: قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم - واختاره أبو ~~عبيدة والزجاج -: هو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن فيقولون: قد حمى ظهره، ~~فيسيبونه لأصنامهم فلا يحمل عليه شيء. # ولما كانوا قد حرموا هذه الأشياء، وكان التحريم والتحليل من خواص الإله، ~~وكان لا إله إلا الله، كان حكمهم عليها بالحرمة نسبة لذلك إلى الله سبحانه ~~كذبا، فقال تعالى بعد أن نفى أن يكون جعل شيئا من ذلك: {ولكن الذين كفروا} ~~أي ستروا ما دل عليه عقلهم من أن الله ما جعل هذا، لأنهم لا وصول لهم إليه ~~سبحانه وعز شأنه، فلذلك قال: {يفترون} أي يتعمدون بجعل هذه الأشياء من ~~تحريم وتحليل {على الله} أي الملك الأعلى {الكذب} فيحرمون ما لم يحرمه # PageV06P321 # ويحللون ms1273 ما لم يحلله {وأكثرهم} أي هؤلاء الذين جعلوا هذه الأشياء {لا ~~يعقلون *} أي لا يتجدد لهم عقل، وهم الذين ماتوا على كفرهم. # ثم لما حرموا هذه الأشياء اضطروا إلى تحليل الميتة فحرموا الطيب وأحلوا ~~الخبيث. ولما اتخذوه دينا واعتقدوه شرعا ومضى عليه أسلافهم، دعتهم الحظوظ ~~والأنفة من نسبة آبائهم إلى الضلال والشهادة عليهم بالسفه إلى الإصرار عليه ~~وعدم الرجوع عنه بعد انكشاف قباحته وبيان شناعته حتى أفنى أكثرهم السيف ~~ووطأتهم الدواهي، فوطأت أكتافهم وذللت أعناقهم وأكنافهم، فقال تعالى دالا ~~على ختام الآية التي قبله من عدم عقلهم: {وإذا قيل لهم} أي من أي قائل كان ~~ولو أنه ربهم، بما ثبت من كلامهم بالعجز عنه أنه كلامه {تعالوا} أي ارفعوا ~~أنفسكم عن هذا الحضيض السافل {إلى ما أنزل الله} أي الذي لا أعظم منه، وقد ~~ثبت أنه أنزله بعجزكم عنه {وإلى الرسول} أي الذي من شأنه لكونه سبحانه ~~أرسله أن يبلغكم ما يحبه لكم ويرضاه {قالوا حسبنا} أي يكفينا {ما وجدنا ~~عليه آباءنا} . # ولما كانوا عالمين بأنه ليس في آبائهم عالم، وأنه من تأمل أدنى تأمل عرف ~~أن الجاهل لا يهتدي إلى شيء، قال منكرا عليهم موبخا لهم: # PageV06P322 # {أولو} أي يكفيهم ذلك إذا قالوا ذلك ولو {كان آباؤهم لا يعلمون شيئا} أي ~~من الأشياء حق علمه لكونهم لم يأخذوه عن الله بطريق من الطرق الواصلة إليه، ~~ولما كان من لا يعلم قد يشعر بجهله فيتعلم فيهتدي فيصير أهلا للاقتداء به، ~~وقد لا يشعر لكونه جهله مركبا فلا يجوز الاقتداء به، بين أنهم من أهل هذا ~~القسم فقال: {ولا يهتدون *} أي لا يطلبون الهداية فلا توجد هدايتهم إلى ~~صواب، لأن من لا يعلم لا صواب له، لأنه ليس للهدى آلة سوى العلم، وأدل دليل ~~على عدم هدايتهم أنهم ضيعوا الطيب من أموالهم فاضطرهم ذلك إلى أكل الخبيث ~~من الميتة، وأغضبوا بذلك خالقهم فدخلوا النار، فلا أقبح مما يختاره لنفسه ~~المطبوع على الكدر، ولا أحسن مما يشرعه له رب البشر، وهذه الآية ناظرة ms1274 إلى ~~قوله تعالى في سورة النساء {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا} [المساء: 117] إلى قوله: {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} ~~[النساء: 119] فالتفت حينئذ إلى قوله: {رجس من عمل الشيطان} أي التفات. # ولما كان المانع لهم من قبول الهدى كون ذلك تسفيها لآبائهم، فيعود ضررا ~~عليهم يسبون به على زعمهم، أعلم الله المؤمنين أن مخالفة الغير في قبول ~~الهدى لا تضرهم أصلا، بأن عقب آية الإنكار عليهم في التقيد بآبائهم ~~لمتابعتهم لهم في الكفر بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} أي عاهدوا ربهم ~~ورسوله على الإيمان {عليكم أنفسكم} أي الزموا هدايتها # PageV06P323 # وإصلاحها؛ ولما كان كأنه قيل: إنا ننسب بآبائنا، وننسب إليهم، فربما ~~ضرتنا نسبتنا إليهم عند الله كما جوز أكثم بن الجون الخزاعي أن يضره شبه ~~عمرو ابن لحي به حتى سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: # «لا، إنك مؤمن وهو كافر» - كما في أوائل السيرة الهشامية عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه، وكان ذلك ربما وقف بأحد منهم عن الإسلام قال: {لا يضركم من ~~ضل} أي من المخالفين بكفر أو غيره بنسبتكم إليه ولا بقول الكفار: إنكم ~~سفهتم آراءكم، ولا بغير ذلك من وجوه الضرر، وحقق هدايتهم بشارة لهم بأداة ~~التحقيق فقال مفهما لوجود الضرر عند فقد الهداية: {إذا اهتديتم} أي ~~بالإقبال على ما أنزل الله وعلى الرسول حتى تصيروا علماء وتعملوا بعلمكم ~~فتخالفوا من ضل، فإن كان موجودا فبالاجتهاد في أمره بالمعروف ونهيه عن ~~المنكر بحسب الطاقة، فإن لم يستطع رده انتظر به يوم الجمع الأكبر والهول ~~الأعظم، وإن كان مفقودا فبمخالفته في ذلك الضلال وإن كان أقرب الأقرباء ~~وأولى الأحباء، وإلا كان الباقي أسفه من الماضي، وقد كان لعمري أحدهم لا ~~يتبع أباه إذا كان سفيها في أمر دنياه عاجزا عن # PageV06P324 # تحصيلها ولا يتحاشى عن مخالفته في طريقته بل يعد الكدح في تحصيلها ~~والتعمق في اقتناصها وحسن السعي في تثميرها ولطف الحيلة في توسيعها من ~~معالي الأخلاق وإصالة الرأي وجودة النظر على ms1275 أن ذلك ظل زائل وعرض تافه، ~~فكيف لا يخالفه فيما به سعادته الأبدية وحياته الباقية ويأخذ بالحزم في ذلك ~~ويشمر ذيله في أمره ويسهر ليله في إعمال الفكر وترتيب النظر فيما أمره الله ~~بالنظر فيه حتى يظهر له الحق فيتبعه، وينهتك لديه الباطل فيجتنبه، ما ذاك ~~إلا لمجرد الهوى، وقد كان الحزم العمل بالحكمة التي كشفها النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس رضي ~~الله عنه «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه ~~هواها وتمنى على الله الأماني» وروى مسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير ~~وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير أحرص على ما ينفعك، واستعن ~~بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا - وقال ~~ابن ماجه: ولا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا - فإن» لو «تفتح عمل الشيطان» ، ~~وفي بعض طرق الحديث: «ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل» يعني: والله! اعمل ~~عمل الحزمة فأوسع النظر حتى لا تترك أمرا يحتمل أن ينفعك ولا يضرك إلا أخذت ~~به، ولا تدع أمرا يحتمل أن يضرك # PageV06P325 # ولا ينفعك إلا تجتنبه، فإنك إن فعلت ذلك وغلبك القضاء والقدر لم نجد في ~~وسعك أمرا تقول: لو أني فعلته أو تركته، ولكنك تقول: قدر الله وما شاء فعل، ~~بخلاف ما إذا لم تنعم النظر وعملت عمل العجزة فإنك حتما تقول: لو أني فعلت ~~كذا وكذا، لأن الشيطان يفتح لك تلك الأبواب التي نظر فيها الحازم، فيكثر لك ~~من «لو» لأنها مفتاح عمله، وليس في الآية ما يتعلق به من يتهاون في الأمر ~~بالمعروف كما يفعله كثير من البطلة؛ روى أحمد في المسند عن أبي عامر ~~الأشعري رضي الله عنه # «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في أمر رآه: يا أبا عامر! ألا غيرت؟ ~~فتلا ms1276 هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم} ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أين ذهبتم؟ إنما هي لا ~~يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم» وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة ~~والحارث وأحمد بن منيع وأبو يعلى «أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا ~~أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها، وإني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه ~~يوشك أن # PageV06P326 # يعمهم الله بعقابه. قال البغوي: وفي رواية: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن ~~المنكر أو ليستعملن الله عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعون ~~الله خياركم فلا يستجاب لكم» والله الموفق. # ولما حكم الله تعالى - وهو الحكم العدل - أنه لا ضرر عليهم من غيرهم بشرط ~~هداهم، وكان الكفار يعيرونهم، قال مؤكدا لما أخبر به ومقررا لمعناه: {إلى ~~الله} أي الملك الأعظم الذي لا شريك له، لا إلى غيره {مرجعكم} أي أنتم ومن ~~يعيركم ويهددكم وغيرهم من جميع الخلائق {جميعا فينبئكم} أي يخبركم إخبارا ~~عظيما مستوفى مستقصى {بما كنتم تعملون *} أي تعمدا جبلة وطبعا، ويجازي كل ~~أحد بما عمل على حسب ما عمل. ولا يؤاخذ أحدا بما عمل غيره ولا بما أخطأ فيه ~~أو تاب منه، وليس المرجع ولا شيء منه إلى الكفار ولا معبوداتهم ولا غيرهم ~~حتى تخشوا شيئا من غائلتهم في شيء من الضرر. # PageV06P327 # ولما خاطب سبحانه أهل ذلك الزمان بأنه نصب المصالح العامة كالبيت الحرام ~~والشهر الحرام، وأشار بآية البحيرة وما بعدها إلى أن أسلافهم لا وفروا ~~عليهم مالهم ولا نصحوا لهم في دينهم، وختم ذلك بقهره للعباد بالموت وكشف ~~الأسرار يوم العرض بالحساب على النقير والقطمير والجليل والحقير؛ عقب ذلك ~~بآية الوصية إرشادا منه سبحانه # PageV06P327 # إلى ما يكشف سريرة من خان فيها علما منه سبحانه أن الوفاء في مثل ذلك يقل ~~وحثا لهم على أن يفعلوا ما أمر سبحانه به لينصحوا لمن خلفوه بتوفير المال ~~ويقتدي بهم ms1277 فيما ختم به الآية من التقوى والسماع والبعد من الفسق والنزاع، ~~فقال تعالى مناديا لهم بما عقدوا به العهد بينهم وبينه من الإقرار ~~بالإيمان: {يا أيها الذين آمنوا} أي أخبروا عن أنفسهم بذلك {شهادة بينكم} ~~هو كناية عن التنازع والتشاجر لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند ذلك، وسبب ~~نزول الآية قد ذكره المفسرون وذكره الشافعي في الأم فقال: أخبرني أبو سعيد ~~معاذ بن موسى الجعفري عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: أخذت هذا ~~التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك «أن رجلين نصرانيين من أهل دارين أحدهما ~~تميمي والآخر يماني، صحبهما مولى لقريش في تجارة فركبوا البحر، ومع القرشي ~~مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبز ورقة فمرض القرشي فجعل وصيته ~~إلى الداريين # PageV06P328 # فمات، وقبض الداريان المال فدفعاه إلى أولياء الميت، فأنكر القوم قلة ~~المال فقالوا للداريين: إن صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به، ~~فهل باع شيئا أو اشترى فوضع فيه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا، ~~قالوا: فإنكما خنتمانا، فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} ~~[المائدة: 106] فلما نزلت أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقاما بعد الصلاة، ~~فحلفا بالله رب السماوات: ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، فلما ~~حلفا خلي سبيلهما، ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت فأخذوا ~~الداريين فقالا: اشتريناه منه في حياته، فكذبا وكلفا البينة فلم يقدرا ~~عليها، فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل ~~{فإن عثر} - يعني إلى آخرها» ثم ذكر وقت الشهادة وسببها فقال: {إذا حضر} ~~وقدم المفعول تهويلا - كما ذكر في النساء - لأن الآية نزلت لحفظ ماله فكان ~~أهم، فقال: {أحدكم الموت} أي أخذته أسبابه الموجبة لظنه. # PageV06P329 # ولما كان الإيصاء إذ ذاك أمرا متعارفا، عرف فقال معلقا بشهادة كما علق به ~~{إذا} أو مبدلا من {إذا} لأن الزمنين ms1278 واحد: {حين الوصية} أي إن أوصى، ثم ~~أخبر عن المبتدأ فقال: {اثنان} أي شهادة بينكم في ذلك الحين شهادة اثنين ~~{ذوا عدل منكم} أي من قبيلتكم العارفين بأحوالكم {أو آخران} أي ذوا عدل {من ~~غيركم} أي إن لم تجدوا قريبين يضبطان أمر الوصية من كل ما للوصي وعليه، ~~وقيل: بل هما الوصيان أنفسهما احتياطا بجعل الوصي اثنين، وقيل: آخران من ~~غير أهل دينكم، وهو خاص بهذا الأمر الواقع في السفر للضرورة لا في غيره ولا ~~في غير السفر؛ ثم شرط هذه الشهادة بقوله: {إن أنتم ضربتم} أي بالأرجل {في ~~الأرض} أي بالسفر، كأن الضرب بالأرجل لا يسمى ضربا إلا فيه لأنه موضع الجد ~~والاجتهاد {فأصابتكم} وأشار إلى أن الإنسان هدف لسهام الحدثان بتخصيصه ~~بقوله: {مصيبة الموت} أي أصابت الموصي المصيبة التي لا مفر منها ولا مندوحة ~~عنها. # ولما كان قد استشعر من التفصيل في أمر الشهود مخالفة لبقية الشهادات، ~~فكان في معرض السؤال عن الشهود: ماذا يفعل بهم؟ قال مستأنفا: {تحبسونهما} ~~أي تدعونهما إليكم وتمنعونهما من التصرف لأنفسهما لإقامة ما تحملاه من هذه ~~الواقعة وأدائه؛ ولما كان المراد إقامة اليمين # PageV06P330 # ولو في أيسر زمن، لا استغراق زمن البعد بالحبس، أدخل الجار فقال: {من بعد ~~الصلاة} أي التي هي أعظم الصلوات؛ فكانت بحيث إذا أطلقت معرفة انصرفت إليها ~~وهي الوسطى وهي العصر، ثم ذكر الغرض من حبسهما فقال: {فيقسمان بالله} أي ~~الملك الذي له تمام القدرة وكمال العلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~اليمين إنما تكون إذا كانا من غيرنا، فإن كانا مسلمين فلا يمين، وعن غيره، ~~إن كان الشاهدان على حقيقتهما فقد نسخ تحليفهما، وإن كان الوصيين فلا؛ ثم ~~شرط لهذا الحلف شرطا فقال اعتراضا بين القسم والمقسم عليه: {إن ارتبتم} أي ~~وقع بكم شك فيما أخبرا به عن الواقعة؛ ثم ذكر المقسم عليه بقوله: {لا نشتري ~~به} أي هذا الذي ذكرناه {ثمنا} أي لم نذكره ليحصل لنا به عرض دنيوي وإن كان ~~في نهاية الجلالة، وليس قصدنا ms1279 به إلا إقامة الحق {ولو كان} أي الوصي الذي ~~أقسمنا لأجله تبرئة له {ذا قربى} أي لنا، أي إن هذا الذي فعلناه من التحري ~~عادتنا التي أطعنا فيها {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135]- ~~الآية، لا أنه فعلنا في هذه الواقعة فقط {ولا نكتم شهادة الله} أي هذا الذي ~~ذكرناه لم نبدل فيه لما أمر الله به من حفظ الشهادة وتعظيمها، ولم نكتم ~~شيئا وقع به الإشهاد، ولا نكتم فيما يستقبل شيئا نشهد به لأجل الملك الأعظم ~~المطلع على السرائر كما هو مطلع على الظواهر؛ ثم علل ذلك بما لقنهم إياه ~~ليكون آخر كلامهم، كل ذلك تغليظا وتنبيها # PageV06P331 # على أن ذلك ليس كغيره من الأيمان، فقال تذكيرا لهم وتحذيرا من التغيير: ~~{إنا إذا} أي إذا فعلنا شيئا من التبديل أو الكتم {لمن الآثمين * فإن} ولما ~~كان المراد مجرد الاطلاع بني للمفعول قوله: {عثر} أي اطلع مطلع بقصد أو ~~بغير قصد؛ قال البغوي: وأصله الوقوع على الشيء أي من عثرة الرجل {على ~~أنهما} أي الشاهدين إن أريد بهما الحقيقة أو الوصيين {استحقا إثما} أي بسبب ~~شيء خانا فيه من أمر الشهادة {فآخران} أي من الرجال الأقرباء للميت {يقومان ~~مقامهما} أي ليفعلا حيث اشتدت الريبة من الإقسام عند مطلق الريبة ما فعلا ~~{من الذين استحق} أي طلب وقوع الحق بشهادة من شهد {عليهم} هذا على قراءة ~~الجماعة، وعلى قراءة حفص بالبناء للفاعل، المعنى: وجد وقوع الحق عليهم، وهم ~~أهل الميت وعشيرته. # ولما كان كأنه قيل: ما منزلة هذين الآخرين من الميت؟ فقيل: {الأوليان} أي ~~الأحقان بالشهادة الأقربان إليه العارفان بتواطن أمره، وعلى قراءة أبي بكر ~~وحمزة بالجمع، كأنه قيل: هما من الأولين أي في الذكر وهم أهل الميت، فهو ~~نعت للذين استحق {فيقسمان} أي هذان الآخران {بالله} أي الملك الذي لا يقسم ~~إلا به لما له من كمال العلم وشمول القدرة {لشهادتنا} أي بما يخالف شهادة ~~الحاضرين للواقعة {أحق من شهادتهما} أي أثبت، فإن تلك إنما ثباتها في ~~الظاهر، وشهادتنا ثابتة في ms1280 نفس الأمر وساعدها الظاهر بما عثر عليه من ~~الريبة # PageV06P332 # {وما اعتدينا} أي تعمدنا في يميننا مجاوزة الحق {إنا إذا} أي إذا وقع منا ~~اعتداء {لمن الظالمين *} أي الواضعين الشيء في غير موضعه كمن يمشي في ~~الظلام، وهذا إشارة إلى أنهم على بصيرة ونور مما شهدوا به، وذلك أنه لما ~~وجد الإناء الذي فقده أهل الميت وحلف الداريان بسببه أنهما ما خانا ~~طالبوهما، فقالا: كنا اشتريناه منه، فقالوا: ألم نقل لكما: هل باع صاحبنا ~~شيئا؟ فقلتما: لا، فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم فرفعوا ذلك ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر فقام اثنان من أقارب الميت فحلفا ~~على الإناء، فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إليهما، لأن الوصيين ادعيا على ~~الميت البيع فصار اليمين في جانب الورثة لأنهم أنكروا، وسمي أيمان الفريقين ~~شهادة كما سميت أيمان المتلاعنين شهادة - نبه على ذلك الشافعي، وكان ذلك ~~لما في البابين من مزيد التأكيد. # ولما تم هذا على هذا الوجه الغريب، بين سبحانه سره فقال: {ذلك} أي الأمر ~~المحكم المرتب هذا الترتيب بالأيمان وغيرها {أدنى} أي أقرب {أن} أي إلى أن ~~{يأتوا} أي الذين شهدوا أولا {بالشهادة} أي الواقعة في نفس الأمر {على ~~وجهها} من غير أدنى ميل بسبب أن يخافوا من الحنث عند الله بعد هذا التغليظ ~~{أو يخافوا} إن لم يمنعهم الخوف من الله {أن ترد} أي تثنى وتعاد # PageV06P333 # {أيمان} أي من الورثة {بعد أيمانهم} للعثور على ريبة فيصيروا بافتضاحهم ~~مثلا للناس، قال الشافعي: وليس في هذا رد اليمين، فما كانت يمين الداريين ~~على ما ادعى الورثة من الخيانة، ويمين ورثة الميت على ما ادعى الداريان مما ~~وجد في أيديهما وأقرا أنه مال الميت وأنه صار لهما من قبله، فلم تقبل ~~دعواهما بلا بينة، فأحلف وارثاه، قال: وإذا كان هذا كما وصفت فليست الآية ~~ناسخة ولا منسوخة لأمر الله بإشهاد ذوي عدل ومن نرضى من الشهداء، هذا ما ~~اقتضى إيلاؤها لما قبلها، وقد نزعها إلى مجموع هذه السورة ms1281 منازع منها ما ~~تقدم من ذكر القتل الذي هو من أنواع الموت عند قصة بني آدم وما بعدها، ثم ~~تعقيب ذلك بالجهاد الذي هو من أسباب الموت، وقوله تعالى: # {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] ، ثم ذكره أيضا في ~~قوله تعالى: {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} [المائدة: 54] ~~وقد جرت السنة الإلهية بذكر الوصية عقب مثل ذلك في البقرة، ولم يذكر عقب ~~واحدة من الآيات المذكورة لزيادتها على آية البقرة بمنازع منها الحلف، ~~فناسب كونها بعد آية الأيمان، ومنها تغليظ الحلف والخروج به عما يشاكله من ~~القسم على المال بكونه في زمان مخصوص بعد عبادة مخصوصة، فناسب ذكرها بعد ~~تغليظ أمر الصيد في حال مخصوص وهو الإحرام والخروج به عن أشكاله من الأحوال ~~وبعد تغليظ جزائه والخروج به عن أشكاله من الكفارات وتغليظ أمر المكان ~~المخصوص وهو الكعبة والخروج # PageV06P334 # بها عن أشكالها من البيوت، وكذا تغليظ الزمان المخصوص وهو الشهر الحرام ~~والخروج به عن أشكاله من الأزمنة. وكل ذلك لقيام أمر الناس وإصلاح أحوالهم، ~~وهكذا آية الوصية وما خرج من أحكامها عن أشكاله كله لقيام الأمور على ~~السداد وإصلاح المعاش والمعاد، وهي ملتفتة إلى أول السورة إذا هي من أعظم ~~العهود، والوفاء بها من أصعب الوفاء، وإلى قوله تعالى: {وتعاونوا على البر ~~والتقوى} [المائدة: 2] وإلى قوله تعالى: {كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} ~~[المائدة: 8] انظر إلى ختمها بقوله: {إن الله خبير بما تعملون} وإلى كون ~~هذه في سياق الإعلام بأن الله عالم بالخفيات، وقوله: - عطفا على ما تقديره: ~~فالزموا ما أمرتكم به وأرشدتكم إليه تفلحوا: {واتقوا الله} أي ذا الجلال ~~والإكرام إلى آخرها - ملتفت إلى قوله: {وميثاقه الذي واثقكم به} [المائدة: ~~7]- الأية، أي خافوا الله خوفا عظيما يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه ~~وقاية لئلا تحلفوا كاذبين أو تخونوا أدنى خيانة {واسمعو} أي الموعظة سمع ~~إجابة وقبول ذاكرين لقولكم {سمعنا وأطعنا} [البقرة: 285] فإن الله يهدي ~~المتمسكين بالميثاق {والله} أي الذي له الكمال كله وتمام الحكمة وكمال ~~العزة ms1282 والسطوة {لا يهدي القوم} أي لا يخلق الهداية في قلوب الذين لهم قدرة ~~على # PageV06P335 # ما يحاولونه الفاسقين *} أي الذين هم خارجون، أي من عادتهم ذلك على وجه ~~الرسوخ، فهم أبدا غير متقيدين بقيد ولا منضبطين بدائرة عقد ولا عهد. # PageV06P336 # ولما كان فيها إقامة الشهود وحبسهم عن مقاصدهم حتى يفرغوا من هذه الواقعة ~~المبحوث فيها عن خفايا متعلقة بالموت والتغليظ بالتحليف بعد صلاة العصر، ~~وكانت ساعة يجتمع فيها الناس وفريقا الملائكة المتعاقبين فينا ليلا ونهارا ~~مع أنها ساعة الأصيل المؤذنة بهجوم الليل وتقوض النهار حتى كأنه لم يكن ~~ورجوع الناس إلى منازلهم وتركهم لمعايشهم، وكانت عادته سبحانه بأنه يذكر ~~أنواعا من الشرائع والتكاليف، ثم يتبعها إما بالإلهيات وإما بشرح أحوال ~~الأنبياء وإما بشرح أحوال القيامة، ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم من التكاليف، ~~ولا ينتقل من فن إلى آخر إلا بغاية الإحكام في الربط، عقبها تعالى بقوله: ~~{يوم يجمع الله} أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة {الرسل} أي الذين ~~أرسلهم إلى عباده بأوامره ونواهيه إشارة إلى تذكر انصرام هذه الدار وسرعة ~~هجوم ذلك بمشاهدة هذه الأحوال المؤذنة به وبأنه يوم يقوم فيه الأشهاد، ~~ويجتمع فيه العباد، ويفتضح فيه أهل الفساد - إلى غير ذلك من الإشارات ~~لأرباب البصائر والقلوب، والظاهر أن «يوم» ظرف للمضاف المحذوف الدال عليه ~~الكلام، فإن من المعلوم أنك إذا قلت: خف من # PageV06P336 # فلان، فإن المعنى: خف من عقابه ونحو ذلك، فيكون المراد هنا: واتقوا غضب ~~الله الواقع في ذلك اليوم، أي اجعلوا بينكم وبين سطواته في ذلك اليوم ~~وقاية، أو يكون المعنى: اذكروا هذه الواقعة وهذا الوقت الذي يجمع فيه ~~الشهود ويحبس المعترف والجحود يوم الجمع الأكبر بين يدي الله تعالى ليسألهم ~~عن العباد ويسأل العباد عنهم {فيقول} أي للرسل تشريعا لهم وبيانا لفضلهم ~~وتشريفا للمحق من أممهم وتبكيتا للمبطل وتوبيخا للمفرط منهم والمفرط. # ولما كان مما لا يخفى أصلا أنهم أجيبوا، ولا يقع فيه نزاع ولا يتعلق ~~بالسؤال عنه غرض، تجاوز السؤال إلى الاستفهام من نوع الإجابة ms1283 فقال: {ماذا ~~أجبتم} أي أي إجابة أجابكم من أرسلتم إليهم؟ إجابة طاعة أو إجابة معصية. # ولما كان المقصود من قولهم بيان الناجي من غيره، وكانت الشهادة في تلك ~~الدار لا تنفع إلا فيما وافق فيه الإضمار الإظهار، فكانت شهادتهم لا تنفع ~~المشهود له بحسن الإجابة إلا أن يطابق ما قاله بلسانه اعتقاده بقلبه ~~{قالوا} نافين لعلمهم أصلا ورأسا إذا كان موقوفا على شرط هو من علم ما غاب ~~ولا علم لهم به {لا علم لنا} أي على الحقيقة لأنا لا نعلم إلا ما شهدناه، ~~وما غاب عنا أكثر، وإذا كان الغائب قد يكون مخالفا للمشهود، فما شهد ليس ~~بعلم، لأنه غير مطابق # PageV06P337 # للواقع، ولهذا عللوا بقولهم: {إنك أنت} أي وحدك {علام الغيوب *} أي كلها، ~~تعلمها علما تاما فكيف بما غاب عنا من أحوال قومنا! فكيف بالشهادة! فكيف ~~بما شهدنا من ذلك! وهذا في موضع قولهم: أنت أعلم، لكن هذا أحسن أدبا، فإنهم ~~محوا أنفسهم من ديوان العلم بالكلية، لأن كل علم يتلاشى إذا نسب إلى علمه ~~ويضمحل مهما قرن بصفته أو اسمه. # ولما كان سؤاله سبحانه للرسل عن الإجابة متضمنا لتبكيت المبطلين ~~وتوبيخهم، وكان أشد الأمم افتقارا إلى التوبيخ أهل الكتاب، لأن تمردهم تعدى ~~إلى رتبة الجلال بما وصفوه سبحانه به من اتخاذ الصاحبة والولد، ومن ادعاء ~~الإلهية لعيسى عليه السلام لما أظهر من الخوارق التي دعا بها إلى الله مع ~~اقترانها بما يدل على عبوديته ورسالته لئلا يهتضم حقه أو يغلى فيه، مع ~~مشاركتهم لغيرهم في أذى الرسل عليهم السلام بالتكذيب وغيره، وكان في الآية ~~السالفة ذكر الآباء وما آثروا للأبناء، ذكر أمر عيسى عليه السلام بقوله ~~مبدلا من قوله: {يوم يجمع الله} معبرا بالماضي تذكيرا بما لذلك اليوم من ~~تحتم الوقوع، وتصويرا لعظيم تحققه، وتنبيها على أنه لقوة قربه كأنه # PageV06P338 # قد وقع ومضى: {إذ قال الله} أي المستجمع لصفات الكمال {يا عيسى} ثم بينه ~~بما هو الحق من نسبه فقال: {ابن مريم} . # ولما كان ذلك يوم الجمع الأكبر ms1284 والإحاطة بجميع الخلائق وأحوالهم في ~~حركاتهم وسكناتهم، وكان الحمد هو الإحاطة بأوصاف الكمال، أمره بذكر حمده ~~سبحانه على نعمته عنده فقال: {اذكر نعمتي عليك} أي في خاصة نفسك، وذكر ما ~~يدل للعاقل على أنه عبد مربوب فقال: {وعلى والدتك} إلى آخره مشيرا إلى أنه ~~أوجده من غير أب فأراحه مما يجب للآباء من الحقوق وما يورثون أبناءهم من ~~اقتداء أو اهتداء وإقامة بحقوق أمه، فأقدره - وهو في المهد - على الشهادة ~~لها بالبراءة والحصانة والعفاف، وكل نعمة أنعمها سبحانه عليه صلى الله عليه ~~وسلم فهي نعمة أمه دينا ودنيا. # ولما ذكر سبحانه هذه الأمة المدعوة من العرب وأهل الكتاب وغيرهم بنعمه ~~عليهم في أول السورة بقوله: {اذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه} [المائدة: 7] ~~، {واذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم} [المائدة: 11] ، وكانت هذه الآيات ~~من عند {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] كلها في النعم، ~~أخبرهم أنه يذكر عيسى عليه السلام بنعمه في يوم الجمع إشارة إلى أنهم إن لم ~~يذكروا نعمه في هذه الدار دار العمل بالشكر، ذكروها حين يذكرهم بها في ذلك ~~اليوم قسرا بالكفر، ويا لها فضيحة في ذلك الجمع # PageV06P339 # الأكبر والموقف الأهول! وليتبصر أهل الكتاب فيرجعوا عن كفرهم بعيسى عليه ~~السلام: اليهود بالتقصير في أمره، والنصارى بالغلو في شأنه وقدره. # ولما كان أعظم الأمور التنزيه، بدأ به كما فعل بنفسه الشريفة في كلمة ~~الدخول إلى الإسلام، ولما كان أعظم ذلك تنزيهه أمه عليها السلام وتصحيح ما ~~خرق لها من العادة في ولادته، وكان أحكم ما يكون ذلك بتقوية روحه حتى يكون ~~كلامه طفلا ككلامه كهلا، قدمه فقال معلقا قارنا بكل نعمة ما يدل على ~~عبوديته ورسالته، ليخزي من غلا في أمره أو قصر في وصفه وقدره: {إذ أيدتك} ~~أي قويتك تقوية عظيمة {بروح القدس} أي الطهر الذي يحيي القلوب ويطهرها من ~~أوضار الآثام، ومنه جبرئيل عليه السلام، فكان له منه في الصغر حظ لم يكن ~~لغيره؛ قال الحرالي: وهو يد بسط لروح الله في القلوب بما ms1285 يحييها الله به من ~~روح أمره إرجاعا إليه في هذه الدار قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض من ~~عزرائيل عليه السلام ثم استأنف تفسير هذا التأييد فقال: {تكلم الناس} أي من ~~أردت من عاليهم وسافلهم {في المهد} أي بما برأ الله من أمك وأظهر به كرامتك ~~وفضلك. # ولما ذكر هذا الفضل العظيم، أتبعه خارقا آخر، وهو إحياؤه # PageV06P340 # نفسه وحفظه جسده أكثر من ألف سنة لم يدركه الهرم؛ فإنه رفع شابا وينزل ~~على ما رفع عليه ويبقى حتى يصير كهلا، وتسوية كلامه في المهد بكلامه في حال ~~بلوغ الأشد وكمال العقل خرقا لما جرت به العوائد فقال: {وكهلا} ولما ذكر ~~هذه الخارقة، أتبعها روح العلم الرباني فقال: {وإذ علمتك الكتاب} أي الخط ~~الذي هو مبدأ العلم وتلقيح لروح الفهم {والحكمة} أي الفهم لحقائق الأشياء ~~والعمل بما يدعو إليه العلم {والتوراة} أي المنزلة على موسى عليه السلام ~~{والإنجيل} أي المنزل عليك. # ولما ذكر تأييده بروح الروح، أتبعه تأييده بإفاضة الروح على جسد لا أصل ~~له فيها فقال: {وإذ تخلق من الطين} أي هذا الجنس {كهيئة الطير بإذني} ثم ~~سبب عن ذلك قوله: {فتنفخ فيها} أي في الصورة المهيأة {فتكون} أي تلك الصورة ~~التي هيأتها {طيرا بإذني} ثم بإفاضة روح ما على بعض جسد، إما ابتداء في ~~الأكمة كما في الذي قبله، وإما إعادة كما في الحادث العمى والبرص بقوله: ~~{وتبرئ الأكمة والأبرص} . # ولما كان من أعظم ما يراد بالسياق توبيخ من كفر به كرر قوله: {بإذني} ثم ~~برد روح كامل إلى جسدها بقوله: # PageV06P341 # {وإذ تخرج الموتى} أي من القبور فعلا أو قوة حتى يكونوا كما كانوا من ~~سكان البيوت {بإذني} ثم بعصمة روحه ممن أراد قتله بقوله: {وإذ كففت بني ~~إسرائيل عنك} أي اليهود لما هموا بقتلك؛ ولما كان ذلك ربما أوهم نقصا ~~استحلوا قصده به، بين أنه قصد ذلك كعادة الناس مع الرسل والأكابر من ~~أتباعهم تسلية لهذا النبي الكريم والتابعين له بإحسان فقال: {إذ جئتهم ~~بالبينات} أي كلها، بعضها بالفعل ms1286 والباقي بالقوة لدلالة ما وجد عليه من ~~الآيات الدالة على رسالتك الموجبة لتعظيمك {فقال الذين كفروا} أي غطوا تلك ~~البينات عنادا {منهم إن} أي ما {هذا إلا سحر مبين *} ثم بتأييده بالأنصار ~~الذين أحيى أرواحهم بالإيمان وأجسادهم باختراع المأكل الذي من شأنه في ~~العادة حفظ الروح، وذلك في قصة المائدة وغيرها فقال: {وإذ أوحيت} أي بإلهام ~~باطنا وبإيصال الأوامر على لسانك ظاهرا {إلى الحواريين} أي الأنصار {أن ~~آمنوا بي وبرسولي} أي الذي أمرته بالإبلاغ يعني إبلاغ الناس ما آمرهم به، ~~ثم استأنف مبينا لسرعة أجابتهم لجعله محببا إليهم مطاعا فيهم بقوله: {قالوا ~~آمنا} . # ولما كان الإيمان باطنا فلا بد في إثباته من دليل ظاهر، وكان # PageV06P342 # في سياق عد النعم والطواعية لوحي الملك الأعظم دلوا عليه بتمام الانقياد، ~~ناسب المقام زيادة التأكيد بإثبات النون الثالثة في قولهم: {واشهد بأننا} ~~بخلاف آل عمران {مسلمون *} أي منقادون أتم انقياد، فلا اختيار لنا إلا ما ~~تأمرنا به، وانظر ما أنسب إعادة «إذ» عند التذكير بروح كامل حسا أو معنى ~~وحذفها عند الناقص، فأثبتها عند التأييد بها في أصل الخلق وفي الكمال ~~الموجب للحياة الأبدية وفي تعليم الكتاب وما بعده المفيض لحياة الأبد على ~~كل من تخلق بأخلاقه وفي خلق الطير وهو ظاهر وهكذا إلى الآخر. # ذكر شيء مما عزي إليه من الحكمة في الإنجيل: قال متى: وكان يسوع يطوف ~~المدن والقرى ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل الأمراض ~~والأوجاع، ثم قال: فلما سمع يوحنا في السجن بأعمال المسيح أرسل إليه اثنين ~~من تلاميذه قائلا: أنت هو الآتي أم نترجى آخر؟ قال لوقا: وفي تلك الساعة ~~أبرأ كثيرا من الأمراض والأوجاع والأرواح الشريرة ووهب النظر لعميان ~~كثيرين، فأجاب يسوع وقال لهما: اذهبا وأعلما يوحنا بما رأيتما وسمعتما، ~~العميان يبصرون والعرج يمشون والبرص يتطهرون والصم يسمعون # PageV06P343 # والموتى يقومون والمساكين يبشرون، فطوبى لمن لا يشك في! فلما ذهب تلميذا ~~يوحنا بدأ يسوع يقول للجمع من أجل يوحنا: لماذا خرجتم إلى البرية تنظرون - ~~قال لوقا: قصبة ms1287 تحركها الريح - أم لماذا خرجتم تنظرون؟ إنسانا لابسا لباسا ~~ناعما؟ إن اللباس الناعم يكون في بيوت الملوك، قال لوقا: فإن الذين عليهم ~~لباس المجد والتنعم هم في بيوت الملوك - انتهى. لكن لماذا خرجتم تنظرون؟ ~~نبيا؟ نعم، أقول لكم: إنه أفضل من هذا الذي كتب من أجله: هوذا أنا مرسل ~~ملكي أمام وجهك ليسهل طريقك قدامك، الحق أقول لكم! إنه لم يقم في مواليد ~~النساء أعظم من يوحنا المعمد، والصغير في ملكوت السماء أعظم منه، وجميع ~~الشعب الذي سمع والعشارون شكروا الله حيث اعتمدوا من معمودية يوحنا، فأما ~~الفريسيون والكتاب فعلموا أنهم رفضوا أمر الله لهم إذ لم يعتمدوا منه؛ قال ~~متى: ثم قال: من له أذنان سامعتان فليسمع! بماذا أشبه هذا الجيل؟ يشبه ~~صبيانا جلوسا في الأسواق، يصيحون إلى أصحابهم قائلين: زمرنا لكم فلم ~~ترقصوا، ونحنا لكم فلم تبكوا، جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب، فقالوا: معه ~~جنون، جاء ابن الإنسان # PageV06P344 # يأكل ويشرب، فقالوا: هذا إنسان أكول شريب خليل العشارين والخطأة، فتبررت ~~الحكمة من بنيها، حينئذ بدأ يعير المدن التي كان فيها أكثر قواته، لأنهم لم ~~يتوبوا، ويقول: الويل لك يا كورزين! والويل لك يا بيت صيدا! لأن القوات ~~اللاتي كن فيكما قديما لو كن في صور وصيدا لتابوا بالمسوح والرماد، لكن ~~أقول لكم: إن لصور وصيدا راحة في يوم الدين أكثر منكن، وأنت يا كفرناحوم لو ~~ارتفعت إلى السماء ستهبطين إلى الجحيم، لأنه لو كان في سدوم هذه القوات ~~التي كانت فيك إذن لثبتت إلى اليوم، وأقول لكم أيضا: إن أرض سدوم تجد راحة ~~يوم الدين أكثر منك. # ثم قال: وانتقل يسوع من هناك ودخل إلى مجمعهم وإذا رجل هناك يده يابسة - ~~وقال لوقا: يده اليمنى يابسة - فسألوه قائلين: هل يحل أن يشفى في السبت؟ ~~فقال لهم: أي إنسان منكم يكون له خروف، يسقط في حفرة في السبت، ولا يمسكه ~~ويقيمه؟ فبكم أحزي الإنسان أفضل من الخروف، فإذن جيد هو فعل الخير في ~~السبت؛ وقال لوقا: فقال للرجل اليابس ms1288 اليد: قف في الوسط، فقام، وقال لهم ~~يسوع: أسألكم ماذا يحل أن يعمل في السبت؟ خير أم شر؟ نفس تخلص أم تهلك؟ ~~فسكتوا؛ قال متى: حينئذ قال للإنسان: أمدد يدك، فمدها فصحت # PageV06P345 # مثل الأخرى، فخرج الفريسيون - قال مرقس: مع أصحاب هيرودس - متوامرين في ~~إهلاكه، فعلم يسوع وانتقل من هناك وتبعه جمع كثير، فشقى جميعهم، وأمرهم أن ~~لا يظهروا ذلك لكي يتم ما قيل في أشعيا النبي القائل: ها هوذا فتاي الذي ~~هويت، وحبيبي الذي به سررت، أضع روحي عليه ويخبر الأمم بالحكم، لا يماري ~~ولا يصيح ولا يسمع أحد صوته في الشوارع، قصبة مرضوضة لا تكسر، وسراج مطفطف ~~لا يطفأ حتى يخرج الحكم في الغلبة، وعلى اسمه تتكل الأمم؛ ثم قال: وفي ذلك ~~اليوم خرج يسوع من البيت وجلس جانب البحر، فاجتمع إليه جمع كبير حتى أنه ~~صعد إلى السفينة وجلس، وكان الجمع كله قياما على الشط، وكلهم بأمثال كثيرة ~~قائلا: ها هو ذا خرج الزارع ليزرع، وفيما هو يزرع سقط البعض على الطريق، ~~فأتى الطير وأكله - وقال لوقا: فديس وأكله طائر السماء - وبعض سقط على ~~الصخرة حيث لم يكن له أرض كثيرة، وللوقت شرق إذ ليس له عمق أرض، ولما أشرقت ~~الشمس احترق، وحيث لم يكن له أصل يبس، وبعض سقط في الشوك فطلع الشوك وخنقه؛ ~~وقال مرقس: فخنقه بعلوه عليه فلم يأتي بثمرة؛ # PageV06P346 # وقال متى: وبعض سقط في الأرض الجيدة فأعطى ثمره، للواحد مائة وللآخر ستين ~~وللآخر ثلاثين - قال لوقا: فلما قال هذا نادى: من له أذنان سامعتان فليسمع ~~- فتقدم إليه تلاميذه وقالوا له: لماذا تكلمهم بالأمثال؟ فأجابهم وقال: ~~أنتم أعطيتم معرفة سرائر ملكوت السماوات - وقال لوقا: فقال لهم: لكم أعطي ~~علم سرائر ملكوت الله - وأولئك لم يعطوا، ومن كان له يعطي ويزاد، ومن ليس ~~له فالذي له يؤخذ منه - وقال لوقا: والذي ليس له ينزع منه الذي يظن أنه له ~~- فلهذا أكلمهم بالأمثال، لأنهم يبصرون فلا يبصرون، ويسمعون فلا يسمعون ولا ~~يفهمون، لكي تتم فيهم نبوة أشعيا ms1289 لقائل: سمعا يسمعون فلا يفهمون، ونظرا ~~ينظرون فلا يبصرون، لقد غلظ قلب هذا الشعب، وثقلت آذانهم عن السماع، وغمضوا ~~أعينهم لكيلا يبصروا بعيونهم ولا يسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا ~~فأشفيهم، فأما أنتم فطوبى لعيونكم! لأنها تنظر، ولآذانكم! لأنها تسمع؛ وقال ~~لوقا: ومثل الزرع هذا هو كلام الله؛ وقال متى: كل من يسمع كلام الملكوت ولا ~~يفهم يأتي الشرير فيخطف ما يزرع في قلبه، هذا الذي زرع على الطريق، والذي ~~زرع على الصخرة هو الذي يسمع الكلام وللوقت يقبله بفرح، وليس له فيه أصل، ~~لكن في زمان يسير، إذا حدث ضيق أو طرد فللوقت يشك - # PageV06P347 # وقال مرقس: بسبب الكلمة فيشكون للوقت: وقال لوقا: وهم إنما يؤمنون إلى ~~زمان التجربة، وفي زمان التجربة يشكون - والذي يزرع في الشوك فهو الذي يسمع ~~الكلام فيخنق الكلام فيه؛ وقال لوقا: فتغلب عليهم هموم هذا الدهر وطلب ~~الغنى؛ وقال مرقس: ومحبة الغنى وسائر الشهوات التي يسلكونها، فتخنق الكلمة ~~فلا تثمر فيهم؛ وقال متى: فيكون بغير ثمرة، والذي زرع في الأرض الجيدة هو ~~الذي يسمع الكلام ويتفهم ويعطي ثمره؛ وقال لوقا: وأما الذي وقع في الأرض ~~الصالحة فهم الذين يسمعون الكلمة بقلب جيد فيحفظونها ويثمرون بالصبر؛ قال ~~متى: للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ثلاثين. # وضرب لهم مثلا آخر قائلا: يشبه ملكوت السماوات إنسانا زرع زرعا جيدا في ~~حقله، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع زوانا في وسط القمح ومضى، فلما نبت ~~القمح ظهر الزوان، فجاء عبيد رب البيت فقالوا له: يا سيد! أليس زرعا جيدا ~~زرعت في حقلك! فمن أين صار فيه زوان؟ فقال لهم: عدو فعل هذا، فقال عبيده: ~~تريد أن نذهب فنجمعه؟ فقال لهم: لا، لئلا تنقلع معه الحنطة، دعوهما ينبتان ~~جميعا إلى زمان الحصاد، # PageV06P348 # وأقول للحصادين: أولا اجمعوا الزوان فشدوه حزما ليحرق، فأما القمح ~~فاجمعوه إلى أهرائي. وضرب لهم مثلا آخر قائلا: يشب ملكوت السماوات حبة خردل ~~أخذها إنسان وزرعها في حقله، لأنها أصغر الزراريع كلها - وقال مرقس: وهي ~~أصغر الحبوب التي على الأرض ms1290 - فإذا طالت صارت أكبر من جميع البقول وتصير ~~شجرة - وقال مرقس: وصنعت أغصانا عظاما؛ وقال لوقا: فنمت وصارت شجرة عظيمة - ~~حتى أن طائر السماء يستظل تحت أغصانها. # وكلمهم بمثل آخر وقال لهم: يشبه ملكوت السماوات خميرا أخذته امرأة وعجنته ~~في ثلاثة أكيال دقيق فاختمر الجميع؛ وقال مرقس: وكان يقول لهم: هل يوقد ~~سراج فيوضع تحت مكيال أو سرير، لكن على منارة؛ وقال لوقا: ليس أحد يوقد ~~سراجا فيغطيه، ولا يجعله تحت سرير، لكن يضعه على منارة فيرى نوره كل من ~~يدخل؛ قال مرقس: كذلك ليس خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلن؛ وقال لوقا: ~~سراج الجسد العين، فإذا كانت عينك بسيطة فجسدك كله نير، وإن كانت عينك ~~شريرة فجسدك كله يكون مظلما أحرص أن لا يكون النور الذي فيك ظلاما، فإن كان ~~جسدك كله نيرا وليس فيه جزء مظلم فإنه يكون كاملا نيرا، كما أن السراج ينير ~~لك بلمع ضيائه؛ وقال مرقس: من له أذنان سامعتان فليسمع، وقال لهم: انظروا ~~ماذا تسمعون، فبالكيل الذي تكيلون يكال لكم - وتزادون أيها السامعون لأن ~~الذي له يعطي ومن ليس # PageV06P349 # عنده فالذي عنده يؤخذ منه، وقال: يشبه ملكوت الله إنسانا يلقي زرعه على ~~الأرض وينام، ويقوم ليلا ونهارا والزرع ينمو ويطول وهو لا يعلم، أولا أعشب ~~وبعد ذلك سنبل، ثم يمتلئ السنبل حتى إذا انتهت الثمرة حينئذ يضع المنجل إذ ~~قد دنا الحصاد؛ قال متى: هذا كله قاله يسوع للجموع ليتم ما قيل في النبي ~~القائل: أفتح فاي بالأمثال وأنطق بالخفيات من قبل أساس العالم. حينئذ ترك ~~الجمع وجاء إلى البيت فجاء إليه تلاميذه وقالوا: فسر لنا مثل زوال الحقل، ~~أجاب: الذي زرع الزرع الجيد هو ابن الإنسان، والحقل هو العالم، والزرع ~~الجيد هو بنو الملكوت، والزوان هو بنو الشر، والعدو الذي زرعه هو الشيطان، ~~والحصاد هو منتهى الدهر، والحصادون هم الملائكة، فكما أنهم يجمعون الزوان ~~أولا، وبالنار يحرق، هكذا يكون منتهى هذا الدهر، يرسل ملائكته ويجمعون من ~~مملكته كل الشوك وفاعلي الإثم، فيلقونهم ms1291 في أتون النار، هناك يكون البكاء ~~وصرير الأسنان، حينئذ يضيء الصديقون مثل الشمس في ملكوت أبيهم، من له أذنان ~~سامعتان فليسمع. ويشبه ملكوت السماوات كنزا مخفى في حقل وجده إنسان فخبأه، ~~ومن فرحه مضى وباع كل شيء واشترى ذلك الحقل. وأيضا يشبه ملكوت السماوات ~~إنسانا تاجرا بطلب الجوهر الفاخر الحسن. فوجد درة كثيرة الثمن فمضى وباع # PageV06P350 # كل ماله واشتراها. وأيضا يشبه ملكوت السماوات شبكة ألقيت في البحر فجمعت ~~من كل جنس، فلما امتلأت أطلعوها إلى الشط فجلسوا وجمعوا الخيار في الأوعية، ~~والرديء رموه خارجا، هكذا يكون في انقضاء هذا الزمان، تخرج الملائكة ~~ويميزون الأشرار من وسط الصديقين. # ويلقونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. فلما أكمل يسوع ~~هذه الأمثال انتقل من هناك وجاء إلى بلدته وكان يعلم في مجامعهم حتى أنهم ~~بهتوا وقالوا: من أين له هذه الحكمة والقوة! وقال مرقس: من أين له هذا ~~التعليم وهذه الحكمة التي أعطيها والقوات التي تكون على يديه - انتهى. أليس ~~هذا ابن النجار؟ وقال لوقا: وكان جميعهم يشهدون له ويتعجبون من كلام النعمة ~~الذي كان يخرج من فمه، وكانوا يقولون: أليس هذا ابن يوسف؟ انتهى. أليس أمه ~~تسمى مريم وإخوته يعقوب ويوسا وسمعان ويهودا؟ أليس هو وأخواته عندنا جميعا؟ ~~فمن أين له هذا كله؟ وكانوا يشكون فيه، فإن يسوع قال لهم: لا يهان نبي إلا ~~في بلدته وبيته؛ وقال مرقس: ليس يهان نبي إلا في بلدته وعند أنسابه وبيته؛ ~~وقال لوقا: فقال لهم: لعلكم تقولون لي هذا المثل: أيها الطبيب! اشف نفسك ~~والذي سمعنا # PageV06P351 # أنك صنعته في كفرناحوم افعله أيضا ههنا في مدينتك، فقال لهم: الحق أقول ~~لكم، إنه لا يقبل نبي في مدينته، الحق أقول لكم، إن الأرامل كثيرة كن في ~~إسرائيل في أيام إليا إذ أغلقت السماء ثلاث سنين وستة أشهر، وصار جوع عظيم ~~في الأرض كلها، ولم يرسل إلياء إلى واحدة منهن إلا أرملة في صارفة صيدا، ~~وبرص كثيرون كانوا في إسرائيل على عهد اليشع النبي ولم يطهر ms1292 واحد منهم إلا ~~نعمان الشامي، فامتلأ جميعهم غضبا عندما سمعوا هذا وأخرجوه خارج المدينة، ~~وجاؤوا به إلى أعلى الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه ليطرحوه إلى أسفل، ~~فأما هو فجاز وسطهم ومضى، ونزل إلى كفرناحوم مدينة في الجليل، وكان يعلمهم ~~في السبت وبهتوا من تعليمه لأن كلامه كان بسلطان. وقال في موضع آخر: وجاء ~~إليه ناس من الفريسيين وقالوا له: اخرج فاذهب من ههنا فإن ثيرودس يريد ~~ليقتلك، فقال لهم: امضوا وقولوا لهذا الثعلب: إني هوذا أخرج الشياطين وأتم ~~الشفاء اليوم وغدا وفي اليوم الثالث أكمل، وينبغي أن أقيم # PageV06P352 # اليوم وغدا، وفي اليوم الآتي أذهب، لأنه ليس يهلك نبي خارجا عن يروشليم، ~~أيا يروشليم! أيا يروشليم! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها! كم من ~~مرة أردت أن أجمع بنيك مثل الدجاجة التي تجمع فراخها تحت جناحيها فلم ~~تريدوا، هوذا أترك بيتكم خرابا، فسمع هيرودس رئيس الربع بجميع ما كان ~~فتحير، لأن كثيرا كانوا يقولون: إن يوحنا قام من الأموات، وآخرون يقولون: ~~إن إليا ظهر، وآخرون يقولون: نبي من الأولين قام، فقال هيرودس: أنا قطعت ~~رأس يوحنا فمن هو الذي نسمع عنه هذا، وطلب أن يبصره؛ وفي إنجيل متى: وفي ~~ذلك الزمان سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال لغلمانه: هذا هو يوحنا ~~المعمدان، وهو قام من الأموات من أجل هذه القوات التي يعمل بها. # قوله: المعمد، من أعمده - إذا غسله في ماء المعمودية، قوله: تبررت، أي ~~صارت برية بالنسبة إليهم، قوله: يعير المدن، أي يذكر ما أوجب لها العار، ~~قوله: القوات جمع قوة وهي المعجزات هنا، قول: الذي هويت، يعني أحببت حبا ~~شديدا، ولفظ الهوى الظاهر أنه يفهم نقصا فلا يحل في شرعنا إطلاقه على الله ~~تعالى، قوله: مطفطف، أي مملوء إلى رأسه، لا يزال كذلك، قوله: شرق - وزن: ~~فرح، أي ضعف، من: # PageV06P353 # شرق بريقه، وشرقت الشمس - إذا ضعف ضوءها، قوله: أتون وهو وزن تنور وقد ~~يخفف: أخدود الجيار والجصاص، قوله: بسيطة، أي على الفطرة الأولى، قوله: ~~يروشليم - بتحتانية ومهملة ms1293 وشين معجمة: بيت المقدس، قوله: ملكوت أبيهم، ~~تقدم ما فيه غير مرة. # PageV06P354 # ولما كان من المقصود بذكر معجزات عيسى عليه السلام تنبيه الكافر ليؤمن، ~~والمؤمن ليزداد إيمانا، وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتوبيخ اليهود ~~المدعين أنهم أبناء وأحباء - إلى غير ذلك مما أراد الله، قرعت به الأسماع، ~~ولم يتعلق بما يجيب به يوم القيامة عند أمره بذلك غرض فطوي؛ ولما كان أجل ~~المقاصد تأديب هذه الأمة لنبيها عليه السلام لتجله عن أن تبدأه بسؤال أو ~~تقترح عليه شيئا في حال من الأحوال، ذكر لهم شأن الحواريين في اقتراحهم ~~بعدما تقدم من امتداحهم بعدهم في عداد أولي الوحي ومبادرتهم إلى الإيمان ~~امتثالا للأمر ثم إلى الإشهاد على سبيل التأكيد بتمام الانقياد وسلب ~~الاختيار، فقال معلقا ب «قالوا آمنا» مقربا لزمن تعنتهم من زمن إيمانهم، ~~مذكرا لهذه الأمة بحفظها على الطاعة، ومبكتا لبني إسرائيل بكثرة تقلبهم ~~وعدم تماسكهم إبعادا لهم عن درجة المحبة فضلا عن البنوة، وهذه القصة قبل ~~قصة الإيحاء إليهم فتكون «إذ» هذه # PageV06P354 # ظرفا لتلك، فيكون الإيحاء إليهم بالأمر بالإيمان في وقت سؤالهم هذه بعد ~~ابتدائه، ويكون فائدته حفظهم من أن يسألوا آية أخرى كما سألوا هذه بعدما ~~رأوا منه صلى الله عليه وسلم من الآيات: {إذ قال} وأعاد وصفهم ولم يضمره ~~تنصيصا عليهم لبعد ما يذكر من حالهم هذا من حالهم الأول فقال: {الحواريون} ~~وذكر أنهم نادوه باسمه واسم أمه فقالوا: {يا عيسى ابن مريم} ولم يقولوا: يا ~~رسول الله ولا يا روح الله، ونحو هذا من التبجيل أو التعظيم {هل يستطيع ~~ربك} بالياء مسندا إلى الرب وبالتاء الفوقانية مسندا إلى عيسى عليه السلام ~~ونصب الرب، ومعناهما واحد يرجع إلى التهييج والإلهاب بسبب الاجتهاد في ~~الدعاء بحيث تحصل الإجابة، وتكون هذه العبارة أيضا للتلطف كما يقول الإنسان ~~لمن يعظمه: هل تقدر أن تذهب معي إلى كذا؟ وهو يعلم أنه قادر، ولكنه يكنى ~~بذلك عن أن السائل يحب ذلك ولا يريد المشقة على المسؤول {أن ينزل} أي الرب ~~المحسن ms1294 إليك {علينا مائدة} وهي الطعام، ويقال أيضا: الخوان إذا كان عليه ~~الطعام، والخوان شيء يوضع عليه الطعام للأكل، هو في العموم بمنزلة السفرة ~~لما يوضع فيه طعام المسافر بالخصوص، وهي من ماده - # PageV06P355 # إذا أعطاه وأطعمه. # ولما كان هذا ظاهرا في أنها سماوية، صرحوا به احترازا عما عودهم به صلى ~~الله عليه وسلم من أنه يدعو بالقليل من الطعام فيبارك فيه فيمده الله فيكفي ~~فيه القيام من الناس فقالوا: {من السماء} أي لا صنع للآدميين فيها لنختص ~~بها عمن تقدمنا من الأمم. # ولما كان المقصود من هذا وعظنا وإرشادنا إلى أن لا نسأل نبينا صلى الله ~~عليه وسلم شيئا، اكتفاء بما يرحمنا به ربنا الذي رحمنا بابتدائنا بإرساله ~~إلينا لإيصالنا إليه سبحانه، وتخويفا من أن نكون مثل من مضى من المقترحين ~~الذين كان اقتراحهم سبب هلاكهم؛ دل على ذلك بالنزوع من أسلوب الخطاب إلى ~~الغيبة فقال مستأنفا إرشادا إلى السؤال من جوابهم: {قال} ولم يقل: فقلت ~~{اتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم الذي له الكمال وقاية ~~تمنعكم عن الاجتراء على الاقتراح {إن كنتم مؤمنين *} أي بأنه قادر وإني ~~رسوله، فلا تفعلوا فعل من وقف إيمانه على رؤية ما يقترح من الآيات. # ولما كانت المعجزات إنما تطلب لإيمان من لم يكن آمن، وكان في هذا الجواب ~~أتم زجر لهم، تشوف السامع إلى جوابهم فقيل: # PageV06P356 # لم ينتهوا بل {قالوا} إنا لا نريدها لأجل إزالة شك عندنا بل {نريد} مجموع ~~أمور: {أن نأكل منها} فإنا جياع؛ ولما كان التقدير: فتحصل لنا بركتها، عطف ~~عليه: {وتطمئن قلوبنا} أي بضم ما رأينا منها إلى ما سبق من معجزاتك من غير ~~سؤالنا فيه {ونعلم} أي بعين اليقين وحقه أن قد صدقتنا} أي في كل ما أخبرتنا ~~به {ونكون عليها} وأشاروا إلى عمومها بالتبعيض فقالوا: {من الشاهدين *} أي ~~شهادة رؤية مستعلية عليها بأنها وقعت، لا شهادة إيمان بأنها جائزة الوقوع ~~{قال عيسى} ونسبه زيادة في التصريح به تحقيقا ولأنه لا أب له وتسفيها لمن ~~أطراه ms1295 أو وضع من قدره فقال: {ابن مريم اللهم} فافتتح دعاءه بالاسم الأعظم ~~ثم بوصف الإحسان فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {أنزل علينا} وقدم ~~المقصود فقال: {مائدة} وحقق موضع الإنزال بقوله: {من السماء} ثم وصفها بما ~~تكون به بالغة العجب عالية الرتب فقال: {تكون} أي هي أو يوم نزولها {لنا ~~عيدا} وأصل العيد كل يوم فيه جمع، ثم قيد بالسرور فالمعنى: نعود إليها مرة ~~بعد مرة سرورا بها، ولعل منها ما يأتي من البركات حين ترد له عليه السلام - ~~كما في الأحاديث الصادقة، ويؤيد ذلك قوله مبدلا من «لنا» : {لأولنا وآخرنا} ~~. # PageV06P357 # ولما ذكر الأمر الدنيوي، أتبعه الأمر الديني فقال: {وآية منك} أي علامة ~~على صدقي {وارزقنا} أي رزقا مطلقا غير مقيد بها؛ ولما كان التقدير: فأنت ~~خير المسؤولين، عطف عليه قوله: {وأنت خير الرازقين *} أي فإنك تغني من ~~تعطيه وتزيده عما يؤمله ويرتجيه بما لا ينقص شيئا مما عندك، ولا تطلب منه ~~شيئا غير أن ينفع نفسه بما قويته عليه من طاعتك بذلك الرزق {قال الله} أي ~~الملك المحيط علما وقدرة. # PageV06P358 # ولما كان ظاهر سؤالهم من الاستفهام عن الاستطاعة للاضطراب وإن كان ~~للإلهاب، أكد الجواب فقال: {إني منزلها عليكم} أي الآن بقدرتي الخاصة بي ~~{فمن يكفر بعد} أي بعد إنزالها {منكم} وهذا السياق معشر بأنه يحصل منهم ~~كفر، وقد وجد ذلك حتى في الحواريين على ما يقال في يهودا الإسخريوطي أحدهم ~~الذي دل على عيسى عليه السلام، فألقى شبهه عليه، ولهذا خصه بهذا العذاب ~~فقال: {فإني أعذبه} أي على سبيل البت والقطع {عذابا لا أعذبه} أي مثله أبدا ~~فيما يأتي من الزمان {أحدا من العالمين *} وفي هذا أتم زاجر لهذه الأمة عن ~~اقتراح الآيات، وفي ذكر قصة المائدة في هذه السورة التي افتتحت بإحلال ~~المآكل واختتمت بها أعظم تناسب، وفي ذلك كله إشارة إلى تذكير هذه الأمة بما ~~أنعم عليها بما أعطى نبيها من المعجزات ومن عليها به من حسن الاتباع، ~~وتحذير من كفران هذه النعم # PageV06P358 # المعددة عليهم، وقد اختلف ms1296 المفسرون في حقيقة هذه المائدة وفي أحوالها؛ ~~قال أبو حيان: وأحسن ما يقال فيه ما خرجه الترمذي في أبواب التفسير عن عمار ~~بن ياسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزلت ~~المائدة من السماء خبزا ولحما، وأمروا أن لا يدخروا لغد ولا يخونوا، فخانوا ~~وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير» انتهى. قلت: ثم صحح الترمذي وقفه ~~على عمار وقال: لا نعلم للحديث المرفوع أصلا، غير أن ذلك لا يضره لكونه لا ~~يقال من قبل الرأي، ولا أعلم أحدا ذكر عمارا فيمن أخذ عن أهل الكتاب، فهو ~~مرفوع حكما، وهذا الخبر يؤكد أن الخبر في الآية على بابه، فيدفع قول من ~~قال: إنها لم تنزل، لأنهم لما سمعوا الشرط قالوا: لا حاجة لنا بها، لأن ~~خبره تعالى لا يخلف ولا يبدل القول لديه، وهذا الرزق الذي من السماء قد وقع ~~مثله لآحاد الأمة؛ روى البيهقي في أواخر الدلائل عن أبي هريرة قال: كانت ~~امرأة من دوس يقال لها أم شريك أسلمت في رمضان، فأقبلت تطلب من يصحبها إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيت رجلا من اليهود فقال: ما لك يا أم ~~شريك؟ قالت: أطلب رجلا يصحبني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: # PageV06P359 # فتعالي فأنا أصحبك، قالت: فانتظرني حتى أملأ سقائي ماء، قال: معي ماء ما ~~لا تريدين ماء، فانطلقت معهم فساروا يومهم حتى أمسوا، فنزل اليهودي ووضع ~~سفرته فتعشى وقال: يا أم شريك! تعالي إلى العشاء! فقالت: اسقني من الماء ~~فإني عطشى، ولا أستطيع أن آكل حتى أشرب، فقال لها: لا أسقيك حتى تهودي! ~~فقالت: لا جزاك الله خيرا! غربتني ومنعتني أن أحمل ماء، فقال: لا والله لا ~~أسقيك منه قطرة حتى تهودي، فقالت: لا والله لا أتهود أبدا بعد إذ هداني ~~الله للإسلام؛ فأقبلت إلى بعيرها فعقلته ووضعت رأسها على ركبته فنامت، ~~قالت: فما أيقظني إلا برد دلو قد وقع على جبيني، فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء ~~أشد بياضا من اللبن ms1297 وأحلى من العسل، فشربت حتى رويت، ثم نضحت على سقائي حتى ~~ابتل ثم ملأته، ثم رفع بين يدي وأنا أنظر حتى توارى عني في السماء، فلما ~~أصبحت جاء اليهودي فقال: يا أم شريك! قلت: والله قد سقاني الله، قال: من ~~أين أنزل عليك؟ من السماء؟ قلت: نعم، والله لقد أنزل الله علي من السماء ثم ~~رفع # PageV06P360 # بين يدي حتى توارى عني في السماء؛ ثم أقبلت حتى دخلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقصت عليه القصة، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها ~~نفسها فقالت: يا رسول الله! لست أرضي نفسي لك ولكن بضعي لك فزوجني من شئت، ~~فزوجها زيدا وأمر لها بثلاثين صاعا وقال: كلوا ولا تكيلوا، وكان معها عكة ~~سمن هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لجارية لها: بلغي هذه العكة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قولي: أم شريك تقرئك السلام، وقولي: هذه عكة ~~سمن أهديناها لك، فانطلقت بها الجارية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخذوها ففرغوها، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: علقوها ولا ~~توكوها، فعلقوها في مكانها، فدخلت أم شريك فنظرت إليها مملوءة سمنا، فقالت: ~~يا فلانة! أليس أمرتك أن تنطلقي بهذه العكة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم! فقالت: قد والله انطلقت بها كما قلت، ثم أقبلت بها أضربها ما يقطر ~~منها شيء ولكنه قال: علقوها ولا توكوها، فعلقتها في مكانها، وقد أوكتها أم ~~شريك حين رأتها مملوءة فأكلوا منها حتى فنيت، ثم كالوا الشعير فوجدوه ~~ثلاثين صاعا لم ينقص منه شيء، قال: وروي # PageV06P361 # ذلك من وجه آخر، ولحديثه شاهد صحيح عن جابر رضي الله عنه. # وروي بإسناده عن أبي عمران الجوني أن أم أيمن هاجرت من مكة إلى المدينة ~~وليس معها زاد، فلما كانت عند الروحاء وذلك عند غيبوبة الشمس عطشت عطشا ~~شديدا، قالت: فسمعت هفيفا شديدا فوق رأسي، فرفعت رأسي فإذا دلو مدلى من ~~السماء برشاء أبيض، فتناولته بيدي حتى استمسكت به، قالت: ms1298 فشربت منه حتى ~~رويت، قالت: فلقد أصوم بعد تلك الشربة في اليوم الحار الشديد الحر ثم أطوف ~~في الشمس كي أظمأ فما ظمئت بعد تلك الشربة. قال: وفي الجهاد عن البخاري عن ~~أبي هريرة قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عينا، ~~وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ~~- فذكر الحديث حتى قال: فابتاع خبيبا - يعني ابن عدي الأنصاري - بنو الحارث ~~بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر، ~~فلبث خبيب عندهم أسيرا، فأخبرني عبيد الله بن عياض أن ابنة الحارث قالت: ~~والله ما رأيت أسيرا قط # PageV06P362 # خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق ~~في الحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول: إنه لرزق من الله رزق خبيبا» # الحديث. ومن الأمر الجلي أن عيسى عليه السلام بعد أمر الله تعالى له بذكر ~~هذه النعم يقول في ذلك الجمع فيذكرها ويذكر المقصود من التذكير بها، وهو ~~الثناء على المنعم بها بما يليق بجلاله، فيحمد ربه تعالى بمحامد تليق بذلك ~~المقام في ذلك الجمع، فمن أنسب الأمور حينئذ سؤاله - وهو المحيط علما ~~بمكنونات الضمائر وخفيات السرائر إثر التهديد لمن يكفر - عما كفر به ~~النصارى، فلذلك قال تعالى عاطفا على قوله {إذا قال الله يا عيسى ابن مريم ~~اذكر نعمتي عليك} [المائدة: 110] {وإذ قال الله} أي بما له من صفات الجلال ~~والجمال مشيرا إلى ما له من علو الرتبة بأداة النداء: {يا عيسى بن مريم} ~~وذلك تحقيقا لأنه عمل بمقتضى النعمة وتبكيتا لمن ضل فيه من النصارى وإنكارا ~~عليهم {أأنت قلت للناس} أي الذين أرسلت إليهم من بني إسرائيل، وكأنه عبر ~~بذلك لزيادة التوبيخ لهم، لكونهم اعتقدوا ذلك وفيهم الكتاب، فكأنه لا ناس ~~غيرهم {اتخذوني} أي كلفوا أنفسكم خلاف ما تعتقدونه بالفطرة الأولى في الله ~~بأن تأخذوني {وأمي إلهين} . # PageV06P363 # ولما كانت عبادة غير الله - ولو ms1299 كانت على سبيل الشرك - مبطلة لعبادة ~~الله، لأنه سبحانه أغنى الأغنياء، ولا يرضى الشرك إلا فقير، قال: {من دون ~~الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له، فيكون المعنى: اتخذوا تألهنا سلما ~~تتوصلون به إلى الله، ويجوز أن يكون المعنى على المغايرة، ولا دخل حينئذ ~~للمشاركة. # ولما كان من المعلوم لنا في غير موضع أنه لم يقل ذلك، صرح به هنا توبيخا ~~لمن أطراه، وتأكيدا لما عندنا من العلم، وتبجيلا له صلى الله عليه وسلم بما ~~يبدي من الجواب، وتفضيلا بالإعلام بأنه لم يحد عن طريق الصواب، بل بذل ~~الجهد في الوفاء بالعهد، وتقريعا لمن قال ذلك عنه وهو يدعي حبه واتباعه ~~عليه السلام وتخجيلا لهم، فلما تشوفت لجوابه الأسماع وأصغت له الآذان، وكان ~~في ذكره من الحكم ما تقدمت الإشارة إليه، ذكره سبحانه قائلا: {قال} مفتتحا ~~بالتنزيه {سبحانك} أي لك التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص، ودل بالمضارع على ~~أن هذا القول لا يزال ممنوعا منه فقال: {ما يكون لي} أي ما ينبغي ولا يصح ~~أصلا {أن أقول} أي في وقت من الأوقات {ما ليس لي} وأغرق في النفي كما هو حق ~~المقام فقال: {بحق} . # ولما بادر عليه السلام إعظاما للمقام إلى الإشارة إلى نفي ما سئل # PageV06P364 # عنه، أتبعه ما يدل على أنه كان يكفي في الجواب عنه: أنت أعلم، وإنما أجاب ~~بما تقدم إشارة إلى أن هذا القول تكاد السماوات يتفطرن منه ومبادرة إلى ~~تبكيت من ادعاه له، فقال دالا على أنه لم يقنع بما تضمن أعظم المدح لأن ~~المقام للخضوع: {إن كنت قلته} أي مطلقا للناس أو حدثت به نفسي {فقد علمته} ~~وهو مبالغة في الأدب وإظهار الذلة وتفويض الأمر كله إلى رب العزة؛ ثم علل ~~الإخبار بعلمه بما هو من خواص الإله فقال: {تعلم} ولما كانت النفس يعبر بها ~~عن الذات، وكان القول يطلق على النفس، فإذا انتفى انتفى اللساني، قالك {ما ~~في نفسي} أي وإن اجتهدت في إخفائه، فإنه خلقك، وما أنا له إلا آلة ms1300 ووعاء، ~~فكيف به إن كنت أظهرته. # ولما أثبت له سبحانه ذلك، نفاه عن نفسه توبيخا لمن ادعى له الإلهية فقال ~~مشاكلة: {ولا أعلم ما في نفسك} أي ما أخفيته عني من الأشياء؛ ثم علل ~~الأمرين كليهما بقوله: {إنك أنت} أي وحدك لا شريك لك {علام الغيوب *} . # ولما نفى عن نفسه ما يستحق النفي ودل عليه، أثبت ما قاله لهم على وجه ~~مصرح بنفي غيره ليكون ما نسب إليه من دعوى الإلهية منفيا مرتين: إشارة ~~وعبارة، فقال معبرا عن الأمر بالقول مطابقة للسؤال، # PageV06P365 # وفسر بالأمر بيانا لأن كل ما قاله من مباح أو غيره دائر على الأمر من حيث ~~الاعتقاد بمعنى أن المخاطب بما قاله الرسول مأمور بأن يعتقد فيه أنه بتلك ~~المنزلة، لا يجوز أن يعتقد فيه أنه فوقها ولا دونها، يعبد الله تعالى بذلك: ~~{ما قلت لهم} أي ما أمرتهم بشيء من الأشياء {إلا ما أمرتني به} ثم فسره ~~دالا بشأن المراد بالقول الأمر بالتعبير في تفسيره بحرف التفسير بقوله: {أن ~~اعبدوا} أي ما أمرتهم إلا بعبادة {الله} أي الذي لم يستجمع نعوت الجلال ~~والجمال أحد غيره؛ ثم أشار إلى أنه كما يستحق العبادة لذاته يستحقها لنعمه ~~فقال: {ربي وربكم} أي أنا وأنتم في عبوديته سواء، وهذا الحصر يصح أن يكون ~~للقلب على أن دون بمعنى غير، وللإفراد على أنها بمعنى سفول المنزلة، وهو من ~~بدائع الأمثلة. # ولما فهم صلى الله عليه وسلم من هذا السؤال أن أتباعه غلوا في شأنه، فنزه ~~الله سبحانه وعز شأنه من ذلك وأخبره بما أمر الناس به في حقه سبحانه من ~~الحق، اعتذر عن نفسه بما يؤكد ما مضى نفيا وإثباتا فقال: {وكنت عليهم} أي ~~خاصة لا على غيرهم. # ولما كان سبحانه قد أرسله شاهدا، زاد في الطاعة في ذلك إلى أن بلغ جهده ~~كإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال معبرا # PageV06P366 # بصيغة المبالغة: {شهيدا} أي بالغ الشهادة، لا أرى فيهم منكرا إلا اجتهدت ~~في إزالته {ما دمت فيهم} وأشار إلى الثناء على ms1301 الله بقوله: {فلما توفيتني} ~~أي رفعتني إلى السماء كامل الذات والمعنى مع بذلهم جهدهم في قتلي {كنت أنت} ~~أي وحدك {الرقيب} أي الحفيظ القدير {عليهم} لا يغيب عليك شيء من أحوالهم، ~~وقد منعتهم أنت أن يقولوا شيئا غير ما أمرتهم أنا به من عبادتك بما نصبت ~~لهم من الأدلة وأنزلت عليهم على لساني من البينات {وأنت على كل شيء} أي ~~منهم ومن غيرهم حيوان وجماد {شهيد *} أي مطلع غاية الاطلاع، لا يغيب عنك ~~شيء منه سواء كان في عالم الغيب أو الشهادة، فإن كانوا قالوا ذلك فأنت ~~تعلمه دوني، لأني لما بعدت عنهم في المسافة انقطع علمي عن أحوالهم. # PageV06P367 # ولما كان هذا الذي سلف كله سؤالا وجوابا وإخبارا حمد الله تعالى وثناء ~~عليه بما هو أهله بالتنزيه له والاعتراف بحقه والشهادة له بعلم الخفايا ~~والقدرة والحكمة وغير ذلك من صفات الجلال والجمال، وكان هذا السؤال يفهم ~~إرادة التعذيب للمسؤول عنهم مشيرا إلى الشفاعة فيهم على وجه الحمد لله ~~سبحانه وتعالى والثناء الجميل عليه لأن العذاب ولو للمطيع عدل، والعفو عن ~~المعاصي بأي ذنب كان فضل # PageV06P367 # مطلقا، وغفران الشرك ليس ممتنعا بالذات، قال: {إن تعذبهم} أي القائلين ~~بهذا القول {فإنهم عبادك} أي فأنت جدير بأن ترحمهم ولا اعتراض عليك في ~~عذابهم لأن كل حكمك عدل {وإن تغفر لهم} أي تمح ذنوبهم عينا وأثرا {فإنك ~~أنت} أي خاصة أنت {العزيز} فلا أحد يعترض عليك ولا ينسبك إلى وهن {الحكيم ~~*} فلا تفعل شيئا إلا في أعلى درج الإحكام، لا قدرة لأحد على تعقيبه ولا ~~الاعتراض على شيء منه. # ولما انقضى جوابه عليه الصلاة والسلام على هذا الوجه الجليل، تشوف السامع ~~إلى جواب الله له، فقال تعالى مشيرا إلى كون جوابه حقا ومضمونه صدقا، منبها ~~على مدحه حاثا على ما بنيت عليه السورة من الوفاء بالعقود: {قال الله} أي ~~الملك المحيط بالجلال والإكرام جوابا لكلامه {هذا} أي مجموع يوم القيامة؛ ~~ولما كان ظهور الجزاء النافع هو المقصود قال: {يوم} هذا على قراءة الجماعة ~~بالرفع، ms1302 وقراءة نافع بالنصب غير منون أيضا لإضافته إلى متمكن بمعنى: هذا ~~الذي ذكر واقع؛ أو قال الله هذا الذي تقدم يوم {ينفع الصادقين} أي العريقين ~~في هذا الوصف نفعا لا يضرهم معه شيء {صدقهم} أي الذي كان لهم في الدنيا ~~وصفا ثابتا، فحداهم على الوفاء بما عاهدوا عليه، فكأنه قيل: ينفعهم بأي ~~شيء؟ فقال: {لهم جنات} أي هي من ري الأرض الذي يستلزم زكاء الشجر وطيب ~~الثمر بحيث {تجري} ولما كان تفرق المياه في # PageV06P368 # الأراضي أبهج، بعض فقال: {من تحتها الأنهار} ولما كان مثل هذا لا يريح ~~إلا إذا دام قال: {خالدين فيها} وأكد معنى ذلك بقوله: {أبدا} . # ولما كان ذلك لا يتم إلا برضى المالك قال: {رضي الله} أي الذي له صفات ~~الكمال {عنهم} أي بجميع ما له من الصفات، وهو كناية عن أنه أثابهم بما يكون ~~من الراضي ثوابا متنوعا بتنوع ما له من جميع صفات الكمال والجمال؛ ولما كان ~~ذلك لا يكمل ويبسط ويجمل إلا برضاهم قال: {ورضوا عنه} يعني أنه لم يدع لهم ~~شهوة إلا أنالهم إياها، وقال ابن الزبير بعدما أسلفته عنه: فلما طلب تعالى ~~المؤمنين بالوفاء فيما نقض به غيرهم، وذكرهم ببعض ما وقع فيه النقض وما ~~أعقب ذلك فاعله، وأعلمهم بثمرة التزام التسليم والامتثال، أراهم جل وتعالى ~~ثمرة الوفاء وعاقبته، فقال تعالى # {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أنت قلت للناس} [المائدة: 116] إلى قوله ~~- {هذا يوم ينفع الصادقين} - إلى آخرها. فيحصل من جملتها الأمر بالوفاء ~~فيما تقدمها وحال من حاد ونقض، وعاقبة من وفى، وأنهم الصادقون، وقد أمرنا ~~أن نكون معهم {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ~~[التوبة: 119]- انتهى. # ولما كان سبحانه قد أمرهم أول السورة بالوفاء شكرا على ما أحل لهم في ~~دنياهم، ثم أخبر أنه زاد الشاكرين منهم ورقاهم إلى أن أباحهم أجل # PageV06P369 # النفائس في أخراهم، ووصف سبحانه هذا الذي أباحه لهم إلى أن بلغ في وصفه ~~ما لا مزيد عليه، أخذ يغبطهم به فقال: {ذلك} أي ms1303 الأمر العالي لا غيره ~~{الفوز العظيم *} . # ولما كان هذا الذي أباحه لهم وأباحهم إياه لا يكون إلا بأسباب لا تسعها ~~العقول، ولا تكتنه بفروع ولا أصول، علل إعطاءه إياه وسهولته لديه بقوله ~~مشيرا إلى أن كل ما ادعيت فيه الإلهية مما تقدم في هذه السورة وغيرها بعيد ~~عن ذلك، لأنه ملكه وفي ملكه وتحت قهره: {الله} أي الملك الذي لا تكتنه ~~عظمته ولا تضعف قدرته، لا لغيره {ملك السماوات} بدأ بها لأنها أشرف وأكبر، ~~وآياتها أدل وأكثر {والأرض} على اتساعهما وعظمهما وتباعد ما بينهما {وما ~~فيهن} أي من جوهر وعرض. # ولما كان ذلك أنهى ما نعلمه، عمم بقوله: {وهو على كل شيء} أي من ذلك ~~وغيره من كل ما يريد {قدير *} فلذلك هو يحكم ما يريد لأنه هو الإله وحده، ~~وهو قادر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء، وإحلال ما شاء وتحريم ما شاء، ~~والحكم بما يريد ونفع الصادقين الموفين بالعقود الثابتين على العهود، لأن ~~له ملك هذه العوالم وما فيها مما ادعى فيه الإلهية من عيسى وغيره، والكل ~~بالنسبة إليه أموات، # PageV06P370 # بل موات جديرون بأن يعبر عنهم ب «ما» لا ب «من» ، فمن يستحق معه شيئا ومن ~~يملك معه ضرا أو نفعا! وقد انطبق آخر السورة على أولها كما ترى أي انطباق، ~~واتسقت جميع آياتها أخذا بعضها بحجز بعض أي اتساق؛ فسبحان من أنزل هذا ~~القرآن على أعظم البيان! مخجلا لمن أباه من الأمم، معجزا لأصحاب السيف ~~والقلم، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV06P371 # مقصودها الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب في السورة الماضية من التوحيد ~~بأنه الحاوي لجميع الكمالات من الإيجاد والإعدام والقدرة على البعث وغيره، ~~وأنسب الأشياء المذكورة فيها لهذا المقصد ### | الأنعام # ، لأن الإذن فيها - كما يأتي - مسبب عما ثبت له من الفلق والتفرد بالخلق، ~~تضمن باقي ذكرها إبطال ما اتخذوه من أمرها دينا، لأنه لم يأذن فيه ولا أذن ~~لأحد معه، لأنه المتوحد بالإلهية، لا شريك له، وحصر المحرمات من المطاعم ~~التي هي جلها في هذا الدين ms1304 وغيره، فدل ذلك على إحاطة علمه، وسيأتي في سورة ~~طه البرهان الظاهر على أن إحاطة العلم ملزومة لشمول القدرة وسائر الكمالات، ~~وذلك عين مقصود السورة، وقد ورد من عدة طرق - كما بينت ذلك في كتابي «مصاعد ~~النظر» # PageV07P001 # أنها نزلت جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح، وفي ~~رواية: إن نزولها كان ليلا، وإن الأرض كانت ترتج لنزولها. وهي كلها في حجاج ~~المشركين وغيرهم من المبتدعة والقدرية وأهل الملل الزائغة، وعليها مبنى ~~أصول الدين لاشتمالها على التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب ~~الملحدين، وإنزالها على الصورة المذكورة يدل على أن أصول الدين في غاية ~~الجلالة، وأن تعلمه واجب على الفور لنزولها جملة، بخلاف الأحكام فإنها تفرق ~~بحسب المصالح، ولنزولها ليلا دليل على غاية البركة لأنه محل الأنس بنزوله ~~تعالى إلى سماء الدنيا، وعلى أن هذا العلم لا يقف على أسراره إلا البصراء ~~الأيقاظ من سنة الغفلات، أولو الألباب أهل الخلوات، والأرواح الغالبة على ~~الأبدان وهم قليل. {بسم الله} الذي بين دلائل توحيده بأنه الجامع لصفات ~~الكمال {الرحمن} الذي أفاض على سائر الموجودات من رحمته بالإيجاد والإعدام ~~ما حير لعمومه الأفهام، فضاقت به الأوهام {الرحيم *} الذي حبا أهل الإيمان ~~بنور البصائر حتى كان الوجود ناطقا لهم، بالإعلام بأنه الحي القيوم السلام. ~~{الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} . # لما ختم سبحانه تلك بتحميد عيسى عليه السلام لجلاله في ذلك # PageV07P002 # اليوم في ذلك الجمع، ثم تحميد نفسه المقدسة بشمول الملك والقدرة، إذ ~~الحمد هو الوصف بالجميل؛ افتتح سبحانه وتعالى هذه السورة بالإخبار بأن ذلك ~~الحمد وغيره من المحامد مستحق له استحقاقا ثابتا دائما قبل إيجاد الخلق ~~وبعد إيجاده سواء شكره العباد أو كفروه، لما له سبحانه وتعالى من صفات ~~الجلال والكمال - على ما تقدمت الإشارة إليه في الفاتحة - فأتى بهذه الجملة ~~الاسمية المفتتحة باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أنواعه الدالة على ~~الاستغراق، إما بأن اللام له عند الجمهور، أو بأنها للجنس - كما هو مذهب ~~الزمخشري، ويؤول إلى مذهب الجمهور، فإن الجنس إذا ms1305 كان مختصا به لم يكن فرد ~~منه لغيره، إذ الجنس لا يوجد إلا ضمن أفراده، فمتى وجد فرد منه لغيره كان ~~الجنس موجودا فيه فلم يكن الجنس مختصا به وقد قلنا: إنه مختص، وهذا التحميد ~~صار بوصفه فردا من أفراد تحميد الفاتحة تحقيقا لكونها أما، وعقبها سبحانه ~~بالدليل الشهودي على ما ختم به تلك من الوصف بشمول القدرة بوصفه بقوله: ~~{الذي خلق} . # ولما كان تعدد السماوات ظاهرا بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة ~~والبطوء واستتار بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك # PageV07P003 # مما هو محرر عند أهله: جمعها فقال: {السماوات} أي على علوها وإحكامها، ~~قدمها لما تقدم قريبا {والأرض} أي على تحليها بالمنافع وانتظامها. # ولما كان في الجعل معنى التضمن فلا يقوم المجعول بنفسه قال: {وجعل} أي ~~أحدث وأنشأ لمصالحكم {الظلمات} أي الأجرام المتكاثفة كما تقدم {والنور *} ~~وجمع الأول تنبيها على أن طرق الشر والهلاك كثيرة تدور على الهوى، وقد تقرر ~~بهذا ما افتتح به السورة، لأن من تفرد باختراع الأشياء كان هو المختص بجميع ~~المحامد، ومن اختص بجميع المحامد لم يكن إله سواه ولم يكن له شريك، لا ثاني ~~اثنين ولا ثالث ثلاثة ولا غير ذلك، وما أحسن ختمها - بعد الإشارة إلى هذه ~~المقاصد المبعدة لأن يكفر به أو يعدل به شيء - بقوله: {ثم الذين كفروا} أي ~~ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من أدلة وحدانيته التي لا خفاء بها عن أحد جرد ~~نفسه من الهوى، وعالج أدواءه بأنفع دواء، لإحاطته بجميع صفات الكمال، وزاد ~~الأمر تقبيحا عليهم بإبدال ما كان الأصل في الكلام من الضمير بقوله: ~~{بربهم} أي المحسن إليهم الذي لم يروا إحسانا إلا منه {يعدلون *} أي يجعلون ~~غيره ممن لا يقدر على شيء معادلا له مع معرفتهم به بأنه الذي أبدع الأشياء، # PageV07P004 # كفرا لنعمته وبعدا من رحمته، فبعضهم عدل به بعض الجواهر من خلقه من ~~السماء كالنجوم، أو من الأرض كالأصنام، أو بعض ما ينشأ عن بعض خلقه من ~~الأعراض وهو خلقه كالنور والظلمة، والحال أن تقلباتهما ms1306 تدل بأدنى النظر على ~~أمرين: الأول بعدهما عن الصلاحية للإلهية لتغيرهما {قال لا أحب الآفلين} ~~[الأنعام: 76] ، والثاني قدرة خالقهما ومغيرهما على البعث لإيجاد كل منهما ~~بعد إعدامه كما هو شأن البعث - إلى غير ذلك من الأسرار التي تدق عن ~~الأفكار، وتقديم الظلمة مناسب لسياق العادلين، والتعبير بثم للتنبيه على ما ~~كان ينبغي لكل راو لهذا الخلق من الإبعاد عن الكفر لبعده عن الصواب، فقد ~~لاح أن مقصد السورة الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب الذي تبين أنه الهدى ~~من توحيد الله والاجتماع عليه والوفاء بعهوده بأنه سبحانه وحده الخالق ~~الحائز لجميع الكمالات من القدرة على البعث وغيره، وما أنسب ذلك بختم ~~المائدة بذكر يوم الجمع وأن لملكه جميع الملك، وهو على كل شيء قدير، وهذه ~~السورة أول السور الأربع المشيرة إلى جميع النعم المندرجة تحت النعم الأربع ~~التي اشتملت عليها الفاتحة، وكل سورة منها مشيرة إلى نعمة من النعم الأربع، ~~فقوله: {خلق السماوات والأرض} - الآية ثم {خلقكم من طين} ثم # {وما من # PageV07P005 # دابة في الأرض} [الأنعام: 38]- الآية، متكفل بتفصيل نعمة الإيجاد الأول ~~لجميع العالمين من السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من آدمي وغيره ~~المشار إليه في الفاتحة برب العالمين كما تقدم. # ولما تكفلت السور المتقدمة بالرد على مشركي العرب واليهود والنصارى مع ~~الإشارة إلى إبطال جميع أنواع الشرك، سيق مقصود هذه السورة في أساليب ~~متكفلة بالرد على بقية الفرق، وهم الثنوية من المجوس القائلون بإلهين اثنين ~~وبأصلين: النور والظلمة، ويقرون بنبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقط، ~~والصابئة القائلون بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى رب ~~الأرباب، وينكرون الرسالة في الصورة البشرية، وأصحاب الروحانيات، أعني ~~مدبرات الكواكب والأفلاك، وينتسبون إلى ملة إبراهيم عليه السلام، ويدعون ~~أنه منهم - وقد أعاذه الله من ذلك، والسمنية القائلون بإلهية الشمس، مع ~~تأكيد الرد على الفرق المتقدمة على أن جميع فرقهم يجتمعون في اعتبار ~~النجوم، يتبين ذلك لمن نظر في كتب فتوح بلاد الفرس في أيام الصديق والفاروق ~~رضي الله عنهما، وقال تنكلوشا البابلي في ms1307 أول كتابه # PageV07P006 # في أحكام الدرج الفلكية: إن القدماء من الكسدانيين استنبطوا غوامض أسرار ~~الفلك، وكان عندهم أجل العلوم ولم يكونوا يظهرون علم الفلك لكل الناس، بل ~~كانوا يخفون أكثره عن عامتهم، ويعطونهم منه بمقدار ما يصلح، ويتدارسون ~~الباقي بينهم مطويا بين علمائهم وحكمائهم، ثم ذكر تقسيمهم درج الفلك على ~~ثلاثمائة وستين، ثم قال: وقسموا الدرج أقساما كثيرة حتى قالوا: إن بعضها ~~ذكور وبعضها إناث، وبعضها مسعدة وبعضها منحسة، ثم قال: كل ذلك يريدون فيه ~~الدلالة منها على ما تدل عليه في عالمنا وعلى أحوالنا حتى جعلوا لكل درجة ~~عالما وخلقا منفردا بمدته، وأن ذلك العالم والخلق يندرسون وينشأ بعدهم ~~غيرهم - إلى غير ذلك من الكلام الذي يرجع إلى اعتقاد تأثير النجوم بنفسها - ~~تعالى الله عن أن يكون له شريك أو يكون له كفوا أحد. # ولما قرر سبحانه أنه هو الذي خلق السماوات والأرض اللتين منهما وفيهما ~~الأصنام والكواكب والأجرام التي عنها النور والظلمة، فثبت وجوده على ما هو ~~عليه من الإحاطة بأوصاف الكمال التي أثبتها الحمد، فبطلت جميع مذاهبهم، ~~فعجب منهم بكونهم يعدلون به غيره، أتبع ذلك اختصاصه بخلق هذا النوع البشري، ~~وهو - مع ما فيه من الشواهد له # PageV07P007 # بالاختصاص بالحمد والرد على المطرين لعيسى عليه السلام المخلوق من الطين ~~بخلق أبيهم آدم عليه السلام - مؤكد لإبطال مذهب الثنوية، وذلك أنهم يقولون: ~~إن النار خالق الخير، والظلمة خالقة الشر، فإذا ثبت أنه الخالق لنوع ~~الآدميين الذين منهم الخير والشر من شيء واحد، وهو الطين الذي ولد منه ~~المني الذي جعل منه الأعضاء المختلفة في اللون والصورة والشكل من القلب ~~وغيره من الأعضاء البسيطة كالعظام والغضاريف، والرباطات والأوتار، ثبت أن ~~خالق أوصافهم من الخير والشر واحد قدير عليم، لأن توليد الصفات المختلفة من ~~المادة المتشابهة لا يكون إلا ومبدعه واحد مختار، لا اثنان، وهو الذي خلق ~~الأرض التي منها أصلهم، وهو الله الذي اختص بالحمد فقال: {هو الذي خلقكم} ~~ولما كانوا يستبعدون البعث لصيرورة الأموات ترابا واختلاط تراب الكل بعضه ~~ببعض ms1308 وبتراب الأرض، فيتعذر التمييز، وكان تمييز الطين لشدة اختلاط أجزائه ~~بالماء أعسر من تميز التراب قال: {من طين} أي فميز طينة كل منكم - مع أن ~~منكم الأسود والأبيض وغير ذلك والشديد وغيره - من طينة الآخر بعد أن جعلها ~~ماء ثخينا له قوة الدفق ونماها إلى حيث شاء من الكبر. # PageV07P008 # ولما كان من المعلوم أن ما كانا من شيء واحد كانت مدة بقائهما واحدة، نبه ~~بأداة التراخي على كمال قدرته واختياره من المفاوتة بين الآجال فقال: {ثم ~~قضى} أي حكم حكما تاما وبت وأوجد {أجلا} أي وقتا مضروبا لانقضاء العمر وقطع ~~التأخر لكل واحد منكم خيرا كان أو شريرا، قويا كان أو ضعيفا، من أجل يأجل ~~أجولا - إذا تأخر، وجعل تلك الآجال - مع كونها متفاوتة - متقاربة لا مزية ~~لأحد منكم بصفة على آخر بصفة مغائرة لها، وفاعل ذلك لا يكون إلا واحدا ~~فاعلا باختيار. # ولما ذكر الأجل الأول الذي هو الإبداع من الطين إشارة إلى ما فرع منه من ~~الآجال المتفاوتة، ذكر الأجل الآخر الجامع للكل، لأن ذكر البداية يستدعي ~~ذكر النهاية، فقال مشيرا إلى تعظيمه بالاستئناف والتنكير: {وأجل} أي عظيم ~~{مسمى} أي لكم أجمعين لانقضاء البرزخ للإعادة التي هي في مجاري عاداتكم ~~أهون من الابتداء لمجازاتكم والحكم بينكم الذي هو محط حكمته ومظهر نعمته ~~ونقمته في وقت واحد، يتساوى فيه الكل، وستر علمه عن الكل كما أشار إليه ~~بالتنكير، وهذا لا يصح أن يكون إلا لواحد، لا متعدد، وإلا لتباينت المقادير ~~والإرادات وانشق كل مقدور في صنف لا يتعداه، وإلا لعلا بعضهم على بعض ~~وانهتكت أسرار البعض بالبعض - سبحان الله وتعالى عما يصفون، وغير السياق ~~إلى الاسمية إشارة إلى اختصاصه بعلمه وأنه ثابت لا شك فيه! ويؤكده إثبات ~~قوله: {عنده} في هذه الجملة وحذفها # PageV07P009 # من الأولى هنا وفي قوله {ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى} [الأنعام: 60] ، ~~وقدم المبتدأ مع تنكيره - والأصل تأخيره - إفادة لتعظيمه. # ولما كان في هذا البيان لوحدانيته وتمام قدرته لا سيما على البعث الذي هو ~~مقصود حكمته ms1309 ما يبعد معه الشك في الإعادة، أشار إليه بأداة التراخي وصيغة ~~الافتعال فقال: {ثم أنتم تمترون *} أي تكلفون أنفسكم الشك في كل من ~~الوحدانية والإعادة التي هي أهون على مجاري عاداتكم من الابتداء بتقليد ~~الآباء، والركون إلى مجرد الهوى والإعراض عن الأدلة التي هي أظهر من ساطع ~~الضياء، وهذه الآية نظير آية الروم {أولم يتفكروا في أنفسهم} [الروم: 8] أي ~~كيف خلقهم الله من طين، وسلط بعضهم على بعض بالظلم والعدوان، وجعل لهم ~~آجالا فاوت بينها وساوى في ذلك بين الأصل والفرع، فأنتج هذا أنه ما خلق ~~الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، أي بسبب إقامة العدل في جميع ~~ما وقع بينكم من الاختلاف كما هو شأن كل مالك في عبيده {وأجل مسمى} - ~~الآية. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بين سبحانه وتعالى حال ~~المتقدمين وهو الصراط المستقيم، وأوضح ما يظهر الحذر من جانبي الأخذ ~~والترك، وبين حال من تنكب عنه ممن كان قد يلمحه، وهم # PageV07P010 # اليهود والنصارى، وكونهم لم يلتزموا الوفاء به وحادوا عما أنهج لهم، ~~وانقضى أمر الفريقين، ذما لحالهم وبيانا لنقضهم وتحذيرا للمتقين أن يصيبهم ~~ما أصابهم، وختم ذلك ببيان حال المؤقنين في القيامة يوم ينفع الصادقين ~~صدقهم، وقد كان انجر مع ذلك ذكر مشركي العرب وصممهم عن الداعي وعماهم عن ~~الآيات، فكانوا أشبه بالبهائم منهم بالأناسي، أعقب ذلك تعالى بالإشارة إلى ~~طائفة مالت إلى النظر والاعتبار، فلم توفق لإصابة الحق وقصرت عن الاستضاءة ~~بأنوار الهدى. وليسوا ممن يرجع إلى شريعة قد حرفت وغيرت، بل هم في صورة من ~~هم، أن يهتدي بهدى الفطرة ويستدل بما بسط الله تعالى في المخلوقات فلم يمعن ~~النظر ولم يوفق فضل وهم المجوس وسائر الثنوية ممن كان قصارى أمره نسبة ~~الفعل إلى النور والإظلام، ولم يكن تقدم لهؤلاء ذكر ولا إخبار بحال فقال ~~تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} فبدأ ~~تعالى بذكر خلق السماوات والأرض التي عنها وجد النور والظلمة، إذ الظلمة ~~ظلال هذه الأجرام، والنور ms1310 عن أجرام نيرة محمولة فيها وهي الشمس والقمر ~~والنجوم، فكان الكلام: الحمد لله الذي أوضح الأمر لمن اعتبر واستبصر، فعلم ~~أن وجود النور والظلمة متوقف بحكم السببية التي شاءها تعالى على وجود أجرام ~~السماوات والأرض # PageV07P011 # وما أودع فيها، ومع بيان الأمر في ذلك حاد عنه من عمي عن الاستبصار {ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1] وقوله تعالى: {هو الذي خلقكم من ~~طين} [الأنعام: 2] مما يزيد هذا المعنى وضوحا، فإنه تعالى ذكر أصلنا ~~والمادة التي عنها أوجدنا، كما ذكر للنور والظلمة ما هو كالمادة، وهو وجود ~~السماوات والأرض، وأشعر لفظ {جعل} بتوقف الوجود بحسب المشيئة على ما ذكر، ~~وكان قد قيل: أي فرق بين وجود النور والظلمة عن وجود السماوات والأرض وبين ~~وجودكم عن الطين حتى يقع امتراء فيه عن نسبة الإيجاد إلى النور والظلمة، ~~وهما لم يوجدا إلا بعد مادة أو سبب كما طرأ في إيجادكم؟ فالأمر في ذلك أوضح ~~شيء {ثم أنتم تمترون} [الأنعام: 2] ثم مرت السورة من أولها إلى آخرها منبهة ~~على بسط الدلالات في الموجودات مع التنبيه على أن ذلك لا يصل إلى استثمار ~~فائدته إلا من هيئ بحسب السابقة فقال تعالى: # {إنما يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36] ثم قال تعالى: {والموتى يبعثهم ~~الله} [الأنعام: 36] ، وهو - والله أعلم - من نمط {أو من كان ميتا ~~فأحييناه} ، أجمل هنا ثم فسر بعد في السورة بعينها، والمراد أن من الخلق من ~~جعله الله سامعا مطيعا متيقظا معتبرا بأول وهلة، وقد أري المثال سبحانه ~~وتعالى في ذلك في قصة إبراهيم عليه السلام في قوله: {وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السماوات والأرض} [الأنعام: 75] ، فكأنه يقول لعباده المتقين: تعالوا ~~فانهجوا طريق الاعتبار ملة أبيكم # PageV07P012 # إبراهيم كيف نظر عليه السلام نظر السامع المتيقظ! فلم يعرج في أول نظره ~~على ما سبب وجوده بين فيحتاج فيه إلى غرض في الكواكب والقمر والشمس، بل نظر ~~فيما عنه صدر النور، لا في النور، فلما جن عليه الليل رأى كوكبا، فتأمل ~~كونه عليه السلام لم يطول النظر بالتفات النور، ثم ms1311 كان يرجع إلى اعتبار ~~الجرم الذي عنه النور، بل لما رأى النور عن أجرام سماوية تأمل تلك الأجرام ~~وما قام بها من الصفات، فرأى الأفول والطلوع والانتقال والتقلب فقال: هذا ~~لا يليق بالربوبية لأنها صفات حدوث، ثم رقى النظر إلى القمر والشمس فرأى ~~ذلك الحكم جاريا فيهما فحكم بأن وراءها مدبرا لها يتنزه عن الانتقال ~~والغيبة والأفول فقال: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} [الأنعام: ~~79] وخص عليه السلام ذكر هذين لحملهما أجرام النور وسببيتهما في وجود ~~الظلمة، ثم تأمل هذا النظر منه عليه السلام وكيف خص بالاعتبار أشرف ~~الموجودين وأعلاهما، فكان في ذلك وجهان من الحكمة: أحدهما علو النظر ونفوذ ~~البصيرة في اعتبار الأشرف الذي إذا بان منه الأمر فهو فيما سواه أبين، فجمع ~~بين قرب التناول وعلو التهدي، والوجه الثاني التناسب بين حال الناظر ~~والمنظور فيه والتناول والجري على الفطرة العلية «وهو من قبيل أخذ نبينا ~~صلى الله عليه وسلم اللبن حين عرض عليه اللبن والخمر فاختار اللبن، فقيل ~~له: اخترت الفطرة! # PageV07P013 # فكان قد قيل: هذا النظر والاعتبار بالهام، لا نظر من أخلد إلى الأرض فعمد ~~الضياء والظلام، وينبغي أن يعتمد في قصة إبراهيم عليه السلام في هذا ~~الاعتبار أنه صلى الله عليه وسلم في قوله: {هذا ربي} إنما قصد قطع حجة من ~~عبد شيئا من ذلك إذ كان دين قومه، فبسط لهم الاعتبار والدلالة، وأخذ يعرض ~~ما قد تنزه قدره عن الميل إليه، فهو كما يقول المناظر لمن يناظره: هب أن ~~هذا على ما تقول. # يريد بذلك إذعان خصمه واستدعاءه للاعتبار حتى يكون غير مناظر له ما لا ~~يعتقده، ليبني على ذلك مقصوده ليقلع خصمه وهو على يقين من أمره، فهذا ما ~~ينبغي أن يعتمد هنا لقول يوسف عليه السلام {ما كان لنا أن نشرك بالله من ~~شيء} [يوسف: 38] ، فالعصمة قد اكتنفتهم عما يتوهمه المبطلون ويتقوله ~~المفترون، ويشهد لما قلناه قوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على ~~قومه} [الأنعام: 83] فهذه حال من علت درجته من الذين يسمعون، ms1312 فمن الخلق من ~~جعله الله سامعا بأول وهلة وهذا مثال شاف في ذلك، ومنهم الميت، والموتى على ~~ضربين: منهم من يزاح عن جهله وعمهه، ومنهم من يبقى في ظلماته ميتا لا حراك ~~به، يبين ذلك قوله تعالى: {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له # PageV07P014 # نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} [الأنعام: ~~122] ؛ ولما كانت السورة متضمنة جهات الاعتبار ومحركة إلى النظر ومعلنة من ~~مجموع آيها أن المعتبر والمتأمل - وإن لم يكن متيقظا بأول وهلة، ولا سامعا ~~أول محرك، ولا مستجيبا لأول سامع - قد ينتقل حاله عن جموده وغفلته إلى أن ~~يسمع ويلحق بمن كان يتيقظ في أول وهلة؛ ناسب تحريك العباد وأمرهم بالنظر أن ~~تقع الإشارة في صدر السورة إلى حالتين: حالة السامعين لأول وهلة، وحالة ~~السامعين في ثاني حال، فقيل: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم ~~الله} [الأنعام: 36] ولم تقع هنا إشارة إلى القسم الثالث مع العلم به، وهو ~~الباقي على هموده وموته ممن لم يحركه زاجر ولا واعظ ولا اعتبار، ولأن هذا ~~الضرب لو ذكر هنا لكان فيه ما يكسل من ضعفت همته، رجعت حالة ابتدائه، فقيل: ~~{والموتى يبعثهم الله} وأطلق ليعمل الكل على هذا البعث من الجهل والتيقظ من ~~سنة الغفلة كما دعا لكل إلى الله دعاء واحدا فقيل: {يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم} ثم اختلفوا في إجابة الداعي بحسب السوابق هكذا، ورد هذا {والموتى ~~يبعثهم الله} إسماعا للكل، وفي صورة التساوي مناسبة للدعاء لتقوم الحجة على ~~العباد، حتى إذا انبسطت الدلائل وانشرحت الصدور لتلقيها وتشبثت النفوس # PageV07P015 # وتعلقت بحسب ما قدر، وفاز بالخير أهله، قال تعالى بعد آي: {أو من كان ~~ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} [الأنعام: 122] وكان قد ~~قيل لمن انتقل عن حالة الموت فرأى قدر نعمة الله عليه بإحيائه: هل يشبه ~~الآن حالك النيرة - بما منحت حين اعتبرت - بحالك الجمادية؟ فاشكر ربك واضرع ~~إليه في طلب الزيادة، واتعظ بحال من لزم حال موته فلم تغن عنه ms1313 الآيات، وهو ~~المشار إليه بقوله: {كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} {إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه} {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ~~وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} # {سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] وكان القسم ~~المتقدم الذي سمع لأول وهلة لم يكن ليقع ذكره هنا من جهة قصد أن أراه قدر ~~هذه النعمة وإنقاذ المتصف بها من حيرة شك موقعها فيما تقدم من قوله {إنما ~~يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36] فذكر هنا ما هو واقع في إراءة قدر نعمة ~~الإنقاذ والتخليص من عمى الجهل، هذا حال من انتقل بتوفيق الله وحال من بقي ~~على موته، أو يكون الضربان قد شملهما قوله {أو من كان ميتا فأحييناه} ~~[الأنعام: 122] وأما الثاني وهو الذي ثبتت فيه صورة النقل فأمره صريح من ~~الآية وأما الضرب الأول وهو السامع لأول # PageV07P016 # وهلة المكفي المؤنة لواقي العصمة من طوارق الجهل والشكوك، فدخوله تحت ~~مقتضى هذا اللفظ من حيث إن وقايته تلك أو سماعه بأول وهلة ليس من جهته ولا ~~بما سبق أو تكلف، بل بإسداء الرحمة وتقديم النعمة، ولو أبقاه لنفسه أو وكله ~~إليها لم يكن كذلك {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53] ، فبهذا النظر ~~قد تكون الآية قد شملت الضروب الثلاثة وهو أولى، أما سقوط الضرب الثالث من ~~قوله: {إنما يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36] فلما تقدم - والله أعلم ~~بما أراد؛ ولما تضمنت هذه السورة الكريمة من بسط الاعتبار وإبداء جهات ~~النظر ما إذا تأمله المتأمل علم أن حجة الله قائمة على العباد، وأن إرسال ~~الرسل رحمة ونعمة وفضل وإحسان، وإذا كانت الدلالات مبسوطة والموجودات ~~مشاهدة مفصحة، ودلالة النظر من سمع وأبصار وأفئدة موجدة، فكيف يتوقف عاقل ~~في عظيم رحمته تعالى بإرسال الرسل! فتأكدت الحجة وتعاضدت البراهين، فلما ~~عرف الخلق لقيام الحجة عليهم بطريقي الإصغاء إلى الداعي والاعتبار بالصنعة؛ ~~قال تعالى: {قل فلله الحجة البالغة} [الأنعام: 149] {فقد جاءكم بينة من ~~ربكم وهدى ورحمة} ms1314 [الأنعام: 157] فيما عذر المعتذر بعد هذا؟ أتريدون كشف ~~الغطاء ورؤية الأمر عيانا! لو استبصرتم لحصل لكم ما منحتم، {هل ينظرون إلا ~~أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام: 158] ، ثم ~~ختمت السورة من التسليم والتفويض # PageV07P017 # بما يجدي مع قوله: {فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 149] وحصل من السور ~~الأربع بيان أهل الصراط المستقيم وطبقاتهم في سلوكهم وما ينبغي لهم التزامه ~~أو تركه، وبيان حال المتنكبين عن سلوكه من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان ~~والمجوس - انتهى. # PageV07P018 # ولما كان علم جميع أحوال المخلوق دالا على أن العلم بها هو خالقه، وأن من ~~ادعى أن خالقه عاجز عن ضبط مملكته: عن كشف غيره لعوراتها وعلم ما لا يعلمه ~~هو منها، فلم يكن إلها، وكان الإله هو العالم وحده، وكان المحيط العلم لا ~~يعسر عليه تمييز التراب من التراب، وكان صلى الله عليه وسلم يخبرهم عن الله ~~من مغيبات أسرارهم وخفايا أخبارهم مما يقصون منه العجب ويعلمون منه إحاطة ~~العلم حتى قال أبو سفيان بن حرب يوم الفتح: لو تكلمت لأخبرت عني هذه ~~الحصباء، قال تعالى عاطفا {هو الذي} دالا على الوحدانية بشمول العلم بعد ~~قيام الدليل على تمام القدرة والاختيار، لأن إنكارهم المعاد لأمرين: أحدهما ~~ظن أن المؤثر في الأبدان امتزاج الطبائع وإنكار أن المؤثر هو قادر مختار، ~~والثاني أنه - على تقدير تسليم الاختيار - غير عالم بالجزئيات، فلا يمكنه ~~تمييز بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، فإذا قام الدليل على # PageV07P018 # كمال قدرته سبحانه واختياره وشمول علمه لجميع المعلومات: الكليات ~~والجزئيات، زالت جميع الشبهات: {هو الله} أي الذي له هذا الاسم المستجمع ~~لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى المدعو به تألها له وخضوعا وتعبدا، ~~وعلق بهذا المعنى قوله: {في السماوات} لأن من في الشيء يكون متصرفا فيه. # ولما كان الخطاب لمنكري البعث أكد فقال: {وفي الأرض} أي هذه صفته دائما ~~على هذا المراد من أنه سبحانه ثابت له هذا الاسم الذي تفرد به على وجه ~~التأله والتعبد في كل من جهتي العلو والسفل، ms1315 ولا يفهم ذو عقل صحيح ما ~~يقتضيه الظاهر من أنه محوي، فإن كل محوي منحصر محتاج إلى حاويه وحاصره، ~~ضعيف التصرف فيما وراءه، ومن كان محتاجا نوع احتياج لا يصلح للألوهية ~~والمشيئة لحديث الجارية: أين الله؟ قالت: في السماء، ومحجوج بحديث: «أنت ~~الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك ~~شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» فإن ظاهره مناف لظاهر الأول، وظاهر هذا ~~مؤيد بقاطع النقل من أنه غير محتاج، ومؤيد بصحيح النقل {ليس كمثله شيء} أي ~~لا في ذاته ولا صفاته ولا شيء من شؤونه، و «قد كان الله ولا شيء معه» ، ~~وحديث «ليس فوقك شيء» - رواه مسلم والترمذي وابن ماجه في الدعوات وأبو داود ~~في الأدب عن أبي هريرة رضي الله عنه - والله الموفق. # PageV07P019 # ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط، نسبة كل من الخفي والجلي إليه ~~على السواء، وكان السياق هنا للخفي فإنه في بيان خلق الإنسان وعجيب صنعه ~~فيه بما خلق فيه من إدراك المعاني وهيأه له من قبل أن يقدر على التعبير ~~عنه، ثم أقدره على ذلك؛ قدم الخفي فقال شارحا لكونه لا يغيب عنه شيء: {يعلم ~~سركم} . # ولما كان لا ملازمة بين علم السر والجهر لأنه قد يكون في الجهر لفظ شديد ~~يمنع اختلاط الأصوات فيه من علمه، صرح به فقال: {وجهركم} ونسبة كل منها ~~إليه على حد سواء، ولا توصف واحدة منها بقرب في المسافة إليه ولا بد؛ ولما ~~كان السر والجهر شائعين في الأقوال، وكانت الأقوال تتعلق بالسمع، ذكر ما ~~يعمهما وهو شائع في الأفعال المتعلقة بالبصر فقال: {ويعلم ما تكسبون} فأفاد ~~ذلك صفتي السمع والبصر مع إثبات العلم، فلما تظاهرت الأدلة وتظافرت الحجج ~~وهم عنها ناكبون، وصل بذلك في جملة حالية قوله، معرضا عنهم إيذانا ~~باستحقاقهم شديد الغضب: {وما تأتيهم} أي هؤلاء الذين هم أهل للإعراض عنهم، ~~وأعرق في النفي بقوله: {من آية} أي علامة على صحة ما دعاهم إليه رسولهم صلى ~~الله عليه وسلم، ms1316 وبعض بقوله: {من آيات ربهم} أي المحسن إليهم بنصب الأدلة ~~وإفاضة العقول وبعث الرسول {إلا كانوا عنها معرضين} أي هذه صفتهم دائما ~~قصدا للعناد لئلا يلزمهم الحجة، ويجوز أن يكون # PageV07P020 # ذلك معطوفا على «يعدلون» . # ولما كان إعراضهم عن النظر سببا لتكذيبهم، وهو سبب لتعذيبهم قال: {فقد ~~كذبوا} أي أوقعوا تكذيب الصادق {بالحق} أي بسبب الأمر الثابت الكامل في ~~الثبات كله. لأن الآيات كلها متساوية في الدلالة على ما تدل عليه الواحدة ~~منها {لما جآءهم} أي لم يتأخروا عند المجيء أصلا لنظر ولا لغيره، وذلك أدل ~~ما يكون على العناد. # ولما كان الإعراض عن الشيء هكذا فعل المكذب المستهزئ الذي بلغ بتكذيبه ~~الغاية القصوى، وهي الاستهزاء، قال: {فسوف يأتيهم} أي بوعد صادق لا خلف فيه ~~عند نزول العذاب بهم وإن تأخر إتيانه {أنباء ما كانوا} أي جبلة وطبعا {به ~~يستهزئون} أي يجددون الهزء به بغاية الرغبة في طلبه، وهو أبعد شيء عن ~~الهزء، والنبأ: الخبر العظيم، وهو الذي يكون معه الجزاء، وأفاد تقديم الظرف ~~أنهم لم يكونوا يهزؤون بغير الحق الكامل - كما ترى كثيرا من المترفين لا ~~يعجب من العجب ويعجب من غير العجب، أو أنه عد استهزاءهم بغيره بالنسبة إلى ~~الاستهزاء به عدما. # ولما أخبر بتكذيبهم على هذا الوجه وتوعدهم بتحتم تعذيبهم، أتبعه ما يجري ~~مجرى الموعظة والنصيحة، فعجب من تماديهم مع ما علموا # PageV07P021 # من إهلاك من كان أشد منهم قوة وأكثر جمعا وجنى من سوابغ النعم بما لم ~~يعتبروه فيه مع ما ضموه إلى تحقق أخبارهم من مشاهدة آثارهم وعجيب اصطناعهم ~~في أبنيتهم وديارهم مستدلا بذلك على تحقيق ما قبله من التهديد على ~~الاستهزاء، فقال مقررا منكرا موبخا معجبا: {ألم يروا} ودل على كثرة المخبر ~~عنهم تهويلا للخبر بقوله: {كم أهلكنا} . # ولما كان المراد ناسا معينين لم يستغرقوا زمن القبل، وهم أهل المكنة ~~الزائدة كقوم نوح وهود وصالح، أدخل الجار فقال: {من قبلهم} وبين {كم} ~~بقوله: {من قرن} أي جماعة مقترنين في زمان واحد، وهم أهل كل مائة سنة ms1317 - كما ~~صححه القاموس لقول النبي صلى الله عليه وسلم لغلام: «عش قرنا» ، فعاش مائة. ~~هذا نهاية القرن، والأقرب أنه لا يتقدر، بل إذا انقضى أكثر أهل عصر قيل: ~~انقضى القرن، ودل على ما شاهدوا من آثارهم بقوله: {مكناهم} أي ثبتناهم ~~بتقوية الأسباب من البسطة في الأجسام والقوة في الأبدان والسعة في الأموال ~~{في الأرض} أي بالقوة والصحة والفراغ ما لم نمكنكم، ومكنا لهم بالخصب ~~والبسطة والسعة {ما لم نمكن} أي تمكينا لم نجعله {لكم} أي نخصكم به، فالآية ~~من الاحتباك أو شبهه، والالتفات من # PageV07P022 # الغيبة إلى الخطاب لئلا يلتبس الحال، لأن ضمير الغائب يصلح لكل من ~~المفضول والفاضل، ولا يبقي اللبس التعبير بالماضي في قوله {وأرسلنا السماء} ~~أي المطر تسمية للشيء باسم سببه أو السحاب {عليهم} . ولما كان المراد ~~المطر، كان التقدير: حال كونه {مدرارا} أي ذا سيلان غزير متتابع لأنه صفة ~~مبالغة من الدر، قالوا: ويستوي فيه المذكر والمؤنث. # ولما ذكر نفعهم بماء السماء، وكان غير دائم، أتبعه ماء الأرض لدوامه ~~وملازمته للبساتين والرياض فقال: {وجعلنا الأنهار تجري} ولما كان عموم ~~الماء بالأرض وبعده مانعا من تمام الانتفاع بها، أشار إلى قربه وعدم عموم ~~الأرض به بالجار فقال: {من تحتهم} أي على وجه الأرض وأسكناه في أعماقها ~~فصارت بحيث إذا حفرت نبع منها من الماء ما يجري منه نهر. # ولما كان من المعلوم أنه من الماء كل شيء حي، فكان من أظهر الأشياء أنه ~~غرز نباتهم واخضرت سهولهم وجبالهم، فكثرت زروعهم وثمارهم، فاتسعت أحوالهم ~~وكثرت أموالهم فتيسرت آمالهم، أعلم سبحانه أن ذلك ما كان إلا لهوانهم ~~استدراجا لهم بقوله مسببا عن ذلك: {فأهلكناهم} أي بعظمتنا {بذنوبهم} أي ~~التي كانت عن بطرهم النعمة # PageV07P023 # ولم نبال بهم ولا أغنت عنهم نعمهم. # ولما كان الإنسان ربما أبقى على عبده أو صاحبه خوفا من الاحتياج إلى ~~مثله، بين أنه سبحانه غير محتاج إلى شيء فقال: {وأنشأنا} ولما كان سبحانه ~~لم يجعل لأحد الخلد، أدخل الجار فقال: {من بعدهم} أي فيما كانوا فيه {قرنا} ms1318 ~~ودل على أنه لم يبق من المهلكين أحدا، وأن هذا القرن الثاني لا يرجع إليهم ~~بنسب بقوله: {آخرين} ولم ينقص ملكنا شيئا، فاحذروا أن نفعل بكم كما فعلنا ~~بهم، وهذه الآية مثل آية الروم {أو لم يسيروا في الأرض} [الروم: 9]- الآية، ~~فتمكينهم هو المراد بالشدة هناك، والتمكين لهم هو المراد بالعمارة، ~~والإهلاك بالذنوب هو المراد بقوله {فما كان الله ليظلمهم} [الروم: 9] و ~~[التوبة: 70]- إلى آخر الآيتين. # PageV07P024 # ولما كانت ترجمة ما مضى: ثم هم يعدلون بربهم غيره ويكذبونك فيما جئت به ~~من الحق مع ما أوضحت عليه من الحجج ونصبت من الدلائل، وكان صلى الله عليه ~~وسلم شديد الحرص على إيمانهم، كان المقام يقتضي أن يقول لسان الحال: أنزل ~~عليهم يا رب ما ينتقلون به من النظر بالفكر إلى العيان كما اقترحوا علي، ~~فأخبره أنهم لا يؤمنون بذلك، بقوله عطفا على {وما تأتيهم من آية} تحقيقا له ~~وتصويرا في جريته: {ولو نزلنا} أي على ما لنا من العظمة {عليك كتابا} أي ~~مكتوبا من السماء # PageV07P024 # {في قرطاس} أي ورق، إجابة لما أشار عليهم اليهود باقتراحه، ثم حقق أنه ~~واضح الأمر، ليس بخيال ولا فيه نوع لبس بقوله: {فلمسوه} أي زيادة على ~~الرؤية. وزاد في التحقيق والتصوير ودفع التجوز بقوله: {بأيديهم لقال} وأظهر ~~ولم يضمر تعليقا للحكم بالوصف وتنبيها على أن من الموجودين من يسكت ويؤمن ~~ولو بعد ذلك فقال: {الذين كفروا} أي حكما بتأبد كفرهم سترا للآيات عنادا ~~ومكابرة، ولعله أسقط منهم إشارة إلى عموم دعوته، أي من العرب ومن غيرهم من ~~أمة دعوتك ولا سيما اليهود المشار إلى تعنتهم وكذبهم بقوله {يسئلك أهل ~~الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء} [النساء: 153] {إن} أي ما {هذا إلا ~~سحر} أي تمويه وخيال لا حقيقة له، وزادوا في الوقاحة فقالوا: {مبين} أي ~~واضح ظاهر، قال صاحب كتاب الزينة: معنى السحر في كلام العرب التعليل بالشيء ~~والمدافعة به والتعزير بشيء لا محصول له، يقال: سحره - إذا علله وعزره وشبه ~~عليه حتى لا يدري من أين ms1319 يتوجه ويقلب عن وجهه، فكأن السحرة يعللون الناس ~~بالباطل ويشبهون الباطل في صورة الحق ويقلبونه عن جهته. # ولما بين ما يترتب على الإجابة إلى ما أشار إلى أن اليهود اقترحوه من ~~إنزال الكتاب، أخبر أنهم اقترحوا ظهور الملك لهم، وبين لوازمه، فإنهم ~~قالوا: لو بعث الله رسولا لوجب كونه ملكا ليكون أكثر # PageV07P025 # علما وأقوى قدرة وأظهر امتيازا عن البشر، فتكون الشبهة في رسالته أقل، ~~والحكيم إذا أراد تحصيل مهم كان الأولى تحصيله بما هو أسرع إيصالا إليه، ~~فقال: {وقالوا لولا} أي هلا ولم لا {أنزل عليه ملك} أي من المساء ظاهرا لنا ~~يكلمنا ونكلمه ولا يحتجب عنا. # ولما ذكر قولهم مشيرا إلى شبهتهم، نقضه بقوله: {ولو} أي والحال أنا لو ~~{أنزلنا} وأسقط أداة الاستعلاء لعدم الاحتياج في رد كلامهم إلى ذكرها. ~~ولئلا يكون فيه تسليهم لما لوحوا إليه من إنكارهم نزول الملك عليه بالوحي ~~{ملكا} أي كما اقترحوه، فلا يخلو إما أن يكون على صورته أولا، فإن كان على ~~صورته التي خلق عليها لم يثبتوا لرؤيته، ولو كان كذلك {لقضي الأمر} أي ~~بهلاكهم، وبناه للمفعول إشارة على طريق كلام القادرين إلى غاية السرعة ~~لسهولة الأمر وخفة مؤنته، فإنه لا ينظره أحد منهم إلا صعق، ولئن أعطيناهم ~~قوة يثبتون بها لنظره ليكونن قضاء للأمر وانفصال للنزاع من وجه آخر، وهو أن ~~ذلك كشف للغطاء وفوات للإيمان بالغيب، وقد جرت عادتنا بالإهلاك عند ذلك، ~~فإذا هم هالكون على كل من هذين التقديرين، وهو معنى قوله مهولا لرتبته بحرف ~~التراخي: {ثم لا ينظرون} أي على حالة من هاتين، وأما إن جعلناه على صورة ~~يستطيعون نظرها فإنا نجعله # PageV07P026 # على صورة رجل، فإنها أكمل الصور؛ وحينئذ يقع لهم اللبس الذي وقع لهم ~~بدعائك، وهو معنى {ولو جعلناه} أي مطلوبهم {ملكا} أي يمكن في مجاري العادات ~~في هذه الدار رؤيتهم له وبقاؤهم بعد رؤيته {لجعلناه رجلا} أي في صورة رجل، ~~ولكنه عبر بذلك إشارة إلى تمام اللبس حتى أنه لا يشك أحد يراه في كونه ~~رجلا، ms1320 كما كان جبريل عليه السلام ينزل في بعض الأوقات على النبي صلى الله ~~عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، فإذا رآه بعض الصحابة رضي الله عنهم لم يشك ~~أنه دحية رضي الله عنه {و} لو جعلناه رجلا {للبسنا عليهم ما يلبسون} أي ~~لخلطنا عليهم بجعلنا إياه رجلا ما يخلطونه على أنفسهم وعلى غيرهم في قولهم: ~~إن الرسالة لا تصح من البشر، فلو كان هذا الذي يقول: إنه رسول رسولا لكان ~~ملكا، فوقع اللبس عليهم بأنه لما كان هذا الذي يقول: إنه رسول، ملكا كان ~~رجلا، ويجوز أن يقرر ذلك على وجه آخر، وهو أن يكون {ولو نزلنا} في حيز ~~{كانوا عنها معرضين} ، أي أعرضوا عنا لو نزلناها عليك في غير قرطاس، ولو ~~نزلنا عليك من السماء كتابا في قرطاس فجعلنا لهم في ذلك بين حس البصر ~~واللمس لأعرضوا، وقال الذين أبدنا كفرهم عنادا # PageV07P027 # ومكابرة: ما هذا إلا سحر ظاهر، ويكون {وقالوا} معطوفا على {لقال الذين ~~كفروا} ويكون ذلك قبل اقتراحهم لذلك بما حكاه الله تعالى عنهم في سورة ~~الإسراء بقوله # {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90]- إلى ~~آخرها، فيكون إخبارا بمغيب. # ولما قطع الرجاء لهداية من حكم بشقاوته، وكان طلبهم لإنزال الملك ونحوه ~~إنما هو على سبيل التعنت والاستهزاء، وكان ذلك يشق على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين رضي الله عنهم غاية المشقة، التفتت النفس إلى الإراحة ~~منهم وتوقعته لما تقدم من مظاهر العظمة، فأخبره أنه فاعل ذلك في سياق متكفل ~~بتسليته، وأن ذلك لم يزل سنته فيمن فعل فعلهم، فقال - عاطفا على قوله {فسوف ~~يأتيهم أنباؤا} [الأنعام: 5]-: {ولقد} أي هذا منهم إنما هو استهزاء بك ~~{ولقد استهزئ} أي أوقع الهزء وأوجد من الأمم، وبني للمفعول لأن المنكي ~~الاستهزاء، لا كونه من معين، وإشارة إلى أنه كان يقع لهم ذلك من الأعلى ~~والأدنى {برسل} . # ولما كان القرب في الزمن في مثل هذا مما يسلي، وكان كل من الاستهزاء ~~والإرسال لم يستغرق الزمن، أدخل ms1321 الجار فاقل: {من قبلك} فأهلكنا من هزأ بهم، ~~وهو معنى {فحاق} أي فأحاط # PageV07P028 # {بالذين سخروا منهم} أي من أولئك الرسل {ما كانوا به يستهزئون} أي من ~~العذاب الذي كانوا يتوعدون به، وكان سببا لهزئهم. # PageV07P029 # ولما علم الله تعالى أنهم يقولون في جواب هذا: إن هذا إلا أساطير ~~الأولين، أمره صلى الله عليه وسلم بعد ما مضى من التعجيب من كونهم لم ~~ينظروا بقلوبهم أو أبصارهم مصارع الماضين في قوله: {ألم يروا كم أهلكنا} ~~[الأنعام: 6] أن يأمرهم بأن يشاهدوا مصارع من تمكن في قلوبهم علم أنهم ~~أهلكوا بمثل تكذيبهم من قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم ليغنيهم ذلك عن مشاهدة ~~ما اقترحوا فقال تعالى: {قل سيروا} أي أوقعوا السير للاعتبار ولا تغتروا ~~بإمهالكم وتمكينكم {في الأرض} - الآية، وهي كالدليل على قوله تعالى: {لقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} [الأنعام: 6] . # ولما كان السياق للتهديد بالتحذير من مثل أخذ الأمم الماضية، وكان قد سلف ~~أنه لا تقدمهم عن آجالهم، أمهلهم في النظر فإنه أقوى في التهديد، وأدل على ~~القدرة، وأدعى إلى النصفة ولا سيما والسورة من أوائل القرآن نزولا وأوائله ~~ترتيبا فقال: {ثم انظروا} وأشار إلى أن هذا أهل لأن يسأل عنه بقوله: {كيف ~~كان عاقبة} أي آخر أمر # PageV07P029 # {المكذبين *} أي أنعموا النظر وبالغوا في التفكر وأطيلوا التدبر إذا ~~رأيتم آثار المعذبين لأجل تكذيب الرسل، فإنكم إذا شاهدتم تلك الآثار كمل ~~لكم الاعتبار وقوي الاستبصار، وذلك إشارة إلى أن الأمر في غاية الانكشاف، ~~فكلما طال الفكر فيه ازداد ظهورا. # ولما أمرهم سبحانه بالسير، سألهم هل يرون في سيرهم وتطوافهم وجولانهم ~~واعتسافهم شيئا لغير الله؟ تذكيرا لهم بما رحمهم به من ذلك في إيجاده لهم ~~أولا وتيسير منافعه ودفع مضاره ثانيا، استعطافا لهم إلى الإقبال عليه ~~والإعراض عن الخضوع لما هو مثلهم أو أقل منهم، وهو ملكه سبحانه وفي قبضته، ~~وتقبيحا لأن يأكلوا خيره ويعبدوا غيره. فقال مقررا لهم على إثبات الصانع ~~والنبوة والمعاد، ومبكتا بسفههم وشدة جهلهم وعمههم: {قل لمن} ونبه بتقديم ms1322 ~~المعمول على الاهتمام بالمعبود {ما في السماوات والأرض} . # ولما كانوا في مقام العناد حيث لم يبادروا إلى الإذعان بعد نهوض الأدلة ~~وإزاحة كل علة، أشار إلى ذلك بقوله معرضا عن انتظار جوابهم توبيخا لهم بعدم ~~النصفة التي يدعونها: {قل الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة قدرة وعلما ولا ~~كفوء له، لا لغيره، وهم وإن كانوا معاندين فإنهم لا يمكنهم رد قولك، لا ~~سيما وجواب الإنسان عما سأله إنما يحسن # PageV07P030 # أن يتعاطاه هو بنفسه إذا كان قد بلغ في الظهور إلى حد لا يقدر على إنكاره ~~منكر، وهو هنا كذلك لأن آثار الحدوث والإمكان ظاهرة على صفحات الأكوان، ~~فكان الإقرار بن ضروري، لا خلاف فيه. # ولما كان أكثر ما في هذا الكون منافع مع كونها حسنة لذيذة طيبة شهية، وما ~~كان فيها من مضار فهي محجوبة ممنوعة عنهم، يقل وصولها إليهم إلا بتسببهم ~~فيها، والكل مع ذلك دلائل ظاهرة على وحدانيته وتمام علمه وقدرته، وكان ذلك ~~أهلا لأن يتعجب منه لعموم هذا الإحسان، مع ما هم عليه من الإثم والعدوان، ~~وتأخير العذاب عنهم مع العناد والطغيان، قال دالا على أن رحمته سبقت غضبه ~~مستأنفا: {كتب} أي وعد وعدا هو كالمكتوب الذي ختم، وأكد غاية التأكيد، أو ~~كتب حيث أراد سبحانه. # ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات على ما هي عليه قال: {على نفسه ~~الرحمة} أي فلذلك أكرمكم هذا الإكرام بوجوه الإنعام، وأخر عنكم الانتقام ~~بالاستئصال، ولو شاء هو لسلط عليكم المضار، وجعل عيشكم من غير اللذيذ ~~كالتراب وبعض القاذورات التي يعيش بها بعض الحيوانات. # PageV07P031 # ولما كان ذلك مطمعا للظالم البطر، ومعجبا محيرا مؤسفا للمظلوم المنكسر، ~~قال محذرا مرحبا مبشرا ملتفتا إلى مقام الخطاب لأنه أبلغ وأنص على المقصود ~~دالا على البعث بما مضى من إثبات أن الأكوان لله، لأن كل ما فيها موصوف ~~بصفات يجوز اتصافه بأضدادها، فاختصاص كل جسم بصفته المعينة إنما يكون ~~بتخصيص الفاعل المختار، فيكون قادرا على الإعادة، لأن التركيب الأول إنما ~~كان لأن صانعه قادر على ms1323 جميع الممكنات لكونه عالما بجميع المعلومات، ~~والاتصاف بذلك لا يجوز انفكاكه عنه فهو ملك مطاع آمرناه مرسل من يبلغ عنه ~~أوامره ونواهيه لإظهار ثمرة الملك من الثواب والعقاب في يوم الجمع: ~~{ليجمعنكم} أي والله محشورين شيئا فشيئا {إلى يوم القيامة} للعدل بين جميع ~~العباد كائنا {لا ريب فيه} أي بوجه من الوجوه، وذلك الجمع لتخصيص الرحمة في ~~ذلك اليوم بأوليائه والمقت والنقمة بأعدائه بعد أن كان عم بالرحمة الفريقين ~~في يوم الدنيا، وجعل الرحمة أظهر في حق الأعداء، وبهذا الجمع تمت الرحمة من ~~كثير من الخلق، ولولاه ارتفع الضبط وكثر الخبط كما كان في الجاهلية. # ولما كان ذلك كذلك في عدم الريب لإخبار الله به على ألسنة رسله ولما عليه ~~من الأدلة لما في هذا الخلق من بدائع الحكم مع خروج أكثر أفعال الحيوان عن ~~العدل، فصار من المعلوم # PageV07P032 # لكل ذي وعي أن البعث محط الحكمة لإظهار التحلي بالصفات العلى لجميع ~~الخلق: الشقي والسعيد القريب والبعيد، كان كأنه قيل: فما لنا نرى أكثر ~~الناس كافرا به، فقال جوابا: {الذين خسروا أنفسهم} أي بإهلاكهم إياها ~~بتكذيبهم به لمخالفة الفطرة الأولى التي تهدي الأخرس، وستر العقل السليم ~~{فهم} أي بسبب خسارتهم لأنفسهم بإهمال العقل وإعمال الحواس والتقيد ~~بالتقليد {لا يؤمنون *} فصاروا كمن يلقي نفسه من شاهق ليموت لغرض من ~~الأغراض الفاسدة، لا بسبب خفاء في أمر القيامة ولا لبس بوقع ربنا، وصار ~~المعنى: إن الذين لا يؤمنون في هذا اليوم هم المقضي بخسارتهم في ذلك اليوم. # ولما استنارت الأدلة استنارة الشمس وانتصبت البراهين حتى لم يبق أصلا نوع ~~لبس، عم بالخبر عما تقدم مما يشاهدونه وغيره، فقال ذاكرا الزمان بعد ~~المكان، وقدمه لأنه أظهر، والمعلم الكامل هو الذي يبدأ بالأظهر فالأظهر ~~مترقيا إلى الأخفى فالأخفى، فتم بذلك الخبر عن الزمان والزمانيات والمكان ~~والمكانيات: {وله} أي وحده {ما سكن} أي حل وتحيز وحصل {في الليل والنهار} ~~أي ما من شأنه أن يسكن فيهما وإن كان متحركا، ولكنه عبر بذلك دون التحرك ~~لأنها دار ms1324 الموت، ودخل في ذلك النور والظلمة اللذان أشرك بهما من أشرك. # ولما دل ما مضى على القدرة التامة، وانقسم إلى متحرك وساكن، # PageV07P033 # وكانت القدرة لا تتم إلا بالعلم، دل عليه بقوله: {وهو} أي لا غيره ~~{السميع} أي البالغ السمع لكل متحرك {العليم *} أي العام العلم بالبصر ~~والسمع وغيرهما بكل متحرك وبكل ساكن من أقوالكم وأفعالكم وغيرهما، فلا ~~تطمعوا في أن يترك شيء من مجازاتكم، والعليم هنا أبلغ من البصير، وذلك مثل ~~ما تقدم في قوله: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ~~والله هو السميع العليم} [المائدة: 76] وهو ترجمة قوله: {يعلم سركم وجهركم ~~ويعلم ما تكسبون} [الأنعام: 3] . # PageV07P034 # ولما نهض من الحجج ما لم يبق معه لذي بصيرة شك، كان لسان الحال مقتضيا ~~لأن ينادي بالإنكار عليهم في الالتفات عن جنابه والإعراض عن بابه فأبرز ~~تعالى ذلك في قالب الأمر له صلى الله عليه وسلم بالإنكار على نفسه، ليكون ~~أدعى لهم وأرفق بهم، ولأن ما تقدم منبئ عن غاية المخالفة، منذر بما أنذر من ~~سوء عاقبة المشاققة، فكأنهم قالوا: فهل من سبيل إلى المواقة؟ فقيل: لا إلا ~~باتخاذكم إلهي وليا، وذلك لعمري سعادتكم في الدارين، وبتطمعكم في اتخاذي ~~أندادكم أولياء، وهذا ما لا يكون أبدا، وهو معنى قوله تعالى: {قل} أي مصرحا ~~لهم بإنكار أن تميل إلى أندادهم بوجه. # ولما كان الإنكار منصبا إلى كون الغير متخذا، لا إلى اتخاذ الولي، # PageV07P034 # أولى «غير» الهمزة فقال: {أغير الله} أي الذي لا شيء يدانيه في العظمة ~~{أتخذ} أي أكلف نفسي إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى والعقل المجرد عن ~~الهوى كما فعلتم أنتم وآخذ {وليا} أي أعبده لكونه يلي جميع أموري، ثم وصفه ~~بما يحقق ولايته ويصرف عن ولاية غيره فقال: {فاطر السماوات والأرض} أي ~~خالقهما ابتداء على غير مثال سبق {وهو} أي والحال أن الله {يطعم} أي يرزق ~~كل من سواه مما فيه روح. # ولما كان المنفي كونه سبحانه مفعولا من الطعم، لا كون ذلك من ms1325 مطعم معين، ~~بني للمفعول قوله: {ولا يطعم} أي ولا يبلغ أحد بوجه من الوجوه أن يطعمه، ~~والمعنى أن المنافع من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع، فامتنع في العقل ~~اتخاذ غيره وليا، لأن غيره محتاج في ذاته وفي جميع صفاته إليه، وهو سبحانه ~~الغني على الإطلاق، وهذا التفات إلى قوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} [المائدة: 75] ~~وتعريض بكل ما عبد من دون الله ولا سيما الأصنام، فإنهم كانوا يهدون لها ~~الأطعمة فتأكلها الدواب والطيور، فمعلوم أنها لا تطعم ولا تطعم روى الدارمي ~~في # PageV07P035 # أول مسنده بسند حسن عن الأعمش عن مجاهد قال: «حدثني مولاي أن أهله بعثوا ~~معه بقدح فيه زبد ولبن إلى آلهتهم، قال: فمنعني أن آكل الزبد مخافتها، فجاء ~~كلب فأكل الزبد وشرب اللبن ثم بال على الصنم» ومولاه كان شريك النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل الإسلام، واختلف فيه فقيل: هو قيس بن السائب بن عويمر ~~بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وقيل: قريبه السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ ~~بن عبد الله بن عمر بن مخروم. وقيل: ابنه عبد الله بن السائب - والله أعلم؛ ~~وله عن أبي رجاء - هو العطاردي وهو مخضرم - قال: «كنا في الجاهلية إذا ~~أصبنا حجرا حسنا عبدناه، وإن لم نصب حجرا جمعنا كثبة من رمل، ثم جئنا ~~بالناقة الصفي فنفاج عليها فنحلبها على الكثبة حتى نرويها، ثم نعبد تلك ~~الكثبة ما أقمنا بذلك المكان» وفيه أيضا إيماء إلى أنه كما خلقكم كلكم من ~~طين على اختلافكم في المقادير والألوان والأخلاق وهو غني عنكم، فكذلك خلق ~~المطعومات على اختلاف أشكالها وطعومها ومنافعها وألوانها من طين، وجعلها ~~منافع لكم وهو غني عنها، وسيأتي التصريح بذلك في قوله: # {وهو الذي أنزل # PageV07P036 # من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء} [الأنعام: 99] المستوفي في مضماره ~~{فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 118] وفي الآية كلها التفات إلى ~~قوله أول السورة {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} ms1326 [الأنعام: 1] وقوله في التي ~~قبلها {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} ~~[المائدة: 81] في أمثالها مما فيه تولي الكفار لغير خالقهم سبحانه وتعالى، ~~هذا لو لم يرد أمر من قبل الخالق كان النظر السديد كافيا في التنزه عنه، ~~كما كنت قبل النبوة لا ألتفت إلى أصنامكم ولا أعتبر للعبادة شيئا من ~~أنصابكم، فكيف وقد أمرت بذلك! وهو معنى {قل إني أمرت} أي من جهة من له ~~الأمر، ولا أمر إلا له وهو من تقدم أن له كل شيء، وهو الله وحده {أن أكون} ~~أي بقلبي وقالبي {أول من أسلم} في الرتبة مطلقا، وفي الزمان بالنسبة إلى ~~الأمة. # ولما كان الأمر بالإسلام نهيا عن الشرك، لم يكتف به، بل صرح به جمعا بين ~~الأمر والنهي من هذا الرب الكريم الذي يدعو إحسانه وكرمه إلى ولايته، وينهى ~~تمام ملكه وجبروته عن شيء من عداوته، في قوله عطفا على {قل} على وجه ~~التأكيد: {ولا تكونن} أي بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات أصلا {من ~~المشركين *} أي في # PageV07P037 # عدادهم باتباعهم في شيء من أغراضهم، وهذا التأكيد لقطع أطماعهم عنه صلى ~~الله عليه وسلم في سؤالهم أن يطرد بعض أتباعه ليوالوه، ونحو ذلك مما كانوا ~~يرجون مقاربته منهم به، إعلاما بأن فعل شيء مما يريدون مصحح للنسبة إليهم ~~والكون في عدادهم «من تشبه بقوم فهو منهم» . # ولما كان فعل المنهي قد لا يعذب عليه، قال معلما بأن المخالفة في هذا من ~~أبلغ المخالفات، فصاحبها مستحق لأعظم الانتقام، وكل ذلك فطما لهم عن الطمع ~~فيه، وأكده لذلك ولإنكارهم مضمونه: {قل إني} ولما كان المقام للخوف، قدمه ~~فقال: {أخاف إن عصيت} أي شيء مما تريدون مني أن أوافقكم فيه بما أمرت به أو ~~نهيت عنه {ربي} أي المحسن إلي {عذاب يوم} ولما كان عظم الظرف بعظم مظروفه ~~قال: {عظيم *} . # ولما كان قد قدم من عموم رحمته ما أطمع الفاجر ثم أيأسه من ذلك بما أشير ~~إليه من الخسارة، صرح هنا بما اقتضاه ms1327 ذلك المتقدم، فقال واصفا لذلك العذاب ~~مبينا أن الرحمة في ذلك اليوم على غير المعهود الآن، فإنها خاصة لا عامة ~~دائمة السبوغ على من نالته، لا زائلة وكذا النعمة، هكذا شأن ذلك اليوم {من ~~يصرف عنه} أي ذلك العذاب؛ ولما كان المراد دوام الصرف في جميع اليوم، قال: ~~{يومئذ} أي يوم إذ يكون عذاب ذلك اليوم به {فقد رحمه} أي فعل به بالإنعام ~~عليه فعل المرحوم {وذلك} أي لا غيره {الفوز} أي # PageV07P038 # الظفر بالمطلوب {المبين *} أي الظاهر جدا، ومن لم يصرف عنه فقد أهانه، ~~وذلك هو العذاب العظيم. # ولما كان التقدير: فإن يصرف عنك ذلك العذاب فقد قرت عينك، عطف عليه دليلا ~~آخر لأنه لا يجوز في العقل أن يتخذ غيره وليا، فقال معمما للحكم في ذلك ~~العذاب وغيره مبينا أنه لا مخلص لمن أوقع به: {وإن يمسسك الله} أي الملك ~~الأعظم الذي لا كفوء له؛ ولما كان المقام للترهيب، قدم قوله: {بضر} أي هنا ~~أو هناك {فلا كاشف له} أصلا بوجه من الوجوه {إلا هو} أي لأنه لا كفوء له، ~~فهو قادر على إيقاعه، ولا يقدر غيره على دفاعه، لأنه على كل شيء قدير {وإن ~~يمسسك بخير} أي في أي وقت أراد. # ولما كان القياس على الأول موجبا لأن يكون الجزاء: فلا مانع له، كان وصفه ~~من صفة قوله {فهو على كل شيء} أي من ذلك وغيره {قدير *} ولا يقدر غيره على ~~منعه، منبها على أن رحمته سبحانه سبقت غضبه. # PageV07P039 # ولما كانت الجملتان من الاحتباك، فأفادتا بما ذكر وما دل عليه المذكور ~~مما حذف أنه تعالى غالب على أمره، قال مصرحا بذلك: {وهو القاهر} أي الذي ~~يعمل مراده كله ويمنع غيره مراده إن شاء، وصور قهره وحققه لتمكن الغلبة ~~بقوله: {فوق عباده} وكل ما سواه عبد؛ ولما كان في القهر ما يكون مذموما، ~~نفاه بقوله: {وهو} أي وحده {الحكيم} فلا يوصل أثر القهر بإيقاع المكروه # PageV07P039 # إلا لمستحق، وأتم المعنى بقوله: {الخبير *} أي بما يستحق كل شيء، فتمت ~~الأدلة على ms1328 عظيم سلطانه وأنه لا فاعل غيره. # ولما ختم بصفتي الحكمة والخبرة، كان كأنه قيل: فلم لم يعلم أنا نكذبك ~~بخبرته فيرسل معك بحكمته من يشهد لك - على ما يقول من أنه أمرك أن تكون أول ~~من أسلم، ونهاك عن الشرك لنصدقك - من ملك كما تقدم سؤالنا لك فيه أو كتاب ~~في قرطاس أو غيرهما؟ فقال: قد فعل، ولم يرض لي إلا بشهادته المقدسة فقال - ~~أو يقال: إنه لما أقام الأدلة على الوحدانية والقدرة ووصل إلى صفة القهر ~~المؤذن بالانتقام، لم يبق إلا الإشهاد عليهم إيذانا بما يستحقونه من سوء ~~العذاب وإنذارا به لئلا يقولوا إذا حل بهم: إنه لم يأتنا نذير، فقال: {قل} ~~أي يا أيها الرسول لهم {أي شيء أكبر} أي أعظم وأجل {شهادة} فإن أنصفوا ~~وقالوا: الله! فقل: هو الذي يشهد لي، كما قال في النساء «لكن الله يشهد بما ~~أنزل إليك» ولكنه قطع الكلام هنا إشارة إلى عنادهم أو سكوتهم، أو إلى ~~تنزيلهم منزلة المعاند، أو العالم بالشيء العامل عمل الجاهل، فقال آمرا له ~~صلى الله عليه وسلم: {قل الله} أي الملك الأعظم المحيط علما وقدرة أكبر ~~شهادة. # PageV07P040 # ولما كانوا بمعرض أن يسلموا ذلك ويقولوا: إنه لكذلك، ولكن هلم شهادته! ~~قال: {شهيد} أي هو أبلغ شاهد يشهد {بيني وبينكم} أي بهذا القرآن الذي ثبت ~~بعجزكم عنه أنه كلامه، وبغيره من الآيات التي عجزتم عن معارضتها؛ ولما قرر ~~أنه أعظم شهيد، وأشار إلى شهادته بالآيات كلها، نبه على أعظمها، لأن إظهاره ~~تعالى للقرآن على لسانه صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه شهادة من الله له ~~بالصدق، فقال ذاكرا لفائدته في سياق تهديد متكفل بغثبات الرسالة وإثبات ~~الوحدانية، وقدم الأول لأنه المقرر للثاني والمفهم له بغايته، عاطفا على ~~جملة «شهيد» بانيا للمفعول، تنبيها على أن الفاعل معروف للإعجاز، وبني ~~للفاعل في السواد: {وأوحي إلي} وحقق الموحى به وشخصه بقوله: {هذا القرآن} ~~ولما كان في سياق التهديد قال مقتصرا على ما يلائمه: {لأنذركم} أي أخوفكم ~~وأحذركم من اعتقاد شائبة ms1329 نقص في الإله لا سيما الشرك {به ومن} أي وأنذر به ~~كل من {بلغ} أي بلغه، قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في صلات «الذي» و «من» ~~و «ما» . # وقال البخاري في آخر الصحيح: {لأنذركم به} # PageV07P041 # يعني أهل مكة، ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير علقه بصيغة الجزم عن ابن ~~عباس ووصله إليه ابن أبي حاتم كما أفاده شيخنا في شرحه. وقال عبد الرزاق في ~~تفسيره: أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بلغوا عن ~~الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله. وقال الإمام تقي ~~الدين علي بن عبد الكافي السبكي في جواب سؤال ورد عليه سنة ثمان وثلاثين ~~وسبعمائة في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل بعث إلى الجن - ومن خطه نقلت: ~~الكتاب والسنة ناطقان بذلك، والإجماع قائم عليه، لا خلاف بين المسلمين فيه؛ ~~ثم أسند الإجماع إلى أبي طالب القضاعي وأبي عمر بن عبد البر في التمهيد ~~وأبي محمد بن حزم في كتاب الفصل وغيرهم ثم قال: أما الكتاب فآيات إحداها ~~{لأنذركم به ومن بلغ} قال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس - فذكره، وقال # PageV07P042 # السدي: من بلغ القرآن فهو له نذير، وقال ابن زيد: من بلغه هذا القرآن ~~فأنا نذيره. وهذه كلها أقوال متفقة المعنى، وقد أمر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول هذا الكلام وأن ينذر بالقرآن كل من بلغه، ولم يخص إنسا ولا ~~جنا من أهل التكليف، ولا خلاف أن الجن مكلفون - انتهى. وسيأتي مما ذكر من ~~الآيات وغيرها ما يليق بالاستدلال على الإرسال إلى الملائكة عليهم السلام، ~~فالمعنى: فمن صدق هذا القرآن فقد أفلح، ومن كذب فليأت بسورة من مثله، ثم ~~عجزه شاهد على نفسه بالكذب، وهو شهادة الله لي بالصدق، ولأجل أن الله هو ~~الشاهد لم تنقض الشهادة بموت النبي صلى الله عليه وسلم، بل استمرت على مر ~~الأيام وكر الأعوام لبقاء الشاهد ms1330 وتعاليه عن شوائب النقص وسمات الحدث، وإلى ~~ذلك الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم «ما من الأنبياء نبي إلا قد ~~أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه ~~الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» أخرجه الشيخان عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه. ولعل الاقتصار على الإنذار مع ما تقدم إشارة إلى أن ~~أكثر الخلق هالك، وقد ذكر في نزول هذه الآية أن أهل مكة أتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا: أما وجد الله رسولا غيرك؟ ما نرى أحدا يصدقك بما ~~تقول، # PageV07P043 # ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس عندهم منك ذكر، فأرنا من ~~يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزلها الله. # ولما لم يبق لمتعنت شبهة، ساق فذلكة ذلك وقطب دائرته - وهو لزوم التوحيد ~~الذي جعلت الرسالة مرقى إليه، فإذا ثبت في قلب فاضت أنواره بحسب ثباته حتى ~~أنها ربما ملأت الأكوان وعلت على كيوان - مساق استفهام على طريقة الإنكار ~~والتعجيب تعظيما لشأنه وتفخيما لمقامه وتنبيها لهم على أن يعدوا عن الشرك ~~فقال: أئنكم لتشهدون أن مع الله} أي الذي حاز جميع العظمة {آلهة} . # ولما كانوا لكثرة تعنتهم ربما أطلقوا على أسمائه سبحانه إله كما قالوا ~~حين سمعوه صلى الله عليه وسلم يقول: «يا الله يا رحمن» كما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى آخر الحجر وآخر سبحان، صرح بالمقصود على وجه لا يحتمل النزاع ~~فقال: {أخرى} ولما كان كأنه قيل: إنهم ليقولون ذلك، فماذا يقال لهم؟ قال: ~~{قل لا أشهد} أي معكم بشيء مما تقولونه لأنه باطل، ولو كان حقا لشهدت به. # ولما كان هذا غير قاطع لطمعهم فيه، اجتثه من أصله وبرمته بقوله: {قل إنما ~~هو} أي الإله {إله واحد} وهو الله الذي # PageV07P044 # لا يعجزه شيء وهو يعجز كل شيء، لأنه واحد لا كفوء له، فإنكم عجزتم عن ~~الإتيان بسورة من مثل كلامه وأنتم أفصح الناس. # ولما كان معنى هذا البراءة من إنذارهم، صرح به في ms1331 قوله مؤكدا في جملة ~~اسمية: {وإنني بريء مما تشركون *} أي الآن وفي مستقبل الزمان إبعادا من ~~تطمعهم أن تكون الموافقة بينه وبينهم باتخاذه الأنداد أو شيئا منها وليا، ~~فثبت التوحيد بهذه الآية بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد، ولقد امتثل ~~صلى الله عليه وسلم الأمر بإنذار من يمكن إبلاغه القرآن، فلما استراح عن ~~حرب قريش وكثير ممن حوله من العرب في عام الحديبية، وهو سنة ست من الهجرة، ~~وأعلمه الله تعالى أن ذلك فتح مبين، أرسل إلى من يليه من ملوك الأمصار في ~~ذلك العام وما بعده، وكان أكثر عند منصرفه من ذلك الاعتمار يدعوهم إلى جنات ~~وأنهار في دار القرار، وينذرهم دار البوار، قال أهل السير: خرج صلى الله ~~عليه وسلم - بعد رجوعه من عمرة الحديبية التي صد عنها - على أصحابه رضوان ~~الله عليهم أجمعين فقال: «أيها الناس! إن الله بعثني رحمة وكافة، وإني أريد ~~أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم» وقال ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن عبد ~~الرحمن بن عبد القادر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ذات يوم على ~~المنبر فحمد الله وأثنى عليه وتشهد # PageV07P045 # ثم قال: «أما بعد فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك العجم، فأدوا عني ~~يرحمكم الله، ولا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون» # وقال ابن عبد الحكم: بنو إسرائيل - على عيسى ابن مريم عليهما السلام، ~~فقال المهاجرون: يا رسول الله! والله لا نختلف عليك في شيء أبدا، فمرنا ~~وابعثنا، فسألوه: كيف اختلف الحواريون على عيسى عليه السلام؟ قال: دعاهم ~~إلى الذي وفي رواية لمثل الذي - دعوتكم إليه، وقال ابن عبد الحكم: إن الله ~~تبارك وتعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام أن ابعث إلى مقدس الأرض، فبعث ~~الحواريون - فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضي وسلم، وأما من بعثه مبعثا بعيدا ~~فكره وجهه وتثاقل - قال ابن عبد الحكم: وقال: لا أحسن كلام من تبعثني إليه ~~- فشكا ذلك عيسى عليه السلام إلى الله عز وجل، فأصبح كل رجل - وقال ابن عبد ~~الحكم: ms1332 فأوحى الله تعالى إليه أني سأكفيك، فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم ~~- يتكلم بلغة الأمة التي بعث إليها. فقال عيسى عليه السلام: هذا أمر قد عزم ~~الله عليه فامضوا له. وقال الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي في القاموس: إن ~~المكان الذي جمع فيه عيسى عليه السلام الحواريين وأنفذهم إلى النواحي قرية ~~بناحية طبرية تسمى الكرسي. وقال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب # PageV07P046 # المصري أنه وجد كتابا فيه ذكر من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~البلدان وملوك العرب والعجم وما قال لأصحابه حين بعثهم، قال: فبعث به إلى ~~محمد بن شهاب الزهري فعرفه - فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: قال ابن إسحاق: ~~وكان من بعث عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم من الحواريين والأتباع الذين ~~كانوا بعدهم في الأرض بطرس الحواري ومعه بولس - وكان بولس من الأتباع ولم ~~يكن من الحواريين - إلى رومية، وأندرائس ومنتا إلى الأرض التي يأكل أهلها ~~الناس، وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق وقيبليس إلى قرطاجنة، وهي ~~إفريقية، ويحنس إلى أقسوس قرية الفتية أصحاب الكهف، ويعقوبس إلى أوراشلم ~~وهي إيلياء قرية بيت المقدس، وابن ثلما إلى الأعرابية، وهي أرض الحجاز، ~~وسيمن إلى أرض البربر، ويهودا ولم يكن من الحواريين، جعل مكان يودس - ~~انتهى. كذا رأيت في # PageV07P047 # نسخة معتمدة مقابلة من تهذيب السيرة لابن هشام، وكذا في مختصرها للامام ~~جمال الدين محمد بن المكرم الأنصاري عدد رسله وأسمائهم، وفي أخرهم: قوله: ~~مكان يودس، ولم يتقدم ليودس ذكر، والذي حررته أنا من الأناجيل التي بأيدي ~~النصارى غير هذا، ولعله أصح، وقد جمعت ما تفرق من ألفاظها، قال في إنجيل ~~متى ما نصه - ومعظم السياق له: ودعا يعني عيسى عليه السلام - تلاميذه ~~الاثني عشر وأعطاهم سلطانا على جميع الأرواح النجسة لكي يخرجوها ويشفوا كل ~~الأمراض؛ وفي أنجيل مرقس: وصعد إلى الجبل ودعا الذين أحبهم فأتوا إليه، ~~وانتخب اثني عشر ليكونوا معه ولكي يرسلهم ليكرزوا، وأعطاهم سلطانا على شفاء ~~الأمراض وإخراج الشياطين، وفي إنجيل لوقا: وكان ms1333 في تلك الأيام خرج إلى ~~الجبل يصلي، وكان ساهرا في صلاة الله، فلما كان النهار دعا تلاميذه واختار ~~منهم اثني عشر؛ وقال في موضع آخر: ودعا الاثني عشر الرسل وأعطاهم قوة ~~وسلطانا على جميع الشياطين وشفاء المرضى، وأرسلهم يكرزون بملكوت الله ~~ويشفون الأوجاع؛ وهذه أسماء الاثني عشر الرسل: سمعان المسمى بطرس - ونسبه ~~في موضع من إنجيل متى: ابن يونا - وأندراوس أخوه، ويعقوب بن زبدي ويوحنا ~~أخوه # PageV07P048 # قال في إنجيل مرقس: وسماهما باسمي بوانرجس اللذين ابنا الرعد - وفيلبس ~~وبرثولوماوس، وتوما ومتى الشعار، ويعقوب بن حلفي، ولباوس الذي يدعى تداوس، ~~وجعل في إنجيل مرقس بدل هذا: تدى، وفي إنجيل لوقا بدلهما: يهوذا بن يعقوب، ~~ثم اتفقوا: وسمعان القاناني، وقال في إنجيل لوقا: المدعو الغيور، ويهوذا ~~الإسخريوطي الذي أسلمه - أي دل عليه في الليلة التي ادعى اليهود القبض عليه ~~فيها - هؤلاء الاثنا عشر الرسل الذين أرسلهم يسوع - وفي إنجيل مرقس: ودعا ~~الاثني عشر وجعل يرسلهم اثنين اثنين، وأعطاهم السلطان على الأرواح النجسة - ~~قائلا: لا تسلكوا طريق الأمم، ولا تدخلوا مدينة السامرة، وانطلقوا خاصة إلى ~~الخراف التي ضلت من بيت إسرائيل، وإذا ذهبتم فاكرزوا وقولوأ: قد اقتربت ~~ملكوت السماوات، اشفوا المرضى، أقيموا الموتى، طهروا البرص، أخرجوا ~~الشياطين، مجانا أخذتم مجانا أعطوا، لا تكنزوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا في ~~مناطقكم ولا هميانا في الطريق ولا ثوبين ولا حذاء ولا عصى، والفاعل # PageV07P049 # مستحق طعامه، وفي إنجيل مرقس: وأمرهم أن لا يأخذوا في الطريق غير عصى فقط ~~ولا هميانا ولا خبزا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقهم إلا نعالا في أرجلهم ولا ~~يلبسوا قميصين؛ وفي إنجيل لوقا: وقال لهم: لا تحملوا في الطريق شيئا، لا ~~عصى ولا هميانا ولا خبزا ولا فضة، ولا يكون لكم ثوبان، وأي مدينة أو قرية ~~دخلتموها فحصوا فيها عمن يستحقكم، وكونوا هناك حتى تخرجوا، فإذا دخلتم إلى ~~البيت فسلموا عليه، فإن كان البيت مستحقا لسلامكم فهو يحل عليه، وإن كان لا ~~يستحق فسلامكم راجع إليكم، ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم ms1334 فإذا خرجتم من ~~ذلك البيت وتلك القرية أو تلك المدينة انفضوا غبار أرجلكم؛ وفي إنجيل مرقس: ~~وقال لهم: أي بيت دخلتموه أقيموا فيه إلى أن تخرجوا منه، وأي موضع لم ~~يقبلكم ولم يسمع منكم فإذا خرجتم من هناك فانفضوا الغبار الذي تحت أرجلكم ~~للشهادة عليهم، الحق أقول لكم! إن الأرض سدوم وعامورا راحة في يوم الدين ~~أكثر من تلك # PageV07P050 # المدينة، هو ذا أنا مرسلكم كالخراف بين الذئاب، كونوا حكماء كالحية ~~وودعاء كالحمام، احذروا من الناس، فإنهم يسلمونكم إلى المحافل، وفي مجامعهم ~~يضربونكم، ويقدمونكم إلى القواد والملوك من أجلى شهادة لهم وللأمم - وفي ~~إنجيل مرقس: شهادة عليهم وعلى كل الأمم، ينبغي أولا أن يكرزوا بالإنجيل - ~~فإذا أسلموكم فلا تهتموا بما تقولون - وفي إنجيل مرقس: ولا ماذا تجيبون - ~~فإنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، ولستم أنتم المتكلمين لكن روح ~~أبيكم - وفي إنجيل مرقس: لكن روح القدس يتكلم فيم - وسيسلم الأخ أخاه إلى ~~الموت والأب ابنه، ويقوم الأبناء على آبائهم فيقتلونهم، وتكونون مبغوضين من ~~الكل من أجل اسمي، والذي يصبر إلى المنتهى يخلص، فإذا طردوكم من هذه ~~المدينة اهربوا إلى أخرى، الحق الحق أقول لكم! إنكم لا تكلمون مدائن ~~إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان، ليس تلميذ أفضل من معلمه، ولا عبد أفضل من ~~سيده، وحسب التلميذ أن يكون مثل معلمه والعبد مثل سيده، إن كانوا سموا رب ~~البيت باعل زبول فكم بالحري أهل بيته! فلا تخافوهم، فليس خفي إلا سيظهر ولا ~~مكتوم إلا سيعلم، الذي أقول لكم # PageV07P051 # في الظلمة قولوه أنتم في النور، وما سمعتموه بآذانكم فاكرزوا به على ~~السطوح، ولا تخافوا ممن يقتل الجسد ولا يستطيع أن يقتل النفس، خافوا ممن ~~يقدر أن يهلك النفس والجسد جميعا في جهنم، أليس عصفوران يباعان بفلس، وواحد ~~منهما لا يسقط على الأرض دون إرادة أبيكم، وأنتم فشعور رؤوسكم كلها محصاة، ~~فلا تخافوا، فإنكم أفضل من عصافير كثيرة، لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض ~~سلامة، لكن سيفا، أتيت لأفرق الإنسان من أبيه والابنة ms1335 من أمها، والعروس من ~~حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته، من أحب أبا أو أما أكثر مني فما يستحقني، ~~ومن وجد نفسه فليهلكها، ومن أهلك نفسه من أجلي وجدها، ومن قبلكم فقد قبلني، ~~ومن قبلني فهو يقبل الذي أرسلني، ومن يقبل نبيا باسم نبي فأجر نبي يأخذ، ~~ومن يأخذ صديقا باسم صديق فأجر صديق يأخذ، ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ~~ماء بارد فقط باسم تلميذ - الحق أقول لكم - إن أجره لا يضيع، ولما أكمل ~~يسوع أمره لتلاميذه الاثني عشر، انتقل من هناك ليعلم ويكرز # PageV07P052 # في مدنهم؛ وفي إنجيل مرقس: فلما خرجوا - يعني الرسل - كرزوا بالتوبة ~~وأخرجوا شياطين كثيرة ومرضى عديدة يدهنونهم بالزيت فيشفون؛ وفي إنجيل لوقا: ~~ومن بعد هذا أيضا ميز الرب سبعين آخرين ويرسلهم اثنين اثنين قدام وجهه إلى ~~كل مدينة وموضع أزمع أن يأتيه، وقال لهم: إن الحصاد كثير والفعلة قليلون، ~~أطلبوا من رب الحصاد ليخرج فعلة لحصاده؛ وفي إنجيل متى ما ظاهره أن هذا ~~الكلام كان للاثني عشر، فإنه قال قبل ذكر عددهم: فلما رأى الجمع تحنن عليهم ~~لأنهم كانوا ضالين ومطرحين كالخراف التي ليس لها راع، حينئذ قال لتلاميذه ~~الاثني عشر - إلى آخر ما ذكرته عنه أولا، فيجمع بأنه قاله للفريقين - رجع ~~إلى السياق الأول: اذهبوا، وهو ذا أرسلكم كالخراف بين الذئاب، لا تحملوا ~~هميانا ولا حذاء ولا مزودا ولا تقبلوا أحدا في الطريق، وأي بيت دخلتموه ~~فقولوا أولا: سلام لأهل هذا البيت، فإن كان هناك ابن سلامكم فإن سلامكم يحل # PageV07P053 # عليه، وإلا فسلامكم راجع إليكم، وكونوا في ذلك البيت، كلوا واشربوا من ~~عندهم، فإن الفاعل مستحق أجرته، ولا تنتقلوا من بيت إلى بيت، وأي مدينة ~~دخلتموها ويقبلكم أهلها فكلوا مما يقدم لكم، واشفوا المرضى الذين فيها، ~~وقولوا لهم: قد قربت ملكوت الله، وأي مدينة دخلتموها ولا يقبلكم أهلها ~~فاخرجوا من شوارعها وقولوا لهم: نحن ننفض لكم الغبار الذي لصق بأرجلنا من ~~مدينتكم، لكن اعلموا أن ملكوت الله قد قربت، أقول لكم: إن سدوم في ذلك ms1336 ~~اليوم لها راحة أكثر من تلك المدينة، الويل لك يا كورزين! والويل لك يا بيت ~~صيدا! لأنه لو كان في صور وصيدا القوات التي كن فيكما جلسوا وتابوا بالمسوح ~~والرماد، وأما صور وصيدا فلهما راحة في الدينونة أكثر منكم، وأنت يا ~~كفرناحوم لو أنك ارتفعت إلى السماء سوف تهبطين إلى الجحيم، من سمع منكم فقد ~~سمع مني، ومن جحدكم فقد جحدني، ومن جحدني فقد شتم الذي أرسلني؛ فرجع ~~السبعون بفرح قائلين: يا رب! الشياطين باسمك تخضع لنا يا رب فقال لهم: قد ~~رأيت الشيطان سقط من السماء مثل البرق، وهو ذا قد أعطيتكم # PageV07P054 # سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو، ولا يضركم شيء، ولكن لا ~~تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم، افرحوا لأن أسماءكم مكتوبة في السماوات، ~~وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح، والتفت إلى تلاميذه خاصة وقال: طوبى ~~للأعين التي ترى ما رأيتم! أقول لكم: إن أنبياء كثيرين وملوكا اشتهوا أن ~~ينظروا ما نظرتم فلم ينظروا، ويسمعوا ما سمعتم فلم يسمعوا؛ وفي إنجيل متى - ~~بعد ما ادعى اليهود صلبه - أنه ظهر لتلاميذه الأحد عشر - وهم من تقدم غير ~~يهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه - في الجليل في الجبل الذي أمرهم به يسوع، ~~وكلمهم قائلا: أعطيت كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا الآن وتلمذوا ~~كل الأمم؛ وفي آخر إنجيل مرقس أنه ظهر لهم وهم مجتمعون، وكانوا في تلك ~~الأيام يبكون وينوحون فبكتهم لقلة إيمانهم وقسوة قلوبهم وقال لهم: امضوا ~~إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل في الخليقة كلها، فمن آمن واعتمد خلص، ~~ومن لم يؤمن يدان، وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمي ~~ويتكلمون بألسنة جديدة، ويحملون بأيديهم الحيات ولا تؤذيهم. # ويشربون السم القاتل فلا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون، ومن ~~بعد ما كلمهم # PageV07P055 # يسوع ارتفع إلى السماء، فخرج أولئك يكرزون في كل مكان؛ وفي إنجيل لوقا: ~~فلما خرجوا كانوا يطوفون في القرى ويبشرون ويشفون في كل موضع وفي آخره بعد ~~أن ذكر تلامذته الأحد عشر وكلاما كانوا يخوضون فيه بعد ms1337 ادعاء اليهود لصلبه: ~~وفيما هم يتكلمون وقف يسوع في وسطهم وقال لهم: السلام لكم، أنا هو! لا ~~تخافوا، فاضطربوا وظنوا أنهم ينظرون روحا فقال: ما بالكم تضطربون؟ ولم تأتي ~~الأفكار في قلوبكم؟ انظروا يدي ورجلي فإني أنا هو! جسوني وانظروا، إن الروح ~~ليس له لحم ولا عظم كما ترون أنه لي؛ ولما قال هذا أراهم يديه ورجليه، وإذا ~~هم غير مصدقين من الفرح، قال لهم: أعندكم ههنا ما يؤكل؟ فأعطوه جزءا من حوت ~~مشوي ومن شهد عسل، فأخذ قدامهم وأكل، وأخذ الباقي وأعطاهم، وقال لهم: هذا ~~الكلام الذي كلمتكم به إذ كنت معكم، وأنه سوف يكمل كل شيء هو مكتوب في ~~ناموس موسى والأنبياء والمزامير لأجلي، وحينئذ فتح أذهانهم ليفهموا، وقال ~~لهم: اجلسوا أنتم في المدينة يروشليم حتى تتذرعوا لقوة من العلى، ثم أخرجهم ~~خارجا إلى بيت عنيا، فرفع يديه وباركهم، وكان فيما هو يباركهم انفرد عنهم ~~وصعد إلى السماء أمامهم، فرجعوا إلى يروشليم بفرح عظيم، وكانوا في كل حين ~~يسبحون # PageV07P056 # ويباركون الله - انتهى ما نقلته من الأناجيل. وما كان فيه من لفظ يوهم ~~نقصا ما فقد تقدم في أول آل عمران أنه لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله ~~تعالى وإن كان صح إطلاقه في شرعهم، فهو مؤول وقد نسخ؛ وقال الإمام محيي ~~السنة البغوي في تفسير آل عمران فيما نقله عن وهب: فلما كان بعد سبعة أيام ~~- أي من ادعاء اليهود لصلبه - قال الله تعالى لعيسى عليه السلام: اهبط على ~~مريم المجدلانية في جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن عليك أحد ~~حزنها، ثم لتجمع لك الحواريين فتبثهم في الأرض دعاة إلى الله تعالى، فأهبطه ~~الله تعالى عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا، فجمعت له الحواريين فتبثهم في ~~الأرض دعاة، ثم رفعه الله إليه، وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى، ~~فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى عليه السلام ~~إليهم، فذلك قوله تعالى {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} [آل عمران: ms1338 ~~54] هذا ما ذكر من شأن رسل عيسى عليه السلام أنهم كانوا دعاة، وأما رسل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا مبلغين لكتبه صلى الله عليه وسلم، # PageV07P057 # فمن قبل ذلك كان حظه من الله، ومن أبى كان جوابه السيف الماحق لدولته - ~~كما ذكرته مستوفى في شرحي لنظمي للسيرة وهو مذكور في فتوح البلاد؛ ولما بعث ~~صلى الله عليه وسلم رسله اتخذ لأجل مكاتبة الملوك الخاتم، أخرج أبو يعلى في ~~مسنده عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى ~~وقيصر - وفي رواية: وأكيدر دومة وإلى كل جبار - يدعوهم إلى الله وأخرج ~~الشيخان في صحيحهما - وهذا لفظ مسلم - عن أنس بن مالك أيضا رضي الله عنه ~~قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم - وفي رواية: ~~إلى العجم - قالوا: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا مختوما، فاتخذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خاتما من فضة كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نقشه «محمد رسول الله» . # فبعث دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه إلى قيصر ملك الروم وأمره أن ~~يوصل الكتاب إلى عظيم بصرى ليوصله إليه، فعظم كتاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقبله وقرأه ووضعه على وسادة وعلم صدقه صلى الله عليه وسلم وأنه سيغلب ~~على ملكه، فجمع الروم وأمرهم بالإسلام فأبوا، فخافهم فقال: إنما أردت أن ~~أجربكم، ثم لم يقدر الله له الإسلام، فأزال الله حكمه عن الشام وكثير من ~~الروم على يدي أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ثم عن كثير من الروم ~~أيضا على يد من بعدهم، ومكن بها # PageV07P058 # الإسلام، لكن أثابه الله على تعظيم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن ~~أبقى ملكه في أطراف بلاده إلى الآن، وبلغني أن الكتاب محفوظ عندهم إلى هذا ~~الزمان؛ وبعث شجاع بن وهب الأسدي رضي الله عنه إلى الحارث بن أبي شمر ~~الغساني - وقال القضاعي: المنذر بن أبي شمر عامل قيصر على ms1339 تخوم الشام - ثم ~~إلى جبلة بن الأيهم الغساني، فأما الحارث أو المنذر فغضب من الكتاب وهم ~~بالمسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليقاتله، زعم فنهاه عن ذلك قيصر، ~~فأكرم شجاعا ورده وأسلم حاجبه مري الرومي بما عرف من صفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الإنجيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «باد ملك الحارث، ~~وفاز مري» فقل ما لبث الحارث حتى مات، وولي بعده في مكانه جبلة بن الأيهم ~~الغساني، وهو آخر ملوك غسان على نواحي الشام، فرد إليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم شجاع بن وهب رضي الله عنه، فرد على النبي صلى الله عليه وسلم ردا ~~جميلا ولم يسلم، واستمر يتربص حتى أسلم في خلافة عمر رضي الله عنه لما رأى ~~من ظهور نور الإسلام وخمود نار الشرك، ثم إنه # PageV07P059 # ارتد - ولحق ببلاد الروم - في لطمة أريد أن يقتص منه فيها، فسبحان الفاعل ~~لما يشاء! وبعث عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه إلى كسرى ملك الفرس، ~~وأمره أن يدفع الكتاب إلى عظيم البحرين ليوصله إليه، فلما رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بدأ باسمه الشريف مزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه، فرجع عبد ~~الله، فلما سكن غضب الخبيث التمسه فلم يجده فأرسل في طلبه فسبق الطلب، فلما ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن تمزيق الكتاب، دعا على كسرى أن يمزق كل ~~ممزق، فأجاب الله دعوته فشتت شملهم وقطع وصلهم على يد أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما، ثم قتل يزدجرد آخر ملوكهم في خلافة عثمان رضي الله عنه، فأصبح ~~ملك الأكاسرة كأمس الدابر، وعم بلادهم الإسلام وظهرت بها كلمة الإيمان، بل ~~تجاوز الإسلام ملكهم إلى ما وراء النهر وإلى بلاد الخطا. # وبعث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إلى المقوقس صاحب مصر والإسكندرية، ~~فعلم من صدق النبي صلى الله عليه وسلم ما علمه قيصر من الإنجيل، فأكرم ~~الرسول وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ورد ردا جميلا ولم يسلم، فأباد الله ms1340 ~~ملكه على يد عمرو بن العاص أمير لعمر رضي الله عنهما. وبعث عمرو بن أمية ~~الضمري رضي الله عنه إلى النجاشي فآمن رضي الله عنه وقال: أشهد أنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب ~~الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل عليهم السلام. # PageV07P060 # وأن العيان ليس بأشفى من الخبر، وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدايا ~~كثيرة، وأرسل ابنه بإسلامه في سبعين من الحبشة، وقال في كتابه: وإني لا ~~أملك إلا نفسي ومن آمن بك من قومي، وإن أحببت أن آتيك يا رسول الله فعلت؛ ~~فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على النجاشي واستغفر له؛ وبعث العلاء بن ~~الحضرمي رضي الله عنه إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين وإلى أسيحت ~~مرزبان هجر بكتاب يدعوهما فيه إلى الإسلام أو الجزية، وأرض البحرين من بلاد ~~العرب، لكن كان الفرس قد غلبوا عليها، وبها خلق كثير من عبد القيس وبكر بن ~~وائل وتميم فأسلم المنذر وأسيحت وجميع من هناك من العرب وبعض العجم، فأقره ~~النبي صلى الله عليه وسلم على عمله؛ وبعث سليط بن عمرو العامري رضي الله ~~عنه إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وكان عاملا لقيصر على قومه، فقرأ ~~كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ورد ردا دون رد، فصادف أن قدم عليه راهب من ~~دمشق، فأخبره أنه لم يجب إلى الإسلام، فقال: لم؟ قال: ضننت بملكي، قال ~~الراهب: لو تبعته لأقرك والخير لك في اتباعه، فإنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، بشر به # PageV07P061 # عيسى عليه السلام، قال هوذة للراهب: فما لك لا تتبعه؟ فقال: أجدني أحسده ~~وأحب الخمر، فكتب هوذة كتابا وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهدية ~~مكانه ذلك، وشعر به قومه فأتوه فهددوه، فرد الرسول واستمر على نصرانيته، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع إليه سليط: # «باد هوذة وباد ما في يده» ! فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من فتح ~~مكة جاءه جبرئيل عليه السلام ms1341 بأن هوذة مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعدي» ، فكان كذلك كما هو مشهور ~~من أمر مسيلمة الكذاب، وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي رضي الله عنه إلى ~~الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن، فلما بلغه رسالة النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال الحارث: قد كان هذا النبي عرض نفسه علي فخطئت عنه، وكان ذخرا ~~لمن صار إليه، وسأنظر، وتباطأ به الحال إلى أن أسلم عند رجوع النبي صلى ~~الله عليه وسلم من تبوك سنة الوفود، وكاتب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ ~~وبعث عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى جيفر وعبد ابني الجلندي الأزديين ملكي ~~عمان، فتوقفا واضطرب # PageV07P062 # رأيهما، ثم عزم الله لهما على الرشد فقال جيفر: إنه والله قد دلني على ~~هذا النبي صلى الله عليه وسلم الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ~~ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يفجر، ~~وأنه يوفى بالعهد وينجز الوعد، ولا يزال يطع على سر قوم يساوي فيه أهله، ~~وإني أشهد أنه رسول الله، وأسلم أخوه أيضا، وكتبا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بإسلامهما، فقال خيرا وأثنى خيرا، وكان في سير هؤلاء الرسل لعمري غير ~~ما ذكر أحاديث عجائب وأقاصيص غرائب من دلائل النبوة وأعلام الرسالة، خشيت ~~من ذكرها الإطالة وأن تمل وإن لم يكن فيها ما يقتضي ملاله، وقد شفيت في ~~شرحي لنظمي للسيرة باستيفائها القليل في ترتيب جميل ونظم أسلوبه لعمري ~~جليل، هؤلاء رسل البشر، وأما الرسل من الجن فقد روى الطبراني في الكبير عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن} [الجن: 29] قال: كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم قال الهيثمي: وفي سنده النضر ~~أبو عمر وهو متروك، ويؤيد عموم هذه الآية في تناولها الملائكة عليهم ms1342 السلام ~~قوله تعالى {ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] وإذا # PageV07P063 # تأملت سياق الآيات التي بعدها مع آخر السورة التي قبلها قطعت بذلك # {لينذر من كان حيا} [يس: 70] ، {إنما تنذر من اتبع الذكر} [يس: 11] إذ هم ~~من جملة العالمين وممن بلغه القرآن وممن هو حي وممن اتبع الذكر، والخطاب ~~بالإنذار وارد مورد التغليب، إذ الإنس والجن أهل له، فانتفى ما يقال: إن ~~الملائكة في غاية الخوف من الله تعالى مع عصمتهم فليسوا ممن يخوف، ويزيد ~~ذلك وضوحا قوله تعالى: {ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك ~~نجزي الظالمين} [الأنبياء: 29] ولا إنذار أعظم من ذلك، وإن عيسى عليه ~~السلام من هذه الأمة وممن شملته الآيات الدالة على عموم الرسالة بغير شك، ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده! لو كان موسى حيا لما ~~وسعه إلا اتباعي» أخرجه الإمام أحمد والدارمي والبيهقي في الشعب عن جابر ~~رضي الله عنه، ومذهب أهل السنة أن رسل البشر أفضل من رسل الملائكة، وقد ~~ثبتت رسالته إلى الأفضل المعصوم بالفعل لعيسى، وبالتعليق بالحياة بموسى ~~عليه السلام، وقد أخذ الله سبحانه ميثاق النبيين كلهم عليهم السلام إن ~~أدركوه ليؤمنن به، وقد خوطب النبي صلى الله عليه وسلم - وهو أشرف الخلق ~~وأكملهم - بالإنذار في غير آية، فمهما أول به ذلك في حقه صلى الله عليه ~~وسلم قيل مثله في حقهم عليهم السلام، # PageV07P064 # ومما يرفع النزاع ويدفع تعلل المتعلل بالإنذار قوله تعالى {لتنذر به ~~وذكرى للمؤمنين} [الأعراف: 2] فخذل مفعول «تنذر» دال على عموم رسالته، ~~وتعليق الذكرى بالمؤمنين مدخل لهم بلا ريب لأنهم من رؤوسهم - عليهم السلام، ~~وقوله تعالى {لتبشر به المتقين} [مريم: 97] إلى غيرها من الآيات، فيكون ~~عموم رسالته لهم زيادة شرف له، وهو واضح، وزيادة شرف لهم بحمل أنفسهم على ~~طاعته والتقيد بما حده لهم من أعمال ملته طاعة لله تعالى زيادة في أجورهم ~~ورفعة درجاتهم، وذلك مثل ما قال أبو حيان في قوله تعالى {فخذ ما آتيتك وكن ~~من الشاكرين} [الأعراف: 144] : إن في ms1343 الأمر له بذلك مزيد تأكيد وحصول أجر ~~بالامتثال؛ وقال القاضي عياض في الفصل السابع من الباب الأول من القسم ~~الأول من الشفا في قوله تعالى {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة} [آل عمران: 81] قال المفسرون: أخذ الله الميثاق بالوحي، فلم ~~يبعث نبيا إلا ذكر له محمدا ونعته وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به، ~~وبعضد ذلك ما قال في أول الباب الأول: وحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لجبرئيل عليه السلام: « # PageV07P065 # هل أصابك من هذه الرحمة المذكورة في قوله تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين} شيء؟ قال نعم! كنت أخشى العاقبة فآمنت لثناء الله عز وجل علي ~~بقوله {ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين} [التكوير: 20، 21] » وروى ~~مسلم في كتاب الصلاة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي ~~الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي ~~النبيون» وحمل من حمل الخلق على الناس - للرواية التي فيها «إلى الناس» ~~تحكم، بل العكس أولى لمطابقة الآيات، وقد خرج من هذا العموم من لا يعقل ~~بالدليل العقلي، فبقي غيرهم داخلا في اللفظ، لا يحل لأحد أن يخرج منه أحدا ~~منهم إلا بنص صريح ودلالة قاطعة ترفع النزاع، وقال عياض في الباب الثالث من ~~القسم الأول: وذكر البزار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما أراد الله ~~تعالى أن يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان - فذكر المعراج وسماع ~~الأذان من وراء الحجاب ثم قال: ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم ~~فقدمه، فأم بأهل السماء فيهم آدم ونوح - انتهى. وروى عبد الرزاق عن سلمان ~~الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان ~~الرجل بأرض # PageV07P066 # قي فحانت الصلاة فليتوضأ، فإن لم يجد الماء فليتيمم، فإن أقام صلى معه ~~ملكاه، وإن أذن وأقام صلى ms1344 خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه» قال المنذري: ~~القي - بكسر القاف وتشديد الياء، وهي الأرض القفر. وروى مالك والستة إلا ~~الترمذي وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقولوا آمين» ~~-وفي رواية إذا أمن الإمام فأمنوا - فإنه من وافق تأمينه - تأمين الملائكة ~~- وفي رواية: من وافق قوله قول الملائكة - غفر له ما تقدم من ذنبه. وفي ~~رواية في الصحيح: «إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، وقالت الملائكة في ~~السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم له من ذنبه» وفي رواية ~~لأبي يعلى: إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال الذين ~~خلفه: آمين، التقت من أهل السماء وأهل الأرض آمين، غفر للعبد ما تقدم من ~~ذنبه. وللشيخين عن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك ~~الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» ؛ وفي ~~رواية: فإذا وافق قول أهل السماء قول أهل # PageV07P067 # الأرض غفر له ما تقدم من ذنبه؛ في أشكال ذلك مما يؤذن بائتمام الملائكة ~~بأئمتنا، وذلك ظاهر في التقيد بشرعنا؛ وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ~~خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم - وجزم ابن معين والذهلي بصحته - عن ~~أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة» وأدل من جميع ما مضى ما روى مالك ~~والشيخان وأبو داود وابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة ~~الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن ~~راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة ~~فكأنما قرب دجاجة، ms1345 ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج ~~الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» ؛ وفي رواية: «فإذا قعد الإمام طويت ~~الصحف» ؛ وفي رواية لأحمد عن أبي سعيد: فإذا أذن المؤذن وجلس الإمام على ~~المنبر طويت الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر. فإن تركهم لكتابة الناس ~~وإقبالهم على الاستماع دليل واضح على الائتمام، بما رواه الشيخان وغيرهما ~~عن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلت ~~لصاحبك # PageV07P068 # يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت» قال الحليمي في الرابع من شعب ~~الإيمان في الجواب عما أورد على قوله: {لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} [الإسراء: 87] من أن التخصيص بالإنس ~~والجن لا يمنع قدرة الملائكة على المعارضة ما نصه: وأما الملائكة فلم ~~يتحدوا على ذلك لأن الرسالة إذا لم تكن إليهم لم يكن القرآن حجة عليهم، ~~فسواء كانوا قادرين على مثله أو عاجزين، وهم عندنا عاجزون؛ وقال في الخامس ~~عشر في أن من أنواع تعظيمه الصلاة عليه فأمر الله عباده أن يصلوا عليه ~~ويسلموا، وقدم قبل ذلك إخبارهم بأن ملائكته يصلون عليه، فأمر الله عباده ~~لنبيهم بذلك على ما في الصلاة عليه من الفضل إذا كانت الملائكة مع انفكاكهم ~~عن شريعته تتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والتسليم عليه، ليعلموا أنهم ~~بالصلاة والتسليم عليه أول وأحق - هذا نصه في الموضعين، ولم يذكر لذلك ~~دليلا، ونسب الجلال المحلي في شرحه لجمع الجوامع مثل ذلك إلى البيهقي في ~~الشعب فإنه قال: وصرح الحليمي والبيهقي في الباب الرابع من شعب الإيمان ~~بأنه عليه الصلاة والسلام لم يرسل إلى الملائكة، وفي الباب الخامس عشر ~~بانفكاكهم من شرعه، قال: وفي تفسير الإمام الرازي والبرهان النسفي # PageV07P069 # حكاية الإجماع في تفسير الآية الثانية - أي {ليكون للعالمين نذيرا} ~~[الفرقان: 1] أنه لم يكن رسولا إليهم - انتهى. وهو شهادة نفي كما ترى، لا ~~ينهض بما ذكرته من النصوص على أن الحليمي لم يقل بذلك إلا لقوله بأن ~~لملائكة أفضل من ms1346 الأنبياء - كما نقله عنه الإمام فخر الدين في كتاب ~~الأربعين والشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد وغيرهما، ولم يوافقه ~~على ذلك أحد من أهل السنة إلا القاضي ابو بكر الباقلاني، فكما لم يوافق على ~~الأصل لا يوافق على الفرع، وأما البيهقي فإنما نقله عن الحليمي وسكوته عليه ~~لا يوجب القطع برضاه، قال الزركشي في شرح جمع الجوامع: وهي مسألة وقع ~~النزاع فيها بين فقهاء مصر مع فاضل درس عندهم وقال لهم: الملائكة ما دخلت ~~في دعوته، فقاموا عليه، وقد ذكر الإمام فخر الدين في تفسير سورة الفرقان ~~الدخول محتجا بقوله تعالى {ليكون للعالمين نذيرا} : والملائكة داخلون في ~~هذا العموم - انتهى. # وهذا يقدح فيما نقل عنه من نقل الإجماع، وعلى تقدير صحته ففيه أمور، أما ~~أولا فالإجماع لا يرجع إلا إلى أهل الاطلاع على المنقولات من حفاظ الآثار ~~وأقاويل السلف فيه، وأما ثانيا فإنه نقل يحتمل التصحيح والتضعيف، لأنه ~~بطرقه احتمال أن يكون نقل عمن لا يعتد به، أو يكون # PageV07P070 # أخذه عن أحد مذاكرة وأحسن الظن به، أو حصل له سهو، ونحو ذلك، فلا وثوق ~~إلا بعد معرفة المنقول عنه وسند النقل والاعتضاد بما يوجب الثقة ليقاوم هذه ~~الظواهر الكثيرة، وأما ثالثا فإنه سيأتي عن الإمام تقي الدين السبكي أن بعض ~~المفسرين قال بالإرسال إلى الملائكة، وق الإمام ولي الدين أبو زرعة أحمد ~~ابن الحافظ زين الدين العراقي في شرحه لجمع الجوامع: وأما كونه مبعوثا إلى ~~الخلق أجمعين فالمراد المكلف منهم، وهذا يتناول الإنس والجن والملائكة، ~~فأما الأولان فبالإجماع، وأما الملائكة فمحل خلاف فأين الإجماع! هذا على ~~تقدير صحة هذا النقل وأنى لمدعي ذلك به فإني راجعت تفسير الإمام للآية ~~المذكورة فلم أجد فيه نقل الإجماع، وإنما قال: ثم قالوا: هذه الآية تدل على ~~أحكام: الأول أن العالم كل ما سوى الله، فيتناول جميع المكلفين من الجن ~~والإنس والملائكة، لكنا نبئنا أنه عليه السلام لم يكن رسولا إلى الملائكة، ~~فوجب أن ينفى كونه رسولا إلى الجن والإنس جميعا، وبطل قول ms1347 من قال: إنه كان ~~رسولا إلى البعض دون البعض، الثاني أن لفظ {العالمين} يتناول جميع ~~المخلوقات، فتدل الآية على أنه رسول إلى المكلفين إلى يوم القيامة، فوجب أن ~~يكون خاتم الأنبياء والرسل - هذا لفظه في أكثر النسخ، وفي بعضها: لكنا ~~أجمعنا - بدل: نبئنا - وهي غير صريحة في إجماع الأمة كما ترى، ولم يعين ~~الموضع الذي أحال عليه في النسخ # PageV07P071 # الأخرى - فليطلب من مظانه ويتأمل، وأما النسفي فمختصر له - والله الموفق؛ ~~ثم رأيت في خطبة كتاب الإصابة في أسماء الصحابة لشيخنا حافظ عصره أبي الفضل ~~بن حجر في تعريف الصحابي: وقد نقل الإمام فخر الدين في أسرار التنزيل ~~الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مرسلا إلى الملائكة، ونوزع في ~~هذا النقل، بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلا إليهم واحتج ~~بأشياء يطول شرحها - انتهى. # والعجب من الرازي في نقل هذا الذي لا يوجد لغيره مع أنه قال في أسرار ~~التنزيل في أواخر الفصل الثاني من الباب الثالث في الاستدلال بخلق الآدمي ~~على وجود الخالق: الوجه الرابع - أي في تكريم بني آدم - أنه جعل أباهم ~~رسولا إلى الملائكة حيث قال {أنبئهم باسمائهم} [البقرة: 31] وقد تقرر أن كل ~~كرامة كانت لنبي من الأنبياء فلنبينا صلى الله عليه وسلم مثلها أو أعظم ~~منها، وقال في تفسيره الكبير في {وعلم آدم الأسماء} [البقرة: 31] : ولا ~~يبعد أيضا أن يكون مبعوثا إلى من يوجه التحذير إليهم من الملائكة، لأن ~~جميعهم وإن كانوا رسلا فقد يجوز الإرسال إلى الرسول لبعثة إبراهيم إلى لوط ~~عليهما السلام - انتهى. وأنت خبير بأمر عيسى عليه السلام بعد نزوله من ~~السماء، والحاصل أن رسالته صلى الله عليه وسلم إليهم صلوات الله عليهم - ~~رتبة فاضلة ودرجة عالية # PageV07P072 # كاملة جائزة له، لائقة بمنصبه، مطابقة لما ورد من القواطع لعموم رسالته ~~وشمول دعوته، وقد دلت على حيازته لها ظواهر الكتاب والسنة مع أنه لا يلزم ~~من إثباتها له إشكال في الدين ولا محذور في الاعتقاد، فليس لنا التجريء على ~~نفيها إلا ms1348 بقاطع كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة في آية ~~الأنعام {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] قال: فاحتملت ~~معنيين: أحدهما أن لا يحرم على طاعم يطعمه أبدا إلا ما استثنى الله عز وجل، ~~وهذا المعنى الذي إذا ووجه رجل مخاطبا به كان الذي يسبق إليه أنه لا يحرم ~~عليه غير ما سمى الله عز وجل محرما، وما كان هكذا فهو الذي يقال له أظهر ~~المعاني وأعمها وأغلبها والذي لو احتملت الآية معاني سواه - كان هو المعنى ~~الذي يلزم أهل العلم القول به إلا أن تأتي سنة للنبي صلى الله عليه وسلم - ~~بأبي هو وأمي - تدل على معنى غيره مما تحتمله الآية، فنقول: هذا معنى ما ~~أراد الله عز وجل، ولا يقال بخاص في كتاب الله ولا سنة إلا بدلالة فيهما أو ~~في واحد منهما، ولا يقال # PageV07P073 # بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن تكون أريد بها ذلك الخاص، فأما ما لم تكن ~~محتملة له فلا يقال فيها بما لا تحتمل الآية - انتهى. وشرحه الإمام أبو ~~محمد بن حزم في المحلى فقال: ولا يحل لأحد أن يقول في آية أو في خبر: هذا ~~منسوخ أو مخصوص في بعض ما يقتضيه ظاهر لفظه، ولا أن لهذا النص تأويلا غير ~~مقتضى ظاهر لفظه، ولا أن هذا الحكم غير واجب علينا من حين وروده إلا بنص ~~آخر وارد بأن هذا النص كما ذكر، أو بإجماع متيقن بأنه كما ذكر، أو بضرورة ~~حس موجبة أنه كما ذكر، برهانه: # {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} [النساء: 64] {وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} [إبراهيم: 4] وقال {فليحذر الذين يخالفون ~~عن أمره أن تصيبهم فتنة} [النور: 63] ، ومن ادعى أن المراد بالنص بعض ما ~~يقتضيه في اللغة العربية، لا كل ما يقتضيه فقد أسقط بيان النص، وأسقط وجوب ~~الطاعة له بدعواه الكاذبة، وليس بعض ما يقتضيه النص بأولى بالاقتصار عليه # PageV07P074 # من سائر ما يقتضيه - انتهى. وقال أهل الأصول: إن الظاهر ما ms1349 دل على المعنى ~~دلالة ظنية أي راجحة، والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل ~~عليه لدليل فصيح - أو لما نظن دليلا وليس في الواقع بدليل - فاسد، أو لا ~~لشيء فلعب لا تأويل، قال الإمام الغزالي في كتاب المحبة من الإحياء في ~~الكلام على أن رؤية الله تعالى في الآخرة هل هي بالعين أو بالقلب: والحق ما ~~ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين، ليكون لفظ ~~الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز ~~إزالة الظواهر إلا لضرورة - انتهى، وقال الإمام تقي الدين السبكي في جواب ~~السؤال عن الرسالة إلى الجن الذي تقدم في أول الكلام على هذه الآية أني ~~رأيته بخطه: الآية العاشرة: {ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] قال ~~المفسرون كلهم في تفسيرها: للجن والإنس، وقال بعضهم: والملائكة. الثانية ~~عشرة {وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28] قال المفسرون: معناها: إلا ~~إرسالا عاما شاملا لجميع الناس، أي ليس بخاص ببعض الناس، فمقصود الآية نفي ~~الخصوص وإثبات العموم، ولا مفهوم لها فيما وراء الناس، بل قوتها في العموم ~~يقتضي عدم الخصوصية فيهم وحينئذ يشمل # PageV07P075 # الجن، ولو كان مقصود الآية حصر رسالته في الناس لقال: وما أرسلناك إلا ~~إلى الناس، فإن كلمة «إلا» تدخل على ما يقصد الحصر فيه، فلما أدخلها على ~~{كافة} دل على أنه المقصود بالحصر، ويبقى قوله {للناس} لا مفهوم له، أما ~~أولا فلأنه مفهوم قلب وأما ثانيا فلأنه لا يقصد بالكلام، أما ثالثا فلأنه ~~قد قيل: إن {الناس} يشمل الإنس والجن، أي على القول بأنه مشتق من النوس، ~~وهو التحرك، وهو على هذا شامل للملائكة أيضا، وممن صرح من أهل اللغة بأن ~~{الناس} يكون من الإنس ومن الجن الإمام أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم ~~الفارابي في كتابه ديوان الأدب، قال السبكي: السابعة عشرة # {إن هو إلا ذكر للعالمين} [ص: 87] الثامنة عشرة {إنما تنذر من اتبع الذكر ~~وخشي الرحمن بالغيب} [يس: 11] ونحوهما كقوله {لتنذر من كان حيا} [يس: 70] ~~وكذا قوله ms1350 {هدى للمتقين} ، وأما السنة فأحاديث: الأول حديث مسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه «وأرسلت إلى الخلق كافة» ، «إلى الخلق» عام يشمل الجن ~~بلا شك، ولا يرد على هذا أنه ورد في روايات هذا الحديث من طرق أخرى في صحيح ~~البخاري وغيره «الناس» موضع «الخلق» لأنا نقول: ذلك من رواية جابر، وهذا من ~~رواية أبي هريرة؛ فلعلهما حديثان، وفي رواية الخلق زيادة معنى على الناس، ~~فيجب # PageV07P076 # الأخذ به إذ لا تعارض بينهما، ثم جوز أن يكون من روى «الناس» روى بالمعنى ~~فلم يوف به، قال: وهذا الحديث يؤيد قول من قال: إنه مرسل إلى الملائكة ولا ~~يستنكر هذا، فقد يكون ليلة الإسراء يسمع من الله كلاما فبلغه لهم في السماء ~~أو لبعضهم، وبذلك يصح أنه مرسل إليهم، ولا يلزم من كونه مرسلا إليهم من حيث ~~الجملة أن يلزمهم جميع الفروع التي تضمنتها شريعته، فقد يكون مرسلا إليهم ~~في بعض الأحكام أو في بعض الأشياء التي ليست بأحكام، أو يكون يحصل لهم ~~بسماع القرآن زيادة إيمان، ولهذا جاء فيمن قرأ سورة الكهف: فنزلت عليه مثل ~~الظلة، ثم قال في أثناء كلام: بخلاف الملائكة، لا يلتزم أن هذه التكاليف ~~كلها ثابتة في حقهم إذا قيل بعموم الرسالة لهم، بل يحتمل ذلك ويحتمل في شيء ~~خاص كما أشرنا إليه فيما قبل - انتهى. قلت: ولا ينكر اختصاص الأحكام ببعض ~~المرسل إليهم دون بعض في شرع واحد في الأحرار والعبيد والنساء والرجال ~~والحطابين والرعاء بالنسبة إلى بعض أعمال الحج وغير ذلك مما يكثر تعداده - ~~والله الموفق؛ ومن تجرأ على نفي الرسالة إليهم من أهل زماننا بغير نص صريح ~~يضطره إليه، كان ضعيف العقل مضطرب الإيمان مزلزل اليقين سقيم الدين، ولو ~~كان حاكيا لما قيل # PageV07P077 # على وجه الرضى به، فما كل ما يعلم يقال، وكفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما ~~سمع، ولعمري! إن الأمر لعلى ما قال صاحب البردة وتلقته الأمة بالقبول، وطرب ~~عليه في المحافل والجموع: # دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما ms1351 شئت مدحا فيه واحتكم # ولما أثبت شهادة الله تعالى له بالتصديق بأنه محق، وكان ذلك ربما أوهم أن ~~غير الله تعالى لا يعرف ذلك، لا سيما وقد ادعى كفار قريش أنهم سألوا أهل ~~الكتابين فادعوا أنهم لا يعرفونه، أتبعه بقوله على طريق الاستئناف: {الذين ~~آتيناهم} أي بما لنا من العظمة من اليهود والنصارى {الكتاب} أي الجامع ~~لخيري الدنيا والآخرة، وهو التوراة والإنجيل {يعرفونه} أي الحق الذي كذبتم ~~به لما جاءكم وحصل النزاع بيني وبينكم فيه لما عندهم في كتابهم من وصفي ~~الذي لا يشكون فيه، ولما هم بمثله آنسون مما أثبت به من المعجزات، ولما في ~~هذا القرآن من التصديق لكتابهم والكشف لما أخفوا من أخبارهم، ولأساليبه ~~التي لا يرتابون في أنها خارجة من مشكاة كتابهم مع زيادتها بالإعجاز، فهم ~~يعرفون هذا الحق {كما يعرفون أبناءهم} أي من بين الصبيان بحلاهم ونعوتهم ~~معرفة لا يشكون فيها، وقد وضعتموهم موضع # PageV07P078 # الوثوق، وأنزلتموهم منزلة الحكم بسؤالكم لهم عني غير مرة، وقد آمن بي ~~جماعة منهم وشهدوا لي، فما لكم لا تتابعونهم! لقد بان الهوى وانكشف عن ~~ضلالكم الغطاء. # ولما كان أكثرهم يخفون ذلك ولا يشهدون به، قال جوابا لمن يسأل عنهم: ~~{الذين خسروا} أي منهم، ولكنه حذفها للتعميم {أنفسهم فهم} أي بسبب ذلك {لا ~~يؤمنون} أي لما سبق لهم من القضاء بالشقاء الذي خسروا به أنفسهم بالعدول ~~عما دعت إليه الفطرة السليمة والفكرة المستقيمة، ومن خسر نفسه فهو لا يؤمن ~~فكيف يشهد! فقد بينت هذه الجملة أن من لا يشهد منهم فهو في الحقيقة ميت أو ~~موات، لأن من ماتت نفسه كذلك، بل هم أشقى منه، فلقد أداهم ذلك الشقاء إلى ~~أن حرفوا كتابهم وأخفوا كثيرا مما يشهد لي بالنبوة، فكانوا أظلم الخلق ~~بالكذب في كتاب الله للتكذيب لرسل الله. # PageV07P079 # ولما كان التقدير: خسروا ففاتهم الإيمان، لأنهم ظلموا بكتمان الشهادة، ~~فكان الظلم سبب خسرانهم، فمن أظلم منهم! عطف عليه ما يؤذن بأنهم بدلوا ~~كتابهم، أو نسبوا إليه ما ليس فيه، فقال واضعا ms1352 للظاهر موضع ضميرهم لذلك: ~~{ومن أظلم ممن افترى} أي تعمد # PageV07P079 # {على الله كذبا} كهؤلاء الذين حرفوا كتابهم ونسبوا إلى الله ما لم يقله، ~~زيادة كتبوها بأيديهم لا أصل ها، إضلالا منهم لعباده {أو كذب بآياته} أي ~~الآتي بها الرسل كالقرآن وغيره من المعجزات كالمشركين، لا أحد أظلم منهم ~~فهم لا يفلحون {إنه لا يفلح الظالمون} أي فكيف بالأظلمين! . # ولما كان معنى هذا أنهم أكذب الناس، دل عليه بكذبهم يوم الحشر بعد انكشاف ~~الغطاء فقال: {ويوم} أي اذكر كذبهم على الله وتكذيبهم في هذه الدار، واذكر ~~أعجب من ذلك، وهو كذبهم في عالم الشهادة عند كشف الغطاء وارتفاع الحجب يوم ~~{نحشرهم} أي نجمعهم بما لنا من العظمة وهم كارهون صاغرون {جميعا} أي أهل ~~الكتاب والمشركين وغيرهم ومعبوداتهم، وأشار إلى عظمة ذلك اليوم وطوله ~~ومشقته وهوله بقوله بأداة التراخي: {ثم نقول} أى بما لنا من العظمة التي ~~انكشفت لهم أستارها وتبدت لهم بحورها وأغوارها توبيخا وتنديما {للذين ~~أشركوا} أي سموا شيئا من دوننا إلها وعبدوه بالفعل من الأصنام أو عزير أو ~~المسيح أو الظلمة أو النور أو غير ذلك، أو بالرضى بالشرك، فإن الرضى بالشيء ~~فعل له لا سيما إن انضم إليه تكذيب المحق والشهادة للمبطل بأن دينه خير ~~{أين شركاؤكم} أضافهم إلى ضميرهم لتسميتهم لهم بذلك {الذين كنتم تزعمون} أي # PageV07P080 # أنهم شركاؤنا بالعبادة أو الشهادة بما يؤدي إليها، ادعوهم اليوم لينقصوكم ~~مما نريد من ضركم، أو يرفعوكم مما نريد من وضعكم، وسؤالهم هذا يجوز أن يكون ~~مع غيبة الشركاء عنهم وأن يكون عند إحضارهم لهم، فيكون الاستفهام عما كانوا ~~يظنون من نفعهم، فكأن غيبته غيبتهم. # ولما كان إخبارهم بغير الواقع في ذلك اليوم مستبعدا بعد رفع الحجاب عن ~~الأهوال وإظهار الزلازل والأوجال. أشار إليه بأداة البعد فقال: {ثم لم تكن ~~فتنتهم} أي عاقبة مخالطتنا لهم بهذا السؤال وأمثاله من البلايا التي من ~~شأنها أن يميل ما خالطته فتحيله - ولو أنه جبل - عن حاله بما ناله من ~~قوارعه وزلزاله إلا كذبهم في ms1353 ذلك الجمع، وهو معنى قوله: {إلا أن قالوا} ~~ثباتا منهم فيما هم عريقون فيه من وصف الكذب: {والله} فذكروا الاسم الأعظم ~~الذي تندك لعظمته الجبال الشم، وتنطق بأمره الأحجار الصم، الجامع لجميع ~~معاني الأسماء الحسنى التي ظهر لهم كثير منها في ذلك اليوم، وأكدوا ذلك ~~بذكر الوصف المذكر بتربيتهم ودوام الإحسان إليهم فقالوا: {ربنا} فلم يقنعوا ~~بمجرد الكذب حتى أقسموا، ولا بمجرد القسم حتى ذكروا الاسم الجامع والوصف ~~المحسن {ما كنا مشركين} أي إن تكذيبهم لك أوصلهم إلى حد يكذبون فيه في ذلك ~~اليوم بعد كشف الغطاء تطمعا بما لا ينفعهم، # PageV07P081 # كما ترى الحائر المدهوش في الدنيا يفعل مثل ذلك فهو إيئاس من فلاح ~~الجميع: المشركين وأهل الكتاب، أو يكون المعنى تنديما لهم وتأسيفا: أنه لم ~~يكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به في لزومه والافتخار به والقتال عليه - ~~لكونه دين الآباء - إلا جحوده والبراءة منه والحلف على الانتفاء من التدين ~~به، والمعنى على قراءتي النصب والرفع في «فتنة» على جعلها خبرا أو اسما ~~واحدا، فمعنى قراء النصب: لم يكن شيء إلا قولهم - أي غير قولهم الكذب - ~~فتنتهم، أي لم يكن شيء فتنتهم إلا هذا القول، فهذا القول وحده فتنتهم، فنفى ~~عن فتنتهم وسلب عنها كل شيء غير قولهم هذا، فالفتنة مقصورة على قولهم ~~الكذب، والكذب قد يكون ثابتا لغيرها، أي إنهم يكذبون من غير فتنة، بل في ~~حال الرخاء، وهذا بعينه معنى قراءة ابن كثير وابن عامر وحفص برفع فتنة، أي ~~لم تكن فتنتهم شيئا غير كذبهم، فقد نفيت فتنتهم عن كل شيء غير الكذب، ~~فانحصرت فيه، ويجوز أن يكون ثابتا في حال غيرها - على ما مر، وهذا التقدير ~~نفيس عزيز الوجود دقيق المسلك - يأتي إن شاء الله تعالى عند # {وما كان صلاتهم عند البيت} [الأنفال: 35] في الأنفال ما ينفع هنا ~~فراجعه. # ولما كان هذا من أعجب العجب، أشار إليه بقوله: {انظر} وبالاستفهام في ~~قوله: {كيف كذبوا} وبالإشارة إلى أنهم فعلوه # PageV07P082 # مع علمهم بما انكشف لهم من الغطاء أنه لا ms1354 يجديهم بقوله: {على أنفسهم} وهو ~~نحو قوله {فيحلفون له كما يحلفون لكم} [المجادلة: 18]- الآية. # ولما كان قولهم هذا مرشدا إلى أن شركاءهم غابوا عنهم، فلم ينفعوهم ~~بنافعة، وكان الإعلام بفوات ما أنهم مقبل عليه فرح به، سارا لخصمه جالبا ~~لغمه، صرح به في قوله: {وضل} أي غاب {عنهم} إما حقيقة أو مجازا، أو هما ~~بالنظر إلى وقتين، ليكون إنكارا {ما كانوا يفترون} أي يتعمدون الكذب في ~~ادعاء شركته عنادا لما على ضده من الدلائل الواضحة. # ولما علم أن هذه الآيات قد ترابطت حتى كانت آية واحدة، وختم بأن مضمون ~~قوله {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} [الأنعام: 5]- الآية، قد صار وصفا لهم ~~ثابتا حتى ظهر في يوم الجمع، قسم الموسومين بما كانت تلك الآية سببا له، ~~وهو الإعراض عن الآيات المذكور في قوله {إلا كانوا عنها معرضين} [الأنعام: ~~4] ، فكان كأنه قيل: فمنهم من أعرض بكليته، فعطف عليه قوله: {ومنهم من ~~يستمع إليك} أي يصغي بجهده كما في السيرة عن أبي جهل بن هشام وأبي سفيان بن ~~حرب والأخنس بن شريق أن كلا منهم جلس عند بيت النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الليل يستمع القرآن. # لا يعلم أحد منهم بمجلس صاحبه، فلما طلع الفجر # PageV07P083 # انصرفوا فضمهم الطريق فتلاوموا وقالوا: لو رآكم ضعفاؤكم لسارعوا إليه، ~~وتعاهدوا على أن لا يعودوا، ثم عادوا تمام ثلاث ليال، ثم سأل الأخنس أبا ~~سفيان عما سمع فقال: سمعت أشياء عرفتها وعرفت المراد منها، وأشياء لم ~~أعرفها ولم أعرف المراد منها، فقال: وأنا كذلك، ثم سأل أبا جهل فأجاب بما ~~يعرف منه أنه علم صدقه وترك تصديقه حسدا وعنادا، وذلك هو المراد من قوله: ~~{وجعلنا} أي والحال أنا قد جعلنا {على قلوبهم أكنة} أي أغطية، جمع كنان أي ~~غطاء {أن} أي كراهة أن {يفقهوه} أي القرآن {وفي آذانهم وقرا} أي ثقلا يمنع ~~من سمعه حق السمع، لأنه يمنع من وعيه الذي هو غاية السماع، فهم لا يؤمنون ~~بما يسمع منك لذلك. # ولما ذكر ما يتعلق بالسمع، ذكر ms1355 ما يظهر للعين، معبرا بما يعم السمع وغيره ~~من أسباب العلم فقال: {وإن يروا} أي بالبصر أو البصيرة {كل آية} أي من ~~آياتنا سواه {لا يؤمنوا بها} لما عندهم من العناد والنخوة في تقليد الآباء ~~والأجداد {حتى} كانت غايتهم في هذا الطبع على قلوبهم أنهم مع عدم فقههم ~~{إذا جاءوك يجادلونك} أي بالفعل أو بالقوة، والغاية داخلة، وكأنه قيل ~~تعجبا: ماذا يقولون في جدالهم؟ فقال مظهرا للوصف الذي أداهم إلى ذلك: {يقول ~~الذين كفروا} أي غطوا لما هو ظاهر لعقولهم وهو معنى الطبع {إن} أي ما # PageV07P084 # {هذا} أي الذي وصل إلينا {إلا أساطير} جمع سطور وأسطر جمع سطر وهي أيضا ~~جمع إسطار وإسطير بكسرهما وأسطور، وبالهاء في الكل {الأولين} وقد قال ذلك ~~النضر بن الحارث، فصدق قوله إخبار هذه الآية {وهم} حال من فاعل {يستمع} أي ~~يستمعون إليك والحال أنهم {ينهون عنه} أي عن الاستماع أو عن اتباع القرآن ~~{وينأون} أي يبعدون {عنه} أي كما وقع لأبي جهل وصاحبيه في المعاهدة على ترك ~~المعاودة للسماع وما يتبعه {وإن} أي وما {يهلكون} أي بعبادتهم ومكابدتهم ~~{إلا أنفسهم} أي وما هم بضاريك ولا بضاري أحد من أتباعك فيما يقدح في ~~المقصود من إرسالك من إظهار الدين ومحو الشرك وإذلال المفسدين {وما يشعرون} ~~أي وما لهم نوع شعور بما يؤديهم إليه الحال، بل هم كالبهائم، بل هي أصلح ~~حالا منهم. # PageV07P085 # ولما جعل عدم إيمانهم في هذه بشيء من الآيات موصلا لهم إلى غاية من الجهل ~~عظيمة موئسة من ادعائهم في هذه الدار، وهي مجادلتهم له صلى الله عليه وسلم، ~~وختم الآية بما رأيت من عظيم التهديد استشرفت النفس إلى معرفة حالهم عند ~~ردهم إلى الله تعالى والكشف لهم عما هددوا به، فأعلم نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم أن حالهم إذ ذاك الإيمان، # PageV07P085 # حيث يسر غاية السرور تصديقهم له، وتمنيهم متابعته لما يركبهم من الذل ~~ويحيط بهم من الصغار، ولا يزيدهم ذلك إلا ضررا وعمى وندما وحسرة، فكأنه ~~قيل: فلو رأيت حالهم عند كشف ms1356 الغطاء - وهو المطلع - لرأيتهم يؤمنون: {ولو ~~ترى إذ} أي حين {وقفوا} في الحشر، وبني للمجهول لأن المنكى الإيقاف، لا ~~كونه من معين {على النار} أي عندها ليدخلوها مشرفين على كل ما فيها من ~~أنواع النكال، وذلك أعظم في النكاية أو على الجسر وهو على الصراط وهي ~~تحتهم، أو عرفوا حقيقتها ومقدار عذابها من قولك: أوقفته على كذا - إذا ~~عرفته إياه {فقالوا} تمنيا للمحال {يا ليتنا نرد} أي إلى الدنيا. # ولما كان التقدير بشهادة قراءة من نصب الفعلين - جوابا للتمني - أو ~~أحدهما: فنطيع، عطف على الجملة قوله: {ولا} أي والحال أنا لا، أو ونحن لا ~~{نكذب} إن رددنا {بآيات ربنا} أي المحسن إلينا {ونكون من المؤمنين} أي ~~الراسخين في الإيمان، والتقدير عند ابن عامر في نصب الثالث: ليتنا نرد، ~~وليتنا لا نكذب فنسعد وأن نكون، وعلى قراءة حمزة والكسائي وحفص بنصب ~~الفعلين: # PageV07P086 # ليتنا نرد فنسعد، وأن لا نكذب وأن نكون، والمعنى: لو رأيت إيقافهم ~~ووقوفهم في ذلك الذل والانكسار والخزي والعار وسؤالهم وجوابهم لرأيت أمرا ~~هائلا فظيعا ومنظرا كريها شنيعا، ولكنه حذف تفخيما له لتذهب النفس فيه كل ~~مذهب، وجاز حذفه للعلم به في الجملة. # ولما أخبرنا - في قراءة الرفع - عن أنفسهم بما تمنوا لأجله الرد، وتضمنت ~~قراءة النصب الوعد، فإنه كما لو قال قائل: ليت الله يرزقني مالا فأكافئك ~~على صنيعك، فإنه ينجر إلى: إن رزقني الله مالا كافأتك، فصار لذلك مما يقبل ~~التكذيب، أضرب عنه سبحانه تكذيبا لهم بقوله: {بل} أي ليس الأمر كما قالوا، ~~لأن هذا التمني ليس عن حقيقة ثابتة في أنفسهم من محبة مضمونه وثمرته، بل ~~{بدا} أي ظهر {لهم} من العذاب الذي لا طاقة لهم به {ما كانوا يخفون} أي من ~~أحوال الآخرة ومرائهم على باطل! ولما كان إخفاؤهم ذلك في بعض الزمان قال: ~~{من قبل} أي يدعون أنه خفي، بل لا حقيقة له، ويسترون ما تبديه الرسل من ~~دلائله عنادا منهم مع أنه أوضح من شمس النهار بما يلبسون من الهيبة فلذلك ~~تمنوا ما ms1357 ذكروا {ولو ردوا} أي إلى الدنيا {لعادوا لما نهوا عنه} أي من ~~الكفر # PageV07P087 # والفضائح التي كانوا عليها وستر ما اتضح لعقولهم من الدلائل {وإنهم ~~لكاذبون} أي فيما أخبروا به عن أنفسهم من مضمون تمنيهم أنهم يفعلونه لو ~~ردوا، وأكد طبعهم على الكفر بقوله عطفا على قوله {لعادوا} : {وقالوا} أي ~~بعد الرد ما كانوا يقولونه قبل الموت في إنكار البعث {إن هي أي ما هذه ~~الحياة التي نحن ملابسوها {إلا حياتنا الدنيا} أي التي كنا عليها قبل ذلك ~~{وما نحن} وأغرقوا في النفي فقالوا: {بمبعوثين} أي بعد أن نموت، وما رؤيتنا ~~لما رأينا قبل هذا من البعث إلا سحر لا حقيقة له، ولم ينفعهم مشاهدة البعث ~~بل ضرتهم، هذا محتمل وظاهر، ولكن الأنسب لسياق الآيات قبل وبعد أن يكون هذا ~~حكاية لقولهم له صلى الله عليه وسلم في هذه الدار عطفا على قوله # {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} [الأنعام: 8] على الوجه الأول، وقوله: {ولو ~~ترى} متصل بذلك، أي قالوا هذا القول لما أخبرتهم بالبعث، فساءك ذلك من ~~قولهم والحال أنك لو رأيت اعترافهم به إذا سألهم خالقهم لسرك ذلك من ذلهم ~~وما يؤول إليه أمرهم، وعبر بالمضارع تصويرا لحالهم ذلك، وقوله: {إذ وقفوا ~~على ربهم} مجازا عن الحبس في مقام من مقامات الجلال بما اقتضاه إضافة الرب ~~إليهم، أي الذي طال إحسانه إليهم وحلمه عنهم، فأظهر لهم ما أظهر في ذلك # PageV07P088 # المقام من تبكيتهم وتوبيخهم وتقريعهم، وأطلعهم بما يقتضيه أداة الاستعلاء ~~- على ما له سبحانه من صفات العظمة من الكبرياء والانتقام من التربية إذ لم ~~يشكروا إحسانه في تربيتهم، وسياق الآية يقتضي أن يكون الجواب: لرأيتهم قد ~~منعتهم الهيبة وعدم الناصر وشدة الوجل من الكلام، فكأن سائلا قال: المقام ~~يرشد إلى ذلك حتى كأنه مشاهد فهل يكلمهم الله لما يشعر به التعبير بوصف ~~الربوبية؛ قيل: نعم، لكن كلام إنكار وإخزاء وإذلال {قال أليس هذا} أي الذي ~~أتاكم به رسولي من أمر البعث وغيره مما ترونه الآن من دلائل كبريائي ~~{بالحق} أي ms1358 الأمر الثابت الكامل في الحقية الذي لا خيال فيه ولا سحر ~~{قالوا} أي حين إيقافهم عليه، فكان ما أراد: {بلى} ، وزادوا على ما أمروا ~~به في الدنيا القسم فقالوا: {وربنا} أي الذي أحسن إلينا بأنواع الإحسان، ~~وكأن كلامهم هذا منزل على حالات تنكشف لهم فيها أمور بعد أخرى، كل أمر أهول ~~مما قبله، ويوم القيامة - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما - ذو ألوان: ~~تارة لا يكلمهم الله، وتارة يكلمهم فيكذبون، وتارة يسألهم عن شيء فينكرون، ~~فتشهد # PageV07P089 # جوارحهم، وتارة يصدقون كهذا الموقف ويحلفون على الصدق. # ولما أقروا قهرا بعد كشف الغطاء وفوات الإيمان بالغيب بما كانوا به ~~يكذبون، تسبب عنه إهانتهم، فلذا قال مستأنفا: {قال} أي الله مسببا عن ~~اعترافهم حيث لا ينفع، وتركهم في الدنيا حيث كان ينفع {فذوقوا العذاب} أي ~~الذي كنتم به توعدون {بما كنتم تكفرون} أي بسبب دوامكم على ستر ما دلتكم ~~عليه عقولكم من صدق رسولكم، ولا شك أن الكلام - وإن كان على هذه الصورة - ~~فيه نوع إحسان، لأنه أهون من التعذيب مع الإعراض في مقام {اخسؤوا فيها ولا ~~تكلمون} [المؤمنون: 108] ولذلك كان ذلك آخر المقامات. # PageV07P090 # ولما أنتج هذا ما تقدم الإخبار به عن خسرانهم لأنفسهم في القيامة توقع ~~السامع ذكره، فقال تحقيقا لذلك، وزاده الحمل فإنه من ذوق العذاب: {قد خسر} ~~وأظهر موضع الإضمار تعميما وتنبيها على ما أوجب لهم ذلك فقال: {الذين كذبوا ~~بلقاء الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله، ولا أمر لأحد معه، قد ~~خسروا كل شيء يمكن إحرازه من الثواب العظيم واستمر تكذيبهم {حتى إذا جاءتهم ~~الساعة} أي الحقيقة، وكذا الموت الذي هو مبدأها فإن من مات جاءت ساعته، ~~وحذرهم منها بقوله: {بغتة} أي باغتة، أو ذات بغتة، أو بغتتهم بإتيانها على ~~حين غفلة، لا يمكن أن يشعروا بعين الوقت الذي # PageV07P090 # تجيء فيه نوعا من الشعور {قالوا يا حسرتنا} أي تعالى احضرينا أيها الحسرة ~~اللائقة بنا في هذا المقام! فإنه لا نديم لنا سواك، وهو كناية عن عظمة ~~الحسرة ms1359 وتنبيه عليه، لينتهي الإنسان عن أسبابها {على ما فرطنا} أي قصرنا ~~{فيها} أي بسبب الساعة، ففاتنا ما يسعد فيها من تهذيب الأخلاق المهيئة ~~للسباق بترك اتباع الرسل، وذلك أن الله خلق المكلف وبعث له النفس الناطقة ~~القدسية منزلا لها إلى العالم السفلي، وأفاض عليه نعما ظاهرة وهي الحواس ~~الظاهرة المدركة والأعضاء والآلات الجثمانية، ونعما باطنة وهي العقل والفكر ~~وغيرهما، ليتوسل باستعمال هذه القوى والآلات إلى تحصيل المعارف الحقيقية ~~والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت، وبعث الأنبياء عليهم السلام ~~للهداية وأظهر عليهم المعجزات ليصدقوا، فأعرضوا عما دعوا إليه من تزكية ~~النفس، وأقبلوا على استعمال الآلات والقوى في اللذات والشهوات الفانية ~~ففاتت الآلات البدنية التي هي رأس المال، وما ظنوه من اللذات التي عدوها ~~أرباحا فات ففقدوا الزاد، ولم يهيئوا النفوس للاهتداء، فلا رأس مال ولا ~~ربح، فصاروا في غاية الانقطاع والغربة، ولا خسران أعظم من هذا. # PageV07P091 # ولما كان هذا أمرا مفظعا، زاد في تفظيعه بالإخبار في جملة حالية بشدة ~~تعبهم في ذلك الموقف ووهن ظهورهم بذنوبهم، حتى كأن عليهم أحمالا ثقالا ~~فقال: {وهم} أي وقالوا ذلك والحال أنهم {يحملون أوزارهم} أي أحمال ذنوبهم ~~التي من شأنها أن يثقل، وحقق الأمر وصوره بقوله: {على ظهورهم} لاعتقاد ~~الحمل عليه، كما يقال: ثقل عليك كلام فلان، ويجوز أن يجسد أعمالهم أجسادا ~~ثقالا، فيكلفوا حملها؛ ولما كان ذلك الحمل أمرا لا يبلغ الوصف الذي يحتمله ~~عقولنا كل حقيقة ما هو عليه من البشاعة والثقل، أشار إلى ذلك بقوله جامعا ~~للمذام: {ألا ساء ما يزرون *} . # فلما تأكد أمر البعث غاية التأكد، ولم يبق فيه لذي لب وقفة، صرح بما ~~اقتضاه الحال من أمر هذه الدار، فقال منبها على خساستها معجبا منهم في قوة ~~رغبتهم في إيثار لذاذتها، معلما بأنه قد كشف الحال عن أن ما ركنوا إليه ~~خيال، وما كذبوا به حقيقة ثابتة ليس لها زوال، عكس ما كانوا يقولون: {وما ~~الحياة الدنيا} . # ولما كان السياق للخسارة، وكانت أكثر ما تكون من اللعب - وهو فعل ms1360 ما يزيد ~~سرور النفس على وجه غير مشروع، ويسرع انقضاؤه - # PageV07P092 # قدمه فقال: {إلا لعب ولهو} أي للأشقياء، وللحياة الدنيا شر للذين يلعبون، ~~واللهو ما من شأنه أن يعجب النفس كالغناء والزينة من المال والنساء على وجه ~~لم يؤذن فيه، فيكون سببا للغفلة عما ينفع، فتأخيره إشارة إلى أن الجهلة ~~كلما فتروا في اللعب وهو اشتغال بالأمور السافلة والشواغل الباطلة بعلو ~~النفوس أثاروا الشهوات بالملاهي، والمعنى أنه تحقق من هذه الآيات زوال ~~الدنيا، فتحققت سرعته، لأن كل آت قريب، فحينئذ ما هي إلا ساعة لعب، يندم ~~الإنسان على ما فرط فيها، كما يندم اللاعب - إن كان له عقل - على تفويت ~~الأرباح إذا رأى ما حصل أولو الجد وأرباب العزائم. # ولما كان التقدير بما أرشد إليه المعنى: وما الدار الآخرة إلا جد وحضور ~~وبقاء للأتقياء، أتبعه قوله مؤكدا: {وللدار الآخرة خير} ولما كان الكل ~~مآلهم إلى الآخرة، خصص فقال: {للذين يتقون} أي يوجدون التقوى، وهي الخوف من ~~الله الذي يحمل على فعل الطاعات وترك المعاصي، ليكون ذلك وقاية لهم من غضب ~~الله، فذكر حال الدنيا وحذف نتيجتها لأهلها لدلالة ثمرة الآخرة عليه وحذف ~~ذكر حال الآخرة لدلالة ذكر حال الدنيا عليه، فهو احتباك؛ ولما كان من شأن ~~العقلاء الإقبال على الخير وترك غيره، تسبب عن # PageV07P093 # إقبالهم على الفاني وتركهم الباقي قوله منكرا: {أفلا تعقلون *} . # ولما كرر في هذه السورة أمره بمقاولتهم، وأطال في الحث على مجادلتهم، ~~وختم بما يقتضي سلبهم العقل مع تكرير الإخبار بأن المقضي بخسارته منهم لا ~~يؤمنون لآية من الآيات، وكان من المعلوم أنهم حال إسماعهم ما أمر به لا ~~يسكتون لما عندهم من عظيم النخوة وشماخة الكبر وقوة الجرأة، وأنه لا جواب ~~لهم إلا التبعة والبذاءة كما هو دأب المعاند المغلوب، وأن ذلك يحزنه صلى ~~الله عليه وسلم لما جبل عليه من الحياء والشهامة والصيانة والنزاهة، كان ~~الحال محتاجا إلى التسلية فقال تعالى: {قد نعلم} والمراد بالمضارع وجود ~~العلم من غير نظر إلى زمان، وعدل عن الماضي لئلا ms1361 يظن الاختصاص به، فالمراد ~~تحقق التجدد لتعلق العلم بتجدد الأقوال {إنه ليحزنك} أي يوقع على سبيل ~~التجديد والاستمرار لك الحزن على ما فاتك من حالات الصفاء التي كدرها {الذي ~~يقولون} أي من تكذيبك، فقد علمنا امتثالك لأوامرنا في إسماعهم ما يكرهون من ~~تنزيهنا، وعلمنا ردهم عليك بما لا يرضيك، وعلمنا أنه يبلغ منك، فلا تحزن ~~لأن من علم أن ربه يرضي المطيع له # PageV07P094 # ويجزي عاصيه، وهو عالم بما ينال المطيع في طاعته لا ينبغي أن يحزن بل ~~يسر، وهو كقوله تعالى في سورة يس # {فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} [يس: 76] ولا شك أن ~~الحزن عند وقوع ما يسوء من طبع البشر الذي لا يقدر على الانفكاك عنه، ~~فالنهي عنه إنما هو نهي عما ينشأ عنه من الاسترسال المؤدي إلى الجزع المؤدي ~~إلى عدم الصبر ونسيان ما يعزي، فهو من النهي عن السبب للمبالغة في النهي عن ~~المسبب، وما أنسب ذكر ما يحزن بعد تقرير أن الدنيا لأهلها لعب ولهو وأن ~~الآخرة خير للمتقين، ومن المعلوم أنهما ضدان، فلا تنال إحداهما إلا بضد ما ~~للأخرى، فلا تنال الآخرة إلا بضد ما لأهل الدنيا من اللعب واللهو، وذلك هو ~~الحزن الناشئ عن التقوى الحامل عليها الخوف كما روي في حديث قدسي «أنا عند ~~المنكسرة قلوبهم من أجلي» . # ولما أخبره سبحانه بعلمه بذلك، سبب عنه قوله: {فإنهم} أي فلا يحزنك ذلك ~~فإنهم {لا يكذبونك} بل أنت عندهم الأمين، وليكن علمنا بما تلقى منهم سببا ~~لزوال حزنك، وكذا إخبارنا لك بعدم تكذيبهم لك، بل أنت عندهم في نفس الأمر ~~أمين غير متهم ولكنهم لشدة عنادهم ووقوفهم مع الحظوظ وعجزهم عن جواب يبرد ~~غللهم ويشفي عللهم # PageV07P095 # ينكرون آيات الله مع علمهم بحقيتها، فليخفف حزنك لنفسك ما انتهكوه من ~~حرمة من أرسلك، والآية من الاحتباك: حذف من الجملة الأولى - إظهارا لشرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأدبا معه - سبب الحزن، وهو التكذيب لدلالة ~~الثانية عليه، ومن الثاني النهي عن المسبب لدلالة الأولى ms1362 عليه؛ روى الطبري ~~في تفسيره عن السدي أنه لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة إن ~~محمدا ابن أختكم، وأنتم أحق من كف عنه، فإنه إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم، ~~وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته، قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم، ~~فإن غلب محمد رجعتم سالمين، وإن غلب محمد فإن قومكم لن يصنعوا بكم شيئا، ~~فيومئذ سمي «الأخنس» ، وكان اسمه «أبي» ، فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا ~~الأخنس به فقال: يا أبا الحكم! أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس ~~هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك! والله إن ~~محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن # PageV07P096 # إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر ~~قريش! وعن ناجية قال قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نتهمك ولكن ~~نتهم الذي جئت به، فأنزل الله الآية وعلى ذلك يدل قوله تعالى: {ولكن} ، ~~وقال: {الظالمين} في موضع الضمير تعميما وتعليقا للحكم بالوصف، اي الذين ~~كانوا في مثل الظلام {بآيات} أي بسبب آيات {الله} أي الملك الأكبر الذي له ~~الكمال كله {يجحدون *} قال أبو علي الفارسي في أول كتاب الحجة: أي يجحدون ~~ما عرفوه من صدقك وأمانتك، وعلق باء الجر بالظالمين كما هي في قوله # {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} [الإسراء: 59] ونحوها، وقال ابن ~~القطاع في كتاب الأفعال: جحد الشيء جحدا وجحودا: أنكره وهو عالم به. هذا ~~قصدهم غير أنه لا طريق لهم إلا إنكار الآيات إلا بالتكذيب، أو ما يؤول ~~إليه، وأنت تعلم أن الذي أرسلك على كل شيء قدير، وهو القاهر فوق عباده وهو ~~الحكيم الخبير، فاقتضت قدرته وقهره وانتصاره لأهل ولايته وجبره أن يحل ~~بأعدائهم سطوة تجل عن الوصف، واقتضت حكمته عدم المعاجلة بها تشريفا لك ~~وتكثيرا لأمتك. # ولما سلاه بوعده النصرة المسببة عن علم المرسل القادر، وبأن # PageV07P097 # تكذيبهم إنما هو له سبحانه، وهو مع ذلك يصبر عليهم ويحلم عنهم، ms1363 بل ويحسن ~~إليهم بالرزق والمنافع، زاده أن ذلك سنة في إخوانه من الرسل فقال: {ولقد} ~~ولما كان المنكي هو التكذيب لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: {كذبت رسل} ~~. # ولما كان تكذيبهم لم يستغرق الزمان، وكان الاشتراك في شيء يهونه، وكلما ~~قرب الزمان كان أجدر بذلك أدخل الجار فقال: {من قبلك} بأن جحد قومهم ما ~~يعرفون من صدقهم وأمانتهم كما فعل بك {فصبروا} أي فتسبب عن تكذيب قومهم لهم ~~أنهم صبروا {على ما كذبوا وأوذوا} أي فصبروا أيضا على ما أوذوا، ثم أشار ~~إلى الوعد بالنصر بشرط الصبر فقال: {حتى} أي وامتد صبرهم حتى {آتاهم نصرنا} ~~أي فليكن لك بهم أسوة، وفيهم مسلاة، فاصبر حتى يأتيك النصر كما أتاهم، فقد ~~سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون في قولنا {فإن حزب الله ~~هم الغالبون} [المائدة: 56] {ولا مبدل لكلمات الله} أي لأن له جميع العظمة ~~فلا كفوء له، ودل سبحانه على صعوبة مقام الصبر جدا بالتأكيد فقال: {ولقد ~~جاءك} ودل على عظيم ما تحملوا بقوله: {من نبإى المرسلين *} أي خبرهم العظيم ~~في صبرهم واحتمالهم وطاعتهم وامتثالهم ورفقهم بمن أرسلوا إليهم ونصرنا لهم ~~على من بغى عليهم، ومجيء نبأهم تقدم إجمالا وتفصيلا، أما إجمالا ففي مثل ~~قوله # PageV07P098 # {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} [آل عمران: 146] ، {أفكلما جاءكم ~~رسول بما لا تهوى أنفسكم} [البقرة: 87] وأما تفصيلا ففي ذكر موسى وعيسى ~~وغيرهما؛ وفي قوله {فصبروا} أدل دليل على ما تقدم من أن النهي عن الحزن نهي ~~عن تابعه المؤدي إلى عدم الصبر، والتعبير بمن التبعيضية تهويل لما لقوا، ~~فهو أبلغ في التعزية. # PageV07P099 # ولما سلاه بما هو في غاية الكفاية في التسلية، أخبره بأنه لا حيلة له غير ~~الصبر، فقال عاطفا على ما تقديره: فتسل واصبر كما صبروا، وليصغر عندك ما ~~تلاقي منهم في جنب الله: {وإن كان كبر} أي عظم جدا {عليك إعراضهم} أي عما ~~يأتيهم به من الآيات الذي قدمنا الإخبار عنه بقولنا {وما تأتيهم من آية من ~~آيات ربهم إلا كانوا ms1364 عنها معرضين} [الأنعام: 4] وأردت أن تنتقل - في ~~إخبارنا لك بأنه لا ينفعهم الآيات المقترحات - من علم اليقين إلى عين ~~اليقين {فإن استطعت أن تبتغي} أي تطلب بجهدك وغاية طاقتك {نفقا} أي منفذا ~~{في الأرض} تنفذ فيه إلى ما عساك تقدر على الانتهاء إليه {أو سلما في ~~السماء} أي جهة العلو لترتقي فيه إلى ما تقدر عليه {فتأتيهم بآية} أي ما ~~اقترحوا عليك فافعل لتشاهد أنهم لا يزدادون عند إتيانك بها إلا إعراضا كما ~~أخبرناك، # PageV07P099 # لأن الله قد شاء ضلال بعضهم، والمراد بهذا بيان شدة حرصه صلى الله عليه ~~وسلم على هدايتهم بأنه لو قدر على أن يتكلف النزول إلى تحت الأرض أو فوق ~~السماء فيأتيهم بما يؤمنون به لفعل. # ولما كان هذا السياق ربما أوهم شيئا في القدرة، نفاه إرشادا إلى تقدير ما ~~قدرته فقال: {ولو شاء الله} أي الذي له العظمة الباهرة والقدرة الكاملة ~~القاهرة {لجمعهم على الهدى} أي لأن قدرته شاملة، وإيمانهم في حد ذاته ممكن، ~~ولكنه قد شاء افتراقهم بإضلال بعضهم؛ ولما كان صلى الله عليه وسلم - بعد ~~إعلام الله له بما أعلم من حكمه بأن الآيات لا تنفع من حتم بكفره - حريصا ~~على إجابتهم إلى ما يقترحونه رجاء جمعهم على الهدى لما طبع عليه من مزيد ~~الشفقة على الغريب فضلا عن القريب، مع ما أوصاه الله به ليلة الإسراء من ~~غير واسطة - كما أفاده الحرالي - من إدامة الشفقة على عباده والرحمة لهم ~~والإحسان إليهم واللين لهم وإدخال السرور عليهم، فتظافر على ذلك الطبع ~~والإيصاء حتى كان لا يكف عنه إلا لأمر جازم أو نهي مؤكد صارم، سبب عن ذلك ~~قوله: {فلا تكونن} فأكد الكلام سبحانه ليعلم صلى الله عليه وسلم أنه قد حتم ~~بافتراقهم، فيسكن إلى ذلك # PageV07P100 # ويخالف ما جبل عليه من شدة الشفقة عليهم {من الجاهلين *} أي إنك أعلم ~~الناس مطلقا ولك الفراسة التامة والبصر النافذ والفكرة الصافية بمن لم ~~تعاشره، فكيف بمن بلوتهم ناشئا وكهلا ويافعا! فلا تعمل بحجة ما أوصاك الله ~~به من ms1365 الصبر والصفح، وجبلك عليه من الأناة والحلم في ابتغاء إيمانهم بخلاف ~~ما يعلم من خسرانهم، فلا تطمع نفسك فيما لا مطمع فيه، فإن ما شاءه لا يكون ~~غيره، فهذه الآية وأمثالها - مما في ظاهره غلظة - من الدلالة على عظيم ~~رتبته صلى الله عليه وسلم ومن لطيف أمداح القرآن له - كما يبين إن شاء الله ~~تعالى في سورة التوبة عند قوله تعالى # {عفا الله عنك} [التوبة: 43] . # ولما أفهم هذا القضاء الحتم أنه قد صار حالهم حال من حتم بالموت، فلا ~~يمكن إسماعه إلا الله، ولا يمكن أن يستجيب عادة، قال: {إنما يستجيب} أي في ~~مجاري عاداتكم {الذين يسمعون} أي فيهم قابلية السمع لأنهم أحياء فيتدبرون ~~حينئذ ما يلقى إليهم فينتفعون به، وهؤلاء قد ساووا الموتى في عدم قابلية ~~السماع للختم على مشاعرهم {والموتى} أي كلهم حسا ومعنى {يبعثهم الله} أي # PageV07P101 # الملك المحيط علما وقدرة، فهو قادر على بعثهم بإفاضة الإيمان على الكافر ~~وإعادة الروح إلى الهالك فيسمعون حينئذ، فالآية من الاحتباك: حذف من الأول ~~الحياة لدلالة {الموتى} عليها، ومن الثاني السماع لدلالة {يسمعون} عليه. # ولما قرر أن من لا يؤمن كالميت، حثا على الإيمان وترغيبا فيه، وقدر قدرته ~~على البعث، خوف من سطواته بقوله: {ثم إليه} أي وحده {يرجعون *} أي معنى في ~~الدنيا فإنه قادر على كل ما يشاء منهم، لا يخرج شيء من أحوالهم عن مراده ~~أصلا وحسا بعد الموت، فيساقون قهرا إلى موقف يفصل فيه بين كل مظلوم وظالمه. # ولما سلاه صلى الله عليه وسلم فيما أخبرته من أقوالهم بما شرح صدره وسر ~~خاطره، وأعلمه تخفيفا عليه أن أمرهم إنما هو بيده، ذكره بعض كلامهم الآئل ~~إلى التكذيب عقب إخباره بالحشر الذي يجازي فيه كلا بما يفعل، فقال عطفا على ~~قوله {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا} [الأنعام: 29] وقوله {وقالوا لولا ~~أنزل عليه الملك} [الأنعام: 8] يعجب منه تعجيبا آخر: {وقالوا} أي مغالطة أو ~~عنادا أو مكابرة {لولا} أي هلا {نزل} # PageV07P102 # أي بالتدريج {عليه} أي خاصة {آية} أي واحدة تكون ms1366 ثابتة بالتدريج لا ~~تنقطع، وهذا منهم إشارة إلى أنهم لا يعدون القرآن آية ولا شيئا مما رأوه ~~منه صلى الله عليه وسلم من غير ذلك نحو انشقاق القمر {من ربه} أي المحسن ~~إليه على حس ما يدعيه لنستدل بها على ما يقول من التوحيد والبعث. # ولما كان في هذا - كما تقدم - إشارة منهم إلى أنه لم يأت بآية على هذه ~~الصفة إما مكابرة وإما مغالطة، أمره بالجواب بقوله: {قل إن الله} أي الذي ~~له جميع الأمر {قادر على أن} وأشار بتشديد الفعل إلى آية القرآن المتكررة ~~عليهم كل حين تدعوهم إلى المبارزة وتتحداهم بالمبالغة والمعاجزة فقال: ~~{ينزل} وقراءة ابن كثير بالتخفيف مشيرة إلى أنهم بلغوا في الوقاحة الغاية، ~~وأنهم لو قالوا: لولا أنزل، أي مرة واحدة، لكان أخف في الوقاحة، أو إلى أنه ~~أنزل عليهم أي آية، كانت تلجئهم وتضطرهم إليه في آن واحد كما قال تعالى # {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} [الشعراء: 4] ~~ولكنه لا يسأل ذلك إلا بالتدريج كما يشير إليه صيغة التفعيل في قراءة غيره ~~المذكرة # PageV07P103 # بأن آية القرآن لا تنقضي، بل كلما سمعها أحد منهم أو من غيرهم طول الدهر ~~كانت منزلة عليه لكونها واصلة إليه، فهو أبلغ من مطلوبهم آية ينزل عليه ~~وحده، والحاصل أنهم طلبوا آية باقية محضة، فلوح لهم إلى آية هي - مع كونها ~~خاصة به فيما حصل له من الشرف - عامة لكل من بلغته، باقية طول المدى {آية} ~~أي مما اقترحوه ومن غيره، لا يعجزه شيء، وفي كل شيء له من الآيات ما يعجز ~~الوصف، وكفى بالقرآن العظيم مثالا لذلك {ولكن أكثرهم لا يعلمون *} أي ليس ~~فيهم قابلية العلم، فهم لا يتفكرون في شيء من ذلك الذي يحدثه من مصنوعاته ~~ليدلهم على أنه على كل شيء قدير، فلا فائدة لهم في إنزال ما طلبوه، وأما ~~غير الأكثر فهو سبحانه يردهم بآية القرآن أو غيرها مما لم يقترحوه. # PageV07P104 # ولما عجب منهم في قولهم هذا الذي يقتضي أنهم لم ms1367 يروا له آية قط بعد ما ~~جاءهم من الآيات الخاصة به ما ملأ الأقطار، ورد إلى الصم الأسماع، وأنار من ~~العمى الأبصار؛ ذكرهم بآية غير آية القرآن تشتمل على آيات مستكثرة كافية ~~لصلاحهم، رتبها سبحانه # PageV07P104 # قبل سؤالهم تفضلا منه عليهم دالة على باهر قدرته على البعث وغيره من ~~الآيات التي طلبوها وغيرها وعلى تفرده بجميع الأمر، إذا تأملوها حق تأملها ~~كفتهم في جميع ما يراد منهم فقال تعالى: {وما} أي قالوا ذلك والحال أنه ما، ~~وهي ناظرة أتم نظر إلى قوله {هو الذي خلقكم من طين} [الأنعام: 2] أي فعل ~~ذلك بكم وما {من دابة في الأرض} أي تدب أي تنتقل برجل وغير رجل {ولا طائر ~~يطير} وقرر الحقيقة بقوله: {بجناحيه} وشمل ذلك جميع الحيوان حتى ما في ~~البحر، لأن سيرها في الماء إما أن يكون دبيبا أو طيرانا مجازا. # ولما كان المراد بالدابة والطائر الاستغراق قال: {إلا أمم} أي يقصد منها ~~في نفسه، ويقصد هو نوعه وينضم إلى شكله {أمثالكم} أي في ذلك وفي أنا ~~خلقناكم ولم يكونوا شيئا وحفظنا جميع أحوالهم، وقدرنا كل أرزاقهم وآجالهم، ~~وجعلنا لكم فيهم أحكاما جددناها لكم، وجعلنا لكل منهم أجلا للموت لا يتعداه ~~بعد أن فاوتنا بينهم في الحياة، وللكل أجل في علمنا في البرزخ مثبت قبل أن ~~نخلقهم، لا ينقص ذرة ولا يزيد خردلة، وجعلنا في هذه الحيوانات ما هو أقوى ~~منكم وما هو أضعف، وجعلناكم أقوى من الجميع بالعقل، ولو شئنا لجعلنا له بين ~~قوة البدن والعقل، وربما سلطنا الأضعف عليكم كالجراد والفأر والدود بما ~~تعجز عنه عقولكم، ولو شئنا لسلطنا عليكم من أضعفها خلقا - البعوض - # PageV07P105 # ما أخذ بأنفاسكم ومنعكم القرار وأخرجكم عن حركات الاختيار إلى أن أهلككم ~~جميعا هلاك نفس واحدة - إلى غير ذلك من أمور تكل عنها العقول وتقف دونها ~~نوافذ الفكر، وهذا كله معنى قوله: {ما فرطنا} أي تركنا وأغفلنا لما لنا من ~~القدرة الكاملة والعلم الشامل {في الكتاب} أي اللوح المحفوظ والقرآن، وأعرق ~~في النفي بقوله: {من شيء} ms1368 أي ليذهب ذكره كما يذهب العقد الذي ينقطع سلكه ~~فيتفرط، بل ذكرنا جميع أحوال خلقنا من الجن والإنس والملائكة وغيرهم من كل ~~ناطق وصامت، فصارت في غاية الضبط حتى أن الحفظة يعرضون ما يحدث من عمل ~~المكلفين وغيره آخر النهار على ما كان مثبتا في أم الكتاب فيجدونه كما هو، ~~لا يزيد شيئا ولا ينقص، فيزدادون إيمانا، وأثبتنا في هذا القرآن مجامع ~~الأمور، فهو تبيان لكل شيء من الأحكام الأصلية والفرعية والدلالات على كل ~~ذلك وأخبار الأولين والآخرين وكل علم يمكن أن يحتاجه المخلوق، فمن أراد ~~الهداية هداه بدقيق أسراره، ومن أعرض أوقعه في الردى، وعمي حتى عن واضح ~~أنواره، والآية كما قال تعالى {إن في خلق السماوات والأرض} إلى أن قال: # {وبث فيها من كل دابة - لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164] . # PageV07P106 # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # أفلا يكون لكم في ذلك آيات تغنيكم عن إرسال الرسل فضلا عن أن تتوقفوا بعد ~~إرسالهم ولا ترضوا منهم من خوارق العادات إلا بما تقترحونه. # ولما أشار إلى ما شارك فيه سائر الحيوان للآدميين من أحوال الحياة ~~وغيرها، نص على الحشر الذي هو محط الحكمة فقال: {ثم} أي بعد طول الحياة ~~والإقامة في البرزخ {إلى ربهم} أي خاصة، وبني للمفعول على طريق كلام ~~القادرين قوله: {يحشرون *} أي يجمعون كرها بعد أن يعيدهم كلهم كما بدأهم، ~~وينصف كل مظلوم منهم من ظالمه، كل ذلك عليه هين {ما خلقكم ولا بعثكم إلا ~~كنفس واحدة} [لقمان: 28] والكل محفوظون في كتاب مبين على اختلاف أنواعهم ~~وتباين حقائقهم وأشخاصهم وزيادتهم في الجد على أن يوجه نحوهم العد - سبحان ~~من أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، إن ذلك على الله يسير، وهو على ~~كل شيء قدير. # ولما كان التقدير بعد التذكير بهذه الآية التي تنوعت فيها الآيات # PageV07P107 # وتكررت وتكثرت فيها الدلالات: فالذين آمنوا أحياء سامعون لأقوالنا، ~~ناطقون بمحامدنا راؤون لأفعالنا، عطف عليه قوله: {والذين كذبوا} أي أوقعوا ~~التكذيب {بآياتنا} أي على ما لها من ms1369 العظمة المقتضية لإضافتها إلينا، مرئية ~~كانت أو مسموعة، تكذيبا متكررا على عدد الآيات بالفعل أو بالقوة ولو ~~بالإعراض عنها {صم} أي أموات فهم لا يسمعون {وبكم} لا ينطقون {في الظلمات} ~~أي عمي لا يبصرون، فلذلك لا يزالون خابطين خبط العشواء ساعين غاية السعي ~~إلى الردى، لأن ذلك شأن من في الظلمة، فكيف بمن هو في جميع الظلمات! ولعله ~~جمعها إشارة إلى أن المكذب لا ينتفع ببصر ولا ببصيرة، وذلك أنهم لما لم ~~ينتفعوا بحياتهم ولا بأسماعهم ولا نطقهم ولا أبصارهم ولا عقولهم كان كل ذلك ~~منهم عدما. # ولما بين أن الأصم الأبكم الأعمى لا يتمكن هدايته، بين أن ذلك إنما هو ~~بالنسبة لغيره سبحانه فطما عن طلب إجابتهم إلى ما يقترحون من الآيات وأما ~~هو سبحانه ففعال لما يريد، فقال في جواب من كأنه قال: إنما تمكن هدايتهم: ~~{من يشإ الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه إضلاله {يضلله ومن ~~يشأ} هدايته # PageV07P108 # {يجعله} وأشار إلى تمكينه بأداة الاستعلاء فقال: {على صراط مستقيم *} بأن ~~يخلق الهداية في قلبه - ومن يهد الله فما له من مضل ومن يضلل الله فما له ~~من هاد، مع أن الكل عباده وخلقه، متقلبون في نعمه، غادون رائحون في بره ~~وكرمه - إن في ذلك على وحدانيته وتمام قدرته لآيات بينات لقوم يعقلون. # ولما كانت هذه الآية - بما فيها من التصريح بالتكذيب - شديدة الاعتناق ~~لقوله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} [الأنعام: 21و 39] وقوله {كذبوا ~~بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباؤا} [الأنعام: 5] الآيتين رجع بالذي بعدها ~~إلى فذلكة التفاصيل الماضية وواسطة عقدها وفريدة درها، وهو التوحيد الذي ~~أبانته الأدلة قبل الآيتين، فقال دالا على اعتقادهم القدرة التي استلزم ~~نعتهم بطلب الآية نفيها، واعتقادهم للتوحيد في الجملة وهم يكذبون به، بيانا ~~لأنهم في الظلمات مقهورون بيد المشيئة لعدم تحاشيهم من التناقض معجبا منهم: ~~{قل أرءيتكم} أي أخبروني يا من كذب بالآيات والقدرة عنادا وشهد أن مع الله ~~آلهة أخرى، وعدل بالله الذي يعلم السر والجهر، ms1370 وهو مع من يدعوه في كل سماء ~~وكل أرض بعنايته ونصره. # ولما كانت حقيقة {أرءيتكم} : هل رأيتم أنفسكم، وكان هذا # PageV07P109 # لكونه سؤالا عن معلوم لا يجهله أحد - مشيرا إلى أن السؤال عن غيره مما قد ~~يخفى من أحوال النفس، كان كأنه قيل: عن أي أحوال نفوسنا نسأل؟ فقيل تنبيها ~~لهم على حالة تلزمهم بالتوحيد أو العناد الذي يصير في العلم به كالسؤال عن ~~رؤية النفس سواء: {إن أتاكم} أي قبل مجيء الساعة كما آتى من قبلكم {عذاب ~~الله} أي المستجمع لمجامع العظمة، فلا يقدر أحد على كشف ما يأتي به {أو ~~أتتكم الساعة} أي القيامة بما فيها من الأهوال. # ولما عجب منهم بما مضى - كما مضى، قال مجيبا للشرط موبخا لهم منكرا عليهم ~~عدم استمرارهم على دعائه ولزوم سؤاله وندائه، ويجوز أن يكون جواب الشرط ~~محذوفا تقديره: من تدعون؟ ثم زادهم توبيخا وتبكيتا بقوله: {أغير الله} أي ~~الملك الذي له العظمة كلها {تدعون} أي لشدة من تلك الشدائد، ولا تدعون الله ~~مع ذلك الغير {إن كنتم صادقين *} أي في أن غير الله يغني شيئا حى يستحق ~~الإلهية، وجواب الشرط محذوف تقديره: فادعوا ذلك الغير، وهذه حجة لا يسعهم ~~معها غير التسليم، فإن عادتهم كانت مستمرة أنهم إذا اشتد الأمر وضاق الخناق ~~لا يدعون غير الله ولا يوجهون الهمم إلا إليه، فإن سلكوا سبيل الصدق الذي ~~له ينتحلون وبه يتفاخرون فقالوا: لا ندعو غيره، فقد لزمتهم الحجة في أنه لا ~~يعدل به شيء ولا شريك له، # PageV07P110 # وإن عاندوا نطق لسان الحال أنهم على محض الضلال، وإن سكتوا أثبت عليك ~~الخطاب، وهي مع ذلك - كما ترى - دليل على ما أخبرت به الآية قبلها من أن ~~الأمر كله لله، أي إنكم كلكم مشتركون في وضوح الأمر في أنه لا منصرف إلا ~~إليه وقد افترقتم فصدق بعض وكذب آخرون، فلو أن الأمر موقوف على وضوح ~~الدلالة فقط كان الكل على نهج واحد، هذا ونقل أبو حيان عن الفراء أنه قال: ~~للعرب في أرأيت لغتان ms1371 ومعنيان: أحدهما أن تسأل الرجل: أرأيت زيدا، أي ~~بعينك، فهذه مهموزة، وثانيهما أن تقول: أرأيت، وأنت تريد: أخبرني، فهاهنا ~~تترك الهمزة إن شئت، وهو أكثر كلام العرب، وتومئ إلى ترك الهمزة للفرق بين ~~المعنيين؛ ثم قال أبو حيان: وكون أرأيت وأرأيتك بمعنى أخبرني نص عليه ~~سيبويه وغيره من أئمة العرب، وهو تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأن أخبرني ~~يتعدى بعن، وأرأيت متعد لمفعول به صريح وإلى جملة استفهامية هي في موضع ~~المفعول الثاني؛ وقال # PageV07P111 # في سورة يونس عليه السلام: تقدم في سورة الأنعام أن العرب تضمن أرأيت ~~معنى أخبرني وأنها تتعدى إذ ذاك إلى مفعولين، وأن المفعول الثاني أكثر ما ~~يكون جملة استفهام، ينعقد منها ومما قبلها مبتدأ وخبر، يقول العرب: أرأيت ~~زيدا ما صنع؟ المعنى: أخبرني عن زيد ما صنع! وقبل دخول أرأيت كان الكلام: ~~زيد ما صنع - انتهى. # قلت: وحقيقة المعنى كما مر: هل رأيت زيدا؟ فلما استفهم عن رؤيته - ~~والمراد الخبر لا البصر - علم أن السؤال عن بعض أحواله، فكأنه قيل: ما له؟ ~~فقيل: ما صنع؟ . # ولما كان استفهام الإنكار بمعنى النفي، كان كأنه قيل: لا تدعون غيره، ~~فعطف عليه قوله: {بل إياه} أي خاصة {تدعون} أي حينئذ؛ ولما كان يتسبب عن ~~دعائهم تارة الإجابة وأخرى غيرها قال: {فيكشف} أي الله في الدنيا أو في ~~الآخرة، فإنه لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء {ما تدعون إليه} أي إلى ~~كشفه {إن شاء} أي ذلك تفضلا عليكم كما هي عادته معكم في وقت شدائدكم، ولكنه ~~لا يشاء كشفه في الآخرة، لأنه لا يبدل القول لديه وإن كان له أن يفعل ما ~~يشاء، ولو كان يجيبكم دائما وأنتم لا تدعون غيره، لكان ذلك كافيا في ~~الدلالة على اعتقادكم أنه لا قادر إلا هو، فكيف وهو يجيبكم في الدنيا # PageV07P112 # إذا دعوتموه تارة ويجيبكم أخرى، ومع ذلك فلا يردكم عدم إجابته عن اعتقاد ~~قدرته ودوام الإقبال عليه في مثل تلك الحال لما ركز في العقول السليمة ~~والفطر الأولى من أنه ms1372 الفاعل المختار، وعلى ذلك دل قوله عطفا على «تدعون» : ~~{وتنسون} أي تتركون في تلك الأوقات دائما {ما تشركون *} أي من معبوداتكم ~~الباطلة لعلمكم أنها لا تغني شيئا، كما هي عادتكم دائما في أوقات الشدائد ~~رجوعا إلى حال الاستقامة. أفلا يكون لكم هذا زاجرا عن الشرك في وقت الرخاء ~~خوفا من إعادة الضراء! . # PageV07P113 # ولما أقام لهم بهذه الآية على توحيده الدليل حتى استنارت السبل في ~~تذكيرهم أن التضرع قد يكشف به البلاء، أخبرهم أن تركه يوجب الشقاء، ترغيبا ~~في إدامته وترهيبا من مجانبته فقال: {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة ~~{إلى أمم} أي أناس يؤم بعضهم بعضا، وهم أهل لأن يقصدهم الناس، لما لهم من ~~الكثرة والعظمة. # ولما كان المراد بعض الأمم، وهم الذين أراد الله إشهادهم وقص أخبارهم، ~~أدخل الجار فقال: {من قبلك} أي رسلا فخالفوهم، وحسن هذا الحذف كونه مفهوما ~~{فأخذناهم} أي فكان إرسالنا إليهم سببا # PageV07P113 # لأن أخذناهم بعظمتنا، ليرجعوا عما زين لهم الشيطان إلى ما تدعوهم إليه ~~الرسل {بالبأساء} من تسليط القتل عليهم {والضراء} بتسليط الفقر والأوجاع ~~{لعلهم يتضرعون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى خضوعه وتذلله على وجه بليغ، ~~بما يرشد إليه - مع صيغة التفعيل - الإظهار، ولأن مقصودها الاستدلال على ~~التوحيد، وعند الكشف للأصول ينبغي الإبلاغ في العبادة، بخلاف ما يأتي في ~~الأعراف. # ولما لم يقع منهم ما أوجبت الحال رجاءه، تسبب عنه الإنكار عليهم، فقال ~~معبرا بأداة التخصيص ليفيد مع النفي أنهم ما كان لهم عذر في ترك التضرع: ~~{فلولا} أي فهلا {إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} ولما كان معنى الإنكار أنهم ما ~~تضرعوا قال: {ولكن قست قلوبهم} أي فلم يذكروا ربهم أصلا {وزين لهم الشيطان} ~~أي بما دخل عليهم به من باب الشهوات {ما كانوا يعملون *} من العظائم ~~والمناكر التي أوجبها النكس بالرد أسفل سافلين {فلما نسوا ما ذكروا به} أي ~~فتسبب - عن تركهم التذكير والأخذ بفائدته التي هي التخشع والتسكن، كما هو ~~اللائق بهم لا سيما في تلك الحالة - أنا {فتحنا} أي بما يليق ms1373 بعظمتنا ~~{عليهم أبواب كل شيء} أي من الخيرات والأرزاق والملاد التي كانت مغلقة عنهم ~~ونقلناهم من # PageV07P114 # الشدة إلى الرخاء، وذلك استدراجا لهم، ومددنا زمانه وطولنا أيامه {حتى ~~إذا فرحوا} أي تناهى بهم الفرح {بما أوتوا} أي معرضين عمن آتاهم هذا الرخاء ~~بعد أن كان ابتلاهم بذلك، فعلم أنهم في غاية من الغباوة، لا يرتدعون ~~بالتأديب بسياط البلاء، ولا ينتفعون ببساط المنة والرخاء، بل ظنوا أن ~~البلاء عادة الزمان، والرخاء باستحقاقهم الامتنان، فعلم أن قلوبهم لا يرجى ~~لها انتباه بحار ولا بارد ولا رطب ولا يابس {أخذناهم} بعظمتنا، وإنما ~~أخذناهم في حال الرخاء ليكون أشد لتحسرهم {بغتة} فلم نمكنهم من التضرع عند ~~خفوق الأمر، ولا أمهلناهم أصلا بل نزل عليهم من أثقال العذاب، وأباح بهم من ~~أحمال الشدائد وصروف البلايا ما أذهلهم وشغلهم عن كل شيء حتى بهتوا {فإذا ~~هم مبلسون *} أي تسبب عن ذلك البغت أن فاجؤوا السكوت على ما في أنفسهم ~~واليأس تحسرا وتحيرا، واستمروا بعد أن سكتوا إلى أن همدوا وخفتوا، ففي نفي ~~التضرع عن المتقدمين بعد أن أثبته لمشركي هذه الأمة استعطاف لطيف، وفي ذكر ~~استدراج أولئك بالنعم عند نسيان ما ذكروا به إلى ما أخذهم بغتة من قواصم ~~النقم غاية التحذير. # PageV07P115 # ولما كان من عادة الغالب من أهل الدنيا أن يفوته آخر الجيوش وشذابهم لملل ~~أصحابه من الطلب وضجرهم من النصب والتعب وقصورهم عن الإحاطة بجميع الأرب، ~~أخبر تعالى أن أخذه على غير ذلك، وأن نيله للآخر كنيله للأول على حد سواء، ~~فقال مسببا عن الأخذ الموصوف مشيرا بالبناء للمفعول إلى تمام القدرة، ~~وبالدابر إلى الاستئصال: {فقطع دابر} أي آخر {القوم الذين ظلموا} أي بوضع ~~الشيء في غير موضعه دأب الماشي في الظلام، وضعوا لقسوة موضع الرقة التي ~~تدعو إليها الشدة، ووضعوا الفرح بالنعمة موضع الخشية من الرد إلى الشدة، ~~كما ظلمتم أنتم بدعاء الأصنام وقت الرخاء وكان ذلك موضع دعاء من أفاض تلك ~~النعم، ودعوتم الله وقت الشدة وكان ذلك موضع دعاء من عبدتموه وقت ms1374 الرخاء، ~~لئلا تقعوا فيما جرت عادتكم بالذم به. # وإن تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب # ولما كان استئصالهم من أجل النعم على من عادوهم فيه من الرسل عليهم ~~السلام وأتباعهم رضي الله عنهم، نبه على ذلك بالجملة مع ما يشير # PageV07P116 # إليه من ظهور الاستغناء المطلق فقال: {والحمد} أي قطع أمرهم كله والحال ~~أن الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} المتفرد بنعوت الجلال والجمال {رب العالمين ~~*} الموجد لهم أجمعين، أي له ذلك كله بعد فناء الخلق على أي صفة كانوا من ~~إيمان أو كفر، كما كان له ذلك قبل وجودهم وعند خلقهم على كل من حالتيهم - ~~كما أشير إليه بأول السورة، فكأنه قيل: الكمال لله الذي خلق السماوات ~~والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، فقطع دابرهم، ~~والكمال له لم يتغير، لأنه لا يزيده وجود موجود، ولا ينقصه فقد مفقود، فهو ~~محمود حال الإعدام والمحق كما كان محمودا حال الإيجاد والخلق، فلا تذهب ~~نفسك عليهم حسرات، فإنه لا يخرج شيء عن إيمانهم ولا كفرانهم عن إرادته ~~سبحانه، فلا عليك منهم اقترحوا الآيات أولا، فإنه ليس عليك إلا البلاغ. # PageV07P117 # ولما قدم التنبيه بإتيان مطلق العذاب في مطلق الأحوال، وكان الإتيان ~~بالكاف ثم مشيرا مع إفادة التأكيد إلى أن ثم نوع مهلة، وأتبعه أن أخذ الأمم ~~كان بغتة، أعقبه التنبيه بعذاب خاص تصور شناعته يهذأ الأركان ويقطع الكبود ~~ويملأ الجنان، فإنه لا أشنع حالا من أصم أعمى مجنون، فقال مشيرا - بإسقاط ~~كاف الخطاب مع التعبير بالأخذ الذي عهد أنه للبغث بالسطوة والقهر - إلى ~~غاية التحذير من سرعة أي # PageV07P117 # الأخذ: {قل أرءيتم} فكانت حقيقة المقترن بالكاف: هل رأيتم أنفسكم، وهذا ~~هل رأيتم مطلق رؤية، لما تقدمت الإشارة إليه من الإيماء إلى طلب الإسراع ~~بالجواب خوف المفاجأة بالعذاب وإن كان المراد في الموضعين: أخبروني {إن أخذ ~~الله} أي القادر على كل شيء العالم بكل شيء {سمعكم} وأفرده لقلة المفاوتة ~~فيه، لأنه أعظم الطرق لإدراك القلب الذي لا أعظم من المفاوتة فيه حتى ms1375 ~~للإنسان الواحد بالنسبة إلى الأحوال المختلفة، ليكون ذلك أدل على الفعل ~~بالاختيار {وأبصاركم} أي فأصمكم وأعماكم عمى وصمما ظاهرين وباطنين بسلب ~~المنفعة {وختم على قلوبكم} فجعلها لا تعي أصلا أو لا ينتفع بالوعي {من إله} ~~أي معبود بحق، لأن له إحاطة العلم والقدرة؛ ثم وصف هذا الخبر بقوله: {غير ~~الله} أي الذي له جميع العظمة {يأتيكم به} أي بذلك الذي هو أشرف معاني أشرف ~~أعضائكم، أو بشيء منه. # ولما بلغت هذه الآيات - من الإبلاغ في البيان في وحدانيته وبطلان كل ~~معبود سواه - أعلى المقامات، نبه على أنه على ذلك، بالأمر بالنظر فيها وفي ~~حالهم بعدها، دالا على ما تقدم من أن المقترحات لا تنفع من أراد سبحانه ~~شقاوته فقال: {انظر كيف نصرف} أي بما لنا من العظمة {الآيات} أي نوحيها لهم ~~ولغيرهم في كل وجه # PageV07P118 # من وجوه البيان بالغ من الإحسان ما يأخذ بالعقول ويدهش الألباب، ويكون ~~كافيا في الإيصال إلى المطلوب؛ ولما كان الإعراض عن مثل هذا في غاية البعد ~~عبر بأداة التراخي فقال: {ثم هم} أي بعد هذا البيان بصميم ضمائرهم {يصدفون ~~*} أي يعرضون إعراضا لازما لهم لزوم الصفة. # ولما قرن الأخذ بالبغت تارة صريحا وتارة بإسقاط الكاف؛ كان ربما وقع في ~~وهم السؤال عن حالة الجهر، أتبع ذلك ذكره مفصلا لما أجمل من الأحوال في ~~الآيتين قبل فقال: {قل أرءيتكم} ولما كان المعنى: أخبروني، وكان كأنه قيل: ~~عما ذا؟ قيل: {إن أتاكم عذاب الله} أي الذي له جميع صفات الكمال فلا يعجزه ~~شيء {بغتة} أي بحيث لا يرى إلا ملتبسا بكم من غير أن يشعر به ويظهر شيء من ~~أماراته، {أو جهرة} أي بحيث ترونه مقبلا إليكم مقدما عليكم {هل} . # ولما كان المخوف بالذات هو الهلاك من غير نظر إلى تعيين الفاعل، بني ~~للمفعول قوله: {يهلك} أي في واحدة من الحالتين هلاكا هو الهلاك، وهو هلاك ~~السخط {إلا القوم} أي الذين لهم قوة المدافعة وشدة المقاتلة في زعمكم ~~والمقاومة {الظالمون *} أي بوضع الأشياء في غير مواضعها من ms1376 إعطاء الشيء لمن ~~لا يستحقه ومنع المستحق ما له، وأما المصلح فإنه ناج إما في الدارين وإما ~~في الآخرة التي من فاز فيها فلا توى # PageV07P119 # عليه؛ وذكر أبو حيان أنه لما كان مطلق العذاب صالحا لكل ما يعلم من ~~تفاصيل أهواله وما لا يعلم، كان التوعد به أهول، فلذلك أكد فيه في الآيتين ~~الخطاب بالضمير بحرف الخطاب، والتوعد بأخذ السمع وما معه من جملة الأنواع ~~التي اشتمل عليها ذلك المطلق فأعري من حرف الخطاب. # ولما كان ذلك كله في مناضلة من كذب الرسل، وأعرض عما أرسلهم به ربهم من ~~الآيات التي ما منها إلا ما آمن على مثله البشر، وطلبه منهم ما لا يقدر ~~عليه إلا مرسلهم من الإتيان بغير ما أتوا به من الآيات؛ بين لهم حقيقة ~~الرسالة إشارة إلى ظلمهم في طلبهم من الرسل ما لا يطلب إلا من الإله، فقال ~~عاطفا على {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} [الأنعام: 42] {وما نرسل} أي بما ~~لنا من العظمة {المرسلين} أي نوجد هذا الأمر في هذا الزمان وكل زمان من ~~الماضي وغيره {إلا مبشرين} لمن أطاع {ومنذرين} لمن عصى، عريقين في كل من ~~الوصفين، لا مجيبين إلى ما يقترح الأمم، ولا معذبين لمن يعاندهم؛ ثم سبب عن ~~ذلك غاية الرسالة من النفع والضر فقال: {فمن آمن وأصلح} أي تصديقا لإيمانه ~~{فلا خوف عليهم} أي في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الآخرة فواضح، وأما في ~~الدنيا # PageV07P120 # الفانية فلأن خوفهم فيها يزيد أمنهم في الآخرة الباقية، فهو إلى فناء ثم ~~إلى سرور دائم، فهو عدم {ولا هم يحزنون*} أي حزنا يضر بحياتهم الأبدية. # ولما بين حال المصلحين، أتبعه حال المفسدين فقال: {والذين كذبوا بآياتنا} ~~أي على ما لها بنسبتها إلينا من العظمة {يمسهم العذاب} أي الدائم المتجدد، ~~وكني عن قربه بأن جعل له قوة المس، كأنه حي مريد فقال: {بما كانوا} أي جبلة ~~وطبعا {يفسقون *} أي يديمون الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه من الإيمان وما ~~يقتضيه، وأما الفسق العارض فإن صاحبه ms1377 يصدر التوبة منه فيعفى عنه. # ولما بين وظيفة الرسل، وقسم المرسل إليهم، أمره بنفي ما يتسبب عنه قولهم ~~من أن البشر لا يكون رسولا، واقتراحهم عليه الآيات من ظن قدرته على ما ~~يريد، أو أن كل ما يقدر عليه يبديه لهم، أو إلزامه بذلك، منها لهم على وجه ~~ظلمهم بغلظهم أو عنادهم فقال: {قل} أي في جواب قولهم # {لولا أنزل عليه آية} [يونس: 20] ونحوه. # ولما لم يكن لهم عهد بأن بشرا يكون عنده الخزائن، يتصرف فيها بما يريد، ~~وكان يأتيهم من الآيات من انشقاق القمر # PageV07P121 # ومشي الشجر وكلام الضب والحجر ونبع الماء والحراسة بشواظ النار وفحل ~~الجمال ونحو ذلك مما هو معلوم في دلائل النبوة بما ربما أوقع في ظنهم أن ~~لازمه دعواه لأنه يملك الخزائن، فكانوا يقترحون عليه الآيات الدالة إلزاما ~~له بذلك لقصد التكذيب. نفى ما ظنوا أنه يلزمه دعواه فقال: {لا أقول لكم} أي ~~الآن ولا فيما يستقبل من الزمان، ولما كان تعالى قد أعطاه مفاتيح خزائن ~~الأرض، فأباها تواضعا لله سبحانه، قيد بقوله «لكم» إفهاما لما يخبر به ~~المؤمنين من ذلك ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، وأما الكفرة فإن إخبارهم بذلك ~~مما يغريهم على الاقتراحات استهزاء فلا فائدة له {عندي خزائن الله} أي ~~الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق والعزة البالغة، فلا كفوء له أي فآتيكم ~~ما تقترحون من الآيات وما تشتهونه من الكنوز وما تستهزئون به من العذاب، ~~وإنما الخزائن بيده، يفعل فيها ما يشاء. # ولما كانوا يعهدون أن بعض البشر من الكهان يخبرون بشيء من المغيبات، وكان ~~الكهان يخلطون الصدق بالكذب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم بمغيبات ~~كثيرة فيكون كما قال دائما لا خلف في شيء منها ولا زيادة ولا نقص، فصاروا ~~يظنون أنه يعلم الغيب، ولكنهم # PageV07P122 # يظنونه من آيات الكهان حتى أطلقوا عليه أنه كاهن، فكانوا يسألونه عن وقت ~~العذاب الذي يتوعدهم به وعن غيره، لعلهم يظفرون عليه بشيء مما يقوله الكهان ~~ولا يكون، فيعدونه عليه؛ نفى ما ظنوه غيره على هذا ms1378 المقام أن ينسب إلى غير ~~مالكه الذي لا يجوز أن يكون لغيره، فقال نافيا له من أصله، لا للقول فقط ~~كما في سابقه ولاحقه، عاطفا على {لا أقول} لا على {عندي} {ولا أعلم الغيب} ~~أي فأخبركم بوقت الفصل بيني وبينكم من مطلق العذاب أو قيام الساعة، فإن ~~هاتين الحالتين - ملك الخزائن وعلم الغيب - ليستا إلا لمرتبة الألوهية، ~~وإنما لم أدع الأول كما ألزمتموني به، ولا اتصفت بالثاني بما ظننتم. # ولما كانوا يظنون أن الرسول لا يكون إلا ملكا، فكانوا يلزمونه بدعواه ~~الرسالة دعوى الملائكة ليلزموه بذلك ادعاء ما هو ظاهر البطلان، قال: {ولا ~~أقول} أي بدعوى الرسالة؛ ولما كان صلى الله عليه وسلم أعلى الأنبياء صفاء ~~وأنورهم قلبا وأشدهم في كل هدى إضاءة وأنقاهم من نقائص البشر، وكان هذا ~~أمرا من الله له. قيد بقوله: {لكم} إفهاما لأنه لا يمتنع عليه أن يقول ذلك، ~~بل لو قاله كان صادقا، # PageV07P123 # ومثله كثير في مجازاتهم ومجاري عاداتهم في محاوراتهم، وأما إسقاط «لكم» ~~في قصة نوح من سورة هود عليهما السلام فتواضعا منه لكونه من قوله، من غير ~~تصريح بإسناد الأمر فيه إلى الله تعالى {إني ملك} فأقوى على الأفعال التي ~~تقوى عليها الملائكة من التحرز عن المأكل والمشرب وغيرهما من أفعال ~~الملائكة. # فلما انتفى عنه ما ألزموه به وما ظنوه فيه من كونه إلها أو ملكا، انحصر ~~الأمر في أنه رسول واقف عندما حده له مرسله، فقال على وجه النتيجة: {إن} أي ~~ما {أتبع} أي بغاية جهدي {إلا ما يوحى إلي} أي ما رتبتي إلا امتثال ما ~~يأمرني به ربي في هذا القرآن الذي هو - بعجزكم عن معارضته - أعظم شاهد لي، ~~ولم يوح إلي فيه أن أقول شيئا مما تقدم نفيه، وأوحى إلي لأنذركم به خصوصا، ~~وأنذر به كل من بلغه عموما، وذلك غير منكر في العقل ولا مستبعد بل قد وقع ~~الإرسال لكثير من البشر، وقد قام على ثبوته لي واضح الدلائل وثابت الحجج ~~وقاطع البراهين، فإن كان فيه الإذن لي ms1379 بإبراز خارق أبرزته، وإن كان فيه ~~الإعلام بمغيب أبديته، وإلا اقتصرت على الإبلاغ # PageV07P124 # مع التحدي، وهو مخبر بأن الله - الذي ثبت بعجزكم عن معارضته أنه قوله - ~~شاهد لي بصحة الرسالة وصدق المقالة. # ولما ثبت بهذا أنهم عمي الأبصار والبصائر، لا يهتدون إلى ما ينفعهم، ولا ~~يقدرون على إفحام خصم ولا التفصي عن وهم ولا وصم، بل هم كالسالك بين ~~المهالك، يتبين بادئ بدئه في دعواه الحكمة زوره وكذبه وفجوره لأتباع الهوى ~~الذي هو أدوأ أدواء، وأنه صلى الله عليه وسلم أبصر البصراء وأحكم الحكماء ~~لأتباعه علام الغيوب، وكان موضع أن يقال: ما يوحى إليك في هذا المقام؟ قال ~~على وجه التبكيت لهم: {قل} أي لكل من يسمع قولك بعد هذا البيان الفائت لقوى ~~الإنسان {هل يستوي} أي يكون سواء من غير مرية {الأعمى والبصير} فإن قالوا: ~~نعم، كابروا الحس، وإن قالوا: لا، قيل: فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو ~~البصير، ومن أعرض عنها فهو العمى، ومن سوى بين الخالق وبين شيء من خلقه فهو ~~أعمى العمى؛ ثم أمره بعد الإنكار للتسوية بينهما بأن ينكر عليهم فساد نظرهم ~~وعمى فكرهم بقوله: {أفلا تتفكرون *} أي فيردكم فكركم عن هذه الضلالات. # PageV07P125 # ولما أمره بتوبيخهم، أمره - عاطفا على قوله «قل» - بالإنذار على وجه مخز ~~لهم أيضا فقال: {وأنذر به} أي بما يوحى إليك، وليس المراد تخصيص الإنذار ~~بالخائف، بل الإشارة إلى جلافتهم وعظيم بلادتهم # PageV07P125 # وكثافتهم في عدم تجويز الجائز الذي هو أهل لأن يخافه كل واحد بقوله: ~~{الذين يخافون} أي تجويزا للجائز عقلا وعادة. # ولما كان المرهوب الحشر نفسه، لا بقيد كونه من معين؛ بني للمفعول قوله ~~{أن يحشروا} أي يجمعوا وهم كارهون {إلى ربهم} أي المحسن إليهم بالإيجاد ~~والتربية مع التقصير في الشكر، حال كونهم {ليس لهم} وأشار إلى تحقير ما ~~سواه وسفوله بالجار فقال: {من دونه} أي من المنزلة التي هي تحت منزلته، ومن ~~المعلوم أن كل شيء تحت قهر عظمته ومتضائل عن رتبته، ليس لهم ذلك، أي على ~~وجه الانفراد أو ms1380 التوسل {ولي} يتولى أمورهم فينقذهم قهرا مما يخافون {ولا ~~شفيع} ينقذهم بحسن سفارته وعظيم رتبته وترتيبه {لعلهم يتقون *} أي ليكون ~~حالهم حال من يرجى أن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية. # ولما أمره بدعاء من أعرض عنه ومجاهرته، أمره بحفظ من تبعه وملاطفته، ~~فقال: {ولا تطرد الذين يدعون} وهم الفقراء من المسلمين {ربهم} أي المحسن ~~إليه عكس ما عليه الكفار في دعاء من لا يملك لهم ضرا ولا نفعا؛ ثم بين من ~~حالهم من الملازمة ما يقتضي الإخلاص فقال: {بالغداة والعشي} أي في طرفي ~~النهار مطلقا # PageV07P126 # أو بصلاتيهما أو يكون كناية عن الدوام؛ ثم أتبع ذلك نتيجته فقال معبرا عن ~~الذات بالوجه، لأنه أشرف - على ما نتعارفه - وتذكره يوجب التعظيم ويورث ~~الخجل من التقصير: {يريدون وجهه} أي لأنه لو كان رياء لاضمحل على طول ~~الزمان وتناوب الحدثان باختلاف الشأن. # ولما كان أكابر المشركين وأغنياؤهم قد وعدوه صلى الله عليه وسلم الاتباع ~~إن طرد من تبعه ممن يأنفون من مجالستهم، وزهدوه فيهم بفقرهم وبأنهم غير ~~مخلصين في اتباعه، إنما دعاهم إلى ذلك الحاجة؛ بين له تعالى أنه لا حظ له ~~في طردهم ولا في اتباع أولئك بهذا الطريق إلا من جهة الدنيا التي هو مبعوث ~~للتنفير عنها، فقال معللا لما مضى أو مستأنفا: {ما عليك} قدم الأهم عنده ~~وهو تحمله {من حسابهم} وأغرق في النفي فقال: {من شيء} أي ليس لك إلا ~~ظاهرهم، وليس عليك شيء من حسابهم، حتى تعاملهم بما يستحقون في الباطن من ~~الطرد إن كانوا غير مخلصين {وما من حسابك} قدم أهم ما إليه أيضا {عليهم من ~~شيء} أي وليس عليهم شيء من حسابك فتخشى أن يحيفوا عليك فيه على تقدير غشهم، ~~أو ليس عليك من رزقهم # PageV07P127 # شيء فيثقلوا به عليك، وما من رزقك عليهم من شيء فيضعفوا عنه لفقرهم، بل ~~الرازق لك ولهم الله؛ ثم أجاب النفي مسببا عنه فقال: {فتطردهم} أي فتسبب عن ~~أحد الشيئين طردك لهم ليقبل عليك الأغنياء فلا يكلفوك ما كان أولئك ~~يكلفونك، ms1381 وإن كلفتهم ما كان أولئك عاجزين عنه أطاقوه؛ والحاصل أنه يجوز أن ~~يكون معنى جملتي {ما عليك من حسابهم} - إلى آخرهما راجعا إلى آية الكهف # {ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} [الكهف: 28] فيكون المعنى ~~ناظرا إلى الرزق، يعني أن دعاءك إلى الله إنما مداره الأمر الأخروي، فليس ~~شيء من رزق هؤلاء عليك حتى تستنفر بهم وترغب في الآغنياء، ولا شيء من رزقك ~~عليهم فيعجزوا عنه، وفي اللفظ من كلام أهل اللغة ما يقبل هذا المعنى؛ قال ~~صاحب القاموس وغيره: الحساب: الكافي ومنه {عطاء حسابا} [النبأ: 36] وحسب ~~فلان فلانا: أطعمه وسقاه حتى شبع وروي. وقال أبو عبيد الهروي: يقال: أعطيته ~~فأحسبته، أي أعطيته الكفاية حتى قال: حسبي، وقوله {يرزق من يشاء بغير حساب} ~~[البقرة: 212] أي بغير تقتير وتضييق، وفي حديث سماك: ما حسبوا ضيفهم، # PageV07P128 # أي ما أكرموه، وقال ابن فارس في المجمل: وأحسبته: أعطيته ما يرضيه، ~~وحسبته أيضا، وأحسبني الشيء: كفاني. # ولما نهاه عن طردهم مبينا أنه ضرر لغير فائدة، سبب عن هذا النهي قوله ~~{فتكون من الظالمين *} أي بوضعك الشيء في غير محله، فإن طردك هؤلاء ليس ~~سببا لإيمان أولئك، وليس هدايتهم إلا إلينا، وقد طلبوا منا فيك لما فتناهم ~~بتخصيصك بالرسالة ما لم يخف عليك من قولهم {لولا أنزل عليه ملك} [الأنعام: ~~8] ونحوه مما أرادوا به الصرف عنك، فكما لم تقبلهم فيك فلا تقبلهم أنت في ~~أوليائنا، فإنا فتناهم بك حتى سألوا فيك ما سألوا وتمنوا ما تمنوا {وكذلك} ~~أي ومثل ما فتناهم بإرسالك {فتنا} أي فعلنا فعل المختبر قسرا بما لنا من ~~العظمة {بعضهم ببعض} بالتخصيص بالإيمان والغنى والفقر ونحو ذلك {ليقولوا} ~~أي إنكارا لأن تفضل غيرهم عليهم احتقارا لهم واستصغارا {أهؤلاء} أي الذين ~~لا يساووننا بل لا يقاربوننا في خصلة من خصال الدنيا {من الله} أي على ~~جلاله وعظمه {عليهم} أي وفقهم لإصابة الحق وما يسعدهم عنده وهم فيما نرى من ~~الحقارة {من بيننا} فالآية ناظرة إلى ما يأتي في هذه السورة من قوله تعالى ms1382 ~~{حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} [الأنعام: 124] . # PageV07P129 # ولما كان الإنكار لا يسوغ إلا مع نهاية العلم بمراتب المفضلين، وأن ~~المفضل لا يستحق التفضيل من الوجه المفضل به، أنكر إنكارهم بقوله: {أليس ~~الله} أي الذي له جميع الأمر، فلا اعتراض عليه {بأعلم بالشاكرين *} أي ~~الذين يستحقون أن يفضلوا لشكرهم على غيرهم لكفرهم. # PageV07P130 # ولما نهاه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، علمه كيف يلاطفهم فقال عاطفا على ~~ما تقديره: وإذا جاءك الذين يحتقرون الضعفاء من عبادي فلا تحفل بهم: {وإذا ~~جاءك} وأظهر موضع الإضمار دلالة على الوصف الموجب لإكرامهم وتعميما لغيرهم ~~فقال: {الذين يؤمنون} أي هم أو غيرهم أغنياء كانوا أو فقراء، وأشار بمظهر ~~العظمة إلى أنهم آمنوا بما هو جدير بالإيمان به فقال: {بآياتنا} على ما لها ~~من العظمة بالنسبة إلينا {فقل} أي لهم بادئا بالسلام إكراما لهم وتطييبا ~~لخواطرهم {سلام عليكم} أي سلامة مني ومن الله، ونكره لما يلحقهم في الدنيا ~~من المصائب؛ ثم علل ذلك بقوله: {كتب ربكم} أي المحسن إليكم {على نفسه ~~الرحمة} ثم علل ذلك بقوله واستأنف بما حاصله أنه علم من الإنسان النقصان، ~~لأنه طبعه على طبائع الخسران إلا من جعله موضع الامتنان فقال: {أنه من عمل ~~منكم سوءا} أي أي سوء كان # PageV07P130 # ملتبسا {بجهالة} أي بسفه أو بخفة وحركة أخرجته عن الحق والعلم حتى كان ~~كأنه لا يعلم شيئا {ثم تاب} أي رجع بالندم والإقلاع وإن طال الزمان، ولذا ~~أدخل الجار فقال: {من بعده} أي بعد ذلك العمل {وأصلح} بالاستمرار على الخير ~~{فإنه} أي ربكم بسبب هذه التوبة يغفر له لأنه دائما {غفور} أي بالغ الستر ~~والمحو لما كان من ذلك {رحيم *} يكرم من تاب هذه التوبة بأن يجعله كمن أحسن ~~بعد أن جعله بالغفر كمن لم يذنب، ومن أصر وأفسد فإنه يعاقبه، لأنه عزيز ~~حكيم، وربما كانت الآية ناظرة إلى ما قذفهم به المشركون من عدم الإخلاص، ~~ويكون حينئذ مرشحا لأن المراد بالحساب المحاسبة على الذنوب. # ولما أتى في هذه السورة وما قبلها ms1383 بما أتى من عجائب التفاصيل لجميع ~~الأحوال متضمنة واضح الدلالات وباهر الآيات البينات، قال عاطفا على {وكذلك ~~فتنا} عطفا للضد على ضده، فإن في الاختبار نوع خفاء: {وكذلك} أي ومثل الفتن ~~بإيراد بعض ما فيه دقة وخفاء من بعض الوجوه لنضل من نشاء، فيتميز الضال من ~~المهتدي {نفصل الآيات} التي نريد بيانها ليتضح سبيل المصلحين فيتبع ~~{ولتستبين} أي تظهر ظهورا بينا {سبيل المجرمين *} فتجتنب، وخص هذا بالذكر ~~وإن كان يلزم منه بيان الأول، لأن دفع المفاسد أهم. # PageV07P131 # ولما كان محط حالهم في السؤال طرد الضعفاء قصد اتباع أهوائهم، أمره تعالى ~~بأن يخبرهم أنه مباين لهم - لما بين له بالبيان الواضح من سوء عاقبة سبيلهم ~~- مباينة لا يمكن معها اتباع أهوائهم، وهي المباينة في الدين فقال: {قل إني ~~نهيت} أي ممن له الأمر كله {أن أعبد الذين تدعون} أي تعبدون بناء منكم على ~~محض الهوى والتقليد في أعظم أصول الدين، وحقر أمرهم وبين سفول رتبتهم ~~بقوله: {من دون الله} أي الذي لا أعظم منه، فقد وقعتم في ترك الأعظم ولزوم ~~الدون الذي هو دونكم في أعظم الجهل المؤذن بعمى القلب مع الكفر بالمحسن، ~~فمباينتي مبناها على المقاطعة، فكيف تطمع في متابعة! ثم أكد ذلك بأمر آخر ~~دال على أنه لا شبهة لهم في عبادتهم فقال: {قل لا أتبع أهواءكم} أي عوضا ~~عما أنا عليه من الحكمة البالغة المؤيدة بالبراهين الساطعة والأدلة ~~القاطعة. # ولما كان من المعلوم أن الهوى لا يدعو إلى هدى، بل إلى غاية الردى، حقق ~~ما أفهمته هذه الجملة بقوله: {قد ضللت إذا} أي إذا اتبعت أهواءكم؛ ولما كان ~~الضال قد يرجع، بين أن هذا ليس كذلك، لعراقتهم في الضلال، فقال معبرا ~~بالجملة الاسمية الدالة على الثبات: # PageV07P132 # {وما أنا} أي إذ ذاك على شيء من الهداية لأعد {من المهتدين *} . # PageV07P133 # ولما كان طلبهم للآيات - أي العلامات الدالة على الصدق تارة بالرحمة في ~~إنزال الأنهار والكنوز وإراحة الحياة، وتارة بالعذاب من إيقاع السماء عليهم ~~كسفا ونحو ذلك - ليس في يده ولا ms1384 عنده تعين وقت نزوله، وأمره هنا أن يصرح ~~لهم بالمباينة ويؤيسهم من الملاينة ما داموا على المداهنة، أمره بأن يخبرهم ~~بما هو متمكن فيه من النور وما هم فيه من العمى بقوله: {قل إني} وأشار إلى ~~تمكنه في الأدلة الظاهرة والحجج القاهرة بحرف الاستعلاء فقال: {على بينة} ~~أي إن العدو إنما يصانع عدوه إما لعدم الثقة بالنصرة عليه وتعذيبه بعداوته، ~~وإما العدم وثوقه بأنه على الحق، وأما أنا فواثق بكلا الأمرين {من ربي} أي ~~المحسن إلي بإرسالي بعد الكشف التام لي عن سر الملك والملكوت {و} الحال ~~أنكم {كذبتم به} أي ربي حيث رددتم رسالته فهو منتقم منكم لا محالة. # ولما قيل ذلك، فرض أن لسان حالهم قال: فائتنا بهذه البينة! فقال: إن ربي ~~تام القدرة، فلا يخاف الفوت فلا يعجل، وأما أنا فعبد {ما عندي} أي في قدرتي ~~وإمكاني {ما تستعجلون به} أي في قولكم «امطر علنيا حجارة من السماء» ونحوه ~~حتى أحكم فيكم بما يقتضيه # PageV07P133 # طبع البشر من العجلة {إن} أي ما {الحكم} في شيء من الأشياء هذا وغيره ~~{إلا الله} أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له، ثم استأنف قوله مبينا أنه ~~سبحانه يأتي بالأمر في الوقت الذي حده له على ما هو الأليق به من غير قدرة ~~لأحد غيره على تقديم ولا تأخير فقال: {يقض} أي يفصل وينفذ بالتقديم ~~والتأخير، وهو معنى قراءة الحرميين وعاصم «يقص» أي يقطع القضاء أو القصص ~~{لحق} ويظهره فيفصله من الباطل ويوضحه، ليتبعه من قضى بسعادته، ويتنكب عنه ~~من حكم بشقاوته {وهو خير الفاصلين *} لأنه إذا أراد ذلك لم يدع لبسا لمن ~~يريد هدايته، وجعل في ذلك الظاهر سببا لمن يريد ضلالته؛ ثم أكد ذلك لمن زاد ~~قلبه في الجلافة مبينا ما في غيره من وخيم العاقبة فقال: {قل لو أن عندي} ~~أي على سبيل الفرض {ما تستعجلون به} أي من العذاب {لقضي} وبناه للمفعول لأن ~~المخوف إنما هو الإهلاك، لا كونه من معين {الأمر بيني وبينكم} أي فكنت أهلك ms1385 ~~من خالفني غضبا لربي بما ظهر لي منه من التكبر عليه، وقد يكون فيهم من كتب ~~في ديوان السعداء، لكنه لم يكن الأمر # PageV07P134 # إلي لأني لا أعلم الظالم عند الله من غيره، فليس الأمر إلا إلى الله، ~~لأنه أعلم بالمنصفين فينجيهم {والله} أي الذي له الكمال كله {أعلم ~~بالظالمين *} أي المكتوبين في ديوان الظلمة فيهلكهم. # ولما كانت هذه الآيات مثبتة لجزئيات من علمه تعالى وقدرته، وكان ختامها ~~العلم بالظالم وغيره، أتبعها الاختصاص بما هو أعم من ذلك، وهو علم مفاتح ~~الغيب الذي لا يصل إليه إلا من حازها، إذ لا يطلع على الخزائن إلا من ~~فتحها، ولا يفتحها إلا من حاز مفاتيحها وعلم كيف يفتح بها، فإثبات ذلك في ~~هذا الأسلوب من باب الترقية في مراقي الاعتقاد من درجة كاملة إلى أكمل ~~منها، فقال عاطفا على معنى ما سبق، وهو: فعنده خاصة جميع ذلك: {وعنده} أي ~~وحده {مفاتح الغيب} أي التي لا يدرك الغيب إلا من علمها. # ولما كان معنى ذلك الاختصاص، صرح به في قوله: {لا يعلمها إلا هو} ~~وتخصيصها بالنفي دون الخزائن دال على ما فهمته من أن التقييد فيها ب «لكم» ~~يفهم أنه يجوز أن نقول ذلك للمؤمنين. # ولما ذكر علم الغيب، أتبعه علم الشهادة، لأن القضايا العقلية المحضة يصعب ~~تحصيل العلم بها على سبيل التمام إلا للكمل من الأنام # PageV07P135 # الذين تجردوا فتعودوا استحضار المعقولات المجردة، والقرآن إنما أنزل لنفع ~~جميع الخلق: الذكي منهم والغبي، فكان ذكر المحسوسات الداخلة تحت القضية ~~العقلية الكلية معينا على تصور ذلك المعقول ورسوخه في القلب، فقال مؤكدا ~~لهذا المعقول الكلي المجرد بمثال داخل تحته يجري مجرى المحسوس، وعطفه ~~بالواو عطف الخاص على العام إشارة إلى تعظيمه فقال: {ويعلم ما في البر} ~~وقدمه لأن الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن والمفاوز ~~والجبال والتلال وكثرة ما بها من الحيوان والنبات النجم وذي الساق والمعادن ~~{والبحر} وأخره لأن إحاطة العقل بأحواله أقل وإن كان الحس يدل على أن ~~عجائبها أكثر، وطولها ms1386 وعرضها أعظم، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات ~~أعجب، فكان هذا الأمر المحسوس مقويا لعظمة ذلك الأمر المعقول. # ولما ذكر ما يعم الثابت والمنتقل: خص المنتقل تنصيصا على الجزئيات ~~وتعظيما للعلم بتعظيم المعلومات فقال: {وما تسقط} وأغرق في النفي بقوله: ~~{من ورقة} ونكرها إتماما للتعميم {إلا يعلمها} ولما كان هذا مع عظمه ظاهرا، ~~ذكر ما هو أدق منه فقال: {ولا} أي # PageV07P136 # وما من {حبة} ودل على أن الأرض ليس لها من نفسها نور تنبيها على ما أودع ~~هذا الآدمي المكون منها من الغرائب بقوله: {في ظلمات الأرض} أي ولو كان في ~~أقصى بطنها، فكيف بماهو في النور وهو أكبر من الحبة. # ولما خص، رجع إلى التعميم ردا للآخر على الأول فقال: {ولا رطب ولا يابس} ~~أي وجد أو لم يوجد أو سيوجد {إلا في كتاب مبين *} أي موضح لأحواله وأعيانه ~~وكل أموره وأحيانه، فثبت أنه فاعل لجميع العالم بجواهره وأعراضه على سبيل ~~الإحكام والإتقان، لأنه وحده عالم بجميع المعلومات، ومن اختص بعلم جميع ~~المعلومات كان مختصا بصنع جميع المصنوعات قادرا على جميع المقدورات. # PageV07P137 # ولما كان من مفاتح الغيب الموت والبعث الذي ينكرونه، وكان من أدلته ~~العظمة النوم والإيقاظ منه مع ما فيه من الإحسان المتكرر، وكان فيه مع ذلك ~~تقرير لكمال القدرة بعد تقريره لكمال العلم، أتبع ذلك قوله: {وهو} أي وحده ~~{الذي يتوفاكم} أي يقبض أرواحكم كاملة بحيث لا يبقى عندكم شعور أصلا، ~~فيمنعكم التصرف بالنوم كما يمنعكم بالموت، وذكر الأصل في ذلك فقال: {باليل ~~ويعلم} أي والحال أنه يعلم {ما جرحتم} أي كسبتم {بالنهار} أي الذي # PageV07P137 # تعقبه النوم، من الذنوب الموجبة للإهلاك، ويعاملكم فيها بالحلم بعد العلم ~~ولا يعجل عليكم، وهو معنى {ثم يبعثكم} أي يوقظكم بعد ذلك النوم المستغرق، ~~فيصرفكم فيما يشاء {فيه} أي في النهار الذي تعقب ذلك النوم بعد استحقاقكم ~~للانتقام {ليقضى} أي يتم {أجل مسمى} كتبه للموتة الكبرى. # ولما تمهد بهذا النشر بعد ذاك الطي في الموتة الصغرى القدرة على مثل ذلك ~~في الموتة ms1387 الكبرى، وكان فيه تقريب عظيم له قال: {ثم} يبعثكم من تلك الموتة ~~كما بعثكم من هذه، ويكون {إليه} أي وحده {مرجعكم} أي حسا بالحشر إلى دار ~~الجزاء، ومعنى بانقطاع الأسباب على ما عهد في الدنيا {ثم} بعد تلك المواقف ~~الطوال والزلازل والأهوال، ويمكن أن تشير أداة التراخي إلى عظمة العلم ~~بذلك، وإليه يرشد أكثر ما قبله من السياق {ينبئكم} أي يخبركم إخبارا عظيما ~~جليلا مستقصى {بما كنتم تعملون *} أي فيجازيكم عليه، ولعلمه عبر بالعمل لأن ~~الحساب يكون على المكلفين الذين لهم أهلية العلم، فتقرر - مع كمال قدرته ~~سبحانه على اختراع هذه الأشياء والعلم بها - استقلاله بحفظها في كل حال ~~وتدبيرها على # PageV07P138 # أحسن وجه. # ولما أخبر بتمام العلم والقدرة، أخبر بغالب سلطنته وعظيم جبروته وأن ~~أفعاله هذه على سبيل القهر لا يستطاع مخالفتها، فلو بالغ أحد في الاجتهاد ~~في أن ينام في غير وقته ما قدر، أو أن يقوم وقت النوم لعجز، أو أن يحيي وقت ~~الموت لم يستطع إلى غير ذلك فقال: {وهو} أي يفعل ذلك والحال أنه وحده بما ~~له من غيب الغيب وحجب الكبرياء {القاهر} وصور ذلك بقوله: {فوق عباده} أي في ~~الإحاطة بالعلم والفعل، أما قهره للعدم فبالتكوين والإيجاد، وأما قهره ~~للوجود فبالإفناء والإفساد بنقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن ~~الوجود إلى العدم أخرى، فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور، والنهار ~~بالليل والليل بالنهار - إلى غير ذلك من ضروب الكائنات وصروف الممكنات ~~{ويرسل} ورجع إلى الخطاب لأنه أصرح فقال: {عليكم} من ملائكته {حفظة} أي ~~يحفظون عليكم كل حركة وسكون لتستحيوا منهم وتخافوا عاقبة كتابتهم. ويقوم ~~عليكم بشهادتهم الحجة على مجاري عاداتكم، وإلا فهو سبحانه غني عنهم، لأنه ~~العالم القادر فيحفظونكم على حسب مراده فيكم {حتى إذا جاء} . # PageV07P139 # ولما كان تقديم المفعول أخوف قال: {أحدكم الموت} أي الذي لا محيد له عنه ~~ولا محيص {توفته} أي أخذت روحه كاملة {رسلنا} من ملك الموت وأعوانه على ما ~~لهم من العظمة بالإضافة إلينا {وهم لا يفرطون *} في نفس واحد ms1388 ولا ما دونه ~~ولا ما فوقه بالتواني عنه ليتقدم ذلك عن وقته أو يتأخر؛ ولما أشار سبحانه ~~إلى قوته بالجنود التي تفوت الحصر - وإن كان عنهم غنيا بصفة القهر - نبه ~~بصيغة المجهول إلى استحضار عظمته وشامل جبروته وقدرته فقال: {ثم} أي بعد ~~حبسهم في قيد البرزخ {ردوا} أي ردهم راد منه لا يستطيعون دفاعه أصلا {إلى ~~الله} أي الذي لا تحد عظمته ولا تعد جنوده وخدمته {مولاهم} أي مبدعهم ومدبر ~~أمورهم كلها {الحق} أي الثابت الولاية، وكل ولاية غير ولايته من الحفظة ~~وغيرهم عدم، لأن الحفظة لا يعلمون إلا ما ظهر لهم، وهو سبحانه يعلم السر ~~وأخفى. # ولما استحضر المخاطب عزته وقهره، وتصور جبروته وكبره، فتأهل قلبه وسمعه ~~لما يلقى إليه ويتلى عليه، قال: {ألا له} أي وحده حقا {الحكم} ولما كان ~~الانفراد بالحكم بين جميع الخلق أمرا يحير الفكر، ولا يكاد يدخل تحت الوهم، ~~قال محقرا في جنب قدرته: # PageV07P140 # {وهو} أيوحده {أسرع الحاسبين *} يفصل بين الخلائق كلهم في أسرع من اللمح ~~كما أنه يقسم أرزاقهم في الدنيا في مثل ذلك، لا يقدر أحد أن ينفك عن عقابه ~~بمطاولة في الحساب ولا مغالطة في ثواب ولا عقاب، لأنه سبحانه لا يحتاج إلى ~~فكر وروية ولا عقد ولا كتابة، فلا يشغله حساب عن حساب ولا شيء عن شيء. # PageV07P141 # ولما تعرف بأفعاله وشؤونه حتى اتضحت وحدانيته وثبتت فردانيته، ذكرهم ~~أحوالهم في إقرار توحيده وقت الشدائد والرجوع عن ذلك عند الإنجاء منها، ~~فكانوا كمن طلب من شخص شيئا وأكد له الميثاق على الشكر، فلما أحسن إليه ~~بإعطائه سؤله نقض عهده وبالغ في الكفر، وذلك عندهم في غاية من القبائح لا ~~توصف فقال: {قل} أي لهؤلاء الذين يدعون محاسن الأعمال {من ينجيكم} أي كثيرا ~~وعظيما {من ظلمات البر والبحر} أي حيث لا هداية لكم بنجم ولا جبل ولا ~~غيرهما، أإو عبر بالظلمات عن الكروب التي بلغت شدتها إلى أن صاحبها يكون ~~كأنه في أشد ظلام، فهو بحيث إنه لا يهتدي فيها إلى وجه حيلة ms1389 بنوع وسيلة ~~{تدعونه} أي على وجه الإخلاص له والتوحيد والإعراض عن كل شرك وشريك لزوال ~~الحظوظ عند إحاطة الرعب # PageV07P141 # واستيلائه على مجامع القلب، فلا يبقى إلا الفطرة السليمة؛ قال الإمام عبد ~~الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: {تضرعا} أي مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر، ~~وحقيقته الخشوع {و} قوله: {خفية} أي تخفون في أنفسكم مثل ما تظهرون؛ قال ~~شمر: يقال: ضرع له وهو ضارع بين الضراعة، وهؤلاء قوم ضرع، أي أذلاء، وهم ~~ضرعة أي متضرعون، والتضرع إلى الله: التخشع إليه والتذلل، وإذا كان الرجل ~~مختل الجسم قلت: إنه لضارع الجسم بين الضروع، وفي الذل بين الضراعة - ~~انتهى. # ولما بين وصفهم وقت الدعاء، بين قولهم إذ ذاك فقال: {لئن أنجانا من هذه} ~~فأكدوا وخصوا وبينوا غاية البيان {لنكونن من الشاكرين *} أي العريقين في ~~الشكر؛ ولما كانوا مقرين بأن فاعل ذلك هو الله، ولكنهم يكفرون نعمته، عدوا ~~منكرين فأمره بالجواب غير منتظر لجوابهم بقوله: {قل الله} أي الذي له جميع ~~العظمة {ينجيكم منها} أي من تلك الشدة {ومن كل كرب} # PageV07P142 # أي وقعتم فيه، وما أعظم موقع قوله: {ثم أنتم} مع التزام الإخلاص في وقت ~~الكرب ومع التزام الشكر {تشركون *} مشيرا إلى استبعاد نقضهم بأداة التراخي ~~مع ما فيه من الجناس لما كان ينبغي لهم من أنهم يشكرون. # ولما كانوا بإشراكهم كأنهم يظنون أن الشدة زالت عنهم زوالا لا يعود، وكان ~~اللائق بهم دوام التذلل إما وفاء وإما خوفا، أخبرهم ترهيبا لهم من سطوته ~~وتحذيرا من بالغ قدرته أن شدتهم تلك التي أذلتهم لم تزل في الحقيقة، فإن ~~قدرة الملك عليها حالة الرخاء كقدرته عليها في وقتها سواء، فإنه خالق ~~الحالتين وأسبابهما وما فيهما، ولكنهم عمي الأبصار أجلاف الطبائع فقال: {قل ~~هو} أي وحده {القادر} ولم يصغه صيغة مبالغة لأنهم لم يكونوا ينكرون قدرته ~~إنما كانوا يدعون المشاركة التي نفاها بالتخصيص، على أن التعريف يفيد به ~~المبالغة {على أن يبعث} أي في أي وقت يريده {عليكم} أي في كل حالة {عذابا ~~من فوقكم} بإسقاط السماء ms1390 قطعا أو شيء منها كالحجارة التي حصب بها قوم لوط ~~وأصحاب الفيل أو بتسليط أكابركم # PageV07P143 # {أو من تحت أرجلكم} أي بالخسف أو إثارة الحيات أو غيرها من الأرض كما وقع ~~لبعض من سلف، أو بتسليط سفلتكم وعبيدكم عليكم {أو يلبسكم} أي يخلط بينكم ~~حال كونكم {شيعا} أي متفرقين، كل شيعة على هوى، فيكون ذلك سببا للسيف ~~{ويذيق بعضكم} أي بعض تلك الشيع {بأس بعض} فيساوي في ذلك بين الحرم وغيره، ~~ويصير التخطف بالنهب والغارات عاما، وسوق هذا الكلام هكذا يفهم إيقاعه في ~~وقت ما لناس ما، لأن كلام الملوك يصان عن أن لا يكون له صورة توجد وإن كان ~~على سبيل الشرط ونحوه، فكيف بملك الملوك علام الغيوب! وللتدريب على مثل هذا ~~الفهم في كلام الله تعالى قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي ~~في التفسير عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أما إنها كائنة ولم يأت ~~تأويلها بعد. # وقال: حسن غريب، وسيأتي لهذا مزيد بسط وتحقيق في قوله تعالى في الفرقان ~~{تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك} [الفرقان: 10] . # ولما كان هذا بيانا عظيما، أشار إلى عظمه بقوله: {انظر} وعظمه تعظيما آخر ~~بالاستفهام فقال {كيف نصرف الآيات} أي أي نكررها موجهة في جميع الوجوه ~~البديعة النافعة البليغة {لعلهم يفقهون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى فهمه ~~وانتفاعه به، كان هذا {و} الحال أنه {كذب به} أي هذا العذاب # PageV07P144 # أو القرآن المشتمل على الوعد والوعيد والأسباب المبينة للخلق جميع ما ~~ينفعهم ليلزموه وما يضرهم ليحذروه {قومك} أي الذين من حقهم أن يقوموا بجميع ~~أمرك ويسروا بسيادتك، فإن القبيلة إذا ساد أحدها عزت به، فإن عزه عزها ~~وشرفه شرفها، ولا سيما إذا كان من بيت الشرف ومعدن السيادة، وإذا سفل أحدها ~~اهتمت به غاية الاهتمام وسترت عيوبه مهما أمكنها فإن عاره لاحق بها، فهو من ~~عظيم التوبيخ لهم ودقيق التقريع، وزاد ذلك بقوله: {وهو} أي والحال أنه ~~{الحق} أي الثابت الذي لا يضره التكذيب به ms1391 ولا يمكن زواله. # ولما كان الإنسان ربما حصل له اللوم بسبب قومه كان صلى الله عليه وسلم في ~~هذا المقام بمعرض أن يخاف عاقبة ذلك ويقول: فماذا أصنع بهم؟ فقال تعالى ~~معلما أنه ليس عليه بأس من تكذيبهم: {قل لست} وقدم الجار والمجرور للاهتمام ~~به معبرا بالأداة الدالة على القهر والغلبة فقال: {عليكم بوكيل *} أي حفيظ ~~ورقيب لأقهركم على الرد عما أنتم فيه. # PageV07P145 # ولما كانوا بصدد أن يقولوا تهكما: كن كذلك، فلا علينا منك! قال مهددا: ~~{لكل} وأشار إلى جلالة خبره بقوله: {نبإ} أي خبر أخبرتكم به من هذه الأخبار ~~العظيمة، ومعنى {مستقر} # PageV07P145 # موضع ووقت قرار من صدق أو كذب، أي لا بد أن يحط الخبر على واحد منهما، لا ~~ينفك خبر من الأخبار عن ذلك {وسوف تعلمون*} أي محط خبره العظيم بوعد صادق ~~لا خلف فيه وإن تأخر وقوعه. # ولما أمره بما يقول جوابا لتكذيبهم، تقدم إليه فيما يفعل وقت خوضهم في ~~التكذيب فقال: {وإذا رأيت} خاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ~~ليكون أردع {الذين يخوضون} أي يتكلمون {في آياتنا} أي بغير تأمل ولا بصيرة ~~بل طوع الهوى، كما يفعل خائض الماء في وضعه لرجله على غير بصيرة لستر مواضع ~~الخطا وبغير تمام الاختيار لغلبة الماء {فأعرض عنهم} بترك المجالسة أو ما ~~يقوم مقامها؛ ولما كان الخوض في الآيات دالا على قلة العقل قال: {حتى ~~يخوضوا في حديث غيره} فحكم على حديثهم فيما سوى ذلك أيضا بالخوض، لأن فيه ~~الغث والسمين، لأنه غير مقيد بنظام الشرع. # ولما كان الله تعالى - وله الحمد - قد رفع حكم النسيان عن هذه الأمة، قال ~~مؤكدا: {وإما ينسينك الشيطان} أي إنساء عظيما إشارة إلى أن مثل هذا الأمر ~~جدير بأن لا ينسى {فلا تقعد بعد الذكرى} أي # PageV07P146 # التذكر لهذا النهي {مع القوم الظالمين *} أظهر موضع الإضمار تعميما ~~ودلالة على الوصف الذي هو سبب الخوض، وهو الكون في الظلام. # ولما كانت هذه الآية مكية، وكانوا إذ ذاك عاجزين عن الإنكار بغير القلب، ~~قال: ms1392 {وما على الذين يتقون} أي يخافون الله فلا يكذبون بآياته في مجالسة ~~الكفرة {من حسابهم} أي الخائضين إذا كانوا أقوى منهم {من شيء} وما نهينا عن ~~المجالسة لأن عليهم فيها - والحالة هذه - إثما {ولكن} نهينا لتكون المفارقة ~~إظهارا للكراهة {ذكرى} للخائضين لاستحيائهم من أذى الجليس {لعلهم يتقون *} ~~أي ليكون حالهم بذلك حال من يرجى منه التقوى، فيجتنب الخوض في الآيات ~~إكراما للجليس. # ولما أبرز هذا الأمر في صيغة النهي، أعاده بصيغة الأمر اهتماما به ~~وتأكيدا له، وأظهر لهم وصفا آخر هو غاية الوصف الأول مع ما ضم إليه من ~~الإرشاد إلى الإنقاذ من المعاطب فقال: {وذر} أي اترك أي ترك كان ولو كان ~~على أدنى الوجوه {الذين اتخذوا} أي كلفوا أنفسهم في اتباع الهوى بمخالفة ~~العقل المستقيم والطبع الفطري السليم بأن أخذوا {دينهم} على نمط الأسخف من ~~دنياهم؛ ولما كان # PageV07P147 # الدين ملكة راسخة في النفس، ولا شيء من كيفيات النفس أرسخ منها ولا أثبت، ~~وهو أشرف ما عند الإنسان، وكان اللعب ضده لا شيء أسرع من انقضائه ولا أوهى ~~من بنائه، قال ذاما لهم بأنهم بدلوا مقصود هذه السورة - الذي هو من ~~الاستدلال على التوحيد الذي لا أشرف منه مطلقا ولا أعلى ولا أنفس بوجه ولا ~~أحلى - بما لا أدنى منه ولا أوهى ولا أمحق للمروءة ولا أدهى: {لعبا} ولما ~~كان ربما قيل: إنهم إذا انقضى اللعب عادوا إلى الاشتغال بالدين، أتبعه ~~الباعث عليه إشارة إلى أنه كلما ملوا اللعب بعثوا النفوس إليه باللهو كما ~~ترى الراقص كلما فتر في رقصة بعثوه عليه بتقوية اللهو أو الانتقال من فن ~~إلى آخر من فنونه وشأن بديع من شؤونه فقال: {ولهوا} أي في الاستهزاء بالدين ~~الحق بالمكاء والتصدية وبالبحائر والسوائب وغير ذلك، فلا تبال بهم ولا يشغل ~~قلبك بهم {وغرتهم} أي خدعتهم {الحياة الدنيا} التي هم من أعرف الناس ~~بزوالها، وأن كل من بها هالك، فمنتهم النعم التي من عليهم سبحانه بها فيما ~~لا ينالونه من السعادة إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه. ms1393 # ولما كان ربما أفهم ذلك تركهم في كل حالة، نفاه بقوله: {وذكر به} أي ~~تحديث الآيات، وهي القرآن المتجدد إنزاله، # PageV07P148 # والضمير في الحقيقة للآيات، أي دعهم يفعلوا ما أرادوا، لا تبال بشيء من ~~ذلك، ولا تترك وعظهم بهذا القرآن، أي ما عليك إلا البلاغ، لم نكلفك في هذه ~~الحالة أكثر منه {أن تبسل} قال في المجمل: البسل: النخل، وأبسلته: أسلمته ~~للهلكة، فالمعنى: كراهة أن تخلي وتسلم {نفس بما} أي بسبب ما {كسبت} في ~~دنياها كائنة {ليس لها من دون الله} أي المنفرد بالعظمة {ولي} أي يتولى ~~نصرها {ولا شفيع} ينقذها بشفاعته. # ولما كان الفداء من اسباب الخلاص قال: {وإن تعدل} أي تلك النفس لأجل ~~التوصل إلى الفكاك {كل عدل} أي كل شيء يظن أنه يعدلها ولو كان أنفس شيء؛ ~~«ولما» كان الضار عدم الأخذ، لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: {لا يؤخذ ~~منها} ولما أنتج ذلك قطعا أن من هذا حاله هالك، قال: {أولئك} أي الذين ~~عملوا هذه الأعمال البعيدة عن الخير {الذين أبسلوا} أي أسلموا {بما كسبوا} ~~ثم استأنف قوله: {لهم شراب من حميم} أي هو غاية الحر يصهر به # PageV07P149 # ما في بطونهم بما اعتقدوا في الآيات ما ظهر على ألسنتهم {وعذاب أليم} أي ~~يعم دائما ظواهرهم وبواطنهم بما ظهر عليهم من ذلك بعد ما بطن {بما} أي بسبب ~~ما {كانوا يكفرون *} أي يجددون من تغطية الآيات. # PageV07P150 # ولما تقرر أن غير الله لا يمنع من الله بنوع، لا آلهتهم التي زعموا أنها ~~شفعاؤهم ولا غيرها، ثبت أنهم على غاية البينة من أن كل ما سواء لا ينفع ~~شيئا ولا يضر، فكان في غاية التبكيت لهم قوله: {قل} أي بعد ما أقمت من ~~الأدلة على أنه ليس لأحد مع الله أمر، منكرا عليهم موبخا لهم {أندعوا} أي ~~دعاء عبادة، وبين حقارة معبوداتهم فقال: {من دون الله} أي المنفرد بجميع ~~الأمر. # ولما كان السياق لتعداد النعم {الذي خلق السماوات والأرض} [الأنعام: 73] ~~{خلقكم من طين} [الأنعام: 2] {يطعم ولا يطعم} [الأنعام: 14] {ويرسل ms1394 عليكم ~~حفظة} [الأنعام: 61] {من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} [الأنعام: 63] {الله ~~ينجيكم منها ومن كل كرب} [الأنعام: 64] قدم النفع في قوله: {ما لا ينفعنا ~~ولا يضرنا} أي لا يقدر على شيء من ذلك، ليكونوا على غاية اليأس من اتباع ~~حزب الله لهم، وهذا كالتعليل لقوله {إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون ~~الله} [الأنعام: 56] . # ولما ذكر عدم المنفعة في دعائهم، أشار إلى وجود الخسارة في # PageV07P150 # رجائهم فقال: {ونرد} أي برجوعنا إلى الشرك، وبناه للمفعول لأن المنكر ~~الرد نفسه من أي راد كان {على أعقابنا} أي فنأخذ في الوجه المخالف لقصدنا ~~فنصير كل وقت في خسارة بالبعد عن المقصود {بعد إذ هدانا الله} أي الذي لا ~~خير إلا وهو عنده ولا ضر إلا وهو قادر عليه، إلى التوجه نحو المقصد، ووفقنا ~~له وأنقذنا من الشرك. # ولما صور حالهم، مثله فقال: {كالذي} أي نرد من علو القرب إلى المقصود إلى ~~سفول البعد عنه ردا كرد الذي {استهوته} أي طلبت مزوله عن درجته {الشياطين} ~~فأنزلته عن أفق مقصده إلى حضيض معطبه، شبه حاله بحال من سقط من عال في ~~مهواة مظلمة فهو في حال هويه في غاية الاضطراب وتحقق التلف والعمى عن ~~الخلاص {في الأرض} حال كونه {حيران} تائها ضالا لا يهتدي لوجهه ولا يدري ~~كيف يسلك ثم استأنف قوله: {له} أي هذا الذي هوى {أصحاب} أي عدة، ولكنه ~~لتمكن الحيرة منه لا يقبل {يدعونه إلى الهدى} وبين دعاءهم بقوله: {ائتنا} ~~وهو قد اعتسف المهمة تابعا للشياطين، لا يجيبهم ولا يأتيهم لأنه قد غلب على ~~نفسه، وحيل بينه وبين العبر والنزوان. # PageV07P151 # ولما كان هذا مما يعرفونه وشاهدوه مرارا، وكانوا عالمين بأن دعاء أصحابه ~~له في غاية النصيحة والخير، وأنه إن تبعهم نجا، وإلا هلك هلاكا لا تدارك ~~له، فكان جوابهم: إن دعاء أصحابه به لهدى، بين أنه مضمحل تافه جدا بحيث إنه ~~يجوز أن يقال: ليس هدى بالنسبة إلى هذا الذي يدعوهم إليه، بقوله: {قل إن ~~هدى الله} أي المستجمع لصفات الكمال ms1395 {هو} أي خاصة {الهدى} أي لا غيره كدعاء ~~أصحاب المستهوي، بل ذاك الهدى مع إنقاذه من الهلاك إلى جنب هذا الهدى كلا ~~شيء، لأن الشيء هو الموصل إلى سعادة الأبد. # ولما كان التقدير: فقد أمرنا أن نلزمه ونترك كل ما عداه، عطف عليه أمرا ~~عاما فقال: {وأمرنا لنسلم} أي ورد علينا الأمر ممن لا أمر لغيره بكل ما ~~يرضيه لأن نسلم بأن نوقع الإسلام وهو الانقياد التام فنتخلى عن كل هوى، وأن ~~نقيم الصلاة بأن نوقعها بجميع حدودها الظاهرة والباطنة فنتحلى بفعلها أشرف ~~حلى {لرب العالمين *} أي لإحسانه إلى كل أحد بكل شيء خلقه؛ ثم فسر المأمور ~~به، فكأنه قال: أن أسلموا {وأن أقيموا الصلاة} لوجهه {واتقوه} مع ذلك، أي ~~افعلوها لا على وجه الهزء واللعب، بل على وجه التقوى والمراقبة ليدل ما ظهر ~~منها على ما بطن من الإسلام للمحسن. # ولما كان التقدير: فهو الذي ابتدأ خلقكم من طين فإذا أنتم بشر مصورون، ~~وجعلكم أحياء فبقدرته على مدى الأيام تنتشرون، عطف # PageV07P152 # عليه قوله: {وهو الذي إليه} أي لا إلى غيره بعد بعثكم من الموت {تحشرون ~~*} فأتى بالبعث الذي هم له منكرون لكثرة ما أقام من الأدلة على تمام القدرة ~~في سياق دال على أنه مما لا مجال للخلاف فيه، وأن النظر إنما هو فيما وراء ~~ذلك، وهو أن عملهم للباطل سوغ تنزيلهم منزلة من يعتقد أنه يحشر إلى غيره ~~سبحانه ممن لا قدرة له على جزائهم، فأخبرهم أن الحشر إليه لا إلى غيره، ~~لأنه لا كلام هناك لسواه، فلا علق بين المحشورين ولا تناصر كما في الدنيا، ~~والجملة مع ذلك كالتعليل للأمر بالتقوى، وقد بان أن الآية من الاحتباك، ~~فإنه حذف الصلاة أولا لدلالة ذكرها ثانيا، والإسلام ثانيا لدلالة ذكره ~~أولا. # PageV07P153 # ولما كانوا بعبادة غيره تعالى - مع إقرارهم بأنه هو خالق السماوات والأرض ~~- في حال من يعتقد أن ذلك الذي يعبدونه من دونه هو الذي خلقهما، أو شاركا ~~فيهما. فلا قدرة لغيره على حشر من في مملكته، قال تعالى ms1396 منبها لهم من ~~غفلتهم وموقظا من رقدتهم معيدا الدليل الذي ذكره أول السورة على وجه آخر: ~~{وهو} أي وحده {الذي خلق} أي أوجد واخترع وقدر {السماوات والأرض} أي على ~~عظمهما وفوت ما فيهما من الحكم والمنافع الحصر {بالحق} أي بسبب إقامة الحق، ~~وأنتم ترون أنه غير قائم في هذه الدار ولا هو قريب من القيام، فوجب على كل ~~من يعلم أن الله حكيم # PageV07P153 # خبير أن يعتقد أنه لا بد من بعثة العباد بعد موتهم - كما وعد بذلك - ~~ليظهر العدل بينهم، فيبطل كل باطل ويحق كل حق، ويظهر الحكم لجميع الخلق. # ولما قرر أن إقامة الحق هي المراد، قرر قدرته عليها بقوله: {ويوم يقول} ~~أي للخلق ولكل شيء يريده في هذه الدار وتلك الدار {كن فيكون *} أي فهو يكون ~~لا يتخلف أصلا. # ولما قرر أنه لا يتخلف شيء عن أمره، علله فقال: {قوله الحق} أي لا قول ~~غيره، لأن أكثر قول غيره باطل، لأنه يقول شيئا فلا يكون ما أراد؛ ولما كان ~~في مقام الترهيب من سطوته، قال مكررا لقوله «وهو الذي إليه تحشرون» : {وله} ~~أي وحده بحسب الظاهر والباطن {الملك يوم} ولما كان المقصود تعظيم النفخة، ~~بني للمفعول قوله: {ينفخ في الصور} لانقطاع العلائق بين الخلائق، لا كما ~~ترون في هذه الدار من تواصل الأسباب، وقوله-: {عالم الغيب} وهو ما غاب عن ~~كل ما سواه سبحانه {والشهادة} وهو ما صار بحيث يطلع عليه الخلق - مع كونه ~~علة لما قبله من تمام القدرة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في طه من تمام ~~الترهيب، أي أنه لا يخفى عليه شيء # PageV07P154 # من أحوالكم، فاحذروا جزاءه يوم تنقطع الأسباب، ويذهب التعاضد والتعاون، ~~وهو على عادته سبحانه في أنه ما ذكر أحوال البعث إلا قرر فيه أصلين: القدرة ~~على جميع الممكنات، والعلم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات، لأنه لا ~~يقدر على البعث إلا من جمع الوصفين {وهو} أي وحده {الحكيم} أي التام ~~الحكمة، فلا يضع شيئا في غير محله ولا على غير أحكام، فلا معقب ms1397 لأمره، فلا ~~بد من البعث {الخبير *} بجميع الموارد والمصادر، فلا خفاء لشيء من أفعال ~~أحد من الخلق عليه في ظاهر ولا باطن ليهملهم عن الحساب. # ولما كان مضمون هذه الآيات مضمون الآيات الثلاث المفتتح بها السورة ~~الهادمة لمذهب الثنوية، وهم أهل فارس قوم إبراهيم عليه السلام، وكان ~~إبراهيم عليه السلام يعرف بفضله جميع الطوائف، لأن أكثرهم من نسله كاليهود ~~والنصارى والمشركين من العرب، والمسلمون لما يعلمون من إخلاصه لله تعالى ~~وانتصابه لمحاجة من أشرك به واحتمال الأذى فيه سبحانه، تلاها بمحاجته لهم ~~بما أبطل مذهبهم وأدحض حججهم فقال: {وإذ} أي اذكر ذلك المتقدم كله لهم في ~~الدلائل على اختصاصنا بالخلق وتمام القدرة، ما أعظمه وما أجله وأضخمه! ~~وتفكر في عجائبه وتدبر في دقائقه وغرائبه تجد ما لا يقدر على مثله إلا ~~الله، واذكر إذ {قال إبراهيم} أي اذكر قوله، وحكمة # PageV07P155 # التذكير بوقته التنبيه على أن هذا لم يزل ثابتا مقررا على ألسنة جميع ~~الأنبياء في جميع الدهور، وكان في هذه المحاجة التصريح بما لوح إليه أول ~~هذه السورة من إبطال هذا المذهب، وانعطف هذا على ذاك أي انعطاف! وصار كأنه ~~قيل: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون الأصنام والنجوم والنور والظلمة، فنبههم ~~يا رسول الله على ذلك بأنه لا متصرف غيرنا، اذكر لهم أني أنا الذي خلقتهم ~~وخلقت جميع ما يشاهدون من الجواهر والأعراض، فإن تنبهوا فهو حظهم، وإلا ~~فاذكر لهم محاجة خليلنا إبراهيم عليه السلام إذ قال {لأبيه} ثم بينه في ~~قراءة الجر بقوله: {آزر} وناداه في قراءة يعقوب بالضم؛ قال البخاري في ~~تاريخه الكبير: إبراهيم بن آزر وهو في التوراة: تارح - انتهى. # وقد مضى ذلك عن التوراة في البقرة، فلعل أحدها لقب، وكان أهل تلك البلاد ~~وهم الكلدانيون، ويقال لهم أيضا الكسدانيون - بالمهملة موضع اللام - ~~يعتقدون إلهية النجوم في السماء والأصنام في الأرض ويجعلون لكل نجم صنما، ~~إذا أرادوا التقرب إلى ذلك النجم عبدوا ذلك الصنم ليشفع لهم - كما زعموا - ~~إلى النجم، فقال عليه السلام لأبيه منكرا عليه منبها ms1398 له على ظهور فساد ما ~~هو مرتكبه: {أتتخذ} أي أتكلف نفسك # PageV07P156 # إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى بأن تجعل {أصناما آلهة} أي تعبدها ~~وتخضع لها ولا نفع فيها ولا ضر، فنبهه بهذا الإنكار على أن معرفة بطلان ما ~~هو متدين به لا يحتاج إلى كثير تأمل، بل هو أمر بديهي أو قريب منه، فإنهم ~~يباشرون أمرها بجميع جوانبهم ويعلمون أنها مصنوعة وليست بصانعة، وكثرتها ~~تدل على بطلان إلهيتها بما أشار إليه قوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] . # ولما خص بالنصيحة أقرب الخلق إليه، عم بقية أقاربه فقال: {إني أراك ~~وقومك} أي في اتفاقكم على هذا {في ضلال} أي بعد عن الطريق المستقيم {مبين ~~*} أي ظاهر جدا ببديهة العقل مع مخالفته لكل نبي نبأه الله تعالى من آدم ~~عليه السلام فمن بعده، فهو مع ظهوره في نفسه مظهر للحق من أن الإله لا يكون ~~إلا كافيا لمن يعبده، وإلا كان فقيرا إلى تأله من يكفيه. # ولما كان كأنه قيل: بصرنا إبراهيم عليه السلام هذا التبصير في هذا الأمر ~~الجريء من بطلان الأصنام، قال عاطفا عليه: {وكذلك} أي ومثل هذا التبصير ~~العظيم الشأن، وحكى الحال الماضية بقوله: {نري} أي بالبصر والبصيرة على مر ~~الزمان وكر الشهور والأعوام إلى ما لا # PageV07P157 # آخر له بنفسه والصلحاء من أولاده {إبراهيم ملكوت} أي باكن ملك التوحيد ~~فيعلم أن كل من عبد غير الله صنم وغيره من قومه وغيرهم في ضلال، كما علم ~~ذلك في قومه في الأصنام {وليكون من الموقنين *} أي الراسخين في وصف الإيقان ~~في أمر التوحيد كله بالنسبة إلى جميع الجزئيات لما أريناه ببصره وبصيرته، ~~فتأمل فيه حتى وقع فيه بعد علم اليقين على عين اليقين بل حق اليقين. # ولما كانت الأمور السماوية مشاهدة لجميع الخلق: دانيهم وقاصيهم، وهي أشرف ~~من الأرضية، فإذا بطلت صلاحيتها للإلهية بطلت الأرضية من باب الأولى؛ نصب ~~لهم الحجاج في أمرها، فقال مسببا عن الإراءة المذكورة: {فلما جن} أي ستر ~~وأظلم، وقصره - وإن كان ms1399 متعديا - دلالة على شدة ظلام تلك الليلة، ولذلك ~~عداه بأداة الاستعلاء فقال: {عليه اليل} أي وقع الستر عليه، فحجب ملكوت ~~الأرض فشرع ينظر في ملكوت السماء {رأى كوكبا} أي قد بزغ، فكأنه قيل: فماذا # PageV07P158 # فعل؟ فقيل: {قال هذا ربي} فكأنه من بصره أن أتى بهذا الكلام الصالح لأن ~~يكون خبرا واستفهاما، ليوهمهم أنه مخبر، فيكون ذلك انفى للغرض وأنجى من ~~الشعب، فيكون أشد استجلابا لهم إلى إنعام النظر وتنبيها على موضع الغلط ~~وقبول الحجة، ولمثل ذلك ختم الآية بقوله: {فلما أفل} أي غاب بعد ذلك الظهور ~~الذي كان آية سلطان {قال لا أحب الآفلين *} لأن الأفول حركة، والحركة تدل ~~على حدوث المتحرك وإمكانه، ولا نظن أن يظن به أنه قال ما قاله أولا عن ~~اعتقاد ربوبية الكواكب، لأن الله تعالى قد دل على بطلان هذا التوهم ~~بالإخبار بأنه أراه ملكوت الخافقين وجعله موقنا، فاسند الأمر إلى نفسه ~~تنبيها لهم، واستدل بالأفول لأن دلالته لزوال سلطانه وحقارة شأنه اتم، ولم ~~يستدل بالطلوع لأنه - وإن كان حركة دالة على الحدوث والنقصان - شرف في ~~الجملة وسلطان، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان، والممكن لا بد له من ~~موجد واجب الوجود، يكون منتهى الآمال ومحط الرحال {وأن إلى ربك المنتهى} ~~[النجم: 42] والأوساط يفهمون منه الحدوث للحركة، فلا بد من الأستناد إلى ~~قديم، # PageV07P159 # والعوام يفهمون أن الغارب كالمعزول لزوال نوره وسلطانه، وأن ما كان كذلك ~~لا يصلح للإلهية، وخص الأفول أيضا لأن قومه الفرس كانوا منجمين، ومذهبهم أن ~~الكوكب إذا كان صاعدا من المشرق إلى وسط السماء كان قويا عظيم التأثير، ~~فإذا كان نازلا إلى المغرب كان ضعيف الأثر، والإله هو من لا يتغير، وهذا ~~الاستدلال برهان في أن أصل الدين مبني على الحجة دون التقليد. # PageV07P160 # ولما بصرهم قصور صغير الكواكب، رقي النظر إلى أكبر منه، فسبب عن الإعراض ~~عن الكواكب لقصوره قوله: {فلما رأى القمر بازغا} أي طالعا أول طلوعه؛ قال ~~الأزهري: كأنه مأخوذ من البزغ الذي هو الشق، كأنه بنوره يشق الظلمة شقا ~~{قال ms1400 هذا ربي} دأبه في الأولى. # ولما كان تأمل أن الكوكب محل الحوادث بالأفول قد طرق أسماعهم فخالج ~~صدورهم، قال: {فلما أفل قال} مؤكدا غاية التأكيد {لئن لم يهدني ربي} أي ~~الذي قدر على الإحسان إلي بالإيجاد والتربية لكونه لا يتغير ولا شريك له ~~بخلق الهداية في قلبي، فدل ذلك على أن الهداية ليست إلى غيره، ولا تحمل على ~~نصب الأدلة، لأنها منصوبة قبل ذلك، ولا على معرفة الاستدلال فإنه عارف به # PageV07P160 # {لأكونن} أي بعبادة غيره {من القوم الضالين *} فكانت هذه أشد من الأولى ~~وأقرب إلى التصريح بنفي الربوبية عن الكواكب وإثبات أن الرب غيرها، مع ~~الملاطفة وإبعاد الخصم عما يوجب عناده. # ولما كان قد نفي عن الأجرام السماوية ما ربما يضل به الخصم قال: {فلما ~~رأى} أي بعينه {الشمس بازغة} أي عند طلوع النهار وإشراق النور الذي ادعوا ~~فيه ما ادعوا {قال} مبينا لقصور ما هو أكبر من النور وهو ما عنه النور ~~{هذا} مذكرا إشارته لوجود المسوغ، وهو تذكير الخبر إظهارا لتعظيمها إبعادا ~~عن التهمة، وتنبيها من أول الأمر على أن المؤنث لا يصلح للربوبية {ربي} كما ~~قال فيما مضى؛ ثم علل ذلك بيانا للوجه الذي فارق فيه ما مضى فأورث شبهة، ~~فقال: {هذا أكبر} أي مما تقدم {فلما أفلت} أي غربت فخفي ظهورها وغلب نورها ~~وهزمه جيش الظلام بقدرة الملك العلام {قال يا قوم} فصرح بأن الكلام لهم ~~أجمعين، ونادى على رؤوس الأشهاد. # ولما كانت القلوب قد فرغت بما ألقي من هذا الكلام المعجب للحجة، وتهيأت ~~لقبول الحق، ختم الآية بقوله: {إني بريء مما تشركون *} أي من هذا وغيره من ~~باب الأولى، فصرح بالمقصود لأنه لم يبق في المحسوس من العالم العلوي كوكب ~~أكبر من الشمس ولا أنور، فلما أبطل # PageV07P161 # بذلك جميع مذهبهم أظهر التوجه إلى الإله الحق، وأنه قد انكشف له الصواب ~~بهذا النظر، والمراد هم، ولكن سوقه على هذا الوجه أدعى لقبولهم إياه، فقال ~~مستنتجا عما دل عليه الدليل العقلي في الملكوت: {إني وجهت وجهي} أي ms1401 أخلصت ~~قصدي غير معرج على شيء أصلا، فعبر بذلك عن الانقياد التام، لأن من انقاد ~~لشيء أقبل عليه بوجهه، ودل على كماله وتفرده بالكمال مبدعاته، وعبر باللام ~~دون إلى لئلا يوهم الحيز، فقال: {للذي فطر} أي لأجل عبودية من شق وأخرج ~~{السماوات والأرض} فختم الدليل بما افتتحت به السورة من قوله «الذي خلق ~~السماوات والأرض» وأدل دليل على ما تقدم - أني فسرت الحنف به من أنه الميل ~~مع الدليل سهولة ولطافة على ما هو دأب الفطرة الأولى التي فطر الله الناس ~~عليها - قوله بعد نصب هذا الدليل: {حنيفا} أي سهلا هينا لينا لطيفا ميالا ~~مع الدليل غير كز جاف جامد على التقليد دأب الغليظ البليد، وأكد البراءة ~~منهم بقوله: {وما أنا من المشركين} أي منكم، ولكنه أظهر الوصف المقتضي ~~للبراءة والتعميم، أي لا أعد في عدادكم بشيء أقاربكم به. # PageV07P162 # ولما أبدى هذه الأدلة في إبطال الضلال بالكواكب والشمس التي هي أوضح من ~~الشمس، عطف عليها الإخبار بأنهم لم يرجعوا إليه بل حاجوه، فقال: {وحاجه ~~قومه} بأنهم لا ينفكون عن عبادتها لأنهم وجدوا آباءهم كذلك، وأنه إن لم ~~يرجع عن الكلام فيها أصابته ببعض النوازل، وذلك من أعظم التسلية لهذا النبي ~~العربي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. # ولما كان من المعلوم أن محاجتهم - بعد هذه الأدلة الواضحة في غاية من ~~السقوط - سفلت عن الحضيض، نزه المقام عن ذكرها، إشارة إلى أنها بحيث لا ~~يستحق الذكر، وبين جوابه لما فيه من الفوائد الجمة بقوله: {قال} أي بقول ~~منكرا عليهم موبخا لهم: {أتحاجوني} وصرح باسم الرب العلم الأعظم في قوله: ~~{في الله} أي شيء مما يختص به المستجمع لصفات الكمال لا سيما التوحيد {وقد} ~~أي والحال أنه قد {هدان} أي أرشدني بالدليل القطعي إلى معرفة كل ما يثبت له ~~وينفى عنه، أي لأنه قادر، فبين أنه تعالى قد أحسن إليه، فهو يرجوه لمثل ذلك ~~الإحسان، ويخافه من عواقب العصيان، لأن من رجي خيره خيف ضيره، ومن كان بيده ~~النفع والضر والهداية والإضلال فهو ms1402 من وضوح الأمر وظهور الشأن بحيث لا توجه ~~نحوه # PageV07P163 # المحاجة، وأتبعه بيان أن معبوداتهم مسلوب عنها ما يوجه إليه الهمم، فقال ~~عاطفا على ما تقديره: فأنا أرجوه وأخافه لأنه قادر: {ولا أخاف ما تشركون ~~به} ولا أرجوه لهداية ولا إضلال ولا غيرهما لأنه عاجز، فأثبت لله القدرة ~~بالهداية لأنها أشرف، وطوى الإضلال لدلالتها ودلالة ما نفي في جانب الشركاء ~~عليه، وأثبت لآلهتهم العجز بنفي الخوف المستلزم لنفي القدرة على الضر. وذلك ~~دال على أن الله تعالى أهل لأن يخاف منه. كل ذلك تلويحا لهم بأن العاقل لا ~~ينبغي له أن يخالف إلا من يأمن ضره، فهم في مخالفتهم لله في غاية من الخطر، ~~لا يرتكبها عاقل، والآية من الاحتباك. # ولما نفى عن نفسه خوف آلهتهم أبدا في الحال والاستقبال، وكان من الأمر ~~البين في الدين الحق أنه لا يصبح الإيمان إلا مع الإقرار بخفاء العواقب على ~~العباد وإثبات العلم بها لله تسليما لمفاتيح الغيب إليه، وقصرها عليه؛ قال ~~مستثنيا من سبب النفي، وهو أنها لا تقدر على شيء: {إلا أن يشاء ربي} المحسن ~~إلي في حال الضر كما هو محسن في حال النفع {شيئا} أي من تسليطها بأنفسها أو ~~باتباعها، لأنه قادر على ما يريد، فإن أراد أنطق الجماد وأقدره، وأخرس ~~الناطق الفصيح وأعجزه، فأنا لا أخاف في الحقيقة غيره. # PageV07P164 # ولما كان هذا في صورة التعليق، وكان التعليق وما شابهه من شأنه أن لا ~~يصدر إلا من متردد، فيكون موضع إطماع للخصم فيه، علله بما أزال هذا الخيال ~~فقال: {وسع ربي كل شيء علما} أي فأحاط بكل شيء قدرة، فهو إذا أراد إقدار ~~العاجز أزال عنه كل مانع من القدرة، وأثبت له كل مقتض لها، وذلك ثمرة شمول ~~العلم - كما سيأتي برهانه إن شاء الله تعالى في سورة طه، فالمراد أني ما ~~تركت الجزم لشك عندي، وإنما تركته لعدم علمي بالعواقب إعلاما بأن تلك رتبة ~~لا تصلح إلا لله الذي وسع علمه كل شيء، وأدل دليل على هذا اتباعه له ms1403 ~~بإنكاره عليهم عدم الإبلاغ في التذكر بقوله مظهرا تاء التفعل إشارة إلى أن ~~في جبلاتهم أصل التذكر الصاد عن الشرك: {أفلا تتذكرون} أي يقع منكم تذكر، ~~فتميزوا بين الحق والباطل بأن تذكروا مآلكم من أنفسكم بأن من غاب عن مربوبه ~~فسد أو كاد، وأن هذه الجمادات لا تنفع ولا تضر، وأنها مصنوعكم، وتعجب منهم ~~في ظنهم خوفه من معبوداتهم بقوله منكرا: {وكيف أخاف ما أشركتم} أي من دون ~~الله من الأصنام وغيرها مع أنها لا تقدر على شيء # PageV07P165 # {ولا} أي والحال أنكم أنتم لا {تخافون أنكم أشركتم بالله} أي المستجمع ~~لصفات العظمة والقدرة على العذاب والنقمة. # ولما كان له سبحانه أن يفعل ما يشاء قال: {ما لم ينزل به} أي بإشراكه؛ ~~ولما كان المقام صعبا لأنه أصل الدين، أثبت الجار والمجرور وقدمه فقال: ~~{عليكم سلطانا} أي حجة تكون مانعة من إنزاله الغضب بكم، والحاصل أنه عليه ~~السلام أوقع الأمن في موضعه وهم أوقعوه في موضع الخوف، فعجب منهم لذلك فبان ~~أن هذا وقول شعيب عليه السلام في الأعراف {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا ~~أن يشاء الله ربنا} [الأعراف: 89]- الآية، وقوله تعالى في الكهف {ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} [الكهف: 24] من مشكاة واحدة؛ ولما ~~كان المحذور المنفي هنا إنما هو خوف الضرر من آلهتهم، وكان حصول الضرر ~~لمخالفها بواسطة أتباعها أو غيرهم من سنن الله الجارية في عباده، اقتصر ~~الخليل عليه السلام على صفة الربوبية المقتضية للرأفة والرحمة والكفاية ~~والحماية، وقد وقع في قصته الأمران: إمكانهم من أسباب ضرره بإيقاد النار ~~وإلقائهم له فيها، ورحمته بجعلها عليه بردا وسلاما؛ ولما كان المحذور في ~~قصة شعيب عليه السلام العود في ملتهم، زاد الإتيان بالاسم الأعظم الجامع ~~لجميع الكمالات المنزه عن جميع النقائص المقتضي لاستحضار الجلال والعظمة ~~والتفرد والكبر المانع من دنو ساحات الكفر - # PageV07P166 # والله الموفق. # ولما بان كالشمس بما أقام من الدليل أنه أحق بالأمن منهم، قال مسببا عما ~~مضى تقريرا لهم: {فأي الفريقين} ms1404 أي حزب الله وحزب ما أشركتم به، ولم يقل: ~~فأينا، تعميما للمعنى {أحق بالأمن} وألزمهم بالجواب حتما بقوله: {إن كنتم ~~تعلمون} أي إن كان لكم علم فأخبروني عما سألتكم عنه؛ ثم وصل بذلك دلالة على ~~أنه لا علم لهم أصلا ليخبروا عما سئلوا عنه قوله مستأنفا: {الذين آمنوا} أي ~~أوجدوا هذا الفعل {ولم} أي وصدقوا دعواهم بأنهم لم {يلبسوا إيمانهم} أي ~~يخالطوه ويشوبوه {بظلم} . # ولما كان المعنى: أحق بالأمن، عدل عنه إلى قوله مشيرا إليهم بأداة البعد ~~تنبيها على علو رتبتهم: {أولئك لهم} أي خاصة {الأمن} أي لما تقدم من وصفهم ~~{وهم مهتدون} أي وأنتم ضالون، فأنتم هالكون لإشرافكم على المهالك «وتفسير ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرج الشيخان والترمذي والنسائي عن عبد الله ~~بن مسعود رضي الله عنه لهذا الظلم المطلق في قوله تعالى {بظلم} بالشرك» ~~الذي هو ظلم موصوف بالعظم في قوله تعالى {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ~~تنبيه للصحابة رضوان الله عليهم على أن هذا التنوين للتعظيم، ولأنهم أهل ~~اللسان المطبوعون فيه صفوا بذلك واطمأنوا إليه، ولا شك أن السياق كله في ~~التنفير عن الشرك، وأنه دال على الحث على التبريء # PageV07P167 # عن قليل الشرك وكثيره، فآل الأمر إلى أن المراد: ولم يلبسوا إيمانهم بشيء ~~من الشرك، فالتنوين حينئذ للتحقير كما هو للتعظيم، فهو من استعمال الشيء في ~~حقيقته ومجازه أو في معنيه المشترك فيهما لفظه معا - والله أعلم. # PageV07P168 # ولما كان إبراهيم عليه السلام قد انتصب لإظهار حجة الله في التوحيد والذب ~~عنها، وكان التقدير تنبيها للسامع على حسن ما مضى ندبا لتدبره: هذه مقاولة ~~إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه، عطف عليه قوله معددا وجوه نعمه عليه ~~وإحسانه إليه، دالا على إثبات النبوة بعد إثبات الوحدانية: {وتلك} أي وهذه ~~الحجة العظيمة الشأن التي تلوناها عليكم، وهي ما حاج إبراهيم عليه السلام ~~به قومه، وعظمه بتعظيمها فقال: {حجتنا} أي التي يحق لها بما فيها من ~~الدلالة أن تضاف إلينا، لأنها من أشرف النعم وأجل العطايا {آتيناها} أي بما ms1405 ~~لنا من العظمة {إبراهيم} وأوقفناه على حقيقتها وبصرناه بها، ونبه على ~~ارتفاع شأنها بأداة الاستعلاء مضمنا لآتينا وأقمنا، فقال: {على قومه} أي ~~مستعليا عليهم غالبا لهم قائمة عليهم الحجة التي نصبها، ثم زاد في الإعلام ~~بفضله بقوله مستأنفا: {نرفع} أي بعظمتنا {درجات من نشاء} بما لنا من القدرة ~~على ذلك كما رفعنا # PageV07P168 # درجة إبراهيم عليه السلام على جميع أهل ذلك العصر. # ولما كانت محاجته لهم على قانون الحكمة بالعالم العلوي الذي نسبوا الخلق ~~والتدبير بالنور والظلمة إليه، وكان في ختام محاجته لهم أن الجاري على ~~قانون الحكمة أن الملك الحق لا يهين جنده فلا خوف عليهم، وكان قبل ذلك في ~~الاستدلال على البعث الذي هو محط الحكمة؛ كان الأنسب أن يقدم في ختم الآية ~~وصف الحكمة فقال: {إن ربك} أي خاصا لنبيه صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة ~~باسم الإحسان تنبيها على أن حجبه الدليل عمن يشاء لحكم أرادها سبحانه، ففيه ~~تسلية له صلى الله عليه وسلم {حكيم} أي فلا يفعل بحزبه إلا ما ظنه به خليله ~~صلى الله عليه وسلم مما يقر أعينهم، إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما ~~فيهما {عليم} فلا يلتبس عليه أحد من غيرهم، فيفعل به ما يحل بالحكمة. # ولما أشار إلى رفعته بأنه بصره بالحجة حتى كان على بصيرة من أمره، وأنه ~~علا على المخالفين برفع الدرجات، أتبع ذلك ما دل عليها وعلى حكمته بعلمه ~~بالعواقب، فقال معلما بأنه جعله عزيزا في الدنيا لأن # PageV07P169 # أشرف الناس الأنبياء والرسل، وهم من نسله وذريته، ورفع ذكره أبدا لأجل ~~قيامه بالذب عن توحيده: {ووهبنا له} أي لخليلنا عليه السلام بما لنا من ~~العظمة {إسحاق} ولدا له على الكبر حيث لا يولد لمثله ولا لمثل زوجته ~~{ويعقوب} أي ولد ولد، وابتدأ سبحانه بهما لأن السياق للامتنان على الخليل ~~عليه السلام، وهو أشد سرورا بابنه الذي متع به ولم يؤمر بفراقه وابن ابنه ~~الذي أكثر الأنبياء الداعين إلى الله من نسله ومن خواصه، وهو الموجب الأعظم ~~للبداءة أن أبناءه طهروا ms1406 الأرض المقدسة التي هي مهاجر إبراهيم عليه السلام ~~ومختاره للسكنى بنفسه ونسله، بل مختار الله له ولهم بعده بمدد طهورها من ~~الشرك وعبادة الأوثان، ودعوا إلى الله ونوروا الأرض بعبادته. # ولما كانت النعمة لا تتم إلا بالهداية، قال مستأنفا مقدما للمفعول ليشمل ~~الكلام إياهما: {كلا} أي منهما ومن أبيهما {هدينا} ثم أتبع ذلك المهتدين ~~قديما وحديثا تأكيدا لأن هذا المذهب لم يزل خلص العباد دعاة إليه في قديم ~~الزمان وجديده، فكأنه يقول: إن كنتم تلزمون دينكم لأنه # PageV07P170 # عندكم حق، فقد تبين لكم بطلانه، وأن الحق إنما هو التوحيد، وإن كنتم ~~تلزمونه لقدمه فهذا الدين - الذي - دعاكم إليه رسولي مع وضوح الدلالة على ~~حقيته - هو القديم الذي دعاكم إليه نوح ومن تلاه من خلص ذريته إلى إبراهيم ~~أبيكم الأعظم ومن بعده من خلص ذريته إلى عيسى، ثم إلى هذا الرسول الذي هو ~~دعوة إبراهيم وبشارة عيسى - على الكل أبلغ الصلاة وأتم التسليم، فهو أحق ~~بالاتباع من جهة الحقية والأقدمية، وإن كنتم تلزمونه لمجرد اتباع الآباء ~~فليس في أبائكم مثل إبراهيم عليه السلام، وقد تلوت عليكم في كلامي الذي ~~أقمت الدليل القطعي بعجزكم عنه على صحة نسبته إلى ما حاج به أباه وقومه في ~~إبطال الأوثان التي أضلتكم، فهو أولى آبائكم أن تعتدوا به - والله الموفق. # ولما كان ربما وقع في وهم أن هداية كل من إسحاق وابنه بتربية أبيه، ذكر ~~العاشر من آباء الخليل وهو نوح عليهما السلام لدفع ذلك، ولأن السياق لإنكار ~~الأوثان، وهو أول من نهى عن عبادتها، وهو أجل آباء الخليل عليه السلام ~~فقال: {ونوحا هدينا} أي بما لنا من العظمة من بين ذلك الجيل الأعوج. # ولما كانت لم تتجاوز منه، وكان زمنه بعض الزمن المتقدم، أثبت الجار وقطعه ~~عن الإضافة لتراخي زمانهم كثيرا عن زمانه فقال: # PageV07P171 # {من قبل} أي ولم تكن هدايته إلا بنا في زمان كان أهله من شدة الضلال ~~ولزوم الظلم في مثل استقبال الليل، كلما امتد احلولك ظلامه واشتد، وطالما ~~دعاهم إلى الله ورباهم ms1407 فلم يرجع منهم كثيرا أحد حتى لقد خالفه زوجه وبعض ~~ولده، ولمثل ذلك فصل بين إسماعيل وأبيه ويوسف وأبيه عليهم السلام إشارة إلى ~~فراق كل منهما لأبيه في الحياة، وأنه ما حفظ كلا منهما على سنن الهدى طول ~~المدى إلا الله؛ ثم ابتدأ المذكورين بعد بمن بنى على يده ويد ابنه مسجدا هو ~~بعد المسجد الذي بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام فقال: {ومن ~~ذريته} . # ولما كان السياق كله لمدح الخليل، وكان المذكورون - إلا لوطا - من نسله، ~~وكان التغليب مستعملا شائعا في لسان العرب، لا سيما ولوط ابن أخيه ومثل ~~ولده؛ حكم بأن الضمير لإبراهيم عليه السلام، وقول من قال: إن يونس عليه ~~السلام ليس من نسله، غير صحيح، بل هو من بني إسرائيل، وهو أحد من ذكر في ~~سفر الأنبياء، وسيأتي خبره من السفر المذكور في سورة {والصافات} إن شاء ~~الله تعالى، وقد صرح أبو الحسن محمد بن عبد الله الكسائي في قصص الأنبياء ~~أنه من ذرية إبراهيم، واقتضى كلامه أنه من بني إسرائيل، كما اقتضى ذلك # PageV07P172 # كلام البغوي في سورة الأنبياء عليهم السلام، وأما أيوب فروى؛ من نسل عيص ~~بن إسحاق عليهم السلام {داود} أي هديناه {وسليمان} أي اللذين بنيا بيت ~~المقدس بأمر الله: داود بخطه وتأسيسه، وسليمان بإكماله وتشييده. # وما كان مع ذلك ملكين، تلاهما بمن شابههما في الملك أو الحكم على الملوك ~~فقال: {وأيوب} وقدمه لمناسبة ما بينه وبين سليمان في أن كلا منهما ابتلى ~~بأخذ كل ما في يده ثم رد الله إليه {ويوسف} وكل من هؤلاء الأربعة ابتلى ~~فصبر، واغتنى فشكر، وأيوب إن لم يكن ملكا فقد كانت ثروته غير مقصرة عن ثروة ~~الملوك، على أن بعض الطلبة أخبرني عن تفسير الهكاري - فيما أظن - أنه صرح ~~بأنه ملك، وأيضا فالاثنان الأولان كانا سبب إصلاح بني إسرائيل بعد الفساد ~~واستنقاذهم من ذل الفلسطين، والاثنان الباقيان كل منهما ابتلى بفراق أهله ~~ثم ردوا عليه: أيوب بعد أن ماتوا، ويوسف قبل الموت، # PageV07P173 # وأيضا فداود عليه السلام شارك ms1408 إبراهيم عليه السلام في أنه كان سبب سلامته ~~من ملك زمانه الاختفاء في غار، وذلك أن نمرود بن الكنعان كان ادعى الإلهية ~~وأطمع فيها، وقال له منجموه: يولد في بلدك هذا العام غلام يغير دين أهل ~~الأرض، ويكون هلاكك على يده، فأمر بذبح كل غلام في ناحيته في تلك السنة، ~~وأمر بعزل الرجال عن النساء، وحملت أم إبراهيم عليه السلام به في تلك ~~السنة، فلما وجدت الطلق خرجت ليلا إلى غار قريب منها فولدت فيه إبراهيم ~~وأصلحت من شأنه، ثم سدت فم الغار ورجعت، ثم كانت تطالعه فتجده يمتص إبهامه، ~~وكان يشب في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة؛ وأما داود عليه السلام فإنه ~~لما قتل جالوت وزوجه طالوت ابنته، وناصفه ملكه - على ما كان شرط لمن قتل ~~جالوت - مال إليه الناس وأحبوه، فحسده فأراد قتله، فطلبه فهرب منه، فدخل ~~غارا فنسجت عليه العنكبوت، فقال طالوت: لو دخل هنا لخرق بناء العنكبوت، ~~فأنجاه الله منه؛ وتلاه بسليمان لأنه مع كونه من أهل الملك والبلاء شارك ~~إبراهيم عليهما السلام في إبطال عبادة الشمس في قصة بلقيس رضي الله عنها؛ ~~وقصة يوسف عليه السلام في إبطال عبادة الأوثان شهيرة في قوله تعالى # {يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف: 39] . # PageV07P174 # ولما كان يوسف عليه السلام ممن أعلى الله كلمته على كلمة ملك مصر وأعز ~~ملكها وأهلها وأحياهم به، أتبعه من أعلى الله كلمتهما على كلمة ملك مصر ~~وأهلها وأهلكهم بهما، فكأن بعض قصصهم وفاق، وبعضها تقابل وطباق، فقال: ~~{وموسى وهارون} ولما كان التقدير: هديناهم جزاء لإحسانهم باهتدائهم في ~~أنفسهم ودعائهم لغيرهم إلى الهدى، لم يشغل أحدا منهم منحة السراء ولا محنة ~~الضراء، عطف عليه قوله: {وكذلك} أي ومثل ما جزيناهم {نجزي المحسنين *} أي ~~كلهم، ففي ذلك إشارة إلى علو مقامهم من هذه الجهة، وهي أنهم من أهل السراء ~~المطفئة والضراء المسنية، ومع ذلك فقد أحسنوا ولم يفتروا ولم ينوا. # ولما كان المذكوران قبله ممن سلطهما على الملوك، أتبعهما من سلط ms1409 الملوك ~~عليهما بالقتل فقال: {وزكريا ويحيى} ثم أتبعهما من عاندهما الملوك ولم ~~يسلطوا عليهما وأدام الله سبحانه حياتهما إلى أن يريد سبحانه فقال: {وعيسى ~~وإلياس} ولما كان هؤلاء الأربعة من الصابرين، قال مادحا لهم على وجه يعم من ~~قبلهم: {كل} أي من المذكورين {من الصالحين *} ثم أتبعهم من لم يكن بينهما ~~وبين الملوك # PageV07P175 # أمر، وهدى بهما من كان بين ظهرانيه فقال: {وإسماعيل واليسع} هذا إن كان ~~اليسع هو ابن أخطوب ابن العجوز خليفة إلياس، كما ذكر البغوي في سورة ~~الصافات أن الله تعالى أرسل إلى إلياس - وهو من سبط لاوي من نسل هارون عليه ~~السلام - فرسا من نار فركبه فرفعه الله وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه ~~الريش، فكان إنسيا ملكيا أرضيا سماويا، وسلط الله على آجب - يعني الملك ~~الذي سلط على إلياس - عدوا فقتله ونبأ الله اليسع وبعثه رسولا إلى بني ~~إسرائيل، وأيده فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه وإن كان اليسع هو يوشع ~~بن نون - كما قال زيد بن أسلم - فالمناسبة بينه وبين إسماعيل عليهما السلام ~~أن كلا منهما كان صادق الوعد، لأن يوشع أحد النقيبين اللذين وفيا لموسى ~~عليه السلام حين بعثهم يجسون بلاد بيت المقدس كما أشير إليه في قوله تعالى ~~{ولقد أخذ الله ميثاق بني إسراءيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} [المائدة: ~~12] وقوله {وقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] ~~وأيضا فكل منهما كان سبب عمارة بلد الله الأعظم بالتوحيد، فإسماعيل سبب ~~عمارة مكة المشرفة، ويوشع سبب عمارة البلدة المقدسة - كما سيأتي # PageV07P176 # في سورة يونس إن شاء الله تعالى. # ولما كان إسماعيل واليسع ممن هدى الله بهما قومهما من غير عذاب، أتبعهما ~~من هدى الله قومه بالعذاب وأنجاهم بعد إتيان مخايله فقال: {ويونس} أي ~~هديناه؛ ولما انقضت ذرية إبراهيم عليه السلام، ختم بابن أخيه الذي ضل قومه ~~فهلكوا بغتة، فبين قصتي هذين الآخرين طباق من جهة الهلاك والنجاة، ووفاق من ~~حيث إن كلا منهما أرسل إلى غير قومه فقال: {ولوطا} ثم وصفهم بما ms1410 يعم من ~~قبلهم فقال: {وكلا} أي ممن ذكرنا {فضلنا} أي بما لنا من العظمة بتمام العلم ~~وشمول القدرة {على العالمين *} فكل هؤلاء الأنبياء ممن هداه الله بهداه ~~وجاهد في الله حق جهاده، وبدأهم تعالى بإبراهيم عليه السلام وختمهم بابن ~~أخيه لوط عليه السلام على هذه المناسبة الحسنة؛ وقيل: إن الله تعالى أهلك ~~قوم إبراهيم - نمرود وجنوده - بعد هجرته، فإن صح ذلك تمت المناسبة في هلاك ~~كل من قومه وقوم ابن أخيه لوط بعد خروج نبيهم عنهم، فيكون بينهما وفاق كما ~~كان بين قصته وقصة يونس عليه السلام طباق. # ومن لطائف ترتيبهم هكذا أيضا أن إسماعيل عليه السلام يوازي نوحا عليه ~~السلام، فإنه رابع في العد لهذا العقد إذا عددته من آخره، كما أن نوحا عليه ~~السلام رابعه إذا عددته من أوله، والمناسبة بينهما أن # PageV07P177 # نوحا عليه السلام نشر الله منه الآدميين حتى كان منهم إبراهيم عليه ~~السلام الذي جعله الله أبا للأنبياء والمرسلين، وإسماعيل عليه السلام نشر ~~الله منه العرب الذين هم خلاصة الخلق حتى كان منهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين، فهذا كان بداية وهذا كان نهاية، ~~وأن المذكورين قبل ذرية إبراهيم عليه السلام وبعدها - وهما نوح ولوط عليهما ~~السلام - أهلك الله قوم كل منهما عامة، وغيب هؤلاء في جامد الأرض كما أغرق ~~أولئك في مانع الماء، وأشقى بكل منهما زوجته، بيانا لأن الرسل كما يكونون ~~لناس رحمة يكونون على قوم نقمة، وأنه لا نجاة بهم ولا انتفاع إلا بحسن ~~الاتباع، وأن ابن عمران اشترك مع إبراهيم عليهم السلام في أن كلا من ملكي ~~زمانهم أمر بقتل الغلمان خوفا ممن يغير دينه ويسلبه ملكه، وكما أن الله ~~تعالى أنجى إبراهيم عليه السلام وابن أخيه لوطا عليه السلام من ملك زمانهما ~~المدعي للإلهية فكذلك أنجى موسى وأخاه هارون عليهما السلام من ملك زمانهما ~~المدعي للآلهة، وأنجى ذرية إبراهيم بهما، فإذا جعلت إبراهيم وابن أخيه لوطا ~~- لكونه تابعا له - واحدا، وموسى وأخاه هارون واحدا لمثل ms1411 ذلك، ونظمت أسماء ~~جميع هذه # PageV07P178 # الأنبياء في سلك النقي: لوط مع إبراهيم كموسى مع هارون، وكان الأربعة ~~واسطة عقدة، فبين إبراهيم وموسى حينئذ سبعة كما أن بين هارون ولوط سبعة، ~~وإذا ضممت إليهم المقصود بالذات المخاطب بهذه الآيات المأمور بقوله ~~{فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] كان منزله في السلك بين ابن عمه لوط وأبيه ~~إبراهيم، ويكون من بين يديه تسعة، ومن خلفه تسعة، فمن إبراهيم إلى موسى ~~تسعة، ومن لوط إلى هارون كذلك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واسط ~~العقد ومكمل العقد، فإنه العاشر من كل جانب، فبه تكمل الهدى وإيجاب الردى، ~~وذلك طبق قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه: # «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع ~~لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا ~~وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» وللبخاري نحوه عن جابر، ~~هذا مع اقترانه بأقرب أولي العزم رتبة ونسبا صاحب القصة إبراهيم عليه ~~السلام، وإن جعلت موسى وهارون عليهما السلام كشيء واحد كانا واسطة من ~~الجانب الآخر، فإن عددت من جهة إبراهيم عليه السلام كان بينه وبينهما ~~ثمانية، وإن عددت # PageV07P179 # من جهة لوط عليه السلام كان كذلك. # PageV07P180 # ولما نص سبحانه على هؤلاء، وختم بتفضيل كل على العالمين، أتبعه على سبيل ~~الإجمال أن غيرهم كان مهديا، وأن فضل هؤلاء علة النص لهم على أسمائهم، فقال ~~ترغيبا في سلوك هذا السبيل بكثرة سالكيه وحثا على منافستهم في حسن ~~الاستقامة عليه والسلوك فيه: {ومن} أي وهدينا أو وفضلنا من {آبائهم} أي ~~أصولهم {وذرياتهم} أي من فروعهم من الرجال والنساء {وإخوانهم} أي فروع ~~أصولهم، وعطف على العامل المقدر قوله: {واجتبيناهم} أي واخترناهم، ثم عطف ~~عليه بيان ما هدوا إليه حثا لنا على شكره على ما زادنا من فضله فقال: ~~{وهديناهم} أي بما تقدم من الهداية {إلى صراط مستقيم *} وأما الصراط ~~المستقيم فخصصناكم به وأقمناكم عليه، فاعرفوا نعمتنا عليكم ms1412 واذكروا تفضيلنا ~~لكم. # ولما كان ربما أوهم تنكيره نقصا فيه، قال مستأنفا بيانا لكماله وتعظيما ~~لفضله وإفضاله: {ذلك} أي الهدى العظيم الرتبة {هدى الله} أي المستجمع لصفات ~~الكمال {يهدي} أي يخلق الهداية {به} أي بواسطة الإقامة عليه {من يشاء من ~~عباده} أي سواء كان له أب # PageV07P180 # يعمله أو كان له من يحمله على الضلال أولا؛ ولما بين فضل الهدى ونص على ~~رؤوس أهله، تهدد من تركه كائنا من كان، فقال مظهرا لعز الإلهية بالغنى ~~المطلق منزها نفسه عما لوحظ فيه غيره ولو بأدنى لحظ: {ولو أشركوا} أي هؤلاء ~~الذين ذكرنا من مدحهم ما سمعت وبينا من اختصاصنا لهم ما علمت - شيئا من شرك ~~وقد أعاذهم الله من ذلك، وأقام بهم معوج المسالك، وأنار بهم ظلام الأرض ~~بطولها والعرض {لحبط عنهم} أي فسد وسقط {ما كانوا يعملون *} أي وإن كان في ~~غاية الإتقان بقوانين العلم، وزاد في الترهيب من التواني في السير والزيغ ~~عن سوء القصد بقوله: {أولئك} أي العالو الرتبة الذين قدمنا ذكرهم وأخبرنا ~~أنهم لو أشركوا سقطت أعمالهم {الذين آتيناهم} أي بعظمتنا {الكتاب} أي ~~الجامع لكل خير، فمن ملك ما فيه من العلوم والمعارف حكم على البواطن، وذلك ~~لأن الناس يحبونه فينقادون له ببواطنهم {والحكم} أي العمل المتقن بالعلم، ~~ومنه نفوذ الكلمة على الظواهر بالسلطنة وإن كرهت البواطن {والنبوة} أي ~~العلم المزين بالحكم وهي وضع كل شيء في أحق مواضعه، فهي جامعة للمرتبتين ~~الماضيتين، فلذلك كان الأنبياء يحكمون على البواطن بما عندهم # PageV07P181 # من العلم، وعلى الظواهر بما يظهر من المعجزات؛ ثم سبب عن تعظيمها بذلك ~~تعظيمها بأنها لا تبور، فقال تسلية عن المصيبة بطعن الطاعنين فيها وإعراض ~~الجاهلين عنها وترجية عندما يوجب اليأس من نفرة اكثر المدعوين: {فإن يكفر ~~بها} أي هذه الأشياء العظيمة {هؤلاء} أي أهل مكة الذين أنت بين أظهرهم، وقد ~~حبوناهم بها على أتم وجه وأكمله وأعلاه وأجمله، وأنت تدعوهم إلى أن يكونوا ~~سعداء بما اشتملت عليه من الهدى وهم عنه معرضون، ولعل الإشارة على هذا ms1413 ~~الوجه لتحقيرهم {فقد وكلنا} أي لما لنا من العظمة في الماضي والحال ~~والاستقبال {بها قوما} أي ذوي قوة على القيام بالأمور بالإيمان بها والحفظ ~~لحقوقها {ليسوا} وقدم الجار اهتماما فقال: {بها بكافرين *} أي بساترين ~~الشيء مما ظهر من شموس أدلتها، وهم الأنبياء ومن تبعهم، وقد صدق الله - ومن ~~أصدق من الله حديثا! فقد جاء في هذه الأمة من العلماء الأخيار والراسخين ~~الأحبار من لا يحصيهم إلا الله. # ولما كان المراد بسوقهم هكذا - والله أعلم - أن كلا منهم بادر بعد ~~الهداية إلى الدعاء إلى الله والغيرة على جلاله من الإشراك، لم يشغل # PageV07P182 # أحدا منهم عن ذلك سراء ولا ضراء بملك ولا غيره من ملك أو غيره بل لازموا ~~الهدى الدعاء إليه على كل حال؛ قال مستأنفا لتكرار أمداحهم بما يحمل على ~~التحلي بأوصافهم، مؤكدا لإثبات الرسالة: {أولئك} أي العالو المراتب {الذين ~~هدى الله} أي الملك الحائز لرتب الكمال، الهدى الكامل، ولذلك سبب عن مدحهم ~~قوله: {فبهداهم} أي خاصة في واجبات الإرسال وغيرها {اقتده} وأشار بهاء ~~السكت التي هي أمارة الوقوف - وهي ثابتة في جميع المصاحف - إلى أن الاقتداء ~~بهم كان غير محتاج إلى شيء؛ ثم فسر الهدى بمعظم أسبابه فقال: {قل} أي لمن ~~تدعوهم كما كانوا يقولون مما ينفي التهمة ويمحص النصيحة فيوجب الاتباع إلا ~~من شقى {لا أسئلكم} أي أيها المدعوون {عليه} أي على الدعاء {أجرا} فإن ~~الدواعي تتوفر بسبب ذلك على الإقبال إلى الداعي والاستجابة للمرشد؛ ثم ~~استأنف قوله: {إن} أي ما {هو} أي هذا الدعاء الذي أدعوكم به {إلا ذكرى} أي ~~تذكير بليغ من كل ما يحتاج إليه في المعاش والمعاد {للعالمين *} أي الجن ~~والإنس والملائكة دائما، لا ينقضي دعاؤه ولا ينقطع نداؤه، وفي التعبير ~~بالاقتداء إيماء إلى تبكيت كفار العرب حيث اقتدوا بمن لا يصلح للقدوة من ~~آبائهم، وتركوا من يجب الاقتداء به. ولما حصر الدعاء في الذكرى، وكان ذلك ~~نفعا لهم ورفقا بهم، لا تزيد طاعتهم في ملك الله شيئا ولا ينقص # PageV07P183 # إعراضهم من عظمته شيئا، ms1414 لأن كل ذلك بإرادته؛ بني حالا منهم، فقال تأكيدا ~~لأمر الرسالة بالإنكار على من جحدها وإلزاما لهم بما هم معترفون به، أما ~~أهل الكتاب فعلما قطعيا، وأما العرب فتقليدا لهم ولأنهم سلموا لهم العلم ~~وجعلوهم محط سؤالهم عن محمد صلى الله عليه وسلم: {وما} أي فقلنا ذلك لهم ~~خاصة والحال أنهم ما {قدروا} أي عظموا {الله} أي المستجمع لصفات الكمال {حق ~~قدره} أي تعظيمه في جحدهم لذكراهم وصدهم عن بشراهم ومقابلتهم للشكر عليه ~~بالكفر له؛ قال الواحدي: يقال قدر الشيء - إذا سبره وحزره وأراد أن يعلم ~~مقداره - يقدره - بالضم - قدرا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # «فإن غم عليكم فاقدروا له» ، أي فاطلبوا أن تعرفوه - هذا أصله في اللغة، ~~ثم قيل لمن عرف شيئا: هو يقدر قدره، وإذا لم يعرفه بصفاته: إنه لا يقدر ~~قدره {إذ} أي حين {قالوا} أي اليهود، والآية مدنية وقريش في قبولهم لقولهم، ~~ويمكن أن تكون مكية، ويكون قولهم هذا حين أرسلت إليهم قريش تسألهم عنه صلى ~~الله عليه وسلم في أمر رسالته واحتجاجه عليهم بإرسال موسى عليه السلام ~~وإنزال التوراة عليه {ما أنزل الله} أي ناسين ما له من صفات الكمال {على ~~بشر من شيء} لأن # PageV07P184 # من نسب ملكا تام الملك إلى أنه لم يثبت أوامره في رعيته بما يرضيه ~~ليفعلوه وما يسخطه ليجتنبوه، فقد نسبه إلى نقص عظيم، فكيف إذا كانت تلك ~~النسبة كذبا! وهذا وإن كان ما قاله إلا بعض العالمين بل بعض أهل الكتاب ~~الذين هم بعض العالمين، أسند إلى الكل، لأنهم لم يردوا على قائله ولم ~~يعاجلوه بالأخذ تفظيعا للشأن وتهويلا للأمر، وبيانا لأنه يجب على كل من سمع ~~بآية من آيات الله أن يسعى إليها ويتعرف أمرها، فإذا تحققه فمن طعن فيها ~~أخذ على يده بما يصل إليه قدرته، كما أنه كذلك كان يفعل لو كان ذلك ناشئا ~~عن أبيه أو أحد ممن يكون فخره به من أبناء الدنيا، وفي ذلك أتم إشارة إلى ~~أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ms1415 عماد الأمور كلها، من فرط فيه هلك ~~وأهلك؛ روى الواحدي في أسباب النزول بغير سند عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~ومحمد بن كعب القرظي أن اليهود قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل ~~الله تعالى - يعني هذه الآية، فقال مشيرا إلى أن اليهود قائلو ذلك، وملزما ~~بالاعتراف بالكذب أو المساواة للأميين في التمسك بالهوى دون كتاب، موبخا ~~لهم ناعيا عليهم سوء جهلهم وعظيم بهتهم وشدة وقاحتهم وعدم حيائهم: {قل} أي ~~لهؤلاء السفهاء الذين تجرؤوا على هذه المقالة غير ناظرين في عاقبتها وما ~~يلزم منها توبيخا لهم وتوقيفا على # PageV07P185 # موضع جهلهم {من أنزل الكتاب} أي الجامع للأحكام والمواعظ وخيري الدنيا ~~والآخرة {الذي جاء به موسى} أي الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه، حال كون ذلك ~~الكتاب {نورا} أي ذا نور يمكن الأخذ به من وضع الشيء في حاق موضعه {وهدى ~~للناس} أي ذا هدى لهم كلهم، أما في ذلك الزمان فبالتقيد به، وأما عند إنزال ~~الإنجيل فبالأخذ بما أرشد إليه من اتباعه، وكذا عند إنزال القرآن، فقد بان ~~أنه هدى في كل زمان تارة بالدعاء إلى ما فيه وتارة بالدعاء إلى غيره؛ ثم ~~بين أنهم اخفوا منه ما هو نص وصريح في الدعاء إلى غيره اتباعا منهم للهوى ~~ولزوما للعمى فقال: {تجعلونه} أي أيها اليهود {قراطيس} اي أوراقا مفرقة ~~لتتمكنوا بها من إخفاء ما أردتم {تبدونها} أي تظهرونها للناس {وتخفون ~~كثيرا} أي منها ما تريدون به تبديل الدين - هذا على قراءة الجماعة ~~بالفوقانية، وعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيبة هو التفات مؤذن بشدة ~~الغضب مشير إلى أن ما قالوه حقيق بأن يستحيى من ذكره فكيف بفعله! ثم التفت ~~إليهم للزيادة في تبكيتهم إعلاما بأنهم متساوون لبقية الإنسان في أصل ~~الفطرة، بل العرب أزكى منهم وأصح أفهاما، فلولا ما أتاهم به موسى عليه ~~السلام ما فاقوهم بفهم، ولا زادوا عليهم في علم، فقال: {وعلمتم} أي أيها ~~اليهود بالكتاب الذي أنزل على موسى {ما لم تعلموا أنتم} أي # PageV07P186 # أيها اليهود ms1416 من أهل هذا الزمان {ولا آباؤكم} أي الأقدمون الذين كانوا ~~أعلم منكم. # ولما كانوا قد وصلوا في هذه المقالة إلى حد من الجهل عظيم، قال مشيرا إلى ~~عنادهم: {قل} أي أنت في الجواب عن هذا السؤال غير منتظر لجوابهم فإنهم أجلف ~~الناس وأعتاهم {الله} أي الذي أنزل ذلك الكتاب {ثم} بعد أن تقول ذلك لا ~~تسمع لهم شيئا بل {ذرهم في خوضهم} أي قولهم وفعلهم المثبتين على الجهل ~~المبنيين على أنهم في ظلام الضلال كالخائض في الماء يعملون ما لا يعلمون ~~{يلعبون *} أي يفعلون فعل اللاعب، وهو ما لا يجر لهم نفعا ولا يدفع عنهم ~~ضرا مع تضييع الزمان. # PageV07P187 # ولما أثبت سبحانه أنه الذي أنزل التوراة والإنجيل تكميلا لإثبات الرسالة ~~بدليل علم اليهود دون من لا كتاب لهم، عطف على ذلك قوله تأكيدا لإثباتها ~~وتقريرا: {وهذا} أي القرآن الذي هو حاضر الآن في جميع الأذهان {كتاب} أي ~~جامع لخيري الدارين، وكان السياق لأن يقال: أنزل الله، ولكنه أتى بنون ~~العظمة، لأنها أدل على تعظيمه فقال: {أنزلناه} أي وليس من عند محمد صلى ~~الله عليه وسلم # PageV07P187 # من نفسه، وإنما هو بإنزالنا إياه إليه وإرسالنا له به {مبارك} أي كثير ~~الخير ثابت الأمر، لا يقدر أحد من الخلق على إنكاره لإعجازه، لتعلم أهل ~~الكتاب خصوصا حقيقته بتصديقه لكتابهم لأنه {مصدق الذي بين يديه} أي كله من ~~كتبهم وغيرها، فيكون أجدر لإيمانهم به، وتعلم جميع أهل الأرض عموما ذلك ~~بذلك وبإعجازه {ولتنذر} أي به {أم القرى} أي مكة لأنها أعظم المدن بما لها ~~من الفضائل {ومن حولها} ممن لا يؤمن بالآخرة فهو لا يؤمن به من أهل الأرض ~~كلها من جميع البلدان والقرى، لأنها أم الكل، وهم في ضلالتهم مفرطون ~~{والذين يؤمنون بالآخرة} أي فيهم قابلية الإيمان بها على ما هي عليه، من ~~أهل أم القرى ومن حولها بكل خير ينشرون {يؤمنون به} أي بالكتاب بالفعل لأن ~~الإيمان بها داع إلى كل خير بالخوف والرجاء، والكفر بها حامل على كل بشر. # ولما تكرر ms1417 وصف المنافقين بالتكاسل عن الصلاة جعل المحافظة عليها علما على ~~الإيمان فقال: {وهم على صلاتهم يحافظون *} أي يحفظونها غاية الحفظ، فالآية ~~من عجيب فن الاحتباك: ذكر الإندار والأم أولا دالا على حذفهما ثانيا، ~~وإثبات الإيمان والصلاة ثانيا دليل على نفيهما أولا. # PageV07P188 # ولما كان في قولهم «ما أنزل الله على بشر من شيء» صريح الكذب وتضمن ~~تكذيبه - وحاشاه صلى الله عليه وسلم! أما من اليهود فبالفعل، وأما من قريش ~~فبالرضى، وكان بعض الكفرة قد ادعى الإيحاء إلى نفسه إرادة للطعن في القرآن؛ ~~قال تعالى مهولا لأمر الكذب لا سيما عليه لا سيما في أمر الوحي، عاطفا على ~~مقول «قل من أنزل» مبطلا للتنبؤ بعد تصحيح أمر الرسالة وإثباتها إثباتا لا ~~مرية فيه، فكانت براهين إثباتها أدلة على إبطال التنبؤ وكذب مدعيه: {ومن ~~أظلم ممن افترى} أي بالفعل كاليهود والرضى كقريش {على الله كذبا} أي أي كذب ~~كان، فضلا عن إنكار الإنزال على البشر {أو قال أوحي إلي ولم} أي والحال أنه ~~لم {يوح إليه شيء} فهذا تهديد على سبيل الإجمال كعادة القرآن المجيد، يدخل ~~فيه كل من اتصف بشيء من ذلك كمسيلمة والأسود العنسي وغيرهما، ثم رأيت في ~~كتاب غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود للسموأل بن يحيى المغربي ~~الذي كان من أجل علمائهم في حدود سنة ستين وخمسمائة، ثم هداه الله للإسلام، ~~وكانت له يد طولى في الحساب والهندسة والطب وغير ذلك من العلوم، فأظهر # PageV07P189 # بعد إسلامه فضائحهم أن الربانيين منهم زعموا أن الله كان يوحي إلى جميعهم ~~في كل يوم مرات، ثم قال بعد أن قسمهم إلى قرائين وربانيين: إن الربانيين ~~أكثرهم عددا، وقال: وهم الذين يزعمون أن الله كان يخاطبهم في كل مسالة ~~بالصواب، قال: وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم {ومن قال ~~سأنزل} أي بوعد لا خلف فيه {مثل ما أنزل الله} كالنضر بن الحارث ونحوه. # ولما كان الجواب قطعا في كل منصف: لا أحد أظلم منه، بل هم أظلم الظالمين، ~~كان كأنه قيل: ms1418 فلو رأيتهم وقد حاق بهم جزاء هذا الظلم كرد وجوههم مسودة وهم ~~يسحبون في السلاسل على وجوههم، وجهنم تكاد تتميز عليهم غيظا، وهم قد هدهم ~~الندم والحسرة، وقطع بهم الأسف والحيرة لرأيت أمرا يهول منظره، فكيف يكون ~~مذاقه ومخبره! فعطف عليه ما هو أقرب منه، فقال كالمفصل لإجمال ذلك التهديد ~~مبرزا بدل ضميرهم الوصف الذي أداهم إلى ذلك: {ولو ترى} أي يكون منك رؤية ~~فيما هو دون ذلك {إذ الظالمون} أي لأجل مطلق الظلم فكيف بما ذكر منه! ~~واللام للجنس الداخل فيه هؤلاء دخولا أوليا {في غمرات الموت} أي شدائده ~~التي قد غمرتهم كما يغمر البحر الخضم من يغرق فيه، فهو يرفعه ويخفضه ~~ويبتلعه ويلفظه، لا بد له # PageV07P190 # منه {والملائكة} أي الذين طلبوا جهلا منهم إنزال بعضهم على وجه الظهور ~~لهم، وأخبرناهم أنهم لا ينزلون إلا لفصل الأمور وإنجاز المقدور {باسطوا ~~أيديهم} أي إليهم بالمكروه لنزع أرواحهم وسلها وافية من أشباحهم كما يسل ~~السفود المشعب من الحديد من الصوف المشتبك المبلول، لا يعسر عليهم تمييزها ~~من الجسد، ولا يخفى عليهم شيء منها في شيء منه، قائلين ترويعا لهم وتصويرا ~~للعنف والشدة في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال، ~~وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط الملازم {أخرجوا أنفسكم} فكأنهم قالوا: ~~لماذا يا رسل ربنا؟ فقالوا: {اليوم} أي هذه الساعة، وكأنهم عبروا به لتصوير ~~طول العذاب {تجزون عذاب الهون} أي العذاب الجامع بين الإيلام العظيم ~~والهوان الشديد والخزي المديد بالنزع وسكرات الموت وما بعده في البرزخ - ~~إلى ما لا نهاية له {بما كنتم تقولون} أي تجددون القول دائما {على الله} أي ~~الذي له جميع العظمة {غير الحق} أي غير القول المتمكن غاية التمكن في درجات ~~الثبات، ولو قال بدله: باطلا، لم يؤد هذا المعنى، ولو قال: الباطل، لقصر عن ~~المعنى أكثر، وقد مضى في المائدة ما ينفع هنا، وإذا نظرت إلى أن السياق ~~لأصول الدين ازداد المراد وضوحا {وكنتم} أي وبما كنتم {عن آياته تستكبرون ~~*} # PageV07P191 # أي تطلبون الكبر للمجاوزة ms1419 عنها، ومن استكبر عن آية واحدة كان مستكبرا عن ~~الكل، أي لو رأيت ذلك لرأيت أمرا فظيعا وحالا هائلا شنيعا، وعبر بالمضارع ~~تصويرا لحالهم. # PageV07P192 # ولما كانوا ينكرون أن يحس الميت شيئا بعد الموت أو يفهم كلاما، وكان ~~التقدير كما دل عليه السياق: فتتوفاهم الملائكة، لا يقدر أحد على منعهم، ~~فيقول لهم: قد رأيتم ملائكتنا الذين أخبرناكم أول السورة أنهم إذا أبصروا ~~كان القضاء الفصل والأمر البت الحتم الذي ليس فيه مهل، عطف عليه قوله مشيرا ~~إلى ما كان سبب استكبارهم من الاجتماع على الضلال والتقوى بالأموال: {ولقد ~~جئتمونا} أي لما لنا من العظمة بالموت الذي هو دال على شمول علمنا وتمام ~~قدرتنا قطعا، ودل على تمام العظمة وأن المراد مجيئهم بالموت قوله: {فرادى} ~~أي متفرقين، ليس أحد منكم مع أحد، ومنفردين على كل شيء صدكم عن اتباع رسلنا ~~{كما خلقناكم} أي بتلك العظمة التي أمتناكم بها بعينها {أول مرة} في ~~الانفراد والضعف والفقر، فأين جمعكم الذي كنتم به تستكبرون! {وتركتم ما ~~خولناكم} أي ملكناكم من المال ومكناكم من إصلاحه نعمة عليكم لتتوصلوا به ~~إلى رضانا، فظننتم أنه لكم بالأصالة، وأعرضتم عنا وبدلتم ما دل # PageV07P192 # عليه من عظمتنا بضد ذلك من الاستهانة بأوامرنا {وراء ظهوركم} فما أغنى ~~عنكم ما كنتم منه تستكبرون. # ولما كانوا يعدون الأصنام آلهة، ويرجون شفاعتها، إما استهزاء، وإما في ~~الدنيا، وإما في الآخرة - على تقدير التسليم لصحة البعث، قال تهكما بهم ~~واستهزاء بشأنهم: {وما نرى معكم شفعاءكم} أي التي كنتم تقولون فيها ما ~~تقولون {الذين زعمتم} أي كذبا وجراءة وفجورا {أنهم فيكم شركاء} أي أن لهم ~~فيكم نصيبا مع الله حتى كنتم تعبدونهم في وقت الرخاء وتدعونه في وقت الشدة، ~~أروناهم لعلهم سترهم عنا ساتر أو حجبنا عنهم حاجب؛ ثم دل على بهتهم في جواب ~~هذا الكلام الهائل المرعب حيرة وعجزا ودهشا وذلا بقوله: {لقد تقطع} أي ~~تقطعا كثيرا. # ولما كان ذكر البين في شيء يدل على قربه في الجملة وحضوره ولو في الذهن، ~~لأنه يقال: بيني ms1420 وبين كذا كذا، وكان فلان بيننا، ونحو ذلك مما يدل على ~~الحضور؛ قال منبها على زوال ذلك حتى بالمرور بالبال والخطور في الذهن لشدة ~~الاشتغال {بينكم} فأسند القطع المبالغ فيه إلى البين، وإذا انقطع البين ~~تقطع ما كان فيه من الأسباب التي كانت تسبب الاتصال، فلم يبق لأحد منهم ~~اتصال # PageV07P193 # بالآخر، لأن ما بينهما صار كالخندق بانقطاع نفس البين، فلا يتأتى معه ~~الوصول، هذا على قراءة الجماعة بالرفع، وهذا المثال معنى قراءة نافع ~~والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على الظرفية؛ ولما رجع المعنى إلى تقطع ~~الوصل، بين سبب ذلك، وهو زوال المستند الذي كانوا يستندون إليه فقال: {وضل ~~عنكم} أي ذهب وبطل {ما كنتم تزعمون *} أي من تلك الأباطيل كلها. # ولما ثبتت الوحدانية والنبوة والرسالة وتقاريع من تقاريعها، وانتهى ~~الكلام هنا إلى ما تجلى به مقام العظمة، وانكشف له قناع الحكمة وتمثل نفوذ ~~الكلمة، فتهيأ السامع لتأمله، وتفرع فهمه لتدبره؛ قال دالا عليه مشيرا ~~إليه، معلما أن ما مضى أنتجه وأظهره لا بد وأبرزه، مذكرا بآياته {والذين ~~يؤمنون بالآخرة} وبمحاجة إبراهيم عليه السلام، مصرفا ما مضى أول السورة من ~~دلائل الوحدانية على أوجه أخرى، إعلاما بأن دلائل الجلال تفوق عدد الرمال، ~~وتنبيها على أن القصد بالذات معرفة الله تعالى بذاته وصفاته: {إن الله} أي ~~الذي له جميع صفات الكمال، فهو قادر على كل ما يريد {فالق الحب} أي فاطره ~~وشاقه عن الزروع والنبات، وعبر بذلك لأن الشيء قبل وجوده كان معدوما، ~~والعقل يتوهم ويتخيل من العدم ظلمة متصلة، # PageV07P194 # فإذا خرج من العدم المحض والفناء الصرف فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك ~~العدم {والنوى} أي وهو ما يكون داخل الثمار المأكولة كالتمر، ولا يكون ~~مقصودا لذاته بفلقها عن الأشجار، وفي ذلك حكم وأسرار تدق عن الأفكار، وتدل ~~على كمال الواحد المختار؛ قال الإمام الرازي ما حاصله: إن النواة والحبة ~~تكون في الأرض الرطبة مدة، فيظهر الله فيها شقا في أعلاها وآخر في أسفلها، ~~وتخرج الشجرة من الأعلى فتعلو وتهبط من الأسفل ms1421 شجرة أخرى في أعماق الأرض، ~~هي العروق، وتلك الحبة أو النواة سبب واصل بين الشجرتين: الصاعدة والهابطة، ~~فيشهد الحس والعقل بأن طبع الصاعدة والهابطة متعاكس، وليس ذلك قطعا بمقتضى ~~الطبع والخاصية، بل بالإيجاد والاختراع والتكوين والإبداع، ولا شك أن ~~العروق الهابطة في غاية اللطافة والرقة بحيث لو دلكت باليد بأدنى قوة صارت ~~كالماء، وهي مع ذلك تقوى على النفوذ في الأرض الصلبة التي لا ينفذ فيها ~~المسلة والسكين الحادة إلا بإكراه عظيم، فحصول هذا النفوذ لهذه الأجرام ~~اللطيفة لا يكون قطعا إلا لقوة الفاعل المختار، لا سيما إذا تأملت ظهور ~~شجرة من نواة صغيرة، ثم تجمع الشجرة طبائع مختلفة في قشرها ثم فيما تحته من ~~جرم الخشبة، وفي وسط تدوير الخشبة جرم ضعيف كالعهن المنفوش، ثم يتولد من ~~ساقها أغصانها، ومن الأغصان أوراقها # PageV07P195 # أولا ثم أنوارها وأزهارها ثانيا، ثم الفاكهة ثالثا، ثم قد يحصل للفاكهة ~~أربعة أنواع من القشور، مثل الجوز واللوز قشره الأعلى ذلك الجرم الأخضر، ~~وتحته القشر الذي كالخشب، وتحته القشر الذي كالغطاء الرقيق المحيط باللبة، ~~وتحته اللب المشتمل على جرم كثيف هو أيضا كالقشرة، وعلى جرم لطيف هو الزهر، ~~وهو المقصود بالذات، فتولد هذه الأجسام المختلفة طبعا وصفة ولونا وشكلا ~~وطعما مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والعناصر والفصول الأربعة دال على ~~القادر المختار بتلوه في الفرحة، وقد تجتمع الطبائع الأربعة في الفاكهة ~~الواحدة كالأترج قشره حار يابس ونوره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه ~~يابس حار رطب مع أنك تجد أحوالها مختلفة، بعضها لبه في داخله وقشره في ~~خارجه كالجوز واللوز، وبعضها يكون المطلوب منه في الخارج وخشبه في الداخل ~~كالخوخ والمشمش، وبعضه لا لب لنواه كالتمر، وبعضه يكون كله مطلوبا كالتين، ~~واختلاف هذه الطبائع والأحوال المتضادة والخواص المتنافرة حتى في الحبة ~~الواحدة لا يكون عن طبيعة، بل عن الواحد المختار، والحبوب مختلفة الألوان ~~والأشكال والصور، فشكل الحنطة كأنه نصف مخروط، وشكل الشعير كأنه مخروطان ~~اتصلا بقاعدتيهما وشكل الحمص على وجه آخر، وأودع سبحانه في كل نوع ms1422 منها ~~خاصية ومنفعة غير ما في الآخر، وقد تكون الثمرة غذاء لحيوان # PageV07P196 # وسما لحيوان آخر، فهذا الاختلاف مع اتحاد الطبائع وتأثيرات الكواكب دال ~~على أنها إنما حصلت بالفاعل المختار، ثم إنك تجد في ورقة الشجرة خطا في ~~وسطها مستقيما نسبته لتلك الورقة نسبة النخاع إلى بدن الإنسان، ينفصل عنه ~~خيوط مختلفة، وعن كل واحد منها خيوط أخرى أدق من الأولى، ولا يزال على هذا ~~النهج حتى تخرج الخيوط عن الحس والبصر، كما أن النخاع يتفصل منه أعصاب ~~كثيرة يمنة ويسرة في البدن، ثم لا يزال يتفصل عن كل شعبة أخرى، ولا يزال ~~يستدق حتى تلطف عن الحس، فعل سبحانه ذلك في الورقة لتقوى القوى المذكورة في ~~جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة، ~~فهذا يعلمك أن عنايته سبحانه في اتخاذ جملة تلك الشجرة أكمل، فعنايته في ~~تكوين جملة النبات أكمل، وهو إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان فعنايته ~~في تخليق الحيوان أكمل، والمقصود من تخليق جملة الحيوان هو الإنسان فعنايته ~~في تخليقه أكمل، وهو سبحانه إنما خلق الحيوان والنبات في هذا العالم ليكون ~~غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده، والمقصود من جسده حفظ تركيبه لأجل المعرفة ~~والمحبة والعبودية، فسبيلك أن تنظر في ورقة الشجرة وتتأمل في تلك الأوتار ~~ثم تترقى منها إلى أوج تخليق الشجرة ثم إلى ما فوقها رتبة رتبة لتعلم أن ~~المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية، وحينئذ ~~ينفتح لك باب من المكاشفات لا آخر له، ويظهر لك أن نعم الله في خلقك غير ~~متناهية # {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34]- والله الهادي. # PageV07P197 # ولما كان فلقهما عن النبات من جنس الإحياء لما فيه من النمو فسر معنى ~~الفلق وبينه إشارة إلى الاعتناء به وقتا بعد وقت بقوله: {يخرج} أي على سبيل ~~التجدد والاستمرار تثبيتا لأمر البعث {الحي} أي كالنجم والشجر والطير ~~والدواب {من الميت} من الحب والنوى والبيض والنطف فكيف تنكرون قدرته على ~~البعث؛ ولما انكشف معناه وبان مغزاه بإخراج ms1423 الأشياء من أضدادها لئلا يتوهم ~~- لو كان لا يخرج عن شيء إلا مثله - أن الفاعل الطبيعة والخاصية، عطف على ~~{فالق} زيادة في البيان قوله معبرا باسم الفاعل الدال على الثبات لأنه لا ~~منازعة لهم فيه، فلم تدع حاجة إلى التعبير بالفعل الدال على التجدد: {ومخرج ~~الميت} أي من الحب وما معه {من الحي} أي من النجم وما معه. # ولما تقررت له سبحانه هذه الأوصاف التي لا قدرة أصلا لأحد غيره على شيء ~~منها، قال منبها لهم على غلطهم في إشراكهم، إعلاما بأن كل شريك ينبغي أن ~~يساوي شريكه في شيء ما من الأمر المشرك فيه، ولا مكافئ له سبحانه وتعالى في ~~شيء من الأشياء فلا شريك له بوجه: {ذلكم} أي العالي المراتب المنيع المراقي ~~هو {الله} أي المستجمع لصفات الكمال وحده فلا يحق الإلهية إلا له؛ ولما كان ~~هذا # PageV07P198 # معنى الكلام، سبب عنه قوله: {فأنى} أي فكيف ومن أي وجه {تؤفكون *} أي ~~تصرفون وتقلبون عما ينبغي اعتقاده. # ولما وصف سبحانه وتعالى نفسه المقدسة من فلق الجواهر بما اقتضى حتما ~~اتصافه بصفات الكمال، وقدمه لكونه من أظهر أدلة القدرة على البعث الذي هذا ~~أسلوبه، مع الإلف له بقربه ومعالجته، أتبعه ما هو مثله في الدلالة على ~~الإحياء لكنه في المعاني وهو سماوي، شارحا لما أشار إليه الخليل عليه ~~السلام في محاجة قومه من إبطال إلهية كل من النور والظلمة والكواكب التي هي ~~منشأ ذلك، فقال ترقية من العالم السفلي إلى العالم العلوي: {فالق الإصباح} ~~أي موجده، وحقيقته: فالق ظلمة الليل عن الصباح، لكنه لما كثر استعماله وأمن ~~اللبس فيه أسند الفعل إلى الصبح، كما يقال: انفجر الصبح، وانفجر عنه الليل، ~~ويمكن أن يراد بالفلق الكشف، لأنه يكشف من المفلوق ما كان خفيا، فعبر عن ~~المسبب الذي هو الإظهار بالسبب الذي هو الفلق، وعبر عن الصباح بهذه الصيغة ~~التي يقال المدخول في الصبح لتصلح لإرادة فلق السكون بالنور أو غيره عن ~~التصرف بالحركة المرتبة على الدخول في الصبح، فدلنا ذلك على وجاعل ms1424 الإصباح ~~حركة وسادل الليل {وجاعل اليل} بما يكون من إظلامه {سكنا} يسكن الناس فيه ~~وإليه ويستريحون فيه، فالآية من الاحتباك: حذف من الأول الحركة ودل # PageV07P199 # عليها بالسكن، وحذف من الثاني السدل ودل عليه بالفلق، وهذا الفلق من أعظم ~~الدلائل على قدرته سبحانه، وفيه دلالتان لأن الإصباح يشمل الفجر الكاذب ~~والصادق، والأول أقوى دلالة لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل ~~فالموضع - الذي تكون تلك الدائرة أفقا له - تطلع الشمس من مشرقه، فيضيء في ~~ذلك الموضع نصف كرة الأرض، فيحصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتك، ويكون ~~ذلك الضوء منتشرا مستطيرا في جميع الجو، ويجب أن يقوى لحظة فلحظة، فلو كان ~~الأول من قرص الشمس لامتنع أن يكون خطا مستطيلا، بل كان يجب أن يكون ~~مستطيرا في الأفق منتشرا متزايدا لحظة فلحظة، لكن ليس هو كذلك، فإنه يبدو ~~كالخيط الأبيض الصاعد حتى شبهته العرب بذنب السرحان ثم يحصل عقبه ظلمة ~~خالصة، ثم يكون الثاني الصادق المستطير فكان الأول أدل على القدرة، لأنه ~~بتخليق الله ابتداء تنبيها على أن الأنوار ليس لها وجود إلا بإبداعه، ~~والظلمات ليس لها ثبات إلا بتقديره. # ولما ذكر الضياء والظلمة، ذكر منشأهما وضم إليه قرينه فقال عاطفا على محل ~~{والليل} لأن جاعلا ليس بمعنى المضيء فقط لتكون الإضافة حقيقية، بل المراد ~~استمراره في الأزمنة كلها: {والشمس} أي التي ينشأ عنها كل منهما، هذا عن ~~غروبها وهذا عن شروقها # PageV07P200 # {والقمر} أي الذي هو آية الليل {حسبانا} أي ذوي حسبان وعلمين عليه، لأن ~~الحساب يعلم بدورهما وسيرهما، وبسبب ذلك نظم سبحانه مصالح العالم في الفصول ~~الأربعة، فيكون عن ذلك ما يحتاج إليه من نضج الثمار وحصول الغلات، وعبر ~~عنهما بالمصدر المبني على هذه الصيغة البليغة إشارة إلى أن الحساب بهما أمر ~~عظيم كبير النفع كثير الدخول، مع ما له من الدنيا في أبواب الدين فهو جل ~~نفعهما الذي وقع التكليف به، فكأنه لما كان الأمر كذلك، كان حقيقتهما التي ~~يعبر عنهما بها، وأما غير ذلك من منافعهما ms1425 فلا مدخل للعباد فيه. # ولما كان هذا أمرا باهرا ووصفا قاهرا، أشار إليه بأداة البعد فقال: {ذلك} ~~أي التقدير العظيم الذي تقدم من الفلق وما بعده {تقدير العزيز} أي الذي لا ~~يغالب فهو الذي قهرهما على ما سيرهما فيه، وغلب العباد على ما دبر من أمرهم ~~بهما، فلو أراد أحد أن يجعل ما جعله من النوم يقظة واليقظة نوما، أو يجعل ~~محل السكن للحركة أو بالعكس أو غير ذلك مما أشارت إليه الآية لأعياه ذلك ~~{العليم *} أي الذي جعل ذلك بعلمه على منهاج لا يتغير وميزان قويم لا يزيغ. # PageV07P201 # ولما ذكر ذلك، أتبعه منفعة أخرى تعمهما مع غيرهما مبينا ما أذن # PageV07P201 # فيه من علم النجوم ومنافعها فقال: {وهو} أي لا غيره {الذي جعل} ولما كانت ~~العناية بنا أعظم، قدم قوله: {لكم النجوم} أي كلها سائرها وثابتها وإن كان ~~علمكم يقصر عنها كلها كما يقصر عن الرسوخ والبلوغ في علم السير للسيارة منه ~~{لتهتدوا} أي لتكلفوا أنفسكم علم الهداية {بها} لتعلموا القبلة وأوقات ~~الصلوات والصيام وغير ذلك من منافعكم دنيا ودينا. # ولما كانت الأرض والماء ليس لهما من نفسهما إلا الظلمة، وانضمت إلى ذلك ~~ظلمة الليل، قال: {في ظلمات البر} أي الذي لا علم فيه، وإن كانت له أعلام ~~فإنها قد تخفى {والبحر} فإنه لا علم به، والإضافة إليهما للملابسة أو تشبيه ~~الملبس من الطرق وغيرها بالظلمة؛ روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في ~~جزء جمعه في النجوم من طريق أحمد بن سهل الأشناني عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قال: تعلموا من النجوم ما تهتدون في البر والبحر ثم انتهوا، ~~وتعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم وتعرفون ما يحل لكم ويحرم عليكم من ~~النساء ثم انتهوا. وفيه من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على ~~المسند عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ~~علي! أسبغ الوضوء وإن شق عليك، ولا تأكل الصدقة ولا تنز الحمير على # PageV07P202 # الخيل، ولا تجالس ms1426 أصحاب النجوم» وفيه عن أبي ذر رضي الله عنه عن عمر رضي ~~الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تسألوا عن ~~النجوم، ولا تفسروا القرآن برأيكم، ولا تسبوا أصحابي، فإن ذلك الإيمان ~~المحض» وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~النظر في النجوم - رواه من طرق كثيرة؛ وعن عائشة رضي الله عنها مثله سواء، ~~وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ~~ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا» - ~~رواه من طرق وأسند عن قتادة قوله تعالى {وأنهارا وسبلا} [النحل: 15] قال: ~~طرقا {وعلامات} [النحل: 16] قال: هي النجوم، قال: إن الله عز وجل إنما خلق ~~هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوما ~~للشياطين، فمن تعاطى فيها شيئا غير ذلك فقد أخطأ حظه وقال رأيه وأضاع نصيبه ~~وتكلف ما لا علم له به - في كلام طويل حسن، وهذا الأثر الذي عن قتادة أخرجه ~~عنه البخاري في صحيحه، وقال صاحب كنز اليواقيت في استيعاب المواقيت في ~~مقدمة الكتاب: واعلم أن العلم منه محمود، ومنه مذموم لا يذم لعينه، إنما ~~يذم في حق العباد لأسباب ثلاثة: أولها أن يكون مؤديا إلى ضرر كعلم السحر # PageV07P203 # والطلسمات وهو حق إذ شهد القرآن به وأنه سبب للتفرقة بين الزوجين، وسحر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومرض بسببه، حتى أخبره جبرئيل عليه السلام وأخرج ~~السحر من تحت حجر في قعر بئر - كما ورد في الحديث الصحيح؛ ومعرفة ذلك من ~~حيث إنه معرفة ليس مذموما، أو من حيث إنه لا يصلح إلا لإضرار بالخلق يكون ~~مذموما. # والوسيلة إلى الشر شر؛ الثاني أن يكون مضرا بصاحبه في غالب الأمر كالقسم ~~الثاني من علم النجوم الاحكامي المستدل به على الحوادث بالأسباب كاستدلال ~~الطبيب بالنبض على ما يحدث من المرض، وهو معرفة مجاري سنة الله وعادته في ~~خلقه، ولكنه ذمه الشرع وزجر عنه لثلاثة ms1427 أوجه: أحدها أنه يضر بأكثر الناس ~~فإنه إذا قيل: هذا الأمر لسبب سير الكواكب، وقر في نفس الضعيف العقل أنه ~~مؤثر، فينمحي ذكر الله عن قلبه، فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط بخلاف ~~العالم الراسخ، فإنه يطلع على الشمس والقمر والنجوم مسخرات، وفرق كبير بين ~~من يقف مع الأسباب وبين من يترقى إلى مسبب الأسباب، ثم ذكر ما حاصله أن ~~السبب الثاني في النهي عنه أنه تخمين لا يصل إلى القطع؛ والثالث أنه لا ~~فائدة فيه، فهو خوض في # PageV07P204 # فضول، وأن السبب الثالث مما يذم به ما يذم من العلوم أنه مما لا تبلغه ~~عقول أكثر الناس ولا يستقل به، ولا ينكر كون العلم ضارا لبعض الأشخاص كما ~~يضر لحم الطير بالرضيع - انتهى. وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتبس علما من النجوم ~~اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» وقال صاحب كتاب الزينة في آخر كتابه بعد ~~أن ذكر العيافة والزجر ونحوهما، ويأتي أكثره عنه في سورة الصافات: وروي عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إياكم والنجوم! فإنها تدعو إلى الكهانة» ، ~~قال: هذه الأشياء كلها لها أصل صحيح، فمنها ما كانت من علوم الأنبياء مثل ~~النجوم والخط وغير ذلك، ولولا الأنبياء الذين أدركوا علم النجوم وعرفوا ~~مجاري الكواكب في البروج وما لها من السير في استقامتها ورجوعها، وما قد ~~ثبت وصح من الحساب في ذلك بما لا ارتياب فيه، لما قدر الناس على إدراكه، ~~وذلك كله بوحي من الله عز وجل إلى أنبيائهم عليهم السلام، وقد روي أن إدريس ~~عليه السلام أول من علم النجوم، وروي في الخط أنه كان علم نبي من الأنبياء، ~~ولولا ذلك لما أدرك الناس هذه اللطائف ولا عرفوها. # ولما كانت هذه الآيات قد بلغت في البيان حدا علا عن # PageV07P205 # طوق الإنسان والملائكة والجان لكونها صفة الرحمن، فكانت فخرا يتوقع فيه ~~التنبيه عليه فقال: {قد فصلنا} أي بينا بيانا شافيا ms1428 على ما لنا من العظمة ~~{الآيات} واحدة في إثر واحدة على هذا الأسلوب المنيع والمثال الرفيع؛ ولما ~~كانت من الوضوح في حد لا يحتاج إلى كثير تأمل قال: {لقوم يعلمون *} أي لهم ~~قيام فيما إليهم، ولهم قابلية العلم ليستدلوا بها بالشاهد على الغائب. # ولما ذكر سبحانه بعض هذا الملكوت الأرضي والسماوي، أتبعه - كما مضى في ~~أول السورة - الخلق المفرد الجامع لجميع الملكوت، وهو الإنسان، دالا على ~~كمال القدرة على كل ما يريد، مبطلا بمفاوتة أول الإبداع وآخر الآجال ما ~~اعتقدوا في النور والظلمة والشمس والقمر وغيرهما، لأن واحدا منها لا اختيار ~~له في شيء يصدر عنه، بل هو مسخر ومقهور كما هو محسوس ومشهور، فقال: {وهو} ~~أي لا غيره {الذي أنشأكم} أي وأنتم في غاية التفاوت في الطول والقد واللون ~~والشكل وغير ذلك من الأعراض التي دبرها سبحانه على ما اقتضته حكمته {من نفس ~~واحدة} ثم اقتطع منها زوجها ثم فرعكم منهما. # ولما كان أغلب الناس في الحياة الدنيا يعمل عمل من لا يحول ولا يزول، لا ~~يكون على شرف الزوال ما دامت فيه بقية # PageV07P206 # من حياة، قال: {فمستقر *} أي فسبب عن ذلك أنه منكم مستقر على الأرض - هذا ~~على قراءة ابن كثير وابن عمر وبكسر القاف اسم فاعل، والمعنى في قراءة ~~الباقين بفتحه اسم مكان {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} [البقرة: 26] ~~. # ولما كان من في البرزخ قد كشف عنهم الغطاء فهم موقنون بالساعة غير عاملين ~~على ضد ذلك، وكذا من في الصلب والرحم، عبر بما يدل على عدم الاستقرار فقال: ~~{ومستودع} أي في الأصلاب أو الأرحام أو في بطن الأرض، فدلت المفاوتة من كل ~~منهما - مع أن الكل من نفس واحدة - على القادر المختار، لا يقدر غيره أن ~~يعكس شيئا من ذلك، وكل ذلك مضمون الآيتين في أول السورة، وقدم الإصباح ~~والليل ومتعلقهما لتقدمهما في الخلق، ثم تلاه بخلق الإنسان على حسب ما مر ~~أول السورة، وذكر هنا أنه جعل ذلك الطين نفسا واحدة فرع الإنس كلهم ms1429 منها مع ~~تفاوتهم فيما هناك وفي غيره. # ولما ذكر هذا المفرد الجامع، وفصله على هذه الوجوه المعجبة، كان محلا ~~لتوقع التنبيه عليه فقال: {قد فصلنا} أي بعظمتنا {الآيات} أي أكثرنا بيانها ~~في هذا المفرد الجامع في أطوار الخلقة وأدوار الصنعة، تارة بأن يكون من ~~التراب بشر، وأخرى بأن يخرج الأنثى من الذكر، # PageV07P207 # وتارة بأن يفرع من الذكر والأنثى ما لا يحيط به العد ولا يجمعه الخبر من ~~النطفة إلى الولادة إلى الكبر. # ولما كان إنشاء الناس من نفس واحدة وتصريفهم على تلك الوجوه المختلفة جدا ~~ألطف وأدق صنعة، فكان ذلك محتاجا إلى تدبر واستعمال فطنة وتدقيق نظر، قال: ~~{لقوم يفقهون *} أي لهم أهلية الفقه والفطنة. # PageV07P208 # ولما ذكر وجوه الإبداع التفريعي من هذين الكونين وأسباب البقاء له بما ~~ينشأ عنه الفصول وغيرها، أتبعه سببه القريب، وهو الماء الذي جعل منه كل شيء ~~حي، فقال مفصلا ما أجمله في الحب والنوى، سائقا له مساق الإحسان لما قبله ~~من الدلائل، فإن الدليل إذا كان على وجه الإحسان ومذكرا بالإنعام كان ~~تأثيره في القلب عظيما، فينبغي للمشتغل بدعوة الخلق أن يسلك هذا المسلك ~~ليكون للقلوب أملك: {وهو} أي لا غيره {الذي أنزل} أي بقدرته وعلمه وحكمته ~~{من السماء} أي الحقيقية التي تعرفونها كما دل عليه صريح العبارة وما ~~أشبهها من ذكور الحيوان المنبه عليه بطريق الإشارة {ماء} أي منهمرا ودافقا. # ولما كان تفريع الخلق من الماء بمكان من العظمة لا يوصل إليه، نبه عليه ~~بالانتقال إلى التكلم في مظهر العظمة فقال: {فأخرجنا} أي على # PageV07P208 # ما لنا من العظمة التي لا يدانيها أحد {به} أي الماء {نبات كل شيء} ~~مختلفة طعومه وألوانه وروائحه وطبائعه ومنافعه وهو بماء واحد، فالسبب واحد ~~والمسببات كثيرة منفتة، سواء كان ذلك النبات حقيقيا من النجم والشجر، أو ~~مجازيا من الأنثى والذكر؛ ثم سبب عن الحقيقي لظهوره قوله دالا على العظمة: ~~{فأخرجنا منه} أي النبات {خضرا} أي شيئا أخضر غضا طريا، وهو ما تشعب من أصل ~~النبات الخارج من الحبة؛ ثم ms1430 زاد في بيان عظمته بقوله: {نخرج} أي حال كوننا ~~مقدرين أن نخرج {منه} أي من ذلك الخضر {حبا متراكبا} أي في السنبل يركب ~~بعضه بعضا ويحرسه من أن يلتقطه الطير بعد ستره بالقشر بحسك طويل لطيف جدا ~~كالإبر خشن، بعد أن كان أصله حبة واحدة على صورتها، أو منفتة في التراب بعد ~~أن طوره سبحانه في عدة أطوار، إن فاعل ذلك لقادر مختار. # ولما كان نسبة الإخراج والإبداع إليه سبحانه وحده في مظهر العظمة خصوصا ~~وعموما، فعلم أن الكل منه، وصار الحال في حد من الوضوح جدير بأن يؤمن من ~~نسبة شيء إلى غيره لا سيما الذي هم له معالجون، وبالعجز عن إبداعه عالمون، ~~وبدأ بما بدأ به أولا في آية الفلق من الحب؛ ثنى بما من النوى، فقال معبرا ~~لذلك الأسلوب: {ومن النخل} وتقديم الحب عليه هنا وفيما قبل يدل على أن ~~الزرع أفضل منه، فإنه قوت في أكثر البلاد ولأغلب الحيوانات والغذاء # PageV07P209 # مقدم على الفاكهة؛ فإنها خلقت من طينة آدم؛ ثم أبدل مما أجمل من ذلك قوله ~~مبينا: {من طلعها} أي النخل، وهو أول ما يخرج منها في أكمامه {قنوان} جمع ~~قنو، وهو العذق بالكسر للشمراخ وهو الكباسة، والعرجون عوده الذي يكون فيه ~~البسر {دانية} أي قريبة التناول وإن طال أصلها بما علمكم وسهل لكم من صنعة ~~الوصول إليها. # ولما لم يكن لهم من معالجة الأعناب وغيرها ما لهم من معالجة النخيل، عطف ~~على «نبات» منبها لهم على أنها - كالنخيل - هو سبحانه المتفرد بإبداعها كما ~~تقدم - فقال: {وجنات} أي بساتين {من أعناب} وجمعها لكثرة أنواعها، وبدأ ~~بهاتين الشجرتين لفضلهما كما تقدم على غيرهما، لأن ثمرهما فاكهة وقوت، وقدم ~~الأول لأنهم له أكثر ملابسة، وإن كان العنب أشرف أنواع الفواكه، فإنه ينتفع ~~به من أول ظهوره لأنه أولا يكون له خيوط خضر دقيقة حامضة لذيذة، ثم تكون ~~الحصرم، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى، وقد يتخذ منه رب الحصرم وأشربة ~~لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء، ويطبخ منه ألذ الأطعمة الحامضة، ms1431 وهو ~~عنبا ألذ الفواكه وأشهاها، ويدخر عنبا قريبا من سنة، ويكون زبيبه غذاء، ~~ويكون منه الدبس والخل وغير ذلك، وأحسن ما فيه عجمه، وهو يتخذ منه جوارشات ~~عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة # PageV07P210 # وقدم النخيل لأنها قوت للعرب، وبينها وبين الإنسان مشابهة في خواص كثيرة ~~لا توجد في النبات، ولذا جاء في الحديث «أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت ~~من طينة آدم عليه السلام، وليس من الشجر يلقح غيرها» - رواه أبو يعلى وأبو ~~نعيم في الحلية وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه؛ وأتبعهما ما يليهما في ~~الفضيلة فقال: {والزيتون} وقدمه لكثرة نفعه، وينفصل منه دهن عظيم النفع في ~~الأكل والضياء وسائر وجوه الاستعمال {والرمان} ختم به لحسنه وعظيم نفعه، ~~وهو مركب من أربعة أشياء: قشره وشحمه وعجمه ومائه، فالثلاثة الأول باردة ~~يابسة أرضية كثيفة عفصية فائضة جدا، والماء بضدها وهو ألذ الأشربة وألطفها ~~وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطبع المعتدل، وفي ذلك تقوية للمزاج ~~الضعيف، وهو غذاء من وجه ودواء من وجه. # ولما ذكر الأقوات من الثمار والحبوب والأدهان وأشرف الفواكه وأعمها، ~~وكانت أشبه شيء بالآدمي في نشئه وبعثه واتفاقه واختلافه، وكان اشتباه بعضها ~~واختلاف بعضها - مع كونها تسقى بماء واحد وفي أرض واحدة - دالا على القدرة ~~والاختيار، وكان السياق لإثبات الوحدانية ونفي الشريك بإثبات كمال القدرة ~~التي هي منفية عن غيره، فلا يصح أن يكون له شريك، لأنه لا يكون إلا مشابها # PageV07P211 # لشريكه كمال المشابهة فيما وقعت الشركة فيه، وللبعث فكان المراد التفكر ~~في ظواهرها وتقلباتها من العدم إلى الوجود وبعد الوجود، ولمحاجة أهل الكتاب ~~الموسومين بالعلم المنسوبين إلى حدة الأذهان وغيرهم من الفرق، وكان افتعل ~~يأتي للتعريف، وهو المبالغة في إثبات أصل الفعل والاجتهاد في تحصيله ~~والاعتمال، فكان حصوله إذا حصل أكمل، قال بانيا حالا من كل ما تقدم: ~~{مشتبها} أي في غاية الشبه بعضه لبعض حتى لا يكاد يتميز، فلو قطع ثمرتا ~~شجرتين منه لم يتميز ثمرة هذه من ثمرة هذه، فلا يقابله حينئذ نفي التفاعل، ~~فإنه لمجرد ms1432 مشاركة أمرين أو أكثر في أصل الفعل، فعلم أن التقدير: وغير ~~مشتبه ومتشابها، ثم لما كان ربما تمسك القائل بالطبائع بهذه العبارة، نفى ~~ما ربما ظن من أن لهذه الأشياء عملا في اشتباه بعضها ببعض فقال: {وغير ~~متشابه} أي غير طالب للاشتباه مع أنه لا بد من شبه ما، فالآية من الاحتباك: ~~أثبت الاشتباه دلالة على نفي ضده، وهو عدم التشابه، ولأجل أن الاشتباه أبلغ ~~من التشابه، علق الأمر بالنظر الذي هو أثبت الحواس، ودلالة على أن # PageV07P212 # المراد إنما هو ظاهر ذلك، لأنه كان في الدلالة على البعث والتوحيد الذي ~~هذا سياقه فقال: {انظروا إلى ثمره} وهذا بخلاف الحرف الثاني، فإنه في سياق ~~الرد على العرب فيما يجعلون من خلقه لأصنامهم التي لا قدرة لها على شيء ~~أصلا، ولذلك ختم الآية بالإذن لهم في الأكل منه للانتهاء عما كانوا يحرمونه ~~منه على أنفسهم، وبالأمر بالتصدق على من أمر بالصدقة عليه، وأما الباطن ~~الذي هو الأكل فسيأتي؛ ثم نبه على تعميم النظر في جميع حالاته بقوله: {إذا ~~أثمر} أي حين يبدو من كمامه ضعيفا قليل النفع أو عديمه {وينعه} أي وانظروا ~~إلى إدراكه إذ أدرك وحان قطافه، ويعلم من ذلك النظر فيما بين ذلك، لأنه ~~يلزم من مراقبة الأول والآخر، فيعلم استحالة ألوانه ومقاديره وطعومه ~~وأشكاله وغير ذلك من شؤونه وأحواله، ويلزم من ذلك أيضا النظر إلى أشجاره ~~ليعلم تفاوت بعضها واشتباه البعض الآخر في الطول والقصر والصغر والكبر وغير ~~ذلك من سائر الأحوال، كما أن ذلك موجود في التمر، فاستناد هذه التبدلات ~~والتغيرات ليس إلا إلى الفاعل المختار، لأن نسبته إلى الطبائع والفصول على ~~حد سواء، فلو استندت إليها لم تتغير. # ولما كان اتخاذ هذه المذكورات أولا والمخالفة بين أشكالها ومقاديرها ~~وألوانها ثانيا دالا على كمال القدرة المستلزم للوحدانية، دل على عظمته ~~بقوله مستأنفا مشيرا بأداة البعد وميم الجمع: {إن في ذلكم} # PageV07P213 # أي الأمر العظيم الشأن العالي الرتبة {لآيات} أي علامات على قدرة الصانع ~~واختياره. # ولما كانت الآيات لا تغني ms1433 عمن أريدت شقاوته قال: {لقوم يؤمنون *} أي حكم ~~بأنهم - بحذقهم ونشاطهم وقوتهم على ما يحاولونه - يجددون الإيمان كلما ~~تأملوا في مصنوعات الله سبحانه وتعالى الدالة عليه المشيرة بكل لسان إليه. # ولما كان المشركون على أصناف: منهم عدة أصنام، شركوا في العبودية لا في ~~الخلق، ومنهم آزر الذي حاجه إبراهيم عليه السلام ومنهم عبدة الكواكب وهم ~~فريقان: منهم من قال: هي واجبة الوجود، ومنهم من قال: ممكنة، خلقها الله ~~وفوض إليها تدبير هذا العالم الأسفل، وهم الذين حاجهم الخليل عليه السلام ~~بالأفول، ومنهم من قال: لهذا العالم كله إلهان: فاعل خير، وفاعل شر، ~~وقالوا: إن الله وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس ~~خالق السباع والحيات والعقارب والشرور، ويلقبون الزنادقة وهم المجوس، لأن ~~الكتاب الذي زعم زردشت أنه نزل من عند الله سمي بالزند، فالمنسوب إليه ~~زندي، ثم عرب فقيل: زنديق، وكان هذا كله في قوله # PageV07P214 # {فالق الإصباح} شرحا لآية {إن الله فالق الحب والنوى} دلالة على تمام ~~القدرة الدالة على الوحدانية للدلالة على البعث؛ حسن كل الحسن العود إلى ~~تقبيح حال المشركين بالتعجيب منهم في جملة حالية من الضمير في {فالق} أو ~~غيره مما تقدم، فقال تعالى شارحا أمر هذا الصنف، لأن أمر غيرهم تقدم؛ وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: إن هذه الآية نزلت في الزنادقة: {وجعلوا} أي هو ~~سبحانه فعل هذا الذي لا يدع لبسا في تمام علمه وقدرته وكمال حكمته ~~ووحدانيته والحال أن الذي فعل ذلك لأجلهم قد جعلوا وعبر بالاسم الأعظم ~~وقدمه استعظاما لأن يعدل به شيئا {لله} أي الذي له جميع الأمر. # ولما كان الشرك في غاية الفظاعة والشناعة، قدمه فقال: {شركاء} يعني وما ~~كان ينبغي أن يكون له شريك مطلقا، لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على ~~شيء كان ما يتعلق بها من النفي عاما في كل ما يجوز أن يكون له الصفة، وحكم ~~الإنكار حكم النفي. ولما اهتز السامع من هذا التقديم لزيادة المعنى من غير ~~زيادة اللفظ، تشوف إلى معرفة ms1434 النوع الذي كان منه الشركاء فبينهم بقوله: ~~{الجن} أي الذين هم أجرأ # PageV07P215 # الموجودات عليهم وأعداهم لهم، فأطاعوهم كما يطاع الإله فكان عبادة لهم ~~وتشريكا، وقد رأيت ما للبيان بعد الانتهاء مما يحسن للناظرين {وخلقهم} أي ~~والحال أنهم قد علموا أن الله خلقهم أي قدرهم بعلم وتدبير، فلذلك كان خلقه ~~لهم محكما {وخرقوا} أي العابدون {له بنين} أي كعزير والمسيح {وبنات} أي من ~~الملائكة، فجمعوا لذلك جهالات هي غاية في الضلالات: وصف الملائكة بالأنوثة ~~والاجتراء على مقام الربوبية بالحاجة، تخصيصه بعد ذلك بما لا يرضونه ~~لأنفسهم بوجه؛ ومادة خرق تدور على النفوذ والاتساع والإطلاق والتقدير بغير ~~علم ولا معرفة ليحدث عنه الفساد، ولذلك قيل لمن لا يحسن العمل: خرق؛ ~~وللمرأة: خرقاء، يعني أنهم كذبوا واختلفوا واتسعوا في هذا القول الكذب، ~~وأبعدوا به في هذه المجاوزة عن حقيقته، اتساع من سار في خرق أي برية واسعة ~~بهماء وسوفة جوفاء متباعدة الأرجاء إلى حيث لم يسبقه إليه بشر، فضل عن ~~الجادة ضلالا لا ترجى معه هدايته إلا على بعد شديد، فصار جديرا بالهلاك، ~~وإلى ذلك يرجع معنى ما قرئ في الشاذ: وحرفوا - بالمهملة والفاء. # ولما لم يكن لقولهم أصلا حقيقة ولا شبهة، وكان الخرق التقدير # PageV07P216 # بغير علم، دل على ذلك مصرحا بما أفهمه محققا له تنبيها على الدليل القطعي ~~في اجتياح قولهم من أصله، وذلك أنه قول لا حجة له، ومسائل أصول الدين لا ~~يصار إلى شيء منها إلا بقاطع، وذلك بنكرة في سياق النفي فقال: {بغير علم} ~~ثم نزه نفسه المقدسة تنبيها على ما يجب قوله على كل من سمع ذلك، فقال: ~~{سبحانه} أي أسبحه سبحانا يليق بجلاله أن يضاف إليه؛ ولما كان معنى التسبيح ~~الإبعاد عن النقص، وكان المقام يقتضي كونه في العلو، صرح به فقال: {وتعالى} ~~أي تباعد أمر علوه إلى حد لا حد له ولا انتهاء {عما يصفون *} . # PageV07P217 # ولما ختم بالتنزيه عما قالوا من الشريك والولد، استدل على ذلك التنزيه ~~بأن الكل خلقه، محيط بهم علمه، ولن يكون المصنوع ms1435 كالصانع، فقال: {بديع ~~السماوات والأرض} أي مبدعهما، وله صفة الإبداع، أي القدرة على الاختراع ~~ثابتة، ومن كان كذلك فهو غني عن التوليد، فلذا حسن التعجب في قوله: {أنى} ~~أي كيف ومن أي وجه {يكون له ولد} وزاد في التعجيب بقوله: {ولم} أي الحال ~~أنه لم {يكن له صاحبة و} الحال أنه {خلق كل شيء} أي مقدور ممكن من كل صاحبة ~~تفرض، وكل ولد يتوهم، وكل شريك يدعي فكيف يكون المبدع محتاجا إلى شيء من ~~ذلك على وجه التوليد أو غيره. # PageV07P217 # ولما كانت القدرة لا تتم إلا بشمول العلم قال: {وهو} ولم يضمر تنبيها على ~~أن عموم العلم لا تخصيص فيه كالخلق فقال: {بكل شيء عليم*} أي فهو على كل ~~شيء قدير، لأن شمول العلم يلزمه تمام القدرة - كما يأتي برهانه إن شاء الله ~~في طه، ومن كان له ولد لم يكن محيط العلم ولا القدرة، بل يكون محتاجا إلى ~~التوليد. # ولما ثبت أنه لا كفوء له بما ذكر من صفاته وأفعاله، وبين فساد أقوال ~~المشركين، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه، وبين فساد كل واحد منها بأمتن ~~الحجج، فثبت بذلك ما افتتح السورة به من إحاطته بصفات الكمال، قال مشيرا ~~إلى ذلك كله بمبتدأ خبر بعده أخبار: {ذلكم} أي العالي الأوصاف جدا الذي لا ~~حاجة له إلى شيء، وكل شيء محتاج إليه {الله} أي الذي له كل كمال {ربكم} أي ~~الموجد لكم والمحسن بجميع أنواع الإحسان، فهي فذلكة ما قبلها وثمرته، لأن ~~من اتصف بذلك كان هو رب الكل وحده والخالق للجميع واستحق العبادة وحده فلذا ~~أتبع ذلك قوله: {لا إله إلا هو} لأن المقام للتوحيد اللازم للإحاطة بأوصاف ~~الكمال التي هي معنى الحمد المفتتح به السورة، وساق قوله: {خالق كل شيء} ~~الذي هو مطلع ما بعده مساق التعليل دليلا على ذلك، # PageV07P218 # فلما أقام الدليل سبب عنه الأمر بالعبادة فقال: {فاعبدوه} أي وحده، لأن ~~من أشرك به لم يعبده، لأنه الغنى المطلق، ومن كان له الغنى المطلق لا يحسن ~~أن يقبل ms1436 مشركا، وختم الآية بقوله: {وهو} ولما كان المقام لنفي احتياجه إلى ~~شيء، قدم قوله: {على كل شيء وكيل*} إشارة إلى أن الولد أو الشريك إنما ~~يحتاجه العاجز المفتقر، وأما هو فهو القادر، ومن سواه عاجز، وهو الغني ومن ~~سواه فقير، فكيف يحتاج القدير الغني إلى العاجز الفقير، هذا ما لا يكون، ~~ولا ينبغي أن يتخيله الظنون، وفيه إشارة إلى أن العابد ينبغي أن يتفرغ ~~لعبادته ويقطع أموره عن غير وكالته، فإنه يكفيه بفضله عمن سواه. # ولما كان كل والد وكل شريك لا بد أن يكون مجانسا لولده وشريكه بوجه، وصل ~~بذلك من وصفه ما اقتضاه المقام من تنزيهه، فقال: {لا تدركه} أي حق الإدراك ~~بالإحاطة {الأبصار} أي أن من جعلتموه ولده أو شريكه هو مدرك بأبصاركم كعيسى ~~وعزير عليهما السلام والأوثان والنجوم والظلمة والنور، وأما الملائكة والجن ~~فإن كان حكمكم عليهم بذلك عن مشاهدة فهم كمن تقدمهم، وإن كان # PageV07P219 # عن إخبار فهو عن الأنبياء ليس غير، وكل منهم مخبر بأنهم عباد الله ~~كغيرهم، وأنه منزه عن شريك وولد، وهذه كتبهم وصحاح أخبارهم شاهدة بذلك، ~~ووراء ذلك كله أنهم بحيث يدركون بالأبصار في الجملة، ليس إدراكهم مستحيلا، ~~وأما هذا الإله العزيز فهو غير مدرك لكم بالبصر كما يدرك غيره إدراكا تاما، ~~فيتأمله ناظره فيزنه وينقده بالخبرة بما فيه من رضى وغضب وغيرهما، بما ~~أبدته الفراسة وأوضحه التوسم، لأنه سبحانه متعال عن أن يحاط به، هذا على ~~أنه من عموم السلب، وإن كان من سلب العموم فالمعنى أنه عزيز لا يراه كل ~~أحد، بل يراه الخواص إذا أراد فكشف لهم الحجاب وأوجد لهم الأسباب {وهو} مع ~~ذلك يدرككم، بل و {يدرك} ما لا تدركونه من أنفسكم {الأبصار} وهي القوى ~~المودعة في عصبة العين لتدرك بها المبصرات {وهو اللطيف} عن أن يحيط به ~~الأبصار، لأنه يمنع الأسباب عن أن ينشأ عنها مسبباتها، ويوجد أدق الأسباب ~~وأغربها، فلا يستغرب عليه إدراك المعاني لأنه الذي أوجدها {ألا يعلم من ~~خلق} [الملك: 14] وأصل اللطف دقة النظر ms1437 في الأشياء {الخبير*} أي المحيط ~~بالأبصار فإحاطته بأصحابها أجدر، ويتحقق معنى الاسمين لتحقق المعنى؛ قال ~~الحرالي في شرح الأسماء: اللطف إخفاء التوسل إلى الشيء بإظهار ما يضاده، ~~ولا يتم إلا بخبرة، ولذلك نظم باسمه {الخبير} # PageV07P220 # لأنه أخفى حكمته في ظاهر يضادها، فاللطف مخبرة في حكمة، وباسمه تعالى ~~اللطيف أقام أمر حكمته ما بين الدنيا والآخرة، وبذلك أقام أمر أهل ولايته ~~في الدنيا لما جمع لهم من أمره فيها، فيبدو عزهم من وراء ذل، ويتراءى ذلهم ~~ومن دونه عز، فيسبق عزهم إلى القلوب مع تذللهم في الحواس، ويؤول محسوسهم ~~إلى عز في عقبى الدنيا، ومبادرة الآخرة مع تأنس القلوب بهم، {إن ربي لطيف ~~لما يشاء} [يوسف: 100] لما أراد أن يملكه مصر وجعل وسيلة ذلك استبعاده بها، ~~وبحصول معناه بتمام الخبرة والحكمة - وتلك إبداء الشيء في ضده - يتضح ~~اختصاصه بالحق، فهو الذي أطعم من جوع وآمن من خوف، الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا، فهو تعالى اللطيف الذي لا لطيف إلا هو، ثم قال: الخبرة إدراك ~~خبايا الأشياء وخفاياها بحيث لا يبدو منه خبيثة أمر إلا كان إدراك الخبير ~~سابقا لبدوها، وذلك لا يتم إلا لمبديها الذي هو يخرج خبأها، وهو الذي يخرج ~~الخبء في السماوات والأرض، ومخبرة الخلق لا بد فيها من إظهار باد ينبئ عن ~~الخبء بمقتضى التجرية، وإلا لم يصح لهم الخبرة، كما قيل: مخبرة المرء فيما ~~يبدو # PageV07P221 # من نطقه وما يظهره اليوم والليلة من عمله، والخبير الحق خبير بالشيء دون ~~باد يرى الظاهر خبيثة أمره، فهو بالحقيقة الذي لا خبير إلا هو - انتهى. # ولما أكثر لهم من إقامة الأدلة على وحدانيته، وختمها بهذا الدليل المحسوس ~~الذي معناه أن كل شريك وكل ابن يدرك شريكه وأباه، وهو متناه عن أن يدركه، ~~أي يحيط به أحد، ناسب أن يعظهم ويمدح الأدلة حثا على تدبرها، وجعل ذلك على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه - لنور قلبه وكمال عقله وصفاء ~~لبه وغزارة علمه وشريف أخلاقه واستقامة غرائزه وبعد ms1438 مدى همته عن أن ينسب ~~إلى جور أو يرمى بعناد - حقيق بأن يقول بعد إقامتها من غير تلعثم تقريرا ~~لأمر دعوته بعد تقرير المطالب العالية الإلهية: {قد جاءكم} . # ولما كانت الآيات - لقوتها وجلالتها التي أشار إليها تذكير الفعل - توجب ~~المعرفة فتكون سببا لانكشاف الحقائق الذي هو كالنور في جلاء المحسوسات، ~~قال: {بصائر} أي أنوار هي لقلوبكم بمنزلة الضياء المحسوس لعيونكم {من ربكم} ~~أي المحسن إليكم بكل إحسان، فلا إحسان أصلا لغيره عندكم، فاصعدوا عن النظر ~~بالأبصار إلى الاعتبار # PageV07P222 # بالبصائر، ولا تهبطوا في حضيض التقليد إلى أن تصلوا إلى حد لا تفهمون معه ~~إلا ما يحس بالأبصار بل ترقوا في أوج المعرفة إلى سماوات الاجتهاد وجردوا ~~لقطاع الطريق صوارم البصائر، فإنكم إن رضيتم بالدون لم تضروا إلا أنفسكم، ~~وإن نافستم في المعالي فإياها نفعتم. ولذلك سبب عن هذا النور الباهر والسر ~~الظاهر قوله: {فمن أبصر} أي عمل بالأدلة {فلنفسه} أي خاصة إبصاره لأنه ~~خلصها من الضلال المؤدي إلى الهلاك {ومن عمي} أي لم يهتد بالأدلة {فعليها} ~~أي خاصة عماه لأنه يضل فيعطب. # ولما كان المعنى أنه ليس لي ولا لغيري من إبصاره شيء ينقصه شيئا، ولا علي ~~ولا غيري شيء من عماه، كان التقدير: فإنما أنا بشير ونذير، عطف عليه قوله ~~{وما أنا} وأشار إلى أن حق الآدمي التواضع وإسلام الجبروت والقهر لله بأداة ~~الاستعلاء فقال: {عليكم} وأغرق في النفي بقوله: {بحفيظ*} أي أقودكم قسرا ~~إلى ما ينجيكم، وأمنعكم قهرا مما يرديكم. # PageV07P223 # ولما كان التقدير التفاتا إلى مقام العظمة إعلاما بأن القضاء كله بيده ~~لئلا يظن نقص في نفوذ الكلمة: فانظروا ما صرفنا لكم في هذه السورة من ~~الآيات وأوضحنا بها من شريف الدلالات، لقد أتينا فيها بعجائب التصاريف ~~وكشفنا عن غرائب التعاريف، عطف عليه قوله: # PageV07P223 # {وكذلك} أي ومثل هذا التصريف العظيم {نصرف} أي ننقل جميع {الآيات} من حال ~~إلى حال في المعاني المتنوعة سالكين من وجوه البراهين ما يفوت القوى ويعجز ~~القدر لتحير ألباب المارقين وتنطلس أفكار المانعين، علما منهم ms1439 بأنهم عجزة ~~عن الإتيان بما يدانيها فتلزمهم الحجة {وليقولوا} اعتداء لا عن ظهور عجزهم ~~«دارست» أي غيرك من أهل الكتاب أو غيرهم في هذا حتى انتظم لك هذا الانتظام ~~وتم لك هذا التمام، فيأتوا ببهتان بين عواره ظاهرة أسراره، مهتوكة أستاره، ~~فيكونوا كأنهم قالوا: إنك أتيت به عن علم ونحن جاهلون لا نعلم شيئا، فيعلم ~~كل موفق أنهم ما رضوه لأنفسهم مع ادعاء الصدق والمنافسة في البعد عن أوصاف ~~الكذب إلا لفرط الحيرة وتناهي الدهشة وإعواز القادح، والحاصل أنه أتى به ~~على هذا المنهاج الغريب والأسلوب العجيب ليعمى ناس عن بينة ويبصر آخرون، ~~وهم المرادون بقوله: {ولنبينه} أي القرآن لأنه المراد بالآيات المسموعة ~~{لقوم يعلمون *} أي أن المراد من الإبلاغ في البيان أن يزداد الجهلة به ~~جهلا، ويهتدي من كان للعلم أهلا، فلا يقولون: «دارست» بل يقولون: إنه من ~~عند الله، فالآية من الاحتباك: إثبات ادعاء المدارسة أولا يدل على نفيها # PageV07P224 # ثانيا، وإثبات العلم ثانيا يدل على عدمه أولا، وهي من معنى {يضل به كثيرا ~~ويهدي به كثيرا} [البقرة: 26] . # ولما انكشف بهذا في أثناء الأدلة وتضاعيف البراهين أن القرآن كنز لا يلقى ~~مثله كنز، وعز لا يدانيه عز، وأنه في الذروة التي تضاءلت دونها سوابح ~~الأفكار، وكلت عن التماعها نوافذ الأبصار، وختم بأن المراد بالبيان ~~العلماء، ناسب له أن ينبه على ذلك لئلا يفتر عنه طعنهم بقولهم «دارست» ~~ونحوه، فقال مخصصا له صلى الله عليه وسلم بالخطاب إعلاما بأنه العالم على ~~الحقيقة: {اتبع} أي أنت ومن تبعك {وما أوحي إليك} أي فالزم العمل به؛ ثم ~~أكد مدحه بقوله: {من ربك} أي المحسن إليك بهذا البيان؛ ثم علل ذلك بقوله: ~~{لا إله إلا هو} أي فلا يستحق غيره أن يتبع له أمر، ولا يلتفت إليه في نفع ~~ولا ضر {وأعرض عن المشركين *} أي بغير التبليغ، فإنه ما عليك غيره، ومزيد ~~حرصك على إيمانهم لا يزيد من أريدت شقوته إلا تماديا في إشراكه وارتباكا في ~~قيود أشراكه. # ولما كان الحبيب أسر شيء ms1440 بما يزيده حبيبه، قال مسليا له صلى الله عليه ~~وسلم عن استهزائهم به وردهم لقوله، عاطفا على # PageV07P225 # ما تقديره: فلو شاء الله ما خالفوك ولا تكلموا فيك ببنت شفة: {ولو شاء ~~الله ما أشركوا} أي ما وقع منهم إشراك أصلا، فقد أراد لك من الوقوع فيك ما ~~أراده لنفسه، فليكن لك في ذلك مسلاة. # ولما كان التقدير: فإنه سبحانه حفيظ عليهم، عطف عليه قوله: {وما جعلناك} ~~أي بعظمتنا، وأشار إلى أن العلو ليس بغير الله سبحانه فقال: {عليهم حفيظا} ~~أي تحفظ أعمالهم لئلا يكون منها ما لا يرضينا فتردهم عنه قسرا {وما أنت} ~~وقدم ما هو أعم من نفي التحقق بالعلو المحيط القاهر الذي هو خاص بالإله ~~فقال: {عليهم بوكيل *} أي فتأخذ الحق منهم قهرا، وتعاملهم بما يستحقونه ~~خيرا أو شرا، إنما أنت مبلغ عنا، ثم الأمر في هدايتهم وإضلالهم إلينا. # ولما طال التنفير عما اتخذ من دونه من الأنداد والبنات، لأنها أقل من ذلك ~~وأحقر، كان ذلك ربما كان داعية إلى سبها، فنهى عنه لمفسدة يجرها السب كبيرة ~~جدا، فقال عاطفا على قوله {وأعرض عن المشركين} غير مواجه له وحده صلى الله ~~عليه وسلم إكراما له: {ولا تسبوا} ولما كانت الأصنام لا تعقل، وكان ~~المشركون # PageV07P226 # يزعمون بها العقل والعلم، ويسندون إليها الأفعال، أجري الكلام على زعمهم ~~لأنه في الكف عنها فقال: {الذين يدعون} أي دعاء عبادة من الأصنام أو غيرهم ~~بذكر ما فيهم من النقص، ثم بين دفعا لتوهم إكرامهم أنهم في سفول بقوله: {من ~~دون الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له عدلا، بعلم منكم بما لهم من ~~المعايب، بل أعرضوا عن غير دعائهم إلى الله حتى عن سب آلهتهم بما تستحقه، ~~فإنا زينا لهم أعمالهم فغرقوا مع غزارة عقولهم فيما لا يرتضيه عاقل، وكذبوا ~~بجميع الآيات الموجبة للإيمان، فربما جرهم سبكم لها - لما عندهم من حمية ~~الجاهلية - إلى ما لا يليق {فيسبوا} أي فيتسبب عن ذلك أن يسبوا {الله} أي ~~الذي تدعونه وله الإحاطة بصفات الكمال، ms1441 وأظهر تصريحا بالمقصود وإعظاما لهذا ~~وتهويلا له وتنفيرا منه. # ولما كان الخنو يوجب الإسراع، أشار إليه سبحانه بقوله: {عدوا} أي جريا ~~إلى السب؛ ولما كان العدو قد يكون مع علم، قال مبينا لأنه يراد به مع ~~الإسراع أنه مجاوز للحد: {بغير علم} لأنا زينا لهم عملهم، فالطاعة إذا ~~استلزمت وجود منكر عظيم احترز منه ولو أدى الحال إلى تركها وقتا ما، لتحصل ~~القوة على دفع ذلك المنكر، فحكم الآية باق وليس بمنسوخ. # PageV07P227 # ولما كان ذلك شديدا على النفس ضائقا به الصدر، اقتضى الحال أن يقال: هل ~~هذا التزيين مختص بهؤلاء المجرمين أم كان لغيرهم من الأمم مثله؟ فقيل: ~~{كذلك} أي بل كان لغيرهم، فإنا مثل ذلك التزيين الذي زينا لهؤلاء {زينا لكل ~~أمة} أي طائفة عظيمة مقصودة {عملهم} أي القبيح الذي أقدموا عليه بغير علم ~~بما خلقه في قلوبهم من المحبة له، ردا منا لهم بعد العقل الرصين أسفل ~~سافلين، حتى رأوا حسنا ما ليس بالحسن لتبين قدرتنا؛ فكان في ذلك أعظم تسلية ~~وتأسية وتعزية، والآية من الاحتباك: إثبات {بغير علم} أولا دال على حذفه ~~ثانيا، وإثبات التزيين ثانيا دليل على حذفه أولا. # ولما كان سبحانه طويل الأناة عظيم الحلم، وكان الإمهال ربما كان من جهل ~~بعمل العاصي، نفى ذلك بقوله {ثم} أي بعد طول الإمهال {إلى ربهم} أي المحسن ~~إليهم بالحلم عنهم وهم يتقوون بنعمه على معاصيه، لا إلى غيره {مرجعهم} أي ~~بالحشر الأعظم {فينبئهم} أي يخبرهم إخبارا عظيما بليغا {بما} أي بجميع ما ~~{كانوا يعملون *} أي على سبيل التجدد والاستمرار بما في جبلاتهم من الداعية ~~إليه وإن ادعوا أنهم عاملون على مقتضى العلم. # PageV07P228 # ولما نصب سبحانه هذه الدلالات في هذه الآيات البينات حتى ختمها بما علم ~~منهم من الإسراع إلى سب من أحسن إليهم بأن أوجدهم وأوجد لهم كل ما في ~~الكون، وما من نعمة عليهم إلا وهي منه، عجب منهم في الوعد بالإيمان على وجه ~~التأكيد بما يأتيهم من مقترحاتهم إعلاما بأن ذلك مما زين لهم من ms1442 عملهم، وهي ~~أمنية كاذبة ويمين حانثة فقال عاطفا على {وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: ~~100] {وأقسموا} أي المشركون {بالله} أي الذي لا أعظم منه {جهد أيمانهم} أي ~~باذلين فيها جهدهم حتى كأنها هي جاهدة، ووطأ للقسم فقال: {لئن جاءتهم آية} ~~أي من مقترحاتهم، وتلقى القسم بقوله: {ليؤمنن بها} . # ولما كانوا بهذا ظالمين من أجل أنهم طلبوا من الرسول ما ليس إليه بعد ~~إتيانه من المعجزات بما أزال معاذيرهم، وأوجب عليهم الاتباع، نبه على ذلك ~~بقوله مستأنفا: {قل} أي ردا لتعنتهم {إنما الآيات} أي هذا الجنس {عند الله} ~~أي الحائز لجميع صفات الكمال، وليس إلي ولا إلى غيري شيء من هذا الجنس ~~ليفيد الاقتراح شيئا غير إغضابه. # ولما كان العبد لعجزه لا قدرة له على شيء أصلا، فلا يصح له أن يحكم على ~~آت أصلا لا من أفعاله ولا من أفعال غيره، قال منكرا عليهم ملتفتا إلى ~~خطابهم إشارة إلى أنهم حقيقون بالمواجهة بالتبكيت: {وما} أي وأي شيء ~~{يشعركم} أي أدنى شعور بما # PageV07P229 # أقسمتم عليه من الإيمان عند مجيئها حتى يتوهموه أدنى توهم فضلا عن الظن ~~فكيف بالجزم ولا سيما على هذا الوجه! ثم علل الاستفهام بقوله مبينا أنه لا ~~فائدة في الإتيان بالآية المقترحة: {أنها} بالفتح في قراءة نافع وابن عامر ~~وشعبة في رواية عنه وحفص وحمزة والكسائي، فكان كأنه قيل: أنكرت عليكم لأنها ~~{إذا جاءت لا يؤمنون *} بالخطاب في قراءة ابن عامر وحمزة، والالتفات إلى ~~الغيبة في قراءة غيرهم للإعلام بأنهم بعيدون من الإيمان فهم أهل للإعراض ~~عنهم لما استحقوا من الغضب، والتعليل عند من كسر «أنها» واضح. # ولما كان التقدير: فإنا نطبع على قلوبهم، ونزين لهم سوء أعمالهم، عطف ~~عليه قوله: {ونقلب} أي بما لنا من العظمة {أفئدتهم} أي قلوبهم حتى لا ~~يهتدوا بها {وأبصارهم} حتى لا ينفعهم الإبصار بها، فلا يعتبرون فلا يؤمنون ~~{كما لم يؤمنوا به} أي بمثل ذلك {أو لمرة} أي عند إتيان الآيات التي قبل ~~تلك {ونذرهم} أي نتركهم {في طغيانهم} أي تجاوزهم للحدود {يعمهون ms1443 *} أي ~~يديمون التحير على أن الحال لما فيه من الدلالة لا يقتضي حيرة بوجه. ولما ~~أخبر أنهم لا يؤمنون عند آية مقترحة عمم على وجه مفصل لإجمال ما قبله فقال: # PageV07P230 # {ولو أننا} أي على عظمتنا البالغة بما أشار إليه جمع النونات {نزلنا} أي ~~على وجه يليق بعظمتنا {إليهم الملائكة} أي كلهم فرأوهم عيانا {وكلمهم ~~الموتى} أي كذلك {وحشرنا عليهم} أي بما لنا من العظمة {كل شيء قبلا} جمع ~~قبيل جمع قبيلة في قراءة من ضم القاف والباء كرغيف ورغف، أي جاءهم ذلك ~~المحشور كله قبيلة قبيلة تترى ومواجهة {ما كانوا ليؤمنوا} أي على حال من ~~الأحوال {إلا أن يشاء الله} أي إلا حال مشيئته لإيمانهم لأنه الملك الأعلى ~~الذي لا أمر لأحد معه، فإذن لا عبرة إلا بمشيئته، فالآية دامغة لأهل القدر، ~~ولا مدخل لآية ولا غيرها في ذلك، فلا يطمع أحد في إيمانهم بغير ذلك، ويقرب ~~عندي - وإن بعد المدى - أن يكون {وأقسموا} معطوفا على قوله تعالى {وقالوا ~~لولا أنزل عليه آية من ربه} وهذا من المتعارف في كلام البلغاء أن يحكي ~~الإنسان جملة من كلام خصمه، ثم يشرع في توهينها، ويخرج إلى أمور - يجرها ~~المقام - كثيرة الأنواع طويلة الذيول جدا، ثم يحكي جملة أخرى فيقول معجبا ~~منه: وقال كذا وكذا، ثم يشرع فيما يتعلق بذلك من النقد والرد، ومما يؤيد ~~ذلك توحيد ختمهما، فختم الأولى # {ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الأنعام: 37] وختم هذه {ولكن أكثرهم يجهلون *} ~~أي أهل جهل # PageV07P231 # مطبوعون فيه، يقسمون على الإيمان عند مجيء آية مقترحة ولا يشعرون أن ~~المانع لهم من الإيمان إنما هو المشيئة وإلا لآمنوا بما جاءهم من الآيات، ~~فإنه كفاية في المبادرة إلى الإيمان، والآيات كلها متساوية الأقدام في ~~الدلالة على صدق الداعي بخرق العادة والعجز عن الإتيان بمثلها. # PageV07P232 # ولما كان مضمون ما تقدم إثبات عداوة الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~كان كأنه قيل تسلية له وتثبيتا لفؤاده: فقد جعلناهم أعداء لك لأنك عالم، ~~والجاهلون لأهل العلم أعداء {وكذلك} أي ومثل ما ms1444 جعلنا لك أعداء من كفار ~~الإنس والجن {جعلنا لكل نبي} أي ممن كان قبلك، وعبر عن الجمع بالمفرد - ~~والمراد به الجنس - إشارة إلى أنهم يد واحدة في العداوة فقال: {عدوا} وبين ~~أن المراد به الجنس، وأنهم أهل الشر فقال مبدلا: {شياطين} أي أشرار {الإنس ~~والجن} المتمردين منهم، وربما استعان شيطان الجن شيطان الإنس لقرب قلبه ~~منه، أم يكون نوعه إليه أميل، وأشار إلى هوان أمرهم وسوء عاقبتهم بقوله: ~~{يوحي بعضهم} أي الشياطين من النوعين {إلى بعض} أي يكلمه في خفاء {زخرف ~~القول} أي مزينه ومنمقه. # ولما كان هذا يدل على أنه - لكونه لا حقيقة له - لولا الزخرفة ما قيل، ~~زاده بيانا بقوله: {غرورا} أي لأجل أن يغروهم بذلك، أي يخدعوهم فيصيروا ~~لقبولهم كلامهم كالغافلين الذين شأنهم عدم التحفظ، # PageV07P232 # والغرور هو الذي يعتقد فيه النفع وليس بنافع. # ولما كان أول الآية معلما أن هذا كان بمشيئة الله وجعله، أيد ذلك ومكنه ~~في آخرها بأنه لو شاء ما كان، وكل ذلك غيرة على مقام الإلهية وتنزيها لصفة ~~الربوبية أن يخرج شيء عنها فيدل على الوهن، ويجر قطعا إلى اعتقاد العجز، ~~فقال: {ولو شاء} ولما كان في بيان أعدائه صلى الله عليه وسلم والمسلطين ~~عليه، أشار إلى أن ذلك لإكرامه وإعزازه، لا لهوانه، فقال {ربك} أي بما له ~~إليك من حسن التربية وغزير الإحسان مع ما له من تمام العلم وشمول القدرة، ~~أن لا يفعلوه {ما فعلوه} أي هذا الذي أنبأتك به من عداوتهم وما تفرع عليها. # ولما قرر أن هذا من باب التربية فعاقبته إلى خير، سبب عنه قطعا قوله: ~~{فذرهم} أي اتركهم على أي حالة اتفقت {وما يفترون *} أي يتعمدون كذبه ~~واختلافه، واذكر ما لربك عليك من العاطفة لتعلم أن الذي سلطهم على هذا في ~~غاية الرأفة بك والرحمة لك وحسن التربية كما لا يخفى عليك، فثق به واعلم أن ~~له في هذا لطيف سريرة تدق عن الأفكار، بخلاف الآيات الآتية التي عبر فيها ~~باسم الجلالة، فإنها في عظيم تجرئهم على ms1445 مقام الإلهية. # ولم كان التقدير: ذرهم لتعرض عنهم قلوب الذين يؤمنون بالآخرة # PageV07P233 # وليسخطوه، وليعلموا ما هم له مبصرون وبه عارفون، فترفع بذلك درجاتهم، عطف ~~عليه قوله: {ولتصغى} أي تميل ميلا قويا تعرض به {إليه} أي كذبهم وما في ~~حيزه {أفئدة} أي قلوب {الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي ليس في طبعهم الإيمان ~~بها لأنها غيب، وهم لبلادتهم واقفون مع الوهم، ولذلك استولت عليهم الدنيا ~~التي هي أصل الغرور {وليرضوه} أي بما تمكن من ميلهم إليه {وليقترفوا} أي ~~يفعلوا بجهدهم {ما هم مقترفون *} وهذه الجمل - كما نبه عليه أبو حيان - على ~~غاية الفصاحة، لأنه أولا يكون الخداع فيكون الميل فيكون الرضى فيكون فعل ~~الاقتراف، فكأن كل واحد مسبب عما قبله. # PageV07P234 # ولما كان فيما تقدم الإخبار عن مغيب، وهو أنهم لا يؤمنون عند مجيء الآيات ~~المقترحة، وكانت عادة العرب دعاء الأعداء والمخالفين إلى حاكم يفصل بينهم، ~~وكانوا إنما يفزعون في الأمور المغيبة إلى الكهان لما كانوا يكشفون لهم بما ~~يقذف إليهم إخوانهم من الجان مما يسترقونه من السمع، فيزيدونه كذبا كثيرا، ~~ثم لا يضرهم ذلك عندهم لذلك القليل الذي يصدقون فيه - كما ابتلينا به في ~~هذا الزمان من الافتتان بمن يفعل مثل ذلك من المجانين والمتشبهين بهم، ~~وكانت الآيات التي فرغ منها # PageV07P234 # قد أثبتت أن اتخاذهم غرور، سبب عن ذلك وجوب نفي اتخاذهم غير الله لما ~~اتصف به من إيحاء ما خالف إيحاءهم، ففات القوى في إخباره عن حقائق الأمور ~~مفصلة أحسن تفصيل في أساليب قصرت دونها سوابق الأفكار، وكعت عنها نوافذ ~~الأفهام، فثبتت به نبوته ووضحت رسالته، فكان اقتراحهم ظاهرا في كونه تعنتا ~~لأنهم كذبوا بأعظم الآيات: القرآن، ولم يؤمنوا به، وطعنوا فيه بما زادهم ~~فضائح، فثبت أنه لا فائدة في إجابتهم إلى مقترحاتهم، فكان الجواب - عما ~~اقتضاه لسان حالهم من طلب التحاكم إلى أوليائهم ببليغ الإنكار عليهم بقوله: ~~{أفغير الله} أي الملك الأعظم - على غاية من البلاغة لا تدرك، والفاء فيه ~~للسبب، وإنما تقدمت عليها همزة الإنكار لاقتضائها الصدر {أبتغي} أي ms1446 أطلب ~~حال كون ذلك الغير {حكما} أي يحكم بيني وبينكم ويفصل نزاعنا؛ ثم استدل على ~~هذا الإنكار بتفصيل الكتاب هذا التفصيل المعجز فقال: {وهو} أي والحال أنه ~~لا غيره {الذي أنزل إليكم} أي خاصة نعمة علي بالقصد الأول وعليكم بالقصد ~~الثاني {الكتاب} أي الأكمل المعجز، وهو هذا القرآن الذي هو تبيان لكل شيء # PageV07P235 # {مفصلا} أي مميزا فيه الحلال والحرام، وغير ذلك من جميع الأحكام، مع ما ~~تفيده فواصل الآيات من اللطائف والمعارف الكاشفة لحقائق البدايات ~~والنهايات، ولقد اشتد الاعتناء في هذه السورة بالتنبيه على التفصيل لوقوع ~~العلم من أرباب البصائر في الصنائع بأن من لا يحسن التفصيل لا يتقن ~~التركيب. # ولما كان التقدير: فأنتم وجميع أرباب البلاغة تعلمون حقيقته بتفصيله ~~والعجز عن مثيله، عطف عليه قوله: {والذين} ويجوز أن يكون جملة حالية ~~{آتيناهم} أي بعظمتنا التي تعرفونها ويعرفون بها الحق من الباطل {الكتاب} ~~أي المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور {يعلمون} أي لما لهم من ~~سوابق الأنس بالكتب الإلهية {أنه منزل} . # ولما تقدم ذكر الجلالة الشريفة في حاق موضعه في سياق الحكم الذي لا يكون ~~إلا مع التفرد بالكمال، وكان هذا المقام بسياق الإنزال يقتضي الإحسان، لم ~~يضمر بل قال: {من ربك} أي المحسن إليك بما خصك به في هذا الكتاب من أنواع ~~الفضائل {بالحق} أي الأكمل لما عندهم به من البشائر في كتبهم ولما له من ~~موافقتها في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر الله على وجوه ~~ترقق القلوب # PageV07P236 # وتفيض الدموع وتصدع الصدور، مع ما يزيد به على كتبهم من التفصيل بما يفهم ~~معارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن الأحكام السياسية والإعجاز بكل ~~آية. # ولما كان أهل الكتاب يخفون ما عندهم من العلم، ويقولون للمشركين: إنهم ~~أهدى سبيلا، بما قد يوهم أنهم يعتقدون بطلانه، أو أن الأمر ملبس عليهم، سبب ~~عن إخباره سبحانه قوله على طريق التهييج والإلهاب: {فلا تكونن} أي انف نفيا ~~مؤكدا جدا أن تكون في وقت ما {من الممترين *} أي العاملين عمل الشاك فيما ~~أخبرناك ms1447 به وإن زاد إخفاؤهم له وإظهارهم لما يوهم خلافه؛ وإذا حاربتهم في ~~ذلك وأنت أفطن الناس وأعرفهم بما يظهره المجاوزات من خفايا الأسرار - تحققت ~~ما قلناه وإن اجتهدوا في الكتمان، كما كشفت عنه قصة المناشدة في أمر ~~الزانيين وغيرها؛ وقال أبو حيان: قال مشركو قريش لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: اجعل بيننا وبينك حكما من أحبار اليهود، وإن شئت من أساقفة النصارى، ~~ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت. # ولما دل على كونه حقا من عند الله بعلم أهل الكتاب صريحا وأهل اللسان ~~تلويحا، دل عليه بوجه آخر شهودي، وهو أنه ما قال شيئا إلا كان على وفق ما ~~قال، وأنه لم يستطع - ولا يستطيع أحد - منع شيء مما أخبر به ولا تعويقه ~~ساعة من نهار ولا أقل ولا أكثر # PageV07P237 # بقوله تعالى مظهرا في موضع الإضمار، لتذكيره صلى الله عليه وسلم بما له ~~سبحانه من الإحسان، والتنبيه على ما يريد به من التشريف والإكرام: {وتمت} ~~أي نفذت وتحققت {كلمة ربك} أي المحسن إليك المدبر لأمرك حال كونها {صدقا} ~~أي لا يقدر أحد أن يبدي في شيء منها حديثا بتخلف ما عن مطابقة الواقع. # ولما كان الصدق غير مناف للجور، قال: {وعدلا} ولما كان الصدق العدل قد لا ~~يتم معه مراد القائل، ولا ينفذ فيه كلام الآمر لمنع من هو أقوى منه، أخبر ~~أنه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، تصريحا بما أفهم مطلع الآية من التمام، ~~وأظهر موضع الإضمار تعميما وتبركا وتلذيذا فقال: {لا مبدل لكلماته} أي من ~~حيث إنها كلماته مطلقا من غير تخصيص بنوع ما، بل كل ما أخبرت به فهو كائن ~~لا محالة، رضي من رضي وسخط من سخط. # ولما كان المغير لشيء إنما يتم له ما يريد من التغيير بكون المغير عليه ~~لا يعلم الأسباب المنجحة لما أراد ليحكمها، والموانع العائقة ليبطلها، قال ~~عاطفا على ما تقديره: فهو العزيز الحكيم: {وهو} أي لا غيره {السميع} أي ~~البالغ السمع لجميع ما يمكن سمعه من الأقوال ms1448 والأفعال {العليم *} أي البالغ ~~العلم لجميع ذلك، فهو إذن الكامل القدرة النافذ الأمر في جميع الأسباب ~~والموانع، فلا يدع أحدا يغير شيئا منها وإن # PageV07P238 # دلس أو شبه. # ولما أجاب عن شبهات الكفار، وبين صحة نبوته عليه السلام، شرع في الحث على ~~الإعراض عن جهل الجهال، والإقبال على ذي الجلال، فكان التقدير: فإن أطعته ~~فيما أمرك به اهتديت إلى صراط الله الذي يتم لك بسلوكه جميع ما وعدك به، ~~عطف عليه قوله: {وإن تطع} ولما كانت أكثر الأنفس متقيدة بالأكثر، أشار إلى ~~أن ذلك لا يفعله إلا جاهل مخلد إلى التقليد فقال: {أكثر من في الأرض} أي ~~توجد طاعتك لهم في شيء من الأوقات بعد أن علمت أن أكثرهم إنما يتبع الهوى، ~~وأن أكثرهم فاسقون لا يعلمون لا يشكرون {يضلوك عن سبيل الله} أي المستجمع ~~لصفات الكمال؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن} أي لأنهم ما {يتبعون} في أمورهم {إلا ~~الظن} أي كما يظن هؤلاء جهلا أن آباءهم كانوا على الحق. # ولما كان أكثر من يجزم بالأمور بما دعاه إليه ظنه كذبا، وكان الخارص يقال ~~على الكاذب والمخمن الحازر، قال: {وإن هم} أي بصميم ضمائرهم {إلا يخرصون *} ~~أي يجزمون بالأمور بحسب ما يقدرون، فيكشف الأمر عن أنها كذب، فيعرف الفرق ~~بينك وبينهم في تمام الكلام ونفوذه نفوذ السهام، أو تخلفه عن التمام ونكوصه # PageV07P239 # كالسيف الكهام، فلا يبقى شبهة في أمر المحق والمبطل. # PageV07P240 # ولما كان المقام للعلم الكاشف للحقائق المبين لما يتبع وما يجتنب، قال ~~معللا لهذا الإخبار: {إن ربك} أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب الكاشف ~~للارتياب الهادي إلى الصواب {هو} أي وحده {أعلم} ولكون الحال شديد الاقتضاء ~~للعلم، قطعه عما بعده ليسبق إلى الفهم أنه أعلم من كل من يتوهم فيه العلم ~~مطلقا ثم قال: {من} أي يعلم من {يضل} أي يقع منه ضلال يوما ما {عن سبيله} ~~أي الذي بينه بعلمه {وهو} أي وحده {أعلم بالمهتدين *} كما أنه أعلم ~~بالضالين، فمن أمركم باتباعه فاتبعوه، ومن نهاكم عنه فاجتنبوه، فمن ضل ms1449 ~~أرداه، ومن اهتدى أنجاه، فاستمسكوا بأسبابه حذرا من وبيل عقابه يوم حسابه. # ولما قدم سبحانه ما مضى من السوائب وما معها وفي المائدة مما يدين به أهل ~~الجاهلية في أكل الحيوان الذي جر إليه الشرك، وأتبعه بيان أنه لا ضرر على ~~أهل الإيمان من دين أهل الضلال إذا اهتدوا، وأتبع ذلك ما لاءمه، وانتظم في ~~سلكه ولاحمه، حتى ظهر أي ظهور أن الكل ملكه وملكه، وأنه لا شريك له، فوجب ~~شكره وحده، وكانوا مع ذلك قد كفروا نعمه تتعالى فاتخذوا معه شركاء ولم ~~يكفهم ذلك حتى جعلوا لها مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، # PageV07P240 # فكانوا بذلك المانعين الحق عن أهله، ومانحين ما خولهم فيه من له الملك ~~لما لا يملك ضرا ولا نفعا، وتاركين بعض ما أنعم عليهم به صاحب الحق رعاية ~~لمن لا حق له ولا حرمة، وكانت سنة الله تعالى قد جرت بأنه يذكر نفسه ~~الشريفة بالوحدانية. ويستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض وما أودع فيهما ~~لنا من المنافع وما أبدع من المرافق والمصانع، ثم يعجب ممن أشرك به، ثم ~~يأمر بالأكل مما خلق تذكيرا بالنعمة، ليكون ذلك داعية لكل ذي لب إلى شكره، ~~كما قال تعالى في البقرة عقب {وإلهكم إله واحد} {إن في خلق السماوات ~~والأرض} [البقرة: 164] ثم قال {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} ~~[البقرة: 165] ثم قال {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} ~~[البقرة: 168] ؛ أجرى هذه السنة الجليلة في هذه السورة أيضا، فقال: {إن ~~الله فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] بعد {إني وجهت وجهي للذي فطر} ~~[الأنعام: 79] ثم {وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: 100] ودل على أنه لا ~~شريك له في ملكه ولا ملكه، وختم بأنه لا حكم سواه ينازعه في حكمه أو يباريه ~~في شيء من أمره، وبين أن من آيها الهداية التي جعلها شرطا لعدم ضرر يلحق من ~~دين أهل الشرك؛ فسبب عن جميع ما ذكرت قوله: {فكلوا مما ذكر} أي وقت الذبح ~~{اسم الله} أي الملك الذي له # PageV07P241 # الإحاطة ms1450 الكاملة فله كل شيء {عليه} أي كأن قائلا لذلك سواء ذكر بالفعل ~~أولا، وعدل عن التعبير بما جعلته المراد ليفهم أن الذكر بالفعل مندوب إليه، ~~ولا يكونوا ممن بنى دينه على اتباع الأهوية والظنون الكاذبة، فكأنه قيل: ~~اتبعوا من يعرف الحق لأهله فإنه مهتد غير معرجين على غيره فإنه ضال، والله ~~أعلم بالفريقين، فكونوا من المهتدين، فكلوا مما خلق الله لكم حلالا شاكرين ~~لنعمته، وإنما أطال هنا دون البقرة ما بين الجمل الكلام تقريرا لمضامينها ~~وما يستتبعه واحتجاجا على جميع ذلك لأنها سورة التفصيل، وأتى بالذكر ~~والمراد قبول المأكول له، أي كلوا مما يقبل أن يسمى عليه على مقتضى ما ~~شرعه، وذلك هو الذي أحله من الحيوان وغيره سواء كان مما جعلوه لأوثانهم ~~أولا، دون ما مات من الحيوان حتف أنفه، أو ذكر عليه اسم غير الله أو كان ~~مما حرم أكله وإن ذبح وذكر عليه اسم الله، فإنه لا يقبل التحليل بالتسمية، ~~فالتسمية في غير موضعها، لورود النصوص بالتحريم، ولا تتبعوا المشركين في ~~منعهم أنفسهم من خير مما خلق الله لهم من الحرث والأنعام بتسميتهم إياه ~~لآلهتهم التي لا غناء عندها، ويكون ذلك حثا على التسمية على جميع المأكول ~~الحلال، فتكون الآية كآية البقرة بزيادة. # ولما كان هذا الأمر لا يقبله إلا من زال دين الشرك وجميع توابعه من قبله؛ ~~قال: {إن كنتم} أي بما لكم من الجبلة الصالحة {بآياته} # PageV07P242 # أي عامة التي منها آيات التحليل والتحريم {مؤمنين *} أي عريقين في وصف ~~الإيمان، وقد لاح بذلك حسن انتظام قوله: {وما لكم} أي أي شيء يكون لكم في ~~{ألا تأكلوا مما ذكر} أي يقبل أن يذكر {اسم الله} أي الذي له كل شيء {عليه} ~~فإن التسمية قائمة مقام إذنه {وقد} أي والحال أنه قد {فصل لكم} أي من قبل ~~ذلك والخلق خلقه والأمر أمره {ما حرم عليكم} أي مما لم يحرم تفصيلا واضح ~~البيان ظاهر البرهان {إلا ما اضطررتم إليه} أي فإن الضرورة تزيل التفصيل ~~عنه برده إلى ما كان ms1451 عليه قبل التفصيل؛ فيصير الكل حلالا لا تفصيل فيه، ~~والمراد في هذه الآية مختلف باختلاف المخاطبين، فأما من خوطب بها وقت ~~الإنزال فالمراد بالتفصيل الذي آتاه الآية الآتية أخير هذه فإنها نزلت ~~جملة، وكذا كل ما شاكلها مما أنزل بمكة قبل هذه السورة، وكذا ما أخبر به ~~صلى الله عليه وسلم في وحي متلو إذ ذاك، ولعله نسخت تلاوته وبقي حكمه، أو ~~وحي غير متلو من جميع الأحاديث التي تقدمت على هذه السورة، وأما من خوطب ~~بها بعد ترتيبه على هذا الوجه فالمراد في حقه كما في البقرة والمائدة ~~وغيرهما من السور الماضية - من الحلال والحرام. # ولما كان التقدير: من عمل بهذه الأوامر اهتدى بما نال من العلم وهم قليل، ~~عطف عليه قوله: {وإن كثيرا} أي من الناس {ليضلون} # PageV07P243 # أي يقع منهم الضلال فيوقعون غيرهم فيه بنكوبهم عما دعت إليه أوامر الله ~~وهدى إليه بيانه، فيكونون بمعرض العطب {بأهوائهم} أي بسبب اتباعهم للهوى؛ ~~ولما كان الهوى - وهو ميل النفس - ربما كان موافقا لما أدى إليه العم بصحيح ~~الفكر وصريح العقل قال: {بغير علم} أي دعا إلى ذلك ممن له العلم من شريعة ~~ماضية ممن له الأمر. # ولما كانوا ينكرون هذا، أثبت لنفسه الشريفة ما هو مسلم عند كل أحد وقال ~~دليلا على صحة ما أخبر به: {إن ربك} أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب ~~شاهدا لك بإعجازه بالتصديق {هو} أي وحده {أعلم} وكان الموضع للإضمار فأظهر ~~للتعميم والتنبيه على الوصف الذي أوجب لهم ذلك فقال: {بالمعتدين *} أي ~~الذين يتجاوزون الحدود مجتهدين في ذلك. # PageV07P244 # >ولما كان مما يقبل في نفسه في الجملة أن يذكر اسم الله عليه ما يحرم ~~لكونه ملكا للغير أو فيه شبهة، نهى عنه على وجه يعم غيره، فقال عطفا على ~~«فكلوا» {وذروا} أي اتركوا على أي حالة اتفقت وإن كنتم تظنونها غير صالحة ~~{ظاهر الإثم} أي المعلوم الحرمة من هذا وغيره {وباطنه} من كل ما فيه شبهة ~~من الأقوال والأفعال والعقائد، فإن الله جعل له في القلب ms1452 علامة، وهو أن ~~يضطرب عنده # PageV07P244 # ولا يسكن كما قال صلى الله عليه وسلم: «والإثم ما حاك في القلب وتردد في ~~الصدر» - أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه؛ ثم علل ذلك بقوله: ~~{إن الذين يكسبون الإثم} أي ولو بأخفى أنواع الكسب، بما دل عليه تجريد ~~الفعل، وهو الاعتقاد للاسم الشريف. # ولما كان العاقل من خاف من مطلق الجزاء بني للمفعول قوله {سيجزون} أي ~~بوعد لا خلف فيه {بما} أي بسبب ما {كانوا} بفاسد جبلاتهم {يقترفون *} أي ~~يكتسبون اكتسابا يوجب الفرق وهو أشد الخوف ويزيل الرفق، وصيغة الافتعال ~~للدلالة على أن أفعال الشر إنما تكون بمعالجة من النفس للفطرة الأولى ~~السليمة. # ولما أمرهم بالأكل مما ينفعهم ويعينهم على شكره محذرا من أكل ما يعيش ~~مرأى بصائرهم، أتبعه نهيهم نهيا جازما خاصا عن الأكل مما يضرهم في أبدانهم ~~وأخلاقهم، وهو ما ضاد الأول في خلوه عن الاسم الشريف فقال {ولا تأكلوا مما ~~لم يذكر} أي مما لا يقبل أن يذكر {اسم الله} أي الذي لا يؤخذ شيء إلا منه، ~~لأن له الكمال كله فله الإحاطة الكاملة، وأشار بأداة الاستعلاء إلى الإخلاص ~~ونفي الإشراك فقال: {عليه} أي لكون الله قد حرمه فصار نجس العين أو المعنى، ~~فصار مخبثا للبدن والنفس مما ذكر عليه غير اسمه سبحانه # PageV07P245 # بما دل عليه من تسميته فسقا، وتفسير الفسق في آية أخرى بما أهل به لغير ~~الله وكذا ما كان في معناه مما مات أو كان حراما بغير ذلك، واسمه تعالى ~~منزه عن أن يذكر على غير الحلال، فإن ذكر عليه كان ملاعبا فلم يطهره، وأما ~~ما كان حلالا ولم يذكر عليه اسم الله ولا غيره فهو حلال - كما في الصحيح عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: قالوا: يا رسول الله! إن هنا أقواما حديث عهد ~~بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله أم لا! قال: «اذكروا أنتم اسم ~~الله وكلوا» قال البغوي: ولو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في ~~وجودها مانعا من أكلها ms1453 كالشك في أصل الذبح - انتهى. # ولما كان التقدير: فإنه خبيث في نفسه مخبث، عطف عليه قوله: {وإنه} أي ~~الأكل منه أو هو نفسه لكونه السبب {لفسق} فجعله نفس الفسق - وهو الخروج عما ~~ينبغي إلى ما لا ينبغي - لأنه عريق جدا في كونه سببه لما تأصل عندهم من ~~أمره وانتشر من شره، وهذا دليل على ما أولت به لأن النسيان ليس بسبب الفسق، ~~والذي تركت التسمية عليه نسيانا ليس بفسق، والناسي ليس بفاسق - كما قاله ~~البخاري، وإلى ذلك الإشارة بما رواه عن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا # PageV07P246 # للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوما يأتونا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله ~~عليه أم لا! فقال: # «سموا عليه أنتم وكلوه» ، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر - انتهى. فهذا ~~كله يدل على أن المراد إنما هو كونه مما يحل ذبيحته، وليس المراد اشتراط ~~التسمية بالفعل. # ولما كانت الشبه ربما زلزلت ثابت العقائد، قال محذرا منها: {وإن ~~الشياطين} أي أخابث المردة من الجن والإنس البعيدين من الخير المهيئين ~~للنشر المحترقين باللعنة من مردة الجن والإنس {ليوحون} أي يوسوسون وسوسة ~~بالغة سريعة {إلى أوليائهم} أي المقاربين لهم في الطباع المهيئين لقبول ~~كلامهم {ليجادلوكم} أي ليفتلوكم عما أمركم به بأن يقولوا لكم: ما قتله الله ~~أحق بالأكل مما قتلتموه أنتم وجوارحكم - ونحو ذلك، وأهل الحرم لا ينبغي أن ~~يقفوا في غيره، والغريب لا ينبغي أن يساويهم في الطواف في ثيابه، والنذر ~~للأصنام كالنذر للكعبة، ونحو هذا من خرافاتهم التي بنوا أمرهم فيها على ~~الهوى الذي هم معترفون بأنه مضل مضر، ومبالغون في الذم باتباعه والميل ~~إليه، ويكفي في هدم جميع شبههم إجمالا أن صاحب الدين ومالك الملك منع منها. # PageV07P247 # ولما كان التقدير: فإن أطعتموهم تركتم الهدى وتبعتم الهوى، وكان من ~~المعلوم أن الهوى يعود إلى الشرك، عطف على هذا قوله: {وإن أطعتموهم} أي ~~المشركين تدينا بما يقولونه في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه والأكل مما ~~لم يذكر اسم الله عليه، أو في شيء ms1454 مما جادلوكم فيه {إنكم لمشركون *} أي ~~فأنتم وهم في الإشراك سواء كما إذا سميتم غير الله على ذبائحكم على وجه ~~العبادة، لأن من اتبع أمر غير الله فقد اشركه بالله كما قال صلى الله عليه ~~وسلم في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه في قوله تعالى {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] من أن عبادتهم لهم تحليلهم ما ~~أحلوا وتحريمهم ما حرموا، فنبه صلى الله عليه وسلم بذلك على أن الأسماء ~~تتبع المعاني؛ قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي الشافعي في باب الضحايا ~~من كتاب الروضة: حكي في الشامل وغيره عن نص الشافعي أنه لو كان لأهل الكتاب ~~ذبيحة يذبحونها باسم غير الله كالمسيح لم تحل؛ وفي كتاب القاضي ابن كنج أن ~~اليهودي لو ذبح لموسى والنصراني لعيسى عليهما السلام أو للصليب حرمت ~~ذبيحته، وأن المسلم لو ذبح للكعبة أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فينبغي ~~أن يقال: تحرم، لأنه ذبح لغير الله تعالى، قال: # PageV07P248 # وخرج أبو الحسن وجها آخر أنها تحل لأن المسلم يذبح لله ولا يعتقد في رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما يعتقده النصراني في عيسى عليه السلام. # قال: وإذا ذبح للصنم لم تؤكل ذبيحته سواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا، ~~وفي تعليقه للشيخ إبراهيم المروزي أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا ~~إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله، واعلم أن الذبح ~~للمعبود باسمه نازل منزلة السجود له. وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم، ~~العبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة، فمن ذبح لغيره من ~~حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحل ذبيحته، وكان فعله ~~كفرا كمن سجد لغيره سجدة عبادة، وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه، فأما ~~إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه - بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيما لها لأنها ~~بيت الله تعالى أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يجوز أن يمنع حل ~~الذبيحة، ms1455 وإلى هذا المعنى يرجع قول القائل: أهديت للحرم أو للكعبة، ومن هذا ~~القبيل الذبح عند استقبال السلطان، فإنه استبشار بقدومه نازل منزلة ذبح ~~العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب الكفر، وكذا السجود لغير الله ~~تذللا وخضوعا، فعلى هذا إذا قال الذابح: بسم الله واسم محمد، وأراد: أذبح ~~باسم الله وأتبرك باسم محمد، فينبغي أن لا يحرم، وقول من قال: لا يجوز ذلك، ~~يمكن أن يحمل على أن اللفظ مكروه، لأن المكروه يصح نفي الجواز والإباحة ~~المطلقة عنه، وحكى الرافعي أنه وقعت في هذا منازعة بين أهل قزوين أفضت إلى ~~فتنة في أنه تحل ذبيحته وهل يكفر # PageV07P249 # بذلك! قال: والصواب ما بينا؛ قال الشيخ محيي الدين: ومما يؤيد ما قاله - ~~أي الرافعي - ما ذكره الشيخ إبراهيم المروزي في تعليقه: قال: حكى صاحب ~~التقريب عن الشافعي رحمه الله أن النصراني إذا سمى غير الله كالمسيح لم تحل ~~ذبيحته، قال صاحب التقريب: معناه أن يذبحها له. فأما إن ذكر المسيح على ~~معنى الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجائز، قال: وقال الحليمي: ~~تحل مطلقا وإن سمى المسيح - والله أعلم، ثم قال في المسائل المنثورة: ~~الثالثة: قال ابن كج: من ذبح شاة وقال: أذبح لرضى فلان، حلت الذبيحة، لأنه ~~لا ينصرف إليه بخلاف من تقرب بالذبح إلى الصنم؛ وقال الروياني: إن من ذبح ~~للجن وقصد به التقرب إلى الله تعالى ليصرف شرهم عنه فهو حلال، وإن قصد ~~الذبح لهم فحرام؛ ومما يوضح لك سر هذا الانتظام ويزيده حسنا أن هذه الآيات ~~كلها من قوله تعالى # {إن الله فالق الحب والنوى} [الأنعام: 100] إلى آخر السورة تفصيل لقوله ~~تعالى في أول السورة {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض} ~~[الأنعام: 14] ، فلما ذكر إبداعه السماوات والأرض بقوله {إن الله فالق الحب ~~والنوى} [الأنعام: 95] ونحوه، وأنكر اتخاذ من دونه بقوله {وجعلوا لله شركاء ~~الجن} [الأنعام: 100] وما نحا نحوه، قال {فكلوا} [الأنعام: 118] إشارة إلى ~~{وهو يطعم ولا يطعم} [الأنعام: 14] وقوله {أو من كان ميتا فأحييناه} ms1456 ~~[الأنعام: 122] وقوله {فمن يرد الله أن يهديه} [الأنعام: 125] ونحوهما ~~إشارة إلى قوله {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} [الأنعام: 14] ، وقوله ~~{ويوم نحشرهم جميعا} [الأنعام: 22] ونحوه مشير إلى {إني أخاف إن عصيت ربي ~~عذاب يوم عظيم} [الأنعام: 15] . # PageV07P250 # ولما انقضى التفصيل عند قوله {فسوف يعلمون} شرع في تفصيلها ثانيا بقوله: ~~{وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136] إلى آخرها، ~~والسر في الإعادة أن الشيء إذا أثبت أو نفي، وأقيمت الدلائل على إثبات ما ~~ثبت منه ونفي ما نفي، ثم أعيد ذلك في أسلوب آخر، كان أثبت في النفس وألصق ~~بالقلب، لا سيما إن كان في الأسلوب الثاني - كما هي عادة القرآن - زيادة في ~~البيان وتنبيه على ما لم يتقدم أولا، ولا سيما إن كانت العبارة فائقة ~~والألفاظ عذبة رائقة وأنت خبير بأن هذا كله دأب القرآن في أساليب الافتنان؛ ~~قال الغزالي في أوائل كتاب الجواهر في الفصل الذي فيه اشتمال الفاتحة على ~~ثمانية أقسام: وقوله ثانيا {الرحمن الرحيم} إشارة إلى الصفة مرة أخرى، ولا ~~تظن أنه مكرر، فلا مكرر في القرآن، إذ حد المكرر ما لا ينطوي على مزيد ~~فائدة، وذكر الرحمة بعد ذكر {العالمين} ، وقبل ذكر {العالمين} ، وقبل ذكر ~~{مالك يوم الدين} ينطوي على فائدتين عظيمتين في تفصيل مجاري الرحمة ثم ذكر ~~ما حاصله أن إحداهما ملتفت إلى خلق كل عالم من العالمين على أكمل أنواعه ~~وأفضلها وإيتائه كل ما احتاج إليه، والثانية ملتفت إلى ما بعده بالإشارة ~~إلى الرحمة في المعاد يوم الجزاء عند الإنعام بالملك المؤبد، قال: وشرح ذلك ~~يطول والمقصود # PageV07P251 # أنه لا مكرر في القرآن، وإن رأيت شيئا مكررا من حيث الظاهر فانظر إلى ~~سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة في إعادته - انتهى. وفي ذلك نكتة ~~أخرى، وهي أن الرحمن مشير إلى ما قال من جهة الربوبية في الإيجادين: الأول ~~والثاني، والرحيم مشير بخصوصه بما ترضاه الإلهية إلى الإيجاد الثاني ~~والإبقاء الثاني بالرحمة الجزائية وإلى ما يفهمه الخصوص من النعمة بمن لم ~~يخصه الرحمة ms1457 - كما مضت الإشارة إليه في الفاتحة. # ولما كان معنى التحذير من طاعة المشركين أنكم إن فعلتم كنتم قد رددتم ~~أنفسكم إلى ظلام الضلال بعد أن منحتم نور الهداية، فكان التقدير: أفمن كان ~~هكذا كان كمن نصح لنفسه باتباع الأدلة وتوقي الشبه، عطف عليه قوله: {أو من ~~كان ميتا} أي بالغرق في أمواج ظلام الكفر، ليس لهم من ذواتهم إلا الجمادية ~~بل العدمية {فأحييناه} أي بما لنا من العظمة بإشراق أنوار الإيمان على قبله ~~الذي إن صلح صلح الجسد كله، وإن فسد فسد الجسد كله {وجعلنا} أي بعظمتنا على ~~وجه الخصوص {له نورا} أي بالهداية إلى كل خير {يمشي} مستضيئا {به في الناس} ~~فيعرفون أفعاله وأخلاقه وأقواله {كمن مثله} أي الذي يمثل به، وهو ما ينكشف ~~بوجه الشبه روح لبه وخلاصة حال قلبه، # PageV07P252 # حال قلبه، أو يكون المعنى: صفته أنه {في الظلمات} أي ما له من نفسه من ~~ظلمة الجهل وظلمة ما ينشأ عنه من الهوى وظلمة ما نشأ عن الهوى من الكفر، ~~وإذا كان المثل الذي هو الأعلى من الممثول في شيء كان الممثول عريقا فيه ~~بطريق الأولى، فلذلك قال: {ليس بخارج} أي ذلك المثل {منها} أي الظلمات بما ~~زين له من سوء أعماله حتى صارت أحب إليه من نفسه وماله، وإذا لم يخرج المثل ~~من شيء لم يخرج الممثول منه وإلا لم تكن بينهما مماثلة، وذلك لأنه زين له ~~عمله، وهي ناظرة إلى قوله أول السورة {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى ~~يبعثهم الله} [الأنعام: 36] وقوله: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في ~~الظلمات} [الأنعام: 39] . # ولما كان إيحاء الشياطين إلى أوليائهم مما يوجب لزوم العمى ليس إلا ~~تزيينا للقبائح، فكان حالهم مما يشتد العجب منه، كان كأنه قيل: لولا رؤيتنا ~~لحالهم ما صدقنا أن عاقلا يرضى ما فعلوه بأنفسهم، فهل وقع لأحد قط مثل ~~حالهم؟ فقيل: نعم {كذلك} أي مثل ما زين لهم سوء أعمالهم {زين للكافرين} أي ~~كلهم {ما كانوا} بما جبلناهم عليه {يعملون *} فهم أبدا في الظلمات، فالآية ~~من ms1458 الاحتباك: أثبت أولا كونه في الظلمات دليلا على تقديره # PageV07P253 # ثانيا، وثانيا التزيين دليلا على تقديره أولا. # PageV07P254 # ولما كان معلوما أن عداوتهم له صلى الله عليه وسلم المشار إليها بقوله ~~{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا} الآية، لا يقوم بها إلا أكابر الناس، لما كان ~~عليه صلى الله عليه وسلم من جلالة المنصب وشرف العشيرة وكثرة الأقارب وأنه ~~لا يتمادى عليها إلا جاهل مطموس البصيرة مزين له قبيح أعماله، عطف تعالى ~~على التزيين للكافرين قوله: {وكذلك} أي مثل ما زينا للكافرين سوء أعمالهم، ~~فكان أكابر أهل مكة يمكرون فيتبع غيرهم مكرهم {جعلنا} أي بما لنا من العظمة ~~في إقامة الأسباب لما يعلي كلمة الإنسان أو يجعله حقير الشأن {في كل قرية} ~~أي بلد جامع، ولما كان الكبر مختلف الأنواع باختلاف أشخاص المجرمين، طابق ~~بأفعال التفضيل المقصودين لها في الجمع على إحدى اللغتين، وعبر بصيغة منتهى ~~الجمع دلالة على تناهيهم في الكثرة فقال: {أكبر مجرميها} أي القاطعين لما ~~ينبغي أن يوصل. # ولما كان من شأن الإنسان استجلاب أسباب الرفعة لنفسه، وكان لا يصل إلى ~~ذلك في دار ربط المسببات بحكمة الأسباب إلا بالمكر، وكان الأكابر أقدر على ~~إنفاذ المكر وترويج الأباطيل بما لأغلب الناس من السعي في رضاهم طمعا فيما ~~عندهم، وكان الإنسان كلما تمكن من ذلك أمعن فيه، وكان الكبير إنما يصل إلى ~~ما قدر له من ذلك بتقدير الله # PageV07P254 # له؛ كان بما قدر له من ذلك كأنه خلقه له، فقال معبرا بالجعل لما فيه من ~~التصيير والتسبيب: {ليمكروا فيها} أي يخدعوا أصاغرهم ويغروهم بما يلبسون ~~عليهم من الأمور حتى يتبعوهم فيعادوا لهم حزب الله. # ولما كان ذلك موجعا وغائظا محزنا، قال تصغيرا لشأنهم وتحقيرا لأمرهم: ~~{وما} أي والحال أنهم ما {يمكرون إلا بأنفسهم} لأن عملهم بالمكر وبال عليهم ~~موبق لهم، ولأن مكرهم بأولياء الله إنما هو مكر بالله، وذلك غير متأت ولا ~~كائن بوجه من الوجوه، وكيف يتأتى مكر من لا يعلم شيئا من الغيب بمن يعلم ~~جميع الغيب! {وما يشعرون ms1459 *} أي وما لهم نوع شعور بأن مكرهم عائد على ~~نفوسهم، لأن الله تعالى الذي يعلم سرهم وجهرهم يجعل بما يزين لهم تدميرهم ~~في تدبيرهم، وإنما أجرى سنته الإلهية بذلك لما يشتمل عليه من أعلام النبوة، ~~فإن غلبة شخص واحد - بمفرده أو باتباع كثير منهم ممن لا يؤبه لهم مع قلة ~~العدد وضعف المدد لرؤساء الناس وأقويائهم مع طول مكثه بينهم منابذا لهم ~~مناديا عليهم بأن دينكم يمحى وديني يظهر وإن كرهتم - من خوارق العادات ~~وبواهر الآيات تصديقا لقوله تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة: ~~21] {وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 173]- في أمثال ذلك. # PageV07P255 # ولما قرر هذا، أتبعه بمقالة لهم تدل على تعظيمهم وتكبرهم فقال عاطفا على # {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} [الأنعام: 109] تعجيبا من حالهم فيما زين ~~لهم من ضلالهم، وتصديقا لما تقدم من الإخبار بأنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ~~آية إلا أن يشاء الله؛ وتحقيقا لما في الآية السالفة من مكرهم لغيرهم وعوده ~~على أنفسهم: {وإذا جاءتهم} أي الكافرين من أكابر المجرمين وأتباعهم {آية ~~قالوا} حسدا لمن خصه الله بالنبوة لكونهم أكابر مؤكدين للنفي لما لمعجزات ~~الأنبياء عليهم السلام من العبر الموجب لظن الإذعان لأعتى أهل الكفران {لن ~~نؤمن} أي أبدا {حتى نؤتى} لما لنا من العلو والعظمة المقتضية لأن لا يختص ~~أحد عنا بشيء {مثل ما} . # ولما كان نظرهم مقصورا على عالم الحس من غير نظر إلى جانب الله لكونه ~~غيبا بنوا للمفعول قولهم: {أوتي رسل الله} يجوز أن يكون المراد: حتى يوحي ~~إلينا لئلا يكونوا أعظم منا كما قال تعالى {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتي ~~صحفا منشرة} [المدثر: 52] وكما تقدم في أول السورة عن أبي جهل أنه قال: ~~تنازعنا نحن وبنو عد مناف الشرف حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي ~~يأتيه الوحي من السماء، # PageV07P256 # ويحك! متى ندرك هذا والله لا نؤمن به أبدا. وأن يكون المراد إتيانه صلى ~~الله عليه وسلم بمثل آيات الأولين من شق البحر واليد والعصا وإحياء الموتى ~~ونحوها، وسموهم ms1460 تنزلا واستهزاء، وعبروا بالجلالة إشارة إلى القدرة التامة ~~فلا عذر. # ولما ذكر اسم الجلالة إيذانا بعظيم ما اجترؤوا عليه لعماهم - بما طمس على ~~أنوار قلوبهم من ظلمات الهوى - عما للرسل من الجلال الذي يخضع له شوامخ ~~الأنوف، أعادها أيضا تهويلا للأمر وتنبيها على ما هناك من عظيم القدر، فقال ~~ردا عليهم فيما تضمن قولهم من دعوى التعلم بالحكمة والاعتراض على الله عز ~~وجل: {الله} أي بما له من صفات الكمال {أعلم} أي من كل من يمكن منه علم ~~{حيث يجعل} أي يصير بما يسبب من الأمور {رسالته} أي كلها بالنسبة إلى كل ~~فرد من أفراد الخلق فهو لا يضع شيئا منها بالتشهي. # ولما كشف هذا النظم عن أنهم اجترؤوا عليه، وأنهم أصروا على أقبح المعاصي ~~الكفر، لا لطلب الدليل بل لداء الحسد؛ تاقت النفس إلى معرفة ما يحل بهم ~~فقال جوابا: {سيصيب} أي بوعد لا خلف فيه، # PageV07P257 # وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: {الذين أجرموا} أي ~~قطعوا ما ينبغي أن يوصل {صغار} أي رضى بالذل لعدم الناصر؛ ولما كان الشيء ~~تعظم بعظمة محله ومن كان منه ذلك الشيء قال: {عند الله} أي الجامع لصفات ~~العظمة {وعذاب} أي مع الصغار {شديد} أي في الدنيا بالقتل والخزي وفي الآخرة ~~بالنار {بما} أي بسبب ما {كانوا يمكرون} . # PageV07P258 # ولما تقدم أنه تعالى أعلم بمن طبع على قلبه فلا ينفك عن الضلال، ومن يقبل ~~الهداية في الحال أو المآل، وأن مكر المجرمين إنما هو بإرادته ونافذ قدرته، ~~علم أن الأمر أمره، والقلوب بيده، فتسبب عن ذلك قوله: {فمن يرد الله} أي ~~الذي له جميع الجلال والإكرام {أن يهديه} أي يخلق الهداية في قلبه من أكابر ~~المجرمين أو غيرهم {يشرح صدره} أي يوسعه بأن يجعله مهيئا قابلا بالنور ~~{للإسلام} قال الإمام أبو جعفر النحاس: روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه قال: «يا رسول الله! وهل ينشرح الصدر؟ فقال: نعم، يدخل القلب نور، ~~فقال: وهل لذلك من علامة؟ فقال صلى الله عليه ms1461 وسلم: التجافي عن دار الغرور ~~والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد # PageV07P258 # للموت قبل الموت» ، وفي رواية: الفوت {ومن يرد} أي الله، ولم يظهر هنا ~~إشارة إلى أن الضلال على مقتضى الطبع {أن يضله} أي يخلق الضلال ويديمه في ~~قلبه {يجعل صدره} أي الذي هو مسكن قلبه الذي هو معدن الأنوار {ضيقا حرجا} ~~أي شديد الضيق فيكون مرتجسا أي مضطربا، روي أن عمر رضي الله عنه أحضر ~~أعرابيا من كنانة من بني مدلج فقال له: ما الحرجة؟ فقال: شجرة لا تصل إليها ~~وحشية ولا راعية، وساق البغوي القصة ولفظه: وقال: الحرجة فينا الشجرة تكون ~~بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية لا وحشية ولا شيء - ثم اتفقا - فقال ~~عمر رضي الله عنه: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الإيمان والخير؛ ~~وزاد البغوي: يقال سيبويه: الحرج - بالفتح المصدر، ومعناه: ذا حرج، وبالكسر ~~الاسم وهو أشد الضيق، وقال المهدوي: هنا الحرج الشديد الضيق وقد تقدم القول ~~فيه، وقال في النساء في قوله تعالى {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} ~~[النساء: 65] أي ضيقا، وإلى هذا المعنى يرجع قول مجاهد: إنه الشك، وقول ~~الضحاك: إنه الإثم، كأنه ضيق شك أو ضيق إثم؛ وقال # PageV07P259 # النحاس: {حرجا مما قضيت} أي شكا وضيقا، وأصل الحرج الضيق - انتهى. وتحقيق ~~ذلك أن الآية هنا فيها - بعد التأكيد بالإتيان بصيغة فعيل دون فاعل - تأكيد ~~أخر إما بالمصدر أو باسم الفاعل، فأفاد زيادة على أصل الفعل وهي الشدة فيه، ~~فمعنى الفتح: ضيقا - بكسر الضاد وإسكان الياء ومعناه - إن كسرت حرجا - ضيقا ~~بإعادة اسم الفاعل، ومادة حرج بخصوص هذا الترتيب تدور على المكان الضيق ~~الكثير الشجر، ويلزمه الشخوص على وجه الأرض والارتفاع والجمع والمنع والشدة ~~والحيرة والحر والبرد، وهي - بأي ترتيب كان وهي خمسة: حرج جحر رجح حجر جرح ~~- تدور على الحجر الذي هو الجسم المعروف، ويلزمه الثقل والمنع والحدة ~~والشخوص والصلابة التي هي القسوة ويلزمها الضيق، فيرجع إلى الصلابة الحرج ~~بمعنى الضيق، والحرجة للغيضة، ولحرج للقلادة من الودع، والحرجوج ms1462 للريح ~~الشديدة الباردة، والناقة الحرجوج للوقادة القلب، ويجوز رجوعها إلى الحدة، ~~والجرح لسرير الموتى لضيق الصدر من ذكره، ولضيقه # PageV07P260 # عن أسرة الأحياء، ومنه أيضا جحر الضب ونحوه للثقب المحتفر في الأرض، ~~ويرجع إلى الثقل الحرج بمعنى الإثم، وينشأ عن ذلك البعث المفضي إلى الحيرة، ~~ومنه حرجت عينه، أي حارت فلا تطرف، ويلزم الثقل أيضا الجرح بمعنى الطعن ~~النافذ في البدن، ومن ذلك اجترح - إذا اكتسب مالا، لأنه من آثاره، ومنه ~~الرجحان بمعنى الثقل، والحكم الراجح الذي يوجب رزانة صاحبه، ومنه الأرجوحة ~~لأن كلا من طرفيها يرجح بالآخر، ويرجع إلى المنع الحجر بمعنى العقل وبمعنى ~~الحضن والحرام والفرس الأنثى لأنها قد تمنع من الركوب للحمل أو الولد، ~~والحجر في المال، والحجرة للناحية القريبة لأن الشيء إذا بعد عنك - ولو قدر ~~باع - امتنع منك، وكان التأنيث فيه لقربه، ويرجع إلى الشخوص الحرج للناقة ~~الطويلة؛ وقال الإمام أبو الفتح بن جني رحمه الله في كتابه «المحتسب في ~~توجيه القراءات الشواذ» عند قوله تعالى في هذه السورة «وحرث حرج» فيمن قرأ ~~بتقديم الراء: إن جميع تراكيب هذه المادة الخمسة تلتقي معانيها في الضيق ~~والشدة والاجتماع، وإذا أنعمت النظر وتركت الملل والضجر وجدت الأمر كما قال ~~- # PageV07P261 # والله أعلم - نحو الحجر واستحجر الطين والحجرة وبقيته، وكله إلى التماسك ~~والضيق، ومنه الحرج للضيق والجرح مثله، والحرجة ما التف من الشجر فلم يمكن ~~دخوله، ومنه الحجر وبابه لضيقه، ومنه الجرح لمخالطة الحديد للحم وتلاحمه ~~عليه، ومنه رجح الميزان - لأنه مال أحد شقيه نحو الأرض فقرب منها وضاق ما ~~كان واسعا بينه وبينها، فإن قلت: فإنه إذا مال أحدهما إلى الأرض فقد بعد ~~الآخر؟ قيل: كلامنا على الراجح والراجح هو الذي إلى الأرض، فأما الآخر فلا ~~يقال له: راجح، وإذا ثبت ذلك - وقد ثبت - فكذلك قوله تعالى {وحرث حرج} في ~~معنى حجر، معناه عندهم أنها ممنوعة محجورة لن يطعمها إلا من يسألون أن ~~يطعموه إياها بزعمهم - انتهى. # ولما كان صاحب هذا الصدر لا يكاد الهداية تصل إليه، وإن وصل ms1463 إليه شيء ~~منها على لسان واعظ ومن طريق مرشد ناصح لم تجد مسلكا فنكصت، وهكذا لا تزال ~~في اضطراب وتردد أبدا؛ كانت ترجمته قوله: {كأنما يصعد} أي يتكلف هذا الشخص ~~في قبول الهداية الصعود {في السماء} في خفاء حياء من مزاولة ما لا يمكن، ~~بما أشار إليه قراءة من أدغم التاء في الصاد، فكلما أصعدته حركته ~~الاختيارية أهبطته # PageV07P262 # حركته الطبيعية القسرية، كما نرى بعض الحشرات يحمل شيئا ثقيلا ويصعد به ~~في جدار أملس، فيصير يتكلف ذلك فيقع، ثم يتكلف الصعود ايضا فربما وصل إلى ~~مكانه الأول وسقط، وربما سقط دونه، فهو مما يمتنع عادة، فلا يزال مرتجسا أي ~~مضطربا ومجامع الاضطراب عقبه بما بعده كما يأتي. # ولما كان ما وصف به صدر الضال مما ينفر منه، وكان الرجس في الأصل لما ~~يستقذر، والمستقذر ينفر منه، وكان هذا الكلام ربما أثار سؤالا، وهو أن ~~يقال: هل هذا - وهو جعل الضال على هذه الصفة - خاص بأهل هذا الزمان، أجيب ~~بما حاصله: لا، {كذلك} أي مثل ما جعل الله الرجس على من أراد ضلاله من أهل ~~هذا الزمان {يجعل الله} أي بما له من القدرة التامة والعظمة الباهرة ~~{الرجس} أي الاضطراب والقذر {على الذين لا يؤمنون} من أهل كل زمان لإرادته ~~سبحانه دوام ضلالهم، فالآية من الاحتباك: ذكر أولا الضلال دليلا على حذفه ~~ثانيا، وذكر الرجس ثانيا دليلا على حذفه أولا، والآية نص في أن الله يريد ~~هدى المؤمن وضلال الكافر. # ولما ذكر ما ألزمه لأهل الضلال بلفظ ما يستقذر، كان في غاية الحسن تعقيبه ~~بالصراط، فإنه مما يعشق لاستقامته وإضافته إلى الرب الذي # PageV07P263 # له - مع استجماع الكمالات كلها - صفة العطف والإحسان واللطف، وإضافة الرب ~~إلى هذا الرسول الذي يعشق خلقه وخلقه كل من يراه أو يسمع به، وأحسن من ذلك ~~وأمتن أن مادة «رجس» تدور على الاضطراب الملزوم للعوج الملزوم للضلال ~~المانع من الإيمان، فلما مثل سبحانه حال الضال بحال المضطرب، وأخبر أنه ~~ألزم هذا الاضطراب كل من لا يؤمن، أتبعه وصف ms1464 سبيله بالاستقامة التي هي أبعد ~~شيء عن الاضطراب الملزوم للعوج، وكان التقدير: فهذا حال أهل الضلال، فعطف ~~عليه قوله: {وهذا} أي الذي ذكرناه من الشرائع الهادية في هذا القرآن التي ~~ختمناها بأن الهادي المضل هو الله وحده، لا الإتيان بالمقترحات ولو جاءت كل ~~آية {صراط} أي طريق {ربك} أي المحسن إليك حال كون هذا الصراط {مستقيما} أي ~~لا عوج فيه أصلا، بل هو على منهاج الفطرة الأولى التي هي في أحسن تقويم ~~بالعقل السليم الذي لم يشبه هوى ولم يشبه خلل في أن الأمر كله بيد الله ~~لكيلا يزال الإنسان خائفا من الله وراجيا له لأنه القادر على كل شيء، وأما ~~غيره فلا قدرة له إلا بتقديره لأنه خلق القوى والقدر عندنا وعند المعتزلة، ~~فلتكن الجزئيات كذلك لأن الخلق لا يتصور بغير علم، وليس غير الله محيط ~~العلم؛ قال الإمام: فالآية التي قبلها من المحكمات، فيجب إجراؤها على ~~ظاهرها، ويحرم التصرف فيها بالتأويل. # PageV07P264 # ولما كان جميع ما في هذا الصراط على منهاج العقل ليس شيء منه خارجا عنه ~~وإن كان فيه ما لا يستقل بإدراكه العقل، بل لا بد له فيه من إرشاد الهداة ~~من الرسل الآخذين على الله، قال مبينا لمدحه مرشدا إلى انتظامه مع العقل: ~~{قد فصلنا} أي غاية التفصيل بما لنا من العظمة {الآيات} أي كلها فصلا فصلا ~~بحيث تميزت تميزا لا يختلط واحد منها بالآخر {لقوم يذكرون} أي يجهدون ~~أنفسهم في التخلص من شوائب العوائق للعقل من الهوى وغيره - ولو على أدنى ~~وجوه الاجتهاد بما يشير إليه الإدغام - ليذكروا أنه قال: ما من شيء ذكرناه ~~إلا وقد أودعنا في عقولهم شاهدا عليه. # ولما كان التذكر - عند الآيات لا يكون إلا من أهل العنايات في طرق ~~الهدايات، قال مرغبا في التذكر فإنه سبب الفيض الإلهي على القلوب المهيأة ~~له: {لهم} أي المتذكرين {دار السلام} أي الجنة، أضافها سبحانه إليه زيادة ~~في الترغيب فيها، وخص هذا الاسم الشريف لأنه لا يلم بها شيء من عطب ولا خوف ~~ولا ms1465 نصب؛ ثم زاد الترغيب فيها بقوله: {عند ربهم} أي في ضمان المحسن إليهم ~~وحضرته بما هيأهم له ويسره لهم {وهو} أي وحده {وليهم} أي المتكفل بتولي ~~أمورهم، لا يكلهم إلى أحد سواه، وهذا يدل على قربه منهم، # PageV07P265 # والعندية تدل على قربهم منه لما شرح من صدورهم بالتوحيد؛ ولما كان ذلك ~~ربما قصر على التذكر، بين أن المراد منه التأدية إلى الأعمال فإنها معيار ~~الصدق وميزانه فقال: {بما} أي بسبب ما {كانوا} أي كما جبلهم عليه، فما كان ~~ذلك إلا بفضله {يعملون} . # PageV07P266 # ولما فصل سبحانه أحوال الفريقين، وحض على التذكر تنبيها على أن كل ما في ~~القرآن مما يهدي إليه العقل، وذكر مآل المتذكرين فأفهم أن غيرهم إلى عطب، ~~لأنهم تولوا ما يضرهم لأنهم تبعوا شهواتهم، وكان من المعلوم أنهم يعبدون ~~غير مالكهم، وأنه ما من عبد يخدم غير سيده بغير أمر سيده إلا عاتبه أو ~~عاقبه، هذا مركوز في كل عقل؛ ذكر سبحانه ما يتقدم ذلك المآل من الأهوال في ~~الأجل المسمى الذي أخفاه عنده وجعله من أعظم مباني هذه السورة، وأبهمه في ~~أولها، وبين في أثنائها بعض أحواله مرارا في وجوه من أفانين البيان، وهو ~~يوم الحشر، فذكر هنا سبحانه بعض أحوال الغافلين وبعض ما يقول لهم فيه وما ~~يفعله معهم من عتاب وعقاب، لطفا بهم واستعطافا إلى المتاب، فقال جامعا ~~الفريقين {ويوم} أي اذكر في # PageV07P266 # تذكرك يوم {يحشرهم} أي أهل ولايتنا وأهل عداوتنا {جميعا} لا نذر منهم ~~أحدا {يا} أي فنقول على لسان من نشاء من جنودنا لأهل عداوتنا تبكيتا ~~وتوبيخا حين لا يكون لهم مدافعة أصلا: {معشر الجن} أي المستترين الموحشين ~~من مردة الشياطين المسلطين على الإنس، وهم يرونهم من حيث لا ترونهم {قد ~~استكثرتم} أي طلبتم وأوجدتم الكثرة {من الإنس} أي من إغواء المؤنسين ~~الظاهرين حتى صار أكثرهم أتباعكم، فالآية من الاحتباك: عبر بما يدل على ~~الستر أولا دلالة على ضده - وهو الظهور - ثانيا، وبما معناه الاستئناس ~~والسكون ثانيا دلالة على ضده وهو الإيحاش والنفرة - أولا. ms1466 {وقال} هو عطف ~~على جواب الجن المستتر عن العامل في «يا معشر» الذي تقديره كما يهدي إليه ~~الآيات التي تأتي في السورة الآتية في تفصيل هذه المحاورة: فقالوا: ربنا هم ~~ضلوا، لأنهم كانوا يستمعون بنا في نفوذهم وسماعهم الأخبار الغريبة منا، ~~فاستوجبوا العذاب بمفردهم، وستر جواب الجن لأنه - مع كونه لا يخفى لدلالة ~~المعطوف عليه- مناسب لحالهم في الاستتار مع شهرتهم، وذكره بلفظ الماضي ~~إشارة إلى تحقق وقوعه، لأنه خبر من لا يخلف الميعاد، والمراد بهذه المحاورة ~~ضرب مما يأتي تفصيله بقوله {قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا} ~~[الأعراف: 38]- # PageV07P267 # الآية، وقوله {فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا} - الآية ~~{أولياؤهم} أي الجن {من الإنس} أي الذين تولوهم بالاتباع والطاعة فيما ~~دعوهم إليه من الضلال، معترفين مستعطفين {ربنا} أيها المربي لنا المحسن ~~إلينا {استمتع} أي طلب المتاع وأوجده {بعضنا ببعض} نحن بهم فيما قالوا، وهم ~~بنا في طاعتنا لهم وعياذنا بهم {وبلغنا} أي نحن وهم {أجلنا} وأحالوا الأمر ~~على القدر فقالوا: {الذي أجلت لنا} وهو الموت الذي كتبته علينا وسويت بيننا ~~في سوط قهره وتجرع كؤوس حره وقره، ثم هذا اليوم الذي كنا مشتركين في ~~التكذيب به، فاستوجبنا العذاب كلنا. # ولما تم ذلك كان كأنه قيل: فما قال الله لهم بعد هذه المحاورة الغريبة ~~التي هي ضرب من كلام أهل الباطن في الدنيا لجلج مضطرب لا حاصل له؟ فقيل: ~~{قال} أي المخاطب لهم عن الله {النار مثواكم} أي منزلكم جميعا من غير أن ~~تنفعكم الإحالة على القدر {خالدين فيها} أي إلى ما لا آخر له، لأن الأعمال ~~بالنية وقد كنتم على عزم ثابت أنكم على هذا الكفر ما بقيتم ولو إلى ما لا ~~آخر له، فالجزاء من جنس العمل. # PageV07P268 # ولما كان من المقرر أنه لا تمام لملك من يجب عليه شيء ويلزمه بحيث لا ~~يقدر على الانفكاك عنه، بين سبحانه أن ملكه ليس كذلك، بل هو على غاية ~~الكمال، لا يجب عليه شيء بل كل فعله جميل، وجميع ما يبدو منه ms1467 حسن، فعلق ~~دوام عذابهم على المشيئة فقال: {إلا ما شاء} ولما كان القصد في هذه السورة ~~إلى إظهار العظمة للغيرة على مقام الإلهية، عبر بالاسم الأعظم فقال: {الله} ~~أي الذي له رداء الكبر فلا يستطيع أحد أن يعترض عليه ولا أن يهم بذلك، ~~هيهات هيهات! انقطعت دون ذلك الآمال، فظلت ناكسة أعناق الرجال، وبيده إزار ~~العز، فمن اختلج في سره أن يرفع ناكس عنقه ضربه بمقامع الذل، وأنزله في ~~مهاوي الخزي، وقد تقرر أنه سبحانه لا يشاء انقطاع شيء من ذلك عنهم في حال ~~من الأحوال، ونطق الكتاب بذلك في صرائح الأقوال، وفي سوقه معلقا هكذا مع ما ~~تقدم زيادة في عذابهم بتعليق رجائهم من انقطاع بلائهم بما لا مطمع فيه. # ولما كان في إظهار الجلال في هذا الحال من عظيم الأهوال ما لا يسعه ~~المقال، أتبعه اللطف بالمخاطب به صلى الله عليه وسلم فقال: {إن ربك} أي ~~المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك. # ولما كان السياق - في مثل هذه المقاولة في مجمع الحكم - للحكمة والعلم، ~~وكان النظر إلى الحكمة في تنزيل كل شيء منزلة أعظم، قدم # PageV07P269 # وصفها فقال: {حكيم} أي فلا يعذب المخلص ويترك المشرك ولا يعذب بعض من ~~أشرك ويترك بعضا {عليم *} أي بدقائق الأمور وجلائلها من الفريقين، فلا يخفى ~~عليه عمل أحد فيهمله لذلك. # ولما استبان بهذا أنه ولى الكفرة من ظالمي الجن ظالمي الإنس وسلطهم ~~عليهم، أخبر تعالى أن هذا عمله مع كل ظالم من أي قبيل كان سواء كان كافرا ~~أو لا فقال: {وكذلك} أي ومثل تلك التولية التي سلطنا بها الجن على الإنس ~~بما زاد عذاب الفريقين {نولي} أي نتبع في جميع الأزمان من جميع الخلق {بعض ~~الظالمين} أي الغريقين في الظلم {بعضا} أي بأن نجمع بين الأشكال، في ~~الأوصاف الباطنة والخصال، ونسلط بعضهم على بعض في الضلال والإضلال، ~~والأوجاع والأنكال {بما كانوا} بجبلاتهم {يكسبون *} أي بسبب اجتماعهم في ~~الطباع التي طبعناهم عليها يجتمعون وينقاد بعضهم لبعض، بحسب ما سببنا من ~~الأسباب الملائمة لذلك ms1468 الظلم الذي يسرناه لهم، حتى صارت أعمالهم كلها في ~~غير مواضعها، فيظلم بعضهم بعضا ويهلك بعضهم بعضا، وهم لا يزدادون إلا ~~الالتئام حتى يستحق الكل ما كتبنا لهم من عذاب؛ روى الطبراني في الأوسط ن ~~جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «إن الله عز وجل يقول: أنتقم ممن # PageV07P270 # أبغض بمن أبغض ثم أصير كلا إلى النار» وعن مالك بن دينار قال: رأيت في ~~بعض كتب الله المنزلة أن الله تعالى يقول: افني أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم ~~بأوليائي. أو يقال: فقد أخبرنا أن الله عز وجل ولى المؤمنين بسبب محاسن ~~أعمالهم، ومثل ما ولاهم ليعزهم يولي بعض الظلمة بعضا ليهينهم بسبب ما كانوا ~~يتعاطونه من مساوئ الأعمال ورديء الخلال وغث الخصال فيؤديهم إلى مهلك ~~الأوجاع والأوجال، أو يقال: فقد بان أن كلا من ظالمي الإنس والجن كان وليا ~~لكل، وكما جعلنا بعضهم أولياء بعض في الدنيا نفعل إذا حشرناهم في النار ~~فنجعل بعضهم أولياء - أي أتباع بعض، ليستمتع بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضا ~~إن قدروا، وهيهات منهم ذلك هيهات! شغلهم البكاء والعويل والندم والنحيب. # ولما انقضت هذه المحاورة وما أنتجته من بغيض الموالاة والمجاورة وكان ~~حاصلها أنها موالاة من ضرت موالاته، أتبعها سبحانه بمحاورة أخرى حاصلها ~~معاداة من ضرت معاداته، فقال مبدلا من الأولى إتماما للتقريع والتوبيخ ~~والتشنيع: {يا معشر الجن} قدمهم لأن السياق لبيان غلبتهم {والإنس} وبكتهم ~~بقوله محذرا للسامعين الآن ومستعطفا لهم # PageV07P271 # إلى التوبة: {ألم يأتكم رسل} ولما صار القبيلان بتوجيه الخطاب نحوهم دفعة ~~كالشيء الواحد قال: {منكم} وإن كان الرسل من الإنس خاصة. # ولما كان النظر في هذه السورة إلى العلم غالبا لإثبات تمام القدرة الذي ~~هو من لوازمه بدليل {يعلم سركم وجهركم} [الأنعام: 3] ، {أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين} [الأنعام: 53] {وعنده مفاتح الغيب} [الأنعام: 59] وغيرها، ولذلك ~~أكثر فيها من ذكر التفصيل الذي لا يكون إلا للعالم، كان القص - الذي هو ~~تتبع الأثر - أنسب لذلك فقال {يقصون} بالتلاوة والبيان لمواضع الدلائل ~~{عليكم آياتي} أي ms1469 يتبعون بالعلامات التي يحق لها بما لها من الجلال والعظمة ~~أن تنسب إلى مواضع شبهكم، فيحلونها حلا مقطوعا به {وينذرونكم} أي يخوفونكم ~~{لقاء يومكم هذا} أي بما قالوا لكم أنه يطلبكم طلبا حثيثا وأنتم صائرون ~~إليه في سفن الأيام ومراكب الآثام وأنتم لا تشعرون سيرا سريعا {قالوا} ~~معذرين من أنفسهم بالذل والخضوع {شهدنا} بما فعلت بنا أنت سبحانك من ~~المحاسن وما فعلنا نحن من القبائح {على أنفسنا} أي بإتيان الرسل إلينا ~~ونصيحتهم لنا بدليل الآية الأخرى # {قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] وبين أن ~~ضلالهم كان بأردإ الوجوه وأسخفها الدنيا، بحيث إنهم اغتروا بها مع دناءتها ~~لحصورها عن الآخرة مع شرفها لغيابها فقال: {وغرتهم} # PageV07P272 # أي شهدوا هذه الشهادة والحال أنهم قد غرتهم {الحياة الدنيا} أي الحاضرة ~~عندهم إذ ذاك الدنية في نفسها لفنائها، عن اتباع الرسل دأب الجاهل في الرضى ~~بالدون والدابة في القناعة بالحاضر، فشهادتهم ضارة بهم، ولكن لم يستطيعوا ~~كتمانها، بل {وشهدوا} أي في هذا الموطن من مواطن القيامة الطوال {على ~~أنفسهم} أيضا بما هو أصرح في الضرر عليهم من هذا، وهو {أنهم كانوا} جبلة ~~وطبعا {كافرين *} أي غريقين في الكفر، ويجوز أن يكون الغرور بأنهم ظنوا ~~أحوال الآخرة تمشي على ما كانوا يألفونه في الدنيا من أن الاعتراف بالذنب ~~والتكلم بالصدق قد ينفع المذنب ويكف من سورة المغضب حتى يترك العقاب ويصفح ~~عن الجريمة، فلذلك شهدوا بإتيان الرسل إليهم وإقامة الحجة عليهم، وشهدوا ~~على أنفسهم بالكفر، فما زادهم ذلك إلا وبالا وحزنا ونكالا. # PageV07P273 # ولما ذكر سبحانه إقامة الحجة على الكافر في المعاد بالرسل عليهم السلام، ~~علل إرسالهم ترغيبا وحثا في اتباعهم في أيام المهلة بعد ترهيب، وتنبيها ~~وإرشادا في صادع تخويف وتأديب فقال: {ذلك} أي الأمر العظيم الجدوى هو أن ~~أرسلنا الرسل {أن} أي لأجل أنه {لم يكن ربك} أي المحسن إليك بتشريف قومك ~~{مهلك} أي ثابتا إهلاكه {القرى بظلم} # PageV07P273 # أي بسبب ظلم ارتكبوه {وأهلها غافلون *} أي غريقون في الغفلة عما يجب ~~عليهم مما ms1470 لا تستقل به عقولهم، أي بما ركب فيهم من الشهوات وغلب عليهم من ~~اللذات، فأوقف عقولهم عن نافذ المعرفة بما يراد بهم، فأرسلنا إليهم الرسل ~~حتى أيقظوهم من رقدتهم وأنبهوهم من غفلتهم، فصار تعذيبهم بعد تكذيبهم هو ~~الحق الواجب والعدل الصائب، ويجوز أن يكون المعنى: مهلكهم ظالما، فيكون ~~المنفي من الظلم كالمنفي في قوله تعالى {وما ربك بظلام للعبيد} [فاطر: 46] ~~وعلى الأول المنفي ظلمهم. # ولما بين سبحانه أن لأحد الفريقين دار السلام، والآخر دار الملام، قال ~~جامعا للفريقين عاطفا على قوله {لهم دار السلام عند ربهم} [الأنعام: 127] : ~~{ولكل} أي عامل من الفريقين صالح أو طالح في قبيلي الجن والإنس في الدارين ~~{درجات} أي يعليهم الله بها {مما} أي من أجل ما {عملوا} ودركات يهويهم فيها ~~كذلك. # ولما تقدم أنه تعالى لا يهلك المجرمين إلا بعد الإعذار إليهم، وتضمن ذلك ~~إمهالهم، وختم أحوالهم بأنهم موضع لثبوت الغفلة ودوامها، نفى أن يسلم شيء ~~من ذلك بجناب عظمته على وجه أثبت له ذلك إحاطة العلم بجميع أعمالهم فقال: ~~{وما ربك} أي المحسن إليك بإعلاء أوليائك وإسفال أعدائك، وأغرق في النفي ~~لإثبات مزيد العلم فقال: # PageV07P274 # {بغافل عما يعملون *} أي عن شيء يعمله أحد من الفريقين، بل هو عالم بكل ~~شيء من ذلك وبما يستحقه العامل قادر على جزائه، فلا يقع في وهم أن الإمهال ~~لخفاء الاستحقاق بخفاء الموجب له، فالآية من النصوص في كتابة الصالحين من ~~الجن. # ولما كان طلب العبادة للائتمار والانتهاء ربما أوهم الحاجة إليها لنفع في ~~الطاعة أو ضرر يلحقه سبحانه من المعصية، وكان الإمهال مع المبارزة ربما ظن ~~أنه عن عجز، قال مرغبا مرهبا: {وربك} أي المحسن إليك وإليهم بإرسالك، وحصر ~~الخبر في المبتدإ بقوله: {الغني} أي وحده الغني المطلق عن كل عابد وعبادته، ~~فليعمل العامل لنفع نفسه أو ضرها {ذو الرحمة} أي وحده بلإمهال والإرسال ~~للتنبيه على ما يستحقه من الأعمال؛ وملا كان اختصاصه بالغنى والرحمة فلا ~~رحمة إلا منه ولا غنى إلا عنه، وأنه ما رتب الثواب والعقارب ms1471 إلا رحمة منه ~~وجودا، استأنف بيان ذلك، وأخبر عن هذا المبتدإ بوصفيه عند من جعلها وصفين ~~بقوله مصرحا بما أفاده: {إن يشأ يذهبكم} أي جميعا بالإهلاك، فلا يقع في ظن ~~أحد منكم أن الإهلاك متوقف على شيء # PageV07P275 # غير مشيئته، ولكنه قضى بإمهالكم إلى آجالكم رحمة لكم وإكراما لنبيكم صلى ~~الله عليه وسلم؛ ثم قال تحقيقا لغناه أيضا: {ويستخلف} . # ولما كان لم يجعل لأحد الخلد، أدخل الجار فقال: {من بعدكم} أي بعد هلاككم ~~{ما يشاء} أي يبدع غيركم من الخلق من جنسكم أو غير جنسكم كما أبدع أباكم ~~آدم من التراب والتراب من العدم وفرعكم منه {كما أنشأكم من ذرية} أي نسل ~~{قوم آخرين *} أي بعد أن أهلكهم أجمعين، وهم أهل السفينة وقد كنتم نطفا في ~~أصلابهم، لم يكن في واحدة منها حياة. # ولما تقرر أن له الوصفين الملزومين للقدرة، أنتج ذلك قوله جوابا ~~لاستعجالهم بالعذاب استهزاء: {إن ما توعدون} أي من البعث وغيره {لآت} أي لا ~~بد من وقوعه لأن المتوعد لا يبدل القول لديه ولا كفوء له يعارضه فيه {وما ~~أنتم بمعجزين *} أي بثابت لكم الإتيان بشيء يعجز عنه الخصم، فتمهد الأمر من ~~جهته ومن جهتكم لوجود المقتضي وانتفاء المانع، وفي ذلك تقرير لأمر رحمته ~~لأن القادر إذا اراد النقمة أخذ على غرة ولم يهدد، وإذا أراد الرحمة تقدم ~~بالوعيد ليحذر الفائزون ويستسلم الخاسرون. # ولما تقرر ذلك من التهديد على إنكار البعث وتحرر، فأنتج # PageV07P276 # الاجتهاد للعاقل - ولا بد - في العمل، وكان أكثر الخلق أحق، أمره سبحانه ~~بالنصيحة بقوله: {قل يا قوم} أي يا أقرب الخلق إلي وأعزهم علي ومن لهم قيام ~~في الأمور وكفاية عند المهمات {اعملوا} وأشار إلى مزيد القوة بعد التعبير ~~بالقوم بحرف الاستعلاء فقال: {على مكانتكم} أي على ما لكم من القدرة على ~~العمل والمكنة قبل أن تأتي الدواهي وتسبقكم القواصم بخفوق الأجل، وفيه مع ~~النصيحة تخويف أشد مما قبله، لأن تهديد الحاضر على لسان الغير مع الإعراض ~~أشد من مواجهته بالتهديد، أي أنكم لم تقبلوا ms1472 بذلك التهديد الأول كنتم أهلا ~~للإعراض والبعد. # ولما كان أدل شيء على النصيحة مبادرة الناصح إلى مباشرة ما نصح به ودعا ~~إليه، قال مستانفا أو معللا: {إني عامل} أي على مكانتي وبقدر استطاعتي قبل ~~الفوت بحادث الموت، ويمكن أن يكون متمحضا للتهديد، فيكون المعنى: اعملوا ~~بما أنتم تعملونه الآن من مخالفتي بغاية ما لكم من القوة، إني كذلك أعمل ~~فيما جئت به. # ولما كان وقوع المتوعد به سببا للعلم بالعاقبة، وكان السياق لعدم تذكرهم ~~وغرورهم وقلة فطنتهم، حسن إثبات الفاء في قوله: دون إسقاطها لأن الاستئناف ~~يتعطف للسؤال فقال: {فسوف تعلمون} أي يقع لكم بوعد لا خلف فيه العلم، فكأنه ~~قيل: أي علم؟ فقيل: # PageV07P277 # {من تكون له} كونا كأنه جبل عليه {عاقبة الدار} أي بيني وبينكم، وهذا في ~~إثبات الفاء بخلاف ما في قصة شعيب عليه السلام من سورة هود عليه السلام في ~~حذفها؛ ولما كان التقدير جوابا لما تقرر من سؤالهم: عاقبة الدار للعامل ~~العدل، استأنف قوله: {إنه لا يفلح الظالمون *} أي الغريقون في الظلم كائنين ~~من كانوا، فلا يكون لهم عاقبة الدار، فالآية من الاحتباك: ذكر العاقبة أولا ~~دليل على حذفها ثانيا، وذكر الظلم ثانيا دليل على حذف العدل أولا. # PageV07P278 # ولما تمت هذه الآيات من قبح طريقتهم في إنكار البعث وحسن طريقة الإسلام ~~على هذا الأسلوب البديع والمثال البعيد المنال الرفيع وختمت بحال الظالم، ~~شرع في تفصيل قوله {أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض} [الأنعام: ~~14] على أسلوب آخر ابتدأه ببيان ظلمهم وجهالاتهم وأباطيلهم تنبيها على ~~سخافة عقولهم تنفيرا عنهم بوضعهم الأشياء في غير مواضعها وإخراجها عمن هي ~~له ونسبتها إلى من لا يملك شيئا وقتل الأولاد وتسييب الأنعام وغير ذلك، ~~فقال عاطفا على {وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: 100] : {وجعلوا} أي ~~المشركون العادلون بربهم # PageV07P278 # الأوثان {لله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له {مما ذرأ} أي خلق وأنشأ ~~وبث ولم يشركه في خلقه أحد {من الحرث والأنعام نصيبا} أي وجعلوا لشركائهم ~~نصيبا؛ ولما كان الجعل لا يعرف إلا ms1473 بالقول، سبب عنه قوله: {فقالوا} أي ~~بألسنتهم بعد أن قالوا بأفئدتهم {هذا لله} أي الملك الأعلى {بزعمهم} أي ~~ادعائهم الباطل وتصرفهم بكذب ادعائهم التخصيص بالله، ولذا أسقط الزعم من ~~قوله: {وهذا لشركائنا} أي وليس لهم سند في هذه القسمة إلا أهوائهم. # ولما كان هذا سفها بتسويتهم من لا يملك شيئا بمن يملك كل شيء، بين من ~~فعلهم ما هو أشد سفها منه بشرح ما لوح إليه التعبير بالزعم فقال مسببا عن ~~ذلك ومفرعا: {فما كان لشركائهم} أي بزعمهم أنهم شركاء {فلا يصل إلى الله} ~~أي الذي هو المالك مع اتصافه بصفات الجلال والجمال {وما كان لله} أي على ما ~~له من الكبر والعظمة والجلال والعزة {فهو يصل إلى شركائهم} فإذا هلك ما ~~سموا لشركائهم أو أجدب وكثر ما لله قالوا: ليس لآلهتنا بد من نفقة، فأخذوا ~~ما لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر ما لآلهتهم قالوا: لو ~~شاء الله لأزكى الذل له، فلا يردون عليه شيئا مما للآلهة. # ولما بلغ هذا غاية السفه قال: {ساء ما يحكمون *} أي حكمهم هذا أسوأ حكم؛ ~~ذكر الإمام أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي في سيرته في # PageV07P279 # وفد خولان أنه كان لهم صنم يسمى عم أنس، وأنهم لما وفدوا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذكروا له أنهم كانوا يجعلون من أنعامهم وحروثهم جزءا له ~~وجزءا لله بزعمهم، قالوا: كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه فنسميه له ونسمي ~~زرعا آخر حجرة لله عز وجل، فإذا مالت الريح بالذي سميناه لله جعلناه لعم ~~أنس، وإذا مالت الريح بالذي جعلناه لعم أنس لم نجعله لله، فذكر لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل أنزل عليه في ذلك {وجعلوا لله} ~~الآية، قالوا: وكنا نتحاكم إليه فيتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # «تلك الشياطين تكلمكم» ، قالوا: فأصبحنا برسول الله وقلوبنا تعرف أنه كان ~~لا يضر ولا ينفع ولا يذري من عبده ممن لم يعبده. وقال ابن هشام في مقدمة ms1474 ~~السيرة إنهم كانوا يقسمون له، فما دخل في حق عم أنس من حق الله الذي سموه ~~له تركوه له، وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه، قال: وهم بطن من ~~خولان يقال لهم الأديم؛ وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن قتادة ~~قال: كانوا يعزلون من أموالهم شيئا فيقولون: هذا لله وهذا لأصنامهم، فإن ~~ذهب شيء مما جعلوا لشركائهم # PageV07P280 # يخالط شيئا مما جعلوه ردوه، وإن ذهب شيء مما جعلوه لله يخالط شيئا مما ~~جعلوه لشركائهم تركوه، وإن أصابتهم سنة أكلوا مما جعلوا لله وتركوا ما ~~جعلوا لشركائهم، فقال عز وجل {ساء ما يحكمون} وقال البغوي: كانوا يجعلون ~~لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا وللأوثان نصيبا، فما ~~جعلوه لله صرفوه للضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام ~~وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله ~~غني عن هذا، وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان ~~وقالوا: إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا ~~به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه لله. # ولما كان هذا متضمنا لأنهم نقصوا أموالهم بأنفسهم في غير طائل فجعلوها ~~لمن لا يستحقها، نبه تعالى على أن ذلك تزيين من أضلهم من الشياطين من سدنة ~~الأصنام وغيرهم من الإنس ومن الجن المتكلمين من أجواف الأصنام وغيرهم، فقال ~~منبها على أنهم زينوا لهم ما هو أبين منه {وكذلك} أي ومثل ما زين لجميع ~~المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم شركاؤهم {زين لكثير من المشركين} . # PageV07P281 # ولما كان المزين لخسته أهل لأن لا يقبل تزيينه ولا يلتفت إليه، فكان ~~امتثال قوله غريبا، وكان الإقدام على فعل الأمر المزين أشد غرابة، قدمه ~~تنبيها على ذلك فقال: {قتل أولادهم} أي بالوأد خشية الإملاق والنحر ~~لآلهتهم، وشتان بين من يوجد لهم الولد ويرزقه والرزق ويخلقه وبين من لا ~~يكون إلا سببا في إعدامه؛ ولما كان ms1475 في هذا غاية الغرابة تشوفت النفس إلى ~~فاعل التزيين فقال: {شركاؤهم} أي وهم أقل منهم بما يخاطبون به من أجواف ~~الأصنام وبما يحسن لهم السدنة والأهوية بسبب الأصنام. # ولما كان هذا أمرا معجبا، كان الأمر في قراءة ابن عامرالمولود في زمان ~~النبي صلى الله عليه وسلم المشمول ببركة ذلك العصر الآخذ عن جلة من الصحابة ~~الموصوف بغزارة العلم ومتانة الدين وقوة الحفظ والضبط وحجة النقل في إسناد ~~الفعل إلى الشركاء بإضافة المصدر إلى فاعله أعجب، وفصل بين المضاف والمضاف ~~إليه بالمفعول - وهو الأولاد - لأن وقوع القتل فيهم كما تقدم أعجب. # ولما كان ذلك ربما كان لفائدة استهين لها هذا الفعل العظيم، ذكر أنه ليس ~~له فائدة إلا الهلاك في الدنيا والدين الذي هو هلاك في الآخرة ليكون ذلك ~~أعجب فقال: {ليردوهم} أي ليهلكوهم هلاكا لا فائدة فيه بوجه {وليلبسوا} أي ~~يخلطوا ويشبهوا {عليهم دينهم} # PageV07P282 # أي وهو دين إبراهيم الذي أمره الله بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام فما ~~أقدم عليه إلا بأمر الله ثم إنه فداه ولم يمض ذبحه، فخالف هؤلاء عن أمر ~~الشركاء الأمرين معا فجمعوا لهم بذلك بين إهلاكين: في النفس والدين، فان ~~القتل في نفسه عظيم جدا، ووقوعه تدينا بغير أصل ولا شبهة أعظم، فلا أضل ممن ~~تبع من كان سببا لإهلاك نفسه ودينه. # ولما كان العرب يدعون الأذهان الثاقبة والأفكار الصافية والآراء الصائبة ~~والعقول الوافرة النافذة، ذكر لهم ذلك على سبيل التعليل استهزاء بهم، يعني ~~أنهم فعلوا ذلك لهذه العلة فلم يفطنوا بهم ولم يدركوا ما أرادوا بكم مع ~~أنهم حجارة، فأنتم أسفل منهم؛ ولما أثبت للشركاء فعلا هو التزيين، وكان قد ~~نفي سابقا عنهم وعن سائر أعداء الأنبياء الاستقلال به، وأناط الأمر هناك - ~~لأن السياق للأعداء - بصفة الربوبية المقتضية للحياطة والعناية، وكان ~~الكلام هنا في خصوص الشركاء، علق الأمر باسم الذات الدال على الكمال ~~المقتضي للعظمة والجبروت والكبر وسائر الأسماء الحسنى على وجه الإحاطة ~~الجلال فقال: {ولو شاء الله} أي بما له من العظمة والإحاطة بجميع ms1476 أوصاف ~~الكمال المقتضية للعلو عن الأنداد والتنزه عن الشركاء والأولاد أن لا يفعله ~~المشركون {ما فعلوه} أي ذلك الذي زين لهم، بل ذلك إنما هو بإرادته ومشيئه ~~احتراسا من ظن أنهم يقدرون على شيء استقلالا، وتسلية # PageV07P283 # لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخفيفا، وأكد التسلية بقوله: {فذرهم وما ~~يفترون *} أي يتقولون من الكذب ويتعمدونه. # PageV07P284 # ولما ذكر إقدامهم على ما قبحه الشرع، ولامه على تقبيحه العقل من قتل ~~الأولاد، أتبعه إحجامهم عما حسنه الشرع من ذبح بعض الأنعام لنفعهم، وضم ~~إليه جملة مما منعوا أنفسهم منه ودانوا به لمجرد أهوائهم فقال: {وقالوا} أي ~~المشركون سفها وجهلا {هذه} إشارة إلى قطعة من أموالهم عينوها لآلهتهم ~~{أنعام وحرث حجر} أي حرام محجور عليه فلا يصل أحد إليه، وهو وصف يستوي فيه ~~الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات {لا ~~يطعمها} أي يأكل منها {إلا من نشاء} أي من السدنة ونحوهم {بزعمهم} أي ~~بتقولهم بمجرد الهوى من غير سند عن الله الذي له ملكوت السماوات والأرض، ~~وهم كاذبون في هذا الزعم في أصل التحريم وفي نفوذ المنع، فلو أراد الله أن ~~تؤكل لأكلت ولم يقدروا على منع {وأنعام} . # ولما كان ذمهم على مجرد التجريم لا على كونه من معين، بني للمجهول قوله: ~~{حرمت ظهورها} يعني البحائر وما معها فلا تركب {وأنعام لا يذكرون} أي هؤلاء ~~المتقولون على الله {اسم الله} الذي حاز جميع العظمة {عليها} أي في الذبح ~~أو غيره {افتراء} أي تعمدا للكذب {عليه} . # PageV07P284 # ولما كان هذا لعظمه من جهة أنه تعمد للكذب على ملك الملوك موضع تشوف ~~السامع إلى ما يكون عنه، استأنف قوله: {سيجزيهم} أي بوعد صادق لا خلف فيه ~~{بما} أي بسبب ما {كانوا} أي جبلة وطبعا {يفترون *} أي يتعمدون من الكذب، ~~أما بعد إظهار الحق فواضح، وأما قبله فلكونه في غاية ما يكون من ظهور ~~الفساد. ولما ذكر من سفههم ما فيه إقدام محض وما فيه إحجام خالص محت، أتبعه ~~ما هو مختلط منهما فقال: {وقالوا} ms1477 أي المشركون أو بعضهم وأقره الباقون {ما ~~في بطون هذه} إشارة إلى ما اقتطعوه لآلهتهم، وبينوه بقولهم: {الأنعام} أي ~~من الأجنة {خالصة} أي خلوصا لا شوب فيه، أنث للحمل على معنى الأجنة، أو ~~تكون التاء للمبالغة أو تكون مصدرا كالعافية، أي ذو خالصة {لذكورنا} ؛ ولما ~~كان المراد العراقة في كل صفة، أتى بالواو فقال: {ومحرم} وحذف الهاء إما ~~حملا على اللفظ أو تحقيقا لأن المراد ب «خالصة» المبالغة {على أزواجنا} أي ~~إناثنا، وكأنه عبر بالأزواج بيانا لموضع السفه بكونهن شقائق الرجال، هذا إن ~~ولد حيا {وإن يكن} أي ما في بطونها {ميتة} وكأنه أثبت هاء التأنيث مبالغة، ~~وأنث الفعل أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر عن عاصم حملا على معنى «ما» ورفع ~~الاسم على التمام ابن كثير وأبو جعفر وابن عامر، وذكر ابن كثير لأن # PageV07P285 # التأنيث غير حقيقي، ونصب الباقون على جعلها ناقصة مع التذكير حملا على ~~لفظ «ما» {فهم} أي ذكورهم وإناثهم {فيه} أي ذلك الكائن الذي في البطون ~~{شركاء} أي على حد سواء. # ولما كان ذلك كله وصفا منهم للأشياء في غير مواضعها التي يحبها الله قال: ~~{سيجزيهم وصفهم} أي بأن يضع العذاب الأليم في كل موضع يكرهون وصفه فيه، حتى ~~يكون مثل وصفهم الذي لم يزالوا يتابعون الهوى فيه حتى صار خلقا لهم ثابتا ~~فهو يريهم وخيم أثره، ثم علل ذلك بقوله: {إنه حكيم} أي لا يجازى على الشيء ~~إلا بمثله ويضعه في أحق مواضعه وأعدلها {عليم *} أي بالمماثلة ومن يستحقها ~~وعلى أي وجه يفعل، وعلى أي كيفية يكون أتم وأكمل، وفي ذلك أتم إشارة إلى أن ~~هذه الأشياء في غاية البعد عن الحكمة، فهو متعال عن أن يكون شرعها وهي سفه ~~محض لا يفعلها إلا ظالم جاهل. # PageV07P286 # ولما ذكر تعالى تفاصيل سفههم، وأشار إلى معانيها، جمعها - وصرح بما ~~أثمرته من الخيبة - في سبع خلال كل واحدة منها سبب تام في حصول الندم فقال: ~~{قد خسر} وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: {الذين ~~قتلوا} ms1478 قرأها ابن عامر وابن كثير بالتشديد لإرادة التكثير والباقون ~~بالتخفيف {أولادهم سفها} أي خفة إلى # PageV07P286 # الفعل المذموم وطيشا، تؤزهم الشياطين الذين يتكلمون على ألسنة الأصنام أو ~~سدنتها إلى ذلك أزا. # ولما كان السفه منافيا لرزانة العلم الذي لا يكون الفعل الناشئ عنه إلا ~~عن تأن وتدبر وتفكر وتبصر، قال مصرحا بما أفهمه: {بغير علم} أي وأما من قتل ~~ولده بعلم - كما إذا كان كافرا أو قاتلا أو محصنا زانيا - فليس حكمه كذلك؛ ~~ولما ذكر عظيم ما أقدموا عليه، ذكر جليل ما أحجموا عنه فقال: {وحرموا ما ~~رزقهم الله} أي الذي لا ملك سواه رحمة لهم، من تلك الأنعام والغلات، بغير ~~شرع ولا نفع بوجه {افتراء} أي تعمدا للكذب {على الله} أي الذي له جميع ~~العظمة. # ولما كانوا قد خسروا ثلاث خسرات مع ادعائهم غاية البصر بالتجارات: النفس ~~بقتل الأولاد، والمال بتحريم ما رزقهم الله، فأفادهم ذلك خسارة الدين، كانت ~~نتيجته قوله: {قد ضلوا} أي جاوزوا وحادوا عن الحق وجاروا؛ ولما كان الضال ~~قد تكون ضلالته فلتة عارضة له، وتكون الهداية وصفا أصيلا فيه، نبه على أن ~~الضلال وصفهم الثابت بقوله: {وما كانوا} أي في شيء من هذا من خلق من ~~الأخلاق {مهتدين *} أي لم يكن في كونهم وصف الهداية، بل زادوا بذلك ضلالا؛ ~~قال البخاري في المناقب من صحيحه: حدثنا # PageV07P287 # أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في ~~سورة الأنعام {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها} - إلى قوله: {وما كانوا ~~مهتدين} . وله في وفد بني حنيفة من المغازي عن مهدي بن ميمون قال: سمعت أبا ~~رجاء العطاردي يقول: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرا أحسن منه ألقيناه ~~فأخذنا الآخر، وإذا لم نجد حجرا جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا ~~عليه ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة، فلا ندع رمحا فيه ~~حديدة ms1479 ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناه فألقيناه شهر رجب. # ولما كان مدار القرآن على تقرير التوحيد والنبوة وتوابعها والمعاد ~~والقضاء والقدر والفعل بالاختيار، وأتقن تقرير هذه الأصول لا سيما في هذه ~~السورة، وانتهى إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، وعجب سبحانه ممن أشرك ~~وأنكر البعث وفعل أفعال المشركين تعجيبا بعد تعجيب، وهجن طريقتهم ووبخهم ~~توبيخا في إثر توبيخ بتكذيبهم للداعي من غير حجة، وحكى أقوالهم الباطلة ~~ودعاويهم الفاسدة مع ادعائهم أنهم # PageV07P288 # أنصف الناس، ومخالفتهم للهادي بغير ثبت ولا بينة مع ادعائهم أنهم أبصر ~~الناس، وبطلبهم للآيات تعنتا مع ادعائهم أنهم أعقل الناس، وإخلاصهم في ~~الشدة وإشراكهم في الرخاء مع ادعائهم أنهم أشكر الناس، وعبادتهم للجن ~~وتعوذهم بهم مع ادعائهم أنهم أشجع الناس - إلى أن عجب منهم فيما شرعوه ~~لأنفسهم فيما رزقهموه سبحانه من حيوان وجماد ومضوا عليه خلفا عن سلف، ~~تنبيها على ضعف عقولهم وقلة علومهم تنفيرا للناس عن الالتفات إليهم واغترار ~~بأقوالهم، قال في موضع الحال من # {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام} [الأنعام: 136] مبينا عظيم ملكه ~~وشمول قدرته وباهر اختياره وعظمته، زيادة في التعجيب منهم في تصرفهم في ~~ملكه بغير إذنه سبحانه وشرعهم ما لم يأذن فيه في سياق كافل بإقامة الحجة ~~على تقرير التوحيد عودا على بدء وعللا بعد نهل، لأنه المدار الأعظم والأصل ~~الأقوم: {وهو} أي لا غيره {الذي أنشأ} أي من العدم {جنات} أي من العنب ~~وغيره {معروشات} أي مرفوعات عن الأرض على الخشب ونحوه، أي لا تصلح إلا ~~معروشة، ومتى لم ترفع عن الأرض تلف ثمرها {وغير معروشات} أي غير مرفوعات ~~على الخشب، أي لا تصلح إلا مطروحة على الأرض مثقلة بما يحكم وصولها إليها، ~~ومتى ارتفعت # PageV07P289 # عن الأرض تلفت، فما ذلك لطبيعة ولا غيرها وإلا لاستوت الجنات كلها لأن ~~نسبتها إلى السماء والأرض واحدة، فما اختلف إلا بفاعل مختار واحد لا شريك ~~له، لا يكون إلا ما يريد. # ولما ذكر الجنات الجامعة، خص أفضلها وأدلها على الفعل بالاختيار، وبدأ ~~بأشهرها عند المخاطبين بهذه ms1480 الآيات فقال: {والنخل} أي وأنشأ النخل {والزرع} ~~حال كونه {مختلفا أكله} أي أكل أحد النوعين، وهو ثمره الذي يؤكل بالنسبة ~~إلى الآخر، وأكل كل نوع بالنسبة إلى الأشجار وغيرها في الحمل والطعم وغيره، ~~بل ويوجد في العذق الواحد الاختلاف، وأما اختلاف مقداره بكون هذا في غاية ~~الطول وهذا في غاية القصر فأمر واضح جدا {والزيتون والرمان} . # ولما كان معظم القصد في هذا السياق نفي الشريك وإثبات الفعل بالاختيار، ~~لم يدع الحال إلى ذكر كمال الشبه فاكتفى بأصل الفعل فقيل: {متشابها} أي ~~كذلك {وغير متشابه} أي في اللون والطعم والفساد وعدمه والتفكه والاقتيات ~~والدهن والماء - إلى غير ذلك من أحوال وكيفيات لا يحيط بها حق الإحاطة إلا ~~بارئها سبحانه وعز شأنه، ولعله جمع الأولين لأن كلا منهما يدخر للاقتيات ~~ولا يسرع فساده مع المفارقة في الشكل، والاختلاف في النوع بالشجر والنجم، ~~والتفاوت العظيم في المقدار، والأخيرين لأن الأول لا يفسد بوجه، والثاني ~~يسرع # PageV07P290 # فساده، ويدخر كل منهما على غير الهيئة التي يدخر عليها الآخر مع كونهما ~~من الأشجار وتقاربهما في المقدار وتفاوت ثمرتهما في الشكل والقدر وغير ذلك. # ولما كان قوله {وهو الذي أنزل من السماء ماء} [الأنعام: 99] في سياق ~~الاستدلال على أنه لا فاعل إلا الله، أمر فيه بالنظر إلى الثمر والينع ~~ليعتبر بحالهما، وكانت هذه الآية في سياق التعنيف لمن حرم ما رزقه الله ~~والأمر بالأكل من حلال ما أنعم به والنهي عن تركه تدينا فقال تعالى هنا: ~~{كلوا} وقدم الأولى المستدل بها على وجود البارئ وتفرده بالأمر لأن اعتقاد ~~ذلك سعادة روحانية أبدية؛ وقال أبو حيان في النهر: لما كان مجيء تلك الآية ~~في معرض الاستدلال بها على الصانع وقدرته والحشر وإعادة الأرواح إلى ~~الأجساد بعد العدم وإبراز الجسد وتكوينه من العظم الرميم وهو عجب الذنب، ~~قال {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} [الأنعام: 99] إشارة إلى الإيجاد ~~أولا وإلى غايته، وهنا لما كان في معرض الامتنان وإظهار الإحسان بما خلق ~~لنا قال: كلوا، ودل على أن الرزق أكثر ms1481 من خلقه بقوله: {من ثمره} ، ولما كان ~~هذا الأمر للإباحة لا للارادة، قيده لئلا يقتضي إيجاد الثمر في كل جنة في ~~كل وقت فقال: {إذا أثمر} فحصل بمجموعها الحياة الأبدية والحياة # PageV07P291 # الدنياوية السريعة الانقضاء وتقدم النظر وهو الفكر على الأكل لهذا السبب. ~~انتهى. وعبر ب «إذا» دون «إن» تحقيقا لرجاء الناس في الخصب وتسكينا لآمالهم ~~رحمة لهم ورفقا بهم إعلاما أنه إن وقع جدب كان في ناحية دون أخرى وفي نوع ~~دون آخر، وإباحة للأكل في جميع أحوال الثمرة نضيجة وغير نضيجة. # ولما كان في الآيات الحاكية مذاهب الكفار تقبيح أن يجعلوا شيئا من ~~أموالهم لأحد بأهوائهم، أشار هنا إلى أنه فرض فيها حقا وجعل له مصارف ~~بقوله: {وآتوا حقه} ولما أباح سبحانه أكله ابتداء وانتهاء، بين أنه خفف ~~عنهم الوجوب قبل الانتهاء فقال: {يوم حصاده} أي قطعه جذاذا كان أو حصادا، ~~فكذلك أول وقت نصاب الأمر وهو موسع، والحق أعم من الواجب والمندوب، فإن ~~أريد الندب عم الأنواع الخمسة الماضية: العنب المشار إليه بالعرش وما بعده، ~~وإن أريد الوجوب فقد أشير بالتعبير بالحصاد إلى أن الأصل في ذلك الحبوب ~~المقتاتة، وأما غيرها فتابع علمه ببيان النبي صلى الله عليه وسلم فيطلق ~~عليه الحصاد مجازا. # ولما أمر الله بالأكل من ثمره وبإيتاء حقه، نهى عن مجاوزة الحد في البسط ~~أو القبض فقال: {ولا تسرفوا} وهذا النهي يتضمن أفراد الإسراف، فيدخل فيه ~~الإسراف في أكل الثمرة حتى لا يبقى شيء منها للزكاة، والإسراف في الصدقة ~~حتى لا يبقى لنفسه ولا لعياله شيئا، # PageV07P292 # ويؤيده {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] ، {ولا تبسطها كل ~~البسط} [الإسراء: 29] ، ثم علله بقوله: {إنه لا يحب المسرفين *} أي لا ~~يعاملهم معاملة المحب فلا يكرمهم، وقيل لحاتم الطائي: لا خير في السرف ~~فقال: ولا سرف في الخير. # PageV07P293 # ولما كان السياق للمآكل من الحرث والأنعام من حلال وحرام، وفرغ من تقرير ~~أمر الحرث الذي قدم في الجملة الأولى لأنه مادة الحيوان، قال: {ومن} أي ~~وأنشأ من {الأنعام حمولة} أي ما ms1482 يحمل الأثقال {وفرشا} أي وما يفرش للذبح أو ~~للتوليد، ويعمل من وبره وشعره فرش؛ ولما استوفى القسمين أمر بالأكل من ذلك ~~كله على وجه يشمل غيره مخالفة للكفار فقال: {كلوا مما رزقكم الله} أي لأنه ~~الملك الأعظم الذي لا يسوغ رد عطيته {ولا تتبعوا} ولعله شدد إشارة إلى ~~العفو عن صغيرة إذا ذكر الإنسان فيها رجع ولم يعتد في هواه {خطوات الشيطان} ~~أي طريقه في التحليل والتحريم كما قال في البقرة {كلوا مما في الأرض حلالا ~~طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان} [البقرة: 168] وعبر بذلك لأنه - مع كونه من ~~مادة الخطيئة دال على أن شرائعه شريعة الأندراس، لولا مزيد الاعتناء من ~~الفسقة بالتتبع في كل خطوة حال تأثيرها لبادر إليها المحو لبطلانها في ~~نفسها، فلا أمر من الله يحييها ولا كتاب يبقيها، وإنما أسقط هنا {حلالا ~~طيبا} لبيانه سابقا في قوله {فكلوا # PageV07P293 # مما ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 118] ، {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه} [الأنعام: 121] ، ولاحقا في قوله {قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما} [الأنعام: 125] ؛ ثم علل نهيه عن اتباعه فقال: {إنه لكم عدو} أي فهو ~~لذلك لا يأمركم بخير {مبين *} أي ظاهر العداوة لأن أمره مع أبيكم شهير. # ولما رد دين المشركين وأثبت دينه، وكانوا قد فصلوا الحرمة بالنسبة إلى ~~ذكور الآدمي وإناثه، ألزمهم تفصيلها بالنسبة إلى ذكور الأنعام وإناثه، ففصل ~~أمرها في أسلوب أبان فيها أن فعلهم رث القوى هلهل النسيج بعيد من قانون ~~الحكمة، فهو موضع للاستهزاء وأهل للتهكم، فقال بيانا ل {حمولة وفرشا} ~~{ثمانية أزواج} أي أصناف، لا يكمل صنف منها إلا بالآخر، أنشأها بزواج كل من ~~الذكر والأنثى الآخر، ولحق بتسميتهم الفرد بالزوج - بشرط أن يكون آخر من ~~جنسه - تسميتهم الزجاجة كأسا بشرط أن يكون فيها خمر. # ولما كان الزوج يطلق على الاثنين وعلى ما معه آخر من نوعه، قال مبينا أن ~~هذا هو المراد لا الاثنان مفصلا لهذه الثمانية: {من الضأن} جمع ضائن وضائنة ~~كصاحب وصحب {اثنين} أي ذكرا وأنثى كبشا ونعجة ms1483 {ومن المعز} جمع ماعز وماعزة ~~كخادم وخدم في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر، وتاجر وتجر في # PageV07P294 # قراءة غيرهم {اثنين} أي زوجين ذكرا وأنثى تيسا وعنزا. # ولما كان كأنه قيل: ما المراد بهذا التفصيل قبل سؤالهم عن دينهم، قال: ~~{قل} أي لهم مستفهما؛ ولما كان هذا الاستفهام بمعنى التوبيخ والتهكم ~~والإنكار، أتى فيه ب «ام» التي هي مع الهمزة قبلها بمعنى «أي» ليتفهم بها ~~عما يعلم ثبوت بعضه وإنما يطلب تعيينه، فقال معترضا بين المعدودات تأكيدا ~~للتوبيخ، لأن الاعتراضات لا تساق إلا للتأكيد: {ءآلذكرين} . # ولما كان المستفهم عنه بنصبه ما بعده لا ما قبله، قال: {حرم} أي الله، ~~فإن كان كذلك لزمكم تحريم جميع الذكور {أم الأنثيين} ليلزمكم تحريم جميع ~~الإناث، واستوعب جميع ما يفرض من سائر الأقسام في قوله: {أما} أي أم حرم ما ~~{اشتملت} أي انضمت {عليه} وحملته {أرحام الأنثيين} أي من الذكور والإناث، ~~ومتى كان كذلك لزمكم تحريم الكل فلم تلزموا شيئا مما أوجبه هذا التقسيم فلم ~~تمشوا على نظام. # ولما علم أنه لا نظام لهم فعلم أنهم جديرون بالتوبيخ، زاد في توبيخهم ~~فقال: {نبئوني} أي أخبروني عما حرم الله من هذا إخبارا جليلا عظيما؛ ولما ~~كان هذا الإخبار الموصوف لا يكون بشيء فيه شك، قال: {بعلم} أي أمر معلوم من ~~جهة الله لا مطعن فيه {إن كنتم صادقين} أي إن كان لكم هذا الوصف. # PageV07P295 # ولما فصل الغنم إلى ضان ومعز، أغنى ذلك عن تنويع الإبل إلى العراب والبخت ~~والبقر إلى العراب والجواميس، - ولأن هذه يتناتج بعضها من بعض بخلاف الغنم ~~فإنها لا يطرق أحد نوعيها الآخر - نقله الشيخ بدر الدين الزركشي في كتاب ~~الوصايا من شرح المنهاج عن كتاب الأعداد لابن سراقة فقال: {ومن الإبل ~~اثنين} أي ذكرا وأنثى {ومن البقر اثنين} أي كذلك {قل} أي لهؤلاء الذين ~~اختلقوا جهلا وسفها ما تقدم عنهم {ءآلذكرين} أي من هذين النوعين {حرم} أي ~~حرمهما الله {أم الأنثيين} أي حرمهما {أما} أي الذي {اشتملت عليه} أي ذلك ~~المحرم ms1484 على زعمكم {أرحام الأنثيين} أي حرمهما الله. # ولما كان التقدير: أجاءكم هذا عن الله الذي لا حكم لغيره على لسان نبي؟ ~~عادله توبيخا لهم وإنكارا عليهم بقوله: {أم كنتم شهدآء} أي حاضرين {إذ ~~وصاكم الله} أي الذي لا ملك غيره فلا حكم لسواه {بهذا} أي كما جزمتم عليه ~~به، أو جزمتم بالحرمة فيما حرمتموه والحل فيما أحللتموه، ولا محرم ولا محلل ~~غير الله، فكنتم بذلك ناسبين الحكم إليه؛ ولما كان التقدير كما أنتجه ~~السياق: لقد كذبتم على الله حيث نسبتم إليه ما لم تأخذوه عنه لا بواسطة ولا ~~بغير واسطة، سبب عنه قوله # PageV07P296 # معمما ليعلم أن هذا إذا كان في التحريم والتحليل كان الكذب في أصول الدين ~~أشد: {فمن أظلم} ووضع موضع «منكم» قوله معمما ومعلقا للحكم بالوصف: {ممن ~~افترى} أي تعمد {على الله} أي الذي لا أعظم منه لأنه ملك الملوك {كذبا} ~~كعمرو بن لحي الذي غير شريعة إبراهيم عليه السلام، وكل من فعل مثل فعله. # ولما كان يلزم من شرعهم لهذه الأمور إضلال من تبعهم فيها عن الصراط ~~السوي، وكانوا يدعون أنهم أفطن الناس وأعرفهم بدقائق الأمور في بداياتها ~~ونهاياتها وما يلزم عنها، جعل غاية فعلهم مقصودا لهم تهكما بهم فقال: {ليضل ~~الناس} ولما كان الضلال قد يقع من العالم الهادي خطأ، قال: {بغير علم} . # ولما كان هذا محل عجب ممن يفعل هذا، كشفه سبحانه بقوله استئنافا: {إن ~~الله} وهو الذي لا حكم لأحد سواه لا يهديهم، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر ~~تعميما بما هو أعم من وصفهم ليكون الحكم عليهم بطريق الأولى فقال: {لا يهدي ~~القوم الظالمين} أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها فكيف بالأظلمين! ~~وما أحسن هذا الختم لأحكامهم وأنسبه لما بناها عليه من قوله {إنه لا يفلح ~~الظالمون} [الأنعام: 21] . # PageV07P297 # ولما تضمن قوله افتراء عليه افتراء على الله والتعبير في ذلك كله # PageV07P297 # بالاسم الأعظم أن كون التحريم ليس إلا من الله أمر معلوم ليس موضعا للشك ~~لأنه الملك الأعظم ولا حكم لغير الملك، ومن حكم ms1485 عن غير أمره عذب؛ حسن بعد ~~إبطال دينهم والبيان لأن من حرم شيئا بالتشهي مضل وظالم قوله مبينا البيان ~~الصحيح لما يحل ويحرم جوابا لمن يقول: فما الذي حرمه سبحانه وما الذي أحله: ~~{قل} معلما بأن التحريم لا يثبت إلا بوحي من الله {لآ أجد} أي الآن ولا ~~فيما يستقبل من الزمان، فإن «لا» كلمة لا تدخل على مضارع إلا وهو بمعنى ~~الاستقبال {في مآ} . # ولما كان ما آتاه صلى الله عليه وسلم قد ثبت بعجزهم عن معارضته أنه من ~~الله، بني للمفعول قوله: {أوحي إلي} أي من القرآن والسنة شيئا مما تقدم مما ~~حرمتموه مطلقا أو على حال دون حال وعلى ناس دون آخرين طعاما {محرما على ~~طاعم} أي طاعم كان من ذكر أو أنثى {يطعمه} أي يتناوله أكلا وشربا أو دواء ~~أو غير ذلك {إلا أن يكون} أي ذلك الطعام {ميتة} أي شرعا، والميتة الشرعية ~~هي ما لا يقبل التذكية، وهو كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية {أو دما ~~مسفوحا} أي مراقا من شأنه السيلان لا من شأنه الجمود كالكبد والطحال. # ولما كان النصارى قد اتخذوا أكل الخنزير دينا، نص عليه وإن كان داخلا في ~~قوله «ميتة» على ما قررته في المراد بها، وقال: # PageV07P298 # {أو لحم خنزير} ليفيد تحريمه على كل حال سواء ذبح أم لا، ولو قيل: أو ~~خنزيرا لاحتمل أن يراد تحريم ما أخذ منه حيا فقط، وقال: {فإنه} أي الخنزير ~~{رجس} ليفيد نجاسة عينه وهو حي، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى، وكل ~~ما وافقه في هذه العلة كان نجسا، لا يعاد الضمير على اللحم لأنه قد علمت ~~نجاسته من تحريمه لعينه، فلو عاد عليه كان تكرارا. # ولما ذكر المحرم لعينه ذكر المحرم لعارض، فقال مبالغا في النفي عنه بأن ~~جعله نفس المعنى الذي وقع النهي لأجله: {أو فسقا} أي أو كان الطعام خروجا ~~مما ينبغي القرار فيه من فسيح جناب الله الذي من توطنه أمن واهتدى وسلم من ~~ضيق الهوى في ذكر الغير ms1486 الذي من خرج إليه خاف وضل، وهلك وتوى؛ ثم قال مفسرا ~~له مقدما لما هو داخل في الفسق من الالتفات إلى الغير: {أهل لغير الله} أي ~~الذي له كل شيء لأن له الكمال كله {به} أي ذكر غير اسمه عليه بأن ذبح له ~~تدينا؛ ثم ذكر لطفه بهذه الأمة في إباحته لهم في حال الضرورة كل محرم رحمة ~~منه لهم وسترا لتقصيرهم فقال: {فمن اضطر} أي حصل له جوع خشي منه التلف، ~~وبني للمفعول لأن المعتبر حصول الاضطرار لا كونه من معين، ومن التعبير بذلك ~~تؤخذ حرمة ما زاد # PageV07P299 # على سد الرمق لأنه حينئذ لا يكون مضطرا {غير باغ} أي على غيره بمكيدة ~~{ولا عاد} أي على غيره بقوته ولا متجاوز سد الضرورة {فإن ربك} أي المحسن ~~إليك بإرسالك وإلى أمتك الضعيفة بجعل دينها الحنيفية السمحة {غفور} أي يمحو ~~الذنب إذا أراد {رحيم} أي يكرم المذنب بعد الغفران بأنواع الكرامات، فهو ~~جدير بأن يمحو عن هذا المضطر أثر تلك الحرمة التي كدرها ويكرمه بأن يجعل له ~~- في حفظه بذلك لنفسه إذا صحت فيه نيته - أجرا عظيما، وقد تكلفت الآية على ~~وجازتها بجميع المحرمات من المأكولات مع الإشارة بلفظ الرجس والفسق إلى ~~جميع أصناف المحرمات وإلى أن ارتكابها موجب للخبث والانسلاخ من الخير، وذلك ~~هو سبب تحريمها؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة: وجه إنزال ~~هذا الحرف - أي حرف الحرام - طهرة الخلق من مضار أبدانهم ورجاسة نفوسهم ~~ومجهلة قلوبهم، فما اجتمعت فيه كان أشد تحريما وما وجد فيه شيء منها كان ~~تحريمه بحسب تأكد الضرورة إلى طهرته، وكما اختلف أحوال بني آدم بحسب اختلاف ~~طينتهم من بين خبيث وطيب وما بين ذلك، اختلف أحوالهم فيما به تجدد خلقهم من ~~رزقهم، فمن اغتذى بدنه من شيء ظهرت أخلاق نفس ذلك المغتذى به وأوصافه في ~~نفسه، ورين على القلب أو صفاء، لتقويه بما يسمى عليه من ذكر الله أو كفر به # PageV07P300 # بذكر غيره، وجامع منزله على حده من استثناء قليله من ms1487 متسع الحلال قوله ~~تعالى # {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا} [الأنعام: 125] هذا لمضرته بالبدن {أو لحم خنزير} وهذا لتخبيثه ~~للنفس وترجيسه لها كما قال تعالى {فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به} وهذا ~~لرينه على القلب، وهذه الآية مدنية وأثبتها تعالى في سورة مكية إشعارا بأن ~~التحريم كان مستحقا في أول الدين ولكن أخر إلى حين اجتماع جمة الإسلام ~~بالمدينة تأليفا لقلوب المشركين وتيسيرا على ضعفاء الدين الذين آمنوا ~~واكتفاء للمؤمنين بتنزههم عن ذلك وعما يشبهه استبصارا منهم حتى أن الصديق ~~رضي الله عنه كان قد حرم الخمر على نفسه في زمن الجاهلية لما رأى فيها من ~~نزف العقل، فكيف بأحوالهم بعد الإسلام! وألحق بها في سورة {الذين آمنوا} ما ~~كان قتله سطوة من غير ذكر الله عليه من المنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة وما أكل السبع إلا ما أدرك بالتذكية المنهرة للدم الموصل في ~~التحريم لفساد مسفوحه بما هو خارج عن حد الطعام في الابتداء والأعضاء في ~~الانتهاء المستدركة ببركة التسمية أثر ما أصابها من مفاجأة السطوة، وألحق ~~بها أيضا في هذه السورة # PageV07P301 # تحريم الخمر لرجسها كالخنزير كما ألحقت المقتولة بالميتة، وكما حرم الله ~~ما فيه جماع الرجس من الخنزير وجماع الإثم من الخمر حرم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما كان فيه حظ من ذلك، فألحق بالخنزير السباع حماية من سورة ~~غضبها لشدة المضرة في ظهور الغضب من العبيد لأنه لا يصلح إلا لسيدهم، وحرم ~~الحمر الأهلية حماية من بلادتها وحرانها الذي هو علم غريزة الخرق في الخلق، ~~وألحق صلى الله عليه وسلم بتحريم الخمر التي سكرها مطبوع تحريم المسكر الذي ~~سكره مصنوع، وكما حرم الله ما يغر العبد في ظاهره وباطنه حرم عليه فيما ~~بينه وبينه ما يقطعه عنه من أكل الربا، والربا بضع وسبعون بابا والشرك مثل ~~ذلك، وجامع منزله في قوله تعالى {الذين يأكلون الربا} إلى قوله: # {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: ms1488 275] إلى انتهاء ذكره إلى ما ~~ينتظم من ذلك في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا ~~مضاعفة} [آل عمران: 113]- الآية ما يلحق بذلك في قوله: {وما آتيتم من ربا} ~~[الروم: 39]- الآية، هكذا قال: إن هذه الآية مدنية، وهو - مع كوني لم أره ~~لغيره - مشكل بقوله {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} [الأنعام: 119]- الآية. # PageV07P302 # ولما كان تحريم الربا بين الرب والعبد، كان فيه الوعيد بالإيذان بحرب من ~~الله ورسوله، ولذلك حمت الأئمة ذرائعه أشد الحماية، وكان أشدهم في ذلك عالم ~~المدينة حتى أنه حمي من صورته من الثقة بسلامة الباطن منه، وعمل بضد ذلك في ~~محرمات ما بين العبد ونفسه، وكما حرم الله الربا فيما بينه وبين عبده من ~~هذا الوجه الأعلى كذلك حرم أكل المال بالباطل فيما بين العبد وبين غيره من ~~الطرف الأدنى، وجامع منزله في قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188]- الآية إلى ما ينتظم به من ~~قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] إلى ما ينتظم به من قوله تعالى: ~~{وآتوا اليتامى أموالهم} [النسا: 2]- الآيات في أموال اليتامى، فحرمه تعالى ~~من جهة الأعلى والمثيل والأدنى، وانتظم التحرير في ثلاثة أصول: من جهة ما ~~بين الله وبين عبده ومن جهة ما بين العبد وبين نفسه، ومن جهة ما بين العبد ~~وبين غيره، مما تستقرأ جملة آية في القرآن وأحاديثه في السنة ومسائله في ~~فقه الأئمة؛ ولما كان له متسع، وقع فيما بين الحلال البين والحرام # PageV07P303 # البين أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس، لأنها تشبه الحلال من وجه ~~وتشبه الحرام من وجه، فلوقوعها بينهما يختلف فيها ولعرضه في الأولى، وعن ~~حماية الله عباده عن وبيل الحرام تحقق لهم اسمه «الطيب» ، فلم يتطبب بطب ~~الله من لم يحتم عن محرماته ومتشابهاتها، وهو الورع الذي هو ملاك الدين، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال فيما تحصل ms1489 به قراءة حرف ~~الحرام تماما في العلم والحال والعمل: اعلم أن الإنسان لما كان خلقا جامعا ~~كانت فيه بزرتان: بزرة للخير وبزرة للشر، وبحسب تطهره وتخلصه من مزاحمة ~~نبات بزرة الشر تنمو فيه وتزكو بزرة الخير، ولكل واحدة من البزرتين منبت في ~~جسمه ونفسه وفؤاده، فأول الحروف في الترتيب العمل، والأساس لما بعده هو ~~قراءة حرف الحرام، لتحصل به طهرة البدن الذي هو السابق في وجود الإنسان فمن ~~غذي بالحرام في طفولته لم يقدر على اجتناب الآثام في كهولته إلا أن يطهر ~~الله بما شاء من نار الورود في الدنيا من الأمراض والضراء، فهو الأساس الذي ~~ينبني عليه تطهر النفس من المناهي وتطهر الفؤاد من العمه والمجاهل، والذي ~~تحصل به قراءة هذا الحرف هو الورع الحاجز عما يضر بالجسم ويؤذي النفس وما ~~يكره الخلق # PageV07P304 # وما يغضب الرب، فمن أصاب شيئا من ذلك ولم يبادر إليه بالتوبة عذب بكل آية ~~قرأها وهو مخالف لحكمها «من لم يبال من أي باب دخل عليه رزقه لم يبال الله ~~من أي باب أدخله النار» . # ولما كان الورع كف اليد ظاهرا عن الشيء الضار، وكانت الجوارح لا تنقاد ~~إلا عن تأثر من النفس، لم يصح الورع ظاهرا إلا أن يقع في النفس روعة باطنه ~~من تناول ذلك الشيء؛ ولما كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصر القلب في الضار ~~كما لا ينكف اليد إلا عند تقذر النفس لما تدرك العين قذره حتى أن النفس ~~الرضية تأنف من المحرمات كما يأنف المستنطف من المستقذرات، فأكلة الحرام هم ~~دود جيفة الدنيا يستقذرهم أهل البصائر كما يستقذرون هم دود جيف المزابل. # ولما كان الحرام ما يضر العبد في نفسه كالميتة، تيسر على المستبصر كف يده ~~عنها لما يدري من مضرتها بجسمه، وكذلك الدم المسفوح لأنه ميتة بانفصاله عن ~~الحي ومفارقته لروح الحياة التي تخالطه في العروق، قلت: وسيأتي قريبا ~~تعليله في التوراة بما يقتضي أنه أكثر فعلا في النفس وتطبيعا لها بخلق ما ~~هو دمه من اللحم - والله ms1490 الموفق؛ وكذلك ما يضر بنفسه كلحم الخنزير لأنه ~~رجس، والرجس هو خبائث الأخلاق التي هي عند العقلاء أقبح من خبائث الأبدان، ~~وذلك لأن # PageV07P305 # من اعتذى جسمه بلحم حيوان اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الحيوان وبخلق من ~~أخلاقه، وفي نفس الخنزير مجامع رذائل الأخلاق من الإباء والحران والمكر ~~والإقدام على ما يعانيه فيه الهلاك ومتابعة الفساد، والانكباب على ما تقبل ~~عليه في أدنى الأشياء على ما أظهرت في خلقته آياته فإنه ليس له استشراف ~~كذوات الأعناق، وكذلك ما يضر بهما وبالعقل كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها ~~للرأس وإيقاعها العداوة والبغضاء في خلق النفس، ولذلك هي جماع الإثم، ~~فالمتبصر في المحرمات يأنف منها لما يدري من مضرتها وأذاها في الوقت الحاضر ~~وفي معيبها في يوم الدنيا إلى ما أخبر به من سوء عقباها في يوم الدين، ومن ~~شرب الخمر ومات ولم يتب منها كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، ~~وهي عصارة أهل النار، ولو هدد شاربها في الدنيا من له أمر بأن يسقيه من ~~بوله ورجيعه لوجد من الروع ما تحمله على الورع عنها، وإذا استبصر ذو دراية ~~فيما يضره في ذاته فأنف منه رعاية نفسه لحق له بذلك التزام رعايتها عما ~~يتطرق له منه درك من جهة غيره فيتورع من أكل أموال الناس بالباطل لما يدري ~~من المؤاخذة عليها في العاجل وما أخبر به من المعاقبة عليها في الآجل، ولها ~~في ذاته مضرة في الوقت بتعرفها من موارد القرآن بنور الإيمان # PageV07P306 # {الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} [النساء: ~~10] وإن لم يحس بها، وليس تأويله الوعد بالنار لأن ذلك إنباء عند قوله ~~تعالى {وسيصلون سعيرا} [النساء: 10] ، وكذلك إذا أنف مما يضره في نفسه وخاف ~~مما يتطرق إليه ضره من غيره، أعظم أن يقرب حمى ما يتطرق إليه السطوة من ربه ~~لأجله، وذلك فيما حرم عليه حماية لعظيم ملكه وعدم التفاوت في أمر رحمانيته ~~في محرم الربا، ولما فيه أيضا من مضرة وقته الحاضر التي يقيدها بالإيمان ms1491 من ~~تعريف ربه، فإنه تعالى كما عرف أن أكل مال الغير بالباطل نار في البطن، عرف ~~أن أكل مال الربا جنون في العقل وخبال في النفس {الذين يأكلون الربا لا ~~يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] وأعظم من ~~ذلك ما حرمه الله لعرائه عن اسمه عند إزهاق روحه، لأنه مأخوذ عن غير الله، ~~وما أخذ عن غير الله كان أكله فسقا وكفرا لأنه تناول الروح من يد من لا ~~يملكها، ولذلك فرضت التسمية في التذكية ونفلت فيما سوى ذلك، فلا تصح قراءة ~~هذا الحرف إلا بتبصرة القلب فيه وروعة النفس منه وورع اليد عنه، وإلا فهو ~~من الذين يقرؤون حروفه ويضيعون حدوده، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «كثر هؤلاء من القراء، لا كثرهم الله!» ومن لم تصح له قراءة هذا ~~الحرف لم تصح له قراءة حرف # PageV07P307 # دعاؤه «الرجل يطلب الله مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي ~~بالحرام، يقول: يا رب! يا رب! فأنى يستجاب لذلك!» فهذه قراءة هذا الحرف ~~وشرطه - والله ولي التوفيق. # PageV07P308 # ولما كان قوله {طاعم} نكرة في سياق النفي، يعم كل طاعم من أهل شرعنا ~~وغيرهم، وكان سبحانه قد حرم على اليهود أشياء غير ما تقدم، اقتضت إحاطة ~~العلم أن قال مبينا لإحاطة علمه وتكذيبا لليهود في قولهم: لم يحرم الله ~~علينا شيئا، إنما حرمنا على أنفسنا ما حرم إسرائيل على نفسه: {وعلى الذين ~~هادوا} أي اليهود {حرمنا} بما لنا من العظمة التي لا تدافع {كل ذي ظفر} أي ~~على ما هو كالإصبع للآدمي من الإبل والسباع والطيور التي تتقوى بأظفارها ~~{ومن البقر والغنم} أي التي هي ذوات الأظلاف {حرمنا} أي بما لنا من العظمة ~~{عليهم شحومهما} أي الصنفين؛ ثم استثنى فقال: {إلا ما حملت ظهورهما} أي من ~~الشحوم مما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما {أو الحوايا} وهي الأمعاء ~~التي هي متعاطفة متلوية، جمع حوية فوزنها فعائل كسفينة وسفائن، وقيل: جمع ~~حاوية أو حاوياء كقاصعاء {أو ما اختلط} ms1492 أي من الشحوم # PageV07P308 # {بعظم} مثل شحم الألية فإن ذلك لا يحرم، وهذا السياق بتقدم الجار وبناء ~~الكلام عليه يدل على أن ما عدا المذكور من الصنفين حلال لهم. # ولما كان كأنه قيل: لم حرم عليهم هذه الطيبات؟ قيل: {ذلك} أي التحريم ~~العظيم والجزاء الكبير وهو تحريم الطيبات {جزيناهم} أي بما لنا من العظمة ~~{ببغيهم} أي في أمورهم التي تجاوزوا فيها الحدود، وفي إيلاء هذه الآية - ~~التي فيها ما حرم على اليهود - لما قبلها مع الوفاء بالمقصود من حصر محرمات ~~المطاعم على هذه الأمة وغيرها أمران جليلان: أحدهما بيان اطلاعه صلى الله ~~عليه وسلم على تفصيل ما أوحي إلي من تقدمه ولما يشامم أحدا من أتباعهم ولا ~~دارس عالما ولا درس علما قط، فلا دليل على صدقه على الله أعظم من ذلك، ~~والثاني تفضيله هذه الأمة بأنه أحل لها الخبائث عند الضرورة رحمة لهم، ~~وأزال عنها في تلك الحالة ضرها ولم يفعل بها كما فعل باليهود في أنه حرم ~~عليهم طائفة من الطيبات ولم يحلها لهم في حال من الأحوال عقوبة لهم، وفي ~~ذلك أتم تحذير لهذه الأمة من أن يبغوا فيعاقبوا كما عوقب من قبلهم على ما ~~نبه عليه في قوله {غير محلي الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 1] فبان الصدق ~~وحصحص الحق ولم يبقى لمتعنت كلام، فحسن جدا ختم ذلك بقوله {وإنا لصادقون *} ~~أي ثابت صدقنا أزلا وأبدا كما اقتضاه ما لنا من العظمة، وتعقيبه بقوله: ~~{فإن} أي وتسبب عن هذا الإيحاء الجامع الوجيز # PageV07P309 # الدال على الصدق الذي لا شبهة فيه أنا نقول ذلك: {كذبوك فقل} والتعبير ~~بأداة الشك مشير إلى أن الحال يقتضي أن يستبعد أن يقع منهم تكذيب بعد هذا ~~{ربكم} أي المحسن إليكم بالبيان والإمهال مع كل امتنان {ذو رحمة واسعة} أي ~~فهو مع اقتداره قضى أنه يحلم عنكم بالإمهال إلى أجل يعلمه. # ولما أخبر عن رحمته، نوه بعظيم سطوته فقال: {ولا يرد بأسه} أي إذا أراد ~~الانتقام {عن القوم المجرمين *} أي القاطعين لما ينبغي وصله، فلا يغتر ms1493 أحد ~~بإمهاله في سوء أعماله وتحقيق ضلاله، وفي هذه الآية من شديد التهديد ما ~~لطيف الاستعطاف ما هو مسبوك على الحد الأقصى من البلاغة. # ولما تم ذلك فعلم أن إقدامهم على الأحكام الدينية بغير حجة أصلا، اقتضى ~~الحال أن يقال: قد بطل بالعقل والنقل جميع ما قالوه في التحريم على وجه ~~أبطل شركهم، فهل بقي لهم مقال؟ فأخبر سبحانه بشبهة يقولونها اعتذارا عن ~~جهلهم على وجه هو وحده كاف في الدلالة على حقية ما يقوله من الرسالة، فوقع ~~طبق ما قال عن أهل الضلال، فقال مخبرا بما سيقولونه قبل وقوعه دلالة على ~~صدق رسله وكذب المشركين فيما يخالفونهم فيه: {سيقول} أي في المستقبل، وأظهر ~~موضع الإضمار تنصيصا عليهم وتبكيتا لهم فقال: {الذين أشركوا} # PageV07P310 # تكذيبا منهم {لو شاء الله} أي الذي له جميع الكمال عدم إشراكنا وتحريمنا ~~{ما أشركنا} أي بصنم ولا غيره {ولا أباؤنا} أي ما وقع من إشراك {ولا حرمنا ~~من شيء} أي ما تقدم من البحائر والسوائب والزروع وغيرها أي ولكنه لم يشأ ~~الترك وشاء الفعل ففعلنا طوع مشيئته، وهو لا يشاء إلا الحق والحكمة لأنه ~~قادر، فلو لم يكن حقا يرضاه لمنعنا منه، وهو لم يمنعنا منه فهو حق. # ولما كان هذا عنادا منهم ظاهرا بعد وضوح الأمر بما أقام على صدق رسله من ~~البينات، كان كأنه قيل تعجبا منهم: هل فعل أحد غيرهم مثل فعلهم هذا أو قال ~~مثل ما قالوا؟ فقيل: نعم {كذلك} أي مثل ذلك التكذيب البعيد عن الصواب {كذب ~~الذين} ولما لم يكن التكذيب عاما أدخل الجار فقال: {من قبلهم} من الأمم ~~الخالية بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم إذا كان الكل بمشيئة الله ~~كان التكليف عبثا، فكانت دعوى الأنبياء باطلة، وهذا القول من المشركين عناد ~~بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ~~ملكه تام وملكه عام، فهو لا يسأل عما يفعل، وتمادى بهم غرور التكذيب {حتى ~~ذاقوا بأسنا} أي عذابنا لما لنا من العظمة، فإن ms1494 من له الأمر كله لا يسأل ~~عما يفعل، فلم ينفعهم عنادهم عند ذوق البأس، بل انحلت عزائم همهم فخضعوا ~~لنا وآمنوا برسلنا، # PageV07P311 # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، فالآية من الاحتباك: أثبت أولا ~~الإشراك دليلا على حذفه ثانيا، وثانيا التكذيب دليلا على حذفه أولا، وسيأتي ~~توجيه أنه لا بد من تضليل إحدى الطائفتين المتعاندتين وإن كان الكل بمشيئة ~~الله، لأنه لا مانع من إتيان الأمر على خلاف الإرادة. # ولما كان ما قالوه شبهة بعيدة عن العلم، أعلى درجاتها أن يكون من أنواع ~~الخطابة فتفيد الظن في أعظم مسائل علم الأصول الذي لا يحل الاعتماد فيه إلا ~~على القواطع، أمره أن يقول لهم ما ينبههم على ذلك فقال: {قل} أي لهؤلاء ~~الذين تلقوا ما يلقيه الشيطان إليهم - كما أشير إليه في سورة الحج - تهكما ~~بهم في بعدهم عن العلم وجدالهم بعد نهوض الحجج {هل عندكم} أيها الجهلة، ~~وأغرق في السؤال فقال: {من علم} أي يصح الاحتجاج به في مثل هذا المقام ~~الضنك {فتخرجوه لنا} أي لي ولأتباعي وإن كان مما يجب أن يكون مكنونا مضنونا ~~به على غير أهله مخزونا، فهو تهكم بهم. # ولما كان جوابهم عن هذا السكوت لأنه لا علم عندهم، قال دالا على ذلك: ~~{إن} أي ما {تتبعون} أي في قولكم هذا وغالب أموركم {إلا الظن} أي في أصول ~~دينكم وهي لا يحل فيها قول إلا بقاطع {وإن} ي وما {أنتم إلا تخرصون *} أي ~~تقولون تارة # PageV07P312 # بالحزر والتخمين وتارة بالكذب المحض اليقين. # PageV07P313 # ولما انتفى أن يكون لهم حجة، وثبت أن الأمر إنما هو لله، ثبت أنه المختص ~~بالحجة الواضحة، فقال مسببا عن ذلك: {قل فلله} أي الإله الأعظم وحده {الحجة ~~البالغة} أي التي بلغت أعلى درجات الحق قوة ومتانة وبيانا ووضوحا ورصانة ~~بسبب أنه شامل العلم كامل القدرة كما أقررتم بذلك حين قلتم «ولو شاء الله ~~ما أشركنا» وإن كنتم قلتموه على سبيل الإلزام والعناد لا لأجل التدين ~~والاعتقاد {فلو شاء} أي الله {لهداكم} أي أنتم ومخالفيكم ms1495 {أجمعين *} ولكنه ~~لم يشأ ذلك، بل شاء هداية بعض وضلال آخرين، فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه، ~~فلزم على قولكم أن يكون الفريقان محقين، فيكون الشيء الواحد حقا غير حق في ~~حال واحد، وهذا لا يقوله عاقل، ويلزمكم على ذلك أيضا أن توالوا أخصامكم ولا ~~تعادوهم وإن فعلوا ما فعلوا، لأنه حق رضى الله لأنه بمشيئته وأنتم لا ~~تقولون ذلك، فبطل قولكم فثبت أنه قد يشاء الباطل لأنه لا يسأل عما يفعل ~~ويرسل الرسل إليكم لإزالته ليقيم بهم الحجة على من يريد عقابه على ما ~~يتعارفه الناس بينهم، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. # ولما صدق الحق، وانكسر جند الباطل واندق ببطلان # PageV07P313 # جميع شبههم، ونطقت الدلائل وأفحم المجادل، فبان أنه لا شاهد لهم بحق لأنه ~~لا حق لهم، كان كأنه قيل: قل لهم: ها أنا قد شهد لي بما قلته من لا ترد ~~شهادته وزكاتي الذي لا يقبل إلا تزكيته بهذا الكتاب الذي كان عجزكم عن ~~الإتيان بشيء من مثله شاهدا بأنه قوله، فهل لكم أنتم من شاهد يقبل! ولما لم ~~يكن لهم شاهد غير متخرصيهم، فإن المبطل يظهر باطله عند المحاققة سنة من ~~الله مستمرة، فيظهر للمشهود لهم بما يلوح من بهتهم أنهم ليسوا على شيء، ~~أمره سبحانه أن يأمرهم بدعائهم ليظهر خزيهم وتشتهر فضيحتهم فقال: {قل هلم} ~~أي احضروا، وهي كلمة دعوة يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع عند ~~الحجازيين {شهداءكم} . # ولما كان كأنه قيل: أي شهداء؟ قال: {الذين يشهدون} أي يوقعون الشهادة على ~~{أن الله} أي الذي لا حكم لغيره {حرم هذا} أي الذي ذكرتموه من قبل، وإضافة ~~الشهداء إليهم ووصفهم ب «الذين» دليل على أنهم معروفون موسومون بنصرة ~~مذهبهم بالباطل، ولو قال: شهداء - من غير إضافة لأفهم أن المطلوب من يشهد ~~بالحق وليس كذلك، لأنه أقيم الدليل العقلي على أنه لا حجة لهم وأن الحجة # PageV07P314 # لله على خلاف ما ادعوه، فبطل قطعا أن يكون أحد يشهد على ذلك بحق. # ولما كان كأنه قيل: فإنهم إذا ms1496 أحضروا لا يقدرون - إن كان لهم عقل أو فيهم ~~حياء - على النطق إذا سمعوا هذا الحق، بني عليه قوله: {فإن} اجترؤوا بوقاحة ~~{شهدوا} أي كذبا وزورا بذلك الذي أبطلناه بالأدلة القطعية {فلا تشهد معهم} ~~أي فاتركهم ولا تسلم لهم، فإنهم على ضلال وليست شهادتهم مستندة إلا إلى ~~الهوى {ولا تتبع أهواء} وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف ~~دلالة على أن القائد إلى التكذيب وكل ردى إنما هو الهوى، وأن من خالف ظاهر ~~الآيات إنما هو صاحب هوى، فقال: {الذين كذبوا} أي أوقعوا التكذيب {بآياتنا} ~~أي على ما لها من الظهور بما لها من العظمة بإضافتها إلينا. # ولما وصفهم بالتكذيب، أتبعه الوصف بعدم الإيمان، ودل بالنسق بالواو على ~~العراقة في كل من الوصفين فقال: {والذين لا يؤمنون بالآخرة} أي التي هي دار ~~الجزاء، فإنهم لو جوزوها ما اجترؤوا على الفجور {وهم بربهم} أي الذين لا ~~نعمة عليهم ولا خير عندهم إلا وهو منه وحده {يعدلون} أي يجعلون غيره عديلا ~~له، وسيعلمون حين يقولون لشركائهم وهم في جهنم يختصمون {تالله إن كنا لفي ~~ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 97، 98] . # PageV07P315 # ولما أبطل دينهم كله أصولا وفروعا في التحريم والإشراك، وبين فساده ~~بالدلائل النيرة، ناسب أن يخبرهم بالدين الحق مما حرمه الملك الذي له الخلق ~~والأمر ومن غيره، فليس التحريم لأحد غيره فقال: {قل تعالوا} أي أقبلوا إلي ~~صاعدين من حضيض الجهل والتقليد وسوء المذهب إلى أوج العلم ومحاسن الأعمال؛ ~~قال صاحب الكشاف: هو من الخاص الذي صار عاما، يعني حتى صار يقوله الأسفل ~~للأعلى {أتل} أي أقرأ، من التلاوة وهي اتباع بعض الحروف بعضا. ولما كان ~~القصد عموم كل أحد بالتلاوة وإنما خص المخاطبين بالذكر لاعتقادهم خلاف ذلك، ~~وكان المحرم أهم، قدمه فقال: {ما حرم ربكم} أي المحسن إليكم بالتحليل ~~والتحريم {عليكم} فسخطه منكم، وما وصاكم به إقداما وإحطاما فرضيه لكم من ~~قبيلي الأصول والفروع؛ ثم فسر فعل التلاوة ناهيا عن الشرك، وما بعده من ~~مضمون الأمر إنما عدي عنها، فقال: ms1497 {ألا تشركوا به شيئا} الآيات مرتبا جملها ~~أحسن ترتيب، فبدأ بالتوحيد في صريح البراءة من الشرك إشارة إلى أن التخلي ~~عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل، فإن التقية بالحمية قبل الدواء، وقرن به ~~البر لأنهما من باب شكر المنعم وتعظيما لأمر العقوق، ثم أولاه القتل الذي ~~هو أكبر الكبائر بعد الشرك، وبدأه بقتل الولد لأنه أفحشه وأفحش من مطلقه # PageV07P316 # فعله خوف القلة، فلما وصى بأول واجب للمنعم الأول الموجد من العدم، أتبعه ~~ما لأول منعم بعده بالتسبب في الوجود، فقال ناهيا عن الإساءة في صورة الأمر ~~بالإحسان على أوكد وجه لما للنفوس من التهاون في حقهما، وكذا جميع ~~المأمورات ساقها هذا السياق المفهم لأن أضدادها منهي عنها ليكون مأمورا بها ~~منهيا عن أضدادها، فيكون ذلك أوكد لها وأضخم: {وبالوالدين} أي افعلوا بهما ~~{إحسانا} . # ولما أوصى بالسبب في الوجود، نهى عن التسبب في الإعدام وبدأ بأشده فقال: ~~{ولا تقتلوا أولادكم} ولما كان النهي عاما، وكان ربما وجب على الولد قتل، ~~خص لبيان الجهة فقال: {من إملاق} أي من أجل فقر حاصل بكم، ثم علل ذلك، ~~ولأجل أن الظاهر هو حصول الفقر قدم الآباء فقال: {نحن نرزقكم} بالخطاب، أي ~~أيها الفقراء، ثم عطف عليه الأبناء فقال: {وإياهم} وظاهر قوله في الإسراء ~~{خشية إملاق} [الإسراء: 31] أن الآباء موسرون ولكنهم يخشون من إطعام ~~الأبناء الفقر، فبدأ بالأولاد فقال: «نحن نرزقهم» ثم عطف الآباء فقال ~~«وإياكم» - نبه عليه أبو حيان. # ولما كان قتلهم أفحش الفواحش بعد الشرك، أتبعه النهي عن مطلق الفواحش، ~~وهي ما غلظت قباحته، وعظم أمرها بالنهي عن # PageV07P317 # القربان فضلا عن الغشيان فقال: {ولا تقربوا الفواحش} ثم أبدل منها تأكيدا ~~للتعميم قوله: {ما ظهر منها} أي الفواحش {وما بطن} ثم صرح منها بمطلق القتل ~~تعظيما له بالتخصيص بعد التعميم فقال: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله} أي ~~الملك الأعلى عليكم قتلها {إلا بالحق} أي الكامل، ولا يكون كاملا إلا وهو ~~كالشمس وضوحا لا شبهة فيه، فصار قتل الولد منهيا عنه ثلاث مرات؛ ثم أكد ms1498 ~~المذكور بقوله: {ذلكم} أي الأمر العظيم في هذه المذكورات. # ولما كانت هذه الأشياء شديدة على النفس، ختمها بما لا يقوله إلا المحب ~~الشفوق ليتقبلها القلب فقال: {وصاكم به} أمرا ونهيا؛ ولما كانت هذه الأشياء ~~لعظيم خطرها وجلالة وقعها في النفوس لا تحتاج إلى مزيد فكر قال: {لعلكم ~~تعقلون *} أي لتكونوا على رجاء من المشي على منهاج العقلاء، فعلم من ذكر ~~الوصية أن هذه المذكورات هي الموصى بها والمحرمات أضدادها، فصار شأنها ~~مؤكدا من وجهين: التصريح بالتوصية بها، والنهي عن أضدادها. # PageV07P318 # ولما كان المال عديل الروح من حيث إنه لا قوام لها إلا به، ابتدأ الآية ~~التي تليها بالأموال، ولما كان أعظمها خطرا وحرمة مال اليتيم لضعفه وقلة ~~ناصره، ابتدأ به فنهي عن قربه فضلا عن أكله أو شربه # PageV07P318 # فقال: {ولا تقربوا مال اليتيم} أي بنوع من أنواع القربان عمل فيه أو غيره ~~{إلا بالتي هي أحسن} من الخصال من السعي في تنميته وتثميره وليستمر ذلك ~~{حتى يبلغ أشده} وهو سن يبلغ به أوان حصول عقله عادة وعقل يظهر به رشده؛ ثم ~~ثنى بالمقادير على وجه يعم فقال: {وأوفوا} أي أتموا {الكيل والميزان} ~~لأنهما الحكم في أموال الأيتام وغيرهم؛ ولما كان الشيء ربما أطلق على ما ~~قاربه نحو {قد قامت الصلاة} أي قرب قيامها، وهذا وقت كذا - وإذا قرب جدا، ~~أزيل هذا الاحتمال بقوله: {بالقسط} أي إيفاء كائنا به من غير إفراط ولا ~~تفريط. # ولما كانت المقادير لا تكاد تتساوى لا سيما الميزان فإنه أبعدها من ذلك، ~~وأقربها الذرع وهو داخل في الكيل، فإنه يقال: كال الشيء بالشيء: قاسه، أشار ~~إلى أنه ليس على المكلف المبني أمره على العجز للضعف إلا الجهد فقال: {لا ~~نكلف} أي على ما لنا من العظمة {نفسا إلا وسعها} وما وراء الوسع معفو عنه؛ ~~ثم ثلث بالعدل في القول لأنه الحكم على الأموال وغيرها، وقدم عليه الفعل ~~لأنه دال عليه، فصار الفعل موصى به مرتين فقال: {وإذا قلتم} أي في شهادة أو ~~في حكم أو توفيق ms1499 بين اثنين أو غير ذلك {فاعدلوا} أي توفيقا بين القول ~~والفعل. # ولما كانت النفوس مجبولة على الشفقة على القريب قال: # PageV07P319 # {ولو كان} أي المقول في حقه له أو عليه بشهادة أو غيرها {ذا قربى} ولا ~~تحابوه طمعا في مناصرته أو خوفا من مضارته؛ ثم ختم بالعهد لجمعه الكل في ~~القول والفعل فقال: {وبعهد الله} أي الملك الأعظم خاصة {أوفوا} وهذا يشمل ~~كل ما على الإنسان وله، فإن الله لم يهمل شيئا بغير تقدم فيه؛ ثم أكد تعظيم ~~ذلك بقوله: {ذلكم} أي الأمر المعتنى به {وصاكم به} أي ربكم المحسن إليكم. # ولما كانت هذه الأفعال والأقوال شديدا على النفس العدل فيها لكونها ~~شهوات، تقدم بالترغيب فيها والترهيب منها بأن كل من يفعل شيئا منها مع غيره ~~يوشك أن يفعل معه مثله، فلذلك حض على التذكر في الوصية بها ولأنها خفية ~~تحتاج إلى مزيد تدبر فقال: {لعلكم تذكرون *} أي لتكونوا بحيث يحصل لكم ~~التذكر - ولو على وجه خفي بما أشار إليه الإدغام - فيما جبلت عليه نفوسكم ~~من محبة مثل ذلك لكم، فتحكموا لغيركم بما تحكمون به لأنفسكم. # ولما قرر هذه الشرائع، نبه على تعظيمها بالخصوص على وجه يعم جميع ما ذكر ~~في السورة بل وفي غيرها، فقال عاطفا على ما تقديره - عطفا على المنهيات ~~وأضداد المأمورات على وجه يشمل سائر الشريعة -: ولا تزيغوا عن سبيلي: {وأن} ~~أي ولأن - على قراءة الجماعة بالفتح، أي اتبعوه لذلك، وعلى قراءة ابن عامر ~~ويعقوب بالكسر هو ابتداء # PageV07P320 # {هذا} أي الذي شرعته لكم {صراطي} حال كونه {مستقيما فاتبعوه} أي بغاية ~~جهدكم لأنه الجامع للعباد على الحق الذي فيه كل خير. # ولما كان الأمر باتباعه متضمنا للنهي عن غيره، صرح به تأكيدا لأمره فقال: ~~{ولا تتبعوا السبل} أي المنشعبة عن الأهوية المفرقة بين العباد، ولذا قال ~~مسببا {فتفرق بكم} أي تلك السبل الباطلة {عن سبيله} ولما مدحه آمرا به ~~ناهيا عن غيره مبينا للعلة في ذلك، أكد مدحه فقال: {ذلكم} أي الأمر العظيم ~~من اتباعه {وصاكم به} . # ولما ms1500 كان قد حذر من الزلل عنه، وكان من المعلوم أن من ضل عن الطريق ~~الأقوم وقع في المهالك، وكان كل من يتخيل أنه يقع في مهلك يخاف، قال: ~~{لعلكم تتقون *} أي اتبعوه واتركوا غيره ليكون حالكم حال من يرجى له أن ~~يخاف من أن يزل فيضل فيهلك، وهذا كما مدحه سبحانه سابقا في قوله {وهذا صراط ~~ربك مستقيما} [الأنعام: 126] ، {قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون} [الأنعام: ~~126] وفصل ما هنا من الأحكام في ثلاث آيات، وختم كل آية لذلك بالوصية ليكون ~~ذلك آكد في القول فيكون أدعى للقبول، وختم كل واحدة منها بما ختم لأنه إذا ~~كان العقل دعا إلى التذكير فحمل على التقوى. # PageV07P321 # ولما كانت هذه الآيات الثلاث وافية بالآيات العشر التي كتبها الله # PageV07P321 # لموسى عليه السلام على لوحي الشهادة في أول ما أوحي إليه في طور سيناء ~~المشار إليها بقوله {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} [الأنعام: 91] ~~وبنى عليها التوراة وأمره أن يودعها في تابوت العهد لتكون شهادة عليهم وعلى ~~أعقابهم كما هو مذكور في وسط السفر الثاني من التوراة وقد مضى بيانه في ~~البقرة ويأتي في آخر هذه المقولة وزائدة عليها من الأحكام والمحاسن ما شاء ~~الله؛ حسن أن تذكر بعدها التوراة، فقال مشيرا بأداة التراخي إلى كل من ~~الترتيب والتعظيم: {ثم آتينا} أي بما لنا من العظمة التي تقتضي تعظيم ما ~~كان من عندنا {موسى الكتاب} أي المشار إليه بقوله تعالى {قل من أنزل الكتاب ~~الذي جاء به موسى} [الأنعام: 91]- وهي - والله أعلم - معطوفة على قوله ~~{وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] لأنه تعالى بعد أن أعطى ~~موسى العشر الآيات واعده إلى الجبل مواعدة ثانية، فشرع له بعض الأحكام ~~وأمره بنصب قبة الزمان التي يوحي إليه فيها ويصلون إليها، وببعض ما يتخذ من ~~آلاتها كما مضى في البقرة، ثم ذكر بعد ذلك بيسير تحريم الشحوم عليهم، فقال ~~في أوائل السفر الثالث وهو سفر الكهنة، وفيه تلخيص أمر القرابين: ودعا الرب ~~موسى وكلمه في قبة الأمد ms1501 وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: كل إنسان منكم ~~إذا قرب للرب قربانا من البهائم فلتكن قرابينكم من البقر ومن الغنم - إلى # PageV07P322 # أن قال: ويقرب قربانا للرب الحجاب المبسوط على الأحشاء وكل الثوب الذي ~~على الأكشاح والكليتين والشحم الذي عليهما وعلى الجنب - إلى أن قال: وقال: ~~الشحوم للرب عهد الأبد، ولا تأكلوا دما ولا شحما، ثم قال: وكلم الرب موسى ~~وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: لا تأكلوا شحم البقر ولا شحم الغنم: ~~الضأن والماعز جميعا، لأن كل من أكل شحم بهيمة ويقرب قربانا للرب، تهلك تلك ~~النفس من شعبها، ولا تأكلوا دما حيث ما سكنتم، لا دم البهائم ولا دم الطير، ~~وأية نفس أكلت دما تهلك تلك النفس من شعبها، وقال في السفر الخامس: فأما ~~الدم فلا تأكلوا ولكن ادفقوه على الأرض مثل الماء، ثم قال بعده بقليل: ~~وكلوا في قراكم من كل شهوات أنفسكم، ولكن إياكم أن تأكلوا دما، لأن دم ~~البهيمة هو في نفسها، فلا تأكلوا النفس مع اللحم ليحسن إليكم وإلى أولادكم ~~من بعدكم إذا عملتم الحسنة أمام الله ربكم؛ رجع إلى السفر الثالث ثم قال: ~~ودخل موسى وهارون إلى قبة الزمان وخرجا ودعوا الشعب، فظهر مجد الرب أمام ~~جميع الشعب، ونزلت نار من قبل الرب فأحرقت الشحم والذبيحة الكاملة له على ~~المذبح، وعاين ذلك جميع الشعب وحمدوا الله، وخر # PageV07P323 # الشعب كله على وجهه؛ ثم ذكر عقب ذلك بيسير محرمات الحيوان، وكذا ذكر في ~~السفر الخامس وقد جمعت بينهما ومعظم السياق للخامس: قال: لا تأكلوا شيئا ~~نجسا، هذا! كلوا من جميع البهائم: الثور: والحمل والنعجة والمعز والأيل ~~والظبي والجوذر والرخ والرئم والوعل والثيثل كل بهيمة ذات ظلف مقسوم ظلفها ~~تجتر كلوها، وحرموا من التي لا تجتر، ومن التي لها ظلوف مقسومة ولا تجتر ~~الجمل والأرنب والوبر التي تجتر وليس لها أظلاف مقسومة هي نجسة لكم، وفي ~~الثالث: وحرموا من البهائم التي ليست لها أظلاف التي تجتر: الجمل الذي يجتر ~~وليس له أظلاف هو نجس ms1502 محرم عليكم، والأرنب الذي يجتر وليس له أظلاف منجس ~~محرم عليكم؛ رجع: والخنزير الذي له أظلاف ولا يجتر هو نجس، لا تأكلوا من ~~لحوم هذه ولا تقربوا إلى أجسادها؛ وقال في الثالث: ولا تمسوا لحومها لأنها ~~نجسة محرمة عليكم؛ وقال في الخامس من ترجمة الاثنين والسبعين: وإياكم أن ~~تأكلوا كل نجس، ويكون الذي تأكلونه من الدواب العجل من البقر والخروف من ~~الغنم والجدي من المعز أو الأيل والغزال والعين # PageV07P324 # والوعل وعنز الجبل واليحمور وناقة القمر والزرافة، وكل دابة مشقوقة الظلف ~~وهي تنبت أظافير في كل ظلفها واجتر من الدواب. # فإياه فكلوا، والذي لا تأكلون منه من الذي يجتر ومن المشقوق الظلف الذي ~~ينبت له أظافير الجمل والأرنب واليربوع، فإن ذلك يجتر ولكنه غير مشقوق ~~الظلف، وهو لا يحل لكم، والخنزير أيضا فإن ظلفه مشقوق وينبت في ظلفه أظافير ~~غير أنه لا يجتر، وما لا يجتر فإنه لا يحل لكم فلا تأكلوا من لحومها ولا ~~تقربوا أجسادها؛ وقال في الثالث منها: وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما: ~~كلما بني إسرائيل وقولا لهما: إن الذي تأكلونه من المواشي من جميع الأنعام ~~التي على الأرض كل بهيمة قد شق ظلفها وهي تخرج أظفارا في كلا ظلفيها وتجتر، ~~فذلك الذي تأكلونه من الأنعام، والذي لا يحل مما يجتر ولم يشق ظلفه الجمل ~~الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر لكم، واليربوع - وفي نسخة: ~~السنجاب - الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر لكم لم يطهر لكم، ~~والأرنب الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه لا يطهر لكم والخنزير فإنه مشقوق ~~الظلف ويخرج أظفارا في ظلفه وهو لا يجتر فإنه لا يطهر لكم فلا تأكلوا من ~~لحومها ولا تمسوا ما مات منها، فإن # PageV07P325 # ذلك لا يطهر لكم؛ رجع إلى نسختي، ثم ذكر في الطير ودواب البر قريبا مما ~~في شرعنا إلى أن قال: ولا تأكلوا أشياء نجسة بل ادفعوها إلى السكان الذين ~~في قراكم يأكلونها أو يبيعونها من الغرباء، لأنك شعب طاهر لله ربك لا ms1503 ~~تطبخوا جديا بلبن أمه؛ وقال في ترجمة الاثنين والسبعين: ولا تطبخ الخروف ~~بلبن أمه؛ وقال في السفر الخامس: وكلوا من الطير ما كان زكيا وحرموا هذه ~~التي أصف لكم، لا تأكلوا منها شيئا: النسر والحداء - وذكر نحوا مما عندنا، ~~وقال في نسختي في الثالث: فمن مس شيئا من هذه - أي المحرمات - يكون نجسا ~~إلى المساء، ومن حمل منها شيئا فليغسل ثيابه ويكون نجسا إلى الليل - انتهى. # الظبي - بالمعجمة المشاركة - معروف، والجوذر - بفتح الجيم والذال المعجمة ~~والراء: البقرة الوحشية، والرئم - بكسر المهملة: الظبي الخالص البياض، ~~والثيثل - بمثلثتين مفتوحتين بينهما ياء تحتانية ساكنة: بقر الوحش، والأيل ~~- بفتح الهمزة وكسر التحتانية المشددة، الوعل - بفتح الواو وكسر المهملة - ~~وهو تيس الجبل، والحمل - بفتح المهملة: الرضيع من أولاد الضأن، وقوله: لا ~~تطبخوا جديا بلبن أمه، الظاهر أن معناه النهي عن أكله ما دام يرضع، وما بعد ~~الذي في الثالث هو معظم التوراة، والذي في الخامس إنما هو إعادة لما في ~~الثالث، فإن الخامس تلخيص لجميع ما تقدمه من القصص والأحكام مع زيادات، ~~فصدق أن إيتاء الكتاب أتى معظمه بعد # PageV07P326 # تحريم ما حرم عليهم، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون معطوفا على محذوف ~~تقديره: ذلكم وصاكم به كما وصى بني إسرائيل في الفصل الذي نسبته من التوراة ~~كنسبة أم القرآن من القرآن، وذلك هي العشر الآيات التي هي أول ما كتبه الله ~~لموسى عليه السلام، وهي أول التوراة في الحقيقة لأنها أول الأحكام، وما ~~قبلها فهو قصص وحاصل هذه العشر آيات: الرب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر من ~~العبودية والرق، لا يكونن لك إله غيري، لا تقسم باسمي كذبا، احفظ يوم ~~السبت، أكرم والديك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تمدن ~~عينيك إلى ما في أيدي الناس، فالمعنى: ذلك وصيناكم به كما وصينا بني ~~إسرائيل به في العشر الآيات وبعض ما آتينا موسى من التوراة، ويجوز أن يكون ~~التقدير: لكون هذه الآيات محكمة في كل الشرائع لم تنسخ في أمة من الأمم ms1504 ولا ~~تنسخ، وصاكم به يا بني آدم في الزمن الأقدم، ولم يزدد الأمر بها في التوصية ~~إلا شدة {ثم آتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي جميعه وهي فيه، ~~حال كونه {تماما} لم ينقص عما يصلحهم شيئا {على} الوجه {الذي أحسن} أي أتى ~~بالإحسان فأثبت الحسن وجمعه بما بين # PageV07P327 # من الشرع وبما حمى طوائف أهل الأرض به من الإهلاك بعامه، فإنه نقل أن ~~الله تعالى لم يهلك قوما هلاكا عاما بعد إنزال التوراة {وتفصيلا لكل شيء} ~~من جملة ذلك الفصل المحتوي على الكلمات الحاوية لكل شيء يحتاج إليه من أمر ~~الدين والدنيا، كما أن القرآن تفصيل لكل شيء من الجوامع السبع التي حوتها ~~أم القرآن الحاوية لمصالح الدارين، وفي هذين الاحتمالين المقتضيين لكون ~~«ثم» على حقيقتها من الترتيب والمهلة علم من أعلام النبوة، وهو الاطلاع على ~~أن العشر الآيات وتحريم ما حرم عليهم بالبغي في أوائل ما أوحي إلى موسى ~~عليه السلام بعد إغراق فبعون وأن معظم التوراة أنزل بعد ذلك، وهذا لا يعرفه ~~إلا أحبارهم {وهدى} أي بيانا {ورحمة} أي إكراما لمن يقبله ويعمل به {لعلهم} ~~أي بني إسرائيل {بلقاء ربهم} أي الذي أخرجهم من مصر من العبودية والرق ~~بقوته العظيمة وكلماته التامة {يؤمنون *} أي ليكون حالهم بعد إنزال الكتاب ~~- لما يرون من حسن شرائعه وفخامة كلامه وجلالة أمره - حال من يرجى أن يجدد ~~الإيمان في كل وقت بلقاء ربه لقدرته على البعث الذي الإيمان به نهاية تصديق ~~الأنبياء لأنه لا تستقل به العقول، وإنما يثبت بالسمع مع تجويز العقل له، ~~فيعلموا أنه لا يشبهه شيء كما أن كلامه لا يشبهه كلام فلا يبغوا باتخاذ عجل ~~غاية # PageV07P328 # أمره خوار لا يفهم ومجمجة لا تفيد. # فلما بين أن إنزال الكتب رحمة منه لأن غايتها الدلالة على منزلها فتمتثل ~~أوامره وتتقى مناهيه وزواجره، بين أنه لم يخص تلك الأمم بذلك، بل أنزل على ~~هذه الأمة كتابا ولم يرض لها كونه مثل تلك الكتب، بل جعله أعظمها بركة ~~وأبينها دلالة، ms1505 فقال: {وهذا} أي القرآن {كتاب} أي عظيم {أنزلناه} أي ~~بعظمتنا إليكم بلسانكم حجة عليكم {مبارك} أي ثابت كل ما فيه من وعد ووعيد ~~وخير وغيره ثباتا لا تمكن إزالته مع اليمن والخير. # ولما كان هذا معناه: وكان داعيا إليه محببا فيه، سبب عنه قوله: {فاتبعوه} ~~أي ليكون جميع أموركم ثابتة ميمونة، ولما أمر باتباعه وكان الإنسان ربما ~~تبعه في الظاهر، أمر بإيقاع التقوى المصححة للباطن إيقاعا عاما، ولذلك حذف ~~الضمير فقال: {واتقوا} أي ومع ذلك فأوقعوا التقوى، وهي إيجاد الوقاية من كل ~~محذور، فإن الخطر الشديد والسلامة على غير القياس، فلا تزايلوا الخوف من ~~منزله بجهدكم، فإن ذلك أجدر أن يحملكم على تمام الاتباع وإخلاصه {لعلكم ~~ترحمون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى له الإكرام بالعطايا الجسام، ~~والآيتان ناظرتان إلى قوله تعالى {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} - ~~إلى قوله -: {وهم على صلاتهم يحافظون} [الأنعام: 92] ، ثم بين المراد من ~~إنزاله # PageV07P329 # وهو إقامة الحجة البالغة فقال: {أن} أي لأن لا {تقولوا} أو كراهة أن ~~تقولوا أيتها الأمة الأمية {إنما أنزل الكتاب} أي الرباني المشهور {على ~~طائفتين} وقرب الزمن وبعضه بإدخال الجار فقال: {من قبلنا} أي اليهود ~~والنصارى {وإن} أي وأنا - أو وأن الشأن - {كنا عن دراستهم} أي قراءتهم ~~لكتابهم قراءة مرددة. # ولما كانت هي المخففة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية فقال: ~~{لغافلين*} أي لا نعرف حقيقتها ولا ثبتت عندنا حقيتها ولا هي بلساننا {أو ~~تقولوا} أي أيها العرب: لم نكن عن دراستهم غافلين بل كنا عالمين بها، ولكنه ~~لا يجب اتباع الكتاب إلا على المكتوب إليه فلم نتبعه، و {لو أنا} أهلنا لما ~~أهلوا له حتى {أنزل علينا الكتاب} أي جنسه أو الكتاب الذي أنزل إليهم من ~~عند ربنا {لكنا أهدى منهم} أي لما لنا من الاستعداد بوفور العقل وحدة ~~الأذهان واستقامة الأفكار واعتدال الأمزجة والإذعان للحق، ولذلك سبب عن ~~هاتين العلتين قوله: {فقد جاءكم} وذكر الفعل مدحا لهذا القرآن وتفضيلا ~~وتشريفا له على كل ما تقدمه وتنبيها ms1506 على أن بيان هذه السورة في النهاية ~~لأنها سورة أصول الدين {بينة} أي حجة ظاهرة بلسانكم {من ربكم} أي المحسن ~~إليكم على لسان رجل منكم تعرفون أنه أولاكم بذلك {وهدى} أي بيان لمن تدبره ~~عظيم {ورحمة} أي إكرام لمن قبله، # PageV07P330 # فكذبتم بها. # ولما قامت عليهم الحجة، حسن وقوع تحذير التقرير بقوله: {فمن} أي فتسبب عن ~~تكذيبكم أنه يقال بيانا لأنكم أظلم الناس: من {أظلم ممن كذب} أي أوقع ~~التكذيب {بآيات الله} أي الذي لا أعظم منه فلا أعظم من آياته، لأن الأثر ~~على قدر المؤثر {وصدف} أي أعرض إعراضا صار به كأنه في صفد أي سد عن سهولة ~~الانقياد للدليل {عنها} بعد ما عرف صحتها. # ولما كان الجواب قطعا: لا أحد أظلم منه، فكان الحال مقتضيا لتوقع ما ~~يجازى به، قال: {سنجزي} أي بوعد صادق لا خلف فيه، وأظهر ما أصله الإضمار ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: {الذين يصدفون} أي يجددون الإعراض ولا ~~يتوبون {عن آياتنا} أي على ما لها من العظمة {سوء العذاب} أي الذي يسوء ~~نفسه {بما كانوا يصدفون *} أي بسبب إعراضهم الذي كان عادة لهم. # PageV07P331 # ولما كان أسوأ السوء حقوق العذاب، وكان حقوقه بعدم قبول التوبة، فسره ~~بقوله مهونا له ومسهلا بتجريد الفعل: {هل ينظرون} أي ما ينتظرون هؤلاء ~~المكذبون أدنى انتظار وأقربه وأيسره {إلا أن تأتيهم} أي حال تكذيبهم ~~{الملائكة} أي بالأمر الفيصل من عذابهم # PageV07P331 # كما هي عادتها في إتيانها المكذبين {أو يأتي ربك} أي ظهور أمر المحسن ~~إليك أتم ظهور بجميع الآيات التي تحملها العقول وذلك يوم الجزاء {أو يأتي} ~~وأبهم تهويلا للأمر وتعظيما فقال: {بعض آيات ربك} أي أشراط الساعة التي ~~يكون فيها ظهوره التام وإحسانه إليك الأعظم مثل دابة الأرض التي تميز ~~الكافر من المؤمن وطلوع الشمس من مغربها المؤذن بإغلاق باب التوبة؛ روى ~~البخاري في التفسير وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من ~~عليها، ms1507 فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» ، ثم قرأ الآية. # ولما كان إتيان الملائكة - أي كلهم أمرا لا يحتمل العقول وصف عظمته، ولا ~~بشرى للمجرمين عند رؤيته، فإنه لو وقع على صورتهم لتقطعت أوصالهم ولم ~~يحتمله قواهم فقضي الأمر ثم لا ينظرون، وأما تجلي الرب سبحانه وعز اسمه ~~وجلت عظمته. # فالأمر أعظم من مقالة قائل ... إن رقق البلغاء أو إن فخموا # ترك ما يترتب عليه وقال: {يوم يأتي} أي يكشف ويظهر {بعض آيات ربك} أي ~~المحسن إليك بالإتيان بذلك تصديقا لك وترويعا وتدميرا لمخالفيك {لا ينفع ~~نفسا} أي كافرة {إيمانها} أي إذ ذاك، ولا نفسا مؤمنة كسبها الخير إذ ذاك في ~~إيمانها المتقدم على تلك الآية بالتوبة فما وراءها، ولذلك بينه وبقوله ~~واصفا نفسا: {لم تكن} # PageV07P332 # أي الكافرة {آمنت} ويسر الأمر ببعض زمان القبل، ولم يكلف باستغراقه ~~بالإيمان فقال: {من قبل} أي قبل مجيء الآية في زمن متصل بمجيئها. # ولما ذكر الكافرة، أتبعها المؤمنة فقال عاطفا على «آمنت» : {أو} لم تكن ~~المؤمنة العاصية {كسبت} أي من قبل {في إيمانها} أي السابق على مجيء الآية ~~{خيرا} أي توبة، وبعبارة أخرى: نفسا كافرة إيمانها المجدد بعد مجيء الآية، ~~وهو معنى {لم تكن آمنت من قبل} أو نفسا مؤمنة كسبها الخير بعد مجيء الآية ~~ما لم تكن كسبت في إيمانها السابق على الآية خيرا، والحاصل أنه لا يقبل عند ~~ذلك إيمان كافر ولا توبة فاسق - كما قاله البغوي - لأن المقصود من التصديق ~~والتوبة الإيمان بالغيب وقد فات بالآية الملجئة، فيكون فاعل الفعل المقدر ~~في «كسبت» محذوفا، والتقدير: لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل، أو لم تكن ~~كسبت في إيمانها خيرا إيمانها وكسبها، فالإيمان راجع إلى من لم يؤمن، ~~والكسب راجع إلى من لم يكسب، وهو ظاهر، والتهديد بعدم نفع الإيمان عند مجيء ~~الآية أعظم دليل على ما ذكرته من التقدير، والآية من الاحتباك: ذكر إيمانها ~~أولا دليل على حذف كسبها من الجملة الثانية، وذكر جملتي آمنت وكسبت ms1508 ثانيا ~~دال على حذف كافرة ومؤمنة أولا. # ولما كان هذا تهديدا - كما ترى - هائلا، أتبعه ما هو أشد منه للتنبيه # PageV07P333 # على أن أهل الإيمان سالمون من ذلك بقوله: {قل انتظروا} أي بغاية جهدكم ~~أيها المكذبون {إنا منتظرون *} بجهدنا، وستعلمون لمن تكون العاقبة. # ولما نهى عن اتباع السبل لأنها سبب التفرق عن الحق، وكان قد كرر في هذه ~~السورة نصب الحجج وإنارة الأدلة وإزاحة الشكوك ومحو آثار الشبه، وأشرفت ~~السورة على الانقضاء. وكان من المعلوم قطعا أن الحق - من حيث هو حق - شديد ~~التأثير في إزهاق الباطل فكيف إذا كان كلام الملك الذي لا يخالف أمره ولا ~~يخرج عن إرادته؛ اشتد استشراف النبي صلى الله عليه وسلم إلى رؤية ذلك الأثر ~~مع ما عنده من الحرص على إسلام قومه لما طبعه الله عليه من الشفقة على جميع ~~الخلق عموما وعليهم خصوصا، وإنما يكون ذلك الأثر بإيجاد هدايتهم ومحو ~~غوايتهم، فلما ختم سبحانه بهذين التهديدين العظيمين الدالين على غشاوتهم، ~~فإنه صلى الله عليه وسلم مما كان رجاه من هدايتهم أمر كأنه كان قد حصل، ~~وذلك مورث للشفوق من الأسف على ما لا يدري قدره ولا يوصف خبره، فثبته ~~سبحانه وسلاه بقوله: {إن الذين فرقوا} أي بعد إبلاغك إياهم {دينهم} أي ~~بتكذيبهم ببعض آيات الله وصدوفهم عنها وإيمانهم ببعضها ففارقوه، لأن الكفر ~~بعضه كفر بكله، وأضيف الدين إليهم لشدة رغبتهم فيه ومقاتلتهم عليه # PageV07P334 # {وكانوا شيعا} كل فرقة تشايع وتشيع إمامها كالعرب الذين تحزبوا أحزابا ~~بالاستكثار من الأصنام، فكان في كل قطر لهم معبود أو اثنان فأكثر، وكأهل ~~الكتاب الذين ابتدعوا في دينهم بدعا أوصلتهم إلى تكفير بعضهم بعضا وآمنوا ~~ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، وكالمجوس الذين مزقوا دينهم باعتقاد أن الإله ~~اثنان: النور والظلمة، وعبدوا الأصنام والنجوم وجعلوا لكل نجم صنما يتوسل ~~به في زعمهم إليه {لست منهم} أي من حسابهم ولا من عقابهم ولا من خلق ~~الهداية في قلوبهم {في شيء} وفي هذا غاية الحث على الاجتماع ونهاية التوعد ~~على الافتراق. # ولما خفف ms1509 عنه صلى الله عليه وسلم بتبرئته منهم، أسند إلى نفسه المقدس ما ~~يحق له في إحاطة علمه وقدرته، فقال جوابا لمن يقول: فإلى من يكون أمرهم؟ : ~~{إنما أمرهم} أي في ذلك كله وفي كل ما يتعلق بهم مما لا يحصره حد ولا يحصيه ~~عد {إلى الله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه غيره، فمن شاء هداه ومن شاء ~~أعماه، ومن شاء أهلكه ومن شاء أبقاه لأن له كمال العظمة. # ولما كان الحشر متراخيا عن ذلك كله في الرتبة وفي الزمان، لا تبلغ كنه ~~عظمته العقول، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي والتنبيه # PageV07P335 # بقوله: {ثم} بعد استيفاء ما ضرب لهم من الآجال {ينبئهم} أي تنبئة عظيمة ~~جليلة مستقصاة بعد أن يحشرهم إليه داخرين {بما كانوا} أي جبلة وطبعا ~~{يفعلون *} أي من تلك الأشياء القبيحة التي كان لهم إليها أتم داعية غير ~~متوقفين في إصدارها على علم مع ادعاء التدين بها، والآية - مع ما تقدم من ~~مقتضياتها - تعليل لقوله {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: ~~153] . # PageV07P336 # ولما أخبر أن أمرهم ليس إلا إليه، كان كأنه قيل: فماذا يفعل بهم حينئذ؟ ~~فأجيب بقوله: {من جاء} أي منهم أو من غيرهم {بالحسنة} أي الكاملة بكونها ~~على أساس الإيمان {فله} من الحسنات {عشر أمثالها} كرما وإحسانا وجودا ~~وامتنانا، يجازيه بذلك في الدنيا أو في الآخرة، وهذا المحقق لكل أحد ويزداد ~~البعض وضوحا بحسب النيات، وذكر العشر، لأنه بمعنى الحسنة، وهو مضاف إلى ~~ضميرها. ولما تضمن قوله {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} [الأنعام: 153] مع ~~تعقيبه بقوله {لا نكلف نفسا إلا وسعها} [الأنعام: 152] الإشارة إلى أن ~~المساواة في الجزاء مما ينقطع دونه أعناق الخلق، أخبر أن ذلك عليه هين لأن ~~عمله شامل وقدرته كاملة بقوله: # PageV07P336 # {ومن جاء بالسيئة} أي أي شيء كان من هذا الجنس {فلا يجزى} أي في الدارين ~~{إلا مثلها} إذا جوزي، ويعفو عن كثير. # ولما كانت المماثلة لا يلزم كونها من كل وجه وإن كانت ظاهرة في ذلك لا ~~سيما في هذه العبارة، ms1510 صرح بما هو ظاهره لأنه أطيب للنفس وأسكن للروع فقال: ~~{وهم لا يظلمون *} أي بكونها مثلها في الوحدة وإن كانت أكبر أو من جنس أشد ~~من جنسها ونحو ذلك، بل المماثلة موجودة في الكم والكيف، فلا ينقص أحد في ~~ثواب ولا يزاد في عقاب. # ولما تضمن ما مضى تصحيح التوحيد بالأدلة القاطعة وتحقيق أمر القضاء ~~والقدرة وإبطال جميع أديان الضلال ووصفها بتفرق أهلها الدال على بطلانها ~~واعوجاجها، وختم بهذا التحذير الذي لا شيء أقوم منه ولا أعدل، أمره صلى ~~الله عليه وسلم بالإعلان بأمره وأن يصف دينه الذي شرعه له وهداه إليه بما ~~فيه من المحاسن تحبيبا فيه وحثا عليه ولأن ذلك من نتيجة هذه السورة فقال: ~~{قل} وأكد بالإتيان بالنونين فقال: {إنني هداني} أي بيانا وتوفيقا {ربي} أي ~~المحسن إلي بكل خير لا سيما هذا الذي أوحاه إلي وأنزله علي {إلى صراط ~~مستقيم *} أي طريق واسع بين، ثم مدحه بقوله: {دينا قيما} أي بالغ الاعتدال ~~والاستقامة ثابتها، هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو بفتح # PageV07P337 # القاف وتشديد الياء المكسورة، وهو في قراءة الباقين بكسر القاف وفتح ~~الياء الخفيفة مصدر بمعنى القيام وصف به للمبالغة، وزاده مدحا بقوله مذكرا ~~لهم - لتقليدهم الآباء - بأنه دين أبيهم الأعظم: {ملة إبراهيم} والملة ما ~~أظهره نور العقل من الهدى في ظلم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا - ~~أفاده الحرالي. ولذلك قال: {حنيفا} أي لينا هينا سهلا قابلا للاستقامة ~~لكونه ميالا مع الدليل غير جاف ولا كز واقف مع التقليد عمى عن نور الدليل - ~~كما تقدم ذلك في البقرة، وهو معنى قوله: {وما} أي والحال أنه ما {كان من ~~المشركين *} أي الجامدين مع أوهامهم في ادعاء شريك لله مع رؤيتهم له في ~~كونه لا يضر ولا ينفع ولا يصلح لشركة آدمي فضلا عن غيره بوجه، لا ينقادون ~~لدليل ولا يصغون إلى قيل، فكان هذا مدحا لهذا الدين الذي هدى إليه صلى الله ~~عليه وسلم وبيانا لأنه الذي اختاره سبحانه لخليله إبراهيم عليه السلام ms1511 ~~رجوعا إلى # {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} [الأنعام: 74] الذي بنيت السورة في الحقيقة ~~عليه، وألقيت أزمة أطرافها إليه، وترغيبا في هذا الدين لأن جميع المخالفين ~~يتشبثون بأذيال إبراهيم عليه السلام: العرب وأهل الكتابين بنسبة الأبوة، ~~والمجوس بنسبة البلد والأخوة، وأشار بذلك إلى أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فهم ما حاج به أبوه إبراهيم عليه السلام قومه وقبله، فلم ينسب # PageV07P338 # كغيره إلى جمود ولا عناد. # ولما كان كأن سائلا قال: وما هذه الملة التي تكرر مدحها والدعاء إليها؟ ~~أجاب بقوله ليتأسى به أهل الإيمان، فليلتزموا جميع ما يدعو إليه على وجه ~~الإخلاص: {قل إن صلاتي} أي التي هي لباب الدين وصفاوته {ونسكي} أي جميع ~~عبادتي من الذبائح وغيرها {ومحياي} أي حياتي وكل ما تجمعه من زمان ومكان ~~وفعل {ومماتي لله} أي الملك الأعظم الذي لا يخرج شيء عن أمره؛ ولما علم ~~بالاسم الأعظم أنه يستحق ذلك لذاته، أعلم أنه يستحقه من كل أحد لإحسانه ~~إليه وإنعامه عليه فقال: {رب العالمين *} الموجد والمدبر والموعي لهم. # PageV07P339 # ولما أعلم أنه يستحقه لذاته ووصفه، أعلم أنه يستحقه وحده فقال: {لا شريك ~~له} أي ليكون لشريكه على زعمكم شيء من العبادة لما كان له شيء من الربوبية، ~~فأبان بهذا أن وجهه صلى الله عليه وسلم ووجه من تبعه واحد لا افتراق فيه، ~~وهو قصد الله وحده على سبيل الإخلاص كما أنه يوحد بالإحياء والإماتة فينبغي ~~أن يوحد بالعبادة. # ولما دل على ذلك ببرهان العقل، أتبعه بجازم النقل فقال عاطفا على ما ~~تقديره: إلى ذلك أرشدني دليل العقل: {وبذلك} أي الأمر العالي من توجيه ~~أموري إليه على وجه الإخلاص. # PageV07P339 # ولما كان له سبحانه في كل شيء آية تدل على أنه واحد، فكان كل شيء آمرا ~~بالتوحيد بلسان حاله أو ناطق قاله، بني للمفعول قوله: {أمرت} أي يعني أن ~~هذا الدين لو لم يرد به أمر كان ينبغي للعاقل أن يدين به ولا يعدل عنه لشدة ~~ظهوره وانتشار نوره بما قام عليه من الدلائل ودرج على اتباعه ms1512 من الأفاضل ~~والأماثل، فكيف إذا برزت به الأوامر الإلهية ودعت إليه الدواعي الربانية ~~{وأنا أول المسلمين *} أي المنقادين لما يدعو إليه داعي الله في هذا الدين، ~~لا اختيار لي أصلا، بل أنا مسلوب الاختيار فيه منقاد أتم انقياد، وهذه ~~الأولية على سبيل الإطلاق في الزمان والرتبة بالنسبة إلى أمته صلى الله ~~عليه وسلم وفي الرتبة بالنسبة إلى من تقدمه من الأنبياء وغيرهم، وهذا أيضا ~~من باب الإحسان في الدعاء بالتقدم إلى ما يدعو إليه وأن يحب للمدعو ما يحب ~~لنفسه ليكون أنفى للتهمة وأدل على النصيحة فيكون أدعى للقبول. # ولما حاجوه في الشرك في هذه السورة غير مرة كما حاج إبراهيم عليه السلام ~~قومه، وكان آخر ذلك أن دعاهم صلى الله عليه وسلم إلى تلاوة ما أنزل عليه ~~سبحانه في تحريم الشرك وشرح دينه القيم، ثم كرر هنا ذمهم بالتفرق الدال على ~~الضلال ولا بد، ومدح دين الرسل الذي تقدم أنهم لم يختلفوا فيه أصلا، وأيأس ~~الكفار من موافقته صلى الله عليه وسلم لهم نوعا من الموافقة وميله معهم ~~شيئا من الميل، أمره # PageV07P340 # سبحانه - بعد أن ثبت بأول السورة وأثنائها وآخرها أنه لا رب غيره - ~~بالإنكار على من يريد منه ميلا إلى غير من تفرد بمحياه ومماته، فكان له ~~التفرد بما بينهما وما بعد ذلك من غير شبهة، والتوبيخ الشديد فقال: {قل} أي ~~لهؤلاء الذي يطمعون أن تطرد أصحابك من أجلهم {أغير الله} أي الذي له الكمال ~~كله {أبغي} أي أطلب وأريد بالإشراك فإن الغنى المطلق لا يقبل ممن أشرك به ~~شيئا {ربا} أي منعما يتولى مصالحي كما بغيتم أنتم، فهو تعريض بهم وتنبيه ~~لهم، والإسناد إليه صلى الله عليه وسلم - والمراد جميع الخلق - من باب ~~الإنصاف في المناظرة للاستعطاف {وهو} أي والحال أنه كما ثبت بالقواطع وركز ~~في العقول الثوابت وطبع في أنوار الأفكار اللوامع {رب كل شيء} أي موجده ~~ومربيه، أفينبغي لأحد أن يدين لغير سيده وذلك الغير مربوب مثله لسيده، هذا ~~ما لا يرضاه عاقل لنفسه. # ولما ms1513 أنكر على من يجنح إلى غيره مع عموم بره وخيره، أتبعه الترويع من ~~قويم عدله في عظيم ضره فقال: {ولا} أي والحال أنه لا {تكسب كل نفس} أي ذنبا ~~وإن قل مع التصميم والعزم القوي الذي هو بحيث يصدقه العمل - كما مضى في آية ~~البقرة {إلا عليها} أي لا يمكن أن يكون باطلا لا عليها ولا على غيرها، وإذا ~~كان عليها # PageV07P341 # لا يمكن أن يحاسب به سبحانه سواها لأنه عدل حكيم فكيف أدعو غيره دعاء ~~جليا أو خفيا وذلك أعظم الذنوب! وللتنفير من الشرك الخفي بالرياء وكل معصية ~~وإن صغرت، جرد الفعل عن الافتعال لئلا يتوهم أنه لا يكون عليها إلا ما ~~بالغت فيه، والسياق هنا واضح في أن الكسب مقيد بالذنب فإنه في دعاء غير ~~الله وآية البقرة للإيماء إلى الذنب الذي لا يقع إلا بشهوة شديدة من النفس ~~له لطبعها على النقائص، فهي لا تنافي هذه لأن ما كسبته من الذنوب قد علم من ~~ثم أنه اكتساب، وأحسن من هذا أن يقال: ولما كان المعنى أني إن بغيت ربا ~~غيره وكلني إلى ما توليته، وأنا إنسان والإنسان مطبوع على النقائص فهلكت، ~~عبر عنه بقوله مجردا للفعل لقصد العموم: {ولا تكسب كل نفس} بما هي نفس ~~ناظرة في نفاستها معرضة عن ربها موكولة إلى حولها وقوتها {إلا عليها} ولا ~~يحمل عنها غيرها شيئا من وزرها؛ ولما كان ربما حمل أحد عن غيره شيئا من ~~أثقاله مساعدة له، نفى ذلك بقوله: {ولا تزر وازرة} أي تحمل حاملة ولو كانت ~~والدا أو ولدا {وزر} أي إثم {أخرى} {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه ~~شيء ولو كان ذا قربى} [فاطر: 18] فإذا كان الأمر كذلك فلا يجعل بعاقل أن ~~يعرض نفسه بحمل شيء من غضب هذا الملك الذي لا شريك له وإليه المرجع # PageV07P342 # وإن طال المدى. # ولما عم في الكسب وحمل الوزر لئلا يقول متعنت أن خص هذا لك لا لنا، عم في ~~المرجع أيضا لمثل ذلك، فقال مهددا لهم بعد ms1514 كمال الإيضاح عاطفا على ما أرشد ~~إليه الإنكار من النفي في نحو أن يقال: إني لا أفعل شيئا من ذلك، لا أبغي ~~ربا غير ربي أصلا، وأما أنتم فافعلوا ما أنتم فاعلون فإن ربكم عالم به: ~~{ثم} أي بعد طول الإمهال لكم لطفا منه بكم {إلى ربكم} أي الذي أحسن إليكم ~~بكل نعمة، لا إلى غيره {مرجعكم} أي بالحشر وإن عمرتم كثيرا أو بقيتم طويلا ~~{فينبئكم} أي يخبركم إخبارا جليلا عظيما مستوفى. # ولما كان قد تقدم أنهم فرقوا دينهم، قال: {بما كنتم} أي جبلة وطبعا، ~~ولذلك قدم الجار ليفيد الاهتمام به لقوة داعيتهم إليه من غير إكراه ولا ~~ذهول ولا نسيان فقال: {فيه تختلفون *} أي مع رسول وغيره، ويدينكم على جميع ~~ذلك بما تستحقونه، وحالكم جدير بأن يعظم عقابكم لأنكم كفرتم نعمته؛ قال أبو ~~حيان: حكى النقاش أنه روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع ~~يا محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل ما ~~تحتاج إليه في دنياك وآخرتك، فنزلت هذه الآية - انتهى. # ولما قدم أنه المحسن إلى كل شيء بالربوبية، وختم بالتهديد بالحشر، # PageV07P343 # أتبعه التذكير بتخصيصهم بالإحسان، فقال عاطفا على {وهو رب كل شيء} ~~مستعطفا لهم إليه بالتذكير بنعمته: {وهو} أي لا غيره {الذي جعلكم} أي أيها ~~الإنس {خلائف الأرض} أي تفعلون فيها فعل الخليفة متمكنين من كل ما تريدونه، ~~ويجوز أن يراد بذلك العرب، ويكون ظاهر الكلام أن المراد بالأرض ما هم فيه ~~من جزيرة العرب، وباطنه البشارة بإعلاء دينهم الإسلام على الدين كله ~~وغلبتهم على أكثر أهل الأرض في هذه الأزمان وعلى جميع أهل الأرض في آخر ~~الزمان {ورفع بعضكم} في مراقي العقل والعلم والدين المال والجاه والقوة ~~الحسية والمعنوية {فوق بعض درجات} أي مع كونكم من نفس واحدة، وربما كان ~~الوضيع أعقل من الرفيع ولم ينفعه عقله فيدل ذلك دلالة واضحة على أن ذلك كله ~~إنما هو فعل الواحد القهار، لا بعجز ولا جهل ولا بخل؛ ثم ms1515 علل ذلك بقوله: ~~{ليبلوكم} أي يفعل معكم فعل المختبر ليقيم الحجة عليكم وهو أعلم بكم منكم ~~{في ما آتاكم} فينظر هل يرحم الجليل الحقير ويرضى الفقير بعطائه اليسير، ~~ويشكر القوي ويصبر الضعيف! . # ولما ذكر علو بعضهم على بعض، وكان من طبع الآدمي التجبر، أتبعه التهديد ~~للظالم والاستعطاف للتائب بما يشير - بما له سبحانه من علو الشأن وعظيم ~~القدرة - إلى ضعف العالي منهم وعجزه عن عقاب السافل بمن يحول بينه وبينه من ~~شفيع وناصر وبما يحتاج إليه من # PageV07P344 # تمهيد الأسباب، محذرا من البغي والعصيان فقال موجها الخطاب إلى أكمل ~~الخلق تطييبا لقلبه إعلاما بأنه رباه سبحانه أجمل تربية وأدبه أحسن تأديب: ~~{إن ربك} أي المحسن إليك {سريع الحساب} أي لمن يريد عقابه ممن يكفر نعمته ~~لكونه لا حائل بينه وبين من يريد عقابه ولا يحتاج إلى استحضار آلات العقاب، ~~بل كل ما يريد حاضر لديه عتيد # {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] ، وفي ذلك تهديد ~~شديد لمن لا يتعظ. # ولما هدد وخوف، رجى من أراد التوبة واستعطف فقال: {وإنه لغفور رحيم *} ~~معلما بأنه - على تمام قدرته عليهم وانهماكهم فيما يوجب الإهلاك - بليغ ~~المغفرة لهم عظيم الرحمة {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من ~~دابة} [النحل: 61] ، حثا على عفو الرفيع من الوضيع، وتأكيده الثاني دون ~~الأول ناظر إلى قوله {كتب على نفسه الرحمة} [الأنعام: 12] ، «إن رحمتي سبقت ~~غضبي» لأنه في سياق التأديب لهذه الأمة والتذكير بالإنعام عليهم ~~بالاستخلاف، وسيأتي في الأعراف بتأكيد الاثنين لأنه في حكاية ما وقع لبني ~~إسرائيل من إسراعهم في الكفر ومبادرتهم إليه واستحقاقهم على ذلك العقوبة، ~~وجاء ذلك على طريق الاستئناف على تقدير أن قائلا قال: حينئذ # PageV07P345 # يسرع العالي إلى عقوبة السافل! فأجيب بأن الله فوق الكل وهو أسرع عقوبة، ~~فهو قادر على أن يسلط الوضيع أو أحقر منه على الرفيع فيهلكه؛ ثم رغب بعد ~~هذا الترهيب في العفو بأنه على غناه عن الكل أسبل ذيل غفرانه ورحمته ~~بإمهاله العصاة وقبوله ms1516 اليسير من الطاعات بأنه خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور منافع لهم ثم هم به يعدلون! ولولا غفرانه ورحمته لأسرع ~~عقابه لمن عدل به غيره فأسقط عليهم السماوات وخسف بهم الأرضين التي أنعم ~~عليهم بالخلافة فيها وأذهب عنهم النور وأدام الظلام، فقد ختم السورة بما به ~~ابتدأها، فإن قوله: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} هو المراد بقوله: {هو ~~الذي خلقكم من طين} [الأنعام: 2] وقوله: {أغير الله أبغي ربا وهو رب كل ~~شيء} [الأنعام: 164] هو معنى قوله: {خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1] ، - والله الموفق. # PageV07P346 # سورة الأعراف # مقصودها إنذار من أعراض عما إليه الكتاب في السورة الماضية من التوحيد ~~والاجتماع على الخير والوفاء لما قام على وجوبه من الدليل في الأنعام، ~~وتحذيره بقوارع الدرارين، وهذا أحسن مما كان ظهر لي وذكرته عند (والوزن ~~يومئذ الحق) وأدل ما فيها على هذا المقصد أمر الأعراف فإن اعتقاده يتضمن ~~الإشراف على الجنة والنار والوقوف على حقيقة ما فيها وما أعد لأهلها الداعي ~~إلى امتثال كل خير واجتناب كل شر والاتعاظ بكل مرقق) بسم الله (المتردي ~~برداء الكبر وإزار العظمة والجلال) الرحمن (الذي من رحمته انتقامه من أهل ~~الكفر والضلال) الرحيم (الهادي لأهل الاصطفاء إلى لزوم طريق الوفاء) # (المص) . # PageV07P347 # لما ذكر سبحانه في آخر التي قبلها أنه أنزل إليهم كتابا مباركا، وأمر ~~باتباعه وعلل إنزاله وذكر ما استتبعه ذلك مما لا بد منه في منهاج البلاغة ~~وميدان البراعة، وكان من جملته أن أمر المدعوين به ليس إلا إليه، إن شاء ~~هداهم وإن شاء أضلهم واستمر فيها لا بد منه في تتميم ذلك إلى أن ختم السورة ~~بما انعطف على ما افتتحت به، فاشتد اعتناقه له # PageV07P347 # حتى صارا كشيء واحد؛ أخذ يستدل على ما ختم به تلك من سرعة العقاب وعموم ~~البر والثواب وما تقدمه، فقال مخبرا عن مبتدإ تقديره: هو {كتاب} أي عظيم ~~أوضح الطريق المستقيم فلم يدع بها لبسا ولم يذر خيرا إلا أمر به ولا شرا ~~إلا ms1517 نهى عنه، فإنزاله من عظيم رحمته؛ ثم وصفه بما أكد ما أشار إليه من ~~رحمته بقوله: {أنزل إليك} أي وأنت أكرم الناس نفسا وأوسعهم صدرا وأجملهم ~~قلبا وأعرقهم إصالة وأعرفهم باستعطاف المباعد واستجلاب المنافر المباغض، ~~وهذا شيء قد خصك به فرفعك على جميع الخلق درجات لا تحصى ومراتب لا حد لها ~~فتستصى. # ولما كان المقصود من البعثة أولا النذارة للرد عما هم عليه من الضلال، ~~وكانت مواجهة الناس بالإنذار شديدة على النفوس، وكان الإقدام عليها من ~~الصعوبة بمكان عظيم؛ قدم قوله مسببا عن تخصيصه بهذه الرحمة: {فلا يكن} وعبر ~~عن القلب بمسكنه الذي هو أوسع منه مبالغة في الأمر فقال: {في صدرك حرج} أي ~~شيء من ضيق بهم أو خوف أو نحو ذلك {منه} على ما تعلق ب «أنزل» من قوله: # PageV07P348 # {لتنذر به} أي نذري لكل من بلغه أو للمخالفين من سرعة العقاب على نحو ما ~~أوقع سبحانه بالقرون الماضية والأمم السابقة - كما أشار إليه آخر الأنعام، ~~وسيقص من أخبارهم من هذه السورة {و} لتنذر به {ذكرى} أي عظيمة {للمؤمنين*} ~~أي بالبشر والمواعظ والغفران والرحمة على ما أشار إليه ختام الأنعام، وحذف ~~المفعول يدل على عموم الرسالة لكل من أمكن إنذاره وتذكيره من العقلاء، ~~ويجوز أن تتعلق لام «لتنذر» بمعنى النهي، أي انف الحرج لكذا، فإن من كان ~~منشرح الصدر أقدم على ما يريد أو يحرج، أي لا يكن الحرج الواقع لأجل أن ~~تنذر، أي لأجل إنذارك به، والنهي للنبي صلى الله عليه وسلم، حول إلى الحرج ~~مبالغة وأدبا، ويجوز أن يكون التقدير: لتنذر به وتذكر به، فإنه نذرى ~~للكافرين وذكرى للمؤمنين، والآية على كل تقدير من الاحتباك: إثباته «لتنذر» ~~أولا، دال على حذف «لتذكر» ثانيا، وإثبات المؤمنين ثانيا دال على حذف ~~المخالفين أولا، فإن النفوس على قسمين: نفوس بليدة جاهلة بعيدة عن عالم ~~الغيب غريقة في طلب اللذات الجسمانية والشهوات الحيوانية فبعثة الرسل في ~~حقهم إنذار وتخويف، ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية فبعثة الرسل في ~~حقهم تذكير لأن هذه ms1518 النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية وجبلتها الخلقية مستعدة ~~للانجذاب إلى عالم القدس إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الأجساد فيعرض ~~لها # PageV07P349 # نوع ذهول وغفلة، فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصلت بها أنوار أرواح رسل ~~الله تذكرت مركزها وأبصرت منشأها، فاشتاقت إلى ما حصل هناك من الروح ~~والريحان فطارت نحوهم كل مطار فتمحضت لديها تلك الأنوار؛ وقال أبو حيان: ~~واعتلاق هذه السورة بما قبلها هو أنه لما ذكر تعالى قوله: # {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه} [الأنعام: 155] واستطرد ممنه لما بعده ~~إلى قوله في آخر السورة {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} [الأنعام: 165] وذكر ~~ابتلاءهم فيما آتاهم، وذلك لا يكون إلا بالتكاليف الشرعية، ذكر ما يكون به ~~التكاليف، وهو الكتاب الإلهي، وذكر الأمر باتباعه كما أمر في قوله {وهذا ~~كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه} [الأنعام: 155]- انتهى. وقال شيخه الإمام أبو ~~جعفر بن الزبير: لما قال تعالى ابتداء بالاعتبار {ألم يروا كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ~~وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا ~~آخرين} [الأنعام: 6] ثم قال تعالى {ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون} [الأنعام: 10] ثم قال تعالى: {قل سيروا ~~في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [الأنعام: 11] ثم قال تعالى # PageV07P350 # {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا} [الأنعام: 34] وقال تعالى ~~{ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء} [الأنعام: 42] ، ~~وقال تعالى {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} ~~[الانعام: 13] فوقعت الإحالة في هذه الآي على الاعتبار بالأمم السالفة وما ~~كان منهم حين حين كذبوا أنبياءهم وهلاك تلك القرون بتكذيبهم وعتوهم وتسلية ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بجريان ما جرى له بمن تقدمه مت الرسل {قد ~~نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} [الأنعام: 33] فاستدعت الإحالة والتسلية بسط ~~أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية، والإعلام بصبر الرسل - عليهم السلام ~~- عليهم وتلطفهم في دعائهم، ولم يقع في السور ms1519 الأربع قبل سورة الأنعام مثل ~~هذه الإحالة والتسلية وقد تكررت في سورة الأنعام كما تبين بعد انقضاء ما ~~قصد من بيان طريق المتقين أخذا وتركا وحال من حاد عن سننهم ممن رامه أو ~~قصده فلم يوفق له ولا أتم له أمله من الفرقتين: المستندة للسمع والمعتمدة ~~للنظر، فحاد الأولون بطارىء التغيير والتبديل، وتنكب الآخرون بسوء التناول ~~وقصور الأفهام وعلة حيد الفريقين السابقة الأزلية؛ فلما انقضى أمر هؤلاء ~~وصرف الخطاب إلى تسليته عليه السلام وتثبيت فؤاده # PageV07P351 # بذكر أحوال الأنبياء مع أممهم وأمر الخلق بالاعتبار بالأمم السالفة، وقد ~~كان قدم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكر الأنبياء # {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] بسط تعالى حال من ~~وقعت الإحالة عليه، واستوفى الكثير من قصصهم إلى آخر سورة هود إلى قوله ~~سبحانه {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} [هود: 120] فتأمل ~~بما افتتحت به السورة المقصودة بها قصص الأمم وبما اختتمت يلح لك ما أشرت ~~إليه - والله أعلم بمراده، وتأمل افتتاح سورة الأعراف بقوله {فلنقصن عليهم ~~بعلم وما كنا غائبين} [الأعراف: 7] وختم القصص فيها بقوله: {فاقصص القصص ~~لعلهم يتفكرون} [الأعراف: 176] بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة بلعام {واتل ~~عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} [الأعراف: 175] ، ثم قال: {ذلك مثل القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا} [الأعراف: 176] فتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص، ~~وكيف ألحق من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب وغيرهم بمن قص ~~ذكره من المكذبين، وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام ~~وكلاهما ممن كفر على علم، وفي ذلك أعظم موعظة، قال الله تعالى إثر ذلك {من ~~يهد الله فهو المهتدي} [الأعراف: 178] ، فبدأ الاستجابة بنبيه صلى الله ~~عليه وسلم بذكر ما أنعم عليه وعلى من استجاب له فقال تعالى: {المص كتاب ~~أنزل إليك} [الأعراف: 1-2] # PageV07P352 # فأشار إلى نعمته بإنزال الكتاب الذي جعله هدى للمتقين، وأشار هنا ما ~~يحمله عليه من التسلية وشرح الصدور بما جرى من العجائب والقصص مع كونه هدى ~~ونورا، فقال ms1520 {فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: 2] أي أنه قد تضمن مما ~~أحلناك عليه ما يرفع الحرج ويسلي النفوس لتنذر به كما أنذر من قبلك ممن نقص ~~خبره من الرسل، ولتستن في إنذارك ودعائك وصبرك سننهم، وليتذكر المؤمنون؛ ثم ~~أمر عباده بالاتباع لما أنزله فقال: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} ~~[الأعراف: 3] فإنة هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم الاتباع ~~والركون إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس، ثم أتبع ذلك بقصة آدم عليه ~~السلام ليبين لعباده ما جرت سنته فيهم من تسلط الشياطين وكيده وأنه عدو لهم ~~{يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} [الأعراف: 27] ~~ووقع في قصة آدم هنا ما لم يقع في قصة البقرة من بسط ما أجمل هناك كتصريح ~~اللعين بالحسد وتصور خيريته بخلقه من النار وطلبة الإنظار والتسلط على ذرية ~~آدم والإذن له في ذلك ووعيده ووعيد متبعيه ثم أخذ في الوسوسة إلى آدم عليه ~~السلام وحلفه له {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} [الأعراف: 21] وكل هذا ~~مما أجمل في سورة البقرة ولم تتكرر قصة إلا وهذا شأنها، أعني أنها تفيد ~~مهما تكررت ما لم يكن حصل منها أولا؛ ثم انجزت # PageV07P353 # الآي إلى ابتداء قصة نوح عليه السلام واستمرت القصص إلى قصص بني إسرائيل، ~~فبسط هنا من حالهم وأخبارهم شبيه ما بسط في قصة آدم وما جرى من محنة إبليس، ~~وفصل هنا الكثير وذكر ما لم يذكر في البقرة حتى لم يتكرر بالحقيقة ولا ~~التعرض لقصص طائفة معينة فقط، ومن عجيب الحكمة أن الواقع في السورتين من ~~كلتا القصتين مستقل شاف، وإذا ضم بعض ذلك إلى بعض ارتفع إجماله ووضح كماله، ~~فتبارك من هذا كلامه ومن جعله حجة قاطعة وآية باهرة. # ولما أعقب تعالى قصصهم في البقرة بأمره نبيه والمؤمنين بالعفو والصفح ~~فقال تعالى {فاعفوا واصفحوا} [البقرة: 109] أعقب تعالى أيضا هنا بقوله ~~لنبيه عليه الصلاة والسلام {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} ~~[الأعراف: 199] وقد خرجنا عن المقصود فلنخرج ms1521 إليه - انتهى. # PageV07P354 # ولما تقدم سبحانه إليه صلى الله عليه وسلم في أمر الإنذار والإذكار ~~بالكتاب تقدم إلى اتباعه فأمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع أهل الضلال وما ~~يوحي إليهم أولياؤهم من زخارفهم بعد أن أخبر بكونه ذكرى أنه سبب لعلو شأنهم ~~وعز سلطانهم، فقال ملتفتا إليهم مقبلا بعز جلاله # PageV07P354 # عليهم {اتبعوا} أي حملوا أنفسكم حملا عظيما بجد ونشاط على اتباع {ما أنزل ~~إليكم} أي قد خصصتم به دون غيركم فاشكروا هذه النعمة {من ربكم} أي الذي لم ~~يزل محسنا إليكم {ولاتتبعوا} ولعله عبر بالافتعال إيماء إلى أن ما كان دون ~~علاج - بل هفوة وبنوع غفلة - في محل العفو {من دونه} أي دون ربكم {أولياء} ~~أي من الذين نهيناكم عنهم في الأنعام وبينا ضررهم لكم من شياطين الإنس ~~والجن وعدم إغنائهم وأن الأمر كله لربكم. # ولما كانوا قد خالفوا في اتباعهم صريح العقل وسليم الطبع، وعندهم أمثلة ~~ذلك لو تذكروا، قال منبها لهم على تذكر ما يعرفون من تصرفاتهم: {قليلا} ~~وأكد التقليل ب «ما» النافي وبإدغام تاء التفعيل فقال: {ما تذكرون*} أي ~~تعالجون أنفسكم على ذكر ما هو مركوز في فطركم الأولى فإنكم مقرون بأن ربكم ~~رب كل شيء، فكل من تدعون من دونه مربوب، وأنتم لا تجدون في عقولكم ولا ~~طباعكم ولا استعمالاتكم ما يدل بنوع دلالة على أن مربوبا يكون شريكا لربه. # ولما كان من أعظم ما يتذكر سار النعم وضار النقم للإقبال على الله ~~والإعراض عما سواه وعدم الأغترار باسباب الأمن والراحة، قال: {وكم} أي قل ~~تذكركم وخوفكم من سطواتنا والحال أنه # PageV07P355 # كم {من قرية} وإن جلت؛ ولما كان المراد المبالغة في الإهلاك، أسنده إلى ~~القرية والمراد أهلها فقال: {أهلكناها} أي بما لنا من العظمة لظلمها باتباع ~~من دون الله، فلا تغتروا بأوليائكم من دونه وأنتم عالمون بأنهم لم ينفعوا ~~من ضل من الأمم السالفة وقت إنزالنا بهم السطوة وإحلالنا بهم النقمة وتحقق ~~المهلكون إذ ذاك - مع أنهم كانوا أشد بطشا واكثر عددا وأمتن كيدا - عدم ~~إغنائهم فلم يوجهوا ms1522 آمالهم نحوهم. # ولما كان المعنى: أردنا إهلاكها وحكمنا به، سبب عنه قوله: {فجاءها بأسنا} ~~أي عذابنا بما لنا من القوة والعظمة، أو الإهلاك على حقيقته وهذا تفصيل له ~~وتفسير؛ ولما كان لا فرق في إتيان عذابه سبحانه بين كونه ليلا أو نهارا، ~~وكان أفحش البأس وأشده ما كان في وقت الراحة والدعة والغفلة قال: {بياتا} ~~أي وقت الاستكنان في البيوت ليلا كما أهلك قوم لوط عليه السلام وقت السحر. # ولما كان المراد بالقرية اهلها، بينه بقوله لأنه إذا حذف المضاف جاز فيه ~~اعتباران بحسب ما يحسن من المعنى: أن لا يلتفت إليه - كما في اول الآية، ~~وإن يلتفت إليه - كما في هذا الأخير لبيان أن الأهل هم المقصودون بالذات ~~لأنه موضع التهديد: {أو هم قائلون*} أي # PageV07P356 # نائمون وقت القائلة أو مستريحون من غير نوم كما أهلك قوم شعيب عليه ~~السلام، يعني أنهم كانوا في كل من الوقتين غافلين بسبب أنهم كانوا آمنين، ~~لم يظنوا أن شيئا من أعمالهم موجب للعذاب ولا كانوا مترقبين لشيء منه، ~~فالتقدير: بياتا هم فيه بائتون أي نائمون، أو قائلة هم فيها قائلون أي ~~نائمون، فالآية من الاحتباك: دل إثبات «بياتا» أولا على حذف «قائلة» ثانيا، ~~وإثبات «هم قائلون» ثانيا على حذف «هم نائمون» أولا، والذي أرشدنا إلى هذا ~~المعنى الحسن سوق «هم» من غير واو، وهذا قريب من قوله تعالى فيما يأتي # {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون} [الأعراف: 97] ~~فالأقرب أن يكون المحذوف أولا نائمون، وثانيا نهارا، فيكون التقدير: بياتا ~~هم فيه نائمون، أو نهارا هم فيه قائلون، وبين عظمة ما جاءهم وهوله بأنهم في ~~كل من الوقتين لم يقع في فكر أحد منهم التصويب إلى مدافعته بما سبب عن ذلك ~~من قوله: {فما كان دعواهم} أي قولهم الذي استدعوه {إذ جاءهم بأسنا} أي بما ~~لنا من العظمة {إلا أن قالوا} أي إلا قولهم {إنا كنا} أي بما لنا من الجبلة ~~{ظالمين*} أي في أنا لم نتبع من أنزل إلينا من ربنا، ms1523 فلم يفدهم ذلك شيئا ~~غير شدة التحسر؛ ثم سبب عما مضى من أمر الرسول والأمم # PageV07P357 # قوله دفعا لوهم من يظن أن الأمر انقضى بما عذبوا به في الدنيا: {فلنسئلن} ~~أي بما لنا من العظمة على جهة التوبيخ والتقريع للعصاة والتشريف والتعظيم ~~للمطيعين، وأظهر موضع الإضمار تعميما فقال: {الذين} . # ولما كانت الملامة على تكذيب الرسول لا بقيد كونه معينا بنى للمفعول ~~قوله: {أرسل إليهم} أي وهم الأمم، هل امتثلوا أوامرنا وأحجموا عند زواجرنا ~~كما أمرتهم الرسل أم لا {ولنسئلن} أي بعظمتنا {المرسلين*} أي هل كان في ~~صدورهم حرج مما أرسلناهم به وهل بلغوه أم لا يوم تكونون شهداء على الناس ~~بما علمتم من شهادتي في هذا القرآن ويكون الرسول عليكم شهيدا فإنا لا بد أن ~~نحييكم بعد الموت ثم نسألكم في يوم تظهر فيه السرائر وتنكشف - وإن اشتد ~~خفاؤها - الضمائر، ولنرين الأفعال والأقوال، ولا نترك شيئا من الأحوال. # ولما كان السؤال يفهم خفاء المسؤول عنه على السائل، سبب عن ذلك ما يزيل ~~هذا الوهم بقوله مؤذنا بأنه أعلم من المسؤولين عما سألهم عن: {فلنقصن} أي ~~بما لنا من صفات العظمة المستلزمة لكل كمال {عليهم} أي المسؤولين من الرسل ~~وأممهم، جميع أحوالهم وما يستحقون من جزائها {بعلم} أي مقطوع به لا مظنون، ~~فقد كنا معهم في جميع تقلباتهم {وما كنا} أي في وقت من الأوقات كما هو ~~مقتضى ما لنا من العظمة {غائبين*} أي مطلقا ولا عن أحد من الخلق # PageV07P358 # بل علمنا شامل لجميع الكليات والجزئيات لأن ذلك مقتضى العظمة ما لنا من ~~صفات الكمال، ومن لم يكن محيط العلم بأن يميز المطيع من العاصي لا يصح أن ~~يكون إلها. # PageV07P359 # ولما تقدمت الإشارة بقوله تعالى {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} ~~[الأنعام: 152] الآية إلى المساواة الحقيقية في الميزان معجوز عنها وأنه ~~أبعد المقادير عن التساوي، والنص في قوله تعالى {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها} [الأنعام: 160] على قدرة القدير على ذلك، وختم الآية السالفة ~~بإحاطة العلم على الوجه الأبلغ المقتضي لذلك على أعلى ms1524 الوجوه، أكد الأمر ~~أيضا وقصره على علمه هنا فقال: {والوزن} بميزان حقيقي لصحف الأعمال أو ~~للاعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور أو بغير ذلك بعد أن يقذف ~~الله في القلوب العلم به، ولعله حال من نون العظمة في الاية التي قبلها، أي ~~إنا لا نكتفي بما نقص بل نزنه فيصير بحيث يظهر لكل أحد أنه على غاية ما ~~يكون من التساوي؛ قال أبو حيان وعلي بن الحسين النحوي الأصفهاني في إعرابه: ~~«الوزن» مبتدأ {يومئذ} ظرف منصوب به {الحق} خبر المبتدأ، زاد الأصفهاني ~~فقال: واستضعف إعمال المصدر وفيه لام التعريف وقد ذكرنا أنه جاء في التنزيل ~~{لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} [النساء: 148]- انتهى. أي ~~والوزن في ذلك اليوم مقصور على الحق، يطابقه الواقع # PageV07P359 # مطابقة حقيقية لا فضل فيها أصلا ولا يتجاوز الوزن في ذلك اليوم الحق إلى ~~شيء من الباطل بزيادة ذرة ولا نقصها ولا ما دون ذلك، فتحرر أن مقصود السورة ~~الحث على اتباع الكتاب، وهو يتضمن الحث على اتباع الرسول والدلالة على ~~التوحيد والقدرة على البعث ببيان الأفعال الهائلة في ابتداء الخلق وإهلاك ~~الماضين إشارة إلى أن من لم يتبعه ويوحد - من إنزله على هذا الأسلوب الذي ~~لا يستطاع، والمنهاج الذي وقفت دونه العقول والطباع، لما قام من الأدلة على ~~توحيده بعجز من سواه عن أقواله وأفعاله - أوشك أن يعاجله قبل يوم البعث ~~بعقاب مثل عقاب الأمم السالفة والقرون الخالية مع ما ادخر له في ذلك اليوم ~~من سوء المنقلب وإظهار اثر الغضب. # ولما أخبر أن العبرة بالميزان على وجه يظهر أنه لا حيف فيه بوجه، تسبب ~~عنه قوله: {فمن ثقلت} أي دست ورسبت على ما يعهد في الدنيا {موازينه} أي ~~موزونات أعماله، أي أعماله الموزونة، ولعله عبر بها عنها إشارة إلى ان كل ~~عمل يوزن على حدة ليسعى في إصلاحه {فأولئك} أي العالو الهمم {هم} أي خاصة ~~{المفلحون*} أي الظاهرون بجميع مآربهم {ومن خفت} أي طاشت {موازينه} أي التي ~~توزن فيها ms1525 الأعمال الصالحة {فأولئك} المبعدون {الذين خسروا أنفسهم} أي التي ~~هي رأس مالهم فكيف بما دونها {بما كانوا بآياتنا} أي على ما لها من العظمة ~~{يظلمون*} # PageV07P360 # أي باستمرار ما يجددونه من وضعها في غير المحل الذي يليق بها فعل من هو ~~في ظلام؛ قال الحسن، وحق الميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل، وحق لميزان ~~توضع فيه السيئات أن يخف. # ولما أمر الخلق بمتابعة الرسل وحذرهم من مخالفتهم، فأبلغ في تحذيرهم ~~بعذاب الدنيا ثم بعذاب الآخرة، التفت إلى تذكيرهم ترغيبا في ذلك بإسباغ ~~نعمه وتحذيرا من سلبها، لأن المواجهة أردع للمخاطب، فقال في موضع الحال من ~~{خسروا انفسهم} : {ولقد مكناهم} أي خسروها والحال أنا مكناكم من إنجائها ~~بخلق القوى والقدر وإدرار النعم، وجعلنا مكانا يحصل التمكن فيه {في الأرض} ~~أي كلها، ما منها من بقعة إلا وهي صالحة لا نتفاعهم بها ولو بالاعتبار ~~{وجعلنا لكم} أي بما لنا من العظمة {فيها معايش} أي جميع معيشة، وهي أشياء ~~يحصل بها العيش، وهو تصرف أيام الحياة بما ينفع، والياء أصلية فلذا لا ~~تهمز، وكذا ما ولي ألف جمعه حرف علة أصلي وليس قبل ألفه واو كأوائل ولا ياء ~~كخيائر جمع أول وخير فإنه لا يهمز إلا شاذا كمنائر ومصائب جمع منارة ~~ومصيبة. # ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه أوجدهم وقواهم وخلق لهم ما يديم قواهم، ~~فأكلوا خيره وعبدوا غيره، أنتج قوله على وجه التاكيد: {قليلا ما تشكرون*} ~~أي لمن أسبغ عليكم نعمه ظاهرة # PageV07P361 # وباطنة بما تنجون به أنفسكم؛ وقال أبو حيان: إنه راجع للذين خوطبوا ب ~~{اتبعوا ما أنزل إليكم} [الأعراف: 3] وما بينهما أورد مورد الاعتبار ~~والاتعاظ بذكر ما آل إليه أمرهم في الدنيا وما يؤول إليه في الآخرة - ~~انتهى. # ولما ذكر سبحانه ما منحهم به من التمكين، ذكرهم ما كانو عليه قبل هذه ~~المكنة من العدم تذكيرا بالنعم في سياق دال على البعث الذي فرغ من تقريره، ~~وعلى ما خص به أباهم آدم عليه السلام من التمكين في الجنة بالخلق والتصوير ~~وإفاضة ms1526 روح الحياة وروح العلم وأمر أهل سماواته بالسجود له والغضب على من ~~عاداه وطرده عن محل كرامته ومعدن سعادته وإسكانه هو بذلك المحل الأعلى ~~والموطن الأسنى مأذونا له في كل ما فيه إلا شجرة واحدة، فلما خالف الأمر ~~أزاله عنه وأخرجه منه؛ وفي ذلك تحذير لأهل المكنة من إزالة المنة في ~~استدرار النعمة وإحلال النقمة فقال: {ولقد خلقناكم} أي بما لنا من صفات ~~العظمة {ثم صورناكم} أي قدرنا خلقكم ثم تصويركم بأن جعلنا فيكم قابلية ~~قريبة من ذلك بتخصيص كل جزء من المادة بمقداره المعين بتخمير طينة آدم عليه ~~السلام على حالة تقبل ذلك كما يهيأ التراب بتخميره بإنزال المطر لأن يكون ~~منه شجرة، وقد تكون تلك الشجرة مهيأة لقبول صورة الثمرة وقد لا تكون كما ~~قال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار ~~مكين ثم خلقنا النطفة # PageV07P362 # علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم لحما ثم ~~أنشأناه خلقا آخر} # [المؤمنون: 12-14] وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ~~ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه ~~الروح» وعنه أيضا رضي الله عنه عند مسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا ~~فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم ~~أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك» الحديث. فظاهر هذا الحديث مخالف للفظ ~~الذي قبله وللآية، فيحمل على أن معنى صورها: هيأها في مدة الأربعين الثانية ~~لقبول الصورة تهيئة قريبة من الفعل، وسهل أولها بالتخمير على هيئة مخصوصة ~~بخلاف ما قبل ذلك، فإنها كانت نطفة فكانت بعيدة عن قبول الصورة، ولذلك ~~اختلفوا في احترامها وهل يباح إفسادها والتسبب في إخراجها، ومعنى «خلق» : ~~قدر أي جعل لكل شيء من ذلك ms1527 حدا لا يتجاوزه في الجملة، والدليل على هذا ~~المجاز شكه في كونها ذكرا أو أنثى، ولو كان ذلك على ظاهره لما حصل شك في ~~كونها ذكرا أو أنثى إذ آلة الذكر والأنثى # PageV07P363 # من جملة الصورة، وبهذا تلتئم هذه الاية مع قوله تعالى {إذ قال ربك ~~للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين} [ص: 71] فهذا خلق بالفعل، والذي في هذه السورة بإيداعه القوة ~~المقربة منه، والمراد من الآية التذكير بالنعم استعطافا إلى المؤالفة ~~وتفظيعا بحال المخالفة، أي خسروا أنفسهم والحال أنا أنعمنا عليهم بنعمة ~~التمكين بعد أن أنشأناهم على الصورة المذكورة بعد أن كانوا عدما وأسجدنا ~~ملائكتنا لأبيهم وطردنا من تكبر عليه طردا لا طرد مثله، وأبعدناه عن محل ~~قدسنا بعدا لا قرب معه، وأسكنا أباهم الجنة دار رحمتنا وقربنا، فقال تعال ~~مترجما عن ذلك: {ثم قلنا} أي على ما لنا من الاختصاص بالعظمة {للملائكة} أي ~~الموجودين في ذلك الوقت من أهل السماوات والأرض كلهم، بما دلت عليه «ال» ~~سواء قلنا: إنها للاستغراق أو الجنس {اسجدوا لآدم} أي بعد كونه رجلا قائما ~~سويا ذا روح كما هو معروف من التسمية؛ ثم سبب عن هذا الأمر قوله: {فسجدوا} ~~أي كلهم بما دل عليه الاستثناء في قوله: {إلا إبليس} ولما كان معنى ذلك ~~لإخراجه ممن سجد أنه لم يسجد، صرح به فقال: {لم يكن من الساجدين*} أي لآدم. # PageV07P364 # ولما كان مخالف الملك في محل العقاب، تشوف السامع إلى خبره فأجيب بقوله: ~~{قال} أي لإبليس إنكارا عليه توبيخا له استخراجا لكفره الذي كان يخفيه بما ~~يبدي من جوابه ليعلم الخلق سبب طرده # PageV07P364 # {ما منعك} ولما كانت هذه العبارة قد صرحت بعدم سجوده، فكان المعنى لا ~~يلبس بإدخال «لا» في قوله: {ألا تسجد} أتى بها لتفيد التأكيد بالدلالة على ~~اللوم على الامتناع من الفعل والإقدام على الترك، فيكون كأنه قيل: ما منعك ~~من السجود وحملك على تركه {إذ} أي حين {أمرتك} أي حين حضر الوقت الذي يكون ms1528 ~~فيه أداء المأمور به {قال} أي إبليس ناسبا ربه سبحانه إلى الجور أو عدم ~~العلم بالحق {أنا خير منه} أي فلا يليق لي السجود لمن هو دوني ولا أمري ~~بذلك لأنه مناف للحكمة؛ ثم بين وجه الخيرية التي تصورها بسوء فهمه أو بما ~~قاده إليه سوء طبعه بقوله: {خلقتني من نار} أي فهي أغلب أجزائي وهي مشرفة ~~مضيئة عالية غالبة {وخلقته من طين*} أي هو أغلب أجزائه وهو كدر مظلم سافل ~~مغلوب، وقد غلط غلطا فاحشا فإن الإيجاد خير من الإعدام بلا نزاع، والنار ~~سبب الإعدام والمحق لما خالطته، والطين سبب النماء والتربية لما خالطه، هذا ~~لو كان الأمر في الفضل باعتبار العناصر والمبادىء وليس كذلك، بل هو باعتبار ~~الغايات. # ولما كان هذا أمرا ظاهرا، وكان مجرد التكبر على الله كفرا على أي وجه ~~كان، أعرض عن جوابه بغير الطرد الذي معناه نزوله المنزلة الذي موضع ما طلب ~~من علوها فاستأنف قوله {قال} مسببا عن إبائه قوله: {فاهبط منها} مضمرا ~~للدار التي كان فيها وهي # PageV07P365 # الجنة. فإنها لا تقبل عاصيا، وعبر بالهبوط الذي يلزم منه سقوط المنزلة ~~دون الخروج، لأن مقصود هذه السورة الإنذار وهو أدل عليه، وسبب عن أمره ~~بالهبوط الذي معناه النزول والحدور والانحطاط والنقصان والوقوع في شيء منه ~~قوله: {فما يكون} أي يصح ويتوجه بوجه من الوجوه {لك أن تتكبر} أي تتعمد ~~الكبر وهو الرفعة في الشرف والعظمة والتجبر، ولا مفهوم لقوله {لك} ولا ~~لقوله {فيها} لوجود الصرائح بالمنع من الكبر مطلقا {إنه لا يحب المستكبرين} ~~[النحل: 23] ، {كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر} [غافر: 35] {قال الذين ~~استكبروا إنا كل فيها} [غافر: 48] ، وإنما قيد بذلك تهويلا للأمر، فكأنه ~~قيل: لا ينبغي التكبر إلا لنا، وكلما قرب الشخص من محل القدس الذب هو مكان ~~المطيعين المتواضعين جل تحريم الكبر عليه «لا يدخل الجنة من كان في قلبه ~~مثقال حبة من خردل كبر» رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه، وسبب ~~عن كونها لا تقبل الكبر قوله: ms1529 {فاخرج} أي من الجنة دار الرضوان، فانتقى أن ~~يكون الهبوط من موضع عال من الجنة إلى موضع منها أحط منه، ثم علل أمره ~~بالهبوط والخروج بقوله مشيرا إلى كل من أظهر الاستكبار ألبس الصغار: {إنك ~~من الصاغرين*} أي الذين هم أهل للطرد والبعد والحقارة والهوان. # PageV07P366 # ولما علم أن الحسد قد أبعده ونزل به عن ساحة الرضى وأقعده، تمادى فيه ~~فسأل ما يتسبب به إلى إنزال المحسودين عن درجاتهم العاليه إلى دركته ~~السافلة، ولم يسأل بشقاوته فيما يعليه من دركته السافلة إلى درجاتهم ~~العالية، وذلك بأن {قال} أي إبليس، وهو استئناف؛ ولما كان السياق - ولاسيما ~~الحكم بالصغار العاري عن تقييد - يأبى لأن يكون سببا لسؤاله الانتظار، ذكره ~~بصيغة الإحسان فقال {أنظرني} أي بالإمهال، أي اجعلني موجودا بحيث أنظر ~~وأتصرف في زمن ممتد {إلى يوم يبعثون*} أي من القبور، وهو يوم القيامة، وكان ~~اللعين طلب بهذا أنه لا يموت، فإن ذلك الوقت ليس وقتا للموت، إنما هو وقت ~~إفاضة الحياة الأبدية في شقاوة أو سعادة، فأعلم سبحانه أنه حكم له ~~بالانتظار، لكن لا على ما أراده ولا على أنه إجابة له، ولكن هكذا سبق في ~~الأزل في حكمه في قديم علمه، وإليه يرشد التعبير بقوله: {قال إنك من ~~المنظرين*} أي في الجملة، ومنعه من الحماية عن الموت بقوله كما ذكره في ~~سورتين الحجر وص {إلى يوم الوقت المعلوم} [الحجر: 38، ص: 81] ، وهووقت ~~النفخة الأولى التي يموت فيها الأحياء فيموت هو معهم، وكان ترك هذه الجملة ~~في هذه السورة لأن هذه السورة للإنذار، وإبهام الأمر اشد في ذلك، وأجابة ~~إلى الإنظار وهو يريد به الفساد، لأنه لا يعدو أمره فيه وتقديره به، ولأنه ~~سبحانه لا يسأل عما يفعل، ولتظهر حكمته تعالى في الثواب والعقاب. # PageV07P367 # ولما كان قد حكم عليه بالشقاء، قابل نعمة الإمهال وإطالة العمر بالتمادي ~~في الكفر وأخبره عن نفسه بذلك بأن {قال} مسببا عن إيقاعه في المعصية بسبب ~~نوع الآدميين {فبما أغويتني} أي فبسبب إغوائك لي، وهو إيجاد الغي واعتقاد ~~الباطل في ms1530 قلبي من أجلهم والله {لأقعدن لهم} أي أفعل في قطعهم عن الخير فعل ~~المتمكن المقبل بكليته المتأني الذي لا شغل له غير ما أقبل عليه في مدة ~~إمهالك لي بقطعهم عنك بمنعهم من فعل ما أمرتهم به، وحملهم على فعل ما ~~نهيتهم عنه، كما يقعد قاطع الطريق على السابلة للخطف {صراطك} أي في جميع ~~صراطك، بما دل عليه نزع الخافض {المستقيم*} وهو الإسلام بجميع شعبه، ومن ~~أسند الإغواء إلى غير الله بسبب اعتقاده أن ذلك مما ينزه الله عنه، فقد وقع ~~في شر مما فر منه، وهو أنه جعل في الوجود فاعلين يخالف اختيار أحدهما ~~اختيار الآخر. # PageV07P368 # ولما كان قد أقام نفسه في ذلك بغاية الجد، فهو يفعل فيه بالوسوسة بنفسه ~~ومن أطاعه من شياطين الجن والإنس ما يفوت الحد ويعجز القوى، أشار إليه بحرف ~~التراخي فقال مؤكدا: {ثم لآتينهم} أي إتيانا لا بد لي منه كائنا ابتداؤه ~~{من بين أيديهم} أي مواجهة، فأحملهم على أن يفعلوا ما يعلمون أنه خطأ {و} ~~كائنا {من خلفهم} أي مغافلة، فيعملون ما هو فاسد في غاية الفساد ولا شعور ~~لهم بشيء # PageV07P368 # من فساده حين تعاطيه فأدلهم بذلك على تعاطي مثله وهم لا يشعرون {وعن} أي ~~ومجاوزا للجهة التي عن {أيمانهم} إليهم {وعن} أي ومجاوزا لما عن {شمائلهم} ~~أي مخايلة، فيفعلونه وهو مشتبه عليهم، وهذه هي الجهات التي يمكن الإتيان ~~منها، ولعل فائدة «عن» المفهمة للمجاوزة وصل خطى القدام والخلف ليكون ~~إتيانه مستوعبا لجميع الجهة المحيطة، وأفهمت الجهات الأربع قدحه وتلبيسه ~~فيما يعلمونه حق علمه وما يعلمون شيئا منه وما هو مشتبه عليهم اشتباها ~~قليلا أو كثيرا، وهم من ترك ذكره الأعلى أنه لا قدرة له على الإتيان منه ~~لئلا يلتبس أمره بالملائكة، وقد ذكر ذلك في بعض الآثار كما ذكره في ترجمة ~~ورقة بن نوفل رضي الله عنه. # ولما عزم اللعين على هذا عزما صادقا ورأى أسبابه ميسرة من الإنظار ونحوه، ~~ظن أنه بما راى لهم من الشهوات والحظوظ يظفر بأكثر حاجته، فقال ms1531 عاطفا على ~~تقديره: فلأغوينهم وليتبعنني: {ولا تجد أكثرهم} كما هي عادة الأكثر في ~~الخبث {شاكرين*} فأريد به الشقاء فأغرق في الحسد، ولو أريد بالشقي الخير ~~لاستبدل بالحسد الغبطة # PageV07P369 # فطلب أن يرتقي هو إلى درجاتهم العالية بالبكاء والندم والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وبذل النصيحة خضوعا لمقام الربويية وذلا لعظيم شأنه. # ولما كان كأنه قيل: ماذا قال له؟ قيل: {قال} في جواب ما ذكر لنفسه في هذا ~~السياق من القوة والاقتدار وأبان عنه من الكبر والافتخار ما دل على أنه من ~~أهل الصغار، لا يقدر على شيء إلا بإقرار العزيز الجبار، مصرحا بما أريد من ~~الهبوط الذي ربما حمل على النزول من موضع من الجنة عال إلى مكان منها أحط ~~منه {اخرج منها} أي الجنة {مذءوما} أي محقورا مخزيا بما تفعل، قال القطاع: ~~ذأمت الرجل: خزيته، وقال ابن فارس: ذأمته، أي حقرته {مدحورا} أي مبعدا ~~مطرودا عن كل ما لا أريده. # ولما علم بعض حاله، تشوفت النفس إلى حال من تبعه، فقال مقسما مؤكدا بما ~~يحق له من القدرة التامة والعظمة الكاملة: {لمن تبعك منهم} أي بني آدم، ~~وأجاب القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال: {لأملأن جهنم منكم} أي منك ومن ~~قبيلك ومنهم {أجمعين*} أي لا يفوتني منكم أحد، فلم يزل من فعل ذلك منكم على ~~أذى نفسه ولا أبالي أنا بشيء. # ولما أوجب له ما ذكر من الشقاوة تماديه في الحسد وكثرة كلامه # PageV07P370 # في محسوده، التفت إلى محسوده الذي لم يتكلم فيه كلمة واحدة، بل اشتغل ~~بنفسه في البكاء على ذنبه، واكتفى بفعل ربه بما ينجيه من حبائل مكره التي ~~نصبها بما ذكر، ليكون ذلك سبب سعادته، فقال عطفا على {اخرج منها} : {ويا ~~آدم اسكن} ولما كان المراد بهذا الأمر هو نفسه لا التجوز به عن بعض من ~~يلابسه، أكد ضميره لتصحيح العطف ورفع التجوز فقيل: {أنت وزوجك الجنة} . # ولما كان السياق هنا للتعرف بأنه مكن لأبينا في الجنة أعظم من تمكينه لنا ~~في الأرض بأن حباه فيها رغد ms1532 العيش مقارنا لوجوده؛ ثم حسن في قوله: {فكلا} ~~العطف بالفاء الدال على أن المأكول كان مع الإسكان، لم يتاخر عنه، ولا ~~منافاة بينه وبين التعبير بالواو في البقرة، لأن مفهوم الفاء نوع داخل تحت ~~مفهوم الواو، ولا منافاة بين النوع والجنس، وقوله: {من حيث شئتما} بمعنى ~~رغدا أي واسعا، فإنه يدل على إباحة الأكل من كل شيء فيها غير المنهي عنه، ~~وأما آية البقرة فتدل على إباحة الأكل منها في أي مكان كان، وهذا السياق ~~إلى آخره مشير إلى أن من خالف أمره تعالى ثل عرشه وهدم عزه وإن كان في غاية ~~المكنة ونهاية القوة كما أخرج من أعظم له المكنة بإسجاد ملائكته وإسكان ~~جنته وإباحة كل ما فيها غير شجرة واحده؛ أكد تحريمها بالنهي عن قربانها دون ~~الاكتفاء بالنهي عن غشيانها فقال: # PageV07P371 # {ولا تقربا} أي فضلا عن أن تتناولا {هذه الشجرة} مشيرا إلى شجرة بعينها ~~أو نوعها؛ ثم سبب عن القربان العصيان، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه ~~فقال: {فتكونا} أي بسبب قربها {من الظالمين*} أي بالأكل منها الذي هو مقصود ~~النهي فتكونا بذلك فاعلين فعل من يمشي في الظلام؛ ثم سبب عن ذلك بيان حال ~~الحاسد مع المحسودين فيما سأل الإنظار بسببه، وأنه وقع على كثير من مراده ~~واستغوى منه أمما تجاوزوا الحد وقصر عنهم مدى العد؛ ثم بين أنه أقل من أن ~~يكون له فعل، وأن الكل بيده سبحانه، هو الذي جعله آلة لمراده منه ومنهم، ~~وأن من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون، فقال: {فوسوس} ~~أي القى في خفاء وتزيين وتكرير واشتهاء {لهما الشيطان} أي بما مكنه الله ~~منه من أنه يجري من الإنسان مجرى الدم ويلقى له في خفاء ما يميل به قلبه ~~إلى ما يريد؛ ثم بين علة الوسوسة بقوله: {ليبدي} أي يظهر {لهما ما روي} أي ~~ستر وغطي بأن جعل كأنه وراءهما لا يلتفتان إليه {عنهما} والبناء للمفعول ~~إشارة إلى أن الستر بشيء لا كلفة عليهما فيه كما ms1533 يأتي في قوله # {ينزع عنهما لباسهما} [الأعراف: 27] و {من سوءاتهما} أي المواضع التي ~~يسوءهما انكشافها، وفي ذلك أن إظهار السوءة موجب للعبد من الجنة وأن بينهما ~~منفية الجمع وكمال التباين. # ولما أخبر بالوسوسة وطوى مضمونها مفهما أنه أمر كبير وخداع # PageV07P372 # طويل، عطف عليه قوله: {وقال} اي في وسوسته أيضا، أي زين لهما ما حدث ~~بسببه في خواطرهما هذا القول: {ما نهاكما} وذكرهما بوصف الإحسان تذكيرا ~~بإكرامه لهما تجزئة لهما على ما يريد منهما فقال: {ربكما} أي المحسن إليكما ~~بما تعرفانه من أنواع إحسانه {عن} أي ما جعل نهايتكما في الإباحة للجنة ~~متجاوزة عن {هذه الشجرة} جمع بين الإشارة والاسم زيادة في الاعتناء ~~بالتنصيص {إلا أن} أي كراهية أن {تكونا ملكين} أي في عدم الشهوة وفي القدرة ~~على الطيران والتشكل وغير ذلك من خواصهم {أو تكونا} أي بما يصير لكما من ~~الجبلة {من الخالدين*} أي الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلا. # PageV07P373 # ولما أوصل إليهما هذا المعنى، أخبر أنه أكده تأكيدا عظيما كما يؤكد ~~الحالف ما يحلف عليه فقال: {وقاسمهما} أي أقسم لهما، لكن ذكر المفاعلة ليدل ~~على أنه حصلت بينهما في ذلك مراوغات ومحاولات بذل فيها الجهد، وأكد لمعرفته ~~أنهما طبعا على النفرة من المعصية - ما أقسم عليه أنواعا من التأكيد في ~~قوله: {إني لكما} فأفاد تقديم الجار المفهم للاختصاص أنه يقول: إني خصصتكما ~~بجميع نصيحتي {لمن الناصحين*} وفيه تنبيه على الاحتراز من الحالف، وأن ~~الأغلب أن كل حلاف كذاب، فإنه لا يحلف إلا عند ظنه أن سامعه لا يصدقه، ولا ~~يظن ذلك إلا هو معتاد للكذب. # PageV07P373 # ولما أخبر ببعض وسوسته لهما، سبب عنها ترجمتها بأنها إهباط من أوج شرف ~~إلى حضيض أذى وسرف فقال: {فدلاهما} أي أنزلهما عما كانا فيه من علو الطاعة ~~مثل ما فعل بنفسه بالمعصية التي أوجبت له الهبوط من دار الكرامة {بغرور} أي ~~بخداع وحيلة حتى نسى آدم عهد ربه، وقوله {فلما ذاقا} مشير إلى الإسراع في ~~الجزاء بالفاء والذوق الذي هو مبدأ الأكل ms1534 {الشجرة} أي وجدا طعمها {بدت} أي ~~ظهرت {لهما سوءاتهما} أي عوراتهما اللاتي يسوءهما ظهورها، وتهافت عنهما ~~لباسهما فأبصر كل واحد ما كان مستورا عنه من عورة آلاخر، وذلك قصد الحسود ~~فاستحييا عند ذلك {وطفقا} أي شرعا وأقبلا {يخصفان عليهما} أي يصلان ~~بالخياطة {من ورق الجنة} ورقة الى أخرى {وناداهما ربهما} أي المحسن إليهما ~~بأمرهما ونهيهما، ولم يفعلا شيئا من ذلك إلا بمرأى منه، فقال منكرا عليهما ~~ما فعلا ومعاتبا: يا عبدي {ألم أنهكما} أي أجعل لكما نهاية فيما أذن لكما ~~فيه متجاوزة {عن تلكما الشجرة} أي التي كان حقها البعد منها، الموجبة ~~للقربة من هذا الموضع الشريف إحسانا إليكما {وأقل لكما إن الشيطان} أي الذي ~~تكبر عن السجود حسدا لك يا آدم ونفاسه عليك، فاحترق # PageV07P374 # بغضبي فطرد وأبعد عن رحمتي {لكما} أي لك ولزوجك ولكل من تفرغ منكما ونسب ~~إليكما {عدو مبين*} ظاهر العداوة يأتيكم من كل موضع يمكنه الإتيان منه ~~مجاهرة ومساترة ومماكرة فهو مع ظهور عداوته دقيق المكر بما أقدرته عليه من ~~إقامة الأسباب، فإني أعطيته قوة على الكيد، وأعطيتكم قوة على الكيد ~~وأعطيتكم قوة على الخلاص وقلت لكم: تغالبوا فإن غلبتموه فأنتم من حزبي، وإن ~~غلبكم فأنتم من حزبه مع ما له إليكم من العداوة، فالآيه منبهة على أن من ~~غوى فإنما هو تابع لأعدى أعدائه تارك لأولى أوليائه. # ولما كان هذا، تشوف السامع إلى جوابهما، فأجيب بقوله: {قالا} أي آدم ~~وحواء - عليهما السلام وأزكى التحية والإكرام - قول الخواص بإسراعهما في ~~التوبة {ربنا} أي أيها المحسن إلينا والمنعم علينا {ظلمنا أنفسنا} أي ~~ضررناها بأن أخرجناها من نور الطاعة إلى ظلام المعصية، فإن لم ترجع بنا ~~وتتب علينا لنستمر عاصيين {وإن لم تغفر لنا} أي تمحو ما عملناه عينا واثرا ~~{وترحمنا} فتعلي درجاتنا {لنكونن من الخاسرين*} فأعربت الآية عن أنهما فزعا ~~إلى الانتصاب بالاعتراف، وسيما ذنبهما - وإن كان إنما هو خلاف # PageV07P375 # الأولى لأنه بطريق النسيان كما في طه - ظلما كما هي عادة الأكابر في ~~استعظام الصغير منهم، ولم ms1535 يجادلا كما فعل إبليس، وفي ذلك إشارة إلى أن ~~المبادرة إلى الإقرار بالذنب من فعال الأشراف لكونه من معالي الأخلاق، وأنه ~~لا مثيل له في اقتضاء العفو وإزالة الكدر وأن الجدال من فعال الأرذال ومن ~~مساوي الأخلاق وموجبات الغضب المقتضى للطرد. # ولما تشوفت النفس إلى جواب العلي الكبير سبحانه، أجيبت بقوله {قال ~~اهبطوا} أي إلى دار المجاهدة والمقارعة والمناكدة حال كونكم {بعضكم لبعض ~~عدو} أي أنتما ومن ولدتماه أعداء إبليس ومن ولد، وبعض أولادكم أعداء لبعض، ~~ولا خلاص إلا باتباع ما منحتكم من هدى العقل وما أنزلت إليكم من تأييده ~~بالنقل، وفي ذلك تهديد صادع لمن له أدنى مسكة بالأشارة إلى قبح مغبة ~~المخالفة ولو مع التوبة، وحث على دوام المراقبة خوفا من سوء المعاقبة {ولكم ~~في الأرض} أي جنسها {مستقر} أي موضع استقرار كالسهول وما شابهها {ومتاع إلى ~~حين*} أي انقضاء آجالكم ثم انقضاء اجل الدنيا. # PageV07P376 # ولما علم بهذا أن للكون في الأرض آخرا، وكان من الفلاسفة # PageV07P376 # التناسخية وغيرهم ممن يقر بالوحدانية من يقول: إن النفوس مجردة عن ~~الجسمية وعلائقها وإنه إذا هلك الجسد اتصلت بالعلويات إما بكوكب أو غيره أو ~~انحطت في سلك الملائكة وبطل تعلقها بالبدن من كل وجه فلا تتصل به لا بتدبير ~~ولا غيره ولا بالبعث - عند من قال منهم بالبعث، كان كأنه قيل: فماذا يكون ~~بعد ذلك؟ فأجيب بقوله {قال} أي الله رادا عليهم ما يعتقدون من بطلان التعلق ~~بالبدن معبرا بالخطاب بالضمير الذي يعبر عن هذا الهيكل المخصوص روحا وجسدا ~~{فيها} أي الأرض لا في غيرها {تحيون} أي أولا وثانيا على ما أنتم عليه ~~بظواهركم وبواطنكم أبدانا وأرواحا {وفيها} أي كذلك، لا في غيرها كما أنتم ~~لذلك مشاهدون {تموتون} أي من الحياة الأولى بجملتكم، فيكون للأرواح تعلق ~~بالأبدان بوجه ما حتى يقعد الميت في القبر ويجيب سؤال الملكين عليهما ~~السلام، وتلتذ الأجساد بلذتها وتتألم بتألمها، فأشير إلى الحشر مع تفصيل ~~حال الكون في الأرض، وختمت القصة بما ابتدئت به من الإعلام بالبعث بقوله: ms1536 ~~{ومنها} أي لا من غيرها بإخبار الصادق {تخرجون*} أي روحا وبدنا بعد موتكم ~~فيها وعودكم إلى ما كنتم عليه أولا ترابا، للجزاء وإظهار ثمرة الملك بإنصاف ~~بعضكم من بعض والتحلي بصفة العدل فما كان بعضكم يفعل مع بعض من العسف ~~والجور الذي لا يرضي أقل رؤسائكم أن يقر عليه عبيده، وعلم بهذا أن الدلالة ~~على الحشر فذلكة # PageV07P377 # القصة، وهذا أبين من ذكره فيما مضى في قوله {فلنسئلن الذين أرسل إليهم} ~~[الأعراف: 6] . # ولما بين فيما مضى أن موجب الإخراج من الجنة هو ما أوجب كشف السوءة من ~~المخالفة وفرغ مما استتبعه حتى أخبره بأنه حكم بإسكاننا هذه الدار بعد تلك ~~الدار، شرع يحذرنا من عدونا كما حذر أبانا عليه السلام، وبدأ بقوله بيانا ~~لأنه أنعم علينا فيها بكل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وإيذانا بما في ~~كشف العورة من الفضيحة والإبعاد عن كل خير وإشعارا بأن التستر باب عظيم من ~~أبواب التقوى {يا بني آدم} . # ولما كان الكلام في كشف العورة، وأن آدم عليه السلام أعوزه الساتر حتى ~~فزع إلى الورق، كان موضع أن يتوقع ما يكون في ذلك فقال مفتتحا بحرف التوقع: ~~{قد أنزلنا} أي بعظمتنا {عليكم} من آثار بركات السماء، إما ابتداء بخلقه ~~وإما بإنزال أسبابه لمطر ونحوه {لباسا} أي لم يقدر عليه أبوكم في الجنة ~~{يواري سوءاتكم} إرشادا إلى دواء ذلك الداء وإعلاما بأن نفس الكشف نقص لا ~~يصلح لحضرات الكمال، وقال: {وريشا} إشارة إلى أنه سبحانه زادنا على الساتر ~~ما به # PageV07P378 # الزينة والجمال استعارة من ريش الطائر، محببا فيما يبعد من الذنب ويقرب ~~إلى حضرة الرب. # ولما ذكر اللباس الحسي، وقسمه على ساتر ومزين، أتبعه المعنوي فقال مشيرا ~~- بقطعه في قراءة الجمهور عما قبله - إلى كمال تعظيمه حثا عليه وندبا إليه: ~~{ولباس التقوى} فعلم أن ساتر العورات حسي ومعنوي، فالحسي لباس الثياب، ~~والمعنوي التحلي بما يبعث على المناب؛ ثم زاد في تعظيم المنوي بقوله: {ذلك ~~خير} أي ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب، ولكنه فصل ms1537 باسم الإشارة ~~المقترن بإداة البعد إيماء إلى علو رتبته وحسن عاقبته لكونه أهم اللباسين ~~لأن نزعه يكون بكشف العورة الحسية والمعنوية، فلو تجمل الإنسان بأحسن ~~الملابس وهو غير متق كان كله سوءات، ولوكان متقيا وليس عليه إلا خريقة ~~تواري عورته كان في غاية الجمال والستر والكمال، بل ولو كان مكشوف العورة ~~في بعض الأحوال كما قال صلى الله عليه وسلم «ستر ما بين عوراتكم وأعين الجن ~~أن يقول أحدكم إذا دخل الخلاء: بسم الله اللهم! إني أعوذ بك من الخبث ~~والخبائث» رواه الترمذي وابن ماجه عن علي رضى الله عنه، والذي يكاد يقطع به ~~أن المعاصي سبب إحلال السوءة الذي منه ضعف البدن وقصر العمر حسا أو معنى ~~بمحق البركة منه لما يفهمه ما تقدم في البقرة في بدء الخلق عن التوراة أن ~~الله تعالى قال لآدم عليه السلام: كل من جميع أشجار # PageV07P379 # الفردوس، فأما شجرة علم الخير والشر فلا تأكل منها لأنك في اليوم الذي ~~تأكل منها تموت موتا تتهيأ للموت حسا، ويقضى عليك بالاشتغال بأسباب المعيشة ~~فيقصر عمرك معنى بذهاب بركته - والله أعلم. # ولما كان في شرع اللباس تمييز الإنسان عن بقية الحيوان وتهيئة أسبابه ~~التي لم يجدها آدم عليه السلام في الجنة من الفضل والنعمة والدلالة على ~~عظمة المنعم ورحمته وقدرته واختياره ما هو معلوم، قال: {ذلك} أي إنزال ~~اللباس {من آيات الله} أي الذي حاز صفات الكمال الدالة على فضله ورحمته ~~لعباده، ولعل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة {لعلهم يذكرون*} - لو على أدنى ~~وجوه التذكر بما يشير إليه الإدغام - لئلا يقول المتعنت: إن الحث على ~~التذكر خاص بالمخاطب ويدعي أنه المسلمون فقط، أي أنزلنا ذلك ليكون حالهم ~~حال من يتذكر فيعرف أنه يستقبح منه ما يستقبح من غيره. # ولما كان المقصود من ذكر القصص لا سيما قصص الأنبياء الاعتبار بها، فكان ~~بيان ما وقع بين آدم عليه السلام وبين الشيطان من شديد العدواة مقتضيا ~~للتحذير من الشيطان، وكان المقام خطرا والتخلص عسرا، أشار إلى ذلك بالتأكيد ms1538 ~~وبيان ما سلط الشيطان به من المكايد الخفية والأسباب الدقيقة ليعلم الناجي ~~أنه إنما نجا بمحض التوفيق ومجرد اللطف فيقبل على الشكر متبرئا من الحول ~~والقوة، فقال مناديا لهم بما يفهم الاستعطاف والتراؤف والتحنن والترفق ~~والاستضعاف: {يا بني آدم} # PageV07P380 # أي الذي خلقته بيدي وأسكنته جنتي ثم أنزلته إلى دار محبتي إرادة الإعلاء ~~لكم إلى الذروة من عبادتي والإسفال إلى الحضيض من معصيتي {لا يفتننكم} أي ~~لا يخالطنكم بما يميلكم عن الاعتدال {الشيطان} أي البعيد المحترق بالذنوب، ~~يصدكم عما يكون سببا لردكم إلى وطنكم بتزيين ما ينزع عنكم من لباس التقوى ~~المفضي إلى هتك العورات الموجب لخزي الدنيا، فيمنعكم بذلك من دخول الجنة ~~ويدخلكم النار {كما أخرج أبويكم من الجنة} بما فتنهما به بعد أن كانا ~~سكناها وتمكنا فيها وتوطناها، وقد علمتم أن الدفع أسهل من الرفع فإياكم ثم ~~إياكم! فالآية من الاحتباك: ذكر الفتنة أولا دليلا على حذفها ثانيا، ~~والإخراج ثانيا دليلا على حذف ضده أو نظيره أولا. # ولما كان قد بذل الجهد في إخراجهما، فسر الإخراج - مشيرا إلى ذلك - ~~بإطالة الوسواس وإدامة المكر والخديعة بالتعبير بالفعل المضارع فقال في ~~موضع الحال من ضمير «الشيطان» : {ينزع عنهما} أي بالتسبيب بإدامة التزيين ~~والأخذ من المأمن {لباسهما} أي الذي كان الله سبحانه قد سترهما به ما داما ~~حافظين لأنفسهما من مواقعة ما نهيا عنه، ودل على منافاة الكشف للجنة ~~بالتعليل بقوله: {ليريهما سوءاتهما} فإن ذلك مبدأ ترك الحياة و «الحياء ~~والإيمان في قرن» - كما أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما، و «الحياء لا يأتي # PageV07P381 # إلا بخير» - كما رواه الشيخان عن عمران بن حصين رضي الله عنهما. # ولما كان نهي الشيطان عن فتنتنا إنما هو في الحقيقة نهي لنا عن الافتتان ~~به، فهو في قوة ليشتد حذركم من فتنته فإنه دقيق الكيد بعيد الغور بديع ~~المخاتله؛ علل ذلك بقوله: {إنه يراكم} أي الشيطان {هو وقبيله} أي جنوده {من ~~حيث لا ترونهم} عن مالك بن دينار أن عدوا ms1539 يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا ~~من عصمه الله. # ولما كان كأنه قيل: لم سلطوا علينا هذا التسليط العظيم الذي لا يكاد يسلم ~~معه أحد، قال مخففا لأمرهم موهيا في الحقيقة لكيدهم: {إنا} أي فعلنا ذلك ~~لأنا بما لنا من العظمة {جعلنا الشياطين} أي المحترقين بالغضب البعيدين من ~~الرحمة {أولياء} أي قرباء وقرناء {للذين لا يؤمنون*} أي يجددون الإيمان، ~~لأن بينهم تناسبا في الطباع يوجب الاتباع، وأما أولياؤنا الذين منعناهم ~~بقوتنا منه أو فتناهم يسيرا بهم، ثم خلصناهم بلطفنا منهم فليسوا لهم ~~بأولياء، بل هم لهم أعداء وآيتهم أنهم يؤمنون، والمعنى أنا مكناهم من ~~مخاتلتكم بسترهم عنكم وإظهاركم لهم، فسلطناهم بذلك على من حكمنا بأنه لا ~~يؤمن بتزيينهم لهم وتسويلهم واستخفافهم بأن ينصروهم في بعض المواطن ~~ويوصلوهم إلى شيء من المطالب، فعلنا ذلك ليتبين الرجل الكامل - الذي يستحق ~~الدرجات العلى ويتردد إليه الملائكة بالسلام والجنى - من غير فخذوا حذركم ~~فإن الأمر # PageV07P382 # خطر والخلاص عسر، وبعبارة أخرى: إنا سلكناكم طريقا وجعلنا بجنبتيها أعداء ~~يرونكم ولا ترونهم، وأقدرناهم على بعضكم، فمن سلك سواء السبيل نجا ومن شذ ~~أسره العدو، ومن دنا من الحافات بمرافقة الشبهات قارب العدو ومن قاربه ~~استغواه، فكلما دنا منه تمكن من أسره، وكل من تمكن من أسره بعد الخلاص ~~فاحذروا، وعدم رؤيتنا لهم في الجملة لا يقتضي امتناع رؤيتهم على أنه قد صح ~~تصورهم في الأجسام الكثيفة ورؤية بني آدم لهم في تلك الأجسام كالشيطان الذي ~~رآه أبو هريره رضى الله عنه حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ ~~الصدقة، وكذا أبي بن كعب رضي الله عنه، وحديث خالد بن الوليد رضي الله عنه ~~في شيطان العزي معروف في السير، وكذا حديث سواد بن قارب رضى الله عنه في ~~إرشاد رئيه من الجن له، وكذا خطر ابن مالك رضي الله عنه في مثل ذلك ~~وغيرهما، وفي شرحي لنظمي للسيرة كثير من ذلك، وكذا حديث العفريت الذي تفلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعلة من ms1540 نار ليقطع عليه صلاته فأخزاه ~~الله وأمكن منه رسول الله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم # «لولا دعوة أخي سليمان عليه السلام لأصبح مربوطا بسارية المسجد يتلعب به ~~ولدان أهل # PageV07P383 # المدينة» قال أبو حيان: إلا أن رؤيتهم في الصور نادرة كما أن الملائكة ~~عليهم السلام تبدو في صور كحديث جبريل عليه السلام. # PageV07P384 # ولما جعل أمارتهم في ولاية الشيطان عدم الإيمان، عطف على ذلك أمارة أخرى ~~فقال: {وإذا فعلوا فاحشة} أي أمرا بالغا في القبح كالشرك وكشف العورة في ~~الطواف {قالوا} معللين لارتكابهم إياها {وجدنا عليها} أي فاحشة {آباءنا} ~~ولما كانت هذه العلة ظاهرا عارها بينا عوارها، ضموا إليها افتراء ما يصلح ~~للعلية، فقالوا معبرين بالاسم الأعظم غير محتشمين من جلاله وعظمته وكماله: ~~{والله أمرنا بها} . # ولما كانت العلة الأولى ملغاة، وكان العلم ببطلانها بديهيا، لأن من ~~المعلوم أنهم لو وجدوهم على سفه في تحصيل المال ما تابعوهم؛ أعرض عنها ~~إشارة إلى ذلك، وأمر بالجواب عن الثانية التي هي افتراء على الملك الأعلى ~~مع ادعائهم أنهم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأشدهم تحريا بقوله: {قل إن ~~الله} أي الذي له الكمال كله {لا يأمر بالفحشاء} أي بشيء من هذا الجنس. # ولما كان الكذب قبيحا في نفسه وهو عندهم أقبح القبيح مطلقا، فكيف به على ~~كبير منهم فكيف إذا كان على أعظم العظماء! قال منكرا عليهم موبخا لهم ~~مهددا: {أتقولون على الله} أي الذي له جميع العظمة {ما لا تعلمون*} لأنكم ~~لم تسمعوا ذلك عن الله بلا واسطة ولا نقل إليكم بطريق صحيح عن نبي من ~~الأنبياء عليهم السلام، وفيه # PageV07P384 # تهديد شديد على الجهل والقول على الله بالظن. # لما كان تعليلهم بأمر الله مقتضيا لأنه إذا أمر بشيء أتبع، أمره أن ~~يبلغهم أمره الذي جاء به دليل العقل مؤيدا بجازم النقل فقال: {قل} أي ~~لهؤلاء الذين نابذوا الشرع والعرف {أمر ربي} المحسن إلي بالتكليف بمحاسن ~~الأعمال، التي تدعو إليها الهمم العوال {بالقسط} وهو الأمر الوسط بين ما ~~فحش في الإفراط صاعدا عن ms1541 الحد، وفي التفريط هابطا منه؛ ولما كان التقدير: ~~فأقسطوا اتباعا لما أمر به، أو كان القسط مصدرا ينحل إلى: أن أقسطوا، عطف ~~عليه {وأقيموا وجوهكم} مخلصين غير مرتكبين لشيء من الجور {عند كل مسجد} أي ~~مكان ووقت وحال يصلح السجود فيه، ولا يتقيدن أحد بمكان ولا زمان بأن يقول ~~وقد أدركته الصلاة: أذهب فأصلي في مسجدي {وادعوه} عند ذلك كله دعاء عبادة ~~{مخلصين له الدين*} أي لا تشركوا به شيئا. # ولما كان المعنى: فإن من لم يفعل ذلك عذبه بعد إعادته له بعد الموت، ~~ترجمه مستدلا عليه بقوله معللا: {كما بدأكم} أي في النشأة الأولى فأنتم ~~تبتدئون نعيدكم بعد الموت فأنتم {تعودون*} حال كونكم فريقين: {فريقا هدى} ~~أي خلق الهداية في قلوبهم فحق لهم ثواب الهداية {وفريقا} أضل، ثم فسر أضل - ~~لأنه واجب التقدير بالنصب - بقوله: {حق} أي ثبت ووجب {عليهم الضلالة} أي ~~لأنه أضلهم فيحشرون على ما كانو عليه في الدنيا من الأديان، والأبدان، وقد ~~تبين أن ههنا # PageV07P385 # احتباكين: أثبت في أولهما بدا دليلا على حذف يعيد وذكر تعودون دليلا على ~~حذف تبتدئون، وأثبت في الثاني هدى دليلا على حذف أضل وذكر حقوق الضلالة ~~دليلا على حذف حقوق الهدى. # ولما كرر سبحانه ذكر البعث كما تدعو إليه الحكمة في تقرير ما ينكره ~~المخاطب تأنيسا له به وكسرا لشوكته وإيهانا لقوته وقمعا لسورته إلى أن ختم ~~بما هو أدل عليه مما قبل من قوله ومنها تخرجون {فلنسئلن الذين أرسل إليهم} ~~[الأعراف: 6] علل ما ختم به هذا الدليل من حقوق الضلالة أي وجوبها أي وجوب ~~وبالها عليهم بقوله: {إنهم اتخذوا} أي كلفوا أنفسهم ضد ما دعتهم إليه ~~الفطرة الأولى بأن أخذوا {الشياطين أولياء} أي أقرباء وأنصارا {من دون ~~الله} أي الملك الأعلى الذي لا مثل له {ويحسبون} أي والحال أنهم يظنون بقلة ~~عقولهم {أنهم مهتدون*} فأشار بذلك إلى أنهم استحقوا النكال لأنهم قنعوا في ~~الأصول - التي يجب فيها الابتهال ألى القطع - بالظنون. # ولما أمر سبحانه بالقسط وبإقامة الوجه عند كل مسجد، ms1542 أمرهم بما ينبغي عند ~~تلك الإقامة من ستر العورة الذي تقدم الحث عليه وبيان فحش الهتك وسوء أثره ~~معبرا عنه بلفظ الزينة ترغيبا فيه وإذنا في الزينة وبيانا لأنها ليس مما ~~يتورع عنه لقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله يحب إذا بسط على عبد رزقه أن ~~يرى أثر نعمته عليه» رواه أحمد والترمذي # PageV07P386 # وابن منيع عن أبي هريرة رضى الله عنه، وأتبع ذلك أعظم ما ينبغي لابن آدم ~~أن يعتبر فيه القسط من المأكل والمشرب فقال مكررا النداء استعطافا وإظهارا ~~لعظيم الإشفاق وتذكيرا بقصة أبيهم آدم عليه السلام التي أخرجته من الجنة مع ~~كونه صفي الله ليشتد الحذر: {يا بني آدم} أي الذي زيناه فغره الشيطان ثم ~~وقيناه شره بما أنعمنا عليه به من حسن التوبة وعظيم الرغبة {خذوا زينتكم} ~~أي التي تقدم التعبير عنها بالريش لستر العورة والتجمل عند الاجتماع ~~للعبادة {عند كل مسجد} وأكد ذلك كونهم كانوا قد شرعوا أن غير الحمس يطوفون ~~عراة. # ولما امر بكسوة الظاهر بالثياب لن صحة الصلاة متوقفة عليها، أمر بكسوة ~~الباطن بالطعام والشراب لتوقف القدرة عادة عليها فقال: {وكلوا واشربوا} ~~وحسن ذلك أن بعضهم كان يتدين في الحج بالتضييق في ذلك. # ولما أمر بالملبس والمطعم، نهى عن الاعتداء فيهما فقال: {ولا تسرفوا} ~~بوضع شيء من ذلك فيما لا يكون أحق مواضعه ولو بالزيادة على المعاء، ومن ذلك ~~أن يتبع السنة في الشرب فيسير لأن العكر يرسب في الإناء فربما أذى من شربه، ~~ولذلك نهى عن النفس في الإناء لأنه ربما أنتن فعافته النفس، وأما الطعام ~~فليحسن إناءه والأصابع لنيل البركة وهو أنظف، ثم علل ذلك بقوله: {إنه لا ~~يحب المسرفين*} # PageV07P387 # أي لا يكرمهم، ولا شك أن من لا يحبه لا يحصل له شيء من الخير فيحيط به كل ~~شر، ومن جملة السرف الأكل في جميع البطن، والاقتصاد الاقتصار على الثلث كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم # «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبة فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب ms1543 ~~وثلث للنفس» و «وما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن» و «الكافر يأكل في سبعة ~~أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد» أخرجه البخاري عن ابن عمر رضى الله عنهما، ~~قال الأطباء، الأمعاء سبعة، فالمعنى حينئذ أن الكافر يأكل شعبا فيملأ ~~الأمعاء السبعة، والمؤمن يأكل تقوتا فيأكل في معى واحد، وذلك سبع بطنه، ~~وإليه الإشارة بلقيمات، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهوالثلث - والله أعلم ~~- وسبب الاية أنهم كانوا يطرحون ثيابهم إذا أرادوا الطواف، يقولون: لا نطوف ~~في ثياب إذ بتنا فيها، ونتعرى منها لنتعرى من الذنوب إلا الحمس وهم قريش ~~ومن ولده، وكانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما، فقال ~~المسلمون: يارسول الله! فنحن أحق أن نفعل ذلك - فأنزلت. # PageV07P388 # ولما كان من المعلوم أن ما كانوا ألفوه واتخذوه دينا يستعظمون تركه، لأن ~~الشيطان يوسوس لهم بأنه توسع الدنيا، والتوسع # PageV07P388 # فيها مما ينبغي الزهد فيه كما دعا إليه كثير من الآيات، أكد سبحانه الإذن ~~في ذلك بالإنكار على من حرمه، فقال منكرا عليهم إعلاما بأن الزهد الممدوح ~~ما كان مع صحة الاعتقاد في الحلال والحرام، وأما ما كان مع تبديل شيء من ~~الدين بتحليل حرام أو عكسه فهو مذموم: {قل} منكرا موبخا {من حرم زينة الله} ~~أي الملك الذي لا أمر لأحد معه {التي أخرج لعباده} أي ليتمتعوا بها من ~~الثياب والمعادن وغيرها. # ولما ذكر الملابس التي هي شرط في صحة العبادة على وجه عم غيرها من ~~المراكب وغيرها، أتبعها المآكل والمشارب فقال: {والطيبات} أي من الحلال ~~المستلذ {من الرزق} كالبحائر والسوائب ونحوها؛ ولما كان معنى الإنكار: لم ~~يحرمها من يعتبر تحريمه بل أحلها، وكان ربما غلا في الدين غال تمسكا ~~بالآيات المنفرة عن الدينا المهونة لشأنها مطلقا فضلا عن زينة وطيبات ~~الرزق، قال مستأنفا لجواب من يقول: لمن؟ : {قل هي} أي الزينة والطيبات ~~{للذين آمنوا} وعبر بهذه العبارة ولم يقل: ولغيرهم، تنبيها على أنها لهم ~~بالاصالة {في الحياة الدنيا} وأما الكفار فهم تابعون لهم في التمتع ms1544 بها وإن ~~كانت لهم أكثر، فهي غير خالصة لهم وهي للذين آمنوا {خالصة} أي لا يشاركهم ~~فيها أحد، هذا على قراءة نافع بالرفع، والتقدير على قراءة غيره: حال كونها ~~خالصة {يوم القيامة} وفي هذا تأكيد لما مضى من إحلالها بعد تأكيد ومحو ~~الشكوك، وداعية للتأمل في الفصل بين المقامين لبيان أن الزهد المأمور به # PageV07P389 # إنما هو بالقلب بمعنى أنه لا يكون للدنيا عنده قدر ولا له إليها التفات ~~ولا هي أكبر همه، وأما كونها ينتفع بها فيما أذن الله فيه وهي محقورة غير ~~مهتم بها فذلك من المحاسن. # ولما كان هذا المعنى من دقائق المعاني ونفائس المباني، أتبعه تعالى قوله ~~جوابا لمن يقول: إن هذا التفصيل فائق فهل يفصل غيره هكذا؟ {كذلك} أي مثل ~~هذا التفصيل البديع {نفصل الآيات} أي نبين أحكامها ونميز بعض المشبهات من ~~بعض {لقوم يعلمون*} أي لهم ملكة وقابلية للعلم ليتوصلوا به إلى الاعتقاد ~~الحق والعمل الصالح. # ولما بين أن ما حرموه ليس بحرام فتقرر ذلك تقررا نزع من النفوس ما كانت ~~ألفته من خلافه، ومحا من القلوب ما كانت أشربته من ضده؛ كان كأنه قيل: ~~فماذا حرم الله الذي ليس التحريم إلا إليه؟ فأمره تعالى بأن يجيبهم عن ذلك ~~ويزيدهم بأنه لم يحرم غيره فقال: {قل إنما حرم ربي} أي المحسن إلي بجعل ~~ديني أحسن الأديان {الفواحش} أي كل فرد منها وهي ما زاد قبحه؛ ولما كانت ~~الفاحشة ما يتزايد قبحه فكان ربما ظن أن الإسرار بها غير مراد بالنهي قال: ~~{ما ظهر منها} بين الناس {وما بطن} . # ولما كان هذا خاصا بما عظمت شناعته قال: {والإثم} أي # PageV07P390 # مطلق الذنب الذي يوجب الجزاء، فإن الإثم الذنب والجزاء؛ ولما كان البغي ~~زائد القبح مخصوصا بأنه من أسرع الذنوب عقوبة، خصة بالذكر فقال: {والبغي} ~~وهو الاستعلاء على الغير ظلما، ولكنه لما كان قد يطلق على مطلق الطلب، حقق ~~معناه العرفي الشرعي فقال: {بغير الحق} أي الكامل الذي ليس فيه شائبة باطل، ~~فمتى كان فيه شائة باطل كان ms1545 بغيا، ولعله يخرج العلو بالحق بالانتصار من ~~الباغي فإنه حق كامل الحقية، وتكون تسميته بغيا على طريق المشاكلة تنفيرا - ~~بإدخاله تحت اسم البغي - من تعاطيه وندبا إلى العفو كما تقدم مثله في {لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} [النساء: 148] ويمكن أن يكون ~~تقييده تأكيدا لمنعه بأنه لا يتصور إلا موصوفا بأنه بغير الحق كما قال ~~تخصيصا وتنصيصا تنبيها على شدة الشناعة: {وأن تشركوا بالله} أي الذي اختص ~~بصفات الكمال {ما لم ينزل به سلطانا} فإنه لا يوجد ما يسميه أحد شريكا إلا ~~وهو مما لم ينزل به الله سلطانا بل ولا حجة به في الواقع ولا برهان، ولعله ~~إنما قيده بذلك إرشادا إلى أن أصول الدين لا يجوز اعتمادها إلا بقاطع فكيف ~~بأعظمها وهو التوحيد! ولذلك عقبه بقوله: {وأن} أي وحرم أن {تقولوا على ~~الله} أي الذي لا أعظم منه ولا كفوء له و {ما لا تعلمون*} أي ما ليس لكم به ~~علم بخصوصه ولا هو مستند إلى علم أعم من أن يكون من الأصول أو لا. # PageV07P391 # ولما تقدم أن الناس فريقان: مهتد وضال، وتكرر ذم الضال باجترائه على الله ~~بفعل ما منعه منه وترك ما أمره به، وكانت العادة المستمرة للملوك أنهم لا ~~يمهلون من تتكرر مخالفته لهم؛ كان كأنه قيل: فلم يهلك من يخالفه؟ فقيل وعظا ~~وتحذيرا: إنهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم، ولا يفعلون شيئا منه إلا بإرادته، ~~فسواء عندهم بقاؤهم وهلاكهم، إنما يستعجل من يخاف الفوت أو يخشى الضرر، ~~ولهم أجل لا بد من استيفائه، وليس ذلك خاصا بهم بل {ولكل أمة أجل} وهو عطف ~~على {فيها تحيون وفيها تموتون} [الأعراف: 25] {فإذا جاء أجلهم} . # ولما كان نظرهم إلى الفسحة في الأجل، وكان قطع رجائهم من من جملة عذابهم، ~~قدمه فقال: {لا يستأخرون} أي عن الأجل {ساعة} عبر بها والمراد أقل ما يمكن ~~لأنها أقل الأوقات في الاستعمال في العرف، ثم عطف على الجملة الشرطية ~~بكمالها لا على جزائها قوله: {ولا يستقدمون*} أي ms1546 على الأجل المحتوم، لأن ~~الذي ضربه لهم ما ضربه إلا وهو عالم بكل ما يكون من أمرهم، لم يتجدد له ~~علم، لم يكن يتجدد شيء من أحوالهم، ويجوز أن يكون معطوفا على قوله: {ولكم ~~في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} [الأعراف: 24] وتكون الآية معلمة بأنهم ~~سيتناسلون فيكثرون حتى يكونوا أمما، ولا يتعرضون جملة بل يكون لكل أمة وقت. # PageV07P392 # ولما كان استشراف النفس إلى السؤال عما يكون بعد حين المستقر والمتاع أشد ~~من استشرافها إلى هذا لكونه أخفى منه، فهو أبعد من خطوره في البال؛ قدم ~~قوله: {قال فيها تحيون} [الأعراف: 25] ولما كان ذكر الدواء لداء هتك السوءة ~~أهم قدم {أنزلنا عليكم لباسا} [الأعراف: 26] ثم ما بعده حتى كان الأنسب ~~بهذه الاية هذا الموضع فنظمت فيه. # ولما تقدمت الإشارة إلى الحث على اتباع الرسل بآيات المقصد الأول من ~~مقاصد هذه السورة كقوله تعالى {كتاب أنزل إليك} [الأعراف: 2] و {لتنذر} ~~[الأعراف: 2] و {اتبعوا ما أنزل إليكم} [الأعراف: 3] وقوله {فلنسئلن الذين ~~أرسل إليهم} [الأعراف: 6] وقوله {قل أمر ربي بالقسط} [الأعراف: 29] ، {إنما ~~حرم ربي الفواحش} [الأعراف: 33] والتحذير من الشياطين بقوله {ولا تتبعوا من ~~دونه أولياء} [الأعراف: 3] وبقوله {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف: ~~16] ، {لا يفتننكم الشيطان} [الأعراف: 27] وغيره، فتحرر أنه لا سبيل إلى ~~النجاة إلا بالرسل، وختم ذلك بالأحل حثا على العمل في أيام المهلة؛ أتبع ~~ذلك قوله حاثا على التعلق بأسباب النجاة باتباع الدعاة الهداة قبل الفوت ~~بحادث الموت ببيان الجزاء لمن احسن الاتباع في الدارين {يا بني آدم} . # ولما كان له سبحانه أن يعذب من خالف داعي العقل من غير إرسال رسول، وكان ~~إرسال الرسل جائزا له وفضلا منه سبحانه إذ # PageV07P393 # لا يوجب عليه، أشار إلى ذلك بحرف الشك فقال: {إما} هي إن، الشرطية وصلت ~~بها ما تأكيدا {يأتينكم رسل} ولما كانت زيادة الخبرة بالرسول أقطع للعذر ~~وأقوى في الحجة قال: {منكم} أي من نوعكم من عند ربكم. # ولما كان الأغلب على مقصد هذه السورة العلم كما تقدم في {فلنقصن عليهم ~~بعلم وما ms1547 كنا غائبين} [الأعراف: 7] ويأتي في {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على ~~علم} [الأعراف: 52] وغيرها، كان التعبير بالقص - الذي هو تتبع الأثر كما ~~تقدم في الأنعام - أليق فقال: {يقصون عليكم آياتي} أي يتابعون ذكرها لكم ~~على وجه مقطوع به، ويتبع بعضهم بها أثر بعض لا يتخالفون في أصل واحد من ~~الأصول. # ولما كان لقاء الرسل حتما والهجرة إليهم واجبة لأن العمل لا يقبل إلا ~~بالاستناد إليهم مهما وجد إلى ذلك سبيل، ربط الجزاء بالفاء فقال: {فمن ~~اتقى} أي خاف مقامي وخاف وعيدي بسبب التصدق بالرسل والتلقي عنهم {وأصلح} أي ~~عمل صالحا باقتفاء آثارهم {فلا خوف} أي غالب {عليهم} أي بسبب ذلك من شيء ~~يتوقعونه {ولا هم} أي بضمائرهم {يحزنون*} أي يتجدد لهم في وقت ما حزن على ~~شيء فاتهم، لأن الله يعطيهم ما يقر به أعينهم، وكأنه غاية في التعبير لأن ~~إجلالهم لله تعالى وهيبتهم له يمكن أن يطلق عليهما خوف. # PageV07P394 # ولما ذكر المصدق، أتبعه المكذب فقال {والذين كذبوا بآياتنا} أي على ما ~~لها من العظمة بإضافتها إلينا؛ ولما كان التكذيب قد يكون عن شبهة أو نوع من ~~العذر، نفى ذلك بقوله: {واستكبروا عنها} أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب ~~له عظيم الرغبة فيه، متجاوزين عنها إلى أضداد ما دعت إليه. # ولما ذلك ليس سببا حقيقيا للتعذيب، وإنما هو كاشف عمن ذرأه الله لجهنم ~~لإقامة الحجة عليه، أعري عن الفاء قوله: {أولئك} أي البعداء البغضاء {أصحاب ~~النار} ولما كان صاحب الشيء هو الملازم له المعروف به، قال مصرحا بذلك: ~~{هم} أي خاصة ليخرج العاصي من غير تكذيب ولا استكبار {فيها} أي النار خاصة، ~~وهي تصدق بكل طبقة من طبقاتها {خالدون*} فقد تبين أن إثبات الفاء أولا ~~للترغيب في الاتباع، وتركها ثانيا للترهيب من شكاسة الطباع، فالمقام في ~~الموضعين خطر، ولعل من فوائده الإشارة إلى أنه إذا بعث رسول وجب على كل من ~~سمع به أن يقصده لتحرير أمره، فإذا بان له صدقه تبعه، وإن تخلف عن ذلك كان ~~مكذبا - الله الموفق. ms1548 # ولما كان تكذيب الرسل تارة يكون بشرع شيء لم يشرعوه، # PageV07P395 # وتارة برد ما شرعوه قولا وفعلا، وأخبر أن المكذبين أهل النار، علل ذلك ~~بقوله: {فمن أظلم} أي أشنع ظلما {ممن افترى} أي تعمد {على الله} أي الملك ~~الأعلى {كذبا} أي كمن شرع في المطاعم والملابس غير ما شرع، أو ادعى أنه ~~يوحي إليه فحكم بوجود ما لم يوجد {أو كذب بآياته} أي برد ما أخبر به الرسل ~~فحكم بإنكار ما وجد. # ولما كان الجواب: لا أحد أظلم من هذا، بل هو أظلم الناس، وكان مما علم أن ~~الظالم مستحق للعقوبة فكيف بالأظلم قال: {أولئك} أي البعداء من الحضرات ~~الربانية {ينالهم نصيبهم من الكتاب} أي الذي كتب حين نفخ الروح أو من ~~الآجال التي ضربها سبحانه لهم والأرزاق التي قسمها، تأكيدا لرد اعتراض من ~~قال: إن كنا خالفنا فما له لا يهلكنا؟ ثم غيي نيل النصيب بقوله: {حتى إذا ~~جاءتهم رسلنا} أي الذين قسمنا لهم من عظمتنا ما شئنا حال كونهم {يتوفونهم} ~~أي يقبضون أرواحهم كاملة من جميع أبدانهم {قالوا أين ما كنتم} عنادا كمن هو ~~في جبلته {تدعون} أي دعاء عبادة {من دون الله} أي تزعمون أنهم واسطة لكم ~~عند الملك الأعظم وتدعونهم حال كونكم معرضين عن الله، ادعوهم الآن ليمنعوكم ~~من عذاب الهوان الذي نذيقكم {قالوا ضلوا} أي غابوا {عنا} فلا ناصر لنا. # PageV07P396 # ولما كان الإله لا يغيب فعلموا ضلالهم بغيبتهم عنهم، قال مترجما عن ذلك: ~~{وشهدوا على أنفسهم} أي بالغوا في الاعتراف {أنهم كانوا كافرين*} أي ساترين ~~عنادا لما كشف لهم عنه نور العقل فلا مانع منه إلا حظوظ النفوس ولزوم ~~البؤس. # PageV07P397 # ولما كان كأنه قيل: لقد اعترفوا، والاعتراف - كما قيل - إنصاف، فهل ~~ينفعهم؟ قيل: هيهات! فات محله بفوات دار العمل لا جرم! {قال} أي الذي جعل ~~الله إليه أمرهم {ادخلوا} كائنين {في أمم} أي في جملة جماعات وفرق أم بعضها ~~بعضا؛ ثم وصفهم دالا بتاء التأنيث على ضعف عقولهم فقال: {قد خلت} ولما كان ~~في الزمن الماضي ms1549 من آمن، أدخل الجار فقال {من قبلكم} ولما كان الجن الأصل ~~في الإغواء قدمهم فقال: {من الجن والإنس} ثم ذكر محل الدخول فقال: {في ~~النار} . # ولما جرت عادة الرفاق بأنهم يتكالمون وحين الاجتماع يتسالمون تشوف السامع ~~إلى حالهم في ذلك فقال مجيبا له: {كلما دخلت أمة} أي منهم في النار {لعنت ~~أختها} أي القريبة منها في الدين والملة التي قضيت آثارها واتبعت منارها، ~~يلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى - وهكذا، واستمر ذلك منهم {حتى إذا ~~اداركوا} اي تداركوا وتلاحقوا، يركب بعضهم بعضا - بما يشير إليه الإدغام ~~{فيها جميعا} لم يبق منهم أمة ولا واحد من أمة {قالت أخراهم} أي في الزمن # PageV07P397 # والمنزلة، وهم الأتباع والسفل {لأولاهم} أي لأجلهم مخاطبين لله خطاب ~~المخلصين {ربنا} أي الذي ما قطع إحسانه في الدنيا عنا على ما كان منا من ~~مقابلة إحسانه بالإساءة {هؤلاء} أي الأولون {أضلونا} أي لكونهم أول من سن ~~الضلال {فآتهم} أي أذقهم بسبب ذلك {عذابا ضعفا} أي يكون بقدر عذاب غيرهم ~~مرتين لأنهم ضلوا وأضلوا لأنهم سنوا الضلال، «ومن سن سنة سيئة كان عليه ~~وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» ومنه «لا تقتل نفس ظلما إلا على ~~ابن آدم الأول كفل من دمها» لأنه أول من سن القتل، ثم أكدوا شدة العذاب ~~بقولهم: {من النار*} . # ولما كان كأنه قيل: لقد قالوا ما له وجه، فبم أجيبوا؟ قيل: {قال} أي ~~جوابا لهم {لكل} أي من السابق واللاحق والمتبوع والتابع {ضعف} وإن لم يكن ~~الضعفاء متساويين لأن المتبوع وإن كان سببا لضلال التابع فالتابع أيضا كان ~~سببا لتمادي المتبوع في ضلاله وشدة شكيمته فيه بتقويته بالاتباع وتأييده ~~بالمناضله عنه والدفاع؛ ولما كانوا جاهلين باستحقاقهم الضعف لسبب هذه ~~الدقيقة قال: {ولكن لا تعلمون*} أي بذلك. # ولما ذكر ملام الآخرين على الأولين، عطف عليه جواب الأولين فقال: {وقالت ~~أولاهم} أي أولى الفرق والأمم {لأخراهم} مسببين # PageV07P398 # عن تأسيسهم لهم الضلال ودعائهم إليه {فما كان لكم علينا} أي بسبب ~~انقيادكم لنا واتباعكم في الضلال {من ms1550 فضل} أي لنحمل عنكم بسببه شيئا من ~~العذاب لأنه لم يعد علينا من ضلالكم نفع وقد شاركتمونا في الكفر {فذوقوا} ~~أي بسبب ذلك {العذاب} في سجين {بما} اي بسبب ما {كنتم تكسبون*} لا بسبب ~~اتباعكم لنا في الكفر. # PageV07P399 # ولما جرت العادة بأن أهل الشدائد يتوقعون الخلاص، أخبر أن هؤلاء ليسوا ~~كذلك، لأنهم أنجاس فليسوا أهلا لمواطن الأقداس، فقال مستأنفا لجواب من كأنه ~~قال: أما لهؤلاء خلاص؟ وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف: ~~{إن الذين كذبوا بآياتنا} أي وهي المعروفة بالعظمة بالنسبة إلينا ~~{واستكبروا عنها} أي وأوجدوا الكبر متجاوزين عن اتباعها {لا تفتح لهم} أي ~~لصعود أعمالهم ولا دعائهم ولا أرواحهم ولا لنزول البركات عليهم {أبواب ~~السماء} لأنها طاهرة عن الأرجاس الحسية والمعنوية فإذا صعدت أرواحهم ~~الخبيثة بعد الموت مع ملائكة العذاب أغلقت الأبواب دونها ثم ألقيت من هناك ~~إلى سجين {ولا يدخلون الجنة} أي التي هي أطهر المنازل وأشرفها {حتى} يكون ~~ما لا يكون بأن {يلج} أي يدخل ويجوز {الجمل} على كبره {في سم} أي في خرق ~~{الخياط} أي # PageV07P399 # الإبرة اي حتى يكون ما لا يكون، إذا فهو تعليق على محال، فإن الجمل مثل ~~في عظم الجرم عند العرب، وسم الإبرة مثل في ضيق المسلك، يقال: أضيق من خرق ~~الإبرة، ومنه الماهر الخريت للدليل الذي يهتدي في المضايق المشبهة بأخراق ~~الإبر؛ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن الجمل فقال: زوج الناقة - ~~استجهالا للسائل وإشارة إلى طلب معنى آخر غير هذا الظاهر تكلف. # ولما كان هذا للمكذبين المستكبرين أخبر أنه لمطلق القاطعين أيضا فقال: ~~{وكذلك} أي ومثل ذلك الجزاء بهذا العذاب وهو أن دخولهم الجنة محال عادة ~~{نجزي المجرمين*} أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل وإن كانوا أذنابا ~~مقلدين للمستكبرين المكذبين؛ ثم فسر جزاء الكل فقال: {لهم من جهنم مهاد} أي ~~فرش من تحتهم، جمع مهد، ولعله لم يذكره لأن المهاد كالصريخ فيه {ومن فوقهم ~~غواش} أي أغطية - جمع غاشية - تغشيهم من جهنم؛ وصرح في ms1551 هذا بالفوقية لأن ~~الغاشية ربما كانت عن يمين أو شمال، أو كانت بمعنى مجرد الوصول والإدراك، ~~ولعله إنما حذف الأول لأن الآية من الاحتباك، فذكر جهنم أولا دليلا على ~~إرادتها ثانيا، وذكر الفوق ثانيا دليلا على إرادة التحت أولا. # PageV07P400 # ولما كان بعضهم ربما لا تكون له أهلية قطع ولا وصل، قال عاما لجميع أنواع ~~الضلال: {وكذلك} أي ومثل ذلك الجزاء {نجزي الظالمين*} ليعرف أن المدار على ~~الوصف، والمجرم: المذنب ومادته ترجع إلى القطع، والظالم: الواضع للشيء في ~~غير موضعه كفعل من يمشي في الظلام، يجوز أن يكون نبه سبحانه بتغاير الأوصاف ~~على تلازمها، فمن كان ظالما لزمه الإجرام والتكذيب والاستكبار وبالعكس. # ولما أخبر عن أحوالهم ترهيبا، أتبعه الإخبار عن أحوال المؤمنين ترغيبا ~~فقال {والذين آمنوا} في مقابلة {الذين كذبوا} . # ولما قال: {وعملوا} أي تصديقا لإيمانهم في مقابلة {الذين استكبروا} ~~{الصالحات} وكان ذلك مظنة لتوهم أن عمل جميع الصالحات - لأنه جمع محلى ~~بالألف واللام - شرط في دخول الجنة؛ خلل ذلك بجملة اعتراضية تدل على ~~التخفيف فقال: {لا نكلف نفسا إلا وسعها} وترغيبا في اكتساب مالا يوصف من ~~النعيم بما هو في الوسع {أولئك} أي العالو الرتبة {أصحاب الجنة} ولما كانت ~~الصحبة تدل على الدوام، صرح به فقال: {هم فيها خالدون} . # PageV07P401 # ولما كانت الدار لا تطيب إلا بحسن الجوار قال: {ونزعنا} أي بما لنا من ~~العظمة التي لا يعجزها شيء {ما} كان في الدنيا {في صدورهم من غل} أي ضغينة ~~وحقد وغش من بعضهم على بعض يغل، أي يدخل بلطف إلى صميم القلب، ومن الغلول، ~~وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة، ويقال: غل في الشيء وتغلغل فيه - ~~إذا دخل فيه بلطافة كالحب يدخل في صميم الفؤاد، حتى أن صاحب الدرجة السافلة ~~لا يحسد صاحب العالية. # ولما كان حسن الجوار لا يلذ إلا بطيب القرار باحكام الدار، وكان الماء ~~سبب العمارة وطيب المنازل، وكان الجاري منه أعم نفعا وأشد استجلابا للسرور ~~قال تعالى {تجري من} وأشار إلى علوهم بقوله: {تحتهم الأنهار} فلما تمت ms1552 لهم ~~النعمة بالماء الذي به حياة كل حياة كل شيء فعرف أنه يكون عنه الرياض ~~والأشجار وكل ما به حسن الدار، أخبر عن تعاطيهم الشكر لله ولرسوله المستجلب ~~للزيادة بقوله: {وقالوا الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي المحيط ~~بكل شيء علما وقدرة لذاته لا لشيء آخر؛ ثم وصفوه بما يقتضي ذلك له لأوصافه ~~أيضا، فقالوا معلمين أنه لا سبب لهم في الوصول إلى النعيم غير النعيم غير ~~فضله في الأولى # PageV07P402 # والأخرى: {الذي هدانا} أي بالبيان والتوفيق، وأوقعوا الهداية على ما ~~وصلوا إليه إطلاقا للمسبب على السبب {لهذا} أي للعمل الذي أوصلنا إليه ~~{وما} أي والحال أنا ما {كنا لنهتدي} أصلا لبناء جبلاتنا على خلاف ذلك ~~{لولا أن هدانا الله} أي الذي له الأمر كله، وقراءة ابن عامر بغير واو على ~~أن الجملة موضحة لما قلبها، والقراءتان دامغتان للقدرية. # ولما كان تصديقهم للرسل في الدنيا إيمانا بالغيب من باب علم اليقين، ~~أخبروا في الآخرة بما وصلوا إليه من عين اليقين سرورا وتبججا لا تعبدا، ~~وثناء على الرسل ومن أرسلهم بقولهم مفتتحين بحرف التوقع لأنه محله: {لقد ~~جاءت رسل ربنا} أي المحسن إلينا {بالحق} أي الثابت الذي يطابقه الواقع الذي ~~لا زوال له. # ولما غبطوا أنفسهم وحقروها وأثبتوا الفضل لأهله، عطف على قولهم قوله مانا ~~عليهم بقبول أعمالهم، ولما كان السار الإخبار عن الإيراث لا كونه من معين، ~~بني للمفعول قوله: {ونودوا} أي إتماما لنعيمهم {أن} هي المخففة من الثقيلة ~~أو هي المفسرة {تلكم الجنة} العالية {أورثتموها} أي صارت إليكم من غير تعب ~~ولا منازع {بما} أي بسبب ما {كنتم تعملون*} لأنه سبحانه جعله سببا # PageV07P403 # ظاهريا بكرمه، والسبب الحقيقي هو ما ذكروه هم من توفيقه. # ولما استقرت بهم الدار، ونودوا بدوام الاستقرار، أخبر سبحانه أنهم أقبلوا ~~متبججين على أهل النار شامتين بهم في إحلالهم دار البوار تلذيذا لأنفسهم ~~بالنعيم وتكديرا على الأشقياء في قوله: {ونادى أصحاب الجنة} أي بعد دخول كل ~~من الفريقين إلى داره {أصحاب النار} يخبرونهم بما أسبغ عليهم ms1553 من النعم، ~~ويقررونهم بما كانوا يتوعدونهم به من حلول النقم؛ ثم فسر ما وقع له النداء ~~بقوله: {أن} أو هي مخففة من الثقيلة، وذكر حرف التوقع لأنه محله فقال: {قد ~~وجدنا} أي بالعيان كما كنا واجدين له بالإيمان {ما وعدنا ربنا} أي المحسن ~~إلينا في الدارين من الثواب {حقا} أي وجدنا جميع ما وعدنا ربنا لنا ولغيرنا ~~حقا كما كنا نعتقد {فهل وجدتم} أي كذلك {ما وعد} وأثبت المفعول الأول ~~تلذيذا، وحذفه هنا احتقارا للمخاطبين، وليشمل ما للفريقين فيكون وجد بمعنى ~~العلم وبمعنى اللقى، وفي التعبير بالوعد دون الوعيد مع ذلك تهكم بهم {ربكم} ~~أي الذي أحسن إليكم فقابلتم إحسانه بالكفران من العقاب {حقا} لكونكم وجدتم ~~ما توعدكم به ربكم حقا {قالوا نعم} أي قد وجدنا ذلك # PageV07P404 # كله حقا؛ قال سيبويه: نعم عدة، أي في جواب: أتعطيني كذا، وتصديق في مثل ~~قد كان كذا، والآية من الاحتباك: أثبت المفعول الثاني أولا دليلا على حذف ~~مثله ثانيا، وحذفه ثانيا دليلا على إثبات مثله أولا - والله أعلم. # ولما حبوا من النعم بما تقدم، وكان منه الجار الحسن، وكان العيش مع ذلك ~~لا يهنأ إلا بإبعاد جار السوء، أخبروا ببعده وزيدوا سرورا بإهانته في قوله: ~~{فأذن} أي بسبب ما أقر به أهل النار على انفسهم {مؤذن بينهم} أي بين ~~الفريقين {أن} مخففه أو مفسرة في قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم، وشددها ~~الباقون ونصبوا {لعنة الله} أي طرد الملك الأعظم وإبعاده على وجه الغضب ~~{على الظالمين*} أي الذين كانوا مع البيان الواضح يضعون الأشياء في غير ~~مواضعها كحال من لم ير نورا أصلا {الذين يصدون} أي لهم فعل الصد لمن أراد ~~الإيمان ولمن آمن ولغيرهما بالإضلال بالإرغاب والإرهاب والمكر والخداع {عن ~~سبيل الله} أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له الواضح الواسع {ويبغونها} أي ~~يطلبون لها {عوجا} بإلقاء الشكوك والشيهات، وقد تقدم ما فيه في آل عمران ~~{وهم بالآخرة كافرون*} أي ساترون ما ظهر لعقولهم من دلائلها؛ فمتى وجدت هذه ~~الصفات الأربع حقت ms1554 اللعنة {وبينهما} أي وحال الفريقين عند هذه المناداة أنه ~~بينهما أو بين الدارين {حجاب} أي سور لئلا يجد أهل # PageV07P405 # النعيم في دارهم ما يكدر نعيمها {وعلى الأعراف} جمع عرف وهو كل عال مرتفع ~~لأنه يكون أعرف مما انخفض، وهي المشرفات من ذلك الحجاب {رجال} استوت ~~حسناتهم وسيئاتهم فوفقوا هنالك حتى يقضي الله فيهم ثم يدخلهم الجنة بفضل ~~رحمته كما جاء مفسرا في مسند ابن أبي خثيمة من حديث جابر رضى الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {يعرفون كلا} أي من أصحاب الجنة وأصحاب النار قبل ~~دخول كل منهم داره {بسيماهم} أي علامتهم {ونادوا} أي أصحاب الأعراف {أصحاب ~~الجنة} أي بعد دخولهم إليها واستقرارهم فيها {أن سلام عليكم} أي سلامة وأمن ~~من كل ضار. # ولما كان هذا السلام ربما أشعر أنه بعد دخول أهل الأعراف الجنة، فكأنه ~~قيل أكان نداؤهم بعد مفارقتهم الأعراف ودخولها؟ فقيل لا، {لم يدخلوها} أي ~~الجنة بعد {وهم} أي والحال أنهم {يطمعون*} في دخولها، وعبر بالطمع لأنه لا ~~سبب للعباد إلى الله من أنفسهم وإن كانت لهم أعمال فضلا عن هؤلاء الذين لا ~~أعمال لهم. # PageV07P406 # ولما دل ما تقدم على أنهم مقبلون على الجنة وأهلها، قال مرغبا مرهبا: ~~{وإذا صرفت} بناه للمفعول لأن المخيف لهم الصرف لا كونه من معين {أبصارهم} ~~أي صرفها صارف من قبل الله بغير اختيار منهم {تلقاء} أي وجاه {أصحاب النار} ~~أي بعد استقرارهم فيها فرأوا ما فيها من العذاب {قالوا} أي أصحاب الأعراف ~~حال كونهم لم يدخلوها # PageV07P406 # وهم يخافون مستعيذين منها {ربنا} أي أيها المحسن إلينا في الدنيا بكل ~~إحسان وفي الآخرة بكونك لم تدخلنا إلى هذا الوقت إلى النار {لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين*} بأن تدخلنا مدخلهم. # ولما تقدم كلامهم لأهل الجنة بالسلام، أخبر أنهم يكلمون أهل النار ~~بالتوبيخ والملام فقال: {ونادى} وأظهر الفاعل لئلا يلبس بأهل الجنة فقال ~~{أصحاب الأعراف} أي الحال صرف وجوهم إلى جهة أهل النار {رجالا} أي من أهل ~~النار {يعرفونهم} أي بأعيانهم، وأما معرفتهم ms1555 إجمالا فتقدم، وإنما قال هنا: ~~{بسيماهم} لأن النار قد أكلتهم وغيرت معالمهم مع تغيرهم بالسمن وسواد ~~الوجوه وعظم الجثث ونحوه {قالوا} نفيا أو استفهاما توبيخا وتقريعا {ما أغنى ~~عنكم جمعكم} أي للمال والرجال {وما كنتم تستكبرون*} أي تجددون بهما هذه ~~الصفة وتوجدونها دائما في الدنيا زاعمين أنه لا غالب لكم؛ ثم زادوا في ~~توبيخهم وتقريعهم وتحزينهم وتأسيفهم والإنكار عليهم بقولهم مشيرين إلى ناس ~~كانوا يستضعفونهم من أهل الجنة ويحقرونهم: {أهؤلاء} وكأنه يكشف لهم عنهم ~~حتى يروهم زيادة في عذابهم {الذين أقسمتم} أي في الدنيا {لا ينالهم الله} ~~أي الذي له صفات الكمال {برحمة} فكيف بكمال الرحمة. # ولما كان التصريح بأمرهم بدخول الجنة إنكاء لأهل النار لأنه أنفى # PageV07P407 # لما أقسموا عليه، قالوا: {ادخلوا} أي قال الله لهم أو قائل من قبله ~~ادخلوا {الجنة لا خوف عليكم} أي من شيء يمكن توقع أذاه {ولا أنتم تحزنون*} ~~أي يتجدد لكم حزن في وقت من الأوقات على شيء فات لما عندكم من الخيرات التي ~~لا تدخل تحت الوصف. # ولما تقدم نداء أصحاب الجنة عندما حصل لهم السرور بدخولها لأصحاب النار ~~بما يؤلم وينكي، وختم بهذه الرحمة التي تطمع المحروم فيما يسر ويزكي، أخبر ~~أن أصحاب النار ينادون أصحاب الجنة عندما حصل لهم من الغم بدخولها، لكن بما ~~شأنه أن يرقق ويبكي، فقال ما يدل على أن عندهم كل ما نفي عن أهل الجنة في ~~ختام الأية السالفة من الخوف والحزن: {ونادى أصحاب النار} أي بعد الاستقرار ~~{أصحاب الجنة} بعد أن عرفهم إياهم وأمر الجنة فتزخزفت فكان ذلك زيادة في ~~عذابهم؛ ثم فسر المنادى به فقال {أن أفيضوا علينا من الماء} أي لأنكم أعلى ~~منا، فإذا أفضتموه وصل إلينا، وهذا من فرط ما هم فيه من البلاء، فإن بين ~~النار والجنة أهوية لا قرار لها ولا يمكن وصول شيء من الدارين إلى الأخرى ~~معها. # ولما كانت الإفاضة تتضمن الإنزال قالوا: {أو} أي أو أنزلوا علينا {مما ~~رزقكم الله} أي الذي له الغنى المطلق، من أي ms1556 شيء هان عليكم إنزاله {قالوا} ~~أي أصحاب الجنة {إن الله} أي الذي حاز # PageV07P408 # جميع العظمة {حرمهما} أي منعهما بتلك الأهوية وغيرها من الموانع {على ~~الكافرين*} أي الساترين لما دلهم عليه قويم العقل وصريح النقل {الذين ~~اتخذوا} أي تكلفوا غير ما دلهم عليه العقل الفطري حين نبه بالعقل الشرعي ~~بأن أخذوا {دينهم} بعد ما محقوا صورته وحقيقته كما يمحق الطين إذا اتخذته ~~خزفا فصار الدين {لهوا} أي اشتغالا بما من شأنه أن يغفل وينسى عن كل ما ~~ينفع من الأمور المعجبة للنفس من غير نظر في عاقبة، فجوزوا من جنس عملهم ~~بأن لم ينظر لهم في إصلاح العاقبة. # ولما قدم ما هو أدعى إلى الاجتماع على الباطل الذي هو ضد مقصود السورة من ~~الاجتماع على الجد وأدعى إلى الغفلة، وكان من شأن الغفلة عن الخير أن تجر ~~إلى استجلاب الأفراح والانهماك في الهوى، حقق ذلك بقوله: {ولعبا} أي إقبالا ~~على ما يجلب السرور ويقطع الوقت الحاضربالغرور، ولذلك أتبعه قوله: {وغرتهم} ~~أي في فعل ذلك {الحياة الدنيا} أي بما فيها من الأعراض الزائلة من تأميل ~~طول العمر والبسط في الرزق ورغد العيش حتى صاروا بذلك محجوبين عن نظر ~~معانيها وعما دعا إليه تعالى من الإعراض عنها فلم يحسبوا حساب ما وراءها. ~~ولما كان تركهم من رحمته سبحانه مؤبدا، أسقط الجار {فاليوم} أي فتسبب عن ~~ذلك أن في هذا اليوم {ننساهم} # PageV07P409 # أي نتركهم ترك المنسي {كما} فعلوا هم بأنفسهم بأن {نسوا} أي تركوا {لقاء ~~يومهم هذا} فلم يعدوا له عدته {وما} أي وكما {كانوا} أي جبلة وطبعا ~~{بآياتنا} على ما لها من العظمة بنسبها إلينا {يجحدون*} أي ينكرون وهم ~~يعرفون حقيقتها لأنها في غاية الظهور. # PageV07P410 # ولما ذكر نسيانهم وجحودهم، ذكر حالهم عند ذلك فقال: {ولقد} أي فعلوا ذلك ~~والحال أنا وعزتنا قد {جئناهم} أي على عظمتنا بإتيان رسولنا إليهم عنا ~~{بكتاب} ليس هو موضعا للجحد أصلا؛ ثم بين ذلك في سياق مرغب للمؤالف مرهب ~~للمخالف فقال: {فصلناه} أي بينا معاينة لم ندع فيها ms1557 لبسا، وجعلنا لآياته ~~فواصل حال كون ذلك التفصيل {على علم} أي عظيم، فجاء معجزا في نظمه ومعناه ~~وسائر علمه ومغزاه، وحال كونه {هدى} أي بيانا {ورحمة} أي إكراما، ثم خص ~~المنتفعين به لأن من لا ينتفع بالشيء فهو كالمعدوم في حقه فقال: {لقوم ~~يؤمنون*} أي فيهم قابلية ذلك، وفيه رجوع إلى وصف الكتاب الذي هو أحد مقاصد ~~السورة على أبداع وجه في أحسن أسلوب. # ولما وصف الكتاب وذكر المنتفع به، تشوفت النفس إلى السؤال عن حال من لا ~~يؤمن به وهم الجاحدون، فقال مشيرا إلى أن حالهم في وقوفهم عن المتابعه بعد ~~العلم بصدقه بعجزهم عنه كحال من # PageV07P410 # ينتظر أن يأتي مضمون وعيده: {هل ينظرون} أي ينتظرون، ولكنه لما لم يكن ~~لهم قصد في ذلك بغير ما يفهمه الحال، جرد الفعل ولإفادة أنه بتحقيق إتيانه ~~في غاية القرب حتى كأنه مشاهد لهم {إلا تأويله} أي تصيير ما فيه من وعد ~~ووعيد إلى مقاره وعواقب أمره التي أخبر أنه يصير إليها. # ولما كان كأنه قيل: ما يكون حالهم حينئذ؟ قال: التحسر والإذغان حيث لا ~~ينفع، والتصديق والإيمان حين لا يقبل، وعبر عن ذلك بقوله: {يوم يأتي ~~تأويله} أي بلوغ وعيده إلى مبلغه في الدنيا أو في الآخرة؛ ولما قدم اليوم ~~اهتماما به، أتبعه العامل فيه فقال: {يقول الذين نسوه} أي تركوه ترك ~~المنسي، ويجوز أن يكون عد ذلك نسيانا لأنه ركز في الطباع أن كل ملك لا بد ~~له من عرض جنده ومحاسبتهم، فلما أعرضوا عن ذلك فيما هو من جانب الله عده ~~نسيانا منهم لما ركز في طباعهم. # ولما كان نسيانهم في بعض الزمان السابق، أدخل الجار فقال {من قبل} أي قبل ~~كشف الغطاء محققين للتصديق {قد جاءت} أي فيما سبق من الدنيا {رسل ربنا} أي ~~المحسن إلينا {بالحق} أي المطايق لهذا الواقع الذي نراه مما كانوا ~~يتوعدوننا به، فما صدقوا حتى رأوا # PageV07P411 # فلم يؤمنوا بالغيب ولا أوقعوا الإيمان في دار العمل فلذا لم ينفعهم. # ولما وصفوه سبحانه بالإحسان لما ms1558 كشف الحال عنه من حلمه وطول أناته، سببوا ~~عن ذلك قولهم: {فهل لنا من شفعاء} أي في هذا اليوم، وكأنهم جمعوا الشفعاء ~~لدخولهم في جملة الناس في الشفاعة العظمى لفصل القضاء؛ ثم سببوا عن ذلك ~~تحقيق كونهم لهم أي بالخصوص فقالوا {فيشفعوا لنا} أي سواء كانوا من شركائنا ~~الذين كنا نتوهم فيهم النفع أو من غيرهم ليغفر لنا ما قدمنا من الجرائم {أو ~~نرد} أي إن لم يغفر لنا إلى الدنيا التي هي دار العمل، والمعنى أنه لا سبيل ~~لنا إلى الخلاص إلا أحد هذين السببين؛ ثم سببوا عن جواب هذا الاستفهام ~~الثاني قولهم: {فنعمل} أي في الدنيا {غير الذي كنا} أي بجبلاتنا من غير نظر ~~عقلي {نعمل} . # ولما كان من المعلوم عند من صدق القرآن وعلم مواقع ما فيه من الأخبار أنه ~~لا يكون لهم شيء من ذلك، كانت نتيجته قوله: {قد خسروا أنفسهم} أي فلا احد ~~أخسر منهم {وضل} أي غاب وبطل {عنهم ما كانوا} أي جبلة وطبعا، لا يمكنهم ~~الرجوع عنه إلا عند عند رؤية البأس {يفترون*} أي يتعمدون في الدنيا من ~~الكذب # PageV07P412 # في أمره لقصد العناد للرسل من ادعاء أن الأصنام تشفع لهم ومن غير ذلك من ~~أكاذيبهم. # ولما كان مدار القرآن على تقرير الأصول الأربع: التوحيد والنبوة والمعاد ~~والعلم، وطال الكلام في إخباره سبحانه عن أوامره ونواهيه وأفعاله بأوليائه ~~وأعدائه الدالة على تمام القدرة والعلم، وختم بأن شركاءهم تغني عنهم، علل ~~ذلك بأنه الرب لا غيره، في سياق دال على الوحدانية التي هي أعظم مقاصد ~~السورة، كفيل بإظهار الحجج عليها، وعلى المقصد الثاني - وهو الإعادة التي ~~فرغ من تقرير أحوالها بالإبداء الذي تقرر في العقول أنه أشد من الإعادة - ~~بأدلة متكلفة بتمام القدرة والعلم فقال: {إن ربكم} أي المحسن إليكم ~~بالإيجاد من العدم وتدبير المصالح هو {الله} أي الملك الذي لا كفوء له وحده ~~لا صنم ولا غيره؛ ثم وصفه بما حقق ذلك فقال: {الذي خلق السماوات والأرض} أي ~~على اتساعهما وعظمتهما. # ولما كان ربما ms1559 قال الكفار: ما له إذا كان قادرا وأنت محق في رسالتك لا ~~يعجل لنا الإتيان بتأويله، بين أن عادته الأناه وإن كان أمره وأخذه كلمح ~~بالبصر إذا أراده، فقال: {في ستة أيام} أي في مقدارها؛ ولما كان تدبير هذا ~~الخلق أمرا باهرا لا تسعه العقول، ولهذا كانت قريش تقول: كيف يسع الخلق إله ~~واحد! أشار إلى # PageV07P413 # عظمته وعلو رتبته بأداة البعد فقال: {ثم استوى على العرش} أي أخذ في ~~التدبير لما أوجده وأحدث خلقه أخذا مستوفى مستقصى مستقلا به لأن هذا شأن من ~~يملك ملكا ويأخذ في تدبيره وإظهار أنه لا منازع له في شيء منه وليكون خطاب ~~الناس على ما ألفوه من ملوكهم لتستقر في عقولهم عظمته سبحانه، وركز في ~~فطرهم الأولى من نفي التشبيه منه، ويقال: فلان جلس على سرير الملك، وإن لم ~~يكن هناك سرير ولا جلوس، وكما يقال في ضد ذلك: فلان ثل عرشه، أي ذهب عزه ~~وانتقض ملكه وفسد أمره، فيكون هذا كناية لا يلتفت فيه إلى أجراء التركيب، ~~والألفاظ على ظواهرها كقولهم للطويل: طويل النجاد، وللكريم: عظيم الرماد. # ولما كان سبحانه لا يشغله شان عن شأن، ابتدأ من التدبير هو آية ذلك ~~بمشاهدته في تغطية الأرض بظلامه في آن واحد، فقال دالا على كمال قدرته ~~المراد بالاستواء بأمر يشاهد كل يوم على كثرة منافعة التي جعل سبحانه بها ~~انتظام هذا الوجود: {يغشي} أي استوى حال كونه يغشي {الليل النهار} وقال أبو ~~حيان: وقرأ حميد بن قيس: يغشى الليل - بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين ~~وضم اللام، كذا قال عنه أبو عمرو الداني، وقال أبو الفتح بن جني عن حميد ~~بنصب الليل ورفع # PageV07P414 # النهار، وقال ابن عطية: وأبو الفتح أثبت، وهذا الذي قاله - من أن أبا ~~الفتح أثبت - كلام لا يصح، إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءة ومعرفتها ~~وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءة ~~فضلا عن النجاة الذين ليسوا مقرئين ولا رووا القراءة عن أحد ولا روى عنهم ms1560 ~~القراءة أحد، هذا مع الديانة الزائدة والتثبت في النقل وعدم التجاسر ووفور ~~الحظ من العربية، فقد رأيت له كتابا في كلا وكتابا في إدغام أبي عمرو ~~الكبير دلا على اطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النجاة ولا المقرئين ~~إلى سائر تصانيفه، والذي نقله أبو عمرو الداني عن حميد أمكن من حيث المعنى، ~~لأن ذلك موافق لقراءة الجماعة إذ {اليل} في قراءتهم - وإن كان منصوبا- هو ~~الفاعل من حيث المعنى إذ همزة النقل أو التضعيف صيرة مفعولا، ولا يجوز أن ~~يكون مفعولا ثانيا من حيث المعنى، لأن المنصوبين تعدى إليهما الفعل وأحدهما ~~فاعل من حيث المعنى، فيلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في: ملكت زيدا ~~عمرا، إذ رتبة التقديم هي الموضحة أنه الفاعل من حيث المعنى كما لزم ذلك في ~~ضرب موسى عيسى - انتهى. # PageV07P415 # ولما أخبر سبحانه أن الليل يغطي النهار، دل على أن النهار كذلك بقوله ~~مبينا لحال الليل {يطلبه} أي الليل يجر ويطلب النهار دائما طلبا {حثيثا} أي ~~سريعا جدا لتغطية الليل، وذلك لأن الشيء لا يكون مطلوبا إلا بعد وجوده، ~~وإذا وجد النهار كان مغطيا لليل، لأنهما ضدان، وجود أحدهما ماح لوجود ~~الآخر، وابتدأ سبحانه بذكر الليل لأن إغشاءه أول كائن بعد تكمل الخلق، ~~وحركتهما بواسطة حركة العرش، ولذا ربطهما به، وهي أشد الحركات سرعة وأكملها ~~شدة، وللشمس نوعان من الحركة: أحدهما بحسب ذاتها تتم بقطع الدرج كلها في ~~جميع الفلك، وبسببه تحصل السنة، والثاني بحسب حركة الفلك الأعظم تتم في ~~اليوم بليلته، والليل والهنار إنما يحصلان بسبب حركة السماء الأقصى الذي ~~يقال له العرش لا بسبب حركة النيرين، وأجاز ابن جني أن يكون {يطلبه} حالا ~~من النهار في قراءة الجماعة وإن كان مفعولا، أي حال كون النهار يطلب الليل ~~حثيثا ليغطيه، وأن يكون حالا منهما معا لأن كلا منهما طالب للآخر، وبهذا ~~ينتظم ما قاله في قراءة حميد، فإن كلا منهما يكون غاشيا للآخر، قال في ~~كتابه المحتسب في القراءات الشواذ: ووجه صحة القراءتين ms1561 # PageV07P416 # والتقاء معنييهما أن الليل والنهار يتعاقبان، وكل واحد منهما وإن أزال ~~صاحبه فإن صاحبه أيضا مزيل له، وكل واحد منهما على هذا فاعل وإن كان مفعولا ~~ومفعول وإن كان فاعلا، على أن الظاهر في الاستحثاث هنا إنما هو النهار لأنه ~~بسفورة وشروقه أظهر أثرا في الاستحثاث من الليل. # ولما ذكر الملوين، أتبعهما آية كل فقال: {والشمس والقمر والنجوم} أي ~~خلقها، أو يغشى كل قبيل منهما ما الآخر آيته خال كون الكل {مسخرات} أي ~~للسير وغيره {بأمره} وهو إرداته وكلامه، تقودها الملائكة كما روي أن لله ~~ملائكة يجرون الشمس والقمر. # ولما صح أن جميع ما نراه من الذوات خلقه، وما نعلمه من المعاني أمره، ~~أنتج قطعا قوله {ألا له} أي وحده، وقدم المسبب على السبب ترقية - كما هو ~~مقتضى الحكم - من المحسوس إلى المعقول فقال: {الخلق} وهو ما كان من الإيجاد ~~بتسبيب وتنمية وتطوير قال الرازي: فكل ما كان جسما او جسمانيا كان مخصوصا ~~بمقدار معين فكان من عالم الخلق، فعالم الخلق بتسخيره، وعالم الأمر ~~بتدبيره، واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقديره {والأمر} وهو ما كان ~~من ذلك إخراجا من العدم من غير تسبب كالروح، وما كان حفظا وتدبيرا بالكلام # PageV07P417 # كالأديان وكل ما يلاحظ القيومية؛ وقال الرازي: كل ما كان بريئا من الحجم ~~والمقدار كان من عالم الأمر، وعد الملائكة من عالم الأمر، فأتنج ذلك قطعا ~~قوله على سبيل المدح الذي ينقطع دونه الأعناق ويتقاصر دون عليائه ذري ~~الآفاق: {تبارك} أي ثبت ثبوتا لا ثبوت في الحقيقة غيره اليمن والبركة وكثرة ~~الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة {الله} أي ذو الجلال والإكرام. # ولما دل على أنه يستحق هذا الثناء لذاته، دل على أنه يستحقه لصفاته فقال: ~~{رب العالمين*} أي مبدع ذلك كله ومربيه خلقا وتصريفا بأمره، وفي الجزء ~~السادس من فوائد المخلص عن سفيان بن عيينة أنه قال: ما يقول هذه الدوبية - ~~يعني بشرا المريسي؟ قالوا: يا أبا محمد! يزعم أن القرآن مخلوق، فقال: كذب، ~~قال الله عز وجل {ألا له الخلق والأمر} فالخلق ms1562 خلق الله، والأمر القرآن - ~~انتهى. وهذا الذي فسر به مما تحتمله الآية بأن يكون الأمر هو المراد بقوله ~~{بأمره} وهو الإرادة والكلام مع احتمال ما قدمته. # PageV07P418 # ولما ذكر تعالى تفرده بالخلق والأمر المقتضي لتفرده بالعبادة للتوجيه إلى ~~تحصيل المعارف النفسانية والعلوم الحقيقية، أمر بهذا المقتضى اللائق بتلك ~~المعارف، وهو الدعاء الذي هو مخ العبادة فقال: {ادعوا ربكم} أي الدائم ~~الإحسان إليكم دعاء عبادة وخضوع {تضرعا} أي تذللا # PageV07P418 # ظاهرا {وخفية} أي وتذللا باطنا، وقد أثنى على عبده زكريا عليه السلام ~~فقال: {إذ نادى ربه نداء خفيا} [مريم: 3] أي اجمعوا إلى خضوع الظاهر خضوع ~~الباطن، أي أخلصوا له العبادة، إنه يحب المخلصين لأن تفرده بأن يدعى هو ~~اللائق بمقام عز الربوبية، والتذلل على هذه الصفة هو اللائق بمقام ذل ~~العبودية، وهذا هو المقصود من الدعاء لا تحويل العلم الأزلي، وهو المقصود ~~من جميع العبادات، فإن العبد لا يدعو إلا وقد استحضر من نفسه الذل والصعب ~~والحاجة، ومن ربه العلم والقدرة والكفاية، وهذا هو المقصود من جميع ~~العبادات، فلهذا كان الدعاء مخ العبادة، وقد جمع هذا الكلام على وجازته كل ~~ما يراد تحقيقه وتحصيله من شرائط الدعاء بحيث إنه لا مزيد عليه، ومن فعل ~~خلاف ذلك فقد تجاوز الحد، وإلى ذلك أوما بتعليله بقوله: {إنه لا يحب ~~المعتدين*} أي المجاوزين لما أمروا به في الدعاء وغيره، قالوا فالمعنى أن ~~من ترك هذا لا يحبه الله، أي لا يثيبه البتة ولا يحسن إليه، فالآية من ~~الاحتباك آخرها يدل على حذف ضده من صدرها، وصدرها يدل على أنه حذف قبل ~~الآخر: ولا تتركوا الإخلاص تكونوا معتدين. # ولما كان ذلك من الوفاء بحق الربوبية والقيام بحق العبودية مقتضيا للصلاح ~~أمر بإدامته بالنهي عن ضده في قوله: {ولا تفسدوا} أي لا تدفعوا فسادا {في ~~الأرض} أي بالشرك والظلم، فهو منع من # PageV07P419 # إيقاع ماهية الإفساد في الوجود، وذلك يقتضي المنع من جميع أنواعه فيتناول ~~الكليات الخمس التي اتفقت عليها الملل، وهي الأديان والأبدان والعقول ~~والأنساب والأموال {بعد إصلاحها} ms1563 والظاهر أن الإضافة بمعنى اللام وهي إضافة ~~في المفعول، أي لا تدنسوها بفساد بعد أن أصلحها لكم خلقا بما سوى فيها من ~~المنافع المشار إليها بقوله {يغشي الليل النهار} [الأعراف: 54] ، الدال على ~~الوحدانية الداعي إلى الحق إقامة للأبدان، وأمر بما أنزل من كتبه على ألسنة ~~رسله عليهم الصلاة والسلام إقامة للأديان فجمع إلى الإيجاد الأول الإبقاء ~~الأول. # ولما كان ذلك ربما اقتضى الاقتصار بكمال التذلل على مقام الخوف، نفى ذلك ~~بقوله {وادعوه خوفا} أي من عدله؛ ولما كان لا سبب للعباد من أنفسهم في ~~الوصول إليه سبحانه، عبر بالطمع فقال: {وطمعا} أي في فضله، فإن من جمع بين ~~الخوف والرجاء كان في مقام الإحسان وكأنه مشاهد للرحمن، ما زجره زاجر ~~الجلال بسياط سطوته إلا دعاه داعي الجمال إلى بساط رأفته، ومن حاز مقام ~~الإحسان كان أهلا للرحمة {إن رحمت الله} أي إكرام ذي الجلال والإكرام لمن ~~يدعوه على هذه الصفة، وفخمها بالتذكير لإضافتها إلى غير مؤنث فيما قال ~~سيبوية، فقال: {قريب} وكان الأصل منكم، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف فقال: {من المحسنين*} . # PageV07P420 # ولما كان دوام الصلاح لا يكون إلا يكون بالغيث، وهو من أجل أنواع الرحمة، ~~وهو لا يكون إلا بالسحاب، وهو لا يكون إلا بالريح، قال تعالى عاطفا على {إن ~~ربكم الله} تنبيها بعد تحقيق المبدإ على تحقيق المعاد: {وهو} أي لا غيره ~~{الذي يرسل} أي بالتحريك {الرياح} هذا في قراءة الجماعة، وأنواعها خمس: ~~جنوب وشمال وصبا ودبور ونكباء، وهي كل ريح انحرفت فوقعت بين ريحين، ووحد ~~ابن كثير وحمزة والكسائي على إرادة الجنس {بشرا} بضمتين في قراءة أهل ~~الحجاز والبصرة، أي منتشرة جمع نشور من النشر، وهو بسط ما كان مطويا ~~وتفريقه في كل وجه لا لذات الريح وإلا لدام ذلك منها ولا بقوة فلك أو نجم ~~لأن نسبتهما إلى الهواء واحدة {بين يدي} أي قبل {رحمته} أي المطر، ولعله ~~عبر فيه باليدين: اليمنى واليسرى، لدلالته - مع ما فيه من الفخامة - على ~~انه تارة يكون رحمة وتارة ms1564 يكون عذابا كما كان على قوم نوح عليه السلام وإن ~~كانت الرحمة فيه أغلب وهي ذات اليمين، وتارة تكون الرياح جامعة لها لحفظ ~~الماء، وتارة مفرقة مبطلة لها، وتارة تكون مقومة للزروع والأشجار مكملة لها ~~وهي اللواقح، وتارة تكون منمية لها أو مهلكة كما يكون في الخريف، وتارة ~~تكون طبية وتارة مهلكة إما بشدة الحرارة والبرودة؛ ثم غي الإرسال بقوله ~~{حتى إذا أقلت سحابا} أي حملتها # PageV07P421 # لقلتها عندها لخفتها عليها {ثقالا} أي بالماء؛ ولما دل على العظمة بالجمع ~~وحقق الأمر بالوصف، أفرد اللفظ دلالة على غاية العظمة بسوقه مجتمعا كأنه ~~قطعة واحدة، لا يفترق جزء منه عن سائره إذ لو تفرق لاختل أمره، فقال: ~~{سقناه لبلد} أي لأجله وإليه {ميت} أي بعدم النبات {فأنزلنا} أي بما لنا من ~~العظمة {به} أي البلد، أو بسبب ذلك السحاب {الماء} أي هذا الجنس، وأشار إلى ~~عظمة الإنبات بالنون فقال {فأخرجنا به} أي بالماء {من كل الثمرات} أي ~~الحقيقية على الأشجار، والمجازية من النبات وحبوبه، ولما كان هذا - مع ما ~~فيه من التذكير بالنعمة المقتضية لتوحيده بالدعوة - دليلا ثانيا في غاية ~~الدلالة على القدرة على البعث، قال تعالى: {كذلك} أي مثل ما أخرجنا هذا ~~النبات من الأرض بعد أن لم يكن {نخرج الموتى} أي من الأرض بعد أن صاروا ~~ترابا {لعلكم تذكرون*} أي قلنا هذا لتكون حالكم حال من يرجي تذكر هذه الآية ~~المشاهدة القريبة المأخذ ولو على أدنى وجوه التذكر بما أشار إليه الإدغام، ~~لأنه سبحانه كما قدر على إعادة النبات بجمع الماء له من جوف الأرض بعد أن ~~كان تغيب في الأرض وصار ترابا، وأحيى الشجرة بعد أن كانت لا روح لها بإيداع ~~الثمرة التي هي روحها، فهو # PageV07P422 # قادر على إعادة الأشباح وإيداعها الأرواح كما كانت أول مرة، لأنه لا فرق ~~بين الإخراجين. # PageV07P423 # ولما كانت الموت موتين: حسيا ومعنويا - كما أشير في الأنعام في آية {إنما ~~يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله} [الأنعام: 36] {أو من كان ميتا ~~فأحييناه} [الأنعام: 122] كان كأنه قيل: ms1565 لا فرق في ذلك عندما بين أموات ~~الإيمان وأموات الأبدان، فكما أنا فاوتنا بين جواهر الأراضي بخلق بعضها ~~جيدا وبعضها رديئا كذلك فاوتنا بين عناصر الأناسي بجعل بعضها طيبا وبعضها ~~خبيثا، فالجيد العنصر يسهل إيمانه، والخبيث الأصل يعسر إذعانه وتبعد ~~استقامته وإيقانه {والبلد الطيب} أي الذي طابت أرضه فكانت كريمة منبتة ~~{يخرج نباته} أي إذا نزل عليه الماء خروجا كثيرا حسنا سهلا غزيرا {بإذن} أي ~~بتمكين {ربه} أي المربي له بما هيأه له، والذي طاب في الجملة ولم يصل إلى ~~الغاية يخرج له نبات دون ذلك، والخبيث لا يخرج له نبات أصلا بمنع ربه له ~~{والذي خبث} أي حصلت له خباثة في جبلته بكون أرضه سبخة أو نحوها مما لا ~~يهيئه الله تعالى للإنبات {لا يخرج} أي نباته {إلا} أي حال كونه {نكدا} أي ~~قليلا ضعيف المنفعة، وهو - # PageV07P423 # مع كونه دالا على أن ذلك ما كان على ما وصف مع استواء الأراضي في الأصل ~~واستواء المياه ونسبتها إلى الأفلاك والنجوم إلا بالفاعل المختار - مثل ~~ضربه سبحانه للمؤمن والكافر عند سماعهما للذكر من الكتاب والسنة، والآية من ~~الاحتباك. # ولما استوت هذه الآيات على الذروة من بدائع الدلالات، كان السامع جديرا ~~بأن يقول: هل تبين جميع هذه الآيات هذه البيان؟ فقيل: {كذلك} أي نعم، مثل ~~هذا التصريف، وهو الترديد مع اختلاف الأنحاء لاختلاف الدلالات وإبرازها في ~~قوالب الألفاظ الفائقة والمعاني الرائقة في النظوم المعجزة على وجوه لا ~~تكاد تدخل تحت الحصر: {نصرف الآيات} أي كلها؛ ولما تم ذلك على هذا المنهاج ~~الغريب والمنوال العجيب المذكر بالنعم في أسلوب دال على التفرد وتمام ~~القدرة، كان أنسب الأشياء ختمه بقوله مخصصا بها المنتفع لأنها بالنسبة إلى ~~غيرهم كأنها لم توجد: {لقوم يشكرون*} أي يوجد منهم الشكر للنعم وجودا ~~مستمرا فلا يشركون بل ينتفعون بما أنعم عليهم به وحده في عبادته وحده، ~~وينظرون بعقولهم أنه أقدرهم بنعمه على ما هم عاجزون عنه، فلا يسلبون عنه ~~شيئا من قدرته على بعث ولا غيره فإنهم يزعمون أنهم ms1566 أهل معالي الأخلاق التي ~~منها أنه ما جزاء الإحسان إلا الإحسان. # PageV07P424 # ولما طال تهديده سبحانه لمن أصر على إفساده، ولم يرجع عن غيه وعناده بمثل ~~مصارع الأولين ومهالك الماضين، ونوع في هذه الآيات محاسن الدلالات على ~~التوحيد والمعاد بوجوه ظاهرة وبينات قاهرة وبراهين قاطعة وحجج ساطعة، ساق ~~سبحانه تلك القصص دليلا حسيا على أن في الناس الخبيث والطيب مع الكفالة في ~~الدلالة على تمام القدرة والغيرة من الشرك على تلك الحضرة - بتفصيل أحوال ~~من سلفت الإشارة إلى إهلاكهم وبيأن مصارعهم وأنه لم تغن عنهم قوتهم شيئا ~~ولا كثرتهم بقوله تعالى # {وكم من قرية أهلكناها} [الأعراف: 4] وقوله {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة} [الأعراف: 34] الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لصالحي ~~أتباعه بالتنبيه على أن الإعراض عن الآيات ليس من خواص هذه الأمة بلف هي ~~عادة الأمم السالفة، وعلى أن النعم خاصة بالشاكرين، ولذا كانت النقم مقصورة ~~على الكافرين، فقال تعالى {لقد أرسلنا} أي بعظمتنا، وافتتحه بحرف التوقع ~~لما للسامع الفطن من التشوف إلى ذكر ما تكرر من الإشارة إليه، ولأن اللام ~~المجاب بها القسم المحذوف لا ينطقون بها غالبا إلا مقترنة بقد، لأن الجملة ~~القسمية لا تساق إلا تاكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة ~~بمعنى التوقع الذي هو معنى «قد» عند استماع المخاطب كلمة القسم {نوحا} يعني ~~ابن لمك بم # PageV07P425 # متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس عليه السلام، وكان عند الإرسال ابن خمسين سنة. # ولما كان إرساله صلى الله عليه وسلم قبل القبائل باختلاف اللغات قال: ~~{إلى قومه} أي الذين كانوا ملء الأرض كما في حديث الشفاعة في الصحيحين ~~وغيرهما عن أنس رضي الله عنه، ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض. ~~وفيهم من القوة على القيام بما يريدون ما لا يخفي على من تأمل آثارهم وعرف ~~أخبارهم، فإن كانت آثارهم فقد حصل المراد، وإن كانت لمن بعدهم علم - بحكم ~~قياس الاستقرار - أنهم أقوى على مثلها وأعلى منها، ولسوق ذلك دليلا على ما ~~ذكر ms1567 جاء مجردا عن أدوات العطف، وهو مع ذلك كله منبه على أن جميع الرسل ~~متطابقون على الدعوة إلى ما دل عليه برهان {إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض} [الأعراف: 54] من التوحيد والصلاح إلى غير ذلك من بحور الدلائل ~~والحجاج المتلاطمة الأمواج - والله الهادي إلى سبيل الرشاد، وكون نوح عليه ~~السلام رسولا إلى جميع أهل الأرض - لأنهم قومه لوحده لسانهم - لا يقدح في ~~تخصيص نبينا صلى الله عليه وسلم بعموم الرسالة، لأن معنى العموم إرساله إلى ~~جميع الأقوام المختلفة باختلاف الألسن وإلى جميع من ينوس من الإنس والجن ~~والملائكة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الصافات لهذا مزيد بيان. # ولما كان من المقاصد العظيمة الإعلام بأن الذي دعا إليه هذا # PageV07P426 # الرسول لم تزل الرسل - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام ~~- تدعو إليه، وكان نوح أول رسول ذكرت رسالته عقب ذكر إرساله بذكر ما أرسل ~~به بالفاء بقوله {فقال يا قوم} أي فتحبب إليهم بهذه الإضافة {اعبدوا الله} ~~أي الذي له جميع العظمة من الخلق والأمر، فإنه مستحق لذلك وقد كلف عباده ~~به. # ولما كان المقصود إفراده بذلك، علله بقوله مؤكدا له بإثبات الجار {ما ~~لكم} وأغرق في النفي فقال: {من إله غيره} ثم قال معللا أو مستأنفا مخوفا ~~مؤكدا لأجل تكذيبهم: {إني أخاف عليكم} في الدنيا والآخرة، ولعلة قال هنا: ~~{عذاب يوم عظيم*} وفي هود {أليم} [هود: 26] وقال في المؤمنون {أفلا تتقون} ~~[المؤمنون: 23] لأن ترتيب السور الثلاث - وإن كان الصحيح أنه باجتهاد ~~الصحابة رضي الله عنهم - فلعله جاء على ترتيبها في النزول، لأنها مكيات، ~~وعلى ترتيب مقال نوح عليه السلام لهم فألان لهم أولا المقال من حيث إنه ~~أوهم أن العظم الموصوف به {اليوم} لا بسبب العذاب بل الأمر آخر، فيصير ~~العذاب مطلقا يتناول أي عذاب كان ولو قل، فلما تمادى تكذيبهم بين لهم أن ~~عظمه إنما هو من جهة إيلام العذاب الواقع فيه، فلما لجوا في عتوهم قال لهم ~~قول القادر إذا هدد عند مخالفة غيره له: ms1568 # PageV07P427 # ألا تفعل ما أقول لك؟ أي متى خالفت بعد هذا عاجلتك بالعقاب وأنت تعرف ~~قدرتي. # ولما تم ذلك، وكان الحال مقتضيا - مع ما نصب من الأدلة الواضحة على ~~الوحدانية - لأن يجيبوا بالتصديق، كان كأنه قيل: فبماذا كان جوابهم؟ فقال ~~{قال الملأ} أي الأشراف الذين يملأ العيون مرآهم عظمة، وتتوجه العيون في ~~المحافل إليهم، ولم يصفهم في هذه السورة بالكفر لأن ذلك أدخل في التسلية، ~~لأنها أول سورة قص فيها مثل هذا في ترييب الكتاب، ولأن من آمن به مطلقا ~~كانوا في جنب من لم يؤمن في غاية القلة، فكيف عند تقييدهم بالشرف! وأكد ~~ذمهم تسلية لهذا النبي الكريم بالتعريف بقربهم منه في النسب بقوله: {من ~~قومه} وقابلوا رقته وأدبه بغلطة مؤكدا ما تضمنته من البهتان لأن حالهم مكذب ~~لهم فقالوا: {إنا لنراك} أي كل واحد منا يعتقد اعتقادا هو في الثقة به ~~كالرؤية أنك {في ضلال} أي خطأ وذهاب عن الصواب، هو ظرف لك محيط بك {مبين*} ~~أي ظاهر في نفسه حتى كأنه يظهر ذلك لغيره. # PageV07P428 # ولما قذفوه بضلال مقيد بالوضوح، نفى الضلال المطلق الذي هو الأعم، وبنفيه ~~ينتفي كل أخصياته بل نفي أقل شيء من الضلال، فقال # PageV07P428 # تعالى مخبرا عنه {قال ياقوم} مجددا لا ستعطافهم {ليس بي ضلالة} فنفى وحدة ~~غير معينة، ولا يصدق ذلك إلا بنفي لكل فرد، فهو أنص من نفي المصدر، ولم يصف ~~الملأ من قومه هنا بالذين كفروا ووصفهم بذلك في سورة هود، إما لأنها صفة ذم ~~لم يقصد بها التقييد فلا يختل المعنى بإثباتها ولا نفيها، أو لأنهم أجابوه ~~بذلك مرتين: إحداهما قبل أن يسلم أحد من أشرافهم، والثانية بعد أن أسلم ~~بعضهم. # ولما نفى ما رموه به على هذا الوجه البليغ، أثبت له ضده بأشرف ما يكون من ~~صفات الخلق، فقال مستدركا - بعد نفي الضلال - إثبات ملزوم ضده: {ولكني ~~رسول} أي إليكم بما أمرتكم به فأنا على أقوم طريق {من رب العالمين*} أي ~~المحسن إليهم بإرسال الرسل لهدايتهم بإنقاذهم من الضلال، فرد الأمر ms1569 عليهم ~~بألطف إشارة؛ ثم استأنف الإخبار عن وظيفته بيانا لرسالته فقال: {أبلغكم} ~~وكأن أبواب كفرهم كانت كثيرة فجمع باعتبارها أو باعتبار تعدد معجزاته أو ~~تعدد نوبات الوحي في الأزمان المتطاولة والمعاني المختلفة، أو أنه جمع له ~~ما أرسل به من قبله كإدريس جده وهو ثلاثون صحيفة وشيث وهو خمسون صحيفة ~~عليهما السلام فقال: {رسالات ربي} أي المحسن إلي من الأوامر والنواهي وجميع ~~أنواع التكاليف من أحوال الآخرة وغيرها، لا أزيد فيها أنقص منها كما هو شأن ~~كل رسول مطيع. # PageV07P429 # ولما كان الضلال من صفات الفعل، واكتفى بالجملة الفعلية الدالة على حدوث ~~في قوله: {وأنصح} وقصر الفعل ودل على تخصيص النصح بهم ومحضه لهم فقال: ~~{لكم} والنصيحة: الإرشاد إلى المصلحة مح خلوص النية من شوائب المكروه، ولما ~~كان الضلال من الجهل قال: {وأعلم من الله} أي من صفات الذي له صفات الكمال ~~وسائر شؤونه {ما لا تعلمون*} أي من عظيم أخذه لمن يعصيه وغير ذلك مما ليس ~~لكم قابلية لعلمه بغير سفارتي فخذوه عني تصيروا علماء، ولا تتركوه بنسبتي ~~إلى الضلال تزدادوا ضلالا. # ولما كان الحامل لهم على هذا مجرد استبعاد أن يختص عنهم بفضيلة وهو منهم ~~كما سيأتي في غير هذه السورة، أنكر ذلك عليهم بقولة: {أو عجبتم} أي أكذبتم ~~وعجبتم {أن جاءكم} وضمن جاء معنى أنزل، فلذلك جعلت صلته «على» فقال: {ذكر} ~~رسالة {من ربكم} أي المحسن إليكم بالإيجاد والتربية منزلا {على الرجل} أي ~~كامل في الرجولية وهو مع ذلك بحيث لا تتهمونه فإنه {منكم} لقولكم: {ما ~~سمعنا بهذا} أي إرسال البشر {في آبائنا الأولين} # [المؤمنون: 24] {لينذركم} لتحذروا ما ينذركموه {ولتتقوا} أي تجعلوا بينكم ~~وبين ما تحذرونه وقاية لعلكم تنجون {ولعلكم ترحمون*} أي وليكون حالكم إذا ~~لقيتم الله حال من ترجى # PageV07P430 # رحمته بأن يرفعه الله في الدارين. # ولما نسبوه أولا إلى الضلال وهو قد يكون خطأ عن ذهول ونحوه، فأقام لهم ~~الدليل على أنه على الصواب، أخبر أنه لم يتسبب عن ذلك إلا تصريحهم بما ~~لوحوا إليه أولا بالضلال ms1570 من التكذيب فقال: {فكذبوه} أي الملأ وتبعهم من ~~دونهم؛ ولما تسبب عن تكذيبهم له تصديق الله لهم بإهلاكهم وإنجائه ومن آمن ~~به، قال مقدما لإنجائه اهتماما به: {فأنجيناه} بما لنا من العظمة من أهل ~~الأرض كلهم ومن عذابنا الذي أخذناهم به: {والذين معه} أي بصحبة الأعمال ~~الدينية {في الفلك} وهو السفينة التي من الله على الناس بتعليمه عملها ~~لتقيه من الطوفان فكانت آية ومنفعة عظيمة لمن أتى بعدهم {وأغرقنا} أي ~~بالطوفان، وهو الماء الذي طبق ظهر الأرض فلم يبق منها موضعا حتى أحاط به، ~~وأظهر موضع الإضمار تعليقا للفعل بالوصف إشارة إلى أن من فعل مع الرسول ~~شيئا فإنما فعله مع مرسله فهو يجازيه بما يستحقه فقال: {الذين كذبوا ~~بآياتنا} أي وهي من الظهور في حد لا خفاء به لما لها من العظمة بالنسبة ~~إلينا، وعدي هنا فعل النجاة بالهمزة وهي الأصل في التعدية، وقرنت ب {الذين} ~~لأنه أخلص الموصولات واصرحها. # PageV07P431 # ولما أعيدت القصة في سورة يونس عليه السلام، كان الأليق بكلام البلغاء ~~والأشبه بطرائق الفصحاء التفنن في العبارة، فعدي التضعيف مع ما فيه من ~~الأبلغية بإفهام مزيد الاعتناء مناسبة لما تقدم من مزيد التفويض في قوله ~~{فأجمعوا أمركم وشركاءكم} [يونس: 71] ، وتلا ب {من} ضما للفرع إلى الفرع ~~فإن {من} مشترك بين الوصل والشرط، وهي أيضا قد تطلق على ما لا يعقل، فناسب ~~ذلك الحال، وزيد هناك في وصف الناجين {وجعلناهم خلائف} [يونس: 73] نظرا إلى ~~قوله تعالى في في أول السورة {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا} ~~[يونس: 13] ، ثم قال: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف ~~تعملون} [يونس: 14] فلوح لهم بالإهلاك إن ظلموا، ثم أشار لهم - في قصة نوح ~~عليه السلام بكونه أعلمهم أن الخلائف هم الناجون الباقي ذكرهم وذريتهم - ~~إلى أنه تفضل عليهم بالتوفيق إلى الإجابة ورحمهم بهذا النبي الكريم - عليه ~~أفضل الصلاة والتسليم - فقضى أنهم غير مهلكين. # ولما افتتحت القصة بنسبتهم له إلى الضلال باطلا، وهو ناشىء عن عمى ~~البصيرة أو البصر، ناسب أن ms1571 يقلب الأمر عليهم على وجه الحق فقال مؤكدا ~~لإنكارهم ذلك {إنهم كانوا} أي لما جبلتهم من العوج # PageV07P432 # {قوما عمين*} أي مطبوعين في عمى القلب مع قوتهم يحاولون، ثابت لهم ذلك، ~~بما أشار إليه فعل دون أن يقال فاعل، وختمت القصة في يونس بقوله # {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} [يونس: 73] لقوله أولها {إن كان كبر ~~عليكم مقامي وتذكيري} [يونس: 71] أي إنذاري لأنه أعلم أنه كبر عليهم ولو ~~كان تبشيرا لما عز عليهم. # ولما كان عاد بعدهم، ولم يكن هنا ما يقتضي تشويش الترتيب، اتبعهم بهم ~~مقدما المرسل إليه ليفيد تخصيص رسالته بهم وهم بعض أهل الأرض فقال: {وإلى ~~عاد} خاصة أرسلنا {أخاهم} أي في النسب لأنهم عنه أفهم وبحاله في الثقة ~~والأمانة أعرف؛ ولما عطفه على نوح عليهما السلام بعد تقديم المرسل إليهم، ~~بينه بقوله: {هودا} بخلاف قوم نوح فإنهم كانوا جميع أهل الأرض، لأن القبائل ~~لم تكن فرقت الناس ولا الألسنة إذ كان لسان الكل واحدا، ولم تفرق الألسنة ~~إلا بعد الصرح، ولهذا عم الغرق جميع أهل الأرض، فكان المعنى حينئذ لا يختلف ~~في قصته بتقديم ولا تأخير، فناسب تقديم الرسالة أو المرسل لأنه أهم. # ولما وكانت قصة نوح عليه السلام أول قصص الأنبياء مع قومهم، ولم يكن ~~للعرب عهد بمجاورات الأنبياء ومن يرسلون إليه، فأتى فيها # PageV07P433 # بالأصل «أرسلناه» فقال سياقا واحدا إخبارا لمن هو فارغ الذهن من كل جزء ~~من أجزائها؛ أتت قصة هود عليه السلام بعد علم السامعين بقصة نوح عليه ~~السلام مما وقع من تبليغه لهم وردهم عليه، فلما ذكر إرساله تشوف السامع إلى ~~انه هل قال لهم كما قال نوح وهل ردوا عليه كرد قومه أو كان الأمر بخلاف ~~ذلك؟ فأجيب سؤال المتشوف بقوله: {قال} كقوله نوح عليه السلام سواء {يا قوم} ~~مذكرا لهم بأنه أحدهم يهمه ما يهمهم {اعبدوا الله} أي لا ستحقاقه ذلك ~~لذاته؛ ثم علل أو استأنف بقوله: {ما لكم} وأغرق في النفي فقال: {من إله ~~غيره} ولما كانوا عارفين بما أصاب قوم ms1572 نوح قال: {أفلا تتقون*} أي أفلا ~~تجعلون بينكم وبين عذاب هذا الواحد الجبار وقاية. # ولما تشوف السامع إلى جوابهم بعد هذا الترغيب الممزوج بالترهيب، أجيب ~~بقوله {قال الملأ} أي الأشراف الذين يملؤون العيون بهجة والصدور هيبة، ولما ~~كانت عاد قليلا بالنسبة إلى قوم نوح عليه السلام، وكان قد أسلم من أشرافهم ~~من له غنى في الجملة، قيد بقوله: {الذين كفروا} أي ستروا ما من حقه الظهور ~~من أدلة الوحدانية، ووصفوا تسلية لهذا النبي الكريم فيما يرى من جفاء قومه ~~بأن مثل ذلك كان لإخوانه من الأنبياء بقوله {من قومه} وأكدوا ما واجهوه به ~~من الجفاء لأنهم عالمون بأن حاله في علمه وحكمه يكذبهم بقولهم: {إنا لنراك} ~~أي لنعلمك علما متيقنا # PageV07P434 # حتى كأنه محسوس {في سفاهة} أي مظروفا لخفة العقل، فهي محيطة بك من جميع ~~الجوانب، لا خلاص لك منها، فلذا أدتك إلى قول لا حقيقة له، فالتنوين ~~للتعظيم، فإن قيل: بل للتحقير، كأنهم توقفوا في وصفه بذلك كما توقفوا في ~~الجزم بالكذب فقالوا: {وإنا لنظنك من الكاذبين*} أي المتعمدين للكذب، وذلك ~~لأنه كان عندهم علم من الرسل وما يأتي مخالفهم من العذاب من قصة نوح عليه ~~السلام ولم يكن العهد بعيدا، وأما قوم نوح فجزموا بالضلال وأكدوه بكونه ~~مبينا، لأنه لم يكن عندهم شعور بأحوال الرسل وعذاب الأمم قبل ذلك، ولهذا ~~قالوا # {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} [المؤمنون: 24] ، قيل: ليس كذلك، فقد ~~ورد في جواب قوم نوح في سورة هود مثل هذا، وهو قوله {بل نظنكم كاذبين} ~~[هود: 27] ؛ فإن قيل: إنما كان هذا في ثاني الحال بعد أن نصب لهم الأدلة ~~وأقام البراهين على صحة مدعاه وثارت حظوظ الأنفس بالجدال، فإنه يبعد أن ~~يكون قومه أجابوه بذلك أول ما دعاهم، قيل: والأمر كذلك في قصة هود عليه ~~السلام سواء فإنه لم يقل له ذلك إلا الكفار من قومه، فتقييدهم بالوصف يدل ~~على أنه كان فيهم من اتبعه، بل وإن متبعه كان من أشرافهم هم بالظن، وتعبير ~~في الكذب لإرادتهم ms1573 أنه يكفي في # PageV07P435 # وصفه بالسفاهة التي زعموها إقدامه على ما يحتمل معه ظنهم لكذبه، أو يكون ~~قوله غير الحق في زعمهم مرددا بين أن يكون قاله عن تعمد أو حمله عليه ما ~~رموه به من السفه من غير تأمل. ولما قابلوا لينته لهم وشفقته عليهم بهذه ~~الغلطة، أعرض عن ذلك وعاملهم من الحلم بضده ما سموه به بأن {قال} معلما ~~الأدب في مخاطبة السفهاء {يا قوم} مذكرا بما بينهم من النسب الداعي إلى ~~الود والمناصحة والعطف والملاطفة {ليس بي سفاهة} فنفى أن يكون به شيء من ~~خفة حلم، فانتقى أن يكون كاذبا لأن الداعي إلى الكذب الخفة والطيش فلم يحتج ~~إلى تخصيصه بنفي. # ولما نفى السفاهة، أثبت ما يلزم منه ضدها بقوله: {ولكني رسول} وبين ~~المرسل تعظيما للأمر بقوله {من رب العالمين*} أي المحسن إليهم بعد نعمة ~~الإيجاد والأرزاق بإرسال الرسل إليهم ليكسبوهم معالي الأخلاق التي بها ~~انتظام نعمة الإبقاء {أبلغكم} وجمع الرسالة لما تقدم في قصة نوح عليه ~~السلام فقال: {رسالات ربي} أي المحسن إلي بتعليمي ما لم أكن أعلم وتأهيلي ~~لما لم يكن في حسابي. # ولما كانوا قد رموه بالسفه الذي هو من غرائز النفس لأنه ضد الحلم ~~والرزانة، عبر عن مضمون الجملة النافية له بما يقتضي الثبات فقال: {وأنا ~~لكم ناصح} أي لم يزل النصح من صفتي، وليس هو تكسبته بل غريزة في، وقد ~~بلوتموني فيه قبل الرسالة وإظهار هذه المقالة # PageV07P436 # دهرا دهيرا وزمانا طويلا؛ ولما قالوا إنهم يظنون كذبه، زادهم صفة الأمانة ~~فقال: {أمين*} . # PageV07P437 # ولما كان يعرف ما يعتقدونه من أمانته وعقله، وظن أنه ما حملهم على هذا ~~إلا العجب من أن يطلع على ما لم يطلعوا عليه، أنكر عليهم ذلك ذاكرا لما ظنه ~~حاملا لهم ملوحا بالعطف إلى التكذيب فقال: {أو عجبتم} أي أكذبتم وعجبتم {أن ~~جاءكم ذكر} أي شرف وتذكير {من ربكم} أي الذي لم يقطع إحسانه عنكم قط، منزلا ~~{على رجل منكم} أي عزه عزكم وشرفه شرفكم فما فاتكم شيء {لينذركم} أي يحذركم ms1574 ~~ما لمن كان على ما أنتم عليه من وخامة العاقبة. # ولما كان التقدير: فاحذروا، عطف عليه تذكيرهم بالنعمة مشيرا به إلى ~~التحذير من عظيم النقمة في قوله: {واذكروا إذ} أي حين {جعلكم خلفاء} أي ~~فيما أنتم فيه من الأرض، ولما كان زمنهم متراخيا بعدهم، أتى بالجار فقال: ~~{من بعد قوم نوح} أو يكون المحذوف ما اقتضاه الاستفهام في قوله {أو عجبتم} ~~من طلب الجواب، أي أجيبوا واذكروا، أي ولا تبادروا بالجواب حتى تذكروا ما ~~أنعم به عليكم، وفيه الإشارة إلى التحذير مما وقع لقوم نوح، أو يكون العطف ~~على معنى الاستفهام الإنكاري في {أفلا تتقون} ، {أو عجبتم} أي اتقوا ولا ~~تعجبوا واذكروا، أو يكون العطف - وهو أحسن على {اعبدوا الله} وقوله {خلفاء} # PageV07P437 # قيل: إنه يقتضي أن يكونوا قاموا مقامهم، ومن المعلوم أن قوم نوح كانوا ~~ملء الأرض، وأن عادا إنما كانوا في قطعة منها يسيرة وهي الشجرة من ناحية ~~اليمن، فقيل: إن ذلك لكون شداد بن عاد ملك جميع الأرض، فكأنه قيل: جعل جدكم ~~خليفة في جميع الأرض، فلو حصل الشكر لتمت النعمة، فأطيعوا يزدكم من فضله، ~~وقيل: إن قصة ثمود مثل ذلك، ولم يكن فيهم من ملك الأرض ولا أرض عاد، فأجيب ~~بما طرد، وهو أن عادا لما كانوا أقوى أهل الأرض أبدانا وأعظمهم أجسادا ~~وأشدهم خلقا أشهرهم قبيلة وذكرا، كان سائر الناس لهم تبعا، وكذا ثمود فيما ~~فيما أعطوه من القدرة على نحت الجبال ونحوها بيوتا، وعندي أن السؤال من ~~أصله لا يريد فإن بين قولنا: فلان خليفة فلان، وفلان خليفة من بعد فلان - ~~من الفرق ما لا يخفي، فالمخلوف في الثاني لم يذكر، فكأنه قيل: جعلكم خلفاء ~~لمن كان قبلكم في هذه الأرض التي أنتم بها، وخص قوم نوح وعاد بالذكر تذكيرا ~~بما حل بهم من العذاب، ولهذا بعينه خص الله هذه الأمم التي وردت في القرآن ~~بالذكر، وإلا فقد كانت الأمم كثيرة العد زائدة على الحد عظيمة الانتشار في ~~جميع الأقطار، ومعلوم # PageV07P438 # أن الله تعالى لم ms1575 يترك واحدة منها بغير رسول {وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا} # [الإسراء: 15] وفي قصة هود في سورة الأحقاف {وقد خلت النذر من بين يديه ~~ومن خلفه} [الأحقاف: 21] ؛ وله سر آخر وهو أن هذه الأمم كان عند العرب كثير ~~من أخبارهم ففصلت لهم أحوالهم، وطوي عنهم من لم يكن عندهم شعور بهم فلم ~~يذكروا إلا إجمالا لئلا يسارعوا إلى التكذيب بما ينزل فيهم من غير دليل ~~شهودي يقام عليهم. # ولما ذكرهم بمطلق الإبقاء بعد ذلك الإغراق العام، أتبعه التذكير بالزيادة ~~فقال: {وزادكم} أي على من قبلكم أو على من هو موجود في الأرض في زمانكم {في ~~الخلق} أي الخاص بكم {بسطة} أي في الحس بطول الأبدان والمعنى بقوة الأركان، ~~قيل: كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعا، وقيل: أكثر. # ولما عظمت النعمة، كرر عليهم التذكير فقال مسببا عن ذلك {فاذكروا آلاء ~~الله} أي نعم الذي استجمع صفات العظمة التي أنعم عليكم بها من الاستخلاف ~~والقوة وغيرهما، واذكروا أنه لا نعمة عندكم لغيره أصلا، فصار مستحقا لأن ~~تخصوه بالعبادة {لعلكم تفلحون*} أي ليكون حالكم حال من يرجي فلاحه وهو ظفره ~~بجميع مراده، لأن الذكر موجب للشكر الموجب للزيادة. # PageV07P439 # ولما كان هذا منه موجبا ولا بد لكل سامع منصف من المبادرة إلى الإذعان ~~لهذه الحجة القطعية، وهي استحقاقه للافراد بالعبادة للتفرد بالإنعام، ازداد ~~تشوف المخاطب إلى جوابهم، فأجيب بقوله: {قالوا} منكرين عليه معتمدين على ~~محض التقليد {أجئتنا} أي من عند من ادعيت أنك رسوله {لنعبد الله} أي الملك ~~الأعظم {وحده} ولما كان هذا منهم في غاية العجب المستحق للإنكار، أتبعوه ~~ماهو كالعلة لإنكارهم عليه ما دعاهم إليه فقالوا: {ونذر} أي نترك على غير ~~صفة حسنة {ما كان يعبد آباؤنا} أي مواظبين على عبادته بما دلوا عليه ب ~~«كان» وصيغة المضارع - مع الإشارة بها إلى تصوير آبائهم في حالهم ذلك - ~~ليحسن في زعمهم إنكار مخالفتهم لهم. # ولما كان معنى هذا الإنكار أنا لا نعطيك، وكان قد لوح لهم بالتذكر بقوم ~~نوح وقوله {أفلا ms1576 تتقون} إلى الأخذ إن أصروا، سببوا عن ذلك قولهم: {فأتنا} ~~أي عاجلا {بما تعدنا} أي من العذاب بما لوح إليه إيماؤهم إلى التكذيب ~~بقولهم: {إن كنت من الصادقين*} وتسميتهم للانذار بالعذاب وعدا من باب ~~الاستهزاء. # ولما كانوا قد بالغوا في السفه في هذا القول، وكان قد علم من محاورته صلى ~~الله عليه وسلم لهم الحلم عنهم، اشتد التطلع إلى ما يكون من جوابه لهذا ~~والتوقع له، فشفى غليل هذا التشوف بقوله: # PageV07P440 # {قال قد وقع} أي حق ووجب وقرب أن يقع {عليكم من ربكم} أي الذي غربكم به ~~تواتر إحسانه عليكم وطول إملائه لكم {رجس} أي عذاب شديد الاضطراب في تتبع ~~أقصاكم وأدناكم موجب لشدة اضطرابكم {وغضب} أي شدة في ذلك العذاب لا تفلتون ~~منها. # ولما أخبرهم بذلك، بين لهم أن سببه كلامهم هذا في سياق الإنكار فقال: ~~{أتجادلونني} ولما كانت آلهتهم تلك التي يجادلون فيها لا تزيد على السماء ~~لكونها خالية من كل معنى، قال: {في أسماء} ثم بين أنه لم يسمها آلهة من ~~يعبد به فقال: {سميتموها انتم وآباؤكم} ولما كان لله تعالى أن يفعل ما يشاء ~~وأن يأمر بالخضوع لمن يشاء، قال نافيا التنزيل فإنه يلزم من نفي الإنزال: ~~{ما نزل الله} أي الذي ليس الأمر إلا له {بها} أي بتعبدكم لها أو بتسميتكم ~~إياها، وأغرق في النفي فقال: {من سلطان} ولعله أتى بصيغة التنزيل لأن ~~التفعيل يأتي بمعنى الفعل المجدد وبمعنى الفعل بالتدريج فقصد - لأنه في ~~سياق المجادلة وفي سورة مقصودها إنذار من أعرض عما دعا إليه هذا الكتاب ~~النازل بالتدريج - النفي بكل اعتبار، سواء كان تجديدا أو تدريجا وإشارة إلى ~~أنه لو نزل عليهم في الأمر بعبادتها شيء واحد لتوقفوا فيه لعدم فهمهم ~~لمعناه حتى يكرر عليهم الأمر فيه مرة بعد أخرى، فيعلموا أن ذلك أمر حتم لا ~~بد منه كما فعله بنو إسرائيل في الأمر بذبح البقرة لأجل القتيل لأجل أنهم ~~لم يعقلوا # PageV07P441 # معناه، دل ذلك قطعا على أن الأمر لهم بعبادتها إنما هو ظلام ms1577 الهوى لأنه ~~عمى محض من شأن الإنسان ركوبه بلا دليل أصلا. # ولما أخبرهم بوقوع العذاب وسببه، بين لهم أن الوقوع ليس على ظاهرة في ~~الإنجاز، وإنما معناه الوجوب الذي لا بد من فقال: {فانتظروا} ثم استأنف ~~الإخبار عن حاله بقوله: {إني} وأشار بقوله: {معكم} إلى أنه لا يفارقهم ~~لخشيته منهم ولا غيرها {من المنتظرين*} . # PageV07P442 # ولما كان هذا ينبغي أن يكون سببا للتصديق الذي هو سبب الرحمة، بين أنه ~~إنما سبب لهم العذاب، وله ولمن تبعه النجاة، فبدأ بالمؤمنين اهتماما بشأنهم ~~بقوله: {فأنجيناه} أي بما لنا من العظمة إنجاء وحيا سريعا سللناهم به من ~~ذلك العذاب كسل الشعرة من العجين {والذين معه} أي في الطاعة، وأشار إلى أنه ~~لا يجب على الله شيء بقوله: {برحمة} أي بإكرام وحياطة {منا} أي لا بعمل ولا ~~غيره. # ولما قدم الإنجاء اهتماما به، أتبعه حالهم فقال معلما بأن أخذه على غير ~~أخذ الملوك الذين يعجزون عن الاستقصاء في الطلب، فتفوتهم أواخر العساكر ~~وشذاب الجنود والأتباع {وقطعنا} دابرهم أي آخرهم، هكذا كان الأصل، ولكنه ~~أظهر تصريحا بالمقصود وبيانا لعلة أخذهم فقال: {دابر} أي آخر، أي استأصلنا ~~وجعلنا ذلك الاستئصال معجزة لهود عليه السلام {الذين كذبوا بآياتنا} أي ولم ~~يراقبوا عظمتها بالنسبة # PageV07P442 # إلينا وقوله: {وما كانوا} أي خلقا وجبلة {مؤمنين*} عطف على صلة {الذين} ~~وهي {كذبوا بآياتنا} وهي جارية مجرى التعليل لأخذهم مؤذنة بأنه لا يحصل ~~منهم صلاح كما ختم قصة نوح بقول {إنهم كانوا قوما عمين} [الأعراف: 64] ~~تعليلا لإغراقهم، أي أنا قطعنا دابرهم وهم مستحقون لذلك، لأنهم غير قابلين ~~للايمان لما فيهم من شدة العناد ولزوم الإلحاد، فالمعنى: وما كان الإيمان ~~من صفتهم، أي ما آمنوا في الماضي ولا يؤمنون في الآتي، فيخرج منه من آمن ~~وكان قد كذب قبل إيمانه ومن لم يؤمن في حال دعائه لهم وفي علم الله أنه ~~سيؤمن، ويزيده حسنا أنهم لما افتتحوا كلامهم بأن نسبوه إلى السفاهة كاذبين؛ ~~ناسب ختم القصة بأن يقلب الأمر عليهم فيوصفوا بمثل ذلك صدقا بكلام ms1578 يبين أن ~~اتصافهم به هو الموجب لما فعل بهم، لأن الإيمان لا يصدر إلا عن كمال الثبات ~~والرزانة وترك الهوى وقمع رعونات النفس والانقياد لواضح الأدلة وظاهر ~~البراهين، فمن تركه مع ذلك فهو في غاية الطيش والخفة وعدم العقل، وأيضا ~~فوصفهم بالتكذيب بالفعل الماضي لا يفهم دوامهم على تكذيبهم، فقال سبحانه ~~ذلك لنفي احتمال أنهم آمنوا بعد التكذيب وأن أخذهم إنما كان لمطلق صدور ~~التكذيب منهم، وأنهم لم يبادروا إلى الإيمان قبل التكذيب، ويحتمل أن تكون ~~الجملة حالا، والمعنى على كل تقدير: قطعنا دابرهم في حال تكذيبهم وعدم ~~إيمانهم. # ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة عاد، أتبعهم ثمود فقال # PageV07P443 # {وإلى ثمود} أي خاصة، منع من الصرف لأن المراد به القبيلة، وهو مشتق من ~~الثمد وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي ~~القرى، أرسلنا {أخاهم صالحا} ثم استأنف الإخبار عن قوله - كما مضى في هود ~~عليه السلام فقال: {قال يا قوم} مستعطفا لهم بالتذكير بالقرابة وعاطف ~~النسابة {اعبدوا الله} أي الذي لا كمال إلا له {ما لكم} وأكد النفي بقوله: ~~{من إله غيره} . # ولما دل على صدقه في ذلك أنهم دعوا أوثانهم فلم تجبهم، ودعا هو صلى الله ~~عليه وسلم ربه سبحانه فأخرج لهم الناقة، علل صحة ما دعا إليه بقوله: {قد ~~جاءتكم بينة} أي آية ظاهرة جدا على صدقي في ادعاء رسالتي وصحة ما أمرتكم ~~به، وزادهم رغبة بقوله: {من ربكم} أي الذي لم يزل محسنا إليكم؛ ثم استأنف ~~بيانها بقوله: {هذه} مشيرا إليها بعد تكوينها تحقيقا لها وتعظيما لشأنها ~~وشأنه في عظيم خلقها وسرعة تكوينها لأجله. # ولما أشار إليها، سماها فقال: {ناقة الله} شرفها بالإضافة إلى الاسم ~~الأعظم، ودل على تخصيصها بهم بقوله: {لكم} حال كونها {آية} أي لمن شاهدها ~~ولمن سمع بها وصح عنده أمرها؛ ثم سبب عن ذلك قوله: {فذروها} أي اتركوها ولو ~~على أدنى وجوه الترك {تأكل} أي من النبات و {في أرض الله} أي مما أنبت الله ~~الذي له كل ms1579 شيء # PageV07P444 # وهي ناقته كما أن الأرض كلها مطلقا أرضه والنبات رزقه، ولذلك أظهر لئلا ~~يختص أكلها بأرض دون أخرى. # ولما أمرهم بتركها لذلك، أكد المر بنهيهم عن أذاها فقال: {ولا تمسوها ~~بسوء} فضلا عما بعد المس {فيأخذكم} أي أخذ قهر بسبب ذلك المس وعقبه {عذاب ~~أليم*} أي مؤلم. # ولما أمرهم ونهاهم، ذكر لهم ترغيبا مشيرا إلى ترهيب فقال: {واذكروا} أي ~~نعمة الله عليكم {إذ جعلكم خلفاء} أي فيما أنتم فيه {من بعد عاد} أي ~~إهلاكهم {وبوأكم في الأرض} أي جعل لكم في جنسها مساكن تبوءون أي ترجعون ~~إليها وقت راحتكم، سهل عليكم من عملها في أي أرض أردتم ما لم يسهله على ~~غيركم، ولهذا فسر المراد بقوله: {تتخذون} أي بما لكم من الصنائع {من سهولها ~~قصورا} أي أبنية بالطين واللبن والآجر واسعة عالية حسنة يقصر أمل الآمل ~~ونظر الناظر عليها مما فيها من المرافق والمحاسن {وتنحتون الجبال} أي أي ~~جبل أرتم تقدرونها {بيوتا} . # ولما ذكرهم بهذه النعم مرغبا مرهبا، كرر ذلك إشارة وعبارة فقال مسببا عما ~~ذكرهم به: {فاذكروا} أي ذكر إذعان ورغبة ورهبة {آلاء} أي نعم {الله} أي ~~الذي له صفات الكمال فلا حاجة # PageV07P445 # به إلى أحد، فإحسانه هو الإحسان في الحقيقة {ولا تعثوا في الأرض} من ~~العثي وهو الفساد، وهو مقلوب عن العيث - قاله ابن القطاع، وحينئذ يكون ~~قوله: {مفسدين*} بمعنى معتمدين للفساد. # PageV07P446 # ولما حصل الالتفات إلى جوابهم، قيل: {قال الملأ} أي الأشراف، وبينه بقول: ~~{الذين استكبروا} أي أوقعوا الكبر واتصفوا به فصار لهم خلقا فلم يؤمنوا؛ ~~ونبه على التأسية بقوله: {من قومه} ولما قال: {للذين استضعفوا} كان ربما ~~فهم أنهم آمنوا كلهم، فنفى ذلك بقوله مبدلا منه: {لمن آمن منهم} أي ~~المستضعفين، فهو أوقع في النفس وأروع للجنان من البيان في أول وهلة مع ~~الإشارة إلى أن أتباع الحق هم الضعفاء، وأنه لم يؤمن إلا بعضهم، ففيه إيماء ~~إلى أن الضعف أجل النعم لملازمته لطرح النفس المؤدي إلى الإذعان للحق، ~~وبناؤه للمفعول دليل على أنهم في غاية ms1580 الضعف بحيث يستضعفهم كل أحد ~~{أتعلمون} أي بدؤوهم بالإنكار صدا لهم عن الإيمان {أن صالحا} سموه باسمه ~~جفاء وغلطة وإرهابا للمسؤولين ليجيبوهم بما يرضيهم {مرسل من ربه} وكأنهم ~~قالوه ليعلموا حالهم فيبنوا عليه ما يفعلونه، لأن المستكبيرين لا يتم لهم ~~كبرهم إلا بطاعة المستضعفين. # ولما عملوا ذلك منهم، أعملوهم بالمنابذة اعتمادا على الكبير المتعال # PageV07P446 # الذي يضمحل كل كبر عنده ولا يعد لأحد أمر مع أمره بأن {قالوا} منبهين لهم ~~على غلظتهم وغلطهم في توسمهم في حالهم معبرين بما دل على العلم بذلك ~~والإذعان له {إنا بما أرسل به} وبني للمفعول إشارة إلى تعميم التصديق وإلى ~~أن كونه من عند الله أمر مقطوع به لا يحتاج إلى تعيين {مؤمنون*} أي غريقون ~~في الإيمان به، ولذلك {قال الذين استكبروا} أي في جوابهم معبرين بما يدل ~~على المخالفة لهم والمعاندة {إنا بالذي} ووضعوا موضع «أرسل به» - ردا لما ~~جعلوه معلوما وأخذوه مسلما {آمنتم به} أي كائنا ما كان {كافرون*} ثم سبب عن ~~قولهم قوله {فعقروا الناقة} أي التي جعلها الله لهم آية، وعبر بالعقر دون ~~النحر لشموله كل سبب لقتلها لأن ابن إسحاق ذكر أنه اجتمع لها ناس منهم ~~فرماها أحدهم بسهم وضرب آخر قوائمها بالسيف ونحرها آخر فأطلق اسم السبب على ~~المسبب، ولكن قوله تعالى: {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر} [القمر: 29] وقوله ~~{إذا انبعث أشقاها} [الشمس: 91] وقوله صلى الله عليه وسلم «انبعث لها رجل ~~عزيز عارم منيع في قومه» قالوا: هو قدار بن سالف، جعلت له امرأة من قومه ~~ابنتها إن عقرها، ففعل فكان أشقى الأولين، وأشقى الآخرين عبد الرحمن بن ~~ملجم المرادي قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، # PageV07P447 # جعلت له قطام امرأة من بني عجل جميلة نفسها إن قتله، فالمناسبة بينهما أن ~~كلا منهما ألقى نفسه في المعصية العظمى لأجل شهوة فرجه في زواج امرأة، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم «أشقى الأولين عاقر الناقة» # يدل على أن عاقرها رجل واحد، وحينئذ يكون المراد به قطع القوائم، فحيث ~~جمع أراد الحقيقة ms1581 والمجاز معا، وحيث أفراد أراد الحقيقة فقط، فالتعبير به ~~لأنه الأصل والسبب الأعظم في ذبح الإبل؛ قال البغوي: قال الأزهري: العقر هو ~~قطع عرقوب البعير، ثم جعل النحر عقرا لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره - ~~انتهى. وكأن هذا إشارة إلى أن المراد بالعقر في كلامه النحر، ولا ريب في أن ~~أصل العقر في اللغة القطع، ومادته تدور على ذلك، عقر النخلة. إذا قطع رأسها ~~فيبست، والفرس: ضرب قوائمها بالسيف وأكثر ما يستعمل العقر في الفساد، وأما ~~النحر فيستعمل غالبا في الانتفاع بالمنحور لحما وجلدا وغيرهما، فلعل ~~التعبير به دون النحر إشارة إلى أنهم لم يقصدوا بنحرها إلا إهلاكها عتوا ~~على الله وعنادا وفعلا للسوء مخالفة لنهي صالح عليه السلام، ولا يشكل ذلك ~~بما ورد من أنهم اقتسموا لحمها، لأنه لم يدع أن العقر يلزمه عدم الانتفاع ~~بالمنحور، وعلى التنزل فهم لم يريدوا بذلك الانتفاع باللحم، وإنما قصدوا- ~~حيث لم يمكنهم المشاركة جميعا في العقر - ان يشتركوا # PageV07P448 # فيما نشأ عنه تعريضا برضاهم به ومشاركتهم فيه بما يمكنهم {وعتوا} أي ~~تجاوزوا الحد في الغلطة والتكبر {عن أمر} أي امتثال أمر {ربهم} أي المحسن ~~إليهم الذي أتاهم على لسان رسوله من تركها {وقالوا} زيادة في العتو {يا ~~صالح ائتنا} . # ولما نزلوا وعيدهم له - حيث لم يؤمنوا به - منزلة الوعد والبشارة، قالوا: ~~{بما تعدنا} استخفافا منهم ومبالغة في التكذيب، كأنهم يقولون: نحن على ~~القطع بأنك لا تقدر أن تأتينا بشيء من ذلك، وإن كنت صادقا فافعل ولا تؤخره ~~رفقا بنا وشفقة علينا، فإنا لا نتأذى بذلك، بل نتلذذ من يلقى الوعد الحسن، ~~وحاصله التهكم منهم به والإشارة إلى عدم قدرته؛ وأكدوا ذلك بقولهم بأداة ~~الشك: {إن كنت من المرسلين*} أي الذين سمعنا أخبارهم فيما مضى؛ ثم سبب عن ~~عتوهم قوله: {فأخذتهم الرجفة} أي التي كانت عنها أو منها الصيحة، أخذ من هو ~~في القبضة على غاية من الصغار والحقارة، ولعل توحيد الدار هنا مع الرجفة في ~~قصة صالح وشعيب عليهما السلام في قوله تعالى: {فأصبحوا ms1582 في دارهم} أي ~~مساكنهم، وجمعها في القصتين مع الصيحة، في سورة هود عليه السلام للإشارة ~~إلى عظم الزلزلة والصيحة في الموضعين، وذلك لأن الزلزلة إذا كانت في شيء ~~واحد كانت أمكن، فتكون في المقصود من النكال أعظم، والصيحة من شأنها ~~الانتشار، فإذا عمت الأماكن المتنائية والديار المتباعدة فأهلكت أهلها ~~ومزقت # PageV07P449 # جماعتها وفرقت شملها، كانت من القوة المفرطة والشدة البالغة بحيث تنزعج ~~من تأمل وصفها النفوس وتجب له القلوب، وحاصله أنه حيث عبر بالرجفة وحد ~~الدار إشارة إلى شدة العذاب بعظم الاضطراب، وحيث عبر بالصيحة جمع إيماء إلى ~~عموم الموت بشدة الصوت، ولا مخالفة لأن عذابهم كان بكل منها، ولعل إحداهما ~~كانت سببا للأخرى، ولعل المراد بالرجفة اضطراب القلوب اضطرابا قطعها، أو أن ~~الدار رجفت فرجفت القلوب وهو أقرب، وخصت الأعراف بما ذكر فيها، لأن مقصودها ~~إنذار المعرضين، والرجفة أعظم قرعا لعدم الإلف لها - والله اعلم {جاثمين*} ~~أي باركين على ركبهم لازمين أماكنهم لا حراك بأحد منهم، ولم يبق منهم في ~~تلك الساعة أحد إلا رجل واحد كان في الحرم، فلما خرج منه أصابه ما أصاب ~~قومه وهو أبو رغال، ومسافة الحرم عن أرضهم تزيد على مسيرة عشرة أيام، ومن ~~الآيات العظيمة أن ذلك الذي خلع قلوبهم وأزال أرواحهم لم يؤثر في صالح عليه ~~السلام والمستضعفين معه شيئا، وذلك مثل الريح التي زلزلت الأحزاب، وأنالتهم ~~أشد العذاب، ورمتهم بالحجارة والتراب حتى هزمتهم وما نال النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه منها كبير أذى، وكفها الله عن # PageV07P450 # حذيفة، وكذا البرد الذي كان ذلك زمانه لما أرسله النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليتعرف له أخبارهم. # ولما أصابهم ذلك، سبب لهم الهجرة عن ديارهم ديار السوء والغضب واللعنة ~~فقال تعالى إعلاما لنا بذلك: {فتولى} أي كلف نفسه الإعراض {عنهم وقال} أي ~~لما أدركه من أحوال البشر من الرقة على فوات إيمانهم وهم أصله وعشيرته {يا ~~قوم} أي الذين يعز علي ما يؤذيهم {لقد أبلغتكم} ولعله وحد قوله: {رسالة ~~ربي} لكون آيته واحدة {ونصحت} وقصر ms1583 الفعل وعداه باللام فقال: {لكم} دلالة ~~على أنه خاص بهم، روي أنه خرج عنهم في مائة وعشرة من المسلمين وهويبكي، ~~وكان قومه ألفا وخمسمائه دار، وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم. # ولما كان التقدير: ففعلت معكم ما هو مقتض لأن تحبوني لأجله، عطف عليه ~~قوله: {ولكن} لم تحبوني، هكذا كان الأصل ولكنه عبر بما يفهم أن هذا كان ~~دأبهم وخلقا لهم مع كل ناصح فقال: {لا تحبون} أي حاكيا لحالهم الماضية ~~{الناصحين} أي كل من فعل فعلي من النصح التام. # PageV07P451 # ولما أتم سبحانه ما وفى بمقصد هذه السورة في هذا السياق من قصتهم، أتبعه ~~من بعده ممن تعرفه العرب كما فعل فيما قبل فقال: # PageV07P451 # {ولوطا إذ قال} ولما كانت رسالته إلى مدن شتى، وكأنهم كانوا قبائل شتى، ~~قيل: كانوا خمسة وهي المؤتفكات، وقيل: كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة ~~الشريفة، قال: {لقومه} وقد جوزوا أن يكون العامل فيه {أرسلنا} و {اذكر} ولا ~~يلزم من تقدير {أرسلنا} أن يكون إرساله في وقت تفوهه لهم بهذا القول غير ~~سابق عليه، لأنه كما أن ذلك الزمن - المنطبق على أول قوله وآخره - وقت له ~~فكذلك اليوم - الذي وقع فيه هذا القول - وقت له، بل وذلك الشهر وتلك السنة ~~وذلك القرن، فإن من شأن العرب تسمية الأيام المشتركة في الفعل الواحد يوما، ~~قالوا: يوم القادسية، وهو أربعة أيام إن اعتبرنا مدة القتال فقط، وعدة شهور ~~إن اعتبرنا بالاجتماع له، وكذا يوم صفين، وقال تعالى في قصة بدر {وإذ يعدكم ~~الله إحدى الطائفتين أنها لكم} إلى أن قال: {إذ تستغيثون ربكم} إلى أن قال: ~~{إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} {إذ يوحي ربك إلى الملائكة} [الأنفال: 7] ~~وكلها إبدال من قوله: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين} ولا ريب في أن زمان ~~الكل يكن متحدا إلا بتأويل جميع الأيام المتعلقة بالوقعة من سير وقتال وغير ~~ذلك - والله أعلم، وعبر في قصة نوح عليه السلام ب {أرسلنا نوحا إلى قومه} ~~[الأعراف: 59] ثم نسق من بعده عليه فقيل: {وإلى عاد ms1584 أخاهم هودا} [الأعراف: ~~65] {وإلى ثمود أخاهم صالحا} [الأعراف: 73] {وإلى مدين أخاهم شعيبا} ~~[الأعراف: 85] وعدل عن هذا الأسلوب في قصة لوط فلم يقل: # PageV07P452 # وإلى أهل أدوما أخاهم لوطا، أو إلى أهل سدوم لوطا أو وأرسلنا لوطا إلى ~~قومه ونحو ذلك كما سيأتي في قصة موسىعليه السلام، لأن من أعظم المقاصد ~~بسياق هذه القصص تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، في مخالفة قومه لهوعدم ~~استجابتهم وشدة أذاهم وإنذار قومه أن يحل بهم ما حل بهذه الأمم من العذاب، ~~وقصص من عدا قوم لوط مشابهة لقصة قريش في الشرك بالله والأذى لعباده ~~المؤمنين، وأما قصة قوم لوط فزائدة عن ذلك بأمر فظيع عظيم الشناعة شديد ~~العار والفحش فعدل عن ذلك النسق تنبيها عليه تهويلا للامر وتبشيعا له، ~~ليكون في التسلية أشد، وفي استدعاء الحمد والشكر أتم، وحينئذ يترجح أن يكون ~~العامل {اذكر} لا {أرسلنا} أي واذكر لوطا وما حصل عليه من قومه زيادة على ~~شركهم من رؤيته فيهم هذا الأمر الذي لم يبق للشناعة موضعا، فالقصة في ~~الحقيقة تسلية وتذكير بنعمة معافاة العرب من مثل هذا الحال وإنذار لهم سوء ~~المآل مع ما شاركت فيه أخواتها من الدلالة على سوء جبلة هؤلاء القوم وشرارة ~~جوهرهم المقتضي لتفردهم عن أهل الأرض بذلك الأمر الفاحش، والدليل على أنه ~~أشنع الشنع بعد الشرك - مع ما جعل الله تعالى في كل طبع سليم من النفرة عنه ~~- اختصاصه بمشاركته للشرك في أنه لم يحل في ملة من الملل في وقت من الأوقات ~~ولا مع # PageV07P453 # وصف من الأوصاف، وبقية المحرمات ليست كذلك، فأما قتل النفوس فقد حل في ~~القصاص والجهاد وغير ذلك، والوطء في القبل لم يحرم إلا بقيد كونه زنى، ~~ولولا الوصف لحل، وأكل المال الأصل فيه الحل، وما حرم إلا بقيد كونه ~~بالباطل - وكذا غير ذلك؛ قال أبو حيان: ولما كان هذا الفعل معهودا قبحه ~~ومركوزا في العقول فحشه، أتى معرفا - أي في قوله بعد إنكاره عليهم وتقريعه ~~وتوبيخه لهم: {أتأتون الفاحشة} أي أتفعلون السيئة المتمادية في ms1585 القبح وإن ~~كان بينكم وبينها مسافة بعيدة - أو تكون «أل» فيه للجنس على سبيل المبالغة، ~~كأنه لشدة قبحه جعل جميع الفواحش ولبعد العرب عن ذلك البعد التام، وذلك ~~بخلاف الزنى فإنه قال فيه # {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة} [الإسراء: 32] . # ولما كان غير مستبعد على صفاقة وجوههم ووقاحتهم أن يقولوا: لم تكون ~~فعلتنا منكرا موبخا عليها؟ قال: {ما سبقكم بها} وأغرق في النفي بقوله: {من ~~أحد} وعظم ذلك بتعميمه في قوله: {من العالمين*} فقد اخترعتم شيئا لا يكون ~~مثل فحشه لتذكروا به أسوأ ذكر، كما # PageV07P454 # أن ذوي الهمم العوال والفضل والكمال يستنبطون من المحاسن والمنافع ما ~~يبقى لهم ذكره وينفعهم أجره، وفي ذلك أعظم إشارة إلى تقبيح البدع والتشنيع ~~على فاعليها، لأن العقول لا تستقل بمعرفة المحاسن. # ولما أبهم الفاحشة ليحصل التشوف إلى معرفتها، عينها في استفهام آخر ~~كالأول في إنكاره وتوبيخه ليكون أدل على تناهي الزجر عنها فقال: {إنكم ~~لتأتون الرجال} أي تغشونهم غشيان النساء؛ ولما أبقى للتشوف مجالا، عين ~~بقوله: {شهوة} أي مشتهين، أو لأجل الشهوة، لا حامل لكم على ذلك إلا الشهوة ~~كالبهائم التي لا داعي لها من جهة العقل وصرح بقوله: {من دون النساء} فلما ~~لم يدع لبسا، وكان هذا ربما أوهم إقامة عذر لهم في عدم وجدان النساء أو عدم ~~كفايتهن لهم، أضرب عنه بقوله: {بل أنتم قوم} . # ولما كان مقصود هذه السورة الإنذار كان الأليق به الإسراف الذي هو غاية ~~الجهل المذكور في سورة النمل فقال {مسرفون*} أي لم يحملكم على ذلك ضرورة ~~لشهوة تدعونها، بل اعتياد المجاوزة للحدود، ولم يسم قوم لوط في سورة من ~~السور كما سميت عاد وثمود وغيرهم صونا للكلام عن تسميتهم، وأما قوم نوح ~~فإنما لم يسموا لعدم تفرق القبائل إذ ذاك، فكانوا لذلك جميع أهل الأرض ولذا ~~عمهم الغرق - والله أعلم. # ولما كان كأنه قيل: هذا التقريع يوجب غاية الاستحياء، بل إنه # PageV07P455 # يذهب كل من سمعه منهم إلى مكان لا يعرف فيه سترا لحاله، فيا ليت شعري ما ms1586 ~~كان حالهم عنده! فقيل: كان كأنهم أجابوه بوقاحة عظيمة وفجور زائد على الحد، ~~فما كان جوابهم إلا أذى لوط عليه السلام وآله بما استحقوا منهم به شديد ~~الإنذار الذي هو مقصود السورة، عطف عليه قوله: {وما كان جواب قومه} أي ~~الذين هم أهل قوة شديدة وعزم عظيم وقدرة على القيام بما يحاولونه {إلا أن ~~قالوا} . # ولما كان المقصود بيان أنهم أسرعوا إجابته بما ينكيه أضمر ما لا يشكل ~~بالإضمار، أو أنه لما كان السياق لبيان الخبيث بين أنه لا أخبث من هؤلاء ~~الذين بلغ من رذالتهم أنهم عدوا الطاهرين المتطهرين مما يصان اللسان عن ~~ذكره فقال تعالى مشيرا إلى ذلك في حكاية قولهم: {أخرجوهم} أي المحدث عنهم، ~~وهم لوط ومن انضم إليه {من قريتكم} والمراد ببيان الإسراع في هذا تسلية ~~النبي صلى الله عليه وسلم من رد قومه لكلامه لئلا يكون في صدره حرج من ~~إنذارهم، ثم عللوا إخراجهم بقولهم: {إنهم أناس} أي ضعفاء {يتطهرون*} وكأنهم ~~قصدوا بالتفعل نسبتهم إلى محبة هذا الفعل القبيح، وأن تركهم له إنما هو ~~تصنع وتكليف لنفوسهم بردها عما هي مائلة إليه، وإقبال على الطهر من غير ~~وجهة وإظهار له رياء بما أشار إليه إظهار تاء # PageV07P456 # التفعيل، وفيه مع ذلك حرف من السخرية، وحصر جوابهم في هذا المعنى المؤدي ~~بهذا اللفظ لا ينافي آية العنكبوت القائلة {فما كان جواب قومه إلا قالوا ~~ائتنا بعذاب الله} [العنكبوت: 29] ، لأن إطلاق الجواب على هذا يجوز، ~~والمعنى: فما كان قولهم في جوابه إلا إتيانهم بما لا يصلح جوابا، وذلك ~~مضمون هذا القول وغيره مما لا يتعلق بالجواب، أو أن هذا الجواب لما كان - ~~لما فيه من التكذيب والإيذان بالإصرار والإغلاظ لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - مستلزما للعذب، كانوا كأنهم نطقوا به فقالوا {ائتنا بعذاب الله} ، ~~جعل نطقهم بالسبب نطقا بالمسبب، أو أنهم استعملوا لكل مقام مقالا، ويؤيده ~~أن المعنى لما اتحد هنا وفي النمل حصر الجواب في هذا، أي فما كان جوابهم ~~لهذا القول إلا هذا؛ ولما زادهم ms1587 في العنكبوت في التقريع فقال: {أئنكم ~~لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر} [العنكبوت: 29] ~~أتوه بأبلغ من هذا تكذيبا واستهزاء فقالوا {ائتنا بعذاب الله} - الآية. # ولما تسبب عن عنادهم إهلاكهم وإنجاؤه، وكان الإعلام بإنجائه - مع كونه ~~يفهم إهلاكهم - أهم، قال: {فأنجيناه وأهله} أي من أطاعه {إلا امرأته} ولما ~~كان كأنه قيل: ما لها؟ قال: {كانت من الغابرين*} أي الباقين الذين لحقتهم ~~بالعذاب العبرة والتذكير إشارة إلى أنها أصابها مثل عذاب الرجال سواء، لم ~~تنقص عنهم لأنها كانت كافرة مثلهم. # PageV07P457 # ولما أفهم هذا إهلاكهم، بينه دالا على نوعه بقوله: {وأمطرنا} أي حجارة ~~الكبريت بعد أن قلعت مدائنهم ورفعت وقلبت حتى رجم بها مسافروهم وشذابهم ~~لأنه عذاب الاستئصال عمن لا يعجزه شيء؛ وأوضحه بقصره الفعل وتعديته بحرف ~~الاستعلاء فقال: {عليهم} وأكد كونه من السماء لا من سطح أو جبل ونحوه ~~بقوله: {مطرا} وأشار إلى عظمه مزيلا للبس أصلا بما سبب عنه من قوله: {فانظر ~~كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المجرمين -*} وأظهر موضع الإضمار تعليقا للحكم ~~بوصف القطع لما حقه الوصل بوصل ما حقه القطع من فاحش المعصية دليلا على أن ~~الرجم جزاء من فعل هذا الفعل بشرطه، لأن الحكم يدور مع العلة، وسياتي في ~~سورة هود عليه السلام سياق قصتهم من التوراة بعد أن مضى في البقرة عند {إذ ~~قال له ربه أسلم} [البقرة: 131] أوائل أمرهم، وهذا كما سومت الحجارة لقريش ~~- لما أجمعوا أن يرجعوا بعد توجههم عن غزوة أحد من الطريق - ليفزعوا من ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على زعمهم، كما قال صلى الله عليه وسلم ~~«والذي نفسي بيده! لقد سومت لهم الحجارة، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب» ~~ولكنه صلى الله عليه وسلم لما كان رسول رحمة لم يقض الله برجوعهم فمضوا حتى ~~أسلم بعد ذلك كثير منهم، وكما أمطر الله الحجارة على أصحاب الفيل سنة مولده ~~صلى الله عليه وسلم حماية لبلده ببركته. # PageV07P458 # ولما انقضت هذه القصة العجيبة في القصص، أعاد النسق الأول فقال {وإلى ~~مدين} أي ms1588 أرسلنا، وهي بلد، وقيل قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم الخليل ~~عليه السلام {أخاهم} أي من النسب، وبينه بقوله: {شعيبا} وهوموصوف بأنه خطيب ~~الأنبياء عليهم السلام لحسن مراجعة قومه؛ ثم استأنف قوله على ذلك النسق: ~~{قال يا قوم} دالا على النصيحة والشفقة بالتذكير بالقرابة، وبدأ بالأصل ~~المعتبر في جميع الشرائع المأثورة عن الأنبياء عليهم السلام فقال: {اعبدوا ~~الله} أي الذي يستحق العبادة لذاته بما له من السماء الحسنى والصفات العلى. # ولما كان المراد إفراد بالعبادة لأنه لا يقبل الشرك لأنه غني، علل ذلك ~~بقوله: {ما لكم} وأغرق في النفي بقوله: {من إله غيره} ثم استأنف التذكير ~~بما دل على صحة دعواه في نفسها وصدقه في دعوى الرسالة بقوله: {قد جاءتكم} ~~أي على يدي {بينة} ولما كنا عالمين من قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي ~~أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضى الله عنه «ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من ~~الآيات ما مثله آمن عليه البشر» أن هذه البينة معجزة، مثلها كاف في صحة ~~الدعوى ولم تدع ضرورة إلى ذكرها لنا، لم تعن؛ ثم زادهم ترغيبا بقوله: {من ~~ربكم} أي الذي لم تروا إحسانا إلا منه. # ولما كان إتيانه بالبينات سببا لوجوب امتثال أمره، قال مسببا عنه: ~~{فأوفوا الكيل} أي والمكيال والوزن {والميزان} أي ابذلوا ما # PageV07P459 # تعطون بهما وافيا، فالآية من الاحتباك، وكان المحكي عنه هنا من أوائل ~~قوله لهم فترك التأكيد الرافع لمجاز المقاربة بذكر القسط. # ولما كان الأمر بالوفاء يتضمن النهي عن البخس، صريح به على وجه يعم غيره ~~فقال: {ولا تبخسوا} أي تنقصوا وتفسدوا كما أفسد البخسة {الناس أشياءهم} أي ~~شيئا من البخس في كيل ولا وزن ولا غيرهما، والناس - قال في القاموس - يكون ~~من الإنس ومن الجن جمع إنس أصله أناس جمع عزيز أدخل عليه «أل» ، وقال أبو ~~عبد الله القزاز: الناس أصله عند البصريين أناس، ثم أدخلوا الألف واللام ~~على ذلك وحذفوا الهمزة وبقي الناس، وكان أصله فعال من: أنست به، فكأنه قيل: ~~أناس - يعني ms1589 على القلب، قال: لأنه يؤنس إليهم - انتهى. إذا علم هذا علم أن ~~نهيه صلى الله عليه وسلم عن بخس الجمع الذين فيهم قوة المدافعة نهى عن بخس ~~الواحد من باب الأخرى لأن الشرائع إنما جاءت بتقوية الضعيف على حقه. # ولما نهى عن الفساد بالبخس، عم كل فساد فقال: {ولا تفسدوا} أي توقعوا ~~الفساد {في الأرض} بوضع شيء من حق الحق أو الخلق في غير موضعه؛ ولما نهاهم ~~عن هذه الرذائل، ذكر بنعمة الله تاكيدا للنهي بما في ذلك من التخويف وحثا ~~على التخلق بوصف السيد فقال: {بعد إصلاحها} أي إصلاح الله لها بنعمة ~~الإيجاد الأول بخلقها وخلق منافعها وما فيها على هذا النظام البديع المحكم ~~ثم بنعمة الإبقاء الأول # PageV07P460 # بإنزال الكتب وإرسال الرسل ونصب الشرائع التي بها يحصل النفع وتتم النعمة ~~بإصلاح أمر المعاش والمعاد بتعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله، ويجمع ~~ذلك كله التنزه عن الإساءة. # ولما تقدم إليهم بالأمر والنهي، أشار إلى عظمة ما تضمنه ذلك حثا لهم على ~~امتثاله فقال: {ذلكم} أي الأمر العظيم العالي الرتبه مما ذكر في هذه القصة ~~{خير لكم} ولما كان الكافر ناقص المدارك كامل المهالك، أشارإلى ذلك بقوله: ~~{إن كنتم مؤمنين*} أي فلا تفسدوا أو فأنتم تعرفون صحة ما قلته، وإذ عرفتم ~~صحته عملتم به، وإذا عملتم به أفلحتم كل الفلاح، ويجوز- وهو أحسن - أن يكون ~~التقدير: فهو خير لكم، لأن المؤمن يثاب على فعله لبنائه له على أساس ~~الإيمان، والكافر أعماله فاسده فلا يكون فعله لهذه الأشياء خيرا له من جهة ~~إسعادة في الآخرة لأنه لا ثواب له. # PageV07P461 # ولما كان للتعميم بعد التخصيص والتفصيل بعد الإجمال من الموقع في النفوس ~~ما لا يخفى، وكان النهي عن الإفساد بالصد عن سبيل الله هو المقصود بالذات ~~لأنه ينهى عن كل فساد، خصه بالذكر إشارة إلى أنه زبدة المراد بعد التعميم ~~فقال: {ولا تقعدوا} أي تفعلوا فعل المترصد المقبل بكليته {بكل صراط} أي ~~طريق من طرق الدنيا والدين من الحلال والحرام والأوامر والنواهي والمحكم ms1590 ~~والمتشابه والأمثال # PageV07P461 # {توعدون} أي تتهددون من يسلكه بكل شر إن لم يوافقكم على ما تريدون. # ولما كان طريق الدين أهم، خصه بالذكر فقال: {وتصدون} أي توقعون الصد على ~~سبيل الاستمرار {عن سبيل الله} أي طريق من له الأمر كله؛ ولما ذكر الصدود ~~عنه، ذكر المصدود فقال: {من آمن به} آي بالله فسلك سبيله التي لا أقوم ~~منها؛ ولما كانوا لا يقنعون بمطلق الصد بالتهديد ونحوه، بل يبدون للمصدود ~~شبها توهمه أنه على ضلال، قال عاطفا: {وتبغونها عوجا} أي وتطلبون السبيل ~~حال كونها ذات عوج، أي تطلبون اعوجاجها بإلقاء الشبهات والشكوك كما تقول: ~~أريد فلانا ملكا، أي أريد ملكه، وقد تقدم في آل عمران أن نصبه على الحال ~~أرجح، وأن قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح «ابغني أحجارا أستنفض بها» ~~يرجح نصبه على المفعولية - والله اعلم. # ولما كانت أفعالهم نقص الناس إما في الأموال بالبخس وإما في الإيمان ~~والنصرة بالصد، ذكرهم أن الله تعالى فعل معهم ضد ذلك من التكثير بعد القلة ~~في سياق منذر باجتثاثهم عن وجه الأرض وخصهم فضلا عن تقليلهم ونقصهم، فقال ~~عطفا على قوله {اعبدوا الله} وما بعده من الأوامر والنواهي: {واذكروا إذ} ~~أي حين {كنتم قليلا} أي في العدد والمدد {فكثركم} أي كثر عددكم وأموالكم ~~وكل شيء ينسب إليكم، فلا تقابلوا النعمة بضدها، فإن ذكر النعمة مرغب في ~~الشكر. # PageV07P462 # ولما رغبهم بالتذكير بالنعمة، حذرهم بالتذكير بأهل النقمة فقال: {وانظروا ~~كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المفسدين*} أي في عموم الإهلاك بأنواع العذاب ~~لتحذروا من أن يصيبكم مثل ما أصابهم كما صرح به في سورة هود لكون الحال ~~هناك مقتضيا للبسط كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # ولما حذرهم وخامة الفساد الذي نهاهم عنه، وعلق انتهاءهم عنه بوصف ~~الإيمان، رجع إلى قسم ما شرط به الانتهاء عن الإفساد فقال: {وإن كان طائفة ~~منكم} أي جماعة فيهم كثرة بحيث يتحلقون بمن يريدون {آمنوا بالذي أرسلت به} ~~وبناه للمفعول إشارة إلى أن الفاعل معروف بما تقدم من السياق، ms1591 وأنه صار ~~بحيث لا يتطرق إليه شك لما نصب من الدلالات {وطائفة} أي منكم {لم يؤمنوا} ~~أي بالذي أرسلني به من أيدني بما عملتم من البينات، وحذرهم سطوته بقوله: ~~{فاصبروا} أي أيها الفريقان {حتى يحكم الله} أي الذي له جميع العظمة ~~{بيننا} أي بين فريقنا بإعزاز المصلح وإهلاك المفسد كما أجرى بذلك عادته ~~{وهو} أي الحال أنه {خير الحاكمين*} لأنه يفصل النزاع على أتم وجه وأحكمه. # PageV07P463 # ولما انتهى كلامه عليه السلام على هذا الوجه البديع، أخبر سبحانه بما ~~أفهم أن قومه لم يجدوا جوابا عنه أصلا لأنهم انتقلوا إلى الدفاع بالفعل، ~~وهو أمارة الانقطاع، فقال مستأنفا: {قال الملأ} أي الأشراف {الذين ~~استكبروا} أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب له بغاية الرغبة، وخصهم ليحصل ~~تمام التسلية بقوله: {من قومه لنخرجنك} وبين غلظتهم وحفاءهم بقولهم: {يا ~~شعيب} من غير استعطاف ولا إجلال {والذين آمنوا} ويجوز أن يتعلق قوله: {معك} ~~ب «آمنوا» وب «نخرج» {من قريتنا} أي من المكان الجامع لنا لمفارقتكم إيانا ~~{أو لتعودن} أي إلا أن تعودوا، أي ليكونن آخر الأمرين: إما الإخراج وإما ~~العود {في ملتنا} أي بالسكوت عنا كما كنتم، ولم يريدوا منه العود إلى الكفر ~~لأنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظا قبل النبوة كإخوانه من الأنبياء عليهم ~~السلام، بل كانوا يعدون سكوته عليه السلام - قبل إرساله إليهم من دعائهم ~~وسب آلهتهم وعيب دينهم - كونا في ملتهم، ومرادهم الآن رجوعه عليه السلام ~~إلى تلك الحالة # PageV08P001 # والقناعة ممن اتبعه بذلك، فيكون مرادهم بالعود حقيقة في الجميع. # ولما كان من الإخراج والرد مستعظما، أخبر تعالى أنه أنكره بقوله: {قال ~~أولو} أي أتخرجوننا أو تعيدوننا لو كنا راضين للإخراج والعود ولو {كنا ~~كارهين*} . # ولما كان العرب أبعد الناس من مطلق الكذب وأشدهم له تحاميا ومنه نفرة ~~فكيف بالكذب على الأكابر فكيف به على الملوك فيكف به على ملك الملوك! علق ~~الكذب على الله تعالى بالعود إلى ملتهم بقوله مستأنفا الإخبار لمن تشوف إلى ~~علم ما كان منه بعد هذا الكلام ms1592 اللين وتوقع غيره: {قد افترينا} أي تعمدنا ~~الآن بما نقوله لكم، أي من أن الله حرم الكفر والإقرار عليه {على الله} أي ~~الذي له جميع العظمة {كذبا} ويجوز أن يكون تنوينه للتعظيم، ويجوز أن يكون ~~للتحقير، ولكل وجه يدعو إليه المقام لا يخفى {إن عدنا} أي ساعة من الدهر ~~{في ملتكم} أي بسكوتنا أو بسكوتي وكفر من كان ممن تبعني كافرا {بعد إذ ~~نجانا الله} أي الملك الأعلى خارقا للعادة بما كنا جديرين بالانغماس فيه ~~متابعة للآباء والأجداد والعشيرة بما له من القدرة والعظمة {منها} أي إن ~~فعلنا ذلك فقد ارتكبنا أقبح القبائح على بصيرة منا بذلك، فهو تعليق على ~~محال عادة، وهو من وادي قول الأشتر النخعي: # PageV08P002 # بقيت وفري وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس # إن لم أشن على ابن هند غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس # غير أن المعلق في البيت تقديري، وفي الآية تحقيقي، لأنهم أخبروهم أن الله ~~تعالى نهى عن الكفر وأمرهم بإنذار كل كافر، فمتى تركوا ذلك لزمهم الكذب ~~حتما {وما يكون لنا} أي ما يصح وما يتفق {أن نعود فيها} أي ملكتم. # ولما كان الله سبحانه أن يفعل ما يشاء لا واجب عليه ولا قبيح منه، أشار ~~إلى ذلك بقوله: {إلا أن يشاء الله} فذكر اسم الذات إشارة إلى أن له جميع ~~الحمد لذاته؛ ثم ذكر صفه الإحسان عياذا من أن يراد بهم الهوان فقال: {ربنا} ~~أي خرق العادة فله ذلك، فهو من باب التذكر للمخاوف والإشراف على إمكان سوء ~~العواقب للصدق في التضرع إلى الله تعالى والالتجاء إليه والاستعاذة من ~~مكره، ولذلك أتى باسم الجلالة الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى وصفة ~~الربوبية الملتمس بذكرها فعل ما يفعل لمربي الشفيق، فكأنه قال: إن عودنا في ~~ملتكم غير ممكن عادة، والمحال عادة لا يقدر عليه إلا بقدر من الله، بل ولا ~~توجه الهمم إليه، والله تعالى أكرام من أن يعود فيما وهبه لنا من هذا الأمر ~~الجليل، # PageV08P003 # وينزع عنا هذا اللباس الجميل، وهو ms1593 صريح في أن الكفر يكون بمشيئة الله، بل ~~ولا يكون إلا بمشيئته، وقوله: {وسع ربنا} أي المحسن إلينا {كل شيء علما} ~~زيادة في حث أمته على الالتجاء والتبري من الحول والقوة، أي لا علم لنا ~~بخواتم العمال والعلم لله فهو التام العلم الكامل القدرة، فهذه الجملة ~~كالتعليل للتعليق بالمشيئة قطعا - لما عساه أن يحدث من طمع المخاطبين في ~~عودهم، كأنه قيل: وإنما علقنا العود بالمشيئة لنقص علومنا، فربما كان في ~~سعة علمه قسم ثالث، وهو أن نكون في القرية على ديننا وتكونون أنتم أو لا، ~~أو توافقوننا على ما نحن عليه، وهكذا ينبغي للمربوب، ولا ينبغي الجزم بأمر ~~يستقبل إلا الله ربنا لإحاطة علمه، والآية تدل على انه كان في الأزل عالما ~~بكل شيء من الكليات والجزئيات لأن «وسع» ماض، وقد تقدم في الأنعام أن قول ~~الخليل عليه السلام وهذا وآية الكهف من مخبر واحد - والله أعلم. # ولما كان المراد من هذا ما ذكر، كان مزعجا للقلوب مقلقا للنفوس مزعزعا ~~للخواطر مزلزلا للأفكار بتأمل هذه الأخطار المشفية على غاية الخسار، فكأن ~~المؤمنين قالوا: ما العمل وأين المفر؟ فقال: {على الله} أي الذي له الأمر ~~كله ولا أمر لأحد معه، وحده لا على غيره {توكلنا} أي فوضنا جميع أمورنا ~~إليه، وهو أكرم من أن يختار لنا غير الأرشد # PageV08P004 # وقد تبرأنا من حولنا وقوتنا واعتصمنا بحوله وقوته، وجعلنا جميع أمورنا ~~كلها محمولة على قدرته كما يحمل الوكيل أمر موكله عنه ويريحه من همه وقلقه ~~منه. # ولما جرت العادة بأن الموكل يخبر الوكيل بما يريد ليفعله، أتبع ذلك ~~الدعاء بالحكم بما يقتضيه ظاهر الحال من نصر المحق وخذل المبطل فقال: ~~{ربنا} أي أيها المحسن إلينا {افتح} أي احكم {بيننا} ولما كان يريد ~~استعطافهم لإسعادهم قال: {وبين قومنا} وفيه إشارة إلى ميله إلى الدعاء ~~بهدايتهم، وأدب بعدم التصريح بما لم يؤذن له فيه {بالحق} أي بالأمر الفيصل ~~من معاملة كل من المحق والمبطل بما يستحقه شرعا وعرفا بحيث يكون لكل فريق ~~باب يصل به ms1594 إلى غاية أمره وهذا مقام الإنصاف، فقد علم من إشارة قوله ~~العناية بقومه، ومن عبارته الإنصاف من نفسه، ولو أراد ترجيح نفسه ومتبعيه ~~لدعا لهم أن يعاملوا بالفضل وأن يعامل ضدهم بالعدل، والآية معلمة بأن له ~~تعالى أن يفعل ما يريد من خذلان الظالم ونصر المظلوم وتعذيب العاصي وإثابة ~~الطائع وعكس ذلك، # {لا يسئل عما يفعل} [الأنبياء: 23] لأنه التام الملك العظيم الملك الشامل ~~القدرة الحكيم الخبير، ويجوز أن يكون المراد: لا نعود إلى ما كنا عليه من ~~السكوت عن دعائكم إلى الله ونهيكم عن أفعال الضلال لأنا أمرنا بإنذاركم إلا ~~أن يشاء الله سكوتنا بامر يحدثه إلينا في ذلك # PageV08P005 # لمصلحة اقتضاها علمه وقصرت عنها علومنا، فإذا أراد ذلك وأمرنا به فعلنا، ~~فله الخلق والأمر. # ولما اشار الدعاء لقومه، أشار - بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر - إلى أن ~~التقدير: فأنت خير الراحمين: {وأنت خير الفاتحين*} أي على من سدت عليه ~~الأبواب ولم يجد مخلصا. # PageV08P006 # ولما انقضى جواب الفصل المبني على إبطال الفضل وإظهار العدل، ذكر سبحانه ~~قولهم بعده عاطفا له على ما مضى من قولهم أو قوله، كان الأصل أن يقال: ~~وقالوا، ولكنه أظهر الوصف بالشرف إشارة إلى أنه الذي حملهم على نتيجة ~~الاستكبار وهي الكفر، ثم لم يرضوا به حتى أضافوا إليه تكفير غيرهم فقال: ~~{وقال الملأ} أي الأكابر {الذين} يملؤون العيون مرأى والقلوب مهابة، فحلمهم ~~التكبر على أنهم {كفروا} . # ولما كان من المستبعد أن يكون أقاربه يتنكبون عما أتاهم به من الخير لحسد ~~أو اتهام أو غيرها، فكان ربما ظن أن هؤلاء الذين يعاملونه بهذه الغلطة ~~أجانب عنه، قال: {من قومه} بيانا لأن الفضل بيد الله فقد يؤتيه البغيض ~~البعيد ويمنعه الحبيب القريب {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56] ، ووطؤوا ~~للقسم بقولهم: {لئن اتبعتم} أي أيها الأتباع ممن لم يؤمن بعد {شعيبا} أو ~~تركتم ما أنتم عليه مما أورثه لكم # PageV08P006 # آباؤكم؛ واجاب القسم بما سد عن جواب الشرط بقوله: {إنكم إذا} أي وقت ~~اتباعه {لخاسرون*} أي لأنكم استبدلتم بدين ms1595 الآباء غيره وحرمتم فوائد البخس ~~والتطفيف وقط السبل. # ولما كمل إثمهم بالضلال والإضلال، استحقوا الأخذ فقال: {فأخذتهم} أي ~~فتسبب عن أقوالهم هذه وأفعالهم أنه أخذتهم {الرجفة} أي الزلزلة العظيمة في ~~القلوب أو الديار التي كانت سببا للصيحة أو مسببة عنها {فأصبحوا في دارهم} ~~أي مساكنهم، وتقدم سر توحيدها {جاثمين*} أي باركين على الركب أو لازمين ~~أمكنتهم لا حراك بهم، وهذا دون ما كان النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت ~~الملائكة بحنين، فكان الكفار يسمعون في أجوافهم مثل وقع الحصاة في الطست، ~~ودون ما كان يجد مخالفه من الرعب من مسيرة شهر من ورائه وشهر من أمامه، ~~ولكونه كان نبي الرحمة ما اقتضى ذلك الهلاك بل النجاة. # ولما أخبر سبحانه بهلاكهم وما سببه من أقوالهم وأفعالهم، وكان للتخليص من ~~العظمة في القلوب بتصوير المخلص للأذهان ما لا يخفى، لخص ذلك ذاكرا لأنه حل ~~بهم بالخصوص - ما نسبوا إلى المؤمنين من الخسارة فقال: {الذين كذبوا شعيبا} ~~أي نسبوه إلى الكذب فيما قاله عنا وأيدناه فيه بالبينات {كأن} أي هم ~~المخصصون بالهلاك # PageV08P007 # حتى كأنهم {لم يغنوا} أي ينزلوا ويقيموا، وبطل مقامهم لاهين بالأفراح ~~والغناء والاستغناء من المغاني وهي المنازل والاستغناء {فيها} أي الدار ~~بسبب تكذيبهم. # ولما كان تكذيب الصادقين لا سيما الرسل في غاية الشناعة، كرره إشارة إلى ~~ذلك وإعلاما بأنه سبب لهم أعظم من هلاك الأشباح ضد ما سبب التصديق للمؤمنين ~~فقال: {الذين كذبوا شعيبا} أي تكذيبه سببا لهلاكهم {كانوا} أي بسبب التكذيب ~~أيضا {هم} أي خاصة {الخاسرين*} أي خسروا أرواحهم كما خسروا أشباحهم فهم لما ~~سوى ذلك أخسر، وأما الذين اتبعوه فما نالهم شيء من الخسار، وفي هذا ~~الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه ~~لآرائهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم. # ولما صارت تلك الدار محل الغضب، سبب ذلك أن هاجر عنها كما كانت عادة من ~~قبله من الأنبياء عليهم السلام، فقال: {فتولىعنهم} بعد نزول العذاب وقبله ~~عند رؤية مخايله ذاهبا إلى مكان غيره، يعبد ms1596 ربه فيه {وقال} متأسفا على ما ~~فاته من هدايتهم {يا قوم} أي يا عشيرتي وأقرب الناس إلي {لقد أبلغتكم} ~~ولعله جمع لأجل كثرة ما أتاهم به من المعجزات فقال: {رسالات ربي} أي المحسن ~~إلي بإنجائي ومن تبعني من عذابكم لتوفيقه لنا إلى ما يرضيه {ونصحت} أي ~~وأوقعت النصح # PageV08P008 # {لكم} أي خاصة. # ولما كان هذا مفهما لما طبع البشر من الأسف أهله وعشيرته، سبب عنه منكرا ~~على نفسه قوله: {فكيف آسى} أي أحزن حزنا شديدا {على قوم كافرين*} أي عريقين ~~في الكفر، فعرف أنه أسف عليهم من أجل قربهم وفوات الإيمان لهم غير آسف ~~عليهم من أجل كفرهم، وتخصيص تكرير هذه القصص الخمس على هذا الترتيب في كثير ~~من سور القرآن- دون قصة إبراهيم عليه السلام وهو أعظمهم - لانتظامهم في ~~أنهم أقرت أعينهم بأن رأوا مصارع من خالفهم، وأما إبراهيم عليه السلام فإنه ~~وقع النص في قوله {إني ذاهب إلى ربي سيهدين} [الصافات: 99] بأنه خرج من بين ~~قومه قبل عذابهم ولم يسلك به سبيلهم في إقرار عينه بإهلاك من كذبه بحضرته، ~~وهو أفضلهم لأن الكائن في قصته أعظم في الأفضلية، وهو طبق ما اتفق لولده ~~أفضل البشر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وانظر إلى قوله تعالى {وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] تعرف ما في هذا المقام من الإكرام، ~~وأن الأمر كما قيل: لعين تجازى ألف عين وتكرم. # ولما قدم سبحانه إجمال الإنذار بما اشتركت فيه الأمم من الإهلاك بقوله ~~تعالى: {وكم من قرية أهلكناها} [الأعراف: 4] الآية، ثم أتبعه - بعد تقديم ~~ما يحتاج إليه على النظم الذي سبق التنبيه عليه - تفصيل ما انفردت به كل ~~أمه من العذاب الحاث على سبيل الصواب، أتبع ذلك إجمالا آخر أبسط من الأول ~~على نمط غريب دال على عادته المستمرة وسنته المستقرة في شرح # PageV08P009 # حال هؤلاء الأمم الذين ذكرهم وغيرهم، لئلا يظن أن غيرهم كان حاله غير ~~حالهم، فبين أن الكل على نهج واحد وأن السبب في استئصالهم واحد، وهو ~~التكذيب والاستكبار على الحق، ms1597 ليكون الإجمال كالضوابط والقواعد الكلية ~~لتنطبق على الجزيئات. وذلك الاستبصار بما يكون من نافع أو ضار وعدم ~~الاغترار بأحوال المستدرجين الأشرار متكفل بالتسلية لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم والتأسية، متقدم على قصة موسى وهارون عليهما السلام لطولها وتعجيلا ~~بما في ذلك من مصارع الإنذار بقوله تعالى: {وما} أي أرسلنا فلانا فكان كذا ~~وفلانا فكان كذا، وما {أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {في قرية} أي من قرى ~~أولئك وغيرهم {من نبي} أي من الأنبياء الذين تقدموك {إلا} كان ما نخبر به ~~من ترهيبهم من سطواتنا وهو أنا {أخذنا} أي بعظمتنا {أهلها} أي أخذ قهر ~~وسطوة، أي لأجل استكبارهم عن الحق {بالبأساء} أي قهر الرجال {والضراء} أي ~~المرض والفقر {لعلهم يضرعون*} أي ليكون حالهم عند المساءة حال من يرجى ~~تضرعه وتذلله وتخضعه لمن لا يكشف ذلك عنه غيره ولو كان التضرع في أدنى ~~المراتب - على ما أشار إليه الإدغام، لأن ذلك كاف في # PageV08P010 # الإنقاذ من عذاب الإنذار الذي هذه سورته بخلاف ما مضى في الأنعام. # ولما لم يتضرعوا صادقين من قلوبهم معترفين بالحق لأهله كما يحق له، ~~استدراجهم بإدرار النعم، فقال مشيرا إلى طول مدة الابتلاء واستبعادهم لكشف ~~ذلك البلاء: {ثم بدلنا} ومظهر العظمة يؤيد الاحتمال الثاني {مكان} أي جعلنا ~~{السيئة} أي النقمة {الحسنة} أي النعمة، وبين أنه مد النعمة بقوله: {حتى ~~عفوا} أي بدل كثروا وكثرت نعمهم فلم يشكروا {وقالوا} مسندين الأمر إلى غير ~~أهله {قد مس آباءنا الضراء} أي الشدة {والسراء} أي الرخاء والنعمة، معتقدين ~~أن هذه عادة الدهر لا فعل الفاعل المختار. # ولما لم يعتبروا ويعلموا أن ذلك ممن يحب أن لا يعدل عن بابه ولا يغفل عن ~~جنابه، وظنوا أن ذلك دأب الدهر وفعل الزمان، واستمروا على فسادهم في حال ~~الشدة والرخاء، سبب عنه قوله: {فأخذناهم} أي بعظمتنا أشد الأخذ وأفظعه في ~~الظاهر والباطن {بغتة} أي فجأة حتى لا ينفعهم التوبة، وأكد معنى البغت ~~تحقيقا لأمره بقوله: {وهم لا يشعرون*} فحق من سمع هذا أن يبادر إلى ms1598 الرجوع ~~عن كل مخالفة فيها خوفا من الأخذ بغتة. # ولما بين تعالى ما كان قولهم مسببا له من الأخذ بغتة، بين ما كان يكون ضد ~~قولهم مسببا له من البركات لو وقع بقوله: {ولو أن أهل القرى} أي هذه التي ~~قصصنا أخبارها {آمنوا} أي بما أتاهم به رسلهم # PageV08P011 # {واتقوا} أي خافوا أمر الله وجعلوا بينهم وبين سخطه وقاية من طاعاته ~~فاستمروا على إيمانهم {لفتحنا عليهم بركات} أي خيرات ثابته لا يقدر أحد على ~~إزالتها {من السماء} أي بالمطر الذي يكون كأفواه القرب وما شابهه {والأرض} ~~بالنبت الغليظ وما قاربه، وقراءة ابن عامر بالتشديد يدل على كثرة تلك ~~البركات، وأصل البركة الموظبة على الخير. # ولما كان الكلام بما أفهمته {لو} في قوة أنهم يؤمنوا عبر بقوله: {ولكن ~~كذبوا} أي كان التكذيب ديدنهم وشأنهم، فلذلك لم يصدقوا رسلنا في شيء، ولما ~~كان التكذيب موضع الجلافة والجمود الذي هو سبب لعدم النظر في الدليل، سبب ~~عنه العذاب فقال: {فأخذناهم} أي بما لنا من العظمة {بما} أي بسبب ما {كانوا ~~يكسبون*} أي بجبلاتهم الخبيثة من الأعمال المناسبة لها. # PageV08P012 # ولما كانوا قد ضلوا ضلالا بعيدا في غلطهم في جعلهم السراء والضراء سببا ~~للأمن من مكر الله، قال منكرا عليهم أمنهم عاطفا له على {كذبوا} لأنه سبب ~~الغلط وهو سبب الأمن فقال: {أفأمن أهل القرى} أي كذبوا ناسين أفعالنا ~~المرهبة بالمضار والمرغبة بالمسار فأمنوا {أن يأتيهم بأسنا} أي الناشىء عما ~~لنا من العظمة التي لا ينساها إلا خاسر {بياتا} أي ليلا وهم قد أخذوا ~~الراحة في بيوتهم، ولما كان النوم شيئا واحدا يغمر الحواس فيقتضي ~~الاستقرار، عبر بالاسم الدال على الثبات فقال: {وهم نائمون*} أي على غاية ~~الغفلة عنه. # PageV08P012 # ولما كان ربما قال جاهل: لو جاءهم وهم إيقاظ لأمكن أن يدافعوا! قال: {أو ~~أمن أهل القرى} أي مجتمعين أو منفردين فأنه لا فرق عندنا في ذلك {أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى} أي وقت راحتهم واجتماع قواهم ونشاطهم؛ ولما كانت اليقظة موجبة ~~للحركة، عبر بالمضارع في قوله: {وهم ms1599 يلعبون*} أي يتجدد لعبهم شيئا فشيئا في ~~ذلك الوقت، وفيه تقريع لهم بنسبتهم إلى أنهم صبيان العقول، لا التفات لهم ~~إلى غير اللعب. # ولما كان ضلالهم - الذي نسبوا فيه الأمر إلى غير أهله - أشنع ضلال لتضمنه ~~التعطيل وما يجر إليه من الأباطيل، كرر الإنكار عليهم على وجه أشد من الأول ~~فقال مسببا الإنكار عما أثبت هذا الكلام من العظمة التي لا يتمارى فيها ذو ~~لب: {أفأمنوا مكر الله} أي فعله الذي يشبه المكر بأخذ الإنسان من حيث لا ~~يشعر بالاستدراج بما يريد من النعم والنقم؛ وسبب عن ذلك قوله: {فلا يأمن ~~مكر الله} أي الذي لا أعظم منه فلا يرد له أمر {إلا القوم الخاسرون*} أي ~~الذين كانت قواهم سببا لعراقتهم في الأفعال الضارة والخصال المهلكة. # ولما بان بما مضى حال الكفار مجملا ومفصلا، وكان المقصود من ذلك عبرة ~~السامعين، وكان أخذهم بالبأساء والضراء مع إبقاء مهجهم وحفظ أرواحهم ~~وأفهامهم بعد إهلاك من قبلهم في بعض ما لحقهم من ذلك وإيراثهم الأرض من ~~بعدهم حالا يكونون بها في حيز من يرجى # PageV08P013 # منه الخوف المقتضي للتضرع والعلم قطعا بأن الفاعل لذلك هو الله، وأنه لو ~~شاء لأهلكهم بالذنوب أو غطى أفهامهم بحيث يصيرون كالبهائم لا يسمعون إلا ~~دعاء ونداء، فسماعهم حيث لا فهم كلا سماع، فجعلوا ذلك سببا للأمن؛ أنكر ~~عليهم ذلك بقوله {أفأمن} إلى آخره؛ ثم أنكر عليهم عدم الاستدلال على القدرة ~~فقال عاطفا على {أفأمن} : {أولم يهد} أي يبين أخذنا الأمم الماضية بالبأساء ~~والضراء ثم إهلاكهم إذا لم يتعظوا {للذين يرثون الأرض} وأظهر موضع الإضمار ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف وإشارة إلى بلادتهم لعدم البحث عن الأخبار ~~ليعلموا منها ما يضر وما ينفع فلا يكونوا كالبهائم، فإنهم لو تأملوا ~~أحوالهم وأحوال من ورثوا أرضهم وأحوال الأرض لكفاهم ذلك في الهداية إلى ~~سواء السبيل. # ولما كان إرثهم غير مستغرق للزمان، أتى بالجار فقال: {من بعد أهلها} ثم ~~ذكر مفعول {يهد} بقوله: {أن} أي إنا {لو نشاء} أي في أي وقت أردنا ms1600 {أصبناهم ~~بذنوبهم} أي إصابة نمحقهم بها كما فعلنا بمن ورثوا أرضهم؛ ولما كان هذا ~~تخويفا للموجودين بعد المهلكين، ومنهم قريش وسائر العرب الذين يخاطبون بهذا ~~القرآن، فكأن المخوف به لم يقع بعد، عطف على أصبنا قوله: {ونطبع على ~~قلوبهم} أي بإزالة عقولهم حتى يكونوا كالبهائم، ولذلك سبب عنه قوله: # PageV08P014 # {فهم لا يسمعون*} أي سماع فهم، وعبر عن الإصابة بالماضي إشارة إلى سرعة ~~الإهلاك مع كونه شيئا واحدا غير متجزىء، وعن الطبع بالمضارع إيماء إلى ~~التجدد بحيث لا يمر زمن إلا كانوا فيه في طبع جديد. # PageV08P015 # ولما انقضى ذلك على هذا الوجه الأعظم والنظم الأبلغ الأحكم، وكانت هذه ~~القرى بحيث تعرفها العرب ويرونها، أشار إليهم حثا على الاعتبار بهم، ولما ~~كان أهلها جديرين بالبعد عنهم والهرب منهم، عبر عنهم بأداة البعد فقال: ~~{تلك القرى} أي محال القبائل الخمس، ويجوز أن يكون البعد لعظمة ما حصل ~~لأهلها من العذاب، ويؤيده قوله مبينا لحالها: {نقص عليك} . # ولما كان العاقل من يكفيه أدنى شيء، هول الأمر بأن أخبارها تفوت الحصر، ~~وأن ما قص منها يكفي المعتبر، فقال: {من أنبائها} أي أخبارها العظيمة ~~الهائلة المطابقة للواقع شيئا بعد شيء كما يفعل من يتتبع الأثر، وأنث ~~الضمير لأن لرؤية القرى أنفسها مدخلا في معرفة أخبار أهلها. # ولما كان المقام مقام العجب من التكذيب بعد ذلك البيان، كان ربما تخيل ~~متخيل أنهم لم يؤتوا بالبيان الشافي، فشهد الله تعالى للرسل عليهم السلام ~~تصديقا لمن قال مهم: قد جاءتكم بينة، بقوله: {ولقد} أي والحال أنه قد ~~{جاءتهم} أي أهل القرى لأنهم المقصودون بالذات {رسلهم} أي الذين أرسلناهم ~~إليهم {بالبينات فما} أي فلم يتسبب عن # PageV08P015 # ذلك بسبب طبعنا على قلوبهم إلا أنهم ما {كانوا} موفقين {ليؤمنوا} أي عند ~~مجيئها، وقد أكد منافاة حالهم الإيمان باللام والكون أتم تأكيد {بما} أي ~~بالذي {كذبوا} أي به، وحذفها أدل على الزجر من مطلق التكذيب وأوفق لمقصود ~~السورة. # ولما كان تكذبيهم غير مستغرق للزمان الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} ~~أي قبل مجيء ms1601 الرسل إليهم أو بتكذيبهم الواقع منهم للرسل فيما أتوا به عن ~~الله من قبل الأخذ بغتة، أو من قبل مجيء الرسل بالآيات، فإنهم أول ما ~~جاؤوهم فاجؤوهم بالتكذيب، فجوزوا على تكذيب الحق من غير نظر في دليل بالطبع ~~على قلوبهم فأتوهم. بالمعجزات فأصروا على ذلك التكذيب ووقفوا لذلك الطبع مع ~~حظوظهم، ومنعتهم شماختهم وشدة شكائمهم عن الإيمان لئلا يقال: إنهم خافوا ~~أولا فيما وقع منهم من التكذيب فكانوا فيه على غير بصيرة، أو إنهم خافوا ~~ثانيا ما قرعتهم به الرسل من الوعيد، فدخلوا جبنا فيما يعلمون بطلانه، فكان ~~تزيين هذا لهم طبعا على قلوبهم، فكأنه قيل: إن هذا العجب هل يقع في مثل ذلك ~~أحد؟ فقيل: نعم، مثل ما طبعنا على قلوبهم حتى صارت مع الفهم لا تنتفع، ~~فكأنها لا تفهم فكأنها لا تسمع {كذلك يطبع الله} أي الجامع لصفات الكبر ~~ونعوت الجلال بما يجعل من الرين بما له # PageV08P016 # من العظمة {على قلوب الكافرين*} أي كل من يغطي ما أعطاه الله من نور ~~العقل بما تدعوه إليه نفسه من الهوى عريقا في الاتصاف بذلك فيترك آيات ~~الله. # ولما كان نقض العهد أفظع شيء ولا سيما عند العرب، قال عاطفا على «فما ~~كانوا» : {وما وجدنا} أي في عالم الشهادة {لأكثرهم} أي الناس، وأكد ~~الاستغراق فقال: {من عهد} طبق ما كان عندنا في عالم الغيب، وهذا إما إشارة ~~إلى الميثاق يوم {ألست بربكم} إن كان ذلك على حقيقته، أو إلى ما يفعلون حال ~~الشدائد من الإقلاع عن المعاصي والمعاهدة على الشكر # {لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} [يونس: 22] أو إلى إقامة الحجج ~~بإفاضة العقول ونصب الأدلة، فصار بنصبها وإيضاحها للعقول كأنه أخذ العهد ~~على من عقل أنه يبذل الجهد في التأمل ولا يتجاوز ما أبداه له صحيح النظر ~~{وإن} أي وإنا {وجدنا} أي علمنا في عالم الشهادة {أكثرهم لفاسقين*} أي ~~خارجين عن دائرة العهد مارقين مما أوقفهم عند الحد عريقين في ذلك طبق ما ~~كنا نعلمه منهم في عالم الغيب، وما ms1602 أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم ~~عليهم به الحجة على ما يتعارفونه بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم. # ولما انقضى بيان هذا الإجمال الخالع لقلوب الرجال، أتبعه الكشف # PageV08P017 # عما كان بعد قصة شعيب عليه السلام من قصة صهره موسى عليه السلام مع فرعون ~~وقومه، وهي كالدليل على آيات الإجمال كما كانت القصص الماضية كالدليل على ~~ما في أول السورة من الإجمال، فإن قصة فرعون مشتملة على الأخذ بالبأساء ~~والضراء، ثم الإنعام بالرخاء والسراء، ثم الأخذ بغتة بسبب شدة الوقوف مع ~~الضلال بعد الكشف الشافي والبيان لما على قلوبهم من الطبع وما قادت إليه ~~الحظوظ من الفسق، وكأنه فصلها عن القصص الماضية تنويها بذكرها وتنبيها على ~~علي قدرها، لأن معجزات صاحبها من معجزات من كان قبله، وجهل من عالجهم كان ~~أعظم وأفحش من جهل تلك الأمم، ولذلك عطفها بأداة البعد مع قرب زمنها من ~~التي قبلها إشارة إلى بعد رتبتها بما فيها من العجائب وما اشتملت عليه من ~~الرغائب والغرائب، ولذلك مد لها الميدان وأطلق في سياقها للجواد العنان ~~فقال: {ثم بعثنا} أي على عظمتنا {من بعدهم} أي الرسل المذكورين والأمم ~~المهلكين {موسى بآياتنا} أي التي يحق لها العظمة بإضافتها إلينا فثبت بها ~~النبوة {إلى فرعون} هو علم جنس لملوك مصر ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك ~~الروم، وكان اسم فرعون موسى عليه السلام قابوس، وقيل: الوليد بن مصعب ابن ~~الريان {وملئه} أي عظماء قومه، وخصمهم # PageV08P018 # لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم، فكأنهم المقصودون والإرسال إليهم إرسال ~~إلى الكل. # ولما سببت لهم الظلم الظلم قال: {فظلموا} أي وقعوا في مثل الظلام حتى ~~وضعوا الأشياء في غير مواضعها فوضعوا الإنكار موضع الإقرار {بها} أي بسبب ~~رؤيتها خوفا على رئاستهم ومملكتهم الفانية أن تخرج من أيديهم؛ ولما كان ذلك ~~من أعجب العجب، وهو أن سبب العدل يكون سبب الظلم، وكان هذا الظلم أعظم ~~الفساد، سبب عنه قوله معجبا: {فانظر} أي بعين البصيرة {كيف كان عاقبة} أي ~~آخر أمر {المفسدين*} فلخص في هذه الآية على ms1603 وجازتها جميع قصتهم على طولها، ~~وقدم ذكر الآيات اهتماما بها ولأنها الدليل على صحة دعوى البعث. # PageV08P019 # ولما كان التقدير عطفا على {فظلموا بها} : ووضعها موسى مواضعها، عبر عنه ~~بقوله: {وقال موسى يا فرعون} خاطبه بما يعجبه امتثالا لأمر الله تعالى له ~~أن يلين في خطابه، وذلك لأن فرعون لقب مدح لمن ملك مصر. # ولما أتاهم عليه السلام وهم عارفون بأمانته وصدقه وعظم مكانته ومكارم ~~أخلاقه وشريف عنصره وعظيم مخبره، وفرعون أعظمهم معرفة به لأنه ربي في حجره، ~~كان هذا حالا مقتضيا لأن يلقي إليهم الكلام غير مؤكد، لكن لما كان الإرسال ~~من الله أمرا عظيما جدا، وكان المقصود # PageV08P019 # به تخلية سبيل بني إسرائيل، وكان فرعون ضنينا بذلك، أكده بعض التأكيد ~~فقال: {إني رسول} ثم بين مرسله بقوله: {من رب العالمين*} أي المحسن إليهم ~~أجمعين - وأنتم منهم - بإيجادهم وتربيتهم، فهو تنبيه لمن سمعه على أن فرعون ~~مربوب مقهور. # ولما خلفه مما يدعيه من الربوبية دالا على تسويته ببقية العالمين: ناطقهم ~~وصامتهم، وكان لذلك بعيدا من الإذعان لهذا الكلام، أتبعه قوله على وجه ~~التأكيد مستأنفا بيان ما يلزم للرسول: {حقيق} أي بالغ في الحقية، وهي ~~الثبات الذي لا يمكن زواله {على أن لا أقول على الله} أي الذي له جميع ~~الكمال، ولا عظمة لسواه ولا جلال {إلا الحق} أي الثابت الذي لا تمكن ~~المماراة فيه اصلا لما يصدقه من المعجزات، وحاصل العبارة ومآلها: حق على ~~قولي الذي أطلقه على الله أن لا يكون إلا الحق أي غير الحق، ولذلك عبر ~~بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات، وقراءة نافع بتشديد ياء الإضافة في ~~{على} بمعنى هذا سواء، لأن من حق عليه شيء حق على كلامه. # ولما كان الحال إذ ذاك يقتضي توقع إقامة موسى عليه السلام البينة على صحة ~~رسالته كان كأنه قيل: ما دليل صدقك؟ فقال مفتتحا بحرف التوقع والتحقيق: {قد ~~جئتكم} أي كلكم، لا أخص أحدا منكم {ببينة} # PageV08P020 # دليلا على رسالتي وقولي الحق {من ربكم} أي المحسن إليكم بكل نعمة ترونها ~~لديكم ms1604 من خلقكم وزرقكم وكف الأمم عن انتزاع هذا الملك منكم وإهلاككم، وتلك ~~البينة هي المعجزة، فكرر البيان في هذا الكلام على أن فرعون ليس كما يدعي ~~لأنه مربوب، لا فرق بينة وبين بقية العالمين في ذلك. # ولما كان من المعلوم أن مثله في تمام عقله وشرف خلائقه لا يدعي في تلك ~~المجامع إلا حقا مع ما نبه عليه من البيان على تفرد الله بالإلهية كما تفرد ~~بالإحسان، كان كأنه أظهر البينة التي أقلها كفهم عن إهلاكهم. فأتبع ذلك طلب ~~النتيجة إعلاما بغاية ما يريد منهم بقوله مسببا عن مجرد هذا الإخبار الذي ~~كان قد أوقع مضمونه: {فأرسل} أي يا فرعون {معي بني إسرائيل*} أي فسبب ~~إقامتي الدليل على صحة ما قلته أن أمر بما جئت له - وهو إرسالهم معي - أمر ~~من صار له سلطان بإقامة البينة لنذهب كلنا إلى بيت المقدس موطن آبائنا التي ~~أقسم الله لهم أن يورثها أبناءهم، وفي جعل ذلك نتيجة الإرسال إليه تنبيه ~~على أن رسالته مقصورة على قومه، فكأنه قيل: فماذا قال فرعون في جواب هذا ~~الأمر الواضح؟ فقيل: {قال} معرضا عنه معميا له خوفا من غائلته عند من يعرف ~~موسى عليه السلام حق المعرفة معبرا بأداة الشك إيقافا لهم: {إن كنت جئت ~~بآية} أي علامة على صحة رسالتك {فأت بها} فأوهم # PageV08P021 # أنه لم يفهم إلا أن المراد أنه سيقيمها من غير أن يكون في كلامه السابق ~~دلالة على صدقه، وأكد الإبهام والشك بقوله: {إن كنت} أي جبلة وطبعا {من ~~الصادقين*} أي في عداد أهل الصدق العريقين فيه لتصح دعواك عندي وتثبت. # ولما ساق هذا الطلب مساقا دالا على أنه شاك في أمره، أخبر تعالى أنه ~~فاجأه بإظهار الآية دالا على ذلك بالفاء المسببة المعقبة من غير مهلة فقال ~~عن فعل موسى عليه السلام: {فألقى عصاه} وعن فعله هو سبحانه {فإذا هي} أي ~~العصا {ثعبان مبين*} أي ظاهر في كبره وسرعة حركته بحيث إنه لشدة ظهوره كأنه ~~ينادي الناس فيظهر لهم أمره، وهو موضح لصدق ms1605 من تسبب عن فعله في جميع ~~مقالته؛ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ثعبانا أشعر فاغرا فاه، ~~بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور ~~القصر ثم توجه نحو فرعون فوثب من سريره هاربا وأحدث، وحمل على الناس ~~فانهزموا وصاحوا فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، قتل بعضهم بعضا، وصاح فرعون: ~~يا موسى خذه وأنا أومن بك فأخذه فعاد عصا. ثم قال: هل معك آية أخرى؟ قال: ~~نعم {ونزع يده} # PageV08P022 # أي أخرجها من جيبه بعد أن أراه إياها محترقة أدما كما كانت وهو عنده ~~{فإذا هي بيضاء} ونبه على ثبات بياضها وزيادة إعجابه بقوله: {للناظرين*} ~~قال أبو حيان: أي للنظارة، وفي ذكر ذلك تنبيه على عظم بياضها لأنه لا يعرض ~~العجب لهم إلا إذا كان بياضها خارجا عن العادة، وقال ابن عباس: صارت نورا ~~ساطعا يضيء ما بين السماء والأرض، له لمعان مثل لمعان البرق فخروا على ~~وجوههم، وما أعجب أمر هذين الخارقين العظيمين: أحدهما في نفسه وذلك اليد ~~البيضاء، والآخر في غير نفسه وهى العصا التي يمسكها بيده، وجمع بذينك تبديل ~~الذوات من الخشبية إلى الحيوانية، وتبديل الأعراض من السمرة إلى البياض ~~الساطع، فكانا دالين على جواز الأمرين - انتهى. # ولما أتى بالبيان وأقام واضح البرهان، اقتضى الحال السؤال عما أبرزوه من ~~المقال في جوابه فقال: {قال الملأ} أي الأكابر {من قوم فرعون} ما تلقفوه من ~~فرعون واحدا بعد واحد، يلقيه أكبرهم إلى أصغرهم {إن هذا لساحر} أي فهذا ~~الذي رأيتموه أيها الناس من تخييله ما لا حقيقة له، فلا تبادروا إلى ~~متابعته. # ولما كان ذلك خارجا عما ألفوه السحرة قالوا: {عليم*} # PageV08P023 # أي بما هم فيه، بالغ في علمه إلى حد عظيم، فذلك جاء ما رأيتم منه فوق ~~العادة، فكأن فرعون قال ذلك أبتداء - كما في سورة الشورى - فتلقفوه منه ~~وبادروا إلى قوله، يقوله بعضكم لبعض إعلاما بأنهم على غاية الطواعية له ~~خوفا على رئاستهم تحقيقا لقوله تعالى {فاستخف قومه فأطاعوه} [الزخرف: 54] ~~واختير ms1606 هنا إسناده إليهم، لأن السياق للاستدلال على فسق الأكثر، وأما هناك ~~فالسياق لأنه إن أراد سبحانه انزل آية خضعوا لها كما خضع فرعون عند رؤية ما ~~رأى من موسى عليه السلام حتى رضي لنفسه بأن يخاطب عبيده - على ما يزعم - ~~بما يقتضي أن يكون لهم عليه أمر، فلذا كان إسناد القول إليه أحسن، لأن ~~النصرة في مقارعة الرأس أظهر، وخضوع عنقه أضخم وأكبر. # PageV08P024 # ولما خيلوهم حتى أوقفوهم عما فهموا عنهم من المبادرة إلى المتابعة بادعاء ~~أنه ساحر؛ نفروهم من ذلك وخوفوهم بأنه يريد أن يحكم فيهم قومه الذين كانوا ~~عبيدا لهم ويزيحوهم من ديارهم التي هي لأشباحهم مثل أشباحهم لأرواحهم ~~بقوله: {يريد أن يخرجكم} أي أيها القبط {من أرضكم} أي هذه التي أثلها لكم ~~آباؤكم وبها قوامكم؛ ولما كان السياق لبيان فسقهم، أسقط قولهم في الموضع ~~الآخر {بسحره} إفهاما لعجلتهم في إبرام الأمر في ضره إشارة إلى تغاليهم في ~~الفسق بعلمهم # PageV08P024 # أنه محق وليس بساحر. # ولما كان المقصود بهذا الكلام استعطاف المخاطبين، استعطفوهم بعد أن ~~أوقفوهم، ثم خوفوهم بما سببوا عن الخطاب السابق من قولهم: {فماذا تأمرون*} ~~أي تقولون في هذه المشورة أيها السادة ليمتثل. # ولما كان كأنه قيل: فعلى أي شيء استقر رأيهم؟ فقيل: على تاخير الأمر إلى ~~حشر السحرة للمعارضة، أخبر تعالى، دلالة على أن أصل قول الملأ منه، أنهم ~~أقبلوا عليه مخاطبين له ملفتين من أبلغهم عنه تعظيما له مسندين الأمر إليه ~~بقوله: {قالوا} أي الملأ لفرعون بعدما استقر في أذهانهم ما نصبوه إليه من ~~الإرادة {أرجه} أي موسى عليه السلام {وأخاه} أي أخرهما تنفيسا لنا من هذا ~~الخناق إلى وقت ما حتى ننظر في أمرهما {وأرسل في المدائن} أي من ملك مصر ~~{حاشرين*} يحشرون لك السحرة ويجمعونهم من كل فج عميق، والحشر: الجمع بكره ~~{يأتوك بكل} ولما كانت دلالة السياق على رغب فرعون أقل مما في الشعراء لما ~~اقتضاه الحال في كل منهما، قرأ الجمهور: {ساحر عليم*} أي بالغ العلم في ~~السحر، وفي قراءة حمزه والكسائي ms1607 {سحار} زيادة مبالغة أيضا لما # PageV08P025 # رأوا من قلق فرعون في الجملة، وهذا يدل على أن السحرة كانوا في ذلك ~~الزمان عندهم في غاية الكثرة، ويدل على أن في طبع الناس المعارضة، فمهما ~~أمكنت بطلت دعوى النبوة، وإذا تعذرت صحت الدعوى. # ولما كان التقدير: فأخر أمرهما وأرسل كما قالوا، فجمعوا من وجدوه منهم، ~~عطف عليه قوله: {وجاء السحرة فرعون} ولما تشوف السامع إلى خبرهم، قال مجيبا ~~له استئنافا: {قالوا} أي لفرعون عندما حضروا بين يديه متوثقين لنفع أنفسهم ~~مفهمين له أنهم غالبون، لا مانع لهم من ذلك إلا عدم إنصافهم، سائقين للكلام ~~في قراءة الجماعة مساق الاستفهام أدبا معه في طلب الإكرام: {إن لنا لأجرا} ~~وأكدوا طلبا لإخراج الوعد على حال التكذيب {إن كنا نحن} أي خاصة ~~{الغالبين*} ومن أخبر أراد الاستفهام وهم نافع وابن كثير وحفص عن عاصم ~~{قال} أي فرعون {نعم} أي لكم أجر مؤكد الخبر به، وزاد بيان التأكيد بما ~~زادهم به رغبة في قوله: {وإنكم} أي زيادة على ذلك {لمن المقربين*} أي عندي ~~في الحضرة. # ولما فرغوا من محاورته، تشوف السامع إلى قولهم لموسى عليه السلام، ~~فاستأنف قوله جوابا: {قالوا} بادئين باسمه {يا موسى} مخيرين له أدبا معه ~~كما هي عادة عقلاء الأخصام قبل وقوع الخصام في سياق مفهم أن قصدهم الإلقاء ~~أولا، وذلك قولهم: {إما أن تلقي} أي أنت أولا # PageV08P026 # ما تريد أن تلقيه للمغالبة في إظهار صحة دعواك {وإما أن نكون نحن} أي ~~خاصة {الملقين*} أي لما معنا أولا. # ولما فهم موسى عليه السلام مرادهم مما عبر هذا النظم عن حقيقة معناه من ~~تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر وإقحام الفصل، وكان واثقا من ~~الله تعالى بما وعده به جاريا مع مراده، لا فرق بين أن يتقدم أو يتأخر؛ ~~أجابهم إلى سؤالهم. وهو أوقع في ازدراء شأنهم، فاستأنف سبحانه الخبر عنه ~~بقوله: {قال ألقوا} أي أنتم أيها السحرة ما تريدون إلقاءه، وهو أمر تعجيز. # ولما أذن لهم بادروا إلى ذلك كما أفهمه العطف بالفاء في ms1608 قوله: {فلما ~~ألقوا} أي ما أعدوه للسحر {سحروا أعين الناس} أي عن صحة إدراكها حتى خيلوا ~~إليها ما لا على بعض، وبعثوا جماعة ينادون: أيها الناس احذروا {واسترهبوهم} ~~أي وأوجدوا رهبتهم إيجاد راغب فيها طالب لها غاية الطلب. # ولما قيل ذلك، كان ربما ظن أنهم خافوا مما لا يخاف من مثله، فقال تعالى ~~مبينا أنهم معذورون في خوفهم: {وجاءو بسحر عظيم*} قال صاحب كتاب الزينة: ~~والسحر على وجوه كثيرة، منه الأخذ بالعين، # PageV08P027 # ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه، ومنه غير ذلك، وأصله مأخوذ من التعلل ~~بالباطل وقلب الأمر عن وجهه كما ذكرنا من لغة العرب. # ولما تناهى الأمر واشتد التشوف إلى ما صنغ موسى عليه السلام، قال معلما ~~عنه عطفا على {وجاءو} : {وأوحينا} أي مظهرين لعظمتنا على رؤوس الأشهاد بما ~~لا يقدر أحد أن يضاهيه {إلى موسى أن ألق عصاك} أي فألقاها {فإذا هي} من حين ~~إلقائه لها {تلقف} أي تلتقم التقاما حقيقيا شديدا سريعا جدا بما دل عليه ~~حذف التاء، ودل على كثرة ما صنعوا بقوله: {ما يأفكون*} أي يجددون حين ~~إلقائهم في تزويره وقلبه عن وجهه، فابتلعت ما كان ملء الوادي من العصي ~~والحبال، ثم أخذها موسى عليه السلام فإذا هي كما كانت لم يزد شيء من ~~مقدارها على ما كانت عليه، وفي هذا السياق المعلم بتثبت موسى السلام بعد ~~عظيم ما رأى من سحرهم إلى الإيحاء إليه بيان لأدبه عليه السلام في ذلك ~~المقام الضنك وسكونه تحت المقاربة مع مرسله سبحانه إلى بروز أوامره ~~الشريفة. # PageV08P028 # ولما علم أن ما صنعوه إنما هم خيال، وما صنعه موسى عليه السلام أثبت من ~~الجبال، سبب معقبا قوله: {فوقع الحق} أي الذي لا شيء أثبت منه، فالواقع ~~يطابقه لأن باطن الأمر مطابق لما ظهر منه من ابتلاعها # PageV08P028 # لأمتعتهم فالإخبار عنه صدق، وفيه تنبيه على أن فعلهم إنما هو خيال ~~بالنسبة إلى ظاهر الأمر، وأما في الباطن والواقع فلا حقيقة له، فالإخبار عن ~~تحرك ما ألقوه كذب. # ولما أخبر عن ثبات ms1609 الحق، أتبعه زوال الباطل فقال: {وبطل} بحيث عدم أصلا ~~ورأسا {ما كانوا يعملون*} فدل بكان والمضارع على أنهم - مع بطلان ما عملوا ~~- نسوا علمهم بحيث إنه أسند عليهم باب العمل بعد أن كان لهم به ملكة كملكة ~~ما هو كالجبلة - والله أعلم؛ ثم سبب عن هذا قوله: {فغلبوا هنالك} أي عند ~~هذا الأمر العظيم العالي الرتبه {وانقلبوا} أي جزاء على قلبهم لتلك الحقائق ~~عن وجوهها حال كونهم {صاغرين*} أي بعد أن كانوا - عند أنفسهم ومن يقول ~~بقولهم وهوالأغلب - عالين، ولا ذل ولا صغار أعظم في حق المبطل من ظهور ~~بطلان قوله على وجه لا يكون فيه حيلة. # ولما كان الأدب وذل النفس لا يأتي إلا بخير، لأنه اللائق بالعبيد، قاد ~~كثيرا منهم إلى السعادة الأبدية، فلذلك قال: {وألقي السحرة} أي ألقاهم ملقى ~~الخوف من الله والشوق إلى الخضوع بين يديه والذل لديه حين عرفوا أن ما فعله ~~موسى عليه السلام أمر سماوي، صدق الله تعالى به موسى عليه السلام في أنه ~~رسوله، ولم يتأخروا بعد ذلك أصلا حتى كأنهم خروا من غير اختيار {ساجدين*} ~~شكرا لله تعالى وانسلاخا عن الكفر ودليلا على أقصى غايات الخضوع، فعل الله ~~ذلك بهم حتى # PageV08P029 # تبهر به فرعون وملأه وتحير عقولهم. # ولما كانوا بمعرض التشوف العظيم إلى معرفة قولهم بعد فعلهم، أخبر عن ذلك ~~سبحانه بقوله: {قالوا} أي حال إلقائهم للسجود {آمنا} أي كلنا {برب ~~العالمين*} أي الذي خلق فرعون ومن قبله وما يعيشون به؛ ثم خصوا من هداهم ~~الله على أيديهما تصريحا بالمراد وتشريفا لهما فقالوا: {رب موسى} ثم أزالوا ~~الشبهة بحذافيرها - لأن فرعون ربما ادعى بتربية موسى عليه السلام أنه ~~المراد - بقولهم: {وهارون*} وفي الآية دليل على أن ظهور الآية موجب للإيمان ~~عند من ظهرت له، ولو أن الرسول غير مرسل إليه. # ولما صرحوا بالذي آمنوا به تصريحا منع فرعون أن يدلس معه بما يخيل به على ~~قومه، شرع في تهديدهم على وجه يمكر فيه بقومه ويلبس عليهم إيقافا لهم عن ~~المبادرة إلى ms1610 الإيمان - كما بادر السحرة - إلى وقت ما، فاستأنف الخبر عنه ~~سبحانه بقوله مصرحا باسمه غير مضمر له كما في في غير هذه السورة لأن مقصود ~~السورة الإنذار، وهو أحسن الناس بالمناداة عليه في ذلك المقام، وقصته مسوفة ~~لبيان فسق الأكثر، وهو أفسق أهل ذلك العصر: {قال فرعون} منكرا عليهم موبخا ~~لهم بقوله: {آمنتم} أي صدقتم {به} أي بموسى تصديقا آمنه من رجوعكم # PageV08P030 # عنه، ومن أخبر أراد الاستفهام، وأوهم فرعون من فهم عنهم من القبط إرادة ~~الإيمان لأجل ما رأوا من دلائل صدق موسى عليه السلام واقتداء بالسحرة ~~بقوله: {قبل أن آذن لكم} ليوقفهم من خطر المخالفة له بما رجاهم فيه من ~~إذنه، فلما ظن أنهم وقفوا خيلهم بما يذهب عنهم ذلك الخاطر أصلا ورأسا بقوله ~~مؤكدا نفيا لما على قوله من لواتح الكذب: {إن هذا لمكر} أي عظيم جدا، وطول ~~الكلام تبيينا لما أرادوا وتنسية لخاطر الإيمان فقال: {مكرتموه في المدينة} ~~أي على ميعاد بينكم وبين موسى، وحيلة احتلتموها قبل اجتماعكم، وليس إيمانكم ~~لأن صدقه ظهر لكم؛ ثم علل بما يتعلق به فكرهم وتشوش قلوبهم فقال: {لتخرجوا} ~~أي أنتم وموسى عليه السلام {منها أهلها} وتسكنوها أنتم وبنو إسرائيل. # ولما استتب له ما أراد من دقيق المكر، شرع في تهديدهم بما يمنع غيرهم ~~وربما ردهم، فقال مسببا عن ذلك: {فسوف تعلمون*} أي بوعد لا خلف فيه ما أفعل ~~بكم من عذاب لا يحتمل، ثم فسر ما أجمل من هذا الوعيد بقوله: {لأقطعن ~~أيديكم} أي اليمنى مثلا {وأرجلكم} أي اليسرى، ولذلك فسره بقوله: {من خلاف} ~~أي يخالف الطرف - # PageV08P031 # الذي تقطع منه اليد - الطرف الذي تقطع منه الرجل. # ولما كان مقصود هذه السورة الإنذار، فذكر فيها ما وقع لموسى عليه السلام ~~والسحرة على وجه يهول ذكر ما كان من أمر فرعون على وجه يقرب من ذلك، فعبر ~~بحرف التراخي لأن فيه - مع الإطناب الذييكون شاغلا لأصحابه عما أدهشهم مما ~~رأوه - تعظيما لأمر الصلب. فيكون أرهب للسحرة ولمن تزلزل بهم من قومه فقال: ~~{ثم ms1611 لأصلبنكم} أي أعلقنكم ممدودة أيديكم لتصيروا على هيئة الصليب، أو حتى ~~يتقاطر صليبكم وهو الدهن الذي فيكم {أجمعين*} أي لا أترك منكم أحدا لأجعلكم ~~نكالا لغيركم. # PageV08P032 # ولما كان حالا يشوق النفوس إلى جوابهم، استأنفه بقوله: {قالوا} أي ~~أجمعون، لم يرتع منهم إنسان ولا تزلزل عما منحه الله به من رتبة الإيمان ~~{إنا إلى ربنا} أي الذي ما زال يحسن إلينا بنعمه الظاهرة والباطنة حتى جعل ~~آخر ذلك أعظم النعم، لا إلى غيره {منقلبون*} أي بالموت انقلابا ثابتا لا ~~انفكاك لنا عنه إن صلبتنا أو تركتنا، لا طمع لنا في البقاء في الدنيا، فنحن ~~لا نبالي - بعد علمنا بأنا على حالة السعداء - بالموت على أي حالة كان، أو ~~المراد أنا ننقلب إذا قتلتنا إلى من يحسن إلينا بما منه الانتقام منك، ~~ولذلك اتبعوه بقولهم: {وما تنقم} أي تنكر {منا} أي فعلك ذلك بنا وتعيب ~~علينا {إلا أن آمنا} # PageV08P032 # أي إلا ما هو أصل المفاخر كلها وهو الإيمان {بآيات ربنا} أي التي عظمت ~~بكونها صادرة عنه ولم يزل محسنا إلينا فوجب علينا شكره {لما} أي حين ~~{جاءتنا} لم نتأخر عن معرفة الصدق المصدق، وهذا يوجب الإكرام لا الانتقام؛ ~~ثم آذنوه بأنهم مقدمون على كل ما عساه أن يفعل به فقالوا: {ربنا} أي أيها ~~المحسن إلينا القادر على خلاصنا {أفرغ} أي صب صبا غامرا {علينا} أي فيما ~~تهددنا به هذا الذي قويته علينا {صبرا} أي كثيرا تغمرنا به كما يغمر الماء ~~من يفرغ عليه حتى لا يروعنا ما يخوفنا به {وتوفنا} أي اقبض أرواحنا وافية ~~حال كوننا {مسلمين*} أي عريقين في الانقياد بالظاهر والباطن بدلائل الحق، ~~والظاهر أن الله تعالى أجابهم فيما سألوه تلويحا بذكر الرب فلم يقدره عليهم ~~لقوله تعالى {أنتما ومن اتبعكما الغالبون} [القصص: 35] ولم يات في خبر ~~يعتمد أنه قتلهم، وسيأتي في آخر الحديد، عن تاريخ ابن عبد الحكم ما هو صريح ~~في خلاصهم. # ولما قنع فرعون في ذلك الوقت الذي بهرت قومه تلك المعجزة الظاهرة ~~بالانفصال على هذا الوجه ms1612 الذي لم يدع فيه حيلة إلا خيل بها، وخلص موسى عليه ~~السلام بقومه متمكنا منهم بعض التمكن، وكان السياق # PageV08P033 # لبيان أن أكثر الخلق فاسق، أخبر تعالى بما قال قوم فرعون بعدما رأوا من ~~المعجز القاهر دليلا على ذلك، فقال عاطفا على {وألقي السحرة ساجدين} وما ~~بعده، أو على قول فرعون: {وقال الملأ} أي الأشراف {من قوم فرعون} أي ظانين ~~أن فرعون متمكن مما يريد بموسى عليه السلام من الأذى منكرين لما وصل إليه ~~الحال من أمر موسى عليه السلام حين فعل ما فعل وآمن به السحرة، وما عمل ~~فرعون شيئا، لا قتله ولا حبسه، لأنه كان لا يقدرعلى ذلك ولا يعترف به لقومه ~~{أتذر موسى وقومه} . # ولما كان ما كان في أول مجلس من إيمان السحرة جديرا بأن يجر إليه أمثاله، ~~سموه فسادا وجعلوه مقصودا لفرعون إحماء له واستغضابا فقالوا: {ليفسدوا} أي ~~يوقعوا الفساد وهو تغيير الدين {في الأرض} أي التي هي الأرض كلها، وهي ~~أرضنا هذه، أو الأرض كلها، لكون مثل هذا الفعل جديرا برد أهل الأرض كلهم عن ~~عقائدهم {ويذرك وآلهتك} قيل: كان أمر قومه أن يعبدوا الأصنام تقربا إليه، ~~وقال الإمام: الأقرب أنه كان دهريا منكرا لوجود الصانع، وكان يقول: مدبر ~~هذا العالم السفلي هو الكواكب، وأنه المخدوم في العالم للخلق أو لتلك ~~الطائفة والمربي لهم؛ ثم قال: وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال: إنه كان ~~قد اتخذ أصناما على صور الكواكب ويعبدها على ما هو دين عبدة الكواكب انتهى. # ولذلك قال: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] ، - هكذا قيل، # PageV08P034 # وهو ظاهر عبارة التوارة الآتية في آية القمل، ولكن إرادته غير ملائمة ~~لهذه المعادلة، بل الظاهر أنه كان سمى أمراءة آلهة، وسمى لكل أمير قوما ~~يتألهونه أي يطيعونه، فإنه نقل عنهم أنهم كانوا يسمون الحاكم بل والكبير ~~إلها كما سيأتي عن عبارة التوارة، فحيث وقعت الموازنة بين موسى عليه السلام ~~وقومه وبين فرعون وقومه، عبر بالآلهة تعظيما لجانبه بالإشارة إلى أنه إله ~~أي حاكم معبود، ليس وراءه ms1613 منتهى وملؤه كلهم آلهة أي حكام دونه، وموسى عليه ~~السلام ليس بإله ولا في قومه إله بل هم محكوم عليهم فهم ضعفاء فكيف يتركون! ~~وحيث نفي الإلهية عن غيره فبالنظر إلى خطابه للملأ {ما علمت لكم من إله ~~غيري} [القصص: 38] وحيث حشر الرعية ناداهم بقوله {أنا ربكم الأعلى} ~~[النازعات: 24] وكأن ذلك كان يطلق على الحاكم مجازا، فجعلوه حقيقة وصاروا ~~يفعلون ما يختص به الآلهة من التحليل والتحريم كما قال تعالى {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] فكفروا بادعاء الربوبية ~~بمعنى العبودية، ونفي المعبود الحق بدليل آية {ما عملت} ، والحاصل أنهم ~~عيروه بالرضى بأن يكون رئيسا على القبط وموسى عليه السلام رئيسا على بني ~~إسرائيل فيكونوا بهذه المتاركة # PageV08P035 # أكفاء للقبط. # ولما أعجزه الله سبحانه أن يفعل أكثر مما كان يعمل قبل مجيء موسى عليه ~~السلام لما يراد به من الاستدراج إلى الهلاك، أخبر عنه سبحانه بما يفهم ذلك ~~فقال مستأنفا: {قال} أي فرعون {سنقتل} أي تقتيلا كثيرا {أبناءهم} أي كما ~~كنا نفعل {ونستحيي نساءهم} أي نبقيهم أحياء إذلالا لهم وأمنا من غائلتهم في ~~المستقبل {وإنا فوقهم} أي الآن {قاهرون*} ولا أثر لغلبة موسى لنا في هذه ~~المناظر لئلا تتوهم العامة أنه المولود الذي تحدث المنجمون والكهنة بذهاب ~~ملكهم على يده فيثبطهم ذلك عن الطاعة، موهما بهذا أن تركه لأذى موسى عليه ~~السلام لعدم التفاته؟ إليه، لايعجزه شيء عنه. # ولما كان هذا أمرا يزيد من قلق بني إسرائيل لما شموا من رائحة الفرج، ~~استأنف سبحانه الخبر عما ثبتهم به موسى عليه السلام قائلا: {قال موسى ~~لقومه} أي بني إسرائيل الذين فيهم قوة وقيام فيما يريدون من الأمور لو ~~اجتمعت قلوبهم {استعينوا} أي ألصقوا طلب العون {بالله} الذي لا أعظم منه ~~بما يرضيه من العبادة {واصبروا} ثم علل ذلك بأنه فعال لما يريد، ولا اعتراض ~~عليه ولا مفر من حكمه فقال: # PageV08P036 # {إن الأرض} أي كلها مصر وغيرها {لله} أي الذي لا أمر لأحد معه، كرره ~~تذكيرا بالعظمة وتصريحا وتبركا؛ ثم استأنف ms1614 قوله: {يورثها من يشاء من عباده} ~~. # ولما أخبر أن نسبة الكل إليه واحدة، أخبر بما يرفع بعضهم على بعض فقال: ~~{والعاقبة} أي والحال أن آخر الأمر وإن حصل بلاء {للمتقين*} أي الذين يقون ~~أنفسهم سخط الله بعمل ما يرضيه فلا عبرة بما ترون في العاجل فإنه قد يكون ~~استدراجا. # PageV08P037 # ولما تشوف السامع إلى ما كان من جوابهم، أشار تعالى أن قلقهم كان وصل إلى ~~حد لا صبر معه بقوله مستأنفا: {قالوا} ولما كان الموجع هو الأذى، لا كونه ~~من معين، بنوا للمفعول قولهم: {أوذينا} أي بالقتل والاستعباد. # ولما كان أذاهم غير مستغرق للزمان، أثبتوا الجار فقالوا: {من قبل أن ~~تأتينا} أي كما تعلم {ومن بعد ما جئتنا} أي فما الذي أفادنا مجيئك {قال} ~~مسليا لهم وداعيا ومرجيا بما رمز إليه من قبل {عسى ربكم} أي الذي أحسن إلى ~~آبائكم بما تعرفون وإليكم بإرسالي إليكم {أن يهلك عدوكم} فلا يهولنكم ما ~~ترون {ويستخلفكم} أي ويوجد خلافتكم لهم متمكنين، لا يحكم عليكم غيركم {في ~~الأرض} أي جنسها إن كنتم متقين؛ ثم سبب عن الاستخلاف قوله مذكرا لهم محذرا ~~من # PageV08P037 # سطواته سبحانه: {فينظر} أي وأنتم خلفاء متمكنون {كيف تعملون*} أي يعاملكم ~~معاملة المختبر وهو في الأزل أعلم بما تعملون منكم بعد إيقاعكم للأعمال، ~~ولكنه يفعل ذلك لتقوم الحجة عليكم على مجاري عاداتكم. # ولما رجاهم موسى عليه السلام بذلك، أخبر سبحانه أنه فعل ما أخبرهم به، ~~فذكر مقدماته فقال: {ولقد} أي قال لهم ما قال والحال أنا وعزتنا قد {أخذنا} ~~أي قهرنا {آل فرعون} ولينا عريكتهم وسهلنا شكيمتهم {بالسنين} أي بالقحط ~~والجوع، فإن السنة يطلق بالغلبة على ذلك كما تطلق على العام؛ ولما كانت ~~السنة تطلق على نقص الحبوب، صرح بالثمار فقال، {ونقص من الثمرات} أي ~~بالعاهات إن كان الماء كثيرا، أو السنة للبادية والنقص للحاضرة {لعلهم ~~يذكرون*} أي ليكون حالهم حال من يرجو ناظره أن يتذكر في نفسه ولو بأدنى ~~وجوه التذكر - بما أشار إليه الإدغام، فإن الضر يزيل الشماخة التي هي مظنة ms1615 ~~الوقوف مع الحظوظ ويوجب للإنسان الرقة فيقول: هذا إنما حصل لي بسبب تكذيبي ~~لهذا الرسول وعبادتي من لا يكشف السوء عن نفسه ولا غيره. # ولما لم يتذكروا ولا لانوا، سبب عن أخذهم قوله معرفا بغباوتهم # PageV08P038 # معبرا في الخير بأداة التحقيق إشارة إلى أنه أغلب من الشر، حثا على ~~الشكر: {فإذا} أي فما تسبب عن ذلك إلا أنهم كانوا إذا {جاءتهم الحسنة} أي ~~الحالة الكاملة التي يحبونها من الخصب وغيره، وعرفها بعد تحقيقها إشارة إلى ~~إكمالها {قالوا لنا هذه} أي نحن حقيقون بها، ودل على أن الخير أكثر من غيره ~~بقوله بأداة الشك مع التنكير: {وإن تصبهم سيئة} أي حالة يكرهونها. # ولما كانت افصابة بالسيئات تخصهم ولا يلحق بني إسرائيل منها شيء، فكان ~~إظهارهم للتطير بهم ظاهرا في ردهم عليهم وتكذيبهم فيه، أشار سبحانه بإدغام ~~التاء إلى أنهم كانوا إنما يدسونه إلى من يمكنهم اختداعه من الجهلة ~~والأغبياء على وجه الحلية والخفاء، بخلاف ما في يس فقال: {يطيروا} أي ~~يتشاءموا {بموسى ومن معه} أي بأن يقولوا: ما حصل لنا هذا السوء إلا بشؤمهم، ~~وهو تفعل من الطير، وهو تعمد قصد الطير لأن يطير للتفاؤل به خير أو شر، ~~وأصله أن العرب كانوا إذا مر الطائر من ميامنهم إلى جهة مياسرهم قالوا: ~~بارح، أي مشؤوم، من البرح وهو الشدة، فإذا طار من جهة اليسار إلى جهة ~~اليمين عدوه مباركا، قالوا: من لي بالسانح بعد البارح، أي بالمبارك بعد ~~المشؤوم، وعرف أن المراد هنا التشاؤم لاقترانه بالسيئة. # ولما كذبوا في الموضعين، قال مستأنفا على وجه التأكيد: # PageV08P039 # {ألا إنما طائرهم} أي قدرهم الذي سبق في الأزل من الخير والشر فلا يزداد ~~ولا ينقص {عند الله} أي الملك الذي لا أمر لغيره وقد قدر كل شيء، فلا يقدر ~~على المجيء به غيره أصلا {ولكن أكثرهم لا يعلمون*} أي لا علم لهم أصلا فهم ~~لا يهتدون إلى ما ينفعهم ويظنون أن للعباد مدخلا في ذلك، فلذلك تراهم ~~يضيفون الأشياء إلى أسباب يتوهمونها. # ولما كان هذا الذي ms1616 قالوه يدل على سوء المزاج وجلافة الطباع بما لا يقبل ~~العلاج، أتبعه ما هو شر منه، وهو أنهم جزموا بأنه كلما أتاهم شيء في ~~المستقبل قابلوه بالكفر فقال: {وقالوا مهما} هي مركبة من «ما» مرتين: ~~الأولى الشرطية والثانية تأكيد. قلبت ألف الأولى هاء استثقالا، قيل: مه هي ~~الصوت الذي يكون للكف وما الشرطية، أي كف عنك ما أنت فيه. ثم استأنفوا «ما» ~~{تأتنا به} أي في أي وقت وعلى أي حالة كان؛ ثم بينوا المأتي به بقولهم: {من ~~آية} أي علامة على صدقك، وهذا على زعمه، ولذلك عللوه بقولهم: {لتسحرنا} أي ~~لتخيل على عقولنا {بها} وتلفتنا عما نحن عليه إلى ما تريد فنحن نسميها سحرا ~~وأنت تسميها آية؛ ثم أجابوا الشرط بقولهم: {فما نحن} أي كلنا {لك} أي خاصة ~~{بمؤمنين*} أي من أن نكذبك. # PageV08P040 # ولما بارزوا بهذه العظمية، استحقوا النكال فسبب عن ذلك قوله: # PageV08P040 # {فأرسلنا عليهم} أي عذابا لهم - لما يفهمه حرف الاستعلاء {الطوفان} أي ~~الرعد والبرق والنار مع المطر والبرد الكبار الذي يقتل البقر فما دونها، ~~والظلمة والريح الشديدة التي عمت أرضهم وطافت بها؛ ولما كان ذلك ربما أخصبت ~~به الأرض، أخبر أنه أرسل ما يفسد ذلك فقال: {والجراد} . # ولما كان الجراد ربما طار وقد أبقى شيئا، أخبر بما يستمر لأزقا في الأرض ~~حتى لا يدع بها شيئا فقال: {والقمل} قال في القاموس: القمل كالسكر: صغار ~~الذر والدبى الذي لا أجنحة له - وهو أصغر الجراد أو شيء صغير بجناح أحمر، ~~وشيء يشبه الحلم خبيث الرائحة أو دواب صغار كالقردان يعني القراد. وقال ~~البخاري في بني إسرائيل من صحيحه: القمل: الحمنان يشبه صغار الحلم. # ولما ربما كان عندهم شيء مخزونا لم يصل إليه ذلك، أخبر بما يسقط نفسه في ~~الأكل فيفسده أو ينقصه فقال: {والضفادع} فإنها عمت جميع أماكنهم، وكانت ~~تتساقط في أطعمتهم، وربما وثبت إلى أفواههم حين يفتحونها للأكل. # ولم تم ما يضر بالماكل، أتبعه ما أفسد المشرب فقال: {والدم} فإن مياههم ~~انقلبت كلها دما منتنا، وعم الدم الشجر ms1617 والحجارة وجميع # PageV08P041 # الأرض في حق القبط، وأما بنو إسرائيل فسالمون من جميع ذلك. # ولما ذكر تعالى هذه الآيات العظيمة، نبه على عظمتها بذكر حالها فقال: ~~{آيات} أي علامات على صدقه عظميات {مفصلات} أي يتبع بعضها بعضا، وبين كل ~~واحدة وأختها حين يختبرون فيه مع أن مغايرة كل واحدة لأختها في غاية ~~الظهور، وكذا العلم بأنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره. # ولما كانت حقيقة بان يتسبب عنها الإيمان عند سلامة القلب، سبب عنها قوله: ~~{فاستكبروا} مبينا أن الذي منعهم من الإيمان مرض القلب بالكبر والطغيان ~~{وكانوا قوما مجرمين*} أي في جبلتهم قطع ما ينبغي وصله مع قوتهم على ما ~~يحاولونه. # ولما كان هذا في الحقيقة نقضا لما أخذه الله على العباد بعهد العقل، ~~أتبعه نقضا حقيقيا، فقال مبينا لحالهم عند كل آية، ولعله عبر بما يشملها ~~ولم ينص على التكرار لأن ذلك كاف فيما ذكر من النقض والفسق: {ولما وقع ~~عليهم الرجز} يعني العذاب المفصل الموجب للاضطراب {قالوا يا موسى ادع لنا ~~ربك} أي المحسن إليك، ولم يسمحوا كبرا وشماخة أن يعرفوا به ليقولوا: ربنا ~~{بما عهد عندك} أي من النبوة التي منها هذا البر الذي تراه يصنعه بك؛ ثم ~~أكدوا العهد بقولهم استئنافا # PageV08P042 # أو تعليلا: {لئن كشفت عنا الرجز} أي العذاب الذي اضطربت قلوبنا وجميع ~~أحولنا له {لنؤمنن لك} أي لنجعلنك آمنا من التكذيب بإيقاع التصديق، ويكون ~~ذلك خالصا لأجلك وخاصا بك {ولنرسلن معك} أي في صحبتك، لا نجس أحدا منكم عن ~~الآخر {بني إسرائيل*} أي كما سألت؛ ودل على قرب الإجابة بالفاء في قوله: ~~{فلما كشفنا} أي بعظمتنا {عنهم الرجز} كرره تصريحا وتهويلا، ومددنا الكشف ~~{إلى أجل} أي حد من الزمان {هم بالغوه} أي في علمنا {إذا هم} أي بضمائرهم ~~التي تجري ظواهرهم على حسبها {ينكثون*} . # ولما أخبر أنهم فاجؤوا النكث وكرروه، سبب عنه قوله: {فانتقمنا منهم} أي ~~انتقاما ليس كذلك الذي كنا نؤذيهم به، بل انتقام إهلاك عبرة لوصولهم بعد ~~كشف جميع الشبه إلى مخص ms1618 العناد؛ ثم فسره بقوله: {فأغرقناهم} بما لنا من ~~العظمة {في اليم} أي في البحر الذي يقصد لمنافعة {بأنهم} أي بسبب أنهم ~~{كذبوا بآياتنا} أي على ما لها من العظمة بما عرف من صحة نسبتها إلينا، ودل ~~سبحانه على أنهم كذبوا بغير شبهة عرضت لهم بل عنادا بقوله: {وكانوا} أي ~~جبلة وطبعا {عنها غافلين*} أي يكون حالهم بعدها كحالهم قبلها، فكأنها لم ~~تأتهم أصلا فاستحقوا الأخذ لوقوع العلم بأن الآيات لا تفيدهم. # ولما أخبر عن إهلاكهم، عطف عليه ما صنع ببني إسرائيل فقال: # PageV08P043 # {وأورثنا} أي بعد إهلاكهم بما لنا من العظمة {القوم} ولما اشار بهذه ~~العبارة - التي معناها أنه كانت فيهم قوة وكثرة وشدة عزم على ما يحاولونه ~~ويقومون به - إلى أنه هو الذي أذلهم لا فرعون، أتبعه ما يدل عليه فقال: ~~{الذين كانوا يستضعفون} أي يطلب ضعفهم ويوجد بالشوكة واجتماع الكلمة بحاكم ~~قد تمكنت عظمته في القلوب التي الوهم غالب عليها، وهم بنو إسرائيل {مشارق ~~الأرض} أي الكاملة لبركاتها {ومغاربها} أي أرض الشام من الفرات إلى بحر ~~سوف: الموضع الذي خرجوا منه من البحر وغرق فيه فرعون وآله - كما مضى نقله ~~في المائدة عن التوارة، يعني حكمنا بإيراثهم ذلك وأنجزناه لأبناء الذين ~~خرجوا من مصر بعد إهلاكهم في التيه؛ ثم وصفها تغبطا بها بقوله: {التي ~~باركنا فيها} أي في أرضها بالمياه والأشجار والثمار والخصب، وفي أرزاقها ~~بالكثرة والطيب، وفي رجالها بالعلم والنبوة وفي طباعهم بالاستقامة، وفي ~~عزائمهم بالنجدة والشجاعة والمكارم، وفي جميع أحوالهم بأنه لا يبغيهم ظالم ~~إلا عوجل بالنقمة {وتمت} أي وجدت صحتها لوجود مضمونها في عالم الشهادة ~~وظهوره من ستور الغيب {كلمت ربك} أي المحسن إليك بإنزال هذه الأنباء على ~~هذه الوجوه المفيدة مع إعجازها لغاية العلم والحكمة {الحسنى} مستعلية {على ~~بني إسرائيل*} # PageV08P044 # أي التي هي أحسن الكلام وهي وعده سبحانه لهم بالخلاص من العبودية ~~وإيراثهم مساكن آبائهم كما كانوا يسمعون من أسلافهم، وإذا استعلت عليهم ~~منعت أعداءهم من الوصول إليهم {بما صبروا} أي بسبب صبرهم على الاستعباد ms1619 ~~وذبح الأولاد وما حصل بعد ذلك من طويل الأنكاد {ودمرنا} أي أهلكنا إهلاكا ~~عظميا جعل يدمره كالرماد، لا خير فيه أصلا {ما كان يصنع} أي صنعا بغاية ~~الإقبال عليه حتى كأنهم خلقوا لهم {فرعون وقومه} أي من الصنائع الهائلة ~~المعجبة لكل من يراها أو يسمع بها مع أنهم قد مرنوا عليها فصارت أسهل شيء ~~عندهم {وما كانوا} أي بما هو كالجبلة والطبع {يعرشون*} أي من الجنان ~~والقصور العالية الأركان، وكفى بهذه الآية حاثة على الصبر وضامنة على كل ~~حائز للأجر بالتفريج عن المظلوم ونصره وإهلاك الظلوم وقهره. # شرح ما يحتاج إلى شرحه هنا من التوراة الموجودة الان بين أظهر اليهود، ~~قال مترجما في الأصحاح الثالث من السفر الثاني ما نصه: وقال الرب لموسى في ~~مدين: انطلق راجعا إلى مصر لأن الرجال الذين كانوا يطلبون نفسك قد هلكوا ~~جميعا، فانطلق موسى بامرأته وبينه وحملهم # PageV08P045 # على حماره وأخذ بيده عصا الرب، وقال الرب الموسى: انظر كل آية أجريتها ~~على يدك فاصنعها أمام فرعون وأنا أقسي قلبه فلا يرسل الشعب وقل لفرعون: ~~هكذا يقول الرب: ابني بكري إسرائيل، أرسل ليعبدني، فإن أبيت أن ترسل ابني ~~فإني أقتل ابنك بكري، فلما صار موسى في الطريق في المبيت لقيه ملاك الرب ~~فأخذت صفورا حجرا من حجارة المروة فحشت غرلة ابنها وأخذت برجليه - وفي نسخة ~~السبعين: ووقعت عند رجليه - وقالت: إن اليوم عرس الدم - تعني الختان، فقال ~~الرب لهارون: اخرج فتلق أخاك في القفر، فخرج فلقيه في جبل الله في حوريب ~~فعانقه وقبله، فأخبر موسى هارون بجميع قول الرب الذي أرسله فيه وما أمره من ~~الآيات، وانطلق موسى وهارون، فجمع أشياخ بني إسرائيل، فقص عليهم جميع ما ~~قال الرب لموسى، وحرج جرائح وآيات قدام الشعب - وفي نسخة السبعين: فجمعا ~~مشايخ بني إسرائيل وتكلم هارون بجميع الكلام الذي كلم الله به موسى وعمل ~~الآيات قدام الشعب - فآمن الشعب وسمعوا أن الرب قد ذكر بني إسرائيل وأبصر ~~إلى خضوعهم، وجثا الشعب وسجدوا للرب، ومن بعد هذه الآيات والخطوب ms1620 دخل موسى ~~وهارون # PageV08P046 # وقالا لفرعون: هكذا يقول الله رب إسرائيل: أرسل شعبي يحجون إلى القفر - ~~وفي نسخة السبعين: ليعبدوني في البرية - عوض: يحجون إلى القفر، فقال فرعون: ~~ومن هو الرب حتى أطيعه؟ لا أعرف الرب ولا أرسل بني إسرائيل، وقالا له: الرب ~~إله العبرانيين اعتلن لنا، فننطلق مسيرة ثلاثة أيام القفر ونذبح الذبائح ~~لله ربنا لكيلا ينزل بنا الحزن والوباء - وفي نسخة السبعين: لئلا يفاجئنا ~~موت أو قتل - قال فرعون: ما بالكما تبطلان الشعب من أعمالهم؟ فأمر فرعون ~~ولاة الشعب وكتبتهم وقال لهم: لا تعودوا أن تعطوا الشعب تبنا لضرب اللبن ~~كما كنتم تعطونهم، بل هم ينطلقون فيجمعون لأنفسهم التبن، وخذوهم بحساب ~~اللبن على ما كنتم تأخذونهم به أمس وأول من أمس - ونسخة السبعين: في كل يوم ~~لا تنقصوهم شيئا من عملهم لأنهم بطروا لذلك يصيحون فيقولون: ننطلق فنذبح ~~للرب إلهنا - فليشتد العمل على الرجال - ونسخة السبعين - فليتضاعف عمل ~~هؤلاء القوم - حتى يهتموا به ولا يهتموا بكلام الباطل، فخرج ولاة الشعب ~~وكتبتهم يما قال فرعون، # PageV08P047 # فتقرق الشعب في جميع أرض مصر في جميع التبن، وجعل ولاتهم يلحون عليهم ~~ويقولون: ارفعوا إلينا العمل كما كنتم ترفعون من قبل حيث كنتم تعطون التبن، ~~فزادت كتبة بني إسرائيل وعوقبوا من الذين ولوهم عليهم وقالوا: لم لم ترفعوا ~~إلينا حساب اللبن كما كنتم ترفعون، فأتى كتبة بني إسرائيل فشكوا إلى فرعون ~~وقالوا: ما بال عبيدك يصنع بهم هذا الصنيع؟ فقال فرعون: أنتم قوم بطرون، ~~تقولون: ننطلق لنذبح لربنا، فسار - أي الكتبة - في بني إسرائيل وقالوا لهم: ~~لا تنقصوا من لبنكم شيئا، بل ارفعوا إلينا كما كنتم ترفعون كل يوم، فلقوا ~~موسى وهارون وهما واقفان أمامهم - وفي نسخة السبعين: وهما يجيئان نحوهم إذ ~~خرجوا من بين يدي فرعون - فقالوا لهما: الله يحكم بيننا وبينكما لأنكما ~~حرضتما علينا فرعون وعبيده حتى ضيق علينا بأن يضع السلاح فينا فيقتلنا، ~~فرجع موسى إلى الرب وقال: يارب! لم أسأت بشعبك وأضررت به؟ لأني ساعة أن ~~أتيت فرعون فذكرت اسمك ms1621 أساء بهذا الشعب وشق عليهم وأنت تخلص شعبك، فقال ~~الرب لموسى: الآن ترى ما أصنع بفرعون لأنه سيرسلهم - وفي نسخة السبعين: ~~وسوف ترى ما أصنع # PageV08P048 # بفرعون وكيف يرسلهم بيد منيعة وبذراع عظيمة يخرجهم من أرض مصر! أنا الرب ~~الذي اعتلنت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وسميت بإله المواعيد ولم أعلمهم اسم ~~الرب - وفي نسخة السبعين: واسمي الرب فلم أظهره لهم - وأثبت عهدي أيضا ~~ووعدتهم أن أعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم التي سكنوها؛ وقد سمعت ضجيج بني ~~إسرائيل من تعبد أهل مصر، وأنجيكم من أعمالهم واخلصكم بيد منيعة وذراع ~~عالية وبأحكام عظيمة، وأختصكم لي شعبا وأكون لكم إلها، وتعرفون أني أنا ~~الرب إلهكم الذي أخرجكم من تعبد المصريين وأقبل بكم إلى الأرض التي رفعت ~~يدي لأعطيها آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب وأجعلها لكم ميرثا إلى الدهر، ~~أنا الرب! فقال موسى لبني إسرائيل هذه الأقاويل فلم يسمعوا من موسى ولم ~~يطيعوه من شدة حزنهم واستيقاد نفوسهم من الكد الشديد، وكلم الرب موسى وقال ~~له: انطلق إلى فرعون ملك مصر وقل له فيرسل بني إسرائيل - من أرض مصر، فقال ~~موسى للرب: إن بني إسرائيل لا يسمعوني ولا يطيعوني، وأنا أرت المنطق ثقيل ~~اللسان فكيف يطيعني فرعون ويسمع مني! فقال الرب لموسى: انظر، إني قد جعلتك ~~إلها لفرعون، وهارون أخوك يكون نبيا عليك، أنت تقضي # PageV08P049 # جميع ما آمرك به، وهارون أخوك يقول لفرعون - وفي نسخة السبعين: وهارون ~~أخوك يكون لك نبيا وأنت تتكلم بجميع ما آمرك به وهارون أخوك يكلم فرعون - ~~ليرسل بني إسرائيل من أرضه وأنا أقسي قلب فرعون فأكثر آياتي وعجائبي بأرض ~~مصر، فلا يطيعكما فرعون ولا يسمع منكما فأمد يدي على مصر وأخرج جميع جنودي ~~وشعبي بني إسرائيل من أرض مصر بالأحكام العظام، فيعرف أهل مصر أني أنا ~~الرب، فصنع موسى وهارون كما أمرهما الرب وانتهيا إلى أمره، وكان قد أتى على ~~موسى ثمانون سنة، وكان ابن ثلاث وثمانين سنة إذ كلما فرعون، فقال الرب ~~لموسى وهارون، إن قال لكما فرعون: أظهرا لي آية ms1622 وجريحة، قل لهارون: خذ عصاك ~~وألقها بين يدي فرعون فتكون تنينا عظيما، فأتى موسى وهارون إلى فرعون فصنعا ~~كما أمرهما الرب، فألقى عصاه - وفي نسخة السبعين: فألقى هارون عصاه - بين ~~يدي فرعون وأمام أمرائه- وفي نسخة السبعين: وعبيده - فصارت تنينا عظيما، ~~فدعا فرعون بالحكماء والسحرة، فصنع سحرة مصر أيضا بسحرهم كذلك، فألقى كل ~~امرىء منهم عصاه فصارت تنينا فابتلعت عصا هارون عصيهم، فقسا قلب فرعون وأبى ~~أن يرسلهم كما قال الرب، وقال الرب لموسى: إن قلب فرعون قد قسا وأبى أن ~~يرسل الشعب، انطلق إلى فرعون بالغداة، هو ذا يخرج ليغتسل على شاطىء البحر، ~~وخذ العصا التي تحولت في يدك ثعبانا # PageV08P050 # وقل: وإن الرب إله العبرانيين أرسلني إليك، يقول لك: أرسل شعبي حتى ~~يعبدني في البرية لأنك حتى الآن لا تسمع ولا تطيع، هكذا يقول الرب: بهذا ~~تعلم أني أنا الرب، هأنذا أضرب ماء النهر بعصاي فيصير دما، وتموت الحيتان ~~التي في النهر وينتن - وفي نسخة السبعين: ولا يقدر أهل مصر أن يشربوا الماء ~~من هذا النهر - وقال الرب لموسى: مر هارون أن يأخذ عصاه، وارفع يدك على ماء ~~المصريين على أنهارهم وعلى غدرانهم وعلى آجامهم وعلى دواليب مياههم - وفي ~~نسخة السبعين: وقال الرب لموسى: قل لهارون: خذ عصاك ومد يدك على ماء مصر ~~وعلى أنهارها وآجامها ونقارها وعلى كل مائها المستنقع - فيتحول دما، فيصير ~~الدم في جميع أهل مصر في الأرض والخسب والحجارة، فصنع موسى وهارون كما ~~أمرهما الرب، فرفع هارون العصا التي في يده فضرب بها ماء النهر وفرعون ~~وعبيده ينظرون، فتحول ماء النهر فصار دما، وماتت الحيتان التي بالنهر، ففسد ~~ماء النهر وأنتن، ولم يقدر أهل مصر على شرب الماء من الدم، فصار الدم في ~~جميع أرض مصر وقسا قلب فرعون فلم يطعهما كالذي قال الرب، فانصرف فرعون فدخل ~~منزله ولم يفكر في شيء من ذلك وتهاون به، وكملت سبعة أيام من بعد ما ضرب ~~الرب النهر، وقال الرب لموسى: انطلق إلى فرعون وقل له: هكذا يقول # PageV08P051 # الرب: ms1623 أرسل شعبي حتى يعبدوني، فإن أبيت أن ترسله فإني أضرب جميع حدودك ~~بالضفادع فتدب الضفادع فتصعد فتدخل إلى بيتك وقيطونك وفي مبيتك وعلى مضجعك ~~وأسرتك في بيوت عبيدك وشعبك ومخادعك وبيوت طعامك، وتدب الضفادع عليك وعلى ~~جميع شعبك، وقال الرب لموسى: قل لهارون أخيك أن مد يدك بعصاك على الأنهار ~~وعلى الدواليب وعلى الآجام فأصعد الضفادع على أرض مصر، فرفع هارون يده على ~~مياه المصريين فأصعد الضفادع فغشيت أرض مصر، فدعا فرعون موسى وهارون وقال ~~لهما: صليا بين يدي الرب فتنصرف الضفادع عني وعن شعبي حتى أرسل الشعب ~~فيذبحوا بين يدي الرب، فقال موسى لفرعون: سل وقتا أصلي عليك فيه وعلى عبيدك ~~وشعبك فتنصرف الضفادع عنك وعن بيتك - وفي نسخة السبعين: عنك وعن قومك وعن ~~بيوتك - فقال له غدا فقال له موسى: سيكون كما سألت فتعلم أنه لا إله غير ~~إلهنا، فيصرف الضفادع عنك وعن بيتك - وفي نسخة السبعين: بيوتك وعن عبيدك ~~وعن شعبك ما خلا الضفادع التي في النهر - فخرج موسى وهارون من بين يدي ~~فرعون، فصلى موسى بين يدي الرب فاستجاب الرب لموسى، فماتت الضفادع في الدور ~~والبيوت والرياض # PageV08P052 # فجمعوها أنابير أنابير فأصلت الأرض وأجنت - وفي نسخة السبعين: فجمعوها ~~صببا صببا فأنتنت الأض - فرأى فرعون الفرج والراحة وجفا قلبه فلم يطعهما ~~كالذي قال الرب، فقال الرب لموسى: مر هارون فيرفع عصاه ليضرب ثرى الأرض ~~فيكون القمل في جميع أرض مصر، ففعل ذلك فدب القمل في الناس والبهائم وصار ~~جميع ثرى الأرض قملا في جميع أرض مصر، فصنع مثل ذلك السحرة بسحرهم فلم ~~يقدروا أن يصرفوا القمل في الناس والبهائم، فقالت السحرة لفرعون: إن هذا ~~فعل رب العالمين، فقسا قلب فرعون ولم يطعهما كما قال الرب، فقال الرب ~~لموسى: أدلج باكرا وقف بين يدي فرعون، وهو ذا يخرج يغتسل - وفي نسخة ~~السبعين: فإنه يخرج إلى الماء - فقل له: هكذا يقول الرب: أرسل شعبي ~~فيعبدوني، فإن أنت أبيت فهأنذا مرسل - وفي نسخة السبعين: فإني مرسل - عليك ~~وعلى شعبك وعلى أهل ms1624 بيتك هوام وحشرة من كل جنس فتمتلىء - وفي نسخة: ذباب ~~الكلب فتمتلىء - بيوت المصريين من الهوام والحشرة مثل ثرى الأرض التي هم ~~عليها، وأميز في ذلك اليوم أرض جاسان التي يسكنها شعبي، فلا يكون فيها من ~~الهوام والحشرة شيء لتعلم أني أنا الرب، وأميز بين شعبي وشعبك، وتكون هذه ~~الآية غدا، # PageV08P053 # وفعل الرب كذلك وأنزل الهوام على بيت - وفي نسخة: بيوت - فرعون وعبيده ~~وعلى جميع أرض مصر، ففسدت الأرض بالهوام، فدعا فرعون موسى وهارون وقال ~~لهما: انطلقوا فاذبحوا الذبائح لله ربكم في هذه الأرض، فقال موسى: لا يحسن ~~بنا أن نفعل ذلك لأنا إنما نذبح للرب إلهنا من نجاسة المصريين وبدعهم، فإن ~~نحن ذبحنا أمام آلهة المصريين رجمونا، بل ننطلق مسيرة ثلاثة أيام في القفر ~~فنذبح هنالك للرب إلهنا على ما يأمرنا ويقول لنا، فقال فرعون: أنا أرسلكم ~~فتذبحوا الذبائح للرب إلهكم في البرية، ولكن لا تنطلقوا فتتوانوا، بل صلوا ~~علي أيضا - وفي نسخة السبعين: ولكن لاتبعدوا وصلوا علي أيضا إلى ربكم - ~~فقال موسى لفرعون: هأنذا أخرج من بين يديك فأصلي بين يدي الرب، فيصرف ~~الهوام والحشرة عن فرعون وعن عبيده وعن شعبه غدا، ولكن لا يعود فرعون أن ~~يكذب في قوله ويأبى أن يرسل الشعب ليذبحوا الذبائح، فخرج موسى من بين يدي ~~فرعون وصلى بين يدي الرب، فقبل الرب صلاة موسى وصرف الهوام فلم يوجد منها ~~ولا واحد، فقسا قلب فرعون بعد هذا أيضا ولم يرسل الشعب، فقال الرب لموسى: ~~انطلق إلى فرعون وقل له: هكذا يقول الرب إله العبرانيين: أرسل شعبي حتى ~~يعبدوني، فإن أبيت أن ترسله - وفي نسخة السبعين: وتمسكت به، فإن # PageV08P054 # يد الرب تضرب ماشيتك التي في القفر من الخيول والحمير والبقر والغنم، ~~فيقع فيها الوباء العظيم الصعب الشديد، ويميز الرب بين دواب بني إسرائيل ~~وبين بهائم أهل مصر، فلا يموت من بهائم آل إسرائيل ولا واحد، ووقت الرب ~~وقتا ليكمل فيه هذا القول على الأرض، فأكمل الرب هذا الأمر من غد ذلك ~~اليوم، فماتت جميع ms1625 بهائم المصريين ولم يمت من دواب بني إسرائيل ولا واحد، ~~وأرسل فرعون فإذا أنه لم يمت من دواب بني إسرائيل ولا دابة، فقسا قلب فرعون ~~بعد هذا أيضا فأبى أن يرسل الشعب، فقال الرب لموسى وهارون: خذا في حقيبتكما ~~من رماد الأتون فيذره موسى إزاء السماء نحو فرعون، فيكون العجاج في أرض ~~مصر، فيضرب الناس والبهائم جميعا قروح ناتية رخوة في أرض مصر كلها، فأخذا ~~رماد الأخدود ووقفا بين يدي فرعون فذره موسى نحو السماء أمام فرعون فظهرت ~~قروح ناتية رخوة، فاستعلت في الناس والبهائم، فلم يقدر السحرة على الوقوف ~~بين يدي موسى من كثرة القروح التي ظهرت في السحرة وفي جميع أهل مصر، فقسى ~~الرب قلب فرعون فلم يسمع لهما ولم يطعهما كالذي قال الرب لموسى، فقال الرب ~~لموسى: أدلج باكرا وقف بين يدي فرعون وقل له: هكذا يقول الرب إله ~~العبرانيين: # PageV08P055 # أرسل شعبي فيعبدوني وإلا فأنا مرسل في هذا الوقت ضربتي على قلبك وعلى ~~عبيدك وعلى شعبك لتعلم أنه لا إله غيري على الأرض كلها، لأني مجمع من الآن ~~أن أمد يدي فأضربك وشعبك بالوباء، وتبيد عن جديد الأرض، وإنما بغيتك بهذا ~~الأمر لأظهر لك عزي وقدري ولينادي باسمي في الأرض كلها، وأنت حتى الآن ~~تتمسك بالشعب وتأبى أن ترسله، وغدا في هذا الوقت أهبط البرد العظيم الشديد ~~ما لم يكن - وفي نسخة السبعين: الذي لم يكن مثله - بمصر منذ اليوم الذي ~~أسست فيه قواعدها إلى يوم الناس هذا، والآن أرسل فأدخل جميع دوابك وكل مالك ~~في الحقل لأن كل بهيمة أو إنسان يلقى في الحقل ولا يدخل البيت يهبط عليهم ~~البرد فيموتون، وكل من خاف كلمة الله من عبيد فرعون نقل عبيده وبهائمه إلى ~~البيوت، والذي لم يفكر في كلمة الله وتهاون بها ترك دوابه وعبيده في الحقل، ~~وقال الرب لموسى: ارفع يدك إلى السماء يهبط البرد على جميع أرض مصر على ~~الناس والبهائم وجميع الحقول - وفي نسخة السبعين: على الناس والدواب وجميع ~~نبات الصحراء - فرفع موسى ms1626 عصاه نحو السماء فأرجفهم الرب بالرعد والبرد، ~~وجعلت النار تضطرم على الأرض، فأهبط الرب البرد وكان البرد يهبط والنار ~~تضطرم في البرد، وكان شديداعظيما، ولم يكن مثله في جميع أرض مصر منذ اليوم ~~الذي سكنها بنو البشر، فضرب البرد جميع أرض مصر لكل من # PageV08P056 # كان في الحقل من الناس والبهائم، وأهلك الرب جميع عشب الحقل وحطم جميع ~~أشجار الغياض، فأما أرض جاسان التي كانت آل إسرائيل يسكنونها فلم يهبط ~~عليها البرد، فأرسل فرعون فدعا موسى وهارون فقال لهما: قد خطئت في هذه ~~المرة أيضا، والرب بار وأنا وشعبي منافقون - وفي نسخة السبعين: إني قد ~~أخطأت والرب بار وأنا وشعبي فجار- فصليا بين يدي الرب فإنه ذو إمهال وأناة ~~فيصرف عنا الرجفة والرعد والبرد فأرسلكم فلا تعودوا أن تتأخروا - وفي نسخة ~~السبعين: وأنا أرسلكم ولا أعود أن أوخركم - فقال موسى لفرعون: إذا ما خرجت ~~من القرية أبسط يدي للرب فيصرف عنكم صوت الرعد والرجفة، ولا يعود البرد ~~يهبط أيضا لكي تعلم أن الأرض وما عليها لله. # وأنا أعلم أنك وعبيدك إلى الآن لم ترهبوا الله ولم تخافوا عقابه، وقد هلك ~~الكتان والشعير - وفي نسخة السبعين: وضرب البرد الشعير والكتان - لأن ~~الشعير كان قد بدأ أن يسبل، والكتان قد بدأ أن يبزر، فأما زرع الحنطة ~~والكثيب فلم يهلك لأنه كان متأخرا، فلما جاء موسى من القرية من بين يدي ~~فرعون بسط - وفي نسخة السبعين: فأما زرع الحنطة والذرة فإنه لم يضرهما ~~لأنهما كانا لقسا، وخرج موسى من عند فرعون خارج المدينة فبسط - يديه بين ~~يدي الله نحو السماء فصرف عنهم الرعد والبرد، وانقطع المطر عن # PageV08P057 # الأرض، فرأى فرعون أن القطر والبرد والرعد قد انقطع وسكن فعاد وخطأ وقسا ~~قلب فرعون وعبيده - وفي نسخة السبعين: وقسا قلبه وقلب عبيده وجفا - ولم ~~يرسل بني إسرائيل كرسالة الرب - وفي نسخة السبعين: على ما تكلم به الرب على ~~يد موسى - فقال الرب لموسى: انطلق إلى فرعون لأني أنا الذي أقسي قلبه وقلوب ~~عبيده، فأظهر هذه الآيات لتجر ms1627 بنيك وبني بنيك بما صنعت بأهل مصر من الآيات ~~الكثيرة التي أظهرت، فيعلموا أني أنا الرب، فأتى موسى وهارون إلى فرعون ~~وقالا له: هكذا يقول الرب إله العبرانيين: حتى متى تأبى أن تخافني وترهبني! ~~أرسل شعبي ليعبدوني، فإن أبيت أن ترسل شعبي فهأنذا محدر على جميع تخومك ~~الجراد - وفي نسخة السبعين: فإني أجلب عليك غدا هذا الوقت جرادا عظيما على ~~جميع حدودك - فيغطي عين الأرض فلا يقدر إنسان على النظر إلى الأرض، فمهما ~~أبقى لكم البرد أكله، ويأكل جميع الشجر التي تنبت لكم في الحقل، ويمتلىء ~~منه بيوتك وبيوت عبيدك وبيوت جميع المصريين ما لم ير مثله آباؤك وأجدادك من ~~اليوم الذي أسست الأرض إلى يوم الناس هذا، ورجعا من بين يدي فرعون ~~فقالفرعون لعبيده: حتى متى يكون لنا هذه العثرة! يرسل القوم فيعبدون - وفي ~~نسخة السبعين: فقال عبيد فرعون لفرعون: حتى متى يكون # PageV08P058 # لنا هذا البلاء! أرسل القوم فيعبدوا - الرب إلههم أما تعلم - وفي نسخة ~~السبعين: أو ما عملت - أن مصر قد خربت، فردوا موسى وهارون إلى فرعون فقال ~~لهم: انطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب إلهكم، ولكم من منكم ينطلق؟ فقال له ~~موسى: إنا ننطلق بشباننا وشيوخنا وبنينا وبناتنا وبغنمنا وبقرنا، لأنه عيد ~~لنا للرب، فقال لهما: ليكن كما قلتما، والله يصحبكما إذا ما أرسلتكم ~~وحشمكم، لعله أن يعرض لكم في الطريق آفة، ولكن ليس هكذا، انطلقوا الآن ~~معاشر الرجال! اعبدوا بين يدي الرب لأنكم إنما تطلبون بذلك الراحة، ~~فأخرجوهما من بين يدي فرعون، فقال الرب لموسى: ارفع يدك على أرض مصر فيأتي ~~الجراد فيصعد على أرض مصر فيأكل عشب الحقل وجميع ما نجا من البرد، فرفع ~~موسى عصاه على ارض مصر، فأهب الرب على الأرض ريح السموم جميع ذلك اليوم - ~~وفي نسخة السبعين: والرب جلب ريحا قبلية على الأرض نهار ذلك اليوم - وتلك ~~الليلة، فلما كان بالغداة احتملت ريح السموم الجراد، فصعد الجراد - وفي ~~نسخة السبعين أخذت الريح القبلية الجراد وأصعدته - على جميع أرض مصر، فسقط ~~على جميع ms1628 تخوم أرض المصريين، وكان منيعا عظيما جدا، ولم يكن مثل ذلك الجراد ~~فيما خلا ولا يكون مثله فيما بعده، فغطى جميع عين الأرض فأظلمت الأرض، وأكل ~~جميع عشب الحقل وجميع الشجر التي نجت من البرد، ولم يبق في الشجر غصن ولا ~~ورق ولا في # PageV08P059 # الحقل عشب في جميع أرض مصر، فاستعجل فرعون ودعا موسى وهارون وقال لهما: ~~قد خطئت بين يدي الله إلهكما، والآن اعفوا عن ذنبي وجهلي هذه المرة، وصليا ~~بين يدي الرب إلهكم فيصرف عني هذه الآفة والموت، فخرج موسى من بين يدي ~~فرعون وصلى بين يدي الرب، فعاد الرب بريح السموم عاصفا فاحتملت الجراد ~~فقذفت به في بحر سوف - وفي نسخة السبعين: فغير الرب تلك الريح بريح من ~~البحر شديدة فأخذت الجراد وألقته في البحر الأحمر - ولم يبق في جميع تخوم ~~المصريين شيء من الجراد، فقسى الرب قلب فرعون فلم يرسل بني إسرائيل، فقال ~~الرب لموسى: ارفع يدك إلى السماء فليكن الدجى والحنادس على جميع أرض مصر ~~فتذلهم الظلمة، فرفع موسى يده إلى السماء فكانت الظلمة والدجى - وفي نسخة ~~السبعين: فصارت ظلمة وزوبعة - على جميع أرض مصر، ولم ير المرء منهم صاحبه ~~ثلاثة أيام، فأما جميع بني إسرائيل فكان لهم الضياء والنور في مساكنهم، ~~فدعا فرعون موسى فقال له: انطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب إلهكم، فأما بقركم ~~وغنمكم فدعوها هاهنا، وأما حاشيتكم فانطلقوا بها معكم، فقال موسى لفرعون: ~~وأنت أيضا تعطينا من الذبائح فنذبح لله ربنا، وبهائمنا أيضا تنطلق بها ~~معنا، ولا يبقى منها هاهنا ظلف على الأرض لأنا إنما نأخذ من مالنا لنذبح ~~بين يدي الرب إلهنا، ولسنا نعلم بماذا نعبد الله إذا بلغنا هناك، فقسى الرب ~~قلب فرعون وأبى أن يرسلهم، # PageV08P060 # فقال فرعون لموسى: اخرج من بين يدي واحذر أن تتراءى لي أيضا لأن اليوم ~~الذي تتراءى لي بين يدي تموت فيه، قال له موسى: ما أحسن قولك! لست بعائد أن ~~أرى وجهك، قال الرب لموسى: إني أعود أيضا فانزل بفرعون والمصريبن ضربة ~~واحدة، وعند ms1629 ذلك أرسلكم من هاهنا، فإذا أرسلتكم فاخرجوا كلكم، وأمر الشعب ~~وقال لهم: ليستعر المرء منكم من صاحبه والمرأة من جارتها حلي ذهب وفضة - ~~وفي نسخة السبعين: آنية الفضة وآنية الذهب - والكسوة، وجعل الرب للشعب في ~~قلوب المصريين محبة ورحمة، وموسى كانت له هيبة وكرامة عظيمة في جميع أرض ~~مصر - وفي نسخة السبعين: عند المصريين وعند فرعون وعند جميع عبيده - فقال ~~موسى: هكذا يقول الرب: إني خارج نصف الليل فأجوز في أرض مصر فأتوفى جميع ~~أبكار مصر بكر فرعون الجالس على منبره إلى بكر الأمة التي في بيت الرجل، ~~وتموت جميع أبكار البهائم فتسمع الولولة العظيمة والصراخ والأنين الفظيع ما ~~لم يسمع مثله أيضا- وفي نسخة السبعين: ولا يعود أيضا أن يكون مثلها- فأما ~~آل إسرائيل فلا يصاب منهم ولا الناس ولا البهائم ولا الكلب بلسانه- وفي ~~نسخة السبعين: ولا يعوي من جميع بني إسرائيل كلب بلسانه - ليعلموا أن الرب ~~ميز بين المصريين وآل إسرائيل، فهبط جميع عبيدك هؤلاء فيسجدون لي ويقولون: ~~اخرج أنت وجميع الشعب معك، وعند # PageV08P061 # ذلك أخرج، فخرج موسى من بين يدي فرعون بغضب شديد، فقال الرب لموسى: إن ~~فرعون لا يطيعكما، ذلك أني مكثر آياتي وعجائبي بأرض مصر، وإن موسى وهارون ~~جرحا هذه الجرائح وأظهرا هذه الآيات كلها بين يدي فرعون، فقسى الرب - وفي ~~نسخة السبعين: وأقسى الرب - قلب فرعون فلم يرسل بني إسرائيل عن أرضه، وقال ~~الرب لموسى وهارون بأرض مصر: هذا الشهر- أي نيسان - يكون لكم رأس الشهور، ~~ويكون هذا أول شهور السنة، قل لجميع جماعة بني إسرائيل في عشر من هذا الشهر ~~فليأخذ الرجل منهم حملا- وفي نسخة السبعين: خروفا - لبيته وحملا لآل أبيه، ~~وإن كان آل البيت قليلا لا يحتاجون إلى حمل فليشرك هو وجاره القريب إلى ~~بيته على عدة الناس، وعدوا كل امرىء منهم على قدر أكله من الحمل، حملا بلا ~~عيب فيه ذكرا بينا، يكون الحمل حويلا من الخراف والجدي وتأخذونه، ويكون ~~محفوظا لكم حتى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر، ويذبحه كل جماعة من كنيسة ms1630 ~~بني إسرائيل أصيلا، ويأخذون من دمه ويضعونه على القائمين والعتبة من البيت ~~الذي تأكلون فيه، أي علامة - للملائكة الذين يؤمرون بقتل أبكار المصريين، ~~وتأكلون اللحم في هذه الليلة مشويا بفطير، ولا تأكلوا منه نيئا ولا مطبوخا ~~بالماء، # PageV08P062 # ولاتبقوا منه شيئا لغد، ولا تكسروا منه عظما، وما فضل منه إلى غد فأحرقوه ~~بالنار، وكلوه وأنتم قيام وقد شددتم أو ساطكم ونعالكم في أرجلكم وعصيكم في ~~أيديكم وكلوه بعجلة، فإنه فصح للرب، وأنا فإني أعبر في أرض مصر في هذه ~~الليلة وأضرب كل بكر بأرض مصر من الناس والبهائم، وأعمل نقمة من جميع آلهة ~~المصريين، أنا الرب! ويكون لكم هذا اليوم ذكرا وتعيدونه عيدا للرب لدهوركم ~~إلى الأبد وتعيدونه سبعة أيام، وتأكلون فطيرا وتعزلون الخمير من بيوتكم من ~~أول يوم، وكل من يأكل خميرا فإن تلك النفس تبيد من إسرائيل من اليوم الأول ~~إلى اليوم السابع، وكل عمل يعمل فلا تعملوه فيها، واحفظوا هذه الوصية، ففي ~~هذا اليوم خرج عسكركم من مصر، فاجعلوا هذا اليوم لدهوركم سنة، فإذا بدأ ~~اليوم الرابع عشر من الشهر الأول من العشي كلوا فطيرا إلى يوم إحدى وعشرين ~~من الشهر إلى العشاء، ولا يوجد خمير في بيوتكم سبعة أيام، وكل من يأكل ~~مخمرا فإن تلك النفس تبيد من جماعة بني إسرائيل من الملة والذمة ومن سكان ~~الأرض، ما كان خميرا فلا تأكلوه وكلوا فطيرا في جميع مساكنكم، فدعا موسى ~~جميع أشياخ بني إسرائيل وقال لهم: عجلوا فخذوا غنما لقبائلكم واذبحوا الفصح # PageV08P063 # وخذوا حزمة من ريحان الأدبان واغمسوها بدم الحمل ورشوا على معاقم أبوابكم ~~ومعاضدها - وفي نسخة السبعين: على العتبة وكلا القائمين - من الدم الذي في ~~الإناء، ولا يخرج أحد منكم من باب بيته إلى غدوة - وفي نسخة السبعين: إلى ~~الصباح - فتحفظون هذه السنة والوصية أنتم وبنوكم إلى الأبد، وإذا دخلتم ~~الأرض التي يعطيكم الرب كما وعدكم فاحفظوا هذا العمل، وإذا سأل بنوكم ~~فقالوا لكم: ما هذا الفعل؟ فقولوا لهم: هذه ذبيحة فصح الرب إذ أفصح على ~~بيوت ms1631 بني إسرائيل بمصر إذ قتل المصريين وخلص بيوتنا، فركع الشعب كله ساجدا ~~لله وانطلق بنو إسرائيل فصنعوا كما أمر الله موسى وهارون، وفي بيوت بني ~~إسرائيل فلما كان عند نصف الليل قتل الرب أبكار أرض مصر- وفي نسخة السبعين: ~~كل بكر بأرض مصر - من بكر فرعون الجالس على منبره - وفي نسخة السبعين: على ~~كرسيه - وحتى بكر السبي المحبوس في السجن وجميع أبكار البهائم فوثب فرعون ~~في تلك الليلة هو وجميع عبيده وكل أرض مصر - وفي نسخة السبعين: وجميع ~~المصريين - وكانت ولولة عظيمة في جميع أرض مصر لأنه لم يوجد بيت لم يكن فيه ~~ميت، فدعا فرعون بوسى وهارون في تلك الليلة وقال لهما: انهضا فاخرجا من بين ~~شعبي أنتما وبنو إسرائيل أيضا وانطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب كقولكما، ~~وسوقوا غنمكم # PageV08P064 # وبقركم أيضا كما قلتما، وانطلقوا وصلوا علي أيضا وادعوا لي، فألح ~~المصريون على الشعب ليخرجوهم عن الأرض مسرعين لأنهم قالوا: إنا جميعا ~~سنموت، فحمل الشعب عجينهم قبل أن يختمر، والبارد من فطيرهم مشدودا في ~~عمائمهم ملقى أعناقهم، وصنع بنو إسرائيل كما أمرهم موسى، واستعاروا من ~~المصريين حلي ذهب وفضة وكسوة - وفي نسخة السبعين: آنية الفضة والذهب ~~والكسوة - وجعل الرب للشعب في أعين المصريين محبة ورحمة فأعاروهم، فحربوا ~~المصريين، وظعن بنو إسرائيل من رعمسيس - وعلى حاشية نسخة السبعين أنها عين ~~شمس - يطلبون ساخوت ستمائة ألف رجل سوى الحشم والعيال، وصعد معهم من ~~الغرباء أيضا من كل خلط ومن البقر والغنم والماشية كثيرا جدا، فاختبزوا ~~العجين الذي أخرجوه معهم من مصر رغفا - وفي نسخة السبعين: فراني - فطيرا لم ~~يختبزوه - وفي نسخة السبعين: لم يختمر- وذلك لأن المصريين أخرجوهم فلم ~~يقدروا أن يلبثوا، ولم يتزودوا زادا للطريق أيضا، وكان مسكن بني إسرائيل في ~~أرض مصر أربعمائة وثلاثين سنة، في هذا اليوم خرج جميع جنود الرب من أرض ~~مصر- وفي نسخة السبعين: ليلا - كان الرب وقت في سابق علمه حفظ تلك الليلة ~~التي خرجوا فيها من مصر، وكانت هذه الليلة محفوظة معروفة لدى الرب لهلاك ~~أبكار مصر ms1632 ولإخراج جميع بني إسرائيل ليكون ذكر ذلك في جميع أحقابهم ~~وخلوفهم، وقال الرب لموسى وهارون: هذه # PageV08P065 # سنة الفصح، لا يأكل منه غريب، وكل عبد لرجل اشتراه إذا ختنه عند ذلك ~~فأطعمه الفصح، والأجير والساكن فلا يأكل منه، في بيت واحد فليؤكل - وفي ~~نسخة السبعين: وكل عبد لرجل اشتراه فليختتن ثم يأكل منه، الملجىء والأجير ~~لا يأكلان منه، وليؤكل في بيت واحد - ولا تخرجوا من اللحم خارجا من البيت ~~شيئا ولا تكسروا فيه عظما، وإذا سكن معكم غريب فختن كل ذكر في بيته عند ذلك ~~فليقترب - وفي نسخة السبعين، وليختن منهم كل ذكر ثم يدنون - من بعد ذلك إلى ~~أكل الفصح، وليكن عند ذلك بمنزلة أهل الأرض، ولا يأكل منه أغرل، ولتكن سنة ~~واحدة لأهل الأرض والغرباء الذين يسكنون معكم، وصنع جميع بني إسرائيل كما ~~أمر موسى وهارون، وفي هذا اليوم أخرج الرب بني إسرائيل من أرض مصر وجميع ~~جنودهم، وقال الرب لموسى: طهر لي كل ذكر ذكر ويفتح كل رحم من بني إسرائيل ~~من الناس والبهائم يكونون لي، فقال موسى للشعب: اذكروا هذا اليوم الذي ~~خرجتم فيه من مصر من العبودية والرق، لأن الرب أخرجكم من هاهنا بيد منيعة - ~~إلى آخر ما مضى في سورة البقرة؛ ثم ذكر في الخامس علة الفصح فقال: احفظوا ~~شهر البهار فاعملوا فصحا لله ربكم لأنه إنما أخرجكم من أرض مصر في # PageV08P066 # شهر البهار ليلا، فاذبحوا فصحا لله ربكم من البقر والغنم في الموضع الذي ~~يختار الله ربكم، فلأ تأكلوا فيه خميرا بل كلوا فطيرا سبعة أيام خبزا يدل ~~على التواضع لأنه إنما خرجتم من أرض مصر بعجلة لتذكروا اليوم الذي أخرجتم ~~فيه من مصر كل أيام حياتكم، ولا يرى الخمير في حدودكم سبعة أيام، ولا يحل ~~لكم أن تأكلوا الفصح في قرية من القرى التى يعطيكم الله ربكم، ولكن في ~~الموضع الذي يختار الله ربكم أن يصير فيه اسمه ففيه اذبحوا الفصح، ويذبح ~~عند غروب الشمس في الوقت الذي خرجتم من أرض مصر، ثم ms1633 قال: وأحصوا سبعة ~~سوابيع من بعد عيد الفصح، ثم اعملوا عيد السوابيع وائتوا بخواص غلاتكم ~~للرب، كما بارك لكم الله ربكم في الموضع الذي يختار الرب أن تصيروا اسمه ~~فيه واذكروا أنكم كنتم عبيدا بأرض مصر، فاحفظوا هذه السنن كلها واعملوا ~~بها، واعملوا عيد المظال سبعة أيام إذا ما دخلتم بيادركم وخزنتم معاصركم ~~ليبارك الله ربكم في جميع غلاتكم وفي كل عمل أيديكم، وتكونوا فرحين، ويروى ~~ذكركم أمام الله ربكم في الموضع الذي يختار ثلاث مرات في السنة: عيد الفطر ~~وعيد السوابيع وعيد المظال - انتهى. # وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا إضافة - الابن في قوله: # PageV08P067 # ابني بكري، وهو مؤول بأنه يكرمه إكرام الولد، وإطلاق الإله على غير الله ~~سبحانه مراد به الحاكم، ولا يجوز هذا الإطلاق عندنا. # PageV08P068 # ولما انقضى ما أراهم سبحانه من الأفعال الهائلة التي استخلصهم بها من ذلك ~~الجبار، شرع يذكر ما قابلوه به من الجهل به سبحانه وما قابلهم به من الحلم، ~~ثم ما أحل بهم بعد طول المهلة من ضرب الذلة والمسخ بصورة القردة، فقال ~~عاطفا على قوله {فأغرقناهم في اليم} أو قوله {ثم بعثنا من بعدهم موسى} : ~~{وجاوزنا} أي قطعنا بما لنا من العظمة - وساقه على طريق المفاعلة تعظيما ~~له، روي أن جوازهم كان يوم عاشوراء، وأن موسى عليه السلام صامه شكرا لله ~~تعالى على إنجائهم وإهلاك عدوهم {ببني إسرائيل} بعد الآيات التي شاهدوها ~~{البحر} وإنما جعلته معطوفا على أول القصة لأن هذه القصص كلها بيان لأن في ~~الناس السيىء الجوهر الذي لايغنيه الآيات كما مضى عند قوله: {والبلد الطيب} ~~[الأعراف: 58] وبيان قوله {أخذنا أهلها بالبأساء والضراء} [الأعراف: 94] ~~إلى آخرها، ويدل على ذلك - مع ما ابتدئت به القصص - ختمها بقوله {ذلك مثل ~~القوم الذين كذبوا بآياتنا} [الأعراف: 176] وقوله: {ولقد ذرأنا لجهنم} ~~[الأعراف: 179] وحسن موقعها بعد قوله: {وتمت كلمت ربك الحسنى} [الأعراف: ~~137] # PageV08P068 # لأنه لما قيل {بما صبروا} تشوفت النفس إلى فعلهم حال الرخاء هل شكروا؟ ~~فبين أن كثيرا منهم كفروا تصديقا لقوله {وما وجدنا لأكثرهم ms1634 من عهد} ~~[الأعراف: 102] وما شاكله، وما أحسن تعقيب ذلك - بقوله: {فأتوا} أي مروا- ~~بفاء التعقيب {على قوم} أي ذوي قوة، قيل: كانوا من لخم {يعكفون} أي يدورون ~~ويتحلقون ملازمين مواظبين {على أصنام لهم} أي لا قوة فيها ولا نفع، فهم في ~~عكوفهم عليها مثل في الغباوة، وقيل: إنها كانت تماثيل بقر، وكان ذلك أول ~~أمر العجل. # ولما أخبر سبحانه بذلك، علم السامع أنهم بين أمرين: إما شكر وإما كفر، ~~فتشوف إلى ما كان منهم، فأجاب سبحانه سؤاله بقوله: {قالوا} أي لم يلبث ~~ذكرهم لما أراهم سبحانه من عظمته وشكرهم لما أفاض عليهم من نعمته إلا ريثما ~~أمنوا من عدوهم بمجاوزتهم البحر وإغراقهم فيه حتى طلبوا إلها غيره بقولهم: ~~{يا موسى} سموه كما ترى باسمه جفاء وغلظة اعتمادا على ما عمهم من بره وحلمه ~~غير متأدبين بما بهرهم من جلالة حظه من الله وقسمه {اجعل لنا إلها} أي شيئا ~~نراه ونطوف به تقيدا بالوهم {كما لهم آلهة} وهذا منهم قول من لا يعد الإله ~~- الذي فعل معهم هذه الأفاعيل - شيئا، ولا يستحضره بوجه. # PageV08P069 # ولما كان هذا منهم عظيما، استأنف جواب من تشوف إلى قول موسى عليه السلام ~~لهم ما هم بقوله: {قال إنكم قوم} أي ذوو قيام في شهوات النفوس، وقال: ~~{تجهلون*} مضارعا إشعارا بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة، لا ينتقلون عنه في ~~ماض ولا مستقبل، واعلم أنه لا تكرير في هذه القصص فإن كل سياق منها لأمر لم ~~يسبق مثله فالمقصود من قصة موسى عليه السلام وفرعون - عليه اللعنة والملام ~~- هذا الاستدلال الوجودي على قوله # {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} [الأعراف: 102] ومن هنا تعلم أن سياق قصة بني ~~إسرائيل بعد الخلاص من عدوهم لبيان إسراعهم في الكفر ونقضهم للعهود، واستمر ~~سبحانه في هذا الاستدلال إلى آخر السورة، وما أنسب {وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم} [الأعراف: 172] الآية، لقوله {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} [الأعراف: ~~102] وذكر في أول التي تليها تنازعهم في الأنفال تحذيرا لهم من أن يكونوا ~~من الأكثر المذمومين في هذه، ms1635 هذا بخلاف المقصود من سياق قصص بني إسراءيل في ~~البقرة فإنه هناك للاستجلاب للإيمان بالتذكير بالنعم، لأن ذلك في سياق ~~خطابة سبحانه لجميع الناس بقوله: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم} [البقرة: 21] ~~{كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} [البقرة: 28] وما شاكله من ~~الاستعطاف بتعداد النعم ودفع النقم - والله أعلم. # PageV08P070 # ولما استفيد من كلامه لهم غاية الإنكار عليهم، علل هذا الإنكار بقوله: ~~{إن هؤلاء} أي القوم {متبر ما هم فيه} أي مكسر مفتت مهلك على وجه المبالغة، ~~وإذا فسد الظرف فسد المظروف، وإليه الإشارة بجعل «هؤلاء» اسما لإن، وإيلائه ~~خبر الجمله الواقعه خبرا مقدما على مبتدئه. # ولما كان الشيء قد يهلك في الدنيا أو في الاخرة - وهو حق، أعملهم بأن هذا ~~الهلاك إنما هو الهلاك عند الله أعلم من كونه في الدنيا أو في الآخرة ~~لبطلان ما هم فيه، فقال معبرا بالاسمية إشارة إلى أنه الآن كذلك، وإن رئي ~~بخلافه: {وباطل} أي مضمحل زائل {ما كانوا} أي جبلة وطبعا {يعملون*} أي ~~مواظبين عليه من الأصنام والعكوف وجميع أعمالهم لأجله، لا وزن لشيء منها ~~أصلا ولا اعتبار، وفيه إشارة إلى أن العبادة لا تنبغي إلا للباقي الذي لا ~~يجوز عليه التغير، فإذا كان كذلك كان العمل له أيضا ثابتا باقيا لا يجوز ~~عليه البطلان، وفي تعقيبها لتدمير آل فرعون إشارة إلى موجب ذلك، وأن كل من ~~كان على مثل حالهم من عبادة غير الله كانت عاقبته الدمار. # ولما كان هذا استدلالا على أن مثل هذه الأصنام التي مروا عليها لا تصلح ~~لأن تعبد، كان ذلك غير كاف لهم لما - تقرر من جهلهلم، فربما ظنوا أن غيرها ~~مما سوى الله تجوز عبادته، فكأنه قيل: هذا لا يكفي جوابا لمثل هؤلاء فهل ~~قال لهم غير ذلك؟ فقيل: نعم! {قال} منكرا معجبا # PageV08P071 # {أغير الله} أي الذي له جميع العظمة، فهو المستحق للعبادة {أبغيكم} أي ~~أطلب لكم {إلها} فأنكر أن يتأله غيره، وحصر الأمر فيه ثم بينه بقوله: {وهو} ~~أي والحال أنه هو وحده {فضلكم} دون غيركم ممن ms1636 هو في زمانكم أو قبله {على ~~العالمين*} أي لو لم يكن لوجوب اختصاصهم له بالعبادة سبب سوى اختصاصه لهم ~~بالتفصيل على سائر عباده الذين بلغهم علمهم ممن هو أقوى منهم حالا وأكثر ~~عددا وأموالا لكان كافيا. # ولما أثبت أن الإلهية لا تصلح لغيره، وأن غيره لم يكن يقدر على تفضيلهم، ~~وكان المقام للعظمة، وكان كأنه قيل إيذانا بغلظ أكبادهم وقله فطنتهم وسوء ~~مقابلتهم للمنعم: اذكروا ذلك، أي تفضيله لكم باصطفاء آبائكم إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب وما تقدم له عندهم وعند أولادهم من النعم لا سيما يوسف عليه السلام ~~الذي حكمه في جميع الأرض التي استذلكم أهلها؛ عطف عليه إشارة إليه قوله ~~التفاتا إلى مظهر العظمة تذكيرا بعظمة مدخوله: {وإذ} أي واذكروا إذ ~~{أنجيناكم} أي على ما نحن عليه من العظمة التي أنتم لها عارفون، ولها في - ~~كل وقت في تلك الآيات مشاهدون {من آل فرعون} وما أفضنا عليكم بعد الإنجاء ~~من النعم الجسام وأريناكم من الآيات العظام تعرفوا أنا فضلناكم # PageV08P072 # على جميع الأنام، ثم استأنف بيان ما أنجاهم منه بقوله: {يسومونكم} أي ~~ينزلون بكم دائما {سوء العذاب} . # ولما كان السياق - كما مضى - لبيان إسراعهم في الكفر وشدة علوتهم في ~~قوتهم وجلافتهم، وكان مقصود السورة إنذار المعرضين وتحذيرهم من القوارع ~~التي أحلها بالماضين، بين سوء العذاب عادلا في بيانه عن التذبيح - لأنه لا ~~يكون عند الانذباح، وهو في الأصل لمطلق الشق - إلى التعبير بالقتل لأنه أدل ~~على الإماتة وأهز، لأنه قد يكون على هيئة شديدة بشعة كالتقطيع والنخس ~~والخبط وغير ذلك مع أنه لا بد فيه من تفويت ذلك فقال: {يقتلون} أي تقتيلا ~~كثيرا - {أبناءكم} ودل على حقيقة القتل بقوله: {ويستحيون} . # ولما كان المعنى أنهم لا يعرضون للإناث صغارا ولا كبارا، وكان إنكار ما ~~يكون إبقاء النساء بلا رجال لما يخشى من الضياع والعار، وكان مظنة العار ~~أكبر - عبر عنهن بقولة: {نساءكم} وتنبيها على أن قتل الأبناء إنما هو للخوف ~~من صيرورتهم رجالا لئلا يسلبهم واحد منهم أعلمهم به كهانهم ملكهم؛ وأشار ms1637 ~~إلى شدة ذلك بقوله: {وفي ذلكم} أي الأمر الصعب المهول {بلاء} أي اختبار لكم ~~ولهم {من ربكم} أي المحسن إليكم في حالي الشدة والرخاء، فأنه أخفى عنهم ~~الذي قصدوا القتل لأجله، وأنقذكم به بعد أن رباه عند الذي هو مجتهد في ذبحه ~~{عظيم} . # PageV08P073 # ولما ذكرهم بنعمة إنجاء الأبدان، أتبعها التذكير بأكبر منها إذ كانت لحفظ ~~الأديان وصيانة جوهرة الإيمان بما نصب لهم من الشرع في التوراة، فقال معجبا ~~من حالهم إذ كان في الإنعام عليهم بنصب الشرع الهادي لهم من الضلال واختصاص ~~نبيهم بمزيد القرب بالمناجاة، وهم في اتخاذ إله سواه، لا نفع فيه أصلا، ولا ~~يرضى قلب أو عقل أن يعبده، عاطفا له على ما سبق تعجيبه به منهم في قوله: ~~{وجاوزنا ببني إسرائيل} [الأعراف: 138] {وواعدنا} أي على ما لنا من باهر ~~العظمة {موسى ثلاثين} أي مناجاة ثلاثين {ليلة} أي عقبها {وأتممناها} أي ~~المواعدة {بعشر} أي ليال، وذلك لأنه لما مضت ثلاثون ليلة، وهو شهر ذي ~~العقدة فيما قيل، وكان موسى عليه السلام قد صامها ليلها ونهارها، أدرك من ~~فمه خلوفا فاستاك، فأعلمه الله أنه قد أفسد ريح فمه، وأمره بصيام عشرة أيام ~~أخرى وهي عشر ذي الحجة ليرجع ما أزاله من ذلك، وذلك لأن موسى عليه السلام ~~كان وعد بني إسرائيل - وهو بمصر - أنه إذا أهلك سبحانه عدوهم، أتاهم بكتاب ~~من عنده فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما أهلك الله عدوهم سأل موسى عليه ~~السلام الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يوما ثم أمره بالعشر. # ولما كان من الممكن أن يكون الثلاثون هي النهاية، وتكون مفصلة إلى عشرين ~~ثم عشر، أزال هذا الاحتمال - بقوله: {فتم ميقات ربه} # PageV08P074 # أي الذي قدره في الأزل لأن يناجيه بعده - بالفاء {أربعين} ولما كانت ~~العشر غير صريحة في الليالي، قال: {ليلة} فانتفى أن تكون ساعات مثلا، وعبر ~~بالميقات لأنه ما قدر فيه عمل من الأعمال، وأما الوقت فزمان الشيء سواء كان ~~مقدرا أم لا، وعبر بالرب إشارة إلى اللطف به والعطف عليه والرحمة له، ms1638 ~~والميقات هو الأربعون - قاله الفارسي في الحجة، وقدر انتصاب أربعين ب ~~«معدودا هذا العدد» كما تقول: تم القوم عشرين، أي معدودين هذا العدد وأجمل ~~سبحانه الأربعين في البقرة لأن المراد بذلك السياق تذكيرهم بالنعم الجسام ~~والمت إليهم بالإحسان والإكرام، ليكون ذلك أدعى إلى رجوعهم إلى الإيمان ~~وأمكن في نزوعهم عن الكفران بدليل ما سبق قصتهم من قوله: {يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] {كيف تكفرون بالله} [البقرة: 28] وما اكتنفها ~~أولا وآخرا من قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} ~~[البقرة: 40] الآيتين المبدوء بها والمختوم بها، وفصل هنا الأربعين إلى ~~ثلاثين وعشر، لأن المراد بهذا السياق - كما تقدم - بيان كفرهم ومرودهم على ~~خزيهم ومكرهم وأنه لم ينفعهم سؤال المعجزات، ولا أغنى عنهم شيئا تواتر ~~النعم والآيات، كما كان ذلك في قصص الأمم الخالية والقرون الماضية ممن ذكر ~~في هذه الصورة استدلالا - كما تقدم - على أن المفسد أكثر # PageV08P075 # من المصلح - إلى غير ذلك مما أجمل في قوله تعالى: # {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها} [الأعراف: 94] إلى آخره، ~~وتسلية لهذا النبي الكريم وترهيبا لقومه لما وقع لهم من العقاب الأليم، ~~والفصل بين الساقين يدق إلا عن أولي البصائر - والله أعلم، فيكون المراد ~~بتفصيل الأربعين هنا بيان أن إبطاء موسى عليه السلام عما علموه من المعياد ~~إنما كان لعشرة أيام، فارتكبوا فيها هذه الجريمة التي هي أعظم الجرائم، ~~وأشار تعالى إلى عظيم جرأتهم وعراقتهم في السفه بقوله عاطفا على {واعدنا} : ~~{وقال موسى} أي لما واعدناه {لأخيه} ثم بينه تصريحا باسمه فقال: {هارون ~~اخلفني} أي كن خليفتي فيهم تفعل ما كنت أفعل، وأكد الارتسام بما يجده له ~~بقوله: {في قومي} وأشار إلى حثه على الاجتهاد بقوله: {وأصلح} أي كن على ما ~~أنت عليه من إيقاع الإصلاح. # ولما كان عالما بأنه صلى الله عليه وسلم مبرأ من السوء غير أن عنده لينا ~~قال: {ولا تتبع} أي تكلف نفسك غير ما طبعت عليه بأن تتبع {سبيل المفسدين*} ~~أي استصلاحا لهم وخوفا من ms1639 تنفيرهم، فاختلفوا عن الطريق كما تفرس فيهم موسى ~~عليه السلام ولم يذكروا عاقبة فلا هم خافوا بطش من بطش بمن كان يسومهم سوء ~~العذاب، ولا هم سمعوا لأخيه في الصلاح، ولا هم انتظروا عشرة أيام، فلا أخف ~~منهم أحلاما ولا أشد على المعاصي إقداما. # PageV08P076 # ولما ذكر سبحانه مواعدته واحتياطه في إصلاح قومه، شرح أمره حال المواعدة ~~وحالهم بعد غيبته فقال: {ولما جاء موسى لميقاتنا} أي عند أول الوقت الذي ~~قدرناه للمناجاة؛ ولما كان مقام الجلال مهولا لا يستطاع وعي الكلام معه، ~~التفت إلى مقام الإكرام فقال: {وكلمه} أي من غير واسطه {ربه} أي المحسن ~~إليه بأنواع الإحسان المتفضل على قومه بأنواع الامتنان، والذي سمعه موسى ~~عليه السلام عند أهل السنة من الأشاعرة هو الصفة الأزلية من غير صوت ولا ~~حرف، ولا بعد في ذلك كما لا بعد رؤية ذاته سبحانه وهي ليست بجسم ولا عرض لا ~~جوهر، وليس كمثله شيء، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سبحانه كلمه في ~~جميع الميقات وكتب له الألواح، وقيل: إنما كلمه في أول الأربعين، والأول ~~أولى. # ولما كلمه بصفة الربوبية الناظر إلى العطف واللطف، وكانت الرؤية جائزة، ~~اشتاق إلى الرؤية شوقا لم يتمالك معه لما استحلاه من لذاذة الخطاب فسألها ~~لعمله أنها جائزة {قال} مسقطا الأداة كعادة أهل القرب - {رب أرني} أي ذاتك ~~الأقداس بأن ترفع عني الحجاب فتجعلني متمكنا من النظر، وهو معنى قول الحبر ~~ابن عباس: أعطني وحقق أنها رؤية العين بقوله في جواب الأمر - {أنظر} أي ~~أصوب تحديق العين وأشار إلى عظمته سبحانه وعلو شأنه # PageV08P077 # علو العظمة لا المسافة - بالتعدية بحرف النهاية بعد أن أشار بحذف أداة ~~النداء إلى غاية القرب بالإحسان - فقال: {إليك} أي فأراك. # ولما كان سبحانه قد قضى أنه عليه السلام لا يراه في الدنيا {قال} نافيا ~~المقصود، وهو الرؤية لا مقدمتها، وهو النظر الذي هو التحديق بالعين {لن ~~تراني} ودل سبحانه بهذه العبارة على جواز رؤيته حيث لو يقل: لن أرى، أو لن ~~يراني أحد؛ ثم ms1640 زاد ذلك بيانا بتعليقه بممكن فقال: {ولكن انظر إلى الجبل} ~~إشارة جبل بعهده، وهو أعظم جبل هناك، وزاد في الإشارة إلى الرؤية بالتعبير ~~بأداة الشك وإتباعها بأمر ممكن فقال -: {فإن استقر مكانه} أي وجد قراره ~~وجودا تاما، وأشار إلى بعد الرؤية أيضا وجلالة المطلوب منها بقوله: {فسوف ~~تراني} أي بوعد لا خلف فيه {فلما تجلى ربه} أي المحسن إليه بكل عطاء ومنع ~~وبين بتعبيره باللام أنه تجلى قربه وخصوصيته، ولو عبر بعلى مثلا لكان أمر ~~آخر فقال -: {للجبل} أي بأن كشف للجبل عما شاء من حجب عظمته {جعله دكا} أي ~~مدكوكا، والدك والدق أخوان {وخر} أي وقع {موسى صعقا} أي مغشيا عليه مع صوت ~~هائل، فعلم أن معنى الاستدراك أنك لن تثبت لرؤيتي في هذه الدار ولا تعرف ~~ذلك الآن، ولكنك تعرفه بمثال أريكه وهو الجبل، فإن الفاني - كما نقل عن ~~الإمام مالك - لا ينبغي له أن يرى # PageV08P078 # الباقي - {فلما أفاق} أي من غشيته {قال سبحانك} أي تنزيها لك عن أن أطلب ~~منك ما لم تأذن فيه {تبت إليك} أي من ذلك {وأنا أول المؤمنين*} أي مبادر ~~غاية المبادرة إلى الإيمان بكل ما أخبرت به كل ما تضمنته هذه الآيات، ~~فتعبيره بالإيمان في غاية المناسبة لعدم الرؤية لأن شرط الإيمان أن يكون ~~بالغيب، فقد ورد في نبينا صلى الله عليه وسلم آيتان: إحداهما يمكن أن تشير ~~إلى الرؤية بالتعبير بالمسلمين دون المؤمنين في قوله {وأنا أول المسلمين} ~~[المائدة: 163] والثانية تومي إلى عدمها وهي {آمن الرسول} [البقرة: 285] ~~إلى قوله: {كل آمن بالله} [البقرة: 285]- والله أعلم -، وكل هذا تبكيت على ~~قومه وتبكيت لهم في عبادتهم العجل وردع لهم عن ذلك، وتنبيه لهم على أن ~~الإلهية مقرونة بالعظمة والكبر بعيدة جدا عن ذوي الأجسام لما يعلم سبحانه ~~من أنهم سيكررون عبادة الأصنام، فأثبت للإله الحق الكلام والتردي عن الرؤية ~~بحجاب الكبر والعظمة واندكاك الجبل عند تجليه ونصب الشرع الهادي إلى أقوم ~~سبيل تعريضا بالعجل، وإلى ذلك يرشد قوله تعالى: {ألم يروا أنه لا ms1641 يكلمهم} ~~الآية. # ولما منعه الرؤية بعد طلبه إياها، وقابل ذلك بمحاسن الأفعال والأقوال، ~~تشوف السامع إلى ما قوبل به من الإكرام، فاستأنف سبحانه الإخبار بما منحه ~~به تسلية له عما منعه وأمرا بشكره بقوله: {قال يا موسى} # PageV08P079 # مذكرا له نعمه في سياق دال على عظيم قدرها وإيجاب شكرها مسقطا عنه مظهر ~~العظمة تأنيسا له ورفقا به - {إني اصطفيتك} أي اخترتك اختيارا بالغا كما ~~يختار ما يصفى من الشيء عن كل دنس {على الناس} أي الذين في زمانك {رسالاتي} ~~أي الآيات المستكثرة التي أظهرتها وأظهرها على يديك من أسفار التوارة ~~وغيرها {وبكلامي} أي من غير واسطة وكأنه أعاد حرف الجر للتنبيه على ذلك، ~~كما اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم على الناس عامة في كل زمان برسالته ~~العامة وبكلامه المعجز وبتكليمه من غير واسطة في السماء التي قدست دائما ~~ونزهت عن التدنيس بمعصية. # ولما كان ذلك مقتضيا لغاية الإقبال والنشاط، سبب عنه قوله: {فخذ ما ~~آتيتك} آي مخصصا لك به {وكن من الشاكرين*} أي العريقين في صفة الشكر ~~المجبولين عليها. # PageV08P080 # ولما انقضى ما أنسه سبحانه به لفت الكلام - في الإخبار لنا عن عظيم ما ~~آتاه - لي مظهر العظمة، فقال مفصلا لتلك الرسالة ومبينا بعض ما كان من ~~الكلام {وكتبنا} أي بعظمتنا {له في الألواح} عرفها لعظمتها تنبيها على أنها ~~لجلالة ما اختصت به كأنها المختصة بهذا الاسم، وأعظم من هذا جعل قلب النبي ~~الأمي لوحا قابلا لما يلقى إليه جامعا لعلوم الأولين والآخرين {من كل شيء} ~~أي يحتاجه بنو إسرائيل، وذلك هو العشر الآيات التي نسبتها إلى التوارة نسبة ~~الفاتحة إلى القران، ففيها # PageV08P080 # أصوال الدين وأصول الأحكام والتذكير بالنعم والأمر بالزهد والورع ولزوم ~~محاسن الأعمال والبعد عن مساويها، ولذا قال مبدلا: {موعظة وتفصيلا} أي على ~~وجازتها بما كانت سببا {لكل شيء} أي لأنها - مع كونها أمهات وجوامع - مفصلة ~~ترجع إليها بحور العلم وتنشق منها ينابيعها. # ولما كان هذا هكذا، تسبب عنه حتما قوله تعالى التفاتا إلى خطاب موسى عليه ~~السلام بخطاب ms1642 التأنيس إشارة إلى أن التزام التكاليف صعب: {فخذها} أي ~~الألواح {بقوة} أي بجد وعزيمة في العلم والعمل {وأمر قومك} أي الأقوياء على ~~محاولة ما يراد {يأخذوا بأحسنها} كأنه سبحانه أطلق لموسى عليه السلام الأخذ ~~بكل ما فيها لما عنده من الملكة الحاجزة له عن شيء من المجاوزة، ولذلك قال ~~له {بقوة} وقيدهم بالأحسن ليكون الحسن جدا مانعا لهم من الوصول إلى القبيح، ~~وذلك كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر. # ولما كان كأنه قيل: وهل يترك الأحسن أحد؟ فقيل: نعم، الفاسق يتركه، بل ~~ويتجاوز الحسن إلى القبيح، بل وإلى أقبح القبيح، ومن تركه أهلكته وإن جل ~~آله وعظمت جنوده وأمواله، قال كالتعليل لذلك: {سأوريكم دار الفاسقين*} أي ~~الذين يخرجون عن أوامري إلى ما أنهاهم عنه فأنصركم عليهم وأمكنكم بفسقهم من ~~رقابهم وأموالهم من # PageV08P081 # الكنعانيين والحاثانيين وغيرهم من سكان الأراضي المقدسه لتعلموا أن من ~~أغصبني وترك أمري أمكنت منه، وإنما ذكر الدار لئلا تغرهم منعتها إذا ~~استقروا بها فيظنوا أن لا غالب لهم فيها بوعورة أرضها وشهوق جبالها وإحكام ~~أسوارها، وإذا تأملت ما سيأتي في شرح هذه الآيات من التوراة لاح لك هذا ~~المعنى، وكذا ما ذكر من التوراة عند قوله في المائدة {قل هو أنبئكم بشر من ~~ذلك مثوبة عند الله} [المائدة: 60] وفي هذه الجملة المختصرة بشارة يإتمام ~~الوعد بنصرتهم عليهم بطاعتهم ونذارة على تقدير معصيتهم، فكأنه قيل: إن ~~أخذوا بالأحسن أريتهم دار الفاسقين، وأتممت عليهم النعمة ما دامو على ~~الشكر، وإن لم يأخذوا أهلكتهم كما أهلك الفاسقين من بين أيديهم، فحذرهم ~~لئلا يفعلوا أفعالهم إذا استقرت بهم الدار، وزالت عنهم الأكدار، ويؤيد كون ~~المراد القدس لا مصر قراءة من قرأ: سأورثكم - من الإرث، لأنها هي المقصودة ~~بإخراجهم من مصر وبعث موسى عليه السلام، ولا ينفي ذلك احتمال مصر أيضا - ~~والله أعلم. # ولما انقضى ذلك، كان كأنه قيل: وكيف يختار عاقل ذلك؟ فكيف بمن رأى الآيات ~~وشاهد المعجزات؟ فقال: {سأصرف عن آياتي} أي المسموعة والمرئية على عظمتها ~~بما أشارت إليه الإضافة بالصرف عن ms1643 فهمها واتباعها والقدرة على الطعن فيها ~~بما يؤثر في إبطالها # PageV08P082 # {الذين يتكبرون} أي يطلبون الكبر بما ليس لهم ويعملون قواهم فيه {في ~~الأرض} أي جنسها الذي أمرت بالتواضع فيه. # ولما كان من رفعه الله بصفة فاضلة فوضع نفسه موضعها ولم يهنها نظرا لما ~~أنعم الله به عليه ومنحه إياه ربما سمى ذلك كبرا، وربما سمى طلبه لتلك ~~الأخلاق التي توجب رفعته تكبرا، وليس كذلك وإن وافقه في الصورة، لمفارقته ~~له في المعنى فإنه صيانة النفس عن الذل، وهو إنزال النفس دون منزلتها صنعة ~~لا تواضعا، والكبر رد الحق واحتقار الناس، ففي التقييد هنا إشارة خفية ~~لإثبات العزة بالحق والوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الصنعة وقوفا ~~على شرط العزم المنصوب على متن نار الكبر؛ قال الإمام السهروردي: ولا يؤيد ~~في ذلك ويثبت عليه إلا أقدام العلماء الراسخين - قال تعالى احترازا عنه ~~ومدخلا كل كبر خلا عن الحق الكامل: {بغير الحق} أي إنما يختار غير الأحسن ~~من يختاره بقضائي الذي لا يرد وأمري العالي على أمر كل ذي جد فأزين لمن ~~علمت خباثة عنصره ورداءة جوهره ما أريد حتى يرتكبوا كل قبيحة ويتركوا كل ~~مليحة، فينصرفون عن الآيات ويعمون عن الدلالات الواضحات. # ولما أخبر بتكبرهم في الحال، عطف عليه فعلهم في المآل فقال: {وإن يروا كل ~~آية} أي مرئية أو مسموعة {لا يؤمنوا بها} أي لتكبرهم # PageV08P083 # عن الحق {وإن يروا سبيل} أي طريق {الرشد} أي الصلاح والصواب الذي هو أهل ~~للسلوك {لا يتخذوه سبيلا} أي فلا يسلكونه بقصد منهم ونظر وتعمد، بل إن ~~سلكوه فعن غير قصد {وإن يروا سبيل الغي} أي الضلال {يتخذوه سبيلا} أي بغاية ~~الشهوة والتعمد والاعتمال لسلوكه. # ولما كان هذا محل عجب، أجاب من يسأل عنه بقوله: {ذلك} أي الصرف العظيم ~~الذي زاد عن مطلق الصرف بالعمى عن الإيمان واتخاذ الرشاد {بأنهم} أي بسبب ~~أنهم {كذبوا بآياتنا} أي على ما لها من العظمة {وكانوا عنها} أي خاصة جبلة ~~وطبعا {غافلين*} أي كان دأبهم وديدنهم معاملتهم ms1644 لها بالإعراض عنها حتى ~~كأنها مغفول عنها فهم لذلك يصرون على ما يقع منهم. # ولما ذكر أحوال المتكبرين الذين أداهم كبرهم إلى التكذيب في الدنيا، ذكر ~~أحوالهم في الآخرة فقال: {والذين} أي كذبوا بها والحال أن الذين {كذبوا ~~بآياتنا} أي فلم يعتبروا عظمتها {ولقاء الآخرة} أي ولقائهم إياها أو لقائهم ~~ما وعدوا به فيها، اللازم من التكذيب بالآيات الحامل التصديق بها على معالي ~~الأخلاق {حبطت} أي فسدت فسقطت {أعمالهم} والآية من الاحتباك: إثبات الغفلة ~~أولا يدل على إرادتها ثانيا، واللقاء ثانيا يدل على إرادته أولا. # PageV08P084 # ولما كان كأنه قيل: لم بطلت؟ قيل: {هل يجزون إلا ما} أي جزاء ما {كانوا ~~يعملون} أي بإبطال أعمالهم وإن عملوا كل حسن سوى الإيمان بسبب أنهم أبطلوا ~~الآيات والآخرة بتكذيبهم بها، أي عدوها باطلة، والجزاء من جنس العمل، ~~والحاصل أنهم لما عموا عن الآيات لأنهم لم ينظروا فيها ولا انقادوا مع ما ~~دلت عقولهم عليه من أمرها، بل سدوا باب الفكر فيها؛ زادهم الله عمى فختم ~~على مداركهم، فصارت لاينتفع بها فصاروا لا يعون، وهذه الآيات أعظم زاجر عن ~~التكبر، فإنها بينت أنه يوجب الكفر والإصرار عليه والوهن في جميع الأمور، ~~ولما كان ذلك كله مما يتعجب الموفق من ارتكابه، أعقبه تعالى مبينا ومصورا ~~ومحققا لوقوعه ومقررا قوله عطفا على {فأتوا على قوم يعكفون} [الأعراف: 138] ~~مبينا لإسراعهم في الكفر: {واتخذ} أي بغاية الرغبة {قوم موسى} أي باتخاذ ~~السامري ورضاهم، ولم يعتبروا شيئا مما أتاهم به من تلك الآيات التي لم ير ~~مثلها {من بعده} أي بعد إبطائه عنهم بالعشرة الأيام التي أتممنا بها ~~الأربعين {من حليهم} أي التي كانت معهم من مالهم ومما استعاروه من القبط ~~{عجلا} ولما كان العجل اسما لولد البقر، بين أنه إنما يشبه صورته فقط، فقال ~~مبدلا منه: {جسدا} . # ولما كان الإخبار بأنه جسد مفهما لأنه خال مما يشبه الناشىء # PageV08P085 # عن الروح، قال {له خوار} أي صوت كصوت البقر، والمعنى أنه لا أضل ولا أعمى ~~من قوم كان معهم حلي ms1645 أخذوه ممن كانوا يستعبدونهم ويؤذونهم وهم مع ذلك أكفر ~~الكفرة فكان جديرا بالبغض لكونه من آثار الظالمين الأعداء فاعتقدوا انه ~~بالصوغ صار إلها وبالغوا في حبه والعبودية له وهو جسد يرونه ويلمسونه، ~~ونبيهم الذي هداهم الله به واصطفاه لكلامه يسأل رؤية الله فلا يصل إليها. # ولما لم يكن في الكلام نص باتخاذه إلها، دل على ذلك بالإنكار عليهم في ~~قوله: {ألم يروا} أي الذين اتخذوا إلها {أنه لا يكلمهم} أي كما كلم الله ~~موسى عليه السلام {ولا يهديهم سبيلا} كما هداهم الله تعالى إلى سبيل ~~النجاة، منها سلوكهم في البحر الذي كان سببا لإهلاك عدوهم كما كان سببا ~~لنجاتهم؛ قال أبو حيان: سلب عنه هذين الوصفين دون باقي أوصاف الإلهية لأن ~~انتقاء التكليم يستلزم انتفاء العلم، وانتفاء الهداية إلى سبيل يستلزم ~~انتفاء القدرة، وانتفاء هذين الوصفين يستلزم انتفاء باقي الأوصاف. # ولما كان هذا أمرا عظيما جدا مستبعد الوقوع ولا سيما من قوم نبيهم بينهم ~~ولا سيما وقد أراهم من النعم والآيات ما ملأت أنواره الآفاق، كان جديرا ~~بالتأكيد فقال تعالى: {اتخذوه} أي بغاية الجد والنشاط والشهوة {وكانوا} أي ~~جلبة وطبعا مع ما أثبت لهم من الأنوار # PageV08P086 # {ظالمين*} أي حالهم حال من يمشي في الظلام، أو أن المقصود أن الظلم وصف ~~لهم لازم، فلا بدع إذا فعلوا أمثال ذلك. # PageV08P087 # ولما كان هذا في سياق {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} ~~فأنتج أن من كذب على هذه الصفة أهلك، فانتظر السامع الإخبار بتعجيل هلاكهم، ~~أخبر بأنه منعهم من ذلك وحرسهم المبادرة بالتوبة، ولما اشتد من تشوف السامع ~~إليه، قدمه على سببه وهو رجوع موسى عليه السلام إليهم وإنكاره عليهم، ولأن ~~السياق في ذكر إسراعهم في الفسق لم يذكر قبول توبتهم كما في البقرة؛ ولما ~~كان من المعلوم أنهم تبين لهم عن قرب سوء مرتكبهم لكون نبيهم فيهم، عبر بما ~~أفهم أن التقدير: فسقط في إيديهم، وعطف عليه قوله سائقا مساق ما هو معروف: ~~{ولما سقط} أي سقطت أسنانهم {في أيديهم} بعضها ms1646 ندما سقوطا كأنه بغير اختيار ~~لما غلب فيه من الوجد والأسف الذي أزال تأملهم ولذلك بناه للمفعول {ورأوا ~~أنهم قد ضلوا} أي عن الطريق الواضح {قالوا} توبة ورجوعا إلى الله كما قال ~~أبوهم آدم عليه السلام {لئن لم يرحمنا ربنا} أي الذي لم يقطع قط إحسانه عنا ~~فكيف غضبه ويديم إحسانه {ويغفر لنا} أي يمحو ذنوبنا عينا وأثرا لئلا ينتقم ~~منا في المستقبل {لنكونن من الخاسرين*} أي فينتقم من بذنوبنا. # ولما أخبر بالسبب في تأخير الانتقام عنهم مع مساواتهم لمن أوقعت # PageV08P087 # بهم النقمة في موجب الانتقام، أخبر سبحانه بحال موسى عليه السلام معهم ~~عند رجوعه إليهم من الغضب لله والتبكيت لمن خالفه مع ما اشتمل عليه من ~~الرحمة والتواضع فقال: {ولما رجع موسى} أي من المناجاة {إلى قومه غضبان} أي ~~في حال رجوعه لما أخبره الله تعالى عنهم من عبادة العجل {أسفا} أي شديد ~~الغضب والحزن {قال بئسما} أي خلافة خلافتكم التي {خلفتموني} أي قمتم مقامي ~~وفعلتم مقامي وفعلتم خلفي. # ولما كان هذا ربما أوهم أنهم فعلوه من روائه وهو حاضر في طرف العسكر، ~~قال: {من بعدي} أي حيث عبدتم غير الله أيها العبدة، وحيث لم تكفوهم أيها ~~الموحدون بعد ذهابي إلى الجبل للمواعدة الإلهية وبعد ما سمعتم مني من ~~التوحيد لله تعالى وإفراده عن خلقه بالعبادة ونفي الشركاء عنه، وقد رأيتم ~~حين كففتكم وزجرتكم عن عبادة غيره حين قلتم {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} ~~ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلف ولا يخالفوه في شيء. # ولما كان قد أمرهم ان لا يحدثوا حدثا حتى يعود إليهم، أنكر عليهم عدم ~~انتظاره فقال: {أعجلتم} قال الصغاني في المجمع: سبقتم، وقال غيره: عجل عن ~~الأمر - إذا تركه غير تام، ويضمن معنى سبق، فالمعنى: # PageV08P088 # سابقين {أمر ربكم} أي ميعاد الذي ما زال محسنا إليكم، أي فعلتم هذا قبل ~~بلوغ أمر الموعد الذي زاد فيه ربي وهو العشرة الأيام برجوعي إليكم إلى حده، ~~فظننتم أني مت فغيرتم كما غيرت الأمم بعد موت أنبيائها، ms1647 قال الإمام أبو عبد ~~القزاز أيضا: عجلتم: سبقتم، ومنه تقول: عجلت فلانا سبقته، وأسنده ابن ~~التياني إلى الأصمعي {وألقى الألواح} أي التي فيها التوراة غضبا لله ~~وإرهابا لقومه، ودل هذا على أن الغضب بلغ منه حدا لم يتمالك معه، وذلك في ~~الله تعالى {وأخذ برأس أخيه} أي بشعره {يجره إليه} أي بناء على أنه قصر ~~وإعلاما لهم بأن الغضب من هذا الفعل قد بلغ منه مبلغا يجل عن الوصف، لأنه ~~اجتثاث للدين من أصله. # ولما كان هارون عليه السلام غير مقصر في نهيهم، أخذ في إعلام موسى عليه ~~السلام بذلك مخصصا الأم وإن كان شقيقه - تذكيرا له بالرحم الموجبه للعطف ~~والرقة ولا سيما وهي مؤمنه وقد قاست فيه المخاوف، فاستأنف سبحانه الإخبار ~~عن ذلك بقوله: {قال ابن أم} وحذف أداة النداء وياء الإضافة لما يقتضيه ~~الحال من الإيجاز، وفتح الجمهور الميم تشبيها له بخمسة عشر وعلى حذف الألف ~~المبدلة من ياء الإضافة، وكسر الميم ابن عامر وحمزه والكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم بتقدير حذف ياء الإضافة تخفيفا {إن القوم} أي عبدة العجل الذين # PageV08P089 # يعرف قيامهم في الأمور التي يريدونها {استضعفوني} أي عدوني ضعيفا وأوجدوا ~~ضعفي بإرهابهم لي {وكادوا يقتلونني} أي قاربوا ذلك لإنكاري ما فعلوه فسقط ~~عني الوجوب. # ولما تسبب عن ذلك إطلاقه، خاف أن يمنعه الغضب من ثبات ذلك في ذهنه وتقرره ~~في قلبه فقال: {فلا تشمت بي الأعداء} أي لا تسرهم بما تفعل بي فأكون ملوما ~~منهم ومنك؛ ولما استعطفه بالتذكير بالشماتة التي هي شماتة به أيضا، أتبعه ~~ضررا يخصه فقال: {ولا تجعلني} أي بمؤاخذتك لي {مع القوم الظالمين*} أي ~~فتقطعن بعدك لي معهم وجعلي في زمرتهم عمن أحبه من الصالحين، وتصلني بمن ~~أبغضه من الفاسدين الذين فعلوا فعل من هو في الظلام، فوضعوا العبادة في غير ~~موضعها من غير شبهة ولا لبس أصلا. # ولما تبين له ما هو اللائق بمنصب أخيه الشريف من أنه لم يقصر في دعائهم ~~إلى الله ولا ونى في نهيهم عن الضلال، ورأى ms1648 أن ما ظهر من الغضب مرهب لقومه ~~وازع لهم عما ارتكبوا، دعاء له ولنفسه مع الاعتراف بالعجز وأنه لا يسع أحدا ~~إلا العفو، وساق سبحانه ذلك مساق الجواب لسؤال بقوله: {قال رب} أي أيها ~~المحسن إلي {اغفر لي} أي ما حملني عليه الغضب لك من إيقاعي بأخي {ولأخي} أي ~~في كونه لما يبلغ ما كنت أريده منه من جهادهم. # ولما دعا بمحو التقصير، أتبعه الإكرام فقال: {وأدخلنا} أي # PageV08P090 # أنا وأخي وكل من انتظم معنا {في رحمتك} لتكون غامرة لنا محيطة بنا؛ ولما ~~كان التقدير: فأنت خير الغافرين، عطف عليه {وأنت أرحم الراحمين*} أي لأنك ~~تنعم بما لا يحصره الجد ولا يحصيه العد من غير نفع يصل إليك ولا أذى يلحقك ~~بفعل ذلك ولا تركه. # PageV08P091 # ولما كان له ولأخيه وهما معصومان من الذنوب، طوى ما يتعلق بالمغفرة وذكر ~~متعلق الرحمة بخلاف ما يأتي في السؤال له وللسبعين من قومه فإنه عكس فيه ~~ذلك؛ ولما صحت براءة الخليفة، وأشير إلى أنه مع ذلك فقير إلى المغفرة، ~~التفتت النفس إلى حال المفسدين فقال مخبرا عن ذلك: {إن الذين اتخذوا العجل} ~~أي رغبوا رغبة تامه في أخذهم إلها مع المخالفة لما ركز في الفطرة الأولى ~~ودعاهم إليه الكليم عليه السلام {سينالهم} أي بوعد لا خلف فيه {غضب} أي ~~عقوبة فيها طرد أو إبعاد، ولعله ما أمروا به من قتل أنفسهم، واشار إلى انه ~~فيه رفق بهم وحسن تربية لتوبة من يبقى منهم بقوله: {من ربهم} أي الذي لا ~~محسن إليهم غيره، يلحقهم في الدنيا ويتبعهم في الآخرة {وذلة في الحياة ~~الدنيا} أي جزاء لهم على افترائهم وكذلك من رضي فعلهم ولا سيما إن كان من ~~أولادهم كقريظة والنضير وأهل خيبر {وكذلك} أي ومثل جزائهم {نجزي المفترين*} ~~أي المعتمدين للكذب، وهذا نص في أن كل مفتر ذليل، كما هو المشاهد - وإن ~~أظهر الجراءة بعضهم. # PageV08P091 # ولما ذكر المصرين علىلمعصية، عطف عليه التائبين ترغبا في مثل حالهم فقال: ~~{والذين عملوا السيئات} عبر بالعمل إشارة إلى بالعفو وإن ms1649 أقدموا عليها على ~~علم، وجمع إعلاما بأنه لا يتعاظمه ذنب وإن عظم وكثر وإن طال زمانه، ولذلك ~~عطف بأداة البعد فقال: {ثم تابوا} وحقق الأمر ونفى المجاز بقوله: {من ~~بعدها} ثم ذكر الأساس الذي لا يقبل عمل لم يبن عليه على وجه يفهم أنه لا ~~فرق بين أن يكون في السيئات ردة أو لا فقال: {وآمنوا} ثم أجاب المبتدأ ~~بقوله: {إن ربك} أي المحسن إليك بقبول توبة التائبين لما سيرك من ذلك لأنك ~~بهم رؤوف رحيم {من بعدها} أي التوبة {لغفور} أي محاء لذنوب التائبين عينا ~~وأثرا وإن عظمت وكثرت {رحيم*} أي فاعل بهم فعل الرحيم من البر والإكرام ~~واللطف والإنعام، وكأن المصرين هم الذين قتلوا لما أمرهم موسى عليه السلام ~~بقتل أنفسهم، فلما أهلك المصر وتاب الباقي، وصحت براءة أخية وبقاؤه على ~~رتبته من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتهاد في أمر الله، زال موجب ~~الغضب فأخبر سبحانه عما يعقبه فقال: {ولما سكت} أي كف، شبه الغضب بمتكلم ~~كان يحث موسى عليه السلام ويغريه على ما يوجبه ويقتضيه، فلما شفى غيظه سكن ~~وقطع كلامه فخلفه ضده وهوالرضى {عن موسى الغضب} وهو غليان القلب بما يتأذى ~~به النفس {أخذ الألواح} أي التي جاء # PageV08P092 # بها من عند الله بعدما ألقاها {وفي} أي والحال أنه في {نسختها} أي الأمر ~~المكتوب فيها، فعلة بمعنى مفعولة، وعن ابن عباس أنه لما ألقاها صام - مثل ~~ما كان صام للمناجاة - أربعين يوما أخرى، فردت عليه في لوحين مكان ما تكسر. # {هدى} أي شيء موضح للمقاصد {ورحمة} أي سبب للإكرام {للذين هم لربهم} أي ~~لا لغيره {يرهبون*} أي هم أهل لأن يخافوا خوفا عظيما مقطعا للقلوب موجبا ~~للهرب ويستمرون على ذلك. # شرح ما في هذه الآيات من عند قوله {سأوريكم دار الفاسقين} من البدائع من ~~التوراة - قال المترجم في السفر الخامس منها بعد أن بكتهم ببعض ما فعلوه ~~مما أوجب لهم الغضب والعقوبة بالتيه وحثهم على لزوم أمر الله لينصرهم: وأما ~~الوصايا التي آمركم بها اليوم فاحفظوها ms1650 واعملوا بها لتحيوا وتكثروا وترثوا ~~الأرض التي أقسم الله لآبائكم فتذكروا كل الطريق الذي سيركم الله ربكم فيه، ~~ودبركم منذ أربعين سنة في البرية ليواضعكم ويجربكم وليعلم ما في قلوبكم هل ~~تحفظون وصاياه أم لا، فواضعكم وأجاعكم وأطعمكم منا لم تعرفوه أنتم ولا ~~آباؤكم ليبين لكم أنه ليس إنما يعيش الإنسان بالخبز فقط، بل إنما يعيش بما ~~يخرج من فم الله، ولم تبل ثيابكم ولم تجف أقدامكم منذ أربعين سنة، احفظوا ~~وصايا الله ربكم وسيروا في # PageV08P093 # طرقة واتقوه، لأن الله ربكم هو الذي يدخلكم إلى الأرض المخصبة، أرض كثيرة ~~الأدوية والينابيع والعيون التي تجري في الصحارى والجبال، أرض الحنطة ~~والشعير، فيها الكروم والتين والرمان والزيتون والدهن والعسل، أرض ~~لاتحتاجون فيها ولا تأكلون خبزكم بالفقر، ولا يعوزكم فيها شيء، أرض حجارتها ~~حديد تستخرجون النحاس من جبالها، فاحتفظوا، لا تنسوا الله ربكم، واحفظوا ~~وصاياه وشرائعه التي آمركم بها اليوم، لا تبطروا، فإذا أكلتم وشبعتم وبنيتم ~~بيوتا وسكنتموها وكثر غنمكم وبقركم وكثرت أموالكم فتعظم قلوبكم وتنسوا الله ~~ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر وأنقذكم من العبودية ودبركم في البرية ~~المرهوبة العظيمة حيث الحيات الحردات والعقارب وفي مواضع العطش وحيث لم يكن ~~لكم ماء، أخرج لكم من ماء الظران، وأطعمكم منا لم يعرفه آبائكم ليواضعكم ~~ويجربكم ويحسن إليكم آخر ذلك، وانظروا، لا تقولوا في قلوبكم إنا إنما ~~استفدنا هذه الأموال بقوتنا وعزة قلوبنا، ولكن اذكروا الله ربكم الذي قواكم ~~أن تستفيدوا هذه الأموال ليثبت العهد الذي أقسم لآبائكم، وإن أنتم نسيتم ~~الله ربكم وتبعتم آلهة أخرى وعبدتموها وسجدتم لها أشهدت عليكم اليوم ~~فأعلمتكم أنكم تهلكون هلاك سوء، كما أهلكت الشعوب التي أباد الرب بين ~~أيديكم كذلك تهلكون، اسمعوا يا بني إسرائيل! # PageV08P094 # بل أنتم تجوزون اليوم نهر الأردن وتنطلقون لتمتلكوا الشعوب التي هي أقوى ~~وأعظم منكم وتظفروا بالقرى الكبار المشيدة إلى السماء وبشعب كبير عظيم بني ~~الجبابرة، وقد علمتم وسمعتم أنه ما يقدر إنسان أن يقوم بين يدي الجبابرة، ~~وتعلمون يومكم هذا أن الله ربكم ms1651 يجوز أمامكم وهو نار محرقة، وهو يهلكهم ~~ويهزمهم أمامكم، ولا تقولوا في قلوبكم إنه إنما أدخلنا الرب ليرث هذه الأرض ~~من أجل برنا، لأنه إنما يهلك الرب هذه الشعوب من أجل خطاياهم، وليثبت ~~الأقوال التي وعد بها آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاعلموا أنه ليس من ~~أجل بركم يورثكم الله هذه الأرض المخصبة، لأنكم صلاب الرقاب، اذكروا ولا ~~تنسوا أنكم أسخطتم الله ربكم في البرية منذ يوم خرجتم من أرض مصر حتى ~~انتهيتم إلى هذه البلاد، ولم تزالوا مسخطين لله ربكم ونحوريت أيضا أغضبتم ~~الرب، وغضب الرب عليكم وأراد هلاككم حيث صعدت إلى الجبل وأخذت لوحي العهد ~~الذي عاهدكم الرب، ومكثت في الجبل أربعين يوما بلياليها لم أذق خبزا ولم ~~أشرب ماء، وأعطاني الرب لوحين من حجارة مكتوب عليهما بأصبع الله، وكانت كل ~~الآيات التي كلمكم الرب بها من الجبل يوم الجمعة ومن بعد الأربعين، وأعطاني # PageV08P095 # لوحي العهد، قال لي الرب: قم فانزل من هاهنا سريعا، لأن شعبك الذي أخرجته ~~من أرض مصر قد فسدوا ومالوا عن الطريق الذي أمرتهم عاجلا، وعملوا لهم إلها ~~مسبوكا، وقال لي الرب: رأيت هذا الشعب فإذا هو شعب قاسي القلب، فدعني الآن ~~حتى أهلكهم وأبيد أسماءهم من تحت السماء وأصيرك مدبرا لشعب أعظم وأعز منهم، ~~وأقبلت فنزلت من الجبل والجبل يشتعل نارا ولوحا العهد بيدي، ورأيت أنكم ~~أذنبتم أمام الله ربكم سريعا، وعمدت إلى لوحي الحجارة فرميت بهما من يدي ~~وكسرتهما قدامكم، وصليت أمام الرب كما صليت أولا أربعين يوما بلياليها، لم ~~أذق طعاما ولم أشرب شرابا من أجل جميع الخطايا التي ارتكبتم وما عملتم من ~~الشر بين يدي الرب وأغضبتموه: لأني فرقت وخفت غضب الله وزجره أنه أراد ~~إهلاككم، واستجاب الله لي في ذلك الزمان، وأما عجل خطاياكم الذي عملتموه ~~فأخذته وأحرقته بالنار وسحقته وطحنته جدا حتى صار مثل التراب وطرحت ترابه ~~في الوادي الذي ينزل في الجبل، وبالحريق والبلايا وبقبور أصحاب الشهوة، ~~أغضبتم الرب، وإذ أرسلكم ربكم من رقام الحي وقال لكم: اصعدوا ms1652 ورثوا الأرض ~~التي أعطيكم، اجتنبتم # PageV08P096 # قول الرب وأغضبتموه ولم تؤمنوا به ولم تسمعوا قوله، ولم تزالوا لله ~~مسخطين منذ يوم عرفتكم، وصليت أمام الرب أربعين يوما بلياليها، لأن الرب ~~أمر بهلاككم، وقلت في صلاتي، يارب! لا تهلك شعبك وميراثك الذي خلصته بعظمتك ~~وأخرجتهم من أرض مصر بيد عزيزة، ولكن اذكر عبيدك إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ~~ولا تنظر إلى معصية هذا الشعب وإثمه وخطاياه، لئلا يقول سكان تلك الأرض ~~التي أخرجتهم منها: إن الرب لم يقو أن يدخلهم الأرض التي قال لهم، وإنما ~~أخرجهم من عندنا لبغضه لهم ليضلهم في البرية، وهو شعبك وميراثك الذي ~~أخرجتهم بقوتك العظيمة وذراعك العزيزة، فقال لي الرب في ذلك الزمان أن أنقر ~~لوحين من حجارة مثل اللوحين الأولين واصعد إلى الجبل إلي واعمل تابوتا من ~~خشب الشمشاد - وفي نسخة: السنط - ونقرت اللوحين من الحجارة مثل اللوحين ~~الأولين وصعدت إلى الجبل واللوحان في يدي، وكتب على اللوحين الكتاب الأول، ~~وهي العشر الآيات التي كلمكم الرب بها من الجبل من النار يوم الجماعة، ~~ودفعها الرب إلي فأقبلت نازلا من الجبل ووضعت اللوحين في التابوت الذي عملت ~~وتركتهما فيه كما فيه أمر الرب، وارتحل بنو إسرائيل من ثروات بني يعقان ~~وموسار، وتوفي هارون هناك، وصار أليعازر ابنه حبرا مكانه، وارتحلوا من هناك ~~إلى جدجد، ومن جدجد إلى يطبت أرض مسايل الماء، في ذلك الزمان أفرز الرب سبط ~~لاوي ليحملوا تابوت عهد الرب، وأن # PageV08P097 # يقوموا أمام الرب ويخدموه وأن يبركوا باسم الرب إلى اليوم، ولذلك ليس ~~لبني لاوي حصة مع بني إسرائيل في ميراثهم، لأن ميراثهم لله ربهم كما قال ~~لهم، وأنا قمت بين يدي الرب في الجبل مثل الأيام الأولى أربعين يوما ~~بلياليها، واستجاب لي الرب في ذلك الزمان أيضا، ولم يخذلكم الله ربكم ولم ~~يفسدكم، وقال لي الرب: قم فارتحل وسر أمام الشعب ليدخلوا ويرثوا الأرض التي ~~أقسمت لآبائهم أن أعطيهم، والآن يابني إسرائيل ما الذي يطلب الله ربكم ~~منكم! ما يطلب الآن إلا أن تتقوا الله ربكم ms1653 من كل قلوبكم وتسيروا في طرقه ~~وتحبوه، وأن تعبدوا الله ربكم من كل قلوبكم وأنفسكم، وأن تحفظوا وصايا الله ~~ربكم التي آمركم بها اليوم ليحسن إليكم لأن السماء وسماء السماء هما لله ~~ربكم والأرض وجميع ما فيها، وبآبائكم وحدهم سر الرب وأحبهم وانتخب نسلهم من ~~بعدهم وفضلهم على جميع الشعوب كاليوم، اختتنوا غلفة قلوبكم، ولا تقسوا ~~رقابكم أيضا، لأن الله ربكم هو إله الآلهة ورب الأرباب، إله عظيم جبار ~~مرهوب لا يحابي ولا يرتشي، ينصف للأيتام والأرامل، ويحب الذي يقبل إليه ~~برزقه طعاما وكسوة، فأحبوا الذين يقبلون إليه واذكروا أنكم كنتم سكانا بأرض ~~مصر، فاتقوا الله ربكم واتبعوه واعبدوه # PageV08P098 # وأقسموا باسمه، لأنه إلهكم ومريحكم، وهو الذي أكمل لديكم العجائب التي ~~رأت أعينكم، واعلموا أنه إنما أنزل آبائكم إلى مصر سبعين رجلا، والآن فقد ~~كثركم الله ربكم مثل نجوم السماء، أحبوا الله ربكم واحفظوا سننه وأحكامه كل ~~الأيام، واعلموا يومكم هذا أنه ليس لبنيكم الذين لم يعاينوا ولم يعلموا ما ~~رب الرب وعظمته ويده المنيعة وذراعه العظيمة وآياته وأعماله التي عمل بمصر ~~وبفرعون ملك مصر وكل أرضه وما صنع بأجناد ملك مصر وما فعل بالخيل والمراكب ~~وفرسانها الذين قلب عليهم ماء بحر سوف حيث خرجوا في طلبكم وأهلكهم الرب إلى ~~اليوم وجميع ما صنع بكم في البرية حيث انتهيتم إلى هذه البلاد وما صنع ~~بداثان وأبيرم ابني أليب بن روبيل اللذين فتحت الأرض فاها وابتلعتهما ~~وبيتهما، وخيامهم وكل شيء هو لهم إذ كانوا قياما على أرجلهم بين يدي جميع ~~بني إسرائيل، ولكن قد رأت أعينكم جميع أعمال الله العظيمة التي عمل، ~~فاحفظوا جميع الوصايا التي أمركم الله بها اليوم لتدخلوا الأرض التي تجوزون ~~إليها لترثوها وتطول أعماركم في الأرض التي أقسم الله لآبائكم أن يعطيهم ~~ويرثها نسلهم - وستأتي تتمته إن شاء الله تعالى عند # {ولقد بوأنا بني إسرائيل # PageV08P099 # مبوأ صدق} [يونس: 93] ، وفيه من المتشابه قوله: فم الله، وإصبع الله، ~~والأول - لكونه لا يجوز إطلاقه في شرعنا - مؤول بالكلام، والثاني بالقدرة. # PageV08P100 # ولما ms1654 فرغ سبحانه من ذكر الوعد بالميقات المقصود به سعي الكليم عليه ~~السلام فيما يهديهم إلى صراط الله، وذكر سعيهم فيما أضلهم عن الطريق ~~باتخاذهم العجل، وكان ختام ذلك ما بدا من موسى عليه السلام من الشفقة على ~~أخيه ثم على الكافة بأخذ الألواح عند الفراغ مما يجب من الغضب لله، رد ~~الكلام على ذكر شيء فعله في الميقات مراد به عصمتهم في صراط الله بنقلهم - ~~بمشاركته في سماعهم لكلام الله - من علم اليقين إلى عين اليقين بل حق ~~اليقين شفقة عليهم ورحمة لهم، ليكون إخبارهم عما رأوا مؤيدا لما يخبر به، ~~فيكون ذلك سببا لحفظهم من مثل ما وقعوا فيه من عبادة العجل، ومع ذلك وقع ~~منهم العصيان بطلب ما لا ينبغي لهم من الرؤية على وجه التعنت، فقال: ~~{واختار} أي اجتهد في أخذ الخيار {موسى قومه} ثم أبدل منهم قوله: {سبعين ~~رجلا} إشارة إلى أن من عداهم عدم، لا يطلق عليهم اسم القوم في المعنى الذي ~~أراده، وهو نحو ما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن ابن ~~عمر رضي الله عنهما «الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة» ثم ذكر ~~علة الاختيار فقال: {لميقاتنا} أي فما أختار إلا من رأى أنه يصلح لما نريد ~~من عظمتنا في الوقت الذي حددناه له، ودنا بهم من الحضرة # PageV08P100 # الخطابية في الجبل هو وهارون عليهما السلام، واستخلف على بني إسرائيل ~~يوشع بن نون عليه السلام، كل ذلك عن أمر الله له، وفي هذا الكلام عطف على ~~قوله {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} [الأعراف: 142] فيكون الميقات هو الأول ~~وهو ظلاهر التوارة كما مر بيانه في البقرة، ويجوز أن يكون عطفا على قوله ~~{واتخذ قوم موسى} [الأعراف: 148] أو على قوله {أخذ الألواح} [الأعراف: 154] ~~وحينئذ يكون هذا الميقات غير الميقات الأول، ويؤيده ما نقل من أن هارون ~~عليه السلام كان معهم، وكأنهم لما سمعوا كلام الله طلب بعضهم الرؤية ~~جاعليها شرطا لإيمانهم فقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: ~~55] كما ms1655 فعل النقباء الاثنا عشر حين أرسلهم لجس أحوال الجبارين فنقص ~~أكثرهم، فأخذتهم الرجفة فماتوا، فخشي موسى عليه السلام أن يتهمه بنو ~~إسرائيل في موتهم كنفس واحدة {فلما أخذتهم} أي أخذ قهر وغلبة {الرجفة} أي ~~التي سببتها الصاعقة التي تقدمت في البقرة، فزلزلت قلوبهم فأماتتهم، وعن ~~ابن عباس رضى الله عنهما أن هؤلاء غير السبعين الذين قالوا {أرنا الله جهرة ~~فأخذتهم الصاعقة} [النساء: 153] وأن أولئك كانوا قبل هؤلاء، فالظاهر أن سبب ~~الرجفة ما رأوا عند سماع الكلام من جلال الله وعظيم هيبته من الغمام الذي ~~تغشى الجبل والقتار والبروق وأصوات القرون وغير ذلك بحيث كادت الرجفة - وهي ~~رعدة - تفرق أوصالهم بعضها من بعض {قال} أي موسى تملقا لربه سبحانه # PageV08P101 # {رب} أي أيها المحسن إلي {لو شئت أهلكتهم} أي أمتهم. # ولما لم يكن إهلاكهم مستغرقا للماضي، أدخل الجارفقال: {من قبل وإياي} أي ~~قدرتك علي وعليهم قبل أن نقترب من هذه الحضرة المقدسة ونحن بحضرة قومنا ~~كقدرتك علينا حين تشرفنا بها، وقد أسبلت علينا ذيل عفوك وأسبغت علينا نعمتك ~~ونحن في غيرالحضرة فلم تهلكنا، فإنعامك علينا ونحن في حضرة القدس وبساط ~~القرب والأنس أولى. # ثم لما كان الحال مقتضيا لأن يقال: ألم تر إلى ما اجترؤوا عليه، وكان ~~كأنه قال: إنما قال ذلك قوم منهم سفهاء، دل على ذلك بقوله استعطافا: ~~{أتهلكنا} وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجفتهم كانت بسبب أنهم لم ينهوا ~~عن عبادة العجل مع أنهم لم يرضوا بذلك. وكأن موسى عليه السلام عبر بهذه ~~العبارة المقتضية لإهلاك الجميع لأنه جوز أنه كما أهلك هؤلاء يهلك غيرهم ~~لتقصير آخر بسبب ذلك كعدم الجهاد مثلا حتى يعمهم الهلاك {بما فعل السفهاء ~~منا} فكأنه صلى الله عليه وسلم رضي أنه إن لم يشملهم العفو أن يخص العفو ~~بمن لم يذنب بالفعل ويعفو عمن قصر بالسكوت، وعلى تقدير كون الميقات غير ~~الأول يجوز أن يكون بعد اتخاذهم العجل كما تقدم عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، فيكون موسى عليه السلام خاف أن ms1656 يكون إهلاكهم فتنة لبني إسرائيل ~~وسببا لكفرهم كما كان إبطاؤه عنهم بزيادة عشرة أيام # PageV08P102 # الثلاثين في الميقات الأول سببا لاتخاذهم العجل، ويجوز حينئذ أن يراد ~~بفعل السفهاء اتخاذ العجل، ويؤيده التعبير بالفعل دون القول وقد تقدم نقله ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما. # ولما كان قوله هذا ربما أفهم رضاه بهلاك المذنبين، قال معرضا بالسؤال في ~~العفو عن الجميع: {إن هي} أي الفتنة التي أوقعها السفهاء {إلا فتنتك} أي ~~ابتلاؤك واختبارك {تضل بها من تشاء} أي تظهر في عالم الشهادة من ضلاله ما ~~كان معلوما لك في عالم الغيب {وتهدي من تشاء} أي تظهر ما في علمك من ذلك. # ولما أثبت أن الكل بيده، استأنف سؤاله في أن يفعل لهم الأصلح فقال: {أنت} ~~أي وحدك {ولينا} أي نعتقد أنه لا يقدر على عمل مصالحنا غيرك، وأنت لا نفع ~~لك في شيء من الأمرين ولا ضر، بل الكل بالنسبة إليك على حد سواء، ونحن على ~~بصيرة من أن افعالك لا تعلل بالأغراض، وعفوك عنا ينفعنا وانتقامك منا ~~يضرنا، ونحن في حضرتك قد انقطعنا إليك وحططنا رحال افتقارنا لديك. # ولما اثبت أنه الفعال لما يشاء وأنه لا ولي لهم غيره، وكان من شأن الولي ~~جلب النفع ودفع الضر، سبب عن كونه الولي وحده قوله بادئا بدفع الضرر: ~~{فاغفر لنا} أي امح ذنوبنا {وارحمنا} أي ارفعنا؛ ولما كان التقدير: فأنت ~~خير الراحمين، عطف عليه قوله: {وأنت خير الغافرين*} # PageV08P103 # أي لأن غيرك يتجاوز عن الذنب للثناء أو الثواب أو دفعا للصفة الخسيسة وهي ~~صفة الحقد ونحوه، وأنت منزه عن ذلك، وكأنه أحسن العفو عنهم فقال عاطفا على ~~سؤاله فيه: {واكتب لنا} أي في مدة إحيائك لنا {في هذه الدنيا} أي الحاضرة ~~والدنية {حسنة} أي عيشة راضية طيبة {وفي} الحياة {الآخرة} أي كذلك؛ ثم علل ~~ذلك بقوله: {إنا هدنا} أي تبنا {إليك} أي عما لا يليق بجنابك كما أمرتنا أن ~~نخبر ما عساه يقع منا بالمبادرة إلى التوبة، فبدأ بذكر عزة الربوبية وثنى ~~بذلة العبودية ms1657 وهما أقوى أسباب السعادة، وهذا تلقين لهم وتعليم وتحذير من ~~مثل ما وقعوا فيه وحث على التسليم، وكأنه لما كان ذنبهم الجهر بما لا يليق ~~به سبحانه من طلب الرؤية، عبر بهذا اللفظ أو ما يدل على معناه تنبيها لهم ~~على أن اسمهم يدل على التوبة والرجوع إلى الحق والصيرورة إلى الصلاح واللين ~~والضعف في الصوت والاستكانة في الكلام والسكوت عما لا يليق، وأن يهودا الذي ~~أخذ اسمه من ذلك إنما سموا به ونسبوا إليه تفاؤلا لهم ليتبادروا إلى ~~التوبة. # ولما كان في كلامه عليه السلام إنكار إهلاك الطائع بذنب العاصي وإن كان ~~ذلك إنما كان على سبيل الاستعطاف منه والتملق مع العلم بأنه عدل منه تعالى ~~وله أن يفعل ما يشاء بدليل قوله {ولو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} [الأعراف: ~~155] استأنف سبحانه الإخبار عن الجواب عن كلامه على وجه منبه للجماهير على ~~أن له التصرف المطلق بقوله: # PageV08P104 # {قال عذابي} أي انتقامي الذي يزيل كل عذوبه عمن وقع به {أصيب به} أي في ~~الدنيا والآخرة {من أشاء} أي أذنب أو لم يذنب {ورحمتي} أي إنعامي وإكرامي. # ولما كان الإيجاد من الرحمة فإنه خير من العدم فهو إكرام في الجملة، قال: ~~{وسعت كل شيء} أي هذا شأنها وصفتها في نفس الأمر وإن بلغ في القبائح ما ~~عساه أن يبلغ، وهذا معنى حديث أبي هريرة في الصحيح «إن رحمتي سبقت - وفي ~~رواية: غلبت - غضبي» سواء قلنا: إن السبق بمعنى الغلبة، أو قلنا إنه على ~~بابه، إما الأول فلأن تعلق الرحمة أكثر، لأن كل ما تعلق به الغضب تعلقت به ~~الرحمة بإيجاد وإفاضة الرزق عليه، ولا عكس كالحيونات العجم والجمادات وأهل ~~السعادة من المؤمنين والملائكة والحور وغيرهم من جنود الله التي لا تحصى. ~~ولما أعلم أن رحمته واسعة وقدرته شاملة، وكان ذلك موسعا للطمع، سبب عن ذلك ~~قوله ذاكرا شرط إتمام تلك الرحمة ترهيبا لمن يتوانى عن تحصيل ذلك الشرط: ~~{فسأكتبها} أي أخص بدوامها بوعد لا خلف فيه لأجل تمكني بتمام القدرة مما ms1658 ~~أريد مبتوتا أمرها بالكتابة {للذين يتقون} أي يوجد لهم هذا الوصف الحامل ~~على كل خير ولا يخل بوسعها أن أمنع دوامها بعد الإيجاد من غيرهم، فإن الكل ~~لو دخلوا فيها دائما ما ضاقت بهم، فهي في نفسها واسعة ولكني أفعل ما أشاء. # PageV08P105 # ولما ذكر نظرهم إلى الخالق بالانتهاء عما نهى عنه والائتمار بما أمر به، ~~أتبعه النظر إلى الخلائق فقال: {ويؤتون الزكاة} ولعله خصها لأن فرضها كان ~~في هذا الميقات كما تقدم في البقرة ولأنها أمانة فيما بين الخلق والخالق ~~كما أن صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي كتبها لهم وشرط قبول أعمالهم ~~باتباعه كذلك؛ ثم عمم بذكر ثمرة التقوى فقال مخرجا لمن يوجد منه ذانك ~~الوصفان في الجملة على غير جهة العموم: {والذين هم بآياتنا} أي كلها ~~{يؤمنون} أي يصدقون بالقلب ويقرون باللسان ويعملون تصديقا لذلك بالأكارن، ~~فلا يكفرون ببعض ويؤمنون ببعض. # PageV08P106 # ولما كان اليهود ربما ادعوا ذلك مكابرة، وأضح غاية الإيضاح بقوله: {الذين ~~يتبعون} أي بغاية جهدهم {الرسول} ولما كان هذا الوصف وحده غير مبين للمراد ~~ولا صريح في الرسالة عن الله ولا في كونه من البشر، قال: {النبي} أي الذي ~~يأتيه الوحي من الله فبدأ بالأشراف وثنى بما خصه برسالة الله وكونه من ~~الآدميين لا من الملائكة. # ولما لم يتم المراد، قال مبينا لأعظم المعجزات، وهي أن علمه بغير معلم من ~~البشر: {الأمي} أي الذي هو مع ذلك العلم المحيط على صفة الأم، وأمة العرب ~~لا يكتب ولا يقرأ ولا يخالط العلماء العلماء للتعليم منهم بل لتعليمهم، ~~فانطبق الوصف على الموصوف مع التنويه # PageV08P106 # بجلالة الأوصاف والتشويق إلى الموصوف، ولم يعطف لئلا يوهم تعداد الموصوف ~~- والمعنى أني لا أغفر لأحد من بني إسرائيل ولا من غيرهم إلا إن اتبع محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، وهذا الاتباع تارة يكون بالقوة فقط لمن تقدم موته على ~~زمانه، وتارة يخرج منة القوة إلى الفعل ممن لحق زمانه دعوته، فمن علم الله ~~منه أنه لا يتبعه إذا أدركه لا يغفر له ms1659 ولو عمل جميع الطاعات غير ذلك، ~~وعرفه لهم بجميع خواصه حتى لا يتطرق إليه عند مجيئه ولا ريب يتعلل في أمره ~~بعلة، ولذلك أتبعه بقوله: {الذي يجدونه} أي علماء بني إسرائيل؛ ولما اشتد ~~تشوف بذكر الوجدان، قال: {مكتوبا} ثم قرب الأمر بقوله: {عندهم} ثم بين أنه ~~مما لا يدخله شك بقوله: {في التوراة والإنجيل} أي اللذين يعلمون أنهما من ~~عند الله بصفته البينة كما تقدم بيانه عما عللوا عن تبديله منهما في البقرة ~~{وإذا ابتلى إبراهيم ربه} [البقرة: 124] وفي آل عمران عند {إن الله اصطفى ~~آدم ونوحا} [آل عمران: 33] وفي النساء عند {ما قتلوه يقينا} [النساء: 157] ~~وفي التوارة أيضا من ذلك في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: وإذا دخلتم ~~الأرض التي يعطيكم الله ربكم فلا تعملوا مثل أعمال تلك الشعوب ولا يوجد ~~فيكم من يطلب تعليم العرافين، ثم قال: لأن هذه الشعوب التي ترثونها كانت ~~تطيع العرافين والمنجمين، فأما أنتم فليس هكذا يعطيكم الله ربكم، يل يقيم ~~لكم نبيا من إخوتكم مثلي، # PageV08P107 # فأطيعوا ذلك النبي كما طلبتم إلى الله ربكم في حوريب يوم الجماعة وقلتم: ~~لا تسمع صوت الله ربنا ولا تعاين هذه النار العظيمة لئلا نموت، فقال الرب: ~~ما أحسن ما تكلموا، إني سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك، أجعل كلامي في فيه ~~ويقول لهم ما آمره به، والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا ~~أنتقم منه ومن سبطه - انتهى. # هكذا رأيته مترجما في بعض نسخ التوارة، ثم رأيت السموأل بن يحيى المغربي ~~ترجمه في كتابه الذي ذكر فيه سبب إسلامه وكان من أكابر علمائهم بل العلماء ~~فقال: نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، بع فليؤمنوا - انتهى. # وهو يعني أن يكون هذا النبي محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه من بني ~~إسماعيل أخي إسحاق وقد أتى بشريعة مستقله لا تعلق لها بشريعة قبلها ولا ~~توقف لها عليها، وذلك أن في العبارة كلمتين: مثل وإخوة، وحقيقة الأخ ابن ~~أحد الأبوين، وهو لا يتأتى في أحد ms1660 من أنبيائهم، فأقرب المجاز إلى حقيقته ~~الحمل على أخي الأب، وهو إسماعيل عليه السلام، والشائع في الاستعمال في نحو ~~ذلك على تقدير إرادة أحد منهم أن يقال: من أنفسهم، لا من إخوتهم، وحقيقة ~~المثل المشارك في أخص الصفات، # PageV08P108 # وأخص صفات موسى عليه السلام الرسالة والكتاب بشريعة مستقلة، ولم يأت منهم ~~بعده من هو بهذه الصفة، لأن عيسى عليه السلام لم ينسخ من شريعة موسى عليه ~~السلام إلا بعض الأحكام، وعلى تقدير دعوى ذلك فيه لكونه نسخ في الجملة ~~وتسليم ذلك لا يتأتى قصده بهذا النص لوجهين: أحدهما أنه ليس من رجالهم إلا ~~بواسطة أمه، فحق العبارة فيه: من بني أخواتهم - جمع أخت، وإذا أريد آباء ~~أمه كان المجاز فيهم أبعد من المجاز في بني إسماعيل لما تقدم، ولا ينتقل ~~إلى الأبعد إلا بقرينة تصرف عن الأقرب - والله أعلم. وقال السمؤال بن يحيى ~~أحد أحبارهم في سبب إسلامه: إن اليهود يقولون: إن هذه البشارة نزلت في حق ~~سموأل أحد أنبيائهم الذين بعد موسى لأنه كان مثل موسى عليه السلام في أنه ~~من سبط لاوي، وقال: إنه رأى سموأل عليه السلام في المنام وأنه دفع إليه ~~كتابا فوجد فيه هذه البشارة فقال له: هنيئا لك يا نبي الله ما خصك الله به! ~~فنظر مغضبا وقال: أوإياي أراد الله بهذا يا ذكي! ما أفادتك إذن البراهين ~~الهندسية، فقلت: يا نبي الله! فمن أراد الله بهذا؟ قال: الذي أراد في قوله: ~~هوفيع ميهار فاران، وتفسيره إشارة إلى نبوة وعد بنزولها على جبال فاران، ~~فعرفت أنه يعني المصطفى صلى الله عليه وسلم، لأنه المبعوث من جبال فاران ~~وهي جبال مكة، ثم قال: أو ما علمت ان الله لم يبعثني بنسخ شيء من التوارة، ~~وإنما بعثني أذكرهم بها وأحيي شرائعها # PageV08P109 # وأخلصهم من أهل فلسطين، قلت: بلى يانبي الله! قال: فأي حاجة بهم إلى أن ~~يوصيهم ربهم باتباع من لم ينسخ دينهم ولم يغير شريعتهم، أرأيتهم احتاجوا ~~إلى أن يوصيهم بقبول نبوة دانيال أو يرميا أو حزقيل؟ ms1661 قلت: لا لعمري! فأخذ ~~الكتاب من يدي وانصرف مغضبا فارتعبت لغضبه وازدجرت لموعظته واستيقظت ~~مذعورا. وقال في كتابه غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود: إن الله ~~يطلق الإخوة على غير بني إسرائيل كما قال في بني العيص بن إسحاق عليه ~~السلام في الجزء الأول من السفر الخامس ما تفسيره: أنتم عابرون في تخم ~~إخوتكم بني العيص فإذا كانوا بنو العيص إخوة لبني إسرائيل لأن العيص ~~وإسرائيل ولدا إسحاق، فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم عليهم ~~السلام، قال: وفي الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة في ذكر البشارة ~~لإبراهيم عليه السلام ما تفسيره: وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك، ها قد ~~باركت فيه وأثمره وأكثره جدا جدا وقال: إن جدا جدا بلسان العبراني مفسر ~~«بماد ماد» وهاتان الكلمتان إذا عددنا حروفها بحساب الجمل كان اثنتين ~~وتسعين، وذلك عدد حساب حروف اسم محمد صلى الله عليه وسلم، يعني فتعين أن ~~يكون مرادا بها لأنها في البشارة بتكثير إسماعيل عليه السلام، وليس في # PageV08P110 # أولاده من كثره الله به وعدد اسمه هذا العدد غير محمد صلى الله عليه ~~وسلم، قال: وإنما جعل ذلك في هذا الموضع ملغزا، لأنه لو صرح به لبدلته ~~اليهود أو أسقطته من التوراة كما عملوا في غيره - انتهى. # وفي آخرة فصول التوراة: دعا موسى عبد الله لبني إسرائيل قبل وفاته قال: ~~أتى ربنا من سيناء وشرق لنا من جبل ساعير وظهر لنا من جبل - وفي نسخة: جبال ~~فاران، معه ربوات الأطهار على يمينه، أعطاهم وحببهم إلى الشعوب وبارك على ~~جميع أطهاره - وهم يتبعون آثارك ويتناقلون كلماتك. وفي نسخة بدل: معه ربوات ~~الأطهار - إلى آخره: وأتى من ربوات القدس بشريعة نوره من يمينه لهم، واصطفى ~~أيضا شعبا فجميع خواصه في طاعتك وهم يقفون آثارك وسيتناقلون كلماتك انتهى. ~~فالذي ظهر من جبال فاران هو محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم معترفون أنها ~~مكة، ومعه ربوات، أي جماعات الأطهار، وأمته حببت إلى الشعوب، لأن كلا من ~~فريقي أهل الكتاب يقدمهم ms1662 على الفريق الآخر، ولم يقبل أحد جميع كلام موسى ~~عليه السلام ويتبع جميع آثاره في بشارته ممن يأتي بعد غيرهم - هذا وأما ~~الإنجيل فالبشائر فيه أكثر وقد تقدم كثير منها، وهي تكاد أن تكون صريحة في ~~سورة النساء في قصة رفعه عليه السلام، # PageV08P111 # ومما فيه أيضا ما في إنجيل متى وغيره وأغلب السياق له: كثيرا أولون ~~يصيرون آخرين وآخرون يصيرون أولين، يشبه ملكوت السماوات إنسانا رب بيت حرج ~~بالغداة يستأجر فعلة الكرمه فشارط الأكرة على دينار واحد في اليوم وأرسلهم ~~إلى كرمه، ثم خرج في ثالث ساعة فأبصر آخرين قياما في السوق بطالين، فقال ~~لهم: امضوا أنتم إلى كرمي وأنا أعطيكم ما تستحقون، فمضوا، وخرج أيضا في ~~الساعة السادسة والتاسعة فصنع كذلك، وخرج في الحادية عشرة فوجد آخرين ~~قياما، فقال لهم: ما قيامكم كل النهار بطالين؟ فقالوا له: لم يستأجرنا أحد، ~~فقال لهم: امضوا أنتم بسرعة إلى الكرم وأنا أعطيكم ما تستحقون، فلما كان ~~المساء قال رب الكرم لوكيله: ادع الفعلة وأعطهم الأخرة وابدأ بهم من ~~الآخرين إلى الأولين، فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة فأخذوا دينار كل ~~واحد، فجاء الأولون فظنوا أنهم يأخذون أكثر فأخذوا دينار كل واحد، لما ~~أخذوا تعمقوا على رب البيت وقالوا إن هؤلاء الآخرين عملوا ساعة واحدة، ~~جعلتهم أسوتنا ونحن حملنا ثقل النهار وحره! فقال لواحد منهم: ياصاحب! ما ~~ظلمتك، ألست بدينار شارطتك، خذ شيئك وامض، أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك، ~~أو ما لي أن أفعل ما أردت بمالي؟ وأن عينك شريرة، كذلك يكون الآخرون أولين، ~~والأولون آخرين، ما أكثر المدعوين وأقل المنتخبين، # PageV08P112 # وقال: ودخل إلى الهيكل فجاء إليه رؤساء النكهة وشيوخ الشعب وقالوا له وهو ~~يعلم: بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن اعطاك هذا السلطان؟ أجاب يسوع وقال لهم: أنا ~~أسألكم عن كلمة واحدة، فإن أنتم قلتم لي قلت لكم بأي سلطان أفعل هذا، ~~معمودية يوحنا من أين هي؟ من السماء أو من الناس؟ ففكروا في نفوسهم قائلين: ~~إن قلنا: من السماء قال لنا: لماذا ms1663 لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا: من الناس، خفنا ~~من الجمع، وقال لوقا: وإن قلنا من الناس فإن جميع الشعب يرجمنا لأنهم قد ~~تيقنوا أن يوحنا نبي؛ وقال متى: لأن يوحنا كان عندهم مثل نبي؛ وقال مرقس: ~~لأن جميعهم كان يقول: إن يوحنا نبي؛ قال متى: فقالوا: لا نعلم، فقال: ولا ~~أنا أيضا أعلمكم بأي سلطان أفعل هذا. # قال مرقس: وبدأ يكلمهم بأمثال قائلا؛ قال متى: ماذا تظنون بإنسان كان له ~~ابنان فجاء إلى الأول فقال له: يابني! اذهب اليوم واعمل في الكرم، فأجاب ~~وقال: ما أريد - وبعد ذلك ندم ومضى، جاء الى الثاني وقال له مثل هذا فأجاب ~~وقال: نعم يارب! أنا امضي - ولم يمض، من منهما فعل إرادة الأب؟ فقالوا له: ~~الأول، فقال لهم يسوع: الحق أقوال لكم! إن العشارين والزنا يسبقونكم إلى ~~ملكوت الله، جاءكم يوحنا بطريق العدل فلم تؤمنوا به، والعشارون والزناة ~~آمنوا به، فأما أنتم فرأيتم ذلك ولم تندموا أخيرا لتؤمنوا به. اسمعوا مثلا ~~آخر: إنسان رب بيت غرس كرما وأحاط # PageV08P113 # به سياجا وحفر فيه معصرة وبنى فيه برجا ودفعه إلى فعلة وسافر - قال لوقا: ~~زمانا كثيرا - فلما قرب زمان الثمار أرسل عبيده إلى الفعلة ليأخذوا ثمرته، ~~فأخذ الفعلة عبيده، ضربوا بعضا وقتلوا بعضا ورجموا بعضا، فأرسل أيضا عبيدا ~~آخرين أكثر من الأولين فصنعوا بهم كذلك، وفي الآخرة أرسل إليهم ابنه وقال: ~~لعلهم يستحيون من ابني، فلما رأى الفعلة الابن قالوا: هذا هو الوارث تعالوا ~~نقلته ونأخذ ميراثه، فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه، فإذا جاء رب البيت ~~ماذا يفعل بهؤلائك الفعلة؟ قالوا له: يهلكهم ويدفع الكرم إلى فعلة آخرين ~~ليعطوه ثمرته في حينه، قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب أن الحجر الذي ~~رذله البناؤون صار رأس الزاوية، هذا كان من قبل الرب وهو عجب في أعيننا، من ~~هذا أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمم يصنعون ثمرتها، ومن سقط ~~على هذا الحجر ترضض، ومن سقط عليه طحنه. # فلما سمع رؤساء الكهنة والفريسيين ms1664 امثاله علموا انه يقول من أجلهم، فهموا ~~أن يمسكوه وخافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي. وقال أيضا: يشبه ملكوت ~~السماء رجلا صنع عرسا لابنه، فأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس، فلم ~~يريدوا أن ياتوا، ثم أرسل عبيدا آخرين وقال: قولوا المدعوين: إن طعامي معد، ~~وعجولي المعلوفة قد ذبحت وكل شيء معد، فتعالوا إلى العرس، فتكاسلوا # PageV08P114 # وذهبوا فمنهم إلى حقله ومنهم إلى تجارته والبقية أمسكوا عبيده وشتموهم ~~وقتلوهم، فلما بلغ الملك غضب وأرسل جنده وأهلك هؤلائك القتلة وأحرق ~~مدينتهم؛ حينئذ قال لعبيده: أما العرس فمستعد، والمدعوون فغير مستحقين، ~~اذهبوا إلى مسالك الطريق وكل من وجدتموه ادعوه إلى العرس، فخرج أولئك ~~العبيد إلى الطرق فجمعوا كل من وجدوا أشرارا وصالحين، فامتلأ العرس من ~~المتكئين، فلما دخل الملك لينظر إلى المتكئين رأى هناك رجلا ليس عليه ثياث ~~العرس فقال: يا هذا! كيف دخلت هاهنا وليس عليك ثياب العرس؟ فسكت، حينئذ قال ~~الملك للخدام: شدوا يديه ورجليه وأخرجوه إلى الظلمة البرانية، هناك يكون ~~البكاء وصرير الأسنان، ما أكثر المدعوين وأقل المنتخبين. وعبارة لوقا عن ~~ذلك: إنسان صنع وليمه عظيمة ودعا كثيرا فأرسل عبده يقول للمدعوين يأتون فهو ~~ذا كل شيء معد، فبدؤوا بأجمعهم يستعفون، فالأول قال: قد اشتريت كرما ~~والضرورة تدعوني إلى الخروج ونظره، فأسألك أن تعفيني فما أجيء، وقال آخر: ~~قد اشتريت خمسة أزواج بقر وأنا ماض أجربها، أسألك أن تعفيني فما أجيء، وقال ~~آخر: قد تزوجت امرأة، لأجل ذلك ماأقدر أجي، فأتى العبد وأخبره سيده، فحينئذ ~~غضب رب البيت وقال لعبده: اخرج # PageV08P115 # مسرعا إلى الطريق وشوارع المدينة وادع المساكين والعور والعميان ~~والمقعدين، اخرج الى الطريق والسياجات وألح عليهم حتى يدخلوا ويمتلىء بيتي ~~ولا أجد من هؤلائك يذوق لي عشاء. وقال يوحنا: الحق أقول لكم! إن من لا يدخل ~~من الباب إلى حظيرة الخراف، بل يتسور من موضع آخر فإن ذلك لص، الذي يدخل من ~~الباب هو راعي الخراف، والبواب يفتح له، والخراف تسمع له، وكباشه تتبعه ~~لأنها تعرف صوته، والراعي ms1665 الصالح يبذل نفسه عن الخراف، فأما الآخر الذي ليس ~~براع وليست الخراف له، فإذا راى الذئب قد أقبل يدع الخراف ويهرب، فيأتي ~~الذئب ويخطف ويبدد الخراف، وإنما يهرب الأجير لأنه مستأجر وليس يشفق على ~~الخراف، أنا الراعي الصالح، ولي كباش أخر ليست من هذا القطيع، فينبغي لي أن ~~آتي بهم أيضا، فتكون الرعية واحدة، فوقع أيضا بين اليهود خلف من أجل هذا ~~القول وقال كثير منهم: إن به شيطانا قد جن، فما استماعكم منه! وقال آخرون: ~~إن هذا ليس كلام مجنون. # وفي أوائل السيرة الهشامية: قال ابن إسحاق: # PageV08P116 # وقد كان فيما بلغني عما كان وضع عيسى ابن مريم فيما جاءه من الله في ~~الإنجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أثبت يحنس الحواري لهم ~~حين نسخ لهم الإنجيل أنه قال: من أبغضني فقد أبغض الرب، ولولا أني صنعت ~~بحضرتهم صنائع لمن يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا ~~وظنوا أنهم يعزوني وأيضا للرب، ولكن لابد من أن تتم الكلمة التي في الناموس ~~أنهم أبغضوني مجانا - أي باطلا، فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله ~~إليكم من عند الرب روح القدس، هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح ~~القدس، هذا الذي من عند الرب خرج، فهو شهيد علي وأنتم أيضا لأنكم قديما ~~كنتم معي، هذا قلت لكم لكيما لا تشكوا. فالمنحمنا بالسريانية محمد، وهو ~~بالرومية البارقليطس - انتهى. # ولما دل سبحانه عليه صلى الله عليه وسلم بأوصافه في نفسه وفي الكتب ~~الإلهيه، دل عليه بشريعته فقال: {يأمرهم بالمعروف} أي بكل ما يعرفونه من ~~التوراة والإنجيل وما يعرفونه فيهما أنه ينسخ شرعهم ويأتي من عند الله بهذا ~~المذكور {وينهاهم عن المنكر} أي عن كل ما ينكرونه فيهما، فثبتت بذلك ~~رسالته، فأنه لكونه أميا لا يعرف المعروف والمنكر فيهما إلا وهو صادق عن ~~علام الغيوب، ثم شرع # PageV08P117 # بعد ثبوت رسالته يبين لهم ما في رسالته من المنة عليهم بالتخفيف عنهم ~~بإباحة ما كانوا قد ms1666 حملوا ثقل تحريمه، فكانوا لا يزالون يعصون الله بانتهاك ~~حرماته والإعراض عن تبعاته فقال: {ويحل لهم الطيبات} أي التي كانت حرمت ~~عليهم عقوبة لهم كالشحوم {ويحرم عليهم} وعبر بصيغة الجموع إشارة إلى أن ~~الخبيث أكثر من الطيب في كل مائي الأصل فقال: {الخبائث} أي كل ما يستخبثه ~~الطبع السليم أو يؤدي إلى الخبث كالخمر المؤدية إلى الإسكار والرشى المؤدية ~~إلى النار بعد قبيح العار {ويضع عنهم إصرهم} أي ثقلهم الذي كان حمل عليهم ~~فجعلهم لثقلة كالمحبوس الممنوع من الحركة {والأغلال التي كانت عليهم} أي ~~جميع ما حملوه من الأثقال التي هي لثقلها وكراهة النفوس لها كالغل الذي ~~يجمع اليد إلى العنق فيذهب القوة {فالذين آمنوا به} أي أوجدوا بسببه الأمان ~~من التكذيب بشيء من آيات الله {وعزروه} أي منعوه من كل من يريده بسوء وقووا ~~يده تقوية عظيمة على كل من يكيده: قال في القاموس: والتعزير: ضرب دون الحد ~~أو هو أشد الضرب، والتفخيم والتعظيم ضد، والإعانة كالعزر والتقوية والنصر- ~~انتهى. # وقال عبد الحق: العزر: المنع، تقول: عزرت فلانا عن كذا، أي منعته - ~~انتهى. فالمادة كلها تدور على هذا المعنى والضرب واضح فيه التعظيم وما في ~~معناه منع من يكيده {ونصروه} أي أيدوه # PageV08P118 # وقمعوا مخالفة {واتبعوا النور} أي الوحي من القرآن والسنة {الذي أنزل ~~معه} أي مصاحبا إنزاله إرساله، سمي نورا لأنه يجعل المقتدي به ببيان طريق ~~الحق كالماشي في ضوء النهار {أولئك هم} أي خاصة {المفلحون*} أي الفائزون ~~بكل مأمول. # ولما تراسلت الآي وطال المدى في أقاصيص موسى عليه السلام وبيان مناقبه ~~العظام ومآثره الجسام، كان ذلك ربما أوقع في بعض النفوس أنه أعلى المرسلين ~~منصبا وأعظمهم رتبة، فساق سبحانه هذه الآيات هذا السياق على هذا الوجه الذي ~~بين أن أعلاهم مراتب وأزكاهم مناقب الذي خص برحمته من يؤمن به من خلقه قوة ~~أو فعلا، وجعل سبحانه ذلك في أثناء قصة بني إسرائيل اهتماما به وتعجيلا له ~~مع ما سيذكر مما يظهر أفضليته ويوضح أكمليته بقصته مع قومه في مبدإ ms1667 أمره ~~وأوسطه ومنتهاه في سورتي الأنفال وبراءة بكمالها. # ذكر شيء من الآصار التي كانت عليهم وخففت عنهم لو دخلوا في الإسلام ~~ببركته صلى الله عليه وسلم غير ما أسلفته في آخر البقرة عند قوله تعالى ~~{ولا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286] وفي المائدة عند قوله تعالى {وليحكم ~~أهل الإنجيل} [المائدة: 47] قال في السفر الثاني من التوراة: وقال الرب ~~لموسى: اعمد فخذ طيبا - إلى أن قال: وليكن معجونا طيبا للقدس ودقه واسحقه ~~وبخر منه قدام تابوت الشهادة في قبة الزمان # PageV08P119 # لأواعدك إلى هناك، ويكون عندكم طهرا مخصوصا، وأيما رجل اتخذ مثله ليتبخر ~~به فليهلك ذلك الرجل من شعبه؛ وقال في الثالث: ثم كلم الرب موسى قال له؛ ~~كلم هارون وبنيه وجماعة بني إسرائيل وقل لهم؛ هذا ما أمرني به الرب ان ~~أخبركم، أي رجل من بني إسرائيل يذبح في محلة بني إسرائيل أو يذبح خارجا من ~~العسكر ولا يجيء بقربانه إلى باب قبة الزمان ليقربه يعاقب ذلك الرجل عقوبة ~~من قتل قتيلا؛ وكلم الرب موسى وقال له: كلم هارون وقل له: من كان عيب من ~~نسلك - أي من الأحبار - في جميع الأحقاب لا يدنو من مقدسي، لا يقرب قربانا ~~مثل الرجل الأعراج والأعمى والأفطس والأصمع الأذن أو رجل مسكور اليد أو رجل ~~قيصر أو منحن أو رجل قد أشتر حاجباه أو أجهر العين أو من في عينه بياض أو ~~أبرص أو أحدب أو رجل له خصية واحدة، أي رجل كان فيه عيب من نسل هارون ~~الكاهن لا يدنو من المذبح ليقرب قربان الرب لأن فيه عيبا؛ وقال في السفر ~~الرابع وهو من الحجج على أن التوراة لم تنزل جملة: وكلم الرب موسى في برية ~~سيناء في السنة الثانية لخروج بني إسرائيل من مصر في الشهر الأول وقال: ~~تعمل بنو إسرائيل الفصح في وقته في أربعة عشر يوما من هذا الشهر - إلى أن ~~قال: وعملوا الفصح، والقوم الذين تنجسوا بأنفس الناس لم يقدروا أن يعملوا ~~الفصح فقالوا: قد تنجسنا بأنفس الناس، أي مسسنا ms1668 ميتا، فهل يحرم علينا عمل ~~الفصح؟ فقال لهم موسى: # PageV08P120 # قوموا في مواضعكم حتى تسمعوا ما يأمر الرب فيكم، وكلم الرب موسى وقال له: ~~قل لهم: الرجل إذا تنجس منكم لميت أو كان في مكان بعيد يعمل فصحا للرب في ~~أربعة عشر يوما من الشهر الثاني، ومن كان زكيا ولم يكن مسافرا ولم يعمل ~~الفصح في وقته تهلك تلك النفس من بين بني إسرائيل، وقال قبل ذلك: وكلم الرب ~~موسى وقال له: مر بني إسرائيل أن يخرجوا من عسكرهم كل من به برص أو سلس وكل ~~من كان نجسا بنفسه ذكرا كان أو أنثى، يخرجونهم خارج العسكر، ولا تنجسوا ~~عساكركم لأني نازل بينكم؛ ثم ذكر: الرجل إذا غار على امرأته واتهمها، إنه ~~يأتي الكاهن فيقيمها ويلقنها لعنا، فإذا قالته كتبه وأخذ ماء مقدسا في وعاء ~~فخار ووضع فيه من الترب الذي أسفل المذبح وسقاه لها، فإن كانت خانت انتفخ ~~بطنها وفسد فخذاها وتصير لعنة في شعبها، وإن كانت لم تخن تطهرت وولت ذكرا، ~~ثم أمرهم بذبح بقرة وإحراقها حتى تصير رمادا، ويغسل الحبر الذي ذبحها ثيابه ~~ويديه، فكل من يقترب إلى ميت أو ميتة يكون نجسا سبعة أيام، وينضح عليه من ~~ذلك الماء في اليوم الثالث واليوم السابع ويتطهر، وإن لم يرش عليه كذلك فلا ~~يتطهر، وكل من دنا من إنسان ميت ولا ينضح عليه من ذلك الماء فقد نجس جناب ~~الرب، فلتهملك تلك النفس لأنه لم ينضح عليه من ماء الرش شيء، فلذلك يكون ~~نجسا ولا يفارقه نجاسته، وهذه # PageV08P121 # سنة الإنسان إذا مات في قبة الزمان، فكل من كان هناك في القبة وكل من ~~يدخلها يكون نجسا سبعة أيام، وكل وعاء يكون مكشوفا غير مغطى نجسا، وكل من ~~دنا من قتيل أو يمس عظم إنسان أو يدخل القبر يكون نجسا سبعة أيام ويؤخذ ~~للمنتخس من رماد البقرة ويصيب في وعاء ماء عذب وينضح منه - على كيفية ذكرها ~~- ليكون زكيا، ومن تنجس ولم يرش عليه من ذلك الماء تهلك نفسه من ms1669 جماعتها، ~~ومن دنا من ماء الرش يكون نجسا إلى الليل، ومن اقترب إلى ذلك الذي تنجس ~~يكون نجسا إلى الليل - ثم قال: ثم كلم الرب موسى وقال له: مر بني إسرائيل ~~وقل لهم: قرابتي يكون محفوظة في أوقاتها - ثم ذكر له كثيرا من أمر ~~القرابين، ثم ذكر من أوقاتها يوم السبت ورؤوس الشهور، ثم قال: وفي أربع ~~عشرة ليلة من الشهر الأول هو فصح الرب، ويوم خمسة عشر اتخذوه عيدا، وكلوا ~~الفطير سبعة أيام، وصيروا أول يوم من السبعة مميزا مطهرا لا تعملوا فيه ~~عملا، واليوم السابع يكون مميزا مطهرا لا تعملوا فيه عملا وأول يوم من ~~الشهر السابع يكون مختصا مطهرا، لا تعملوا فيه عملا # PageV08P122 # مما يعمل، بل صيروه يوما يهتف فيه بالقرون، وقربوا ذبائح كاملة - ثم ~~وصفها وكذا غيره من الأيام ثم قال: وكذلك فافعلوا في أول الشهر أبدا، وفي ~~عشر من الشهر السابع اجعلوه يوما مختصا، مطهرا لا تعملوا فيه عملا، ولكن ~~قربوا، ويوم خمسة عشر من هذا الشهر السابع، ويكون مدعوا، لا تعملوا فيه ~~عملا، بل اتخذوه عيدا للرب سبعة أيام؛ ثم قال: حتى إذا كان اليوم الثامن ~~فاحتفلوا بأجمعكم، ولا تعملوا شيئا مما يعمل، وقربوا قرابين كاملة - وأطال ~~في ذلك جدا على كيفيات حفظها فضلا عن العلم بها في غاية المشقة؛ ثم قال ~~قربوا للرب في أيام أعيادكم غير نذوركم وغير خواصكم التي تختصون للرب؛ ثم ~~قال مخاطبا للمجاهدين في مدين: وأما أنتم فانزلوا خارجا من العسكر سبعة ~~أيام، كل من قتل نفسا أو مس قتيلا ينضح عليه من ماء التطهير في الثالث ~~والسابع - وأمرهم بأشياء من الآصار ثم قال: وتطهروا بالماء في اليوم ~~السابع، ثم بعد ذلك تدخلون العسكر؛ ثم قال في الخامس: هذه السنن والأحكام ~~التي يجب عليكم أن تعملوها وتحفظوها في الأرض التي يعطيكم الله ربكم ميراثا ~~كل أيام حياتكم، خربوا كل البلدان التي ترثونها، والآلهة التي عبدها أهلها ~~فيها على الجبال # PageV08P123 # الرفيعة والآكام وتحت كل شجرة كبيرة تظل، واستأصلوا مذابحهم وكسروا ms1670 ~~أنصابهم، وأحرقوا أصنامهم المصنوعة وأوثانهم المنحوته، ولا تصنعوا أنتم مثل ~~ما صنع أولئك في عبادتكم الله ربكم، ولكن المواضع التي يختار الله ربكم أن ~~تصيروا اسمه فيها من جميع قبائلكم، وافحصوا عن محلته، وانطلقوا بجمعكم ~~بقرابينكم الكاملة، كلوا هناك أمام الله ربكم أنتم وأهاليكم، ولا تعملوا ~~كما يعمل هاهنا اليوم أي قبل الوصول إلى أرض الميراث؛ ثم قال: انظروا لا ~~تقربوا قرابينكم في المواضع التي تريدون، لكن في المواضع الذي يختار الرب، ~~في حد سبط من أسباطكم؛ ثم قال: وإذا بنيت بيتا جديدا فحجر على البيت لئلا ~~يقع إنسان من فوقه فليلزمك دمه، ولا تزرعن في حرثك خلطا لئلا تفسد غلة زرعك ~~وكرمك، لا تحرث بالثور والحمار جميعا، ولا تنسج ثوبا من قطن وصوف جميعا، ~~اعمل خيوطا في أربعة أطراف ردائك الذي تلبس؛ ثم قال: وإن وجد رجل فتاة ~~عذراء لم تملك، فيظفر بها ويضاجعها ويوجد، يدفع إلى أبيها خمسين مثقالا من ~~فضة، وتصير امرأته لأنه فضحها، ولا يقدر أن يطلقها حتى يموت. # ولا يدخل # PageV08P124 # ولد الزنا إلى بيت الرب، ولا يدخل نسله من بعده إلى عشرة أحقاب، ولا يدخل ~~عماني ولا مؤابي إلى بيت الرب، ولا يدخل نسلهما من بعدهما إلى عشرة أحقاب، ~~لأنهم لم يضيفوكم ولم يعشوكم بالخبز والماء حيث خرجتم من أرض مصر، ولأنهم ~~اكتروا بلعام بن بعور من فتورام من بين النهرين - وهي حران - ليلعنكم، ولم ~~يحب الرب أن يسمع قول بلعام بن بعور، وقلب الله لعنه إلى الدعاء، لأن الله ~~ربكم أحبكم، فلا تريدوا لهم الخير أيام حياتكم، لا تدفعوا الأدومي عنكم ~~لأنه أخوكم، ولا تبعدوا المصري أيضا لأنكم كنتم سكانا بأرض مصر، وإن كان في ~~معسكركم رجل أصابته جنابة، يخرج خارج العسكر، ولا يجلس بين أصحابه في ~~العسكر، وإذا كان العشي فليستحم بالماء، وإذا غابت الشمس وأمسى يدخل ~~العسكر، وليكن لكم موضع معروف خارج العسكر تخرجون إليه إلى الخلاء، ويكون ~~على سلاحكم وتد من حديد، فإذا جلستم للخلاء احفروا موضعا للخلاء وغطوا ~~رجيعكم، لأن ms1671 الله ربكم معكم في العسكر لينقذكم ويدفع عنكم أعداءكم، فليكن ~~عسكركم مطهرا # PageV08P125 # مزكيا لئلا يرى فيكم أمرا قبيحا، فيرتفع عنكم ولا يصحبكم؛ ثم قال: وإن ~~سكن أخوان جميعا ومات أحدهما ولم يخلف ولدا، لا تتزوج امرأته من رجل غريب، ~~ولكن يتزوج بها وارثه ويقيم زرعا، وأول ولد تلد ينسب إلى أخيه الذي مات، ~~ويقال إنه ابن ذلك الذي مات ولم يخلف ولدا، لئلا يبيد اسمه من بني إسرائيل، ~~وإن لم يعجب الرجل أن يتزوج امرأة أخيه، ترتفع امرأة أخيه إلى المشيخة ~~فيدعونه، فإن ثبت على قوله تتقدم إليه المرأة بين يدي المشيخة وتخلع خفيه ~~من قدميه وتبصق في وجهه وتقول: كذلك يصنع بالرجل الذي لا يحب أن يبني بيتا ~~لأخيه، ويدعى اسمه بين بني إسرائيل: صاحب خلع الخفين، وإن شاجر الرجل صاحبه ~~فدنت امرأة أحدهما لتخلص زوجها من الذي يقاتله، فتمد يدها إلى مذاكير ~~الرجل، يقطع يدها ولا يشفق عليها ولا يترحم - انتهى. وكل هذه الآصار على ~~النصارى أيضا ما لم يرد في الإنجيل نسخها. # PageV08P126 # ولما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي ~~الكريم حثا على الإيمان به وإيجابا له على وجه علم منه أنه رسول الله إلى ~~كل مكلف تقدم زمانه أو تأخر؛ أمره سبحانه أن # PageV08P126 # يصرح بما تقدم التلويح إليه، ويصرح بما أخذ ميثاق الرسل عليه تحقيقا ~~لعموم رسالته وشمول دعوته فقال: {قل} وأتى بأداة البعد لأنه محلها {يا أيها ~~الناس} وقد مضى في الأنعام أن اشتقاقهم من النوس، وأن الإمام السبكي قال: ~~إن ذلك يقتضي دخول الجن والكملائكة فيهم. وتقدم عند {ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم} في هذه السورة ما ينفع هنا {إني رسول الله} أي الذي له جميع الملك ~~{إليكم جميعا} أي لا فرق بين أدركني ومن تأخر عني أو تقدم علي في أن الكل ~~يشترط عليهم الإيمان بي والاتباع لي؛ وهذا المراد بقوله صلى الله عليه وسلم ~~فيما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه حين رفع إليه ms1672 الذراع ~~فنهش منها فقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة» وللدرامي في أوائل مسنده عن ~~جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أنا قائد المرسلين ولا ~~فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وانا أول شافع وأول مشفع ولا فخر» ~~وللترمذي في المناقب عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال؛ ~~«أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا ~~أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا لواء الحمد يومئذ ~~بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر» وقال: حديث حسن غريب، وله في ~~المناقب أيضا عن أبي # PageV08P127 # بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم ~~القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر» وقال: حسن صحيح ~~غريب؛ وللترمذي والدارمي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «ألا! وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم ~~القيامه تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامه ~~ولا فخر، وانا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر» وللترمذي وقال: حسن - عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا سيد ولد ~~آدم يوم القيامه ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم ~~فمن سواه إلا تحت لوائي» الفخر: ادعاء العظمة والكبر والشرف، أي لا أقوله ~~تبجحا، ولكن شكرا وتحديثا بالنعمة؛ وما اجتمع بهم في مجمع إلا كان إمامهم ~~قبل موته وبعده، اجتمع بهم ليلة الإسراء في بيت المقدس فصلى بهم إماما، ثم ~~اجتمع بهم في السماء فصلى بجميع أهل السماء إماما، وأما يوم الجمع الأكبر ~~والكرب الأعظم فيحيل الكل عليه ويؤمنون بالرسالة، وما أحال بعض الكابر على ~~بعض إلا علما منهم بأن الختام يكون به. # ليكون أظهر للاعتراف بأمانته والانقياد لطاعته، لأن المحيل على المحيل # PageV08P128 # على الشيء محيل على ذلك ms1673 الشيء، ولو أحال أحد ممن قبل عيسى عليه السلام ~~لطرقه احتمال، والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم يظهر في ذلك الموقف رسالته ~~بالفعل إلى الخلق كافة، فيظهر سر هذه الآية {الذين يتبعون الرسول} والله ~~الموفق. # ولما دل بالإضافة إلى اسم الذات الدال على جميع الصفات على عموم دعوته ~~وشمول رسالته حتى للجن والملائكة، أيد ذلك بقوله: {الذي له} أي وحده {ملك ~~السماوات والأرض} أي فلا بدع أن يرسله إلى جميع من فيهما، بل وما فيهما. # ولما كان مما بالغه في الدنيا أنه ربما في مملكة الملك من يناظره أو يقرب ~~منه من ولي عهد أو نحوه، فربما رد بعض أمره في صورة نصح أو غيره؛ نفى ذلك ~~بقوله مبينا تمام ملكه: {لا إله إلا هو} أي فالكل منقادون لأمره خاضعون له، ~~لأنه لا موجود بالفعل ولا بالإمكان من يصلح للإلهية سواه؛ ثم علل ذلك بقوله ~~{يحيي ويميت} أي له هاتان الصفتان مختصا بهما، ومن كان كذلك كان منفردا بما ~~ذكر، وإذا راجعت ما يأتي إن شاء الله تعالى في أول الفرقان مع ما مضى في ~~أوائل الأنعام، لم يبق عندك شك في دخول الملائكة عليهم السلام في عموم ~~الدعوة. # ولما تقرر أنه لا منازع له، تسبب عن ذلك توجيه الأمر بالانقياد # PageV08P129 # لرسوله فقال: {فآمنوا بالله} أي لما ثبت له من العظمة والإحاطة بأوصاف ~~الكمال وبكل شيء فإن الإيمان به أساس لا ينبني شيء من الذين إلا عليه. # ولما كان أقرب الفروع الأصلية إليه الرسالة قال: {ورسوله} أي لأنه رسوله؛ ~~ثم وصفه بما دل على قربه فقال: {النبي} أي الذي يخبره بما يريد من الأمور ~~العظيمة غيبا وشهادة، ويعليه عن كل مخلوق بإخباره بإرساله؛ ولما كان علوه ~~على كل عالم - مع أنه ثم يتعلم من آدمي - أدل شيء على صدقه قال: {الأمي} أي ~~الذي هو - مع كونه لا يحسن كتابة ولا قراءة، بل هو على الفطرة الأولى ~~السليمة التي لم يخالطها هوى، ولا دنسها حظ ولا شهوة - بحيث يؤم ويقصد ~~للاقتداء ms1674 به، لما حوى من علوم الدنيا والآخرة والتخلق باوصاف الكمال. # ولما أشارة بهذه الصفة إلى أن سبب الإيمان الخلاص من الهوى بالكون على ~~الفطره الأولى، قال منبها على وجوب الإيمان به، لكونه أول فاعل لما يدعو ~~إليه: {الذي يؤمن بالله} أي لأجل ما يقتضية ذاته سبحانه من التعبد له لما ~~له من العظمة، فكلما تجدد له علم من علوم الذات بحسب ترقيه في رتب الكمال ~~من رتبة كاملة إلى أكمل منها إلى ما لا نهاية له، جدد له إيمانا بحسبه، لا ~~تعتريه غفلة ولا يخالطه سهو # PageV08P130 # ولا شائبة فتور {وكلماته} كذلك أيضا، كلما تجدد له علم بصفة منها جدد لها ~~إيمانا، ومنها المعجزات التي جرت على يديه، كل واحدة منها كلمة لأن ظهوره ~~بالكلمة، كما سمى عيسى عليه السلام كلمة لذلك. # ولما تقرر أنه امتثل ما أمر به، فثبتت بذلك رسالته، استحق أن يكون قدوة ~~فقال: {واتبعوه} أي في كل ما يقول ويفعل مما ينهى عنه أو يأمر به أو يأذن ~~فيه {لعلكم تهتدون*} أي ليكون حالكم حال من يرجى له حصول ما سأل في الفاتحة ~~من الاهتداء، أي خلق الهداية في القلب مع دوامه. # ولما كثر عد مثالب إسرائيل، وختم بتخصيص المتبع لهذا النبي الكريم ~~بالهداية والرحمة المسببة عنها، وكان فيهم المستقيم على ما شرعه له ربه، ~~المتمسك بما لزمه أهل طاعته وحزبه، سواء كان من صفات النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو غيرها، مع الإذعان لذلك كله؛ نبه عليه عائدا إلى تتميم أخبارهم، ثم ~~ما وقع في أيام موسى عليه السلام وبعدها من شرارهم، تعزية لهذا النبي ~~الكريم وتسلية، وتطييبا لنفسه الزكية وتأسية، وهو مع ما بعده من أدله ~~{سأصرف عن آياتي} [الأعراف: 146] فقال تعالى عاطفا على {واتخذ قوم موسى من ~~بعده} [الأعراف: 148] {ومن قوم موسى أمة} أي قوم يستحقون أن يؤموا لأنهم لا ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق، بل # PageV08P131 # {يهدون} أي يوقعون الهداية وهي البيان {بالحق وبه} أي خاصه {يعدلون*} أي ~~يجعلون القضايا المختلفة المتنازع فيها معادلة ms1675 ليقع الرضى بها، لا يقع منهم ~~جور في شيء منها، ومنهم الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله ~~بن سلام ومخيريق رضي الله عنهما. # PageV08P132 # ولما مدحهم، شرع يذكرهم شيئا مما أسبغ عليهم من النعم لأجل هؤلاء ~~المهتدين من التكثير بعد القلة والإعزاز بعد الذلة بجعلهم ممن يؤم استعطافا ~~لغيرهم، ويذكر بعض عقوباتهم ترهيبا فقال: {وقطعناهم} أي فرقنا بينهم ~~بالأشخاص بعد أن كانوا ماء واحدا من شخص واحد، وهو إسرائيل عليه السلام؛ ~~وصرح بالكثرة بعد أن لوح بها بالتقطيع بقوله: {اثنتي عشرة} وميزه - موضع ~~المفرد الذي هو مميز العشرة - بالجمع للإشارة إلى أن كل سبط يشتمل لكثرته ~~على عدة قبائل بقوله: {أسباطا} والسبط - بالكسر: ولد الولد، والقبيلة من ~~اليهود، وهذه المادة تدور على الكثرة والبسط؛ وبين عظمتهم وكثرة انتشارهم ~~وتشعبهم بقوله: {أمما} أي هم أهل لأن يقصدهم الناس لما لهم من الكثرة ~~والقوة والدين، أو أن كل أمة منهم تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى من غيرهم دينا. # PageV08P132 # ولما وصفهم بهذه الكثرة، وكان ذلك مجرى لذكر الإنعام عليهم بالكفاية في ~~الأكل والشرب، ذكر نعمة خارقة للعادة في الماء، وبدأ به لأنه الأصل في ~~الحياة، وهي من نوع تقسيمهم من نفس واحدة مشيرة إلى ظلمهم وإسراعهم في ~~المروق فقال: {وأوحينا إلى موسى إذ} أي حين {استسقاه قومه} أي طلبوا منه ~~برية لا ماء بها أن يسقيهم، وذلك في التيه، والتعبير بالقوم إشارة إلى ~~تبكيتهم بكونهم أهل قوة ولم يتأسوا بموسى عليه السلام في الصبر إلى أن يأتي ~~الله الذي أمرهم بهذا المسير بالفرج، بل طلبوا منه ذلك على الوجه المذكور ~~في البقرة من إظهار القلق والدمدمة {أن اضرب بعصاك} أي التي جعلناها لك آية ~~وضربت بها البحر فانفلق {الحجر} أي أي حجر أردته من هذا الجنس؛ وبين سبحانه ~~سرعة امتثال موسى عليه السلام وسرعة التأثير عن ضربه بحذف: فضربه، وقوله ~~مشيرا إليه: {فانبجست} أي فانشقت وظهرت ونبعت، وذلك كاف في تعنيفهم وذمهم ~~على كفرهم بعد المن به، وهذا السياق الذي هو ms1676 لبيان إسراعهم في المروق هو لا ~~ينافي أن يكون على وجه الانفجار، ويكون التعنيف حينئذ أشد {منه اثنتا عشرة ~~عينا} على عدد الأسباط، وأشار إلى شدة تمايزها بقوله؛ {قد علم كل أناس} أي ~~من الأسباط {مشربهم} ولما لم يتقدم للأكل ذكر ولا كان هذا سياق الامتنان، ~~لم يذكر ما أتم هذه الاية به في البقرة. # PageV08P133 # ولما ذكر تبريد الأكباد بالماء، أتبعه تبريدها بالظل فقال: {وظللنا} أي ~~في التيه {عليهم الغمام} أي لئلا يتأذوا بالشمس؛ ولما أتم تبريد الأكباد، ~~أتبعه غذاء الأجساد فقال: {وأنزلنا عليهم المن} أي خبرا {والسلوى} أي ~~إداما؛ وقال السمؤال بن يحيى: وهو طائر صغير يشبه السماني، وخاصيته أن أكل ~~لحمه يلين القلوب القاسية، يموت إذا سمع صوت الرعد كما أن الخطاف يقتله ~~البرد، فيلهمه الله عز وجل أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون بها مطر ولا ~~رعد إلى انفصال أوان المطر والرعد، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض. # ولما ذكر عظمته في ذلك، ذكر نتيجته فقال: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} أي ~~بصفة العظمة القاهرة لما نريد مما لم تعالجوه نوع معالجة، ودل على أنهم ~~قابلوا هذا الإحسان بالطغيان والظلم والعدوان بقوله عطفا على ما تقديره: ~~فعدلوا عن الطبيات المأذون فيها، وأكلوا الخبائث التي حرمناها عليهم ~~بالاصطياد يوم السبت - كما يأتي - وفعلوا غير ذلك من المحرمات، فظلملوا ~~أنفسهم بذلك: {وما ظلمونا} أي بشيء مما قابلوا فيه الإحسان بالكفران {ولكن ~~كانوا} أي دائما جبلة وطبعا {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون*} وهو - مع كونه من ~~أدلة {سأصرف عن آياتي} الآية - دليل على صحة وصف هذا الرسول بالنبي، فإن من ~~علم هذه الدقائق من أخبارهم مع كونه أميا ولم يخالط أحدا من أحبارهم، # PageV08P134 # كان صادقا عن علام الغيوب من غير مؤيد وكذا ما بعده. # ولما ذكر ما حباهم في القفار، أتبعه إنعامه عليهم عند الوصول إلى الدار ~~فقال: {وإذ} أي اذكر لهم هذا ليصدقوك أو يصيروا في غاية الظلم كأصحاب السبت ~~فيتوقعوا مثل عذابهم، واذكر لهم ما لم تكن حاضره ms1677 ولا أخذته عنهم، وهو وقت ~~إذ، وعدل عن الإكرام بالخطاب ونو العظمة، لأن السياق للأسراع في الكفر ~~فقال: {قيل لهم اسكنوا} أي ادخلوا مطمئنين على وجه الإقامة، ولا يسمى ساكنا ~~إلا بعد التوطن بخلاف الدخول، فإنه يكون بمجرد الولوج في الشيء على أي وجه ~~كان {هذه القرية} . فهو دليل آخر على الأمرين: الصرف والصدق؛ وعبر هنا ~~بالمجهول في {قيل} إعراضا عن تلذيذهم بالخطاب إيذانا بأن هذا السياق للغضب ~~عليهم بتساقطهم في الكفر وإعراضهم عن الشكر، من أي قائل كان وبأي صيغة ورد ~~القول وعلى أي حالة كان، وإظهارا للعظمة حيث كانت، أدنى إشارة منه كافية في ~~سكناهم في البلاد واستقرارهم فيها قاهرين لأهلها الذين ملؤوا قلوبهم هيبة ~~حتى قالوا {إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها} [المائدة: 24] . # ولما خلت نعمة الأكل في هذا السياق عما دعا إليه سياق البقرة # PageV08P135 # من التعقيب وهو الاستعطاف، ذكرت بالواو الدالة على مطلق الجمع، وهي لا ~~تنافي تلك، فقال: {وكلوا منها} أي القرية {حيث شئتم} وأسقط الرغد لذلك، ~~وقدم {وقولوا حطة} ليكون أول قارع للسمع مما أمروا به من العبادة مشعرا ~~بعظيم ما تحملوه من الآثام، إيذانا بما سيقت له هذه القصص في هذه السورة ~~المقام. # ولما أمروا بالحطة قولا، أمروا أن يشفعوها بفعل، لتحط عنهم ذنوبهم، ولا ~~ينافي التقديم هنا التأخير في البقرة، لأن الواو لا ترتب، فقال: {وادخلوا ~~الباب} أي باب بيت المقدس حال كونكم {سجدا نغفر لكم} ولما كان السياق هنا ~~لبيان إسراعهم في الكفر، ناسب ذلك جمع الكثرة في قوله: {خطاياكم} في قراءة ~~أبي عمرو، وأما قراءة ابن عامر {خطيتكم} بالإفراد وقراءة غيرهما {خطياتكم} ~~جمع قلة فللإشارة إلى أنها قليل في جنب عفوة تعالى، وكذا بناء {نغفر} ~~للمجهول تأنيثا وتذكيرا، كل ذلك ترجيه لهم واستعطافا إلى التوبة، ولذلك ساق ~~سبحانه ما بعده مساق السؤال لمن كأنه قال: هذا الرجاء قد حصل، فهل مع مع ~~المغفرة من كرامة؟ فقال: {سنزيد} أي بوعد لا خلف فيه عن قريب، وهو لا ينافي ~~إثبات الواو ms1678 في البقرة {المحسنين*} أي العريقين في هذا الوصف، # PageV08P136 # وللسياق الذي وصفت قيد قوله: {فبدل الذين ظلموا} بقوله: {منهم} لئلا ~~يتوهم أنهم من الدخلاء فيهم {قولا غير الذي} . # ولما كان من المعلوم أن القائل من له إلزامهم، بناه للمجهول فقال: {قيل ~~لهم} وقال: {فأرسلنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم} بالإضمار تهويلا ~~لاحتمال العموم بالعذاب {رجزا من السماء} ولفظ الظلم - في قوله: {بما كانوا ~~يظلمون*} بما يقتضيه من أنهم لا ينفكون عن الكون في الظلام إما مطلقا وإما ~~مع تجديد فعل فعل من هو فيه - أهول من لفظ الفسق المقتضي لتجديد الخروج مما ~~ينبغي الاستقرار فيه، كما أن لفظ الإرسال المعدي ب {على} كذلك بالنسبة إلى ~~لفظ الإنزال. # ولما فرغ من هتك أستارهم فيما عملوه أيام موسى عليه السلام وما يليها، ~~أتبعه خزيا آخر أشد مما قبله، كان بعد ذلك بمدة لا يعلمه أحد إلا من جهتهم ~~أو من الله، وإذا انتفى الأول ثبت الثاني، فقال: {وسئلهم} أي بني إسرائيل ~~مبكتا لهم ومقررا {عن القرية} أي البلد الجامع {التي كانت حاضرة البحر} أي ~~على شاطئه وهي أيلة، ولعله عبر بالسؤال، ولم يقل: وإذ تعدو القرية التي - ~~إلى آخره، ونحو ذلك، لأن كراهتهم للإطلاع على هذه الفضيحة أشد مما مضى، وهي ~~دليل على الصرف والصدق. ولما كان السؤال عن خبر أهل القرية قال # PageV08P137 # مبدلا بدل اشتمال من القرية {إذ} أي حين {يعدون} أي يجوزون الحد الذي ~~أمرهم الله به {في السبت إذ} أي العدو حين {تأتيهم} وزاد في التبكيت ~~بالإشارة إلى المسارعة في الكفر بالإضافة في قوله: {حيتانهم} إيماء إلى ~~أنها مخلوقة لهم، فلو صبروا نالوها وهم مطيعون، كما في حديث جابر رضي الله ~~عنه رفعه «بين العبد وبين رزقه حجاب، فإن صبر خرج إليه، وإلا هتك الحجاب ~~ولم ينل إلا ما قدر له» {يوم سبتهم} أي الذي يعظمونه بترك الاشتغال فيه ~~بشيء غير العبادة {شرعا} أي قريبة مشرفة لهم ظاهرة على وجه الماء بكثرة، ~~جمع شارعة وشارع أي دان {ويوم لا ms1679 يسبتون} أي لا يكون سبت، ولعله عبربهذا ~~إشارة إلى أنهم لو عظموا الأحد على أنه سبت جاءتهم فيه، وهو من: سبتت ~~اليهود - إذا عظمت سبتها {لا تأتيهم} أي ابتلاء من الله لهم، ولو أنهم ~~صبروا أزال الله هذه العادة فأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم. # ولما كان هذا بلاء عظيما، قال مجيبا لسؤال من كأنه قال لشدة ما بهره من ~~هذا الأمر: هل وقع مثل هذا؟ مشيرا إلى أنه وقع، ولم يكتف به، بل وقع لهم ~~أمثاله لإظهار ما في عالم الغيب منهم إلى عالم الشهادة: {كذلك} أي مثل هذا ~~البلاء العظيم {نبلوهم} أي نجدد اختبارهم كل قليل {بما} أي سبب ما {كانوا} ~~أي جبلة وطبعا {يفسقون*} أي يجددون في علمنا من الفسق، وهو الخروج مما هو # PageV08P138 # أهل للتوطن من الطاعات. # PageV08P139 # ولما أخبر أن الفسق ديدنهم، أكده بقوله عطفا على {إذ يعدون} [الأعراف: ~~163] {وإذ} أي واسألهم عن خبرهم حين {قالت أمة منهم} أي جماعة ممن يعتبر ~~ويقصد من الواعظين الصالحين الذين وعظوا حتى أيسوا لأمة أخرى منهم لا ~~يقلعون عن الوعظ تخويفا للموعوظين بما يتجاوزون به {لم تعظون قوما} أي ~~معتمدين على قوتهم {الله} أي الذي له الملك كله {مهلكهم} أي لا محالة لأنهم ~~لا ينتهون عن الفساد ولا يتعظون بالمواعظ {أو معذبهم عذابا شديدا} أي بعظيم ~~ما يرتكبونه وتماديهم فيه {قالوا} أي الأمة الأخرى من الواعظين: وعظنا ~~{معذرة إلى ربكم} أي المحسن إليكم بالحفظ عما وقعوا فيه من الذنب والإقبال ~~على الوعظ حتى إذا سئلنا عن أمرنا في عصيانهم نقول: فعلنا في أمرهم جهدنا، ~~هذا إن لم يرجعوا {ولعلهم يتقون*} أي وليكون حالهم حال من يرجى خوفه لله ~~فيرجع عن غيه. # ولما تراجعوا بهذا الكلام ليكون زاجرا للعاصين فلم يرجعوا، أخبر أنه صدق ~~ظنهم بإيقاع الأمرين معا: العذاب الشديد والإهلاك فقال: {فلما نسوا ما ~~ذكروا به} أي فعلوا في إعراضهم عنه فعل الناسي وتركوه ترك المنسي، وهو أن ~~الله لا يهملهم كما أن الإنسان لا يمكن أن يهمل # PageV08P139 # أحدا ms1680 تحت يده، ليفعل ما يشاء من غير اعتراض {أنجينا} أي بعظمتنا {الذين ~~ينهون} أي استمروا على النهي {عن السوء} أي الحرام {وأخذنا} أي أخذ غلبة ~~وقهر {الذين ظلموا} أي بالعدو في السبت {بعذاب بئيس*} أي شديد جدا {بما ~~كانوا} أي جبلة وطبعا {يفسقون*} أي بسبب استمرارهم على تجديد الفسق. # ولما ذكر ما هددهم بهمن العذاب الشديد، أتبعه الهلاك فقال: {فلما عتوا} ~~أي تكبروا جلافة ويبسا عن الانتهاء {عن ما نهوا عنه} أي بعد الأخذ بالعذاب ~~الشديد، وتجاوزوا إلى الاجتراء على جميع المعاصي عنادا وتكبرا بغاية ~~الوقاحة وعدم المبالاة، كان مواقعتهم لذلك الذنب وإمهالهم مع الوعظ أكسبتهم ~~ذلك وغلظت أكبادهم عن الخوف بزاجر العذاب، من عتا يعتو عتوا - إذا أقبل على ~~الآثام، فهو عات، قال عبد الحق في كتابة الواعي: وقيل إذا أقدم على كل ~~أموره، ومنه هذه الآية، وقيل: العاتي هو المبالغ في ركوب المعاصي، وقيل: ~~المتمرد الذي لا ينفع فيه الوعظ والتنبيه، ومنه قوله سبحانه {فعتوا عن أمر ~~ربهم} [الذاريات: 44] أي جاوزوا المقدار والحد في الكفر - انتهى. وحقيقته: ~~جاوزوا الأمر إلى النهي، أو جاوزوا الائتمار بأمره، والمادة ترجع إلى الغلظ ~~والشدة والصلابة {قلنا لهم} أي بما لنا من القدرة العظيمة {كونوا قردة} أي ~~في صورة القردة حال كونكم {خاسئين*} أي صاغرين مطرودين # PageV08P140 # بعدين عن الرحمة كما يبعد الكلب. ولما تبين بما مضى من جرأتهم على ~~المعاصي وإسراعهم فيها استحقاقهم لدوام الخزي والصغار، أخبر أنه فعل بهم ~~ذلك على وجه موجب للقطع بأنهم مرتبكون في الضلال، مرتكبون سيىء الأعمال، ما ~~دام عليهم ذلك النكال، فقال: {وإذ} وهو عطف على {وسئلهم} أي واذكر لهم حين ~~{تأذن} أي أعلم إعلاما عظيما جهرا معتنى به {ربك} أي المربي لك والممهد ~~لأدلة شريعتك والناصر لك على من خالفك. # ولما كان ما قيل جاريا مجرى القسم، تلقى بلامه، فكان كأنه قيل: تاذن ~~مقسما بعزته وعظمته وعلمه وقدرته: {ليبعثن} أي من مكان بعيد، وأفهم أنه بعث ~~عذاب بأداة الاستعلاء المفهمة لأن المعنى: ليسلطن {عليهم} أي اليهود، ms1681 ومد ~~زمان التسليط فقال: {إلى يوم القيامة} الذي هو الفيصل الأعظم {من يسومهم} ~~أي ينزل بهم دائما {سوء العذاب} بالإذلال والاستصغار وضرب الجزية ~~والاحتقار، وكذا فعل سبحانه فقد سلط عليهم الأمم ومزقهم في الأرض كل ممزق ~~من حين أنكروا رسالة المسيح عليه السلام، كما أتاهم به الوعد الصادق في ~~التوارة، وترجمة ذلك موجودة بين أيديهم الآن في قوله في آخر السفر الأول: ~~لا يزول القضيب من آل يهودا، لا يعدم سبط يهودا ملكا مسلطا واتخاذه نبيا ~~مرسلا ختى يأتي الذي له الملك - وفي نسخة: # PageV08P141 # الكل - وإياه تنتظر الشعوب، يربط بالحلبة جحشه؛ وقال السمؤال في أوائل ~~كتابه غاية المقصود: نقول لهم: فليس في التوارة التي في أيديكم ما تفسيره: ~~لا يزول الملك من آل يهودا والراسم بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح فلا ~~يقدرون على جحده، فنقول لهم: إذا علمتم أنكم كنتم أصحاب دولة وملك إلى ظهور ~~المسيح ثم انقضى ملككم - انتهى. ومن أيام رسالة المسيح سلط الله عليهم ~~الأمم ومزقهم في الأرض، فكانوا مرة تحت حكم البابليين، وأخرى تحت أيدي ~~المجوس، وكرة تحت قهر الروم من بني العيص، وأخرى في أسر غيرهم إلى أن أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فضرب عليهم الجزية هو وأمته من بعده. # ولما كان السياق للعذاب وموجباته، علل ذلك مؤكدا بقوله: {إن ربك} أي ~~المحسن إليك بإذلال أعدائك الذين هم أشد الأمم لك ولمن آمن بك عداوة {لسريع ~~العقاب} أي يعذب عقب الذنب بالانتقام باطنا بالنكته السوداء في القلب، ~~وظاهرا - إن أراد - بما يريد، وهذا بخلاف ما في الأنعام فإنه في سياق ~~الإنعام بجعلهم خلائف. # ولما رهب، رغب بقوله: {وإنه لغفور} أي محاء للذنوب عينا وأثرا لمن تاب ~~وآمن {رحيم*} أي مكرم منعم بالتوفيق لما يرضاه ثم بما يكون سببا له من ~~الإعلاء في الدينا والآخرة. # PageV08P142 # ذكر شيء مما هددوا به التوارة على العصيان والبغي والعدوان غير ما تقدم ~~في المائدة عند {من لعنه الله وغضب عليه} [المائدة: 60] وغيرها من الايات - ~~قال في السفر الخامس: ms1682 وإن لم تحفظ وتعمل بجميع الوصايا والسنن التي كتبت في ~~هذا الكتاب وتتق الله ربك وتهب اسمه المحمود المرهوب، يخصك الرب بضربات ~~موجعة ويبتليك بها، ويبتلي نسلك من بعدك وتدوم عليك، ويبقى من نسلك عدد ~~قليل من بعد كثرتهم التي كانت قد صارت مثل نجوم السماء، وتجلون عن الأرض ~~التي تدخلونها لترثوها، ويفرقكم الرب بين الشعوب، وتعبدون هنالك الآلهة ~~الأخرى التي عملت من الحجارة والخشب، ولا تسكنون أيضا بين تلك الشعوب، ولكن ~~يصير الله قلوبكم هناك فزعة مرتجفة بالغداة تقولون: متى نمسي؟ وبالعشي ~~تقولون: متى نصبح؟ وذلك من فزع قلوبكم وخوفكم وقلة حيلتكم، ويردكم الله إلى ~~ارض مصر في الوف في الطريق الذي قال الرب: لا تعودوا أن تروه، وتباعون هناك ~~عبيدا وإماء، ولا يكون من يشتريكم - هذه أقوال العهد التي أمر الله بها ~~موسى أن يعاهد بني إسرائيل في أرض مؤاب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب؛ ثم ~~دعا موسى جميع بني إسرائيل وقال لهم: قد رأيتم ما صنع الله بأرض مصر بفرعون # PageV08P143 # وجميع عبيده وكل شعبه والبلايا العظيمه التي رأت أعينكم والآيات ~~والأعاجيب التي شهدتموها، ولم يعطكم الرب قلوبا تفهم وتعلم، ولا أعينا تبصر ~~ولا آذانا تسمع إلى يومنا هذا، ودبركم في البرية أربعين سنة، لم تبل ثيابكم ~~عليكم ولم تخلق خفافكم أيضا ولم تأكلوا خبزا، لتعلموا أني أنا الله ربكم، ~~وأنا الذي أتيت بكم إلى هذه البلاد، فاحفظوا وصايا هذه التوارة واعملوا بها ~~وأتموا جميع الأعمال في طاعة الله وأكملوها، لأنكم قد عرفتم جميعا أن كنا ~~سكانا بأرض مصر وجزنا بين الشعوب، ورأيتم نجاستهم وأصنامهم، لعل فيكم اليوم ~~رجلا أو امرأة أو قبيلة أو سبطا يميل قلبه عن عبادة الله ربنا ويطلب عبادة ~~آلهة تلك الشعوب، فيسمع هذا العهد فيقول: يكون لي السلام فاتبع مسرة قلبي، ~~هذا لا يريد الرب أن يغفر له، ولكن هناك يشتد غضب الرب وزجره عليه وينزل به ~~كل اللعن الذي في هذا الكتاب، ويستأصل الرب اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب ~~من جميع ms1683 أسباط بني إسرائيل للشر والبلايا ويقول الحقب الآخر بنوكم الذين ~~يقومون من بعدكم والغرباء، وينظرون إلى ضربات تلك الأرض والأوجاع أنزل الله ~~بها ويقول الشعب: لماذا صنع الرب هكذا؟ ولماذا اشتد غصبة على هذا الشعب ~~العظيم؟ ويقولون: لأنهم تركوا عهد الله إله آبائهم، فاشتد غضب الرب على هذه ~~الأمة وأمر أن ينزل بها كل اللعن الذي كتب في هذا # PageV08P144 # الكتاب، ويجليهم الرب عن بلادهم بغضب وزجر شديد ويبعدهم إلى أرض غريبة ~~كما ترى اليوم، فأما الخفايا والسرائر فهي لله ربنا، والأمور الظاهرة ~~المكشوفة هي لنا. # ولما أخبر سبحانه بالتأذن، كان كأنه قيل: فأسرعنا في عقابهم بذنوبهم ~~وبعثنا عليهم من سامهم سوء العذاب بالقتل والسبي، فعطف عليه قوله: ~~{وقطعناهم} أي بسبب ما حصل لهم من السبي المترتب على العذاب بما لنا من ~~العظمة تقطيعا كثيرا بأن أكثرنا تفريقهم {في الأرض} حال كونهم {أمما} يتبع ~~بعضهم بعضا، فصار في كل بلدة قليل منهم ليست لهم شوكة ولا يدفعون عن أنفسهم ~~ظلما. # ولما كان كأنه قيل: فهل أطبقوا بعد هذا العذاب على الخير؟ قيل: لا، بل ~~فرقتهم الأديان نحو فرقة الأبدان {منهم الصالحون} أي الذين ثبتوا على دينهم ~~إلى أن جاء الناسخ له فتبعوه امتثالا لدعوة كتابهم {ومنهم دون ذلك} أي ~~بالفسق تارة وبالكفر أخرى {وبلوناهم} أي عاملناهم معاملة المبتلى ليظهر ~~للناس ما نحن به منهم عالمون {بالحسنات} أي النعم {والسيئات} أي النقم ~~{لعلهم يرجعون*} أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن غيه رغبة أو رهبة. # ولما كان العذاب الذي وقع التأذن بسببه ممتدا إلى يوم القيامه، # PageV08P145 # تسبب عنه قوله: {فخلف} أي نشأ، ولما كانوا غير مستغرقين لزمان البعد، أتى ~~بالجار فقال: {من بعدهم خلف} أي قوم هم أسوأ حالا منهم {ورثوا الكتاب} أي ~~الذي هو نعمة، وهو التوراة، فكان لهم نقمة لشهادته عليهم بقبح أفعالهم، ~~لأنه بقي في أيديهم بعد أسلافهم يقرؤونه ولا يعملون بما فيه؛ قال ابن فارس: ~~والخلف ما جاء من بعد، أي سواء كان محركا أو ساكنا، وقال ms1684 أبو عبيد الهروي ~~في الغريبين: ويقال:؛ خلف سوء - أي بالسكون - وخلف صدق، وقال الزبيدي في ~~مختصر العين: والخلف: خلف السوء بعد أبيه، والخلف: الصالح، وقال ابن القطاع ~~في الأفعال: وخلف خلف سوء: صاروا بعد قوم صالحين، وخلف سوء، قال الأخفش: ~~هما سواء، أي بالسكون، منهم من يسكن ومنهم من يحرك فيهما جميعا، ومنهم من ~~يقول: خلف صدق - أي بالتحريك - وخلف سوء - أي بالسكون - يريد بذلك الفرق ~~بينهما، وكل إذا أضاف، يعني فإذا لم يضف كان السكون - للفساد، والتحريك ~~للصلاح؛ وقال في القاموس: خلف نقيض قدام، والقرن بعد القرن، ومنه: هؤلاء ~~خلف سوء، والرديء من القول، وبالتحريك الولد الصالح، فإذا كان فاسدا أسكنت ~~اللام، وربما استعمل كل منهما مكان الآخر، يقال: هو خلف صدق من أبيه - إذا ~~قام مقامه، # PageV08P146 # أو الخلف بالسكون وبالتحريك سواء، الليث: خلف للاشرار خاصة، وبالتحريك ~~ضده. والمادة ترجع إلى الخلف الذي هو نقيض قدام، كما بنيت ذلك في فن ~~المضطرب من حاشيتي على شرح ألفية العراقي. # ولما كان المظنون بمن يرث الكتاب الخير، فكان كأنه قيل: ما فعلوه من ~~الخير فيما ورثوه؟ قال مستأنفا: {يأخذون} أو يجددون الأخذ دائما، وحقر ما ~~أخذوه بالإعلام بأنه مما يعرض ولا يثبت بل هو زائل فقال: {عرض} وزاده حقارة ~~بإشارة الحاضر فقال {هذا} وصرح بالمراد بقوله: {الأدنى} أي من الوجودين، ~~وهو الدنيا {ويقولون} أي دائما من غير توبة. # ولما كان النافع الغفران من غير نظر إلى معين، بنوا للمفعول قولهم: ~~{سيغفر لنا} أي من غير شك، فأقدموا على السوء وقطعوا بوقوع ما يبعد وقوعه ~~في المستقبل حكما على من يحكم ولا يحكم عليه، وصرح بما افهمه ذلك من ~~إصرارهم معجبا منهم في جزمهم بالمغفرة مع ذلك بقوله: {وإن} أي والحال أنه ~~إن {يأتهم عرض مثله} أي في الدناءة والخسة - والحرمة كالرشى {يأخذوه} . # ولما كان هذا عظيما، أنكر عليهم مشددا - للنكير بقوله # PageV08P147 # مستأنفا: {ألم يؤخذ عليهم} بناه للمفعول إشارة إلى أن العهد يجب الوفاء ~~به على كل حال، ثم عظمه بقوله: {ميثاق ms1685 الكتاب} أي الميثاق المؤكد في ~~التوارة {أن لا يقولوا} أي قولا من الأقوال وإن قل {على الله} أي الذي له ~~الكمال العظمة {إلا الحق} أي المعلوم ثباته، وليس من المعلوم ثباته إثبات ~~المغفرة على القطع بغير توبة، بل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب. # ولما كان ربما وقع في الوهم أنه أخذ على أسلافهم ولم يعلم هؤلاء به، نفى ~~ذلك بقوله: {ودرسوا ما فيه} أي ما في ذلك الميثاق بتكرير القراءة للحفظ ~~{والدار الأخرة} أي فعلوا ما تقدم من مجانبة التقوى والحال أن الآخرة {خير} ~~أي مما يأخذون {للذين يتقون} أي وهم يعلمون ذلك بإخبار كتابهم، ولذلك أنكر ~~عليهم بقولة: {أفلا تعقلون*} أي حين أخذوا ما يشقيهم ويفنى بدلا مما يسعدهم ~~ويبقى، وعلى قراءة نافع وابن عامر وحفص بالخطاب يكون المراد الإعلام بتناهي ~~الغضب. # PageV08P148 # ولما بين ما للمفسدين من كونهم قالوا على الله غير الحق فلا يغفر لهم، ~~بين ما للصالحين المذكورين في قوله {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون} [الأعراف: 159] فقال عاطفا على تقديره: أولئك حبطت أعمالهم فيما # PageV08P148 # درسوا من الكتاب، ولا يغفر لهم ما أتوا من الفساد: {والذين يمسكون} أي ~~يمسكون إمساكا شديدا يتجدد على كل وجه الا ستمرار، وهو إشارة إلى إن التمسك ~~بالسنة في غاية الصعوبة لا سيما عند ظهور الفساد {بالكتاب} أي فلا يقولون ~~على الله إلا الحق، ومن جملة تمسيكهم المتجدد انتقالهم عن ذلك الكتاب عند ~~إتيان الناسخ لأنه ناطق بذلك - والله الموفق. # ولما كان من تمسيكهم بالكتاب عند نزول هذا الكلام انتقالهم عن دينهم إلى ~~الإسلام كما وقع الأمر به في المواضع التي تقدم بيانها، عبر عن إقامة ~~الصلاة المعهودة لهم بلفظ الماضي دون المضارع لئلا يجعلوه حجة في الثبات ~~على دينهم. فيفيد ضد المراد فقال: {وأقاموا الصلاة} وخصها إشارة إلى أن ~~الأولين توكوها كما صرح به في آية مريم، وتنويها بشأنها بيانا لأنها من ~~أعظم شعائر الدين، ولما كان التقدير إخبارا عن المبتدإ: سنؤتيهم أجورهم ~~لإصلاحهم، وضع موضعه للتعميم قوله: {إنا ms1686 لا نضيع} أي بوجه من الوجوه {أجر ~~المصلحين*} . # ولما ذكر الكتاب أنه رهبهم من مخالفته ورغبهم في مؤالفته، وكان عذاب ~~الآخرة مستقبلا وغائبا، وكان ما هذا شأنه يؤثر في الجامدين، أمره أن يذكرهم ~~بترهيب دنيوي مضى إيقاعه بهم، ليأخذوا مواثيق الكتاب لغاية الجد مع أنه لا ~~يعلمه إلا علماؤهم، فيكون # PageV08P149 # علم الأمي له من أعلام نبوته الظاهرة فقال: {وإذ} أي اذكر لهم هذا، فإن ~~لمن يتعظوا اذكر لهم إذ {نتقنا} أي قلعنا ورفعنا، وأتى بنون العظمة لزيادة ~~الترهيب {الجبل} عرفه لمعرفتهم به، وعبر لدلالة لفظه على الصعوبة والشدة ~~دون الطور - كما في البقرة - لأن السياق لبيان نكدهم بإسراعهم في المعاصي ~~الدالة على غلظ القلب. # ولما كان مستغرقا لجميع الجهة الموازية لعساكرهم، حذف الجار فقال: ~~{فوقهم} ثم بين أنه كان أكبر منهم بقوله: {كأنه ظلة} أي سقف، وحقق أنه صار ~~عليهم موازيا لهم من جهة الفوق كالسقف بقوله: {وظنوا} هو على حقيقته {أنه ~~واقع} ولما كان ما تقدم قد حقق العلو، لم يحتج إلى حرف الاستعلاء، فقال ~~مشيرا إلى السرعة واللصوق: {بهم} أي إن لم يأخذوا عهود التوارة، قالوا: ~~ولما رأوا ذلك خر كل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر، وصار ينظر بعينه اليمنى ~~إلى الجبل فزعا من سقوطه، وهي سنة لهم في سجودهم إلى الآن، يقولون: هذه ~~السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. # ولما كان كأنه قيل: فقالوا: أخذنا يارب عهودك، قال مشيرا إلى عظمته ليشتد ~~إقبالهم عليه إشارة إلى أنه علة رفع الجبل: {خذوا ما آتيناكم} أي بعظمتنا، ~~فهو جدير بالإقبال عليه وإن يعتقد فيه الكمال، وأكد ذلك بقوله: {بقوة} أي ~~عزم عظيم على احتمال # PageV08P150 # مشاقه؛ ولما كان الأخذ للشيء بقوة ربما نسيه في وقت، قال: {واذكروا ما ~~فيه} أي من الأوامر والنواهي وغيرهما - فلا تنسوه {لعلكم تتقون*} أي ليكون ~~حالكم حال من يرجى تقواه، فدل سبحانه بهذا على تأكيد المواثيق عليهم في أخذ ~~جميع ما في الكتاب الذي من جملته ألا تقولوا على الله إلا الحق ولا تكتموا ~~شيئا ms1687 منه، قالوا: ولما قرأ موسى عليه السلام الألواح وفيها كتاب الله لم ~~يبق على الأرض شجر ولا جبل ولا حجر إلا اهتز، فلذلك لا ترى يهوديا يسمع ~~التوارة إلا اهتز وأنقض رأسه. # ولما ذكر أنه ألزمهم أحكام الكتاب على هذه الهيئة القاهرة الملجئة ~~القاسرة التي هي من أعظم المواثيق عند أهل الأخذ وأنه أكد عليهم المواثيق ~~في كثير من فصول الكتاب، وكان ذلك كله خاصا بهم؛ أمره أن يذكر لهم أنه ركب ~~لهم في عموم هذا النوع الآدمي من العقول ونصب من الأدلة الموضحة للأمر ~~إيضاح المشهود للشاهد ما لو عذب تاركه والمتهاون به لكان تعذيبه جاريا على ~~المناهج ملائما للعقول، ولكنه لسبق رحمته وغلبة رأفته لم يؤاخذ بذلك حتى ضم ~~إليه الرسل، وأنزل معهم الكتب، وأكثر فيها من المواثيق، وزاد في الكشف ~~والبيان، وإلى ذلك الإشارة باسم الرب، فكأن من عنده علم أشد ملامة من ~~الجاهل، فقال: {وإذ} أي واذكر لهم إذ {أخذ} أي خلق بقوله وقدرته {ربك} أي ~~المحسن # PageV08P151 # إليك بالتمهيد لرسالتك كما يؤخذ القمل بالمشط من الرأس. # ولما كان السياق لأخذ المواثيق والأخذ بقوة، ذكر أخذ الذرية من أقوى نوعي ~~الآدمي، وهم الذكور فقال: {من بني آدم} وذكر أنه جعلها من أمتن الأعضاء ~~فقال: {من ظهورهم} كل واحد من ظهر أبيه {ذريتهم} إشارة إلى أنه أكد عليهم ~~المواثيق وشددها لهم وأمرهم - بالقوة في أمرها، أعطاهم من القوة في التركيب ~~والمزاج ما يكونون به مطيعين لذلك، فهو تكليف بما في الوسع، وجعل لهم عقولا ~~عند من قال: هو على حقيقته كنملة سليمان عليه الصلاة والسلام {وأشهدهم على ~~أنفسهم} أي أوضح لهم من البراهين من الإنعام بالعقول مع خلق السماوات ~~والأرض وما فيهما على هذا المنوال الشاهد له بالوحدانية وتمام العلم ~~والقدرة، ومن إرسال الرسل المؤيدين بالمعجزات ما كانوا كالشهود بأنه لا رب ~~غيره؛ وقد ذكر معنى هذا الإمام حجة الإسلام الغزالي في الكلام على العقل من ~~باب العلم من الإحياء فإنه قال معنى هذه الآية: والمراد إقرار نفوسهم، ms1688 لا ~~إقرار الألسنة، فإنهم انقسموا في إقرار الألسنة حيث # PageV08P152 # وجدت الألسنة والأشخاص؛ ثم ذكر أن النفوس فطرت على معرفة الأشياء على ما ~~هي عليه لقرب الاستعداد للإدراك. # ولما تبين أنه فرد لا شريك له فلا راد لأمره، وأنه رب فلا أرأف منه ولا ~~أرحم، كان ذلك أدعى إلى طاعته خوفا من سطوته ورجاء لرحمته، فكانوا بذلك ~~بمنزلة من سئل عن الحق فأقر به، فلذلك قال: {ألست بربكم} أي المحسن إليكم ~~بالخلق والتربية بالرزق وغيره {قالوا بلى شهدنا} أي كان علمنا بذلك علما ~~شهوديا، وذلك لأنهم وصلوا بعد البيان إلى حد لا يكون فيه الجواب إلا ذلك ~~فكأنهم قالوه؛ فهو - والله أعلم - من وادي قوله تعالى {ولله يسجد من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها} [الرعد: 15]- الآية و {لله يسجد ما في ~~السماوات والأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون} [النحل: 49] . # ولما كان كأنه قيل: لم فعل ذلك؟ قيل: دلالة على أن المتقدم إنما هو على ~~طريق التمثيل يجعل تمكينهم من الاستدلال كالإشهاد، فعله كراهة {أن تقولوا ~~يوم القيامة} أي إن لم ينصب لهم الأدلة {إنا كنا عن هذا} أي وحدانيتك ~~وربوبيتك {غافلين*} أي لعدم الأدلة فلذلك أشركنا {أو تقولوا} أي لو لم نرسل ~~إليهم الرسل {إنما أشرك آباؤنا من قبل} أي من قبل أن نوجد # PageV08P153 # {وكنا ذرية من بعدهم} فلم نعرف لنا مربيا غيرهم فكنا لهم تبعا فشغلنا ~~اتباعهم عن النظر ولم يأتنا رسول منبه، فيتسبب عن ذلك إنكارهم في قولهم: ~~{أفتهلكنا بما فعل المبطلون*} أي من آبائنا؛ قال أبو حيان: والمعنى أن ~~الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول بما تضمنه العهد من توحيد الله ~~وعبادته لكانت لهم حجتان: إحدهما «كنا غافلين» والأخرى «كنا تبعا لأسلافنا» ~~فكيف والذنب إنما هو لمن طرق لنا وأضلنا - انتهى. ومما يؤيد معنى التمثيل ~~حديث أنس في الصحيح «يقول الله لأهون أهل النار عذابا: لو أن لك ما في ~~الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون ms1689 من هذا ~~وأنت في صلب آدم أن لا تشرك شيئا، فأبيت إلا الشرك» وذلك لأن التصريح ~~بالآباء ينافي كون الإقرار على حقيقته، والأخذ وهو في الصلب إنما هو بنصب ~~الأدلة وتقرير الحق على وجه مهيىء للاستدلال بتركيب العقل على القانون ~~الموصل إلى المقصود عند التخلي من الحظوظ والشوائب، وهذا الذي وقع تأويل ~~الآية به لا يعارضه حديث الاستنطاق في عالم الذر على تقدير صحته، فإنه روي ~~من طرق كثيرة جدا ذكرتها في كتابي سر الروح، منها في الموطأ ومسند أحمد ~~وإسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي وأبي يعلى الموصلي ومستدرك الحاكم ~~وكتاب المائتين لأبي عثمان # PageV08P154 # الصابوني عن صحابة وتابعين مرفوعا وموقوفا - منهم عمر وأبي بن كعب وأبو ~~هريرة وحكيم بن حزام وعبد الله بن سلام وعبد الله بن عمرو وابن عباس وابن ~~مسعود رضي الله عنهم، وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار وسعيد بن المسيب وأبي ~~العالية رحمهم الله، وإنما كان لا يعارضه لأن في بعض طرقه عن أبي بن كعب ~~رضي الله عنه أنه سبحانه قال بعد أن استنطقهم: # «فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم ~~أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، فلا تشركوا بي شيئا، فإني ~~أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، فقالوا: نشهد ~~أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك» فالاستنطاق في الحديث على بابه، عبرة ~~لأبينا آدم عليه السلام ومن حضر ذلك من الخلق، وإيقافا لهم على بديع قدرته ~~وعظيم علمه، وإشهاد ما أشهد من المخلوقات بمعنى أنه نصب فيها من الأدلة ما ~~يكون إقامة الحجة به عليهم بالنقض إن أشركوا كشهادة الشاهد الذي لا يرد، ~~وليس في شيء من الروايات ما ينافي هذا؛ والحاصل أنه أخذ علينا عهدان: ~~أحدهما حالي تهدى إليه العقول، وهو نصب الأدلة، والآخر مقالي أخبرت به ~~الرسل، كل ذلك للإعلام بمزيد الاعتناء بهذا النوع البشري لما له من الشرف ~~الكريم ويراد به من # PageV08P155 # الأمر العظيم - والله الموفق. # PageV08P156 # ولما كان ms1690 كأنه قيل تبيها على جلالة هذه الآيات: انظر كيف فصلنا هذه ~~الآيات هذه التفاصيل الفائقة وأبرزناها في هذه الأساليب الرائقة، قال: ~~{وكذلك} أي ومثل ذلك التفصيل البديع الجليل الرفيع {نفصل الآيات} أي كلها ~~لئلا يواقعوا ما لا يليق بجانبنا جهلا لعدم الدليل {ولعلهم يرجعون*} أي ~~ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن الضلال إلى ما تدعو إليه الهداة من ~~الكمال عن قرب إن حصلت غفلة فواقعوه، وذلك من أدلة {والذي خبث لا يخرج إلا ~~نكدا} [الأعراف: 58] و {ما وجدنا لأكثرهم من عهد} [الأعراف: 102] و {سأصرف ~~عن آياتي} [الأعراف: 146] . # ولما ذكر لهم ما أخذ عليهم في كتابهم من الميثاق الخاص الذي انسلخوا منه، ~~واتبعه الميثاق العام الذي قطع بع الأعذار، أتبعهما بيان ما يعرفونه من حال ~~من انسلخ من الآيات، فأسقطه الله من ديوان السعداء، فأمره صلىلله عليه وسلم ~~أن يتلو عليهم، لأنه - مع الوفاء بتبكيتهم - من أدلة نبوته الموجبة عليهم ~~اتباعه، فذكره ما وقع له في نبذ العهد والانسلاخ من الميثاق بعد أن كان قد ~~أعطى الآيات وأفرغ عليه من الروح فقال: {واتل} أي اقرأ شيئا بعد شيء ~~{عليهم} أي اليهود وسائر الكفار الخلق كلهم {نبأ الذي} وعظم ما أعطاه بمظهر ~~العظمة ولفظ الإيتاء بعد ما عظم خبره بلفظ الإنباء فقال: {آتيناه} . # PageV08P156 # ولما كان تعالى قد أعطاه من إجابة الدعاء وصحة الرؤيا وغير ذلك مما شاء ~~سبحانه أمرا عظيما بحيث دله تعالى دلالة لا شك فيها، وكانت الآيات كلها ~~متساوية الأقدام في الدلالة وإن كان بعضها أقوى من بعض، قال تعالى: ~~{آياتنا} وهو بلعام من غير شك للسباق واللحاق، وقيل: وهو رجل بعثه موسى ~~عليه السلام إلى ملك مدين فرشاه فتبع دينه فافتتن به الناس، وقيل: هو أمية ~~بن أبي الصلت الثقفي الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم «آمن شعره وكفر ~~قلبه» قاله عبد الله بن عمرو وسعيد بن المسيب وزيد ابن أسلم، وقيل: هو أبو ~~عامر الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق، وقيل: نزلت ms1691 في ~~منافقي أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم فأنكروه. # ولما كان الذي جرأهم على عظمته سبحانه ما أنعم عليهم به من إعطاء الكتاب ~~ظنا منهم أنه لا يشقيهم بعد ذلك، رهبهم ببيان أن الذي سبب له هذا الشقاء هو ~~إيتاء الآيات فقال: {فانسلخ منها} أي فارقها بالكيلة كما تنسلخ الحية من ~~قشرها، وذلك بسبب أنه لما كان مجاب الدعوة سأله ملك زمانه الدعاء على موسى ~~وقومه فامتنع فلم يزل يرغبه حتى خالف أمر الله اتباعا لهوى نفسه، فتمكن من ~~الشيطان وأشار عليه أن يرسل إليهم النساء مزينات ويأمرهن أن لا يمتنعن من ~~أحد، فأشقاه الله، وهذا معنى {فأتبعه الشيطان} أي فأدركه مكره فصار قرينا ~~له # PageV08P157 # {فكان} أي فتسبب عن إدراك الشيطان له أن كان {من الغاوين*} أي الضالين ~~الراكبين هوى نفوسهم، وعبر في هذه القصة بقوله: {اتل} دون # {وأسألهم عن} [الأعراف: 163] نحو ما مضى في القرية، لأن هذا الخبر مما ~~يحبون ذكره لأن سلخه من الآيات كان لأجلهم، فهو شرف لهم، فلو سألهم عنه ~~لبادروا إلى الإخبار به ولم يتلعثموه فلا تكون تلاوته صلى الله عليه وسلم ~~بعد ذلك لما أنزل في شأنه واقعا موقع ما لو أخبرهم به قبل، ولعل المقصود ~~الأعظم من هذه الآية والتي قبلها الاستدلال على كذب دعواهم في قولهم {سيغفر ~~لنا} [الأعراف: 169] بما هم قائلون به، فيكون من باب الإلزام، وكأنه قيل: ~~أنتم قائلون بأن من أشرك لا يغفر له لتركه ما نصب له من الأدلة حتى إنكم ~~لتقولون {ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] لذلك، فما لكم توسعون ~~المغفرة لكم في ترك ما أخذ عليكم به الميثاق الخاص وقد ضيقتموها على غيركم ~~في ترك ما أخذ عليهم به الميثاق العام؟ ما ذلك إلا مجرد هوى، فإن قلتم: ~~الأمر في أصل التوحيد أعظم فلا يقاس عليه، قيل لكم؛ أليس المعبود قد حرم ~~الجميع؟ وعلى التنزل فمن المسطور في كتابكم أمر بلعام وأنه ضل، وقد كان ~~أعظم من أحباركم، فإنا آتيناه الآيات ms1692 من غير واسطة رسول، وكان سبب هلاكه - ~~كما تعلمون - وخروجه من ربقة الدين وإحلاله دمه مشورته على ملك زمانه بأن ~~يرسل # PageV08P158 # النساء إلى عسكر بني إسرائيل متزينات غير ممتنعات ممن أرادهن، وذلك من ~~الفروع التي هي أخف من باب الأموال، فقد بحتم كذبكم في قولكم {سيغفر لنا} ~~وأنكم لم تتبعوا فيه إلا الهوى كما تبعه بلعام فانظروا ما فعل به. # ولما كان هذا السياق موهما لمن لم يرسخ قدمه في الإيمان أن الشيطان له ~~تأثير مستقل في الإغواء، نفى ذلك غيره على هذا المقام في مظهر العظمة فقال: ~~{ولو شئنا} أي أن نرفعه بها على ما لنا من العظمة التي من دنا ساحتها بغير ~~إذن محق {لرفعناه} أي في المنزلة رفعة دائمة {بها} أي الآيات حتى لا يزال ~~عاملا بها. # ولما علق الأمر بالمشيئة تنبيها على أنها هي السبب الحقيقي وإن ما لم ~~يشأه سبحانه لا يكون، وكان التقدير: ولكنا لم نشأ ذلك وشئنا له الكفر ~~فأخلدناه - إلى آخره، عبر عنه تعليما للأدب في إسناد الخير إلى الله والشر ~~إلى غيره وإن كان الكل خلقه حفظا - لعقول الضعفاء من إيهام نقص أو إدخال ~~لبس بقوله مسندا نقصه إليه: {ولكنه أخلد} أي فعل فعل من أوقع الخلد - وهو ~~الدوام - وأوجده {إلى الأرض} أي رمى بنفسه إلى الدنيا رميا، تهالكا على ما ~~فيها من الملاذ الحيوانية والشهوات النفسانية {واتبع} أي اتباعا شديدا # PageV08P159 # {هواه} فأعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات مقدما لداعي نفسه على ~~داعي روحه، لأن القلب الذي هو نتيجتهما في عالم الأمر له وجهان: وجه إلى ~~الروح العلوي الروحاني الذي هو الأب، وله الذكورة المناسبة للعلو؛ ووجه إلى ~~النفس التي هي الروح الحيواني التي هي الأم ولها المناسبة للأرض بالأنوثة ~~وبأن أصلها من التراب الذي له الرسوب بوضع الجبلة فالتقدير: فحط نفسه حطا ~~عظيما، لأنا لم نشأ رفعه بما أعطيناه من الآيات، وإنما جعلناه وبالا عليه، ~~فلا يغتر أحد بما أوتي من المعارف، وما حاز من المفاخر واللطائف، فإن ms1693 ~~العبرة بالخواتيم، ولنا بعد ذلك أن نفعل ما نشاء. # ولما كان هذا حاله، تسبب عنه أن قال تعالى: {فمثله} أي مع ما أوتي من ~~العلم في اتباعه لمجرد هواه من غير دليل بعد الأمر بمخالفة الهوى {كمثل ~~الكلب} أي في حال دوام اللهث. # ولما كان كأنه قيل: مثله في أي أحواله؟ قال: في كونه {إن تحمل عليه} أي ~~لتضربه {يلهث أو تتركه يلهث} فإن أوجب لك الحمل عليه ظن أن لهثه لما حاول ~~من ذلك التعب ردك عنه لهثه في الدعة، فتعلم حينئذ أنه ليس له سبب إلا اتباع ~~الهوى، فتابع الهوى مثل الكلب كما بين، ومثال هذا المنسلخ الجاهل الذي لا ~~يتصور أن يتبع غير الهوى، لأنه يتبع الهوى مع إيتاء الآيات فبعد الانسلاخ ~~منها أولى، فقد وضح تشبيه مثله بمثل الكلب، لا تشبيه مثله بالكلب؛ وهذه ~~القصة تدل على # PageV08P160 # أن من كانت نعم الله في حقه أكثر، كان بعده عن الله إذا أعرض عنه أعظم ~~وأكبر. # ولما تقرر المثلان، وكان كل منهما منطبقا على حالة كل مكذب، كانت النتيجة ~~قوله: {ذلك} أي كل من المثلين {مثل القوم} أي الأقوياء ما يحاولونه {الذين ~~كذبوا بآياتنا} أي في أن تركهم لها إنما هو بمجرد الهوى، لأن لها من الظهور ~~والعظمة بنسبتها إلينا ما لا يخفي على من له أدنى بصيرة {فاقصص القصص} أي ~~فأخبر الإخبار العظيم الذي تتبعت به مواقع الوقائع وآثار الأعيان حتى لم ~~تدع في شيء منها لبسا على كل من يسمع لك من اليهود وغيرهم، وهو مصدر قص ~~الشيء - إذا تبع أثره واستقصى في ذلك {لعلهم يتفكرون*} أي ليكون حالهم حال ~~من يرجى تفكره في هذه الآيات، فيعلمون أنه لا يأتي بمثلها من غير معلم من ~~الناس إلا نبي فيردهم ذلك إلى الصواب حذرا من مثل حال هذا. # ولما ظهر بهذا أن مثل الكلب الذي اكتسب من ممثوله من السوء والقذارة ما ~~لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى مثل المكذبين بالآيات، أنتج ذلك قوله ~~تأكيدا لذمهم ms1694 وزجرهم: {ساء مثلا القوم} أي مثل القوم {الذين كذبوا بآياتنا} ~~أي فلو لم يكن عليهم درك في فعلهم أن لا تنزل هذا المثل عليهم لكان أعظم ~~زاجرا له أدنى مروءة، لأنهم نزلوا عما # PageV08P161 # لمن يتبعها من العظمة إلى ما ظهر بهذا المثل من الخسة، فكيف وهم يضرون ~~أنفسهم بذلك ولا يضرون إلا إياها، وذلك معنى قوله: {وأنفسهم} أي خاصة ~~{كانوا يظلمون*} أي كان ذلك في طبعهم جبلة لهم، لا يقدر غير الله على ~~تغييره. # ولما كان ذلك محل عجب ممن يميل عن المنهج بعد إيضاحه هذا الإيضاح الشافي، ~~قال جوابا لمن كأنه قال: فما لهم لا يؤمنون؟ مفصلا لقوله {ولو شئنا لرفعناه ~~بها} [الأعراف: 176] : {من يهد الله} أي يخلق الهداية في قلبه الملك الأعظم ~~الذي لا أمر لأحد معه {فهو المهتدي} أي لا غيره. # ولما كان في سياق الاستدلال على أن أكثر الخلق هالك بالفسق ونقض العهد، ~~وحد {المهتدي} [الأعراف: 177] نظرا إلى لفظ {من} وجمع الضال نظرا إلى ~~معناها فقال: {ومن يضلل فأولئك هم} أي البعداء البغضاء خاصة لا غيرهم ~~{الخاسرون*} إذ لا فعل لغيره أصلا، والآية من فذلكة ما مضى، وما أحسن ختمها ~~بالخسران في وعظ من ترك الآخرة بإقباله على أرباح الدنيا وأعرضها الفانية، ~~ثم تعقيبها بذرء جهنم الذين لا أخسر منهم. # ذكر قصة بلعام من التوراة - قال في السفر الرابع منها بعد أن ساق قتالهم ~~لسيحون ملك الأمورانيين: وفرق المؤابيون من الشعب # PageV08P162 # فرقا شديدا لأنهم رأوه شعبا عظيما، فاضطرب المؤابيون ورجفت قلوبهم خوفا ~~من بني إسرائيل، وقال ملك مؤاب لأشياخ مدين: اعلموا أن هذا الجمع يرتعي ~~حرثنا، ولا يدع أحدا إلا أهلكه، ويرتعي كل من حولنا كما يرتعي الثور عشب ~~الأرض، وكان ملك المؤابيين في ذلك الزمان بالاق بن صفور، فأرسل رسلا إلى ~~بلعام بن بعور العراف المعبر للأحلام الذي كان ينزل على شاطىء النهر قريبا ~~من أرض بني عمون ليدعوه إليه فيستعين به: أخبرك أنه قد خرج شعب من أرض مصر، ~~فغشى وجه الأرض كلها، وقد ms1695 نزلوا جبالنا، فأطلب إليك أن تأتي وتلعن هذا ~~الشعب لأنه أقوى وأعز منا، لعلنا نقدر أن نحاربه ونهلكه عن جديد الأرض، ~~لأني عارف أن الذي تباركه هو مبارك، والذي تلعنه هو ملعون، وانطلق أشياخ ~~مؤاب وأشياخ مدين ومعهم هدايا وجوائز، فأتوا بلعام فقالوا له قول بالاق، ~~فقال لهم: بيتوا هاهنا ليلتكم هذه فأخبركم بما يقول الرب، فأقام أشراف مؤاب ~~عند بلعام، فأتى ملك الله بلعام وقال له: من القوم الذين أتوك؟ قال بلعام ~~للملاك: بالاق بن صفور ملك مؤاب أرسل إلي وقال: قد خرج شعب من أرض مصر فملأ ~~وجه الأرض، فأقبل إلينا حتى تلعنه، لعلي أقدر أن أجاهده وأهلكه، وقال ~~الملاك لبلعام: لا تنطلق مع القوم ولا تلعن الشعب لأنه مبارك، فقال بلعام ~~بكرة لعظماء # PageV08P163 # بالاق: انطلقوا إلى صاحبكم، لأن الرب لم يحب أن يدعني أنطلق معكم، ونهض ~~عظماء مؤاب فأتوا بالاق وقالوا له: لم يهو بلعام إتيانك معنا، فعاد بالاق ~~أيضا فأرسل رسلا أعظم وأكرم من الأولين، فأتوا بلعام وقالوا له: هكذا يقول ~~بالاق بن صفور: لا تمتنع أن تأتيني لأني سأعظمك وأكرمك جدا، وما قلت لي من ~~شيء فعلت، وأقبل إلينا لتلعن لي - هذا الشعب، فرد بلعام على رسل بالاق ~~قائلا: لو أن بالاق أعطاني ملء بيته ذهبا وفضة لم أقدر أن أتعدى قول ربي ~~وإلهي، ولا أحيد عن قول صغير ولا كبير من أقواله، فعرجوا أنتم أيضا عندنا ~~ليلتكم هذه حتى أنظر ما يخبروني ملاك الله من أمركم، فنزل وحي الله على ~~بلعام ليلا، وقال له: إن كان هؤلاء القوم إنما أتوك ليدعوك فقم فانطلق ~~معهم، ولكن إياك أن تعمل إلا ما أقول فنهض بلعام بكرة وأسرج أتانه وانطلق ~~مع عظماء مؤاب، فقال ملاك الرب في الطريق ليكون له لددا، فرأت الأتان ملاك ~~الله قائما في الطريق مخترطا سيفه ممسكه في يده، فحادت عن الطريق وسارت في ~~الحرث، فضربها بلعام ليردها إلى الطريق، فقام ملاك الرب في طريق ضيق بين ~~كرمين فرأت الأتانة ملك الرب فزحمت ms1696 الحائط وضغطت رجل بلعام في # PageV08P164 # الحائط، فعاد يضربها أيضا، ثم عاد ملاك الرب وقام في موضع ضيق حيث ليس ~~لها موضع تحيد منه يمنة ولا يسره، فبصرت بملاك الرب وربضت تحت بلعام، فاشتد ~~غضب بلعام وضرب الأتان بالعصا، وفتح الرب فم الأتان وقالت لبلعام: ما الذي ~~صنعت بك حتى ضربتني ثلاث مرات؟ قال بلعام: لأنك زريت بي، ولو أنه كان في ~~يدي سيف كنت قد قتلتك الآن، فقالت: ألست أتانتك التي تركبني منذ صباك إلى ~~اليوم؟ هل صنعت مثل هذا الصنع قط؟ قال لها: لا وجلى الرب عن بصر بلعام فرأى ~~ملك الله قائما في الطريق مخترطا سيفه ممسكه بيده، فجثا وخر على وجهه ~~ساجدا، فقال له ملاك الرب: ما بالك ضربت أتانك ثلاث مرات أنا الذي خرجت ~~لأكون لك لدادا، لأنك أخذت في طريق خلافا لأمري، فلما رأتني الأتان حادت ~~عني ثلاث مرات، ولو أنها لم تحد عني كنت قتلتك وأبقيت عليها، قال بلعام ~~لملاك الرب: أسأت وأجرمت، لم أعلم أنك قائم بإزائي في الطريق، فالآن إن كان ~~انطلاقي مما تكرهه رجعت، قال ملاك الرب لبلعام: انطلق مع القوم وإياك أن ~~تفعل شيئا إلا ما أقول لك! فانطلق بلعام، فسمع بالاق فخرج ليتلقاه وقال ~~بالاق: لم تأتني؟ قال: قد أتيتك الآن، لعلك تظن أني أقدر أن أقول شيئا إلا ~~القول الذي # PageV08P165 # يجريه الله على لساني به أنطق، فلما كان الغد عمد بالاق إلى بلعام وأصعده ~~إلى بيت بعل الصنم، فرأى من هناك أقاصي منازل شعب إسرائيل، وقال بلعام ~~لبالاق: ابني لي هاهنا سبعة مذابح، وهيىء لي سبعة ثيران وسبعة كباش، وفعل ~~بالاق كما قال له بلعام، ورفع بالاق الكباش والثيران على المذبح قربانا، ~~وقال بلعام لبالاق: قم هاهنا عند قرابينك حتى أنطلق أنا، لعل الرب يوحي إلي ~~ما أهواه، وأنا مظهر لك ما يوحي به، فانطلق فظهر الله وألهمه قولا وقال له: ~~انطلق إلى بالاق وقل له هذا القول، فأتاه وهو قائم عند قرابينه وجميع قواد ~~مؤاب معه، ورفع ms1697 بلعام صوته بأمثاله وقال: ساقني بالاق ملك المؤابيين من ~~أرام التي في المشرق، وقال لي: أقبل حتى تلعن يعقوب وتهلك آل إسرائيل، فكيف ~~ألعنه ولم يلعنه الله، وكيف أهلكه والرب لا يريد هلاكه، رأيته من رؤوس ~~الجبال، ونظرت إليه من فوق الآكام وإذا هو شعب وحده لا يعد مع الشعوب، ومن ~~يقدر يحصي جميع عدد يعقوب، أو من يقدر يحصي عدد ربع بني إسرائيل، تموت نفسي ~~موتا ويكون آخري إلى آخرهم، قال بالاق لبلعام: دعوتك لتلعن أعدائي # PageV08P166 # فإذا أنت تباركهم وتدعوا لهم، فرد بلعام قائلا: الذي يلهمني الرب ويجري ~~على لساني إياه أحفظ، وبه أنطق: قال له بالاق: مر معي إلى موضع آخر لنراهم ~~من هناك، وإنما أسوقك لترى آخرهم ولا تراهم أجمعين، وانطلق به إلى حقل ~~الربية وأقامه على رأس الأكمة، وابتنى هناك سبعى مذابح، وقرب عليها الثيران ~~والكباش، قال بلعام: قف هاهنا عند قرابينك حتى أنطلق أنا الآن، فانظر ما ~~الذي يقال؟ وتجلى الرب على بلعام وأجرى على فيه قولا وقال له: انطلق إلى ~~بالاق فأخبره بهذا القول، فأتاه وهو قائم عند قرابينه ومعه أشراف مؤاب، ~~فرفع بلعام صوته بأمثاله وقال؛ انهض بالاق واسمع قولي وأصغ لشهادتي يا ابن ~~صفور! اعلم أن الله ليس مثل الرجل يحلف ويكذب؛ إذا قال الرب قولا فعله، ~~وكلامه دائم إلى الأبد، ساقني لأعود وأبرك، ولا أرد البركة ولا أخالف ما ~~أمرت به، لست أرى في آل يعقوب إثما ولا غدرا عند بني إسرائيل ولا ظلما، لأن ~~الله ربه معه الله الذي أخرجهم من مصر بعزة وعظمة قوية، ولست أرى في آل ~~يعقوب طيرة، ولا حساب نجوم أو عراف بين بني إسرائيل، كيف أقول والشعب قائم ~~مثل الضرغام لا يربض حتى يفترس فريسته ويشرب دم القتل، فقال بالاق لبلعام: ~~أطلب أن لا تلعنه ولا تدعوا له، فرد بلعام على بالاق قائلا: ألست قلت لك: ~~إني إنما أنطق بما يقول لي الرب، فقال # PageV08P167 # بالاق: انطلق بنا إلى موضع آخر، لعل الله يرضى بغير هذا ms1698 فتلعنه لي هناك، ~~فأصعده إلى رأس فغور الذي بإزاء إستيمون، فأمره بمثل ما تقدم من الذبح ~~والقربان، فرأى بلعام أن الرب يحب أن يدعو لبني إسرائيل، ولم ينطلق كما كان ~~ينطلق في كل وقت ليطلب الوحي، ولكن أقبل بوجهه إلى البرية ومد بصره، فرأى ~~بني إسرائيل نزولا قبائل قبائل فحل عليه روح الله، ورفع صوته بأمثاله وقال: ~~قل يا بلعام بن بعور، قل أيها الرجل الذي أجلى عن بصره، قل أيها الذي سمع ~~قول الله ورأى رؤيا الله وهو ملقى وعيناه مفتوحتان، ما أحسن منزلك يا يعقوب ~~ومنازلك يا إسرائيل! وخيمك كالأدوية الجارية، ومثل الفراديس التي على شاطىء ~~النهر، ومثل الجنى الذي ركزه الله، ومثل شجر الأرز على شاطى النهر يخرج رجل ~~من بينه وذريته أكثر من الماء الكثير، ويعظم على الملك، وذلك بقوة الله ~~الذي أخرجهم من أرض مصر بغير توقف رثما، يأكل خيرات الشعوب أعدائه ويكسر ~~عظامهم ويقطع ظهوهم، رتع وربض كالأسد ومثل شبل الليث، ومن يقدر أن يبعثه، ~~يبارك مباركوك ويلعن لاعنوك، فاشتد غضب بالاق على بلعام وصفق بيديه متلهفا ~~وقال: دعوتك للعن أعدائي، فماذا أنت تباركهم وتدعو لهم ثلاث مرات، انصرف ~~الآن إلى بلادك، قد كنت # PageV08P168 # عزمت على إكرامك وإجازتك فإذا الرب قد أحرمك ذلك، فرد بلعام على بالاق ~~قائلا: قد كنت قلت لرسلك الذين أرسلتهم إلي أنه لو وهب لي بالاق ملء بيته ~~من ذهب وفضة لم أقدر أتعدى عن قول الرب، ولكن إنما انطق ما يلهمني الرب، ~~فأنا أنطلق الآن إلى أرضي، فأسمع ما أشير عليك وأخبرك ما يصنع هذا الشعب ~~بشعبك آخر الأيام، ثم رفع صوته بأمثاله وقال: قل يا بلعام بن بعور قل أيها ~~الرجل المجلى عن بصره! قل أيها الذي سمع قول الله وعلم علم العلي ورأى رؤيا ~~الله إذ هو ملقى وعيناه مفتوحتان! فإني رأيته وإذا ليس ظهوره الآن وإن كان ~~متدانفا، ونظرت في أمره وإذا ليس بقريب، يشرق نجم من آل يعقوب، ويقوم رئيس ~~من بني إسرائيل، ويهلك جبابرة ms1699 من مؤاب ويبيد جميع بني شيث، وتثير أدوم ~~ميراثه، وساعير وراثة أعدائه يصير له، ويستفيد بنو إسرائيل قوة بقوته - ~~ونحو ذلك من الكلام الذي فيه ما يكون سببا لا نسلاخه من الآيات، لكن ذكر ~~المفسرون أنه أشار عليه باختلاط نساء بلاده ببني إسرائيل متزينات غير ~~ممتنعات ممن أرادهن منهم ليزنوا بهن فيحل بهم الرجز، فوقع بهم ذلك، وهو ~~الصواب لأنه ستأتي الإشارة إليه في التوارة عند فتح مدين بقوله: لماذا ~~أبقيتم على الإثاث وهن كن عثرة لبني إسرائيل عن قول بلعام ومشورته - # PageV08P169 # وسيأتي ذلك قريبا، وما فيه من ذكر الوحي فهو محمول على المنام أو غير ذلك ~~مما يليق؛ ثم قال: وقام بلعام ورجع منصرفا إلى بلاده وبالاق أيضا رجع إلى ~~بيته، وسكن بنو إسرائيل شاطيم، وبدأ الشعب أن يسفح مع بنات مؤاب، ودعون ~~الشعب إلى ذبائح آلهتهم، وأكل الشعب - من ذبائحهم وسجدوا لآلهتهم، وكمل بنو ~~إسرائيل لعبادة بعليون الصنم، فاشتد غضب الله على بني إسرائيل، فقال الرب ~~لموسى اعمد إلى جميع بني إسرائيل فافضحهم، فقال موسى: يقتل كل رجل منكم كل ~~من أخطأ وسجد لبعليون، وإذا رجل من بني إسرائيل قد أتى بجرأة أمام إخوته من ~~غير أن يستحي، فدخل على امرأة مدينية وموسى وبنو إسرائيل يبكون في باب قبة ~~الآمد، فرآه فنحاس بن اليعازر بن هارون الحبر فنهض من الجماعة غضبا لله ~~وأخذ بيده رمحا ودخل إلى بيت الذي كانا فيه فطعنهما بالرمح فقتلهما، فكف ~~الموت الفاشي عن بني إسرائيل، وكان عدد الذين ماتوا في الموت البغتة أربعة ~~وعشرين ألفا، وكلم الرب موسى وقال له: فنحاس صرف غضبي عن بين إسرائيل وغار ~~غيرة لله بينهم وطهر بني إسرائيل، وكان اسم القتيل الذي قتل مع المدينية ~~زمري ابن سلو، وكان رئيسا في قبيلة شمعون، # PageV08P170 # وكانت المرأة المدينية كزبى بنت صور، وكان أبوها - من رؤساء أهل مدين، ~~وقال بعض المفسرين: أنه خرج رافعا الحربة إلى السماء، قد اعتمد بمرفقه على ~~خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ms1700 ولد فنحاس من ~~كل ذبيحة القبة والذراع واللحي والبكر من كل أموالهم وأنفسهم لأنه كان بكرا ~~لعيزار بن هارون. # ثم كلم الرب موسى وقال له: ضيق على أهل مدين وأهلكهم كما ضيقوا عليكم ~~ولحسوكم، ثم قال: ثم كلم الرب موسى وقال له: إني لمنتقم من المدينيين ما ~~صنعوا بين بني إسرائيل، ثم تقتص إلى شعبك، ثم قال موسى للشعب: يتسلح منكم ~~قوم للحرب لينتقموا للرب من المدينيين، وليكونوا اثنى عشر ألفا، فانتخب ~~موسى من بني إسرائيل ألفا من كل سبط، اثنى عشر أبطالا متسلحين وأرسلهم، ~~وصير قائدهم فنحاس بن اليعازر الحبر ومعه أوعية القدس وقرون ينفخ بها، ~~وتقووا على مدين كما أمر الرب موسى وقتلوا كل ذكر فيها وقتلو ملوك مدين مع ~~القتلى، وقتل بلعام بن بعور معهم في الحرب، وسبى بنو إسرائيل نساء مدين ~~وانتهبوا مواشيهم وسلبوا جميع دوابهم وأموالهم وأخربوا جميع قرى مساكنهم ~~وأتو بما انتهبوه إلى موسى، وخرج # PageV08P171 # موسى وجميع عظماء الجماعة فتلقوهم خارج العسكر، وغضب موسى على رؤساء ~~الأحبار ورؤساء الألوف والمئين الذي أتوه من الحرب فقال لهم: لماذا أبقيتم ~~على الإناث وهن كن عثرة لبني إسرائيل عن قول بلعام ومشورته، وفتنوا وغدروا ~~وتمردوا على الرب في أمر فغور - وفي نسخة السبعين: فإن هؤلاء كن شيئا لبني ~~إسرائيل لقوم بلعام أن يتباعدوا ويتهاونوا بكلمة الرب من أجل فغور - فواقعت ~~السخطة جماعة الرب - وفي النسخة الأخرى: وتسلط الموت على جماعة الرب - ~~بغتة، فاقتلوا الآن جميع الذكورة من الصبيان، وكل امرأة أدركت وعقلت وعرفت ~~الرجال فاقتلوها، وأبقوا على جميع النساء اللواتي لم يعرفن الرجال وأما ~~أنتم فانزلوا خارجا عن العسكر سبعة أيام - إلى آخر ما مضى قريبا في الآصار. # PageV08P172 # ولما انقضت هذه القصص فأسفرت عن أن أكثر الخلق هالك، صرح بذلك فقال مقسما ~~لأنه لا يكاد يصدق أن الإنسان يكون - أضل من البهائم، عاطفا على ما تقديره: ~~هؤلاء الذين قصصنا عليكم أخباركم ذرأناهم لجهنم: {ولقد} وعزتنا وجلالنا ~~{ذرأنا} أي خلقنا بعظمتنا وأنشأنا وبثثنا ونشرنا {لجهنم كثيرا} أي ~~وألجأناهم ms1701 # PageV08P172 # إليها ولم يجعل بينهم وبينها حائلا. # ولما كانوا يعظمون الجن ويخافونهم ويضلون بهم، بدأ بهم فقال: {من الجن} ~~أي بنصبهم أنفسهم آلهة بإضلالهم الإنس في تزيين عبادتهم غير الله، فهم في ~~الحقيقة المعبودون لا الحجارة، ونحوها {والإنس} أي بعبادتهم لمن لا يصلح، ~~وعلم أن الآية صالحة لأن تكون معطوفة على الجملة التي قبلها فهي من فذلكة ~~ما تقدم. # ولما كان كأنه قيل: ما لهم رضوا لأنفسهم بطريق جهنم؟ قيل: {لهم} ولما كان ~~السياق للتفكر، بدأ بالقلوب فقال: {قلوب لا يفقهون بها} أي الفقه الذي ~~كلفوا به، وهو النظر في أدلة التوحيد وثبوت النبوة وما تفرغ عن ذلك، وهو ~~الفقه المسعد، عد غيره عدما لأنه لم ينفعهم النفع المقصود في الحقيقة، وما ~~أحسن التعبير بالفقه في السياق إقامه الأدلة التي منها إرسال الرسل وإنزال ~~الكتب. # ولما كان البصر أعم من السمع، لأنه ينتفع به الصغير الذي لا يفهم القول، ~~وكذا كل من في حكمه، قدمه فقال: {ولهم أعين} ولما لم يترتب عليهما الإبصار ~~النافع في الآخرة الباقية، نفى إبصارهم وإن كانوا أحد الناس إبصارا فقال: ~~{لا يبصرون بها} أي الآيات المرئية إبصار تفكر واعتبار {ولهم آذان} ولما لم ~~يترتب على سمعها ما ينفعهم، نفاه على نحو ما مضى فقال: {لا يسمعون بها} أي ~~الآيات المسموعة وما # PageV08P173 # يدل عليها سماع ادكار وافتكار، ولما سلبت عنهم هذه المعاني كانت النتيجة: ~~{أولئك} أي البعداء من المعاني الإنسانية {كالأنعام} أي في عدم الفقه، ولما ~~كانوا قد زادوا على ذلك تفقد نفع السمع والبصر قال: {بل هم أضل} لأنهم إما ~~معاند وإما جاهل بما يضره وينفعه، والأنعام تهرب إذا سمعت صوتا منكرا فرأت ~~بعينها أنه يترتب عليه ضرها، وتنتظر ما ينفعها من الماء والمرعى فتقصده، ~~والأنعام لا قدرة لها على ما يترتب على هذه المدارك من الفقه. وهؤلاء مع ~~قدرتهم على ذلك أهملوه فنزلوا عن رتبتها درجة كما أن من طلب الكمال وسعى له ~~سعيه مع نزاع الشهوات علا عن درجة الملائكة بما قاسى من الجهاد. ms1702 # ولما تشاركوا الأنعام بهذه في الغفلة وزادوا عليها، أنتج ذلك قطعا على ~~طريق الحصر: {أولئك} أي البعداء البغضاء {هم} أي خاصة {الغافلون*} لا ~~الأنعام، فإنها - وإن كانت غافلة عما يراد بها - غير خالدة في العذاب، فلم ~~تشاركهم في العمى والصمم عما ينفعها ولا في الغفلة عن الخسارة الدائمة، فقد ~~أشارت الآية إلى تفضيل الإنسان على الملك كما اقتضته سورة الزيتون، لأنه ~~جعل في خلقه وسطا بين الملك الذي هو عقل صرف والحيوان الذي هو شهوة مجردة، ~~فإن غلب عقله كان أعلى بما عالجه من جهاد الشهوات فكان في # {أحسن تقويم} [التين: 5] وإن غلبت شهوته كان اسفل من الحيوان بما أضاع من ~~عقله فكان {أسفل سافلين} [التين: 5] . # PageV08P174 # ولما أنتج هذا أن لهم الأسماء السوأى ولمعبوداتهم أسوأ منها، عطف عليه ~~دفعا لوهم من يتوهم بالحكم بالضلال والذرء لجهنم ما لا يليق، وتنبيها على ~~أن الموجب لدخول جهنم الغفلة عن ذكر الله ودعائه - قوله: {ولله} أي الملك ~~الأعلى المحيط بجميع صفات الكمال وحده {الأسماء} ولما كان الاسم إذا لحظت ~~فيه المناسبة كان بمعنى الصفة، أنث في قوله {الحسنى} أي كلها باتصافه دون ~~غيره بصفات الكمال التي كل واحدة منها أحسن شيء وأجمله وتنزهه عن شوائب ~~النقص وسمات الحدث، فكل أفعاله حكمة وإنما كان مختصا بذلك لأن الأشياء غيره ~~ممكنه لتغيرها، وكل ممكن محتاج وأدنى ما يحتاج إلى مرجح يرجح وجوده، وبذلك ~~نعلم وجود المرجح ونعلم أن ترجيحه على سبيل الصحة والاختيار لا الوجوب، ~~وإلا لدام العالم بدوامه، وبذلك ثبتت قدرته، وتكون أفعاله محمكه ثبت علمه ~~فثبتت حياته وسمعه وبصره وكلامه وإرادته ووحدانيته، وإلا لوقع التنازع فوقع ~~الخلل، فالعلم بصفاته العلى ليس في درجة واحدة بل مترتبا، وعلم بهذا أن ~~الكمال له لذاته، وأما غيره فكماله به وهو بذاته غرق في بحر الفناء واقع في ~~حضيض النقصان {فادعوه} أي فصفوه وسموه واسألوه {بها} لتنجوا من جهنم ~~وتنالوا كل ما تحمد عاقبته، فإن القلب إذا غفل عن ذكر الله أقبل على الدنيا ~~وشهواتها فوقع في ms1703 نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال # PageV08P175 # في رغبة إلى رغبة حتى لا يبقى له مخلص، وإذا أقبل على الذكر تخلص عن ~~نيران الآفات واستشعر بمعرفة الله حتى تخلص من رق الشهوات فيصير حرا فيسعد ~~بجميع المرادات، وكثرة الأسماء لا تقدح في التوحيد بل تدل على عظيم المسمى ~~{وذروا} أي اتركوا على حالة ذرية {الذين يلحدون} أي يميلون عما حد لهم ~~بزيادة فيشبهوا أو نقص فيعطوا {في أسمائه} أي فيطلقونها على غيره بأن يسموه ~~إلها، فيلزمهم أن يطلقوا عليه جميع أوصاف الإله. فقد ألحدوا في البعض ~~بالفعل وفي الباقي باللزوم، أو بأن يسموه بما لم يأذن فيه، وما لم يأذن فيه ~~تارة يكون مأذونا فيه في الجملة كالضار فلا يجوز ذكره إلا مع النافع، وتارة ~~لا، مثل إطلاق الأب عليه والجسم، وكذا كل ما أوهم نقصا، فلم يكن أحسن، ~~ولورود إطلاق بعض اشتقاقاته عليه مثل علم لا يجوز أن يقال لأجله: معلم، ~~وكذا لحبهم لا يجوز لأجله أن يقال: ياخالق الديدان والقردة مثلا، وكذا لا ~~يجوز أن يذكر اسم لا يعرف الذاكر معناه ولو كان الناس يفهمون منه مدحا كما ~~يقول البعض البدو: يا أبيض الوجه! يا أبا المكارم! فإن ذلك كله إلحاد، وهذا ~~الفعل يستعمل مجردا فيقال: لحد في كذا وألحد فيه - بمعنى واحد، وهو العدول ~~عن # PageV08P176 # الحق والإدخال فيه ما ليس منه - نقله أبو حيان عن ابن السكيت؛ وقال ~~الإمام أبو القاسم علي بن جعفر بن القطاع في كتاب الأفعال: لحد الميت لحدا ~~وألحده: شق له القبر، وإلى الشيء وعنه وفي الدين: مال، وقرئ بهما كذلك. # ولما كان كأنه قيل: فما يفعل بمن ألحد؟ وكان المرهب إيقاع الجزاء، لا ~~كونه من معين، قال بانيا للمفعول: {سيجزون} أي في الدنيا والآخرة بوعد لا ~~خلف فيه {ما كانوا} أي بجبلاتهم {يعملون*} أي فيفعل بهم من أنواع الإهانة ~~والعقوبة ما يوجب وصفهم بأقبح الأوصاف ضد ما كانوا يسمعونه في الدنيا ممن ~~يدانيهم. # ولما أخبر تعالى عن ذرء جهنم من القبلتين، تشوف السامع ms1704 إلى معرفة حال ~~الباقين منهما، فقال مصرحا بالخبر عنهم عاطفا على {ولقد ذرأنا} [الأعراف: ~~179] مشيرا بمن التبعيضية إلى قتلهم تصديقا لقوله {وإن وجدنا أكثرهم ~~لفاسقين} [الأعراف: 102] {وممن خلقنا} أي بما لنا من العظمة {أمة} أي جماعة ~~عرفت من هو أهل لأن يؤم ويهتدى به فقصدته فاقتبست من أنواره فصارت هي أهلا ~~لأن تقصد ويؤتم بها. # ولما أفهم لفظ الأمه هذا صرح به في قوله: {يهدون بالحق} أي الثابت الذي ~~يطابقه الواقع {وبه} أي الحق خاصة {يعدلون*} # PageV08P177 # أي يجعلون الأمور متعادلة، لا زيادة في شيء منها على ما ينبغي ولا نقص، ~~لأنا وفقناهم فكشفنا عن بصائرهم حجاب الغفلة التي ألزمناها أولئك، قال أكثر ~~المفسرين: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ورواه بعضهم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبهم الأمر بعد تعيين قوم موسى عليه السلام تعظيما لهم. # ولما بين حال الهادين المهديين، وكان أصل السياق الضالين المضلين، أتبعه ~~بقية الحديث عنهم على وجه ملوح بأن علة الهداية التوفيق، فقال عاطفا على ~~تقديره: فنحن نعلي أمرهم ونطيب ذكرهم: {والذين كذبوا} أي نسبوا الرسل إلى ~~الكذب بسبب إتيانهم {بآياتنا} على ما يشاهد من عظمتها {سنستدرجهم} أي ~~نستنزلهم ونستدنيهم بوعد لا خلف فيه إلى ما نريد بهم من الشر العظيم درجة ~~درجة بسبب أنهم كلما أحدثوا جريمة أسبغنا عليهم نعمة، وإذا عملوا طاعة ~~قصرنا عنهم في الإنعام، أو ضربناهم بسوط الانتقام، فيظنون أن المعاصي سبب ~~النعم فينسلخون من الدين، ولذلك قال: {من حيث لا يعلمون} أي فيرتكبون ما ~~يتعجب من مداناته فضلا عن مباشرته ومعاناته من له أدنى بصيرة حتى يكمل ما ~~نريد منهم من المعاصي، وهو من أدلة {سأصرف عن آياتي} وأتى في الاستدراج ~~بأداة العظمة وفي الإملاء بضمير الواحد فقال {وأملي لهم} أي أمهلهم # PageV08P178 # بوعد جازم زمانا طويلا وأمد لهم وهم يعصون حتى يظنون أن الله يحبهم حتى ~~يزيدوا في ذلك لأنهم لا يفعلون شيئا إلا بمرادي ولا يفوتوني ولم يأت بهما ~~على نهج واحد، لأن الاستدراج يكون بواسطة وبغيرها، ms1705 فكأنه قال: سأستدرجهم ~~بنفسي من غير واسطة تارة وبمن أتيح لهم النعم على يده من عبيدي وجنودي ~~أخرى، وأما الإملاء وهو تطويل الأجل - فلا يتصور أن يكون إلا من الله ~~تعالى. # ولما كان هذا موجبا لهم - ولابد - الإصرار على المعاصي حتى يصلوا إلى ما ~~حكم عليهم به من النار، قال مستأنفا {إن كيدي} أي فعلي الذي ظاهرة رفعة ~~وباطنه ضيعة - ظاهره إحسان وباطنه خذلان {متين*} أي شديد قوي لا يمكن أحدا ~~قطعه، قال الإمام بعد تأويل للمعتزله حملهم عليه إيجابهم رعاية الأصلح: ~~وأنا شديد التعجب من المعتزله، يرون القرآن كالبحر الذي لاساحل له مملوءا ~~من هذه الآيات، والدلائل العقلية القاهرة مطابقة لها، ثم يكتفون في تأويلها ~~- أي عن أنه تعالى يريد الشر - بهذه الوجوه الضعيفة إلا أن علمي بما أراد ~~الله كائن، مزيل هذا التعجب. # ولما كان السياق من أول السورة لإنذارهم، وكان لا بد في صحة الإنذار من ~~تصحيح الرسالة، وختم بأمر الاستدراج، وكانوا قد واقعوا من المعاصي ما لا ~~يجترىء عليه إلا مطموس البصيرة، وكان عندهم أن # PageV08P179 # من قال: إنهم على حال سيىء، - مع ما هم فيه من النعم الظاهر - مجنون، ~~وكان التقدير دلالة على صحة الاستدراج؛ ألم يروا أنهم يقدمون على ما لا ~~يرضاه لنفسه عاقل من عبادتهم للحجر وشماختهم عن أكمل البشر ووصفه بالجنون ~~ووصفهم أفضل الكلام بالسحر والكذب إلى غير ذلك مما يغضب من ليس النفع والضر ~~إلا بيده، وهو مع ذلك يوالي عليهم النعم، ويدفع عنهم النقم، هل ذلك إلا ~~استدراج؛ قال منكرا عليهم عطفا على ما أرشد السياق والعطف على غير معطوف ~~عليه إلى تقديره: {أولم يتفكروا} أي يعملوا أفكارهم ويمعنوا في ترتيب ~~المقدمات ليعلموا أنه لا يتوجه لهم طعن يورث شبهة بوجه من الوجوه، وبين ~~المراد من هذا التفكر وعينه بقوله: {ما بصاحبهم} أي الذي طالت خبرتهم لأنه ~~أمتنهم عقلا وأفضلهم شمائل ولم يقل: ما برسولي ونحوه، لئلا يقول متعنتهم ~~مالا يخفى، وأعرق في النفي فقال: {من جنة} أي حالة من حالات ms1706 الجنون. # ولما نفى أن يكون به شيء مما نسبوه إليه وافتزوه عليه فثبتت رسالته، حصر ~~أمره في النذارة لأنها النافعة لهم مع أن المقام لها في هذه السورة فقال: ~~{إن} أي ما {هو إلا نذير} أي بالغ في نذارته {مبين*} أي موضح للطريق إيضاحا ~~لا يصل إلى غيره، ومن أدلة ذلك عجز الخلق عن معارضة شيء مما يأتي به من أنه ~~أحسن الناس # PageV08P180 # خلقا وأعلاهم خلقا وأفضلهم عشرة وأرضاهم طريقة وأعدلهم سيرة وأطهرهم ~~سريرة وأشرفهم عملا وأحكمهم علما وأرصنهم رأيا وأعظمهم عقلا وأشدهم أمانة ~~وأظهرهم نبلا. # PageV08P181 # ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعا على تقرير أدلة التوحيد، وكان ~~المقصود من الإنذار الرجوع عن الإلحاد، قال منكرا عليهم عدم النظر في دلائل ~~التوحيد الراد عن كل حال سيىء: {أولم} ولما كان الأمر واضحا قال: {ينظروا} ~~أي نظر تأمل واعتبار، ودل على أنه بالبصيرة لا البصر بالصلة، فقال إشارة ~~إلى كل ذرة فيها دلائل جمة {في ملكوت} وعظم الأمر بقوله: {السماوات والأرض} ~~أي ملكهما البالغ من حد العظمة أمرا باهرا بظاهره الذي يعرفونه وباطنه الذي ~~يلوح لهم ولا يدركونه. # ولما كانت أدلة التوحيد تفوت الحصر، ففي كل ذرة برهان قاهر ودليل ساطع ~~باهر، قال؛ {وما} أي وفيما {خلق الله} أي على ما له من الجلال والجمال {من ~~شيء} أي غيرهما، ليعلموا أنه لا يقدر على شيء من ذلك فضلا عن ذلك غيره، ~~ويتحققوا أن كتابه سبحانه مباين لجميع مخلوقاته فيعلموا أنه صفته سبحانه ~~وكلامه، فلا يلحدوا في أسمائه فلا يسموا بشيء منها غيره لما ظهر لهم من ~~تمام # PageV08P181 # قدرته وتمام عجز غيره عن كل شيء ومن شمول علمه وتناهي جهل غيره بكل شيء ~~إلى غير ذلك حتى يعلموا بعضامة هذا الكون أنه سبحانه عظيم، وبقهره لك شيء ~~أنه قهار شديد، وبعجزه كل شيء عن كل شيء من أمره أنه عزيز، وبإسباغه النعمة ~~أنه رحيم كريم إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العلى التي تنطق ~~الأشياء بها بألسنة الأحوال وتتحدث بها صدور ms1707 الكائنات وإن لم يكن لها مقال، ~~ويشرحها كلام التدبير بما له من الكمال {وأن عسى} أي وينظروا في الإشفاق ~~والخوف من أنه ممكن وخليق وجدير {أن يكون قد اقترب} أي دنا دنوا عظيما ~~{أجلهم} أي الذي لا شك عندهم في كونه بموته من موتات هذه الأمم التي أسلفنا ~~أخبارهم كنفس واحدة أو بالتدريج فيبادروا بالإيمان به خشية انخرام الأجل ~~للنجاة من أعظم الوجل، فإن كل عاقل إذا جوز خطرا ينبغي له أن ينظر في ~~عاقبته ويجتهد في الخلاص منه. # ولما كان قد تقدم في أول السورة النهي عن التحرج من الإنذار بهذا الكتاب، ~~وبان بهذه الآيات أنه صلى الله عليه وسلم اتصف بالإنذار به حق الاتصاف، ~~وبان أن القرآن مباين لجميع المخلوقات، فثبت أنه كلام الله؛ تسبب عن ذلك ~~الإنكار على من يتوقف عن الإيمان به، # PageV08P182 # والتخويف من إحلال أجله قبل ذلك فيقع فيما لا يمكنه تداركه، وذلك في ~~أسلوب دال على أن الإيمان بعد هذا البيان مما لا يسوغ التوقف فيه إلا ~~لانتظار كلام آخر فقال: {فبأي حديث} أي كلام يتجدد له في كل واقعة بيان ~~المخلص منها {بعده} أي بعد هذه الرتبة العظيمة {يؤمنون*} فقد دلت هذه الآية ~~على أن للإيمان طريقين: أحدهما سمعي، والآخر عقلي، قال الحرالي في كتاب له ~~في أصول الفقه: الحكم إنما يتلقى من خطاب الله البالغ على ألسنة رسله، وقد ~~اتضح واشتهر أن السمع من طرق تفهم خطاب الله الذي تبلغه الرسل، وكذلك أيضا ~~قد تحقق لقوم من أولي الألباب أن الرؤية وسائر الحواس طريق من طرق تفهم ~~خطاب الله أيضا، يعي منه اللب العقلي معنى الإرسال في كتابه المخلوق كما ~~يعي العقل معنى الإرسال من مفهوم كلامه المنطوق، وقوم ممن فهم من مرئي كتاب ~~الله المشهود إرسالا ولقن أحكاما يسمون الحنيفيين كقس ابن ساعدة وزيد بن ~~عمرو بن نفيل، وقد شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن كل واحد منهم ~~«يبعث أمه واحدة» لاهتدائه من نفسه من غير رسالة هاد ms1708 خارج عنه، بل من رسول ~~موجدته وإحساسه للعالم، ولأنه إنما أخذ بكلية حكم الإيمان ووجوب المناصفة ~~مع الخلق من شهود خلق الله، وصار مع ذلك يترقب تأكيد ما يحصل له عقلا من ~~مسموع خطاب الله، وعلى نحو هذه الحال - وأتم هي - حال # PageV08P183 # الأنبياء والصديقين قبل مورد الوحي على النبي وقبل سماع صديقه وارد وحيه، ~~وهؤلاء هم - الذين لا يتوقفون عن الإيمان بالنبي عند ابتداء دعوته، وكما أن ~~النبي لا يلزم ويحكم بل يبلغ عن الله فكذلك نظر العقل لا يلزم ولا يحكم بل ~~يبلغ عن الله فيكون الحكم الذي هو تصرف الحق في أفعال الخلق بهذا على ~~ضربين، شرعي أي مأخوذ من الإرسال الشرعي، وعقلي أي مأخوذ من الإرسال ~~العقلي، وحاصل ذلك أن العالم المشهود مبين عن أمر الله، وكل مبين مبلغ، ~~فالعلم مبلغ أي بما يفهمه الفاهم من كلامه عن الله، فإن النحاة قالوا - كما ~~ذكره ابن عصفور في شرح الإيضاح لأبي علي وكذا غيره: إن الكلام في الإصطلاح ~~لا يقع الإ على اللفظ المركب وجودا أو تقديرا المفيد بالوضع، قال: واحترزوا ~~باللفظ عما يقال له كلام لغة وليس بلفظ كالخط والإشارة وما في النفس وما ~~يفهم من حال الشيء، وقال الحرالي: نحو حال الخجل والغضبان، وبالفعل نحو ~~الإشارة باليد والعقد بالأنامل وبآثار الفعل كالصنائع والأعمال، وباللفظ ~~الذي يلفظ به القلب إلى ظاهر اللسان، وبآثار رقوم يحاذي بها حذو مفهوم ~~اللفظ وهو الخط - انتهى. # ولما كان ذلك كله من أعجب العجب، كانت فذلكته قطعا تعليلا لما قبله من ~~إعراضهم عما لا ينبغي الإعراض عنه دليلا على أن الأمر ليس إلا بيد منزله ~~سبحانه قوله: {من يضلل الله} أي الذي له جميع العظمة {فلا هادي} أصلا {له} ~~بوجه من الوجوه؛ ولما دل بالإفراد # PageV08P184 # على أن كل فرد في قبضته، وكان التقدير: بل يستمر على ضلاله، وعطف عليه ~~بضمير الجمع دلالة علىأن جمعهم لا يغني من الله شيئا فقال: {ويذرهم} أي ~~يتركهم على حالة قبيحة، وعبر بالظرف إشارة إلى إحاطة حكمه ms1709 بهم فقال: {في ~~طغيانهم} أي تجاوزهم للحدود حال كونهم {يعمهون} أي يتحيرون ويترددون في ~~الضلال لا يعرفونه طريقا ولا يفهمون حجة. # ولما بين التوحيد والنبوة والقضاء والقدر، أتبعه المعاد لتكمل المطالب ~~الأربعة التي هي أمهات مطالب القرآن، مبينا ما اشتمل عليه هذا الكلام من ~~تبلدهم في العمه وتلددهم في إشراك الشبه بقوله: {يسئلونك} أي مكررين لذلك ~~{عن الساعة} أي عن وقتها سؤال استهزاء {أيان مرساها} أي أي وقت ثبات ثقلها ~~واستقراره، والمرسى يكون مصدرا وزمانا ومكانا، من رست السفينة - إذا ثبتت ~~بالحديدة المتشعبة، وإنما كان هذا بيانا لعمههم فإنهم وقعوا بذلك في الضلال ~~من وجهين: السؤال عما غيره لهم أهم، وجعله على طريق الاستهزاء مع ما قام ~~عليه من الأدلة، وسيكرره في هذه السورة، وكان اللائق بهم أن يجعلوا بدل ~~السؤال عنها اتقاءها بالأعمال الصالحة. # ولما كان السؤال عن الساعة عاما ثم خاصا بالسؤال عن وقتها، جاء الجواب ~~عموما عنها بقوله: {قل إنما علمها} أي علم وقت إرسائها وغيره # PageV08P185 # {عند ربي} أي المحسن إلي بإقامتها لينعم على تبعني وينتقم ممن تركني، لم ~~يطلع على ذلك أحدا من خلقه، ولا يقيمها إلا في أحسن الأوقات وأنفعها لي، ~~وإخفاؤها أنفع للخلق لأنه أعظم لشأنها وأهيب، فيكون أدعى إلى الطاعة وأزجر ~~عن المعصية وأقرب إلى التوبة، ثم خصصت من حيث الوقت بقوله مشيرا إلى أن لها ~~أشرطا تتقدمها: {لا يجليها} أي يبينها غاية البيان {لوقتها إلا هو} . # ولما كان قد أشار إلى ثقل الساعة بالإرساء، وكان الشيء إذا جهل من بعض ~~الوجوه أشكل وإذا أشكل ثقل، قال: {ثقلت} أي الساعة فغاصت إلى حيث لم يتغلغل ~~إليها علم العباد فأهمهم كلهم علي شأنها، ولذلك عبر بالظرف فقال: {في ~~السماوات والأرض} أي نسبة أهلهما إلى خفائها والخوف منها على حد سواء لأن ~~مالكها قادر على ما يشاء، وله أن يفعل ما يشاء - ثم قرر خفاءها على الكل ~~فقال: {لا تأتيكم} أي في حالة من الحالات {إلا بغتة} أي على حين غفلة. # ولما كانوا قد ألحفوا ms1710 في سؤاله صلى الله عليه وسلم عنها، وكانت صفة ~~الربوبية المذكورة في الجملة الأولى ربما حملت على سؤاله طمعا في تعرفها من ~~المحسن إليه، قطع الأطماع بقوله مؤكدا للمعنى: {يسئلونك} أي عن الساعة ~~مطلقا في وقت وقوعها وما يحصل من أمورها ويحدث من شدائدها، أي ويلحفون في ~~سؤالك كلما أخبرتهم أنه لا يعلمها إلا الله # PageV08P186 # {كأنك حفي} أي عالم بأمرها مستقص مبالغ في السؤال {عنها قل} أي قطعا ~~لسؤالهم {إنما علمها عند الله} أي الذي له جميع العزة والعظمة والكبرياء ~~فلا يستطاع علم شيء مما عنده إلا بإذنه، ولم يأذن في علمها لأحد من الخلق ~~{ولكن أكثر الناس} أي الذين غلبت عليهم صفة الاضطراب {لا يعلمون} أي ليسوا ~~من أهل العلم فهم بالسؤال عنها يستهزئون، ولو كانوا من أهله ما كذبوك، ~~فوقعوا ما لا يعنيهم من السؤال عنها وغيره من أنواع التعنت، وتركوا ما ~~ينجيهم ويغنيهم من المبادرة إلى الإيمان بهذا القرآن خوف انخرام الآجال وهم ~~يهيمون في أدوية الضلال. # ولما كان علم الغيب ملزوما لجلب الخير ودفع الضير، وكانت الساعة أدق علم ~~الغيب، أمره بنفي هذا اللازم فينتفي الأعم فينتفي بانتفائه الأخص، وقدم ~~النفع لأنه أهم إلى النفس، وليس في السياق ما يوجب تأخيره بخلاف ما في سورة ~~يونس عليه السلام، فقال آمرا بإظهار ذل العبودية: {قل لا أملك} أي في وقت ~~من الأوقات أصلا {لنفسي نفعا} أي شيئا من جلب النفع قليلا ولا كثيرا {ولا ~~ضرا} كذلك، فإن قدرتي قاصرة وعلمي قليل، وكل من كان عبدا كان كذلك. # ولما كان من المعلوم بل المشاهد أن كل حيوان يضر وينفع، أعلم أن ذلك إنما ~~هو بالله فقال: {إلا ما شاء الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد سواه ~~أن يقدرني عليه. # PageV08P187 # ولما بين لهم بهذا أن سؤالهم عن الساعة وغيرها من المغيبات جهل منهم، لأن ~~حاله واضح في أنه لا يعلم من ذلك إلا ما علمه الله الذي اختص بعلم الغيب، ~~دل عليه بقوله: {ولو كنت} أي ms1711 من ذاتي {أعلم الغيب} أي جنسه {لا ستكثرت} أي ~~أوجدت لنفسي كثيرا {من الخير} باستجلاب المنافع بنصب أسبابها. # ولما كان الضر لا يحتمل منه شيء قال: {وما مسني السوء} أي هذه الجنس ~~بإقامة الموانع له عني لأن لازم إحاطة العلم شمول القدرة كما سيقرر إن شاء ~~الله تعالى في سورة طه، ولما بين أن علم الغيب رتبة الإله، ختم الآيه ببيان ~~رتبته، فقال قالبا ما أدعوه فيه من الجنون لما بان بقوله: «يا بني عبد ~~مناف! اتقوا الله، يا بني فلان يا بني فلان» وكذا ما لزم عن إلزامهم له ~~بعلم الساعة من أنه يكون إلها: {إن أنا إلا} ولما كانت السورة للإنذار، ~~قدمه فقال: {نذير} أي مطلقا للكافر ليرجع عن كفره، والمؤمن ليثبت على ~~إيمانه {وبشير لقوم يؤمنون*} أي خاصة، أو الصفتان لهم خاصة بالنظر إلى ~~النفع، وأما ما لا نفع فيه فعدم. # PageV08P188 # ولما ذكر سبحانه الساعة هنا كما ذكرها أول السورة بما لم يذكره # PageV08P188 # هناك من تهكمهم واستهزائهم، وختم هنا بحصر العلم والقدرة في الله الموجب ~~لتفرده بالإلهية، وكان الذي جرهم إلى ذلك الاستهزاء إشراكهم، ذكر ما ذكر ~~قبلها أول السورة من ابتداء الخلق على وجه الحصر المستلزم لتمام القدرة ~~الموجب لنفي الشريك واعتقاد القدرة على الساعة وغيرها والصدق في كل ما وقع ~~الإخبار به من أمرها وغيره الموجب للاستقامة في قبول بشارته ونذارته ~~والإقبال بالكلية على الخالق، فقال مقررا للتوحيد مؤكدا لأمره: {هو} أي ~~وحده {الذي خلقكم} أي ولم تكونوا شيئا {من نفس واحدة} أي خلقها ابتداء من ~~تراب وهي آدم عليه السلام - كما مر بيانه، ومن قدر على اختراع حي من شيء ~~ليس له أصل في الحياة، كان على إعادته حيا من ذلك الشيء بعد أن صار له أصل ~~في الحياة أقدر. # ولما كان آدم عليه السلام بعد صيرورته لحما ودما أقرب إلى السببية لخلق ~~ذات لحم ودم منه، قال معبرا بالواو لأنه كاف في نفي الشرك الذي السياق ~~للتحذير منه بخلاف الزمر فإنه للقهر، وتأخير ms1712 المسببات عن الأسباب مدة أدل ~~عليه لأنه خلاف الأصل، {وجعل} لأن الجعل - كما قال الحرالي - إظهار أمر عن ~~سبب وتصيير {منها} أي لا من غيرها {زوجها} أي حواء من لحمها ودمها وعظمها. # ولما كان المراد بالنفس آدم عليه السلام وكان الزوج يقال على الذكر # PageV08P189 # والأنثى، استخدم ضميره في المذكر ذاكرا علة الجعل بقوله: {ليسكن} أي آدم ~~هو المراد بالنفس هنا، ولما كان الزوج هنا هو المرأة أنث الضمير فقال: ~~{إليها} وتنقلكم من ذلك السكون منه إليها - لأن النفس إلى الجنس أميل وعليه ~~أقبل، ولا سيما إن كان بعضا، ألا ترى إلى محبة الوالد لولده والقريب ~~لقريبه، وإنما منع سبحانه من نكاح الأصل والفرع لما في ذلك من الضرار وغيره ~~من الحكم الكبار، فيغشاها عند ما يسكن إليها فيحصل الحبل والولادة فتتفرع ~~النفوس من تلك النفس. # ولما كان السكون هنا كناية عن الجماع، أعاده بلفظ أقرب منه - فقال مؤذنا ~~بقرب غشيانها بعد جعلها، أو ناسقا له على ما تقديره: فسكن إليها فمالت نفسه ~~إليها فلم يتمالك أن غشيها {فلما تغشاها} أي غشيها آدم عليه السلام المعبر ~~عنه بالنفس بهمة عظيمة {حملت حملا خفيفا} أي لأنه نطفة {فمرت به} أي فعالجت ~~به أعمالها وقامت وقعدت، لم يعقها عن شيء من ذلك، إعلاما بأن أمرها فيه كان ~~على عادة النساء التي نعرفها {فلما أثقلت} أي صارت ثقيلة بكبره وتحركه في ~~بطنها {دعوا الله} أي آدم وحواء عليهما السلام. # ولما ذكر الاسم الأعظم استحضارا لأن المدعو هو الذي له جميع الكمال، فهو ~~قادر على ما دعوا به لأنه قادر على كل ما يريد، ذكر صفة الإحسان رجاء ~~القبول والامتنان فقال: {ربهما} أي الذي أحسن إليهما، # PageV08P190 # مقسمين {لئن آتيتنا صالحا} أي ولدا لا عيب فيه {لنكونن من الشاكرين*} أي ~~نحن وأولادنا على نعمتك علينا، وذلك أنهما جوزا أن يكون غير سوى لقدرة الله ~~على كل ما يريد، لأنه الفاعل المختار لا الطبيعة ولا غيرها، وأشار بالفاء ~~إلى قرب الولادة من الدعاء فقال: {فلما آتاهما} أي ms1713 أبويكم آدم وحواء ~~{صالحا} أي جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدنا وقوة وعقلا، فكثروا في ~~الأرض وانتشروا في نواحيها ذكورا وإناثا {جعلا} أي النوعان من أولادهما ~~الذكور والإناث، لأن «صالحا» صفة لولد وهو للجنس فيشمل الذكر والأنثى ~~والقليل والكثير، فكأنه قيل: فلما آتاهما أولادا صالحي الخلقة من الذكور ~~والإناث جعل النوعان {له شركاء} أي بعضهم أصناما وبعضهم نارا وبعضهم شمسا ~~وبعضهم غير ذلك، هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة نافع وأبي بكر عن عاصم ~~بكسر الشين وإسكان الراء والتنوين التقدير: ذوي شرك {فيما آتاهما} أي من ~~القوى بالعبادة والرزق بالنذور ونحوها. # ولما لم يضر المشركون بالإشراك إلا أنفسهم، سبب عن ذلك قوله: {فتعالى ~~الله} أي بما له من صفات الكمال التي ليست لغيره تعاليا كثيرا، والدليل على ~~إرادة النوعين قوله: {عما يشركون*} بالجمع، # PageV08P191 # وكذا ما بعده من عيب عبادة الأصنام. # ولما ذكر علوه سبحانه، شرع يذكر من أوصافه عبارة وإشارة ما يدل على ذلك، ~~ويقيم الأدلة على عدم صلاحية ما أشركوا به للشركة بعجزها، بأنها من جملة ~~خلقه ولا تصرف لها تستحق به وجها من التعظيم، فقال منكرا على عبادها دالا ~~على أن المراد الشرك الحقيقي، لاما ذكر من قصة إبليس في تسببه في التسمية ~~بعبد الحارث ونحوه: {أيشركون} أي المشركون وأولادهما في العبادة {ما لا ~~يخلق} أي من الأصنام والطبائع والكواكب وغيرها {شيئا} أي يوجده من العدم ~~كما يفعل الله الذي أشركوها به. # ولما كان يلزم أن يكون ما لا يخلق شيئا مخلوقا لأنه لا يتكون عاجزا بغير ~~قادر أوجده، صرح به في قوله مجريا للأوثان مجرى أولي العلم لتنزيلهم ~~منزلتهم في الاعتقاد والعبادة: {وهم} ولما كان المصنوع لا يكون صانعا، ~~اكتفى بالبناء للمفعول فقال: {يخلقون*} أي متجددا خلق أعراضهم وذواتهم ~~وأمثالهم {ولا يستطيعون لهم} أي للمشركين الذين يعبدونها {نصرا} وهو ~~المعونة على العدو، ولعله عبر بصيغة العاقل إشارة إلى أنهم لو كانوا ~~يعقلون، وكانوا بهذه الصفات الخسيسة ما أهلوهم لأن يكونوا أحبابهم فضلا عن ~~أن يجعلوهم أربابهم. ms1714 # PageV08P192 # ولما كان من لا ينصر غيره قد ينصر نفسه، نفي ذلك بقوله: {ولا أنفسهم ~~ينصرون*} أي في وقت من الأوقات عند يصيبهم بسوء، بل عبدتهم يدافعون عنهم. # ولما تبين من هذا الاستفهام الإنكاري المعجب من حالهم في ضلالهم في أسلوب ~~الغيبة أن من أشركوه ليس فيه نوع قابلية لما أهلوه، فإن المعبود يجب أن ~~يكون قادرا، ومن كان عاجزا نوع عجز كان مربوبا، وكان للتنبيه بالخطاب ما ~~ليس له بالغيبة؛ أتبع ذلك في إسلوبه تعجيبا آخر منهم أشد من الأول، وذلك أن ~~معبوداتهم التي أشركوا بها كما أنها لا تفعل شيئا من تلقاء أنفسها، لا ~~تفعله عند دعاء الداعي ولا تهتدي إليه فقال تعالى {وإن تدعوهم} أي وإن ~~تدعوا أيها المشركون أصنامكم دعاء مستمرا متجددا {إلى الهدى} أي إلى الذي ~~يدل الداعي إليه قطعا، على أن المتخلف عنه سيىء المزاح، محتاج إلى العلاج، ~~لكونه تخلف عما لا يتخلف عنه من له نوع صلاح لكونه أشرف الأشياء، فالمتخلف ~~عنه راض لنفسه بالدون {لا يتبعوكم} أي في ذلك الهدى الذي دعوتموهم إليه ولم ~~بالغتم في الاستتباع، ولعله عبر بصيغة الافتعال إشارة إلى أنها لا يتصور ~~منها قصد التبع فضلا عن إيجاده، ثم بين أن ذلك ليس بأمر عارض، بل هو مستمر ~~دائم بقوله مستأنفا تأكيدا للمعنى: {سواء عليكم} . # PageV08P193 # ولما كان السواء لا يكون إلا بين أمرين، تشوف السامع إليهما فقال؛ ~~{أدعوتموهم} أي وجد منكم ذلك الدعاء الذي أشير إلى استمراره، وعبر بالاسمية ~~إشارة إلى أنهم لا يدعونهم في وقت الشدائد، بل يدعون الله فقال: {أم أنتم ~~صامتون*} أي عن ذلك على الدوام على عادتكم في الإعراض عن دعائهم في أوقات ~~الملمات، فالذين يدعون معتقديهم في وقت الضرورات أقبح حالا في ذلك من ~~المشركين ويجوز أن تكون الآية من الاحتباك، فيكون نظمها: أدعوتموهم مرة أو ~~أنتم داعوهم دائما أم صمتم عن دعائهم في وقت ما أم أنتم صامتون دائما عن ~~دعائهم، حاكم في كل هذه الأجوبة سواء في عدم الإجابة، لا اختلاف فيه ms1715 بوجه، ~~دل بالفعل أولا على حذف مثله ثانيا، وبالاسم ثانيا على حذف مثله أولا. # ولما كان اتباع من يدعي أنه أعقل الناس وأبعدهم عن النقائص وأعرقهم في ~~معالي الأخلاق وأرفعهم عن سفسافها لمن هذا سبيله أخزى الخزي وأقبح العار، ~~وكانوا مع العلم بهذا الذي وصفت به - معبوداتهم يفعلون في الإشراك بهم وفي ~~خوفهم ورجائهم ما هو عين الجهل؛ كرر تبكيتهم باتباعهم في أسلوب آخر أوضح ~~مما قبله في تبيين النقائص والتنبيه على المعايب ملجىء إلى الاعتراف أو ~~التصريح بالعناد أو الجنون فقال مؤكدا: {إن الذين تدعون} أي أيها المشركون ~~دعاء # PageV08P194 # عبادة ملازمين لذلك، أو أنه أطلق الدعاء على العبادة إشارة إلى أنه لا ~~تصح عبادة من ليس فيه قابيلة أن يدعى، والحاصل أن الدعاء يلازم المعبود. # ولما كان دعاؤهم لهم إنما هو على سبيل الإشراك، قال مشيرا إلى سفول ~~رتبتهم بإثبات الجار: {من دون الله} أي الذي له صفات الكمال والعظمه ~~والجلال {عباد أمثالكم} أي في العجز عن كل شيء لا سيما عما وقع به التحدي ~~من معارضة القرآن وغيرها، وأنتم تزيدون عليها بالحياة والعقل، والمعبود لا ~~يصح أن يكون مثل العابد فكيف إذا كان دونه؛ ولما كانوا لا يسلمون أنهم ~~أمثالهم، سبب عن ذلك أمرهم بدعائهم لبيان دعوى المثلية بل الدونية فقال: ~~{فادعوهم} أي إلى شيء من الأشياء. # ولما كان الإله الحق يجيب وليه عند التحدي من غير تخلف، أشار إلى ذلك ~~بالربط بالفاء فقال: {فليستجيبوا لكم} أي يوجدوا لكم إجابة بينة في الإتيان ~~بسورة تماثل شيئا من القرآن وفي شيء من المنافع. # ولما كان المقام محتاجا إلى مزيد توبيخ وإلهاب، قدم منه ما رأيت، ثم زاد ~~في الإلهاب فقال: {إن كنتم} أي جبلة وطبعا {صادقين*} أي في دعوى أنهم آلهة، ~~فإن رتبة الإله تقتضي ذلك، وقرأ سعيد بن جبير {إن} خفيفة و {عبادا أمثالكم ~~بنصب الدال واللام، # PageV08P195 # واتفق المفسرون على تخريجها على أن «إن» هي النافية أعملت عما «ما» ~~الحجازية، فرفعت الاسم ونصبت الخبر، وإعمالها هذا العمل فيه ms1716 خلاف، أجازه ~~الكسائي وأكثر الكوفيين، ومن البصريين ابن السراج والفارسي وابن جني، ومنع ~~منه الفراء وأكثر البصريين، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد، والصيحح أن ~~إعمالها لغة ثبت ذلك في النظم والنثر - ذكر ذلك كله أبو حيان وذكر أنه أشبع ~~الكلام فيه في شرح التسهيل، واعترض على هذا التخريج بأنه يلزم منه منافاتها ~~للقراءة المشهورة، وإنما يسلم له ذلك لو توارد النفي والإثبات على شيء ~~واحد، وليس الأمر هنا كذلك، فالإثبات لمماثلتها لهم في مطلق العجز، والنفي ~~لمساواتها لهم فيه لزيادتهم عنها بالبطش ونحوه، أو يكون الأمر - كما قال ~~الزمخشري - أن الإثبات على سبيل التنزل والنفي على الحقيقة. # ولما أثبت عجزهم وأنهم أمثالهم، دل عليه وعلى أنهم دونهم بأسلوب إنكار ~~وتعجيب مفصلا لبعض ما نفاه عنهم - فقال مقدما الأرجل لأن أول ما يخشى من ~~الشيء انتقاله: {ألهم أرجل} ولما كانت لهم جوارح مصنوعة، بين المراد بقوله: ~~{يمشون بها} . # ولما كان المخشي بعد الانتقال مد اليد، قال: {أم لهم أيد} أي موصوفة ~~بأنهم {يبطشون بها} أي نوعا من البطش؛ ولما كان المخوف بعد البطش باليد ~~البصر خوفا من الدلالة قال: {أم لهم أعين} # PageV08P196 # أي منعوتة بأنهم {يبصرون بها} أي ضربا من الإبصار؛ ولما كان الإنسان ربما ~~خاف مما يقصد ضره فتغيب عنه فلا يصل إليه بعد ذلك إلا بالسمع قال خاتما: ~~{أم لهم آذان} أي مقول فيها أنهم {يسمعون بها} أي شيئا من السمع. # ولما سواها بهم ونفى عنهم ما تقدم، لزم نقصانها عنهم وأنه في الحقيقة ~~مسلوب عنهم لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا العدم، والقدرة فيما يقدرون عليه ~~إنما هي بيد الصانع لهم أشركهم معها، وقال دالا على ذلك مستأنفا: {قل} أي ~~لهولاءالمشركين {ادعوا شركاءكم} أي هذه التي تقدمت ومهما شئتم غيرها، ~~واستعينوا بها في عداوتي. # ولما كان هذا تحديا عظيما يحق لفاعله التمدح به، نبه عليه بآداة التراخي ~~فقال: {ثم كيدون} أي جميعا أنتم وهم وأنتم أكثر من حصى البطحاء ورمل الفضاء ~~وأنا وحدي، ولما كان المعنى: وعجلوا، عطف ms1717 بفاء السبب قوله: {فلا تنظرون*} ~~أي تمهلون لحظة فما فوقها لئلا تعتلوا في الإنظار بعلة، وعلل عدم المبالاة ~~بكيدهم بقوله دالا على اتصاف معبوده بما نفاه عن شركائهم من الإحاطة بمنافع ~~الدارين فيما يتعلق بالأديان والأبدان، وقدم الدين إشارة إلى أنه الأهم ~~فقال مؤكدا في مقابلة إنكارهم: {إن وليي} أي ناصري ومتولي جميع أموري ~~{الله} أي الجامع لصفات الكمال {الذي نزل} أي بحسب التديج # PageV08P197 # متكفلا بفصل الوقائع {الكتاب} أي الجامع لعلوم الأولين والآخرين وأمر ~~المعاش والمعاد وأحوال الدارين وكل ما فيه صلاح من أحوال القلوب وغيرها ~~الذي عجزتم بأجمعكم ومن دعيتم شركته عن معارضة شيء منه. # ولما تكفل هذا التنزيل بجميع الصفات، وهي الحياة التامة المستلزمه ~~للإرادة والقدرة والعلم والسمع والبصر والكلام، وكان عجزهم عن المعارضة ~~للكتاب دليلا شهوديا قوليا على كذبهم، أتبع ذلك دليلا آخر شهوديا فعليا ~~فقال: {وهو} أي وحده {يتولى} أي يلي ولاية تامه {الصالحين*} أي كلهم بنصرهم ~~على كل مناو وكفايتهم لكل مهم وقد علمتم ما قدمه في هذه السورة من وقائعه ~~بمن كذب أنبياءه واستهزأ برسله وأنه أنجى كل من والاه، وأهلك جميع من عاداه ~~كمن عدوهم آلهة، وهو وما بعده وما قبله متلفت إلى قوله تعالى {اتبعوا ما ~~أنزل إليكم ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} [الأعراف: 3] بالشرح، وهو دال ~~على أنه الذي فعل ما تقدم لأجل أوليائه بدليل أنه أعجزهم عن معارضة شيء من ~~كتابه، وعن الوصول إلى جميع ما يريدون من أوليائه وأحبابه. # PageV08P198 # ولما صور بهذا جلاله، وقرر عظمته وكماله، باتصافه بجميع الصفات العلى ~~التي منها القدرة التي تكفهم عنه؛ كرر التنفير عن أندادهم في أسلوب آخر ~~تأكيدا للمعنى السابق بزيادة بالغة في العجز وهو تصويب # PageV08P198 # النظر من غير إبصار، مع أن الأول للتقريع، وهذا الفرق بين من يعبد بحق ~~ومن يعبد بباطل ليرجعوا عن غيهم وعنادهم، فقال مبينا أنهم ليسوا في شيء من ~~صفاته مصرحا بنفي النصرة التي أثبتها له عنهم مع المواجهة بالخطاب الذي هو ~~أفظع في الجواب: {والذين تدعون} ms1718 أي تديمون دعاءهم {من دونه} - فإنهم يدعونه ~~سبحانه في بعض الأوقات - أوتدعونهم تاركين له {لا يستطيعون نصركم} أي بوجه ~~من وجوه النصرة بدليل عجزكم عني وأنا وحدي وأنتم أهل الأرض {ولا أنفسهم ~~ينصرون*} بدليل أن الكلب يبول عليهم فلا يمنعونه. # ولما كان دعاء الجماعة أقرب إلى السماع من دعاء الواحد، نسق على ما قبله ~~قوله: {وإن تدعوهم} أي يا من هم أضل منهم وأعجز {إلى الهدى} أي إلى الذي هو ~~أشرف الخلال ليهتدوا في نصر أنفسهم أو غير ذلك {لا يسمعوا} أي شيئا من ذلك ~~الدعاء ولا غيره؛ ولما كان حالهم في البصر بالنسبة إلى كل أحد على حد سواء، ~~قال مفردا للمخاطب: {وتراهم} أي أيها الناظر إليهم {ينظرون إليك} أي كأنهم ~~ينظرون لما صنعوا لهم من الأعين {وهم لا يبصرون*} أي نوعا من الإبصار، وما ~~أشبه مضمون هذه الآيات بما في سفر أنبياء بني إسرائيل في نبوة أشعيا: هكذا ~~يقول الرب ملك إسرائيل ومخلصه: أنا الأول وأنا الآخر، وليس إله غيري. ومن ~~مثلي يدعي ويظهر قوته ويخبر بما كان # PageV08P199 # منذ بسطت الدنيا إلى الأبد، والآيات القديمة تظهر للشعوب، فلا يفزعون ولا ~~يخافون، ألم أسمعكم منذ أول الدهر وأظهرها لكم وأبين لكم الأمور وأنتم ~~شهدائي أن ليس إله غيري، وليس عزيز منيع إلا وأنا أعز منه، لأن جميع الصناع ~~الذين يعملون الأصنام إنما عملهم باطل وليس في أعمالهم منفعة، وأن الصناع ~~الذين يعملونها هم يشهدون عليها أنها لا تبصر ولا تسمع ولا تعلم، لذلك يخزي ~~جميع صناع الأوثان المسبوكة لأن جميع ما صنعوا لا عقل له، فيجمعون كلهم ~~ويخزون ويفتضحون لأن النجار نحت بحديده وهيأ صنما بمنقاره وسدده بقوة ساعده ~~وجاع وعطش في عمله. والنجار اختار خشبة وقدرها وألصق بعضها ببعض بالغراء ~~وركبها وعملها كشبه الإنسان، أقام من الخشب الذي قطع من الغيضة كشبه رجل ~~الذي نبت من شرب المطر ليصير للناس للوقود فعملوه لهم إلها وعبدوه وسجدوا ~~له، الذي ينصفه خبزوا لهم خبزا وشووا لهم لحما على جمرة وأكلوا ms1719 وشربوا ~~واصطلوا وقالوا: قد حمينا لأنا قد أوقدنا نارا واصطلينا، والذي بقي منه ~~اتخذوه إلها منحوتا وسجدوا له وصلوا وقالوا: نجنا لأنك إلهنا. # ولم يخطر على بالهم فكر أن يقولوا: إنا قد أوقدنا نصفه بالنار، وخبزنا ~~خبزنا وشوينا على جمره اللحم وأكلنا، ولم يعلموا أن باقيه عمل منه صنم ~~وسجدوا له، لأن قلوبهم متمرغة في رماده، وضلت عقولهم فلا يقدرون ينجون ~~أنفسهم ولا يقولون: إن أيادينا عملت الباطل # PageV08P200 # واتخذت الكذب، ثم قال: أليس أنا الرب منذ أول، وليس إله غيري ولا مخلص ~~سواي، ادنوا إلي يا جميع الذين في أقطار الأرض لتنجوا لأني أنا الرب وليس ~~إله غيري، حلفت بيميني وأخرجت كلمة صدق ولست أرجع عنها لأنه لي تنحني كل ~~ركبة، وبي يحلف كل إنسان ويقول: إنما البر بالرب، وإليه تدنو الأعزاء ويخزى ~~جميع المبغضين، وبي يمتدح ويتبرر، بمن شبهتموني؟ وإلى من نسبتموني؟ ~~بالضالين الذين أخرجوا الذهب من أكياسهم ووزنوا الفضة بالميزان واكتروا ~~الصناع حتى عملوا لهم آلهة يسجدون لها ويحملونها على أكتافهم ويمشون بها ثم ~~يصلون لها ويدعونها لا تجيبهم ولا تخلصهم من شدائدهم ثم يحملونها أيضا ~~ويردونها إلى مواضعها، اذكروا هذه الأشياء واعقلوا أيها الأثمة واخطروها ~~على قلوبكم وتذكروا الأيام التي كانت من الابتداء، إني أنا الله الخالق ~~وليس إله غيري ولا مثلي، فأنا أظهر العتيدات وأخبر بالذي يكون قبل أن يكون، ~~وأثبت رأيي وأكمل إراداتي وهواي، وأدعو من في المشارق فيأتون أسرع من ~~الطير، وأتاني الرجل الذي قد عمل مسرتي من الأرض البعيدة، لأني أنا إذا ~~تكلمت بشيء فعلته. أنا خلقت وأنا أخلق؛ وفي الزبور في المزمور الثالث عشر ~~بعد المائه: إلهنا في الأرض، كل ما يشاء يصنع، أوثان الأمم ذهب وفضة عمل ~~أيدي # PageV08P201 # البشر، لها أفواه ولا تتكلم، لها أعين ولا تنظر، لها آذان ولا تسمع، ~~وآناف ولا تشم، وأيد ولا تلمس، وأرجل ولا تمشي، ولا صوت بحناجرها ولا روح ~~في أفواهها، فليكن صانعوها مثلها وجميع من يتوكل عليها - انتهى. # ولما كان محصل أمرهم الإعراض عما ms1720 أتاهم بالتكذيب والإقبال على ما لم ~~يأتهم بالطلب والتعنت كالسؤال عن الساعة، والأمر بالمنكر من الشرك وما يلزم ~~منه من مساوي الأخلاق، والنهي عن المعروف الذي هو التوحيد وما يتبعه من ~~محاسن الشرع، وذلك هو الجهل، وختم ذلك بالإخبار بأنه سبحانه أصلح له الدين ~~بالكتاب، والدنيا بالحفظ من كل ما ينتاب، وكان حالهم ربما كان موئسا من ~~فلاحهم، مفترا عن دعائهم إلى صلاحهم، كان الداعي لهم صلى الله عليه وسلم ~~كأنه قال: فما أصنع في أمرهم؟ فأجابه بالتحذير من مثل حالهم والأمر بضد ~~قالهم وفعالهم والإبلاغ في الرفق بهم فقال: {خذ العفو} أي ما أتاك من الله ~~والناس بلا جهد ومشقه، وهذا المادة تدور على السهولة، وتارة تكون من الكثرة ~~وتارة من القلة، فعفا المال، أي كثر، فصار يسهل إخراجه ويسمح به لزيادته عن ~~الحاجة، وعفا المنزل، أي درس، فسهل أمره حتى صار لا يلتفت إليه. # PageV08P202 # ولما أمره بذلك في نفسه، أمره به في غيره فقال:؛ {وأمر بالعرف} أي بكل ما ~~عرفه الشرع وأجازه، فإنه من العفو سهولة وشرفا، وقد تضمن ذلك النهي عن ~~المنكر فأغنى بذلك عن ذكره لأن السياق للمساهلة؛ ولما أمره بالفعل في نفسه ~~وغيره، أتبعه الترك فقال: {وأعرض عن الجاهلين*} أي فلان تكافئهم بخفتهم ~~وسفههم ولا تمارهم فإن ذلك أسهل من غيره، وذلك بعد فضيحتهم بالدعاء، وذلك - ~~لأن محط حالهم اتباع الهوى فيدعوهم إلى تكلف ضد هذه الخصال، وفيه إشارة إلى ~~النهي عن أن يذهب نفسه عليهم حسرات مبالغة في الشفقة عليهم، وعن جعفر ~~الصادق أنه ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها. # ولما كان الشيطان بعداوته لبني آدم مجتهدا في التنفير من هذه المحاسن ~~والترغيب في أضدادها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نزع منه حظ الشيطان ~~بطرح تلك العلقة السوداء من قبله إذ شق جبرائيل عليه السلام صدره وغسل قلبه ~~وقال: هذا حظ الشيطان منك؛ شرع لأمته ما يعصمهم منه عند نزغه مخاطبا له ~~بذلك ليكون أدعى لهم إلى القبول وأجدر باشتداد ms1721 الخوف المقتضي للفرار المثمر ~~للنجاة، لأنهم إذا علموا # PageV08P203 # قصد الشيطان لمن نزع منه حظه وعصم من كل محنة علموا أنه لهم أشد قصدا ~~وأعظم كيدا وصدا، فقال مؤكدا بأنواع التأكيد إشارة إلى شدة قصد الشيطان ~~للفتنة وإفراطه في ذلك، ليبالغ في الحذر منه وإن كان قصده بذلك في محل ~~الإنكار لعلمه بالعصمة - لذلك عبر بأداة الشك إشارة إلى ضعف كيده للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، لأن الله تعالى أعانه على قرينه فأسلم: {وإما} أي إن، ~~وأكدت ب {ما} إثباتا للمعنى ونفيا لضده {ينزغنك} أي ينخسنك نخسا عظيما {من ~~الشيطان نزغ} أي نخس بوسوسته من شأنه أن يزعج فيسوق إلى خلاف ما تقدم من ~~المحاسن في نحو غضب من جهل الجاهل وسفه السفيه أو إفراط في بعض أوجه كما ~~تساق الدابة بما تنخس به، فيفسر ويجعل النخس ناخسا إشارة إلى شدته {فاستعذ} ~~أي فأوجد أو اطلب العوذ وهو الاعتصام {بالله} أي الذي له جميع العز والعظمة ~~والقدرة والقهر لا نقطاعك عن الإخوان والأنصار إليه فلا ولي لك ولا ناصر ~~إلا هو، فإنه إذا أراد إعاذتك ذكرك من عزيز نعمه وشديد نقمه ما يريد عن ~~الفساد رغبا ورهبا، والآية ناظرة إلى قوله تعالى أولها {لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم} [الأعراف: 16] . # ولما أبطل تعالى أن يكون لشركائهم سمع أو علم، صار إثبات ذلك # PageV08P204 # له كافيا في اختصاصه به من غير حاجة إلى الحصر المتضمن لنفيه عن غيره ~~لتقدمه صريحا بخلاف ما في فصلت، فقال معللا: {إنه سميع} أي بالغ السمع فهو ~~يسمع استعاذتك فيجيبك إن شاء {عليم*} شامل العلم بما تريد ويريد منك عدوك، ~~فلا يعجزه شيء، وختم بصفة العلم في الموضعين لأن الوسوسة من باب ما يعلم، ~~وختمها في سورة المؤمن بالبصير المشتق من البصر والبصيرة، لأن المستعاذ منه ~~أمر الناس ومنه ما يبصر. # ولما كان لا يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم إلا شيء خفيف جدا كما نبه ~~عليه بالنزغ، وهو ليس بمحقق كما نبهت عليه أداة الشك، وكان لا يستعيذ بالله ms1722 ~~إلا المتقون فكان كأنه قيل: افعل ذلك عند أول نزغه لتكون من المتقين، علله ~~بقوله: {إن الذين اتقوا} أي حصل لهم هذا الوصف، وحقق أذاه لهم بأداة ~~التحقيق - بخلاف ما مضى عند إفراد الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~{إذا مسهم طائف} أي طواف على أنه مصدر، ويجوز أن يكون تخفيف طيف كميت وهو ~~بمعنى قراءة طائف على أنه فاعل كميت ومائت، ويجوز أن يكون مصدرا أيضا، وهو ~~إشارة إلى أن الشيطان دائر حولهم لا يفارقهم، فتارة يؤثر فيهم طوافه فيكون ~~قد مسهم مسا هو أكبر من النزغ لكونه أطاف بهم من جميع الجوانب، وتارة لا ~~يؤثر {من الشيطان} أي البعيد من الرحمة المحترق باللعنة {تذكروا} أي كلفوا ~~أنفسهم ذكر الله بجميع ما ينفعهم في ذلك إقداما وإحجاما. # PageV08P205 # ولما كانوا بإسراع التذكر كأنهم لم يمسهم شيء من أمره، أشاره إلى ذلك ~~بالجملة الاسمية مؤكدا لسرعة البصر بإذا الفجائية: {فإذا هم} أي بنور ~~ضمائرهم {مبصرون *} أي ثابت إبصارهم فلا يتابعون الشيطان، فإن المتقي من ~~يشتهي فينتهي، ويبصر فيقصر، وفي ذلك تنبيه على أن من تمادى مع الشيطان عمي ~~لأنه ظالم، والظالم هو من يكون كأنه في الظلام. # PageV08P206 # ولما وصف المتقون الذين هم العلماء ملوحا إلى نصح وليهم لهم، وعرف من ~~حالهم أنهم أعداء الشيطان، وعرف أن أضدادهم أولياؤه؛ أتبعه وصف الجاهلين ~~وغش أوليائهم لهم والكل غير متقين، فقال: {وإخوانهم} أي وإخوان الجاهلين من ~~شياطين الأنس والجن {يمدونهم} أي يمدون الجاهلين، من المد وهو الإمهال ~~والإطالة على قراءة الجماعة، وهو بمعنى قراءة أهل المدينة بالضم من ~~الإمداد، وقال الواحدي: إن هذا أكثر ما يأتي فيما يحمد كأمددناهم بفاكهة، ~~فهو من استعمال الشيء في ضده نحو {فبشرهم بعذاب} ، وكأنه يشير إلى أن ~~الشيطان أكثر ما يأتي الإنسان في صورة الناصح الشفيق، والأوجه أن يكون ~~الإخوان الجاهلين لأنهم في مقابلة {الذين اتقوا} ويكون الضمير للشيطان ~~المراد به الجنس، أي وإخوان الشياطين - وهم الجاهلون الذين لا يتقون - ~~يمدهم أولياؤهم من الشياطين {في الغي} وهو ms1723 ضد # PageV08P206 # الرشاد، وأشار إلى مزيد اعتنائهم بالإغواء ومثابرتهم على الإضلال ~~والإغراء بأداة التراخي فقال: {ثم لا يقصرون*} أي لا يتركون إغواءهم ولو ~~لحظة لجهلهم وشرهم. # ولما تقرر ما شرعه من التعفف وعدم التنطع والتكلف، وكان قد أخبر أن من ~~عمههم تكلفهم السؤال عن الساعة، والشياطين لا يفترون عن إغوائهم، أخبره عن ~~مطلق تكلفهم تعجبا منهم وإشهادا لتماديهم مع إغواء شياطينهم، وأمره صلى ~~الله عليه وسلم بما يجيبهم به فقال عاطفا على {يمدونهم} : {وإذا لم تأتهم ~~بآية} أي على حسب اقتراحهم {قالوا لولا} أي هلا {اجتبيتها} والجبي: الجمع، ~~والإجباء تركه، والاجتباء: الجد في الجمع، ويلزم منه الاصطفاء والاختبار، ~~فمعنى اجتبيتها اجتلبتها، أي تكلفت من عند نفسك الإتيان بها مختاره. # ولما كان المقام داعيا إلى السؤال في تعليم الجواب، أسعف ذلك بقوله: {قل} ~~أي إذا قالوا ذلك {إنما أتبع} أي أتعمد وأتكلف اتباع {ما يوحي إلي} أي ~~يأتيني به الملك {من ربي} أي المحسن إلي بتعليمي ما ينفعني، لا أني آتي ~~بشيء من عند نفسي ولا أقترح على ربي. # ولما حصر حاله في اتباع الوحي كان كأنه قيل: ما هذا الذي # PageV08P207 # يوحي إليك؟ فقال - ويجوز أن يكون تعليلا لاتباعه لأنه كاف في إثبات نبوته ~~مغن عن الآيات المقترحه قاهر في وجوب اتباعه -: {هذا} مشيرا إلى ما يوحى ~~إليه تنبيها على أنه يجب أن يكون مستحضرا في سائر الأذهان، حاضرا بين عيني ~~كل إنسان {بصائر} أي أشياء هي - على حسب ما طلبتم - مجتباة، بل هي خيار ~~الخيار، يكون بها نور القلب فيصير للعيون أيضا بصر يقربه مما يحث الكتاب ~~على نظره من الآيات المرئيات إلى علوم لم تكن لها قبل ذلك، وهي حجج بينة ~~قاهرة على تصديقي وقبول كل ما جئت به، وسماه بذلك لأنه سبب لبصر العقول ~~بدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وجميع الشريعة أصولا وفروعا، فهو تسمية ~~للسبب باسم المسبب، وعلي مدحها بقولة: {من ربكم} أي الذي لم يقطع إحسانه ~~عنكم أصلا، فهو جدير بأن يتلقي ما أتى منه بكل جميل. # ولما ms1724 كانت البصائر جمعا، وكانت العادة جارية بأن مفردات الجمع تكون ~~متفاوتة، أكدها بما يشير إلى أنها خارقة للعادة في أنها على حد سواء في ~~أعلى طبقات الهداية فقال: {وهدى} أي بيان؛ ولما كان البيان قد لا يكون على ~~وجه الإكرام، قال: {ورحمة} أي إكرام. # PageV08P208 # ولما كان من لا ينتفع بالشيء يصح أن ينفي عن الشيء النافع النفع بالنسبة ~~إليه، قال: {لقوم يؤمنون*} أي يوجدون هذه الحقيقة ويستمرون على تجديدها في ~~كل وقت، وأما غيرهم فقد يكون عليهم عذابا. # ولما عظم الله شأن القرآن، فكان التقدير: فآمنوا به تفلحوا، عطف عليه ~~قوله: {وإذا قرىء القرآن} أي وهو هذا الذي يوحى إلي، فتأدبوا وتواضعوا لأنه ~~صفة ربكم {فاستمعوا له} أي ألقوا إليه أسماعكم مجتهدين في عدم شاغل يشغلكم ~~عن السمع. # ولما كان بعض الفهماء يسمع وهو يتكلم، أشار إلى أن هذا الكتاب أعلى قدرا ~~من أن يناله من يشتغل عنه بأدنى شغل فقال: {وأنصتوا} أي للتأمل والتدبر ~~لتنجلي قلوبكم فتعلموا حقيقته فتعلموا بما فيه ولا يكون في صدوركم حرج منه؛ ~~ولما كان ظاهر الآية وجوب الإنصات لكل قارىء على كل أحد، رغب فيه تعظيما ~~لشأنه فقال: {لعلكم ترحمون*} أي لتكونوا على رجاء من أن يكرمكم ربكم ويفعل ~~بكم كل ما يفعله الراحم مع المرحوم. # ولما تقدم الأمر بالذكر عند نزغ الشيطان، ومر إلى أن أمر بالاستماع لأعظم ~~الذكر، وكان التالي ربما بالغ في الجهر ليكثر سامعه، وربما أسر لئلا يوجب ~~على غيره الإصغاء، علمهم أدب القراءة، # PageV08P209 # وأطلق ذلك في كل حال لأنه ربما فهم فاهم الاقتصار على ذكر في حالة النزغ، ~~ورقي الخطاب منهم إلى إمامهم ليكون أدعى لقبولهم مع الإشارة إلى أنه لا ~~يكاد يقوم بهذا الأمر حق قيامه غيره صلى الله عليه وسلم فقال: {واذكر} أي ~~بكل ذكر من القرآن وغيره - {ربك} أي الذي بلغ الغاية في الإحسان إليك {في ~~نفسك} أي ذكرا يكون راسخا فيك مظروفا لك لفهمك لمعانيه وتخلقك بما فيه، ~~وليكن سرا لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص ms1725 وأعون على التفكر، وكونه سرا دال على ~~أشرف الأحوال، وهو المراقبة مع تحقق القرب، فإذا كان كذلك أثمر قوله: ~~{تضرعا} أي حال كونك ذا تضرع بالظاهر {وخيفة} أي لتدعو المخافة إلى تذلل ~~قبلك لتجمع بين تضرع السر والعلن، وبهذا يكمل ذل العبودية لعز الربوبية. # ولما أمر بالسر، قال مقابلا له: {ودون الجهر} أي لأنه أدخل في الإخلاص، ~~ومن المعلوم أنه فوق السر، وإلا لم تفد الجملة شيئا، ولما كان الجهر قد ~~يكون في الأفعال، أكده بقوله: {من القول} أي فإن ذلك يشعر بالتذلل والخضوع ~~من غير صياح كما يناجي الملوك ويستجلب منهم الرغائب، وكما قال صلى الله ~~عليه وسلم للصحابة وقد جهروا بالدعاء فوق المقدار # «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» فإن # PageV08P210 # المقصود حصول الذكر اللساني ليعين الذكر القلبي، والمقصود حاصل بإسماع ~~النفس فإنه يتأثر الخيال فيتقوى الذكر القلبي، ولا تزال الأنوار تتزايد ~~فينعكس تراجع بعضها إلى بعض حتى يزداد الترقي من ظلمات عالم الأجسام إلى ~~أنوار مدبر النور والظلام. # ولما أمر بالذكر مكيفا بكيفيته اللائقة به، أمره صلى الله عليه وسلم ~~بالمداومة عليه ذاكرا أحسن الأوقات له وأحقها به، لكونها لما فيها من الشغل ~~- أدل على إيثارة لمزيد المحبة والتعظيم فقال: {بالغدو} أي أوقات البكر، ~~ولعله أفرده على جعله مصدر غدا، لأنه ما ثم إلا صلاة الصبح، وجمع ما بعده ~~للعصرين والمغرب فقال: {والآصال} أي أوقات العشاء، وقيل: الغدو وجمع غدوة، ~~فيراد حينئذ مع الصبح الضحى، وآخر كل نهار متصل بأول ليلة اليوم الثاني ~~فسمي آخر اليوم أصيلا لأنه يتصل بما هو أصل اليوم الثاني، وخص هذين الوقتين ~~وإن كان المراد الدوام بتسمية كل من اليوم والليل باسم جزئه، ليذكر بالغدو ~~الانتشار من الموت، وبالأصيل السكون بالموت والرجوع إلى حال العدم فيستحضر ~~بذلك جلال الله عز وجل فيكون ذلك حاويا على تعظيمه حق تعظيمه. # ولما كان ربما أوهم هذا الخصوص بهذين الوقتين وإن ظاهرا في # PageV08P211 # الدوام، قال مصرحا: {ولا تكن من الغافلين*} أي في وقت غيرهما، بل كن ~~ذاكره ms1726 في كل وقت على كل حال؛ ثم علل الأمر بالمراقبة الدالة على أعظم ~~الخضوع بأنها وظيفة المقربين فقال: {إن الذين} وزاد ترغيبا في ذلك بقوله: ~~{عند ربك} أي المحسن إليك بتقريبك من جنابه وجعلك أكرم أحبابه، وهم ~~الملائكة الكرام أولو العصمة، والقرب دنو مكانة لا مكان {لا يستكبرون} أي ~~لا يوجدون ولا يطلبون الكبر {عن عبادته} أي الخضوع له والتلبس بانحاء ~~التذلل مع مزيد قربهم وغاية طهارتهم وحبهم {ويسبحونه} أي ينزهونه عن كل ~~مالا يليق مع خلوصهم عن دواعي الشهوات والحظوظ. # ولما كان هذا يرجع إلى المعارف، وقدمه دلالة على أنه الأصل في العبادة ~~أعمال القلوب، أردفه بقوله: {وله} أي وحده {يسجدون} أي يخضعون بإثباتهم له ~~كل كمال، وبالمباشرة لمحاسن الأعمال، وقد تضمنت الآية الإخبار عن الملائكة ~~الأبرار بثلاثة أخبار: عدم الاستكبار الذي هو أجل أنواع العبادة إذ هو ~~الحامل على الطاعة كما أن ضده حامل على المعصية، والتسبيح الذي هو التنزيه ~~عن كل مالا يليق، وتخصيصه بالسجود، ولما كانت العبادة ناشئة عن انتفاء ~~الاستكبار، وكانت على قسمين: قلبية وجسمانية، أشار إلى القلبية بالتنزيه، ~~وإلى الجسمانية بالسجود، وهو الحال الذي يكون العبد به عند ربه كالملائكة ~~قربا وزلفى « # PageV08P212 # أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» نبه عليه أبو حيان على أن العبادتين ~~مرجعهما القلب، وإحداهما مدلول عليها بالقول والأخرى بالفعل، وقد رجع آخر ~~السورة في الأمر باتباع القرآن إلى أولها أحسن رجوع، ولوصف المقربين بعدم ~~الاستكبار والمواظبة على وظائف الخضوع إلى وصف إبليس بعصيان أمر الله في ~~السجود لآدم عليه السلام على طريق الاستكبار أي التفات، بل شرع في رد ~~المقطع على المطلع حين أتم قصص الأنبياء، فقوله # {ولقد ذرأنا} [الأعراف: 179] هو قوله {والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} ~~[الأعراف: 58] يتضح لك ذلك إذا راجعت ما قدمته في المراد منها {ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها} [الأعراف: 180] هو - {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} ~~و {ممن خلقنا أمة يهدون بالحق} [الأعراف: 180]- هو {والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك ms1727 أصحاب الجنة} [الأعراف: 42] {والذين ~~كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها} [الأعراف: 36] {وإن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم} [الأعراف: 185] هو {إذا جاء أجلهم لا يستأخرون} [الأعراف: 34] و ~~{يسئلونك عن الساعة} [النازعات: 42] هو {كما بدأكم تعودون} [الأعراف: 29] و ~~{لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} [الأعراف: 24] و {هو الذي خلقكم من نفس ~~واحدة} [الأعراف: 189] {لقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] {إنما أتبع ~~ما يوحى إلي من ربي} [الأعراف: 203]- إلى آخرها بعد التنفير من الأنداد - ~~هو كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه - إلى قوله: {ولا تتبعوا من ~~دونه أولياء قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3] فسبحان من هذا كلامه، وتعالى ~~حجابه وعز مرامه، وعلى من أنزل عليه صلاته وسلامه، وتحيته وإكرامه. # PageV08P213 # وتسمى الجهاد (بسم الله) أي الذي له جميع الحول والقوة والطول (الرحمن) ~~الذي أحاط دائرة العقل بشموس الأدلة من كل منقول (الرحيم) الذي من على من ~~شاء من الأتباع؛ ومقصد هذه السورة تبرؤ العباد من الحول والقوة، وحثهم على ~~التسليم لأمر الله المثمر لاجتماع الكلمة المثمر لنصر الدين وإذلال ~~المفسدين المنتج لكل خير، والجامع لذلك كله أنه لما ثبت بالسور الماضية ~~وجوب اتباع أمر الإله والاجتماع عليه لما ثبت من تفرده واقتداره، كان مقصود ~~هذه إيجاب اتباع الداعي إليه بغاية الإذغان والتسليم والرضى والتبرؤ من كل ~~حول وقوة إلى من انعم بذلك ولو شاء سلبه وأدل ما فيها على هذا قصة الأنفال ~~التي اختلفوا في امرها وتنازعوا قسمها فمنعهم الله منها وكف عنهم حظوظ ~~الأنفس وألزمهم الإخبات والتواضع، وأعطاها نبيه (صلى الله عليه وسلم) لأنه ~~الذي هزمهم بما رمى من الخصبات التي خرق الله فيها العادة بأن بثها في أعين ~~جميعهم وبما أرسل من جنوده، فكأن الأمر له وحده، يمنحه من يشاء، ثم لما صار ~~له النبي (صلى الله عليه وسلم) ، # PageV08P214 # رده فيهم منة منه عليهم وإحسانا إليهم، واسمها الجهاد كذلك لأن الكفار ~~دائما أضعاف المسلمين، وما جاهد قوم من أهل الإسلام قط إلا أكثر منهم، وتجب ~~مصابرة الضعف، فلو كان النظر إلى ms1728 غير قوته سبحانه ماأطيق ذلك، ولهذه ~~المقاصد سنت قراءتها في الجهاد لتنشيط المؤمنين للجلاد، وإن كثرت من ~~الأعادي الجموع والأعداد، وتوالت إليهم زمر الأمداد من سائر العباد، كما ~~ذكره الحافظ أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي المغربي في فتوح ~~البلاد من كتابه الاكتفاء في سيرة المصطفى وأصحابه الثلاثة الخلفاء، وكذا ~~شيخةالخطيب أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حبيش في كتابه الذي جمعه في ~~الفتوح، قالا وقعه اليرموك من فتوح الشام عن حديث سيف بن عمر وهذا لفظ ابن ~~سالم: قال: وكان القارئ يوم ذاك المقداد، قالوا: ومن السنة التي سن رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) بعد بدر أن نقرأ سورة الجهاد عند اللقاء، وهي ~~سورة الأنفال، ولم يزل الناس بعد على ذلك؛ قالا في وقعه القادسية من فتوح ~~فارس واللفظ لابن سالم أيضا قالوا: ولما صلى سعد - يعني ابن أبي وقاص - رضي ~~الله عنه الظهر أمر غلاما كان عمر رضي الله عنه ألزمه إياه وكان من القراء ~~يقرأ سورة الجهاد، وكان المسلمون كلهم إذ ذاك يتعلمونها فقرأها على الكتبية ~~التي تليه، وقرئت في كل كتيبة، فهشت قلوب الناس وعرفوا السكينة مع قراءتها، ~~قال مصعب بن سعيد: وكانت قراءتها سنة يقرأها رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) عند الزخرف ويستقرئها، فعمل # PageV08P215 # الناس بذلك - انتهى. # ومناسبتها للأعراف انه لما ذكر تعالى - كما تقدم - قصص الأنبياء عليهم ~~السلام مع أممهم في تلك، ناسب أن يذكر قصة هذا النبي الكريم صلى عليه وسلم ~~مع قومه، وتقدم أنه لما أطنب سبحانه في قصة موسى عليه السلام كان ذلك ربما ~~أوهم تفضيله على الجميع، فأتى بقصة المخاطب بهذا القرىن في سورتين كاملتين، ~~الأنفال في أول أمره وأثانه، وبراءة في ختام أمره وانتهائه، وفرق بين ~~القصتين، وذلك أن قوم مةوسى عليه السلام كانوا في سوء العذاب، وكانوا ~~يعلمون عن اسلافهم أن الله سيذكرهم وينجيهم من أيدي القبط، فلما أتاهم موسى ~~عليه السلام وبين لهم الآيات التي أمره الله بها لم يشكوا في انه ms1729 الموعود ~~به من رحمة الله لهم، وإتيانه نفع لهم عاجل مع ما فيه من النفع الآجل، ~~فأطبقوا على أتباعه، وكانوا أكثر من ستمائة الف مقاتل، ومع ذلك فقد كانوا ~~يخالفون عليه في كل قليل، ولا يجدون قلوبا يواجهون بها القبط في الإباء عن ~~امتثال أوامرهم، وأما محمد (صلى الله عليه وسلم) فاتى قومه ولا حس عندهم من ~~نبوة ولا علم لهم بها، ولم يكونوا تحت ذل أحد، بل كانوا ملوك العرب، فعندهم ~~أنه جاء يسلبهم عزهم ويصيرهم له تبعا فخالفوا اشد المخالفة ولم يدعوا كيدا ~~حتى باشروه في رده عما جاء به، ومع ذلك فنصره الله عليهم ولم يزل يؤيده حتى ~~دخل الناس هم وغيرهم في دين الله افواجا، واظهر دينه على الدين كله كماوعده ~~سبحانه، ثم أيد أمره من بعده ولم يزل اتباعه ظاهرين ولا يزالون إلى يوم ~~الدين، # PageV08P216 # فبين القصتين فرقان لأولى الإبصار والإتقان، وأما مناسبة أولها لآخر تلك ~~فقد تبين أن آخر الأعراف آخر قصة موسى عليه السلام المختتمة بقصة بلعام وأن ~~ما بعد ذلك إنما هو تتمات لما تقدم لا بد منها وتتمات للتتمات حتى كان آخر ~~ذلك مدح من أهلهم لعنديته سبحانه بالإذعان وتمام الخضوع، فلما أضيفوا إلى ~~تلك الحضرة العالية، اقتضى ذلك سؤالا عن حال الذين عند المخاطب (صلى الله ~~عليه وسلم) فأجيب # PageV08P217 # بقوله تعالى: {يسألونك} أي الذين عند ربك هم الذين هزموا الكفار في ~~الحقيقة كما علمتم ذلك - وسيأتي بيانه، فهم المستحقون للأنفال وليس لهم ~~إليها التفات وإنما همهم العبادة، والذين عندك إنما جعلتهم آلة ظاهرة ومع ~~ذلك فهم يسألون {عن ### | الأنفال # } التي توليتهم إياها بأيدي جنودي سؤال منازعة ينبغي الاستعاذة بالله ~~منها - كما نبه عليه آخر الأعراف - لأن ذلك يفضي إلى افتراق الكلمة والضعف ~~عن مقاومة الأعداد، وهو جمع نفل - بالتحريك، وهو ما يعطاه الغازي زيادة على ~~سهمه، والمراد بها هنا الغنيمة، وهي المال المأخوذ من أهل الحرب قهرا، سميت ~~هنا بذلك لأن أصلها في اللغة الزيادة، وقد فضل المسلمون بها على ms1730 سائر ~~الأمم. # ولما كان السؤال عن حكمها، كان كأنه قيل: فماذا يفعل؟ فقال # PageV08P217 # دالا على أنهم سألوا عن مصرفها وحكمها - ليطابق الجواب السؤال: {قل} أي ~~لهم في جواب سؤالهم {الأنفال لله} أي الذي ليس النصر إلا من عنده لما له من ~~صفات الكمال {والرسول} أي الذي كان جازما بأمر الله مسلما لقضائه ماضيا ~~فيما أرسله به غير متخوف من مخالطة الردى بمواقعة العدى؛ قال أبو حيان: ولا ~~خلاف أن الآية نزلت في يوم بدر وغنائمه، وقال ابن زيد: لا نسخ، إنما أخبر ~~أن الغنائم لله من حيث إنها ملكه ورزقه، وللرسول عليه السلام من حيث هو ~~مبين لحكم الله والصادع فيها بأمره ليقع التسليم من الناس، وحكم القسمة ~~نازل خلال ذلك - انتهى. # ولما أخبر سبحانه أنه لا شيء لهم فيها إلا عن أمر الله ورسوله، وكان ذلك ~~موحبا لتوقفهم إلى بروز أمره سبحانه على لسانه رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~وكانت التقوى موجبة للوقوف خوفا حتى يأتي الدليل الذي يجسر على المشي ~~وراءه، سبب عن ذلك قوله: {فاتقوا الله} أي خافوا خوفا عظيما في جميع ~~أحوالكم من الذي لا عظمة لغيره ولا أمر لسواه، فلا تطلبوا شيئا بغير أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتخاصموا، فإن الله تعالى الذي رحمكم ~~بإرسال رسول لنجاتكم وإنزال كتاب لعصمتكم غير مهمل ما يصلحكم، فهو يعطيكم ~~ما سبق في علمه الحكم بأنه # PageV08P218 # لكم، ويمنعكم ما ليس لكم {وأصلحوا ذات بينكم} أي الحال التي هي صاحبة ~~افتراقكم واجتماعكم، فإن أغلب أمرها البين الذي هو القطيعة، وقد أشرفت على ~~الفساد بطلب كل فريق الأثرة على صاحبه فأقبلوا على رعايتها بالتسليم لأمر ~~الله ورسوله الأمرين بالإعراض عن الدنيا ليقسمها بينكم على سواء، القوي ~~والضعيف سواء، فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم، لتجتمع كلمتكم فيشتد ~~أمركم ويقوى أزركم فتقدروا على إقامة الدين وقمع المفسدين {وأطيعوا الله} ~~أي الذي له جميع العظمة {ورسوله} أي الذي عظمته من عظمته في كل ما يأمرانكم ~~به من تنفيل لمن يراه وإنفاذ ms1731 شرط ووفاء عهد لمن عاهده. # ولما أمر ونهى هيج وألهب فقال مبينا كون الإيمان مستلزما للطاعة: {إن ~~كنتم مؤمنين*} أي صادقين في دعوى الإيمان، فليس كل من يدعي شيئا يكون صادقا ~~في دعواه حتى يحصل البيان بالامتحان، ولذلك وصل به قوله مؤكدا غاية التأكيد ~~لأن التخلص من الأعراض الدنيوية عسر: {إنما المؤمنون} أي الراسخون في وصف ~~الإيمان {الذين} أي يقيمون الدليل على دعوى الإيمان بتصديق أفعالهم ~~لأقوالهم فيكونون {إذا ذكر الله} أي الجامع لصفات الكمال من الجلال والجمال ~~مجرد ذكر في نحو قوله {الأنفال لله} {وجلت} أي خافت خوفا عظيما يتخلل صميم ~~عظامهم ويجول في سائر معانيهم وأجسامهم {قلوبهم} أي # PageV08P219 # بمجرد ذكره استعظاما له {وإذا تليت} أي قرئت على سبيل الموالاة والاتصال ~~من اي تال كان {عليهم آياته} أي كما يأتي في إقامة الأدلة على ذلك الحكم ~~الذي ورد ذكره فيه {زادتهم إيمانا} أي بإيمانهم بها وبما حصل لهم من نور ~~القلب وطمأنينة اليقين بسببها، فإنها هي الدالة على الله بما تبين من عظيم ~~أفعاله ونعوت جلاله وجماله، وتظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه، وكمال قدرة ~~الله تعالى إنما يعرف بواسطة آثار حكمته في مخلوقاته، وذلك بحر لا ساحل له، ~~ولما كانت المراتب لا نهاية لها، كانت مراتب التجلي والمعرفة لا نهاية لها، ~~فالزيادة في أشخاص التصديق {وعلى} أي والحال أنهم على {ربهم} أي الدائم ~~الإحسان إليهم وحده {يتوكلون} أي يجددون إسناد أمورهم إليه مهما وسوس لهم ~~الشيطان بالفقر أو غيره ليكفيهم من حيث لا يحتسبون، فإن خزائنه واسعة، ويده ~~سحاء الليل والنهار، كما أنهم لما توكلوا عليه في القتال نصرهم وقد كانوا ~~في غاية الخوف من الخذلان، وكان حالهم جديرا بذلك لقلقهم وخوفهم وقتلهم ~~وضعفهم. # ولما وصفهم بالإيمان الحامل على الطاعة والتوكل الجامع لهم الدافع للمانع ~~منها، منتقلا من عمل الباطن إلى عمل الظاهر مبينا أن همتهم إنما هي العبادة ~~والمكارم: {الذين يقيمون الصلاة} أي يفترون عن تجديد ذلك؛ ولما كانت صلة ~~بين الخلق والخالق، أتبعها الوصلة بين # PageV08P220 # الخلائق فقال: ms1732 {ومما رزقناهم} أي على عظمتنا وهو لنا دونهم {ينفقون*} ولو ~~كانوا مقلين اعتمادا على ما عندنا فالإنفاق وإهانة الدنيا همتهم، لا الحرص ~~عليها، فحينئذ يكونون كالذين عند ربك في التحلي بالعبادة والتخلي من الدنيا ~~إعراضا وزهادة، وهو تذكير بوصف المتقين المذكور أول الكتاب بقوله: {الذين ~~يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} . # PageV08P221 # ولما حققوا إيمانهم بأفعال القلوب والجوارح والأموال، فاستوفوا بذلك جميع ~~شعب الدين، عظم سبحانه شأنهم بقوله: {أولئك} أي العالو الهمم {هم} أي خاصة ~~{المؤمنون} وأكد مضمون الجملة بقوله: {حقا} . # ولما كانت صفاتهم الخمس المذكورة المشتملة على الأخلاق والأعمال لها ~~تأثيرات في تصفية القلوب وتنويرها بالمعارف الإلهية، وكلما كان المؤثر أقوى ~~كانت التأثيرات أعلى، فلما كانت هي درجات كان جزاؤها كذلك، فلهذا قال ~~سبحانه تعالى في جواب من كأنه قال: فما جزاؤهم على ذلك؟ {لهم درجات} ولما ~~كثرها بجمع السلامة بما دل عليه سياق الامتنان، عظمها بقوله: {عند ربهم} أي ~~بتسليمهم لأمره. # ولما كان قدر الله عظيما، وكان الإنسان عن بلوغ ما يجب عليه من ذلك ضعيفا ~~حقيرا، وكان بأدنى شيء من أعماله يستفزه الإعجاب، أشار سبحانه إلى أنه لا ~~يسعه إلا العفو ولو بذل فوق الجهد فقال: # PageV08P221 # {ومغفرة} أي لذنوبهم إن رجعوا عن المنازعة في الأنفال وغيرها، {ورزق ~~كريم*} أي لا ضيق فيه ولا كدر بوجه ما من منازعة ولا غيرها، فهو يغنيهم عن ~~هذه الأنفال، ويملأ أيديهم من الأموال من عنائم فارس والروم وغير ذلك، هذا ~~في الدنيا، واما في الآخرة فما لا يحيط به الوصف؛ قال أبو حيان: لما تقدمت ~~ثلاث صفات قلبية وهي الوجل وزيادة الإيمان والتوكل - وبدنية ومالية، ترتب ~~عليها ثلاثة أشياء، فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات والبدنية بالغفران، ~~وقوبلت المالية بالرزق الكريم، وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البديع ~~- انتهى. ولما كان الإيمان عند الشافعي رحمه الله الاعتقاد والإقرار والعمل ~~جوز أن يقال: مؤمن إن شاء الله، لأن استيفاء الأعمال مشكوك فيه وإن كان ~~الاعتقاد والإقرار يقينا، وعند أبي حنيفة رحمه الله الإيمان ms1733 الاعتقاد ~~والإقرار فقط، فلم يجوز الاستثناء، فالخلاف لفظي، هذا إذا كان الاستثناء ~~للشك، وإن كان لغيره كان لكسر النفس عن التمدح، وللشهادة بالجنة التي هي ~~للمؤمن، وللحكم على حالة الموت، على أن هذه الكلمة لا تنافي الجزم، فهي ~~بمجرد التبرك كقوله تعالى {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} ~~[الفتح: 27] ذكر ذلك الإمام فخر الدين. # ولما كان ترك الدنيا شديدا على النفس، وترك النزاع بعد الانتساب فيه أشد، ~~شرع يذكر لهم ما كانوا له كارهين ففعله بهم # PageV08P222 # وأمرهم به لعلمه بالعواقب فحمدوا أثره، ليكون ادعى لتسليمهم لأمره ~~وازدجارهم بزجره، فشبه حال كراهتهم لترك مرادهم في الأنفال بحال كراهتهم ~~لخروجهم معه ثم بحال كراهتهم للقاء الجيش دون العير، ثم إنهم رأوا أحسن ~~العاقبة في كلا الأمرين فقال: {كما} أي حالهم في كراهية تسليم الأنفال - مع ~~كون التسليم هو الحق والأولى لهم - كما كانت حالهم إذ {أخرجك ربك} أي ~~المحسن إليك بالإشارد إلى جميع مقاصد الخير {من بيتك بالحق} أي الأمر ~~الفيصل الفارق بين الثابت والمزلزل {وإن} أي والحال أن {فريقا} عبر به لأن ~~آراءهم كانت تؤول إلى الفرقة {من المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان ~~{لكارهون*} ثم ذكر دليل كراهتهم فقال: {يجادلونك} أي يكررون ذلك إرادة أن ~~يفتلوك عن اللقاء للجيش إلى الرجوع عنه. # ولما كان الجيش امرا قد حتمه الله فلا بد من وقوعه مع أنه يرضيه، قال: ~~{في الحق} أي الذي هو إيثار الجهاد {بعد ما تبين} أي وضح وضوحا عظيما سهلا ~~من غير كلفة نظر بقرائن الأحوال بفوات العير وتيسير أمر النفير وبإعلام ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تارة صريحا وتارة تلويحا كقوله «والله لكأني ~~أنظر إلى مصارع القوم، هذا مصرع فلان وذلك مصرع فلان» . # ولما كان سبحانه قد حكم باللقاء والنصرة تأييدا لوليه وإعلاء لكلمته مع ~~شدة كراهتهم لذلك، شبه سوقه لهم إلى مراده. # PageV08P223 # فقال بانيا للمفعول لأن المكروه إليهم السوق لا كونه من معين: {كأنما ~~يساقون} أي يسوقهم سائق لا قدرة لهم على ممانعته {إلى الموت ms1734 وهم ينظرون*} ~~لأنها كانت أول غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيها لقاء، ~~وكانوا غير متأهبين للقتال غاية التأهب، إنما خرجوا للقاء العير، هذا مع ~~أنهم عدد يسير، وعدد أهل النفير كثير، وكانوا في غاية الهيبة للقائهم ~~والرعب من قتالهم، وكل هذا تذكير لهم بأنه لم ينصرهم إلا الله بلا صنع ~~منهم، بل كانوا في يد قدرته كالآلة في يد أحدهم، لينتج ذلك أنه ليس لهم أن ~~ينازعوا في الأنفال. # ولما لانوا بهذا الخطاب، وأقبلوا على الملك التواب، أقبل عليهم فقال: ~~{وإذ} أي اذكروا هذا الذي ذكره الله لكم وقد كان حالكم فيه ما ذكره، ثم ~~أفضى إلى سعادة عظيمة وعز لا يشبهه عز، واذكروا إذ {يعدكم الله} أي الجامع ~~لصفات الكمال {إحدى الطائفتين} : العير أو النفير، وأبدل من الإحدى - ليكون ~~الوعد بها مكررا - قوله: {أنها لكم} أي فتكرهون لقاء ذات الشوكة {وتودون} ~~أي والحال أنكم تحبون محبة عظيمة {أن غير ذات الشوكة} أي السلاح والقتال ~~والكفاح الذي به تعرف الأبطال ويميز بين الرجال من ذوات الحجال {تكون لكم} ~~أي العير لكونها لم يكن فيها إلا ناس قليل، يقال: إنهم أربعون رجلا، جهلا ~~منكم بالعواقب، ثم تبين لكم أن ما فعله الله خير لكم بما لا يبلغ كنهه، ~~فسلموا له الأمر في السر والجهر # PageV08P224 # تنالوا الغنى والنصر، وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير العاصمي في مناسبة ~~تعقيب الأعراف بهذه السورة ومناسبة آخر تلك لأول هذه ما نصه: لما قص سبحانه ~~على نبيه صلى الله عليه وسلم في سوة الأعراف أخبار الأمم، وقطع المؤمنون من ~~مجموع ذلك بأنه لا يكون الهدى إلا بسابقة السعادة، لافتتاح السورة من ذكر ~~الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام، وكلاهما كفر على علم ولم ينفعه ما ~~قد كان حصل عليه، ونبه تعالى عباده على الباب الذي أتى منه على بلعام بقوله ~~سبحانه ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فأشار سبحانه إلى أن اتباع الأهواء ~~أضل كل ضلال، نبهوا على ما فيه الحزم من ترك ms1735 الأهواء جملة فقال تعالى # {يسألونك عن الأنفال} [الأنفال: 1] الآية، فكان قد قيل لهم: اتركوا ما ~~ترون أنه حق واجب لكم، وفوضوا في أمره لله وللرسول، فذلك أسلم لكم وأحزم في ~~ردع أغراضكم وقمع شهواتكم وترك أمور ربكم وقد ألف في هذه الشريعة السمحة ~~البيضاء حسم الذرائع كثيرا وإقامة مظنة الشيء مقامه كتحريم الجرعة من الخمر ~~والقطرة، والخطبة في العدة واعتداد النوم الثقيل ناقضا، فهذه مظان لم يقع ~~الحكم فيها على ما هو لأنفسها ولا بما هي كذا، بل بما هي مظان ودواع لما ~~منع لعينه # PageV08P225 # أو استوجب حكما لعينه وعلته الخاصة به، ولما أمر المسلمون بحل أيديهم عن ~~الأنفال يوم بدر إذ كان المقاتلة قد هموا بأخذها وحدثوا أنفسهم بالأنفراد ~~بها ورأوا أنها من حقهم وأن من لم يباشر قتالا من الشيوخ ومن انحاز منه ~~لمهم فلا حق له فيها، ورأى الآخرون أيضا أن حقهم فيها ثابت لأنهم كانوا فيه ~~للمقاتلين عدة وملجأ وراء ظهورهم، كان ما أمرهم الله به من تسليم الحكم في ~~ذلك إلى الله رسوله من باب حسم الذرائع لأن تمشية أغراضهم في ذلك - وإن ~~تعلق كل من الفريقين بحجة - مظنة لرئاسة النفوس واستسهال اتباع الأهواء، ~~فأمرهم الله بالتنزه عن ذلك والتفويض الله ولرسوله فإن ذلك أسلم لهم وأوفى ~~لدينهم وأبقى في إصلاح ذات البين وأجدى في الأتباع {فاتقوا الله وأصلحوا ~~ذات بينكم} [الأنفال: 1] الآية، ثم ذكروا بما ينبغي لهم يلتزموا فقال تعالى ~~{إنما المؤمنون} [الأنفال: 2]- إلى قوله: {زادتهم إيمانا} [الأنفال: 2] ثم ~~نبهوا على أن أعراض الدنيا من نفل أو غيره لا ينبغي للمؤمن أن يعتمد عليه ~~اعتمادا يدخل عليه ضرارا من الشرك أو التفاتا إلى غير الله سبحانه بقوله: ~~{وعلى ربهم يتوكلون} ثم ذكروا بما وصف به المتقين من الصلاة والإنفاق ثم ~~قال {أولئك هم المؤمنون حقا} تنبيها على أن من قصر في هذه الأحوال ولم يأت ~~بها على كمالها لم يخرج عن الإيمان ولكن ينزل عن درجة الكمال بحسب تقصيره، ~~وكان في هذا إشعار بعذرهم ms1736 في كلامهم في الأنفال وأنهم قد كانوا في مطلبهم ~~على حالة من الصواب وشرب من # PageV08P226 # التمسك والأتباع، ولكن أعلى الدرجات ما بين لهم ومنحوه، وأنه الكمال ~~والفوز، ثم نبههم سبحانه بكيفية أمرهم في الخروج إلى بدر وودهم أن غير ذات ~~الشوكة تكون لهم وهو سبحانه يريهم حسن العاقبة فيما اختاره لهم، فقد كانوا ~~تمنوا لقاء العير، واختاروا ذلك على لقاء العدو ولم يعلموا ما وراء ذلك # {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين} [الأنفال: 7] إلى ~~ما قصه تعالى عليهم من اكتنافهم برحمته وشمول ألطافه وآلائه وبسط نفوسهم ~~ونبههم على ما يثبت يقينهم ويزيد في إيمانهم، ثم أعلم أن الخير كله في ~~التقوى فقال: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} ~~[الأنفال: 29] الاية، وهذا الفرقان هو الذي حرمه إبليس وبلعام، فكان منهما ~~ما تقدم من اتباع الأهواء القاطعة لهم عن الرحمة، وقد تضمنت الآية حصول خير ~~الدنيا والآخرة بنعمة الاتقاء، ثم أجمل الخيران معا في قوله {والله ذو ~~الفضل العظيم} [الأنفال: 29] بعد تفصيل ما إليه إسراع المؤمنين من الفرقان ~~والتكفير والغفران، ولم يقع التصريح بخيري الدنيا الخاص بها مع اقتضاء ~~الآية إياه تنزيها للمؤمن في مقام إعطاء الفرقان وتكفير السيئات، والغفران ~~من ذكر متاع الدنيا التي هي لهو ولعب فلم يكن ذكر متاعها الفاني ليذكر ~~مفصلا مع ما لا يجانسه ولا يشاكله {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} ~~[العنكبوت: 64] ثم التحمت الآي، ووجه آخر وهو # PageV08P227 # أنه تعالى لما قال {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له} بين لهم كيفية هذا ~~الاستماع وما الذي يتصف به المؤمن من ضروبه فقال {إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله} [الأنفال: 2] الآية، فهؤلاء لم يسمعوا بآذانهم فقط، ولا كانت لهم ~~آذان لا يسمعون بها ولا قلوب لا يفقهون بها، ولو كانوا كذا لما وجلت وعمهم ~~الفزع والخشية وزادتهم الآيات إيمانا، فإذن إنما يكون سماع المؤمن هكذا ~~{ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} [الأنفال: 21] ولما كان ~~هؤلاء إنما أتى عليهم من اتباع أهوائهم ms1737 والوقوف مع أعراضهم وشهواتهم ~~{يأخذون عرض هذا الأدنى} [الأعراف: 169] {ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه} ~~[الأعراف: 176] وهذه بعينها كانت آفة إبليس، رأى لنفسه المزيد واعتقد لها ~~الحق ثم اتبع هذا الهوى حين قال {لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ ~~مسنون} [الحجر: 33] فلما كان اتباع الهوى أصلا في الضلال وتنكب الصراط ~~المستقيم، أمر المؤمنين بحسم باب الأهواء، والتسليم فيما لهم به تعلق وغن ~~لم يكن هوى مجردا لكنه مظنة تيسير لاتباع الهوى، فافتتحت السورة بسؤالهم عن ~~الأنفال وأخبروا أنها لله ورسوله، يحكم فيها ما يشاء {فاتقوا الله} واحذروا ~~الأهواء التي أهلكت من قص عليكم ذكره {وأصلحوا ذات بينكم} برفع التنازع، ~~وسلموا لله ولرسوله، وإلا لم تكونوا سامعين وقد أمرتم أن تسمعوا السماع ~~الذي # PageV08P228 # عنه ترجى الرحمة، وبيانه في قوله {إنما المؤمنون} - الآيات، ووجه آخر وهو ~~أن قصص بني إسرائيل عقب بوصاة المؤمنين وخصوصا بالتقوى وعلى حسب ما يكون ~~الغالب فيما يذكر من أمر بني إسرائيل، ففي البقرة أتبع قصصهم بقوله # {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} [البقرة: ~~104] ولما كان قصصهم مفتتحا بذكر تفضيلهم {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ~~التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين} افتتح خطاب هذه الأمة بما يشعر ~~بتفضليهم، وتأمل ما بين {يا بني إسرائيل} و {يا أيها الذين آمنوا} وأمر ~~أولئك بالإيمان {وآمنوا بما أنزلت} [البقرة: 41] وأمر هؤلاء بتعبد احتياطي ~~فقيل {وقولوا انظرنا واسمعوا} [البقرة: 104] ثم أعقبت البقرة بآل عمران ~~وافتتحت ببيان المحكم والمتشابه الذي من جهته أتى على بني إسرائيل في كثير ~~من مرتكباتهم، ولما ضمنت سورة آل عمران من ذكرهم ما ورد فيها، أعقبت بقوله ~~تعالى؛ {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم ~~بعد إيمانكم كافرين} [آل عمران: 100] ثم أعقبت السورة بقوله {يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} [النساء: 1] وعدل عن الخطاب باسم ~~الإيمان للمناسبة، وذلك أن سورة آل عمران خصت من مرتكبات بني إسرائيل ~~بجرائم كقولهم في الكفار ms1738 {هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} [النساء: 51] ~~فهذا بهت، ومنها قولهم {الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] إلى # PageV08P229 # ما تخلل هاتين من الآيات المنبئة عن تعمدهم الجرائم، فعدل عن {يا أيها ~~الذين آمنوا} إلى {يا أيها الناس} ليكون أوقع في الترتيب وأوضح مناسبة لما ~~ذكر، ولما ضمنت سورة النساء قوله تعالى {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ~~طيبات} [النساء: 160]- إلى قوله: {وأكلهم أموال الناس بالباطل} [النساء: ~~161] أتبعت بقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 51] ~~ثم ذكر لهم ما أحل لهم وحرم عليهم ليحذروا مما وقع فيه أولئك، فعلى هذا لما ~~ضمنت سورة الأعراف من قصصهم جملة، وبين فيها اعتداءهم، وبناه على اتباع ~~الأهواء والهجوم على الأغراض، طلب هؤلاء باتقاء ذلك والبعد عما يشبهه جملة، ~~فقيل في آخر السورة {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} ~~[الأعراف: 201] ثم افتتحت السورة الأخرى بصرفهم عما لهم به تعلق وإليه تشبث ~~يقيم عذرهم شرعا فيما كان منهم، فكان قد قيل لهم: ترك هذا أعلم وأبعد عن ~~اتباع الأهواء، فسلموا في ذلك الحكم لله ورسوله واتقوا الله، ثم تناسج ~~السياق والتحمت الآي، وقد تبين وجه اتصال الأنفال بالأعراف من وجوه، والحمد ~~لله - انتهى. # ولما أخبر تعالى بما هو الحق من أن إرادتهم بل ودادتهم إنما كانت منصبة ~~إلى العير لا إلى النفير، تبين أنه لا صنع لهم فيما وقع إذ لو كان لكان على ~~ما أرادوا، فلا حظ لهم في الغنيمة إلا ما يقسمه الله لهم لأن الحكم لمراده ~~لا لمراد غيره، فقال تعالى عاطفا على {وتودون} : {ويريد الله} أي بما له من ~~العز والعظمة والعلم {أن يحق الحق} # PageV08P230 # اي يثبت في عالم الشهادة الثابت عنده في عالم الغيب، وهو هنا إصابة ذات ~~الشوكة {بكلماته} أي التي أوحاها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم يهزمون ~~ويقتلون ويؤسرون، وأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، ليعلي دينه ويظهر أمره ~~على كل أمر {ويقطع دابر} أي آخر {الكافرين*} أي كما يقطع أولهم، ms1739 أي ~~يستأصلهم بحيث لا يبقى منهم أحد يشاقق أهل حزبه فهو يدبر أمركم على ما ~~يريد، فلذلك اختار لكم ذات الجد والشوكة ليكون ما وعدكم به من إعلاء الدين ~~وقمع المفسدين بقطع دابرهم {ليحق الحق} أي الذي هو دينه القيم وفيه فوز ~~الدارين {ويبطل الباطل} وهو كل ما خالفه {ولو كره} أي ذلك {المجرمون*} أي ~~الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويكسر قوتهم بضعفكم ويفني كثرتهم ~~بقلتكم ويمحق عزهم بذلتكم فيظهر علو أمره ويخضع الأعناق لذكره {إذ} ظرف ~~{ليحق الحق} {تستغيثون ربكم} أي تطلبون إغاثة المحسن إليكم، وهو بدل من {إذ ~~يعدكم} فهو من البيان لكراهتهم لقاء ذات الشوكة بشدة جزعهم الموجب لهم ~~الاستغاثة مع إسفار العاقبة عن أن الخير فيما كرهوه، وأنه أحق الحق وأظهر ~~الدين وأوهن أمر المشركين. # ولما أسرع سبحانه الإجابة، دل على ذلك بقوله: {فاستجاب} أي فأوجد الإجابة ~~إيجاد من هو طالب لها شديد الرغبة فيها {لكم} بغاية ما تريدون تثبيتا ~~لقلوبكم {أني} أي بأني {ممدكم} أي موجد # PageV08P231 # المدد «لكم» أي بإمدادكم، ولعله حول العبارة لما في التصريح بضميره من ~~العظمة والبركة {بألف من الملائكة} حال كونهم {مردفين*} أي متبعين ~~بأمثالهم. # PageV08P232 # ولما كانت نصرة المسلمين في هذه الغزوة ظاهرة جدا، قال: {وما جعله الله} ~~اي الإمداد والوعد به على ما له سبحانه من العظمة التي من راقبها لم يهب ~~شيئا {إلا بشرى} أي لتستبشر به نفوسكم، ولم يحتج إلى تقييد بأن يقال: لكم، ~~وأما في قصة أحد فقد كان المقتول منهم أكثر من المقتول من الكفار فلولا ~~قوله «لكم» لربما طرق بعض الأوهام حين سماع أول الكلام أن الإمداد بشرى ~~للكفار. # ولما كان الذي وقع الحكم به هنا على الإمداد أنه بشرى نفسه من غير قيد، ~~علم أن العناية به أشد، فكان المحكوم به الطمأنينة كذلك، فكان أصل الكلام: ~~إلا بشرى هو وطمأنينة هو، فلذلك وجب تقديم ضميره في قوله «به» على القلوب ~~تأكيدا لأمره وتفخيما لشأنه، وإشارة إلى إتمامه على عادة العرب في ms1740 تقديم ~~ماهم به أعنى وهو عندهم أهم فقال: {ولتطمئن} أي وطمأنينة لتطمئن {به} أي ~~وحده من غير نظر إلى شيء من قوتكم ولا غيرها {قلوبكم} فالآية من الاحتباك، ~~وأما في قصة أحد فلما قيدت البشرى بالإمداد بلكم لما تقدم، علم الطمأنينة ~~كذلك، فكان الأنسب تأخير ضميره وتقديم القلوب الملابسة لضميرهم موازنة ~~لقوله «لكم» . # PageV08P232 # ولما كان ذلك مفهما أن النصر ليس إلا بيده وأن شيئا من الإمداد أو غيره ~~لا يوجب النصر بذاته، صرح به في قوله: {وما النصر} أي حاصلا وموجودا ~~بالملائكة وغيرهم من الأسباب {إلا من عند الله} أي لأن له وحده صفات ~~الكمال، فما عنده ليس منحصرا في الإمداد بالملائكة فالنصر وإن كان بها فليس ~~من عندها، فلا تعتمدوا على وجودها ولا تهنوا بفقدها اعتمادا عليه سبحانه ~~خاصة، فإن ما عنده من الأسباب لا يحيط به علما، هذا إذا أراد النصر ~~بالأسباب، وإن أراد بغير ذلك فعل فكان التعبير بعند لإفهام ذلك. # ولما كانت هذه الغزوة في أول الأمر، وكانوا بعد بروز الوعد الصادق لهم ~~بإحدى الطائفتين كارهين للقاء ذات الشوكة جدا، ثم وقع لهم ما وقع من النصر، ~~كان المقام مقتضيا لإثبات عزة الله وحكمته على سبيل التأكيد إعلاما بأن ~~صفات الكمال ثابتة له دائما، فهو ينصر من صبر واتقى بعزته، ويحكم أمره على ~~أتم وجه بحكمته، هذا فعله دائما كما فعل في هذه الغزوة فلذلك قال معللا لما ~~قبله مؤكدا: {إن الله} أي الملك الأعظم {عزيز} أي هو في غاية الامتناع ~~والقهر لمن يريد قهره أزلا وأبد. لا يغلب ولا يحوج وليه إلى زيادة العدد ~~ولا نفاسة العدد {حكيم} أي إذا قضى أمرا كان في غاية الإتقان والإحكام، فلا ~~يستطيع أحد نقص شيء منه، هذا له دائما، فهو يفعل في نصركم هكذا مهما ~~استأنستم # PageV08P233 # إلى بشراه ولم تنظروا إلى قوتكم ولا غيرها مما سواه فلا تقلقوا إذا أمركم ~~بالهجوم على البأس ولو كان فيه لقاء جميع الناس. # ولما أكد هنا، لم يحتج إلى إعادة تأكيده في ms1741 آل عمران فقيل {العزيز ~~الحكيم} [آل عمران: 126] أي الذي أخبركم عن عزته وحكمته في غزوة بدر بما ~~يليق بذلك المقام من التأكيد، وأخبركم أنكم إن فاديتم الأسرى قتل منها في ~~العام المقبل مثل عددهم، فوقوع الأمر على ما قال مغن عن التأكيد، ولم يكن ~~أحد من المسلمين في أحد مترددا في اللقاء ولا هائبا له الإ ما وقع من الهم ~~بالفشل من الطائفتين والعصمة منه في الحال، وقد مضى في آل عمران لهذا مزيد ~~بيان. # ولما ذكر البشرى والطمأنينة بالإمداد، ناسب أن يذكر لهم أنه أتبع القول ~~الفعل فألقى في قلوبهم بعزته وحكمته الطمأنينة والأمن والسكينة بدليل ~~النعاس الذي غشيهم في موضع هو أبعد الأشياء عنه وهو موطن الجلاد ومصاولة ~~الأنداد والتيقظ لمخاتلة أهل العناد، وكذا المطر وأثره، فقال مبدلا أيضا من ~~{إذ يعدكم} أو معلقا بالنصر أو بما في الظرف من رائحة الفعل مصورا لعزته ~~وحكمته: {إذ يغشاكم} بفتح حرف المضارعة في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ~~فالفاعل {النعاس} وضم الباقون الياء، # PageV08P234 # وأسكن نافع الغين وفتحها الباقون وشددوا الشين المكسورة، فالفاعل في ~~القراءة الأولى مفعول هنا، والفاعل ضمير يعود على الله، ولما ذكر هذه ~~التغشية الغريبة الخارقة للعوائد، ذكر ما فعلت لأجله فقال: {أمنة} ولما كان ~~ذلك خارقا للعادة، جاء الوصف بقوله: {منه} أي بحكمته لأنه لا ينام في مثل ~~تلك الحال إلا الآمن، ويمنع عنكم العدو وأنتم نائمون بعزته، ولم يختلف ~~فاعل، الفعل المعلل في القراءات الثلاث لأن كون النعاس فاعلا مجاز، ويصح ~~عندي نصبها على الحال. # ولما كان النعاس آية الموت، ذكر بعده آية الحياة فقال: {وينزل عليكم} ~~وحقق كونه مطرا بقوله: {من السماء ماء} ووقع في البيضاوي وأصله وكذا تفسير ~~أبي حيان أن المشركين سبقوا إلى الماء وغلبوا عليه، وليس كذلك بل الذي سبق ~~إلى بدر وغلب على مائها المؤمنون كما ثبت في صحيح مسلم وغيره، فيكون شرح ~~القصة أنم مطروا في المنزل الذي ساروا منه إلى بدر فحصل للمسلمين منه ما ~~ملؤوا منه أسقيتهم فتطهروا ms1742 من حدث أو جنابة ولبد لهم الرمل وسهل عليهم ~~المسير، وأصاب المشركين ما زلق أرضهم حتى منعهم المسير، فكان ذلك سببا لسبق ~~المسلمين لهم إلى المنزل وتمكينهم من بناء الحياض وتغوير # PageV08P235 # ما وراء الماء الذي نزلوا عليه من القلب كما هو مشهور في السير، ويكون ~~رجز الشيطان وسوسته لهم بالقلة والضعف والتخويف بكثرة العدو، والربط على ~~القلوب طمأنينتهم وطيب نفوسهم بما أراهم من الكرامة كما يوضح ذلك جميعه قول ~~ابن هشام {وينزل عليكم من السماء} ماء للمطر الذي أصابهم تلك الليلة، فحبس ~~المشركين أن يسبقوا إلى الماء وخلى سبيل المؤمنين إليه {ليطهركم به} أي من ~~كل درن، وابتدأ من فوائد الماء بالتطهير لأنه المقرب من صفات الملائكة ~~المقربين من حضرات القدس وعطف عليه - بقوله: {ويذهب عنكم} أي لا عن غيركم ~~{رجز الشيطان} بغير لام ما هو لازم له، وهو العبد الذي كان مع الحدث الذي ~~منه الجنابة المقربة من الخبائث الشيطانية بضيق الصدر والشك والخوف لإبعاد ~~من الحضرات الملائكة «لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب» والرجز يطلق على ~~القذر وعبادة الأوثان والعذاب والشرك، فقد كان الشيطان وسوس لهم، ولا شك أن ~~وسوسته من أعظم القذر فإنها تجر من تمادى معها إلى كل ما ذكر؛ ثم عطف عليه ~~ما تهيأ له القلب من الحكم الإلهية وهو إفراغ السكينة فقال: {وليربط} أي ~~بالصبر واليقين. # ولما كان ذلك ربطا محكما غالبا عاليا، عبر فيه بأداة الاستعلاء فقال: ~~{على قلوبكم} أي بعد إسكانها الوثوق بلطفه عند كل ملمة حتى # PageV08P236 # امتلأت من كل خير وثبت فيها الربط، فشبهها بجراب ملىء شيئا ثم ربط رأسه ~~حتى لا يخرج من ذلك الذي فيه شيء، وأعاد اللام إشارة إلى أنه المقصد الأعظم ~~وما قبله وسيلة إليه وعطف عليه بغير لام لازمه من التثبيت فقال: {ويثبت به} ~~أي بالربط بالمطر {الأقدام*} أي لعدم الخوف فإن الخائف لا تثبت قدمه في ~~المكان الذي يقف به، بل تصير رجله تنتقل من غير اختيار أو بتلبيد الرمل. # ولما ذكر حكمة الإمداد وما ms1743 تبعه من الآثار المثبتة للقلوب والأقدام، ذكر ~~ما أمر به المدد من التثبيت بالقول والفعل فقال: {إذ} بدلا ثالثا من {إذ ~~يعدكم} أو ظرفا ليثبت {يوحي ربك} أي المحسن إليك بجميع ذلك {إلى الملائكة} ~~وبين أن النصر منه لا من المدد بقوله: {أني معكم} أي ومن كنت معه كان ظافرا ~~بجميع مأموله {فثبتوا} أي بسبب ذلك {الذين آمنوا} أي بأنواع التثبيت من ~~تكثير سوادهم وتقوية قلوبهم وقتال أعدائهم وتقليلهم في أعينهم وتحقير ~~شأنهم؛ ثم بين المعية بقوله: {سألقي} أي بوعد لا خلف فيه {في قلوب الذين ~~كفروا} أي أوجدوا الكفر {الرعب} فلا يكون لهم ثبات {فاضربوا} أي أيها ~~المؤمنون من الملائكة والبشر غير هائبين بسبب ذلك. # PageV08P237 # ولما كان ضرب العنق والراس أوحى مهلك للإنسان، وكان العنق يستر في الحرب ~~غالبا، عبر بقوله: {فوق الأعناق} أي الرؤوس أو أعالي الأعناق منهم لأنها ~~مفاصل ومذابح. # ولما كان إفساد الأصابع أنكى ما يكون بعد ذلك لأنه يبطل قتال المضروب أو ~~كمال قتاله، قال: {واضربوا منهم كل بنان} أي فإنه لا مانع من ذلك لكوني ~~معكم، ثم علل تسليطهم عليهم بقوله: {ذلك} أي التسليط العظيم، وأخبر عنه ~~بقوله: {بأنهم} أي الذي تلبسوا الآن بالكفر ولو كانوا ممن يقضي بايمانه بعد ~~{شاقوا الله} أي الملك الأعلى الذي لا يطاق انتقامه {ورسوله} أي طلبوا أن ~~يكونوا بمخالفة الأوامر والنواهي في شق غير الذي فيه حزب الهدى في مكر منهم ~~وخداع، وشاقوه باشتهار السيف جهرا - ثم بين ما لفاعل ذلك، فقال عاطفا على ~~تقديره: فمن شاق الله ورسوله فافعلوا به ذلك، فإني فاعل به ما فعلت بهؤلاء، ~~وأظهر الإدغام في المضارع لأن القصة للعرب وأمرهم في عداوتهم كان بعد ~~الهجرة شديدا ومجاهرة، وأدغم في الماضي لأن ما مضى قبلها كان ما بين مساترة ~~بالمماكرة ومجاهرة بالمقاهرة، وعبر بالمضارع ندبا إلى التوبة بتقييد الوعيد ~~بالاستمرار، وأدغم في الحشر في الموضعين لأن القصة لليهود وأمرهم كان ضعيفا # PageV08P238 # ومساترة في مماكرة: {ومن يشاقق الله} أي الذي له الأمر كله فلا ms1744 أمر لأحد ~~معه ويشاقه سرا أو جهرا {ورسوله} بأن يكون في شق غير الشق الذي يرضيانه ~~{فإن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {شديد العقاب*} أي له هذه الصفة، ~~فليتوقع مشاققه عذابه، فالآية من الاحتباك: ذكر الفعل المدغم أولا دليل على ~~حذف المظهر ثانيا، والمظهر ثانيا على حذف المدغم أولا. # ولما ختم الآية ببيان السبب الموجب لإهانة الذين كفروا وبما له من الوصف ~~العظيم، أتبعه ما يقول لهم لبيان الحال عند ذلك بقوله التفاتا إليهم لمزيد ~~التبكيت والتوبيخ. # PageV08P239 # {ذلكم} أي هو سبحانه بما له من هذا الوصف الهائل يذيق عدوه من عذابه ما ~~لا طاقة لهم به ولا يدان، فيصير لسان الحال مخاطبا لهم نيابة عن المقال: ~~الأمر الذي حذرتكم منه الرسل وأتتكم به الكتب وكنتم تستهزئون به أيها ~~الكفرة هو هذا الأمر الشديد وقعه البعيد على من ينزل عليه دفعه دهمكم، فما ~~لكم لا تدافعونه! كلا والله شغل كلا ما قابله ولم يقدر أن يزاوله. # ولما كان ما وقع لهم في وقعة بدر من القتل والأسر والقهر يسيرا جدا ~~بالنسبة إلى ما لهم في الآخرة، سماه ذوقا لأنه يكون بالقليل ليعرف به حال ~~الكثير فقال: {فذوقوه} أي باشروه قهرا مباشرة # PageV08P239 # الذائق واعلموا أنه بالنسبة إلى ما تستقبلونه كالمذوق بالنسبة إلى المذوق ~~لأجله {وأن} أي والأمر الذي أتتكم به الرسل والكتب أن لكم مع هذا الذي ~~ذقتموه في الدنيا، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر تعميما وتعليقا بالوصف فقال: ~~{للكافرين} أي على كفرهم وإن لم يظهروا المشاققة {عذاب النار*} وهو مواقعكم ~~وهو أكبر وسترون. # ولما قرر إهانتهم في الدنيا والآخرة بما حسر عليهم القلوب، حسن أن يتبع ~~ذلك نهي من ادعى الإيمان عن الفرار منهم وتهديد من نكص عنهم بعد هذا البيان ~~وهو يدعي الإيمان فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي بما أتاهم من عند ربهم ~~{إذا لقيتم الذين كفروا} أي بآيات ربهم فشاققوه، وعبر عن حال لقائهم ~~بالمصدر مبالغة في التشبيه فقال: {زحفا} أي حال كونهم زاحفين محاربين وهم ms1745 ~~من الكثرة بحيث لا يدرك من حركتهم - وإن كانت سريعة - إلا مثلل الزحف {فلا ~~تولوهم الأدبار*} أي هربا منهم وإن كنتم أقل منهم {ومن يولهم} ولما كان ~~الأغلب في وقوع القتال النهار، وكان التولية مما لا يكون الظرف معيارا له ~~لأنها مما لا يمتد زمنه، فالعصيان يقع بمجرد الالتفات بقصد الفرار، ~~والتمادي تكرير أمثال، لا شرط في صحة # PageV08P240 # إطلاق الاسم، عبر باليوم، وجرده عن «في» ندبا إلى الكر بعد الفر مع عدم ~~الالتباس، فإن الظرف لا يكون معيارا للفعل إلا إذا كان ممتد الزمان كالصوم ~~فقال {يومئذ} أي إذ لقيتم على هذه الحالة في أي وقت كان من أوقات القتال من ~~ليل كان أو نهار {دبره} أي يجعل ظهره إليهم لشيء من الأشياء تولية لا يريد ~~الإقبال إلى القتال منها {إلا} أي حال كونه {متحرفا} أو الحال التحرف، وهو ~~الزوال عن جهة الاستواء {لقتال} أي لا يتسهل له إلا بذلك يخيل إلى عدوه أنه ~~منهزم خداعا له ثم يكر عليه {أو متحيزا} أي متنقلا من حيز إلى آخر ومتنحيا ~~{إلى فئة} أي جماعة أخرى من أهل حزبه هم أهل لآن يرجع إليهم ليستعين بهم أو ~~يعينهم. # ولما كان هذا محل توقع السامع للجواب وتفريغ ذهنه له، أجاب رابطا بالفاء ~~إعلاما بأن الفعل المحدث عنه سبب لهذا الجزاء فقال: {فقد باء} أي رجع {بغضب ~~من الله} اي الحائز لجميع صفات الكمال {ومأواه جهنم} أي تتجهمه كما أنه هاب ~~تجهم الكفار ولقاء الوجوه العابسة بوجه كالح عابس {وبئس المصير*} هذا إذا ~~لم يزد الكفار عن # PageV08P241 # الضعف - كما سيأتي النص به. # ولما تقدم إليهم في ذلك، علله بتقرير عزته وحكمته، وأن النصر ليس إلا من ~~عنده، فمن صح إيمانه لم يتوقف عن امتثال أوامره، فقال مسببا عن تحريمه ~~الفرار وإن كان العدو كثيرا، تذكيرا بما صنع لهم في بدر، ليجريهم على مثل ~~ذلك، ومنعا لهم من الإعجاب بما كان على أيديهم في ذلك اليوم من الخوارق ~~{فلم تقتلوهم} أي حل على المدبر الغضب ms1746 لأنه تبين لكل مؤمن أنه تعالى لا ~~يأمر أحدا إلا بما هو قادر سبحانه على تطويقه له، فإنه قد وضح مما يجري على ~~قوانين العوائد أنكم لم تقتلوا قتلى بدر وإن تعاطيتم أسباب قتلهم، لأنكم لم ~~تدخلوا قلوب ذلك الجيش العظيم الرعب الذي كان سبب هزيمتهم التي كانت سبب ~~قتل من قتلتم، لضعفكم عن مقاومتهم في العادة، وفيه مع ذلك زجر لهم عن أن ~~يقول أحد منهم على وجه الافتخار: قتلت كذا وكذا رجلا وفعلت كذا {ولكن الله} ~~أي الذي له الأمر كله فلا يخرج شيء عن مراده {قتلهم} أي بأن هزمهم لكم لما ~~رأوا الملائكة وامتلأت أعينهم من التراب الذي رماهم به صلى الله عليه وسلم ~~وقلوبهم جزعا حتى تمكنتم من قتلهم خرق عادة كان وعدكم بها، فصدق مقاله وتمت ~~أفعاله. # ولما رد ما باشروه إليه سبحانه، أتبعه ما باشره نبيه صلى الله عليه وسلم ~~دلالة على ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما رأى قريشا مقبلة قال: اللهم! ~~هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، فقال # PageV08P242 # جبرائيل عليه السلام: خذ قبضة من تراب فأرمهم بها، ففعل فملأت أعينهم ~~فانهزموا فقال: {وما رميت} أي يا سيد المؤمنين الرمل في أعين الكفار {إذ ~~رميت} أي أوقعت صورة قذفه من كفك، لأن هذا الأثر الذي وجد عن رميك خارق ~~للعادة، فمن الواضح أنه ليس فعلك، وهذا هو الجواب عن كونه لم يقل: فلم ~~تقتلوهم إذ قتلتموهم، لأن زهوق النفس عن الجراح المثخن هو العادة، فهم ~~الذين قتلوهم حين باشروا ضربهم، فلا يصح: فلم تقتلوهم حتى قتلتموهم، ~~والمنفي إنما هو السبب المتقدم على القتل الممكن من القتل، وهو تسكين ~~قلوبهم الناشىء عند إقدامهم وإرعاب الكفار الناشىء عند ضعفهم وانهزامهم ~~الممكن منهم، فالمنفي عنهم البداية والمنفي عنه صلى الله عليه وسلم الغاية، ~~أو أن الملائكة عليهم السلام لما باشرت قتل بعضهم صح أن ينفي عنهم قتل ~~المجموع مطلقا، أو أنهم لما افتخر بعضهم بقتل من قتل نفاه سبحانه عنهم ~~مطلقا لأن ms1747 مباشرتهم لقتل من قتل في جنب ما أعد لهم من الأسباب وأيدهم به من ~~الجنود عدم، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه فعل ما أمر به من رمي ~~الرمل ولم يعد فعله ولا ذكره، فأثبته سبحانه له مع نفي تأثيره عنه وإثباته ~~لمن إليه ترجع الأمور تأديبا منه سبحانه لهذه الأمة، أي لا ينظر أحد إلى ~~شيء من طاعته، فإنا قد نفينا هذا الفعل العظيم عن أكمل الخلق مع أنه عالم ~~مقر بأنه منا فليحذر الذي يرى له فعلا من عظيم سطواتنا، ولكن لينسب جميع ~~أفعاله الحسنة إلى الله تعالى كما نسب الرمي إليه بقوله: {ولكن الله} # PageV08P243 # أي الذي لا راد لأمره {رمى} لأنه الذي أوصل أثره بما كان هازما للكفار، ~~فعل ذلك كله ليبلي الكفار منه بأيدي من أراد من عباده بلاء عاقبته سيئة ~~{وليبلي المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان {منه} أي وحده {بلاء حسنا} أي من ~~النصر والغنيمة والأجر، ومادة بلاء يائية أو واوية بأي ترتيب كان تدور على ~~الخلطة، وتارة تكون مطلقة نحو أبلاه عذرا، وتارة بكثرة ومحاولة وعناء وهو ~~أغلب أحوال المادة، وتارة تكون للامتحان وأخرى لغيره، وماأباليه بالة - ~~أظنه من البال الذي هو الخاطر فهو من بول لا بلو، أجوف لا من ذوات الأربعة، ~~ومعناه: ما أفاعله بالبال، أي ما أكترث به فما أصرف خاطري إلى مخالطة ~~أحواله حيث يصرف خاطره إلي أي ما أفكر في أمره لهوانه علي وسيأتي بسط معاني ~~المادة إن شاء الله تعالى في سورة يوسف عليه السلام عند قوله تعالى # {ما بال النسوة} [يوسف: 50] وهذه المادة معناها ضد الدعة، لأن هذه يلزمها ~~شغل الخاطر الذي عنه ينشأ التعب بمدافعة الملابس، والدعة يلزمها هدوء السر ~~وفراغ البال الذي هو منشأ الراحة، فمعنى الآية أنه تعالى فعل ذلك من ~~الإمكان من إذلال الكفار ليخالطهم من شؤونه ما يكون لهم في مدافعته عاقبة ~~سيئة، وليخالط المؤمنين من ذلك ما يكون لهم في مزاولته عاقبة حسنة بل أحسن ~~من الراحة، لأنه يفضي بهم ms1748 # PageV08P244 # إلى راحة دائمة، والدعة تقضي إلى تعب طويل - والله موفق. # ولما ثبت بما مضى أن له تعالى الأفعال العظيمة والبطشات الجسمية. ودلت ~~أقوال من قال من المؤمنين: إنا لم نتأهب للقاء ذات الشوكة، على ضعف ~~العزائم؛ ختم الآية بقوله: {إن الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال ~~{سميع} أي لأقوالكم من الاستعانة في المعونة على النصرة وغيرها {عليم*} أي ~~بعزائمكم وإن لم تتكلموا بها، فهو يجازي المؤمن على حسب إيمانه والكافر على ~~ما يبدي ويخفي من كفرانه، الأمر {ذلكم} العظيم الشأن البعيد المتناول الذي ~~أمركم فيه بأوامره ونهاكم به عن مناهيه وأبلاكم فيه البلاء الحسن، وأراكم ~~بأعينكم توهينه لهذه الطائفة التي قصدتكم وأنتم عندها أكلة جزور وعصفور بين ~~يدي صقور، وبين لكم من علل ذلك وعجائب مقدوره ما لم يبق معه عذر لمؤمن، ~~فألزموا طاعته وسابقوا في طاعة رسوله ولا تنظروا في عاقبة شيء مما يأمر به، ~~فإنه ما ينطق عن الهوى بل إنما يأمر عنا، ونحن لم نأمر بشيء إلا بعد تدبيره ~~على أحكم الوجوه وأتقنها {وأن} أي والأمر أيضا أن {الله} أي الحاوي لجميع ~~صفات العز والعظمة {موهن} أي مضعف إضعافا شديدا ثابتا دائما أبدا {كيد ~~الكافرين*} أي الراسخين في الكفر جميعهم، فلا تهنوا في ابتغاء القوم وإن ~~نالكم قرح فإنا نجعله لكم تطهيرا وللكافرين تدميرا والعاقبة للتقوى، ~~فنطلعكم على عوراتهم ونلقي الرعب # PageV08P245 # في قلوبهم ونفرق كلمتهم وننقض ما أبرموا. # ولما تضمن ذلك إيقاع الإهانة بالكفار بهذه الوقعة، والوعد بإلزامهم ~~الإهانة فيما يأتي، كان ذلك مفصلا للالتفات إلى تهديدهم في قالب استجلائهم ~~والاستهزاء بهم وتفخيم أمر المؤمنين فقال: {إن تستفتحوا} أي تسألوا الفتح ~~أيها الكفار بعد هذا اليوم كما استفتحتم في هذه الوقعة عند أخذكم أستار ~~الكعبة وقت خروجكم بقولكم: اللهم انصر أهدى الحزبين، وأكرم الجندين، وأعلى ~~الفئتين، وأفضل الدينين، ووقت ترائي الجمعين؛ بقول أبي جهل: اللهم أقطعنا ~~للرحم وآتانا بما لا يعلم فأحنه الغداة؛ أتاكم الفتح كما أتاكم في هذا ~~اليوم {فقد جاءكم} أي في هذا اليوم ms1749 بنصر المؤمنين {الفتح} أي الذي استفتحتم ~~له لأنهم أهدى الفئتين وأكرم الطائفتين {وإن تنتهوا} أي بعد هذا عن مثل هذه ~~الأقوال والأفعال المتضمنه للشك أو العناد {فهو خير لكم} وقد رأيتم دلائل ~~ذلك {وإن تعودوا} أي إلى المغالبة لأنكم لم تنتهوا {نعد} أي إلى خذلانكم ~~{ولن تغني عنكم} أي أبدا {فئتكم} أي جماعتكم التي ترجعون إليها للاعتزاز ~~بها {شيئا} أي من الإغناء {ولو كثرت} لأن الله على الكافرين {وأن الله} أي ~~الملك الأعظم {مع المؤمنين*} أي الراسخين في الإيمان، ولعله عبر المستقبل ~~في الشرط والماضي في الجزاء # PageV08P246 # إشارة إلى أنكم استفتحتم في بدر وجاءكم من الفتح ما رأيتم، فإن كان ~~أعجبكم فألزموه في المستقبل، فإني لا أجيئكم أبدا ما دمتم على حالكم إلا ~~بما جئتكم به يومئذ، والفتح يحتمل أن يكون بمعنى النصر فيكون تهكما بهم، ~~وأن يكون بمعنى القضاء. # ولما كان سبب ما أحله بالكفار - من الإعراض عن إجابتهم فيما قصدوا من ~~دعائهم ومن خذلانهم في هذه الوقعة وإيجاب مثل ذلك لهم أبدا - هو عصيانهم ~~الرسول وتوليهم عن قبول ما يسمعونه منه من الروح؛ حذر المؤمنين من مثل ~~حالهم بالتمادي في التنازع في الغنيمة أو غيرها فقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا} أي ادعوا ذلك {أطيعوا الله} أي الذي له جميع العز والعظمة {ورسوله} ~~تصديقا لدعواكم الإيمان. # ولما كانت طاعة الرسول هي طاعة الله لأنه إنما يدعوه إليه وإنما خلقه ~~القرآن، وحد الضمير فقال: {ولا تولوا عنه} أي عن الرسول في حال من الأحوال، ~~في أمر من الأوامر من الجهاد وغيره، من الغنائم وغيرها، خف أو ثقل، سهل أو ~~صعب {وأنتم} اي والحال أنكم {تسمعون*} أي لكم سمع لما يقوله، أو وأنتم ~~تصدقونه، لأن ارتكاب شيء من ذلك يكذب دعوى الإيمان وينطبق علىأحوال الكفار، ~~وإلى ذلك إشارة بقوله: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا} أي بآذاننا {وهم لا ~~يسمعون*} أي لا يستجبون فكأنهم لم يسمعوا، لما انتفت # PageV08P247 # الثمرة عد المثمر عدما. # PageV08P248 # ولما كانت حال من هذا شأنه مشابهة لحال الأصم في ms1750 عدم السماع لعدم ~~الانتفاع به، والأبكم في عدم كلامه لعدم تكلمه بما ينفع، والعادم للعقل في ~~عدم عقله لعدم انتفاعه به، قال معللا لهذا النهي معبرا بأنسب الأشياء لما ~~وصفهم به: {إن شر الدواب} أي التي تدب على وجه الأرض، جعلهم من جنس الحشرات ~~أو البهائم ثم جعلهم شرها. # ولما كان لهم من يفضلهم، وكانت العبرة بما عنده سبحانه، قال تعالى: {عند ~~الله} أي الذي له جميع الكمال من إحاطة العلم والقدرة وغيرها {الصم البكم} ~~أي الطرش الخرس طرشا وخرسا بالغين {الذين لا يعقلون*} أي لا يتجدد لهم عقل، ~~ومن لم ينتفع بسماع الداعي كان كذلك. # ولما كان ذلك ربما دعا السامع إلى أن يقول: ما للقادر لم يقبل بمن هذا ~~شأنه إلى الخير؟ أجاب بأنه جبلهم من أول الأمر - وله أن يفعل في ملكه وملكه ~~ما يريد - جبلة عريقة في الفساد، وجعل جواهرهم شريرة كجوهر العقرب التي لا ~~تقبل التأديب بوجه ولا تمر بشيء إلا لسبته، فعلم سبحانه أنه لا خير فيهم ~~فتركهم على ما علم منهم {ولو علم الله} أي الذي له الكمال كله {فيهم خيرا} ~~أي قبولا للخير {لأسمعهم} أي إسماعا هو الإسماع، وهو ما تعقبه الإجابة ~~المستمرة. # PageV08P248 # ولما كان علم الله تعالى محيطا، وجب أن يعلم كل ما كان حاصلا، فكان عدم ~~علمه بوجود الشيء من لوازم عدمه، فلا جرم كان التقدير هنا: ولكنه لم يعلم ~~فيهم خيرا، بل علم أنه لا خير فيهم فلم يسمعهم هذا الإسماع {ولو أسمعهم} ~~وهم على هذه الحالة من عدم القابلية للخير إسماعا قسرهم فيه على الإجابة ~~{لتولوا} أي بعد إجابتهم {وهم معرضون*} أي ثابت إعراضهم مرتدين على ~~أعقابهم، ولم يستمروا على إجابتهم لماة جبلوا عليه من ملاءمة الشر ومباعدة ~~الخير، فلم يريدوا الإسلام وأهله بعد إقبالهم إلا وهنا، وكما كان لأهل ~~الردة الذين قتلوا مرتدين بعد أن كانوا دخلوا في الإسلام خوفا من السيف ~~ورغبة في المال وهو من وادي {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] ~~فإن علم ms1751 الله تعالى أربعة أقسام: جملة الموجودات، وجملة المعدومات، وأن كل ~~واحد من الموجودات لو كان معدوما كيف يكون حاله، وأن كل واحد من المعدومات ~~لو كان موجودا كيف يكون حاله، والقسمان الأولان علم بالواقع، والآخران علم ~~بالقدر، والآية من القسم الأخير، ولعمري إنا دفعنا إلى زمان أغلب من فيه ~~على قريب من هذا الأمر، أجرأ الناس على الباطل، وأثبتهم في المصاولة فيه، ~~وأوسعهم حبلا في التوصيل إليه، وأجبنهم عند الدعوة # PageV08P249 # إلى الحق، وأسرعهم نكوصا عند الإقدام بعد جهد عليه، وألكنهم عند الجدال ~~له، فصار ما كان مقدرا مفروضا حاصلا وموجودا، وكلمة {لو} هنا يحتمل أن تكون ~~هي التي يعلق بها أمر على آخر هو بضده أولى فيكون المراد أن المعلق. # وهو الثاني - موجود دائما مثل قول عمر رضي الله عنه: نعم العبد صهيب رضي ~~الله عنه! لو لم يخف الله لم يعصه، فالمراد هنا على هذا أنهم إذا كانوا ~~يتولون مع الإسماع والإجابة، فتوليهم مع عدمهما أولى - نبه على ذلك الرازي، ~~ويحتمل أن يكون على بابها من أن الجزءين بعدها منفيان، وانتفاء التولي إنما ~~يكون خيرا إذا نشأ عن الإسماع المترتب على علم الخير فيهم، وأما عدمه لعدم ~~إسماعهم الإسماع الموصوف لأنه لا خير فيهم فليس من الخير في شيء بل هو شر ~~مخص، التولي المنفي عنهم ليس هو الموجود منهم، بل هو الناشىء عن الإسماع ~~الموصوف فلا يناقض ادعاؤه تحقق عنادهم وعدم انقيادهم، وتحقيقه أن المنفي ~~إنما هو زيادة التولي الناشئة عن الإسماع، فالمعنى: ولو أسمعهم لزادوا ~~إعراضا، فالمنفي في هذا السياق تلك الزيادة - والله الموفق. # PageV08P250 # ولما كان ما مضى من نكال الكافرين مسببا عن عدم الاستجابة، أمر المؤمنين ~~بها تحذيرا من الكون الكفرة في مثل حالهم فيحشروا معهم في مآلهم فقال: {يا ~~أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم {استجيبوا} أي صدقوا دعواكم ~~ذلك بإيجاد الإجابة إيجاد من هو في غاية الرغبة فيها {لله} أي واجعلوا ~~إجابتكم هذه خاصة للذي له جميع صفات الكمال {وللرسول} الذي أرسله إلى ms1752 جميع ~~الخلق. # ولما كان صلى الله عليه وسلم يدعوهم لا محالة لأن الله تعالى أمره ~~بدعائهم، وكان لا يدعوهم إلا إلى ما أمره الله به، وكان سبحانه لا يدعو إلا ~~إلى صلاح ورشد؛ عبر بأداة التحقيق ووحد الضمير وشوق بإثمار الحياة فقال: ~~{إذا دعاكم} أي الرسول بالندب والتحريض. # ولما كان اجتناء ثمرة الطاعة في غاية القرب، نبه على ذلك باللام دون ~~«إلى» فقال: {لما يحييكم} أي ينقلكم بعز الإيمان والعلم عن حال الكفرة من ~~الصمم والبكم وعدم العقل الذي هو الموت المعنوي إلى الحياة المعنوية، ولا ~~يعوقكم عن الاستجابة في أمر من الأمور أن تقولوا: إنا استجبنا إلى الإيمان ~~وكثير من شرائعه، فلولا أن ربنا علم فينا الخير ما أسمعنا، فنحن ناجون؛ روى ~~البخاري في التفسير وغيره عن أبي سعيد ابن المعلي رضي الله عنه قال: «كنت ~~أصلي فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني فلم آته حتى صليت ثم ~~أتيته فقال: ما منعك أن تأتي؟ فقلت كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله {يا أيها ~~الذين آمنوا استجيبوا} - # PageV08P251 # الآية، ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد، فذهب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرت له فقال: هي {الحمد لله رب ~~العلمين} [الفاتحة: 1] » هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته «» # وللترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ~~على أبي بن كعب رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبي! ~~وهو يصلي، فالتفت أبي فلم يجبه وصلى أبي فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يارسول الله! فقال رسول صلى الله عليه ~~وسلم: يا أبي! وهو يصلي، فالتفت أبي فلم يجبه وصلى أبي فخفف، ثم انصرف إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله! فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام، ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ ~~دعوتك، فقال: ms1753 يا رسول الله! إني كنت في الصلاة، قال: فلم تجد فيما أوحي ~~الله إلي أن {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] ~~قال: بلى! ولا أعود إن شاء الله! قال: تجب أن أعلمك سورة لم ينزل في ~~التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قال: نعم، يا ~~رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تقرأ في الصلاة؟ قال: ~~فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده! ما ~~أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، ~~وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته» - هذا حديث حسن صحيح. # ولما كان الإنسان إذا كان على حالة يستعبد جدا أن يصبر على # PageV08P252 # غيرها، قال تعالى مرغبا مرهبا: {واعلموا أن الله} أي الذي له جميع العظمة ~~{يحول} أي بشمول علمه وكمال قدرته {بين المرء وقلبه} فيرده إلى ما علم منه ~~فيصير فيما كشفه الحال كافرا معاندا بعد أن كان في ظاهر الحال مؤمنا ~~مستسلما فيكون ممن علم الله أنه لا خير فيه وقسره على الإجابة فلم يستمر ~~عليها، ويرد الكافر بعد عناده إلى الإيمان بغاية ما يرى من سهولة قيادة، ~~فكنى سبحانه بشدة القرب اللازم للحيلولة عن شدة الاقتدار على تبديل العزائم ~~والمرادات، وهو تحريض على المبادرة إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ما ~~دامت القلوب مقبلة على ذلك خوفا من تغييرها. # ولما خوفهم عاقبة الحال، حذرهم شأن المآل فقال: {وأنه} أي واعلموا أنه ~~تعالى {إليه تحشرون*} لا إلى غيره، فيحشر المستجيبين في زمرة المؤمنين، ~~والمعرضين في عداد الكافرين وإن أبوا حكما واحدا، لأن الدين لا يتجزأ، وقدم ~~علم أن «إذا» ليست قيدا وإنما هي تنبيه على وجوب اتباعه في كل ما يدعو إليه ~~لعصمته، وحكمة الإتيان بها الإعلام بأنه ما ترك خيرا إلا دعا إليه؛ قال ~~الحرالي في أواخر كتاب له في أصوال الفقه: ولها - أي العصمة - معنيان: ~~أحدهما عصمة الحفظ، وهو معنى ينشأ ms1754 من التزام الحكم عليه بماضي شرعته، وهي ~~العصمة العامة للأنبياء، وفي هذه الرتبة يقع الكلام في الحفظ من الصغائر ~~بعد # PageV08P253 # الاتفاق على الحفظ عما يخل بالتبليغ ويحط الرتبة والكبائر، وحقيقة ~~الصغائر مقدمات الذنوب التي لم تتم، فيكون تمامها كبيرتها، وعلى ذلك بنى ~~قوم احتمال وقوع الفعل محظورا من نبي، وكل ذلك - وإن كان من أحوال أنبياء - ~~فإن المتحقق من أمر النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو علو عن هذا المحل؛ ~~المعنى الثاني من العصمة رفع الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم بما حفظه ~~الحافظ من ماضي ظاهر شرعته وبما بلغ إليه فهمه من مبادىء التنشؤ من سننه، ~~واتخاذ فعله مبدأ للأحكام في كل آن من غير التفات لما تقرر في ماضي الزمان، ~~وهذه هي العصمة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم الجامع، فلا يكون لفعله ~~حكم إلا ما يفهمه إنباؤه عن حال وقوعه، ويكون الأحكام تبعا لفعله، لا أن ~~فعله يتبع حكما، فهذا وجه عصمته الخاصة الممتنع عليها جواز الخروج عنها، ~~فمن كان يسبق إليه من أكابر الصحابة نحو من هذا المعنى لا يتوقف في شيء من ~~أمره كالصديق رضي الله عنه وكما كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في ~~اقتدائه حتى في إدارة راحلته وصبغه بالصفرة ولبسه النعال السبتية ونحو ذلك ~~من أمره وأمر من حذا منهم هذا الحذو، ومن كان يتوهم الحكم عليه بمقتضى علمه ~~وفهمه من أمر شرعته لا يكاد يسلم من وقوع في أمر يرد عليه انتحاله كما حكم ~~أبي رضي الله عنه لما كان يصلي بإمضاء عمل الصلاة إذ دعاه حتى بين له قصور ~~فهمه عن الله # PageV08P254 # في حقه أي بقوله: ألم تسمع الله يقول {استجيبوا لله وللرسول} وكالذي قال: ~~انزل فاجدع لنا، فقال: إن عليك نهارا، فقال له في الثالثة أو الرابعة: انزل ~~فاجدع لنا ويلك أو ويحك! فإذا وضح أن فعله مبدأ الحكم ومعلم الإنباء لزم ~~صحة التأسي به في جميع أحواله، إما على بيان من تعين رتبة الحكم ms1755 من وجوب أو ~~ندب أو أباحة، أو على مطلق التأسي مع إبهام رتبة الحكم والاتكال على ما ~~عنده هو صلى الله عليه وسلم من العلم، فنية التأسي به على إبهام في الحكم ~~ربما كان أتم من العمل بما تبين حكمه، أحرم علي رضي الله عنه وهو باليمن، ~~توجه إلى مكه بإحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتطرق لشيء من أمره ~~صلى الله عليه وسلم بما وقع من كونه يفتي بأمر ثم يوافق في غيره، لأن الآخذ ~~في ذلك عن قصور في العلم بمكانته من علم رحمانية الله وكلمته وتنزيله إلى ~~موافقة أمر سنة الله وحكمته نحو الذي أفتاه بتكفير الجهاد كل ذنب بناء على ~~علمه برحمانية الله وإمضاء كلمته، ثم ذكر له ما قال جبرائيل عليه السلام من ~~استثناء الدين الدين مما أنزل على حكم أمر الله في محكم شرعته وسنته، يعني ~~- والله أعلم - أن من صح جهاده تكفر كل ذنوبه، وأن توقف الدين على إرضاء ~~الله لخصمه، فالإخبار بالكفارة ناظر إلى المآل، والإخبار بنفيها ناظر إلى ~~الابتداء، وكذلك أفتى بترك التلقيح بناء على إنفاذ كلمة الله، وردهم غلى ~~عادة دنياهم حين لم يتجشموا الصبر # PageV08P255 # إلى ظهور كلمة الله على مستمر عادته، فقد عمل بأول فتياه غير واحد ممن لم ~~يسترب في نفاذ حكمه وصحته فأخفق ثمرات ثلاث سنين ثم عاد - في غنى عن ~~التلقيح - إلى أحسن من حاله في متقدم عادته، ولا يتقاصر عن إدراك ذلك من ~~أمره في كل نازلة من نحوه إلا من لم يسم به التأييد إلى معرفة حظ من ~~مكانته، فإذا وضح ذلك فكل فعل فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان ~~بيانا لواجب فهو منج من عقاب الله، وإن كان تعليما لقربي من الله فهو وصلة ~~إلى محبة الله كما قال تعالى # {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] وإن لم ~~يتضح له مجمل منهما تأسى بها على إبهام يغنيه عمله وتعلو به نيته، وما كان ~~مختصا ms1756 به فلا بد من إظهار أمر اختصاصه بخطاب من الله سبحانه أو منه عليه ~~السلام كما قال تعالى {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50]-انتهى. # PageV08P256 # ولما كان لمجيب ربما قال: ليس علي إلا الإجابة في خاصة نفسي، وليس علي ~~تعريض نفسي للأذى بالأخذ على يد غيري، نبه سبحانه على أن ذلك منابذة للدين ~~واجتثاث له من أصله، لأن ترك العاصي على عصيانه كترك الكافر على كفرانه، ~~وذلك موجب لعموم البلاء، ومزيد القضاء فقال تعالى: {واتقوا فتنة} أي بلاء ~~مميلا محيلا إن لا تتقوه يعمكم، هكذا كان الأصل، لكن لما كان نهي الفتنة ~~على إصابتهم # PageV08P256 # أروع من سوق ذلك مساق الشرط ومن نهيهم عن التعريض لها لما فيه من تصوير ~~حضورها وفهمها للنهي أتى به، ولما كان نهيها عن تخصيص الظالم أشد روعة ~~لإفهامه، أمرها بأن تعم؛ قال مجيبا للأمر: {لا تصيبن} ولحقه نون التأكيد ~~لأن فيه معنى النهي {الذين ظلموا} أي فعلوا بموافقة المعصية ما لا يفعله ~~إلا من لا نور له {منكم} أيها المأمورن بالتقوى {خاصة} أي بل تعمكم، فهو ~~نهي للفتنة والمراد نهي مباشرتها، أي لا يفعل أحد منكم الذنب يصبكم أثره ~~عموما أو لا يباشر أسباب العذاب بعضكم والبعض الآخر مقر له يعمكم الله به، ~~وذلك مثل: لا أرينك هاهنا، والمعنى فكن هاهنا فأراك فالتقدير: واجعلوا ~~بينكم وبين البلاء العام وقاية بإصلاح ذات بينكم واجتماع كلمتكم على أمر ~~الله ورد من خالف إلى أمر الله ولا تختلفوا كما اختلفتم في أمر الغنيمة ~~فتفشلوا فيسلط عليكم عذاب عام من أعدائكم أو غيرهم، فإن كان الطائع منكم ~~أقوى من العاصي أو ليس أضعف منه فلم يرده فقد اشترك الكل في الظلم، ذلك ~~بفعله وهذا برضاه، فيكون العذاب عذاب انتقام للجميع؛ روى أصحاب السنن ~~الأربعة وحسنه الترميذي عن أبي الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها: ~~أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية وتأولونها على خلاف تأويلها {يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} ms1757 [المائدة: 105] إني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من قوم # PageV08P257 # عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم ~~الله بعذاب من عنده» ؛ وللترمذي وحسنه عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيد! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن ~~المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم» ~~؛ وللإمام أحمد عنه رضي الله عنه أنه قال: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن ~~المنكر ولتحاضن على الخير أو ليسحتنكم الله جميعا بعذاب أو ليؤمرن الله ~~عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم. وهو في حكم المرفوع لأنه لا ~~يقال من قبل الرأي، فإن كان الطائع أضعف من العاصي نزل على ما روى أبو داود ~~والترمذي - وحسنه - وابن ماجه عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أنه قيل ~~له: # «كيف تقول في هذه الآية {عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] فقال: أما والله ~~لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل ائتمروا بالمعروف ~~وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودينا مؤثرة وإعجاب ~~كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيام ~~الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا ~~يعملون مثل عمله، قال: يارسول الله! أجر خمسين رجلا منهم؟ قال: أجر خمسين ~~منكم» والأحاديث في مثله كثيرة، # PageV08P258 # وحينئذ يكون العذاب للعاصي نقمة وللطائع رحمة ويبعثون على نياتهم. # ولما حذرهم سبحانه عموم البلاء، أتبعه الإعلام بأنه قادر مربوب ليلزموا ~~سبيل الاستقامه فقال: {واعلموا أن الله} أي الذي له الإحاطة بصفات العظمة ~~{شديد العقاب*} . # ولما كان من أشد العقاب الإذلال، حذرهموه بالتذكير بما كانوا فيه من ~~الذل، لأنه أبعث على الشكر وأزجر عن الكفر فقال: {واذكروا} وذكر المفعول به ~~فقال: {إذ أنتم} أي في أوائل الإسلام {قليل} أي عددكم. # ولما كان وجود مطلق الاستضعاف دالا على غاية الضعف بنى للمفعول قوله: ~~{مستضعفون} ms1758 أي لا منفذ عندكم {في الأرض} أطلقها والمراد مكة، لأنها لعظمها ~~كأنها هي الأرض كلها، ولأن حالهم كان في بقية البلاد كحالهم فيها أو قريبا ~~من ذلك، ولذلك عبر الناس في قوله: {تخافون} أي في حال اجتماعكم فكيف عند ~~الانفراد {أن يتخطفكم} أي على سبيل التدريج {الناس} أي كما تتخطف الجوارح ~~الصيود، فحذرهم سبحانه - بالتنبيه على قادر على أن يعيدهم إلى ما كانوا ~~عليه - من هذه الأحوال بالمخالفة بين كلمتهم وترك التسبب إلى اجتماعها ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك # PageV08P259 # أيضا إشارة إلى أنهم لما كانوا في تلك الحالة التي هي في غاية الضعف، ~~وكانت كلمتهم مجتمعه على أمر الله الذي هو توحيده وطاعة رسوله، أعقبهم ~~الإيواء في دار منيعة، قد أيدهم بالنصر وأحسن رزقهم، وذلك معنى قوله تعالى ~~مسببا عما قبله: {فآواكم} أي في دار الهجرة رحمة لكم {وأيدكم بنصره} أي ~~بأهلها مع الملائكة {ورزقكم من الطيبات} أي الغنائم الكاملة الطيبة ~~بالإحلال وعدم المنازع التي لم تحل لأحد قبلكم وغيرها {لعلكم تشكرون*} أي ~~ليكون حالكم حال من يرجى شكره، فيكون بعيدا عن المنازعه في الأنفال، وذلك ~~إشارة إلى أنهم مهما استمروا على تلك الحالة، كان - بإقبالهم على مثل ما ~~أتاهم به وزادهم من فضله - أن جعلهم سادة في الدارين بما يهب لهم من ~~الفرقان الآتي في الآية بعدها والتوفيق عند إتيانه، فالآية منصبة إلى ~~الصحابه بالقصد الأول وهي صالحة للعرب كافة فتنصرف إليهم بالقصد الثاني؛ ~~قال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذل الناس وأشقاهم عيشا وأجوعهم بطنا ~~وأعراهم جلدا وأبينهم ضلالا، من عاش شقيا ومن مات منهم تردى في النار ~~معكوفين على رأس الحجرين الشديدين: فارس والروم، يؤكلون ولا يأكلون، وما في ~~بلادهم شيء عليه يحسدون حتى جاء الله بالإسلام، فمكن لهم من البلاد ووسع ~~لهم في الرزق والغنائم وجعلهم ملوكا على قارب الناس، وبالإسلام أعطى الله ~~ما رأيتم فاشكروا الله على # PageV08P260 # نعمه، فإن ربكم يحب شكره والشاكر في مزيد من الله تعالى. # ولما ختم الآية هو ms1759 في غاية النصيحة منه تعالى لهم من الإيواء والنصر ~~والرزق الطيب المشار به إلى الامتنان بإحلال المنعم، وختم ذلك بالحث على ~~الشكر؛ نهانا عن تضييع الشكر في ذلك بالخيانة في أوامره بالغلول أو غيره ~~فقال: {يا أيها الذين آمنوا} تذكيرا بما ألزموا به أنفسهم من الوفاء {لا ~~تخونوا الله} أي تنقصوا من حقوق الملك الأعظم، فإن أصل الخون النقص ثم ~~استعمل في ضد الأمانه والوفاء فصارت نقصا خاصا {والرسول} بغلول ولا غيره، ~~بل أدوا الأمانه في جميع ذلك، ولعله كرر العامل في قوله: {وتخونوا ~~آماناتكم} من الفرائض والحدود والنوافل وغيرها إشارة إلى أن الخيانتين ~~مختلفتان، فخيانتهم لله حقيقة، وخيانتهم للأمانه استعارة، لأن حاملها لما ~~أخل بها كان كأنه خانها؛ وخفف عنهم بقوله: {وأنتم تعلمون*} حال الغفلة ~~ونحوها، ويجوز أن يكون المفعول غير مراد فيكون المعنى: وأنتم علماء، ويكون ~~ذلك مبالغة في النهي عنها بأنهم جديرون بأن لا يقبل منهم عذر بجهل ولا ~~نسيان لأنهم علماء، والعالم هو العارف بالله، والعارف لا ينبغي أن ينفك عن ~~المراقبة. # PageV08P261 # ولما كان سبب الخيانة غالبا محبة المال أو الولد، وكان سبب التقاول ~~المسبب عنه إنزال هذه السورة - كما سلف بيانه أولها - الأموال من # PageV08P261 # الأنفال، وكان من أعظم الخيانة في الأنفال الغلول، وكان الحامل على ~~الغلول المحنة بحب جمع المال إما استلذاذا به أو لإنفاقه على محبوب، وكان ~~الولد أعز محبوب؛ حسن كل الحسن إيلاء ذلك قوله: {واعلموا} وهي كلمة ينبه ~~بها السامع على أن ما بعدها مهم جدا {أنما أموالكم} قلت أو جلت هانت أو عزت ~~{وأولادكم} كذلك {فتنة} أي سببها، يفعل الله بها فعل المختبر لينكشف للعباد ~~من يغتر بالعاجل الفاني ممن تسمو نفسه عن ذلك، فلا يحملنكم ذلك على مخالفة ~~أمر الله فتهلكوا {وأن الله} أي المحيط بكل كمال {عنده أجر عظيم*} عاجلا ~~وآجلا لمن وقف عند حدوده، فيحفظ له ماله ويثمر أولاده ويبارك له فيهم مع ما ~~يدخر له في دار السعادة، وعنده عذاب أليم لمن ضيعها، فأقبلوا بجميع هممكم ~~إليه ms1760 تسعدوا، وزاد وضعها هنا حسنا سبب نزول التي قبلها من قصة أبي لبابة ~~رضي الله عنه الحامل عليها ماله وولده، وكانت قصته في قريظة سنة خمس وغزوة ~~بدر في السنة الثانية. # ولما ذكرهم ما كانوا عليه قبل الهجرة من الضعف، وامتن عليهم بما أعزهم ~~به، وختم هذه بالتحذير من الأموال والأولاد الموقعة في الردى، وبتعظيم ما ~~عنده الحامل على الرجاء، تلاها بالأمر بالتقوى الناهية عن الهوى بالإشارة ~~إلى الخوف من سطواته إشارة إلى أنه يجب الجمع # PageV08P262 # بينهما، وبين تعالى أنه يتسبب عنه الأمن من غيره في الأولى والنجاة من ~~عذابه في الأخرى فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} تكريرا لهذا الوصف ~~تذكيرا بما يلزم بادعائه {إن تتقوا الله} بإصلاح ذات بينكم، وذلك جامع لأمر ~~الدين كله {يجعل لكم فرقانا} أي نصرا، لأن مادة «فرق» ترجع إلى الفصل، فكأن ~~الشيء إذا كان متصلا كان كل جزء منه مقهورا على ملازمة صاحبه، فإذا جعل له ~~قوة الفرق قدر على الاتصال والانفصال، فحقيقته: يجعل لكم عزا تصيرون به ~~بحيث تفترقون ممن أردتم متى أردتم وتتصلون بمن أردتم متى أردتم لما عندكم ~~من عزة الممانعة، وتفرقون بين من أردتم متى أردتم لما لديكم من قوة ~~المدافعة، أي يجعل لكم ما يصير لكم به قوة التصرف فيما تريدون من الفصل ~~والوصل الذي هو وظيفة السادة المرجوع إلى قولهم عند التنازع، لا كما كنتم ~~في مكة، لا تأمنون في المقام ولا تقدرون على الكلام - فضلا عن الخصام - إلا ~~على تهيب شديد، ومع ذلك فلا يؤثر كلامكم أثرا يسمى به فارقا، والفاروق من ~~الناس الذي يفرق بين الأمور ويفصلها، وبه سمي عمر رضي الله عنه لأنه أظهر ~~الإسلام بمكة إظهارا فيه عز وقوة، جعل فيه الإيمان مفارقا للكفر لا يخافه، ~~وفرق - بالكسر بمعنى خاف - يرجع إلى ما دارت عليه المادة، فإن المراد به: ~~تفرقت همومه من اتساع الخوف، والفرق الذي هو المكيال الكبير كأنه هو الفارق ~~بين الغني والفقير، قال الهروي: هو اثنا عشر مدا: وأفرق من ms1761 علته - # PageV08P263 # إذا برىء، أي صارت له حالة فرقت بين صحته ومرضه الذي كان به، ومنه ~~الفريقة وهي تمر وحلبة يطبخ للنفساء؛ وقرفت الشيء - بتقديم القاف: قشرته، ~~والقرف: الخلط، كأنه من الإزالة، لأنهم قالوا: إن «فعل» يدخل في كل باب، ~~ومنه: قرف الشيء واقترافه: اكتسبه، والاقتراف بمعنى الجماع، ويمكن أن يرجع ~~إلى الوعاء لأن القرف الوعاء، لأنه يفصل مظروفه عن غيره، وفلان قرفتي، أي ~~موضع ظني منه كأنه صار وعاء لذلك، وفرس مقرف، أي بين القرفة، أي هجين لأنه ~~واضح التميز من العربي، وقرف بسوء: رمى به، أي جعل وعاء له أو فرق همومه؛ ~~والقفر - بتقديم القاف: المكان الخالي لانفصاله من الناس، وأقفر المكان: ~~خلا، وأقفر الرجل من أهله: انفرد عنهم، وقفر الطعام: خلا من الأدم، ورجل ~~قفر الرأس: لا شعر عليه لانفصاله عنه، وقفر الجسد: لا لحم عليه، والقفار: ~~الطعام لا أدم له، واقتفرت الأثر: اتبعته لتفصله من غيره؛ والفقرة - بتقديم ~~الفاء - والفقار: ما تنضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب لتميز كل ~~واحدة عن أختها، وفقرت الأرض فقرا: حفرتها حفرا، # PageV08P264 # فصارت كل واحدة منفصلة من الأخرى، والفاقرة: الداهية الكاسرة للفقار، ~~ومنه الفقر والافتقار للحاجة، وأفقرني دابته: أعارني ظهرها، وراميته من ~~أدنى فقرة: من أدنى معلم لأن المعالم منفصل بعضها عن بعض، والتقفر في رجل ~~الدابة بياض لانفصاله عن بقية لونها، ورفقت بالأمر: لطفت به، ولا يكون ذلك ~~إلا بفصله عما يضره، ومنه الرفيق للصاحب من الرفقة، والمرفق من ذلك لما ~~يحصل به من اللطف. # ولما كان الإنسان محل النقصان فلا يخلو من زلة أو هفوة، أشار إلى ذلك ~~بقوله: {ويكفر عنكم سيئاتكم} أي يسترها ما دمتم على التقوى {ويغفر لكم} أي ~~يمحو ما كان منكم غير صالح عينا وأثرا، وفيه تنبيه لهم على أن السادات على ~~خطر عظيم لأنهم مأمورون بالمساواة بين الناس، والنفس مجبولة على ترجيح من ~~لاءمها على من نافرها، وإشارة إلى أن الحكم بالعدل في أعلى الدرجات لا ~~يتسنمه إلا الفرد النادر، وقوله: {والله} ms1762 أي المحيط بجميع صفات الكمال {ذو ~~الفضل العظيم*} مرج للزيادة على الكفارة والمغفرة من فضله، ومعلم بأنه لا ~~يمتنع عليه شيء، فمن الممكن أن يلزم كلا منهم طريق العدل وإن كانت من خرق ~~العادة في أعلى محل، وفي الآية أعظم مناسبة لقصة أبي لبابة رضي الله عنه ~~لأنه لما كان الحامل له على ما فعل بنفسه من العقوبة التقوى، فكفرت عنه ~~خطيئته وغفر له، # PageV08P265 # عقبت بها ترغيبا لغيره في الإسراع بالتوبة عند مواقعة الهفوة، وختم هذه ~~الآية بالفضل على ما كان من نقص، إشارة إلى تفضله سبحانه بما رزق أهل ~~الإسلام من علو المنزلة وانتشار الهيبة وفخامة الأمر في قلوب المخالفين كما ~~هو مشاهد، وختم الآية المحذرة من المداهنة بشديد العقاب، إشارة إلى ما ~~ألبسهم من الأحوال المذكورة في التي تليها من قلة منعتهم واستضعافهم وخوفهم ~~من تخطف المخالفين لهم، ولكنه تعالى رحمهم بأن جعل ذلك من بعضهم ممن يشمله ~~اسم الإسلام لبعض، لا من غيرهم فلبسهم شيعا وأذاق بعضهم بأس بعض، فكل خائف ~~من الآخر، وصار المتقي من كثرة المخالف لا يزال من المعاطب والمتالف خائفا ~~يترقب، ومباعدا لا يقرب، على أنهم لا يعدمون أنصارا يؤيدهم الله بهم، ولا ~~يزال أهل الظلم يختلفون فيما بينهم فيرجع الفريقان إليهم ويعولون عليهم، ~~فمن نصروه فهو المنصور، فكلامهم عند المضايق هو الفرقان، ولهم في قلوب ~~الظالمين هيبة وإن نزلت بهم الحال أكثر مما للظلمة في قلوبهم من الهيبة ~~ليتيقن الكل أنهم على الحق الذي الله ناصره، وأن أهل الشر على الباطل الذي ~~الله خاذله، قال الحسن البصري رحمه الله في حق العالين في الأرض: أما ~~والله! إن للمعصية في قلوبهم لذلا وإن طفطف # PageV08P266 # بهم اللحم، فقد انقسم الخوف بينهم نصفين وشتان ما بين الحزبين، فخوفهم ~~يزيدهم الله به أجرا ويجعله لهم ذخرا، وخوف أهل الباطل يزيدهم به وزورا ~~ويجعله لدينه أزرا، فهذه حقيقة الحال في وصف أهل الحق والمحال. # ولما وعد سبحانه بهذا الفضل العظيم والنبأ الجسيم، ذكرهم من أحوال داعيهم ~~وقائدهم ms1763 وهاديهم عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام بما يدعوهم إلى ~~ملازمة أسبابه في سياق المخاطبة له صلى الله عليه وسلم تذكيرا بنعمته ~~وإشارة إلى دوام نصرته فقال تعالى عاطفا على {إذ أنتم} {وإذ يمكر بك} أي ~~يدبر في أذاك على وجه الستر {الذين كفروا} أي أوجدوا هذا الوصف، وفيهم من ~~لم يكن راسخ القدم فيه؛ ثم بين غاية مكرهم فقال: {ليثبتوك} أي ليمنعوك من ~~التصرف بالحبس في بيت يسدون عليك بابه - كما هو واضح من قصة مشاورتهم في ~~دار الندوة في أمره صلى الله عليه وسلم في السير، ومن قرأها بالموحدة ثم ~~التحتانية من البيات الذي معناه إهلاك العدو ليلا، فعطف {أو يقتلوك} عنده ~~بمعنى القتل نهارا جهارا، وكأنه عد البيات للاستخفاء به عدما بالنسبة غلى ~~المجاهرة {أو يخرجوك} أي من مكة {ويمكرون} أي والحال أنهم يمكرون بإخفاء ما ~~يريدون بك من ذلك وغيره من الكيد {ويمكر الله} أي يفعل المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما في أمرهم فعل من يمكر بإخفاء # PageV08P267 # ما يقابلهم به {والله خير الماكرين*} لأنه لا يمكن أحدا علم ما يريد ~~إخفاءه لأنه الملك الأعلى المحيط بالجلال والجمال، فالنافذ إنما هو مكره، ~~والعالي إنما هو نصره، فكأنه تعالى يقول: انظروا إلى مصداق ما وعدتكم به في ~~أحوال نبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان وحده وجميع الناس يخالفونه فثبت على ~~أداء الرسالة إليهم وإبلاغ النصيحة لهم على ما يصله منهم من الأذى ولا ~~يزيده أذاهم له إلا اجتهادا في أداء ما ينفعهم إليهم. # PageV08P268 # ولما ذكر مكرهم بالرسول، ذكر مكرهم بما أرسل به، فقال عاطفا على «إذ ~~أنتم» : {وإذا تتلى} أي من أي تال فرض {عليهم آياتنا} أي التي هي الفرقان ~~جلالة وعظما لم يدعوها تؤثر في تلك الحالة، بل {قالوا} إظهارا لعنادهم لها ~~وتشيعا بما لم يعطوا وادعاء لما لمن ينالوا {قد سمعنا} ولما لم يتأثر عن ~~سماعهم الإذعان، تشوف السامع إلى علة إعراضهم فقال معللا أو مستأنفا: {لو ~~نشاء} أي في أي وقت أردنا {لقلنا مثل هذا} ms1764 أي لأنه ليس قول الله كما يزعم ~~محمد {إن} أي ما {هذا} الذي يتلى عليكم {إلا أساطير} جمع سطور وأسطار جمع ~~سطر {الأولين*} أي من بني آدم، سطروا فيها علومهم وأخبارهم فهو من جنس ~~كلامنا وقائله من جنسنا، وهذا غاية المكابرة لأنه قد تحداهم بقطعة من مثله ~~إن كان له - كما يزعمون - مثل، وبالغ في تقريعهم فما منعهم - من إبراز شيء ~~مما يدعون وليس بينهم وبينه بزعمهم إلا أن يشاؤوا، # PageV08P268 # مع انتقالهم إلى أشد الأمور: السيف الماحق على تهالكهم على قهره صلى الله ~~عليه وسلم وعلى ما لهم من فرط الأنفة من العار والبعد مما يقضي عليهم ~~بالغلب أو أن يوصفوا بالكذب - إلا علمهم بأن ذلك فاضحهم، ومخزيهم مدى الدهر ~~وقائحهم، والمعنى أني أثبت هذا النبي الكريم على صبره على ذلك ومثابرته على ~~أداء الأمانة بالاجتهاد في النصيحة على ما يلقى إن نجيته منهم ومنعته من ~~جميع ما كادوه به، وكنت لا أزل أؤيده باتباع من أعلم فيه الخير إلى أن هيأت ~~له دارا وخبأت له أنصارا، وجعلت داره بالأصحاب منيعة، وبنيت لها أعمدة ~~بصوارم الأحباب ثابتة رفيعة، نقلته إلى ذلك مع اجتهاد أهل العناد وهم جميع ~~أهل الأرض في المنع، فلم يؤثر كيدهم، ولا أفادهم مع أيدي أيدهم، وجعلت نفس ~~نقلته له فرقانا يفرق بها بين الحق والباطل، وصار إلى ما ترون من قبول ~~الأمر وجلالة القدر ونفاذ الفصل بين الأمور وظهر دينه أي ظهور، فلازموا ~~التقوى ملازمته وداوموا على الطاعة مدوامته أهب لكم من سيادته وأحملكم ~~بملابس إمامته. # ولما كان ذلك موضع عجب من عدم إعجال الضلال بالعذاب وإمهالهم إلى أن أوقع ~~بهم في غزوة بدر لا سيما مع قوله {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} بين السر ~~في ذلك وإن بالغوا في استعجاله # PageV08P269 # فقال: {وإذ قالوا} أي إرادة المكابرة بالتخييل إلى الناس أنهم على القطع ~~من أنه باطل وإلا لما دعوا بهذا الدعاء {اللهم} أي يا من له تمام الملك ~~وعموم الملك {إن كان هذا} أي الأمر الذي ms1765 أتانا به محمد {هو} أي لا ما نحن ~~عليه {الحق} حال كونه منزلا {من عندك} وقال الزجاج: إنه لا يعلم أحدا قرأ ~~{الحق} بالرفع - أفاده أبو حيان {فأمطر علينا حجارة} ولعل تقييده بقوله: ~~{من السماء} مع أن الأمطار لايكون إلا منها - لإزالة وهم من يتوهم أن ~~الإمطار مجاز عن مطلق الرجم وأنه إنما ذكر لبيان أن الحجارة المرجوم بها في ~~الكثرة مثل المطر {أو ائتنا بعذاب أليم*} أي غير الحجارة، ولعل مرادهم ~~بقولهم ذلك الإشارة إلى أن مجيء الوحي إليك من السماء خارق كما أن إتيان ~~الحجارة منها كذلك، فإن كنت صادقا في إتيان الوحي إليك منها فأتنا بحجارة ~~منها كما أتت الحجارة منها أصحاب الفيل صونا من الله لبيته الذي أراد الجيش ~~انتهاك حرمته وإعظاما له - أشار إلى ذلك أبو حيان، وهذه الآية والتي قبلها ~~في # «النضر بن الحارث أسره المقداد يوم بدر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتله فقال المقداد: أسيري يا رسول الله! فقال: إنه كان يقول في كتاب الله ~~تعالى ما يقول، فعاد المقداد رضي الله عنه لقوله، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: اللهم أغن # PageV08P270 # المقداد من فضلك، فقال: ذاك الذي أردت يا رسول الله! فقتله النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأنشدت أخته قتيلة أبياتا منها:» # ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المخنق # «فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت ~~عليه» وعن معاوية رضي الله عنه أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ~~ملكوا عليهم امرأة! قال: أجهل من قومي قومك قالوا {إن كان هذا هو الحق من ~~عندك} [الأنفال: 32] وما قالوا: فاهدنا به، والسر الذي بينه في هذه الآية ~~في إمهالهم هو أنه ما منعه من الإسراع في إجابة دعائهم كما فعل في وقعة بدر ~~إلا إجلال مقامه صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم فقال: {وما كان الله} أي مع ~~ما له من صفات الكمال والعظمة والجلال، وأكد النفي بقوله: {ليعذبهم} ms1766 أي ~~ليجدد لهم ذلك في وقت من الأوقات {وأنت} أي يا أكرم الخلق {فيهم} فإنه لعين # تجازي ألف عين وتكرم ... ولما بين بركة وجوده، أتبعه ما يخلفه صلى الله ~~عليه وسلم إذا غاب في العباد من العذاب فقال: {وما كان الله} أي الذي له ~~الكمال كله {معذبهم} أي مثبتا وصف تعذيبهم بحيث يدوم {وهم يستغفرون*} أي ~~يطلبون الغفران بالدعاء أو يوجدون هذا اللفظ فيقولون: أستغفر الله، # PageV08P271 # فإن لفظه وإن كان خبرا فهو دعاء وطلب، فوجوده صلى الله عليه وسلم في قوم ~~أبلغ من نفي العذاب عنهم، وهذا الكلام ندب لهم إلى الاستغفار وتعليم لما ~~يدفع العذاب عنهم كما تقول: ما كنت لأضربك وأنت تطيعني، أي فأطعني - نبه ~~عليه الإمام أبو جعفر النحاس، وفي ذلك حث عظيم لمن صار صلى الله عليه وسلم ~~بين أظهرهم من المسلمين صادقهم ومنافقهم على الرغبة في مواصلته والرهبة من ~~مفارقته، وتعريف لهم بما لهم في حلول ذاته المشرقة في ساحتهم من جليل ~~النعمة ترغيبا في المحبة لطول عمره والاستمساك بعزره في نهيه وأمره إذ ~~المراد - والله أعلم - بالاستغفار طلب المغفرة بشرطه من الإيمان والطاعة، ~~وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان في هذه الأمة أمانان، أما النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقد مضى، وأما الاستغفار فهو كائن فيكم إلى يوم ~~القيامة. # ولما كان هذا ليس نصا في استحقاقهم العذاب، قال تعالى عاطفا على ما ~~تقديره: وليعذبهم الله إذ هاجرت عنهم ولم يؤمنوا فيستغفروا: {وما لهم} قال ~~أبو حيان: الظاهر أن «ما» استفهامية، أي أي شيء لهم في انتفاء العذاب، وهو ~~استفهام معناه التقرير، أي كيف لا يعذبون وهم متصفون بهذه الصفة المتقضية ~~للعذاب وهي صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام وليسوا بولاة البيت - انتهى. ~~وتقدير الكلام: وأي حظ لهم في {ألا يعذبهم الله} أي الذي له كمال العز ~~والعظمة على # PageV08P272 # الظالم والإكرام والرفق بالطائع عاجلا {وهم} أي والحال أنهم مستحقون ~~للعذاب فهو واقع بهم لا محالة وإن تأخر مدة إبانه وأبطأ عنهم أوانه وقوعا ms1767 ~~ينسيهم ما نالوه من اللذات وإن عظم عندهم شأنها وامتد طويلا زمانها لأنهم ~~{يصدون} أي يوجدون الصد {عن المسجد} أي من أراد تعظيمه بالصلاة التي وضع ~~المسجد لها وغيرها {الحرام} أي العظيم حرمته عند كل أحد فلا اختصاص به لشخص ~~دون آخر، أي شأنهم فعل حقيقة الصد في الماضي والحال والمآل، لا ينفكون عن ~~ذلك، كما كانوا يمنعون من شاؤوا من دخول البيت ويقولون: نحن ولاته، نفعل ما ~~نشاء، ويصدون المؤمنين عن الطواف به التعذيب والفتنة وصدوا رسول الله عليه ~~وسلم ومن معه بالإخراج ثم صدوهم عام الحديبية عن الوصول إلى البيت وعام ~~عمرة القضية عن الإقامة بعد الثلاثة الأيام {وما} أي والحال أنه لم يكن لهم ~~ذلك لأنهم ما {كانوا أولياءه} أي أهلا لولايته بحيث إن صدهم ربما يقع ~~موقعه؛ روى البخاري في التفسير عن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: ~~{اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم} [الأنفال: 32] فنزلت {وما كان الله ليعذبهم} [الأنفال: 33] إلى ~~{عن المسجد الحرام} [الأنفال: 33] . # ولما نفى عنهم الولاية. ذكر أهلها فقال؛ {إن} أي ما {أولياؤه} أي ~~بالاستحقاق {إلا المتقون} أي العريقون في هذا الوصف بما يجعلون # PageV08P273 # بينهم وبين سخط الله من وقايات الطاعات، لا كل من آمن بل خاصة المؤمنين، ~~وهم ليسوا كذلك لتلبسهم الآن بالكفر {ولكن أكثرهم لا يعلمون*} أي ليس لهم ~~علم بالأمور ليميزوا بين الحق والباطل والمتقي والفاسق وحسن العواقب ~~وسيئها، ولعله عبر بالأكثر إعلاما بأن فيهم المعاند، ولأنه كان منهم من آمن ~~بعد ذلك فصار من أولي العلم. # ولما كانوا يفعلون عند البيت ما ينزه البيت عنه مما هو غاية في الجهل، ~~قال مبينا لجهلهم واستحقاقهم للنكال وبعدهم عن استحقاق ولايته: {وما كان ~~صلاتهم} أي التي ينبغي أن تكون مبنية على الخشوع، وزاد في التبشيع عليهم ~~بقوله: {عند البيت} أي فعلهم الذي يعدونه صلاة أو يبدلونها به {إلا مكاء} ~~أي صفيرا يشبه صفير الطير والدبر بريح الحدث ms1768 - من مكا يمكو مكوا ومكاء - ~~إذا صفر بفيه أو شبك أصابعه ونفخ فيها، ومكت الشجرة بريحها: صوتت، والدبر ~~بريح الحدث: صوت - قال أبو حيان: وجاء على فعال أي بالضم ويكثر فعال في ~~الأصوات كالصراخ - انتهى. {وتصدية} أي وتصفيقا، كان أهل الجاهلية يطوفون ~~عراة ويصفرون بأفواههم ويصفقون بأيديهم مقصورة، فيكون تصويتهم ذلك يشبه ~~الذي # PageV08P274 # رجع الصوت في المكان الخالي، فهو كناية عن أن صلاتهم لا معنى لها، وأصله ~~صدد - مضاعف - إذا أعرض ومال مثل التظني من ظنن -، فهذا لهو لا عبادة وهزء ~~لا جد مع أن الأمر جد وأي جد كما قال تعالى: {أفمن هذا الحديث تعجبون ~~وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون} [النجم: 59- 61] أي ولا تبكون في حال جدكم ~~بدأبكم في العمل الصالح، فهذا الذي يعملونه مناف لحال البيت فهو تخريب لا ~~تعمير، قال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في المسجد قام ~~رجلان من المشركين عن يمينه يصفران ويصفقان، ورجلان كذلك عن يساره ليخلطوا ~~عليه صلاته، وتقدير الكلام على قراءة الأعمش: صلاتهم - بالنصب: وما كان شيء ~~إلا مكاء وتصدية صلاتهم، فنفى عما يجعلونه صلاة كل شيء إلا المكاء ~~والتصدية، فالصلاة مقصورة عليهما بهذا الاعتبار، فقد صارت بهذا الطريق ~~بمعنى القراءة المشهورة سواء فتأمله فإنه نفيس جدا، وخرج عليه الخلاف في ~~آية الأنعام {ثم لم تكن فتنتهم} [الأنعام: 23] وغيره، وقد مضى هناك ما ينفع ~~هنا، ومما يجب أن يعلم أن هؤلاء لم يذمهم الله لأنه أعلى الذم، بل ذمهم ~~لكونهم اتخذوا العبادة لعبا لينبه بذلك على ذم من أشبههم في ذلك فعمد إلى ~~ما هو مباح في أصله فاتخذه دينا فكيف إذا كان مكروها أم كيف إذا كان حراما، ~~فقبح الله قوما ادعوا أنهم أعرضوا عن الدنيا ثم اتخذوا الطبول والغنى ~~والتصدية شعارهم ثم ضربوا به حتى فعلوه في # PageV08P275 # المساجد وزادوا على فعل الجاهلية الرقص الذي ابتدعه قوم السامري لما ~~عبدوا العجل، فأخذوا أنواعا من أفعال أنواع من الكفرة وجعلوها عادتهم ~~وشعارهم وديانتهم، فلقد انتهكوا حرمات الشريعة وبدلوها ms1769 واستهانوا بها ~~واسترذلوها. # ولما كان مساق الكلام لبيان استحقاقهم العذاب، وأنه لا مانع لهم منه وكان ~~قد أوقع بهم في هذه الغزوة مباديه، وكانت المواجهة بالتعنيف وقت إيقاع ما ~~لا يطاق بالعدو إنكاء، قال مسببا عن قبيح كا كانوا يرتكبونه: {فذوقوا ~~العذاب} أي الذي توعدكم الله والذي رأيتموه ببدر وطلبتموه في استفتائكم حكم ~~الاستهانة به {بما كنتم تكفرون*} اي إنكم قد صرتم بهذا الفعل أهلا لذوقه ~~بما تسترون مما دلتكم عليه عقولكم من هذا الحق الواضح. # PageV08P276 # ولما أخبر سبحانه عن أحوال الكفار في الأعمال البدنية، وكان غلبهم مع ~~كثرتهم وقوتهم مستبعدا، أخبر بما يقربه مبينا لأعمالهم المالية فقال: {إن ~~الذين كفروا} أي مع كثرتهم لأنهم ستروا مرائي عقولهم التي هي الإنسان ~~بالحقيقة فنقصوا بذلك نقصا لا يدرك كنهه {ينفقون أموالهم} أي يعزمون على ~~إنفاقها فيما يأتي {ليصدوا} أي بزعمهم أنفسهم وغيرهم {عن سبيل الله} أي عن ~~سلوك طريق - الذي لا يدني عظمته عظمة مع اتساعه ووضوحه وسهولته ~~{فسينفقونها} # PageV08P276 # أي بحكم قاهر لهم لا يقدرون على الانفكاك عنه {ثم تكون} أي بعد إنفاقها ~~بمدة، وعبر بعبارة ظاهرة في مضرتها فقال: {عليهم} وأبلغ في ذلك بأن أوقع ~~عليها المصدر فقال: {حسرة} أي لضياعها وعدم تأثيرها {ثم يغلبون*} أي كما ~~اتفق لهم في بدر سواء، فإنهم أنفقوا مع الكثرة والقوة ولم يغن عنهم شيء من ~~ذلك شيئا مما أراد الله بهم، بل كان وبالا عليهم، فإنه كان سببا لجرأتهم ~~حتى أقدموا نظرا إلى الحاضر وقصورا عن الغائب كالبهائم فهلكوا، وكان ذلك ~~قوة للمؤمنين فما كان في الحقيقة إلا لهم، وهذا الكلام منطبق على ما كان ~~سبب نزوله الآية وعلى كل ما شاكله، وذلك أنهم لما قهروا في بدر قال لهم أبو ~~سفيان: إنه ينبغي أن تنفقوا مال تلك العير - يعني التي كانت معه - ونحث على ~~حرب محمد، فأجابوا وأنفقوه على غزوة أحد فحصل لهم فيها بعض ظفر ثم تعقبه ~~الحسرة والمغلوبية في بدر الموعد وكل ما بعدها؛ ثم أظهر وصفهم الذي استحقوا ~~به ms1770 ذلك تعليقا للحكم به وتعميما منذرا لهم بما هو أشد من ذلك فقال: {والذين ~~كفروا} أي حكم بدوام كفرهم عامة سواء زادوا على الكفر فعل ما تقدم أم لا ~~{إلى جهنم} أي لا إلى غيرها. # ولما كان المنكى هو الحشر، لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: {يحشرون*} ~~أي بعد الموت فهم في خزي دائم دنيا وأخرى، ويجوز أن يتجوز بجهنم عن أسبابها ~~فيكون المعنى أنهم يستدرجون بمباشرة أسبابها # PageV08P277 # إليها ويحملون في الدنيا عليها، وهذه الآيات - مع كونها معلمة بما لهم في ~~الدنيا وما لهم في الآخرة من أن آخر أمرهم في الدنيا الغلب كما كشف عنه ~~الزمان علما من أعلام النبوة وفي الآخرة جهنم - هي مبينة لكذبهم في قولهم ~~{لو نشاء لقلنا مثل هذا} [الأنفال: 31] فإنهم لو كانوا صادقين في دعواهم ~~لقالوا مثله ثم قالوا: لو كان هذا هو الحق لا غيره لما قلنا مثله، موضع ~~قولهم {إن كان هذا هو الحق} [الأنفال: 32] إلى آخره، وأما آية المكاء ~~والتصدية فكأنها تقول: هذا القرآن في أعلى درج البلاغة ولم تؤهلوا أنتم - ~~مع ادعائكم السبق في البلاغة - لأن تعارضوا بشيء له أهلية لشيء من البلاغة، ~~بل نزلتم إلى أصوات الحيوانات العجم حقيقة، فلا أجلى من هذا البيان على ما ~~ادعيتم من الزور والبهتان، وأما آية الإنفاق فقائلة: لو قدرتم في معارضته ~~على إنفاق الأقوال لما عدلتم عنه إلى إنفاق الأموال المفضي إلى مقاساة ~~الأهوال وفساد الأشباح ونفوق ما حوت من الأرواح المؤدي إلى الذل السرمد ~~بالعذاب المؤبد. # ولما ذكر حشر الكافرين ذكر علته فقال معلقا بيحشرون: {ليميز الله} أي ~~الذي له صفات الكمال بذلك الحشر {الخبيث من الطيب} أي إنما جعل للكفار دارا ~~تخصهم ويخصونها لإظهار العدل والفضل بأن يميز الكافر من المؤمن فجعل لكل ~~دار يتميز بها عدلا في الكافرين وفضلا على المؤمنين، فيجعل الطيب في مكان ~~واسع حسن {ويجعل الخبيث} أي الفريق المتصف بهذا الوصف {بعضه على بعض} ~~والركم: جمع الشيء # PageV08P278 # بعضه فوق بعض، فكأن قوله: {فيركمه جميعا} عطف ms1771 تفسير يؤكد الذي قبله في ~~إرادة الحقيقة مع إفهام شدة الاتصال حتى يصير الكل كالشيء الواحد كالسحاب ~~المركوم، والنتيجة قوله: {فيجعله في جهنم} أي دار الضيق والغم والتهجم ~~والهم. # ولما كان هذا أمرا لا فلاح معه، استأنف قوله جامعا تصريحا بالعموم: ~~{أولئك} أي البعداء البغضاء الذين أفهمهم اسم الجنس في الخبيث {هم ~~الخاسرون*} أي خاصة لتناهي خسرانهم، لأنهم اشتروا بأموالهم إهلاك أنفسهم ~~بذلك الحشر. # ولما بين ضلالهم في عبادتهم البدنية والمالية، وكان في كثير من العبارات ~~السالفة القطع للذين كفروا بلفظ الماضي بالشقاء، كان ذلك موهما لأن يراد من ~~أوقع الكفر في الزمن الماضي وإن تاب، فيكون مؤيسا من التوبة فيكون موجبا ~~للثبات على الكفر، قال تعالى متلطفا بعباده مرشدا لهم إلى طريق الصواب ~~مبينا المخلص مما هم فيه من الوبال في جواب من كأنه قال: أما لهم من جبلة ~~يتخلصون بها من الخسارة {قل للذين} أي لأجل الذين {كفروا} أني أقبل توبة من ~~تاب منهم بمجرد انتهائه عن حاله {إن ينتهوا} أي يتجدد لهم وقتا ما الانتهاء ~~عن مغالبتهم بالانتهاء عن كفرهم فيذلوا لله ويخضعوا لأوامره {يغفر لهم} ~~بناه للمفعول لأن النافع نفس الغفران وهو # PageV08P279 # محو الذنب {ما قد سلف} أي مما اجترحوه كائنا ما كان فيمحي عينا وأثرا فلا ~~عقاب عليه ولا عتاب {وإن} أي وإن يثبتوا على كفرهم و {يعودوا} أي إلى ~~المغالبة {فقد مضت سنت} أي طريقة {الأولين*} أي وجدت وانقضت ونفذت فلا مرد ~~لها بدليل ما سمع من أخبار الماضين وشوهد من حال أهل بدر مما أوجب القطع ~~بأن الله مع المؤمنين وعلى الكافرين، ومن كان معه نصر، ومن كان عليه خذل ~~وأخذ وقسر {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة: 21] # {ولينصرن الله من ينصره} [الحج: 40] {والعاقبة للمتقين} [القصص: 128] وإن ~~كانت الحرب سجالا. # ولما أشار ختم الآية قتالهم إن أصروا، وكان التقدير: فأقدموا عليهم حيثما ~~عادوكم إقدام الليوث الجريئة غير هائبين كثرتهم ولا قوتهم فإن الله خاذلهم، ~~عطف عليه قوله مصرحا بالمقصود: {وقاتلوهم} أي دائما {حتى ms1772 لا تكون فتنة} أي ~~سبب يوجب ميلا عن الدين أصلا {ويكون الدين} . # ولما كانت هذه الوقعة قد سرت كتائب هيبتها في القلوب فوجبت أيما وجبت، ~~فضاقت وضعفت صدور الكافرين، وانشرحت وقويت قلوب المؤمنين؛ اقتضى هذا السياق ~~التأكيد فقال: {كله لله} أي الملك الأعظم خالصا غير مشوب بنوع خوف أو إغضاء ~~على قذى، وأصل الفتن: الخلطة المحيلة، ويلزم ذلك أن يكون السبب # PageV08P280 # عظيما لأن الشيء لا يحول عن حاله إلا لأمرعظيم لأن مخالفة المألوف عسرة، ~~ومنه النتف، وكذا نفت القدر، وهو أن يغلي المرق فيلزق بجوانبها، والتنوفة: ~~القفر، لأنه موضع ذلك، ويلزمه الإخلاص، من فتنت الذهب - إذا أذبته فتميز ~~جيده من رديئه، وتارة يكون الميل إلى جهة الرديء وهو الأغلب، وتارة إلى ~~الجيد، ومنه {وفتناك فتونا} [طه: 40] . # ولما كان لهم حال اللقاء حالان: إسلام وإقبال، وكفر وإعراض وإخلال، قال ~~مبينا لحكم القسمين: {فإن انتهوا} أي عن قتالكم بالمواجهة بالإسلام فاقبلوا ~~منهم وانتهوا عن مسهم بسوء ولا تقولوا: أنتم متعوذون بذلك غير مخلصين، ~~تمسكا بالتأكيد بكله، فأنه ليس عليكم إلا ردهم عن المخالفة الظاهرة، وأما ~~الباطن فإلى الله {فإن الله} أي المحيط علما وقدرة، وقدم المجرور اهتماما ~~به إفهاما لأن العلم به كالمختص به فقال: {بما يعملون} أي وإن دق {بصير*} ~~فيجاريهم عليه، وأما أنتم فلستم عالمين بالظاهر والباطن معا فعليكم قبول ~~الظاهر، والله بما تعملون أنتم أيضا - من كف عنهم وقتل لله أو لحظ # PageV08P281 # نفس - بصير، فيجازيكم على حقائق الأمور وبواطنها وإن أظهرتم للناس ما ~~يقيم عذركم، ويكمل لكل منكم أجر ما كان عزم على مباشرته من قتالهم لو لم ~~ينتهوا، وإن لم ينتهوا بل أقدموا على قتالكم، هكذا كان الأصل، ولكنه سبحانه ~~عبر بقوله: {وإن تولوا} أي عن الإجابة تبشيرا لهم بهزيمتهم وقلة ثباتهم لما ~~ألقى في قلوبهم من الرعب، ويؤيد ذلك قوله: {فاعلموا أن الله} أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة بكل شيء {مولاكم} أي متولي أموركم فهو يعمل معكم ما يعمل ~~من يتولى امر من يحبه من الاجتهاد في ms1773 تحصيل ما ينفعه ودفع ما يضره فهو لا ~~محالة ناصركم؛ ثم استأنف مدحه بما هو أهله تعريفا بقدره وترغيبا في تولية ~~فقال: {نعم المولى} ولم يدخل فاء السبب هنا لأن المأمور به العلم، واعتقاد ~~كونه مولى واجب لذاته لا لشيء آخر، بخلاف ما في آخر الحج، فإن المأمور هناك ~~الاعتصام {ونعم النصير*} أي فلا تخافوهم أصلا وإن زادت كثرتهم وقويت شوكتهم ~~فلا تبارحوهم حتى لا يكون إلا كلمة الله. # PageV08P282 # ولما كان التقدير: فإذا أعانكم مولاكم عليهم وغلبتموهم وغنمتم فيه فلا ~~تنسبوا إلى أنفسكم فعلا، بل اعلموا أنه هو الفاعل وحده لأن جميع الأفعال ~~متلاشية بالنسبة إلى فعله فلا تتنازعوا في المغنم تنازع من أخذه بقوته ~~وحازه بقدرته، عطف عليه قوله: # PageV08P282 # {واعلموا} ابتداء بهذا الأمر إشارة إلى أن ما بعدها من المهمات ليبذلوا ~~الجهد في تفريغ أذهانهم لوعيه وتنزيله منازله ورعيه {أنما} أي الذي {غنمتم} ~~الغنيمة لغة: الفوز بالشيء، وشرعا ما دخل في أيدي الملسمين من مال الكفار ~~قهرا بالخيل والركاب، وزاد في التعميم حتى لأقل ما يمكن بقوله: {من شيء} أي ~~حتى الخيط والمخيط فإنه كله له، لأنه الناصر وحده وإنما أنتم آلة لا قدرة ~~لكم على مقاومة الأعداء لأنهم جميع أهل الأرض ولا نسبة لكم منهم في عدد ولا ~~قوة أصلا، فالجاري على منهاج العدل المتعارف عندكم أن يأخذه كله ولا يمكنكم ~~من شيء منه كما كان فيمن قبلكم، يعزل فتنزل نار من السماء فتأكله، ولكنه ~~سبحانه - علم ضعفكم فمن عليكم به ورضي منكم منه بالخمس فسماه لنفسه ورده ~~عليكم، وهو معنى قوله: {فأن لله} أي الذي له كل شيء {خمسه} . # ولما كان من المعلوم أن الله تعالى أجل من أن يناله نفع أو ضر، كان من ~~المعلوم أن ذكر اسمه سبحانه إنما هو للإعلام بأن إسلام هذا الخمس والتخلي ~~عنه لا حظ للنفس فيه، وإنما هو لمحض الدين تقربا إليه سبحانه، فذكر مصرفه ~~بقوله: {وللرسول} أي يصرف إليه خمس هذا الخمس ما دام حيا ليصرفه في مصالح ~~المسلمين، ms1774 ويصرف بعده إلى القائم مقامه، يفعل فيه ما كان صلى الله عليه ~~وسلم يفعله {ولذي القربى} أي من الرسول، وهم الآل الذين تحرم عليهم الزكاة: ~~بنو هاشم وبنو المطلب {واليتامى} أي لضعفهم {والمساكين} لعجزهم {وابن ~~السبيل} أي المسافر لأن الأسفار مظنات الافتقار، فالحاصل أنه سبحانه لم ~~يرزأكم من # PageV08P283 # المغنم شيئا، فاعرفوا فضله عليكم أولا بالإنعام بالنصر، وثانيا بحل ~~المغنم، وثالثا بالإمكان من الأربعة الأخماس، ورابعا برد الخمس الخامس ~~فيكم، فاشتعلوا بشكره فضلا عن أن تغفلوا عن ذلك فضلا عن أن تتوهموا أن بكم ~~فعلا تستحقون به شيئا فضلا عن أن تفعلوا من المنازعة في المغنم فعل القاطع ~~بالاستحقاق، اعلموا ذلك كله علم المصدق المؤمن المذعن لما علم لتنشأ عنه ~~ثمرة العمل {إن كنتم} صادقين في أنكم {آمنتم بالله} أي الذي لا أمر لأحد ~~معه {وما} أي وبالذي {أنزلنا} أي إنزالا واحدا سريعا لأجل التفريج عنكم من ~~القرآن والجنود والسكينة في قلوبكم وغير ذلك مما تقدم وصفه {على عبدنا} أي ~~الذي يرى دائما أن الأفعال كلها لنا فلا ينسب لنفسه شيئا إلا بنا {يوم ~~الفرقان} أي يوم بدر الذي جعلنا لكم فيه عزا ينفذ به أقوالكم وأفعالكم في ~~فصل الأمور. # ولما وصفه سبحانه بالفرقان تذكيرا لهم بالنعمة، بينه بما صور حالهم ~~إتماما لذلك - أو أبدل منه - فقال: {يوم التقى} أي عن غير قصد من الفريقين ~~بل بمحض تدبير الله {الجمعان} أي اللذان أحدهما أنتم وكنتم حين الترائي - ~~لولا فضلنا - قاطعين بالموت، وثانيهما أعداؤكم وكانوا على اليقين بأنكم في ~~قبضتهم، وذلك هو الجاري على مناهج العوائد، ولو قيل: يوم بدر، لم يفد هذه ~~الفوائد. # ولما كان انعكاس الأمر في النصر محل عجب، ختم الآية بقوله: # PageV08P284 # {والله على كل شيء} أي من نصر القليل على الكثير وعكسه وغير ذلك من جميع ~~الأمور {قدير*} فكان ختمها بذلك كاشفا للسر ومزيلا للعجب ومبينا أن ما فعل ~~هو الجاري على سنن سنته المطرد في قديم عادته عند من يعلم أيامه الماضية في ~~جميع الأعصر الخالية. # ولما ms1775 ذكر لهم يوم ملتقاهم، صور لهم حالتهم الموضحة للأمر المبينة لما ~~كانوا فيه من اعترافهم بالعجز تذكيرا لهم بذلك ردعا عن المنازعة وردا إلى ~~المطاوعة فقال مبدلا من {يوم الفرقان} {إذ أنتم} نزول {بالعدوة الدنيا} أي ~~القربى إلى المدينة {وهم} أي المشركون نزول {بالعدوة القصوى} أي البعدى ~~منها القريبة إلى البحر، والقياس قلب واوه ياء، وقد جاء كذلك إلا أن هذا ~~أكثر كما كثر استصوب وقل استصاب، والعدوة - بالكسر في قراءة ابن كثير وأبي ~~عمرو ويعقوب، وبالضم في قراءة غيرهم: جانب الوادي وشطه، ومادتها - بأي ~~ترتيب كان - تدور على الاضطراب ويلزمه المجاورة والسكون والإقبال والرجوع ~~والاستباق والمحل القابل لذلك، فكأنها الموضع الذي علا عن محل فكان السيل ~~موضعا للعدو {والركب} أي العير الذي فيه المتجر الذي خرجتم لاقتطاعه ورئيس ~~جماعته أبو سفيان، ونصب # PageV08P285 # على الظرف قوله: {أسفل منكم} أي أيها الجمعان إلى جانب البحر على مدى من ~~قرية تكادون تقعون عليه وتمدون أيديكم إليه مسافة ثلاثة أميال - كما قال ~~البغوي، وهو كان قصدهم وسؤلكم، فلو كانت لكم قوة على طرقه لبادرتم إلى ~~الطرف وغالبتم عليه الحتف، ولكن منعكم من إدراك مأمولكم منه من كان جاثما ~~بتلك العدوة جثوم الأسد واثقا بما هو فيه من القوى والعدد كما قال صلى الله ~~عليه وسلم لسلمة بن سلامة بن وقش رضي الله عنه - لما قال في تحقيرهم بعد ~~قتلهم وتدميرهم: إن وجدنا إلا عجائز صلعا، ما هو إلا أن لقيناهم فمنحونا ~~أكتافهم - جوابا له «أولئك يا ابن أخي الملأ لو رأيتهم لهبتهم ولو أمروك ~~لأطعتهم» مع استضعافكم لأنفسكم عن مقاومتهم لولا رسولنا يبشركم وجنودنا ~~تثبتكم، وإلى مثل هذه المعاني أشار تصوير مكانهم ومكان الركب أيماء إلى ما ~~كان فيه العدو من قوة الشوكة وتكامل العدة وتمهد أسباب الغلبة وضعف حال ~~المسلمين وأن ظفرهم في مثل هذا الحال ليس إلا صنعا من الله، وما في ~~البيضاوي تبعا للكشاف من أن العدوة الدنيا كانت تسوخ فيها الأقدام ولا ماء ~~بها تقدم رده أول السورة بأن ms1776 المشهور في صحيح مسلم والسير وغيرها أن ~~المؤمنين هم السابقون إلى الماء، وأن جميع أرض ذلك المكان كانت رملا تسوخ ~~فيه الأقدام، فأتى المسلمين به من المطر ما لبد لهم الأرض، # PageV08P286 # وأتى المشركين منه ما لم يقدروا معه على الحركة {ولو تواعدتم} أي أنتم ~~وهم على الموافاة إلى تلك المواضع في آن واحد {لاختلفتم في الميعاد} أي لأن ~~العادة قاضية بذلك لأمرين: أحدهما بعد المسافة التي كنتم بها منها وتعذر ~~توقيت سير كل فريق بسير صاحبه، والثاني كراهتكم للقائهم لما وقر في أنفسهم ~~من قوتهم وضعفكم، وقد كان الذي كره إليكم لقاءكم قادر على أن يكره إليهم ~~لقاءكم، فيقع الاختلاف من جهتهم كما كان في بدر الموعد، وأما في هذه الغزوة ~~فدعاهم من حماية غيرهم داع لم يستطيعوا التخلف معه، وطمس الله بصائرهم وقسى ~~قلوبهم مع قول أبي جهل الذي كان السبب الأعظم في اللقاء لمن عرض عليه المدد ~~بالسلاح والرجال: إن كنا نقاتل الناس فما بنا ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل ~~- كما يزعم محمد - الله فما لأحد بالله من طاقة، وقوله أيضا في هذه الغزوة ~~للأخنس بن شريق: إن محمدا صادق وما كذب قط، فعل الله ذلك لما علم في ~~ملاقاتهم لكم من إعلاء كلمته وإظهار دينه {ولكن} أي دبر ذلك سبحانه حتى ~~توافيتم إلى موطن اللقاء كلكم في يوم واحد من غير ميعاد ولم تختلفوا في ~~موافاة ذلك الموضع مع خروج ذلك عن العادة لكونه أتقن أسبابه، فأطمعكم في ~~العير أولا مع ما أنتم فيه من الحاجة ثم وعدكم إحدى الطائفتين مبهما وأخرج ~~قريشا لحماية عيرهم إخراجا لم يجدوا منه بدا، ولما نجت عيرهم أوردهم الرياء ~~والسمعة # PageV08P287 # والبطر بما هم فيه من الكثرة والقوة كما قال أبو جهل: لا نرجع حتى نرد ~~بدرا فننحر بها الجزور ونشرب الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم من حضرنا من ~~العرب فلا يزالون يهابوننا مدى الزمان - {ليقضي الله} أي الذي له جميع ~~الأمر من إعزاز دينه بإعرازكم زإذلالهم {أمرا كان} كما تكون ms1777 الجبلات ~~والطبائع في التمكن والتمام {مفعولا} أي مقدرا في الأزل من لقائهم وما وقع ~~فيه من قتلهم وأسرهم على ذلك الوجه العظيم فهو مفعول لا محالة ليتبين به ~~أيمان من آمن باعتماده على الله وتصديقه بموعده وكفر من كفر. # ولما علل ذلك التدبير في اللقاء بقوله: {ليقضي الله} علل تلك العلة ~~بقوله: {ليهلك} أي لعد رؤية ذلك القضاء الخارق للعادة {من هلك} أي من ~~الفريقين: الكفار في حالة القتال وبعدها، والمسلمين هلاكا متجاوزا وناشئا ~~{عن} حالة {بينة} لما بان من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الوقعة في كل ما وعد به وكذب الكفار في كل ما كانوا يقولونه قاطعين به مع ~~أن ظاهر الحال يقضي لهم، فكان ذلك من أعظم المعجزات {ويحيى من حي} أي ~~بالإسلام حياة هي في أعلى الكمال بما تشير إليه قراءة نافع والبزي عن ابن ~~كثير وأبي بكر عن عاصم بإظهار الياءين، أو في أدنى الكمال بما يشير # PageV08P288 # إليه إدغام الباقين تخفيفا حياة متجاوزة وناشئة {عن} حالة {بينة} أي ~~كائنة بعد البيان في كون الكافرين على باطل والمؤمنين على حق لما سيأتي من ~~أنهم كانوا يقولون {غر هؤلاء دينهم} [الأنفال: 49] فحينئذ تبين المغرور ~~وكشفت عجائب المقدور عن أعين القلوب المستور. # ولما كان التقدير: فإن الله في فعل ذلك لعزير حكيم، عطف عليه قوله: {وإن ~~الله لسميع} أي لما كنتم تقولونه وغيره {عليم*} بما كنتم تضمرونه وغيره ~~فاستكينوا لعظمته وارجعوا عن منازعتكم لخشيته، ثم أتم سبحانه تصوير حالتهم ~~بقوله مبينا ما أشار إليه من لطف تدبره: {إذ} أي اذكر إذ أردت علم ذلك حين ~~{يريكهم الله} أي الذي له صفات الكمال فهو يفعل ما يشاء {في منامك قليلا} ~~تأكيدا لما تقدم إعلامه به من أن المصادمة - فضلا عما نشأ عنها - ما كان ~~إلا منه وأنهم كانوا كالآلة التي لا اختيار لها، وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رآهم في منامه قليلا فحدث أصحاب رضي الله عنهم بذلك فاطمأنت ~~قلوبهم وشجعهم ذلك؛ وعين ms1778 ما كان يحصل من الفساد لولا ذلك فقال: {ولو ~~أراكهم} أي في منامك أو غيره {كثيرا} . # ولما كان الإخبار بعد الوقعة بضد ما وقع فيها مما يقتضي طبع البشر التوقف ~~فيه، أكد قوله: {لفشلتم} أي جبنتم {ولتنازعتم} أي اختلفتم فنزع كل واحد ~~منزعا خلاف منزع صاحبه {في الأمر} أي فوهنتم فزادكم ذلك ضعفا وكراهة ~~للقائهم {ولكن الله} أي الذي # PageV08P289 # أحاط بكل شيء قدرة وعلما {سلم} أي ولكن لم يركهم كذلك فحصلت السلامة عما ~~كان يتسبب عنها من النكوص، ثم بين العلة في ترتيبه ذلك وإخباره بهذا الأمر ~~المفروض بقوله: {إنه عليم} أي بالغ العلم {بذات الصدور*} أي ضمائرها من ~~الجراءة والجبن وغيرهما قبل خطورها في القلوب. # ولما بين ما نشأ عن رؤيته صلى الله عليه والسلم من قلتهم وما كان ينشأ عن ~~رؤيته الكثرة لو وقعت، لأنه صلى الله عليه وسلم - لما هو عليه من النصيحة ~~والشفقة - كان يخبرهم بما رأى كما أخبرهم في غزوة أحد بالبقر المذبحة؛ ~~أتبعه ما فعل من اللطف في رؤيتهم بأنفسهم يقظة فقال: {وإذ} أي واذكروا أيضا ~~إذ {يريكموهم} أي يبصركم أياهم {إذ} أي حين {التقيتم} ونبه على أن الرؤية ~~ليست على حقيقة ما هم عليه بقوله: {في أعينكم} أي لا في نفس الأمر حال ~~كونهم {قليلا} أي عددهم يسيرا أمرهم مصدقا لما أخبركم به النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن رؤياه لتجترئوا عليهم؛ روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ~~قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ ~~قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا، قال الحرالي ~~في آل عمران: فجعل القليل وصفا لهم لازما ثابتا دائما عليهم بما أوجب فيهم ~~من نقص ذواتهم بخفاء فطرتهم وما وراء خلق الفطرة # PageV08P290 # من الذوات، قال تعالى: {ويقللكم} صيغة فعل واقع وقت لا وصفا لهم من حيث ~~إنه لو أراهم أياهم على الإراءة الحقيقية لزادهم مضاعفين بالعشر، فكانوا ~~يرونهم ثلاثة آلاف ومائتين وثلاثين - انتهى. # {في أعينهم} ms1779 قبل اللقاء ليجترئوا على مصادمتكم حتى قال أبو جهل: إنما هم ~~أكلة جزور، ثم كثركم في أعينهم حين المصادفة حتى انهزموا حين فاجأتهم ~~الكثرة فظنوا الظنون؛ قال الحرالي: قللهم حين لم يرهم أياهم على الإراءة - ~~الحقيقية العشرية، ولا أراهم أياهم على الصورة الحسية؛ فكان ذلك أية ~~للمؤمنين على قراءة ياء الغائب - أي في آل عمران - وكانت آية للكفار على ~~قراءة {ترونهم} - بتاء الخطاب، فكان في ذلك في إظهار الإراءة في اعين ~~الفئتين نحو مما كان من الإراءتين الواقعة بين موسى عليه السلام والسحرة في ~~أن موسى عليه السلام ومن معه خيل إليهم من سحرهم أنها تسعى وأن فرعون ومن ~~معه رأوا ثعبانا مبينا يلقف ما يأفكون رؤية حقيقة، فتناسب ما بين الأيات ~~الماضية القائمة لهذه الآية بوجه ما، وكان هذه الآية أشرف وألطف بما هي في ~~مدافعة بغير آلة من عصى ولا حبل في ذوات الفئتين وإحساسهم - انتهى. # ولما ذكر ما أحاله سبحانه من إحساس الفئتين، علله بقوله: {ليقضي الله} أي ~~الذي له العزة البالغة والحكمة الباهرة من نصركم وخذلانهم بأن تفاجئهم ~~كثرتكم بعد رؤيتكم قليلا فيشجعهم ذلك، ويهزمهم # PageV08P291 # {أمرا كان مفعولا} أي من إعجالهم - بما فجعهم من الكثرة بعد القلة - عن ~~الحذر والاستعداد لذلك وبما فعل بأيديكم في هذه الغزوة من القتل والأسر ~~والهزيمة المثمر لذل جميع أهل الكفر، كان مقدرا في الأزل فلا بد من وقوعه ~~على ما حده لأنه لا راد لأمره ولا يبدل القول لديه، فعل ذلك كله وحده. # ولما كان التقدير: فبيده سبحانه ابتداء الأمور بتقديره أياها في الأزل لا ~~بيد أحد غيره، عطف عليه قوله: {وإلى الله} أي الملك الأعلى الذي بيده وحده ~~كل أمر {ترجع الأمور*} أي كلها فلا ينفذ إلا ما يريد إنفاذه، فلا تجري ~~الأمور على ما يظنه العباد، وهو من قولك: هذا الأمر راجع إليك، أي مهما ~~أردته فيه مضى، ولو فرض أن غيرك عالجه لم يؤثر فيه؛ ولا يزال كذلك حتى يرجع ~~إليك فيمضي، فالحاصل أن فيه قوة الرجوع ms1780 بهذا الاعتبار وإن لم يكن هناك رجوع ~~بالفعل، وفي هذا تنبيه على أن أمور الدنيا غير مقصودة لذواتها، وإنما ~~المراد منها ما يصلح أن يكون زادا ليوم المعاد، ولما تقرر ذلك وتم على هذا ~~السبيل الأحكم والمنهاج الأقوم، كان علة لمضمون قوله: {يا أيها الذين ~~آمنوا} الآيتين، فكانتا نتيجته، لأنه إذا علم أن الأمر كله له ولا أثر لقلة ~~ولا كثرة أثمر لمن هو في أدنى درجات الإيمان فضلا عن غيره قلة المبالاة ~~بالظالمين وإن تجاوزت قواهم الحد، وزادوا كثرة على # PageV08P292 # العد، والآيتان تذكرانهم بحالتهم التي أوجبت نصرهم ليلزموها في كل معترك ~~ولا يتنازعوا كما تنازعوا في المغنم {إذا لقيتم} أي قاتلتم لأن اللقاء اسم ~~للقتال غالب {فئة} أي طائفة مستحقة للقتال كما أغنى عن وصفها بذلك وصفهم ~~بالإيمان {فاثبتوا} أي في لقائها بقتالها كما ثبتم في بدر ولا تحدثوا ~~أنفسكم بفرار {واذكروا الله} أي الذي له كل كمال فكل شيء يطلب فهو عنده ~~يوجد {كثيرا} أي كما صنعتم ثم، لأن ذلك أمارة الصدق في الاعتماد عليه وحده، ~~وذلك موجب للنصر لا محالة كما في الحديث القدسي # «إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه» # ولما أمر بذلك، علله بأداة الترجي، ليكون أدل على أنه سبحانه لا يجب عليه ~~شيء فيكون للإيمان فقال: {لعلكم تفلحون*} أي لتكونوا على رجاء من الفلاح ~~وهو الظفر بالمراد من النصر والأجر وكما كنتم إذ ذاك {وأطيعوا الله} أي ~~الذي له الغنى المطلق فلا يقبل إلا الخالص والكمال الأكمل فلا يفعل إلا ما ~~يريد {ورسوله} أي في الإقدام والإحجام لجهلكم بالعواقب، وتلك الطاعة أمارة ~~إخلاصكم في الذكر {ولا تنازعوا} بأن يريد كل واحد نزع مال صاحبه من رأي ~~وغيره وإثبات ما له، وأشار إلى عظيم ضرر التنازع ببيان ثمرته المرة فقال؛ ~~{فتفشلوا} أي تضعفوا؛ قال في القاموس: فشل كفرح، # PageV08P293 # فهو فشل، كسل وضعف وتراخي وجبن - انتهى. والمادة راجعة إلى الفيشلة وهي ~~الحشفة، ومن لازمها الرخاوة وينشأ عن الرخاوة الجبن مع الصلف والخفة ~~والطيش. # ولما ms1781 كان الفشل ربما كان معه الظفر لفشل في العدو أكثر منه أو غير ذلك، ~~عطف ما يلزمه غالبا بالواو دون الفاء فقال: {وتذهب ريحكم} أي غلبتكم ~~وقوتكم، وأصله أن الريح إذا كانت في الحرب من جهة صف كانت في وجوه أعدائهم ~~فمنعتهم بما يريدون فخذلوا فصارت كأنها قوة من أتت من عنده، فصارت يكنى بها ~~عنها؛ ثم ختم هذه الأسباب بالجامع لشملها الناظم لمقاصد أهلها فقال؛ ~~{واصبروا} أي على ما يكون من تلك المشاق فإنكم إن تكونوا تألمون فإن ~~أعداءكم كذلك، وأنتم ترجون من الله ما لا يرجون؛ ثم علله بما يكون النصر في ~~الحقيقة فقال: {إن الله} أي الميحط بصفات الكمال {مع الصابرين*} أي لأنهم ~~لا يصبرون إلا اعتمادا عليه، ومن كان معه عز، وهذه الجملة فيها - كما قال ~~الإمام شمس الدين محمد بن قيم الجوزية في آخر كتاب الفروسية المحمدية - ~~تدبير الحروب أحسن جمع على أتم وجه، فأمر فيها بخمسة أشياء ما اجتمعت قط في ~~فئة إلا انتصرت وإن قلت في جنب عدوها، وخامسها ملاك ذلك وقوامه وأساسه وهو ~~الصبر، فعلى هذه الدعائم الخمس تبنى قبة النصر، ومتى زالت # PageV08P294 # أو بعضها زال من النصر بحسبه، وإذا اجمتعت قوى بعضها بعضا وصار لها أثر ~~عظيم، لما اجتمعت في الصحابة رضي الله عنهم لم تقم لهم أمة من الأمم، ~~ففتحوا البلاد شرقا وغربا ودانت لهم العباد سلما وحربا، ولما تفرقت فيمن ~~بعدهم وضعفت آل الأمر قليلا قليلا إلى ما ترى - فلا قوة إلا بالله، والجامع ~~لذلك كله طاعة الله ورسوله فإنها موجبة لتأييد المطيع بقوة من هو في طاعته، ~~وذلك سر قول أبي الدرداء رضي الله عنه الذي رواه البخاري في باب «عمل صالح ~~قبل القتال» : إنما تقاتلون الناس بأعمالكم؛ وهو شرع قديم، قال في أثناء ~~السفر الخامس من التوارة: وإن أنتم سمعتم قول الله ربكم وتحفظتم وعملتم بكل ~~هذه الوصية التي آمركم بها اليوم يبارك عليكم الله ربكم كما قال لكم، ~~وترزقون إن تقرضوا شعوبا كثيرة ولا تقرضون، وتسلطون ms1782 على شعوب كثيرة ولا ~~يتسلطون عليكم. # PageV08P295 # ولما ذكرهم سبحانه ما أوجب نصرهم آمرا لهم بالثبات عليه، ذكر لهم حال ~~أعدائهم الذي أوجب قهرهم ناهيا عنه تعريضا بحال المنازعة في الأنفال وأنها ~~حال من يريد الدنيا، ويوشك - إن تمادت - أن تجر إلى مثل حال هؤلاء الذي محط ~~نظرهم الدنيا فقال: {ولا تكونوا} أي يا معشر # PageV08P295 # المؤمنين {كالذين} وصور قبح عملهم من أوله إلى آخره فقال: {خرجوا من ~~ديارهم} أي كل واحد من داره وهم أهل مكة، وكل من عمل مثل عملهم كان مثلهم، ~~ولذا عبر بالوصف ليعم {بطرا} أي طغيانا وتكبرا على الحق، ومادة بطر - بأي ~~ترتيب اتفق - تدور على اللين القابل للعمل حتى ربط، فإنه لولا الضعف ما ~~استوثق من المربوط، ومنه بطر الجرح - وهو شقه - والبيطار، وتارة يكون ذلك ~~اللين عن دهش. ومنه أبطرت حلمه أي أدهشته عنه، وذهب دمه بطرا أي باطلا ~~للضعف عنه للحيرة في الأمر الموصل إليه، وتارة يكون عن مجاوزة الحد في ~~الصلابة، ومنه بطر النعمة - إذا لم يشكرها فتجاوز الحد في المرح، فإن فاعل ~~ذلك يمكنه الحكيم من مقاتله فيأخذه وهو يرجع إلى عدم احتمال القوى للشكر، ~~ففاعل ذلك ضعيف وإن ظهر منه خلاف ذلك ما قال عمر رضي الله عنه: العدل وإن ~~رئي لينا أكف عن الظلم من الجور وإن رئي شديدا - أو كما قال رضي الله عنه. ~~وأقرب من ذلك أن تكون المادة دائرة على الخلطة الناقلة من حال إلى حال. # ولما ذكر الحامل لهم على الخروج من أنفسهم، ذكر ما أوجبه لهم من غيرها ~~فقال: {ورئاء الناس} أي خرجوا يرون الناس # PageV08P296 # خروجهم وما يتأثر عنه ليروهم ما يقولون فيه، فإنهم لما قيل لهم؛ قد نجى ~~الله عيركم فارجعوا، بطروا النعمة تبعا لأبي جهل حيث قال: والله لا نرجع ~~حتى نرد بدرا فنشرب الخمور وننحر الجزور وتعزف علينا القيان فتسمع بنا ~~العرب فلا تزال تهابنا أبدا! فسقوا مكان الخمر كؤوس المنايا الحمر، وناحت ~~عليهم نوائح الزمان مكان العزف والقيان. # ولما ذكر نفس ms1783 الخروج وما فيه من الفساد وذكر ثمرته الخبيثة الناشئة عن ~~ذينك الخلقين، وعبر عنهما بالاسم إشارة إلى الثبات كما هو شأن الأخلاق، وعن ~~الثمرة بالمضارع تنبيها على أنهم لا يزالون يجددونها فقال: {ويصدون} أي ~~يوجدون الصد وهو المنع لأنفسهم وغيرهم {عن سبيل الله} أي الملك الأعظم في ~~ذلك الوجه وهم عازمون على تجديد ذلك في كل وقت، فلما كانت هذه مقاصدهم كان ~~نسجهم هلهلا وبنيانهم واهيا، فإنها من عمل الشيطان، وكل عمل لا يكون لله ~~إذا صدم بما هو لله اضمحل، بذلك سبحانه أجرى سنته ولن تجد لسنته تحويلا، ~~فإن العاملين عبيد الله {والله} أي فعلوا ذلك والحال أن المحيط بكل شيء ~~الذي عادوا أولياءه {بما} أو يكون ذلك معطوفا على تقديره: فأبطل الله ~~بجلاله وعظمته أعمالهم وهو بكل ما {يعملون محيط*} فهم في قبضته، فأوردهم - ~~إذ خرجوا يحادونه - بدرا فنحر مكان الجزور رقابهم وسقاهم مكان الخمور كؤوس ~~المنايا، وأصاح عليهم مكان القيان صوائح النوائح، ولعله قدم الجار إشارة ~~إلى أنه لشدة إحاطته بأعمالهم كأنه # PageV08P297 # لا نظر له إلى غيرها فلا شاغل له عنها. # ولما كان بين لهم فساد أعمالهم لفساد نياتهم تنفيرا منها، زاد في التنفير ~~بالإشارة إلى الأمر بدوام تذكرها بعاطف على غير معطوف عليه مذكور فقال؛ ~~{وإذ} فعلم أن التقدير قطعا: اذكروا ذلك واذكروا إذ، وزاد في التنفير بذكر ~~العدو المبين والتنبيه على أن كل ما يأمر به إنما هو خيال لا حقيقة له كما ~~كان ما سول لهم في هذا الأمر فقال: {زين لهم الشيطان} أي العدو المحترق ~~البعيد من الخير {أعمالهم} التي أتقنوها بزعمهم في معاداة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني حين ~~خافوا من قومه بني كنانة أن يخلفوهم في أهليهم بسوء لما كان بينهم مما يوجب ~~ذلك، فكاد ذلك أن يثبطهم عن الميسر {وقال} غارا لهم في أنفسهم {لا غالب ~~لكم} والجار خبر {لا} وإلا لا انتصب اسمها لكونه يكون إذ ذاك ms1784 شبيها بالمضاف ~~{اليوم من الناس} وغارا لهم فيمن خلفوه بقوله: {وإني جار لكم} من أن تخلفكم ~~كنانة بشيء تكرهونه، وسار معهم إلى بدر ينشطهم وينشدهم ويسلطهم بهذا القول ~~الظاهر إلى ما يوسوس لهم به في الصدور {فلما تراءت الفئتان} أي رأت كل فئة ~~الأخرى ورأى جبريل عليه السلام في جنود الله {نكص} أي رجع يمشي القهقرى ~~وبطل كيده وآثار وسوسته {على عقبيه} أي إلى ورائه، فقالوا # PageV08P298 # أين أي سراق؟ ولا يظنونه إلا سراقة، فمر ولم يجبهم ولا عرج عليهم {وقال} ~~أي بلسان الحال أو القال وهو يسمعونه أو لا يسمعونه {إني بريء منكم} ثم علل ~~براءته منهم بقوله: {إني أرى} أي بعين بصري {ما لا ترون} أي من الملائكة ~~والغضب الذي هو نازل بكم، فقال له الحارث بن هشام وكانت يده في يده: والله ~~ما نرى إلا جواسيس يثرب! فاستأنف قوله مؤكدا لإنكارهم لذلك: {إني أخاف ~~الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما أن يهلكني معكم بالمعاجلة بالعقاب ~~{والله} أي الملك الأعظم {شديد العقاب*} فكانوا يقولون: انهزم بنا سراقة، ~~فقال؛ بلغني أنكم تقولون كذا! والله ما علمت بمسيركم هذا إلا عندما بلغني ~~انهزامكم فكانوا يكذبونه حتى أسلموا فعلموا أن الذي غرهم الشيطان، وذلك ~~مشهور في السير، وهو أولى من أن يحمل على مجرد الوسوسة، وفي الحديث «ما رئي ~~إبليس يوما أصغر ولا أحقر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة إلا ~~ما رئي يوم بدر» . # PageV08P299 # ولما استوفى ما كان يقطع به في حق أولئك مما هو من أنفسهم ومما هو من ~~تزيين الشيطان، أبدل منه ما كان يقطع به في حقهم من أهل الجهل بالله ~~وبأيامه الماضية وآثاره عند أوليائه وأعدائه فقال: {إذ يقول المنافقون} أي ~~من العرب وبني إسرائيل قولا يجددونه كل وقت لما لهم فيه من الرغبة {والذين ~~في قلوبهم مرض} أي ممن # PageV08P299 # لم يرسخ الإيمان في قلبه ممن آمن ولم يهاجر أو من اليهود المصارحين ~~بالكفر حين يرون الكفار وقوتهم وكثرتهم والمؤمنين وضعفهم وقلتهم ms1785 {غر هؤلاء} ~~مشيرين إليكم {دينهم} أي في إقدامهم على ما يقطع فيه بهلاكهم ظنا منهم أن ~~الله ناصرهم وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف ملوك العرب، فيغيظكم ذلك، ~~فكذبهم الله وصدق أمركم بتوكلكم عليه وصبركم على دينكم {ومن} أي قالوا ذلك ~~عالمين بأنكم متوكلون عليه وصبركم على دينكم {ومن} أي قالو ذلك عالمين ~~بأنكم متوكلون على من تدينون له والحال أنه من {يتوكل على الله} أي الذي له ~~الإحاطة الشاملة، فهو يفعل ما يشاء منكم ومن غيركم بشرطه من الإيمان والسعي ~~في الطاعة كما فعلتم فإنه معز ومكرم. # ولما كان سبحانه محيطا بكل صفة كمال على الإطلاق من غير قيد توكل ولا ~~غيره، أظهر تعالى فقال عاطفا على تقديره: فإن الله قادر على نصره: {فإن ~~الله} أي الذي له الكمال المطلق {عزيز} أي غالب لكل من يغالبه فهو جدير ~~بنصره {حكيم*} أي متقن لأفعاله فهو حقيق بأن يأخذ عدو المتوكل عليه من ~~الموضع الذي لا ينفعه فيه حيلة. # ولما ذكر ما سرهم من حال أعدائهم المجاهرين والمساترين في الدنيا مرصعا ~~ذلك بجواهر الحكم وبدائع الكلم التي بملازمتها تكون السعادة وبالإخلال بها ~~تحل الشقاوة، أتبعه ما يسرهم من حال أعدائهم عند الموت وبعده، فقال مخاطبا ~~لمن لو كشف الغطاء لم يزدد يقينا، حاديا بتخصيصه بالخطاب كل سامع على قوة ~~اليقين ليؤهل لمثل هذا الخطاب # PageV08P300 # حكاية لحالهم في ذاك الوقت {ولو} أي يقولون ذلك والحال أنك {لو ترى} يا ~~أعلى الخلق {إذ يتوفى} أي يستوفي إخراج نفوس {الذين كفروا} أي من هؤلاء ~~القائلين ومن غيرهم ممن قتلتموهم ببدر ومن غيرهم بعد ذلك وقبله {الملائكة} ~~أي جنودها الذي وكلناهم بهم حال كونهم {يضربون} . # ولما كان ضرب الوجه والدبر أدل ما يكون على الذل والخزي، قال: {وجوههم ~~وأدبارهم} أي أعلى أجسامهم وأدناها فغيره أولى {و} حال كونهم يقولون لهم: ~~ذوقوا ما كنتم به تكذبون {ذوقوا عذاب الحريق*} أي لرأيتم منظرا هائلا وأمرا ~~فظيعا. فسركم ذلك غاية السرور، وما أثر كلامهم في غيظهم، فإنهم ms1786 يعلمون ~~حينئذ من الذي غره دينه و «لو» وإن كانت تقلب المضارع ماضيا فلا يخلو ~~التعبير بالمضارع في حيزها من فائدة، وهي ما ذكر من الإشارة إلى أن هذا لا ~~يخص ميتا منهم دون ميت، بل لا فرق بين متقدمهم ومتأخرهم، من مات ببدر أو ~~غيرها وليس في الكلام ما يقتضي أن يكون القائلون {غر هؤلاء دينهم} حضروا ~~بدرا، بل الظاهر أن قائليه كانوا بالمدينة وتعبيرهم ب {هؤلاء} التي هي أداة ~~القرب للتحقير واستسهال أخذهم كما أن أداة البعد تستعمل للتعظيم ببعد ~~الرتبة، وعلى مثل هذا يتنزل قول فرعون بعد أن سار # PageV08P301 # بنو إسرائيل زمانا أقله ليلة وبعض يوم كما حكاه الله عنهم # {إن هؤلاء لشرذمة قليلون} [الشعراء: 54] على أن البغوي قد نقل في تفسير ~~قوله تعالى {يرونهم مثليهم رأي العين} [آل عمران: 13] أن جماعة من اليهود ~~حضروا قتال بدر لينظروا على من تكون الدائرة. وإذا تأملت هذا مع قوله تعالى ~~{كدأب آل فرعون} علمت أن جل المقصود من هذه الآيات إلى قوله {ذلك بأنهم قوم ~~لا يفقهون} اليهود، وفي تعبيره ب {لا يفقهون} تبكيت شديد لهم كما قال تعالى ~~في آية الحشر {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} ~~[الحشر: 13] . # ولما عذبوهم قولا وفعلا، عللوا لهم ذلك بقولهم زيادة في تأسيفهم: {ذلك} ~~أي هذا الفعل العظيم الذي يفعله بكم من العذاب الأليم {بما قدمت أيديكم} أي ~~من الجراءة على الله {وأن} أي وبسبب أن له أن يفعل ذلك وإن لم تقدموا شيئا ~~فإن {الله} أي الذي له صفات الكمال {ليس بظلام} أي بذي ظلم {للعبيد*} فإن ~~ملكه لهم تام. والمالك التام الملك على ما يملكه الملك الذي لا شيء يخرج عن ~~دائرة ملكه، وهو الذي جبلكم هذه الجبلة الشريرة التي تأثرت عنها هذه ~~الأفعال القبيحة، وهو لا يسأل عما يفعل، من الذي يسأله! ويجوز أن يكون ~~المعنى: وليس بذي ظلم لأنه لا يترك الظالم يبغي على المظلوم من # PageV08P302 # غير جزاء لكم على ظلمكم لأهل ms1787 طاعته، وسيأتي في «فصلت» حكمة التعبير بصيغة ~~تحتمل المبالغة. # ولما بين بما مضى ما يوجب الاجتماع عليه والرجوع في كل أمر إليه، وبين أن ~~من خالف ذلك هلك كائنا من كان؛ أتبعه بما يبين أن هذا من العموم والاطراد ~~بحيث لا يخص زمانا دون زمان ولا مكانا سوى مكان فقال تعالى: {كدأب} أي عادة ~~هؤلاء الكفار وشأنهم الذي دأبوا فيه وداموا وواظبوا فمونوا عليه كعادة {آل ~~فرعون} أي الذين هؤلاء اليهود من أعلم الناس بأحوالهم {والذين} ولما كان ~~المهلكون لأجل تكذيب الرسل بعض أهل الزمان الماضي، أدخل الجار فقال: {من ~~قبلهم} وهو مع ذلك من أدلة {فلم تقتلوهم} لأن هؤلاء الذين أشار إليهم كان ~~هلاكهم بغير قتال، بل بعضهم بالريح وبعضهم بالصيحة وبعضهم بالغرق وبعضهم ~~بالخسف الذي هو غرق في الجامد، فكأنه يقول: لا ينسب أحد لنفسه فعلا، فإنه ~~لا فرق عندي في إهلاك أعدائي بين أن يكون إهلاكهم بتسليط من قتال أو غيره، ~~الكل بفعلي، لولا أنا ما وقع، وذلك زاجر عظيم لمن افتخر بقتل من قتله الله ~~على يده، أو نازع في النفل، وهو راجع إلى قوله تعالى # {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} [الحديد: 23] وفي ذلك ~~حث على التمرن على عدم # PageV08P303 # الاكتراث بشيء يكون للنفس فيه أدنى حظ ليصير ذلك خلقا كما هو دأب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، لا يضيف شيئا من محاسنه إلا إلى خالقه إلا إن كان ~~مأمورا فيه بالتشريع، بل يقول: قتلهم الله، صرفهم الله، نصرنا الله، كفى ~~الله، فإذا صار ذلك للمستمسكين به خلقا أفضى بهم إلى مدح الخالق والمخلوق ~~لهم كما قال كعب بن زهير رضي الله عنه في مدحهم: # ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا # ثم بين تعالى الحال الذي شابهوا فيه من قبلهم بقوله: {كفروا بآيات الله} ~~أي ستروا ما دلتهم عليه أنوار عقولهم من دلالات الملك الأعلى وغطوها لأنهم ~~لم يعملوا بها وصدوا عن ذلك من تبعهم، فكان جزاؤهم ما ms1788 تسبب عن ذلك من قوله: ~~{فأخذهم الله} اي الذي له مجامع الكبر ومقاعد العظمة والعز أخذ غلبة وقهر ~~وعقوبة {بذنوبهم} كما أخذهم فإنهم تجرؤوا على رتبة الألوهية التي تخسأ دون ~~شوامخها نوافذ الأبصار، وتظلم عند بوارق أشعتها سواطع الأنوار، وتضمحل ~~بالبعد عن أول مراقبها القوى، وتنقطع بتوهم الدنو من فيافيها الأعناق، ~~فنزلت بهم صواعق هيبتها، وأناخت عليهم صروف عظمتها، فأصبحوا لا ترى إلا ~~مساكنهم ولا تحس إلا ملاعبهم وأمكاكنهم. # ولما أخبر بأخذهم، علله بقوله: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الشامله ~~{قوي} أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {شديد العقاب*} . # PageV08P304 # ولما كان كأنه قيل: فما له يمهلهم ولا يعالجهم بالأخذ قبل النكاية # PageV08P304 # في أوليائه وأهل وده وأصفيائه؟ قال: {ذلك} أي الأخذ على هذه الحالة {بأن ~~الله} أي بسبب أنهم غيروا ما في أنفسهم، وقد كان له سبحانه أن يأخذهم قبل ~~أن يغيروا لعلمه بما في ضمائرهم، ولكنه تعالى أجرى سنته الإلهية لتمام علمه ~~وكمال قدرته وإحاطته بجميع صفات الكمال بأنه {لم يك} هكذا كان الأصل، ولكن ~~حذف اختصارا تقريبا لبيان تعميم العلة وإبعاد للسامع من مثل ذلك، وحذف نون ~~«يكن» إرشادا إلى أن هذه الموعظة خليقة بأن يوجز بها غاية الإيجاز فيبادر ~~إلى إلقائها لما في حسن تلقيها من عظيم المنفعة، لأن من خالفها جدير بتعجيل ~~الانتقام {مغيرا نعمة} أي قلت أو جلت، وبين أنه لا نعمة على أحد إلا منه ~~فقال: {أنعمها على قوم} أي من أي طائفة كانوا {حتى يغيروا} أي يبدلوا {ما} ~~يعتقدونه {بأنفسهم} بغيره مما هو غريزة لهم وهو حفي عنهم، يظنون اتصافهم ~~بضده مما هو ظاهر لهم اتصافا غريزيا {وأن} أي وبسبب أن {الله} أي الذي له ~~الكمال كله {سميع} أي لما يكذبون به الرسل ولأقوالهم: إن ما يظهرونه وصفهم ~~الحقيقي {عليم*} أي بما تكن ضمائرهم من غيره وإن جهلوه هم فيبتليهم ببلاء ~~يظهر به ذلك المكنون ويبرز به كل سر مصون، فإذا تعلق به العلم ظاهرا علق به ~~الحكم قاهرا لتمام قيام الحجة، ms1789 ولتمام علمه بحالهم أمهلهم، وإنما يستعجل من ~~يخاف أن تخيب فراسته أو يتغير علمه، وأما الذي علمه # PageV08P305 # بالظواهر والضمائر على حد سواء فالحالتان عنده سيان، فهو يمهل لإتمام ~~الحكمة ولا يهمل من استحق النقمة، وذلك التغيير الذي أظهره البلاء هو ~~التكذيب بالحق عنادا والبعد عما كانوا يدعونه من العدل والمشي على مناهيج ~~العقل والاستحياء من العناد، والتنزه من طرق الفساد، هكذا كانت كل أمة ~~أرسلت إليها الرسل تدعي وما عندها من خلاف ذلك مستور في ضمائرها مكنون في ~~سرائرها، لا تعلمه كما تشاهد أكثر من تعاشره، يظن في نفسه ما ليس فيها، ~~وعند الامتحان يكذبه العيان، فلما جاءتهم الرسل وأوضحوا لهم الأمر إيضاحا ~~ليس معه، لبس فكذبوهم، غيروا ما كان في نفوسهم مما كانوا يزعمون؛ ثم كرر ~~قوله: {كدأب آل فرعون} أي فرعون وقومه فإنهم أتباعه فلا يخيل انهم يفعلون ~~شيئا إلا وهو قائدهم فيه {والذين من قبلهم} - لدقيقة، وهي أنه قد تقدم أنه ~~ما من أمة إلا ابتليت بالضراء والسراء، فالأولى ينظر إليها مقام الإلهية ~~الناظر إلى العظمة والكبرياء والقهر والانتقام، والثانية ثمرة مقام ~~الربوبية الناشىء عنه التودد والرحمة والرأفه والإكرام، لذا عبر في الأولى ~~باسم الذات الجامع لجميع الصفات الذي لفظه - عند من يقول باشتقاقه - موضوع ~~لمعنى الإلهية إشارة إلى أنهم أعرضوا في حال الضراء عن التصديق وعاملوا ~~بالتجلد والإصرار، ولذا عبر في هذه الثانية باسم الرب فقال: {كذبوا} أي # PageV08P306 # عنادا زيادة على تغطية ما دل عليه العقل بالتكذيب بالنقل {بآيات ربهم} ~~فأشار بذلك إلى بطرهم بالنعم وتكذيبهم أنها بسبب دعاء الرسل. # ولما أشار بالتعبير به إلى أنه غرهم معاملته بالعطف والإحسان، قال: ~~{فأهلكناهم} أي جميعا {بذنوبهم وأغرقنا} فأتى بنون العظمه إشارة إلى أنه ~~أتاهم بما أنساهم ذلك البر {آل فرعون} وإشارة إلى أنهم نسوا أن الرب كما ~~أنه يتصف بالرحمة فلا بد أن يتصف بالعظمة والنقمة وإلا لم تتم ربوبيته، ~~وهذا واضح مما تقدم في الأعراف عن التوراة في شرح {فأرسلنا عليهم الطوفان} ~~[الأعراف: 133]- إلى آخرها، من ms1790 أن فرعون كان يسأل موسى عليه السلام عند كل ~~نازلة الدعاء برفعها معتلا بأن الرب ذو حلم وأناة ورحمة، وقدم الأولى إشارة ~~إلى أنهم بلغوا الغاية في الجرأة، والتعبير فيها ب {كفروا} يؤيد لذلك، أي ~~أن مجرد الستر للآيات بالإعراض عنها كاف في إيجاب الانتقام ولو لم يصرح ~~بتكذيب لعظم المقام، ومادة كفر - بأي ترتيبة كان - تدور على الخلطة المميلة ~~المحيلة، وبخصوص هذا الترتيب تدور على الستر، أي غطوا التصديق بآيات ربهم، ~~ويجوز - وهوالأحسن - أن يكون دورانها - مطلقا لا بقيد ترتيب - على الفكر، ~~وهو إرسال عين البصيرة في طلب أمر ويلزمه # PageV08P307 # الكشف والستر لأنه تارة يرفع أذيال الشبه عن ذلك الأمر فينجلي ويتحقق، ~~وتارة يسلط قواطع الأدلة عليه فينعدم ويتمحق، وربما أرخى أذيال الشبه عليه ~~فأخفى بعد أن كان جليا كما كان شمرها عنه فألقى وقد كان خفيا. # ولما أخبر سبحانه بهلاكهم، أخبر بالوصف الجامع لهم بالهلاك فقال: {وكل} ~~أي من هؤلاء ومن تقدمهم من آل فرعون ومن قبلهم {كانوا} أي جبلة وطبعا ~~{ظالمين *} أي لأنفسهم وغيرهم واضعين الآيات في غير مواضعها وهم يظنون ~~بأنفسهم العدل؛ ثم علل اتصافهم بالظلم أو استأنف بيانا له بقوله: {إن شر ~~الدواب} أي ظلموا لأنهم كفروا بآيات ربهم الذي تفرد بالإحسان إليهم وشر ~~الدواب {عند الله} أي في حكم الحكم العدل الذي له الأمر كله وفي علمه ~~{الذين كفروا} أي منهم ومن غيرهم، أي حكم عليهم بلزوم الكفر لما ركب فيهم ~~من فساد الأمزجة لعدم الملاءمة للخير، فكانوا بذلك قد نزلوا عن رتبة ~~الإنسان إلى رتبة مطلق الحيوان، ثم إلى دركة الحشرات والديدان بل العجلان، ~~لأن شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون منهم، وشر المصرين الناكثون ~~للعهود {فهم} أي بسبب ذلك {لا يؤمنون*} أي لا يتجدد منهم إيمان يستمرون ~~عليه لما سبق من علم الله فيهم، فلم ينتفعوا بما أتاهم من صفة الربوبية ~~فمحقتهم صفة الإلهية، # PageV08P308 # ولعله إنما خص آل فرعون تذكيرا - لأكثر من كان يقول {غر هؤلاء دينهم} وهم ~~- اليهود - بأنهم كانوا بالنسبة ms1791 إلى فرعون وآله أضعف من الصحابة رضوان الله ~~عليهم بالنسبة إلى قريش وأتباعهم، فإن اليهود مع قلتهم عندهم كانوا قد ~~دانوا لهم بذل العبيد لمواليهم بل أعظم، ومع ذلك فإنهم نصروا عليهم لما كان ~~الله معهم، وإعلاما لهم بأنهم الآن كآل فرعون في العناد مع ما هم فيه من ~~القلة والذلة، فقد جمعوا من كل قوم أخس صفاتهم وأردأ حالاتهم، ولذلك أبدل ~~من عموم {الذين كفروا} {الذين عاهدت منهم} وهم اليهود بلا شك، إما بنو ~~قينقاع أو النضير أو قريظة أو الجميع بحسب التوزيع، فكل منهم نقض ما كان ~~أخذ عليه صلى الله عليه وسلم من العهود، وأخلف ما كان أكده من الوعود. # ولما كان العهد جديرا بالوفاء ولا سيما من العلماء، عبر بقوله: {ثم ~~ينقضون عهدهم} أي يجددون نقضه كلما لاح لهم خلب برق أو زور بطل يغير في وجه ~~الحق؛ ثم عظم الشناعة عليهم بقوله: {في كل مرة} ثم نبه على رضاهم من رتبة ~~الشرف العلية القدر وهدة السفه والسرف بعدم الخوف من عاقبة الغدر بقوله: ~~{وهم لا يتقون*} أي الناس في الذم لهم على ذلك ولا الله في الدنيا بأن يمكن ~~منهم، ولا في الآخرة بأن يخزيهم ثم يركسهم بعد المناداة بالعار في النار. # PageV08P309 # ولما أيأسه من تقواهم بما اشتملوا عليه من تكرير النقض الناشىء عن غاية ~~الحسد وصلابة الرقاب وقساوة القلوب والقساوة على الكفر، أمره بما يوهن ~~قواهم ويحل عراهم من إلباس اليأس بإنزال البأس كما جرت عادته سبحانه أنه ~~يوصيه بالرفق ببعض الناس لعلمه أن عمله يزكو لبنيانه على أحسن أساس، فقال ~~مؤكدا لأجل ما جبل عليه صلى الله عليه وسلم من محبة الرفق: {فإما تثقفنهم} ~~أي تصادفنهم وتظفرن بهم {في الحرب} أي التي من شأنها أن يحرب فيها المبطل، ~~ويربح المحق المجمل {فشرد بهم من خلفهم} أي فنكل بهم تنكيلا يصدع ويفرق عن ~~محاربتك من وراءهم ممن هو على مثل رأيهم في المنافرة لك ولا تتركنهم أصلا ~~لأن أتباعك أمهر منهم وأحذق، فهم لذلك ms1792 أثبت وأمكن، فإذا أوقعت بهم ذلك لم ~~يجسر عليك أحد بعده اتعاظا بهم واعتبارا بحالهم؛ ومادة شرد بكل ترتيب تدور ~~على النفوذ، فإن كان على قصد وسنن فهو رشد ويلزمه الاجتماع، وإن كان على ~~غير سنن وجامع استقامة فهو شرود، ودرشة، أي لجاجة ويلزمه التفرق؛ قال ابن ~~فارس: شرد البعير شرودا وشردت به تشريدا، فأما قوله لجاجة ويلزمه التفرق؛ ~~قال ابن فارس: شرد البعير شرودا وشردت به تشريدا، فأما قوله {فشرد بهم} ~~فالمراد نكل بهم # PageV08P310 # وسمع، قال القزاز: شردت الرجل تشريدا - إذا طردته، وشردت به - إذا سمعت ~~به وذكرت عيوبه للناس، وقوله تعالى {فشرد بهم} أي اجعلهم مطردين - انتهى. # فالمراد المبالغة في الإيقاع بهم لأنهم إذا ضربوا ضربة تفرقوا فيها على ~~غير وجه ولا انتظام علم من شردوا إليه ممن وراءهم أنه قد تناهى بهم الذعر ~~فذعر هو فوقع في الشرود قوة أو فعلا، فعلى قراءة من جعل «من» حرف جر يكون ~~المفعول محذوفا، والتقدير: أوقع - بما تفعل بهؤلاء من الأمور الهائلة - ~~التشريد في المكان الذي خلفهم بشرود من فيه قوة أو فعلا بما سمعوا أو رأوا ~~من حال هؤلاء حين واجهوك للقتال، وعلى قراءة من جعلها اسما موصولا تكون هي ~~المفعول، فالمعنى: شرد الذين خلفهم من أماكنهم إما بالفعل أو بالقوة بأن ~~تفترق قلوبهم بما تفعل بهولاء فتصير - بما ترى من قبيح حالهم - قابلة ~~للشرود، ويكون اختلاف المعنى بالتبعيض في جعل «من» حرف جر والتعميم في ~~جعلها موصولا بالنظر إلى القوة أو الفعل. # ولما ذكر الحكم، ذكر ثمرته بأداة الترجي إدارة له على الرجاء فقال: ~~{لعلهم} أي المشردين والمشرد بهم {يذكرون*} ما سبق من أيام الله فيعلموا أن ~~هذه أفعاله، وهؤلاء رجاله، فينفعهم ذلك فلا ينقضوا عهدا بعده ولقد فعل بهم ~~صلى الله عليه وسلم ذلك فإنهم إن كانوا بني قريظة فقد ضربهم صلى الله عليه ~~وسلم ضربة لم يفلت منهم مخبر، بل # PageV08P311 # ضرب أعناقهم في حفائر في سوق المدينة وكانوا نحو سبعمائة على دم واحد. ~~إلا من أسلم ms1793 منهم وهم يسير، وسبى ذراريهم ونساءهم وغنم أموالهم، وإن كانوا ~~قينقاع فقد نزل بساحتهم بعد نقضهم وإظهارهم غاية الاستخفاف والعناد فلم ~~يكبتهم الله أن جعلهم في قبضته وما بقي إلا ضرب أعناقهم كما وقع لبني قريظة ~~فسأله فيهم عبد الله بن أبي المنافق وألح عليه صلى الله عليه وسلم في أمرهم ~~وكان يألفه ويتألف به فتركهم له صلى الله عليه وسلم وأجلاهم من المدينة، ~~وكانت واقعتهم أول وقائع اليهود بالمدينة، وإن كانوا بني النضير فقد نقضوا ~~أيضا فأحاط بهم، ومناهم المنافقون الغرور فقذف الله الرعب في قلوبهم فسألوه ~~صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم ففعل، ثم أتم الله له الأمر ~~فيهم في خيبر ووادي القرى وغيرهما إلى أن لم يدع منهم في جزيرة العرب فريقا ~~إلا ضربه بالذل وأجرى عليه الهوان والصغار، ووقائعه فيهم مشهورة الخبر ~~معروفه في السير. # PageV08P312 # ولما أمره بما يفعل تحقق نقضه، أرشده إلى ما يفعل بمن خاف غدره فقال: ~~{وإما تخافن} وأكده إشارة ظهور القرائن ووضوح الأمارت {من قوم} أي ذوي قوة، ~~بينك وبينهم عهد {خيانة} أي في ذلك العهد {فانبذ} أي اطرح طرح مستهين محتقر ~~{إليهم} أي ذلك العهد نبذا كائنا {على سواء} أي أمر مستو في العلم بزواله ~~بينكم وبينهم وعدل ونصفه ولا تناجزوهم وهم على توهم من بقاء # PageV08P312 # العهد، وهذا إشارة إلى أن يكونوا على غاية الحذر والفحص عن أخبار العدو ~~بحيث لا يتركونه إلى أن ينقض ثم يعلمون ميله إلى النقض فينبذون إليه عهده ~~لأن ذلك أردع له، فهو أدعى إلى السلم؛ ثم علل جواز النبذ ووجوب النصفة ~~بقوله: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {لا يحب الخائنين*} أي لا يفعل ~~بهم فعل المحب لا منكم ولا من غيركم. # ولما كان نبذ العهد مظنة الخوف من تكثير العدو وإيقاظه، وكان الإيقاع ~~أولى بالخوف، أتبع سبحانه ذلك ما يجري عليه ويسلي عن فوت من هرب من الكفار ~~في غزوة بدر فلم يقتل ولم يؤسر فقال: {ولا يحسبن} بالياء غيبا ms1794 على قراءة ~~ابن عامر وحمزة وحفص، أي أحد من أتباعك في وقت من الأوقات، ووجه قراءة ~~الباقين بالخطاب أن أمر الرئيس ونهيه أوقع في نفوس الأتباع وأدعى لهم إلى ~~السماع {الذين كفروا} أي عامة من نبذ ومن لم ينبذ {سبقوا} أي وقع لهم ~~السبق، وهو الظفر في وقت ما، فإنهم لم يفوتوا شيئا من أوامرنا؛ ثم علل ذلك ~~بقوله: {إنهم لا يعجزون*} أي لا يفوتون شيئا مما يزيد تسليطه عليهم، أي لا ~~يغرنك علوهم وكثرتهم وجرى كثير من الأمور على مرادهم فكل ذلك بتدبيرنا، ولا ~~يخرج # PageV08P313 # شيء عن مرادنا، ولا بد أن نهلكهم فإنهم في قبضتنا، لم يخرجوا منها ولا ~~يخرجون فضلا عن أن يفوتوها فاصبر. # ولما كان هذا ربما أدى إلى ترك المناصبة والمحاربة والمغالبة اعتمادا على ~~الوعد الصادق المؤيد بما وقع لهم في بدر من عظيم النصر مع نقص دعوى العدة ~~والعدة، أتبعه ما يبين أن اللازم ربط الأسباب بمسبباتها، وليتبين الصادق في ~~دعوى الإيمان من غيره فقال: {وأعدوا لهم} أي للأعداء {ما استطعتم} أي دخل ~~في طاعتكم وكان بقوة جهدكم تحت مقدروكم وطاقتكم {من قوة} أي قوة كانت، ~~وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بالرمي إشارة إلى أنه أعظم عدده على نحو ~~«الحج عرفة» وفي أمرهم بقوله {ومن رباط الخيل} إيماء إلى باب من الامتنان ~~بالنصر في بدر لأنهم لم يكن معهم فيه غير فرسين، والرباط هو الخيل التي ~~تربط في سبيل الله الخمس منها فما فوقها، وخصها مع دخولها فيما قبل إشارة ~~إلى عظيم غنائها، والرباط أيضا ملازمة تغر العدو وربط الخيل به إعدادا ~~للعدو؛ ثم أجاب من كأنه قال: لم نفعل ذلك وما النصر إلا بيدك؟ بقوله: ~~{ترهبون} أي تخافون تخويفا عظيما باهرا يؤدي إلى الهرب على ما أجريت من ~~العوائد {به} أي بذلك الذي أمرتكم به من المستطاع أو من الرباط {عدو الله} ~~أي الذي له العظمة كلها لأنه الملك الأعلى {وعدوكم} أي المجاهدين، والأليق ~~بقوله -: {وآخرين} أي وترهبون بذلك آخرين {من دونهم} - أي ms1795 يحمل على ~~المنافقين # PageV08P314 # لوصفهم بقوله: {لا تعلمونهم} كما قال تعالى # {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم} [التوبة: 101] ولأنهم لا يكونون دونهم إلا إذا لم يكونوا في ~~العدواة مثلهم، وكل من فرض غير المنافقين مظهرون للعدواة، وأما المنافقون ~~فإنهم مدعون بإظهار الإسلام أنهم أولياء لا أعداء {الله} أي المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما {يعلمهم} أي فهو يكفيكم ما يظن من أمرهم، وليس عليكم إلا الجهد ~~بحسب ما تعلمون، والآية بالنسبة إلى ما تقدمها من باب «اعقلها وتوكل» ~~والمعنى لا تظنوا أن الكفار فاتونا وأفلتوا من عذابنا بامتناعهم منكم فإنهم ~~في قبضتنا أينما توجهوا وحيثما حلوا فسوف نهلكهم ولا يعجزوننا، ومع ذلك فلا ~~يحملنكم الاتكال على قوتنا على ترك أسباب مغالبتهم بما أعطيناكم من القوى ~~بل ابذلوا جهدكم وطاقتكم في إعداد مكايد الحرب وما يتعلق بالرمي من القوة ~~وبالخيل من الطعن والضرب والفروسية لنلقي بذلك رعبكم في قلوب عدوكم القريب ~~والبعيد من تعلمونه منهم ومن لا تعلمونه. # ولما كان أغلب معاني هذه الأية الإنفاق، لأن مبنى إعداد القوة # PageV08P315 # عليه، رغب فيه بقوله: {وما تنفقوا من شيء} أي من الأشاء وإن قل {في سبيل ~~الله} أي طريق من له صفات الكمال من الجهاد وغيره {يوف إليكم} أي أجره ~~كاملا في الدنيا والآخرة أوفى ما يكون مضاعفا أحوج ما تكونون إليه {وأنتم ~~لا} . # ولما كان المخوف مطلق النقص، بنى للمفعول قوله: {تظلمون*} أي لا تنقصون ~~شيئا منه، وأما الزيادة فلا بد منها وهي على قدر النية. # ولما كان ضمان النصر والحلف في النفقة موجبا لدوام المصادمة والبعد من ~~المسالمة، أتبعه قوله أمرا بالاقتصاد: {وإن جنحوا} اي مالوا وأقبلوا في ~~نشاط وطلب حازم {للسلم} أي المصالحة، والتعبير باللام دون «إلى» لا يخلو عن ~~إيماء إلى التهالك على ذلك ليتحقق صدق الميل {فاجنح} ولما كان السلم مذكرا ~~يجوز تأنيثه، قال: {لها} أي المصالحة، أو يكون تأنيثه بتأنيث ضده الحرب، ~~وكأنه اختير التأنيث إشارة إلى أنه يقتصر فيه على أقل ms1796 ما يمكن من المدة ~~بحسب الحاجة، هذا إذا كان الصلاح للمسلمين في ذلك بأن يكون بهم ضعف، وأقصى ~~مدة الجواز عشر سنين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تجوز ~~الزيادة. # PageV08P316 # ولما كان ذلك مظنة أن يقال: إنه قد عهد منهم من الخداع ما أعلم انهم ~~مطبوعون منه على ما لا يؤمنون معه فمسالمتهم خطر بغير نفع، لوح إلى ما ~~ينافي ذلك بقوله: {وتوكل على الله} أي الذي له مجامع العظمة فيما تعهده من ~~خداعهم فإنه يكفيك أمره ويجعله سببا لدمارهم كما وقع في صلح الحديبية فإن ~~غدرهم فيه كان سبب الفتح، وحرف الاستعلاء في هذا وأمثاله معلم بأنه يفعل مع ~~المتوكل فعل الحامل لما وكل إليه المطيق لحمله؛ ثم علل الأمر بالتوكل الذي ~~معناه عدم الخوف من عاقبة أمرهم في ذلك بقوله: {إنه هو} أي وحده {السميع} ~~أي البالغ السمع، فهو يسمع كل ما أبرموه في ذلك وغيره سرا كما يسمعه علانية ~~{العليم*} أي البالغ العلم وحده فهو يعلم كل ما أخفوه كما أنه يعلم ما ~~أعلنوه؛ ثم صرح بالاستهانة بكيدهم فقال: {وإن يريدوا} أي الكفار {أن ~~يخدعوك} أي بما يوقعون من الصلح أو بغيره {فإن حسبك} أي كافيك {الله} أي ~~الذي له صفات العز كلها، ثم علل كفايته أو استأنف بيانها بقوله: {هو} أي ~~وحده {الذي أيدك بنصره} أي إذ كنت وحدك {وبالمؤمنين*} أي بعد ذلك في هذه ~~الغزوة التي كانت العادة قاضية فيها بأن من معك لا يقومون للكفار فواق ~~ناقة، ولعل هذا تذكير بما كان من الحال في أول الإسلام، أي إن الذي # PageV08P317 # أرسلك مع وحدتك في مكة بين جميع الكفار وغربتك فيهم - وإن كانوا بني عمك ~~- بسبب دعوتك إلى هذا الدين وعلوك عن أحوالهم البهيمية إلى الأخلاق ~~الملكية، هو الذي قواك وحده بالنصر عليهم حتى لم يقدروا على أذى يردك عن ~~الدعاء إلى الله مع نصب جميعهم لك ولمتبعيك شباك الغدر ومدهم إليكم أيدي ~~الكيد ثم سلكم من بين أظهرهم كما تسل الشعرة من ms1797 العجين مع اجتهادهم في ~~منعكم من ذلك، وأيدكم بالأنصار وجمع بين كلمتهم بعد شديد العدواة {وألف بين ~~قلوبهم} بعد غاية التباغض، فصار البعيد منهم قريبا والبغيض حبيبا والعدو ~~صديقا، وكانوا على قلب واحد؛ ثم استأنف الإخبار بما دل على تعذر ألفتهم ~~لولا هو فقال: {لو أنفقت} أي وأنت أتقن الخلق لما تصنعه {ما في الأرض ~~جميعا} أي في إرادة ذلك {ما ألفت بين قلوبهم} ثم أكد ذلك بقوله: {ولكن ~~الله} أي وهو الذي له جميع صفات الكمال {ألف بينهم} ثم علل نفوذ فعله وأمره ~~فيه بقوله: {إنه عزيز حكيم*} أي لأنه لولا عزته التي تغلب كل شيء ولا ~~يغلبها شيء وحكمته التي يتقن بها ما أراد بحيث لا يمكن لأحد أن يغير شيئا ~~منه لما تألفوا بعد أن كان قبل كل أحد من فريقيهم للآخر أشهى من لذيذ ~~الحياة وصافي العيش لما بينهم من الإحن التي لا تزال تثور فتغلي لها الصدور ~~حتى تفور بقتل الأحباب من الوالدين والأولاد والقهر بأنواع الأذى مع # PageV08P318 # المجاورة المقتضية لدوام التحاسد وإثارة الضغائن، وكذا فعل سبحانه بجميع ~~العرب بعدما كان بينهم من القتل المنتشر مع ما لهم من الحمية والأنفة ~~الحاملة على الانتقام. # والذي أمدك بهذه الألطاف حي لا يموت باق على ما كان عليه من القدرة ~~والقوة، فهو الكفيل بحراستك ممن يريد خداعك، فإذا أمركم بأمر فامتثلوه غير ~~مفكرين في عاقبته، فإنه قد بينه بعزته وأتقنه بحكمته وستعلمون. # PageV08P319 # ولما صرح بأن الله كافيه، وكانت كفاية الله للعبد أعظم المقاصد، التفتت ~~الأنفس إلى أنه هل يكفيه مطلقا أو هو فعل مع المؤمنين أيضا مثل ذلك، ~~فأتبعها بقوله معبرا بوصف النبوة الذي معناه الرفعة والاطلاع من جهة الله ~~على ما لا يعلمه العباد، لأنه في سياق الإخبار ببعض المغيبات والتصرف في ~~الملكوت: {يا أيها النبي} أي العالي القدر الذي نعلمه بعواقب أموره {حسبك} ~~أي كافيك {الله} أي الذي بيده كل شيء {ومن} أي مع من {اتبعك من المؤمنين*} ~~يجوز أن يكون المعية من ضميره صلى ms1798 الله عليه وسلم فيكون المؤمنون مكفيين، ~~وأن يكون من الجلالة فيكونوا كافين، حتى يكون المعنى: فهو كافيهم أيضا وهم ~~كافوك لأنه معهم، وساق سبحانه هذا هكذا تطييبا لقلوبهم وجبرا لخواطرهم ~~وبالمعنى الثاني - لتضمنه الأول وزيادته عليه - قال ابن زيد والشعبي: # PageV08P319 # حسبك الله وحسبك من اتبعك، وساقها سبحانه على وجه مكرر لكفاية نبيه صلى ~~الله عليه وسلم محتمل لأن فيمن كان على اتباعه في ذلك الوقت لئلا يستقلوا ~~بالنسبة إلى كثرة أعدائهم. # ولما بين أنهم كافون مكفيون، وكان ذلك مشروطا بفعل الكيس والحزم وهو ~~الاجتهاد بحسب الطاقة، أمره بأن يأمرهم بما يكونون به كافين من الجد في ~~القتال وعدم الهيبة للأبطال في حال من الأحوال، فقال معبرا بالوصف الناظر ~~إلى جهة التلقي عن الله ليشتد وثوق السامع لما يسمعه: {يا أيها النبي} أي ~~الرفيع المنزلة عندنا الممنوح من إخبارنا بكل ما يقر عينه وعين أتباعه {حرض ~~المؤمنين} أي الغريقين في الإيمان {على القتال} أي بالغ في حثهم عليه ~~وندبهم بكل سبيل إليه، ومادة حرض - بأي ترتيب كان - حرض، حضر، رحض، رضح، ~~ضرح؛ ترجع إلى الحضور ويلزمه الخفض والدعة، ويلزم الكسل فيلزمه الضعف ~~فيلزمه الفساد، ومنه الحرض الذي أشفى على الهلاك، أي حضر هلاكه وحضر هو ~~موضعه الذي هو فيه فصار لما به لا يزايله ما دام حيا، ورخص الثوب، أي غسله، ~~من الدعه التي هي شأن الحضور غير المسافرين، والرحضاء عرق الحمى تشبيه ~~بالمغسول، والمرضاح الحجر الذي لا يزال حاضرا لرضح النوى، والضريح شق ~~مستطيل يوضع فيه الميت فيكون حاضره لازما له دائما إلى الوقت المعلوم، ~~ويلزمه الرمي # PageV08P320 # والطول، ومنه المضرحي للطويل الجناحين من الصقور لأن كل صيد عنده حاضر ~~لقوة طيرانه، والرجل الكريم لعلو همته، وأحضرت الدابة: عدت فجعلت الغائب ~~حاضرا، والتحريض الحث على حضور الشيء، فحرض على القتال: حث على الطيران ~~إليه بتعاطي أسبابه والاستعداد لحضوره حتى يصير المحثوث كأنه حاضر، متى ~~قيل: يا صباحاه! طار إلى المنادي، وكان أول حاضر إلى النادي، لأنه لا مانع ~~له من شيء ms1799 من الأشياء بل استعداده استعداد الحاضر في الصف؛ وقال الإمام أبو ~~الحسن علي ابن عيسى الرماني في تفسيره: والتحريض: الدعاء الوكيد لتحريك ~~النفس على أمر من الأمور، والحث والتحريض والتحضيض نظائر، ونقيضه التفسير، ~~والتحريض ترغيب في الفعل بما يبعث على المبادرة إليه مع الصبر عليه - ~~انتهى. # فهذه حقيقته، لا ما قال في الكشاف وتبعه عليه البيضاوي. # ولما ندبهم إلى القتال، أعلمهم بأنهم منصورون فيه إن لازموا آلة النصر، ~~فقال اسئنافا جوابا لمن قال: ما عاقبتهم إذا رغبوا فبادروا إلى ذلك؟ : {إن ~~يكن} ولما كانت لذة الخطاب تثير الهمم وتبعث العزائم وتوجب غاية الوثوق ~~بالوعد، عدل عن الغيبة فقال: {منكم عشرون} أي رجلا: {صابرون} أي الصبر ~~المتقدم {يغلبوا مائتين} أي من # PageV08P321 # الكفار، والآية من الوعد الصادق الذي حققه وقائع الصحابة رضي الله عنهم ~~{وإن يكن منكم مائة} أي صابرة {يغلبوا ألفا} أي كائنين {من الذين كفروا} ~~فالآية من الاحتباك: أثبت في الأول وصف الصبر دليلا على حذفه ثانيا، وفي ~~الثاني الكفر دليلا على حذفه أولا؛ ولعل ما أوجبه عليهم من هذه المصابرة ~~علة للأمر بالتحريض، أي حرضهم لأني أعنت كلا منهم على عشرة، فلا عذر لهم في ~~التواني؛ وعلل علوهم عليهم وغلبتهم لعن على هذا الوجه بقوله: {بأنهم} أي ~~هذا الذي أوجبته ووعدت بالنصر عنده بسبب أنهم، أي الكفار {قوم لايفقهون*} ~~أي ليس لهم فقه يعلمون به علم الحرب الذي دربه أهل الإيمان وإن كنتم ترونهم ~~أقوياء الأبدان فيهم كفاية للقيام بما ينوبهم من أمر الدنيا لأنهم أبدان ~~بغير معان، كما أن الدنيا كذلك صورة بلا روح، لأنهم لم يبنوا مصادمتهم على ~~تلك الدعائم الخمس التي قدمتها لكم وألهمتكم إياها في بدر، فمن لم يجمعها ~~لم يفقه الحرب، لأن الجيش إن لم يكن له رئيس يرجع إليه لم يفلح، وذلك ~~الرئيس إن لم يكن أمره مستندا إلى ملك الملوك كان قلبه ضعيفا، وعزمه - وإن ~~كثرت جموعه - مضطربا، فإنهم يكونون صورا لا معاني لها، والصور منفعله لا ~~فعالة، والمعاني هي الفعالة، والمعتمد ms1800 على الله صورته مقترنة بالمعنى، فأقل ~~ما يكون في مقابلة اثنين من أعدائه كما حط عليه الأمر # PageV08P322 # في الجهاد، ولعل هذا هو السر في انتصار الخوارج - من أتباع شبيب وأنظاره ~~على قلتهم - على الجيوش التي كانوا يلقونها عن ملوك زمانهم على كثرتهم، فإن ~~الخوارج معتقدون أن قتالهم لله مستندين في هذا الاعتقاد إلى ظلم أولئك ~~الملوك وخروجهم عن أمر الله، والذين يلقونهم عن أولئك الملوك وإن اعتقدوا ~~أنهم أهل طاعة لطاعتهم الإمام الواجب طاعته، لكنهم يعلمون أن استناد إمامهم ~~إلى الله ضعيف لمخالفته لمنهاج الاستقامه، وذلك الرئيس نفسه معتقد ذلك وأن ~~ولايته مفسدة، وأن تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لقتاله إنما هو درء ~~لأعظم المفسدتين، فصار استناد الخوارج إلى الملك الملوك اعظم من استناد ~~أولئك، ولهذا نشأ عن استناد الخوارج الزهد الذي هو أعظم أسباب النصر، ونشأ ~~عن استناد أولئك الملوك الإخلاد إلى الدنيا الذي هو أعظم الموجبات للخذلان، ~~مصداق ذلك أنهم لما خرجوا على علي رضي الله عنه فسار فيهم بسنة الله من ~~اللطف بهم وتقديم وعظهم والإعذار إليهم وردهم إلى الله فلما لم يقبلوا ~~قصدهم في ساعة، قال له بعض من كان يعتني بالنجوم: إنها ساعة نحس، أن سار ~~فيها حذل، فقال: سيروا فيها فإنه ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم منجمون، ~~فلما لقي الخوارج لم يواقفوه حلب ناقه ولا أفلت منهم أحد ولا قتل من جماعته ~~إنسان؛ وفهم الإيجاب في قوله تعالى {إن يكن منكم عشرون} - الآية وأن الخبر ~~فيه بمعنى الأمر من قوله: {الآن خفف الله} أي الملك الذي له الغنى المطلق ~~صفات الكمال {عنكم} أي # PageV08P323 # رحمة لكم ورفقا بكم {وعلم} أي قبل التخفيف وعده {أن فيكم ضعفا} أي في ~~العدد والعدد، ولكنه أوجب عليكم ذلك ابتلاء، فبعد التخفيف علم ضعفهم واقعا ~~وقبله علم أنه سيقع، وتصديره هذه الجملة ب {الآن} يشير إلى أن النسخ كان ~~قبل أن تمضي مدة يمكن فيها غزو، وفائدة الأمر المعقب بالنسخ حيازة الأجر ~~بقبوله والعزم على امتثاله، وقيل: ms1801 ما كان النسخ إلا بعد مدة بعد أن سألوا ~~في التخفيف؛ وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما ~~نزلت {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} شق ذلك على المسلمين حين ~~فرض عليهم ألا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال: {الآن خفف الله عنكم} ~~- الآية؛ فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. # والمعنى أنه كان كتب مقدرا من الصبر لكل مؤمن، فلما خفف أزال ذلك بالنسبة ~~إلى المجموع، وهذا لا يمنع استمرار البعض على ما كان كما فعل سبحانه ~~بالصحابة رضوان الله عليهم في غير موضع منها غزوة مؤته، فقد كانوا فيها ~~ثلاثة آلاف، وكان من لقوا من جموع هرقل مائتي ألف: مائة من الروم ومائة من ~~العرب المستنصرة، فصبروا لهم ونصروا عليهم كما في الصحيح أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال مخبرا عنهم في هذه الغزوة «ثم أخذ الراية عن غير إمرة سيف من ~~سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه» ولما توفي النبي صلى الله عليه ~~وسلم ارتد عامة الناس # PageV08P324 # حتى لم يثبت على الإسلام عشر العشر فصبر الصحابة رضوان الله عليهم لهم ~~ونصروا عليهم، بل الذي صبر في الحقيقة أبو بكر رضي الله عنه وحده، ثم أفاض ~~الله من صبره ونوره على جميع الصحابة رضي الله عنهم فصبروا، ثم جهز الجيش ~~وأميرهم الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم سيف الله، فأخمد الله به نار ~~الشرك وقطع بصبره وحسن نيته جاذرة الكفر فلم تمض سنة وفي بلاد العرب مشرك. # فلما جمع الله العرب بهذا الدين على قلب رجل واحد قصدوا الأعاجم من الفرس ~~والروم والقبط، فقاتلوا أهل فارس في عدة وقائع منها القادسية، وكان الصحابة ~~رضي الله عنهم فيها دون أربعين ألفا، وكان المجوس أكثر من أربعمائة ألف، ~~وقاتلوا الروم كذلك فكانوا في اليرموك دون أربعين ألفا وكان الروم نحو ~~أربعمائة ألف - إلى غير ذلك من الوقائع وقد صبروا في أكثرها ونصروا، ثم ms1802 ~~كانت لهم العاقبة فطردوا الشرك وأهله، وأظهر الله لهم دينه كما وعد به ~~سبحانه، وما اجتمع أهل الإسلام وأهل الضلال قط في معرك إلا كانت قتلى ~~الكفار أضعاف قتلى المسلمين غير أن الله تعالى جده وتبارك اسمه وتمت كلمته ~~ألطف بالعرب علما منه بأنهم خلاصة الناس بما طبعهم سبحانه عليه من الخصال ~~الحميدة والأخلاق السديدة فأسلم كل من اشتملت عليه جزيرتهم بعد وقائع في ~~زمان النبي صلى الله عليه وسلم وزمان الردة، ولم تبلغ قتلاهم فيما أظن عشرة ~~الآف إنسان، ثم لما # PageV08P325 # جاهدوا الأعاجم من فارس والروم وغيرهم كانت قتلى الكفار تبلغ في المعركة ~~الواحدة مائة ألف ومائتي ألف - كما هو مشهور في كتب الفتوح للمدائني وسيف ~~وابن عبد الحكم والبلاذري وغيرهم، وقد جمع أشتات ذلك الحافظ أبو الربيع بن ~~سالم الكلاعي وشيخه ابن حبيش، ولعله حذف في الثانية التقييد بالكفار ليشمل ~~كل ما استحق القتال من البغاة وغيرهم، فقال تعالى مسببا عن التخفيف المذكور ~~رادا الأمر من إيجاب مصابرة عشرة إلى الأمر بمصابرة الضعف، فإن زاد العدد ~~على الضعف جاز الفرار والصبر أحسن: {فإن يكن منكم مائة صابرة} أي الصبر ~~الذي تقدم التنبيه عليه {يغلبوا مائتين} أي من غيركم بإذن الله {وإن يكن ~~منكم ألف} أي على النعت المذكور وهو الصبر {يغلبوا ألفين} ثم أرشد إلى أن ~~المراد بالصبر هو كل المأمور به في آية {إذا لقيتم فئة فاثبتوا} [الأنفال: ~~45] فقال: {بإذن الله} أي بإرادة الذي له جميع الأمر، ذلك وإباحته لكم ~~وتمكينه، فإن لم يقع الإذن لم يقع الظفر، فالآية من الاحتباك: ذكر في الأول ~~صابرة دلالة على حذفه ثانيا، وذكر ثانيا الإذن دليلا على حذفه أولا؛ ثم نبه ~~على عموم الحكم بقوله: {والله} أي المحيط بصفات الكمال {مع الصابرين*} أي ~~بنصره ومعونته، ومن ثم قال ابن شبرمة: وأنا أرى الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر كذلك. ومادة «إذن» - مهموزة وغير مهموزة وواوية ويائية بتقاليبها ~~الأربعة: إذن ذان ذون ذين - # PageV08P326 # ترجع إلى العلم الناشىء عن حاسة السمع المتعلق بجارحة ms1803 الأذن، وتارة يثمر ~~الإباحة وتارة المنع، فأذن بالشيء - كسمع: علم به «فأذنوا بحرب» أي كونوا ~~على علم من أن حربكم أبيح. # وأذن له بالشيء - كسمع أيضا: أباحه له، وآذنه الأمر وبه: أعلمه - وزنا ~~ومعنى، فجعله مباحا له أو ممنوعا منه، وأذن فلانا تأذينا: عرك أذنه، وأذنه: ~~رده عن الشرب فلم يسقه، كأن التفعيل فيه للإزالة، وآذن النعل وغيرها: جعل ~~لها أذنا، وفعله بإذني: بعلمي وتمكيني، وأذن إليه وله - كفرح: استمع بأذنه، ~~أي أباح ذلك سمعه وقلبه، وأذن لراتحة الطعام: اشتهاه كأنه أباحه لنفسه، ~~وآذنه إيذانا: أعجبه، مثل ذلك سواء، وآذنه أيضا: منعه، كأنه الهمزة ~~للإزالة، والأذن: الجارحة المعروفة - بضمة وبضمتين - والمقبض والعروة من كل ~~شيء وجبل، لأن كلا من ذلك سبب للتمكن من حمل ما هو فيه، والأذن: الرجل ~~المستمع القابل كل ما يقال له كأنه لما قبله أباحه قلبه ومكنه منه، ~~والأذان: النداء إلى الصلاة لأنه إعلام بإباحتها والمكنة منها، وتأذن: أقسم ~~وأعلم، وتارة يتأثر عنه إباحة ومكنة من الشيء وتارة منع وحرمة، فيكون من ~~الإزالة، وآذن العشب: بدأ يجف فبعضه رطب وبعضه يابس كأنه أمكن من جره وجمعه ~~ببدو صلاحه، والآذن: الحاجب، لأنه للتمكين والمنع، والأذنة محركة: صغار ~~الإبل والغنم كأنها تبيح كل أحد ما يريد منها، وطعام لا أذنة له: لا شهوة ~~لريحه، فكأنه # PageV08P327 # ممنوع منه لعدم اشتهائه، وتأذن الأمير في الناس: نادى فيهم بتهدد، فهو ~~يرجع إلى المنع والزجر عن شيء تعزيرا، والذين - بالكسر والياء: العنب، وكذا ~~الذان - بالألف منقلبة عن واو: العنب، كأنه لسهولة تناوله ولذة مطعمه أمكن ~~من نفسه، والتذون - بالواو مشددة: الغنى والنعمة، كأنهما سبب للإمكان مما ~~يشتهي، والذؤنون - مهموزا كزنبور: نبت من نبات الأرض؛ والمعنى أنه إنما أذن ~~لكم في ذلك إذا فعلتم الشرط المذكور لأنكم فقهتم على الحرب وبنيتم أمركم ~~فيه على دعائمها الخمس التي ملاكها والداخل في كل منها الصبر، فكان الله ~~معكم، وهو مع كل صابر هذا الصبر المثبت في الدعائم الخمس في كل أوان، ومما ~~يسأل عنه في ms1804 الآية أنه ابتدىء في العشرات بثاني عقودها، وفي المئات والآلاف ~~بأولها. سألت شيخنا الإمام الراسخ محقق زمانه شمس الدين محمد بن علي ~~القاياتي قاضي الشافعية بالديار المصرية: ما حكمته؟ فقال: الأصل الابتداء ~~بأول العقود، لكن لو قيل: إن يكن منكم عشرة صابرة يغلبوا مائة، لربما توهم ~~انه لا تجب مصابرة الواحد للعشرة إلا عند بلوغ المؤمنين هذا العقد، فعدل ~~إلى الابتداء بثاني عقود هذه المرتبة لينتفي هذا المحذور، فلما انتفى وعلم ~~أنه يجب مصابرة كل واحد لعشرة، ذكر باقي المراتب في الباقي # PageV08P328 # على الأصل المعتاد، وأما تكرير المعنى الواحد وهو مقاومة الجماعة لأكثر ~~منها مرتين: قبل التخفيف وبعده فللدلالة - كما قال في الكشاف - على أن ~~الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت وإن كان قد يظن تفاوته، وكأنه لم ~~يذك الآحاد بشارة بكثرة هذه الأمة واجتماعها وبدأ بالعشرات وختم بالألوف ~~ليستوفي مراتب الأعداد الأصلية - والله أعلم. # ولما تقدم الأمر بالإثخان في {فشرد بهم} ثم بإعداد القوة، ثم التحريض على ~~القتال بعد الإعلام بالكفاية ثم إيجاب ثبات الواحد لعشرة ثم إنزال التخفيف ~~إلى اثنين؛ كذن ذلك مقتضيا للإمعان في الإثخان، فحسن عتاب الأحباب في ~~اختيار غير ما أفهمه هذا الخطاب، لكون ذلك أقعد في الامتنان عليهم بالعفو ~~والغفران بسبب أن أكثرهم مال إلى فداء الأسارى فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم استشارهم فيهم فأشار أبو بكر رضي الله عنه بالمفاداة ومال معه الأكثر، ~~وأشار عمر رضي الله عنه بضرب أعناقهم، وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: ~~«لو نزل من السماء عذاب - أي في هذا - ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ رضي ~~الله عنهما» فقال تعالى استئنافا واستنتاجا: {ما كان} أي ما صح وما استقام ~~{لنبي} أي في شرع نبي الأنبياء مستقل ولا مقر، ولعله عبر # PageV08P329 # بوصف النبوة ليفيد مع العموم أن كلا من رفعه القدر والإخبار من الله يمنع ~~من الإقدام على فعل بدون إذن خاص {أن يكون له أسرى} أي أن يباح له أسر ~~العدو {حتى يثخن ms1805 في الأرض} أي يبالغ في قتل أعدائه، فهو عتاب لمن أسر من ~~الصحابة غير من نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله من المشركين أو رضي ~~بذلك، وإنما أسند إلى نبي - وقرىء شاذا بالتعريف - ولم يقل: ما كان في شرع ~~نبي، تهويلا للأسر تعظيما للعفو للمبالغة في القيام بالشكر، وهذا كان يوم ~~بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله سبحانه ~~وتعالى {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ~~ومادة ثخن تدور على الضخامة، وتارة يلزمها اللين والضعف، وتارة الصلابة ~~والقوة، فحقيقته: يبالغ في القتل فيغلط أمره فيقوى، ويلين له أعداؤه ~~ويضعفوا؛ ثم بين لهم أن الميل عن ذلك إنما هو لإرادة الأعراض الدنيوية ~~المبكت به اليهود في آخر التي قبلها بقوله تعالى {يأخذون عرض هذا الأدنى} ~~[الأعراف: 196] كما أن النزاع في الأنفال ميل إلى الدنيا، وكل ذلك بمعزل عن ~~معالي الأخلاق وكرائم السجايا، معللا لعدم الكون المذكور بما تقديره: لأن ~~الأسر إنما يراد به الدنيا، هكذا الأصل ولكنه أبرز في أسلوب الخطاب لأنه ~~أوقع في النفس فقال: {تريدون} أي أنها المؤمنون المرغبون في # PageV08P330 # الإنفاق لا في الجمع، باستبقائهم {عرض الدنيا} قال الراغب: العرض ما لا ~~ثبات له، ومنه استعاره المتكلمون لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون، وقال ~~ابن هشام في تهذيب السيرة، أي المتاع الفداء بأخذ الرجال {والله} أي الذي ~~له الكمال كله {يريد} أي لكم {الآخرة} اي جوهرها لأنه يأمر بذلك أمرا هو في ~~تأكيده ليمتثل كالإرادة التي لا يتخلف مرادها، وذلك بالإثخان في قتلهم ~~لظهور الدين الذي تريدون إظهاره والذي به تدرك الآخرة، ولا ينبغي للمحب أن ~~يريد إلا ما يريد حبيبه {والله} أي الملك الأعظم {عزيز} أي منزه جنابه ~~العلي عن لحاق شيء مما فيه أدنى سفول {حكيم*} أي لا يصدر عنه فعل إلا وهو ~~في غاية الإتقان فهو يأمر بالإثخان عند ظهور قوة المشركين، فإذا ضعفت وقوي ~~المسلمون فأنتم بالخيار، ولا يصح ادعاء ولايته إلا لمن ms1806 ترقى في معارج ~~صفاته، فيكون عزيزا في نفسه فلا يدنسها بالأطماع الفانية، وفعله فلا يحطه ~~عن أوج المعالي إلى حضيض المهاوي، وحكيما فلا ينشأ عنه فعل إلا وهو في غاية ~~الإتقان. # PageV08P331 # ولما علم من الآية ما أشرت إليه، فكان كأنهم قالوا رضي الله عنهم: تقتضي ~~عزته وحكمته سبحانه من تطهيرنا عما تدنسنا به؟ استأنف تعالى الجواب عن ذلك ~~ممتنا غاية لامتنان ومحذرا من التعرض لمواقع الخسران فقال: {لولا كتاب} أي ~~قضاء حتم ثابت مبرم {من الله} # PageV08P331 # أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء قدرة وعلما {سبق} أي في أم الكتاب من ~~الحكم بإسعادكم، ومن أنه لا يعذب أحدا إلا بعد التقدم إليه بالنهي، ومن أنه ~~سيحل لكم الفداء والغنائم التي كانت حراما على من قبلكم تشريفا لكم - كما ~~قاله ابن عباس رضي الله عنهما {لمسكم فيما أخذتم} أي من الأسرى المراد بهم ~~الفداء {عذاب عظيم*} ولكن سبق حكمي بأن المغنم - ولو بالفداء - لكم حل وإن ~~تعجلتم فيه أمري. # ولما ساق سبحانه هذه البشارة في النذارة، سبب عنها قوله: {فكلوا مما ~~غنمتم} أي من الفدية وغيرها حال كونه {حلالا} أي لا درك ولا تبعة فيه من ~~جهتي {طيبا} أي شهيا لكم ملائما لطباعكم، وهذا إذا كان مع الشروط التي ~~أقمتها لكم من عدم الغلول والخيانة بوجه من الوجوه والاستثار وشديد الرغبة ~~السائقة إلى ما لا يليق من التنازع وغيره، ذلك فيما تقدمت فيه إليكم ~~{واتقوا الله} أي الذي له جميع صفات الكمال في جميع ذلك فلا تغلوا ولا ~~تنازعوا ولا تقدموا إلا على ما يبيحه لكم الرسول صلى الله عليه وسلم {إن ~~الله} أي المتصف بالجلال والإكرام {غفور} أي لمن يعلم من قبله أنه من أهل ~~التقوى {رحيم*} أي له، فلأجل ما علم في قلوبكم من الخير غفر لكم فلم يعذبكم ~~بتسرعكم إلى إسار من لم يأمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم للمفاداة دون ~~توقف على إذنه، ورحمكم فأحسن إليكم فأحل لكم الغنائم، # PageV08P332 # انظر إلى قوله تعالى {إن تتقوا الله ms1807 يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ~~ويغفر لكم} تعرف حسن تعليل الأمر بالتقوى بالمغفرة والرحمة، ويجوز أن يكون ~~علة للأكل، أي كلوا فإن الله قد غفر لكم ما عاتبكم عليه، وفائدة الأمر ~~بالتقوى التحذير من العود اعتمادا على سعة الحلم، وايضا فقد تقدم تهديد ~~ومغفرة فناسب أن يدلهم على أن علة المغفرة التقوى، فكان ترجمة ذلك انه لما ~~رهبهم بمس العذاب عند أخذ الفداء لولا سبق الكتاب، رغبهم بأنه كلما صدهم عن ~~جنابه صارف ذنب فردهم إليه عاطف تقوى، أسبل عليهم ذيل المغفرة والرحمة، ~~ولما علم من هذا إباحة ما يؤخذ من الأسر من الفداء، وكان ما يؤخذ منهم تعظم ~~مشقته عليهم، أقبل عليهم مستعطفا لهم ترغيبا في الإسلام، فأقبل على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بالأمر بمخاطبتهم تنبيها على أنهم ليسوا بأهل لخطابه ~~سبحانه بما أبعدوا أنفسهم عنه من اختيارهم الكون في زمرة الأعداء على الكون ~~في عداد الأولياء، فقال معبرا بالوصف الناظر إلى تلقي العلم ترغيبا في ~~التلقي منه صلى الله عليه وسلم: {يا أيها النبي} أي الذي أنبئه بكل معنى ~~جليل، يظهر دينه ويزكي أمته مع رفع مقداره وإتمام أنواره {قل لمن في ~~أيديكم} أي في أيدي أصحابك وأهل دينك، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب {من الأسرى} ترغيبا لهم فيما عند الله {إن يعلم الله} بما له من # PageV08P333 # صفات الجلال والجمال {في قلوبكم خيرا} أي شيئا من تقواه الحاملة على ~~الإيمان الذي هو رأس الخير وعلى كل خير {يؤتكم خيرا مما أخذ منكم} أي مما ~~يفتح به عليكم من المغانم في الدنيا ويدخره لكم من الثواب في الأخرى {ويغفر ~~لكم} أي ما سلف من ذنوبكم {والله} أي الذي بيده كل شيء {غفور رحيم} أي من ~~شأنه ذلك، والمعنى على ما علم من قصة العباس الآتيه رضي الله عنه أنه ~~سبحانه يعاملكم وأمثالكم في غير ما يأخذه منكم جنده بالكرم، وأما إنه يحكم ~~بإسقاط الفداء عنكم ويأمرهم بتركه وإطلاقكم مجانا بما يعلم في قلوبكم من ~~خير ms1808 وإيمان كنتم تكتمونه فلا تطمعوا فيه لأن ذلك يفتح باب الدعاوى الباطلة ~~المانعة من الغنائم الموهنة للدين؛ قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في ~~سيرته: قال ابن عباس وسعيد بن المسيب: # «كان # العباس # رضي # الله # عنه # في الأسرى فقال له رسول صلى الله عليه وسلم: افد نفسك وابني أخيك عقيلا ~~ونوفلا وخليتك فإنك ذو مال، فقال: يارسول الله! إني كنت مسلما ولكن القوم ~~استكرهوني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أعلم بإسلامك، إن كان ~~حقا ما تقول فالله يجزيك به، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، قال: ليس لي ~~مال، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأين المال الذي وضعت عند أم ~~الفضل حين خرجت وليس معك أحد؟ # PageV08P334 # ثم قلت: إن أصبت في سفري هذا فأعطي الفضل كذا وعبد الله كذا! فقال: والذي ~~بعثك بالحق! ما علم بهذا أحد غيري وغيرها، ففدى نفسه بمائة أوقية وكل واحد ~~بأربعين أوقية وقال: تركتني أسأل الناس، وأسلم وأمر عقيلا فأسلم، ولم يسلم ~~من الأساري غيرهما» . # ولما كان التقدير: فإن صدقوك وقبلوا - بشرى الله، وفي لهم، عطف عليه ~~قوله: {وإن يريدوا} أي الأسرى والكفار كلهم أو واحد منهم كأبي عزة {خيانتك} ~~أي وأنت أعلى الخلق في عهد من إسلام أو غيره يوثقونه لك ترضى به في المن ~~على أحد منهم، بغير فداء، يرد الله أن يكون وبال ذلك راجعا إليهم فيمكن ~~منهم، فلا تخش من أمرهم {فقد خانوا الله} أي الملك الأعظم؛ ولما كانت ~~خيانتهم غير مستغرقة للزمن، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي من قبل هذا الوقت ~~بالكفر وغيره من أنواع الفسق {فأمكن} أي فأوجد الإمكان منهم، وقصره ليدل ~~على أنهم صاروا سلما لكل أحد {منهم} أي يوم بدر بسبب خيانتهم، فمثل ما أمكن ~~منهم عند وقوع الخيانة سيمكنك منهم إذا أرادوا الخيانة، فإن الله يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون {والله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {عليم} أي بالغ العلم ~~مطلقا فهو يعلم الأشياء كلها # PageV08P335 # التي منها ms1809 أحوالهم {حكيم*} أي بالغ الحكمة فهو يتيقن كل ما يريده فهو ~~يوهن كيدهم ويتقن ما يقابلهم به فيلحقهم لا محالة، وكذا فعل سبحانه في أبي ~~عزة الجمحي فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في المن عليه بغير شيء لفقره ~~وعياله وعاهده على أن لا يظاهر عليه أحدا ومدحه ثم خان فظهر به في غزوة ~~حمراء الأسد عقب يوم أحد أسيرا، فاعتذر له وسأله في العفو عنه فقال: ألا ~~تمسح عارضيك بمكة وتقول: سخرت بمحمد مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد ~~مرتين، وأمر به فضربت عنقه، وقال أبو حيان في الخيانه: هي كونهم اظهر بعضهم ~~الإسلام ثم رجعوا إلى دينهم. # PageV08P336 # ولما بين للأسرى أن الخير الذي لم يطلع عليه من قلوبهم غير الله لا ~~ينفعهم في إسقاط الفداء عنهم لأنه لا دليل عليه، وكل ما لا دليل عليه فحكمه ~~حكم العدم، لأن مبنى الشرع على ما يمكن المكلف معرفته وهو الظواهر، وختم ~~بصفتي العلم والحكمة، شرع يبين الخبر الذي يفيد القرب الذي تنبني عليه ~~المناصرة وكل خير، فقال مقسما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أقسام: ~~قسم جمع الإيمان والهجرة أولا والجهاد، وقسم آوى، وقسم آمن ولم يهاجر، وقسم ~~هاجر من بعد: {إن الذين آمنوا} أي بالله ورسوله {وهاجروا} أي واقعوا الهجرة # PageV08P336 # من بلاد الشرك، وهم المهاجرون الأولون، هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم ~~حبا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم {وجاهدوا} أي واقعوا الجهاد، وهو بذل ~~الجهد في توهين الكفر وأهله. # ولما كانت الآيات المتقدمه في آلات الجهاد من النفس والمال تارة بالحث ~~على إنفاقه وأخرى بالنهي عن حبه وتارة بالتسلية للأسرى عند فقده، كان ~~الأنسب تقديم قوله: {بأموالهم} أي بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعضها ~~بالهجرة من الديار والنخيل وغيرها {وأنفسهم} بإقدامهم على القتال مع شدة ~~الأعداء وكثرتهم؛ وقدم المال لأنه سبب قيام النفس، وكان في غاية العزة في ~~أول الأمر، وأخر قوله: {في سبيل الله} أي الملك الأعظم لذلك، «وفي» سببية ~~أي جاهدوا بسببه حتى لا يصد ms1810 عنه صاد فتظهر محاسنه ويسهل المرور فيه من غير ~~قاطع، ولعله عبر ب «في» إعلاما بأنه ينبغي أن يكون متمكنا من السبيل تمكن ~~المظروف من ظرفه حتى يكون الدين غالبا عليه لا يخرج عنه بوجه من الوجوه، ~~وأما في سورة براءة فلما كان السياق في بعض الأماكن بها للسبيل قدم - كما ~~سيأتي، وأيضا فإن هذه السورة نزلت في أوائل الأمر بعد وقعه بدر في السنة ~~الثانية من الهجرة، وكان الحال إذ ذاك شديدا جدا، والأموال في غاية القلة، ~~والأعداء لا يحصون، فناسب الاهتمام بشأن المال والنفس # PageV08P337 # فقدما ترغيبا في بذلهما، وأما براءة فنزلت في غزوة تبوك في أواخر سنة ~~تسع، فكان المال قد اتسع، والدين قد عز وضخم وقوي وعظم، وأسلم غالب الناس، ~~فبعدت مواضع الجهاد فعظمت المشقة، وتواكل الناس بعضهم على بعض ورغبوا في ~~الإقبال على إصلاح الأموال، فناسب البداءة هناك بالسبيل. # ولما ذكر أهل الهجرة الأولى، أتبعهم أهل النصرة، وهم القسم الثاني من ~~المؤمنين الذين كانوا على زمنه صلى الله عليه وسلم فقال: {والذين آووا} أي ~~من هاجر إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فأسكنوهم ~~في ديارهم، وقسموا لهم من أموالهم، وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن بعض ~~نسائهم ليتزوجوهن، وأنما قصر الفعل إشارة إلى تعظيم فعلهم بحيث كأنه لا ~~إيواء في الوجود غير ما فعلوا، وكذا قوله: {ونصروا} أي الله ورسوله ~~والمؤمنين، وهم الأنصار رضي الله عنهم، حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا ~~في الذروة من كلتي الحسنيين، ولولا إيواؤهم ونصرهم لما تم المقصود، ~~والمهاجرون الأولون أعلى منهم لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ~~ولحملهم الأذى من الكفار زمانا طويلا وصبرهم على فرقة الأوطان والعشائر. # وأشار إلى القسمين بأداة البعد لعلو مقامهم وعز مرامهم فقال: {أولئك} أي ~~العالو الرتبة {بعضهم أولياء بعض} أي في الميراث دون القرب العاري عن ذلك، ~~فبين أن الإيمان # PageV08P338 # إن لم يقترن بشهيدين هما الهجرة والجهاد من الغرب عن المدينة وشهيدين هما ~~الإيواء والنصرة من أهل المدينة، كان ms1811 عائقا عن مطلق القرب بل مانعا من نفوذ ~~لحمه النسب كل النفوذ، فكأن من آمن ولم يهاجر لم يرث ممن هاجر قاله ابن ~~عباس رضي الله عنهما، ومادة ولي بجميع تصاريفها ترجع إلى الميل، ويلزم منه ~~القرب والبعد، وربما نشأ عن كل منهما الشدة، وترتيب ولي بخصوصه يدور على ~~القرب، ومن لوازمه النصرة، فالمعنى بعضهم أقرباء بعض، يلزم كلا منهم في حق ~~الآخر من المناصرة وغيره ما يلزم القريب لقريبه، فمتى جمعهم وصف جعلهم ~~شركاء فيما يثمره، فوصف الحضور في غزوة يشرك بينهم في الغنائم، لأن أنواع ~~الجهاد كثيرة، وكل واحد منهم باشر بعضها، فعن حضور الكل نشأت النصرة، ~~والمهاجر في الأصل من فارق الكفار بقلبه ولاواهم، ورافق المؤمنين بحبه ولبه ~~ووالاهم، لكن لما كان هذا قد يخفى، نيط الأمر بالمظنة وهي الدار، لأنها أمر ~~ظاهر، فصار المهاجر من باعد دار المشركين فرارا بدينه، ثم صار شرط ذلك بعد ~~هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون النقلة إلى دار هجرته: المدينة ~~الشريفة هذا حكم كل مهاجر إلا ما كان من خزاعة فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان قد علم من مؤمنهم وكافرهم حبه ونصحه وبغض عدوه فلم يلزم مؤمنهم ~~النقلة؛ قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في كتاب المدخل إلى # PageV08P339 # الاستيعاب؛ ويقال لخزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم حلفاء ~~بني هاشم وقد أدخلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب القضية عام ~~الحديبية - إلى أن قال: وأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم منزلة لم يعطها ~~أحدا من الناس أن جعلهم مهاجرين بأرضهم وكتب لهم بذلك كتابا - انتهى. وقال ~~شاعرهم نجيد بن عمران الخزاعي يفخر بذلك وغيره مما خصهم الله به على يد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # وقد أنشأ الله السحاب بنصرنا ... ركام سحاب الهيدب المتراكب # وهجرتنا في أرضنا عندنا بها ... كتاب أتى من خير ممل وكاتب # ومن أجلنا حلت بمكة حرمة ... لندرك ثأرا بالسيوف القواضب # ذكر ذلك الحافظ أبو الربيع بن ms1812 سالم الكلاعي في غزوة الفتح من سيرته، ~~والذي تولى حلفهم أولا هو عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، قال ~~الواقدي في أول غزوة الفتح: وكانت خزاعة حلفاء لعبد المطلب، وكان رسول صلى ~~الله عليه وسلم بذلك عارفا، لقد جاءته يومئذ - يعني يوم الحديبية - خزاعة ~~بكتاب عبد المطلب فقرأه وهو «باسمك اللهم هذا حلف عبد المطلب بن هاشم ~~لخزاعة إذ قدم عليه وسراتهم # PageV08P340 # وأهل الرأي، غائبهم مقر بما قضى عليه شاهدهم، إن بيننا وبينكم عهد الله ~~وعقوده، ما لا ينسى أبدا، اليد واحدة والنصر واحد، ما أشرف ثبير وثبت حراء، ~~وما بل بحر صوفة، لا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا تجددا أبدا أبدا، الدهر ~~سرمدا» فقرأة عليه أبي بن كعب رضي الله عنه فقال: «ما أعرفني بحلفكم وأنتم ~~على ما أسلمتم عليه من الحلف، وكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام ~~إلا شدة، ولا حلف في الإسلام» ؛ قال الواقدي: «وجاءته أسلم هو بغدير ~~الأشطاط» جاء بهم بريده بن الحصيب فقال: يارسول الله هذه أسلم وهذه محالها ~~وقد هاجر إليك من هاجر منها وبقي قوم منهم في مواشيهم ومعاشهم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أنتم مهاجرون حيث كنتم، ودعاء العلاء بن الحضرمي ~~فأمره أن يكتب لهم كتابا فكتب «هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأسلم لمن آمن منهم بالله وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله، فإنه آمن بأمان الله، وله ذمة الله وذمة رسوله، وإن أمرنا وأمركم ~~واحد على من دهمنا من الناس بظلم، اليد واحدة والنصر واحد، ولأهل باديتهم ~~مثل ما لأهل قرارهم # PageV08P341 # وهم مهاجرون حيث كانوا» وكتب العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه: يا رسول الله! نعم الرجل بريدة بن الحصيب لقومه عظيم البركة ~~عليهم، مررنا به ليلة مررنا ونحن مهاجرون إلى المدينة، فأسلم وأسلم معه من ~~قومه من أسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل بريدة لقومه ~~وغير قومه ms1813 يا أبا بكر إن خير القوم من كان مدافعا عن قومه ما لم يأثم، فإنة ~~الإثم لا خير فيه «انتهى. وأسلم شعب من أربعة شعوب من خزاعة. ولما فتحت ~~مكة، انقطعت الهجرة لظهور الدين وضعف المشركين، وقام مقام الهجرة النية ~~الخالصة المدلول عليها بالجهاد كما قال صلى الله عليه وسلم» لا هجرة بعد ~~الفتح ولكن جهاد ونية «وقال صلى الله عليه وسلم: # «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» فإن كان المؤمن لا يتمكن من إظهار دينه ~~وجبت عليه النقلة. # ولما بين سبحانه تعالى أمر من جمع الشروط، شرع يبين حكم من قعد عن بعضها ~~وهو القسم الثالث فقال؛ {والذين آمنوا} أي اشتهر إيمانهم {ولم يهاجروا} أي ~~قبل الفتح بل استمروا في بلادهم {ما لكم من ولايتهم} وأغرق في النفي فقال: ~~{من شيء} أي في التوارث ولا في غيره؛ ورغبهم في الهجرة بقوله: {حتى ~~يهاجروا} أي يواقعوا الهجرة لدار الشرك ومن فيها {وإن استنصروكم} أي طلبوا ~~نصركم {في الدين} أي # PageV08P342 # بسبب أمر من أموره وهم متمكنون من الدين تمكن المظروف من الظرف {فعليكم ~~النصر} أي واجب عليكم أن تنصروهم على المشركين، فالمعنى أنه ليس لهم عليكم ~~حق القريب إلا في الاستنصار في الدين، فإن ترك نصرهم يجر إلى مفسدة كما أن ~~موالاتهم تجر إلى مفاسد؛ ثم استثنى من الوجوب فقال: {إلا على قوم} وقع وكان ~~{بينكم وبينهم ميثاق} أي لأن استنصارهم يوقع بين مفسدتين: ترك نصرة المؤمن ~~ونقض العهد وهو أعظمهما فقدمت مراعاته وتركت نصرتهم، فإن نصرهم الله على ~~الكفار فهو المراد من غير أن تدنسوا بنقض، وإن نصر الكفار حصل لمن قتل من ~~إخوانكم الشهادة ولمن بقي الضمان بالكفاية، وكان ذلك داعيا لهم إلى الهجرة، ~~ومن ارتد منهم أبعده الله ولن يضر إلا نفسه والله غنى حميد، فقد وقع - كما ~~ترى - تقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام: أعلاها المهاجر، ويليه الناصر، ~~وأدناها القاعد القاصر، وبقي قسم رابع ياتي؛ قال أبو حيان: فبدأ بالمهاجرين ~~- أي الأولين - لأنهم أصل الإسلام وأول من ms1814 استجاب لله تعالى، فهاجر قوم إلى ~~المدنية، وقوم إلى الحبشة، وقوم إلى ابن ذي يزن، ثم هاجروا إلى المدينة ~~وكانوا قدوة لغيرهم في الإيمان وسبب تقوية الدين «من سن سنة حسنة فله أجرها ~~وأجر من عمل بها إلى يوم القيامه» وثنى بالأنصار لأنهم ساووهم # PageV08P343 # في الإيمان وفي الجهاد بالنفس والمال، لكنه عادل بالهجرة الإيواء ~~والنصرة، وانفرد المهاجرون بالسبق، وذكر ثالثا من آمن ولم ينصر، ففاتهم ~~هاتان الفضيلتان وحرموا الولاية حتى يهاجروا، ثم قال: آخى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجري يرثه أخوه الأنصاري ~~إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري، ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير ~~المهاجري، قال ابن زيد: واستمر أمرهم كذلك إلى فتح مكة - انتهى. لكن ما ذكر ~~ابن عبد البر - كما سيأتي - من أن حكم ذلك زال بوقعه بدر أولى للآية الآتية ~~آخر السورة مع ما يؤيد ذلك من آية الأحزاب. # ولما كان التقدير: فالله بمصالحكم خبير، وكان للنفوس دواع إلى مناصرة ~~الأقارب والأحباب ومعاداة غيرهم خفية، ولها دسائس تدرك، حذر من ذلك بقوله ~~عاطفا على هذا المقدر: {والله} أي المحيط علما وقدرة، ولما كان السياق ~~لبيان المصالح التي تنظم الدين وتهدم ما عداه، وكان للنفوس - كما تقدم - ~~أحوال، اقتضى تأكيد العلم بالخفايا فقدم الجار الدال على الاختصاص الذي هو ~~هنا كناية عن إحاطة العلم فقط مرهبا: {بما تعملون بصير*} وفي ذلك أيضا ~~ترغيب في العمل بما حث عليه من الإيمان والهجرة والنصرة والإنفاق والتحري # PageV08P344 # في جميع من ذلك وترهيب من العمل بأضدادها، وفي «البصير» إشارة إلى العلم ~~بما يكون من ذلك خالصا أو مشوبا، ففيه مزيد حث على الإخلاص. # ولما بين شرط موالاة المسلم، بين مولاة الكافر وما يجب من مناظرتهم ~~ومباراتهم فيها، وأنه لا شرط لها غير مطلق الكفر فإنه وإن اختلفت أنواعه ~~وتباعدت أنحاؤه - يجمعه عداوة الله وولاية الشيطان فقال: {والذين كفروا} أي ~~أوجدوا هذا الوصف على أي حال كانوا فيه {بعضهم أولياء بعض} أي في الميراث ~~والنصرة ms1815 وغيرهما، وهو خبر محض مشير إلى نهي المسلم عن موالاتهم، وأما الذي ~~مضى في حق المؤمنين فهو أمر في صورة الخبر وصيغته، يعني أن في كل من الكفار ~~قوة الموالاة للآخر عليكم والميل العظيم الحاث لهم على المسارعة في ذلك وإن ~~اشتدت عداوة بعضهم لبعض لأنكم حزب وهم حزب، يجمعهم داعي الشيطان بوصف ~~الكفران كما يجمعكم داعي الرحمن بوصف الإيمان، قال أبو حيان: كانوا قبل ~~بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يعادي أهل الكتاب منهم قريشا ويتربصون بهم ~~الدوائر، فصاروا بعد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يوالي بعضا وإلبا واحدا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. وما ذكره مذكور في السير مشهور ~~عند أهل الأثر {إلا تفعلوه} أي مثله من تولي المؤمنين ومعاداة الكافرين # PageV08P345 # كما يفعل الكفار بالتعاضد والتعاون بالنفس والمال كما أرصدوا مال العير ~~الذي فاتكم حتى استعانوا به على قتالكم في أحد، فاللائق بكم أن تكونوا أعظم ~~منهم في ذلك، لأنهم يريدون بذلك رم واهي دنياهم الفانية وأنتم تبنون آخرتكم ~~الباقية، وداعيكم ولي غنى وداعيهم عدو دنى فضلا عن أن تنزلوا إلى حضيض ~~التنازع في الغنائم {تكن فتنة} أي عظيمة {في الأرض} اي خلطة مميلة للمقاصد ~~عن وجوهها {وفساد كبير*} أي ينشأ عن تلك الفتنة، والكبير ناظر إلى العظم، ~~وقرىء شاذا بالمثلثة فيكون عظمة حينئذ مخصوصا بالأنواع، وبيان الفساد أنه ~~إذا قارب المؤمن الكافر والكافر المؤمن وتناصروا أو ترك المؤمنون التناصر ~~فيما بينهم انخل النظام فاختل كل من النقض والإبرام، فاختلف الكلام فتباعدت ~~القلوب، فتزايدت الكروب، فالواجب عليكم أن تكونوا إلبا واحدا ويدا واحدة في ~~الموالاة وتقاطعوا الكفار بكل اعتبار ليقوم أمركم وتطيب حياتكم، وتصلح غاية ~~الصلاح دنياكم وآخرتكم، والآية شاملة لكل ما يسمى توليا حتى في الإرث وقتال ~~الكفار ومدافعة المسلمين بالأمر والإنكار، ولما ترك بعض العلماء إعانة بعض ~~فئة حصل ما خوف الله تعالى منه من الفتنة والفساد حتى صار الأمر إلى ما ترى ~~من علو المفسدين وضعف أهل الدين، فالأمر بالمعروف فيهم ms1816 في غاية الذل ~~والغربة، يرد عليه أدنى الناس فلا يجد له ناصرا، ويجد ذلك الآخر له على # PageV08P346 # الرد أعوانا كثيرة، وصار أحسن الناس حالا مع الأمراء وأعظمهم له محبة من ~~يقنع بلومه على فعله ظنا منه أن ذلك شفقة عليه - والله المستعان. # PageV08P347 # ولما تقدمت أنواع المؤمنين: المهاجر والناصر والقاعد، وذكر أحكام ~~موالاتهم، أخذ يبين تفاوتهم في الفضل فقال: {والذين آمنوا} أي بالله وما ~~أتى منه {وهاجروا} أي فيه من يعاديه سابقين مع نبيه صلى الله عليه وسلم ~~{وجاهدوا} أي بما تقدم من المال والنفس أو بأحدهما {في سبيل الله} أي الذي ~~له صفات الكمال فبذلوا الجهد في إذلالهم كما بذل الأعداء الجهد في إذلالهم، ~~ولم يذكر آلة الجهاد لأنها - مع تقدم ذكرها لازمة {والذين آووا} أي من هاجر ~~إليهم {ونصروا} أي حزب الله، وأعلم بقوله: {أولئك} أي الصنفين الأولين خاصة ~~{هم المؤمنون حقا} أي حق الإيمان، لأنهم حققوا أيمانهم: المهاجر بالانسلاخ ~~من كل ما يحبه من الأمور الدنيوية، والناصر من جميع أهل الكفر بإيواء أهل ~~الله ونصرتهم. # ولما بين وصفهم، بين ما حباهم به بقوله دالا على أن الإنسان محل النقصان، ~~فهو - وإن اجتهد حتى كان من القسم الأعلى - لا ينفك عن مواقعة ما يحتاج فيه ~~إلى الغفران: {لهم مغفرة} أي لزلاتهم وهفواتهم، لأن مبنى الآدمي على العجز ~~اللازم عنه التقصير وإن اجتهد، والدين متين فلن يشاده أحد إلا غلبه؛ ولما ~~ذكر تطهيرهم بالمغفرة، ذكر # PageV08P347 # تزكيتهم بالرحمة فقال: {ورزق} أي من الغنائم وغيرها في الدنيا والآخرة ~~{كريم*} أي لا كدر فيه بوجه، لا في قطعه ولا في نقصانه ولا في شيء من شأنه. # ولما حصر المؤمنين حقا في الموصوفين، بين أن من ترك ما هو عليه من لزوم ~~دار الكفر والقعود عن الجهاد، لحق بمطلق درجتهم وإن كانوا فيها أعلى منه ~~فقال ذاكرا القسم الرابع: {والذين آمنوا} ولما كانوا قد تأخروا عن دعوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم مدة، أدخل الجار فقال: {من بعد} أي من بعد تأخر ~~إيمانهم عن ms1817 السابقين {وهاجروا} أي لاحقين للسابقين، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنهم من هاجر بعد الحديبية، قال: وهي الهجرة الثانية {وجاهدوا معكم} ~~أي من تجاهدونه من حزب الشيطان {فأولئك منكم} أي لهم ما لكم وعليهم ما ~~عليكم من المواريث والمغانم وغيرها، لأن الوصف الجامع هو المدار للأحكام ~~وإن تأخرت رتبتهم عنكم كما أفهمته أداة البعد. # ولما بين أنهم منهم، بين أنه متى جمعهم الوصف المحصل للولاية، كان القرب ~~في الرحم أولى من غيره فقال: {وأولو الأرحام} أي من المؤمنين الموصوفين ~~{بعضهم أولى ببعض} أي في الإرث وغيره من المتصفين بولاية الدين الخالية عن ~~الرحم {في كتاب الله} # PageV08P348 # أي القرآن أو في حكمه وقسمه الذي أنزله إليكم الملك الأعظم في آيات ~~الإرث، وهي مقيدة بالعصبات فنسخت الولاية فلا دلالة على توريث غيرهم، وذكر ~~ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة المنذر بن عمرو أن بدرا قطعت المواخاة ~~بين الصحابة رضي الله عنهم، يعني فتكون هذه الآية ناسخة آية {بعضهم أولياء ~~بعض} وتكون تلك حينئذ مبينة أمر ما كان قبل غزوة بدر - وهو حسن، والآية ~~التي في سورة الأحزاب مؤيدة له، ثم علل سبحانه ما ذكر بما يرغب فيه فقال: ~~{إن الله} أي الذي له صفات الكمال كلها {بكل شيء عليم*} فهو يعلم أن هذا هو ~~الذي تدور عليه المصلحة وتدوم به الألفة كما علم في أول الأمر أن نوط الإرث ~~وغيره من لوازم القرب بالأخوة الإسلامية أولى لما في ذلك من تكثير قلتكم ~~ونصر ذلتكم وجمع شتاتكم وجعل ما بينكم من الأخوة كلحمة النسب، فأما الآن ~~فقد ضرب الدين بجرانه، وثبت بقواعده وأركانه، وولى الكفر بسلطانه، ونكص ~~مدبرا بأعوانه، فتوارثوا بالإسلام والقرابة وتقاطعوا الكفار، وقربوا ~~وبعدوا، وانحازوا عنهم كما انحازو عنكم، وتبرؤوا منهم كما تبرؤوا منكم، فقد ~~انطبق آخر السورة بالإعراض عن الدنيا وإصلاح ذات البين وبيان المؤمنين حقا ~~وتقليد العليم في جميع الأعمال من غير اعتراض - على أولها، وببيان من يوالي ~~ومن يعادي على أول براءة - والله الموفق. # PageV08P349 # (سورة التوبة) ms1818 # مقصودها معاداة من أعرض عما دعت إليه السورة الماضية من اتباع الداعي إلى # الله في توحيده وأتباع ما يرضيه، وموالاة من أقبل عليه، وأدل ما فيها على ~~الإبلاغ في هذا المقصد فصة المحلفين فإنهم - لاعترافهم بالتخلف عن الداعي ~~بغير عذر في غزوة تبوك المحتمل على وجه بعيد منهم رضي الله عنهم للاعراض ~~بالقلب - هجروا، وأعرض عنهم بكل اعتبار حتى بالكلام، فذلك معنى تسميتها ~~بالتوبة، وهو يدل على البراءة لأن البراءة منهم 0 بهجرانهم حتى رد السلام، ~~كان سبب التوبة، فهو من إطلاق المسبب على السبب وتسميتها براءة واضح أيضا ~~فيما ذكر من مقصودها، وكذا الفاضحة لأن من افتضح كان أهلا للبراءة منه، ~~والبحوث لأنه لا يبحث إلا عن حال البغيض، والمبعثرة هو المنفرة والمثبرة ~~والحفارة والمخزية والمهلكة والمشردةة والمدمدمة والمنكلة لأنه لا يبعثر ~~إلا حال وكذا بعده، والمشردة عظيمة المناسبة مع ذلك عظيمة المناسبة مع ذلك ~~لما أشارت إليه الأنفال في) فشرد بهم من خلفهم [الأنفال: 57] وسورة العذاب ~~أيضا واضحة في مقصودها، وكذا المقشقشة لأنهم قالوا: إن معناه # PageV08P350 # المبرئة من النفاق، من تقشقشت قروحه، إذا تقشرت للبرء، وتوجيهه أن من عرف ~~أن الله برئ منه ورسوله والمؤمنون لأمر فهو جدير بأن يرجع عن ذلك الأمر # ، وعندي أيضا أنه مضاعف القش الذي معناه الجمع، لأنها جمعت أصناف ~~المنافقين وأحوالهم وعليه خرج ما في وصف أبي جهم بن حذيفة لمن أراد نكاحها: ~~أخاف عليك قشقاشته، أي تتبعه لمذاق الأمور، أخذا من القش الذي هو تطلب ~~المأكول من هنا هنا وها هنا، أو عصاه التي هي غاية ذلك، ومادة قش ومقلوبها ~~شق ةمضاعفهما قشقش وشقشق تدور على الجمع وتلازمه الفرقة فإنه لا يجتمع إلا ~~ما كان مفرقا ولا يفرق إلا ما كان مجتمعا، وقد اقتسم هذان المثالان ~~المعنيين إلا قليلا، فقش القوم: صلحوا وأحبوا بعد الهزال يجمع اللحم، ~~والرجل: أكل من ها هنا ولف ما قدر عليه مما على الخوان، واضح في ذلك، # وأفشوا وانفشوا - إذا انطلقوا فجفلوا ومروا ذاهبين - وقد انقشوا إذا ms1819 مروا ~~وذهبوا مسرعين لاجتماعهم في ذلك وجمعهم ما قدروا عليه من متاعهم، والقش ~~والإقشاش: طلب المأكول من ها هنا وها هنا لجمعه، والقشة - بالكسر: القردة ~~كأنها لجمعها ما رأت مما يؤكل في فيها، والصبية الصغيرة الجثة التي لا تكاد ~~تثبت كأنها # PageV08P351 # لاجتماعها في نفسها، وكذا القشيش: الصغير من الصبيان، ودويبة كالجعل إما ~~لاجتماعها في نفسها أو لجمعها القاذورات، والقشيش كأمير: الفقاطة لأنها ~~بجمعها اللقاطون، وصوت جلد الحية يحك بعضها ببعض، لأنه لا يكون إلا عند ~~التثني والتجمع، وقش من الجدري: برئ منه كتقشقش يصلح أن يكون من الفرقة ~~لآنه فارقه، ومن الجمع لأن البرء جمعه كله فأزاله، ويمكن أن تكون همزته ~~للإزالة، وتقششت القروح وتقشقشت - إذا تقشرت للبرء، إما من الجمع لاجتماع ~~القوى للصحة، وإما من الفرقة والزوال، وكذا تقشقش البعير - إذا برئ من ~~الجرب، ويقال: قششهم بكلامه - إذا تكلم بقبيح الكلام وآذاهم، أي لجمعه ~~همومهم على بغضه أو معايبهم، وكذا قش الشيء: جمعه بيده حتى يتحات، أي قشره ~~جميعه، فهو يصلح للفرقة والجمع، وقش: مشى مشى المهزول أي اضطرب، وهو يوجب ~~الإسراع والتثني فيصلح للجمع ةالفرقة، وقش: أكل مما يلقيه الناس على ~~المزابل أو أكل كسر الصدقة، لأن ذلك غاية في الجمع، وقش النبات: يبس، ~~فاستحق أن يمجع، والقش: ردئ التمر كالدقل ونحوه لأنه، يجمع في نفسه، والدلو # PageV08P352 # الضخم لكثرة ما يجمع، وفي الحديث) قل يا أيها الكافرون (و) قل هو الله ~~أحد (المقشقشان، أي المبرئتان من الشرك لما في الحديث: اقرأ) قل يا أيها ~~الكافرون (عند منامك فإنها براءة من الشرك، فالمعنى أنهما تجمعان كل شركط ~~ونفاق دقيق أو جليل فتنزيلاته، والقشقشة يحكى بها الصوت قبل الهدير في محض ~~الشقشقة قبل أن نرعد بالهدير، لأن مبادئ صوت الهدير زائد الضخامة، فكأنه ~~جامع، فكذا ما يحكيه، والقشقاشة: العصا، لجمعها ما يراد بها أو لأنها يقشر ~~عنها لحاؤها كما يقشر جلد الحية وأما مقلوبة فيقال فيه: شقة: صدعة أي فرقة، ~~وقال الخليل: الصدع ربما كان في أحد الوجهين غير نافذ، ms1820 والشق لا يكون إلا ~~نافذا، وشق ناب البعير: طلع، لأنه فرق اللحم، # وشق العصا: فرق باثنيتين وفرق بين الجماعة، وشق عليه الأمر: صعب ففرق ~~نفسه، وشق عليه: أوقعه في مشقة، وشق بصر المحتضر: نظر إلى شيء لا يرتد إليه ~~طرفه، لأنه لتصويبه إلى جهة واحدة مفترق من بقية الجهات، والشق واحد ~~الشقوق، والصبح لأنه يفرق جيش الظلام، وجوبة ما بين الشفرين من جهاز ~~المرأة، والتفريق ومنه شق عصا المسلمين، واستكالة البرق إلى وسط السماء من ~~غير أن يأخذ يمينا وشمالا لأنه يشق السحاب مستقيما كما يشق اللوح والعصا، - ~~بالكسر: الجانب لأنه مفارق للجانب الآخر، # PageV08P353 # واسم لما نظرت إليه لأنه في جانب واحد، وجنس من أجناس الجن لأنه فرقة ~~منهم، ومن كل شيء نصفه - ويفتح - ويفتح، والمال بيني وبينك شق الشعرة - ~~ويفتح: نصفان سواء، والشقة - بالكسر: شظية من لوح، ومن العصا والثوب وغيره ~~ما شق مستطيلا، والشقية: ضرب من الجماع كأنه على شق واحد، والشقة بالضم ~~والكسر: البعد والناحية يقصدها المسافرؤ، والسفر البعيد، وكله واضح في ~~الفرقة، والمشقة أيضا لأنها تأخذ أحد شقى النفش، والفرس البعيد ما بين ~~الفروج والطويل، كأن أجزاءه تفرقت فطال ضد ما تقدم في الصبية الصغيرة، ~~والأشق أيضا: العجل إذا استحكم كأنه لما تأهل من شق الأرض بالحراثة، وكل ما ~~اشتق نصفين، والشقيقة كسفينة: الفرجة بين الجبلين تنبت العشب، لأنها فرقت ~~بين الجبلين وفرقت عشبها بين ملتم أرضها، والمطر، الوابل المتسع لأن الغيم ~~نشقق عنه، ومن البرق ما نتشر من الأفق لأنه يشق السحاب، ووجع يأخذ نصف ~~الرأس والوجه، وشقائق النعمان معروف سميت لحمرتها تشبيها بشقيقة البرق، كذا ~~قالوا، وعندي أنها سميت لتفرق أوراقها وتصفقها فكأنها مشققة مع التجمع، ~~والشقاق كغراب: تشقق يصيب أرساغ الدواب - والشقشقة بالكسر: شيء كالرثة ~~يخرجه البعير من فيه إذا هاج، كأنه بشق حلقه فيخرج ويوجب هديره الذي يشق # PageV08P354 # انطباق تجويفه ليصوت، ومنه شقشق الفحل: هذر، والعصفور: صوت، وشقق الكلام: ~~أخرجه أحسن مخرج، وشقق الحطب: فرق كل واحدة باثنتين أو أكثر، وانشقت العصا: ms1821 ~~تفرق الأمر، والاشتقاق: أخذ شق الشيء والأخذ في الكلام وفي الخصومة يمينا ~~وشمالا مع ترك القصد، لأنه يشق جهات المعاني، وه أيضا أخذ الكلمة من ~~الكلمة، فكأنه فرق بين أجزائها، وهذا أخي وشق نفسي وشقيقي كأنه يشق نسبه من ~~نسبه أو كأنه شقه منه، وهذه السورة آخر سورة نزلت روى البخاري في التفسير ~~وغيره من صحيحه عن البراء رضي الله عنه قال: آخر آية نزلت) يستفتونك قل ~~الله يفتيكم في الكلالة (وآخر سورة نزلت براءة. # ولما كانت مناسبة أولها - الداعي إلى البراءة مم ن يخشى نقضه - لآخر ~~الأنفال المبين لمن يصلح للولاية المختتم بشمول العلم في حد عظيم من الظهور ~~مع ما تقدم من بيان مناسبة آخر الأعراف لأول الأنفال، قدمت الأنفال مع ~~قصرها على براءة مع طولها واشتباه أمرها على الصحابة في كونها سورة مستقلة ~~أو بعض سورة كما قدمت آل عمران # PageV08P355 # مع قصرها على النساء لمثل ذلك من المناسبة، فكان ما ذكر في براءة من ~~البراءة والتولي شرحا لآخر الأنفال، روى الإمام أحمد يفي المسند وأبو داود ~~في السنن والترمذي في الجامع وحسنه وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وإسحاق بن ~~راهويه وأبو يعلى والبزار والبيهق يوالإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم ~~البستس القاضي في تفسيره - بسند الترمذي والبيهقي - والإمام أبو جعفر ~~النحاس بغير سند عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لعثمان بن عفان رضي ~~الله عنه: ما حملكم على أن عندتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة ~~وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطرا بسم الله الرحمن ~~الرحيم ووضعتموهما في السبع الطول؟ ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان رضي الله ~~عنه: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مما - وقال الستي: ربما - يأتي ~~عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا ~~بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا ~~وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من ms1822 آخر القرآن ~~نزولا، وكانت فصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) ولم يبين لنا أنها منها، قال النحاس: وذهب عني أ، أسأله ~~عنعا، فمن أجل ذلك قرنت بينهما # PageV08P356 # ولم أكتب بينهما سطر) بسم الله الرحمن الرحيم (فوضعتها في السبع الطول - ~~زاد ابن راهويه: وكانتا تدعيان القرينتين - انتهى. فبين أنهما اشتبها عليه ~~وأنه وضعهما في الطول لمناسبتهما لها على تقدير كونها سورة واحدجة، قال في ~~القاموس: والسبع الطول - كصرد - من البقرة إلى الأعراف، والسابعة سورة يونس ~~أو الأنفال وبراءة جميعا لأنهما سورة واحدة - انتهى. وقال في الكشاف: وقيل: ~~سورة الأنفال والتوية سورة واحدة كلتاهما نزلت في القتال تعدان اتلسابعة من ~~الطول ةبعدها المئون، وهذا قول ظاهر لأنهما معا مائتان وست فهما بمنزلة ~~سورة واحدة، وقال بعضهم: هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول من يقول: هما ~~سورتان، وتركت " بسم " # لقول من يقول: هما سورة واحدة. انتهى. وعن أبي كعب رضي الله عنه أنه قال: ~~إنما توهموا ذلك لأن في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، ووضعت ~~إحداهما بجنب الأخرى، والمراد بالمثاني هنا ما دون المئين وفوق المفصل، قال ~~أبو عبيد الهروي: قيل لها مثاني لأن المئين جعلت مبادئ والتي تليها مثاني - ~~انتهى. والأحسن كون ذلك بالنسبة إلى اغلمفصل من وجهين: الأول أن المفصل أول ~~لقب جامع للسور باعتبار القصر وفوقه المثاني ثم المئون ثم الطول، فالمثاني ~~ثانية له حقيقة، وما هي ثانية للمئين إلا أن ألفينا البداءة بالطول # PageV08P357 # من الطرف الآخر، الثاني أنها لما زادت على المفصل كانت قسمة السورة منها ~~في ركعتين من الصلاة كقراءة سورتين من المفصل فكانت مثاني لتثنيتها في ~~مجموع الصلاة باعتبار قراءة بعضها في كل من الركعتين، قال أبو جعفر النحاس: ~~قال أبو إسحاق: جدثني بعض أصحابنا عن صاحبنا محمد بن يزيد أنه قال: لم تكتب ~~في أولها بسم الله، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت عليا رضي الله ~~عنه: لم تكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " ها هنا؟ ms1823 قال: لأن بسم الله الرحمن ~~الرحيم " أمان - انتهى. وبهذا أخذ الإمام أبو القاسم الشاطبي في قصيدته حيث ~~قال: # ومهما تصلها أو بدأت براءة # تنزيلها بالسيف لست مبسملا # وقال في الكشاف: وسئل ابن عيينة فقال: اسن الله سلام وأمان، فلا يكتب في ~~النبذ والمحاربة، قال الله تعالى) ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا) [النساء: 94] قيل: فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد كتب إلى أهل ~~الحرب " بسم الله الرحمن الرحيم " قال: إنما ذلك ابتداء، يدعوهم # PageV08P358 # ولم ينبذ إليهم، ألا تراه يقول " سلام على من اتبع الهدى " فمن دعى إلى ~~الله فأجاب ودعى إلى الجزية فأجاب فقد اتبع الهدى، وأما النبذ فإنما هو ~~البراءة واللعنة - انتى. ولا يعارض هذا خبر ابن عباس عن عثمان رضي الله ~~عنهما، بل هو شبيه لما نزلت من غير بسملة للمعنى المذكور، اشتبه أمرها على ~~الصحابة رضوان الهل عليهم، ولم يقع سؤال عنها حتى توفي رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) ، فكانت موافقتهم للسور في تسميتها باسم يخصها دليلا على أنها ~~سورة برأسها، ومخلفتهعم في ترك إنزال البسملة في أولها مع احتمال أنها تركت ~~للمعنى المذكور أو لغيره دليلا على أنها بعض سورة، فقد روى أبو داود ~~والحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) لا يعرف فصل السورة - وفي رواية: لا يعلم انقضاء السورة # حتى ينزل عليه) بسم الله الرحمن الرحيم (قال الحافظ أبو شامة: هذا حديث ~~حسن وللحاكم في المستدرك أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهعما قال: كان ~~المسلمون لا يعلمون انقضاؤء السورة حتى ينزل ": بسم الله الرحمن الرحيم " ~~فلما نزل علم أن السورة قد انقضت فلما اشتبه أمرها تركوا كتابة البسملة في ~~أولها وفصلوها عن الأنفال قليلا - والله الموفق. هذا وقد مضى بيان تشابه ~~فصتيهما في أول الأنفال وأثناء الأعراف إجمالا، وأما تفصيلا فلما # PageV08P359 # في كل منهما من نبذ العهد إلى من خيف نقضه، وأن المسجد الحرام لا يصلح ~~لولايته إلا المتقون، وأن ms1824 المشركين نجس لا صلاحية فيهم لقربانه، وأن قلة ~~حزب الله لا تضرهم إذا لزموا دعائم النصر الخمس وكثرتهم لا تغنيهم إذا حصل ~~في ثباتهم لبس، والحث على الجهاد في غيبر موضع، وضمان الغنى كما أشار إليه ~~في الأنفال بقوله) لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) [الأنفال: 4] وذك ~~أحكام الصدقات التي هي من وادي الغنائم، وعد أصناف كل، والأمر بالإنفاق ~~المشار إليه في الإنفاق وغيره كما فعلوا في مال التجارة الذي أرصدوه حتى به ~~على غزوة أحد المشار إليهفي الأنفال بقوله)) والذين كفروا ينفقون أموالهم) ~~[الأتفال: 73] أي بالتناصر في الأنفال وغيره كما فعلوا في مال التجارة الذي ~~أرصدوه حتى استعانوا به على غزوة أحد المشار إليه بآية) إن الذين كفروا ~~ينفقون أموالهم) [الأنفال: 36] مع آية) إلا تفعلوه) [الأنفال: 49] والأمر ~~الجامع للكل أنهما معا في بيان حال النبي (صلى الله عليه وسلم) في أول أمره ~~وأثنائه ومنتهاه، وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في كتابه: اتصالها ~~بالأنفال أوضح من أن يتكلف بتوجيهه حتى أن شدة المشابهة والالتئام - مع أن ~~الشارع عليه السلام لم يكن بين انفصالهما - أوجب أن لا يفصل بينهما [) بسم ~~الله الرحمن الرحيم (، وذلك أن الأنفال قد تضمنت الأمر بالقتال) وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة) [الأنفال: 39] وبين أحكام الفرار من الزحف وحكم النسبة ~~المطلوب فيها بالثبوت ولحوق التأثيم للفار # PageV08P360 # وأنها على حكم الضعف وحكم الأسرى وحكم ولاية المؤمنين وما يدخل تحت هذه ~~الولاية ومن يخرج عنها، ثم ذكر يفي السورة الأخرى حكم من عهد إليه من ~~المشركين والبراءة منهم إذا لم يوفوا، وحكم من استجار منهم إلى ما يتعلق ~~بهذا، وكله باب واحد، وأحكام متواردة على قصة واحدة، وهو تحرير حكم ~~المخالف، فالتحمت السورتان # أعظم التحام، ثم عاد الكلام إلى حكم المنافقين وهتك أستارهم، انتهى. وأما ~~تطابق آخر الأنفال مع أولها فقد ظهر مما مضى، وأيضا فلما ذكر في آخر التي ~~قبلها أمر العهد تارة بنبذه إلى من خيفت خيانته كائنا من كان يفي قوله) ~~فانبذ إليهم على سواء) ms1825 [الأنفال: 58] وتارة بالتمسك به عند الأمن من ذلك في ~~وقه) إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) [الأنفال: 72] وبين من يصلح للموالاة ~~ومن لا يصلح، وختمت بالإخبار بشمول علمه، ابت # ئت هذه السورة بالأمر بالنبذ إى ناس بأعيانهم نقضوا أو خيف منهم ذلك وذلك ~~تصريح بما أفهمته آيات الموالاة في التي قبلها من أن إحدى الفرقتين لا تصلح ~~لموالاة الأخرى فقال تعالى: # PageV08P361 # {براءة} أي عظيمة، ثم وصفها بقوله: {من} أي حاصلة واصلة من {الله} أي ~~المحيط بصفات الكمال، فهو العالم بمن يستحق الولاية ومن يستحق البراءة ~~{ورسوله} أي المتابع لأمره لعلمه به. # ولما كانوا قد توقفوا في الحديبية كلهم أو كثير منهم تارة في # PageV08P361 # نفس العهد وتارة في التأخر عن الأمر بالحلق، ثم تابعوا في كل منهما، وكان ~~الكفار بمحل البعد عن كل خير، أشار إلى ذلك بأداة الغاية، وجعل الرسول صلى ~~الله عليه وسلم مع الله إشارة إلى أنه لا يخالفه أصلا، وأسندت المعاهدة ~~إليهم إشارة إلى ذلك التوقف تحذيرا من أن يقع مثله، فقال مخبرا عن النبذ ~~الموصوف: {إلى الذين عاهدتم} أي أوقعتم العهد بينكم وبينهم {من المشركين*} ~~أي وإن كانت معاهدتكم لهم إنما كانت بإذن من الله ورسوله، فكما فعلتم ~~المعاهدة بإذنهما فافعلوا النقض تبعا لهما، ودل سياق الكلام وما حواه من ~~بديع الانتظام أن العهد إنما هو لأجل المؤمنين، وأما الله ورسوله فغنيان عن ~~ذلك، أما الله فبالغنى المطلق، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فبالذي ~~اختاره للرسالة لأنه ما فعل ذلك به إلا وهو قادر على نصره بسبب وبغير سبب، ~~وعلم أن ذلك فيمن نقض أو قارب من قوله بعد {إلا الذين عاهدتم من المشركين ~~ثم لم ينقصوكم شيئا} - الآية؛ قال البغوي: لما خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهودا ~~كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله بنقض عهودهم وذلك ~~قوله تعالى {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم} [الأنفال: 58] انتهى. ~~وذكر ms1826 ذلك ابن إسحاق وغيره، ولعله أطلق هنا ولم يقيد ممن خيف # PageV08P362 # نقضه ليكون ذلك أول السورة مؤذنا بأن الخيانة وهم بالنقض شأن أكثرهم ولا ~~سيما مشركو قريش، وهم - لكون قريش رؤوس الناس والناس تبع لهم في الخير ~~والشر - يستحقون أن يعبر عنهم بما يفهم الكل ومبنى هذه السورة على البراءة ~~من المشركين والموالاة للمؤمنين الدال على إيمانهم طاعة الله بالصلاة ~~والزكاة والجهاد لمن أمر بالبراءة منه قل أو كثر قرب أو بعد في المنشط ~~والمكره والعسر واليسر. # ولما كان ظاهر الحال وقت تكامل نزولها - وهو شوال أو ذو العقدة أو ذو ~~الحجة سنة تسع بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك - أن الحرب قد ~~وضعت أوزارها وأطفئت نارهم ببسط الإسلام في الخاص والعام، وما بين اليمن ~~والشام، وانتشار ألويته وأعلامه، وتأيد رئيسه وإمامه بقهر جيوش الكفار، ~~وقصد الناس له بالاتباع من جميع الأمصار، أكد أمر الجهاد ومصادمة الأنداد ~~في هذه السورة تأكيدا لم يؤكد في غيرها؛ ذكر الواقدي في أواخر غزوة تبوك ~~كلاما ثم قال: قالو: وقدم رسول الله صلى لله عليه وسلم المدينة - يعني من ~~غزوة تبوك - في رمضان سنة تسع ثم قال: وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ~~ويقولون: قد انقطع الجهاد، فجعل القوي منهم يشتريها لفضل قوته، فبلغ ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك وقال: # «لا تزال عصابة # PageV08P363 # من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال» وإنما قلت: إن تكامل نزولها ~~كان في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة لأن البغوي نقل عن الزهري أن ~~أولها نزل في شوال، وقال ابن إسحاق - ونقله عنه البيهقي في دلائل النبوة -: ~~ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منصرفه من تبوك بقية شهر رمضان ~~وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج في سنة تسع ~~ليقيم للمؤمنين حجهم والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم - وأسند ~~البيهقي في دلائله إلى عروة قال: فلما أنشأ الناس ms1827 الحج تمام سنة تسع بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الناس وكتب له سنن الحج - ~~انتهى. فخرج أبو بكر والمؤمنون رضي الله عنهم ونزلت براءة في نقض ما بين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما ~~بينهم وبينه أن لا يصد عن البيت أحد جاءه ولا يخاف أحد في الشهر الحرام؛ ~~وكان ذلك عهدا عاما بينه وبين الناس من أهل الشرك؛ ونقل أبو محمد البستي ~~عنه أنه قال: فكانت هذه المدة والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبين العرب أنه لا يصد أحد عن البيت ولا يتعرض لحاج ولا معتمر، ولا ~~يقاتل في الشهر الحرام؛ وكان أمانا مستفيضا من بعضهم لبعض على غير مدة ~~معلومة؛ رجع إلى ما رأيته أنا في سيرته: وكانت بين ذلك عهود بين رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وبين # PageV08P364 # قبائل من العرب خصائص إلى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين ~~عنه في تبوك وفي قول من قال منهم، فكشف الله فيها سرائر أقوام كانوا ~~يستخفون بغير ما يظهرون؛ ثم قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن ~~حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: «لما نزلت براءة ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله ~~عنه ليقيم للناس الحج قيل له: يارسول الله! لو بعثت بها إلى أبي بكر! فقال: ~~لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم دعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~فقال له: اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن في الناس يوم النحر إذا ~~اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يجح بعد العام مشرك، ولا يطوف ~~بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى ~~مدته» # فهذا فيه أنها نزلت بعد سفر أبي بكر رضي الله عنه، وإنما ms1828 قيدت أنا بتكامل ~~نزولها لأنه ورد أن الذي في النقض فبعث به عليا رضي الله عنه إنما هو عشر ~~آيات أو سبع، وفي بعض الروايات التصريح بنزولها قبل سفر أبي بكر رضي الله ~~عنه، ففي زيادات مسند الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه قال: «لما نزلت عشر ~~آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر رضي الله عنه ~~فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~أدرك أبا بكر، فحيث ما لحقته # PageV08P365 # فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم - فذكره، وفيه أن أبا ~~بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما رجع: أنزل في شيء؟ ~~قال: لا، ولكن جبريل عليه السلام جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل ~~منك» ونقل البغوي عن ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم بعث مع أبي بكر ~~بأربعين آية من صدر سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث بعده عليا ~~على ناقته الغضباء ليقرأ على الناس صدر براءة وأمره أن يؤذن بمكة ومنى ~~وعرفة. وفيه أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله! أنزل في شأني شيء؟ ~~قال: «لا، ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا الأمر إلا رجل من أهلي» فتبين أن ~~الأول من إطلاق الكل على الجزء لا سيما وهو الذي فيه البراءة، وما سميت ~~السورة براءة إلا به؛ وأن المعنى: لا يؤدي عني في العهود، لا مطلقا، فقد ~~أرسل رسلا للأداء عنه من غير أهل بيته؛ وقال المهدوي في تفسير {فسيحوا في ~~الأرض} : وروي أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد خروج ~~أبي بكر بالناس ليحج بهم سنة تسع، فبعث بها النبي صلى الله صلى عليه وسلم ~~عليا رضي الله عنه ليتلوها على الناس بالموضع الذي يجتمع فيه الفريقان وهو ~~منى، وأمره أن ينادي: أن لا يحج بعد # PageV08P366 # العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فنادى ms1829 علي وأعانه أبو هريرة وغيره رضي ~~الله عنهم، وكان على مكة حينئذ عتاب بن أسيد رضي الله عنه، استخلفه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو عام ثمان، وكان حج عتاب وأبي بكر ~~سنة تسع في ذي العقدة - كذا قال وسيأتي بيان بطلانه، وتقدم خلافه عن ابن ~~إسحاق في دلائل النبوة؛ وقال الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي ~~القاضي في تفسيره: حدثنا قتيبة عن الحجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال: أقبل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من تبوك فأراد الحج فقال: إنه يحضر ~~البيت المشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر ~~وعليا رضي الله عنهما، فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا ~~يتبايعون بها كلها وبالموسم كله، وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر ~~- يعني اشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر ~~يخلون من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، فآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن ~~يؤمنوا، فآمن الناس أجمعون. # وفي سيرة ابن إسحاق: حدثنا يونس - يعني ابن بكير - عن أسباط بن نصر ~~الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي {فسيحوا في الأرض # PageV08P367 # أربعة أشهر} قال: عشرين من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر ثم لا أمان ~~لأحد ولا عهد إلى السيف أو الإسلام؛ وقال ابن هشام: حتى إذا كان يوم النحر ~~قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأجل الناس أربعة اشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم ~~إلى مأمنهم؛ وللترمذي عن زيد بن أثيع قال: سألت عليا رضي الله عنه: بأي شيء ~~بعثت؟ قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ~~ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ومن لا مدة له فأربعة أشهر. ونقل ابن ~~سيد ms1830 الناس عن ابن عائذ انه لما ضرب للمشركين هذا الأجل قالوا: بل الآن لا ~~نبتغي تلك المدة، نبرأ منك ومن ابن عمك إلا بالضرب والطعن؛ فحج الناس عامهم ~~ذلك، فلما رجعوا رغب الله المشركين فدخلوا في الإسلام طوعا وكرها. وصدق ~~الله ورسوله فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان. وقد وردت ~~نصوص وظواهر في كثير من سورة براءة أنه نزل قبل الرجوع عن تبوك أو قبل ~~الاعتذار، فمن النصوص قوله تعالى {لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك # PageV08P368 # ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم} وقوله ~~{فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا} - ~~الآيات، {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد ~~نبأنا الله من أخباركم} إلى أن قال: # {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم} [التوبة: 94] وأما ~~الظواهر فإن الواقدي قال في سيرته فأنزل من القرآن في غزوة تيوك، ثم ذكر ~~اكثر سورة براءة وقال هو وغيره من أصحاب السير: «وكان رهط من المنافقين ~~يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك منهم وديعة بن ثابت - فذكر ~~القصة التي فيها أن بعضهم قال ترهيبا للمؤمنين: أتحسبون قتال بني الأصفر ~~كقتال غيرهم؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال، وقال كل منهم شيئا إلى ~~أن قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: أدرك القوم ~~فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا - ~~إلى أن قال: إن بعضهم قال: إنما كنا نخوض ونلعب! فأنزل الله فيه {ولئن ~~سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب - إلى قوله - بأنهم كانوا مجرمين} ثم ~~قال: وجاء الجلاس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف ما قال من ذلك ~~شيئا، وكان قد قال: إن كان محمد صادقا فنحن شر من الحمير، فأنزل الله عز ~~وجل فيه {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} - إلى آخرها، ~~فاعترف الجلاس حينئذ ms1831 # PageV08P369 # وتاب وحسنت توبته» ، وذكر مسجد الضرار وأن أهله كانوا سألوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو متجهز إلى تبوك أن يصلي لهم فيه فاعتذر إليهم بشغله ~~بالسفر ووعدهم أن يصلي فيه إذا رجع، فلما نزل صلى الله عليه وسلم بذي أوان ~~- قال ابن هشام: بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - أتاه خبره وخبر أهله ~~من السماء، فدعا اثنين من أصحابه فأمرهما به فأحرقاه، وتفرق أهله ونزل فيه ~~من القرآن ما نزل {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا} - إلى آخر القصة؛ قال ~~الواقدي: وكان عاصم ابن عدي يقول: كنا نتجهز إلى تبوك مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم فرأيت عبد الله بن نبتل وثعلبة بن حاطب قائمين على المسجد الضرار ~~- إلى أن قال: فوالله ما رجعنا من سفرنا حتى نزل القرآن بذمه وذم أهله ~~{والذين اتخذوا مسجدا ضرارا} [التوبة: 107]- إلى آخرها، ومن ذلك تسميتها ~~بالفاضحة، فلولا نزولها قبل معرفة أخبارهم لم تكن فاضحة، وهي في الظاهر ~~للمعاهدين وفي الباطن مشيرة إلى أهل الردة وأن لا يقبل منهم إيمان ما لم ~~يجمعوا بين الصلاة والزكاة كما فهم أبو بكر رضي الله عنه، وأقيمت على ذلك ~~قرائن منها تكرير الجمع بين الصلاة والزكاة في سياق الإيمان تكريرا لم يكن ~~في غيرها من السور، فهي من أعلام النبوة؛ # PageV08P370 # وروى أبو محمد إسحاق بن إبراهيم القاضي البستي في تفسيره عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: إن هذا الإسلام ثلاثون سهما: عشر منها في براءة، وعشر في ~~الأحزاب، وعشر في المؤمنين وسأل سائل. # ولما أعلمهم سبحانه بأنه رد إليهم عهدهم، وكانوا مختلطين مع أهل الإسلام، ~~جعل لهم مخلصا إن آثروا البقاء على الشرك مع إعلامهم بأنه لا خلاص لهم ~~لأنهم في قبضته، فقال مخاطبا لهم ولكل مشرك مسببا عن البراءة: {فسيحوا} ~~والسياحة: الاتساع في السير والبعد عن المدن والعمارة مع الإقلال من ~~الطعام، والشراب، ولذلك يقال للصائم: سائح: والمراد هنا مطلق السير. # ولما كانت السياحة تطلق على غيره، حقق المعنى بقوله: {في الأرض} أي في ms1832 أي ~~جهة شئتم {أربعة أشهر} أي من أيام الحج، فيكون آخرها عاشر شهر ربيع الآخر، ~~تأمنون فيها أمنا لا نعرض لكم بسوء، بل تذهبون فيها حيث شئتم، أو ترمون ~~حصونكم وتهيئون سلاحكم وتلمون شعثكم لا نغدركم، لأن ديننا مبني على ~~المحاسن، ولولا أن الأمر يتعلق بنفوسنا ما نبذنا عهدكم ولا نقضنا عقدكم، ~~ولكن الخطر في النفس وقد ظهرت منكم أمارات الغدر ولوائح الشر «وعن أي نفس ~~بعد نفسي أقاتل» فإذا نقضت الأربعة الشهر فتهيؤوا لقتالنا وتدرعوا لنزالنا. # ولما كان الإسلام قد ظهر بعد أن كان خفيا، وقوي بعد أن كان # PageV08P371 # ضعيفا، افتتح وعظهم بالكلمة التي تقال أولا لمن يراد تقريع سمعه وإيقاظ ~~قلبه وتنبيهه على أن ما بعدها أمر مهم ينبغي مزيد الاعتناء به فقال: ~~{واعلموا أنكم} أي أيها الكفرة وإن كثرتم {غير معجزي الله} لأن علمه محيط ~~بكل شيء فهو قادر على كل ممكن {وأن الله} أي لما له من الإحاطة بالجلال ~~والإكرام {مخزي الكافرين*} أي كلهم منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة لأن ~~قوله قد سبق بذلك، ولا يبدل القول لديه، والإخزاء: الإذلال مع إظهار ~~الفضيحة والعار -. وأظهر الوصف موضع الضمير تعميما وتعليقا للحكم به؛ ولعل ~~الالتفات إلى الخطاب إشارة إلى أن من ترك أمر الله حدبا على قريب أو عشير ~~فهو منهم، وقد برئت منه الذمة، فلينج بنفسه ولا نجاء له، أو يكون لا ستعطاف ~~الكفار تلذيذ الخطاب وترهيبهم بزواجر العقاب. # PageV08P372 # ولما أنزل البراءة، أمر بالإعلام بها في المجمع الأعظم ليقطع الحجج، فقال ~~عاطفا ظهرة الجملة إلى مضمونها: الإخبار بوجوب الإعلام بما ثبت بالجملة ~~الأولى المعطوفة عليها من البراءة: {وأذان} أي وهذا إعلام وإعلان واقع ~~وواصل {من الله} أي المحيط بجميع صفات العظمة {ورسوله} أي الذي عظمته من ~~عظمته، فلا يوجهه إلى شيء إلا أعلاه عليه؛ ولما كان المقصود الإبلاغ الذي ~~هو وظيفة الرسول، عداه بحرف الانتهاء فقال: {إلى الناس} أي كلهم من أهل ~~البراءة # PageV08P372 # وغيرهم {يوم الحج الأكبر} قيده لأن العمرة تسمى الحج الأصغر. # ولما كان ms1833 كأنه قيل: ماهذا الإعلام؟ قال مفسرا له مصرحا بما هو المقصود ~~لئلا يقع فيه نوع لبس حاذفا الصلة إعلاما بأن هذا مستأنف على تقدير سؤال ~~سائل، لا معمول لأذان: {أن الله} أي الذي له الغنى المطلق والقوة الباهرة ~~{بريء من المشركين*} أي الذين لا عهد لهم خاص فلا مانع من قتالهم، قيل: ~~والذين وقعت البراءة منهم صنفان: أحدهما كانت مدته دون أربعة أشهر فرفع ~~إليها، والآخر مدته بغير حد فقصر عليها، ومن لم يكن له عهد فهو أولى، ومن ~~كان عهده محدودا بأكثر من أربعة أشهر ولم يحدث شرا أمر بإتمام عهده إلى ~~مدته {ورسوله} أي بريء منهم، فهو موفوع عطفا على المنوي في «بريء» أو على ~~محل {أن} المكسورة واسمها عند من كسرها، وقرىء بالنصب عطفا على اسم {أن} أو ~~لأن الواو بمعنى مع، وبالجر على الجوار، وقيل: على القسم - قال في الكشاف، ~~قال: ويحكى أن أعرابيا سمع رجلا يقرؤها فقال: إن كان الله بريئا من رسوله ~~فأنا منه بريء، فلببه الرجل إلى عمر رضي الله عنه فحكى الأعرابي قراءته ~~فعندما أمر عمر رضي الله عنه بتعلم العربية، وروى الإمام أبو بكر محمد بن ~~القاسم بن بشار الأنباري في مقدمة كتاب الوقف والابتداء بسنده عن ابن أبي ~~ملكية قال: قدم أعرابي في زمان عمر رضي الله عنه فقال: من يقرئني # PageV08P373 # مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأقرأه رجل براءة فقال: {أن ~~الله بريء من المشركين ورسوله} بالجر، فقال: أوقد بريء الله من رسوله؟ إن ~~يكن الله بريء من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر رضي الله عنه مقالة ~~الأعرابي فدعاه - يعني فسأله فأخبره - فقال عمر رضي الله عنه: ليس هكذا يا ~~أعرابي! قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال {أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله} فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ مما برىء الله ورسوله منه، فأمر ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يقرىء القرآن إلا عالم باللغة. # وأمر أبا الأسود فوضع النحو، ونحو ذلك ms1834 في الاهتمام بشأن العربية ما حكاه ~~الشريف محمد بن أسعد الجواني النسابة في كتابه في الأنساب في ترجمة أبي ~~الأسود الدؤلي بسنده إليه أنه قال: دخلت على أمير المؤمنين علي رضي الله ~~عنه فرأيته مطرقا مفكرا فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني سمعت ~~ببلدكم هذا لحنا، فأردت أن أضع كتابا في أصول العربية، فقلت له: إن فعلت ~~هذا بقيت فينا هذه اللغة، ثم أتيته بعد أيام فألقى إلي صحيفة فيها: بسم ~~الله الرحمن الرحيم، الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، ~~الفعل ما أنبأ عن حركة # PageV08P374 # المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل: ثم قال: تتبعه وزد فيه ~~ما وقع لك، واعلم أن الأشياء ثلاثة: ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، ~~وإنما يتفاضل الناس في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر، قال أبو الأسود ~~الدؤلي: فجمعت أشياء فعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها إن ~~وأن وليت ولعل وكأن، ولم أذكر لكن، فقال لي: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها ~~فيها، فقال بل هي منها فزدها فيها، وقال أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي في ~~طبقات النحويين: وقال أبو العباس محمد بن يزيد: سئل أبو الأسود الدؤلي عمن ~~فتح له الطريق إلى الوضع في النحو وأرشده إليه، فقال: تلقنته من علي بن أبي ~~طالب، وفي حديث آخر: ألقى إلي أصولا احتذيت عليها؛ وفي مختصر طباتهم للحافظ ~~محمد بن عمران المرزباني: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد رسم لأبي ~~الأسود الدؤلي حروفا يعلمها الناس لما فسدت ألسنتهم فكان لا يحب أن يظهر ~~ذلك ضنا به بعد علي رضي الله عنه، فلما كان زياد وجه إليه أن عمل شيئا تكون ~~فيه إماما وينتفع به الناس فقد كنت شرعت فيه لتصلح ألسنة الناس، فدافع بذلك ~~حتى مر يوما بكلإ البصرة وإذا قارئ يقرأ {أن الله بريء من المشركين ورسوله} ~~وحتى سمع رجلا قال: سقطت عصاتي، فقال: لا يحل لي بعد ms1835 هذا أن أترك الناس! ~~فجاء إلى زياد فقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير # PageV08P375 # فليبتغ لي كاتبا حصيفا ذكيا يعقل ما أقول، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم ~~يرضه، فأتي بآخر من ثقيف؛ وقال ابن الأنباري في كتاب الوقف: حدثني أبي قال: ~~حدثنا أبو عكرمه قال: قال العتبي: كتب معاوية إلى زياد يطلب عبيد الله ~~ابنه، فلما قدم عليه كلمه فوجده يلحن، فرده إلى زياد وكتب إليه كتابا يلومه ~~فيه ويقول: أمثل عبيد الله يضيع؟ فبعث زياد إلى أبي الأسود فقال: يا أبا ~~الأسود! إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت شيئا يصلح ~~به الناس كلامهم ويعربون به كتاب الله، فأبى ذلك أبو الأسود وكره إجابة ~~زياد إلى ما سأل، فوجه زياد رجلا فقال له: اقعد في طريق أبي الأسود، فإذا ~~مر بك فاقرأ شيئا من القرآن وتعمد اللحن فيه، ففعل ذلك. # فلما مر به أبو الأسود رفع الرجل صوته يقرأ {أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله} فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، ثم ~~رجع من فوره إلى زياد فقال: يا هذا، قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ ~~بإعراب القرآن، فابعث إلي ثلاثين رجلا، فأحضرهم زياد فاختار منهم أبو ~~الأسود عشرة، ثم لم يزل يختارهم حتى اختار منهم رجلا من عبد القيس، فقال: ~~خذ المصحف وصبغا يخالف # PageV08P376 # لون المداد، فإذا فتحت شفتي فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتهما فاجعل ~~النقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسرتهما فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعت ~~شيئا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين، فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره، ~~ثم وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك - انتهى. ويوم الحج المذكور هنا ~~للجنس، أي في جميع أيام الحج - قاله سفيان الثوري - كيوم صفين والجمل وبعاث ~~يراد به الحين والزمان الذي كان فيه ذلك، ولذلك نادى علي رضى الله عنه ~~بنفسه ومن ندبه لذلك في جميع تلك الأيام، وقال أبو حيان: الظاهر أنه يوم ~~واحد ms1836 فقال عمر رضي الله عنه وجماعة: هو يوم عرفة، وروي مرفوعا الى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو موسى رضي الله عنه وجماعة: هو يوم ~~النحر، وقيل: أيام الحج كلها - قاله سفيان بن عيينة قال ابن عطية: والذي ~~تظاهرت به الأحاديث أن عليا رضي الله عنه أذن بتلك الآيات يوم عرفة إثر ~~خطبة أبي بكر رضي الله عنه، ثم رأى أنه لم يعم الناس بالإسماع # PageV08P377 # فتتبعهم بالأذان بها أيضا يوم النحر، وفي ذلك اليوم بعث أبو بكر رضي الله ~~عنه من يعينه بها كأبي هريرة وغيره رضي الله عنهم ويتبعوا ايضا أسواق العرب ~~كذي المجاز وغيره؛ وبهذا يترجح قول سفيان - انتهى. وروى عبد الرزاق عن علي ~~رضي الله عنه أن يوم النحر، وقال في تفسيره أيضا: أخبرنا معمر عن الحسن ~~قال: إنما سمي الحج الأكبر لأنه حج أبو بكر رضي الله عنه الحجة التي حجها، ~~واجتمع فيها المسلمون والمشركون، ووافق أيضا ذلك عيد اليهود والنصارى -. # ولما أعلم سبحانه بالبراءة عنها، سبب عنها مرغبا مرهبا قوله التفاتا إلى ~~الخطاب: {فإن تبتم} أي عن الكفر والغدر {فهو} أي ذلك الأمر العظيم وهو ~~المتاب {خير لكم} أي لأنكم تفوزون في الوفاء بالأمان في الدنيا، وفي ~~الإسلام بالسلامة في الدارين. # ولما كانت التوبة محبوبة بالطبع لما لها من النفع قال: {وإن توليتم} أي ~~كلفتم أنفسكم خلاف ما يشتهي من التوبة موافقة للفطرة الأولى، وأصررتهم على ~~الكفر والغدر اتباعا للهوى المكتسب من خباثة الجبلة ورداءة الأخلاط التي ~~قعدت بالروح عن أوجها الأول إلى الحضيض الأسفل {فاعلموا} أي علما لا شبهة ~~فيه {أنكم غير معجزي الله} # PageV08P378 # أي لأن له صفات الكمال من الجلال والجمال، والالتفات هنا مثله في ~~{فسيحوا} والإشارة به إلى ما ذكر في ذلك. # ولما واجههم بالتهديد، أعرض عنهم وجه الخطاب تحقيرا لهم مخاطبا لأعلى ~~خلقه مبشرا له في أسلوب التهكم بهم، فقال عاطفا على ما تقديره: فبشر ~~الغادرين بالخدلان، أو فبشر التائبين بنعيم مقيم: {وبشر الذين كفروا} أي ~~أوقعوا هذا الوصف ms1837 {بعذاب أليم*} أي في الدنيا والآخرة أو فيهما. # ولما أعلمهم بالبراءة وبالوقت الذي يؤذن بها فيه، وكان معنى البراءة منهم ~~أنه لا عهد لهم، استثنى بعض المعاهدين فقال: {إلا الذين عاهدتم} أي أوقعتم ~~بينكم وبينهم عهدا {من المشركين ثم} أي بعد طول المدة اتصفوا بأنهم {لم ~~ينقصوكم شيئا} أي من الأمارات الدالة على الوفاء في أنفسهم كما نقض بنو ~~الديل من بني بكر في قتالهم لخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم {ولم ~~يظاهروا} أي يعاونوا معاونة تظهر {عليكم أحدا} أي من أعدائكم كما ظاهرت ~~قريش حلفاءهم من بني الدليل على حلفائكم من خزاعة {فأتموا} واشار إلى بعدهم ~~عن الخير بحرف الغاية فقال: {إليهم عهدهم إلى مدتهم} أي وإن طالت؛ قال ~~البغوي: وهم بنو ضمرة # PageV08P379 # حي من كنانة، وكان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر، وكان السبب فيه أنهم لم ~~ينقضوا؛ وقال النحاس: ويقال: إن هذا مخصوص يراد به بنو ضمرة خاصة؛ وقال أبو ~~محمد البستي: حدثنا قتيبة قال: ثنا الحجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال: كان ~~بين بني مدلج وخزاعة عهد، وهم الذين قال الله {فأتموا إليهم عهدهم إلى ~~مدتهم} . # ولما كانت محافظتهم على عهدهم من أفراد التقوى، وكان الأمر بالإحسان إلى ~~شخص من أفعال المحب، قال تعالى معللا: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال ~~{يحب المتقين*} أي يفعل بهم وبكم افعال المحب، فهو قول حاث للكل على ~~التقوى، وكل ينزله على ما يفهم، فهو من الإعجاز الباهر. # ولما قرر أمر البراءة إثباتا ونفيا، أمر بما يصنع بعد ما ضربه لهم من ~~الأجل فقال: {فإذا} أي فتسبب عن ذلك أنه إذا {انسلخ} أي انقضى وانجرد وخرج ~~ومضى {الأشهر الحرم} أي التي حرمت عليكم فيها قتالهم وضربتها أجلا ~~لسياحتهم، والتعريف فيها مثله {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون ~~الرسول} [المزمل: 15-16] {فاقتلوا المشركين} أي الناكثين الذين ضربتم لهم ~~هذا الأجل إحسانا وكرما؛ قال البغوي: قال الحسن بن الفضل: هذه الآية تنسخ ~~كل آية في القرآن فيها ذكر ms1838 الإعراض والصبر على # PageV08P380 # أذى الأعداء - انتهى. # ومعنى {حيث وجدتموهم} أي في حل أو حرم في شهر حرام أو غيره {وخذوهم} أي ~~بالأسر {واحصروهم} أي بالحبس عن إتيان المسجد والتصرف في بلاد الإسلام وكل ~~مقصد {واقعدوا لهم} أي لأجلهم خاصة فإن ذلك من أفضل العبادات {كل مرصد} أي ~~ارصدوهم وخذوهم بكل طريق يمكن ولو على غرة أو اغتيالا من غير دعوة، ~~وانتصابه على الظرف لأن معنى اقعدوا لهم: ارصدوهم، ومتى كان العامل في ~~الظرف المختص عاملا من لفظه أو من معناه جاز أن يصل إليه بغير واسطة «في» ~~فكما يتعدى الفعل إلى المصدر من غير لفظه إذا كان بمعناه فكذلك إلى الظرف - ~~ذكره أبو حيان، والتعبير بالقعود للارشاد إلى التأني، وفي الترصد ~~والاستقرار والتمكن وإيصال الفعل إلى الظرف إشارة إلى أن يشغلوا في الترصد ~~كل جزء من أجزاء كل مرصد إن قدروا على ذلك بخلاف ما لو عبر ب «في» فإنه ~~إنما يدل على شغل كل مرصد الصادق بالكون في موضع واحد منه أي موضع كان. # ولما أمر تعالى بالتضييق عليهم، بين ما يوجب الكف عنهم فقال: {فإن تابوا} ~~أي عن الكفر {وأقاموا} أي وصدقوا دعواهم التوبة بالبينه العادلة بأن أقاموا ~~{الصلاة وآتوا الزكاة} أي فوصلوا # PageV08P381 # ما بينهم وبين الخالق وما بينهم وبين الخلائق خضوعا لله تعالى وتركا ~~للفساد ومباشرة للصلاح على الوجه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فإذا وجد هذان الشاهدان العدلان {فخلوا} أي بسبب ذلك {سبيلهم} أي بأن ~~لا تعرضوا لشيء مما تقدم لأن الله يقبل ذلك منهم ويغفر لهم ما سلف {إن} أي ~~لأن {الله} أي الذي له الجلال والإكرام {غفور رحيم*} أي بليغ المحو للذنوب ~~التي تاب صاحبها عنها والاتباع له بالإكرام. # PageV08P382 # ولما سد عليهم طريق مخالطتهم ما لم يتصفوا بالتوبة المدلول عليها ~~بالشهيدين المذكورين سدا مطلقا، وفتحه عند الاتصاف بها فتحا مطلقا، عطف على ~~ذلك طريقا آخر وسطا مقيدا فقال: {وإن أحد من المشركين} أي الذين أمرناكم ~~بقتالهم {استجارك} أي طلب أن ms1839 تعامله في الإكرام معاملة الجار بعد انقضاء ~~مدة السياحة {فأجره} أي فآمنه ودافع عنه من يقصده بسوء {حتى يسمع كلام ~~الله} أي الملك الأعظم بسماع التلاوة الدالة عليه، فيعلم بذلك ما يدعو إليه ~~من المحاسن ويتحقق أنه ليس كلام الخلق. ولما ذكر إجارته، وكان له بعدها ~~توبة وإصرار. وكان حال التائب قد ذكر، بين ما يفعل به إن أصر فقال: {ثم ~~أبلغه} أي إن أراد الانصراف ولم يسلم {مأمنه} أي الموضع الذي يأمن فيه ثم ~~قاتله بعد بلوغه المأمن إن شئت من غير # PageV08P382 # غدر ولا خيانه؛ قال الحسن: هي محكمة إلى يوم القيامة؛ ثم علل ذلك بما ~~يبين غدرهم بقوله: {ذلك بأنهم} أي الأمر بالإجارة للغرض المذكور بسبب أنهم ~~{قوم لا يعلمون*} أي لا علم لهم لأنه لا عهد لهم بنبوة ولا رسالة ولا كتاب، ~~فإذا علموا أوشك أن ينفعهم العلم. # ولما كان الأمر بالنبذ مظنة لأن يعجب منه، عجب فقال: فمن يتعجب منه؟ ~~وأنكر عليه فقال: {كيف يكون للمشركين} أي أهل العراقة في الشرك الذين توجب ~~عراقتهم فيه ومحبتهم لظهوره نكث العهد الذي لا أقبح منه عند العرب ولا أشنع ~~{عهد عند الله} أي المستجمع لصفات الكمال، فهو لا يحب النقض من أوليائه ~~فكيف به من أعدائه {وعند رسوله} أي الذي هو أكمل الخلق وأوفاهم وأحفظهم ~~للعهود وأرعاهم فهم أضداده فأعمالهم أضداد أعماله، وقد بدا منهم الغدر. # ولما كان استفهام الإنكار في معنى النفي، صح الاستثناء منه، فكأنه قيل: ~~لا يكون للمشركين عهد {إلا الذين عاهدتم} أي منهم كما تقدم {عند المسجد ~~الحرام} أي الحرم يوم الحديبية، وهذا مما يدل على أن الاستثناء المتقدم من ~~{الذين} في قوله {براءة من الله # PageV08P383 # ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} ؛ قال البغوي؛ قال السدي والكلبي ~~وابن اسحاق: هم من قبائل بكر: بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو ضمرة وبنو الديل ~~وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية، فلم يكن نقض العهد إلا ~~قريش وبنو الديل من بني بكر فأمر بإتمام ms1840 العهد لمن لم ينقض، ولما استثنى، ~~بين حكم المستثني فقال: {فما استقاموا لكم} أي ركبوا الطريق الأقوم في ~~الوفاء بعهدهم {فاستقيموا لهم} والقول في {إن الله} أي المحيط بالجلال ~~والجمال {يحب المتقين*} كما سبق. # ولما أنكر سبحانه ان يكون للمشركين غير المستثنين عهد، بين السبب الموجب ~~للانكار مكررا أداة الإنكار تأكيدا للمعنى فقال: {كيف} أي يكون لهم عهد ~~ثابت {وإن} أي والحال أنهم مضمرون لكم الغدر والخيانة فهم إن {يظهروا ~~عليكم} أي إن يعل أمر لهم على أمركم بأن يظفروا بكم بعد العهد والميثاق {لا ~~يرقبوا} أي لا ينظروا ويرعوا {فيكم} أي في أذاكم بكل جليل وحقير {إلا} أي ~~قرابة محققة {ولا ذمة} أي عهدا، يعني أن الأمر المبيح للنبذ خوف الخيانة، ~~وعلام الغيوب يخبركم أنهم في غاية الخيانة لكم، والإل هذا: القرابة - وهو ~~قول ابن عباس، والمادة تدور على الألة وهي حربة في نصلها # PageV08P384 # عرض، ويلزمها الصفاء والرقة والبريق، ويشبه به الإسراع في العدو، والثبات ~~في نفسها، ومنه القرابة والعهد والتغير في وصفها، ومنه تغير رائحة الإناء ~~وفساد الأسنان والصوت، ومنه الأنين والجؤار في الدعاء مع البكاء وخرير ~~الماء والطعن والقهر-، ومنه: إن هذا - أي كلام مسيلمة - ما يخرخ من إل، أي ~~من ربوبية، وفي إل الله، أي قدرته وإلهيته. # ولما كان ذلك مظنة لأن يقال: قد أكدوا لنا الأيمان وأوثقوا العهود، ولم ~~يدعوا بابا من أبواب الاستعطاف، قال معللا لما مضى مجيبا لمن استبعده: ~~{يرضونكم} وعبر بأقصى ما يمكن الكلام به من القلوب تحقيقا لأنهم ليس في ~~قلوبهم شيء منه فقال: {بأفواههم} أي بذلك التأكيد، وصرح بالمقصود بقوله: ~~{وتأبى قلوبهم} أي العمل بما أبدته ألسنتهم، وقليل منهم من يحمله الخوف ~~ونحوه على الثبات أو يرجع عن الفسق ويؤمن {وأكثرهم فاسقون*} أي راسخو ~~الأقدام في الفسق خارجون - لمخالفة الفعل للقول - عما تريدونه، وإذا نقض ~~الأكثر اضطر الأقل إلى موافقتهم. # ولما دام ما ترى من كشف سرائرهم، شرع سبحانه يقيم لهم الدليل على فسقهم ~~وخيانتهم بتذكيرهم ما بدا من بعضهم ms1841 من النقض بعد أن أثبت فيما مضى أنهم شرع ~~واحد بعضهم أولياء بعض، وفيما يأتي أنهم بعضهم من بعض، فقال معبرا بما يفيد ~~أنهم تمكنوا من ضد # PageV08P385 # الإيمان تمكنا صار به كأنه في حوزتهم: {اشتروا} أي لجوا في أهويتهم بعد ~~قيام الدليل الذي لا يشكون فيه فأخذوا {بآيات الله} أي الذي لا شيء مثله في ~~جلال ولا جمال على ما لها من العظم في أنفسها وبإضافتها إليه {ثمنا قليلا} ~~من أعراض الدنيا فرضوا بها مع مصاحبة الكفر، وذلك أن أبا سفيان أطعمهم أكلة ~~فنقضوا بها عهودهم {فصدوا} أي فسبب لهم ذلك وأداهم إلى أن صدوا {عن سبيله} ~~أي من يريد السير عليه ومنعوا من الدخول في الدين أنفسهم ومن قدروا على ~~منعه. # ولما دل على ما أخبر به من فساد قلوبهم، استأنف بيان ما استحقوه من عظيم ~~الذم بقوله معجبا منهم: {إنهم ساء ما} وبين عراقتهم في القبائح وأنها في ~~جبلتهم بذكر الكون فقال: {كانوا يعملون*} أي يجددون عمله في كل وقت، وكأنه ~~سبحانه يشير بهذا إلى ما فعلت عضل والقارة بعاصم بن ثابت وخبيب بن عدي، ذكر ~~ابن إسحاق في السيرة عن عاصم بن عمر رضي الله عنه - والبخاري في الصحيح عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه -، كل يزيد على صاحبه وقد جمعت بين حديثيهما أنه ~~قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا: ~~يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ~~ويقرؤوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام # PageV08P386 # فبعث معهم نفرا ستة - وقال البخاري: عشرة - وأمر عليهم عاصم بن ثابت فخرج ~~معهم، حتى إذا كانوا بالرجيع ماء لهذيل غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا، ~~فلما أتوهم أخذوا أسيافهم ليقاتلوهم، فقالوا: إنا والله لا نريد قتلكم، ~~ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكن عهد الله وميثاقه أن لا نقتل ~~منكم أحدا، فأما عاصم فلم يقبل وقاتل حتى قتل هو ناس من أصحابه، ونزل منهم ~~ثلاثة نفر ms1842 على العهد والميثاق، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم ~~فربطوهم بها، فقال رجل منهم: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء ~~أسوة - يريد القتلى، فجرروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فقتلوه؛ فانطلقوا بخبيب ~~وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة فقتلوهما. # وقصة العرنيين الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأظهروا ~~الإسلام ثم خرجوا إلى لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوا الراعي ~~واستاقوا اللقاح بعد ما رأوا من الآيات، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في ~~آثارهم فقتلهم؛ وفي تاريخ ابن الفرات عن القتبي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعث عبد الله بن عوسجة البجلي إلى بني حارثة بن عمرو بن قرط بكتاب ~~فرقعوا دلوهم بالكتاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لهم! أذهب الله ~~عقولهم، فهم أهل رعدة وكلام مختلط؛ ولما خرج أهل مكة بعد أن عاملهم صلى ~~الله عليه وسلم بغاية # PageV08P387 # الإحسان أعتقهم وعفا عنهم بعد تلك الحروب والأذى في المبالغة في النكايات ~~التي لا يعفو عن مثلها إلا الأنبياء، خرجوا معه إلى حنين غير مريدين لنصره ~~ولا محبين لعلو أمره، بل هم الذين انهزموا بالناس - كما نقله البغوي عن ~~قتادة؛ وقال أبو حيان ويقال: إن الطلقاء من أهل مكة فروا وقصدوا إلقاء ~~الهزيمة في المسلمين وبلغ فلهم مكة -انتهى. وقال الواقدي: وخرج رجال مكة مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتغادر منهم أحد على غير دين ركبانا ومشاة، ~~ينظرون لمن تكون الدائرة فيصيبون من الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصدمة ~~بمحمد وأصحابه، وقال هو وغيره: فلما كانت الهزيمة حيث كانت والدائرة على ~~المسلمين تكلم قوم بما في أنفسهم من الكفر والضغن والغش، وذكروا أنه عزم ~~ناس منهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الله منعه منهم. # هذا بعض ما غدر فيه كفار العرب، وأما اليهود فكلهم نقض: بنو قينقاع ثم ~~النضير ثم قريظة ثم أهل خيبر، حتى كان ذلك سبب إخراجهم منها وإجلائهم إلى ~~بلاد الشام، ويجوز أن يكون ms1843 ذلك إشارة إلى أنهم قد تبين لهم مثل الصبح جميعا ~~ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، فلما لم يرجعوا لمجرد أهوائهم ~~كانوا قد اشتروا بذلك ثمنا قليلا، وهو # PageV08P388 # التمتع بما هم فيه مدة حياتهم على ما صاروا إليه من سفول الكلمة وإدبار ~~الأمر، فمن قاده هواه إلى ترك السعادة العظمى لهذا العرض الزائل اليسير كان ~~غير مأمون على شيء لأنه رهينة داعي الهوى وأمر الشيطان، لأنه أول ما بدأ ~~بنفسه فغدر بها وغشها غير ناظر في مصلحة ولا مفكر في عاقبة. # PageV08P389 # ولما أخبر تعالى بعراقتهم في الفسق، دل عليه بأن خيانتهم ليست خاصة ~~بالمخاطبين، بل عامة لكل من اتصف بصفتهم من الإيمان، فمدار خيانتهم على ~~الوصف، فقال: {لا يرقبون في مؤمن إلا} أي قرابة وأصلا جيدا ثابتا {ولا ذمة} ~~أي عهدا أكيدا {وأولئك} أي البعداء من كل خير {هم} أي خاصة لتناهي عدوانهم ~~{المعتدون*} أي عادتهم المبالغة في حمل أنفسهم على أن يعدوا الحدود لعدم ما ~~يردهم عن ذلك من وازع إلهي ورادع شرعي كما فعل عامر بن الطفيل بأهل بئر ~~معونة مع أنهم في جوار عمه وكان من خبرهم أن عمه أبا براء عامر بن مالك بن ~~جعفر ملاعب الأسنة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: لو بعثت ~~رجالا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إني أخشى عليهم أهل نجد، قال أبو براء: أنا لهم جار. فبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في ~~سبعين رجلا من أصحابه # PageV08P389 # من خيار المسلمين، فما نزلوا بئر معونه بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل فلم ينظر في كتابه وعدا عليه ~~فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا وقالوا: لن نخفر أبا براء، فاستصرخ ~~عليهم قبائل من بني سليم: عصية ورعلا وذكوان فقتلوهم فلم يفلت منهم إلا ~~ثلاثة نفر عمرو ms1844 بن أمية الضمري أحدهم، فعظم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~ودعا على قتلتهم شهرا؛ قال البغوي: وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أهل ~~الطائف أمدوهم - يعني قريشا - بالأموال ليقووهم على حرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فهذا الذي أحكمه تعالى من نبذ العهد نظر للدين، لأنه نظر لجميع ~~أهله الذين لا يوجد إلا بهم. # ولما بين ما أوجب بعدهم منهم ومعاداتهم لهم، بين ما يصيرون به أهلا فقال ~~{فإن تابوا} أي بالإيمان بسبب ما أبديتم لهم من الغلظة {وأقاموا} أي أيدوا ~~ذلك بأن أقاموا {الصلاة} أي بجميع حدودها {وآتوا الزكاة} أي كما حده رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {فإخوانكم} أي هم، وبين أنها ليست أخوة النسب ~~فقال: {في الدين} لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، فلا تعرضوا لهم بما يكرهونه. # ولما كان كأنه قيل بعثا وتحريضا على تأمل ما فصل: قد فصلنا لكم # PageV08P390 # أمرهم في هذه الآيات تفصيلا، عطف عليه قوله: {ونفصل} أي في كل أمر ~~يحتاجون جميع {الآيات} وعظم هذه الآيات وحثم على تدبرها بقوله: {لقوم ~~يعلمون*} أي صار العلم لهم صفة فلهم ملكة يتصرفون بها في أصوله وفروعه، لا ~~يغترون بمجرد كلام من شأنه الرداءة والمخالفة بين القول والعمل، والاعتراض ~~بهذا بين هذه الجمل المتلاحمة إشارة إلى عظم الأمر الذي نبه عليه وتحريض ~~على إنعام النظر فيه ليعلم أن مدخوله جليل الأمر عظيم القدر لئلا يظن أنه ~~تكرار. # ولما بين السبب الموجب لمجازاتهم بجنس عملهم، وهو البراءة منهم وما يتبع ~~ذلك إلى أن ختم بتقدير توبتهم، رجع إلى قسيم قوله {فما استقاموا لكم} فقال: ~~{وإن نكثوا أيمانهم} أي التي حلفوها لكم؛ ولما كان النقض ضارا وإن قصر ~~زمنه، أتى بالجار فقال: {من بعد عهدهم} أي الذي عقدوه {وطعنوا} أي أوقعوا ~~الطعن {في دينكم} أي بقول أو فعل. # ولما كان هذا الفعل لا يستقل به في الأغلب إلا الرؤساء، أشار إلى ذلك ~~بقوله: {فقاتلوا} ووضع موضع ضميرهم تحريضا على قتالهم وإشارة إلى أنهم ما ~~نكثوا ms1845 وأقدموا على هجنة الكذب ولم يستهجنوا الخروج عن عادات الكرام إلا وقد ~~رسخوا في الكفر فقال: {أئمة الكفر} ثم أشار - بقوله معللا لجواز المقاتله: ~~{إنهم لا أيمان لهم} إلى أن # PageV08P391 # ذلك ولو فعله الأتباع ولم يكفهم الرؤساء فهو عن تمال منهم فابدؤوا ~~بالرؤوس فاقطعوها تنقطع الأذناب، وقراءة ابن عامر بالكسر معناها: لا أمان ~~لهم لأنهم قد نقضوا العهد الموجب له بما وقع منهم، ومن طعن من أهل الذمة في ~~الإسلام طعنا ظاهرا جاز قتله، فإن العهد مأخوذ عليه أن لا يطعن، ثم علل ~~المقاتله بقوله: {لعلهم ينتهون*} أي اجعلوا قصدكم لقتالهم أن يكون حالهم ~~حال من ينتهي عن غيه بما يرى منكم من صادق الجد بماضي الحد، روى البخاري في ~~التفسير عن حذيفة رضي الله عنه قال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ~~ولا من المنافقين إلا أربعة احدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد ~~برده. # ولما نفى أيمانهم بنفي إيمانهم، شرع يقيم الدليل على ذلك بأمور ارتكبوها، ~~كل منها بسبب باعث على الإقدام عليهم، ويحث على قتالهم في صورة تعجيب ممن ~~يتواني فيه فقال: {ألا} وهو حرف عرض، ومعناه هنا الحض لدخول همزة الإنكار ~~على النافي فنفته فصار مدخولها مثبتا على سبيل الحث عليه فهو ابلغ مما لو ~~أثبت بغير هذا الأسلوب {تقاتلون قوما} أي وإن كانوا ذوي منعة عظيمة {نكثوا ~~أيمانهم} أي في قصة عاصم وأصحابه والمنذر وأصحابه والإعانة على خزاعة وغير ~~ذلك، # PageV08P392 # فكان النكث لهم عادة وخلقا، وهذا يدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال ~~غيرهم ليكون ذلك زاجرا عن النقض، وكانت قصة خزاعة أنه كان بينهم وبين بني ~~بكر بن عبد مناة بن كنانة قتل في الجاهلية، وكانت خزاعة قد دخلت في عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية لما كان لهم فيه من المحبة من مسلمهم ~~وكافرهم لما بينهم من الحلف - كما تقدم آخر الأنفال، ودخلت بنو بكر في عهد ~~قريش فمرت على ذلك مدة، ثم إن أنس بن زنيم ms1846 الديلي هجا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسمعه غلام من خزاعة فوقع به فشجه فخرج إلى قومه فأراهم شجته ~~فثار الشر مع ما كان بينهم، وما تطلب بنو بكر من خزاعة من دمائها، فكلمت ~~بنو نفاثة من بني بكر أشراف قريش فوجدوا القوم إلى ذلك سراعا فأعانوهم ~~بالسلاح والكراع والرجال، فخرج نوفل بن معاوية الديلي وهو يومئذ قائدهم؛ ~~قال ابن إسحاق: وليس كل بني بكر بايعه - وقال الواقدي: واعتزلت بنو مدلج ~~فلم ينقضوا العهد - حتى بيت خزاعة وهم على الوتير ماء لهم، فأصابوا منهم ~~رجلا وتجاوزوا واقتتلوا وقاتل معهم # PageV08P393 # من قريش من قاتل بالليل مستخفيا متنكرين منتقبين: صفوان بن أمية ومكرز بن ~~حفص بن الأخيف وحويطب بن عبد العزى وعكرمة بن أبي جهل وأجلبوا معهم ~~أرقاءهم، وكانت خزاعة آمنة لمكان العهد والموادعة. # ولما ذكرهم بمطلق نكثهم في حقهم عامة، وذكرهم بما خصوا به سيدهم بل سيد ~~الخلق كلهم فقال: {وهموا بإخراج الرسول} أي من مكة في عمرة القضاء، بل ~~أمروه بالخروج عند انقضاء الثلاثة الأيام وألحو في ذلك وهو وإن كان قاضاهم ~~على ذلك، لكن قد نقل ابن إسحاق وغيره في قصة النداء بسورة براءة أنه كان في ~~القضية والعهد الذي كان بينه وبينهم أن لا يمنع من البيت أحد جاءه زائرا، ~~ولعلهم هموا بإخراجه قبل الثلاثة الأيام لما داخلهم من الحسد عند ما عاينوا ~~من نشاط أصحابه وكثرتهم وحسن حالهم، وذلك غير بعيد من أفعالهم، وإظهارهم ~~التبرؤ به صلى الله عليه وسلم حتى اجترؤوا - وهو أعلى الخلق مقدارا، ~~وأظهرهم هيئة وأنوارا وأطهرهم رسوما وآثارا - على الإلحاح عليه في الخروج ~~من بلد آبائه وأجداده الذين هم أحقهم بها ومسقط رأسه وموضع مرباه، ولكن لم ~~أراه مصرحا به، وهوعندي على ما فيه أولى مما ذكروه من الهم بإخراجه عند ~~الهجرة على ما لا يخفى، أو يكون # PageV08P394 # المراد ما هم به ابن أبي المنافق ومن تابعه من أصحابه من إخراج النبي صلى ~~الله عليه وسلم من المدينة حيث قال في غزوة ms1847 المريسيع: لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الذل بعد إعطائهم العهود على الإيواء والنصرة ~~والإسلام، وذلك لتذكير المؤمنين بمسارعتهم إلى النقض بعد أن أثبت أنهم في ~~الالتحام في كيد الإسلام كالجسد الواحد، فكأنه يقول: إذا ترك هؤلاء إيمانهم ~~فاولئك أحرى أن ينقضوا أيمانهم، وهو بعث للمؤمنين على التبرؤ من الكافرين ~~منافقين كانوا أو مجاهرين مقاربين أو مباعدين. # ولما ذكرهم بالخيانة عامة وخاصة، أتبعها ما حققها بالقتال فقال: {وهم ~~بدءوكم} أي بتطابق من ضمائرهم وظواهرهم {أول مرة} أي بالقتال والصد في ~~الحديبية بعد إخباركم إياهم بأنكم لم تجيئوا للقتال وأنكم ما جئتم إلا ~~زوارا للبيت الحرام الذي الناس فيه سواء وأنتم أحق به منهم، وذلك أول ~~بالنسبة إلى هذا الثاني مثل قوله {إنكم رضيتم بالقعود أول مرة} وقال بعض ~~المفسرين: المراد بأول مرة قتالهم خزاعة، وهو واضح لأنه بعد عقد الصلح، ~~وقيل: في بدر بعد ما سلمت عيرهم وقالوا: لا نرجع حتى نستأصل محمدا وأصحابه، ~~وقيل: المراد به مطلق القتال لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم بالكتاب ~~المنير ودعاهم بغاية اللين، وتحداهم به عند التكذيب، فعدلوا عن ذلك إلى ~~القتال فهم # PageV08P395 # البادئون البادىء أظلم. # ولما أمرهم بالقتال وكان مكرها إلى النفوس على كل حال. شرع يبين الأسباب ~~الحاملة على التواني عن قتالهم، وحصرها في في الخشية والعاطفة، وقسم ~~العاطفة إلى ما سببه القرب في محاسن الأفعال وإلى ما سببه القرب في النسب ~~والصهر، ونقض الكل وبين أنه لا شيء منها يصلح للسببية، فقال بادئا بالخشية ~~لأنها السبب الأعظم في ترك المصادمة منكرا عليهم موبخا لهم ليكون أبلغ في ~~الحث على قتالهم منبها على أن التواني عنهم مصحح للوصف بالجبن ورقة الدين: ~~{أتخشونهم} أي أتخافون أن يظفرون بكم في القتال بأن يكونوا على باطلهم أشد ~~منكم على حقكم {فالله} أي الذي له مجامع العظمة {أحق} أي منهم {أن تخشوة} ~~أي بأن يكون مخشيا لكم لما تعلمون من قدرته في أخذه لمن خالفه ولو بعد طول ~~الأناة {إن كنتم مؤمنين*} أي ms1848 فإن من صدق بانه الواحد الذي تفرد بصفات ~~العظمة لم ينظر إلى غير هيبته. # ولما بكت في التواني عنهم، وعدهم بما يزيل خشيتهم منهم، بل يوجب إقدامهم ~~عليهم ورغبتهم فيهم، فقال مصرحا فيهم، فقال مصرحا بما تضمنه الاستفهام ~~الإنكاري في {ألا تقاتلون} من الأمر: {قاتلوهم} أي لله لا لغرض غيره ~~{يعذبهم الله} أي الذي أنتم مؤمنون بأنه المتفرد بصفات الجلال # PageV08P396 # والجمال {بأيديكم} أي بأن تقتلوهم وتأسروهم وتهزموهم {ويخزهم} أي بالذل ~~في الدنيا والفضيحة والعذاب في الأخرى. # ولما كان ذلك قولا لا يقتضي النصر الذي هو علو العاقبة قال: {وينصركم ~~عليهم} أي فترضوا ربكم بذلك لإذلالة من يعاديه بكم؛ ولما كان نكالهم بما ~~ذكر يثمر لبعض المؤمنين سرورا لهم فيه حظ، بين تعالى أنه لا يؤثر في العمل ~~بعد ثباته على أساس الإخلاص فقال: {ويشف} أي بذلك {صدور قوم مؤمنين*} أي ~~راسخين في الإيمان، أسلفوا إليهم مساوىء أوجبت ضغائن وإحنا كخزاعة وغيرهم ~~ممن أعانوا عليه أو أساؤوا إليه. # PageV08P397 # ولما كان الشفاء قد لا يراد به الكمال، أتبعه تحقيقا لكماله قوله: {ويذهب ~~غيظ قلوبهم} أي يثبت بها من اللذة ضد ما لقوة منهم من المكروه، وينفي عنها ~~من الألم بفعل من يريد سبحانه من أعدائهم وذل الباقين ما كان قد برح بها، ~~ولقد وفى سبحانه بما وعد به، فكانت الآية ظواهر الدلائل. # ولما كان التقدير: قاتلوهم فإنكم إن قاتلتموهم كان كذا، عطف سبحانه على ~~أصل هذه الجملة قوله: {ويتوب الله} أي الملك الذي له صفات الكمال {على من ~~يشاء} أي منهم فيصيروا إخوانا لكم أولياء، والمعنى قاتلوهم يكن القتال سببا ~~لهذه الخمسة الأشياء، وأما التوبة فتارة # PageV08P397 # تسبب عنه وتارة عن غيره، ولأجل احتمال تسببها عنه قرىء شاذا بالنصب على ~~أن الواو للصرف؛ ولما كان ما تضمنه هذا الوعد الصادق يدور على القدرة ~~والعلم، وكان - العلم يستلزم القدرة، فكان التقدير: فالله على كل شيء قدير، ~~عطف عليه قوله {والله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء علما وقدرة {عليم} أي ~~بكل شيء وبمن يصلح ms1849 للتوبة ومن لا يصلح وما في قلوبكم من الإقدام والإحجام ~~لو برز إلى الخارج كيف كان يكون {حكيم*} أي أحكم جميع أموره، ولم يعلق ~~الأحكام الشرعية من أفعالكم الكسبية إلا بما تعلق العلم به في حال ظهوره. # ولما كان التقدير - لما أرشد إليه تقاعدهم عن القتال وإدخال «أم» المرشد ~~إلى أن مدخوله وسط الكلام فإن الابتداء له الألف وحدها: وهل حسبتم أنه ~~تعالى لا يعلم ذلك أو لا يقدر على نصركم؟ بنى عليه قوله موبخا لمن تثاقل عن ~~ذلك بنوع تثاقل: {أم حسبتم} أي لنقص في العقل انه يبني الأمر فيه على غير ~~الحكمة، وذلك هو المراد بقوله: {أن تتركوا} أي قارين على ما أنتم عليه من ~~غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن من المنافق {ولما} عبر بها لدلالتها - مع ~~استغراق الزمان الماضي - على أن يتبين ما بعدها متوقع كائن {يعلم الله} أي ~~المحيط بجميع صفات الكمال {الذين جاهدوا منكم} أي علما ظاهرا تقوم به الحجة ~~عليكم في # PageV08P398 # مجاري عاداتكم على مقتضى عقولكم بأن يقع الجهاد في الواقع بالفعل. # ولما كان المعنى: جاهدوا مخلصين، ترجمه وبسطه بقوله {ولم} أي ولما يعلم ~~الذين لم {يتخذوا} ويجوز أن يكون حالا، ودل على تراخي الرتب عن مكانته ~~سبحانه بقوله: {من دون الله} أي الذي لا يعدل عنه ويرغب في غيره من له أدنى ~~بصيرة - كما دل عليه الافتعال - لأنه المنفرد بالكمال، وأكد النفي بتكرير ~~{لا} فقال: {ولا رسوله} أي الذي هو خلاصة خلقه {ولا المؤمنين} أي الذين ~~اصطفاهم من عباده {وليجة} أي بطانة تباطنونها وتسكنون إليها فتلج أسراركم ~~إليها وأسرارها إليكم، فإن الوليجة كل شيء أدخلته في شيء ليس منه، والرجل ~~يكون في قوم وليس منهم وليجة، فوليجة الرجل من يختصه بدخيلة أمره دون ~~الناس، يقال: هو وليجتي وهم وليجتي - للواحد والجمع - نقل ذلك البغوي عن ~~أبي عبيدة، قال ابن هشام وليجة: دخيلا وجمعها ولائج، يقول: لم يتخذوا دخيلا ~~من دونه يسرون إليه غير ما يظهرون نحو ما يصنع المنافقون، يظهرون الإيمان ms1850 ~~للذين # PageV08P399 # آمنوا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم. # والحاصل أنه لا يكون الترك بدون علم الأمرين حاصلين، والمراد بنفي العلم ~~نفي المعلوم، فالمعنى: ولما يكن مجاهدون مخلصون. # ولما كان ظاهر ذلك مظنه أن يتمسك به من لم يرسخ قدمه في المعارف، ختم ~~بقوله: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {خبير بما تعملون*} أي سواء برز ~~إلى الخارج أو لا. # ولما حذرهم من اتخاذ وليجة من دونه، شرع يبين أن الوليجة التي يتخذها ~~بعضهم لا تصلح للعاطفة بما اتصفت به من محاسن الأعمال مالم توضع تلك ~~المحاسن على الأساس الذي هو الإيمان المبين بدلائلة، فقال سائقا له مساق ~~جواب قائل قال: إن فيهم من أفعال الخير ما يدعو إلى الكف عنهم من عمارة ~~المسجد الحرام وخدمته فيهم من أفعال الخير ما يدعو إلى الكف عنهم من عمارة ~~المسجد الحرام وخدمته وتعظيمه! {ما كان للمشركين} عبر بالوصف دون الفعل لأن ~~جماعة ممن أشرك أسلم بعد ذلك فصار أهلا لما نفى عنهم {أن يعمروا مساجد ~~الله} أي وهو المنزه بإحاطته بصفات الكمال؛ قال البغوي: قال الحسن: ما كان ~~للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام، ثم قال في توجيه قراءة ~~الجمع: قال الحسن: إنما قال: مساجد الله، لأنه قبلة المساجد كلها - يعني ~~فعامره عامر جميع المساجد، ويجوز أن يراد الجنس، وإذا # PageV08P400 # لم يصلحوا لعمارة الجنس دخل المسجد الحرام لأنه صدر الجنس، وذلك آكد لأنه ~~بطريق الكناية - قال الفراء: وربما ذهب العرب بالواحد إلى الجمع وبالجمع ~~إلى الواحد، ألا ترى أن الرجل يركب البرذون فيقول: أخذت في ركوب البراذين، ~~ويقال: فلان كثير الدرهم والدينار - انتهى. # فتحرر أن المعنى: منعهم من إقامة شعائره بطواف أو زيارة أو غير ذلك لأنهم ~~نجس - كما يأتي {شاهدين على أنفسهم} أي التي هي معدن الأرجاس والأهوية ~~{بالكفر} أي بإقرارهم، لأنه بيت الله وهم يعبدون غير الله وقد نصبوا فيه ~~الأصنام بغير إذنه وادعوا أنها شركاؤه، فإذن عمارتهم تخريب لتنافي عقدهم ~~وفعلهم، قال البغوي: قال ابن عباس رضي الله ms1851 عنهما: شهادتهم سجودهم للأصنام، ~~وذلك أنهم كانوا نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند القواعد وكانوا ~~يطوفون بالبيت عراة، كلما طافوا شوطا سجدوا لأصنامهم. # ولما نفي قبيح ما يفعلون حسن ما يعتقدون، أشار إلى بعدهم عن الخير بقوله: ~~{أولئك حبطت أعمالهم} أي من العمارة والحجابة والسقاية وغير ذلك، فسدت ~~ببطلان معانيها لبنائها على غير أساس {وفي النار هم} أي خاصة ومن فعل ~~كفعلهم فهو منهم {خالدون*} # PageV08P401 # أي بجعلهم الكفر مكان الإيمان. # ولما نفى عنهم أهلية العمارة، بين من يصلح لها فقال {إنما يعمر مساجد ~~الله} أي إنما يؤهل لذلك القرب ممن له الأسماء الحسنى والصفات العلى حسا ~~بإصلاح الذات ومعنى بالتعظيم بالقربات من قمها وتنظيفها ورم ما تهدم ~~وتنويرها بالمصابيح الحسية وبالمعنوية من الذكر والقراءة - ودرس العلم أجل ~~ذلك - وصيانتها مما لم تبن له من أحاديث الدنيا {من آمن بالله} أي الملك ~~الأعلى الذي له الأمر كله {واليوم الآخر} أي فكان من أهل المعرفة الذين تصح ~~عبادتهم وتفيدهم، فإنها إنما تفيد في ذلك اليوم، ولم يذكر الإيمان بالرسول ~~لأن هذه البراءة عن لسانه أخذت، فالإيمان بها إيمان به لا محالة، فعدم ذكره ~~أقعد في إيجاب الإيمان به {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} أي وأيد دعواه ~~الإيمان بهذين الشاهدين، وذلك أن عمارة المساجد ليست مقصودة لذاتها، بل ~~الدلالة على رسوخ الإيمان، والصلاة أعظم عمارتها، والزكاة هي المعين ~~لعمدتها على عمارتها. # ولما كان ربما فهم من قوله: {آمن} أنه يكفي في الإيمان مجرد الإقرار ~~باللسان، أعلم أنه لابد في ذلك من إيجاد التصديق حقيقة المثمر لخشية الله ~~فلذلك قال: {ولم يخش} أي في الأعمال الدينية {إلا الله} # PageV08P402 # أي ولم يعمل بمقتضى خشية غير الملك الأعظم من كف عما يرضي الله بما فيه ~~سخطه، بل تقدم على ما انحصر رضى الله فيه ولو أن فيه تلفه، وحاصله أنه يقدم ~~خشيته من الله على خشيته من غيره، فهو يرجع إلى قوله {فالله أحق أن تخشوه} ~~ولكن هذا أبلغ لكونه نفى نفس الخشية وإن كان المراد نفي ms1852 لازمها عادة، وفيه ~~تعرض لهم بأنهم لا يصلحون لخدمته لأنهم يخافون الأصنام ويفعلون معها ~~بعبادتها فعل من يخافها؛ ولما سبب عما مضى نفيا وإثباتا أن المتصف بهذه ~~الأصاف يكون جديرا بالهداية وحقيقا بها، قال تعالى: {فعسى أولئك} أي العالو ~~الهمم {أن يكونوا} أي جبلة ورسوخا {من المهتدين*} فأقامهم - مع ما قدم لهم ~~من الكمال بالمعارف والأفعال - بين الرجاء والخوف مع الإشارة بإفراد الخشية ~~إلى ترجيح الخوف على الرجاء إيذانا بعلو أمره وعظيم كبره إشارة إلى أنه لا ~~حق لأحد عليه وأنه إن شاء أثاب، وإن أراد حكم - وهو الحكم العدل - بالعقاب، ~~لا يسأل عما يفعل، وكرر الاسم الأعظم لمزيد الترغيب لخطر المقام وعزة ~~المرام، ومادة عسى بجميع تصاريفها تدور على الحركة، وهذه بخصوصها للأطماع، ~~والحاصل أن من اتصف بالأوصاف الأربعة كان صالحا وخليقا وجديرا وحقيقا بان ~~يتحرك طمعه ويمتد أمله إلى أن يكون من جملة أهل الهدى، فكيف توجبون أنتم ~~لمن لم يتصف بواحد منها ما يختص به المهتدون من الموالاة، # PageV08P403 # هكذا كان ظهر لي أولا في مدار المادة، ثم ظهر لي أن ذلك في أكثر ~~تقاليبها، مع إمكان أن يكون غيره للإزالة، وأن الشامل لها - يائية وواوية ~~بتقاليبها العشر: عسى، عيس، سعى يسع، عسو، عوس، سعو، سوع، وسع، وعس - أنها ~~لما يمكن أن يكون، وهو جدير وخليق بأن يكون، من قولهم: أعس به - أي أخلق. # وبالعسى أن يفعل - أي بالحري، وإنه لمعساة بكذا - أي مخلقه، وبهذا فسرها ~~سيبويه: قال ابن هشام الخضراوي في شرح الإيضاح لأبي علي: وقال سيبويه: إن ~~عسى بمنزلة اخلولق، والمعساء كمكسال: الجارية المراهقة لأنها جديرة بقبول ~~النكاح، ومن ثم اتت للطمع والإشفاق، وقد يزيد الرجاء فيطلق على القرب فيكون ~~مثل كاد، وقد يشتد فيصل إلى اليقين فنستعمله حينئذ في معنى كان، ومنه: عسى ~~الغوير ابؤسا لكن قال الرضى: وأنا لا أعرف عسى في غير كلامه تعالى لليقين. ~~وقد يضعف الرجاء فيصير شكا، ومنه المعسية كمحسنة للناقة، قد شك أبها لبن أم ~~لا، وعسى النبات - كفرح ms1853 ودعا: # PageV08P404 # غلظ ويبس، أي صار خليقا لأن يرعى وأن يقطع، واليد من العمل مثله، أي ~~فصارت جديرة بالصبر على المشاق، والعاسي، والنخل: لأنه جدير بكمال ما يطلب ~~منه من المنافع، وعسي الشيخ كرضي عساء وعسا كدعا يعسو: كبر، أي صار خليقا ~~بالموت وبأن لا يتعلم ما لم يكن في غريزته، وكذا عسى وعسا الإنسان عن ~~الأدب، أي كبر عنه، والعود يبس وصلب واشتد أي فصار خليقا لما يراد منه، ~~والليل: اشتدت ظلمته، فصار جديرا بمطابقة اسمه لمسماه وبتغطية الأمور، ~~والعسو: الشمع، كأنه لإزالته ظلمة الليل بنوره إذا أحرق، وعسي بالشيء كفرح: ~~لزمه، أي فصار جديرا بإضافته إليه؛ والعيس - بالفتح: ضراب الفحل ويقال: ~~ماؤه لأنه جدير بالإنتاج، والعيس - بالكسر؛ الإبل البيض يخالط بياضها شقرة، ~~وجمل وظبي أعيس وناقة عيساء، لأنها خليقة بكل محمدة لحسن لونها، وتعيست ~~الإبل صارت بياضا في سواد كذلك أيضا وعيساء: امرأة والأنثى من الجراد، ~~لشبهها بلون العيس، وأعيس الزرع إذا لم يكن فيه رطب، لأنه صار حقيقا ~~بالحصاد، والعوس - بالفتح - والعوسان: الطوفان بالليل، لأنه جدير ببلوغ ~~المقاصد، # PageV08P405 # وبالضم: ضرب من الغنم وهو كبش عوسي، إلحاقا لها بالعيس لكنها لصغرها ~~اختير لها الضم جبرا لها وتقوية وتفاؤلا بالكبر، واختير للإبل الكسر تفاؤلا ~~بسهولة القياد، وبالتحريك: دخول الشدقين عند الضحك وغيره: تشبيها بالغنم، ~~فكأنه جدير بأن يترك ما يحدث منه ذلك من الضحك وغيره، والنعت أعوس وعوساء، ~~وعاس على عياله: كد عليهم وكدح، وعياله: قاتهم، وماله عوسا وعياسة: أحسن ~~القيام عليه فعمل بما هو الأليق به في كل ذلك والعواسة - بالضم: الشربة من ~~اللبن وغيره، لأنها جديرة بالري، والأعوس: الصقيل والوصاف للشيء، لأنه جدير ~~بإظهار الخبء، والعوساء كبراكاء: الحامل من الخنافس، لأنها في تلك الحالة ~~أجدر بما تفهمه مادتها من الكراهة فإنه يقال: خنفس عن القوم: كرههم وعدل ~~عنهم، والخنافس - بالضم: الأسد، لأنه جدير بأن يكره ويعدل عنه؛ والسعي: عدو ~~دون الشد وكل عمل سعي؛ قال في القاموس: سعى كرعى: قصد وعلم ومشى وعدا ونم ~~وكسب، وكل ذلك يكون ms1854 جديرا بدرك حاجته، والسعاية: مباشرة عمل الصدقات التي ~~بها يدرك الإمام أخذ الحقوق، فيكون خليقا بإغناء الفقراء، وسعت الأمة: بغت، ~~فكانت خليقة بعمل الإماء عند العرب، وساعاها: طلبها للبغاء، وأسعاه: جعله ~~يسعى، والمسعاة: المكرمة # PageV08P406 # والمعلاة في أنواع المجد، لأنها جديرة بأن يسعى لها، واستسعى العبد: كلفه ~~من العمل ما يؤدي به عن نفسه إذا عتق بعضه ليعتق به ما بقي لأنه جدير بذلك، ~~والسعاية - بالكسر: ما كلف من ذلك؛ والسيع: الماء الجاري على وجه الأرض، ~~وقد انساع - إذا جرى، لأن الماء خليق بالجري والحركة، وساع الماء والشراب: ~~اضطرب على وجه الأرض، وسيعاء من الليل وكسيراء: قطع منه، كأنه ينظر إلى ~~الساعة وهي جزء، هو لنفاسته خليق بأن يحفظ ولا يضيع وأن يتدارك إن ضيع، ~~والسياع - بالفتح: ما يطين به، والشحم تطلى به المزادة، كأنه يمنع ما هو ~~خليق بالجري، وقد سيعت الجب - إذا طينته بطين أو جص؛ وكذلك الزق والسفن إذا ~~طليت بالقار، والمسيعة: خشبة مملسة يطين بها تكون مع حذاق الطيانين، ~~والتسييع، التطيين بها تكون مع حذاق التدهين، وقال القزاز: والسياع: تطيينك ~~بالجص أو الطين أو القير، تسيع به السفن، والسياع: شجر العضاه له ثمر كهيئة ~~الفستق وشجر اللبان، وكل منها خليق بالرغبة فيه، والمسياع؛ الناقة تذهب في ~~المرعى، كأنها شبهت بالماء الجاري، وهي أيضا خليقة بالسمن، والتي تحمل ~~الضيعة، وسوء القيام عليها، والتي يسافر عليها ويعاد، لأنها خليقة بأن يرغب ~~فيها فيها وأساعة: أهمله، أي أزال ما هو خليق به من الحفظ فصار خليقا # PageV08P407 # بالهلاك، والسعوة - بالكسر: الساعة كالسعواء بالكسر والضم - وقد تقدم ~~تخريجها - والمرأة البذية الخالعة، كأنها جديرة بسرعة الفراق كالساعة، ~~والساعي: الوالي على أي أمر وقوم كان، ولليهود والنصارى: رئيسهم، لأنه خليق ~~بأن يسعى عليهم ويذب عنهم، والسعاة: التصرف، لأن الإنسان جدير به، وسعيه ~~علم للعنز، لأنها خليقة بالسعي، والسعاوي - بالضم: الصبور على السهر ~~والسفر، نسبة إلى السعي على وجه بليغ وهو خليق بأن يرغب فبه، وأسعوا به، أي ~~طلبوه بقطع همزتها، والساعة: جزء من أجزاء ms1855 الجديدين والوقت الحاضر ~~والقيامة، لأن كل ذلك جدير وحقيق بالاحتفاظ من إضاعته، والهالكون كالجاعة ~~للجياع، كأنهم أضاعوا ساعتهم فكانوا جديرين بما حصل لهم، وساعة سوعاء: ~~شديدة، وساعت الإبل تسوع: بقيت بلا راع، فصارت جديرة بالهلاك والضياع، ~~وأساعه: أهمله وضيعه، فصار كذلك، ومنه ناقة مسياع: تدع ولدها حتى يأكله ~~السباع، وبعد سوع من الليل وسواع، أي هدوئه، وأسوع: انتقل من ساعة إلى ساعة ~~فصار جديرا بأن يتحفظ فيتدارك في الثانية ما فاته في الأولى، وأسوع الحمار: ~~أرسل غرموله، فصار جديرا بالنزوان، وسواع: اسم صنم عبد في عهد نوح عليه ~~السلام، غرقه الطوفان فاستثاره # PageV08P408 # إبليس حتى عبد أيضا، لأنه كان خليقا - عندهم وفي زعمهم - بما أهلوه له - ~~تعالى الله عن ذلك! والوسع مثلثة: الجدة والطاقة كالسعة، ومعناها الخلاقة ~~بالاحتمال، وسعه الشيء - بالكسر - يسعه كيضعه سعة كدعة وزنة: كان جديرا ~~باحتماله، واللهم سع علينا، أي وسع، وليسعك بيتك، أمرا بالقرار فيه، وهذا ~~الإناء يسع عشرين كيلا، أي يتسع لها، والواسع: ضد الضيق - كالوسيع، وفي ~~الأسماء الحسنى: الكثير العطاء الذي يسع لما يسأل، أو المحيط بكل شيء أو ~~الذي وسع رزقه جميع خلقه ورحمته كل شيء، والوساع كسحاب: الندب، وهو الخفيف ~~في الحاجة الظريف النجيب، لأنه جدير بما يندب له، ومن الخيل: الجواد أو ~~الواسع الخطو والدرع - كالوسيع، وقد وسع ككرم وساعة وسعة وأوسع: صار ذا ~~سعة، والله عليه: أغناه، وتوسعوا في المجلس: تفسحوا، فصاروا جديرين باحتمال ~~الداخل بينهم، ووسعه توسيعا ضد ضيقه، ورحمة والله وسعت كل شيء، اي أحاطت ~~به، ووسع كل شيء علما، أي أحاط به وأحصاه؛ والوعس كالوعد: شجر تعمل منه ~~البرابط والعيدان، لأنه أحق الأشجار بذلك، والرمل السهل يصعب فيه المشي، ~~لأنه يرى لسهولته خليقا بأن يمشى فيه، وإذا حقق النظر كان خليقا بصعوبة ~~المشي لكونه رملا، # PageV08P409 # وأوعس ركبه، والوعساء: رابية من رمل لينة تنبت أحرار البقول، لأنها ~~للينها حقيقة من بين روابي الرمل بالنبت، ومكان أوعس وأمكنه وعس، والميعاس: ~~ما تنكب عن الغلظ، فهو جدير بالمشي فيه، والأرض؛ لم ms1856 توطأ، فهي جديرة بالكف ~~عن سلوكها، والطريق، لأنه جدير بأن يسلك، قال في القاموس: كأنه ضد، ~~والمواعسة: ضرب من سير الإبل، كأنه وسط فهو جدير بالخير والمباراة في ~~السير، أو لا تكون إلا ليلا؛ وقال القزاز: توعست في وجهه حمرة أو صفرة، أي ~~كانت خليقة بالظهور، قال: وإذا ذكروا الرملة قالوا: وعساء، وإذا ذكروا ~~الرمل قالوا: أوعس - هذا ما في تنزيل الجزيئات من اللغة على مدار هذه ~~المادة، وأما كلام أهل العربية في قواعد «عسى» الكلية فقال أبو عبد الله ~~القزاز: هو فعل لا ينصرف فلا تقول؛ يعسى، ولا هو عاس، وقال عبد الحق ~~الإشبيلي: ولا يأتي منه مستقبل ولا فاعل ولا مفعول ولا مصدر قال القزاز: ~~ويصحبه «أن» ويجوز حذفها، و «أن» وما بعدها بمعنى المصدر وهي في موضع نصب، ~~ولا يقع بعدها المصدر ولا اسم الفاعل، وإنما جاء هذا في مثل العرب: عسى ~~الغوير أبؤسا، وأبؤس جمع بأس، وهذا يدل على أن خبر عسى في موضع نصب، وقال ~~في القاموس: والأبؤس: الداهية، ومنه عسى الغوير أبؤسا، أي داهية، قال أبو ~~عبيد في الغريب: كأنه أراد: عسى الغوير أن يحدث أبؤسا وأن يأتي # PageV08P410 # بأبؤس، فهذا طريق النصب، ومما يبينه قول الكميت: # قالوا أساء بنو كرز فقلت لهم ... عسى الغوير بإبآس وإغوار # وقال شارح الجزولية أبو محمد بن الموفق: لما كانت للرجاء دخلها معنى ~~الإنشاء فلم تتصرف، لأن تصرفها ينافي الإنشاء لأنها إذا تصرفت دلت على ~~الخبر فيما مضى والحال والاستقبال، وذلك ينافي معنى الإنشاء الذي لا يصلح ~~لماض ولا مستقبل، وقال بعض المتأخرين: عسى موضوعة لفعل يتوهم كونه في ~~الاستقبال وهو على لفظ الماضي فاحتيج إلى «أن» بعده إذ لا مستقبل له، وذهب ~~بعضهم إلىأن عسى حرف لعدم تصرفها ولا معناها في غيرها، والصحيح أنها فعل ~~لفظا ومعنى، أما لفظا فظاهر، أي للحاق الضمائر وتاء التأنيث الساكنة، وأما ~~معنى فلأنه إخبار عن طمع وقع للمتكلم، وجعل لفظها بلفظ الماضي لأن الطمع قد ~~وقع، وإنما المطموع هو الذي يتوقع وينتظر، ms1857 وأدخل «أن» على المطموع فيه لأنه ~~لم يقع بعد، وجردت أخواتها عن «أن» لأن خبرها محقق في الحال إذ قد شرع فيه ~~إلا «كاد» فإنها للمقاربة في الجملة؛ وقال ابن هشام المصري في توضيحه: ويجب ~~كون # PageV08P411 # خبرها جملة، وشذ كونه مفردا نحو عسى الغوير أبؤسا، ويكون الاسم مرفوعا ~~بعسى وأن، والفعل في موضع نصب على الخبر، وقال الرضى: إنما لم يتصرف في عسى ~~لتضمنها معنى الحرف، أي إنشاء الطمع والرجاء، وقوله: أبؤسا وصائما، لتضمن ~~عسى معنى كان فأجري مجراه ومذهب المتأخرين أن عسى ترفع الاسم وتنصب الخبر ~~ككان، وقال أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح للفارسي: الأفعال موضوعة للتصرف ~~من حيث كانت مقسمة بأقسام الزمان، ولولا ذلك لأغنيت المصادر عنها، ولهذا ~~قال سيبوبة فأما الأفعال فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء فبنيت لما مضى ~~ولما يكون ولما هو كائن لم ينقطع، ولما خالفت هذه الأفعال - يعني عسى ونعم ~~وبئس وفعل التعجب - سائر الأفعال في الدلالة ترك تصرفها أبدا بما أريدت له ~~من المبالغة فيما جعلت دالة عليه، فمعنى عسى الطمع والإشقاق - كذا قال ~~سيبوية، ولما اختصت بهذا المعنى ترك تصرفها، قال الرماني: منعت ذلك حملا ~~على «لعل» كما حملت «ما» على «ليس» والأول أولى لأنه ليس ينبغي أن يحمل باب ~~الأفعال على الحروف، ولأن الأفعال في بابها بمنزلة الحروف في بابها في لزوم ~~البناء، وإنما الأسماء تحمل عليها كما تقول في قطام وحزام: إنه بني لوقوعه ~~موقع الفعل، وأن أسماء الاستفهام بنيت لوقوعها موقع الحرف ولا تقول # PageV08P412 # في الأفعال إنها بنيت حملا على الحروف ولا الحروف بنيت حملا على الأفعال، ~~بل كل منهما أصل فكذلك التصرف، ليس امتناعه لحمله على الحرف وجريه مجراه، ~~وعسى من أخوات «كان» وإنما لم تذكر معها للمخالفة بترك التصرف وبلزوم «أن» ~~الخبر وبكون فعلا، ويدل على أنها من أخوات «كان» عسى الغوير أبؤسا، فقد ~~انكشف الأصل كما انكشف أصل أقام وأطال ونحوه بقوله: # صددت وأطولت الصدود وقلما ... وصل على طول الصدود يدوم # ولزوم الفعل بخبرها ms1858 لجعله عوضا من التصرف الذي كان ينبغي أن يكون لها، ~~وأما لزوم «أن» فلما أريد من صرف الكلام إلى تأويل الاستقبال لأن «أن» تخلص ~~إليه، والبيت الممثل به فيه شيء طريف، وهو مصدر مجموع واقع موقع مصدر واقع ~~موقع فعل، والمصادر في أصلها لا تجمع ولكنه ضرورة ومثل، فالأصل أن «بأس» ثم ~~أبؤسا - انتهى كلام العبدي، وعندي أنه عند ما يقوى المعنى الذي سقيت له من ~~طمع أو إشفاق يجعل خبرها اسما تنبيها على أنها الآن بمنزلة كان لما اشتد من ~~شبهها لها بذلك؛ قال أبو طالب: وإذا وليها «أن» والفعل كان في موضع رفع، ~~وسد طول الكلام مسد الخبر، ومعناها الذي هو الإشفاق والطمع قريب من ~~المقاربة في كاد، فلذلك حذف «أن» من خبرها حملا لها على كاد كما جوزوا دخول ~~«أن» في خبر كاد # PageV08P413 # حملا لها على عسى؛ وقال شارح الجزولية: وحذف «أن» من خبر عسى أكثر من ~~إلحاق «أن» في خبر «كاد» لمقاربة كاد ذات الفعل، و «أن» تنافي ذلك، قال: ~~ومن الفرق بينهما أن عسى لا يضمر فيها ضمير الشأن والقصة لشبهها بالحرف ~~لعدم تصرفها، وتضمر في كاد لتصرفها، ثم رجح أنه يضمر فيها وإن لن تتصرف كما ~~أضمر في نعم وبئس وقال ابن هشام الخضراوي في شرح الإيضاح أيضا: إن سيبويه ~~قدر عسى بقارب، أي فترفع وتنصب لأن قارب متعد، وقدرها بقرب، أي فلا تنصب ~~لعدم تعديه، قال: ولا تدخل عسى على الماضي؛ قال أبو علي: لأنها للاستقبال ~~المحض ولذلك وقع بعدها «أن» فلا تصلح للماضي بوجه؛ وقال شارح الجزولية: عسى ~~لها مع الظاهر مذهبان: أحدهما أن تكون ناقصة بمعنى كان الناقصة، تحتاج إلى ~~اسم وخبر إلا أنه يشترط في خبرها أن يكون فعلا، وأصله أن يكون اسما مثل خبر ~~كان إلا أنه عدل عنه إلى الفعل تنبيها على الدلالة على ما هو المقصود من ~~الرجاء وتقوية لما يفيده الرجاء من الاستقبال، وشبهت في هذا الوجه ب «قارب ~~زيد الخروج» تحقيقا لبيان الإعراب، لا في ms1859 المعنى، لأن «قارب زيد الخروج» ~~ليس فيه إنشاء رجاء ولا غيره، وإنما هو تمثيل لتقدير الإعراب اللفظي لأنه ~~أصلها أن تكون كذلك، وإنما طرأ عليها إنشاء الرجاء كما كان ذلك في التعجب ~~ونعم وبئس وغيرهما؛ والمذهب الثاني أن تأتي تامة فتستعمل استعمال «قرب» ~~فتدخل على «أن» مع الفعل # PageV08P414 # فتقول: عسى أن يقوم زيد، واستغنى فيها - بأن والفعل - عن الخبرين كما ~~استغنى في «ظننت أن يقوم زيد» عن المفعولين، وذلك لاشتماله على مسند ومسند ~~إليه، وهو المقصود بهذه الأفعال، فإذا قلت: زيد عسى أن يقوم، احتمل أن تكون ~~الناقصة فيكون فيها ضمير يعود على زيد هو اسمها و «أن» مع الفعل خبرها، ~~ويحتمل أن تكون التامة فلا يكون فيها ضمير وكون «أن» مع الفعل فاعلها؛ وقال ~~ابن الخباز الموصلي في كتابه النهاية في شرح كفاية الكفاية: عسى للطمع ~~للمبالغة في الطمع، فلا يكون خبرها ماضيا لأن معناها الرجاء والطمع، ~~والماضي لا يطمع فيه ولا يرجى لحصوله، واستدل على أنها لا تستعمل إلا في ~~المستقبل بقول بعض شعراء الحماسة: # عسى طيىء من طيىء بعد هذه ... ستطفىء غلات الكلى والجوانح # فأتى بالسين لأنه لم يمكنه الإتيان ب «أن» في الشعر؛ وقال شارح الجزولية ~~ما معناه: إنه التزم في خبرها الفعل للدلالة على الاستقبال وألزم «أن» ~~تقوية لذلك، ولهذا لم يكن خبرها اسما وإن كان أصله أن يكون اسما إذ لا ~~دلالة للاسم على الزمان، ولم يوضع مكانها السين وسوف لأنهما يدلان على ~~تنفيس في الزمان والغرض هنا تقريبه، وقد يجيء في الشعر قليلا - وأنشد البيت ~~المذكور؛ وقال ابن الخباز: # PageV08P415 # ودخول الاستفهام عليها يؤذن بأنها ليست للطمع لأن الاستفهام لا يدخل على ~~الطمع ولا على ما ليس بخبر، فدخول هل عليها مما يؤذن بأنها خبر - انتهى. ~~فتفسيرها بما ذكرته - من أنها لما يمكن أن يكون وهو خليق بأن يكون - أول، ~~ويكون الطمع لازما لمضمون الكلام لا أنه مدلولها بالمطابقة - والله الموفق. # PageV08P416 # ولما بين سبحانه الصالح لذلك من غيره، أنكر على من لم يفرق بين ms1860 الصنفين ~~فقال: {أجعلتم سقاية الحاج} أي مجردة عن الإيمان {وعمارة المسجد الحرام} أي ~~كذلك كالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد، وأهل السقاية والعمارة من غير ~~إيمان في موالاتهم والكف عن معاداتهم {كمن آمن بالله} أي الحامل اعتقاد ~~كماله على كل كمال {واليوم الآخر} أي الحاث خوفه على كل خير {وجاهد في سبيل ~~الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء، فالآية على قراءة الجماعة من ~~الاحتباك: حذف أولا المشبه به لدلالة المشبه عليه وثانيا المشبه لدلالة ~~المشبه به عليه، وأما على رواية نسي بن وردان عن أبي جعفر شاذا: سقاة وعمرة ~~- بالجمع فلا يحتاج إلى تقدير. # ولما كان كأنه قيل: كنا نظن ذلك فما حالهم؟ قال: {لا يستوون عند الله} أي ~~الذي له الكمال كله لأن المشركين ظلموا بترك الإيمان {والله} أي الذي له ~~الأمر كله ولا أمر لأحد معه {لا يهدي القوم الظالمين*} # PageV08P416 # أي الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها، والكفر أعظم الظلم، فلا توجبوا ~~لهم الهداية ولا المساواة بالمهتدين وإن باشروا جميع أفعال المهتدين ما عدا ~~الإيمان، ومن فعل ذلك منكم كان ظالما وخيف عليه سلب موجب الهداية. # ولما نفى عنهم المساواة من غير تصريح بأهل الترجيح ليشتد التشوف إلى ~~التصريح فيكون اثبت في النفس وأوقر في القلب، كان كأنه قيل: فمن الراجح؟ ~~فقال: {الذين آمنوا} أي أوقعوا هذا الفعل، وهو إيمان المخاطب من أن يكذبوه ~~بشيء مما يخبر به عن الله، وقصر الفعل وهو في الأصل متعد ليفيد أنه لا ~~إيمان غير هذا، وإن وجد غيره فهو عدم بالنسبة إليه، وكذا كل فعل قصر فهو ~~على هذا المنوال ليشار به إلى أنه لعظيم نفعه لا فعل من جنسه غيره {وهاجروا ~~وجاهدوا} . # ولما كان المحدث عنه فيما قبل المجاهد في سبيل الله، اقتضى المقام تقديمه ~~على الآلة بخلاف ما في آخر الأنفال فإن المقام اقتضى هناك تقديم المال ~~والنفس لما تقدم من موجبه في غير آية - كما سلف بيانه، وأيضا ففي هذا الوقت ~~كان المال قد كثر، ومواضع الجهاد قد ms1861 بعدت، فناسب الاهتمام بالسبيل فلذا قدم ~~{في سبيل الله} أي مخلصين له لأنه الملك الذي لا كفؤ له، ثم أتبعه قوله: ~~{بأموالهم وأنفسهم} فصرح بالنفس ترغيبا في المباشرة بها {أعظم درجة} أي من ~~جهة ارتفاع الدرجة، وهي الفضيلة المقربة إلى الله. # PageV08P417 # ولما لم يكن العبرة إلا بما عنده سبحانه، لا بما عند الناس، قال تعالى: ~~{عند الله} أي الملك الأعظم من أهل السقاية وما معها من غير إيمان مدلول ~~عليه بشواهده، وإنما لم يذكر المفضل عليه ليفيد أن فضيلتهم على الإطلاق، ~~فيكون المفضل عليه من جملة المدلول عليه، وكرر الاسم الأعظم لمزيد الترغيب ~~لخطر المقام وصعوبة المرام؛ وأفهم هذا أن تلك الأفعال شريفة في نفسها، فمن ~~باشرها كان على درجة عظيمة بالنسبة إلى من لم يباشرها، ومن بناها على ~~الأساس كان أعظم؛ ثم بين ما يخص أهل حزبه فقال: {وأولئك} أي العالو التربة ~~{هم} أي خاصة لا أنتم أيها المفاخرون مع الشرك {الفائزون*} أي بالخير ~~الباقي في الدارين دون من عداهم وإن فعل من الخيرات ما فعل، لأنهم ترقوا من ~~العبدية إلى العندية. # ولما بين أن جزاء أولئك الخلود في النار، بين ما لهؤلاء، فقال مفسرا ~~لفوزهم: {يبشرهم ربهم} أي المحسن إليم بهدايتهم واجتبائهم. وناهيك بهذه ~~البشارة الدالة على علو مقامهم لأنها بلا واسطة، وكون البشارة على قدر ~~المبشر دال أن هذه البشارة بشارة عظيمة لا نهاية لها ولا يحاط بمعرفة ~~مقدارها {برحمة} أي عظيمة، وزادها عظما # PageV08P418 # بقوله: {منه} وذلك إشارة إلى أنه لا نجاة بدون العفو؛ ثم أخبر بأن الرحمة ~~كما أثمرت العفو الذي هو أدنى المنازل أسعدت بأعلاها فقال: {ورضوان} أي بأن ~~يكون راضيا عن الله للرضى بقضاء الله وذلك يكون إذا قصر نظره على الله فإنه ~~لا يتغير أبدا بقضاء من أقضيته كما أن الله - الذي هو راحمه - لا يتغير، ~~ومن كان نظره لطلب حظ له كان أبدا في تغير من الفرح إلى الحزن ومن السرور ~~إلى الغم ومن الراحة إلى الجراحة ومن اللذة إلى الألم، فثبت ms1862 أن الرحمة ~~التامة لا تحصل إلا للراضي بقضاء الله ويكون الله راضيا عنه فتكون نفسه ~~راضية مرضية، ولهذا لم يقيده ب «منه» وهذان في الدنيا والآخرة. # ولما ذكر هذه الجنة الروحانية المنعم بها في الدنيا، أتبعه بيان الجنة ~~الروحانية البدنية الخاصة بالدار التي فيها القرار فقال: {وجنات} أي بساتين ~~كثيرة الأشجار والثمار {لهم فيها نعيم} أي عظيم جدا خالص عن كدر ما، ودل ~~على الخلود بقوله: {مقيم*} ثم صرح بخلودهم فيها بلفظ الخلود ليكون أقر ~~للنفس فقال: {خالدين فيها} وحقق أمره بقوله: {أبدا} ثم استأنف المدح لذلك ~~مؤذنا بالمزيد بقوله: {إن الله} أي الذي له الغنى المطلق والقدرة الكاملة ~~{عنده أجر عظيم*} وناهيك بما يصفه العظيم دالا بالعظم، وخص هؤلاء المؤمنين ~~بهذا الثواب المعبر عن دوامه بهذه العبارات الثلاث المقرونه بالتعظيم ~~والاسم الأعظم، فكان أعظم الثواب، لأن # PageV08P419 # إيمانهم أعظم الإيمان. # ولما فرغ من العاطفة بمحاسن الأعمال، شرع في العاطفة بالأنساب والأموال، ~~وقدم الأول إشارة إلى أن المجانسة في الأفعال مقدمة على جميع الأحوال، ولما ~~كان محط الموالاة المناصرة، وكانت النصرة بالآباء والإخوان أعظم من النصرة ~~بغيرهم، لأن مرجعها إلى كثرة الأعوان والأخدان، اقتصر عليها فقال: {يا أيها ~~الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم بالإيمان بربهم معرضين عما سواه من الأنداد ~~الظاهرة! صدقوا ادعاءكم ذلك بأن {لا تتخذوا} أي تتعمدوا وتتكلفوا أن تأخذوا ~~{آباءكم وإخوانكم أولياء} أي على ما يدعو إليه الطباع وتقوية الأطماع ~~فتلقوا إليهم أسراركم وتؤثروا رضاهم والمقام عندهم {إن استحبوا} أي طلبوا ~~وأوجدوا أن أحبوا {الكفر} وهو تغطية الحق والتكذيب {على الإيمان} نبه بصيغة ~~الاستفعال على أن الإيمان لكثرة محاسنه وظهور دلائله معشوق بالطبع، فلا ~~يتركه أحد إلا بنوع معالجة ومكابرة لعقله ومجاهدة. # ولما كان أعز الأشياء الدين، وكان لا ينال إلا بالهداية، وكان قد تقدم ~~سلبها عن الظالم، ورهبهم من انتزاعه بقوله: {ومن يتولهم} أي يتكلف أن يفعل ~~في أمرهم ما يفعل القريب مع قريبه {منكم} أي بعد ما أعلمكم الله في أمرهم ~~مما أعلم {فأولئك} أي المبعدون ms1863 عن الحضرات الربانية {هم الظالمون*} أي ~~لوضعهم الموالاة في غير موضعها # PageV08P420 # بعد أن تقدم إليهم سبحانه بمثل هذه الزواجر، وهذا رجوع بالاحتراس إلى ~~{وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأنفال: 75]- الآية الوالية لبيان ~~المؤمنين حقا وإشارة إلى أنه يضلهم ولا يهديهم لما تقدم من الخبر بأنه لا ~~يهدي الظالمين. # ولما كانت الأنفس مختلفة الهمم متباينة السجايا والشيم، كان هذا غير كاف ~~في التهديد لكلها، فأتبعه تهديدا أشد منه بالنسبة إلى تلك النفوس فقال ~~منتقلا من أسلوب الإقبال إلى مقام الإعراض المؤذن بزواجر الغضب: {قل} أي يا ~~أعظم الخلق شفقة ورفقا ونصيحة لمن لم يزعمه ما تقدم من الزواجر أنه يجب ~~تحمل جميع هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سالما ولا ينثلم {إن كان ~~آباؤكم} أي الذين أنتم أشد شيء توقيرا لهم {وأبناؤكم} أي الذين هم أعز ~~الناس لديكم وأحبهم إليكم {وإخوانكم} أي الذين هم من أصولكم فهم كأنفسكم ~~{وأزواجكم} أي اللاتي هن سكن لكم {وعشيرتكم} أي التي بها تمام الراحة وقيام ~~العز والمنعة وهم أهل الإنسان الأدنون الذين يعاشرونه. # ولما قدم سبحانه ما هو مقدم على المال عند أولي الهمم العوال قال: ~~{وأموال اقترفتموها} أي اكتسبتموها بالمعالجة من الأسفار # PageV08P421 # وغيرها لمعاشكم {وتجارة تخشون كسادها} أي لفوات أوقات نفاقها بسبب ~~اشتغالكم بما ندب الله سبحانه إليه فيفوت - على ما تتوهمون - ما به قوامكم ~~{ومساكن ترضونها} أي لأنها مجمع لذلك كله، ولقد رتبها سبحانه أحسن ترتيب، ~~فإن الأب أحب المذكورين لما هنا من شائبة النصرة، وبعده الابن ثم الأخ ثم ~~الزوج ثم العشير الجامع للذكور والإناث ثم المال الموجود في اليد ثم ~~المتوقع ربحه بالمتجر، وختم بالمسكن لأنه الغاية التي كل ما تقدم أسباب ~~للاسترواح فيه والتجمل به {أحب إليكم من الله} أي الجامع لصفات الكمال الذي ~~أنعم عليكم بجميع ما ذكر، ومتى شاء سلبكموه {ورسوله} أي الذي أتاكم بما به ~~حفظ هذه النعم في الدارين {وجهاد في سبيله} أي الرد الشارد من عباده إليه ~~وجمعهم عليه، وفي قوله -: {فتربصوا} أي انتظروا متربصين ms1864 - تهديد بليغ {حتى ~~يأتي الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {بأمره} أي الذي لا تبلغه أوصافكم ~~ولا تحتمله قواكم. # ولما كان من آثر حب شيء من ذلك على حبه تعالى، كان مارقا من دينه راجعا ~~إلى دين من آثره، وكان التقدير: فيصيبكم بقارعة لا تطيقونها ولا تهتدون إلى ~~دفعها بنوع حلية، لأنكم اخترتم لأنفسكم منابذة الهداية ومعلوم أن من كان ~~كذلك فهو مطبوع في الفسق، عطف عليه قوله: {والله} أي الجامع لصفات الكمال ~~{لا يهدي القوم} أي لا يخلق الهداية في قلوب # PageV08P422 # {الفاسقين*} أي الذين استعملوا ما عندهم من قوة القيام فيما يريدون من ~~الفساد حتى صار الفسق - وهو الخروج مما حقه المكث فيه والتقيد به وهو هنا ~~الطاعة - خلقا من أخلاقهم ولازما من لوازمهم، بل يكلهم إلى نفوسهم فيخسروا ~~الدنيا والآخرة. # PageV08P423 # ولما كان في بعض النفوس من الغرور بالكثرة ما يكسبها سكرة تغفلها عن بعض ~~مواقع القدرة، ساق قصة حنين دليلا على ذلك الذي أبهمه من التهديد جوابا ~~لسائل كان كأنه قال: ما ذاك الأمر الذي يتربص لإتيانه ويخشى من عظيم شأنه؟ ~~فقيل: الذل والهوان والافتقار والانكسار، فكأنه قيل: وكيف يكون ذلك؟ فقيل: ~~بأن يسلط القدير عليكم - وإن كنتم كثيرا - أقوياء غيركم وإن كانوا قليلا ~~ضعفاء كما سلطكم - وقد كنتم كذلك - حتى صرتم إلى ما صرتم إليه: {لقد نصركم ~~الله} أي الملك الأعلى مع شدة ضعفكم {في مواطن} أي مقامات ومواقف وأماكن ~~توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم {كثيرة} أي من الغزوات التي تقدمت لكم ~~كبدر وقريظة والنضير وقينقاع والحديبية وخيبر وغيرها من مخاصمات الكفار، ~~وكنتم من الذلة والقلة والانكسار بحال لا يتخيل معها نصركم وظهوركم على ~~جميع الكفار وأنتم فيهم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، وما وكلكم # PageV08P423 # إلى مناصرة من تقدم أمره لكم بمقاطعتهم، فدل ذلك على أن من أطاع الله ~~ورجع الدين على الدنيا آتاه الله الدين والدنيا على أحسن الوجوه وإن عاداه ~~الناس أجمعون، ودل بما بعدها من قصة حنين على أن من اعتمد ms1865 على الدنيا فاته ~~الدين والدنيا إلا أن يتداركه الله برحمته منه فيرجع به. فقال تعالى: ~~{ويوم} أي ونصركم بعد أن قواكم وكثركم هو وحده، لا كثرتكم وقوتكم يوم ~~{حنين} وهو واد بين مكة والطائف إلى جانب ذي المجاز، وهو إلى مكة أقرب، ~~وراء عرفات إلى الشمال. # ولما كان سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري رضي الله عنه قد قال حين التقى ~~الجمعان وأعجبته كثرة الناس: لن نغلب اليوم من قلة! فساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم كلامه وأن يعتمد إلا على الله، وكان الإعجاب سما قاتلا للأسباب، ~~أدبنا الله سبحانه في هذه الغزوة بذكر سوء أثره لنحذره، ثم عاد سبحانه ~~بالإنعام لكون الذي قاله شخصا واحدا كره غيره مقاتله. فقال: {إذ} أي حين ~~{أعجبتكم كثرتكم} أي فقطعتم لذلك أنه لا يغلبها غالب، وأسند سبحانه الفعل ~~للجمع إشارة إلى أنهم لعلو مقامهم ينبغي أن لا يكون منهم من يقول مثل ذلك ~~{فلم تغن عنكم شيئا} أي من الإغناء {وضاقت عليكم الأرض} أي الواسعة {بما ~~رحبت} أي مع اتساعها فصرتم لا ترون أن فيها مكانا يحصنكم مما أنتم فيه لفرط ~~الرعب، فما ضاق في الحقيقة إلا ما كان # PageV08P424 # من الآمال التي سكنت إلى الأموال والرجال، ولعل عطفه - لتوليهم بأداة ~~التراخي في قوله: {ثم وليتم} أي تولية كثيرة ظهوركم الكفار، وحقق ذلك ~~بقوله: {مدبرين*} أي انهزاما مع أن الفرار كان حين اللقاء لم يتأخر - إشارة ~~إلى ما كان عندهم من استعباده اعتمادا على القوة والكثرة {ثم أنزل الله} أي ~~الذي له الإحاطة بصفات الكمال {سكينته} أي رحمته، وهي الأمر الذي يسكن ~~القلوب عن أن تتأثر يدهمها من البلاء من الوثوق به سبحانه ومشاهدة جنابة ~~الأقدس والغناء عن غيره. # ولما كان المقام للرسالة، وكان تأييد مدعيها من أمارات صدقه في دعوى أنه ~~رسول، وأن مرسله قادر على ما يريد لا سيما إن كان تأييده على وجه خارق ~~للعادة، عبر به دون وصف النبوة فقال: {على رسوله} أي زيادة على ما كان به ~~من السكينة ms1866 التي لم يحز مثلها أحد، ثبت بها الثلاثين ألفا أو عشرين ألفا أو ~~أربعة آلاف على اختلاف الروايات في عشرة أنفس أو مائة أو ثلاثمائة - على ~~الاختلاف أيضا، لم يكن ثباتهم إلا به، ثم لم يزده ذلك إلا تقدما حتى أن كان ~~العباس عمه وأبو سفيان بن الحارث ابن عمه رضي الله عنهما ليكفان بغلته عن ~~بعض التقدم، ولعل العطف ب «ثم» إشارة إلى علو رتبة ذلك الثبات واستبعاد أن ~~يقع مثله في مجاري العادات {وعلى المؤمنين} أي أما من كان منهم ثابتا ~~فزيادة على ما كان له من ذلك، وأما غيره فأعطي ما # PageV08P425 # لم يكن في ذلك الوقت له، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس ~~رضي الله بعدما فر الناس: ناد فيهم يا عباس! فنادى وكان صيتا: ياعباد الله! ~~يا أصحاب الشجرة! يا أصحاب سورة البقرة! فكروا عنقا واحدا يقولون: لبيك ~~لبيك! ويحتمل أن يكون ذكر الرسول عليه السلام لمجرد التبرك كما في ذكر الله ~~في قوله: {فإن لله خمسه} [الأنفال: 41] وزيادة في تعظيم الامتنان به لأن ~~النفوس إلى ما أعطى منه الرسول أميل والقلوب له أقبل لاعتقاد جلاله وعظمته ~~وكماله {وأنزل} أي من السماء {جنودا لم تروها} أي من الملائكة عليهم السلام ~~{وعذب} أي بالقتل والأسر والهزيمة والسبي والنهب {الذين كفروا} عبر بالفعل ~~لأن فيهم من آمن بعد ذلك. # ولما كان ما عذب به من أوجد مطلق هذا الوصف عظيما، أتبعه بيان جزاء ~~العريق في ذلك ترهيبا لمن آثر حب شيء مما مضى على حب الله فقال: {وذلك} أي ~~العذاب الذي منه ما عذب به هؤلاء وغيره {جزاء الكافرين*} أي الراسخين في ~~وصف الكفر الذين آثروا حب من تقدم من الآباء وغيرهم على الله فثبتوا على ~~تقليد الآباء في الباطل بعدما رأوا من الدلائل ما بهر الشمس ولم يدع شيئا ~~من لبس، وأما الذين لم يكن كفرهم راسخا فكان ذلك صلاحا لهم لأنه قادهم إلى ~~الإسلام، فقد تبين أن المنصور من نصره الله قليلا كان ms1867 أو كثيرا، وأن القلة # PageV08P426 # والكثرة والقوة والضعف بالنسبة إلى قدرته سواء، فلا تغتروا بما ألزمكم من ~~النعم فإنه قادر على نزعها، لا يستحق أحد عليه شيئا، ولا يقدر أحد على رد ~~قضائه، وفي ذلك إعلام بأنه لا يرتد بعد إيمانه إلا من كان عريقا في الكفر، ~~وفيه أبلغ تهديد لأنه إذا عذب من أوجد الكفر وقتا ما فكيف بمن رسخ فيه! # ولما بين أن العذاب جزاء الكافرين، بين أنه يتوب على من يريد منهم، وهم ~~كل من علم منه قابلية للإيمان وإن كان شديدا وصف الكفران، فقال عاطفا على ~~{وعذب} : {ثم يتوب الله} أي الذي له الإحاطة علما وقدرة، ولما لم يكن احد ~~تستغرق توبته زمان البعد أدخل الجار فقال: {من بعد ذلك} أي العذاب العظيم ~~{على من يشاء} أي فيهديه إلى الإسلام ويغفر له جميع ما سلف من الآثام ~~{والله} أي الذي له صفات الكمال {غفور رحيم *} أي محاء للخطايا عظيم ~~الإكرام لمن تاب، وفي ذلك إشارة إلى أنه جعل هذه الوقعة. # لحكمته التي اقتضت ربط المسببات بأسبابها - سببا لإسلام من حضرها من كفار ~~قريش وغيرهم من المؤلفة بما قسم فيهم صلى الله عليه وسلم من غنائم هوزان ~~وبما رأوا من عز الإسلام وعلوه، فكان في ذلك ترغيب لهم بالمال، وترهيب ~~بسطوات القتال، ولإسلام وفد هوزان بما حصل لهم من القهر وما شاهدوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم من عظيم النصر، ولإسلام # PageV08P427 # غيرهم من العرب بسبب علم كل منهم بهذه الوقعة أنهم أضعف ناصرا وأقل عددا، ~~كل ذلك رحمة منه سبحانه لهم ورفقا لهم، وقد كان جميع ذلك كما أشار إليه ~~سبحانه، فأسلم الطلقاء وحسن إسلامهم، وقدم وفد هوزان وسألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم جبرهم برد ما أخذ لهم فقال لهم: إني استأنيت بكم، فلما أبطأتم ~~قسمت بين الناس فيئهم، فاختاروا المال أو السبي! فاختاروا السبي فشفع لهم ~~عند الناس فأجابوه فرد إليهم أبناءهم ونساءهم رحمة منه لهم، وذل العرب لذلك ~~فدخلوا في الدين أفواجا. وختم هذه الآية ms1868 بالمغفرة والرحمة على ما هو الأنسب ~~لسياق التوبة بذلك على انه ما عدل إلى ختم الأولى ب «عليم حكيم» إلا لما ~~قررته من جعل أم في {أم حسبتم} معادلة للهمزة. والله أعلم. # PageV08P428 # ولما تقدم في الأمر والنواهي وبيان الحكم المرغبة والمرهبة ما لم يبق لمن ~~عنده أدنى تمسك بالدين شيئا من الالتفات إلى المفسدين، بين أن العلة في ~~مدافعتهم وشديد مقاطعتهم أنهم نجس وأن المواضع - التي ظهرت فيها أنوار ~~عظمته وجلالته وأشرقت عليها شموس نبوته ورسالته، ولمعت فيها بروق كبره ~~وجالت صوارم نهية وأمره - مواضع القدس ومواطن الأنس، من دنا إليها من غير ~~أهلها احترق # PageV08P428 # بنارها، وبهرت بصره أشعة أنوارها، فقال مستخلصا مما تقدم ومستنتجا: {يا ~~أيها الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم بالإيمان وهم ممن يستقبح الكذب {إنما ~~المشركون} أي العريقون في الشرك بدليل استمرارهم عليه. # ولما كانوا متصفين به، وكانوا لا يغتسلون - ولا يغسلون - ثيابهم من ~~النجاسة، بولغ في وصفهم بها بأن جعلوا عينها فقال: {نجس} أي وأنتم تدعون ~~أنكم أبعد الناس عن النجس حسا ومعنى، فيجب أن يقذروا وأن يبعدوا ويحذروا ~~كما يفعل بالشيء النجس لما اشتملوا عليه من خلال الشر واتصفوا به من خصال ~~السوء، وأما أبدانهم فاتفق الفقهاء على طهارتها لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم شرب من أوانيهم ولم ينه عن مؤاكلتهم ولا أمر بالغسل منها ولو كانت ~~نجسة ما طهرها الإسلام. ولما تسبب عن ذلك إبعادهم، قال: {فلا يقربوا} أي ~~المشركون، وهذا نهي للمسلمين عن تمكينهم من ذلك، عبر عنه بنهيهم مبالغة فيه ~~{المسجد الحرام} أي الذي أخرجوكم منه وأنتم أطهر الناس، واستغرق الزمان ~~فأسقط الجار ونبههم على حسن الزمان واتساع الخير فيه بالتعبير بالعام فقال: ~~{بعد عامهم} وحقق الأمر وأزال اللبس بقوله: {هذا} وهو آخر سنة تسع سنة ~~الوفود مرجعه صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، فعبر بقربانه لا بإتيانه ~~بعد التقديم إليهم بأن لا يقبل من مشرك إلا الإسلام أو القتل إشارة إلى ~~إخراج المشركين من جزيرة العرب وانها لا يجتمع ms1869 بها دينان لأنها كلها محل ~~النبوة العربية # PageV08P429 # وموطن الأسرار الإلهية، فمن كان فيها - ولو في أقصاها - فقد قارب جميع ما ~~فيها، وتكون حينئذ بالنسبة إلى الحرم كأفنية الدور ورحاب المساجد؛ وفي ~~الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا ~~بكر رضي الله عنه أميرا على الحج بعد رجوعه من تبوك ثم أردفه بعلي رضي الله ~~عنه فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي يوم النحر في أهل ~~منى ببراءة وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وهذه سنة ~~قديمة فقد أمر الله تعالى بني إسرائيل في غير موضع من التوارة بأن لا يبقوا ~~في جميع بلاد بيت المقدس أحدا من المشركين بخلاف غيرها من البلاد التي ~~يفتحها الله عليهم، منها ما قال المترجم في أواخر السفر الخامس: وإذا ~~تقدمتم إلى قرية أو مدينة لتقاتلوا أهلها ادعوهم إلى الصلح، فإن قبلوه ~~وفتحوا لكم من كان فيها من الرجال يكونوا عبيدا لكم يؤدوا إليكم الخراج، ~~وإن لم يقبلوا الصلح وحاربوكم فحاربوهم وضيقوا عليهم فإن الله ربكم يدفعها ~~إليكم وتظفرون بمن فيها، فإذا ظفرتم بمن فيها فاقتلوا الذكور كلهم بالسيف، ~~كذلك اصنعوا بجميع القرى البعيدة النائية التي ليست من قرى هذه الشعوب فأما ~~قرى هذه الشعوب التي يعطيكم الله ميراثا فلا تبقوا من أهلها احدا ولكن ~~اقتلوهم قتلا كالذي أمركم الله ربكم لئلا يعلموكم النجاسة # PageV08P430 # التي يعلمونها لآلهتهم، ومثل ذلك كثير فيها، وقد مضى بعده فيما ذكرته عن ~~التوارة. # والله الموفق، وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام: أحدها ~~الحرم، فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال لظاهر هذه الآية، الثاني الحجاز وما ~~في حكمه وهو جزيرة العرب، فيدخله الكافر بالإذن ولا يقيم أكثر من مقام ~~السفر ثلاثة أيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أخرجوا المشركين من ~~جزيرة العرب، وهي من أقصى عدن أبين، وهي في الجنوب إلى أطراف الشام وهي في ~~الشمال طولا، ومن جدة وهي أقصى ms1870 الجزيرة غربا على شاطئ بحر الهند إلى ريف ~~العراق وهو في المشرق عرضا، والثالث سائر بلاد الإسلام يجوز للكافر الإقامة ~~فيها بذمة وأمان ما شاء، ولكن لا يدخل المساجد إلا بإذن مسلم. ذكر ذلك ~~البغوي، قال ابن الفرات في تاريخه عند غزو بخت نصر لبني إسرائيل ولأرض ~~العرب: إنما سميت بلاع العرب جزيرة لإحاطة البحار والأنهار بها، فصارت مثل ~~الجزيرة من جزائر البحر، وذلك أن الفرات أقبل من بلاد الروم وظهر من ناحية ~~قنسرين ثم انحط على الجزيرة وسواد العراق حتى وقع في البحر من ناحية البصرة ~~والأبلة وامتد البحر من ذلك الموضع مطيفا ببلاد العرب، فأتى منه عنق على ~~كاظمة وتعدى # PageV08P431 # إلى القطيف وهجر وعمان والشجر، ومال منه عنق إلى حضرموت وناحية أبهر ~~وعدن، واستطال ذلك العنق فطعن في تهامة اليمن ومضى إلى ساحل جدة، وأقبل ~~النيل في غربي هذا العنق من أعلى بلاد السودان مستطيلا معارضا للبحر معه ~~حتى وقع في بحر مصر والشام، ثم أقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين ~~فمر بعسقلان وسواحلها، واتى على بيروت ونفذ إلى سواحل حمص وقنسرين حتى خالط ~~الناحية التي أقبل منها الفرات منحطاعلى أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد ~~العراق، وأقبل جبل السراة من قعرة اليمن حتى بلغ أطراف الشام فمسته العرب ~~حجازا لأنه حجز بين الغور ونجد فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه الغور وهو ~~تهامة، وما دونه في شرقيه نجدا. # انتهى. # ولما كان ما والاها من أرض الشام ونحوها كله انهارا أو جداول، جعل كأنه ~~بحر لأنه في حكم شاطئه، ولما كان قوامهم بالمتاجر، وكان قوام المتاجر ~~باجتماعهم في أسواقهم، وكان نفيهم من تلك الأراضي مظنة لخوف انقطاع المتاجر ~~وانعدام الأرباح المفضي إلى الحاجة وكان قد أمر بنفيهم رعاية لأمر الدين، ~~وكان سبحانه عالما بأن # PageV08P432 # ذلك يشق على النفوس لما ذكر من العلة ولا سيما وقد قال بعضهم لما قرأ علي ~~رضي الله عنه آيات البراءة على اهل الموسم: يا أهل مكة! ستعلمون ما تلقونه ~~من ms1871 الشدة بانقطاع السبيل وبعد الحمولات، وعد سبحانه - وهو الواسع العليم - ~~بما يغني عن ذلك، لأن من ترك الدنيا لأجل الدين أوصله سبحانه إلى مطلوبه من ~~الدنيا مع ما سعد به من أمر الدين «من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه» ~~فقال: {وإن خفتم} أي بسبب منعهم من قربان المواطن الإلهية {عيلة} أي فقرا ~~وحاجة {فسوف يغنيكم الله} أي هو ذو الجلال والإكرام {من فضله} وهو ذو الفضل ~~والطول والقوة والحول. # ولما كان سبحانه الملك الغني القادر القوي الذي لا يجب لأحد عليه شيء ~~وتجب طاعته على كل شيء، نبه على ذلك بقوله: {إن شاء} ولما كان ذلك عندهم ~~مستبعدا، علل تقريبا بقوله: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {عليم} ~~أي بوجوه المصالح {حكيم*} أي في تدبير استجلابها وتقدير إدرارها ولقد صدق ~~سبحانه ومن أصدق منه قيلا فإنه أغناهم - بالمغانم التي انتثلها بأيديهم بعد ~~نحو ثلاث سنين من إنزالها من كنوز كسرى وقيصر - غنى لم يطرق أوهامهم قط، ثم ~~جعل ذلك سببا لاختلاط بعض الطوائف من جميع الناس ببعض لصيرورتهم إخوانا في ~~الدين الذي كان سببا لأن يجتمع # PageV08P433 # في سوق منى وغيره في أيام الحج كل عام من المتاجر مع الغرب والعجم ما لا ~~يكون مثله في بقعة من الأرض، والعيلة: الفاقة والافتقار، ومادتها بهذا ~~الترتيب تدور على الحاجة وانسداد وجوه الحلية وقد تقدم أول النساء انها - ~~لا بقيد ترتيب - تدور تقاليبها الثمانية على الارتفاع ويلزمه الزيادة ~~والميل، ومنه تأتي الحاجة، وبرهن على ذلك في جميع الجزئيات. # ولما كان ذلك موضع تعجب يكون سببا لأن يقال: من أين يكون ذلك الغنى؟ أجاب ~~بقوله: {قاتلوا} أي أهل الأموال والغنى {الذين لا يؤمنون بالله} أي الذي له ~~جميع صفات الكمال إيمانا هو على ما أخبرت به عنه رسله، ولو آمنوا هذا ~~الإيمان ما كذبوا رسولا من الرسل، وأيضا فالنصارى مثلثة وبعض اليهود مثنية ~~{ولا باليوم الآخر} أي كذلك، وأقل ذلك أنهم لا يقولون بحشر الأجساد {ولا ~~يحرمون ما حرم الله} أي ms1872 الملك الأعلى الذي له الأمر كله {ورسوله} أي من ~~الشرك وأكل الأموال بالباطل وغير ذلك وتبديل التوراة والإنجيل {ولا يدينون} ~~أي يفعلون ويقيمون، اشتق من الدين فعلا ثم أضافه إلى صفته إغراقا في اتخاذه ~~بذلك الوصف فقال: {دين الحق} أي الذي أخذت عليهم رسلهم العهود والمواثيق ~~باتباعه، ثم بين الموصول مع صلته فقال: {من الذين} ودل على استهانته سبحانه ~~بهم وبراءته # PageV08P434 # منهم بأن بني للمفعول قوله: {أوتوا الكتاب} أي من اليهود والنصاري ومن ~~ألحق بهم {حتى يعطوا الجزية} أي وهي ما قرر عليهم في نظر سكناهم في بلاد ~~الإسلام آمنين، فعله من جزى يجزي. # إذا قضى ما عليه {عن يد} أي قاهرة إن كانت يد الآخذ او مقهورة إن كانت يد ~~المعطي، من قولهم: فلان أعطى بيده {وهم صاغرون*} ففي ذلك غنى لا يشبه ما ~~كنتم فيه من قتال بعضكم لبعض لتغنم ما في يده من ذلك المال الحقير ولا ما ~~كنتم تعدونه غنى من المتاجر التي لا يبلغ أكبرها واصغرها ما أرشدناكم إليه ~~مع ما في ذلك العز الممكن من الإصلاح والطاعة وسترون، وعبر باليد عن السطوة ~~التي ينشأ عنها الذل والقهر لأنها الآلة الباطشة، فالمعنى عن يد قاهرة لهم، ~~أي عن قهر منكم لهم وسطوة بأفعالهم التي أصغرتهم عظمتها وأذلتهم شدتها، قال ~~أبو عبيدة: يقال لكل من أعطى شيئا كرها عن غير طيب نفس، أعطاه عن يد. ~~انتهى. وعبر ب «عن» التي هي للمجاوزة لأن الإعطاء لا يكون إلا بعد البطش ~~المذل، هذا إذا أريد باليد يد الآخد، ويمكن أن يراد بها يد المعطي، وتكون ~~كناية عن النفس لأن مقصود الجزية المال، واليد أعظم أسبابه، فالمعنى حتى ~~يعطي كل واحد منهم الجزية عن نفسه. # PageV08P435 # ولما كان المراد التعميمم أتى بها نكرة لتفيد ذلك، ويؤيد هذا ما نقل ~~العلماء عن الرواة لفتوح البلاد منهم الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي، ~~قال في كتابه الاكتفاء في وقعة جلولاء من بلاد فارس: # PageV08P435 # قالوا: قال بعضهم: فكان الفلاحون للطرق والجسور والأسواق والحرث ms1873 والدلالة ~~مع الجزي عن أيديهم على قدر طاقتهم، وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم ~~والعمارة، وإنما أخذوا الجزية من المجوس لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخذها من مجوس هجر وأخذها منهم لأنهم أهل كتاب في الأصل، قال الشافعي في ~~باب المجمل والمفسر من كتاب اختلاف الحديث: والمجوس أهل كتاب غير التوراة ~~والإنجيل وقد نسوا كتابهم وبدلوه، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أخذ الجزية منهم؛ أخبرنا سفيان عن أبي سعد سعيد بن مرزبان عن نصر بن عاصم ~~قال: قال فروة بن نوفل الأشجعي: علام تؤخذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل ~~كتاب؟ فقام إليه المستورد فأخذ بلببه فقال: ياعدو الله! تطعن على أبي بكر ~~وعلى عمر وعلي أمير المؤمنين - يعني عليا - وقد أخذوا منهم الجزية، فذهب به ~~إلى القصر فخرج علي رضي الله عنه عليهما فقال: البدا! البدا! فجلسا في ظل ~~القصر فقال علي: أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه وكتاب ~~يدرسونه، وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته، ~~فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحد فامتنع عليهم فدعا أهل مملكته فقال: ~~تعلمون دينا # PageV08P436 # خيرا من دين آدم وقد كان آدم ينكح بنيه من بناته، فأنا على دين آدم، ~~فبايعوه وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسري على كتابهم ~~فرفع من بين أظهرهم وذهب العلم الذي في صدورهم، وهم أهل كتاب وقد أخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما منهم الجزية. ولما ~~أمر بقتالهم ووصفهم بما هو السبب الباعث على ذلك، عطف عليه بعض أقوالهم ~~المبيحة لقتالهم الموجبة لنكالهم فقال: {وقالت} أي قاتلوا أهل الكتاب لأنهم ~~كفروا بما وصفناهم به وقالت {اليهود} منهم كذبا وبهتانا {عزير} تنوين عاصم ~~والكسائي له موضح لكونه مبتدأ، والباقون منعوه نظرا إلى عجمته مع العلمية ~~وليس فيه تصغير، والخبر في القراءة قولهم: {ابن الله} أي الذي له العلو ~~المطلق فليس كمثله شيء، وعزير هذا هو المسمى عندهم في سفر الأنبياء ms1874 ملاخيا، ~~ويسمى أيضا العازر وهو الأصل والعزير تعريبه، وأما الذي جمع لهم هذه ~~التوراة التي بين أيديهم فقال السمؤال بن يحيى المغربي الذي كان يهوديا ~~فأسلم: إنه شخص آخر اسمه عزرا، وإنه ليس بنبي. ذكر ذلك في كتابه غاية ~~المقصود في الرد على النصارى واليهود، وهو كتاب حسن جدا، وكان السموأل هذا ~~مع تمكنه من المعرفة بشريعة اليهود وأخبارهم متمكنا من علوم الهندسة ~~وغيرها، وكان فصيحا بليغا # PageV08P437 # وكان حسن الإسلام يضرب المثل بعقله، ورأيت اليهود في غاية النكاية منه، ~~وأراني بعضهم رسالة إليه لبعض أحبارهم يسفه فيها رأيه في إسلامه ويشبه عليه ~~بأشياء خطابيه وشعرية، فأجابه بجواب بديع افتتحه بقوله تعالى: # {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: ~~142] ثم رد كلامه أحسن رد ثم قال له ما حاصله: دع عنك مثل هذه الخرافات، ~~وأجب عن الأمور التي ألزمتكم بها في كتاب غاية المقصود، فما أحار جوابا، ثم ~~القائل لهذا القول منهم روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم أربعة، وقيل: ~~قائله واحد وأسند إلى الكل كما يقال: فلان يركب الخيول وقد لا يكون له إلا ~~فرس واحد، وهو كقوله تعالى {الذين قال لهم الناس} [آل عمران: 173] وقيل: ~~كان فاشيا فيهم فلما عابهم الله به تركوه وهم الآن ينكرونه، والله تعالى ~~أصدق حديثا {وقالت النصارى} أي منهم إفكا وعدوانا {المسيح} وأخبروا عنه ~~بقولهم: {ابن الله} أي مع أن له الغنى المطلق والكمال الأعظم، والمسيح هذا ~~هو ابن الله مريم بنت عمران؛ ثم استأنف قوله مترجما قولي فريقيهم: {ذلك} أي ~~القول البعيد من العقول المكذب للنقول {قولهم بأفواههم} أي حقيقة لم ~~يحتشموا من قوله مع # PageV08P438 # سخافته، وهو مع ذلك قول لا تجاوز حقيقته الأفواه إلى العقول لأنه لا ~~يتصوره عاقل، بل هو قول مهمل كأصوات الحيوانات العجم لا يتحقق له المعنى؛ ~~قال: ومعناه الحال أن قائله لا عقل له، ليس له معنى وراء ذلك، ولبعده عن أن ~~يكون مقصودا لعاقل عبر فيه بالأفواه التي هي أبعد ms1875 من الألسنة إلى القلوب. # ولما كان كأنه قيل: فما لهم إذا كان هذا حالهم قالوه؟ قال ما حاصلة: إنهم ~~قوم مطبوعون على التشبه بمن يفعل المفاسد كما أنهم تشبهوا بعبدة الأوثان، ~~فعبدوها غير مرة والأنبياء بين أظهرهم يدعونهم إلى الله وكتابهم ينادي بمثل ~~ذلك وينذرهم أشد الإنذار {يضاهئون} أي حال كونهم يشابهون بقولهم هذا {قول ~~الذين كفروا} أي بمثله وهو العرب حيث قالوا: الملائكة بنات الله، كما أنهم ~~لما رأوا الذين يعكفون على أصنام لهم قالوا: {يا موسى اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة} . # ولما كان لا يمتنع أن يكون الذين شابهوهم إنما كانوا بعدهم أو في زمانهم ~~من قبل أن يبين فساد قولهم، نفى ذلك بقوله مشيرا بحرف الجر إلى أن كفرهم لم ~~يستغرق زمن القبل: {من قبل} أي من قبل أن يحدث منهم هذا القول، وهذا دليل ~~على أن العرب غيروا دين إسماعيل عليه السلام، اجترؤوا على مثل هذا القول ~~قبل إيقاع بخت نصر باليهود # PageV08P439 # أو في حدوده، وليس ذلك ببعيد مع طول الزمان وإغواء الشيطان، فقد كان بين ~~زمان إبراهيم وعزير عليهما السلام نحو ألف وخمسمائة سنة - هذا على ما ذكره ~~بعض علماء أهل الكتاب عن كتبهم وأيده ما ذكره المسعودي من مروج الذهب في ~~تاريخ ملوك بابل من نمرود إلى بخت نصر: وذكر بعض المؤرخين أن بين الزمنين ~~زيادة على ألفي سنة على أنهم قد نقلوا ما هو صريح في كفر العرب في ذلك ~~الزمان فرووا عن هشام بن الكلبي أنه قال: كان بدء نزول العرب إلى أرض ~~العراق أن الله عز وجل اوحى إلى برخيا من ولد يهودا أن ائت بخت نصر فمره أن ~~يغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ويطأ بلادهم بالجنود فيقتل مقاتلتهم ~~ويسبي ذراريهم ويستبيح أموالهم وأعلمه بكفرهم بي واتخاذهم الآلهة دوني ~~وتكذيبهم أنبيائي ورسلي، وعن غير ابن الكلبي أنه نظم ما بين أبلة والايلة ~~خيلا ورجالا ثم دخلوا على العرب فاستعرضوا كل ذي روح قدروا عليه، وأوصى ~~الله برخيا وإرميا بمعد ms1876 بن عدنان الذي من ولده محمد المختوم به النبوة، ~~وكان ذكر مشابهتهم لأهل الشرك تحقيرا لشأنهم تجرئة على الإقدام عليهم إذ ~~جعلهم مشابهين لمن دربوا قتالهم وضربوا عليهم فأذلوهم بعد أن كانوا في عزة ~~لا يخشون زوالها، وعزائم شديدة لا يخافون # PageV08P440 # انحلالها، كل ذلك بطاعة الله في قتالهم وطلب مرضاته بنزالهم لأنه عليهم، ~~ومن كان عليه لم يفلح، وإلى مثل ذلك إشارة بقوله في حق هؤلاء: {قاتلهم ~~الله} أي أهلكهم الملك الأعظم، لأن من قاتله لم ينج منه، وقيل: لعنهم؛ روي ~~عن ابن عباس قال: وكل شيء في القرآن مثله فهو لعن {أنى يؤفكون*} أي كيف ومن ~~أين يصرفون عن الحق مع قيام الأدلة القاطعة عليه، ثم زادهم جرأة عليهم ~~بالإشارة إلى ضعف مستندهم حيث كان مخلوقا مثلهم بقوله: {اتخذوا} أي كلفوا ~~أنفسهم العدول عن الله القادر على كل شيء وأخذوا {أحبارهم} أي من علماء ~~اليهود، والحبر في الأصل العالم من أي طائفة كان {ورهبانهم} أي من زهاد ~~النصارى، والراهب في الأصل من تمكنت الرهبة في قلبه فظهرت آثارها على وجهه ~~ولباسه، فاختص في العرف بعلماء النصارى أصحاب الصوامع {أربابا} أي آلهة ~~لكونهم يفعلون ما يختص به الرب من تحريم ما حرموا وتحليل ما حللوا؛ وأشار ~~إلى سفول أمرهم بقوله: {من دون الله} أي الحائز لجميع صفات الجلال، فكانوا ~~يعولون عليهم ويسندون أمرهم إليهم حتى أن كانوا ليتبعونهم في الحلال ~~والحرام و {المسيح} أي المبارك الذي هو أهل لأن المسيح بدهن القدس وأن يمسح ~~غيره {ابن مريم} أي # PageV08P441 # اتخذوه كذلك لكونهم جعلوه ابنا فأهلوه للعبادة بذلك مع كونه ابن امرأة، ~~فهو لا يصلح للإلهية بوجه لمشاركته للآدميين في الحمل والولادة والتربية ~~والأكل والشرب وغير ذلك من أحوال البشر الموجبة للحاجة المنافية للإلهية، ~~ومع تصريحه لهم بأنه عبد الله ورسوله، فتطابق العقل والنقل على أنه ليس ~~بإله. # ولما قبح عليهم ما اختاروه لأنفسهم، قبحه عليهم من جهة مخالفته لأمره ~~تعالى فقال: {وما} أي فعلوا ذلك والحال أنهم ما {أمروا} أي من ms1877 كل من له ~~الأمر من أدلة العقل والنقل {إلا ليعبدوا} أي ليطيعوا على وجه التعبد {إلها ~~واحدا} أي لا يقبل القسمة بوجه لا بالذات ولا بالمماثلة، وذلك معنى وصفه ~~بأنه {لا إله إلا هو} أي لا يصلح أن يكون معه إله آخر، فلما تعين ذلك في ~~الله وكانت رتبته زائدة أبعد عما أشركوا به، نزهه بقوله: {سبحانه} أي بعدت ~~رتبته وعلت {عما يشركون*} في كونه معبودا أو مشروعا؛ ذكر أبو محمد إسحاق بن ~~إبراهيم البستي القاضي في تفسيره وغيره عن عدي ابن حاتم رضي الله عنه قال: ~~أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: اقطعه، ~~فقطعته ثم أتيته وهو يقرأ سورة براءة {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون} قلت: يا رسول! # PageV08P442 # إنا لم نكن نعبدهم! قال: أجل. أليس كانوا يحلون لكم ما حرم الله ~~فتستحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه؟ قلت: بلى، قال: تلك ~~عبادتهم. # ولما وهى سبحانه أمرهم من جهة استنادهم، زاد توهية من جهة مرادهم ~~بالإعلام بأنهم بقتالهم لأهل الطاعة إنما يقاتلون الله وأنه لا ينفذ غرضهم ~~بل يريد غير ما يريدون، ومن المقرر أنه لا يكون إلا ما يريد، فقال مستأنفا ~~أو معللا لما مضى من أقوالهم وأفعالهم: {يريدون أن يطفئوا} أي بما مضى ذكره ~~من أحوالهم {نور الله} أي دين الملك الأعلى الذي له الإحاطة العظمى، وشرعه ~~الذي شرعه لعباده على ألسنة الأنبياء والرسل، كل ذلك ليتمكنوا من العمل ~~بالأغراض والأهوية، فإن اتباع الرسل حاسم للشهوات، وهم أبعد الناس عن ذلك. # ولما حقر شأنهم، هدمه بالكلية بقوله: {بأفواههم} أي بقول خال عن شيء ~~يثبته أو يمضيه وينفذه، وفي تسمية دينه نورا ومعاندتهم إطفاء بالأفواه ~~تمثيل لحالهم بحال من يريد إطفاء نور الشمس بنفخه {ويأبى} أي والحال أنه ~~يفعل فعل الأبي وهو أنه لا يرضي {الله} أي الذي له جميع العظمة والعز ونفوذ ms1878 ~~الكلمة {إلا أن يتم نوره} أي لا يقتصر على مجرد إشراقه، بل وعد - وقوله ~~الحق - بأنه لا بد من إكماله # PageV08P443 # وإطفائه لكل ما عداه وإحراقه. ولما في «يأبى» من معنى الجحد دخل عليه ~~الاستثناء، أي إنه يأبى كل حالة إلا حالة إتمامه نوره على التجدد ~~والاستمرار {ولو كره الكافرون*} أي العريقون في الكفر فكيف بغيرهم. # ولما أخبر أنه معل لقوله ومكمل، ومبطل لقولهم مسفل، علل ذلك بما حاصله ~~أنه شأن الملوك، وهو أنهم إذا برز لهم أمر شيء لم يرضوا أن يرده أحد فإن ~~ذلك روح الملك الذي لا يجازي الطاعن فيه إلا بالهلك فقال: {هو} أي وحده ~~{الذي أرسل رسوله} أي محمدا صلى الله عليه وسلم {بالهدى} أي لبيان الشافي ~~بالمعجزات القولية والفعلية {ودين الحق} أي الكامل في بيانه وثباته كمالا ~~ظاهرا لكل عاقل؛ ثم زادهم جرأة على العدو بقوله معللا لإرساله: {ليظهره} أي ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والدين - أدام الله ظهوره {على الدين كله} وساق ~~ذلك كله مساق الجواب لمن كأنه قال: كيف نقاتلهم وهم في الكثرة والقوة على ~~ما لا يخفي؟ فقال: لم لا تقاتلونهم وأنتم لا تعتمدون على أحد غير من كل شيء ~~تحت قهره، وهم إنما يعتمدون على مخاليق مثلكم، كيف لا تجسرون عليهم وهم في ~~قتالكم إنما يقاتلون # PageV08P444 # ربهم الذي أنتم في طاعته؟ أم كيف لا تصادمونهم وهو الذي أمركم بقتالهم ~~لينصركم ويظهر آياته؟ ولعل الختم بقوله: {ولو كره المشركون*} أبلغ لأن ~~الكفر قد لا يكون فيه عناد، والشرك مبناه على العناد باتخاذ الأنداد، أي لا ~~بد من نصركم خالف من خالف مجرد مخالفة أو ضم إلى ذلك العناد بالاستعانة بمن ~~أراد. # PageV08P445 # ولما حقر أمرهم بتقسيم اعتمادهم على رؤسائهم، وحالهم معروف في أنه لا نفع ~~عندهم ولا ضر، وأعلى أمر أهل الله باجتماعهم عليه وهو القادر على كل شيء، ~~وكان الإقبال على الدنيا أعظم أمارة على الخذلان ولو أنه بحق فكيف إذا ~~بالباطل! أقبل سبحانه وعز شأنه على أهل وده مستعطفا متلطفا مناديا ms1879 باسم ~~الإيمان الذي بنى أمره في أول هذا الكتاب على الإنفاق لا على التحصيل ولو ~~كان بحق، فكيف إذا كان بباطل، ويؤتون الزكاة ومما رزقناهم ينفقون، منبها ~~على سفه من ترك من لا يسأله على بذل الهدى والدعوة إلى دين الحق أجرا وهو ~~سفير محض لا ينطق عن الهوى، ولم يعتقده رسولا واتخذ مربوبا مثله وهو يأخذ ~~ماله بالباطل ربوا، وذلك مقتض لتحقيرهم لا لمطلق تعظيمهم فضلا عن الرتبة ~~التي أنزلوهم بها وأهلوهم لها مع الترفع عليهم لقصد أكل أموالهم بالباطل ~~فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بإيمان داعيهم من التكذيب ومما يؤول ~~إليه {إن كثيرا من الأحبار} # PageV08P445 # أي من علماء اليهود {والرهبان} أي من زهاد النصارى {ليأكلون} أي ~~يتناولون، ولكنه عبر به لأنه معظم المراد من المال، وإشارة إلى تحقير ~~الأحبار والرهبان بأنهم يفعلون ما ينافي مقامهم الذي أقاموا أنفسهم فيه ~~{أموال الناس بالباطل} أي بأخذها بالرشى وأنواع التصيد بإظهار الزهد ~~والمبالغة في التدين المستجلب لها بالنذور ونحوها فيكنزونها ولا ينفقونها ~~في سبيل الله من أتاهم بها بالإقبال بقلوب عباده إليهم. # ولما أخبر عن إقبالهم على الدنيا، أتبعه الإخبار عن إعراضهم عن الآخرة ~~فقال: {ويصدون} أي يحتالون في صرف من يأتيهم بتلك الأموال وغيرهم {عن سبيل ~~الله} أي دين الملك الذي له الأمر كله بإبعادهم عنه بإخفاء الآيات الدالة ~~عليه عنهم خوفا على انقطاع دنياهم بزوال رئاستهم لو أقبل أولئك على الحق. # ولما كان أكثرهم يكنزون تلك الأموال، شرع سبحانه على مطلق الكنز، ففهم من ~~باب الأولى الصد الذي هو سبب الجمع الذي هو سبب الكنز فقال: {والذين} أي ~~يفعلون ذلك والحال أنهم يعلمون أن الذين {يكنزون} أي يجمعون تحت الأرض أو ~~فوقها من قولهم للمجتمع اللحم: مكتنز {الذهب والفضة} أي منهم ومن غيرهم من ~~غير تزكية. # ولما كان من المعلوم أنهما أجل ما الناس، وكان الكنز دالا # PageV08P446 # على المكاثرة فيهما، أعاد الضمير عليهما بما يدل على الأنواع الكثيرة ~~فقال: {ولا ينفقونها} أي ينفقون ما وجب عليهم من ms1880 هذه الأموال التي جمعوها ~~من هذين النوعين مجتمعين أو منفردين، ولو ثنى لأوهم أن اجتماعها شرط ~~للترهيب، وإنما أعاد الضمير عليها من غير ذكر «من» - وهي مرادة - لمزيد ~~الترغيب في الإنفاق والترهيب من تركه، ويجوز أن يعود الضمير إلى الفضة لأن ~~الذم على كنزها، والحاجة إليها لكثرتها أقل، فالذم على كنز الذهب من باب ~~الأولى لأنه أعلى منها وأعز بخلاف الذم على كنز الذهب؛ وقال الحرالي في آل ~~عمران: فأوقع الإنفاق عليهما ولم يخصه من حيث لم يكن، ولا ينفقون منها كما ~~قال في المواشي [خذ من أموالهم] لأن هذين الجوهرين خواتم ينال بها أهل ~~الدنيا منافعهم وقد صرف عنهم الانتفاع بهما فلم يكن لوجودهما فائدة إلا ~~بإنفاقهما لأنهما صنما هذه الأمة، فكان كسرهما بإذهابهما -انتهى. # {في سبيل الله} أي الوجه الذي أمر الملك الأعلى بإنفاقها فيه {فبشرهم} أي ~~نقول فيهم بسبب ذلك تهكما بهم: بشرهم {بعذاب أليم*} عوضا عما أرادوا من ~~السرور بإنجاح المقاصد. # ولما كان السياق دالا دلالة واضحة على أن هذا العذاب يحصل لهم ويقع بهم، ~~فنصب بذلك قوله: {يوم يحمى} أي يحصل الإحماء وهو الإيقاد الشديد {عليها} أي ~~الأموال التي جمعوها {في نار جهنم} # PageV08P447 # أي التي لا يقاربها ناركم، وتلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى ~~بذلك الفقراء وغيرهم من أهل الله لا سيما من منعه ما يجب له من النفقة ~~{فتكوى بها} أي بهذه الأموال {جباههم} التي هي أشرف أعضائهم لأنها مجمع ~~الوجوه والرؤوس وموضع الجاه الذي يجمع المال لأجله لتعبيسهم بها في وجوه ~~الفقراء {وجنوبهم} التي يحوونه لملئها بالمآكل المشتهاة والمشارب المستلذة ~~ولازورارهم بها عن الفقراء {وظهورهم} التي يحوونه لتقويتها وتحميلها ~~بالملابس وتجليتها ولتوليتهم إياها إذا اجتمعوا مع الفقراء في مكان. ثم ~~يقال لهم: {هذا ما كنزتم} وأشار إلى الحامل على الجمع المنافي للعقل بقوله: ~~{لأنفسكم} أي لتنافسوا به وتلتذوا فلم تنفقوه فيما أمر الله {فذوقوا ما} أي ~~وبال وعذاب ما {كنتم تكنزون*} أي تجددون جمعه على سبيل الاستمرار حريصين ~~عليه، وأشار بفعل الكون ms1881 إلى أنهم مجبولون على ذلك؛ روى البخاري في التفسير ~~عن زيد بن وهب قال: مررت على أبي ذر رضي الله عنه بالربذة قلت: ما أنزلك ~~بهذه الأرض قال: كنا بالشام فقرأت {والذين يكنزون الذهب والفضة} - الآية، ~~قال # PageV08P448 # معاوية: ماهذه فينا، ما هذه إلا في أهل الكتاب! قلت: إنها لفينا وفيهم؛ ~~وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما ~~أنزلت جعلها الله طهرا للأموال، يعني فما أعطى صاحبه ما وجب عليه فيه فليس ~~بكنز. # ولما تقدم كثير مما ينبني على التاريخ: الحج في غير موضع والأشهر وإتمام ~~عهد من له مدة إلى مدته والزكاة والجزية، وختم ذلك بالكنز الذي لا يطلق ~~شرعا إلا على ما لم تؤد زكاته، وكان مشركو العرب - الذين تقدم الأمر ~~بالبراءة منهم والتأذين بهذه الآيات يوم الحج الأكبر فيهم - قد أحدثوا في ~~الأشهر - بالنسيء الذي أمروا أن ينادوا في الحج بإبطاله - ما غير السنين عن ~~موضوعها الذي وضعها الله عليه، فضاهوا به فعل أهل الكتاب بالتدين بتحليل ~~أكابرهم وتحريمهم كما ضاهى أولئك قول أهل الشرك في النبوة والأبوة، قال ~~تعالى: {إن عدة الشهور} أي منتهى عدد شهور السنة {عند الله} أي في حكم وعلم ~~الذي خلق الزمان وحده وهو الإله وحده فلا أمر لأحد معه {اثنا عشر شهرا} أي ~~لا زيادة عليها ولا تغيير لها كما تفعلونه في النسيء {في كتاب الله} أي ~~كلام الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما، وحكمه الذي هو مجمع الهدى، فهو ~~الحقيق بأن يكتب، # PageV08P449 # وليست الشهور ثلاثة عشر ولا أكثر كما كان يفعل من أمرتكم بالبراءة منهم ~~كائنين منة كانوا في النسيء {يوم} أي كان ذلك وثبت يوم {خلق السماوات ~~والأرض} أي اللذين نشأ عنهما الزمان. # والمعنى أن الحكم بذلك كان قبل أن يخلق الزمان {منها} أي الشهور {أربعة ~~حرم} أي بأعيانها لا بمجرد العدد {ذلك} أي الأمر العظيم والحكم العالي ~~الرتبة في الإتقان خاصة {الدين القيم*} أي الذي لا عوج فيه ولا مدخل ~~للعباد، ms1882 وإنما هو بتقدير الله تعالى للقمر؛ روى البخاري عن أبي بكرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال - يعني في حجة الوادع: «إن ~~الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر ~~شهرا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب ~~مضر الذي بين جمادي وشعبان» ولما بين الأمر سبب عنه قوله: {فلا تظلموا ~~فيهن} أي الأشهر الحرم {أنفسكم} أي بسبب إنساء بعضها وتحريم غيره مكانة ~~لتوافقوا العدد - لا العين - اللازم عنه إخلال كل منها بإيقاع الظلم فيه ~~وتحريم كل من غيرها، قال قتادة: العمل الصالح والفاسد فيها أعظم منه في ~~غيرها وإن كان ذلك في نفسه عظيما فإن الله تعالى لعظم من أمره ما شاء؛ وقال ~~أبو حيان ما حاصله: إن العرب تعيد الضمير على جمع الكثرة كالواحدة المؤنثة ~~فلذا قال: «منها # PageV08P450 # أربعة» أي من الشهور، وعلى جمع القلة لما لا يعقل بنون جمع المؤنث فلذا ~~قال {فلا تظلموا فيهن} أي في الأربعة. # ولما كان إنساؤهم هو لتحل لهم المقاتلة على زعمهم قال: {وقاتلوا المشركين ~~كافة} أي كلكم في ذلك سواء، في الائتلاف واجتماع الكلمة {كما يقاتلونكم ~~كافة} أي كلهم في ذلك سواء وذلك الحكم في جميع السنة، لا أنهاكم عن قتالهم ~~في شهر منها، فأنتم لا تحتاجون إلى تغيير حكمي فيها لقتال ولا غيره إن ~~اتقيتم الله، فلا تخافوهم وإن زادت جموعهم وتضاعفت قواهم لأن الله يكون ~~معكم {واعلموا أن الله} أي الذي له جميع العظمة معكم، هكذا كان الأصل ولكنه ~~أظهر الوصف تعليقا للحكم به وتعميما فقال: {مع المتقين*} جميعهم، وهم الذين ~~يثبتون تقواهم على ما شرعه لهم، لا على النسيء ونحوه، ومن كان الله معه نصر ~~لا محالة. # PageV08P451 # ولما فهم من هذا إبطال النسيء لأنه فعل أهل الجاهلية فلا تقوى فيه، كان ~~كأنه قيل: أفما في النسيء تقوى فإن سببه إنما هو الخوف من انتهاك حرمة الله ~~بالقتال في الشهر الذي حرمه؟ وذلك أنهم كانوا أصحاب غارات ms1883 وحروب، وكانوا ~~يحترمون الأشهر الحرم عن القتال حتى لو رأى الإنسان قاتل أبيه لا مانع منه ~~لم يعرض له، فكان إذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم تركه، وكان ~~يشق عليهم ترك # PageV08P451 # ذلك ثلاثة أشهر متوالية، فجعلوا النسيء لذلك، فقيل تصريحا بما أفهمه ما ~~مضى: ليس فيه شيء من ذلك: {إنما النسيء} أي تأخير الشهر إلى شهر آخر على ~~أنه مصدر نسأ نسيئا - إذا أخره، أو هو اسم مفعول، أي الشهر الذي تؤخر العرب ~~حرمته من الأشهر الحرم عن وقتها {زيادة في الكفر} أي لأنه على خلاف ما شرعه ~~الله، ستر تحريم ما أظهر الله تحريمه. # ولما بين ما في النسيء من القباحة، تحرر أنهم وقعوا على ضد مرادهم فإنهم ~~كانوا لو قاتلوا في الشهر الحرام قاتلوا وهم معتقدون الحرمة خائفون عاقبتها ~~فكانوا غير خارجين عن دائرة التقوى بالكلية، فإذا هم بتحليله قد صاروا ~~خارجين عن دائرتها بمراحل لارتكابهم فيه كل عظيمة مع الأمن لاعتقاد الحل ~~بتحليل ذلك الذي اعتقدوه ربا، فكان يقول: إني لا أجاب ولا أعاب، وإنه لا ~~مراد لقضائي، وإني حللت المحرم وحرمت صفرا - إلى غير ذلك من الكلام الذي ~~لايليق إلا بالإله؛ وذلك الذي معنى قوله تعالى بيانا لما قبله: {يضل به} أي ~~بهذا التأخير الذي هو النسيء {الذين كفروا} أي يحصل لهم بذلك ضلال عما شرعه ~~الله - # PageV08P452 # هذا على قراءة الجماعة والمعنى على قراءة حمزة والكسائي وحفص - بالبناء ~~للمفعول: يضلهم مضل من قبل الله، وعلى قراءة يعقوب - بالضم: يضلهم الله؛ ثم ~~بين ضلالهم بقوله: {يحلونه} أي ذلك الشهر، وعبر عن الحول بلفظ يدور على ~~معنى السعة إشارة إلى أنهم يفعلونه ولو لم يضطرهم إلى ذلك جدب سنة ولا عض ~~زمان، بل بمجرد التشهي فقال: {عاما ويحرمونه عاما} هكذا دائما كلما أرادوا. ~~وليس المراد أنهم كل سنة يفعلون ذلك من غير إجلال لسنة من السنين، وهذا ~~الفعل نسخ منهم مع أنهم يجعلون النسخ من معايب الدين {ليواطئوا} أي يوافقوا ~~{عدة ما حرم الله} أي المحيط ms1884 بالجلال والإكرام في كون الأشهر الحرم أربعة ~~{فيحلوا} أي فيتسبب عن هذا الفعل أن يحلوا {ما حرم الله} أي الملك الأعظم ~~منها كلها، فلا يدع لهم هذا الفعل شهرا إلا انتهكوا حرمته فأرادوا بذلك عدم ~~انتهاك الحرمة فإذا هم لم يدعوا حرمة إلا انتهكوها، فما أبعده من ضلال! # ولما انهتكت بهذا البيان قباحة فعلهم، كان كأنه قيل: إن هذا لعجب! ما ~~حملهم على ذلك؟ فقيل: {زين} أي زين مزين، وقرىء شاذا بإسناد الفعل إلى الله ~~{لهم سوء أعمالهم} أي حتى رأوا حسنا ما ليس بالحسن فضلوا ولم يهتدوا، فعل ~~الله بهم ذلك لما علم من طبعهم على الكفر فلم يهدهم {والله} أي الذي له ~~صفات الكمال {لا يهدي} أي يخلق الهداية في القلوب {القوم الكافرين*} أي # PageV08P453 # الذي طبعهم على الكفر فهم عريقون فيه لا ينفكون عنه؛ والنسيء - قال في ~~القاموس -: الاسم من نسأ الشيء بمعنى زجره وساقه وأخره، قال: وشهر كانت ~~تؤخره العرب في الجاهلية فنهى الله عز وجل عنه؛ وقال ابن الأثير في ~~النهاية؛ والنسيء فعول بمعنى مفعول، وقال ابن فارس في المجمل: والنسيء في ~~كتاب الله التأخير، وكانوا إذا صدروا عن منى يقوم رجل من كنانة فيقول: أنا ~~الذي لا يرد لي قضاء! فيقولون: أنسئنا شهرا، اي أخر عنا حرمة المحرم ~~واجعلها في صفر - انتهى. # ومادة نسأ تدور على التغريب، وسبب فعلهم هذا أنهم كانوا ربما أرادوا ~~قتالا في شهر حرام فيحلونه، ويحرمون مكانه شهرا من أشهر الحل ويؤخرون ذلك ~~الشهر؛ قال ابن فارس: وذلك أنهم كانوا يكرهون أن يتوالى عليهم ثلاثة أشهر ~~لا يغيرون فيها، لأن معاشهم في الغارة فيحل لهم الكناني المحرم - انتهى. ~~وكان النسأة من بني فقيم من كنانة، وكان أول من فعل ذلك منهم القلمس وهو ~~حذيفة بن عبد ابن فقيم، وآخرهم الذي قام عليه الإسلام أبو ثمامة جنادة بن ~~عوف بن أمية بن قلع بن عباد بن حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن عامر بن ~~ثعلبة بن الحارث بن مالك بن ms1885 كنانة ابن خزيمة. نسأ أربعين سنة، كانت # PageV08P454 # العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فحرم الأشهر الحرم الأربعة، فإذا ~~أرادوا أن يحل منها شيئا أحل المحرم فأحلوه، وحرم مكانه صفرا فحرموه، ~~ليواطئوا عدة الأربعة الأشهر الحرم، فإذا أرادوا الصدر قام فيهم فقال: ~~اللهم إني قد أحللت لهم أحد الصفرين الصفر الأول، ونسأت الآخر للعام المقبل ~~- ذكر ذلك أهل السير، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن أول من نسأ عمرو بن ~~لحي. # وتحقيق معنى ما كانت العرب تفعله واختلاف أسماء الشهور به حتى يوجب دوران ~~السنين فلا تصادف أسماء الشهور مسمياتها إلا الحين بعد الحين عسر قل من اتى ~~فيه بما يتضح به قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كما مضى «إن ~~الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» وها أنا أذكر فيه ~~ما لا يبقى بعده لبس إن شاء الله تعالى، فمعنى قوله: ونسأت الآخر للعام ~~المقبل، أنه إذا أحل المحرم وسماه صفرا ابتدأ السنة بعده بالمحرم ثم صفر ~~إلى آخرها، فيصير بين صفر وذي الحجة الذي وقع النسيء فيه شهران، وقد كان ~~ينبغي ان يكون بينهما شهر واحد، فأخر هذا الذي ينبغي إلى العام المقبل، ~~فالمعنى: وأخرت الصفر الآخر عن محله إلى العام المقبل فإذا جاء العام ~~المقبل انتهى تأخره، وإذا انتهى رجع إلى محله، ويمكن أن يتنزل على هذا قول ~~أبي عبيد # PageV08P455 # في غريب الحديث، قال بعد النصف من الجزء الثالث منه في شرح الاستدارة: إن ~~بدء ذلك - والله أعلم - أن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة، وكان هذا مما ~~تمسكت به من ملة إبراهيم عليه السلام، فربما احتاجوا إلى تحليل المحرم ~~للحرب تكون بينهم، فيكرهون أن يستحلوه ويكرهون تأخير حربهم فيؤخرون تحريم ~~المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم، وهذا هو النسيء الذي قال الله ~~{إنما النسيء} [براءة: 37] الآية، وكان ذلك في كنانة هم الذين كانوا ينسؤون ~~الشهور على العرب، والنسيء هو التأخير، فكانوا يمكثون بذلك زمانا يحرمون ~~صفرا وهم يريدون بذلك المحرم ms1886 ويقولون: هو أحد الصفرين، وقد تأول بعض الناس ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا صفر» على هذا، ثم يحتاجون أيضا إلى تأخير ~~صفر إلى الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرم فيؤخرون تحريمه إلى ~~ربيع، ثم يمكثون بذلك ما شاء الله ثم يحتاجون إلى مثله ثم كذلك، فكذلك ~~يتدافع شهر بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها، فقام الإسلام وقد ~~رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به، وذلك بعد دهر طويل، فذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم # «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» يقول: رجعت ~~الأشهر الحرم إلى موضعها وبطل النسيء، وقد زعم بعض الناس أنهم كانوا # PageV08P456 # يستحلون المحرم عاما، فإذا كان من قابل ردوه إلى تحريمه، قال أبو عبيد: ~~الأول أحب إلي لقول النبي صلى الله عليه وسلم «إن الزمان قد استدار» وليس ~~في التفسير الأخير استدارة، وعلى هذا التفسير الذي فسرناه قد يكون قوله ~~{يحلونه عاما ويحرمونه عاما} مصدقا له لأنهم إذا حرموا العام المحرم وفي ~~قابل صفرا ثم احتاجوا بعد ذلك إلى تحليل صفر أيضا أحلوه وحرموا الذي بعده، ~~فهذا تأويل قوله في التفسير، يحلونه عاما ويحرمونه عاما. وقال أبو حيان في ~~النهر ما حاصله: كانت العرب لا عيش لأكثرها إلا من الغارات، فيشق عليهم ~~توالي الأشهر الحرم، وكان بنو فقيم أهل دين وتمسك بشرع إبراهيم عليه ~~السلام، فانتدب منهم القلمس وهو حذيفة بن عبيد بن فقيم، فنسأ الشهور للعرب، ~~ثم خلفه على ذلك ابنه عباد ثم خلفه ابنه قلع ثم خلفه ابنه أمية ثم خلفه ~~ابنه عوف ثم ابنه جنادة بن عوف وعليه قام الإسلام، كانوا إذا فرغوا من حجهم ~~جاء إليه من شاء منهم مجتمعين فقالوا: أنسئنا شهرا، فيحل المحرم، ثم يلزمون ~~حرمة صفر ليوافقوا عدة الأشهر الأربعة ويسمون ذلك الصفر المحرم ويسمون ~~ربيعا الأول صفرا وربيعا الآخر ربيعا الأول - وهكذا سائر الشهور، فيسقط على ~~هذا حكم المحرم الذي حلل لهم، وتجيء السنة من ثلاثة عشر شهرا ms1887 أولها المحرم ~~الذي هو في الحقيقة صفر؛ وقال البغوي: قال مجاهد: كانوا يحجون في كل شهر ~~عامين، # PageV08P457 # فحجوا في ذي الحجة عامين وحجوا في المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين ~~وكذلك في الشهور، فوافقت حجة أبي بكر السنة الثانية من ذي القعدة، ثم حج ~~النبي صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوادع، فوافق حجه أشهر الحج ~~المشروع وهو ذو الحجة، وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد في قوله {إنما النسيء زيادة في الكفر} قال: فرض الله الحج في ~~ذي الحجة، فكان المشركون يسمون الأشهر: ذا الحجة والمحرم وصفر وربيع وربيع ~~وجمادى وجمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذا القعدة وذا الحجة، ثم يحجون ~~فيه مرة أخرى، ثم يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه، فيسمونه - أحسبه قال - ~~المحرم صفر، ثم يسمون رجب بجمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ورمضان ~~شوالا. # ثم يسمون ذا القعدة شوالا. ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ~~ذا الحجة ثم يحجون فيه، واسمه عندهم ذو الحجة، ثم عادوا كمثل هذه الصفة ~~فكانوا يحجون عامين في كل شهر حتى وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي ~~القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج، فوافق # PageV08P458 # ذلك ذا الحجة، فلذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته «إن الزمان ~~قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» وقال ابن إسحاق في السيرة؛ ~~سألت ابن أبي نجيح عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال؛ كانت قريش ~~يدخلون في كل سنة شهرا، وإنما كانوا يوافقون ذا الحجة كل اثنتي عشرة سنة ~~مرة، فوفق الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته التي حج ذا ~~الحجة، فحج فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الزمان قد استدار ~~كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» ، فقلت لابن أبي نجيح: فكيف بحجة أبي ~~بكر وعتاب بن أسيد؟ فقال: على ما كان ms1888 الناس يحجون عليه، ثم قال ابن أبي ~~نجيح: كانوا يحجون في الحجة ثم العام المقبل في المحرم ثم صفر حتى يبلغوا ~~اثنى عشر شهرا - انتهى. # وقوله هذا يوهم أن في حج أبي بكر وعتاب رضي الله عنهما اختلالا، وتقدم عن ~~المهدوي وغيره التصريح بأنه كان في ذي القعدة - وفيه نظر، لأن السنة التي ~~حج فيها أبو بكر رضي الله عنه نودي فيها بتحريم النسيء وغيره من أمور ~~الجاهلية، فلا شك أنه لم يكن في ذلك العام إنساء، ولما مضى من الشهر الذي ~~حج فيه عشرة أشهر، وكان الحادي عشر وهو ذو القعدة سار النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أواخره إلى الحج موافيا لهلال # PageV08P459 # ذي الحجة، فلما وقف بعرفة أخبر أن الزمان قد استدار، فعلم قطعا أن ~~استدارته كانت في حجة أبي بكر، وكذا في سنة ثمان وهي السنة التي حج فيها ~~عتاب بالمسلمين، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ~~لم يكونوا يعتبرون حساب أهل الجاهلية لا نسأتهم ولا غير نسأتهم، لأنه يلزم ~~من القول بأنهم اعتبروا أمر النسأة أنهم اعتبروا ما هو زيادة من الكفر، ~~وهذا ما لا يقوله ذو مسكة، وقد تقدم النقل أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أرسل أبا بكر رضي الله عنه إلى الحج في أواخر ذي القعدة أو بعد انقضائه من ~~سنة تسع، ووافاه العرب في ذي الحجة: الكفار وغيرهم، فوقع إعلامهم ببراءة في ~~أيام الحج وأماكنه، فلو كان حصل في سنة عتاب اختلال في ذي القعدة بنسيء ~~لكان ذو الحجة بحساب الكفار وهو المحرم بحساب الإسلام، فكان يتأخر مجيء ~~الكفار للحج عن مجيء المسلمين، فثبت بهذا أيضا أن حجه رضي الله عنه كان في ~~ذي الحجة، فحفظ الله أهل الإسلام من أن يقع في حجهم اختلال في سنة من ~~السنين، وما هي بأول نعمة عليهم - والله الموفق؛ وقال الإمام أبو العباس ~~أحمد بن أبي احمد المشهور بابن القاص من أكابر متقدمي أصحاب الشافعي رحمه ~~الله في كتابه دلائل ms1889 القبلة في باب معرفة عدد أيام السنة: فالسنة اثنا عشر ~~شهرا بالأهلة، وربما كان الشهر ثلاثين وربما كان تسعا وعشرين، فمبلغ السنة ~~الهلالية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وثماني # PageV08P460 # ساعات وأربعة أخماس ساعة، وقالت الهند: السنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما ~~وست ساعات وخمس ساعة وجزء من أربعمائة جزء من ساعة، وذلك من دخول الشمس ~~برأس الحمل إلى أن تدخل فيه من قابل، ففضل ما بين السنة الهلالية والسنة ~~الشمسية عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة، فإذا زيدت عليها هذه ~~الساعات والأيام استقام حسابه مع دوران الشمس، وكانت العرب تزيده في ~~الجاهليه، وكان الذي أبدع لهم ذلك رجل من كنانة يقال له القلمس، وذلك أنه ~~يجمع هذه الزيادة فإذا تمت شهرا زاده في السنة وجعل تلك السنة ثلاثة عشر ~~شهرا، وسماه نسيئا، ويحج بهم تلك السنة في المحرم، فأنزل الله تعالى {إنما ~~النسيء زيادة في الكفر} فلما كانت السنة التي حج فيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حجة الوداع وافق الحج في تلك السنة ذا الحجة لما أراد الله تعالى ~~بإثبات الحج في تلك السنة، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # «أيها الناس! ألا إن السنة قد استدارت كهيئتها يوم خلق الله السماوات ~~والأرض {منها أربعة حرم ذلك الدين القيم} » يعنى به الحساب القيم، فالحرم ~~رجب جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فسمي ذلك الحج الأقوم، ~~وقال الشاعر: # وأبطل ذو العرش النسي وقلمسا ... وفاز رسول الله بالحج الأقوم - انتهى # والقلمس بفتح اللام وتشديد الميم، فالنسيء في البيت متروك الهمز # PageV08P461 # ليصح الوزن، والأقوم منقول حركة الهمزة، وقوله: إن علة النسيء التطبيق ~~بين السنة الشمسية والقمرية - فيه نظر، والظاهر أن علته ما ذكر في السير من ~~اضطرارهم إلى القتال، وأمر الاستدارة في كل من هذه الأقوال واضح الاستنارة، ~~وليس المراد بها مصادفة كل فصل من فصول السنة لموضعه من الحر والبر، ~~ومصادفة اسم كل شهر لمسماه بحسب اشتقاقه حتى يكون رمضان في شدة الحر مثلا ~~وكذلك غيره وإن كان الواقع ms1890 أن الأمر كان في هذه الحجة كذلك، لما تقدم من أن ~~غزوة تبوك كان ابتداؤها في شهر رجب، وكان ذلك كما تقدم في شدة الحر وحين ~~طابت الثمار، وإنما المراد الأعظم بالاستدارة مصادفة اسم كل شهر لمسماه لا ~~لمسمى شهر آخر لأجل الدوران بالنسيء بدليل أنه صلى الله عليه وسلم ما ذكر ~~إلا لأجله، فقال في بعض طرق حديث جابر الطويل رضي الله عنه: «إن النسيء ~~زيادة في الكفر، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات ~~والأرض، السنة اثنا عشر شهرا» فانظر إلى تعقيبه بحصر الأشهر في الاثنى عشر ~~نفيا لجعلهم إياها سنة النسيء ثلاثة عشر شهرا، وقال: منها أربعة حرم، ~~وعينها وقال: أي شهر هذا؟ فلما سكتوا قال: ذو الحجة شهر حرام، كل هذا لبيان ~~أن المراد بالاستدارة رجوع كل شهر عما غيره أهل الجاهلية إلى موضعه الذي ~~وضعه الله به موافقا اسمه لمسماه، وجعلت أشهرنا هلالية مع المنع من النسيء ~~لتحصل الاستدارة فيحصل بسببها كل عبادة تعبدنا بها # PageV08P462 # من صوم وعيد وحج وغيره في كل فصل من فصول السنة بخلاف من شهوره بالحساب، ~~فإن عباداتهم خاصة بوقت من السنة لا تتعداه - والله الموافق له، وقال ~~القاضي أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره، حثنا ابن أبي عمر ثنا ~~سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس قال؛ الشهر الذي انتزعه الله من الشيطان ~~المحرم. # والحاصل أنه لا شك في أن النسيء لم يكن قط إلا للمحرم لما تقدم، وان الحج ~~لم يكن قط في جاهلية ولا إسلام إلا في شهر يسمى ذا الحجة لما قاله نقلة ~~اللغة والحديث والأخبار، قال ابن الأثير في النهاية ونشوان اليمني في شمس ~~العلوم والقزاز في ديوانه وابن مكتوم في ترتيب العباب والمحكم: ذو الحجة ~~بالكسر: شهر الحج، زاد المحكم: سمي بذلك للحج، وقال القزاز؛ إن الفتح فيه ~~أشهر، وفي النهاية: يوم التروية هو الثامن من ذي الحجة، سمى به لأنهم كانوا ~~يرتوون فيه من الماء لما بعده، أي يستقون ويسقون؛ ms1891 وقال المجد في القاموس: ~~يوم عرفة التاسع # PageV08P463 # من ذي الحجة، وفي كتاب أسواق العرب لأبي المنذر هشام بن محمد الكلبي ~~رواية أبي سعيد السكري أن عكاظ كانت من أعظم أسواق العرب. فإذا أهل أهلها ~~هلال ذي الحجة ساروا بأجمعهم إلى ذي المجاز وهي قريب من عكاظ، وعكاظ في ~~أعلى نجد، فأقاموا بها حتى التروية، ووافاهم بمكة حجاج العرب ورؤوسهم ممن ~~أراد الحج بمن لم يكن شهد تلك الأسواق. قال الأزرقي في تاريخ مكة: فإذا ~~رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز فأقاموا بها ثماني ليال أسواقهم ~~قائمة، ثم يخرجون يوم التروية في ذي المجاز إلى عرفة فيتروون ذلك اليوم من ~~الماء بذي المجاز، وإنما سمي يوم التروية لترويهم الماء بذي المجاز، ينادي ~~بعضهم بعضا: ترووا من الماء، إنه لا ماء بعرفة ولا بالمزدلفة يومئذ، ثم ذكر ~~أنه لا يحضر ذلك إلا التجار، قال: ومن لم يكن له تجارة فإنه يخرج من أهله ~~متى أراد، ومن كان من أهل مكة ممن لا يريد التجارة خرج من مكة يوم التروية. ~~وروى البيهقي في دلائل النبوة بسندة عن عروة وموسى بن عقبة - فرقهما - ~~قالا: وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة من الجعرانة في ذي ~~القعدة، ثم أسند عن ابن إسحاق انه قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من عمرته انصرف # PageV08P464 # راجعا إلى المدينة، واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل ~~يفقه الناس في الدين ويعلمهم، فكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~ذي القعدة أو في الحجة، وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب يحج عليه، ~~وحج تلك السنة عتاب بن أسيد سنة ثمان، وحديث اعتماره صلى الله عليه وسلم في ~~ذي العقدة رواه الشيخان ومضى على ما كانت العرب من الطواف عراة ونحوه؛ ~~وذكره الواقدي عن مشايخ قالوا: وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فأقام بالجعرانة ثلاث ~~عشرة ms1892 ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج من الجعرانة ليلة الأربعاء ~~لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا فأحرم - فذكرعمرته ثم قال: ~~واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معاذ بن ~~جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما يعلمان الناس القرآن والفقه في ~~الدين، وأقام للناس الحج عتاب بن أسيد رضي الله عنه عن تلك السنة وهي سنة ~~ثمان، وحج ناس من المسلمين والمشركين على مدتهم، وقدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة يوم الجمعه لثلاث بقين من ذي القعدة، قال الواقدي: فأقام ~~بقية ذي القعدة وذا الحجة، فلما رأى هلال المحرم بعث المصدقين - انتهى. # إذا تقرر هذا علم أن الحج لم يكن قط إلا في شهر يسمونه ذا الحجة، وهو مما ~~لا يدور # PageV08P465 # في خلد ولا يقع في وهم فيه تردد، ولا يحتاج إلى تطويل بذكره ولا إطناب في ~~أمره، وتارة يوافق اسمه مسماه وتارة لا يوافقه لأجل النسيء، وعلم أيضا أن ~~حج عتاب بن أسيد كان في ذي الحجة بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الجعرانة إلى المدينة الشريفة، أنه ما تأخر عن ذي الحجة إلا لنقل، وأن حج ~~أبي بكر رضي الله عنه سنة تسع كان ذي الحجة لذلك ولما تقدم من أن سفره له ~~من المدينة الشريفة كان آخر ذي القعدة أو أول ذي الحجة ولقولهم: إن الأربعة ~~الأشهر التي ضربت للمشركين من يوم النحر ولقولهم: إن الأربعة الأشهر كان ~~آخرها عاشر ربيع الآخر، وعلم أن ذا الحجة تلك السنة لو كان وافق مسمى ذي ~~القعدة لم يقع ذو الحجة سنة عشر التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم في ~~موضعه الذي وضعه الله به إلا بأن تكون تلك السنة ثلاثة عشر شهرا بنسيء أو ~~غيره، وكل من الأمرين باطل، أما الأول فلأن الله تعالى أبطل النسيء في تلك ~~السنة فيما أبطله من أمور الجاهلية في هذه السورة، وأرسل النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالمناداة ms1893 بها كما مر، وأما الثاني فهو أمر خارق للعادة لم يكن ~~مثله من حين خلق الله السماوات والأرض، والخارق مما تتوفر الدواعي [على] ~~نقله، ولا ناقل لهذا أصلا فبطل، وإذا بطل ثبت أن سنة عشر كانت اثني عشر # PageV08P466 # شهرا ولا سيما بعد إنزال الله تعالى في ذلك ما أنزل في هذه السورة، وإذا ~~كان الأمر كذلك كان الشهر الذي وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم في موضع ~~الشهر الذي وقف فيه الصديق رضي الله عنه سواء بسواء، وقد ثبت أن الزمان كان ~~فيه قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، فثبت من غير مرية أن ~~شهر الصديق رضي الله عنه كذلك كان، وثبت أيضا أن سنة عتاب ابن أسيد رضي ~~الله عنه كذلك كانت بما قدمت من أنه لم يكن فيها نسيء لتوافق حج المسلمين ~~والمشركين في سنة تسع. # فدل ذلك على أنها كانت اثنى عشر شهرا، فكان ذو الحجة فيها في موضعه الذي ~~وضعه الله به كما كانت سنة تسع، بل ظاهر قوله أبي عبيد: فقام الإسلام وقد ~~رجع المحرم إلى موضعه - كما مضى - أن الله حفظ زمن الإسلام كله عن نسيء، ~~وهو الذي اعتقده، وقد لاح بذلك أن السبب في قول من قال: إن حج الصديق رضي ~~الله عنه وافق ذا القعدة، أنه فهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن ~~الزمان قد استدار» أن الاستدارة لم تكن إلا في تلك السنة وليس ذلك مدلول ~~هذا التركيب ما لا يخفي والله الوفق: ثم وجدت النقل الصريح في زوائد معجمي ~~الطبراني: الأوسط والأصغر للحافظ نور الدين الهيثمي بمثل ما فهمته، قال في ~~تفسير براءة: حدثنا إبراهيم - يعني ابن هشام - البغوي ثنا الصلت بن مسعود ~~الجحدري ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ثنا دواد بن أبي هند عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده يعني # PageV08P467 # عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كانت العرب يحلون عاما شهرا وعاما ~~شهرين ولا يصيبون الحج إلا في كل ms1894 ست وعشرين سنة مرة، وهو النسيء الذي ذكره ~~الله عز وجل في كتابه، فلما كان عام حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس وافق ~~ذلك العام الحج فسماه الله الحج الأكبر، ثم حج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» لم يروه ~~عن عمرو إلا داود تفرد به الصلت - انتهى. وهو حديث حسن إن شاء الله تعالى، ~~ثم رأيت الهيثمي في مجمع الزوائد قال: رجاله ثقات، فأكد ذلك الجزم بما فهمت ~~من أنه حسن، وإنما أطلت هذا بما قد لا يحتاج في إيضاحه إليه لكثرة جدال ~~المجادلين المعاندين ومحال المماحلين الجامدين. # PageV08P468 # ولما أوعز سبحانه في أمر الجهاد، وأزاح جميع عللهم وبين أن حسنه لا يختص ~~به شهر دون شهر وأن بعضهم كان يحل لهم ويحرم فيتبعونه بما يؤدي إلى تحريم ~~الشهر الحلال وتحليل الشهر الحرام بالقتال فيه، عاتبهم الله سبحانه على ~~تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمر لهم بالنفر في غزوة تبوك عن ~~أمره سبحانه، وكان ابتداؤها في شهر رجب سنة تسع، فقال تعالى على سبيل ~~الاستعطاف والتذكير بنعمة الإيمان # PageV08P468 # بعد ختم التي قبلها بأنه لا يهدي الكافرين - الذي يعم الحرب وغيره الموجب ~~للجرأة عليهم [لأن لا هداية له أعمى، والأعمى لا يخشى] : {يا أيها الذين ~~آمنوا} أي ادعوا ذلك {ما لكم} أي ما الذي يحصل لكم في أنكم {إذا قيل لكم} ~~أي من أي قائل كان {انفروا} أي اخرجوا مسرعين بجد ونشاط جماعات ووحدانا ~~إمدادا لحزب الله ونصرا لدينه تصديقا لدعواكم الإيمان، والنفر: مفارقة مكان ~~إلى مكان لأمر هاج على ذلك {في سبيل الله} أي بسبب تسهيل الطريق إلى الملك ~~الذي له جميع صفات الكمال، وقال ابو حيان: بني «قيل» للمفعول والقائل النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولم يذكر إغلاظا ومخاشنة لهم وصونا لذكره إذ أخلد إلى ~~الهوينا والدعة من أخلد وخالف أمره - انتهى. ms1895 {اثاقلتم} أي تثاقلتم تثاقلا ~~عظيما، وفيه ما لم يذكروا له سببا ظاهرا بما أشار إليه الإدغام إخلادا ~~وميلا {إلى الأرض} أي لبرد ظلالها وطيب هوائها ونضج ثمارها، فكنتم أرضيين ~~في سفول الهمم، لا سمائيين بطهارة الشيم. # ولما لم يكن - في الأسباب التي تقدم أنها كانت تحمل على التباطؤ عن ~~الجهاد - ما يحتمل القيام بهم في هذه الغزوة إلا الخوف من القتل والميل إلى ~~الأموال الحاضرة وثوقا بها والإعراض عن الغنى الموعود به # PageV08P469 # الذي ربما يلزم من الإعراض عنه التكذيب، فيؤدي إلى خسارة الآخر، هذا مع ~~ما يلزم على ذلك - ولا بد - من الزهد في الأجر المثمر لسعادة العقبى بهذا ~~الشيء الخسيس؛ قال مبينا خسة ما أخلدوا إليه تزهيدا فيه وشرف ما أعرضوا عنه ~~ترغيبا منبها على أن ترك الخير الكثير لأجل الشر اليسير شر عظيم منكرا على ~~من تثاقل موبخا لهم: {أرضيتم بالحياة الدنيا} أي بالخفض والدعة في الدار ~~الدنية الغارة {من الآخرة} أي الفاخرة الباقية؛ قال أبو حيان: و «من» ~~تظافرت أقوال المفسرين أنها بمعنى بدل، وأصحابنا لا يثبتون أن من تكون ~~للبدل - انتهى. والذي يظهر لي أنهم لم يريدوا أنها موضوعة للبدل، بل إنه ~~يطلق عليها لما قد يلزمها في مثل هذه العبارة من ترك ما بعدها لما قبلها ~~فإنها لابتداء الغاية، فإذا قلت: رضيت بكذا من زيد، كان المعنى أنك أخذت ~~ذلك أخذا مبتدئا منه غير ملتفت إلى ما عداه، فكأنك جعلت ذلك بدل كل شيء ~~يقدر أنه ينالك منه من غير ذلك المأخوذ. # ولما كانوا قد أعطوا الآخرة على الأتباع فاستبدلوا به الامتناع، كان ~~إقبالهم على الدنيا كأنه مبتدىء مما كانوا قد توطنوه من الآخرة مع الإعراض ~~عنها، فكأنه قيل: أرضيتم بالميل إلى الدنيا من الآخرة؟ ويؤيد ما فهمته أن ~~العلامة علم الدين أبا محمد القاسم بن الموفق الأندلسي ذكر في شرح الجزولية # PageV08P470 # انهم عدوا ل {من} خمسة معان كلها ترجع إلى ابتداء الغاية عند المحققين، ~~وبين كيفية ذلك حتى البيانية، فمعنى {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} ms1896 [الحج: ~~30] الذي ابتداؤه من الأوثان، لأن الرجس جامع للأوثان وغيرها. # ولما كان الاستفهام إنكاريا كان معناه النهي، فكان تقدير: لا ترضوا بها ~~فإن ذلك أسفه رأي وأفسده! فقال تعالى معللا لهذا النهي: {فما} أي بسبب أنه ~~ما {متاع الحياة الدنيا في} أي مغمورا في جنب {الآخرة إلا قليل*} والذي ~~يندب هم المتجر ويدعي البصر به ويحاذر الخلل فيه يعد فاعل ذلك سفيها. # ولما كان طول الاستعطاف ربما كان مدعاة للخلاف وترك الإنصاف، توعدهم ~~بقوله: {إلا تنفروا} أي في سبيله {يعذبكم} أي على ذلك {عذابا أليما*} أي في ~~الدارين {ويستبدل} أي يوجد بدلا منكم {قوما غيركم} أي ذوي بأس ونجدة ~~مخالفين لكم في الخلال التي كانت سببا للاستبدال لولايته ونصر دينه. # ولما هددهم بما يضرهم، أخبرهم أنهم لا يضرون بفتورهم غير أنفسهم فقال: ~~{ولا تضروه} أي الله ورسوله {شيئا} لأنه متم أمره ومنجر وعده ومظهر دينه؛ ~~ولما أثبت بذلك قدرته على ضره لهم وقصورهم عن الوصول إلى ضره، كان التقدير: ~~لأنه قادر على نصر دينه # PageV08P471 # ونبيه بغيركم، فعطف عليه تعميما لقدرته ترهيبا من عظيم سطوته قوله: ~~{والله} أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة {على كل شيء قدير*} . # ولما وصف سبحانه نفسه الأقدس بما هو له أهل من شمول القدرة وعظيم البأس ~~والقوة، أتبع ذلك بدليل يتضمن أن المستنفر لهم - وهو نبيه صلى الله عليه ~~وسلم - غير محتاج إليه ومتوقف نصره عليهم كما لم يحتج إليهم - بحياطة ~~القادر له - فيما مضى من الهجر التي ذكرها، وأن نفع ذلك إنما هو لهم ~~باستجلاب ما عدوه واستدفاع ما أوعدوه في الدارين المشار إلى ذلك كله بقوله ~~{فما متاع الحياة الدنيا} الآية وقوله {إلا تنفروا} - الآية، فقال: {إلا ~~تنصروه} أي أنتم طاعة لأمر الله، والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم إما على ~~طريق الاستخدام من سبيل الله لأنه الموضح له الداعي إليه، أو لتقدم اسمه ~~الشريف إضمارا في قوله {إذا قيل لكم} أي من رسول الله صلى عليه وسلم ~~استنصارا منه لكم، وإظهارا في قوله ms1897 تعالى # {هو الذي أرسل رسوله} [التوبة: 34] الاية وقوة ما في كل جملة من المناسبة ~~المقتضية لأن تعانق التي بعدها ولا تنفك عنها قصر الفصل بين الظاهر وضميره، ~~وذكر الغاز والصاحب أوضح الأمر. وذلك أنه سبحانه لما عابهم باتخاذ الرؤساء ~~أربابا اشتدت # PageV08P472 # الحاجة إلى بيان أنهم في البعد عن ذلك على غاية لا تخفى على متأمل، ~~فوصفهم بالأكل المستلزم للجسمية المستلزمة للحاجة، وبأن مأكولهم أموال ~~غيرهم باطلا، وبأنهم يغشونهم لصدهم إياهم عن السبيل التي لا يخفى حسنها على ~~من له أدنى نظر؛ ولما كان ذلك شديد الإثارة لتشوف النفوس إلى السؤال عن ~~العرب: هل فعلوا فعلهم واتبعوا سنتهم؟ أجاب بأن عملهم في تحليل النسأة لهم ~~بعض الأشهر الحرم وتحريم بعض أشهر الحل والزيادة في عدة أشهر السنة كعملهم ~~سواء. # ولما أمر بقتال المشركين كافة وحثهم على التقوى، وكان بعضهم قد توانى في ~~ذلك، اشتد اقتضاء الحال لمعاتبة على التثاقل عن النفر، فلما تم ذلك في هذا ~~الأسلوب البديع والطراز الرفيع حث على نصر الرسول الذي أرسله ليظهره على ~~الدين كله فقال جوابا للشرط: {فقد} أي إن لم يتجدد منكم له نصر فإن الله ~~قادر على نصره وسينصره ويغنيه عنكم ولا تضرون إلا أنفسكم فقد {نصره الله} ~~أي الملك الأعظم وحده والأمر في غاية الشدة، ولا شك عند عاقل أن المستقبل ~~عنده كالماضي {إذ} أي حين {أخرجه الذين} وعبر بالماضي لأن فيهم من أسلم بعد ~~ذلك فقال: {كفروا} أي من مكة وهم في غاية التمالؤ عليه حين شاوروا في قتله ~~أو إخراجه او إثباته، فكان ذلك سببا لإذن الله له في الخروج من بينهم حال ~~كونه {ثاني اثنين} أي أحدهما أبو بكر رضي الله عنه ولا ثالث لهما ينصرهما ~~إلا الله {إذ هما في الغار} # PageV08P473 # أي غار ثور الذي في أعلى الجبل المواجه للركن اليماني بأسفل مكة على ~~مسيرة ساعة منها لما كمنا به ثلاث ليال ليفتر عنهما الطلب، وذلك قبل أن ~~يصلا إليكم أو يعولا في النصر عليكم {إذ يقول} أي ms1898 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {لصاحبه} أي أبي بكر الصديق رضي الله عنه وثوقا بربه غير منزعج من شيء ~~{لا تحزن} والحزن: هم غليظ بتوجع يرق له القلب، حزنه وأحزنه بمعنى؛ وقال في ~~القاموس: أو أحزنه: جعله حزينا، وحزنه: جعل فيه حزنا؛ ثم علل نهيه لصاحبه ~~بقوله معبرا بالاسم الأعظم مستحضرا لجميع ما جمعه من الأسماء الحسنى ~~والصفات العلى التي تخضع دونها صلاب الرقاب وتندك بعظمتها شوامخ الجبال ~~الصلاب {إن الله} أي الذي له الأمر كله {معنا} أي بالعون والنصرة، وهو كاف ~~لكل مهم، قوي على دفع ملم، فالذي تولى نصره بالحراسة في ذلك الزمان كان ~~قادرا على أن يأمر الجنود التي أيده بها أن تهلك الكفار في كل موطن من غير ~~أن يكون لكم في ذلك أمر أو يحصل لكم به أخر، وكما أنه كان موجودا في ذلك ~~الزمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى هو على ذلك في هذا الزمان وكل زمان، ~~فتبين كالشمس أن النفع في ذلك إنما هو خاص بكم، وأنه سبحانه ما رتب هذا كله ~~على هذا المنوال إلا لفوزكم، وفي هذه الآية من التنويه بمقدار الصديق ~~وتقدمه وسابقته في الإسلام وعلو # PageV08P474 # منصبه وفخامة أمره ما لا يعلمه إلا الذي أعطاه إياه؛ قال أبو حيان وغيره: ~~قال العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه كفر لإنكاره كلام الله، ~~وليس ذلك لسائر الصحابة. # ولما # كان # رضي # الله # عنه # نافذ البصيرة في المعارف الإلهية، راسخ القدم في ذلك المقام لذلك لم ~~يتلعثم من أول الأمر في عناد جميع العباد بخاع الأنداد، ثم تدرب فيه مترقيا ~~لثلاث عشرة سنة، وكان الذي به من القلق إنما هو الخوف من أن يحصل للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أذى فيدركه من الحزن لذلك ما يهلكه قبل سروره بظهور الدين ~~وقمع المعتدين، ولم يكن جنبا ولا سوء ظن، لما كان ذلك كذلك كان رضي الله ~~عنه حقيقا لحصول السكينة له عند سماع اسم الشريف الأعظم الدال على ذلك ~~المقام المذكر بتلك ms1899 العظمة التي يتلاشى عندها كل عظيم، ويتصاغر في جنبها كل ~~كبير، ولذلك ذكر هذا الاسم الأعظم وقدم، وأشرك الصديق في المعية وبدأ ~~بالنهي عن الحزن لأنه المقصود بالذات ومابعده علة له. وأما بنو إسرائيل فلم ~~يكن عندهم من المعرفة إلا ما شاهدوا من إحسانه تعالى إلى موسى عليه السلام ~~بإظهار تلك الآيات على يده حتى استنقذهم بها مما كانوا فيه، ومنع # PageV08P475 # موسى عليه السلام مع وحدته من سطوات فرعون على عظمته وما كان يواجهه به ~~من المكروه، فلما رأوا جموعه مقبلة كان حالهم مقتضيا للسؤال عن ذلك المحسن ~~بإظهار تلك الآيات: هل هو مع موسى عليه السلام على ما كان عليه فيمنعهم ام ~~لا؟ فلذلك قد إنكار الإدراك ثم إثبات المعية على سيبل الخصوص به، وعبر عن ~~الإله باسم الرب الدال على ذلك الإحسان المذكر به فقال {كلا إن معي ربي} ~~[الشعراء: 62] فكأن قيل: ماذا يفعل والبحر أمامنا والعدو وراءنا؟ فقال ~~«سيهدين» أي إلى ما أفعل، يعرف ذلك من كان متضلعا بالسير وقصص بني إسرائيل ~~على ما ذكرتها في الأعراف عن التوارة، مستحضرا لأن الصديق رضي الله عنه كان ~~في صعودهما إلى الغار يذكر الرصد فيتقدم النبي صلى الله عليه وسلم ليفتديه ~~بنفسه ثم يذكر الطلب فيتأخر ثم يذكر ما عن اليمين والشمال فينتقل إليهما، ~~ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قتلت أنا فأنا رجل واحد، وإن قتلت أنت ~~هلكت الأمة، وأنه كان عارفا بأن الله تعالى تكفل بإظفار الدين على يد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المتضمن لحراسة نفسه الشريفة قبل ذلك، ولذلك كان ~~به في هذا اليوم من القلق ما ذكر، وكان عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~أثبت الناس، ولذلك أتى بالفاء المعقبة في قوله: {فأنزل الله} أي الملك ~~الأعظم {سكينته} # PageV08P476 # أي السكون المبالغ فيه المؤثر للنسك {عليه} أي الصديق - كما قاله ابن ~~عباس رضي الله عنهما - لأن السكينة لم تفارق النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ~~عطف على نصره الله قوله: {وأيده} أي ms1900 النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف ~~الضمائر هنا لا يضر لأنه غير مشتبه {بجنود لم تروها} أي من الملائكة الكرام ~~{وجعل كلمة} أي دعوة {الذين كفروا} أي أوقعوا الكفر من آمن منهم بعد ذلك ~~وغيره {السفلى} فخيب سعيهم ورد كيدهم، ثم ابتدأ الإخبار بما له سبحانه على ~~الدوام من غير انقطاع أصلا في وقت من الأوقات فقال: {وكلمة الله} أي الذي ~~له الإحاطة الكاملة بكل شيء، ونصبها يعقوب عطفا على ما سبق {هي العليا} أي ~~وحدها، لايكون إلا ما يشاءه دائما أبدا، فالله قادر على ذلك {والله} أي ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما {عزيز} أي مطلقا يغلب كل شيء من ذلك وغيره ~~{حكيم*} لا يمكن أن ينقض شيء من مراده لما ينصب من الأسباب التي لا مطمع ~~لأحد في مقاومتها فلا محيص عن نفوذها. # ولما بلغت هذه الماعظ من القلوب الواعية مبالغا هيأها به للقبول، أقبل ~~عليها سبحانه بالأمر فقال: {انفروا خفافا وثقالا} والمراد بالخفة كل ما ~~يكون سببا لسهولة الجهاد والنشاط إليه، وبالثقل كل ما يحمل على الإبطاء ~~عنه؛ وقال أبو حيان: والخفة والثقل هنا مستعار لمن يمكنه السفر بسهولة ومن ~~يمكنه بصعوبة، وأما من لا يمكنه كالأعمى # PageV08P477 # ونحوه فخارج عن هذا - انتهى. قال البغوي: قال الزهري: خرج سعيد بن المسيب ~~رحمه الله الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر فقال: ~~استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع؛ ~~وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند صحيح عن أنس أن أبا طلحة رضي الله ~~عنهما قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال: لا أرى ربي يستنفرني شابا ~~وشيخا! جهزوني، فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام ~~فما تغير، {وجاهدوا} أي أوقعوا جهدكم ليقع جهد الكفار. # ولما كانت هذه الآية في سياق المعاتبة لمن تثاقل إلى الأرض عن الجهاد عند ~~الاستنفار في غزوة تبوك، وكان سبب التثاقل ما كان في ذلك ما كان في ذلك ~~الوقت من ms1901 العسرة في المال والشدة بالحر وما كان من طيب الظلال في أراضي ~~الجنان وقت الأخذ في استواء الثمار - كما هو مشهور في السير؛ اقتضى المقام ~~هنا تقديم المال والنفس بخلاف ما مضى فإن الكلام كان في المفاضلة بين ~~الجهاد في سبيل الله وخدمة البيت ومن يحجه في هذه السورة التي صادف وقت ~~نزولها بعد مواطن الجهاد وطول المفارقة للأموال، والأولاد وقدم المال لأن ~~النظر إليه من وجهين: # PageV08P478 # قلته، ومحبة الإقامة في الحدائق أيثارا للتمتع بها وخوفا من ضياعها مع أن ~~بها قوام الأنفس، فصار النظر إليها هو الحامل على الشح بالأنفس فقال تعالى: ~~{بأموالكم وأنفسكم} أي بهما معا على ما أمكنكم أو بأحدهما {في سبيل الله} ~~أي الملك الأعلى أي حتى لا يبقى منه مانع {ذلكم} أي الأمر العظيم {خير} أي ~~في نفسه حاصل {لكم} أي خاص بكم، ويجوز أن يكون أفعل تفضيل بمعنى أن عبادة ~~المجاهد بالجهاد خير من عبادة القاعد بغيره كائنا ما كان، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم لمن سأله: هل يمكن بلوغ درجة المجاهد؟ فقال: هل تستطيع أن تقوم ~~فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟ وختم الآية بقوله: {إن كنتم تعلمون*} إشارة إلى ~~أن هذا الأمر وإن كان عاما فإنما ينتفع به ذوو الأذهان الصافية والمعالم ~~الوافية، فإن العلم - ولا يعد علما إلا النافع - يحث على العمل وعلى إحسانه ~~باخلاص النية وتصحيح المقاصد وتقوية العزم وغير ذلك وضده يورث ضده. # PageV08P479 # ولما كان هذا العتاب مؤذنا بأن فيهم من تباطأ عن الجهاد اشتغالا بنحو ~~الأموال والأولاد، وكان ما اشتملت عليه هذه الآيات من الأوامر والزواجر ~~والمواعظ جدير: بأن يخفف كل متثاقل وينشط كل متكاسل، تشوفت النفوس إلى ما ~~اتفق بعد ذلك فأعلم سبحانه به في أساليب البلاغة المخبرة عن أحوال القاعدين ~~وأقاصيص الجامدين المفهمة ان هناك من # PageV08P479 # غلب عليه الشقاء فلم ينتفع بالمواعظ، فالتفت من لطف الإقبال إلى تبكيت ~~المتثاقلين بأسلوب الإعراض المؤذن الغضب المحقق للسخط المبين لفضائحهم ~~المبعثر لقبائحهم المخرج لهم ما دخلوا فيه من عموم ms1902 الدعاء باسم الإيمان ~~فقال: {لو كان} أي ما تدعوا إليه {عرضا} أي متاعا دنيويا {قريبا} أي سهل ~~التناول {وسفرا قاصدا} أي وسطا عدلا مقاربا {لا تبعوك} أي لأجل رجاء العرض ~~مع سهولة السفر لأن هممهم قاصرة ومنوطة بالحاضر {ولكن} أي لم يتبعوك تثاقلا ~~إلى الأرض ورضى بالفاني الحاضر من الباقي الغائب لأنها {بعدت عليهم الشقة} ~~أي المسافة التي تطوى بذرع الأرجل بالمسير فيحصل بها النكال والمشقة فلم ~~يواز ما يحصل لهم بها من التعب ما يرجونه من العرض، فاستأذنوك، وفي هذا ~~إشارة إلى ذمهم بسفول الهمم ودناءة الشيم بالعجز والكسل والنهم والثقل، ~~وإلى أن هذا الدين متين لا يحمله إلا ماضي الهم صادق العزم كما قال الشاعر: # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... وأعرض عن ذكر العواقب جانبا # فلله در أولي العزائم والصبر على الشدائد والمغارم! ولما ذمهم بالشح ~~بالدنيا، أتبعه وصمهم بالسماح بالدين فقال مخبرا عما سيكون منهم علما من ~~أعلام النبوة: {وسيحلفون} أي المتخلفون باخبار محقق لا خلف فيه {بالله} أي ~~الذي لا أعظم منه عند رجوعكم إليهم جمعا إلى ما انتهكوا من حرمتك بالتخلف ~~عنك لانتهاك حرمة الله # PageV08P480 # بالكذب قائلين: والله {لو استطعنا} أي الخروج إلى ما دعوتمونا إليه ~~{لخرجنا معكم} يحلفون حال كونهم {يهلكون أنفسهم} أي بهذا الحلف الذي يريدون ~~به حياتها لأنهم كذبوا فيه فانتهكوا حرمة اسم الله {والله} أي والحال أن ~~الملك الأعظم المحيط علما وقدرة سبحانه {يعلم إنهم لكاذبون*} فقد جمعوا بين ~~إهلاك أنفسهم والفضيحة عند الله بعلمه بكذبهم في انهم غير مستطيعين، وجزاء ~~الكاذب في مثل ذلك الغضب المؤيد الموجب للعذاب الدائم المخلد. # ولما بكتهم على وجه الإعراض لأجل التخلف والحلف عليه كاذبا، أقبل إليه ~~صلى الله عليه وسلم بالعتاب فبي لذيذ الخطاب على الاسترسال في اللين لهم ~~والائتلاف وأخذ العفو وترك الخلاف إلى هذا الحد، فقال مؤذنا بأنهم ما ~~تخلفوا إلا بإذنه صلى الله عليه وسلم لأعذار ادعوها كاذبين فيها كما كذبوا ~~في هذا الحلف، مقدما للدعاء على العتاب لشدة الاعتناء ms1903 بشأنه واللطف به صلى ~~الله عليه وسلم: {عفا الله} أي ذو الجلال والإكرام {عنك} وهذا كما كانت ~~عادة العرب في مخاطبتهم لأكابرهم بأن يقولوا: أصلح الله الأمير، والملك - ~~ونحو ذلك. # ولما كان من المعلوم أنه لا يأذن إلا لما يرى أنه يرضي الله من تألفهم ~~ونحوه، بين أنه سبحانه يرضى منه ترك الإذن فقال كناية عن ذلك: {لم أذنت ~~لهم} أي في التخلف عنك تمسكا بما تقدم من الأمر باللين لهم والصفح عنهم ~~موافقا لما جبلت عليه من محبة الرفق، وهذا إنما # PageV08P481 # كان في أول الأمر لخوف التنازع والفتنة، وأما الآن فقد علا الدين وتمكن ~~أمر المؤمنين فالمأمور به الإغلاط على المنافقين فهلا تركت الإذن لهم {حتى ~~يتبين لك} أي غاية البيان {الذين صدقوا} أي في التزام الأوامر بما أقروا به ~~من كلمة التوحيد {وتعلم الكاذبين*} أي فيما أظهروا من الإيمان باللسان، ~~فإنك إن لم تأذن لهم لقعدوا بلا إذن غير مراعين ميثاقهم الذي واثقوك عليه ~~بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره؛ قال أبو حيان: و {حتى} غاية ~~الاستفهام - انتهى. وذلك لأنه وإن كان داخلا على فعل مثبت فمعناه النفي، أي ~~ما لك لم تحملهم على الغزو معك ليتحقق بذلك الحمل من يطيع ومن يعصي، ~~فالحاصل أن الذي فعله صلى الله عليه وسلم حسن موافق لما أمره الله به فإنه ~~لا ينطبق عن الهوى بل عن أمر الله إما بإيحاء واصل جديد، أو استناد إلى وحي ~~سابق حاصل عتيد، والذي أشار إليه سبحانه أحسن مثل {ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك} [الفتح: 2] من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» ومن باب ~~الترقية من مقام عال إلى مقام اعلى تسييرا فيهم بالعدل لما انكشف أنهم ~~ليسوا بأهل الفضل؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في آخر كتاب العروة في ~~تفاوت وجه الخطاب فيما بين # PageV08P482 # ما أنزل على وفق الوصية أو أنزل على حكم الكتاب: اعلم أن الله سبحانه بعث ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بالرحمة لجميع العالمين وخلقه بالعفو والمعروف، ~~كما ورد ms1904 في الكتب السابقة من قوله تعالى: «وأجعل العفو والمعروف خلقه» ~~وبذلك وصاه كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أوصاني ربي من غير ~~ترجمان ولا واسطة بسبع خصال: بخشية الله في السر والعلانية، وأن أصل من ~~قطعني، وأصفح عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ~~ونظري عبرة» . # فكان فيما أوصاه به ربه تبارك وتعالى من غير ترجمان ولا واسطة أن يصل من ~~قطعة ويصفح عمن ظلمه، ولا أقطع له ممن كفر به وصد عنه، فكان هو صلى الله ~~عليه وسلم - بحكم ما بعث به وجبل عليه ووصى به - ملتزما للعفو عمن ظلمه ~~والوصل لمن قطعه إلا أن يعلن عليه بالإكراه على ترك ذلك والرجوع إلى حق ~~العدل والاقتصاص والانتصاف المخالف لسعة وصيته الموافق لما نقل من أحكام ~~سنن الأولين في مؤاخذتهم بالحق والعدل إلى جامع شرعته ليوجد فيها نحو مما ~~تقدم من الحق والعدل وإن قل، ولتفضل شرعته بما اختص هو به صلى الله عليه ~~وسلم من البعثة بسعة الرحمة والفضل # {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 9] ، {وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم} [الأنفال: 33] فمن القرآن # PageV08P483 # ما أنزل على الوجه الذي بعث له وجبل عليه ووصى به نحو قوله تعالى: {ادفع ~~بالتي هي أحسن السيئة} [المؤمنون: 96] وقوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] وقوله تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] ~~وقوله تعالى: {فاصفح الصفح الجميل} [الحجر: 85] وقوله تعالى {فاصفح عنهم ~~وقل سلام} [الزخرف: 89] وأصل معناه في مضمون قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول ~~من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم} [التوبة: 128] فما كان من المنزل ~~على هذا الوجه تعاضدت فيه الوصية والكتاب وقبله هو صلى الله عليه وسلم جبلة ~~وحالا وعملا ولم تكن له عنه وقفة لتظافر الأمرين وتوافق الخطابين: خطاب ~~الوصية، وخطاب الكتاب؛ وهذا الوجه من المنزل خاص بالقرآن العظيم الذي هو ~~خاص به صلى الله عليه وسلم، ms1905 لم يؤته أحد قبله {ولقد آتيناك سبعا من المثاني ~~والقرآن العظيم} [الحجر: 87] ومن القرآن ما أنزل على حكم العدل والحق ~~المتقدم فضله في سنن الأولين وكتب المتقدمين وإمضاء عدل الله سبحانه في ~~المؤاخذين والاكتفاء بوصل الواصل وإبعاد المستغني والإقبال على القاصد ~~والانتقام من الشارد، وذلك خلاف ما جبل الله عليه نبيه وما وصى به حبيبه ~~صلى الله عليه وسلم؛ فكان صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه - أي من الكتاب ~~- على مقتضى الحق وإمضاء # PageV08P484 # العدل ترقب تخفيفه وترجى تيسيره حتى يعلن عليه بالإكراه في أخذه والتزام ~~حكمه فحينئذ يقوم لله به ويظهر عذره في إمضائه فيكون له في خطاب ~~التشديدعليه في أخذه أعظم مدح وأبلغ ثناء من الله ضد ما يتوهمه الجاهلون، ~~فمما أنزل إنباء عن مدحه بتوقفه على إمضاء حكم العدل والحق رجاء تدارك ~~الخلق واستعطاف الحق ما هو نحو قوله تعالى: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن ~~لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف: 6] ونحو قوله تعالى: {لعلك باخع نفسك ~~ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3] نحو قوله تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك ~~بما يقولون} [الحجر: 97] ومما أنزل على وجه الإعلان عليه بما هو عليه من ~~الرحمة وتوقفه على الأخذ بسنن الأولين حتى يكره عليه ليقوم عذره ليقوم عذره ~~في الاقتصار على حكم الوصية وحال الجبلة ما هو نحو قوله تعالى: # {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ~~ربك} [هود: 17] ونحو قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99] ونحو قوله تعالى: {فإن كنت ~~في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ~~ربك فلا تكونن من الممترين} [يونس: 94] أي لا تتوقف لطلب الرحمة لهم كما - ~~يتوقف الممتري في الشيء أو الشاك فيه لما قد علم أنه لا بد لأمته # PageV08P485 # من حظ من مضاء كلمة العدل فيهم وحق كلمة العذاب عليهم وإجراء بعضهم دون ~~كلهم على ms1906 سنة من تقدمهم من أهل الكتب الماضية في المؤاخذة بذنوبهم وإنفاذ ~~حكم السطوة فيهم فأخذهم الله بذنوبهم {فكلا أخذنا بذنبه} [العنكبوت: 40] ~~ولم ينفعهم الرجوع عند مشاهدة الآيات {الآن وقد عصيت قبل} [يونس: 91] {لا ~~تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم} [الأنبياء: 13] وذلك أن كل ~~مطالع بالعذاب راجع - ولا بد - عن باطله حين لا ينفعه {وحرام على قرية ~~أهلكناها أنهم لا يرجعون} [الأنبياء: 95] {إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا ~~عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} [يونس: 98] لما أبطن تعالى في قلب نبيهم ~~عليه السلام عزما على هلاكهم، أظهر تعالى رحمة عليهم، ولما ملأ نبيه صلى ~~الله عليه وسلم رحمة لأمته: كافرهم ومؤمنهم ومنافقهم، أشار بآي من إظهار ~~مؤاخذتهم وأعلم بكف نبيه صلى الله عليه وسلم عن تألفهم وأحسبه بمؤمنهم دون ~~كافرهم ومنافقهم {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} ~~[الأنفال: 64] وكل ذلك معلوم عنده صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه بمضمون ~~قوله تعالى: {سنة من قد أرسلنا قبلك من # PageV08P486 # رسلنا} {سنة الله التي قد خلت من قبل} [الفتح: 23] ، {فما كانوا ليؤمنوا ~~بما كذبوا به من قبل} [يونس: 94] ، {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون ~~به وقد خلت سنة الأولين} [الحجر: 12-13] «ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حين ~~أنزل عليه {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} [يونس: 94] :» أما أنا فلا أشك ~~ولا أسأل «» ، لأنه قد علم جملة أمر الله أن منهم من يتداركه الرحمة ومن ~~يحق عليه كلمة العذاب، ولكنه لا يزال ملتزما لتألفهم واستجلابهم حتى يكره ~~على ترك ذلك بعلن خطاب نحو قوله تعالى: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما ~~يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما ~~عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى كلا إنها تذكرة ~~فمن شاء ذكره} [عبس: 1-12] ونحو قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا ms1907 ~~كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ~~واتقوا الله إن الله غفور رحيم} [الأنفال: 67- 69] فهذه الآي ونحوها يسمعها ~~العالم بموقعها على إكراه لنبي الرحمة حتى يرجع إلى عدل نبي الملحمة من ~~جملة أمداح القرآن له والشهادة بوفائه بعهد ووصية حتى تحقق له تسميته بنبي ~~الرحمة ثابتا على الوصية ونبي الملحمة إمضاء في وقت # PageV08P487 # لحكم الحق وإظهار العدل، فهو صلى الله عليه وسلم بكل القرآن ممدوح وموصوف ~~بالخلق العظيم جامع لما تضمنته كتب الماضين وما اختصه الله به من سعة ~~القرآن العظيم، فهذا وجه تفاوت ما بين الوصية والكتاب في محكم الخطاب؛ ~~والله سميع عليم - انتهى. # PageV08P488 # ولما فاته صلى الله عليه وسلم معرفتهم بهذا الطريق، شرع العالم بما في ~~الضمائر يصفهم له بما يعوض عن ذلك، فقال على طريق الجواب للسؤال: {لا ~~يستئذنك} أي يطلب إذنك بغاية الرغبة فيه {الذين يؤمنون بالله} أي يجددون ~~الإيمان كل وقت حقا من أنفسهم بالملك الذي له صفات الكمال {واليوم الآخر} ~~أي الذي يكون فيه الجزاء بالثواب والعقاب {أن} أي في أن {يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم} بل يبادرون إلى الجهاد عند إشارتك إليه وبعثك عموما عليه فضلا عن ~~أن يستأذنوك في التخلف عنه، فإن الخلص من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون: ~~لا نستأذنه صلى الله عليه وسلم أبدا في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد ~~مرة فأي فائدة في الاستئذان! ولنجاهدن معه بأموالنا وأنفسنا، وكانوا بحيث ~~لو أمرهم صلى الله عليه وسلم بالعقود شق عليهم كما وقع لعلي رضي الله عنه ~~في غزوة تبوك حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا ترضى أن تكون ~~مني بمنزلة هارون من موسى» ! ولما كان التقدير: فمن اتصف بذلك فاعلم أنه ~~متق بأخبار الله، عطف عليه # PageV08P488 # قوله: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {عليم بالمتقين*} أي الذين ~~يخافون الله كلهم. # ولما أخبر بالمتقين، عرف بغيرهم على وجه الحصر تأكيدا لتحقيق صفة العلم ~~بما أخبر به سبحانه، فصار الاستئذان منفيا عن ms1908 المؤمنين مرتين، فثبت ~~للمنافقين على أبلغ وجه {إنما يستئذنك} أي في مثل ذلك فكيف بالاستئذان في ~~التخلف! {الذين لا يؤمنون} أي يتجدد لهم إيمان {بالله} أي الملك الأعلى ~~الذي له نهاية العظمة إيمانا مستجمعا للشرائط {واليوم الآخر} لأنهم لا ~~يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا وإن ادعوا ولما كانت [هذه] صفة المصارحين ~~بالكفر، بين أن المراد المنافقون بقوله: {وارتابت قلوبهم} أي تابعت الوساوس ~~وتعمدت المشي معها حتى تخلقت بالشك؛ ولما كان الشاك لا يزال يتجاذبه حسن ~~الفطرة وسوء الوسوسة، قال: {فهم} أي فتسبب عن ذلك أنهم {في ريبهم يترددون*} ~~أي بين النفي والإثبات دأب المتحير لا يجزمون بشيء منهما وإن صدقوا أن الله ~~موجود فإن المشركين يصدقون بذلك ولكنه لا ينفعهم للإخلال بشرطه، وليس ~~استئذانهم في أن يجاهدوا لإرادة الجهاد بل توطئة لأن يقولوا إذا أمرتهم به: ~~إنه لا عدة لنا في هذا الوقت فائذن لنا في التخلف حتى نستعد! وقد كذبوا، ما ~~ذلك بهم، # PageV08P489 # إنما بهم أنهم لا يريدون الخروج معك {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له} أي ~~قبل حلوله {عدة} أي قوة واهبة من المتاع والسلاح والكراع بحيث يكونون ~~متصفين بما قدمت إليهم من التحريض على نحو ما وقع الأمر به في الأنفال ~~فيكونون كالحاضرين في صلب الحرب الواقفين في الصف قد استعدوا لها بجميع ~~عدتها {ولكن} لم يريدوا ذلك قط فلم يعدوا له عدة، فملا أمرت به شرعوا ~~يعتلون بعدم العدة وما ذاك بهم، إنما مانعم كراهتهم للخروج وذلك بسبب أن ~~{كره الله} أي ذو الجلال والإكرام بأن فعل فعل الكاره فلم يرد {انبعاثهم} ~~أي سيرهم معك مطاوعة لأمرهم بذلك لما علم من عدم صلاحيتهم له {فثبطهم} أي ~~حبسهم عنه حبسا عظيما بما شغلهم بما بما حبب إليهم من الشهوات وكره إليهم ~~من ارتكاب المشقات بسبب أنهم لا يرجون ثوابا ولا يخشون غير السيف عقابا، ~~قصروا هممهم الدنية على الصفات البهيمية، فلما استولت عليهم الشهوات ~~وملكتهم الأنفس الدنيات نودوا من قبلها: إلى أين تخرجون؟ {وقيل} أي لهم لما ~~أسرعوا ms1909 الإقبال إليها {اقعدوا} أي عن جندي لا تصحبوهم، وفي قوله -: {مع ~~القاعدين*} أي الذين شانهم ذلك كالمرضى والزمنى والصبيان والنساء - من ~~التبكيت # PageV08P490 # ما لا يعلم مقداره إلا أولو الهمم العلية والأنفس الأبية، وعبر بالمجهول ~~إشارة إلى أنهم يطيعون الأمر بالقعود حقيقة ومجازا كائنا من كان كما انهم ~~يعصون الأمر بالنفر كائنا من كان لأن أنفسهم قابلة للدنايا غير صالحة ~~للمزايا بوجه. # ولما كان كأنه قيل: ما له ثبطهم وقد كنا قاصدين سفرا بعيدا وعدوا كثيرا ~~شديدا فنحن محتاجون إلى الإسعاد ولو بتكثير السواد! قيل: و {لو} أي فعل ذلك ~~بهم لأنهم لو {خرجوا فيكم} أي وإن كانوا قليلا معمورين بجماعاتكم {ما ~~زادوكم} أي بخروجهم شيئا من الأشياء {إلا خبالا} أي ما أتوكم بشيء زائد على ~~ما عندكم من الأشياء غير الخبال، والاستثناء مفرغ والمستثنى منه - المقدر ~~الثابت لهم الاتصاف به - هو الشيء، وذلك لا يقتضي اتصاف أحد منهم بالخبال ~~قبل خروج المنافقين، والخبال: الفساد، وهو ينظر على الخداع والأخد على غرة ~~{ولأوضعوا} أي أوقعوا الإيضاع، حذف المفعول إشارة إلى أن مرادهم الإيضاع ~~نفسه لا بقيد دابة، وعبر بالإيضاع لأنه للراكب وهو أسرع من الماشي {خلالكم} ~~أي لأسرعوا في السير ذهابا وإيابا بينكم في تتبع عوراتكم وانتظار زلاتكم ~~ليجدوا منها مدخلا إلى الفساد بالنميمة وغيرها إن لم يجدوها، والإيضاع في ~~السير يكون برفق ويكون بإسراع، والمراد به هنا الإسراع، ومادة وضع بجميع ~~تراكيبها تدور على الحركة، وتارة تكون إلى علو وتارة إلى سفول، ويلزم ذلك ~~السكون والمحل القابل لذلك، وعلى ذلك يتمشى العضو والعوض، وعوض الذي هو ~~بمعنى # PageV08P491 # الدهر، وضوع الريح والتصويت بالبكاء، والضعة لشجرة في البادية، والوضع ~~للطرح في مكان والسير اللين والسريع؛ والخلال جمع الخلل وهو الفرجة ~~{يبغونكم} أي حال كونهم يريدون لكم {الفتنة} أي بتشتيت الشمل وتفريق ~~الأصحاب وتقدم عند {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [الأنفال: 39] أنها الخلطة ~~المميلة المحلية، أي يريدون لكم الشيء الذي يصيبكم فغير حالتكم إلى ما ~~يسوءكم فيسرهم {وفيكم} أي والحال أنه فيكم {سماعون ms1910 لهم} أي في غاية القبول ~~لكلامهم لضعف معارفهم وآرائهم. # وربما كان سماعهم منهم مؤديا إلى مطلوبهم {والله} أي الذي أخبركم بهذا من ~~حالهم وله الإحاطة بكل شيء {عليم} بهم، فثقوا بأخبارهم. هكذا كان الأصل ~~وإنما قال: {بالظالمين*} إشارة إلى الوصف الذي أوجب لهم الشقاء بمنعهم عن ~~موطن الخير، وتعميما للحكم بالعلم بهم وبمن سمع لهم ظالم، والحاصل أنه شبه ~~سعيهم فيهم بالفساد بمن يوضع بعيره في أرض فيها أجرام شاخصة متقاربة، فهو ~~في غاية الالتفات إلى معرفة ما فيها من الفرج والتأمل لذلك حذرا من أن ~~يصيبه شيء من تلك الأجرام فيسقيه كأس الحمام، فلا شغل لهم إلا بغية فسادكم ~~بعدم وصولكم إلى شيء من مرادكم. # PageV08P492 # ولما أخبر سبحانه بذلك، وحث على قبول أخبارهم بما وصف # PageV08P492 # به ذاته الأقدس من إحاطة العلم، شرع يقيم الدليل على ما قال بتذكيرهم ~~بأشياء تقدمت مشاهدتها منهم، فقال معللا لما أخبر به: {لقد ابتغوا} أي ~~طلبوا طلبا عظيما كلهم لكم {الفتنة} أي لتشتيتكم {من قبل} أي قبل هذه ~~الغزوة في يوم أحد بكسر قلوب العسكر بالرجوع عنه حتى كاد بعضهم أن يفشل وفي ~~المريسيع بما قال ابن أبي {ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] وفي ~~غزوة الخندق بما وقع منهم من التكذيب في أخذ كنوز كسرى وقيصر والإرجاف بكم ~~في نقض بني قريظة وغير ذلك كما صنعوا قبله في غزوة قينقاع والنضير في قصدهم ~~تقوية كل منهم عليكم وفي غير ذلك من أيام الله التي عكس فيها قصودهم وأنعس ~~جدودهم {وقلبوا} أي تقليبا كثيرا {لك الأمور} أي التي لك فيها أذى ظهرا ~~لبطن بإحالة الآراء وتدبير المكايد والحيل لعلهم يجدون فرصة في نقض أمرك ~~ينتهزونها أو ثغرة في حالة يوسعونها، وامتد بهم الحال في هذا المحال {حتى ~~جاء الحق} أي الثابت الذي لا مراء في مزاولته مما تقدم به وعده سبحانه من ~~إظهار الدين وقمع المفسدين {وظهر أمر الله} أي المتصف بجميع صفات الكمال من ~~الجلال والجمال حتى لا مطمع لهم في ستره {وهم كارهون*} ms1911 أي لجميع # PageV08P493 # ذلك فلم يبق لهم مطمع في محاولة بمواجهة ولا مخاتلة فصار همهم الآن ~~الاعتزال والمبالغة في إخفاء الأحوال وستر الأفعال والأقوال. # ولما أجملهم في هذا الحكم، وكان قد أشار إلى أن منهم من كان قد استأذن في ~~الخروج توطئة للاعتذار عنه، شرع يفصلهم، وبدأ المفصلين بمن صرح بالاستئذان ~~في القعود فقال عاطفا على «لقد ابتغوا» : {ومنهم من يقول} أي في جبلته ~~تجديد هذا القول من غير احتشام {ائذن لي} أي في التخلف عنك {ولا تفتني} أي ~~تكن سببا في فتنتى بالحزم بالأمر بالنفر فأفتتن إما بأن أتخلف فأكون مصارحا ~~بالمعصية أو أسافر فأميل إلى نساء بني الأصفر فأرتد عن الدين فأنه لا صبر ~~لي عن النساء، وقائل ذلك هو الجد ابن قيس، كان من الأنصار منافقا. # ولما أظهروا أنهم قصدوا البعد من شيء فإذا هم قد ارتكبوا فيه، انتهزت ~~فرصة الإخبار بذلك على أبلغ وجه بإدخال ناف على ناف لتحصيل الثبوت الأكيد ~~بإقرار المسؤول فقيل: {ألا في الفتنة سقطوا} أي بما قالوا وفعلوا، فصارت ~~ظرفا لهم فوضعوا أنفسهم بذلك في جهنم، وفي التعبير بالسقوط دلالة على ~~انتشابهم في أشراك الفتنة انتشابا سريعا بقوة فصار يعسر خلاصهم معه {وإن ~~جهنم لمحيطة} أي بسبب إحاطة الفتنة - التي أسقطوا أنفسهم فيها - بهم، وإنما ~~قال: {بالكافرين*} # PageV08P494 # تعميما وتنبيها على الوصف الذي حملهم على ذلك. # ولما كان كأنه قيل: ما الفتنة التي سقطوا فيها فأحاطت بهم جهنم بسببها؟ ~~قيل: {إن} أي هي كونهم أن، ويجوز أن يكون علة لإحاطة جهنم بهم، وكأنهم - ~~لأجل أنهم من الأوس والخزرج فالأنصار أقاربهم - خصوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالعدواة وشديد الحنق، وكذا ايضا كان لا يسوءهم ويسرهم من الحسنة ~~والسيئة إلا ما له وقع - بما أذن به التعبير بالإصابة دون المس - لا ما ~~دونه، حفظا لقلوب أقاربهم ورعيا لأسرار نسائهم، فقال إشارة إلى ذلك: {تصبك} ~~أي بتقدير الله ذلك {حسنة} أي بنصر أو غيره {تسؤهم} أي لما في قلوبهم من ~~الضغن والمرض {وإن تصبك مصيبة} أي ms1912 نكبة وإن صغرت كما وقع يوم أحد {يقولوا} ~~أي سرورا وتبجحا بحسن آرائهم {قد أخذنا أمرنا} أي عصينا الذي أمرنا ولم ~~نسلم قيادنا لأحد فنكون كالأعمه، لأن الأمر الحادثة وضد النهي، ومنه ~~الأمير، رجل إمر وإمرة - بتشديد الميم المفتوحة مع كسر الهمزة وتفتح: ضعف ~~الرأي، يوافق كل أحد على ما يريد من أمره كله، وهو الأعمه # PageV08P495 # وزنا ومعنى {من قبل} أي قبل أن تكون هذه المصيبة، فلم نكن مؤتمرين بأمر ~~فيصيبنا فلم يكن ما أصاب من تبعه، فكان أمرهم - لو كانوا مطيعين - كان شيئا ~~متحققا بيد الآمر، فلما عصوه كانوا كأنهم قد أخذوه منه. # ولما كان قولهم هذه بعيدا عن الاستقامة، فكان جديرا بأن لا يقال، وإن قيل ~~كان حقيقا بأن يستقال بالمباراة إلى الرجوع عنه والاستغفار منه، أشار تعالى ~~إلى تماديهم فيه فقال: {ويتولوا} أي عن مقامهم هذا الذي قالوا فيه ذلك وإن ~~طال إلى أهاليهم {وهم فرحون*} أي لمصيبتكم لكفرهم ولخلاصهم منها. # ولما كان قولهم هذا متضمنا لتوهم القدرة على الاحتراس من القدر، قال ~~تعالى معلما بجوابهم مخاطبا للرأس لعلو المقام: {قل} أي إنا نحن لا نقول ~~مقالتكم لمعرفتنا بأنا لا نملك ضرا ولا نفعا، بل نقول: {لن يصيبنا} أي من ~~الخير والشر {إلا ما كتب} أي قدر {الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما، ~~ولما كان قضاء الله كله خيرا للمؤمن إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء ~~صبر، عبر باللام فقال: {لنا} أي لا يقدر على رده عنا إلا هو سبحانه {هو} أي ~~وحده {مولانا} أي القريب منا الذي يلي جميع أمورنا، لا قريب منا سواه، فلو ~~أراد لدفع عنا كل مصيبة لأنه أقرب إلينا منها، لا تصل إلينا بدون علمه وهو ~~قادر، فنحن نعلم أن له في ذلك لطيف سريرة تتضاءل دونها ثواقب الأفكار وتخسأ ~~عن الإحاطة بتحقيقها نوافذ الأبصار فنحن لا نتهمه في قضائه لأنا قد توكلنا ~~عليه وفوضنا أمورنا إليه، والموكل # PageV08P496 # لا يتهم الوكيل {وعلى الله} أي الملك الأعلى لا غيره {فليتوكل المؤمنون*} ms1913 ~~أي كلهم توكلا عظيما جازما لا معدل عنه، فالفيصل بين المؤمن والكافر هو ~~إسلام النفس إليه وحده بلا اعتراض عليه يقلبها كيف يشاء ويحكم فيها بما ~~يريد. # PageV08P497 # ولما تضمن ذلك أن سراءهم وضراءهم لهم خير من حيث إن الرضى بمر القضاء ~~موجب لإقبال القاضي على المقضي عليه بالرأفة والرحمة، صرح بذلك في قوله: ~~{قل هل تربصون} أي تنتظرون انتظارا عظيما {بنا إلا إحدى الحسنيين} أي وهي ~~أن نصيب أعداءنا فنظفر ونغنم ونؤجر أو يصيبونا بقتل أو غيره فنؤجر، وكلا ~~الأمرين حسن: أما السراء التي توافقوننا على حسنها فأمرها واضح، وأما ~~الضراء فموجبة لرضى الله عنا ومثوبته لنا بالصبر عليها ورضانا بها إجلالا ~~له وتسليما لأمره فهي حسنى كما نعلم لا سوأى كما تتوهمون {ونحن نتربص بكم} ~~أي ننتظر إحدى السوأيين وهي {أن يصيبكم الله} أي الذي له جميع القدرة ونحن ~~من حزبه {بعذاب من عنده} أي لا تسبب لنا فيه كما أهلك القرون الأولى بصائر ~~للناس {أو بأيدينا} أي بسببنا من قتل أو نهب وأسر وضرب وغير ذلك لأن حذركم ~~لا يمنعكم من الله، وكل ذلك مكروه عندكم. # ولما تسبب عن هذا البيان ان السوء خاصة بحزب الشيطان، حسن # PageV08P497 # أن يؤمروا تهكما بهم بما أداهم إلى ذلك تخسيسا لشأنهم فقال: {فتربصوا} أي ~~أنتم {إنا} أي نحن {معكم متربصون*} أي بكم، نفعل كما تفعلون، والقصد مختلف، ~~والآية من الاحتباك: حذف أولا الإصابة للدلالة عليها بما أثبت ثانيا، ~~وثانيا إحدى السوأيين للدلالة عليها بإثبات الحسنيين أولا. # ولما كان جملة ما يصيبهم منهم من العذاب الإنفاق بتزكية ما طهر من ~~أموالهم بالإعانة في سبيل الله خوفا من اتهامهم بالنفاق في أقوالهم ليفتدوا ~~أنفسهم به من السفر، قال: {قل أنفقوا} أي أوجدوا الإنفاق لكل ما يسمى ~~إنفاقا {طوعا أو كرها} أي مظهرين الطواعية أو مظهرين الكراهية؛ ولما كان ~~الإعراض عنهم إنما سببه كفرهم لا إنفاقهم، لم يربط الجواب بالفاء بل قال: ~~{لن يتقبل منكم} أي يقع تقبل لشيء يأتي من قبلكم أصلا من أحد ms1914 له أن يتقبل ~~كائنا من كان، ولذلك بناه للمفعول، لأن قلوبكم كارهة ليست لها نية صالحة في ~~الإنفاق ولا في غيره، فانقسام إنفاقكم إلى طوع وكره إنما هو باعتبار ~~الظاهر، وكأنه عبر بالتفعل إشارة إلى قبوله منهم ظاهرا؛ ولما كان غير مقبول ~~باطنا على حال من الأحوال علل بقوله: {إنكم كنتم} أي جبلة وطبعا {قوما ~~فاسقين*} أي عريقين في الفسق بالغين أنهى غاياته. # PageV08P498 # ولما علل بالعراقة في الخروج عن الطاعة، بينه في قوله: {وما منعهم أن ~~تقبل} أي باطنا، ولذا عبر بالمجرد، ولذا بناه للمفعول لأن النافع القبول في ~~نفس الأمر لا كونه من معين {منهم نفقاتهم} أي وإن جلت {إلا أنهم كفروا ~~بالله} أي الذي له جميع صفات الكمال من الجلال والجمال لفساد جبلاتهم وسوء ~~غرائزهم. # ولما كان قبول النفقات مهيئا للطهارة التي تؤثرها الصلاة، كان السياق ~~لعدم قبولها - ليتسبب عنه النهي عن الصلاة عليهم - أبلغ لأنه أدل على ~~الخبث، فأكد كفرهم بزيادة الجار إشعارا بأن الكفر بكل منهما على حياله مانع ~~فقال: {وبرسوله} أي فسقهم بأنهم غير مؤمنين وهو السبب المانع بمفرده من ~~القبول: ثم قدح في شاهدي ما يظهرون من الإيمان وهما الصلاة والزكاة وغيرهما ~~من الإنفاق في الخيرات بما هو لازم للكفر ودال عليه فقال: {ولا يأتون ~~الصلاة} أي المفروضة وغيرها {إلا وهم كسالى} أي في حال كسلهم، لا يأتونها ~~قط بنشاط {ولا ينفقون} أي نفقة من واجب أو غيره {إلا وهم كارهون*} أي في ~~حال الكراهة وإن ظهر لكم خلاف ذلك، وذلك كله لعدم النية الصالحة واعتقاد ~~الآخرة، وهذا لا ينافي طوعا لأن ذلك بحسب الفرض أو الظاهر وهذا بحسب ~~الواقع. # PageV08P499 # ولما انتفى عن أموالهم النفع الأخروي الذي هو النفع، تسبب عن ذلك الزهد ~~فيها الموجب لعدم الالتفات إليها وعدم اعتقاد أن فيها بركة ودلالة على خير، ~~فقال - مبينا ما فيها من الفساد الذي يظن أنه صلاح: {فلا} - بفاء السبب، ~~فالسياق ابلغ من سياق الآتية بعد النهي عن الصلاة عليهم {تعجبك أموالهم} أي ~~وإن أنفقوها ms1915 في سبيلي وجهزوا بها الغزاة. فإن ذلك عن غير إخلاص منهم ولا ~~حسن نية ولا جميل طوية، وإنما هو لما أذلهم من عزة الإسلام وأخافهم من سطوة ~~الانتقام فهو من جملة العذاب، وعطف عليها الأولاد لمشاركتها لها في الملاذ ~~والقوة والاستعمال في الجهاد، فقال مؤكدا للنفي بإعادة النافي: {ولا ~~أولادهم} فكأنه قيل: فماذا يراد بإعطائهم ذلك؟ ولو منعوها وأعطيها المخلصون ~~لكان قوة للدين، فقال: {إنما يريد الله} أي يوقع الإرادة لهم بها الملك ~~الذي له الإحاطة بجميع الحكمة كما أن له الإحاطة بتمام القدرة، وأبلغ في ~~الحصر بإدخال اللام في قوله: {ليعذبهم} أي لأجل أن يعذبهم {بها في الحياة} ~~أي وإن كان يتراءى أنها لذيذة، لأن ذلك من شأن الحياة فإنما هي لهم موت في ~~الحقيقة {الدنيا} أي تارة بجمعها وتربيتها وتارة ببذلها كرها في سبيل الله ~~أو في تزكيتها وتارة بغيرذلك {وتزهق} أي وإنما يريد بتمكينهم منا لأجل أن ~~يخرج وقت الموت بغاية الصعوبة {أنفسهم} # PageV08P500 # أي بسببها {وهم} أي والحال أنهم {كافرون*} أي عريقون في الكفر، وهكذا كل ~~من أراد استدراجه سبحانه فإنه في الغالب يكثر أموالهم وأولادهم لنحو هذا ~~لأنهم إذ رأوا زيادتهم بها على بعض المخلصين ظنوا أن ذلك إنما هو لكرامتهم ~~وحسن حالتهم فيستمرون عليها حتى يموتوا فهو سبحانه لم يرد بها منحتهم بل ~~فتنتهم ومحنتهم، وأما الدين فإن القادر يقويه بغير ذلك فيكون أظهر لدليله ~~وأوضح لسبيله؛ فالحاصل أنه ظهر لهم أنهم أكرموا بها وخفي عنهم أنها سبب ~~لعذابهم في الحياة باتكالهم عليها، وفي الممات بصعوبته عليهم المشار إليه ~~بالزهوق، وفي الآخرة بسبب موتهم على حال الكفر باستدراجهم بها، وأما المؤمن ~~فلا يموت حتى يرى من الثواب ما يسليه عن كل شيء فيشتاق إلى لقاء الله وتخرج ~~نفسه وهو في غاية المحبة لخروجها لأن البدن عائق له عما يرى. # ولما وضح بهذه الأمور منابذتهم للمؤمنين وخروجهم من ربقة الدين المصحح ~~لوصفهم بالفسق، أوضح لبسا آخر من أحوالهم يقيمونه بالأيمان الكاذبه فقال: ~~{ويحلفون} أي طلبوا لكم ms1916 الفتنة والحال انهم يجددون الأيمان {بالله} أي على ~~ما له من تمام العظمة {إنهم} أي المنافقين {لمنكم} أي أيها المؤمنون على ~~اعتقادكم باطنا كما هم ظاهرا {وما} # PageV08P501 # أي والحال أنهم ما {هم} صادقين في حلفهم أنهم {منكم ولكنهم قوم} أي مع أن ~~لهم قوة وقياما فيما يحاولونه {يفرقون*} أي يخافون منكم على دمائهم خوفا ~~عظميا يفرق همومهم فهو الملجىء لهم إلى الحلف كذبا على التظاهر بالإسلام، ~~فكأنه قيل: فما لهم يقيمون بيننا والمبغض لا يعاشر من يبغضه؟ فقيل: لأنهم ~~لا يجدون ما يحميهم منكم {لو يجدون ملجئا} أي شيئا يلجؤون إليه من حصن أو ~~جبل أو قوم يمنعونهم منكم {أو مغارات} في الجبال تسعهم، جمع مغارة - مفعلة ~~من غار في الشيء - إذا دخل فيه، والغور: ما انخفض من الأرض. # ولما كانت الغيران - وهي النقوب في الجبال - واسعة والوصول إليها سهلا، ~~قال: {أو مدخلا} أي مكانا يدخلونه يغاية العسر والصعوبة لضيقه أو لمانع في ~~طريقه أو قوما يداخلونهم وإن كانوا يكرهونهم - بما أرشد إليه التشديد: ~~{لولوا إليه} أي لاشتدوا في التوجه إليه متولين مرتدين عنكم على أعقابهم ~~{وهم يجمحون*} أي حالهم حال الدابة التي كانت مسرعة في طواعية راكبها فإذا ~~هي قد نكصت على عقبها ثم أخذت في غير قصده بغاية الإسراع ونهاية الرغبة ~~والداعية لا يردها بئر تقع فيه ولا مهلكة ولا شيء. # ولما قرر حال من يتخلف عن الجهاد، وربما بذل ماله فيه افتداء لسفره، شرع ~~في ذكر من يشاركه في الإنفاق والنفاق ويخالفه # PageV08P502 # فقال: {ومنهم من يلمزك} أي يعيبك عند مشاكليه على طريق الملازمة في ستر ~~وخفاء أو تظاهر وقلة حياء {في الصدقات} أي اللاتي تؤتيها لأتباعك، ولما ~~أخبر عن اللمز، أخبر أنه لحظ نفسه لا للدين فقال: {فإن أعطوا منها رضوا} أي ~~عنك {وإن لم يعطوا منها} فاجؤوا السخط الذي يتجدد في كل لحظة ولم يتخلفوا ~~عنه أصلا، وعبر عن ذلك بقوله: {إذا هم يسخطون*} فوافقوا الأولين في جعل ~~الدنيا همهم، وخالفوهم في أن أولئك أنفقوا ليتمتعوا ms1917 بالتخلف وهؤلاء طلبوا ~~ليتنعموا بنفس المال الذي يأخذونه؛ قيل: إنها نزلت في ذي الخويصرة لما قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم حنين: اعدل يامحمد! فإني لم أرك ~~تعدل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟» ~~وسيأتي حديثة. # ولما أخبر تعالى عن حالهم السيىء الدنيء الذي لا يجديهم في الدنيا ~~ويهلكهم في الأخرى، نبههم على ما هو الأصلح لهم من الحال الشريف السني ~~فقال: {ولو أنهم} أي المنافقين {رضوا ما آتاهم الله} أي المنعم بجميع النعم ~~لأن له جميع الكمال {ورسوله} الذي عظمته من عظمته قل ذلك المؤتي أو كثر طال ~~زمنه أو قصر {وقالوا} أي مع الرضى {حسبنا الله} أي كافينا لأن له جميع ~~العظمة فهو الغني المطلق. # PageV08P503 # ولما كانت الكفاية تارة تكون بالتنجيز العاجل وتارة بالوثوق بالوعد ~~الآجل، بين أن الثاني هو المراد لأنه أدل على الإيمان فقال: {سيؤتينا الله} ~~أي الملك الأعظم بوعد لا خلف فيه واعتقدوا أن لا حق لأحد فقالوا: {من فضله ~~ورسوله} أي الذي لا يخالف أمره، على ما قدر لنا في الأزل؛ ثم عللوا ذلك ~~بقولهم: {إنا إلى الله} أي المستجمع لصفات الكمال وحده {راغبون*} أي عريقون ~~في الرغبة، فلذلك نكتفي بما يأتي من قبله كائنا ما كان، أي لكان ذلك خيرا ~~لهم لأنه لا ينالهم إلا ما قسم سبحانه لهم شاؤوا أو أبوا. # PageV08P504 # ولما أخبر عن لمزهم في الصدقات وقرر ما هو خير لهم إرشادا إلى النجاة، ~~علل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وبين أنه لا يفعل غيره لأنه ~~الحق الذي لا يجوز في شرعه الأكمل غيره لمزوا أو تركوا زهدوا أو رغبوا فقال ~~معبرا بأداة القصر على ما ذكر: {إنما الصدقات} أي هذا الجنس بجميع ما صدق ~~من أفراده، والظاهر أنه قدم الأهم فالأهم، فلذا قال الشافعي: إن الفقير ~~أشدهم حاجة لكونه ابتدأ به، فقال: {للفقراء} أي الذين لا شيء لهم أو لهم ~~شيء يقع موقعا من كفايتهم {والمساكين} أي ms1918 الذين لا كفاية لهم بدليل {أما ~~السفينة} [الكهف: 79] وأما {مسكينا # PageV08P504 # ذا متربة} [البلد: 16] فتقييده دل على أن المطلق بخلافه {والعاملين ~~عليها} أي المؤتمنين في السعاية والولاية على جمعها {والمؤلفة قلوبهم} أي ~~ليسلموا أو يسلم بسببهم غيرهم أو يثبتوا على إسلامهم؛ روى البخاري في ~~التفسير وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: «بعث إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بشيء فقسمه بين أربعة وقال: أتألفهم، فقال رجل: ما عدلت! فقال: يخرج ~~من ضئضىء هذا قوم يمرقون من الدين. وفي رواية: فاستأذنه رجل في ضرب عنقه ~~فقال: لا، دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم - الحديث. ولئن ~~أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» ولا يقال: إن العلة مقتضية لقتلهم لا للكف عنهم ~~فإن عمله بالمقام الخضري - كما تقدم - أنه ما من كرامة لنبي إلا وله صلى ~~الله عليه وسلم مثلها أو أعلى منها بنفسه أو بأحد من أمته. # ولما فرغ من هذه الأصناف الأربعة الذين يعطون الصدقة في أيديهم يتصرفون ~~فيها كيف شاؤوا، كما دل عليه التعبير باللام، ذكر الذين يعطون الصدقة لقضاء ~~ما بهم كما دل عليه التعبير ب «في» # PageV08P505 # فقال: {وفي الرقاب} أي والمكاتبين بسبب فك رقابهم من الرق {والغارمين} أي ~~الذين استدانوا في غير معصية، يصرف ما يعطونه إلى قضاء ديونهم فقط {وفي} أي ~~والمجاهدين في {سبيل الله} أي الذي له الأمر كله بالنفقة والحمل والإعانة ~~بالسلاح وغير ذلك، ونقل القفال عن بعض الفقهاء أنه عمم السبيل فأجاز صرفه ~~إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وعمارة المساجد ونحوها {وابن السبيل} ~~وهو المسافر المنقطع عن بلده، يعطى ما يوصله إليه، ففيه إشارة إلى أن ~~رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يفعل ما أدى إلى لمزهم له بسببه إلا بأمر ~~حقا، فإنا قد عينا له أهل الصدقات فهو لا يعدل عنهم لشيء من الأشياء لأنه ~~واقف عند ما يرضينا، فإن كانوا منهم أعطاهم وإلا منعهم رضي من رضي وسخط من ~~سخط، وقد فرض ذلك، أو ثابتة للفقراء حال كونها ms1919 {فريضة} كائنة {من الله} أي ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما لعلمه بأن في ذلك أعظم صلاح، وهذا كالزجر عن ~~مخالفة الظاهر {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عليم} أي بالغ العلم ~~بما يصلح الدين والدنيا ويؤلف بين قلوب المؤمنين {حكيم*} أي فهو # PageV08P506 # يجعل أفعاله من الإحكام بحيث لا يقدر غيره على نقضها؛ قال أبو حيان: ~~«إنما» إن كانت وضعت للحصر فالحصر مستفاد من لفظها، وإن كانت لم توضع للحصر ~~فالحصر مستفاد من الأوصاف إذ مناط الحكم بالوصف يقتضي التعليل به، والتعليل ~~بالشيء يقتضي الاقتصار عليه. # وحكمة الزكاة من جهة المالك أن المال محبوب لأنه يحصل المحبوب والتمادي ~~في حبه يوجب الإعراض عن الله المعطي له، فكان من الحكمة تذكير المالك له ~~بالمالك الحقيقي في أنه أوجب عليه إخراج طائفة منه ليكف منه انصباب النفس ~~بالكلية إليه ويطهر النفس عن محبتها له ويطهره عن محض الإنفاق في الشهوات، ~~ومن جهة الآخذ أنه لما اجتمعت حاجته إليه وحاجة - المالك - ولو احتمالا- ~~كان هناك سببان للتسلط على المال: أحدهما اكتساب المالك له، والثاني احتياج ~~الآخذ إليه، فروعي السببان بقدر الإمكان، ورجح المالك بإبقاء الكثير، وصرف ~~إلى الآخذ اليسير. وأجرى الشافعي الآية على ظاهرها فقال: إن أخرجها ذو ~~المال سقط سهم العامل مع سهم المؤلفة وصرف إلى الستة الأصناف، وإن قسم ~~الإمام فعلى سبعة، ويجب أن يعطى من كل صنف ثلاثة أنفس، ومن لم يوجد من ~~الأصناف رد نصيبه على الباقين ويستوي بين الأصناف لا بين آحاد الصنف. وقال ~~أبو حنيفة: يجوز صرف الكل لواحد من الأصناف لأن الآية أوجبت أن لا تخرج # PageV08P507 # الصدقة عنهم، لا أن تكون في جميع الأصناف - وهو قول عمر بن الخطاب وحذيفة ~~وابن عباس رضي الله عنهم وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية وميمون بن ~~مهران. # ولما بين الصنفين السالفين، وختم أمرهما بصفتي العلم والحكمة، أتبعهما ~~بصنف آخر يؤذي بما يجعله نقصا في صفات الرسول صلى الله عليه وسلم فليزم ~~الطعن في علم مرسله وحكمته فقال: {ومنهم الذين يؤذون ms1920 النبي} أي الذي أعلى ~~الله مقداره، فهو ينبئه بما يريد سبحانه من خفايا الأسرار؛ ولما أخبر بمطلق ~~الأذى الشامل للقول والفعل، عطف عليه قوله: {ويقولون هو} أي من فرط سماعه ~~لما يقال له {أذن} ومرادهم أنه يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد - كما سمي ~~الجاسوس عينا؛ قال أبو حيان: كان خذام بن خالد وعبيد بن هلال والجلاس بن ~~سويد في آخرين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: لا تفعلوا ~~فإنا نخاف أن يبلغه فيوقع بنا، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا فإن محمدا أذن ~~سامعة، ثم نأتيه فيصدقنا، فنزلت، وقيل غير ذلك. # رجل أذن - إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع - انتهى. ~~ومرادهم أنه صلى الله عليه وسلم لا يعرف مكر من يمكر به وخداع من يخادعه ~~وكذبوا، هو أعرف الناس بذلك، ولكنه # PageV08P508 # يعرض عند المصالح، لا يليق بمحاسن الدين غيرها، بينها تعالى بقوله: {قل ~~أذن خير} ثم بين أن نفع ذلك عائد إليهم بقوله: {لكم} ثم فسر ذلك بقوله: ~~{يؤمن} أي يوقع الإيمان للملائكة الذين يأتونه عن الله من التكذيب بأن ~~يصدقهم معترفا {بالله} أي بسبب ما يخبرونه عنه به حق الإيمان لما له من ~~كمال العلم بما له سبحانه من صفات الجلال والإكرام؛ وحاصله أن فعل الإيمان ~~ضمن فعل التصديق ثم حذف وانتزعت منه حال أقيمت مقامه ثم حذفت وأتى بصلة تدل ~~عليها كما قالوا في قوله تعالى {ولتكبروا الله على ما هداكم} [البقرة: 185] ~~أن التقدير: حامدين على ما هداكم، فالتقدير هنا: يؤمن مصدقا بالله، فهدذا ~~حقيقته وهو يثمر محبة المؤمنين وولايتهم، ولذا أتبعه قوله: {ويؤمن ~~للمؤمنين} أي الراسخين، يوقع الإيمان لهم من التكذيب بأن يصدقهم في كل ما ~~يخبرونه به مما يحتمل التصديق، وذلك لأجل مصالحهم والتأليف بينهم مع ما ثبت ~~من صدقهم، فإنه لو حملهم على عقله ومبلغ علمه يحبه الكاذب وعاقب الخائن ~~بمجرد علمه وتفرسه، لقصرت عن ذلك غالب الأفهام وتاهت بسببه أكثر الأوهام، ~~فنفرت القلوب ووقع ms1921 من الأغلب الاتهام. ولما كان التصديق بوجود الإله على ما ~~له من صفات الكمال المقتضي للأمر والنهي عدي بالباء، وهنا كان التصديق إنما ~~هو للإخبار بأي شيء كان عدي باللام وأشير - بقصر الفعل وهو متعد - إلى ~~مبالغة في التصديق بحيث كأنه لا تصديق غيره. # PageV08P509 # ولما بين سبحانه أن تصديقه ظاهرا وباطنا إنما هو للراسخين في الإيمان، ~~بين أن تصديقه لغيرهم إنما هو الظاهر فقال: {ورحمة} أي وهو رحمة {للذين ~~آمنوا} أي أظهروا الإيمان بألسنتهم {منكم} فهو - والله أعلم - إشارة إلى ~~المنافقين ومن في حكمهم ممن جزم لسانه وقلبه مزلزل، أي أن إظهار تصديقهم ~~قبولا لما ظهر منهم وستر قبائح أسرارهم سبب للكف عن دمائهم، وإظهار ~~المؤمنين لمقتهم ربما كان ذلك سببا لصدق إيمانهم بما يرون من محاسن الإيمان ~~بتمادي الزمان، ولا يستبعد كون التعبير بالماضي إشارة إلى المنافقين لا ~~سيما بعد التعبير باسم الفاعل، فقد قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه ~~المفتاح ما نصه: الباب الرابع في رتب البيان عن تطور الإنسان بترقيه في درج ~~الإيمان وترديه في درك الكفران: اعلم أن الله محيط بكل شيء خلقا وأمرا أولا ~~وآخرا ظاهرا وباطنا وهو حمده، وله علو في ظهور أمره وكبير خلقه، واحتجاب في ~~مقابل ذلك من خلقه وأمره بما أبداه من حكمته وأسباب هداه وفتنته، وذلك ~~العلو هو إلهيته، والاحتجاب هو ملكه، وبينهما إقامة كل خلق لما خلق له ~~وتأييد كل أمر من الأمرين لما أقيم له، وذلك هو ربانيته ولكل فتق من خلفه ~~وأمره رتق سابق. # ولكل تفاوت سواء، وذلك هو رحمانيته، ولكل أقرب في مدد الحجاب اختصاص وذلك ~~هو رحيميته، ولكل أبعد في مدد # PageV08P510 # الحجاب بطش منه شديد في رده إلى القرب وتلك هي نقمته، ولكل من تنزلاته ~~العلية ظاهرا وباطنا أمر خاص، ولكل أمر خلق، يرد بيان القرآن لكل خلق بحسب ~~كنه ذاته واختصاص رتبة قربه ومحل بعده، وأن الله سبحانه جعل آدم وذرأه ~~خليفة له في جميع أمره وتفصيله، وأنزل القرآن بناء على جملة ذلك، ms1922 فأردأ ~~الأحوال لهذا المستخلف المحل الذي سمي فيه بالإنسان، وهو حيث أنس بنفسه ~~وغيره ونسي عهد ربه، فيرد لذلك بناؤه بالذم في القرآن {قتل الإنسان ما ~~أكفره} [عبس: 17] {إن الإنسان لربه لكنود} [العاديات: 6] ثم المحل الذي ~~تداركه فيه تنبه لسماع الزجر من ربه، وهو له بمنزلة سن الميز لابن سبع، ولا ~~يقع إلا عن اجتماع وتراء، وذلك هو السن المسمون فيه بالناس لنوسهم، أي ~~ترددهم بين سماع الزجر من ربهم وغلبة أهوائهم عليهم، فيرد لذلك بناؤهم بذم ~~أكثرهم في القرآن {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الأعراف: 187]- {ولا ~~يشكرون} ثم المحل الذي يتحقق لهم قبول وسماع وإيمان لغائب الأمر والخلق، ~~لكنهم يتزلزلون عنه كثيرا عند كل عارضة نيل خادعة رفعة، وهو لهم بمنزلة سن ~~المحتلم الذي قد ذاق طعم بدو النطفة من باطنه الناجم العقل للنظر في حقائق ~~المحسوسات، وذلك هو السن الذي يسعون فيه {الذين آمنوا} وهو أول سن التلقي، ~~فلذلك جميع آداب القرآن # PageV08P511 # وتعليمه إنما مورده أهل هذا السن، كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إذا ~~سمعت الله عز وجل يقول {يا أيها الذين آمنوا} فأعرها سمعك فإنه خير يأمر به ~~أو شر ينهي عنه، وكما أن ما يخص البالغ العاقل من الخطاب لا يدخل فيه الصبي ~~المميز، وما يخص المميز لا يدخل فيه البالغ، كذلك خطاب {الذين آمنوا} لم ~~يصل إليه الناس بعد، وخطاب الناس قد جاوزه {الذين آمنوا} لأنهم قد انزجروا ~~بما قبلت قلوبهم عما ينزجر عنه الناس، وقد ائتمروا بما يأتمر به الناس؛ ~~وهذه الأسنان الخالية عند أولي البصائر، وخاص خطابها أشد ظهورا من أسنان ~~الأبدان عند أصحاب الأبصار، وعدم التبصرة بهذه المراتب في الأحوال والبيان ~~هي أقفال القلوب المانعة من تدبر القرآن، وكذلك ما فوق سن «الذين آمنوا» من ~~سن {الذين يؤمنون} وهم في أول حد القرب منزلة بلوغ الأشد، وسن {الذين ~~آمنوا} و {الناس} في مدد حد البعد ولذلك يخاطبون بحرف «يا» المرسلة إلى حد ~~البعد: # {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على ms1923 تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون ~~بالله ورسوله} [الصف: 10] وفوق ذلك سن المؤمنين وأدنى قربا، ولذلك لم يرد ~~في القرآن في خطابهم {يا} البعد، وهذا السن بمنزلة الاكتهال وسن الشيب، ~~وتمام سنهم {المؤمنون حقا} وكذلك إلى سن {المحسنين} إلى غيب سن {الموقنين} ~~إلى ما وراء ذلك، فإن أسنان الجسم أرابيع، # PageV08P512 # وأسنان القلب أسابيع، يعرفها من تطور فيها، ويجهلها من نبت سن قلبه على ~~الجهل وتطور سن جسمه إلى الهرم «يهرم ابن آدم ويشيب منه اثنتان: الحرص ~~والأمل» فالحرص فقره ولو ملك الدنيا، والأمل همه وتعبه، فمن لم يتحقق أسنان ~~القلب وتفاوت خطابها لم ينفتح له الباب إلى فهم القرآن، ومن لم يتضح له ~~تنزلات الخطاب لم يبن له خطاب الله من خطاب الرحمن من خطاب الملك الديان - ~~انتهى. # ولما بين ما لمن صدقه باطنا أو ظاهرا من الرحمة، بين ما على من كذبه ~~فآذاه من النقمة فقال: {والذين يؤذون} أي هؤلاء ومن غيرهم {رسول الله} أي ~~الذي أظهر - وهو الملك الأعلى - شرفه وعظمته بالجمع بين الوصفين وأعلاه ~~بإضافته إليه، وزاد في رفعته بالتبير باسمه الأعظم الجامع، وهو واسطة بين ~~الحق والخلق في إصلاح أحوالهم فإنما يستحق منهم الشكر والإكرام لا الأذى ~~والإيلام. # ولما كان أذاهم مؤلما جعل جزاءهم من جنسه فقال: {لهم عذاب أليم *} ثم علل ~~ذلك باستهانتهم بالله ورسوله، وأخبر أنهم يخشون على دمائهم فيصلحون ظواهرهم ~~حفظا لها بالأيمان الكاذبة فقال: {يحلفون بالله} أي الذي له تمام العظمة ~~{لكم} أي أنهم ما آذوا النبي صلى الله عليه وسلم خصوصا ولا أولادكم ~~بالمخالفة عموما؛ وبين غاية مرادهم بقوله: {ليرضوكم} . # ولما كان الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بأذن بالمعنى الذي # PageV08P513 # أرادوه، بين أنه لم يكن راضيا بإيمانهم لعدم وقوع صدقتهم في قلبه ولكنه ~~أظهر تصديقهم لما تقدم من الإصلاح فقال: {والله} أي الذي له الأمر كله ولا ~~أمر لأحد معه {ورسوله} أي الذي هو أعلى خلقه، وبلغ النهاية في تعظيمه ~~بتوحيد الضمير الدال على وحدة الراضي لأن كل ما يرضي أحدهما ms1924 يرضي الآخر ~~فقال: {أحق أن} أي بأن {يرضوه} ولما كان مناط الإرضاء الطاعة ومدار الطاعة ~~الإيمان، قال معبرا بالوصف لأنه مجزأه: {إن كانوا مؤمنين*} أي فهم يعلمون ~~أنه أحق بالإرضاء فيجتهدون فيه، وذلك إشارة إلى أنهم إن جددوا إرضاءه كل ~~وقت كان دليلا على إيمانهم، وإن خالفوه كان قاطعا على كفرانهم. # PageV08P514 # ولما بين أن حلفهم هذا إنما هو لكراهة الخزي عند المؤمنين وبين من هو ~~الأحق بأن يرضوه، أقام الدليل على ذلك في استفهام إنكار وتوبيخ مبينا أنهم ~~فروا من خزي منقض فسقطوا في خزي دائم، والخزي: استحياء في هوان، فقال: {ألم ~~يعلموا} أي لدلالتهم على الأحق بالإرضاء. ولما كان ذكر الشيء مبهما ثم ~~مفسرا أضخم، أضمر للشأن فقال: {أنه} أي الشأن العظيم {من يحادد الله} وهو ~~الملك الأعظم، ويظهر المحاددة - بما أشار إليه الفك {ورسوله} أي الذي عظمته ~~من عظمته، بأن يفعل معهما فعل من يخاصم في # PageV08P514 # حد أرض فيريد أن يغلب على حد خصمه، ويلزمه أن يكون في حد غير حده {فأن له ~~نار جهنم} أي فكونها له جزاء له على ذلك حق لا ريب فيه {خالدا فيها} أي ~~دائما من غير انقضاء كما كانت نيته المحادة أبدا؛ ثم نبه على عظمة هذا ~~الجزاء بقوله: {ذلك} أي الأمر البعيد الوصف العظيم الشأن {الخزي العظيم*} . # ولما علل فعل المستهينين، أتبعه تعليل أمر صنف آخر أخف منهم نفاقا بما ~~عندهم مما يقارب التصديق فقال: {يحذر المنافقون} وعبر بالوصف الدال على ~~الرسوخ تحذيرا لهم من أدنى النفاق فإنه يجر إلى أعلاه {أن تنزل} ولما كانت ~~السورة الفاضحة لهم داهية ونائبة من نوائب الدهر وشدائده، عدى الفعل بعلى ~~فقال: {عليهم سورة} أي قطعة من القرآن شديدة الانتظام {تنبئهم} أي تخبرهم ~~إخبار عظيما مستقصي {بما في قلوبهم} لم يظهروا عليه أحدا من غيرهم او أحدا ~~مطلقا، لعل هذا الصنف كانوا يسلفون الأيمان لعلها تشكك بعض الناس أو تخفف ~~عنهم إذا نزل ما يهتكهم، روي أنهم كانوا يقولون ما يؤدي ويدل على النفاق ~~ويقولون: ms1925 عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا، وقال بعضهم بعد كلام قالوه: ~~والله إني لأرانا شر خلق الله ولوددت أني قدمت فجلدت مائة جلدة وأنه لا ~~ينزل فينا شيء يفضحنا. # PageV08P515 # ولما كان حذرهم مع العمل ينافيه من كلام النفاق فعل المستهزىء، قال ~~مهددا: {قل استهزءوا} أي افعلوا فعل المستهزىء بغاية الرغبة {إن الله} أي ~~المحيط بكمال العلم وتمام القدرة {مخرج} أي كانت له وصف إخراجه {ما ~~تحذرون*} أي إخراجه من قبائحكم؛ وعن الحسن: كان المسلمون يسمون هذه السورة ~~الحفارة، حفرت ما في قلوب المنافقين وأظهرته. # ولما وصفهم بالنفاق، حققه بعدم مبادرتهم إلى التوبة التي هي فعل ~~المؤمنين، وباجترائهم على الإنكار مع كون السائل لهم من بلغ الغاية في ~~الجلال والوقار والكمال فقال: {ولئن سألتهم} أي وأنت من يجب أن يصدقه ~~مسؤوله عما أخرجت السورة مما أظهروا بينهم من الكفر، وذلك حين قال بعضهم: ~~انظروا إلى هذا الرجل يظن أنه يفتح قصور الشام وحصونها! هيهات هيهات! ~~فأعلمه الله فقال: احبسوا علي الركب. # فسألهم {ليقولن إنما} أي ما قلنا شيئا من ذلك، إنما {كنا نخوض} أي نتحدث ~~على غير نظام {ونلعب} أي بما لا خرج علينا فيه ويحمل عنا ثقل الطريق، فكأنه ~~قيل: فماذا يقال لهم إذا حلفوا على ذلك على العادة؟ فقال: {قل} أي لهم ~~تقريرا على استهزائهم متوعدا لهم معرضا عما اعتذروا إعلاما بأنه غير أهل ~~لأن يسمع جاعلا لهم كأنهم معترفون بالاستهزاء حيث جعل المستهزأ به يلي حرف ~~التقرير، وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته تكذيبا لهم # PageV08P516 # في قولهم: إنك إذن، بالمعنى الذي أرادوه، وبيانا لما في إظهارك لتصديقهم ~~من الرفق بهم {أبالله} أي هو المحيط بصفات بصفات الكمال {وآياته} أي التي ~~لا يمكن تبديلها ولا تخفى على ذي بصر ولا بصيرة {ورسوله} أي الذي عظمته من ~~عظمته وهو مجتهد في إصلاحكم وتشريفكم وإعلائكم {كنتم} أي دائما {تستهزءون*} ~~. # ولما حقق استهزاءهم، أنتج قوله: {لا تعتذروا} أي لا تبالغوا في إثبات ~~العذر، وهو ما ينفي الملام، فإن ذلك لا ms1926 يغنيكم وإن اجتهدتم لأن القطع حاصل ~~بأنكم {قد كفرتم} أي بقولكم هذا، ودل - على أن كفرهم أحبط ما كان لهم من ~~عمل - بنزع الخافض تشديدا على من نكث منهم تخويفا له وتحقيقا بحال من أصر ~~فقال: {بعد إيمانكم} أي الذي ادعيتموه بألسنتكم صدقا من بعضكم ونفاقا من ~~غيره. # ولما كان الحال مقتضيا لبيان ما صاروا إليه بعد إكفارهم من توبتهم أو ~~إصرارهم، بين أنهم قسمان: أحدهما مطبوع على قلبه ومقضي توبته وحبه، وهذا ~~الأشرف هو المراد بقوله بانيا للمفعول إعلاما بأن المقصود الأعظم هو الفعل، ~~لا بالنظر إلى فاعل معين: {إن نعف} لأن كلام الملك وإن جري في مضمار الشرط ~~فهو مرشد إلى تحققه # PageV08P517 # ليحصل الفرق بين كلام الأعلى والأدنى {عن طائفة منكم} أي لصلاحيتها ~~للتوبة {نعذب طائفة} أي قوم ذوو عدد فيهم أهلية الاستدارة، وقرأ عاصم ببناء ~~الفعلين للفاعل على العظمة {بأنهم} أي بسبب أنهم {كانوا مجرمين*} أي كسبهم ~~للذنوب القاطعة عن الخير صفة لهم ثابتة لا تنفك، فهم غير متأهلين للعفو، ~~وشرح هذه القصة أنه كان يسير بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك ثلاثة نفر من المنافقين: اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والآخر ~~يضحك، قيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم، ما ~~أبعده من ذلك! وقيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا ~~المقيمين في المدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطلع الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم على ذلك فقال: احسبوا الركب علي، فدعاهم وقال لهم: قلتم كذا ~~وكذا؟ فقالوا: {إنما كنا نخوض ونلعب} أي كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما ~~يفعل الركب لقطع الطريق بالحديث واللعب، قال ابن اسحاق: والذي عفى عنه رجل ~~واحد وهو مخشي بن حمير الأشجعي، يقال: هو الذي كان يضحك، ولا يخوض وكان ~~يمشي مجانبا لهم وينكر بعض مايسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب. # قال: اللهم! لا أزال أسمع آية تقرأ، تقشعر منها # PageV08P518 # الجلود، وتجب منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك! ms1927 لا يقول أحد: ~~أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا ~~عرف مصرعه غيره رضي الله عنه. ولعل إطلاقا الطائفة عليه تعظيما له وسترا ~~عليه وتبشيرا بتوبة غيره، ولعل مخشيا كان مؤمنا ولكن كان إيمانه مزلزلا ~~فلذا عبر هنا بقوله {أكفرتم بعد إيمانكم} والتعبير بذلك أشنع في الذم ولا ~~سيما عند العرب لأنهم يتمادحون بالثبات على أي أمر اختاروه ويتذامون ~~بالطيش، ولعل الجلاس المعني بالقصة الآتية وحده أو مع غيره لم يكن آمن ~~كغيره ممن عني بها، وما آمن إلا حين تاب، فلذا عبر هناك بقوله: {وكفروا بعد ~~إسلامهم} ؛ قال أبو حيان: قال ابن عمر: «رأيت وديعة بن ثابت متعلقا بحقب ~~ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكته وهو يقول {إنما ~~كنا نخوض ونلعب} والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:» أبالله وآياته «- الآية. # ولما بين سبحانه أفعالا وأقوالا لطوائف من المنافقين - منهم من كان معه ~~صلى الله عليه وسلم في العسكر - هي في غاية الفساد، كان ذلك ربما اقتضى أن ~~يسأل عن المتخلفين لو خرجوا ما كان يكون حالهم؟ فقال جوابا عن ذلك ~~واستدلالا على أن إجرام الذين لم يعف عنهم منهم خلق لازم: {المنافقون ~~والمنافقات} أي الذين أظهروا الإيمان # PageV08P519 # وأبطنوا الكفران {بعضهم} ولما كان مرجعهم الجمود على الهوى والطبع ~~والعادة والتقليد من التابع منهم للمتبوع، قال: {من بعض} أي في صفة النفاق ~~هم فيها كالجسد الواحد، أمورهم متشابهة في أقوالهم وأفعالهم وجميع أحوالهم، ~~والقصد أن حالهم يضاد حال أهل الإيمان ولذلك بينه بقوله: {يأمرون بالمنكر} ~~أي مما تقدم من الخبال والإيضاع في الخلال وغير ذلك من سيء الخصال {وينهون ~~عن المعروف} أي من كل ما يكون فيه تعظيم الإسلام وأهله، يبغون بذلك الفتنة ~~{ويقبضون أيديهم} أي يشحون فلا ينفقون إلا وهم كارهون. # ولما كان كأن قيل: أما خافوا بذلك من معاجلة العقاب؟ أجاب بقوله: {نسوا ~~الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه، ويصلح أن يكون ms1928 ~~علة لما تقدم عليه؛ ولما اقدموا على ذلك، سبب عنه قوله: {فنسيهم} أي فعل ~~بهم فعل الناسي لما استهان به بأن تركهم من رحمته، فكان ذلك الترك سببا ~~لحلول نقمته؛ ولما تطبعوا بهذه النقائص كلها، اختصوا بكمال الفسق فشرح ذلك ~~في أسلوب التعجيب من حالهم فقال مظهرا موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف: {إن المنافقين هم} أي خاصة {الفاسقون *} أي الخارجون عن دائرة ما ~~ينفعهم من الطاعة الراسخون في ذلك، فقد علم أنهم لو غزوا فعلوا فعل هؤلاء ~~سواء لأن الكل من طينة واحدة. # PageV08P520 # ولما بين كثيرا من أحوالهم فاشتد التشوف إلى مآلهم وكان مقصودها بإظهار ~~الإيمان والاعتذار عن النقائض بتأكيد الأيمان إنما هو التقرب إلى المؤمنين ~~والتحبب طمعا في العيش في أكنافهم وفرقا من المعاجلة بما يستحقون من ~~إتلافهم، بين أن لهم على هذا الخداع العذاب الدائم والطرد اللازم، وجمع ~~معهم المصارحين بالكفر إعلاما بأنهم إن لم يكونوا أعظم عنادا منهم فهم ~~سواء، فقال: {وعد الله} وساقه بصيغة البشارة تهكما بهم وإبلاغا في مساءتهم ~~{المنافقين والمنافقات} أي المساترين باعتقادهم {والكفار} أي المجاهرين في ~~عنادهم. # ولما كانوا مجبولين على تجهم المؤمنين والانقباض عنهم، وإن أظهروا خلاف ~~ذلك فهو تصنع، قال: {نار جهنم} أي النار التي من شأنها تجهم أهلها ولقاؤهم ~~بالعبوسة الزائدة {خالدين فيها} أي لا براح لهم عنها {هي حسبهم} أي كافيتهم ~~في العذاب، لكن لما كان الخلود قد يتجوز به عن الزمن الطويل فيكون بعده ~~فرج، قال: {ولعنهم الله} أي طردهم وأبعدهم من رحمته وهو الملك العليم ~~الحكيم الذي لا أمر لأحد معه فأفهم أنه لا فرج لهم، ثم نفي كل احتمال ~~بقوله: {ولهم} أي بالأمرين {عذاب مقيم*} أي لا وصف له غير الإقامة في ~~الدنيا بما هم مقهورون به من سطوة الإسلام وجنوده الكرام الأعلام، وفي ~~الآخرة بما لا يعلمه حق علمه إلا الله # PageV08P521 # الملك العلام. # ولما كان حالهم في الإقبال على العاجلة لكونها حاصلة والإعراض عن العاقبة ~~لأنها غائبة متشابها لحال من كان قبلهم من الأمم ms1929 الخالية والقرون الماضية، ~~بين لهم ذلك وختم ببيان سوء أحوالهم وقبح مآلهم بتلاشي أعمالهم فقال ملتفتا ~~إلى أسلوب الخطاب لأنه أوقع في باب العتاب وأقعد في استجلاب المصالح ~~للمتاب: {كالذين} أي حاصل ما مضى من أمركم أيها المنافقون أنكم مثل الذين؛ ~~ولما كان فاعل ما يذكر إنما هو بعض من مضى أثبت الجار فقال: {من قبلكم} أي ~~من الأمم الخالية، ثم شرع في شرح حالهم وذكر وجه الشبه فقال: {كانوا أشد ~~منكم قوة} لأن الزمان كان إذ ذاك أقرب إلى سن الشباب {وأكثر أموالا ~~وأولادا} وهذا ناظر إلى قوله: «فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم {فاستمتعوا} ~~أي طلبوا المتاع والانتفاع في الدنيا بغاية الرغبة معرضين عن العقبى ~~{بخلاقهم} أي نصيبهم الذي قدره الله وخلقه لهم، وكان الأليق بهم أن يتبلغوا ~~به في السفر الذي لا بد منه إلى الآخره {فاستمتعتم بخلاقكم} أي كالمقتفين ~~لآثارهم والقاصدين لنارهم {كما استمتع} وفي الإتيان بقوله: {الذين} ولما ~~كانوا لم يستغرقوا الزمن الماضي، أثبت الجار فقال: {من قبلكم بخلاقهم} ~~ظاهرا غير مضمر تنبيه على ذمهم بقلة النظر لنفسهم المستلزم لقلة عقولهم حيث ~~كانوا دونهم في القوة أبدانا وأموالا وأولادا لم يكفوا عن الاستمتاع # PageV08P522 # والخوض خوفا مما محق أولئك الأحزاب على قوتهم من العذاب من غير أن ينفعهم ~~سبب من الأسباب {وخضتم} أي ذهبتم في أقوالكم وأفعالكم خبطا على غير سنن ~~قويم {كالذي} أي كخوضهم الذي {خاضوا} وهو ناظر إلى قولهم {إنما كنا نخوض ~~ونلعب} قال أبو حيان: وهو مستعار من الخوض في الماء ولا يستعمل إلا في ~~الباطل لأن التصرف في الحق إنما هو على ترتيب ونظام، وأمور الباطل إنما هي ~~خوض، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # «رب متخوض في مال الله له النار يوم القيامة» . # ولما آذن هذا النظم لهم بالخسارة، حصل التشوف إلى عاقبة أمرهم فأخبر عن ~~ذلك بقوله: {أولئك} أي البعداء من الخير، والظاهر أنه إشارة إلى الذين ~~وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والأولاد {حبطت} أي فسدت فبطلت {أعمالهم في ~~الدنيا} أي بزوالها ms1930 عنهم ونسان لذاتها {والآخرة} أي وفي الدار الباقية ~~لأنهم لم يسعوا لها سعيها؛ وزاد في التنبيه على بعدهم مما قصدوا لأنفسهم من ~~النفع فقال: {وأولئك هم} أي خاصة {الخاسرون*} أي لا خاسر في الحقيقة غيرهم ~~لأنهم خسروا خلاقهم في الدارين فخسروا أنفسهم فلا أخسر ممن تشبه بهم، ولعل ~~في الالتفات إلى مقام الخطاب أيضا إشارة إلى تحذير كل سامع من مثل هذه ~~الحال لصحة أن يكون مرادا بهذا المقال، # PageV08P523 # فإن من أسرار القرآن في إعجازه أن تكون عبارته متوجهة إلى شيء وإشارته ~~شاملة لغيره من حيث اتصافه بعلة ذلك الحال أو غير ذلك من الخلال؛ قال ~~الإمام أبو الحسن الحرالي في آخر عروة المفتاح في بيان تناول كلية القرآن ~~لكلية الآية ولكل قارىء يقرؤه من أهل الفهم والإيقان: اعلم أن الله سبحانه ~~وتعالى أنزل القرآن نبأ عن جميع الأكوان، وأن جميع ما أنبأ عنه من أمر آدم ~~إلى زمان محمد عليهما السلام من أمر النبوات والرسالات والخلافات وأصناف ~~الملوك والفراعنة والطغاة وأصناف الجناة وجميع ما أصابهم من المثوبات ~~والمثلات في يوم آدم عليه السلام إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ~~ستة آلاف سنة ونحوها كل ذلك يتكرر بجملته في يوم محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي هو ألف سنة أو نحوها أعدادا بأعداد وأحوالا بأحوال في خير أو شرف، لكل ~~من الماضين مثل يتكرر في هذه الأمة الخاتمة كما قال صلى الله عليه وسلم «» ~~لكل نبي قبلي في أمتي نظير «ثم ذكر صلى الله عليه وسلم نظراء» مثل إبراهيم ~~كأبي بكر، ومثل موسى كعمر، ومثل هارون كعثمان، ومثل نوح كعلي، ومثل عيسى ~~كأبي ذر «وقال صلى الله عليه وسلم:» إني لأعرف النظراء من أمتي بأسمائهم ~~وأسماء آبائهم وعشائرهم كافرهم ومؤمنهم ممن كان وممن هو كائن وممن سيكون ~~بعد، ولو شئت أن أسميهم لفعلت «» # فما صد أكثر هذه الأمة عن فهم القرآن ظنهم أن الذي فيه من قصص الأولين ~~وأخبار المثابين والمعاقبين من أهل # PageV08P524 # الأديان أجمعين أن ذلك ms1931 إنما مقصوده الأخبار والقصص فقط، كلا وليس كذلك! ~~إنما مقصوده الاعتبار والتنبيه لمشاهدة متكررة في هذه الأمة من نظائر جميع ~~أولئك الأعداد وتلك الأحوال والآثار حتى يسمع السامع جميع القرآن من أوله ~~إلى خاتمته منطبقا على هذه الأمة وأئمتها هداتها وضلالها، فحينئذ ينفتح له ~~باب الفهم ويضيء له نور العلم ويتجه له حال الخشية ويرى في أصناف هذه الأمة ~~ما سمع من أحوال القرون الماضية وإنه كما قيل في مثل السائر: # إياك أعني واسمعي ياجارة ... ثم إذا شهد انطباق القرآن على كلية الأمة ~~فكان بذلك عالما ينفتح له باب ترق، فيترقى سمعه إلى أن يجد جميع كلية ~~القرآن المنطبق على كلية الأمة منطبقا على ذاته في أحوال نفسه وتقلباته ~~وتصرفات أفعاله وازدحام خواطره حتى يسمع القرآن منطبقا عليه فينتفع بسماع ~~جميعه ويعتبر بأي آية سمعها منه فيطلب موقعها في نفسه فيجدها بوجه ما رغبة ~~كانت أو رهبة تقريبا كانت أو تبعيدا إلى أرفع الغايات أو إلى أنزل الدركات، ~~فيكون بذلك عارفا، هذا مقصود التنبيه في هذا الفصل جملة، ولنتخذ لذلك مثالا ~~يرشد لتفهم ذلك الانطباق على كلية الأمة علما وعلى خصوص ذات القارىء السامع # PageV08P525 # عرفانا، فاعلم أن أصول الأديان المزدوجه التي لم تترق إلى ثبات حقائق ~~المؤمنين فمن فوقهم من المحسنين والموقنين التي جملتها تحت حياطة الملك ~~والجزاء والمداينة، الذين تروعهم رائعة الموت أولا ثم رائعة القيامة ثانيا ~~إلى ما يشتمل عليه يوم الدين من أهوال المواقف الخمسين التي كل موقف منها ~~ألف من السنين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فعدد هذه الأديان سبعة، ما ~~من دين منها إلا ويوجد في صنف من أصناف هذه الأمة، وتجده المعتبر في نفسه ~~في وقت ما بقلة أو كثرة بدوام أو خطرة بضعف أو شدة على إثر دين غالب أو عن ~~لمح عين زائل، وهذه الأديان السبعة هي دين {الذين آمنوا} من هذه الأمة ولم ~~يتحققوا لحقيقة الإيمان فيكونوا من المؤمنين الذين صار الإيمان وصفا ثابتا ~~في قلوبهم، الموحدين المتبرئين من ms1932 الحول والقوة، المتحققين لمعناه، إقدارا ~~لله عليهم بما شاء لا بما يشاؤون {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون - أولئك هم المؤمنون ~~حقا} [الأنفال: 2-4] ، وأما الذين آمنوا فهم الذين لا يثبتون على حال ~~إيمانهم ولكن تارة وتارة، ولذلك هم المنادون والمنهيون والمأمورون في جميع ~~القرآن الذين يتكرر عليهم النداء في السورة الواحدة مرات عديدة من نحو ما ~~بين قوله تعالى # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] إلى ~~قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم # PageV08P526 # عن دينه} [المائدة: 54] إلى ما بين ذلك من نحو قوله تعالى {إن الذين ~~آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا} [النساء: 137] فهؤلاء هم أهل دين ثابت ينتظمون به ~~مع من ليس له ثبات من ماضي الأيان المنتظمين مع من له أصل في الصحة من ~~الأديان الثلاثة في نحو قوله تعالى {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 62] المنتظمين أيضا مع ~~المغيرين لأديانهم والمفترين لدين لم ينزل الله به من سلطان في نحو قوله ~~تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين ~~أشركوا} [الحج: 17] فهذا هو الدين الأول؛ وأما الدين الثاني فهو دين الذين ~~هادوا والذين منهم الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها والذين ورثوا الكتاب ~~يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ~~والذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون: هذا من عند الله، والذين يحسدون ~~الناس على ما آتاهم الله من فضله، والذين يأكلون الربا وقد نهوا عنه، ~~والذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، وأما ~~الدين الثالث فدين الذين قالوا: إنا نصارى، الذين منهم الذين ضلوا عن سواء ~~السبيل الذين غلوا في دينهم وقالوا على الله غير الحق واتخذوا رهبانهم ~~أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، وأما الدين الرابع فدين الصابئة ~~الذين منهم متألهو النجوم عباد الشمس والقمر والكواكب ومغيروهم، هم ~~بالترتيب أول من عبد ms1933 محسوسا # PageV08P527 # سماويا؛ وأما الدين الخامس فدين المجوس الثنوية الذين جعلوا إلهين اثنين: ~~نورا وظلمة، وعبدوا محسوسا آفاقيا، وأما الدين السادس فدين الذين أشركوا ~~وهم الذين عبدوا محسوسا أرضيا غير مصور، وهم الوثنية أو مصورا وهم الصنمية ~~- فهذه الأديان الستة الموفية لعد الست لما جاء فيه؛ وأما الدين السابع ~~فاعلم أن الله سبحانه حعل السابع أبدا جامعا لستة خيرا كانت أو شرا، فالدين ~~السابع هو دين المنافقين الذين ظاهرهم مع الذين آمنوا وباطنهم مع أحد سائر ~~الأديان الخمسة المذكورة إلى أدنى دين مشركها الذين إذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا: آمنا واذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم - فهذه الأديان السبعة ~~متكررة بكليتها في هذه الأمة بنحو مما وقع قبل في الأمم الماضية، وهو مضمون ~~الحديث الجامع لذكر ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم «لتأخذن كما أخذت الأمم ~~من قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع حتى لو أن أحدا من أولئك دخل ~~في حجر ضب لدخلتموه، قالوا: يارسول الله! كما صنعت فارس والروم؟ قال: فهل ~~الناس إلا هم» وما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هو من ~~مضمون قوله تعالى {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا ~~وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا} ، وأهل هذه الأديان السبعة - أو منهم - عمرة ~~دركات جهنم السبع على ترتيبهم، والناجون # PageV08P528 # بالكلية الفائزون هم المؤمنون فمن فوقهم من المحسنين والموقنين، ومزيد ~~تفضيل في ذلك وتثنية قول بما ينبه عليه بحول الله تعالى من جهات تتبع طوائف ~~من هذه الأمة سنن من تقدمهم في ذلك، أما وجه تكرار دين الذين أشركوا في هذه ~~الأمة فباتخاذهم أصناما وآلهة يعبدونها من دون الله محسوسة جمادية كما اتخذ ~~المشركون الأصنام والأوثان من الحجارة والخشب واتخذت هذه الأمة بوجه ألطف ~~وأخفى أصناما وأوثانا فإنها اتخذت الدينار والدرهم أصناما والسبائك والنقر ~~أوثانا من حيث إن الصنم هو ما له صورة والوثن ما ليس له صورة، قال صلى الله ms1934 ~~عليه وسلم: # «صنم أمتي الدينار والدرهم» وقال صلى الله عليه وسلم: «لكل أمة عجل وعجل ~~أمتي الدينار والدرهم» فلا فرق بين ظن المشرك أن الصنم الذي صنعه بيده ~~ينفعه وظن المفتونين من هذه الأمة أن ما اكتسبوا من الدينار والدرهم ينفعهم ~~حتى يشير مثلهم: ما ينفعك إلا درهمك {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا ~~كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} [التوبة: 74] فما من آية نزلت في المشركين ~~في ذكر أحوالهم وتبيين ضلالهم وتفاصيل سرهم وإعلانهم إلا وهي منطبقة على كل ~~مفتون بديناره ودرهمه، فموقع قول المشركين في أصنامهم {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] مثله موقع نظيره من قول المفتون: ما ~~أحب المال إلا لأعمل # PageV08P529 # الخير وأستعين به على وجوه البر، ولو أراد البر لكان ترك التكسب والتمول ~~له أبر: قال صلى الله عليه وسلم «إنما أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم ~~وهما مهلكاكم» فكل من أحبهما وأعجب بجمعهما فهو مشرك هذه الأمة وهما لاته ~~وعزاه اللتان تبطلان عليه قول لا إله إلا الله لأنه تأله ماله؛ قال صلى ~~الله عليه وسلم «لا إله إلا الله نجاة لعباد الله من عذاب الله ما لم ~~يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم» فمن وجد من هذا مسة فليسمع جميع ما أنزل في ~~المشركين من القرآن منطبقا عليه ومنزلا إليه وحافا به حتى يخلصه الله من ~~شركه كما خلص من أخرجه من الظلمات إلى النور من الأولين، فتخلص هذا المشرك ~~بما له من ظلمته التي غشيت ضعيف إيمانه إلى صفاء نور الإيمان في مضمون قوله ~~تعالى {ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور} [الطلاق: ~~11] فهذا وجه تفضيل يبين نحوا من تكرر دين الشرك في هذه الأمة، وأما وجه ~~وقوع المجوسية، ونظيرها في هذه الأمة فإطباق الناس على رؤية الأفعال من ~~أنفسهم خيرها وشرها وإسنادهم أفعال الله إلى خلقه حيث استحكمت عقائدهم على ~~أن فلانا فاعل وفلانا فاعل شر وفلانا يعطي وفلانا يمنع وفلانا خير مني ~~وفلانا أعطاني، حتى ملؤوا الدواوين من ms1935 الأشعار والخطب والرسائل أمداحا لخلق ~~الله على ما لم يفعلوا وذما لهم # PageV08P530 # على ما لم يمنعوا يحمدون الخلق على رزق الله ويذمونهم على ما لم يؤته ~~الله ويلحدون في أسمائه حتى يكتب بعضهم لبعض «سيدي وسندي وأسنى عددي عبدك ~~ومملوكك» يبطلون بذلك أخوة الإيمان ويكفرون تسوية خلق الرحمن ويدعون ~~لأنفسهم أفعال الله فيقولون: فعلنا وصنعنا وأحسنا وعاقبنا - كلمة نمرودية، ~~آتاهم ما لم يشعروا باختصاص الله فيه بأمر كالذي حاج إبراهيم في ربه أن ~~آتاه الله الملك حين قال: أنا أحيي وأميت، وهذه هي المجوسية الصرف والقدرية ~~المحضة التي لا يصح دين الإسلام معها، لأن المسلم من أسلم الخلق والأمر ~~لربه # {أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} [آل عمران: 20] ، {ألا له الخلق والأمر} ~~[الأعراف: 54] وما سوى ذلك قدرية وهي مجوسية هذه الأمة حيث جعلوا للعبد ~~شركة في فعل الرب وجعلوا له معه تعالى قدرة وقوة ومشيئة واختيارا وتدبيرا ~~ولم يعلموا أن التقدير منع التدبير، وأنه تعالى هو يدبر الأمر من السماء ~~إلى الأرض؛ قال صلى الله عليه وسلم «القدرية مجوس هذه الأمة» فكل ما أنزل ~~الله عز وجل في القرآن الجامع لذكر جميع الملل والأديان مما عزاه لمن وزع ~~الأفعال بين الحق والخلق من كلام ذي فرعنة أو نمرودية أو ذي سلطان فللمعتقد ~~المدح والذم حظ منه على حسب توغلهم واستغراقهم في الذين زعموا أنهم فيهم ~~شركاء فخافوهم ورجوهم، فكل خائف من الخلق أو راج منهم من عداد الذين آمنوا ~~والذين أسلموا في هذه الأمة # PageV08P531 # فهم من مجوس هذه الأمة، فليسمع السامع ما يقرؤه من ذلك حجة عليه ليسأل ~~الله تعالى التخلص منها وليعلم أن ذلك لم يزل حجة عليه وإن كان لم يشعر به ~~قبل. فهذا وجه من وقوع المجوسية في هذه الأمة، وأما وجه وقوع الصابئة ~~ونظيرها في هذه الأمة - فما غلب على أكثرهم وخصوصا ملوكها وسلاطينها وذوو ~~الرئاسة منها من النظر في النجوم والعمل بحسب ما تظهره هيئتها عندهم من سعد ~~ونحس والاستمطار بالنجوم والاعتماد على الأنواء وإقبال القلب ms1936 على الآثار ~~الفلكية قضاء بها وحكما بحسب ما جرى عليه الخليون الذين يعلمون ظاهرا من ~~الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون - من العناية بها، قال صلى الله ~~عليه وسلم: «أربعة من أمتي هن بهم كفر وليسوا بتاركيهن» - فذكر منها ~~الاستمطار بالنجوم فالمتعلق خوفهم ورجاؤهم بالآثار الفلكية هم صابئة هذه ~~الأمة كما أن المتعلق خوفهم ورجاؤهم بأنفسهم وغيرهم من الخلق هم مجوس هذه ~~الأمة، وكما أن المتعلق تشوفهم ورجاؤهم بدرهمهم ودينارهم هم مشركو هذه ~~الأمة وما انطوى عليه سر كل طائفة منهم مما تعلق به خوفهم ورجاؤهم فهو ربهم ~~ومعبودهم الذي إليه تصرف جميع أعمالهم، واسم كل امرىء مكتوب على وجه ما ~~اطمأن به قلبه فكل ما أنزل في القرآن من تزييف أراء الصابئة فهو حجة عليه # PageV08P532 # حيث يقرؤه أو يسمعه من حيث لا يشعر حتى يقرأ قوم القرآن وهو نذير لهم بين ~~يدي عذاب شديد وهم لا يشعرون ويحسبون أنهم يرحمون به وهم الأخسرون # {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] فمما يختص بهذه الطائفة ~~المتصبئة ما هو نحو قوله تعالى {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75]- الآيات في ذكر الكوكب والقمر والشمس ~~إلى آيات ذكر التسخير لهن نحو قوله تعالى {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا ~~بها في ظلمات البر والبحر والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره وسخر لكم ~~الشمس والقمر دائبين} [إبراهيم: 33] {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق} [يونس: ~~5] {وإنه هو رب الشعرى} [النجم: 49] كل ذلك ليصرف تعالى خوف الخلق ورجاءهم ~~عن الأفلاك والنجوم المسخرة إلى المسخر القاهر فوق عبادة الذي استوى على ~~جميعها، فهذا وجه من وقوع الصائبة في الذين آمنوا والذين أسلموا في هذه ~~الأمة، وأما وجه وقوع ما غلب على هذه الأمة وكثر فيها وفشا في أعمالها ~~وأحوالها من تمادي طوائف منهم على نظير ما كان عليه اليهود والنصارى في ~~اختلافهم وغلبة أحوالهم - ملوكهم وسلاطينهم - على أحوال أنبيائهم وعلمائهم ms1937 ~~وأوليائهم فهو الذي حذرته هذه الأمة وأشعر أولو الفهم # PageV08P533 # بوقوعه فيهم بنحو ما في مضمون قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} [آل عمران: 105] وما أنبأ به صلى الله ~~عليه وسلم «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا ~~حجر ضب لاتبعتموهم» وفي بعض طرقه «حتى لو كان فيهم من أتى أمه جهارا لكان ~~فيكم ذلك، قلنا: يارسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» وإنما قوي وكثر ~~في هذه الأمة حال هاتين الملتين لما آتاهما الله من الكتاب والعلم والحكمة ~~فاختلفوا فيها بالأغراض والأهواء وإيثار عرض الدنيا، وسامحوا الملوك ~~والولاة وحللوا لهم ما حرم الله وحرموا لهم ما حلل الله، وتوصلوا بهم إلى ~~أغراضهم في الاعتداء على من حسدوه من أهل الصدق والتقوم، وكثر البغي بينهم ~~فاستقر حالهم على مثل حالهم، وسلطت عليهم عقوبات مثل عقوباتهم، وتمادى ذلك ~~فيهم منذ تبدلت الخلافة ملكا إلى أن تضع الحرب أوزارها وتصير الملل كلها ~~ملة واحدة ويرجع الافتراق إلى ألفة التوحيد، فكل من اقتطع واقتصر من هذه ~~الشريعة المحمدية الجامعة للظاهر والباطن حظا مختصا من ظاهر أو باطن ولم ~~يجمع بينهما في علمه وحاله وعرفانه فهو بما لزم الظاهر الشرعي دون حقيقة ~~باطنه من يهود هذه الأمة كالمقيمين لظواهر الأحوال الظاهر التي بها تستمر ~~الدنيا على حسب ما يرضى ملوك الوقت وسلاطينهم، المضيعين لأعمال السرائر، ~~المنكرين لأحوال أهل الحقائق الشاهد عليهم تعلق خوفهم ورجائهم بأهل الدنيا، ~~المؤثرين لعرض هذا الأدنى، فبهذا ظهرت أحوال اليهود في هذه الأمة، مر # PageV08P534 # الأعراب مع النبي صلى الله عليه وسلم بسدرة خضراء نضرة، وكان لأهل ~~الجاهلية سدره يعظمونها ويجتمعون عندها وينيطون بها أسلحتهم ويسمونها ذات ~~أنواط فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا هذه السدرة ذات أنواط كما لهم ذات ~~أنواط! فقال صلى الله عليه وسلم: # «قلتموها ورب الكعبة كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة! ~~إنها السنن» فحيث ظهرت أحداث اليهود من البغي والحسد وتعظيم ما ظهر ms1938 تعظيمه ~~من حيث الدنيا واستحقار ضعفاء المؤمنين فهنالك أعلام اليهودية ظاهرة، وكذلك ~~ايضا من اقتصر من هذه الشريعة الجامعة المحمدية على باطن من إصلاح حال أو ~~قلب مع تضييع ظاهر الأمر ومجامع الخير وتعاضد الإسلام واكتفى بما استبطن ~~وتهاون بما استظهر فهو من نصارى هذه الأمة، ليس بصاحب فرقان فكيف أن يكون ~~صاحب قرآن، وذلك أن هذا الدين الجامع إنما يقوم بمعالم إسلام ظاهرة وشعار ~~إيمان في القلوب وأحوال نفس باطنة وحقائق إحسان شهودية، لا يشهد المحسن مع ~~الله سواه ولا يؤمن المؤمن مع الله بغيره، ولا يخضع المسلم إلى شيء دونه، ~~فبذلك يتم، وقد التزم بمعالم الإسلام طوائف يسمون المتفقهة، والتزم بشعائر ~~الإيمان طوائف يسمون الأصوليين والمتكلمين، وترامى إلى الإحسان طوائف يسمون ~~المتصوفه، فمتى كان المتفقه منكرا لصدق # PageV08P535 # أحوال الصوفية لما لعله يراه من خلل في أحوال المتصوفة فقد تسنن بسنن ~~اليهودية، ومتى كان المتصوف غير مجل للفقهاء لما لعله يراه من خلل في أحوال ~~المتفقه فقد تسنن بسنن النصارى، وكذلك حال المتكلم بين الفرقتين لأيهما ~~مال، وإنما أئمة الدين الذين جمع الله لهم إقامة معالم الإسلام وإيمان أهل ~~الإيمان وشهود أهل الإحسان، تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتأتم بهم ~~الصوفية، وتظهر أنوار قلوبهم على ظلم المتشابهات فيأتم بهم أهل الإيمان، ~~وتبدو في أعمالهم معالم الإسلام تامة فيأتم بهم أهل الإسلام {عباد الرحمن ~~الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: ~~63] «أفضل الناس مؤمن في خلق حسن وشر الناس كافر في خلق سيىء» فأولو ~~الفرقان جامعون ومستبصرون فمن اقتصر على ظاهر وأنكر باطنا لزمته مذام ~~اليهود فيما أنزل من القرآن فيهم بحسب توغله واقتصاره، ومن اقتصر على باطن ~~دون ظاهر لزمته مذام النصارى فيما أنزل من القرآن فيهم؛ يذكر أن رجلا من ~~صلحاء المسلمين دخل كنيسة فقال لراهب فيها: دلني على موضع طاهر أصلي فيه، ~~فقال الراهب: طهر قلبك مما سواه وقم حيث شئت، قال ذلك الصالح المسلم: فخجلت ~~منه، فاعلم أن كل واحد من ms1939 هذين الحالين ليس حال صاحب فرقان ولا حال صاحب ~~قرآن لأن صاحب القرآن لا يخجل لهذا القول لأنه حاله، وقلبه مطهر مما سوى ~~الله، # PageV08P536 # ومع ذلك لابد أن ينظف ظاهره، لأن الله سبحانه كما أنه الباطن فيحب صفاء ~~البواطن فإنه الظاهر يحب صلاح الظواهر، فصاحب القرآن إذا دعي إلى صفاء باطن ~~أجاب ولم يتعلثم وإذا دعي إلى صلاح ظاهر أجاب ولم يتلكأ لقيامه بالفرقان ~~وحق القرآن، يذكر أن ملكا رحمه الله دخل المسجد بعد العصر وهو ممن لا يرى ~~الركوع بعد العصر فجلس ولم يركع فقال له صبي: يا شيخ! قم فاركع، فقام وركع ~~ولم يحاجه بما يراه مذهبا، فقيل له في ذلك فقال: خشيت أن أكون من # {الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} [المرسلات: 48] ووقف النبي صلى ~~الله عليه وسلم على سقاية زمزم وقد صنع العباس رضي الله عنه أحواضا من شراب ~~فضيخ التمر والمسلمون يردون عليه وقد خاضوا فيه بأيديهم، فأهوى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يشرب من شرابهم، فقال له العباس رضي الله عنه: يا رسول ~~الله! ألا نسقيك من شراب لنا في أسقية؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «أشرب من ~~هذه ألتمس بركة أيدي المسلمين» ، فشرب منه صلى الله عليه وسلم. فصاحب ~~القرآن يعبد الله تبارك وتعالى بقلبه وجسمه لا يقتصر على ظاهر دون باطن، ~~ولا على باطن دون ظاهر، ولا على أول دون آخر ولا على آخر دون أول؛ قال صلى ~~الله عليه وسلم «أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أم آخره» فمن حق القارىء أن ~~يعتبر القرآن نفسه ويلحظ مواضع مذامه للفرق ويزن به أحوال نفسه من هذه ~~الأديان # PageV08P537 # الستة في هذه الأمة، وأما وجه وقوع النفاق وأحوال المنافقين فهي داهية ~~القراء وآفة الخليفة؛ قال صلى الله عليه وسلم «أكثر منافقي أمتى قراؤها» ~~وقال بعض كبار التابعين: أدركت سبعين ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلهم يخاف النفاق على نفسه. وأصل مداخله على الخلق من إيثار حرمة الخلق على ~~حرمة الحق جهلا ms1940 بالله عز وجل واغترارا بالناس، فليزم لذلك محاسنة أولى البر ~~والصدق ظاهرا وتكرههم بقلبه باطنا، ويتبع ذلك من الذبذبة بين الحالين ما ~~وصف الله تعالى من أحوالهم وما بينه النبي صلى الله عليه وسلم من علاماتهم ~~حتى قال صلى الله عليه وسلم: # «بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما» وكما قال ~~تبارك وتعالى {لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} ~~ينظر المنافق إلى ما يستسقط به فضائل أهل الفضل ويتعامى عن محاسنهم، كما ~~روي أن الله يبغض التارك لحسنة المؤمن الآخذ لسيئته، والمؤمن الصادق يتغافل ~~عن مساوىء أهل المساوىء فكيف بمعايب أهل المحاسن! ومن أظهر علامات المنافق ~~تبرمه بأعمال الصادق كما ذكر، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا ~~وإلى جنبه منافق يكره عمله، وعن ذلك المنافق غماز لماز بخيل جبان مرتاع، ~~مستثقل في مجامع الخير أجنبي منها، مستخف في مواطن الشر متقدم فيها، طلق ~~اللسان بالغيبة والبهتان، ثقيل اللسان عن مداومة ذكر الله تبارك وتعالى، عم ~~عن ذكر # PageV08P538 # الله عز وجل في كل حال، ناظر إلى الناس بكل وجه، وهو مع ذلك يصانعهم ولا ~~يصادقهم، يأخذ من الدين ما ينفعه في الدنيا ولا يأخذ ما ينفع في العقبى، ~~ويجتنب في الدين ما يضر في الدنيا ولا يجتنب ما يضر في في العقبى مما لا ~~يضر في الدنيا، فهذا وجه من وقوع شياع النفاق في هذه الأمة، فلذلك من حق ~~القارىء أن يستشعر مواقع آي القرآن من نفسه في ذات قلبه وفي أحوال نفسه ~~وأعمال بدنه وفي سره مع ربه وفي علانيته مع خلقه، فإنه بذلك يجد القرآن كله ~~منطبقا عليه خاصا به حتى كأن جميعه لم ينزل إلا إليه حتى إذا رغب في أمر ~~رغب هو فيه من وجه ولا يقول: هذا إنما أنزل في كذا، وإذا رهب القرآن من أمر ~~رهبه من وجه ما، وإذا أعلى فكذلك وإذا أسفل فكذلك، ولا يقول: هذا إنما أنزل ~~في كذا حتى يجد لكل ms1941 القرآن موقعا في عمله أي عمل كان ومحلا في نفسه أي حال ~~كان ومشعرا لقلبه أي ملحظ كان، فيستمع القرآن بلاغا من الله سبحانه وتعالى ~~إليه بلا واسطة بينه وبينه، فعند ذلك يوشك أن يكون ممن يقشعر له جلده ~~ابتداء ثم تلين له جلده وقلبه انتهاء، وربما يجد من الله سبحانه وتعالى نفح ~~رحمة يفتح له بابا إلى التخلق بالقرآن أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت، كان ~~خلقه القرآن وبذلك هو ذو الخلق العظيم - والله واسع عليم-انتهى. # PageV08P539 # ولما قرر سبحانه بهذه الآية تشابههم في التمتع بالعاجل، وختمها بهذا ~~الختام المؤذن بالانتقام، اتبع ذلك بتخويفهم من متشابهتهم فيما حل بطوائف ~~منهم ملتفتا إلى مقام الغيبة لأنه أوقع في الهيبة، فقال مقررا لخسارتهم: ~~{ألم يأتهم} أي هؤلاء الأخابث من أهل النفاق {نبأ الذين من قبلهم} أي خبرهم ~~العظيم الذي هو جدير بالبحث عنه ليعمل بما يقتضيه حين عصوا رسلنا؛ ثم أبدل ~~من ذلك قوله: {قوم نوح} أي في طول أعمارهم وامتداد آثارهم وطيب قرارهم بحسن ~~التمتع في أرضهم وديارهم، أهلكهم بالطوفان، لم يبق عن عصاتهم إنسان، وعطف ~~على قوم القبيلة فقال؛ {وعاد} أي في قوة أبدانهم وعظيم شأنهم ومصانعهم ~~وبنيانهم وتجبرهم في عظيم سلطانهم، أهلكهم بالريح الصرصر، لم يبق ممن كفر ~~منهم بشر {وثمود*} أي في تمكنهم من بلاد الحجر عرضها وطولها، جبالها ~~وسهولها، أهلكوا بالرجفة لم يبق من الكفار منهم ديار {وقوم إبراهيم} أي في ~~ملك جميع الأرض بطولها والعرض، سلب الله منهم الملك بعد شديد الهلك {وأصحاب ~~مدين} أي في جمع الأموال ومد الآمال إلى أخذها من حرام وحلال ونقص الميزان ~~والمكيال فعمهم الله بالنكال {والمؤتفكات} أي في إعراضهم عن صيانة أعراضهم ~~في اتباع لذائذ أغراضهم، فأثمر لهم فعلهم بعد الخسف عموم انقراضهم. # PageV08P540 # ولما كان كأنه قيل: ما نبأهم؟ قال: {أتتهم رسلهم} أي أتى كل أمة منهم ~~رسولها {بالبينات} أي بالمعجزات الواضحات جدا بسبب أنهم ارتكبوا ms1942 من القبائح ~~ما أوجب دمارهم {فما} أي فتسبب عن ذلك أنه {ما} {كان الله} أي مع ما له من ~~صفات الكمال مريدا {ليظلمهم} أي لأن يفعل بهم في الإهلاك قبل الإنذار ~~وإنارة البينات فعل من تعدونه فيما بينكم ظالما، ولكنه أرسل إليهم الرسل ~~فكذبوا ما أتوهم به من البينات، فصار العالم بحالهم إذا سمع بهلاكهم ~~وبزوالهم يقول: ما ظلمهم الله {ولكن كانوا} أي دائما في طول أعمارهم ~~{أنفسهم} أي لاغيرها {يظلمون*} أي بفعل ما يسبب هلاكها، فإن لم ترجعوا أنتم ~~فنحن نحذركم مثل عذابهم، ولعله خص هؤلاء بالذكر من بين بقية الأمم لما عند ~~العرب من أخبارهم وقرب ديارهم من ديارهم مع أنهم كانوا أكثر الأمم عددا، ~~وأنبياؤهم أعظم الأنبياء - نبه على ذلك أبو حيان. ولعله قدم أصحاب مدين على ~~قوم لوط وهم بعدهم في الزمان لأن هذا في شأن من وصفوا بأنهم لم يجدوا ما ~~يحميهم مما هم فيه من العذاب بمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم من ملجأ أو ~~مغارات أومدخل كما أن من قبل المؤتفكات جمعهم هذا الوصف، فقوم نوح عليه ~~السلام لم يمنعهم لما أتاهم الماء معقل منيع ولا جبل رفيع مع أنه يقال؛ ~~إنهم هم الذين بنوا الأهرامات، منها ما هو بالحجارة ليمنعهم من الحادث الذي # PageV08P541 # هددوا به إن كان ماء، ومنها ما هو بالطوب التي لتحميهم منه إن كان نارا، ~~وعاد لما أتتهم الريح بادروا إلى البيوت فقلعت الأبواب وصرعتهم في أجواف ~~بيوتهم، ولم يغنهم ما كانوا يبنون من المصانع المتقنة والقصور المشيدة ~~والحصون الممنعة، وحال ثمود معروف في توسعهم في البيوت جبالا وسهولا فما ~~منعتهم من الصيحة التي أعقبت الرجفة، وقوم إبراهيم عليه السلام بنوا الصرح، ~~ارتفاعه خمسة آلاف ذراع أو فرسخان ليتوصل به نمرود كما زعم - إلى السماء ~~فأتى الله بنيانهم من القواعد، ألقت الريح رأسه في البحر وخر عليهم الباقي ~~وهم تحته، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، وأصحاب مدين لما أتاهم العذاب ~~فأخذتهم الرجفة الرجفة لما تغن عنهم مدينتهم، وإن ms1943 كانوا هم أصحاب الأيكة ~~فإنهم لما اشتد عليهم الحر يوم الظلة قصدوا المغارات فوجدوها أحر من وجه ~~الأرض فخرجوا منها هاربين، فجمعتهم الظلة بنسيم بارد خيلته إليهم ولبست به ~~عليهم، فلما اجتمعوا تحتها أحرقتهم نارها وبقي عليهم عارها، وأما قوم لوط ~~فأتاهم الأمر بغتة، لم يشعروا حتى قلبت مدائنهم بعد أن رفعت إلى عنان ~~السماء، واتبعت حجارة الكبريت تضطرم نارا، ولعله خص قوم لوط بالذكر من بين ~~من ليس له هذا الوصف لأن العرب كانوا يمرون على مواضع مدائنهم ويشاهدونها، ~~وعبر عنهم بالمؤتفكات لأن القصص للمنافقين الذين مبنى أمرهم على الكذب وصرف ~~الأمور # PageV08P542 # عن ظواهرها وتقليبها عن وجوهها، فالمعنى أن أولئك لما قلبوا فعل النكاح ~~عن وجهه عوقبوا بقلب مدائنهم، فهؤلاء جديرون بمثل هذه العقوبة لقلب القول ~~عن وجهه، ومادة «إفك» بكل ترتيب تدور على القلب، فإذا كافأت الرجل فكأنك ~~قلبت فعله فرددته إليه وصرفته عنك، وأكاف الدابة شبه بالإناء المقلوب، ~~والكذب صرف الكلام عن وجهه فهو إفك لذلك - والله أعلم. # ولما بين سبحانه أن المنافقين بعضهم من بعض وما توعدهم به وما استتبعه من ~~تهديدهم بإهلاك من شابهوه، وختم بما سبب هلاكهم من إصرارهم وعدم اعتبارهم، ~~عطف ببيان حال المؤمنين ترغيبا في التوبة طعما في مثل حالهم فقال: ~~{والمؤمنون} {والمؤمنات} أي بما جاءهم عن ربهم {بعضهم أولياء} ولم يقل: من، ~~كما قال في المنافقين: من {بعض} دلالة على أن أحدا منهم لم يقلد أحدا في ~~أصل الإيمان ولا وافقه بحكم الهوى، بل كلهم مصوبون بالذات وبالقصد الأول ~~إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدليل القطعي على حسب فهم كل أحد ~~منهم، فذلك دليل على صحة إيمانهم ورسوخهم في تسليمهم وإذعانهم؛ ثم بين ولا ~~يتهم بأنهم يد واحدة على من سواهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى ~~له سائر الجسد بالحمى والسهر فقال: {يأمرون} أي كلهم على وجه التعاضد ~~والتناصر {بالمعروف} وهو كل ما عرفه الشرع وأجازه {وينهون} # PageV08P543 # أي كذلك {عن المنكر} لا يحابون أحدا. # ولما ذكر ms1944 الدليل القطعي على صحة الإيمان، أتبعه أفضل العبادات فقال: ~~{ويقيمون الصلاة} أي يوجدونها على صفة تقتضي قيامها بجميع أركانها وشروطها ~~وحدودها مراقبة لربهم واستعانة بذلك على جميع ما ينوبهم {ويؤتون الزكاة} أي ~~مواساة منهم لفقرائهم صلة للخلائق بعد خدمة الخالق، وذلك مواز لقوله في ~~المنافقين {ويقبضون أيديهم} ولما خص أمهات الدين، عم بيانا لأنهم لا ينسون ~~الله طرفة عين بل يذكرونه في كل حال بقوله: {ويطيعون الله} أي الملك الأعظم ~~الذي لا ملك سواه {ورسوله} إشارة إلى حسن سيرتهم وجميل عشرتهم. # ولما ذكر مكارم أفعالهم، أتبعه حسن مآلهم فقال: {أولئك} أي العظماء الشأن ~~{سيرحمهم الله} أي المستجمع لصفات الكمال بوعد لا خلف فيه، وهذا مع الجملة ~~قبله مواز لقوله في المنافقين {نسوا الله فنسيهم} وهو إشارة إلى أن الطريق ~~وعر والأمر شديد عسر، فالسائر مضطر إلى الرحمة، وهي المعاملة بعد الغفران ~~بالإكرام، لا قدرة له على قطع مفاوز الطريق إلا بها، ولا وصول له أصلا من ~~غير سببها. # ولما بين أن حال المؤمنين مبني على الموالاة وكانت الموالاة فقيرة إلى ~~الإعانة قال: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة # PageV08P544 # {عزيز} أي غالب غير مغلوب بوجه، فهو قادر على نصر من يوالي حزبه وأن ~~ينيله من ثمرات الرحمة ما يريد من غير أن يقدر أحد على أن يحول بينه وبين ~~شيء من ذلك {حكيم*} أي فلا يقدر أحد على نقض ما يحكمه وحل يبرمه، وفي ذلك ~~إشارة إلى أن المؤمنين لا يزالون منصورين على كل مفسد ما داموا على هذه ~~الخلال من الموالاة وما معها من حميد الخصال. # PageV08P545 # ولما ختم الآية بوصف العزة والحكمة المناسب لافتتاحها بالموالاة وتعقيبها ~~بآية الجهاد، وذلك بعد الوعد بالرحمة إجمالا، أتبعها بما هو أشد التئاما ~~بها بيانا للرحمة وتفصيلا لها ترغيبا للمؤمنين بالإنعام عليهم بكل ما رامه ~~المنافقون بنفاقهم في الحياة الدنيا، وزادهم بأنه دائم، وأخبر بأن ذلك هو ~~الفوز لا غيره فقال: {وعد الله} أي الصادق الوعد الذي له الكمال كله ~~{المؤمنين والمؤمنات} أي الراسخين ms1945 في التصديق بكل ما أتاهم به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم {جنات تجري من تحتها الأنهار} أي فهى لا تزال خضرة ذات بهجة ~~نضرة؛ ولما كان النعيم لا يكمل إلا بالدوام، قال: {خالدين فيها} كانت ~~الجنان لا تروق إلا بالمنازل والدور الفسيحة والمعازل قال: {ومساكن طيبة} ~~ولما كان بعض الجنان أعلى من بعض، وكان أعلاها ما شرف بوصف العندية المؤذن ~~بالقرب من بنائه مما يؤكد معنى الدوام، قال: {في جنات عدن} أي إقامة دائمة ~~وهناء وصحة جسم وطيب مقر وموطن ومنبت، # PageV08P545 # وذلك كما قال في حق أضدادهم {عذاب مقيم} وما أنسب ذكر هذه الجنة في سياق ~~التعبير بالوصف المؤذن بالرسوخ فإنه ورد في الحديث أنها خاصة بالنبيين ~~والصديقين والشهداء. ولما كان ذلك لا يصفو عن الكدر مع تجويز نوع من الغضب ~~قال مبتدئا إشارة إلى أنهى التعظيم -: {ورضوان} أي رضى لا يبلغه وصف واصف ~~بما تشير إليه صيغة المبالغة ولو كان على أدنى الوجوه بما أفاده التنوين - ~~{من الله} أي الذي لا أعظم منه عندهم {أكبر} أي مطلقا، فهو أكبر من ذلك كله ~~لأن رضاه سبب كل فوز، ولا يقع السرور الذي هو أعظم النعيم إلا برضى السيد، ~~وإذا كان القليل منه أكبر فما ظنك بالكثير. # ولما تم ذلك على أحسن مقابلة بما وصف به أضدادهم، قال يصفه زيادة في ~~الترغيب فيه: {ذلك} أي الأمر العالي الرتبة {هو} أي خاصة لا غيره {الفوز ~~العظيم*} أي الذي يستصغر دونه كل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وفي كون ذلك ~~وعدا لمن اتصف لأجل ما اتصف به ترغيب في الجهاد المأمور به بعدها لكونه من ~~أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والداعي الأعظم إلى الموالاة. # ولما ثبتت موالاة المؤمنين ومقاطعتهم للمنافقين والكافرين، وكان ما مضى ~~من الترغيب والترهيب كافيا في الإنانة، وكان من لم يرجع # PageV08P546 # بذلك عظيم الطغيان غريقا في الكفران، أتبع ذلك الأمر بجهادهم بما يليق ~~بعنادهم فقال آمرا لأعظم المتصفين بالأوصاف المذكروة مفخما لمقداره بأجل ~~أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ms1946 {يا أيها النبي} أي العالي المقدار ~~بما لا يزال يتجدد له منا من الأنباء وفينا من المعارف؛ ولما كان الجهاد ~~أعرف في المصارحين، وكانوا أولى به لشدة شكائمهم وقوة نفوسهم وعزائمهم بدأ ~~بهم فقال؛ {جاهد الكفار} أي المجاهرين {والمنافقين} أي المسائرين كلا بما ~~يليق به من السيف واللسان. # ولما كان صلى الله عليه وسلم مطبوعا على الرفق موصى به، قال تعالى: ~~{واغلظ عليهم} أي في الجهادين ولا تعاملهم بمثل ملا عاملتهم به من اللين ~~عند استئذانهم في العقود، وهذا بخلاف ما مضى في وعيد المنافقين حيث قدمهم ~~فقال {المنافقين والمنافقات والكفار} فقدم في كل سياق الأليق به؛ ولما كان ~~المعنى: فإنك ظاهر عليهم وقاهر لهم وهم طعام السيف وطوع العصا، عطف عليه ~~قوله: {ومأواهم} أي في الآخرة {جهنم وبئس المصير*} . # ولما أتى بالدليل العام على إجرمهم، أتبعه الدليل الخاص عليه وهو أيضا ~~دليل على دليل فقال: {يحلفون بالله} أي الملك الأعلى الذي لا شيء أعظم منه ~~قدرا {ما قالوا} أي ما وقع منهم قول، فقصر الفعل تعميما للمفعول إعلاما ~~بأنهم مهما عنفوا على قول كائنا ما كان بادروا إلى الحلف على نفيه كذبا ~~لأنهم مردوا على النفاق فتطبعوا بأعلى الكذب # PageV08P547 # ومرنوا على سيىء الأخلاق، فصار حاصل هذا أنهم أطعموا في العفو وحذروا من ~~عذاب الباقين بسبب إجرامهم لأنهم يأمرون بالمنكر وما يلائمه مقتفين آثار من ~~قبلهم في الانهماك في الشهوات غير مقلعين خوفا من الله أن يصيبهم بمثل ما ~~أصابهم ولا رجاء له أن ينيلهم مما أعد للمؤمنين مجترئين على الأيمان ~~الباطلة بأعظم الحلف على أي شيء فرض سواء كان يستحق اليمين أو لا غير ~~خائفين من الله أن يهتكهم كما هتك غيرهم ممن فعل مثل أفعالهم؛ ثم دل على ~~عظيم إجرامهم وما تضمنه قوله {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} - الآية، ~~من كبائر آثامهم، ويجوز أن تكون هذه الاية واقعة موقع التعليل للآية التي ~~قبلها بأنهم يقدمون على ما يستحقون به الجهاد والغلظة والنار من الحلف كذبا ~~على نفي كل ms1947 ما ينقل عنهم استخفافا بالله وبأسمائه {اتخذوا أيمانهم جنة} ~~[المجادلة: 6] فتكون جوابا لمن كأنه قال: أما جهاد الكفار فالأمر فيه واضح، ~~وأما المنافقون فكيف يجاهدون وهم يتكلون بلفظ الإيمان ويظهرون أفعال أهل ~~الإسلام فقال: لأنهم يحلفون {ولقد} أي والحال أنهم كاذبون لقد {قالوا كلمة ~~الكفر} أي الذي لا أكبر في الكفر منه، وهي تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم. # ولما كان هذا السيافق لصنف يجددون الاستخفاف بالله تعالى - # PageV08P548 # بما دل عليه المضارع كل وقت، دل على أن إقرارهم بالإيمان كذب وأفعالهم ~~صور لا حقائق لها، فعبر بالإسلام فقال: {وكفروا} أي اظهروا الكفر {بعد ~~إسلامهم} أي بما ظهر من أفعالهم وأقوالهم، وذلك غاية الفجور؛ ولما كان أعلى ~~شغف الإنسان بشيء ان تحدثه نفسه فيه بما لا يصل إليه، فيكون ذلك ضربا من ~~الهوس قال: {وهموا بما لم ينالوا} أي من قتل الرسول صلى الله عليه وسلم أو ~~إخراجه من المدينة، فجمعوا بين أنواع الكفر القول والفعل والاعتقاد، ويجوز ~~أن يكون حالا من الضمير في {مأواهم} والتقدير على هذا: يدخلون جهنم حالفين ~~بالله: ما قالوا كلمة الكفر، ولقد قالوها، فيكون كقوله # {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ~~. # ولما بين من أحوالهم التي لا يحمل على فعلها إلا أمر عظيم، قال: {وما} أي ~~قالوا وفعلوا والحال انهم ما {نقموا} أي كرهوا شيئا من الأشياء التي أتتهم ~~من الله {إلا أن أغناهم الله} أي الذي له جميع صفات الكمال وهو غني عن ~~العالمين {ورسوله} أي الذي هو أحق الخلق بأن يجوز عظمة الإضافة إليه ~~سبحانه، وكان أذاهم هذا النبي صلى الله عليه وسلم وهمهم بقتله مع إعطائه ~~لهم ما أغناهم بخلاف الآية السابقة، فكان الأقعد في ذمهم تأخير قوله: {من ~~فضله} فهو # PageV08P549 # من باب: ولا عيب فيهم. # ولما نبه على أن هذه المساوىء قابلوا بها المحسن إليهم، رغبهم بأنه قابل ~~المتاب عليهم، ورهبهم بأنه لا مرد لما يريد من العذاب بقوله: {فإن يتوبوا} ~~ولما كان المقام جديرا ms1948 بأن يشتد تشوف السامع إلى معرفة حالهم فيه، حذف نون ~~الكون اختصارا تنبيها على ذلك فقال {يك} أي ذلك {خيرا لهم} من إصرارهم. # ولما كان للنفوس من أصل الفطرة الأولى داعية شديدة إلى المتاب، وكان ~~القرآن في وعظه زاجرا مقبول العتاب عظيم الأخذ بالقلوب والعطف للألباب، ~~أشار إلى ذلك بصيغة التفعيل فقال: {وإن يتولوا} أي يكلفوا أنفسهم الإعراض ~~عن المتاب {يعذبهم الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما بحوله وقوته {عذابا ~~أليما} أي لا صبر لهم عليه {في الدنيا} أي بما هم فيه من الخوف والخزي ~~والكلف وغيرها {والآخرة} أي بالعذاب الأكبر الذي لا خلاص لهم منه {وما لهم ~~في الأرض} أي التي لا يعرفون غيرها لسفول هممهم {من ولي} أي يتولى أمورهم ~~فيصلح ما أفسد العذاب منهم أو يشفع لهم {ولا نصير*} أي ينقذهم؛ وأما السماء ~~فهم أقل من أن # PageV08P550 # يطمعوا منها بشيء ناصر أو غيره وأغلظ أكبادا من أن يرتقي فكرهم إلى ما ~~لها من العجائب وما بها من الجنود؛ وسبب نزول الآية على ما قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا في ظل شجرة فقال: ~~سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه، فلم يلبثوا أن ~~طلع رجل أرزق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام تشتمني أنت ~~وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله. ما قالوا، فأنزل الله ~~الآية؛ وقال الكلبي: نزلت في الجلاس بن سويد، وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك فذكر المنافقين فسماهم رجسا وعابهم فقال ~~الجلاس: لئن كان محمدا صادقا لنحن شر من الحمير، فسمعه عامر بن قيس فقال: ~~أجل، إن محمدا لصادق وأنتم شر من الحمير، فلما انصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قاله الجلاس، فقال ~~الجلاس: كذب علي يا رسول الله! فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يحلفا عند المنبر فقام الجلاس عند ms1949 المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله ~~إلا هو ما قاله ولقد كذب علي عامر، وقام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلا ~~هو لقد قاله وما كذبت عليه، ثم رفع عامر # PageV08P551 # رضي الله عنه يديه إلى السماء فقال: اللهم! أنزل على نبيك تصديق الصادق ~~منا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون: آمين! فنزل جبريل عليه ~~السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ {فإن يتوبوا يك} أي التوب {خيرا ~~لهم} فقام الجلاس فقال: يا رسول الله! أسمع الله قد عرض علي التوبة، صدق ~~عامر بن قيس فيما قاله، لقد قلته، وانا أستغفر الله وأتوب إليه، فقبل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه ثم تاب وحسنت توبته. # ولا مانع من أن يكون كل ذلك سببا لها كما تقدم ويأتي، والأوفق لها في ~~السببية الخبر الأول للتعبير في الكفر ب «أل» المؤذنة بالكمال، ومن شتم ~~نبينا صلى الله عليه وسلم فقد ارتكب كل كفر، وفي الاية دليل على قبول توبة ~~الزنديق المسر للكفر المظهر للايمان - كما قال أبو حيان وقال: وهو مذهب أبي ~~حنيفة والشافعي، وقال مالك: لا تقبل، فإن جاء تائبا من قبل نفسه من قبل أن ~~يعثر عليه قبلت توبته. # PageV08P552 # ولما أقام سبحانه الدليل على ما ذكر بهذه الآية التي ختمها بأنه أغناهم ~~من فضله، أتبها بإقامة الدليل عليها وعلى أنهم يقبضون أيديهم وعلى اجترائهم ~~على اقبح الكذب فقال: {ومنهم من عاهد الله} أي الذي لا أعظم منه {لئن ~~آتانا} أي من خير ما عنده، واعتراف بأنه # PageV08P552 # لا حق لأحد عليه بقوله: {من فضله} أي بأي طريق كان من تجارة أو غنيمة أو ~~زراعة أو غيرها، وأكد لأنه كاذب يظن أن الناس يكذبونه، وهكذا كل كاذب فقال: ~~{لنصدقن} أي مما آتانا من غير رياء - بما يشير إليه الإدغام {ولنكونن} أي ~~كونا هو الدال على أنا مجبولون على الخير {من الصالحين*} أي لكل خير نندب ~~إليه {فلما آتاهم} وكرر قوله: {من فضله} تقريرا لما قاله المعاهد ms1950 تأكيدا ~~للإعلام بأنه لا حق عليه لأحد ولا صنع فيما ينعم به ولا قدرة عليه بوجه ~~{بخلوا به} أي كذبوا فيما عاهدوا عليه وأكدوه غاية التأكيد، فلم يتصدقوا بل ~~منعوا الحق الواجب إظهاره فضلا عن صدقة السر {وتولوا} أي كلفوا أنفسهم ~~الإعراض عن الطاعة لمن تفضل عليهم مع معرفتهم بقبح نقض العهد؛ ولما كان ~~التولي قد يحمل على ما بالجسد فقط قال: {وهم معرضون*} أي بقلوبهم، والإعراض ~~وصف لهم لازم لم يتجدد لهم، بل كان غريزة فيهم ونحن عالمون بها من حين ~~أوقعوا العهد؛ قال أبو حيان: قال الضحاك: هم نبتل ابن الحارث وجد بن قيس ~~ومعتب بن قشير وثعلبة بن حاطب وفيهم نزلت الآية - انتهى. وحسن تعقيبها بها ~~أيضا أن في الأولى كفران نعمة الغني من غير عهد، وفي هذه كفرانها مع العهد ~~فهو ترق من الأدنى إلى الأعلى، ودل # PageV08P553 # عظيم شأن العهد بتعظيم الجزاء على خيانته بقوله: {فأعقبهم} أي الله أو ~~التمادي على البخل جزاء على ذلك {نفاقا} متمكنا {في قلوبهم} أي بأن لا ~~يزالوا يقولون ما لا يفعلون {إلى يوم يلقونه} أي بالموت عند فوت الفوت {بما ~~أخلفوا الله} أي وهو الملك الأعظم {ما وعدوه} لأن الجزاء من جنس العمل؛ ~~ولما كان إخلاف الوعد شديد القباحة، وكان مرتكبه غير متحاش من مطلق الكذب، ~~قال: {وبما كانوا يكذبون*} أي يجددون الكذب دائما مع الوعدد ومنفكا عنه، ~~فقد استكملوا النفاق: عاهدوا فغدروا ووعدوا فأخلفوا وحدثوا فكذبوا. # ولما كانت المعاهدة سببا للإغناء في الظاهر، وكان ذلك ربما كان مظنة لأن ~~يتوهم من لا علم له أن ذلك لخفاء أمر البواطن عليه سبحانه، وكان الحكم هنا ~~واردا على القلب بالنفاق الذي هو أقبح الأخلاق مع عدم القدرة لصاحبه على ~~التخلص منه، كان ذلك أدل دليل على أنه تعالى أعلم بما في كل قلب من صاحب ~~ذلك القلب، فعقب ذلك بالإنكار على من لا يعلم ذلك والتوبيخ له والتقريع ~~فقال: {ألم يعلموا أن الله} أي الذي له صفات الكمال {يعلم سرهم} وهو ms1951 ما ~~أخفته صدورهم {ونجواهم} أي ما فاوض فيه بعضهم بعضا، لا يخفى عليه شيء منه ~~{وأن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {علام الغيوب*} # PageV08P554 # أي كلها، أي ألم يعلموا أنه تعالى لا يخادع لعلمه بالعواقب فيخشوا عاقبته ~~فيوفوا بعهده، وفائدة الإعطاء مع علمه بالخيانة إقامة الحجة؛ قال أبو حيان: ~~وقرأ علي وأبو عبد الرحمن والحسن {ألم تعلموا} بالتاء، وهو خطاب للمؤمنين ~~على سبيل التقرير - انتهى. # وفائدة الالتفات الإشارة إلى أن هذا العلم إنما ينفع من هيىء للإيمان. # ولما أخبر تعالى أنه لم يكفهم كفران نعمة الغنى من غير معاهدة حتى ~~ارتكبوا الكفران بمنع الواجب مع المعاهدة، أخبر أنه لم يكفهم أيضا ذلك حتى ~~تعدوه إلى عيب الكرماء الباذلين بصفة حبهم لربهم ما لم يوجبه عليهم، فقال ~~تعالى معبرا بصيغة تصليح لجميع ما مضى من أقسامهم إفهاما لأنهم كلهم كانوا ~~متخلقين بذلك وإن لم يقله إلا بعضهم: {الذين يلمزون} أي يعيبون في خفاء ~~{المطوعين} أي الذين ليس عليهم واجب في أموالهم فهم يتصدقون ويحبون إخفاء ~~صدقاتهم - بما يشير إليه الإدغام {من المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان {في ~~الصدقات} ولما كان ما مضى شاملا للموسر والمعسر، نص على المعسر لزيادة فضله ~~وإشارة إلى أن الحث على قليل الخير كالحث على كثيره فقال عاطفا على ~~{المطوعين} : {والذين لا يجدون} أي من المال {إلا جهدهم} أي طاقتهم التي ~~أجهدوا أنفسهم فيها حتى بلغوها. # PageV08P555 # ولما كان اللمز هو العيب، وهو ينظر إلى الخفاء كالغمز، ومادته بكل ترتيب ~~تدور على اللزوم، والمعنى: يلزمون المطوعين عيبا ولا يظهرون ذلك لكل أحد ~~وإنما يتخافتون به فيما بينهم، وهو يرجع إلى الهزء والسخرية، سبب عنه قوله: ~~{فيسخرون منهم} ولما كان لا شيء أعظم للشخص من أن يتولى العظيم الانتقام له ~~من ظالمه، قال: {سخر الله} أي وهو الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره {منهم} ~~أي جازاهم على فعلهم بأهل حزبه، وزادهم قوله: {ولهم عذاب أليم*} أي بما ~~كانوا يؤلمون القلوب من ذلك وإذا حوققوا عليه دفعوا عن أنفسهم ms1952 ما يردعهم ~~عنه بالأيمان الكاذبة، روى البخاري في التفسير عن أبي مسعود رضي الله عنه ~~قال: لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان ~~بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر ~~إلا رياء، فنزلت {الذين يلمزون} - الآية. # ولما كان صلى الله عليه وسلم معروفا بكثرة الاحتمال وشدة اللين المشير ~~إليه {عفا الله عنك لم أذنت لهم} للمبالغة في استجلابهم والحرص على نجاة ~~جميع الخلق فكان معروفا بالاستغفار لهم تارة على وجه الخصوص بسؤالهم عند ~~اعتذارهم وحلفهم وتارة على وجه العموم عند استغفاره لجميع المسلمين، أخبره ~~تعالى من عاقبة أمره بما يزهده # PageV08P556 # فيهم ليعرض عنهم أصلا ورأسا، لأنهم تجاوزوا حق الله في ترك الجهاد ومنع ~~الصدقة وحقه صلى الله عليه وسلم في لمزه في الصدقات ووصفه بما يجل عنه إلى ~~حقوق المجاهدين الذين هو سبحانه خليفتهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم مع ما ~~سبق في علمه للمنافقين من أنه لا يغفر لهم فقال: {استغفر} أي اطلب الغفران ~~{لهم أو لا تستغفر لهم} أي استوى في أمرهم استغفارك لهم وتركه {إن تستغفر} ~~أي تسأل الغفران {لهم سبعين مرة} أي على سبيل الحقيقة أو المبالغة؛ ولما ~~كان الإخبار باستواء الأمرين: الاستغفار وتركه ربما كان مسببا عن الغفران ~~وربما كان مسببا عن الخسران، عينه في هذا الثاني فقال: {فلن يغفر الله} أي ~~الذي قضى بشقائهم وهو الذي لا يرد أمره {لهم} وهو يحتمل أن يكون جوابا ~~للأمر، وجواب الشرط محذوف لدلالته عليه، والمراد بالسبعين على ما ظهر في ~~المآل المبالغة في أنه لا يغفر لهم لشيء من الأشياء ولو غفر لهم لشيء لكان ~~لقبول شفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، والعرب تبالغ بما فيه لفظ السبعة ~~لأنها غاية مستقصاة جامعه لأكثر أقسام العدد، وهي تتمة عدد الخلق كالسماوات ~~والأرض والبحار والأقاليم والأعضاء. # ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على رشدهم ونفعهم، # PageV08P557 # وكان حقيقة نظم الآية التخيير في الاستغفار وتركه ونفي المغفرة ~~بالاستغفار ms1953 بالعدد المحصور في سبعين، جعل صلى الله عليه وسلم الآية مقيدة ~~لما في سورة المنافقين فاستغفر لابن أبي وصلى عليه وقام على قبره وصرح بأنه ~~لو يعلم انه لو زاد على السبعين قبل لزاد، واستعظم عمر رضي الله عنه ذلك ~~منه صلى الله عليه وسلم وشرع يمسكه بثوبه ويقول: أتصلي عليه وقد نهاك الله ~~عن ذلك! لأنه لم يفهم من الآية غير المجاز لما عنده من بغض المنافقين، وأما ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرأى التمسك بالحقيقة لما في الرفق بالخليفة من ~~جميل الطريقة بتحصيل الائتلاف الواقع للخلاف وغيره من الفوائد وجليل ~~العوائد، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول لما نزل النهي الصريح: فعجبت بعد ~~من جراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي تفطنت بعد هذا الصريح أن ~~ذلك الأول كان محتملا وإلا لأنكر الله الصلاة عليه، وفي موافقة الله تعالى ~~لعمر رضي الله عنه منقبة شريفة له، وقد وافقه الله تعالى مع هذا في أشياء ~~كثيرة، روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما ~~توفى عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله رضي الله عنه - إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله ان يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ~~ثم سأله أن يصلي عليه؛ وفي رواية في اللباس، فأعطاه قميصه وقال: إذا فرغت ~~فآذنا، فلما فرغ آذنه فجاء، وفي رواية: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV08P558 # ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله! تصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه! فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إنما خيرني الله فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر ~~لهم سبعين مرة} وسأزيده على السبعين؛ وفي رواية؛ لو أعلم أني إن زدت على ~~السبعين يغفر له لزدت عليها، قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: فأنزل الله عز وجل {ولا ms1954 تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم ~~على قبره} إلى {وهم فاسقون} فترك الصلاة عليهم، قال: فعجيب بعد من جراءتي ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم: وله في أواخر الجهاد ~~عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما كان يوم بدر أتي بالأسارى ~~وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي صلى الله عليه وسلم قميصا فوجدوا ~~قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه، ~~فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه، قال ابن عيينة: كانت ~~له عند النبي صلى الله عليه وسلم يد فأحب أن يكافئه، وفي رواية عنه في ~~اللباس أنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبي بعد ما أدخل قبره ~~فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه - انتهى. # فكأن # ابنه # رضي # الله # عنه # استحى من أن يؤذن النبي صلى الله عليه وسلم به لما كان يعلم من نفاقه، أو ~~آذنه صلى الله عليه وسلم به فصادف منه شغلا فدفنه فجاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # PageV08P559 # بعد إدخاله القبر وقبل تمام الدفن فأخرجه تطييبا لخاطر ابنه الرجل الصالح ~~ودفعا لما قد يتوهمه من إحنة عليه وتأليفا لغيره، فقد روي أنه قال صلى الله ~~عليه وسلم: إني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب، فأسلم ~~ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ففي ~~بعض الروايات أنه هو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفنه في ~~قميصه، وتعطفه عليه، أدعى إلى تراحم المسلمين وتعاطف بعضهم على بعض، وقوله: ~~وألبسه قميصه - بالواو لا ينافي الرواية الأولى، وتحمل الرواية الأولى على ~~أنه وعده إعطاء القميص لمانع كان من التنجيز وقت السؤال، فحمل الجزم ~~بالإعطاء على الوعد الصادق ثم أنجزه بعد إخراجه من القبر - والله أعلم؛ ~~ووردت هذه الآية على طريق الجواب لمن كأنه قال: ما ms1955 تقدم من أحوال المنافقين ~~كان انتهاكا لحرمة الله أو لحق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يرد فيه أنه ~~يهينهم بالإماتة على النفاق، فكان يكفي فيه استغفار النبي صلى الله عليه ~~وسلم لهم، وأما هذان القسمان فأحدهما أخبر بأنه يميتهم منافقين، والثاني ~~انتهك حرمة المخلصين من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فهل ينفعهم الاستغفار ~~لهم؟ فكأنه قيل: استوى الاستغفار وعدمه في أنه لا ينفعهم، وختمها بعلة عدم ~~المغفرة في قوله: # PageV08P560 # {ذلك} أي الأمر الذي يبعد فعله من الحكيم الكريم {بأنهم كفروا بالله} أي ~~وهو الملك الأعظم {ورسوله} أي فهم لا يستأهلون الغفران لأنهم لم يهتدوا ~~لإصرارهم على الفسق وهو معنى قائم بهم في الزيادة على السبعين كما هو قائم ~~بهم في الاقتصار على السبعين {والله} أي المحيط علما وقدرة {لا يهدي القوم ~~الفاسقين} أي أنه لا يهديهم لأنه جبلهم على الفسق، وكل من لا يهديه لأنه ~~جلبه على الفسق لا يغفر له، فهو لا يغفر لهم لما علم منهم مما لا يعلمه ~~غيره، فهو تمهيد لعذر النبي صلى الله عليه وسلم في استغفاره قبل العلم ~~بالطبع الذي لا يمكن معه رجوع. # PageV08P561 # ولما علل سبحانه عدم المغفرة بفسقهم، وأتى بالظاهر موضع المضمر إشارة إلى ~~اتصافهم به وتعليقا للحكم بالوصف، علل رسوخهم في الفسق بعد أن قدم أن ~~المنافقين بعضهم من بعض فهم كالجسد الواحد بقوله: {فرح المخلفون} أي الذين ~~وقع تخليفهم بإذنك لهم وكراهة الله لانبعاثهم {بمقعدهم} أي قعودهم عن غزوة ~~تبوك، ولعله عبر بهذا المصدر لصلاحيته لموضع القعود ليكون بدلالته على ~~الفرح أعظم دلالة على الفرح بالموضوع، وهو مروي عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما، وأظهر الوصف بالتخلف موضع الضمير زيادة في تهجين ما رضوا به ~~لأنفسهم، وزاده تهجينا أيضا بقوله: {خلاف} أي بعد وخلف أو لأجل خلاف {رسول ~~الله} أي الملك الأعظم الذي من # PageV08P561 # تخلف عن حزبه هلك {وكرهوا أن يجاهدوا} . # ولما كان هذا في سياق الأموال تارة بالرضى بنيلها والسخط بحرمانها، وتارة ~~بقبض اليد عن بذلها، وتارة بالاستمتاع ms1956 بالخلاف الذي هو النصيب أعم من أن ~~يكون بالمال أو النفس، وتارة بعيب الباذلين وغير ذلك من شأنها قدم قوله: ~~{بأموالهم وأنفسهم} على قوله: {في سبيل الله} أي طريق الملك الذي له صفات ~~الكمال، لأنه ليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإيقان الذي بعث المؤمنين، ودل ~~ذلك على عراقتهم في الفسق بأن الإنسان قد يفعل المعصية ويحزن على فعلها ~~وهؤلاء سروا بها مع ما فيها من الدناءة، وقد يسر الإنسان بالمعصية ولا يكره ~~أن يكون بدلها أو معها طاعة وهؤلاء ضموا إلى سرورهم بها كراهية الطاعة، وقد ~~يكره ولا ينهى غيره وهؤلاء جمعوا إلى ذلك كله نهي غيرهم، ففعلوا ذلك كله ~~{وقالوا} أي لغيرهم {لا تنفروا في الحر} بعدا من الإسلام وعمى عن سيد ~~الأحكام، لأن غزوة تبوك كانت في شدة الحر. # ولما كان هذا قول من لم تخطر الآخرة على باله، أمره تعالى أن يحذر من ~~يصغي إليهم أو يقبل عليهم بقوله: {قل} أي يا أعلم بخلقنا استجهالا لهم {نار ~~جهنم} أي التي أعدها الله لمن خالف أمره {أشد حرا} ولفت الكلام إلى الغيبة ~~يدل على أن # PageV08P562 # أعظم المراد بهذا الوعظ ضغفاء المؤمنين لئلا يتشبهوا بهم طعما في الحلم ~~فقال تعالى: {لو كانوا} أي المنافقون {يفقهون*} أي لو كان بهم فهم يعلمون ~~به صدق الرسول وقدرة مرسله على ما توعد به لعلموا ذلك فما كانوا يفرون من ~~الحر إلى أشد حرا منه، لأن من فر من حر ساعة إلى حر الأبد كان أجهل الجهال، ~~وقال أبو حيان: لما ذكر تعالى ما ظهر من النفاق والهزء من الذين خرجوا معه ~~إلى غزوة تبوك من المنافقين ذكر حال المنافقين الذين لم يخرجوا معه، يعني ~~في قوله {فرح المخلفون} - انتهى. # فتكون الآية حيئنذ جوابا لمن كأنه قال: هذه أحوال من خرج فما حال من قعد؟ ~~وقد خرج بما في هذه الآية من الأوصاف كعب بن مالك ورفيقاه رضي الله عنهم ~~ونحوهم ممن لم يفرح بالقعود ولا اتصف بما ذكر معه من أوصافهم. # ولما ms1957 كان غاية السرور الضحك، وكان اللازم لهم في الآخرة البكاء في دار ~~الشقاء الذي هو غاية الحزن لهم، فيها زفير وشهيق وهم يصطرخون فيها، قال ~~تعالى مهددا لهم مسببا عن قبيح ما ذكر من فعلهم مخبرا في صورة الأمر إيذانا ~~بأنه أمر لا بد من وقوعه: {فليضحكوا قليلا} أي فليتمتعوا في هذه الدار ~~بفرحتهم بمقعدهم التمتع الذي غاية السرور به الضحك - يسيرا، فإنها دار قلعة ~~وزوال وانزعاج وارتحال {وليبكوا كثيرا} أي في نار جهنم التي أغفلوا ذكر ~~حرورها وأهملوا الاتقاء من شديد سعيرها # PageV08P563 # بدل ذلك الضحك القليل كما استبدلوا حرها العظيم بحر الشمس الحقير {جزاء ~~بما كانوا يكسبون*} أي من الفرح بالمعاصي والسرور بالشهوات والانهماك في ~~اللذات. # ولما كان المسرور بشيء الكاره لضده الناهي عنه لا يفعل الضد إلا تكلفا ~~ولا قلب له، إليه وكان هذا الدين مبنيا على العزة والغنى، أتبع ذلك بقوله ~~مسببا عن فرحهم بالتخلف: {فإن رجعك الله} أي الملك الذي له العظمة كلها فله ~~الغنى المطلق عن سفرك هذا {إلى طائفة منهم} أي وهم الذين يمد الله في ~~أعمارهم إلى أن ترجع إليهم، وهذا يدل على أنه أهلك سبحانه في غيبته بعضهم، ~~فأردت الخروج إلى سفر آخر {فاستأذنوك} أي طلبوا أن تأذن لهم {للخروج} أي ~~معك في سفرك ذلك {فقل} عقوبة لهم وغنى عنهم وعزة عليهم ناهيا لهم بصيغة ~~الخبر ليكون صدقك فيه علما من أعلام النبوة وبرهانا من براهين الرسالة {لن ~~تخرجوا معي أبدا} أي في سفر من الأسفار لأن الله قد أغناني عنكم وأحوجكم ~~إلي {ولن تقاتلوا معي عدوا} لأنكم جعلتم أنفسكم في عداد ربات الحجال ولا ~~تصلحون لقتال؛ والتقييد بالمعية كما يؤذن باستثقالهم يخرج ما كان بعده صلى ~~الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله عهنم من سفرهم وقتالهم. # PageV08P564 # ولما أخزاهم سبحانه بما أخزوا به أنفسهم، علله بقوله: {إنكم رضيتم ~~بالقعود} أي عن التشرف بمصاحبتي، ولما كانت الأوليات أدل على تمكن الغرائز ~~من الإيمان والكفران وغيرها قال: {أول مرة} أي في غزوة تبوك، ms1958 ومن فاتنا ~~يكفيه أنا نفوته؛ قال أبو حيان: فعلل بالمسبب وهو الرضى الناشىء عن السبب ~~وهو النفاق - انتهى. # ولما أنهى الحكم والعلة، سبب عنه قوله: {فاقعدوا مع الخالفين*} أي الذين ~~رضوا لأنفسهم بهذا الوصف الذي من جملة معانيه: الفاسد فهم لا يصلحون لجهاد ~~ولا يلفون أبدا في مواطن الامجاد، وقال بعضهم: المراد بهم الذين تخلفوا ~~بغير عذر في غزوة تبوك، أو النساء والصبيان أو أدنياء الناس أو المخالفون ~~أو المرضى والزمنى أو أهل الفساد، والأولى الحمل على جميع، أي لأن المراد ~~تبكيتهم وتوبيخهم، ولما أتم سبحانه الكلام في الاستغفار وتعليله إلى أن ختم ~~بإهانة المتخلفين، وكان القتل المسبب عن الجهاد سببا لترك الصلاة على ~~الشهيد تشريفا له، جعل الموت الواقع في القعود المرضي به عن الجهاد سببا ~~لترك الصلاة إهانة لذلك القاعد، فقال عاطفا على ما أفهمت جملة: {استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لهم} الآية، من نحو: فلا تستغفر لهم أصلا: {ولا تصل} أي ~~الصلاة التي شرعت لتشريف المصلى عليه والشفاعه فيه {على أحد منهم} ثم وصف # PageV08P565 # الأحد بقوله: {مات} وقوله {أبدا} متعلق بالنهي لا بالموت {ولا تقم على ~~قبره} أي لأن قيامك رحمة وهم غير أهل لها، ثم علل ذلك بقوله: {إنهم كفروا ~~بالله} أي الذي له العظمة كلها ولما كان الموت على الكفر مانعا من الصلاة ~~على الميت بجميع معانيها لم يحتج إلى التأكيد باعادة الجار فقيل -: ~~{ورسوله} أي الذي هو أعظم الناس نعمة عليهم بما له من نصائحهم بالرسالة، ~~والمعنى أنهم لعظم ما ارتكبوا من ذلك لم يهدهم الله فاستمروا على الضلالة ~~حتى ماتوا على صفة من وقع النهي على الاستغفار لهم المشار إليها بقوله ~~{والله لا يهدي القوم الفاسقين} وذلك المراد من قوله معبرا بالماضي والمعنى ~~على المضارع تحقيقا للخبر وأنه واقع لا محالة: {وماتوا وهم} أي والحال أنهم ~~بضمائرهم وظواهرهم {فاسقون*} أي غريقون في الفسق. # ولما كان ابن ابي سبب النهي عن الاستغفار لهم، وكان ابنه عبد الله بن عبد ~~الله من خيار المؤمنين وخلص ms1959 المحسنين وكان لبعض المنافقين أبناء مثله، وكان ~~من طبع البشر أن يذكر في كثير من مقاله غلطا ما يندم عليه، وكان شديد ~~الوقوف لما حف به من العلائق البدنية وشمله من العوائق بالأوهام النفسانية ~~مع أوهامه وعوائقه قاصرا على قيوده وعلائقه، فكان لإعادة الكلام وتكريره ~~وترديده ومزيد تقريره تأكيد في النفوس وتعزية وتثبيت في القلوب، كرر آية ~~الإعجاب # PageV08P566 # لهذه الأسباب لأن يكون حكمها على بال من المخاطب لا ينساه لاعتقاد أن ~~العمل به مهم جدا يفتقر إلى فضل عناية، وأن ذلك شبيه بما أوهم صاحبه فهو ~~يتكلم فيه ثم ينتقل إلى غيره لغرض صحيح ثم يرجع إليه في أثناء حديثة لشدة ~~اهتمامه به تنبيها على ذلك، ولا يرجع إليه إلا على غاية ما يكون من حسن ~~الربط وبراعة التناسب، وعطفها بالواو دون الفاء لأن ذلك ليس مسببا عما قبله ~~كما سبق في الآية الأولى، أي لا تستغفر لهم ولا تصل عليهم ولا تعجبك قولهم: ~~مستعطفين لك في طلب محبتك وإن زخرفوه وأكدوه بالأيمان التي اتخذوها جنة ~~{ولا تعجبك أموالهم} وأسند النهي إليها إبلاغا فيه. # ولما لم يكن هنا ما اقتضى تأكيد النفي مما مضى في الآية الأولى، لم يعد ~~النافي ولا أثبت اللام ولا الحياة فقال: {وأولادهم} أي وإن أظهروا أنهم ~~يجاهدون بها معك ويتقربون بها إلى الله فإن الله لا يريد بهم ذلك فلا ييسره ~~لهم لما علم من مباعدتهم للخير وعدم قابليتهم له فلا يحملك الإعجاب بشيء من ~~ذلك على فعل شيء مما تقدم النهي عنه تأليفا لأمثالهم للمساعدة بأولادهم ~~وأموالهم # PageV08P567 # وتطييبا لقلوب المؤمنين من أولادهم، فإنهم إن كانوا مؤمنين لم يضرهم ترك ~~ذلك وإلا فبعدا لهم وسحقا {إنما يريد الله} أي بعزه وعظمته وعلمه وإحاطته ~~{أن يعذبهم} أي تعذيبهم {بها} فالفعل واقع بخلافة في الآية السابقة {في ~~الدنيا} أي بجمعها ومحبة الإخلاد إليها وإلى الأولاد إن كانوا مثلهم في ~~الاعتقاد وإلا كانوا زيادة عذاب لهم في الدارين {وتزهق} أي تخرج بغاية ~~العسر {أنفسهم وهم} لاغترارهم بها {كافرون*} ms1960 ولا شك أن خطاب الرأس بغاية ~~العسر {أنفسهم وهم} لاغترارهم بها {كافرون*} ولا شك أن خطاب الرأس بشيء ~~أوقع في قلوب أصحابه فلذلك وقع الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~غيره من أتباعه وجماعته وأشياعه ممن قد يجنح إلى الأسباب ويقف عنده كما هو ~~طبع النفوس في تأمل ما شهد ونسيان ما غاب وعهد تدريبا لهم على الحب في الله ~~والبغض فيه لأنه من أدق أبواب الدين فهما وأجلها قدرا، وعليه تبتنى غالب ~~أبوابه، ومنه تجتنى أكثر ثمراته وآدابه، وذلك أنه ربما ظن الناظر فيمن بسطت ~~عليه الدنيا أنه من الناجين فيواده لحسن قوله غافلا عن سوء فعله، أو يظن أن ~~أهل الدين فقراء إلى مساعدته لهم في جهاد أو غيره بما له وذويه روية ~~فيداريه، فأعلمهم تعالى أن ما هذا سبيله مقطوع البركة نهيا عن النظر إلى ~~الصور وتنبيها على قصر الأنظار على المعاني {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو ~~أعجبك كثرة الخبيث} [المائدة: 100]- الآية {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن ~~يقولوا # PageV08P568 # تسمع لقولهم} [المنافقون: 41] . # PageV08P569 # ولما افتتحت قصتهم بأن المتقين لا يتوقفون في الانتداب إلى الجهاد على ~~أمر جديد ولا استئذان، بل يكتفون بما سبق من عموم الحث عليه والندب إليه ~~فيبادرون إليه الطرف ولا يحاذرون الحتف، وأن من المنافقين من يستأذن في ~~الجهاد جاعلا استئذانه فيه بابا للاستئذان في التخلف عنه، ومنهم من يصرح ~~بالاستئذان في العقود ابتداء من غير تستر، وعقب ذلك بالنهي عن الإعجاب ~~بأموالهم وأولادهم ثم مر في ذكر أقسامهم وما لزمهم من فضائحهم وآثامهم، إلى ~~أن ختم القصة بأن أموالهم إنما هي لفتنتهم لا لرحمتهم، ولمحنتهم لا ~~لمنحتهم، أتبع ذلك بدليله من أنهم لا يتوصلون بها إلى جهاد، ولا يتوسلون ~~إلى دار المعاد، فقال عاطفا على ما أفهمه السياق من نحو أن يقال لأنهم لا ~~يفعلون بها خيرا ولا يكسبون أجرا، أو بانيا حالا من الكاف في «تعجبك» : ~~{وإذا أنزلت سورة} أي وقع إنزال قطعة من القرآن. # ولما كان الإنزال يدل على المنزل حتما، ms1961 فسره بقوله: {أن آمنوا بالله} أي ~~الذي له الكمال كله {وجاهدوا} أي أوقعوا الجهاد {مع رسوله استأذنك} أي في ~~التخلف من لا عذر له وهم {أولوا الطول} أي أهل الفضل # PageV08P569 # من الأموال والسعة والثروة في غالب الأحوال {منهم} وخصهم بالذكر لأن الذم ~~لهم ألزم ولا سيما بعد سماع القرآن، ويجوز أن يكون معطوفا على خبر {أن} في ~~قوله {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله} هذا مع ما تضمن استئذانهم من رذائل ~~الأخلاق ودنايا الهمم المحكي بقوله: {وقالوا ذرنا} أي اتركنا ولو على حالة ~~سيئة {نكن} أي بما يوافق جبلاتنا {مع القاعدين*} أي بالعذر المتضمن - ~~لاسيما مع التعبير بذرنا الذي مادته تدور على ما يكره دون «دعنا» - لما ~~استأنف به أو بين من قوله: {رضوا بأن يكونوا} أي كونا كأنه جبلة لهم {مع ~~الخوالف} أي النساء {وطبع} أي وقع الطبع المانع {على قلوبهم} أي حتى رضوا ~~لأنفسهم بالتخلف عن سبب السعادة مع الكون في عداد المخدرات بما هو عار في ~~الدنيا ونار في العقبى. # ولما أبهم فاعل الطبع، نفى دقيق العلم فقال: {فهم} أي بسبب هذا الطبع {لا ~~يفقهون*} أي لا فقه لهم يعرفون به ما في الجهاد من العز والسعادة في ~~الدارين، وما في التخلف من الشقاء والعار فلذلك لا يجاهدون، فلا شيء أضر من ~~هذه الأموال والأولاد التي أبعدت عن الممادح وألزمت المذام والقوادح، فقد ~~اكتنفت آية الأموال في أول قصة وآخرها ما يدل على مضمونها. # ولما افتتح القصة بمدح المتقين لمسابقتهم إلى الجهاد من دون استئذان ~~ختمها بذلك وذكر ما أعد لهم فقال معلما بالغنى عنهم # PageV08P570 # بمن هو الخير المحض تبكيتا لهم وتقريعا: {لكن الرسول} أي والذي بعثه لرد ~~العباد عن الفساد إلى السداد {والذين آمنوا} أي إيمانا عظيما كائنا أو ~~كائنين {معه} أي مصاحبين له ذاتا وحالا في جميع ما أرسلناه إليهم به ~~{جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} أي بذلوا كلا من ذلك في حبه صلى الله عليه وسلم ~~فتحققوا بشرط الإيمان و «لكن» واقعة موقعها بين متنافسين لأن ما ms1962 مضى من ~~حالهم كله ناطق بأنهم لم يجاهدوا. # ولما كان السياق لبخلهم بالنفس والمال، ولسلب النفع من أموالهم وأولادهم، ~~اقتصر في مدح أوليائه على الجهاد بالنفس والمال ولم يذكر السبيل وقال: ~~{أولئك} دالا على أنه معطوف على ما تقديره: فأولئك الذين نورت قلوبهم فهم ~~يفقهون، وقوله: {لهم} أي لا لغيرهم {الخيرات} تعرض بذوي الأموال من ~~المنافقين لأن الخير يطلق على المال وتحليته ب «ال» على استغراقه لجميع ~~منافع الدارين، والتعبير بأداة البعد إشارة إلى علو مقام أوليائه وبعد ~~مناله إلا بفضل منه تعالى، وكذا التعريض بهم بقوله: {وأولئك هم} أي خاصة ~~{المفلحون*} أي الفائزون بجميع مرادهم، لا غيرهم؛ ثم بين الإفلاح الأعظم ~~بقوله: {أعد الله} أي الذي له صفات الكمال {لهم} أي الآن لينعمهم بها بعد ~~موتهم وانتقالهم من هذه الدار التي هي معدن الأكدار {جنات تجري} أي دائما ~~{من تحتها} أي مع قربها {الأنهار} ثم عرض بهذه الدنيا السريعة الزوال فقال: ~~{خالدين فيها} ثم رغب فيها بقوله: {ذلك} أي الأمر العالي الرتبة {الفوز ~~العظيم*} أي لا غيره. # PageV08P571 # ولما ختم قصص أهل المدر بذم أولي الطول منهم بتخلفهم، وكان ذمهم إنما هو ~~لكونهم قادرين على الخروج في ذلك الوجه، وقدمهم لكثرة سماعهم للحكمة، وكان ~~أهل الوبر أقدر الناس على السفر لأن مبنى أمرهم على الحل والارتحال، فهم ~~أجدر بالذم لأنهم في غاية الاستعداد لذلك، تلاهم بهم فقال: {وجاء المعذرون} ~~أي المبالغون في إثبات الخفايا من الأعذار المانعة لهم من الجهاد - بما ~~أشار إليه الإدغام، وحقيقة المعذر أن يتوهم أن له عذرا ولا عذر له، والعذر: ~~إيساع الحيلة في وجه يدفع ما ظهر من التقصير {من الأعراب} قيل: هم رهط عامر ~~بن الطفيل من بني عامر، وقيل: اسد وغطفان، قيل: رهط من غفار {ليؤذن} أي ~~ليقع الإذن من أي آذن كان في تخلفهم عن الغزو {لهم} أي فاعتذروا بما كذبوا ~~فيه وقعدوا عن الغزو معك، هكذا كان الأصل فوضع موضعة: {وقعد الذين كذبوا ~~الله} أي وهو المحيط علما وقدرة {ورسوله} تنبيها ms1963 على وصفهم وليكون أظهر في ~~شمول الأعراب وغيرهم. # ولما كان منهم المحتوم بكفره وغيره قال: {سيصيب} أي بوعد لا خلف فيه ~~{الذين كفروا} أي حتم بكفرهم {منهم عذاب أليم*} أي في الدارين. # ولما كان من القاعدين من أهل المدر والوبر من له عذر، استثناهم سبحانه ~~وساق ذلك مساق النتيحة من المقدمات الظاهرة فقال: # PageV08P572 # {ليس على الضعفاء} أي بنحو الهرم {ولا على المرضى} أي بنحو الحمى والرمد ~~{ولا على الذين لا يجدون} ولو بدين يؤدونه في المستقبل {ما ينفقون} أي ~~لحاجتهم وفقرهم {حرج} أي إثم يميل بهم عن الصراط المستقيم ويخرج دينهم. # ولما كان ربما كان أحد من المنافقين بهذ الصفة احترز عنه بقوله: {إذا ~~نصحوا} أي في تخلفهم وجميع أحوالهم {لله} أي الذي له الجلال والإكرام ~~{ورسوله} أي سرا وعلانية، فإنهم حيئنذ محسنون في نصحهم الذي منه تحسرهم على ~~القعود على هذا الوجه وعزمهم على الخروج متى قدروا، وقوله: {ما على ~~المحسنين} في موضع «ما عليهم» لبيان إحسانهم بنصحهم مع عذرهم {من سبيل} أي ~~طريق إلى ذمهم أو لومهم، والجملة كلها بيان ل {نصحوا لله ورسوله} وقوله: ~~{والله} أي الذي له صفات الكمال {غفور} أي محاء للذنوب {رحيم*} أي محسن ~~مجمل إشارة إلى أن الإنسان محل التقصير والعجز وإن اجتهد، لا يسعه إلا ~~العفو؛ ثم عطف على ذلك قوله: {ولا على الذين إذا} وأكد المعنى بقوله: {ما ~~أتوك} أي ولم يأتوا بغير قصدك راغبين في الجهاد معك {لتحملهم} وهم لا يجدون ~~محملا {قلت} أي أتوك قائلا أو حال قولك، «وقد» مضمرة كما قالوا في {حصرت ~~صدورهم} [النساء: 90] {لا أجد ما} أي شيئا {أحملكم عليه} # PageV08P573 # وأجاب {إذا} بقوله ويجوز أن يكون استئنافا و «قلت» هو الجواب {تولوا} أي ~~عن سماع هذا القول منك {وأعينهم تفيض} أي تمتلىء فتسيل، وإسناد الفيض إليها ~~أبلغ من حيث أنها جعلت كلها دمعا: ثم بين الفائض بقوله: {من الدمع} أي دمعا ~~والأصل: يفيض دمعها، ثم علل فيضها بقوله؛ {حزنا} ثم علل حزنهم بقوله: {ألا ~~يجدوا} أي ms1964 لعدم وجدانهم {ما ينفقون} فحزنهم في الحقيقة على فوات مرافقتك ~~والكون في حزبك، وهذه قصة الكبائين صرح بها وإن كانوا داخلين في {الذين لا ~~يجدون} إظهارا لشرفهم وتقريرا لأن الناصح - وإن اجتهد - لا غنى له عن العفو ~~حيث بين أنهم - مع اجتهادهم في تحصيل الأسباب وتحسرهم عند فواتها بما أفاض ~~أعينهم - ممن لا سبيل عليه أو ممن لا حرج عليه المغفور له. # ولما نفى السبيل عمن وصفه كر على ذم من انتفى عنه هذا الوصف فقال تعالى: ~~{إنما السبيل} أي باللوم وغيره {على الذين يستأذنونك} أي يطلبون إذنك في ~~التخلف عنك راغبين فيه {وهم أغنياء} أي فلا عذر لهم في التخلف عنك وعدم ~~مواساتك، وتضمن قوله تعالى مستأنفا: {رضوا بأن يكونوا} أي كونا كأنه جبلة ~~لهم {مع الخوالف} انتفاء # PageV08P574 # الضعف والمرض عنهم من حيث إنه علل فعلهم برضاهم بالتخلف فأفهم ذلك أنه لا ~~علة لهم سواه، وأفهم أيضا أن كل من كان كذلك كان مثلهم ولو أنه ضعيف أو ~~مريض، وكرر ذكر الخوالف تكريرا لعيبهم برضاهم بالكون في عداد النساء إذ كان ~~ذلك من أعظم المعايب عند العرب، وسمى الفاعل للطبع حيث حذفه من الأولى: ~~ولما ذكره، عظم الأمر فاقتضى ذلك عظم الطبع فنفى مطلق العلم فقال عاطفا على ~~«رضوا» : {وطبع الله} أي له القدرة الكاملة والعلم المحيط {على قلوبهم} ثم ~~سبب عن ذلك الرضى والطبع قوله: {فهم لا يعلمون*} أي لا علم له فلذلك جهلوا ~~ما في الجهاد من منافع الدارين لهم فلذلك رضوا بما لا يرضى به عاقل، وهو ~~أبلغ من نفي الفقه في الأولى، وزاد المناسبة حسنا ضم الأعراب في هذه الآيات ~~إلى أهل الحاضرة وهم بعيدون من الفقه جديرون بعدم العلم. # PageV08P575 # ثم شرع يخبر عن أشياء تقع منهم عند الرجوع دلالة على أن هذا كلامه وأنه ~~عالم بالمغيبات كليها وجزئيها، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف ~~كان يكون، فقال مبينا لعدم علمهم: {يعتذرون} أي يثبتون الأعذار لأنفسهم: ~~وأشار إلى بعدهم بالقلوب ms1965 بقوله: {إليكم} أي عن التخلف {إذا رجعتم إليهم} أي ~~من هذه الغزوة، كأنه قيل: فماذا يقال في جوابهم؟ فقال للرأس الذي لا تأخذه ~~في الله لومة لائم: {قل لا تعتذروا} أي فإن أعذاركم كاذبة، ولذلك علل النهي ~~بقوله: {لن نؤمن لكم} أي نصدقكم في شيء منها، ثم علل عدم تصديقهم بما أوجب ~~لهم القطع بذلك فقال: {من نبأنا الله} أي أعلمنا الملك الذي له الإحاطة ~~الكاملة بكل شيء إعلاما جليلا {من أخباركم} أي التي ظننتم جهلا بالله أنها ~~تخفى فقد علمناها؛ ثم هددهم بقوله: {وسيرى الله} أي لأنه عالم بكل شيء وإن ~~دق قادر على كل شيء {عملكم} أي بعد ذلك أتتبينون أم تثبتون على حالكم هذا ~~الخبيث كما رأى الذي قبل {ورسوله} أي بما يعلمه به سبحانه # PageV09P001 # وحيا أو تفرسا، ولما كان الكلام في المنافقين، فكانت الرؤية لنفاقهم الذي ~~يجتهدون في إخفائه، وكان المؤمنون لا اطلاع لجميعهم عليهم، لم يذكرهم بخلاف ~~من يأتي بعد فإنهم مؤمنون. # ولما كان هذا ربما أوهمهم أنه لا يعلم إلا ما أوقعوه بالفعل، نفى ذلك ~~بإظهار وصفه في موضع الإضمار مهددا بقوله مشيرا بأداة التراخي إلى ~~استبعادهم لقيامهم إلى معادهم: {ثم تردون} أي براد قاهر لا تقدرون على ~~دفاعه بعد استيفاء آجالكم بالموت وإن طالت ثم البعث {إلى عالم الغيب} وهو ~~ما غاب عن الخلق {والشهادة} وهو ما اطلع عليه أحد منهم. فصار بحيث يطلعون ~~عليه وهذا ترجمة عن الذي يعلم الشيء قبل كونه ما يعلم بعد كونه {فينبئكم} ~~أي يخبركم إخبارا عظيما جليلا مستوعبا {بما كنتم} أي بجبلاتكم {تعملون*} أي ~~مما أبرزتموه إلى الخارج ومما كان في جبلاتكم، ولو تأخرتم لبرز، وهو تهديد ~~عظيم، ووقع ترتيبهم للاعتذار على الأسهل فالأسهل على ثلاث مراتب: الأولى ~~مطلق الاعتذار وقد مضى ما فيها؛ الثانية تأكيد ذلك بالحلف للإعراض عنهم ~~فقال سبحانه: {سيحلفون بالله} أي الذي لا أعظم منه {لكم إذا انقلبتم إليهم} ~~أي جهد إيمانهم أنهم كانوا معذورين في التخلف # PageV09P002 # كذبا منهم إرادة أن يقلبوا قلوبكم ms1966 عما اعتقدتم فيهم {لتعرضوا عنهم} أي ~~إعراض الصفح عن معاتبتهم {فأعرضوا عنهم} إعراض المقت؛ روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال «لا تجالسوهم ولا تكلموهم» ثم علل وجوب الإعراض بقوله ~~{إنهم رجس} أي لا يطهرهم العتاب فهو عبث. # ولما كان من المقرر أنه لا بد لهم من جزاء، وأن النفس تتشوف إلى معرفته، ~~قال: {ومأواهم} أي في الآخرة {جهنم جزاء} أي لأجل جزائهم {بما كانوا ~~يكسبون*} أي فلا تتكلفوا لهم جزاء غير ذلك بتوبيخ ولا غيره؛ المرتبة؛ ~~الثالثة الحلف للرضى عنهم فقال: {يحلفون لكم} أي مجتهدين في الحلف بمن تقدم ~~أنهم يحلفون به وهو الله {لترضوا عنهم} خوفا من غائلة غضبكم {فإن ترضوا ~~عنهم} أي لمجرد أيمانهم المبني على عدم إيمانهم {فإن الله} أي الذي له ~~الغنى المطلق {لا يرضى} عنهم، هكذا كان الأصل ولكنه قال: {عن القوم ~~الفاسقين*} إشارة إلى تعليق الحكم بالوصف وتعميما لكل من اتصف بذلك، ~~والمعنى أنه لا ينفعهم رضاكم وتكونون به مخالفين الله، فهو في الحقيقة نهي ~~للمؤمنين عن الرضى عنهم، أبرز في هذا الأسلوب العجيب المرقص، وفي ذلك رد ~~على من يتوهم أن رضى المؤمنين لو رضوا عنهم يقتضي رضى الله، فإن ذلك رد ~~نزعة مما يفعل الأحبار والرهبان في رضاهم وغضبهم وتحليلهم وتحريمهم الذي ~~يعتقد أتباعهم أنه عن الله تعالى. # PageV09P003 # ولما ترتب سبحانه الاستئذان في العقود والرضى بما فيه من الدناءة على عدم ~~الفقه تارة والعلم أخرى وختم بصنف الأعراب، بين أن الأعراب أولى بذلك ~~لكونهم أعرق في هذا الوصف وأجرأ على الفسق لبعدهم عن معدن العلم وصرفهم ~~أفكارهم في غير ذلك من أنواع المخازي لتحصيل المال الذي كلما داروا عليه ~~طار عنهم فأبعد. فهم لا يزالون في همه قد شغلهم ذلك عن كل هم وهم يحسبون ~~انهم يحسنون صنعا فقال تعالى: {الأعراب} أي أهل البدو {أشد} أي من أهل ~~المدر {كفرا ونفاقا} لبعدهم عن دار الهجرة ومعدن العلم وجفائهم بأن مرائي ~~قلوبهم لم تصقل بأنوار الكتاب والسنة {وأجدر أن} أي وأحق ms1967 بأن {لا يعلموا} ~~ولما كان الإحجام أصعب من الإقدام، وأطراف الأشياء المختلطة في غاية ~~الإلباس، قال: {حدود ما أنزل الله} أي المحيط علما وحكمة بكل شيء {على ~~رسوله} أي الذي أعلم الخلق من القرآن والشرائع والأحكام لعدم إقبالهم عليه ~~شغلا بغيره فإن الله يعلم ذلك منهم {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال ~~{عليم} أي بالغ العلم بكل شيء {حكيم*} أي بالغ الحكمة فهو يضع الأشياء في ~~أتم محالها. # ولما أثبت هذا الوصف لهذا الصنف بين أن أفراده انقسموا إلى من # PageV09P004 # ثبت على ما هو الأليق بحالهم، وقسم نزع إلى ما هو الأليق بأهل المدر، كما ~~انقسم أهل المدر إلى مثل ذلك، وبدأ بالخبيث لأنه الأصل فيهم فقال: {ومن ~~الأعراب} أي المذكورين {من يتخذ} أي يتكلف غير ما تدعو إليه الفطرة الأولى ~~من الأريحية والهمم العلية بأن يعد {ما ينفق مغرما} أي فلا يبذله إلا كرها ~~ولا يرى له فائدة أخروية بل يراه مثل الصنائع بالنهب ونحوه {ويتربص} أي ~~يكلف نفسه الربص، وهو أن يسكن ويصبر وينتظر {بكم الدوائر} أي الدواهي التي ~~تدور بصاحبها فلا يتخلص منها، وذلك ليستريح من الإنفاق وغيره مما ألزمه به ~~الدين. # ولما تربصوا هذا التربص، دعا عليهم بمثل ما تربصوا فقال: {عليهم دائرة ~~السوء} أي دائما لا تنفك إما بإذلال الإسلام وإما بعذاب الاصطلام، فهم فيما ~~أرادوه بكم على الدوام، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم السين على أن معناه ~~الشر والضر، وقراءة الباقين بالفتح على أنه مصدر، فهو ذم للدائرة. # ولما كان الانتقام من الأعداء وإيقاع البأس بهم لا يتوقف من القادر غالبا ~~إلا على سماع أخبارهم والعلم بها، جرت سنته تعالى في ختم مثل بقوله: ~~{والله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الكاملة {سميع} يسمع ما يقولون ~~{عليم*} أي فهو يعلم ما يضمرون عطفا على نحو أن يقال: فالله على كل شيء ~~قدير، ونحوه قوله {إنني # PageV09P005 # معكما أسمع وأرى} . # PageV09P006 # ولما افتتح الآية الثانية بقوله: {ومن الأعراب من يؤمن} أي لا يزال يجدد ~~إيمانه ms1968 آثار الدين {بالله واليوم الآخر} علم أن القسم الأول غير مؤمن بذلك، ~~وإنما وقع منهم الإقرار باللسان من غير إذعان، والإيمان هو الأصل الذي ~~يترتب عليه الإنفاق عن طيب نفس لما يرجى من ثوابه في اليوم الآخر الذي لولا ~~هو انتفت الحكمة من هذا الخلق على هذا الترتيب: ثم عطف عليه ما يثمره ~~الإيمان فقال: {ويتخذ} أي يحث نفسه ويجاهدها إن عرضت له الوساوس الشيطانية ~~على أن يعد {ما ينفق} أي فيما أمر الله به {قربات} جمع قربة لما تقرب إليه ~~سبحانه {عند الله} أي الذي لا أشرف من القرب منه لأنه الملك الأعظم ~~{وصلوات} أي دعوات {الرسول} أي الذي وظيفته التبليغ فهو لا يقول لهم شيئا ~~إلا عن الله، وأطلق القربة والصلاة على سببها. # ولما أخبر عن أفعالهم، أخبر عن عاقبتهم ومآلهم؛ قال مستأنفا محققا ~~لرجائهم ترغيبا في الصدقة بأبلغ تأكيد لما لأعدائهم من التكذيب: {ألا إنها} ~~أي نفقاتهم {قربة لهم} أي كما أرادوا؛ ثم بين ثمرة كونها قربة بقوله: ~~{سيدخلهم الله} أي الذي له صفات الكمال بوعد لا خلف فيه {في رحمته} أي ~~إكرامه فتكون محيطة بهم ثم علل ذلك بقوله # PageV09P006 # معبرا بالاسم الأعظم تنبيها على أنه لا يسع الإنسان إلا العفو وإن أعظم ~~الاجتهاد: {إن الله} أي الذي الذي لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره {غفور} ~~أي بليغ الستر لقبائح من تاب {رحيم*} أي بليغ الإكرام، ذلك وصف له ثابت، ~~يجلله كل من يستأهله. # ولما ذكر القسم الصالح منهم وكانوا متفاوتين فمنهم السابق وأكثرهم التابع ~~اللاحق، أتبعه السابقين على وجه شامل حاصر لصنفي البادي والحاضر إشارة إلى ~~أنه - وإن أجره - أصله فقد قدمه وصفه بحيث ساوى أهل الكمال في مطلق ~~الانخراط في ملكهم والفوز بدرجتهم لإحسانه في اتباعهم ترغيبا لأهل القدرة ~~والرحمة في اتباع أهل الرضوان والنعمة فقال: {والسابقون} ولما دل على سبقهم ~~بالعلو في مراتبه دل على قديم دخولهم فيه فقال: {الأولون} أي إلى هذا الدين ~~القيم {من المهاجرين} أي لدار الكفر فضلا عن ms1969 أهلها {والأنصار} أي الذين ~~آووا ونصروا {والذين اتبعوهم} أي الفريقين {بإحسان} أي في اتباعهم فلم ~~يحولوا عن شيء من طريقهم {رضي الله} أي الذي له الكمال كله {عنهم} أي ~~بأفعالهم هذه التي هي وفق ما أمر به {ورضوا عنه} أي بما أتاهم عنه من ~~البشرى وقذف في قلوبهم من النور بلطيف الوعظ والذكرى {وأعد لهم} أي جزاء ~~على فعلهم {جنات تجري} ونبه على عموم ريها وكثرة مائها بنزع الجار على ~~قراءة # PageV09P007 # الجماعة فقال: {تحتها الأنهار} أي هي كثيرة المياه. فكل موضع أردته نبع ~~منه ماء فجرى منه نهر؛ ولما كان المقصود من الماء إنما هو السهولة في ~~إنباطه بقربه ويسر جريه وانبساطه أثبته ابن كثير دلالة على ذلك كسائر ~~المواضع، ولعل تخصيص هذا الموضع بالخلاف لأنه يخص هذه الأمة، فلعلها تخص ~~بجنة هي أعظم الجنان ريا وحسنا وزيا. # ولما كان أعظم العيوب الانقطاع، نفاه بقوله: {خالدين فيها} وأكد المراد ~~من الخلود بقوله: {أبدا} ثم استأنف مدح هذا الذي أعده لهم بقوله: {ذلك} أي ~~الأمر العالي المكانة خاصة {الفوز العظيم*} . # PageV09P008 # ولما استوفى الأقسام الأربعة: قسمي الحضر وقسمي البدو ثم خلط بين قسمين ~~منهم تشريفا للسابق وترغيبا للاحق، خلط بين الجميع على وجه آخر ثم ذكر منهم ~~فرقا منهم من نجز الحكم بجزائه بإصرار أو متاب. ومنهم من أخر أمره إلى يوم ~~الحساب، وابتدأ الأقسام بالمستور عن غير علمه ليعلم أهل ذلك القسم أنه ~~سبحانه عالم بالخفايا فلا يزالوا أذلاء خوفا مما هددهم به فقال مصرحا بما ~~لم يتقدم التصريح به من نفاقهم: {وممن حولكم} أي حول بلدكم المدينة {من ~~الأعراب} أي الذين قدمنا أنهم أشد كفرا لما لهم من الجفاء {منافقون} أي ~~راسخون في النفاق، وكأنه قدمهم لجلافتهم وعتوهم، وأتبعهم من هو أصنع منهم # PageV09P008 # في النفاق فقال: {ومن أهل المدينة} أي منافقون أيضا؛ ثم بين أنهم لا ~~يتوبون بوصفهم بقوله: {مردوا} أي صلبوا وداموا وعتوا وعسوا وعصوا وصار لهم ~~به دربة عظيمة وضراوة حتى ذلت لهم فيه جميع أعضائهم الظاهرة والباطنة ms1970 وصار ~~لهم خلقا {على النفاق} أي استعلوا على هذا الوصف بحيث صاروا في غاية المكنة ~~منه؛ ثم بين مهارتهم فيه بقوله: {لا تعلمهم} أي بأعيانهم مع ما لك من عظيم ~~الفطنة وصدق الفراسة لفرط توقيهم وتحامي ما يشكل من أمره؛ ثم هددهم وبين ~~خسارتهم بقوله: {نحن} أي خاصة {نعلمهم} ثم استأنف جزاءهم بقوله: {سنعذبهم} ~~أي بوعد لا خلف فيه {مرتين} أي إحداهما برجوعك سالما وشفوف أمرك وعلو شأنه ~~وضخامة أركانه وعز سلطانه وظهور برهانه، فإنهم قطعوا لغباوتهم وجلافتهم ~~وقساوتهم كما أشرت إليه بقولي {ويتربص بكم الدوائر} - أنك لا ترجع هذه ~~المرة من هذه السفرة لما يعرفونه من ثباتك للأقران، وإقدامك على الليوث ~~الشجعان، واقتحامك للأهوال، إذا ضاق المجال، ونكص الضراغمة الأبطال، ومن ~~عظمة الروم وقوتهم وتمكنهم وكثرتهم، وغاب عن الأغبياء وخفي عن الأشقياء ~~الأغنياء أن الله الذي خلقهم أعظم منهم وأكبر، وجنوده أقوى من جنودهم ~~وأكثر؛ والثانية بعد وفاتك بقهر أهل لردة ومحقهم ورجوع ما أصلته بخليفتك ~~الصديق رضي الله عنه إلى # PageV09P009 # ما كان عليه في أيامك من الظهور وانتشار الضياء والنور والحكم على من ~~خالفه بالويل والثبور، وسيأتي أنه يمكن أن تكون المرة الثانية إخراب مسجد ~~الضرار والإخبار بما أضمروا في شأنه من خفي الأسرار {ثم يردون} أي بعد ~~الموت {إلى عذاب عظيم*} أي لا يعلم عظمة حق علمه إلا الله تعالى، وهو ~~العذاب الأكبر الدائم الذي لا ينفك أصلا. # ولما ذكر هذا القسم المارد الجافي، ثنى بمقابلة اللين الصافي، وهي الفرقة ~~التي نجز المتاب عليها والنظر بعين الرحمة إليها فقال: {وآخرون} أي ممن ~~حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة آخرون {اعترفوا بذنوبهم} أي كلفوا أنفسهم ~~ذكرها توبة منهم ندما وإقلاعا وعزما ولم يفزعوا إلى المعاذير الكاذبة وهو ~~المقتصدون. # ولما كان الخلط جمعا في امتزاج، كان بمجرد ذكره يفهم أن المخلوط امتزج ~~بغيره، فالإتيان بالواو في {آخر} يفهم أن المعنى: {خلطوا عملا صالحا} بسيىء ~~{وآخر سيئا} بصالح، فهو من ألطف شاهد لنوع الاحتباك، ولعل التعبير بما أفهم ~~ذلك إشارة ms1971 إلى تساوي العملين وأنه ليس أحدهما بأولى أحدهما بأولى من الآخر ~~أن يكون أصلا، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في أناس رآهم في ~~المنام شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح كما رواه البخاري في التفسير عن سمرة ~~رضي الله عنه ثم أوجب تحقيق توبتهم الملزومة للاعتراف بقبولها بقوله: {عسى ~~الله} أي بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال # PageV09P010 # {أن يتوب عليهم} فإن {عسى} منه سبحانه وتعالى واجبه لأن هذا دأب الملوك ~~ولعل التعبير بها يفيد - مع الإيذان بأنه لا يجب عليه لأحد شيء وأن كل ~~إحسان يفعله فإنما هو على سبيل الفضل إشارة إلى أنهم صاروا كغيرهم من خلص ~~المؤمنين غير المعصومين في مواقعة التقصير وتوقع الرحمة من الله بالرجوع ~~بهم إلى المراقبة، فكما أن أولئك معدودون في حزب الله مع هذا التقصير ~~المرجو له العفو فكذلك هؤلاء؛ ثم علل فعله بهم مرجيا للمزيد بقولع: {إن ~~الله} أي ذا الجلال والإكرام {غفور رحيم*} أي لم يزل موصوفا بقبول المعرض ~~إذا أقبل وإبدال سئيه بحسن فضلا منه وإكراما؛ روى البخاري في صحيحه في ~~التفسير عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لنا: «أتاني الللية آتيان فابتعثاني فانتهيا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ~~ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت ~~راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ~~ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك ~~منزلك، قالا: أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عفا الله عنهم» . # PageV09P011 # ولما كان من شأن الرضوان قبول القربان، أمره صلى الله عليه وسلم تطهيرا ~~لهم وتطييبا لقلوبهم بقوله: {خذ} ورحمهم بالتبعيض فقال: {من أموالهم صدقة} ~~أي تطيب أنفسهم بإخراجها {تطهرهم} أي هي من ذنوبهم وتجري بهم مجرى الكفارة ~~{وتزكيهم} أي أنت تزيدهم وتنميهم {بها} بتكثير حسناتهم ms1972 {وصل} أي اعطف ~~{عليهم} وأظهر شرفهم بدعائك لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن صلواتك} أي دعواتك ~~التي تصلهم بها فتكون موصلة لهم إلى الله {سكن لهم} أي تطمئن بها قلوبهم ~~بعد قلق الخوف من عاقبة الذنب لما يعلمون من أن القبول لا يكون إلا ممن حصل ~~له الرضى عنهم ومن أن الله سمع قولك إجابة لك ويعلم صدقك في صلاحهم {والله} ~~أي المحيط بكل شيء {سميع عليم*} أي لكل ما يمكن أن يسمع وما يمكن أن يعلم ~~منك ومنهم ومن غيركم، فهو جدير بالإجابة والإثابة، وذلك أن هذا الصنف لما ~~اشتد ندمهم على التخلف أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فسأل عنهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين قدم فقيل: ندموا على التخلف عنك فحلفوا: لا يطلقهم ~~إلا أنت، فقال: وأنا أطلقهم حتى أومر بذلك، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه ~~الآيات فقالوا: يارسول الله! هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها! فقال: ~~ما أمرت بذلك، فلما أنزل الله هذه الآية أخذ الثلث فتصدق به. # PageV09P012 # ولما ساق توبتهم سبحانه في حيز {عسى} ، وكان الأصل فيها الترجية في ~~المحبوب والإشفاق في المكروه، وأمر سبحانه بالأخذ من أموالهم لذلك، وكان ~~إخراج المال شديدا على النفوس لا سيما في ذلك الزمان، كان ربما استوقف ~~الشيطان من لم يرسخ قدمه في الإيمان عن التوبة وما يترتب عليها من الصدقة ~~لعدم الجزم بأنها تقبل، فأتبع ذلك سبحانه بقوله: {ألم يعلموا} أي المعترفون ~~بالذنوب حتى تسمح أنفسهم بالصدقة أو غيرهم حتى يرغبوا في التوبة والصدقة ~~{أن الله} أي الذي له الكمال كله {هو} أي وحده {يقبل} أي من شأنه أن يقبل ~~{التوبة} تجاوزا {عن عباده} أي التائبين المخلصين {ويأخذ} أي يقبل قبول ~~الآخذ لنفسه {الصدقات} أي ممن يتقرب بها إليه بنية خالصة {وأن الله} أي ~~المحيط بصفتي الجلال والإكرام {هو} أي وحده {التواب الرحيم*} أي لم يزل ~~التجاوز والإكرام من شأنه وصفته، وفي ذلك إنكار على غيرهم من المختلفين في ~~كونهم لم يفعلوا مثل فعلهم من الندم الحامل ms1973 على أن يعذبوا أنفسهم بالإيثاق ~~في السواري ويقربوا بعض أموالهم كما فعل هؤلاء أو نحو ذلك مما يدل على ~~الاعتراف والندم. # PageV09P013 # ولما أمره من تطهيرهم بما يعيدهم إلى ما كانوا عليه قبل الذنب، عطف على ~~قوله {خذ} قوله تحذيرا لهم من مثل ما وقعوا فيه: {وقل اعملوا} أي بعد ~~طهارتكم {فسيرى الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {عملكم} أي بما له من ~~إحاطة العلم والقدرة فاعملوا عمل من # PageV09P013 # يعلم أنه بعين الله {ورسوله} أي بإعلام الله له. ولما كان هذا القسم من ~~المؤمنين فكانت أعمالهم لاخفاء فيها، قال {والمؤمنون} فزينوا أعمالكم جهدكم ~~وأخلصوا، وفي الأحاديث «لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها لأظهر الله علمه ~~للناس كائنا ما كان» . # ولما كان هذا السياق للمؤمنين حذف منه «ثم» لكنه لما كان للمذنبين، أكد ~~بالسين فقال: {وستردون} أي بوعد لا خلف فيه {إلى عالم الغيب والشهادة} أي ~~بعد الموت والبعث {فينبئكم} أي بعلمه بكل شيء {بما كنتم تعملون*} أي ما ~~أظهرتم عمله وما كان في غرائزكم، فلو تأخرتم تظهرتم، يجاريكم على حسنة ~~ويزيد من فضله، وعلى سيئة عدلا إن شاء ولا يظلم مثقال ذرة. # ولما ذكر القسمين المنجز عذابهم ومثابهم، ذكر المؤخر أمرهم وهو القسم ~~الظالم لنفسه في الذي بدأ به في سورة فاطر سورة الحشر الآخر، ولا يبعد أن ~~تكون هذه سورة الحشر الأول لأنه صلى الله عليه وسلم ساق الناس إلى أرض ~~المحشر فقال: {وآخرون} أي ومنهم آخرون {مرجون} أي مؤخرون بين الرجاء والخوف ~~{لأمر الله} أي لما يأمر به فيهم الملك الأعظم الذي له الأمر كله لا يدرون ~~أيعذبون أم يرحمون؛ وقدم قوله -: {إما يعذبهم} إن أصروا - تخويفا لهم حملا ~~على المبادرة إلى التوبة وتصفيتها والإخلاص فيها وحثا على أن يكون الخوف ما ~~دام الإنسان صحيحا # PageV09P014 # أغلب وثنى بقوله: {وإما يتوب عليهم} أي إن تابوا ترجية لهم وترقيقا ~~لقلوبهم بالتذكير بمنزل الأنس الذي أخرجوا أنفسهم منه ومنعوها من حلوله ~~وطيب مستقره ومقيله وحلي أوقاته وعلي مقاماته وشهي ms1974 أقواته. # ولما كان ربما قال قائل: ما فائدة التأخير وما المانع من التنجيز؟ قال: ~~{والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما {عليم حكيم*} ترهيبا وترغيبا وتبعيدا ~~وتقريبا واحتراسا مما قد يوهمه الترديد من الشك وتدريبا، وقراءة غفور رحيم ~~للزيادة في الترجية. # ولما ذكر الذين أقامهم في مقام الخطر أتبعه تعيين طائفة من القسم الأول ~~المستور الموصوف بالمرود، فألحق بهم الضرر فقال: {والذين} وهو معطوف في ~~قراءة من أثبت الواو على قوله {وآخرون} وخبره على ما يليق بالقصة: منافقون ~~ماردون، وأما على قراءة المدنيين وابن عامر بحذفها فيكون على تقدير سؤال ~~سائل، وذلك أنه لما قال تعالى {لا تعلمهم نحن نعلمهم} تشوفت النفس إلى ~~الإعلام بهم، فلما قال {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} اشتغل السامع بتفهمه، ~~وربما ظن أنه يأتي في آخر الكلام من تسميتهم ما يغنيه عن السؤال، فلما ~~إنتقل بقوله {وآخرون مرجون} إلى قسم آخر، وختم الآية بصفتي العلم والحكمة ~~ليعلم أن الترديد للتقسيم وأنه إن كان شك فهو بالنسبة إلى العباد وأما الله ~~تعالى فمنزه عنه فذكر السامع بالصفتين ما كان دار # PageV09P015 # في خلده ومال إليه قلبه من الإعلام بالماردين على النفاق، فاشتد تشوفه ~~إليه فكان كأنه قال: من من الماردين منهم؟ فقال تعالى الذين {اتخذوا مسجدا} ~~أي من الماردين وهم من أعظمهم مهارة في النفاق وإخفاء الكيد والشقاق لأنهم ~~توصلوا إلى ذلك بأن كلفوا أنفسهم الأخذ لأعظم عرى الدين مع المنازعة للفطرة ~~الأولى والحذر من أن يفضحوا، فكان ختام هذه الآية من بديع الختام فإن ~~احتراس عما يتوهم فيما قلبه ودليل على ما بعده، ولذلك ختم قصتهم أيضا بصفتي ~~العلم والحكمة، ولاح من هذا أن قوله {سنعذبهم مرتين} يمكن أن يراد به: مرة ~~برجوعك، ومرة بإخرابك مسجدهم وتفريقك لشملهم بعد هتك سرائرهم بكشف ضمائرهم، ~~وبين سبحانه علة اتخاذهم بقوله: {ضرارا} أي لأهل مسجد قباء أو لحزب الله ~~عامة {وكفرا} أي بالله لاتخاذ دينه هزؤا {وتفريقا} أي مما يبيتونه من ~~المكايد باستجلابهم لبعض من يخدعونه من المؤمنين ويطمعون فيه ليأتي ms1975 مسجدهم ~~ويترك المسجد المؤسس على التقوى {بين المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان بما ~~جاء من عند الله، لأنهم كانوا يجتمعون في مسجد قباء فيغتص بهم {وإرصادا} أي ~~إعدادا وانتظارا {لمن حارب الله} أي الملك الأعظم {ورسوله} ولما لم تكن ~~محاربتهم مستغرقة للزمن الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} # PageV09P016 # أي قبل اتخاذهم لهذا المسجد بزمن قريب وهو أبو عامر الفاسق ليأتي إليهم ~~فيزيدهم قوة على نفاقهم بأن يصير كهفا يأوون إليه ورأسا لهم يتجمعون عليه # «وذلك أنه كان من بني غنم بن عوف، وهو والد حنظلة الغسيل الذي كان من ~~خيار الصحابة، وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، فلما قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال: ~~الحنيفية دين إبراهيم، قال: أبو عامر: أنا عليها، قال صلى الله عليه وسلم: ~~لست عليها، قال: بلى ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها، قال: ما فعلت، ولكني ~~جئت بها بيضاء نقية، قال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدا شريدا وحيدا ~~غريبا! فقال صلى الله عليه وسلم: آمين! وسماه الفاسق، ثم تحيز إلى قريش ~~وقاتل النبي صلى الله عليه وسلم معهم يوم أحد وقال: لا أجد قوما يقاتلونك ~~إلا قاتلتك معهم، فلما قاتل يوم حنين مع هوازن وانهزموا أيس وهرب إلى ~~الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجنود ومخرج ~~محمدا! وكانوا قد حسدوا إخوانهم بني عمرو بن عوف على مسجد قباء لما بنوه، ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه ويصلي فيه، فبنوا مسجد الضرار # PageV09P017 # وأرسلوا إليه صلى الله عليه وسلم ليأتيهم فيصلي فيه، وكان يتجهز لتبوك ~~فقال: أنا على جناح سفر وحال شغل، وإذا قدمنا صلينا فيه إن شاء الله! فلما ~~قدم فكان قريبا من المدينة نزلت الآية، فدعا مالك بن الدخشم وجماعة وقال ~~لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه، ففعلوا، وأمر ~~صلى الله عليه وسلم أن يتخذ مكانه كناسه يلقي فيها الجيف والقمامه؛ ms1976 ومات ~~أبو عامر بالشام وحيدا غريبا طريدا» # وقيل: كل مسجد بني مباهاة أو لغرض ليس به إخلاص أو بمال مشتبه فهو لاحق ~~بمسجد الضرار. # ولما أخبر عن سرائرهم، أخبر عن نفاقهم في ظواهرهم بقوله: {وليحلفن} أي ~~جهد أيمانهم {إن} أي ما {أردنا} أي باتخاذ له {إلا الحسنى} أي من الخصال؛ ~~ثم كذبهم بقوله: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {يشهد} أي يخبر إخبار ~~الشاهد {إنهم لكاذبون*} وقد بان بهذا كله أن سبب فضيحتهم ما تضمنه فعلهم من ~~عظيم الضرر للإسلام وأهله؛ ثم قال ناهيا عن إجابتهم إلى ما أرادوا به من ~~التلبيس إنتاجاعن هذا الكلام الذي هو أمضى من السهام: {لا تقم فيه} أي مسجد ~~الضرار {أبدا} أي سواء تابوا أو لا، وأراد بعض المخلصين أن يأخذه أولا، اي ~~لا بد من إخرابه ومحو أثره عن وجه الأرض. # ولما ذمه وذم أهله، مدح مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، إما الذي # PageV09P018 # بالمدينة الشريفة وإما الذي ببني عمرو بن عوف بقباء على الخلاف في ذلك. ~~وهو الذي اتخذ في أول الإسلام مسجدا إحسانا وإيمانا وجمعا بين المؤمنين ~~وإعدادا لمن صادق الله ورسوله، ومدح أهله إرشادا لكل من كان مال إليه من ~~المؤمنين لقرب أو غيره إلى العوض عنه، ولعله أبهم تعيينه وذكر وصفه ليكون ~~صالحا لكل من المسجدين. # لما اتصف بهذا الوصف من غيرهما فقال مؤكدا تعريفا بما له من الحق ولما ~~للمنافقين من التكذيب: {لمسجد أسس} أي وقع تأسيسه {على التقوى} أي فأحاطت ~~التقوى به لأنها إذا أحاطت بأوله أحاطت بآخره؛ ولما كان التأسيس قد تطول ~~مدة أيامه فيكون أوله مخالفا لآخره، قال: {من أول يوم} أي من أيام تأسيسه، ~~وفيه إشارة إلى ما تقدم من احتمال أن يريد أحد من أهل الإخلاص أن يتخذه ~~مصلى، فبين أنه لايصلح لذلك لأن تأسيسه كان لما هو مباعد له {أحق أن تقوم ~~فيه} أي بالصلاة والوعظ وغيره من مسجد لم يقصد به التقوى على التقدير فرض ~~محال إلا في ثاني الحال. # ولما ms1977 مدحه مدح أهله بقوله: {فيه رجال} أي لهم كمال الرجولية {يحبون أن ~~يتطهروا} أي في أبدانهم وقلوبهم كمال الطهارة - بما أشار إليه الإظهار، فهم ~~دائما في جهاد أنفسهم في ذلك فأحبهم الله # PageV09P019 # {والله} أي الذي له صفات الكمال {يحب} أي يفعل ما يفعل المحب من الإكرام ~~بالفضل والإحسان، ولإثبات ما أفهم الاجتهاد حصل الغنى عن إظهار تاء التفعل ~~أو للندب إلى الطهارة ولو على أدنى الوجوه المجزئة فقال: {المطهرين*} أي ~~قاطبة منهم ومن غيرهم. # PageV09P020 # ولما علم من هذا بطريق الإشارة والتلويح أن التأسيس مثل ابتداء خلق ~~الحيوان، فمن جبل من أول مرة جبلة شر لا يصلح للخير أبدا ولا يقبله كما قال ~~تعالى {ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 23] ذكره على سبيل التصريح ~~فسبب عما مضى قوله ممثلا الباطل ببناء على حرف واد واه جدا على شفير جهنم: ~~{أفمن أسس بنيانه} أي كما أشرت إليه في المسجد المحثوث بالإقبال عليه {على ~~تقوى من الله} أي الملك الأعلى {ورضوان} فكان كمن بنى بنيانه على جبل لا ~~تهدمه الأمطار ولا تؤثر فيه السيول {خير أم من أسس بنيانه} على فسق وفجور ~~وعدم اكتراث بالأمور فكان كمن بنى بنيانه {على شفا} أي حرف، ومنه الشفه ~~{جرف} أي مكان جفرة السيل وجرفه فصار مشرفا على السقوط، ولذلك قال: {هار} ~~أي هائر، من هار الجرف - إذا أشرف لتخريق السيول على السقوط {فانهار} أي ~~فكان بناؤه لذلك سببا لأنه سقط سقوطا لا تماسك معه {به} أي وهو فيه آمنا من ~~سقوطه بقلة عقله وسفاهة رأيه {في نار جهنم} # PageV09P020 # فالجواب: لا شك الأول خير بل، لا خير في الثاني أصلا، والعجب كل العجب من ~~كونه بنى هذا البناء هكذا، فأجيب بأنه لا عجب لأن الأمر بيد الله، لا مفر ~~من قضائه، وهو قد هدى الأول إلى ما فيه صلاحه، ولم يهد الثاني لما علم فيه ~~من عدم قابلية الخير {والله} الذي له صفات الكمال {لا يهدي القوم} أي الذين ~~لهم قوة المحاولة لما يريدون {الظالمين*} أي المطبوعين ms1978 على ظلام البصائر، ~~فهم لا يكفرون في شيء إلا جاء في غير موضعه وعلى غير نظام كخطوات الماشي في ~~الظلام، وقد علم أن الآية من قبيل الاحتباك: أثبت أولا التقوى لأن أهل ~~الإسلام أحق بها، فدلت على حذف ضدها ثانيا، وأثبت ثانيا ضعف البناء حسا لأن ~~مسجد الضرار أولى به، فدل على حذف ضده أولا، فذكر النهاية المعقولة لأهلها ~~والبداية المحسوسة للناظرين لها؛ وروي عن جابر رضي الله عنه قال: رأيت ~~الدخان من مسجد الضرار؛ وحكي عن خلف بن يسار أنه رأى فيه حجرا يخرج منه ~~الدخان في أول دولة بني العباس. # ولما كان ما تقدم غير قاطع في إخرابه لما ثبت للمساجد من الحرمة، استأنف ~~الإخبار عن أنه لا يعد في عداد المساجد بوجه، وإنما هو في عداد بيوت ~~الأصنام فهو واجب الإعدام فقال: {لا يزال بنيانهم} # PageV09P021 # أي نفس المبنى وهو المسجد {الذي بنوا ريبة} أي شكا ونفاقا {في قلوبهم} ~~كما أن بيوت الأصنام كذلك لأهلها، فكان ذلك حثا على إخرابه ومحوه وقطع ~~أثره. والمعنى أنه جامع لهم على الريبة في كل زمان يمكن أن يكون {إلا أن} ~~ولما كان القطع محصلا للمقصود من غير نظر إلى قاطع معين، قال بانيا ~~للمفعول: {تقطع قلوبهم} أي إلا زمان يوجد فيه القطع البليغ الكثير لقلوبهم ~~وعزائمهم ويباعد بينهم ويفرق شملهم بإخراجه، وقراءة يعقوب ب «إلى» الجارة ~~واضحة في المراد، أو يكون المراد أنه لايزال حاملا لهم على التصميم على ~~النفاق إلى أن يموتوا، فهو كناية عن عدم توبتهم. # ولما كان التقدير: فالله عليم بما أخبركم به فلا تشكوا فيه، عطف عليه ~~تعميما للحكم وتعظيما للأمر قوله: {والله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء ~~{عليم} أي بالغ العلم بكل معلوم {حكيم*} فهو يتقن ما يأمر به. # ولما تقدم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى ~~{ما لكم إذا قيل لكم انفروا} [التوبة: 38] ثم الجزم بالأمر بالجهاد بالنفس ~~والمال في قوله {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] وكان أمره تعالى كافيا ms1979 ~~للمؤمن الذي صدق إيمانه بالإسلام في امتثاله لذلك في منشطه ومكرهه، وكان ~~كثير منهم قد فعلوا بتثاقلهم ما يقدح في # PageV09P022 # إيمانهم طعما في ستره بمعاذيرهم وإيمانهم، اقتضى المقام تبكيت المتثاقلين ~~وتأنيب المنافقين على وجه مهتك لأستارهم مكشف لأسرارهم، فلما استوفى تعالى ~~في ذلك أقسامهم، ونكس ألويتهم وأعلامهم، وختمهم بهذه الطائفة التي ظهر فيها ~~امتثاله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم} بأن هد مسجدهم وحرقة بالنار وأزال بنيانه وفرقة، وقد أديمه عن جديد ~~الأرض ومزقه، أتبع ذلك سبحانه بتذكير المؤمنين ما أمرهم به في قوله تعالى ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} وقوله {انفروا خفافا ~~وثقالا} ليفعلوا فيه ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به، ~~فساق مساق الجواب لسؤال من كأنه قال: لقد طال المدى وعظم الخطب في هذه ~~السورة في إبانة الفضائح وهتك السرائر وإظهار القبائح، فلم فعل ذلك وقد جرت ~~عادته بالأمر بالستر وأخذ العفو؟ قوله: {إن الله} أي الملك الذي لا ملك في ~~الحقيقة غيره ولا يخشى إلا عذابه ولا يرجى إلا خيره {اشترى} أي بعهود أكيدة ~~ومواثيق غليظة شديدة، ولذلك عبر بما يدل على اللجاج فيها فقال: {من ~~المؤمنين} أي بالله وما جاء من عنده، وقدم النفس إشارة إلى المبايعة سابقة ~~على اكتساب المال فقال مقدما للأعز: {أنفسهم} أي التي تفرد بخلقها ~~{وأموالهم} أي التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم. # PageV09P023 # ولما ذكر المبيع أتبعه الثمن فقال: {بأن لهم الجنة} أي خاصة بهم مقصورة ~~عليهم، لا يكون لغير مؤمن، فميزهم حتى يقابل كل بما يستحقه، فكأنه قيل: ~~اشترى منهم ذلك بماذا؟ فقيل: {يقاتلون في سبيل الله} أي الملك الأعلى بسبب ~~دينه الذي لا يرضي غيره، قتالا يكون الدين محيطا به وظرفا، فلا يكون فيه ~~شائبة لغيره؛ ثم سبب عن ذلك ما هو حقيق به، فقال: {فيقتلون ويقتلون} أعم من ~~يكون ذلك بالقوة أو بالفعل، فيخصهم بالجنة كما وعدهم، وقراءة حمزة والكسائي ~~بتقديم المبني للمفعول أمدح، لأن من ms1980 طلب الموت - لا يقف له خصمه فيكون ~~المعنى: فطلبوا أن يكونوا مقتولين فقتلوا أقرانهم، ويجوز أن يكون النظر إلى ~~المجموع فيكون المعنى أنهم يقاتلون بعد رؤية مصارع أصحابهم من غير أن ~~يوهنهم ذلك، وعن بعض الأعراب أنه لما سمع هذه الاية قال: بيع والله مربح! ~~لا نقيل ولا نستقيل، فخرج إلى الغزو فاستشهد. # ولما كان القتل لكونه سببا للجنة بشارة ووعدا، أكد ذلك بقوله: {وعدا} ~~وزاده بحرف الإيجاب فقال: {عليه} وأتم التأكيد بقوله: {حقا} ولما أكد هذه ~~المبايعة الكريمة هذه التأكيدات العظيمة، زاد ذلك بذكره في جميع الكتب ~~القديمة فقال: {في التوراة} # PageV09P024 # كتاب موسى عليه السلام {والإنجيل} كتاب عيسى عليه السلام {والقرآن} أي ~~الكتاب الجامع لكل ما قبله ولكل خير، وهؤلاء المذكورون في هذه السورة كلهم ~~ممن ادعى الإيمان وارتدى به حلل الأمان، ثم إنهم فعلوا بتخلفهم عن الإقباض ~~وتوقفهم عن الإسراع والإيقاض وغير ذلك من أقوالهم ومساوىء أفعالهم فعل ~~الكاذب في دعواه أو الشاك أعم من أن يكون كذب بالآخرة المشتملة على الجنة ~~أو يكون شك في وعد الله بإيراثهم إياها أو بتخصيصهم بها، وجوز أن يدخلها ~~غيرهم وطمع أن يكون هو ممن يدخلها مع التكذيب، والله تعالى منزه عن جميع ~~ذلك وهو وفي بعهده {ومن} أي وعد بذلك والحال أنه أوفى المعاهدين فهو مقول ~~فيه على طريق الاستفهام الإنكاري: من {أوفى بعهده من الله} أي الذي له جميع ~~صفات الكمال لأن الإخلاف لا يقدم عليه الكرام من الناس فكيف بخالقهم الذي ~~له الغنى المطلق. # ولما كان ذلك سببا للتبشير، لأنه لا ترغيب في الجهاد أحسن منه، قال مهنئا ~~لهم: {فاستبشروا} أي فأوجدوا في نفوسكم غاية البشر يا معاشر المجاهدين ولما ~~ذكره في ابتداء العقد يدل على التأكيد، ذكره في آخر بلفظ يدل على السعة ~~إشارة إلى سعة الجزاء فقال: {ببيعكم الذي بايعتم} # PageV09P025 # أي أوقعتم المبايعة لله {به} فإنه موفيكم لا محالة فذلك هو الأجر الكريم ~~{وذلك} أي إيراثكم الجنة وتخصيصكم بها {هو} أي خاصة لا غيره {الفوز ~~العظيم*} ms1981 فالحاصل أن هذه الآية واقعة موقع التعليل للأمر بالنفر بالنفس ~~والمال. # PageV09P026 # ولما ثبتت المعاقدة وأحكامها، وصف المعاقدين على طريق المدح للحث على ~~أوصافهم فقال: {التآئبون} مبتدئا أوصافهم بالتوبة التي هي أساس العمل ~~الصالح، ثم ابتدأ المؤسس بمطلق العبادة الشاملة لجميع أنواع الدين من العلم ~~وغيره فقال: {العابدون} أي الذين أقبلوا على العبادة فأخلصوها لله؛ ولما ~~كان التزام الدين لا يعرف إلا بالإقرار باللسان، أتبع ذلك الحمد الذي تدور ~~مادته على بلوغ الغاية الذي من جملته الثناء اللساني بالجميل الشامل ~~للتوحيد وغيره فقال: {الحامدون} أي المثنون عليه سبحانه ثناء عظيما، تطابقت ~~عليه ألسنتهم وقلوبهم فتبعته آثاره؛ ولما كان الإقرار باللسان لا يقبل إلا ~~عند مطابقة القلب، تلاه بالسياحة التي تدور بكل ترتيب على الاتساع الذي منه ~~إصلاح القلب ليتسع للتجرد عن ضيق المألوفات إلى فضاء الحضرات الإلهيات ~~فقال: {السائحون} ولما كانت الصلاة نتيجة ذلك لكونها جامعة لعمل القلب ~~واللسان وغيرهما من الأركان، وهي أعظم موصل إلى بساط الأنس في حضرات القدس ~~وأعلى مجرد عن الوقوف مع المألوف. وكان أول مراتب التواضع القيام وأوسطها ~~الركوع وغايتها السجود، وكان جميع # PageV09P026 # أشكال الصلاة موافقا للعادة إلا الركوع والسجود، أشار إليها بقوله مخصصا ~~لها بالذكر تنبيها على أن المراد من الصلاة نهاية الخضوع: {الراكعون} فبين ~~أن تمام هذه البشرى لهذه الأمة أن صلاة غيرهم لا ركوع فيها، وأتمها بقوله: ~~{الساجدون} ولما كان الناصح لنفسه بتهذيب لسانه وقلبه وجميع جوارحه لا يقبل ~~إلا إذا بذل الجهد في نصيحة غيره كما صرح به مثال السفر في السفينة ليحصل ~~المقصود من الدين وهو جمع الكل على الله المقتضي للتعاضد والتناصر الموجب ~~لدوام العبادة والنصرة وبذلك يتحقق التجرد عن كل مألوف مجانس وغير مجانس، ~~أتبع ذلك قوله: {الآمرون بالمعروف} أي السنة. # ولما كان الدين متينا فلن يشاده أحد إلا غلبه، كان المراد من المأمورات ~~مسماها دون تمامها ومنتهاها «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ~~والمراد من المنهيات تركها كلها، ومن الحدود الوقوف عندها من غير مجاوزة ~~«وإذا نهيتكم ms1982 عن شيء فاجتنبوه» رواه البخاري في الاعتصام من صحيحه ومسلم ~~ايضا عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكانت العرب - كما تقدم في البقرة عند ~~قوله تعالى {والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] وفي آل عمران عند قوله ~~{الصابرين والصادقين} [آل عمران: 17] عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي - إذا ~~أتبعت بعض الصفات بعضا من غير عطف علم أنها غير تامة، فإذا عطفتها أردت ~~التمكن فيها والعراقة والتمام، فأعلم سبحانه أن المراد # PageV09P027 # فيما تقدم من الأوصاف الإتيان بما أمكن منها، فأتى بها اتباعا دون عطف ~~لذلك، وأشار إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف عند الحدود لا ~~يقنع منه إلا بالتمام لأن المقصر في شيء من ذلك إما راض بهدم الدين وإما ~~هادم بنفسه، فيجب التجرد التام فيه لأن النهي أصعب أقسام العبادة لأنه ~~متعلق بالغير وهو مثير للغضب موجب للحمية وظهور الخصومة، فربما كان عنه ضرب ~~وقتل، فلذلك عطفها ولم يتبعها فقال: {والناهون} أي بغاية الجد {عن المنكر} ~~أي البدعة. # ولما كان فاعل الخير لا ينفعه فعله إلا باستمراره عليه إلى الموت أتبعه ~~قوله: {والحافظون} أي بغاية العزم والقوة {لحدود الله} أي الملك الأعظم ~~التي حدها في هذا الشرع القيم فلم يتجاوزوا شيئا منها، فختم بما به بدأ مع ~~قيد الدوام بالرعي والقوة، والحاصل أن الوصف الأول للتجرد عن ربقة مألوف ~~خاص وهو شرك المعصية بشركه أو غيره، والثاني للتجرد عن قيود العادات إلى ~~قضاء العبادات، والثالث لبلوغ الغاية في تهذيب الظاهر. والرابع للتوسع إلى ~~التجرد عن قيود الباطن، والخامس والسادس للجمع بين كمال الباطن والظاهر، ~~والسابع للسير إلى إفاضة ذلك على الغير، والثامن للدوام على تلك الحدود ~~بترك جميع القيود. فمقصود الآية العروج من الحضيض الجسماني إلى الشرف ~~الروحاني؛ ثم أمره صلى الله عليه وسلم بتبشير المتخلق بهذه الأوصاف عاطفا ~~لأمره به # PageV09P028 # على محذوف تقديره - والله أعلم: فأنذر من تخلى منها بكل ما يسوءه بعد ~~سجنه في دار الشقاوة فإنه كافر وبشرهم، أي هؤلاء الموصوفين، هكذا كان الأصل ~~الإضمار، ولكنه أظهر ختاما بما ms1983 به بدأ وتعليقا يالوصف وتعميما فقال: {وبشر ~~المؤمنين*} أي المتخلقين بها بكل ما يسرهم بعد تخصيصهم بدار السعادة، وفي ~~ختم الآيتين بالبشارة تارة من الخالق وتارة من أكمل الخلائق أعظم مزية ~~للمؤمنين، وفي جعل الأولى من الله أعظم ترغيب في الجهاد وأعلى حث على خوض ~~غمرات الجلاد، وفي ابتداء الأيتين بالوصف المعشر بالرسوخ في الإيمان الذي ~~هو الوصف المتمم للعشر وختمهما بمثله إشارة إلى أن هذه مائدة لا يخلس عليها ~~طفيلي، وأن من عدا الراسخين في درجة الإهمال لا كلام معهم ولا التفات بوجه ~~إليهم. # ولما كثرت في هذه السورة الأوامر بالبراءة من أحياء المشركين وجاء الأمر ~~أيضا بالبراءة من أموات المنافقين بالنهي عن الدعاء لهم، جاءت هذه الآية ~~مشيرة إلى البراءة من كل مشرك فوقع التصريح بعدها بما أشارت إليه، وذلك أنه ~~لما ثبت بهذه الآية في تقديم الجار أن المبايعة وقعت على تخصيص الجنة ~~بالمؤمنين وأنه تعالى أوفى من عاهد، ثبت أنه لا يجوز أن يدخل غيرهم الجنة ~~وأن غيرهم أصحاب النار، لأنه قد علم أن الآخرة داران: جنة ونار، ولما ثبت ~~هذا كله علم قطعا علم النتيجة من المقدمات الصحيحة أنه {ما كان} أي في نفس ~~الأمر # PageV09P029 # {للنبي} أي الذي لا ينطق إلا بما عنده فيه بيان من الله {والذين آمنوا} ~~أي أقروا بأنهم صدقوا بدعوته فلا يفعلون إلا ما عندهم منه علم {أن ~~يستغفروا} أي يطلبوا المغفرة ويدعوا بها {للمشركين} أي الراسخين في الإشراك ~~في عبادة ربهم {ولو كانوا} أي المشركين {أولي قربى} أي للذين آمنوا {من بعد ~~ما تبين لهم} أي بموتهم على الشرك وإنزال هذه الآية للختم بالتخصيص بالجنة ~~{أنهم أصحاب الجحيم*} أي لا أهلية لهم للجنة. # فإن الاستغفار معناه محو الذنوب حتى ينجو صاحبها من النار ويدخل الجنة ~~وما ينبغي لهم أن يكون لهم إليهم التفات فإن ذلك ربما جر إلى ملاينة تفتر ~~عن القتال الواقع عليه المبايعة، فما ينبغي إلا محض المقاطعة والمخاشنة ~~والمنازعة. وتقييد النهي بالتبيين يدل على جواز الدعاء للحي ms1984 فإن القصد ~~بالاستغفار الإقبال به إلى الإيمان الموجب للغفران. ولما أنكر أن يكون لهم ~~ذلك. وكان الخليل عليه السلام المأمور بالاقتداء به واللزوم بملته قد ~~استغفر لأبيه، بين أنه كان أيضا قبل العلم بما في نفس الأمر من استحقاقه ~~للتأبيد في النار، فقال دالا بواو العطف على أن التقدير: فما استغفر لهم ~~بعد العلم أحد من المؤمنين: {وما كان استغفار إبراهيم} أي خليل الله ~~{لأبيه} أي بعد أن خالفه في الدين {إلا عن موعدة} أي وهي قوله {لأستغفرن لك ~~وما أملك لك من الله من شيء} [الممتحنة: 4] وأكد صدور # PageV09P030 # الوعد بقوله: {وعدها إياه} أي الخليل لأبيه قبل أن يعلم أنه أبدى ~~الشقاوة، وقيل: الضمير لأبيه، كان وعده أنه يسلم فاستغفر له ظنا منه أنه ~~صدق في وعده فأسلم، والذي يدل على أنه كان قبل علمه بذلك قوله: {فلما تبين ~~له} أي بيانا شافيا قاطعا {أنه عدو لله} أي الملك الأعلى مؤبد العداوة له ~~بموته على الكفر أو بالوحي بأنه يموت عليه {تبرأ} أي أكره نفسه على البراءة ~~{منه} ثم علل ما أفهمته صيغة التفعل من المعالجة بقوله: {إن إبراهيم لأواه} ~~أي شديد الرقة الموجبة للتأوه من خوف الله ومن الشفقة على العباد؛ قال ~~الزجاج: والتأوه أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء {حليم*} أي شديد التحمل ~~والإغضاء عن المؤذى له، هكذا خلقه في حد ذاته فكيف في حق أبيه ولو قال له ~~{لأرجمنك واهجرني} [مريم: 46] وأضعاف ذلك؛ قال الإمام أبو محمد إسحاق بن ~~إبراهيم بن إسماعيل البستي القاضي في تفسيره: حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب ~~أخبرني ابن جريح عن أيوب بن هانىء عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله مسعود ~~رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما وخرجنا معه حتى ~~انتهى إلى المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها ~~فجلس إليه فناجاه طويلا ثم ارتفع نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا ~~فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms1985 ثم أن # PageV09P031 # النبي صلى الله عليه وسلم أقبل إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فقال: ما الذي أبكاك يا نبي الله فقد فقد أبكانا وأفزعنا، فأخذ بيد عمر رضي ~~الله عنه ثم أقبل إلينا فأتيناه فقال: أفزعكم بكائي؟ قلنا: نعم يا رسول ~~الله! قال: إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني استأذنت ~~ربي في الاستغفار لها فلم ياذن لي ونزل علي {ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى} حتى ختم الآية {وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبية إلا عن موعدة وعدها إياه} فأخذني ما يأخذ الولد من الرقة ~~فذلك الذي أبكاني» # وهذا سند حسن، ولمسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه في الجنائز عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى ~~من حوله وقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته أن ~~أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» وللبخاري في التفسير ~~وغيره ابن المسيب عن أبيه رضي الله عنه قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أي عم! قل: لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله، ~~فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! # PageV09P032 # أترغب عن ملة عبد المطلب؟ - وفي رواية: فكان آخر ما كلمهم أن قال: هو على ~~ملة عبد المطلب - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه ~~عنك، فنزلت {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} وأنزل الله ~~في أبي طالب {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} [القصص: 56] » ~~ولعله استمر يستغفر له ما بين موته وغزوة تبوك حتى نزلت، وروي في سبب ~~نزولها غير هذا أيضا، وقد تقدم أنه يجوز أن تتعدد الأسباب. # PageV09P033 # ولما كان الاستغفار للمشركين أمرا عظيما، وكان فيه نوع ms1986 ولاية لهم، أظهر ~~سبحانه للمؤمنين ما من عليهم به من عدم المؤاخذة بالإقدام عليه تهويلا لذلك ~~وقطعا لما بين أوج الإيمان وحضيض الكفران بكل اعتبار فقال تعالى: {وما كان ~~الله} أي الذي له صفات الكمال؛ ولما كان الضلال سبب الهلاك، وكان من شرع ~~شريعة ثم عاقب ملتزمها من غير بيان كمن دل على طريق غير موصل فهلك صاحبه ~~فكان الدال بذلك مضلا، قال: {ليضل قوما} أي يفعل بهم ما يفعل بالضالين من ~~العقوبة لأجل ارتكابهم لما ينهي عنه بناسخ نسخه {بعد إذ هداهم} أي بشريعة ~~نصبها لهم {حتى يبين لهم} أي بيانا شافيا لداء العي {ما يتقون} أي مما هو ~~جدير بأن يحذروه ويتجنبوه خوفا من غائلته بناسخ ينسخ حال الإباحة التي ~~كانوا عليها. # PageV09P033 # ولما كان الذي يأمر بسلوك طريق ثم يترك فيها ما يحتاج إلى البيان إنما ~~يؤتى عليه من الجهل أو النسيان. نفي ذلك سبحانه عن نفسه فقال معللا لعدم ~~الإضلال: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {بكل شيء عليم*} أي بالغ العلم ~~فلا يتطرق إليه خفاء بوجه من الوجوه في حين من الأحيان فهو يبين لكم جميع ~~ما تأتون وتذرون وما يتوقف عليه الهدى، وما تركه فهو إنما يتركه رحمة لكم ~~{لا يضل ربي ولا ينسى} [طه: 52] فلا تبحثوا عنه؛ ثم علل علمه بكل شيء بأن ~~قدرته شاملة فهو قادر على نصرة من يريد والانتقام ممن يريد، فلا ينبغي لأحد ~~أن يحب إلا فيه ولا يبغض إلا فيه ولا يهتم بعداوة أحد ممن عاداه فقال: {إن ~~الله} أي الملك الأعظم {له} أي بكل اعتبار تعدونه من اعتبارات الكمال {ملك ~~السماوات والأرض} فلا يخفى عليه شيء فهو خبير بكل ما ينفعكم ويضركم وهو ~~وليكم، يبينه لكم، ومن كان له جميع الملك كان بحيث لا يستعصي على أمره شيء: ~~علم ولا غيره، لأن العلم من أعظم القوى والقدر، ولا يكون الملك إلا عالما ~~قادرا؛ ثم علل قدرته وعلمه بما يشاهد متكررا من فعله في الحيوان والنبات ~~وغير ذلك فقال: ms1987 {يحيي ويميت} أي بكل معنى فهو الذي أحياكم وغيركم الحياة ~~الجسمانية وخصم أنتم بالحياة الإيمانية، وكما جعل غيركم بعضهم أولياء بعض ~~وجمعهم كلهم على ولاية عدوهم الشيطان جعلكم # PageV09P034 # أنتم أولياء ربكم الرحمن فهو وليكم وناصركم {وما} أي والحال أنه ما {لكم} ~~ولما كان ليس لأحد أن يجوز كل ما دون رتبته سبحانه، أثبت الجار فقال. {من ~~دون الله} أي الملك الذي له الأمر كله، وأغرق في النفي بقوله: {من ولي} أي ~~قريب يفعل معكم من الحياطة والنصح ما يفعل القريب من النصرة وغيره. # ولما كان الإنسان قد ينصره غير قريبه قال. {ولا نصير*} أي فلا توالوا إلا ~~من كان من حزبه وأهل حبه وقربه، وفيه تهديد لمن أقدم على ما ينبغي أن يتقي ~~لا سيما الملاينة لأعداء الله من المساترين والمصارحين، فإن غاية ذلك ~~موالاتهم وهي لا تغني من الله شيئا. # ولما أشار إلى أنه هو وليهم أحياهم بروح منه مبين لهم ما يصلحهم وأنه لا ~~ولي لهم غيره، أقام الدليل على ذلك بقوله: {لقد تاب الله} أي الذي له ~~الجلال والإكرام {على النبي} أي الذي لا يزال عنده من الله خبر عظيم يرشده ~~إلى ما يؤذن بتقوية حياته برفع درجاته، فما من مقام يرقيه إليه إلا رأى أنه ~~لمزيد علوه وتقربه للمقام الذي كان دونه، فهو في كل لمحة في ارتقاء من كامل ~~إلى أكمل إلى ما لا نهاية له. # ولما أخبر تعالى بعلو رتبة النبي صلى الله عليه وسلم بترقيته في رتب ~~الكمالات والأكمليات إلى ما لا نهاية له على وجه هو في غاية البعث لكل # PageV09P035 # مؤمن على المبادرة إلى التوبة، أكد ذلك بقوله: {والمهاجرين والأنصار} ~~بمحو هفواتهم ورفع درجاتهم {الذين اتبعوه} أي النبي صلى الله عليه وسلم {في ~~ساعة العسرة} أي أزمنة عزوة تبوك، كانوا في عسرة من الزمان بالجدب والضيقة ~~الشديدة والحر الشديد، وعسرة من الظهر «يعتقب العشرة» على بعير واحد. وعسرة ~~من الزاد «تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة» وبلغت بهم ~~الشدة أن اقتسم ms1988 التمر اثنان، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء، وفي ~~عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها؛ وسماها ساعة تهوينا لأوقات ~~الكروب وتشجيعا على مواقعة المكاره فإن أمدها يسير وأجرها عظيم خطير، فكانت ~~حالهم باتباعه في هذه الغزوة أكمل من حالهم قبلها، وأشار سبحانه إلى ~~تفاوتهم في الثبات على مقامات عالية، ترقوا بالتوبة إلى أعلى منها، وفي ~~قبول وساوس أبعدتهم التوبة عن قبولها بقوله: {من بعد ما كاد} أي قرب قربا ~~عظيما {يزيغ} أي تزول عن أماكنها الموجبة لصلاحها، وأشار ب «من» إلى تقارب ~~ما بين كيدودة الزيغ والتدارك بالتوبة. ولما كان المقام للزلازل، # PageV09P036 # ناسب التعبير بما منه الانقلاب والفرقة فقال: {قلوب فريق} أي هم بحيث ~~تحصل منهم الفرقة لما هناك من الزلازل المميلة {منهم} أي من عظيم ما نالهم ~~من الشدائد فتميل لذلك عن الحق كأبي خيثمة ومن أحب الراحة وهاب السفر في ~~ذلك الحر الشديد إلى بني الأصفر الملوك الصيد الأبطال الصناديد، وهم ملء ~~الأرض كثرة وقدر الحصى عدة ومثل الجبال شدة، ثم عزم الله له فلحق برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فرجع سبحانه بالجميع إلى ما كانوا عليه قبيل ~~مقاربة الزيغ من مباعدته، ولما صاروا كمن لم يقارب الزيغ. # أعلاهم إلى مقام آخر عبرعن عظمته بأداة التراخي فقال: {ثم تاب عليهم} أي ~~كلهم تكريرا للرفعة، أو على من كاد يزيغ بالثبات على مباعدة الزلات ~~وبالترقي في أعالي الدرجات إلى الممات؛ ونقل أبو حيان عن الحسن أن زيغها ~~همها بالانصراف لما لقيت من المشقة، قال وقيل: ساء ظنها بما رأته من شدة ~~العسرة وقلة الوفر وبعد الشقة وقوة العدو المقصود -انتهى. ويجوز أن يكون ~~عبر ب {ثم} لوصولهم إلى حالة يبعد معها الثبات فضلا عن مباعدة مواقع الزلات ~~فثبتها حتى عادت كالحديد من غير سبب ظاهر من «جيش أو غيره» فثبت بذلك أنه ~~مالك الملك متمكن # PageV09P037 # من فعل كل ما يريده وأنه لا ولي لهم سواه: ثم علل لطفه بهم بقوله: {إنه ~~بهم رؤوف رحيم*} والرأفة: شدة ms1989 الرحمة، فقدم الأبلغ فيقال فيه ما قيل في ~~{الرحمن الرحيم} فالمعنى أنه يرحمهم أعلى الرحمة بإسباغ جلائل النعم ودفع ~~جلائل النقم، ويرحمهم أيضا بإسباغ دقائق النعم ودفع دقائق النقم، وقيل: ~~الرأفة: إزالة الضر، والرحمة: إيصال النفع، ومادة رأف تدور مع السعة على ما ~~أشير إليه في سورة سبحان على شدة الوصلة. فالرأفة - كما قال الحرالي في ~~البقرة - عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، ~~والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم - انتهى. فتكون الرأفة حينئذ للثابتين ~~والرحمة لمن قارب الزيغ. فيصير الثابت مرحوما مرتين لأنه منظور إليه ~~بالصفتين، وتقدم عند الحزبين من البقرة ما ينفع هنا. # PageV09P038 # ولما صرح بالتوبة على من قارب الزيغ وخلط معهم أهل الثبات إشارة إلى أن ~~كل أحد فقير إلى الغني الكبير وليكون اقترانهم بأهل المعالي، وجعلهم في ~~حيزهم تشريفا لهم وتأنيسا لئلا يشتد إنكارهم، أتبعه التوبة على من وقع منه ~~الزيغ فقال غير مصرح بالزيغ تعليما للأدب وجبرا للخواطر المنكسرة: {وعلى} ~~أي ولقد # PageV09P038 # تاب الله على {الثلاثة الذين} . # ولما كان الخلع للقلوب مطلق التخليف، بني للمفعول قوله: {خلفوا} أي خلفهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجران ونهى الناس عن كلامهم، وأخر الحكم ~~فيهم ليأتي أمر الله في بيان أمرهم واستمر تخليفهم {حتى إذا ضاقت} أشار إلى ~~عظيم الأمر بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم الأرض} أي كلها {بما رحبت} أي مع ~~شدة اتساعها، أي ضاق عليهم فسيحها ووسعها. # ولما كان هذا قد يراد به الحقيقة، وكان ضيق المحل قد لا يستلزم ضيق ~~الصدر، أتبعه الدلالة على أن المراد المجاز فقال: {وضاقت عليهم} بالهم ~~المزعج والغم المقلق {أنفسهم} أي من شدة ما لاقوا من الهجران حتى بالكلام ~~حتى برد السلام؛ ولما كان ذلك لا يقتضي التوبة إلا بالمراقبة، أتبعه ذلك ~~للتخلف بها قوله: {وظنوا} أي أيقنوا، ولعله عبر بالظن إيذان بأنهم لشدة ~~الحيرة كانت قلوبهم لا تستقر على حال، فكان يقينهم لشدة الخواطر كأنه ظن، ~~أو يقال - وهو حسن -: إن التعبير ms1990 به عن يقين المخلصين إشارة إلى أن أعلى ~~اليقين في التوحيد لا يبلغ الحقيقة على ما هي عليه أن لا يقدر أحد أن يقدر ~~لله حق قدره - كما قال صدق الخلق صلى الله عليه وسلم «لا أحصى ثناء عليك، ~~أنت كما أثنيت على نفسك» وهذا من النفائس فاستعمله في أمثاله {أن لا ملجأ} ~~أي مهرب ومفزع {من الله} # PageV09P039 # أي الذي له الإحاطة الكاملة {إلا إليه} أي بما يرضيه، وهو مثل لتحيرهم في ~~أمرهم، وجواب {إذا} محذوف دل عليه صدر الكلام تقديره: تداركهم بالتوبة ~~فردهم إلى ما كانوا عليه قبل مواقعة الذنب. # ولما كان ما عملوه من التخلف عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عظيما ~~بمجرد المخالفة ثم يترك المواساة ثم بالرغبة عنه صلى الله عليه وسلم ثم ~~بأمور عظيمة شديدة القبح وخيمة فكان يبعد معه الزيادة عن رتبة التوبة، أعلم ~~سبحانه أنه رقاهم في رتب الكمال بأن جعل ذلك سببا لتطهيرهم من جميع الأدناس ~~وتنقيتهم من سائر الأردان المقتضي لمزيد القرب بالعروج في مصاعد المعارف - ~~كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم لكعب رضي الله عنه «أبشر بخير يوم ~~مر عليك منذ ولدتك أمك» ، أتبع ذلك سبحانه الإعلام به بقوله - مشيرا إلى ما ~~بعده لولا فضل الله - بأداة الاستبعاد: {ثم تاب عليهم} أي رجع بهم بعد ~~التوبة إلى مقام من مقامات سلامة الفطرة الذي هو أحسن تقويم يعلو لعلوه ~~بالنسبة إلى ما دونه، توبة {ليتوبوا} أي ليرجعوا إلى ما تقتضيه الفطرة ~~الأولى من الثبات على ما كانوا عليه من الإحسان في الدين والتخلق بإخلاق ~~السابقين، ولعله عبر بالظن موضع العلم إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من ~~جلاله للانقطاع إليه مجرد الظن بأنه لا سبب إليه إلا منه لأنه محيط بكل شيء ~~لا يعجزه شيء، ويمكن أن يكون التعبير - {ثم} إشارة إلى عظيم ما قاسوا من ~~الأهوال وما ترقوا إليه من مراتب الخوف، وامتنان عليهم بالتوبة # PageV09P040 # من عظيم ما ارتكبوا، وإنما خصوا عن رفقائهم بأن أرجئوا لأمر الله ms1991 لعلو ~~مقامهم بما لهم من السابقة ورسوخ القدم في الإسلام، فالمخالفة اليسيرة منهم ~~أعظم من الكثير من غيرهم لأنهم أئمة الهدى ومصابيح الظلم، ومن هذا البارق - ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين - ثم علل التوبة بأمر يعم غيرهم ترغيبا فقال ~~معبرا بما يشير مع أعلى مقامهم إلى نزوله عن مقام من قبلهم: {إن الله} أي ~~الذي له الكمال كله {هو} أي وحده {التواب} أي البليغ التوبة على من تاب وإن ~~عظم جرمه وتكررت توبته لتكرر ذنوبه {الرحيم*} أي المكرم لمن أراد من عباده ~~بأن يحفظه على ما يرتضيه فلا يزيغ، ويبالغ في الإنعام عليه. # ولما كان الذي نالوا به الإقبال من مولاهم عليهم - مما وصفهم به من الضيق ~~وما معه - هو التقوى والصدق في الإيمان كما كان ما يجده الإنسان في نفسه ~~مما الموت عنده والقذف في النار أحب إليه من التلفظ به صريح الإيمان بشهادة ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم، رغب سبحانه في الصدق فقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا} أي ادعوا ذلك {اتقوا الله} أي خافوا سطوة من له العظمة الكاملة ~~تصديقا لدعواكم فلا تفعلوا إلا ما يرضيه {وكونوا} أي كونا صادقا بجميع ~~الطبع والجبلة {مع الصادقين*} أي في كل أمر يطلب منهم، ولعله أخرج الأمر ~~مخرج العموم ليشمل # PageV09P041 # كل مؤمن، فمن كان مقصرا كانت آمره له باللحاق، ومن كان مسابقا كانت حاثة ~~له على حفظ مقام الاستباق، ولعله عبر ب {مع} ليشمل أدنى الدرجات، وهو الكون ~~بالجثت، وقد روى البخاري توبة كعب أحد هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم في ~~مواضع من صحيحه منها التفسير، وكذا رواه غيره عن كعب نفسه رضي الله عنه ~~«أنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط غير ~~غزوتين: غزوة العسرة - يعني هذه - وغزوة بدر، وأن تخلفه ببدر إنما كان لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يندب الناس إليها ولا حثهم عليها لأنه ما خرج ~~أولا إلا لأجل العير، قال: فأجمعت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان ms1992 ~~قل ما يقدم من سفر سافره إلا ضحى، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين ونهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي - يعني مرارة بن الربيع ~~العمري وهلال بن أمية الواقفي - ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا، ~~فاجتنب الناس كلامنا فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر، وما من شيء أهم إلي من ~~أن أموت فلا يصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم أو يموت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي علي، ~~فأنزل الله عز وجل توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الآخر ~~من الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة رضي الله عنها، وكانت ~~أم سلمة # PageV09P042 # محسنة في شأني معنية في أمري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياأم ~~سلمة! تيب على كعب، قالت: أفلا أرسل إليه فأشره؟ قال: إذن يحطمكم الناس ~~فيمنعوكم النوم سائر الللية حتى إذا صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن ~~بتوبة الله علينا، وكان إذا استبشر استنار وجهه حتى كأنه قطعة من القمر، ~~وكنا - أيها الثلاثة الذين خلفوا - خلفنا عن الأمر الذي قبل من هؤلاء الذين ~~اعتذروا حين أنزل الله لنا التوبة، فلما ذكر الذين كذبوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من المتخلفين واعتذروا بالباطل ذكروا بشر ما ذكر به أحد، ~~قال الله عز وجل {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم} » . # ولما كان ما نالهم من الأهوال إنما نالهم بتخلفهم عن أشرف الخلق، والذي ~~التفت بهم إلى مرابع الإقبال إنما هو الصدق، قال تعالى ناهيا بصيغة الخبر ~~ليكون أبلغ، جامعا إليهم من كان على مثل حالهم في مطلق التخلف: {ما كان} أي ~~ما صح وما انبغى بوجه من الوجوه {لأهل المدينة} أي التي هي سكن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهي دار الهجرة ومعدن النصرة {ومن حولهم} أي في جميع ~~نواحي المدينة الشريفة {من الأعراب} أي من سكان البوادي الذين أقسموا ~~بالإسلام {أن ms1993 يتخلفوا} أي في أمر من الأمور {عن رسول الله} # PageV09P043 # أي الملك الأعلى، ومن شأن المرسل إليه أن لا يبرح عن جنان الرسول لا سيما ~~وهو رأس الصادقين الذين وقع الأمر بالكون معهم {ولا يرغبوا} أي وما كان لهم ~~أن يرغبوا، ولعله قللهم بصيغة القلة بالنسبة إلى من أيده به صلى الله عليه ~~وسلم من جنوده فقال تعالى: {بأنفسهم عن نفسه} أي التي هي أشرف النفوس مطلقا ~~بأن يصونوا نفوسهم عما باشره صلى الله عليه وسلم بل يلقونها في المتالف ~~دونه وصيانة لنفسه الشريفة عن أدنى الأذى، فهى كالتعليل للأمر بالتقوى أي ~~خافوا الله وأصدقوه كما صدق هؤلاء ليتوب عليكم كما تاب عليهم فإنه لم يكن ~~لكم التخلف فهو نهي بليغ مع تقبيح وتوبيخ وإلهاب وتهييج. # ولما علل الأمر بالتقوى، علل النهي عن التخلف بما يدل على صدق الإيمان ~~فيصير نقيضه دالا على نقيضه فقال: {ذلك} أي النهي العظيم عن التخلف في هذا ~~الأسلوب النافي للكون {بأنهم لا يصيبهم ظمأ} أي عطش شديد {ولا نصب} أي تعب ~~بالغ {ولا مخمصة} أي شدة مجاعة {في سبيل الله} أي طرق دين الملك الأعظم ~~المتوصلة به إلى جهاد أعدائه، ورتبت هذه الأشياء ترتيبها في الوجود فإن ~~مطلق الحركة يهيج الحرارة فينشأ العطش وتماديها يورث التعب، والأغلب # PageV09P044 # أن يكون قبل الجوع. # ولما كان المقصود من إجهاد النفس بما ذكر إرغام الكفار باقتحام أرضهم ~~المتوصل به إلى إيمانهم بالنيل منهم، أتبع ذلك قوله: {ولا يطؤون موطئا} أي ~~وطأ أو مكانا وطؤه {يغيظ الكفار} أي وطؤهم له بأرجلهم أو دوابهم {ولا ~~ينالون من عدو نيلا} أي كائنا ما كان صغيرا او كبيرا {إلا كتب لهم به} أي ~~في صحائف الأعمال، بني للمفعول لأن القصد إثباته لا من معين {عمل صالح} أي ~~ترتب لهم عليه أجر جزيل. # ولما كان فاعل هذه الأشياء مقدما على المعاطب في نفسه ومحصلا لعرض ~~الجهاد، أشير على وجه التأكيد في جملة اسمية إلى أنه محسن، أما في حق نفسه ~~فبإقامة الدليل بطاعته على ms1994 صدق إيمانه. وأما في غيره من المؤمنين فبحمايتهم ~~عن طمع الكافرين. وأما في حق الكفار فبحملهم على الإيمان بغاية الإمكان، ~~فقال تعالى معللا للمجازاة: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {لا يضيع} أي ~~لا يترك تركه ما من شأنه الإهمال {أجر المحسنين*} وأظهر موضع الإضمار ~~تعميما وتعليقا بالوصف. # PageV09P045 # ولما كانت المشقة بالإنفاق العائد ضرره إلى المال، ووطئ مطلق الأرض # PageV09P045 # الذي قد لا يلزم منه وصول إلى ما يغيظ العدو دون المشقة الحاصلة في النفس ~~بالظمأ وما معه من فعل ما يغيظ العدو وينقصه، قدم ذلك على قوله: {ولا ~~ينفقون} ولما كان القليل قد يحتقر، ابتدأ به ترغيبا في قوله: {نفقة صغيرة} ~~ولما كان ربما تعنت متعنت فجعل ذكرها قيدا، قال: {ولا كبيرة} إعلاما بأنه ~~معتد به لئلا يترك، وفيه إشارة إلى آية اللمز للمطوعين في الصدقات {ولا ~~يقطعون واديا} أي من الأدوية بالسير في الجهاد، والوادي: كل منفرج بين جبال ~~وآكام ينفذ فيه السيل، وهو في الأصل فاعل من ودى - إذا سال {إلا كتب لهم} ~~أي ذلك الإنفاق والقطع، بناه للمفعول لأن القصد الحفظ بالكتابة مطلقا ~~{ليجزيهم الله} أي ذو الجلال والإكرام، أي بذلك من فضله {أحسن ما كانوا} أي ~~جبلة وطبعا {يعملون*} مضاعفا على قدر الثبات، وأكدت فاصلة الأولى دون هذه ~~لزيادة تلك في المشقة والنفع، ولذا صرح فيها الأجر والعمل الصالح - نبه على ~~ذلك الإمام أبو حيان. ومن هنا بل من عند {إن الله اشترى} شرع في عطف الآخر ~~على الأول الذي مضمونه البراءة من المشركين والاجتهاد في قتالهم بعد انقضاء ~~مدتهم حيث وجدوا - إلى أن قال {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} - إلى أن قال {ما لكم إذا قيل لكم ~~انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} ثم قال # PageV09P046 # {انفروا خفافا وثقالا} ثم أتبع ذلك قصص المنافقين كما أنه فعل هنا كذلك ~~أن ختم بقوله {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} الآية ثم أتبعها ذكر ~~المنافقين. # ولما تواترت النواهي ms1995 للمتخلفين وتواصلت الزواجر وتعاظم التبكيت والتهديد، ~~طارت القلوب وأشفقت النفوس، فكان ذلك مظنة أن لا يتخلف بعدها أحد عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعمن يقوم مقامه فيتمكن حينئذ الأعداء من الأموال ~~والذراري والعيال، فأتبع ذلك قوله تعالى: {وما كان المؤمنون} أي الذين حثهم ~~على النفر الرسوخ في الإيمان {لينفروا كآفة} أي جميعا فإن ذلك بخل بكثير من ~~الأغراض الصالحة، وهو تعليم لما هو الأنسب بالدين والدنيا من انقسام الناس ~~قسمين: قسما للجهاد، وقسما للنفقة وحفظ الأموال والأولاد، كل ذلك بأمره ~~عليه الصلاة والسلام والعمل بما يرضاه، ولا يخفى ذلك على المخلص، ولعل ~~التعبير بالفعل الماضي في قوله مسببا عما قبله: {فلولا نفر} ليفهم تبكيت من ~~قصد تبكيته من المتخلفين في جميع هذه السورة بأنه كان عليهم أن ينفر مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم {من كل فرقة} أي ناس كثير يسهل افتراقهم، قالوا: ~~وهو اسم يقع على ثلاثة {منهم طائفة} أي ناس لا ينفكون حافين بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم يلزمونه، قيل: والطائفة واحد واثنان، فالآية حجة على قبول ~~خبر الواحد ووجوب العمل به، وكأنه عبر به للإشارة # PageV09P047 # إلى الحث على كثرة النافرين كما هو أصل مدلولها الأغلب فيه {ليتفقهوا} أي ~~ليكلف النافرون أنفسهم الفهم منه صلى الله عليه وسلم شيئا فشيئا {في الدين} ~~أي بما يسمعونه من أقواله ويرونه من جميل أفعاله ويصل إلى قلوبهم من مستنير ~~أحواله، وهذا غاية الشرف للعلم حيث جعل غاية الملازمة له صلى الله عليه ~~وسلم للجهاد، هذا إن كان هو صلى الله عليه وسلم النافر في تلك الغزاة، وإن ~~كان غيره كان ضمير {يتفقهوا} للباقين معه صلى الله عليه وسلم. # ولما كان من العلم بشارة ومنه نذارة، وكان الإنسان - لما فيه من النقصان ~~- أحوج شيء إلى النذارة، خصها بالذكر فقال عطفا على نحو: ليخافوا في أنفسهم ~~فيعملوا في خلاصها: {ولينذروا قومهم} أي يحذروهم ما أمامهم من المخاوف إن ~~فرطوا في جانب التقوى {إذا رجعوا إليهم} أي ما أنذرهموه الرسول صلى الله ms1996 ~~عليه وسلم ويبشروهم بما بشرهم به؛ ثم بين غاية العلم مشيرا إلى أن من جعل ~~له غاية غيرها من ترفع أو افتخار فقد ضل ضلالا كبيرا، فقال موجبا لقبول خبر ~~من بلغهم: {لعلهم} أي كلهم {يحذرون*} أي ليكون حالهم حال أهل الخوف من الله ~~بما حصلوا من الفقه لأنه أصل كل خير، به تنجلي القلوب فتقبل على الخير ~~وتعرض عن الشر، فإن الحذر تجنب الشيء لما فيه من الضرر، والمراد بالفقه هنا ~~حفظ الكتاب والسنة وفهم معانيهما # PageV09P048 # من الأصول والفروع والآداب والفضائل، وقال الرماني: الفقه فهم موجبات ~~المعاني المضمنة بها من غير تصريح بالدلالة عليها. # PageV09P049 # ولما علمت المقاصد وتهيأت القلوب لقبول الفوائد، وأمر بالإنذار بالفقه، ~~وكان من الناس من لا يرجع إلا بشديد البأس، أقبل على الكل مخاطبا لهم بأدنى ~~أسنان القلوب ليتوجه إلى الأدنى ويتناول الأعلى منه من باب الأولى فقال: ~~{يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا بألسنتهم الإيمان {قاتلوا} أي تصديقا ~~لدعواكم ذلك {الذين يلونكم} أي يقربون منكم {من الكفار} فالذين يلونهم إن ~~لم تروا غيره أصلح لمعنى يعرض لما في ذلك من حسن الترتيب ومقتضى الحكمة ~~ولأن الجهاد معروف وإحسان، والأقربون أولى بالمعروف، ولتبعدوا العدو عن ~~بلادكم فيكثر صلاحهم ويقل فسادكم وتكونوا قد جمعتم بالتفقه والقتال بين ~~الجهادين: جهاد الحجة وجهاد السيف مع الاحتراس بهذا الترتيب من أن يبقى ~~وراءكم إذا قاتلتم من تخشون كيده. # ولما كانت الملاينة أولى بالمسالمة، والمخاشنة أولى بالمصارمة، قال: ~~{وليجدوا} من الوجدان {فيكم غلظة} أي شدة وحمية لأن ذلك أهيب في صدورهم. # PageV09P049 # وأكف عن فجورهم، وحقيقة الغلطة في الأجسام، استعيرت هنا للشدة في الحرب، ~~وهي تجمع الجراءة والصبر على القتال وشدة العدواة، فإذا فعلوا ذلك كانوا ~~جامعين بين جهاد الحجة والسيف كما قيل: # من لا يعدله القرآن كان له ... من الصغار وبيض الهند تعديل # نبه على ذلك أبو حيان. # ولما كان التقدير: وليكن كل ذلك مع التقوى لا بسبب مال ولا جاه فإنها ~~ملاك الأمر كله، قال منبها على ذلك بقوله: {واعلموا ms1997 أن الله} أي الذي له ~~الكمال كله {مع المتقين*} فلا تخافوا أن يؤدي شيء من مصاحبتها إلى وهن فإن ~~العبرة بمن كان الله معه. # ولما ذكر هذه السورة أي الطائفة الحاضة بصيغة «لولا» على النفر مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الآمرة بجهاد الكفار والغلظة عليهم، وكان لا يحمل ~~على ذلك إلا ما أشار إليه ختم الآية السالفة من التقوى بتجديد الإيمان كلما ~~نزل شيء من القرآن، وكان قد ذكر سبحانه المخالفين لأمر الجهاد بالتخلف دون ~~أمر الإيمان حين قال {وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ~~استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين} التفت إلى ذلك ~~ليذكر القسم الآخر وهو القاعد عن الإيمان فقال: {وإذا} وأكد بزيادة النافي ~~تنبيها على فضل الإيمان # PageV09P050 # فقال: {ما} . # ولما كان المنكي لهم مطلق النزول، بني للمفعول قوله: {أنزلت سورة} أي ~~قطعة من القرآن، أي في معنى من المعاني {فمنهم} أي من المنزل إليهم {من ~~يقول} أي إنكارا واستهزاء، وهم المنافقون {أيكم} أي أيها العصابة المنافقة ~~{زادته هذه إيمانا} إيهاما لأنهم متصفون بأصل الإيمان، لأن الزيادة ضم ~~الشيء إلى غيره مما يشاركه في صفته، هذا ما يظهرون تسترا، وأما حقيقة حالهم ~~عند أمثالهم فالاستهزاء استبعادا لكونها تزيد أحدا في حاله شيئا، وسبب شكهم ~~واستفهامهم أن سامعيها انقسموا إلى قسمين: مؤمنين ومنافقين، ولذلك أجاب ~~تعالى بقوله مسببا عن إنزالها: {فأما الذين آمنوا} أي أوقعوا الإيمان حقيقة ~~لصحة أمزجة قلوبهم {فزادتهم} أي تلك السورة {إيمانا} أي بإيمانهم بها إلى ~~ما كان لهم من الإيمان بغيرها وبتدبرها ورقة القلوب بها وفهم ما فيها من ~~المعارف الموجبة لطمأنينة القلوب وثلج الصدور. # ولما كان المراد بالإيمان الحقيقة وكانت الزيادة مفهمة لمزيد عليه، ~~استغنى عن أن يقول: إلى إيمانهم، لذلك ولدلالة {الذين آمنوا} عليه {وهم ~~يستبشرون*} أي يحصل لهم البشر بما زادتهم من الخير الباقي الذي لا يعدله ~~شيء {وأما الذين} وبين أن أشرف ما فيهم مسكن الآفة فقال: {في قلوبهم مرض} ~~فمنعهم الإيمان وأثبت ms1998 لهم الكفران فلم يؤمنوا. # PageV09P051 # ولما كان المراد بالمرض الفساد المعنوي المؤدي إلى خبث العقيدة، عبر عنه ~~بالرجس فقال: {فزادتهم رجسا} أي اضطرابا موجبا للشك، وزاد الأمر بيانا بأن ~~المراد المجاز بقوله: {إلى رجسهم} أي شكهم الذي كان في غيرها {وماتوا} أي ~~واستمر بهم ذلك لتمكنه عندهم إلى أن ماتوا {وهم كافرون*} أي عريقون في ~~الكفر، وسمي الشك في الدين مرضا لأنه فساد في الروح يحتاج إلى علاج كفساد ~~البدن في الاحتياج، ومرض القلب أعضل، وعلاجه أعسر وأشكل، ودواءه أعز ~~وأطباؤه أقل. ولما زاد الكفار بالسورة رجسا من أجل كفرهم بها، كانت كأنها ~~هي التي زادتهم، وحسن وصفها بذلك كما حسن: كفى بالسلامة داء، وكما قال ~~الشاعر: # أرى بصري قد رابني بعد نصحه ... وحسبك داء أن تصح وتسلما # قاله الرماني، فالمؤمنون يخبرون عن زيادة إيمانهم وهؤلاء يخبرون عن عدمه ~~في وجدانهم، فهذا موجب شكهم وتماديهم في غيهم وإفكهم، ولو أنهم رجعوا إلى ~~حاكم العقل لأزال شكهم وعرفهم صدق المؤمنين بالفرق بين حالتيهم، فإن ظهور ~~الثمرات مزيل للشبهات، والآية من الاحتباك: إثبات الإيمان أولا دليل على ~~حذف ضده ثانيا، وإثبات المرض ثانيا دليل على حذف الصحة أولا. # PageV09P052 # ولما كان التقدير تسبيبا عما جزم به من الحكم بعراقتهم في الرجس # PageV09P052 # وازديادهم منه: أفلا يرون إلى تماديهم في النفاق وثباتهم عليه؟ عطف عليه ~~تقريرهم بعذاب الدنيا والإنكار عليهم في قوله: {أولا يرون} أي المنافقون، ~~قال الرماني: والرؤية هنا قلبية لأن رؤية العين لا تدخل على الجملة لأن ~~الشيء لا يرى من وجوه مختلفة {أنهم} أي المنافقين؛ ولما كان مطلق وقوع ~~الفتنة من العذاب، بنى للمفعول قوله: {يفتنون} أي يخالطون من حوادث الزمان ~~ونوازل الحدثان بما يضطرهم إلى بيان أخلاقهم بإظهار سرائرهم في نفاقهم {في ~~كل عام} أي وإن كان الناس أخصب ما يكونون وأرفعه عيشا {مرة أو مرتين} ~~فيفضحون بذلك، وذلك موجب للتوبة للعلم بأن من علم سرائرهم - التي هم ~~مجتهدون في إخفائها - عالم بكل شيء قادر على كل مقدور، فهو جدير بأن تمتثل ms1999 ~~أوامره وتخشى زواجره. # ولما كان عدم توبتهم مع فتنتهم على هذا الوجه مستبعدا، أشار إليه بأداة ~~التراخي فقال: {ثم لا يتوبون} أي لا يجددون توبة {ولا هم} أي بضمائرهم ~~{يذكرون*} أي أدنى تذكر بما أشار إليه الإدغام، فلولا أنه حصلت لهم زيادة ~~في الرجس لأوشك تكرار الفتنة أن يوهي رجسهم إلى أن يزيله ولكن كلما أوهى ~~شيئا خلقه مثله أو أكثر بسبب الزيادات المترتبة على وجود نجوم القرآن، ~~والتذكر طلب الذكر للمعنى بالكفر فيه، فالآية ذامة لهم على عدم التوبة ~~بإصابة المصائب لعدم تذكر # PageV09P053 # أنه سبحانه ما أصابهم بها إلا بذنوبهم {ويعفو عن كثير} [الشورى: 34] كما ~~أن أحدهم لا يعاقب فتاة إلا بذنب وما لم يتب فهو يوالي عقابه. # ولما ذكر ما يحدث منهم من القول استهزاء، أتبعه تأكيدا لزيادة كفرهم ~~وتوضيحا لتصويره ما يحدث من فعلهم استهزاء من الإيمان والتغامز بالعيون ~~فقال {وإذا} وأكد بالنافي فقال: {ما} ولما كان الغرض نفس الإنزال لا تعيين ~~المنزل، بني للمفعول قوله {أنزلت سورة} أي طائفة من القران {نظر بعضهم} أي ~~المنافقين {إلى بعض} أي متغامزين سخرية واستهزاء قائلين: {هل يراكم} وأكدوا ~~العموم فقالوا: {من أحد} أي من المؤمنين إن انصرفتم، فإن يشق علينا سماع ~~مثل هذا، ويشق علينا أن يطلع المؤمنون على هذا السر منا. # ولما كان انصرافهم عن مثل هذا المقام مستهجنا، أشار إلى شدة قبحه بأداة ~~التراخي فقال: {ثم انصرفوا} أي إن لم يكن أحد يراهم، وإن رآهم أحد من ~~المؤمنين تجشموا المشقة وثبتوا؛ ولما كانوا مستحقين لكل سوء، أخبر عنهم في ~~أسلوب الدعاء بقوله: {صرف الله} أي الذي له الغنى المطلق والكمال كله ~~{قلوبهم} أي عن الإيمان؛ ثم علل ذلك بقوله: {بأنهم قوم} وإن كانوا ذوي قوة ~~على ما يحاولونه فإنهم {لا يفقهون*} أي قلوبهم مجبولة على عدم الفهم لما ~~بها من الغلظة، # PageV09P054 # وهذا دليل على ختام الآية قبلها، وهاتان الآيتان المختتمتان - ب {لا ~~يفقهون} التاليتان للأمر بالجهاد في قوله {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} ~~الموازي - {انفروا خفافا وثقالا} ms2000 الآية - قد احتوتا مع وجازتهما على حاصل ~~أوصاف المنافقين التالية لآية {انفروا} المختتم ما هو العام منها في أهل ~~الحاضرة في قوله {استأذنك أولوا الطول منهم} ب {يفقهون} ثم عند إعادة ذكرهم ~~ب {لا يعلمون} وتصويب هاتين الآيتين إلى أهل الحاضرة ظاهر لكونهم ممن يحضر ~~نزول الذكر كثيرا مع احتمالهما للعموم، والختم هنا ب {لا يفقهون} أنسب لأن ~~المقام - وهو النظر في زيادة الإيمان بالنسبة إليهم - يقتضي فكرا وتأملا ~~وإن كان بالنظر إلى المؤمنين في غاية الوضوح. # ولما أمر صلى الله عليه وسلم أن يبلغ هذه الأشياء الشاقة جدا من أمر هذه ~~السورة، وكان من المعلوم أنه لا يحمل ذلك إلا من وفقه الله تعالى، وأما ~~المنافقون فيكرهون ذلك وكان انصرافهم دالا على الكراهة، عرفهم أن الأمر كان ~~يقتضي توفر دواعيهم على محبة هذا الداعي لهم المقتضي لملازمته والبعد عما ~~يفعلونه به من الانصراف عنه، وأن أحواله الداعية لهم إلى محبته أعظم من ~~أحوال آبائهم التي أوجبت لهم منهم من المحبة وعليهم من الحقوق ما هم ~~مفتخرون بالتلبس به والمغالاة فيه، وأن كل ما يحصل بهذا القرآن من العز # PageV09P055 # والشرف في الدنيا فهو لكل من آمن به فقال: {لقد جاءكم رسول} . # ولما كان الرسول يجب إكرامه والوقوف في خدمته لأجل مرسله ولو تجرد عن غير ~~ذلك الوصف، شرع يذكر لهم من أوصافه ما يقتضي لهم مزيد إكرامه فقال: {من ~~أنفسكم} أي ترجعون معه إلى نفس واحدة بأنكم لأب قريب، وذلك أقرب إلى الألفة ~~وأسرع إلى فهم الحجة وأبعد من المحل واللجاجة {عزيز} أي شديد جدا {عليه ما ~~عنتم} والعزة: امتناع الشيء بما يتعذر معه ما يحاول منه بالقدرة أو بالقلة ~~أو بالصعوبة، والعنت: لحاق الأذى الذي يضيق الصدر به ولا يهتدي للمخرج منه ~~{حريص} أي بليغ الحرص {عليكم} أي على نفعكم، والحرص: شدة طلب الشيء على ~~الاجتهاد فيه، وقدم الجار لإفادة الاختصاص فقال: {بالمؤمنين} أي العريقين ~~في هذا الوصف كافة خاصة، ولما ذكر الوصف المقتضي للرسوخ، قدم ما يقتضي ~~العطف ms2001 على من يتسبب له بما يقتضي الوصلة فقال: {رءوف} أي شديد الرحمة لمن ~~له منه عاطفة وصلة لما تقدم من معنى الرأفة قريبا. # ولما كان المؤمن يطلق مجازا على من يمكن منه الإيمان فوصلته الآن ليست ~~بالفعل بل الإمكان، قال تعميما لرحمته صلى الله عليه وسلم كما هو اللائق ~~بشريف منصبه وعظيم خلقه: {رحيم*} ولأجل مثل هذه الأغراض النفسية رتب سبحانه ~~هذين الوصفين هكذا، ولكن # PageV09P056 # المعاني المراده تارة يظهرها الله تعالى لعبده منحة له وإكراما، وتارة ~~يخفيها إظهارا لعجزه ونقصانه ثم يظهرها له في وقت آخر إن صدق في التضرع ~~وإظهار الافتقار والتذلل وأدام الطلب، أو لغيره ممن هو أقل منه علما وأضعف ~~نظرا وفهما، وإذا تأملت كتابي هذا ظهر لك أن كثيرا من الآيات فسرها على غير ~~المراد منها قطعا أكابر العلماء، فعلى الأنسان - إذا خفي عليه أمر - أن ~~يقول: لا أعلم، ولا يظن أنه رتب شيء من هذا الكتاب العزيز لأجل الفواصل، ~~فلذلك أمر لا يليق بكلام الله تعالى، وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~السجع، لأن الساجع يكون محط نظره الألفاظ، فيدير المعاني عليها ويتبعها ~~إياها، فربما عجز اللفظ عن توفية المعنى؛ روى البخاري في الطب وغيره من ~~صحيحه ومسلم في الديات وأبو داود والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه # «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة ~~عبد أو وليدة، فقال الذي قضى عليه: كيف أغرم من لاشرب ولا أكل، ولا نطق ولا ~~استهل، فمثل ذلك بطل؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هذا من إخوان ~~الكهان» من أجل سجعه الذي سجع، وفي رواية: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«سجع كسجع الأعراب» وذلك - والله أعلم - أنه لو كان نظره إلى المعنى ~~وتصحيحه لأغنى عن هذا السجع أن يقال: كيف أغرم من لاحياة له، ولوقصد السجع ~~وتهذيب المعنى لأتى مما يدل على نفي الحياة التي جعلها محط أمره فإن # PageV09P057 # ما أتى به لا يستلزم نفيها، ms2002 ولو تقيد بالصحة لاغتنى بنفي النطق عن نفي ~~الاستهلال، فصح بهذا أنه دائر مع تحسين اللفظ صح المعنى أم لا، وينطبع في ~~عقل عاقل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يذم السجع وهو يأتي به ويقصده ~~في القرآن أو في السنة، ولو كان ذلك لأسرعوا الرد عليه، وذكر أصحاب فتوح ~~البلاد في فتح مكران من بلاد فارس أن الحكم بن عمرو لما فتحها أرسل ~~بالأخماس مع صحار العبدي، فلما قدم على عمر رضي الله عنه سأله عن مكران ~~وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه فقال: يا أمير ~~المؤمنين! أرض سهلها جبل، وماءها وشل وثمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، ~~وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها؛ ~~فقال، أسجاع أنت أم مخبر؟ فقال: لا بل مخبر، قال: لاوالله! لا يغزوها جيش ~~لي ما أطعت. # فقد جعل الفاروق السجع قسيما للخير فدل على أن التقيد به عيب لإخلاله ~~بالفائدة أو بتمام الفائدة، ولعله إنما جوز أن يكون مخبرا لنه انفك عن ~~السجع في آخر كلامه وكرر لفظ «قليل» فكان ما ظنه، لأنه لو أراد السجع ~~لأمكنه أن يقول والكثير بها ذليل، # PageV09P058 # والقليل بها ضائع كليل، وما وراءها شر منها بأقوم قيل؛ وقد نفى سبحانه عن ~~هذا القرآن المجيد تصويب النظر إلى السجع كما نفى عنه الشعر فإنه تعالى قال ~~{وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون} ~~[الحاقة: 41، 42] فكما أن قول الشاعر إتيانه بالكلام موزونا، فكذلك قول ~~الكاهن إتيانه بالكلام مسجوعا والقرآن ليس من هذا ولا من هذا. وإن وقع فيه ~~كل من الأمرين فغير مقصود إليه ولا معول عليه، بل لكون المعنى انتظم به على ~~اتم الوجوه فيؤتي به لذلك، ثم تبين أنه غير مقصود بالانفكاك عنه في كثير من ~~الأماكن بقرينة ليس لها مجانس في اللفظ لتمام المعاني المرادة عندها فيعلم ~~قطعا أن ذلك غير مقصود أصلا لأن مثل ذلك لا يرضى به أقل ms2003 الساجعين، بل يراه ~~عجزا وضيقا عن تكميل المشاكلة ونقصا - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ومما ~~يوجب لك القطع بأن ترتيب هذين الاسمين الشريفين هكذا لغير مراعاة الفواصل ~~قوله تعالى في سورة الحديد {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} ~~[الحديد: 27] وسيأتي إن شاء الله في سورة طه عن الفخر الرازي والقاضي أبي ~~بكر الباقلاني منع النظر إلى السجع في الكتاب العزيز نقلا عن جميع ~~الأشاعرة، وإذا تأملت الفواصل في الإتيان بها تارة بكثرة وتارة بقلة، وتارة ~~تترك # PageV09P059 # بالكلية ويؤتى في كل آية بفاصلة لا توافق الأخرى، علمت أن هذا المذهب هو ~~الصواب ولا سيما آخر سورة {اقرأ} وإذا تأملت كتب أهل العدد أتقنت علم هذا ~~المستند، وإذا تأملت ما قلته في هذا النحو من كتابي مصاعد النظر للاشراف ~~على مقاصد السور لم يبق عندك شك في شيء من هذا، فإياك ان تجنح لهذا القول ~~فتكون قد وقعت في أمر عظيم وأنت لا تشعر، وأورد سبحانه هذه الآية إيراد ~~المخاطب المتلطف المزيل لما عندهم من الريب بالقسم، فكأنه قال: ما لكم ~~تنصرفون عن حضرته الشماء وشمائله العلى! والله لقد جاءكم - إلى آخره، ثم ~~أقبل عليه مسليا له مقابلا لإعراضهم إن أعراضوا بالإعراض عنهم والبراءة ~~منهم ملتفتا إلى السورة الآمر بالبراءة من كل مخالف، قائلا مسببا عن ~~النصيحة بهذه الآية التي لا شك عاقل في مضمونها: {فإن تولوا} أي اجتهدوا في ~~تكليف فطرهم الأولى أو ولوا مدبرين عنك بالانصراف المذكور أو غيره بعد ~~النصيحة لهم بهذه الآية {فقل} اي استعانة بالله تفويضا إليه {حسبي} أي ~~كافي؛ قال الرماني: وهو من الحساب لأنه جل ثناه يعطى بحسب الكفاية التي ~~تعني عن غيره، ويزيد من نعمته مالا يبلغ إلى حد ونهاية إذ نعمه دائمة ومننه ~~متظاهر {الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفؤ له، وإنما كان كافيا لأنه {لا ~~إله إلا هو} فلا مكافىء له فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه. # ولما قام الدليل على أنه لا كفؤ له، وجب قصر الرغائب عليه ms2004 # PageV09P060 # فقال: {عليه} أي وحده {توكلت} لأن أمره نافذ في كل شيء {وهو رب} اي مالك ~~ومخترع ومدبر؛ ولما كان في سياق القهر والكبرياء بالبراءة من الكفار ~~والكفاية للأبرار، كان المقام بالعظمة أنسب كآية النمل فقال: {العرش ~~العظيم*} أي المحيط بجميع الأجسام الحاوي لسائر الأجرام الذي ثبت بآية ~~الكرسي وغيرها أن ربه أعظم منه لأن عظمته على الأطلاق فلا شيء إلا هو في ~~قبضته وداخل في دائرة مملكته، وإذا كان كافي فأنا بريء ممن تولى عني وبعد ~~مني كائنا من كان في كل زمان ومكان فقد عانق آخر السورة أولها وصافح ~~منتهاها مبتدأها وتأكد ما فهمته من سر الالتفات في {فسيحوا} وفي {فإن تبتم ~~فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله} والله تعالى أعلم. # سورة يونس # وهي أولى المئين إن جعلها براءة مع الأنفال من الطول، وإلا فبراءة ~~أولاهن، مقصودها وصف الكتاب بأنه من عند الله من عند الله لما اشتمل عليه ~~من الحكمة وأنه ليس إلا من عنده سبحانه لأن غيره لا يقدر على شيء منه، وذلك ~~دال ريب على أنه واحد في ملكه لا شريك له في شيء من أمره، وتمام الدليل على ~~هذا قصة قوم يونس عليه السلام بأنهم لما آمنوا # PageV09P061 # عند المخايل كشف عنهم، فدل قطعا على ان الآتي به هو الله الذي آمنوا به ~~غذ لو كان غيره لكان إيمانهم به موجبا للإيقاع بهم، ولو عذبوا كغيرهم ليقل: ~~هذه عادة الدهر، كما قالوا: قد مس آباءنا الضراء والسراء ودل ذلك على أن ~~عذاب غيرهم من الأمم إنما هو من عند الله لكفرهم لما اتسق من ذلك طردا ~~بأحوال سائر الأمم من أنه كلما وجد الإصرار على التكذيب وجد العذاب، وعكسا ~~منه كلما انتفى في وقت يقبل قبول التوبة انتفى - والله الموفق) بسم الله ~~(اي الذي لا أمر لأحد سواه فلا كلام يشبه كلامه فلا كفوء له) الرحمن (الذي ~~عم بكلامه جميع خلقه فأوضح البيان) الرحيم (الذي أتم لمطيعهم نعمة ~~الامتنان) # PageV09P062 # {الر} فخم الراء ms2005 ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم، وأمالها ورش عن نافع بين ~~بين، والباقون بالإمالة المحضة، والأصل في ذلك الفتح، وكذا ما كان من ~~أمثالها مما ألفاتها ليست منقلبة عن ياء نحو ما ولا، وإمالتها للتنبيه على ~~أنها أسماء للحروف وليست حروفا - نقل ذلك عن الواحدي. # لما قدم في أول الأعراف الحث على إبلاغ النصيحة بهذا الكتاب وفرغ مما ~~اقتضاه السياق من التحذير من مثل وقائع الأولين ومصارع الماضين ومما استتبع ~~ذلك من توصيل القول قي ترجمة هذا النبي الكريم مع قومه في أول أمره وأثنائه ~~وآخر في سورتي الأنفال وبراءة، وختم ذلك بأن سور الكتاب تزيد كل أحد مما هو ~~ملائم له متهيىء # PageV09P062 # لقبوله وتبعده عما هو منافر له بعيد من قبول ملاءمته. وأن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بذلك قد حوى من الأوصاف والحلي والأخلاق العلى ما يوجب ~~الإقبال عليه والإسراع إليه. والإخبار بأن توليهم عنه لا يضره شيئا لأن ربه ~~كافيه لأنه لامثل له وأنه ذو العرش العظيم؛ لما كان ذلك كذلك، أعاد سبحانه ~~القول في شأن الكتاب الذي افتتح به الأعراف وختم سورة التوبة، وزاده وصف ~~الحكمه وأشار بأداة البعد إلى أن رتبته فيها بعيدة المنال بديعة المثال ~~فقال: {تلك} أي الآيات العظيمة جدا التي اشتملت عليها هذه السورة، أو السور ~~التي تقدمت هذه السورة أو هذه الحروف المقطعة المشيرة إلى أن القرآن كلام ~~الله وإلا لما أعجز القادرين على التلفظ بهذه الأحرف {آيات الكتاب} أي ~~الذكر الجامع لكل خير، وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كل ما ~~في التوارة والإنجيل من ذلك، فدل ذلك على صدق الآتي به قطعا لأنه لم يكن ~~يعرف شيئا مما في الكاتبين ولا جالس أحدا يعلمه {الحكيم*} فكان فيما مضى - ~~أن كونه من عند الله كاف في وجوب اتباعه - وفيما هنا تأكيد الوجوب بكونه مع ~~ذلك حكيما والآية: العلامة التي تنبىء عن مقطع الكلام من جهة مخصوصة، ~~والحكيم: الناطق بالحكمة. وهي المعروف بما يجتمع عليه مما يمنع ms2006 الفعل من ~~الفساد # PageV09P063 # والنقص، استعير له ذلك لأنه دليل كالناطق بالحكمة لأنه يؤدي إلى المعرفة ~~التي يميز بها طريق النجاة من طريق الهلاك، وهو حاكم يبين الحق من الباطل ~~في الأصول والفروع ويحكم بالعدل الذي لا جور فيه بوجه في كل نازلة، ومحكم ~~لما أتى به، مانع له من الفساد، لا يمحوه الماء ولا تحرقه النار ولا تغيره ~~الدهور، وهذا ما ظهر لي في التحامها بما قبلها؛ وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير: لما تضمنت سورة براءة قوله تعالى # {إلا تنصروه فقد نصره الله} [براءة: 40] وقوله {عفا الله عنك لما أذنت ~~لهم} [براءة: 43] وقوله {ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله ~~لهم عذاب أليم} [براءة: 61] وقوله: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [براءة: ~~128] إلى آخر السورة إلى ما تخلل أثناء آي هذه السورة الكريمة مما شهد ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتخصيصه بمزايا السبق والقرب والاختصاص ~~والملاطفة في الخطاب ووصفه بالرأفة والرحمة، هذا ما انطوت هي والأنفال عليه ~~من قهره أعداءه وتأييده ونصره عليهم وظهوره دينه وعلو دعوته وإعلاء كلمته ~~إلى غير هذا من نعم الله سبحانه عليه، وكان ذلك كله مظنة لتعجب المرتاب ~~وتوقف الشاك ومثيرا لتحرك ساكن الحسد من العدو العظيم ما منحه عيه السلام، ~~قال تعالى {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} إلى ~~قوله: # PageV09P064 # {لسحر مبين} ثم قال {إن ربكم الله} الآيات، فبين انفراده تعالى بالربوبية ~~والخلق والاختراع والتدبير، فكيف تعترض أفعاله أو يطلع البشر على وجه ~~الحكمة في كل ما يفعله ويبديه، وإذا كان الكل ملكه وخلقه فيفعل في ملكه ما ~~يشاء ويحكم في خلقه بما يريد {ذلكم الله ربكم فاعبدوه} {ما خلق الله ذلك ~~إلا بالحق} ثم توعد سبحانه الغافلين عن التفكر في عظيم آياته حتى أدتهم ~~الغفلة إلى مرتكب سلفهم في العجب والإنكار حتى قالوا {مال هذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق} [الفرقان: 7] وقالوا {لولا أنزل علينا الملائكة ~~أو نرى ربنا} [الفرقان: 21] وهذه مقالات الأمم المتقدمة {قالوا ms2007 ما أنتم إلا ~~بشر مثلنا} [يس: 15] {قالوا أنؤمن لبشرين مثلنا} [المؤمنون: 47] {ما هذا ~~إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم} [سبأ: 43] فقال تعالى متوعدا ~~للغافلين {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا} ، ثم وعد ~~المعتبرين فقال {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم} ، ~~وكل هذا بين الالتحام جليل الالتئام، تناسجت آي السور - انتهى. # ولما كان كونه من عند الله مع كونه حكيما - موجبا لقبوله بادىء بدء ~~والسرور به لما تقرر في العقول وجبلت عليه الفطر من أنه تعالى # PageV09P065 # الخالق الرازق كاشف الضر ومدبر الأمر، كان ذلك موضع أن يقال: ما كان حال ~~من تلي عليهم؟ فقيل: لم يؤمنوا، فقيل: ماشبهتهم؟ هل قدروا على معارضته ~~والطعن في حكمته؟ فقيل: لا! بل تعجبوا من إنزاله على محمد صلى الله عليه ~~وسلم وليس بأكثرهم مالا ولا بأقدمهم سنا، فرجع حاصل تعجبهم إلى ما قاله ~~تعالى إنكارا عليهم. فإنه لو أرسل ذا سن قالوا مثل ذلك، وهل مثل ذلك محل ~~العجب! {أكان} أي بوجه من الوجوه {للناس عجبا} أي الذين فيهم أهلية التحرك ~~إلى المعالي، والعجب: تغير النفس بما لا يعرف سببه مما خرج عن العادة؛ ثم ~~ذكر الحامل على العجب وهو اسم «كان» فقال بعد ما حصل لهم شوق إليه: {أن ~~أوحينا} أي ألقينا أوامرنا بما لنا من العظمة بواسطة رسلنا في خفاء منهين ~~{إلى رجل} أي هو في غاية الرجولية، وهو مع ذلك {منهم} بحيث إنهم يعرفون ~~جميع أمره كما فعلنا بمن قبلهم والملك العظيم الملك المالك التام الملك لا ~~اعتراض عليه فيما به تظهر خصوصيته من إعلاء من شاء. # ولما كان في الإيحاء معنى القول، فسره بقوله {أن أنذر الناس} أي عامة، ~~وهم الذين تقدم نداءهم أول البقرة، ما أمامهم من البعث وغيره إن لم يؤمنوا ~~أصلا أو إيمانا خالصا ينفي كل معصية صغيرة أو كبيرة وكل هفوة جليلة أو ~~حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات {وبشر} أي خص {الذين آمنوا} أي ~~أوجدوا هذا # PageV09P066 # الوصف وعملوا تصديقا ms2008 لدعواهم له الصالحات، أي من الأعمال اللسانية ~~وغيرها، بالبشارة بقبول حسناتهم وتكفير سيئاتهم والتجاوز عن هفواتهم وترفع ~~درجاتهم كما كان إرسال الرسل قبله وكما هو مقتضى العدل في إثابة الطائع ~~الطائع وعتاب العاصي، والإنذار: الإعلام بما ينبغي أن يحذر منه، والتبشير: ~~التعريف بما فيه السرور، واضاف القدم - الذي هو السابقة بالطاعة - إلى ~~الصدق في قوله تعالى موصلا لفعل البشارة إلى المبشر به دون حرف جر: {أن ~~لهم} أي خاصة {قدم صدق} أي أعمالا حقة ثابته قدموها لأنفسهم صدقوا فيها ~~وأخلصوا فيما يسروا له لأنهم خلقوا له وكان مما يسعى إليه بالأقدام، وزاد ~~في البشارة بقوله: {عند ربهم} ففي إضافة القدم تنبيه على أنه يجب أن يخلص ~~له الطاعة كإخلاص الصدق من شوائب الكذب، وفي التعبير بصفة الإحسان إشارة ~~إلى المضاعفة. # ولما ثبت أن الرسول وما أرسل به على وفق العادة، انتفى أن يكون عجبا من ~~هذه الجهة، فصار المحل قابلا لأن يتعجب منهم فيقال: ما قالوا حين أظهروا ~~العجب؟ ومن أي وجه رأوه عجبا؟ فقيل: {قال الكافرون} أي الراسخون في هذا ~~الوصف منهم وتبعهم غيرهم مؤكدين ما يحق لقولهم من الإنكار {إن هذا} أي ~~القول وما تضمنه من الإخبار بما لا يعرف من البعث وغيره # PageV09P067 # {لسحر} أي محمد لساحر - كما في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي {مبين*} أي ~~ظاهر في نفسه، وهو من شدة ظهوره مظهر لكل شيء أنه كذلك، فجاؤوا بما هو في ~~غاية البعد عن وصفه، فإن السحر قد تقرر لكل ذي لب أنه - مع كونه تمويها لا ~~حقيقة له - شر محض ليس فيه شيء من الحكمة فضلا عن أن يمتطي الذروة منه مع ~~أن في ذلك ادعاءهم أمرا متناقضا، وهو أنه من قول البشر كما هي العادة في ~~السحر، وأنهم عاجزون عنه، لأن السحر فعل تخفى الحيلة فيه حتى يتوهم الإعجاز ~~به، فقد اعترفوا بالعجز عنه وكذبوا في ادعاء أنه لسحر لأن الآتي به منهم لم ~~يفارقهم قط وما خالط عالما لا بسحر ولا غيره حتى يخالطهم ms2009 فيه شبهة، فهم ~~يعلمون أن قولهم في غاية الفساد، فشرع سبحانه يقيم الدليل على بطلان قولهم ~~من أنه - مع ما تضمنه من البعث - سحر، وعلى حقيقة أنه من عنده من غير شبهة، ~~وعلى أن الرسالة لا عجب فيها، لأنه سبحانه خلق الوجود كله وهو نافذ الأمر ~~فيه وقد ابتلى من فيه من العقلاء ليردهم إليه ويحاسبهم فإنه لم يخلقهم سدى ~~لأنه حكيم، فلا بد من رسول يخبرهم بما يرضيه وما يغضبه لتقوم بذلك الحجة ~~فقال: {إن ربكم} أي الموجد لكم والمربي والمحسن {الله} أي من ربى شيئا ~~ينبغي أن يكون حكيما وقادرا على أسباب # PageV09P068 # صلاحه، فأيقظوا أنفسكم من سنة غفلتها تعلموا أن هذا الكتاب من عند الذي ~~له العظمة كلها قطعا، وأنه قادر على بعثكم لأنه ربكم {الذي} بدأ الخلق بأن ~~{خلق} أي قدر وأوجد {السماوات والأرض} على اتساعهما وكثرة ما فيهما من ~~المنافع {في ستة أيام} لحكمة أرادها على أن ذلك وقت يسير لا يفعل مثل ذلك ~~في مثله إلا من لا يعجزه شيء. # ولما أوجد سبحانه هذا الخلق الكثير المتباعد الأقطار الواسع الانتشار ~~المفتقر إلى عظيم التدبير ولطيف التصريف والتقدير، عبر سبحانه عن عمله فيه ~~عمل الملوك في ممالكهم بقوله مشيرا إلى عظمته بأداة التراخي: {ثم استوى} أي ~~عمل في تدبيره وإتقان ما فيه وإحكامه عمل المعتني بذلك {على العرش} المتقدم ~~وصفه بالعظمة، وليست «ثم» للترتيب بل كناية عن علو الرتبة وبعد منالها؛ ثم ~~بين ذلك الاستواء بقوله: {يدبر} لأن التدبير أعدل أحوال الملك فالاستواء ~~كناية عنه {الأمر} كله فلا يخفي عليه عاقبة أمر من الأمور، فحصل الأمن بهذا ~~من أن يفعل شيء بغير علمه، لأن التدبير تنزيل الأمور في مراتبها على إحكام ~~عواقبها، وهو مع ذلك منزه عما تعرفونه من أحوال الملوك من أنه يكون في ~~ممالكهم من يقضي بعض الأمور بغير إذن منهم وإن علموا به لعجزهم عن المجاهرة ~~بإدامة دفعه، # PageV09P069 # بل هو متصف بأنه {ما من شفيع} أي وإن كان بليغ الاتصاف بذلك. # ولما كان ms2010 تمام قهره وعظيم سلطانه لا يفيد أحدا عند إذنه له إذنا عاما ~~لجميع الأزمان والأماكن، أتى بالجار فقال: {إلا من بعد إذنه} فإذا لم يقدر ~~شفيع على الكلام في الشفاعة إلا بإذنه فكيف يقدر أحد أن يأتي بشيء من ~~الأشياء بغير إذنه فكيف يأتي بكتاب حكيم ليس من عنده يعجز الخلق عن ~~معارضته، فحصل الأمن أن يكون غيره قاله أو شفع فيمن أبلغه فأبلغه من غير ~~إرادة منه سبحانه، فتحرر أنه ليس إلا من عنده وأنه أمر بإبلاغه، وقد عرف من ~~هذا أن {ما من شفيع} في موضع الدلالة على أنه لا يخرج عن تدبيره أمر من ~~الأمور ولا يغلبه شيء اصلا فبطل ما كانوا يقولون في الأصنام من الشفاعة ~~وغيرها والشفيع: السائل في غيره بتبليغ منزلته من عفو أو زيادة منزلة، وقد ~~وقع ذكر الكتاب والرسول والعرش مرتبا في أول هذه على ما رتب آخر تلك؛ فلما ~~تقرر ما وصف به من العظمة التي لا يشاركه فيها أحد، وجب أن يعبد عبادة لا ~~يشاركه فيها شيء، فنبه على ذلك بقوله: {ذلكم} أي العظيم الشأن العالي ~~المراتب {الله} أي # PageV09P070 # الملك الأعلى {ربكم} الذي تقرر له من العظمة والإحسان بالإيجاد والتربية ~~ما لا يبلغه وصف {فاعبدوه} أي فخصوه بالعبادة فإن عبادتكم مع الإشراك ليست ~~عبادة، ولولا فضله لم يكن لمن زل أدنى زلة طاعة. # ولما سبب سبحانه عن أوصافه العلى ما وجب له من الأمر بالعبادة، تسبب عن ~~ذلك الإنكار عليهم في التوقف عنها والاحتياج فيها إلى بروز الأمر بها قام ~~على استحقاقه للأفراد بها من الأدلة التي فيهم شواهدها فقال: {أفلا ~~تذكرون*} أي ولو بأدنى أنواع التذكر بما أشار إليه الإدغام، ما أخبركم ~~سبحانه به ونبهكم عليه بما يعلمه كل أحد من نفسه من أنه لا يقدر أحد أن ~~يعمل كل ما يريد، ويعمل كثيرا مما لا غرض له فيه ويعلم أنه يضره إلى غير ~~ذلك من الأمور ليعلم قطعا أن الفاعل الحقيقي غيره وأنه لا بد لهذا الوجود ~~من ms2011 مؤثر فيه هو في غاية العظمة لا يصح بوجه أن يشاركه شيء ولو كان أعظم ما ~~يعرف من الأشياء فكيف بجماد لا يضر ولا ينفع! . # PageV09P071 # فلما تقرر أنه هو الذي بدأ الخلق، تقرر بذلك أنه قادر على إعادته فقال: ~~{إليه} أي خاصة {مرجعكم} أي رجوعكم وموضع رجوعكم ووقته حال كونكم {جميعا} ~~لا يتخلف منكم أحد، تقدم وعده لكم بذلك {وعد الله} أي الذي له الكمال كله ~~{حقا} # PageV09P071 # فهو تعليل لعبادته لوحدانيته، فيحيون بعد الموت ويحشرون إلى موضع جزاء ~~الله تعالى لهم زمانه الذي قدره له، ويرفع ما كان لهم من المكنة في الدنيا، ~~فعلم قطعا أنه لا بد من الرسول، فاستعدوا للقاء هذا الملك الأعظم بكل ما ~~أمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ثم أوضح التنبيه على قدرته مضمنا له ~~بيان حكمته فقال معللا لوجوب المرجع إليه مؤكدا عدا لهم في عداد المنكر ~~للابتداء لأجل إنكارهم ما يلزم عنه من تمام القدرة على البعث وغيره: {إنه ~~يبدأ الخلق} أي ينشئه النشأة الأولى، له هذه الصفة متجددة التعلق على سبيل ~~الاستمرار {ثم يعيده} ليقيم العدل في خلقه بأن ينجز لمن عبده، وعده بأن ~~يعزه ويذل عدوه وذلك معنى قوله: {ليجزي} . # ولما كان في سياق البعث، قدم أهل الجزاء وبدأ بأشرافهم فقال: {الذين ~~آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف الذي هو الأساس المتقن لكل عمل صالح {وعملوا} ~~أي وصدقوا إيمانهم بأن عملوا {الصالحات} جزاء كائنا {بالقسط} ، واقتصر على ~~العدل دون الفضل ليفهم أن ترك الحشو مخل بالعمل الذي هو محط الحكمة التي هي ~~أعظم مصالح السورة، والجزاء: الإعطاء بالعمل ما يقتضيه من خير أو شر، فلو ~~كان الإعطاء ابتداء لم يكن جزاء، ولو كان # PageV09P072 # ما لا يقتضيه العمل لم يكن جزاء مطلقا والقسط: العدل {والذين كفروا} أي ~~أوجدوا هذا الوصف {لهم} أي في الجزاء على جهة الاستحقاق {شراب من حميم} أي ~~مسخن بالنار أشد الإسخان {وعذاب أليم} أي بالغ الإيلام {بما كانوا} أي جبلة ~~وطبعا {يكفرون*} فإن عذابهم من أعظم نعيم المؤمنين ms2012 الذين عادوهم فيه سبحانه ~~{فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما ~~كانوا يفعلون} [سورة المطففين: 34-36] وكأنه قال: {يبدأ} مضارعا لا كما قال ~~في آية أخرى {كما بدأكم تعودون} [الأنفال: 29] حكاية للحال وتصويرا لها ~~تنبيها على تأمل ما يتجدد إنشاءه ليكون أدعى لهم إلى تصور القدرة على ~~الإعادة؛ قال الرماني: وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه التمكين في الدنيا ~~من تجديد النشأة للجزاء لأنه لا بد - مع التمكين من الحسن والقبيح - من ~~ترغيب وترهيب لا يؤمن معه العذاب على الخلود ليخرج المكلف بالزجر عن القبيح ~~عن حال الإباحة له يرفع التبعة عليه - انتهى. فقد لاح بما ذكر ما تعين في ~~أثناء السورة بتكريره لتوضيحه وتقريره - أن مقصودها وصف الكتاب بما يدل ~~قطعا على أنه من عنده سبحانه وبإذنه، لأنه لا غائب عن علمه ولا مداني ~~لقدرته ولا مجترىء على عظمته، وأنه تام القدرة متفرد بالخلق والأمر فهو ~~قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، # PageV09P073 # وأن المراد بالكتاب البشارة والنذارة للفوز عند البعث والنجاة من غوائل ~~يوم الحشر مع أنه سبحانه نافذ القضاء، فلا تغني الآيات والدلالات البينات ~~عمن حكم بشقاوته وقضى بغوايته، وأن ذلك من حكمته وعدله فيجب التسليم لأمره ~~وقطع الهمم عن سواه؛ ثم شرع سبحانه يقرر أمر بدئه للخلق وإعادته في سياق ~~مذكر بالنعم التي يجب شكرها، ويسمى المعرض عن شكره كافرا فقال: {هو} أي ~~غيره {الذي جعل} أي بما هيأ من الأسباب {الشمس} . # ولما كان النور كيفية قابلة للشدة والضعف، خالف سبحانه في الأسماء مما ~~يدل على ذلك فقال نور الشمس: {ضياء} أي ذات نور قوي ساطع وقدرها منازل، ~~هكذا التقدير، لكن لما كانت في تقلبها بطيئة بالنسبة إلى القمر ذكره دونها ~~فقال: {والقمر} أي وجعل القمر {نورا} أي ذا نور من نورها {وقدره} أي وزاده ~~عليها بأن قدره مسيرة {منازل} سريعا يقلبه فيها، وباختلاف حاله في زيادة ~~نوره ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات والحرارات التي دبر الله بها هذا الوجود ~~- إلى ms2013 غير ذلك من الأسرار التي هي فرع وجود الليل والنهار {لتعلموا} بذلك ~~علما سهلا {عدد السنين} أي المنقسمة إلى الفصول الأربعة وما يتصل بذلك من ~~الشهور وغيرها # PageV09P074 # ليمكن لكم تدبير المعاش في أحوال الفصول وغيرها {والحساب} أي غير ذلك مما ~~يدل على بعض تدبيره سبحانه. # ولما كان ذلك مشاهدا لا مرية فيه، وصل به قوله: {ما خلق الله} أي الذي له ~~الكمال كله {ذلك} أي الأمر العظيم جدا {إلا بالحق} أي خلقا ملتبسا بالحق ~~الكامل في الحقية لا مرية فيه، فعلم أنه قادر على إيجاد الساعة كذلك إذ لا ~~فرق، وإذا كان خلقه كذلك فكيف يكون أمره الناشىء عنه الخلق غير الخلق بأن ~~يكون من السحر الذي مبناه على التمويه والتخييل الذي هو عين الباطل، أو ما ~~خلقه إلا بسبب إظهار الحق من العدل بين العباد بإعزاز الطائع وإذلال ~~العاصي، فإنه لا نعيم كالانتصار على المعادي والانتقام من المشانىء، ~~والجعل: وجود ما به يكون الشيء على صفة لم يكن عليها، والشمس: جسم عظيم ~~النور فإنه يكون ضياء النهار؛ والقمر: جسم نير يبسط نوره على جميع الظاهر ~~من الأرض ويكسفه نور الشمس؛ والنور: شعاع فيه ما ينافي الظلام؛ والحساب: ~~عدد يحصل به مقدار الشيء من غيره. # ولما كان النظر في هذه الآيات من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى كثير من ~~الاتصاف بقابلية العلم، ختم الآية بقوله: {يفصل} أي الله # PageV09P075 # في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالياء التحتية، وبالالتفات ~~إلى أسلوب العظمة تعظيما للبيان في قراءة الباقين بالنون {الآيات} أي يبين ~~الدلائل الباهرة واحدة في إثر واحدة متفاصلة بيانا شافيا. ولما كان البيان ~~لمن لا علم له كالعدم، قال: {لقوم} أي لهم قوة المحاولة لما يريدون ~~{يعلمون} أي لهم هذا الوصف على سبيل التجدد والاستمرار؛ ولما كانت لهم ~~المعرفة التامة والنظر الثاقب في منازل القمر عدت من الجلي. # PageV09P076 # ولما أشار سبحانه إلى الاستدلال على فناء العالم بتغيره وإلى القدرة على ~~البعث بإيجاد كل من الملوين بعد إعدامه في قوله ms2014 - مؤكدا له لإنكارهم أن ~~يكون في ذلك دلالة: {إن في اختلاف الليل} أي على تباين أوصافه {والنهار} أي ~~كذلك {وما} أي وفيما {خلق الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {في السماوات ~~والأرض} من أحوال السحاب والأمطار وما يحدث من ذلك الخسف والزلازل والمعادن ~~والنبات والحيونات وغير ذلك من أحوال الكل التي لا يحيط البشر بإحصائها؛ ~~لما أشار إلى ذلك ختمها بقوله: {لآيات} أي دلالات بينة جدا {لقوم يتقون*} ~~أي أن من نظر في هذا الاختلاف وتأمل تغير الأجرام الكبار كان جديرا بأن ~~يخاف من أن تغير أحواله وتضطرب أموره فيتقي الله لعلمه قطعا بأن أهل هذه ~~الدار غير مهملين، # PageV09P076 # فلا بد لهم من أمر ونهي وثواب وعقاب؛ والاختلاف: ذهاب كل من الشيئين في ~~غير جهة الآخر، فاختلاف الملوين: ذهاب هذا في جهة الضياء وذاك في جهة ~~الظلام؛ والليل: ظلام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، هو جمع ليلة ~~كتمر وتمرة؛ والنهار: اتساع الضياء من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس؛ ~~والخلق: فعل الشيء على ما تقتضيه الحكمة، وأصله التقدير؛ ونبه بما خلق في ~~السماوات والأرض على وجوه الدلالات. لأن الدلالة في الشيء قد تكون من جهة ~~خلقه أو اختلاف صورته أو حسن منظره أو كثرة نفعه أو عظم أمره أو غير ذلك. # ولما أشير بالآية إلى أنقراض الدنيا بأن الحادث لا ثبات له، وقام الدليل ~~القطعي على المعاد، ناسب تعقيبها بعيب من اطمأن إليها في سياق مبين أن سبب ~~الطمأنينة إنكار الطمأنينة اعتقادا أو حالا؛ ولما كانت ختم تلك ب {يتقون} ~~لاح أن ثم من يتقي ومن لا يتقي؛ ولما كان الغرور أكثر، بدأ به تنفيرا عن ~~حاله، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم: {إن ~~الذين} ولما كان الخوف والرجاء معدن السعادة، وكان الرجاء أقرب إلى الحث ~~على الإقبال، قال مصرحا بالرجاء ملوحا إلى الخوف: {لا يرجون لقاءنا} بالبعث ~~بعد الموت ولا يخافون ما لنا من العظمة {ورضوا} أي عوضا # PageV09P077 # عن الاخرة {بالحياة الدنيا} ms2015 أي فعملوا لها عمل المقيم فيها مع ما إشتملت ~~عليه مما يدل على حقارتها {واطمأنوا} إليها مع الرضى {بها} طمأنينة من لا ~~يزعج عنها مع ما يشاهدونه مع سرعة زوالها {والذين هم} أي خاصة {عن آياتنا} ~~أي على ما لها من العظمة لا عن غيرها من الأحوال الدنية الفانية {غافلون} ~~أي غريقون في الغفلة، وتضمن قوله تعالى استئنافا: {أولئك} أي البعداء ~~البغضاء {مأواهم النار بما} أي بسبب ما {كانوا} أي جبلة وطبعا {يكسبون*} ~~فإن كسبهم كله ضلال - أنه لا يعاجلهم بالعقاب على تأخير المتاب، وجعلت ~~ملاقاة ما لا يقدر إلا الله ملاقاة الله تفخيما لشأنها كما جعل إتيان جلائل ~~آيات الله في قوله: # {إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} [البقرة: 210] ونحوه، والاطمئنان: ~~الركون إلى الشيء على تمكن فيه، فهؤلاء مكنوا الأحوال للدنيا فصار فرحهم ~~وسخطهم لها؛ والغفلة: ذهاب المعنى عن القلب بما يضاد حضوره إياه، واليقظة ~~نقيضها. # ولما أنقضى هذا القسم حالا ومآلا، أتبعه سبحانه القسم الآخر بقوله مؤكدا ~~لإنكار الكفار هدايتهم: {إن الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف بما لهم من ~~القوة النظرية التي كمالها معرفة الأشياء وسلطانها معرفة الله تعالى ~~{وعملوا} أي وصدقوا دعواهم الإيمان بأن عملوا {الصالحات} بالقوة العملية ~~التي سلطانها عبودية الله تعالى، والصالح: ما جاء بالحث عليه الأنبياء ~~عليهم السلام {يهديهم} أي على # PageV09P078 # سبيل التجدد والاستمرار {ربهم} أي المحسن إليهم {بإيمانهم} أي بسبب ~~تصديقهم وإذعانهم لمعرفة الآيات التي غفل عنها الذين يأملون البقاء ولا ~~يرجون اللقاء، فقادتهم إلى دار السلام، وهذا كما كان كثير من الصحابة رضي ~~الله عنهم بعد إسلامهم يشتد تعجبهم مما كان من تباطئهم عن الإسلام، وكما ~~ترى أنك تخنق على بعض الكملة فلا يدعك حظ النفس ترى له حسنة، ثم أنك قد ~~ترضى عنه فتراه كله محاسن. # ولما ذكر أم مآل القسم الأول النار، ذكر مآل هذا القسم في معرض سؤال من ~~يقول: ماذا تورثهم هدايتهم؟ فقيل له: {تجري} وأشار إلى قرب منال المياه ~~وانكشافها عن كل ما ينتفع ms2016 به في غير ذلك بإثبات الجار فقال: {من تحتهم} أي ~~تحت غرفهم وأسرتهم وغير ذلك من مشتهياتهم كقوله تعالى {قد جعل ربك تحتك ~~سريا} [مريم: 14] وكذا قول فرعون {وهذه الأنهار تجري من تحتي} [الزخرف: 51] ~~{الأنهار} كائنين {في جنات النعيم} أي التي ليس فيها من غيره. # PageV09P079 # ولما كان الواجب على العباد أولا تنزيهه تعالى عن النقائض التي أعظمها ~~الإشراك. وكان من فعل ذلك سلم من غوائل الضلال فربح نفسه فعرف ربه وفاز في ~~شهود حضرته بمشاهدة أوصاف الكمال، أشار التسليك في ذلك بقوله: {دعواهم} أي ~~دعاؤهم العظيم الثابت # PageV09P079 # الكثير الذي يقولونه فيها لا على وجه التكليف، بل يلهمونه إلهام النفس في ~~الدنيا {فيها} وأشار إلى مجامع التنزيه عن كل شائبة نقص فقال: {سبحانك ~~اللهم} إشارة إلى الأمر الأول هو الأساس وهو المعراج في الآخرة {وتحيتهم} ~~أي لله وفيما بينهم {فيها سلام} إشارة إلى أول نتائج الأساس بأنه لا عطب ~~معه بوجه وهو نزول عن المعراج بالنظر في أحوال الخلق {وآخر دعواهم} أي ~~دعائهم العظيم وهو المعراج الكمالي {أن الحمد} أي الكمال {لله} أي المحيط ~~بجميع أوصاف الجلال والجمال يعني أن التنزيه عن النقص أوجب لهم السلامة؛ ~~ولما سلموا من كل نقص وصلوا إلى الحضرة فغرقوا في بحار الجلال وانكشفت لهم ~~سمات الكمال؛ والدعوى: قول يدعى به إلى أمر؛ والتحية: التكرمة بالحال ~~الجليلة، وأصله من قولهم: أحياك الله حياة طيبة، وأشار بقوله: {رب ~~العالمين} إلى نعمة الإيجاد إرشادا بذلك إلى القدرة على المعاد، وفيه هبوط ~~عن المعراج الكمالي إلى الخلق، وذلك إشارة إلى أن الإنسان لا ينفك عن ~~الحاجة والنقصان. # ولما أشير في هذه الآية إلى تنزهه تعالى وعلوه وتفرده بنعوت الكمال، ودل ~~بختمها بالحمد على إحاطته وبرب العالمين على تمام قدرته وحسن تدبيره في ~~ابتدائه وإعادته، اتبعت بما يدل على ذلك من لطفه # PageV09P080 # في معاملته من أنه لا يفعل شيئا قبل أوانه لأن الاستعجال من سمات ~~الاحتياج. بل وروى أبو يعلى وأحمد بن منيع عن أنس رضي الله عنه أن النبي ms2017 ~~صلى الله عليه وسلم قال «التأني من الله والعجلة من الشيطان» قال شيخنا ابن ~~حجر: وفي الباب عن سهل وسعد رضي الله عنهما فقال تعالى عاطفا على قوله ~~{يدبر الأمر} ما معناه أنه تعالى يفعل فعل من ينظر في ادبار الأمور فلا ~~يفعل إلا ما هو في غاية الإحكام، فهو لا يعاجل العصاة بل يمهلهم ويسبغ ~~عليهم النعم وهم في حال عصيانهم له أضل من النعم يطلبون خيراته ويستعجلونه ~~بها: {ولو يعجل الله} أي المحيط بصفات الكمال {للناس} أي الذين اتخذوا ~~القرآن عجبا لما لهم من صفة الاضطراب {الشر استعجالهم} أي عاملا في إرادته ~~لإيقاع الشر بهم مثل عملهم في إرادتهم وطلبهم العجلة {بالخير لقضي} أي حتم ~~وبت وأدى، بناه للمفعول في قراءة الجماعة دلالة على هوانه عنده، ولأن ~~المحذور مجرد فراغه لا كونه من معين. # وبناه ابن عامر للفاعل ونصب الأجل {إليهم} أي الناس خاصة {أجلهم} أي ~~عمرهم أو آخر لحظة تكون منه، فأهلك من في الأرض فاختل النظام الذي دبره، ~~ولكنه لا يفعل إلا ما تقدم من إمهاله لهم إلى ما سمي من الآجال المتفاوتة. ~~وذلك سبب إضلال من يريد ضلاله. ولعل التعبير بنون العظمة في {فنذر} إشارة ~~إلى أن الأمر في غاية الظهور؛ فكان القياس هداهم لكثرة ما عليه من الدلائل ~~الظاهرة ولكنه تعالى أراد ضلالهم # PageV09P081 # وهو من العظمة بحيث لا يعجزه شيء. ويجوز أن يكون معطوفا على قوله {أولئك ~~مأواهم النار} لأن معناه: أولئك يمهلهم الله إلى انقضاء ما ضرب لهم من ~~الآجال مع مبالغتهم في الإعراض. ثم يكون مأواهم النار ولا يعجل لهم ما ~~يستحقونه من الشر {ولو يعجل الله للناس الشر} أي ولو يريد عجلة الشر للناس ~~إذا خالفوه أو إذا استعجلوه به في نحو قولهم {فأمطر علينا حجارة من السماء} ~~[الأنفال: 32] ودعاء الإنسان على ولده وعبده، مثل استعجالهم أي مثل إرادتهم ~~تعجيل الخير. وعدل عن أن يقال: ولو يستعجل الله للناس الشر {استعجالهم ~~بالخير} أي يعجل، دفعا لإيهام النقص بأن من يستعجل الشيء ms2018 ربما يكون طالبا ~~عجلته من غير لعدم قدرته، وتنبيها على أن الأمر ليس إلا بيده {لقضي إليهم ~~أجلهم} فإنه إذا أراد شيئا كان ولم يتخلف أصلا. # ولما كان التقدير لأن «لو» امتناعية: ولكنه سبحانه لا يفعل ذلك لأنه لا ~~يفوته شيء بل يمهل الظالمين ويدر لهم النعم ويضربهم بشيء من النقم حتى ~~يقولوا: هذه عادة الدهر، قد مس آباءنا الضراء والسراء، سبب عن قوله: {فنذر} ~~أي على أي حالة كانت، ووضع موضع الضمير تخصيصا وتنبيها على ما أوجب لهم ~~الإعراض والجرأة قوله: {الذين} وأشار بنفي الرجاء إلى نفي الخوف على الوجه ~~الأبلغ فقال: {لا يرجون لقآءنا} أي بعد الموت بهذا الاستدراج على ما لنا # PageV09P082 # من العظمة التي من أمنها كان أضل من الأنعام {في طغيانهم} أي تجاوزهم ~~للحدود تجاوزا لا يفعله من له أدنى روية {يعمهون} أي يحكم مشيئتنا السابقة ~~في الأزل عميا عن رؤية الآيات صما عن سماع البينات؛ والتعجيل: تقديم الشيء ~~على وقته الذي هو أولى به؛ والشر: ظهور ما فيه الضر، وأصله الإظهار من ~~قولهم: شررت الثوب - إذا أظهرته للشمس، ومنه شرر النار -لظهوره بانتشاره؛ ~~والطغيان: الغلو في ظلم العباد؛ والعمه، شدة الحيرة. # PageV09P083 # ولما بين تعالى أن دأبهم استعجالهم بالخير، وكان منه استكشاف الضر، بين ~~أن حالهم عنده الاعتراف، وشكرهم على النجاة منه الإنكار فدأبهم الطغيان ~~والعمه، وذلك في غاية المنافاة لما يدعونه من رجاحة العقول وإصالة الآراء ~~وسلامة الطباع، فالحاصل أن الانسان عند البلاء غير صابر، وعند الرجاء غير ~~شاكر، فكأنه قيل: فإذا مس الإنسان منهم الخير كان في غفلة بالفرح والأشر ~~والمرح {وإذا مس الإنسان} منهم {الضر} وإن كان من جهة يتوقعها لطغيان هو ~~فيه ولا ينزع عنه خوفا مما يتوقعه من حلول الضر لشدة طغيانه وجهله {دعانا} ~~مخلصا معترفا بحقنا عالما بما لنا من كمال العظمة عاملا بذلك معرضا عما ~~ادعاه شريكا لنا كائنا {لجنبه} أي مضطجعا حال إرادته للراحة، وكأنه عبر ~~باللام إشارة إلى أن ذلك أسر أحواله إليه {أو قاعدا} أي متوسطا ms2019 في أحواله ~~{أو قآئما} أي في غاية السعي في # PageV09P083 # مهماته، لا يشغله عن ذلك شيء في حال من الأحوال، بل يكون ظرف المس بالضر ~~ظرف الدعاء بالكشف، ويجوز أن يكون عبر بالأحوال الثلاثة عن مراتب الضر، ~~وقال: لجنبه، إشارة إلى استحكام الضر وغلبته بحيث لا يستطيع جلوسا كما ~~يقال: فلان لما به، وأشار بالفاء إلى قرب زمن الكشف فقال: {فلما كشفنا} أي ~~بما لنا من العظمة {عنه ضره} أي الذي دعانا لأجله {مر} أي في كل ما يريده ~~لاهيا عنا بكل اعتبار {كأن} أي كأنه {لم يدعنآ} أي على ما كان يعترف به وقت ~~الدعاء من عظمتنا؛ ولما كان المدعو يأتي إلى الداعي فيعمل ما دعاه لأجله ~~قال: {إلى} أي كشف {ضر مسه} أي كأن لم يكن له بنا معرفة أصلا فضلا عن أن ~~يعترف بأنا نحن كشفنا عنه ضره، فهذه الآية في بيان ضعف الإنسان وسوء ~~عبوديته، والتي قبلها في بيان قدرة الله وحسن ربوبيته؛ والمس: لقاء من غير ~~فصل؛ والدعاء: طلب الفعل من القادر عليه؛ والضر: إيجاب الألم بفعله أو ~~السبب المؤدي إليه. # ولما كان هذا من فعل الإنسان من أعجب العجب. كان كأنه قيل: لم يفعل ذلك؟ ~~فقيل: لما يزين له من الأمور التي يقع بها الاستدراج لإسرافه. وهذا دأبنا ~~أبدا {كذلك} أي مثل هذا التزيين العظيم الرتبة؛ ولما كان الضار مطلق ~~التزيين، بنى للمفعول قوله: {زين للمسرفين} # PageV09P084 # أي كلهم العريقين في هذا الوصف {ما كانوا} أي بجبلاتهم {يعملون} أي ~~يقبلون عليه على سبيل التجديد والاستمرار من المعصية بالكفر وغيره مع ظهور ~~فساده ووضوح ضرره؛ والإسراف: الإكثار من الخروج عن العدل. # ولما كان محط نظرهم الدنيا، وكان هذا صريحا في الإمهال للظالمين والإحسان ~~إلى المجرمين، أتبعه بقوله تعالى مهددا لهم رادعا عما هم فيه من اتباع ~~الزينة مؤكدا لأنهم ينكرون أن هلاكهم لأجل ظلمهم: {ولقد أهلكنا} أي بما لنا ~~من العظمة {القرون} أي على ما لهم من الشدة والقوة؛ ولما كان المهلكون هلاك ~~العذاب المستأصل بعض من ms2020 تقدم، أثبت الجار فقال: {من قبلكم لما ظلموا} أي ~~تكامل ظلمهم إهلاكا عم آخرهم وأولهم كنفس واحدة دفعا لتوهم أنه سبحانه لا ~~يعم بالهلاك، وقال تعالى عطفا على {أهلكنا} : {وجآءتهم رسلهم} أي إلى كل ~~أمة رسولها {بالبينات} أي التي بينت بمثلها الرسالة {وما} أي والحال أنهم ~~ما {كانوا} أي بجبلاتهم، وأكد النفي بمن ينكر أن يتأخر إيمانهم عن البيان ~~فقال: {ليؤمنوا} ولو جاءتهم كل آية، تنبيها لمن قد يطلب أنه سبحانه يريهم ~~بوادر العذاب أو ما اقترحوه من الآيات ليؤمنوا، فبين سبحانه أن ذلك لا يكون ~~سببا لإيمان من قضى بكفره، بل يستوي في التكذيب حاله قبل مجيء الآيات ~~وبعدها ليكون سببا لهلاكه. # فكأنه قيل: هل يختص ذلك بالأمم # PageV09P085 # الماضية؟ فقيل: بل {كذلك} أي مثل ذلك الجزاء العظيم {نجزي القوم} أي ~~الذين لهم قوة على محاولة ما يريدونه {المجرمين} لأن السبب هو العراقة ~~الإجرام وهو قطع ما ينبغي وصله، فحيث ما وجد جزاؤه؛ والإهلاك: الإيقاع فيما ~~لا يتخلص منه من العذاب؛ والقرن: أهل العصر لمقارنة بعضهم لبعض. # ولما صرح بأن ذلك عام لكل مجرم، أتبعه قوله: {ثم جعلناكم} أي أيها المرسل ~~إليهم أشرف رسلنا {خلائف في الأرض} أي لا في خصوص ما كانوا فيه: ولما كان ~~زماننا لم يستغرق ما بعد زمان المهلكين أدخل الجار فقال: {من بعدهم} أي ~~القرون المهلكة إهلاك الاستئصال {لننظر} ونحن - بما لنا من العظمة - أعلم ~~بكم من أنفسكم، وإنما ذلك لنراه في عالم الشهادة لإقامة الحجة {كيف تعملون} ~~فيتعلق نظرنا بأعمالكم موجودة تخويفا للمخاطبين من أن يجرموا فيصيبهم ما ~~أصاب من قبلهم. # PageV09P086 # ولما تقدم أن من قضى بشقاوته لا يتأتى إيمانه بآية من الآيات حتى تنزل به ~~سطوته وتذيقه بأسه ونقمته. وكان القرآن أعظم آية أنزلت إلى الناس لما لا ~~يخفى. أتبع ذلك عطفا على قوله {قال الكافرون إن هذا لسحر مبين} بقوله بيانا ~~لذلك: {وإذا تتلى} بناه للمفعول إيذانا بتكذيبهم عند تلاوة أي تال كان. ~~وأبداه مضارعا # PageV09P086 # إشارة إلى أنهم يقولون ذلك ولو تكررت ms2021 التلاوة {عليهم} أي على هؤلاء الناس ~~{آياتنا} أي على ما لها من العظمة بإسنادها إلينا {بينات} فإنه مع ما اشتمل ~~عليه مما لزمهم به الإقرار بحقيقته قالوا فيه ما لا معنى له إلا التلاعب ~~والعناد، ويجوز عطفه على {ثم جعلناكم خلائف} - الآية - والالتفات إلى مقام ~~الغيبة للإيذان بأنهم للإعراض لإساءتهم الخلافة، والموصول بصلته في قوله: ~~{قال الذين لا يرجون لقآءنا} في موضع الضمير تنبيها على أن هذا الوصف علة ~~قولهم، ولعله عبر بالرجاء ترغيبا لهم لأن الرجاء محط أمرهم في طلب تعجيله ~~للخير ودفعه للضمير. فكان من حقهم أن يرجوا لقاءه تعالى رغبة في مثل ما ~~أعده لمن أجابه، ولوح إلى الخوف بنون العظمة ليكون ذلك أدعى لهم إلى ~~الإقبال {ائت} أي من عندك {بقرآن} أي كلام مجموع جامع لما تريد {غير هذا} ~~في نظمه ومعناه {أو بدله} أي بألفاظ أخرى والمعاني باقية وقد كانوا عالمين ~~صلى الله عليه وسلم مثلهم في العجز عن ذلك ولكنهم قصدوا أنه يأخذ في ~~التعبير حرصا على إجابة مطلوبهم فيبطل مدعاه أو يهلك. # ولما كان كأنه قيل: فماذا أقول لهم؟ قال: {قل ما يكون} أي يصح ويتصور ~~بوجه من الوجوه {لي} ولما كان التبديل يعم القسمين الماضيين قال: {أن ~~أبدله} وقال: {من تلقاء} أي عند وقبل # PageV09P087 # {نفسي} إشارة إلى الرد عليهم في إنكار تبديل الذي أنزله بالنسخ بحسب ~~المصالح كما أنزل أصله لمصلحة العباد مع نسخ الشرائع الماضية به، فأنتج ذلك ~~قطعا قوله: {إن أتبع} أي بغاية جهدي {إلا ما} ولما كان قد علم أن الموحي ~~إليه الله قال {يوحى إلي} أي سواء كان بدلا أو أصلا؛ ثم علل ذلك بقوله ~~مؤكدا لإنكارهم مضمونه: {إني أخاف} أي على سبيل التجدد والاستمرار {إن عصيت ~~ربي} أي المحسن إلي والموجد لي والمربي والمدبر بفعل غير ما شرع لي {عذاب ~~يوم عظيم} فإني مؤمن به غير مكذب ولا شاك كغيري ممن يتكلم من الهذيان بما ~~لا يخاف عاقبته في ذلك اليوم، وإذا خفته - مع استحضار صفة الإحسان ms2022 - هذا ~~الخوف فكيف يكون خوفي مع استحضار صفة الجلال. ولما تم ما دفع به مكرهم في ~~طعنهم، اتبعه بعذره صلى الله عليه وسلم في الإبلاغ على وجه يدل قطعا على ~~أنه كلام الله وما تلاه إلا بإذنه فيجتث طعنهم من أصله ويزيله بحذافيره ~~فقال: {قل} أي لهم معلما أنه سبحانه إما أن يشاء الفعل وإما أن يشاء عدمه ~~وليست ثم حالة سكوت أصلا {لو شآء الله} أي الذي له العظمة كلها أن لا أتلوه ~~عليكم {ما تلوته} أي تابعت قراءته {عليكم ولآ أدراكم} أي أعلمكم على وجه ~~المعالجة هو سبحانه {به} على لساني؛ ولما كان ذكر ذلك أتبعه السبب المعرف ~~به فقال: {فقد لبثت فيكم عمرا} # PageV09P088 # ولما كان عمره لم يستغرق زمان القبل قال: {من قبله} مقدار أربعين سنة ~~بغير واحد من الأمرين لكون الله لم يشأ واحدا منهما إذ ذاك، ثم أتيتكم بهذا ~~الكتاب الأحكم المشتمل على حقائق علم الأصول ودقائق علم الفروع ولطائف علم ~~الأخلاق وأسرار قصص الأولين في عبارة قد عجزتم - وأنتم أفصح الناس وأبلغهم ~~- عن معارضة آية منها، فوقع بذلك العلم القطعي الظاهر جدا أنه من عند الله ~~فلذلك سبب عنه إنكار العقل فقال: {أفلا تعقلون} إشارة إلى أنه يكفي - في ~~معرفة أن القرآن من عند الله وأن غيره عاجز عنه - كون الناظر في أمره وأمري ~~من أهل العقل، أي أفلا يكون لكم عقل فتعرفوا به حقيقة القرآن بما أرشدكم ~~إليه في هذه الآية من هذا البرهان الظاهر والسلطان القاهر القائم على أنه ~~ما يصح لي بوجه أن أبدله من قبل نفسي لأني مثلكم وقد عرفتم أنكم عاجزون عن ~~ذلك مع التظاهر، فأنا وحدي - مع كوني أميا - أعجز، ومن أنه تعالى لو شاء ما ~~بلغكم، ومن أني مكثت فيكم إتياني به زمنا طويلا لا أتلو عليكم شيئا ولا ~~أدعي فيكم علما ولا أتردد إلى عالم؛ وتعرفوا أن قائل ما قلتم مكذب بآيات ~~الله، وفاعل ما طلبتم كاذب على الله، وكل من ذلك أظلم الظلم {فمن} أي ms2023 فهو ~~سبب لأن يقال: من {أظلم ممن افترى} أي تعمد {على الله} أي الذي حاز جميع ~~العظمة {كذبا} أي أي كذب كان، وكان الأصل: مني، على تقدير أن لا يكون هذا ~~القرآن # PageV09P089 # من عند الله كما زعمتم، ولكنه وضع هذا الظاهر مكانه تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف {أو كذب بآياته} كما فعلتم أنتم، وذلك من أعظم الكذب. # ولما كان التقدير: لا أحد أظلم منه فهو لا يفلح لأنه مجرم، علله بقوله ~~مؤكدا لأجل إنكارهم: {إنه لا يفلح} أي بوجه من الوجوه {المجرمون} فد وضح أن ~~المقصود نفي الكذب عن نفسه صلى الله عليه وسلم وإلحاق الوعيد حيث كذبوا ~~بالآيات بعد ثبوت أنها من عند الله والإعلام بأنه لا أحد أظلم منهم لأنهم ~~كذبوا على الله في كل ما ينسبونه إليه مما نهى عنه وكذبوا بآياته، والإتيان ~~بالغير قد يكون مع وجود الأول والتبديل لا يكون إلا برفع الأول ووضع غيره ~~مكانه؛ والتلقاء: جهة مقابلة الشيء، أتبعه بمجيئه بعده؛ والمشيئة خاصة تكون ~~سببا مؤديا إلى وقوع الشيء، ومرتبا له على وجه قد يمكن أن يقع خلافه، ~~والإرادة نظيرها؛ والعقل: العلم الغريزي الذي يمكن به الاستدلال بالشاهد ~~على الغائب، ويجوز أن يكون {ويعبدون} حالا من {الذين لا يرجون لقاءنا} أي ~~قالوا ذلك عابدين {من دون الله} أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال ~~الذي ثبت عندهم أن هذا القرآن كلامه لعجزهم عن معارضة شيء منه وهو ينهاهم ~~عن عبادة غيره وهم يعلمون قدرته على الضر والنفع. # PageV09P090 # ولما كان السياق للتهديد والتخويف، قدم الضر لذلك وتنبيها لهم على أنهم ~~مغمورون في نعمه التي لا قدرة لغيره على منع شيء منها، فعليهم أن يقيدوها ~~بالشكر فقال: {ما لا يضرهم} أي أصلا من الأصنام وغيرها {ولا ينفعهم} في ~~معارضة القرآن بتبديل أو غيره ولا في شيء من الأشياء، ومن حق المعبود أن ~~يكون مثيبا على الطاعة معاقبا على المعصية وإلا كانت عبادته عبثا، معرضين ~~عما جاءهم من الآيات البينات من عند من يعلمون أنه يضرهم ms2024 وينفعهم ولا يملك ~~شيئا من ذلك أحد سواه، وقد أقام الأدلة على ذلك غير مرة، وفي هذا غاية ~~التبكيت لهم بمنابذة العقل مع ادعائهم رسوخ الأقدام فيه وتمكن المجال منه؛ ~~والعبادة: خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع؛ ثم عجب منهم تعجيبا آخر فقال: ~~{ويقولون} أي لم يكفهم قوله ذلك مرة من الدهر حتى يجددوا قوله مستمرين ~~عليه: {هؤلاء} أي الأصنام أو غيرهم {شفعاؤنا} أي ثابته شفاعتهم لنا {عند ~~الله} أي الملك الأعظم الذي لا يمكن الدنو من شيء من حضرته إلا بإذنه، وقد ~~مضى إبطال ما تضمنته هذه المقالة في قوله تعالى {ما من شفيع إلا من بعد ~~إذنه} وفيه تخجيلهم في العجز عن تبديل القرآن أو الإتيان بشيء من مثله حيث ~~لم تنفعهم في ذلك فصاحتهم ولا أغنت عنهم شيئا بلاغتهم، وأعوزهم في شأنه ~~فصحاءهم، وضل عنهم شفعاءهم، فدل ذلك قطعا على أنه ما من شفيع إلا بإذنه # PageV09P091 # من بعد، فكأنه قال: بماذا أجيبهم؟ فقال: {قل} منكرا عليهم هذا العلم ~~{أتنبئون} أي تخبرون إخبارا عظيما {الله} وهو العالم بكل شيء المحيط بكل ~~كمال {بما لا يعلم} أي لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات {في السماوات} ~~ولما كان الحال مقتضيا لغاية الإيضاح، كرر النافي تصريحا فقال: {ولا في ~~الأرض} وفي ذلك من الاستخفاف بعقولهم مما لا يقدرون على الطعن فيه بوجه ما ~~يخجل الجماد، فإن ما لا يكون معلوما لله لا يكون له وجود أصلا، فلا نفي ~~أبلغ من هذا كما أنك إذا بالغت في نفي شيء عن نفسك تقول: هذا شيء ما عمله ~~الله مني. # ولما بين تعالى هنا ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ختم ذلك ~~بتنزيه نفسه بقوله: {سبحانه} أي تنزه عن كل شائبة نقص تنزها لا يحاط به ~~{وتعالى} أي وفعل بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال فعل المبالغ في التنزه ~~{عما يشركون*} أي يوجدون الإشراك به. # PageV09P092 # ولما بين شرارتهم بعبادة غير الله وختم بتنزيهه وكماله، بين أن هذا الدين ~~الباطل ms2025 حادث، وين نزاهته وكماله ببيان أن الناس كانوا أولا مجتمعين على ~~طاعته ثم خالفوا أمره فلم يقطع إحسانه إليهم بل استمر # PageV09P092 # في إمهالهم مع تماديهم في سوء أعمالهم ما سبق في عمله ومضى به قضاءه فقال ~~تعالى: {وما كان الناس} أي كلهم مع ما لهم من الاضطراب {إلا أمة} ولما أفهم ~~ذلك وحدتهم في القصد حققه وأكده فقال: {واحدة} أي حنفاء متفقين على طاعة ~~الله {فاختلفوا} في ذلك على عهد نوح عليه السلام - كما روي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما - عقب وحدتهم بسبب ما لهم من النوس فاستحق كافرهم تنجيز العقاب ~~{ولولا كلمة} أي عظيمة {سبقت} أي في الأزل {من ربك} أي المحسن إليك برحمة ~~أمتك بإمهالهم، وبين التأكيد بما دل على القسم لأجل إنكارهم أن يكون ~~تأخيرهم لأجل ذلك فقال: {لقضي بينهم} أي عاجلا بأيسر أمر {فيما} ولما لم ~~يبين الكلام على الاتخاذ الذي محط أمره معالجة بالباطن، لم يذكر الضمير ~~بخلاف الزمر فقال: {فيه} أي لا في غيره بأن يعجل جزاءهم عليه: {يختلفون*} ~~وأشار ذلك إلى أن هذا الأمر الذي دعوا إليه ليس أمرا طارئا حادثا فيكون ~~بحيث يتوقف فيه للنظر في عواقبه والتأمل في مصادره وموارده، بل هو - مع ~~ظهور دلائله واستقامة مناهجه وصحة مذاهبه وإلقاء الفطر أزمة الانقياد إليه ~~- أصل ما كان العباد عليه، وما هم فيه الآن هو الطارىء الحادث مع ظهور ~~فساده ووضوح سقمه، وهو ناظر إلى قوله تعالى {أكان للناس عجبا} لأن قوله ~~{قال # PageV09P093 # الكافرون إن هذا لسحر مبين} دال على أنهم قسمان: كافر ومؤمن؛ والأمة: ~~الجماعة على معنى واحد في خلق واحد كأنها تؤم - أي تقصد - شيئا واحدا؛ ثم ~~قال تعالى عطفا على قوله {ويعبدون} : {ويقولون} أي أنهم لما أتتهم البينات ~~قالوا: ائت بقرآن غير هذا، كافرين بمنزلها عابدين من دونه ما لا يرضى عاقل ~~بتسويته بنفسه فكيف بعبادته قائلين بفرط عنادهم وتماديهم في التمرد {لولا} ~~أي هلا ولم لا {أنزل} أي بأي وجه كان {عليه آية} أي واحدة كائنة وآتية ms2026 {من ~~ربه} أي المحسن إليه غير ماجاء به وذلك إما لطلبهم آية ملجئة لهم إلى ~~الإيمان أو لكونهم لم يعدوا ما أنزل عليه عداد الآيات فضلا عن كونها بينات، ~~وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة في الآيات دقيقة المسلك ~~بين المعجزات مع عجزهم عن معارضته بتبديل أو غيره، فأي عناد أعظم من هذا. # ولما كان في ذلك شوب من الاستفهام، قال مسببا عن قولهم: {فقل} قاصرا قصرا ~~حقيقيا {إنما الغيب} أي الذي عناه عيسى عليه السلام بقوله # {ولا أعلم ما في نفسك} [المائدة: 116] وهو ما لم يطلع عليه مخلوق أصلا ~~{لله} أي الذي له الإحاطة الكاملة وحده، لا علم لي بعلة عدم إنزال ما ~~تريدون، وهل تجابون إليه أو لا. # PageV09P094 # ولما خصه سبحانه بالعلم. وكان إنزال الآيات من الممكنات. سبب عنه قوله: ~~{فانتظروا} ثم أجاب من كأنه يقول له: فما تعمل أنت؟ بقوله: {إني معكم} أي ~~في هذا الأمر غير مخالف لكم في التشوف إلى آية تحصل بها هدايتكم، ثم حقق ~~المعنى وأكده فقال: {من المنتظرين*} أي لما يرد علي من آية وغيرها. # PageV09P095 # ولما كان طلبهم محركا لنفوس الخيرين إلى ترجى إجابة سؤالهم، أتبعه سبحانه ~~بما يبين أن ذلك غير نافع لهم لأنه محض تعنت. فقال تعالى عاطفا على قوله ~~{قال الكافرون إن هذا لسحر مبين} أو {وإذا مس الإنسان الضر} مبينا أن رحمته ~~محققة الوجود كثيرة الورود إليهم مبينا أن لهم آية عظمى من أنفسهم لا ~~يحتاجون معها إلى التعنت بطلب آية وهي دالة على نتيجة مقصود السورة الذي هو ~~الوحدانية وأن إشراكهم إنما هو بما لهم من نقص الغرائز الموجب لكفران ~~الإحسان، وذلك أنهم عامة إذا أكرموا بنعمة قابلوها بكفر جعلوا ظرفه على ~~مقدار ظرف تلك النعمة بما أشار إليه التعبير ب «إذا» ثم إذا مسهم الضر ~~ألجأهم إلى الحق فأخلصوا، لم يختلف حالهم في هذا قط، وهذا الإجماع من ~~الجانبين دليل واضح على كلا الأمرين؛ الكفر ظلما بما جر إليه من البطر. ~~والتوحيد حقا ms2027 بما دعا إليه من الفطرة القويمة الكائنة في أحسن تقويم بما ~~زال عنها إلحاق الضرر من الحظوظ والشهوات والفتور، وهذا كما وقع في سورة ~~الروم المافقة لهذه في الدلالة على # PageV09P095 # الوحدانية فلذا عبر في كل منهما بالناس ليكون إجماعهم دليلا كافيا عليها ~~وسلطانا جليلا مضطرا إليها - والله الهادي: {وإذا أذقنا} أي على ما لنا من ~~العظمة {الناس} أي الذين لهم وصف الاضطراب {رحمة} أي نعمة رحمناهم بها من ~~غير استحقاق. # ولما كان كان وجود النعمة لا يستغرق الزمان الذي يتعقب النقمة، أدخل ~~الجار فقال: {من بعد ضراء} أي قحط وغيره {مستهم} فاجأوا المكر وهو معنى ~~{إذا لهم مكر} أي عظيم بالمعاصي التي يفعلون في الاستخفاء بأغلبها فعل ~~الماكر {في آياتنا} إشارة إلى أنهم لا ينفكون عن آياته العظام، فلو كانوا ~~منتفعين بالآيات اهتدوا بها، فإذا أتتهم رحمة من بعد نقمة لم يعدوها آية ~~دالة على من أرسلها لهم لخرقها لما كانوا فيه من عادة النقمة مع أنهم ~~يعترفون بأنه لا يقدر على إرسالها وصرف الشدة إلا هو سبحانه، بل يعملون ~~فيها عمل الماكرين بأن يصرفوها عن ذلك بأنواع الصوارف كأن ينسبوها إلى ~~الأسباب كنسبة المطر للأنواء ونحو ذلك غير خائفين من إعادة مثل تلك الضراء ~~أو ما هو أشد منها. # ولما كانت هذه الجملة دالة على إسراعهم بالمكر من ثلاثة أوجه: التعبير ~~بالذوق الذي هو أول المخالطة ولفظ «من» التي هي للابتداء و «إذا» الفجائية، ~~كان كأنه قيل: أسرعوا جهدهم في المكر، فقيل: {قل الله} أي الذي له له ~~الإحاطة الكاملة بكل شيء {أسرع مكرا} # PageV09P096 # ومعنى اوصف بالأسرعية أنه قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم - نبه عليه ~~أبو حيان ولما كان المكر إخفاء الكيد، بين لهم سبحانه أنهم غير قادرين على ~~مطلق المكر في جهته عز شأنه وتعالى كبرياءه وسلطانه، لأنه عالم بالسر ~~وأخفى، بل لا يمكرون مكرا إلا ورسله سبحانه مطلعون عليه فكيف به سبحانه! ~~فقال تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم: {إن رسلنا} أي على ما لهم من العظمة ~~بإضافتهم إلينا ms2028 {يكتبون} أي كتابة متجددة على سبيل الاستمرار باستمرار ~~المكتوب {ما تمكرون*} لأنهم قد وكلوا بكم قبل كونكم نطفا ولم يوكلوا بكم ~~إلا بعد علم موكلهم بكل ما يفعلونه ولا يكتبون مكركم إلا بعد اطلاعهم عليه، ~~وأما هو سبحانه فإذا قضى لا يمكن أن يطلع عليه رسله إلا باطلاعه فكيف ~~بغيرهم! وإذا تبين أنه عالم بأمورهم وهم جاهلون بأموره، علم أنه لا يدعهم ~~يدبرون كيدا إلا وقد سبب له ما يجعله في نحورهم؛ والمكر: فتل الشيء إلى غير ~~وجهه على طريق الحيلة فيه؛ والسرعة؛ الشيء في وقته الذي هو أحق به، وقد ~~تضمنت الآية البيان عما يوجبه حال الجاهل من تضييع حق النعمة والمكر فيها ~~وإن جلت منزلتها وأتت على فاقة إليها وشدة حاجة إلى نزولها مع الوعيد بعائد # PageV09P097 # الوبال على الماكر فيها، ثم أخذ سبحانه يبين ما يتضح به أسرعية مكره في ~~مثال دال على ما في الاية قبلها من نقله سبحانه لعباده من الضر إلى النعمة ~~ومن سرعة تقلبهم فقال: {هو} أي لا غيره {الذي يسيركم} أي في كل وقت تسيرون ~~فيه سيرا عظيما لا تقدرون على الانفكاك عنه {في البر والبحر} أي يسبب لكم ~~أسبابا توجب سيركم فيهما ويقدركم على ذلك ويهديكم من بين سائر الحيونات إلى ~~ما فيه من أصناف المنافع مع قدرته على إصابتكم في البر بالخسف وما بالخسف ~~وما دونه وفي البحر بالغرق وما أشبهه. # ولما كان العطب بأحوال البحر أظهر مع أن السير فيه من أكبر الآيات وأوضح ~~البينات، بينه معرضا عن ذكر البر فقال: {حتى إذا كنتم} أي كونا لا براح لكم ~~منه {في الفلك} أي السفن، يكون واحدا وجمعا؛ وأعرض عنهم بعد الإقبال لما ~~سيأتي فقال: {وجرين} أي الفلك؛ {بهم} ولما ذكر جريها وهم فيها، ذكر سببه ~~فقال: {بريح طيبة} ثم أوضح لهم عدم علمهم بالعواقب بقوله: {وفرحوا بها} أي ~~بتلك الريح وبالفلك الجارية بها {جاءتها ريح عاصف} فأزعجت سفنهم وساءتهم ~~{وجاءهم الموج} أي المعروف لكل أحد بالرؤية أو الوصف {من كل ms2029 مكان} أي يعتاد ~~الإتيان منه فأرجف قلوبهم {وظنوا أنهم} ولما كان المخوف الهلاك، لا كونه من ~~معين، بني للمفعول ما هو كناية عنه لأن العدو إذا أحاط بعدوه أيقن بالهلاك ~~فقال: {أحيط بهم} . # PageV09P098 # ولما كان ما تقدم من حالهم الغريبة التي تجب لها القلوب وتضعف عندها ~~القوى - مقتضيا لأن يسأل عما يكون منهم عند ذلك، أتى المقال على مقتضى هذا ~~السؤال مخبرا عن تركهم العناد وإخلاصهم الدال على جزعهم عند سطواته وانحلال ~~عزائمهم في مشاهدة ضرباته، وعبارة لرماني: اتصال دعوى الأجوبة، كأنه قيل: ~~لما ظنوا أنهم أحيط بهم {دعوا الله} أي الذي له صفات الكمال بالرغبة إليه ~~في الخلاص والعبادة له بالإخلاص {مخلصين} أي عن كل شرك {له الدين *} أي ~~التوحيد والتصديق بالظاهر والباطن، وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه بديهة ~~العقل من الفزع عند الشدة إلى واهب السلامة ومسبغ النعمة في كشف تلك ~~البلية؛ ثم أتبع سبحانه ذلك حكاية حالهم في وعدهم الشكر على النجاة ثم ~~كذبهم في ذلك مع ادعائهم أنهم أطهر الناس ذيولا عن الكذب وأشدهم استقباحا ~~له وأبعد الناس من كفران الإحسان، فقال تعالى حاكيا قولهم الذي دلوا ~~بتأكيدهم له أنهم قالوه بغاية الرغبة نافين ما يظن بهم من الرجوع إلى ما ~~كانوا فيه قبل تلك الحال من الكفر: {لئن أنجيتنا} أي أيها الملك الذي لا ~~سلطان لغيره {من هذه} أي الفادحه {لنكونن} أي كونا لا ننفك عنه {من ~~الشاكرين*} أي المديمين لشكرك العريقين في الاتصاف به. # PageV09P099 # ولما أعلم سبحانه أنهم اكدوا هذا الوعد هذا التأكيد، أتبعه بيان أنهم ~~أسرعوا في نقضه غاية الإسراع فقال: {فلما أنجاهم} ولما أبانت الفاء عن ~~الإسراع في النقض، أكد مناجاتهم لذلك بقوله: {إذا هم يبغون} أي يتجاوزون ~~الحدود {في الأرض} أي جنسها {بغير الحق} أي الكامل، فلا يزال الباغي مذموما ~~حتى يكون على الحق الكامل الذي لا باطل فيه بوجه، وجاء الخطاب أولا في ~~{يسيركم} ليعم المؤمنين لأن التسيير يصلح للامتنان، ثم التفت إلى الغيبة ~~عند صدور ما لا يليق ms2030 بهم - نبه على ذلك أبو حيان، وأحسن منه أن يقال: إنه ~~سبحانه أقبل عليهم تنبيها على أنه جعلهم - بما هيأ فيهم من القوى - أهلا ~~لخطابه ثم أعرض عنهم إشارة إلى أنهم استحقوا الإعراض لإعراضهم اغترارا بما ~~أتاحهم من الريح الطيبة في محل يجب فيه الإقبال عليه والغنى عن كل ما سواه ~~لعظم الخطر وشدة الأمر، وكأنه يذكر لغيرهم من حالهم ما يعجبه منه لينكر ~~عليهم ويقبح حالهم؛ والتسيير: التحريك في جهة تمتد كالسير؛ والبر: الأرض ~~الواسعة التي تقطع من بلد، ومنه البر لاتساع الخير به؛ والبحر: مستقر الماء ~~الواسع حتى لا يرى من وسطه حافتاه؛ والفلك: السفن التي تدور في الماء، ~~وأصله الدور، فمنه فلكة المغزل، والفلك الذي يدور فيه النجوم؛ والنجاة: ~~التخليص من الهلاك؛ والبغي: قصد الاستعلاء بالظلم، وأصله الطلب؛ والحق: وضع ~~الشيء في موضعه على ما يدعو إليه العقل؛ # PageV09P100 # ثم بين أن ما هم فيه من الإمهال إنما هو متاع الدنيا وأنها دار زوال فقال ~~تعالى: {يا أيها الناس} أي الذي غلب عليهم وصف الاضطراب {إنما بغيكم} أي كل ~~بغي يكون منكم {على أنفسكم} لعود الوبال عليها خاصة وهو على تقدير انتفاعكم ~~به عرض زائل {متاع الحياة الدنيا} ثم يبقى عاره وخزيه بعد الموت {ثم إلينا} ~~أي خاصة {مرجعكم} بعد البعث {فننبئكم} على ما لنا من العظمة إنباء عظيما ~~{بما كنتم} أي كونا هو كالجبلة {تعملون*} ونجازيكم عليه. # PageV09P101 # ولما كان السياق لإثبات البعث وتخويفهم به وكانوا ينكرونه ويعتقدون بقاء ~~الدنيا وأنها إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلغ دائما بلا انقضاء فهي دار يرضى ~~بها فيطمئن إليها، وللتنفير من البغي والتعزز بغير الحق، وكانت الأمثال ~~أجلى لمحال الأشكال، قال تعالى ممثلا لمتاعها قاصرا أمرها على الفناء ردا ~~عليهم في اعتقاد دوامها من غير بعث: {إنما} فهو قصر قلب {مثل الحياة ~~الدنيا} التي تتنافسون فيها في سرعة انقضائها وانقراض نعيمها بعد عظيم ~~إقباله {كماء أنزلناه} أي بما لنا من العظمة وحقق أمره وبينه بقوله: {من ~~السماء} فشبهه بأمر النبات وأنه ms2031 قليل يبلغ منتهاه فتصبح الأرض منه بلاقع ~~بعد ذلك الاخضرار والينوع، وفي ذلك إشارة إلى البعث وإلى أنه تعالى قادر ~~على ضربة قبل نهايته أو بعدها # PageV09P101 # ببعض الآفات كما يوجد في بعض السنين، فيقفرون منه ويفتقرون إليه، وفي ذلك ~~تحذيرعظيم {فاختلط} أي بسبب إنزالنا له {به} أي بسبب تليينه ولطافته {نبات ~~الأرض} عموما في بطنها {مما يأكل الناس} أي كافة {والأنعام} من الحبوب ~~والثمار والبقول فظهر على وجهها {حتى} ولم يزل كذلك ينمو ويزيد في الحسن ~~والجرم؛ ولما كان الخصب هو الأصل، عبر عنه بأداة التحقيق فقال: {إذا} ولما ~~كانت بهجة النبات تابعة للخصب، فكان الماء كأنه يعطيها إياها فتأخذه، قال: ~~{أخذت الأرض} أي التي لها أهلية النبات {زخرفها وازينت} بأنواع ذلك النبات ~~زينة منها الجلي ومنها الخفي - بما يفهمه الإدغام {وظن أهلها} أي ظنا مؤكدا ~~جدا بما أفاده العدول عن «قدرتهم» إلى {أنهم قادرون} أي ثابته قدرتهم ~~{عليها} باجتناء الثمرة من ذلك النبات وغاب عنهم لجهلهم علم العاقبة، فلما ~~كان ذلك {أتاها أمرنا} أي الذي لا يرد من البرد أو الحر المفرطين {ليلا أو ~~نهارا فجعلناها} أي زرعها وزينتها بعظمتها بسبب ذلك الأمر وتعقيبه بالإهلاك ~~{حصيدا} وعبر بما فهمه فعيل من المبالغة والثبات بقوله: {كأن} أي كأنها {لم ~~تغن} أي لم تكن غانية أي ساكنة حسنة غنية ذات وفر مطلوبة مرغوبا فيها أي ~~زرعها وزينتها {بالأمس} فكان # PageV09P102 # حال الدنيا في سرعة انقضائها وانقراض نعيمها بعد عظيم إقباله كحال نبات ~~الأرض في جفافه وذهابه حطاما بعد ما التف وزين الأرض بخضرته وألوانه ~~وبهجته. # ولما كان هذا المثل في غاية المطابقة للساعة، هز السامع له فازداد عجبه ~~من حسن تفصيله بعد تأصيله فقيل جوابا له: {كذلك} أي مثل هذا التفصيل الباهر ~~{نفصل} أي تفصيلا عظيما {الآيات لقوم} أي ناس أقوياء فيهم قوة المحاولة لما ~~يريدون {يتفكرون*} أي يجددون الفكر على وجه الاستمرار والمبالغة؛ والمثل: ~~قول سائر يشبه فيه الحال الثاني بالأول؛ والاختلاط: تداخل الأشياء بعضها في ~~بعض؛ والزخرف: حسن الألوان. # PageV09P103 # ولما ms2032 قرر سبحانه هذه الآيات التي حذر فيها من أنواع الآفات، بين أن الدار ~~التي رضوا بها وأطمأنوا إليها دار المصائب ومعدن الهلكات والمعاطب وأنها ظل ~~زائل تحذيرا منها وتنفيرا عنها، بين تعالى أن الدار التي دعا إليها سالمة ~~من كل نصب وهم ووصب، ثابته بلا زوال، فقال تعالى عاطفا على قوله {إن ربكم ~~الله الذي خلق السماوات والأرض} ترغيبا في الآخرة وحثا عيها: {والله} أي ~~الذي له الجلال والإكرام {يدعوا} أي يعلق دعاءه على سبيل التجدد والاستمرار ~~بالمدعوين {إلى دار السلام} عن قتادة أنه سبحانه أضافها إلى اسمه تعظيما ~~لها وترغيبا فيها، يعني بأناه لا عطب فيها أصلا، والسلامة فيها دائمة، # PageV09P103 # والسلام فيها فاش من بعضهم على بعض ومن الملائكة وغيرهم؛ والدعاء: طلب ~~الفعل بما يقع لأجله، والدواعي إلى الفعل خلاف الصوارف عنه. # ولما أعلم - بالدعوة بالهداية بالبيان وأفهم ختم الآية بقوله: {ويهدي من ~~يشاء} أي بما يخلق في قلبه من الهداية {إلى صراط مستقيم*} أن من الناس من ~~يهديه ومنهم من يضله. وأن الكل فاعلون لما يشاء - كان موضع أن يقال: هل هم ~~واحد في جزائه كما هم واحد في الانقياد لمراده؟ فقيل: لا، بل هم فريقان: ~~{للذين أحسنوا} أي الأعمال في الدنيا منهم وهم من هداه {الحسنى} أي الخصلة ~~التي هي في غاية الحسن من الجزاء {وزيادة} أي عظيمة من فضل الله فالناس: ~~مزيد خرجت هدايته من الجهاد {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ~~[العنكبوت: 69] ، ومراد خرجت هدايته من المشيئة، فالدعوة إلى الجنة بالبيان ~~عامة، والهداية إلى الصراط خاصة لأنها الطريق إلى المنعم. # ولما كان النعيم لا يتم إلا بالدوام بالأمن من المضار قال: {ولا يرهق} أي ~~يغشي ويلحق {وجوههم قتر} أي غبرة كغبره الموت وكربة، وهو تغير في الوجه معه ~~سواد وعبوسة تركبهما غلبة {ولا ذلة} أي كآبة وكسوف يظهر منه الانكسار ~~والهوان. # ولما كان هذا واضحا في أنهم أهل السعادة، وصل به قوله: # PageV09P104 # {أولئك} أي العالو الرتبة {أصحاب الجنة} ولما كانت الصحبة جديرة ~~بالملازمة، صرح بها في ms2033 قوله: {هم} أي لا غيرهم {فيها} أي خاصة {خالدون} أي ~~مقيمون لا يبرحون، لأنهم لا يريدون ذلك لطيبها ولا يراد بهم. # ولما بين حال الفضل فيمن أحسن، بين حال العدل فيمن أساء فقال: {والذين ~~كسبوا} أي منهم {السيئات} أي المحيطة بهم {جزآء سيئة} أي منهم {بمثلها} ~~بعدل الله من غير زيادة {وترهقهم ذلة} أي من جملة جزائهم، فكأنه قيل: أما ~~لهم انفكاك عن ذلك؟ فقيل جوابا: {ما لهم من الله} أي الملك الأعظم؛ وأغرق ~~في النفي فقال: {من عاصم} أي يمنعهم من شيء يريده بهم. # ولما كان من المعلوم أن ذلك مغير لأحوالهم، وصل به قوله: {كأنما} ولما ~~كان المكروه مطلق كونها بالمنظر السيىء، بني للمفعول قوله: {أغشيت وجوههم} ~~أي أغشاها مغش لشدة سوادها لما هي فيه من السوء {قطعا} ولما كان القطع بوزن ~~عنب مشتركا بين ظلمة آخر الليل وجمع القطعة من الشيء. بين وأكد فقال: {من ~~الليل} أي هذا الجنس حال كونه {مظلما} ولما كان ذلك ظاهرا في أنهم أهل ~~الشقاوة، وصل به قوله: {أولئك} أي البعداء # PageV09P105 # البغضاء {أصحاب النار} ولما كانت الصحبة الملازمة، بينها بقوله: {هم ~~فيها} أي خاصة {خالدون} أي لا يمكنون من مفارقتها؛ والرهق: لحق الأمر، ~~ومنه: راهق الغلام - إذا لحق حال الرجال؛ والقتر: الغبار، ومنه الإقتار في ~~الإنفاق لقتله؛ والذلة: صغر النفس بالإهانة؛ والكسب: الفعل لاجتلاب النفع ~~إلى النفس أو النفس أو استدفاع الضر. # ولما بين سبحانه مآل الفريقين، نبه على بعض مقدمات ذلك المانعة أن يشفع ~~أحد من غير إذنه بقوله: {ويوم} أي وفرقنا بينهم لأنه لا أنساب هناك ولا ~~أسباب فلا تناصر يوم {نحشرهم} أي الفريقين: الناجين والهالكين العابدين ~~منهم والمعبودين حال كونهم {جميعا} ثم يقطع ما بين المشركين وشركائهم فلا ~~يشفع فيهم شيء مما يعتقدون شفاعته ولا ينفعهم بنافعة، بل يظهرون الخصومة ~~ويبارزون بالعداوة وهو ناظر إلى قوله تعالى {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} ~~[يونس: 4] وإلى قوله {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم} [يونس: ~~18] والحشر: الجمع بكره من ms2034 كل جانب إلى موقف واحد؛ وأشار سبحانه إلى طول ~~وقوفهم بقوله: {ثم نقول للذين أشركوا} أي بنا من لم يشارك في خلقهم؛ وقوله: ~~{مكانكم} نقل أبو حيان عن النحوين أنهم جعلوه اسما لأثبتوا، ورد # PageV09P106 # على الزمخشري تقديره بألزموا لأنه متعد ويجب أن يساوي بين الاسم والمسمى ~~في التعدي واللزوم، أي نقول لهم: قفوا وقوف الذل {أنتم وشركآؤكم} حتى ينفذ ~~فيكم أمرنا إظهار لضعف معبوداتهم التي كانوا يترجونها وتحسيرا لهم، فلا ~~يمكنهم مخالفة ذلك. # ولما كان التقدير: فوقفوا موافقة للأمر على حسب الإرادة، عطف عليه مسببا ~~عنه قوله: {فزيلنا} أي أزلنا إزالة كثيرة مفرقة ما كان {بينهم} في الدنيا ~~من الوصلة والألفة حتى صارت عداوة ونفرة فقال الكفار: ربنا هؤلاء الذين ~~أضلونا، وكنا ندعو من دونك {وقال شركاؤهم} لهم متبرئين منهم بما خلق لهم ~~سبحانه من النطق {ما كنتم} أي أيها المشركون، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم هم ~~الذين نصبوهم بغير أمر ولا دليل ولأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم {إيانا ~~تعبدون} أي تخصوننا بالعبادة لأنا لا نستحق ذلك إشارة لى أنه لا يعبد إلا ~~من يستحق الإخلاص في ذلك بأن يعبد وحده من غير شريك، ومن لا يستحق ذلك لا ~~يستحق مطلق العبادة ولا يصلح لها، وكل عبادة فيها شرك لا تعد أصلا ولا يرضى ~~بها جماد لو نطق، فمتى نفي المقيد بالخلوص نفي المطلق لأنه لا اعتداد به ~~أصلا، ومن المعلوم أن ما كان بهذه الصفة لا يقدم عليه أحد، فنحن نظن أنه لم ~~يعبدنا عابد فضلا عن أن يخصنا بذلك، والشخص يجوز له أن ينفي ما # PageV09P107 # يظن نفيه ونحن لم نعلم شيئا من ذلك. # ولما نفوا ذلك عطفوا عليه مسببين عنه قولهم: {فكفى بالله} أي المحيط علما ~~وقدرة {شهيدا} أي هو يكفينا كفاية عظيمة جدا من جهة الشهادة التي لا غيبة ~~فيه بوجه ولا ميل أصلا {بيننا وبينكم} في ذلك يشهد لنا وعلينا؛ ثم استأنفوا ~~خبرا يصحح نفيهم فقالوا مؤكدين لأنهم كانوا يعتقدون علمهم: {إن} أي إنا ~~{كنا} أي ms2035 كونا هو جبلة لنا {عن عبادتكم} لنا أو لغيرنا مخلصة أو مشوبة؛ ~~ولما كانت «إن» هي المخففة من الثقيلة تلقيت باللام الفارقة بينها وبين ~~النافية فقيل: {لغافلين} لأنه لا أرواح فينا، فلم تكن بحيث نأمر بالعبادة ~~ولانرضاها فاللوم عليكم دوننا، وذلك افتداء من موقف الذل أو أنهم لما ~~تخيلوا في الشركاء صفات عبدوها لأجلها وكانت خالية عنها صح النفي لأنهم ~~عبدوا ذوات موصوفة بصفات لا وجود لها في الأعيان، وأيضا فإنهم ما عبدوا إلا ~~الشياطين التي كانت تزين لهم ذلك وتغويهم، ويكون التقدير على ما دل عليه ~~السياق: {فزيلنا بينهم} أي منعناهم مما كانونا فيه من التواصل والتواد ~~المقتضي للتناصر بعبادة الأوثان، فقال المشركون لشركائهم لما أبطأ عنهم ~~نصرهم: إنا كنا نعبدكم من دون الله فأغنوا عنا كما كنا نذب عنكم وننصر ~~دينكم {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} # PageV09P108 # أي كشف لنا اليوم بتفهيم الله أنه ليس الأمر كما زعمتم وأنكم لم تخصونا ~~بالعبادة حتى يلزمنا منعكم على أنكم لو خصصتمونا ما قدرنا على ذلك قال ~~الشيطان {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي} [إبراهيم: 22] {فكفى} أي فتسبب ~~عن نفينا لذلك على ما كشف لنا من العلم أن نقول: كفى {بالله شهيدا بيننا ~~وبينكم} في ذلك، يشهد أنكم لم تخصوا أحدا منه ومنا بعبادة بل كنتم مذبذبين، ~~وهذا كله إشارة إلى أن العبادة المشوبة لا اعتداد بها ولا يرضاها جماد لو ~~نطق، وإن من استحق العبادة استحق الإخلاص فيها وأن لا يشرك به أحد وأنه لا ~~يستحق ذلك إلا القادر على كشف الكرب والمنع من أن يقطع بينه وبين متوليه ~~وعابده قاطع؛ ولما كانت فائدة الشاهد ضبط ما قد ينساه المتشاهدان، عللوا ~~اكتفاءهم بشهادة الله بقوله: {إن كنا عن عبادتكم} في تلك الأزمان {لغافلين} ~~فأقروا لهم بما هو الحق مما كان يعلمه كل من له تأمل صحيح أنهم لم يشعروا ~~بعبادتهم ساعة من الدهر قبل ساعتهم هذه، فهم أجدر الخلق بالاكتفاء بشهادة ~~الشهيد لأنهم أسوأ حالا ممن يعلم المشهود به ويخشى ms2036 النسيان، أو يقال: فقال ~~المشركون لشركائهم: إنا كنا نعبدكم فهل أنتم ناصرونا أو شافعون لنا فنجونا ~~مما وقعنا فيه {وقال شركاؤهم # PageV09P109 # ما كنتم إيانا} وحدنا {تعبدون} أي ما كنتم تخلصون لنا العبادة حتى يلزمنا ~~أن نخلصكم كما أعلمنا بذلك الله ربنا وربكم المحيط بكل شيء علما {فكفى} أي ~~فتسبب عن ذلك أنه كفى {بالله شهيدا بيننا وبينكم} في ذلك، فكأن المشركين ~~قالوا: قد تضمن كلامكم أن عبدناكم على غير منهج الإخلاص، أفليس قد عبدناكم؟ ~~أفلا تغنون عنا شيئا؟ فأجاب الشركاء بقولهم: {إن كنا عن عبادتكم} خالصة ~~كانت أو مشوبة {لغافلين} فلا نقر لكم بعبادة أصلا وإن تيقنا الإخلاص لسلب ~~العلم عنا بما كنا فيه من الجمادية فضلا عن أن نأمركم أو نرضى بعبادتكم على ~~أنه لا غناء عندنا على تقدير من التقادير؛ أو يقال - وهو أحسن مما مضى -: ~~{وقال شركاؤهم} لما تحققوا العذاب طلبا لأن يخفف عنهم منه بتوزيعه عليهم ~~وعلى كل من عبدوه من غيرهم {ما كنتم} أيها العابدون لنا {إيانا} أي خاصة ~~{تعبدون} بل كنتم تعبدون أيضا غيرنا، وهذا يعم والله كل من يرائيه غيره ~~بعمل وهو يعلم أنه يرائيه فيقره ولا ينكره عليه؛ ولما أفهموا بنفي العبادة ~~بقيد الخصوص أنهم كانوا يعبدون معهم غيرهم، وكان المخلوق قاصر العلم غير ~~محيطه بوجه بأحوال نفسه فكيف يعبدون بأحوال غيره، سببوا عن ذلك قولهم: ~~{فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن} أي في أنا {كنا عن عبادتكم} أي في ~~الجملة {لغافلين} والحاصل أن هذا ترجمة كلام الكفار وهو ناشىء منهم عن محض ~~غلبة ودهش وفرط غم وندم وقلق، # PageV09P110 # فلا يشترط أن يكون معناه على الوجه الأسد والطريق الأبلغ، فالإعجاز في ~~نظمه، ومرادهم به أن يخفف عنهم من العذاب ولو بمشاركة من كانوا يعبدونهم ~~معهم، فهو من وادي قوله تعالى # {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} [إبراهيم: 21] ، {فهل أنتم ~~مغنون عنا نصيبا من النار} [غافر: 47] {فآتاهم عذابا ضعفا من النار} ~~[الأعراف: 38] ونحوه {فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا ms2037 العذاب} [الأعراف: ~~39]- والله أعلم. # PageV09P111 # ولما أخبر عن حال المشركين، تشوفت النفس إلى الاطلاع على حال غيرهم فقال ~~مستأنفا مخبرا عن كلا الفريقين: {هنالك} أي في ذلك الموقف من المكان ~~والزمان العظيم الأهوال المتوالي الزلزال {تبلوا} أي تخبر وتخالط مخالطة ~~مميلة محلية {كل نفس} طائعة وعاصية {مآ أسلفت} أي قدمت من العمل فيعرف هل ~~كان خيرا أو شرا وهل كان يؤدي إلى سعادة أو شقاوة. # ولما كان مطلق الرد - وهو صرف الشيء إلى الموضع الذي ابتدأ منه - كافيا ~~في الرهبة لمن له اب، بني للمفعول قوله: {وردوآ} أي بالبعث بالإحياء كما ~~كانوا أولا {إلى الله} أي الملك الأعظم {مولاهم الحق} فلم يكن لهم قدرة على ~~قصد غيره ولا الالتفات إلى سواه من تلك الأباطيل، بل انقطع رجاءهم من كل ما ~~كانوا يدعونه # PageV09P111 # في الدنيا، وهو المراد بقوله: {وضل عنهم} أي بطل وذهب وضاع {ما كانوا} أي ~~كونا هو جبلة لهم {يفترون} أي يتعمدون كذبه من أن معبوداتهم شركاء، وتيقنوا ~~في ذلك المقام أن توليهم لغير الله كان باطلا غير حق؛ والتزييل: تفريق يزول ~~به كل واحد عن مكانه، وهو من تفريق الجثث، وليس من الواوي، بل من اليائي، ~~يقال: زلته عن الشيء أزيله - إذا فرقت بينه وبينه؛ والكفاية: بلوغ مقدار ~~الحاجة في دفع الأذية أو حصول المنفعة؛ والإسلاف: تقديم أمر لما بعده؛ ~~والرد: الذهاب إلى الشيء بعد الذهاب عنه كالرجع؛ والمولى: من يملك تولى أمر ~~مولاه. # ولما قدم سبحانه أن شركاءهم مربوبون مقهورون، لا قدرة لهم إلا على ما ~~يقدرهم الله عليه، وأنه وحده المولى الحق، وبانت بذلك فضائحهم، أتبعه ذكر ~~الدلائل على فساد مذهبهم، فوبخهم بأن وجه السؤال إليهم عما هم معترفون بأنه ~~مختص به ويدل قطعا على تفرده بجميع الأمر الموجب من غير وقفة لاعتقاد تفرده ~~بالإلهية فقال: {قل} أي يا أكرم خلقنا وأرفقهم بالعباد {من يرزقكم} أي يجلب ~~لكم الخيرات أيها المنكرون للبعث المدعون للشركة {من السمآء} أي بالمطر ~~وغيره من المنافع {والأرض} بالنبات وغيره لتعيشوا {أمن يملك ms2038 السمع} أي الذي ~~تسمعون به الآيات، ووحده للتساوي فيه في الغالب # PageV09P112 # {والأبصار} التي تبصرون بها ما أنعم عليكم به في خلقها ثم حفظها في المدد ~~الطوال على كثرة الآفات فيفيضها عليكم لتكمل حياتكم الحسية ببقاء الروح، ~~والمعنوية بوجود العلم؛ روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: سبحان من بصر ~~بشحم، وأسمع بعظم، وأنطق بلحم. # فلما سألهم عن أوضح ما هم فيه وأقربه، نبههم على ما قبله من بدء الخلق ~~فقال: {ومن يخرج الحي} من الحيوان والنبات {من الميت} أي من النطفة ونحوها ~~{ويخرج الميت} أي من النطفة ونحوها مما لا ينمو {من الحي} أي فينقل من ~~النقص إلى الكمال؛ ثم عم فقال: {ومن يدبر الأمر} أي كله التدبير العام. # ولما كانوا مقرين بالرزق وما معه من الخلق والتدبير، أخبر عن جوابهم إذا ~~سئلوا عنه بقوله: {فسيقولون الله} أي مسمى هذا الاسم الذي له الكمال كله ~~بالحياة والقيومية بخلاف ما سيأتي من الإعادة والهداية {فقل} أي فتسبب عن ~~ذلك أنا نقول لك: قل لهم مسببا عن جوابهم هذا الإنكار عليهم في عدم التقوى: ~~{أفلا تتقون} أي تجعلون وقاية بينكم وبين عقابه على اعترافكم بتوحده في ~~ربوبيته وإشراككم غيره في إلهيته؛ ثم علل إنكار عدم تقواهم بقوله: {فذلكم} ~~أي العظيم الشأن {الله} أي الذي له الجلال والإكرام، فكانت هذه قدرته ~~وأفعاله {ربكم} أي الموجد لكم المدبر لأموركم الذي لا إحسان # PageV09P113 # عندكم لغيره {الحق} أي الثابته ربوبيته ثباتا لا ريب فيه لاجتماع الصفات ~~الماضية له لا لغيره لأنه لا تكون الربوبية حقيقة لمن لم تجتمع له تلك ~~الصفات {فما} أي فتسبب عن ذلك أن يقال لكم: ما {ذا بعد الحق} أي الذي له ~~أكمل الثبات {إلا الضلال} فإنه لا واسطة بينهما - بما أنبأ عنه إسقاط ~~الجار، ولا يعدل عاقل عن الحق إلى الضلال فانى تصرفون أنتم عن الحق إلى ~~الضلال؛ ولذلك سبب عنه قوله: {فأنى} أي فكيف ومن أي جهة {تصرفون} أي أنتم ~~من صارف ما كائنا ما كان، عن الحق إلى ms2039 الضلال. # ولما كانوا جديرين عند تقريرهم بهذه الآية وإقرارهم بمضمونها بأن يقولوا: ~~سلمنا فأسلمنا ولا نصرف عن الحق أبدا، فلم يقولوا، كانوا حقيقين بأن يقال ~~لهم: حقت عليكم كلمة الله لفسقكم وزوغانكم عن الحق. فقيل: هل خصوا بذلك؟ ~~فقيل: بل {كذلك} أي مثل ذلك الحقوق العظيم {حقت كلمت ربك} أي المحسن إليك ~~بإهلاك أعدائك: الكلمة الواحدة النافذة التي لا تردد فيها، ومعنى الجمع في ~~قراءة نافع وابن عامر أنه لا شيء من كلماته يناقض الكلمة التي أوجبت ~~عذابهم، بل كلها توافقها فالمراد واحد، أو يكون ذلك كناية عن أن عذابهم ~~دائم فإن كلماته لا تنفذ {على} كل {الذين} فعلوا فعلهم لأنهم {فسقوا} أي ~~أوقعوا الترك لأمر الله وأوجدوا عصيانه وفعلوا الخروج عن طريق الحق والخروج ~~عن دائرة الصلاح، وهو كونهم أمة واحدة إلى دين أبيهم آدم صفي الله عليه ~~السلام؛ # PageV09P114 # ثم علل ذلك الحقوق بقوله: {أنهم لا يؤمنون*} أي لا يتجدد منهم إيمان ~~أصلا، وعبر بالفسق المراد به الكفر لأن السياق للخروج عن دائرة الدين الحق ~~في قوله {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} وهذا المعنى أحق بالتعبير ~~للفسق الذي أصله الخروج عن محيط في قولهم: فسقت الرطبة عن قشرها - أي خرجت، ~~أو يكون المعنى: حقت الربوبية له سبحانه بهذا الليل، وهو فعل هذه الأمور ~~المختتمة بالتدبير المقتضي للوحدانية له سبحانه قطعا لأنه لو كان قادر ~~يساويه في مقدوره لأمكن أن يمانعه، وبطل أن يكون قادرا، وحق أن من زاغ عن ~~الحق كان في الضلال كما حق هذا {كذلك حقت} أي ثبتت ثباتا عظيما {كلمت ربك ~~على} كل {الذين} قضى بفسقهم منهم. و {أنهم لا يؤمنون} تفسير لكلمته التي ~~حقت؛ والرزق: جعل العطاء الجاري. # PageV09P115 # ولما علم أنهم معترفون بأمر الهداية وما يتبعها من الرزق والتدبير أعاد ~~سبحانه السؤال عنها مقرونة بالإعادة تنبيها لهم على ما يتعارفونه من أن ~~الإعادة أهون، فإنكارها مع ذلك إما جمود أو عناد، وإنكار المسلمات كلها ~~هكذا، وسوقه على الطريق الاستفهام أبلغ وأوقع في القلب ms2040 فقال: {قل} أي على ~~سبيل الإنكار عليهم # PageV09P115 # والتوبيخ لهم {هل من شركائكم} أي الذين زعمتموهم شركاء لي وأشركتموهم في ~~أموالكم من أنعامكم وزروعكم {من يبدأ الخلق} كما بدأته ليصح لهم ما ادعيتم ~~من الشركة {ثم يعيده} . # ولما كان الجواب قطعا من غير توقف. ليس فيهم من يفعل شيئا من ذلك، وكان ~~لجاجهم في إنكار الإعادة وعنادهم لا يدعهم انة يجيبوا بالحق، أمره بجوابهم ~~بقوله: {قل الله} أي الذي له الأمر كله {يبدأ الخلق} أي مهما أراد {ثم ~~يعيده} وأتى هنا بجزئي الاستفهام وكذا ما يأتي في السؤال عن الهداية تأكيدا ~~للأمر بخلاف ما اعترفوا به، فإنه اكتفى فيه بأحد الجزأين في قوله {فسيقولون ~~الله} ولم يقل: يرزقنا - إلى آخره؛ ثم زاد في تبكيتهم على عدم الإذعان لذلك ~~بالتعجيب منهم في قوله: {فأنى تؤفكون*} أي كيف ومن أي جهة تصرفون بأقبح ~~الكذب عن وجه الصواب من صارف ما، وقد استنارت جميع الجهات، ورتب هذه الجمل ~~أحسن ترتيب، وذلك أنه سألهم أولا عن سبب دوام حياتهم وكمالها بالرزق والسمع ~~والبصر وعن بدء الخلق في إخراج الحي من الميت وما بعده، وكل ذلك تنبيها على ~~النظر في أحوال أنفسهم مرتبا على الأوضح فالأوضح، فلما اعترفوا به كله أعاد ~~السؤال عن بدء الخلق ليقرن به الإعادة تنبيها على أنهما بالنسبة إلى قدرته ~~على حد سواء، فلما فرغ مما يتعلق بأحوال # PageV09P116 # الجسد أمره أن يسألهم عن غاية ذلك، والمقصود منه من أحوال الروح في ~~الهداية التي في سبب السعادة إمعانا في الاستدلال بالمصنوع على الصانع على ~~وجه مشير إلى التفضيل فقال: {قل} أي يا أفهم العباد وأعرفهم بالمعبود {هل ~~من شركائكم} أي الذين زعمتم أنهم شركاء لله، فلم تكن شركتهم إلا لكم لأنكم ~~جعلتم لهم حظا من أموالكم وأولادكم {من يهدي} أي بالبيان أو التوفيق ولو ~~بعد حين {إلى الحق} فضلا عن أن يهدي للحق على أقرب ما يكون من الوجود ~~إعلاما. # ولما كانوا جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين، أمره أن يجيبهم معرضا ms2041 ~~عن انتظار جوابهم آتيا بجزئي الاستفهام أيضا فقال: {قل الله} أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة {يهدي} ولما كان قادرا على غاية الإسراع، عبر باللام فقال: ~~{للحق} إن أراد، ويهدي إلى الحق من يشاء، لا أحد ممن زعموهم شركاء، ~~فالاشتغال بشيء منها بعبادة أو غيرها جهل محض واختلال في المزاج كبير، ~~فالآية من الاحتباك: ذكر {إلى الحق} أولا دليلا على حذفه ثانيا، و {للحق} ~~ثانيا دليلا على حذفه أولا، فتسبب عن ذلك إنكار أتباعهم لهم فقال: {أفمن ~~يهدي} أي منتهيا في هداه ولو على بعد {إلى الحق} أي الكامل الذي لا زيغ فيه ~~بوجه ولو على أبعد الوجوه # PageV09P117 # {أحق أن يتبع} أي بغاية الجهد {أم من لا يهدي} أي يهتدي فضلا عن أن يهدي ~~غيره إلى شيء من الأشياء أصلا ورأسا؛ وإدغام تاء الافتعال للإيماء إلى ~~انتفاء جميع أسباب الهداية حتى أدانيها، فإن التاء عند أرباب القلوب معناها ~~انتهاء التسبب إلى أدناه {إلا أن يهدى} أي يهديه هاد غيره كائنا من كان، ~~وهذا يعم كل ما عبد من دون الله من يعقل وممن لا يعقل؛ فلما أتم ذلك على ~~هذا النهج القويم كان كأنه قيل: أتجيبون أم تسكتون؟ وإذا أجبتم أتؤثرون ~~الحق فترجعوا عن الضلال أم تعاندون، تسبب عن ذلك سؤالهم عى وجه التوبيخ ~~بقوله: {فما} اي أي شيء ثبت {لكم} في فعل غير الحق من كلام أو سكوت؛ ثم ~~استأنف تبكيتا آخر فقال: {كيف تحكمون*} فيما سألناكم عنه مما لا ينبغي أن ~~يخفى على عاقل، أبالباطل أم بالحق؟ فقد تبين الرشد من الغي؛ والبدء: العقل ~~الأول؛ والإعادة: إيجاد الشيء ثانيا؛ والهداية: التعريف بطريق الرشد من ~~الغي. # ولما أخبر بإقرارهم عن بعض ما يسألون عنه ثم عقبه بما لوح إلى إنكارهم أو ~~سكوتهم عن بعضه مما يتعلق بشركائهم، عطف على ما صرح به من قولهم {فسيقولون} ~~وما لوح إليه من «فسينكرون» أو «فسيسكتون» قوله: {وما يتبع} أي بغاية الجهد ~~{أكثرهم} أي نطقه أو سكوته في عبادته للأصنام وقوله: إنها شفعاء، وغير ms2042 ذلك # PageV09P118 # {إلا ظنا} تنبيها على أنهم إنما هم مقلدون وتابعون للأهواء. # ولما كان الظن لا ينكر استعماله في الشرائع، نبه على أن محله إنما هو حيث ~~لا يوجد نص على المقصود، فيقاس حينئذ على النصوص بطريقة، وأما إذا وجد ~~القاطع في حكم فإنه لا يجوز العدول عنه بوجه من الوجوه فقال تعالى في جواب ~~من يقول: أو ليس الظن مستعملا في كثير من الأحكام؟ : {إن الظن لا يغني} أي ~~أصلا {من الحق} أي الكامل {شيئا} أي بدله، ولايكون بدل الحق إلا إذا كان ~~تابعه مخالفا فيه لقاطع يعمله. # ولما صار ظهور الفرق ضروريا، أوقع تهديد المتمادي في غيه في جواب من كأنه ~~قال: إن ذلك غير خفي عنهم ولكنهم يستكبرون فلا يرجعون، فقال: {إن الله} أي ~~المحيط بكل شيء {عليم} أي بالغ العلم {بما يفعلون*} فاصبر فلسوف يعملون. # PageV09P119 # ولما قدم في هذه السورة قولهم {لولا أنزل عليه آية من ربه} وأتى فيها ردا ~~عليهم ووعظا لهم من الآيات البالغة في الحكمة جدا يتجاوز قوى البشر ويضمحل ~~دونه من الخلق القدر، وكان آخر ذلك التنبيه على أن شركاءهم لا يهتدون إلا ~~أن هداهم الهادي فضلا عن أن يهدوا، وإقامة الدليل على أن مذاهبهم ليست ~~مستندة إلى علم بل هى تابعة للهوى، أتبع ذلك دليلا قطعيا في أمر القرآن من ~~أنه لا يصح أصلا أن يؤتى به من دون أمره سبحانه ردا لقولهم: إنه مفترى، ~~لأنه # PageV09P119 # من وادي ما ختم به هذه الآيات من اتباعهم للظنون لأنه لا سند لهم في ذلك ~~بل ولا شبهة أصلا، وإنما هو مجرد هوى بل وأكثرهم عالم بالحق في أمره، فنفى ~~ذلك بما يزيح الظنون ويدمغ الخصوم ولا يدع شبهة لمفتون، وأثبت أنه هو الآية ~~الكبرى والحقيق بالاتباع لأنه هدى، فقال تعالى: {وما كان} عاطفا له على ~~قوله {ما يكون لي أن أبدله} إلى آخره، فهو حينئذ مقول القول، أي قل لهم ذاك ~~الكلام وقل لهم {ما كان} أي قط بوجه من الوجوه، وعينه تعيينا لا ms2043 يمكن معه ~~لبس، فقال: {هذا القرآن} أي الجامع لكل خير مع التأدية بأساليب الحكمة ~~المعجزة لجميع الخلق {أن يفترى} أي أن يقع في وقت من الأوقات تعمد نسبته ~~كذبا إلى الله من أحد من الخلق كائنا من كان؛ وعرف بتضاؤل رتبتهم دون شامخ ~~رتبته سبحانه بقوله: {من دون الله} أي الذي تقرر أنه يدبر الأمر كله، فما ~~من شفيع إلا من بعد إذنه وما يعزب عنه شيء فسبحان المتفضل على عباده بإيضاح ~~الحجج وإزالة الشكوك والدعاء إلى سبيل الرشاد مع غناه عنهم وقدرته عليهم؛ ~~والافتراء: الإخبار على القطع بالكذب، لأنه من فرى الأديم وهو قطعه بعد ~~تفزيره. # ولما كان إتيان الأمي - الذي لم يجالس عالما - بالأخبار والقصص الماضية ~~على التحرير دليلا قطعا على صدق الآتي في ادعائه أنه لا معلم # PageV09P120 # له إلا الله، عبر بأداة العناد فقال: {ولكن} أي كان كونا لا يجوز غيره ~~{تصديق الذي} أي تقدم {بين يديه} أي قبله من الكتب، والدليل على تصادقه ~~شاهد الوجود مع أن القوم كانوا في غاية العدواة له صلى الله عليه وسلم وكان ~~أهل الكتابين عندهم في جزيرة العرب على غاية القرب منهم مع أنهم كانوا ~~يتجرون إلى بلاد الشام وهم متمكنون من السؤال عن كل ما يأتي به، فلو وجدوا ~~مغمزا ما لقدحوا به، فدل عدم قدحهم على التصادق قطعا. # ولما كان ذلك سلطانا قاهرا صلى الله عليه وسلم، زاده ظهورا بما اشتمل ~~الكتاب الآتي به عليه من التفصيل الذي هو نهاية العلم فقال: {وتفصيل ~~الكتاب} أي الجامع المجموع فيه الحكم والأحكام وجوامع الكلام من جميع الكتب ~~السماوية في بيان مجملاتها وإيضاح مشكلاتها، فهو ناظر إلى قوله {أفمن يهدي ~~إلى الحق} ، فهو برهان على أنه هو الهادي وحده، فهو الحقيق بالاتباع ~~والتفصيل بتبيين الفصل بين المعاني الملتبسة حتى تظهر كل معنى على حقه، ~~ونظيره التقسيم، ونقضيه التخليط والتلبيس، وبيان تفصيله أنه أتى من العلوم ~~العلمية الاعتقادية من معرفة الذات والصفات بأقسامها، والعملية التكليفية ~~المتعلقة بالظاهر وهي علم الفقه وعلم الباطن ms2044 ورياضة النفوس بما لا مزيد ~~عليه ولا يدانيه فيه كتاب، وعلم الأخلاق كثير في القرآن مثل # PageV09P121 # {خذ العفو} [الأعراف: 199] {إن الله يأمر بالعدل} [النحل: 90] وأمثالهما. # ولما كان - مع الشهادة بالصدق بتصديق ما ثبت حقيقة - معجزا بالجمع ~~والتفصيل لجميع العلوم الشريفة: عقليها ونقليها إعجازا لم يثبت لغيره، ثبت ~~أنه مناقض للافتراء حال كونه {لا ريب فيه} وأنه {من رب العالمين*} أي ~~موجدهم ومدبر أمرهم والمحسن إليهم لأنه - مع الجمع لجميع ذلك - لا اختلاف ~~فيه بوجه، وذلك خارج عن طوق البشر. # ولما كان هذا موضع أن يذعنوا لأن هذا القرآن ليس إلا من عند الله وبأمره ~~قطعا، كان كأنه قيل: ارجعوا عن غيهم فآمنوا واستقاموا {أم} استمروا على ~~ضلالهم {يقولون} على سبيل التجديد والاستمرار عنادا {افتراه} أي تعمد نسبته ~~كذبا إلى الله، فكأنه قيل، تمادوا على عتوهم فقالوا ذلك فكانوا كالباحث عن ~~حتفه بظلفه، لأنهم أصلوا أصلا فاسدا لزم عليه قطعا إمكان أن يأتوا بمثله ~~لأنهم عرب مثله، بل منهم من قرأ وكتب وخالط العلماء واشتد اعتناءه بأنواع ~~البلاغة من النظم والنثر والخطب وتمرنه فيها بخلافه صلى الله عليه وسلم في ~~جميع ذلك، فلهذا أمره في جوابهم بقوله {قل} أي لهم يا أبلغ خلقنا وأعرفهم ~~بمواقع الكلام لجميع أنواعه، أتى بالفاء # PageV09P122 # السببية في قوله: {فأتوا} أي أنتم تصديقا لقولكم هذا الذي تبين وأنكم فيه ~~معاندون؛ ولما كانوا قد جزموا في هذه السورة بأنه افتراه، وكان مفصلا إلى ~~سور كل واحدة منها لها مقصد معين يستدل فيها عليه، وتكون خاتمتها مرتبطة ~~بفاتحتها متحدة بها، اكتفى في تحديهم بالإتيان بقطعة واحدة غير مفصلة إلى ~~مثل سورة لكن تكون مثل جميع القرآن في الطول والبيان وانتظام العبارة ~~والتئام المعاني فلذلك قال: {بسورة} قال الرماني: والسورة منزلة محيطة ~~بآيات من أجل الفاتحة والخاتمة كإحاطة سور البناء، وهذا نظرا إلى أن ~~المتحدي به سورة اصطلاحية والصواب أنها لغوية، وهي كما قال الحرالي تمام ~~جملة من المسموع تحيط بمعنى تام بمنزلة إحاطة السور بالمدنية؛ ووصفها ~~بقوله: {مثله} أي ms2045 قي البلاغة وحسن النظم وصحة المعاني ومصادقة الكتب وتفصيل ~~العلوم لأنكم مثلي في العربية وتزيدون بالكتابة ومخالطة العلماء - من غير ~~إتيان ب «من» لما تقدم من أن المراد كونها مثل القرآن كله، ولذلك وسع لهم ~~في الاستعانة بجميع من قدروا عليه ووصلت طاقتهم إليه ولم يقصرهم على من ~~بحضرتهم فقال: {وادعوا} أي لمعاونتكم {من استطعتم} أي قدرتم على طاعته ولو ~~ببذل الجهد من الجن والإنس وغيرهم للمعاونة، وحقق أن هذا القرآن من عنده ~~سبحانه # PageV09P123 # باستثنائه في قوله: {من دون الله} أي الذي له الكمال كله، ونبه على أنهم ~~متعمدون لما نسبوه إليه - وحاشاه من تعمد الكذب - وأنهم معاندون بقوله: {إن ~~كنتم} أي جبلة وطبعا {صادقين*} أي في أنه أتى به من عنده، لأن العاقل لا ~~يجزم بشيء إلا إذا كان عنده منه مخرج، وذلك لا يكون إلا عن دليل ظاهر ~~وسلطان قاهر باهر، وقد مضى في البقرة ويأتي في هود إن شاء الله تعالى ما ~~يوضح هذا المعنى؛ والاستطاعة: حالة تتطاوع بها الجروح والقوى للفعل لأنه ~~مأخوذ من الطوع؛ ثم كان كأنه قيل: فقال لهم ذلك فلم يأتوا لقومهم بشبهة ~~توجب شكا فضلا عن مصدق، لأنه معجز لكونه كلاما في أعلى طبقات البلاغة بحسن ~~النظام والجزالة منزلا من عند الله المحيط علما وقدرة، فهو مشتمل من كل ~~معنى على ما علا كل العلو عن مدان {بل} . # وأحسن من ذلك أنه لما أقام الدليل على أن القرآن كلامه، وكان الدليل إنما ~~من شأنه أن يقام على من عرض له غلط أو شبهة، وكان قولهم {افتراه} لا عن ~~شبهة وإنما هو مجرد عناد، نبه سبحانه على ذلك وعلى أنه إنما أقام الدليل ~~لإظهار عنادهم لا لأن عندهم شبهة في كونه حقا بالإضراب عن قولهم فقال: {بل} ~~أي لم يقولوا {افتراه} عن اعتقاد منهم لذلك بل {كذبوا} أي أوقعوا التكذيب ~~الذي لا تكذيب أشنع منه مسرعين في ذلك من غير أن يتفهموه مستهينين {بما لم ~~يحيطوا بعلمه} اي في نظمه أو معناه من ms2046 غير شبهة أصلا بل # PageV09P124 # عنادا وطغيانا ونفورا مما يخالف دينهم وشرادا، فهو من باب «من جهل شيئا ~~عاداه» والإحاطة: إرادة ما هو كالحائط حول الشيء، فإحاطة العلم بالشيء ~~العلم به من جميع وجوهه. # ولما كان لا بد من وقوع تأويله، وهو إتيان ما فيه من الإخبار بالمغيبات ~~على ما هي عليه، قال: {ولما يأتهم} أي إلى زمن تكذيبهم {تأويله} أي ترجيعنا ~~لأخباره إلى مراجعها وغاياتها حتى يعلموا أصدق هي أم كذب، فإنه معجز من جهة ~~نظمه ومن جهة صدقه في أخباره؛ والتأويل: المعنى الذي يؤول إليه التفسير، ~~وهو منتهى التصريح من التضمين. # ولما كان كأنه قيل: إن فعلهم هذا لعجب، فما حملهم على التمادي فيه؟ فقيل: ~~تبعوا في ذلك من قبلهم لموافقتهم في سوء الطبع، قال مهددا لهم ومسليا له ~~صلى الله عليه وسلم: {كذلك} أي مثل تكذيبهم هذا التكذيب العظيم في الشناعة ~~قبل تدبير المعجز {كذب الذين} ولما كان المكذبون بعض السالفين، أثبت الجار ~~فقال: {من قبلهم} أي من كفار الأمم الخالية فظلموا فأهلكناهم بظلمهم؛ ولما ~~كان التكذيب خطرا لما يثير من السرور، سبب عنه - تحذيرا منه - النظر في ~~عاقبة أمره فقال: {فانظر} أي بعينك ديارهم وبقلبك أخبارهم. # ولما كان من نظر هذا النظر وجد فيه أجل معتبر وأعلى مزدجر، وجه السؤال ~~إليه بقوله: {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {الظالمين*} # PageV09P125 # أي الذين رسخت أقدامهم في وضع الأشياء في غير مواضعها حتى كذبوا من لا ~~يجوز عليه الكذب بوجه، ومن المقطوع به أن هذا المسؤول يقول من غير تعلثم ~~ولا تردد: عاقبة وخيمة قاصمة ذميمة؛ والعاقبة سبب تؤدي إليه البادئة، فالذي ~~أدى إلى إلى هلاكهم بعذاب الاستئصال ما تقدم من ظلمهم لأنفسهم وعتوهم في ~~كفرهم. # ولما ذكر سبحانه تكذيبهم، كان ذلك ربما أيأس من إذعانهم وتصديقهم، وآذن ~~باستئصالهم لتكمل المشابهة للأولين، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الشفقة ~~عليهم والحرص على إيمانهم، فأتبعه تعالى بقوله بيانا لأن علمه بانقسامهم ~~أوجب عدم استئصالهم عاطفا على {كذبوا} : {ومنهم} أي قومك {من ms2047 يؤمن به} أي ~~في المستقبل {ومنهم من لا يؤمن به} أي القرآن أصلا ولو رأى كل آية {وربك} ~~أي المحسن إليك بالرفق بأمتك {أعلم بالمفسدين*} أي الذين هم عريقون في ~~الإفساد فسيعاملهم بما يشفي صدرك. # PageV09P126 # ولما قسمتهم هذه الآية قسمين، وتليت بذكر القسم الثاني بالواو، عرف أنه ~~معطوف على مطوى القسم الأول، فكان كأنه قيل: فإن صدقوك فقل: الله ولي ~~هدايتكم ولي مثل أجوركم بنسبتي فيها فضلا من ربي: {وإن كذبوك فقل} أي قول ~~منصف معتمد على قادر عالم {لي علمي} بالإيمان والطاعة {ولكم عملكم} # PageV09P126 # ما لأحد من ولا عليه من جزاء الآخر شيء؛ ثم صرح بالمقصود من ذلك بقوله ~~محذرا لهم: {أنتم بريئون مما أعمل} أي فإن كان خيرا لم يكن لكم منه شيء وإن ~~كان غيره لم يكن عليكم منه شيء {وأنا بريء مما تعملون*} لا جناح علي في شيء ~~منه لأني لا أقدر على ردكم عنه؛ والبراءة: قطع العلقة الذي يوجب رفع ~~المطالبة، ولا حاجة إلى ادعاء نسخ هذه الآية بآية السيف، فإنه لا منافاة ~~بينهما، لأن هذه في رفع لحاق الإثم وهو لا ينافي الجهاد. # ولما قسمهم إلى هذين القسمين، قسم القسم الأخير إلى قسمين فقال: {ومنهم} ~~أي المكذبين {من} ولما كان المستمع إليه أكثر لأنهم أشهى الناس إلى تعرف ~~حاله، وكان طريق ذلك السمع والبصر، وكان تحديق العين إليه لا يخفى، فكان ~~أكثرهم يتركه إظهارا لبغضه وخوفا من إنكار من يراه عليه، وكان إلقاء السمع ~~بغاية الجهد يمكن إخفاءه بخلاف الإبصار، عبر هنا بالافتعال، وجمع دالا على ~~كثرتهم نظرا إلى معنى «من» وأفرد في النظر اعتبارا للفظها ودالا على قلة ~~الناظر بما ذكر فقال: {يستمعون} وضمن الاستماع الإصغاء ليؤدي مؤدي الفعلين، ~~ودل على الإصغاء بصلته معلقة بحال انتزعت منه فكأنه: قال مصغين {إليك} أي ~~عند قراءة القرآن وبيانه بالسنة، ولكنهم وإن كانوا قسمين بالنسبة إلى ~~الاستماع والنظر فهم # PageV09P127 # قسم واحد بالنسبة إلى الضلال، فكان تعقيب ذلك بحشرهم بعد قصر الهداية ~~عليه سبحانه كذكر حشرهم فيما ms2048 مضى تقسيمهم إلى قسمين بعد قوله {ويهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم} . # ولما كان صلى الله عليه وسلم يريد - بإسماعه لهم ما أنزل الله - هدايتهم ~~به، سبب عن استماعهم إنكار إسماعهم الإسماع المترتب عليه الهدى فقال: ~~{أفأنت} أي وحدك {تسمع الصم} أي في آذان قلوبهم لأنهم يستمعون إليك وقد ختم ~~على أسماعهم فهم لا ينتفعون باستماعهم لأنهم يطلبون السمع للرد لا للفهم؛ ~~والسمع إدراك الشيء بما يكون به مسموعا، فكانوا بعدم انتفاعهم كأنهم هم ~~مجانين، لأن الأصم العاقل ربما فهم بالتفرس في تحريك الشفاه وغيرها فلذا ~~قال: {ولو كانوا} أي جبلة وطبعا {لا يعقلون*} أي لا يتجدد لهم عقل أصلا ~~فصاروا بحيث لا يمكن إسماعهم لأنه لا يمكن إلا بسماع الصوت الدال على ~~المعنى وبفهم المعنى، والمانع من الأول الصمم، ومن الثاني عدم العقل، ~~فصاروا شرا من البهائم لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع، والأصم: المنسد ~~السمع بما يمنع من إدراك الصوت {ومنهم من ينظر} محدقا أو راميا ببصره من ~~بعيد {إليك} فهو من التضمين كما سبق في {يستمعون} ؛ نقل عن التفتازاني أنه ~~قال في حاشية الكشاف: وحقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي مع فعل ~~آخر يناسبه # PageV09P128 # وهو كثير في كلام العرب، وذلك مع حذف حال مأخوذ من الفعل الآخر بمعونة ~~القرينة اللفظية، ويتعين جعل الفعل المذكرو أصلا والمذكور حاله تبعا، لأن ~~حذفه والدلالة عليه بصلته يدل على اعتباره في الجملة لا على زيادة القصد ~~إليه، ومن أمثلته: أحمد إليك الله، أي منهيا إليك حمده، ويقلب كفيه على ~~كذا، أي نادما عليه، # {ولا تعد عيناك عنهم} [الكهف: 28] أي مجاوزتين عنهم إلى غيرهم، {ولا ~~تأكلوا أموالهم} -ضاميها {إلى أموالكم} [النساء: 2] ، {الرفث - مفضين - إلى ~~نسائكم} [البقرة: 187] ، {ولا تعزموا} [البقرة: 235] أي على النكاح وأنتم ~~تنوون عقدته {ولا يسمعون} مصغين {إلى الملإ الأعلى} [الصافات: 8] ، سمع ~~الله - أي مستجيبا - لمن حمده، {والله يعلم المفسد} [البقرة: 220] مميزا له ~~- {من المصلح} ، {والذين يؤلون} - ممتنعين {من} وطء {نسائهم} [البقرة: 226] ~~. # ولما كان المعنى أنك يا أكرم الخلق ms2049 تريد بنظر هذا الناظر إليك ان ينظر ~~إلى ما تأتي به من باهر الآيات فيهتدي وهو غير منتفع بنظره لما جعل عليه من ~~الغشاوة فكان كالأعمى الذي زاد على عدم بصره عدم العقل فلا بصر ولا بصيرة، ~~قال منكرا لذلك: {أفأنت تهدي العمي} # PageV09P129 # أي عيونا وقلوبا {ولو كانوا} أي بما جبلوا عليه {لا يبصرون*} أي لا يتجدد ~~لهم بصر ولا بصيرة، فلا تمكن هدايتهم، لأن هداية الطريق الحسي لا تمكن إلا ~~بالبصر، وهداية الطريق المعنوي لا تمكن إلا بالبصيرة؛ والنظر: طلب الرؤية ~~بتقليب البصر، ونظر القلب طلب العلم بالفكر؛ والعمى: آفة تمنع الرؤية عن ~~العين والقلب؛ والإبصار: إدراك الشيء بما به يكون مبصرا، فكأنه قيل: ما له ~~فعل بهم هذا والأمر بيده؟ فقيل: لأنه تام الملك والملك وهو متفضل في جميع ~~نعمة لا يجب عليه لأحد شيء فهو لا يسأل عما يفعل، وبنى عليه قوله: {إن ~~الله} وأحسن منه أن يقال: ولما كان التقدير: إذا علمت ذلك فخفف عنك بعض ما ~~أنت فيه، فإنك لا تقدر على إسماعهم ولا هدايتهم لأن الله تعالى أراد ما هم ~~عليه منهم لاستحقاقهم ذلك لظلمهم أنفسهم، علله بقوله: {إن الله} أي المحيط ~~بجميع الكمال {لا يظلم الناس شيئا} وإن كان هو الذي جبلهم على الشر {ولكن ~~الناس} أي لما عندهم من شدة الاضطراب والتقلب {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون*} ~~بحملهم لها على الشر وصرف قواهم فيه باختيارهم مع زجرهم عن ذلك وحجبهم عما ~~جبلوا عليه وإن كان الكل بيده سبحانه ولا يكون إلا بخلقه. # PageV09P130 # ولما كان في هذه الآيات ما ذكر من أفانين جدالهم في أباطيلهم وضلالهم، ~~وكان فعل ذلك - ممن لا يرى حشرا ولا جزاء ولا نعيما وراء نعيم هذه الدار - ~~فعل فارغ السر مستطيل للزمان آمن من نوازل الحدثان، حسن تعقيبه بأنهم يرون ~~يوم الحشر من الأهوال ما يستقصرون معه مدة لبثهم في الدنيا، فقد خسروا إذن ~~دنياهم بالنزاع، وآخرتهم بالعذاب الذي لا يستطاع، وليس له انقطاع، فقال ~~تعالى مهددا لهؤلاء الكفار الذين ms2050 يعاندون فلا يسمعون ولا يبصرون عاطفا على ~~{ويوم نحشرهم} الأولى: {ويوم يحشرهم} أي واستقصروا مدة لبثهم في الدنيا يوم ~~الحشر لما يستقبلهم من الأهوال والزلازل الطوال، فكأنه قيل: إلى أي غاية؟ ~~فقيل: {كأن} أي كأنهم {لم يلبثوا} في دنياهم، والجملة في موضع الحال من ~~ضمير {يحشرهم} البارز أي مشبهين بمن لم يلبثوا {إلا ساعة} أي حقيرة {من ~~النهار} وقوله: {يتعارفون بينهم} حال ثانية، أي لم يفدهم تلك الساعة أكثر ~~من أن عرف فيها بعضهم بعضا ليزدادوا بذلك حسرة في ذلك اليوم بعدم القدرة ~~على التناصر والتعاون والتظافر كما كانوا يفعلون في الدنيا. # ولما كانت حالهم هذه هي الخسارة التي ليس معها تجارة، فكان السامع متوقعا ~~للخبر عنها، قال متعجبا منهم موضع: ما أخسرهم: # PageV09P131 # {قد خسر} أي حقا {الذين كذبوا} أظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف مستهينين {بلقاء الله} أي الملك الأعلى بما أخذوا من الدنيا من ~~الخسيس الفاني وتركوا مما كشف لهم عنه البعث من النعيم الشريف الباقي؛ ولما ~~كان الذي وقع منه تكذيب مرة في الدهر قد يفيق بعد ذلك فيهتدي، قال عاطفا ~~على الصلة: {وما كانوا} أي جبلة وطبعا {مهتدين*} مشيرا إلى تسفيههم فيما ~~يدعون البصر فيه من أمر المتجر والمعرفة بأنواع الهداية. # PageV09P132 # ولما كان إخبار الصادق بهلاك الأعداء مقرا لعين، وكانت مشاهدة هلاكهم أقر ~~لها، عطف على قوله {قد خسر} : {وإما نرينك} أي إراءة عظيمة قبل وفاتك {بعض ~~الذي نعدهم} أي في الدنيا بما لنا من العظمة فهو أقر لعينك {أو نتوفينك} ~~قبل ذلك {فإلينا مرجعهم} فنريك فيما هنالك ما هو أقر لعينك وأسر لقلبك، ~~فالآية من الاحتباك: ذكر أولا الإراءة دليلا على حذفها ثانيا، والوفاة ~~ثانيا دليلا على حذفها أولا؛ و «ثم» في قوله: {ثم الله} أي المحيط بكل شيء ~~{شهيد} أي بالغ الشهادة {على ما يفعلون*} في الدارين - يمكن أن يكون على ~~بابها، فتكون مشيرة إلى التراخي بين ابتداء رجوعهم بالموت وآخره بالقيامة، ~~ليس المراد بقوله {شهيد} ظاهره، بل العذاب الناشىء عن الشهادة في ms2051 الآخرة ~~إلى أن الله يعاقبهم بعد مرجعهم، فيريك ما بعدهم لأنه عالم بما يفعلون. # PageV09P132 # ولما كان في هذه الآية التهديد بالعذاب إما في الدنيا أو في الآخرة غير ~~معين له صلى الله عليه وسلم واحدة منهما، أتبعها بما هو صالح للأمرين ~~بالنسبة إلى كل رسول إشارة إلى أن أحوال الأمم على غير نظام فلذلك لم يجزم ~~بتعيين واحدة من الدارين للجزاء، وجعل الأمر منوطا بالقسط، ففي أي دار أحكم ~~جعله فيها، فقال تعالى: دالا على أنه نشر ذكر الإسلام وهو الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر من عهد آدم عليه السلام إلى آخر الدهر ~~على وجه لم يحصل له اندراس في دهر من الدهور، فمن تركه استحق العذاب سواء ~~كان ممن بين عيسى ومحمد عليهما السلام أم لا، فلا تغتر بما يقال من غير ~~هذا: {ولكل أمة} أي من الأمم التي خلت قبلك {رسول} يدعوهم إلى الله؛ ثم سبب ~~عن إتيان رسولهم بيان القضاء فيهم فقال: {فإذا جاء} أي إليهم {رسولهم} في ~~الدنيا بالبينات والهدى؛ وفي الآخرة في الموقف بالإخبار بما صنعوا به في ~~الدنيا من تكذيب أو تصديق {قضي بينهم} أي في جميع الأمور بما أفاده نزع ~~الخافض على أسهل وجه من غير شك بما أفاده البناء للمفعول؛ ولما كان السياق ~~بالترهيب أجدر، قال {بالقسط} أي أظهر خفيا من استحقاقهم في القضاء بالعدل ~~والقسمة المنصفة بينهم كلهم بالسوية فأعطى كل أحد منهم مقدار ما يخصه من ~~تعجيل العذاب وتأخيره كما فعل معك؛ ولما كان ذلك لا يستلزم الدوام، قال: ~~{وهم لا يظلمون*} # PageV09P133 # أي لا يتجدد لهم ظلم منه سبحانه ولا من غيره. # ولما تقدم في هذه الآيات تهديدهم بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة، حكى ~~سبحانه جوابهم عن ذلك عطفا على قوله: {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه} ~~فقال: {ويقولون} أي هؤلاء المشركون مجددين لهذا القول مستمرين على ذلك ~~استهزاء: {متى هذا الوعد} أي بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة، وألهبوا ~~وهيجوا بقولهم: {إن كنتم} أي أنت ms2052 ومن قال بقولك {صادقين*} والقول كلام مضمن ~~في ذكره بالحكاية وقد يكون كلام لا يعبر عنه فلا يكون له ذكر مضمن ~~بالحكاية، فلا يكون قولا لأنه إنما يكون قولا من أجل تضمن ذكره بالحكاية - ~~قاله الرماني، ولتضمين جعل الشيء في وعاء؛ والوعد: خبر بما يعطي من الخير، ~~والوعيد: خبر بما يعطى من الشر، وقد يراد الإجمال كما هنا فيطلق الوعد على ~~المعنيين: وعد المحسن بالثواب والمسيء بالعقاب؛ والصدق: الخبر عن الشيء على ~~ما هو به؛ والكذب: الخبر عنه على خلاف ما هو به. # ولما تضمن قولهم هذا استعجاله صلى الله عليه وسلم بما يتوعدهم به، أمره ~~بأن يتبرأ من القدرة على شيء لم يقدره الله عليه بقوله: {قل} أي لقومك ~~المستهزئين {لا أملك لنفسي} فضلا عن غيري؛ ولما كان السياق للنقمة، قدم ~~الضر منبها على أن نعمه أكثر من نقمة؛ # PageV09P134 # وأنهم في نعمه، عليهم أن يقيدوها بالشكر خوفا من زوالها فضلا عن أن ~~يتمنوه فقال: {ضرا ولا نفعا} . # ولما كان من المشاهد أن كل حيوان يتصرف في نفسه وغيره ببعض ذلك قال: {إلا ~~ما شاء الله} أي المحيط علما وقدرة أن أملكه من ذلك، فكأنه قيل: فما لك لا ~~تدعوه بأن يشاء ذلك ويقدرك عليه؟ فقيل: {لكل أمة أجل} فكأنه قيل: وماذا ~~يكون فيه؟ فقيل: {إذا جاء أجلهم} هلكوا؛ ولما كان قطع رجائهم من الفسحة في ~~الأجل من أشد عذابهم، قدم قوله: {فلا يستأخرون} أي عنه {ساعة} ثم عطف على ~~الجملة الشرطية بكمالها {ولا يستقدمون*} فلا تستعجلوه فإن الوفاء بالوعد لا ~~بد منه. والسين فيهما بمعنى الوجدان، أي لا يوجد لهم المعنى الذي صيغ منه ~~الفعل مثل: استشكل الشيء واستثقله، ويجوز كون المعنى: لا يوجدون التأخر ولا ~~التقدم وإن اجتهدوا في الطلب، فيكون في السين معنى الطلب والملك قوة يتمكن ~~بها من تصريف الشيء أتم تصريف، والنفع: إيجاب اللذة بفعلها والتسبب المؤدي ~~إليها؛ والضر: إيجاب الألم بفعله أو التسبب إليه؛ والأجل: الوقت المضروب ~~لوقوع أمر. # PageV09P135 # ولما كان جل قصدهم بذلك ms2053 الاستهزاء، وكان وقوعه أمرا ممكنا، وكان من شأن ~~العاقل أن يبعد عن كل خطر ممكن، أمره صلى الله عليه وسلم # PageV09P135 # بجواب آخر حذف منه واو العطف لئلا يظن أنه لا يكفي في كونه جوابا إلا ~~بضمنه إلى ما عطف عليه فقال: {قل} أي لمن استبطأ وعيدنا بالعذاب في الدنيا ~~أو في الأخرى، وهو لا يكون إلا بعد الأخذ في الدنيا إعلاما بأن الذي ~~يطلبونه ضرر لهم محض لا نفع فيه بوجه، فهو مما لا يتوجه إليه قصد عاقل ~~{أرءيتم} وهي من رؤية القلب لأنها دخلت على الجملة من الاستفهام {إن أتاكم ~~عذابه} في الدنيا. # ولما كان أخذ الليل أنكى وأسرع، قدمه فقال: {بياتا} أي في الليل بغتة ~~وأنتم نائمون كما يفعل العدو؛ ولما كان الظفر ليلا لا يستلزم الظفر نهارا ~~مجاهرة قال: {أو نهارا} أي مكاشفة وأنتم مستيقظون، أتستمرون على عنادكم فلا ~~تؤمنوا؟ فكأنهم قالوا: لا، فليجعل به ليرى، فقيل: إنكم لا تدرون ما تطلبون! ~~إنه لا لمخلوق بنوع منه، ولا يجترىء على مثل هذا الكلام إلا مجرم {ماذا} أي ~~ما الذي؟ ويجوز أن يكون هذا جواب الشرط {يستعجل} أي يطلب العجله {منه} أي ~~من عذابه، وعذابه كله مكروه لا يحتمل شيء منه {المجرمون*} إذ سنة الله قد ~~استمرت بأن المكذب لا يثبت إلا عند مخايله، وأما إذا برك بكلكه وأناخ بثقله ~~فإنه يؤمن حيث لا ينفعه الإيمان {ولن تجد لسنة الله تحويلا} [فاطر: 43] ~~وهذا معنى التراخي في قوله: {أثم إذا ما وقع} # PageV09P136 # أي عذابه وانتفى كل ما يضاده {آمنتم به} وذلك أنه كانت عادتهم كمن قبلهم ~~الاستعجال بالعذاب عند التوعد به، وكانت سنة الله قد جرت بأن المكذبين إذا ~~أتاهم العذاب يتراخى إيمانهم بعد مجىء مقدماته وقبل اجتثاثهم بعظائم صدماته ~~لشدة معاندتهم فيه وتوطنهم عليه كما وقع للأولين من الأمم بغيا وعتوا كقوم ~~صالح لما تغيرت وجوههم بألوان مختلفة في اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث ~~وأيقنوا بالهلكة وودع بعضهم بعضا ولم يؤمنوا. وجرت بأنهم إذا ذاقوا مس ~~العذاب ms2054 وأخذتهم فواجئه الصعاب شغلتهم دواهيه عن العناد واضطرتهم أهواله إلى ~~سهل الانقياد، فكان في غاية الحسن وضع تقريعهم على الاستعجال عقب الوعيد، ~~ثم وضع التراخي عن الإيمان بالعناد بعد الإشراف على الهلاك ومعاينة التلف، ~~فكان كأنه قيل: أخبروني على تقدير أان يأتيكم عذابه الذي لا عذاب أعظم منه ~~- كما دل ذلك إضافته إليه - فبيتكم أو كاشفكم، ما تفعلون؟ ألا تؤمنون؟ ~~فقالوا لا، فليعجل به ليرى، فناسب لما كان استعجالهم بعد هذا الإنذار ~~تسفيههم على ذلك فقيل {ماذا} أي أي نوع منه يطلب عجلته {المجرمون} ، ولا ~~نوع منه الإ وهو فوق الطاقة ووراء الوسع، إن هذا لمنكر من الآراء، أفبعد ~~تراخي إيمانكم عن مخايل صدمته ومشاهدة مبادىء عظمته وشدته أوجدتم الإيمان ~~به عند وقوعه؟ يقال لكم حين اضطرتكم فواجئه إلى الإيمان وحملتكم # PageV09P137 # قوارعه على صيورة الإذعان: {آلآن} تؤمنون به - أي بسببه - بعد أن أزال ~~بطشا قواكم وحل عزائم هممكم وأوهاكم {وقد كنتم} أي كونا كأنكم مجبولون عليه ~~{به تستعجلون*} أي تطلبون تعجيله طلبا عظيما حتى كأنكم لاتطلبون عجلة شيء ~~غيره تكذيبا وعزما على الثبات على العناد، لو وقع فلم نقبل إيمانكم هذا ~~منكم ولا كف عذابنا عنكم، بل صيركم كأمس الدابر. # ولما كان ما ذكر هو العذاب الدنيوي، أتبعه ما بعده إعلاما بأنه لا يقتصر ~~عليه في جزائهم فقال: {ثم قيل} أي من أي قائل كان استهانة {للذين ظلموا} أي ~~وبعد أزكم في الدنيا والبرزخ بالعذاب وهزكم بشديد العقاب قيل لكم يوم الدين ~~بظلمكم بالآيات وبما أمرتم به فيها بوضعكم كلا من ذلك في غير موضعه: {ذوقوا ~~عذاب الخلد} فالإتيان ب «ثم» إشارة إلى تراخي ذلك عن الإهلاك في الدنيا ~~بالمكث في البرزخ أو إلى أن عذابه أدنى من عذاب يوم الدين {هل تجزون} بناه ~~للمفعول لأن المخيف مطلق الجزاء؛ ولما كان الاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، ~~وكان المعنى: بشيء، استثنى منه فقال: {إلا بما كنتم} أي بجبلاتكم {تكسبون*} ~~أي في الدنيا من العزم على الاستمرار على الكفر # PageV09P138 # ولو طال المدى لاتنفكون ms2055 عنه بشيء من الأشياء وإن عظم، فكان جزاءكم الخلود ~~في العذاب طبق النعل بالنعل؛ والعذاب: الألم المستمر، وأصله الاستمرار، ~~ومنه العذوبة لاستمرارها في الحلق؛ والبيات: إتيان الشيء ليلا؛ والذوق: طلب ~~الطعم بالفم في ابتداء الأخذ. # ولما انقضى ما اشتملت عليه الآية من التهديد وصادع الوعيد، أخبر تعالى ~~أنهم صاروا إلى ما هو جدير بسامع ذلك من النزول عن ذلك العناد إلى مبادىء ~~الانقياد بقوله تعالى: {ويستنبئونك} عطفا على قوله «ويقولون متى هذا الوعد» ~~أي ويطلبون منك الإنباء وهو الإخبار العظيم عن حقيقة هذا الوعد الجسيم، ~~ويمكن أن يكون ذلك منهم على طريق الاستهزاء كالأول، فيكون التعجيب والتوبيخ ~~فيه بعد ما مضى من الأدلة أشد {أحق هو} أي أثابت هذا الذي تتوعدنا به أم هو ~~كالسحر لا حقيقية له كما تقدم أنهم قالوه {قل} أي في جوابهم {إي وربي} أي ~~المحسن إلي المدبر لي والمصدق لجميع ما آتي به؛ ولما كانوا منكرين، أكد ~~قوله: {إنه لحق} أي كائن ثابت لا بد من نزوله بكم. # ولما كان الشيء قد يكون حقا، ويكون الإنسان قادرا على دفعه فلا يهوله، ~~قال نفيا ذلك: {وما أنتم} أي لمن توعدكم {بمعجزين*} فيما يراد بكم. # PageV09P139 # ولما أخبرهم بحقيقته، أخبرهم بما يكون منهم من الظلم أيضا عند معياينته ~~بالسماح ببذل جميع ما في الأرض حيث لا ينفع البذل بعد ترك المأمور به # PageV09P139 # وهو من أيسر الأشياء وأحسنها فقال: {ولو أن لكل نفس ظلمت} أي عند ~~المعاينة {ما في الأرض} أي كلها من خزائنها ونفائسها {لافتدت به} أي جعلت ~~فدية لها من العذاب لكنه ليس لهم ذلك، ولو كان من قبل منهم، فإذا وقع ما ~~يوعدون استسلموا {وأسروا الندامة} أي اشتد ندمهم ولم يقدروا على الكلام ~~{لما رأوا العذاب} لأنهم بهتوا لعظم ما دهمهم فكان فعلهم فعل المسر، لأنهم ~~لم يطيقوا بكاء ولا شكاية ولا شيئا مما يفعله الجازع؛ والاستنباء: طلب ~~النبأ كما أن الاستفهام طلب الفهم؛ والنبأ: خبر عن يقين في أمر كبير؛ ~~والحق: عقد على المعنى على ms2056 ماهو به تدعو لحكمة إليه، وكل ما بنى على هذا ~~العقد فهو حق لأجله، والحق في الدين ما شهد به الدليل على الثقة فيما طريقه ~~العلم، والقوة فيما طريقة غالب الأمر، وذلك فيما يحتمل أمرين أحدهما أشبه ~~بألاصل الذي جاء به النص؛ والافتداء: إيقاع الشيء بدل غيره لرفع المكروه، ~~فداه فدية وأفداه وافتداه افتداء وفاداه مفاداة وفداه تفدية وتفادى منه ~~تفاديا؛ والإسرار: إخفاء الشيء في النفس؛ والندامة: الحسرة على ما كان ~~يتمنى أنه لم يكن أوقعها، وهي حال معقولة يتأسف صاحبها على ما وقع منها ~~ويود أنه لم يكن أوقعها. # ولما اشتملت الآيات الماضيات على تحتم إنجاز الوعد والعدل في الحكم، ~~وختمت بقوه: {وقضي} أي وأوقع القضاء على أيسر وجه وأسهله؛ # PageV09P140 # ولما استغرق القضاء جميع وقائعهم. دل بنزع الجار فقال: {بينهم} أي ~~الظالمين والمظلومين والظالمين والأظلمين {بالقسط} أي العدل؛ ولما كان وقوع ~~ذلك لا ينفي وقوع الظلم في وقت آخر قال: {وهم} أي والحال أنهم {لا يظلمون*} ~~أي لا يقع فيهم ظلم من أحد أصلا كائنا من كان في وقت ما. # ولما كان السبب الحامل لملوك الدنيا على الكذب والجور والظلم العجز أو ~~طلب التزيد في الملك، أشار إلى تنزهه عن ذلك بقوله مؤكدا سوقا لهم مساق ~~المنكر لأن فعلهم في عبادة الأصنام فعل من ينكر مضمون الكلام: {ألا إن لله} ~~أي الملك الأعظم وحده {ما في السماوات} بدأ بها لعلوها معنى وحسا وعظمتها؛ ~~ولما كان المقام للغنى عن الظلم لم يحوج الحال إلى تأكيد بإعادة النافي ~~فقال: {والأرض} أي من جوهر وعرض صامت وناطق، فلا شيء خارج عن ملك يحوجه إلى ~~ظلم أو إخلاف وعد لحيازته، والحاصل أنه لا يظلم إلا ناقص الملك وأما من له ~~الملك كله فهو الحكم العدل: لأن جميع الأشياء بالنسبة إليه على حد سواء، ~~ولا يخلف الوعد إلا ناقص القدرة وأما من له كل شيء ولا يخرج عن قبضته شيء ~~فهو المحق في الوعد العدل في الحكم، وفي الآية زيادة تحسير وتنديم للنفس ~~الظالمة ms2057 حيث أخبرت بأن ما تود أن تفتدي به ليس لها منه شيء ولا تقدر على ~~التوصل إليه، ولو قدرت ما قبل # PageV09P141 # منها، وإنما هو لمن رضي منها بالقليل منه فضلا منه عليها على ما أمر به ~~على لسان رسله، وعلى هذا فيجوز أن يكون التقدير: لو أن لها ذلك لافتدت به، ~~لكنه ليس لها بل لله؛ فلما ثبت بذلك حكمه بالعدل وتنزهه عن إخلاف الوعد. # صرح بمضمون ذلك بقوله مؤكدا لإنكارهم: {ألا إن وعد الله} أي الذي له ~~الكمال كله {حق} لأنه تام القدرة والغنى، فلا حامل له على الإخلاف {ولكن ~~أكثرهم} أي الذين تدعوهم وهم يدعون دقة الأفهام وسعة العقول {لا يعلمون*} ~~أي لا علم لهم فهم لا يتدبرون ما نصبنا من الأدلة فلا ينقادون لما أمرنا به ~~من الشريعة فهم باقون على الجهل معدودون مع البهائم؛ و {ألا} مركبة من همزة ~~الاستفهام و «لا» وكانت تقريرا وتذكيرا فصارت تنبيها، وكسرت إن بعدها لأنها ~~استئنافيه ينبه بها على معنى يبتدأ به ولذا يقع بعدها الأمر والدعاء بخلاف ~~«لو» و «إلا» للاستقبال فلم يجز بعدها إلا كسر «إن» «أما» قد تكون بمعنى ~~«حقا» في قولهم: أما إنه منطلق، وهي للحال فجاز في «أن» بعدها الوجهان - ~~ذكره الرماني؛ والسماوات طبقات مرفوعه أولها سقف مزين بالكواكب. وهي من سما ~~بمعنى علا. # ولما تقرر أنه لا شيء خارج عن ملكه، وأنه تام القدرة لأنه لا منجي من ~~عذابه، شامل العلم لقضائه بالعدل، صادق الوعد لأنه # PageV09P142 # لا حامل له على غيره، وثبت تفرده بأنه يحي ويميت؛ ثبت أنه قادر على ~~الإعادة كما قدر على الابتداء، فثبت أنه لا يكون الرد إلا إليه فنبه على ~~ذلك بقوله: {هو} أي وحده {يحيي} أي كما أنتم به مقرون {ويميت} كما أنتم له ~~مشاهدون {وإليه} أي لا إلى غيره {ترجعون*} لأنه وعد بذلك في قوله: {إليه ~~مرجعكم جميعا وعد الله حقا} [يونس: 4] وفي قوله: {فإلينا مرجعهم} [يونس: ~~46] وفي قوله {إي وربي إنه لحق} [يونس: 53] وغير ذلك ولا مانع ms2058 له منه؛ ~~والحياة معنى يوجب صحة العلم والقدرة ويضاد الموت، وهو يحل سائر أجزاء ~~الحيوان فيكون بجميعه حيا واحدا، والحي هو الذي يصح أن يكون قادرا، والقادر ~~هو الذي يصح أن يذم ويحمد بما فعل، والموت معنى يضاد الحياة على البنية ~~الحيوانية، وليس كذلك الجمادية. # ولما ثبت أن ذلك كله حق مباين للسحر الذي مبناه على التخييل، أقبل على ~~الذين تقدم الإخبار عنهم في أول السورة في قوله: أكان للناس عجبا أنهم ~~قالوا إنه سحر، فقال: {يا أيها الناس} أي الذين قالوا: إن وعدنا والإخبار ~~به سحر؛ ولما كان بين الأرواح والأبدان حب غريزي بالتعلق، والتذ الروح لذلك ~~بمشتهيات هذه الحياة الدنيا بما انطبع فيه بمظاهر الحس فلم يأته نور العقل ~~حتى تعود النقائص بقوة التعلق # PageV09P143 # فحدثت له أخلاق ذميمة هي أمراض روحانية، فأرسل ربه الذي أوجده ودبره ~~وأحسن إليه طبيبا حاذقا هو الرسول صلى الله عليه وسلم لعلاج هذه الأمراض. # وأنزل كتابه العزيز لوصف الأدوية، فكان أحكم الطب منع المريض عن أسباب ~~المرض، قال تعالى: {قد جاءتكم موعظة} أي زاجر عظيم عن التخلي عن كل ما يشغل ~~القلب عن الله من المحظورات وغيرها من كل ما لا ينبغي، وذلك هو الشريعة. # ولما كان تناول المؤذي شديد الخطر، وهو لذيذ إلى النفس بينهما من ملاءمة ~~النقص، وكان الانكفاف عنه أشق شيء عليها، رغبها في القبول بقوله: {من ربكم} ~~أي المحسن إليكم المدبر لمصالحكم بهذا القرآن؛ ولما كان أليق ما يعمل بعد ~~الحمية تعاطي الدواء المزيل للأخلاط الفاسدة من الباطن، قال: {وشفاء} أي ~~عظيم جدا {لما في الصدور} من أدواء الجهل، وذلك الشفاء يحصل بتطهير الباطن ~~بعد التخلي عن الأخلاق الذميمة بالتحلي بالصفات الحميدة ليصير الباطن سالما ~~عن العقائد الفاسدة والأخلاق الناقصة كما سلم البدن من الأفعال الدنية، ~~وهذا هو الطريق. # ولما كانت الروح إذا انصقلت مرآتها فصارت قابلة لتجلي الأنوار عليها بفيض ~~البروق الإلهية والنفخات القدسية والمواهب الملكوتية لأنها دائمة اللمعان ~~كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني ms2059 عن محمد بن مسلمة رضي الله ~~عنه: «إن لربكم أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا له» الحديث. # PageV09P144 # وليس المانع من نزولها في كل قلب إلا عدم القابلية من بعضها لتراكم ~~الظلمات فيها من صداء المخالفة ودين الإعراض والغفلة، فيكون بذلك كالمرايا ~~الصديئة لا تقبل انطباع الصور بها، قال تعالى: {وهدى} إلى الحق لأنه نور ~~عظيم يقود صاحبه - ولابد - إلى الطريق الأقوم، وهذا للصديقين وهو الحقيقة. # ولما كان هذا النور إذا زاد عظمة وانتشر إشراقه يفيض - بعد الوصول إلى ~~هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية - على أرواح الناقصين فيض النور ~~من جوهر الشمس على أجرام العالم فينير كل قابل له مقبل عليه، قال تعالى: ~~{ورحمة} أي إكرام عظيم بالإمامية بالغ في الكمال والإشراق إلى حد لا مزيد ~~عليه، وهذا للأنبياء عليهم السلام؛ ولما كان لا ينتفع بأنوارهم إلا من توجه ~~إليهم، ثم إن الانتفاع بهم يتفاوت بتفاوت درجات التوجه إليهم والإقبال ~~عليهم، قال: {للمؤمنين*} الذين اتبعوه وهم راسخون في التوجه إلى المرشدين ~~والاستسلام لهم فكان ذلك سببا لنجاتهم - أشار إلى هذا الإمام وقال: فهذه ~~درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الكلمات الأربع القرآنية على ~~وجه لا يمكن تأخير شيء منها عن موضعه ولا تقديمه، وهذا بخلاف ما نسبوه إليه ~~صلى الله عليه وسلم من السحر فإنه داء كله وضلال يجر إلى الشقاء، والموعظة: ~~إبانة تدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة والرهبة، # PageV09P145 # والوعظ ما دعا إلى الخشوع والنسك وصرف عن الفسوق والإثم؛ والشفاء: إزالة ~~الداء، وداء الجهل أضر من داء البدن وعلاجه أعسر وأطباؤه أقل، والشفاء منه ~~أجل؛ والصدر: موضع القلب، وهو أجل موضع في الحي لشرف القلب؛ والهدى: بيان ~~عن معنى يؤدي إلى الحق، وهو دلالة تؤدي إلى المعرفة؛ والرحمة: نعمة على ~~المحتاج. # PageV09P146 # ولما ثبت ذلك، حثهم عليه لبعده عن السحر بثباته وعدم القدرة على زلزلته ~~فضلا عن إزالته وبأن شفاء وموعظة وهدى ورحمة فهو جامع لمراتب القرب الإلهي ~~كلها، وزهدهم فيما هم عليه مقبلون من الحطام: لمشاركته للسحر في سرعة ~~التحول والتبدل ms2060 بالفناء والاضمحلال فهو أهل للزهد فيه والإعراض عنه فقال ~~تعالى: {قل بفضل الله} الآية، وحسن كل الحسن تعقيب ذلك لقوله: {هو يحيي ~~ويميت} لما ذكر من سرعة الرحيل عنه، ولأن القرآن محيي لميت الجهل، من أقبل ~~عليه أفاده العلم والحكمة، فكان للقلب كالحياة للجسد، ومن أعرض عنه صار في ~~ضلال وخبط فوصل إلى الهلاك الدائم، فكان إعراضه عنه مميتا له، وجعل أبو ~~حيان متعلق الباء في بفضل محذوفا تقديره: {قل} ليفرحوا {بفضل الله} أي ~~الملك الأعلى {وبرحمته} ثم عطف قصر الفرح على ذلك {فبذلك} أي الأمر العظيم ~~جدا وحده إن فرحوا يوما ما بشيء {فليفرحوا} فهما جملتان وقال: إن ذلك أظهر، ~~وفائدة الثانية قصر الفرح على ذلك دون ما يسرون به من الحطام # PageV09P146 # فإن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية. ثم صرح بسبب الفرح ~~فقال: {هو} أي المحدث عنه من الفضل والرحمة {خير مما يجمعون*} أي من حطام ~~الدنيا وإن كان أشرف ما فيها من المتاع دائبين فيه على تعاقب الأوقات، ~~والعاقل يختار لتعبه الأفضل؛ والفضل: الزيادة في النعمة؛ والفرح: لذة في ~~القلب بنيل المشتهى. # ولما وصف القرآن العظيم بالشفاء وما معه المقتضي لاستقامة المناهج وسداد ~~الشرائع ووضوح المذاهب، وأشار إلى أن العاقل ينبغي له أن يخصه بالفرح لبقاء ~~آثاره وما يدعو إليه وزهده فيما يجمعون لفنائه ولأنه يدعو إلى رذائل ~~الأخلاق فيحط من أوج المعالي، أشار إلى أنهم كما خبطوا في الفرح فخصوه بما ~~يفني معرضين عما يبقى فكذلك خبطوا في طريق الجمع فوعدوها على أنفسهم بأن ~~حرموا بعض ما أحله، فمنعوا أنفسهم ما هم به فرحون دون أمر من الله تعالى ~~فنقصوا بذلك حظهم في الدنيا بهذا المنع وفي الآخرة بكذبهم على ربهم في ~~تحريمه حيث جعلوه شرعا مرضيا وهو في غاية الفساد والبعد عن الصواب والقصور ~~عن مراقي السداد فقال تعالى: {قل} أي لهؤلاء الذين يستهزئون بك استهزاء ~~قاضيا عليهم بأنهم لا عقول لهم مستهزئا بهم وموبخا لهم توبيخا هو في أحكم ~~مواضعه، وساقه على طريق السؤال ms2061 بحيث إنهم # PageV09P147 # لا يقدرون على الجواب أصلا بغير الإقرار بالافتراء فقال: {أرءيتم} أي ~~أخبروني، وعبر عن الخلق بالإنزال تنبيها على أنه شيء لا يمكن ادعاءه ~~لأصنامهم لنزول أسبابه من موضع لا تعلق لهم به بوجه فقال: {ما أنزل الله} ~~أي الذي له صفات الكمال التي منها الغنى المطلق {لكم} أي خاصا بكم {من رزق} ~~أي أي رزق كان {فجعلتم منه} أي ذلك الرزق الذي خصكم به {حراما وحلالا} على ~~النحو الذي تقدم في الأنعام وغيرها قصته وبيان فساده على أنه جلي الفساد ~~ظاهر العوج؛ ثم ابتدأ أمرا آخر تأكيدا للإنكار عليهم فقال: {قل} أي من أذن ~~لكم في ذلك؟ {الله} أي الملك الأعلى {أذن لكم} فتوضحوا المستند به {أم} لم ~~يأذن لكم فيه مع نسبتكم إياه إليه لأنكم فصلتموه إلى حرام وحلال ولا محلل ~~ومحرم إلا الله، فأنتم {على الله} أي المحيط بكل شيء عظمة وعلما {تفترون*} ~~مع نسبتكم الافتراء إلي في هذا القرآن الذي أعجز الأفكار والشرع الذي بهر ~~العقول وادعائكم أنكم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأطهرهم ذيولا منه، وتقديم ~~الجار للإشارة إلى زيادة التشنيع عليهم من حيث إنهم أشد الناس تبرؤا من ~~الكذب وقد خصوا الله - على تقدير التسليم لهم - بأن تعمدوا الكذب عليه. # ولما كان قد مضى من أدلة المعاد ما صيره كالشمس، وكان افتراءهم قد ثبت ~~بعدم قدرتهم على مستند بإذن الله لهم في ذلك، قال مشيرا # PageV09P148 # إلى أن القيامة مما هو معلوم لا يسوغ إنكاره: {وما ظن الذين يفترون} أي ~~يتعمدون {على الله} أي الملك الأعظم {الكذب} أي أنه نازل بهم {يوم القيامة} ~~أي هب أنكم لم تستحيوا منه ولم تخافوا عواقبه في الدنيا فما تظنون أنه يكون ~~ذلك اليوم؟ أتظنون أنه لا يحاسبكم فيكون حينئذ قد فعل ما لا يفعله رب مع ~~مربوبه. # ولما كان تعالى يعاملهم بالحلم وهم يتمادون في هذا العقوق، قال: {إن ~~الله} أي الذي له الكمال كله {لذو فضل} أي عظيم {على الناس} أي بنعم منها ~~إنزال الكتب مفصلا ms2062 فيها ما يرضاه وما يسخطه وإرسال الرسل عليهم السلام ~~لبيانها بما يحتمله عقول الخلق منها، ومنها طول إمهالهم على سوء أعمالهم ~~فكان شكره واجبا عليهم {ولكن أكثرهم} أي الناس لاضطراب ضمائرهم {لا يشكرون} ~~أي لا يتجدد منهم شكر فهم لا يتبعون رسله ولا كتبه، فهم يخبطون خبط عشواء ~~فيفعلون ما يغضبه سبحانه؛ والتحريم: عقد معنى النهي عن الفعل؛ والتحليل: حل ~~معنى النهي بالإذن؛ والشكر: حق يجب بالنعمة من الاعتراف به والقيام فيما ~~تدعو إليه على قدرها؛ وافتراء الكذب: تزويره وتنميقه فهو أفحش من مطلق ~~الكذب. # PageV09P149 # ولما وصف القرآن بما وصفه به من الشفاء وما معه بعد إقامة الدليل # PageV09P149 # على إعجازه، وأشار إلى أن ما تدينوا به في غاية الخبط وأنه مع كونه كذبا ~~يقدر كل واحد على تغييره بأحسن منه لكونه غير مبني على الحكمة، وختم ذلك ~~بتهديدهم على افتراء الكذب في شرع ما لم يأذن به مع ادعائهم أن القرآن ~~مفترى وهم عاجزون عن معارضته، وبأنهم لم يشكروه على نعمه التي أجلها ~~تخصيصهم بهذا الذكر الحكيم والشرع القويم، وكان قد أكثر في ذلك كله من ~~الأمر له صلى الله عليه وسلم بمحاجتهم {قل لا أملك لنفسي} ، {قل أرأيتم إن ~~أتاكم عذابه} ، {قل إي وربي إنه لحق} ، {قل بفضل الله} - الآية، {قل أرأيتم ~~ما أنزل الله لكم} ، {قل الله أذن لكم} ، قال تعالى ناظرا إلى قوله: {وما ~~كان هذا القرآن أن يفترى} الآية، تسلية له صلى الله عليه وسلم وتقوية لهمته ~~وزيادة في تهديدهم عطفا على ما تقديره: فقد أنزلت إليهم على لسانك ما هو ~~شرف لهم ونعمة عليهم وهو في غاية البعد عن مطلق الكذب فإن كل شيء منه في ~~أحكم مواضعه وأحسنها لا يتطرق إليه الباطل بوجه وهم يقابلون نعمته بالكفر: ~~{وما تكون} أنت {في شأن} أي أي شأن كان {وما تتلوا منه} أي من القرآن ~~المحدث عنه في جميع هذه السورة، الذي تقدم أنهم كذبوا به من غير شبهة لهم ~~{من قرآن} أي قليل أو كثير {ولا ms2063 تعملون} أي كلكم طائعكم وعاصيكم، وأغرق في ~~النفي فقال: {من عمل} # PageV09P150 # صغير أو كبير {إلا كنا} أي بما لنا من العظمة {عليكم شهودا} أي عاملين ~~بإحاطة علمنا ووكالة جنودنا عمل الشاهد {إذ تفيضون فيه} الآية إيذانا بأنك ~~بعيني في جميع هذه المراجعات وغيرها من شؤونك وأنا العالم بتدبيرك والقادر ~~على نصرتك، وهي كلها من كتابي الذي تتضاءل القوى دونه وتقف الأفكار عن ~~مجاراته لأنه حكيم لكونه من عندي فجل عن مطلق المعارضة لفظا أو معنى فضلا ~~عن التغيير فضلا عن الإتيان بما هو مثله فكيف بما هو أحسن منه، لاستقامة ~~أمره وتناسب أحكامه كونها شفاء وهدى ورحمة، وما كان كذلك فهو من عندي قطعا ~~وبإذني جزما لأني عالم بالإفاضة فيه والانفصال عنه وجميع الأمور الواقعة ~~منك ومنهم ومن غيرهم. # ولما كان ربما ظن ظان من إفهام {كنا} و {شهودا} للجنود أنه سبحانه محتاج ~~إليهم، نفى ذلك بقوله: {وما} أي والحال أنه ما {يعزب} أي يغيب ويخفى {عن ~~ربك} أي المربي لكل مخلوق بعام أفضاله ولك بخاص نعمه وأشرف نواله، وأغرق في ~~النفي فقال: {من مثقال ذرة} أي وزن نملة صغيرة جدا وموضع وزنها وزمانه؛ ~~ولما كان «في» بمزون أهل الأرض كان تقديمها أولى فقال: {في الأرض} ولما لم ~~يدع السياق إلى الجمع - كما سيأتي في سبأ - قال اكتفاء بالمفرد الدال على ~~الجنس: {ولا في السماء} # PageV09P151 # أي ما علا عن الأرض كائنا ما كان. # ولما كان ربما أدى الجمود بعض الأغبياء إلى أن يحمل المثقال على حقيقته ~~ويجهل أن المراد به المبالغة، قال عاطفا على الجملة من أولها وهو على ~~الابتداء سواء رفعنا الراءين على قراءة حمزة ويعقوب أو نصبناهما عند ~~الباقين: {ولا أصغر من ذلك} أي من مثقال الذرة {ولا أكبر} ولما أتى بهذا ~~الابتداء الشامل الحاصر، أخبر عنه بقوله: {إلا} أي لا شيء من ذلك إلا موجود ~~{في كتاب} أي جامع {مبين*} أي ظاهر في نفسه مظهر لكل ما فيه، وسيأتي في سبأ ~~ما يتم به هذا المكان، وفي ms2064 ذلك تهديدا لهم وتثبيت له صلى الله عليه وسلم، ~~ولاح بهذا أن ما بعد {إلا} حال من الفاعل، أي ما يفعل شيئا إلا وأنت ~~بأعيننا فثبت أن القرآن بعلمه، فلو افتراه أحد عليه لأمكن منه؛ والإفاضة: ~~الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل أخذا من فيض ~~الإناء إذا انصب ما فيه من جوانبه، وأفضتم: تفرقتم كتفرق الماء الذي يتصبب ~~من الإناء؛ والعزوب: ذهاب المعنى عن العلم، وضده الحضور؛ والذر: صغار النمل ~~وهو خفيف الوزن جدا، ومثقاله: وزنه. # ولما تقدم أنه سبحانه شامل العلم، وعلم - من وضع الأحوال # PageV09P152 # ما لا يتسع ومن لا تسع مجرد أسمائهم الأرض في كتاب مبين أي مهما كشف منه ~~وجد من غير خفاء ولا احتياج إلى تفتيش - أنه كامل القدرة بعد أن تقدم أنهم ~~فريقان: صادق في أمره، ومفتر عليه، وأنه متفضل على الناس بعدم المعاجلة ~~والتأخير إلى القيامة، وخوف المفتري عواقب أمره عاجلا وآجلا، ورجى المطيع، ~~كان موضع أن يقال: ليت شعري ماذا يكون تفصيل حال الفريقين في الدارين على ~~الجزم؟ فأجيب بأن الأولياء فائزون والأعداء هالكون ليشمر كل مطيع عن ساعد ~~جده ويبذل غاية جهده في لحاق المخلصين وتحامي جانب المفترين بقوله تعالى ~~مؤكدا لاعتقادهم أنهم يهلكون حزب الله وإنكارهم غاية الإنكار أن يفوتوهم: ~~{ألا إن أولياء الله} أي الذين يتولون بالطاعة من لا شيء أعز منه ولا أعظم ~~ويتولاهم {لا خوف} أي ثابت عال {عليهم} أي من شيء يستقبلهم {ولا هم} أي ~~بضمائرهم {يحزنون} أي يتجدد لهم حزن على فائت لأن قلوبهم معلقة بالله ~~سبحانه فلا يؤثر فيهم لذلك خوف ولا حزن أثرا يقطع قلوبهم كما يعرض لغيرهم، ~~وفسرهم بقوله: {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف المصحح للأعمال وبه كمال ~~القوة العلمية {وكانوا} أي كونا صار لهم جبلة وخلقا {يتقون} أي يوجدون ~~التقوى، وهي كمال القوة العملية في الإيمان والأعمال ويجددونها فإنه لا ~~يقدر أحد أن يقدر الله حق # PageV09P153 # قدره؛ وانتهى الجواب بقوله: {إن الذين يفترون على الله الكذب} ms2065 - الآية، ~~وهذا الذي فسر الله به الأولياء لا مزيد على حسنه، وعن علي رضي الله عنه ~~«هم قوم صفر الوجوه من السهر عمش العيون من العبر خمص البطون من الخوى» ~~وقيل: الولي من لا يرائي ولا ينافق، وما أقل صديق من كان هذا خلقه، وصح عن ~~الإمامين: أبي حنيفة والتبيان أن كلا منهما قال: إن لم يكن العلماء أولياء ~~الله فليس لله ولي. # وهذا في العالم العامل بعلمه كما بينته عند قوله في سورة الزمر {قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] . # PageV09P154 # ولما نفىعنهم الخوف والحزن، زادهم فقال مبينا لتوليه لهم بعد أن شرح ~~توليهم له: {لهم} أي خاصة {البشرى} أي الكاملة {في الحياة الدنيا} أي بأن ~~دينهم يظهر وحالهم يشتهر وعدوهم يخذل وعمله لا يقبل وبالرؤية الصالحة {وفي ~~الآخرة} بأنهم هم السعداء وأعداؤهم الأشقياء وتتلقاهم الملائكة {هذا يومكم ~~الذي كنتم توعدون} [الأنبياء: 103] . وما كان الغالب على أحوال أهل الله في ~~الدنيا الضيق ولا سيما في أول الإسلام، كان السامع لذلك بمعرض أن يقول: يا ~~ليت شعري هل يتم هذا السرور! فقيل: نعم، وأكد بنفي الجنس لأن الجبابرة ~~ينكرون ذلك لهم لما يرون من أن عزهم من # PageV09P154 # وراء ذل ليس فيه سوء ما لباطل المتكبرين من السورة والإرجاف والصولة: {لا ~~تبديل} أي بوجه من الوجوه {لكلمات الله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة ~~بكل شيء علما وقدرة؛ وقوله -: {ذلك} أي الأمر العالي الرتبة {هو} أي خاصة ~~{الفوز العظيم} في موضع البيان والكشف لمضمون هذه البشرى؛ والخوف: انزعاج ~~القلب بما يتوقع من المكروه، ونظيره الجزع والفزع، ونقيضه الأمن؛ والحزن: ~~انزعاجه وغلظ همه مما وقع من المكروه، من الحزن للأرض الغليظة، ونقيضه ~~السرور، وهما يتعاقبان على حال الحي الذاكر للمحبوب؛ والبشرى: الخبر الأول ~~بما يظهر سروره في بشرة الوجه. # ولما تقدمت البشرى بنفي الخوف والحزن معا عن الأولياء، علم أن المعنى: ~~هذه البشرى للأولياء وأنت رأسهم فلا تخف، فعطف عليه قوله: {ولا يحزنك ~~قولهم} أي في نحو قولهم: إنهم يغلبون، ms2066 وفي تكذيبك والاستهزاء بك وتهديدك، ~~فإن ذلك قول يراد به تبديل كلمات الله الغني القدير، وهيهات ذلك من الضعيف ~~الفقير فكيف بالعلي الكبير! وإلى هذا يرشد التعليل لهذا النهي بقوله: {إن ~~العزة} أي الغلبة والقهر وتمام العظمة {لله} أي الملك الأعلى حال كونها ~~{جميعا} أي فسيذلهم ويعز دينه، والمراد بذلك التسلية عن قولهم الذي يؤذونه ~~به. # PageV09P155 # ولما بدئت الآية بقولهم، ختمها بالسمع له والعلم به وقصرهما عليه لأن ~~صفات كل موصوف متلاشية بالنسبة إلى صفاته فقال: {هو} أي وحده {السميع} أي ~~البليغ السميع لأقوالهم {العليم} أي المحيط العلم بضمائرهم وجميع أحوالهم ~~فهو البالغ القدرة على كل شيء فيجازيهم بما تقتضيه، وهو تعليل لتفرده ~~بالعزة لأنه تفرد بهذين الوصفين فانتفيا عن غيره، ومن انتفيا عنه كان دون ~~الحيوانات العجم فأنى يكون له عزة! والعزة: قدرة على كل جبار بما لا يرام ~~ولا يضام، والمعنى أنه يعزك على من ناواك، والنهي في {ولا يحزنك} في اللفظ ~~للقول وفي المعنى للسبب المؤدي إلى التأذي بالقول، وكسرت «إن» هاهنا ~~للاستئناف بالتذكر بما ينفي الحزن، لا لأنها بعد القول لأنها ليست حكاية ~~عنهم، وقرىء بفتحها على معنى «لأن» . # ولما ختمت بعموم سمعه وعلمه بعد قصر العزة عليه، كان كأنه قيل: إن العزة ~~لا تتم إلا بالقدرة فأثبت اختصاصه بالملك الذي لا يكون إلا بها، فقال مؤكدا ~~لما يستلزمه إشراكهم من الإنكار لمضمون هذا الكلام: {ألآ إن لله} أي الذي ~~له الإحاطة الكاملة؛ ولما كان بعض الناس قد أشركوا ببعض النجوم، جمع فقال ~~معبرا بأداة العقلاء تصريحا بما أفهمه التعبير سابقا بأداة غيرهم: {من في ~~السماوات} أي كلها، وابتدأ بها لأن ملكها يدل على ملك الأرض بطريق الأولى، ~~ثم صرح بها في قوله مؤكدا لما تقدم: {ومن في الأرض} أي كلهم # PageV09P156 # عبيده ملوكهم ومن دونهم، نافذ فيهم تصريفه، منقادون لما يريده، وهو أيضا ~~تعليل ثان لقوله {ولا يحزنك قولهم} أو للتفرد بالعزة، وعبر ب «من» التي ~~للعقلاء والمراد كل ما في الكون لأن السياق لنفي العزة ms2067 عن غيره، والعقلاء ~~بها أجدر، فنفيها عنهم نفي عن غيرهم بطريق الأولى، ثم غلبوا لشرفهم على ~~غيرهم، ولذا تطلق «ما» التي هي لغيرهم في سياق هو بها أحق ثم يراد بها ~~العموم تغليبا للأكثر الذي لا يعقل على الأقل؛ ثم نفى أن يكون له في ذلك ~~شريك بقوله عاطفا على ما تقديره: فما له شريك مما ادعاه المشركون منهما أو ~~من إحداهما: {وما يتبع} أي بغاية الجهد {الذين يدعون} أي على سبيل العبادة ~~{من دون الله} أي الذي له العظمة كلها {شركآء} على الحقيقة؛ ويجوز أن تكون ~~«ما» موصولة تحقيرا للشركاء بالتعبير بأداة ما لا يعقل ومعطوفه على «من» ~~{إن} أي ما {يتبعون} في ذلك الذي هو أصل أصول الدين يجب فيه القطع وهو ~~دعاءهم له شركاء {إلا الظن} أي المخطىء على أنه لو كان صوابا كانوا مخطئين ~~فيه حيث قنعوا في الأصل بالظن، ثم نبه على الخطأ بقوله: {وإن} أي وما {هم ~~إلا يخرصون} أي يحزرون ذلك ويقولون ما لا حقيقة له أصلا؛ والاتباع: طلب ~~اللحاق بالأول على تصرف الحال، فهؤلاء اتبعوا الداعي إلى عبادة الوثن ~~وتصرفوا معه # PageV09P157 # فيما دعا إليه، وظنهم في عبادتها إنما هو بشبيهة ضعيفة كقصد زيادة ~~التعظيم لله وتعظيم تقليد الأسلاف، ويجوز أن يكون {شركاء} مفعولا تنازعه ~~{يتبع} و {يدعون} ؛ ثم أثبت سبحانه اختصاصه بشيء جامع للعلم والقدرة تأكيدا ~~لاختصاصه بالعزة وتفرده بالوحدانية، وأن من أشرك به خارص لا علم له بوجه ~~لكثرة الدلائل على وحدانيته ووضوحها فقال: {هو} أي وحده {الذي جعل} أي بسبب ~~دوران الأفلاك الذي أتقنه {لكم} أي نعمة منه {الليل} أي مظلما {لتسكنوا ~~فيه} راحة لكم ودلالة على قدرته سبحانه على الإيجاد والإعدام وأنسا للمحبين ~~لربهم {والنهار} وأعار السبب وصف المسبب فقال: {مبصرا} أي لتنتشروا فيه، ~~حذف وصف الليل وذكرت علته عكس ما فعل بالنهار ليدل ما ثبت على ما حذف، ~~فالآية من الاحتباك. # ولما كانت هذه الآيات من الظهور بحيث لا يحتاج إلى أكثر من سماعها، قال: ~~{إن في ذلك} ms2068 أي الأمر العظيم {لآيات لقوم} أي لهم قوة المحاولة على ما ~~يريدونه {يسمعون} أي لهم سمع صحيح، وفي ذلك أدلة واضحات على أنه مختص ~~بالعزة فلا شريك له، لأن الشريك لا بد وأن يقاسم شريكه شيئا من الأفعال أو ~~الأحوال أو الملك، وأما عند انتفاء جميع ذلك فانتفاء الشركة أوضح من أن ~~يحتاج فيه إلى دليل، ويجوز أن يكون المعنى: لآيات لقوم يبصرون إبصار اعتبار # PageV09P158 # ويسمعون سماع تأمل وإدكار، ولكنه حذف «يبصرون» لدلالة {مبصرا} عليه، ~~ويزيد ذلك وضوحا وحسنا كون السياق لنفي الشركاء، فهو إشارة إلى أنها لا ~~تسمع ولا تبصر أصلا فكيف بالاعتبار والافتكار؟ فالذين عبدوهم أكمل حالا ~~منهم. # PageV09P159 # ولما لم يكن شبهة على ادعاء الولد لله سبحانه ولا لهم اطلاع عليه بوجه، ~~ساق قوله: {قالوا اتخذ} أي تكلف الأخذ بالتسبب على ما نعهد {الله} أي ~~المسمى بهذا الاسم الذي يقتضي تسميته به أن يكون له الكمال كله، فلا يكون ~~محتاجا إلى شيء بوجه {ولدا} مساق البيان لقوله {إن يتبعون إلا الظن} وهذا ~~صالح لأن يكون تعجيبا ممن ادعى في الملائكة أو عزير أو المسيح وغيرهم. # ولما عجب منهم في ذلك لمنافاته بما يدل عليه من النقص لما ثبت لله تعالى ~~من الكمال كما مر، نزه نفسه الشريفة عنه فقال: {سبحانه} أي تنزه عن كل ~~شائبة نقص التنزه كله؛ ثم علل تنزهه عنه وبينه بقوله: {هو} أي وحده {الغني} ~~أي عن الولد وغيره لأنه فرد منزه عن الإبعاض والأجزاء والمجانسة؛ ثم بين ~~غناه بقوله: {له ما في السماوات} ولما كان سياق الاستدلال يقتضي التأكيد، ~~أعاد «ما» فقال: {وما في الأرض} من صامت وناطق، فهو غني بالملك ذلك عن أن ~~يكون شيء منه ولدا له لأن الولد لا يملك، وعدم ملكه نقص مناف للغنى، # PageV09P159 # ولعله عبر ب «ما» لأن الغني محط نظره الصامت مع شمولها للناطق. # ولما بين بالبرهان القاطع والدليل الباهر الساطع امتناع أن يكون له ولد، ~~بكتهم بنفي أن يكون لهم بذلك نوع حجة فقال: {إن} أي ما ms2069 {عندكم} وأغرق في ~~النفي فقال: {من سلطان} أي حجة {بهذا} أي الاتخاذ، وسميت الحجة سلطانا ~~لاعتلاء يد المتمسك بها؛ ثم زادهم بها تبكيتا بالإنكار عليهم بقوله: ~~{أتقولون} أي على سبيل التكرير {على الله} أي الملك الأعظم على سبيل ~~الاستعلاء {ما لا تعلمون} لأن ما لا برهان عليه في الأصول فهو جهل، فكيف ~~بما قام الدليل على خلافه؛ والسلطان: البرهان القاهر لأنه يتسلط به على صحة ~~الأمر ويقهر به الخصم، وأصله القاهر للرعية بعقد الولاية. # ولما قدم أن قولهم كذب، وبكتهم عليه مواجهة، أتبعه بما يشير إلى أنهم أهل ~~للإعراض في سياق مهدد على الكذب، فقال معرضا عن خطابهم مؤكدا لأن اجتراءهم ~~على ذلك دال على التكذيب بالمؤاخذة عليه: {قل} أي للذين ادعوا الولد لله ~~وحرموا ما رزقهم من السائبة ونحوها {إن الذين يفترون} أي يتعمدون {على ~~الله} أي الملك الأعلى {الكذب لا يفلحون} ثم بين عدم الفلاح بقوله: {متاع} # PageV09P160 # أي لهم، ونكره إشارة إلى قلته كما قال في الآية الأخرى {متاع قليل} وأكد ~~ذلك بقوله: {في الدنيا} لأنها دار ارتحال، وما كان إلى زوال وتلاش واضمحلال ~~كان قليلا وإن تباعد مده وتطاولت مدده وجل مدده، وزاد على الحصر عدده؛ وبين ~~حالهم بعد النقلة بقوله: {ثم} أي بعد ذلك الإملاء لهم وإن طال {إلينا} أي ~~على ما لنا من العظمة لا إلى غيرنا {مرجعهم} بالموت فنذيقهم عذابا شديدا ~~لكنه دون عذاب الآخرة {ثم نذيقهم} يوم القيامة {العذاب الشديد بما} أي بسبب ~~ما {كانوا} أي كونا هو جبلة لهم {يكفرون} ووجب كسر «إن» بعد القول لأنه ~~حكاية عما يستأنف الإخبار به كما فعل في لام الابتداء لذلك. # ولما تقدم سؤالهم الإتيان بما يقترحون من الآيات، ومضت الإشارة إلى أن ~~تسييرهم في الفلك من أعظم الآيات وإن كانوا لإلفهم له قد نسوا ذلك، وتناسجت ~~الآي كما سلف إلى أن بين هذا أن متاع المفترين الكذب قليل تخويفا من شديد ~~السطوة وعظيم الأخذ، عقب ذلك بقصة قوم نوح لأنهم كانوا أطول الأمم الظالمة ~~مدة ms2070 وأكثرهم عدة، ثم أخذوا أشد أخذ فزالت آثارهم وانطمست أعلامهم ومنارهم ~~فصاروا كأنهم لم يكونوا أصلا ولا أظهروا قولا # PageV09P161 # ولا فعلا، فقال تعالى عاطفا على قوله {قل إن الذين} مسليا لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لأن المصيبة إذا عمت خفت، وتخويفا للكفار ~~ليرجعوا أو يخفوا من أذاهم: {واتل} أي اقرأ قراءة متتابعة مستعلية {عليهم ~~نبأ نوح} أي خبره العظيم مذكرا بأول كون الفلك وأنه كان إذ ذاك آية غريبة ~~خارقة للعادة عجيبة، وأن قوم نوح لم ينفعهم ذلك ولا أغنى عنهم افتراءهم ~~وعنادهم مع تطاول الأمد وتباعد المدد، بل صار أمرهم إلى زوال، وأخذ عنيف ~~ونكال {كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم} [يونس: 45] مع ~~نجاة رسولهم وخيبة مأمولهم، قد لبث فيهم ما لم يلبثه نبي في قولهم ولا رسول ~~في أمته ألف سنة إلا خمسبن عاما، وما آمن معه إلا قليل {إذ قال لقومه} أي ~~بعد أن دعاهم إلى الله فأطال دعاءهم ومتعوا في الدنيا كثيرا وأملى لهم ~~طويلا فما زادهم ذلك إلا نفورا {يا قوم} أي يا من يعز علي خلافهم ويشق علي ~~ما يسوءهم لتهاونهم بحق ربهم مع قوتهم على الطاعة {إن كان كبر} أي شق وعظم ~~مشقة صارت جبلة {عليكم} ولما كانت عادة الوعاظ والخطباء أن يكونوا حال ~~الخطبة واقفين، قال: {مقامي} أي قيامي، ولعله خص هذا المصدر لصلاحيته لموضع ~~القيام وزمانه فيكون # PageV09P162 # الإخبار بكراهته لأجل ما وقع فيه من القيام أدل على كراهة القيام ~~{وتذكيري} أي بكم {بآيات الله} أي الذي له الجلال والإكرام، فإن ذلك لا ~~يصدني عن مجاهدتي بما يكبر عليكم من ذلك خوفا منكم لأن الله أمرني به وأنا ~~أخاف عذابه إن تركت، ولا أبالي بكراهيتكم لذلك خوف عاقبة قصدكم لي بالأذى ~~{فعلى} أي فإني على {الله} أي الذي له العزة كلها وحده {توكلت} فإقامة ذلك ~~المقام الجزاء من إطلاق السبب - الذي هو التوكل - على المسبب - الذي هو ~~انتفاء الخوف - مجازا مرسلا، إعلاما لهم بعظمة الله ms2071 وحقارتهم بسبب أنهم ~~أعرضوا عن الآيات وهم يعرفونها، بما دل عليه التعبير بالتذكير، فدل ذلك على ~~عنادهم بالباطل، والمبطل لا يخشى أمره لأن الباطل لا ثبات له، ودل على ذلك ~~بقوله: {فأجمعوا أمركم} أي في أذاي بالإهلاك وغيره، أعزموا عليه وانووه ~~واجزموا به، والواو بمعنى «مع» في قوله: {وشركآءكم} ليدل على أنه لا يخافهم ~~وإن كانوا شركاءهم أحياء كائنين من كانوا وكانت كلمتهم واحدة لا فرقة فيها ~~بوجه. # ولما كان الذي يتستر بالأمور بما يفوته بعض المقاصد لاشتراط التستر، ~~أخبرهم أنه لا يمانعهم سواء أبدوا أو أخفوا فقال: {ثم لا يكن} أي بعد ~~التأبي وطول زمان المجاوزة في المشاورة {أمركم} أي الذي تقصدونه بي {عليكم ~~غمة} أي خفيا يستتر عليكم شيء منه بسبب ستر ذلك عني لئلا أسعى في معارضتكم، ~~فلا تفعلوا ذلك بل جاهروني به # PageV09P163 # مجاهرة فإنه لا معارضة لي بغير الله الذي يستوي عنده السر والعلانية؛ ~~والتعبير ب {ثم} إشارة إلى التأني وإتقان الأمر للأمان من معارضته بشيء من ~~حول منه أو قوة {ثم اقضوا} ما تريدون، أي بتوه بتة المقضي إليه واصلا {إلي} ~~. # ولما كان ذلك ظاهرا في الإنجاز وليس صريحا، صرح به في قوله: {ولا ~~تنظرون*} أي ساعة ما، وكل ذلك لإظهار قلة المبالاة بهم للاعتماد على الله ~~لأنه لا يعجزه شيء ومعبوداتهم لا تغني شيئا؛ ثم سبب عن ذلك قوله: {فإن ~~توليتم} أي كلفتم أنفسكم الإعراض عن الحق بعد عجزكم عن إهلاكي ولم ينفعكم ~~علمكم بأن الذي منعني - وأنا وحدي - منكم وأنتم ملء الأرض له العزة جميعا ~~وأن من أوليائه الذين تقدم وعده الصادق بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~{فما} أي فلم يكن توليكم عن تفريط مني لأني سقت الأمر على ما يحب، ما ~~{سألتكم} أي ساعة من الدهر، وأغرق في النفي فقال: {من أجر} أي على دعائي ~~لكم يفوتني بتوليكم ولا تتهموني به في دعائكم. # ولما كان من المحال أن يفعل عاقل شيئا لا لغرض، بين غرضه بقوله مستأنفا: ~~{إن} أي ما ms2072 {أجري إلا على الله} أي الذي له صفات الكمال؛ ثم عطف عليه غرضا ~~آخر وهو اتباع الأمر خوفا من حصول # PageV09P164 # الضر فقال: {وأمرت} أي من الملك الأعلى الذي لا أمر لغيره، وبناه للمفعول ~~للعلم بأنه هو الآمر وليزيد في الترغيب في المأمور به وتغطية بجعله عمدة ~~الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال {أن أكون} أي كونا أتخلق به فلا أنفك عنه؛ ~~ولما كان في مقام الاعتذار عن مفاجأته لهم بالإنذار، عبر بالإسلام الذي هو ~~الأفعال الظاهرة فقال: {من المسلمين*} أي الراسخين في صفة الانقياد بغاية ~~الإخلاص، لي ما لهم وعلي ما عليهم، أنا وهم في الإسلام سواء، لا مرية لي ~~فيه أتهم بها، أن أستسلم لكل ما يصيبني في الله، لا يردني ذلك عن إنفاذ ~~أمره، والحاصل أنه لم يكن بدعائه إياهم في موضع تهمة، لا سألهم غرضا دنيويا ~~يزيده إن أقبلوا ولا ينقصه إن أدبروا، ولا أتى بشيء من عند نفسه ليظن أنه ~~أخطأ فيه ولا سلك به مسلكا يظن به استعباده إياهم في اتباعه، بل أعلمهم ~~بأنه أول مؤتمر بما أمرهم به مستسلم لما دعاهم إليه ولكل ما يصيبه في الله، ~~ولما لم يردهم كلامه هذا عن غيهم، سبب عنه قوله مخبرا بتماديهم: {فكذبوه} ~~أي ولم يزدهم شيء من هذه البراهين الساطعة والدلائل القاطعة إلا إدبارا، ~~وكانوا في آخر المدة على مثل ما كانوا عليه من التكذيب {فنجيناه} أي تنجية ~~عظيمة بما لنا من العظمة الباهرة بسبب امتثاله لأوامرنا وصدق اعتماده علينا ~~{ومن معه} أي من العقلاء وغيرهم {في الفلك} كما وعدنا أولياءنا، وجعلنا # PageV09P165 # ذلك آية للعالمين {وجعلناهم} أي على ضعفهم بما لنا من العظمة {خلائف} أي ~~في الأرض بعد من أغرقناهم، فمن فعل في الطاعة فعلهم كان جديرا بأن نجازيه ~~بما جازيناهم {وأغرقنا} أي بما لنا من كمال العزة {الذين كذبوا} أي مستخفين ~~مستهينين {بآياتنا} كما توعدنا يفترون على الله الكذب. # ولما كان هذا أمرا باهرا يتعظ به من له بصيرة، سبب عنه أمر أعلى الخلق ~~فهما بنظره ms2073 إشارة إلى أنه لا يعتبر به حق الاعتبار غيره فقال: {فانظر} ~~وأشار إلى أنه أهل لأن يبحث عن شأنه بأداة الاستفهام، وزاد الأمر عظمة بذكر ~~الكون فقال: {كيف كان} أي كونا كان كأنه جبلة {عاقبة} أي آخر أمر ~~{المنذرين*} أي الغريقين في هذا الوصف وهم الذين أنذرتهم الرسل، فلم يكونوا ~~أهلا للبشارة لأنهم لم يؤمنوا لنعلم أن من ننذرهم كذلك، لا ينفع من أردنا ~~شقاوته منهم إنزال آية ولا إيضاح حجة؛ والتوكل: تعمد جعل الأمر إلى من ~~يدبره للتقدير في تدبيره؛ والغمة: ضيق الأمر الذي يوجب الحزن؛ والتولي: ~~الذهاب عن الشيء؛ والأجر: النفع المستحق بالعمل؛ والإسلام الاستسلام لأمر ~~الله بطاعته بأنها خير ما يكتسبه العباد. # PageV09P166 # ولما لم يكن في قصص من بينه وبين موسى عليهم السلام مما يناسب # PageV09P166 # مقصود هذه السورة إلا ما شاركوا فيه قوم نوح من أنهم لم تنفع الآيات من ~~أريدت شقاوته منهم، ذكره سبحانه طاويا لما عداه فقال تعالى: {ثم} أي بعد ~~مدة طويلة {بعثنا} أي على عظمتنا؛ ولما كان البعث لم يستغرق زمان البعد، ~~أدخل الجار فقال: {من بعده} أي قوم نوح {رسلا} كهود وصالح وإبراهيم ولوط ~~وشعيب عليهم الصلاة والسلام. # ولما كان ربما ظن أن قوم الإنسان لا يكذبونه، وإن كذبوه لم يتمادوا على ~~التكذيب لا سيما إن أتاهم بما يقترحونه من الخوارق قال: {إلى قومهم} أي ~~ففاجأهم قومهم بالتكذيب {فجاءوهم} أي فتسبب عن استنادهم إلى عظمتنا أن ~~جاؤوهم {بالبينات} ليزول تكذيبهم فيؤمنوا {فما} أي فتسبب عن ذلك ضد ما ~~أمروا به وقامت دلائله وهو أنهم ما {كانوا} أي بوجه من وجوه الكون ~~{ليؤمنوا} أي مقرين {بما كذبوا} أي مستهينين {به} أول ما جاؤوهم. ولما كان ~~تكذيبهم في بعض الزمن الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي قبل مجيء ~~البينات لأنا طبعنا على قلوبهم؛ قال أبو حيان: وجاء النفي مصحوبا بلام ~~الحجود ليدل على أن إيمانهم في حيز الاستحالة والامتناع - انتهى. ويجوز أن ~~يكون التقدير: من قبل مجيء الرسل إليهم، ويكون التكذيب أسند إليهم ms2074 لأن ~~أباهم كذبوا لما بدلوا ما كان عندهم من الدين الصحيح # PageV09P167 # الذي أتتهم به الرسل ورضوا هم بما أحدث آباؤهم استحسانا له، أو لأنه كان ~~بين أظهرهم بقايا على بقايا مما شرعته الرسل فكانوا يعظونهم فيما يبتدعون ~~فلا يعون ولا يسمعون كما كان قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن ~~نوفل وغيرهم قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم، لكن المعنى الأول أولى - ~~والله أعلم. # ولما قرر عدم انتفاعهم بالآيات، بنى ما يليه على سؤاله من لعله يقول: هل ~~استمر الخلق فيمن بعدهم؟ فكأنه قيل: نعم! {كذلك} أي مثل ما طبعنا على ~~قلوبهم هذا الطبع العظيم {نطبع} أي نوجد الطبع ونجدده متى شئنا بما لنا من ~~العظمة {على قلوب المعتدين*} في كل زمن لكل من تعمد العدو فيما لا يحل له، ~~وهذا كما أتى موسى عليه السلام إلى فرعون فدعاه إلى الله فكذبه فأخبره أن ~~معه آية تصدقه فقال له: إن كنت جئت بآية فائت بها إن كنت من الصادقين، فلما ~~أتاه بها استمرعلى تكذيبه وكان كلما رأى آية ازداد تكذيبا، وكان فرعون قد ~~قوي ملكه وعظم سلطانه وعلا في كبريائه وطال تجبره على الضعفاء، فطمست ~~أمواله وآثاره، وبقيت أحاديثه وأخباره، ولهذا أفصح سبحانه بقصته فقال: دالا ~~على الطبع: {ثم بعثنا} أي وبعد زمن طويل من إهلاكنا إياهم بعثنا، ولعدم ~~استغراق زمن البعد أدخل الجار فقال: {من بعدهم} أي من بعد أولئك الرسل # PageV09P168 # {موسى و} كذا بعثنا {هاورن} تأييدا له لأن اتفاق اثنين أقوى لما يقررانه ~~وأوكد لما يذكرانه؛ ولما استقر في الأذهان بما مضى أن ديدن الأمم تكذيب من ~~هو منهم حدا له ونفاسة عليه. # كان ربما ظن أن الرسول لو أتى غير قومه كان الأمر على غير ذلك، فبين أن ~~الحال واحد في القريب والغريب، فقال مقدما لقوله: {إلى فرعون وملئه} أي ~~الأشراف من قومه، فإن الأطراف تبع لهم {بآياتنا} أي التي لا تكتنه عظمتها ~~لنسبتها إلينا، فطبعنا على قلوبهم {فاستكبروا} أي طلبوا الكبر على ms2075 قبول ~~الآيات وأوجدوا ما يدل عليه من الرد بسبب انبعاثه إليهم عقب ذلك {وكانوا} ~~أي جبلة وطبعا {قوما مجرمين*} أي طبعهم قطع ما ينبغي وصله ووصل ما ينبغي ~~قطعه، فلذلك اجترؤوا على الاستكبار مع ما فيها أيضا من شديد المناسبة لما ~~تقدم من قول الكافرين {هذا سحر مبين} في نسبة موسى عليه السلام إليه وبيان ~~حقيقة السحر في زواله وخيبته متعاطية لإفساده إلى غير ذلك من الأسرار التي ~~تدق عن الأفكار، هذا إلى ما ينظم إليه من مناسبة ما بين إهلاك القبط وقوم ~~نوح بآية الغرق، وأنه لم ينفع أحدا من الفريقين معاينة الآيات ومشاهدة ~~الدلالات البينات، بل ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه بعد تلك المعجزات ~~الباهرة والبراهين الظاهرة، ثم اتبعهم فرعون بعد أن كانت انحلت عن حبسهم ~~عراه، وتلاشت من تجبره قواه، وشاهد من الضربات ما يهد الجبال، # PageV09P169 # ودخل في طلبهم البحر بحزات لا يقرب ساحتها الأبطال، لما قدره عليه ذو ~~الجلال، ولم يؤمن حتى أتاه البأس حيث يفوت الإيمان بالغيب الذي هو شرط ~~الإيمان، فلم ينفعه إيمانه مع اجتهاده فيه وتكريره لفوات شرطه إجابة لدعوة ~~موسى عليه السلام، ثم إن بني إسرائيل كانوا قبل مجيء موسى عليه السلام على ~~منهاج واحد. فما اختلفوا إلا بعد مجيء العلم إليهم وبيان الطريق واضحة ~~لديهم، ولهذا المراد ذكر هنا هارون عليه السلام لأن من أعظم مقاصد السورة ~~المنع من طلب الآيات لمن بعد الإيمان عند الإتيان بها، إشارة إلى أن القول ~~من الاثنين أوكد، ومع ذلك فلم يصدق من حكم القدير بشقاوته، كل ذلك حثا على ~~الرضا والتسليم، ووكل الأمر إلى الرب الحكيم، فمهما أمر به قبل، وما أعرض ~~عنه ترك السؤال فيه رجاء تدبيره بأحسن التدبير وتقديره ألطف المقادير؛ ولما ~~أخبر سبحانه باستكبارهم، بين أنه تسبب عنه طعنهم في معجزاته من غير تأمل، ~~بل بغاية المبادرة والإسراع بما أشعرت به الفاء والسياق، فقال تعالى: {فلما ~~جاءهم} أي فرعون وملؤه {الحق} أي البالغ في الحقية، ثم زاد في عظمته ms2076 بقوله: ~~{من عندنا} أي على ما لنا من العظمة التي عرفوا بها أنه منا، لا من ~~الرسولين {قالوا} أي غير متأملين له ولا ناظرين في أمره بل # PageV09P170 # عنادا ودلالة على استكبارهم مؤكدين لما علموا من تصديق الناس به {إن هذا ~~لسحر مبين*} كما قال الناس الذين أخبر عنهم سبحانه في أول السورة في هذا ~~القرآن وما إبانه من البعث. # فلما قالوا كان كأنه قيل: فماذا أجابهم؟ فأخبر أنه أنكر عليهم، بقوله: ~~{قال موسى} ولما كان تكريرهم لذلك القول أجدر بالإنكار، عبر بالمضارع الدال ~~على أنهم كرروه لينسخوا ما ثبت في قلوب الناس من عظمته {أتقولون للحق} ونبه ~~على أنهم بادروا إلى التكذيب من غير نظر ولا توقف بقوله: {لما جاءكم} أي ~~هذا القول الذي قلتموه وهو أنه سحر، فإن القول يطلق على المكروه، تقول: ~~فلان قال في فلان، أي ذمه، وفلان يخاف القالة، وبين الناس تقاول؛ ثم كرر ~~الإنكار بقوله: {أسحر هذا} أي الذي هو في غاية الثبات والمخالفة للسحر في ~~جميع الصفات حتى تقولون فيه ذلك. فالآية من الاحتباك: ذكر القول في الأول ~~دال على حذف مثله في الثاني، وذكر السحر الثاني دال على حذف مثله في الأول. # ولما كان التقدير: أتقولون هذا والحال أنكم قد رأيتم فلاحه، بني عليه ~~قوله: {ولا يفلح} أي يظفر بما يريد في وقت من الأوقات {الساحرون*} أي ~~العريقون فيه لأن حاصل أمرهم تخييل وتمويه في الأباطيل، فالظفر بعيد عنهم، ~~ويجوز أن تجعل هذه الجملة معطوفه # PageV09P171 # على قوله: {أسحر هذا} لأنه إنكاري بمعنى النفي، فلما أنكر عليهم عليه ~~السلام ما ظهر به الفرق الجلي بين ما أتى به في كونه أثبت الأشياء وبين ~~السحر، لأنه لا ثبات له أصلا، عدلوا عن جوابه إلى الإخبار بما يتضمن أنهم ~~لا يقرون بحقيته لأنه يلزم عن ذلك ترك ما هم عليه من العلو وهم لا يتركونه، ~~وأوهموا الضعفاء أن مراده عليه السلام الاستكبار معللين لاستكبارهم عن ~~اتباعه بما دل على أنهم لا مانع أنهم منه إلا الكبر، ms2077 فقال تعالى حكاية ~~عنهم: {قالوا} أي منكرين عليه معللين بأمرين: التقليد، والحرص على الرئاسة. # ولما كان هو الأصل في الرسالة. وكان أخوه له تبعا، وحدوا الضمير فقالوا: ~~{أجئتنا} أي أنت يا موسى {لتلفتنا} أي لتقتلنا وتصرفنا {عما وجدنا عليه} ~~وقالوا مستندين إلى التقليد غير مستحيين من ترك الدليل {آباءنا} من عبادة ~~الأصنام والقول بالطبيعة لنقل نحن بذلك {وتكون لكما} أي لك أنت ولأخيك ~~دوننا {الكبرياء} أي بالملك {في الأرض} أي أرض مصر التي هي - لما فيها من ~~المنافع - كأنها الأرض كلها {وما} أي وقالوا أيضا: ما {نحن لكما} وبالغوا ~~في النفي وغلب عليهم الدهش فعبروا بما دل على أنهم غلبهم الأمر فعرفوا أنه ~~صدق ولم يذعنوا فقالوا: {بمؤمنين*} # PageV09P172 # أي عريقين في الإيمان، فهو عطف على {أجئتنا} أي قالوا ذاك وقالوا هذا، أو ~~يكون عطفا على نحو: فما نحن بموصليك إلى هذا الغرض، أفردوه أولا بالإنكار ~~عليه في المجيء ليضعف ويكف أخوه عن مساعدته، وأشركوه معه ثانيا تأكيدا لذلك ~~الغرض وقطعا لطمعه؛ والبعث: الإطلاق في أمر يمضي فيه، وهو خلاف الإطلاق من ~~عقال؛ والملأ: الجماعة الذين هم وجوه القبيلة، لأن هيبتهم تملأ الصدور عند ~~منظرهم؛ والاستكبار: طلب الكبر من غير استحقاق؛ والمجرم من اكتسب سيئة ~~كبيرة، من جرم التمر - إذا قطعه، فالجرم يوجب قطع الخير عن صاحبه؛ والسحر: ~~إيهام المعجزة على طريق الجيلة، ويشبه به البيان في خفاء السبب؛ والحق: ما ~~يجب الحمد عليه ويشتد دعاء الحكمة إليه ويعظم النفع به والضرر بتركه؛ ~~والكبرياء: استحقاق صفة الكبر في أعلى المراتب، وهي صفة مدح لله وذم للعباد ~~لأنها منافية لصفة العبودية. # PageV09P173 # ولما لبسوا بوصفه بما هم به متصفون، أرادوا الزيادة في التلبيس بما يوهم ~~أن ما أتى به سحر تمكن معارضته إيقافا للناس عن تباعه، فقال تعالى حكاية ~~عطفا على قوله: {قالوا أجئتنا} : {وقال فرعون} إرادة المناظرة لما أتى به ~~موسى عليه السلام {ائتوني بكل ساحر عليم*} # PageV09P173 # أي بالغ في علم السحر لئلا يفوت شيء من السحر بتأخر البعض، وقراءة حمزة ~~والكسائي ms2078 بصيغة فعال دالة على زيادة لزعمه أقل من سياق الشعراء كما مضى في ~~الأعراف. # ولما كان التقدير: فامتثلوا أمره وجمعوهم، دل على قرب اجتماعهم بالفاء في ~~قوله: {فلما جاء السحرة} أي كل من في أرض مصر منهم {قال لهم موسى} مزيلا ~~لهذا الإيهام {ألقوا} جميع {ما أنتم ملقون*} أي راسخون في صنعة إلقائه، ~~إشارة إلى أن ما جاؤوا به ليس أهلا لأن يلقى إليه بال {فلما ألقوا} أي وقع ~~منهم الإلقاء بحبالهم وعصيهم على إثر مقالاته وخيلوا بسحرهم لعيون الناس ما ~~زلزل عقولهم {قال موسى} منكرا عليهم {ما جئتم به} ثم بين أنه ما استفهم عنه ~~جهلا بل احتقارا وإنكارا، وزاد في بيان كل من الأمرين بقوله: {السحر} لأنه ~~استفهام أيضا سواء قطعت الهمزة ومدت كما في قراءة أبي عمرو وأبي جعفر ~~أوجعلت همزة وصل كما في قراءة الباقين، فإن همزة الاستفهام مقدرة، والتعريف ~~إما للعهد وإما للحقيقة وهو أقرب، ويجوز في قراءة الجماعة أن يكون خبرا لما ~~يقصد به الحصر، أي هو السحر لا ما نسبتموه إلي؛ ثم استأنف بيان ما حقره به ~~فقال: {إن الله} أي الذي له إحاطة العلم والقدرة {سيبطله} أي عن قريب بوعد ~~لا خلف فيه؛ ثم علل ذلك بما بين # PageV09P174 # أنه فساد فقال: {إن الله} أي الذي له الكمال كله {لا يصلح} أي وفي وقت من ~~الأوقات {عمل المفسدين*} أي العريقين في الفساد بأن لا ينفع بعملهم ولا ~~يديمه؛ ثم عطف عليه بيان إصلاحه عمل المصلحين فقال: {ويحق} أي يثبت إثباتا ~~عظيما {الله} أي الملك الأعظم {الحق} أي الشيء الذي له الثبات صفة لازمة؛ ~~ولما كان في مقام تحقيرهم، دل على ذلك بتكرير الاسم الجامع الأعظم. وأشار ~~إلى ما له من الصفات العلى بقوله: {بكلماته} أي الأزلية التي لها ثبات ~~الأعظم، وزاد في العظمة بقوله: {ولو كره المجرمون} أي العريقون في قطع ما ~~أمر الله به أن يوصل، فكان كما قال عليه السلام بطل سحرهم، واضمحل مكرهم، ~~وحق الحق - كما بين في سورة الأعراف. ms2079 # ولما حكى سبحانه أن موسى عليه السلام أبان ما أبان من بطلان السحر وكونه ~~إفسادا، فثبت ما أتى به لمخالفته له، أخبر تعالى - تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وفطما عن طلب الإجابة للمقترحات - أنه ما تسبب عن ذلك في أول ~~الأمر عقب إبطال سحرهم من غير مهلة إلا إيمان ناس ضعفاء غير كثير، فقال ~~تعالى: {فما آمن} أي متبعا {لموسى} أي بسبب ما فعل، ليعلم أن الآيات ليست ~~سببا للهداية إلا لمن أردنا ذلك منه؛ وبين أن الصغار أسرع إلى القبول ~~بقوله: {إلا ذرية} أي شبانهم هم أهل لأن تذر فيهم البركة {من قومه} أي قوم ~~موسى الذين لهم القدرة # PageV09P175 # على القيام في المحاولة لما يريدونه، والظاهر أنهم كانوا أيتاما وأكثرهم ~~- كما قاله مجاهد {على خوف} أي عظيم {من فرعون وملئهم} أي أشراف قوم ~~الذرية؛ ولما كان إنكار الملأ إنما هو بسبب فرعون أن يسلبهم رئاستهم، انحصر ~~الخوف فيه فأشار إلى ذلك بوحدة الضمير فقال: {أن يفتنهم} وأتبعه ما يوضح ~~عذرهم بقوله مؤكدا تنزيلا لقريش منزلة من يكذب بعلو فرعون لتكذيبهم لأن ~~ينصر عليهم الضعفاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لعلوهم: {وإن فرعون ~~لعال} أي غالب قاهر متمكن بما فتناه به من طاعة الناس له {في الأرض} أي أرض ~~مصر التي هي بكثرة ما فيها من المرافق كأنها جميع الأرض {وإنه لمن ~~المسرفين*} أي العريقين في مجاوزة الحدود بظاهره وباطنه، وإذا ضممت هذه ~~الآية إلى قوله تعالى: # {وإن المسرفين هم أصحاب النار} [غافر: 43] كان قياسا بديهيا منتجا إنتاجا ~~صريحا قطعيا أن فرعون من أصحاب النار، تكذبيا لأهل الوحدة في قولهم: إنه ~~آمن، ليهونوا المعاصي عند الناس فيحلوا بذلك عقائد أهل الدين. # PageV09P176 # ولما ذكر خوفهم وعذرهم، أتبعه ما يوجب طمأنينتهم، وهو التوكل على الله ~~الذي من راقبه تلاشى عنده كل عظيم، فقال: {وقال موسى} أي لمن آمن به موطنا ~~لهم على أن الجنة لا تنال إلا بمشقة عظيمة «يبتلى # PageV09P176 # الناس على قدر إيمانهم» {يا قوم} فاستعطفهم بالتذكير بالقرب ms2080 وهزهم إلى ~~المعالي به فيهم من القوة ثم هيجهم وألهبهم على الثبات بقوله: {إن كنتم} أي ~~كونا هو في ثباته كالخلق الذي لا يزول {آمنتم بالله} وثبتهم بذكر الاسم ~~الأعظم وما دل عليه من الصفات، وأجاب الشرط بقوله: {فعليه} أي وحده لما ~~علمتم من عظمته التي لا يداينها شيء سواه {توكلوا} وليظهر عليكم أثر التوكل ~~من الطمأنينة والثبات والسكينة {إن كنتم} أي كونا ثابتا {مسلمين*} جامعين ~~إلى تصديق القلب إذعان الجوارح؛ وجواب هذا الشرط ما دل عليه الماضي من ~~قوله: {فعليه توكلوا} {فقالوا} أي على الفور كما يقتضيه الفاء {على الله} ~~أي الذي له العظمة كلها وحده {توكلنا} أي فوضنا أمورنا كلها إليه {ربنا} أي ~~أيها الموجد لنا المحسن إلينا {لا تجعلنا فتنة} أي موضع مخالطة بما يميل ~~ويحيل {للقوم الظالمين*} أي لا تصبنا أنت بما يظنون به تهاونك بنا فيزدادوا ~~نفرة عن دينك لظنهم أنا على الباطل ولا تسلطهم علينا مما يفتننا عن ديننا ~~فيظنوا أنهم على الحق {ونجنا برحمتك} أي إكرامك لنا {من القوم} أي الأقوياء ~~{الكافرين*} أي العريقين في تغطية الأدلة، وفي دعائهم هذا إشارة إلى أن أمر ~~الدين أهم من أمر النفس. # PageV09P177 # ولما أجابوه إلى إظهار الاعتماد عليه سبحانه وفوضوا الأمور إليه، أتبعه ~~ما يزيدهم طمأنينة من التوطن في أرض العدو إشارة إلى عدم المبالاة به، لأنه ~~روي أنه كانت لهم متعبدات يجتمعون فيها، فلما بعث موسى عليه السلام أخربها ~~فرعون، فأمر الله تعالى أن تجعل في بيوتهم لئلا يطلع عليهم الكفرة فقال ~~تعالى عاطفا على قوله: {وقال موسى} {وأوحينا} أي بما لنا من العظمة البالغة ~~{إلى موسى وأخيه} أي الذي طلب مؤازرته ومعارضته {أن تبوءا} أي اتخذا ~~{لقومكما بمصر} وهي ما بين البحر إلى أقصى أسوان والإسكندرية منها {بيوتا} ~~تكون لهم مرجعا يرجعون إليه ويأوون إليه {واجعلوا} أي أنتما ومن معكما من ~~قومكما {بيوتكم قبلة} أي مصلى لتتعبدوا فيها مستترين عن الأعداء تخفيفا من ~~أسباب الخلاف {وأقيموا الصلاة} أي بجميع حدودها وأركانها مستخفين ممن ~~يؤذيكم ms2081 جمعا بين آلتي النصر: الصبر والصلاة، وتمرنا على الدين وتثبيتا له ~~في القلب. # ولما كان الاجتماع فيما تقدم أضخم وأعز وأعظم، وكان واجب على الأمة ~~كوجوبه على الإمام جمع فيه، وكان إسناده البشارة عن الملك إلى صاحب الشريعة ~~أثبت لأمره وأظهر لعظمته وأثبت في قلوب أصحابه وأقر لأعينهم، أفرد في قوله: ~~{وبشر المؤمنين*} # PageV09P178 # أي الراسخين في الإيمان من أخيك وغيره. # PageV09P179 # ولما ختم ببشارة من دل على إيمانهم إسلامهم بفعل ما يدل على هوان أمر ~~العدو، وكان هلاك المشانىء من أعظم البشائر، وكان ضلال فرعون وقومه بالزينة ~~والمال إضلالا لغيرهم، سأل موسى عليه السلام إزاله ذلك كله للراحة من شره، ~~فقال تعالى حاكيا عنه: {وقال موسى} أي بعد طول دعائه لفرعون وإظهار ~~المعجزات لديه وطول تكبره على أمر الله وتجبره على المستضعفين من عباده، ~~ولما كان من أعظم أهل الاصطفاء، أسقط الأداة تسننا بهم، وأشار بصفة الإحسان ~~إلى أن هلاك أعدائهم أعظم إحسان إليهم فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا ~~{إنك} أكد لما للجهال من إنكار أن يكون عطاء الملك الأعظم سببا للإهانة ~~{آتيت فرعون وملأه} أي أشراف قومه على ما هم فيه من الكفر والكبر {زينة} أي ~~عظيمة يتزينون بها من الحلية واللباس وغيرهما {وأموالا} أي كثيرة من الذهب ~~والفضة وغيرهما {في الحياة الدنيا} روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ~~لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد ~~وياقوت؛ ثم بين غايتها لهم فقال مفتتحا بالنداء باسم الرب ليعيذه وأتباعه ~~من مثل حالهم: {ربنا} أي أيها الموجد لنا المحسن إلينا والمدبر لأمورنا ~~{ليضلوا} في # PageV09P179 # أنفسهم ويضلوا غيرهم {عن سبيلك} أي الطريق الواسعة التي نهجتها للوصول ~~إلى رحمتك. # ولما بين أن مآلهم الضلال، دعا عليهم فقال مفتتحا أيضا بالنداء باسم الرب ~~ثالثا لأن ذلك من أمارات الإجابة كما أشير إليه في آخر آل عمران وإشارة إلى ~~أنهم لا صلاح لهم بدون هلاكهم وهلاكها: {ربنا اطمس} أي أوقع الطمس وهو ~~التسوية بين المطموس ms2082 وبين غيره مما ليس له نفعه {على أموالهم} . # ولما كان قد رأى منهم من التكبر على الله والتكذيب لآياته والتعذيب ~~لأوليائه ما لا يشفي غيظه منه إلا إدامة شقائهم دنيا وأخرى، وكان عالما بأن ~~قدرة الله على إبقائهم على الكفر مع تحسيرهم بسلب المال كقدرته على ذلك ~~باستدراجهم إليه بالمال، قال: {واشدد} أي شدا ظاهرا لكل أحد - بما أشار ~~إليه الفك مستعليا {على قلوبهم} قال ابن عباس: اطبع عليها وامنعها من ~~الإيمان، وأجاب الدعاء بقوله: {فلا يؤمنوا} أي ليتسبب عن ذلك الشد عدم ~~إيمانهم إذا رأوا مبادىء العذاب الطمس {حتى يروا} أي بأعينهم {العذاب ~~الأليم*} حيث لا ينفعهم الإيمان فيكونوا جامعين ذل النفوس المطلوب منهم ~~اليوم ليفيدهم العز الدائم إلى شدة الغضب بوضع الشيء في غير موضعه المنتج ~~لدوام ذلهم بالعقاب؛ وهذه الآية منبهة على أن الرضى بكفر خاص # PageV09P180 # لا يستلزم استحسان الكفر من حيث هو كفر؛ قال الإمام الحليمي في كتاب شعب ~~الإيمان المسمى بالمنهاج: وإذا تمنى مسلم كفر مسلم فهذا على وجهين: أحدهما ~~أن يتمناه له كما يتمنى الصديق لصديقه الشيء يستحسنه فيحب أن يكون له فيه ~~نصيب، فهذا كفر لأن استحسان الكفر كفر، والآخر أن يتمناه له كما يتمنى ~~لعدوه الشيء يستفظعه - فيجب أن يقع فيه، فهذا ليس بكفر، تمنى موسى صلوات ~~الله عليه وسلامه بعد أن أجهده فرعون ألا يؤمن فرعون وملأه ليحق عليهم ~~العذاب، وزاد على ذلك أن دعا الله تبارك وتعالى فلم ينكر تعالى ذلك عليه ~~لعلمه أن شدته على فرعون وغلظته عليه لما رآه من عتوه وتجبره هي التي حملته ~~على ذلك، فمن كان في معناه فله حكمه؛ وقد نقل ذلك عنه الزركشي في حرف الثاء ~~من قواعده مرتضيا له، ونقل عنه أيضا أنه قال: ولو كان في قلب مسلم على كافر ~~فأسلم فحزن المسلم لذلك وتمنى لو عاد إلى الكفر لا يكفر، لأن استقباحه ~~الكفر هو الذي حمله على تمنيه واستحسانه الإسلام هو الحامل لله على كراهته؛ ~~ونقل عن الشيخ عز الدين ms2083 بن عبد السلام أنه لو قتل عدو للإنسان ظلما ففرح هل ~~يأثم! إن فرح بكونه عصى الله فيه فنعم، وإن فرح بكونه خلص # PageV09P181 # من شره فلا بأس لاختلاف سببي الفرح - انتهى. # ويؤيده ما روى البيهقي في دلائل النبوة بسنده عن مقسم مرسلا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم دعا عل عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودمي وجهه ~~فقال: «اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا!» فما حال عليه الحول حتى ~~مات كافرا إلى النار، ومسألة أن الرضى بالكفر كفر نقلها الشيخان عن المتولي ~~وسكتا عليها، ولكن قال الشيخ محيي الدين في شرح المهذب: إن ذلك إفراط، فما ~~تقدم من التفصيل عن الحليمي وابن عبد السلام هو المعتمد، والمسألة في أصل ~~الروضة. فإنه قال: لو قال لمسلم: سلبه الله الإيمان، أو لكافر: رزقه الله ~~الإيمان، فليس بكفر لأنه ليس رضى بالكفر لكنه دعاء عليه بتشديد الأمر ~~والعقوبة؛ قلت: ذكر القاضي حسين في الفتاوى وجها ضعيفا أنه لو قال مسلم: ~~سلبه الله الإيمان، كفر - والله أعلم، وحكى الوجهين عن القاضي في الأذكار ~~وقال: إن الدعاء بذلك معصية. # PageV09P182 # ولما أخبر سبحانه عن دعائه عليه السلام أخبر بإجابته بقوله مستأنفا: ~~{قال} ولما كان الموضع محل التوقع للإجابة، افتتحه بحرفه فقال: {قد أجيبت ~~دعوتكما} والبناء للمفعول أدل على القدرة وأوقع في النفس من جهة الدلالة ~~على الفاعل بالاستدلال، وثنى للإعلام بأن هارون عليه السلام مع موسى عليه ~~السلام في هذا الدعاء، لأنه معه كالشيء الواحد لا خلاف منه له أصلا وإن كان ~~غائبا، وذلك # PageV09P182 # كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان رضي الله عنه في عمرة ~~الحديبية فضرب بإحدى يديه على الأخرى وهو غائب في حاجة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكذا ضرب له في غزوة بدر بسهمه وأجره وكان غائبا. # ولما كانت الطاعة وانتظار الفرج وإن طال زمنه أعظم أسباب الإجابة، سبب عن ~~ذلك قوله: {فاستقيما} أي فاثبتا على التعبد والتذلل والخضوع لربكما كما أن ~~نوحا عليه ms2084 السلام ثبت على ذلك وطال زمنه جدا واشتد أذاه ولم يضجر؛ ولما كان ~~الصبر شديدا. أكد قوله: {ولا تتبعان} بالاستعجال أو الفترة عن الشكر {سبيل ~~الذين لا يعلمون*} ولما أمر بالتأني الذي هو نتيجة العلم، عطف على ذلك ~~الإخبار بالاستجابة قوله: {وجاوزنا} أي فعلنا بعظمتنا في إجازتهم فعل ~~المناظر للآخر المباري له، ودل بإلصاق الباء بهم على مصاحبته سبحانه لهم ~~دلالة على رضاه بفعلهم فقال: {ببني إسراءيل} أي عبدنا المخلص لنا {البحر} ~~إعلاما بأنه أمرهم بالخروج من مصر وأنجز لهم ما وعد فأهلك فرعون وملأه ~~باتباعهم سبيل من لا يعلم بطيشهم وعدم صبرهم، ونجى بني إسرائيل بصبرهم ~~وخضوعهم؛ والالتفات من الغيبة إلى التكلم لما في هذه المجاوزة ومقدماتها ~~ولواحقها من مظاهر العظمة ونفوذ الأوامر ومضاء الأحكام؛ وبين سبحانه كيفية ~~إظهار استجابة الدعوة بقوله مسببا عن المجاوزة: # PageV09P183 # {فأتبعهم} أي بني إسرائيل {فرعون وجنوده} أي أوقعوا تبعهم أي حملوا ~~نفوسهم على تبعهم، وهو السير في أثرهم، واتبعه - إذا سبقه فلحقه، ويقال: ~~تبعه في الخير واتبعه في الشر. ولما أفهم ذلك، صرح به فقال: {بغيا} أي ~~تعديا للحق واستهانة بهم {وعدوا} أي ظلما وتجاوزا للحد. # ولما كان فاعل ذلك جديرا بأن يرجع عما سلكه من الوعورة، عجب منه في ~~تماديه فقال - عاطفا على ما تقديره: واستمر يتمادى في ذلك -: {حتى} ولما ~~كانت رؤية انفراج البحر عن مواضع سيرهم مظنة تحقق رجوع الماء إلى مواضعه ~~فيغرق، عبر بأداة التحقق فقال: {إذا أدركه} أي قهره وأحاط به {الغرق} أي ~~الموت بالماء كما سأل موسى في أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم {قال ~~آمنت} أي أوقعت إيمان الداعي لي من التكذيب؛ ثم علل إيمانه بقوله مبدلا من ~~{آمنت} في قراءة حمزة والكسائي بالكسر مؤكدا من شدة الجزع: {أنه} وعلى ~~تقدير الباء تعليلا في قراءة الجماعة أي معترفا بأنه {لا إله إلا الذي} ~~ويجوز أن يكون أوقع {آمنت} على {أنه} وما بعدها - أي {آمنت} نفي الإلهية عن ~~كل شيء غير من استثنيه من أن أعبره أو ms2085 أرجع عنه. # ولما كان قد تحقق الهالك وعلم أنه لا نجاة إلا بالصدق، اراد الإعلام # PageV09P184 # بغاية صدقه فقال: {آمنت} أي أوقعت التصديق معترفة {به بنو إسراءيل} فعينه ~~تعيينا أزال الاحتمال؛ ثم قال: {وأنا من المسلمين*} فكرر قبول ما كان دعي ~~إليه فأباه استكبارا، وعبر بما دل على ادعاء الرسوخ فيه بيانا لأنه ذل ذلا ~~لم يبق معه شيء من ذلك الكبر ولم ينفعه ذلك لفوات شرطه، فاتصل ذله ذلك بذل ~~الخزي في البرزخ وما بعده، وقد كانت المرة الواحدة كافية له عند وجود ~~الشرط، وزاده تعالى ذلا بالإيئاس من الفلاح بقوله على لسان الحال أو جبريل ~~عليه السلام أو ملك الموت أو غيره من الجنود عليهم السلام: {آلآن} أي أتجيب ~~إلى ما دعيت إليه في هذا الحين الذي لا ينفع فيه الإجابة لفوات الإيمان ~~بالغيب الذي لا يصح أن يقع اسم الإيمان إلا عليه {وقد} أي والحال أنك قد ~~{عصيت} أي بالكفر {قبل} أي في جميع زمان الدعوة الذي قبل هذا الوقت، ومعصية ~~الملك توجب الأخذ والغضب كيف كانت، فكيف وهي بالكفر! {وكنت} أي كونا جبليا ~~{من المفسدين*} أي العريقين في الفساد والإفساد؛ ثم أكده - بدل شماتة ~~الأعداء به الذين كانوا عنده أقل شيء وأحقره - بقوله مسببا عما تضمنه ذلك ~~الإنكار من الإذلال بالإهلاك إشارة إلى أن الماء أحاط به وصار يرتفع قليلا ~~قليلا حتى امتد زمن التوبيخ: {فاليوم ننجيك} أي تنجية عظيمة. # PageV09P185 # ولما كان ذلك سارا وكانت المساءة بما يفهم السرور إنكاء، قال دالا على أن ~~ذلك يعد نزع روحه: {ببدنك} أي من غير روح وهو كامل لم ينقص منه شيء حتى لا ~~يدخل في معرفتك لبس {لتكون} أي كونا هو في غاية الثبات {لمن خلفك} أي يتأخر ~~عنك في الحياة من بني إسرائيل وغيرهم {آية} في أنك عبد ضعيف حقير، لست برب ~~فضلا عن أن تكون أعلى ويعرفوا أن من عصى الملك أخذ وأن كان أقوى الناس ~~وأكثرهم جنودا، وقد ادعى بعض الملحدين إيمانه بهذه الآية إرادة لما ms2086 يعيذ ~~الله منه من حل العقد الواجب من أن فرعون من أكفر الكفرة بإجماع أهل الملل ~~ليهون للناس الاجتراء على المعاصي، وادعى أنه لا نص في القرآن على أنه من ~~أهل النار وضل عن الصرائح التي في القرآن في ذلك في غير موضع وعن أن قوله ~~تعالى: # {وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين} [يونس: 83] مع قوله تعالى: ~~{وأن المسرفين هم أصحاب النار} [غافر: 43] قياس قطعي الدلالة بديهي النص ~~على أنه من أهل النار، والآية - كما ترى - دليل على قوله: {قل أرأيتم إن ~~أتاكم عذابه بياتا أو نهارا} - الآية، لو كان فرعون مثل قريش، فكيف ولا ~~نسبة لهم منه في شدة الاستكبار التابعة لكثرة الجموع ونفوذ # PageV09P186 # الكلمة بضخامة الملك وعز السلطان والقوة بالأموال والأعوان، وقد وري أن ~~جبريل عليه السلام كان أتاه بفتيا في عبد نشأ في نعمة سيده فكفر نعمته وجحد ~~حقه وادعى السيادة دونه، فكتب فرعون جزاء العبد الخارج عن طاعة سيده الكافر ~~نعماءه أن يغرق في البحر، فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه ~~فعرفه. # ولما لم يعمل فرعون وآله بمقتضى ما رأوا من الآيات، كان حكمهم حكم ~~الغافلين عنها، فكان التقدير: ولقد غفلوا عما جاءهم من الآيات {وإن كثيرا} ~~أكده لأن مثله ينبغي - لبعده عن الصواب - أن لا يصدق أن أحدا يقع فيه {من ~~الناس} أي وهم من لم يصل إلى حد أول أسنان أهل الإيمان لما عندهم من النوس ~~- وهو الاضطراب - والأنس بأنفسهم {عن آياتنا} أي على ما لها من العظمة ~~{لغافلون} والإصلاح: تقويم العمل على ما ينفع بدلا مما يضر؛ وإحقاق الحق: ~~إظهاره وتمكينه بالدلائل الواضحة حتى يرجع الطاعن عنه حسيرا والمناصب له ~~مفلولا؛ والإسراف: الإبعاد في مجاوزة الحق؛ والفتنة: البلية، وهي معاملة ~~تظهر الأمور الباطنة؛ والنجاة: الخلاص مما فيه المخافة، ونظيرها السلامة، ~~وعلقوا النجاة بالرحمة لأنها إنعام على المحتاج بما تطلع إليه النفوس ~~العباد، فهو على أوكد ما يكون # PageV09P187 # من الدعاء إلى الصلاح؛ والوحي: إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء، والإيحاء ms2087 ~~والإيماء والإشارة نظائر، ولا يجوز أن تطلق الصفة بالوحي إلا لنبي؛ وتبوأ: ~~اتخذ، وأصله الرجوع، فالمتبوأ: المنزل، لأنه يرجع إليه للمقام فيه: والطمس: ~~محو الأثر فهو تغير إلى الدثور والدروس؛ والإجابة: موافقة الدعوة فيما طلب ~~بها لوقوعها على تلك الصفة؛ والدعوة: طلب الفعل بصيغة الأمر، وقد تكون ~~بالماضي؛ والمجاوزة: الخروج عن الحد من إحدى الجهات؛ والبحر: مستقر الماء ~~الواسع بحيث لا يدرك طرفيه من كان في وسطه، وهو مأخوذ من الاتساع؛ ~~والاتباع: اللحاق بالأول؛ والبغي: طلب الاستعلاء بغير حق؛ والآن: فصل ~~الزمانين الماضي والمستقبل، ومع أنه إشارة إلى الحاضر، ولهذا بنى كما بنى ~~«ذا» ؛ والبدن: مسكن روح الحيوان على صورته. # PageV09P188 # ولما ذكر تعالى عاقبة أمر فرعون وقومه وأنهم لم ينتفعوا بما جاءهم من ~~البينات مع ما كان فيها من جلي البيان وفي بعضها من الشدائد والامتحان حتى ~~كان آخرها أنه لما رأى مبدأ الهلاك من انفراق البحر لم يزعه عن لجاجه غفلة ~~منه عن عاقبته. وختمها بالإخبار بكثرة الغفلة إشارة إلى أن هذا الخلق في ~~غير القبط أيضا، أتبع ذلك ذكر خاتمة أمر بني إسرائيل فيما خولهم فيه بعد ~~الإنجاء من النعم المقتضي للعلم القطعي بأنه لا إله غيره، وأن من خالفه كان ~~على خطر الهلاك، # PageV09P188 # وأنهم - مع مشاهدتهم الآيات الآتيه بسببهم إلى فرعون - آتاهم من الآيات ~~الخاصة بهم المنجزة لصدق وعده سبحانه لآبائهم ما فيه غاية الإحسان إليهم ~~والإكرام لهم، وأنهم كانوا تحت يد فرعون على طريق واحد، ليس بينهم خلاف، ~~وما اختلفوا فصاروا فرقا في الاعتقادات وأحزابا في الديانات حتى جاءهم ~~العلم الموضح من الله، فكان المقتضي لاجتماعهم على الله مفرقا لهم على سبيل ~~الشيطان لخبث سرائرهم وسوء ضمائرهم وقوفا مع الشاهد الزائل وجمودا مع ~~المحسوس الفاني ونسيانا للغائب الثابت والمعلوم المتيقن، كل ذلك لأنا قضينا ~~به فالأمر تابع لما نريد، لا لما يأمر به وينهى عنه، فكان أعظم زاجر عن طلب ~~الآيات وظن أنها توجب له الرد على الغوايات، فقال تعالى: {ولقد بوأنا} أي ~~أسكنا بما لنا ms2088 من العظمة التي تنقطع الأعناق دون عليائها وتتضاءل ثواقب ~~الأفكار عن إحصائها {بني إسراءيل} مسكنا هو أهل لأن يرجع إليه من خرج عنه، ~~وهو المراد بقوله: {مبوأ صدق} أي في الأرض المقدسة لأن وعدنا كان قد تقدم ~~لهم بها وعادة العرب أنها إذا مدحت الشيء أضافته إلى الصدق لأنه مع ثباته ~~حبيب إلى كل نفس ويصدق ما يظن به من الخير. # ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالرزق، وكان التعبير عنه بالمبوإ دالا على ~~الرزق بدلالة الالتزام، صرح به فقال: {ورزقناهم} أي # PageV09P189 # بما لنا من العظمة {من الطيبات} أي الحسية حلاء واشتهاء من الفواكة ~~والحبوب والألبان والأعسال وغيرها. والمعنوية من الشريعة والكتاب والمعارف ~~كما تقدم وعدنا لآبائهم بذلك. ولما كانوا كغيرهم إذا كانوا على أمور ~~يتواضعون عليها تقاربوا فيها وتوافقوا، وإذا كانوا على حدود حدها لهم ~~المحسن إليهم وحده لم يلبثوا أن يختلفوا عابهم الله بذلك فقال: {فما} أي ~~فتسبب عن صدقنا لهم في الوعد أنهم ما {اختلفوا} أي أوقعوا الخلف المفضي إلى ~~جعل كل منهم صاحبه خلفه ووراء ظهره. واستهان به {حتى جاءهم العلم} الموجب ~~لاجتماعهم على كلمة واحدة لما له من الضبط حتى يكون أتباعه على قلب واحد. ~~فكأنه قيل: فماذا يفعل بهم؟ لا هم بعقولهم ينتفعون ولا بما جاءهم من الحق ~~يرجعون؟ فقيل مؤكدا لإنكار العرب البعث: {إن ربك} أي المحسن إليك بإصاء ~~الأنبياء بك ووصفك في كتبهم وجعلك صاحب لواء الحمد في القيامة {يقضي بينهم} ~~. # ولما كان هذا تهديدا عظيما، زاده هولا وعظمة بقوله: {يوم القيامة} أي ~~الذي هو أعظم الأيام {فيما كانوا} أي بأفعالهم الجبلية {فيه يختلفون*} ~~فيميز الحق من الباطل، والصديق من الزنديق، ويسكن كلا داره. # ذكر بعض ما في التوراة من المن عليهم بالأرض المقدسة: # PageV09P190 # قال قي أثناء السفر الخامس: قد رأت أعينكم جميع أعمال الله العظيمة التي ~~عمل، فاحفظوا جميع الوصايا التي أمركم الله بها اليوم لتدخلوا الأرض التي ~~تجوزون إليها لترثوها وتطول أعماركم في الأرض التي أقسم الله لآبائكم أن ~~يعطيهم ms2089 ويرثها نسلهم الأرض التي تغل السمن والعسل. لأن الأرض التي تدخلونها ~~لترثوها ليست مثل أرض مصر التي خرجتم منها التي كنتم تحتاجون فيها أن ~~تستقوا بأرجلكم وتسقوها مثل بساتين السقي، ولكن الأرض التي تجوزون إليها ~~لترثوها هي أرض الجبال والصحارى، وإنما تشرب من مطر السماء. يتعاهدها الله ~~ربكم في كل حين، وعينا الله ربنا فيها منذ أول السنة إلى آخر السنة. فإن ~~أنتم سمعتم الأحكام التي آمركم بها اليوم وتتقون الله ربكم وتعبدونه من كل ~~قلوبكم وأنفسكم يديم نظره إليكم، ويمطر لكم في الخريف والربيع جميعا، ~~وتستغلون طعاما وشرابا وزيتا، وينبت في حرثكم عشبا لمواشيكم، وتأكلون ~~وتشبعون، احفظوا أن لا تخدع قلوبكم وتروغوا إلى الآلهة الأخرى وتسجدوا لها ~~وتعبدوها فيشتد غضب الرب عليكم، ويمنع السماء من المطر والأرض من غلاتها، ~~وتهلكوا سريعا من الأرض التي يعطيكم الله ربكم، بل اجعلوا هذه الآيات في ~~قلوبكم، وصيروها ميسما بين أعينكم، وعلموها بينكم أن يتكلموا بها في حضوركم ~~وفي سفركم، وإذا # PageV09P191 # رقدتم وإذا قمتم، واكتبوها على معاقم بيوتكم وأبوابكم لتطول أعماركم ~~وأعمار أولادكم في الأرض التي أقسم الله لآبائكم أن يعطيهم. وإن أنتم حفظتم ~~هذه الوصايا كلها وعملتم بها وأحببتم الله ربكم وسرتم في طرقه ولحقتم ~~بعبادته يهلك الرب الملوك كلها من بين أيديكم وترثون شعوبا أعظم وأعز منكم، ~~وكل بلاد تطأها أقدامكم تكون لكم بين البرية ولبنان ومن النهر إلى الفرات: ~~النهر الأكبر، وتكون تخومكم عند البحر الآخر، ولا يقدر أحد أن يقاومكم، ~~ويلقي الله ربكم خوفكم وفزعكم على كل الأرض التي تطؤونها كما قال لكم الرب: ~~انظروا! إني أتلوا عليكم دعاء ولعنا، أما الدعاء فتصيرون إليه إن أنتم ~~حفظتم وصايا الله ربكم، وأما اللعن فيدرككم إن أنتم لم تسمعوا وصايا الله ~~ربكم وزغتم عن الطريق الذي أمركم به اليوم وتبعتم آلهة أخرى لم تعرفوها، ~~وإذا أدخلكم الله ربكم إلى الأرض التي تدخلونها لترثوها اتلوا الدعاء على ~~جبل حوريب واللعن على جبل من حيالها في مجاز الأردن خلف الطريق عند مغارب ~~الشمس ms2090 في أرض الكنعانين الذين يسكنون المغرب بإزاء الجبال وجبال بلوط - وفي ~~نسخة: مرج ممري، لأنكم تجوزون الأردن لتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم ~~الله ربكم وتسكنونها وتحفظون وتعملون بجميع الوصايا التي آمركم بها اليوم - ~~انتهى. # وفي سفر يوشع بن نون عليه السلام: ولما كان بعد موسى # PageV09P192 # عبد الله قال الله ليوشع ابن نون خادم موسى عليهما السلام: موسى عبدي ~~مات، والآن فقم فاعبر هذا الأردن أنت، وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا ~~معطيها لبني إسرائيل، كل موضع تطؤه أرجلكم لكم أعطيته، كما قلت لموسى عبدي. ~~من البر وهذه للبنان وإلى النهر الكبير نهر الفرات كل أرض الذاعرين، لا يقف ~~أحد قدامك طول ايام حياتك، كما كنت مع موسى أكون معك، لا أدعك ولا أتركك، ~~اشتد وتأيد، فإنك أنت تنحل هذا الشعب الأرض التي قسمت لآبائهم لإعطاء ذلك ~~لهم، لا يزول درس كتاب هذا الشريعة من فيك. وتلهج به نهارا وليلا لكي تحفظ ~~للعمل بجميع المكتوب. فحينئذ تنجح طرقك. وحينئذ ترشد، أليس قد أوصيتك؟ اشتد ~~وتأيد، ولا ترهب ولا تنذعر، لأن معك الله ربك في جميع ما تسير فيه، ووصى ~~بوضع يوشع عرفاء القوم قائلا: جوزوا في وسط العسكر ووصوا القوم قائلين لهم: ~~أعدوا لكم زادا فإنكم بعد ثلاثة أيام عابرون هذا الأردن للدخول لإرث الأرض ~~التي الله ربكم معطيها لكم، اذكروا ذكر القول الذي أمركم به موسى عبد الله ~~قائلا: الله ربكم مريحكم بما أعطاكم هذه الأرض، نساءكم وأطفالكم ومواشيكم ~~تجلسون في مدنكم التي أعطاكم موسى عبد الله في مجاز الأردن وأنتم تجورون ~~محزومي الخواطر إلى أن يريح الله إخوتكم كما أراحكم فترثوا أيضا الأرض التي ~~ربكم معطيكم، حينئذ ترجعون إلى أرض حوزكم التي أعطاكم موسى عبد الله في ~~مجاز الأردن مشرق الشمس، فأجابوا يوشع قائلين: جميع # PageV09P193 # ما أوصيتنا به نعمل، كل موضع ترسلنا نمضي كجميع ما قبلنا من موسى كذاك ~~نقبل منك. إذا كان الله معك كما كان مع موسى، كل إنسان يخالف أمرك ولا يقبل ~~كلامك كجميع ما ms2091 تأمره به يقتل. فاشتد وتأيد، فبعث يوشع بن نون من الكافرين ~~رجلين جاسوسين في خفية قائلا: امضيا! انظرا الأرض كلها مع أريحا، فمضيا ~~ودخلا إلى بيت امرأة سواقة اسمها راحاب واضطجعا ثم، فقيل لملك أريحا: هو ذا ~~أناس من بني إسرائيل قد جاؤوا إلى هنا الليلة لجس البلد. فأرسل ملك أريحا ~~إلى راحاب قائلا: أخرجي القوم الجائين إليك الذين دخلوا دارك. فإنهم لجس ~~جميع البلد جاؤوا. فأخذت المرأة الرجلين فأخفت أمرهما وقالت: كذاك كان ~~القوم جاؤوا إلي ولم أعلم من أين هم؟ وكان عند إغلاق الباب في الظلام. # ثم خرج القوم ولم أعلم أين مضوا؟ اطلبوهم بسرعة فإنكم تلحقونهم؛ ثم ~~أصعدتهما إلى السطح وظهرتهما في فش الكتان. والقوم طلبوهما في طريق الأردن ~~إلى المعابر - وفي نسخة: إلى المخاضات - ولباب أغلقوا بعد ما خرج الطالبون ~~خلفهما. وهما قبل أن يناما صعدت إليهما راحاب إلى السطح فقالت لهما: قد ~~علمت أن الله سلم إليكم البلد، وأنه قد وقعت هيبتكم علينا. وقد ماج جميع ~~سكان البلد من قبلكم. وإنا قد سمعنا أن الله أيبس لكم # PageV09P194 # بحر القلزم عقب خروجكم من مصر وما عملتم بملكي الأمورانيين الذي في مجاز ~~الأردن: سيحون وعوج اللذين اصطلمتموهما، فعند ما سمعنا ذابت قلوبنا ولم ~~يثبت أيضا روح في واحد منا من جهتكم، فإن الله ربكم هو إله من في السماوات ~~من فوق ومن على الأرض من تحت، والآن فاحلفوا باسم الله إذ قد عملت معكما ~~فضلا، فتعملا أيضا أنتما مع أهل أبي فضلا، وتعطياني علامة هي حق. لتستبقوا ~~أبي وأمي وإخوتي وجميع من التصق بهم، وتخلصوا أنفسنا من القتل. فقالا لها: ~~نبذل أنفسنا دونكم للموت إن لم تخبروا بخبرنا هذا. فيكون عند التسليم الله ~~لنا البلد نعمل معك فضلا وأمانة فأحدرتهما بالحبل من داخل الطاقة إذ منزلها ~~في حائط السور. وفي السور هي ساكنة. وقالت لهما: سيرا إلى الجبل كيلا ~~يلقاكما الطالبون، وبعد ذلك سيرا: لطريقكما، فقالا لها: أبرياء نحن من قسمك ~~هذا الذي استقسمتنا إن لم تفعلي ms2092 ما نقول لك، هو ذا نحن داخلون إلى البلد ~~فاعقدي خصلة خيط من القرمز في الطاقة التي أخبرتنا منها. وأبوك وأمك وإخوتك ~~وكل بيت أبيك تضمين إليك المنزل، فيكون كل من يخرج من أبواب منزلك إلى خارج ~~دمه في عنقه ونحن أبرياء، وكل من يكون معك في المنزل دمه في أعناقنا إن ~~بطشت به يد. وإن أخبرت بخبرنا # PageV09P195 # هذا فنحن أبرياء من قسمك الذي استقسمتنا، فقالت: كما قلتما، فأطلقتهما ~~ومضيا، وعقدت خصلة القرمز في الطاقة، فمضيا إلى الجبل وجلسا ثم ثلاثة أيام ~~إلى أن رجع الطالبون ولم يجدوهما. ورجع الرسولان وانحدرا من الجبل وجازا ~~الأردن وجاءا إلى يوشع بن نون وقصا له كل ما وافاهما وقالا ليوشع: إن الله ~~دفع بأيدينا كل الأرض، وقد ماج جميع ساكنها منا؛ وأدلج يوشع بالغداة ورحلوا ~~من الكفرين، وجاؤوا إلى الأردن هو وجميع بني إسرائيل وباتوا ثم قبل أن ~~يجوزوا. فلما كان بعد ثلاثة أيام جاز النقباء في وسط العسكر وأمروا القوم ~~قائلين لهم: عند نظركم صندوق عهد الله ربكم والأئمة اللاويين حاملين له ~~أنتم ترحلون من موضعكم وتمشون خلفه، لكن بينكم وبينه بعد مقدار ألفي ذارع ~~بالمساحة، لا تقربوا منه لأجل أن تعرفوا الطريق التي تمشون فيها إذ لم ~~تمشوا فيها أمس وأول أمس. # وقال يوشع للقوم: استعدوا فإن غدا يعمل الله في وسطكم عجائب، وقال يوشع ~~للأئمة: احملوا صندوق العهد وجوزوا قدام القوم. فحملوا صندوق العهد وساروا ~~قدام القوم، وقال الله ليوشع: هذا اليوم ابتدىء بتعظيم اسمك بحضرة جميع ~~إسرائيل لكي يعلموا أنني كما كنت مع موسى أكون معك؛ وقال يوشع لبني ~~إسرائيل: تقدموا # PageV09P196 # هاهنا وأسمعوا الله ربكم؛ قال يوشع: بهذه الخلة تعرفون أن قادرا حيا ~~لذاته في وسطكم، وأن قارضا يقرض من قدامكم قبائل الأمم: الكنعانيين ~~والذاعرين - وفي نسخة: الحاثبين المنسوبين إلى حاث جدهم - والحويين أي ~~الفصحاء البلغاء - وفي نسخة: المجتمعين إلى الحي - والربضيين والفلاحين ~~والأمورانيين - أي الرؤساء - واليبوسيين - أي الجبارين القاهرين، ها هو ذا ~~صندوق العهد، سيد كل الأرض جائز ms2093 قدامكم في الأردن والآن خذوا لكم اثني عشر ~~رجلا من أسباط إسرائيل: رجلا واحدا من كل سبط، ويكون عند قرار أقدام أرجل ~~الأئمة حاملي صندوق العهد سيد كل الأرض في مياه الأردن من الأمر العظيم أنه ~~تنقطع مياه الأردن المنحدرة من فوق وتقف طودا واحدا كأنها في زق محصورة. # ولما ارتحل الشعب وقطعوا خيمه ليجوزوا الأردن سار الكهنة الذين حملوا ~~التابوت أمام الشعب، فلما انتهوا إلى الأردن وكان ممتلئا يفيض كل أيام ~~الحصاد انشق الأردن وقام الماء الذي كان ينحدر من فوق كأنه في زق ناحيته، ~~وتباعد عن قرية إدام التي عند صريم # PageV09P197 # جدا، والذي كان يجري إلى البحر العربي الذي يدعى بحر الملح انشق وحار ~~وانقطع، وجاز الشعب حيال أريحا، وقام الكهنة الذيم حملوا تابوت العهد في ~~الأردن يابسا حتى عبر جميع الشعب بحر الأردن؛ فلما جاز الشعب جميعا قال ~~الرب ليوشع: اعمد إلى اثني عشر رجلا من الشعب: من كل سبط رجل واحد، وقل ~~لهم: خذوا من هاهنا من جوف الأردن من تحت أقدام الكهنة اثني عشر حجرا ~~وعبروها معكم وانصبوها في موضع المبيت الذي تبيتون فيه الليلة، فأمرهم يوشع ~~بذلك وأن يحمل كل رجل حجره على عاتقه، فأخذوها إلى موضع مبيتهم ونصبوها ~~هناك، فمكثت الحجارة - التي أخذوها من الأردن من تحت أقدام الكهنة الذين ~~حملوا التابوت - موضوعة هناك إلى اليوم؛ والكهنة الذين حملوا التابوت كانوا ~~قياما حتى تمت جميع الأقوال التي أمر الرب يشوع أن يقص على الشعب كما أوصى ~~موسى يشوع، وعجل الشعب على المجاز وجازوا، فما جاز جميع الشعب وجاز الكهنة ~~الذين كانوا حاملين التابوت أمام الشعب وجاز بنو روبال وبنو جاد ونصف سبط ~~منسا، وهم متسلخون أمام إخوتهم - كما أمر موسى - أربعون ألفا ذوو قوة، ~~جازوا أمام الرب إلى قاع أريحا للمحاربة. # في ذلك # PageV09P198 # اليوم عظم يشوع عند جميع بني إسرائيل وفرقوه كفرقهم من موسى طول أيام ~~حياته، وقال الرب ليشوع: مر الكهنة الذين حملوا تابوت الشهادة يصعدوا من ~~الأردن، فأمرهم، فلما صعدوا رجع ms2094 ماء الأردن إلى مواضعه أول ما استقرت أقدام ~~الكهنة في الشط وجرى في سواحل الأردن كما كان أولا، فصعدوا من الأردن في ~~عشر خلت من الشهر الأول - قلت: وهو نيسان على ما قال بعض فضلاء اليهود - ~~ونزلوا الجلجال أقصى مشارق أريحا، فأما الاثنا عشر حجرا التي أخذوها من ~~الأردن فنصبها يشوع في الجلجال، وقال يشوع لبني إسرائيل: إذا سألكم بنوكم ~~غدا وقالوا لكم: ما هذه الحجارة؟ قولوا لهم: إن بني إسرائيل فلق له هذا ~~الأردن فجازوه يابسا، لأن الله ربكم يبس ما الأردن أمامهم حتى جازوه كما ~~فعل الله ربكم ببحر سوف الذي يبسه أمامنا حتى جزناه ليعلم جميع شعوب الأرض ~~أن يد الرب قوية، وتتقوا الله ربكم كل الأيام. # فلما سمع جميع ملوك الأمورانيين الذين في جانب الأردن الغربي وجميع ملوك ~~الكنعانيين الذين على شاطىء البحر أن الرب يبس ماء الأردن أمام بني إسرائيل ~~حتى جازوا، فزعت قلوبهم ولم يبق فيهم رمق فزعا من بني إسرائيل وفي ذلك ~~الزمان قال الرب ليشوع: اتخذ سيفا من طوران واختن بني إسرائيل ثانية، فختن ~~بني إسرائيل ثانية في أكمة # PageV09P199 # الغلف، والذي ختن يشوع جميع الذكورة الذين كانوا ولدوا في البرية حين ~~خرجوا من أرض مصر، لأن جميع الرجال الأبطال المقاتلة هلكوا في البرية لأنهم ~~لم يطيعوا الله ربهم وكانوا كلهم مختتنين، فأقسم الرب عليهم أن لا يريهم ~~الأرض التي وعد آباءهم أن يعطيهموها الأرض التي تغل السمن والعسل، فبنوهم ~~الذين كانوا من بعدهم هم الذين ختن يشوع لأنهم كانوا غلفا. فلما ختن جميع ~~الشعب مكثوا مواضعهم في المعسكر حتى برئوا، وقال الرب ليشوع: اليوم صرفت ~~عنكم عار أهل مصر، ودعا اسم ذلك الموضع جلجالا، ونزل بنو إسرائيل الجلجال ~~وعلموا فصحا في أربعة عشر يوما من الشهر الأول عند المساء في قاع أريحا ~~وأكلوا من بر الأرض بعد الفصح وأكلوا في ذلك اليوم فطيرا وسنبلا مقلوا. ~~وارتفع المن عن بني إسرائيل منذ ذلك اليوم حيث أكلوا من بر الأرض ولم ينزل ~~المن لبني ms2095 إسرائيل بعد ذلك اليوم وأكلوا من بر الأرض وغلات أرض كنعان في ~~تلك السنة. وبينا كان يشوع في قاع أريحا قائما إذ نظر رجلا قائما إزاءه ~~مخترطا سيفه ممسكه بيده، فاقبل يشوع إليه وقال له: أنت منا أم من أعدائنا؟ ~~قال: أنا سيد أجناد الرب، الآن أتيتك، فخر يشوع ساجدا على وجهه على الأرض ~~وقال: ما الذي يقول السيد # PageV09P200 # لعبده؟ قال: اخلع خفيك عن قدميك، فإن الموضع الذي أنت قائم فيه طاهر، ~~ففعل يشوع ذلك؛ وكان بنو إسرائيل قد حاصروا أريحا، ولم يكن يقدر أحد من ~~أهلها يدخل ولا يخرج، قال الرب ليوشع: انظر! إني قد دفعت في يدك أريحا ~~وملكها وكل أجنادها، فليحط بالمدينة جميع رجال المقاتلة، ودوروا حول ~~المدينة مرة في اليوم، وافعلوا ذلك ستة أيام، ويحمل سبعة من الكهنة سبعة ~~أبواق ويهتفون أمام التابوت، حتى إذا كان اليوم السابع دوروا حول المدينة ~~سبع مرات ويهتف الكهنة بالقرون، فإذا هتفت الأبواق وسمعتهم أصواتها يهتف ~~جميع الشعب بأعلى أصواتهم صوتا شديدا، فيقع سور المدينة مكانه، ويصعد الشعب ~~كل إنسان حياله، فدعا يشوع الكهنة وقال لهم: احملوا تابوت الرب عهد الرب ~~ويحمل سبعة من الكهنة سبعة قرون وينفخون فيها أمام تابوت الرب، ثم قال ~~للشعب: دوروا حول المدينة، والمتسلخون يجوزون أمام تابوت الرب، فحمل سبعة ~~من الكهنة سبعة قرون وهتفوا أمام تابوت الرب فلم يزالوا ينفخون في القرون، ~~والذين كانوا يحملون التابوت يتبعون أصحاب الأبواق والمتسلخون يسيرون أمام ~~الكهنة الذي يهتفون بالقون ويسيرون أمام التابوت. # وقال يشوع للشعب: لا تهتفوا، ولا تسمعوا أصواتكم، ولا تخرج كلمة من ~~أفواهكم إلى اليوم الذي آمركم أن تهتفوا. فدارت الجماعة بالتابوت كل يوم ~~مرة # PageV09P201 # كما أمرهم يشوع، فلما كان اليوم السابع أدلجوا سحرا وأحاطوا بالمدينة ~~كسنتهم ولكن في ذلك اليوم السابع داروا حولها سبع مرات، وفي المرة السابعة ~~هتف الكهنة بالقرون وقال يشوع للشعب: اهتفوا لأن الرب قد دفع المدينة في ~~أيديكم، ولكن صيروا هذه المدينة وكل ما فيها حريمة للرب، لا يمسه إنسان ms2096 ~~منكم، وأبقوا على راحاب الزانية - يعني القندقانية كما أخبرني بعض فضلائهم، ~~ويؤيده التعبير عنها فيما مضى بالسواقة والله أعلم - وعلى كل من معها في ~~بيتها لأنها غيبت الدسيسين اللذين أرسلنا، فأما أنتم فاحتفظوا من الحرام، ~~ولا تنجسوا أنفسكم بأكل الحرام، فتصيروا عسكر بني إسرائيل حراما، فنفخوا في ~~القرون فلما سمع الشعب صوت الأبواق ضجوا كلهم واحدة شديدة جدا، فوقع سور ~~المدينة فصعد الشعب إلى المدينة كل إنسان حياله، فافتتحوها وقتلوا كل من ~~فيها رجالها ونساءها والمشيخة والصبيان والثيران والحمير والغنم، قتلوها ~~بالسيف، وأما الرجلان اللذان اجتسا الأرض فقال لهم يشوع: ادخلا إلى بيت ~~المرأة الزانية - يعني الفندقانية كما مضى - فأخرجاها وأخرجا كل من معها في ~~البيت كما حلفتما لها، ففعلوا وأنزلوهم خارج عسكر بني إسرائيل وأحرقوا ~~المدينة وكل من فيها بالنار، وأحيى يشوع الزانية ووالديها وكل من معها، ~~وأقسم يشوع في ذلك الزمان ولعن وقال: ملعونا يكون # PageV09P202 # أمام الرب الرجل الذي يقوم يبني مدينة أريحا هذه، وكان الرب بعونه مع ~~يشوع ونصره، وشاع خبره في الأرض كلها، وأثم بنو إسرائيل وتناولوا من ~~الحرام، وذلك لأن عاجار ابن كرمي بن زبدي بن زرح من قبيلة يهودا نحر وأخذ ~~من الحرام وغيب في خيمته، فاشتد غضب الرب على بني إسرائيل، ثم أرسل يشوع ~~رجالا إلى عاي التي عند بيت آون من مشارق بيت إل ليجتسوها، فقالوا له: إنه ~~يجزىء في أخذها ألفان أو ثلاثة لأن أهلها قليل، فصعدوا فحاربوهم عند باب ~~المدينة فانهزم بنو إسرائيل وجرح منهم جرحى كثير - فذكر القصة في سجود يشوع ~~وانزعاجه وإخبار الله تعالى إياه أن قومه غلوا، ثم أمره بالقرعة حتى خرج ~~الذي عنده الغلول وهو عاجار، وكان غلوله طنفسة بابلية ومائتي مثقال فضة ~~وسبيكة من ذهب فيها خمسون مثقالا، فأخرجه يشوع مع كل شيء هو له، وقد مضى ~~ذلك في البقرة عند # {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} [البقرة: 98] وتقدم في ~~المائدة فتح بعض بلاد بيت المقدس بأعجوبة أخرى واستمروا هكذا يفتحونها بلدا ~~بعد بلد، ويقتلون ms2097 من جبابرتها عددا بعد عدد، ويرون في ذلك من عجائب الأمور ~~وبدائع المقدور ما يبقي على كر الآباد ومر الدهور، وهم في أثناء ذلك كل ~~قليل يكفرون # PageV09P203 # وينقضون العهود ولا يشكرون كما هو مبين في سفر يوشع بن نون، وقد مضى شيء ~~منه في المائدة عند قوله تعالى {فعموا وصموا} [المائدة: 71]- الآية، كل ذلك ~~بعد أن جاءهم من العلم ما لا تدخله مرية لا يخالطه شك ولا يدنو منه لبس، ~~فتبارك من له الأمر كله، لا مضل لمن هدى ولا هادي لمن يضله. # PageV09P204 # ولما كان ما مضى - من الآيات هذه السورة المبينة أن من أريدت شقاوته لا ~~ينفعه مشاهدة الآيات - سببا لنفي الشك عنها وإثبات اليقين بمضامينها بما ~~سلف من الأدلة على تلك المضامين غلى أن ختم ذلك بذم من عمل عمل الشاك بعد ~~أن جاء ما يوجب اليقين من العلم، وكان صلى الله عليه وسلم كما مضى في آخر ~~التي قبلها أشفق الخلق لا سيما على العرب لا سيما على قومه منهم، وكانت ~~الوصية قد برزت من الجناب الإلهي له بما يوافق طبعه من بذل الجهد في ~~ملاطفتهم، كان ذلك جديرا بأن يحرك طبع البشر لتمني الإجابة لما يقترحون، ~~وكان طلب ذلك بعد الفطام عنه من أفعال الشك في الجملة فأريد صرف النفس عنه ~~بالكلية ولو بالخطور في البال فقيل مسببا عما قبله: {فإن كنت} أي يا أرحم ~~الخلق {في شك} ولم يرد بهذا الكلام حقيقته - والله أعلم - بل تقوية اليقين ~~وتأكيده ورسوخه وتأييده بأن هذا أمر قد عزم عليه وفرغ منه فلا يحتمل ~~مراجعة، وذلك لأن المعنى أن ثباتهم على # PageV09P204 # الشقاوة أمر لا يعلم إلا من قبلنا، وذلك بأحد أمرين: إما بواسطة الأمين ~~جبرئيل بما يأتي به من الوحي عنا غضا طريا محفوظا من الغير فلا تحريف فيه ~~ولا تبديل، وإما بواسطة أهل الكتاب عن أنبيائهم - وفي ذلك نزول درجتين مع ~~تجويز التخويف والتبديل، وهذا ما لا يرضاه ذو همة علية ونفس أبية - ~~فالمعنى: أنا قد أخبرتك بأن ms2098 الآيات لا تزيد المقضي بشقائه إلا ضلالا وأنا ~~خبير بذلك {ولا ينبئك مثل خبير} فلا تطلب إجابتي إياهم إلى ما يقترحون عليك ~~رجاء إيمانهم فإنهم لا يؤمنون بذلك {فإن كنت} أي في وقت من الأوقات {في شك} ~~أي ولو قل {ممآ أنزلنآ} أي بعظمتنا واصلا على لسان الواسطة {إليك} في ذلك ~~{فسئل} أي بسبب ذلك الشك {الذين يقرءون} أي متتابعين لذلك {الكتاب} أي ~~السماوي من اليهود والنصارى، فإنهم من الإحاطة بصحة ما أنزلنا إليك على حد ~~عظيم. ومن آمن منهم أو كان منصفا جدير بأن يزداد من فاوضه في ذلك إيمانا؛ ~~ولما كانوا بعض من أوتي الكتاب في الزمن السالف، أثبت الجار فقال: {من ~~قبلك} وهم عن ذلك الخبر بمراحل، فلا تجنح إلى سؤال غيري، وهذا مضمون قوله ~~تعالى مؤكدا آتيا بحرف التوقع # PageV09P205 # لأن كلا من الأمرين في أحق مواضعه: {لقد جآءك الحق} أي الثابت الكامل ~~ثباته وهو إمضاء العدل فيهم؛ وزاده تشريفا وترغيبا فيه بقوله: {من ربك} أي ~~المحسن إليك باصطفائك لذلك، فلذا سيق مساق البيان له من غير واو، فإذا ثبت ~~أنه الحق أي الثابت أعلى الثبات تسبب عنه البعد من تزلزل من جاءه، فناسب ~~اتباعه بقوله: {فلا تكونن} أكده لأنه حقيق بأن لا ينثني عنه أحد بوجه من ~~الوجوه {من الممترين} أي الغافلين عن آيات الله فتطلب الفضل لأهل العدل؛ ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا والله! ما شك طرفة عين ولا سأل أحدا منهم. # ولما نهى عن ذلك لم يبق مما اقتضته القسمة العقلية إلا العناد ممن يمكن ~~منه كما فعل بنو إسرائيل بعد مجيء العلم فأتبعه النهي عن مثل حالهم بقوله: ~~{ولا تكونن} أي بوجه من الوجوه، والمراد بهذا أتباعه {من الذين كذبوا} أي ~~فعلوا فعل المكذب مستهينين {بآيات الله} أي التي لا أعظم منها بإضافتها إلى ~~من لا أعظم منه {فتكون} أي كونا راسخا {من الخاسرين} بل اثبت على ما أنت ~~عليه من اليقين والطمأنينة والثقة بالله والسكينة، وهذا ونحوه مما غلظت فيه ms2099 ~~العبارة دلالة على مزيد قرب المخاطب وإن كان المراد غيره وعظيم منزلته ~~ولطيف خصوصيته كما مضى بيانه عن الإمام أبي الحسن الحرالي رحمه الله في ~~سورة براءة عند قوله تعالى {عفا الله عنك} [براءة: 43]- الآية، وتغليظ # PageV09P206 # العبارة فيه تأديب عظيم لتابعيه؛ والشك: الوقوف بين النقيضين، وهو من شك ~~العود فيما ينفذ فيه، لأنه يقف بذلك الشك بين جهتيه؛ والإنزال: نقل الشيء ~~من علو إلى سفل؛ والامتراء؛ طلب التشكك مع ظهور الدليل، من مري الضرع وهو ~~مسحه ليدر. # ولما كان ما مضى من هذه الآيات وما كان من طرازها قاضيا بأنه لا تغني ~~الآيات عنهم. صرح به قوله تعالى: {إن الذين حقت} أي وجبت وثبتت {عليهم} أي ~~بأنهم أشقياء، وعبر بالاسم المفهم للإحسان إعلاما بأنه ما أوجب عليهم ~~العذاب إلا إحسانا إليه بما يقاسي من معالجتهم وغير ذلك من الحكمة فقال: ~~{كلمت ربك} أي المحسن إليك في جميع أمرك {لا يؤمنون} أي لا قبول لهم لتجدد ~~الإيمان {ولو جآءتهم كل آية} ونسبتها إلى قوله {لقد جاءك الحق} نسبة {لقد ~~جاءك الحق} إلى {فإن كنت في شك} الآية في البيان المستفاد من حذف العاطف، ~~وإذا كان الكلام في معنى واحد كان بمنزلة الكلمة الواحدة فسمي بها {حتى ~~يروا العذاب الأليم} أي حين لا ينفعهم الإيمان لفوات شرطه كما لم ينفع ~~فرعون لذلك {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تحويلا} ~~[الأحزاب: 92] . # PageV09P207 # ولما كان هذا موضع أن يقال: إنما تطلب الآيات لما يرجى من تسبب الإيمان ~~عنها، تسبب عنه أن يجاب بقوله تعالى: {فلولا} أي فهلا {كانت قرية} أي واحدة ~~من قرى الأمم الماضية التي أهلكناها {آمنت} أي آمن قومها عند إتيان الآيات ~~أو عند رؤية أسباب العذاب {فنفعهآ} أي فتسبب عن إيمانها ذلك أنه نفعها - ~~{إيمانها} ولما كان المعنى «لولا» النفي، كان التقدير: لكن لم تؤمن قرية ~~منهم إلا عند صدم العذاب كما فعل فرعون، لو آمن عند رؤية البحر على حال ~~الفلق أو عند توسطه وقبل انسيابه ms2100 عليه قبل، ولكنه ما آمن إلا بعد انهماره ~~ومسه. وذلك حين لا ينفع لفوات شرطه من الإيمان بالغيب {إلا قوم يونس} فإنهم ~~آمنوا عند المخايل وقت بقاء التكليف فنفعهم ذلك فإنهم {لمآ آمنوا} ودل على ~~أنه قد كان أظلهم بقوله: {كشفنا} أي بعظمتنا {عنهم} أي حين إيمانهم، روي ~~أنه لم يبق بينهم وبين العذاب إلا قدر ميل {عذاب الخزي} أي الذي كان يوجب ~~لهم لو برك عليهم هوان الدارين {في الحياة الدنيا} أي فلم يأخذهم وقت ~~رؤيتهم له {ومتعناهم} أي تمتيعا عظيما {إلى حين} وهو انقضاء آجالهم مفرقة ~~كل واحد منهم في وقته المضروب له، وما ذكرته في معنى الآية نقله القاضي أبو ~~محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره المسند عن ابن أبي عمر قال: قال ~~سفيان الثوري: # PageV09P208 # {فلولا كانت قرية آمنت} قال: فلم تكن قرية آمنت، وهذا تفسير معنى الكلام، ~~وأما «لولا» فهو بمعنى هلا، وهي على وجوه تحضيض وتأنيث، أي توبيخ، وهي هنا ~~للتوبيخ. ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى «لولا» ، ويلزم كلا من المعنيين ~~النفي؛ والنفع: إيجاب اللذة بفعلها أو ما يؤدي إليها كالدواء الكريه المؤدي ~~إلى اللذة؛ والخزي هو أن يفضح صاحبه، وهو وضع من القدر للغم الذي يلحق به، ~~وأصله التعب. # ولما كان ما مضى ربما أوجب اعتقاد أن إيمان مثل أولئك محال جاءت هذه ~~الآية في مقام الاحتراس منه مع البيان لأن حرص الرسول صلى الله عليه وسلم ~~على إيمانهم لا ينفع ومبالغته في إزالة الشبهات وتقرير الدلائل لا تفيد إلا ~~بمشيئة الله تعالى لتوفيقهم وهدايتهم، ولو كان ذلك وحده كافيا لآمنوا بهذا ~~السورة فإنها أزالت شبهاتهم وبينت ضلالاتهم وحققت بقصتي نوح وموسى عليهما ~~السلام ضعفهم ووهن مدافعاتهم فقال تعالى: {ولو شآء} أي إيمان الناس {ربك} ~~أي المحسن إليك بإقبال من أقبل لعلمه الخير فيه وإدبار من أدبر لعدم ~~قابليته للخير {لأمن من في الأرض} من الكفار. # ولما كان هذا ظاهرا في الكل، صرح به مؤكدا لأن المقام يقتضيه فقال: # PageV09P209 # {كلهم جميعا} أي مجتمعين ms2101 في آن واحد لا يختلفون في شيء منه، ولكن لم يشأ ~~ذلك وأنت لحرصك على امتثال أوامري ووصيتي لك باللطف بخلقي الموافق لما ~~جبلتك عليه من الخير تريد ذلك {أفأنت تكره الناس} أي الذين لم يرد الله ~~إيمانهم مع ما طبعهم عليه من الاضطراب {حتى يكونوا} أي كونا جبليا {مؤمنين} ~~أي راسخين في الإيمان، وإيلاء الاستفهام الاسم مقدما على الفعل للإعلام بأن ~~الفعل - وهو هنا الإكراه - ممكن من غير ذلك الاسم وهو هنا الله وحده القادر ~~على تحويل الطباع فإن قدرته قاهرة لكل شيء ومشيئته نافذة في كل شيء مع ~~الدلالة على أن وقوع خلاف المشيئة مستحيل لا يمكن لغيره تعالى بإكراه ولا ~~غيره، والمشيئة معنى يكون به الفعل مرادا أخذت من الشيء، والمراد بالآية ~~تخفيف ما يلحق النبي صلى الله عليه وسلم من التحسر للحرص على إيمانهم {وما ~~كان} أي وما ينبغي ولا يتأتى {لنفس} أي واحدة فما فوقها {أن تؤمن} أي يقع ~~منها إيمان في وقت ما {إلا بإذن الله} أي بإرادة الملك الأعلى الذي له ~~الخلق والأمر وتمكينه، فيجعل الثبات والطمأنينة - اللازمين للإيمان الذي هو ~~أبعد شيء عن السحر - على الذين ينتفعون بعقولهم فيلزمون معالي الأخلاق التي ~~هي ثمرات للإيمان {ويجعل الرجس} أي الاضطراب والتزلزل الذي يلزمه التكذيب ~~الذي هو أشبه شيء بالسحر لأنه تخييل ما # PageV09P210 # لا حقيقة له والقذر والقباحة والغضب والعقاب الناشىء عنه. # ولما كان ما في هذه السورة من الدلائل قد وصل في البيان إلى حد لا يحتاج ~~فيه إلى غير مجرد العقل قال: {على الذين لا يعقلون} أي لا يوجد لهم عقل، ~~فهم لذلك لا ينتفعون بالآيات وهم يدعون أنهم أعقل الناس فيتساقطون في ~~مساوىء الأخلاق وهم يدعون أنهم أبعد الناس عنها، فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات؛ والنفس: خاصة الشيء التي لو بطل ما سواها لم يبطل ذلك الشيء، ونفسه ~~وذاته واحد. # PageV09P211 # ولما تقرر ما مضى من النهي عن الإصغاء إليهم في طلب الآيات، وختم بتعليق ~~الأمر بمجرد المشيئة، كان كأنه قيل: فماذا ms2102 يقال لهم إذا طلبوا؟ فقال: {قل} ~~أي يا أشرف الخلق لهم غير مهتم بأمرهم ومنبها لهم على إبطال مذهب الجبر ~~المتعلق أصحابه بنحو هذه الآية، لأن المشيئة مغيبة والعبد مأمور ببذل الجهد ~~في الطاعة بما له من القدرة والاختبار. # ولما أمر بهذا الفكر فكان ربما ظن لأجله أن للإنسان قدرة مستقلة، نبه على ~~مذهب أهل السنة القائل بالكسب الذي هو - كما قال الإمام علي رضي الله عنه - ~~أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض، فقال معلما أن من حكم بشقائه لا ينفعه ~~شيء: {انظروا} أي بأبصاركم وبصائركم لتخرجوا بالانتفاع بالعقل عن عداد ~~البهائم؛ قال الإمام: ولو أن الإنسان تفكر في كيفية حكمة الله تعالى في خلق ~~جناح بعوضة لانقطاع # PageV09P211 # فكره قبل أن يصل إلى أول مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد، فلذلك أبهم ~~في قوله: {ماذا} أي الذي {في السماوات والأرض} أي من الآيات وواضح الدلالات ~~التي أخرجتموها - بإلفكم لها - عن عداد الآيات، وهي عند التأمل من أعظم ~~خوارق العادات، وقال الإمام: فكأنه سبحانه نبه على القاعدة الكليه حتى ~~ينتبه لأقسامها، وقال أبو حيان أخذا من الإمام: السبيل إلى معرفته تعالى هو ~~بالتفكر في مصنوعاته، ففي العالم العلوي في حركات الأفلاك ومقاديرها ~~وأوضاعها والكواكب وما يختص بذلك من المنافع والفوائد، وفي العالم السفلي ~~في أحوال العناصر والمعادن والنبات والحيوان وخصوصا حال الإنسان - انتهى. # ولما كان ما فيها من الآيات في غايه الدلالة، نبه سبحانه على أن التوقف ~~عن الإيمان بعد التنبيه على كيفية الاستدلال معاندة فقال: {وما} وهي نافية ~~أو استفهامية {تغني الآيات} أي وإن كانت في غاية الوضوح {والنذر} أي ~~والإنذارات أو الرسل المنذرون {عن قوم} أي وإن كانت فيهم قوة {لا يؤمنون*} ~~أي للحكم بشقائهم، فكان ذلك سببا لتهديدهم بقوله: {فهل ينتظرون} أي بجميع ~~قواهم في تكذيبهم للرسول وتخلفهم عن الإيمان {إلا} # PageV09P212 # أي أياما أي وقائع {مثل أيام} أي وقائع {الذين خلوا} ولما كان أهل الأيام ~~الهائلة بعض من كان قبل، أتى بالجار فقال: {من قبلهم} أي من ms2103 مكذبي الأمم ~~وهم القبط وقوم نوح ومن طوي بينهما من الأمم، أي من حقوق الكلمة عليهم فنحل ~~بهم بأسنا ثم ننجيكم لإيمانكم كما كنا نحل بأولئك إذا كذبوا رسلنا، ثم ننجي ~~الرسل ومن آمن بهم حقا علينا ذلك للعدل بين العباد. # ولما تقدمت الإشارة إلى أن الكلمة حقت على الكافرين بعدم الإيمان والرجس ~~الذي هو العقاب، زاد في تهديدهم بالاعتراض بما سببه عن فعلهم فعل من ينتظر ~~العذاب بقوله: {قل فانتظروا} أي بجميع جهدكم ما ترونه واقعا بكم بسبب ما ~~تقرر عندكم مما كان يقع بالماضين في أيام الله، وزاد التحذير استئنافه قوله ~~مؤكدا لما لهم من التكذيب: {إني} وأعلمهم بالنصفة بقوله: {معكم من ~~المنتظرين*} . # ولما كان التقدير: فإنا كنا في أيام الذين خلوا نوقع الرجس بالمكذبين، ~~عطف عليه بيانا لم كان يفعل بالرسل وأتباعهم إذا أهلك الظالمين قوله: {ثم ~~ننجي} أي تنجية عظيمة وننجيهم إنجاء عظيما وجاء به مضارعا حكاية للأحوال ~~الماضية وتصويرا لها تحذيرا لهم من مثلها وإعلاما بأنه كذلك يفعل بهذا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه رضي الله عنهم، وأشار بأداة التراخي إلى ~~طول زمان الابتلاء وعظيم رتبة التنجية، وحذف مقابل الإنجاء لأن المقام بعد ~~آية # PageV09P213 # {ألا إن أولياء الله} ناظر إلى البشارة أكثر من النظر إلى النذارة ~~{رسلنا} أي الذين عظمتهم من عظمتنا {والذين آمنوا} أي بالرسل وهم معهم في ~~زمانهم ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان تشريفا للرسل فإنهم بصدد الرسوخ ~~بملازمتهم؛ ثم وصل بذلك تشريفا للراسخين وترغيبا في مثل حالهم قوله: {كذلك} ~~أي كما حق علينا إهلاك الكافرين هذا الإهلاك العظيم {حقا علينا} أي بما ~~أوجبناه على جنابنا الأعظم {ننج المؤمنين} أي العريقين في الإيمان ولو ~~كانوا بعد موت الرسل تنجية عظيمة وتنجيهم إنجاء عظيما، فالآية من الاحتباك ~~لما أشارت إليه القراءتان بالتخفيف والتثقيل، أو يكون ذلك بني على سؤال من ~~لعله يقول: هل حقوق النجاة مختص بالرسل ومن معهم؟ فقيل: لا، بل {كذلك} أي ~~الحقوق {حقا علينا} على ما لنا من العظمة ms2104 {ننج المؤمنين} في كل زمن وإن لم ~~يكن بين ظهرانيهم رسول، لأن العلة الاتصاف بالإيمان الثابت، فيكون الكاف ~~مبتدأ «وننج» خبره؛ والنظر: طلب المعنى بالقلب من جهة الذكر كما يطلب إدراك ~~المحسوس بالعين؛ والغنى: حصول ما ينافي الضر وصفة النقص، ونقيضه الحاجة؛ ~~والنذر: جمع نذير، من النذارة وهي الإعلام بموضع المخافة ليقع به السلامة؛ ~~والانتظار: الثبات لتوقع ما يكون من الحال؛ والمثل إن كان من الجنس فهو ما ~~سد مسد غيره # PageV09P214 # في الحس، وإن كان من غيره فالمراد ما كان فيه معنى يقرب به من غيره كقربه ~~من جنسه كتشبيه أعمال الكافر بالسراب؛ والنجاة من النجوة وهي الارتفاع من ~~الهلاك. # ولما تقدم الفطام عن الميل يطلب الآيات، وكان طلبهم لها إنما هو على وجه ~~الشك، وإن لم يكن على ذلك الوجه فإنه فعل الشاك غالبا وتقدمت أجوبة لهم، ~~وختم ذلك بتهديدهم وبشارة المؤمنين الموجبة لثباتهم، ناسبه كل المناسبة أن ~~اتبعت الأمر بجواب آخر دال على ثباته صلى الله عليه وسلم وأنه مظهر دينه ~~رضي من رضي وسخط من سخط، لأن البيان قد وصل إلى غايته في قوله تعالى: {قل ~~يا أيها الناس} أي الذين هم في حيز الاضطراب، لم ترقهم هممهم إلى رتبة ~~الثبات {إن كنتم} أي كونا هو كالجبلة منغمسين {في شك} كائن {من} جهة {ديني} ~~تطلبون لنزوله - بعد تكفل العقل بالدلالة عليه - إنزال الآيات، فأنا لست ~~على شك من صحة ديني وبطلان دينكم فاعرضوه على عقلوكم وانظروا ما فيه من ~~الحكم مستحضرين ما لدينكم من الوهي الذي تقدم بيانه في قوله تعالى # {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق} [يونس: 59] ونحوه {فلا أعبد} أي ~~الآن ولا في المستقبل الزمان {الذين تعبدون} أي الآن أو بعد الآن {من دون ~~الله} أي الملك الأعظم لعدم قدرتهم على شيء من ضري، فلا تطمعوا في أنه يحصل ~~لي شك بسبب حصول الشك # PageV09P215 # لكم، فإذا لا أعبد غير الله أصلا. # ولما كان سلب عبادته عن غيره ليس صريحا في إثباتها له قال: ms2105 {ولكن أعبد ~~الله} أي الجامع لأوصاف الكمال عبادة مستمرة؛ ثم وصفه بما يوجب الحذر منه ~~ويدل على كمال قدرته {الذي يتوفاكم} بانتزاع أرواحكم التي لا شيء عندكم ~~يعدلها. فلا تطمعون - عند إرادنه لنزعها - في المحاولة لتوجيه دفاع عن ذلك. ~~وفي هذا الوصف - مع ما فيه من الترهيب - إشارة إلى الدلالة على الإبداء ~~والإعادة، فكأنه قيل: الذي أوجدكم من عدم كما أنتم به مقرون بعدمكم بعد هذا ~~الإيجاد وأنتم صاغرون، فثبت قطعا أنه قادر على إعادتكم بعد هذا الإعدام ~~بطريق الأولي فاحذروه لتعبدوه كما أعبده فإنه قد أمرني بذلك وأنتم تعرفون ~~غائلة الملك إذا خولف، وقال {إن كنتم في شك} مع أنهم يصرحون ببطلان دينه، ~~لأنهم في حكم الشاك لاضطرابهم عند ورود الآيات، أو لأن فيهم الشاك فغلب ~~لأنه أقرب إلى الحيز؛ والشك: وقوف بين المعنى ونقيضه، وضده الاعتقاد فإنه ~~قطع بصحة المعنى دون نقيضه، وعبر ب «من» إشارة إلى أن فعلهم ذلك ابتدأ من ~~الدين، ولو عبر ب «في» لأفهم أنهم دخلوا فيه لأنهم في الشك والشك في الدين، ~~والظرف لظرف الشيء ظرف لذلك الشيء، وترك العطف إشارة إلى أن كل جواب منها ~~كاف على حياله. # PageV09P216 # ولما قرر ما هو الحقيق بطريق العقل، أتبعه بما رود من النقل بتأييده ~~وإيجابه بقوله: {وأمرت} أي بأمر جازم ماض ممن لا أمر لأحد معه، وعظم ~~المأمور به بجعله عمدة الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال: {أن أكون} أي ~~دائما كونا جبليا، ولما كان السياق لما يحتمل الشك من الأمر الباطن، عبر ~~بالإيمان الذي هو للقلب فقال: {من المؤمنين} أي الراسخين في هذا الوصف {وأن ~~أقم} أي أيها الرسول {وجهك} أي كليتك على سبيل الإخلاص الذي لا شوب فيه ~~{للدين} فوصل أولا كلمه «أن» بمعنى الأمر أي {أن أكون} دون «أكن» وثانيا ~~بلفظه وهو {أقم} جمعا بين الأسلوبين، وكلاهما بمعنى المصدر، وخص الثاني ~~بذلك لطوله لأنه كالتفصيل للأول فالخطاب فيه أوكد وألذ، وقوله: {حنيفا} حال ~~من فاعل «أقم» ومعناه: مسلما ميالا مع الدليل - كما أوضحته ms2106 في البقرة، أي ~~أجمع بين الإيمان بالقلب والإسلام بالجوارح {ولا تكونن} أي في وقت من ~~الأوقات {من المشركين*} الذين هم على ضد صفة الإسلام من الجفاء والغلظة ~~والجمود والقسوة. # PageV09P217 # ولما نهاه عن الشرك، أكده بما هو كالتعليل له بما يلزمه من العبث بالخضوع ~~لما لا ضر فيه ولا نفع بقوله تعالى: {ولا تدع} أي في رتبة من الرتب الكائنة ~~{من دون الله} أي الذي # PageV09P217 # بيده كل شيء {ما لا ينفعك} أي إن فعلت شيئا من ذلك فأتاك بأسنا {ولا ~~يضرك} أي إن أقمت على طاعتنا مع نصرنا {فإن فعلت} أي شيئا مما نهيناك عنه ~~{فإنك إذا} إذا دعوت ذلك الغير بسبب ذلك {من الظالمين*} أي العريقين في وضع ~~الدعوة في غير محلها لأن ما هو كذلك في غاية البعد عن منصب الإلهية؛ ثم قال ~~تعالى عاطفا على قوله {فإن فعلت} : {وإن يمسسك الله} أي الذي لا راد لأمره ~~{بضر} أي أي ضر كان على أي وجه كان وإن كان ظاهرا جدا بما أنبأ عنه الإظهار ~~{فلا كاشف له} أي أصلا بوجه من الوجوه {إلا هو} لأنه أراده وما أراده لا ~~يكون غيره فلا ترج سواه في أن يبذله بخير، وعبر بالمس لأنه أخوف {وإن يردك} ~~أي مطلق إرادة {بخير فلا} أي أصابك لا محالة فإنه لا {رآد} ونبه على أنه لا ~~يجب عليه سبحانه شيء بأن وضع مكان الضمير قوله: {لفضله} أي عمن يريده به ~~كما يفعل بعض العاتين من أتباع ملوك الدنيا في رد بعض ما يريدون، بل هو ~~بحيث لا ينطق أحد إلا بإذنه فلا تخش غيره، فالآيه من الاحتباك: ذكر المس ~~أولا دليلا على إرادته ثانيا، والإرادة ثانيا دليلا على حذفها أولا، ولم ~~يستثن في الإرادة كما استثنى في الكشف لأن دفع المراد محال، وعبر بالإرادة ~~في الخير # PageV09P218 # وبالمس في الضير تنبيها على أنه صلى الله عليه وسلم مراد بالخير بالذات ~~وبالضر بالعرض تطييبا لقلبه لما تكرر في هذه السورة من الإخبار بإحقاق ~~العذاب على الفاسقين والإيئاس ms2107 من الظالمين، فلما تقرر ذلك حسن موقع قوله ~~مبينا لحال ذلك الفضل: {يصيب به} أي بذلك الفضل أو بالذي تقدم من الخير ~~والضير {من يشاء} أي كائنا من كان من أدنى وأعلى، وبين العلة في كونهم ~~مقهورين بقوله: {من عباده} وهذا كله إشارة إلى أن ما أوجب الإعراض عن ~~معبوداتهم بانسلاله عنها أوجب الإقبال عليه بثبوته له واختصاصه به، وختم ~~الآية بقوله: {وهو الغفور} أي البليغ الستر للذنوب {الرحيم*} أي البالغ في ~~الإكرام إشارة إلى أن إصابته بالخير لا يمكن أن يكون إلا فضلا منه بعد ~~الستر للذنوب والرحمة للضعف، فهو الحقيق بأن يعبد؛ والمس: اجتماع التباين ~~من غير نقص، ونظيره المطابقة، والمجامعة نقيضها المباينة؛ والكشف: رفع ~~الستار، جعل الضر كأنه مانع من إدراك الإنسان وساتر له. # ولما كثرت في هذه السورة الأوامر والنواهي والأجوبة بسبب ما يقترحونه على ~~وجه التعنت، وختم بأن من دعا غيره كان راسخا في الظلم لا مجير له منه، ختم ~~ذلك بجواب معلم بأن فائدة الطاعة ليست راجعة إلا إليهم، وضرر النفور ليس ~~عائدا إلا عليهم فقال تعالى: {قل يا أيها الناس} أي غاية كل من له قابلية ~~التحرك والاضطراب # PageV09P219 # {قد جاءكم الحق} أي الكامل بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا الكتاب، ~~وذلكم خير عظيم أصابكم الله به، وزاد الرغبة فيه بقوله: {من ربكم} أي ~~المحسن إليكم {فمن} أي فتسبب عن ذلك أنه من {اهتدى} أي آمن بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وعمل بما في الكتاب {فإنما يهتدي لنفسه} أي لأنه تبع الحق الثابت ~~وترك الباطل الزائل فأنقذ نفسه من النار وأوجب لها الجنة {ومن ضل} أي كفر ~~بهما أو بشيء منهما {فإنما يضل عليها} لأنه ترك الباقي وتمسك بما ليس في ~~يده منه شيء لأنه فان فقد غر نفسه {وما أنا} ولما كان السياق لنفي تصرفه ~~فيهم وأن ذلك إنما هو إلى الله تعالى، كان تقديم ضميرهم أهم فقال: {عليكم ~~بوكيل*} فيطلب مني حفظكم مما يؤدي إلى الهلاك ومنعه عنكم كما يطلب من ms2108 ~~الوكيل. # ولما كان أكثر ذلك وعظا لهم وتذكيرا ختمه بأمره صلى الله عليه وسلم بما ~~يفعله في خاصة نفسه أجابوا أو لمن يجيبوا، فقال عطفا على قوله {قل يا أيها ~~الناس} : {واتبع} أي بجميع جهدك {ما يوحى إليك} وبناه للمفعول لأن ذلك كان ~~بعد أن تقررت عصمته صلى الله عليه وسلم وعلم أن كل ما يأتيه من عند الله، ~~فكان ذلك أمكن في أمره باتباع كل ما يأتيه منه سبحانه وفي الإيذان بأنه لا ~~ينطق عن الهوى {واصبر} في تبليغ الرسالة على ما أصابك في ذلك من عظيم الضرر ~~وبليغ الخطر # PageV09P220 # من ضلال من لم يهتد وإعراضه وجفوته وأذاه {حتى يحكم الله} أي الملك ~~الأعظم بين من ضل من أمتك ومن اهتدى {وهو} أي وحده {خير الحاكمين} لأنه ~~يوقع الحكم في أولى مواقعه وأحقها وأحسنها وأعدلها، وهو المطلع على السرائر ~~فاعمل أنت بما تؤمر به وبشر وأنذر وأخبر وادع إلى الله بجميع ما أمرك به ~~واترك المدعوين حتى يأمرك فيهم بأمره؛ قال الزمخشري: وروى أنها لما نزلت ~~هذه الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار قال: «إنكم ستجدون ~~بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني» وتبعه على ذلك أبو حيان وغيره، فإن صح فالسر ~~فيه - والله أعلم - أنه لما أعلمت هذه الآية أن من اتبع الوحي ابتلى بما ~~ينبغي الصبر عليه وأفهمت أن من كان له أشد اتباعا كان أشد بلاء، وكان ~~الأنصار رضي الله عنهم أجمعين أحق بهذا الوصف من غيرهم من حيث إنهم كانوا ~~أول قبيلة جمعها الإيمان ومن حيث كانوا له أسهل قيادا وألين عريكة مع كونهم ~~لم يتقدم لهم عشرة بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا خبرة بأحواله توجب لهم من ~~اتباعه ما يوجب لمن كان من بني عمه قريش يخالطه ويأنس به ويرى منه معالي ~~الأخلاق وكريم الشمائل ما يوفر داعيته على اتباعه، فلما كان ذلك كذلك، خص ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار رضي الله عنهم لهذا الأمر، فتفضيلهم في ~~ذلك من الجهتين المذكورتين ms2109 فلا يتوهم # PageV09P221 # تفضيلهم على المهاجرين بل المهاجرون أفضل لأنهم جمعوا إلى النصرة الهجرة ~~مع أن أكثرهم له من قرب النسب من رسول الله صلى الله عليه وسلم والسبق في ~~الإسلام حظ وافر. # هذا ما ظهر لي من مناسبته على تقدير الصحة. والذي في الصحيح عن أنس رضي ~~الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقطع للأنصار من البحرين ~~فقالت الأنصار: حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين مثل الذي تقطع لنا، وقال: ~~سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني» فهذا فيه أن السبب حرصهم على الإنصاف ~~وهو يدل على أن المنصف يقل إنصاف الناس له وهو أمر مستقرى: والوحي: إلقاء ~~المعنى غلى النفس في خفاء. وهو هنا ما يجيء به الملك إلى النبي عليهما ~~السلام عن الله تعالى فيلقيه إليه على اختصاصه به من غير أن يرى ذلك سواه ~~من الناس؛ والصبر: تجرع مرارة الامتناع من المشتهي إلى الوقت الذي ينبغي ~~فيه تعاطيه ويعين عليه العلم بعاقبته وكثرة الفكر في الخبر الذي ينال به، ~~واعتياد الصبر في خصلة يسهل الصبر في خصلة أخرى لأن الخير يدعو إلى الخير ~~فتمكن الإنسان في خصلة يصير له ملكة تدعوه إلى ماشاكلها، وقد ختم سبحانه ~~السورة بما ابتدأها به من أمر الكتاب والإشارة إلى الإرشاد لما ينفع من ~~ثمرة إنزاله وهو العمل بما دل # PageV09P222 # عليه أو أشار إليه إلى أن ينجلي الحكيم الذي انزله للحكم في الدنيا أو في ~~الآخرة بما لا مرد له مما برزت به مواعيده الصادقة في كلماته التامة، وهذا ~~لعينه هو أول التي بعدها، فكان ختم هذه السورة وسطا بين أولها وأول التي ~~تليها، ففيه رد المقطع على المطلع وتتبع لما استتبع والله الموفق. # PageV09P223 # سورة هود # مقصودها وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل في حالتي البشارة والنذارة المقتضي ~~ذلك لمنزلة سبحانه وضع كل شيء في أتم محاله وإنفاذه مهما أريد الموجب ~~للقدرة على كل شيء، وأنسب ما فيها لهذاالمقصد ما ذكر في سياق قصة هو عليه ~~السلام من أحكام البشارة والنذارة بالعاجل ms2110 والآجل والتصريح بالجزم ~~بالمعالجة بالمبادرة الناظر إلى أعظم مدارات السورة (فلعلك تارك بعض ما ~~يوحى إليك) والعناية بكل دابة والقدرة على كل شيء من البعث وغيره المقتضي ~~للعلم بكل معلوم اللازم منه التفرد بالملك. # وسيأتي في الأحاف وجه اختصاص كل منهما باسمهما (بسم الله) أي الذي له ~~تمام العلم وكمال الحكمة وجميه القدرة) الرحمن (لجميع خلقه بعموم البشارة ~~والنذارة (الرحيم) لأهل ولايته بالحفظ في سلوك سبيله (الر) . # PageV09P224 # لما ختمت السورة التي قبلها - كما ترى - بالحث على اتباع الكتاب ولزومه ~~والصبر على ما يتعقب ذلك من مرائر الضير المؤدية إلى مفاوز الخير اعتمادا ~~على المتصف بالجلال والكبرياء والكمال. ابتدئت هذه بوصفه بما يرغب فيه، ~~فقال بعد الإشارة إلى إعادة القرع بالتحدي على ما سلف # PageV09P224 # في البقرة: {كتاب} أي عظيم جامع لكل خير، ثم وصفه بقوله: {أحكمت} بناه ~~للمفعول بيانا لأن إحكامه أمر قد فرغ منه على أيسر وجه عنه سبحانه وأتقن ~~إتقانا لا مزيد عليه {آياته} أي أتقنت إتقانا لا نقص معه فلا ينقصها الذي ~~أنزلها بنسخها كلها بكتاب آخر ولا غيره، ولا يستطيع غيره نقص شيء منها ولا ~~الطعن في شيء من بلاغتها أو فصاحتها بشيء يقبل، والمراد ب {محكمات} في آل ~~عمران عدم التشابه. # ولما كان للتفصيل رتبة هي في غاية العظمة، أتي بأداة التراخي فقال: {ثم} ~~أي وبعد هذه الرتبة العالية التي لم يشاركه في مجموعها كتاب جعلت له رتبة ~~أعلى منها جدا بحيث لم يشاركه في شيء منها كتاب وذلك أنه {فصلت} أي جعلت ~~لها - مع كونها مفصلة إلى حلال وحرام وقصص وأمثال - فواصل ونهايات تكون بها ~~مفارقة لما بعدها وما قبلها، يفهم منها علوم جمة ومعارف مهمة وإشارات إلى ~~أحوال عالية، وموارد عذبة صافية، ومقامات من كل علة شافية، كما تفصل ~~القلائد بالفرائد، وهذا التفصيل لم يشاركه في شيء منه شيء من الكتب ~~السالفة، بل هي مدمجة إدماجا لا فواصل لها كما يعرف ذلك من طالعها، ويكفي ~~في معرفة ذلك ما سقته منها في تضاعيف هذا ms2111 الكتاب، # PageV09P225 # وما أنسب ختام هذه الآية للإحكام والتفصيل بقوله: {من لدن} أي نزلت آياته ~~محكمة مفصلة حال كونها مبتدئة من حضرة هي أغرب الحضرات الكائنة من إله ~~{حكيم خبير} منتهية إليك وأنت أعلى الناس في كل وصف فلذلك لا يلحق إحكامها ~~ولا تفصيلها، أرسلناك به قائلا: {ألا تعبدوا} أي بوجه من الوجوه {إلا الله} ~~أي الإله الأعظم. # ولما كان هذا معظم ما أرسل به صلى الله عليه وسلم ومداره، استأنف الإخبار ~~بأنه أرسله سبحانه مؤكدا له لأجل إنكارهم فقال: {إنني} ولما كان إرساله صلى ~~الله عليه وسلم لأجل رحمة العالمين، قدم ضميرهم فقال: {لكم منه} أي خاصة، ~~ثم أجمل القرآن كله في وصفيه صلى الله عليه مسلم بقوله: مفدما ما هو أنسب ~~لختام التي قبلها بالصبر: {نذير وبشير} كامل في كل من الوصفين غاية الكمال، ~~وهذا التقدير يرشد إليه قوله تعالى أول التي قبلها {أكان للناس عجبا أن ~~أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} [يونس: 2] مع إيضاحه لما عطف عليه قوله ~~تعالى: # {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أن} [هود: 25] عطفناه عليه، وإظهاره لفائدة ~~عطفه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ويرجح أن «لا» ناهية جازمة ل {تعبدوا} ~~عطف {أن استغفروا} عليه، فقد ظهر من # PageV09P226 # تلويح هذا وتصريحه وتصريح ما في بقية السورة أن مقصودها وصف الكتاب ~~بالإحكام والتفصيل بما يعجز الخلق لأنه من عند من هو شامل العلم كامل ~~القدرة فهو بالغ الحكمة يعيد الخلق للجزاء كما بدأهم للعمل فوجب إفراده ~~بالعبادة وأن يمتثل جميع أمره، ولا يترك شيء منه رجاء إقبال أحد ولا خوف ~~إدباره، ولا يخشى غيره. ولا يركن إلى سواه، على ذلك مضى جميع النبيين ودرج ~~سائر المرسلين صلى الله عليه وسلم أجمعين. # ولما تقدم أنه نذير وبشير. أتبع ذلك بما يشمل الأمرين بقوله عطفا على ~~{ألا تعبدوا} مشيرا إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره: {وأن ~~استغفروا ربكم} أي اطلبوا مع الإخلاص في العبادة أن يغفر لكم المحسن إليكم ~~ما فرطتم فيه؛ ms2112 وأشار بأداة التراخي إلى علو رتبة التوبة وأن لا سبيل إلى ~~طلب الغفران إلا بها فقال: {ثم توبوا إليه} أي ارجعوا بالظاهر والباطن ~~رجوعا لا رجعة فيه وإن كان المراد بها الدوام فجليل رتبته غير خفي {يمتعكم} ~~أي يمد في تلذيذكم بالعيش مدا، من متع النهار: ارتفع، والضحى: بلغ غايته، ~~وأمتعه الله بكذا: أبقاه وأنشأه إلى أن يبلغ شبابه؛ ولما، كان التمتيع - ~~وهو المتاع البالغ فيه حتى لا يكون فيه كدر - لا يكون إلا في الجنة فلذلك ~~جعل المصدر {متاعا} وأنه وضع موضع «تمتيعا» ، هذا المصدر # PageV09P227 # ووصفه بقوله: {حسنا} ليدل على أنه أنهى ما يليق بهذه الدار، ولقد كان ما ~~أوتيه الصحابة رضي الله عنهم في زمن عمر رضي الله عنه من الظفر بالإهداء ~~وسعة الدنيا ورغد العيش كذلك {إلى} أي ممتدا إلى {أجل مسمى} أي في علمه إما ~~بالموت لكل واحد أو بانقضاء ما ضربه من الأجل للنعمة التي أشار إليها {ويؤت ~~كل ذي فضل} أي عمل فاضل {فضله} أي جزاء ما قصد بعمله على وجه التفضيل منه ~~سبحانه فإنه لا يجب لأحد عليه شيء، وهو مع ذلك على حسب التفضيل: الحسنة ~~بعشرة أمثالها؛ قال ابن مسعود: وهلك من غلبت آحاده عشراته. # ولما انقضى التبشير مجزوما به، أتبعه التحذير مخوفا منه لطفا بالعباد ~~واستعطافا لهم فقال: {وإن تولوا} اي تكلفوا أنفسكم ضد ما طبعها الله عليه ~~من سلامة الفطرة وسهولة الانقياد من الإعراض ولو أدنى درجاته بما اشار إليه ~~حذف التاء {فإني أخاف عليكم} أي والعاقل من أبعد عن المخاوف {عذاب يوم ~~كبير*} أي لكبر ما فيه من العذاب ممن قدر على إثباتكم، وخص اسم الرب تذكيرا ~~بما له من النعم في الإيجاد والإنشاء والتربية؛ ولما كان الاستغفار - وهو ~~طلب الغفران - مطلوبا في نفسه لكنه لا يعتبر إلا إذا قرن بالتوبة، عطف عليه # PageV09P228 # ب {ثم} إشارة إلى عظيم رتبتها وعلى منزلتها وإن كان المراد بها الدوام ~~عليها فجليل رتبته غير خفي، وفي التعبير عن العمل بالفضل إشارة إلى أنه ms2113 لم ~~يقع التكليف إلا بما في الوسع مع أنه من معالي الأخلاق، لأن الفضل في الأصل ~~ما فضل عن الإنسان وتعانيه من كريم الشمائل، وما كان كذلك فهو في الذروة من ~~الإحكام، لأنه منع الفعل من الفساد؛ والحكيم من الحكمة وهي العلم بما يجمع ~~عليه مما يمنع الفعل من الفساد والنقض، وبها يميز الحسن من القبيح والفاسد ~~من الصحيح، وقد أشارت الآية إلى أن الاستغفار والتوبة سبب السعة # {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم} [المائدة: 66] وأن الإعراض سبب الضيق، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» {ويؤت كل ذي فضل ~~فضله} إشارة إلى ثواب الآخرة، فالتوبة سبب طيب العيش في الدنيا والآخرة. # وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في كتابه في مناسبة هذه السورة للتي ~~قبلها. ولما كانت سورة يونس عليه السلام قد تضمنت - من آي التنبيه والتحريك ~~للفطر ومن العظات والتخويف والتهديد والترهيب # PageV09P229 # والترغيب وتقريع المشركين والجاحدين والقطع بهم والإعلام بالجريان على ~~حكم السوابق ووجوب التفويض والتسليم - ما لم تشمل على مثله سورة لتكرر هذه ~~الأغراض فيها، وسبب تكرر ذلك فيها - والله أعلم - أنها أعقبت بها السبع ~~الطوال، وقد مر التنبيه على أن سورة الأنعام بها وقع استيفاء بيان حال ~~المتنكبين عن الصراط المستقيم على اختلاط أحوالهم، ثم استوفت سورة الأنعام ~~ما وقعت الإحالة عليه من أحوال الأمم السالفة كما تقدم وبسطت ما أجمل من ~~أمرهم، ثم اتبع ذلك بخطاب المستجيبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحذروا ~~وأنذروا، وكشف عن حال من تلبس بهم من عدوهم من المنافقين، وتم المقصود من ~~هذا في سورتي الأنفال وبراءة، ثم عاد الخطاب إلى طريقة الدعاء إلى الله ~~والتحذير من عذابه بعد بسط ما تقدم، فكان مظنة تأكيد التخويف والترهيب ~~لإتيان ذلك بعد بسط حال وإيضاح أدلة، فلهذا كانت سورة يونس مضمنة من هذا ما ~~لم يضمن غيرها، ألا ترى افتتاحها بقوله: {إن ربكم الله} [يونس: 3] الآيات. ms2114 ~~ومناسبة هذا الافتتاح دعاء الخلق إلى الله في سورة البقرة بقوله تعالى: {يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] ثم قد نبهوا هنا كما نبهوا هناك فقال ~~تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله} # [يونس: 38] ثم تأكدت المواعظ والزواجر والإشارات إلى أحوال المكذبين ~~والمعاندين، # PageV09P230 # فمن التنبيه {إن ربكم الله} [يونس: 3] ، {هو الذي جعل الشمس} [سورة يونس، ~~آية: 5] ، {إن في اختلاف الليل والنهار} [سورة يونس، آية: 6] ، {قل هل من ~~شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده} [يونس: 34] ، {قل هل من شركائكم من يهدي ~~إلى الحق} [سورة يونس، آية: 35] ، {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض} ~~[سورة يونس، آية: 101]- إلى غير هذا، وعلى هذا السنن تكررت العظات والأغراض ~~المشار إليها في هذه السورة إلى قوله: {يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ~~ربكم} [سورة يونس، آية: 108] فحصل من سورة الأعراف والأنفال وبراءة ويونس ~~تفصيل ما كان أجمل فيما تقدمها كما حصل مما تقدم تفصيل أحوال السالكين ~~والمتنكبين، فلما تقرر هذا كله أتبع المجموع بقوله: {كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت من لدن حكيم خبير} وتأمل مناسبة الإتيان بهذين الاسمين الكريمين وهما ~~{الحكيم الخبير} ثم تأمل تلاؤم صدر السورة بقوله: {يا أيها الناس قد جاءكم ~~الحق من ربكم} [سورة يونس، آية: 108] وقد كان تقدم قوله تعالى: {قد جاءتكم ~~موعظة من ربكم} [يونس: 57] فأتبع قوله: {قد جاءكم الحق من ربكم} بقوله في ~~صدر سورة هود {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} [هود: 41] فكأنه في معرض بيان ~~الحق والموعظة، وإذا كانت محكمة مفصلة فحق لها أن تكون شفاء لما في الصدور ~~وهدى ورحمة للمؤمنين، وحق توبيخهم في قوله تعالى: {بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه} [يونس: 39] والعجب في عمههم مع إحكامه وتفصيله ولكن {الذين حقت ~~عليهم # PageV09P231 # كلمت ربك لا يؤمنون} [يونس: 96] وتأمل قوله سبحانه آخر هذه السورة {وكلا ~~نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} [هود: 120] ، و {جاءك في هذه ~~الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين} [هود: 120] فكل الكتاب حق وموعظة وذكرى، وإنما ~~الإشارة - والله أعلم - بما أراد إلى ms2115 ما تقرر الإيماء إليه من كمال بيان ~~الصراط المستقيم وملتزمات متبعيه أخذا وتركا، وذكر أحوال المتنكبين على شتى ~~طرقهم، واختلاف أهوائهم وغاياتهم وشرهم إبليس فإنه متبعهم والقائل لجميعهم ~~في إخبار الله تعالى {إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم} [إبراهيم: ~~22] وقد بسط من أمره وقصته في البقرة والأعراف ما يسر على المؤمنين الحذر ~~منه وعرفهم به وذكر اليهود والنصارى والمشركون والصابئون والمنافقون ~~وغيرهم، وفصل مرتكب كل فريق منهم كما استوعب ذكر أهل الصراط المستقيم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وفصل أحوالهم ابتداء وانتهاء ~~والتزاما وتركا ما أوضح طريقهم، وعين حزبهم وفريقهم {أولئك الذين هدى الله} ~~[الأنعام: 90] وذكر أحوال الأمم مع أنبيائهم وأخذ كل من الأمم بذنبه مفصلا، ~~وذكر ابتداء الخلق في قصة آدم عليه السلام وحال الملائكة في التسليم ~~والإذعان وذكر فريق الجن من مؤمن وكافر وأمر الآخرة وانتهاء حال الخلائق ~~واستقرارهم الأخروي وتكرير دعاء الخلق إلى الله تعالى طمعا فيه ورحمة ~~وإعلام الخلق بما هو علبه سبحانه وما يجب # PageV09P232 # له من الصفات العلى والأسماء الحسنى، ونبه العباد على الاعتبار وعملوا ~~طرق الاستدلال ورغبوا ورهبوا وبشروا وأنذروا وأعلموا بافتقار المخلوقات ~~بجملتها إليه سبحانه كما هو المتفرد بخلقهم إلى ما تخلل ذلك مما يعجز ~~الخلائق عن حصره والإحاطة به # {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4] فما تقدم هذا كله في ~~السبع الطوال وما تلاها. أعقب ذلك بقوله: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير} [هود: 1] ثم أتبع هذا بالإيماء إلى فصول ثلاثة عليها مدار آي ~~كتب، وهي فصل الإلهية، وفصل الرسالة، وفصل التاكليف، أما الأول فأشار إليه ~~قوله: {ألا تعبدوا إلا الله} [هود: 2] وأما فصل الرسالة فأشار إليه قوله ~~سبحانه: {إنني لكم منه نذير وبشير} [هود: 2] وأما فصل التالكيف فأشار إليه ~~قوله سبحانه {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود: 3] . وهذه الفصول ~~الثلاثة هي التي تدور عليها آي القرآن وعليها مدار السورة الكريمة، فلما ~~حصل استيفاء ذلك كله فيما تقدم ولم يبق وجه شبهة للمعاند ولا تعلق للجاحد ms2116 ~~واتضح الحق وبان قال سبحانه وتعالى: {وجاءك في هذه الحق} [هود: 120] إشارة ~~إلى كمال المقصود وبيان المطلوب واستيفاء التعريف بوضوح الطريق وقد وضح من ~~هذا تلاء السورة الكريمة لما تقدمها، ومما يشهد لهذا - والله أعلم - قوله ~~تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} [هود: 17] وقوله تعالى: ~~{فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا} [هود: 112] # PageV09P233 # فقد وضح طريقك وفاز بالفلاح حزبك وفريقك {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} ~~[هود: 113] فقد عرفتم سبيلهم ومصيرهم فقد بان طريق الحق، وكيف ينكب من جزم ~~سلوكه من الخلق! ونظيره قوله سبحانه {وجاءك في هذه الحق} [هود: 120] عقب ما ~~ذكر سبحانه {لمن الملك اليوم} [غافر: 16] وقوله: {يوم لا تملك نفس لنفس ~~شيئا والأمر يومئذ لله} [الانفطار: 19] فتأمل ذلك والله المستعان - انتهى. # PageV09P234 # ولما خوف المنذرون باليوم الكبير كانوا كأنهم قالوا: ما هذا اليوم؟ فكان ~~الجواب: يوم يرجعون إليه، ولما كانوا ربما حملوا الرجوع على مجرد الموت ~~والصيرورة ترابا، نبههم على أنه بغير المعنى الذي يتوهمه بل بمعنى إعادتهم ~~كما كانوا فقال: {إلى الله} أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما وحده ~~{مرجعكم} أي رجوعكم ووقته ومكانه لأجل الحساب لا إلى التراب ولا غيره، وهو ~~بكل شيء عليم، ومنه بدؤكم لأخذ الزاد للمعاد، وجعل فاصلة الآية حكما على ~~المراد فقال: {وهو} أي وحده {على كل شيء} أي ممكن {قدير*} أي بالغ القدرة ~~لأنهم يقرون بقدرته على أشياء هي أعظم من الإعادة، فهو قادر على الإعادة ~~كما قدر على البداءة، فالآية من الاحتباك: ذكر المرجع أولا دليلا على ~~المبدأ ثانيا، وتمام القدرة ثانيا دليلا على تمام العلم أولا لأنهما ~~متلازمان. # ولما تقدم من التخويف والإطماع ما هو مظنة لإقبالهم ورهبهم # PageV09P234 # على التولي بخصوصه، فكان موضع أن يقال: هل أقبلوا؟ فقيل: لا قال مبينا أن ~~التولي باطنا كالتوالي ظاهرا لأن الباطن هو العمدة، مؤكدا لأنه امر لا يكاد ~~أن يصدق، والتأكيد أقعد في تبكيتهم: {ألا إنهم} أي الكفار المعاندين {يثنون ~~صدورهم} أي يطوونها وينحرفون عن الحق على ms2117 غل من غير إقبال لأن من أقبل على ~~الشيء عليه بصدره {ليستخفوا منه} أي يريدون أن يوجدوا إخفاء سرهم على غاية ~~ما يكون من أمره. فإن كان مرادهم بالثني الاستتار من الله تعالى فالأمر في ~~عود الضمير إليه سبحانه واضح، وإن كان من النبي صلى الله عليه وسلم ~~فالاستخفاء منه استخفاء ممن أرسله، ثم أعلم أن ذلك غير مغن عنهم لأنه يعلم ~~سرهم وعلنهم في أخفى أحوالهم عندهم، وهو حين استغشاهم ثيابهم، فيغطون ~~الوجوه التي تستقر عن بعض ما في القلوب للمتوسمين فقال: {ألا حين يستغشون ~~ثيابهم} أي يوجدون غشيانها أي تغطيتها لرؤوسهم، لاستخفاء كراهية لسماع كلام ~~الله وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم {يعلم ما يسرون} أي يوقعون إسراره في ~~أي وقت كان ومن أي نوع كان من غير بطء لتدبر أو تأمل، ولما لم يكن بين علم ~~السر والعلن ملازمة لاختصاص العلن بما يكون لغيبة أو اختلاف بأصوات ولفظ أو ~~اختلاف لغة ونحو ذلك قال تصريحا: {وما يعلنون} أي يوقعون إعلانه لا تفاوت ~~في # PageV09P235 # علمه بين إسرار وإعلان، فلا وجه لاستخفائهم نفاقا، فإن سوق نفاقهم غير ~~نافق عنده سبحانه. ثم علله بما هو أدق من ذلك كله مع شموله للنوعين فقال: ~~{إنه عليم} أي بالغ العلم جدا {بذات الصدور*} أي بضمائر قلوبهم التي في ~~دواخل صدورهم التي يثنونها من قبل أن يقع لهم إضمارها، بل من قبل أن ~~يخلقهم؛ وأصل الثني العطف، ومنه الاثنان - لعطف أحدهما على الآخر، والثناء ~~- لعطف المناقب في المدح. # ولهذا لما قال العبد في الفاتحة {الرحمن الرحيم} بعد الحمد قال الله ~~تعالى: أثنى علي عبدي - كما في حديث «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» ~~والاستثناء - لعطف الثاني على الأول بالاستخراج منه؛ والاستخفاء: طلب خفاء ~~الشيء: ثم أتبع ذلك بما يدل على شمول العلم والقدرة معا فقال: # PageV09P236 # {وما} وأغرق في العموم بقوله: {من دآبة} ودل على أن الانتفاع بالأموال ~~مخصوص بأهل العالم السفلي بقوله: {في الأرض} أي صغرت أو كبرت {إلا على ~~الله} أي الملك ms2118 الأعلى الذي، له الإحاطة وحده لا على غيره {رزقها} أي قوتها ~~وما تنتفع وتعيش به بمقتضى ما أوجبه على نفسه، تحقيقا لوصوله وحملا على ~~التوكل فيه، لأن الإفصال على كل نفس بما لا تعيش إلا به ولا يلائمها إلا هو ~~مدة حياتها أدق مما مضى في العلم مع تضمنه لتمام القدرة، والآية مع ذلك ~~ناظرة إلى ترغيب آية {وأن استغفروا ربكم} فالمراد: أخلصوا العبادة له ولا ~~تفتروا عن عبادته للاشتغال بالرزق فإنه ضمنه لكم وهو عالم بكل نفس فلا ~~تخشوا من أنه ينسى أحدا، وقال: {وفي الأرض} ليعم ما يمشي على وجهها وما في ~~أطباقها من الديدان ونحوها مما لا يعلمه إلا هو، لقد شاهدت داخل حصاة من ~~شاطىء بحر قبرس شديدة الصلابة كأنها العقيق الأبيض دودة عندها ما تأكل، ~~وأخبرني الفاضل عز الدين محمد بن أحمد التكروري الكتبي أنه شاهد غير مرة في ~~دواخل حجارة تقطع من جبل مصر الدود عنده ما يأكل من الحشيش الأخضر وما يشرب ~~من الماء؛ ونبه بقوله: {ويعلم مستقرها} أي مكانها الذي تستقر فيه ~~{ومستودعها} أي موضعها الذي تودع فيه قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة ~~او بعده من قبر أو فلاة أو غير ذلك على ما يحيط به علمه من تفاصيل # PageV09P237 # السكنات والحركات ما كان منها وما يكون من كل ذلك مما يحير الفكر ويدهش ~~الألباب، ثم جعل فاصلة الآية ما هو في غاية العظمة عند الحق وهو {كل} أي من ~~ذلك {في كتاب مبين*} فإنه ليس كل ما يعلمه العبد يقدر على كتابته ولا كل ما ~~يكتبه يكون مبينا بحيث إنه كلما أراد الكشف منه وجد ما يريده، وإذا وجده ~~كان مفهما له؛ والدابة: الحي الذي من شأنه الدبيب؛ والمستقر: الموضع الذي ~~يقر فيه الشيء، وهو قراره ومكانه الذي يأوي إليه؛ والمستودع: المعنى ~~المجعول في قراره كالولد الذي يكون في البطن والنطفة التي في الظهر، وقد ~~جعل سبحانه في كتابه ما ذكر حكما منها ما للملائكة فيه من العبرة عند ms2119 ~~المقابلة بما يكون من الأمور المكتوبة قبل وجودها. # PageV09P238 # ولما كان خلق ما منه الرزق أعظم من خلق الرزق وتوزيعه في شمول العلم ~~والقدرة معا، تلاه بقوله: {وهو} أي وحده {الذي خلق} أي أوجد وقدر {السماوات ~~والأرض} وحده لم يشركه في ذلك أحد كما أنتم معترفون {في ستة أيام} ولما كان ~~خلق العرش أعظم من ذلك كله فإن جميع السماوات والأرض بالنسبة إليه كحلقة ~~ملقاة في فلاة. وأعظم من ذلك أن يكون محمولا على الماء الذي لا يمكن حمله ~~في العادة إلا في وعاء ضابط محكم، تلاه بقوله: {وكان} أي قبل خلقه لذلك ~~{عرشه} مستعليا {على الماء} ولا يلزم من ذلك # PageV09P238 # الملاصقة كما أن السماء على الأرض من غير ملاصقة. وقد علم من هذا السياق ~~أنه كان قبل الأرض خلق فثبت أنه وما تحته محمولان بمحض القدرة من غير سبب ~~آخر قريب أو بعيد، فثبت بذلك أن قدرته في درجات من العظمة لا تتناهى، وهذا ~~زيادة تفصيل لما ذكر في سورة يونس عليه السلام من أمر العرش لأن هذه السورة ~~التفصيل ونبه بقوله تعالى معلقا ب «خلق» : {ليبلوكم} أي أنه خلق ذلك كله ~~لكم سكنا كاملا بمهده وسقفه من أكله وشربه وكل ما تحتاجونه فيه وما يصلحكم ~~وما يفسدكم ومكنكم من جميع ذلك والحكمة في خلق ذلك أنه يعاملكم معاملة ~~المختبر، ودل على شدة الاهتمام بذلك بسوقه مساق الاستفهام في قوله: {أيكم} ~~أي أيها العباد {أحسن عملا} على أنه فعل هذه الأفعال الهائلة لأجل هذه ~~الأمور التي هم لها مستهينون وبها مستهزئون، وعلق فعل البلوى عن جملة ~~الاستفهام لما فيه من معنى العلم لأنه طريق إليه، روى البخاري في التفسير ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله ~~عز وجل: أنفق أنفق عليك» ، وقال: «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل ~~والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في # PageV09P239 # يده، وكان عرشه على الماء،. وبيده الميزان ms2120 يخفض ويرفع» وفي الآية حث على ~~محاسن الأعمال والترقي دائما في مراتب الكمال من العلم الذي هو عمل القلب ~~والعمل الظاهر الذي هو وظيفة الأركان. # ولما ثبت - بيده الخلق الذي هم به معترفون - القدرة على إعادته، وثبت ~~بالابتلاء أنه لا تتم الحكمة في خلق المكلفين إلا باعادتهم ليجازي كلا من ~~المحسن والمسيء بفعاله وأنهم ما خلقوا إلا لذلك. عجب من إنكارهم له وأكده ~~لذلك فقال: {ولئن قلت} أي لهؤلاء الذين ما خلقت هذا الخلق العظيم إلا ~~لابتلائهم {إنكم مبعوثون} أي موجودون، بعثكم ثابت قطعا لا بد منه. # ولما كان زمن البعث بعض الزمن قال: {من بعد الموت} الذي هو في غاية ~~الابتداء {ليقولن} أكده دلالة على العلم بالعواقب علما من أعلام النبوة ~~{الذين كفروا إن} أي ما {هذا} أي القول بالبعث {إلا سحر مبين*} أي شيء مثل ~~السحر تخييل باطل لا حقيقة له أو خداع يصرف الناس عن الانهماك في اللذات ~~للدخول في طاعة الأمر. # ولما كان ما تقدم عنهم من الأفعال ومضى من الأقوال مظنة لمعاجلتهم # PageV09P240 # بالأخذ، وكان الواقع أنه تعالى يعاملهم بالإمهال فضلا منه وكرما، حكى ~~مقالتهم في مقابلة رحمته لهم فقال: {ولئن أخرنا} أي بما لنا من العظمة التي ~~لا يفوتها شيء {عنهم} أي الكفار {العذاب} أي المتوعد به {إلى أمة} أي مدة ~~من الزمان ليس فيها كدر {معدودة} أي محصورة الأيام أي قصيرة معلومة عندنا ~~حتى تعد الأنفاس {ليقولن} على سبيل التكرار {ما يحبسه} أي العذاب عن الوقوع ~~استعجلا له تكذيبا واستهزاء، وهو تهديد لهم بأنه آتيهم عن قريب فليعتدوا ~~لذلك. # ولما كان العاقل لا ينبغي أن يسأل عن مثل ذلك إلا بعد قدرته على الدفع، ~~أعرض عن جوابهم وذكر لهم أنهم عاجزون عن دفاعه عند إيقاعه إعلاما بأنهم ~~عكسوا في السؤال، وتحقيقا لأن ما استهزؤوا به لا حق بهم لا محالة، فقال ~~مؤكدا لشديد إنكارهم: {ألا يوم} وهو منصوب بخبر «ليس» الدال على جواز تقدم ~~الخبر {يأتيهم ليس} أي العذاب {مصروفا عنهم} أي بوجه من ms2121 الوجوه؛ وقدم ~~الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة في التهديد فقال: {وحاق بهم} أي ~~أدركهم إذ ذاك على سبيل الإحاطة {ما كانوا} أي بجبلاتهم وسيىء طبائعهم، ~~وقدم الظرف إشارة إلى شدة إقبالهم على الهزء به حتى كأنهم لا يهزؤون بغيره ~~فقال: {به} ولما كان استعجالهم استهزاء، وضع موضع يستعجلون قوله: # PageV09P241 # {يستهزءون} أي يوجدون الهزء به إيجادا عظيما حتى كأنهم يطلبون ذلك. # PageV09P242 # ولما كان قولهم ذلك ناشئا عن طبع الإنسان على الوقوف مع الحالة الراهنة ~~والعمى عن الاستضاءة بنور العقل فيما يزيلها في العاقبة، بين ذلك ليعلم أن ~~طبعه مناف لما تضمنه مقصود السورة من الإحكام الذي هو ثمرة العلم. وبعلم ~~ذلك يعلم مقدار نعمته على من حفظه على ما فطره عليه من أحسن تقويم بقوله ~~مؤكدا لأن كل أحد ينكر أن يكون طبعه كذلك: {ولئن أذقنا} أي بما لنا من ~~العظمة {الإنسان} أي هذا النوع المستأنس بنفسه؛ ولما كان من أقبح الخلال ~~استملاك المستعار. وكانت النعم عواري من الله يمنحها من شاء من عباده، قدم ~~الصلة دليلا على العارية فقال: {منا رحمة} أي نعمة فضلا منا عليه لا بحوله ~~ولا بقوته من جهة لا يرجوها بما دلت عليه أداة الشك ومكناه من التلذذ بها ~~تمكين الذائق من المذوق {ثم نزعناها} أي بما لنا من العظمة وإن كره ذلك ~~{منه} أخذا لحقنا {إنه ليئوس} أي شديد اليأس من أن يعود له مثلها {كفور*} ~~أي عظيم الستر لما سلفه له من الإكرام لأن شأنه ذلك وخلقه إلا من رحم ربك ~~{ولئن أذقناه نعماء} من فضلنا. # ولما كان استملاكه العارية طبعا له، لا ينفك عنه إلا بمعونة شديد من ~~الله. دل عليه بما أفهم أنه لو كان طول عمره في الضر ثم نال حالة # PageV09P242 # يرضاها عقب زمن الضر سواء بادر إلى اعتقاد أنها هي الحالة الأصلية له ~~وأنها لا تفارقه أصلا ولا يشوبها نوع ضرر ولا يخالط صفوها شيء من كدر. فقال ~~دالا على اتصال زمن الضر بالقول بنزع الخافض من الظرف: {بعد ضراء} ms2122 أي فقر ~~شديد مضر ببدنه، ولم يسند المس إليه سبحانه كما فعل في النعماء تعليما ~~للأدب فقال: {مسته} أي بما كسبت يداه {ليقولن} مع قرب عهده بالضراء خفة ~~وطيشا {ذهب السيئات} أي كل ما يسوءني {عني} وقوله {إنه} الضمير فيه ~~للإنسان، المعنى أن الإنسان. فهي كلية مشهورة بمستغرق، أي أن كل إنسان ~~{لفرح فخور} أي خارج عن الحد في فرحه شديد الإفراط في فخره على غيره بكل ~~نعمة تفضل الله عليه بها. لا يملك ضر نفسه ومنعها من ذلك فلذا اتصل بها ~~قوله مستثنيا من الإنسان المراد به اسم الجنس: {إلا الذين صبروا} في وقت ~~الشدائد وزوال النعم رجاء لمولاهم وحسن ظن به بسبب إيمانهم الموجب لتقيدهم ~~بالشرع {وعملوا الصالحات} أي من أقوال الشكر وأفعاله عند حلول النعم، فهم ~~دائما مشغولون بمولاهم شكرا وصبرا، وهم الذين أتم عليهم سبحانه نعمه، ~~وخلقهم في أحسن تقويم. وهم أقل من القليل لعظيم جهادهم لنفوسهم # PageV09P243 # فيما جبلت عليه من الحظوظ والشهوات وغيرها وشياطينهم. # ولما كان كأنه قيل: فما لهم لم يكونوا كذلك! أنتج السياق مدحهم فقال: ~~{أولئك} أي العالو المراتب {لهم مغفرة} إذا وقعت منهم هفوة {وأجر كبير*} ~~على صبرهم وشكرهم؛ والذوق: تناول الشيء بالفم لإدراك الطعم كما أن الشم ~~ملابسة الشيء الأنف لإدراك الرائحة؛ والنزع: رفع الشيء عن غيره مما كان ~~مشابكا له كالقلع والقشط؛ واليأس: القطع بأن الشيء لا يكون، وهو ضد الرجاء، ~~ويؤوس: كثير اليأس، وهو ذم لأنه للجهل بسعة الرحمة الموجبة لقوة الأمل في ~~كل ما يجوز في الحكمة فعله؛ والنعماء: إنعام يظهر أثره على صاحبه، كما أن ~~الضراء مضرة تظهر الحال بها، لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة من حمراء ~~وعوراء مع ما في مفهومها من المبالغة؛ والسيئة: ما يسوء من جهة نفور طبع أو ~~عقل، وهي هنا المرض والفقر ونحوه؛ والفرح: انفتاح القلب بما يلتذ به؛ ~~وعبارة البغوي: هو لذة في القلب بنيل المشتهى وهو أعظم من ملاذ الحواس؛ ~~والفخر: التطاول بتعديد المناقب؛ والصبر: حبس النفس عن المشتهى من ms2123 المحارم ~~ونحوها، والصبر على مر الحق يؤدي إلى الفوز في الآخرة مع ما فيه من جمال في ~~الدنيا؛ والكبير واحد يقصر مقدار غيره عنه؛ والكثير: جمع يزيد على عدد ~~غيره. # PageV09P244 # ولما استثنى سبحانه من الجارين مع الطبع الطائشين في الهوى من تحلى ~~برزانة الصبر الناشىء عن وقار العلم المثمر لصالح العمل، وكان صلى الله ~~عليه وسلم رأس الصابرين، وكان ما مضى من أقوالهم وأفعالهم مثل قولهم {ما ~~يحبسه} وتثنيهم صدورهم أسبابا لضيق صدره صلى الله عليه وسلم، فربما كانت ~~مظنة لرجائهم تركه صلى الله عليه وسلم بعض ما يوحى إليه من عيب آلهتهم ~~وتضليل آبائهم وتسفيه أحلامهم، وغير ذلك مما يشق عليهم طمعا في إقبالهم أو ~~خوفا من إدبارهم فإنهم كانوا يقولون: ما نراه يذكر من خالف دينه من اليهود ~~والنصارى بمثل الذي يذكرنا به من الشر، قال تعالى مسببا عن ذلك ناهيا في ~~صيغة الخبر: {فلعلك تارك} أي إشفاقا أو طمعا {بعض ما} ولما كان الموحى قد ~~صار معلوما لهم وإن نازعوا فيه بنى للمفعول قوله: {يوحى إليك} كالإنذار ~~وتسفيه أحلام آبائهم {وضآئق به} أي بذلك البعض {صدرك} مخافة ردهم له إذا ~~بلغته لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: {أن} أي مخافة أو لأجل أن {يقولوا} تعنتا ~~ومغالبة إذ لو كانوا مسترشدين لكفتهم آية واحدة {لولا} أي هلا ولم لا {أنزل ~~عليه كنز} يستغني به ويتفرغ لما يريد، وبنوه للمفعول لأن المقصود مطلق ~~حصوله وكانوا يتهاونون بالقرآن لعلمهم أنه الآية العظمى فكانوا لا يعدونه ~~آية عنادا ومكابرة {أو جاء معه ملك} أي ليؤيد كلامه وليشهد له، فكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بمثل أقوالهم هذه ويثقل عليه أن يلقي إليهم ~~ما لا يقبلونه ويضحكون # PageV09P245 # منه فحركه الله بهذا لأداء الرسالة كائنا فيها ما كان، فكان المعنى: فإذا ~~تقرر أن الإنسان مطبوع على نحو هذا من التقلبات، فلا تكن موضع رجائهم في أن ~~تكون تاركا ما يغيظهم مما نأمرك به، بل كن من الصابرين؛ قال أهل السير: ~~فلما بادى ms2124 رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره ~~الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك ~~أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه إلا من عصمه الله؛ وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أم المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائتنا بكتاب ليس فيه سب ~~آلهتنا. # ولما أفهم هذا السياق الإنكار لما يفتر عن الإنذار، كان كأنه قيل له: هذا ~~الرجاء المرجو منكر، والمقصود الأعظم من الرسالة النذارة لأنها هي الشاقة ~~على النفوس، وأما البشارة فكل من قام يقدر على إبلاغها فلذا قال: {إنما أنت ~~نذير} فبلغهم ما أرسلت به فيقولون لك ما يقدره الله لهم فلا يهمنك فليس ~~عليك إلا البلاغ وما أنت عليهم بوكيل تتوصل إلى ردهم إلى الطاعة بالقهر ~~والغلبة بل الوكيل الله الفاعل لما يشاء {والله} أي الذي له الإحاطة ~~الكاملة. # ولما كان السياق لإحاطته سبحانه، قدم قوله: {على كل شيء} منهم ومن غيرهم ~~ومن قبولهم وردهم ومن حفظك منهم ومن غيره {وكيل*} فهو يدبر الأمور على ما ~~يعلمه من الحكم، فإنشاء جاء # PageV09P246 # بما سألوا وإن لم يشأ لم يأت به ولا اعتراض عليه فتوكل عليه في كل أمر ~~وإن صعب، ولعله اقتصر على النذارة لأن المقام يقتضيها من أجل أنهم أهل لها ~~وأنها هي التي يطعمون في تركها بإطماعهم في المؤالفة بالإعراض عما يوجب ~~المخالفة؛ والصدر: مسكن القلب، يشبه به رئيس القوم والعالي المجلس لشرف ~~منزلته على غيره من الناس؛ والكنز: المدفون، وقد صار في الدين صفة ذم لكل ~~مال لم يخرج منه الواجب من الزكاة وإن لم يكن مدفونا، والآية من الاحتباك: ~~نفي أولا قدرته صلى الله عليه وسلم على الإتيان بما سألوا دليلا على قدرة ~~مرسله على ذلك وغيره ثانيا. وأثبت الوكالة ثانيا دليلا على نفيها أولا. # PageV09P247 # ولما كانوا ذوو الهمم العوال، لا يصوبون إلى الكنوز والأموال، وكان الملك ~~إنما يراد لتطييب النفس بتثبيت الأمر. وكان فيما يشهد به إعجاز القرآن ~~ببديع نظمه وباهر ms2125 حكمه وحكمه وزاجر غرائبه ووافر علمه ما يغني عن ذلك، وكان ~~في كل آية منه ما يبين للفهم سفساف قدحهم في الرسالة، كان موضع الإنكار له، ~~فكان كأنه قيل: أيقولون ذلك تعنتا منهم واقتراحا وإعراضا عن معجز القرآن ~~فأعرض عنه فإنه لا يضر في وجه الدليل {أم يقولون} أي مكررين {افتراه} فكان ~~ذلك موضع أن يقال: نعم، إنهم ليقولون ذلك فيقدحون في الدليل فماذا يقال ~~لهم؟ فقيل: {قل} أي لهم على سبيل التنزل {فأتوا} يا معاشر العرب فإنكم مثلي ~~في العربية واللسان # PageV09P247 # والمولد والزمن وفيكم من يزيد علي بالكتابة والقراءة ومخالطة العلماء ~~والتعلم من الحكماء ونظم الشعر واصطناع الخطب والنثر وتكلف الأمثال وكل ما ~~يكسب الشرف والفخر {بعشر سور} أي قطع، كل قطعة منها تحيط بمعنى تام يستدل ~~فيها عليه {مثله} أي تكون العشر مثل جميع القرآن في طوله وفي مثل احتوائه ~~على أساليب البلاغة وأفانين العذوبة والمتانة والفحولة والرشاقة حال كونها ~~{مفتريات} أي أنكم قد عجزتم عن الإتيان بسورة أي قطعة واحدة آية أو آيات من ~~مثله فيما هو عليه من البلاغة والإخبار بالمغيبات والحكم والأحكام والوعد ~~والوعيد والأمثال وادعيتم مكابرة أنه مفترى فارغ عن الحكم فأتوا بعشر مثله ~~في مجرد البلاغة غير ملزمين بحقائق المعاني وصحة المباني - ذكره البغوي عن ~~المبرد، وقد مضى في البقرة عند {فأتوا بسورة من مثله} عن الجاحظ وغيره ما ~~يؤيده؛ قال أبو حيان: وشأن من يريد تعجيز شخص أن يطالبه أولا بأن يفعل ~~أمثالا مما يفعل هو، ثم إذا تبين عجزه قال: افعل مثلا واحدا - انتهى. ~~فكأنهم تحدوا أولا بجميع القرآن في مثل قوله: {فليأتوا بحديث مثله} [الطور: ~~34] أي في التحتم والتطبيق على الوقائع وما يحدث ويتجدد شيئا في إثر شيء ثم ~~قطع بعد عجزهم بدوام عجزهم في قوله تعالى: {قل لو اجتمعت الإنس والجن} ~~[الإسراء: 88] تبكيتا لهم وإخزاء وبعثا على ذلك وإغراء، ثم تحدوا # PageV09P248 # في سورة يونس عليه السلام بسورة واحدة مثل جميع القرآن غير معتنين فيها ~~بالتفصيل إلى السور تخفيفا عليهم ms2126 واستهانة بأمرهم، فلما عجزوا تحدوا بعشر ~~مفتراه، ولما خفف عنهم التقيد بصدق المعنى وحقيقة المباني، ألزمهم بما خففه ~~عنهم في يونس من التفصيل ولم يخلهم من التخفيف إشارة إلى هوان أمرهم ~~واحتقار شأنهم بأن جعلها إلى عشر فقط، فلما عجزوا أعيد في المدينة الشريفة ~~لأجل أهل الكتاب تحديهم بسورة، أي قطعة واحدة مقرونا ذلك بالإخبار بدوام ~~عجزهم عن ذلك في قوله تعالى في البقرة # {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} [البقرة: 24] ، فالمتحدى به في كل سورة غير ~~المتحدى به في الأخرى، وقد مضى في يونس والبقرة ويأتي في سبحان والطور ~~إنشاء الله تعالى ما يتم به فهم هذا المقام، والبلاغة ثلاث طبقات فأعلاها ~~معجز، وأوسطها وأدناها ممكن، والتحدي وقع بالعليا، وليس هذا أمرا بالافتراء ~~لأنه تحد فهو للتعجيز وقوله: {وادعوا من استطعتم} أي طلبتم أن يطيعكم ففعل، ~~ولما كانت الرتب كلها تحت رتبته تعالى والعرب مقرة بذلك قال: {من دون الله} ~~أي الملك الأعلى. وأشار إلى عجزهم بقوله: {إن كنتم صادقين*} وفي ذلك زيادة ~~بيان وتثبيت للدليل، فإن كل ظهير من سواهم دونهم في البلاغة، فعجزهم عجز ~~لغيرهم بطريق الأولى. # ولما كان أدنى درجات الافتراء إتيان الإنسان بكلام غيره من # PageV09P249 # غير علمه، وكان عجزهم عن المعارضة دليلا قاطعا على أنهم لم يصلوا إلى شيء ~~من كلامه تعالى بغير علمه ولا وجدوا مكافئا له يأتيهم بمثله ثبت قطعا أن ~~هذا القرآن غير مفترى، فقال تعالى مخاطبا للجميع بخلاف ما في القصص إشارة ~~إلى وضوح الأمر لا سيما في الافتراء عند كل أحد وأن المشركين قد وصلوا من ~~ذل التبكيت بالتحدي مرة بعد مرة وزورهم لأنفسهم في ذلك المضمار كرة في أثر ~~كرة إلى حد من العجز لا يقدرون معه على النطق في ذلك ببنت شفة: {فإن لم ~~يستجيبوا لكم} أي يطلبوا إجابتكم ويوجدوها {فاعلموا} أيها الناس كافة {أنما ~~أنزل} أي ما وقع إنزال هذا القرآن خاصة إلا ملتبسا {بعلم الله} أي المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما بمقتضى أن محمدا واحد منهم تمع ms2127 العادة أن يعثر دون جميع ~~أهل الأرض على ما لم يأذن فيه ربه من كلامه فضلا عن أن يكون مخترعا له، ~~ويجوز أن يكون ضمير {يستجيبوا} ل «من» {من استطعتم} و {لكم} للمشركين، وكذا ~~في قوله: فاعلموا و {أنتم} {وأن} أي واعلموا أن {لا إله إلا هو} فإنه لو ~~كان معه إله آخر لكافأة في الإتيان بمثل كلامه وفيه تهديد وإقناط من أن ~~يجيرهم من بأس الله آلهتهم. # ولما كان هذا دليلا قطعيا على ثبوت القرآن، سبب عنه قوله # PageV09P250 # مرغبا مرهبا: {فهل أنتم مسلمون*} أي منقادون أتم انقياد. # ولما كان في هذا من الحث على الثبات على الإسلام والدخول فيه والوعيد على ~~التقاعس عنه ما من حق السامع أن يبادر إليه، وكان حق المسلم الإعراض عن ~~الدنيا لسوء عاقبتها، وكان أعظم الموانع للمشركين من التصديق اسستيلاء ~~أحوال الدنيا عليهم، ولذلك تعنتوا بالكنز، أشار إلى عواقب ذلك بقوله: {من ~~كان يريد} أي بقصده وأعماله من الإحسان إلى الناس وغيره {الحياة الدنيا} أي ~~ورضي بها مع دناءتها من الآخرة على علوها وشرفها {وزينتها} فأخلد إليها ~~لحضورها ونسي ما يوجب الإعراض عنها من فنائها وكدرها {نوف} موصلين {إليهم ~~أعمالهم} أي جزاءها {فيها} أي الدنيا بالجاه والمال ونحو ذلك {وهم فيها} أي ~~في الأعمال أو الدنيا {لا يبخسون*} أي لا ينقص شيء من جزائهم فيها، وأما ~~أبدانهم وأرواحهم وأديانهم فكلها بخس في الدارين معا، وفي الجملتين بيان ~~سبب حبس العذاب عنهم في مدة إمهالهم مع سوء أعمالهم. # PageV09P251 # ولما بين حالهم في الدنيا، بين حالهم في الأخرى مشيرا بأداة البعد إلى ~~أنهم أهل البعد واللعنة والطرد في قوله نتيجة لما قبله: {أولئك} أي البعداء ~~البغضاء {الذين ليس لهم} أي شيء من الأشياء {في الآخرة إلا النار} أي لسوء ~~أعمالهم واستيفائهم جزاءها في الدنيا {وحبط} أي بطل وفسد {ما صنعوا فيها} # PageV09P251 # أي مصنوعهم أو صنعهم أي لبنائه على غير أساس؛ ولما كان تقييد الحبوط ~~بالآخرة ربما أوهم أنه شيء في نفسه قال: {وباطل} أي ثابت البطلان ms2128 في كل من ~~الدارين {ما كانوا يعملون*} أي معمولهم أو عملهم وإن دأبوا فيه دأب من هو ~~مطبوع عليه لأنه صورة لا معنى لها لبنائه على غير أساس؛ والزينة: تحسين ~~الشيء بغيره من لبسه أو حلية أو هيئة؛ والتوفية: تأدية الحق على تمام؛ ~~وحبوط العمل: بطلانه، من قولهم: حبط بطنه - إذا فسد بالمأكل الرديء. # ولما اتضحت الحجج وانتهضت الدلائل فأغرقتهم عوالي اللجج، كان ذلك موضع ~~الإنكار على من يسوي بين المهتدي والمعتدي، فكيف يفضل إما باعتبار النظر ~~إلى الرئاسة الدنيوية غفلة من حقائق الأمور أو عنادا كمن قال من اليهود ~~للمشركين: أنتم أهدى منهم، فقال: {أفمن كان على بينة} أي برهان وحجة {من ~~ربه} بما آتاه من نور البصيرة وصفاء العقل فهو يريد الآخرة ويبني أفعاله ~~على أساس ثابت {ويتلوه} أي ويتبع هذه البينة {شاهد} هو القرآن {منه} أي من ~~ربه، أو تأيد ذلك البرهان برسالة رسول عربي بكلام معجز وكان {من قبله} أي ~~هذا الشاهد مؤيدا له {كتاب موسى} أي شاهد أيضا وهو التوارة حال كونه ~~{إماما} يحق الاقتداء به {ورحمة} أي لكل من اتبعه. # PageV09P252 # ولما كان الجواب ظاهرا حذفه، وتقديره - والله أعلم: كمن هو على الضلالة ~~فهو يريد الدنيا فهو يفعل من المكارم ما ليس مبنيا على أساس صحيح، فيكون في ~~دار البقاء والسعادة هباء منثورا؛ ولما كان هذا الذي على البينة عظيما، ولم ~~يكن يراد به واحدا بعينه، استأنف البيان لعلو مقامه بأداة الجمع بشارة لهذا ~~النبي الكريم بكثرة أمته فقال: {أولئك} أي العالو الرتبة بكونهم على هدى من ~~ربهم وتأيد هداهم بشاهد من قبله وشاهد من بعده مصدق له {يؤمنون به} أي بهذا ~~القرآن الذي هو الشاهد ولا ينسبون الآتي به إلى أنه افتراه {ومن يكفر به} ~~أي بهذا الشاهد {من الأحزاب} من جميع الفرق وأهل الملل سواء، سوى بين ~~الفريقين جهلا أو عنادا {فالنار موعده} أي وعيده وموضع وعيده يصلى سعيرها ~~ويقاسي زمهريرها. # ولما عم بوعيد النار، اشتد تشوف النفس لما سبب عنه فقرب إزالة ms2129 ما حملت من ~~ذلك بالإيجاز، فاقتضى الأمر حذف نون «تكن» فقيل: {فلا تك} أي أيها المخاطب ~~الأعظم {في مرية} أي شك عظيم ووهم {منه} أي من القرآن ولا يضيق صدرك عن ~~إبلاغه، أو من الوعد الذي هو النار والخيبة وإن أنعمنا على المتوعد بذلك ~~ونعمناه في الدنيا؛ ثم علل النهي بقوله: {إنه} القرآن # PageV09P253 # أو الموعد {الحق} أي الكامل، وزاد في الترغيب فيه بقوله: {من ربك} أي ~~المحسن إليك بانزاله عليك. # ولما كان كونه حقا سببا يعلق الأمل بإيمان كل من سمعه، قال: {ولكن أكثر ~~الناس} أي الذين هم في حيز الاضطراب {لا يؤمنون} بأنه حق لا لكون الريب ~~يتطرق إليه بل لما على قلوبهم من الرين ويؤولون إليه من العذاب المعد لهم ~~ممن لا يبدل القول لديه ولا ينسب الظلم إليه، والقصد بهذا الاستفهام الحث ~~على ما حث عليه الاستفهام في قوله {فهل أنتم مسلمون} من الإقبال على الدين ~~الحق على وجه مبين لسخافة عقول الممترين وركاكة آرائهم. # ولما كان الكافرون قد كذبوا على الله بما أحدثوه من الدين من غير دليل ~~وما نسبوا إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الافتراء، أتبع ذلك سبحانه ~~قوله: {ومن أظلم} أي لا أحد أظلم {ممن افترى} أي تعمد أن اختلق متكبرا {على ~~الله} أي الملك الأعظم {كذبا} الآية، وهو موضع ضمير لو أتى به لقيل: لا ~~يؤمنون ظلما منهم، ومن أظلم منهم أي هم أظلم الظالمين، فأتى بهذا الظاهر ~~بيانا لما كفروا به لأنه إذا علق الحكم بالوصف دل على أنه علته. # ولما بين أنهم أظلم، أتبعه جزاءهم بقوله استئنافا: {أولئك} المستحقو ~~البعد؛ ولما كان نفس العرض مخوفا، بنى للمجهول قوله: # PageV09P254 # {يعرضون} أي لذلك ولدلالة على أنهم على صفة الهوان ومستسلمون لكل عارض، ~~فعرضهم في غاية السهولة {على ربهم} أي الذي أحسن إليهم فلم يشكروه، العالم ~~بالخفايا فيفتضحون بين يديه بما قابلوا به إحسانه من اللوم {ويقول} على ~~سبيل التكرار {الأشهاد} وهم الذين آمنوا بالكتب الشاهد بعضها لبعض المشار ~~إليه بقوله {ويتلوه ms2130 شاهد منه} والملائكة الذين شهدوا أعمالهم ومن أعضائهم ~~حين يختم على أفواههم {هؤلاء} إشارة بأداة القرب إلى تحقيرهم {الذين كذبوا} ~~متكبرين {على ربهم} في ادعاء الشريك والولد والتحليل والتحريم وغير ذلك بما ~~عراهم من إحسانه وطول حلمه، وفي الإتيان بصفة الربوبية غاية التشنيع عليهم، ~~فتكررت بهذا القول فضيحتهم عند جنسهم وبعدهم عن كل من سمع هذا الكلام لأنه ~~لا أبعد عن القلوب من الكاذب فكيف بالمجترىء بالكذب على الرؤساء فكيف بملك ~~الملوك الذي رباهم وكل من أهل الموقف مرتقب بره خائف من انتقامه، وكأنه ~~قيل: فما لهم بعد هذا العذاب العظيم بهذه الفضيحة؟ فقيل: {ألا لعنة الله} ~~وهي طرد الملك الأعظم وإبعاده، وانظر إلى تهويل الأمر باسم الذات ما أشده ~~{على الظالمين} فكيف بأظلم الظالمين، ثم فصل ظلمهم بقوله: {الذين يصدون} أي ~~يعرضون في أنفسهم ويمنعون غيرهم {عن سبيل} # PageV09P255 # أي دين {الله} أي الملك الذي له الكمال كله مع أنه الولي الحميد ~~{ويبغونها} أي يريدون بطريق الدين الواسعة السهلة {عوجا} بإلقاء الشبهات ~~والطعن في الدلائل مع كونها في غاية الاستقامة. # ولما كان النظر شديدا إلى بيان كذبهم وتكذيبهم، بولغ في تأكيد قوله: ~~{وهم} أي بضمائرهم وظواهرهم؛ ولما كان تكذيبهم بالآخرة شديدا، قدم قوله: ~~{بالآخرة} وأعاد الضمير تأكيدا لتعيينهم وإثبات غاية الفساد لبواطنهم ~~واختصاصهم بمزيد الكفر فقال: {هم كافرون} أي عريقون في هذا الوصف؛ والعرض: ~~إظهار الشيء بحيث يرى للتوقيف على حالة، والصد: المنع بالإغراء الصارف عن ~~الأمر؛ والبغية: طلب أمر من الأمور، وهي إرادة وجدان المعنى بما يطمه فيه؛ ~~والعوج: العدول عن طريق الصواب، وهو في المعنى كالدين بالكسر، وفي غيره ~~كالعود بالفتح فرقا بين ما يرى وما لا يرى، جعلوا السهل للسهل والصعب ~~للصعب؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال في النجوى: «يدنى المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه ~~فيقرره بذنوبه: تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف رب أعرف - مرتين، ويقول: سترتها ~~عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم، ms2131 ثم يطوي صحيفة حسناته، وأما الآخرون أو ~~الكفار فينادي على رؤوس الأشهاد {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله ~~على الظالمين} » . # PageV09P256 # ولما هددهم بأمور الآخرة، أشار إلى بيان قدرته على ذلك في الدارين بقوله: ~~{أولئك} أي البعداء عن حضرة الرحمة {لم يكونوا} أي بوجه من الوجوه {معجزين} ~~وأشار إلى عجزهم بأنهم لا يقدرون على بلوغ العالم العلوي بقوله: {في الأرض} ~~أي ما كان الإعجاز - وهو الامتناع من مراد الله - لهم ولا هو في قدرتهم، ~~لأن قدره على جميع الممكنات على حد سواء. # ولما نفى التعذر بأنفسهم، نفاه من جهة غيرهم فقال: {وما كان لهم} ولما ~~كانت الرتب التي هي دون عظمته سبحانه متكاثرة جدا، بين أنهم معزولون عن كل ~~منها بإثبات الجار فقال: {من دون الله} أي الملك الأعظم، وأغرق في النفي ~~بقوله: {من أوليآء} أي يفعلون معهم ما يفعل القريب من تولي المصالح ~~والحماية من المصائب، ومن لم يقدر على الامتناع وهو حي لم يمتنع بعد موته ~~فكأنه قيل: ماذا يفعل بهم؟ فقيل: {يضاعف} أي يفعل فيه فعل من يناظر آخر في ~~الزيادة، وبناه للمفعول لأن المرجع وجود المضاعفة مطلقا {لهم العذاب} أي ~~بما كانوا يضاعفون المعاصي؛ ثم علل سبب المضاعفة بأنه خلق لهم سمعا وبصرا ~~فضيعوهما بتصامهم عن الحق وتعاميهم عنه، فكأن لا فرق بينهم وبين فاقدهما ~~فقال: {ما كانوا} أي بما لهم من فساد الجبلات # PageV09P257 # {يستطيعون السمع} أي يقدرون لما غلب على فطرهم الأولى السليمة بانقيادهم ~~للهوى من التخلق بنقائص الشهوات على أن توجد طاعته لهم فما كانوا يسمعون ~~{وما كانوا} يستطيعون، الإبصار فما كانوا {يبصرون} حتى يعرضوا عن الشهوات ~~فتوجد استطاعتهم للسمع والإبصار، وهو كناية عن عدم قبولهم للحق وأن شدة ~~إعراضهم عنه وصلت إلى حد صارت فيه توصف بعدم الاستطاعة كما يقول الإنسان ~~لما تشتد كراهته له: هذا مما لا أستطيع أن أسمعه، وتكون المضاعفة بالكفر ~~والصد، ونفي الاستطاعة أعرق في العيب وأدل على النقص وأنكأ من نفي السمع ~~لأنهم قد يحملونه على الإجابة، ms2132 وأما نفي البصر فغير منفك عن النقص سواء كان ~~للعين أو للقلب، هذا إن لم تخرج الآية على الاحتباك، وإن خرجت عليه استوى ~~الأمران، وصار نفي الاستطاعة أولا دالا على نفيها ثانيا، ونفي الإبصار يدل ~~على نفي السمع أولا. # ولما ثبت أنهم لا سمع ولا بصر، ثبت أنهم لا شيء فقال: {أولئك} أي البعداء ~~البغضاء {الذين خسروآ أنفسهم} أي بتضييع الفطرة الأولى التي هي سهولة ~~الانقياد للخير وصعوبة الانقياد للشر؛ ولما كان العاجز ربما نفعه من كان ~~يخدمه فيكسبه قوة بعد الضعف ونشاطا بعد العجز، نفى ذلك بقوله عائدا إلى نفي ~~النفع ممن عذرهم أولا # PageV09P258 # على أحسن وجه: {وضل عنهم ما كانوا} أي كونا جبلوا عليه فصاروا لا ينفكون ~~عنه {يفترون} أي يتعمدون كذبه مما ادعوا كونهم آلهة، ولا شك أن من خسر نفسه ~~ومن خسرها من أجله بادعاء أنه شريك لخالقه ونحو ذلك كان أخسر الناس، فلذلك ~~قال: {لا جرم} أي لا شك {أنهم} أي هؤلاء الذي بالغوا في إنكار الآخرة {في ~~الآخرة} ولما كان المقام جديرا بالمبالغة في وصفهم بالخسارة، أعاد الضمير ~~فقال: {هم} أي خاصة {الأخسرون} أي الأكثرون خسرانا من كل من يمكن وصفه ~~بالخسران؛ والإعجاز: الامتناع من المراد بما لا يمكن معه إيقاعه؛ ~~والمضاعفة: الزيادة على المقدار بمثله أو أكثر؛ والاستطاعة: قوة ينطاع بها ~~الجوارح للفعل؛ وأما «لا جرم» فقد اضطرب علماء العربية في تفسيرها، قال ~~الرضي في شرح الحاجبية والبرهان السفاقسي في إعرابه ما حاصله: والغالب بعد ~~{لا جرم} الفتح، أي في {أن} ، ف {لا} إما رد الكلام السابق - على ما هو ~~مذهب الخليل - أو زائدة كما في {لا أقسم} لأن في جرم معنى القسم، وهي فعل ~~ماض عند سيبويه والخليل مركبة مع «لا» ، وجعلها سيبويه فعلا بمعنى حق، ف ~~«أن» «فاعله» ، وقيل: «جرم» بمعنى حق، وهو اسم لا و «أنهم» خبره؛ وقال ~~الكسائي معناها: لا صد ولا منع؛ وعن الزجاج أنها غير مركبة، ولا نفي لما ~~قيل من أن لهم أصناما تنفعهم، وجرم - فعل ms2133 ماض بمعنى كسب وفاعله # PageV09P259 # مضمر معبر به عن فعلهم، و {أنهم} مفعولة؛ وقال الفراهي: كلمة كانت في ~~الأصل بمعنى لا بد ولا محالة، لأنه يروي عن العرب «لا جرم» - يعني بضم ثم ~~سكون، والفعل - يعني هكذا، والفعل - يعني محركا، يشتركان في المصادر كالرشد ~~والرعد والبخل؛ والجرم: القطع، أي لا قطع من هذا كما أنه لا بد بمعنى لا ~~قطع، فكثرت وجرت على ذلك حتى صارت بمعنى القسم، فلذلك يجاب بما يجاب به ~~القسم، فيقال: لا جرم لآتينك، ولا جرم أنك قائم، فمن فتح فللنظر إلى أصل ~~{لا جرم} كما نقول: لا بد أن نفعل كذا وأنك تفعل، أي من أن ومن أنك تفعل، ~~ومن كسر فلمعنى القسم العارض في {لا جرم} - انتهى. # فتفسيره لها بالقطع نظر منه إلى أن مادة «جرم» بخصوصها دائرة على القطع، ~~والأصنع تفسيرها بالظن نظرا إلى ما تدور عليه المادة من حيث هي - بأي ترتيب ~~كان - من جرم وجمر ورجم ورمج ومجر ومرج، وإنما جعلتها كذلك لأنهم قالوا جرم ~~النخل: خرصها، وأجمر النخل أيضا: خرصها، ورجم - إذا ظن، والمجر: العقل، ~~ويلزم الظن اتقاد الذهن ومنه جمرة النار، والجرم - للأرض الشديدة الجر، ~~ويلزم الظن أيضا اجتماع الفكر، ومنه الجمرة للقلبية وكل ما شاكلها في ~~الجمع، ومنه الجرم بالكسر وهو الجسد فإنه بالنظر إلى جميعه، والصوت أو ~~جهارته فإنه يجمع فيه الحلق لقطعه، ويلزم الاجتماع أيضا العظمة، ومنه أجرم ~~- إذا عظم، # PageV09P260 # والجمير كأمير: مجتمع القوم، ومن الجمع الرياء والعقل، فينشأ منه الصفاء، ~~ومنه {مارج من نار} أي لا دخان فيه، ومنه أجرم لونه: صفا، ومن الاجتماع ~~المجر - بالتحريك، وهو أن يملأ بطنه من الماء ولم يرو، والكسب، جرم لأهله - ~~إذا كسب، ومنه الذنب فإنه كسب خاص، ويمكن أن يكون من القطع لأنه يقطع صاحبه ~~عن الخير، ويلزم الاجتماع أيضا الاستتار ومنه أجمرت الليلة - استتر فيها ~~الهلال، والمجر لما في بطون الحوامل من الإبل والغنم، أو يجعل هذا مما يلزم ~~نفس الظن من الخفاء، ومن الاجتماع الضمور، أجمر الخيل: ms2134 أضمرها، وشاة مجمرة: ~~مهزولة، ويلزم الاجتماع الصلابة والتمام، ومنه حول مجرم كمعظم: تام، فينشأ ~~الافتراق، ومنه تجرم الليل: ذهب، وابنا جمير كأمير: الليل والنهار، أو يكون ~~ذلك من لوازم القطع كما يأتي؛ ومن الاجتماع الرجم الذي هو الخليل والنديم، ~~ويلزم الظن الفصل بين الأشياء، ومنه جرام النخل لصرامها؛ والجمرة: الحصاة، ~~فيلزم مطلق الرمي فينشأ الرمي بالجمار، وهي الحجارة فينشأ القتل للمرجوم، ~~وهو يرجع أيضا إلى نفس القطع، فإنه قطع النفس عما كانت عليه، ويلزم الفصل ~~القذف والعيب؛ والرماج كسحاب: كعوب الرمح لانفصال بعضها عن بعض، والرمج ~~بالفتح وهو إلقاء الطير ذرقه، ويلزم الظن المبالغة في النظر فتأتي المبالغة ~~في الكلام والعزيمة، ومنه المرجام للماد # PageV09P261 # عنقه في السير من الإبل، وأجمر: أسرع في السير، وقد يلزم الظن الحيرة، ~~ومنه حديث مرجم كمعظم: لا يوقف على حقيقته، فيلزم حينئذ الذنب والفساد ~~والقلق والاضطراب، ومنه أمرج العهد: لم يف به، أي جعله مارجا مزلزلا، وعلى ~~الاضطراب تدور مادة «مرج» بخصوص هذا الترتيب، أو الترميج: إفساد سطور بعد ~~كتبتها، ويلزم الظن الاختلاط، ومنه الجرم للون لأنه لا يخلو عن شوب، وأجرم ~~الدم به: لصق، والإجرام: متاع الراعي، أو هي من الكسب، والجرام كرمان: ~~السمك؛ والمرج: موضع الرعي، وقد علم من هذا أن جميع تصاريف المادة تدور على ~~الاضطراب وهو بين في غير العقل، وأما فيه فإنه يقدر العقل يكون اضطراب ~~الرأي لأن العاقل كلما أنعم النظر انفتح له ما كان مغلقا فيعدل إليه، فإذا ~~ظهر هذا ظهر أن معنى «لا جرم» أنهم لا ظن ولا اضطراب في أنهم، ويكون نفي ~~الظن في مثل هذا السياق نفيا لجميع ما يقابله إلا العلم الذي هو بمعنى ~~القطع كما إذا قيل: لا شك في كذا ولا ريب، فاتضح أن تفسيرهم لها ب «حقا» ~~تفسير معنى لمجموع الكلمتين لأنه إذا نفي في مثل هذا السياق الظن ثبت ~~اليقين والقطع، وإليه يرجع تفسير سيبويه لا حق لأنه يريد - والله أعلم - أن ~~لا صلة، وموضوعها في الأصل النفي، فهي نافية ms2135 لضد ما دخلت عليه، فكأنه # PageV09P262 # قيل: حق وثبت أنهم كذا وانتفى كل ما يضاده، فهذا وجه كونها صلة مؤكدة، ~~وقريب من ذلك ما قيل في «إنما» نحو إنما زيد قائم، أي أن زيدا قائم، ما هو ~~إلا كذلك، فقد بان أن النافي مثل ذلك مؤكد - والله الموفق. # PageV09P263 # ولما توعد الكافرين وأخبر عن مآلهم بسببه، كان موضع أن يسأل عن حال ~~المؤمنين فقال: {إن الذين آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة {وعملوا الصالحات} ~~ولما كان الحاصل ما مضى من وصف الكافرين بعد مطلق الأعمال السيئة الإعراض ~~عن ربهم والنفرة عن المحسن إليهم جلافة وغلظة، وصف المؤمنين بالإقبال عليه ~~والطمأنينة إليه فقال: {وأخبتوا} أي خشعوا متوجهين منقطعين {إلى ربهم} أي ~~المحسن إليهم فشكروه فوفقهم لاستطاعة السمع والأبصار. # ولما ذكر وصفهم ذكر جزاءهم عليه بقوله: {أولئك} أي العالو الرتبة {أصحاب ~~الجنة} ولما كانوا مختصين بها أول أو بالخلود من أول الأمر، أعاد الضمير ~~فقال: {هم فيها} أي خاصة لا في غيرها {خالدون} . # ولما استوفى أوصاف الحزبين وجزاءهم، ضرب للكل مثلا بقوله: {مثل الفريقين} ~~أي الكافرين والمؤمنين، وهو من باب اللف # PageV09P263 # والنشر المرتب، فإن الكافر ذكر فيما قبل أولا {كالأعمى} أي العام العمى ~~في بصره وبصيرته {والأصم} في سمعه كذلك، فهذا للكافرين {والبصير} بعينه ~~وقلبه {والسميع} على أتم أحوالهما، وهذا للمؤمنين، وفي أفراد المثل طباق ~~أيضا {هل يستويان} أي الفريقان {مثلا} أي من جهة المثل. ولما كان الجواب ~~قطعا لمن له أدنى تأمل: لا يستويان مثلا فلا يستويان ممثولا، حسن تسبب ~~الإنكار عنه في قوله: {أفلا تذكرون} أي يحصل لكم أدنى تذكر بما أشار إليه ~~الإدغام فتعلموا صدق ما وصفوا به بما ترونه من أحوالهم، وذلك ما قدم في حق ~~الكفار من قوله: {ما كانوا يستطيعون السمع} الآية؛ والإخبات: الخشوع ~~المستمر على استواء فيه، وأصله الاستواء من الخبت، وهو الأرص المستوية ~~الواسعة، ولعله وصله بإلى في موضع اللام إشارة إلى الإخلاص أي إخباتا ينتهي ~~إلى ربهم من غير أن يحجب عنه؛ والمثل قول سائر يشبه ms2136 فيه حال الثاني بحال ~~الأول، والأمثال لا تغير عن صورتها. # ولما تم ذلك على أوضح المسالك، وختم بالحث على التذكر، وكان تقديم ذكر ~~كتاب موسى محركا لتوقع ذكر نبئه ونبأ غيره من الرسل، عطف - مقرونا بحرف ~~التوقع على العامل الذي قدرته في قوله: {ألا تعبدوا # PageV09P264 # إلا الله} أو على قوله: {إنما أنت نذير} وهو أحسن وأقرب - قوله: {ولقد ~~أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {نوحا إلى قومه} أي الذين هم على لسانه؛ وما ~~بعد ذلك من القصص تقريرا لمضمون هذا المثل وتثبيتا وتسلية وتأييدا وتعزية ~~لهذا النبي الكريم لئلا يضيق صدره بشيء مما أمر بإبلاغه حرصا على إيمان أحد ~~وإن كان أقرب الخلائق إليه وأعزهم عليه كما تقدمت الإشارة إليه في قوله ~~تعالى: {فلا يكن في صدرك حرج منه} وقوله: {وضائق به صدرك} ويأتي في قوله: ~~{وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} فوضح أن هذه القصص لهذا ~~المعنى سيقت، وأن سياقها في الأعراف وغيرها كان لغير ذلك كما تقدم وأن تضمن ~~هذا الغرض بيان إهلاك من كانوا أشد من العرب قوة وأكثر جمعا وأمكن أمرا ~~وأقوى عنادا وأعظم فسادا وأحد شوكة وما اتفق في ديارهم من الطامات والأهوال ~~المفظعات تحذيرا من مثل حالهم بارتكاب أفعالهم، ففرق بين ما يساق للشيء وما ~~يلزم منه الشيء، ولهذا الغرض المقصود هنا طولت قصة نوح في هذه السورة ما لم ~~يطوله في غيرها، وصدرت بقوله: {إني} أي قائلا على قراءة الجمهور بالكسر، ~~والتقدير عند ابن كثير وأبي عمرو والكسائي: ملتبسا بأني {لكم} أي خاصة ~~{نذير مبين} أي مخوف بليغ التحذير، أبين ما أرسلت به غاية البيان، وذكر ~~فيها أنه طالت مجادلته لهم وأنه لما أوضح له أمر الله تعوذ من السؤال فيه ~~وفي كل ما يشبهه، وخللت # PageV09P265 # قصته بقوله: {أم يقولون افتراه} خطابا لهذا النبي الكريم وختمت بقوله: ~~{فاصبر إن العاقبة للمتقين} وذكرت قصة إبراهيم عليه السلام لما ضمنته من ~~أنه بشر الولد بما لم يجر بمثله عادة فلم يتردد ms2137 فيه، وأنه جادل الرسل في ~~قوم ابن أخيه لوط، وأنه لما تحقق حتم الأمر وبت الحكم سلم لربه مع كونه ~~حليما أواها منيبا إلى غير ذلك مما يؤمىء إليه سياق القصص، فكأنه قيل: إنما ~~أنت نذير أرسلناك لتبلغ ما أرسلت به من الإنذار وإن شق عليهم وعزتنا لقد ~~أرسلنا من قبلك رسلا منذرين فدعوا إلى ما أمرت بالدعوة إليه وأنذروهم ما ~~يشق عليهم من بأسنا امتثالا لأمرنا وما تركوا شيئا منه خوفا من إعراض ولا ~~رجاء في إقبال على أن أممهم قالوا لهم ما قالت لك أمتك كما يشير إليه قوله ~~تعالى عن نوح: {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} - الآية، وقد كان في ~~المخالفين من أممهم القريب منهم نسبه والعزيز عليهم أمره من ابن وصاحبة ~~وغيرهما، هذا مع أن قصصهم دليل على قوله تعالى: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا ~~عنهم} وزجر لهم عن مثل قولهم: {ما يحبسه} وتأييد لقوله: {ومن قبله كتاب ~~موسى إماما ورحمة} - وغير ذلك مما تقدم، فقد علم من هذا الوجه في تكرير هذه ~~القصص، وأنه في كل سورة لمقصد يخالف المقصد في غيرها وإن كان يستفاد # PageV09P266 # من ذلك فوائد أخر: منها إظهار القدرة في بيان الإعجاز بتصريف المعنى في ~~الوجوه المختلفة لما في ذلك من علو الطبقة في البلاغة لأنه ربما قال متعنت ~~عند التحدي: قد استوفى اللفظ البليغ على الأسلوب الأكمل البديع في هذه ~~القصص فلم تبق لنا ألفاظ نعبر بها عن هذه المعاني حتى نأتي بمثل هذه القصة؛ ~~فأتى بها ثانيا إظهارا لعجزه وقطعا لحجته، وربما كررت ثالثا ورابعا توكيدا ~~لذلك وتمكينا للاعتبار بضروب البيان وتصبيرا للنبي صلى الله عليه وسلم على ~~أذى قومه حالا فحالا، فإن قيل: فما بالها تأتي تارة في غاية البسط وتارة في ~~غاية الإيجاز وتارة على الوسط؟ قيل: هذا من أعلى درجات البلاغة وأجل مراتب ~~الفصاحة والبراعة، فإن قبل: فإنا نرى القصة تبسط في بعض السور غاية البسط ~~ثم توجز في غيرها غاية الإيجاز ويؤتي فيها ما لم ms2138 يؤت في المبسوطة كما في ~~العنكبوت فإنه عين فيها مقدار لبثه وأنه كان ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم ~~لا استوعبت جميع المعاني في الموضع المبسوط كما هو الأليق بمقام البسط لا ~~سيما لمن لا يخفى عليه شيء ولا ينسى، وإذا وقع حذف كان في الموجزة، قيل: ~~قال شيخنا حافظ العصر أبو الفضل بن حجر: إن الإمام أبا حاتم بن حبان البستي ~~ذكر في كتابه التقاسيم والأنواع: إنما لم يرتبه ليحفظ إذ لو رتبه ترتيبا ~~سهلا لاتكل من يكون عنده على سهولة الكشف منه فلا يتحفظه، وإذا وعر طريق ~~الكشف # PageV09P267 # كان أدعى إلى حفظه ليكون على ذكر من جميعه، وذكر أنه فعل ذلك اقتداء ~~بالكتاب العزيز فإنه ربما أتى بالقصص غير مرتبة، قال شيخنا: ومن هنا يظهر ~~أن من أسرار تخصيص بعض الموجزات بما ليس في المبسوط الحث على حفظ الجميع - ~~انتهى. # وهذه فوائد ينبغي إهمالها بل تستعمل حيث أمكن، والعمدة في المناسبة الوجه ~~الأول وهو أنها في كل سورة لمناسبة تخص تلك السورة، ثم يراعي في البسط ~~وغيره المعاني المناسبة للمقصد الذي سيقت له القصة - والله الموفق. واللام ~~في «لقد» للقسم: قال الإمام أبو الحسن على بن عيسى الرماني: لأنها تدخل على ~~الفعل والحرف الذي يختص بالفعل مما يصح معناه معه. ولام الابتداء للاسم ~~خاصة، ومعنى (قد) توقع الخبر للتقريب من الحال، يقال: قد ركب الأمير - لقوم ~~يتوقعون ركوبه فعلى هذا القول جرى {ولقد أرسلنا} والإبانة: إظهار المعنى ~~للنفس بما يمكن إدراكه. وأصله القطع، فالإبانة قطع المعنى من غيره ليظهر في ~~نفسه - انتهى. والمقصود من الرسالة قوله سبحانه: {أن} أي نذير لأجل أن {لا ~~تعبدوا} أي شيئا أصلا {إلا الله} أي الملك الأعظم - ومعنى النذارة قوله: ~~{إني أخاف عليكم} وعظم العذاب المحذر منه بقوله: {عذاب يوم أليم*} وإذا كان ~~اليوم مؤلما فما الظن بما فيه من العذاب! فهو إسناد مجازي مثل نهاره صائم، ~~ولم يذكر بشارة # PageV09P268 # كما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {إنني لكم منه ms2139 نذير ~~وبشير} [هود: 2] إرشادا إلى ما سيقت له القصة من تقرير معنى {إنما أنت ~~نذير} [هود: 12] ولذلك صرح بالألم بخلاف الأعراف، وكذا ما أمر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم أول هذه من عذاب يوم كبير، وهما متقاربان؛ ثم ساق سبحانه ~~جواب قومه على وجه هو في غاية التسلية والمناسبة للسياق بقوله: {فقال} أي ~~فتسبب عن هذا النصح العظيم أن قال؛ ولما كان هذا بعد أن تبعه بعضهم قال: ~~{الملأ} وبين أن الجدال مع الضلال بعد أن بين أنهم هم الأشراف زيادة في ~~التسلية بقوله: {الذين كفروا} وبين أنهم اقارب أعزة بقوله: {من قومه} أي ~~الذين هم في غاية القوة لما يريدون محاولة القيام به {ما نراك} أي شيئا من ~~الأشياء {إلا بشرا} اي آدميا {مثلنا} أي في مطلق البشرية، لست بملك تصلح ~~لما لا تصلح له من الرسالة، وهذا قول البراهمة، وهو منع نبوة البشر على ~~الإطلاق، وهو قول من يحسد على فضل الله ويعمى عن جلي حكمته فيمنع أن يكون ~~النبي بشرا ويجعل الإله حجرا. # ولما كانت العظمة عندهم منحصرة في عظمة الأتباع قالوا: {وما نراك} ولما ~~انفوا الرؤية عنه فتشوف السامع إلى ما يقع عليه من المعاني، بينوا أن ~~مرادهم رؤية من اتبعه فقالوا: {اتبعك} أي # PageV09P269 # تكلف اتباعك {إلا الذين هم} أي خاصة {أراذلنا} أي كالحائك ونحوه، وليس ~~منا رذل غيرهم، وهو جمع أرذل كأكلب جمع رذل ككلب، والرذل: الخسيس الدنيء، ~~وهذا ينتج أنه لم يتبعك أحد له قدر؛ قالوا: و {اتبعك} عامل في قوله: {بادي ~~الرأي} وهو ظرف أي اتبعوك بديهة من غير تأمل، فاتباعهم لا يدل على سداد لما ~~اتبعوه من وجهين: رذالتهم في أنفسهم، وأنهم لم يفكروا فيه، لكن يضعفه إيراد ~~الاتباع بصيغة الافتعال التي تدل على علاج ومجاذبة، فالأحسن إسناده - كما ~~قالوه أيضا - إلى أراذل. أي أنهم بحيث لا يتوقف ناظرهم عند أول وقوع بصره ~~عليهم أنهم سفلة أسقاط، ويجوز أن يكون المراد «بادي رأيك» أي أنك تظن أنهم ~~اتبعوك، ولم يتبعوك. # ولما ms2140 كانوا لا يعظون إلا بالتوسع في الدنيا، قالوا: {وما نرى لكم} أي لك ~~ولمن تبعك {علينا} وأغرقوا في النفي بقولهم: {من فضل} أي شرف ولا مال، وهذا ~~- مع مامضى من قولهم - قول من يعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق، ~~وذلك أنه يستدل على كون الشيء حقا بعظمة متبعه في الدنيا، وعلى كونه باطلا ~~بحقارته فيها، ومجموع قولهم يدل على أنهم يريدون: لو صح كون النبوة في ~~البشر لكانت في واحد ممن أقروا له بالعلو في الأرض، وعمل {اتبعك} في {بادي} ~~يمنعه تمادي # PageV09P270 # الاتباع على الإيمان، فانتفى الطعن بعدم التأمل {بل نظنكم كاذبين*} أي ~~لكم هذا الوصف لازما دائما لأنكم لم تتصفوا بما جعلناه مظنة الاتباع مما ~~يوجب العظمة في القلوب والانقياد للنفوس بالتقدم في الدنيا بالمال والجاه؛ ~~فكان داؤهم بطر الحق وغمط الناس، وهو احتقارهم، وهذا قد سرى إلى أكثر أهل ~~الإسلام، فصاروا لا يعظمون إلا بذلك، وهو أجهل الجهل لأن الرسل أتت للتزهيد ~~في الدنيا وانظر إلى رضاهم لأنفسهم بالعدول عن البينة إلى اتباع الظن ما ~~أردأه! وهذا افظع مما حكى هنا من قوله قريش {لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ~~ملك} وأبشع؛ والبشر: الإنسان لظهور بشرته أي ظاهر جلده لأن الغالب على غيره ~~من الحيوان سترها بالصوف أو الشعر أو الوبر أو الريش؛ والمثل: الساد مسد ~~غيره في الحس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهدة لسد مسده؛ والرذل: الحقير بما عليه ~~من صفات النقص وجمعه؛ والفضل: الزيادة من الخير، والإفضال: مضاعفة الخير ~~التي توجب الشكر. # PageV09P271 # ولما كان ختام جوابهم أشده، بدأ في جوابه برده مبينا لضلالاتهم مغضيا عن ~~شناعاتهم شفقة عليهم ومحبة لنجاتهم، فقال تعالى # PageV09P271 # حكاية عنه: {قال يا قوم} وشرع يكرر هذه اللفظة كل قليل تذكيرا لهم أنه ~~منهم لتعطفهم الأرحام وتردهم القرابات عن حسد أو اتهامه إلى قبول ما يلقي ~~إليهم من الكلام، وأشار بأداة البعد - مع قربهم - إلى مباعدتهم فيما يقتضي ~~غاية القرب {أرأيتم} أي أخبروني {إن كنت} على سبيل الفرض منكم والتقدير ~~{على ms2141 بينة} أي برهان ساطع، وزاد ترغيبا فيه بقوله: {من ربي} أي الذي أوجدني ~~وأحسن إلي بالرسالة وغيرها يشهد بصحة دعواي شهادة لا يتطرق إليها عند ~~المنصف شبهة فكيف بالظن! {وآتاني} فضلا منه علي لا لمعنى في أزيد عليكم به، ~~بل {رحمة} أي إكراما بالرسالة بعد النبوة، وعظمها بقوله: {من عنده} فيها ~~فضل عظيم النور واضح الظهور. # ولما كانت البينة من الرحمة، وحد الضمير فقال: {فعميت} أي فتسبب عن ~~تخصيصي بها أن أظلمت، ووقع ظلامها {عليكم} أي فعميتم انتم عنها لضعف عقولكم ~~ولم يقع عليكم شيء من نورها، وذلك أن الدليل إذا كان أعمى عاد ضرره على ~~التابع بالحيرة والضلال، وهو معنى قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ~~بالبناء للمفعول مشددة {أنلزمكموها} وقوله: {وأنتم لها كارهون} مع تسميته ~~لها بينة - إشاره إلى أنها لم تعم ولا خفيت عليهم لقوة نورها وشدة ظهورها، ~~وإنما هم معاندون في نفيهم لفضله وفضل من تبعه، والتعبير عن ذلك بالجملة ~~الاسمية # PageV09P272 # واسم الفاعل إشارة إلى أن أفعالهم أفعال من كراهته لها ثابتة مستحكمة، ~~وكأنه لم يكن مأمورا بالقتال كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم في أول ~~الأمر، والآية ناظرة إلى قوله تعالى: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} ~~[يونس: 99] ويجوز أن يكون ذلك كناية عن أنهم معاندون مع قطع النظر عن ~~الجهاد وغيره فإن الأنبياء عليهم السلام مأمرون بالمجادلة للمعاندين إلى أن ~~يلزموهم الحجة، وهي لا تفيد إلا الإلزام في الظاهر مع الإنكار والكراهة في ~~الباطن، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة للكاملين، وبالموعظة والخطابة ~~للمنافقين الذي لا يعاندون ويحسنون الظن في الداعي، فيكون المعنى أن البينة ~~لم تنفعكم لشكاسة وإعوجاج في طباعكم، فلم يبق إلا الموعظة وهي لا تفيد إلا ~~مع حسن الظن، وأما مع الكراهة فلا ينفعكم النصح، فلا فائدة في المجادلة إلا ~~الإلزام، وهو مع الكراهة غير نافع لكم. # ولما كان نفي ذلك عاما للفضل الدنيوي، وكان الاتصاف بقلة ما في اليد إنما ~~يكون ضارا إذا كان صاحبه يسأل غيره، نفى عنه هذا ms2142 اللازم العائب فقال مجيبا ~~عن نفيهم الفضل عنه وعن أتباعه بأنه قد يرد منهم على ذلك ثوابا دنيويا: ~~{ويا قوم} استعطافا لهم {لا أسئلكم} أي في وقت من الأوقات {عليه} أي ~~الإنذار كما يأخذ منكم من ينذركم أمر من يريد منكم من ينذركم أمر من يريد ~~بكم بعض ما تكرهون # PageV09P273 # في أمور دنياكم حتى تكون عاقبة ذلك أن تتهموني {مالا إن} أي ما {أجري إلا ~~على الله} أي الذي له الجلال والإكرام فبيده الخزائن كلها، ونبه بهذا على ~~أنه لا غرض له من عرض دنيوي ينفر المدعو عنه فوجب تصديقه، وفيه تلقين ~~للجواب عن قول قريش: لولا ألقي إليه كنز - كما سيأتي بأبين من ذلك عقب قصة ~~يوسف عليه السلام في قوله: {وما تسئلهم عليه من أجر} لأن هذه القصص كالشيء ~~الواحد متتابعة في بيان حقية هذا القرآن والتأسية في الاقتداء بالرسل في ~~الصبر على أداء جميع الرسالة مع ما يلزم ذلك من جليل العبر وبديع الحكم، ~~فلما اتحد الغرض منها مع تواليها اتحدت متفرقاتها. # ولما كان التعبير برذالة المتبع مما ينفر أهل الدنيا عن ذلك التابع، بين ~~لهم أن شأنه غير شأنهم وأنه رقيق على من آمن به رفيق به رحيم له وإن كان ~~متأخرا في الدنيا محروما منها خوفا من الله الذي اتبعوه فيه فقال: {وما ~~أنا} وأغرق في النفي بقوله: {بطارد الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم ~~بالإيمان؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لإنكارهم {إنهم ملاقوا ربهم} أي المحسن ~~إليهم بعد إيجادهم وترتيبهم لهدايتهم، فلو طردتهم لشكوني إليه فلا أرى لكم ~~وجها في الإشارة إلى طردهم ولا في شيء مما أجبتموني به {ولكني أراكم} أي ~~أعلمكم علما هو كالرؤية {قوما تجهلون*} أي تفعلون أفعال أهل الجهل فتكذبون # PageV09P274 # الصادق وتعيرون المؤمنين بما لا يعنيهم وتنسون لقاء الله وتوقعون الأشياء ~~في غير مواقعها، وفي تعبيره ب {تجهلون} دون {جاهلين} إشارة إلى أن الجهل ~~متجدد لهم وهو غير عادتهم استعطافا لهم إلى الحلم، ثم عطف إلى صريح ~~الاستعطاف في سياق محذر ms2143 من سطوات الله فقال: {ويا قوم} أي الذين هم أعز ~~الناس علي {من ينصرني من الله} أي الذي له جميع العظمة {إن طردتهم} ولو لم ~~يشكوني إليه لاطلاعه على ما دق وجل: ولما تم الجواب عن ازدرائهم، سبب عنه ~~الإنكار لعدم تذكرهم ما قاله لهم بما يجدونه في أنفسهم فقال: {أفلا ~~تذكرون*} أي ولو أدنى تذكر - بما يشير إليه الإدغام - فتعلموا أن من طرد ~~صديقا لكم عاديتموه وقصدتموه بالأذى، فترجعوا عما طرأ لكم من جهل إلى ~~عادتكم من الحلم الباعث على التأمل الموقف على الحق؛ والطرد: إبعاد الشيء ~~على جهة الهوان؛ والقوم: الجماعة الذين يقومون بالأمر، اسم جمع لا واحد له ~~من لفظه؛ والتذكير: طلب معنى قد كان حاضرا للنفس، والتفكر طلبه وإن لم يكن ~~حاضرا. # PageV09P275 # ولما كان نفيهم للفضل شاملا للأموال وعلم الغيب، أقرهم على ذلك منبها على ~~خطئهم فيه بأنه لم يقل بينهم قط ما يكون سببا له، فقال عاطفا على قوله {لا ~~أسئلكم عليه أجرا} ؛ {ولا أقول لكم} أي في وقت من الأوقات {عندي خزائن ~~الله} أي الملك الأعظم فأتفضل عليكم بها؛ # PageV09P275 # ولما كان من الجائز أن يمكن الله من يشاء من خزائن الأرزاق ونحوها فيسوغ ~~له أن يطلق ملك ذلك مجازا، ولا يجوز أن يمكنه من علم الغيب، وهو ما غاب عن ~~الخلق كلهم، لأنه خاصته سبحانه، قال عاطفا على {أقول} لا على المقول: {ولا ~~أعلم الغيب} لا حقيقة ولا مجازا فأعلم وقت ما توعدون به أو ما في قلوب ~~المؤمنين مما قد يتوهم به من السوء، وأعلمهم أنه لا مانع من إرسال البشر ~~بقوله: {ولا أقول إني ملك} فتكون قوتي أفضل من قوتكم أو خلقي أعظم قدرا من ~~خلقكم ونحو ذلك من الفضل الصوري الذي جعلتموه هو الفضل، فلا تكون الآية ~~دليلا على أفضلية الملائكة، وتقدم في الأنعام سر إسقاطه {لكم} . # ولما كان تعريضهم بنفي الملكية عنه من باب الإزراء، أتبعه تأكيد قبوله ~~لمن آمن كائنا من كان وإن ازدروه بقوله: {ولا أقول للذين} أي ms2144 لأجل الذين ~~{تزدري} أي تحتقر {أعينكم} أي تقصرون به عن الفضل عند نظركم له وتعيبونه ~~{لن يؤتيهم الله} أي الذي له الكمال كله {خيرا} ولما كان كأنه قيل: ما لك ~~لا تقول ذلك؟ أجاب بما تقديره: لأني أعلم ضمائرهم ولا أحكم إلا على الظاهر: ~~{الله} أي المحيط بكل شيء {أعلم} أي حتى منهم {بما في أنفسهم} ومن المعلوم ~~أنه لا يظلم أحدا، فمن كان في نفسه خير جازاه عليه، ويجوز # PageV09P276 # أن يكون هذا راجعا إلى {بادي الرأي} بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم كما ~~تقدم؛ ثم علل كفه عن ذلك بقوله مؤكدا لإنكارهم ظلمه على ذلك التقدير: {إني ~~إذا} أي إذا قلت لهم ذلك {لمن الظالمين} اي العريقين في وضع الشيء في غير ~~موضعه؛ والخزائن: أخبية المتاع الفاخرة، وخزائن الله مقدوراته لأنه يوجد ~~منها ما يشاء، وفي وصفها بذلك بلاغة؛ والغيب: ذهاب الشيء عن الإدراك، ومنه ~~الشاهد خلاف الغائب، وإذا قيل: علم غيب، كان معناه: علم من غير تعليم؛ ~~والازدراء: الاحتقار، وهو افتعال من الزراية، زريت عليه - إذا عبته، وأزريت ~~عليه - إذا قصرت به؛ والملك أصله مألك من الألوكة وهي الرسالة. # فلما استوفى نقض ما أبرموه في زعمهم من جوابهم على غاية الإنصاف واللين ~~والاستعطاف، استأنف الحكاية عنهم بقوله: {قالوا} أي قول من لم يجد في رده ~~شبهة يبديها ولا مدفعا يغير به: {يا نوح قد جادلتنا} أي اردت فتلنا وصرفنا ~~عن آرائنا بالحجاج وأردنا صرفك عن رأيك بمثل ذلك {فأكثرت} أي فتسبب عن ذلك ~~وعن تضجرنا أنك أكثرت {جدالنا} أي كلامنا على صورة الجدال {فأتنا} أي فتسبب ~~عن ذلك وعن تضجرنا أن نقول لك: لم يصح # PageV09P277 # عندنا دعواك، ائتنا {بما تعدنا} من العذاب {إن كنت} أي كونا هو جبلة لك ~~{من الصادقين*} أي العريقين في الصدق في أنه يأتينا فصرحوا بالعناد المبعد ~~من الإنصاف والاتصاف بالسداد وسموه باسمه ولم يسمحوا بأن يقولوا له: يا ابن ~~عمنا، مرة واحدة كما كرر لهم: يا قوم، فكان المعنى أنا غير قابلين لشيء ms2145 مما ~~تقول وإن أكثرت وأطلت - بغير حجة منهم بل عنادا وكبرا فلا تتعب، بل قصر ~~الأمر مما تتوعدنا به، وسموه وعدا سخرية به، أي أن هذا الذي جعلته وعيدا هو ~~عندنا وعد حسن سار باعتبار أنا نحب حلوله، المعنى أنك لست قادرا على ذلك ~~ولا أنت صادق فيه، فإن كان حقا فائتنا به، فكأنه قيل: ماذا قال لهم؟ فقيل: ~~{قال} جريا على سنن قوله {ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب} : ~~{إنما يأتيكم به الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء فتبرأ من الحول والقوة ~~ورد ذلك إلى من هو له، وأشار بقوله: {إن شاء} إلى أنه مخير في إيقاعه وإن ~~كان قد تقدم قوله به إرشادا إلى أنه سبحانه لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه ~~شيء، بل ولا يسأل عما يفعل وإن كان لا يقع إلا ما أخبر به؛ ثم بين لهم ~~عجزهم وخطأهم في تعرضهم للهلاك فقال: {وما أنتم بمعجزين*} أي في شيء من ~~الأوقات لشيء مما يريده بكم سبحانه؛ والإكثار: الزيادة على مقدار الكفاية؛ ~~والمجادلة: المقابلة بما يفتل الخصم عن مذهبه بحجة أو شبهة، وهو من الجدل ~~وهو شدة الفتل والمطلوب به الرجوع عن المذهب، والمطلوب # PageV09P278 # بالحجاج ظهور الحجة، فهو قد يكون مذموما كالمراء، وذلك حيث يكون للتشكيك ~~في الحق بعد ظهوره، وحيث قيد الجدال ب # {التي هي أحسن} [العنكبوت: 46] فالمراد به إظهار الحق. # ولما بين أنهم إنما هم في قبضته سبحانه، زاد في بيان عظمته وأن إرادته ~~تضمحل معها كل إرادة في سياق دال على أنه بذلك ناصح لهم وأن نصحه خاص بهم، ~~فقال جوابا لما وهموا من أن جداله لهم كلام بلا طائل: {ولا ينفعكم نصحي} ~~وذكر إرادته لما يريد أن يذكره من إرادة الله فقال: {إن أردت} أي جمعت إلى ~~فعل النصح إرادة {أن أنصح لكم} بإعلام موضع الغي ليتقى والرشد ليتبع، ~~وجزاءه محذوف تقديره: لا ينفعكم نصحي {إن كان الله} أي الذي له الأمر كله ~~{يريد أن يغويكم} أي يضلكم ms2146 ويركبكم غير الصواب فإنه إرادته سبحانه تغلب ~~إرادتي وفعلي معا لا ينفعكم شيء إشارة إلى أنكم لا تقدرون على دفع العذاب ~~بقوة فتكونوا غالبين، ولا بطاعة فتكونوا محبوبين مقربين إن كان الله يريد ~~إهلاككم بالإغواء، وأن أردت أنا نجاتكم، ولم يقل: ولا ينفعكم نصحي إن نصحت ~~لكم، إشارة إلى أني لا أملك إلا إرادتي لنصحكم، فإذا أردته فغاية ما يترتب ~~عليه من فعلي وقوع النصح وإخلاصه لكم، وأما النفع به فلا شيء منه إلي، بل ~~هو تابع لمراد الله، فإن أراد غوايتكم حصلت # PageV09P279 # لا محالة، ولم يقع ما قد يترتب على النصح من عمل المنصوح بمقتضاه ~~المستجلب لنفع المستدفع للضر؛ ثم رغبهم في إحسانه ورهبهم من انتقامه معللا ~~لعدم ما لا يريده: {هو ربكم} أي الموجد لكم المدبر لأموركم فهو يتصرف وحده ~~لما يريد. # ولما كان التقدير: فمنه مبدؤكم، عطف عليه قوله: {وإليه} أي لا إلى غيره ~~{ترجعون*} أي بأيسر أمر وأهونه بالموت ثم البعث فيجازيكم على أعمالكم كما ~~هي عادة الملوك مع عمالهم. # PageV09P280 # ولما كان مضمون هذه الآية نحو مضمون قوله: {إنما أنت نذير والله على كل ~~شيء وكيل} فإن النذير من ينصح المنذر، والوكيل هو المرجوع إليه في أمر ~~الشيء الموكول إليه، وما قبلها تعريض بنسبة نوح عليه السلام إلى الافتراء، ~~تلاه بما تلا به ذاك من النسبة إلى الافتراء وإشارة إلى أن هذه القصص كلها ~~للتسلية في أمر النذارة والتأسية فكأنه قيل: أيقولون لك مثل هذه الأقوال ~~فقد قالوها لنوح كما ترى، ثم والى عليهم من الإنذار ما لم يطعموا معه في ~~ترك شيء مما أمرناه به أعجبهم أو أغضبهم، فلك به أسوة وحسبك به قدوة في أن ~~تعد كلامهم عدما وتقبل على ما أرسلناك به من بذل النصيحة بالنذارة: {أم ~~يقولون} في القرآن {افتراه} إصرارا على ما تقولوه فدمغه الدليل وأدحضته ~~الحجة فكأنه قيل: نعم، إنهم يقولون ذلك، # PageV09P280 # فقيل: لا عليك فإنه قول يقصدون به مجرد العناد وهم يعلمون خلافه بعد ما ~~قام عليهم من الحجج ms2147 التي وصلوا معها إلى عين اليقين فلا يهمنك قولهم هذا، ~~فإنهم يجعلونه وسيلة إلى تركك بعض ما يوحى إليك فلا تفعل، بل {قل} في جواب ~~قولهم هذا {إن افتريته} أي قطعت كذبه {فعلي} أي خاصا بي {إجرامي} أي وباله ~~وعقابه دونكم وإذا استعلى علي الإجرام عرف ذلك لأرباب العقول وظهر ظهورا ~~أفتضح به وأنتم أعرف الناس بأني أبعد من ذلك مما بين اجتماع الضدين وارتفاع ~~النقيضين لما تعلمون مني من طهارة الشيم وعلو الهمم وطيب الذكر وشريف القدر ~~وكريم الأمر، هذا لو كنت قادرا على ذلك فكيف وأنا وأنتم في العجز عنه سواء ~~{وأنا بريء} أي غاية البراءة {مما تجرمون*} أي توجدون إجرامه، ليس علي من ~~إجرامكم عائد ضرر بعد أن أوضحته لكم وكشقت عنكم غطاء الشبه، إنما ضرره ~~عليكم فاعملوا على تذكر هذا المعنى فإن سوق جوابهم على هذا الوجه أنكى لهم ~~من إقامة حجة أخرى لأنهم يعلمون منه أنه إلزام لهم بالفضيحة لانقطاعهم لدى ~~من له وعي، ويمكن أن يكون التقدير: هل انتبه قومك يا محمد فعلموا قبح مثل ~~هذه الحال وأنها حال المعاندين، فرجعوا تكرما عن ركوب مثلها واستحياء {أم ~~يقولون افتراه} أي كذبه متعمدا استمرارا على العناد وتماديا في البعاد كما ~~تمادى قوم نوح فيحل # PageV09P281 # بهم ما حل بهم، أي هل رجعوا بهذا المقدار من قصة قوم نوح أم هم مستمرون ~~على ما نسبوك إليه في أوائل السورة من افترائه فيحتاجون إلى تكميل القصة ~~بما وقع من عذابهم ليخافوا مثل مصابهم؛ وافتراء الكذب: افتعاله من قبل ~~النفس فهو أخص من مطلق الكذب لأنه قد يكون تقليدا للغير. # ولما فرغ من هذه الجملة التي هي المقصود بهذا السياق كله وإن كانت ~~اعتراضية في هذه القصة، رجع إلى إكمالها بيانا لأن نوحا عليه السلام كان ~~يكاشف قومه بجميع ما أمر به وإن عظمت مشقته عليهم بحيث لم يكن قط موضع رجاء ~~لهم في أن يترك شيئا منه وتحذيرا لكل من سمع قصتهم من أن يحل به ما حل ms2148 بهم ~~فقال: {وأوحي} أي من الذي لاموحي إلا هو وهو ملك الملوك {إلى نوح} بعد تلك ~~الخطوب {أنه لن يؤمن} بما جئت به {من قومك إلا من} ولما كان الذي يجيب ~~الإنسان إلى ما يسأله فيه يلوح عليه مخايل قبل الإجابة يتوقع السائل بها ~~الإجابة، قال: {قد آمن فلا} أي فتسبب عن علمك بأنه قد تم شقاءهم أنا نقول ~~لك: لا {تبتئس} أي يحصل لك بؤس، أي شدة يعظم عليك خطبها بكثرة تأملك في ~~عواقبها {بما كانوا} أي بما جبلوا عليه {يفعلون*} فإنا نأخذ لك بحقك منهم ~~قريبا، وكأنه كان أعلمه أنهم إن لم يجيبوه أغرقهم وأنجاه ومن معه في فلك ~~يحملهم فيه على متن الماء فقال: {واصنع الفلك} حال # PageV09P282 # كونك محفوظا {بأعيننا} نحفظك أن تزيغ في عملها، وجمع مبالغة في الحفظ ~~والرعاية على طريق التمثيل {ووحينا} فنحن نلهمك أصلح ما يكون من عملها وأنت ~~تعلم ما لنا من العظمة التي تغلب كل شيء ولا يتعاظمها شيء، فلا تهتم بكونك ~~لا تعرف صنعتها؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله أوحى إليه أن يصنعه ~~مثل جؤجؤ الطائر - أي صدره. وأشار إلى شفقته على قومه وحبه لنجاتهم كما هو ~~حال هذا النبي الكريم مع أمته فقال: {ولا تخاطبني} أي بنوع مخاطبة وإن قلت ~~{في الذين ظلموا} أي أوجدوا الظلم واستمروا عليه في أن أنجيهم؛ ثم علل ~~النهي بأن الحكم فيهم قد انبرم فقال: {إنهم مغرقون*} قد انبرم الأمر بذلك؛ ~~والابتئاس: حزن في استكانة، لأن أصل البؤس الفقر والمسكنة؛ والوحي: إلقاء ~~المعنى إلى النفس في خفاء، وقد يكون إفهاما من غير كلام بإشارة ونحوها، وقد ~~يكون بكلام خفي؛ والفلك: السفينة، يؤنث ويذكر، واحده وجمعه سواء، وأصله ~~الإدارة من الفلكة. # ولما أمره تعالى ونهاه، أخبر أنه امتثل ذلك بقوله عاطفا على ما تقديره: ~~فأيس من إيمان أحد منهم فترك دعاءهم وشرع يسلي نفسه: {ويصنع} أي صنعة ماهر ~~جدا، له ملكة عظيمة بذلك الصنع {الفلك} فحلى فعله حال علمه بأنه سبحانه بت ~~الأمر ms2149 بأنه كان يعمل ما أمره به # PageV09P283 # سبحانه ولم يخاطبه فيهم ولا أسف عليهم، وأشار إلى أنهم ازدادوا بغيا ~~بقوله: {وكلما} أي والحال أنه كلما {مر عليه ملأ} أي أشراف {من قومه} وأجاب ~~«كلما» بقوله: {سخروا منه} أي ولم يمنعهم شرفهم من ذلك، وذلك أنهم رأوه ~~يعاني ما لم يروا قبله مثله ليجري على الماء وهو في البر وهو على صفة من ~~الهول عظيمة فعن الحسن أن طوالها ألف ذراع ومائتا ذراع وعرضها ستمائة، ~~فقالوا: يانوح! ما تصنع؟ قال: أبني بيتا على الماء، ويجوز أن يكون {سخروا} ~~: صفة لملإ، وجواب {كلما} {قال} ، ولما أيأسه الله من خيرهم، ترك ما كان من ~~لينه لهم واستعطافهم فعلم أن ذلك ما كان إلا له سبحانه، فقال حاكيا عنه ~~استئنافا: {قال إن تسخروا منا} ولما كانوا يظنون أنه غائب في عمله كان ~~عندهم موضعا لخزي والسخرية، وكان هو صلى الله عليه وسلم عالما بأن عملهم ~~سبب لخزيهم بالعذاب المستأصل، فكان المعنى: إن تسخروا منا - أي مني وممن ~~يساعدني - لظن أن عملنا غير مثمر {فإنا نسخر} أي نوجد السخرية {منكم} جزاء ~~لكم {كما تسخرون} منا الآن لأن عملنا منج وعملكم ليس مقتصرا على الضياع بل ~~هو موجب لما توعدون من العذاب فأنتم المخزيون دوني. # ولما كان قوله {نسخر منكم} واقعا موقع هذا الإخبار، حسن الإتيان بالفاء ~~المؤذنة بتسبب العلم المذكور عنه في قوله: {فسوف تعلمون} أي بوعد لا خلف ~~فيه # PageV09P284 # {من يأتيه عذاب يخزيه} أي يفضحه فيذله، وكأن المراد به عذاب الدنيا {ويحل ~~عليه} أي حلول الدين الذي لا محيد عنه {عذاب مقيم*} وهو عذاب الآخرة، وقد ~~مضى نحوه في الأنعام عند قوله {فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار} ؛ ~~والسخرية: إظهار ما يخالف الإبطان على جهة تفهم استضعاف العقل، من التسخير ~~وهو التذليل استضعافا بالقهر، وهي تفارق اللعب بأن فيها خدعة استنفاض، فلا ~~تكون إلا بحيوان، واللعب قد يكون بجماد لأنه مطلق طلب الفرح؛ والخزي: العيب ~~الذي تظهر فضيحته والعار به، ونظيره الذل والهوان؛ واستمر ms2150 ذلك دأبه ودأبهم ~~{حتى إذا جاء أمرنا} أي وقت إرادتنا لإهلاكم {وفار} أي غلا وطفح {التنور} ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد أنه الحقيقي الذي يخبز فيه، ~~وهذا هو الظاهر فلا يعدل عنه إلا بدليل، لأن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل ~~عبث كما قاله أهل الأصول {قلنا} بعظمتنا {احمل} ولما كان الله تعالى قد ~~أمره أن يجعل لها غطاء - كما قاله أهل التفسير - لئلا تمتلىء من شدة ~~الأمطار، كانت الظرفية فيها بخلاف غيرها من السفن واضحة فلذلك قال: {فيها} ~~أي السفينة {من كل زوجين} من الحيوانات، والزوج فرد يكون معه آخر لا يكمل ~~نفعه إلا به {اثنين} ذكرا وأنثى {وأهلك} أي احملهم، والأهل: # PageV09P285 # العيال {إلا من سبق} غالبا {عليه القول} بأني أغرقه وهو امرأته وابنه ~~كنعان {ومن} أي واحمل فيها من {آمن} قال أبو حيان: وكانت السفينة ثلاث ~~طبقات: السفلى للوحوش، والوسطى للطعام والشراب، والعليا له ولمن آمن معه؛ ~~ثم سلى المخاطب بهذه القصص صلى الله عليه وسلم وذكره نعمته بكثرة من اتبعه ~~مع صدعهم بمؤلم الإنذار على قصر الزمان دون نوح عليهم السلام مع تطاول ~~الزمن فقال: {وما} أي والحال أنه ما {آمن} كائنا {معه} أي بإنذاره {إلا ~~قليل*} بسبب تقديرنا لا باغضائهم بما كوفحوا به من الإنذار؛ والتنور - قال ~~أبو حيان: وزنه فعول عند أبي علي وهو أعجمي، وقال ثعلب: وزنه تفعول من ~~النور، وأصله تنوور، همزت الواو ثم خففت وشدد الحرف الذي قبلها، والزوج قد ~~كثر على الرجل الذي له امرأة؛ قال الرماني: وقال الحسن في # {ومن كل شيء خلقنا زوجين} [الذاريات: 49] : السماء زوج والأرض زوج، ~~والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى ~~الله الفرد الذي لا يشبهه شيء، ومعنى ذلك في صحيح البخاري وأقل ما قيل فيمن ~~كان في السفينة ثمانية: نوح وامرأة له، وثلالة بنين: سام وحام ويافث، ~~ونساؤهم؛ وأكثر ما قيل أنهم ثمانون - روي عن ابن عباس رضي الله عنهما. # PageV09P286 # ولما أتاه الأمر بذلك، بادر الامتثال ms2151 فجمع من أمره الله به إلى السفينة ~~بعد أن هيأها لهم {وقال} أي لمن أمر بحمله {اركبوا} ولما كانت الظرفية أغلب ~~على السفينة قال: {فيها} أي السفينة؛ ولما أمرهم بالركوب فركبوا، استأنف ~~قوله، أو أمرهم بالركوب قائلين: {بسم الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة ~~{مجراها ومرساها} أي إجرائها وإرساءها ومحلهما ووقتهما، وقرأ الحسن وقتادة ~~وحميد العرج وإسماعيل بن مجالد عن عاصم بكسر الراء والسين كسرا خالصا بعده ~~ياءان خالصتان على أن الاسمين صفتان للجلالة؛ ثم علل نجاتهم بالإجراء ~~والإرساء اعترافا بأنه لا نجاة إلا بعفوه بقوله: {إن ربي} أي المحسن إلي ~~بما دبر مني هذا الأمر وغيره، وزاد في التأكيد تطبيقا لقلوب من معه معرفا ~~لهم بأن أحدا لن يقدر الله حق قدره وأن العبد لا يسعه إلا الغفران فقال: ~~{لغفور} أي بالغ الستر للزلات والهفوات {رحيم*} أي بالغ الإكرام لم يريد، ~~فركبوها واستمروا سائرين فيها يقولون: بسم الله {وهي} أي والحال أنها {تجري ~~بهم} . # ولما كان الماء مهيئا للإغراق، فكان السير على ظهره من الخوارق، وأشار ~~إلى ذلك بالظرف فقال: {في موج} ونبه على علوه بقوله: {كالجبال} أي في عظمه ~~وتراكمه وارتفاعه، فالجملة حال من فركبوها، المقدر لأنه لظهوره في قوة ~~الملفوظ، وكان هذه الحال مع # PageV09P287 # أن استدامة الركوب ركوب إشارة إلى شرعة امتلاء الأرض من الماء وصيرورته ~~فيها أمثال الجبال عقب ركوبهم السفينة من غير كبير تراخ، قالوا: وكان أول ~~ما ركب معه الذرة، وآخر ما ركب معه الحمار، وتعلق إبليس بذنبه فلم يستطع ~~الدخول حتى قال له نوح عليه السلام: ادخل ولو كان الشيطان معك - كذا قالوا، ~~وقيل: إنه منع الحية والعقرب وقال: إنكما سبب الضر، فقالا: احملنا ولك أن ~~لا نضر أحدا ذكرك، فمن قال {سلام على نوح في العالمين * إنا كذلك نجزي ~~المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين} [الصافات: 79-80] لم تضراه. ولما كان ~~ابتداء الحال في تفجر الأرض كلها عيونا وانهمار السماء انهمارا - مرشدا إلى ~~أن الحال سيصير إلى ما أخبر الله به من كون ms2152 الموج كالجبال لا ينجي منه إلا ~~السبب الذي أقامه سبحانه، تلا ذلك بأمر ابن نوح فقال عاطفا على قوله {وقال ~~اركبوا} {ونادى نوح ابنه} أي كنعان وهو لصلبه - نقله الرماني عن ابن عباس ~~وسعيد بن جبير والضحاك {وكان} أي الابن {في معزل} أي عن أبيه في مكانه وفي ~~دينه لأنه كان كافرا، وبين أن ذلك المعزل كان على بعض البعد بقوله: {يا ~~بني} صغره تحننا وتعطفا {اركب} كائنا {معنا} أي في السفينة لتكون من ~~الناجين {ولا تكن} أي بوجه من الوجوه {مع الكافرين*} أي في دين ولا مكان ~~إشارة إلى أن حرص الرسل عليهم السلام # PageV09P288 # وشفقتهم - وإن كانت مع رؤية الآيات العظام والأمور الهائلة - ليست سببا ~~للين القلوب وخضوع النفوس ما لم يأذن الله، انظر إلى استعطاف نوح عليه ~~السلام بقوله {يا بني} مذكرا له بالنبوة مع تصغير التحنن والتراؤف وفظاظة ~~الابن مع عدم سماحه بأن يقول: يا أبت، ولم يلن مع ما رأى من الآيات العظام ~~ولا تناهى لشيء منها عن تقحم الجهل بدلا من العلم وتعسف الشبهة بدلا من ~~الحجة. # ولما كان الحال حال دهش واختلال. كان السامع جديرا بأن لا يصبر بل يبادر ~~إلى السؤال فيقول: فما قال؟ فقيل: {قال} قول من ليس له عقل تبعا لمراد الله ~~{سآوي إلى جبل يعصمني} أي بعلوه {من الماء} أي فلا أغرق {قال} أي نوح عليه ~~السلام {لا عاصم} أي لا مانع من جبل ولا غير موجود {اليوم} أي لأحد {من أمر ~~الله} أي الملك الأعظم المحيط أمره وقدرته وعلمه، وهو حكمه بالغرق على كل ~~ذي روح لا يعيش في الماء {إلا من رحم} أي إلا مكان من رحمة الله فإنه مانع ~~من ذلك وهو السفينة، أو لكن من رحمه الله فإن الله يعصمه. # ولما ركب نوح ومن أمره الله به وأراده. ولم تبق حاجة في تدرج ارتفاع ~~الماء، فعلا وطما وغلب وعتا فهال الأمر وزاد على الحد والقدر، قال تعالى ~~عاطفا على ما تقديره: فلم يسمع ابنه ذلك # PageV09P289 # منه ms2153 بل عصى أباه كما عصى الله فأوى إلى الجبل الذي أراده فعلا الماء عليه ~~ولم يمكنه بعد ذلك اللحاق بأبيه ولا الوصول إليه: {وحال بينهما} أي بين ~~الابن والجبل أو بينه وبين أبيه {الموج} المذكور في قوله {في موج كالجبال} ~~{فكان} أي الابن بأهون أمر {من المغرقين*} وهم كل من لم يركب مع نوح عليه ~~السلام من جميع أهل الأرض؛ قال أبو حيان: قل كانا يتراجعان الكلام فما ~~استتمت لمراجعة حتى جاءت موجة عظيمة وكان راكبا على فرس قد بطر وأعجب بنفسه ~~فالتقمته وفرسه وحيل بينه وبين نوح عليه السلام فغرق - انتهى. والركوب: ~~العلو على ظهر الشيء، ركب الدابة والسفينة والبر والبحر؛ والجري: مر سريع؛ ~~يقال: هذه العلة تجري في أحكامها، أي تمر من غير مانع، والموج جمع موجة - ~~لقطعة عظيمة من الماء الكثير ترتفع عن حملته، وأعظم ما يكون ذلك إذا اشتدت ~~الريح؛ والجبل: جسم عظيم الغلظ شاخص من الأرض هو لها كالوتد؛ والعصمة: ~~المنع من الآفة {وقيل} أي بأدنى إشارة بعد هلاك أهل الأرض وخلوها من ~~الكافرين وتدمير من في السهول والجبال من الخاسرين، وهو من إطلاق المسبب - ~~وهو القول - على السبب - وهو لإرادة - لتصوير أمر ومأمور هو في غاية الطاعة ~~فإنه أوقع في النفس. # PageV09P290 # ولما كان كل شيء دون مقام الجلال والكبرياء والعزة بأمر لا يعلمه إلا ~~الله، دل على ذلك بأداة البعد فقال {يا أرض ابلعي} أي اجذبي من غير مضغ إلى ~~مكان خفي بالتدريج، وعين المبلوع لئلا يعم فتبتلع كل شيء على ظهرها من جبل ~~وغيره، ولذلك أفرد ولم يجمع فقال: {ماءك} أي الذي تجدد على ظهرك للإغراق ~~ليكون كالغذاء للآكل الذي يقوي بدنه فيقوى به على الإنبات وسائر المنافع ~~وجعله ماءها لاتصاله بها اتصال الملك بالمالك {ويا سماء أقلعي} أي أمسكي عن ~~الإمطار، ففعلتا مبادرتين لأمر الملك الذي لا يخرج عن مراده شيء {وغيض ~~الماء} أي المعهود، حكم عليه بالدبوب في أعماق الأرض، من المتعدي فإنه ~~يقال: غاض الماء وغاضه الله، كما يقال: نقض ms2154 الشيء ونقضته أنا {وقضي الأمر} ~~أي فرغ وانبت وانبرم في إهلاك من هلك ونجاة من نجا كما أراد الجليل على ما ~~تقدم به وعده نوحا عليه السلام، لم يقدر أحد أن يحبسه عنهم ولا أن يصرفه ~~ولا أن يؤخره دقيقة ولا أصغر منها. فليحمد الله من أخر عنه العذاب ولا يقل ~~ما «يحبسه» لئلا يأتيه مثل ما أتى هؤلاء أو من بعدهم {واستوت} أي استقرت ~~واعتدلت السفينة {على الجودي} إشارة باسمه إلى أن الانتقام العام قد مضى، ~~وما بقي إلا الجود بالماء والخير والخصب والرحمة العامة، وهو الجبل بالموصل ~~بعد خمسة أشهر؛ قال قتادة: استقلت بهم # PageV09P291 # لعشر خلون من رجب وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرت بهم على ~~الجودي شهرا، وهبط بهم يوم عاشوراء {وقيل} أي إعلاما بهوان المهلكين ~~والراحة منهم {بعدا} هو من بعد - بالكسر مرادا به البعد من حيث الهلاك، فإن ~~حقيقته بعد بعيد لا يرجى منه عود، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء، وعبر ~~بالمصدر لتعليقه باللام الدالة على الاستحقاق والختصاص {للقوم} أي ~~المعهودين في هذه القصة التي كان فيها من شدة القيام فيما يحاولونه ما لا ~~يعلمه أحد إلا الله {الظالمين*} أي العريقين في الظلم، وهذه الآية تسع عشرة ~~لفظة فيها أحد وعشرون نوعا من البديع - عدها أبو حيان وقال: وروي أن ~~أعرابيا سمعها فقال: هذا كلام القادرين. وذكر الرماني عدة من معانيها، منها ~~إخراج الأمر على جهة التعظيم لفاعله من غير معاناة ولا لغوب، ومنا حسن ~~تقابل المعاني، ومنها حسن ائتلاف الألفاظ، ومنها حسن البيان في تصوير ~~الحال، ومنها الإيجاز من غير إخلال، ومنها تقبل الفهم على أتم الكمال؛ ~~والبلع: إجراء الشيء في الحلق إلى الجوف؛ والإقلاع: إذهاب الشيء من أصله ~~حتى لا يبقى له أثر؛ والغيض: غيبة الماء في ألأرض على جهة النشف وإبراز ~~الكلام على البناء للمفعول أدل على الكبرياء والعظمة للفاعل للإشارة إلى ~~أنه معلوم لأنه لا يقدر على مثل هذه الأفعال غيره، ونقل # PageV09P292 # الأصبهاني عن صاحب المفتاح فيها كلاما أغلى ms2155 من الجوهر. # PageV09P293 # ولما كان الاستثناء من أهله في قوله: {إلا من سبق عليه القول} يجوز أن ~~يراد به امرأته فقط، فتكون نجاة ابنه جائزة، وكان ما عند الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام من فرط الشفقة على الخلق لا سيما الأقارب يحملهم على السعي ~~في صلاحهم ما كان لذلك وجه كما تقدم مثل ذلك في قوله تعالى {إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] لأن أجنحة الخلق كسيرة وأيديهم ~~قصيرة وأمرهم ضعيف وحالهم رث، فأدنى هوان يورثهم الخسران، وأما جناب الحق ~~ففسيح وشأنه عظيم وأمره علي، فلا يلحقه نقص بوجه ولا يدانيه ضرر ولا يعتري ~~أمره وهن، لما كان ذلك كذلك، سأل نوح عليه السلام نجاة ولده كما أخبر عنه ~~تعالى في قوله: {ونادى نوح ربه} أي الذي عوده بالإحسان الجزيل، ودل سبحانه ~~بالعطف بالفاء دون أن يأتي بالاستئناف المفسر للنداء على أن ما ذكر هنا من ~~نداء نوح عليه السلام بعض ندائه وأن هذا المذكور مرتب معقب على شيء منه ~~سابق عليه أقربه أن يكون ما أرشده إليه سبحانه في سورة المؤمنين ويشعر به ~~قوله تعالى بعد هذا جوابا له {يا نوح اهبط بسلام منا} فيكون # PageV09P293 # تقدير الكلام قال: رب أنزلني منزلا مباركا - وما قدر له من الكلام {فقال} ~~أي عقبة لما حمله على ذلك من رحمة النبوة وشفقة الأبوة وسجية البشر متعرضا ~~لنفحات الرحمة وعواطف العفو؛ أو الفاء تفصيل لمجمل «نادى» مثل ما في: توضأ ~~فغسل {رب إن ابني} أي الذي غرق {من أهلي} أي وقد أمرتني بحمل أهلي، وذلك ~~الأمر محتمل للإشارة إلى إرادة نجاتهم {وإن وعدك الحق} أي الكامل في نجاتهم ~~إلا من سبق عليه القول، وقد علمت ذلك في المرأة الكافرة {وأنت أحكم ~~الحاكمين*} لأنك أعلمهم، ومن كان أعلم كان أحكم فتعلم أن قولك {إلا من سبق ~~عليه القول} يصح باستثنائها وحدها، فإن كان ابني ممن نجا فأتني به؛ وإن كان ~~هذا الدعاء عند حيلولة الموج بينهما فالمعنى: فلا تهلكه {قال يا نوح} وأكد ms2156 ~~في نفي ما تقدم منه إثباته فقال: {إنه ليس من أهلك} أي المحكوم بنجاتهم ~~لإيمانهم وكفره، ولهذا علل بقوله: {إنه عمل} أي ذو عمل، ولكنه جعله نفس ~~العمل في قراءة الجماعة مبالغة في ذمه، وذلك لأن الجواهر متساوية الأقدام ~~في نفس الوجود لا تشرف إلا بآثارها، فبين أنه ليس فيه أثر صالح أصلا، ويثبت ~~قراءة يعقوب والكسائي بالفعل أن من باشر السوء مطلق مباشرة وجبت البراءة ~~منه، ولا سيما للأمر فلا يواصل إلا بإذن، وعبر بالعمل دون الفعل لزعمه أن ~~أعماله مبنية على العلم، وأكده لما لا يخص من سؤال نوح عليه السلام هذا # PageV09P294 # {غير صالح} بعلمي، وقد حكمت في هذا الأمر أني لا أنجي منه إلا من اتصف ~~بالصلاح وأنا عليم بذات الصدور، وأنت يخفي عليك كثير من الأمور فربما ظننت ~~الإيمان بمن ليس بؤمن لبنائك الأمر على ما نراه من ظاهره؛ وقد نقل الرماني ~~عن الحسن أنه كان ينافق بإظهار الإيمان، وهذا يدل على أن الموافق في الدين ~~ألصق ما يكون وإن كان في غاية البعد في النسب، والمخالف فيه أبعد ما يكون ~~وإن كان في غاية القرب في النسب. # ولما تسبب عن هذا الجواب أن ترك السؤال كان أولى، ذكر أمرا كليا يندرج ~~فيه فقال: {فلا تسألن} أي بنوع من أنواع السؤال {ما ليس لك به علم} فلا ~~تعلم أصواب السؤال فيه أم لا، لأن اللائق بأمثالك من أولى القرب بناء ~~أمورهم على التحقيق وانتظار الإعلام منا، انظر إلى قول موسى عليه السلام في ~~حديث الشفاعة في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «وإني قد قتلت ~~نفسا لم أومر بقتلها» ومن المعلوم أن تلك النفس كانت كافرة من آل فرعون ~~{إني أعظك} بمواعظي كراهية {أن تكون} أي كونا تتخلق به {من الجاهلين*} أي ~~في عداد الذين يعملون بالظن لأنهم لا سبيل لهم إلى الوقوف على حقائق الأمور ~~من قبلنا فتسأل مثل ما يسألون. # ولما انجلى للسامع ما هو فيه صلى الله عليه وسلم من علو ms2157 المقام وعظيم # PageV09P295 # الشأن الموجب للعتاب على كثير من الصواب فتشوف للجواب، استأنف بيانه ~~بقوله: {قال} أي مبادرا على ما يقتضيه له من كمال الصفات {رب} أي أيها ~~المحسن إلي، وأكد دلالة للسامعين على عظيم رغبته فقال: {إني أعوذ بك أن} أي ~~من أن {أسألك} أي في شيء من الأشياء {ما ليس لي به علم} تأدبا بإذنك ~~واتعاظا بموعظتك وارتقاء لما رقيتني إليه من علو الدرجة ورفيع المنزلة ~~{وإلا تغفر لي} أي الآن وفي المستقبل {وترحمني} أي تستر زلاتي وتمحها ~~وتكرمني {أكن من الخاسرين*} أي العريقين في الخسارة فكأنه قيل: ماذا أجيب ~~عن ذلك؟ فقيل: {قيل} بالبناء للمفعول دلالة على العظمة والجلال الذي تكون ~~الأمور العظيمة لأجله بأدنى إشارة {يا نوح اهبط} أي من السفينة {بسلام} أي ~~عظيم {منا} أي ومن سلمنا عليه فلا هلك يلحقه {وبركات} أي خيرات نامية عظيمة ~~صالحة {عليك} أي خاصة بك {وعلى أمم} ناشئة {ممن معك} لكونهم على ما يرضينا ~~ولا نمتعهم بالدنيا إلا قليلا، ولهم إذا رجعوا إلينا نعيم مقيم، وقد دخل في ~~هذا الكلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة {وأمم} أي منهم {سنمتعهم} في ~~الدنيا بالسعة في الرزق والخفض في العيش على وفق علمنا وإرادتنا ولا بركات ~~عليهم منا ولا سلام، فالآية من الاحتباك: # PageV09P296 # ذكر البركات والسلام أولا دليلا على نفيهما ثانيا، والمتاع ثانيا، دليلا ~~على حذفه أولا {ثم يمسهم منا} أي في الدارين أو في الآخرة أو فيهما {عذاب ~~أليم*} لجريهم على غير هدينا وجرأتهم على ما يسخطنا، ويجوز أن يكون {وأمم} ~~مبتدأ من غير تقدير صفة محذوفة، فيكون المسوغ للابتداء كون المقام مقام ~~التفضيل؛ والعياذ: طلب النجاة بما يمنع من الشر؛ والبركة: ثبوت الخير ~~بنمائه حالا بعد حال، وأصله الثبوت، ومنه البروك والبركة لثبوت الماء فيها. # ذكر قصة نوح عليه السلام من التوراة وهو نوح بن لمك بن متوشلح بن خنوخ بن ~~يارد بن مهلاليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام، وذلك لأنه في ~~أوائل السفر الأول ms2158 منها: وإن آدم طاف نحو حليلته فحبلت وولدت ابنا فسماه ~~شيث وقال: الآن أخلف الله علي نسلا آخر بدل هابيل الذي قتله قابيل، وذلك ~~بعد أن عاش آدم مائة وثلاثين سنة، وكان جميع حياة آدم تسعمائة وثلاثين سنة، ~~وعاش شيث مائة وخمس سنين فولد له أنوش، وكان # PageV09P297 # جميع حياة شيث تسعمائة واثنتي عشرة سنة، فعاش أتوش تسعين سنة فولد له ~~قينان وكان جيمع حياة أنوش تسعمائة وخمس سنة، وعاش قينان سبعين سنة فولد له ~~مهلاليل وكان جميع حياة قينان تسعمائة وعشرين سنة، وعاش مهلاليل خمسا وستين ~~سنة فولد له يارد وكانت مائة واثنتين وستين سنة فولد به خنوخ فكانت جميع ~~حياة يارد تسعمائة واثنتين وستين سنة، وعاش خنوخ خمسا وستين سنة فولد له ~~متوشلح وكانت جميع حياة خنوخ ثلاثمائة وخمسا وستين سنة، وعاش متوشلح مائة ~~وسبعا وثمانين سنة فولد له لمك وكانت جميع حياة متوشلح تسعمائة وتسعا وستين ~~سنة، وعاش لمك مائة واثنتين وثمانين سنة فولد له ابن فسماه نوحا، ثم قال: ~~هذا يريحنا من أعمالنا، وكد أيدينا في الأرض التي قد لعنها الله، وكانت ~~جميع أيام حياة لمك سبعمائة وسبعا وسبعين سنة، وتوفي ونوح ابن خمسمائة سنة. ~~فولد لنوح بنون: سام وحام ويافث، فلما بدأ الناس أن يكثروا على وجه الأرض ~~وولد لهم البنات نظر بنو الأشارف منهم بنات العامة حسانا جدا فأخذوا منهم ~~النساء على ما اختاروا وأحبوا، فقال الله عند ذلك: لا تحل عنايتي وشفتي على ~~هؤلاء الناس لأنهم يتبعون أهواء الجسد واللحم وكانت على الأرض جبابرة في ~~تلك الأيام ومن بعدها، لأن بني الأشراف دخلوا على بنات العامة فولد لهم ~~جبابرة مذكورون، فرأى الرب أن شر الناس قد كثر # PageV09P298 # على الأرض هوىء فكرهم وحقدهم ردىء في جميع الأيام، فقال الرب: أمحق الذين ~~خلقت وأبيدهم عن جديد الأرض من الناس والبهائم حتى الهوام وطير السماء؛ ~~وظفر نوح من الله برحمة ورأفة، وكان نوح رجلا بارا تقيا في حقبه فأرضى ~~الله، وفسدت الأرض بين يدي الله وامتلأت إثما ms2159 وفجورا، فرأى الرب الإله أن ~~الأرض قد فسدت وقال الله لنوح: قد وصل إلى أمر جميع الناس وسوء أعمالهم لأن ~~الأرض قد امتلأت إثما وفجورا بسوء سيرتهم. # فهأنذا مفسدهم مع الأرض فاتخذ لك أنت تابوتا مربعا من خشب الساج - وفي ~~نسخة: الشمشار - وأجعل في التابوت علالي. واطلها بالقار من داخلها وخارجها، ~~وليكن طول الفلك ثلاثمائة ذراع. وعرضه خمسين ذراعا، وسمكه ثلاثين ذراعا، ~~واجعل في التابوت كوى وليكن عرضها من أعلاها ذراعا واحدا، واجعل باب الفلك ~~في جانبه، واجعل فيه منازل أسفل وأوساط وعلالي. وها أنذا محدر ماء الطوفان ~~على الأرض لأفسد به كل ذي لحم فيه نسمة الحياة من تحت السماء، ويبيد كل ما ~~على الأرض، وأثبت عهدي بيني وبينك. وتدخل التابوت أنت وبنوك وامرأتك ونساء ~~بنيك معك، ومن كل حي من ذوي اللحوم من كل صنف اثنان لتحيى معك، ولتكن ذكورا ~~وإناثا، من كل الطيور كأجناسها. # PageV09P299 # ومن الأنعام لأصنافها، ومن كل الهوام التي تدب على الأرض لجواهرها، اثنين ~~اثنين أدخل معك من كلها لتستحييها ذكرا وانثى، واجعل من كل ما يؤكل فاخزنه ~~معك، وليكن مأكلك ومأكلها؛ فصنع نوح كل شيء كما أمر الله ثم قال الله لنوح: ~~ادخل أنت وكل أهل بيتك إلى التابوت لأني إياك وجدت بارا تقيا في هذا الحقب، ~~ومن كل الأنعام الزكية أدخل معك سبعة سبعة من الذكور والإناث، ومن الأنعام ~~التي ليست بزكية أدخل معك اثنين ذكورا وإناثا. ومن الطير الزكي سبعة سبعة ~~ذكورا وإناثا، ومن الطير الذي ليس بزكي اثنين اثنين ذكورا وإناثا، ليحي ~~منها نسل على وجه الأرض، لأني من الآن إلى سبعة أيام أهبط القطر على وجه ~~الأرض أربعين يوما ولياليها، وأبيد كل ما خلقت على وجه الأرض؛ فصنع نوح كما ~~أمره الرب الإله. فلما كان بعد بعد ذلك بسبعة ايام نزلت مياه الطوفان، ~~تفجرت مياه الغمر وتفتحت مثاعب السماء. وأقبلت الأمطار على وجه الأرض ~~أربعين نهارا وأربعين ليلة، وفي هذا اليوم دخل نوح وسام وحام ويافث بنو نوح ~~وامرأة نوح ms2160 ونساء بنيه الثلاث معه الفلك هم وجميع السباع لأجناسها وجميع ~~الدواب لأصنافها وكل حشرة تدب على الأرض بجواهرها وجميع الطيور لأجناسها، ~~ودخل مع نوح التابوت منكل عصفور ومن كل ذي جناحين اثنان اثنان، ومن كل ذي ~~لحم فيه # PageV09P300 # روح الحياة وكل شيء دخل من ذوي اللحوم دخلوا ذكورا وإناثا كما أمر الله ~~نوحا، ثم أغلق الله الرب الباب عليه، وكان الطوفان على الأرض أربعين يوما ~~وأربعين ليلة، وكثرت المياه حتى احتملت التابوت فارتفع عن الأرض، وعزرت ~~المياه وكثرت على الأرض جدا وجعل التابوت يسير على وجه الماء واشتدت المياه ~~على وجه الأرض جدا جدا. # وتوارت جميع الجبال العالية الشاهقة التي تحت السماء، وارتفعت المياة من ~~فوق كل جبل خمسة عشر ذراعا، وباد كل ذي لحم على الأرض من الطيور أجمع ~~والسباع والدواب وجميع الحشرة التي تدب على الأرض وجميع الناس والبهائم، ~~ومات كل شيء كان فيه نسمة الحياة مما في اليبس. وبقي نوح ومن معه في الفلك، ~~واشتدت المياه على الأرض مائة وخمسين يوما؛ وإن الله ذكر نوحا وكل السباع ~~والدواب وجميع الطيور التي معه في التابوت. فأهاج الله ريحا على وجه الأرض ~~فسكنت المياه والأمطار. واشتدت ينابيع الغمر وميازيب وغاضت المياه بعد مائة ~~وخمسين يوما، وسكن التابوت ووقف في الشهر السابع لثلاث عشرة ليلة بقيت من ~~الشهر على جبال قودي وجعلت المياه تنصرف وتنتقص إلى الشهر العاشر، وظهرت ~~رؤوس الجبال في أول يوم الشهر العاشر، فلما كان بعد ذلك بأربعين # PageV09P301 # يوما فتح نوح الكوة التي عملها في التابوت فأرسل الغراب، فخرج الغراب من ~~عنده فلم يعد إليه حتى يبست المياه عن وجه الأرض، ثم أرسل الحمامة من بعده ~~ليرى هل قلت المياه عن وجه الأرض فلم تجد الحمامة موضعا لموطىء رجليها ~~فرجعت إلى التابوت لأن المياه كانت بعد على وجه الأرض، فمد يده فأخذها ~~وأدخلها إليه وانتظر سبعة أيام أخرى، ثم عاد فأرسل الحمامة فعادت عند ~~المساء وفي منقارها ورقة زيتون، فعلم أن الماء قد غاض عن وجه الأرض ms2161 فصبر ~~أيضا سبعة أيام أخر، ثم أرسل الحمامة فلم تعد إليه أيضا، ففتح نوح باب ~~الفلك فرأى فإذا وجه الأرض قد ظهر وجفت الأرض. فكلم الرب الإله نوحا وقال ~~له: اخرج من التابوت أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك وكل السباع التي معك ~~من كل ذي لحم والطيور والدواب، وأخرج كل الهوام التي تدب على الأرض معك، ~~ولتتولد وتنمو في الأرض وتكثر وتزداد على الأرض. فخرج نوح ومن ذكر وبنى ~~للرب مذبحا وأخذ من جميع الدواب والطيور الزكية فأصعد منها على المذبح ~~قربانا للرب الإله، فقال الرب الإله: لا أعود ألعن الأرض أبدا من أجل أعمال ~~الناس لأن هوى قلب الإنسان وحقده رديء منذ صباه ولا أعود أيضا أبيد كل حي ~~كما فعلت، ومن الآن جميع أيام الأرض # PageV09P302 # يكون فيها الزرع والحصاد والبرد والحر والقيظ والشتاء، فبارك الله على ~~نوح وبنيه وقال لهم: انموا واكثروا واملؤوا الأرض، وليغش رعبكم وخوفكم جميع ~~السباع وبهائم الأرض وكل طيور السماء وكل دابة تدب على الأرض، وجميع حيتان ~~البحور تكون تحت أيديكم، وكل الدواب الطاهرة الحية تكون لأكلكم، وقد جعلت ~~الأشياء كلها حلالا لكم مثل عشب البرية خضرها، وأما المخنوق الذي دمه فيه ~~فلا تأكلوه فإن دمع نفسه، وأما دماؤكم من أنفسكم فأطلبها بالنهي من يد جميع ~~الحيوان ومن يد جميع الناس، أي إنسان قتل أخاه طالبته بدمه، ومن سفك دم ~~الإنسان سفك دمه لأن الله خلق آدم بصورته، وأنتم فانموا واكثروا وولدوا في ~~الأرض وأكثروا فيها؛ وقال الله لنوح ولبنيه معه: هأنذا مثبت عهدي بيني ~~وبينكم ومع أنسالكم من بعدهم ومع كل نفس حية منكم، ومع الطيور والدواب ومع ~~كل سباع الأرض جميع الذين خرجوا من الفلك. # وأثبت عهدي بيني وبينكم فلا يبيد كل ذي لحم أيضا بماء الطوفان ولا يهبط ~~الطوفان أيضا ليفسد جميع الأرض، قال الله لنوح: هذه علامة لعهدي الذي أجعله ~~بيني وبينكم وبين كل نفس حية معكم في جميع أحقاب العالم، قد أظهرت قوسي في ~~السحاب فهي أمارة ذكر ms2162 العهد الذي # PageV09P303 # بيني وبينك وبين أهل الأرض، فإذا أنشأت السحاب في الأرض وأظهرت قوس ~~السحاب فاذكروا العهد الذي بيني وبينكم، وكان بنو نوح الذين خرجوا معه من ~~التابوت سام وحام ويافث، وحاتم يكنى أبا كنعان، هؤلاء الثلاثة ثم بنو نوح، ~~وتفرق الناس من هؤلاء في الأرض كلها؛ ثم ذكر أن نوحا عليه السلام نام فرأى ~~حام عريه فأظهر ذلك لأخويه، فتناول سام ويافث رداء فألقياه على أكتافهما ثم ~~سعيا على أعقابهما مدبرين فواريا عرى أبيهما، فلما علم نوح ما صنع ابنه ~~الأصغر دعا عليه أن يكون عبدا لأخويه، وكانت جميع أيام حياة نوح تسعمائة ~~سنة وخمسين سنة، ثم توفي عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام؛ ثم ذكر أن ~~الناس بعده أرادوا أن يبنوا صرحا لاحقا بالسماء، واجتمع جميعهم على ذلك لأن ~~لغتهم كانت واحدة ورأيهم واحد ففرق الله ألسنتهم وفرقهم من هنالك على وجه ~~الأرض ولم يبنوا القرية التي هموا بها، ولذلك سميت بابل وبوبال معناه ~~بالعبراني: الشتات، وما في تفسير البغوي وغيره من أن عوج ابن عوق - بضمهما ~~كما في القاموس - كان في زمن نوح وسلم من الطوفان، وأن الماء لم يجاوز ~~ركبتيه ونحو هذا كذب بحت منابذ لقوله تعالى: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا ~~إنهم مغرقون} [هود: 27] وقوله: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} ~~وقوله: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] ونحوها، فإن # PageV09P304 # كل من ذكر ذلك ذكر أن موسى عليه السلام قتله كافرا. # PageV09P305 # ولما تمت هذه القصة علىلنحو الوافي ببيان اجتهاد نوح علبه السلام في ~~إبلاغ الإنذار من غير مراعاة إقبال ولا إدبار، وكانت مع ذلك دالة على علم ~~تام واطلاع على دقائق لا سبيل إليها إلا من جهة الملك العلام، فهي على ~~إزالة اللبس عن أمره صلى الله عليه وسلم أوضح من الشمس، قال تعالى منبها ~~على ذلك: {تلك} أي هذه الأنباء البديعة الشأن الغريبة الأمر البعيدة عن طوق ~~المعارض، العلية الرتب عن يد المتناول {من أنباء الغيب} أي أخباره العظيمة، ms2163 ~~ثم أشار إلى أنه لا يزال يجدد له أمثالها بالمضارع في قوله: {نوحيها إليك} ~~فكأنه قيل: إن بعض أهل الكتاب يعلم بعض تفاصيلها، فأشار إلى أن ذلك مجموعة ~~غيب وبما يعلمونه غيب نسبي بقوله: {ما كنت تعلمها} أي على هذا التفصيل ~~{أنت} ولما كان خفاءها عن قومه دليلا على خفائها عنه لأنه لم يخالط غيرهم ~~قال: {ولا قومك} أي وإن كانوا أهل قوة في القيام على ما يحاولونه وعددا ~~كثيرا، ومنهم من يكتب ويخالط العلماء. # ولما كان زمان خفاء ذلك عنهم - وإن كان عاما لهم - بعض الزمان الماضي، ~~أدخل الجار فقال: {من قبل هذا} أي من إيحائي إليك حتى يطرق الوهم حينئذ أنك ~~تعلمتها من أحد منهم وإن كان يعلم # PageV09P305 # كثيرا منها أهل الكتاب كما رأيت عن نص التوراة فبان أن لا عرض لقومك إلا ~~العناد {فاصبر} على ذلك ولا تفتر عن الإنذار فستكون لك العاقبة كما كانت ~~لنوح لأجل تقواه {إن العاقبة} أي آخر الأمر من الفوز والنصر والسعادة ~~{للمتقين*} أي العريقين في مخافة الله في كل زمن، وقد تضمنت القصة البيان ~~عما يوجبه حال أهل الخير والإيمان وأهل الشر والطغيان من الاعتبار بالنبأ ~~عن الفريقين ليجتبي حال هؤلاء ويتقي حال أولئك لسوء العاقبة في الدنيا ~~والآخرة. # ولما تم من ذلك ما هو كفيل بغرض السورة، وختم بأن العاقبة دائما للمتقين، ~~أتبع بالدليل على ذلك من قصص الأنبياء مع الوفاء بما سيقت له قصة نوح - على ~~جميعهم السلام - من الحث على المجاهرة بالإنذار فقال تعالى: {وإلى} أي ولقد ~~ارسلنا إلى {عاد أخاهم} وبينه فقال: {هودا} ولما تقدم أمر نوح مع قومه، ~~استشرف السامع إلى معرفة ما قال هود عليه السلام هل هو مثل قوله أو لا؟ ~~فاستأنف الجواب بقوله: {قال يا قوم} الذين هم أعز الناس لدي {اعبدوا الله} ~~أي ذا الجلال والإكرام وحده؛ ثم صرح وعلل فقال: {ما لكم} وأغرق في النفي ~~فقال: {من إله} أي معبود بحق {غيره} فدعا إلى أصل الدين كما هو دأب سائر ~~النبين ms2164 والمرسلين؛ ثم ختم ذلك بمواجهتهم # PageV09P306 # بما يسوءهم من الحق وما ثناه عن ذلك رجاء ولا خوف فقال: {إن} أي ما {أنتم ~~إلا مفترون*} أي متعمدون الكذب على الله في إشراككم به سبحانه لأن ما على ~~التوحيد من أدلة العقل غير خاف على عاقل فكيف مع تنبيه النقل! وذلك مكذب ~~لمن أشرك، أي فاحذروا عقوبة المفتري؛ ثم نفى أن يكون له في ذلك غرض غير ~~نصحهم بقوله موضع «إني ناصح لكم بهذا الأمر فلا يسوءكم مواجهتي لكم فيه بما ~~تكرهون» {يا قوم} مكررا لاستعطاف {لا أسألكم} أي في المستقبل كما لم أسالكم ~~في الماضي {عليه} أي على هذا الإنذار {أجرا} أي فلست موضع تهمة {إن} أي ما؛ ~~{أجري} ثم وصف من توكل عليه سبحانه بما يدل على الكفاية فعلي وجوب شكره ~~فقال: {إلا على الذي فطرني} أي أبتدأ خلقي ولم يشاركه في أحد فهو الغني ~~المطلق لا أوجه رغبتي إلى غيره كما يجب على كل أحد لكونه فطرة. # ولما كان الخلاف الذي لا حظ فيه جهة الدنيا لا يحتاج الإنسان في الدلالة ~~على أن صاحبه ملجأ إليه من جهة الله، وأنه لا نجاة إلا به إلى غير العقل، ~~سبب عن قوله هذا الإنكار عليهم في قوله: {أفلا تعقلون*} . # ولما دعاهم مشيرا إلى ترهيبهم مستدلا على الصدق بنفي الغرض، رغبهم في ~~إدامة الخوف مما مضى بقوله: {ويا قوم} ومن هم # PageV09P307 # أعز الناس علي ولهم قدرة على ما طلب منهم {استغفروا ربكم} أي اطلبوا ~~غفرانه بطاعتكم له لما يجب له بإحسانه إليكم. وأشار إلى علو رتبة التوبة ~~بأداة التراخي فقال: {ثم توبوا إليه} أي تسموا عالي هذه الرتبة بأن تطلبوا ~~ستر الله لذنوبكم ثم ترجعوا إلى طاعته بالندم والإقلاع والاستمرار {يرسل ~~السماء} أي الماء النازل منها أو السحاب بالماء {عليكم مدرارا} أي هاطلة ~~بمطر غزير متتابع {ويزدكم قوة} أي عظيمة مجموعة {إلى قوتكم} ثم عطف على ~~قوله {استغفروا} قوله: {ولا تتولوا} أي تكلفوا أنفسكم غير ما جبلت عليه من ~~سلامة الانقياد فتبالغوا في ms2165 الإعراض - بما أشار إليه إثبات التاء {مجرمين*} ~~أي قاطعين لأنفسكم - ببناء أمركم على الظنون الفاسدة عن خيرات الدنيا ~~والآخرة. # PageV09P308 # ولما محض لهم النصح على غاية البيان، ما كان جوابهم إلا أن {قالوا} أي ~~عاد بعد أن أظهر لهم هود عليه السلام من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر ~~{يا هود} نادوه باسمه غلظة وجفاء {ما جئتنا ببينة} فأوضحوا لكل ذي لب أنهم ~~مكابرون لقويم العقل وصريح النقل، فهم مفترون كما كان العرب يقولون للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بعد أن أتاهم من الآيات على يده ما يفوت الحصر {لولا ~~أنزل عليه # PageV09P308 # آية من ربه} {وما نحن} وأغرقوا في النفي فقالوا: {بتاركي آلهتنا} مجاوزين ~~لها أو صادرين {عن قولك} وتركهم للعطف بالفاء - المؤذنة بأن الأول سبب ~~الثاني أي الواو في قولهم: {وما نحن لك} أي خاصة، وأغرقوا في التفي فقالوا: ~~{بمؤمنين*} - دليل على أنهم تركوا إتباعه عنادا، لا أنهم يعتقدون أنه لم ~~يأت ببينة؛ وإلى ذلك يرشد أيضا تعبيرهم بالاسمية التي تدل على الثبات فإذا ~~نفي لم ينتف الأصل؛ والبينة: الحجة الواضحة في الفصل بين الحق والباطل، ~~والبيان: فصل المعنى من غيره حتى يظهر للنفس محررا مما سواه، والحامل على ~~ترك البينة بعد ظهورها صد الشبهة عنها أو تقليد الرؤساء في دفعها واتهام ~~موردها أو اعتقاد أصول فاسدة تدعو إلى جحدها أو العناد للحسد ونحوه، ~~والجامع له كله وجود الشبهة. # ولما قالوا هذا الكلام البين الفساد من غير تعرض لنقض ما قال لهم بنوع ~~شبهة، كان كأنه قيل لهم: هذا الذي قلته لكم وهو لا أبين منه ولا أعدل، ~~افرضوا أنه ما ظهر لكم صحته فما تقولون إنه حملني عليه مع أن فيه منابذتكم ~~وأنتم أولاد عمي وأعز الناس علي؟ فقالوا: {إن نقول إلا اعتراك} أي أصابك ~~وغشيك غشيانا التصق بك التصاق العروة بما هي فيه مع التعمد والقوة {بعض ~~آلهتنا بسوء} من نحو الجنون والخبال فذاك الحامل لك على النهي عن عبادتها. # PageV09P309 # ولما كان الطبع البشري قاضيا بأن الإنسان يخشى ms2166 ممن مسه بسوء وهو يتوهم ~~أنه قادر على ضرره فلا يواجهه بما يكره، وكان قولهم محركا للسامع إلى ~~الاستعلام عن حوابه لهم، استأنف سبحانه الإخبار عنه بقوله: {قال} نافيا لما ~~قالوا مبينا أن آلهتهم لا شيء ضاما لهم معها، وأكد لأنهم بحيث لا يظنون أن ~~أحدا لا يقول ما قاله {إني أشهد الله} أي الملك الأعظم ليقوم عذري عنده ~~وعدل أدبا مع الله عن أن يقول: وأشهدكم - لئلا يتوهم تسوية - إلى صيغة ~~الأمر تهاونا بهم فقال: {واشهدوا} أي أنتم لتقويم الحجة عليكم لأيكم ويبين ~~عجزكم ويعرف كل أحد أنكم بحيث يتهاون بكم وبدينكم ولا يبالي بكم ولا به ~~{أني بريء مما تشركون*} وبين سفولها بقوله: {من دونه} كائنا ما كان ومن ~~كان، فكيف إذا لم يكن إلا جمادا {فكيدوني} حال كونكم {جميعا} أي فرادى إن ~~شئتم أو مجتمعين أنتم وآلهتكم. # ولما كانت المعاجلة في الحرب أهول، وكان شأنها أصعب وأخطر، بين عظمها ~~بأداة التراخي فقال: {ثم لا تنظرون*} والكيد: طلب الغيظ بالسر في مكر، وهذه ~~الآية من أعلام النبوة الواضحة لهود عليه السلام، فكأنه قيل: هب أن آلهتنا ~~لا شيء، فما حملك على الاجتراء # PageV09P310 # على مخالفتنا نحن وأنت كثرتنا وقوتنا وأنت لا تزيد على أن تكون واحدا منا ~~فقال: {إني} أي جسرت على ذلك لأني {توكلت} معتمدا {على الله} الملك المرهوب ~~عقابه الذي لا ملك سواه ولا رب غيره؛ وبين إحاطة ملكه بقوله: {ربي وربكم} ~~أي الذي أوجدنا ودبر أمورنا قبل أن يخلقنا فعلم ما يعمل كل منا في حق ~~الآخرة لأنه {ما من دابة} أي صغرت أو كبرت {إلا هو آخذ} أي أخذ قهر وغلبة ~~{بناصيتها} أي قادر عليها، وقد صار الأخذ بالناصية عرفا في القدرة، لأن ~~الكل جارون مع مراده لا مع مرادهم بل لا ينفك أحد عن كراهة لبعض ما هو فيه ~~فدل ذلك قطعا على أنه بغير مراده وإنما هو بمراد قاهر قهره على ذلك وهو ~~الملك الأعلى سبحانه؛ والناصية: شعر مقدم الرأس، ومن أخذ بناصيته ms2167 فقد انقاد ~~لأخذه لا يستطيع ميلا {إن} أي لأن {ربي} أي المحسن إلي بما أقامني فيه {على ~~صراط} أي طريق واسع بين {مستقيم*} ظاهر أمره لكل أحد لا لبس فيه أصلا ولا ~~خلل ولا اضطراب ولا اعوجاج بوجه، فلذلك كان كل من في الكون يتألهه ويدعو ~~ويخافه ويرجوه وإن اتخذ بعضهم من دونه شركاء، وأما ما يعبد من دونه فلا ~~يعظمه إلا عابده، وأما غير عابده فإنه لا يقيم له وزنا؛ فصح بهذا غالب # PageV09P311 # على كل شيء غلبة يعلمها كل موجود من غير خفاء أصلا، فهو مرجو مرهوب ~~بإجماع العقلاء بخلاف معبوداتكم، والحاصل أنه يلزم الصراط المستقيم الظهور، ~~فيلزم عدم الاختلاف لانتفاء اللبس، فمن كان عليه كان علي القدر شهير الأمر، ~~بصيرا بما يريد، مع الثبات والتمكن، مرهوب العاقبة، مقصودا بالاتباع ~~والمحبة، من لم يقبل إليه ضل، ومن أعرض عنه أخذ لكثرة أعوانه وعز سلطانه، ~~فظهرت قدرته على عصمة من يتوكل عليه وعجز معبوداتهم معهم، لأن نواصي الكل ~~بيده وهو ربها وربهم ورب كل شيء، فقد انطبق ختام الآية على قولهم {ما جئتنا ~~ببينة} ردا له لأن من كان على صراط مستقيم لم يكن شيء أبين من أمره، وعلى ~~جوابه في توكله وما في حيزه أتم انطباق؛ والناصية: مقدم الشعر من الرأس، ~~وأصلها الاتصال من قولهم: مفازة تناصي مفازة - إذا كانت متصلة بها. # PageV09P312 # ولما استوفى تشييده أمره وهدم قولهم، أخذ يحذرهم فقال مبينا أن العدول ~~عما جاء به لا يكون إلا بمعالجة الطبع السليم: {فإن تولوا} ولو أدنى تولية ~~- بما يشير إليه حذف التاء، فعليكم اللوم دوني، لأني فعلت ما علي {فقد} أي ~~بسبب أني قد {أبلغتكم ما} أي كل شيء # PageV09P312 # {أرسلت} أي تقدم إرسالي من عند من لا مرسل في الحقيقة غيره {به إليكم} ~~كاملا لم أدع منه شيئا رجاء لإقبالكم ولا خوفا من إعراضكم، فأبيتم إلا ~~التكذيب لي والاستكبار عما جئت به، فالذي أرسلني ينتقم منكم فيهلككم ~~{ويستخلف ربي} أي يوجد المحسن إلي بإقامتي فيما يرضيه {قوما غيركم} ms2168 ~~يخلفونكم في دياركم وأموالكم، فتكونون أعداءه، ويكون المستخلفون متعرضين ~~لأن يكونوا أولياء مع كونهم ذوي بأس وقوة فيختص الضرر بكم {ولا تضرونه} أي ~~الله بإعراضكم {شيئا} ثم علل وعيده لهم بقوله مؤكدا لأن العاصي فاعل ~~بعصيانه فعل من يظن أن الله غافل عنه: {إن ربي} أي المحسن إلي المدبر ~~لمصالحي. # ولما كان الأهم في هذا السياق بيان استعلائه وقدرته، قدم قوله: {على كل ~~شيء} صغيرا أو كبيرا جليل أو حقير {حفيظ*} أي عالم بكل شيء وقادر على كل ~~شيء وبالغ الحفظ له، فيعلم ما يعمل محفوظه فيجازيه بما يستحق من نعمه ~~ونقمه، فهو تعليل لاستخلاف غيرهم وتنزهه عن لحوق ضرر، لأن الحفظ: الحراسة، ~~ويلزمها العلم والقدرة، فمن القدرة حافظ العين، أي لا يغلبه نوم، والحفيظة ~~- للحمية والغضب، ومنهما معا المحافظة - للمواظبة على الشيء؛ والتوالي عن ~~الشيء: الذهاب إلى غير جهته إعراضا عنه؛ والإبلاغ: إلحاق الشيء نهايته؛ # PageV09P313 # والاستخلاف: جعل الثاني بدلا من الأول يقوم مقامه؛ والضر: إيجاب الألم ~~بفعله أو التسبب له. # ولما تم ذلك كان كأنه قيل: فلم يرجعوا ولم يرعووا لبينة ولا رغبة ولا ~~رهبة فأنزلنا بهم أمرنا {ولما جاء أمرنا} أي وقت إرادتنا لإهلاك عاد ~~{نجينا} أي تنجية عظيمة بما لنا من العظمة {هودا والذين آمنوا} كائنين ~~{معه} في الإيمان والنجاة من قومهم فلم يقدروا أن يصلوا إليهم بسوء مع ~~اجتهادهم في ذلك وإعجابهم بقواهم ويقال: إن الذين آمنوا كانوا أربعة آلاف. # ولما كان سبحانه بحيث لا يجب عليه لأحد شيء لأنه لا يقدر أحد أن يقدره حق ~~وإن اجتهد في طاعته، فإن طاعته نعمة منه عليه، أشار إلى ذلك بقوله: {برحمة ~~منا} تحقيقا لتوكل عبدنا؛ ولما بين إنجاءهم من قومهم بين إنجاءهم مما ~~أهلكهم به فقال مكررا ذكر التنجية دلالة على أن عذابهم كان في غاية ~~الفظاعة: {ونجيناهم} أي بما لنا من العظمة، وبين فظاعة ما أهلك به أعداءهم ~~بقوله: {من عذاب غليظ*} أي أهلكنا به مخالفيهم وهو الريح الصرصر، وهذا أولى ~~من حمله على عذاب الآخرة ms2169 لما يأتي من قوله {ومن خزي يومئذ} كأنهم كانوا إذا ~~رأوا مخايل العذاب قصدوا نبيهم ومن آمن به ليهلكوهم قبلهم كما # PageV09P314 # صرح به في قصة صالح؛ والنجاة: السلامة من الهلاك؛ وحقيقة الغلظة عظم ~~الجثة، فاستعير للعذاب لثقله على النفس وطول مكثه. # ولما تمت قصتهم على هذا الوجه لابديع والأسلوب المطرب، قال تعالى عاطفا ~~على قوله {تلك من أنباء الغيب} : {وتلك عاد} أي قصة القوم البعداء البغضاء، ~~ما كنت تعلمها على هذا التفصيل أنت ولا قومك ولا أهل الكتاب، وإنما نفيت عن ~~أهل الكتاب لأنهم لا يعلمون إلا ما له أصل عن أنبيائهم، وهذه وقصة ثمود ~~ليستا في التوراة ولا شيء من أسفار أنبيائهم، وسألت بعض علمائهم فلم أجد ~~عنده شيئا من علمها ولا حرفا واحدا ولا سمع بعاد ولا هود، وتلخيص قصتهم ~~أنهم {جحدوا} أي كذبوا عنادا واستهانة {بآيات ربهم} المحسن إليهم {وعصوا ~~رسله} فإن من عصى واحدا منهم فقد عصى الكل لاتفاقهم على أمر واحد مع ~~التساوي في مطلق المعجزة {واتبعوا} أي بغاية جهدهم {أمر كل جبار} أي قاهر ~~بليغ القهر يجبر غيره على ما يريد، وهذا يدل على أنه لا عذر في أصل الدين ~~بوجه فإن الضمائر لا يعلمها إلا الله فيمكن كل أحد مخالفة الجبار فيه ~~{عنيد*} أي طاغ باغ لا يقبل الحق بوجه، فأهلكوا ولم يمنعهم تجبرهم ولا أغنى ~~عنهم عنادهم وتكبرهم {وأتبعوا} جميعا بعد # PageV09P315 # إهلاكهم بأيسر وجه لعظيم قدرة المتبع {في هذه الدنيا} حقرها في هذه ~~العبارة بما أشارت إليه الإشارة مع التصغير، وبما دل على الدنو وبأن من ~~اغتر بها فهو ممن وقف مع الشاهد لما له من الجمود {لعنة} أي طردا وبعدا ~~وإهلاكا {ويوم القيامة} أي كذلك بل أشد، فكأنه قيل: أفما لمصيبتهم من تلاف؟ ~~فقيل: لا، {ألا} مفتتحا للإخبار عنهم بهذه الأداة التي لا تذكر إلا بين يدي ~~كلام يعظم موقعه ويجل خطبه، والتأكيد في الإخبار بكفرهم تحقيق لحالهم، وفيه ~~من أدلة النبوة وأعلام الرسالة الرد على طائفة قد حدثت بالقرب من ms2170 زماننا ~~يصوبون جيمع الملل وخصوا عادا هذه لكونها أغناهم بأن قالوا: إنهم من ~~المقربين إلى الله وإنهم بعين الرضى منه، فالله المسؤول في الإدالة عليهم ~~وشفاء الصدور منهم، وهم أتباع ابن عربي الكافر العنيد أهل الاتحاد، ~~المجاهرون بعظيم الإلحاد، المستخفون برب العباد، فلذلك قال تعالى مبينا ~~لحالهم بيانا لا خفاء معه: {إن عادا كفروا} ولم يقصر الفعل، بل عداه إعظاما ~~لطغيانهم فقال: {ربهم} أي غطوا جميع أنوار الظاهر الذي لا يصح أصلا خفاءه ~~لأنه لا نعمة على مخلوق إلا منه، فكان كفرهم أغلظ الكفر، ومع ذلك فلم ينثن ~~هود عليه السلام عن إبلاغهم جميع ما أمر به ولا ترك شيئا مما أوحي إليه فلك ~~به أسوة حسنة وفيهم قدوة، ومن كفر من # PageV09P316 # أحسن إليه بعد بعدا لا قرب معه. # ولما كان الأمر عظيما والخطب جليلا، كرر الأداة التي تقال عند الأمور ~~الجليلة فقال: {ألا بعدا لعاد} هو من بعد - بكسر العين إذا كان بعده ~~بالهلاك، وبينهم بقوله: {قوم هود} تحقيقا لهم لأنهم عادان: الأولى والآخرة، ~~وإيماء إلى أن استحقاقهم للإبعاد بما جرى لهو عليه السلام معهم من الإنكار ~~والدعاء عليهم بعد الهلاك كناية عن الإخبار بأنهم كانوا مستحقين للهلاك؛ ~~والجحد: الخبر عما يعلم صحته أنه لا يعلمها، وهو ضد الاعتراف كما أن النفي ~~ضد الإثبات، فهو خبر بمجرد العدم فهو أعم؛ والعصيان خلاف ما أمر به الداعي ~~على طريق الإيجاب؛ واللعنة: الدعاء بالإبعاد، وأصلها الإبعاد من الخير؛ ~~والإتباع: جعل الثاني على أثر الأول، والإبلاغ أخص منه، والمراد هنا بلوغها ~~لهم لأن الذي قضى بذلك قادر وقد ألحق بهم عذاب الدنيا المبعد لهم من مظان ~~الرحمة. # PageV09P317 # ولما انقضت قصة عاد على ما أراد سبحانه، أتبعها قصة من كانوا عقبهم في ~~الزمن ومثلهم في سكنى أرض العرب وعبادة الأوثان والمناسبة في الأمر المعذب ~~به لأن الموصل للصيحة إلى الأسماع هو الريح # PageV09P317 # وفي خفاء أمرهم، مفصلا على أهل ذلك الزمان فقال: {*وإلى} أي ولقد أرسلنا ~~إلى {ثمود أخاهم} وبينه بقوله: {صالحا} ثم أخرج ms2171 قوله صلى الله عليه وسلم ~~على تقدير سؤال فقال: {قال يا قوم} أي يا من يعز علي أن يحصل لهم سوء ~~{اعبدوا الله} أي الملك الأعظم وحده لأن عبادتكم له مع غيره ليست بشيء؛ ثم ~~استأنف تفسير ذلك فقال: {ما لكم} أغرق في النفي فقال: {من إله غيره} جريا ~~على منهاج الدعاة إلى الله في أصل الدين، وهو إفراد المنعم بالعبادة. # ولما أمرهم بذلك، ذكرهم قدرته ونعمته مرغبا مرهبا فقال: {هو} أي وحده ~~{أنشأكم} أي ابتدأ خلقكم {من الأرض} بخلق آدم عليه السلام منها بغير واسطة ~~وبخلقكم من المني من الدم وهو من الغذاء وهو من النبات وهو من الأرض كما ~~أنشأ أوثانكم منها {و} وفع مقداركم عليه بأن {استعمركم} أي أهلكم لما لم ~~يؤهل له الأوثان من أن تكونا عمارا {فيها} فلا تنسوا حق إلهكم وما فضلكم به ~~من حق أنفسكم بخضوعكم لما لا يساويكم فكيف بمن أنشأكم وإياها؛ والإنشاء: ~~الابتداء بالإيجاد من غير استعانة بشيء من الأسباب. # ولما بين لهم سبحانه عظمته، وكان الشيطان قد شبه عليهم لأنه لعظمته لا ~~يوصل إليه بوسيلة كما هو حال الملوك وألقى إليهم أن الأوثان # PageV09P318 # وسائل، نفى ذلك مبينا طريق الرجوع إليه بقوله: {فاستغفروه} أي فأقبلوا ~~بكل قلوبكم عليه طالبين أن يستر ذنوبكم؛ وذكر شرط المغفرة بقوله مشيرا ~~بأداة البعد إلى عظيم المنزلة: {ثم توبوا} أي ارجعوا بجميع قلوبكم {إليه} ~~ثم علل ذلك بلطفه وعطفه ترغيبا في الإقبال إليه فقال مؤكدا لأن من يرى ~~إمهاله للعصاة يظن الظنون ومن عصاه كان عمله عمل من ينكر قربه وإجابته: {إن ~~ربي} الذي أخلصت له العبادة لإحسانه إلي وأدعوكم إلى الإخلاص له لإحسانه ~~إليكم {قريب} من كل من أقبل إليه من غير حاجة إلى معاناة مشي ولا حركة ~~جارحة {مجيب*} لكل من ناداه لا كمعبوداتكم في الأمرين معا. # ولما دعاهم إلى الحق ونصب لهم عليه من الأدلة ما هم به معترفون وذكرهم ~~نعمه مومئا إلى التحذير من نقمه، وسهل لهم طريق الوصول إليه، ما كان ms2172 جوابهم ~~إلا أن سلخوه من طور البشرية لمحض التقليد، فلذلك استأنف الإخبار عن جوابهم ~~بقوله: {قالوا} أي ثمود {يا صالح} نادوه باسمه قلة أدب منهم وجفاء {قد كنت ~~فينا} أي فيما بينا إذا تذاكرنا أمرك {مرجوا} أي في حيز من يصح أن يرجى أن ~~يكون فيه خير وسؤدد ورشد وصلاح، واستغرقوا الزمان فحذفوا الجار وقالوا: ~~{قبل هذا} أي الذي دعوتنا إليه فأما بعد هذا فانسلخت من هذا العداد؛ ثم ~~بينوا ما أوجب سقوطه عندهم بقولهم منكرين إنكار # PageV09P319 # محترق {أتنهانا} أي مطلق نهي {أن نعبد} أي دائما {ما يعبد آباؤنا} وعبروا ~~بصيغة المضارع تصويرا للحال كأن آباءهم موجودون فلا تمكن مخالفتهم إجلالا ~~لهم، فأجلوا من يرونه سببا قريبا في وجودهم ولم يهابوا من أوجدهم وآباءهم ~~أولا من الأرض وثانيا من النطف، ثم خولهم فيما هم فيه، ثم فزعوا - في أصل ~~الدين بعد ذكر الحامل لهم على الكفر المانع لهم من تركه - إلى البهت بأن ما ~~يوجب القطع لكل عاقل من آيته الباهرة لم يؤثر عندهم إلا ما هو دون الظن في ~~ترك إجابته، فقالوا مؤكدين لأن شكهم حقيق بأن ينكر لأنه في أمر واضح جدا لا ~~يحتمل الشك أصلا: {وإننا لفي شك} وزادوا التأكيد بالنون واللام وبالإشارة ~~بالظرف إلى إحاطة الشك بهم {مما} ولما كان الداعي واحدا وهو صالح عليه ~~السلام لم يلحق بالفعل غير نون واحدة هي ضميرهم بخلاف ما في سورة إبراهيم ~~عليه السلام فلذلك قالوا: {تدعونا إليه} من عبادة الله وحده {مريب*} أي ~~موقع في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين؛ والرجاء: تعلق ~~النفس لمجيء الخير على جهة الظن، ونظيره الأمل والطمع؛ والنهي: المنع من ~~الفعل بصيغة لا تفعل. # PageV09P320 # ولما أبرزوا له أمرهم في قالب الشك على سبيل الجزم، قابلهم بمثله على ~~سبيل الفرض إنصافا لهم لئلا يلائم الخطاب حال المخاطبين، فاستأنف سبحانه ~~الإخبار عنه بذلك في قوله: {قال} أي صالح ناديا لهم إلى النظر في أمره برفق ~~{يا قوم أرءيتم} أي أخبروني {إن كنت} أورده بصيغة ms2173 الشك لأن خطابه للجاحدين ~~{على بينة من ربي} أي المحسن إلي، لا شك عندي فيها {وآتاني منه رحمة} أي ~~أوامر هي سبب الرحمة {فمن ينصرني} وأظهر موضع الإضمار وعبر بالاسم الأعظم ~~لاقتضاء المقام التهويل فقال: {من الله} أي الملك الأعظم {إن عصيته} أي إن ~~وقوعكم في الشك على زعمكم حملكم على هيئة الإباء في التلبس بأعمالهم مع ~~زوالهم واضمحلالهم لو كانوا موجودين وعصيتموهم لم تبالوا بهم، وأما أنا ~~فالذي أمرني بعبادته حي قادر على جزاء من يطيعه أو يعصيه، وأقل ما يحمل على ~~طاعته الشك في عقوبته، وهو كاف للعاقل في ترك الخطر {فما} أي فتسبب عن ~~نهيكم لي عن الدعاء إليه سبحانه أنكم ما {تزيدونني} بذلك شيئا في عملي بما ~~ترمونه مني من عطفي عنه باتباعكم في عملكم أو الكف عنكم لأصير في عداد من ~~يرجى عندكم ممن له عقل {غير تخسير*} أي إيقاعي في الخسارة على هذا التقدير: ~~فلا تطمعوا في تركي لشيء من مخالفتكم ما دمتم # PageV09P321 # على ما أنتم عليه، والآية كما ترى ناظرة إلى قوله تعالى {فلعلك تارك بعض ~~ما يوحى إليك} . # ولما أخبرهم أن معصية الله خسران، ذكرهم أمر الناقة التي أخرجها سبحانه ~~لهم من الأرض شاهدا على كونهم مساوين للأوثان في كونهم منها مفضلين عليها ~~بالحياة محذرا لهم من شديد انتقامه فقال: {ويا قوم هذه} إشارة إلى حاضر، ~~وذلكم بعد أن أخرجها لهم سبحانه عندما دعاه صالح عليه السلام؛ وبين الإشارة ~~بقوله: {ناقة الله} أي الملك الأعلى، ثم بني حالا من {آية} مقدما عليها ~~لئلا يكون صفة لها فقال: {لكم} أي خاصة لنظركم إياها عندما خرجت ولكل من ~~سمع بها بعدكم، وليس الخبر كالمعاينة، أشير إليها حال كونها {آية} بكون ~~الله تعالى أخرجها لكم من صخرة، وهي عشراء على حسب ما اقترحتم وأنتم ~~تشاهدون وبكونها تنفرد بشرب يوم، وتنفردون كلكم بشرب يوم وتنفرد برعي يوم، ~~وتنفرد جميع الحيوانات من دوابكم ووحوش بلادكم برعي يوم إلى غير ذلك مما ~~أنتم له مبصرون وبه عارفون {فذروها} ms2174 أي اتركوها على أي حالة كان ترككم لها ~~{تأكل} أي مما أرادت {في أرض الله} أي الملك الذي له الأمر كله التي خلقها ~~منها {ولا تمسوها بسوء} والأكل: مضغ يقع عند بلع؛ والمس مطلق الإصابة ويكون ~~بين الحيوان وغيره، واللمس أخص منه لما فيه من الإدراك # PageV09P322 # {فيأخذكم} أي فيتسبب عن ذلك أن يأخذكم {عذاب قريب*} أي من زمن إصابتكم ~~لها بالسوء؛ ثم اشار إلى قرب مخالفتهم لأمره فيها بقوله مسببا عن أوامره ~~ونواهيه ومعقبا: {فعقروها} أي الناقة {فقال} أي عند بلوغه الخبر {تمتعوا} ~~أي أنتم تعيشون {في داركم} أي داركم هذه، وهي بلدة الحجر {ثلاثة أيام} أي ~~بغير زيادة عليها، فانظروا ماذا يغني عنكم تلذذكم وترفهكم وإن اجتهدتم فيه. # ولما كان كأنه قيل: هل في هذا الوعيد مثنوية، قال مجيبا: {ذلك} أي الوعد ~~العالي الرتبة في الصدق والغضب {وعد غير مكذوب*} أي فيه؛ والتمتع: التلذذ ~~بالمدركات الحسان من المناظر والأصوات وغيرها مما يدرك بالحواس، وسميت ~~البلاد دارا لأنها جامعة لأهلها - كما تجمع الدار - ويدار فيها، وأشار إلى ~~تعقب العذاب للأيام وتسببه عن الوعيد المعين بقوله: {فلما جاء أمرنا} ~~بالفاء بخلاف ما في قصة هود وشعيب عليهما السلام، أي مع مضي الأيام كان أول ~~ما فعالنا أن {نجينا} بنا لنا من العظمة أولياءنا {صالحا والذين آمنوا معه} ~~من كيد قومهم، وبين أن إحسانه سبحانه لا يكون إلا فضلا منه بقوله: {برحمة ~~منا} وذلك أنه عليه السلام قال لهم: تصبحون # PageV09P323 # غدا يوم مؤنس - يعني الخميس - ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم عروبة - يعني ~~الجمعة - ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم شبار ووجوهكم مسودة، ثم يصبحكم ~~العذاب يوم أول - أي الأحد - فقال التسعة رهط الذين عقروا الناقة: هلم ~~فلنقتل صالحا، فإن كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا قد كنا ألحقناه ~~بناقته، فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما ~~أبطؤوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا ~~لصالح: أنت قتلتهم! ثم هموا به فقامت عشيرته دونهم ولبسوا السلاح وقالوا ~~لهم: ms2175 والله لا تقتلونه أبدا فقد وعدكم أن العذاب يكون بكم بعد ثلاث، فإن ~~كان صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم وراء ما ~~تريدون، فانصرفوا فلما أصبحت وجوههم مصفرة عرفوا أنه قد صدقهم، فطلبوه ~~ليقتلوه فجاء إلى بطن منهم يقال له (بنو غنم) فنزل على سيدهم رجل فغيبه ~~عنده، فعدوا على أصحاب صالح يعذبونهم ليدلوهم عليه فقالوا: يا نبي الله! ~~إنهم يعذبوننا لندلهم عليك، أفندلهم؟ قال: # PageV09P324 # نعم، فدلوهم عليه فأتوه فقال الغنمي: نعم عندي ولا سبيل إليه، فتركوه ~~وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم كذا ذكر ذلك البغوي عن ابن اسحاق ووهب وغيرهما ~~مطولا. # ولما ذكر نجاتهم من كل هلكة، ذكر نجاتهم من خصوص ما عذب به قومهم فقال: ~~{ومن} أي ونجيناهم من {خزي} أي ذل وفضيحة {يومئذ} أي يوم إذ جاء أمرنا ~~بإهلاكهم بالصيحة وحل بهم دونهم فرقا بين أوليائنا وأعدائنا، وحذف «نجينا» ~~هنا يدل على أن عذابهم دون عذاب عاد؛ ثم عقب ذلك بتعليله إهلاكا وإنجاء ~~باختصاصه بصفات القهر والغلبة والانتقام فقال: {إن ربك} أي المحسن إليك كما ~~أحسن إلى الأنبياء من قبلك {هو} أي وحده {القوي} فهو يغلب كل شيء {العزيز*} ~~أي القادر على منع غيره من غير أن يقدر أحد عليه أو على الامتناع منه، من ~~عز الشيء أي امتنع، ومنه العزاز - للأرض الصلبة الممتنعة بذلك عن التصرف ~~فيها؛ والخزي: العيب الذي تظهر فضيحته ويستحي من مثله؛ ثم بين إيقاعه ~~بأعدائه بعد إنجائه لأوليائه فقال معظما للأخذ بتذكير الفعل: {وأخذ الذين ~~ظلموا الصيحة} وأشار إلى عظمة هذه الصيحة # PageV09P325 # بإسقاط علامة التأنيث وسبب عنها قوله: {فأصبحوا في ديارهم جاثمين*} أي ~~ساقطين على وجوههم، وقيل: جاثين على الركب موتى لا حراك بهم، وتقدم سر ~~التعبير بالديار مع الصيحة والدار مع الرجفة في الأعراف، وخصت هود بما ذكر ~~فيها لأن مقصودها أعظم نظر إلى التفصيل، وكل من الديار والصيحة أقرب إلى ~~ذلك. # ولما كان الجثوم كناية عن الموت أوضحه بقوله: {كأن} أي كأنهم {لم يغنوا} ms2176 ~~أي يقيموا أغنياء لاهين بالغناء {فيها} ثم نبه - على ما استحقوا به ذلك لمن ~~لعله يغفل فيسأل - بقوله مفتتحا بالأداة التي لا تقال إلا عند الأمور ~~الهائلة: {ألا إن ثمودا} قراءة الصرف دالة على الاستخفاف بهم لطيشهم في ~~المعصية {كفروا ربهم} أي أوقعوا التغطية والستر على المحسن إليهم بالخلق ~~والرزق والإرسال وهو الظاهر وبصفاته وأفعاله، فلا يخفى على أحد أصلا، ~~فإيصال الفعل دون قصره كما في أكثر أضرابه بيان لغلظة كفرهم؛ ثم كرر ذلك ~~تأكيدا له وإعلاما بتأبيد هلاكهم بقوله: {ألا بعدا لثمود*} ترك صرفهم في ~~قراءة غير الكسائي إيذانا بدوام لبثهم في الطرد والبعد؛ والصيحة: صوت عظيم ~~من فم حي، والجثوم لدوام مكان واحد أو السقوط على الوجه، وقيل: القعود على ~~الركب؛ وقال {أصبحوا} زيادة في التخويف والتأسيف # PageV09P326 # بما وقع لهم من التحسير لو أدركه أحد منهم لأن الإنسان يفرح إذا أصبح ~~بقيامه من نومه مستريحا قادرا على ما يريد من الحركات للاستمتاع بما يشتهي ~~من التصرفات، فأصبح هؤلاء - بعد هذه الصفة على ما قص الله - خفوتا أجمعين ~~كنفس واحدة رجالا ونساء صغارا وكبارا كأنهم بم يكونوا أصلا، ولا أصدروا ~~فصلا ولا وصلا كأنهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعدوا في الأحياء مرة كأن ~~لم يغنوا أي يقيموا لانقطاع آثارهم إلا ما بقي من أجسادهم الدالة على ~~الخزي؛ والمغاني: المنازل، وأصل الغناء الاكتفاء؛ ومعنى «ألا» التنبيه؛ قال ~~الرماني: وهي ألف الاستفهام دخلت على «لا» فالألف تقتضي معنى، و «لا» تنفي ~~معنى، فاقتضى الكلام بهما معنى التنبيه مع نفي الغفلة - انتهى. # وكان حقيقته - والله أعلم - أن «لا» دخلت على ما بعدها فنفته، ثم دخلت ~~عليها همزة الإنكار فنفتها، ومن المعلوم أن نفي النفي إثبات فرجع المعنى ~~كما كان على أتم وجوه التنبيه والتأكيد، لأن إثبات المعنى بعد نفيه آكد من ~~إثباته عريا عن النفي ولا سيما إذا كان المفيد لذلك الإنكار، وهذا المعنى ~~مطرد في ألا العرضية وهلا التخصيصية ونحوهما، ويمشي في كل صلة بأن تردها ~~إلى أصل مدلولها في ms2177 اللغة ثم تتصرف بما يقتضيه الحال - # PageV09P327 # والله الهادي! ولما جاز الصرف في ثمود باعتبار أنه اسم أبي القبيلة وعدمه ~~باعتبار إطلاقه على القبيلة اختير الصرف في النصب فقط لخفته. # PageV09P328 # ولما انقضت القصة على هذا الوجه الرائع، أتبعها قصة لوط عليه السلام إذ ~~كانت أشهر الوقائع بعدها وهي أفظع منها وأروع، وقدم عليها ما يتعلق بها من ~~أمر إبراهيم عليها لسلام ذكر بشراه لما في ذلك كله من التنبيه لمن تعنت ~~بطلب إنزال الملائكة في قولهم {أو جاء معه ملك} على أن ذلك ليس عزيزا عليه. ~~وقد أكثر من فعله ولكن نزولهم مرهب، وأمرهم عند المكاشفة مرعب، وأما مع ~~الستر فلا يقطع تعنتهم، هذا مع ما في ذلك من مناسبة أمر هذا الولد لأمر ~~الناقة في تكوين كل منهما بخارق للعادة إشارة إلى تمام القدرة وكمال العلم ~~المبني عليه أمر السورة في إحكام الكتاب وتفصيله وتناسب جدالي نوح وإبراهيم ~~عليهما السلام في أن كلا منهما شفقة على الكافرين ورجاء لنجاتهم من العذاب ~~بحسن المثاب، ولعله سبحانه كرر «لقد» في صدرها عطفا على ما في قصة نوح ~~للتنبيه على مثل الأغراض، لأن «قد» للتوقع فجاءت لتؤذن بأن السامع في حال ~~توقع لذلك لأنه إذا انقضت قصة الخبر عما بعدها فقال تعالى: {ولقد} قال ~~الرماني: ودخلت اللام لتأكيد الخبر كما يؤكد # PageV09P328 # القسم {جاءت رسلنا} أي الذين عظمتهم من عظمتنا، قيل: كانوا جبرئيل ~~وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام {إبراهيم} هو خليل الله عليه السلام ~~{بالبشرى} أي التي هي من أعظم البشائر وهي إكرامه بإسحاق عليه السلام ولدا ~~له من زوجته سارة رضي الله عنها، جاءوه في الصفة التي يحبها وهي صفة ~~الأضياف، فلم يعرفهم مع أنه الخليل بل إنكارهم كما قال تعالى في الذاريات ~~{قال سلام قوم منكرون} [الذاريات: 25] فيحمل إنكاره أولا على الاستغراب ~~بمعنى أنه لم ير عليهم زي أهل تلك البلاد ولا أثر سفر، فكأنه قيل: ما كان ~~من أمرهم؟ فقيل: {قالوا سلاما} أي سلمنا عليك سلاما عظيما {قال سلام} أي ~~ثابت دائم ms2178 عليكم لا زوال له أبدا، فللرفع مزية على النصب لأنه إخبار عن ~~ثابت، والنصب تجديد ما لم يكن، فصار مندرجا في {فحيوا بأحسن منها} [النساء: ~~86] ثم أكرم نزلهم وذهب يفعل ما طبعه الله عليه من سجايا الكرم وأفعال ~~الكرام في أدب الضيافة من التعجيل مع الإتقان {فما لبث} أي فتسبب عن مجيئهم ~~وتعقبه أنه ما تأخر {أن جاء بعجل حنيذ*} أي مشوي على حجارة محماة في أخدود ~~وفوقه حجارة محماة ليشتد نضجه، فكان بعد الشي يقطر دسمه لأنه سمين، كل ذلك ~~وهو لا يعرف أنهم ملائكة، بل هو قاطع بأنهم ممن يأكل، وهذا ناظر إلى قول ~~قوم نوح # PageV09P329 # {وما نرى لكم علينا من فضل} وقوله {ولا أقول للذين تزدري أعينكم} الآية، ~~أي إن الله جعل المعاني في القلوب وناط بها السعادة والشقاوة، وقد تخفي تلك ~~المعاني كما خفي على أكمل أهل ذلك الزمان أن ضيفه ملائكة حتى خاف منهم وقد ~~أتوه بالبشرى، فلا ينبغي لأحد أن يحتقر أحدا إلا بما أذن الله فيه. # ولما وضع الطعام بين أيديهم لم يلموا به {فلما رأى أيديهم} أي الرسل عقب ~~الوضع سواء {لا تصل إليه} أي إلى العجل الذي وضعه ليأكلوه {نكرهم} أي اشتدت ~~نكارته لهم وانفعل لذلك، وهذا يدل على ما قال بعض العلماء: إن نكر أبلغ من ~~أنكر {وأوجس} أي أضمر مخفيا في قلبه {منهم خيفة} أي عظيمة لما رأى من ~~أحوالهم وشاهد من جلالهم، وأصل الوجوس: الدخول، والدليل - على أن خوفه كان ~~لعلمه بالتوسم أنهم ملائكة نزلوا لأمر يكرهه من تعذيب من يعز عليه أو نحو ~~هذا - أنهم {قالوا لا تخف} ثم عللوا ذلك بقولهم {إنآ أرسلنآ} أي ممن لا يرد ~~أمره {إلى قوم لوط} فإنهم نفوا الخوف عنه بالإعلام بمن أرسلوا إليه، لا ~~بكونهم ملائكة، قالوا ذلك وبشروه بالولد {وامرأته} أي جاءته الرسل بالبشرى ~~أي ذكروها له والحال أن زوجة إبراهيم التي هي كاملة المروءة وهي سارة ~~{قآئمة} قيل: على باب الخيمة لأجل ما لعلها # PageV09P330 # تفوز به من المعاونة ms2179 على خدمتهم، فسمعت البشارة بالولد التي دل عليها ~~فيما مضى قوله {بالبشرى} {فضحكت} أي تعجبت من تلك البشرى لزوجها مع كبره، ~~وربما طنته من غيرها لأنها - مع أنها كانت عقيما - عجوز، فهو من إطلاق ~~المسبب على السبب إشارة إلى أنه تعجب عظيم {فبشرناها} أي فتسبب عن تعجبها ~~أنا أعدنا لها البشرى مشافهة بلسان الملائكة تشريفا لها وتحقيقا أنه منها ~~{بإسحاق} تلده {ومن وراء إسحاق يعقوب} أي يكون يعقوب ابنا لإسحاق، والذي ~~يدل على ما قدرته - من أنهم بشروه بالولد قبل امرأته فسمعت فعجبت - ما يأتي ~~عن نص التوراة، والحكم العدل على ذلك كله قوله تعالى في الذاريات {قالوا لا ~~تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها} [الذاريات: ~~28-29]- الآية. # ولما شافهوها بذلك، صرحت بوجه العجب من أنه جامع بين عجبين في كونه منه ~~ومنها بأن {قالت يا ويلتي} وهي كلمة تؤذن بأمر فظيع تخف على أفواه النساء ~~ويستعملنها إلى اليوم، لكنهن غيرن في لفظها كما غير كثير من الكلام؛ ~~والويل: حلول الشر؛ والألف في آخره بدل عن ياء الإضافة، كنى بها هنا عن ~~العجب الشديد لما فيه من الشهرة ومراجمة الظنون؛ وقال الرماني: إن # PageV09P331 # معناها الإيذان بورود الأمر الفظيع كما تقول العرب: يا للدواهي! أي ~~تعالين فإنه من أحيانك فحضور ما حضر من أشكالك. # ولما كان ما بشرت به منكرا في نفسه بحسب العادة قالت: {ءألد وأنا} أي ~~والحال أني {عجوز وهذا} أي من هو حاضري {بعلي شيخا} ثم ترجمت ذلك بما هو ~~نتيجته فقالت مؤكدة لأنه - لما له من خرق العوائد - في حيز المنكر عند ~~الناس: {إن هذا} أي الأمر المبشر به {لشيء عجيب} فكأنه قيل: فماذا قيل لها؟ ~~فقيل: {قالوا} أي الملائكة متعجبين من تعجبها {أتعجبين من أمر الله} أي ~~الذي له الكمال كله، وهو لا ينبغي لك لأنك معتادة من الله بما ليس لغيركم ~~من الخوارق، والعجب إنما يكون مما خرج عن أشكاله وخفي سببه، وأنت - لثبات ~~علمك بالسبب الذي هو قدرة الله على كل ms2180 شيء وحضوره لديك مع اصطفاء الله لكم ~~وتكرر خرقه للعوائد في شؤونكم - لست كغيرك ممن ليس كذلك؛ ثم عللوا إنكارهم ~~لتعجبها بقولهم: {رحمت الله} أي كرامة الذي له الإحاطة بصفات الجلال ~~والإكرام {وبركاته} أي خيراته النامية الثابتة {عليكم} وبينوا خصوصيتهم ~~بإسقاط أداة النداء مدحة لهم فقال: {أهل البيت} قد تمرنتم على مشاهدة ~~العجائب لكثرة ما ترون من آثاره بمثل ذلك # PageV09P332 # وغيره؛ ثم علل إحسانه إليهم مؤكدا تثبيتا لأصل الكلام الذي أنكرته فقال: ~~{إنه} أي بخصوص هذا الإحسان {حميد مجيد} أي كثير التعرف إلى من يشاء من ~~جلائل التعمم وعظيم المقدور بما يعرف أنه مستحق الحمد على المجد، وهو الكرم ~~الذي ينشأ عنه الجود، فلما سمعوا ذلك واطمأنوا، أخذ في قص ما كان بعده، ~~فقال مشيرا بالفاء إلى قلة زمن الإنكار الذي هو سبب الفزع: {فلما ذهب} ~~بانكشاف الأمر {عن إبراهيم الروع} أي الخوف والفزع الشديد {وجآءته البشرى} ~~فامتلأ سرورا {يجادلنا} أي أخذ يفعل معنا بمجادلة رسلنا فعل المجادل الذي ~~يكثر كلامه إرادة الفتل مخاطبه عما يقوله {في قوم لوط} أي يسألنا في نجاتهم ~~سؤالا يحرص فيه حرص المجادل في صرف الشيء، من الجدل وهو الفتل، ووضع ~~المضارع موضع الماضي إشارة إلى تكرر المجادلة مع تصوير الحال، أي جادلنا ~~فيهم جدالا كثيرا؛ ثم علل مجادلته بقوله: {إن إبراهيم لحليم} أي بليغ ~~الحلم، وهو إمهال صاحب الذنب على ما يقتضيه العقل {أواه} أي رجاع للتأوه ~~خوفا من التقصير {منيب} أي رجاع إلى الله بالسبق في ارتقاء درج القرب، فهو ~~- لما عنده هذه المحاسن - لا يزال يتوقع الإقلاع من العصاة. # ولما كان أكثر المجادلة لما عنده من الشفقة على عباد الله لما له # PageV09P333 # من هذه الصفات الجليلة، أعلمه الله أن الأمر قد ختم بقوله حكاية أن الرسل ~~قالت له بعد طول المجادلة منادين بالأداة التي هي أم الباب إعلاما بأن ما ~~بعدها عظيم الشأن عالي المنزلة: {يا إبراهيم أعرض} أي بكليتك {عن هذا} أي ~~السؤال في نجاتهم؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لأنه ms2181 بمجادلته في حيز من ينكر بت ~~الأمر: {إنه قد} افتتحه بحرف التوقع لأنه موضعه {جآء أمر ربك} أي الذي عودك ~~بإحسانه الجم، فلولا أنه حتم الأمر بعذابهم لأمهلهم لأجلك، ولذا عطف على ~~العلة قوله مؤكدا إعلاما بأنه أمر قد انبرم ومضى: {وإنهم آتيهم} أي إتيانا ~~ثابتا {عذاب غير مردود} أي بوجه من الوجوه من أحد كائنا من كان؛ الإعراض: ~~الانصراف، وحقيقته الذهاب عن الشيء في جهة العرض؛ والرد: إذهاب الشيء إلى ~~ما جاء منه كالرجع؛ والدفع أعم لأنه قد يكون إلى جهة القدام؛ فلما علم مراد ~~الله فيهم، قدمه على مراده ولم ينطق بعده ببنت شفة. # ذكر هذه القصة من التوراة: قال في السفر الأول: واستعلن الله لإبراهيم في ~~مرج - وفي نسخة: بين بلوط ممرى الأموراني - وكان جالسا على باب خيمته إذ ~~اشتد النهار، فرفع عينيه فنظر فإذا هو بثلاثة رجال وقوف على رأسه، فلما ~~رآهم أحضر إليهم من باب الخيمة # PageV09P334 # وسجد على الأرض وقال: يا رب - وفي نسخة: يا ولي الله - إن كان لي عندك ~~مودة فلا تبعد عن عبدك حتى آتي بما أغسل به أرجلكم، واتكئوا تحت الشجرة ~~وأصيبوا شيئا من الطعام تقرون به أنفسكم، ثم حينئذ تجوزون لأنكم مررتم ~~بعبدكم بغتة فقالوا له: اصنع كما قلت، فاستعجل إبراهيم فأحضر إلى الخيمة ~~إلى سارة وقال: عجلي بثلاثة آصع من درمك - وفي نسخة: دقيق سميد - فاعجنيه ~~واخبزي منه مليلا، وسعى إلى قطيع البقر فأخذ عجلا سمينا شابا فدفعه إل ~~الغلام وأمر بتعجيل صنعته وأخذ سمنا ولبنا والعجل الذي صنع له أيضا فقربه ~~إليهم، وكان هو واقفا بين أيديهم تحت الشجرة وقالوا له: أين سارة امرأتك؟ ~~فقال: في الخيمة، فقال له: إني أرجع إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي في ~~الحياة ولها منك ابن، فسمعت سارة وهي على باب الخيمة مستترة وكان هو خلفها، ~~وكان إبراهيم وسارة قد شاخا وقدم سنهما وانقطع عن سارة سبيل النساء، فضحكت ~~سارة في قلبها وقالت: أمن بعد ما بليت أرجع شابة وسيدي ms2182 قد شاخ؟ فقال الله ~~لإبراهيم: لم ضحكت سارة وقالت: أني لي بالولد وقد شخت؟ أيعسر هذا على الله؟ ~~إني أرجع إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي حية ولها ابن، فجحدت سارة ~~وقالت: كلا ما ضحكت، لأنها فزعت، فقال: كلا! ولكنك قد ضحكت، ثم قام # PageV09P335 # الرجال وتعمدوا طريق سدوم وعامورا، وانطلق معهم إبراهيم ليشيعهم. وقال ~~الله: أأكتم عبدي إبراهيم شيئا مما أصنع؟ وإبراهيم يكون رئيسا لشعب عظيم ~~كبير، وتتبارك به شعوب الأرض، لأني عالم أنه يوصي بنيه وأهل بيته من بعده ~~أن يحفظوا طرق الرب ليعملوا بالبر والعدل، لأن الرب يكمل لإبراهيم جميع ما ~~وعده به. # فقال الرب لإبراهيم: لقد وصل إلي حديث سدوم وعامورا وقد كثرت خطاياهم ~~جدا، ثم ولى القوم ومضوا إلى سدوم، وكان إبراهيم بعد واقفا قدام الرب، فدنا ~~إبراهيم وقال: يا رب! تهلك الأبرار مع الفجار بغضب واحد؟ إن كان في القرية ~~خمسون بارا أتهلكهم بغضب واحد؟ حاشاك يا رب أن تصنع هذا الصنيع وتهلك ~~البريء مع السقيم، ويكون البريء بحال السقيم، حاشا لك يا حاكم الأرض كلها! ~~لا يكون هذا من صنيعك! فقال الرب: إن وجدت بسدوم خمسين بارا في القرية عفوت ~~عن جميع البلد من أجلهم، فأجاب إبراهيم وقال: إني قد بدأت بالكلام بين يدي ~~الرب، وإنما أنا تراب ورماد، فإن نقص من الخمسين بارا خمسة تخرب القرية ~~كلها من أجل الخمسة؟ فقال: لا أخربها إن وجدت بها خمسة وأربعين بارا، فعاد ~~إبراهيم وقال له: فإن وجد فيها أربعون؟ # PageV09P336 # فقال: لا أخربها إن وجدت فيها أربعين، فقال: لا يمكن الرب كلامي فأتكلم، ~~فإن كان هناك ثلاثون؟ فقال: لا أخربها إن وجدت فيها ثلاثين، فقال: إني قد ~~أمعنت في الكلام بين يدي الرب، فإن وجد بها عشرون؟ فقال: لا أخربها من أجل ~~العشرين، فقال لانشقن على الرب، فأتكلم هذه المرة يارب فقط، فإن وجد بها ~~عشرة رهط؟ فقال: لا أفسدها من أجل العشرة؛ فارتفع استعلان الرب عن إبراهيم ~~لما فرغ إبراهيم من كلامه ورجع ms2183 إبراهيم إلى موضعه - انتهى. وقد مضى أمر حبل ~~سارة وولادها في البقرة. # PageV09P337 # ولما انقضى أمر إنبائهم ببشارة الأولياء وهلاك الأعداء، وعلم من ذلك أنهم ~~لا ينزلون إلا للأمور الهائلة والأحوال المعجبة، أخذ يقص أمرهم مع لوط عليه ~~السلام، فقال عاطفا على ما تقديره: فعلوا مع إبراهيم انفصالهم عن إبراهيم ~~عليه السلام ما ذكر، ثم فارقوه نحو لوط، ولم يذكر الحرف المصدري لأن سياقه ~~ومقصود السورة لا يقتضي ذلك كما نشير إليه في العنكبوت: {ولما جآءت رسلنا} ~~على ما قارنهم من عظمتنا {لوطا} بعد انفصالهم عن إبراهيم عليه السلام، وبين ~~البلدين ثمانية أميال، وقيل: أربعة فراسخ، استضافوه فلم يجد بدا # PageV09P337 # من قبولهم على ما أوصى الله بالضيف مطابقا لعوائد أهل المكارم، فقبلهم ~~وأزمع المقاتلة عنهم لما رأى من حسن أشكالهم ورونق جمالهم مع ما يعلم من ~~قبح أفعال قومه وخبث سرائرهم، ولما جاؤوه على هذه الصفة {سيء بهم} أي حصلت ~~له المساءة بسبب مجيئهم إلى قريته لما يعلم من لؤم أهلها، والتعبير عن هذا ~~المعنى بالمبني للمفعول أحضر وأوقع في النفس وأرشق {وضاق بهم ذرعا} أي ذرعه ~~أي اتساعه في كل وقت قوة أوتيها، وهو مثل يقال لمن لم يجد من المكروه ~~مخلصا، ومادة ذرع - بأي ترتيب كان - تدور على الاتساع لأنه لا يذرع إلا ~~الكثير، وذرع الرمل: اتسع، وموت ذريع: فاش، والمذرع: الذي أمه عربية وأبوه ~~غير عربي، فهو أكثر أنتشارا ممن انحصر في أحدهما؛ والذريعة: ما يختلي به ~~الصيد، فهو يوسع له من الأمل ما يحمله على الإقدام، وحلقة يتعلم عليها ~~الرمي، لأنها تسع السهم، أو لأن مصيبها واسع الأمر في صناعة الرمي، ~~والوسيلة لأنها توصل المتوسل؛ والذعر: الخوف، لاتساع الفكر فيه وتجويز أدنى ~~احتمال؛ والعذر: إيساع الحيلة في وجه يزيل ما ظهر من التقصير، من العذور - ~~للحمار الواسع الجوف، وهو أيضا الملك لسعته، والعذار: أوسع ما في الوجه، ~~وأعذرت الغلام: ختنته، أي أوسعت # PageV09P338 # أكرته، والإعذار - لطعام الختان ونحوه منه، وعذرة الجارية موجبة لعذرها ~~في النفرة للخوف على نفسها، ms2184 والعذرة: وجع في الحلق، وهو سقوطه حتى يغمز، ~~كأنه شبه بعذرة البكر في سده الحلق بما يوجب الغمز، وكذا العذرة - للناصية ~~لبذل الجهد في المدافعة عنها، والعذراء: نجم إذا طلع اشتد الحر فاتسع بساط ~~الأرض، والعذرة - بفتح ثم كسر: فناء الدار، وبه سمي الحدث، والعذراء: شيء ~~من حديد يعذب به الإنسان، كأنه سمي لأنه يوسع الخوف بما يجنب ما يوجب ~~الاعتذار، فلا تزال تلك الحديدة بكرا لا يوجد من يعذب بها، وأما عذر - ~~بالتشديد - إذا قصر فهو للسلب، أي فعل ما لا يوجد له عذر، وكذا تعذر الأمر ~~أي صعب، يعني أنه تحنب العذر فلم يبق لسهولته وجه، وأعذر - إذا كثرت عيوبه، ~~أي دخل فيما يطلب له العذر كأنجد. # ولما ذكر حاله، ذكر قاله بقوله: {وقال} أي لوط {هذا} أي اليوم {يوم ~~عصيب*} أي شديد جدا لما أعلم من جهالة من أنا بين ظهرانيهم، وهو مشتق من ~~العصب وهو أطناب المفاصل وروابطها، ومدراه على الشدة {وجاءه قومه} أي الذين ~~فيهم قوة المحاولة {يهرعون} أي كأنهم يحملهم على ذلك حامل لا يستطيعون دفعه ~~{إليه} أي في غاية الإسراع فعل الطامع الخائف فوت ما يطلبه، # PageV09P339 # فهو يضطرب لذلك، أو لأجل الرعب من لوط عليه السلام أو من الملائكة عليهم ~~السلام. # ولما كان وجدانهم - فكيف عصيانهم - لم يستغرق زمن القبل، أدخل الجار ~~فقال: {ومن قبل} أي قبل هذا المجيء {كانوا} أي جبلة وطبعا {يعملون} أي مع ~~الاستمرار {السيئات} أي الفواحش التي تسوء غاية المساءة فضربوا بها ومرنوا ~~عليها حتى زال عندهم استقباحها، فهو يعرف ما يريدون، وكأنهم كانوا لا يدعون ~~مليحا ولا غيره من الغرباء، فلذلك لم يذكر أن الرسل عليهم السلام كانوا على ~~هيئة المرد الحسان، ولا قيد الذكران في قصتهم في موضع من المواضع ~~بالمرودية. فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: {قال يا قوم} مستعطفا لهم {هؤلاء ~~بناتي} حاديا لهم إلى الحياء والكرم. # ولما كان كأنه قيل: ما نفعل بهن؟ قال: {هن} ولما كان في مقام المدافعة ~~باللين، قال إرخاء للعنان ms2185 في تسليم طهارة ما يفعلونه على زعمهم مشيرا ~~بلطافة إلى خبث ما يريدونه: {أطهر لكم} وليس المراد من هذا حقيقته، بل ~~تنبيه القوم على أنهم لا يصلون إليهم إلا إن وصلوا إلى بناته لأن الخزي ~~فيهما على حد سواء أو في الضيف أعظم، ومثل # PageV09P340 # هذا أن يشفع الإنسان فيمن يضرب، فإذا عظم الأمر ألقى نفسه عليه فصورته ~~أنه فعله ليقيه الضرب بنفسه، ومعناه احترامه باحترامه، وعلى هذا يدل قوله ~~في الآية الأخرى {إن كنتم فاعلين} وهنا قوله: {فاتقوا الله} أي الملك ~~الأعظم في هذا الأمر الذي تريدونه {ولا تخزون} أي توقعوا بي الفضيحة التي ~~فيها الذل والهوان والعار {في ضيفي} إذ لا يشك ذو مسكة من أمره في أن ~~التقوى إذا حصلت منعت من الأمرين، وأن الخزي على تقدير عدمها في البنات ~~أعظم لأنه عار لازم للزوم البنات للأب، وكل هذا دليل على أنه لا يشك أنهم ~~آدميون ولم يلم بخاطر أنهم ملائكة، فهو تنبيه للكفار على أنه لا ينتفع ~~بإنزال الملائكة إلا البار الراشد التابع للحق؛ ثم أنكر أشد الإنكار حالهم ~~في أنهم لا يكون منهم رشيد حثا على الإقلاع عن الغي ولزوم سبيل الرشد فقال: ~~{أليس منكم رجل} أي كامل الرجولية {رشيد*} كامل الرشد ليكفكم عن هذا ~~القبيح، فلم يكن منهم ذلك، بل {قالوا لقد علمت} أي يا لوط مجرين الكلام على ~~حقيقته غير معرجين على ما كني به عنه {ما لنا في بناتك} وأغرقوا في النفي ~~فقالوا: {من حق} أي حاجة ثابتة، ولم يريدوا به ضد الباطل لأن البنات والضيف ~~في نفي حقهم عنهم سواء، وأكدوا معلمين بما لهم # PageV09P341 # من الرغبة في الفجور وقاحة وجرأة فقالوا: {وإنك لتعلم} أي علما لا تشك ~~فيه {ما نريد*} وهو إتيان الذكور للتطرق والتطرف، فحملوا عرضه لبناته على ~~الحقيقة خبثا منهم وشرعوا يبنون على ذلك بوقاحة وعدم مبالاة بالعظائم، ~~فأخبر تعالى عن قوله لهم على طريق الاستئناف بقوله: {قال} أي متمنيا أن ~~يكون له بهم طاقة ليروا ما يصنع من الإيقاع ms2186 بهم متفجعا على فوات ذلك {لو أن ~~لي بكم} أي في دفعكم {قوة} بنفسي {أو} لو أني {آوي} من الأعوان والأنصار ~~{إلى ركن شديد*} أي جماعة هم كالركن الموصوف بالشدة لحلت بينكم وبين ما ~~جئتم له، وحذفه أبلغ لذهاب النفس فيه كل مذهب؛ والسوء: ما يظهر مكروهه ~~لصاحبه؛ والعصيب: الشديد في الشر خاصة كأنه التف شره؛ والقوة خاصة يمكن أن ~~يقع بها الفعل وأن لا يقع؛ والركن: معتمد البناء بعد الأساس، والركن هنا من ~~هو مثله؛ والشدة: مجمع يصعب معه الإمكان، ووصفه الركن بالشدة وهو يتضمنها ~~تأكيد يدل على أن قومه كانوا في غاية القوة والجلادة، وأنه كان يود ~~معاجلتهم لو قدر. # وذلك أن مادة (ركن) بكل ترتيب تدور على الرزانة، من ركن - بالضم بمعنى ~~رزن، ويلزمهما القوة، ومنه الركن للجانب الأقوى والأمر العظيم وما يتقوى به ~~من ملك وجند وغيره والعز # PageV09P342 # والمنعة، ومن ذلك النكر بالضم للدهاء والفطنة، والنكر للمنكر والأمر ~~الشديد وما يخرج من الزحير من دم أو قيح، ونكر الأمر: صعب وطريق ينكور: على ~~غير قصد، والمنكر ضد المعروف لأن الشيء إذا جهل صعب أمره، وتناكر القوم: ~~تعادوا، والتنكر: التغير من حال يسر إلى حال يكره، والمكنر - كمحدث: الضخم ~~السمج، ويلزم الرزانة أيضا الميل والسكون، ومنه ركن إليه - بالفتح: مال ~~وسكن، وركن بالمنزل - بالكسر: أقام؛ والكنارة - بالكسر والتشديد: الشقة من ~~ثياب الكتان، لأنه يمال إليه لبهجته، وكذا الكنارات للعيدان والطبول، ~~والكران ككتاب للعود أو الصنج، أو يكون ذلك من الشدة لقوة أصواتها - والله ~~أعلم. # PageV09P343 # فلما عظم الشقاق وضاق الخناق كان كأنه قيل: فما قال له الرسل؟ فقيل: ~~{قالوا} ودلوا بحرف النداء الموضوع للبعد على أنه كان قد خرج عن الدار ~~وأجاف بابها وأن الصياح كان شديدا {يا لوط} إنك لتأوي إلى ركن شديد؛ ثم ~~عللوا ذلك بقولهم: {إنا رسل ربك} أي المحسن إليك بإحسانك وكل ما ترى مما ~~يسوءك ويسرك؛ ثم لما ثبت له ذلك كان من المحقق أنه سبب في ألا يدانيه معه ~~سوء فأوضحوه بقولهم: ms2187 {لن يصلوا إليك} من غير احتياج # PageV09P343 # إلى الربط بالفاء، أي ونحن مهلكوهم وقالبوا مدنهم بهم {فأسر} أي سر ~~بالليل ماضيا {بأهلك} موقعا ذلك السير والإسراء {بقطع} أي بطائفة، أي ~~والحال أنه قد بقي عند خروجك جانب {من اليل ولا يلتفت} أي ينظر إلى ورائه ~~ولا يتخلف {منكم أحد} أي لا تلتفت أنت ولا تدع أحدا من أهلك يلتفت {إلا ~~امرأتك} استثناء من «أحد» بالرفع والنصب لأن المنهي كالمنفي في جواز ~~الوجهين، والنهي له صلى الله عليه وسلم، فالفعل بالنسبة إليه منهي، ~~وبالنسبة إليهم منفي. ويمكن أن يكون أخرجها معه لأن معنى الاستثناء أنه غير ~~مأمور بالإسراء بها إلا أنه منهي عنه، واستثناءها من الالتفات معهم مفهم ~~أنه لا حجر عليه في الإسراء بها، أو أنه خلفها فتبعتهم والتفتت، فيكون ~~قراءة النصب من {أهلك} ، وقراءة الرفع من {أحد} ولا يلزم من ذلك أمرها ~~بالالتفات بل مخالفتها للمستثنى منه في عدم النهي، ولذلك عللوا ما أفهمه ~~إهمالها من الإسراء والنهي من أنها تلتفت بقولهم مؤكدين لأن تعلق الأمل ~~بنجاتها شديد رحمة لها: {إنه} أي الشأن {مصيبها} # PageV09P344 # لا محالة {ما أصابهم} سواء التفت أو لا، تخلفت أو لا، ثم ظهر لي من ~~التعبير في حقها باسم الفاعل وفي حقهم بالماضي أنه حكم بإصابة العذاب لهم ~~عند هذا القول للوط عليه السلام لأن ذنوبهم تمت، وأما هي قإنما يبرم الحكم ~~بذلك في حقها عند تمام ذنوبها التي رتبت عليها الإصابة وذلك عند الالتفات. # ولما عبروا بالماضي تحقيقا للوقوع وتنبيها على أنه تقدم دخولها معهم في ~~أسباب العذاب، كان منبها لأن يقال: كان الإيقاع بهم قد دنا بهم جدا؟ فقيل: ~~نعم، وأكد تحقيقا للوقوع تلذيذا به ولأنه - لقرب الوقت - بحيث ينكر: {إن ~~موعدهم} أي لابتداء الأخذ {الصبح} وكأن لوطا عليه السلام أبطأ في جميع أهله ~~وما يصلحهم، فكان فعله فعل من يستبعد الصبح، فأنكروا ذلك بقولهم: {أليس ~~الصبح بقريب*} أي فأسرع الخروج بمن أمرت بهم؛ والإسراء: سير الليل كالسرى. # ولما انقضى تسكين لوط عليه السلام ms2188 والتقدم إليه فيما يفعل، أخبر تعالى عن ~~حال قومه فقال: {فلما جاء أمرنا} بالفاء لما مضى في قصة صالح عليه السلام ~~من التسبيب والتعقيب، أي فلما خرج منها لوط بأهله جاءنا أمرنا، ولما جاء ~~أمرنا الذي هو عذابنا والأمر به {جعلنا} بما لنا من العظمة {عاليها} أي ~~عالي مدنهم وهم فيها # PageV09P345 # {سافلها وأمطرنا عليها} أي على مدنهم بعد قلبها من أجلهم وسيأتي في سورة ~~الحجر سر الإتيان هنا بضمير «ها» دون ضمير «هم» {حجارة من سجيل} أي مرسلة ~~من مكان هو في غاية العلو {منضود} بالحجارة هي فيه متراكبة بعضها على بعض ~~حال كونها {مسومة} أي معلمة بعلامات تدل على أنها معدة للعذاب من السيما ~~والسومة وهي العلامة تجعل للإبل السائمة لتتميز إذا اختلطت في المرعى، وفي ~~الذاريات # {حجارة من طين} [الذاريات: 33] وذلك أن الحجارة أصلها تراب يجعل الله فيه ~~بواسطة الماء قابلية للاستحجار كما جعل فيه قابلية التحول إلى المعدن من ~~الذهب والفضة والحديد وغيرها، فباعتبار أصله هو طين، وباعتبار أوله حجر ~~وكبريت ونار، ولعل حجر الكبريت أثقل الحجارة مع ما فيه من قوة النار وقبح ~~الريح؛ ثم فخمها بقوله: {عند ربك} وعبر بالرب إشارة إلى كثرة إحسانه وإليه ~~وأنه إنما أمره صلى الله عليه وسلم بالإنذار وحمة لأمته التي جعلها خير ~~الأمم وسيجعلها أكثر الأمم، ولا يهلكها كما أهلكهم؛ ومادة سجل - بأي ترتيب ~~كان - تدور على العلو، من الجلس لما ارتفع عن الغور وهو النجد، ويلزم منه ~~الغلظ والعلو، ومن الغلظ الجلس للغليظ من الأرض والجمل الوثيق، ويلزم العلو ~~التصويب ومن جلس - إذا قعد؛ والسجل للدلو العظيمة، ويكون غالبا في مقابلتها ~~أخرى، كلما نزلت واحدة طلعت الأخرى، فتاتي المساجلة بمعنى المباراة ~~والمفاخرة، # PageV09P346 # والسجل: الضرع العظيم، والسجل - بالكسر وشد اللام: الكتاب لأنه يذكر فيه ~~ما يكون به المفاخرة والمغالبة؛ وسلج الطعام: بلعه، والسلجان: نبات رخو، ~~كأنه سمي بذلك لأن أغصانه تأخذ إلى أسفل لرخاوتها، وقد دل على هذا المعنى ~~في هذه الآية بثلاثة أشياء: الإمطار، ولفظ «على» ، وسجيل. # ولما ms2189 كان المعنى أنها من مكان هو في غاية العلو ليعظم وقعها، حسن كل ~~الحسن اتباع ذلك قوله: {وما هي} على شدة بعد مكانها {من الظالمين} أي من ~~أحد من العريقين في الظلم في ذلك الزمان ولا هذا ولا زمن من الأزمان ~~{ببعيد} لئلا يتوهم الاحتياج في وصولها إلى المرمى بها إلى زمن طويل. # ذكر هذه القصة من التوراة: قال في السفر الأول بعد ما مضى في قصة بشرى ~~إبراهيم عليه السلام: فأتى الملكان إلى سدوم عشاء، وكان لوط جالسا على باب ~~سدوم، فنظر إليهما لوط فتلقاهما، ثم خر على وجهه ساجدا على الأرض وقال: إني ~~طالب إليكما يا سيدي، اعدلا إلى منزل عبدكما فبيتا فيه واغسلا أقدامكما ~~وبكرا فانطلقا في طريقكما، فقالا: كلا! ولكنا نبيت في السوق، فألح عليهما ~~لوط إلحاحا شديدا فانصرفا معه ودخلا منزله فأعد لهما طعاما، ومن قبل وقت ~~الهجوع إذا أهل القرية أهل سدوم قد أحاطوا بالباب من الشبان إلى المشايخ ~~جميع الشعب بأسره، # PageV09P347 # فدعوا بلوط وقالوا له: أين الرجلان اللذان أتياك ممسيين أخرجهما إلينا ~~فنعرفهما - وفي نسخة: حتى نواقعهما - فخرج لوط إليهم وأغلق الباب خلفه، ~~فقال لهم لوط: لا تسيئوا بي يا إخوة! هذا لي بنتان لم يمسهما رجل، أخرجهما ~~إليكم فاصنعوا بهما ما حسن في أعينكم، ولا ترتكبوا من هذين الرجلين شيئا ~~لأنهما ولجا ظلال بيتي، فقالوا له: تنح عنا، إن واحدا أتى ليسكن بيتنا فصار ~~يحكم فينا، فالآن نسيء إليك أكثر منهما، فجاهد لوط القوم جدا فدنوا ليكسروا ~~الباب فمد الرجلان أيديهما فأدخلا لوطا إليهما إلى منزله، ثم إن القوم ~~الذين كانوا بالباب ضربوا بالعشى من كبيرهم حتى صغيرهم فأعيوا في طلب ~~الباب، فقال الملكان للوط: ماتصنع هاهنا؟ اعمد إلى أختانك وبينك وبناتك ~~وجميع ما لك في هذه القرية فأخرجهم من هذه البلدة لأنا نريد الخسف بالبلدة ~~لأن فعالهم وخبث صنيعهم قد بلغ الرب، فأرسلنا الرب لنفسدها، فخرج لوط وكلم ~~أختانه وأزواج بناته وقال لهم: قوموا فاخرجوا من هذه القرية فإن الرب مزمع ms2190 ~~لخرابها، وكان عند أختانه كالمستهزىء بهم، فلما كان عند طلوع الصبح ألح ~~الملكان على لوط وقالا له: قم فأخرج امرأتك وابنتيك اللتين معك لكيلا تبتلي ~~بخطايا أهل هذه القرية، فابطأ لوط فأخذ الملكان بيده وبيد امرأته وابنتيه ~~لأن الله رحمه فأخرجاه وصيراه خارجا عن القرية، فلما أخرجاهم خارجا # PageV09P348 # قالا له: انج بنفسك ولا تلتفتن إلى خلفك ولا تقف في شيء من جميع القاع، ~~والتجىء إلى جبل وخلص نفسك، فقال لهما لوط: أطلب إليكما يا سيدي أن أظفر ~~الآن لأن عبدكما برحمة ورأفة وكثرت نعماكما إلي لتحيي نفسي، لست أقدر أن ~~أنجو إلى الجبل، لعل الشر يرهقني فأموت، وهذه القرية هي قريبة للهرب إليها ~~وهي صغيرة، أتأذنان لي بالهرب إليها لأنها حقيرة، فلتحييا نفسي، فقال له: ~~قد شفعتك في هذا أيضا فلا أقلب هذه القرية التي سألت، أسرع فانج نفسك إلى ~~هناك، لأنا لسنا نقدر أن نعمل شيئا حتى تدخلها، ولذلك سميت تلك القرية ~~صاغار - وفي نسخة: زغر - فشرقت الشمس على الأرض وقد دخل لوط صاغار، وفي ~~نسخة: زغر - فأهبط الرب على سدوم وعامورا نارا وكبريتا من بين يدي الرب من ~~السماء فقلب هذه القرى والقاع بأسره، وأهلك جميع سكانها وجميع من فيها وجمع ~~نبت الأرض، فالتفتت امرأته إلى خلفها لتنظر فصارت نصبة ملح، فأدلج إبراهيم ~~باكرا إلى الموضع الذي كان يقف فيه بين يدي الرب؛ فمد بصره نحو سدوم ~~وعامورا وإلى جميع أرض القاع فنظر فإذا دخان القرية يرتفع كدخان الأخدود، ~~فلما خسف الله قرى القاع ذكر الله إبراهيم فأرسل لوطا من المأفوكة إذ قلب ~~الله القرى التي كان ينزلها لوط فطلع لوط من # PageV09P349 # صاغار - وفي نسخة: زغر - فسكن الجبل هو وابنتاه معه لأنه تخوف أن يسكن ~~صاغار، فجلس في مغارة. # PageV09P350 # ولما انتهت القصة معلمة لما قام به لوط عليه السلام من أمر الله غير وان ~~لرغبة ولا رهبة وبما في إنزال الملائكة من الخطر، أتبعت أقرب القصص الشهيرة ~~إليها في الزمن فقال تعالى: {*وإلى} أي ولقد أرسلنا إلى {مدين} ms2191 وهم قبيلة ~~أبيهم مدين بن إبراهيم عليه السلام {أخاهم شعيبا} فكأن قائلا قال: ما قال ~~لهم؟ فقيل: {قال} ما قال إخوانه من الأنبياء في البداءة بأصل الدين: {يا ~~قوم} مستعطفا لهم مظهرا غاية الشفقة {اعبدوا الله} أي الملك الأعلى غير ~~مشركين به شيئا لأنه واحد {ما لكم} وأغرق في النفي فقال: {من إله غيره} ~~فلقد اتفقت - كما ترى - كلمتهم واتحدت إلى الله وحده دعوتهم، وهذا وحده ~~قطعي الدلالة على صدق كل منهم لما علم قطعا من تباعد أعصارهم وتنائي ديارهم ~~وأن بعضهم لم يلم بالعلوم ولا عرف أخبار الناس إلا من الحي القيوم؛ قال ~~الإمام شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في كتابه «رشف النصائح الإيمانية ~~وكشف الفضائح اليونانية» في ذكر الأنبياء: اتحدت مصادرهم كأنهم بنيان ~~مرصوص، عبروا # PageV09P350 # بألسنة مختلفة تنتهي إلى بحر متصل بالقلوب متحد بها يستمد من البحر ~~المحيط بعالمي الشهادة والغيب، واختلفت الموارد من الشرائع بحسب ما اقتضت ~~الحكمة الإلهية من مصلحة أهل كل زمان وكل ملة، فما ضر اختلافهم في الفروع ~~مع اتحادهم في الأصول، وقال قبل ذلك: إن الفلاسفة لما لم يغترفوا من بحار ~~الأنبياء وقفت بهم أفراس أفكارهم في عالم الشهادة، فلما حاولوا الخوض في ~~الإلهيات انكشفت عورة جهلهم وافتضحوا باضطرابهم واختلافهم {تحسبهم جميعا ~~وقلوبهم شتى} [الحشر: 14] القطع بهم سير الفكر في منتهى عالم الملك ~~والشهادة، ولم يدخل إسكندر نظرهم ظلمات عالم الغيوب حتى يظفروا بعين الحياة ~~التي من شرب منها لا يموت - انتهى. # ولما دعا إلى العدل فيما بينهم وبين الله، دعاهم إلى العدل فيما بينهم ~~وبين عبيده في أقبح ما كانوا قد اتخذوه بعد الشرك ديدنا فقال: {ولا تنقصوا} ~~أي بوجه من الوجوه {المكيال والميزان} لا الكيل ولا آلته ولا الوزن ولا ~~آلته؛ والكيل: تعديل الشيء بالآلة في القلة والكثرة؛ والوزن: تعديله في ~~الخفة والثقل، فالكيل للعدل في الكمية والوزن للعدل في الكيفية؛ ثم علل ذلك ~~بقوله: {إني أراكم بخير} أي بسعة تغنيكم عن البخس - مرهبا ومرغبا بالإشارة # PageV09P351 # إلى أن الكفر موجب ms2192 للنقمة كما أن الشكر موجب للنعمة. # ولما كان كأنه قيل: فإني أخاف عليكم الفقر بالنقص، عطف عليه مؤكدا ~~لإنكارهم: {وإني أخاف عليكم} به وبالشرك {عذاب يوم محيط*} بكم صغارا وكبارا ~~وبأموالهم طيبا وخبيثا، أي مهلك كقوله {وأحيط بثمره} [الكهف: 42] وأصله من ~~إحاطة العدو، ووصف اليوم بالإحاطة أبلغ لأنه محيط بما فيه من عذاب وغيره، ~~والعذاب محيط بالمعذب فذكر المحيط بالمحيط أهول، وهو الدائر بالشيء من كل ~~جانب، وذلك يكون بالتقاء طرفيه؛ والنقصان: أخذ شيء من المقدار كما أن ~~الزيادة ضم شيء إليه، وكلاهما خروج عن المقدار؛ والوزن، تعديل الشيء ~~بالميزان، كما أن الكيل تعديله بالمكيال، ومن الإحاطة ما رواه ابن ماجة عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما قال: # «لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور ~~السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا ~~البهائم لم يمطروا» . # ولما كان عدم النقص قد يفهم منه التقريب، أتبعه بما ينفي هذا الاحتمال ~~وللتنبيه على أنه لا يكفي الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزم السعي في الإيفاء ~~ولو بزيادة لا يتأتى بدونها، ولأن التصريح # PageV09P352 # بالأمر بالشيء بعد النهي عن ضده أوكد، فقال مستعطفا لهم بالتذكير بأنه ~~منهم يسوءه ما يسوءهم وبأنهم لما أعطاهم الله من القوة جديرون بأن يعرضوا ~~عن تعاطي سفساف الأخلاق ورذائلها: {ويا قوم} أي أيها الذين لهم قوة في ~~القيام فيما ينوبهم {أوفوا} أي أتموا إتماما حسنا {المكيال والميزان} أي، ~~المكيل والموزون وآلتهما؛ وأكده بقوله: {بالقسط} أي العدل السوي، فصار ~~الوفاء مأمورا به في هاتين الجملتين مرارا تأكيدا له وحرصا عليه وإظهارا ~~لعموم نفعه وشمول بركته، فزال بالمجموع توهم المجاز على أبلغ وجه، وقد مضى ~~في الأنعام ويأتي في هذه السورة عند {غير منقوص} أن الشيء يطلق مجازا على ~~ما قاربه؛ ثم أكده أيضا بتعميم النهي عن كل نقص بذلك وغيره في جميع الأموال ~~فقال: {ولا تبخسوا} أي تنقصوا على وجه الجحد والإهانة {الناس أشياءهم} ثم ~~بين أن أفعالهم ثمرة الهجوم عن غير ms2193 فكر لأنها ليست ناشئة عن شرع فأولها سفه ~~وآخرها فساد فقال: {ولا تعثوا في الأرض} أي تتصرفوا وتضطربوا فيها عن غير ~~بصيرة ولا تأمل حال كونكم {مفسدين*} أي فاعلين ما يكون فسادا في المعنى كما ~~كان فسادا في الصورة، فهو دعاء إلى تقديم التأمل والتروي على كل فعل وذلك ~~لأن مادة «عثى» بكل ترتيب دائرة على الطلب عن غير بصيرة، من العيث - للأرض ~~السهلة، فإنها لسهولتها # PageV09P353 # يغتر بها فيسلكها الغبي بلا دليل فيأتي الخفاء والجهل، ومنه التعييث - ~~لطلب الأعمى الشيء؛ والأعثى: الأحمق الثقيل، واللون إلى السواد، والكثير ~~الشعر، ويلزم ذلك اتباع الهوى فيأتي الإفساد والمسارعة فيه، وذلك هو معنى ~~العثى؛ قال أئمة اللغة: عثى وعاث: أفسد، وفي مختصر العين للزبيدي: عثى في ~~الأرض بمعنى عاث يعيث عيثا، وهو الإسراع في الفساد، فالمعنى على ما قال ~~الجمهور: ولا تفعلوا الفساد عمدا وهو واضح، وعلى ما قدرته من أصل المعنى ~~الذي هو للمدار أوضح، وعلى ما قال الزبيدي: ولا تسرعوا فيه، فلا يظن أنه ~~يكون الإسراع حينئذ قيدا حتى ينصب النهي إليه، بل هو إشارة إلى أنه لا يكون ~~الإقدام بلا تأمل إلا كذلك لملاءمته للشهوة - والله أعلم؛ والوفاء: تمام ~~الحق؛ والبخس: النقص، فهو أخص من الظلم لأنه وضع الشيء في غير موضعه. # PageV09P354 # ولما كان نظرهم بعد الشرك مقصورا على الأموال، وكان نهيه عما نهى عنه ~~موجبا لمحقها في زعمهم، كانوا كأنهم قالوا: إنا إذا اتبعناك فيما قلت فنيت ~~أموالنا أو قلت فتضعضعت أحوالنا، فلا يبقى لنا شيء؟ فقال: {بقيت الله} أي ~~فضل الملك الأعلى المستجمع لصفات الكمال، وبركته في أموالكم وجميع أحوالكم ~~وإبقائه عليكم نظره إليكم الموجب # PageV09P354 # لعفوه الذي هو ثمرة اتباع أمره {خير لكم} مما تظنونه زيادة بالنقص ~~والظلم، وذلك أن بقية الشيء ما فضل منه، وتكون أيضا بمعنى البقيا، من أبقى ~~عليه يبقي إبقاء، واستبقيت فلانا - إذا عفوت عن ذنبه، كأن ذلك الذنب أوجب ~~فناء وده أو فناه عندك، فإذا استبقيته فقد تركت ما كان وجب، ويقولون: أراك ~~تبقي ms2194 هذا ببصرك - إذا كان ينظر إليه - قاله الإمام أبو عبد الله القزاز في ~~ديوانه الجامع، وسيأتي في آخر السورة بيان ما تدور عليه المادة. # ولما كانت خيرية ما يبقيه العدل من الظهور بمحل لا يخفى على ذي لب، تركها ~~وبين شرطها بقوله: {إن كنتم} أي جبلة وطبعا {مؤمنين} أي راسخين في الإيمان ~~إشارة إلى أن خيريتها لغير المؤمن مبنية على غير أساس، فهي غير مجدية إلا ~~في الدنيا، فهي عدم لسرعة الزوال والنزوح عنها والارتحال، ودلت الواو ~~العاطفة على غير مذكور أن المعنى: فآمنوا فاعلين ما أمرتكم به لتظفروا ~~بالخير فإنما أنا نذير {وما أنا} وقدم ما يتوهمونه من قصده للاستعلاء نافيا ~~له فقال: {عليكم} وأعرق في النفي فقال: {بحفيظ*} أعلم جميع أعمالكم ~~وأحوالكم وأقدر على كفكم عما يكون منها فسادا؛ وأصل البقية ترك شيء من شيء ~~قد مضى. # PageV09P355 # ولما كان الحاصل ما دعاهم إليه ترك ما كان عليه آباؤهم من السفه في حق ~~الخالق بالشرك والخلائق بالخيانة، وكان ذلك الترك عندهم قطيعة وسفها، كان ~~ذلك محكا للعقول ومحزا للآراء يعرف به نافذها من جامدها، فكان كأنه قيل: ما ~~قالوا؟ فقيل: {قالوا يا شعيب} سموه باسمه جفاء وغلظة وانكروا عليه مستهزئين ~~بصلاته {أصلواتك تأمرك} أي تفعل معك فعل من كان يأمر دائما بتكليفنا {أن ~~نترك ما يعبد} أي على سبيل المواظبة {آباؤنا أو} نترك {أن نفعل} أي دائما ~~{في أموالنا ما نشاء} من قطع الدرهم والدينار وإفساد المعاملة والمقامرة ~~ونحوها مما يكون إفسادا للمال، يعنون أن ما تأمرنا به لا يمشي على منهاج ~~العقل، فما يأمرك به إلا ما نراك تفعله من هذا الشيء الذي تسميه صلاة، أي ~~أنه من وداي: فعلك للصلاة؛ ومادة صلا - واوية ويائية مهموزة وغير مهموزة ~~بجميع تقاليبها - تدور على الوصلة، فالصلاة لصلة العبد بربه، وكذا الدعاء ~~والاستغفار، وصلوات اليهود: كنائسهم اللاتي تجمعهم، والصلا: وسط الظهر ~~ومجمعه وما حول الذنب أيضا، والمصلى من الخيل: التابع للسابق، وصال الفحل - ~~إذا حمل على العانة، ولصوت الرجل ولصيته: عبته، ms2195 كأنك ألصقت به العيب، ~~والواصلة واضحة في ذلك، وكأنها الحقيقة التي تفرعت منها جميع معاني المادة، ~~وسيأتي شرح ذلك عند قوله تعالى {بالغدو والآصال} # PageV09P356 # في سورة الرعد إن شاء الله، فمعنى الآية حينئذ: أما تعانيه من الصلوات: ~~الحقيقية ذات الأركان، والمعنوية من الدعاء والاستغفار وجميع أفعال البر ~~الحاملة على أنواع الوصل الناهية عن كل قطيعة تأمرك بمجاهرتنا لآبائنا ~~بالقطيعة مع تقدير حضورهم ومشاهدتهم لما نفعل مما يخالف أغراضهم وبترك ~~التنمية لأموالنا بالنقص وهو مع مخالفة أفعال الآباء تبذير فهو سفه - فدارت ~~شبهتهم في الأمرين على تلقيد الآباء وتنزيههم عن الغلط لاحتمال أن يكون ~~لأفعالهم وجه من الصواب خفي عنهم، وزادت في ألأموال بظن التبذير - فقد صرت ~~بدعائنا إلى كل من الأمرين حينئذ داعيا إلى ضد ما أنت متلبس به {إنك} إذا ~~{لأنت} وحدك {الحليم} في رضاك بما يغضب منه ذوو الأرحام {الرشيد*} في تضييع ~~الأموال، يريدون بهذا كما زعموا - سلخه من كل ما هو متصف به دونهم من هاتين ~~الصفتين الفائقتين بما خيل إليهم سفههم أنه دليل عليه قاطع، وعنوا بذلك ~~نسبته إلى السفه والغي على طريق التهكم. # ولما اتهموه بالقطيعة والسفه، شرع في إبطال ما قالوا ونفي التهمة فيهن ~~وأخرج مخرج الجواب لمن كأنه قال: ما أجابهم به؟ فقيل: # PageV09P357 # {قال يا قوم} مستعطفا لهم بما بينهم من عواطف القرابة منبها لهم على حسن ~~النظر فيما ساقه على سبيل الفرض والتقدير ليكون أدعى إلى الوفاق والإنصاف ~~{أرءيتم} أي أخبروني {إن كنت} أي كونا هو في غاية الثبات {على بينة} أي ~~برهان {من ربي} الذي أحسن إلي بما هو إحسان إليكم، وعطف على جملة الشرط ~~المستفهم عنه قوله: {و} قد {رزقني} وعظم الرزق بقوله: {منه رزقا حسنا} ~~جليلا ومالا جما حلالا لم أظلم فيه أحدا، والجواب محذوف لتذهب النفس فيه كل ~~مذهب، ويمكن أن يقال فيه: هل يسع عاقلا أن ينسبني إلى السفه بتبذير المال ~~بترك الظلم، أو يسعني أن أحلم عمن عبد غيره وأترك دعاءكم إلى الله، فقد بان ~~بهذا ms2196 أني ما أمرتكم بما يسوءكم من ترك ما ألفتم وتعرضت لغضبكم كلكم، وتركت ~~مثل أفعالكم إلا خوفا من غضبه ورجاء لرضاه، فظهر أن لا تهمة في شيء من أمري ~~ولا خطأ، ما فعلت قط ما نهيتكم عنه فيما مضى {وما أريد} أي في وقت من ~~الأوقات {أن أخالفكم} أي بأن أذهب وحدي {إلى ما أنهاكم عنه} في المستقبل، ~~وما نقص مال بترك مثل أفعالكم، فهو إرشاد إلى النظر في باب: # لا تنه عن خلق وتأتي بمثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم # فابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهيت عنه فأنت حكيم # PageV09P358 # وقد نبهت هذه الأجوبة الثلاثة على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتي ~~ويذر أحد حقوق ثلاثه أهمها وأعلاها حق الله وثانيها حق النفس وثالثها حق ~~العباد على وجه الإخلاص في الكل فثبت ببعده عن التهمة مع سداد الأفعال وحسن ~~المقاصد - حلمه صلى الله عليه وسلم ورشده، فلذلك أتبعه بما تضمن معناه ~~مصرحا به فقال: {إن} أي ما {أريد} أي شيئا من الأشياء {إلا الإصلاح} وأقر ~~بالعجز فقال: {ما استطعت} أي مدة استطاعتي للاصلاح وهو كما أردت فإن مالي - ~~مع اجتنابي ما أنتم عليه - صالح، ليس بدون مال أحد منكم، فعلم، مشاهدة أن ~~لا تبذير في العدل، وأما التوحيد فهو - مع انتفاء التهمة عنى فيه - دعاء ~~إلى القادر على كل شيء الذي لا خير إلى منه ولا محيص عن الرجوع إلأيه؛ ثم ~~تبرأ من الحول والقوة، وأسند الأمر إلى من هو له فقال: {وما توفيقي} إي ~~فيما استطعت من فعل الإصلاح {إلا بالله} أي الذي له الكمال كله؛ ثم بين أنه ~~الأهل لأن يرجى فقال مشيرا إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مرتب العلم ~~بالمبدأ {عليه} أي وحده {توكلت} ولما طلب التوفيق لإصابة الحق فيما يأتي ~~ويذر من الله والاستعانة به في مجامع أمره وأقبل عليه بكليته وحسم أطماع ~~الكفار عنه وأظهر الفراغ عنهم وعدم المبالاة بهم، وكان في قوله {ما استطعت} # PageV09P359 # إقرار بأنه محل التقصير، أخبر ms2197 بأنه لا يزال يجدد التوبة لعظم الأمر، وعبر ~~عن ذلك بعبارة صالحة للتحذير من يوم البعث تهديدا لهم فقال منبها على معرفة ~~المعاد ليكمل الإيمان بالله واليوم الآخر: {وإليه} أي خاصة {أنيب*} أي أرجع ~~معنى سبقي للتوبة وحسا تيقني بالبعث بعد الموت؛ والوفيق: خلق قدرة ما هو ~~وفق الأمر من الطاعة، من الموافقة للمطابقة؛ والتوكل على الله: تفويض الأمر ~~إليه على الرضاء بتدبيره مع التمسك بطاعته. # PageV09P360 # ولما بين لهم عذره بما انتفت به تهمته، أتبعه بما يدلهم على أن الحق وضح ~~لهم وضوحا لم يبق معه إلا المعاندة، فحذرهم عواقبها وذكرهم أمر من ارتكابها ~~فقال: {ويا قوم} وأعز الناس علي {لا يجرمنكم} أي يحملنكم {شقاقي} أي شقاقكم ~~لي على {أن يصيبكم} من العذاب {مثل ما} أي العذاب الذي {أصاب قوم نوح} بعد ~~طول أعمارهم وتنائي أقطارهم {أو قوم هود} على شدة أبدانهم وتمادي أمانهم ~~{أو قوم صالح} مع نحتهم البيوت من الصخور وتشييدهم عوالي القصور. # ولما كان للمقاربة أثر المشاكلة والمناسبة، غير الأسلوب تعظيما للتهويل ~~فقال: {وما قوم لوط} أي على قبح أعمالهم وسوء # PageV09P360 # حالهم وقوة أخذهم ووبالهم {منكم ببعيد*} أي لا في الزمان ولا في المكان ~~فأنتم أجدر الناس بذكر حالهم للاتعاظ بها، وإنما فسرت جرم بحمل لأن ابن ~~القطاع نقل أنه يقال: جرمت الرجل: حملته على الشيء، وقد عزا الرماني ~~تفسيرها بذلك للحسن وقتادة، ويجوز أن تفسر بما تدور عليه المادة من القطع، ~~أي لا يقطعنكم شقاقي عن اتباع ما أدعوكم إليه خوف أن يصيبكم، وقد جوزه ~~الرماني. # ولما رهبهم، أتبعه الترغيب في سياق مؤذن بأنهم إن لم يبادروا إلى المتاب ~~بادرهم العذاب، بقوله عاطفا لهذا الأمر على ذلك النهي المتقدم: {واستغفروا ~~ربكم} أي اطلبوا ستر المحسن إليكم، ونبه على مقدار التوبة بأداة التراخي ~~فقال: {ثم توبوا إليه} ثم علل ذلك مرغبا في الاقبال عليه بقوله: {إن ربي} ~~أي المختص لي بما ترون من الإحسان دينا ودنيا {رحيم ودود*} أي بليغ الإكرام ~~لمن يرجع إليه بأن يحفظه على ms2198 ما يرضاه بليغ التحبب إليه، ولم يبدأه ~~بالاستعطاف على عادته بقوله: يا قوم، إشارة إلى أنه لم يبق لي وقت آمن فيه ~~وقوع العذاب حتى أشتغل فيه بالاستعطاف، فربما كان الأمر أعجل من ذلك ~~فاطلبوا مغفرته بأن بأن تجعلوها غرضكم ثم توصلوا إليها بالتوبة؛ فثم على ~~بابها في الترتيب، وأما التراخي فباعتبار عظم مقدار التوبة وعلو رتبتها # PageV09P361 # لأن الغفران لا يحصل بالطلب إلا إن اقترن بها، هذا الشأن في كل كبيرة من ~~أنها لا تكفر إلا بالتوبة، وذلك لأن الطاعة المفعولة بعدها يكون مثلها ~~كبيرة في جنس الطاعات كما أن تلك كبيرة في جنس المعاصي فلا تقوى الطاعة على ~~محوها وتكرر الطاعات يقابله تكرر المعاصي بالإصرار الذي هو بمنزلة تكرير ~~المعصية في كل حال، فلما رأوه لا ينزع عنهم ولم يقدروا لكلامه على جواب، ~~أيأسوه من الرجوع إليه بأن أنزلوا أنفسهم عنادا في الفهم لهذا الكلام ~~الواضح جدا إلى عداد البهائم، وهددوه فأخبر تعالى عنهم بذلك استئنافا في ~~جواب من يقول: ما قالوا بعد هذا الدعاء الحسن؟ بقوله: {قالوا يا شعيب} ~~منادين له باسمه جفاء وغلظة {ما نفقه} أي الآن لأن «ما» تخص بالحال {كثيرا ~~مما تقول} وإذا لم يفهم الكثير من الكلام لم يفهم مقصوده، يعنون: خفض عليك ~~واترك كلامك فإنا لا نفهمه تهاونا به كما يقول الإنسان لخصمه إذا نسبه إلى ~~الهذيان: أنا لا أدري ما تقول، ولما كان غرضهم مع العناد قطع الأمر، خصوا ~~عدم الفهم بالكثير ليكون أقرب إلى الإمكان، وكأنهم - والله أعلم - أشاروا ~~إلى أنه كلام غير منتظم فلا حاصل له ولا لمضمونه وجود في الخارج. # ولما كان في ذلك إشارة إلى أنه ضعيف العقل لأن كلامة مثل كلام المجانين، # PageV09P362 # أتبعوه قولهم: {وإنا لنراك} أي رؤية مجددة مستمرة {فينا ضعيفا} أي في ~~البدن وغيره، فلا تتعرض لسخطنا فإنك لا تقدر على الامتناع من مكروه نحله بك ~~بقوة عقل ولا جسم ولا عشيرة، وأشاروا إلى ضعف العشيرة بتعبيرهم بالرهط في ~~قولهم: {ولولا رهطك لرجمناك} أي قتلناك ms2199 شر قتلة - فإن الرهط من ثلاثة إلى ~~عشرة وأكثر ما قيل: إن فخذه أربعون - فما أنت علينا بممتنع لضعفك وقلة قومك ~~{وما أنت} أي خاصة، لأن «ما» لنفي الحال اختصاص بالزمان، والقياس أن يكون ~~مدخولها فعلا أو شبهه، وحيث أوليت الاسم لا سيما الضمير دل على أن التقديم ~~للاهتمام والاختصاص {علينا بعزيز*} بكريم مودود، تقول: أعززت فلانا - إذا ~~كان له عندك ود، بل قومك هم الأعزة عندنا لموافقتهم لنا، ولو كان المراد: ~~ما عززت علينا، لكان الجواب: لم لا أعز وقد شرفني الله - أو نحو هذا، ويصح ~~أن يراد بالعزيز القوي الممتنع، ويصير إفهامه لامتناع رهطه محمولا على أن ~~المانع لهم موافقتهم لهم لا قوتهم؛ والفقه: فهم الكلام على ما تضمن من ~~المعنى، وقد صار اسما لضرب من علوم الدين، وأصل الرهط: الشدة، من الترهيط ~~لشدة الأكل، ومنه الراهطاء: حجر اليربوع لشدته وتوثقه ليخبأ فيه ولد. # PageV09P363 # ولما كان تخصيصهم نفي العزة به يفهم أن رهطه عليهم أعزة، أنكر عليهم ذلك ~~في سياق مهدد لهم فقال تعالى حاكيا عنه استئنافا: {قال} # PageV09P363 # أي شعيب {يا قوم} ولم يخل الأمر من جذب واستعطاف بذكر الرحم العاطفة ~~{أرهطي} أي أقاربي الأقربون منكم {أعز عليكم من الله} أي المحيط بكل شيء ~~علما وقدرة حتى نظرتم إليهم في لقرابتي منهم ولم تنظروا إلى الله في قربي ~~منه بما ظهر علي من كرامته {واتخذتموه} أي بما كلفتم به أنفسكم مما هو خلاف ~~الفطرة الأولى {وراءكم} أي أعرضتم عنه إعراض من جعل الشيء وراءه؛ وحقق معنى ~~الوراء بقوله: {ظهريا} أي جعلتموه كالشيء الغائب عنكم المنسي عندكم الذي لا ~~يعبأ به، ولم تراقبوه في لنسبتي إليه بالرسالة والعبودية. # ولما كان معنى الكلام لأجل الإنكار: إنكم عكستم في الفعل فلم تعرفوا الحق ~~لأهله إذ كان ينبغي لكم أن لا تنسوا الله بل تراقبوه في كل أموركم، حسن ~~تعليل هذا المفهوم بقوله: {إن ربي} أي المحسن إلي؛ ولما كان المراد ~~المبالغة في إحاطة علمه تعالى بأعمالهم قدم قوله: {بما تعملون محيط*} ms2200 من ~~جليل وحقير، فهو مقتدر في كل فعل من أفعالكم على إنفاذه وإبطاله، فهو محيط ~~بكم لا يرده عن نصرتي منكم والإيقاع بكم مراعاة أحد لعزة ولا قوة، بل لكم ~~عنده أجل هو مؤخركم إليه لأنه لا يخشى الفوت؛ والاتخاذ: أخذ الشيء لأمر ~~يستمر في المستأنف كاتخاذ البيت؛ والمحيط: المدير على الشيء كالحائط يحصره ~~بحيث # PageV09P364 # لا يفوته منه شيء. # ولما ختم الآية بتهديدهم بما بين أن تهديدهم له عدم لا يبالي به، أتبعه ~~ما يصدقه من أنه ليس بتارك شيئا من عمله مما جبلوا به، وزاد في التهديد ~~فقال: {ويا قوم اعملوا} أي أوقعوا العمل لكل ما تريدون قارين مستعلين {على ~~مكانتكم} أي حالكم الذي تتمكنون به من العمل {إني عامل} على ما صار لي ~~مكانة، أي حالا أتمكن به من العمل لا أنفك عنه ما أنا عامل من تحذيري لمن ~~كفر وتبشيري لمن آمن وقيامي بكل ما أوجب علي الملك غير هائب لكم ولا خائف ~~منكم ولا طامع في مؤالفتكم ولا معتمد على سواه. # ولما كانت ملازمتهم لأعمالهم سببا لوقوع العذاب المتوعد به ووقوعه سببا ~~للعلم بمن يخزي لمن يعلم أي هذين الأمرين يراد، ذكره بعد هذا التهديد فحسن ~~حذف الفاء من قوله: {سوف تعلمون*} أي بوعد لا خلف فيه وإن تأخر زمانه، ~~وسوقه مساق الجواب لمن كأنه قال: ما المراد بهذا الأمر بالعمل المبالغ قبل ~~في النهي عنه؟ وقد تقدم في قصة نوح عليه السلام ما يوضحه. # وأحسن منه أنهم لما قالوا {ما نفقه كثيرا مما تقول} كذبهم - في إخراج ~~الكلام على تقدير سؤال من هو منصب الفكر كله إلى كلامه - قائل: ماذا يكون ~~إذا عملنا وعملت؟ فهذا وصل خفي مشير إلى تقدير السؤال ولو ذكر الفاء لكان # PageV09P365 # وصلا ظاهرا، وقد ظهر الفرق بين كلام الله العالم بالإسباب وما يتصل بها ~~من المسبباب المأمور بها أشرف خلقه صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام ~~والزمر والكلام المحكي عن نبيه شعيب عليه السلام في هذه السورة {من} أي ~~أينا ms2201 أو الذي {يأتيه عذاب يخزيه} ولما كان من مضمون قولهم {ما نفقه كثيرا ~~مما تقول} النسبة إلى الكذب لأنه التكلم بما ليس له نسبة في الواقع تطابقه، ~~قال: {ومن هو كاذب} أي مني ومنكم، فالتقدير إن كانت «من» موصولة: ستعلمون ~~المخزي بالعذاب والكذب أنا وأنتم، وإن كانت استفهامية: أينا يأتيه عذاب ~~يخزيه وأينا هو كاذب، فالزموا مكانتكم لا تتقدموا عنها {وارتقبوا} أي ~~انتظروا ما يكون من عواقبها. # ولما كانوا يكذبونه وينكرون قوله، أكد فقال: {إني معكم رقيب*} لمثل ذلك، ~~وإنما قدرت هذا المعطوف عليه لفصل الكلام في قوله {سوف} ويجوز عطفه على ~~{اعملوا} وجرد ولم يقل: مرتقب، إشارة إلى أن همه الاجتهاد في العمل بما ~~أمره الله لأنه مبالغ في ارتقاب عاقبته معهم استهانة بهم. # ولما كان كأنه قيل: فأخذوا الكلام على ظاهره ولم ينتفعوا بصادع وعيده ~~وباهره، فاستمروا على ما هم عليه من القبيح إلى أن جاء أمرنا في الأجل ~~المضروب له، قال عاطفا عليه، وكان العطف بالواو # PageV09P366 # لأنه لم يتقدم وعيد بوقت معين - كما في قصتي صالح ولوط عليهما السلام - ~~يتسبب عنه المجيء ويتعقبه: {ولما جاء أمرنا} أي تعلق إرادتنا بالعذاب ~~{نجينا} بما لنا من العظمة {شعيبا} أي تنجية عظيمة {والذين آمنوا} كائنين ~~{معه} منهم ومما عذبناهم به، وكان إنجاءنا لهم {برحمة منا} ولما ذكر نجاة ~~المؤمنين، أتبعه هلاك الكافرين فقال: {وأخذت الذين ظلموا} أي أوقعوا الظلم ~~ولم يتوبوا {الصيحة} وكأنها كانت دون صيحة ثمود لأنهم كانوا أضعف منهم ~~فلذلك أبرز علامة التأنيث في هذه دون تلك. # ولما ذكر الصيحة ذكر ما تسبب عنها فقال: {فأصبحوا} أي في الوقت الذي ~~يتوقع الإنسان فيه السرور وكل خير {في ديارهم جاثمين*} أي ساقطين لازمين ~~لمكانهم. # ولما كان الجثوم قد لا يكون بالموت، أوضح المراد بقوله: {كأن لم يغنوا ~~فيها} أي لم يقيموا في ديارهم أغنياء متصرفين مترددين مع الغواني لاهين ~~بالغناء؛ ولما كان مضمون ذلك الإبعاد أكده بقوله: {ألا بعدا لمدين} بعدا مع ~~أنه بمعنى ضد القرب معه هلاك، فهو ms2202 من بعد بالكسر وأيد ما فهمته من أن أمرهم ~~كان أخف من أمر ثمود بقوله: {كما بعدت ثمود} . # PageV09P367 # ولما كان شعيب ختن موسى عليهما السلام، كان ذكر قصته هنا # PageV09P367 # متوقعا مع ما حرك إلى توقعها من ذكر كتابه أول السورة وما في عصا موسى من ~~مناسبة ناقة من ختم بالتشبيه بحالهم، فذكرها بعدها مفتتحا لها بحرف التوقع ~~فقال مؤكدا تنبيها على أن فرعون فعل فعل قريش في الإدبار عن الآيات العظيمة ~~ولم يترك موسى عليه السلام شيئا مما أوحي إليه من إنذاره: {ولقد أرسلنا} ~~أعاد الفعل وأبرزه في مظهر العظمة إشارة إلى باهر معجزاته {موسى بآياتنا} ~~أي المعجزات التي أظهرها {وسلطان} أي أمر قاهر للقبط، والظاهر أنه حكاية ~~موسى عليه السلام منه على ما كان له من السطوة والتحرق عليه {مبين*} أي بين ~~بنفسه، وهو في قوة بيانه كأنه مبين لغيره ما فيه من الأسرار، والآية تعم ~~الأمارة والدليل القاطع، والسلطان يخص القاطع، والمبين يخص ما فيه جلاء ~~{إلى فرعون} طاغية القبط {وملئه} أي أشراف قومه الذين تتبعهم الأذناب، لأن ~~القصد الأكبر رفع أيديهم عن بني إسرائيل. # ولما كان الناصح لنفسه من لا يتبع أحدا إلا فيما يعلم أنه صواب، قال ~~معجبا من الملأ مشيرا إلى سرعة تكذيبهم بالبينات وإتباعهم فيما ضلاله لا ~~يخفى على من له مسكة: {فاتبعوا} أي فتسبب عن هذا الأمر الباهر أن عصى فرعون ~~وحمل ملؤه أنفسهم على أن تبعوا لإرادتنا ذلك # PageV09P368 # منهم {أمر فرعون} أي كل ما يفهمون عنه أنه يهواه ويأمره به وتبعهم السفلة ~~فأطبقوا على المنابذة إلا من شاء الله منهم {وما} أي والحال أنه ما {أمر ~~فرعون برشيد*} أي سديد، مع أن في هذا التعقيب بعد ذكر ثمود من التذكير ~~بآيتي الناقة والعصا إشارة إلى القدرة على البعث المذكور أول السورة الموجب ~~خوفه لكل خير كما أن ذلك أيضا كان من فوائد تعقيب قصة إبراهيم لقصة صالح ~~عليهما السلام، واقتصر هنا على ذكر فرعون وقومه لأن المقصود من هذه القصص - ~~كما تقدم ms2203 - التثبيت في المكافحة بإبلاغ الإنذار وإن اشتدت كراهية المبلغين ~~وقل المتبع منهم، وأن لا يترك شيء منه خوف إصرارهم أو إدبارهم ولا رجاء ~~إقبالهم وكثرة مؤمنيهم، وهذه حال آل فرعون، وأما بنو إسرائيل فإنهم لم ~~يتوقفوا إلا خوفا من فرعون في أول الأمر، ثم أطبق كلهم على الإتباع، ثم ~~صاروا بعد ذلك كل قليل يبدلون لا كراهية للإنذار بل لغير ذلك من الأمور ~~وعجائب المقدور كما بين في قصصهم؛ والملأ: الأشراف الذين تملأ الصدور ~~هيبتهم عند رؤيتهم؛ والإتباع، طلب، طلب الثاني للتصرف بتصرف الأول في أي ~~جهة أخذ، وقد يكون عن كره بخلاف الطاعة؛ والأمر: الإيجاب بصيغة «أفعل» وهو ~~يتضمن إرادة المأمور به في الجملة، وقد لا يراد امتثال عين # PageV09P369 # المأمور؛ والرشيد: القائد إلى الخير الهادي إليه؛ ثم أوضح عدم رشد أمر ~~فرعون بقوله: {يقدم قومه} أي الذين كان لهم قوة المدافعة {يوم القيامة} ~~ويكونون له تبعا كما كانوا في الدنيا، وأشار بإيراد ما حقه المضارع ماضيا ~~إلى تحقق وقوعه تحقق ما وقع ومضى فقال: {فأوردهم النار} أي كما أوردهم في ~~الدنيا غطاءها وهو البحر. # ولما كان التقدير: فبئس الواردون، عطف عليه بيان الفعل والمفعول فقال: ~~{وبئس الورد المورود*} كما كان البحر إذ وردوه أقبح ورد ورده إنسان، لأن ~~الورد يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، وهذا يفيد ضد ذاك. # ولما كان فرعون موصوفا بعظم الحال وكثرة الجنود والأموال وضخامة المملكة، ~~حقر تعالى دنياه بتحقير جميع الدنيا التي هي منها بإسقاطها في الذكر اكتفاء ~~بالإشارة إليها ولم يثبتها كما في قصة عاد فقال: {وأتبعوا} ببنائه للمفعول ~~لأن المنكي الفعل لا كونه من معين {في هذه} أي الحياة الخسيسة {لعنة} فهم ~~يلعنون فيها من كل لاعن من المسلمين وغيرهم من أهل الملل فلعنة الله على من ~~حسن حالهم وارتضى ضلالهم لإضلال العباد من أهل الإلحاد بفتنة الاتحاد {ويوم ~~القيامة} أيضا يلعنهم اللاعنون، حتى أهل الاتحاد الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو إلا المتقين؛ ثم بين ما يحق أن يقوله سامع ذلك بقوله: {بئس ms2204 الرفد ~~المرفود*} أي التبع المتبوع والعون # PageV09P370 # المعان، فإن اللعنة تابعة لعذابهم في الدنيا ومتبوعة باللعنة في الآخرة ~~والعذاب رفد لها وهي رفد له، ومادة «رفد» تدور على التبع، أو يكون المراد ~~أن لعنهم لا يزال مترادفا تابعا بعضه لبعض، فكل لعنة تابعة لشيء من الخزي: ~~عذاب أو لعن، متبوعة بلعنة مضافة إليها، وسمي ذلك رفدا وهو حقيقة العون من ~~باب قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع ومعنى {يقدم} أنه يكون قدامهم غير سائق ~~لهم، بل هم على أثره متلاحقين، فيكون دخولهم إلى النار معا؛ والقيامة: ~~القومة من الموت للحساب؛ والإتباع: طلب الثاني للحاق بالأول كيف تصرف؛ ~~واللعن من الله: الإبعاد من الرحمة بالحكم بذلك، ومن العباد: الدعاء به. # PageV09P371 # ولما كانت هذه الأخبار على غاية منا التحذير، لا يعرفه إلا بالغ في ~~العلم، كان من المعلوم قطعا أنه صلى الله عليه وسلم لم يأت بها إلا من عند ~~الله للعلم المشاهد بأنه لم يعان علما ولا ألم بعالم يوما، هذا مع ما ~~اشتملت عليه من أنواع البلاغة وتضمنته من أنحاء الفصاحة وأومأت إليه بحسن ~~سياقاتها من صروف الحكم وإفادة تفصيلها من فنون المعارف، فلذلك استحقت أن ~~يشار إليها بأداة البعد إيماء إلى بعد المرتبة وعلو الأمر فقال تعالى: ~~{ذلك} أي النبأ العظيم والخطب الجسيم {من أنباء القرى} # PageV09P371 # وأكد هذا المعنى بلفظ النبأ لأنه الخبر فيه عظيم الشأن، ومنه النبي، ~~وأشار بالتعبير بالمضارع في قوله: {نقصه عليك} إلى أنا كما قصصناها عليك في ~~هذا الحال للمقصد المتقدم سنقصها عليك لغير ذلك من الأغراض في فنون البلاغة ~~وتصاريف الحكم كما سترى عند قصه؛ ثم أشار - بما أخبر من حلها بقوله: {منها} ~~أي القرى {قائم وحصيد*} إلى أنك مثل ما سمعت ما قصصنا عليك من أمرها بأذنك ~~ووعيته بقلبك تحسها بعينك بمشاهدة أبنيتها وآثارها قائمة ومستحصدة، أي ~~متهدمة لم يبق من بنيانها إلا بعض جدرانها. # ولما كان فيما تقدم في هذه السورة من القصص أشد تهديد وأعظم وعيد لمن له ~~تبصرة، صرح لغليظي الأكباد بأن ms2205 الموجب للايقاع بهم إنما هو الظلم، فقال ~~تعالى عاطفا على نحو أن يقال: فعلنا بهم وأنبأناك به: {وما ظلمناهم} في شي ~~منه {ولكن ظلموا أنفسهم} واعتمدوا على أندادهم معرضين عن جنابنا آمنين من ~~عذابنا فأخذناهم {فما} أي فتسبب عن اعتمادهم على غيرنا أنه ما {أغنت عنهم} ~~أي بوجه من الوجوه {آلهتهم التي} وصور حالهم الماضية فقال: {يدعون} أي ~~دعوها واستمروا على دعائهم لها إلى حين الأخذ، وين خسة رتبتها فقال: {من ~~دون الله} أي الذي له جميع # PageV09P372 # صفات الكمال؛ وذكر مفعول «اغنت» معرقا في النفي فقال: {من شيء} أي وإن قل ~~{لما جاء أمر} أي عذاب {ربك} أي المحسن إليك بتأخير العذاب المستأصل عن ~~أمتك وجعلك نبي الرحمة {وما زادوهم} في أحوالهم التي كانت لهم قبل عبادتهم ~~إياها {غير تتبيب*} أي إهلاك وتخسير، فإنهم كانوا في عداد من يرجى فلاحه، ~~فلما تورطوا في عبادتها ونشبوا في غوايتها وبعدوا عن الاستقامة بضلالتها ~~خسروا أنفسهم التي هي رأس المال فكيف لهم بعد ذلك بالأرباح؛ والقص: إتباع ~~الأثر، فهو هنا الإخبار بالأمور التي يتلو بعضها بعضا؛ والدعاء: طلب الطالب ~~الفعل من غيره، ونداء الشيء باسمه بحرف النداء، وكلا الأمرين مرادان؛ و {من ~~دون الله} : من منزلة أدنى من منزلة عبادة الله لأنه من الأدون، وهو الأقرب ~~إلى جهة السفل؛ والتب: الهلك والخسر. # ولما كان المقصود من ذلك رمي قلوب العرب بما فيه من سهام التهديد ليقلعوا ~~عما تمكنوا فيه من عمى التقليد، قال تعالى معلما بأن الذي أوقع بأولئك ~~لظلمهم وهو لكل ظالم بالمرصاد سواء ظلم نفسه أو غيره: {وكذلك} أي ومثل ذلك ~~الأخذ العظيم {أخذ ربك} # PageV09P373 # ذكره بوصف الإحسان ما له إليه من البر لئلا يخاف على قومه من مثل هذا ~~الأخذ {إذا أخذ القرى} أي أهلها وإن كانوا غير من تقدم الإخبار عنهم وإن ~~عظموا وكثروا، ولكن الإخبار عنها أهول لأنه يفهم أنه ربما يعمها الهلاك ~~لأجلهم بشدة الغضب من فعلهم كقرى قوم لوط عليه السلام {وهي ظالمة} روى ~~البخاري في ms2206 التفسير عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ {وكذلك ~~أخذ ربك} الآية. # ولما كان مثل هذا الآخذ لا يداينه مخلوق ولا يقدر عليه ملك، حسن كل الحسن ~~إتباع ذلك قوله: {إن أخذه أليم} أي مؤلم قاطع للآمال مالىء البدن والروح ~~والنفس بالنكال {شديد*} أي صعب مفتت للقوى، ولعله عبر هنا باسم الرب مضيفا ~~له إلى المنبأ بهذه الأنباء مكررا لذلك في هذا المقام الذي ربما سبق فيه ~~الوهم إلى أنه باسم الجبار والمنتقم مثلا أليق، إشارة إلى أنه سبحانه يربيك ~~أحسن تربية في إظهارك على الدين كله وانقياد العظماء لأمرك وذل الأعزة ~~لسطوتك وخفض الرؤوس لعلو شأنك، فلا تتكلف أنت شيئا من قصد إجابتهم إلى ~~إنزال آية أو ترك ما يغيظ من إنذار ونحو ذلك - والله الموفق. # ولما كان مما جر هذه القصص وهذه المواعظ تكذيبهم لما يوعدون # PageV09P374 # من العذاب الناشىء عن إنكار البعث المذكور في قوله تعالى: {ولئن قلت إنكم ~~مبعوثون من بعد الموت} ، أشار تعالى إلى تحقق أمر الآخرة وأنه مما ينبغي ~~الاهتمام به ردا للمقطع على المطلع، وإعلاما بأنه لا فرق بينه وبين ما تحقق ~~إيقاعه من عذاب هذه الأمم في القدرة عليه بقوله مؤكدا لأجل جحودهم أن يكون ~~في شيء مما مضى دلالة عليه بوجه من الوجوه: {إن في ذلك} أي النبأ العظيم ~~والقصص والوعظ بما يذكر {لآية} أي لعلامة عظيمة ودلالة بتة ولما كان وجود ~~الشيء عدما بالنسبة إلى ما لا نفع له به، قال: {لمن خاف عذاب} يوم الحياة ~~{الآخرة} لأنه نفع خاص به، وإنما كان آية له لأنه إذا نظر إلى إهلاكه ~~للظالمين إهلاكا عاما بسبب ظلمهم وإنجائه للمؤمنين، علم أنه قادر على ما ~~يريد، وأنه لا بد أن يجازي كلا بما فعل، فإذا رأى أن ظلمه كثيرين يموتون ~~بغير انتقام، علم أنه لا بد من يوم يجازيهم فيه، وهو اليوم الذي أخبرت به ~~عنه ms2207 رسله، وزاد في الإشارة إلى تهويله بإعادة اسم الإشارة في قوله: {ذلك} ~~أي اليوم العظيم الذي يكون فيه عذاب الآخرة {يوم} وأشار - إلى يسر البعث ~~وسهولته عليه وأنه أمر ثابت لا بد منه - باسم المفعول من قوله: {مجموع له} ~~أي لإظهار العدل فيه # PageV09P375 # والفضل {الناس} أي كل من فيه أهلية التحرك والاضطراب وما ثم يوم غيره ~~يكون بهذه الصفة أصلا. # ولما لم يسبقه يوم اجتمع فيه جميع الخلق من الجن والإنس والملائكة وجميع ~~الحيوانات أحياء، وكان ذلك مسوغا لأن تعد شهادة غيره عدما فقال تعالى: ~~{وذلك} أي اليوم العظيم {يوم مشهود*} أي هو نفسه لهم ولغيرهم من جميع ~~الخلق، فيكون تنوينه للتعظيم بدلالة المقام، أو يكون المعنى أنه أهل لأن ~~يشهد، وتتوفر الدواعي على حضوره لما فيه من عجائب الأمور والأهوال العظام ~~والمواقف الصعبة، فلا يكون ثم شغل إلا نظر ما فيه والإحاطة بحوادثه خوف ~~التلاف ورجاء الخلاص؛ والآية: العلامة العظيمة لما فيها من البيان عن الأمر ~~الكبير؛ والخوف: انزعاج النفس بتوقع الشر، وضده الأمن وهو سكون النفس بتوقع ~~الخير؛ والعذاب: استمرار الألم. # PageV09P376 # ولما تقدم قولهم {ما يحبسه} كان كأنه قيل في الرد عليهم: نحن قادرون على ~~تعجيله، وهو - كما أشرنا إليه في هذه الآية - عندنا متى شئنا في غاية ~~السهولة: {وما نؤخره} أي اليوم أو الجزاء مع ما لنا من العظمة والقدرة ~~التامة على إيجاده لشيء من الأشياء {إلا لأجل} أي لأجل انتهاء أجل {معدود*} ~~سبق في الأزل تقديره ممن لا يبدل القول لديه وكل شيء في حكمه، فهو لا يخشى ~~الفوت؛ ومادة «أجل» بتراكيبها الأربعة: أجل وجأل وجلأ ولجأ تدور على المدة ~~المضروبة للشيء، فالأجل - محركة: مدة الشيء وغاية الوقت في الموت وحلول ~~الدين # PageV09P376 # من تسمية الجزء باسم الكل، والتأجيل: تحديد الأجل، ويلزمه التأخير، ومنه ~~أجل الشيء كفرح - إذا تأخر، والآجلة: الآخرة، وأجل الشيء - بالفتح: حبسه ~~ومنعه، لأن الأجل حابس ومانع للمؤجل، ومنه أجلى كجمزى، وهو مرعى لهم معروف ~~كأنه لحسنه يحبس الراعي فيه، وأجل الشر عليهم: حناه ms2208 وأثاره وهيجه، ولأهله: ~~كسب وجمع واحتال، لأن ذلك كله من لوازم ذي الأجل، أو المعنى أنه أوجد أجل ~~ذلك، وكمقعد ومعظم: مستنفع الماء، لأنه محيط به إحاطة الأجل بالمؤجل، وأجله ~~فيه تأجيلا: جمعه فتأجل، والمأجل: الحوض يحبس فيه الماء، وأجلوا ما لهم: ~~حبسوه في المرعى، والاجل - بالكسر: قطيع من بقر الوحش، تشبيها له في ~~اجتماعه من حيث إنه أحصن له بالأجل لأنه - كما قيل - حصن حصين، والاجل - ~~بالكسر أيضا: وجع في العنق، لأنه من أسباب حلول الأجل، وأجله: داواه منه، ~~وبالضم جمع أجيل للمتأخر وللمجتمع من الطين يجعل حول النخلة، لإحاطته بها ~~إحاطة الأجل وتحصينه لها، وتأجل القوم: تجمعوا، لأن التجمع أحصن لهم، وأجل ~~- بفتحتين ثم سكون: جواب كنعم وزنا ومعنى إلا أنه أحسن منه في التصديق، ~~ونعم منه في الاستفهام، وحقيقة ذلك الإخبار بأن أجل - أي وقت - ذلك الفعل ~~الموجب أو المستفهم # PageV09P377 # عنه قد حضر، وفعلت ذلك من أجلك - من غير «من» - ومن أجلك، ومن أجلاك ومن ~~أجلالك ويكسر في الكل، أي من جللك - قاله في القاموس، وقال في فصل الجيم: ~~وفعلته من جلك - بالضم - وجلالك وجللك - محركة - وتجلتك وإجلالك - بالكسر، ~~ومن أجل إجلالك ومن أجلك بمعنى - انتهى. وحقيقته أن فعلي مبتدىء من أجلك - ~~بالتحريك، أو تكون «من» سببية، اي أجلك سبب فيه، ولولا وجودك ما فعلته فهو ~~لتعظيمك؛ والملجأ واللجأ - محركة: المعقل والملاذ، كأنه شبه بالأجل، ومنه ~~لجأ إليه - كمنع وفرح: لاذ، وألجأ أمره إلى الله: أسنده، وألجأ فلانا إلى ~~كذا: اضطره، والتلجئة: الإكراه، واللجأ - محركا: الضفدع، لالتجائها إلى ~~الماء؛ ومن ذلك الجيأل - كصقيل، وجيأل وجيألة ممنوعين، وجيل بلا همز كله ~~اسم الضبع لكثرة لجائها إلى وجارها، ومنه جئل - كفرح - جألانا: عرج، كأنه ~~تشبيه بمشيتها، لأن من أسمائها العرجاء، أو تشبيه بمشية الراقي في درج ~~الملجأ، أي الحصن، وكذا الأجل - كقنب وقبر - وهو ذكر الأوعال، لأن قرونه ~~كالحصن له، وجيألة الجرح: غثيثه، وهو مرية، لأنه من أسباب قرب الأجل، وكذا ~~الاجئلال - أي الفزع - ربما كان سببا # PageV09P378 # لذلك، وربما ms2209 كان سببا للمبادرة إلى الحصن، وجأل - كمنع: ذهب وجاء، ~~والصوف: جمعه واجتمع - لازم متعد، كله من لوازم الأجل بمعنى المدة، وجلأ ~~بالرجل - كمنع: صرعته، وبثوبه: رماه، كأنه جعله في قوة من حضر أجله، وإن ~~شئت قلت في ضبط ذلك: إن المادة - مع دورانها على المدة - تارة تنظر إلى نفس ~~المدة، وتارة إلى آخرها، وتارة إلى امتدادها وتأخرها، وتارة إلى ما يدني ~~منه، وتارة إلى منفعتها، وتارة إلى ما يلزم فيها، فمن النظر إلى نفس المدة: ~~التأجيل بمعنى تحديد الأجل، وهو مدة الشيء، وفعلت هذا من أجلك، أي لولا ~~وجودك ما فعلته، وأجل بمعنى نعم، أي حضرت مدة الفعل، ومن النظر إلى الآخر: ~~دنا الأجل - في الموت والدين، ومن النظر إلى التأخر: أجل الشيء - إذا تأخر، ~~والآجلة: الآخرة، ومن النظر إلى السبب المدني: الأجل - بالكسر - لوجع في ~~العنق، وجيألة الجرح - لغثيثه أي مريه، وجلأ بالرجل: صرعه وبثوبه: رماه، ~~وأجل الشر عليهم: جناه، أو أثاره وهيجه، والاجئلال: الفزع، ومن النظر إلى ~~المنفعة وهي أن التأجيل الذي هو تحديد الأجل للشيء مانع من أخذه دون ما ضرب ~~له من المدة: الاجل - بالكسر - للقطيع من بقر الوحش، وأجل الشيء: حبسه ~~ومنعه، وأجلى كجمزي: مرعي # PageV09P379 # لهم معروف، وتأجل القوم: تجمعوا، وجأل الصوف جمعه، واللجأ والملجأ: ~~المعقل والملاذ، والضفدع للزومها ملجأها من الماء، والجيأل للضبع للزومها ~~وجارها، ولذلك تسمى أم عامر، وجئل - كفرح: عرج، كأنه شبه بمشيتها لأنها ~~تسمى العرجاء، والأجل كقنب وقبر - لذكر الأوعال، لتحصنه بقرونه، والأجل - ~~بالضم: المجتمع من الطين يجعل حول النخلة، والمآجل: الحوض يحبس فيه الماء، ~~ومستنقع الماء مطلقا، وأجله تأجيلا: جمعه، ومن النظر إلى ما يلزم في المدة: ~~أجل لأهله: كسب وجمع وجلب واحتال، وجأل - كمنع: جاء وذهب؛ فقد تبين أن ~~المراد بالأجل هنا الحين. # ولما كان كأنه قيل: يا ليت شعري ماذا يكون حال الناس إذا أتى ذلك الأجل ~~وفيها الجبابرة والرؤساء وذوو العظمة والكبراء! أجيب بقوله: {يوم يأت} أي ~~ذلك الأجل لا يقدرون على الامتناع بل ولا على مطلق ms2210 الكلام، وحذف ابن عامر ~~وعاصم وحمزة الياء اجتزاء عنها بالكسرة كما هو فاش في لغة هذيل، وكان ذلك ~~إشارة إلى أن شدة هوله تمنع أهل الموقف الكلام أصلا في مقدار ثلثية، ثم ~~يؤذن لهم في الكلام في الثلث الآخر بدلالة المحذوف وقرينة الاستثناء، فإن ~~العادة أني يكون المستثنى أقل من المستثنى منه {لا تكلم} ولو أقل كلام ~~بدلالة حذف التاء {نفس} من جميع الخلق في ذلك اليوم # PageV09P380 # الذي هو يوم الآخرة، وهو ظرف هذا الأجل وهو يوم طويل جدا ذو ألوان وفنون ~~وأهوال وشؤون، تارة يؤذن فيه في الكلام، وتارة يكون على الأفواه الختام، ~~وتارة يسكتهم الخوف والحسرة والآلام، وتارة ينطقهم الجدال والخصام {إلا ~~بإذنه} أي بإذن ربك المكرر ذكره في هذه الآيات إشارة إلى حسن التربية ~~وإحكام التدبير. # ولما علم من هذا أنه يوم عظمة وقهر، سبب عن تلك العظمة تقسيم الحاضرين ~~فقال: {فمنهم} أي الخلائق الحاضرين لأمره {شقي} ثبتت له الشقاوة فيسر في ~~الدنيا لأعمالها {وسعيد*} ثبتت له السعادة فمشى على منوالها؛ والتأخير: ~~الإذهاب عن جهة الشيء بالإبعاد منه، وضده التقديم؛ والأجل: الوقت المضروب ~~لوقوع أمر من الأمور؛ واللام تدل على العلة والغرض والحكمة بخلاف «إلى» ؛ ~~والشقاء: قوة أسباب البلاء. # ولما كان أكثر الخلق هالكا مع أن المقام مقام تهديد وتهويل، بدأ تعالى ~~بالأشقياء ترتيبا للنشر على ترتيب اللف فقال: {فأما الذين شقوا} أي أدركهم ~~العسر والشدة {ففي النار} أي محكوم لهم بأنهم يدخلون الناء التي هي النار ~~لو علمتم {لهم فيها زفير} أي عظيم جدا {وشهيق*} من زفر - إذا أخرج نفسه بعد ~~مده إياه، وشهيق - إذ تردد البكاء في صدره - قاله في القاموس؛ وقال ابن ~~كثير في تفسير # PageV09P381 # سورة الأنبياء: الزفير خروج أنفاسهم، والشهيق: ولوج أنفسهم؛ وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: الزفير: الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف، وعن الضحاك ~~ومقاتل: الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق آخره حين يفرغ من صوته إذا رده في ~~جوفه، وسيأتي كلام الزماني في ذلك {خالدين فيها} أي بلا انقطاع، وعبر عنه ms2211 ~~بقوله جريا على أساليب العرب: {ما دامت السماوات والأرض} . # ولما كان له شيء لا يقبح منه شيء وهو قادر على كل شيء، دل على ذلك بقوله: ~~{إلا ما شاء} أي مدة شاءها فإنه لا يحكم لهم بذلك فيها فلا يدخلونها. # ولما كان الحال في هذه السورة مقتضيا - كما تقدم - لتسلية النبي صلى الله ~~عليه وسلم عما أخبر به سبحانه في قوله {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} - ~~الآية، من ضيق صدره، ولذلك أتى بهذه القصص كما مضى بيان ذلك، عبر باسم الرب ~~إشارة إلى أنه يحسن إليه بكل ما يسر قلبه ويشرح صدره فقال: {ربك} وقد جرى ~~الناس في هذا الاستثناء على ظاهره ثم أطالوا الاختلاف في تعيين المدة ~~المستثناة، والذي ظهر لي - والله أعلم - أنه لما تكرر الجزم بالخلود في ~~الدارين وأن الشرك لا يغفر والإيمان موجب للجنة فكان ربما ظن أنه لا يمكن ~~غير ذلك كما ظنه المعتزلة لا سيما إذا تؤمل القطع في مثل قوله {أن الله لا ~~يغفر أن يشرك به} مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله {ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء} # PageV09P382 # جاء هذا الاستثناء معلما أن الأمر فيه إلى الله تعالى كغيره من الأمور، ~~له أن يفعل في كلها ما يشاء وإن جزم القول فيه، لكنه لا يقع غير ما أخبر ~~به، وهذا كما تقول: اسكن هذه الدار عمرك إلا ما شاء زيد، وقد لا يشاء زيد ~~شيئا، فكما أن التعليق بدوام السماوات والأرض غير مراد الظاهر كذلك ~~الاستثناء لا يشاء الله قطع الخلود لأحد من الفريقين، وسوقه هكذا أدل على ~~القدرة وأعظم في تقليد المنة، ثم رأيت الإمام أبا أحمد البغوي قد ذكر معنى ~~هذا آخر ما أورده في تفسيره من الأقوال في الآية وحكي نحوه عن الفراء، ~~ومثله بأن تقول: والله لأضربنك إلا إن أرى، وعزيمتك أن تضربه، وعزاه ~~الطحاوي في بيان المشكل إلى أهل اللغة منهم الفراء. # ولما كان تخليد الكفار من الحكم بالقسط بين الفريقين لأنه من أكبر تنعيم ~~المؤمنين ms2212 الذين عادوهم في الله كما تقدم التنبيه عليه أول سورة يونس عليه ~~السلام عند قوله {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} كان ربما توهم ~~أن الاستثناء لو أخذ على ظاهره لم يكن إخراجهم من النار حينا، نفى هذا ~~التوهم بقوله: {إن ربك} أي المحسن إليك {فعال لما يريد} أي لا يجوز عليه ~~البدء بالرجوع عما أراد ولا المنع عن مراده ولا يتعذر عليه شيء منه مع كثرة ~~المرادات فلا اعتراض عليه ولا يلزمه لأحد شيء، بل له أن يخلد العاصين في ~~الجنة ويخلد # PageV09P383 # الطائعين في النار، ولكنه كما ثبت ذلك ليعتقد لكونه من صفة الكمال ثبت ~~أنه لا يفعل ذلك سبحانه ولا يبدل القول لديه لأن ذلك من صفات الكمال أيضا ~~مع أن في ختم الآية بذلك ترجية لأهل النار في إخراجهم منها زيادة في ~~عذابهم. # PageV09P384 # ولما تم أمر الأشقياء، عطف عليه قسيمهم فقال: {وأما الذين سعدوا} أي ~~فازوا بمطالبهم وتيسر أمرهم {ففي الجنة} أي التي صارت معلومة من الدين ~~بالضرورة {خالدين فيها} دائما أبدا {ما دامت السماوات والأرض} على ما جرت ~~به عادة العرب في إرادة التأبيد بلا آخر بمثل هذا {إلا ما شآء ربك} وأدل ~~دليل على ما قلت في الاستثناء قوله: {عطاء} هو نصب على المصدر {غير مجذوذ} ~~أي مقطوع ولا مكسور ولا مفصول - لعطاء من الأعطية ولا مفرق ولا مستهان به: ~~لأنهم لو انفكوا من النعيم حقيقة أو معنى ولو لحظة لكان مقطوعا أو منقوصا؛ ~~وفي الختم بذلك من الجزم بالدوام طمأنينة لأهل الجنة زيادة في نعيمهم عكس ~~ما كان لأهل النار؛ قال أبو الحسن الرماني: والزفير: ترديد النفس مع الصوت ~~حتى تنتفخ الضلوع، وأصله الشدة من المزفور الخلق، والزفر: الحمل على الظهر، ~~لشدته، والزفر: السيد لأنه يطيق حمل الشدائد، وزفرت النار - إذا سمعت لها ~~صوتا في شدة توقدها، والشهيق: صوت فظيع يخرج من الجوف بمد النفس، وأصله ~~الطول المفرط من قولهم: جبل شاهق # PageV09P384 # أي ممتنع طولا؛ والخالد: الكائن في الشيء أبدا، والدائم: الباقي أبدا، ~~ولهذا ms2213 يوصف الله تعالى بالدائم دون الخالد. # ولما أخبره تعالى بوقوع القضاء بتمييز الناس في اليوم المشهود إلى ~~القسمين المذكورين على الحكم المشروح مرهبا ومرغبا، كان ذلك كافيا في ~~الثبات على أمر الله والمضي لإنفاذ جميع ما أرسل به وإن شق اعتمادا على ~~النصرة في ذلك اليوم بحضرة تلك الجموع، فكان ذلك سببا للنهي عن القلق في ~~شيء من الأشياء وإن جل وقعه وتعاظم خطبه، فقال تعالى: {فلا} ولما كان ما ~~تضمنه هذا التقسيم أمرا عظيما وخطبا جسيما، اقتضى عظيم تشوف النفس وشديد ~~شوقها لعلم ما سبب عنه، فاقتضى ذلك حذف النون من «كان» إيجازا في الكلام ~~للإسراع بالإيقاف على المراد والإبلاغ في نفي الكون على أعلى الوجوه فقال: ~~{تك} أي في حالة من الأحوال {في مرية} والمرية: الشك مع ظهور الدلالة ~~للتهمة - قاله الرماني {مما يعبد هؤلآء} أي لا تفعل فعل من هو في مرية بأن ~~تضطرب من أجل ما يعبدون مواظبين على عبادتهم مجددين ذلك في كل حي فتنجع ~~نفسك في إرادة مبادرتهم إلى امتثال الأوامر في النزوع عن ذلك بالكف عن ~~مكاشفتهم بغائظ الإنذار # PageV09P385 # والطلب لإجابة مقترحاتهم رجاء الأزدجار كما مضى في قوله تعالى {فلعلك ~~تارك بعض ما يوحى إليك} - الآية، وذلك أن مادة مرى - بأي ترتيب كان - تدور ~~على الاضطراب، وقد يلزمه الطرح والفصل: رمى يرمي رميا، والمرماة: ظلف الشاة ~~لأنه يطرح، والرمي: قطع من السحاب رقاق؛ والريم: البراح، ما يريم يفعل كذا: ~~ما يزال، والريم: الدرج للاضطراب فيها، والقبر لنبذه في جانب من الأرض وطرح ~~الميت فيه، وريم فلان بالمكان: أقام به مجاوزا لغيره منفصلا عنه كأنه رمى ~~بنفسه فيه، وريمت السحابة - إذا دامت فلم تقلع، لأن من شأنها رمي القطر، ~~ومرى الضرع: مسحه للحلب، والريح تمري السحاب، والمري: المعدة لقذفها ما ~~فيها، والمرية: الشك، أي تزلزل الاعتقاد، والميرة: جلب الطعام؛ ثم استأنف ~~تعالى خبرا هو بمنزلة العلة لذلك فقال: {ما يعبدون} أي يوقعون العبادة على ~~وجه الاستمرار {إلا كما يعبد آباؤهم} ولما كانت عبادتهم في ms2214 قليل من الزمن ~~الماضي أدخل الجار فقال: {من قبل} أي أنهم لم يفعلوا ذلك لشبهة إذا كشف ~~عنها القناع رجعوا، بل لمحض تقليد الآباء مع استحضارهم لتلبسهم بالعبادة ~~كأنهم حاضرون لديهم يشاهدونهم مع العمى عن النظر في الدلائل والحجج كما كان ~~من قصصنا عليك أخبارهم من الأمم في تقليد الآباء سواء بسواء مع عظيم ~~شكيمتهم وشدة عصبتهم للأجانب # PageV09P386 # فكيف بالأقارب فكيف بالآباء! فأقم عليهم الحجة بإبلاغ جميع ما نأمرك به ~~كما فعل من قصصنا عليك أنباءهم من إخوانك من الرسل غير مخطر في البال شيئا ~~مما قد يترتب عليه إلى أن ينفذ ما نريد من أوامرنا كما سبق في العلم فلا ~~تستعجل فإنا ندبر الأمر في سفول شأنهم وعلو شأنك كما نريد {وإنا} بما لنا ~~من العظمة {لموفوهم نصيبهم} من الخير والشر من الآجال وغيرها وما هو ثابت ~~ثباتا لا يفارق أصلا؛ ولما كانت التوفية قد تطلق على مجرد الإعطاء وقد يكون ~~ذلك على التقريب، نفى هذا الاحتمال بقوله: {غير منقوص} والنصيب: القسم ~~المجعول لصاحبه كالحظ؛ والمنقوص: المقدار المأخوذ جزء منه؛ والنقص: أخذ جزء ~~من المقدار. # ولما ذكر في هذه الآية إعراضهم عن الإتباع مع ما أتى به من المعجزات ~~وأنزل عليه من الكتاب، سلاه بأخيه عليهما السلام لأن الحال إذا عم خف، ~~وابتدأ ذكره بحرف التوقع بما دعا إلى توقعه من قرب ذكره مع فرعون مع ذكر ~~كتابه أول السورة فقال تعالى: {ولقد آتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى ~~الكتاب} أي التوراة الجامعة للخير. # ولما كان الضار والمسلي نفس الاختلاف، بني للمفعول قوله: {فاختلف فيه} ~~فآمن به قوم وكفر به آخرون مع أنه إمام ورحمة # PageV09P387 # وكتب سبحانه له فيه من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء، وكان معجبا لأهل ~~ذلك الزمان كما اختلف في كتابك مع إعجابه لأهل هذا الزمان وبيانه للهدى أتم ~~بيان، إشارة إلى أن الخلق مهما جاءهم عن الله، وهو لا يكون إلا مصحوبا ~~بالأدلة القاطعة نأوا عنه واختلفوا فيه، ومهما تلقفوه عن آبائهم تلقوه ms2215 ~~بالقبول وناضلوا عنه وسمحوا فيه بالمهج وإن كان منابذا للعقول، فكان قوم ~~موسى باختلافهم في الكتاب كل قليل يأبى فريق منهم بعض أحكامه ويريدون نقض ~~إبرامه كما سلف بيانه غير مرة عن نص التوراة وسفر يوشع إلى أن آل أمرهم ~~الآن إلى أن صاروا ثلاث فرق: ربانيين، وقرابين، وسامرة؛ يضلل بعضهم بعضا، ~~ومع ذلك فلم يعاجلهم بالأخذ مع قدرته على ذلك كما فعل بمن قص أمره من الأمم ~~لما سبق من حكمه بتأخيرهم إلى الأجل المعدود، وفصل بين هذا وبين قصة موسى ~~عليه السلام مع فرعون ليكون مع ما دعا إلى تقديم ما تقدم من الآيات أوقع في ~~التسلية وأبلغ في التعزية والتأسية كما هو شأن كل ما ألقي إلى المحتاج شيئا ~~فشيئا {ولولا كلمة} أي عظيمة لا يمكن تغييرها لأنها من كلام الملك الأعظم ~~{سبقت من ربك} أي المحسن إليك وإليهم بإرسالك رحمة للعالمين {لقضي} أي لوقع ~~القضاء {بينهم} أي بين من اختلف في # PageV09P388 # كتاب موسى عاجلا، ولكن سبقت الكلمة أن القضاء الكامل إنما يكون يوم ~~القيامة كما قال في سورة يونس {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} - الآية. # ولما كان الاختلاف قد يكون بغير الكفر بين أنه به، فقال مؤكدا لأن كل ~~طائفة من اليهود تنكر شكها فيه وفعلها فعل الشاك: {وإنهم لفي شك} أي عظيم ~~محيط بهم {منه} أي من القضاء أو الكتاب {مريب} أي موقع في الريب والتهمة ~~والاضطراب مع ما رأوا من الآيات التي منها سماع كلام الله ورؤية ما كان ~~يتجلى في جبل الطور من الجلال ويتبدى لهم في قبة الزمان من خارق الأحوال ~~{وإن كلا} من المختلفين في الحق من قوم موسى وغيرهم ممن هو على الحق وممن ~~هو على الباطل؛ و {إن} عند نافع وابن كثير وأبي بكر عن عاصم عاملة مع ~~تخفيفها من الثقيلة في قراءة غيرهم اعتبارا بأصلها {لما} هي في قراءة ابن ~~عامر وحمزة وعاصم بالتشديد الجازمة حذف فعلها - قال ابن الحاجب: وهو شائع ~~فصيح، وفي قراءة غيرهم بالتخفيف مركبة ms2216 من لام الابتداء و {ما} المؤكدة بنفي ~~نقيض ما أثبته الكلام ليكون ثبوته مع نفي نقيضه على أبلغ وجه. # ولما كان الشرط في حذف الفعل بعد «لما» الجازمة أن يكون مما يتوقع بوقوع ~~فعل قبلها يدل عليه، كان التقدير: يقض بينهم، وسيقضي # PageV09P389 # وهو معنى ما قرن بعدها بلام القسم من قوله: {ليوفينهم ربك} أي المحسن ~~إليك بإقامتك على المنهاج الأعدل والفضل من العباد {أعمالهم} لا يدع منها ~~شيئا لأنه لا يخفى عليه منها شيء، والسياق يقتضي أن يكون {ما} في {لما} في ~~قراءة التخفيف للتأكيد على النحو الذي مر غير مرة أن النافي إذا زيد في ~~سياق الإثبات كان كأنه نفي النقيض تأكيدا لمثبت {إنه بما يعملون} قدم الظرف ~~لتأكيد الخبر {خبير} فإذا علمت أن شأنك في أمتك شأن الرسل في أممهم وأنه لا ~~بد من الاختلاف في شأن الرسول والكتاب كما جرت بذلك السنة الإلهية وأن ~~الجزاء بالأعمال كلها لا يد منه {فاستقم} أي أوجد القوم بغاية جهدك بسبب ~~أنك لا تكلف إلا نفسك وأن الذي أرسلك لا يغفل عن شيء، ومن استقام استقيم ~~له. # ولما كان من المقطوع به أن الآمر له صلى الله عليه وسلم من له الأمر كله، ~~بني للمفعول قوله: {كمآ أمرت} أي كما استقام إخوانك من الأنبياء في جميع ~~الأصول والفروع سواء كان في نفسك أو في تبليغ غيرك معتدلا بين الإفراط ~~والتفريط ولا يضيق صدرك من استهزائهم وتعنتهم واقتراحهم للآيات وإرادتهم أن ~~تترك بعض ما يوحى إليك من التشنيع عليهم والعيب لدينهم بل صارحهم بالأمر ~~واتركهم وأهواءهم، نحن ندبر الأمر كما نريد على حسب ما نعلم. # PageV09P390 # ولما كان الفاصل بين المعطوف والمعطوف عليه يقوم مقام تأكيد الضمير ~~المستتر، عطف عليه قوله: {ومن} أي وليستقم أيضا من {تاب} عن الكفر مؤمنا ~~{معك} على ما أمروا تاركين القلق من استبطائهم للنصرة كما روى البخاري وابو ~~داود والنسائي عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: «شكونا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ms2217 بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة ~~فقلنا: ألا تدعو الله لنا، فقعد وهو محمر وجهه فقال: كان الرجل فيمن كان ~~قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع فوق رأسه فيشق ~~باثنين، وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو ~~عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من ~~صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون» ؛ وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية أشد ~~ولا أشق من هذه الآية. والاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة. # ولما كانت وسطا بين إفراط وتفريط وكان التفريط لا يكاد يسلم منه إلا ~~الفرد النادر، وهو في الأغلب يورث انكسار النفس واحتقارها والخوف من الله، ~~وكان الإفراط يورث إعجابا، وربما # PageV09P391 # أفضى بالإنسان إلى ظن أنه شارع فينسلخ لذلك من الدين، طوى التفريط ونهى ~~عن الإفراط فقال: {ولا تطغوا} أي تتجاوزوا الحد فيما أمرتم به أو نهيتم عنه ~~بالزيادة إفراطا، فإن الله تعالى إنما أمركم ونهاكم لتهذيب نفوسكم لا ~~لحاجته إلى ذلك ولن تطيقوا أن تقدروا الله حق قدره، والدين متين لن يشاده ~~أحد إلا غلبه، فقد رضي منكم سبحانه الاقتصاد في العمل مع حسن المقاصد، ~~ويجوز أن يكون المعنى: ولا تبطركم النعمة فتخرجكم عن طريق الاستقامة يمنة ~~أو يسرة. # ولما نهي عن الإفراط وهو الزيادة تصريحا، فأفهم النهي عن التفريط، وهو ~~النقص عن المأمور تلويحا من باب الأولى، على ذلك مؤكدا تنزيلا لمن يفرط أو ~~يفرط منزلة المنكر فقال: {إنه بما تعملون} قدم الظرف لما تقدم من تأكيد ~~الإبصار {بصير*} ومادة «طغى» واوية ويائية بكل ترتيب تدور على مجاوزة الحد ~~مع العلو، فالغطاء: ما ستر به الشيء عاليا عليه، ولا يكون ساترا لجميعه إلا ~~إذا فضل عنه فتجاوز حده، وغطى الليل - إذا غشي، وكل شي ارتفع فهو غاط. وطغى ~~السيل - إذا جاء بماء كثير، والبحر: هاجت ms2218 أمواجه، # PageV09P392 # والطغيان: مجاوزة الحد في العصيان، والغائط والغيط: المطمئن من الأرض، ~~لأن ما كان كذلك وكانت أرضه طيبة كانت لا تزال ريا فيعلو ما نبت فيها ويخصب ~~فيتجاوز الحد في ذلك، ومنه الغوطة - لموضع بالشام كثير الماء والشجر. # PageV09P393 # ولما نهي عن الإفراط في الدين، أتبعه النهي عن التفريط بالتقصير فيه ~~بسفول الهمم على وجه عام، وكان الحب في الله والبغض منه أوثق عرى الإيمان، ~~إشارة إلى ضده الذي هو أوثق عرى الشيطان فقال: {ولا تركنوا} أي شيئا من ~~ركون، وقال: {إلى الذين ظلموا} أي وجد منهم الظلم ولم يقل الظالمين، أي ~~بالميل إليهم بأن تثاقل أنفسكم نحوهم للميل إلى أعمالهم ولو بالرضى به ~~والتشبه بهم والتزيي بزيهم، وحاصل الآيتين: لا تظلموا بأنفسكم ولا تستحسنوا ~~أفعال الظالمين، وفسر الزمخشري الركون بالميل اليسير، وهو حسن من جهة ~~المعنى لكني لن أره لغيره من أهل اللغة، وقال الرماني - وهو أقرب: الركون: ~~السكون إلى الشيء بالمحبة والانصباب إليه، ونقيضه النفور عنه. وهو على ~~التفسير الثاني في {تطغوا} من عطف الخاص على العام، والآية ملتفتة إلى قوله ~~تعالى {فلعلك تارك # PageV09P393 # بعض ما يوحى إليك} {فتمسكم النار} أي فتسبب عن ركونكم إليهم مسها لكم فلا ~~تقدروا على التخلص منها بنوع حيلة من أنفسكم؛ ومن إجلال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إفراده بالخطاب في الأمر بأفعال الخير، والإتيان بضمير الجمع في ~~النهي عن أفعال الشر - نبه على ذلك الإمام أبو حيان. # ولما كان كل موجود سوى الله في قهره وتحت أمره، قال تعالى: {وما لكم} ~~ولما كان دون رتبته تعالى من الرتب والذوات ما لا يحصيه غيره سبحانه، أدخل ~~الجار تبعيضا فقال: {من دون الله} أي الملك لأعظم، وأعرق في النفي فقال: ~~{من أولياء} أي يخلصونكم من عذابه لما تقرر أن {دون} من الأدون وهو الأقرب ~~إلى جهة السفل؛ والولي: المختص بأن من شأنه تولي المعونة عند الحاجة، وأشار ~~إلى أن نصر من لا ناصر له من الله محال بأداة البعد وبناء للمفعول فقال: ~~{ثم لا تنصرون*} ms2219 أي ثم إذا فإنكم هذا وذاك فما أبعدكم من النصرة! # ولما كان العلم حاصلا بما سبق من الحكم من أن الآدمي محل العجز والتقصير، ~~أتبع ذلك بأعلى مكفر لما يوجبه العجز ويقضي به الفتور والوهن من الصغائر ~~وأعمه وأجلبه للاستقامة، وذلك يدل على أنها بعد الإيمان أفضل العبادات، ~~فقال تعالى: {وأقم الصلاة} # PageV09P394 # أي اعملها على استواء {طرفي النهار} بالصبح والعصر كما كان مفروضا بمكة ~~في أول الأمر قبل الإسراء، ويمكن أن يراد مع ذلك الظهر لأنها من الطرف ~~الثاني {وزلفا} أي طوائف ودرجات وأوقات، جمع زلفة {من اليل} يمكن أن يكون ~~المراد به التهجد، فقد كان مفروضا في أول الإسلام، ويمكن أن يراد المغرب ~~والعشاء مع الوتر أو التهجد؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن الحسنات} أي الطاعات ~~كلها الصلاة وغيرها المبنية على أساس الإيمان {يذهبن السيئات} أي الصغائر، ~~وأما الكبائر التي يعبر عنها بالفواحش ونحوه فقد تقدم في قصة شعيب عليه ~~السلام عند قوله {ثم توبوا إليه} أنه لا يكفرها إلا التوبة لما فيها من ~~الإشعار بالتهاون بالدين، واجتنابها لا يكفر إلا إذا كان عن نية صالحة كما ~~أفهمه صيغة الافتعال من قوله # {إن تجتنبوا} [النساء: 30] ؛ روى البخاري في التفسير عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه «أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذكر له ذلك فأنزل الله عليه {أقم الصلاة طرفي النهار} - الآية، قال الرجل: ~~ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي» وهذا الحديث يؤيد قول ابن عباس رضي ~~الله عنهما: إن هذه الآية من هذه السورة المكية المدنية. # ولما تم هذا على هذا الوجه الأعلى والترتيب الأولى، قال تعالى # PageV09P395 # مادحا له ليعرف مقداره فيلزم: {ذلك} أي الأمر العالي الرتبة الذي تقدم من ~~الترغيب والترهيب والتسلية وتعليم الداء والدواء للخلاص من الشقاء {ذكرى} ~~أي ذكر عظيم {للذاكرين*} أي لمن فيه أهلية الذكر والانتباه به بحضور القلب ~~وصفاء الفكر ونفوذ الفهم. # ولما كان الصبر لله على المكاره أعلى الطاعة، أتبع ذلك قوله: {واصبر} ms2220 أي ~~ليكن منك صبر على الطاعات وعن المعاصي ولا تترك إنذارهم بما أمرت به مهما ~~كان ولا تخفهم، فإن العاقبة لك إذا فعلت؛ ولما كان المقام الصبر صعبا ~~والاستقامة على المحمود منه خاصة خطرا، وكانت النفس - لما لها من الجزع في ~~كثير من الأحوال - كالمنكرة، أكد قوله: {فإن} الصبر هو الإحسان كل الإحسان ~~وإن {الله} أي المحيط بصفات الكمال {لا يضيع} أي بوجه من الوجوه {أجر ~~المحسنين*} أي العريقين في وصف الإحسان بحيث إنهم يعبدون الله كأنهم يرونه، ~~فلذلك يهون عليهم الصبر، ولذلك لأن الطاعة كلفة فلا تكون إلا بالصبر، وكل ~~ما عداها فهو هوى النفس لا صبر فيه، فالدين كله صبر «حفت الجنة بالمكاره ~~والنار بالشهوات» ولذا فضل ثواب الصابر {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب} [الزمر: 10] والصبر المحمود: حبس النفس عن # PageV09P396 # الخروج إلى ما لا يجوز من ترك الحق، ونقيضه الجزع، قال الشاعر: # إن تصبر فالصبر خير مغبة ... وإن تجزعا فالأمر ما تريان # وهو من الصبر الذي هو المر المعروف لأنه تجرع مرارة الحق بحبس النفس عن ~~الخروج إلى المشتهى مع الزاجر المعتبر من الشرع والعقل، فهو أكره شيء إلى ~~النفس، والمعين عليه ما في استشعار لزوم الحق من العز والأجر بالطاعة ~~والعلم بما يعقب من الخير في كل وجه وعادة النفس له، وقد غلب إطلاقه على ~~الحق حتى لا يجوز إطلاقه إلا فيه - قاله الرماني. # ولما كان ما تقدم كله مشيرا إلى استبعاد إيمان المعاندين بشيء من تدبير ~~آدمي كما تكاد القصص تنطق به، وكذا الإعلام بأن عبادتهم إنما هي للتقليد ~~وباختلاف قوم موسى في كتابه الذي هو هدى ورحمة، وكل ذلك فطما عن طلب ما قد ~~يهجس في الخاطر من تمني إجابتهم إلى ما يقترحون أو الكف عن بعض ما يغيظ من ~~الإنذار، وكان من طبع البشر البعد عن الانتهاء عن الخواطر إلا بعد التجربة، ~~كان ذلك ربما أوجب أن يقال: لو أجيبوا إلى سؤالهم لربما رجعوا عن كثير مما ~~هم فيه، فدعاهم ذلك إلى الرشاد، ms2221 فتسبب عنه أن يقال دفعا له: {فلولا كان} ~~ويجوز أن يكون مناسبتها أنه لما ذكر إهلاك القرون الماضية والأمم السالفة # PageV09P397 # بما مضى إلى أن ختم بالأمر بالصبر على الإحسان من الأمر بالمعروف والنهي ~~عن النمكر، كان من الجائز أن يقع في فكر الاعتراض بأن يقال: ما الموجب ~~لذلك؟ فبين أن سبب الهلاك الإعراض عن نهي منتهك الحرمات والمجترىء على هتك ~~الأستار الجليلة والرتع في الحمى مع تمكنهم بما أودع فيهم سبحانه من القوى ~~والقدرة على اختيار جانب الخير والإعراض عن جانب الشر فقال تعالى: {فلولا} ~~بصيغة تحتمل التخصيص، وفيها معنى التفجع والتأسف لاعتبار كل من كان على مثل ~~حالهم {من القرون} أي المهلكين الأشداء الكائنين في زمان ما. # ولما كان المراد القرون التي تقدم ذكر إهلاكها، وكانت أزمنتهم بعض الزمان ~~الماضي، أتى بالجار فقال: {من قبلكم أولوا} أي أصحاب {بقية} أي حفظ وخير ~~ومراقبة لما يصلحهم، لأن مادة «بقي» تدور على الجمع، ويلزمه القوة والثبات ~~والحفظ، من قولهم: ابقه بقوتك مالك - وزن ادعه - أي احفظه حفظك مالك، ~~ويلزمه النظر والمراقبة: بقيت الشيء - إذا نظرت إليه ورصدته، ويلزمه ~~الثبات: بقي بقاء - إذا دام، والخير والجودة؛ قال الزمخشري: لأن الرجل ~~يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، ويقال: فلان من بقية قوم، أي # PageV09P398 # من خيارهم، وسيأتي شرح ذلك مستوفى عند قوله تعالى {وجعلنا بينهم موبقا} ~~إن شاء الله تعالى {ينهون} أي يجددون النهي في كل حين إشارة إلى كثرة ~~المفسدين {عن الفساد} الكائن {في الأرض} و «لولا» هنا كالتي في يونس ~~توبيخية أو استفامية كما جوزهما الرماني، ويجوز أن تكون تخصيصية كما قال ~~الزمخشري، ويكون للسامع لا للمهلك، لأن الآية لما تضمنت إهلاك المقر على ~~الفساد كان في ذلك أقوى حث لغيرهم على الأمر والنهي وأوفى تهديد زاجر عن ~~ارتكاب مثل حالهم الموقع في أضعاف نكالهم، وفي تعقيب هذه الآية لآية الصبر ~~إشارة إلى أن الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الذروة العليا، ~~والآية ناظرة إلى قوله تعالى {إنما أنت نذير} . # ولما ms2222 كانت المعاني الثلاثة متضمنة للنفي، كان المعنى: لم يكن من يفعل ~~ذلك، فاتصل الاستثناء في قوله: {إلا قليلا} أي صالحين {ممن أنجينا منهم} ~~والظاهر أن «من» بيانية، أي هم الذين أنجينا فإنهم نهوا عن الفساد، عبر ~~بالإنجاء لأنه الدال على الخير الحامل للنهي عن الفساد دون التنجية الدالة ~~على التدريج والإبلاغ في الإنجاء فلو عبر بها فسد المعنى {واتبع} الأكثر ~~وهم {الذين ظلموا} # PageV09P399 # أي أوقعوا الظلم بترك النهي عن الفساد، وما أحسن إطلاقها عن التقييد ب ~~{منهم} {ما} ولما كان المبطر لهم نفس الترف، بني للمفعول قوله: {أترفوا ~~فيه} فأبطرتهم النعمة حتى طغوا وتجبروا {وكانوا مجرمين*} أي متصفين على ~~سبيل الرسوخ بالإجرام، وهو قطع حبل الله على الدوام، فأهلكهم ربك لإجرامهم، ~~ولولا ذلك لما فعل، فإن إهلاكهم على تقدير الانفكاك عن الإجرام يكون ظلما ~~على ما يتعارفون. # ولما لاح بما مضى أن العبرة في الإهلاك والإنجاء للاكثر، قرره وأكده ~~وبينه بقوله: {وما كان ربك} ذكر سبحانه بالوصف المفهم للإحسان تثبيتا له ~~وتأمينا {ليهلك القرى} أي إهلاكا عاما {بظلم} أي أي ظلم كان، صغير أو كبير ~~{وأهلها مصلحون*} أي في حال ظلم بأن يوقع إهلاكهم في حال إصلاحهم الذي هم ~~عريقون فيه، فيكون الإهلاك في غير موقعه على ما يتعارف العباد مع العلم بأن ~~له أن يفعل ذلك في نفس الأمر لأنه لا يسأل عما يفعل؛ والإهلاك: إيجاب ما ~~يبطل الإحساس، والهلاك: ضياع الشيء وهو حصوله بحيث لا يدري أين هو؛ ~~والإصلاح: إيجاب ما يستقيم به الأمر على ما يدعو إليه العقل. # PageV09P400 # ولما كان مثل هذه الآيات ربما أوهم أن إيمان مثل هؤلاء مما لا يدخل تحت ~~المشيئة، نفى ذلك الوهم مبينا انفكاك المشيئة عن الأمر بقوله: {ولو شاء ~~ربك} أي المحسن إليك بكل إحسان يزيدك رفعة {لجعل الناس} أي كلهم {أمة ~~واحدة} على الإصلاح، فهو قادر على أن يجعلهم كلهم مصلحين متفقين على ~~الإيمان فلا يهلكهم، ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء اختلافهم والأمر تابع ~~لمشيئته فاختلفوا {ولا يزالون مختلفين} ms2223 أي ثابتا اختلافهم لكونهم على أديان ~~شتى {إلا من رحم ربك} أي المحسن إليك بالتأليف بينهم في جعلهم من أهل طاعتك ~~فإنهم لا يختلفون في أصول الحق. ولما كان ما تقدم ربما أوجب أن يقال: لم لم ~~يقبل بقلوبهم إلى الهدى ويصرفهم عن موجبات الردى إذا كان قادرا؟ قال تعالى ~~مجيبا عن ذلك: {ولذلك} أي الاختلاف {خلقهم} أي اخترعهم وأوجدهم من العدم ~~وقدرهم، وذلك أنه لما طبعهم سبحانه على خلائق من الخير والشر تقتضي ~~الاختلاف لتفاوتهم فيها، جعلوا كأنهم خلقوا له فجروا مع القضاء والقدر، ولم ~~يمكنهم الجري على ما تدعو إليه العقول في أن الاتفاق رحمة والاختلاف نقمة، ~~فاستحق فريق منهم النار وفريق جنة، وليس ذلك مخالفا لقوله تعالى: {وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] # PageV09P401 # بل هو من شكله، أي أنه تعالى لما ركبهم على العجز ومنحهم العقول مع نصب ~~الأدلة، كان ذلك مهيئا للعبادة فكانوا كأنهم ما خلقوا إلا لها أي ما خلقتهم ~~إلا ليعرفون بنفوذ أقضيتي وتصاريفي فيهم فيعبدون، أي يخضعوا لي فمن كان ~~منهم طائعا فهو عابد حقيقة، ومن كان عاصيا كان عابدا مجازا، أي خاضعا للأمر ~~لنفوذه فيه وعجزه عن الامتناع كما قال تعالى {ولله يسجد من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها} [الرعد: 15] ، فقد بان أن خلقهم للعبادة فقط ينافي ~~خلقهم للاختلاف، لأن جريهم في قضائه بالاختلاف عبادة وسجود لغة، وذلك أن ~~مادتي عبد وسجد تدوران على الخضوع والذل والانقياد، وبذلك كان الكل عبيد ~~الله، أو الإشارة إلى مجمع الاتفاق والاختلاف ليظهر فضله على من ثبتهم ~~ويظهر عدله فيمن خذلهم. # ولما كان هذا الاختلاف سبب الكفر الذي أرسل رسله بالقتال عليه، كان ربما ~~ظن أنه بغير مشيئته، فبين أنه إنما هو بمراده ولا اعتراض عليه فقال: {وتمت} ~~أي فبادروا إلى ما خلقهم لهم معرضين عن أوامره ولم تغن عنهم عقولهم، وتمت ~~حينئذ {كلمة ربك} أي المحسن إليك بقهر أعدائك التي سبقت في الأزل وهي وعزتي ~~{لأملأن جهنم} # PageV09P402 # أي التي تلقى المعذب فيها بالتجهم والعبوسة ms2224 {من الجنة} أي قبيل الجن، ~~قدمهم لأنهم أصل في الشر، ثم عم فقال: {والناس أجمعين*} فمشوا على ما أراد ~~ولم يمكنهم مع عقولهم الجيدة الاستعدد وقواهم الشداد غير إلقاء القياد، فمن ~~قال: إنه يخلق فعله أو له قدرة على شيء فليفعل غير ذلك بأن يخبر باتفاقهم ~~ثم يفعله ليتم قوله. # وإلا فليعلم أنه مربوب مقهور فيسمع رسالات ربه إليه بقالبه وقلبه. # ولما أخبر سبحانه بما فعل بالقرى الظالمة، وحذر كل من فعل أفعالهم ~~بسطواته في الدنيا والآخرة، وأمر باتباع أمره والاعراض عن اختلافهم الذي ~~حكم به وأراده، عطف على قوله {نقصه عليك} قوله: {وكلا نقص} أي ونقص {عليك} ~~كل نبأ أي خبر عظيم جدا {من أنباء الرسل} مع أممهم: صالحيهم وفاسديهم، فعم ~~تفخيما للأمر، ولما كان الذي جر هذه القصص ما مضى من قوله: {فلعلك تارك بعض ~~ما يوحى إليك وضائق به صدرك} ، وكان ساكن الصدر القلب، وهو الفؤاد الذي به ~~قوام الإنسان بل الحيوان، وهو أحر ما فيه، ولذا عبر عنه بما اشتق من الفأد ~~وهو # PageV09P403 # الحرق، وكان من لازم الحرارة الاضطراب والتقلب الذي اشتق منه القلب فيضيق ~~به الصدر، أبدل من {كلا} قوله: {ما نثبت} أي تثبيتا عظيما {به فؤادك} أي ~~فيسكن في موضعه ويطمئن أو يزداد يقينه فلا يضيق الصدر من قولهم {لولا أنزل ~~عليه كنز أو جاء معه ملك} ونحوه، وبهذا تبين أن المراد بذلك العام خاص ~~لحصوله المقصود له، وهو التسلية نظرا إلى قوله تعالى {وضائق به صدرك} لأن ~~المشاركة في الأمور الصعبة تهون على الإنسان ما يلقى من الأذى، والإعلام ~~بعقوبات المكذبين فيها تأنيس للمكروب؛ والتثبيت: تمكين إقامة الشيء؛ ~~والفؤاد: العضو الذي من شأنه أن يحمى بالغضب الحال فيه، من المفتأد وهو ~~المستوي. # ولما بين أن كل ما قص عليه من أخبارهم يستلزم هذا المقصود، بين أنه ليس ~~كما يعلل به غالبا من الأخبار الفارغة والأحاديث المزخرفة الباطلة ولا مما ~~ينقله المؤرخون مشوبا بالتحريف فقال: {وجاءك في هذه} أي الأخبار {الحق} أي ~~الكامل في ms2225 الثبات الذي لا مرية فيه، وفائدة الظرف التأكيد لعظم المقصود من ~~آية {فلعلك} وصعوبته. # ولما كان الحق حقا بالنسبة إلى كل أحد عرفه ونكر ما هو خاص بقوم دون قوم ~~فقال: {وموعظة} أي مرقق للقلوب {وذكرى} أي تذكير عظيم جدا {للمؤمنين*} أي ~~الراسخين في الإيمان، وقد # PageV09P404 # تضمنت الآية الاعتبار من قصص الرسل بما فيها من حسن صبرهم على أممهم ~~واجتهادهم على دعائهم إلى عبادة الله بالحق وتذكير الخير والشر وما يدعو ~~إليه كل منهما من عاقبة النفع والضر للثبات على ذلك جميعه اقتداء بهم. # ولما ذكر نفع هذا الحق، كان كأنه قيل: فعظهم بذلك وذكرهم به، فعطف عليه ~~قوله: {وقل} ويجوز أن يكون معطوفا على قوله {واصبر} أي اصبر على ما أمرناك ~~به من تبليغ وحينا وامتثاله، وقل {للذين} أي لم تؤثر فيهم هذه الموعظة فهم ~~{لا يؤمنون} أي لا يتجدد لهم إيمان منذرا لهم {اعملوا} متمكنين {على ~~مكانتكم} أي طريقتكم التي تتمكنون من العمل عليها. # ولما كان العمل واجبا عليه صلى الله عليه وسلم وعلى كل من تبعه فهم ~~عاملون لا محالة سواء عمل الكفار أو لا، قال مؤكدا لأجل إنكار الكفار أن ~~يدوموا على العمل المخالف لهم مع ما يصل إليهم لأجله من الضر، معريا له عن ~~فاء السبب لذلك والاستئناف: {إنا} أي أنا ومن معي {عاملون*} أي ثابت عملنا ~~لا نحول عنه لأن ما كان لله فهو دائم بدوامه سبحانه، وحذف النون # PageV09P405 # الثانية اكتفاء بمطلق التأكيد لأنه كاف في الإعلام بالجزم في النية، وفيه ~~تأدب بالإشارة إلى أن المستقبل أمر لا اطلاع عليه لغير الله فينبغي أن لا ~~يبلغ في التأكيد فيه غيره، وهذا بخلاف ما في سورة فصلت مما هو جار على ~~ألسنة الكفرة {وانتظروا} أي ما أنتم منتظرون له من قهرنا {إنا منتظرون*} أي ~~ما وعدنا الله في أمركم، فإن الله مهلكهم ومنجيك لأنه عالم بغيب حالك ~~وحالهم وقادر عليكم؛ والانتظار: طلب الإدراك لما يأتي من الأمر الذي يقدر ~~النظر إليه؛ والتوقع: طلب ما يقدر ms2226 أنه يقع، وهما يكونان في الخير والشر ومع ~~العلم والشك، والترجي لا يكون إلا مع الخير والشك. # PageV09P406 # ولما تضمن هذا التهديد العلم والقدرة، قال عاطفا على ما تقديره: فلله كل ~~ما شوهد من أمرنا وأمركم وأمر عالم الغيب والشهادة كله ما كان من ابتداء ~~أمورنا {ولله} أي المحيط وحده بكل شيء مع ذلك {غيب السماوات والأرض} أي ~~جميع ما غاب علمه عن العباد فهو تام العلم، ومنه ما ينهى عنه وإن ظن الجهلة ~~أنه خارج عن قدرته لما أظهر من الزجر عنه ومن كراهيته. # ولما كان السياق هنا لأنه سبحانه خلق الخلق ذواتهم ومعانيهم للاختلاف، ~~وكان تهديدهم على المعاصي ربما أوهم أنه بغير إرادته، فكان ربما قال جاهل: ~~أنا بريء من المخالفين لأوليائه كثيرا جدا، وعادة الخلق أن من خالفهم خارج ~~عن أمرهم، كان الجواب على تقدير التسليم لهذا الأمر # PageV09P406 # الظاهر: فله كان الأمر كله ظاهرا وباطنا {وإليه} أي وحده {يرجع} بعد أن ~~كان ظهر للجاهل أن خرج عنه؛ والرجوع: ذهاب الشيء إلى حيث ابتدأ منه {الأمر ~~كله} في الحال على لبس وخفاء، وفي المال على ظهور واتضاح وجلاء، فهو شامل ~~القدرة كما هو شامل العلم، فلا بد من أن يرجع إليه أمرك وأمر أعدائك، أي ~~يعمل فيه عمل من يرجع إليه الأمر فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ~~ولذلك سبب عن إسناد الأمور كلها إليه قوله: {فاعبده} أي وحده عبادة لا شوب ~~فيها {وتوكل} معتمدا في أمورك كلها {عليه} فإنه القوي المتين، وفي تقديم ~~الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع العابد. # ولما كانت العادة جارية بأن العالم قد يغفل، نزه عن ذلك سبحانه نفسه فقال ~~مرغبا مرهبا: {وما ربك} أي المحسن إليك بما يعمله بإحاطة عمله إحسانا، ~~وأغرق في النفي فقال: {بغافل عما تعملون*} ولا تهديد أبلغ من العلم، وهذا ~~بعينه مضمون قوله تعالى {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير الا ~~تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} [هود 1 - 2] . # PageV09P407 # سورة يوسف # مقصودها ms2227 وصف الكتاب بالإبانة لكل ما يوجب الهدى لما ثبتفيما مضى ويأتي في ~~هذه السورة من تمام علم منزله غيبا وشهادة وشمول قدرته قولا وفعلا، وهذه ~~القصة - كما ترى - أنسب الأشياء لهذا المقصود، فلذلك سميت سورة يوسف - ~~والله أعلم. # PageV10P001 # {بسم الله} الذي وسع كل شيء قدرة وعلما {الرحمن} الذي لم يدع لبسا لعموم ~~رحمته في طريق الهدى {الرحيم *} الذي خص حزبه بالإبعاد عن موطىء الردى. # لما خلل سبحانه تلك مما خللها به من القصص والآيات القاطعة بأن القرآن من ~~عنده وبإذنه نزل، وأنه لا يؤمن إلا من شاء إيمانه، وأنه مهما شاءه كان، ~~وبين عظيم قدرته على مثل ما عذب به الأمم # PageV10P001 # وعلى التأليف بين من أراد وإيقاع الخلاف بين من شاء، وأشار إلى أنه حكم ~~بالنصرة لعابديه فلا بد أن يكون ما أراد لأنه إليه يرجع الأمر كله، تلاها ~~بهذه السورة لبيان هذه الأغراض بهذه القصة العظيمة الطويلة التي لقي فيها ~~يوسف علية الصلاة والسلام ما لقي من أقرب الناس إليه ومن غيرهم ومن الغربة ~~وشتات الشمل، ثم كانت له العاقبة فيه على أتم الوجوه لما تدرع به من الصبر ~~على شديد البلاء والتفويض لأمر الله جل وعلا تسلية لهذا النبي الأمين ~~وتأسية بمن مضى من إخوانه المرسلين فيما يلقى في حياته من أقاربه الكافرين ~~وبعد وفاته ممن دخل منهم في الدين في آل بيته كما وقع ليوسف عليه السلام من ~~تعذيب عقبه وعقب إخوته ممن بالغ في الإحسان إليهم، وقد وقع ليوسف عليه ~~السلام بالفعل ما هم الكفار من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم بفعله به ~~كما حكاه سبحانه في قوله {ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} [الأنفال: 30] فنجا ~~منهم أن يكون شيء منه بأيديهم إلا ما كان من الحصر في شعب أبي طالب ومن ~~الهجرة بأمر الحكيم العليم، ثم نصر الله يوسف عليه السلام على إخوته الذين ~~فعلوا به ذلك وملكه قيادهم، فكان في سوق قصته عقب الإخبار بأن المراد بهذه ~~القصص تثبيته صلى الله عليه وسلم # PageV10P002 # وتسلية ms2228 فؤاده إشارة إلى البشارة بما وقع له صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ~~من ملك قيادهم ورد عنادهم ومنه عليهم وإحسانه إليهم، وفي إشارتها بشارة بأن ~~المحسود يعان ويعلى إن عمل ما هو الأحرى به والأولى، ومن فوائد ذكرها ~~التنبيه على أن الحسد داء عظيم شديد التمكن في النفوس حتى أنه بعزم تمكنه ~~وكثرة مكانه وتعدد كائنه ربما غلب أهل الصلاح ألا من بادر منهم بالتوبة ~~داعي الفلاح، وتركت إعادتها دون غيرها من القصص صونا للأكابر عن ذكر ما ~~ربما أوجب اعتقاد نقص، أو توجيه طعن أو غمص، أو هون داء الحسد، عند ذي تهور ~~ولدد، وخللها سبحانه ببليغ الحكم وختمها بما أنتجت من ثبوت أمر القرآن ونفي ~~التهمة عن هذا النبي العظيم. # هذا مناسبة ما بين السورتين، وأما مناسبة الأول للآخر فإنه تعالى لما ~~أخبر في آخر تلك بتمام علمه وشمول قدرته، دل على ذلك أهل السبق من الفصاحة ~~والفوت في البلاغة في أول هذه بما فعل في # PageV10P003 # كلامه من أنه تعالى يقدر على أن يأتي بما تذهب الأفهام والعقول - على كر ~~الأزمان وتعاقب الدهور وتوالي الأيام وتمادي الليالي - في معناه كل مذهب ~~وتطير كل مطار مع توفر الدواعي واستجماع القوى، ولا تقف من ذلك على أمر ~~محقق ولا مراد معلوم وعلى أن يأتي بما يفهم بأوائل النظر أدنى معناه فهما ~~يوثق بأنه مراد، ثم لا يزال يبرز منه من دقائق المعاني كلما كرر التأمل ~~وتغلغل الفهم إلى حد يعلم أنه معجوز عن كل ما فيه من جليل معانيه ولطيف ~~مبانيه فقال تعالى: {الر} قال الروماني: لم تعد الفواصل لأنها لا تشاكل ~~رؤوس الآيات لأنها على حرفين، فأجريت مجرى الأسماء الناقصة، وإنما يؤم ~~بالفواصل التمام، وأما «طه» فيعد لأنه يشبه رؤوس آيها - انتهى. # وهذا قول من ذهب سهوا إلى أن السجع مقصود في القرآن، وهو قول مردود غير ~~معتد به كما مضى القول فيه في آخر سورة براءة، فإنه لا فرق بين نسبته إلى ~~أنه شعر وبين نسبته إلى ms2229 أنه سجع، لأن السجع صنع الكهان فيؤدي ذلك إلى ادعاء ~~أنه كهانة وذلك كفر لا شك فيه، وقد أطنبت فيه في كتابي مصاعد النظر، وبينت ~~مذاهب # PageV10P004 # العادين للآيات وأن مرجعها التوقيف مثل نقل القراءات سواء - والله ~~الهادي. # ولما ابتدئت السورة الماضية بأن هذا الكتاب محكم، وختمت بالحكمة المقصودة ~~من قص أنباء الرسل، وكان السياق للرد عليهم في تكذيبهم به في قوله {أم ~~يقولون افتراه} [سجدة: 3] ودل على أنه أنزل بعلمه، ابتدئت هذه لإتمام تلك ~~الدالة بالإشارة إلى ما له من علو المحل وبعد الرتبة، فعقب سبحانه هذه ~~المشكلة التي ألقاها بالأحرف المقطعة وبان أنها مع إشكالها عند التأمل ~~واضحة بقوله مشيرا إلى ما تقدم من القرآن وإلى هذه السورة: {تلك} أي الآيات ~~العظيمة العالية {آيات الكتاب} أي الجامع لجميع المرادات. # ولما تقدم أول سورتي يونس وهود وصفة بالحكمة والإحكام والتفصيل، وصف هنا ~~بأخص من ذلك فقال تعالى: {المبين*} أي البين في نفسه أنه جامع معجز لا ~~يشتبه على العرب بوجه، والموضح لجميع ما حوى، وهو جميع المرادات لمن أمعن ~~التدبر وأنعم التفكير، ولأنه من عند الله {ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق ~~الذي بين يديه} [يوسف: 111] و {موعظه وذكرى للمؤمنين} [هود: 120] ؛ ~~والبيان: إظهار المعنى للنفس بما يفصله # PageV10P005 # عن غيره وهو غرض كل حكيم في كلامه، ويزيد عليه البرهان بأنه إظهار صحة ~~المعنى بما يشهد به، وأبان - لازم متعد؛ ثم علل المبين بقوله معبرا ~~بالإنزال لأنه في سياق تكذيبهم به بخلاف ما عبر فيه بالجعل كما يأتي في ~~الزخرف: {إنا أنزلناه} بنون العظمة أي الكتاب المفسر بهذه السورة أو ~~بالقرآن كله {قرآنا} سمي بعضه بذلك لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض ~~{عربيا} وعلل إنزاله كذلك بقوله: {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا على رجاء من ~~أن تكونوا من ذوي العقل أو من أن تعقلوا ما يراد منكم؛ قال: أبو حيان و ~~«لعل» ترج فيه معنى التعليل. # وهذه الآية تدل على أن اللسان العربي أفصح الألسنة وأوسعها وأقوامها ~~وأعدلها، لأن من المقرر ms2230 أن القول - وإن خص بخطابه قوم - يكون عاما لمن ~~سواهم. # ولما بين أنه يقص عليه من أنباء الرسل ما يثبت به فؤاده، قال مثبتا ~~ومعللا بأنه الكتاب بعلة أخرى مشاهدة هي أخص من الأول: {نحن نقص عليك} وعظم ~~هذه القصة بمظهر العظمة وأكد ذلك بقوله تعالى: {أحسن القصص} أي الاقتصاص # PageV10P006 # أو المقصوص بأن نتبع بعض الحديث كما نعلمه بعضا فنبينه أحسن البيان - ~~لأنه من قص الأثر - تثبيتا لفؤادك وتصديقا لنبوتك وتأييدا على أحسن ترتيب ~~وأحكم نظام وأكمل أسلوب وأوفى تحرير وأبدع طريقة مع ما نفصلها به من جواهر ~~الحكم وبدائع المعاني من الأصول والفروع، وهي قصة يوسف عليه السلام قصة ~~طويلة هي في التوراة في نيف وعشرين ورقة لا يضبطها إلا حذاق أحبارهم، من ~~تأمل اقتصاصها فيها أو في غيرها من تواريخهم ذاق معنى قوله تعالى {أحسن ~~القصص} [يونس: 3] حتى لقد أسلم قوم من اليهود لما رأوا من حسن اقتصاصها، ~~روى البيهقي في أواخر الدلائل بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن ~~حبرا من اليهود دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وكان قارئا ~~للتوراة فوافقه وهو يقرأ سورة يوسف عليه السلام كما أنزلت على موسى عليه ~~السلام في التوراة فقال له الحبر: يا محمد! من علمكها؟ قال: الله علمنيها، ~~فرجع إلى اليهود فقال لهم: أتعلمون والله أن محمدا ليقرأ القرآن كما أنزل ~~في التوراة! فانطلق بنفر منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه بالصفة ونظروا إلى ~~خاتم النبوة بين كتفيه، فجعلوا يستمعون إلى قراءته لسورة يوسف، فتعجبوا منه ~~وقالوا: يا محمد! من علمكها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علمنيها ~~الله، فأسلم # PageV10P007 # القوم عند ذلك» . # وقد ضمنها سبحانه من النكت والعبر والحكم أمرا عظيما، وذكر فيها حسن ~~مجاورة يوسف عليه الصلاة والسلام لإخوته وصبره على أذاهم وحلمه عنهم ~~وإغضاءه عند لقائهم عن تبكيتهم وكرمه في العفو، والأنبياء والصالحين ~~والملائكة والشياطين والإنس والجن والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك ~~والتجار والعلماء والجهال والرجال والنساء ومكرهن والتوحيد والنبوة ms2231 ~~والإعجاز والتعبير والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش وجميع الفوائد التي ~~تصلح للدين والدنيا، وذكر الحبيب والمحبوب، ولم يدخل فيها شيئا من غيرها ~~دون سائر القصص، وكان عقابها إلى خير وسلامة واجتماع شمل وعفو من الله ~~وتجاوز عن الكل {بما أوحينا} أي بسبب إيحائنا {إليك} . # ولما كان إنزال القرآن مجمع الخيرات، عين المراد بالإشارة واسم العلم ~~فقال: {هذا القرآن} الذي قالوا فيه: إنه مفترى، فنحن نتابع فيه القصص بعد ~~قصة بعد قصة والحكم حكمة في أثر حكمة حتى لا يشك شاك ولا يمتري ممتر في أنه ~~من عندنا وبإذننا ويكون أمره في البعد من اللبس أظهر من الشمس. # ولما كانوا مع معرفتهم به صلى الله عليه وسلم عارفين بأنه كان # PageV10P008 # مباعدا للعلم والعلماء، وكان فعلهم في التكذيب فعل من ينكر ذلك، قال: ~~{وإن} أي وإن الشأن والحديث {كنت} ولما كان كونه لم يستغرق الزمان الماضي، ~~أثبت الجار فقال: {من قبله} أي هذا الكتاب أو إيحائنا إليك به {لمن ~~الغافلين} أي عن هذه القصة وغيرها، مؤكدا له بأنواع التأكيد، وهو ناظر إلى ~~قوله آخرها {وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} بعد التفاته عن كثب ~~إلى آخر التي قبلها {وما ربك بغافل عما تعملون} والحسن: معنى يتقبله العقل ~~ويطرق إلى طلب المتصف به أنواع الحيل، ومادة، غفل، بكل ترتيب تدور على ~~الستر والحجب، من الغلاف الذي يوضع فيه الشيء فلا ينظر منه شيئا ولا ينظره ~~شيء ما دام فيه، ومنه الغفلة - للجلدة التي التي على الكمرة، والغفل - ~~بالضم: ما لا علاقة له من الأرض، ودابة غفل، لا سمة لها، لأن عدم العلامة ~~مؤد إلى الجهل بها فكأنها في غلاف لا ينظر منه، ومنه رجل غفل: لا حسب عنده، ~~لأن ذلك أقرب إلى جهله، والتغفل: الختل، أي أخذ الشيء من غير أن يشعر، فقد ~~ظهر أن مقصود السورة وصف الكتاب بعد الحكمة والتفصيل بالإبانة عن جميع ~~المقاصد المنزل لها؛ وقال الإمام ابو جعفر بن الزبير: هذه السورة من جملة ~~ما قص # PageV10P009 # عليه صلى ms2232 الله عليه وسلم من أنباء الرسل وأخبار من تقدمه مما فيه التثبيت ~~الممنوح في قوله سبحانه وتعالى {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به ~~فؤادك} [هود: 120] ومما وقعت الإحالة عليه في سورة الأنعام - كما تقدم - ~~وإنما أفردت على حدتها ولم تنسق على قصص الرسل مع أنهم في سورة واحدة ~~لمفارقة مضمونها تلك القصص، ألا ترى أن تلك قصص إرسال من تقدم ذكرهم عليهم ~~الصلاة والسلام وكيفية تلقي قومهم لهم وإهلاك مكذبيهم، أما هذه القصة ~~فحاصلها فرج بعد شدة وتعريف بحسن عاقبة الصبر، فإنه تعالى امتحن يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام بفقد ابنيه وبصره وشتات بنيه، وامتحن يوسف عليه الصلاة ~~والسلام بالجب والبيع وامرأة العزيز وفقد الأب والإخوة والسجن، ثم امتحن ~~جميعهم بشمول الضر وقلة ذات اليد # {مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا} ~~[يوسف: 88] ثم تداركهم الله بالفهم وجمع شملهم ورد بصر أبيهم وائتلاف ~~قلوبهم ورفع ما نزع به الشيطان وخلاص يوسف عليه الصلاة والسلام من كيد كاده ~~واكتنافه بالعصمة وبراءته عند الملك والنسوه، وكل ذلك مما أعقبه جميل صبره ~~وجلالة اليقين في حسن تلقي الأقدار بالتفويض والتسليم على توالي الامتحان ~~وطول المدة، ثم انجر في أثناء هذه القصة الجليلة إنابة # PageV10P010 # امرأة العزيز ورجوعها إلى الحق وشهادتها ليوسف عليه الصلاة والسلام بما ~~منحه الله من النزاهة عن كل ما يشين، ثم استخلاص العزيز إياه - إلى ما انجر ~~في هذه القصة الجليلة من العجائب والعبر {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب} [يوسف: 111] فقد انفردت هذه القصة بنفسها ولم تناسب ما ذكر من قصص ~~نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسلام وما جرى في أممهم، ~~فلهذا فصلت عنهم، وقد أشار في سورة برأسها إلى عاقبة من صبر ورضى وسلم ~~ليتنبه المؤمنون على ما في طي ذلك، وقد صرح لهم مما أجملته هذه السورة من ~~الإشارة في قوله تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض} [النور: 55]- إلى قوله {آمنا} [النور: 55] وكانت ms2233 قصة ~~يوسف عليه الصلاة والسلام بجملتها أشبه شيء بحال المؤمنين في مكابدتهم في ~~أول الأمر وهجرتهم وتشققهم مع قومهم وقلة ذات أيديهم إلى أن جمع الله شملهم ~~{اذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا} [آل عمران: 103] وأورثهم الله الأرض وأيدهم ونصرهم، ذلك بجليل ~~إيمانهم وعظيم صبرهم، فهذا ما أوجب تجرد هذه القصة عن تلك القصص - والله ~~أعلم، وأما تأخر ذكرها عنها فمناسب لحالها ولأنها إخبار بعاقبة من آمن ~~واتعظ ووقف عند ما حد له، فلم يضره # PageV10P011 # ما كان، ولم تذكر إثر قصص الأعراف لما بقي من استيفاء تلك القصص الحاصل ~~ذلك في سورة هود؛ ثم إن ذكر أحوال المؤمنين مع من كان معهم من المنافقين ~~وصبرهم عليهم مما يجب أن يتقدم ويعقب بهذه القصة من حيث عاقبة الصبر والحض ~~عليه - كما مر، فأخرت إلى عقب سورة هود عليه الصلاة والسلام لمجموع هذا - ~~والله تعالى أعلم؛ ثم ناسبت سورة يوسف عليه الصلاة والسلام أيضا أن تذكر ~~إثر قوله تعالى {إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [هود: 114] ، ~~وقوله {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} [هود: 115] وقول {ولو شاء ربك ~~لجعل الناس أمة واحدة} ### | -[هود: 118] الآية، وقوله {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون} [هود: 121] فتدبر ذلك، إما نسبتها للأولى فإن ندم إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام واعترافهم بخطاء فعلهم وفضل يوسف عليه الصلاة والسلام عليهم # {لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين} [يوسف: 91] وعفوه عنهم {لا تثريب ~~عليكم اليوم يغفر الله لكم} [يوسف: 92] وندم امرأة العزيز وقولها {الآن ~~حصحص الحق} [يوسف: 51]- # الآية، كل هذا من باب إذهاب الحسنة السيئة، وكأن ذلك مثال # PageV10P012 # لما عرف المؤمنون من إذهاب الحسنة السيئة؛ وأما نسبة السورة لقوله تعالى ~~{واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} فإن هذا أمر منه سبحانه لنبيه عليه ~~الصلاة والسلام بالصبر على قومه، فأتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة ~~والسلام وما كان من أمرهما وصبرهما مع طول المدة وتوالى ms2234 امتحان يوسف عليه ~~الصلاة والسلام بالجب ومفارقة الأب والسجن حتى خلصه الله أجمل خلاص بعد طول ~~تلك المشقات، ألا ترى قول نبينا وقد ذكر يوسف عليه الصلاة والسلام فشهد له ~~بجلالة الحال وعظيم الصبر فقال «» ولو لبثت في السجن ما لبث اخي يوسف لأجبت ~~الداعي «فتأمل عذره له عليهما الصلاة والسلام وشهادته بعظيم قدر يوسف ~~عليهما الصلاة والسلام {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} ~~[هود: 120] . # لما قيل له {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} [هود: 115] أتبع بحال ~~يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام من المحسنين {ووهبنا له إسحاق ويعقوب} ~~[الأنعام: 84]- إلى قوله {وكذلك نجزي المحسنين} [الأنعام: 84] وقد شملت ~~الآية ذكر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام، ونبينا عليه أفضل الصلاة ~~والسلام قد أمر بالاقتداء في الصبر بهم، وقيل له {فاصبر # PageV10P013 # كما صبر أولو العزم من الرسل} [الأحقاف: 35] ويوسف عليه الصلاة والسلام ~~من أولي العزم؛ ثم إن حال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام - في صبرهما ~~ورؤية حسن عاقبة الصبر في الدنيا مع ما أعد الله لهما من عظيم الثواب - ~~أنسب شيء لحال نبينا عليه الصلاة والسلام في مكابدة قريش ومفارقة وطنه، ثم ~~تعقب ذلك بظفره بعدوه وإعزاز دينه وإظهار كلمته ورجوعه إلى بلده على حالة ~~قرت بها عيون المؤمنين وما فتح الله عليه وعلى أصحابه - فتأمل ذلك، ويوضح ~~ما ذكرنا ختم السورة بقوله تعالى {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد ~~كذبوا جاء نصرنا} [يوسف: 110] الآيه فحاصل هذا كله الأمر بالصبر وحسن عواقب ~~أولياء الله فيه؛ وأما النسبة لقوله {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا ~~يزالون مختلفين} [هود: 118] فلا أنسب لهذا ولا أعجب من حال إخوة فضلاء لأب ~~واحد من أنبياء الله تعالى وصالحي عباده جرى بينهم من التشتت ما جعله الله ~~عبرة لأولي الألباب؛ وأما النسبة لآية التهديد فبينة، وكأن الكلام في قوة ~~{اعملوا على مكانتكم - وانتظروا} [هود: 121] # PageV10P014 # فلن نصبر عليكم مدة صبر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام، فقد وضح بفضل ~~الله وجه ورود هذه ms2235 السورة عقب سورة هود - والله أعلم. انتهى. # PageV10P015 # ولما تم ما أراد تعالى من تعليل الوصف بالمبين أبدل من قوله «أحسن القصص» ~~قوله: {إذ} أي نقص عليك خبر إذ، أي خبر يوسف إذ {قال يوسف} أي ابن يعقوب ~~إسرائيل الله عليهما الصلاة والسلام {لأبيه} وبين أدبه بقوله - مشيرا بأداة ~~البعد إلى أن أباه عالي المنزلة جدا، وإلى أن الكلام الآتي مما له وقع ~~عظيم، فينبغي أن يهتم بسماعه والجواب عليه، وغير ذلك من أمره: {يأبت} تاءه ~~للتأنيث لأنه يوقف عليها عند بعض القراء بالهاء، وكسرتها عند من كسر دالة ~~على ياء الإضافة التي عوض عنها تاء التأنيث، واجتماع الكسرة معها كاجتماعها ~~مع الياء، وفتحها عند من فتح عوض عن الألف القائمة مقام ياء الإضافة. # ولما كان صغيرا، وكان المنام عظيما خطيرا، اقتضى المقام التأكيد فقال: ~~{إني رأيت} أي في منامي، فهو من الرؤيا التي هي رؤية في المنام، # PageV10P015 # فرق بين حال النوم واليقظة في ذلك بألف التأنيث {أحد عشر كوكبا} أي نجما ~~كبيرا ظاهرا جدا مضيئا براقا، وفي عدم تكرار هذه القصة في القرآن رد على من ~~قال: كررت قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تمكينا لفصاحتها بترادف ~~السياق، وفي تكرير قصصهم رد على من قال: إن هذه لم تكرر لئلا تفتر فصاحتها، ~~فكأن عدم تكريرها لأن مقاصد السور لم تقتض ذلك - والله أعلم. # ولما كان للنيرين اسمان يخصانهما هما في غاية الشهرة، قال معظما لهما: ~~{والشمس والقمر} ولما تشوفت النفس إلى الحال التي رآهم عليها، فكان كأنه ~~قيل: على أي حال؟ وكانت الرؤيا باطن البصر الذي هو باطن النظر، فكان ~~التعبير بها للإشارة إلى غرابة هذا الأمر، زاد في الإشارة إلى ذلك بإعادة ~~الفعل، وألحقه ضمير العقلاء لتكون دلالته على كل من عجيب أمر الرؤيا ومن ~~فعل المرتى الذي لا يعقل فعل العقلاء من وجهين فقيل: {رأيتهم لي} # PageV10P016 # أي خاصة {ساجدين *} أجراهم مجرى العقلاء لفعل العقلاء. فكأنه قيل: ماذا ~~قال له أبوه؟ فقيل: {قال} عالما بأن إخوته سيحسدونه على ما تدل ms2236 عليه هذه ~~الرؤيا إن سمعوها {يابني} فبين شفقته عليه، وأكد النهي بإظهار الإدغام ~~فقال: {لا تقصص رؤياك} أي هذه {على إخوتك} ثم سبب عن النهي قوله: {فيكيدوا} ~~أي فيوقعوا {لك كيدا} أي يخصك، فاللام للاختصاص. وفي الآية دليل على أنه لا ~~نهي عن الغيبة للنصيحة، بل هي مما يندب إليه؛ قال الرماني: والرؤيا: تصور ~~المعنى في المنام على توهم الإبصار، وذلك أن العقل مغمور بالنوم، فإذا تصور ~~الإنسان المعنى توهم أنه يراه؛ وقال الإمام الرازي في اللوامع: هي ركود ~~الحواس الظاهرة عن الإدراك والإحساس، وحركة المشاعر الباطنة إلى المدارك، ~~فإن للنفس الإنسانية حواس ظاهرة ومشاعر باطنة، فإذا سكنت الحواس الظاهرة ~~استعملت الحواس الباطنة في إدراك الأمور الغائبة، فربما تدركها على الصورة ~~التي هي عليها، فلا يحتاج إلى تعبير، وربما تراها في صورة محاكية مناسبة ~~لها فيحتاج إلى التعبير، مثال الأول رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل ~~المسجد الحرام، # PageV10P017 # والثاني كرؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام هذه. # وقال الرماني: والرؤيا الصادقة لها تأويل، والرؤيا الكاذبة لا تأويل لها ~~- انتهى. وهذا لمن ينام قلبه وهم من عدا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. # ولما كانت العادة جارية بأن شفقة الإخوة تمنع من مثل ذلك، علله تقريبا له ~~بقوله: {إن الشيطان} أي المحترق المبعد {للإنسان} أي عامة ولا سيما الأكابر ~~منهم {عدو مبين *} أي واضح العداوة وموضحها لكل واع فيوقع العداوة بما ~~يخيله من فوت الحظوظ بتركها، وفي الآية دليل على أن أمر الرؤيا مشكل، فلا ~~ينبغي أن تقص إلا على شفيق ناصح. # PageV10P018 # ولما علم يعقوب عليه الصلاة والسلام من هذه الرؤيا ما سيصير إليه ولده من ~~النبوة والملك قال: {وكذلك} أي قد اجتباك ربك للإطلاع على هذه الرؤيا ~~العظيمة الدالة على شرف وعز، ومثل ما اجتباك لها {يجتبيك} أي يختارك ويجمع ~~لك معالي الأمور {ربك} المربي لك بالإحسان للملك والنبوة {ويعلمك من} أي ~~بعض {تأويل الاحاديث} من الرؤيا وغيرها من كتب الله وسنن الأنبياء وغوامض ~~ما تدل عليه المخلوقات الروحانية والجسمانية، # PageV10P018 # لأن الملك ms2237 والنبوة لا يقومان إلا بالعلم والتأويل المنتهي الذي يصير إليه ~~المعنى، وذلك فقه الحديث الذي هو حكمة لأنه إظهار ما يؤول إليه أمره مما ~~عليه معتمد فائدته، وأكثر استعماله في الرؤيا {ويتم نعمته} بالنبوة {عليك} ~~بالعدل ولزوم المنهج السوي {وعلى آل يعقوب} أي جميع إخوتك ومن أراد الله من ~~ذريتهم، فيجعل نعمتهم في الدنيا موصولة بنعمة الآخرة، لأنه عبر عنهم في هذه ~~الرؤيا بالنجوم المهتدي بها، ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر وشرف، ~~وإضافته مقصورة على إعلام الناطقين، قال الراغب: وأما آل الصليب إن صح نقله ~~فشاذ، ويستعمل فيمن لا خطر له الأهل {كما أتمها على أبويك} . # ولما كان وجودهما لم يستغرق الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي من قبل ~~هذا الزمان؛ ثم بين الأبوين بجده وجد أبيه فقال: {إبراهيم} أي بالخلة ~~وغيرها من الكرامة {و} ولده {إسحاق} بالنبوة وجعل الأنبياء والملوك من ~~ولده، وإتمام النعمة: الحكم بدوامها على خلوصها من شائب فيها بنقصها. # ولما كان ذلك لا يقدر عليه إلا بالعلم المحيط بجميع الأسباب ليقام منها ~~ما يصلح، والحكمة التي بها يحكم ذلك السبب عن أن # PageV10P019 # يقاومه سبب غيره، وكان السياق بالعلم أولى لما ذكر من علم التأويل مع ما ~~تقدم من قوله آخر تلك {ولله غيب السماوات والأرض} [هود: 123] الآية وما ~~شاكل ذلك أول هذه، قال: {إن ربك عليم} أي بليغ العلم {حكيم *} أي بليغ ~~الحكمة، وهي وضع الأشياء في أتقن مواضعها. # ولما كان ذلك، توقع السامع له ما يكون بينه وبين إخوته هل يكتمهم الرؤيا ~~أو يعلمهم بها؟ وعلى كلا التقديرين ما يكون؟ فقال جوابا لمن كأنه قال: ما ~~كان من أمرهم؟ - مفتتحا له بحرف التوقع والتحقيق بعد لام القسم تأكيدا ~~للأمر وإعلاما بأنه على أتقن وجه -: {لقد كان} أي كونا هو في أحكم مواضعه ~~{في يوسف وإخوته} أي بسبب هذه الرؤيا وما كان من تأويلها وأسباب ذلك {آيات} ~~أي علامات عظيمة دالات على وحدانية الله تعالى ونبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وغير ذلك ms2238 مما تضمنته القصة {للسائلين *} أي الذين يسألون عنها من قريش ~~واليهود وغيرهم، وآيات عظمة الله وقدرته في تصديق رؤيا يوسف عليه الصلاة ~~والسلام ونجاته ممن كاده وعصمته # PageV10P020 # وإعلاء أمره، والمراد بإخوته هنا العشرة الذين هم من أبيه وهم: روبيل ~~وشمعان - بمعجمة أوله، ولاوي، ويهوذا، وزيلون - بزاي وموحدة، وإيساخار، ~~بهمزة مكسورة وتحتانية وسين مهملة وخاء معجمة، ودان - بمهملة، وجاد بجيم. # بينها وبين الكاف، وآشير - بهمزة ممدودة وشين معجمة ثم تحتانية ومهملة. ~~ونفتالي - بنون مفتوحة وفاء ساكنة ومثناة فوقانية ولام بعدها ياء. وشقيقه ~~بنيامين - بضم الموحدة، هكذا ذكرهم في التوراة، وحررت التلفظ بهم من ~~العلماء بها، وقد تقدم ذلك في البقرة بزيادة. والآية: الدلالة على ما كان ~~من الأمور العظيمة، ومثلها العلامة والعبرة، والحجة أخص منها، لأنها معتمد ~~البينة التي توجب الثقة بصحة المعنى الذي فيه أعجوبة. # ولما تقرر ذلك، ابتدأ بذكر الآيات الواقعة في ظرف هذا الكون فقال: {إذ ~~قالوا} أي كان ذلك حين قال الإخوة بعد أن قص الرؤيا عليهم وسول لهم الشيطان ~~- كما ظن يعقوب عليه الصلاة والسلام - مقسمين دلالة على غاية الاهتمام بهذا ~~الكلام، وأنه مما حركهم غاية التحريك، # PageV10P021 # أو هي لام الابتداء المؤكدة المحققة لمضمون الجملة {ليوسف وأخوه} أي ~~شقيقه بنيامين {أحب} وحددا لأن أفعل ما يستوي فيه الواحد وما فوقه مذكرا ~~كان أو مؤنثا إذا لم يعرف أو يضف {إلى أبينا منا} أي يحبهما أكثر مما ~~يحبنا؛ والحب: ميل يدعو إلى إرادة الخير والنفع للمحبوب بخلاف الشهوة، ~~فإنها ميل النفس ومنازعتها إلى ما فيه لذتها {و} الحال أنا {نحن عصبة} أي ~~أشداء في أنفسنا ويشد بعضنا بعضا، وأما هما فصغيران لا كفاية عندهما؛ ~~والعصبة من العشرة إلى الأربعين، فكأنه قيل: فكان ماذا؟ - على تقدير أن ~~يكونا أحب إليه، فقالوا مؤكدين لأن حال أبيهما في الاستقامة والهداية داع ~~إلى تكذيبهم: {إن أبانا لفي ضلال} أي ذهاب عن طريق الصواب في ذلك {مبين *} ~~حيث فضلهما علينا، والقرب المقتضي للحب في كلنا واحد، لأنا في البنوة سواء، ~~ولنا مزية ms2239 تقتضي تفضيلنا، وهي أنا عصبة، لنا من النفع له والذب عنه ~~والكفاية ما ليس لهما؛ قال الإمام أبو حيان: وأحب أفعل التفضيل، وهو مبني ~~من المفعول # PageV10P022 # شذوذا، ولذلك عدي ب «إلى» لأنه إذا كان ما تعلق به فاعلا من حيث المعنى ~~عدي إليه ب «إلى» وإذا كان مفعولا عدي إلية ب «في» ، تقول زيد أحب إلى عمرو ~~من خالد، فالضمير في «أحب» مفعول من حيث المعنى، وعمرو هو المحب، وإذا قلت: ~~زيد أحب في عمرو من خالد، كان الضمير فاعلا وعمرو هو المحبوب، ومن خالد - ~~في المثال الأول محبوب، وفي المثال الثاني فاعل، قال: والضلال هنا هو الهدى ~~- قاله ابن عباس رضي الله عنهما - انتهى. # PageV10P023 # ولما كان ذلك، وكان عندهم أن الشاغل الأعظم لأبيهم عنهم إنما هو حب يوسف ~~عليه الصلاة والسلام، وحب أخيه إنما هو تابع، كان كأنهم تراجعوا فيما بينهم ~~فقالوا: قد تقرر هذا، فما أنتم صانعون؟ فقالوا أو ما شاء الله منهم: ~~{اقتلوا يوسف} أصل القتل: إماتة الحركة بالسكون {أو اطرحوه أرضا} أوصلوا ~~الفعل بدون حرف ونكروها دلالة على أنها منكورة مجهولة بحيث يهلك فيها، وعنى ~~قائلهم بذلك: إن تورعتم عن مباشرة قتله بأيديكم. # ولما كان التقدير: إن تفعلوا ذلك، أجابه بقوله: {يخل لكم} أي خاصا بكم ~~{وجه أبيكم} أي قصده لكم وتوجهه إليكم وقصدكم # PageV10P023 # ونيتكم. ولما كان أهل الدين لا يهملون إصلاح دينهم لأنه محط أمرهم، ~~قالوا: {وتكونوا} أي كونا هو في غاية التمكن، ولما كانوا عالمين بأن الموت ~~لا بد منه. فهو مانع من استغراقهم للزمان الآتي، أدخلوا الجار فقالوا: {من ~~بعده} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {قوما} أي ذوي نشاط وقوة على محاولة ~~الأمور {صالحين} أي عريقين في وصف الصلاح مستقيمين على طريقة تدعو إلى ~~الحكمة بوقوع الألفة بينكم واستجلاب محبة الوالد بالمبالغة في بره وبالتوبة ~~من ذنب واحد يكون سببا لزوال الموجب لداء الحسد الملزوم لذنوب متصلة من ~~البغضاء والمقاطعة والشحناء، فعزموا على التوبة قبل وقوع الذنب فكأنه قيل: ~~إن هذا لمن أعجب ms2240 العجب من مطلق الأقارب فضلا عن الإخوة، فماذا قالوا عند ~~سماعه؟ فقيل: {قال} ولما كان السياق لأن الأمر كله لله، فهو ينجي من يشاء ~~بما يشاء، لم يتعلق القصد ببيان الذي كانت على يده النجاة، فقال مبهما ~~إشعارا بأنه يجب قول النصح من أي قائل كان، وأن الإنسان لا يحقر نفسه في ~~بذل النصح على أي حال كان: {قائل} ثم عينه بعض التعيين فقال: {منهم} أي ~~إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام {لا تقتلوا يوسف} لا بأيديكم ولا بالإلقاء ~~في المهالك، فإن القتل أكبر الكبائر بعد الشرك، وكأنه لم يكن في ناحيتهم ~~تلك غير جب واحد فعرفه فقال: {وألقوه} وكأنه كان فيه ماء # PageV10P024 # ومكان يمكن الاستقرار فيه ولا ماء به، فأراده بقوله: {في غيابت الجب} أي ~~غوره الغائب عن الأعين، فإن ذلك كاف في المقصود، وإنكم إن تفعلوا {يلتقطه ~~بعض السيارة} جمع سيار، وهو المبالغ في السير، هذا {إن كنتم} ولا بد ~~{فاعلين *} ما أردتم من تغييبه عن أبيه ليخلو لكم وجهه؛ والجب: البئر التي ~~لم تطو، لأنه قطع عنها ترابها حتى بلغ الماء، وعن أبي عمرو: إن هذا كان قبل ~~أن يكونوا أنبياء، فكأنه قيل: إن هذا لحسن من حيث إنه صرفهم عن قتله، فهل ~~استمروا عليه أو قام منهم قائم في استنزالهم عنه بعاطفة الرحم وود القرابة؟ ~~فقيل: بل استمروا لأنهم {قالوا} إعمالا للحيلة في الوصول إليه، مستفهمين ~~على وجه التعجب لأنه كان أحس منهم الشر، فكان يحذرهم عليه {يا أبانا ما لك} ~~أي أي شيء لك في حال كونك {لا تأمنا على يوسف و} الحال {إنا له لناصحون *} ~~والنصح دليل الأمانة وسببها، ولهذا قرنا في قوله # {ناصح أمين} [الأعراف: 68] والأمن: سكون النفس إلى انتفاء الشر، وسببه ~~طول الإمهال في الأمر الذي يجوز قطعة بالمكروة فيقع الاغترار بذلك الإمهال ~~من الجهال، وضده الخوف، وهو # PageV10P025 # انزعاج النفس لما يتوقع من الضر؛ والنصح: إخلاص العمل من فساد يتعمد، ~~وضده الغش، وأجمع القراء على حذف حركة الرفع في تأمن وإدغام نونه بعد ms2241 ~~إسكانه تبعا للرسم، بعضهم إدغاما محضا وبعضهم مع الإشمام، وبعضهم مع الروم، ~~دلالة على نفي سكون قلبه عليه عليهما الصلاة والسلام بأمنه عليه منهم على ~~أبلغ وجه مع أنهم أهل لأن يسكن إليهم بذلك غاية السكون، ولو ظهرت ضمة الرفع ~~عند أحد من القراء فات هذا الإيماء إلى هذه النكتة البديعة. # PageV10P026 # ولما كان هذا موضع أن يقال: لأي غرض يكون ذلك؟ قالوا في جوابه: {أرسله ~~معنا غدا} إلى مرعانا، إن ترسله معنا {يرتع} أي نأكل ونشرب في الريف ونتسع ~~في الخصب {ويلعب} أي نعمل ما تشتهي الأنفس من المباحات تاركين الجد، وهو كل ~~ما فيه كلفة ومشقة، فإن ذلك له سار {وإنا له لحافظون *} أي بليغون في ~~الحفظ؛ قال أبو حيان: وانتصب {غدا} على الظرف، وهو ظرف مستقبل يطلق على ~~اليوم الذي يلي يومك وعلى الزمن المستقبل من غير تقييد، وأصل غد غدو، فحذفت ~~لامه - أنتهى. فكأنه قيل: ماذا # PageV10P026 # قال لهم؟ فقيل: {قال} ما زاد صدورهم توغرا لأن ما قالوه له هو بحيث يسر ~~به لسرور يوسف عليه الصلاة والسلام به {إني ليحزنني} أي حزنا ظاهرا محققا - ~~بما أشار إليه إظهار النون وإثباته لام الابتداء {أن تذهبوا به} أي يتجدد ~~الذهاب به مطلقا - لأني لا أطيق فراقه - ولا لحظة، وفتح لهم بابا يحتجون به ~~عند فعل المراد بقوله جامعا بين مشقتي الباطن، والبلاء - كما قالوا - مؤكل ~~بالمنطق: {وأخاف} أي إذا ذهبتم به واشتغلتم بما ذكرتم {أن يأكله الذئب} أي ~~هذا النوع كأنه كان كثيرا بأرضهم {وأنتم عنه} أي خاصة {غافلين *} أي عريقون ~~في الغفلة لإقبالكم على ما يهمكم من مصالح الرعي؛ والحزن: ألم القلب مما ~~كان من فراق المحبوب، ويعظم إذا مان فراقه إلى ما يبغض؛ والأكل: تقطيع ~~الطعام بالمضغ الذي بعده البلع؛ فكأنه قيل: إن تلقيهم لمثل هذا لعجب، فماذا ~~قالوا؟ فقيل: {قالوا} مجيبين عن الثاني بما يلين الأب لإرساله، مؤكدين ~~ليطيب خاطره، دالين على القسم بلامه: {لئن أكله الذئب ونحن} أي والحال أنا ~~{عصبة} أي أشداء تعصب بعضنا ms2242 لبعض؛ وأجابوا القسم بما أغنى عن جواب الشرط: ~~{إنا إذا} أي إذا كان هذا {لخاسرون *} أي كاملون # PageV10P027 # في الخسارة لأنا إذا ضيعنا أخانا فنحن لما سواه من أموالنا أشد تضييعا؛ ~~وأعرضوا عن جواب الأول لأنه لا يكون إلا بما يوغر صدره ويعرف منه أنهم من ~~تقديمه في الحب على غاية من الحسد لا توصف، وأقله أن يقولوا: ما وجه الشح ~~بفراقه يوما والسماح بفراقنا كل يوم، وذلك مما يحول بينهم وبين المراد، ~~فكأنه قيل: إن هذا الكيد عظيم وخطب جسيم، فما فعل أبوهم؟ فقيل: أجابهم إلى ~~سؤلهم فأرسله معهم {فلما ذهبوا} ملصقين ذهابهم {به وأجمعوا} أي كلهم، وأجمع ~~كل واحد منهم بأن عزم عزما صادقا؛ والإجماع على الفعل: العزم عليه باجتماع ~~الدواعي كلها {أن يجعلوه} والجعل: إيجاد ما به يصير الشيء على خلاف ما كان ~~عليه، ونظيره التصيير والعمل {في غيابت الجب} فعلوا ذلك من غير مانع، ولكن ~~لما كان هذا الجواب في غاية الوضوح لدلالة الحال عليه ترك لأنهم إذا أجمعوا ~~عليه علم أنهم لا مانع لهم منه؛ ثم عطف على هذا الجواب المحذوف لكونه في ~~قوة الملفوظ قوله: {وأوحينا} أي بما لنا من العظمة {إليه} أي إلى يوسف عليه ~~الصلاة والسلام. # ولما كان في حال النجاة منها بعيدة جدا، أكد له قوله: # PageV10P028 # {لتنبئنهم} أي لتخبرنهم إخبارا عظيما على وجه يقل وجود مثله في الجلالة ~~{بأمرهم هذا} أي الذي فعلوه بك {وهم لا يشعرون} - لعلو شأنك وكبر سلطانك ~~وبعد حالك عن أوهامهم، ولطول العهد المبدل للهيئات المغير للصور والأشكال - ~~أنك يوسف - قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن وابن جريج على ما ~~نقله الرماني؛ والشعور: إدراك الشيء مثل الشعرة في الدقة، ومنه المشاعر في ~~البدن، وكان يوسف عليه الصلاة والسلام حين ألقوه في الجب ابن اثنتي عشرة ~~سنة - قاله الحسن، قالوا: وتصديق هذا أنهم لما دخلوا عليه ممتارين دعا ~~بالصواع فرضعه على يديه ثم نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان ~~لكم أخ من أبيكم يقال ms2243 له يوسف، وكان أبوكم يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به ~~وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيكم: أكله الذئب. # PageV10P029 # ولما كان من المعلوم أنه ليس بعد هذا الفعل إلا الاعتذار، عطف # PageV10P029 # على الجواب المقدر قوله: {وجاؤوا أباهم} دون يوسف عليه الصلاة والسلام ~~{عشاء} في ظلمة الليل لئلا يتفرس أبيهم في وجوههم إذا رآها في ضياء النهار ~~ضد ما جاؤوا به من الاعتذار، وقد قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن الحياء في ~~العينين، ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار. والآية دالة على ~~أن البكاء لا يدل على الصدق لاحتمال التصنع {يبكون *} والبكاء: جريان الدمع ~~في العين عند حال الحزن، فكأنه قيل: إنهم إذا بكوا حق لهم البكاء خوفا من ~~الله وشفقة على الأخ، ولكن ماذا يقولون إذا سألهم أبوهم عن سببه؟ فقيل: ~~{قالوا ياأبانا} . # ولما كانوا عالمين بأنه عليه الصلاة والسلام لا يصدقهم لما له من نور ~~القلب وصدق الفراسة ولما لهم من الريبة، أكدوا فقالوا: {إنا ذهبنا نستبق} ~~أي نوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منا في ذلك {وتركنا يوسف} أخانا {عند ~~متاعنا} أي ما كان معنا مما نحتاج إليه في ذلك الوقت من ثياب وزاد ونحوه ~~{فأكله} أي فتسبب عن انفراده أن أكله {الذئب وما} أي والحال أنك ما {أنت ~~بمؤمن لنا} أي من التكذيب، أي بمصدق {ولو كنا} أي كونا هو جبلة لنا {صادقين ~~*} أي من أهل الصدق والأمانة بعلمك، # PageV10P030 # لأنك لم تجرب علينا قط كذبا، ولا حفظت عنا شيئا منه جدا ولا لعبا. # ولما علموا أنه لا يصدقهم من وجوه منها ما هو عليه من صحة الفراسة لنور ~~القلب وقوة الحدس، ومنها أن الكذب في نفسه لا يخلو عن دليل على بطلانه، ~~ومنها أن المرتاب يكاد يعرب عن نفسه، أعملوا الحيلة في التأكيد بما يقرب ~~قولهم. فقال تعالى حاكيا عنهم: {وجاؤوا على قميصه} أي يوسف عليه الصلاة ~~والسلام {بدم كذب} أي مكذوب، أطلق عليه المصدر مبالغة لأنه غير مطابق ~~للواقع، لأنهم ادعوا أنه دم يوسف عليه الصلاة ms2244 والسلام والواقع أنه دم سخلة ~~ذبحوها ولطخوه بدمها - نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مجاهد. ~~قال: والدم: جسم أحمر سيال، من شأنه أن يكون في عروق الحيوان، وله خواص ~~تدرك بالعيان من ترجرج وتلزج وسهوكة، وروي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام ~~أخذ القميص منهم وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ~~ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق قميصه، وكان # PageV10P031 # القميص ثلاث آيات: دلالته على كذبهم، ودلالته على صدق يوسف عليه الصلاة ~~والسلام في قده من دبر، وعود البصر إلى أبيه به، فكأنه قيل: هل صدقهم؟ ~~فقيل: لا! لأن العادة جرت في مثله أنه لا يأكله كله، فلا بد من أن يبقى منه ~~شيء يعرف معه أنه هو، ولو كان كذلك لأتوا به تبرئة لساحتهم وليدفنوه في ~~جبانتهم مع بقية أسلافهم، وقد كان قادرا على مطالبتهم بذلك، ولكنه علم أنهم ~~ما قالوا ذلك إلا بعد عزم صادق على أمور لا تطاق، فخاف من أن يفتح البحث من ~~الشرور أكثر مما جاؤوا به من المحذور، بدليل قوله بعد ذلك # {فتحسسوا من يوسف وأخيه} [يوسف: 87] ونحو ذلك، فكأنه قيل: فماذا قال؟ ~~فقيل: {قال بل} أي لم يأكله الذئب، بل {سولت} أي زينت وسهلت، من السول وهو ~~الاسترخاء {لكم أنفسكم أمرا} أي عظيما أبعدتم به يوسف {فصبر} أي فتسبب عن ~~ذلك الفادح العظيم أنه يكون صبر {جميل} منى، وهو الذي لا شكوى معه للخلق ~~{والله} أي المحيط علما وقدرة {المستعان} أي المطلوب منه العون {على} ~~احتمال {ما تصفون *} من هلاك يوسف عليه الصلاة والسلام، ولا يقال: إنهم ~~بهذا أجمعوا أوصاف المنافق «إذا وعد # PageV10P032 # أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان» لأن هذا وقع منهم مرة، والمنافق ~~يكون ذلك فعله دائما أو في أغلب أحواله، ومادتا سول بتقاليبها الخمسة: ولس ~~وسلا ووسل ولوس وسول، وسيل بتقاليبها الخمسة: لسي ويسل وسيل وسلي وليس، ~~تدوران على ما يطمع فيه من المراد، ويلزمه رغد العيش والزينة ms2245 وبرد القلب ~~والشدة والرخاوة والعلاج والمخادعة والملازمة، فمن الرجاء للمراد: السول - ~~بالواو، وقد يهمز، وهو المطلوب؛ والوسيلة: الدرجة والمنزلة عند الملك، قال ~~القزاز: وقيل: توسلت وتوصلت - بمعنى، والوسيلة: الحاجة، ووسل فلان - إذا ~~طلب الوسيلة؛ واللؤس: الظفر؛ ومن العمل والعلاج: توسل بكذا - أي تقرب، ~~واللوس: الأكل، ولاس الشيء في فيه بلسانه - إذا أداره، وولست الناقة في ~~مشيتها تلس ولسانا: تضرب من العنق؛ ومن رغد العيش: فلان في سلوة من العيش، ~~أي رغد يسليه الهم، ومنه السلوى، وهي طائر معروف، وهي أيضا العسل، وأسلي ~~القوم: إذا أمنوا السبع: # PageV10P033 # ومن الزينة: سولت له نفسه كذا، أي زينته فطلبه؛ ومن برد القلب: سلوت عن ~~الشيء: إذا تركه قلبك وكان قد صبا به، وسقيتني منك سلوة، أي طيبت نفسي عنك، ~~والليس - محركا: الغفلة، والأليس: الديوث لا يغار، والحسن الخلق، وتلايس ~~عنه: أغمض؛ ومن الرخاوة: السلي الذي يكون فيه الولد، وهو يائي تقول منه: ~~سليت الشاة كرضى سلي: انقطع سلاها، ومنه السول، وهو استرخاء في مفاصل ~~الشاة، والسحاب الأسول: الذي فيه استرخاء لكثرة مائه، والأسول: المسترخي، ~~ومنه: ليس أخت كان - لأن الشيء إذا زاد في الرخاوة ربما عد عدما، ومنه: سال ~~- بمعنى: جرى، والسائلة من الغرر: المعتدلة في قصبة الأنف، وأسال غرار ~~النصل: أطاله، والسيلان - بالكسر: سنخ قائم السيف، والسيالة: نبات له شوك ~~أبيض طويل، إذا نزع خرج منه اللبن، أو ما طال من السمر؛ ومن المخادعة: ~~الولس، وهي الخيانة، والموالسة: المداهنة، والتوسل: السرقة؛ ومن اللزوم: ~~الليس - محركا والمتلايس: البطيء، وهو أيضا من الرخاوة، والأليس: من لا ~~يبرح منزله؛ ومن الشدة: # PageV10P034 # الليس - محركا وهو الشجاعة، وهو أليس، والأليس: البعير يحمل ما حمل، ~~والأسد، ووقعوا في سلي جمل: أمر صعب، لأن الجمل لا سلي له، وانقطع السلي في ~~البطن مثل كبلغ السكين العظم، ويمكن أن يكون من الشدة أيضا: اليسل - بفتح ~~وسكون - وهم يد أي جماعة من قريش الظواهر، والبسل - بالباء الموحدة: اليد ~~الأخرى، ولسا: أكل أكلا شديدا. # PageV10P035 # ولما تم أمرهم هذا وشبوا على أبيهم عليه السلام ms2246 نار الحزن، التفتت النفس ~~إلى الخبر عن يوسف عليه الصلاة والسلام فيما أشار إليه قوله: {لتنبئنهم} ~~[يوسف: 15] الآية، فقال تعالى مخبرا عن ذلك في أسبابه: {وجاءت سيارة} أي ~~قوم بليغو السير إلى الأرض التي ألقوا يوسف عليه الصلاة والسلام في جبها ~~{فأرسلوا واردهم} أي رسولهم الذي يرسلونه لأجل الإشراف على الماء إلى الجب ~~ليستقي لهم {فأدلى} فيه {دلوه} أي أرسلها في البئر ليملأها - وأما «دلى» ~~فأخرجها ملأى - فاستمسك بها يوسف عليه الصلاة والسلام فأخرجه، فكأنه # PageV10P035 # قيل: ماذا قال حين أدلى للماء فتعلق يوسف بالحبل فأطلعه فإذا هو بإنسان ~~أجمل ما يكون؟ فقيل: {قال} أي الوارد يعلم أصحابه بالبشرى {يابشرى} أي هذا ~~أوانك فاحضري، فكأنه قيل: لم تدعوا البشرى؟ فقال: {هذا غلام} فأتى به إلى ~~جماعته فسروا به كما سر {وأسروه} أي الوارد وأصحابه {بضاعة} أي حال كونه ~~متاعا بزعمهم يتجرون فيه {والله} أي المحيط علما وقدرة {عليم} أي بالغ ~~العلم {بما يعملون *} وإن أسروه؛ قال أبو حيان ونعم ما قال: وتعلقه بالحبل ~~يدل على صغره إذ لو كان ابن ثمانية عشر أو سبعة عشر لم يحمله الحبل غالبا، ~~ولفظة «غلام» ترجع ذلك إذ تطلق عليه ما بين الحولين إلى البلوغ حقيقة، وقد ~~تطلق على الرجل الكامل - انتهى. # ولما كان سرورهم به - مع ما هو عليه من الجمال والهيبة والجلال - مقتضيا ~~لأن ينافسوا في أمره ويغالوا بثمنه، أخبر تعالى أنهم لم يفعلوا ذلك ليعلم ~~أن جميع أموره على نسق واحد في خرقها # PageV10P036 # للعوائد فقال: {وشروه} أي تمادي السيارة ولجوا في إسرارهم أياه بضاعة حتى ~~باعوه من العزيز، ولمعنى التمادي عبر ب «شرى» دون «باع» ، ويمكن أن يكون ~~«شرى» بمعنى اشترى، أي واشتراه السيارة من إخوته {بثمن} وهو البدل من الذهب ~~أو الفضة، وقد يقال على غيره تشبيها به {بخس} أي قليل، ومادة «شرى» - يائية ~~بتقاليبها الثلاثة: شرى، وشير، وريش، وواويه بتراكيبها الستة: شور، وشرو، ~~ووشر، وورش، ورشو، وروش، ومهموزة بتراكيبها الثلاثة: أرش، وأشر، ورشأ - ~~تدور على اللجاجة، وهي التمادي في الانتشار، ms2247 ويلزمه تبيين ذلك الأمر، ~~ويلزمها القوة تارة والضعف أخرى، فمن مطلقة: شريت الشيء، بمعنى ملكته ~~بالبيع، وشريته، بمعنى: أزلت ملكي عنه به، وكذا اشتريت فيهما، والاسم ~~الشراء بالمد ويقصر، فحصل التمادي والانتشار تارة بالإزالة وتارة بالتحصيل، ~~وكل من ترك شيئا وتمسك بغيره فقد اشتراه، وشاراه مشاراه: بايعه، وشروى ~~الشيء: مثله واوه مبدلة من ياء كأنه مأخوذ من بدل المبيع لأنه يتحرى فيه ~~المماثلة، وهو أوسع مما لم يوجد له مثل، وشرى # PageV10P037 # البرق: استطار، وزيد: غضب ولج حتى استطار غضبا، والفرس في سيره: بالغ، ~~واستشرى الرجل: لج، والبرق: لمع، والمشاراة: الملاحة والمجادلة والمبايعة، ~~والشرية - كغنية: الطريقة والطبيعة، وكأن هذا أصل المعنى الذي عنه تفرعت ~~أغصانه، لأن الطبع مظنة الدجاج، وشرى الثوب واللحم والإقط: شررها، أي وضعها ~~على خصفة أو غيرها منشورة لتجف، وشرى فلانا: سخر به أو أرغمه، كأنه تمادى ~~معه حتى قهره، وشرى بنفسه عن القوم: تقدم بين أيديدهم فقاتل عنهم، أو إلى ~~السلطان فتكلم عنهم، والشرى - كعلي: الجبل - لانتشاره علوا، والطريق - ~~للانتشار فيه، وطريق بسلمى كثيرة الأسد، وجبل بتهامه كثير السباع - ~~لانتشارها فيه أو لأن الساتر فيه أقوى الناس وألجهم، وجبل بنجد لطيىء، ~~والناحية، ويمد، وأشراه: ملاه، وأماله - لما يلزم من انتشار ما فيه، وأشرى ~~الجمل: تفلقت عقيقته، أي صوفه، وبينهم: أغرى، وشرى البعير في سيره؛ أسرع، # PageV10P038 # وشرى الفرس في لجامه - إذا جذبه، والشرية كغنية: من النساء اللاتي يلدن ~~الإناث، كأنها تمادت في الميل مع طبعها: الأنوثة، فلجت فيه، أو هو راجع إلى ~~الضعف اللازم للحاجة، والمشتري: نجم لتلألؤه، وطائر - للمعه بجناحه ~~وانتشاره، واشرورى: اضطرب، وشرى زمام الناقة: كثر اضطرابه، هو من الانتشار ~~ومن الضعف، واستشرت الأمور: تفاقمت وعظمت، وشرى جلده: أصابه بثور صغار حمر ~~حكاكة مكربة تحدث دفعة غالبا وتشتد ليلا، كأنها سميت لانتشارها في جميع ~~البدن وقوتها، وتشرى القوم: افترقوا، وتشرى السحاب: تفرق، والشرى: شجر ~~الحنظل أو الحنظل نفسه، والنخل ينبت من النواة، كأنه لنباته بغير سبب آدمي ~~لجوج، والشريان من شجر القسي، كأنه لقوته ونشره السهام ms2248 إذا رميت عنه، وواحد ~~الشرايين للعروف النابضة، لقوتها وانتشارها؛ وشيار - بالكسر: يوم السبت، ~~لأنه أول يوم ابتدئت فيه # PageV10P039 # الخلائق، فكأنها انتشرت عنه؛ والريش بالكسر - من الطائر معروف كالراش - ~~لأنه منتشر في جميع بدنه، وله قوة نشره متى شاء، وهو سبب صلاحه وقوته على ~~الانتشار في الهواء، ومنه الريش والرياش: اللباس الفاخر، والخصب والمعاش، ~~وذات الريش: نبات كالقيصوم، وراش الصديق: أطعمة وسقاه وكساه وأصلح حاله، ~~وكلا ريش - كهين وهين: كثير الورق، والريش - محركا: كثرة الشعر في الأذنين ~~والوجه، والمريش - كمعظم: البعير الأزب، ورشت السهم: فوقته، أي ألزقت عليه ~~الريش عند فوقه، فكان له بذلك قوة الانتشار، ورمح راش: خوار شبه بالريش ~~صعفا، والمريش: الرجل الضعيف الصلب، وهو أيضا: البرد الموشى، لتلونه ~~كالريش، وهو أيضا: القليل اللحم، وناقة مريشة: قليلة اللحم، لأن ذلك أقوى ~~لها على # PageV10P040 # السير، والمريش أيضا: الهودج المصلح بالقد، لأن ذلك سبب قوته، وهو له ~~كالريش والعصب، والشوار والشورة والشارة: الحسن والجمال والهيئة واللباس ~~والسمن والزينة، واستشار فلان: لبس لباسا حسنا، كأنه من الريش، ولأنها ~~ملزومة اللجاج والانتشار غالبا، واستشارات الإبل وأخذت مشوارها: سمنت، ~~والمشوار - بالكسر: المكان تعرض فيه الدواب، وشارها: راضها، أي انتشر بها ~~لتقوى على ما يراد منها، وشار العسل واستشاره: استخرجه من الوقبة - ~~للمبالغة في ذلك، والشرو - مقدم الراء بالفتح ويكسر: العسل، والمشوار: ما ~~شاره به، وما أبقت الدابة من علفها - معرب، كأنه شبه بما يبقى من مشار ~~العسل مما لا يعتد به، أو أصله: نشوار - بالنون، فأبدلت منها الميم ~~لتقاربهما، فإن كان كذلك فهو نشر، والشوار - مثلثة: متاع البيت، لانتشاره ~~فيه، وذكر الرجل وخصياه واسته، لما ينتشر من كل منها، وشور بفلان: فعل به ~~فعلا يستحي منه، كأنه لج في ذلك حتى قطع انتشاره في الاعتذار، وتشور الرجل: ~~خجل، # PageV10P041 # كأنه مطاوع شورته، وشور إليه: أومأ كأشار - لنشر ما أشار به، وأشار ~~النار: رفعها، والشوران: العصفر - للمعه، وجبل قرب عقيق المدينة، فيه مياه ~~سماء كثيرة، لقوته على إمساكها وقوة من يقيم فيه بها على الانتشار فيه، ms2249 ~~وخيل شياء: سمان حسان، والشورة - بالضم الناقة السمينة، لقوتها على ~~الانتشار، وبالفتح: الخجلة، لانتشارها وعلوها، وأشرت عليه بكذا: أمرته ~~للانتشار في الكلام قبل الإشارة للوقوع على الرأي، والاسم: المشورة، أو هو ~~من الإشارة التي هي تحريك اليد أو الحاجب ونحوهما نحو المشار إليه، والرشوة ~~- مثلثة: الجعل، ورشاه: أعطاه إياها، فنشره للفعل، ولا يفعل ذلك إلا من لج ~~في الأمر، ويمكن رده إلى الضعف، والرائش: السفير بين الراشي والمرتشي، ~~واسترشى: طلب الرشوة، والفصيل: طلب الرضاع، وأرشية اليقطين والحنظل: ~~خيوطهما، # PageV10P042 # لانتشارها، وشبهها بالرشاء - بالكسر والمد، وهو الحبل، والرشى كغنى، ~~الفصيل والبعير يقف فيصيح الراعي: ارشه ارشه، أو أرشه أرشه، فيحك خورانه، ~~أي مبعره بيده فيعدو، وقال ابن فارس: والخوران: مجرى الروث في الدابة، ~~وأرشى: فعل ذلك، والقوم في دمه: شركوا، لأن ذلك انتشار، وبسلاحهم فيه: ~~أشرعوه، والرشاة: نبت يشرب للمشي؛ ومن مهموزه: رشأ: جامع، ولا ألج من ~~المتهيىء للجماع، وفيه الانتشار أيضا، ورشأت الظبية: ولدت، والرشأ - ~~بالتحريك اسم للظبي إذا قوي ومشى مع أمه، فيكون حينئذ أهلا للانتشار ~~واللجاج في الجري، والرشأ أيضا: شجرة تسمو فوق القامة، وعشبة كالقرنوة، ~~بالقاف، كأنها شديدة الحرافة فشبهت باللجوج، لأن القرنوة يدبغ بها - انتهى ~~المهموز. # ووشر الخشبة بالميشار - غير مهموز، لغة في: أشرها - إذا نشرها، أي فرقها ~~باثنين أو أكثر، والوشر أيضا: تحديد المرأة أسنانها وترقيقها، # PageV10P043 # وهو من القوة واللمعان والتفريق، والمؤتشرة التي تسأل أن يفعل بها ذلك، ~~وموشر العضدين - ويهمز: الجعل، لأن أعضاده كالمنشرة حزوزا؛ ومن مهموزه: أشر ~~- بالكسر، أي مرح، أي ازدرى الخلق وعاملهم معاملة المستهين بهم، فظلمهم ولج ~~في عتوه، وناقة مئشير: نشيطة، وأشر الاسنان: تحزيزها - تشبيها لها بأسنان ~~المئشار الذي يقطع به الخشب ونحوه قطعا سريعا، فهو كفعل اللجوج - انتهى ~~المهموز؛ وورش الطعام: تناوله وأكل شديدا حريصا، وطمع وأسف لمداق الأمور، ~~لأن ذلك لا يكون إلا عن تماد ولجاج، وورش فلان بفلان: أغراه، وورش عليهم: ~~دخل وهم يأكلون ولم يدع، وورش اسم شيء يصنع من اللبن، لأنه انتشر عن أصل ~~خلقته، والورش ms2250 - بالتحريك: وجع في الجوف، وككتف: النشيط الخفيف من الإبل ~~وغيرها، وهي بهاء، والتوريش: التحريش، والورشان: طائر. # ومن # PageV10P044 # مهموزه الأرش، وهي الدية، لأنها يلج في طلبها والرضى بها وأكثر ما يتعاطى ~~من أمرها، وهو أيضا الرشوة، وما نقص العيب من الشيء - قال في القاموس، لأنه ~~سبب للارش والخصومة، وبينهما أرش، أي اختلاف وخصومة، والأرش: الإغراء ~~والإعطاء، لأن المعطي يغلب نفسه، فكأنه خاصمها فلج حتى غلبها، والأرش: ~~الخلق، لأنه منشأ اللجاج، يقال: ما أدري أي الأرش هو؟ أي الخلق، والمأروش: ~~المخلوق، وآرش - كصاحب: جبل - انقضى المهموز. والروش: الأكل الكثير، والأكل ~~القليل - ضد، وفهو من التمادي والضعف الذي ربما نشأ من التمادي مع شبهه ~~بالريش، وجمل راش: كثير شعر الأذن؛ ومن التبيين: شار الدابة - إذا ركبها ~~عند العرض على مشتريها، وشورها: نظر كيف مشوارها، أي سيرها، أو بلاها ينظر ~~ما عندها # PageV10P045 # أو قلبها وكذا الأمة، واستشار الفحل الناقة: كرفها فنظر إليها ألاقح هي ~~أم لا؟ واستشار أمر فلان: تبين، والمستشير: من يعرف الحائل من غيرها، وهو ~~يرجع إلى التمادي، لأنه لولاه ما عرف الأمر؛ ومن الضعف: راشاه: حاباه ~~وصانعه، وترشاه: لاينه، وإنك لمسترش لفلان: مطيع له تابع لمسرته، وهو من ~~الرشوة، وجمل راش: ضعيف الصلب، وكذا رمح راش، وهي بهاء، وراشه المرض: ضعفه، ~~كأنه من الريش، وكل ذلك يرجع بعد التأمل إلى التمادي - والله أعلم. # ومادة «بخس» بكل ترتيب من بخس وخبس وسبخ وسخب تدور على القلة، ويلزمها ~~الأخذ بالكف: بخسته حقه: نقصته فجعلته أقل مما كان، والبخس: فقء العين، فهو ~~نقص خاص، والبخس: أرض تنبت بلا سقي، كأنه لقلة ما نبت بها بالنسبة إلى أرض ~~السقي، والبخس: المكس، وسبخت عن فلان: خففت عنه، والسبخة: أرض ملحة، لقلة ~~نبتها ونفعها، وسبخت القطن - إذا قطعته، # PageV10P046 # فصارت جملته قليلة؛ والتسبيخ: ما يسقط من ريش الطائر - لنقصه منه، ~~والتسبيخ: النوم الشديد - لنقصه صاحبه وتخفيفه ما عنده من الثقل؛ ومن ذلك ~~الخبس، وهو الأخذ بالكف - وهو لازم للقلة، ومنه قيل للأسد: الخابس، لأخذه ~~ما يريده بكفه؛ والسخاب: ms2251 قلادة من قرنفل ليس فيها جوهر ولا لؤلؤ. # ولما كان البخس القليل الناقص، أبدل منه - تأكيدا للمعنى تسفيها لرأيهم ~~وتعجيبا من حالهم - قوله: {دراهم} أي لا دنانير {معدودة} أي أهل لأن تعد، ~~لأنه لا كثره لها يعسر معها ذلك، روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها كانت ~~عشرين درهما {وكانوا} أي كونا هو كالجبلة {فيه} أي خاصة دون بقية متاعهم، ~~انتهازا للفرصة فيه قبل أن يعرف عليهم فينزع من أيديهم {من الزاهدين *} أي ~~كمال الزهد حتى رغبوا عنه فباعوه بما طف، والزهد: انصراف الرغبة عن الشيء ~~إلى ما هو خير منه عند الزاهد، وهذا يعين أن الضمير للسيارة لأن حال إخوته ~~في أمره فوق الزهد بمراحل، فلو كان لهم لقيل: وكانوا له من المبعدين أو ~~المبغضين، ونحو ذلك. # PageV10P047 # ولما كانت العادة جارية بأن القن يمتهن، أخبر تعالى أنه أكرمه عن هذه ~~العادة فقال منبها على أن شراءه كان بمصر: {وقال الذي اشتراه} أي أخذه ~~برغبة عظيمة، ولو توقفوا عليه غالى في ثمنه {من مصر} أي البلدة المعروفة، ~~والتعبير بهذا دون ما هو أخصر منه للتنبيه على أن بيعه ظلم، وأنه لم يدخل ~~في ملك أحد أصلا {لامرأته} آمرا لها بإكرامه على أبلغ وجه {أكرمي مثواه} أي ~~موضع مقامه، وذلك أعظم من الأمر بإكرامه نفسه، فالمعنى: أكرميه إكراما ~~عظيما بحيث يكون ممن يكرم كل ما لابسه لأجله، ليرغب في المقام عندنا. ولما ~~كانت كأنها قالت: ما سبب إيصائك لي بهذا دون غيره؟ استأنف قوله: {عسى أن} ~~أي إن حاله خليق وجدير بأن {ينفعنا} أي وهو على اسم المشتري {أو نتخذه} أي ~~برغبة عظيمة إن رأيناه أهلا {ولدا} فأنا طامع في ذلك. # ولما أخبر تعالى بمبدأ أمره، وكان من المعلوم أن هذا إنما هو لما مكن له ~~في القلوب مما أوجب توقيره وإجلاله وتعظيمه، أخبر تعالى بمنتهى أمره، مشبها ~~له بهذا المضمون المعلم به فقال: {وكذلك} أي مثل ما مكنا ليوسف بتزهيد ~~السيارة: أهل البدو تارة، وإكرام مشتريه ومنافسته فيه أخرى ms2252 {مكنا ليوسف في ~~الأرض} # PageV10P048 # أي أرض مصر التي هي كالأرض كلها لكثرة منافعها بالملك فيها لتمكنه من ~~الحكم بالعدل {و} بالنبوة {لنعلمه} بما لنا من العظمة {من تأويل الأحاديث} ~~أي بترجيعها من ظواهرها إلى بواطنها، فأشار تعالى إلى المشبه به مع عدم ~~التصريح به لما دل عليه من السياق، وأثبت التمكين في الأرض ليدل على لازمه ~~من الملك والتمكين من العدل، وذكر التعليم ليدل على ملزومه وهو النبوة، فدل ~~أولا بالملزوم على اللازم، وثانيا باللازم على الملزوم، وهو كقوله تعالى: ~~{فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة} [آل عمران: 13] فهو احتباك أو قريب ~~منه. # ولما كان من أعجب العجب أن من وقع له التمكين من أن يفعل به مثل هذه ~~الأفعال يتمكن من أرض هو فيها مع كونه غريبا مستبعدا فردا لا عشيرة له فيها ~~ولا أعوان، قال تعالى نافيا لهذا العجب: {والله} أي الملك الأعظم {غالب على ~~أمره} أي الأمر الذي يريده، غلبة ظاهر أمرها لكل من له بصيرة: أمر يعقوب ~~يوسف عليهما # PageV10P049 # الصلاة والسلام أن لا يقص رؤياه حذرا عليه من إخوته، فغلب أمره سبحانه ~~حتى وقع ما حذره، فأراد إخوته قتله فغلب أمره عليهم، وأرادوا أن يلتقطه بعض ~~السيارة ليندرس اسمه فغلب أمره سبحانه وظهر اسمه واشتهر، ثم باعوه ليكون ~~مملوكا فغلب أمره تعالى حتى صار ملكا وسجدوا بين يديه، ثم أرادوا أن يغروا ~~أباهم ويطيبوا قلبه حتى يخلو لهم وجهه فغلب أمره تعالى فأظهره على مكرهم، ~~واحتالت عليه امراة العزيز لتخدعه عن نفسه فغلب أمره سبحانه فعصمه حتى لم ~~يهم بسوء، بل هرب منه غاية الهرب، ثم بذلت جهدها في إذلاله وإلقاء التهمة ~~عليه فأبى الله إلا إعزازه وبراءته، ثم أراد يوسف عليه الصلاة والسلام ذكر ~~الساقي له فغلب أمره سبحانه فأنساه ذكره حتى مضى الأجل الذي ضربه سبحانه، ~~وكم من أمر كان في هذه القصة وفي غيرها يرشد إلى أن لا أمر لغيره سبحانه! ~~{ولكن أكثر الناس} أي الذين هم أهل الاضطراب {لا يعلمون} لعدم ms2253 التأمل أنه ~~تعالى عال على كل أمر، وأن الحكم له وحده، لاشتغالهم بالنظر في الظواهر ~~للأسباب التي يقيمها، فهو سبحانه محتجب عنهم بحجاب الأسباب. # ذكر ما مضى من قصة يوسف عليه الصلاة والسلام من التوراة: # PageV10P050 # قال في أواخر السفر الثاني منها: كان يوسف بن يعقوب ابن سبع عشرة سنه، ~~وكان يرعى الغنم مع إخوته، وكان إسرائيل يحب يوسف أكثر من حبه إخوته، لأنه ~~ولد على كبر سنه، فاتخذ له قميصا ذا كمين، فرأى إخوته أن والدهم أشد حبا له ~~منهم، فأبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلموه بالسلام، فرأى رؤيا قصها على إخوته ~~فقال لهم: اسمعوا هذه الرؤيا التي رأيت، رأيت كأنا نحزم حزما من الزرع في ~~الزراعة، فإذا حزمتي قد انتصبت وقامت، وإذا حزمكم قد أحاطت بها تسجد لها، ~~قال له إخوته: أترى تملكنا وتتسلط علينا؟ وازدادوا له بغضا لرؤياه وكلامه، ~~فرأى رؤيا أخرى فقال: إني رأيت رؤيا أخرى، رأيت كأن الشمس والقمر وأحد عشر ~~كوكبا يسجدون لي، فقصها على أبيه وإخوته، فزجره أبوه وقال له: ما هذه ~~الرؤيا؟ هل آتيك أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض؟ # PageV10P051 # فحسده إخوته، وكان أبوه يحفظ هذه الأقاويل. # وانطلق إخوة يوسف يرعون غنمهم في نابلس فقال إسرائيل ليوسف: هو ذا إخوتك ~~يرعون في نابلس، هلم أرسلك إليهم! فقال: هأنذا! فقال أبوه: انطلق فانظر كيف ~~إخوتك وكيف الغنم؟ وائتني بالخبر، فأرسله يعقوب عليه الصلاة والسلام من قاع ~~حبرون، فأتى إلى نابلس، فوجده رجل وهو يطوف في الحقل فسأله الرجل وقال: ما ~~الذي تطلب في الحقل؟ فقال أطلب إخوتي، دلني عليهم أين يرعون؟ قال له الرجل: ~~قد ارتحلوا من هاهنا، وسمعتهم يقولون: ننطلق إلى دوثان، فتبع يوسف إخوته ~~فوجدهم بدوثان، فرأوه من بعيد، ومن قبل أن يقترب إليهم هموا بقتله، فقال ~~بعضهم لبعض: هو ذا حالم الأحلام قد جاء، تعالوا نقتله ونطرحه في بعض ~~الجباب، ونقول: قد افترسه سبع خبيث، فننظر ما يكون من أحلامه! فسمع روبيل ~~فأنقذه من أيديهم وقال لهم: لا تقتلوا نفسا، ولا ms2254 تسفكوا دما، بل ألقوه في ~~هذا الجب الذي في البرية، ولا تمدوا أيديكم إليه، وأراد أن ينجيه من أيديهم ~~ويرده إلى أبيه. # فلما أتى يوسف إخوته خلعوا عنه القميص ذا الكمين الذي # PageV10P052 # لابسه، وأخذوه فطرحوه في الجب فارغا لا ماء فيه، فجلسوا يأكلون خبزا ~~فمدوا أبصارهم فرأوا فإذا رفقة من العرب مقبلة من جلعاد - وفي نسخة: من ~~الجرش - وكانت إبلهم موقرة سمنا ولبنا وبطما، وكانوا معتمدين إلى مصر فقال ~~يهوذا لإخوته: ما متعتنا بقتل أخينا وسفك دمه؟ تعالوا نبيعه من العرب، ولا ~~نبسط أيدينا إليه لأنه أخونا: لحمنا ودمنا، فأطاعه إخوته، فمر بهم قوم تجار ~~مدينيون، فأصعدوا يوسف من الجب وباعوه من الأعراب بعشرين درهما، فأتوا به ~~إلى مصر. # فرجع روبيل إلى الجب فإذا ليس فيه يوسف، فشق ثيابه ورجع إلى إخوته وقال ~~لهم: أين الغلام؟ إلى أين أذهب أنا الآن؟ فأخذوا قميص يوسف عليه الصلاة ~~والسلام فذبحوا عتودا من المعز ولوثوا القميص بدمه وأرسلوا به مع من أتى به ~~أباهم وقالوا: وجدنا هذا، أثبته هل هو قميص ابنك أم لا؟ فعرفه وقال: القميص ~~قميص ابني، سبع خبيث افترس ابني يوسف افتراسا، فحزن على ابنه أياما كثيرة، ~~فقام جميع بنيه وبناته ليعزوه فأبى أن يقبل العزاء وقال: أنزل إلى القبر ~~وأنا حزين # PageV10P053 # على يوسف، فبكى عليه أبوه. وباع المدينيون يوسف من قوطيفر الأمير صاحب ~~شرطة فرعون - انتهى، وفيه ما يخالف ظاهرة القرآن ويمكن تأويله - والله ~~أعلم. # PageV10P054 # ولما أخبر تعالى يوسف عما يريد بيوسف عليه الصلاة والسلام بما ختمه ~~بالإخبارعن قدرته، أتبعه الإعلام بإيجاد ذلك الفعل دلالة على تمام القدرة ~~وشمول العلم فقال: {ولما بلغ أشده} أي مجتمع قواه {آتيناه} أي بعظمتنا ~~{حكما} أي نبوة أو ملكة يكف بها النفس عن هواها، من حكمة الفرس، فلا يقول ~~ولا يفعل إلا أمرا فصلا تدعو إليه الحكمة؛ قال الرماني: والأصل في الحكم ~~تبيين ما يشهد به الدليل، لأن الدليل حكمة من أجل أنه يقود إلى المعرفة ~~{وعلما} أي تبيينا للشيء على ما هو ms2255 عليه جزاء له لأنه محسن {وكذلك} أي ومثل ~~ذلك الجزاء الذي جزيناه به {نجزي المحسنين *} أي العريقين في الإحسان كلهم ~~الذين رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي أسرى به فأعلاه ما لم يعل غيره؛ ~~وعن الحسن: من أحسن عبادة الله في # PageV10P054 # شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله، والأشد: كمال القوة، وهو جمع شدة ~~عند سيبوبه مثل نعمة وأنعم، وقال غيره: جمع شد؛ قال ابن فارس في المجمل: ~~وبعضهم يقول: لا واحد لها، ويقال: واحدها شد - انتهى. قيل: وهذا هو القياس ~~نحو ضب وأضب، وصك وأصك، وحظ وأحظ، وضر وأضر، وشر وأشر قال الرماني: قال ~~الشاعر: # هل غير أن كثر الأشر وأهلكت ... حرب الملوك أكاثر الأموال # انتهى. # واختلفوا في حد الأشد فقيل: هو من الحلم، وروي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه من عشرين سنة، وروى غير ذلك، والمادة تدور على الصعوبة، وهي ضد ~~الرخاوة، ويلزمها القوة، فالشد على العدو منها، وشد الحبل وغيره: أحكم ~~فتله، والشديد والمتشدد: البخيل - لصعوبة البذل عليه، والشدة: صعوبة ~~الزمان، وشد النهار: ارتفاعه، وهو قوته، وشددت فلانا: قويت يده ودبرت أمره، ~~وأشد القوم - إذا كانت دوابهم شدادا فهم مشدون ضد مضعفين. # PageV10P055 # ولما أخبر تعالى أن سبب النعمة عليه إحسانه، أتبعه دليله فقال: {وراودته} ~~أي راجعته الخطاب ودارت عليه بالحيل، فهو كناية عن المخادعة التي هي لازم ~~معنى راد يرود - إذا جاء وذهب {التي} هي متمكنة منه غاية المكنة بكونه {هو ~~في بيتها} وهو في عنفوان الشباب {عن نفسه} أي مراودة لم تكن لها سبب إلا ~~نفسه، لأن المراودة لا يمكن أن تتجاورز نفسه إلا بعد مخالطتها - كما تقول: ~~كان هذا عن أمره، وذلك بأن دارت عليه بكل حيلة ونصبت له أشراك الخداع ~~وأقامت حينا تفتل له في الذروة والغارب، وذلك لأن مادة «راد» واوية ويائية ~~بجميع تقاليبها السبعة: رود، ودور، وورد، «ودير» وردي، وريد، ودري - تدور ~~على الدوران، وهو الرجوع إلى موضع الابتداء، ويلزم منه القصد والإتيان ~~والإقبال والإدبار والرفق والمهلة وإعمال الحيلة وحسن ms2256 النظر، وربما يكون عن ~~غير قصد فتأتي منه الحيرة فيلزم الفساد والهلاك، يقال: دار فلان يدور - إذا ~~مشى على هيئة الخلقة، والدهر دواري - لدورانه باهله بالرفع والحط، والدوار: ~~شبه دوران في الرأس، ودارة القمر معروفة، والدائرة: الحلقة والدار # PageV10P056 # تجمع العرصة والبناء - لدوران بنائها وللدوران فيها وللذهاب منها والرجوع ~~إليها، والداري: الملاح الذي يلي الشراع، وهو القلع - لأنه يديره على عمود ~~المركب، أو لأنه يلزم دار السفينة؛ والرائد: الذي يرتاد الكلأ، أي يذهب ~~ويجيء في طلبه - لما لم يكن له مقصد من الأرض معين كأنه يدور فيها، والذي ~~لا يكذب أهله، وكل طالب حاجة - قاله ابن دريد. # وراودت الرجل: أردته على فعل؛ ورائد الرحى: يدها، أي العود الذي تدار به ~~ويقبض عليه الطاحن، والرياد: اختلاف الإبل في المرعى مقبلة ومدبرة، ورادت ~~المرأة - إذا اختلفت إلى بيوت جاراتها، وراد وساده - إذا لم يستقر، والرود: ~~الطلب والذهاب والمجيء، وامش على رود - بالضم، أي مهل، وتصغيره رويد، ~~والمرود: الذي يكتحل به، لأنه يدار في العين، وحديدة تدور في اللجام، ومحور ~~البكرة من حديد، والدير: معروف، ويقال لرجل إذا كان رأس أصحابه: هو رأس ~~الدير - كأنه من إرادة أصحابه به، وترديت الرداء وارتديت - كأنه من ~~الإدارة، والرداء: السيف - لأنه # PageV10P057 # يتقلد به في موضع الردى، والرديان - محركا: مشى الحمار بين آريه ومتمعكه، ~~وراديت فلانا، مثل: راودته، وردت الجارية - إذا رفعت إحدى رجليها وقفزت ~~بواحدة، لأت مشيها حينئذ يشبه الدوران، والريد - بالكسر: الترب، لأنه ~~يراودك، أي يمشي معك من أول زمانك؛ ومن الإتيان: الورود، وهو إتيان المورد ~~من ماء وطريق، والوارد: الصائر إلى الماء للاستقاء منه، وهو الذي ينزل إلى ~~الماء ليتناول منه، والورد معروف، ونور كل شجرة ورد، لأنه يقصد للشم وغيره، ~~ويخرج هو منها فهو وارد أي آت، وهو أيضا مع ذلك مستدير، والورد - بالكسر: ~~يوم الحمى إذا أخذت صاحبها لوقت لأنها تأتيه، وهو من الدوران أيضا لأنها ~~تدور في ذلك الوقت بعينه، وهذا كله يصلح للإقبال، ومنه: أرنبة واردة، أي ~~مقبلة على السبلة، والريد: ms2257 أنف الجبل - قاله ابن فارس، وقال ابن دريد: ~~والريد: الحيد الناتىء من الجبل، والجمع ريود؛ وفي القاموس: الحيد من الجبل ~~شاخص # PageV10P058 # كأنه جناح، ويسمى الشجاع الوارد، لإقباله على كل ما يريده واستعلائه ~~عليه، والوريدان: عرقان مكتنفا صفحتي العنق مما يلي مقدمة غليظان، والورد: ~~النصيب من القرآن، لأنه يقصد بالقراءة ويقبل عليه ويدار عليه، ودريت الشيء: ~~علمته، فأنت مقبل عليه وارد إليه، والدرئة - مهموزة: حلقة يتعلم عليها ~~الطعن والرمي، والدرية - مهموزة وغير مهموزة: دابة يستتر بها رامي الصيد ~~فيختله، فهي من الإقبال والخداع، وإن بنى فلان أدورا مكانا، أي اعتمدوا ~~بالغزو والغارة، والدري: شبيه بمدرى الثور وهو قرنه، لأنه يقصد به الشيء ~~ويقبل به على مراده فيصلحه به، وما أدري أين ردي؟ أي أين ذهب؟ والإرواد: ~~المهلة في الشيء؛ وامش رويدا: على مهل، والرادة والريدة: السهلة من الرياح، ~~فكأنها تأتي على مهل؛ ومن الحيرة والفساد والهلاك: ردي الرجل - إذا هللك، ~~وأرداه الله، # PageV10P059 # وتردى في هوة: تهور فيها، ورديته بالحجارة: رميته، والرداة: الصخرة، يكسر ~~بها الشيء، والمرادي: المرامي؛ ومن حسن النظر: أرديت على الخمسين: زدت، ~~لأنه يلزم حسن النظر الزيادة، وأراد الشيء على غيره، أي ربا عليه، وسيأتي ~~بيان المهموز من هذه المادة في # {سنراود} [يوسف: 61] من هذه السورة إن شاء الله تعالى {وغلقت} أي تغليقا ~~كثيرا {الأبواب} زيادة في المكنة، قالوا: وكانت سبعة؛ والإغلاق: إطباق ~~الباب بما يعسر معه فتحه {وقالت هيت} أي تهيأت وتصنعت {لك} خاصة فأقبل إلي ~~وامتثل أمري؛ والمادة - على تقدير إصالة التاء وزيادتها بجميع تقاليبها: ~~يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة - تدور على إرادة امتثال الأمر: هيت لك - ~~مثلثة الآخر وقد يكسر أوله، أي هلم، وهيت تهييتا: صاح ودعاه، وهات - بكسر ~~التاء أعطني - قال في القاموس، والمهاياة مفاعلة منه، والهيت: الغامض من ~~الأرض، كأنه يدعو ذا الهمة إلى الوقوف على حقيقته، والتيه - بالكسر: ~~الكبرياء والصلف، فالتائه داع بالقوة إلى امتثال أمره، والمفازة، فإنها ~~تقهر سالكها، والضلال من المفازة - تسمية للشي باسم موضعه، ومنه: تها - ~~بمعنى غفل، ومنه: مضى ms2258 تهواء # PageV10P060 # من الليل - بالكسر، أي طائفة، لأنها محل الغفلة، أو لأنها تدعو ساهرها ~~إلى النوم ونائمها إلى الانتباه، هذا على تقدير إصالة التاء، وأما على ~~تقدير أنها زائدة فهاء بنفسه إلى المعالي: رفعها، فهو يراه أهلا لأن يمتثل ~~أمرها، والهوء: الهمة والأمر الماضي، والهوء أيضا: الظن، ويضم، وهؤت به: ~~فرحت، ولا يكون ذلك إلا لفعل ما يشتهي، فكأنه امتثل أمرك، وهوىء إليه - ~~كفرح: هم، وهاء كجاء: لبى، أي امتثل الأمر، وهاء - بالكسر: هات، وهاء - ~~كجاء، أي هاك، بمعنى خذ، والهيئة: حال الشيء وكيفيته الداعية إلى تركه أو ~~لزومه، وتهايؤوا: توافقوا، وهاء إليه: اشتاق، فكأنه دعاه إلى رؤيته، وتهيأ ~~للشيء: أخذ له هيئته، فكأنه صار قابلا للأمر، أو لأن يمتثل أمره، وهيأه: ~~أصلحه، والهيء - بالفتح والكسر: الدعاء إلى الطعام والشراب ودعاء الإبل ~~للشرب، وإيه - بكسر الهمزة: كلمة استزاده واستنطاق، وبإسكان الهاء: زجر ~~بمعنى حسبك، وهأهأ: قهقه في ضحكه، ولا يكون ذلك إلا بمن امتثل مراده. # ولما قالت ما قالت وفعلت ما فعلت، مع ما هي عليه # PageV10P061 # من القدرة في نفسها ولها عليه من التسلط وهو عليه من الحسن والشباب، كان ~~كأنه قيل: إن هذا لموطن لا يكاد ينجو منه أحد، فماذا كان منه؟ فقيل: {قال} ~~أي يوسف مستعملا للحكم بالعلم {معاذ} أي أعوذ من هذا الأمر معاذ {الله} أي ~~ألزم حصن الذي له صفات الكمال وهو محيط بكل شيء علما وقدرة، وملجأة الذي ~~ينبغي الاعتصام به واللجاء إليه؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنه} أي الله {ربي} أي ~~موجدي ومدبري والمحسن إلي في كل أمر، فأنا أرجو إحسانه في هذا {أحسن مثواي} ~~بأن جعل لي في قلب سيدك مكانة عظيمة حتى خولني في جميع ما يملك وائتمنني ~~على كل ما لديه، فإن خالفت أمر ربي فخنت من جعلني موضعا للأمانة كنت ظالما ~~واضعا للشيء في غير موضعه، وهذا التقدير - مع كونه أليق بالصالحين ~~المراقبين - أحسن، لأنه يستلزم نصح العزيز، ولو أعدنا الضمير على العزيز لم ~~يستلزم التقوى. # ولما كان من المعلوم أن ms2259 لسان حالها يقول: وإذا كان ظلما كان ماذا؟ قال ما ~~تقديره: إني إذن لا أفلح، وعلله بقوله: {أنه لا يفلح} أي لا يظفر بمراده ~~أصلا {الظالمون *} أي العريقون # PageV10P062 # في الظلم - وهو وضع الشيء في غير موضعه - الذين صرت في عدادهم على تقدير ~~الفعل، فيا له من دليل على إحسانه وحكمه وعلمه، فإنه لما رأى المقام الدحض ~~بادر إلى الاعتصام بمن بيده ملكوت كل شيء، ثم استحضر إحسانه إليه الموجب ~~للشكر عليه المباعد عن الهفوات ثم مقام الظلم وما يوجب لصاحبه من الحزن ~~بعدم الفلاح. # ولما كان هذا الفعل لا يتم حسنه إلا إذا كان عند غلبة الهوى وترامي ~~الشهوة كما هو شأن الرجولية، قال تعالى ردا على من يتوهم ضد ذلك: {ولقد همت ~~به} أي أوقعت الهم، وهو القصد الثابت والعزم الصادق المتعلق بمواقعته، ولا ~~مانع لها من دين ولا عقل ولا عجز فاشتد طلبها {وهم بها} كما هو شأن الفحول ~~عند توفر الأسباب {لولا أن رءآ} أي بعين قلبه {برهان ربه} الذي آتاه إياه ~~من الحكم والعلم، أي لهم بها، لكنه لما كان البرهان حاضرا لديه حضور من ~~يراه بالعين، لم يغطه وفور شهوة ولا غلبة هوى، فلم يهم أصلا مع كونه في ~~غاية الاستعداد لذلك لما آتاه الله من القوة مع كونه في سن الشباب، فلولا ~~المراقبة لهم بها التوفر الدواعي غير أن نور الشهود محاها أصلا، وهذا ~~التقدير هو اللائق بمثل مقامه مع أنه هو الذي تدل # PageV10P063 # عليه أساليب هذه الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف عنهم ~~السوء، وأن السجن أحب إليه من ذلك، مع قيام القاطع على كذب ما تضمنه قولها ~~{ما جزاء من أراد بأهلك سوءا} [يوسف: 25]- الآية، من مطلق الإرادة، ومع ما ~~تحتم تقدير ما ذكر بعد «لولا» في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب، ~~فإنه يجب أن يكون المقدر بعد كل شرط من معنى ما دل عليه ما قبله، وهذا مثل ~~قوله تعالى # {إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على ms2260 قلبها} [القصص: 10] أي لأبدت به، ~~وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك فلم يصح منه شيء عن أحد منهم مع أن ~~الأقوال التي رويت عنهم إذا جمعت تناقضت فتكاذبت، ولا يساعد على شيء منها ~~كلام العرب لأنهم قدروا جواب «لولا» المحذوف بما لا دليل عليه من سابق ~~الكلام ولا لاحقه - نبه على ذلك الإمام أبو حيان، وسبقه إلى ذلك الإمام ~~الرازي وقال: إن هذا قول المحققين من المفسرين، وأشبع في إقامة الدلائل على ~~هذا بما يطرب الأسماع، وقدم ما يدل على جواب الشرط ليكون أول ما يقرع السمع ~~ما يدل على أنه كان في غاية القدرة على الفعل، وأنه ما منعه منه إلا العلم ~~بالله، فكأنه قيل: إن هذا التثبيت عظيم، فقيل إشارة إلى # PageV10P064 # أنه لازم له كما هو شأن العصمة: {كذلك} أي مثل ذلك التثبيت نثبته في كل ~~أمر {لنصرف عنه السوء} أي الهم بالزنا وغيره {والفحشاء} أي الزنا وغيره، ~~فكأنه قيل: لم فعل به هذا؟ فقيل {إنه من عبادنا} أي الذين عظمناهم بما لنا ~~من العظمة {المخلصين *} أي هو في عداد الذين هم خير صرف، لا يخالطهم غش، ~~ومن ذريتهم أيضا، وهذا مع قول إبليس {لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين} [ص: 83] شهادة من إبليس أن يوسف عليه الصلاة والسلام بريء من ~~الهم في هذه الواقعة؛ قال الإمام: فمن نسبه إلى الهم إن كان من أتباع دين ~~الله فليقبل شهادة الله، وإن كان من أتباع إبليس وجنوده فليقبل شهادة إبليس ~~بطهارته، قال: ولعلهم يقولون: كنا تلامذة إبليس ثم زدنا عليه - كما قيل: # وكنت فتى من جند إبليس فارتقى ... من الأمر حتى صار إبليس من جندي # فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طراييق فسق ليس يحسنها بعدي # PageV10P065 # ثم ذكر سبحانه وتعالى مبالغته في الامتناع بالجد في الهرب دليلا على ~~إخلاصه وأنه لم يهم أصلا فقال: {واستبقا الباب} أي أوجد المسابقة بغاية ~~الرغبة من كل منهما، هذا للهرب منها، وهذه لمنعه، فأوصل الفعل إلى المفعول ~~بدون «إلى» ، دليلا على ms2261 أن كلا منهما بذل أقصى جهده في السبق، فلحقته عند ~~الباب الأقصى مع أنه كان قد سبقها بقوة الرجولية وقوة الداعية إلى الفرار ~~إلى الله، ولكن عاقة إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة، فكان يشتغل ~~بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه، وهو ما كان من ورائه خوف ~~فواته، فاشتد تعلقها به مع إعراضه هو عنها وهربه منها، ففتحه وأراد الخروج ~~فمنعته {و} لم تزل تنازعه حتى {قدت قميصه} وكان القد {من دبر} أي الناحية ~~الخلف منه، وانقطعت منه قطعة فبقيت في يدها {وألفيا} أي وجدا مع ما بهما من ~~الغبار والهيئة التي لا تليق بهما {سيدها} أي زوجها، ولم يقل: سيدهما، لأن ~~يوسف عليه الصلاة والسلام لم يدخل في رق - كما مضى - لأن المسلم لا يملك ~~وهو السيد {لدا} أي عند ذلك {الباب} أي الخارج، على كيفية غريبة جدا، هكذا ~~ينبغي أن يفهم هذا المقام لأن السيد لا يقدر على # PageV10P066 # فتحه فضلا عن الوصول إلى غيره لتغليق الجميع. # ولما علم السامع أنهما ألفياه وهما على هذه الحالة كان كأنه قيل: فما ~~اتفق؟ فقيل: {قالت} مبادرة من غير حياء ولا تلعثم {ما} نافية، ويجوز أن ~~تكون استفهامية {جزاء من أراد} أي منه ومن غيره كائنا من كان، لما لك من ~~العظمة {بأهلك سوءا} أي ولو أنه غير الزنا {إلا أن يسجن} أي يودع في السجن ~~إلى وقت ما، ليحكم فيه بما يليق {أو عذاب أليم} أي دائم ثابت غير السجن؛ ~~والجزاء: مقابلة العمل بما هو حقه، هذا كان حالها عند المفاجأة، وأما هو ~~عليه الصلاة والسلام فجرى على سجايا الكرام بأن سكت سترا عليها وتنزها عن ~~ذكر الفحشاء، فكأنه قيل: فماذا قال حين قذفته بهذا؟ فقيل {قال} دافعا عن ~~نفسه لا هاتكا لها {هي} بضمير الغيبة لاستيحائه عن مواجهتها بإشارة أو ضمير ~~خطاب {راودتني عن نفسي} وما قال ذلك إلا حين اضطرته إليه بنسبته إلى ~~الخيانة، وصدقه لعمري فيما قال لا يحتاج إلى بيان أكثر من الحال الذي كانا ms2262 ~~فيه، وهو # PageV10P067 # أنهما عند الباب، ولو كان الطلب منه لما كانا إلا في محلها الذي تجلس ~~فيه، وهو صدر البيت وأشرف موضع فيه {وشهد} ولما كان كل صالح للشهادة كافيا، ~~فلم تدع ضرورة إلى تعيينه، قال: {شاهد} أي عظيم {من أهلها} لأن الأهل أعظم ~~في الشهادة، رضيع ببراءته - نقله الرماني عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله ~~عنهما وسعيد ابن جبير، كما شهد للنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع صبي ~~من أهل اليمامة يوم ولد بأنه رسول الله، فكان يدعي: مبارك اليمامة. # فقال ذلك الشاهد {إن كان} أي حال المراوغة {قميصه} أي فيما يتبين لكم ~~{قد} أي شق شقا مستأصلا {من قبل} أي من جهة ما أقبل من جسده {فصدقت} ولا بد ~~من تقدير فعل التبين، لأن الشروط لا تكون معانيها إلا مستقبلة ولو كانت ~~ألفاظها ماضية. # ولما كان صدقها ليس قاطعا في منع صدقه، قال: {وهو من الكاذبين *} لأنه ~~لولا إقباله - وهي تدفعه عنها أو تهرب منه # PageV10P068 # وهو يتبعها ويعثر في قميصه - ما كان القد من القبل {وإن كان} أي فيما ~~يظهر لكم {قميصه} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {قد من دبر} أي من جهة ما ~~أدبر منه، وبنى «قد» للمجهول للنزاع في القاد {فكذبت} ولما كان كذلك كذبها ~~في إرادته السوء لا يعين صدقه في إرادتها له، قال: {وهو من الصادقين *} ~~لأنه لولا إدباره عنها وإقبالها عليه لما وقع ذلك، فعرف سيدها صحة ذلك بلا ~~شبهة، لأن معنى «إن» هنا الشرط في جهة التقرير للمعنى الذي يوجب غيره لا ~~على الشك، وقدم أمارة صدقها لأنه مما يحبه سيدها، فهو في الظاهر اهتمام ~~بها، وفي الحقيقة تقرير لكذبها مرتين: الأولى باللزوم، والثانية بالمطابقة. # ولما كان المعنى: فنظر، بنى عليه قوله: {فلما رءا} أي سيدها {قميصه} أي ~~يوسف عليه الصلاة والسلام {قد من دبر قال} لها وقد قطع بصدقه وكذبها، مؤكدا ~~لأجل إنكارها {إنه} أي هذا القذف له {من كيدكن} معشر النساء؛ والكيد: طلب ~~الإنسان بما يكرهه {إن ms2263 كيدكن عظيم *} والعظيم: ما ينقص مقدار غيره عنه حسا ~~أو معنى، فاستعظمه لأنه أدق من مكر الرجل وألطف وأخفى، لأن الشيطان # PageV10P069 # عليهن لنقصهن أقدر، وكيدهن الذي هو من كيد الشيطان أضعف ضعيف بالنسبة إلى ~~ما يدبره الله عز وجل في إبطاله؛ ثم قال العزيز آمرا له عليه السلام مسقطا ~~لحرف النداء دلالة على أن قربه من قلبه على حاله: {يوسف أعرض} أي انصرف ~~بكليتك مجاوزا {عن هذا} أي اجعله بمنزلة ما تصرف وجهك عنه إلى جهة العرض ~~بأن لا تذكره لأحد ولا تهتم به، فإني لم أتأثر منك بوجه، لأن عذرك قد بان، ~~وأقبل إليها فقال: {واستغفري} أي اطلبي الغفران {لذنبك} في أن لا يحصل لك ~~عقوبة مني ولا من الله؛ واستأنف بيان ما أشار إليه بقوله: {إنك كنت} أي ~~كونا جبليا {من الخاطئين} أي العريقين في الخطأ بغاية القوة، يقال: خطىء ~~يخطأ - إذا أذنب متعمدا. # PageV10P070 # ولما كان في هذا من شرف العفة ما يدل على كمال العصمة، وأكده تعالى بما ~~يدل على تسامي حسنه وتعالي جماله ولطفه، لأن العادة جرت بأن ذلك كان بعضه ~~لأحد كان مظنة لميله، لتوفير الدواعي على الميل إليه، فقال تعالى: {وقال ~~نسوة} أي جماعة من النساء لما شاع الحديت؛ ولما كانت البلدة كلما عظمت كان ~~أهلها أعقل وأقرب إلى الحكمة، قال: {في المدينة} أي التي فيها امرأة العزيز ~~ساكنة {امرأت العزيز} فأضفنها إلى زوجها إرادة الإشاعة للخبر، لأن النفس # PageV10P070 # إلى سماع أخبار أولى الأخطار أميل؛ والعزيز: المنيع بقدرته من أن يضام، ~~فالعزة أخص من مطلق القدرة، وعبرن بالمضارع في {تراود فتاها} أي عبدها ~~نازلة من افتراش العزيز إلى افتراشه {عن نفسه} إفهاما لأن الإصرار على ~~المراودة صار لها كالسجية؛ والفتى: الشاب، وقيده الرماني بالقوي، قال: وقال ~~الزجاج: وكانوا يسمون المملوك فتى شيخا كان أو شابا، ففيه اشتراك على هذا ~~{قد شغفها} ذلك الفتى {حبا} أي من جهة الحب، قال الرماني: شغاف القلب ~~غلافه، وهو جلدة عليه، يقال: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب، عن ms2264 السدى وأبي ~~عبيدة وعن الحسن أنه باطن القلب، وعن أبي علي: وسط القلب -انتهى. والذي قال ~~في المجمل وغيره أنه غلاف القلب، وأحسن من توجيه أبي عبيدة له أن حبه صار ~~شغافا لها، أي حجابا، أي ظرفا محيطا بها، وأما «شعفها» - بالمهملة فمعناه: ~~غشى شعفة قلبها، وهي رأسه عند معلق النياط، وقال الرماني: أي ذهب بها كل ~~مذهب، من شعف الجبال، وهي رؤوسها. # ولما قيل ذلك، كان كأنه قد قيل: فكان ماذا؟ فقيل - # PageV10P071 # وأكد لأن من رآه عذرها وقطع بأنهن لو كن في محلها عملن عملها ولم يضللن ~~فعلها: {إنا لنراها} أي نعلم أمرها علما هو كالرؤية {في ضلال} أي محيط بها ~~{مبين} لرضاها لنفسها بعد عز السيادة بالسفول عن رتبة العبد، ودل بالفاء ~~على أن كلامهن نقل إليها بسرعة فقال: {فلما سمعت} أي امرأة العزيز {بمكرهن} ~~وكأنهن أردن بهذا الكلام أن يتأثر عنه ما فعلت امرأة العزيز ليرينه، فلذلك ~~سماه مكرا {أرسلت إليهن} لتريهن ما يعذرنها بسببه فتسكن قالتهن {وأعتدت} أي ~~هيأت وأحضرت {لهن متكا} أي ما يتكئن عليه من الفرش اللينة والوسائد ~~الفاخرة، فأتينها فأجلستهن على ما أعدته لهن {وأتت كل واحدة} على العموم ~~{منهن سكينا} ليقطعن بها ما يحتاج إلى القطع مما يحضر من الأطعمة في هذا ~~المجلس؛ قال أبو حيان: فقيل: كان لحما، وكانوا لا ينهشون اللحم، إنما كانوا ~~يأكلونه حزا بالسكاكين. وقال الرماني: ليقطعن فاكهة قدمت إليهن - انتهى. ~~هذا الظاهر من علة إتيانهن وباطنه إقامة الحجة عليهن بما لا يجدن له مدفعا ~~مما يتأثر عن ذلك {وقالت} ليوسف فتاها عليه الصلاة والسلام # PageV10P072 # {اخرج عليهن} فامتثل له ما أمرته به كما هو دأبه معها في كل ما لا معصية ~~فيه، وبادر الخروج عليهن {فلما رأينه} أي النسوة {أكبرنه} أي أعظمن يوسف ~~عليه الصلاة والسلام جدا إعظاما كربهن {وقطعن} أي جرحن جراحات كثيرة ~~{أيديهن} وعاد لومهن عذرا، والتضعيف يدل على التكثير، فكأن السكين كانت تقع ~~على يد إحداهن فتجرحها فترفعها عن يدها بطبعها، ثم يغلبها الدهش فتقع ms2265 على ~~موضع آخر وهكذا {وقلن حاش} أي تنزيها عظيما جدا {لله} أي الملك الأعلى الذي ~~له صفات الكمال التي خلق بها مثل هذا. # ولما كان المراد بهذا التنزيه تعظيمه، بينه بقولهن: {ما هذا بشرا} لأنه ~~فاق البشر في الحسن جدا، وأعرض عن الشهوة من غير علة، نراها مانعة له لأنه ~~في غاية القوة والفحولية، فكأنه قيل: فما هو؟ فقلن: {إن} أي ما {هذا} أي في ~~هذا الحسن والجمال، وأعدن الإشارة دفعا لإمكان الغلط {إلا ملك كريم *} وذلك ~~لما ركز في الطباع من نسبة كل معنى فائق إلى الملائكة من الحسن والعفة ~~وغيرهما # PageV10P073 # وإن كانوا غير مرئيين، كما ركز فيها نسبة ضد ذلك إلى الجن والشياطين، ~~فكأنه قيل: فما قالت لهن امرأة العزيز؟ فقيل: {قالت فذالكن} أي الفتى ~~العالي الرتبة جدا {الذي لمتنني فيه} . # ولما علمت أنهن عذرنها، قالت مؤكدة استلذاذا بالتهتك في حبه: {ولقد} أي ~~أقول هذا والحال أني والله لقد تحقق أني {راودته عن نفسه} أي لأصل إليه بما ~~أريد {فاستعصم} أي فأوجد العصمة والامتناع علي فاشتد اعتصامه، وما أنا ~~براجعة عنه؛ ثم توعدته وهو يسمع ليلين، فقالت لهن مؤكدة لأن حال حبها يوجب ~~الإنكار لأن تفعل ما يؤذي المحبوب: {ولئن لم يفعل} أي هذا الفتى الذي قام ~~عذرى عندكن فيه {ما أمره} أي أمري {ليسجنن} أي ليمنعن من التصرف بالحبس ~~بأيسر سعي مني. ولما كان عزمها على السجن أقوى من العزم على إيقاع الصغار ~~به، أكدته بالنون الثقيلة وقالت: {وليكونا} بالنون الخفيفة {من الصاغرين *} ~~أي الأذلاء، أو أن الزيادة في تأكيد السجن لأنه يلزم منه إبعاده، وإبعاد ~~الحبيب # PageV10P074 # أولى بالإنكار من إهانته، فقال له النسوة: أطعها لئلا تسجنك وتهينك، ~~فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: {قال} يهتف بمن فنى بشهوده عن كل مشهود، دافعا ~~عن نفسه ما ورد عليه من وسوسة الشيطان في أمر جمالها وأمر رئاستها ومالها، ~~ومن مكر النسوة اللاتي نوعن له القول في الترغيب والترهيب عالما بأن القوة ~~البشرية تضعف عن حمل مثل هذا إلا بتأييد ms2266 عظيم، مسقطا للأداة على عادة أهل ~~القرب: {رب السجن} وهو محيط مانع من الاضطراب فيما خرج عنه {أحب إلي} أي ~~أقل بغضا {مما يدعونني} أي هؤلاء النسوة كلهن {إليه} لما علم من سوء عاقبة ~~المعصية بعد سرعة انقضاء اللذة، وهذه العبارة تدل على غاية البغض ~~لموافقتها، فإن السجن لا يتصور حبه عادة، وإنما المعنى أنه لو كان يتصور ~~الميل إليه كان ميلي إليه أكثر، لكنه لا يتصور الميل إليه لأنه شر محض، ومع ~~ذلك فأنا أوثره على ما دعونني إليه، لأنه أخف الضررين، والحاصل أنه أطلق ~~المحبة على ما يضادها في هذا السياق من البغض بدلالة الالتزام، فكأنه قيل: ~~السجن أقل بغضا إلى ما تدعونني إليه، وذلك هو ضد «أحب» الذي معناه أكثر # PageV10P075 # حبا، ولكن حولت العبارة ليكون كدعوى الشيء مقرونا بالدليل، وذلك أنه لما ~~فوضل في المحبة بين شيئين أحدهما مقطوع ببغضه، فهم قطعا أن المراد إنما هو ~~أن بغض هذا البغيض دون بغض المفضول، فعلم قطعا أن ذلك يظن حبه أبغض من هذا ~~المقطوع ببغضه، وكذا كل ما فوضل بينهما في وصف يمنع من حمله على الحقيقة ~~كون المفضل متحققا بضده - والله الموفق؛ والدعاء: طلب الفعل من المدعو، ~~وصيغته كصيغة الأمر إلا أن الدعاء لمن فوقك، والأمر لمن دونك {وإلا تصرف} ~~أي أنت يا رب الآن وفيما يستقبل من الزمان، مجاوزا {عني كيدهن} أي ما قد ~~التبس من مكرهن وتدبيرهن الذي يردن به الخبث احتيالا على الوصول إلى قصدهن ~~خديعة وغرورا {أصب} أي أمل ميلا عظيما {إليهن} لما جبل الآدمي عليه من ~~الميل النفساني إلى مثل ذلك، ومتى انخرق سياج صيانته بواحدة تبعها أمثالها، ~~واتسع الخرق على الراقع، ولذلك قال: {وأكن} أي كونا هو كالجبلة {من ~~الجاهلين} أي الغريقين في الجهل بارتكاب مثل أفعالهم {فاستجاب له ربه} أي ~~أوجد المحسن إليه إيجادا عظيما # PageV10P076 # إجابة دعائه الذي تضمنه هذا الثناء، لأن الكريم يغنيه التلويح عن التصريح ~~- كما قيل: # إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء # وفعل ذلك ms2267 سبحانه وتعالى إكراما له وتحقيقا لما سبق من وعده في قوله: ~~{كذلك لنصرف عنه السوء} [يوسف: 24] الآية {فصرف عنه كيدهن} ثم علل ذلك ~~بقوله: {إنه هو السميع} أي للأقوال {العليم *} بالضمائر والنيات، فيجيب ما ~~صح فيه القصد وطاب منه العزم. # PageV10P077 # ولما كانت هذه الأمور موجبة لرفعته، فكان حينئذ أبعد شيء عن السجن لو كان ~~الناس متمكنين من جري أمورهم على حسب السديد من عقولهم، أخبر تعالى أنهم ~~خالفوا داعي السداد واستبدلوا الغي بالرشاد، لحكمه بأن السجن سبب عظيم لصرف ~~كيدهن عنه وإثبات العز والمكنة له، ففعلوا - مع علمهم بأن ذلك ظلم وسفه - ~~إجابة لغالب أمر الله وإظهارا لعلي قدره بمخالفة العوائد مرة بعد مرة، وهدم ~~سداد الأسباب كرة أثر كرة؛ فقال: {ثم} لهذا المعنى، وهو أنهم كان ينبغي أن ~~يكونوا من سجنه في # PageV10P077 # غاية البعد {بدا} أي ظهر بعد الخفاء كما هي عادتهم {لهم} والبداء في ~~الرأي: التلون فيه لظهور ما لم يكن ظهر منه. # ولما كان ذلك الظهور في حين من الدهر تلونوا بعده إلى رأي آخر، أدخل ~~الجار دلالة على ذلك فقال: {من بعد ما رأوا} أي رؤيتهم {الأيات} القاطعة ~~ببراءته القاضية بنزاهته من قد القميص وشهادة الشاهد وغير ذلك. # ولما كان فاعل «بداء» رأى، فسره بقوله مؤكدا، لأنه لا يصدق أن الإنسان ~~يفعل ما ظهر له المانع منه: {ليسجننه} فيمكث في السجن {حتى حين} أي إلى أن ~~تنسى تلك الإشاعة، ويظهر الناس أنها لو كانت تحبه ما سعت في سجنه، وقيل: إن ~~ذلك الحين سبع سنين، قيل: كان سبب ذلك أنها قالت للعزيز: إن هذا قد فضحني ~~في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر كما يحب، وأنا محبوسة، فإما أن تأذن ~~لي فأخرج فأعتذر كما يعتذر، وإما أن تسويه بي في السجن؛ قال أبو حيان: قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: # PageV10P078 # فأمر به فحمل على حمار وضرب أمامه بالطبل، ونودي عليه في أسواق مصر أن ~~يوسف العبراني أراد سيدته، فهذا جزاءه أن يسجن! قال أبو صالح: ما ms2268 ذكر ابن ~~عباس رضي الله عنهما هذا الحديث إلا بكى - انتهى. وهذا دليل على قوله {إن ~~كيدكن عظيم} [يوسف: 28] . # قال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب اللوامع: وعلى الجملة فكل أحوال ~~يوسف عليه الصلاة والسلام لطف في عنف، ونعمة في طي بلية ونقمة، ويسر في ~~عسر، ورجاء في يأس، وخلاص بعد لات مناص، وسائق القدر ربما يسوق القدر إلى ~~المقدور بعنف، وربما يسوقه بلطف، والقهر والعنف أحمد عاقبة وأقل تبعة - ~~انتهى. # ولما ذكر السجن، وكان سببا ظاهرا في الإهانة، شرع سبحانه يقص من أمره فيه ~~ما حاصله أنه جعله سبب الكرامة، كل ذلك بيانا للغلبة على الأمر والاتصاف ~~بصقات القهر، مع ما في ذلك من بيان تحقق ما تقدم به الوعد الوفي ليوسف عليه ~~الصلاة والسلام وغير ذلك من الحكم، فقال تعالى: {ودخل} أي فسجنوه كما بدا ~~لهم # PageV10P079 # ودخل {معه السجن فتيان} : خباز الملك وساقيه، ورفع إليه أن الخباز أراد ~~أن يسمه، وظن أن الساقي مالأه على ذلك، و «مع» تدل على الصحبة واستحداثها، ~~فهي تدل على دخول الثلاثة السجن في آن واحد - قاله أبو حيان، فلما دخلوا ~~السجن كان يوسف عليه الصلاة والسلام يحسن إلى أهله فيسلي حزينهم، ويعود ~~مريضهم، ويسأل لفقيرهم، ويهديهم إلى الخير، ويذكرهم بالله، فمالت إليه ~~القلوب وكلفت به النفوس لحسن حديثه ولطيف تأتيه وما جباه الله به من الفضل ~~والنبل وحسن الخلق والخلق، وكان في السجن ناس قد انقطع رجاءهم واشتد ~~بلاءهم، فلم يزل يرفق بهم حتى قالوا: بارك الله فيك! ما أحسن وجهك وأحسن ~~خلقك وأحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك، ما نحب أنا كنا في غير هذا لما ~~تخبرنا به من الأجر والكفارة والثواب والطهارة، من أنت يا فتى؟ فأخبرهم ~~بنسبه الشريف، فقال عامل السجن: لو استطعت لخليت سبيلك! ولكن سأحسن جوارك ~~وإيثارك، وأحبه الفتيان ولزماه فقال: أنشد كما الله أن تحباني، فوالله ما ~~أحبني أحد قط إلا دخل على من جهته بلاء! لقد أحبتني عمتي فدخل علي من جهتها ~~بلاء، ثم ms2269 أحبني أبي فدخل علي من جهته بلاء، # PageV10P080 # ثم أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل علي من جهتها بلاء، فلا تحباني، فأبيا إلا ~~حبه، فكأنه قيل: أي شيء اتفقى لهما بعد الدخول معه؟ فقيل: {قال أحدهمآ} ~~ليوسف عليه الصلاة والسلام، ولعل التأكيد إما لأنه كانت عادتهما المزح، ~~وإما لأنهما ما رأيا شيئا - كما قال الشعبي - وإنما صنفا هذا ليختبراه به ~~{إني أراني} حكى الحال الماضية في المنام {أعصر} والعصر: الاعتماد على ما ~~فيه مائية ليحتلب منه {خمرا} أي عنبا يؤل إلى الخمر {وقال الآخر} مؤكدا ~~لمثل ما مضى {إني أراني أحمل} والحمل: رفع الشيء بعماد نقله {فوق رأسي ~~خبزا} أي طعاما مهيأ للأكل بالخبز، وهو عمل الدقيق المعجون بالبسط واللزق ~~في حام بالنار حتى يصلح للأكل {تأكل الطير منه} وسيأتي شرح الرؤيا من ~~التوراة، فكأنه قيل: فماذا تريدان من الإخبار بهذا؟ فقالا: {نبئنا} أي ~~أخبرنا إخبارا عظيما {بتأويله} أي ما يرجع أمره ويصير إليه، فكأنه قيل: وما ~~يدريكما أني أعرف تأويله؟ فقالا: {إنا نراك} على حال علمنا بها علما هو ~~كالرؤية أنك {من المحسنين *} أي العريقين في وصف الإحسان لكل أمر تعانيه، ~~فلذلك لاح لنا أنك تحسن التأويل قياسا، فلما رآهما بصيرين بالأمور {قال} ~~إشارة إلى أنه يعرف # PageV10P081 # ذلك وأدق منه، ليقبلا نصحه فيما هو أهم المهم لكل أحد، - وهو ما خلق ~~العباد له من الاجتماع على الله - لتفريغهما للفهم لكلامه والقبول لكل ما ~~يلقيه لاحتياجهما إلى إفتائهما، مؤكدا ما وصفاه به من الإحسان بما اتبعه من ~~وصف نفسه بالعلم، انتهازا لفرصة النصيحة عند هذا الإذعان بأعظم ما يكون ~~النصح به من الأمر بالإخلاص في عبادة الخالق والإعراض عن الشرك، فعلى كل ذي ~~علم إذا احتاج إلى سؤاله أحد أن يقدم على جوابه نصحه بما هو الأهم له، ويصف ~~له نفسه بما يرغبه في قبول علمه إن كان الحال محتاجا إلى ذلك، ولا يكون ذلك ~~من باب التزكية بل من الإرشاد إلى الإئتمام به بما يقرب إلى الله فيكون له ~~مثل أجره: ms2270 {لا يأتيكما} أي في اليقظة {طعام} وبين أنه خاص بهما دون أهل ~~السجن بقوله: {ترزقانه} بناه للمفعول تعميما {إلا نبأتكما} أي أخبرتكما ~~إخبارا جليلا عظيما {بتأويله} أي به وبما يؤل ويرجع إليه أمره. # ولما كان البيان في جميع الوقت الذي بينه وبين الطعام الذي قبله، نزع ~~الخافض فقال: {قبل أن يأتيكما} أي أخبرتكما بأنه يأتيكما طعام كذا، فيكون ~~سببا لكذا، فإن المسبب الناشىء عن # PageV10P082 # السبب هو المال. # ولما وصف نفسه من العلم بما يدعو كل ذي همة إلى السعي في الأسباب التي ~~حصل له ذلك بها ليصير مثله أو يقرب منه، وكان محل أن يقال: من علمك ذلك؟ ~~قال مرشدا إلى الله داعيا إليه أحسن دعاء بما تميل إليه النفوس من الطمع في ~~الفضل: {ذلكما} أي الأمر العظيم؛ ونبه على غزارة علمه بالتبعيض في قوله: ~~{مما علمني ربي} أي الموجد لي والمربي لي والمحسن إلي، ولم أقله عن تكهن ~~ولا تنجم، فكأنه قيل: ما لغيرك لا يعلمه مثل ما علمك؟ فقال معللا له مطمعا ~~كل من فعل فعله في فضل الله، مؤكدا إعلاما بأن ذلك أمر عظيم يحق لمثله أن ~~يفعل: {إني تركت ملة قوم} أي وإن كانوا أقوياء على محاولة ما يريدون، فلذلك ~~قدروا على أذاي وسجني بعد رؤية الآيات الشاهدة لي، ونبه على أن ذلك لا يقدم ~~عليه إلا من لا يحسب العاقبة بوجه، فقال: {لا يؤمنون} أي يجددون الإيمان ~~لما لهم من العراقة في الكفر {بالله} أي الملك الأعظم الذي لا يخفى أمره ~~على ذي لب من أهل مصر وغيرهم؛ ثم لوح إلى التحذير من يوم الجزاء الذي # PageV10P083 # لا يغنى فيه أحد عن أحد، منبها على أن الكفر به هو القاطع عن العلم وعن ~~كل خير، فقال مؤكدا تأكيدا عظيما، إشارة إلى أن أمرهم ينبغي أن ينكره كل من ~~يسمعه، ولا يصدقه، لما على الآخرة من الدلائل الواضحة جدا الموجبة لئلا ~~يكذب به أحد: {وهم بالآخرة} أي الدار التي لا بد من الجمع إليها، لأنها محط ~~الحكمة ms2271 {هم} أي بضمائرهم كما هم بظواهرهم، وفي تكرير الضمير تنبيه على أن ~~هؤلاء اختصوا بهذا الجهل، وأن غيرهم وقفوا على الهدى {كافرون} أي عريقون في ~~التغطية لها، فلذلك أظلمت قلوبهم فكانوا صورا لا معاني لها؛ والملة: مذهب ~~جماعة يحمي بعضها لبعض في الديانة، وأصله من المليلة، وهي حمى تلحق الإنسان ~~- قاله الرماني. # وفي القاموس إن المليلة: الحر الكامن في العظم. وعبر ب {تركت} موضع ~~«تجنبت» مثلا مع كونه لم يلابس تلك الملة قط، تأنيسا لهما واستدراجا إلى ~~تركهما؛ ثم اتبع ذلك بما يدل على شرف أصله وقدم فضله بأنه من بيت النبوة ~~ومعدن الفتوة، ليكون ذلك أدعى إلى قبول كلامه وإصابة # PageV10P084 # سهامه وإفضاء مرامه، فقال: {واتبعت} أي بغاية جهدي ورغبتي {ملة آباءي ~~إبراهيم} خليل الله، وهو جد أبيه {وإسحاق} ابنه نبي الله وهو جده {ويعقوب} ~~أبيه إسرائيل: الله. وهو أبوه حقيقة، وتلك هي الحنيفية السمحة التي هي ~~الميل مع الدليل من غير جمود مع هوى بوجه من الوجوه؛ روى البخاري في ~~التفسير وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا ~~نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله: ابن ~~خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: ~~نعم، قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» فكأنه قيل: ما ~~تلك الملة؟ فقال: {ما كان لنا} أي ما صح وما استقام بوجه من الوجوه، لما ~~عندنا من نور العلم الذي لم يدع عندنا لبسا بوجه أصلا {أن نشرك} أي نجدد في ~~وقت ما شيئا من إشراك {بالله} أي الذي له الأمر كله، وأعرق في النفي فقال: # PageV10P085 # {من شيء} أي بما شرعه لنا من الدين القويم كانت ملتنا التوحيد، ومن ~~التأكيد العموم في سياق النفي، ليعم ذلك كل شيء من عاقل ملك أو إنسي أو جنى ~~أو غيره؛ ثم علل ذلك بما ms2272 يعرف به أنه كما وجب عليهم ذلك وجب على كل أحد ~~فقال: {ذلك} أي كان هذا الانتفاء أو ذلك التشريع - للملة الحنيفية وتسهيلها ~~وجعل الفطر الأولى منقادة لها مقبلة عليها - العلي الشأن العظيم المقدار ~~{من} أجل {فضل الله} أي المحيط بالجلال والإكرام {علينا} خاصة {وعلى الناس} ~~الذين هم إخواننا في النسب عامة، فنحن وبعض الناس شكرنا الله، فقبلنا ما ~~تفضل به علينا، فلم نشرك به شيئا؛ والفضل: النفع الزائد على مقدار الواجب، ~~فكل عطاء الله فضل، فإنه لا واجب عليه، فكان لذلك واجبا على كل أحد إخلاص ~~التوحيد له شكرا على فضله لما تظافر عليه دليلا العقل والنقل من أن شكر ~~المنعم واجب {ولكن أكثر الناس} أي لما لهم من الاضطراب مع الهوى عموا عن ~~هذا الواجب، فهم {لا يشكرون *} فضله بإخلاص العمل له ويشركون به إكراها ~~لفطرهم الأولى، فالآية من الاحتباك: ذكر نفي الشرك أولا يدل على وجوده ~~ثانيا، وذكر نفي الشكر ثانيا يدل على # PageV10P086 # حذف إثباته أولا. # PageV10P087 # ولما أقام لهم الدليل على ما هو عليه من الدين الحنيفي تبعا لخلاصة ~~الخلق، بما تقرر في الأذهان من أن الله تعالى هو المنعم وحده سبحانه فيجب ~~شكره، بعد أن قرر لهم أمر نبوته وأقام دليلها بما يخبرهم به من المغيبات، ~~ودعاهم إلى ما يجب عليهم من التوحيد وهو الإسلام، وكان أكثر الخلق إلا الفذ ~~النادر يقرون بالإله الحق، ولكنهم يشركون به بعض خلقه، أتبعه برهان التمانع ~~على فساد كل ملة غير الإسلام الذي يطابق عليه الأنبياء والرسل كلهم، تأييدا ~~لأدلة النقل بقاطع العقل، فقال مناديا لهما باسم الصحبة بالأداة التي تقال ~~عند ما له وقع عظيم في النفوس في المكان الذي تخلص فيه والمودة، وتمحض فيه ~~النصيحة، وتصفي فيه القلوب، ويتعمد الإخلاص رجاء الخلاص -: {ياصاحبي السجن} ~~والصحبة: ملازمة اختصاص كأصحاب الشافعي مثلا، لملازمة الاختصاص بمذهبه، وهي ~~خلاف ملازمة الاتصال. # ولما فرغ أفهامهما بالنداء لما يلقيه، قرع أسماعهما بالإنكار مع التقرير ~~فقال: {أرباب} أي آلهة {متفرقون} متباينون بالذوات والحقائق تشاهدونهم ~~محتاجين ms2273 إلى المكان مع كونهم جمادا، ولو كانوا أحياء لأمكن تمانعهم، فأدى ~~إلى إمكان عجز كل منهم القاطع بعدم صلاحيته للإلهية # PageV10P087 # {خير} أي أعظم في صفة المدح وأولى بالطاعة {أم الله} أي الملك الأعلى ~~{الواحد} بالذات، فهو لا يحتاج إلى شيء أصلا {القهار *} لكل شيء، لا يزال ~~قهره يتكرر أبدا، فهذا برهان لا خطأ به كما ظن، وأبرزه صلى الله عليه وسلم ~~على وجه الاستفهام استجلابا للسامع برد العلم إليه، وسماها أربابا لمثل ذلك ~~بناء على زعمهم، وكذا المشاركة في أفعل التفضيل، لأن ذلك أقرب إلى الإنصاف، ~~لكونه ألين في القول، فيكون أدعى إلى القبول. # ولما كان الجواب لكل من يعقل: الله خير، أشار إلى ذلك بجزم القول بعد ذلك ~~الاستفهام في سلب صلاحيتهم قبل هذا الإمكان بعدم حياتهم، وعلى تقدير حياتهم ~~بعجزهم، فقال: {ما تعبدون} والعبادة: خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع، ~~وبين حقارة معبوداتهم وسفولها بقوله: {من دونه} أي الله الذي قام برهان ~~التمانع - الذي هو البرهان الأعظم - على إلهية وعلى اختصاصه بذلك {إلا ~~أسماء} وبين ما يريد وأوضحه بقوله: {سميتموها} أي ذوات أوجدتم لها أسماء ~~{أنتم وآباؤكم} لا معاني لها، لأنه لا أرواح لها فضلا عن أن تتحقق بمعنى ما ~~سميتموها به من الإلهية، وإن كان لها أرواح فهي منتف عنها خاصة الإلهية، ~~وهي الكمال المطلق الذي يستلزم # PageV10P088 # إحاطة العلم والقدرة. # ولما كان مقصود السورة وصف الكتاب بالإبانة للهدى، وكان نفي الإنزال ~~كافيا في الإبانة، لأن عبادة الأصنام باطلة، ولم يكن في السياق كالأعراف ~~مجادلة توجب مماحكة ومماطلة ومعالجة ومطاولة، قال نافيا للإنزال بأي وصف ~~كان: {ما أنزل الله} أي المحيط علما وقدرة. # فلا أمر لأحد معه {بها} وأعرق في النفي فقال: {من سلطان} أي برهان تتسلط ~~به على تعظيمها، فانتفى تعظيمها لذاتها أو لغيرها، وصار حاصل الدليل: لو ~~كانوا أحياء يحكمون لم يصلحوا للإلهية، لإمكان تمانعهم المؤدي إلى إمكان ~~عجز كل منهم الملزوم لأنهم لأ صلاحية فيهم للإلهية، لكنهم ليسوا أحياء، فهم ~~أجدر بعدم الصلاحية، فعلم قطعا ms2274 أنه لا حكم لمقهور، وأن كل من يمكن أن يكون ~~له ثان مقهور؛ فأنتج هذا قطعا أن الحكم إنما هو لله الواحد القهار، وهو لم ~~يحكم بتعظيمها؛ وذلك معنى قوله: {إن} أي ما {الحكم إلا لله} أي المختص ~~بصفات الكمال؛ والحكم: فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة. # ولما انتقى الحكم عن غيره، وكان ذلك كافيا في وجوب توحيده، رغبة فيما ~~عنده، ورهبة مما بيده، أتبعه تأكيدا لذلك وإلزاما به # PageV10P089 # أنه حكم به، فقال: {أمر ألا تعبدوا} أي أيها الخلق في وقت من الأوقات على ~~حال من الأحوال {إلا إياه} أي وهو النافذ الأمر المطاع الحكم. # ولما قام هذا الدليل على هذا الوجه البين، كان جديرا بالإشارة إلى فضله، ~~فأشار إليه بأداة البعد، تنبيها على علو مقامه وعظيم شأنه فقال: {ذلك} أي ~~الشأن الأعظم، وهو توحيده وإفراده عن خلقه {الدين القيم} أي الذي لا عوج ~~فيه فيأتيه الخلل من جهة عوجه، الظاهر أمره لمن كان له قلب {ولكن أكثر ~~الناس} أي لما لهم الاضطراب مع الحظوظ {لا يعلمون *} أي ليس لهم علم، لأنهم ~~لا ينتفعون بعقولهم، فكأنهم في عداد البهائم العجم، فلأجل ذلك هم لا يفردون ~~الله بالعبادة. # PageV10P090 # ولما تم نصحه وعلا قدحه بإلقائه إليهما ما كان أهم لهما لو علما لمآله ~~إلى الحياة الأبدية والرفعة السرمدية. أقبل على حاجتهما تمكينا لما ذكره ~~وتأكيدا للذي قرره، فناداهما بالأداة الدالة على أن ما بعدها كلام له موقع ~~عظيم لتجتمع أنفسهما لسماع ما يلقى إليهما من التعبير، فقال: {ياصاحبي ~~السجن} أي الذي تزول فيه الحظوظ ويحصل الانكسار للنفس والرقة في القلب ~~فتتخلص فيه المودة. # PageV10P090 # ولما كان في الجواب ما يسوء الخباز، أبهم ليجوز كل واحد أنه الفائز، فإن ~~ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذرا له في الخروج عن الأليق فقال: {أما أحدكما} ~~وهو الساقي فيلخص ويقرب {فيسقي ربه} أي سيده الذي في خدمته {خمرا} كما كان ~~{وأما الآخر} وهو الخباز. # ولما كان الذي له قوة أن يصلب إنما هو الملك، بنى للمفعول قوله: ms2275 {فيصلب} ~~ويعطب {فتأكل} أي فيتسبب عن صلبه أنه تأكل {الطير من رأسه} والآية من ~~الاحتباك: ذكر ملزوم السلامة والقرب أولا دليلا على العطب ثانيا، وملزوم ~~العطب ثانيا دليلا على السلامة أولا، وسيأتي شرح تعبيره من التوراة، فكأنه ~~قيل: انظر جيدا ما الذي تقول! وروى أنهما قالا: ما رأينا شيئا، إنما كنا ~~نلعب، فقال مشيرا بصيغة البناء للمفعول إلى عظمة الله وسهولة الأمور عليه: ~~{قضي الأمر} وبينه بقوله: {الذي فيه} أي لا في غيره {تستفتيان *} أي تطلبان ~~الإفتاء فيه عملا بالفتوة، فسألتما عن تأويله، وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو ~~صدقتما، لم أقله عن جهل ولا غلط. وما أحسن # PageV10P091 # إيلاء هذا العلم الثابت لختم الآية السالفة بنفي العلم عن الأكثر، ~~والأحد: المختص من المضاف إليه بمبهم له مثل صفة المضاف، ولا كذلك «البعض» ~~فلا يصدق: رأيت أحد الرجلين - ألا برجل منهما، بخلاف «بعض» والفتيا: الجواب ~~بحكم المعنى، وهو غير الجواب بعلته - ذكره الرماني. ولعل رؤيتهما تشيران ~~إلى ما تشير إليه رؤيا الملك، فالعصير يشير إلى السنابل الخضر والبقر ~~السمان، لأنه لا يكون إلا عن فضل، والخبز - الذي طارت به الأطيار، وسارت ~~بروح صاحبه الأقدار -يشير إلى اليابسة والعجاف - والله أعلم. # ولما كان كل علم بالنسبة إلى علم الله عدما، عبر عن علمه بالظن، ويمكن أن ~~يكون الظن على بابه لكونه قال ما مضى اجتهادا بقرائن فيؤخذ منه أنه يسوغ ~~الجزم بما أدى إلى ظن، فقال: {وقال} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {للذي ظن} ~~مع الجزم بأنه أراد به العلم لقوله: {قضى الأمر} ، ويجوز أن يكون ضمير «ظن» ~~للساقي، فهو حينئذ على بابه {أنه ناج منهما} وهو الساقي {اذكرني عند ربك} # PageV10P092 # أي سيدك ملك مصر، بما رأيت مني من معالي الأخلاق وطهارة الشيم الدالة على ~~بعدي مما رميت به، والمراد بالرب هنا غير المراد به في قوله: # {أرباب متفرقون} [يوسف: 39] . فنجا الساقي وصلب صاحبه وفق ما قال لهما ~~يوسف عليه الصلاة والسلام {فأنساه} أي الساقي {الشيطان} أي البعيد من ~~الرحمة المحترق باللعنه {ذكر} ms2276 يوسف عليه الصلاة والسلام عند {ربه} أي بسبب ~~اعتماده عليه في ذلك {فلبث} أي يوسف عليه الصلاة والسلام بسبب هذا النسيان ~~{في السجن} من حين دخل إلى أن خرج {بضع سنين *} ليعلم أن جميع الأسباب إنما ~~أثرها بالله تعالى، وحقيقة البضع من الثلاث إلى التسع، والمروي هنا أنه كان ~~سبعا. # ذكر ما مضى من هذه القصة من التوراة # قال بعد ما مضى: فأهبط المدينيون يوسف إلى مصر، فاشتراه قوطيفر الأمير ~~صاحب شرطة فرعون - رجل مصري - من يد الأعراب الذين أهبطوه إلى هناك، فكان ~~الرب سبحانه وتعالى بعونه مع يوسف، وكان رجلا منجحا، وأقام في منزل المصري ~~سيده، فرأى # PageV10P093 # سيده أن الرب بعونه معه، وأن الرب ينجح جميع أفعاله، فظفر يوسف منه برحمة ~~ورأفة فخدمه، وسلطه على بيته، وخوله جميع ما له، ومن اليوم الذي سلطه على ~~بيته وخوله جميع ما له بارك الرب في بيت المصري من أجل يوسف وفي سببه، فحلت ~~بركة الرب في جميع ما له في البيت والحقل، فخول كل شيء له، ولم يكن يعلم ~~بشيء مما له في يده لثقته به ما خلا الخبز الذي كان يأكله، وكان يوسف حسن ~~المنظر صبيح الوجه. # فلما كان بعد هذه الأمور لمحت امرأة سيده بنظرها إلى يوسف فقالت له: ~~ضاجعني: فأبى ذلك وقال لامرأة سيده: إن سيدي لثقته بي ليس يعلم ما في بيته، ~~وقد سلطني على جميع ما له، وليس في هذا البيت أعظم مني، ولم يمنعني شيئا ما ~~خلاك أنت لأنك امرأته، فكيف أرتكب هذا الشر العظيم، فأخطئي بين يدي الله، ~~وإذا كانت تراوده كل يوم لم يطعها ليضاجعها ويصير معها، فبينا هو ذات يوم ~~دخل يوسف إلى البيت ليعمل عملا، ولم يكن أحد من أهل البيت هناك، # PageV10P094 # فتعلقت بقميصه وقالت له: ضاجعني، فترك قميصه في يدها وهرب، فخرج إلى ~~السوق، فلما رأت أنه قد ترك قميصه في يدها وخرج هاربا إلى السوق، دعت بأهل ~~بيتها وقالت لهم: انظروا، إنه أتانا رجل عبراني ليفضحنا، لأنه دخل علي ms2277 يريد ~~مضاجعتي، وهتفت بصوت عال، فلما رآني قد رفعت صوتي وهتفت، ترك قميصه في يدي ~~وهرب إلى السوق. # فصيرت قميصه عندها حتى دخل سيدها البيت، فقالت: له مثل هذه الأقاويل: دخل ~~علي هذا العبد العبراني الذي جلبته علينا يريد يفضحني، فلما رفعت صوتي فصحت ~~ترك قميصه في يدي وهرب فخرج إلى السوق؛ فلما سمع سيده كلام امرأته استشاط ~~غيظا، فأمر به سيده فقذف في الحبس الذي كان أسرى الملك فيه محبوسين فمكث ~~هناك في السجن، وكان الرب يبصره، ورزقه المحبة والرحمة، وألقى له في قلب ~~السجان رحمة، فولى يوسف جميع المسجونين الذين في الحبس، وكل فعل كانوا ~~يفعلونه هناك كان عن أمره، ولم يكن رئيس السجن # PageV10P095 # يضرب على يديه في شيء، لأن الرب كان بعونه معه، وكل شيء كان يفعله ينجحه ~~الرب. # فلما كان بعد هذه الأمور، أذنب صاحب شراب ملك مصر والخباز - وفي نسخة ~~موضع الخباز: ورئيس الطباخين - بين يدي سيدهما ملك مصر، فغضب فرعون على ~~خادميه: على رئيس أصحاب الشراب ورئيس الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - فأمر ~~بحبسهما في سجن صاحب الشرط في الحبس الذي كان فيه يوسف، فسلط صاحب السجن ~~يوسف عليهما فخدمهما، فلبثا في السجن أياما، فرأيا رؤيا جميعا، كل واحد ~~منهما رئيا بكل في ليلة واحدة، وكل واحد منهما أحب تعبير حلمه،: الساقي ~~وخباز - وفي نسخة: وطباخ - ملك مصر، فدخل عليهما يوسف بالغداة، فرآهما ~~عابسين مكتئبين فسألهما وقال: ما بالكما يومكما هذا عابسي مكتئبين؟ فقالا ~~له: إنا رأينا رؤيا وليس لها معبر، فقال لهما يوسف: إن علم التعبير عند ~~الله، قصا علي. # فقص رئيس أصحاب الشراب على يوسف وقال له: إني رأيت في الرؤيا كأن حبلة ~~بين يدي، في الحبلة ثلاثة قضبان، فبينا هي # PageV10P096 # كذلك إذ فرعت ونبت ورقها، وأينعت عناقيدها، فصارت عنبا، وكأن كأس فرعون ~~في يدي، فتناولت من العنب، فعصرته في كأس فرعون، وناولت الكأس فرعون، فقال ~~له يوسف عليه السلام: هذا تفسير رؤياك: الثلاثة قضبان هي ثلاثة أيام، ومن ~~بعد ثلاثة أيام يذكرك ms2278 فرعون فيردك على عملك، وتناول فرعون الكأس في يده على ~~العادة الأولى التي لم تزل تسقيه، فاذكرني حينئذ إذا أنعم عليك، وأنعم علي ~~بالنعمة والقسط، فاذكرني بين يدي فرعون، وأخرجني من هذا الحبس، لأني إنما ~~سرقت من أرض العبرانين سرقة، وحصلت في الحبس هاهنا أيضا بلا جرم جاء مني. ~~فرأى رئيس الخبازين - وفي نسخة: الطباخين - أنه قد فسر تفسيرا حسنا فقال ~~يوسف: رأيت أنا أيضا في منامي كأن ثلاثة أطباق فيها خبز درمك على رأسي، وفي ~~الطبق الأعلى من كل مآكل فرعون مما يصنعه الخباز - وفي نسخة: عمل طباخ حاذق ~~- وكان السباع والطير تأكلها من الطبق من فوق رأسي؛ فأجاب يوسف وقال له: ~~هذا تفسير رؤياك: ثلاثة أطباق هي ثلاثة أيام، وبعد ثلاثة أيام يأمر فرعون ~~بضرب عنقك وصلبك على خشبة، ويأكل الطير لحمك. # فلما كان اليوم الثالث - وهو يوم ولاد فرعون - اتخذ فرعون # PageV10P097 # وليمة، فجمع عبيده وافتقد رئيس أصحاب الشراب ورئيس الخبازين - وفي نسخة: ~~الطباخين - فأمر برد رئيس أصحاب الشراب على موضعه، وسقى فرعون الكأس ~~كعادته، وأمر بصلب رئيس الخبازين كالذي فسر لهما يوسف عليهما الصلاة ~~والسلام، فلم يذكر رئيس أصحاب الشراب يوسف عليه الصلاة والسلام ونسيه. # PageV10P098 # ولما بطل هذا السبب الذي أمر به يوسف عليه الصلاة والسلام، وهو تذكير ~~الشرابي به، أثار الله سبحانه سببا ينفذ به ما أراد من رئاسته وقضى به من ~~سجود من دلت عليه الكواكب فقال دالا على ذلك: {وقال الملك} وهو شخص قادر ~~واسع المقدور إليه السياسه والتدبير، لملاه وهم السحرة والكهنة والحزرة ~~والقافة والحكماء، وأكد ليعلم أنه محق في كلامه غير ممتحن: {إني أرى} عبر ~~بالمضارع حكاية للحال لشدة ما هاله من ذلك {سبع بقرات سمان} والسمن: زيادة ~~البدن من اللحم والشحم {يأكلهن سبع} أي بقرات {عجاف} والعجف: يبس الهزال ~~{و} إني أرى {سبع} . # ولما كان تأويل المنام الجدب والقحط والشدة، أضاف العدد إلى جمع القلة ~~بخلاف ما كان في سياق المضاعفة في قوله {أنبتت سبع # PageV10P098 # سنابل} [البقرة: 261] فقال: {سنبلات خضر و} ms2279 إني أرى سبع سنبلات {أخر ~~يابسات} التوت على الخضر فغلبت عليها، وكأنه حذف هذا لدلالة العجاف عليه؛ ~~والسنبلة: نبات كالقصبة حملة حبوب منتظمة، وكأنه قيل: فكان ماذا؟ فقيل: قال ~~الملك: {ياأيها الملأ} أي الأشراف النبلاء الذين تملأ العيون مناظرهم ~~والقلوب مخابرهم ومآثرهم {أفتوني} أي أجيبوني وبينوا لي كرما منكم بقوة ~~وفهم ثاقب. # ولما كان مراده أن لا يخرجوا بالجواب عن القصد ولا يبعدوا به، عبر بما ~~يفهم الظرف فقال: {في رؤياي} ومنعهم من الكلام بغير علم بقوله: {إن كنتم ~~للرؤيا} أي جنسها {تعبرون *} وعبارة الرؤيا: تأويلها بالعبور من علنها إلى ~~سرها كما تعبر، من عبر النهر - أي شطه - إلى عبره الآخر، ومثله أولت الرؤيا ~~- إذا ذكرت مالها ومرجعها المقصود بضرب المثال. # والمادة - بتراكيبها الستة: عرب، وعبر، ورعب، وربع، وبعر، وبرع - تدور ~~على الجواز من محل إلى محل ومن حال إلى حال، وأكثر ذلك إلى أجود، فالعرب ~~سموا لأن مبنى أمرهم على الارتحال لاستجادة المنازل، وأعرب - إذا أفصح، أي ~~تكلم بكلام العرب فأبان عن مراده، أي أجازه من العجمة والإبهام إلى البيان، ~~وأعرب الفرس - إذا # PageV10P099 # خلصت عربيته، فكأنه جاز مرتبة الهجن إلى العرب، وكذا الإبل العراب، ~~والعروبة: يوم الجمعة - لعلو قدرها عن بقية الأيام، والعروب: المرأة ~~الضاحكة العاشقة لزوجها المتحببه إليه المظهرة له ذلك، وهي أيضا العاصية ~~لزوجها - لأن كل ذلك أفعال العرب، فهم أعشق الناس وأقدرهم على الاستمالة ~~بالكلام العذب، وهم أعصى الناس وأجفاهم إذا أرادوا، والعرب - ويحرك: النشاط ~~- لأنه انتقال عن الكسل، وقد عرب - كفرح - إذا نشط وإذا ورم، لأن الوارم ~~يتجاوز هيئة غيره، وعربت البئر: كثر ماءها فارتفع، وعرب - كضرب: أكل، ~~والعربة، محركة: النهر الشديد الجري، والنفس - لكثرة انتقالها بالفكر، ~~والعربون: ما عقد به المبايعة من الثمن، فنقل السلعة من حال إلى حال، ~~واستعربت البقر: اشتهت الفحل، إما من العروب العاشقة لزوجها، وإما لنقل ~~الشهوة لها من حال إلى أخرى، وتعرب: أقام بالبادية، مع الأعراب الذين لا ~~يوطنون مكانا، وإنما # PageV10P100 # هم مع الربيع، وعروباء: اسم السماء السابعة - لارتفاعها ms2280 عن جميع ~~السماوات، فكأنها جازت الكل، ولأن حركتها حركة للكل، والعرب - بالكسر: يبيس ~~البهمي، لأنه صار أهلا للنقل ولو بتطيير الهواء، والعربي: شعير أبيض سنبله ~~حرفان - كأنه نسب إلى العرب لجودته، والإعراب: إجراء الفرس ومعرفتك بالفرس ~~العربي من الهجين - لانتقال حال الجهل بذلك إلى حال العلم، وأن لا يلحن في ~~الكلام - كأنه انتقل بذلك من العجمة إلى العربية، وعرب الرجل - بالكسر - ~~إذا أتخم، وكذا الفرس من العلف، ومعدته: فسدت، وجرحه: بقي به أثر بعد ~~البرء، كل ذلك ناقل من حال إلى غيرها، والتعريب: تهذيب المنطق من اللحن - ~~كأنه رفع نفسه إلى العرب، وقطع سعف النخل - لأنه نقلها عن حالها إلى أصلح ~~منه، وأن تكون الدابة على أشاعرها ثم تبزع بمبزع، والتعريب أيضا والإعراب: ~~ما قبح من الكلام، وتقبيح قول # PageV10P101 # القائل كأنه حكم بزوال عربيته، وهما أيضا الرد عن القبيح، وذلك إدخاله في ~~خصال العرب التي هي معالي الأخلاق، وهما أيضا النكاح، أو التعريض به لأن ~~نقله من حال إلى حال وفعل إلى فعل قولا وعملا، والتعريب: الإكثار من شرب ~~الماء الصافي، واتخاذ فرس عربي، وسما بها عريب، أي أحد يعرب؛ وعبر الرؤيا - ~~إذا فسرها وأخبر بما يؤول إليه أمرها، كأنه جاز ظاهرها إلى بطن منها، وعبرت ~~الكتاب أعبره عبرا: تدبرته ولم ترفع به صوتك، وعبرت النهر: قطعته من عبره - ~~أي شطه - إلى عبره، والعبر أيضا: الجانب، لأنه يعبر منه وإليه، والمعبر: ~~سفينة يعبر عليها النهر وشط هيىء للعبور، وعبر القوم: ماتوا، والعبرة - ~~بالكسر: العجب، وبالفتح: الدمعة قبل أن تفيض - كأن لها قوة الجري، أو هي ~~تردد البكاء في الصدر أو الحزن بلا بكاء، لأن ذلك مبدأ جري الدمع؛ وفي ~~مختصر العين: وعبرة الدمع: جريه، والعبرة: الدمع نفسه. # والعبر - بالضم ويحرك: سخة العين، والكثير من كل شيء، وبالجماعة - لأن ~~ذلك جوازعن حد القلة، ولأنهم # PageV10P102 # يجيزون ما شاؤوا، ومجلس عبر - بالكسر والفتح: كثير الأهل - من ذلك، وأيضا ~~هو أهل لأن يعبر بجماعته من حال إلى حال، وبامرأة مستعبرة - وتفتح الباء: ~~غير محظية، ms2281 أي هي أهل لجري العبرة، وناقة عبر أسفار - مثلثة قوية، وعبرت عن ~~الرجل فتكلمت عنه - كأنك عبرت من خاطره إلى خاطر المخاطب، وعبرت الدنانير ~~تعبيرا: وزنتها ولم تبالغ في وزنها - كأنك عبرت من الجهل بمقدارها إلى ~~الظن، أو عابر سبيل، أحي مار؛ والشعري: العبور: نجم خلف الجوزاء، والعبور: ~~الجذعة من الغنم - لأنها جازت سنة وتأهلت العبور مع الغنم وكانت في عدادها، ~~والعبور: لأقلف - لأن كمرته عابرة في قلفته، وغلام معبر: لم يختن، ورجل ~~عبر: كاد أن يحتلم ولم يختن بعد، أي كاد أن يصير إلى خذ البالغين على هذه ~~الحال، وهي أن كمرته عابرة في قلفته، وعبر به الأمر تعبيرا: اشتد عليه - ~~كأنه جاز من حالة الرخاء إلى الشدة وعبرت به أهلكته، والمعبرة - بالتخفيف: ~~ناقة لم تنتج ثلاث سنين، فيكون أصلب لها - لأنها صارت أهلا لأن يعبر عليها ~~في الأسفار، والعبير ضرب من الطيب - لعبور ريحه، # PageV10P103 # والزعفران - لعبور لونه وريحه، والعبرى: السدر النهري - لنباته في عبر ~~النهر، والمعبر من الجمال: الكثير الوبر، ومن الشاء: التي لم تجز - كأنه ~~لجواز الصوف عن حد جلدهما، وسهم معبر وعبير: كثير الريش - كأنه عبر عن حد ~~العادة، والعبر - بالضم: الثكلى، لأنها أهل لإرسال العبرة، والسحاب التي ~~تسير شديدا، والعقاب - لقوتها على قطع المسافات، ونبات عبر: الكذب والباطل ~~- لسرعة زواله؛ ورعبت فلانا: أفزعته، فهو مرعوب - لأنك أجزته من الأمن إلى ~~الخوف، وسيل راعب: أي يملأ الوادي، وراعب: أرض، منها الحمام الراعبية، ~~والحمام أيضا لها قوة العبور بالرسائل من مكان إلى مكان، ورعبت الحمامة في ~~صوتها ترعيبا: رفعته، ورعبت السنام: قطعته، والرعبوبة: قطعة منه - لأنها ~~جازت مكانها، وجارية رعبوبة ورعبوب: حسنة القوام تامة - كأنها جازت أقرانها ~~حسنا، والرعب: القصار، واحدهم رعيب وأرعب، تشبيه بالقطعة من السنام؛ ~~والبعر: رجيع الخف والظلف إلا البقر الأهلية، لأنها تخثى، والوحشية تبعر ~~بعرا - # PageV10P104 # لأنه يجوز من مكانه من غير أن يلوثه، فلا يبقى منه به شيء، والمعبر، ~~مكانه، والبعير: الجمل البازل أو الجذع، وقد يكون الحمار وكل ما يحمل؛ وفي ~~مختصر ms2282 العين: وإذا رأت العرب ناقة أو جملا من بعيد قالوا: هذا بعير، فإذا ~~عرفوا قالوا للذكر: جمل، وللأنثى: ناقة، والبعرة - بالتحريك: الكمرة، ~~تشبيها بها، والربع: المنزل والدار بعينها، والمحلة - لأنها يخرج منها ~~ويدخل إليها، ولذلك سميت متبوأ، لأنها يتبوأ إليها، أي يرجع، وربع يربع: ~~أقام، وأربع على نفسك: انتظر، كأنه من الربع، أي المنزل، لأنه يقام فيه: ~~وربع - إذا أخصب - للانتقال من حال إلى حال أخرى، وهم على ربعاتهم، أي ~~استقامتهم وأمرهم الأول - كأنه من المنزل، والروبع - كجوهر: الضعيف الدنيء ~~- كأن ذلك يلزم من الإقامة في المنزل، وبهاء: قصير العرقوب، والرجل القصير ~~- كأنه تشبيه بالربعة في مطلق القصر عن الطويل، وربع الحجر: رفعه، والحمل: ~~رفعه على الدابة، والمربوع: المنعوش # PageV10P105 # المنفس عنه - لتحول الحال في كل ذلك، والمربعة: خشبة يرفع بها العدل، ~~والمرابعة: أن تأخذ يد صاحبك وترفعا الحمل على الدابة - كأنه مع النقل ~~مأخوذ من الأربعة، وهي أيضا المعادلة بالربيع، ومنه تربعت الناقة سناما ~~طويلا، أي حملته، وربيع الشهور: شهران بعد صفر، وربيع الفصول اثنان الذي ~~فيه النور والكمأة، والذي تدرك فيه الثمار - للانتقال في كل منهما، والربع ~~- كصرد: الفصيل ينتج في الربيع، وناقة مربع: ذات ربع، وأربع القوم: صاروا ~~أربعة، ودخلوا في الربيع، وأقاموا في المربع، وربعت الأرض: أصابها مطر ~~الربيع، والمرابيع: الأمطار أول الربيع، وأربع الرجل - إذا ولد له في ~~شبابه، تشبيها للشباب بالربيع، وناقة مرباع - إذا كانت عادتها أن تنتج في ~~ربعية القيظ، والربعية: أول الشتاء، والربيع: الجدول - لجريه وإنبات ما ~~حوله، وجمعه أربعاء، والحجر يشيلونه لتجربة القوى، # PageV10P106 # والرابع تلو الثالث - لأنه جاز الجمع، ووتر وحبل مربوع: مفتول على أربع ~~قوى، وربعت القوم أربعهم: صرت رابعهم، والأربعاء: يوم، والمرباع: ربع ~~الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس، والرباعية - كثمانية: السن بين الثنية ~~والناب، وعدتها أربع، وكل ما بلغ الأربعة رباع كثمان، ويقول للغنم في ~~الرابعة وللبقر والحافر في الخامسة وللخف في السابعة: أربعت، كأنه لا يجوز ~~في كل نوع من حد الصغر إلى الكبر إلا بذلك، وأربع الفرس: ألقى ms2283 رباعيته، ~~وحمى ربع: تأتي في اليوم الرابع، وقد ربع الرجل وأربع، وهو معنى ما قال في ~~القاموس: وربعته الحمى: أخذته الحمى يوما بعد يومين، لأن يومها الثاني هو ~~رابع يومها الأول، والربعة - بالفتح: جونة العطار - لتضوع ريحها، والرجل ~~بين الطويل والقصير - ويحرك - كالمربوع، لجوازه حد كل منهما، هذا إلى ~~الطول، وهذا إلى القصر، وارتبع: صار ربعة، والربعة - محركة: أشد عدو الإبل، ~~والمسافة بين أثافي # PageV10P107 # القدر - لعبور كل منهما عن محل صاحبتها، وأربع ماء الركية: كثر، فجاز عن ~~محله الأول، وعلى فلان: سأله ثم ذهب ثم عادوه، وعلى المرأة: كر إلى جماعها، ~~والقوم إبلهم مكان كذا: رعوها وأرسلوها على الماء ترد متى شاءت، ويجوز أن ~~يكون هذا أيضا من الربيع، وأربعت الناقة - إذا استغلقت رحمها فلم تقبل ~~الماء، كأنها أزالت العبور، أي الانتقال من حال إلى أخرى، والربيعة: البيضة ~~من السلاح - لنقلها صاحبها إلى الحصانة، والروضة - لجواز النبت فيها عن حد ~~الأرض، والمربع: شراع السفينة - لأنه آلة السير، والمربع: الرجل الكثير ~~النكاح - لعبوره عن حالة الأولى، ولجلوسه بين الشعب الأربع، وتربع في جلوسه ~~ضد جثا، إما لأنه صار على شكل المربع، وإما أخذا من الربع إلى المنزل، ~~لأنها جلسة المقيم في منزله، وتربعت النخيل: خرقت وصرمت - لتحول حالها، ~~واستربع الرمل: تراكم، إما لجوازه عن حاله الأولى، وإما من الإقامة في ~~الربع، واستربع الغبار، ارتفع، والبعير للمسير: قوى عليه وصبر، # PageV10P108 # والرجل بالأمر: استقل وصبر، وفلان يقيم رباعة قومه، أي شأنهم وحالهم أي ~~يجيزهم من حال إلى أخرى، ومضى من بني فلان ربوع بعد ربوع، أي أحياء بعد ~~أحياء، إما لأن ذلك جواز من دار إلى دار وحال إلى حال، وإما على حذف مضاف، ~~أي أهل ربوع منازل، واليربوع: دابة كالفأرة، إما لشدة جريها، وإما لجعلها ~~نافقاءين تهرب من أيهما شاءت، فهي عبارة منتقلة بالقوة وإن كانت ساكنة، ~~واليربوع: لحمة المتن - كأنه مشبه بالدابة؛ وبرع الرجل - مثلثة: فاق أصحابه ~~في علم أو غيره، أو تم في كل فضيلة وجمال، وهذا أبرع منه: أضخم ms2284 - لأنه جاز ~~مقداره، والبارع: الأصيل الجيد الرأي، وتبرع بالعطاء: تفضل بما لا يجب عليه ~~من عند نفسه كأنه جاز رتبة الواجب - والله أعلم. # وفي الآية ما يوجبه حال العلماء من حاجة الملوك إليهم، فكأنه قيل: فما ~~قالوا؟ فقيل: {قالوا} هذه الرؤيا {أضغاث} أي أخلاط، جمع ضغث - بكسر الضاد ~~وإسكان # PageV10P109 # الغين المعجمة، وهو قبضه حشيش مختلطة الرطب باليابس {أحلام} مختلفة ~~مشتبهة، جمع حلم - بضم الحاء وإسكان اللام وضمه، وهو الرؤيا - فقيدوها ~~بالأضغاث، وهو ما يكون من الرؤيا باطلا - لكونه من حديث النفس أو وسوسة ~~الشيطان، لكونها تشبه أخلاط النبات التي لا تناسب بينها، لأن الرؤيا تارة ~~تكون من الملك وهي الصحيحة، وتارة تكون من تحريف الشيطان وتخليطاته، وتارة ~~من حديث النفس؛ ثم قالوا: {وما نحن} أي بأجمعنا {بتأويل} أي ترجيع ~~{الأحلام} أي مطلق الأضغاث وغيرها، وأعرقوا في النفي بقولهم: {بعالمين *} ~~فدلسوا من غير وجه، جمعوا - وهي حلم واحد - ليجعلوها أضغاثا لا مدلول لها، ~~ونفوا عن أنفسهم «العلم المطلق» المستلزم لنفي «العلم بالمقيد» بعد أن أتوا ~~بالكلام على هذه الصورة، ليوهموا أنهم ما جهلوها إلا لكونها أضغاثا - والله ~~أعلم؛ والقول: كلام متضمن بالحكاية في البيان عنه، فإذا ذكر أنه قال، اقتضى ~~الحكاية لما قال، وإذا ذكر أنه تكلم، لم يقتض حكاية لما تكلم به، ومادة ~~«حلم» بجميع تقاليبها تدور على صرف شيء عن وجهه وعادته وما تقتضيه الجبلة - ~~كما يأتي في الرعد في قوله: {شديد المحال} [الرعد: 13] . # PageV10P110 # ولما كان هذا حالا مذكرا للساقي بيوسف عليع الصلاة والسلام - # PageV10P110 # أخبر سبحانه بأنه ذكره بعد نسيانه، فقال عادلا عن الفاء إيذانا بأنه من ~~الملا: {وقال الذي نجا} أي خلص من الهلاك {منهما} أي من صاحبي السجن، وهو ~~الساقي {و} الحال أنه {ادكر} - بالمهملة، أي طلب الذكر - بالمعجمة، وزنه ~~افتعل {بعد أمة} من الأزمان، أي أزمان مجتمعة طويلة {أنا أنبئكم} أي أخبركم ~~إخبارا عظيما {بتأويله} أي بتفسير ما يؤول إليه معنى هذا الحلم وحده كما هو ~~الحق، وسبب عن كلامه قوله: {فأرسلون *} أي إلى يوسف عليه ms2285 الصلاة والسلام ~~فإنه أعلم الناس، فأرسلوه إليه؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولم يكن ~~السجن في المدينة، فأتاه فقال الساقي المرسل بعد وصوله إليه مناديا له ~~بالنداء القرب تحببا إليه: {يوسف} وزاد في التحبب بقوله: {أيها الصديق} أي ~~البليغ في الصدق والتصديق لما يحق تصديقه بما جربناه منه ورأيناه لائحا ~~عليه {أفتنا} أي اذكر لنا الحكم {في سبع} وميز العدد بجمع السلامة الذي هو ~~للقلة - كما مضى لما مضى - فقال: {بقرات سمان} # PageV10P111 # أي رآهن الملك {يأكلهن سبع} أي من البقر {عجاف} أي مهازيل جدا {و} في ~~{سبع سنبلات} جمع سنبلة، وهي مجمع الحب من الزرع {خضر و} في سبع {أخر} أي ~~من السنابل {يابسات} وساق جواب السؤال سياق الترجي إما جريا على العوائد ~~العقلاء في عدم البت في الأمور المستقبلة، وإما لأنه ندم بعد إرساله خوفا ~~من أن يكون التأويل شيئا لا يواجه به الملك، فعزم على الهرب - على هذا ~~التقدير، وإما استعجالا ليوسف عليه الصلاة والسلام بالإفتاء ليسرع في ~~الرجوع، فإن الناس في غاية التلفت إليه، فقال: {لعلي أرجع إلى الناس} قبل ~~مانع يمنعني. # ولما كان تصديقهم ليوسف عليه الصلاة والسلام وعلمهم بعد ذلك بفضله وعملهم ~~بما أمرهم به مظنونا، قال: {لعلهم يعلمون *} أي ليكونوا على رجاء من أن ~~يعلموا فضلك أو ما يدل ذلك عليه من خير أو شر فيعلموا لكل حال ما يمكنهم ~~عمله، فكأنه قيل: فما قال له؟ فقيل: {قال} : تأويله أنكم {تزرعون} أي ~~توجدون الزراعة. فهو إخبار بمغيب، فهو أقعد في معنى الكلام، ويمكن أن يكون ~~خبرا بمعنى الأمر # PageV10P112 # {سبع سنين دأبا} أي دائبين مجتهدين - والدأب: استمرار الشيء على عادته - ~~كما أشارت إليه رؤياك بعصر الخمر الذي لا يكون إلا بعد الكفاية، ودلت عليه ~~رؤيا الملك للبقرات السمان والسنابل الخضر، والتعبير بذلك يدل على أن هذه ~~السبع تكون - كما تعرفون - من أغلب أحوال الزمان في توسطه بخصب أرض وجدب ~~أخرى، وعجز الماء عن بقعة وإغراقه لأخرى - كما أشار إليه الدأب: ثم أرشدهم ~~إلى ما ms2286 يتقوون به على ما يأتي من الشر، فقال: {فما حصدتم} أي من شيء بسبب ~~ذلك الزرع - والحصد: قطع الزرع بعد استوائه - في تلك السبع الخصبة {فذروه} ~~أي اتركوه على كل حال {في سنبله} لئلا يفسد بالسوس أو غيره {إلا قليلا مما ~~تأكلون} قال أبو حيان: أشار برأي نافع بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى ~~عامين بوجه إلا بحيلة إبقائها في السنبل - انتهى. # PageV10P113 # ولما أتم المشورة، رجع إلى بقية عبارة الرؤيا، فقال: {ثم يأتي} ولما كانت ~~مدة الإتيان غير مستغرقة لزمان البعد، أتى بالجار فقال: {من بعد ذلك} أي ~~الأمرالعظيم، وهي السبع التي تعملون # PageV10P113 # فيها هذا العمل {سبع} أي سنون {شداد} بالقحط العظيم، وهن ما أشارت إليه ~~رؤيا صاحبك الذي طار برزقه الطيور، وسار بروحه غالب المقدور، ودلت عليه ~~رؤيا الملك من البقرات العجاف والسنابل اليابسات {يأكلن} أسند الأكل إليهن ~~مجازا عن أكل أهلهن تحقيقا للأكل {ما قدمتم} أي بالادخار من الحبوب {لهن} ~~والتقديم: التقريب إلى جهة القدام، وبشرهم بأن الشدة تنقضي ولم يفرغ ما ~~أعدوه، فقال: {إلا قليلا مما تحصنون *} والإحصان: الإحراز، وهو إلقاء الشيء ~~فيما هو كالحصن المنيع - هذا تعبير الرؤيا، ثم زادهم على ذلك قوله: {ثم ~~يأتي} وعبر بالجار لمثل ما مضى فقال: {من بعد ذلك} أي الجدب العظيم {عام} ~~وهو اثنا عشر شهرا، ونظيره الحول والسنة، وهو مأخوذ من العلوم - لما لأهله ~~فيه من السبح الطويل - قاله الرماني. والتعبير به دون مرادفاته إشارة إلى ~~أنه يكون فيه - من السعة بعموم الري وظهور الخصب وغزير البركة - أمر عظيم، ~~ولذا اتبعه بقوله: {فيه} . # ولما كان المتشوف إليه الإغاثة، على أنه من المعلوم أنه لا يقدر عليها ~~إلا الله، قال بانيا للمفعول: {يغاث الناس} من الغيث وهو المطر، أو من ~~الغوث وهو الفرج، ففي الأول يجوز بناءه من ثلاثي ومن رباعي، # PageV10P114 # يقال غاث الله الأرض وأغاثها: أمطرها، وفي الثاني هو رباعي خاصة، يقال: ~~استغاث به فأغاثه، من الغوث وهو واوي، ومعناه النفع الذي يأتي على شدة ~~حاجته بنفي المضرة، ms2287 والغيث يائي وهو المطر الذي يأتي في وقت الحاجة {وفيه} ~~أي ذلك العام الحسن. # ولما كان العصر للأدهان وغيرها لا يكون إلا عن فضله، قال: {يعصرون *} أي ~~يخرجون عصارات الأشياء وخلاصاتها، وكأنه أخذ من انتهاء القحط ابتداء الخصب ~~الذي دل عليه العصر في رؤيا السائل، والخضرة والسمن في رؤيا الملك فإنه ضد ~~القحط، وكل ضدين انتهاء أحدهما ابتداء الآخر لا محالة، فجاء الرسول فأخبر ~~الملك بذلك، فأعجبه ووقع في نفسه صدقه {وقال الملك} أي الذي العزيز في ~~خدمته {ائتوني به} لأسمع ذلك منه وأكرمه، فأتاه الرسول ليأتي به إلى الملك ~~{فلما جاءه} أي يوسف عليه الصلاة والسلام عن قرب من الزمان {الرسول} بذلك ~~وهو الساقي {قال} له يوسف: {ارجع إلى ربك} أي سيدك الملك {فاسأله} بأن تقول ~~له مستفهما {ما بال النسوة} ولوح بمكرهن به ولم يصرح، ولا ذكر امرأة العزيز ~~كرما وحياء فقال: {التي قطعن أيديهن} أي ما خبرهن في مكرهن الذي # PageV10P115 # خالطني، فاشتد به بلائي فإنهن يعلمن أن امرأة العزيز ما دعتهن إلا بعد ~~شهادتهن بأنها راودتني، ثم اعترفت لهن بأنها راودتني، وأني عصيتها أشد ~~عصيان، فإذا سألهن بان الحق، فإن ربك جاهل بأمرهن. # ولما كان هذا موطنا يسأل فيه عن علم ربه سبحانه لذلك، قال مستأنفا مؤكدا ~~لأنهم عملوا في ذلك الأمر بالجهل عمل المكذب بالحساب الذي هو نتيجة العلم: ~~{إن ربي} أي المدبر لي والمحسن إلي بكل ما أتقلب فيه من شدة ورخاء {بكيدهن} ~~لي حين دعونني إلى طاعة امرأة العزيز {عليم *} وأنا لا أخرج من السجن حتى ~~يعلم ربك ما خفي عنه أمرهن الذي علمه ربي، لتظهر براءتي على رؤوس الأشهاد ~~مما وصموني به من السجن الذي من شأنه أن لا يكون إلا عن جرم، وإن لم تظهر ~~براءتي لم ينقطع عني كلام الحاسدين، ويوشك أن يسعوا في حط منزلتي عند ~~الملك، ولئلا يقولوا: ما لبث هذا السجن إلا لذنب عظيم فيكون في ذلك نوع من ~~العار لا يخفى، وفي هذا دليل على أن السعي ms2288 في براءة العرض حسن، بل واجب، ~~وأخرج الكلام على سؤال الملك عن أمرهن - لا على سؤاله في أن يفحص عن أمرهن ~~- لأن سؤال الإنسان عن علم ما لم يعلم يهيجه # PageV10P116 # ويلهبه إلى البحث عنه، بخلاف سؤاله في أن يفتش لغيره، ليعلم ذلك الغير، ~~فأراد بذلك حثه لأن يجد في السؤال حتى يعلم الحق، ليقبل بعد ذلك جميع ما ~~حدثه به؛ والكيد: الاحتيال في إيصال الضرر. # وإنما فسرت «بال» بذلك لأن مادته - يائية بتراكيبها الخمسة: بلى، وبيل، ~~ولبى، وليب، ويلب، وواوية بتراكيبها الستة: بول، وبلو، وولب، ووبل، ولوب، ~~ولبو، ومهموزة - بتراكيبها الأربعة: لبأ، وبأل، وأبل وألب - تدور على ~~الخلطة المحيلة المميلة، وكأن حقيقتها البلاء بمعنى الاختبار والامتحان ~~والتجربة، ويكون في الخير والشر، أي خالطه بشيء يعرف منه خفي أمره؛ قال ~~القزاز: والفتنة تكون في الشر خاصة، والبلاء: النعمة، من قولك: أبليته خيرا ~~- إذا اصطنعته عنده، وقد تقدم في سورة الأنفال شيء من معاني المادة، وناقة ~~بلو سفر وبلى سفر - إذا أنضاها السفر، وإذا كانت قوية عليه، والبلوى: ~~البلية، وأبليت فلانا عذرا، أي جئت فيما بيني وبينه ما لا لوم فيه، أي ~~خالطته بشيء أزال اللوم، والبلية: دابة كانت تشد في الجاهلية عند قبر ~~صاحبها ولا تعلف ولا تسقي حتى تموت، ويقال: الناس بذي بلى وبذي بليان، أي ~~متفرقين، كأن حقيقته أنه حل # PageV10P117 # بهم صاحب خلطة شديدة فرقت بينهم، وبلى الشيء - بالكسر بلى مقصورا وبلاء ~~ممدودا - إذا فنى وعطب، وبلي فلان بكذا - مبنيا للمفعول، وابتلى به - إذا ~~أصابه ذلك؛ والبول: ولد الرجل، والعدد الكثير، والانفجار، وضد الغائط، ولا ~~ريب أن كلا من ذلك إذا خالطه الحيوان أحال حاله؛ والبال: الاكتراث والفكر ~~والهم، ومن ذلك عندي: ما باليت به: لم أكترث به، وكذا ما أباليه بالة، وهي ~~مصدر منه، ولم أبال به، ولم أبل، ولكنهم قلبوه من: باولت به، لئلا يلتبس ~~بالبول - والله أعلم، وحقيقتهما: ما استعملت بالي الذي هو فكري فيه وإن ~~أعمل هو فكره في أمري، أي إنه أقل من أن ms2289 يفكر في أمره، ومن المعلوم أن ~~الفكر محل الخلطة المميلة، والبال: المر الذي يعتمل به في أرض الزرع - ~~لمشقة العمل به، والبال: سمكة غليظة تسمى جمل البحر - لأن من خالطته أحالت ~~أمره، والبال: رخاء العيش، والحال، والبالة: القارورة - كأنها من البول، # PageV10P118 # والجراب، ووعاء الطيب، والولب: الوصل، ولبت الشيء: وصلته، وولب هو: وصل ~~ودخل وأسرع، والوالب: الذاهب في وجهه - كأنه خالطه من الهم ما حمله على ~~ذلك، وولب الزرع - إذا صارت له والبة، وهي أفراخ تولدت من أصوله، والوالبة: ~~نسل القوم، ونسل المال، والوالبة: سريع النبات؛ ولاب يلوب - إذا عطش، ~~واللابة: الحرة، وهي مكان ذو حجارة سود كبيرة متصلة صلبة حسنة، فمن خالطها ~~أتعبته وأعطشته، وبها سميت الإبل السود المجتمعة، والصمان، واللابة: شقشقة ~~البعير، وهي شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج - كأنها هي التي ~~أهاجته، والملاب: ضرب من الطيب، والزعفران، والملوب - كمعظم - من الحديد: ~~الملوى، واللوب - بالضم: البضعة التي تدور في القد - لأنها تغير ما في ~~القدر بدورانها، واللواب أيضا: اللعاب، والأب: عطشت إبله، واللبوة: أنثى ~~الأسد؛ والوابل: المطر الكثير الشديد الوقع الضخم القطر، والوابلة: نسل ~~الإبل # PageV10P119 # والغنم، ورأس العضد الذي في الحق، وما التف من لحم الفخذ، والموابلة: ~~المواظبة، والميبل: ضفيرة من قد مركبة في عود تضرب به الإبل، ووبل الصيد: ~~طرد حثيث شديد، بالنعجة وبلة شديدة - إذا أرادت الفحل، والوبال: الشدة وسوء ~~العاقبة، وهو من الشدة والثقل، وأصابه وبل الجوع، أي جوع شديد، والوبيل: ~~المرعى الوخيم، واستوبلت الأرض - إذا لم توافقك في مطعمك وإن كنت محبا لها، ~~وهي من الوبيل - للطعام الذي لا يشتهي، والوبيل من العقوبة: الشديدة، وهو ~~أيضا العصا، وخشبة القصار التي يدق بها الثياب بعد الغسل، وخشبة صغيرة يضرب ~~بها الناقوس، والحزمة من الحطب؛ وبلى: حرف يجاب بها الاستفهام الداخل على ~~كلام منفي فتحيله إلى الإثبات بخلاف «نعم» فإنه يجاب بها الكلام الموجب، ~~وتأتي «بلى» في النفي من غير استفهام، يقال: ما أعطيتني درهما، فتقول: بلى؛ ~~ولبى من الطعام - كرضى: أكثر منه، واللباية - بالضم: ms2290 شجر الأمطى؛ واللياب - ~~بتقديم التحتانية وزن سحاب: أقل من ملء الفم؛ واليلب - # PageV10P120 # محركة: الترسة، ويقال: الدرق، والدروع من الجلود، أو جلود يخرز بعضها إلى ~~البعض، تلبس على الرؤوس خاصة، والعظيم من كل شيء، والجلد؛ والأبيل - كأمير: ~~العصا، والحزين - بالسريانية، ورئيس النصارى، أو الراهب، أو صاحب الناقوس، ~~صنيع مختصر العين يقتضي أن همزته زائدة، وصنيع القاموس أنها أصلية، وعلى ~~كلا التقديرين هو من مدار المادة، فإن من خالطته العصا غيرته، وكذا الرئيس؛ ~~ومن مهموزة اللبأ - كضلع: أول اللبن، وهو أحق الأشياء بالإحالة، وألبأ ~~الفصيل: شدة إلى رأس الخلف - أي حلمة ضرع الناقة - ليرضع اللبأ، ولبأت وهي ~~ملبىء: وقع اللبأ في ضرعها، ولا يكون ذلك إلا بما يخالطها، فيحيل ذلك منها، ~~واللبء - بالفتح: أول السقي، وهو أشد مما في الأثناء في الخلطة والإحالة، ~~وبهاء: الأسدة، وخلطتها محيلة للذكور من نوعها، ولغيرها بالنفرة منها، وكذا ~~اللبوة - # PageV10P121 # بالواو، وعشار ملابي - كملاقح: دنا نتاجها، وهو واضح في الإحالة: ولبأت ~~الشاة ولدها وألبأته: أرضعته اللبأ، ولبأت الشاة والتبأتها: حلبت لبأها؛ ~~والبئيل - كأمير: الصغير الضعيف، بؤل - ككرم، ويقال ضئيل بئيل؛ والإبل - ~~بكسرتين وتسكن الباء - معروف، واحد يقع على الجمع، ليس بجمع ولا اسم جمع، ~~جمعه آبال، الإحالة في خلطتها بالركوب والحمل وغيرهم واضحة، والإبل: السحاب ~~الذي يحمل ماء المطر، وهو ظاهر في ذلك، وتأبل عن امرأته: امتنع عن غشيانها ~~- من الإزالة، ونسك: أي امتنع عن خلطة الدنيا المحيلة، وبالعصا: ضرب، ومن ~~خالطته العصا أحالته، وأبل العشب أبولا: طال، فاستمكن منه الإبل، وهو ظاهر ~~في الإحالة، والإبالة - كالإجانة: القطعة من الطير والخيل والإبل أو ~~المتتابعة منها، من نظر شيئا من ذلك أحاله عن حاله، وكأمير: العصا، ورئيس ~~النصارى، أو الراهب، أو صاحب الناقوس، وكل ذلك واضح في الإحالة، والأبل - ~~بالضم الباء: # PageV10P122 # الحزمة من الحشيش، وخلطتها محيلة لما يأكلها، والإبالة - ككتابة: ~~السياسة، وهي في غاية الإحالة لمن خولط بها، والأبلة - كفرحة: الحاجة ~~والطلبة، وهي معروفة في ذلك، والمباركة في الإبل، وإنه لا يأتبل: لا يثبت ~~على رعية الإبل ولا ms2291 يحسن مهنتها، أو لا يثبت عليها راكبا، أي إنه سريع ~~التأثر والإحالة من خلطتها، وتأبيل الإبل: تسمينها، أي مخالطتها بما ~~أحالها، والإبلة - بالكسر: العداوة، وإحالتها معروفة، بالضم - العاهة، وهي ~~كذلك، وبالفتح أو بالتحريك: الثقل والوخامة والإثم كذلك، وتأبيل الميت: ~~تأبينه، أي الثناء عليه بعد موته، وهو يهيج الحزن عليه، وجاء في إبالته - ~~بالكسر، وأبلته - بضمتين مشددة: أصحابه، ولا شك أن من جاء كذلك أحال من ~~أتاه، وضغث على إبالة كإجانة ويخفف: بلية على أخرى، أو خصب على خصب - كأنه ~~ضد، وهو واضح الإحالة، وأبلت الإبل تأبل وتأبل أبولا وأبلا: جزأت - أي ~~اكتفت - بالرطب عن الماء، والرطب بضمتين: الإخضر من البقل والشجر أو جماعة ~~العشب الأخضر، والأبول: # PageV10P123 # الإقامة في المرعى، ولا شك في أن من خالطه ذلك أحاله؛ وألب إليه القوم: ~~أتوه من كل جانب، وذلك محيل، وألب الإبل: ساقها، والإبل: انساقت وانضم ~~بعضها إلى بعض، والحمار طريدته: طردها شديدا، وجمع، واجتمع، وأسرع، وعاد، ~~والإحالة في كل ذلك ظاهرة، والسماء: دام مطرها، أي فأحال الأرض وأهلها، ~~والتألب كثعلب: المجتمع منا ومن حمر الوحش والوعل، وهي بهاء، وما كان كذلك ~~أحال ما خالطه، والإلب - بالكسر: الفتر، وشجرة كالأترج سم، وذلك ظاهر في ~~الإحالة، وبالفتح: نشاط الساقي، وميل النفس إلى الهوى، والعطش، والتدبير ~~على العدو من حيث لا يعلم، ومسك السخلة، والسم، والطرد الشديد، وشدة الحمى ~~والحر، وابتداء برء الدمل، وكل ذلك ظاهر الإحالة، وريح ألوب: باردة تسفي ~~التراب، ورجل ألوب: سريع إخراج الدلو، أو نشيط، فمن # PageV10P124 # خالطه أحاله، وهم عليه ألب وإلب واحد: مجتمعون عليه بالظلم والعداوة، ~~وذلك محيل لا شك فيه، والإلبة بالضم: المجاعة، وبالتحريك: اليلبة، ~~والتأليب: التحريض والإفساد، وكل ذلك ظاهر في الإحالة، وكذا المئلب - ~~للسريع، والألب: الصفو، وهو محيل، والألب - بالتحريك: اليلب، وقد مضى أنها ~~الترسة - والله أعلم. # ولما قال يوسف عليه الصلاة والسلام ذلك وأبى أن يخرج من السجن قبل تبين ~~الأمر، رجع الرسول إلى الملك فأخبره بما قال عليه الصلاة والسلام فكأنه ~~قيل: فما فعل الملك؟ فقيل: ms2292 {قال} للنسوة بعد أن جمعهن: {ما خطبكن} أي شأنكن ~~العظيم؛ وقوله: {إذ راودتن} أي خادعتن بمكر ودوران ومراوغة {يوسف عن نفسه} ~~دليل على أن براءته كانت متحققة عند كل من علم القصة، فكأن الملك وبعض ~~الناس - وإن علموا مراودتهن وعفته - ما كانوا يعرفون المراودة هل هي لهن ~~كلهن أو لبعضهن، فكأنه # PageV10P125 # قيل: ما قلن؟ فقيل: مكرن في جوابهن إذ سألهن عما عملن من السوء معه ~~فأعرضن عنه وأجبن بنفي السوء عنه عليه الصلاة والسلام، وذلك أنهن {قلن حاش ~~لله} أي عياذا بالملك الأعظم وتنزيها له من هذا الأمر، فأوهمن بذلك براءتهن ~~منه؛ ثم فسرن هذا العياذ بأن قلن تعجبا من عفته التي لم يرين مثلها، ولا ~~وقع في أوهامهن أن تكون لآدمي وإن بلغ ما بلغ: {ما علمنا عليه} أي يوسف ~~عليه الصلاة والسلام، وأعرقن في النفي فقلن: {من سوء} فخصصنه بالبراءة، ~~وهذا كما تقدم عند قول الملأ {أضغاث أحلام} هذا وهو جواب للملك الذي تبهر ~~رؤيته وتخشى سطوته، فكان من طبع البلد عدم الإفصاح في المقال - حتى لا ينفك ~~عن طروق احتمال فيكون للتفصي فيه مجال - وعبادة الملوك إلا من شاء الله ~~منهم. # ولما تم ذلك، كان كأنه قيل: فما قالت التي هي أصل هذا # PageV10P126 # الأمر؟ فقيل: {قالت امرأت العزيز} مصرحة بحقيقة الحال: {الآن حصحص الحق} ~~أي حصل على أمكن وجوهه، وانقطع عن الباطل بظهوره، من: حص شعره. إذا استأصل ~~قطعه بحيث ظهر ما تحته، ومنه الحصة: القطعة من الشيء، ونظيره: كب وكبكب، ~~وكف وكفكف، فهذه زيادة تضعيف، دل عليه الاشتقاق وهو قول الزجاج - قاله ~~الرماني. ووافقه الرازي في اللوامع وقال: وقال الأزهري: هو من حصحص البعير: ~~أثرت ثفناته في الأرض إذا برك حتى تستبين آثارها فيه {أنا راودته} أي ~~خادعته وراودته {عن نفسه} وأكدت ما أفصحت به مدحا ونفيا لكل سوء بقولها ~~مؤكدا لأجل ما تقدم من إنكارها: {وإنه لمن الصادقين *} أي العريقين في هذا ~~الوصف في نسبة المراودة إلي وتبرئة نفسه، فقد شهد النسوة كلهن ببراءته، ~~وإنه ms2293 لم يقع منه ما ينسب به شيء من السوء إليه، فمن نسب إليه بعد ذلك هما ~~أو غيره فهو تابع لمجرد الهوى في نبي من المخلصين. # PageV10P127 # ولما انجلى الأمر، أمر الملك بإحضاره، ليستعين به فيما إليه من الملك، ~~لكن لما كانت براءة الصديق أهم من ذلك - وهي المقصود من رد # PageV10P127 # الرسول - قدم بقية الكلام فيها عليه، وليكون كلامه في براءته متصلا بكلام ~~النسوة في ذلك، والذي دل على أن ذلك كلامه ما فيه من الحكم التي لا يعرفها ~~في ذلك الزمان غيره، فقال - بناء على ما تقديره: فلما رجع الرسول إلى يوسف ~~عليه الصلاة والسلام فأخبره بشهادتهن ببراءته قال -: {ذلك} أي الخلق العظيم ~~في تثبتي في السجن إلى أن تبين الحق {ليعلم} العزيز علما مؤكدا {أني لم ~~أخنه} أي في أهله ولا في غيرها {بالغيب} أي والحال أن كلا منا غائب عن ~~صاحبه {و} ليعلم بإقرارها وهي في الأمن والسعة، وتثبتي وأنا في محل الضيق ~~والخوف ما من شأنه الخفاء عن كل من لم يؤيده الله بروح منه من {إن الله} أي ~~الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال {لا يهدي} أي يسدد وينجح بوجه من لوجوه {كيد ~~الخائنين} أي العريقين في الخيانة، بل لا بد أن يقيم سببا لظهور الخيانة ~~وإن اجتهد الخائن في التعمية؛ والخيانة: مخالفة الحق بنقض العهد العام. ~~وضدها الأمانة، والغدر: نقضه خاصا، والمعنى أني لما كنت بريئا سدد الله ~~أمري، وجعل عاقبتي إلى خير كبير وبراءة تامة، ولما كان غيري خائنا، أنطقه ~~الله بالإقرار بها. # PageV10P128 # ولما كان ذلك ربما جر إلى الإعجاب، قال: {وما أبرىء} أي تبرئة عظيمة ~~{نفسي} عن مطلق الزلل وإن غلبه التوفيق والعصمة، أي لم أقصد بالبراءة عما ~~تقدم مجرد التزكية للنفس، وعلل عدم التبرئة بقوله - مؤكدا لما لأكثر الناس ~~من الإنكار، أو لأن اتباعهم لأهويتهم فعل من ينكر فعل الأمارة -: {إن ~~النفس} أي هذا النوع {لأمارة} أي شديدة الأمر {بالسوء} أي هذا الجنس دائما ~~لطبعها على ذلك في كل وقت {إلا ما} أي ms2294 وقت أن {رحم ربي} بكفها عن الأمر به ~~أو بستره بكفها عن فعله بعد إطلاقها على الأمر به، أو إلا ما رحمه ربي من ~~النفوس فلا يأمر بسوء؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكدا دفعا لظن من يظن أنه لا توبة ~~له: {إن ربي} أي المحسن إلي {غفور} أي بليغ الستر للذنوب {رحيم *} أي بليغ ~~الإكرام لمن يريد. # ولما أتم ما قدمه مما هو الأهم - من نزاهة الصديق، وعلم الملك ببراءته ~~وما يتبعها - على ما كان قلبه من أمر الملك بإحضاره إليه، أتبعه إياه عاطفا ~~له على ما كان في نسقه من قوله {قال ما خطبكن} فقال: {وقال الملك} صرح به ~~ولم يستغن بضميره كراهية الإلباس لما تخلل بينه وبين جواب امرأة العزيز من ~~كلام يوسف عليه الصلاة والسلام، ولو كان الكل من كلامها لاستتغنى بالضمير ~~ولم يحتج إلى # PageV10P129 # إبرازه {ائتوني به أستخلصه} أي أطلب وأوجد خلوصه {لنفسي} أي فلا يكون لي ~~فيه شريك، قطعا لطمع العزيز عنه، ودفعا لتوهم أنه يرده إليه، ولعل هذا هو ~~مراد يوسف عليه الصلاة والسلام بالتلبث في السجن إلى إنكشاف الحال، خوفا من ~~أن يرجع إلى العزيز فتعود المرأة إلى حالها الأولى فيزداد البلاء. # ولما كان التقدير: فرجع رسول الملك إليه فأخبره أن الملك سأل النسوة فقلن ~~ما مضى، وأمر بإحضاره ليستخلصه لنفسه، فقال يوسف عليه الصلاة والسلام ما ~~تقدم من تلك الحكم البالغة، وأجاب أمر الملك فأتى إليه بعد أن دعا لأهل ~~السجن فقال: اللهم! عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار، وكتب ~~على باب السجن: هذه منازل البلوى، وقبور الأحياء، وبيوت الأحزان، وتجربة ~~الأصدقاء، وشماتة الأعداء. ثم اغتسل وتنظف ولبس ثيابا جددا وقصد إليه، عطف ~~عليه بالفاء - دليلا على إسراعه في ذلك - قوله: {فلما كلمه} وشاهد الملك ~~فيه ما شاهد من جلال النبوة وجميل الوزارة وخلال السيادة ومخايل السعادة ~~{قال} مؤكدا # PageV10P130 # تمكينا لقوله دفعا لمن يظن أنه بعد السجن وما قاربه لا يرفعه هذه الرفعة: ~~{إنك اليوم} وعبر بما هو لشدة الغرابة ms2295 تمكينا للكلام أيضا فقال: {لدينا ~~مكين} أي شديد المكنة، من المكانة، وهي حالة يتمكن بها صاحبها من مراده ~~{أمين *} من الأمانة، وهي حال يؤمن معها نقض العهد، وذلك أنه قيل: إن الملك ~~كان يتكلم بسبعين لسانا فكلمه بها، فعرفها كلها، ثم دعا للملك بالعبراني، ~~فلم يعرفه الملك فقال له: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي، فعظم عنده جدا، ~~فكأنه قيل: فما قال الصديق؟ فقيل: {قال} ما يجب عليه من السعي في صلاح ~~الدين والدنيا {اجعلني} قيما {على خزائن الأرض} أي أرض مصر التي هي لكثرة ~~خيرها كأنها الأرض؛ ثم علله بما هو مقصود الملوك الذي لا يكادون يقفون عليه ~~فقال: {إني حفيظ} أي قادر عل ضبط ما إلي أمين فيه {عليم *} أي بالغ العلم ~~بوجوه صلاحه واستنمائه فأخبر بما جمع الله له من أداتي الحفظ والفهم، مع # PageV10P131 # ما يلزم الحفظ من القوة والأمانة، لنجاة العباد مما يستقبلهم من السوء، ~~فيكون ذلك سببا لردهم عن الدين الباطل إلى الدين الحق. # ولما سأل ما تقدم، قال معلما بأنه أجيب بتسخير الله له: {وكذلك} أي ومثل ~~ما مكنا ليوسف في قلب الملك من المودة والاعتقاد الصالح وفي قلوب جميع ~~الناس، ومثل ما سأل من التمكين {مكنا} أي بما لنا من العظمة {ليوسف في ~~الأرض} أي مطلقا لا سيما أرض مصر بتولية ملكها إياه عليها {يتبوأ} أي يتخذ ~~منزلا يرجع إليه، من باء - إذا رجع {منها حيث يشاء} بإنجاح جميع مقاصده، ~~لدخولها كلها تحت سلطانه. # لتبقى أنفس أهل المملكة وما ولاها على يده، فيجوز الأجر وجميل الذكر مع ~~ما يزيد يه من علو الشأن وفخامة القدر، فكأنه قيل: لم كان هذا؟ فقال: ~~لأمرين: أحدهما أن لنا الأمر كله {نصيب} على وجه الاختصاص {برحمتنا} بما ~~لنا من العظمة {من نشاء} من مستحق فيما ترون وغيره، لا نسأل عما نفعل، وقد ~~شئنا إصابة يوسف بهذا، والثاني أنه محسن يعبد الله فانيا عن جميع الأغيار ~~{و} نحن {لا نضيع} # PageV10P132 # بوجه {أجر المحسنين *} أي العريقين في تلك الصفة ms2296 وإن كان لنا أن نفعل غير ~~ذلك؛ روى أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم في أول فتوح مصر من طريق ~~الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فأتاه الرسول فقال: ألق عنك ثياب ~~السجن، والبس ثيابا جددا، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلما أتاه رأى غلاما ~~حدثا فقال: أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة! وأقعده قدامه ثم ~~قال: قال عثمان - يعني ابن صالح - وغيره في حديثهما: فلما استنطقه وسايله ~~عظم في عينه، وجل أمره في قلبه، فدفع إليه خاتمة وولاه ما خلف بابه - ورجع ~~إلى ابن عباس قال: وضرب بالطبل بمصر أن يوسف خليفة الملك؛ وعن عكرمة أن ~~فرعون قال ليوسف: قد سلطتك على مصر غير أني أريد أن أجعل كرسي أطول من ~~كرسيك بأربع أصابع! قال يوسف: نعم. # PageV10P133 # ولما كان هذا مما يستعظمه الناس في الدنيا، وكان عزها لا يعد في الحقيقة ~~إلا إن كان موصولا بنعيم الآخرة، نبه على ما له في الآخرة مما لا يعد هذا ~~في جنبه شيئا، فقال مؤكدا لتكذيب الكفرة بذلك: {ولأجر الآخرة خير} ولما كان ~~سياق الأحكام على وجه عام لتعليقها بأوصاف يكون السياق مرغوبا فيها أو ~~مرهبا منها أحسن وأبلغ، # PageV10P133 # قال: {للذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف {وكانوا} أي بجبلاتهم {يتقون *} ~~أي يوجدون الخوف من الله واتخاذ الوقايات منه إيجادا مستمرا، وهو من أجلهم ~~حظا وأعلاهم كعبا - كما تقدم بيانه مما يدل على كمال إيمانه وتقواه. # ولما كان من المعلوم أن من هذه صفاته يقوم بما وليه أتم قيام وينظر فيه ~~أحسن نظر، كان كأنه قيل: فجعله الملك على خزائن الأرض فدبرها بما أمره الله ~~به وعلمه حتى صلح الأمر وجاء الخير وذهب الشر، وإنما طوى هذا للدلالة عليه ~~بلوازمه من قصة إخوته التي هي المقصودة بالذات - كما سيأتي، وقد فهم من هذه ~~القصة أن الغالب على طبع مصر الرداءة: بغض الغريب، واستذلال الضعيف، ~~والخضوع للقوي، فإنهم أساؤوا إليه بالسجن بعد تحقق البراءة، ثم عفا عنهم ~~وأحسن إليهم بما ms2297 استبقى به مهجهم، ثم أعتقهم بعد أن استرقهم، ورد إليهم ~~أموالهم بعد أن استأصلها بما عنده من الغلال، فجزوره على ذلك بأن استعبدوا ~~أولاده وأولاد إخوته بعده وساموهم سوء العذاب، وأدل دليل على أن هذا طبع ~~البلد أن بني إسرائيل لما خرجوا مع موسى عليه الصلاة والسلام وخلصهم من ~~جميع ذلك الذل وشرفهم بما شرفهم الله به من الآيات العظام والكتاب المبين، ~~كانوا كل قليل # PageV10P134 # ينكثون مجترئين على ما لا يطاق الاجتراء عليه، وإذا أمرهم عن الله بأمر ~~جنبوا عنه - كما مضى ذلك عن التوراة في الأعراف والبقرة وغيرهما، فعاقبهم ~~الله بالتيه، وكان يسميهم الجيل المعوج - لما علم من سوء طباعهم، حتى مات ~~كل من نشأ بأرض مصر، ثم صار أولادهم يمتثلون الأوامر حتى ملكوا ما وعد الله ~~به آباءهم من البلاد، وقد ذكر ذلك في زبور داود عليه الصلاة والسلام في غير ~~موضع، منها في المزمور الرابع والتسعين: هلموا نسجد ونركع ونخضع أمام الرب ~~خالقنا، لأنه إلهنا ونحن شعب رعيته، وضأن ماشيته، اليوم إذا سمعتم صوته فلا ~~تقسو قلوبكم وتسخطوه كمثل السخط يوم التجربة في البرية حيث جربني آباؤكم، ~~فأحصوا أعمالي ونظروها، أربعين سنة مقت ذلك الجيل وقلت: هو شعب في كل حين ~~يطغون بقلوبهم، فلم يعتدوا لسلبي كما أقسمت برجزي أنهم لا يدخلون راحتي. ~~آباؤنا بمصر لم يفهموا عجائبك، ولم يذكروا كثرة رحمتك حين أغضوك وهم صاعدون ~~من البحر الأحمر، فنجيتهم باسمك لتظهر عجائبك، زجر البحر الأحمر فجف، ~~أجازهم في اللجج كأنهم في البر، خلصهم من أيدي الأعداء، وأنقذهم من أيدي # PageV10P135 # المبغضين، وأطلق الماء على مبغضيهم فلم يبق منهم واحد، فآمنوا بكلامه، ~~ومجدوا بسبحته. # ثم أسرعوا فنسوا أعماله، ولم ينتظروا إرادته، اشتهوا شهوة في البرية، ~~جربوا الله حيث لا ماء، فأعطاهم سؤلهم، وأرسل شبعا لنفوسهم، أغضبوا موسى في ~~المعسكر وهارون قديس الرب، انفتحت الأرض، وابتلعت داثان، وانطبقت على جماعة ~~بيرون، واشتعلت النار في محافلهم، وأحرق اللهيب الخطأة، صنعوا عجلا في ~~حوريب، وسجدوا للمنحوت، وبدلوا مجدهم بشبه عجل يأكل ms2298 عشبا، ونسوا الله الذي ~~نجاهم، وصنع العظائم بمصر والعجائب في أرض حام، والمهولات في البحر الأحمر، ~~قال: إنه يهلكهم لولا موسى صفيه قام بين يديه ليصرف سخطه، لئلا يستأصلهم، ~~ورذلوا الأرض الشهيه، ولم يؤمنوا بكلمته، وتقمقموا في مضاربهم، ولم يسمعوا ~~قول الرب، فرفع يده عليهم ليهلكهم في البرية، ويفرق ذريتهم في الأمم، ~~ويبددهم في # PageV10P136 # البلدان، لأنهم قربوا لباعل فاغور، وأكلوا ضحايا ميتة، وأسخطوه بأعمالهم، ~~وكثر الموت فيهم بغتة، فقام فنحاس واستغفر لهم، فارتفع الموت عنهم، فحسب ~~ذلك برا لجيل بعد جيل إلى الأبد، ثم أسخطوه على ماء الخصام، وتألم موسى ~~لأجلهم، وأغضبوا روحه، وخالفوا كلام شفتيه، ولم يستأصلوا الأمم الذين أمرهم ~~الرب، واختلطوا بالشعوب وتعلموا أعمالهم، فكانت عشرة لهم، ذبحوا بنيهم ~~وبناتهم للشياطين، وضحوا لأصنام كنعان، ودنسوا الأرض بالدماء، وتنجسوا ~~بأعمالهم، وزنوا بأفعالهم، فاشتد غضب الرب على شعبه، ورذل ميراثه، فأسلمهم ~~في أيدي الشعوب، وسلط عليهم شناتهم، واستعبدهم أعداؤهم وخضعوا تحت أيديهم، ~~مرارا كثيرة بجاهم، وهم يسخطونه بأفكارهم، وذلوا بسيئاتهم - انتهى؛ على أنك ~~إذا تأملت وجدت أن الله تعالى يعلي كعب الغريب الذي يستذلونه ويحل سعده ~~ويؤثل مجده - كما فعل بيوسف عليه الصلاة والسلام بعد السجن وببني إسرائيل ~~بعد الاستعباد، # PageV10P137 # وهو نعم المولى ونعم النصير! فليحذر الساكن بها من أن يغلب عليه طبعها ~~فيتصف بكل ذلك من قلة الغيرة وبغض الغريب، والجرأة في الباطل استصناعا ~~ومداهنة، والجبن في الحق، وكمال الذل للجبارين، والمجمجة في الكلام، بأن لا ~~يزال يتعهد نفسه بأوامر الله ويحملها على طاعته، واتباع رسوله ومحبته، ~~والنظر في سيرته وسير أتباعه، والتعشق لذلك كله، حتى يصير له طبعا يسلخه من ~~طبع البلد، كما فعل عبادها، وأهل الورع منها وزهادها - أعاذنا الله من شرور ~~أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونسأله أن يختم لنا بالصالحات، وأن يجعلنا من الذين ~~لا خوف عليهم أبدا. # ذكر ما مضى بعدما تقدم من هذه القصة من التوراة: قال: فلما كان بعد سنتين ~~رأى فرعون رؤيا كأنه واقف على شاطىء البحر، وكأن سبع بقرات صعدن من بحر ms2299 ~~النيل حسنات المنظر سمينات اللحوم، يرعين في المرج، وكأن سبع بقرات صعدن ~~خلفهن من النيل قبيحات المنظر وحشيات مهزولات اللحوم، فوقفن إلى جانب ~~البقرات السمان على شاطىء النهر، فابتلع البقرات القبيحات الحسنات المنظر ~~السمينات، # PageV10P138 # فهب فرعون من سنته، ورقد أيضا فرأى ثاني مرة كأن سبع سنبلات طلعن في قصبة ~~واحدة ممتلئة سمانا، وكأن سبع سنبلات مهزولات ضربهن ريح السموم - وفي نسخة: ~~القبول - نبتن بعدهن، فبلغ السنبل المهزول السبع سنبلات الممتلئات، فاستيقظ ~~فرعون فآذته رؤياه، فلما كان بالغداة كربت نفس فرعون، فأرسل فدعا جميع ~~السحرة وكل حكماء مصر، فقص عليهم رؤياه، فلم يوجد إنسان يفسرها لفرعون. # فتكلم رئيس أصحاب الشراب بين يدي فرعون وقال: إني ذكرت يومي هذا ذنبي عند ~~غضب فرعون على عبده، فقذفني في محبس صاحب الشرطة، فحبست أنا ورئيس الخبازين ~~- وفي نسخة: الطباخين - فرأينا جميعا رؤيا في ليلة واحدة، رأى كل امرىء منا ~~كتفسير رؤياه، وكان معنا هناك في الحبس فتى عبراني عند صاحب الشرطة فقصصنا ~~عليه ففسر أحلامنا، وعبر لكل منا على قدر رؤياه، وكل الذي فسر لنا كذلك ~~أصابنا، أما أنا فردني الملك إلى موضعي، وأما ذلك فأمر بصلبه. # PageV10P139 # فأرسل فرعون فدعا يوسف عليه الصلاة والسلام، فأحضروه من السجن، فحلق شعره ~~وغير ثيابه، ودخل فوقف بين يدي فرعون، فقال فرعون ليوسف عليه الصلاة ~~والسلام: إني رأيت رؤيا وليس لي من يفسرها، وقد بلغني عنك أنك تسمع الرؤيا ~~فتفسرها بأحسن تأويل! فأجاب يوسف عليه الصلاة والسلام فقال لفرعون: ألعلك ~~تخال أني أجيب فرعون بسلام عن غير أمر الله تعالى. # فقال فرعون ليوسف: إني رأيت في الرؤيا كأني واقف على شاطىء النهر، وكأن ~~سبع بقرات طلعن من النهر حسنات المنظر سمينات اللحم، يرعين في المرج، وكأن ~~سبع بقرات طلعن من النهر بعدهن سمجات قبيحات المنظر مهزولات اللحم جدا، لم ~~أر على هزالها في جميع أرض مصر، فابتلعت البقرات المهزولات الضعيفات ~~القبيحات أولئك السبع بقرات السمان، فدخلن أجوافهن، فلم يتبين دخولهن، وكأن ~~منظرهن قبيحا كالذي كان من قبل، فانتبهت ms2300 فاضطجعت فرأيت أيضا # PageV10P140 # في الرؤيا كأن سبع سنبلات حسنات في قصبة واحدة ممتلئة سمانا حسانا، وكأن ~~سبع سنبلات مهزولات ضربهن ريح السموم نبتن خلفهن، فابتلع السنبل المهزول ~~الضعيف السبع سنبلات الممتلئات الحسان، فقصصت ذلك على السحرة، فلم أجد من ~~يبين. # فقال يوسف عليه الصلاة والسلام لفرعون: الرؤيا يا فرعون واحدة، أطلع الله ~~فرعون على ما هو مزيع أن يفعله، السبع بقرات الحسان والسبع سنبلات الحسان ~~هي سبع سنين: خير، الرؤيا واحدة، والسبع بقرات الضعيفات المهزولات اللاتي ~~صعدان بعدهن والسبع سنبلات المهزولات اللاتي ضربها ريح السموم تكون سبع ~~سنين: جوع، وهذا القول الذي قلت لفرعون. # إن الله أظهر ما هو مزمع عتيد أن يفعله، وها هذه سبع سنين يأتي الشبع ~~والخصب العظيم جميع أرض مصر، ويأتي بعدها سبع سنين أخر يكون فيها الجوع، ~~وينسى جميع الشبع، والخصب الذي كان في جميع أرض مصر، فيبيد أهل الأرض من ~~الجوع من أجل الغم الذي يأتي من بعد لكثرته وشدته، وإنما أعيدت الرؤيا ~~لفرعون ثاني مرة، لأن الأمر معد بين يدي الرب، والله معجل فعله. # PageV10P141 # والآن فلينظر فرعون رجلا حكيما فهما. فيوليه أرض مصر، فيقاسم أهل مصر على ~~الخمس في السبع السنين، فيجمعوا جميع أفقال هذه السنين الخصبة الآتية، ~~ويخزنوا الأفقال تحت يدي فرعون، ويحفظ القمح في القرى، وليكن الفقل معدا ~~محفوظا لأهل مصر لسبع سني الجوع المزمع أن يكون في جميع أرض مصر، ولا يبيد ~~أهل الأرض بالجوع. # فحسن هذا القول عند فرعون وعند عبيده، فقال فرعون لقواده: هل يوجد مثل ~~هذا الرجل الذي روح الله حال فيه؟ ثم قال فرعون ليوسف عليه الصلاة والسلام: ~~إذا أطلعك الله على هذا كله، ليس أحد فهما مثلك، أنت المسلط على بيتي، وعن ~~أمرك وقولي فيك يقبل جميع الشعب، وإنما أنا أعظم منك بالمنبر فقط، وقال ~~فرعون ليوسف: انظر فقد وليتك جميع أرض مصر، وخلع فرعون خاتمه # PageV10P142 # من خنصره، فوضعه في خنصر يوسف عليه الصلاة والسلام، وألبسه ثياب كتان، ~~وطوقه بطوق من ذهب، وحمله على بعض ms2301 مراكبه، ونادى بين يديه: هذا أب ومسلط، ~~وسلطانه على جميع أرض مصر، ثم قال فرعون ليوسف عليه الصلاة والسلام: إني قد ~~أمرت أن لا يكون أحد يشير بيديه أو يخطو بقدميه دون أمرك في جميع أرض مصر. # ودعا فرعون اسم يوسف: موضح الخفايا، وزوجه بأسنة - وفي نسخة: بأسنات - ~~بنت قوطفيرع إمام إسكندرية - وفي نسخة: حبر وان - فخرج يوسف عليه السلام ~~واليا على جميع أرض مصر، وكان قد أتى على يوسف ثلاثون سنة إذ وقف بين يدي ~~فرعون، فطاف في جميع أرض مصر. # وأغلت الأرض في جميع السبع سني الخصب، ملأ الخزائن وجمع الأقفال في ~~القرى، جمع قمح حقول كل قرية وما أحاط بها فخزنة فيها، وخزن يوسف عليه ~~الصلاة والسلام من الأقفال # PageV10P143 # مثل كثيب - وفي نسخة: رمل البحر - كثيرا جدا حتى أعيى إحصاء ذلك فصار غير ~~محصى. # فولد ليوسف عليه الصلاة والسلام ابنان قبل دخول سنة الجوع، ولدت له أسنة ~~- وفي نسخة: أسنات - نبت قوطيفرع حبر وان - وفي نسخة: إمام إسكندرية - فدعا ~~يوسف عليه الصلاة والسلام اسم ابنه بكر منشا، لأنه قال: إن الله أنساني ~~جميع تعبي - وفي نسخة: شقائي - وما كان منه في بيت أبي، وسمى الآخر ~~أفراثيم، وقال: لأن الله كثرني في أرض تعبدي، فنفدت سنو الشبع الذي كان في ~~أرض مصر، وبدأت سنو الجوع ليأتي كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام، فكان ~~الجوع في جميع أرض مصر، ولم يوجد الخبز في جميع أرض مصر، فجاع جميع أهل ~~مصر، فضج الشعب على فرعون من أجل الخبز، فقال فرعون لجميع المصريين: ~~انطلقوا إلى يوسف # PageV10P144 # عليه السلام فافعلوا جميع ما يأمركم به. # PageV10P145 # ولما كان المعنى - كما تقدم: فجعل إليه خزائن الأرض، فجاءت السنون ~~المخصبة، فدبرها بما علمه الله، ثم جاءت السنون المجدبة فأجدبت جميع أرض ~~مصر وما والاها من بلاد الشام وغيرها، فأخرج ما كان ادخره من غلال سبع سنين ~~بالتدريج أولا فأولا - كما حد له {العليم الحكيم} فتسامع به الناس فجاؤوا ~~للامتيار منه من كل أوب {وجاء إخوة يوسف} ms2302 العشرة لذلك، وحلف أبوهم بنيامين ~~أخا يوسف عليه السلام لأمه عنده، ودل على تسهيله إذنهم بالفاء فقال: ~~{فدخلوا عليه} أي لأنه كان يباشر الأمور بنفسه كما هو فعل الكفاة الحزمة، ~~لا يثق فيه بغيره {فعرفهم} لأنه كان مرتقبا لحضورهم لعلمه بجدب بلادهم وعقد ~~همته بهم. مع كونه يعرف هيئاتهم في لباسهم وغيره، ولم يتغير عليه كبير من ~~حالهم. لمفارقته إياهم رجالا {وهم له منكرون *} ثابت إنكارهم عريق فيهم ~~وصفهم به، لعدم خطوره ببالهم لطول العهد، مع ما تغير عليهم من هيئته بالسن ~~وانضاف إليه من الحشم والخدم واللباس وهيئة البلد وهيبة الملك # PageV10P145 # وعز السلطان، وغير ذلك مما ينكر معه المعروف، ويستوحش لأجله من المألوف، ~~وفق ما قال تعالى {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} [يوسف: 15] والدخول: ~~الانتقال إلى محيط، والمعرفة: تبين الشيء بالقلب بما لو شوهد لفرق بينه ~~وبين غيره مما ليس على خاص صفته. # ولما كان المعنى في قوة أن يقال: فطلبوا منه الميرة فباعهم بعد أن ~~استخبرهم عن أمرهم، وقال لهم: لعلكم جواسيس؟ وسألهم عن جميع حالهم. فأخبروه ~~بأبيهم وأخيهم منه، ليعلم صلاحهم ولا يظن أنهم جواسيس، عطف عليه قوله: ~~{ولما جهزهم} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {بجهازهم} الذي جاؤوا له وقد ~~أحسن إليهم؛ والجهاز: فاخر المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد {قال} أي لهم ~~{ائتوني} أيها العصابة {بأخ لكم} كائن {من أبيكم} يأتي برسالة من أبيكم ~~الرجل الصالح حتى أصدقكم، أو أنهم طلبوا منه لأخيهم حملا، فأظهر أنه لم ~~يصدقهم، وطلب إحضاره ليعطيه، فإنه كان يوزع الطعام على قدر الكفاية؛ ثم ~~رغبهم بإطماعهم في مثل ما فعل بهم من الإحسان، وكان قد أحسن نزلهم، فقال ~~مقررا لهم بما رأوا منه: # PageV10P146 # {ألا ترون} أي تعلمون علما هو كالرؤية {أني أوفي الكيل} أي أتمه دائما ~~على ما يوجبه الحق {وأنا خير المنزلين *} أضع الشيء في أولى منازله. # ولما رغبهم، رهبهم فقال: {فإن لم تأتوني به} أي بأخيكم أول قدمة تقدمونها ~~{فلا كيل لكم} وعرفهم أنه لا يمنعهم من ms2303 غيره فقال: {عندي ولا تقربون *} ومع ~~ذلك فلم يخطر ببالهم أنه يوسف، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: {قالوا سنراود} ~~أي بوعد لا خلف فيه حين نصل {عن أباه} أي نكلمه فيه وننازعه الكلام ونحتال ~~عليه فيه، ونتلطف في ذلك، ولا ندع جهدا؛ ثم أكدوا ذلك - بعد الجملة الفعلية ~~المصدرة بالسين - بالجملة الاسمية المؤكدة بحرفي التأكيد، فقالوا: {وإنا ~~لفاعلون *} أي ما أمرتنا به والتزامناه، وقد مضى عند {وراودته} أن المادة - ~~يائية وواوية بهمز وبغير همز - تدور على الدوران، ومن لوازمه القصد ~~والإقبال والإدبار والرفق والمهلة، وقد مضى بيان غير المهموز، وأما المهموز ~~فمنه درأه، أي دفعه - لأن المدفوع يرد إلى الموضع الذي أتى منه، والمدارأة: ~~المدافعة والمنازعة مطلقا، أي سواء كانت برفق أو بعنف، ثم كثرت فقصرت # PageV10P147 # على الملاينة، ويلزم من الدفع حلول المدفوع في موضع لا يريده بغتة، ومنه: ~~درأ علينا، أي خرج مفاجأة، قال القزاز: وأصله من قولهم: جاء السيل درأ، أي ~~يدرأ بعضه بعضا، وهو الذي يأتي من مكان لا يعلم به، واندرأ فلان علينا ~~بالشر - إذا أتى به من حيث لم ندر، والدرء: النشوز، وهو من الدفع، وكوكب ~~دريء: متوقد متلألىء - كان نوره يدفع بعضه بعضا، ومنه درأت النار: أضاءت، ~~واندرأ الحريق: انتشر، ودرأ الشيء: بسطه - لأن المبسوط لا يخلو عن دفع، ~~وتدارؤوا: تدافعوا في الخصومة. # ودرأ البعير: أغد، ومع الغدة ورم في ظهره، وناقة دارىء: مغدة، وذلك لأن ~~الغدة ملزومة للدفع، لا تنفك عنه بالقتب والركب وغيرهما، وكل ناتىء في ~~الجسد هذا شأنه، ومنه الدرء: لقطعة من الجبل مشرقة، وناقة مدرىء: أنزلت ~~اللبن وأرخت ضرعها عند النتاج - كأنها دفعتهما، وادرأت # PageV10P148 # الصيد - على «افتعلت» : اتخذت له دريئة، وقد تقدمت «الدرية» في الواوي، ~~ومنه: ادرأت فلانا - ذا اعتمدته، والدرء: الميل والعوج - لأنه أهل لأن يدفع ~~ليقوم، وطريق ذو دروء، أي كور وأخاقيق أي شقوق - فكأنها تدفع صاحبها عن ~~القصد، وتدرؤوا عليهم: تطاولوا - لأن ذلك لا يخلو عن مدافعة كالنشوز، ويلزم ~~الدفع القوة، ومنه رجل ذو تدرا، أي منعه ms2304 وقوة، ورادته بكذا - بتقديم الراء: ~~جعلته قوة له وعمادا يدافع عنه، والردء: العون والمادة والعدل الثقيل - ~~لأنه يدافع ليعتدل، وردأ الحائط: دعمه، وردأه بحجر: رماه به، لأنه إذا ~~أصابه دفعه، والإبل: أحسن القيام عليها، لأن ذلك لا يكون إلا بمدافعة، ~~وأردأ الستر: أرخاه، بدفعه له من المكان الذي كان به، وأردأ الولد: سكنه ~~وأنسه، فدفع الهم عنه، وأردأ الشيء: أقره - كأنه لسلب الدفع، # PageV10P149 # وكذا أردأه أي أفسده، إما بأنه لم يدافعه بإحسان القيام عليه فأفسده، أو ~~أنه زاد في الدفع حتى فسد، ومن ذلك أردأ - إذا فعل رديئا، أي فعلا فاسدا ~~ليس بجيد، وكأن من ذلك الأدرة - بالضم ساكنة وتحرك - وهي عظم الخصيتين في ~~الناس والخيل؛ ومن التدافع: ترأدت الحية: اهتزت في انسيابها ورفعت رأسها، ~~والريح: اضطربت - فكأن بعضها يدفع بعضا، ومنه رأد الضحى: ارتفاعه، وترأد ~~الضحى: ارتفع، وكذلك الجارية الرأدة والرؤد - بالضم، أي الناعمة، وقال ~~القزاز: السريعة الشباب مع حسن غذاء، وقال ابن دريد: جارية رأدة - غير ~~مهموز: كثيرة المجيء والذهاب، فإذا قلت: جارية رؤدة فهي الناعمة. # فإذا فسرت بالذهاب والمجيء فهو من الدوران الذي هو المدار، وإذا فسرت ~~بالناعمة فهو من الاضطراب اللازم له، وغصن رؤد - بالضم: رطب - من ذلك، قال ~~القزاز: وأحسب الجارية الناعمة إنما سميت رؤدا من هذا، وترأد: اهتز نعمة، ~~وزيد: قام فأخذته رعدة، والغصن: تفيأ، والعنق: التوى - كله # PageV10P150 # من الدوران وما يلزمه من الاضطراب، ورئد الإنسان: صديقه، لأنه يراوده ~~ويداوره، والرأدة: أصل اللحى، وهو أصول منبت الأسنان، وهو العظم الذي يدور ~~فيه طرفا اللحيين مما يلي الصدغين؛ ومن الرفق والمهلة: الرؤدة - بالضم، وهي ~~التؤدة. # ولما أعلمنا سبحانه أنه رغبهم في شأن أخيه، ورهبهم بالقول، أعلمنا بأنه ~~رغبهم فيه بالفعل، فقال عاطفا على قوله الماضي لهم: {وقال} أي يوسف عليه ~~الصلاة والسلام شفقة على إخوته وإرادة لنصحهم فيما سألهم فيه: {لفتيانه} أي ~~غلمانه، وأصل الفتى: الشاب القوي، وسيأتي شرحه عند قوله تعالى: {تفتؤا تذكر ~~يوسف} {اجعلوا بضاعتهم} أي ما بضعوه أي قطعوه من مالهم للتجارة ms2305 وأخذناه ~~منهم ثمنا لطعامهم الذي دفعناه لهم {في رحالهم} أي عدولهم؛ والرحل: ما أعد ~~للرحيل من وعاء أو مركب {لعلهم يعرفونها} أي بضاعتهم؛ وعبر بأداة التحقق ~~تفاؤلا لهم بالسلامة، أو ظنا، أو علما بالوحي، فقال: {إذا انقلبوا} راجعين ~~{إلى أهلهم} أي يعرفون أنها هي بعينها، رددتها # PageV10P151 # عليهم إحسانا إليهم، ويجزمون بذلك، ولا يظنون أن الله أخلف عليهم مثلها ~~نظرا إلى حالهم وكرامة لأبيهم، ويعرفون هذه النعمة لي {ولعلهم يرجعون *} أي ~~ليكون حالهم وحال من يرجع إلينا إذا عرفوها، لردها تورعا، أو للميرة بها إن ~~لم يكن عندهم غيرها، أو طمعا في مثل هذا، وإنما لم يبادر إلى تعريفهم بنفسه ~~والتعجيل بإدخال السرور على أبيه، لأن ذلك غير ممكن عادة - لما يأتي من ~~الحكم البالغة والتدبير المتين، ودل على إسراعهم في الرجوع بالفاء فقال: ~~{فلما رجعوا} أي إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام {إلى أبيهم} حملهم ما رأوا ~~- من إحسان الصديق وحاجتهم إليه وتبرئتهم لأنفسهم عن أن يكونوا جواسيس - ~~على أن {قالوا ياأبانا} . # ولما كان المضار لهم مطلق المنع، بنوا للمفعول قولهم: {منع منا الكيل} ~~لأخينا بنيامين على بعيره لغيبته، ولنا كلنا بعد هذه المرة إن لم نذهب به ~~معنا ليظهر صدقنا؛ والمنع: إيجاد ما يتعذر به على القادر الفعل. # وضده: التسليط، وأما العجز فضده القدرة {فأرسل} أي بسبب إزالة هذا المنع ~~{معنا أخانا} إنك إن ترسله معنا {نكتل} أي لنفسه كما يكتال كل واحد منا ~~لنفسه - هذا على قراءة حمزة والكسائي # PageV10P152 # بالتحانية، ولنؤوله على قراءة الجماعة بالنون - من الميرة ما وظفه ~~العزيز، وهو لكل واحد حمل، وأكدوا لما تقدم من فعلهم بيوسف عليه الصلاة ~~والسلام مما يوجب الارتياب بهم، فقالوا: {وإنا له} أي خاصة {لحافظون *} أي ~~عن أن يناله مكروه حتى نرده إليك، عريقون في هذا الوصف، فكأنه قيل: ما فعل ~~في هذا بعد ما فعلوا إذ أرسل معهم يوسف عليه الصلاة والسلام؟ قيل: عزم على ~~إرساله معهم، ولكنه أظهر اللجاء إلى الله تعالى في أمره غير قانع بوعدهم ~~المؤكد في ms2306 حفظه، لما سبق منهم من مثله في يوسف عليه الصلاة والسلام بأن ~~{قال هل آمنكم} أي أقبل منكم الآن وفي مستقبل الزمان تأمينكم لي فيه مما ~~يسوءني تأمينا مستعليا {عليه} أي بنيامين {إلا كما آمنتكم} أي في الماضي ~~{على أخيه} أي يوسف عليه الصلاة والسلام. # ولما كان لم يطلع يوسف عليه الصلاة والسلام على خيانة قبل ما فعلوا به، ~~وكان ائتمانه لهم عليه إنما هو زمان يسير، أثبت الجار فقال: {من قبل} فإنكم ~~أكدتم غاية التأكيد فلم تحفظوه لي ولم تردوه إلي - والأمن: اطمئنان القلب ~~إلى سلامة النفس - فأنا في هذا لا آمن عليه إلا الله {فالله} أي المحيط ~~علما وقدرة {خير حافظا} منكم ومن كل أحد {وهو} أي باطنا وظاهرا {أرحم ~~الراحمين *} # PageV10P153 # فهو أرحم بي من أن يفجعني به بعد مصيبتي بأخيه؛ فأرادوا تفريغ ما قدموا ~~به من الميرة {ولما فتحوا} أي أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام {متاعهم} أي ~~أوعيتهم التي حملوها من مصر {وجدوا بضاعتهم} أي ما كان معهم من كنعان بشراء ~~القوت. # ولما كان المفرح مطلق الرد. بنى للمفعول قوله: {ردت إليهم} والوجدان: ~~ظهور الشيء للنفس بحاسة أو ما يغني عنها، فكأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: ~~{قالوا} أي لأبيهم {ياأبانا ما} أي أي شيء {نبغي} أي نريد، فكأنه قال لهم: ~~ما الخبر؟ فقالوا بيانا لذلك وتأكيدا للسؤال في استصحاب أخيهم: {هذه ~~بضاعتنا} ثم بينوا مضمون الإشارة بقولهم: {ردت إلينا} هل فوق هذا من إكرام. # ولما كان التقدير: فنرجع بها إليه بأخينا، فيظهر له نصحنا وصدقنا، بنى ~~عليه قوله: {ونمير أهلنا} أي نجلب إليهم الميرة برجوعنا إليه؛ والميرة: ~~الأطعمة التي تحمل من بلد إلى بلد {ونحفظ أخانا} فلا يصيبه شيء مما يخشى ~~عليه، تأكيدا للوعد بحفظه وبيانا لعدم ضرر في سفره، ويدل على ما في التوراة ~~- من أنه كان سجن أحدهم ليأتوا بأخيهم الأصغر - قوله: {ونزداد كيل بعير} أي ~~فيكون جملة ما نأتي به # PageV10P154 # بعد الرجوع إليه اثني عشر حملا، لكل منا حمل، وللمسجون حملان - لكرته ~~الأولى والثانية، ms2307 وذلك أنه كان لا يعطي إلا حملا لكل رأس، فكأنه ما أعطاهم ~~لما جهزهم غير تسعة أحمال، فكأنه قيل: وهل يجيبكم إلى ذلك في هذه الأزمة؟ ~~فقالوا: نعم، لأن {ذلك كيل يسير *} بالنسبة إلى ما رأينا من كرم شمائله ~~وضخامه ملكه وفخامة همته، فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: {قال} أي يعقوب ~~عليه الصلاة والسلام {لن أرسله} أي بنيامين كائنا {معكم} أي في وقت من ~~الأوقات {حتى تؤتون} من الإيتاء وهو الإعطاء، أي إيصال الشيء إلى الأخذ ~~{موثقا} وهو العقد المؤكد. # ولما كان مراده موثقا ربانيا، وكان الموثق الرباني - وهو ما كان بأسمائه ~~تعالى لكونه أذن سبحانه فيه وأمر بالوثوق به - كأنه منه، قال: {من الله} أي ~~الملك الأعظم بأيمان عظيمة: والله {لتأتنني} كلكم {به} من الإيتان، وهو ~~المجيء في كل حال {إلا} في حال {أي يحاط} أي تحصل الإحاطة بمصيبة من ~~المصائب، لا طاقة لكم بها {بكم} فتهلكوا من عند آخركم، كل ذلك زيادة في ~~التوثيق، لما حصل له من المصيبة بيوسف عليه الصلاة والسلام وإن كان ~~الاعتماد في حفظه إنما هو على الله، وهذا من باب «اعقلها وتوكل» فأجابوه ~~إلى # PageV10P155 # جميع ما سأل {فلما آتوه} أي أعطاه بنوه {موثقهم قال الله} أي الذي له ~~جميع صفات الكمال {على ما نقول وكيل *} هو القادر على الوفاء به المرجو ~~للتصرف فيه بالغبطة، لا أنتم. # PageV10P156 # ولما سمح لهم بخروجه معهم، أتبع تعالى ذلك الخبر عن أمره لهم بالاحتياط ~~من المصائب لأنهم أحد عشر رجلا إخوة أهل جمال وبسطة، وكانوا قد شهروا عند ~~المصريين بعض الشهرة، بسبب ما دار بينهم وبين يوسف عليه الصلاة والسلام من ~~الكلام في المرة الأولى، فكانوا مظنة لأن ترمقهم الأبصار ويشار إليهم ~~بالأصابع، فيصابوا بالعين، ولم يوصهم في المرة الأولى، لأنهم كانوا ~~مجهولين، مع شغل الناس بما هم فيه من القحط، فقال حكاية عنه: {وقال} أي ~~يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه عندما أرادوا السفر: {يابني} محذرا لهم من ~~شر الحسد والعين - {لا تدخلوا} إذا قدمتم إلى مصر ms2308 {من باب واحد} من ~~أبوابها؛ والواحد على الإطلاق: الذي لا ينقسم، وأما المقيد بإجرائه على ~~موصوف كباب واحد، فهو ما لا ينقسم في معنى ذلك الموصوف {وادخلوا من أبواب} ~~واحترز من أن # PageV10P156 # تكون متلاصقة أو متقاربة جدا، فقال: {متفرقة} أي تفرقا كبيرا، وهذا حكم ~~التكليف لئلا يصابوا بالعين - كما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~والحسن وقتادة والضحاك والسدي، فإن العين حق، وهي من قدر الله، وقد ورد ~~شرعنا بذلك، ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال «العين حق» وفي رواية عند أحمد وابن ماجه: «يحضرها ~~الشيطان وحسد بن آدم» ولمسلم والترمذي والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العين حق، ولو شيء سابق القدر لسبقته ~~العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا» ولأبي نعيم في الحلية عن جابر رضي الله عنه ~~أن النبي قال: «إن العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر» ولأبي داود عن ~~أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإنما ~~لتدرك الفارس فتدعثره» # PageV10P157 # ولأحمد والترمذي عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين» قال الإمام الرازي: ومنشأ ~~إصابة العين توهم النفس الخبيثة هلاك من تصيبه. وقد تقدم معنى ذلك في رواية ~~أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة مع انضمام حضور الشيطان، وهذا الاحتياط ~~من باب الأخذ بالأسباب المأمور بها، لأنها من القدر، لا من من باب التحرز ~~من القدر، كما روى مسلم وأحمد وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من الضعيف، ~~وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا ~~تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن» لو «تفتح ~~عمل الشيطان» # معناه - والله أعلم: ms2309 افعل فعل الأقوياء، ولا تفعل فعل العجزة، وذلك بأن ~~تنعم النظر، تمعن في التأمل وتتأنى، حتى تعلم المصادر والموارد، فلا تدع ~~شيئا يحتمل أن ينفعك في الأمر الذي أنت مقبل # PageV10P158 # عليه ولا يضرك إلا فعلته، ولا تدع أمرا يمكن أن يضرك إلا تركته واحترزت ~~منه جهدك، فإنك إذا فعلت ذلك وأتى أمر من عند الله بخلاف مرادك كنت جديرا ~~بأن لا تقول في نفسك: لو أني فعلت كذا، فإنك لم تترك شيئا، وأما إذا فعلت ~~فعل العجزة، وتركت الجزم فما أوشك أن تؤتى من قبل ترك الأسباب، فما أقربك ~~إلى أن تقول ما يفتح عمل الشيطان من «لو» . # ولما خاف أن يسبق من أمره هذا إلى بعض الأوهام أن الحذر يغني من القدر، ~~نفى ذلك مبينا أنه لم يقصد غير تعاطي الأسباب على ما أمر الله وأن الأمر ~~بعد ذلك إليه: إن شاء سبب عن الأسباب مسبباتها، وإن شاء أبطل تلك الأسباب ~~وأقام أسبابا تضادها ويتأثر عنها المحذور، فقال: {وما أغني} أي أجزي وأسد ~~وأنوب {عنكم من الله} أي بعض أمر الملك الأعظم، وعمم النفي فقال: {من شيء} ~~أي إن أراد بكم، سواء كنتم مفترقين أو مجتمعين، وهذا حكم التقدير، ثم علل ~~ذلك بقوله: {إن} أي ما {الحكم} وهو # PageV10P159 # فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة {إلا الله} أي الذي له الأمر كله، لا ~~يقدر أحد سواه على التفصي عن شيء من مراده والفرار من شيء من قدره، ولهذا ~~المعنى - وهو أنه لا ينفع أصلا سبب إلا بالله - أنزل الله التسمية مقرونة ~~بهاء السبب أول كتابه، وأمر بها أول كل شيء؛ وروى أبو نعيم في الحلية في ~~ترجمة إمامنا الشافعي بسنده إليه ثم إلى علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~خطب الناس يوما فقال في خطبته: وأعجب ما في الإنسان قلبه، ولو مواد من ~~الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع. وإن هاج به الطمع ~~أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب ms2310 اشتد به الغيظ، ~~وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته مصيبة ~~قصمه الجزع، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن ~~أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط به ~~الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر. وكل إفراط له مفسد. قال: فقام إليه ~~رجل ممن كان شهد معه الجمل، فقال: # PageV10P160 # يا أمير المؤمنين؟ أخبرنا عن القدر، فقال: بحر عميق فلا تلجه، فقال: يا ~~أمير المؤمنين! أخبرنا عن القدر، فقال بيت مظلم فلا تدخله، فقال: يا أمير ~~المؤمنين! أخبرنا عن القدر، فقال: سر الله فلا تتكلفه، فقال: يا أمير ~~المؤمنين! أخبرنا عن القدر، فقال: أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين، لا جبر ~~ولا تفويض، فقال: يا أمير المؤمنين! إن فلانا يقول بالاستطاعة وهو حاضرك، ~~فقال: علي به! فأقاموه، فلما رآه سل من سيفه قدر أربع أصابع فقال: ~~الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله؟ وإياك أن تقول أحدهما فترتد ~~فأضرب عنقك! فقال: فما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: قل: أملكها بالله الذي ~~إن شاء ملكنيها. # وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الحج عند {إن الله يفعل ما يشاء} ~~[الحج: 18] ما يتصل بهذا. # ولما قصر الأمر كله عليه سبحانه، وجب رد كل أمر إليه، وقصر النظر عليه، ~~فقال منبها على ذلك: {عليه} أي على الله وحده الذي ليس الحكم # PageV10P161 # إلا له {توكلت} أي جعلته وكيلي فرضيت بكل ما يفعله {وعليه} أي وحده ~~{فليتوكل المتوكلون *} أي الثابتون في باب التوكل، فإن ذلك من أعظم ~~الواجبات، من فعله فاز، ومن أغفله خاب، ثم إنه سبحانه صدق يعقوب فيما قال، ~~مؤكدا لما أشار إلى اعتقاده، فقال: {ولما} وعطفه بالواو يدل على أنهم ما ~~أسرعوا الكرة في هذه المرة خوفا من أن يقول لهم: لم يفرغ ما عندكم حتى ~~تضطروا إلى الاستبدال به، والزمان زمان رفق، لا زمان تبسط {دخلوا} أي أخوة ~~يوسف عليه الصلاة والسلام عند وصولهم إلى ms2311 مصر {من حيث أمرهم} أي به {أبوهم} ~~من أبواب متفرقة، قالوا: وكان لمصر أربعة أبواب {ما كان} ذلك الدخول {يغني} ~~أي يدفع ويجزي {عنهم من الله} أي الملك الأعلى الذي لاراد لأمره، وأعرق في ~~النفي فقال: {من شيء} كما تقدم من قول يعقوب عليه الصلاة والسلام {إلا ~~حاجة} أي شيئا غير أتم حاجة {في نفس يعقوب} وهو الدخول على ما أمر به شفقة ~~عليهم {قضاها} يعقوب، وأبرزها من نفسه إلى أولاده، فعملوا فيها بمراده ~~فأغنى عنهم ذلك الإخلاص من عقوق أبيهم فقط، فإنهم ابتلوا في هذه السفرة ~~بأمر عظيم لم يجدوا منه خلاصا، وهو نسبهم إلى السرقة، وأسر أخيهم منهم، قال ~~أبو حيان: وفيه حجة لمن زعم أن «لما» حرف وجوب لوجوب، لا ظرف زمان بمعنى ~~«حين» ، إذا # PageV10P162 # لو كان ظرف زمان ما جاز أن يكون معمولا لما «بعد» ما النافية - انتهى. # ولما كان ذلك ربما أوهم أنه لا فائدة في الاحيتاط، أشار تعالى إلى رده ~~بمدح يعقوب عليه الصلاة والسلام، حثا على الاقتداء به في التسبب مع اعتقاده ~~أن الأمر بيد الله فقال: {وإنه} أي يعقوب عليه الصلاة والسلام مع أمره ~~لبنيه بذلك {لذو علم} أي معرفة بالحكمين: حكم التكليف، وحكم التقدير، ~~واطلاع على الكونين عظيم {لما} أي للذي {علمناه} إياه من أصول الدين ~~وفروعه، ويجوز أن يكون المعنى: لذو علم لأجل تعليمنا أياه. # فاقتدوا به في الاحتياط في تعاطي الأسباب، مع اعتقاد أنه لا أثر لها إلا ~~أن أمضاها الواحد القهار، فبهذا التقدير يتبين أن الاستثناء متصل، وفائدة ~~إبرازه - في صورة الأستثناء عند من جعله منقطعا - الإشارة إلى تعظيم يعقوب ~~عليه الصلاة والسلام، وأنه جدير بأن يكون ما يأمر به مغنيا، لأنه من أمر ~~الله، فلو كان كل شيء يغني من قدر الله لأغنى ما أشار به، وإنما فسرت ~~«يغنى» ب «يدفع» لأن مادة «غنى» - بأي ترتيب كان - تدور على الإقامة، فيكون ~~أغنى للسلب، وهو معنى للدفع، بيانه أن غنى بمعنى أقام، وعاش، ولقي، ومغنى ~~الدار: موضع الحلول، ms2312 ويلزم من الإقامة الكفاية والتمول، # PageV10P163 # لأن الفقير منزعج مضطرب، والغني - كإلى: التزوج، وإذا فتح مد، والاسم ~~الغنية - بالضم، وذلك لأن التزوج لازم الإقامة، والغانية: المرأة تطلب ولا ~~تطلب، أو الغنية بحسنها عن الزينة، أو الشابة المتزوجة، أو الشابة العفيفة ~~ذات زوج كانت أم لا، ومثلها يلزم المنزل ويقصر في الخيام، وأغنى عنه غناء ~~فلان: ناب عنه منابه وأجزأ مجزأه، وحقيقته جعل إقامة كذا متجاوزة عنه، ~~فالمفعول محذوف، فإذا قال مثلا: فلان أغنى عني في الحرب، كان المعنى: أغنى ~~عني ضرب الأبطال أو شدة الحرب، أي أزال إقامة ذلك عني فجعله متجاوزا، ولا ~~شك أن معنى ذلك: دفعه عني، وكذا كل ما كان من ذلك، وما فيه غناء ذاك، أي ~~إقامته والاضطلاع به، ويلزم أيضا - من الإقامة التي هي المدار والكفاية ~~التي هي سببها - الغناء - بالكسر والمد، وهو التطريب بالصوت، والغناء أيضا: ~~الرمل - لإقامته، وغنى بالمرأة: تغزل، أي نظم فيها الغزل، وغنى بزيد: مدحه ~~أو هجاه - من لوازم الإقامة والكفاية، ومنه غنى الحمام: صوت؛ ونغى - كرمى: ~~تكلم # PageV10P164 # بكلام يفهم - لأن ذلك يسكن الخاطر عن القلق، ومنه المناغاة - وهي تكليم ~~الصبي بما يهوى، ونغيت إليه نغية، أي ألقيت إليه كلمة، والنغية - كالنغمة: ~~أول الخبر قبل أن تستثبته، من تسمية الجزء باسم الكل، وناغاه: داناه، ومنه ~~الموج يناغي السماء - إذا ارتفع، وناغاه: باراه أي عارضه، والمرأة: غازلها، ~~أي حادثها - كل ذلك من لوازم الإقامة؛ والغين: حرف هجاء مجهور مستعل - ~~كأنها لقوتها مقيمة في مخرجها غير متزعزعة عنه كالراء والحروف الهوائية ~~وغيرها، والغين: العطش - لأنه الأصل لاقتضاء الحرارة له والري حادث، ~~والغين: الغيم - لإقامته في الهواء، والغينة: أرض - لأنها موضع الإقامة، ~~والأشجار الملتفة بلا ماء، هي أيضا موضع لذلك، لأنها ظليلة ولا ماء بأرضها ~~يمنع من الانتفاع بشيء من ظلها، والغيناء: الخضراء من الشجر، وبئر، ~~وبالقصر: قنة ثبير من الأثبرة السبعة - لأن ذلك كله موضع # PageV10P165 # للإقامة، ولعل قنة هذا الجبل كثيرة الشجر فترجع إلى الشجرة، والأغين: ~~الطويل - إما تشبيه بقنة الجبل، أو بالشجرة، والغانة: ms2313 حلقة رأس الوتر في ~~القوس، وغين على قلبه: غطى عليه أي أقام عليه ساترا له فصار كالسماء ~~بالنسبة إلى الغيم، ومنه غين عليه - إذا تغشته الشهوة وألبس أو غشي عليه، ~~أو أحاط به الرين وهو الطبع والدنس، والغينة - بالكسر: الصديد وما سل من ~~الميت - كأنه من سلب الإقامة، وكذا الغين بالكسر - لموضع كثير الحمى، وغانت ~~نفسي تغين: غثت، والإبل: غامت، أي حصل لها داء كالقلاب غير أنه لا يقتل - ~~انتهى. # ولما كان قد يظن أن كل أحد يكون كذلك، أي يعلم ما علمه، نفى ذلك سبحانه ~~بقوله: {ولكن أكثر الناس} أي لأجل ما لهم من الاضطراب {لا يعلمون *} أي ~~ليسوا بذوي علم لما علمناهم لإعراضهم عنه واستفرغ قواهم في الاهتمام بما ~~وقع # PageV10P166 # التكفل لهم به من أحوال الدنيا، ومغالبة فطرهم القويمة السليمة بردها إلى ~~ما تدعو إليه الحظوظ والشهوات حتى لا يكون فيها طب مخلوق. # PageV10P167 # ولما أخبر تعالى عن دخولهم إلى البلد، أخبر عن دخولهم لحاجتهم إلى يوسف ~~عليه الصلاة والسلام فقاتل: {ولما دخلوا} أي بنوه عليه الصلاة والسلام {على ~~يوسف} في هذه القدمة الثانية {آوى إليه أخاه} شقيقه بنيامين بعد أن قالوا ~~له: هذا أخونا الذي أمرتنا به قد أحضرناه، فقال: أصبتم، وستجدون ذلك عندي؛ ~~والإيواء: ضم النفس بالتصيير إلى موضع الراحة، وسبب إيوائه إليه أنه أمر كل ~~اثنين منهم أن يأكلوا على حدة، فبقي بنيامين بلا ثان، فقال: هذا يأكل معي، ~~ثم قال ليا: وكل اثنين منكم في بيت من خمسة أبيات أفردها لهم، وهذا الوحيد ~~يكون معي في بيتي، وهذا التفريق موافق لما أمرهم به أبوهم في تفريق الدخول، ~~فكأنه قيل: ماذا قال له، هل أعلمه بنفسه أو كتم ذلك عنه كما فعل بسائر ~~إخوته؟ فقيل: بل {قال} معلما له، لأنه لا سبب يقتضي الكتم عنه - كما سيأتي ~~بيانه، مؤكدا لما للأخ من إنكاره لطول غيبته وتغير أحواله وقطع # PageV10P167 # الرجاء منه: {إني أنا أخوك} يوسف: ثم سبب عن ذلك قوله: {فلا تبتئس} أي ~~تجتلب البؤس. وهو الكراهة ms2314 والحزن {بما كانوا} أي سائر الإخوة، كونا هم ~~راسخون فيه {يعملون *} مما يسوءنا وإن زعموا أنهم بنوا ذلك العمل على علم، ~~وقد جمعنا له خير ما يكون عليه الاجتماع، ولا تعلمهم بشيء من ذلك، ثم إنه ~~ملأ لهم أوعيتهم كما أرادوا. وكأنه في المرة الأولى أيضا في تجهيزهم ليتعرف ~~أخبارهم في طول المدة من حيث لا يشعرون، ولذلك لم يعطف بالفاء، وأسرع في ~~تجهيزهم في هذه المرة قصدا إلى انفراده بأخيه من غير رقيب بالحيلة التي ~~دبرها. فلذلك أتت الفاء في قوله: {فلما جهزهم} أي أعجل جهاز وأحسنه ~~{بجهازهم} ويؤيده {فلما جاء أمرنا} [هود: 66 و82] في قصتي صالح ولوط عليهما ~~الصلاة والسلام - كما مضى في سورة هود عليه الصلاة والسلام {جعل} أي بنفسه ~~أو بمن أمره {السقاية} التي له. وهي إناء يسقي به {في رحل أخيه} شقيقه، ~~ليحتال بذلك على إبقائه عنده مع علمه بأن البصير لا يقضي بسرقته بذلك، مع ~~احتمال أن يكون الصواع دس في رحله بغير علمه كما فعل ببضاعتهم في المرة ~~الأولى، وأما غير البصير فضرر ثبوت ذلك في ذهنه مفتقر لأنه يسير بالنسبة ~~إلى ما يترتب # PageV10P168 # عليه من النفع من ألف إخوته بيوسف عليه الصلاة والسلام وزوال وحشتهم منه ~~بإقامته عنده - كما سيأتي مع مزيد بيان - هذا مع تحقق البراءة عن قرب، فهو ~~من باب ارتكاب أخف الضررين، ثم أمهلهم حتى انطلقوا، ثم أرسل إليهم فحبسوا ~~{ثم} أي بعد انطلاقهم وإمعانهم في السير {أذن} أي أعلم فيهم بالنداء {مؤذن} ~~قائلا برفيع صوته وإن كانوا في غاية القرب منه - بما يدل عليه إسقاط ~~الأداة: {أيتها العير} أي أهلها، وأكد لما لهم من الإنكار {إنكم لسارقون *} ~~أي ثابت لكم ذلك لا محالة حقيقة بما فعلتم في حق يوسف عليه الصلاة والسلام، ~~أو مجازا بأنكم فاعلون فعل السارق - كما سيأتي بيانه آنفا، مع أن هذا ~~النداء ليس من قول يوسف عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن لا يكون بأمره حتى ~~يحتاج إلى تصحيحه، بل يكون قائله فهم ذلك ms2315 من قوله عليه السلام: صواعي مع ~~الركب، أو كأنهم أخذوا صواعي فاذهب فآتني به أو بهم - ونحو ذلك مما هو حق ~~في نفسه؛ والعير: القافلة التي فيها الأحمال، والأصل فيها الحمير، ثم كثر ~~حتى أطلق على كل قافلة تشبيها بها، وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه ~~التلطف في بلوغ المراد من إيقاع الأسباب التي تؤدي إليه وتبعث عليه بظاهر ~~جميل وباطن حق مما يخفى على كثير من الناس موقعه، ويشكل عليه وجهه، لأنه ~~أنفذ له وأنجح للمطلوب منه، # PageV10P169 # فكأنه قيل: إن هذه لتهمة عظيمة، فما قالوا في جوابها؟ فقيل: {قالوا} في ~~جواب الذين لحقوهم {و} الحال أن آل إسرائيل {أقبلوا} ودل - على أن الذين ~~لحقوهم كانوا جماعة المؤذن أحدهم، كما كما هو شأن ذوي الرئاسة إذا أرسلوا ~~في مهم - بالجمع في قوله: {عليهم} أي على جماعة الملك: المنادي وغيره {ماذا ~~تفقدون *} مما يمكننا أخذه {قالوا نفقد} وكأن السقاية كان لها اسمان، ~~فعبروا هنا بقولهم: {صواع الملك} والصواع: الجام يشرب فيه {ولمن جاء به} أي ~~أظهره ورده من غير تفتيش ولا عناء {حمل بعير} وهو بالكسر: قدر من المتاع ~~مهيأ لأن يحمل على الظهر، وأما الحمل في البطن فبالفتح {وأنا به زعيم *} أي ~~ضامن وكفيل أوديه إليه، وإفراد الضمير تارة وجمعه أخرى دليل على أن القاتل ~~واحد، وأنه نسب إلى الكل لرضاهم به، وفي الآية البيان عما يوجبه حال بهت ~~الإنسان للتثبت في الأمر وترك الإسراع إلى ما لا يجوز من القول، فكأنه قيل: ~~فما قال إخوة يوسف؟ قيل: {قالوا} قول البريء {تالله} أي الملك اوعظم ~~فأقسموا قسما مقرونا بالتاء، لأنها يكون فيها التعجب غالبا، قال الرماني: ~~لأنها لما كانت نادرة في أدوات القسم جعلت للنادر من المعاني، والنادر من ~~المعاني يتعجب منه، وقال: إنها بدل من الواو، # PageV10P170 # والواو بدل من الباء، فهي بدل من بدل، فلذلك ضعفت عن التصريف في سائر ~~الأسماء، ثم أكدوا براءتهم بقولهم: {لقد علمتم} أي بما جربتم من أمانتنا ~~قبل هذا في كرتي مجيئنا {ما جئنا} ms2316 وأكدوا النفي باللام فقالوا: {لنفسد} أي ~~نوقع الفساد {في الأرض و} لقد علمتم {ما كنا} أي بوجه من الوجوه {سارقين *} ~~أي موصوفين بهذا الوصف قط، بما رأيتم من أحوالنا: من ردنا بضاعتنا التي ~~وجدناها في رحالنا وغير ذلك مما عاينتم من شرف فعالنا مع علمنا بأنها خلق ~~لنا لا تصنع يظهر لبعض الأذكياء بأدنى تأمل، فكأنه قيل: فما قال الذين من ~~جهة العزيز؟ قيل: {قالوا} قول واثق بأنه في رحالهم: {فما جزاؤه} أي الصواع ~~{إن كنتم كاذبين *} في تبرئكم من السرقة؛ والجزاء: مقابلة العمل بما يستحق ~~عليه من خير أو شر {قالوا} وثوقا منهم بالبراءة وإخبارا بالحكم عندهم ~~{جزاؤه} أي الصواع {من} . # ولما كان العبرة بنفس الوجدان، بنوا للمفعول قولهم: {وجد في رحله} ~~ولتحققهم البراءة علقوا الحكم على مجرد الوجدان لا السرقة؛ ثم أكدوا ذلك ~~بقولهم: {فهو جزاءه} أي ليس غير، # PageV10P171 # فكأنه قيل: هل هذا أمر أحدثتموه الآن أو هو مشروع لكم؟ فقالوا: {كذلك} أي ~~بل هو سنة لنا، مثل ذلك الجزاء الشديد {نجزي الظالمين *} أي بالظلم دائما، ~~نرقه في سرقته؛ فحينئذ فتش أوعيتهم {فبدأ} أي فتسبب عن ذلك أنه بدأ المؤذن ~~أو غيره ممن أمر بذلك {بأوعيتهم} . # ولما لم يكن - بين فتح أوعيتهم وفتح وعاء أخيه - فاصل يعد فاصلا، فكانت ~~بداءته بأوعيتهم مستغرقة لما بينهما من الزمان، لم يأت بجار، فقال {قبل ~~وعاء أخيه} أي أخي يوسف عليه الصلاة والسلام شقيقه، إبعادا عن التهمة {ثم} ~~أي بعد تفتيش أوعيتهم والتأني في ذلك {استخرجها} أي أوجد إخراج السقاية ~~التي تقدم أنه جعلها في وعاء أخيه {من وعاء أخيه} . # ولما كان هذا كيدا عظيما في أخذ أخيه بحكمهم، مع ما توثق منهم أبوهم، ~~عظمه تعالى بالإشارة إليه بأداة البعد والإسناد إليه قال: {كذلك} أي مثل ~~هذا الكيد العظيم {كدنا ليوسف} خاصة بأن علمناه إياه جزاء لهم على كيدهم ~~بيوسف عليه الصلاة والسلام، ولذلك صنعنا جميع الصنائع التي أعلت يوسف عليه ~~الصلاة والسلام وألجأت # PageV10P172 # إخوته الذين كادوه بما ظنوا أنه أبطل أمره ms2317 إلى المجيء إليه إلى أن كان ~~آخرها حكمهم على أنفسهم بما حكموا، ثم علل ذلك بقوله: {ما كان} أو هو ~~استئناف تفسير للكيد، وأكد النفي باللام فقال: {ليأخذ أخاه} . # ولما كان الأخذ على جهات مختلفة، قيده بقوله: {في دين الملك} يعني ملك ~~مصر، على حالة من الحالات، لأن جزاء السارق عندهم غير هذا {إلا أن يشاء ~~الله} أي الذي له الأمر كله، ذلك بسبب يقيمه كهذا السبب الذي هو حكم السارق ~~وأهله على أنفسهم، فلا يكون حينئذ من الملك إلا تخليتهم وما حكموا به على ~~نفوسهم. # ومادة «سرق» بتراكيبها الأربعة: سرق، وسقر، وقسر، وقرس - تدور على الغلبة ~~المحرقة والموجعة، وتارة تكون بحر، وتارة ببرد، وتارة بغير ذلك، وتلازمها ~~القوة والضعف والكثرة والقلة والمخادعة، فيأتي الخفاء والليل، فمن مطلق ~~الغلبة: القسر، وهو الغلبة والقهر، وقال ابن دريد: القسر: الأخذ بالغلبة ~~والاضطهاد، والقسورة: الأسد، والعزيز كالقسور، والرماة من الصيادين، واحده ~~قسور، # PageV10P173 # ونبات سهلي - كأنه يكثر فيه الصيد، فتنتابه القساورة، وقسور النبت: كثر، ~~وركز الناس، أي صوتهم الخفي وحسهم - لأن الصيادين يتخافتون؛ والسقر لغة في ~~الصقر - لطير يصيد؛ وقسر: جبل السراة - كأنه موضع الصيد والقسر والغلبة، ~~والقيسري: الكثير - لأنه ملزوم للغلبة، وضرب من الجعلان - كأنه سمي لمطلق ~~الكثرة ولأذاه بما يعانيه من النجاسات، والقيسري - أيضا من الإبل: العظيم ~~أو الصلب أو الضخم الشديد: وجمل قراسية - بالضم وتخفيف الياء: ضخم، والقرس ~~- بالكسر: صغار البعوض؛ والقسورة أيضا من الغلمان: الشاب القوي، والرامي - ~~لأنه أهل لأن يغلب، ولقسور أيضا: الصياد مطلقا؛ ويلزمه المخادعة ~~والاستخفاء، ومنه القسورة: نصف الليل أو أوله أو معظمه - لأنه محل ~~الاستخفاء والمقاهرة؛ ومنه السرق، وهو الأخذ في خفية، وعبارة القزاز: في ~~ختل وغفلة، وسرق - كفرح: خفي، والسوارق: الزوائد في فراش القفل - لغرابتها ~~وخفاء # PageV10P174 # أمرها، أو لسلبها السرقة بمنعها السارق من فتح القفل، والمسترق: المستمع ~~مختفيا، وانسرق عنهم: خنس ليذهب، ويلزم المخادعة والاختفاء نوع ضعف، ومنه: ~~سرقت مفاصله - كفرح: ضعفت، والمسترق: الناقص الضعيف الخلق؛ وانسرق: فتر ~~وضعف - إما منه وإما من السلب، لأن ms2318 من فتر أو ضعف يكف عن السرقة والأذى؛ ~~وقسور الرجل: أسن، وكان منه القارس والقريس أي القديم، ومسترق العنق: ~~قصيرها - كأنه سرق منها شيء، وهو يسارق النظر إليه، أي يطلب غفلته لينظر ~~إليه، وتسرق: سرق شيئا فشيئا، وسرق - كسكر - كان اسمه الحباب فابتاع من ~~بدوي راحلتين، ثم أجلسه على باب دار ليخرج إليه بثمنهما فخرج من الباب ~~الآخر فهرب بهما، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم سرقا، وكان لا يحب أن ~~يسمى بغيره، والسرق - محركا: أجود الحرير أو الحرير الأبيض، أو الحرير ~~عامة، فارسي معرب أصله سره، قال القزاز: ومعناه: جيد، لأنه # PageV10P175 # أهل لأن يقصد بالسرقة لخفة محمله وكثرة تمنه، والسرقين معرب سركين يمكن ~~أن يكون من الضعف، ولعل المعرب يكون خارجا عن أصل المادة، لأنه لا أصل له ~~في العربية؛ ومن الأذى بالحر السفر: حر الشمس وأذاه، يقال: سقرته الشمس - ~~بالسين والصاد - إذا آلمت دماغه، ومنه اشتقاق سقر، وهو اسم إحدى طبقات ~~النار، والسقر: القيادة على الحرم، والسقر: ما يسيل من الرطب - من التسمية ~~باسم السبب، لأن الحر سببه، والقوسرة: القوصرة - ويخففان - لأنه يوضع فيه ~~التمر الذي قد يكون منه السقر، والساقر: الكافر واللعان لغير المستحقين - ~~لكثرة الأذى، أو لاستحقاق الكون في سقر، والساقور: الحر والحديدة يكوى بها ~~الحمار؛ ومن الأذى بالبرد: القرس - وهو البرد الشديد والبارد، والقرس - ~~ويحرك: أبرد الصقيع وأكثفه، والقرس - بالتحريك: الجامد، وأقرس العود جمد ~~ماءه، ومنه القريس - لسمك طبخ وترك حتى جمد، وقرس الماء: جمد، والبرد: اشتد ~~كقرس كفرح، وآل قرايس ويقال: نبات قراس - # PageV10P176 # كسحاب: أجبل باردة أو هضاب بناحية السراة، وقرسنا الماء: بردناه. # إذا تقرر ذلك فتصحيح قول المؤذن «إنكم لسارقون» إن نظر إلى الغلبة في ~~خفاء فلا شك أنهم متصفون بذلك لأخذهم يوسف من أبيه عليهما السلام على هذه ~~الحالة، وإن نظر إلى مطلق الأخذ في خفاء فيكون إطلاق ذلك عليهم مجازا، لأن ~~معهم - في حال ندائه لهم وهم سائرون - شيئا ليس هو لهم هم ذاهبون به في ~~خفاء، أي أنتم في هذه ms2319 الحالة فاعلون فعل السارق، ويقوي إرادة الأول قوله ~~تعالى {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} وقوله تعالى: {من وجدنا متاعنا ~~عنده} كما سيأتي. # ولما كان يوسف عليه الصلاة والسلام إنما تمكن من ذلك بعلو درجته وتمكنه ~~ورفعته، بعد ما كان فيه عندهم من الصغار، كان ذلك محل عجب، فقال تعالى - ~~التفاتا إلى مقام التكلم تقوية للكلام بمقام الغيبة والتكلم، وزاده إشعارا ~~بعظمة، هذا الفعل بصوغه في مظهر العظمة منبها لمن قد يغفل: {نرفع} أي لنا ~~من العظمة، وكان الأصل: درجاته، ولكنه عمم لأنه أدل على العظمة، فكان أليق ~~بمظهرها، # PageV10P177 # فقال منبها على أنه كان حصل ليوسف عليه الصلاة والسلام من الهضم ما ظن ~~كما ظن أنه لا يرتفع بعده: {درجات من نشاء} أي بالعلم. # ولما كان سبب الرفعة هو الأعلمية بالأسباب، وذلك أن الخلق لو اجتهدوا في ~~خفض أحد فنصبوا له كل سبب علموه وقدروا عليه، وأراد الله ضد ذلك، لقيض ~~بعلمه سببا واحدا إن شاء فأبطل جميع تلك الأسباب وقضى برفعته، نبه تعالى ~~على ذلك بقوله: {وفوق كل ذي علم} أي من الخلق {عليم} عظيم العلم، لا تكتنه ~~عظمة علمه العقول، ولا تتخيلها الفهوم، فهو يسبب من الأسباب ما تطيح له ~~أسباب العلماء وتحير له ألباب العقلاء البصراء، وهو الله تعالى - كما نقله ~~الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وسعيد بن جبير، فالتنوين ~~للتعظيم. # PageV10P178 # ولما تم ذلك، كان كأنه قيل: إن انتزاع أخيهم منهم - بعد تلك المواثيق ~~التي أكدوها لأبيهم - لداهية تطيش لها الحلوم، فماذا كان فعلهم عندها؟ ~~فقيل: {قالوا} تسلية لأنفسهم ودفعا للعار عن خاصتهم {إن يسرق} فلم يجزموا ~~بسرقته، لعلمهم بأمانته، وظنهم هذا الصواع دس في رحله وهو لا يشعر، كما دست ~~بضاعتهم في رحالهم # PageV10P178 # وإنما أوهى ظنهم هذا سكوت أخيهم عن الاعتذار به، على أنه قد ورد أنهم ~~لاموه فقال لهم: وضعه في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالهم {فقد سرق أخ} أي ~~شقيق {له} ولما كان ما ظنوه كذلك في زمن يسير، أدخلوا ms2320 الجار فقالوا: {من ~~قبل} يعنون يوسف عليه الصلاة والسلام، وذلك أنه قيل: إن عمته كانت لا تصبر ~~عنه، وكان أبوه لا يسمح بمكثه عندها، لأنه لا يصبرعنه، فحزمته من تحت ثيابه ~~بمنطقة أبيها إسحاق عليه السلام وكانت عندها، ثم قالت: فقدت منطقة أبي، ~~فاكشفوا أهل البيت، فوجدوها مع يوسف عليه الصلاة والسلام، فسمح يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام حينئذ لها ببقائه عندها {فأسرها} أي إجابتهم عن هذه القولة ~~القبيحة {يوسف في نفسه} على تمكنه مما يريد بهم من الانتقام. # ولما كان ربما ظن ظان أنه بكتهم بها بعد ذلك، نفى هذا الظن بقوله تعالى: ~~{ولم يبدها} أي أصلا {لهم} فكأنه قيل: فما قولته التي أسرها في نفسه؟ فقيل: ~~{قال أنتم شر مكانا} أي من يوسف وأخيه، لأن ما نسب إليهما من الشر إنما هو ~~ظاهرا لأمر خير اقتضاه، وأما أنتم ففعلتكم بيوسف شر مقصود منكم ظاهرا ~~وباطنا، ونسبة الشر إلى # PageV10P179 # مكانهم أعظم من نسبته إليهم، وإنما قدم الإخبار بالإسرار مع اقترانه ~~بالإضمار قبل الذكر، لئلا يظن بادىء بدء أنهم سمعوا ما وصفهم به من الشر ~~{والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {أعلم بما تصفون *} منكم، وأنه ليس كما ~~قلتم؛ والوصف: كلمة مشتقة من أصل من الأصول لتجري على مذكور فتفرق بينه ~~وبين غيره بطريق النقيض كالفرق بين العالم والجاهل ونحوهما، فكأنه قيل: إن ~~ذلك القول على فحشه ليس مغنيا عنهم ولا عن أبيهم شيئا، فهل اقتصروا عليه؟ ~~فقيل: لا، بل {قالوا} التماسا لما يغنيهم: {ياأيها العزيز} فخاطبوه بما ~~يليق بالأكابر ليرق لهم {إن له} أي هذا الذي وجد الصواع في رحله {أبا شيخا ~~كبيرا} أي في سنه وقدره وهو مغرم به، لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه {فخذ ~~أحدنا مكانه} وأحسن إلى أبيه بإرساله إليه {إنا نراك} أي نعلمك علما هو ~~كالرؤية أو بحسب ما رأيناه {من المحسنين *} أي العريقين في صفة الإحسان، ~~فأجر في أمرنا على عادة إحسانك، فكأنه قيل: فما أجابهم؟ قيل: {قال معاذ ~~الله} أي نعوذ بالذي ms2321 لا مثل معاذا عظيما {أن نأخذ} أي لأجل هذا الأمر {إلا ~~من} أي الشخص الذي {وجدنا متاعنا عنده} ولم يقل: سرق متاعنا، لأنه - كما ~~أنه لم يفعل في الصواع فعل السارق - لم يقع منه قبل ذلك ما يصحح إطلاق ~~الوصف عليه؛ علل ذلك بقوله: {إنا إذا} أي إذا أخذنا أحدا مكانه {لظالمون *} ~~أي عريقون في الظلم في دينكم، # PageV10P180 # فلم تطلبون ما هو ظلم عندكم. # ذكر ما بعد ما سلف من هذه القصة من التوراة # قال: وكان القهم - وفي نسخة: الجوع - والإرجاف على جميع وجه الأرض، ففتح ~~يوسف الأهراء، وأقبل يبيع المصريين، واشتد الجوع بأرض مصر، وأقبل جميع أهل ~~الأرض يأتون للامتيار من يوسف. # فبلغ يعقوب عليه الصلاة والسلام أن بمصر طعام ميرة، فقال يعقوب عليه ~~السلام لبنيه: لا خوف عليكم، لأنه قد بلغني أن بمصر ميرة فاهبطوا إلى هناك، ~~فامتاروا لنا فنحيى ولا نموت. فهبط بنو يعقوب عليه الصلاة والسلام العشرة ~~ليمتاروا ميرة من مصر، فأما بنيامين أخو يوسف فلم يرسله يعقوب مع إخوته، ~~لأنه قال: لعله أن يعرض له عارض، فأتى بنو إسرائيل ليمتاروا مع الذين كانوا ~~ينطلقون، لأن الجوع اشتد في أرض كنعان، وكان يوسف هو المسلط على الأرض، ~~وكان يميز جميع شعب الأرض، فأتى إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام # PageV10P181 # فخروا له سجدا على الأرض، فرأى يوسف إخوته فأثبتهم وتناكر عليهم وكلمهم ~~بفظاظة وقساوة، وقال لهم: من أين أنتم؟ فقالوا: أتينا من أرض كنعان لنمتار ~~ميرة، فذكر يوسف عليه الصلاة والسلام الرؤيا التي قصها عليهم وقال لهم: ~~إنكم جواسيس، وإنما أتيتم لتفحصوا وتطلعوا الأرض. فقالوا: كلا يا سيدنا! إن ~~عبيدك إنما أتوا ليمتاروا، نحن أجمعون بنو رجل واحد، ونحن أبرياء، وليس ~~عبيدك بطلائع، فقال لهم يوسف: ليس الأمر كما تقولون، بل إنما أتيتم لتجسسوا ~~أرضنا. فقالوا له: نحن اثنا عشر رجلا إخوة عبيدك بنو رجل واحد بأرض كنعان، ~~والآخر هو عند أبينا يومنا هذا، والآخر فقدناه، فقال لهم يوسف: إني إنما ~~قلت لكم: إنكم جواسيس، من أجل هذا ms2322 بهذه تمتحنون، وحق فرعون! لا أخرجنكم من ~~هاهنا حتى يأتي أخوكم الأصغر إلى # PageV10P182 # هاهنا. فنفحص عن أقاويلكم إن كنتم نطقتم بالحق والقسط، وإلا وحق فرعون! ~~إنكم طلائع، فقذفهم في الحبس ثلاثة أيام، ودعا بهم يوسف عليه الصلاة ~~والسلام في اليوم الثالث، وقال لهم: افعلوا ما آمركم به فتحيوا، فإني أراقب ~~الله فيكم، إن كنتم أبرياء فليحبس أحدكم في محبسكم وانطلقوا أنتم بالميرة ~~للجوع الذي في بيوتكم، فأتوني بأخيكم الأصغر فأصدق قولكم ولا تموتوا، ~~ففعلوا كما أمرهم، فقال كل امرىء منهم لصاحبه: حقا إنا قد استوجبنا السجن ~~على أخينا إذ رأينا كرب نفسه إذا كان يتضرع إلينا فلم نرحمه ولم نتراءف ~~عليه، فمن أجل ذلك نزلت بنا هذه البلية والشر، فأجاب روبيل وقال لهم: ألم ~~أقل لكم: لا تأثموا بالغلام، فلم تقبلوا، وهو ذا الآن نحن مطالبون بدمه. # ولم يعلموا أن يوسف يفهم كلامهم، لأنه أوقف ترجمانا بينه وبينهم، فتنحى ~~عنهم فبكى، ثم رجع إليهم يكلمهم، ثم أخذ منهم شمعون فأوثقه تجاههم. # وأمر يوسف بملء أوعيتهم ميرة، وأمر برد ورق كل امرىء منهم في وعائه، وأن ~~يزودوا زادا للطريق، ففعل ذلك بهم كما أمر يوسف عليه السلام، فحملوا ميرتهم ~~على حميرهم وانطلقوا، ففتح بعضهم وعاءه # PageV10P183 # ليلقي قضيما لحماره في مبيتهم. فرأى ورقه موضوعا على طرف حمولته. فقال ~~لإخوته: ورقي رد إلي وهو ذا على طرف حمولتي، فارتجفت قلوبهم وفزعت نفوسهم، ~~وتعجب كل امرىء منهم، فقالوا: يا ليت شعري ما هذا الذي صنعه الله بنا! ~~فأتوا يعقوب أباهم إلى أرض كنعان، فأخبروه بجميع ما عرض لهم وقالوا: إن ~~الرجل سيد الأرض كلمنا بفظاظة وقساوة. وحسبنا بمنزلة الجواسيس أتينا لنطالع ~~الأرض، فقلنا: إنا أبرياء عدول، فلسنا بطلائع، فنحن اثنا عشر أخا بنو أب ~~واحد، فقد واحد منا والآخر عند أبينا يومنا هذا بأرض كنعان، فقال لنا الرجل ~~سيد الأرض ورئيسها: بهذا أعلم بأنكم أبرار عدول، خلفوا عندي أحد إخوتكم، ~~واحملوا ميرة للجوع الذي في بيوتكم. وانصرفوا فأتوني بأخيكم الأصغر معكم، ~~فأعلم حينئذ أنكم ms2323 لستم بطلائع، بل أنتم أبرياء عدول، وآمر بدفع أخيكم ~~إليكم، وتتجرون في الأرض، فبينما هم يفرغون أوعيتهم فإذا هم بصرة كل امرىء ~~منهم على طرف وعائه فرأوا ورقهم مصرورا ففزعوا هم وأبوهم. فقال لهم أبوهم: ~~إنكم قد أثكلتموني ولدي وأفقدتموني إياهما، لأن يوسف فقدته. وشمعان محبوس، # PageV10P184 # وتنطلقون ببنيامين أيضا وقد كملت علي المصائب كلها، فقال روبيل لأبيه: ~~ثكلت ابني جميعا إن لم آتك به! ادفعه إلي وأنا أرده إليك، فقال: لا يهبط ~~ابني معكم، لأن أخاه يوسف توفي وهو وحده الباقي لأمه، فتعرض له آفة في ~~الطريق الذي تسلكونه فتنزلون شيبتي إلى الجدث بالشقاء والشحب. # فاشتد الجوع على الأرض، فلما أكلوا الذي أتوا به من مصر وأفنوه قال لهم ~~يعقوب أبوهم عليه السلام: اهبطوا فامتاروا لنا شيئا من قمح، فقال له يهوذا: ~~إن الرجل أنذرنا وتقدم إلينا وقال: لا تعاينوا وجهي إلا وأخوكم معكم، فإن ~~أنت أرسلت أخانا معنا فإنا نهبط فنمتار، وإن لم تبعثه لم ننطلق، فقال لهم ~~أبوهم: ولم أسأتم إلي فأخبرتم الرجل أن لكم أخا؟ فقالوا: الرجل سأل عنا وعن ~~رهطنا وقال: إن أباكم في الحياة بعد؟ وهل لكم أخ؟ فأخبرناه من أجل هذا ~~الكلام، أكنا نعلم أنه يقول: اهبطوا معكم بأخيكم؟ وقال يهوذا لإسرائيل ~~أبيه: سرح الغلام فننطلق فنحيى ولا نموت نحن وأنت أيضا وحشمنا، أنا أكفل ~~به. # فإن لم آتك به فأقيمه بين يديك فأنا مخطىء # PageV10P185 # بين يدي أبي جميع الأيام. # فقال أبوهم إسرائيل: إذا كان الأمر هكذا فافعلوا ما آمركم به: احملوا في ~~أوعيتكم من ثمار هذه الأرض شيئا من صنوبر وعسل وعلك البطم وخروب وحب السرو ~~وبطم ولوز، وخذوا من الورق ضعف الذي في أوعيتكم، لعل ذلك أن يكون وهما ~~منهم، وانطلقوا بأخيكم إلى الرجل، وارجعوا إلي كلكم، وإله المواعيد يظفركم ~~من الرجل برحمة ورأفة، فيرسل بأخيكم الآخر معكم وبنيامين أيضا، فأخذ القوم ~~هذه الهدية وضعفا من الفضة، وانطلقوا معهم ببنيامين وأتوا يوسف فوقفوا بين ~~يديه. فرأى يوسف بنيامين معهم فقال لحاجبه: أدخل ms2324 القوم إلى المنزل، واذبح ~~ذبيحا، وهيىء الغداء، لأن القوم يتغدون معي ظهرا، ففعل العبد كما أمره يوسف ~~عليه السلام، وأدخل القوم إلى منزل يوسف عليه السلام وقالوا: إنهم إنما ~~يدخلوننا لسبب الورق الذي وجدنا في أعدالنا من قبل، فيريدون أن يتطاولوا ~~علينا ويمكروا بنا، فيجعلونا عبيدا ودوابنا ملكا، فدنوا من الرجل حاجب - ~~وفي نسخة: خازن - يوسف عليه السلام. فكلموه على باب المنزل، وقالوا له: إنا ~~نطلب إليك يا سيدنا أنا هبطنا أولا إلى هاهنا فامترنا قمحا، فلما # PageV10P186 # طلعنا وصرنا في البيت إذا نحن بورق كل واحد منا في عدله، فقد رددنا ~~أوراقنا بوزنها معنا وأتينا معها بأوراق أخر لنمتار بها، ولا نعلم من الذي ~~صير أوراقنا في أوعيتنا؟ فقال لهم: السلام لكم، لا تخافوا ولا تستوفضوا، ~~إلهكم إله المواعيد إله أبيكم ذخر لكم هذه الذخيرة في أوعيتكم، لأن ورقكم ~~قد صار في قبضتي، وأخرج إليهم شمعون، فأدخل العبد القوم إلى منزل يوسف عليه ~~السلام، وأتاهم بماء فغسلوا أيديهم وأقدامهم، وألقى قضميا لدوابهم، فأعد ~~القوم هديتهم قبل دخول يوسف عليه السلام وقت القائلة لأنه بلغهم أن غداءهم ~~يكون هناك، فدخل يوسف إلى منزله، فأدخلوا هديتهم فوضعوها بين يديه في ~~منزله، وخروا له سجدا على الأرض، فسألهم عن سلامتهم وقال: أسالم هو؟ أبوكم ~~الذي أخبرتموني عنه أنه الحياة هو بعد؟ فقالوا: إن أبانا عبدك سالم، ثم ~~جثوا فسجدوا فرفع بصره فأبصر بنيامين أخاه ابن أمه فقال لهم: هذا أخوكم ~~الذي أخبرتموني عنه؟ فقالوا: نعم؟ فقال له: الله يترأف عليكم يا بني، ~~فاستعجل يوسف عليه # PageV10P187 # السلام لأنه رق له وتحنن عليه فأراد البكاء، فدخل إلى مكانه فبكى هناك، ~~ثم غسل وجهه وخرج فصبر نفسه، فأمر أن يأتوهم بالغداء، فوضعوا بين يديه ~~وحده، وقربوا إليهم وحدهم، لأنه لا يستطيع أهل مصر أن يأكلوا مع ~~العبرانيين، لأن هذه نجاسة عند المصريين، فأمر فاتكأ الأكبر على قدر سنه ~~والأصغر على قدر سنه، فتعجب القوم ومكثوا محيرين مشدوهين، فأعطى كل واحد ~~منهم من بين يديه جزءا، وأعطى ms2325 بنيامين أكثر منهم: خمسة أنصبة، فشربوا. # فأمر خازنه وقال له: أوقر أوعية القوم من البر ما أمكنهم حمله، وصير ورق ~~كل امرىء منهم على طرف وعائه، وخذ طاسي طاس الفضة وصيره في وعاء الأصغر مع ~~ورق ميرته، ففعل العبد كما أمر يوسف عليه السلام، فلما كان من الغد سرح ~~القوم لينطلقوا هم وحميرهم، فخرجوا من القرية، وقبل أن يخرجوا منها قال ~~يوسف لخازنه: قم فامض في طلب القوم وألحقهم وقل لهم: لم كافيتم الشر بدل ~~الخير، فأخذتم الطاس الذي يشرب فيه سيدي ويعتاف فيه اعتيافا، فأسأتم فيما ~~جاء منكم، فلحقهم وقال لهم هذه الأقاويل، فقالوا له: # PageV10P188 # لا تقولن يا سيدنا هذه الأقاويل، معاذ الله أن يفعل عبيدك هذه الفعال! ~~نحن رددنا أوراقنا التي وجدنا في أوعيتنا من أرض كنعان، فكيف نسرق من بيت ~~سيدك ذهبا أو فضة، من وجد عنده من عبيدك فليمت ونكن نحن عبيدا لسيدنا! قال ~~لهم: هو على ما تقولون، من وجد عنده فهو يكون لي عبدا، وأنتم تكونون فلحين ~~طاهين، فاستعجل كل منهم وعاءه، ففتشوا ابتداء بالأكبر وانتهاء إلى الأصغر، ~~فوجدوا الطاس في وعاء بنيامين، فمزقوا ثيابهم وخرقوها. وحمل كل امرىء منهم ~~وعاءه على حماره، ورجعوا إلى القرية، فدخل يهوذا وإخوته على يوسف وكان في ~~منزله بعد، فخرجوا بين يديه على الأرض، فقال لهم يوسف: ما هذا الفعل الذي ~~جاء منكم؟ أما تعلمون أن رجلا مثلي يعتاف - وفي نسخة: يمتحن - بكأس ~~اعتيافا؟ لم تتعدون عليه وتأخذونه؟ فقال يهوذا: بماذا نكلم سيدنا! وبماذا ~~ننطق! وبماذا نفلح - وفي نسخة: نحتج - من عند الله نزلت هذه الخطيئة ~~بعبيدك، هوذا نحن عبيد لسيدنا نحن ومن أصيب الكأس عنده، فقال: معاذ الله # PageV10P189 # أن أفعل هذا! بل الرجل الذي وجد الكأس عنده يكون لي عبدا، وأنتم فاصعدوا ~~بسلام إلى أبيكم. # فدنا منه يهوذا فقال: أنا أطلب إليك يا سيدي أن تأذن لعبدك بالكلام بين ~~يديك، يا سيد! ولا تشعل غضبك على عبيدك، لأنك مثل فرعون، سأل سيدي عبيده ~~فقال لهم: هل لكم ms2326 أب أو أخ؟ فقلنا لسيدنا: إن لنا أبا شيخا وابنا له صغيرا ~~ولد على كبر سنه، وإن أخاه مات، وهو الباقي وحده لأمه، وأبوه يحبه، وأمرت ~~عبيدك وقلت: اهبطوا به إلي حتى أعرفه وأعاينه، فقلنا لسيدنا: لا يقدر ~~الغلام على مفارقة أبيه، لأنه إن فارقه أبوه توفي، فقلت لعبيدك: إنه لم ~~يهبط أخوكم الأصغر معكم فلا تعودوا أن تعاينوا وجهي، فلما صعدنا إلى عبدك ~~أبينا أخبرناه بقول سيدنا فقال لنا عبدك أبونا: ارجعوا فامتاروا شيئا من ~~بر، فقلنا لأبينا: لا نقدر على الهبوط إلى أن نهبط بأخينا الأصغر معنا، ~~لأنا لا نقدر على معاينة وجه الرجل إن لم يكن أخونا معنا، فقال لنا عبدك ~~أبونا: أنتم تعلمون أن امرأتي ولدت لي ابنين، فخرج واحد من عندي فقلتم: إنه ~~قتل قتلا، فلم أعاينه إلى يوم الناس هذا، فتحملون أيضا هذا من عندي فيعرض ~~له صيد # PageV10P190 # فتهبطون بشيخوختي بحزن وشر القبر، والآن إذا نحن انطلقنا إلى عبدك أبينا ~~وليس الغلام معنا ونفسه حبيبة إليه، فإذا علم أن الغلام ليس هو معنا يموت ~~فيهبط عبدك شيبة أبينا بالشقاء والتشحيب، لأن عبدك ضمن الغلام لأبينا، ~~وقلت: إني إذا لم آتك به أخطىء باقي جميع الأيام، والآن فليبق عبدك بدل ~~الغلام عبدا لسيدي، وليصعد الغلام مع إخوته، لأني أفكر كيف أصعد إلى أبي ~~وليس الغلام معي كيلا أعاين الشر الذي ينزل بأبي. # PageV10P191 # ولما أياسهم بما قال عن إطلاق بنيامين، حكى الله تعالى ما أثمر لهم ذلك ~~من الرأي فقال: {فلما} دالا بالفاء على قرب زمن تلك المراجعات {استيئسوا ~~منه} أي تحول رجاءهم لتخلية سبيله لما رأوا من إحسانه ولطفه ورحمته يأسا ~~شديدا بما رأوا من ثباته على أخذه بعينه وعدم استبداله {خلصوا} أي انفردوا ~~من غيرهم حال كونهم {نجيا} أي ذوي نجوى يناجي بعضهم بعضا، من المناجاة وهي ~~رفع المعنى من كل واحد إلى صاحبه في خفاء، من النجو وهو الارتفاع عن الأرض ~~- قاله الرماني، أو تمحضوا تناجيا لإفاضتهم فيه # PageV10P191 # بجد كأنهم صورة التناجي، فكأنه ms2327 قيل: فما قالوا؟ فقيل: {قال كبيرهم} في ~~السن وهو روبيل: {ألم تعلموا} مقررا لهم بما يعرفونه مع قرب الزمان ليشتد ~~توجههم في بذل الجهد في الخلاص من غضب أبيهم {أن أباكم} أي الشيخ الكبير ~~الذي فجعتموه في أحب ولده إليه. # ولما كان المقام بالتقرير ومعرفة صورة الحال لتوقع ما يأتي من الكلام، ~~قال: {قد أخذ عليكم} أي قبل أن يعطيكم هذا الولد الآخر {موثقا} ولما كان ~~الله تعالى هو الذي شرعه - كما مضى - كان كأنه منه، فقال: {من الله} أي ~~أيمان الملك الأعظم: لتأتنه به إلا أن يحاط بكم {ومن قبل} أي قبل هذا {ما ~~فرطتم} أي قصرتم بترك التقدم بما يحق لكم في ظن أبيكم أو فيما ادعيتم ~~لأبيكم تفريطا عظيما، فإن زيادة «ما» تدل على إرادته لذلك {في} ضياع {يوسف} ~~فلا يصدقكم أبوكم أصلا، بل يضم هذه إلى تلك فيعلم بها خيانتكم قطعا، وأصل ~~معنى التفريط،: التقدم، من قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا فرطكم على الحوض» ~~. # ولما كان الموضع موضع التأسف والتفجع والتلهف، أكده ب «ما» النافية لنقيض ~~المثبت كما سلف غير مرة، أي أن فعلكم في يوسف ما كان إلا تفريطا لا شك فيه ~~{فلن أبرح} أي أفارق هذه # PageV10P192 # {الأرض} بسبب هذا، وإيصاله الفعل بدون حرف دليل على أنه صار شديد ~~الالتصاق بها {حتى يأذن لي أبي} في الذهاب منها {أو يحكم الله} أي الذي له ~~الكمال كله ووثقنا به {لي} بخلاص أخي أو بالذهاب منها بوجه من الوجوه التي ~~يعلمها ويقدر على التسبب لها {وهو} أي ظاهرا وباطنا {خير الحاكمين *} إذا ~~أراد أمرا بلغه بإحاطة علمه وشمول قدرته، وجعله على أحسن الوجود وأتقنها، ~~فكأنه قيل: هذا ما رأى أن يفعل في نفسه، فماذا رأى لإخوته؟ فقيل: أمرهم ~~بالرجوع ليعلموا أباهم لإمكان أن يريد القدوم إلى مصر ليرى ابنه أو يكون ~~عنده رأي فيه فرج، فقال: {ارجعوا إلى أبيكم} أي دوني {فقولوا} أي له ~~متلطفين في خطابكم {ياأبانا} وأكدوا مقالتكم فإنه ينكرها لكم فقولوا: {إن ~~ابنك} ms2328 أي شقيق يوسف عليه الصلاة والسلام الذي هو أكملنا في البنوة عندك ~~{سرق} . # ولما كانوا في غاية الثقة من أن أحدا منهم لا يلم بمثل ذلك، أشاروا إليه ~~بقولهم: {وما شهدنا} أي في ذلك {إلا بما علمنا} ظاهرا من رؤيتنا الصواع ~~يخرج من وعائه؛ والشهادة: الخبر عن إحساس قول أو فعل، وتجوز الشهادة بما ~~أدى إليه الدليل القطعي {وما كنا للغيب} أي الأمر الذي غاب عنا {حافظين *} ~~فلعل حيلة دبرت في ذلك غاب # PageV10P193 # عنا علمها كما صنع في رد بضاعتنا {واسأل القرية} أي أهلها وجدرانها إن ~~كانت تنطق {التي كنا فيها} وهي مصر، عما أخبرناك به يخبروك بصدقنا، فإن ~~الأمر قد اشتهر عندهم {و} اسأل {العير} أي أصحابها وهم قوم من كنعان جيران ~~يعقوب عليه الصلاة والسلام {التي أقبلنا فيها} والسؤال: طلب الإخبار بأداته ~~من الهمزة وهل ونحوهما، والقرية: الأرض الجامعة لحدود فاصلة، وأصلها من ~~قريت الماء، أي جمعته، وسيأتي شرح لفظها آخر السورة، والعير: قافلة الحمير، ~~من العير - بالفتح، وهو الحمار، هذا الأصل - كما تقدم ثم كثر حتى استعمل في ~~غير الحمير. # ولما كان ذلك جديرا بالإنكار لما يتحقق من كرم أخيهم، أكدوه بقولهم: ~~{وإنا} أي والله {لصادقون *} فكأنه قيل: فرجعوا إلى أبيهم وقالوا ما قال ~~لهم كبيرهم، فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: {قال بل} أي ليس الأمر كذلك، لم ~~تصح نسبة ابني إلى السرقة ظاهرا ولا باطنا، أي لم يأخذ شيئا من صاحبه في ~~خفاء بل {سولت} أي زينت تزيينا فيه غي {لكم أنفسكم أمرا} أي حدثتكم بأمر ~~ترتب عليه ذلك، والأمر: الشيء الذي من شأنه أن تأمر # PageV10P194 # النفس به، وكلا الأمرين صحيح، أما النفي فواضح، لأن بنيامين لم يسرق ~~الصواع ولا هم بذلك، ولذلك لم ينسبه يوسف عليه الصلاة والسلام ولا مناديه ~~إلى ذلك بمفرده، وأما الإثبات فأوضح، لأنه لولا فعلهم بيوسف عليه الصلاة ~~والسلام لما سولت لهم فيه أنفسهم لم يقع هذا الأمر لبنيامين عليه السلام ~~{فصبر جميل} مني، لأن ظني في الله جميل، وفي ms2329 قوله: {عسى الله} أي المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما {أن يأتيني بهم} أي بيوسف وشقيقه بنيامين وروبيل ~~{جميعا} ما يدل الفطن على أنه تفرس أن هذه الأفعال نشأت عن يوسف عليه ~~الصلاة والسلام، وأن الأمر إلى سلامة واجتماع؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنه هو} ~~أي وحده {العليم} أي البليغ العلم بما خفي علينا من ذلك، فيعلم أسبابه ~~الموصلة إلى المقاصد {الحكيم *} أي البليغ في إحكام الأمور في ترتيب ~~الأسباب بحيث لا يقدر أحد على نقض ما أبرمه منها، وترتيب الوصفين على غاية ~~الإحكام - كما ترى - لأن الحال داع إلى العلم بما غاب من الأسباب أكثر من ~~دعائه إلى معرفة حكمتها؛ قال هذه المقالة {وتولى} أي انصرف بوجهه {عنهم} ~~لما تفاقم عليه من الحزن، وبلغ به من الجهد، وهاج به # PageV10P195 # باجتماع حزن إلى حزن من الحرق كراهية لما جاؤوا به وإقبالا على من إليه ~~الأمر {وقال} مشتكيا إلى الله لا غيره، فهو تعريض بأشد التصريح والدعاء: ~~{ياأسفي} أي يا أشد حزني، والألف بدل عن ياء الإضافة لتدل على بلوغ الأسف ~~إلى ما لا حد له، وجناس «الأسف» مع «يوسف» مما لم يتعمد، فيكون مطبوعا، ~~فيصل إلى نهاية الإبداع، وأمثاله في القرآن كثير {على يوسف} هذا أوانك الذي ~~ملأني بك فنادمني كما أنادمك، وخصه لأنه قاعدة إخوانه، انبنى عليها وتفرع ~~منها ما بعدها {وابيضت عينه} أي انقلب سوادهما إلى حال البياض كثرة ~~الاستعبار، فعمى البصر {من الحزن} الذي هو سبب البكاء الدائم الذي هو سبب ~~البياض، فذكر السبب الأول، يقال: بلغ حزنه عليه السلام حزن سبعين ثكلى وما ~~ساء ظنه قط. # ثم علل ذلك بقوله: {فهو} أي بسبب الحزن {كظيم *} أي شديد الكظم لامتلائه ~~من الكرب، مانع نفسه من عمل ما يقتضيه ذلك من الرعونات بما آتاه الله من ~~العلم والحكمة، وذلك أشد ما يكون على النفس وأقوى ما يكون للحزن، فهو فعيل ~~بمعنى مفعول، وهو # PageV10P196 # أبلغ منه، من كظم السقاء - إذا شده على ملئه. # ومادة «كظم» تدور على المنع من الإظهار، ms2330 يلزمه الكرب - لأنه من شأن ~~الممنوع مما قد امتلأ منه، ويلزمه الامتلاء، لأن ما دونه ليس فيه قوة ~~الظهور، كظم غيظه -إذا سكت بعد امتلائه منه، وكظمت السقاء - إذا ملأته ~~وسددته، وكظم البعير جرته - إذا ردها وكف، والكظم: مخرج النفس، لأنه به ~~يمنع من الجري في هواه؛ والكظامة: حبل يشد به خرطوم البعير، لمنعه مما ~~يريد، وأيضا يوصل بوتر القوس العربية ثم يدار بطرف السية العليا، منعا له ~~من الانحلال وأيضا قناة في باطن الأرض يجري فيهما الماء، لأنه يمنع الماء ~~من أن يأخذ في هواه فيرتفع في موضع النبع فيظهر على وجه الأرض، وخرق يجري ~~فيه الماء من بئر إلى بئر، لأنه لا يصنع إلا عند ضعف إحدى البئرين، فلولاه ~~لفاضت القوية، فهو تصريف لمائها في غير وجهه، وكظامة الميزان: المسمار الذي ~~يدور فيه اللسان، لأنه يربطه فيمنعه # PageV10P197 # من الانفكاك، ويقال: ما زلت كاظما يومي كله، أي ممسكا عن الأكل وقد ~~امتلأت جوعا، وقد يطلق على مطلق النبع، ومنه كاظمة - لقرية على شاطىء ~~البحر، لأن البحر قد كظمها عن الانفساح وكذا هي منعته عن الانسياح. # PageV10P198 # فلما رأوا أنه قد فاتهم ما ظنوا أنه يكون بعد ذهاب يوسف من صلاح الحال مع ~~أبيهم بقصر الإقبال عليهم، ووقع لأبيهم هذا الفادح العظيم، تشوف السامع إلى ~~قولهم له، فاستأنف الإخبار عنه بقوله: {قالوا} أي حنقا من ذلك {تالله} أي ~~الملك الأعظم، يمينا فيها تعجب {تفتئوا} أي ما تزال {تذكر يوسف} حريصا على ~~ذكره قويا عليه حرص الفتى الشاب الجلد الصبور على مراده {حتى} أي إلى أن ~~{تكون حرضا} أي حاضر الهلاك مشرفا عليه متهيئا له بدنف الجسم وخبل العقل - ~~كما مضى بيانه في الأنفال عند {حرض المؤمنين على القتال} {أو تكون} أي كونا ~~لازما هو كالجبلة {من الهالكين *} . # PageV10P198 # ولما تشوفت النفس إلى ما كان عنه بعد ما رأى من غلطة بنيه، شفى عيها ~~بقوله: {قال إنما} أي نعم لا أزال كذلك لأنه من صفات الكمال للإنسان، ~~لدلالته على الرقة والوفاء، وإنما يكون ms2331 مذموما إذا كان على وجه الشكاية إلى ~~الخلق وأنا لا أشكو إلى مخلوق، إنما {أشكوا بثي} والبث أشد الحزن، سمي بذلك ~~لأنه من صعوبته لا يطاق حمله فيباح به وينشر {وحزني} مطلقا وإن كان سببه ~~خفيفا يقدر الخلق على إزالته {إلى الله} أي المحيط بكل شيء علما وقدرة ~~تعرضا لنفحات كرمه، لا إلى أحد غيره، وهذا - الذي سمعتوه مني فقلقتم له - ~~قليل من كثير. # ولما كان يجوز أن يكونوا صادقين في أنهم لم يجدوا إلا قميص يوسف ملطخا ~~دما، وأن يكون قطعهم بأكل الذئب له مستندا إلى ذلك، وكان يعقوب عليه السلام ~~يغلب على ظنه أن يوسف عليه السلام حي ويظن في الله أن يجمع شمله به، قال: ~~{وأعلم من الله} أي الملك الأعلى من اللطف بنا أهل هذا البيت ومن التفريج ~~عن المكروبين والتفريح للمغمومين {ما لا تعلمون *} # PageV10P199 # ومادة «فتا» يائية وواوية مهموزة وغير ومهموزة بكل ترتيب وهي فتأ، وفأت ~~وتفأ وأفت، وفتى وفوت وتوف وتفو تدور على الشباب، وتلزمه القوة وشدة ~~العزيمة وسلامة الانقياد: ما فتأ يفعل كذا - مثلثة العين: ما زال كما أفتا، ~~أي إنه ما زال فاعلا في ذلك فعل الشاب الجلد الماضي العزم، وما فتىء أن ~~فعل، ما برح أي أنه بادر إلى ذلك بسهولة انقياد وشدة عزيمة، وحقيقته: ما ~~فتىء عن فعل كذا، أي ما تجاوزه إلى غيره وما نسيه بل قصر فتاءه وهمته وجلده ~~عليه، وعن ابن مالك في جمع اللغات المشكلة وعزاه للفراء - وصححه في ~~القاموس: فتأ - كمنع: كسر وأطفأ، وهو واضح في القوة، وفتىء عنه - كسمع: ~~نسيه وانقذع عنه، أي انكف أو خاص بالجحد، أي بأن يكون قبله حرف نفي، ومعناه ~~أن قوته تجاوزته فلم تخالطه؛ ومن يائيه: الفتاء - كسماء: الشباب، وكأنه # PageV10P200 # أصل المادة، والفتي - بالقصر؛ السخي والكريم، أي الجواد الشريف النفس، ~~والفتى: السيد الشجاع - لأن ذلك يلزم الشباب، والفتى: المملوك وإن كان ~~بخيلا أو شيخا - لأنه غالبا لا يشتري إلا الشباب، والفتى: التلميذ، والتابع ~~كذلك، والفتى - كغنى: الشاب أيضا، والفتوة: ms2332 الكرم، وقد تفتى وتفاتى، ~~وفتوتهم: غلبتهم فيها، وأفتاه في الأمر: أبانه له، والفتيا - بالضم والفتوى ~~- ويفتح: ما أفتى به الفقيه، وهو يرجع إلى الجود وحسن الخلق، والفتيان: ~~الليل والنهار، ولذلك يسميان الجديدين، وفتيت البنت تفتية: منعت اللعب مع ~~الصبيان، فهو من سلب الشباب، أي فعله ومن مقلوبه مهموزا: افتأت علي الباطل: ~~اختلقه، وبرأيه: استبد، وكلاهما يدل على جرأة وطيش، وهو بالشاب الذي لم ~~يحنكه الدهر أجدر، وافتئت - على البناء للمفعول: مات فجأة - كأن ذلك أشد ~~الموت؛ ومن واوية: فات الشيء فوتا وفواتا: ذهب فسبق فلم يدرك، وفاته ~~وافتاته: ذهب عنه فسبقه، # PageV10P201 # وذلك يدل على قوة السابق، وبينهما فوت، أي بون - كأن كلا منهما سابق ~~للآخر، وتفاوت الشيئان وتفوتا: تباعد ما بينهما، ويلزم ذلك الاختلاف ~~والاضطراب، ويلزمه العيب {فما ترى في خلق الرحمن من تفوت} : من عيب، يقول ~~الناظر: لو كان كذا كان أحسن، وموت الفوات: الفجأة، وهو فوت رمحه ويده، أي ~~حيث يراه ولا يصل إليه، والفوت: الفرجة بين إصبعين، وافتأت عليه برأيه: ~~سبقه به، وفاته به وعليه: غلبه، ولا يفتات عليه أي لا يعمل دون أمره، أي لا ~~أحد أشد منه فيسبقه، وافتات الكلام: ابتدعه - كما تقدم في المهموز، وافتات ~~عليه: حكم - لقوته، والفويت - كزبير: المنفرد برأيه - للمذكر والمؤنث، وذلك ~~لعدة نفسه شديدا، وتفوت عليه في ماله: فاته به؛ ومن مقلوبه مهموزا: تفىء ~~كفرح: احتد وغضب - وذلك لشدته، وتفيئة الشيء: حينه وزمانه، وذلك أحسن ~~أحواله، ودخل على تفيئته أي أثره أي لم يسبقه بكثير، وذلك أشد له؛ # PageV10P202 # ومن واوية: التفة كقفة: عناق الأرض وهي تصيد، وفيها خلاف يبين إن شاء ~~الله تعالى في قوله: {جزاء موفورا} من سورة سبحان؛ ومن مقلوبه واويا: تاف ~~بصره يتوف: تاه - كأنه لسلب الشدة أو المعنى أنه وقع في توقة، أي شدة، وما ~~فيه توفة - بالضم - ولا تافة: عيب أو مزيد أو حاجة وأبطأ وكل ذلك يدل على ~~شدته، وطلب علي توفة بالفتح،: عثرة وذنبا - من ذلك لأن العثرة والذنب لا ~~يصيبان شيئا إلا ms2333 عن شدتهما وضعفه؛ ومن مقلوبه مهموزا: الأفت - بالفتح: ~~النافة التي عندها من الصبر والبقاء ما ليس عند غيرها، والسريع الذي يغلب ~~الإبل على السير، والكريم من الإبل - ويكسر - والداهية والعجب، وكل ذلك ~~واضح في القوة، والإفت - بالكسر: الأول - لأنه أصل كل معدود، وأفته عن كذا: ~~صرفه. # ولما أخبرهم عليه السلام أن علمه فوق علمهم، أتبعه استئنافا ما يدل عليه ~~فقال: {يابني اذهبوا} ثم سبب عن هذا الذهاب # PageV10P203 # وعقب به قوله: {فتحسسوا} أي بجميع جهدكم {من يوسف وأخيه} أي اطلبوا من ~~أخبارهما بحواسكم لعلكم تظفرون بهما، وهذا يؤكد ما تقدم من احتمال ظنه أن ~~فاعل ذلك يوسف - عليهم الصلاة والسلام. # ولما لم يكن عندهم من العلم ما عنده، قال: {ولا تيأسوا} أي تقنطوا {من ~~روح الله} أي الذي له الكمال كله؛ والروح - قال الرماني - يقع بريح تلذ، ~~وكأن هذا أصله فالمراد: من رحمته وفرجه وتيسيره ولطفه في جمع الشتات وتيسير ~~المراد؛ ثم علل هذا النهي بقوله: {إنه لا يبأس} أي لا يقنط {من روح الله} ~~أي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام {إلا القوم} أي الذين لهم قوة ~~المحاولة {الكافرون *} أي العريقون في الكفر، فأجابوه إلى ما أراد، قتوجهوا ~~إلى مصر لذلك ولقصد الميرة لما كان اشتد بهم من القحط، وقصدوا العزيز؛ ~~وقوله: {فلما دخلوا عليه} بالفاء يدل على أنهم أسرعوا الكرة في هذه المرة ~~{قالوا} منادين بالأداة التي تنبه على أن ما بعدها له وقع عظيم {يا أيها ~~العزيز} . # ولما تلطفوا بتعظيمه، ترققوا بقولهم: {مسنا} أي أيتها العصابة التي تراها ~~{وأهلنا} أي الذين تركناهم في بلادنا {الضر} أي لابسنا # PageV10P204 # ملابسة نحسها {وجئنا ببضاعة مزجاة} أي تافهة غير مرغوب فيها بوجه، ثم ~~سببوا عن هذا الاعتراف - لأنه أقرب إلى رحمة أهل الكرم - قولهم: {فأوف لنا} ~~أي شفقة علينا بسبب ضعفنا {الكيل وتصدق} أي تفضيل {علينا} زيادة على الوفاء ~~كما عودتنا بفضل ترجو ثوابه. # ولما رأوا أفعاله تدل على تمسكه بدين الله، عللوا ذلك بقولهم: {إن الله} ~~أي الذي له الكمال كله ms2334 {يجزي المتصدقين *} أي مطلقا وإن أظهرت - بما أفاد ~~الإظهار - وإن كانت على غني قوي، فكيف إذا كانت على أهل الحاجة والضعف. # PageV10P205 # فلما رأى أن الأمر بلغ الغاية ولم يبق شيء يتخوفه، عرفهم بنفسه فاستأنف ~~تعالى الإخبار عن ذلك بقوله حكاية: {قال هل علمتم} مقررا لهم بعد أن ~~اجترؤوا عليه واستأنسوا به، والظاهر أن هذا كان بغير ترجمان {ما} أي قبح ~~الذي {فعلتم بيوسف} أي أخيكم الذي حلتم بينه وبين أبيه {وأخيه} في جعلكم ~~إياه فريدا منه ذليلا بينكم، ثم في قولكم له لما وجدوا الصواع في رحله: لا ~~يزال يأتينا البلاء # PageV10P205 # من قبلكم يا بني راحيل! وأعلمهم بأن ظنه فيهم الآن جميل تسكينا لهم فقال: ~~{إذ} أي حين {أنتم جاهلون *} أي فاعلون فعلهم - تلويحا لهم إلى معرفته ~~وتذكيرا بالذنب ليتوبوا، وتلطفا معهم في ذلك المقام الذي يتنفس فيه ~~المكروب، وينفث فيه المصدور، ويشتفي فيه المغيظ المحنق، ويدرك ثأره ~~الموتور، بتخصيص جهلهم - بمقتضى «إذا» - بذلك الزمان إفهاما لهم أنهم الآن ~~على خلاف ذلك، فكأنه قيل: إنه قد قرب لهم الكشف عن أمره، لأنه لا يستفهم ~~ملك مثله - لم ينشأ بينهم ولا تتبع أحوالهم وليس منهم - هذا الاستفهام ولا ~~سيما وقد روى أنه لما قال هذا تبسم، وكان في تبسمه أمر من الحسن لا يجهله ~~معه من رآه ولو مرة واحدة، فهل عرفوه؟ فقيل: ظنوه ظنا غالبا، ولذلك {قالوا} ~~مستفهمين {أإنك} وأكدوا بقولهم: {لأنت يوسف} . # ولما كان المتوقع من مثله فيما هو فيه من العظمة أن يجازيهم على سوء ~~صنيعهم إليه، استأنف بيان كرمه فقال: {قال أنا يوسف} وزادهم قوله: {وهذا ~~أخي} أي بنيامين شقيقي لذكره لهم في قوله {وأخيه} وليزيدهم ذلك معرفة له، ~~وثبتها في أمره بتصديقه له مع # PageV10P206 # مكثه عنده مدة ذهابهم وإيابهم، وليبني عليه قوله: {قد من الله} أي الذي ~~له الجلال والإكرام {علينا} بأن جمع بيننا على خير حال تكون؛ ثم تعليله ~~بقوله: {إنه من يتق} وهو مجزوم لأنه فعل الشرط، وأثبت قنبل - بخلافه عنه - ~~ياءه في الحالين ms2335 معاملا له معاملة الصحيح إشارة إلى وصف التقوى بالصحة ~~الكاملة والمكنة الزائدة والملازمة لها في كل حال {ويصبر} أي يوفه الله ~~أجره لإحسانه {فإن الله} أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال {لا يضيع} أي ~~أدنى إضاعة - أجره، هكذا كان الأصل، ولكنه عبر بما يعرف أن التقوى والصبر ~~من الإحسان، فقال: {أجر المحسنين *} والتقوى: دفع البلاء بسلوك طريق الهدى؛ ~~والصبر: حبس النفس بتجرع مرارة المنع عما يشتهي، ولعله إنما ستر أمره عنهم ~~إلى هذا الحد لأنه لو أرسل إلى أبيه يخبره قبل الملك لم يأمن كيد إخوته، ~~ولو تعرف إليهم بعده أو أول # PageV10P207 # ما رآهم لم يأمن من أن تقطع أفئدتهم عند مفاجأتهم بانكشاف الأمر وهو فيما ~~هو فيه من العز، فإنهم فعلوا به فعل القاتل من غير ذنب قدمه إليهم، فهم لا ~~يشكون في أنه إذا قدر عليهم يهلكهم لما تقدم لهم إليه من سوء الصنيعة، وعلى ~~تقدير سلامتهم لا يأمنونه وإن بالغ في إكرامهم، فإن الأمور العظام - إن لم ~~تكن بالتدريج - عظم خطرها، وتعدى ضررها، فإن أرسلهم ليأتوا بأبيهم خيف أن ~~يختلوا أباهما من ملك مصر ويحسنوا له الإبعاد عن بلاده، فيذهبوا إلى حيث لا ~~يعلمه، وإن أرسل معهم ثقات من عنده لم يؤمن أن يكون بينهم شر، وإن سجنهم ~~وأرسل إلى أبيه من يأتي به لم يحسن موقع ذلك من أبيه، ويحصل له وحشة بحبس ~~أولاده، وتعظم القاله بين الناس من أهل مصر وغيرهم في ذلك، ففعل معهم ما ~~تقدم ليظهر لهم إحسانه وعدله ودينه وخيره، وكفه عنهم وعفوه عن فعلهم ~~بالتدريج، ويقفوا على ذلك منه قولا وفعلا من أخيه الذي ربى معهم وهم به ~~آنسون وله ألفون، فتسكن روعتهم، وتهون زلتهم، ومما يدل على ذلك أنه لما ~~انتفى عن أخيه بنيامين ما اتصفوا به مما ذكر، تعرف إليه حين قدم عليه ونهاه ~~أن يخبرهم بحقيقة الأمر، وشرع يمد في ذلك لتستحكم الأسباب التي # PageV10P208 # أرادها، فلما ظن أن الأمر قد بلغ مداه، لوح لهم فعرفوه وقد أنسهم حسن ms2336 ~~عقله وبديع جماله وشكله ورائع قوله وفعله، فكان موضع الوجل والخجل، وموضع ~~اليأس الرجاء، فحصل المراد على وفق السداد - والله الموفق؛ وذلك تنبيه لمن ~~قيل لهم أول السورة # {لعلكم تعقلون} [يوسف: 2] على الاقتداء بأفعال الهداة المهديين في التأني ~~والاتئاد وتفويض الأمور إلى الحكيم، وأن لا يستعجلوه في أمر، وأن يعلموا أن ~~سنته الإلهية جرت بأن الأمور الصعاب لا تنفذ إلا بالمطاولة لترتب الأسباب ~~شيئا فشيئا على وجه الإحكام، وفي ذلك فوائد من أجلها امتحان أولى الطاعة ~~والعصيان - كما ستأتي الإشارة إليه آخر السورة بقوله؛ {حتى إذا استيئس ~~الرسل} [يوسف: 110] الآية والله أعلم. # ولما كان ما ذكر، كان كأنه قيل: لقد أتاهم ما لم يكونوا يحتسبون فما ~~قالوا؟ فقيل: {قالوا} متعجبين غاية التعجب. ولذلك أقسموا بما يدل على ذلك: ~~{تالله} أي الملك الأعظم {لقد آثرك الله} أي الذي له الأمر كله {علينا} أي ~~جعل لك أثرا يغطي آثارنا بعلوه فالمعنى: فضلك علينا أي بالعلم والعقل ~~والحكم والحسن والملك والتقوى # PageV10P209 # وغير ذلك {وإن} خففوها من الثقيلة تأكيدا بالإيجاز للدلالة على الاهتمام ~~بالإبلاغ في الاعتذار في أسرع وقت {كنا} أي كونا هو جبلة لنا {لخاطئين *} ~~أي عريقين في الخطأ، وهو تعمد الإثم، فكأنه قيل: ما قال لهم على قدرته ~~وتمكنه مع ما سلف من إساءتهم؟ فقيل: {قال} قول الكرام اقتداء بإخوانه من ~~الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام {لا تثريب} أي لا لوم ولا تعنيف ولا ~~هلاك {عليكم اليوم} وإن كان هذا الوقت مظنة اللوم والتأنيب، فإذا انتفى ذلك ~~فيه فما الظن بما بعده! # ومادة «ثرب» تدور على البرث - بتقديم الموحدة، وهو أسهل الأرض وأحسنها؛ ~~ولثبرة - بتقديم المثلثة: أرض ذات حجارة بيض، فإنه يلزمه الإخلاد، والدعة، ~~ومنه: ثابر على الأمر: دوام، والمثبر - كمنزل: لمسقط الولد أي موضع ولادته، ~~والمقطع والمفصل، فيأتي الكسل واللين فيأتي الفساد، ومنه الثبور للهلاك، ~~والبثر بتقديم الموحدة: خراج معروف: والماء البثر: الذي بقى منه على الأرض ~~شيء قليل؛ والربث - بتقديم الموحدة أيضا: حبس الإنسان، # PageV10P210 # وهو يرجع إلى الإقامة والدوام أيضا؛ ms2337 والتثريب: التقرير بالذنب، فهو إزالة ~~ما على الإنسان من ساتر العفو، من الثرب وهو شحم يغشى الكرش والأمعاء ~~ويسترهما، وهو من لوازم الأرض السهلة لما يلزم من خصبها، فالتثريب إزالته، ~~وذلك للقحط الناشىء عنه الهلاك، فأغلب مدار المادة الهلاك. # ولما أعفاهم من الترثيب، كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل ~~للعقاب من الله، فأتبعه الجواب عن ذلك بالدعاء لهم بقوله: {يغفر الله} أي ~~الذي له صفات الكمال {لكم} أي ما فرط منكم وما لعله يكون بعد هذا؛ ولعله ~~عبر في هذا الدعاء بالمضارع إرشادا لهم إلى إخلاص التوبه، ورغبهم في ذلك ~~ورجاهم بالصفة التي هي سبب الغفران، فقال: {وهو} أي وحده {أرحم الراحمين *} ~~أي لجميع العباد ولا سيما التائب، فهو جدير بإدرار النعم بعد الإعاذة من ~~النقم، وروى أنهم أرسلوا إليه أنك لتدعونا إلى طعامك وكرامتك بكرة وعشيا ~~ونحن نستحي لما فرط منا، فقال: إن أهل مصر ينظرونني - وإن ملكت فيهم - بعين ~~العبودية فيقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت ~~الآن # PageV10P211 # بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي، وأني من ذرية إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام. # PageV10P212 # ولما أقر أعينهم بعد اجتماع شملهم بإزالة ما يخشونه دنيا وأخرى، بقي ما ~~يخص أباهم من ذلك، فكأنه وقع السؤال عنه فأجيب بقوله: {اذهبوا بقميصي} ولما ~~كان قوله هذا ربما أوقع في أفهامهم قميصه الذي سلبوه إياه، احترز عن ذلك ~~بقوله: {هذا فألقوه} أي عقب وصولكم {على وجه أبي يأت} أي يرجع إلى ما كان ~~{بصيرا} أو يأت إلى حالة كونه بصيرا، فإنه إذا رد إليه بصره وعلم مكاني لم ~~يصبر عن القصد إلي لما عنده من وفور المحبة وعظيم الشوق، وكونه قميصا من ~~ملابس يوسف المعتادة أدخل في الغرابة وأدل على الكرامة؛ والقميص ألصق ~~الثياب بالجسم، فإظهار الكرامة به أدل على كمال دين صاحبه وعراقته في أمور ~~الإيمان، وهو يؤول في المنام بالدين، وذلك أدخل في كمال السرور ليعقوب عليه ~~الصلاة والسلام {وأتوني} أي بأبي وأنتم ms2338 {بأهلكم} أي مصاحبين لهم {أجمعين *} ~~لا يتخلف منهم أحد، فرجعوا بالقميص لهذا القصد، قيل: كان يهوذا هو الذي حمل ~~قميصه لما لطخوه بالدم، فقال: لا يحمل هذا غيري # PageV10P212 # لأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما ثمانون ~~فرسخا {ولما فصلت العير} من العريش آخر بلاد مصر إلى بلاد الشام {قال ~~أبوهم} لولد ولده ومن حوله من أهله، مؤكدا لعلمه أنهم ينكرون قوله: {إني ~~لأجد} أي لأقول: إني لأجد {ريح يوسف} وصدهم عن مواجهته بالإنكار بقوله: ~~{لولا أن تفندون *} أي لقلت غير مستح ولا متوقف، لأن التفنيد لا يمنع ~~الوجدان، وهو كما تقول لصاحبك: لولا أن تنسبني إلى الخفة لقلت كذا، أي إني ~~قائل به مع علمي بأنك لا توافقني عليه، «وفصل» هنا لازم يقال: فصل من البلد ~~يفصل فصولا، والفصل: القطع بين الشيئين بحاجز، والوجدان: ظهور من جهة إدراك ~~يستحيل معه انتفاء الشيء، والريح: عرض يدرك بحاسة الأنف أي الشم، والتفنيد: ~~تضعيف الرأي بالنسبة إلى الفند، وهو الخوف وإنكار العقل من هرم، يقال: شيخ ~~مفند، ولا يقال: عجوز مفندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فيفندها ~~كبرها؛ ثم استأنف حكاية جوابهم فقال: {قالوا} أي السامعون له ما ظنه بهم، ~~مقسمين بما دل على تعجبهم، وهو {تالله} أي الملك الأعظم، وأكدوا لمعرفتهم ~~أنه ينكر كلامهم وكذا كل من يعرف كماله {إنك لفي ضلالك} أي بحيث صار ظرفا ~~لك # PageV10P213 # {القديم *} أي خطئك في ظن حياة يوسف؛ قال الرماني: والضلال: الذهاب عن ~~جهة الصواب. فصحح الله قوله وحقق وجدانه، وعجلوا إليه بشيرا فأسرع بعد ~~الفصول، ولذلك عبر بالفاء في {فلما} وزيدت {أن} لتأكيد مجيئه على تلك الحال ~~وزيادتها قياس مطرد {جاء البشير} وهو يهوذا بذلك، معه القميص {ألقاه} أي ~~القميص حين وصل إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام من غير فاصل ما بين أول ~~المجيء وبينه كما أفادته زيادة «أن» لتأكيد ما تفيده «لما» من وقوع الفصل ~~الثاني وهو هنا الإلقاء عقب الأول وترتبه عليه وهو هنا المجيء {على ms2339 وجهه} ~~أي يعقوب عليه الصلاة والسلام {فارتد} من حينه {بصيرا} والارتداد: انقلاب ~~الشيء إلى حال كان عليها، فالتفت الخاطر إلى حاله مع فنده، فأخبر تعالى عن ~~ذلك بقوله مستأنفا: {قال} أي يعقوب عليه الصلاة والسلام {ألم أقل لكم} : ~~إني أجد ريحه؛ ثم علل هذا التقرير بقوله مؤكدا لأن قولهم قول من ينكر: {إني ~~أعلم من الله} أي المختص بصفات الكمال {ما لا تعلمون *} لما خصني به تعالى ~~من أنواع المواهب، وهو عام لأخبار يوسف عليه الصلاة والسلام وغيرها، وهو من ~~التحديث بنعمة الله. # PageV10P214 # ولما كان ذلك تشوفت النفس إلى علم ما يقع بينه وبين أولاده في ذلك، فدفع ~~عنها هذا العناء بقوله: {قالوا ياأبانا} منادين بالأداة التي تدل على ~~الاهتمام العظيم بما بعدها لما له من عظيم الوقع: {استغفر} أي اطلب من الله ~~أن يغفر {لنا ذنوبنا} ورد كل ضمير من هذه الضمائر إلى صاحبه في غاية ~~الوضوح، فلذلك لم يصرح بصاحبه. # ولما سألوه الاستغفار لذنوبهم، عللوه بالاعتراف بالذنب، لأن الاعتراف شرط ~~التوبة - كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب ~~تاب الله عليه» فقالوا مؤكدين تحقيقا للإخلاص في التوبة: {إنا كنا خاطئين ~~*} أي متعمدين للإثم بما ارتكبنا في أمر يوسف علية الصلاة والسلام؛ ثم حكى ~~جوابه بقوله مستأنفا: {قال} أي أبوهم عليه السلام مؤكدا لكلامه: {سوف ~~أستغفر} أي أطلب أن يغفر {لكم ربي} أي الذي لم يزل يحسن إلي ويربيني أحسن ~~تربية، فهو الجدير بأن يغفر لبني حتى لا يفرق بيني وبينهم في دار البقاء؛ ~~والربوبية: ملك هو أتم الملك على الإطلاق، وهو ملك الله تعالى لإنشاء ~~الأنفس باختراعها وتصريفها أتم التصريف من الإيجاد والإعدام والتقليب من ~~حال إلى حال في جميع الأمور من غير تعب؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنه هو} أي ~~وحده {الغفور الرحيم *} كل # PageV10P215 # ذلك تسكينا لقلوبهم وتصحيحا لرجائهم ليقوى أملهم، فيكون تعالى عند ظنهم ~~بتحقيق الإجابة وتنجيزا لطلبه؛ ولعله عبر ب «سوف» لتقديم هاتين الجملتين ~~على المسألة لما ذكرته من ms2340 الأغراض، وقيل: لأنه أخر الدعاء إلى صلاة الليل، ~~وقيل: إلى ليلة الجمعة؛ وقيل: يؤخذ منها أن طلب الحوائج إلى الشباب أسهل ~~منه إلى الشيوخ. # PageV10P216 # ولما وقع ما ذكر، وكان قد أرسل معهم من الدواب والمال والآلات ما يتجهزون ~~به، أقبلوا على التجهيز كما أمرهم يوسف عليه الصلاة والسلام، ثم قدموا مصر ~~وهم اثنان وسبعون نفسا من الذكور والإناث، وكأنهم أسرعوا في ذلك فلذلك قال: ~~{فلما} بالفاء {دخلوا على يوسف} في المكان الذي تلقاهم إليه في وجوه أهل ~~مصر وضرب به مضاربه {آوى إليه أبويه} إكراما لهما بما يتميزان به، قيل: هو ~~المعانقة، والظاهر أنها أمه حقيقة، وبه قال الحسن وابن إسحاق - كما نقله ~~الرماني وأبو حيان، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها خالته، وغلب الأب في ~~هذه التثنية لذكورته كما غلب ما هو مفرد في أصله على المضاف في العمرين ~~{وقال} مكرما للكل {ادخلوا مصر} # PageV10P216 # أي البلد المعروف، وأتى بالشرط للأمن لا للدخول، فقال: {إن شاء الله} أي ~~الملك الأعلى الذي له الأمر كله {آمنين *} من جميع ما ينوب حتى مما فرطتموه ~~في حقي وحق أخي. # ولما ذكر الأمن الذي هو ملاك العافية التي بها لذة العيش، أتبعه الرفعة ~~التي بها كمال النعيم، فقال: {ورفع أبويه} أي بعدما استقرت بهم الدار بدخول ~~مصر مستويين {على العرش} أي السرير الرفيع؛ قال الرماني: أصله الرفع. ~~{وخروا} أي انحطوا {له سجدا} الأبوان والإخوة تحقيقا لرؤياه ممن هو غالب ~~على كل أمر، والسجود - وأصله: الخضوع والتذلل - كان مباحا في تلك الأزمنة ~~{وقال} أي يوسف عليه الصلاة والسلام {ياأبت} ملذذا له بالخطاب بالأبوة ~~{هذا} أي الذي وقع من السجود {تأويل رؤياي} التي رأيتها، ودل على قصر الزمن ~~الذي رآها فيه بالجار فقال: {من قبل} ثم استأنف قوله: {قد جعلها ربي} أي ~~الذي رباني بما أوصلني إليها {حقا} أي بمطابقة الواقع لتأويلها، وتأويل ما ~~أخبرتني به أنت تحقق أيضا من اجتبائي وتعليمي وإتمام النعمة علي؛ والتأويل: ~~تفسير # PageV10P217 # بما يؤول إليه معنى الكلام؛ وعن سلمان رضي ms2341 الله عنه أن ما بين تأويلها ~~ورؤياها أربعون سنة. {وقد أحسن} أي أوقع إحسانه {بي} تصديقا لما بشرتني به ~~من إتمام النعمة، وتعدية {أحسن} بالباء أدل على القرب من المحسن من التعدية ~~ب «إلى» وعبر بقوله: {إذا أخرجني من السجن} معرضا عن لفظ «الجب» حذرا من ~~إيحاش إخوته مع أن اللفظ يحتمله احتمالا خفيا {وجاء بكم} وقيل: إنهم كانوا ~~أهل عمد وأصحاب مواش، يتنقلون في المياه والمناجع، فلذلك قال: {من البدو} ~~من أطراف بادية فلسطين، وذلك من أكبر النعم كما ورد في الحديث «من يرد الله ~~به خيرا ينقله من البادية إلى الحاضرة» والبدو: بسيط من الأرض يرى فيه ~~الشخص من بعيد، وأصله من الظهور، وأنس إخوته أيضا بقوله مثبتا الجار لأن ~~مجيئهم في بعض أزمان البعد: {من بعد أن نزغ} عبر بالماضي ليفهم أنه انقضى ~~{الشيطان} أي أفسد البعيد المحترق بوسوسته التي هي كالنخس {بيني وبين ~~إخوتي} حيث قسم النزع بينه وبينهم ولم يفضل أحدا من # PageV10P218 # الفريقين فيه، ولم يثبت الجار إشارة إلى عموم الإفساد للبينين، كل ذلك ~~إشارة إلى تحقق ما بشر به يعقوب عليه الصلاة والسلام من إتمام النعمة وكمال ~~العلم والحكمة؛ ثم علل الإحسان إليهم أجمعين بقوله: {إن ربي} أي المحسن إلي ~~على وجوه فيها خفاء {لطيف} - أي يعلم دقائق المصالح وغوامضها، ثم يسلك - في ~~إيصالها إلى المستصلح - سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع الرفق في الفعل ~~واللطف في الإدراك فهو اللطيف - قاله الرازي في اللوامع. # وهو سبحانه فاعل اللطف في تدبيره ورحمته {لما يشاء} لا يعسرعليه أمر؛ ثم ~~علل هذه العلة بقوله: {إنه هو} أي وحده {العليم} أي البليغ العلم للدقائق ~~والجلائل {الحكيم *} أي البليغ الإتقان لما يصنعه طبق ما ختم به يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام بشراه في أول السورة، أي هو منفرد بالاتصاف بذلك لا يدانيه ~~أحد في علم ليتعرض إلى أبطال ما يقيمه من الأسباب، ولا في حكمة ليتوقع ~~الخلل في شيء منها. # PageV10P219 # ولما ذكر هاتين الصفتين، تذكر ما وقع له بهما من ms2342 الأسباب، فغلب عليه مقام ~~الشهود وازدادت نفسه عن الدنيا عزوفا، فقال مخاطبا: # PageV10P219 # {رب قد آتيتني} وافتتح ب «قد» لأن الحال حال توقع السامع لشرح مآل الرؤيا ~~{من الملك} أي بعضه بعد بعدي منه جدا، وهو معنى روحه تمام القدرة {وعلمتني} ~~وقصر دعواه تواضعا بالإتيان بالجار فقال: {من تأويل الأحاديث} طبق ما بشرني ~~به أبي وأخبرت به أنت من التمكين والتعليم قبل قولك، والله غالب على أمره؛ ~~ثم ناداه بوصف جامع للعلم والحكمة فقال: {فاطر السماوات والأرض} ثم أعلمه ~~بما هو أعلم به منه من أنه لا يعول على غيره في شيء من الأشياء فقال: {أنت ~~وليي} أي الأقرب إلي باطنا وظاهرا {في الدنيا والآخرة} أي لا ولي لي غيرك، ~~والولي يفعل لمولاه الأصلح والأحسن، فأحسن بي في الآخرة أعظم ما أحسنت بي ~~في الدنيا. # ولما كان توليه لله لا يتم إلا بتولي الله له، أتبعه بما يفيده فقال: ~~{توفني} أي اقبض روحي وافيا تاما في جميع أمري حسا ومعنى حال كوني {مسلما} ~~ولما كان المسلم حقيقة من كان عريقا في الإخلاص، حققه بقوله: {وألحقني ~~بالصالحين *} فتوفاه الله كما سأل؛ قالوا: وتخاصم أهل مصر فيه، كلهم يرجو ~~أن يدفن في محلته يرجو بركته، ثم اصطلحوا على أن عملوا له صندوقا من رخام ~~ودفنوه في وسط النيل، # PageV10P220 # ليفترق الماء على جميع الأرض فتنالها بركته وتخصب كلها على حد سواء، ~~ويكونوا كلهم في الماء سواء. # ذكر ما بقي من القصة عن التوراة: # قال بعدما مضى: فلم يقدر يوسف على الصبر - يعني على ترفق إخوته - فأمر ~~بإخراج جميع من كان عنده، فلم يبق عنده أحد حيث ظهر يوسف لإخوته، فرفع صوته ~~فبكى حتى سمع المصريون فأخبروا في آل فرعون، فقال يوسف لإخوته: أنا أخوكم ~~يوسف، هل أبي باق؟ فلم يقدر إخوته على إجابته لأنهم رهبوه، فقال يوسف ~~لإخوته: ادنوا مني فدنوا فقال لهم: أنا يوسف الذي بعتموني لمن ورد إلى مصر، ~~والآن فلا تحزنوا، ولا يشقن عليكم ذلك، ولا يشتدن عليكم بيعكم إياي إلى ms2343 ما ~~هنا، لأن الله أرسلني أمامكم لأعد لكم القوت، لأن للجوع مذ أتى سنتين، ~~وستأتي خمس سنين أخر لا يكون فيها زرع ولا حصاد، فأرسلني الرب أمامكم لأصير ~~لكم بقاء في الأرض وأخلصكم # PageV10P221 # وأستنقذكم، لتحيوا وتستبشروا على الأرض، والآن فلستم أنتم الذين بعثتموني ~~إلى هاهنا بل الله أرسلني وجعلني أبا لفرعون وسيدا لجميع أهل بيته، ومسلطا ~~على جميع أرض مصر، فاصعدوا الآن عجلين علي بأبي وقولوا له: هكذا يقول ابنك ~~يوسف: إن الله جعلني سيدا لجميع أهل مصر، فاهبط إلي ولا تتأخر، وانزل إلى ~~أرض السدير - وفي نسخة: خشان - فكن قريبا مني أنت وبنوك وأهل بيتك وعمتك ~~وبقرك وجميع مالك، فأمونكم هناك، لأنه قد بقي خمس سنين جوعا، لئلا تهلك أنت ~~وأهل بيتك وكل مالك، وهذه أعينكم تبصر وعينا أخي بنيامين، إني أكلمكم ~~مشافهة، وأخبروا أبي بجميع كرامتي ووقاري في أرض مصر، وبجميع ما رأيتم، ~~وأسرعوا واهبطوا بأبي إلى ما هاهنا، فاعتنق أخاه بنيامين أيضا وبكى، وقبل ~~جميع إخوته وبكى، ومن بعد ذلك كلمه إخوته، فبلغ ذلك فرعون وقيل له: إن إخوة ~~يوسف قد أتوه، فسر ذلك فرعون، عبده - وفي نسخة: وجميع قواده - فقال فرعون ~~ليوسف: قل لإخوتك فليفعلوا هكذا، أوقروا دوابكم ميرة، وانطلقوا بها إلى أرض ~~كنعان، وأقبلوا بأبيكم وأهل بيوتاتكم وائتوني فأنحلكم # PageV10P222 # خيرات أرض مصر وخصبها، وكلوا خصب الأرض، وهذا أنت المسلط، فأمر إخوتك أن ~~يفعلوا هذا الفعل، احملوا من أرض مصر عجلا لنسائكم وحشمكم، وأظعنوا بأبيكم ~~فأقبلوا، ولا تشفقن على أمتعتكم، لأن جميع خيرات مصر وأرضها وخصبها هو لكم، ~~ففعل بنو إسرائيل كما أمر فرعون، ودفع إليهم يوسف عجلا عن أمر فرعون، ~~وزودهم جميع أزودة الطريق، وخلع على كل أمرىء منهم خلعة، فأما بنيامين ~~فأجازه بثلاثمائة درهم - وفي نسخة: مثقال فضة - وخلع عليه خمس خلع، وبعث ~~إلى أبيه بمثل ذلك أيضا وعشرة حمير موقرة من البر والطعام وأزودة لأبيه ~~للطريق وأرسلهم، فانطلقوا، وتقدم إليهم وقال لهم: لا تقع المشاجرة فيما ~~بينكم في الطريق، فظعنوا من مصر فأتوا ms2344 أرض كنعان إلى يعقوب أبيهم، فأخبروه ~~وقالوا له: إن يوسف بعد في الحياة، وهو المسلط على جميع أرض مصر، ورأى ~~يعقوب العجل الذي بعث يوسف لحمله فاطمأنت نفسه وقال: إن هذا لعظيم عندي، إذ ~~كان ابني يوسف بعد الحياة، أنطلق الآن # PageV10P223 # فأنظر إليه قبل الموت. # فظعن إسرائيل وجميع ما له، فأتى بئر السبع، وقرب قربانا لإله إسحاق أبيه، ~~فكلم الله إسرائيل في الرؤيا وقال له: يا يعقوب! فقال: هاأنذا! فقال: إني ~~أنا إيل إله أبيك، لا تخف من الحدور إلى مصر، لأني أجعلك هناك إلى شعب عظيم ~~- وفي نسخة: لأني أصير منك أمة عظيمة - أنا أهبط معك، وأنا أصعدك، ويوسف ~~يضع يده على عينيك، فنهض يعقوب من بئر السبع وظعن بنو إسرائيل بيعقوب أبيهم ~~وبحشمهم ونسائهم على العجل الذي بعث فرعون لحمله، وساقوا دوابهم ومواشيهم ~~التي استفادوها بأرض كنعان، فأتوا بها مصر يعقوب وجميع نسله وبنوه معه وبنو ~~بنيه وبناته وبنات بناته، وأدخل إلى مصر كل نسله، # ثم سماهم واحدا واحدا، ثم قال: فجميع بني يعقوب الذين ادخلوا مصر سبعون ~~إنسانا، ثم بعث يعقوب يهوذا بين يديه إلى يوسف عليه الصلاة والسلام ليدله ~~على السدير - وفي نسخة: خشان - فألجم يوسف مراكبه، وصعد للقاء أسرائيل أبيه ~~إلى خشان - وفي نسخة: السدير - فتلقاه واعتنقه وبكى إذ اعتنقه، فقال ~~إسرائيل ليوسف: # PageV10P224 # أتوفى الآن بعد نظري إليك يا بني، فأنت في الحياة بعد، فقال يوسف لإخوته ~~وآل أبيه: أصعد فأخبر فرعون وأقول: إن إخوتي وآل أبي الذين كانوا بأرض ~~كنعان قد أتوني والقوم رعاء غنم، لأنهم أصحاب مواش وقد أتوا بغنمهم وبقرهم ~~وبكل شيء لهم، فإذا دعاكم فقولوا له: إنا عبيدك أصحاب ماشية منذ صبانا، ~~وحتى الآن نحن وآباؤنا من قبل أيضا، لكي تنزلوا أرض خشان - وفي نسخة: ~~السدير - لأن رعاة الغنم هم مرذولون عند المصريين. # فأتى يوسف فأخبر فرعون وقال له: إن أبي وإخوتي أتوني وغنمهم وبقرهم وجميع ~~ما لهم في أرض كنعان، وهو ذا هم حلول بأرض السدير، وحمل من إخوته خمسة ms2345 رهط، ~~فأدخلهم على فرعون فوقفوا بين يديه، فقال فرعون لإخوة يوسف: ما صنعتكم؟ ~~فقالوا: إن عبيدك رعاء غنم نحن منذ صبانا، وآباؤنا أيضا من قبل. وقالوا ~~لفرعون: إنا أتينا لنسكن هذه الأرض لأنه فقد الحشيش والعشب والكلأ من مرابع ~~غنم عبيدك، وذلك لأن الجوع اشتد في أرض كنعان، فأمر عبيدك أن ينزلوا بأرض ~~السدير، فقال فرعون ليوسف: إن أباك وإخوتك قد أتوا، وهذه أرض مصر # PageV10P225 # بين يديك، فأسكن أباك وإخوتك في أحسن الأرض وأخصبها لينزلوا أرض السدير، ~~وإن كنت تعلم أن فيهم قوما ذوي قوة وبطش ونفاذ فولهم جميع مالي، فأدخل يوسف ~~عليه السلام أباه يعقوب عليهم الصلاة والسلام على فرعون فأقامه بين يديه، ~~فقال فرعون ليعقوب عليه الصلاة والسلام: كم عدد سني حياتك؟ فقال يعقوب عليه ~~السلام لفرعون: مبلغ حياتي مائة وثلاثون سنة، وإن أيام حياتي لناقصة، ولم ~~أبلغ سني حياة آبائي في أيام حياتهم، فبارك يعقوب فرعون ودعا له، وخرج من ~~بين يديه، فأسكن يوسف عليه السلام أباه يعقوب عليه السلام وإخوته وأعطاهم ~~وراثة في أرض مصر في أخصب الأرض وأحسنها في أرض رعمسيس - وفي نسخة: أرض عين ~~شمس - كما أمر فرعون، فقات يوسف أباه وإخوته وجميع أهل بيته بالميرة على ~~قدر الحشم، ولم تكن ميرة في جميع الأرض كلها لأن الجوع اشتد جدا، فخرجت ~~جميع أرض مصر وأرض كنعان، فصار إلى يوسف عليه الصلاة والسلام كل ورق ألفي ~~في # PageV10P226 # أرض مصر وأرض كنعان، وذلك ثمن البر الذي كانوا يبتاعونه، فأورد يوسف ~~الورق بيت مال فرعون، ونفد الورق من أرض مصر وأرض كنعان، فأتى جميع ~~المصريين إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فقالوا له: أعطنا من القمح حاجتنا ~~فنحيى ولا نموت، لأن ورقنا قد نفذ، فقال لهم يوسف: ادفعوا إلي مواشيكم إن ~~كانت الأوراق قد نفدت، فأقوتكم بمواشيكم، فأتوه بمواشيهم فأعطاهم يوسف من ~~الميرة بخيلهم وبمواشي الغنم وماشية البقر والحمير، وقاتهم سنتهم تيك بجميع ~~مواشيهم، فأتوه في السنة الأخرى وقالوا له: لسنا نكتم سيدنا أمرنا، لأنن ~~أوراقنا وماشيتنا ودوابنا ms2346 قد نفدت وصارت عند سيدنا، ولم يبق بين يدي سيدنا ~~غير أنفسنا وأرضنا، فلم نهلك بين يديك؟ فابتعنا وأراضينا بإطعامك إيانا ~~الخبز، فنصير نحن عبيدا لفرعون وأرضنا ملكا له، وأعطنا البذر فنحيا ولا ~~نموت، ولا تخلو الأرض وتخرب لفقد سكانها، فابتاع يوسف لفرعون جميع أرض مصر، ~~فصارت الأرض لفرعون، فنقل الشعب من قرية إلى قرية وحولهم من أقاصي الأرض ~~نحو مصر إلى أقطارها ما خلا أرض الأجناد - وفي نسخة: أئمتهم - فإنه لم ~~يبتعها، لأنه كان يجري على الأجناد - وفي رواية: # PageV10P227 # أئمتهم - وظيفة ونزلا من عند فرعون، وكانوا يأكلون برهم الموظف لهم من ~~قبل فرعون، ولذلك لم يبيعوا أرضهم، فقال يوسف للشعب: إني قد اشتريتكم اليوم ~~وأرضكم لفرعون، وهاأنذا معطيكم البذر لتزرعوا في الأرض، فإذا دخلت الغلة ~~فأعطوا فرعون الخمس منها، وتكون لكم لزراعة الحقل أربعة أخماس، ولمأكل أهل ~~بيوتاتكم وإطعام حشمكم، فقالوا له: لقد أحييتنا، فلنظفر من سيدنا برحمة ~~ورأفة، ونكون عبيدا لفرعون، فسن يوسف هذه السنة على أرض مصر إلى يوم الناس ~~هذا، فصار الخمس لفرعون ما خلا أرض أئمتهم - وفي رواية: الأجناد - فإنها لم ~~تكن لفرعون. # فسكن إسرائيل أرض مصر وأرض السدير، فعظموا واعتزوا فيها واستيسروا ~~وتماجدوا، وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة، وكانت جميع أيام حياة يعقوب ~~مائة وسبعا وأربعين سنة، ودنت أيام وفاة إسرائيل عليه السلام، فدعا يوسف # PageV10P228 # ابنه عليه السلام وقال له: إن ظفرت منك برحمة ورأفة، فضع يدك تحت ظهري ~~حتى أستحلفك بالله وأقسم عليك به، وأنعم علي بالنعمة والقسط، لا تدفني ~~بمصر، بل أضطجع مع آبائي، احملني من مصر فادفني في مقبرتهم، فقال يوسف: أنا ~~فاعل ذلك كقولك وأمرك، فقال له: أقسم لي، فأقسم له فتوكأ إسرائيل على عصاه ~~وسجد شكرا. # فلما كان بعد هذه الأقاويل بلغ يوسف عليه السلام أن أباه قد مرض، فانطلق ~~بابنيه معه: منشا وإفرايم، فبلغ يعقوب وقيل له: إن ابنك يوسف قد أتاك، ~~فتقوى إسرائيل وجلس على أريكته، فقال إسرائيل ليوسف: إن إله المواعيد اعتلن ~~لي ms2347 بلوز في أرض كنعان، فباركني وقال لي: هاأنذا مباركك ومكثرك، وأجعلك أبا ~~لجميع الشعوب، وأعطي نسلك من بعدك هذه الأرض ميراثا إلى الأبد، وأنا # PageV10P229 # إذ كنت مقبلا من فدانة أرام توفيت عني راحيل أمك في أرض كنعان في الطريق، ~~وكان بيني وبين الدخول إلى إفراث قدر مسيرة ميل - وفي نسخة: - فرسخ - ~~فدفنتها هناك في طريق إفراث - وهي بيت لحم - ونظر إسرائيل إلى ابني يوسف ~~فقال له: من هذان؟ فقال: ابناي اللذان رزقني الله هاهنا، فقال أدنهما مني، ~~فقبلهما واعتنقهما وقال: ما كنت أرجو النظر إلى وجهك فقد أراني الله نسلك ~~أيضا، وقال إسرائيل ليوسف عليهما الصلاة والسلام: هاأنذا متوف، ويكون الله ~~بنصره وعونه معكم، ويردكم إلى أرض آبائكم، وهأنذا قد فضلتك على إخوتك بسهم ~~من الأرض التي غلبت عليها الأمورانيون بسيفي وقوسي، ثم إن يعقوب دعا بنيه ~~وقال؛ اجتمعوا إلي فأبين لكم ما هو كائن من أمركم في آخر الأيام، فذكر ذلك ~~ثم قال: وهذا ما أخبرهم به يعقوب أبوهم، نبأهم بذلك وبارك عليهم كل امرىء ~~منهم # PageV10P230 # على قدره، ثم أوصاهم وقال لهم: إنني أنتقل إلى شعبي فادفنوني إلى جانب ~~آبائي في المغارة التي في حقل عفرون الحيثاني، في المغارة التي في الروضة ~~المضاعفة إلى جانب ممري بأرض كنعان التي ابتاعها إبراهيم: روضة من عفرون ~~الحيثاني وراثة المقبرة، هنالك دفن إبراهيم وسارة حليلته، وفيها دفن إسحاق ~~ورفقا حليلته، وهنالك دفنت ليا في الروضة المبتاعة والمغارة التي فيها من ~~بني حاث. # فلما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه بسط رجليه على أريكته فمات ونقل إلى شعبه. # فوقع يوسف عليه فقبله وبكى عليه، فأمر عبيده الأطباء بتحنيطه، فحنط ~~الأطباء إسرائيل وتمت له أربعون ليلة، لأنه هكذا تكمل أيام المحنطين، وناح ~~المصريون عليه سبعين يوما، فقال يوسف لآل فرعون: إن ظفرت منكم برحمة ورأفة ~~فأخبروا فرعون أن أبي أحلفني وأقسم علي وقال لي: هاأنا متوف، فاقبرني في ~~القبر الذي ابتعته في أرض كنعان، فيأذن لي فأصعد فأدفن أبي ثم أرجع، فقال ~~له # PageV10P231 # فرعون: اصعد ms2348 فادفن أباك كما أقسم عليك، فصعد يوسف ليدفن أباه، وصعد معه ~~جميع عبيد فرعون وأشياخ بيته وجميع أشياخ مصر وجميع أهل بيت يوسف، وصعد معه ~~إخوته وآل أبيه، وأما حشمهم وبقرهم وغنمهم فخلفوها بأرض خشان - وفي نسخة: ~~السدير - وأصعد المراكب والفرسان أيضا، فصار في عسكرعظيم منيع، فأتوا إلى ~~بيادر أطرا - وفي نسخة: أندر العوسج - التي في مجاز الأردن، فرنوا هناك ~~وناحوا نوحا عظيما مرا، فنظر سكان أرض كنعان إلى التأبل والنواح في أجران ~~العوسج، فقالوا: إن هذا التأبل عظيم للمصريين، ولذلك دعي ذلك الموضع «تأبل ~~مصر» ، الذي في مجاز الأردن، ففعل بنو إسرائيل كما أمرهم، وحملوه وانطلقوا ~~به إلى أرض كنعان فدفنوه ثم في المغارة المضاعفة التي في الروضة التي ~~ابتاعها إبراهيم وراثة المقبرة من عفرون الحيثاني وهي إمام ممري. # PageV10P232 # ثم رجع يوسف إلى مصر هو وإخوته وجميع من صعد معه في دفن أبيه، ومن بعد ما ~~دفن أباه نظر إخوة يوسف إلى أبيهم قد توفى، ففرقوا وقالوا: لعل يوسف أن ~~يؤذينا وينكأنا ولعله أن يكافئنا على جميع الشر الذي ارتكبنا منه، فدنوا من ~~يوسف وقالوا له: إن أباك أوصى قبل وفاته وقال: هكذا قولوا ليوسف: نطلب إليك ~~أن تعفو عن جهل إخوتك وعن خطاياهم بارتكابهم الشر منك، فالآن نطلب إليك أن ~~تعفو عن ذنب عبيد إله أبيك، فبكى يوسف لما قالوا ذلك، فدنا إخوته فخروا بين ~~يديه سجدا وقالوا له: هوذا نحن لك عبيد، فقال لهم: لا تخافوني لأني أخاف ~~الله، أما أنتم فهممتم بي شرا فصيره الله لي خيرا كما فعل بي يومنا هذا، ~~فأحيي على يدي خلقا عظيما، والآن فلا خوف عليكم، أنا أقوتكم وحشمكم، فعزاهم ~~وملأ قلوبهم خيرا. # ثم أقام يوسف بمصر هو وآل بيته، فعاش يوسف مائة وعشر سنين ورأى يوسف ولد ~~ولده، فقال يوسف لإخوته: هاأنذا متوف، والله سيذكركم ويخرجكم من هذه الأرض ~~إلى الأرض التي أقسم بها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأقسم يوسف على بني ~~أسرائيل # PageV10P233 # وقال: إن الله سيذكركم، فأصعدوا عظامي معكم، فتوفي ms2349 يوسف وهو ابن مائة ~~وعشر سنين، فحنطوه ووضعوه في صندوق بأرض مصر - وسيأتي ما بعد ذلك من ~~استعبادهم وما يتبعه في سورة القصص إن شاء الله تعالى. # وهذا الذي ذكر من القصة في التوراة مصدق لما في القرآن وشاهد بإعجازه، ~~غير أنه لم يذكر شرح قوله تعالى: {فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا} [يوسف: ~~80] في أنه بعد أخذ الصواع من رحل أخيه تركهم من غير تعريف لهم بنفسه فمضوا ~~إلى أبيهم فأخبروه بذلك، ثم عادوا مرة أخرى للميرة والطلب ليوسف وأخيه ~~فعرفهم يوسف عليه السلام بنفسه وجلا لهم الأمر في هذه القدمة الثالثة، ~~فكأنهم أسقطوا ما في التوراة من ذلك تدليسا وتلبيسا، وهو لا يضر غيرهم، فإن ~~ما صار في كتابهم لا يتمشى على قوانين العقل لمن تدبر، فلم يفدهم ذلك غير ~~التحقق لخيانتهم وجهلهم - والله الهادي إلى الصواب. # PageV10P234 # ولما تم الذي كان من أمرهم على هذا الوجه الأحكم والصراط الأقوم من ~~ابتدائه إلى انتهائه، قال مشيرا إلى أنه دليل كاف في تصحيح دعوى النبوة ~~مخاطبا لمن لا يفهم هذا الحق فهمه غيره، مسليا له مثبتا لفؤاده وشارحا ~~لصدره، منبها على أنه مما ينبغي السؤال عنه: {ذلك} أي النبأ العالي الرتبة ~~الذي قصصناه قصا يعجز البلغاء من حملته ورواته فكيف بغيرهم {من أنباء ~~الغيب} أي أخباره التي لها شأن عظيم {نوحيه إليك} وعبر بصيغة المضارع ~~تصويرا لحال الإيحاء الشريف وإشارة إلى أنه لا يزال معه يكشف له ما يريد ~~{و} الحال أنك {ما كنت لديهم} أي عند إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام في هذا ~~النبأ الغريب جدا {إذ} أي حين {أجمعوا أمرهم} على رأي واحد في إلقاء يوسف ~~عليه الصلاة والسلام في الجب بعد أن كان مقسما {وهم يمكرون *} أي يدبرون ~~الأذى في خفية، من المكر وهو القتل - لتعرف ذلك بالمشاهدة، وانتفاء تعلمك ~~لذلك من بشر مثل انتفاء كونك لديهم في ذلك الحين، ومن المحقق لدى كل ذي لب ~~أنه لا علم إلا بتعليم، فثبت أنه لا معلم لك إلا الله ms2350 كما علم إخوانك من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيا له من دليل جل عن مثيل، وهذا # PageV10P235 # من المذهب الكلامي، وهو إيراد حجة تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمة ~~للمطلوب، وهو تهكم عظيم ممن كذب النبي صلى الله عليه وسلم. # ولما سألت قريش واليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما نقله أبو ~~حيان عن ابن الأنباري - عن قصة يوسف عليه الصلاة والسلام فنزلت مشروحة هذا ~~الشرح الشافي، مبينة هذا البيان الوافي، فأمل صلى الله عليه وسلم أن يكون ~~ذلك سبب إسلامهم فخالفوا تأميله، عزاه الله بقوله: {وما} أي نوحيه إليك على ~~هذا الوجه المقتضي لإيمانهم والحال أنه ما {أكثر الناس} أي كلهم مع ذلك ~~لأجل ما لهم من الاضطراب {ولو حرصت} أي على إيمانهم {بمؤمنين *} أي بمخلصين ~~في إيمانهم واصفين الله بما يليق به من التنزه عن شوائب النقص، فلا تظن ~~أنهم يؤمنون لإنزال ما يقترحون من الآيات، أو لترك ما يغيظهم من الإنذار؛ ~~والكثير - قال الرماني: العدة الزائدة على مقدار غيرها، والأكثر: القسم ~~الزائد على القسم الآخر من الجملة، ونقيضه الأقل؛ والناس: جماعة الإنسان، ~~وهو من ناس ينوس - إذا تحرك يمنيا وشمالا من نفسه لا بجر غيره. # PageV10P236 # ولما ذكر تعالى ما هم عليه من الكفر، ذكر ما يعجب معه منه فقال: {وما} أي ~~هم على ذلك والحال أن موجب إيمانهم موجود، وذلك أنك - مع دعائهم إلى الطريق ~~الأقوم وإيتانك عليه بأوضح الدلائل ما {تسئلهم عليه} أي هذا الكتاب الذي ~~أوحيناه إليك، وأعرق في النفي فقال: {من أجر} حتى يكون سؤالك سببا لأن ~~يتهموك أو يقولوا: لولا أنزل عليه كنز ليستغني به عن سؤالنا. # ولما نفى عنهم سؤالهم الأجر، نفى عن هذا الذكر كل غرض دنيوي فقال: {إن ~~هو} أي هذا الكتاب {إلا ذكر} أي تذكير وشرف {للعالمين *} قال الرماني: ~~والذكر: حضور المعنى للنفس، والعالم: جماعة الحيوان الكثيرة التي من شأنها ~~أن تعلم، لأنه أخذ من العلم، وفيه معنى التكثير، وقد يقال: عالم الفلك وما ~~حواه على طريق التبع للحيوان الذي ms2351 ننتفع به وهو مجعول لأجله. # ولما كان القرآن العظيم أعظم الآيات بما أنبأ فيه عن الإخبار الماضية ~~والكوائن الآتية على ما هي عليه مضمنة من الحكم والأحكام، في أساليب ~~البلاغة التي لا ترام، وغير ذلك ما لا يحصر بنظام، كما أشار إليه أول ~~السورة، كان ربما قيل: إن هذا ربما لا يعلمه إلا الراسخون # PageV10P237 # في العلوم الإلهية، عطف عليه الإشارة إلى أن له تعالى غيره من الآيات ~~إلتي لا تحتاج لوضوحها إلى أكثر من العقل ما لا يحيط به الحصر، ومع ذلك فلم ~~ينتفعوا به، فقال: {وكأين من آية} أي علامة كبيرة دالة على وحدانيته {في ~~السماوات} أي كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك {والأرض} من الجبال ~~والشجر والدواب وغير ذلك مما لا يحصيه العد - كما سيأتي بيانه في سورة ~~الرعد مفصلا {يمرون عليها} مشاهدة بالحس ظاهرة غير خفية {وهم عنها} أي خاصة ~~لا عن ملاذهم وشهواتهم بها {معرضون *} أي عن دلالتها على السعادة من ~~الوحدانية وما يتبعها. # ولما كان ربما قيل: كيف يوصفون بالإعراض وهم يعتقدون أن الله فاعل تلك ~~الآيات، بين أن إشراكهم مسقط لذلك، فقال: {ما يؤمن أكثرهم} أي الناس ~~{بالله} أي الذي لا شيء إلا وهو داع إلى الإيمان به، لأنه المختص بصفات ~~الكمال {إلا وهم مشركون *} به من لا يقدر على شيء فضلا عن أن يأتي بآية، ~~كانوا يقرون بأن الله خالقهم ورازقهم ويعبدون غيره، وكذا المنافقون يظهرون ~~الإيمان ويبطنون الكفران، وكذا أهل الكتابين يؤمنون بكتابهم ويقلدون ~~علماءهم # PageV10P238 # في الكفر بغيره، فعلم أن إذعانهم بهذا الإيمان غير تابع لدليل، وهو محض ~~تقليد لمن زين له سوء علمه فرآه حسنا، لما سبق فيه من علم الله أنه لا ~~صلاحية له فأفسده بما شابهه به من الشرك، والآية صالحة لإرادة الشرك الخفي ~~الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «الشرك أخفى في أمتي من ~~دبيب النمل» وهو شرك الأسباب التي قدر الله وصول ما يصل إلى العبد ~~بواسطتها، فقل من يتخطى من الأسباب إلى مسببها! ms2352 قال الرازي في اللوامع: ~~وقال الإمام محمد بن علي الترمذي: إنما هو شك وشرك فالشك ضيق الصدر عند ~~النوائب، ومنه ثوب مشكوك، والشرك بنور التوحيد، فعند هذا يتولاه الله ~~تعالى، وقال الواسطي: إلا وهم مشركون: في ملاحظة الخواطر والحركات. # PageV10P239 # ولما أخبر الله تعالى عن ارتباكهم في أشراك إشراكهم، وأنهم يتعامون عن ~~الأدلة في الدنيا، وكان الأكثر المبهم القطع بعدم إيمانهم من توجيه الأمر ~~والنهي والحث والزجر إلى الجميع وهم # PageV10P239 # في غمارهم، وكان بعض الناس كالحمار لا ينقاد إلا بالعذاب، قال سبحانه ~~وتعالى: {أفأمنوا} إنكارا فيه معنى التوبيخ والتهديد {أن تأتيهم غاشية} أي ~~شيء يغطيهم ويبرك عليهم ويحيط بهم {من عذاب الله} أي الذي له الأمر كله في ~~الدنيا كما أتى من ذكرنا قصصهم من الأمم. # ولما كان العاقل ينبغي له الحذر من كل ممكن وإن كان لا يقربه، قال تعالى: ~~{أو تأتيهم الساعة} وأشار إلى أشد ما يكون من ذلك على القلوب بقوله: {بغتة} ~~أي وهم عنها في غاية الغفلة بعدم توقعها أصلا؛ قال الرماني: قال يزيد بن ~~مقسم الثقفي: # ولكنهم بانوا ولم أدر بغتة ... وأفظع شيء حين يفجؤك البغت # ولما كان هذا المعنى مهولا، أكده الله بقوله: {وهم لا يشعرون *} أي نوعا ~~من الشعور ولو أنه كالشعرة، إعلاما بشدة جهلهم في أن حالهم حال من هو في ~~غاية الأمن مما أقل أحواله أنه ممكن، لأن الشعور إدراك الشيء بما يلطف كدقة ~~الشعر، وإنما قلت: إنه تأكيد، لأنه # PageV10P240 # معنى البغتة؛ قال الإمام أبو بكر الزبيدي في مختصر العين: البغتة: ~~المفاجأة، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: فاجأت الرجل مفاجأة ~~- إذا جئته على غفلة مغافصة، ثم قال: وفاجأته مفاجأة - إذا لقيته ولم يشعر ~~بك، وفي ترتيب المحكم: فجئه الأمر وفجأه وفاجأه مفاجأة: هجم عليه من غير أن ~~يشعر به، ويلزم ذلك الإسراع وهو مدار هذه المادة، لأنه يلزم أيضا التغب - ~~بتقديم المثناة محركا وهو الهلاك، لأنه أقرب شيء إلى الإنسان إذ هو الأصل ~~في حال الحدث، والسلامة فيه هي ms2353 العجب، والتغب أيضا: الوسخ والدرن، وتغب - ~~بكسر الغين: صار فيه عيب، ويقال للقحط: تغبة - بالتحريك، والتغب - ساكنا: ~~القبيح والريبة، وكل ذلك أسرع إلى الإنسان من أضداده إلا من عصم الله، وما ~~ذاك إلا لأن هذه الدار مبينة عليه. # ولما وصف الله سبحانه له صلى الله عليه وسلم أكثر الناس بما وصف من سوء ~~الطريقة للتقليد الذي منشؤه الإعراض عن الأدلة الموجبة # PageV10P241 # للعلم، أمر أن يذكر طريق الخلص فقال: {قل} أي يا أعلى الخلق وأصفاهم ~~وأعظمهم نصحا وإخلاصا: {هذه} أي الدعوة إلى الله على ما دعا إليه كتاب الله ~~وسننه صلى الله عليه وسلم {سبيلي} القريبة المأخذ، الجلية الأمر، الجليلة ~~الشأن، الواسعة الواضحة جدا، فكأنه قيل: ما هي؟ فقال: {أدعوا} كل من يصح ~~دعاؤه {إلى الله} الحائز لجميع الكمال حال كوني {على بصيرة} أي حجة واضحة ~~من أمري بنظري الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وترك التقليد الدال على ~~الغباوة والجمود، لأن البصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل دينا ~~ودنيا بحيث يكون كأنه يبصر المعنى بالعين. # ولما كان الموضع في غاية الشرف، أكد الضمير المستتر تعيينا وتنبيها على ~~التأهل لظهور الإمامة، فقال: {أنا ومن} أي ويدعو كذلك من {اتبعني} لا كمن ~~هو على عمى جائر عن القصد، حائر في ضلال التقليد، فهو لا يزال في غفلة هدفا ~~للحتوف؛ والاتباع: طلب الثاني اللحاق بالأول للموافقة في مكانه أو في أمره ~~الذي دعا إليه، ومما دخل تحت {قل} عطفا على {أدعوا} قوله: منبها على أن شرط ~~كل دعوة إليه سبحانه اقترانها بتنزيهه عن كل شائبة نقص - {وسبحان الله} # PageV10P242 # أي وأسبح الذي اختص بصفات الكمال سبحانا، أي أقدره حق قدره فأثبت له من ~~صفات الكمال ما يليق بجلاله، وأنزهه عما هو متعال عنه تنزيها يعلم هم أنه ~~يليق بجلالة ويرضى به، وفي تخصيص الله بذلك عقب ما أثبت له ولأتباعه تلويح ~~بنسبة النقص إليهم تواضعا، اعتذارا عما يلحقهم من الوهن وطلبا للعفو عنه ~~{وما أنا} وعدل عن «مشركا» إلى أبلغ منه فقال: {من المشركين ms2354 *} أي في عداد ~~من يشرك به شيئا بوجه من الوجوه، لأني علمت بما آتاني من البصيرة أنه منعوت ~~بنعوت الكمال، منزه عن سمات النقص، متعال عنها، وأن ذلك أول واجب لأنه ~~الواحد الذي جل عن المجانسة، القهار الذي كل شيء تحت مشيئته، وفسرت {سبحان} ~~بما تقدم لأن مادة «سبح» بكل ترتيب تدور على القدر والشدة والاتساع؛ وتارة ~~يقتصر فيه على الكفاية ومنه الحسب: مقدار الشيء. وتارة يقتصر فيه على ~~الكفاية فيلزمه الحصر ومنه: أحسبني الشيء: كفاني، واحتساب الأجر: الاكتفاء ~~به، والحساب: معرفة المقدار، والحسب بمعنى الظن راجع إلى ذلك أيضا، ~~والأحسب: الذي ابيضت جلدته من داء وفسدت # PageV10P243 # شعرته، بمعنى أن ذلك الداء كفاه في الفساد عن كل داء كأنه ما بقي يسع معه ~~داء، والتحسيب: التكفين بما يسع الميت، وهو كفاية له لا يحتاج بعده إلى ~~شيء، ومنه الحبس وهو المنع من مجاوزة الكفاية؛ وتتجاوز الكفاية فيسبح ويتسع ~~مداه فلا ينحصر ومنه: الحسب - بالتحريك، وهو الشرف؛ ومنه السحب وبه سمي ~~السحاب لانسياحه في الهواء؛ ومنه السبح في الماء، ومد الفرس يديه في الجري، ~~والسبحة: صلاة التطوع - لأنه لا حد لها يحصرها، ولأنها تجاوزت الفرض، ~~والسبح: الفراغ - للتمكن معه من الانبساط، والتسبيح: التنزيه - لأنه ~~الإبعاد عن النقص، قال الرماني: وأصله البراءة من الشيء، وقال ابن مكتوم في ~~الجمع بين العباب والمحكم: سبحان الله معناه تنزيها لله من الصحابة والولد، ~~وتبرئة من السوء - هذا معناه في اللغة وبذلك جاء الأثر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال سيبويه: زعم أبو الخطاب أن «سبحان الله» كقولك براءة الله ~~من السوء، كأنه يقول: أبرىء براءة الله من السوء، وزعم أن مثل ذلك # PageV10P244 # قول الأعشى: # أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمه الفاخر # أي براءة منه، وبهذا استدل على أن سبحان معرفة إذ لو كان نكرة لانصرف، ~~قال: وقد جاء في الشعر منونا نكرة، قال أمية: # سبحانه ثم سبحانا يعود له ... وقبلنا سبح الجودي والجمد # وقال ابن جني: سبحان اسم علم لمعنى البراءة والتنزيه بمنزلة ms2355 عثمان ~~وحمران، اجتمع في سبحان التعريف والألف والنون، وكلاهما علة تمنع من الصرف ~~- انتهى. وقال الزجاج: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قوله «سبحان ~~الله» تبرئة لله من السوء، وأهل اللغة كذلك يقولون من غير معرفة بما فيه من ~~الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولكن تفسيره يجمعون عليه، وقد ~~سبح الرجل: قال سبحان الله، وفي التنزيل {كل قد علم صلاته وتسبيحه} [النور: ~~41] وسبح لغة في سبح، وحكى ثعلب: سبح تسبيحا وسبحانا، قال # PageV10P245 # ابن سيده: وعندي أنا سبحانا ليس مصدرا لسبح، إنما هو مصدر سبح، وقال ~~النصر: سبحان الله معناه السرعة إليه والخفة في طاعته، وسبوحة - بفتح ~~السين: البلد الحرام، وسباح علم الأرض الملساء عند معدن بني سليم، وسبحات ~~وجه الله: أنواره، والسبحة: الدعاء، وأيضا صلاة التطوع - انتهى. وكله راجع ~~إلى الإبعاد عن السوء، والسبحان: النفس، وكل أحد يبرىء نفسه ويرفعها عن ~~السوء. # ولما أوضح أبطال ما تعنتوا به من قولهم «لو أنزل عليه كنز» أتبعه ما يوضح ~~تعنتهم في قولهم {أو جاء معه ملك} بذكر المرسلين، وأهل السبيل المستقيم، ~~الداعين إلى الله على بصيرة، فقال: {وما أرسلنا} أي بما من العظمة. ولما ~~كان الإرسال لشرفه لا يتأتى على ما جرت به الحكمة في كل زمن كما أنه لا ~~يصلح للرسالة كل أحد، وكان السياق لإنكار التأييد بملك في قوله {أو جاء معه ~~ملك} كالذي في النحل، لا لإنكار رسالة البشر، أدخل الجار تنبيها على ذلك ~~فقال: {من قبلك} أي إلى المكلفين {إلا رجالا} # PageV10P246 # أي مثل ما أنك رجل، لا ملائكة ولا إناثا - كما قاله ابن عباس رضي الله ~~عنهما، والرجل مأخوذ من المشي على الرجل {نوحي إليهم} أي بواسطة الملائكة ~~مثل ما يوحى إليك {من أهل القرى} مثل ما أنك من أهل القرى، أي الأماكن ~~المبنية بالمدر والحجر ونحوه، لأنها متهيئة للإقامة والاجتماع وانتياب أهل ~~الفضائل، وذلك أجدر بغزارة العقل وأصالة الرأي وحدة الذهن وتوليد المعارف ~~من البوادي، ومكة أم القرى في ذلك لأنها مجمع ms2356 لجميع الخلائق لما أمروا به ~~من حج البيت، وكان العرب كلهم يأتونها؛ قال الرماني: وقال الحسن: لم يبعث ~~الله نبيا من أهل البادية ولا من الجن ولا من النساء - انتهى. # وذلك لأن المدن مواضع الحكمة، والبوادي مواطن لظهور الكلمة، ولما كانت ~~مكة أو القرى مدينة، وهي مع ذلك في بلاد البادية، جمعت الأمرين وفازت ~~بالأثرين، لأجل أن المرسل إليها جامع لكل ما تفرق في غيره من المرسلين، ~~وخاتم لجميع النبيين - صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. # ومادة «قرى» - يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة بتراكيبها الخمسة عشر - ~~تدور على الجمع، ويلزمه الإمساك، وربما كان عنه # PageV10P247 # الانتشار، فالقرية - بالفتح ويكسر: المصر الجامع، وأقرى: لزم القرية، ~~والقاري: ساكنها، والقارية: الحاضرة الجامعة، وطير أخضر، إما للزومها، وإما ~~لجمع لونه للبصر، والقريتين - مثنى وأكثر ما يتلفظ به بالياء: مكة والطائف، ~~وقرية النمل: مجتمع ترابها، وقريت الماء في الحوض: جمعته، والمقراة: شبه ~~حوض، وكل ما اجتمع فيه ماء، والقري: ماء مستجمع، والمدة تقرى في الجرح - أي ~~تجتمع، والقواري: الشهود - لجمعهم الأمور، والقواري: الناس الصالحون - كأنه ~~مخفف من المهموز، وقريت الضيف قرى بالكسر والقصر، وبالفتح والمد: أضفته ~~كاقتريته، والمقراة: الجفنة يقرى فيها الضيف، والمقاري: القدور، وقرى ~~البعير وكل ما اجتر: جمع جرته في شدقه، وقرت الناقة: ورم شدقاها من وجع ~~الأسنان كأنها لا تقدر مع ذلك على جمع الجرة، فيكون من السلب، وقرى البلاد: ~~تتبعها يخرج من أرض إلى أرض كاقتراها واستقرها - لجمعه بينها، وقري الماء ~~كغني: مسيله من # PageV10P248 # التلاع، أو موقعه من الربو إلى الروضة - لأنه مكان اجتماعه، وقرى الخيل: ~~واد - كأنها اجتمعت فيه، والقرية - كغنية: العصا لأن الراعي يجمع بها ما ~~يرعاه. وبها يجمع كل ما يراد جمعه، وأعواد فيها فرض يجعل فيها رأس عمود ~~البيت، لأنه بها يقام فيجمع من يراد، وعود الشراع الذي في عرضه من أعلاه، ~~لأنه يجمع الشراع ملفوفا ومنشورا، وقريت الصحيفة لغة في قرأتها - إذا ~~تلوتها فجمعت علمها وكلامها، والقارية: أسفل الرمح، لأنه يجمع زجه، أو ~~أعلاه، لأنه يجمع عاليته، ms2357 وحد الرمح، لأنه يجمع مراد صاحبه، وكذا حد السيف، ~~والقارية - بالتشديد: طائر أخضر إذا رأوه استبشروا بالمطر - كأنه رسول ~~الغيث أو مقدمة السحاب، جمعه قواري، كأنه سمي بذلك لأنه سبب جمع الهم ~~للمطر؛ والقير والقار: شيء أسود تطلى به السفن، والإبل، والحباب، والزقاق، ~~أو هما الزفت، وعلى كل تقدير هو ساد للشقوق والمسام فكان الجامع بين أجزاء ~~السفينة وغيرها، وهذا أقير من هذا أشد مرارة - تشبيه بالقير الطعم، والمر ~~أيضا # PageV10P249 # يجمع الفم نحوه بالقبض، والقيور - كتنور: الخامل النسب، شبه به أيضا لأن ~~القير لما قل احتياج أكثر الناس إليه في كثير من الأوقات صار قليل الذكر - ~~وهذا معنى الخمول، والقيار كشداد: صاحب القير، وبئر لبني عجل قرب واسط، ~~وكأنها سميت لجمعها إياهم، وقيار اسم فرس، كأنه لجودته يجمع لصاحبه ما ~~يريد، والقارة: الدبة كذلك، والقارة: حي من العرب سموا لأن ابن الشداخ أراد ~~أن يفرقهم في كنانة فقال شاعرهم: # دعونا قارة لا تجفلونا ... فنجفل مثل إجفال الظليم # ذكره مختصر العين هنا وغيره في الواو، واقتار الحديث اقتيارا: بحث عنه - ~~لأن ذلك سبب لجمعه، والقير - كهين: الأسوار من الرماة الحاذق، لأنه يجمع ~~بذلك ما يريد؛ ورقيت الرجل بالفتح رقية: عوذته، ونفثت في عوذته - لأن ~~الراقي يجمع ريقه وينفث، ورقيت في الشيء رقيا - إذا صعدت عليه - كأنك جمعت ~~بين درجه، والمرقاة بالفتح ويكسر: الدرجة، لأن العلو من آثار الجمع، ورقى ~~عليه كلاما ترقية: رفع، لأنه جمعه عليه، ومرقيا الأنف: حرفاه لأنهما ~~الجامعان له؛ # PageV10P250 # والرائق من الماء: الخالص، لأنه إذا خلص اشتد تلاصق أجزائه لزوال ما كان ~~يتخللها من الغبر، وراق الماء يريق - إذا انصب، إما لأنه اجتمع إلى المحل ~~الذي انصب إليه، أو يكون من السلب كأراقه بمعنى صبه، وراق السراب يريق ~~وتريق يتريق - إذا تضحضح فوق الأرض أي تردد، إما من السلب، وإما تشبيه ~~بالمجتمع، والريق: تردد الماء على وجه الأرض من الضحضاح أي ليسير ونحوه، ~~لأنه لا يتردد إلا وهو مجتمع، والريق: أول كل شيء وأفضله من الرائق بمعنى ~~الخالص، ms2358 ولأن الأول يجتمع إليه غيره، والأفضل يجمع ما يراد، والريق أيضا: ~~الباطل، كالريوق كتنور - تشبيها بالسراب، وريق الفم معروف، لاجتماعه، ~~والريق: القوة، لجمعها المراد، والريق الرائق: الخالص وكل ما أكل أو شرب ~~على الريق، ومن ليس في يده شيء، كأنه خلص عن العلائق فاجتمع همه، ومن هو ~~على الريق كريقي ككيس، وهو يريق بنفسه: يجود بها عند الموت، من راق الماء: ~~انصب، والمريق - كمعظم: من لا يزال يعجبه شيء، ولعله من راقه يروقه - إذا ~~أعجبه، # PageV10P251 # فجمع همه إليه؛ واليارق: ضرب من الأسورة، لأنه يجمع المعصم، واليرقان - ~~ويسكن: الاستقامة والطريقة وآفة للزرع. ومرض معروف، وسيذكر في «أرق» في أول ~~سورة الحجر إن شاء الله تعالى. # ولما كان الاعتبار بأحوال من سلف للنجاة مما حل بهم أهم المهم، اعترض ~~بالحث عليه بين الغاية ومتعلقها، فقال: {أفلم يسيروا} أي يوقع السير هؤلاء ~~المكذبون {في الأرض} أي في هذا الجنس الصادق بالقليل والكثير. ولما كان ~~المراد سير الاعتبار سبب عنه قوله {فينظروا} أي عقب سيرهم وبسببه، ونبه على ~~أن ذلك أمر عظيم ينبغي الاهتمام بالسؤال عنه بذكر أداة الاستفهام فقال {كيف ~~كان عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولما كان الذين يعتبر بحالهم - لما حل بهم ~~من الأمور العظام - في بعض الأزمنة الماضية، وكان المخاطبون بهذا القرآن لا ~~يمكنهم الإحاطة بأهل الأرض وإن كان في حال كل منهم عظه، أتى بالجار فقال: ~~{من قبلهم} في الرضى بأهوائهم في تقليد آبائهم، وهذا كما تقدم في سورة يونس ~~من أن الآيات لا تغني عمن ختم على قلبه، والتذكير بأحوال الماضين من هلاك ~~العاصين ونجاة الطائعين، والاعتراض بين ذلك بقوله {قل # PageV10P252 # انتظروا إني معكم من المنتظرين} وهو يدل على أنه تعالى يغضب ممن أعرض عن ~~تدبر آياته؛ والسير: المرور الممتد في جهة، ومنه أخذ السير، وأخذ السيور من ~~الجلد؛ والنظر: طلب إدراك المعنى بالعين أو القلب، وأصله مقابلة الشيء ~~بالبصر لإدراكه. # ولما كان من الممكن أن يدعي مطموس البصيرة أنه كان لهم نوع خير، قال على ~~طريقة إرخاء ms2359 العنان: {ولدار} أي الساعة أو الحالة {الآخرة} أي التي وقع ~~التنبيه عليها بأمور تفوت الحصر منها دار الدنيا فإنه لا تكون دنيا إلا ~~بقصيا {خير للذين اتقوا} أي حملهم الخوف على جعل الائتمار والانزجار وقاية ~~من حياة أهون مآلها الموت، وإن فرض فيها من المحال أنها امتدت ألف عام، ~~وكان عيشها كله رغدا من غير آلام. # ولما كان تسليم هذا لا يحتاج فيه إلى أكثر من العقل، قال مسببا عنه منكرا ~~عليهم مبكتا لهم: {أفلا تعقلون *} أي فيتبعوا الداعي إلى هذا السبيل ~~الأقوم. # PageV10P253 # ولما كان المعنى معلوما من هذا السياق تقديره: فدعا الرجال المرسلون إلى ~~الله واجتهدوا في إنذار قومهم لخلاصهم من الشقاء، # PageV10P253 # وتوعدهم عن الله بأنواع العقوبات إن لم يتبعوهم، وطال عليهم الأمر وتراخى ~~النصر وهم يكذبونهم في تلك الإيعادات ويبكتونهم ويستهزئون بهم، واستمر ذلك ~~من حالهم وحالهم، قال مشيرا إلى ذلك: {حتى إذا استيئس الرسل} أي يئسوا من ~~النصر يأسا عظيما كأنهم أوجدوه أو طلبوه واستجلبوه من أنفسهم {وظنوا أنهم ~~قد كذبوا} أي فعلوا فعل اليأس العظيم اليأس الذي ظن أنه قد أخلف وعده من ~~الإقبال على التحذير والتبشير والجواب - لمن استهزأ بهم وقال: ما يحبس ما ~~وعدتمونا به - بإن ذلك أمره إلى الله، إن شاء أنجزه، وإن شاء أخره، ليس ~~علينا من أمره شيء؛ ويجوز أن يراد أنهم لمن استبطؤوا النصر وضجروا مما ~~يقاسون من أذى الأعداء، واستبطاء الأولياء {حتى يقول الرسول والذين آمنوا ~~معه} كما يقول الآئس {متى نصر الله} مع علمهم بأن الله تعالى له أن يفعل ما ~~يشاء، عبر عن حالهم ذلك بما هنا - نقل الزمخشري في الكشاف والرازي في ~~اللوامع معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما، هذا على قراءة التخفيف، وأما ~~على قراءة التشديد فالتقدير: وظنوا أنهم قد كذبهم أتباعهم حتى لقد أنكرت ~~عائشة رضي الله عنها قراءة التخفيف، روى البخاري في التفسير # PageV10P254 # وغيره عن عروة بن الزبير أنه سألها عن القراءة: أهي بالتشديد أم ~~بالتخفيف؟ فقالت: إنها بالتشديد، قال قلت: فقد ms2360 استيقنوا أن قومهم كذبوهم ~~فما هو بالظن، قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك! فقلت لها: وظنوا أنهم ~~قد كذبوا أي بالتخفيف - قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: ~~فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال ~~عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من ~~قومهم وظنوا أنهم أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك. {جاءهم نصرنا} ~~لهم بخذلان أعدائهم {فنجي من نشاء} منهم ومن أعدائهم {ولا يرد بأسنا} أي ~~عذابنا لما له من العظمة {عن القوم} أي وإن كانوا في غاية القوة {المجرمين ~~*} الذين حتمنا دوامهم على القطيعة كما قلنا {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا ~~عنهم} وحققنا بمن ذكرنا مصارعهم من الأمم، وكل ذلك إعلام بأن سنته جرت بأنه ~~يطيل الامتحان، ويمد زمان الابتلاء والاعتبار، حثا للأتباع على الصبر وزجرا ~~للمكذبين عن التمادي في الاستهزاء. # PageV10P255 # ومادة «كذب» تدور على ما لا حقيقة له، وأكثر تصاريفها واضح في ذلك، ~~ويستعمل في غير الإنسان، قالوا: كذب البرق والحلم والرجاء والطمع والظن، ~~وكذبت العين: خانها حسها، وكذب الرأي: تبين الأمر بخلاف ما هو به، وكذبته ~~نفسه: منته غير الحق، والكذوب: النفس، لذلك، وأكذبت الناقة وكذبت - إذا ~~ضربها الفحل فتشول أي ترفع ذنبها ثم ترجع حائلا، لأنها أخلفت ظن حملها، ~~وكذا إذا ظن بها لبن وليس بها، ويقال لمن يصاح به وهو ساكن يرى أنه نائم: ~~قد أكذب، أي عد ذلك الصياح عدما، والمكذوبة من النساء: الضعيفة، لأنه لما ~~اجتمع فيها ضعف النساء وضعفها عدت عدما، والمكذوبة على القلب: المرأة ~~الصالحة - كأنها لعزة الصلاح في النساء جعلت عدما، وكذب الوحشي - إذا جرى ~~ثم وقف ينظر ما وراءه، كأنه لم يصدق بالذي أنفره، ومنه كذب عن كذا - إذا ~~أحجم عنه بعد أن أراده، أو لأنه كذب # PageV10P256 # ما ظنه عند الحملة من قتل الأقران، وكذبك الحج أي أمكنك وكذبك الصيد ~~مثله، وهو يؤول إلى الحث لأن المعنى أن الحج لعظم مشقته وطول شقته تنفر ms2361 ~~النفس عنه، فيكاد أن لا يوجد، وكذا الصيد لشدة فراره وسرعة نفاره وعزة ~~استقراره يكاد أن لا يتمكن منه فيكون صيده كالكذب لا حقيقة له، فقد تبين ~~حينئذ وجه كون «كذب» بمعنى الإغراء ولاح أن قوله «ثلاثة أسفار كذبن عليكم: ~~الحج والعمرة والجهاد» معناه أنها لشدة الصعوبة لا تكاد تمكن من أرادها ~~منها، مع أنه - لقوة داعيته لكثرة ما يرى فيها من الترغيب بالأجر - يكون ~~كالظافر بها، ويؤيده ما قال ابن الأثير في النهاية عن الأخفش: الحج مرفوع ~~ومعناه نصب، لأنه يريد أن يأمره بالحج كما يقال: أمكنك الصيد، يريد: ارمه، ~~وقال أبو علي # PageV10P257 # الفارسي في الحجة في قول عنترة: # كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي # وإن شئت قلت: إن الكلمة لما كثر استعمالها في الإغراء بالشيء والبعث على ~~طلبه وإيجاده صار كأنه قال بقوله لها: عليك العتيق، أي الزميه، ولا يريد ~~نفيه ولكن إضرابها عما عداه، فيكون العتيق في المعنى مفعولا به إن كان لفظه ~~مرفوعا، مثل «سلام عليكم» ونحوه مما يراد به الدعاء واللفظ على الرفع، وحكى ~~محمد بن السري رحمه الله عن بعض أهل اللغة في «كذب العتيق» أن مضر تنصب به ~~وأن اليمن ترفع به، وقد تقدم وجه ذلك - انتهى. وأقرب من ذلك جدا وأسهل ~~تناولا وأخذا أن الإنسان لا يزال منيع الجناب مصون الحجاب ما كان لازما ~~للصدق فإذا كذب فقد أمكن من نفسه وهان أمره، فمعنى «ثلاثة أسفار كذبن عليكم ~~أمكنتكم من أنفسها، الحج كل سنة بزوال مانع الكفار عنه، # PageV10P258 # والعمرة كل السنة بزوال المفسدين بالقتل وغيره في أشهر الحل، والجهاد كل ~~السنة أيضا لإباحته في الأشهر الحرم وغيرها، وتخريج مثل: كذبتك الظهائر، ~~وغيره على هذا بين الظهور ولا وقفة فيه ولكون الكاذب يبادر إلى المعاذير ~~ويحاول التخلص كان التعبير بهذا من باب الإغراء، أي انتهز الفرصة وبادر ~~تعسر هذا الإمكان. # ولما ذكر سبحانه هذه القصص كما كانت، وحث على الاعتبار بها بقوله: {أفلم ~~يسيروا} وأشار إلى أنه بذلك أجرى ms2362 سنته وإن طال المدى، أتبعه الجزم بأن في ~~أحاديثهم أعظم عبرة، فقال حثا على تأملها والاستبصار بها: {لقد كان} أي ~~كونا هو في غاية المكنة {في قصصهم} أي الخبر العظيم الذي تلي عليك تتبعا ~~لأخبار الرسل الذين طال بهم البلاء حتى استيأسوا من نوح إلى يوسف ومن بعده ~~- على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام {عبرة} أي عظة عظيمة ~~وذكرى شريفة {لأولي الألباب} أي # PageV10P259 # لأهل العقول الخالصة من شوائب الكدر يعبرون بها إلى ما يسعدهم بعلم أن من ~~قدر على ما قص من أمر يوسف عليه السلام وغيره قادر على أن يعز محمدا صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم ويعلي كلمته وينصره على من عاداه كائنا من كان كما ~~فعل بيوسف وغيره - إلى غير مما ترشد إليه قصصهم من الحكم وتعود إليه من ~~نفائس العبر؛ والقصص: الخبر بما يتلو بعضه بعضا، من قص الأثر، والألباب: ~~العقول، لأن العقل أنفس ما في الإنسان وأشرف. # ولما كان من أجل العبرة في ذلك القطع بحقية القرآن لما بينه من حقائق ~~أحوالهم وخفايا أمورهم ودقائق أخبارهم على هذه الأساليب الباهرة والتفاصيل ~~الظاهرة والمناهيج المعجزة القاهرة، نبه على ذلك بتقدير سؤال فقال: {ما ~~كان} أي هذا القرآن العربي المشتمل على قصصهم وغيره {حديثا يفترى} كما قال ~~المعاندون - على ما أشير إليه بقوله: {أم يقولون افتراه} ، والافتراء: ~~القطع بالمعنى على خلاف ما هو به في الإخبار عنه، من: فريت الأديم {ولكن} ~~كان {تصديق الذي} كان من الكتب وغيرها {بين يديه} أي قبله الذي هو كاف في ~~الشهادة بصدقه وحقيته في نفسه {و} زاد على # PageV10P260 # ذلك بكونه {تفصيل كل شيء} أي يحتاج إليه من أمور الدين والدنيا والآخرة؛ ~~والتفصيل: تفريق الجملة بإعطاء كل قسم حقه {وهدى ورحمة} وبيانا وإكراما. ~~ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء لا يتعلق بشيء منه، قال: {لقوم يؤمنون} أي ~~يقع الإيمان منهم وإن كان بمعنى: يمكن إيمانهم، فهو عام، وما جمع هذه ~~الخلال فهو أبين البيان، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة ms2363 في أنه الكتاب ~~المبين، وانطبق ما تبع هذه القصص - من الشهادة بحقية القرآن، وأن الرسل ~~ليسوا ملائكة ولا معهم ملائكة للتصديق يظهرون للناس، وأنهم لم يسألوا على ~~الإبلاغ أجرا - على سبب ما تبعته هذه القصص، وهو مضمون قوله تعالى: {فلعلك ~~تارك بعض ما يوحى إليك} [هود: 12] الآية من قولهم {لولا ألقي عليه كنز أو ~~جاء معه ملك} [هود: 12] وقولهم: إنه افتراه، على ترتيب ذلك، مع اعتناق هذا ~~الآخر لأول التي تليه، فسبحان من أنزله معجزا باهرا، وقاضيا بالحق لا يزال ~~ظاهرا، وكيف لا وهو العليم الحكيم - والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV10P261 # سورة الرعد # مقصودها وصف الكتاب بأنه الحق في نفسه، وتارة يتأثر عنه مع أن له صوتا ~~وصيتا وإرعابا وإرهابا يهدي بالفعل، وتارة لا يتأثر بل يكون سببا للضلال ~~والعمى، وأنسب ما فيها لهذا المقصد الرعد فإنه مع كونه حقا في نفسه يسمعه ~~الأعمى والبصير والبارز والمستتر، وتارة يتأثر عنه البرق والمطر وتارة لا، ~~وإذا نزل المطر فتارة ينفع إذا أصاب الأراضي الطيبة وسلمت من عاهة، وتارة ~~يخيب إذا نزل على السباخ الخوارة وتارة يضر لإغراق أو الصواعق أو البرد ~~وغيرها - والله أعلم. # PageV10P262 # {بسم الله} الحق الذي كل ما عداه باطل {الرحمن} الذي عم بالرغبة والرهبة ~~بعموم رحمته {الرحيم} الذي خص من شاء بما يرضاه عظيم الوهية {المر} . # لما ختم التي قبلها بالدليل على حقية القرآن وأنه هدى ورحمة لقوم يؤمنون، ~~بعد أن أشار إلى كثرة ما يحسونه من آياته في السماوات # PageV10P262 # والأرض مع الإعراض، ابتدأ هذه بذلك على طريق اللف والنشر المشوش لأنه ~~أفصح للبداءة في نشره بالأقرب فالأقرب فقال: {تلك} أي الأنباء المتلوة ~~والأقاصيص المجلوة المفصلة بدر المعاني وبديع الحكم وثابت القواعد والمباني ~~العالية المراتب {آيات} والآية: الدلالة العجيبة في التأدية إلى المعرفة ~~{الكتاب} المنزل إليك {و} جميع {الذي} . # ولما كان تحقق أن هذا الكتاب من عند الملك أمرا لا يطرقه مريه لما له من ~~الإعجاز، وكذا ما تبعه من بيانه بالسنة لما له من الحق الذي لا يخف ms2364 على كل ~~عاقل، وكان ما تحقق أنه كذلك يعلم أن الآتي به لا يكون إلا عظيما، بني ~~للمفعول قوله: {أنزل إليك} كائن {من ربك} فثبت حينئذ قطعا أنه هو {الحق} أي ~~الموضوع كل شيء منه في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة، الواضح الذي لا ~~يتخلف شيء منه عن مطابقة الواقع من بعث ولا غيره، فهو أبعد شيء عن قولهم: ~~إن وعده بالبعث سحر، فوجب لثبوت حقيته على كل من اتصف بالعقل أن يؤمن به ~~{ولكن أكثر الناس} # PageV10P263 # أي الآنسين بأنفسهم المضطربين في آرائهم، {لا يؤمنون *} أي لا يتجدد منهم ~~إيمان أصلا بأنه الحق في نفسه وأنه من عند الله، بل يقولون: إنه من عند ~~محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنه تخييل ليست معاينة - كما قلنا {وما ~~أكثر الناس ولو حرصت بؤمنين} [يوسف: 103] فليس هدى لهم كاملا ولا رحمة ~~تامة، هذا التقدير محتمل، ولكن الذي يدل عليه ظاهر قوله تعالى: {أفمن يعلم ~~أنما أنزل إليك من ربك الحق} [الرعد: 19] أن {الذي} مبتدأ، و {من ربك} صلة ~~{أنزل} والخبر {الحق} والمقصود من هذه السورة هذه الآية، وهي وصف المنزل ~~بأنه الحق وإقامة الدليل عليه، وذلك لأنه لما تم وصف الكتاب بأنه حكيم محكم ~~مفصل مبين، عطف الكلام إلى تفصيل أول سورة البقرة، والإيماء إلى أنه حان ~~اجتناء الثمرة في هذه السورة والتي بعدها، ويلتحم بذلك وصف المصدقين بذلك - ~~كما ستقف عليه. # وقال الإمام أبو جعفر بن زبير رحمه الله في برهانه: هذه السورة تفصيل ~~لمجمل قوله سبحانه في خاتمة سورة يوسف عليه السلام {وكأين من آية في ~~السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون * وما يؤمن أكثرهم بالله إلا ~~وهم مشركون * أفامنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله # PageV10P264 # أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون * قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} # [يوسف: 105-106-107-108] فبيان آي السماوات في قوله {الله الذي رفع ~~السماوات بغير عند ترونها ثم استوى على ms2365 العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى} وبيان آي الأرض في قوله: {وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي ~~وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} فهذه آي السماوات والأرض، ~~وقد زيدت بيانا في مواضع، ثم في قوله تعالى: {يغشى اليل النهار} ما يكون من ~~الآيات عنهن، لأن الظلمة عن جرم الأرض، والضياء عن نور الشمس وهي سماوية، ~~ثم زاد تعالى آيات الأرض بيانا وتفصيلا في قوله تعالى: {وفي الأرض قطع ~~متجاورات} [الرعد: 4] إلى قوله: {لقوم يعقلون} [الرعد: 4] . ولما كان إخراج ~~الثمر بالماء النازل من السماء من أعظم آية، ودليلا واضحا على صحة المعاد، ~~ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى {كذلك نخرج الموتى} [الأعراف: 57] وكان قد ~~ورد هنا أعظم جهة في الاعتبار من إخراجها مختلفات في الطعوم والألوان ~~والروائح # PageV10P265 # مع اتحاد المادة «يسقى» بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل لذلك ما ~~أعقب قوله تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات} الآية بقوله {وإن تعجب فعجب ~~قولهم إذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد} ثم بين سبحانه الصنف القائل بهذا ~~وأنهم الكافرون أهل الخلود في النار، ثم أعقب ذلك ببيان عظيم حلمه وعفوه ~~فقال {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} [الرعد: 6] الآية، ثم أتبع ذلك بما ~~يشعر بالجري على السوابق في قوله {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] ~~ثم بين عظيم ملكه واطلاعه على دقائق ما أوجده من جليل صنعه واقتداره فقال ~~{الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الأرحام} الآيات إلى قوله: {وما لكم ~~من دونه من وال} ثم خوف عباده وأنذرهم ورغبهم {هو الذي يريكم البرق خوفا ~~وطمعا} [الرعد: 12] ، الآيات وكل ذلك راجع إلى ما أودع سبحانه في السماوات ~~والأرض وما بينهما من الآيات، وفي ذلك أكثر آي السورة ونبه تعالى على الآية ~~الكبرى والمعجزة العظمى فقال: {ولو أن قرانا سيرت به الجبال أو قطعت به ~~الأرض أو كلم به الموتى} [الرعد: 31] والمراد: لكان هذا القرآن {ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: ms2366 82] والتنبيه بعظيم هذه # PageV10P266 # الآيات مناسب لمقتضى السورة من التنبيه بما أودع تعالى من الآيات في ~~السماوات والأرض، وكأنه جل وتعالى لما بين لهم عظيم ما أودع من السماوات ~~والأرض وما بينهما من الآيات وبسط ذلك وأوضحه، أردف ذلك بآية أخرى جامعة ~~للآيات ومتسعة للاعتبارات فقال تعالى # {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} [الرعد: 31] فهو من نحو {إن في السماوات ~~والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم} [الجاثية: 3] أي لو فكرتم في آيات ~~السماوات والأرض لأقلتكم وكفتكم في بيان الطريق إليه ولو فكرتم في أنفسكم ~~وما أودع تعالى فيكم من العجائب لاكتفيتم «من عرف نفسه عرف ربه» فمن قبيل ~~هذا الضرب من الاعتبار هو الواقع في سورة الرعد من بسط آيات السماوات ~~والأرض، ثم ذكر القرآن وما يحتمل، فهذه إشارة إلى ما تضمنت هذه السورة ~~الجليلة من بسط الآيات المودعة في الأرضين والسماوات. وأما قوله تعالى {وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] فقد أشار إليه قوله تعالى: ~~{ولكن أكثر الناس لا يؤمنون إنما يتذكر أولوا الألباب} وقوله تعالى: {الذين ~~آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله لا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] ~~فالذين تطمئن # PageV10P267 # قلوبهم بذكر الله هم أولو الألباب المتذكرون التامو الإيمان وهم القليل ~~المشار إليهم في قوله تعالى {وقليل ما هم} [ص: 24] والمقول فيهم {أولئك هم ~~المؤمنون حقا} [الأنفال: 4] ودون هؤلاء طوائف من المؤمنين ليسوا في درجاتهم ~~ولا بلغوا يقينهم، وإليهم الإشارة بقوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون} [يوسف: 106] قال عليه الصلاة والسلام «الشرك في أمتي أخفى من دبيب ~~النمل» فهذا بيان ما أجمل في قوله {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} ~~وأما قوله تعالى: {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله} [يوسف: 107] فما ~~عجل لهم من ذلك في قوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو ~~تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله} القاطع دابرهم، والمستأصل لأمرهم، ~~وأما قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة} [يوسف: 108] ~~الآية، فقد أوضحت آي سورة ms2367 الرعد سبيله عليه السلام بينه بما تحملته من عظيم ~~التنبيه وبسط الدلائل بما في السماوات والأرض وما بينهما وما في العالم ~~بجملته وما تحمله الكتاب المبين - كما تقدم، ثم قد تعرضت السورة لبيان جلي ~~سالكي تلك السبيل الواضحة المنجية فقال تعالى: {الذين يوفون بعهد الله ولا ~~ينقضون الميثاق} [الرعد: 20] إلى آخر ما حلاهم به أخذا وتركا، ثم عاد ~~الكلام بعد إلى ما فيه من التنبيه # PageV10P268 # والبسط وتقريع الكفار وتوبيخهم وتسليته عليه السلام في أمرهم {إنما أنت ~~منذر ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} [الرعد: 38] ، ~~{فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40] {ويقول الذين كفروا لست ~~مرسلا} [الرعد: 43] ، والسورة بجملتها غير حائدة عن تلك الأغراض المجملة في ~~الآيات الأربع المذكورات من آخر سورة يوسف، ومعظم السورة وغالب آيها في ~~التنبيه وبسط الدلالات والتذكير بعظيم ما أودعت من الآيات؛ ولما كان هذا ~~شأنها أعقبت بمفتتح سورة إبراهيم عليه السلام - انتهى. # فلما أثبت سبحانه لهذا الكتاب أنه المختص بكونه حقا فثبت أنه أعظم الأدلة ~~والآيات، شرع يذكر ما أشار إليه بقوله: {وكأين من آية} من الآيات المحسوسة ~~الظاهرة الدالة على كون آيات الكتاب حقا بما لها في أنفسها من الثبات، ~~والدلالة بما لفاعلها من القدرة والاختيار - على أنه قادر على كل شيء، وأن ~~ما أخبر به من البعث حق لما له من الحكمة، والدالة - بما للتعبير عنها من ~~الإعجاز - على كونها من عند الله، وبدأ بما بدأ به في تلك من آيات السماوات ~~لشرفها ولأنها أدل، فقال: {الله} أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال # PageV10P269 # وحده {الذي رفع السماوات} بعد إيجادها من عدم - كما أنتم بذلك مقرون؛ ~~والرفع: وضع الشيء في جهة العلو سواء كان بالنقل أو بالاختراع، كائنة {بغير ~~عمد} جمع عماد كأهب وإهاب أو عمود، والعمود: جسم مستطيل يمنع المرتفع أن ~~يميل، وأصله منع الميل {ترونها} أي مرئية حاملة لهذه الأجرام العظام التي ~~مثلها لا تحمل في مجاري عاداتكم إلا بعد تناسبها في العظم، هذا على أن ~~{ترونها} ms2368 صفة، ويجوز - ولعله أحسن - أن يكون على تقدير سؤال من كأنه قال: ~~ما دليل أنها بغير عمد؟ فقيل: المشاهدة التي لا أجلى منها. # ولما كان رفع السماوات بعد خلق الأرض وقبل تسويتها، ذكر أنه شرع في تدبير ~~ما للكونين من المنافع وما فيهما من الأعراض والجواهر، وأشار إلى عظمة ذلك ~~التدبير بأداة التراخي فقال: {ثم استوى على العرش} قال الرازي في لوامع ~~البرهان: وخص العرش لأنه أعلى خلقه وصفوته ومنظره الأعلى وموضع تسبيحه ~~ومظهر ملكه ومبدأ وحيه ومحل قربه، ولم ينسب شيئا من خلقه كنسبته، فقال # PageV10P270 # تعالى: {ذو العرش} كما قال {ذو الجلال} و «ذو» كلمة لحق واتصال وظهور ~~ومبدأ، وقال الرماني: والاستواء: الاستيلاء بالاقتدار ونفوذ السلطان، ~~وأصله: استوى التدبير، كما أن أصل القيام الانتصاب، ثم يقال: قائم بالتدبير ~~- انتهى. وعبر ب «ثم» لبعد هذه الرتبة عن الأطماع وعلوها عما يستطاع، فليس ~~هناك ترتيب ولا مهلة حتى يفهم أن ما قبل كان على غير ذلك، والمراد أنه أخذ ~~في التدبير لما خلق كما هو شأن الملوك إذا استووا على عروشهم، أي لم يكن ~~لهم مدافع، وإن لم يكن هناك جلوس أصلا، وذلك لأن روح الملك التدبير وهو ~~أعدل أحواله والله أعلم {وسخر} أي ذلل تذليلا عظيما {الشمس} أي التي هي آية ~~النهار {والقمر} أي الذي هو آية الليل لما فيهما من الحكم والمنافع ~~والمصالح التي بها صلاح البلاد والعباد، ودخلت اللام فيهما وكل واحد منهما ~~لا ثاني له لما في الاسم من معنى الصفة، إذا لو وجد مثل لهما لم يتوقف في ~~إطلاق الاسم عليه، # PageV10P271 # ولا كذلك زيد وعمرو. والتسخير: التهيئة لذلك المعنى المسخر له ليكون ~~بنفسه من غير معاناة صاحبه فيما يحتاج إليه كتسخير النار للإنضاج والماء ~~للجريان {كل} أي من الكوكبين {يجري} . # ولما كان السياق للتدبير، علم أن المراد بجريهما لذلك، وهو تنقلهما في ~~المنازل والدرجات التي يتحول بها الفصول، ويتغير النبات وتضبط الأوقات، ~~وكلما كان التدبير أسرع، علم أن صاحبه أعلم ولا سيما إن كان أحكم، فكان ms2369 ~~الموضع للام لا لإلى، فعلل بقوله: {لأجل} أي لأجل اختصاصه بأجل {مسمى} هذي ~~أجلها سنة، وذاك أجله شهر؛ والأجل: الوقت المضروب لحدوث أمر وانقطاعه. # ولما كان كل من ذلك مشتملا من الآيات على ما يجل عن الحصر مع كونه في ~~غاية الإحكام، استأنف خبرا هو كالتنبيه على ما فيما مضى من الحكمة، فقال ~~مبينا للاستواء على العرش بعد أن أشار إلى عظمة هذا الخبر بما في صلة ~~الموصول من الأوصاف العظيمة: {يدبر الأمر} أي في المعاش والمعاد وما ~~ينظمهما بأن يفعل فيه فعل من ينظر في # PageV10P272 # أدباره وعواقبه ليأتي محكما يجل عن أن يرام بنقض، بل هو بالحقيقة الذي ~~يعلم أدبار الأمور وعواقبها، لا يشغله شأن عن شأن، مع أن هذا العالم - من ~~أعلى العرش إلى ما تحت الثرى - محتو عل أجناس وأنواع وفصول وأصناف وأشخاص ~~لا يحيط بها سواه، وذلك دال قطعا على أنه سبحانه في ذاته وصفاته متعال عن ~~مشابهة المحدثات واحد أحد صمد ليس له كفوا أحد. # ولما كان هذا بيانا عظيما لا لبس فيه، قال {يفصل الآيات} أي التي برز إلى ~~الوجود تدبيرها، الدالة على وحدانيته وكمال حكمته، المشتملة عليها مبدعاته، ~~فيفرقها ويباين بينها مباينة لا لبس فيها، تقريبا لعقولكم وتدريبا لفهومكم، ~~لتعلموا أنها فعل الواحد المختار، لا فعل الطبائع ولا غيرها من الأسباب ~~التي أبدعها، وإلا فكانت على نسق واحد، وجمعها لما تقدم من الإشارة إلى ~~كثرتها بقوله: {وكأين من آية في السماوات والأرض} فكأن هذه الألف واللام ~~لذلك المنكر هناك. # PageV10P273 # ولما كان التدبير وهذا التفصيل دالا على تمام القدرة وغاية الحكمة، وكان ~~البعث لفصل القضاء والحكم بالعدل وإظهار العظمة هو محط الحكمة، علل بقوله: ~~{لعلكم بلقاء ربكم} أي لتكون حالكم حال من يرجى له بما ينظر من الدلالات ~~الإيقان بلقاء الموجد له المحسن إليه بجميع ما يحتاجه التربية {توقنون *} ~~أي تعلمون ذلك من غير شك استدلالا بالقدرة على ابتداء الخلق على القدرة على ~~ما جرت العادة بأنه أهون من الابتداء وهو الإعادة، وأنه لا ms2370 تتم الحكمة إلا ~~بذلك. # PageV10P274 # ولما انقضى ما أراد من آيات السماوات، ثنى بما فيما ثنى به في آية يوسف ~~من الدلالات فقال: {وهو} أي وحده {الذي مد الأرض} ولو شاء لجعلها كالجدار ~~أو الأزج لا يستطاع القرار عليها، وهذا لا ينافي أن تكون كرية، لأن الكرة ~~إذا عظمت كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح، كما أن الجبال أوتاد والحيوان ~~يستقر عليها {وجعل فيها} جبالا مع شهوقها {رواسي} أي ثوابت، واحدها راسية ~~أي ثابتة باقية في حيزها غير منتقلة عن # PageV10P274 # أماكنها لا تتحرك، فلا يتحرك ما هي راسية فيه. ولما غلب على الجبال وصفها ~~بالرواسي، صارت الصفة تغني عن الموصوف فجمعت جمع الاسم كحائط وكاهل - قاله ~~أبو حيان، ولما كانت طبيعة الأرض واحدة كان حصول الجبل في جانب منها دون ~~آخر ووجود المعادن المتخالفة فيها تارة جوهرية، وتارة خامية، وتارة نفطية، ~~وتارة كبريتية - إلى غير ذلك، دليلا على اختصاصه تعالى بتمام القدرة ~~والاختيار لأن الجبل واحد في الطبع كما أن تأثير الشمس واحد، فقال تعالى: ~~{وأنهارا} أي وجعل فيها خارجة منها، وأكثر ما تكون الأنهار من الجبال، ~~لأنها أجسام صلبة عالية، وفي خلال الأرض أبخرة فتصاعد تلك الأبخرة المتكونة ~~في قعر الأرض، ولا تزال تخرق حتى تصل إليها فتحتبس بها فلا تزال تتكامل حتى ~~يعظم تكاثفها، فإذا بردت صارت ماء فيحصل بسببها مياه كثيرة كما تنعقد ~~الأبخرة البخارية المتكاثفة في أعالي الحمامات إذا بردت وتتقاطر، فإذا ~~تكامل انعقاد تلك المياه وعظمت شقت أسافل # PageV10P275 # الجبال أو غيرها من الأماكن التي تستضعفها لقوتها وقوة الأبخرة المصاحبة ~~لها، فإن كان لتلك المياه مدد من جهة الفواعل والقوابل بحيث كلما نبع منها ~~شيء حدث عقيبه شيء، وهكذا على الاتصال فهي النهر، والنهر: المجرى الواسع من ~~مجاري الماء، وأصله الاتساع، ومنه النهار - لاتساع ضيائه. # ولما ذكر الأنهار ذكر ما ينشأ عن المياه فقال: {ومن كل الثمرات} ويجوز أن ~~يكون متعلقا بما قبله، ثم يكون كأنه قيل: من ينتفع بهذه الأشياء؟ فقيل: ~~{جعل فيها} أي الأرض {زوجين ms2371 اثنين} ذكرا وأنثى من كل صنف من الحيوان ينتفع ~~بها، ويجوز أن يكون متعلقا بما بعده فيكون التقدير: وجعل فيها من كل ~~الثمرات زوجين اثنين ذكرا وأنثى تنتفع الأنثى بلقاحها من الذكر أو قربه ~~منها فيجود ثمرها؛ والثمرة طعمة الشجرة، والزوج: شكل له قرين من نظير أو ~~نقيض، فكأنه قيل: ما الذي ينضجها؟ فقال: {يغشي اليل النهار} أي والنهار ~~الليل، فينضج هذا بحره ويمسك هذا ببرده، فيعتدل فعلهما على ما قدره تعالى ~~لهما في السير من الزيادة والنقصان للحر والبرد للإخراج والإنضاج إلى غير ~~ذلك من الحكم النافعة في الدين والدنيا الظاهر لكل ذي عقل أنها بتدبيره ~~بفعله # PageV10P276 # واختياره وقهره واقتداره. # ولما ساق سبحانه هذه الآيات مفصلة إلى أربع وكان فيها دقة، جمعها وناطها ~~بالفكر فقال: {إن في ذلك} أي الذي وقع التحديث عنه من الآيات متعاطفا ~~{لآيات} أي دلالات واضحات عجيبات باهرات على أن ذلك كله مستند إلى قدرته ~~واختياره، ونبه على أن المقام يحتاج إلى تعب بتجريد النفس من الهوى وتحكيم ~~العقل صرفا بقوله: {لقوم} أي ذوي قوة زائدة على القيام فيما يحاولونه ~~{يتفكرون *} أي يجتهدون في الفكر، قال الرماني: وهو تصرف القلب في طلب ~~المعنى، ومبدأ ذلك معنى يخطره الله تعالى على بال الإنسان فيطلب متعلقاته ~~التي فيها بيان عنه من كل وجه يمكن فيه، والختم بالتفكر إشارة إلى الاهتمام ~~بإعطاء المقام حقه في الرد على الفلاسفة، فإنهم يسندون حوادث العالم السفلي ~~إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية، وهو كلام ساقط لمن تفكر فيما ~~قرره سبحانه في الآية السالفة من إسقاط وروده من أنه سبحانه هو الذي أوجد ~~الأشياء كلها من عدم ثم أخذ في تدبيرها، فاختصاص كل شيء من الأجرام العلوية ~~بطبع وصفة وخاصية إنما هو بتخصيص المدبر # PageV10P277 # الحكيم الفاعل بالاختيار، فصار وجود الحوادث السفلية لو سلم أنه متأثر عن ~~الحوادث العلوية إنما يكون مستندا إليها باعتبار السببية، والسبب والمسبب ~~مستند إلى الصانع القديم المدبر الحكيم. # ولما كان الدليل - مع وضوحه - فيه بعض غموض، شرع تعالى ms2372 في شيء من تفصيل ~~ما في الأرض من الآيات التي هي أبين من ذلك دليلا ظاهرا جدا على إبطال قول ~~الفلاسفة، فقال: {وفي الأرض} أي التي أنتم سكانها، تشاهدون ما فيها مشاهدة ~~لا تقبل الشك {قطع متجاورات} فهي متحدة البقعة مختلفة الطبع، طيبة إلى ~~سبخة، وكريمة إلى زهيدة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر وعكسها، ~~ومع انتظام الكل في الأرضية {وجنات} جمع جنة، وهي البستان الذي تجنه ~~الأشجار {من أعناب} وكأنه قدمها لأن أصنافها - الشاهدة بأن صانعها إنما هو ~~الفعال لما يريد - لا تكاد تحصر حتى أنه في الأصل الواحد يحصل تنوع الثمرة ~~ولذلك جمعها. # ولما كان تفاوت ما أصله الحب أعجب، قال: {وزرع} أي # PageV10P278 # منفردا - في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالرفع، وفي خلل ~~الجنات - في قراءة الباقين بالجر. # ولما كان ما جمعه أصل واحد ظاهر أغرب أخر قوله: {ونخيل صنوان} فروع ~~متفرقة على أصل واحد {وغير صنوان} باعتبار افتراق منابتها وأصولها؛ قال أبو ~~حيان: والصنو: الفرع يجمعه وآخر أصل واحد، وأصله المثل، ومنه قيل للعم: صنو ~~وقال الرماني: والصنوان: المتلاصق، يقال: هو ابن أخيه صنو أبيه أي لصيق ~~أبيه في ولادته، وهو جمع صنو، وقيل: الصنوان: النخلات التي أصلها واحد - عن ~~البراء بن عازب وابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم؛ وقال الحسن رضي ~~الله عنه: الصنوان: النخلتان أصلهما واحد - انتهى. # وهو تركيب لا فرق بين مثناه وجمعه إلا بكسر النون من غير تنوين وإعرابها ~~مع التنوين، وسيأتي في يس إن شاء الله تعالى سر تسمية الكرم بالعنب. # ولما كان الماء بمنزلة الأب والأرض بمنزلة الأم، وكان الاختلاف مع اتحاد ~~الأب والأم أعجب وأدل على الإسناد إلى الموجد المسبب، لا إلى شيء من ~~الأسباب، قال: {ويسقى} أي أرضها الواحدة كلها # PageV10P279 # {بماء واحد} فتخرج أغصانها وثمراتها في وقت معلوم لا يتأخر عنه ولا يتقدم ~~بعد أن يتصعد الماء فيها علوا ضد ما في طبعه من التسفل، ثم يتفرق في كل من ~~الورق والأغصان والثمار بقسطه ms2373 مما فيه صلاحه {ونفضل} أي بما لنا من العظمة ~~المقتضية للطاعة {بعضها} أي بعض تلك الجنات وبعض أشجارها {على بعض} ولما ~~كان التفضيل على أنحاء مختلفة، بين المراد بقوله: {في الأكل} أي الثمر ~~المأكول، ويخالف في المطعوم مع اتحاد الأرض وبعض الأصول، وخص الأكل لأنه ~~أغلب وجوه الانتفاع، وهو منبه على اختلاف غيره من الليف والسعف واللون ~~للمأكول والطعم والطبع والشكل والرائحة والمنفعة وغيرها مع أن نسبة الطبائع ~~والاتصالات الفلكية إلى جميع الثمار على حد سواء لا سيما إذا رأيت العنقود ~~الواحد جميع حباته حلوة نضيجة كبيرة إلا واحدة فإنها حامضة صغيرة يابسة. # ولما كان المراد في هذا السياق - كما تقدم - تفصيل ما نبه على كثرته ~~بقوله: {وكأين من آية في السماوات والأرض} الآية، قال: {إن في ذلك} أي ~~الأمر العظيم الذي تقدم {لآيات} بصيغة الجمع فإنها بالنظر إلى تفصيلها ~~بالعطف جمع وإن كانت بالنظر إلى الماء مفردة، وهذا بخلاف # PageV10P280 # ما يأتي في النحل لأن المحدث عنه هناك الماء، وهنا ما ينشأ عنه، فلما ~~اختلف المحدث عنه كان الحديث بحسبه، فالمعنى: دلالات واضحات على أن ذلك كله ~~فعل واحد مختار عليم قادر على ما يريد من ابتداء الخلق ثم تنويعه بعد ~~إبداعه، فهو قادر على إعادته بطريق الأولى. # ولما كانت هذه المفصلة أظهر من تلك المجملة، فكانت من الوضوح بحال لا ~~يحتاج ناظره في الاعتبار به إلى غير العقل، قال: {لقوم} أي ذوي قوة على ما ~~يحاولونه {يعقلون} فإنه لا يمكن التعبير في وجه هذه الدلالة إلا بأن يقال ~~هذه الحوادث السفلية حدثت بغير محدث، فيقال للقائل: وأنت لا عقل لك، لأن ~~العلم بافتقار الحادث إلى المحدث ضرورة، فعدم العلم بالضروري يستلزم عدم ~~العقل. # PageV10P281 # ولما ثبت قطعا بما أقام من الدليل على عظيم قدرته بما أودعه من الغرائب ~~في ملكوته التي لا يقدر عليها سواه أن هذا إنما هو فعل واحد قهار مختار ~~يوجد المعدوم ويفاوت بين ما تقتضي الطبائع اتحاده، كان إنكار شيء من قدرته ~~عجبا، فقال عطفا على ms2374 قوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} [هود: 17] مشيرا ~~إلى أنهم يقولون: إن الوعد بالبعث سحر لا حقيقة له {* إن تعجب} أي يوما من ~~الأيام أو ساعة من الدهر فاعجب من # PageV10P281 # إنكارهم البعث {فعجب} عظيم لا تتناهى درجاته في العظم {قولهم} بعد ما ~~رأوا من الآيات الباهرة والدلالات الناطقة بعظيم القدرة على كل شيء منكرين: ~~{إذا كنا ترابا} واختلط التراب الذي تحولنا إليه بالتراب الأصلي فصار لا ~~يتميز، ثم كرروا التعجب والإنكار بالاستفهام ثانيا فقالوا: {إنا لفي خلق ~~جديد} هذا قولهم بعد أن فصلنا من الآيات ما يوجب أنهم بلقاء ربهم يوقنون، ~~وهذا الاستفهام الثاني مفسر لما نصب الأول بما فيه من معنى {أنبعث} ، ~~والعجب: تغير النفس بما خفي سببه عن العادة، والجديد: المهيا بالقطع إلى ~~التكوين قبل التصريف في الأعمال، وأصل الصفة القطع؛ قال الرماني: وقد قيل: ~~لا خير فيمن لا يتعجب من العجب، وأرذل منه من يتعجب من غير عجب - انتهى، ~~يعني: فالكفار تعجبوا من غير عجب: ومن تعجبهم فقد تعجب من العجب. # ولما كان هذا إنكار المحسوس من القدرة، استحقوا ما يستحق من يطعن في ملك ~~الملك، فقال: {أولئك} أي الذين جمعوا أنواعا من البعد مع كل خير {الذين ~~كفروا بربهم} أي غطوا كل ما يجب # PageV10P282 # إظهاره بسبب الاستهانة بالذي بدأ خلقهم ثم رباهم بأنواع اللطف، فإذا ~~أنكروا معادهم فقد أنكروا مبدأهم {وأولئك} أي البعداء البغضاء {الأغلال} أي ~~الحدائد التي تجمع أيدي الأسرى إلى أعناقهم، ويقال لها: جوامع، وتارة تكون ~~في الأعناق فقط يعذب بها الناس؛ ولما كان طرفا العنق غليظين، فلا تكون ~~إحاطة الجامعة منها إذا كانت ضيقة إلا بالوسط، جعل الأعناق ظروفا باعتبار ~~أنها على بعض منها، وذلك كناية عن ضيقها، فقال: {في أعناقهم} أي بكفرهم وإن ~~لم تكن الأغلال مشاهدة الآن، فهي لقدرة المهدد بها على الفعل كأنها موجودة، ~~وهم منقادون لما قدر عليهم من أسبابها كما يقاد المغلول بها إلى ما يريد ~~قائده، والغل: طوق تقيد به اليد في العنق، وأصله: انغل في الشيء ms2375 - إذا ~~انتشب فيه، وغل المال - إذا خان بانتشابه في المال الحرام {وأولئك} أي ~~الذين لا خسارة أعظم من خسارتهم {أصحاب النار} . ولما كانت الصحبة تقتضي ~~الملازمة، صرح بها فقال: {هم} أي خاصة {فيها} أي متمحضة لا يخلطها نعيم ~~{خالدون *} أي ثابت خلودهم دائما. # ولما تضمنت هذه الآية إثبات القدرة التامة مع ما سبق # PageV10P283 # من أدلتها المحسوسة المشاهدة، كان أيضا من العجب العجيب والنبأ الغريب ~~استهزاءهم بها، فقال معجبا منهم: {ويستعجلونك} أي استهزاء وتكذيبا؛ ~~والاستعجال: طلب التعجيل، وهو تقديم الشيء قبل وقته الذي يقدر له {بالسيئة} ~~من العذاب المتوعد به من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة جرأة منهم تشير إلى أنهم ~~لا يبالون بشيء منه ولا يوهن قولهم شيء {قبل الحسنة} من الخير الذي تبشرهم ~~به {و} الحال أنه {قد خلت} ولما كان المحدث عنه إنما كان في بعض الزمان، ~~أدخل الجار فقال: {من قبلهم المثلات} جمع مثله بفتح الميم وضم المثلثة ~~كصدقة وصدقات، سميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، وهي ~~العقوبات التي تزجر عن مثل ما وقعت لأجله من الأمم الذين اتصلت بهم ~~أخبارهم، وخاطبتهم بعظيم ما اتفق لهم آثارهم وديارهم، وما يؤخرهم الله إلا ~~لاستيفاء آجالهم التي ضربها لهم مع قدرته التامة عليهم. # ولما كانوا ربما قالوا: ما نرى إلا تهديدا لا يتحقق شيء منه: قال مؤكدا ~~لإنكارهم واعتقادهم أن المسار والمضار إنما هي عادة الدهر، عطفا على ما ~~تقديره: فإن ربك حليم لا يخاف الفوت فلا يستعجل في الأخذ: {وإن ربك} أي ~~المحسن إليك بجعلك نبي الرحمة {لذو مغفرة} # PageV10P284 # أي عظيمة ثابتة {للناس} حال كونهم ظالمين متمكنين في الظلم مستقلين {على ~~ظلمهم} وهو إيقاعهم الأشياء في غير مواضعها، فلا يؤاخذهم بجميع ماكسبوا ~~{ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} [النحل: 61] ~~فلذلك يقيم الناس دهرا طويلا يكفرون ولا يعاقبون حلما منه سبحانه، والآية ~~مقيدة بآية النساء {ويعفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] وإن لم يكن ~~توبة، فإن التائب ليس على ظلمه. ms2376 # ولما كان يمهل سبحانه ولا يهمل وذكر إمهاله، ذكر أخذه مؤكدا لمثل ما مضى ~~فقال: {وإن ربك} أي الموجد لك المدبر لأمرك بغاية الإحسان {لشديد العقاب *} ~~للكفار ولمن شاء من غيرهم، فلذلك يأخذ أخذ عزيز مقتدر إذا جاء الأجل الذي ~~قدره. # PageV10P285 # ولما بين سبحانه أنهم غطوا آيات ربهم المتفضل عليهم بتلك الآيات وغيرها، ~~عجب منهم عجبا آخر في طلبهم إنزال الآيات مع كونها متساوية الأقدام في ~~الدلالة على الصانع وما له من صفات الكمال، فلما كفروا بما أتاهم كانوا ~~جديرين بالكفر بما يأتيهم فقال: {ويقول} أي على سبيل الاستمرار {الذين ~~كفروا} استهزاء بالقدرة {لولا} أي هلا ولم لا {أنزل} أي بإنزال أي كائن كان ~~{عليه آية} # PageV10P285 # جاحدين عنادا لما أتاه من الآيات {من ربه} أي المحسن إليه تصديقا له. # ولما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم راغبا في إجابة مقترحاتهم ~~لشدة التفاته إلى أيمانهم، كان كأنه سأل في ذلك لتحصل لهم النجاة، فأجيب ~~بقوله تعالى - مقدما ما السياق أولى به لأنه لبيان أن الأكثر لا يؤمن -: ~~{إنما أنت منذر} أي نبي منذر هاد لهم تهديهم ببيان ما أنزله عليك مما يوقع ~~في الهلاك أو يوصل إلى النجاة، سائر فيهم على حسب ما أحده لك، وأصل الإنذار ~~الإعلام بموضع المخافة ليتقى، لا أنك مثبت للإيمان في الصدور {ولكل قوم} ~~ممن أرسلنا إليهم نبي {هاد *} أي داع يهديهم إلى مراشدهم ومنذر ينذرهم من ~~مغاويهم، أي يبين لهم ما أرسلنا به من النذارة والبشارة، وأعطى كل منذر ~~وهاد آيات تليق به وبقومه على مثلها يؤمن البشر، فيهدي الله من يعلم فيه ~~قابلية الهدى بما نصب من الآيات المشاهدات، فلا يحتاج إلى شيء من ~~المقترحات، ويضل من يعلم فيه دواعي الضلال ولو جاءته كل آية، لأنه الذي ~~جبلهم على طبائع الخير والشر # PageV10P286 # {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [تبارك: 14] فهو كقوله تعالى: {وإن ~~من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] وكقوله في هذه السورة {ويقولون لولا ~~أنزل عليه آية من ربه ms2377 قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} والآية ~~من الاحتباك: ذكر المنذر أولا يدل على حذفه ثانيا، وذكر الهاد ثانيا دال ~~على حذف مثله أولا. # ولما كان ما مضى مترتبا على العلم والقدرة ولا سيما ختم هذه الآية بهاد، ~~وكان إنكارهم البعث إنكارا للنشأة الأولى، وكان سبحانه وتعالى يعلم أن ~~إجابتهم إلى ما اقترحوا غير نافع لهم، لأنهم متعنتون لا مسترشدون، شرع ~~سبحانه - بعد الإعراض عن إجابة مقترحاتهم - يقرر من أفعاله المحسوسة لهم ~~المقتضية لاتصافه من العلم والقدرة بما هو كالإعادة سواء إشارة منه تعالى ~~إلى أن إنكار البعث إن كان لاستحالة الإعادة فهي مثل البداءة، وإن كان ~~لاستحالة تمييز التراب الذي كان منه الحيوان - بعد اختلاطه بغيره وتفرق ~~أجزائه - فتمييز الماء الذي يكون منه الولد من الماء الذي لا يصلح لذلك ~~أعجب، لأن الماء أشد اختلاطا وأخفى امتزاجا، ومع ذلك فهو يعلمه فقال: ~~{الله} أي المحيط بكل شيء علما وقدرة {يعلم} أي علما قديما في الأزل بما ~~سيوجد وعلما يتجدد تعلقه بحسب حدوث الحادثات # PageV10P287 # على الاستمرار {ما تحمل} أي الذي تحمله في رحمها {كل أنثى} أي الماء الذي ~~يصلح لأن يكون حملا {وما تغيض} أي تنقص {الأرحام} من الماء فتنشفه فيضمحل ~~لعدم صلاحيته لأن يكون منه ولد، وأصل الغيض - كما قال الرماني: ذهاب المائع ~~في العمق الغامض، وفعله متعد لازم {وما تزداد} أي الأرحام من الماء على ~~الماء الذي قدر تعالى كونه حملا فيكون توأما فأكثر في جماع آخر بعد حمل ~~الأول كما صرح بإمكان ذلك ابن سينا وغيره من الأطباء، وولدت في زماننا أتان ~~حمارا وبغلا، وذلك لأن الزيادة ضم شيء إلى المقدار وكثرته شيئا بعد شيء ~~فيقدر ذلك، ولا يمكن أحدا زيادته ولا نقصانه، وذلك كله يستلزم الحكمة فلذا ~~ختمه بقوله: {وكل شيء} أي من هذا وغيره من الآيات المقترحات وغيرها {عنده} ~~أي في قدرته وعلمه {بمقدار *} في كيفيته وكميته لا يتجاوزه ولا تقصر عنه، ~~لأنه عالم بكيفية كل شيء وكميته على الوجه المفصل ms2378 المبين، فامتنع وقوع ~~اللبس في تلك المعلومات وهو قادر على ما يريد منها، فالآية بيان لقوله ~~تعالى: {الذين كفروا بربهم} من حيث بين فيها تربيته لهم على الوجه الذي هم ~~له مشاهدون وبه معترفون. # ولما كان هذا عيبا وكان علمه مستلزما لعلم الشهادة، وكان # PageV10P288 # للتصريح مزية لا تخفى، صرح به على وجه كلي يعم تلك الجزيئات وغيرها فقال: ~~{عالم الغيب} وهو ما غاب عن كل مخلوق {والشهادة} قال الرماني: الغيب: كون ~~الشيء بحيث يخفى عن الحس، والشهادة: كونه بحيث يظهر له. # ولما كان العلم والحكمة لا يتمان إلا بكمال القدرة والعظمة قال: {الكبير} ~~أي الذي يتضاءل عنده كل ما فيه صفات تقتضي الكبر، قال الإمام أبو الحسن ~~الحرالي: والكبر: ظهور التفاوت في ظاهر وباهر القدر الذي لا يحتاج إلى فكر، ~~ولذلك كان فطرة للخلق أن الله أكبر، ولما كان لا ظاهر قدر للخلق لما عليهم ~~من بادي الضروريات والحاجات المعلنة بصغير بالقدر، ومن حاول منهم أن يكبر ~~بسطوة أو تسلط وفساد زاد صغار قدره بما اكتسب في أعين أرباب البصائر في ~~الدنيا، ويبدو ذلك منه لعيون جميع الخلق في الأخرى «يحشر المتكبرون يوم ~~القيامة كأمثال الذي يطؤهم الناس بأقدامهم» فلذلك اختصاص معنى أنه لا كبير ~~إلا الله - انتهى. {المتعال *} أي الذي لا يدنو - من أوج علوه في ذات أو ~~صفة أو فعل - عال، وأخرجه مخرج التفاعل ليكون أدل على المعنى وأبلغ فيه؛ ~~وقال # PageV10P289 # أبو الحسن الحرالي رحمه الله: والتعالي: فوت التناول والمنال بحكم أو ~~حجة، وأشعر التفاعل بما يجري من توهم المحتجين في أمره بأوهام حجج داحضة ~~{حجتهم داحضة عند ربهم} [الشورى: 16] فهو تعالى يأذن في الاحتجاج والجدال ~~ثم يتعالى بما له من الحجة البالغة {قل فلله الحجة البالغة} [الأنعام: 149] ~~فهو المتعالي علما وحكما وحجة، وحقيقة المتعالي الذي لا يتعالى إلا هو - ~~انتهى. والحاصل أنه لما وصف نفسه مما تقدم، أشار إلى أن ذلك على ما تحتمله ~~العقول وأن الحق في وصفه الكبر المطلق والتعالي المطلق، لأن العقول لا ~~تحتمل ms2379 أكثر من ذلك. # PageV10P290 # ولما كانت العادة قاضية بتفاوت العلم بالنسبة إلى السر والجهر، والقدرة ~~بالنسبة إلى المتحفظ بالحرس وغيره، أتبع ذلك سبحانه بما نفي هذا الاحتمال ~~عنه على وجه الشرح والبيان لاستواء الغيب والشهادة بالنسبة إلى علمه فقال: ~~{سواء منكم} أي في علمه {من أسر القول} أي أخفى معناه في نفسه {ومن جهر به} ~~وفي علمه # PageV10P290 # {و} قدرته {من هو مستخف} أي موجد الخفاء وطالب له أشد طلب {باليل} في ~~أخفى الأوقات فسارب أو كامن فيه، يظن أن ذلك الاستخفاء يغنيه من القدرة {و} ~~من هو {سارب} أي ذاهب على وجهه الأرض ومتوجه جار في توجهه إلى قصده بسرعة ~~{بالنهار *} متجاهر بسروبه فيه، فالآية من الاحتباك: ذكر {مستخف} أولا دال ~~على ضده ثانيا، وذكر {سارب} ثانيا دال على ضده أو مثله أولا {له} أي لذلك ~~المستخفي أو السارب - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما {معقبات} أي أعوان ~~وأنصار يتناوبون في أمره بأن يخلف كل واحد منهم صاحبه ويكون بدلا منه. # ولما كان حفظ جهتي القدام والخلف يستلزم حفظ اليمين والشمال وكان ملأ كل ~~من الجهتين من الحفظة على المخلوق متعذرا، قال آتيا بالجار: {من بين يديه} ~~أي من قدامه {ومن خلفه} واستأنف بيان فائدة المعقبات فقال: {يحفظونه} أي في ~~زعمه من كل شيء يخشاه {من أمر الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة. # PageV10P291 # ولما دل هذا على غاية القدرة، وجرت عادة المتمكنين من ملوك الأرض بالتعدي ~~على جيرانهم واستلاب ممالكهم والعسف في شأنهم، زيادة في المكنة وتوسعا في ~~الملك، ولا سيما إذا كان ذلك الجار ظانا مع ضعفه وعجزه أن يحفظه مانه من ~~أخذه، أخبر تعالى من كأنه سأل عن ذلك أنه غير هذا لغناه عنه، فقال: {إن ~~الله} أي الذي له الإحاطة والكمال كله {لا يغير ما بقوم} أي خيرا كان أوشرا ~~{حتى يغيروا ما} أي الذي {بأنفسهم} مما كانوا يزينونها به من التحلي ~~بالأعمال الصالحة والتخلي من أخلاق المفسدين، فإذا غيروا ذلك غير ما بهم ~~إذا أراد وإن ms2380 كانوا في غاية القوة. # ولما كان ملوك الدنيا لا يتمكنون غالبا من جميع مراداتهم لكثرة المعارضين ~~من الأمثال الصالحين للملك، قال تعالى عاطفا على ما تقديره: فإذا غيروا ما ~~بأنفسهم أنزل بهم السوء: {وإذا أراد الله} أي الذي له صفات الكمال {بقوم} ~~أي وإن كانوا في غاية القوة {سوءا فلا مرد له} من أحد سواه، وقد تقدم لهذه ~~الآية في الأنفال مزيد بيان. # PageV10P292 # ولما كان كل أحد دونه في الرتبة لا إمكان له أن يقوم مقامه بوجه، قال: ~~{وما لهم} وبين سفول الرتب كلها عن رتبته فقال: {من دون} وأعرق في النفي ~~فقال: {من} ولما كان السياق ظاهرا في أنه لا منفذ لهم مما أراده، أتى بصيغة ~~فاعل منقوص إشارة إلى نفي أدنى وجوه الولاية فكيف بما فوقها فقال: {وال *} ~~أي من ملجأ يعيذهم، بأن الفعل معهم من الإنجاء والنصرة ما يفعل القريب مع ~~وليه الأقرب إليه، ثم أخبر تعالى بأمر هو أدلة ما قبله جامع للعلم والقدرة ~~وهو ألطف من ذلك كله، معلم بجليل القدرة في أنه إذا أراد سوءا فلا مرد له، ~~ودقيق الحكمة لأنه مظهر واحد ترجى منه النعمة وتخشى منه النقمة فقال: {هو} ~~أي وحده {الذي يريكم} أي على سبيل التجديد دائما {البرق} وهو لمع كعمود ~~النار {خوفا} أي لأجل إرادة الخوف من قدرته على جعله صواعق مهلكة، والخوف: ~~انزعاج النفس بتوهم وقوع الضر. # ولما لم يكن لهم السبب في إنزال المطر، لم يعبر بالرجاء وقال: # PageV10P293 # {وطمعا} أي ولأجل إرادة طمعكم في رحمته بأن يكون غيثا نافعا، ولا بد من ~~هذا التقدير ليكونا فعل فاعل الفعل المعلل، ويجوز أن يكون المعنى: يريكم ~~ذلك إخافة وإطماعا فتخافون خوفا وتطمعون طمعا، فتكون الآية من الاحتباك: ~~فعل الإراءة دال على الإخافة والإطماع، والخوف والطمع دالان على «تخافون ~~وتطمعون» ويجوز أن يكونا حالين من ضمير المخاطبين أي ذوي خوف وطمع {وينشىء} ~~والإنشاء: فعل الشيء من غير سبب مولد {السحاب} وهو غيم ينسحب في السماء، ~~وهو اسم جنس جمعي، واحده سحابه ms2381 {الثقال *} بأنهار الماء محمولة في الهواء ~~على متن الريح؛ والثقل: الاعتماد على جهة الثقل بكثافة الأجزاء {ويسبح ~~الرعد} أي ينزه عن صفات النقص تنزيها ملتبسا {بحمده} أي بوصفه بصفات ~~الكمال، ويروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الرعد ملك وإن لم ~~يصح أنه ملك فتسبيحه دلالته على أن موجده سبحانه منزه عن النقص محيط بأوصاف ~~الكمال {والملائكة} أي تسبح {من خيفته} قال الرماني: # PageV10P294 # والخيفة مضمنة بالحال، كقولك: هذه ركبة، أي حال من الركوب حسنة، وكذلك ~~هذه خيفة شديدة، والخوف مصدر غير مضمن بالحال. {ويرسل الصواعق} المحرقة من ~~تلك السحائب المشحونة بالمياه المغرقة؛ والصاعقة - قال الرازي: نار لطيفة ~~تسقط من السماء بحال هائلة. {فيصيب بها} أي الصواعق {من يشاء} كما أصاب بها ~~أربد بن ربيعة {وهم} أي والحال أنهم مع ذلك الذي تقدم من إحاطة علمه وكمال ~~قدرته {يجادلون} والجدال: فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج {في الله} أي ~~الملك الأعظم بما يؤدي إلى الشك في قدرته وعلمه. ولما كان لا يغني من قصده ~~بالعذاب شيء قال: {وهو شديد المحال *} لأن المحال - ككتاب: الكيد وروم ~~الأمر بالحيل والتدبير والمكر والقدرة والجدال والعذاب والعقاب والعداوة ~~والمعاداة والقوة والشدة والهلاك والإهلاك، يأتي أعداءه بما يريد من إنزال ~~العذاب بهم من حيث لا يحتسبون، وكلها صالح هنا حقيقة أو مجازا، وقال ~~الرماني: والمحال: الأخذ بالعقاب من قولهم: ما حلت فلانا - إذا فتلته إلى ~~هلكه - انتهى. # PageV10P295 # ومادة «محل» بجميع تقاليبها تدور على صرف الشيء عن وجهه وعادته وما ~~تقتضيه جبلته، وذلك يستلزم القدرة والقوة والشدة، فالحامل يمسك المحمول ~~بقوته عن أن يهوي إلى جهة السفل، والحملة: الكرة في الحرب، ويلزم الحمل ~~المشقة، ومنه تحمل الشيء وحمل عنه أي حلم فهو حمول: ذو حلم، والحميل - ~~كأمير: الدعي والغريب - كأنهما محمولان لحاجتهما إلى ذلك، والكفيل، لأنه ~~حامل لكل مكفول واحتمل لونه - للمفعول: غضب وامتقع - كأن الغضب صرفه عما ~~كان من عادته، والمحمل - كمحسن: المرأة ينزل لبنها من غير حبل، لأن ذلك شيء ~~على غير ms2382 وجهه، والحمل - محركة: الخروف - لسهولة حمله، والحليم: من يحبس ~~غيظه بقوة حلمه - أي عقله - عن أن يستخفه الغضب، والحلم - بالكسر: الأناة ~~والعقل، والحلم - بالضم وبضمتين: الرؤيا، لأنها صرف النفس عما هي عليه، وهو ~~من شأنها من الغفلة، ومنه الحلم - بالضم - والاحتلام للجماع في النوم، ~~والاسم الحلم - كعنق، وذلك يكون غالبا عند فراغ البال عن الهموم، وإليه ~~يرجع حلم المال - # PageV10P296 # بالضم: سمن، والصبي وغيره: أقبل شحمه، أو هو من الحلمة - محركة: اللحمة ~~الناتئة وسط الثدي كالثؤلول - لصرفها لون الثدي وهيئته عما كان عليه، وشجر ~~السعدان - لأنه مرعى جيد يسمن، والصغيرة من القردان أو الضخمة - لشبهها ~~بحلمة الثدي ودود يقع في الجلد قبل الدبغ فيأكله، لأن ذلك يغيره عن هيئته، ~~والحالوم: ضرب من الأقط، لأنه لحراقته يغير اللسان، ودم حلام: هدر، لأنه ~~خرج عما عليه عادة الدماء؛ والملح يصرف المملوح عن الفساد، وأما الماء ~~الملح فمشبه به الطعم، وكذا الملح - محركا - للون كالبياض يخالطه سواد، ~~والملحاء: شجرة سقط ورقها، شبهت بأرض الملح في عدم الإنبات. ولما عرف الملح ~~بالصلاح شبه به العلم فسمي ملحا، وكذا الرضاع والحسن والشحم والسمن والحرمة ~~والذمام وخفقان الطائر بجناحيه يصلح بذلك طيرانه ويتملح به استرواحا إليه، ~~وملح الشاة: سمطها، والملاح - ككتاب: الريح تجري بها السفينة، وهي أيضا ~~تصرفها عما يقتضيه حالها من عدم السير، ومعالجة حياء الناقة منه، وملحه على ~~ركبته - أي لا وفاء له، # PageV10P297 # لأن الملح لا يثبت هناك، أو هو سمين أو حديد في غضبه، بمعنى أنه لا صلاح ~~له، وملحه: اغتابه، شبه بمن يتطعم الملح ليعدل مزاجه، وكذا الملاح - ككتاب، ~~وهو هبوب الجنوب عقب الشمال، وكذا الملاحي - كفرابي وقد يشدد، وهو عنب أبيض ~~طويل، ونوع من التين، ومن الأراك ما فيه بياض وحمرة، والملح - بضم الميم ~~وفتح اللام من الأحاديث، وامتلح: خلط كذبا بحق، والملح - محركة: ورم في ~~عرقوب الفرس، صرفه عن هيئته المعتادة، والملاح ككتاب: سنان الرمح، لتهيئته ~~له بعد الوقوف للنفوذ، والسترة، لصرفها البصر عن النفوذ إلى ما وراءها، ~~وبرد الأرض حين ms2383 ينزل الغيث، لأنه يصرف حالها التي كانت عليها إلى أخرى، ~~والملحة - بالضم: المهابة، لصرفها المجترىء عن قصده ولأن سببها صرف النفس ~~عن هواها، والملحاء: الكثيبة العظيمة، ومنه البركة، لمنعها الماشي عن حاله ~~في المشي، ومنه الملحة - بالفتح - للجة البحر، وملحان: الكانون الثاني ~~لصرفه بقوة برده الزمان عما كان عليه والناس عما كانوا عليه، والملحاء: لحم ~~في الصلب من الكاهل إلى العجز، لمنعه من رؤية عظام الصلب ورؤوس الأضلاع؛ ~~والمحل صرف ما في الزمان عن عادته # PageV10P298 # بعدم المطر والإنبات ورفاهة العيش، وكذا المحل للكيد والمكر والغبار ~~والشدة والمحال، لما تقدم من تفسيره، ومنه ماحله: قاواه، والمتماحل: الطويل ~~المضطرب الخلق، لخروجه عن العادة، وتمحل له: احتال، والممحل - كمعظم - من ~~اللبن: الآخذ طعم حموضة، والمحالة: البكرة العظيمة - لصرفها بفتلها الشيء ~~عن وجهه، والفقرة من فقر البعير - لمشابهتها والخشبة التي يستقر عليها ~~الطيانون - لحملها إياهم ومنعها لهم من السقوط، والمحل - ككتف: من طرد حتى ~~أعيا، لأنه صرف عما كان من عادته، ورأيته متماحلا: متغير اللون؛ واللمح: ~~صرف البصر عما كان عليه، ولمح البرق: لمع بعد كمونه؛ واللحم من لحمة الثوب ~~- بالضم، كأنه سد ما حصل بالهزال من فرج، ومنه: لحم كل شيء: لبه؛ ولحم ~~الأمر - كمنع: أحكمه، والصائغ الفضة: لأمها، وكذا كل صدع، ولحم - كعلم: نشب ~~في المكان، كأنه وقع فيما يشبه اللحم فالتصق به فأدخله وشغله، وهذا لحيم ~~هذا، أي وفقه وشكله - وهو يرجع إلى لحمة الثوب، واستلحم الطريق: تبعه # PageV10P299 # أو تبع أوسعه - كأنه جعل نفسه مثل لحمة السدى، واستلحم الطريق: اتسع، ~~كأنه طلب ما يلحمه أي يسده، وحبل ملاحم - بفتح الحاء: شديد الفتل، لأنه سدت ~~فرجه كما تسد اللحمة فرج الثوب، ونبي الملحمة - من القتال، لأنه ضرب اللحم ~~بالسيف، ومن التأليف كما يكون عن لحمة الثوب، لأن غاية قتاله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم أعظم خير وألفة، والتحم الجرح للبرء: التأم - من ذلك ومن ~~اللحم أيضا لأنه به التأم - والله أعلم. # ولما بين تعالى تصديقا لقوله {وكأين من آية في السماوات ms2384 والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون} [يوسف: 105] ما له من الآيات التابعة لصفات الكمال ~~التي منها التنزه عما لا يليق بالجلال وأنه شديد المحال، شرع يبين ضلالهم ~~في اشتراكهم المشار إليه في قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} ~~بما هو علة لختم ما قبلها من أنه لا كفؤ له، # PageV10P300 # فقال: {له} أي الله سبحانه {دعوة الحق} إن دعاه أحد سمعه فأجابه - إن شاء ~~- بما يشاء، وإن دعا هو أحدا دعوة أمر، بين الصواب بما يكشف الارتياب، أو ~~دعوة حكم لبى صاغرا وأجاب {والذين يدعون} أي يدعو الكافرون، وبين سفول ~~رتبتهم بقوله: {من دونه} أي الله {لا يستجيبون} أي لا يوجدون الإجابة {لهم} ~~أي الكافرين {بشيء} والاستجابة: متابعة الداعي فيما دعا إليه بموافقة ~~إرادته {إلا كباسط} أي إلا إجابة كإجابة الماء لباسط {كفيه} تثنيه كف، وهو ~~موضع القبض باليد، وأصله من كفه - إذا جمع أطرافه {إلى الماء ليبلغ} أي ~~الماء {فاه} دون أن يصل كفاه إلى الماء- بما يدل عليه التعدية ب «إلى» ، ~~فما الماء بمجيب دعاءه في بلوغ فيه {وما هو} أي الماء {ببالغه} أي فيه، ~~فللكافرين بذلك دعوة الباطل كما أن الماء جماد لا يحس بدعوة هذا فلا يجيبه، ~~فأصنامهم كذلك. # ولما كان دعاؤهم منحصرا في الباطل، قال في موضع «وما دعاؤهم» مظهرا ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف: {وما دعاء الكافرين} # PageV10P301 # أي الساترين لما دلت عليه أنوار عقولهم بمعبوداتهم أو غيرها {إلا في ضلال ~~*} لأنه لا يجد لهم نفعا، أما معبوداتهم فلا تضر ولا تنفع، وأما الله فلا ~~يجيبهم لتضييعهم الأساس. # PageV10P302 # ولما كانت دعوة الأمر واضحة السبل جلية المناهج في جميع كتبه، وكلها إلى ~~الناظرين وبين دعوة الحكم بقوله: {ولله} أي الملك الأعلى {يسجد} أي يخضع ~~وينقاد ويتذلل كما بين عند قوله {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} [هود: ~~119] {من في السماوات والأرض} لجميع أحكامه النافذة وأقضيته الجارية {طوعا} ~~والطوع: الانقياد للأمر الذي يدعى إليه من قبل النفس {وكرها} قال الرازي ~~رحمه الله: والكافر في حكم الساجد وإن ms2385 أباه لما به من الحاجة الداعية إلى ~~الخضوع، واعلم أن سجود كل صنف هو تذلله وتسخره وانقياده لما أريد له، فكل ~~موجود جماد وحيوان عاقل وغير عاقل وروحاني وغير روحاني مسخر لأمر من له ~~الخلق والأمر؛ وقال الشيخ محيي الدين النووي رضي الله عنه في شرح المهذب: ~~أصله - أي السجود - الخضوع والتذلل، وكل من تذلل وخضع فقد سجد، وسجود كل ~~موات في القرآن طاعته لما سخر له - هذا أصله في اللغة، ثم قيل لمن وضع ~~جبهته في الأرض: سجد، لأنه غاية الخضوع. # PageV10P302 # ولما كانت الظلال مسخرة لما أراد سبحانه، لا قدرة لأحد على تغيير ذلك ~~بوجه، قال: {وضلالهم} أي أيضا تسجد له بامتدادها على الأرض، تقصر تارة ~~بارتفاع الشمس وتطول أخرى بانحطاطها، لا يقدرون على منع ظلالهم من ذلك حيث ~~يكون لهم ظلال، وذلك {بالغدو} جمع غداة، وهي البكرة: أول النهار {والآصال ~~*} جمع أصيل، دائما في جميع البلاد، وفي وسط النهار في بعض البلاد؛ والظل: ~~ستر الشخص ما بإزائه، والفيء: الذي يرجع بعد ذهاب ضوئه، والأصيل: العشي ما ~~بين العصر إلى المغرب - كأنه أصل الليل الذي ينشأ منه. # ومادة «صلا» - واوية ويائية مهموزة وغير مهموزة بتراكيبها الأحد عشر، ~~وهي: صلو، صول، لصو، لوص، وصل، صلي، صيل، لصي، ليص، أصل، صأل - تدور على ~~الوصالة، فالصلاة وصلة بين العبد وربه سواء كانت دعاء أو استغفارا أو رحمة ~~أو حسن الثناء من الله # PageV10P303 # على رسوله، أو ذات الأركان، وصلوات اليهود لمتعبداتهم من ذلك في الأصل، ~~والصلا: وسط الظهر منا، أو من كل ذي أربع، أو ما انحدر من الوركين، أو ~~الفرجة بين الجاعرة والذنب - يجوز أن يكون من ذلك، لأنه يقرب من غيره من ~~الأعضاء إذا انثنى الحيوان، ويجوز أن يكون شبه بالعود المعوج الذي يقوم ~~بإصلائه النار، وأصلت الناقة وصليت - إذا استرخى صلواها لقرب نتاجها، ~~والمصلي من خيل الحلبة: الذي يجيء على إثر السابق، فإنه يواصله، وصلى ~~الحمار أتنه: طردها وقحمها الطريق - فكأنه بذلك قومها بعد أن كانت معوجة، ~~أو أراد مواصلتها؛ ms2386 صال الرجل صولة - إذا سطا واستطال، لأن ذلك مواصلة على ~~وجه القهر والغلبة، وكذا صال الفحل على الإبل - إذا قاتلها، والعير - إذا ~~حمل على العانة فشلها، وصال على كذا: وثب، وصاوله: واثبه، والتصويل: إخراجك ~~الشيء بالماء، لأن ذلك سبب الخلوص، وإذا خلص الشيء تواصلت أجزاؤه، لأن ذلك # PageV10P304 # المخرج كان حائلا بينها، والتصويل - أيضا: كنس نواحي البيدر، لأنه سبب ~~لتواصل ما كان متفرقا، ومن ذلك المصول - كمنبر: شيء ينقع فيه الحنظل لتذهب ~~مرارته، وبهاء: المكنسة، والصيلة - بالكسر: عقدة العذبة - لتواصل محل العقد ~~بعضه ببعض وبه يتماسك اتصال بعض العمامة ببعض، والجراد يصول في مشواه، من ~~التصويل، أي يساط، بمعنى يخلط بالتقليب فيتواصل منه ما كان متفرقا، وصال ~~يصيل - لغة في يصول، وصيل له - كذا بالكسر: قيض وأتيح، لأنه صار مقارنا له، ~~ولصوت الرجل عبته وقذفته - لأنك وصلت به العيب، وفلان لا يلصو إلى ريبة، أي ~~لا ينضم إليها ولا ينضاف؛ واللوص: اللمح من خلل باب ونحوه كالملاوصة - كأنه ~~وصلة بالنظر من موضع غير معهود، أو لأنه سبب الوصلة إلى ما يراد، ولاوص: ~~نظر كأنه يختل ليروم أمرا، والشجرة: أراد أن يقطعها بالفأس، # PageV10P305 # فلاوص في نظره يمنة ويسرة كيف يأتيها وكيف يضربها - لأن حاصل ذلك ~~المواصلة على وجه الشدة كما تقدم في صال عليه، وتلوص: تلوى وتقلب، ومنه ~~أليص - أي أرعش، وألاصه على الشيء: أداره عليه وأراده منه - كأنه طلب منه ~~مواصلته، واللواص - كسحاب: الفالوذ كالملوص كمعظم، والعسل الصافي - لأنه ~~أهل للمواصلة، ولوص: أكل، واللوص: وجع الأذن والنحر، واللوصة؛ وجع الظهر - ~~كأنه لشدته لا مواصل للبدن سواه، ولاص: حاد - أي سلب الوصلة؛ والوصلة - ~~التي هي مدار المادة وكأنها الحقيقة التي تشعبت منها فروعها - هي الضم وهي ~~التئام الشيء بالشيء، وكل ما اتصل بشيء فالذي بينهما وصلة، وضدها الفرقة، ~~والوصل: ضد القطع، والأوصال المفاصل ومجتمع العظام، لأنها موضع اتصال العظم ~~بالآخر، والوصلان - بالكسر والضم: طبقا الظهر، ويقال: هما العجز والفخذ، ~~والوصيلة: الشاة تلد ذكرا ثم تلد أنثى، فتصل أخاها، وفيها خلاف كثير كله ms2387 ~~يدور على الوصلة، ووصل الشيء بالشيء: # PageV10P306 # لأمه، ووصل الشيء وإلى الشي: بلغه وانتهى إليه، وأوصله واتصل: لم ينقطع، ~~ووصله وواصله - كلاهما يكون في عفاف الحب ودعارته، والوصائل جمع وصيلة - ~~لثياب حمر مخططة يمنية يتخذها الناس دروعا يشق من جانبيها، كأنه لأنها توصل ~~بغيرها أو يقطع بعضها ثم يوصل بها لتصير دروعا، والوصيلة: العمارة والخصب ~~والرفقة والسيف - لأن ذلك أهل لأن يوصل، والوصيلة: كبة الغزل لشدة التباس ~~بعضها ببعض، والأرض الواسعة - لأن اتصالها لم يحل بينه جبال، وليلة الوصل: ~~آخر ليالي الشهر، لأنها تصل بين الشهرين، وحرف الوصل: الذي بعد الروي - ~~لأنه وصل حركة حرف الروي، ووصيلك: من يدخل ويخرج معك، وتصل: بئر ببلاد ~~هذيل، واتصل الرجل - إذا انتسب، لأنه وصل نفسه بمن انتسب إليهم، والموصول: ~~دابة كالدبر تلسع الناس، كأنه من السلب؛ وصليت اللحم: شويته - لأنك وصلته ~~بالنار، وصليته: ألقيته في النار للإحراق، والصلاء - ككساء: # PageV10P307 # الشواء أو النار كالصلى فيهما، وكأن منه: صلىعصاه على النار، أي أحماها ~~ليقومها - لأن كلا منهما وصله بالنار للإصلاح، وأصليته النار: أدخلته إياها ~~وأثويته فيها، وصلى يده بالنار: سخنها - لأنه وصلها بها، وصلي النار - ~~كرضي: قاسى حرها، وصليت فلانا: درايته وخاتلته وخدعته - كل ذلك لإرادة ~~مواصلته لأمر، والصلاية - ويهمز: الجبهة، لكثرة مباشرتها الأرض في الصلاة، ~~ومدق الطيب - لمواصلة الدق، وصليت للصيد تصلية - إذا نصبت له شركا ليقع فيه ~~فتصل إليه، ومنه الحديث «إن للشيطان مصالي وفخوخا» جمع مصلاة وفخ، والصليان ~~- بكسر ثم تشديد - قال في مختصر العين: نبت معروف، وقال القزاز: وهو شجر له ~~جعثن ضخم، ربما جرد وسطه ونبت ما حوله، وهو من أفضل المراعي وهو خبز الإبل، ~~وقيل: إن الخيل تأكله ولونه أصهب - انتهى. # فسمي بذلك لكثرة مواصلة الإبل له؛ ولصيت الرجل # PageV10P308 # كرميت ورضيت - إذا عبته وقذفته بالفجور، وقال القزاز: وقيل: هو أن يضيفه ~~إلى ربية، ولصي إليه: انضم إليه لريبة؛ ولاص يليص: حاد، ولصته أليصه وألصته ~~- إذا أزعجته أو حركته لتنتزعه - كأنه من السلب، وألصته عن كذا - إذا ~~راودته عنه، يمكن أن ms2388 يكون سلبا وأن يكون إيجابا؛ والأصل: أسفل كل شيء - لأن ~~جميع الأشياء واصله إليه، وأصل - ككرم: صار ذا أصل أو ثبت أو رسخ كتأصل، ~~والرأي: جاد - كل ذلك تشبيه بالأصل، والأصيل: من له أصل، والعاقب الثابت ~~الرأي، وقد أصل - ككرم، والأصيل: العشي - لأنه وصلة ما بين النهار والليل، ~~أو الليل، أو لأنه لما آذن بتصرم النهار كان كأنه اجتثه من أصله، ومنه ~~الأصيل - للهلاك والموت كالأصيلة فيهما، ولقيتهم مؤصلا أي بالأصيل، وأخذه ~~بأصلته - محركا، وأصيلته أي كله بأصله، وأصيلتك: جميع مالك أو نخلتك، ~~والأصل - ككتف: # PageV10P309 # المستأصل، وأصله علما: قتله - كأنه أدام مواصلته حتى أتقنه، والأصلة - ~~محركة: حية قصيرة تساورالإنسان - قاله في مختصر العين، وفي القاموس: حية ~~صغيرة أو عظيمة تهلك بنفخها، فإن نظرت إلى المساورة فهو من المواصلة - كما ~~تقدم في صال عليه، وإن نظرت إلى الهلاك فهو من الاستئصال، وأصل الماء - ~~كفرح: أسن من حمأة، واللحم: تغير، يجوز أن يكون من الوصلة أي لشدة مواصلة ~~الحمأة للماء والهواء للحم، وأن يكون من الأصيل أي الهلاك بجملته وأصله، ~~وأن يكون من سلب المواصلة؛ وصؤل البعير - ككرم صآلة: واثب الناس أو صار ~~يقتل الناس ويعدو عليهم، وصئيل الفرس: صهيله - لمواصلة نغماته، وهذا وقد ~~مضى عند قوله تعالى في سورة هود عليه السلام {صلواتك تأمرك} إشارة إلى هذا ~~- والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV10P310 # فلما تبين قطعا أنه سبحانه المدبر للسماوات والأرض القاهر لمن # PageV10P310 # فيهما، وتبين قطعا أنه المختص بربوبيتهما فأمره تعالى أن يوجه السؤال ~~نحوهم عن ذلك - ردا على عبدة الأصنام وغيرهم من الملحدين - بقوله: {قل} أي ~~بعد أن أقمت هذه الأدلة القاطعة، مقررا لهم {من رب} أي موجد ومدبر ~~{السماوات والأرض} أي وكل ما فيهما. # ولما مضى في غير آية أنهم معترفون بربوبيته مقرون بخلقه ورزقه ثم لم ~~يزعهم ذلك عن الإشراك، جعلوا هنا كأنهم منكرون لذلك عنادا، فلم ينتظر ~~جوابهم بل أمره أن يجيبهم بما يجيبون به، إشارة إلى أنهم لا يتحاشون من ~~التناقض في اتباع الهوى ولا تصونهم عقولهم الجليلة ms2389 وآراؤهم الأصلية - ~~بزعمهم - عن التساقط في مهاوي الردى، فقال: {قل الله} أي الذي له الأمر ~~كله، فثبت حينئذ أن لا ولي إلا هو، فتسبب عن ذلك توجه الإنكار عليهم في ~~اعتماد غيره، فأمره بالإنكار في قوله: {قل أفاتخذتم} أي فتسببتم عن انفراده ~~بربوبيتكم أن أوجدتم الأخذ بغاية الرغبة، فتسببتم الإشراك عما يجب أن يكون ~~سبب التوحيد، وبين سفول رتبتهم # PageV10P311 # بقوله: {من دونه أولياء} لا يساوونكم في التسبب في الضر والنفع، بل {لا ~~يملكون لأنفسهم} فكيف بغيرهم {نفعا} ونكره ليعم، وقدمه لأن السياق لطلبهم ~~منهم، والإنسان إنما يطلب ما ينفعه. # ولما كان من المعلوم أنه لا قدرة لأحد على أن يؤثر في آخره أثرا لا يقدر ~~على مثله في نفسه قال: {ولا ضرا} فثبت أن من سواهم بالله أضل الضالين، لأنه ~~يلزمه أن يسوي بين المتضادات، فكان معنى قوله: {قل هل يستوي} والاستواء: ~~استمرار الشيء في جهة واحده {الأعمى} في عينه أو في قلبه {والبصير *} كذلك ~~{أم هل تستوي} بوجه من الوجوه {الظلمات والنور *} : هل أدتهم عقولهم إلى أن ~~سووا بين هذه المتضادات الشديدة الظهور لغباوة أو عناد حتى سووا من يخلق ~~بمن لا يخلق، فجعلوا له شريكا كذلك لغباوة أو عناد {أم جعلوا لله} أي الذي ~~له مجامع العظمة # PageV10P312 # {شركاء} ثم بين ما يمكن أن يكون به الشركة، فقال واصفا لهم: {خلقوا ~~كخلقه} وسبب عن ذلك قوله: {فتشابه} والتشابه: التشاكل بما يلتبس حتى لا ~~يفصل فيه بين أحد الشيئين والآخر {الخلق عليهم} فكان ذلك الخلق الذي خلقه ~~الشركاء سبب عروض شبهة لهم، وساق ذلك في أسلوب الغيبة إعلاما بأنهم أهل ~~للإعراض عنهم، لكونهم في عداد البهائم لقولهم ما لا يعقل بوجه من الوجوه، ~~وهذا قريب مما يأتي قريبا في قوله: {أم بظاهر من القول} [الرعد: 33] . أي ~~بشبهة يكون فيها نوع ظهور لبعض الأذهان. # ولما كان من المعلوم قطعا أن جوابهم أن الخلق كله لله. # ولم يمنعهم ذلك من تأله سواه، أمره أن يجيبهم معرضا عن جوابهم فقال {قل ~~الله} أي ms2390 الملك الأعلى {خالق كل شيء} إشارة إلى أنهم في أحوالهم كالمنكر ~~لذلك عنادا أو خرقا لسياج الحياء وهتكا لجلباب الصيانة، وإذ قد ثبت أنه ~~المنفرد بالخلق وجب أن يفرد بالتأله فقال: {وهو الواحد} الذي لا يجانسه ~~شيء، وكل ما # PageV10P313 # سواه لا يخلو عن مجانس يماثله، وأين رتبة من يماثل من رتبة من لا مثل له ~~{القهار *} الذي كل شيء تحت قهره بأنفسهم وظلالهم، وهو القادر بما لا يمكن ~~أن يغلبه غالب وهو لكل شيء غالب، وهذا إشارة - كما مضى في مثله غير مرة في ~~سورة يوسف وغيرها - إلى برهان التمانع، فإن أربابهم متعددون، فلو كانت لهم ~~حياة وكانوا متصرفين في الملك لأمكن بينهم تمانع وكان كل منهم معرضا لأن ~~يكون مقهورا، فكيف وهم جماد! فثبت قطعا أنه لا شيء منهم يصلح للإلهية على ~~تقدير من التقادير؛ قال الرماني: والواحد على وجهين: شيء لا ينقسم أصلا، ~~وشيء لا ينقسم في معنى كالدنيا. # PageV10P314 # ولما كان حمل الماء في العلو لا يمكن إلا عن قهر، وإنزاله في وقت دون ~~غيره كذلك، أتبع هذا الختم قوله دليلا مشاهدا عليه: {أنزل} ولما كان ~~الإنزال قد يتجوز به عن إيجاد ما يعظم إيجاده، حقق أمره بقوله: {من السماء} ~~ولما كان المنزل منها أنواعا شتى قال: {ماء فسالت} أي فتسبب عن إنزاله ~~لكثرته # PageV10P314 # أن سالت {أودية} أي مياهها منها الكبير والصغير؛ والوادي: سفح الجبل ~~العظيم الذي يقابله جبل أو تل فيجتمع فيه المطر، فيجري في فضائه، ومنه أخذت ~~الدية - لجمع المال العظيم الذي يؤدى عن القتل {بقدرها} والقدر: اتزان ~~الشيء بغيره من غير زيادة ولا نقصان، فالمعنى أن المياه ملأت الأودية مع ما ~~ذلك من الدلالة على التفرد بالربوبية مما هو مثال للحق والباطل، وهو قوله: ~~{فاحتمل} والاحتمال: رفع الشيء على الظهر بقوة الحامل له {السيل} وهو ماء ~~المطر الجاري من الوادي بعظم {زبدا رابيا} أي عاليا بانتفاخه: والزبد: ~~الرغوة التي تعلو الماء، ومدار المادة على الخفة، ويلزمها العلو، ومنه زبد ~~البحر والبعير - للرغوة الخارجة من شدقه، ms2391 والغضبان، وزبدت المرأة القطن - ~~إذا نفشته، والزباد - كرمان: ضرب من النبت تنفرش أفنانه، وشاة مزبدة أي ~~سمينة، ومنه الزباد - للطيب المعروف وهو وسخ يشبه الرغوة يجتمع تحت ذنب نوع ~~من السنانير، # PageV10P315 # ومنه الزبد - بضم وسكون - لخالص اللبن فإنه أخفه، يقال منه: زبدت فلانا ~~أزبده - إذا أطعمته الزبد، ثم اتسع فيه حتى قيل لمطلق العطية، ومنه: «نهى ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن زبد المشركين» ؛ ومنه الزدب - بكسر ~~ثم سكون، وهو النصيب، ويمكن أن يكون من زبد اللبن الزباد للنبت، فإنه مرعى ~~ناجع، كأنه شبه به أو لأنه سببه، وكذا شاة مزبدة أي سمينة ويلزم الخفة ~~الإسراع، يقال: تزبد اليمين - إذا أسرع إليها، أو إنها شبهت بالزبد في ~~سهولة التقامه. # ولما الزبد أحسن مثل لمعبوداتهم، وكان لا يختص بالماء الذي هو مائع بطبعه ~~بجمع الأوضار والأقذار بجريه، ذكر معه ما يشبهه في النفع من الجوامد الصلبة ~~التي تزبد عند الإذابة مع كونها في حال الجمود في غاية الصفاء والخلوص عن ~~الشوائب على ما يظهر، فقال: {ومما يوقدون} أي إيقادا مستعليا {عليه} أي ~~للإذابة {في النار} من المعادن {ابتغاء حلية} تتحلون بها من الأساور والحلق ~~ونحوها {أو} ابتغاء {متاع} تتمتعون به من الدراهم والدنانير والسيوف # PageV10P316 # والأواني ونحوها، وأصل المتاع: التمتع الحاضر، فهذا تقسيم حاصر لأنواع ~~الفلز المنوه إليها مع إظهار التهاون به وإن تنافس الناس فيه كما هو شأن ~~الملوك يظهرون المجد والفخار بالاستهانة بما يتنافس الناس فيه {زبد مثله} ~~أي مثل زبد الماء يكشط عن وجهه أو يعلق بأطراف الإناء فيذهب ويبقى ذلك ~~الجوهر خالصا كالحق إذا زالت عنه الشكوك وانزاحت الشبه. # ولما كان هذا في غاية الحسن والانطباق على المقصود، كان سامعه جديرا بأن ~~يهتز فيقول: هذا مما لا يقدر على سوقه هكذا إلا الله تعالى، فيا له من مثل! ~~فأجيب قوله: {كذلك} أي مثل هذا الضرب، العلي الرتب، الغريب العجب، المتين ~~السبب {يضرب الله} أي الذي له الأمر كله {الحق والباطل} أي مثلهما؛ وضرب ~~المثل: تسييره في ms2392 البلاد يتمثل به الناس. # ولما نبه بهذا الفصل على علو رتبه هذا المثل، شرع في شرحه، فقال مبتدئا ~~بما هو الأهم في هذا المقام، وهو إبطال الباطل الذي أضلهم، # PageV10P317 # وهو في تقسيمه على طريق النشر المشوش، فقال: {فأما الزبد} أي الذي هو مثل ~~للباطل المطلق {فيذهب} متعلقا بالاشجار وجوانب الأودية لأنه يطفو بخفته ~~ويعلق بالأشياء الكثيفة بكثافته {جفاء} قال أبو حيان: أي مضمحلا متلاشيا لا ~~منفعة فيه ولا بقاء له؛ وقال ابن الأنباري: متفرقا، من جفأت الريح الغيم - ~~إذا قطعته، وجفأت الرجل: صرعته - انتهى. فهذا مثل الباطل من الشكوك والشبه ~~وما أثاره أهل العناد، لا بقاء له وإن جال جولة - يمتحن الله بها عباده ~~ليظهر الثابت من المزلزل - ثم ينمحق سريعا؛ وقال الرماني: والجفاء: بنو ~~مكان الشيء به حتى يهلك {وأما ما ينفع الناس} من الماء والفلز الذي هو مثل ~~الحق {فيمكث في الأرض} ينتفع الناس بالماء الذي به حياة كل شيء، والفلز ~~الذي به التمام، فالماء والمعدن مثل القرآن لما فيه من حياة القلوب وبقاء ~~الشرع كما أن الماء يحيى الأراضي الميتة، والمعادن تحيي موات العيش وتنظم ~~المعاملات المقتضية لاختلاط # PageV10P318 # بعض الناس ببعض وائتلافهم بالحاجة، والأودية والأواني مثل القلوب يثبت ~~منه فيها ما تحتمله على قدر سعة القلب وضيقه بحسب الطهارة وقوة الفاهمة. # ولما انقضى هذا المثل على هذا البيان الذي يعجز دونه الثقلان، لأنه أحسن ~~شيء معنى بأوجر عبارة وأوضح دلالة، كان كأنه قيل: هل يبين كل شيء هذا ~~البيان؟ فقيل: نعم، {كذلك} أي مثل ذلك الضرب {يضرب الله} أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة علما وقدرة {الأمثال} فيجعلها في غاية الوضوح وإن كانت في ~~غاية الغموض. # ومادة «جفا» - واوية ويائية مهموزة وغير مهموزة بكل ترتيب، وهي جفأ جأف ~~فجأ، جفي جيف فيج، جفو جوف فوج، فجو وجف - تدور على الطرح: جفأ الوادي ~~والقدر: رميا بالجفاء أي الزبد وجفأ القدر والوادي: مسح غثاءه أي فطرحه - ~~وجفأه: صرعه، والبرمة في القصعة: كفاها - أي طرح ما فيها - والباب: أغلقه ~~وفتحه - ضد، ms2393 لأنه في كليهما كالمرمي به، والبقل: قلعه من أصله، # PageV10P319 # والجفاء - كعزاب: الباطل، لأنه أهل للقذف به والطرح، والسفينة الخالية، ~~لأنا بمعرض قذف الماء لها. # وأجفا ماشيته: أتعبها بالسير ولم يعلفها أي سيرها سيرا كأنها يقذف بها، ~~وجفأ به: طرحه، وجفات البلاد: ذهب خيرها، فكانت طرحته أو صارت هي أهلا لأن ~~تطرح وتبعد، والعام جفأة إبلنا، وهو أن ينتج أكثرها، لأنها طرحت أجنتها. # ومن يائيه: جفيته أجفيه: صرعته، والجفاية - بالضم: السفينة الفارغة، ~~والمجفي: المجفو. # ومن واويه: جفا الشيء يجفو - إذا لم يلزم مكانه، كأنه فصل من مكانه فطرح ~~به، والجفاء والجفوة: ترك الصلة، واجتفيته: أزلته عن مكانه، وجفا عليه كذا: ~~ثقل، فصار أهلا لطرحه والانفصال منه، ورجل جافي الخلقة والخلق: كز غليظ، ~~لأن الشيء إذا غلظ لم يلتصق التصاق اللطيف، وأجفى الماشية: أتبعها ولم ~~يدعها تأكل، # PageV10P320 # وفيه جفوة أي هو جاف، فإن كان مجفوا قيل: به جفوة. # ومن مقلوبه مهموزا: جافة: صرعه وذعره أي قذف في قلبه رعبا: والشجرة: ~~قلعها من أصلها، والجآف - كشداد: الصياح، كأنه يقذف بصوته، ورجل مجأف: لا ~~ثبات له - كأنه يقذف به من مكانه، والمجؤوف: الجائع والمذعور، كأنه من ~~الجوف، وإنما همزت واوه الأولى لانضمامها مع أنه يمكن تنزيله على أنه قذف ~~فيه ذلك. # ومن يائيه: الجيفة: جثة الميت وقد أراح، والجياف - كشداد: النباش، وجافت ~~تجيف: أنتنت فصارت متهيئة للطرح والتغييب، وجيفه: ضربه، لما رآه أهلا ~~للبعد، وجيف فلان في كذا وجيف أي فزع وأفزع أي طرح في قلبه رعب، فصار لا ~~تسعه أرض، بل يقذف بنفسه من مكان إلى آخر. # ومن واويه: الجوف: المطمئن من الأرض، لأنه يسع # PageV10P321 # ما يطرح فيه ويمسكه، ومهما طرح من الجبال من شيء استقر به، والجوف منك: ~~بطنك، لافتقاره إلى طرح الغذاء فيه، وأهل الأغوار يسمون فساطيط عمالهم ~~الأجواف - لطرح أنفسهم وأمتعتهم فيها - وجوف الليل: وسطه - تشبيه بالجوف، ~~والأجوفان: البطن والفرج، والجوف - محركة السعة، والجوفاء من الدلاء: ~~الواسعة، ومن القنا والشجر: الفارغة، والجائفة: جراحة تبلغ الجوف، وتلعه ~~جائفة: قعيرة - لأنها لقعرها ms2394 بالجوف أشبه منها بالجبل، وجوائف النفس: ما ~~تقعر من الجوف في مقار الروح، والمجوف - كمعظم: من لا قلب له - كأن قلبه ~~طرح من جوفه فصار خاليا. والجوفان - بالضم: أير الحمار - لسعة جوفه، وأجفت ~~الباب: رددته - كأنه من السلب، لأنك سددت جوف البيت، أو أنه شبه الإغلاق ~~بطرح الباب. # ومن مقلوبه مهموزا: فجئه الأمر - كسمعه ومنعه: هجم عليه من غير أن يشعر، ~~كأنه قذف به إليه، وفجئت الناقة - كفرح: عظم # PageV10P322 # بطنها، كأنه قذف فيه بشيء، وفجأ - كمنع: جامع، لأنه طرحها وطرح نفسه ~~عليها، والمفاجىء: الأسد، لأنه يخرج بغتة فيثب من غير توقف. # ومن مقلوبه واويا: الفجوة: المتسع من الأرض والفرجة - لتهيئها لما يطرح ~~فيها، والفجوة - أيضا: ساحة الدار وما بين حوافي الحوافر، أي ميامنها ~~ومياسرها، وفجا قوسه: رفع وترها عن كبدها فهي فجواء، وفجا بابه: فتحه، فصار ~~كالجوف، والفجا: تباعد ما بين الركبتين أو الفخذين أو الساقين أو عرقوبي ~~البعير؛ فجي - كرضي فهو أفجى، وعظم بطن الناقة، والفعل كالفعل، والتفجية: ~~الكشف، لأنك طرحت الغطاء، والتفجية - أيضا: التنحية، وهي واضحة في الطرح، ~~وأفجى: وسع النفقة على عياله - كأنه يقذف بها قذفا. # ومن مقلوبه يائيا: أفاج الرجل - إذا أسرع، ومنه الفيج - لرسول السلطان ~~على رجليه - كأنه لسرعته يطرح به في الأرض - هذا # PageV10P323 # هو الصحيح الذي صححه صاحب العباب، لأنه معرب بيك، وقيل: إنه واوي، أصله: ~~فيوج، ثم قيل: فيج - ككيس، ثم خفف، وجمعه الفيوج، وقيل: الفيوج: الذين ~~يدخلون السجن ويخرجون ويحرسون، وأفاج في الأرض: ذهب، والقوم: ذهبوا ~~وانتشروا - كأنه قذف بهم، والفيج: الوهد المطمئن من الأرض، لأنه موضع لطرح ~~ما في الأعالي. # ومن مقلوبه واويا: الفوج: الجماعة، كأنهم اقتطعوا من الجمهور فقذف بهم، ~~وفاج المسك: فاح وسطع، أي انتشرت رائحته، والنهار: برد، إما بمعنى طرح برده ~~على ما فيه، وإما لإحواجه الحيوان إلى أن يطرح عليه ما يدفئه، وأفاج: أسرع ~~وعدا وأرسل الإبل على الحوض قطعة قطعة، والفاتج: البساط الواسع من الأرض، ~~لتهيئه لما يطرح فيه، من تسمية المحل باسم الحال، وأفاج في ms2395 عدوه: أبطأ. فهو ~~للسلب، وفاجت الناقة برجيلها: نفحت بهما من خلفها، والفائجة: متسع ما بين ~~كل مرتفعين، كأنه محل طرح ما ينزل منهما. # ومن مقلوبه: وجف يجف وجيفا: اضطرب، والوجف ضرب من سير الإبل والخيل، وجف ~~يجف وأوجفته واستوجف الحب فؤاده: ذهب به، كأنه طرحه منه. # PageV10P324 # ولما تم ما للحق والباطل في أنفسهم من الثبات والاضطراب، ذكر ما لأهلهما ~~من الثواب والعقاب جوابا لمن كأنه قال: ما لمن تدبر هذه الأمثال، وأبعد عما ~~أشارت إليه من الضلال، أو حاد عما دعت إليه ومال؟ فأجيب بقوله: {للذين ~~استجابوا} أي طلبوا من أنفسهم الإجابة وأوجدوها {لربهم} أي المحسن إليهم ~~شكرا له، الحالة {الحسنى} أي العظيمة في الحسن، وهي القرار في الجنة فهو ~~جزاءهم؛ قال أبو حيان: وذلك هو النصر في الدنيا وما اختصوا به من نعمه ~~تعالى ودخول الجنة في الآخرة - انتهى. وقد تقدم في سورة يونس عليه الصلاة ~~والسلام أنهم يزادون ما لا يعلم قدره إلا الذي فعلوا ذلك خوف عقابه ورجاء ~~ثوابه. # ولما ذكر ما للطائعين، أتبعه جزاء العاصين، فقال مبتدئا: {والذين لم ~~يستجيبوا} أي يرغبوا في إيجاد الإجابة {له} وأخبر عن هذا الابتداء قوله ~~معلما بأن استعجالهم بالعذاب باستعجالهم بالسيئة قبل الحسنة جراءة منهم ~~ناشئة عن جهل صرف تزول عند رؤيتهم عذابه سبحانه، فيبلغون حينئذ بالافتداء ~~غاية الذل فلا يقبل منهم -: {لو أن لهم} # PageV10P325 # أي في ملكهم وتحت قدرتهم {ما في الأرض} وأكد بقوله: {جميعا ومثله} وأوضح ~~بقوله: {معه لافتدوا به} أي جعلوا فكاك أنفسهم بغاية جهدهم، وأكده لادعاء ~~الكفرة أنهم لا يذلون لشيء ولا يوهن قواهم شيء، والافتداء: جعل أحد الشيئين ~~بدلا من الآخر على جهة الاتقاء به، فكأنه قيل: ما الذي دهاهم حتى كان هذا ~~حالهم؟ فقيل - دلالة على أنه لا يقبل منهم الفداء ولو عظم -: {أولئك} أي ~~البعداء البغضاء {لهم سوء الحساب *} والحساب: إحصاء ما على العبد وله، وسوء ~~المؤاخذة، وعدم العفو عن شيء {ومأواهم} أي مستقرهم {جهنم} أي الطبقة التي ~~تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة. ولما ms2396 كان المأوى إنما يأوى إليه صاحبه ~~للراحة فيه بالاتكاء على فرش ونحوه، قال معبرا بمجمع المذام: {وبئس المهاد ~~*} . # ولما افترق حال ما أجاب ومن أعرض في الجزاء، وكان ما مضى مستوفيا طرق ~~البيان بإيضاح الأمر بالجزيئات والأمثلة مع الترغيب والترهيب. فكان جديرا ~~بترتيب الأثر عليه، تسبب عنه الإنكار على # PageV10P326 # من سوى بين العالم العامل وغيره التفاتا إلى قوله {هل يستوي الأعمى ~~والبصير} وسوى بين الحق والباطل التفاتا إلى قوله {كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل} فحسن قوله: {أفمن} بفاء السبب {يعلم} علما نافعا هو عامل به ~~{إنما} أي الذي {أنزل} أي وجد إنزاله وفرغ منه {إليك من ربك} أي المحسن ~~إليك بأحسن التدبير {الحق} أي الكامل في الحقية، فهو نير العين للبصر ~~والقلب للاستبصار والاعتبار، يهتدي بما يعلم إلى طريق الرشد فيسلكها، وإلى ~~طريق الغي فيتركها، ويفهم الأشارات، وينتفع بالأمثال السائرات، كما يبصر ~~بالبصر طريق النجاة من طريق الهلاك {كمن هو أعمى} لا بصر له ولا بصيرة، ~~لأنه لا يعمل وإن كان عالما، فهو لا ينتفع بالأمثال، فكأنه قيل: لا يستويان ~~مثلا أصلا، ثم علل هذا الإنكار بقوله: {إنما} أي لأنه إنما يعلم ذلك ~~بالتذكر، وإنما {يتذكر} أي يطلب الذكر طلبا عظيما فيعمل {أولوا} أي أصحاب ~~{الألباب *} أي العقول الصافية الخالصة القابلة للتذكر بالتفكر في أن ما ~~أنزل من عند الله ثابت الأركان راسي القواعد، لا قدر لأحد على إزالة معنى ~~من معانيه ولا هدم شيء من مبانيه # PageV10P327 # وأن ما عداه هلهل النسج رث القوى، مخلخل الأركان، دارس الرسم، منطمس ~~الأعلام، مجهول المسالك، مظلم الأرجاء، جم المهالك، وأما القلب الذي لا ~~يرجع عن غيه لمثل هذا البيان فكأنه غير قابل للذكرى، فاستحق أن يعد عدما، ~~وأن يخص التذكر بالقلب، ومن المعلوم أنه لا يستوي من له لب ومن لا لب له؛ ~~واللب والقلب: أجل ما في الشيء وأخلصه وأجوده. # PageV10P328 # ولما منح سبحانه من فيهم أهلية التذكر بالعقول الدالة على توحيده ~~والانقياد لأوامره، كان كأنه عهد في ذلك، فقال يصف المتذكرين بما ms2397 يدل قطعا ~~على أنه لا لب لسواهم: {الذين يوفون} أي يوجدون الوفاء لكل شيء {بعهد الله} ~~أي بسبب العقد المؤكد من الملك الأعلى بأوامره ونواهيه، فيفعلون كلا منهما ~~كما رسمه لهم ولا يوقعون شيئا منهما مكان الآخر؛ والعهد: العقد المتقدم على ~~الأمر بما يفعل أو يجتنب، والإيفاء: جعل الشيء على مقدار غيره من غير زيادة ~~ولا نقصان. # PageV10P328 # ولما كان الدليل العقلي محتما للثبات عليه كما أن الميثاق اللفظي موجب ~~للوفاء به، قال تعالى: {ولا ينقضون الميثاق *} أي الإيثاق ولا الوثاق ولا ~~مكانه ولا زمانه؛ والنقض: حل العقد بفعل ما ينافيه ولا يمكن أن يصح معه، ~~والميثاق: العقد المحكم وهو الأوامر والنواهي المؤكدة بحكم العقل. # ولما كان أمر الله جاريا على منهاج العقل وإن كان قاصرا عنه لا يمكن نيله ~~له من غير مرشد، قال: {والذين يصلون} أي من كل شيء على سبيل الاستمرار {ما ~~أمر الله} أي الذي له الأمر كله؛ وقال: {به أن يوصل} دون «يوصله» ليكون ~~مأمورا بوصله مرتين، ويفيد تجديد الوصل كلما قطعه قاطع على الاستمرار لما ~~تظافر على ذلك من دليلي العقل والنقل؛ والوصل: ضم الثاني إلى الأول من غير ~~فرج. # ولما كان الدليل يرشد إلى أن الله تعالى مرجو مرهوب قال: {ويخشون ربهم} ~~أي المحسن إليهم، من أن ينتقم منهم إن خالفوا بقطع الإحسان. ولما كان العقل ~~دالا بعد تنبيه الرسل على القدرة على المعاد بالقدرة على المبدأ، وكان ~~الخوف منه أعظم الخوف، قال تعالى: {ويخافون} أي يوجدون الخوف إيجادا مستمرا # PageV10P329 # {سوء الحساب *} وهو المناقشة فيه من غير عفو، ومن أول السورة إلى هنا ~~تفصيل لقوله تعالى أول البقرة {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين ~~يؤمنون بالغيب} [البقرة: 1] مع نظره إلى قوله آخر يوسف {ما كان حديثا ~~يفترى} [يوسف: 111] . # ولما كان الوفاء بالعهد في غاية الشدة على النفس، قال مشيرا إلى ذلك مع ~~شموله لغيره: {والذين صبروا} أي على طاعات الله وعن معاصيه وفي كل ما ينبغي ~~الصبر فيه، والصبر: الحبس، وهو تجرع ms2398 مرارة المنع للنفس عما تحب مما لا يجوز ~~فعله {ابتغاء} أي طلب {وجه ربهم} أي المحسن إليهم، وكأنه ذكر الوجه إثارة ~~للحياء وحثا عليه لا ليقال: ما أجلده! ولا لأنه يعاب بالجزع، ولا لأنه لا ~~طائل تحت الهلع ولا خوف الشماتة. # ولما كانت أفراد الشيء قد تتفاوت في الشرف، خص بالذكر أشياء مما دخل في ~~العهد والميثاق تشريفا لها فقال: {وأقاموا الصلاة} لأنها في الوصلة بالله ~~كالميثاق في الوصلة بالموثق له، وقال -: {وأنفقوا} وخفف عنهم بالبعض فقال: ~~{مما رزقناهم} - لأن الإنفاق من أعظم سبب يوصل إلى المقاصد، فهذا إنفاق من ~~المال، وتلك إنفاق من القوى، وقال: {سرا وعلانية} إشارة إلى الحث على ~~استواء الحالتين تنبيها على الإخلاص، ويجوز أن يكون المراد بالسر ما ينبغي ~~فيه الإسرار # PageV10P330 # كالنوافل، وبالعلانية ما يندب إلى إظهاره كالواجب إلا أن يمنع مانع، وهذا ~~تفصيل قوله تعالى # {ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] {واستعينوا بالصبر ~~والصلاة} [البقرة: 45] وقال: {ويدرؤون} أي يدفعون بقوة وفطنة {بالحسنة} أي ~~من القول أو الفعل {السيئة} إشارة إلى ترك المجازاة أو يتبعونها إياها ~~فتمحوها، خوفا ورجاء وحثا على جميع الأفعال الصالحة، فهي نتيجة أعمال البر ~~ودرجة المقربين. # ولما ختم تلك بما يدل على ما بعد الموت ترهيبا، ختم هذه بمثل ذلك ترغيبا ~~فقال: {أولئك} أي العالو الرتبة {لهم عقبى الدار *} وبينها بقوله: {جنات ~~عدن} أي إقامة طويلة - ومنه المعدن وهي أعلى الجنان؛ ثم استأنف بيان تمكنهم ~~فيها فقال: {يدخلونها} . # ولما كانت الدار لا تطيب بدون الحبيب، قال عاطفا على الضمير المرفوع ~~إشارة إلى أن النسب الخالي غير نافع: {ومن صلح} والصلاح: استقامة الحال على ~~ما يدعو إليه العقل والشرع {من آبائهم} أي الذين كانوا سببا في إيجادهم ~~{وأزواجهم وذرياتهم} أي الذين تسببوا عنهم؛ ثم زاد في الترغيب بقوله سبحانه ~~وتعالى: {والملائكة يدخلون عليهم} لأن الإكثار من ترداد رسل الملك أعظم في ~~الفخر وأكثر في السرور والعز. # PageV10P331 # ولما كان إتيانهم من الأماكن المعتادة مع القدرة على غيرها أدل على الأدب ~~والإكرام، قال: {من ms2399 كل باب *} يقولون لهم: {سلام عليكم} والسلام: التحية ~~بالكرامة على انتفاء كل شائب من مضرة، وبين أن سبب هذا السلام الصبر فقال: ~~{بما صبرتم} أي بصبركم، والذي صبرتم له، والذي صبرتم عليه، إشارة إلى أن ~~الصبر عماد الدين كله. ولما تم ذلك. تسبب عنه قوله: {فنعم عقبى الدار *} ~~وهي المسكن في قرار، المهيأ بالأبنية التي يحتاج إليها والمرافق التي ينتفع ~~بها؛ والعقبى: الانتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر. # PageV10P332 # ولما ذكر ما للناجين، ذكر مآل الهالكين فقال: {والذين ينقضون عهد الله} ~~أي الملك الأعلى فيعملون بخلاف موجبه؛ والنقض: التفريق الذي ينفي تأليف ~~البناء. ولما كان النقض ضارا ولو كان في أيسر جزء، أدخل الجار فقال: {من ~~بعد ميثاقه} أي الذي أوثقه عليهم بما أعطاهم من العقول وأودعها من القوة ~~على ترتيب المقدمات المنتجة للمقاصد الصالحة الدالة على صحة جميع ما أخبرت ~~به رسله عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام؛ والميثاق: إحكام العقد ~~بأبلغ ما يكون في مثله {ويقطعون ما} أي الشيء الذي {أمر الله} أي غير ~~ناظرين إلى ما له من العظمة والجلال، وعدل عن أن # PageV10P332 # يوصله لما تقدم قريبا فقال: {به أن يوصل} أي لما له من المحاسن الجلية ~~والخفية التي هي عين الصلاح {ويفسدون} أي يوقعون الإفساد {في الأرض} أي في ~~أي جزء كان منهم بوصل ما أمر الله به أن يقطع اتباعا لأهوائهم، معرضين عن ~~أدلة عقولهم، مستهينين بانتقام الكبير المتعال. ولما كانوا كذلك، استحقوا ~~ضد ما تقدم للمتقين، وذلك هو الطرد والعقاب والغضب والنكال وشؤم اللقاء، ~~فقال سبحانه وتعالى: {أولئك} أي البعداء البغضاء {لهم اللعنة} أي الطرد ~~والبعد {ولهم سوء الدار *} أي أن يكون دارهم الآخرة سيئة بلحاق ما يسوء ~~فيها دون ما يسر. # ولما تقدم الحث العظيم على الإنفاق، وأشير إلى أنه من أوثق الأسباب في ~~الوصلة لجميع أوامر الله، وختم بأن للكافر البعد والطرد عن كل خير والسوء، ~~كان موضع أن يقول الكفار: ما لنا يوسع علينا مع بعدنا ويضيق على المؤمن مع ms2400 ~~وصله واتصاله، وما له لا يبسط له رزقه ليتمكن من إنفاذ ما أمر به إن كان ~~ذلك حقا؟ فقيل: {الله} أي الذي له الكمال كله {يبسط الرزق} ودل على تمام # PageV10P333 # قدرته سبحانه وتعالى بقوله - جلت قدرته -: {لمن يشاء} فيطيع في رزقه أو ~~يعصي {ويقدر} على من يشاء فيجعل رزقه بقدر ضرورته فيصبر أو يجزع لحكم دقت ~~عن الأفكار، ثم يجعل ما للكافر سببا في خذلانه، وفقر المؤمن موجبا لعلو ~~شأنه، فليس الغنى مما يمدح به، ولا الفقر مما يذم به، وإنما يمدح ويذم ~~بالآثار. # ولما كانت السعة مظنة الفرح إلا عند من أخلصه الله وهم أقل من القليل، ~~قال عائبا لمن اطمأن إليها: {وفرحوا} أي فبسط لهؤلاء الرزق فبطروا وكفروا ~~وفرحوا {بالحياة الدنيا} أي بكمالها؛ والفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى. ~~ولما كانت الدنيا متلاشية في جنب الدار التي ختم بها للمتقين، قال زيادة في ~~الترغيب والترهيب: {وما الحياة الدنيا في الآخرة} أي في جنبها {إلا متاع *} ~~أي حقير متلاش؛ قال الرماني: والمتاع: ما يقع به الانتفاع في العاجل، ~~وأصله: التمتع وهو التلذذ بالأمر الحاضر. # ولما كان العقل أعظم الأدلة، وتقدم أنه مقصور على المتذكرين، إشارة إلى ~~أن من عداهم بقر سارحة، وعرف أن ما دعا إليه الشرع # PageV10P334 # هو الصلاح، وضده هو الفساد، وكان العقل إنما هو لمعرفة الصلاح فيتبع، ~~والفساد فيجتنب، وكان الطالب لإنزال آية إلى غير ذلك لا سيما بعد آيات ~~متكاثرة ودلالات ظاهرة موضعا لأن يعجب منه، قال على سبيل التعجب عطفا على ~~قوله {وفرحوا} مظهرا لما من شأنه الإضمار تنبيها على الوصف الذي أوجب لهم ~~التعنت: {ويقول الذين كفروا} أي ستروا ما دعتهم إليه عقولهم من الخير وما ~~لله من الآيات عنادا {لولا} أي هلا ولم لا. # ولما كان ما تحقق أنه من عند الملك لا يحتاج إلى السؤال عن الآتي به، بني ~~للمفعول قوله: {أنزل عليه} أي هذا الرسول صلى الله عليه وسلم {آية} أي ~~علامة بينة {من ربه} أي المحسن إليه بالإجابة لما يسأله ms2401 لنهتدي بها فنؤمن ~~به، وأمره بالجواب عن ذلك بقوله: {قل} أي لهؤلاء المعاندين: ما أشد عنادكم ~~حيث قلتم هذا القول الذي تضمن إنكاركم لأن يكون نزل إلي آية مع أنه لم يؤت ~~أحد من الآيات مثل ما أوتيت، فعلم قطعا أنه ليس إنزال الآيات سببا للايمان ~~بل أمره إلى الله {إن الله} أي الذي لا أمر لأحد معه {يضل من يشاء} إضلاله ~~ممن لم ينب، بل أعرض عن دلالة العقل ونقض ما أحكمه # PageV10P335 # من ميثاق المقدمات المنتجة للقطع بحقية ما دعت إليه الرسل لما جبل عليه ~~قلبه من الغلظة، فصار بحيث لا يؤمن ولو نزلت عليه كل آية، لأنها كلها ~~متساوية الأقدام في الدعوة إلى ما دعا إليه العقل لمن له عقل، وقد نزل قبل ~~هذا آيات متكاثرة دالات أعظم دلالة على المراد {ويهدي} عند دعاء الداعين ~~{إليه} أي طاعته. بمجرد دليل العقل من غير طلب آية {من أناب} أي من كان ~~قلبه ميالا مع الأدلة رجاعا إليها لأنه شاء إنابته كأبي بكر الصديق وغيره ~~ممن تبعه من العشرة المشهود لهم بالجنة وغيرهم، ثم أبدل منهم {الذين آمنوا} ~~أي أوجدوا هذا الوصف {وتطمئن قلوبهم} أي تسكن وتستأنس إلى الدليل بعد ~~الاضطراب بالشكوك لإيجادهم الطمأنينة بعد صفة الإيمان إيجادا مستمرا دالا ~~على ثبات إيمانهم لترك العناد، وهذا المضارع في هذا التركيب مما لا يراد به ~~حال ولا استقبال، إنما يراد به الاستمرار على المعنى مع قطع النظر عن ~~الأزمنة {بذكر الله} الذي هو أعظم الآيات في أن المذكور مستجمع لصفات ~~الكمال، فالآية من الاحتباك: ذكر المشيئة أولا دال على حذفها ثانيا، وذكر ~~الإنابة ثانيا دال على حذف ضدها أولا. # ولما كان ذلك موضع أن يقول المعاند: ومن يطمئن بذلك؟ فقال: {ألا بذكر ~~الله} أي الذي له الجلال والإكرام، # PageV10P336 # لا بذكر غيره {تطمئن القلوب *} فتسكن عن طلب غيره آية غيره، والذكر: حضور ~~المعنى للنفس، وذلك إشارة إلى أن من لم يطمئن به فليس له قلب فضلا عن أن ~~يكون في قلبه عقل، ms2402 بل هو من الجمادات، أو إلى أن كل قلب يطمئن به، فمن أخبر ~~عن قلبه بخلاف ذلك فهو كاذب معاند، ومن أذعن وعمل بموجب الطمأنينة فهو ~~مؤمن، ثم أخبر عما لهذا القسم بقوله: {الذين آمنوا} أي أوجدوا وصف الإيمان ~~{وعملوا} أي تصديقا لدعواهم الإيمان {الصالحات} لطمأنينة قلوبهم إلى الذكر ~~{طوبى لهم} أي خير وطيب وسرور وقرة عين {وحسن مآب *} فكان ذلك مفهما لحال ~~القسم الآخر، فكأنه قيل: ومن لم يطمئن أو اطمأن قلبه ولم يذعن بؤسي لهم ~~وسوء مآب. # PageV10P337 # ولما كان في ذلك فطم عن إنزال المقترحات، وكان إعراض المقترحين قد طال، ~~وطال البلاء بهم والصبر على أذاهم، كان موضع أن يقال من كافر أو مسلم عيل ~~صبره: أولست مرسلا يستجاب لك كما كان يستجاب للرسل؟ فقيل: {كذلك} أي مثل ~~إرسال الرسل الذي قدمنا الإشارة إليه في آخر سورة يوسف عليه الصلاة والسلام ~~في قولنا {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} [الأنبياء: 7] # PageV10P337 # الآية، وفي هذه السورة في قولنا {ولكل قوم هاد} ومثل هذا الإرسال البديع ~~الأمر البعيد الشأن، والذي دربناك عليه غير مرة من أن المرجع إلى الله ~~والكل بيده، فلا قدرة لغيره على هدى ولا ضلال، لا بإنزال الآية ولا غيره ~~{أرسلناك} أي بما لنا من العظمة {في أمة} وهي جماعة كثيرة من الحيوان ترجع ~~إلى معنى خاص لها دون غيرها {قد خلت} . # ولما كانت الرسل لمن تعم بالفعل الزمان كله، قال: {من قبلها أمم} طال ~~أذاهم لأنبيائهم ومن آمن بهم واستهزاءهم في عدم الإجابة إلى المقترحات وقول ~~كل أمة لنبيها عنادا بعد ما جاءهم من الآيات {لولا أنزل عليه آية} حتى ~~كأنهم تواصوا بهذا القول حتى فعل الرسل وأتباعهم في إقبالهم على الدعاء ~~وإعراضهم عمن يستهزىء بهم - فعل الآئس من الإنزال {لتتلوا} أي أرسلناك فيهم ~~لتتلو {عليهم} أي تقرأ؛ والتلاوة: جعل الثاني يلي الأول بلا فصل {الذي ~~أوحينا إليك} من # PageV10P338 # ذكر الله الذي هو أعظم الآيات {وهم} أي والحال أنهم {يكفرون} لا تمل ~~تلاوته عليهم في ms2403 تلك الحال فإن لنا في هذا حكما وإن خفيت، وما أرسلناك ومن ~~قبلك من الرسل إلا لتلاوة ما يوحى، لا لطلب الإجابة إلى ما يقترح الأمم من ~~الآيات ظنا أنها تكون سببا لإيمان أحد، نحن أعلم بهم، وهذا كله تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: {بالرحمن} إشارة إلى كثرة حلمه وطول ~~أناته، وتصوير لتقبيح حالهم في مقابلتهم الإحسان بالإساءة والنعمة بالكفر ~~بأوضح صورة وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم من الكفران. ولما ~~تضمن كفرهم بالرحمن كفرهم بالقرآن ومن أنزل عليه، وكان الكفر بالمنعم في ~~غاية القباحة، كان كأنه قيل: فماذا أفعل حينئذ أنا ومن اتبعني؟ لا نتمنى ~~إجابتهم إلى مقترحاتهم إلا رجاء إيمانهم، وكان جوابهم عن الكفر بالموحى ~~أهم، بدأ به فقال: {قل} عند ذلك إيمانا به {هو} أي الرحمن الذي كفرتم به ~~{ربي} المربي لي بالإيجاد وإدرار النعم، والمحسن إلي لا غيره، لا أكفر ~~إحسانه كما كفرتموه أنتم، بل أقول: إنه {لا إله إلا هو} أنا به واثق في ~~التربية والنصرة وغيرها. # PageV10P339 # ولما كان تفرده بالإلهية علة لقصر الهمم عليه، قال: {عليه} أي وحده لا ~~شريك له {توكلت} والتوكل: التوثيق في تدبير النفس برده إلى الله على الرضى ~~بما يفعل {وإليه} أي لا إلى غيره {متاب *} أي مرجعي، معنى بالتوبة وحسا ~~بالمعاد، وهذا تعريض بهم في أن سبب كفرتم إنكار يوم الدين. # ولما فرغ من الجواب عن الكفر بالموحى، عطف على «هو ربي» الجواب عن الكفر ~~بالوحي فقال: {ولو} إشارة إلى أنه يعتقد في القرآن ما هو أهله بعد ما أخبر ~~عن اعتقاده في الرحمن، أي وقل: لو {أن قرآنا} كانت به الآيات المحسوسات بأن ~~{سيرت} أي بأدنى إشارة من مشير ما {به الجبال} أي فأذهبت على ثقلها ~~وصلابتها عن وجه الأرض {أو قطعت} أي كذلك {به الأرض} أي على كثافتها فشققت ~~فتفجرت منها الأنهار {أو كلم به الموتى} فسمعت وأجابت لكان هذا القرآن، ~~لأنه آية لا مثل لها، فكيف يطلبون آية غيره! أو يقال: إن ms2404 التقدير: لو كان ~~شيء من ذلك بقرآن غيره لكان به - إقرارا لأعينكم - إجابة إلى ما تريدون، ~~لكنه لم تجر عادة لقرآن قبله بأن يكون به ذلك، فلم يكن بهذا القرآن، # PageV10P340 # لأن الله لم يرد ذلك لحكمه علمها، وليس لأحد غير الله أمر في خرق شيء من ~~العادات، لا لولي ولا لنبي ولا غيرهما حتى يفعل لأجلكم بشفاعة أو بغيرها ~~شيئا لم يرده الله في الأزل {بل} ويجوز أن يكون التقدير: لو وجد شيء من هذا ~~بقرآن يوما ما لكان بهذا القرآن، فكان حينئذ يصير كل من حفظ منه شيئا فعل ~~ما شاء من ذلك، فسير له ما شاء من الجبال إلى ما أراد من الأراضي لما رام ~~من الأغراض، وقطع به ما طلب من الأرض أنهارا وجنانا وغيرها، وكلم به من ~~اشتهى من الموتى، ثم إذا فتح هذا الباب فلا فرق بين القدرة على هذا والقدرة ~~على غيره، فيصير من حفظ منه شيئا قادرا على شيء، فبطلت حينئذ حكمة اختصاص ~~الله سبحانه بذلك من أراد من خلص عباده، وأدى ذلك إلى أن يدعي من أراد من ~~الفجرة أن أمر ذلك بيده، يفعل فيه ما يشاء متى شاء، فيصير ادعاءه مقرونا ~~بالفعل شبهة في الشرك، وليعلم قطعا أنه ليس في يد أحد أمر، بل {الله} أي ~~الذي له صفات الكمال وحده {الأمر} وهو ما يصح أن يؤمر فيه وينهى {جميعا} في ~~ذلك وغيره، لا لي ولا لأحد من الأنبياء الذين قلتم # PageV10P341 # إني لست أدنى منزلة منهم، وأما الخوارق التي كانت لهم فلولا أن شاءها لما ~~كانت، فالأمر إليه وحده، مهما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكأن هذا جواب ~~لما حكي في السيرة النبوية أن الكفار تفتنوا به؛ قال ابن إسحاق: ثم إن ~~الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء، فاجتمع أشرافهم ~~فأرسلوا إليه صلى الله عليه وسلم فكلموه في الكف عنهم وعرضوا عليه أن ~~يملكوه عليهم وغير ذلك فأبى وقال: # «» إن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل ms2405 علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم ~~بشيرا ونذيرا «، فقالوا: فإنك قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلدا ولا ~~أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا ~~هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليخرق فيها أنهارا ~~كأنهار الشام والعراق - زاد البغوي: فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود ~~حيث سخر له الجبال تسبح معه، أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام لميرتنا، ~~ونرجع في # PageV10P342 # يومنا فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت - رجع إلى ابن إسحاق: وليبعث لنا ~~من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ ~~صدق، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل! فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك ~~وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقدم - زاد البغوي: ~~فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست بأهون على ربك منه» فكان سؤالهم هذا متضمنا ~~لادعائهم أن دعواه إنزال القرآن لا تصح إلا أن فعل هذه الاشياء. # ولما كان هذا كله إقناطا من حصول الإيمان لأحد بما يقترح، تسبب عنه ~~الإنكار على من لم يفد فيه ذلك فقال تعالى: {أفلم} بفاء السبب {ييئس الذين ~~آمنوا} من إيمان مقترحي الآيات بما يقترحون لعلمهم {أن} أي بأنه {لو يشاء ~~الله} أي الذي له صفات الكمال - هداية كل أحد مشيئة مقترنة بوجوده {لهدى ~~الناس} وبين أن اللام للاستغراق بقوله: {جميعا} أي بأيسر مشيئة، والعلم ~~بالشيء يوجب اليأس من خلافه، # PageV10P343 # لكنه لم يهدهم جميعا فلم يشأ ذلك، ولا يكون إلا ما شاءه، فلا يزال فريق ~~منهم كافرا، فقد وضح أن {ييئس} على بابها، وكذا في البيت الذي استشهدوا به ~~على أنها بمعنى «علم» يمكن أن يكون معناه: ألم تيأسوا عن أذاي أو عن قتلي ~~علما منكم بأني ابن فارس زهدم، فلا يضيع لي ثأر، وكذا قراءة علي ومن معه من ~~الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين - أفلم - يتبين الذين آمنوا - أي أن أهل ~~الضلال ms2406 لا يؤمنون لآية من الآيات علما منهم بأن الأمر لله جميعا، وأن ~~إيمانهم ليس موقوفا على غير مشيئته. # ولما علم من ذلك أن بعضهم لا يؤمن، ضاقت صدور المؤمنين # PageV10P344 # لذلك لما يعاينونه من أذى الكفار فأتبعه ما يسليهم عاطفا على ما قدرته من ~~نتيجة عدم المشيئة، فقال: {ولا يزال الذين كفروا} أي ستروا ضياء عقولهم ~~{تصيبهم بما صنعوا} أي مما مرنوا عليه من الشر حتى صار لهم طبعا {قارعة} أي ~~داهية تزعجهم بالنقمة من بأسه على يد من يشاء، وهو من الضرب بالمقرعة {أو ~~تحل} أي تنزل نزولا ثانيا تلك القارعة {قريبا من دارهم} أي فتوهن أمرهم ~~{حتى يأتي وعد الله} أي الملك الأعظم بفتح مكة أو بالنصر على جميع الكفرة ~~في زمن عيسى عليه السلام فينقطع ذلك، لأنه لا يبقي على الأرض كافرا، وفي ~~غير ذلك من الأزمان كزمن فتح مكة المشرفة، فيكون المعنى خاصا بالبعض {إن ~~الله} أي الذي له مجامع الكمال {لا يخلف الميعاد} أي الوعد ولا زمانه ولا ~~مكانه؛ والوعد: عقد الخبر بتضمن النفع، والوعيد: عقده بالزجر والضر، ~~والإخلاف: نقض ما تضمن الخبر من خير أو شر. # PageV10P345 # ولما تم الجواب عن كفرهم بالموحي وما أوحاه إليه وما اشتد # PageV10P345 # تعلقه به، عطف على ذلك تأسية بالموحى إليه صلى الله عليه وسلم، لأن الحاث ~~على تميز الإجابة إلى الآيات المقترحات استهزاء الكفار، فقال: {ولقد ~~استهزىء} أي من أدنى الخلق وغيرهم {برسل} . # ولما كان الإرسال لم يعم جميع الأزمان فضلا عن الاستهزاء، أدخل الجار ~~فقال: {من قبلك} لعدم إتيانهم بالمقترحات؛ والاستهزاء: طلب الهزوء، وهو ~~الإظهار خلاف الإضمار للاستصغار {فأمليت} أي فتسبب عن استهزائهم ذلك أني ~~أمليت {للذين كفروا} أي أمهلتهم في خفض وسعة كالبهيمة يملى لها، أي يمد في ~~المرعى، ولم أجعل ذلك سببا لإجابتهم إلى ما اقترحوا ولا معاجلتهم بالعذاب ~~فعل الضيق الفطن {ثم} بعد طول الإملاء {أخذتهم} أي أخذ قهر وانتقام {فكيف} ~~أي فكان أخذي لهم سببا لأن يسأل من كان يستبطىء رسلنا أو يظن بنا تهاونا ms2407 ~~بهم، فيقال له: كيف {كان عقاب *} فهو استفهام معناه التعجب مما حل ~~بالمكذبين والتقرير، وفي ضمنه وعيد شديد. # PageV10P346 # فلما تقرر - بما مضى من قدرته تعالى على الثواب والعقاب وخفضه الأرضين ~~ورفعه السماوات ونصبه الدلالات بباهر الآيات البينات - أن ليس لأحد غيره ~~أمر ما، وتحرر أن كل أحد في قبضته، تسبب عن ذلك أن يقال: {أفمن هو قائم} ~~ولما كان القيام دالا على الاستعلاء أوضحه بقوله: {على كل نفس} أي صالحة ~~وغيرها {بما كسبت} - يفعل بها ما يشاء من الإملاء والأخذ وغيرهما - كمن ليس ~~كذلك، مثل شركائهم التي ليس لها قيام على شيء أصلا. # ولما كان الجواب قطعا: ليس كمثله شيء، كان كأنه قيل استعظاما لهذا ~~السؤال: من الذي توهم أن له مثلا؟ فقيل: الذين كفروا به {وجعلوا لله} أي ~~الملك الأعظم {شركاء} ويجوز أن يقدر ل «من» خبر معناه: لم يوحدوه، ويعطف ~~عليه {وجعلوا} ، فكأنه قيل: فماذا يفعل بهم؟ فقيل: {قل سموهم} بأسمائهم ~~الحقيقية، فإنهم إذا سموهم وعرفت حقائقهم أنها حجارة أو غير ذلك مما هو ~~مركز العجز ومحل الفقر، عرف ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ثم ~~قل لهم: أرجعتم عن ذلك إلى الإقرار بأنهم من جملة عبيده {أم تنبئونه} أي ~~تخبرونه إخبارا عظيما {بما لا يعلم} وعلمه محيط بكل شيء {في الأرض} من ~~كونها آلهة ببرهان قاطع. # PageV10P347 # {أم بظاهر من القول} أي بحجة إقناعية تقال بالفم، وكل ما لا يعلمه فليس ~~بشيء، وهذا قريب مما مضى في قوله {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه} [الرعد: ~~16] في أنه لو كان كذلك كان شبهه فيها ظهور ما، وهذه الأساليب منادية على ~~الخلق بالعجز، وصادحة بأنه ليس من كلام الخلق. # ولما كان التقدير: ليس لهم على شيء من ذلك برهان قاطع ولا قول ظاهر، بنى ~~عليه قوله: {بل زين} أي وقع التزيين بأمر من لا يرد أمره على يد من كان ~~{للذين كفروا} أي لهم، وعبر بذلك تنبيها على الوصف الذي دلاهم إلى اعتقاد ~~الباطل، وهو ستر ما أدى ms2408 إليه برهان العقل المؤيد بدليل النقل {مكرهم} أي ~~أمرهم الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان غيره، وذلك أنهم ~~أظهروا أن شركاءهم آلهة حقا، وهم يعلمون بطلان ذلك، وليس بهم في الباطن إلا ~~تقليد الآباء، وأظهروا أنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى ولتشفع لهم، أو ~~أنهم غيروا في وجه الحق بما ختلوا # PageV10P348 # به الضعفاء وتمادى بهم الحال حتى اعتقدوه حقا. # ومادة مكر بأي ترتيب كان: مكر، ركم، رمك، كرم، كمر؛ تدور على التغطية ~~والستر، فالمكر: الخديعة، قالوا: وهو الاحتيال بما لا يظهر، فإذا ظهر فذلك ~~الكيد، ويلزم منه الاجتهاد في ضم أشتات الأمر لستر ما يراد، فمن الضم المكر ~~الذي هو حسن خدالة الساق أي امتلائها، ويلزم منه خصب البدن ونعمته، وكان ~~منه المكر - لضرب من النبات، والواحدة مكرة، سميت مكرة لارتوائها، أبو ~~حنيفة: المكر من عشب القيظ، وهي عشبة غبراء ليس فيها ورق، وهو ينبت في ~~السهل والرمل - كأنه شبه بالساق لخلوه من الورق أو لأنه لغبرته وتجرده ~~كالمستور، والمكر: طين أحمر يشبه بالمغرة - كأنه سمي بذلك لما فيه من ~~الكدرة، والمكرة من البسر: التي ليست برطبة ولكن فيها لين - كأنها سميت به ~~لكون لونها حينئذ يأخذ في الكدرة؛ والركم: إلقاء الشيء بعضه على بعض فهو ~~مركوم وركام، وتراكم الشيء - إذا تكاثف بعضه على بعض، وذلك مظنة الخفاء، # PageV10P349 # والركمة: الطين المجموع وكذا التراب المجموع، وقال: وجز عن مرتكم الطريق ~~- يريد المحجة، لأن ترابها تلبد فاشتد تلبده، والرمك والرمكة - بالضم - من ~~ألوان الإبل وهو أكدر من الورقة وهو لون خالطت غبرته سوادا، فهو أرمك - ~~لأنه مظنة لخفاء ما فيه، ومنه اشتقاق الرامك، وهو أخلاط تخلط بالمسك فتجعل ~~سكا، ورمك الرجل بالمقام - إذا أقام به، لأنه يستره بنفسه وأمتعته ويستتر ~~هو فيه، وأرمكت غيري - إذا ألزمته مكانا يقيم فيه، والرمكة: الأنثى من ~~البراذين - فارسي معرب، لأنها تستر أصالة العربي إذا ولدته، ورمكان: موضع ~~معروف - معرفة، ويقال: رمك الرجل - إذا هزل وذهب ما في يده فستر عنه أو صار ms2409 ~~هو مستورا بعد أن كان بحسن حاله مشهورا، ورمكت البازي والصقر ترميكا - إذا ~~أشرت إليه بالطير لأنك سلبت عنه الستر؛ واليرموك: مكان به لهب عظيم، يستر ~~ما يكون فيه؛ والكريم: ضد اللئيم، وهو البخيل المهين النفس، # PageV10P350 # والخسيس الآباء، فإذا كان شحيحا ولم تجتمع له هذه الخصال قيل له: بخيل، ~~ولم يقل: لئيم، فالكريم إذن من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها، وتكرم - ~~إذا تنزه عن الدناءة ورفع نفسه عنها، وأصل الكرم في اللغة: الفصل والرفعة، ~~فإذا قالوا: فلان كريم، فإنما يريدون رفيعا فاضلا، فيلزم الكرم ستر العيوب، ~~والله الكريم أي الفاضل الرفيع - كذا قال بعض أهل اللغة، وقيل: الصفوح عن ~~الذنوب، وقيل: الذي لا يمن إذا أعطى، وإذا قالوا: فلان أكرم قومه، فإنما ~~يريدون: أرفعهم منزلة وأفضلهم قدرا، وكل هذا يلزم منه السخاء وستر الذنوب، ~~ومن هذا قيل: فرس كريم، وشجرة كريمة - إذا كانت أرفع من نظائرها وأفضل، # {إني ألقي إلي كتاب كريم} [النحل: 29] أي رفيع شريف - كأنه أطلق هنا على ~~ما فيه مجرد فضل تشبيها بالكريم في جزء المعنى، وكارمت الرجل: فعل كل منا ~~في حق صاحبه مقتضى الكرم، والكرم: شجر العنب ولا يسمى به غيره، والكروم: ~~قلائد تتخذها النساء كالمخانق، لدلالتها على قدر صاحبتها، والكرامة: طبق ~~يوضع على رأس الحب - لأنه غطاءه، ولا يغطى إلا ما له فضل، ومنه يقولون: لك ~~الحب والكرامة، والكرم: القصير من # PageV10P351 # الرجال - كأنه شبه بطبق الحب؛ والكمرة - محركة: طرف قضيب الإنسان خاصة، ~~سميت بذلك لسترها القلفة، ورجل مكمور - إذا قطع الخاتن كمرته، وتكامر ~~الرجلان - إذا تكابرا بأيريهما، وقال في القاموس: وتكامرا: نظرا أيهما أعظم ~~كمرة، والكمري: الرطب ما لم يرطب على شجره، بل سقط بسرا فأرطب في الأرض - ~~كأنه سمي بذلك لأنه يكون أكدر مما يرطب على الشجر، وهو أيضا يشبه الكمرة في ~~تكوينها، والكمري عن ابن دريد: الرجل القصير، كأنه شبه بالرطبة، وقال غيره: ~~وهو اسم مكان. # ولما ذكر تزيين مكرهم، أتبعه الدلالة عليه فقال: {وصدوا} أي فلزموا ما ~~زين لهم، أو فمكروا ms2410 به حتى ضلوا في أنفسهم وصدوا غيرهم {عن السبيل} الذي لا ~~يقال لغيره سبيل وهو المستقيم، فإن غيره جور وتيه وحيرة فهو عدم، بل العدم ~~أحسن منه، فلم يسلكوا السبيل ولا تركوا غيرهم يسلكه، فضلوا وأضلوا، ليس ذلك ~~بعجب فإن الله أضلهم {ومن يضلل الله} أي الذي له الأمر كله بإرادة ضلاله ~~{فما له من هاد *} فكأنه قيل: فماذا لهم على ما فعلوا من ذلك؟ فقيل: # PageV10P352 # {لهم} أي الذين كفروا {عذاب} وهو الألم المستمر، ومنه العذب لأنه يستمر ~~في الحلق {في الحياة الدنيا} شاق، بممانعة حزب الله لهم في صدهم عن السبيل ~~إلى ما يتصل بذلك من قتل وأسر، ولهم في الآخرة إن ماتوا على ذلك عذاب ~~{ولعذاب الآخرة أشق} أي أشد في المشقة، وهي غلظ الأمر على النفس بما يكاد ~~يصدع القلب {وما لهم من الله} أي الملك الأعظم {من واق *} أي مانع يمنعهم ~~إذا أراد بهم سوءا في الدنيا ولا في الآخرة، والواقي فاعل الوقاية، وهي ~~الحجر بما يدفع الأذية. # PageV10P353 # ولما توعدهم على تفريطهم في جانب الله، تشوفت النفس إلى ما لأضدادهم، ~~فكان كأنه قيل: فما لمن عاداهم في الله؟ فقيل: الجنة، فكأنه قيل: وما هي؟ ~~فقيل: إنها في الجلال، وعلو الجمال، وكرم الخلال، مما تعالى عن المنال، إلا ~~بضرب الأمثال، فقيل: ما مثلها؟ فقيل: {مثل الجنة التي} ولما كان المقصود ~~حصول الوعد الصادق ولا سيما وقد علم أن الوعد هو الله، بنى للمفعول قوله: ~~{وعد المتقون} والخبر محذوف تقديره: ما أقص عليكم، وهو أنها بساتين: قصور ~~وأشجار، # PageV10P353 # فقال الزجاج: الخبر جنة مخبر عنها بما ذكر ليكون تمثيلا لما غاب عنا بما ~~نشاهد {تجري} . ولما كانت - لو عمها الماء الجاري - بحرا لا بساتين، أدخل ~~الجار للدلالة على أنه خاص ببعض أرضيها فقال: {من تحتها} أي قصورها ~~وأشجارها {الأنهار} وقيل: هذا المذكور هو الخبر كما تقول: صفة زيد أسمر. # ولما كان هذا ريا حقيقيا في أرض هي في غاية الخلوص والطيب، كان سببا ~~لدوام ثمرها واستمساك ورقها، فلذلك أتبعه ms2411 قوله: {أكلها} أي ثمرها الذي يؤكل ~~{دائم} لا ينقطع أبدا {وظلها} ليس كما في الدنيا، لا ينسخ بشمس ولا غيرها، ~~قال أبو حيان: تقول: مثلت الشيء - إذا وصفته وقربته للفهم، وليس هذا ضرب ~~مثل، فهو كقوله {ولله المثل الأعلى} [النحل: 60] ، أي الصفة العليا - كذا ~~قال، ويمكن أن يكون ذلك حقيقة، ويكون هناك محذوف، وهو جنة من جنان الدنيا ~~تجري من تحتها الأنهار - إلى آخره، وهو من قول الزجاج. # ثم ابتدأ إخبارا آخر تعظيما لشأنها وتفخيما لأمرها في قوله تعالى: # PageV10P354 # {تلك} أي الجنة العالية الأوصاف {عقبى} أي آخر أمر {الذين اتقوا} ثم كرر ~~الوعيد للكافرين فقال: {وعقبى} أي منتهى أمر {الكافرين} بالرحمن، المتضمن ~~للكفر بالوحي والموحى إليه {النار *} . # ولما وصف العالمين بأن المنزل إليه هو الحق برجاحة العقول وأصالة الأداء ~~المؤدية إلى الصلاح الموجب لكل سعادة، والكافرين به بضعف العقول الدافع إلى ~~الفساد الموصل إلى سوء الدار، ومر فيما يلائمه إلى أن ختمه بمثل ما ختم به ~~ذلك، عطف على ذلك قوله - ويمكن أن يكون اتصاله بما قبله أنه معطوف على ~~محذوف هو علة لختم الآية السالفة، تقديره: لأنهم ساءهم ما أنزل إليه حسدا ~~وجهلا -: {والذين آتيناهم} أي بما لنا من العظمة التي استنقذتهم من الضلال ~~{الكتاب} ولم يكفروا بالرحمن ولا بما أنزل ولا بمن أرسل {يفرحون بما} ولما ~~كان المنزل دالا بإعجازه على المنزل، بنى للمفعول قوله: {أنزل إليك} أي من ~~هذا الكتاب الأعظم لموافقته تلك الكتب لأن كلام الله كله من مشكاة واحدة، ~~وتخصيصهم لأنهم هم المنتفعون بالكتاب دون غيرهم، فكأنه ما أنزل إلا إليهم، ~~وهذا العطف # PageV10P355 # يرجح أن يكون الموصول هناك مرفوعا بالابتداء {ومن الأحزاب} من أهل ~~الأوثان والكتاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم {من ينكر ~~بعضه} كالتوحيد ونعت الإسلام ونبوة النبي صلى الله عليه وسلم وما يتبع ذلك ~~مما حرفوه وبدلوه، ويريد أن يكون الأمر تابعا فيه لغرضه، فالمشركون يريدون ~~أن يمدح آلهتهم في بعض الآيات أو أن يسقط وصفها بالعيب، واليهود يريدون ms2412 أن ~~ينزل ما يوافق فروع التوراة كما أنزل ما وافق الأصول، وينكرون النسخ، وأهل ~~الإنجيل يريدون أن ينزل في المسيح ما يهوون ونحو ذلك؛ قال المفسرون: كانوا ~~لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعل مما هو ثابت في كتبهم غير محرف، ~~فلكفرهم بذلك البعض أمره أن يعلمهم باعتقاده كفروا أو شكروا فقال: {قل إنما ~~أمرت} أي وقع الأمر الجازم الذي لا شك فيه ولا تغير ممن له الأمر كله {أن ~~أعبد الله} أي الذي لا شيء مثله وحده، ولذلك قال: {ولا أشرك به} لا أفعل ~~إلا ما يأمرني به من غير نظر إلى سواه، ديني مقصور على ما أنكرتموه {إليه} ~~وحده {أدعوا وإليه} خاصة {مآب *} أي إيابي # PageV10P356 # ومكانه وزمانه، معنى بالتوبة عند الفتور عن القيام بحقه، وحسا بالبعث ~~للجزاء؛ والكتاب: الصحيفة التي فيها الخط - وهو الكتابة، وهي تأليف الحروف ~~التي تقرأ في الصحيفة، والفرح: لذة القلب التي تجلي الهم بنيل المشتهى، ~~والحزب: الجماعة التي تقوم بالنائبة. # ولما بينت هذه الآيات من مراتب الإعجاز ما بينت، أتبع تعالى ذكر ما أنزل ~~قوله: {وكذلك} أي ومثل هذا الإنزال، البديع المثال، البعيد المنال؛ ولا ~~يبعد أن يكون عطفا على {كذلك أرسلناك} أو مثل إنزال كتب أهل الكتاب ~~{أنزلناه} بما لنا من العظمة حال كونه {حكما عربيا} أي ممتلئا حكمة تقضي ~~بالحق، فائقا لجميع الكتب بهذا الوصف؛ والحكم: القطع بالمعنى على ما تدعو ~~إليه الحكمة، وهو أيضا فصل الأمر على الحق؛ فالمعنى أنه لا يقدر أحد على ~~نقض شيء منه، فإن ذلك في الحقيقة هو الحكم، وما ليس كذلك فليس بحكم، ~~والعربي: الجاري على مذاهب العرب في كلامها، فلا تلتفت إلى ما تدعوهم إليه ~~أهويتهم فيقترحونه من تأييدك بملك أو إتحافك بكنز أو تركك لبعض ما يوحى ~~إليك من سبب آلهتهم وتسفيه أحلامهم # PageV10P357 # وتضليل آبائهم أو غير ذلك من طلباتهم التي لو أتيتهم بها لم يكونوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - هذا في عباد الأوثان، وكذا في أهل الكتاب فيما ~~يدعون إليه من العود إلى ms2413 قبلتهم ونحوه {ولئن اتبعت أهواءهم} في شيء من ذلك ~~من النسخ أو غيره في القلبة أو غيرها ولا سيما مما يطلبونه من الآيات ~~المقترحة كما قال تعالى: # {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع ~~قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم} [البقرة: 145] . ولما ~~كان المراد التعميم في الزمان، نزع الجار، وأتى ب «ما» لأنها أعم من «الذي» ~~وأشد إبهاما، فهي الخفي معنى، فناسب سياق الوحي الذي هو غيب، ومعناه غامض - ~~إلا لبعض الأفراد - في الأغبياء بخلاف آية البقرة الأولى فإنها في الملة ~~الإبراهيمية المدركة بنور العقل الناشىء عن نظر المحسوسات فقال: {بعدما ~~جاءك} ولما كان قد أنعم عليه صلى الله عليه وسلم بأشياء غير العلم، بين ~~المراد بقوله: {من العلم} أي بالوحي بأن ذلك الاتباع لا يردهم سواء كان ذلك ~~الاتباع في أصول الشريعة أو فروعها خفية كانت أو جلية. # PageV10P358 # ولما كان المشروط استغراق جميع زمان البعد باتباع الأهواء، قال: {ما لك} ~~حينئذ {من الله} أي الملك الأعلى وأعرق في النفي فقال: {من ولي} أي ناصر ~~يتولى من نصرك وجميع أمرك ما يتولاه القريب مع قريبه. ولما كان مدلول «ما» ~~أعم من مدلول «الذي» لشمولها الظاهر والخفي، وكان من خالف الخفي أعذر ممن ~~خالف الظاهر، نفى الأخص من النصير فقال: {ولا واق *} أي يقيك بنفسه فيجعلها ~~دون نفسك، وقد يوجد من الأنصار من لا يسمع بذلك، وهذا بعث للأمة وتهييج على ~~الثبات في الدين والتصلب فيه، والهوى - مقصورا: ميل الطباع إلى الشيء ~~بالشهوة، والعلم: تبين الشيء على ما هو به. # PageV10P359 # ولما حسمت الأطماع عن إجابتهم رجاء الاتباع أو خشية الامتناع، وكان بعضهم ~~قد قال: لو كان نبيا شغلته نبوته عن كثرة التزوج، كان موضع توقع الخبر عما ~~كان للرسل في نحو ذلك، فقال تعالى: {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة ~~{رسلا} ولما كانت أزمان الرسل غير عامة لزمان القبل، أدخل الجار فقال: {من ~~قبلك} أي ولم نجعلهم ملائكة بل جعلناهم بشرا، ms2414 {و} أثقلنا ظهورهم بما يدعو ~~إلى # PageV10P359 # المداراة والمسالمة بإرضاء الأمم في بعض أهوائهم، أو فصل الأمر عند تحقق ~~المصارمة بإنجاز الوعيد بأن {جعلنا} أي بعظمتنا {لهم أزواجا} أي نساء ~~ينكحونهن؛ والزوج: القرين من الذكر والأثى، وهو هنا الأنثى {وذرية} وهي ~~الجماعة المتفرقة بالولادة عن أب واحد في الجملة، وفعل بهم أممهم ما يفعل ~~بك من الاستهزاء، فما اتبع أحد منهم شيئا من أهواء أمته {و} لم نجعل إليهم ~~الإتيان بما يقترح المتعنتون من الآيات تالفا لهم، بل {ما كان لرسول} أي ~~رسول كان {أن يأتي بآية} مقترحة أو آية ناسخة لحكم من أحكام شريعته أو ~~شريعة من قبله أو غير ذلك {إلا بإذن الله} أي المحيط بكل شيء علما وقدرة، ~~فإن الأمور عنده ليست على غير نظام ولا مفرطا فيها ولا ضائعا شيء منها بل ~~{لكل أجل} أي غاية أمر قدره وحده لأن يكون عنده أمر من الأمور {كتاب *} قد ~~أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب والعقاب والأحكام والإيتان ~~بالآيات وغيرها، إثباتا ونسخا على ما تقتضيه الحكمة، والحكمة اقتضت أن ~~النبوة يكفي في إثباتها معجزة واحدة، وما زاد على ذلك فهو إلى المشيئة؛ ثم ~~علل ذلك بقوله: {يمحوا الله} أي الملك الأعظم {ما يشاء} أي محوه # PageV10P360 # من الشرائع والأحكام وغيرها بالنسخ فيرفعه {ويثبت} ما يشاء إثباته من ذلك ~~بأن يقره ويمضي حكمه كما قال تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننساها} [البقرة: ~~106] إلى قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 106] كل ~~ذلك بحسب المصالح التابعة لكل زمن، فإنه العالم بكل شيء، وهو الفعال لما ~~يريد لا اعتراض عليه، وقال الشافعي رحمه الله تعالى في الرسالة: يمحو فرض ~~ما يشاء ويثبت فرض ما يشاء. وإثبات واو «يمحوا» في جميع المصاحف مشير - بما ~~ذكر أهل الله من أن الواو معناه العلو والرفعة - إلى أن بعض الممحوات تبقى ~~آثارها عالية، فإنه قد يمحو عمر شخص بعد أن كانت له آثار جميلة، فيبقيها ~~سبحانه وينشرها ms2415 ويعليها، وقد يمحو شريعة ينسخها ويبقى منها آثارا صالحة تدل ~~على ما أثبت من الشريعة الناسخة لها، وأما حذفها باتفاق المصاحف أيضا في ~~{يمح الله الباطل} في الشورى مع أنه مرفوع أيضا، فللبشارة بإزهاق الباطل ~~إزهاقا هو النهاية - كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وذلك لمشابهة الفعل ~~بالأمر المقتضي لتحتم الإيقاع بغاية الاتقان والدفاع، وقال: {وعنده} مع ذلك ~~{أم} أي أصل {الكتاب *} لمن وهمه مقيد بأن الحفظ بالكتابة، وهو اللوح ~~المحفوظ الذي هو أصل كل كتاب، وقد تقدم # PageV10P361 # غير مرة أنه الكتاب المبين الذي هو بحيث يبين كل ما طلب علمه منه كلما ~~طلب؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو ~~منه ما يشاء ويثبت، وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء - انتهى. # والمراد - والله أعلم - أنه يكون في أم الكتاب أنا نفعل كذا - وإن كان في ~~الفرع على غير ذلك، فإنه بالنسبة إلى شريعة دون أخرى، فإذا نقضت الشريعة ~~الأولى فإنا نمحوه في أجل كذا، أو يكون المعنى: يمحو ما يشاء من ذلك الكتاب ~~بأن يعدم مضمونه بعد الإيجاد، ويثبت ما يشاء بأن يوجده من العدم وعنده أم ~~الكتاب؛ قال الرازي في اللوامع: وقد أكثروا القول فيها، وعلى الجملة فكل ما ~~يتعلق به المشيئة من الكائنات فهو بين محو وإثبات، محو بالنسبة إلى الصورة ~~التي ارتفعت، إثبات بالنسبة إلى الصورة الثانية، والقضاء الأزلي، والمشيئة ~~الربانية مصدر هذا المحو والإثبات، فلذلك هو القضاء وهذا هو القدر، فالقضاء ~~مصدر القدر، والقدر مظهر القضاء، والله تعالى وصفاته منزه عن التغير. # ولما تم ما أراد مما يتعلق بتألفهم، وختم بأنه سبحانه يفعل # PageV10P362 # ما يشاء من تقديم وتأخير ومحو وإثبات، وكان من مقترحاتهم وطلباتهم ~~استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا به، وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك ~~للبعض وإثباته ليؤمن غيره تقريبا لفصل النزاع، قال سبحانه وتعالى: {وإن ما ~~نرينك} أكده لتأكيد الإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلالة من ضل بعد إبلاغه، ~~نفيا لما يحمله عليه صلى الله ms2416 عليه وسلم شدة رحمته لهم وشفقته عليهم من ظن ~~أنه عليه أن يردهم إلى الحق حتما {بعض الذي نعدهم} وأنت حي مما تريد أو ~~يريد أصحابك، فصل الأمر به فثبت وقوعه إقرارا لأعينكم قبل وفاتك؛ والوعد: ~~الخبر عن خير مضمون، والوعيد: الخبر عن شر مضمون، والمعنى هاهنا عليه، ~~وسماه وعدا لتنزيلهم إياه في طلب نزوله منزلة الوعد {أو نتوفينك} قبل أن ~~نريك ذلك، وهو ممحو الأثر لم يتحقق، فالذي عليك والذي إلينا مستو بالنسبة ~~إلى كلتا الحالتين {فإنما عليك البلاغ} وهو إمرار الشيء إلى منتهاه، وهو ~~هنا الرسالة؛ وليس عليك أن تحاربهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات {وعلينا ~~الحساب *} وهو جزاء كل عامل بما عمل في الدنيا والآخرة، ولنا القوة التامة ~~عليه؛ والآية # PageV10P363 # من الاحتباك - كما مضى بيان ذلك في مثلها من سورة يونس عليه السلام. # PageV10P364 # ولما أرشد السياق إلى أن التقدير في تحقيق أنه سبحانه قادر على الجزاء ~~لمن أراد: ألم يروا أنا أهلكنا من قبلهم وكانوا أقوى منهم شوكة وأكثر عدة؟ ~~عطف عليه قوله: {أولم يروا أنا} أي بما لنا من العظمة {نأتي الأرض} التي ~~هؤلاء الكفرة بها، فكأنه قيل: أي إتيان؟ فقيل: إتيان البأس إذا أردنا، ~~والرحمة إذا أردنا {ننقصها} والنقص: أخذ شيء من الجملة تكون به أقل {من ~~أطرافها} بما يفتح الله على المسلمين مما يزيد به في أرض أهل الإسلام بقتل ~~بعض الكفار واستسلام البعض حتى يبيد أهلها على حسب ما نعلمه حكمة من تدبير ~~الأمور وتقليبها حالا إلى حال حتى تنتهي إلى مستقرها بعد الحساب في دار ~~ثواب أو عقاب، وذلك أن المسلمين كانوا يغزون ما يلي المدينة الشريفة من ~~أطراف بلاد الكفار كما أرشد تعالى إليه بقوله: {قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار} فيفتحونها أولا فأولا حتى دان العرب كلهم طوعا أو كرها بعد قتل ~~السادة وذل القادة - ولله غالب على أمره؛ والطرف: # PageV10P364 # المنتهى، وهو موضع من الشيء ليس وراءه منه شيء، وأطراف الأرض: جوانبها، ~~وكان يقال: الأطراف: منازل الأشراف، يطلبون القرب على الأضياف؛ ثم ms2417 أثبت ~~لنفسه تعالى أمرا كليا يندرج ذلك فيه، فقال لافتا الكلام من أسلوب التكلم ~~بالعظمة إلى غيبة هي أعظم العظمة بالاسم الأعظم: {والله} أي الملك الأعلى ~~{يحكم} ما يريد لأنه {لا معقب} أي أراد، لأن التعقيب: رد الشيء بعد فصله ~~{لحكمه} وقد حكم للإسلام بالغلب والإقبال، وعلى الكفر بالانتكاس والإدبار، ~~وكل من حكم على غير هذه الصفة فليس بحاكم، وذلك كاف في الخوف من سطوات ~~قدرته {وهو} مع تمام القدرة {سريع الحساب *} جزاءه محيط بكل عمل لا يتصور ~~أن يفوته شيء فلا بد من لقاء جزائه، وكل ما هو آت سريع، وهو مع ذلك يعد لكل ~~عمل جزاءه على ما تقتضيه الحكمة من عدل أو فضل حين صدوره، لا يحتاج إلى ~~زمان ينظر فيه ما جزاءه؟ ولا: هل عمل أو لا؟ لأنه لا تخفى عليه خافية؛ ~~والسرعة: عمل في قلة المدة على ما تحده الحكمة، والإبطاء: عمله في طول مدة ~~خارجة عن الحكمة، والسرعة محمودة، والعجلة مذمومة، وهو تعالى قادر على ~~الكفرة وإن كانوا # PageV10P365 # كالقاطعين بأنهم يغلبون، لما لهم من القوة والكثرة، مع جودة الآراء وحدة ~~الأفكار والقدرة بالأموال وإن اشتد مكرهم، فهو لا يغني عنهم شيئا، فقد ~~مكروا بك غير مرة ثم لم أزدك إلا علوا {وقد مكر الذين} ولما كان المراد ~~بالمكرة إنما هو بعض الناس في بعض الزمان قال: {من قبلهم} أي بالرسل ~~وأتباعهم، فكان مكرهم وبالا عليهم، فطوى في هذه الجملة مكرهم الذي اجتمعوا ~~عليه غير مرة وأتقنوه بزعمهم، فكان سبب الرفعة للإسلام وأهله وذل الشرك ~~وأهله، ودل على ذلك المطوي بواو العطف في قوله {وقد} وطوى في الكلام السابق ~~إهلاك الأمم الماضية في الاستدلال على قدرته على الجزاء الذي هو روح الحساب ~~ودل عليه بواو العطف في {أولم يروا} فتأمل هذا الإبراز في قوالب الإعجاز. # ولما كان ذلك كذلك، تسبب عنه أن يقال: {فلله} أي الملك الأعظم المحيط ~~علمه وقدرته خاصة {المكر جميعا} والمكر: الفتل عن البغية بطريق الحيلة، ~~ويلزمه الستر - كما مضى بيانه، ولا ms2418 شيء أستر عن العباد من أفعاله تعالى: ~~فلا طريق لهم إلى علمها # PageV10P366 # إلا من جهته سبحانه، وسمي فعله مكرا مجازا لأنه ناشىء عن مكرهم جزاء لهم؛ ~~ثم علل ذلك بقوله: {يعلم} ويجوز أن يكون تفسيرا لما قبله، لأن علم المكر من ~~الماكر مكن حيث لا يشعر أدق المكر {ما تكسب كل نفس} أي من مكر وغيره، ~~فيجازيهم إذا أراد بأن ينتج عن كل سبب أقاموه مسببا يكون ضد ما أرادوا، ولا ~~تمكنهم إرادة شيء إلا بإرادته، فستنظرون ماذا يحل بهم من بأسه بواسطتكم أو ~~بغيرها حتى تظفروا بهم فتبيدوهم أجمعين {وسيعلم الكافر} أي كل كافر بوعد لا ~~خلف فيه، إن كان من الجهل بحيث لا يعلم الأشياء إلا بالتصريح أو الحس {لمن ~~عقبى الدار *} حين نأتيهم ضد مرادهم؛ والكسب: الفعل لاجتلاب النفع أو دفع ~~الضر. # ولما تقدم قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية} عطف عليه ~~- بعد شرح ما استتبعه - قوله: {ويقول الذين كفروا} أي أوجدوا الكفر ولو على ~~أدنى الرتب، قولا على سبيل التكرار: {لست مرسلا} لكونك لا تأتي بمقترحاتهم ~~مع أنه لم يقل يوما: إنه قادر عليها، فكأنه قيل: فما أقول لهم؟ فقال: {قل ~~كفى} # PageV10P367 # والكفاية: وجود الشيء على مقدار الحاجة؛ ومعنى الباء في {بالله} أي الذي ~~له الإحاطة الكاملة - التأكيد، لأن الفعل جاز أن يضاف إلى غير فاعله إذا ~~أمر به أزيل هذا الاحتمال من وجهين: جهة الفاعل وجهة صرف الإضافة {شهيدا} ~~أي بليغ العلم في شهادته بلاطلاع على ما ظهر وما بطن {بيني وبينكم} يشهد ~~بتأييد رسالتي وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية وأوضح من الدلالة بهذا ~~الكتاب، ويشهد بتكذيبكم بادعائكم القدرة على المعارضة وترككم لها عجزا، ~~وهذا على مراتب الشهادة، لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كما شهد ~~به، والمعجزة فعل مخصوص يوجب القطع بأن ما جاءت لأجله كما هو {ومن عنده علم ~~الكتاب} مما أنزله فيه من الأصول والفروع والخبر عما كان يكون على نحو من ~~الأساليب ونمط من ms2419 المناهيج أخرس الفصحاء، وأبكم البلغاء، وأبهت الحكماء، ~~وهو الله تعالى، تأييدا وتحقيقا لدعواي، ويؤيد أن المراد به «الله» قراءة ~~{من} على أنها جارة، وفي سوقه هكذا على طريق الإبهام من ترويع النفس بهزها ~~إلى تطلب المتصف بهذا الوصف ما ليس في التعيين، فهو إذن كدعوى الشيء مقرونا ~~بدليله، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أن المنزل حق من عنده وأنهم ~~لا يؤمنون - والله الموفق. # PageV10P368 # سورة إبراهيم # بسم الله (الذي تفرد بالكمال، وعز عن أن يكون له كفو أو مثال) الرحمن ~~(لجميع خلقه بكتاب هو الغاية في البيان) الرحيم (الذي اختار من عباده من ~~ألزمهم روح وداده) الر (مقصود السورة التوحيد، وبيان أن هذا الكتاب غاية ~~البلاغ إلى الله، لأنه كافل ببيان الصراط الدال عليه المؤدى إليه. # ناقل - بما فيه من الأسرار - للخلق من طور إلى طور - بما يشير إليه حرف ~~الراء، وأدل ما فيها على هذا المرام قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أما ~~التوحيد فواضح، وأما أمر الكتاب فلأنه من جملة دعائه لذريته الذين أسكنهم ~~عند البيت المحرم من ذرية إسماعيل عليه السلام)) ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم يتلوا عليهم آياتك وبعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم () [البقرة: 129] . # ولما ختم الرعد بأنه لا شهادة تكافىء شهادة من عنده علم الكتاب إشارة إلى ~~أن الكتاب هو الشاهد بإعجازه ببلاغته وما حوى من # PageV10P369 # فنون العلوم، وأتى به في ذاك السياق معرفا لما تقدم من ذكره في البقرة ~~وغيرها ثم تكرر وصفه في سورة يونس وهود ويوسف والرعد بأنه حكيم محكم مفصل ~~مبين، وأنه الحق الثابت الذي تزول الجبال الرواسي وهو ثابت لا يتعتع شيء ~~منه. # ولا يزلزل معنى من معانيه، ذكره في أول هذه السورة منكرا تنكير التعظيم ~~فقال: # PageV10P370 # {كتاب} أي عظيم في درجات من العظمة. لا تحتمل عقولكم الإخبار عنها بغير ~~هذا الوصف، ودل تعليل وصفه بالمبين بأنه عربي على أن التقدير: {أنزلناه} أي ~~بما لنا من العظمة {إليك} بلسان قومك لتبين لهم. # ولما استجمع التعريف بالأوصاف الموجبة للفلاح المذكورة أول ms2420 السورة ~~المستدل عليها بكل برهان منير وسلطان مبين، فصار بحيث لا يتوقف عن اجتناء ~~ثمرته من وقف على حقائق تلك النعوت، شوق إلى تلك الثمرة بعد تفصيل ما في ~~أول البقرة في التي قبلها كما مضى بما يحث عليه ويقبل بقلب كل عاقل إليه ~~فقال: {لتخرج الناس} أي عامة قومك وغيرهم بدعائك إياهم به وإن كانوا ذوي ~~اضطراب {من الظلمات} التي هي أنواع كثيرة # PageV10P370 # من الضلالات التي أدت إليها الجهالات {إلى النور} الذي هو واحد، وهو سبيل ~~الله المدعو بالهداية إليه في الفاتحة، أو لتبين للعرب قومك لأنه بلسانهم ~~بيانا شافيا، فتجعلهم - بما تقيم عليهم من الحجج الساطعة، وتوضح لهم من ~~البراهين القاطعة، وتنصب لهم من الأعلام الظاهرة، وتحكم لهم من الأدلة ~~الباهرة - في مثل ضوء النهار بما فتح من مقفل أبصارهم، وكشف عن أغطية ~~قوبهم، فيكونوا متمكنين من أن يخرجوا من ظلمات الكفر التي هي طرق الشيطان ~~إلى نور الإيمان الذي هو سبيله {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ~~[الأنعام: 153] وشبه الإيمان وما أرشد إليه بالنور، لأنه عصمة العقل من ~~الخطأ في الطريق إلى الله كما أن النور عصمة البصر من الضلال عن الطريق ~~الحسي، وإذا خرجوا إلى النور كانوا جديرين بأن يخرجوا جميع الناس {بإذن ~~ربهم} أي المحسن إليهم؛ والإذن: الإطلاق في الفعل بقول يسمع بالأذن، هذا ~~أصله - قاله الرماني. # ولما كان النور مجملا، بينه على سبيل الاستئناف أو البدل بتكرير العامل ~~فقال: {إلى صراط العزيز} الذي تعالى عن صفات النقص # PageV10P371 # فعز عن أن يدخل أحد صراطه الذي هو ربه، أو يتعرض أحد إلى سالكه بغير إذنه ~~{الحميد} المحيط بجميع الكمال، فهو المستحق لجميع المحامد لذاته وبما يفيض ~~على عباده من النعم التي يربيهم ويتحمد إليهم بها على كل حال، فكيف إذا ~~سلكوا سبيله الواضح الواسع السهل! . # ولما أضاف طريق النجاة إلى وصفين يجوز إطلاق كل منهما على الخلق، بينهما ~~باسمه الشريف العلم على الاستئناف في قراءة نافع وابن عامر بالرفع. وعلى ~~أنه عطف بيان في قراءة ms2421 الباقين بالجر لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام ~~لاختصاصه بالمعبود بحق ووصفه بما اقتضى توحيده، فقال: {الله} أي المحيط ~~علما وقدرة {الذي له ما في السماوات} أي الأجسام العالية من الأراضي ~~وغيرها. ولما كان في سياق الدلالة على الخالق وإثبات توحيده، أكد بإعادة ~~الموصول مع صلته فقال: {وما في الأرض} أي فويل لمن أشرك به شيئا منهما أو ~~فيهما، فإنه لا أبين من أن ما كان مملوكا لا يصلح لأن يكون شريكا. ويجوز أن ~~يكون التقدير: فوأل ونجاة وسلامة لمن اهتدى به فخرج من ظلمات الكفر {وويل} ~~مصدر بمعنى الهلاك، ينصب نصب المصادر ثم يرفع # PageV10P372 # رفعها لإفادة أن معنى الهلاك - وهو ضد الوأل الذي هو النجاة - ثابت ~~{للكافرين} الذين ستروا أدلة عقولهم {من عذاب شديد} تتضاعف آلامه وقوته؛ ~~والشدة: تجمع يصعب معه التفكيك. # PageV10P373 # ولما أشار إلى ما للكافرين، وصفهم بما عاقهم عن قبول الخير وتركهم في ~~أودية الشر فقال: {الذين يستحبون} أي يطلبون أن يحبوا أو يوجدون المحبة ~~بغاية الرغبة متابعة للهوى {الحياة الدنيا} وهي النشأة الأولى التي هي دار ~~الارتحال، مؤثرين لها {على الآخرة} أي النشأة الأخرى التي هي دار المقام، ~~وذلك بأن يتابعوا أنفسهم على حبها حتى يكونوا كأنهم طالبون لذلك، وهذا دليل ~~على أن المحبة قد تكون بالإرادة؛ والمحبة: ميل الطباع إلى الشيء بالشهوة، ~~فهم يمتنعون خوفا على دنياهم التي منها رئاستهم عن سلوك الصراط {و} يضمون ~~إلى ذلك أنهم {يصدون} أي يعرضون بأنفسهم ويمنعون غيرهم {عن سبيل الله} أي ~~طريق الملك الأعظم؛ والسبيل: المذهب المهيأ للسلوك {و} يزيدون # PageV10P373 # على ذلك أنهم {يبغونها} أي يطلبون لها، حذف الجار وأوصل الفعل تأكيدا له ~~{عوجا} والعوج: ميل عن الاستقامة، وهو بكسر العين في الدين والأمر والأرض، ~~وبالفتح في كل ما كان قائما كالحائط والرمح ونحوهما {أولئك} أي البعداء ~~البغضاء {في ضلال بعيد *} أي عن الحق، إسناد مجازي، لأن البعيد أهل الضلال ~~بميلهم عن الباقي إلى الفاني وبطلبهم العوج فيما قومه الله المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما. # ولما قدم ما أفهم ms2422 أنه أرسله صلى الله عليه وسلم بلسان قومه إلى الناس ~~كافة لأن اللسان العربي أسهل الألسنة وأجمعها وأفصحها وأبينها، فكان في ~~غاية العدالة، وختم بأن السبيل إليه في غاية الاستقامة والاعتدال، دل على ~~شرف هذا اللسان لصلاحيته لجميع الأمم وخفته عليهم بخصوص لسان كل من الرسل ~~بقومه، فلذلك أتبعه قوله: {وما أرسلنا} أي بما لنا في العظمة، وأعرق في ~~النفي فقال: {من رسول} أي في زمن من الأزمان {إلا بلسان} أي لغة {قومه} أي ~~الذين فيهم قوة المحاولة لما يريدون {ليبين} أي بيانا شافيا {لهم} كما تقدم ~~أنا أرسلناك بكتاب عربي بلسان قومك لتبين لهم # PageV10P374 # ولجميع الخلق، فإن لسانك أسهل الألسنة وأعذبها، فهو معطوف على {أنزلناه} ~~بالتقدير الذي تقدم، فإذا تقرر ذلك علم أنه لا مانع حينئذ لأمة من الأمم عن ~~الاستقامة على هذا الصراط إلا إذن الله ومشيئته {فيضل} أي فتسبب عن ذلك أنه ~~يضل {الله} أي الذي له الأمر كله {من يشاء} إضلاله، وقدم سبحانه هذا ~~اهتماما بالدلالة على أنه سبحانه خالق الشر كما أنه خالق الخير مع أن ~~السياق لذم الكافرين الذين هم رؤوس أهل الضلال {ويهدي من يشاء} هدايته فإنه ~~سبحانه هو المضل الهادي، وأما الرسل فمبينون ملزمون للحجة تمييزا للضال من ~~المهتدي {وهو} أي وحده {العزيز} الذي لا يرام ما عنده إلا به، ولا يمتنع ~~عليه شيء أراده {الحكيم *} الذي لا ينقض ما دبره، فلذلك دبر بحكمته إرساله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الخلق كافة باللسان العربي، لأن المقصود ~~جمع الخلق على الحق، فجمعهم على لسان واحد أنسب ما يكون لذلك، ولو أنزل ~~بألسنة كلها لكان منافيا لهذا المقصود، وإن كان مع الإعجاز بكل لسان كان ~~قريبا من الإلجاء فيفوت الإيمان بالغيب، ويؤدي أيضا إلى ادعاء أهل كل لسان # PageV10P375 # أن التعبير عنه بلسانهم أعظم، فيؤدي ذلك إلى المفاخرة والعصبية المؤدي ~~إلى أشد الفرقة، وأنسب الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم، أقرب إليه، فيكون ~~فهمهم لأسرار شريعته ووقوفهم على حقائقها أسهل، ويكونون عن الغلط والخطأ ms2423 ~~أبعد، فإذا فهموا عنه دعوا من يليهم بالتراجمة وهلم جرا، فانتشر الأمر وعم ~~وسهل، وكان مع ذلك أبعد من التحريف وأسلم من التنازع. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كانت سورة الرعد على ما تمهد بأن ~~كانت تلك الآيات والبراهين التي سلفت فيها لا يبقى معها شك لمن اعتبر بها ~~لتعظيم شأنها وإيضاح أمرها، قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور} [إبراهيم: 1] أي إذا هم تذكروا به واستبصروا ببراهينه ~~وتدبروا آياته {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض} [الرعد: 31] ~~. ولما كان هذا الهدى والضلال كل ذلك موقوف على مشيئته سبحانه وسابق إرادته ~~وقد قال لنبيه عليه السلام {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} قال تعالى هنا ~~{بإذن ربهم} ، إنما عليك البلاغ. ولما قال تعالى: {وكأين من آية من ~~السماوات والأرض} [يوسف: 105] تم # PageV10P376 # بسطها في سورة الرعد، أعلم هنا أن ذلك كله له وملكه فقال: {الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض} [إبراهيم: 2] فالسماوات والأرض بجملتهما وما فيهما ~~من عظيم ما أوضح لكم الاعتبار به، كل ذلك له ملكا وخلقا واختراعا، {وله ~~أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} [آل عمران: 83] {وويل للكافرين من ~~عذاب شديد} [إبراهيم: 2] لعنادهم مع وضوح الأمر وبيانه {ويصدون عن سبيل ~~الله} [التوبه: 34] مع وضوح السبيل وانتهاج ذلك الدليل، ثم قال تعالى: {وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] وكأن هذا من تمام قوله سبحانه ~~{ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} [الرعد: 38] وذلك أن ~~الكفار لما حملهم الحسد والعناد وبعد الفهم بما جبل على قلوبهم وطبع عليها ~~على أن أنكروا كون الرسل من البشر حتى قالوا: {أبشر يهدوننا} [التغابن: 6] ~~، {ما أنتم إلا بشر مثلنا} [يس: 15] وحتى قالت قريش: {لولا أنزل عليه ملك} ~~[الأنعام: 8] ، {ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} {وقالوا ~~لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] فما كثر هذا ~~منهم وتبع خلفهم في هذا سلفهم، رد تعالى أزعامهم ms2424 وأبطل توهمهم في آيات وردت ~~على التدريج # PageV10P377 # في هذا الغرض شيئا فشيئا، فأول الوارد من ذلك في معرض الرد عليهم وعلى ~~ترتيب سور الكتاب قوله تعالى: # {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم} [يونس: 2] ، الآية ثم أتبع ذلك ~~بانفراده تعالى بالخلق والاختراع والتدبير والربوبية، وفي طي ذلك أنه يفعل ~~ما يشاء لأن الكل خلقه وملكه، وأنه العليم بوجه الحكمة في إرسال الرسل ~~وكونهم من البشر، فأرغم الله تعالى بمضمون هذة الآي كل جاحد معاند؛ ثم ذكر ~~تعالى في سورة هود قول قوم نوح {ما نراك إلا بشرا مثلنا} [هود: 27] ، الآية ~~وجوابه عليه السلام {أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده ~~فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} [هود: 63] أي أني وإن كنت في ~~البشرية مثلكم فقد خصني الله بفضله وآتاني رحمة من عنده وبرهانا على ما ~~جئتكم به عنه، وفي هذه القصة أعظم عظة، ثم جرى هذا لصالح وشعيب عليهما ~~السلام، وديدن الأمم أبدا مع أنبيائهم ارتكاب هذه المقالات، وفيها من الحيد ~~والعجز عن مقاومتهم ما لا يخفى وما هو شاهد على تعنتهم، ثم زاد سبحانه ~~تعالى # PageV10P378 # نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعريفا بأحوال من تقدمه من الأنبياء ~~عليهم السلام ليسمع ذلك من جرى له مثل ما جرى لهم فقال مثل مقالتهم، فقال ~~تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} [الرعد: 38] ~~وأعلم سبحانه أن هذا لا يحط شيئا من مناصبهم، بل هو واقع في قيام الحجة على ~~العباد. ثم تلا ذلك بقوله: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: ~~4] أي ليكون أبلغ في الحجة وأقطع للعذر، فربما كانوا يقولون عند اختلاف ~~الألسنة: لا نفهم عنهم، إذ قالوا ذلك مع اتفاق اللغات، فقد قال قوم شعيب ~~عليه السلام {وما نفقة كثيرا مما تقول} [هود: 91] هذا وهو عليه السلام ~~يخاطبهم بلسانهم فكيف لو كان على خلاف ذلك بل لو خالفت الرسل عليهم السلام ~~الأمم في التبتل وعدم اتخاذ الزوجات والأولاد واستعمال الأغذية ms2425 وغيرها من ~~مألوفات البشر لكان منفرا، فقد بان وجه الحكمة في كونهم من البشر ولو كانوا ~~من الملائكة لوقع النفار والشرود لافتراق الجنسية، وإليه الإشارة بقوله ~~تعالى: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} [الأنعام: ~~9] أي ليكون أقرب إليهم لئلا يقع تنافر فكونهم من البشر أقرب وأقوم للحجة. ~~ولما كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم عامة، كان عليه الصلاة والسلام # PageV10P379 # يخاطب كل طائفة من طوائف العرب بلسانها ويكلمها بما تفهم، وتأمل كم بين ~~كتابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنس رضي الله عنه في الصدقة وكتابه إلى ~~وائل بن حجر مع اتحاد الغرض، وللكتابين نظائر يوقف عليها في مظانها، وكل ~~ذلك لتقوم الحجة على الجميع، واستمر باقي سورة إبراهيم عليه السلام على ~~التعريف بحال مكذبي الرسل ووعيد من خالفهم وبيان بعض أهوال الآخرة وعذابها ~~- انتهى. # PageV10P380 # ولما ذكر سبحانه الرسل بما ذكره، توقع السامع تفصيل شيء من أخبارهم، ~~فابتدأ بذكر من كتابه أجل كتاب بعد القرآن هدى للناس دليلا على أنه يفعل ما ~~يشاء من الإضلال والهداية، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~وتثبيتا وتصبيرا على أذى قومه، وإرشادا إلى ما فيه الصلاح في مكالمتهم، ~~فقال مصدرا بحرف التوقع: {ولقد أرسلنا} أي بعظمتنا {موسى بآياتنا} أي ~~البينات؛ ثم فسر الإرسال بقوله: {إن أخرج قومك} أي الذين فيهم قوة على ~~مغالبة الأمور # PageV10P380 # {من الظلمات} أي أنواع الجهل {إلى النور *} بتلك الآيات {وذكرهم} أي ~~تذكيرا عظيما {بأيام الله} أي الذي له الجلال والإكرام من وقائعه في الأمم ~~السالفة وغير ذلك من المنح لأوليائه والمحن لأعدائه كما أرسلناك لذلك {إن ~~في ذلك} أي التذكير العظيم {لآيات} على وحدانية الله وعظمته {لكل صبار} أي ~~بليغ الصبر بلاء الله، قال في العوارف: وقال أبو الحسن بن سالم: هم ثلاثة: ~~متصبر، وصابر، وصبار، فالمتصبر من صبر في الله، فمرة يصبر ومرة يجزع، ~~والصابر من يصبر في الله ولله ولا يجزع ولكن يتوقع منه الشكوى، وقد يمكن ~~منه الجزع، فأما الصبار فذلك ms2426 الذي صبره الله في الله ولله وبالله، فهذا لو ~~وقع عليه جميع البلايا لا يجزع ولا يتغير من جهة الوجوب والحقيقة، لا من ~~جهة الرسم # PageV10P381 # والخليقة، وإشارته في هذا ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة. {شكور ~~*} أي عظيم الشكر لنعمائه، فإن أيامه عند أوليائه لا تخلو من نعمة أو نقمة، ~~وفي صيغة المبالغة أشارة إلى أن عادته تعالى جرت بأنه إنما ينصر أولياءه ~~بعد طول الامتحان بعظيم البلاء ليتبين الصادق من الكاذب {حتى يقول الرسول ~~والذين آمنوا معه متى نصر الله} [البقرة: 214] {حتى إذا استيئس الرسل} ~~[يوسف: 110] ، {الم أحسب الناس أن يتركوا} [العنكبوت: 2] وذلك أنه لا شيء ~~أشق على النفوس من مفارقة المألوف لا سيما إن كان دينا ولا سيما إن كان قد ~~درج عليه الأسلاف، فلا يقوم بالدعاء إلى الدين إلا من بلغ الذروة في الصبر. # ولما ذكر ما أمر به موسى عليه السلام، وكان قد تقدم أمره في الشريف إليه ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالاقتداء بالأنبياء الذين هو من رؤوسهم وأولي ~~عزمهم، كان كأنه قيل: فبين أنت للناس ما نزل إليهم وذكرهم بأيام الله ~~اقتداء بأخيك موسى عليه السلام {و} اذكر لهم خبره فإن أيامه من أعظم أيام ~~الله: أشدها محنة وأجلها منحة {إذ قال موسى} امتثالا لما أمرناه به {لقومه} ~~مذكرا لهم بأيام الله معهم ثم أيامه مع غيرهم. # PageV10P382 # ولما كان المراد بالتذكير بالأيام زيادة الترغيب والترهيب، أشار إلى أن ~~مقام الترهيب هنا أهم للحث على تركهم الضلال بترك عادته في الترفق بمثل ما ~~في البقرة والمائدة من الاستعطاف بعاطفة الرحم بقوله: {ياقوم} فأسقطها هنا ~~إشارة إلى أن المقام يقتضي الإبلاغ في الإيجاز في التذكير للخوف من ~~معاجلتهم بالعذاب فقال: {اذكروا نعمة الله} أي ذي الجلال والإكرام، وعبر ~~بالنعمة عن الإنعام حثا على الاستدلال بالأثر على المؤثر {عليكم} ثم أبدل ~~من «نعمة» قوله: {إذ} وهو ظرف النعمة. # ولما كانوا قد طال صبرهم جدا بما طال من بلائهم من فرعون على وجه لا يمكن ms2427 ~~في العادة خلاصهم منه، وإن أمكن على بعد لم يكن إلا في أزمنة طوال جدا بتعب ~~شديد، أشار إلى أسراعه بخلاصهم بالنسبة إليه لو جرى على مقتضى العادة جزاء ~~لهم على طول صبرهم، فعبر بالإفعال دون التفعيل الذي اقتضاه سياق البقرة ~~فقال: {أنجاكم من} بلاء {آل فرعون} أي فرعون نفسه وأتباعه استعمالا للمشترك ~~في معنييه، فإن الآل على الشخص نفسه وعلى أهل الرجل وأتباعه # PageV10P383 # وأوليائه؛ قال في القاموس: ولا يستعمل إلا لما فيه شرف غالبا، فكأنهم ~~قالوا: من أي بلائهم؟ فقال: {يسومونكم} أي يكلفونكم ويولونكم على سبيل ~~الاستهانة والقهر {سوء العذاب} بالاستعباد. # ولما كان السياق للصبر البليغ، اقتضى ذلك العطف في قوله: {ويذبحون} أي ~~تذبيحا كثيرا مميتا - بما أفاده تعبير الأعراف بالقتل، ومعرفا بإعادة ~~التعبير بالذبح أن الموت بالسكين {أبناءكم ويستحيون} أي يطلبوا أن يحيوا ~~{نساءكم} لإفادة أن ذلك بلاء آخر {و} الحال أن {في ذلكم} أي الأمر الشديد ~~المشقة من العذاب المتقدم أو الإنجاء أو هما {بلاء من ربكم} أي المربي لكم ~~المدبر لأموركم {عظيم *} . # PageV10P384 # ولما ذكرهم بنعمة الأمن رغبهم فيما يزيدها، ورهبهم مما يزيلها فقال: ~~{وإذ} أي واذكروا إذ {تأذن ربكم} أي أعلم المحسن إليكم إعلاما بليغا ينتفي ~~عنه الشكوك قائلا: {لئن شكرتم} وأكده لما للأنفس من التكذيب بمثل ذلك ~~لأعتقادها أن الزيادة بالسعي في الرزق والنقص بالتهاون فيه {لأزيدنكم} من ~~نعمي، فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود «إن عطائي لعتيد فأرجوه» # PageV10P384 # {ولئن كفرتم} النعمة فلم تقيدوها بالشكر لأنقصنكم ولأعذبنكم {إن عذابي} ~~بإزالتها وغيرها {لشديد *} فخافوه، فالآية - كما ترى - من الاحتباك. # ولما كان من حث على شيء وأثاب عليه أو نهى عنه وعاقب على فعله يكون لغرض ~~له، بين أن الله سبحانه متعال عن أن يلحقه ضر أو نفع، وأن ضر ذلك ونفعه خاص ~~بالعبد فقال تعالى حاكيا عنه: {وقال موسى} مرهبا لهم معلما أن وبال الكفران ~~خاص بصاحبه {إن تكفروا} والكفر: تضييع حق النعمة بجحدها أو ما يقوم في ~~العظم مقامه {أنتم ومن في الأرض} وأكد بقوله: ms2428 {جميعا} فضرره لاحق بكم خاصة ~~غير عائد على الله شيء منه {فإن الله} أي الملك الأعظم {لغني} أي في ذاته ~~وصفاته عن كل أحد، والغنى هنا المختص بما ينفي لحاق الضرر أو النقص، ~~والمختص بأنه قادر لا يعجزه شيء، عالم لا يخفى عليه شيء، وذلك بنفسه لا ~~بشيء سواه، ومن لم يكن كذلك لم يكن غنيا {حميد *} أي بليغ الاستحقاق للحمد ~~بما له من عظيم النعم وبما له من صفات الكمال، وكل مخلوق يحمده بذاته ~~وأفعاله وجميع أقواله كائنة ما كانت، لأن إيجاده لها ناطق # PageV10P385 # بحمده سبحانه. # ذكر التأذن بذلك المذكر به من التوراة: # قال في السفر الخامس: واختاركم الله ربكم أن تكونوا له شعبا حبيبا من ~~جميع الشعوب التي على وجه الأرض، وليس لأنكم أكثر من جميع الشعوب أحبكم ~~الرب واختاركم، ولكن ليثبت الأيمان التي أقسم لآبائكم، لذلك أخرجكم الرب ~~بيد منيعة، وأنقذكم من العبودية، وخلصكم من يدي فرعون ملك مصر، لتعلموا أن ~~الله ربكم هو إله الحق، إله مهيمن يحفظ النعمة والعهد لأوليائه الذين ~~يحفظون وصيته لألف حقب، ويكافىء شنأته في حياتهم ويجزيهم بالهلاك والتلف، ~~احفظوا السنن والأحكام والوصايا التي آمركم بها اليوم فافعلوها يحفظ الله ~~الرب العهد والنعمة التي أقسم لآبائكم، ويحبكم ويبارك عليكم ويكثركم، ~~ويبارك في أولادكم وفي ثمرة أرضكم وفي بركم وخبزكم وزيتكم، وفي أقطاع بقركم ~~وجفرات غنمكم، وتكونوا # PageV10P386 # مباركين من جميع الشعوب، ولا يكون فيكم عاقر ولا عقيم ولا في بهائمكم، ~~ويصرف الله عنكم كل وجع، وجميع الضربات التي أنزل الله بأهل مصر - كما ~~تعلمون - لا ينزلها بكم بل ينزلها بجميع شنأتكم، وتأكلون جميع خيرات الشعوب ~~التي يعطيكم الله ربكم، ولا تشفق أعينكم عليهم، ولا تعبدوا آلهتهم لأنهم ~~فخاخ لكم، وإن قلتم في قلوبكم: إن هذه الشعوب أكثر منا فكيف نقدر أن ~~نهلكها! فلا تفرقوا منها ولكن اذكروا جميع ما صنع الله ربكم بفرعون ملك مصر ~~وكل أصحابه، والبلايا العظيمة التي رأيتم بأعينكم، والآيات والأعاجيب واليد ~~المنيعة والذراع العظيمة، وكيف أخرجكم الله ربكم! كذلك ms2429 يفعل الله ربكم ~~بجميع الشعوب التي تخافونها. # ويسلط الله ربكم عليهم عاهات حتى يهلكهم، والذين يبقون ويختفون منكم لا ~~تخافوهم لأن الله ربكم بينكم. الإله العظيم المرهوب، فيهلك الله ربكم هذه ~~الشعوب من بين أيديكم رويدا رويدا، لأنكم لا تقوون أن تهلكوهم سريعا لئلا ~~يكثر السباع، ولكن # PageV10P387 # يدفعهم الله ربكم إليكم وتضربونهم ضربة شديدة حتى تهلكوهم، ويدفع ملوكهم ~~في أيديكم وتهلكون أسماءهم من تحت السماء، لا يقدر أحد أن يقوم بين أيديكم ~~حتى تهلكوهم وتحرقوا آلهتهم المنحوتة بالنار، ولا تشتهوا الفضة والذهب الذي ~~عليها وتأخذوه منها لئلا تتنجسوا بها، لأنها مرذولة عند الله ربكم، فلا ~~تدخلوا نجاسة إلى بيوتكم لئلا تكونوا منفيين مثلها، ولكن أرذلوها ونجسوها ~~وصيروها نفاية بخسة لأنها حرام. ثم قال: انظروا! إني أتلو عليكم دعاء ~~ولعنا، أما الدعاء فتصيرون إليه إن أنتم حفظتم وصايا الله ربكم، وأما اللعن ~~فيدرككم إن أنتم لم تسمعوا وصايا الله ربكم، وزغتم عن الطريق الذي أمركم به ~~اليوم - وقد مضى كثير من أمثال هذا عن التوراة، ولا ريب في أن هذا الترغيب ~~والترهيب والتذكير للتحذير كما أنه كان لبني إسرائيل، فهو لكل من سمعه من ~~المكلفين. # PageV10P388 # ولما حذرهم انتقام الله إن كفروا، ذكرهم أيامه في الأمم الماضية، وعين ~~منهم الثلاثة الأولى لأنهم كانوا أشدهم أبدانا، وأكثرهم أعوانا، وأقواهم ~~آثارا، وأطولهم أعمارا، لأن البطش إذا برز إلى الوجود كان أهول، لأن النفس ~~للمحسوس أقبل، فقال دالا على ما أرشدهم إليه من غناه سبحانه وحمده مخوفا ~~لهم من سطوات الله سبحانه: {ألم يأتكم} أي يا بني إسرائيل {نبأ الذين} ولما ~~كان المراد قوما مخصوصين لم يستغرقوا الزمان قال: {من قبلكم} ثم أبدل منهم ~~فقال: {قوم} أي نبأ قوم {نوح} وكانوا ملء الأرض {و} نبأ {عاد} وكانوا أشد ~~الناس أبدانا وأثبتهم جنانا {و} نبأ {ثمود} وكانوا أقوى الناس على نحت ~~الصخور وبناء القصور {و} نبأ {الذين} ولما كان المراد البعض، أدخل الجار ~~فقال: {من بعدهم} أي في الزمن حال كونهم في الكثرة بحيث {لا يعلمهم} ms2430 أي حق ~~العلم على التفصيل {إلا الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة، كفروا فأهلكهم ~~الله ولم يزل غنيا حميدا عند أخذهم وبعده كما كان قبله، وكان ابن مسعود رضي ~~الله عنه إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون. # ثم فصل سبحانه خبرهم، فقال - جوابا لمن كأنه قال: ما كان # PageV10P389 # نبأهم؟ {جاءتهم رسلهم بالبينات} وترك عطفه لشدة التباسه بالمستفهم عنه ~~{فردوا} أي الأمم عقب مجيء الرسل من غير تأمل جامعين في تكذيبهم بين الفعل ~~والقول {أيديهم في أفواههم} وهو أشارة إلى السكوت عن ذلك والتسكيت، كأنه لا ~~يليق أن يتفوه ولو على سبيل الرد؛ قال الرازي في اللوامع: حكى أبو عبيد: ~~كلمته في حاجتي فرد يده في فيه - إذا سكت ولم يجب. {و} بعد أن فعلوا ذلك ~~لهذه الأغراض الفاسدة {قالوا} أي الأمم {إنا كفرنا} أي غطينا مرائي عقولنا ~~مستهينين {بما} ولما كان رد الرسالة جامعا للكفر، وكانوا غير مسلمين أن ~~المرسل لهم هو الله، بنوا للمفعول قولهم: {أرسلتم به} أي لأنكم لم تأتونا ~~بما يوجب الظن فضلا عن القطع، فلذا لا يحتاج رده إلى تأمل. # ولما كان ما أتى به الرسل يوجب القطع بما يعلمه كل أحد، فكانوا بما قالوه ~~في مظنة الإنكار، أكدوا: {وإنا لفي شك} أي محيط بنا، وهو وقوف بين الضدين ~~من غير ترجيح أحدهما، يتعاقب # PageV10P390 # على حال الذكر ويضاد العلم والجهل. # ولما كان الدعاء مسندا إلى جماعة الرسل، أثبت نون الرفع مع ضمير ~~المتكلمين بخلاف ما مضى في هود، فقالوا {مما} أي شيء {تدعوننا} أيها الرسل ~~{إليه} أي من الدين {مريب} أي موجب للتهمة وموقع في الشك والاضطراب والفزع، ~~من أراب الرجل: صار ذا ريبة أي قلق وتزلزل. # PageV10P391 # ولما كان سامع هذا الكلام يشتد تشوفه إلى جوابه، وكان أصل الدعوة في كل ~~ملة التوحيد، وكان الشاك فيه شاكا في الله، وكان أمر الله من الظهور بحيث ~~لا يشك فيه عاقل حكم عقله مجردا عن الهوى، ساغ الإنكار وإيراد الكلام على ~~تقدير سؤال معرى من التقييد مبهم ms2431 في قوله: {* قالت رسلهم} ولما كان ما شكوا ~~فيه من الظهور بحيث لا يتطرق إليه ريب، أنكروا أن يكون فيه شك، لأن ذلك ~~يتضمن إنكار شكهم وشك غيرهم فقالوا: {أفي الله} أي الذي له جميع صفات ~~الكمال {شك} . # ولما كان الجواب عاما لا يخص ناسا دون ناس، لم يأت بصلة # PageV10P391 # فقال بخلاف قوله: {إن نحن إلا بشر} ثم نبهوهم بالمصنوع على مقصود الدعوة ~~من وجود الصانع وتفرده وظهوره في قولهم: {فاطر السماوات} ولما كان المقام ~~لادعاء أنه في غاية الظهور، لم يحتج إلى تأكيد بإعادة العامل، فقال: ~~{والأرض} أي على هذا المثال البديع والنمط الغريب المنتظم الأحوال، الجميل ~~العوائد، والمتسق الفصول؛ فلما أوضحوا لهم الأدلة على وحدانيته بينوا لهم ~~بأن ثمرة الدعوة خاصة بهم، إنه لا يأباها من له أدنى بصيرة، فقالوا: ~~{يدعوكم} أي على ألسنتنا {ليغفر لكم} . # ولما كان الكافر إنما يدعى أولا إلى الإيمان، وكان الإيمان إنما يجب ما ~~كان قبله من الذنوب التي معهم بينهم وبينه دون المظالم، قال: {من ذنوبكم} ~~ولو عم بالغفران لأفهم ذلك أنهم لا يدعون بعد الإيمان إلى عمل أصلا {و} لا ~~يفعل بكم فعل من تعهدون من الملوك في المعاجلة بالإهلاك لمن خالفهم، بل ~~{يؤخركم} وإن أخطأتم أو تعمدتم وتبتم {إلى أجل مسمى} عنده سبق علمه به، وهو ~~آجالكم على حسب التفريق، ولا يستأصلكم بالعذاب في # PageV10P392 # آن واحد كما فعل بمن ذكر من الأمم. # فلما بين لهم الأصيل بدليله فروع عليه ما لا ريب فيه في قصر نفعه عليهم، ~~علموا أنه لا يتهيأ لهم عن ذلك جواب فأعرضوا عنه إلى أن {قالوا} عنادا {إن} ~~أي ما {أنتم} أي أيها الرسل {إلا بشر} وأكدوا ما أرادوا من نفي الاختصاص ~~فقالوا: {مثلنا} يريدون: فما وجه تخصيصكم بالرسالة دوننا؟ ثم كان كأنه قيل: ~~فكان ماذا؟ فقالوا: {تريدون أن تصدونا} أي تلفتونا وتصرفونا {عما كان} أي ~~كونا هو كالجبلة، وأكدوا هذا المعنى للتذكير بالحال الماضية بالمضارع ~~فقالوا: {يعبد آباؤنا} أي أنكم - لكونكم من البشر الذين يقع ms2432 بينهم التحاسد ~~- حسدتمونا على اتباع الآباء وقصدتم تركنا له لنكون لكم تبعا {فأتونا} أي ~~فتسبب - عن كوننا لم نر لكم فضلا وإبدائنا من إرادتكم ما يصلح أن يكون ~~مانعا - أن نقول لكم: ائتونا لنتيعكم {بسلطان مبين *} أي حجة واضحة تلجئنا ~~إلى تصديقكم مما نقترحه عليكم، وهذا تعنت محض فإنهم جديرون # PageV10P393 # بأن يعرضوا عن كل سلطان يأتونهم به كائنا ما كان كما ألغوا ما أتوا هم به ~~من البينات فلم يعتدوا به، فكأنه قيل: فما كان جواب الرسل؟ فقيل: {قالت} . # ولما أرادوا تخصيصهم برد ما قالوا، قيد بقوله: {لهم رسلهم} مسلمين أول ~~كلامهم غير فاعلين فعلهم في الحيدة عن الجواب {إن} أي ما {نحن إلا بشر ~~مثلكم} ما لنا عليكم فضل بما يقتضيه ذواتنا غير أن التماثل في البشرية لا ~~يمنع اختصاص بعض البشر عن بعض بفضائل؛ والمثل: ما يسد مسد غيره حتى لو ~~شاهده مشاهد ثم شاهد الآخر لم يقع فصل {ولكن الله} أي الذي له الأمر كله ~~فضلنا عليكم لأنه {يمن على من يشاء} أي أن يمن عليه {من عباده} رحمة منه ~~له، بأن يفضله على أمثاله بما يقسمه له من المزايا كما أنتم به عارفون، فلم ~~يصرحوا بما تميزوا به من وصف النبوة، ولم يخصوا أنفسهم بمن الله بل أدرجوها ~~في عموم من شاء الله، كل ذلك تواضعا منهم واعترافا بالعبودية؛ والمن: نفع ~~يقطع به عن بؤس، وأصله القطع، ومنه {غير منون} ، والمنة قاطعة عن الدنيا. # PageV10P394 # ولما بينوا وجه المفارقة، عطفوا عليه بيان العذر فيما طلبوه منهم فقالوا: ~~{وما} أي فما كان لنا أن نتفضل عليكم بشيء من الأشياء لم يؤذن لنا فيه، وما ~~{كان} أي صح واستقام {لنا أن نأتيكم بسلطان} مما تقترحونه تعنتا، وهو ~~البرهان الذي يتسلط به على إبطال مذهب المخالف للحق غير المعجزة التي يثبت ~~بها النبوة {إلا بإذن الله} أي بإطلاق الملك الأعظم وتسويفه، فنحن نتوكل ~~على الله في أمركم إن أذن لنا في الإتيان بسلطان أو لم يأذن وافقتم أو ~~خالفتم {وعلى ms2433 الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه وحده {فليتوكل} ~~أي بأمر حتم {المؤمنون *} فكيف بالأنبياء؛ ثم بينوا سبب وجوب التوكل ~~بقولهم: {وما} أي وأي شيء {لنا} في {ألا نتوكل على الله} أي ذي الجلال ~~والإكرام {و} الحال أنه {قد هدانا سبلنا} فبين لنا كل ما نأتي وما نذر، فلا ~~محيص لنا عن شيء من ذلك، فلنفعلن جميع أوامره، ولننتهين عن جميع مناهيه ~~{ولنصبرن} أكدوا لإنكار أن يصبر الرسول - مع وحدته - على أذاهم مع كثرتهم ~~وقوتهم {على ما} وعبر بالماضي إشارة إلى أنهم عفوا عن أذاهم # PageV10P395 # في الماضي فلا يجازونهم به، فهو استجلاب إلى توبة أولئك المؤذين، وعدلوا ~~عن المضارع لأنهم ينتظرون أمر الله في الاستقبال فقد يأمرهم بالصبر، فقال: ~~{آذيتمونا} أي في ذلك الذي أمرنا به كائنا فيه ما كان لأنا توكلنا على الله ~~ونحن لا نتهمه في قضائه {وعلى الله} أي الذي له جميع صفات الكمال وحده ~~{فليتوكل المتوكلون *} الذين علموا من أنفسهم العجز سواء كانوا مؤمنين أو ~~لا، فوكلوا أمرا من أمورهم إلى غيرهم ليكفيهم إياه، فإنه محيط العلم كامل ~~القدرة، وكل من عداه عاجز، والصبر مفتاح الفرج، ومطلع الخيرات المطلق من ~~الكرب، والحق لا بد وأن يصير غالبا قاهرا، والباطل لا بد وأن يصير مغلوبا ~~مقهورا وإن طال الابتلاء. # PageV10P396 # ولما انقضت هذه المحاورة وقد علم منها كل منصف ما عليه الرسل من الحلم ~~والعلم والحكمة، وما عليه مخالفهم من الضلال والجهل والعناد، وكان في ~~الكلام ما ربما أشعر بانقضائه، ابتدأ تعالى عنهم # PageV10P396 # محاورة أخرى، عاطفا لها على ما مضى، فقال: {وقال الذين كفروا لرسلهم} ~~مستهينين بمن قصروا التجاءهم عليه، مؤكدين لاستشعارهم بإنكار من رأى مدافعة ~~الله عن أوليائه لقولهم: والذي يحلف به! ليكونن أحد الأمرين: {لنخرجنكم من ~~أرضنا} أي التي لنا الآن الغلبة عليها {أو لتعودن في ملتنا} بأن تكفوا عن ~~معارضتنا كما كنتم دعوى الرسالة، فإطلاق ملتهم على السكوت عنهم من إطلاق ~~اسم الكل على الجزء على زعمهم مثل {جعلوا أصابعهم في آذانهم} ms2434 [نوح: 7] وهو ~~مجاز مرسل، فصبروا على ذلك كما أخبروا به توكلا على ربهم واستمروا على ~~نصيحتهم لهم بدعائهم إلى الله {فأوحى إليهم} أي كلمهم في خفاء بسبب توعد ~~أممهم لهم، مختصا لهم بذلك {ربهم} المحسن إليهم الذي توكلوا عليه، تسكينا ~~لقلوبهم وتسلية لنفوسهم، وأكد لما - لمن ينظر كثرة الكفار وقوتهم - من ~~التوقف في مضمون الخبر ولا سيما إن كان كافرا، قائلا: {لنهلكن} بما لنا من ~~العظمة المقتضية لنفوذ الأمر؛ والإهلاك: إذهاب الشيء إلى حيث لا يقع عليه ~~الإحساس {الظالمين *} أي العريقين في الظلم، وربما تبنا على بعض # PageV10P397 # من أخبرنا عنه بأنه كفر، وهو من لم يكن عريقا في كفره الذي هو أظلم الظلم ~~{ولنسكننكم} أي دونهم {الأرض} أي مطلقها وخصوص أرضهم، وأشار إلى عدم الخلود ~~بالجار فقال: {من بعدهم} بأن نورثكموها سواء قدرناهم على إخراجكم أم لا، ~~فكأنه قيل: هل ذلك خاص بهم؟ فقيل: لا، بل {ذلك} أي الأمر العالي المرام ~~{لمن خاف مقامي} أي المكان الذي يقوم فيه من أحاسبه: ماذا تكون عاقبته فيه، ~~وهو أبلغ من: خافني، {وخاف وعيد *} لا بد أن أهلك ظالمه وأسكنه أرضه بعده، ~~فاستبشروا بذلك الوعد من الله تعالى {واستفتحوا} على أعدائهم فأفلحوا ~~وأنجحوا {وخاب كل جبار عنيد} فأهلكناهم كلهم، وكان لنا الغنى والحمد بعد ~~إهلاكهم كما كان قبله؛ والعناد: الامتناع من الحق مع العلم به كبرا وبغيا، ~~من عند عن الحق عنودا، والجبرية: طلب علو المنزلة بما ليس وراءه غاية في ~~الصفة، فهو ذم للعبد من حيث إنه طالب ما ليس له؛ ثم أتبعه ما هو كدليل على ~~خيبته من أن سيره إلى ما أمامه من العذاب، فهو واقع فيه لا محالة وهو لا ~~يشعر، # PageV10P398 # وعبر عن غفلته عنه بقوله: {من ورائه جهنم} أي لا بد أنه يتبوأها. # ولما كان المرجع وجود السقي للصديد مطلقا، بني للمفعول قوله: {ويسقى} أي ~~فيها {من ماء صديد} وهو غسالة أهل النار كقيحهم ودمائهم {يتجرعه} أي يتكلف ~~بلعه شيئا فشيئا لمرارته وحرارته، فيغص به ويلقى منه من ms2435 الشدة ما لا يعلم ~~قدره إلا الله {ولا يكاد يسيغه} ولا يقرب من إساغته، فإن الإساغة جر الشيء ~~في الحلق على تقبل النفس {ويأتيه الموت} أي أسبابه التي لو جاءه سبب منها ~~في الدنيا لمات {من كل مكان} والمكان: جوهر مهيأ للاستقرار، فهو كناية عن ~~أنه يحصل له من الشدائد ما يميت من قضى بموته {وما هو بميت} أي بثابت له ~~الموت أصلا. # لأنا قضينا بدوام حياته زيادة في عذابه، والموت: عرض يضاد الإدراك في ~~البنية الحيوانية {ومن ورائه} أي هذا الشخص، بعد ذلك في يوم الجزاء الذي لا ~~بد منه، وما خلقنا السماوات والأرض إلا من أجله {عذاب غليظ *} يأخذه في ذلك ~~اليوم - مع ما قدمته له في الدنيا - وهو غافل عنه # PageV10P399 # أخذ ما يكون من وراء، فيكون أشد كما هو الحال الآتي بغتة، أو يكون المعنى ~~أن من بعد هذا العذاب في جهنم عذابا آخر، لا تحتمل عقولكم وصفه بأكثر من ~~الغلظ. فلما فرغ من محاوراتهم، وما تبعها مما بين فيه أنه لا يغنيهم من ~~بطشه شيء، ضرب لهم في ذلك مثلا فقال: {مثل} وهو مستعار هنا للصفة التي فيها ~~غرابة {الذين كفروا} مستهينين {بربهم} مثل من قصد أمرا ثم لم ينظر لنفسه في ~~السلوك إليه بل اغتر بمن جار به عن الطريق، فأبعد كل البعد حتى وصل إلى ~~شعاب لا يمكن فيها المقام، ولا يتأتى منها الرجوع فهلك ضياعا. # ولما كان الفرق بين الإنسان والعدم إنما هو بالعمل، ذكر ما علم منه أن ~~المثل لأعمالهم على طريق الجواب لمن كأنه قال: ما مثلهم؟ فقال: {أعمالهم} ~~أي المكارم التي كانوا يعملونها في الدنيا من الصلة والعتق وفداء الأسرى ~~والجود ونحو ذلك، في يوم الجزاء، ويجوز أن يكون مبتدأ ثانيا - كما قال ~~الحوفي وابن عطية. وهو وخبره خبر المبتدأ الأول، ولا يحتاج إلى رابط لأنه ~~نفس المثل الذي معناه الصفة {كرماد} وهو ما سحقه الاحتراق سحق الغبار # PageV10P400 # {اشتدت به الريح} أي أسرعت بالحركة على عظم القوة؛ والريح: جسم رقيق ms2436 مثبت ~~في الجو من شأنه الهبوب، والرياح خمس: شمال وجنوب وصبا ودبور ونكباء {في ~~يوم عاصف} أي شديد الريح، فأطارته في كل صوب، فصاروا بحيث {لا يقدرون} أي ~~يوم الجزاء؛ ولما كان الأمر هنا متمحصا للأعمال، قدم قوله: {مما كسبوا} في ~~الدنيا من أعمالهم في ذلك اليوم {على شيء} بل ذهب هباء منثورا لبنائه على ~~غير أساس، فثبت بمقتضى ذلك أن الذين كفروا بربهم واستحبوا الحياة الدنيا ~~على الآخرة في ضلال بعيد، بل {ذلك} أي الأمر الشديد الشناعة {هو} أي خاصة ~~{الضلال البعيد *} الذي لا يقدر صاحبه على تداركه. # PageV10P401 # ولما ذكر الآخرة في أول السورة، ذكر ما هو ثابت لا نزاع فيه، ثم جر ~~الكلام إليه هنا على هذا الوجه الغريب، وأتبعه مثل أعمال الكفار في الآخرة، ~~أتبع ذلك الدليل عليه وعلى أنه لا يسوغ في الحكمة في أعمال الضلال إلا ~~الإبطال فقال: {ألم تر أن الله} أي الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة {خلق ~~السماوات} على عظمها وارتفاعها {والأرض} على تباعد # PageV10P401 # أقطارها واتساعها {بالحق} بالأمر الثابت من وضع كل شيء منها في موضعه على ~~ما تدعو إليه الحكمة لا بالخيال والتمويه كالسحر، ومن المعلوم أنهما ظرف، ~~ولا يكون المظروف الذي هو المقصود بالذات إلا مثل ظرفه أو أعلى منه، فكيف ~~يظن أنه يخلق شيئا فيهما سدى بأن يكون باطلا فلا يبطله، أو حقا فلا يحقه، ~~أم كيف يتوهم أنه - مع القدرة على إخراجهما من العدم وهما أكبر خلقا وأعظم ~~شأنا - لا يقدر على إعادة من فيهما وهم أضعف أمرا وأصغر قدرا، أو خلقهما ~~بسبب الحق وهو إعادة الناس إعادة يثبتون بها ويبقون بقاء لا فناء بعده، ~~فتسبب عن ذلك أنه عظيم القدرة، فهو بحيث {أن يشأ يذهبكم} أي بنوع من أنواع ~~الإذهاب: الموت أو غيره {ويأت بخلق جديد} غيركم أو يأت بكم بعد أن فنيتم ~~بحيث تعودون - كما أنتم - خلقا جديدا؛ والجديد: المقطوع عنه العمل في ~~الابتداء، وأصله القطع، فالجد أب الأب، انقطع عن الولادة بالأب، والجد ضد ~~الهزل، ms2437 يقطع به المسافة حسا أو معنى {وما ذلك} الإذهاب # PageV10P402 # والإتيان على عظمه {على الله} أي الملك الأعلى {بعزيز *} وهو الممتنع ~~بوجه من وجوه الامتناع لأنه ليس مثل خلق السماوات والأرض فضلا عن أن يكون ~~أعظم منه، فلا وجه لقولكم {هل ندلكم على رجل ينبئكم} [سبأ: 7] ، الآية لأن ~~من قدر على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فثبت بهذا ~~إبعادهم في الضلال الموجب لهلاك أعمالهم - التي هي أسبابهم - الموجب ~~لهلاكهم. # ولما ثبت بهذا البرهان قدرته على الإعادة بعد الموت، عطف على قوله: {لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء} [إبراهيم: 18] قوله - بيانا لهو أن البعث عنده ~~وسهولته عليه -: {وبرزوا} أي في ذلك اليوم، عبر بصيغة المضي الذي وجد ~~وتحقق، لأن أخبار الملوك يجب تحققها لقدرتهم وغناهم عن الكذب، فكيف بملك ~~الملوك! وفيه من هز النفس وروعتها ما ليس في العبارة بالمضارع لمن تأمل ~~المعنى حق التأمل {لله} أي الملك الأعظم {جميعا} فكانوا بحيث لا يخفى منهم ~~خافية على ما هو متعارفهم، لأنه لا ساتر لهم، فإن البروز خروج لشيء عما كان ~~ملتبسا به إلى حيث يقع عليه الحس في نفسه، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون من العذاب، فتقطعت بهم الأسباب {فقال الضعفاء} أي الأتباع # PageV10P403 # من أهل الضلال بسبب علمهم أنهم في القبضة لا ملجأ لهم، تبكيتا لرؤسائهم ~~وتوبيخا، تصديقا لقوله تعالى: # {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف: 67] {للذين ~~استكبروا} أي طلبوا الكبر وادعوه فاستتبعوهم به حتى تكبروا على الرسل ~~وأتباعهم ولم يكن لهم ذلك. {إنا كنا} أي كونا هو كالجبلة {لكم تبعا} أي ~~تابعين أو ذوي تبع فكنتم سبب ضلالنا، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع عن ~~أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم {فهل أنتم مغنون} أي دافعون {عنا من ~~عذاب الله} أي الذي له العظمة كلها فلا يطاق انتقامه، وأبلغوا بعد التبعيض ~~ب «من» الأولى في التقليل، فقالوا: {من شيء} كأن العذاب كان محتاجا إلى ~~أخذهم فأغنوه بشيء غيرهم حتى يجاوزهم لو دفعوه عنهم، فكأنه قيل: ms2438 إن ذلك ~~لعادة الرؤساء، فماذا قالوا؟ فقيل: {قالوا} علما منهم بأنه لا طاقة لهم على ~~نوع من أنواع التصرف: لا نغني عنكم شيئا، بل كل مجزي بما فعل، علينا إثم ~~ضلالنا في أنفسنا وإضلالنا لكم، وعليكم ضلالكم وذبكم عنا وتقويتكم لجانبنا ~~حتى استكبرنا # PageV10P404 # فاستغرقنا في الضلال، ولو أن الله هداكم حتى تبعتم الأدلة التي سمعتموها ~~كما سمعناها وتركتمونا، لكسر ذلك من شدتنا وأوهى من شوكتنا، فكان ربما يكون ~~سببا لهدايتنا كما أنه {لو هدانا الله} أي المستجمع لصفات الكمال ~~{لهديناكم} فكان يكون لنا جزاء اهتدائنا وهدايتنا لكم، ولكم جزاء اهتدائكم ~~وتقويتكم لنا على ذلك، ولكنه لم يهدنا فضللنا وكنتم لنا تبعا فأضللناكم. # ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع، قالوا: {سواء علينا} أي نحن وأنتم ~~{أجزعنا} والجزع: انزعاج النفس بورود ما يغم {أم صبرنا} لا فائدة لنا في ~~واحد منهما لأن الأمر أطم من ذلك فإنه {ما لنا من محيص} يصلح للمصدر ~~والزمان والمكان، أي محيد وزوال عن المكروه على كلا التقديرين، فلم يبق في ~~الجزاء إلا زيادة العذاب بسوء القالة وانتشار السبة، وهذا الاستفهام ليس ~~على بابه، بل المراد به التنبيه على أنه حالهم مما ينبغي السؤال عنه وترديد ~~الأمر فيه لينتهي عن مثله. # PageV10P405 # ولما كان الشيطان أعظم المستكبرين، خص بالإفراد بالجواب فقيل: {وقال} أول ~~المتبوعين في الضلال {الشيطان} الذي هو رأس المضلين المستكبرين المقضي ~~ببعده واحتراقه {لما قضي الأمر} بتعين قوم للجنة وقوم للنار، جوابا لقول ~~الأتباع مذعنا حيث لا ينفع الإذعان، ومؤمنا حيث فات نفع الإيمان: {إن الله} ~~أي الذي له صفات الكمال {وعدكم وعد الحق} بأن أرسل إليكم رسلا وأنزل معهم ~~براهين وكتبا أخبركم فيها بأنه ربكم الواحد القهار، ودعاكم إليه بعد أن ~~أخابتكم الشياطين، وبشر من أجاب، وحذر من أبى، بما هو قادر أتم القدرة، فكل ~~ما قاله طابقه الواقع - كما ترون - فصدقكم فيه ووفى لكم {ووعدتكم} أنا بما ~~زينت لكم به المعاصي من الوساوس وعد الباطل {فأخلفتكم} فلم أقل شيئا إلا ~~كان زيغا، فاتبعتموني مع ms2439 كوني عدوكم، وتركتم ربكم وهو ربكم ووليكم؛ فالآية ~~من الاحتباك: ذكر {وعد الحق} أولا دليلا على حذف ضده # PageV10P406 # ثانيا، و {أخلفتكم} ثانيا دليلا على حذف «صدقكم» أولا. # ولما بين غروره، بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم فقال: {وما كان} لي ~~إليكم في ذلك من ذنب لأنه ما كان {لي عليكم} وأبلغ في النفي فقال: {من ~~سلطان} أي تسلط كبير أو صغير بشيء من الأشياء {إلا أن} أي بأن {دعوتكم} ~~بالوسوسة التي كانت سببا لتقوية دواعيكم إلى الشر {فاستجبتم} أي أوجدتم ~~الإجابة إيجاد من هو طالب لها، راغب فيها {لي} محكمين الشهوات، معرضين عن ~~مناهيج العقول ودعاء النصحاء، ولو حكمتم عقولكم لتبعتم الهداة لما في ~~سبيلهم من النور الداعي إليها وما في سبل غيرهم من الظلام الساد لها، ~~والمهالك الزاجرة عنها دنيا وأخرى، وساقه على صورة الاستثناء - وإن لم يكن ~~دعاءه من السلطان في شيء - لأن السلطان أخص من البرهان إذ معناه برهان ~~يتسلط به على إبطال مذهب الخصم إشارة إلى أنهم تبعوه ولا قدرة له على غير ~~هذا الدعاء الذي لا سلطان فيه، وتركوا دعاء من أنزل إليهم من كل سلطان ~~مبين، مع تهديدهم بما هو قادر على عليه وضربهم ببعضه، وفاعل مثل ذلك لا لوم ~~له على غير نفسه {فلا} أي فاذ قد تقرر هذا تسبب عنه أني # PageV10P407 # أقول لكم: لا {تلوموني ولوموا أنفسكم} لأنكم مؤاخذون بكسبكم، لأنه كانت ~~لكم قدرة واختيار فاخترتم الشر على الخير، وعلم منه قطعا أن كلا منا مشغول ~~عن صاحبه بما جزي به، فعلم أني {ما أنا بمصرخكم} أي بمغيثكم فيما يخصكم من ~~العذاب، فآتيكم بما يزيل صراخكم منه {وما أنتم بمصرخي} فيما يخصني منه ~~لتقطع الأسباب، بما دهى من العذاب، ثم علل ذلك بقوله: {إني كفرت} مستهينا ~~{بما أشركتمون} أي باتخاذكم لي شريكا مع الله. # ولما كان إشراكهم لم يستغرق الزمان، أتى بالجار فقال: {من قبل} لأن ذلك ~~ظلم عظيم، ثم علل هذه العلة بقوله: {إن الظالمين} أي العريقين في هذا الوصف ~~{لهم ms2440 عذاب أليم *} مكتوب لكم منهم مقداره، لا يغني أحد منهم عن الآخر شيئا، ~~بل كل مقصور على ما قدر له، وحكاية هذه المحاورة لتنبيه السامعين على النظر ~~في العواقب والاستعداد لذلك اليوم قبل أن لا يكون إلا الندم وقرع السن وعض ~~اليد. # ولما ذكر الظالمين. أتبعه ذكر المؤمنين، فقال بانيا للمفعول لأن الدخول ~~هو المقصود بالذات: {وأدخل} والإدخال: النقل إلى # PageV10P408 # محيط - هذا أصله {الذين آمنوا} أي أوجدوا الإيمان {وعملوا الصالحات} أي ~~تصديقا لدعواهم الإيمان {جنات تجري} وبين أن الماء غير عام لجميع أرضها ~~بإدخال الجار فقال: {من تحتها الأنهار} فهي لا تزال ريا، لا يسقط ورقها ولا ~~ثمرها فداخلها لا يبغي بها بدلا {خالدين فيها} . # ولما كانت الإقامة لا تطيب إلا بإذن المالك قال: {بإذن ربهم} الذي أذن ~~لهم - بتربيته وأحسانه - في الخروج من الظلمات إلى النور، وقرىء «وأدخل» ~~على التكلم فيكون عدل عن أن يقول «بإذني» إلى {بإذن ربهم} للإعلام بالصفة ~~المقتضية للرحمة كما قال تعالى {إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك} [الكوثر: 1] ~~ولم يقل: لنا - سواء، ومن شكله {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله} ~~[الفتح: 1] فلا تنبغي المسارعة إلى إنكار شي يمكن توجيهه، بل يتعين إمعان ~~النظر، فإن الأمر كما قال الإمام أبو الفتح بن جني في كتابه المحتسب في ~~توجيه {لما يهبط من خشية الله} [البقرة: 74] # PageV10P409 # أن كلام العرب لمن عرفه - ومن الذي يعرفه؟ - ألطف من السحر، وأنقى ساحى ~~من مشوف الفكر، وأشد تساقطا بعضا على بعض، وأمس تساندا نفلا إلى فرض ~~{تحيتهم} أي فيما بينهم وتحية الملائكة لهم؛ والتحية: التلقي بالكرامة في ~~المخاطبة، فهي إظهار شرف المخاطب {فيها سلام *} أي عافية وسلامة وبقاء، ~~وقول من كل منهم للآخر: أدام الله سلامتك، ونحو هذا من الإخبار بدوام ~~العافية، كما أن حال أهل الباطل في النار عطب وآلام. # PageV10P410 # ولما تقرر بما مضى أن الحق ما قاله الله أو فعله أو أذن فيه، وأن الباطل ~~ما كان على غير أمره مما ينسب إلى الشيطان أو غيره من قول ms2441 أو فعل، وأنه لا ~~يصلح في الحكمة أن ينفي الحق ولا أن يبقى الباطل {إن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين} [يونس: 81] ، {ويحق الله الحق بكلماته} ، {ليحق الحق ويبطل ~~الباطل} [الأنفال: 8] ، وقص سبحانه كلام أوليائه الذي هو من كلامه، فهو ~~أثبت الأشياء وأطيبها وأعظمها ثمرة، # PageV10P410 # وكلام أعدائه الذي هو من كلام الشيطان، فهو أبطل الأشياء وأخبثها، قرب ~~سبحانه ذلك بمثل يتعارفه المخاطبون فقال: {ألم تر} أي يا من لا يفهم عنا ~~هذا المثل حق الفهم سواه! {كيف ضرب الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما ~~{مثلا} أي سيره بحيث يعم نفعه؛ والمثل: قول سائر يشبه فيه حال الثاني ~~بالأول؛ ثم بينه بقوله: {كلمة طيبة} أي جمعت أنواع الكرم فليس فيها شيء من ~~الخبث، وتلك الكلمة {كشجرة طيبة} . # ولما كانت لا تسر إلا بالثبات، قال: {أصلها ثابت} أي راسخ في الأرض آمن ~~من الاجتثاث بالرياح ونحوها {وفرعها} عال صاعد مهتز {في} جهة {السماء *} ~~لحسن منبتها وطيب عنصرها؛ فالآية من الاحتباك: ذكر «ثابت» أولا دال على عال ~~صاعد ثانيا، وذكر «السماء» ثانيا دال على الأرض أولا. # ولما ذكر حالها، ذكر ثمرتها فقال: {تؤتي أكلها} أي ثمرتها بحسن أرضها ~~ودوام ريها {كل حين} على أحسن ما يكون من الإيتاء، لأن علوها منعها من ~~عفونات الأرض وقاذورات الأبنية، # PageV10P411 # فكانت ثمرتها نقية من شوائب الأدناس. # ولما كان الشيء لا يكمل إلا بكمال مربيه قال: {بإذن ربها} فهي بحيث لا ~~يستجيز عاقل أن يتسبب في إفسادها، ومن سعى في ذلك منعه أهل العقول ولو ~~وصلوا إلى بذل النفوس؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أخبروني ~~بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها [. . . .] ، تؤتي أكلها كل حين، قال ~~ابن عمر رضي الله عنهما: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا ~~يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم: هي النخلة، ms2442 فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه! والله لقد كان ~~وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أركم تكلمون ~~فكرهت أن أتكلم، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا» . # ثم نبه سبحانه على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد # PageV10P412 # منه فيلزم، فقال: {ويضرب الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {الأمثال ~~للناس} أي الذين يحتاجون إلى ذلك لاضطراب آرائهم، لأن في ضربها زيادة إفهام ~~وتصوير للمعاني، لأن المعاني الصرفة إذا ذكر مناسبها من المحسوسات ارتسمت ~~في الحس والخيال والوهم، وتصورت فتركت هذه القوى المنازعة فيها، فيحصل ~~الفهم التام والوصول إلى المطلوب {لعلهم يتذكرون *} أي ليكون حالهم حال من ~~يرجى له غاية التذكر - بما أشار إليه الإظهار، فهذا مثل كلام الأولياء، ~~فكلمتهم الطيبة كلمة التوحيد التي لا أطيب منها، وهي أصل كل سعادة راسخة في ~~قلوبهم، معرقة في كل عرق منهم أوجب إعراقها أن بسقت فروعها التي هي الأعمال ~~الدينية من أعمال القلوب والجوارح، فصارت كلما هزت اجتنى الهاز ثمراتها ~~التي لا نهاية لها، عالما بأنها من فتح مولاه لا صنع له فيها بوجه، بل له ~~سبحانه المن عليه في جميع ذلك وكما أن الشجر لا تتم إلا بعرق راسخ وأصل ~~قائم وفروع عالية، فكذلك الإيمان لا يتم إلا بمعرفة القلب وقول اللسان وعمل ~~الأركان، ثم أتبعه مثل حال الأعداء فقال: {ومثل كلمة خبيثة} أي # PageV10P413 # عريقة في الخبث لا طيب فيها {كشجرة خبيثة} . # ولما كان من أنفع الأمور إعدامها والراحة من وجودها على أي حالة كانت، ~~بنى للمفعول قوله: {اجتثت} أي استؤصلت بقلع جثتها من أصلها {من فوق الأرض} ~~برأي كل من له رأي؛ ثم علل ذلك لقوله: {ما لها} وأعرق في النفي بقوله: {من ~~قرار *} أي عند من له أدنى لب، لأنه لا نفع لها بل وجودها ضار ولو بشغل ~~الأرض، فكذلك الكلمة الخبيثة الباطلة لا بقاء لها أصلا وإن علت وقتا، لأن ~~حجتها داحضة فجنودها منهزمة. # PageV10P414 # فلما برز الكلام إلى هذين ms2443 المثالين، حصل التعجب ممن يترك ممثول الأول ~~ويفعل ممثول الثاني، فوقع التنبيه على أن ذلك بفعل القاهر، فقال تعالى - ~~جوابا لمن كأنه قال: إن هذا الصريح الحق، ثم إنا نجد النفوس مائلة إلى ~~الضلال، وطائشة في أرجاء المحال، فكيف لنا بالامتثال؟ {يثبت الله} أي الذي ~~له الجلال والجمال {الذين آمنوا} # PageV10P414 # أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أقل درجاتها {بالقول الثابت} أي الذي هو ~~متابعة الدليل {في الحياة الدنيا} بمثل ما تقدم من محاولات أنبيائه {وفي ~~الآخرة} ويهديهم عند كل سؤال إلى أحسن الأقوال حيث تطيش العقول وتدهش ~~الأفكار لشدة الأهوال {ويضل الله} أي الذي له الأمر كله {الظالمين} أي ~~العريقين في الظلم، ويزلزلهم لتقلبهم في الظلمات التي من شأن صاحبها الضلال ~~والخبط، فيفعلون ما لا يرضاه عاقل، فالآية من الاحتباك: ذكر الثبات أولا ~~دليلا على ضده ثانيا، والإضلال ثانيا دليلا على الهدى أولا {ويفعل الله} أي ~~الذي له الأمر كله، فلا يسأل عما يفعل {ما يشاء} لأن الكل بحكمه وقضائه وهو ~~القادر القاهر، فلا يتعجب من شيء، وفي هذا إرشاد إلى الإقبال عليه وإلقاء ~~أزمة الافتقار إليه؛ روى البخاري في التفسير وغيره ومسلم في أواخر صفة ~~الجنة والنار عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله» ، فذلك قوله تعالى {يثبت الله} الآية. # ولما أخبر سبحانه أنه هو الفاعل وحده، أتبعه الدليل عليه إضلال الذين ~~بدلوا الكلمة الطيبة من التوحيد بالإشراك وزلزلتهم واجتثاث كلمتهم فقال: ~~{ألم تر} وأشار إلى بعدهم عن مقامه صلى الله عليه # PageV10P415 # وعلى آله وسلم بقوله: {إلى الذين بدلوا} والتبديل: جعل الشيء مكان غيره ~~{نعمت الله} أي المستجمع لصفات الكمال التي أسبغها عليهم من كلمة التوحيد، ~~وما أورثهم من دين أبيهم إسماعيل عليه السلام ومن جميع النعم الدنيوية من ~~أمن البلد وتيسير الرزق وغير ذلك، بأن جعلوا مكان شكرها {كفرا} وهم يدعون ~~أنهم أشكر الناس للإحسان، ms2444 وأعلاهم همما في الوفاء، وأبعدهم عن الخناء ~~{وأحلوا قومهم} بذلك {دار البوار *} أي الهلاك، مع ادعائهم أنهم أذب الناس ~~عن الجار فضلا عن الأهل، روى البخاري في التفسير أنهم كفار أهل مكة. ~~والبوار: الهلاك الزائد، والإحلال: جعل الشيء في محل، فإن كان جوهرا فهو ~~إحلال مجاورة. وإن كان عرضا فهو إحلال مداخلة. # ولما أفاد أنها مهلكة، بينها بما يفهم أنها تلقاهم بالعبوسة كما كانوا ~~يلقون أولياء الله من الرسل وغيرهم بذلك فقال: {جهنم} حال كونهم {يصلونها} ~~أي يباشرون حرها مع انغماسهم فيها بانعطافها عليهم؛ ولما كان التقدير: فبئس ~~الإحلال أحلوه أنفسهم وقومهم، عطف عليه قوله: # PageV10P416 # {وبئس القرار *} ذلك المحل الذي أحلوهم به. # PageV10P417 # ولما كان هذا الفعل من لا عقل له، بينه بقوله: {وجعلوا لله} الذي يعلمون ~~أنه لا شريك له في خلقهم ولا في رزقهم لان له الكمال كله {أندادا} وقال: ~~{ليضلوا} أي بأنفسهم على قراءة ابن كثير وأبي عمرو، ويعموا غيرهم على قراءة ~~الباقين {عن سبيله} لأنهم إن كانوا عقلاء فإنهم يعلمون أن هذا لازم لفعلهم ~~فهم قاصدون له، وإلا فلا عقول لهم، لأنه لا يقدم على ما لا يعلم عاقبته إلا ~~أبله، وهم يقولون: إنهم أبصر الناس قوبا، وأصفاهم عقولا. وأنفذهم أفكارا، ~~وأمتنهم آراء، فمن ألزم منهم بطريق النجاة ومن أحذر منهم لطرق الهلاك؟ مع ~~ما أوقعوا أنفسهم فيه من هذا الداء العضال. # ولما تقرر أنهم على الضد من جميع ما يدعونه فكانوا بذلك أهلا للإعراض ~~عنهم، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمعرض أن يقول: فماذا أفعل بهم وقد ~~أمرتني بإخراجهم إلى صراطك؟ أمره أن يدق أعناقهم بإخبارهم أن ما أضلهم من ~~النعم إنما هو استدراج، فقال: {قل} أي تهديدا لهم فإنهم لا يشكون في قولك ~~وإن عاندوا: {تمتعوا} وبالغوا في فعل البهائم مهما قدرتم، فإن ذلك ضائركم # PageV10P417 # غير نافعكم {فإن مصيركم} أي صيرورتكم {إلى النار *} بسبب تمتعكم على هذا ~~الوجه. # ولما ذكر كفرهم وضلالهم عن السبيل وما أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~بأن ms2445 يقول لهم، وكان ذلك محركا لنفس السامع إلى الوقوف على ما يقال لمن خلع ~~الأنداد وكان أوثق عرى السبيل بعد الإيمان وأعمها الصلاة الناهية عن ~~الفحشاء والمنكر، والنفقة الشاملة لوجوه البر، أمره تعالى أن يندب أولياءه ~~إلى الإقبال إلى ما أعرض عنه أعداؤه، والإعراض عما أقبلوا بالتمتع عليه من ~~ذلك، فقال {قل لعبادي} فوصفهم بأشرف أوصافهم، وأضافهم إلى ضميره الشريف ~~تحبيبا لهم فيه، ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه من إذعانهم لسيدهم فقال: ~~{الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف. # ولما كان قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن قول، فهو جال لصدأ ~~القلوب، وموجب لتهذيب النفوس، قال جازما: {يقيموا الصلاة} التي هي زكاة ~~القوة وصلة العبد بربه {وينفقوا} وخفف عنهم بقوله: {مما رزقناهم} أي ~~بعظمتنا، فهو لنا # PageV10P418 # دونهم، من أنواع النفقات المقيمة لشرائعه من الصدقات وغيرها، إتقانا لما ~~بينهم وبينه من الأسباب لينقذوا أنفسهم من النار، واقتصر على هاتين الخلتين ~~لأنه لم يكن فرض في مكة غيرهما مع ما تقدم من فضلهما وعمومهما، ولعله سيق ~~سياق الشرط تنبيها لهم على أن مجرد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقوى ~~الأسباب فيجب عليهم ألا يتخلفوا عنه أصلا؛ ثم أشار إلى المداومة على هاتين ~~الخصلتين بقوله: {سرا وعلانية} ويجوز أن يراد بالسر النافلة، وبالعلانية ~~الفرض؛ ثم رهب من تهاون في خدمته من اليوم الذي كان الإعراض عنه سبب ~~الضلال، فقال مشيرا بالجار إلى قصر مدة أعمالهم: {من قبل أن يأتي يوم} أي ~~عظيم جدا ليس هو كشيء من الأيام التي تعرفونها {إلا بيع فيه} لأسير بفداء ~~{ولا خلال *} أي مخالات وموادات يكون عنها شفاعة أو نصر، جمع خلة كقلة ~~وقلال، أو هو مصدر، وذلك إشارة إلى أنه لا يكون شيء منهما سببا لخلاص هالك. # PageV10P419 # ولما نفى جميع الأسباب النافعة في الدنيا في ذلك اليوم، كان كأنه قيل: ~~فمن الحكم فيه حتى أنه يسير سيرة لا نعرفها؟ # PageV10P419 # فقيل: {الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء؛ ثم أتبعه بصفات تدل على ما ms2446 ~~دعا إليه الرسل من وحدانيته وما أخبروا به من قدرته على كل شيء فلا يقدر ~~أحد على مغالبته، وعلى المعاد وعلى غناه فلا يبايع، فقال: {الذي خلق ~~السماوات والأرض} وهما أكبر خلقا منكم وأعظم شأنا، ثم عقبه بأدل الأمور على ~~الإعادة مع ما فيه من عظيم المنة بأن به الحياة، فقال: {وأنزل من السماء ~~ماء} ولما كان ذلك سبب النمو قال: {فأخرج به} أي بالماء الذي جعل منه كل ~~شيء حي {من الثمرات} أي الشجرية وغيرهما {رزقا لكم} بعد يبس الأرض وجفاف ~~نباتها، وليس ذلك بدون إحياء الموتى؛ ثم أتبعه ما ادخره في الأرض من مياه ~~البحار والأنهار، وذكر أعم ما يظهر من البحار فقال: {وسخر لكم الفلك} وعلل ~~ذلك بقوله: {لتجري في البحر} ولما كان ذلك أمرا باهرا للعقل، بين عظمته ~~بقوله: {بأمره} ولما كانت الأنهار من النعم الكبار بعد نعمة البحار، قال: ~~{وسخر لكم الأنهار *} ثم أتبعه ما جعله سببا لكمال التصرف وإنضاج # PageV10P420 # الثمار المسقية بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض فقال: {وسخر ~~لكم الشمس والقمر} حال كونهما {دائبين} أي في سيرهما وإنارتهما وما ينشأ ~~عنهما من الإصلاح بالطبخ والإنضاج في المعادن والنبات والحيوان؛ قال ~~الرماني: والدؤوب: مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه؛ ثم ذكر تعالى ~~ما ينشأ عن وجود الشمس وعدمها فقال: {وسخر لكم اليل} أي الذي القمر آيته ~~{والنهار *} أي الذي الشمس آيته، يوجد كل منهما بعد تصرمه، ولو كان أحدهما ~~سرمدا لاختل الحال بعدم النبات والحيوان كما هو كذلك حيث لا تغرب الشمس في ~~الجنوب وحيث لا تطلع في الشمال؛ ثم عم بعد أن خص فقال: {وآتاكم} . # ولما كان الكمال لا يكون إلا في الجنة قال: {من كل ما سألتموه} أي ما ~~أنتم محتاجون إليه فأنتم سائلوه بالقوة؛ ثم حقق وجه العظم بفرض ما يوجب ~~العجز فقال: {وإن تعدوا} أيها الناس كلكم {نعمت الله} أي تروموا عد إنعام ~~الملك الأعلى الذي له الكمال المطلق أو تأخذوا في عده، وعبر عنه بالنعمة ~~إرشادا ms2447 إلى الاستدلال بالأثر # PageV10P421 # على المؤثر {لا تحصوها} أي لا تحيطوا بها ولا تعرفوا عد الحصى المقابلة ~~لها إن عددتموها بها كما كانت عادة العرب، أو لا تجدوا من الحصى ما يوفي ~~بعددها، هذا في النعمة الواحدة فكيف بما زاد! فهذا شرح قوله أول السورة ~~{الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} وقد ظهر به أنه لا يوجد شيء ~~إلا هو ملك الله فضلا عن أن يوجد شيء يداينه فضلا عن شيء يماثله، فثبت أنه ~~لا بيع ولا خلال يوم دينونة العباد، وتقريب العجز عن العد للإفهام أن ~~السلامة من كل داء ذكره الأطباء في كتبهم - على كثرتها وطولها - نعمة على ~~العبد، وذلك متعسر الحصر، وكل ما ذكروه صريحا في جنب ما دخل تحت كلياتهم ~~تلويحا - قليل، فكيف بما لم يطلعهم الله عليه ولم يهدهم بوجه إليه، هذا في ~~الجسم، وأما في العقل فالسلامة من كل عقد زائغ، ودين باطل وضلال مائل، وذلك ~~لا يحصيه إلا خالق الفكر وفاطر الفطر سبحانه، ما أعزه وأعظم شأنه! . # ولما كان أكثر هذه السورة في بيان الكفرة وما لهم، وبيان أن أكثر الخلق ~~هالك معرض عما يأتيه من نعمة الهداية على أيدي الرسل # PageV10P422 # الدعاة إلى من له جميع النعم للحياة الطيبة بسعادة الدارين، ختم الآية ~~ببيان ما اقتضى ذلك من صفات الإنسان فقال: {إن الإنسان} أي هذا النوع لما ~~له من الأنس بنفسه، والنسيان لما ينفعه ويضره، والاضطراب بسبب ما يغمه ~~ويسره {لظلوم كفار} أي بليغ الظلم والكفر حيث يهمل الشكر، ويتعداه إلى ~~الكفر، وختم مثل ذلك في سورة النحل ب {غفور رحيم} لأن تلك سورة النعم، بدئت ~~بالنهي عن استعجال العذاب، لأن الرحمة أسبق، ومن الرحمة إمهال الناس ~~وإمتاعهم بالمنافع، فالتقدير إذن هناك: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن ~~الإنسان لظلوم كفار} ولكن ربه لا يعاجله بالعقوبة لأنه غفور رحيم، وأما هذه ~~السورة فبدئت بأن الناس في الظلمات. # PageV10P423 # ولما انقضى المأمور به من القول لكافر النعمة وشاكرها وسبب ذلك والدليل ~~عليه، ms2448 وبان أنه خالق الموجودات كلها وربها، فلا يصح أصلا أن يكون شيء منها ~~شريكا. أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يذكرهم بأيام الله عند أبيهم ~~إبراهيم عليه السلام للدلالة على تبديلهم النعمة ظلما منهم وكفرا، في أسلوب ~~دال على البعث، مشير إلى وجوب براءتهم من الأصنام حيث كان محط حالهم فيها ~~تقليد الآباء وهو # PageV10P423 # أعظم آبائهم، وإلى ما سنه لهم من إقامتهم الصلاة وشكرهم لنعمه بالانفاق ~~وغيره، فقال ناعيا عليهم - مع المخالفة لصريح العقل وقاطع النقل عقوق أبيهم ~~الأعظم، عطفا على {قل لعبادي الذين آمنوا} أو على {وإذ قال موسى لقومه} : ~~{وإذ} أي واذكر لهم مذكرا بأيام الله خبر إبراهيم إذ {قال إبراهيم رب} أي ~~أيها المحسن إلي بإجابة دعائي في جعل القفر الذي وضعت به ولدي بلدا عظيما. # ولما كان السياق لإخراج الرسل من محالهم، وكان ذلك مفهما لأن المحل الذي ~~يقع الإخراج منه بلد يسكن فيه، واتبعه سبحانه بأن المتعرضين بدلوا نعمة ~~الله - بما أسكن فيه من الأمن بعد جعله له بلدا - بما أحدثوا فيه من ~~الإخافة لخير أهله، ومن الإنذار لمن أنعم عليهم بكل ما فيه من الخير، كان ~~الأنسب تعريفه فقال: {اجعل هذا البلد} أي الذي يريدون إخراج الرسول منه ~~{آمنا} أي ذا أمن بأمان أهله، وكأن هذا الدعاء صدر منه بعد أن سكن الناس ~~مكة وصارت مدينة، والذي في البقرة كان حيث وضع ابنه مع أمه وهي خالية عن ~~ساكن، فدعا أن يجعلها الله بلدا، وأن يجعلها بعد ذلك موصوفة # PageV10P424 # بالأمن، وهو سكون النفس إلى زوال الضر. # ولما دعا بالأمن من فساد الأموال والأبدان، أتبعه بالدعاء بالأمن من فساد ~~الأديان، فقال: {واجنبني} أي اصرفني {وبني} أي لصلبي، وأسقط البنات إشارة ~~إلى الاستقلال، وإنما هن تابعات دائما {أن نعبد} أي عبادة مستمرة تكون ~~موجبة للنار {الأصنام *} أي اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها، والصنم: ~~المنحوت على خلقة البشر، وما كان منحوتا على غير خلقة البشر فهو وثن - قاله ~~الطبري عن مجاهد؛ تم بين زيادة ms2449 الاهتمام بأمر الأصنام بإعادة النداء، وأسقط ~~الأداة - زيادة في التملق بكونه من أهل القرب والانقطاع إليه سبحانه معللا ~~لما قبله - في قوله: {رب} بإفراد المضاف إليه ليكون الكلام الواحد على نظام ~~واحد {إنهن أضللن} إسناد مجازي علاقته السببية {كثيرا من الناس فمن} أي ~~فتسبب عن بغضي لهن أن أقول: من {تبعني} من جميع الناس في تجنبها {فإنه مني} ~~أي من حزبي لكونه على طريقتي وديني، فأتني ما وعدتني فيه من الفوز {ومن ~~عصاني} فضل بها فقد استحق النار، فإن عذبته فهو عبادك، وإن غفرت له فأنت ~~لذلك، لأن لك أن تفعل ما تشاء {فإنك غفور} أي بليغ الستر {رحيم *} أي بليغ ~~الإكرام بعد ستر الذنوب؛ # PageV10P425 # وأكد للإعلام بزيادة رغبته في العفو لأنه لا ينقص به شيء من عزته سبحانه ~~ولا حكمته - كما أشار إليه دعاء عيسى عليه السلام في المائدة. # ولما دعا بدرء المفاسد الناشئة من من نوعي الإنسان والشيطان بأمن البلد ~~وإيمانه ذكر السبب الحامل له على تخصيصه بذلك مستجلبا للمصالح، فقال: ~~{ربنا} أي يا رب ورب من قضيت أنه يتبعني بتربيتك لنا أحسن تربية {إني ~~أسكنت} وكأن الله سبحانه كان قد أخبره أنه يكثر نسله حتى يكونوا كالنجوم، ~~وذلك بعد البشارة بإسحاق عليه السلام فقال: {من ذريتي} وساقه مؤكدا تنبيها ~~على أنه - لكونه على وجه لا يسمح به أحد - لا يكاد يصدق، وللإعلام بأنه ~~راغب فيه {بواد} هو مكة المشرفة لكونها في فضاء منخفض بين جبال تجري به ~~السيول {غير ذي زرع} . # ولما نفى عنه الرفد الدنيوي، أثبت له الأخروي، إشارة إلى أن الدارين ~~ضرتان لا تجتمعان، وكأن هذا الدعاء كان بعد بنائه البيت - كما تقدمت ~~الإشارة إليه أيضا بتعريف البلد، فقال: {عند بيتك المحرم} أي الذي حرمت ~~التعرض إليه ومنعته بالهيبة فلم يملكه أحد سواك، # PageV10P426 # وجعل له حريم يأمن فيه الوحش والطير؛ والكسنى: اتخاذ مأوى يسكن إليه متى ~~شاء، والوادي: سفح الجبل العظيم، ومنه قيل للأنهار: أودية، لأن حافاتها ~~كالجبال لها، والزرع: نبات ينفرش من غير ساق؛ ms2450 ثم بين غرضه من إسكانهم هناك ~~فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {ليقيموا الصلاة} ما أسكنتهم في هذا ~~الوادي الموصوف إلا لهذا الغرض المنافي لعبادة غيرك، ولأن أولى الناس ~~بإقامتها حاضرو البيت المتوجه بها إليه. # ولما كان اشتغالهم بالعبادة وكونهم في ذلك الوادي أمرين بعيدين عن أسباب ~~المعاش، تسبب عنه قوله: {فاجعل أفئدة} أي قلوبا محترقة بالأشواق {من الناس} ~~أي من أفئدة الذين هم أهل للاضطراب، بكون احتراقها بالشوق مانعا من ~~اضطرابها {تهوي} أي تقصدهم فتسرع نحوهم برغبة وشوق إسراع من ينزل من حالق؛ ~~وزاد المعنى وضوحا وأكده بحرف الغاية الدال على بعد لأن الشيء كلما بعد مدى # PageV10P427 # مرماه اشتد وقعه فقال: {إليهم} ولما دعا لهم بالدين، دعا لهم بالرزق ~~المتضمن للدعاء لجيرانهم فقال: {وارزقهم} أي على يد من يهوي إليهم {من ~~الثمرات} أي التي أنبتها في بلادهم؛ وبين العلة الصالحة بقوله: {لعلهم ~~يشكرون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى شكرهم لما يرون من نعمك الخارقة ~~للعوائد في ذلك الموضع البعيد عن الفضل لولا عنايتك فيشتغلوا بعبادتك ~~لإغنائك لهم وإحسانك إليهم، وقد أجاب الله دعوته؛ فالآية لتذكير قريش بهذه ~~النعم الجليلة عليهم ببركة أبيهم الأعظم الذي نهى عن عبادة الأوثان. # PageV10P428 # ولما فرغ من الدعاء بالأهم من الإبقاء على الفطرة الأولى المشوقة للعزائم ~~إلى العكوف في دارة الأنس، ومن الكفاية لهم المعاش، المنتج للشكر بإنفاق ~~الفضل، وتبين من ذلك أنهم خالفوا أعظم آبائهم في جميع ما قصده لهم من ~~المصالح، أتبعه ما يحث على الإخلاص في ذلك وغيره له ولغيره ليكون أنجح ~~للمراد بضمان الإسعاد ولا سيما مع تكرير النداء الدال على مزيد التضرع ~~فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا المالك لجميع أمورنا {إنك تعلم ما} أي ~~جميع ما # PageV10P428 # {نخفي وما نعلن} ثم أشار إلى عموم علمه فقال: {وما يخفى على الله} أي ~~الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما. وبالغ في النفي فقال: {من شيء} من ذلك ولا ~~غيره {في الأرض} ولما كان في سياق المبالغة، أعاد النافي تأكيدا فقال: {ولا ms2451 ~~في السماء *} أي فهو غير محتاج إلى التعريف بالدعاء، فالدعاء إنما هو ~~لإظهار العبودية، واسم الجنس شامل لما فوق الواحد، ومن فوائد التعبير ~~بالإفراد الدلالة على أن من كان محيطا بكل ما في المتقابلين من غير أن ~~يحجبه أحدهما عن الآخر، كان محيطا بغيرهما كذلك من غير فرق. # ولما تم ما دعا به من النزاهة عن رجاسة الشرك وتبين بتقديمه أن أهم ~~المهمات البراءة منه، أتبعه الحمد على ما رزق من النعم وما تبع ذلك من ~~الإشارة إلى وجوب الشكر فقال: {الحمد لله} أي المستجمع لصفات الكمال {الذي ~~وهب} والهبة: هبة تمليك من غير عقد، منا منه {لي} حال كوني مستعليا {على ~~الكبر} ومتمكنا منه على يأس من الولد {إسماعيل} الذي أسكنته هنا {وإسحاق} ~~وهذا يدل على ما تقدم فهمي له من أن هذا الدعاء كان بعد بناء البيت # PageV10P429 # وطمأنينته بإسحاق عليه السلام، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سنه كان ~~عند ولادة إسماعيل عليه السلام تسعا وتسعين سنة، وعند ولادة إسحاق عليه ~~السلام كان مائة سنة واثنتي عشرة سنة. # ولما كان إتيان الولد له في سن لا يولد فيه لمثله، وجميع ما دعا به من ~~الخوارق فوجوده لا يكاد يصدق، أشار إلى ذلك بتأكيد قوله: {إن ربي} أي ~~المحسن إلي {لسميع الدعاء *} أي من شأنه إجابة الدعاء على الوجه الأبلغ ~~تعريضا بالأنداد وإشارة إلى ما تضمنه تأسفه على العقم، فقد تقدم في سورة ~~البقرة عن التوراة أنه لما خلص ابن أخيه لوطا من الأسر قال له الله: يا ~~إبراهيم! أنا أكانفك وأساعدك لأن ثوابك قد جزل، فقال إبرم: اللهم ربي! ما ~~الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسل ويرثني اليعازر غلامي الدمشقي؟ ~~فقال له الرب: لا يرثك هذا، بل ابنك # PageV10P430 # الذي يخرج من صلبك فهو يرثك، وقال له: انظر إلى السماء وأحص النجوم إن ~~كنت تقدر أن تحصيها، فكذلك تكون ذريتك، فآمن إبرم بالله. # ولما تم الحمد على النعمة بعد الدعاء بالتخلي من منافي السعادة وختمه ~~بالحمد ms2452 على إجابة الدعاء، انتهز الفرصة في إتباعه الدعاء بالتحلي بحلية ~~العبادة التي أخبر أنها قصده بإسكانه من ذريته ثم إقامتها، إشارة إلى ~~صعوبتها على النفس إلا بمعونة الله فقال: {رب} أي أيها الموجد لي المالك ~~لأمري {اجعلني مقيم الصلاة} أي هذا النوع الدال على غاية الخضوع، دائم ~~الإقامة لها، وكأن الله تعالى أعلمه بأنه يكون من ذريته من يكفر فقال أدبا: ~~{ومن ذريتي} . # ولما كانت أعظم الأركان بعد الإيمان، أفراد الضمير للدعاء بها متملقا لله ~~تعالى بما عليه من النعم التي لم ينعمها على أحد كان في ذلك الزمان غيره، ~~كما أشار إلى ذلك باسم الرب، ثم زاد في التضرع بقوله: {ربنا} أي أيها ~~المحسن إلينا، وجمع الضمير المضاف إليه بالنظر إلى من تبعه من ذريته لأن ما ~~بعده كلام آخر، أي رب ورب # PageV10P431 # من وفقته بتربيتك وإحسانك لإقامة الصلاة من ذريتي {وتقبل دعاء *} كله ~~بذلك وغيره، بأن تجعله مقبولا جعل من كأنه راغب فيه مفتن به. # PageV10P432 # ولما كان الإنسان ولو اجتهد كل الاجتهاد - محل العجز الموجب للتقصير ~~المفتقر للستر، قال مشيرا إلى ذلك: {ربنا} أي أيها المالك لأمورنا المدبر ~~لنا {اغفر لي} ثم أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره فقال: {ولوالدي} ~~وقد كان استغفاره لهما قبل أن يعلم أن أباه مات كافرا، وقد علم من السياق ~~أنه إذا كان وحده أضاف إلى ضميره، وإذا تقدم ما يحسن جمعه معه جمع إن كان ~~ما بعده مستقلا، ثم كل من تبعه في الدين من ذريته وغيرهم فقال: {وللمؤمنين} ~~أي العريقين في الوصف {يوم يقوم} أي يظهر ويتحقق على أعلى وجوهه {الحساب *} ~~. # ولما ختم دعاءه بيوم الحساب الموجب ذكره لكل سعادة ونسيانه لكل شقاوة، ~~ذكر بعض ما يتفق فيه رجوعا إلى ما مضى من أحوال يوم القيامة على أحسن وجه، ~~فقال - عاطفا على قوله {قل لعبادي} وجل المقصد تهديد أهل الظلم بالإشراك ~~وغيره، وخاطب الرأس الذي لا يمكن ذلك منه ليكون أوقع في قلب # PageV10P432 # غيره -: {ولا تحسبن الله} أي الملك الأعظم ms2453 الذي هو أحكم الحاكمين. # ولما كان اعتقاد ترك الحساب يلزم منه نسبة الحاكم إلى العجز أو السفه أو ~~الغفلة، وكان قد أثبت قدرته وحكمته في هذه السورة وغيرها نزهة عن الغفلة ~~لينتبه المنكرون للبعث من غفلتهم فقال: {غافلا} والغفلة: ذهاب المعنى عن ~~النفس {عما يعمل الظالمون *} الذين بدلوا نعمة الله كفرا، فكانوا عريقين في ~~الظلم وإن كان مستند ظلمهم شبها علمية يقيمونها، فكأنه قيل: فما الذي يفعل ~~بهم؟ فقال: {إنما يؤخرهم} أي يؤخر حسابهم على النقير والقطمير سواء عذبوا ~~في الدنيا أو لا {ليوم تشخص} أي تفتح فتكون بحيث لا تطرف {فيه} منهم ~~{الأبصار *} أي حال كونهم {مهطعين} أي مسرعين غاية الإسراع إلى حيث دعوا ~~خوفا وجزعا، مع الإقبال بالبصر نحو الداعي لا يلفتونه إلى غيره {مقنعي ~~رؤوسهم} أي رافعيها وناصبيها ناظرين في ذل وخشوع إلى جهة واحدة، وهي جهة ~~الداعي، لا يلتفتون يمينا # PageV10P433 # ولا شمالا، وهذا كناية عن أشد الذل والصغار، ثم أتبعه ما يؤكده فقال ~~مصرحا بمعنى الشخوص: {لا يرتد إليهم} ولما كانوا في هيئة الأعين في الطرف ~~والسكون قريبا من السواء، وحد فقال: {طرفهم} بل أعينهم شاخصة دائمة الفتح ~~لا تطرف كالمحتضر لما بأصحابها من الهول {وأفئدتهم} جمع فؤاد، وهو العضو ~~الذي من شأنه أن يحمى بالغضب؛ قال في القاموس: والتفؤد: التحرق والتوقد، ~~ومنه الفؤاد للقلب مذكر، جمعه أفئدة. {هواء *} أي عدم فارغة لا شيء فيها من ~~الجرأة والأنفة التي يظهرونها الآن كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: # ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء # والهواء: الخلاء الذي لم تشغله الأجرام، والنخب: الجبان، وكذا الهواء - ~~قاله في القاموس. فأنذرهم أهوال ذلك اليوم فإنه لا يبقى معهم فيه شيء مما ~~هم فيه من الإباء والاستكبار {وأنذر} أي يا محمد {الناس} جميعا، ما يحل بهم ~~{يوم يأتيهم العذاب} وينكشف # PageV10P434 # عنهم الغطاء بالموت أو البعث. # ولما كانوا عند إتيان العذاب قبل الموت لا ينكسرون بالكلية، بين أنهم إذ ~~ذاك على غير هذا، فقال عاطفا على «يأتيهم» ms2454 : {فيقول الذين ظلموا} أي أوجدوا ~~هذا الوصف ولو على أدنى الوجوه منهم ومن غيرهم بسبب إتيانه من غير تمهل، ~~وقد زال عنهم ما يفتخرون به من الأنفة والحمية والشماخة والكبر لما رأوا من ~~الأهوال التي لا قبل لهم بها ولا صبر عليها: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا ~~بالخلق والرزق والتربية {أخرنا} أي أمهلنا {إلى أجل قريب} فإنك إن تؤخرنا ~~إليه {نجب دعوتك} أي استدراكا لما فرطنا فيه؛ والإجابة: القطع على موافقة ~~الداعي بالإرادة {ونتبع} أي بغاية الرغبة {الرسل} فيقال لهم: إن أجل الله ~~إذا جاء لا يؤخر، أولم تكونوا تقولون: إن عرى صبركم لا تنحل، وحد عزائمكم ~~لا يفل؟ {أولم تكونوا} أي كونا أنتم فيه في غاية المكنة {أقسمتم} أي جهلا ~~وسفها أو أشرا وبطرا. # ولما لم يكن وقت إقسامهم مستغرقا للزمان قال: {من قبل} # PageV10P435 # وبين الجواب المقسم عليه بقوله - حاكيا معنى قولهم لا لفظه - ليكون صريحا ~~في المراد من غير احتمال لتعنت لو قيل: ما لنا؟ : {ما لكم} وأكد النفي ~~فقال: {من زوال} عما أنتم عليه من الكفران وعدم الإذعان للإيمان، أو من هذه ~~الدار إلى الدار الآخرة، أو من منازلكم التي أنتم بها، كناية عن ثبات الأمر ~~وعدم المبالاة بالمخالف كائنا من كان {و} الحال أنكم {سكنتم} أي في الدنيا ~~{في مساكن الذين ظلموا} أي بوضع الأشياء في غير مواضعها كما فعلتم أنتم ~~{أنفسهم} فأحلوا قومهم مثلكم دار البور {وتبين} أي غاية البيان {لكم} ~~بالخبر والمشاهدة. # ولما كان حال أحدهم في غاية العجب، بنه بالاستفهام على أنه أهل لأن يسأل ~~عنه فقال: {كيف فعلنا} أي على عظمتنا {بهم} حين انتقمنا منهم فلم تعتبروا ~~بأحوالهم {وضربنا} أي على ما لنا من العظمة {لكم الأمثال *} المبينة أن سنة ~~الله جرت - ولن تجد لسنة الله تبديلا - أن الظالمين كما جمعهم اسم الظلم ~~يجمعهم ميسم الهلاك، فجمعنا لكم بين طريقي الاعتبار: السمع والبصر، ثم لم ~~تنتفعوا بشيء منهما {و} الحال أنه بان لكم أنهم حين # PageV10P436 # فعلنا بهم ما فعلنا {قد مكروا مكرهم} ms2455 أي الشديد العظيم الذي استفرغوا فيه ~~جهدهم بحيث لم يبق لهم مكر غيره في تأييد الكفر وإبطال الحق؛ والمكر: الفتل ~~إلى الضرر على وجه الحيلة {و} الحال أنه {عند الله} أي المحيط علما وقدرة ~~{مكرهم} هو وحده به عالم من جميع وجوهه وإن دق، وعلى إبطاله قادر وإن جل ~~{وإن كان مكرهم} من القوة والضخامة {لتزول} أي لأجل أن تزول {منه الجبال *} ~~والتقدير على قراءة فتح اللام الأولى ورفع الثانية: وإن كان بحيث إنه تزول ~~منه الجبال، والمعنيان متقاربان، وقيل: «إن» نافية، واللام لتأكيد النفي؛ ~~والجبال: الآيات والشرائع، بل هي أثبت. # PageV10P437 # ولما تقرر ذلك من علمه سبحانه وقدرته، تسبب عنه أن يقال وهو كما تقدم في ~~أن المراد الأمة لبلوغ الأمر كل مبلغ، خوطب به الرأس ليكون أوقع في قلوبهم: ~~{فلا تحسبن الله} # PageV10P437 # أي الذي له الكمال كله، فإن من ظن ذلك كان ناقص العقل {مخلف وعده رسله} ~~في أنه يعز أوليائه ويذل أعداءه ويهلكهم بظلمهم، ويسكن أولياءه الأرض من ~~بعدهم؛ ثم علل ذلك بقوله - مؤكدا لأن كثرة المخالفين وقوتهم على تمادي ~~الأيام تعرض السامع للإنكار: {إن الله} أي ذا الجلال والإكرام {عزيز} أي ~~يقدر ولا يقدر عليه {ذو انتقام *} ممن يخالف أمره. # ولما تقررت عظمة ذلك اليوم الذي تشخص فيه الأبصار، وكان أعظم يوم يظهر ~~فيه الانتقام، بينه بقوله: {يوم تبدل} أي تبديلا غريبا عظيما {الأرض} أي ~~هذا الجنس {غير الأرض} أي التي تعرفونها {والسماوات} بعد انتشار كواكبها ~~وانفطارها وغير ذلك من شؤونها؛ والتبديل: تغيير الشيء أو صفته إلى بدل ~~{وبرزوا} أي الظالمون الذين كانوا يقولون: إنهم لا يعرضون على الله للحساب؛ ~~والبروز: ظهور الشخص مما كان ملتبسا به {لله} أي الذي له صفات الكمال ~~{الواحد} الذي لا شريك له {القهار *} الذي لا يدافعه شيء عن مراده، فصاروا ~~بذلك البروز بحيث لا يشكون أنه لا يخفى منهم خافية، وأما المؤمنون فلم ~~يزالوا يعلمون ذلك: # PageV10P438 # روى مسلم والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه ms2456 وعلى آله وسلم عن قوله تعالى: {يوم تبدل الأرض} الآية قلت: يا رسول ~~الله فأين يكون للناس يومئذ؟ قال: على الصراط. # ولما ذكر بروزهم له ذكر حالهم في ذلك البروز فقال: {وترى المجرمين} أي ~~وتراهم، ولكنه أظهر لتعدد صفاتهم التي أوجبت لهم الخزي؛ والإجرام: قطع ما ~~يجوز من العمل بفعل ما لا يجوز {يومئذ} أي إذ كانت هذه الأمور العظام ~~{مقرنين} أي مجموعا كل منهم إلى نظيره، أو مجموعة أيديهم إلى أعناقهم جمعا ~~فيه شدة وضيق {في الأصفاد *} أي القيود، والمراد هنا الأغلال، أي السلاسل ~~التي تجمع الأيدي فيها إلى الأعناق ويقرنون فيها مع أشكالهم؛ ثم بين لباسهم ~~بقوله: {سرابيلهم} أي قمصهم السابغة {من قطران} وهو ما يهنأ به الإبل، ومن ~~شأنه أنه سرع فيه # PageV10P439 # اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح. # ولما كان هذا اللباس مع نتنه وفظاعته شديد الانفعال بالنار، بين أنه ~~يسلطها عليهم فقال: {وتغشى} ولما كان الوجه أشرف ما في الحيوان، فإهانته ~~إهانة عظيمة لصاحبه، ذكره وقدمه تعجيلا لإفهام الإهانة فقال: {وجوههم ~~النار} أي تعلوها باشتعالها، فعلم أنه يلزم من غشيانها لها اضطرامها فيما ~~ضمخ بالقطران من باب الأولى؛ ثم بين علة هذه الأفعال في ذلك اليوم، فقال ~~معبرا بالجزاء والكسب الذي هو محط التكليف وظن النفع، لاقتضاء سياق القهر ~~لهما: ب {ليجزي الله} أي الذي له الكمال كله {كل نفس} طائعة أو عاصية. # ولما عظم الأمر بإسناد الجزاء إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات ~~الكمال، اقتضى ذلك أن يكون نفس الكسب هو الجزاء، لأن ذلك أبدع وأدق في ~~الصنع وأبرع بأن يصور بما يحق من الصور المليحة عند إرادة الثواب، والقبيحة ~~عند إرادة العقاب، فلذلك أسقط الباء - التي # PageV10P440 # ستذكر في «حم المؤمن» وقال: {ما كسبت} والجزاء: مقابلة العمل بما يقتضيه ~~من خير أو شر؛ والكسب: فعل ما يستجلب به نفع أو يستدفع به ضر، ومن جزاء ~~المؤمن عقوبة من عاداه في الله. # ولما كان حساب كل نفس جديرا بأن يستعظم، قال: {إن الله} أي الذي ms2457 له ~~الإحاطة المطلقة {سريع الحساب *} أي لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى ولا ~~شأن عن شأن. # ولما اشتملت هذه السورة على ما قرع سمعك من هذه المواعظ والأمثال والحكم ~~التي أبكمت البلغاء، وأخرست الفصحاء، وبهرت العقول، ترجمها سبحانه بما يصلح ~~عنوانا لجميع القرآن فقال: {هذا} أي الكتاب الذي يخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور {بلاغ} أي كاف غاية الكفاية في الإيصال {للناس} ليصلوا به إلى الله ~~بما يتحلون به من المزايا في سلوك صراطه القويم، فإن مادة «بلغ» بأي ترتيب ~~كان - تدور على الوصول، وتارة تلزمها القوة وتارة الإعياء الناشىء عن ~~الضعف: # PageV10P441 # بلغ المكان بلوغا: وصل إليه؛ وبلغ الرجل - كعني: جهد، والبليغ: الفصيح ~~يبلغ بعبارته كنه ضميره، والبلاغ - كسحاب: الكفاية، لأنها توصل إلى القصد، ~~وبالغ مبالغة - إذا اجتهد ولم يقصر، وتبلغت به العلة: اشتدت. # والغلباء: الحديقة المتكاثفة، ومن القبائل: العزيزة الممتنعة، والأغلب: ~~الأسد. # ولغب: أعيا - لاجتهاده في البلوغ، واللغب: ما بين الثنايا من اللحم، ~~واللغب - ككتف: الكلام الفاسد - يرجع إلى الإعياء، وكذا الضعيف الأحمق، ~~والسهم الذي لم يحسن بريه كاللغاب - بالضم، والتغلب: طول الطرد. # والبغل من أشد الحيوان وأبلغها للقصد، وبغل تبغيلا: بلد وأعيا، والإبل: ~~مشت بين الهملجة والعنق. # ولما كان متعلق البلاغ الذي قدرته بالوصول يتضمن البشارة، عطف عليه ~~النذارة بانيا للمفعول، لأن النافع مطلق النذارة، وكل أحد متأهل # PageV10P442 # لأن يكون واعظا به مقبولا، لأن من سمعه فكأنما سمعه من الله لتميزه ~~بإعجازه عن كل كلام، فقال: {ولينذروا} أي من أي منذر كان فيقوم عليهم الحجة ~~{به} فيحذروا عقاب الله فيتخلوا عن الدنايا. # ولما أشار إلى جميع الفروع فعلا وتركا، مع إشارته إلى أصل التوحيد لأنه ~~أول الوصول، صرح به على حدته لجلالته في قوله: {وليعلموا أنما هو} أي الإله ~~{إله واحد} فيكون همهم واحدا. # ولما تمت الإشارة إلى الدين أصلا وفرعا، نبه على المواعظ والأمثال بتذكر ~~ما له من الآيات والمصنوعات، والبطش بمن خالفه من الأمم، وأشار إلى أن أدلة ~~الوحدانية والحشر لا تحتاج إلى كبير تذكر، ms2458 لأنها في غاية الوضوح ولا سيما ~~بعد تنبيه الرسل، فأدغم تاء التفعل، فقال: {وليذكر} أي منهم {أولوا الألباب ~~*} أي الصافية، والعقول الوافية، فيفتحوا عيون بصائرهم فيعلموا أنه لا وصول ~~لهم مع الغفلة فيلزموا المراقبة فلا يزالوا في رياض المقاربة. ويعلموا - ~~بما ركز في طبائعهم وجرى من عوائدهم - أن أقل حكامهم لا يرضى بأن يدع رعيته ~~يتهارجون # PageV10P443 # لا ينصف بينهم ولا يجزى أحدا منهم بما كسب، فيكون ذلك منه انسلاخا من ~~رتبة الحكم التي هي خاصته، فكيف يدعون ذلك في أحكم الحاكمين، فقد تكفلت هذه ~~الآية على وجازتها بجميع علم الشريعة أصولا وفروعا، وعلم الحقيقة نهايات ~~وشروعا، على سبيل الإجمال وقد انطبق آخر السورة على أولها، لأن هذا عين ~~الخروج من الظلمات إلى النور بهذا الكتاب الحامل على كل صواب - والله ~~سبحانه وتعالى الموفق للصواب وحسن المآب. # PageV10P444 # سورة الحجر # مقصودها وصف الكتاب بأنه في الذروة من الجمع للمعاني الواضحة للحق من غير ~~اختلاف أصلا، وأشكل ما فيها وأمثلة في هذا المعنى قصة أصحاب الحجر، فإن ~~وضوح آيتهم عندهم وعند كل من شاهدها أو سمع بها كوضوح ما دل عليه مقصود هذه ~~السورة في أمر الكتاب عند جميع العرب لا سيما قريش، وأيضا آيتهم في غاية ~~الإيضاح للحق والجمع لمعانيه الدائرة على التوحيد المقتضي للاجتماع على ~~الداعي، ومن يتضح ويتأيد ما اخترته من الإعراب لقوله تعالى (كما أنزلنا # PageV11P001 # على المقتسمين) ، ومن هنا تعليقي له ب (كانوا عنا معرضين) المقتضي لشدة ~~الملابسة بين شأنهم في كفرهم وشأن قريش في مثل ذلك - كما ستراه، على أن لفظ ~~الحجر يدل على مادل عليه مقصود السورة من الجمع والاستدارة التي روحها ~~الإحاطة المميزة للمحاط به من غيره بلا لبس أصلا - والله أعلم. # PageV11P002 # {بسم الله} الواحد الأحد الجامع لما شتت من بدد {الرحمن} الذي جمع خلقه ~~في رحمة البيان {الرحيم *} الذي خص الأبرار بما أباحهم الرضوان. # لما ختم التي قبلها بعنوان الكتاب، ابتدأ هذه بشرح ذلك العنوان، وأوله ~~وصفه بأنه جامع والخير كله في الجمع والشر كله ms2459 في الفرقة، فقال تعالى: {الر ~~تلك} أي هذه الآيات العالية المقام، النفسية المرام {آيات الكتاب} أي ~~الكامل غاية الكمال الذي لا كتاب على الحقيقة غيره، الجامع لجمع ما يقوم به ~~الوجود من الخيرات، القاطع في قضائه من غير شك ولا تردد، الغالب بأحكامه ~~القاهرة في وعده ووعيده وأحكامه في إعجازه لجميع من يعانده. # PageV11P002 # ولما كان الغالب في هذه السورة القطع الذي هو من لوازم الكتاب قدمه، وذلك ~~أنه قطع بأمر الأجل والملائكة، وحفظ الكتاب والرمي بالشهب، وكفاية ~~المستهزئين، فكان كما قال سبحانه {و} آيات {قرآن} أي قرآن جامع ناشر مفصل ~~واصل، إذ التنوين للتعظيم {مبين *} لجميع ما يجمع الهمم على الله فيوصل إلى ~~السعادة، وهذه الإبانة - التي لم تدع لبسا - هو متصف بها، مع كونه جامعا ~~للأصول ناشرا للفروع لا خلل فيه يدخل منه عليه، ولا فصم يؤتى منه إليه، ~~فأعجب لأمر حاو لجميع وفرق وفصل ووصل: والإبانة: إظهار المعنى للنفس بما ~~يميزه عن غيره، لأن أصل الإبانة الفصل: فهذا شرح كونه بلاغا، فمقصود هذه ~~السورة اعتقاد كون القرآن بلاغا جامعا للأمور الموصلة إلى الله، مغنيا عن ~~جميع الأسباب، فلا ينبغي الالتفات إلى شيء سواه {ذرهم يأكلوا} ، {لا تمدن ~~عينيك} {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} وكان الجمع بين الوصفين الدال كل ~~منهما على الجمع إشارة إلى الرد عليهم في جعلهم القرآن عضين، وأن قولهم ~~شديد المباعدة لمعناه. مع أن المفهومين - مع تصادقهما على شيء واحد - ~~متغايران، فالكتاب: ما يدون في الطروس، والقرآن: # PageV11P003 # ما يقرأ باللسان، فكأن الأول إشارة إلى حفظه في الطروس بالكتابة، والثاني ~~إلى حفظه في الصدور بالدراسة، وسيأتي قوله {وإنا له لحافظون} مؤيدا لذلك، ~~وكل من مادتي كتب وقرأ بجميع التقاليب تدور على الجمع. # أما «كتب» - وتنقلب إلى كبت وتبك وبكت وبتك - فقال في المجمل: كتبت ~~الكتاب أكتبه وهو من الجمع، والكتاب أيضا: الدواة - تسمية للشيء باسم ما هو ~~آلته، والمكتب - كمعظم: العنقود أكل بعض ما فيه - تشبيها له بالمكتوب، ~~والكتيبة: الجيش والجماعة المستحيزة من الخيل إذا أغارت ms2460 من المائة إلى ~~الألف - انتهى. وكتبت البغلة - إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة؛ وقال ~~القزاز: وأصله - أي الكتاب - ضمك الشيء إلى الشيء، فكأنه سمي بذلك لضم ~~الحروف بعضها إلى بعض، كتبت المزادة - إذا خرزتها، # PageV11P004 # يعني: فضممت بعضها إلى بعض. # والكتبة - بالضم: السير يخرز به، وما يكتب به حياء الناقة لئلا ينزي ~~عليها، والإكتاب: شد رأس القربة، والكتيبة: جماعة تكتبوا، أي تجمعوا، وتكتب ~~الرجل - بتقديم الموحدة - إذا تقبض، ومنه الكتاب - بضم الكاف وتخفيف التاء ~~الفوقانية لسهم صغير يتعلم به الصبيان الرمي - كذا قال القزاز إنه مخفف، ~~وفي القاموس: وزنه كرمان - وزاد أنه مدور الرأس، وكتبت الناقة تكتيبا: ~~صررتها، واكتتب بطنه: أمسك، والمكتوتب: الممتلىء والمنتفخ؛ ويلزم الجمع ~~القطع والغلبة التي هي من لوازم القدرة، فمن القطع: الكتاب بمعنى الفرض ~~والحكم والقدر؛ والبتك: القطع ولذلك قيل للسيف: باتك، أي قاطع، ومن الغلبة ~~والقدرة: الكتاب بمعنى القدر، قال ابن الأعرابي: والكاتب عندهم العالم، ~~وقال القزاز: والكاتب: الحافظ، وهذان يرجعان أيضا إلى نفس الجمع - لجمع ~~الحافظ المحفوظ والعالم المعلوم؛ وكبت الله العدو - بتقديم الموحدة: صرفه ~~ذليلا، وهو من تكبت الرجل - إذا تقبض، وعبارة # PageV11P005 # القزاز: كبت أعداءه: ردهم بغيظهم، أي فانقمعوا وانجمعوا عما كانوا ~~انتشروا له، وكبت الرجل - إذا صرعه على وجهه، وبكته تبكيتا - إذا أنبه أو ~~ضربه بعصى أو سيف ونحوهما، لما يلزمه من تصاغر نفسه وتقبضها. # وأما قرأ، مهموزا - وينقلب إلى رقأ، وأرق، وأقر، وغير مهموز يائيا ~~وتراكيبه خمسة: قري، وقير، ورقي، وريق، وواويا وتراكيبه ستة: قرو، وقور، ~~ورقو، وروق، ووقر، وورق - فهو للجمع أيضا، ويلزمه الإمساك، وربما كان عنه ~~الانتشار، فمن الجمع: قرأت القرآن، أي تلوته فجعلت بعض حروفه وكلماته ~~وآياته تاليا لبعض متصلا به مجموعا معه، ويلزم القراءة النسك، ومنه القارىء ~~والمتقرىء والقراء - كرمان. أي الناسك، ويلزم عنه الفقه، ولذا قيل: تقرأ - ~~إذا تفقه، وهو من الجمع نفسه أيضا لأن الناسك جمع النسك إلى القراءة وانجمع ~~همه، والفقيه جمع الفقه إليها؛ قال في المجمل: والقرآن من القرء وهو الجمع، ~~أي وزنا ومعنى، ms2461 وفي القاموس: وقرأ عليه السلام: أبلغه كأقرأه، ولا يقال: ~~أقرأه، إلا إذا # PageV11P006 # كان السلام مكتوبا؛ وقال الزبيدي في مختصر العين: وقرأت المرأة قرءا، إذا ~~رأت دما، وأقرأت - إذا حاضت فهي مقرىء - انتهى. فكأنه عبر بذلك عند رؤية ~~الدم لأنه لا يعرف أن المرأة جمعته إلا برؤيته، وهو من الانتشار الذي قد ~~يلزم الجمع، أو يكون فعل هنا للإزالة، فمعناه: أزالت إمساك الدم كما أن هذا ~~معنى أقرأت فإن فعل - لخفته وكثرة دوره - يتصرف في معاني جميع الأبواب، ~~وقال في المجمل: وأقرأت المرأة: خرجت من طهر إلى حيض أو حيض إلى طهر، قلت: ~~فالأول يكون فيه أفعل للإزالة، والثاني للدخول في الشيء كما تقول: اتهم ~~الرجل وأنجد - إذا دخل في تهامة أو نجد، قال: والقرء: وقت يكون للطهر مرة ~~وللحيض مرة، قلت: فالأول للجمع نفسه، والثاني لأنه دليل الجمع، قال: والجمع ~~قروء، ويقال: {القروء} هو الطهر، وذلك أن المرأة الطاهرة كان الدم اجتمع ~~وامتسك في بدنها فهو من: قريت الماء، وقرى الآكل الطعام في شدقه، وقد يختلف ~~اللفظان فيهمز أحدهما ولا يهمز الآخر، # PageV11P007 # والمعنى واحد إذا كان الأصل واحدا، وقوم يذهبون إلى أن القرء: الحيض، وفي ~~القاموس: والقرء - ويضم: الحيض والطهر ضد - وقد تقدم تخريج ذلك، والوقت - ~~لأنه جامع لما فيه، والقافية - لأنها جامعة لشمل الأبيات، جمعه أقرؤ وقروء، ~~وجمع الحيض أقراء، وكأن العلة في ذلك أنه لما كان جمع الكثرة هو الأصل في ~~الجمع، لأن المراد بالجمع نفسه الكثرة، فكلما كان أكثر كان به أجدر، لما ~~كان الأصل كذلك، وكان القرء بمعنى الطهر هو الأصل في مدلول الجمع، كان أحق ~~بجمع الكثرة الذي هو أعرق في الجمع، ولما كان القرء بمعنى الحيض فرعا، كان ~~له جمع القلة الذي هو فرع في باب الجمع؛ وأقرأت: حاضت وطهرت، وأقرأت ~~الرياح: هبت لوقتها - لأن هبوبها دال على اجتماعها كظهور دم الحيض، وقرأ ~~الشيء: جمعه وضمه، والحامل: ولدت - لأن ظهور الولد هو المحقق لجمعها إياه ~~في بطنها، وأقرأ: رجع ودنا وأخر واستأخر وغاب وانصرف ms2462 # PageV11P008 # وتنسك كتقرأ، بعضه للإيجاب وبعضه للسلب، والمقرأة - كمعظمة: التي ينتظر ~~بها انقضاء أقرائها، وقد قرئت: حبست لذلك، وأقراء الشعر: أنواعه وانحاؤه - ~~لأنها جامعة للأجزاء، والقرءة - بالكسر: الوباء - لجمعه الهم، واستقرأ ~~الجمل الناقة: تاركها لينظر ألقحت أم لا - من التتبع والسبر، وهو بمعنى جمع ~~الأدلة، وقرأت الناقة - إذا حملت، فهي قارىء، أي جمعت في بطنها ولدا، ~~وأقرأت - إذا استقر الماء في رحمها؛ ومن الإمساك: رقأ الدم والدمع رقوءا - ~~إذا انقطعا، قال أبو زيد: والرقوء - أي بالفتح: ما يوضع على الدم فيسكن، ~~ورقأ بينهم: أصلح وأفسد، وفي الدرجة: صعد، وهي المرقاة وتكسر، ورقأ العرق: ~~ارتفع - منه ما هو بمعنى الجمع ومنه ما هو بمعنى الانتشار والعلو الذي ربما ~~لزماه، ومن الإمساك: الأرق، وهو السهر لأنه يمسك النوم، والإرقان: دود يكون ~~في الزرع - فكأنه يوجب الهم الذي يكون عنه الأرق، ويمكن أن يكون من ~~الانتشار الذي # PageV11P009 # ربما يلزم الجمع، ويمكن أن يكون من الجمع نفسه، لأنه يجمع الهم - والله ~~أعلم؛ وفي القاموس: والإرقان بالكسر: شجر أحمر، والحناء، والزعفران، ودم ~~الأخوين - كأنه سبب للعكوف عليه بالاسترواح إليه، أو أنه يجمع بصبغه لونا ~~إلى لون، والإرقان أيضا: آفة تصيب الزرع والناس كالأرقان محركة وبكسرتين ~~وبفتح الهمزة وضم الراء، والأرق والأرقان - بفتحهما، والأراق - كغراب، ~~واليرقان - محركة، وهذه أشهر داء يتغير منه لون البدن فاحشا إلى صفرة أو ~~سواد - كأن ذلك لما كان سبب الأرق كان هو الأرق البليغ، وزرع مأروق وميروق: ~~مؤوف، والأقر - بضمتين: واد واسع مملوء حمضا ومياها، وهو واضح في معنى ~~الجمع، قد مضى من هذه المادة جملة في آخر سورة يوسف عليه السلام عند قوله ~~تعالى # {إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} [يوسف: 109] وتأتي بقيتها إن شاء ~~الله تعالى في سورة سبحان عند قوله {وفي آذانهم وقرا} [الكهف: 57] . # PageV11P010 # ولما وصف سبحانه هذا القرآن بما وصفه من العظمة والإبانة لجميع المقاصد ~~التي منها سؤال الكفرة عند رؤية العذاب التأخير للطاعة في قوله تعالى ~~{وانذر الناس يوم يأتيهم العذاب} كان كأنه قيل: ما له ms2463 لم يبين للكفرة سوء ~~عاقبتهم بيانا يردهم؟ فقال سبحانه باسطا لقوله {ولينذروا به} {ربما يود} ~~أشار تعالى بكونه مضارعا إلى أن ودهم لذلك يكون كثيرا جدا متكررا، وإيلاءه ~~لربما - وإنما يليها في الأغلب الماضي - معلم بأنه مقطوع به كما يقطع ~~بالماضي الذي تحقق ووقع {الذين كفروا} أي ولو وقتا ما والود: التمني وهو ~~تقدير المعنى في النفس للاستمتاع، وإظهار ميل الطباع له إليه، وفيه اشتراك ~~بين التمني والحب - قال الرماني، وهو هنا للتمني فإنه بين مودودهم بقوله: ~~{لو كانوا} أي كونا جبليا {مسلمين *} أي عريقين في وصف الإسلام من أول ~~أمرهم إلى آخره؛ قال الرماني: والإسلام: إعطاء الشيء على حال سلامة كإسلام ~~الثوب إلى من يقصره، وإسلام الصبي إلى من يعلمه، فالإسلام # PageV11P011 # الذي هو الإيمان - إعطاء معنى الحق في الدين بالإقرار والعمل به - انتهى. ~~وقد كان ما أخبر الله به فقد ندم كل من أسلم من الصحابة على تأخير إسلامه ~~لما علموا فضل الإسلام ورأوا فضائل السابقين - كما هو مذكور في السير وفتوح ~~البلدان وسيكون ما شاء من ذلك في القيامة وما قبلها، فالمعنى أنكم إن كذبتم ~~في القطع - في نحو قوله {فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا} [إبراهيم: 44] ، ~~الآية - بأنكم ترجعون عن هذا الشمم وتتبرؤون من هذه السجايا والهمم فتسألون ~~الله تعالى في الطاعة، وقد فات الفوت بحلول حادث الموت إلى غيره، فلا أقل ~~من أن يكون عندكم شك في الأمور التي يجوز كونها، ولا ينبغي حينئذ للعاقل ~~ترك الاهتمام بالاستعداد على تقدير هذا الاحتمال، هذا - أعني التقليل - ~~مدلول «رب» ، وقال بعضهم: إنها قد ترد للتكثير، وقال الجمال # PageV11P012 # ابن هشام في كتاب المغني: إنه أغلب أحوالها، واستدل بشواهد لا تدل عند ~~التأمل. ولا يصح قول من نسب إلى الكشاف ذلك، فإن كلامه مأخوذ من الزجاج، ~~وعبارة الزجاج - كما نقلها الإمام جمال الدين محمد بن المكرم في كتابه لسان ~~العرب ومن خطه نقلت: من قال: إن رب يعني بها التكثير فهو ضد ما تعرفه ~~العرب، فإن قال قائل: فلم جازت في ms2464 قوله {ربما يود الذين كفروا} و {رب} ~~للتقليل؟ فالجواب أن العرب خوطبت بما تعلمه في التهدد، والرجل يتهدد الرجل ~~فيقول: لعلك ستندم على فعلك؟ وهو لا يشك أنه يندم، ويقول: ربما ندم الإنسان ~~على ما صنعت، وهو يعلم أن الإنسان يندم كثيرا، ولكن مجازه أن هذا لو كان ~~مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب، أو كان الإنسان يخاف أن يندم على ~~الشيء لوجب عليه اجتنابه، والدليل عل أنه معنى التهدد قوله تعالى {ذرهم ~~يأكلوا # PageV11P013 # ويتمتعوا} انتهى. # فقد علم من هذا أنهم يطلقونها بمعنى القلة فيما يعلمون أنه كثير إرخاء ~~للعنان وتنبيها على وجوب الأخذ بالأحوط، وذلك واقع في التهديد، وفرق كبير ~~بين ما يعلم أنه كثير من أمر خارج عن العبارة المخبر بها عنه وبين ما تعرف ~~كثرته من تلك العبارة، وزيدت ما فيها تأكيدا من حيث إنها تفهم أن الأمر لا ~~يكون إلا كذلك، ولتهيئتها لمجيء الفعل بعدها؛ قال الإمام أبو حيان: والظاهر ~~أن ما في رب، مهيئة، وذلك أنها من حيث هي حرف جر - على خلاف فيه - لا يليها ~~إلا الأسماء، فجيء بها مهيئة لمجيء الفعل بعدها، وعلى كثرة مجيء رب في كلام ~~العرب لم تجىء في القرآن إلا في هذا الموضع - انتهى. ودخلت ههنا على ~~المضارع - وهي للماضي - لأنه لصدق الوعد كأنه عيان قد كان، أو لأن «ما» إذا ~~لحقتها سوغت دخولها على المستقبل كما تدخل على # PageV11P014 # المعرفة - قال الرماني. # ولما طرق لهم سبحانه الاحتمال، كان كأنه قيل: هل جوزوه فأخذوا في ~~الاستعداد له؟ فقيل: بل استمروا على عنادهم، فقال - مستأنفا ملتفتا إلى ما ~~أشار إليه في أول سورة ابراهيم في قوله {الذين يستحبون الحياة الدنيا على ~~الآخرة} [إبراهيم: 3] من المانع لهم عن الإذعان -: {ذرهم} يا أعز الخلق ~~عندنا! كالبهائم {يأكلوا ويتمتعوا} والتمتع: التلذذ، وهو طلب اللذة حالا ~~بعد حال كالتقرب في أنه طلب القرب حالا بعد حال {ويلههم} أي يشغلهم عن أخذ ~~حظهم من السعادة {الأمل} أي رجاءهم طول العمر وبلوغ ما يقدره الوهم ms2465 من ~~الملاذ من غير سبب مهيىء لذلك # ولما كان هذا امرا لا يشتغل به إلا أحمق، سبب عنه التهديد بقوله: {فسوف ~~يعلمون *} أي ما يحل بهم بعد ما فسحنا لهم من زمن التمتع. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما تقدم من وعيد الكفار ما ~~تضمنه الآي المختتم بها سورة ابراهيم من لدن قوله سبحانه # {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} [إبراهيم: 42] إلى خاتمتها، ~~أعقب ذلك # PageV11P015 # بقوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} أي عند مشاهدة تلك ~~الأحوال الجلائل، ثم قال تعالى تأكيدا لذلك الوعيد {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ~~ويلههم الأمل فسوف يعلمون} ثم أعقب تعالى: هذا ببيان ما جعله سنة في عباده ~~من ارتباط الثواب والعقاب معجلة ومؤجلة بأوقات وأحيان، لا انفكاك لها عنها ~~ولا تقدم ولا تأخر، إذ استعجال البطش في الغالب إنما يكون ممن يخاف الفوت، ~~والعالم بجملتهم لله تعالى وفي قبضته لا يفوته أحد منهم ولا يعجزه، وقال ~~تعالى: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} وكان هذا يزيد أيضاحا ~~قوله عز وجل: {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] وقوله: ~~[وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} وقوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} ~~[إبراهيم: 48] الآية؛ وتأمل نزول قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين} على هذا وعظيم موقعه في اتصاله به ووضوح ذلك كله، وأما افتتاح ~~السورة بقوله: {الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} فإحالة على أمرين واضحين: ~~أحدهما ما نبه به سبحانه من الدلائل والآيات كما يفسر، والثاني ما بينه ~~القرآن المجيد وأوضحه وانطوى عليه من الدلائل والغيوب والوعد والوعيد ~~وتصديق بعض ذلك بعضا، فكيف لا يكون # PageV11P016 # المتوعد به في قوة الواقع المشاهد، لشدة البيان في صحة الوقوع فالعجب من ~~التوقف والتكذيب! ثم أعقب هذا بقوله {ربما يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين} انتهى. # ولما هددوا بآية التمتع وإلهاء الأمل، وكان من المعلوم جدا من أحوالهم ~~الاستعجال بالعذاب تكذيبا واستهزاء، كان الكلام في قوة أن يقال: فقالوا: يا ~~أيها الذي نزل ms2466 عليه الذكر! عجل لنا ما تتوعدنا به، وكان هذا غائظا موجعا ~~حاملا على تمني سرعة الإيقاع بهم، فقيل في الجواب: إن لهم أجلا بكتاب معلوم ~~لا بد من بلوغهم له، لأن المتوعد لا يخاف الفوت فهو يمهل ولا يهمل، لأنه لا ~~يبدل القول لديه، فليستعدوا فإن الأمر غيب، فما من لحظة إلا وهي صالحة لأن ~~يتوقع فيه العذاب، فإنا لا نهلكهم إلا إذا بلغوا كتابهم المعلوم {وما} ~~جعلنا هذا خاصا بهم، بل هو عادتنا، ما {أهلكنا} أي على ما لنا من العظمة، ~~وأكد النفي فقال: {من قرية} أي من القرى. # ولما كان السياق للإهلاك واستعجالهم واستهزائهم به، وكان # PageV11P017 # تقديره سبحانه وكتبه من عالم الغيب، اقتضى الحال التأكيد بما يدل على أنه ~~محتوم مفروغ منه سابق تقديره على زمن الإهلاك، فأتى بالواو لأن الحال بدون ~~الواو كالجزء من سابقها كالخبر والنعت الذي لا يتم المعنى بدونه، والتي ~~بالواو هي زيادة في الخبر السابق، ولذلك احتيج إلى الربط بالواو كما يربط ~~بها في العطف، فقال: {إلا ولها} أي والحال أنه لها في الإهلاك أو لإهلاكها ~~{كتاب معلوم *} أي أجل مضروب مكتوب في اللوح المحفوظ، أو يكون التقدير: ~~فسوف يعلمون إذا جاءهم العذاب في الأجل الذي كتبناه لهم: هل يودون الإسلام ~~أم لا؟ ثم بين الآية السابقة بقوله: {ما تسبق} وأكد الاستغراق بقوله: {من ~~أمة} وبين أن المراد بالكتاب الأجل بقوله: {أجلها} أي الذي قدرناه لها {وما ~~يستأخرون *} أي عنه شيئا من الأشياء، ولم يقل: تستأخر - حملا على اللفظ ~~كالماضي، لئلا يصرفوه إلى خطابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعنتا. # ثم لما أجابهم بهذا الجواب الدال على تمام القدرة وكمال العلم الدالين ~~على الوحدانية، عطف على ما تقدم أنه في قوة الملفوظ قوله # PageV11P018 # دالا على تركهم الجواب إلى التعنت والسفه: {وقالوا} أي لم يجوزوا أنهم ~~يودون ذلك، بل استمروا على العناد وقالوا: {يأيها الذي} ولما كان تكذيبهم ~~بالتنزيل نفسه، بني للمفعول قوله: {نزل عليه} أي بزعمه {الذكر} وبينوا أنهم ~~ما سموه تنزيلا ms2467 إلا تهكما، فقالوا مؤكدين لمعرفتهم بأن قولهم منكر: {إنك ~~لمجنون} أي بسبب ادعائك أن الله أنزل عليك ذكرا والذي تراه جني يلقى إليك ~~تخليطا، فكان هذا دليلا على عنادهم، فإنهم أقاموا الشتم مقام الجواب عما ~~مضى صنعه المغلوب المقطوع في المناظرة، تم أتبعوه ما زعموا أنه دليل على ~~قولهم فقالوا: {لو ما} أي هلا ولم لا {تأتينا بالملائكة} دليلا على صدقك ~~إما للشهادة لك وإما لإهلاك من خالفك {إن كنت} أي جبلة وطبعا {من الصادقين ~~*} فيما تقول، أي ما وجه اختصاصك عنا بنزول الملائكة عليك ورؤيتك إياهم ~~وأنت مثلنا في الإنسانية والنسب والبلد؟ هذا بعد أن قامت على صدقه الأدلة ~~القاطعة والبراهين الساطعة التي أعظمها القرآن الداعي لهم إلى المبارزة كل ~~حين المبكت لهم بالعجز عن المساجلة كل وقت. # PageV11P019 # ولما كان في قولهم أمران، أجاب عن كل منهما على طريق الاستئناف على تقدير ~~سؤال من كأنه قال: ربما إذا أجابهم؟ فقيل: أجاب عن الثاني لأنه أقرب بقوله: ~~{ما ننزل الملائكة} أي هذا النوع {إلا} تنزلا ملتبسا {بالحق} أي بسبب عمل ~~الأمر الثابت، وهو معنى ما قال البخاري في كتاب التوحيد: قال مجاهد: ~~بالرسالة والعذاب، وأما على الرسل فبالحق من الأقوال، وأما على المنذرين ~~فبالحق من الأفعال من الهلاك والنجاة، فلو نزلوا عليهم كما اقترحوا لقضي ~~الأمر بينك وبينهم فهلكوا {وما كانوا} أي الكفار {إذا} أي إذ تأتيهم ~~الملائكة {منظرين *} أي حاصلا لهم الإنظار على تقدير من التقادير، لأن ~~الأمر الثابت يلزمه نجاة الطائع وهلاك العاصي في الحال من غير إمهال، وكان ~~حينئذ يفوت ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من أصلابهم، ~~وأجاب سبحانه عن الأول بقوله مؤكدا لتكذيبهم: {إنا نحن} أي على ما لنا من ~~العظمة # PageV11P020 # لا غيرنا من جن ولا إنس {نزلنا} أي بالتدريج على لسان جبريل عليه السلام ~~{الذكر} أي الموعظة والشرف {وإنا له} أي بعظمتنا وإن رغمت أنوف الحاسدين ~~{لحافظون *} أي دائما، بقدرتنا وعلمنا، لما في سورة هود من أن ذلك لازم ~~للحفظ فانتفى ms2468 حينئذ جواز أن ينزل على مجنون مخلط لا سيما وهو على هذه ~~الأساليب البديعة والمناهيج الرفيعة، فكأن المعنى: أرسلناك به حال كونك ~~بشرا لا ملكا قويا سويا، يعلمون أنك أكملهم عقلا، وأعلاهم همة، وأيقنهم ~~فكرا، وأتقنهم أمرا وأوثقهم رأيا، وأصلبهم عزيمة؛ روى البخاري في التفسير ~~والفتن عن زيد بين ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إلي أبو بكر رضي الله عنه ~~مقتل أهل اليمامة وعنده عمر رضي الله عنه، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني ~~فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس - وفي رواية: بقراء القرآن - ~~وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا ~~أن # PageV11P021 # تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل ~~شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فقال عمر: هو والله ~~خير! فلم يزل عمر يراحعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. ~~قال زيد بين ثابت: وعمر جالس عنده لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب ~~عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي ~~مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم، فقال أبو بكر: هو والله خير! فلم أزل أراجعه حتى ~~شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن ~~أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة ~~آيتين مع خزيمة - أو أبي خزيمة - الأنصاري، لم أجدهما - أي مكتوبتين - عند ~~أحد غيره {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} - إلى آخرها، # PageV11P022 # وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى ثم ~~عند عمر حتى توفاه الله، ثم حفصة بنت عمر - رضي الله عنهم. # وساق هذا الأثر أيضا في فضائل القرآن، وروي بعده عن ms2469 أنس رضي الله عنه أن ~~حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم على عثمان رضي الله عنه، وكان يغازي أهل ~~الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة رضي الله عنه ~~اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين! ~~أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل ~~عثمان إلى حفصة - رضي الله عنهما أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ~~ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن ~~الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم، ~~فنسخوها في المصاحف؛ وقال عثمان رضي الله عنه للرهط القرشيين الثلاثة: إذا ~~اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل ~~بلسانهم، ففعلوا حتى إذا # PageV11P023 # نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف ~~مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. وله عن ~~خارجه بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما نسخنا ~~الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيرا أسمع الرسول صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم يقرأها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري - وفي ~~رواية: فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم شهادته شهادة رجلين {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه} [الأحزاب: 23] فألحقناها في سورتها في المصحف. وفي الأثر الأول دلالة ~~على أنه كان - لما أمره الصديق رضي الله عنه - لا يكتب شيئا إلا إذا وجد ما ~~كان قد كتب منه بحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمره، وقابله مع ~~ذلك على المحفوظ في صدور الرجال؛ وفي الأخير دليل من قوله: نسخنا المصحف في ~~المصاحف - إلى آخره، أنه أعاد التتبع كما فعل أولا ليصح # PageV11P024 # قوله: فقدت آية من سورة الأحزاب. # لأن ms2470 افتقادها فرع العلم بها، ومن أبعد البعيد أن يكون سمع النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم كثيرا يقرأها ولا يحفظها، ولا سيما وهو مذكور فيمن جمع ~~القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما رواه البخاري من غير ~~وجه عن أنس رضي الله عنه، والظاهر من مثل هذا التتبع الذي لا يجوز لمن مارس ~~أمثال هذه الهمم أن يفهم غيره أن يكون لا ينقل آية إلا إذا وجد من حفاظها ~~على حسب ما هي مكتوبة عدد التواتر والله أعلم. # ولما كان هذا الكلام الذي قالوه عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شاقا ~~وله غائظا موجعا، قال تعالى تسلية له على وجه راد عليهم: {ولقد أرسلنا} أي ~~على ما لنا من العظمة والجلال والهيبة؛ ولما كان الإرسال بالفعل غير عام ~~للزمان كله، قال: {من قبلك} أي كثيرا من الرسل {في شيع} أي فرق، سموا شيعا ~~لمتابعة بعضهم بعضا في الأحوال التي يجتمعون عليها في الزمن الواحد من ~~مملكة # PageV11P025 # أو عمارة أو ديانة أو نحو ذلك من الأمور الجارية في العادة {الأولين *} ~~كلهم، فما أرسلنا إلا رجالا من أهل القرى مثلك يوحى إليهم، ولم نرسل مع أحد ~~منهم ملائكة تراها أممهم، بل جعلنا مكاشفة الملائكة أمرا خاصا بالرسل، ~~فكذبوا رسلهم {وما يأتيهم} عبر بالمضارع تصويرا للحال، إيذانا بما يوجب من ~~الغضب، فإن ما تجعل المضارع حالا والماضي قريبا منه، وأكد النفي فقال: {من ~~رسول} أي على أي وجه كان {إلا كانوا به} أي جبلة وطبعا {يستهزئون *} مكررين ~~لذلك دائما، فكأنهم تواصوا بمثل هذا، ولم ينقص هذا من عظمتنا شيئا، فلا ~~تبتئس بما يفعلون بك؛ والاستهزاء في الأصل: طلب الهزوء، والمراد به هنا - ~~والله أعلم - الهزء، وهو إظهار ما يقصد به العيب على إيهام المدح كاللعب ~~والسخرية، ولعله عبر عنه بالسين المفهمة للطلب إشارة إلى أن رغبتهم فيه لا ~~تنقضي كما هو شأن الطالب للشيء، مع أنهم لا يقعون على مرادهم في حق أهل ~~الله أصلا، لأنهم لا ms2471 يفعلون من ذلك فعلا إلا كان ظاهر البعد عما يريدون، ~~لظهور ما يدعو إليه حزب الله وثباته، فكانوا لذلك كطالب # PageV11P026 # ما لم يقع، وإنما كان الناس إلى ما يوجبه الجهل من الاستهزاء ونحوه أسرع ~~منهم إلى ما يوجبه العلم من الأخذ بالحزم والنظر في العواقب، لما في ذلك من ~~تعجل الراحة واللذة وإسقاط الكلفة بإلزام النفس الانتقال من حال إلى حال - ~~قاله الرماني. # ولما كانت قلوب أهل الضلال موصوفة بالضيق والحرج، كان الداخل إليها لا ~~يدخل إلا بغاية العسر، فلذلك قال جوابا لمن كأنه قال: أهذا خاص بهؤلاء؟ ~~فقيل: لا، بل {كذلك} أي مثل هذا السلك العجيب الشأن، وعبر بالمضارع الدال ~~مع التجدد على الاستمرار، لاقتضاء المقام له كما تقدم في أولها فقال: ~~{نسلكه} أي الذكر {في قلوب المجرمين *} أي العريقين في الإجرام في كل زمن ~~كما يسلك الخيط والرمح ونحوه فيما ينظر فيه من مخيط وغيره بغاية العسر، فلا ~~يتسع له المحل فلا ينفع، حال كونهم {لا يؤمنون به} لشيء من الأشياء، لأن ~~صدورهم لا تنشرح له كما رأيت سنتنا بذلك في قومك {وقد خلت} أي مضت من قبل ~~هذا {سنة} أي طريقة {الأولين *} # PageV11P027 # بذلك، ونحن قادرون على فعل ما نريد من تلك السنة بهذه الأمة من إهلاك ~~وتيسير إيمان وغير ذلك، فهو ناظر إلى قوله {وقرآن مبين} والغرض بيان أنه ~~تعالى يعمي بعض الأبصار على الجلي، ويبصر بعضها بالخفي، إظهارا للقدرة ~~والاختيار بإنفاذ الأمر على خلاف القياس. # ولما أخبره بهذه الأسرار منبئة عن أحوالهم، وكانت النفس أشد شيء طلبا ~~لقطع حجة المتعنت بإجابة سؤله، قال تعالى مخبرا بتحقيق ما ختم به من أنهم ~~لا يؤمنون للخوارق ولو رأوا أعجب من الإيتان بالملائكة: {ولو فتحنا} أي بما ~~لنا من العظمة {عليهم} أي على من قال: لو ما تأتينا بالملائكة {بابا} يناسب ~~عظمتنا {من السماء} وأشار إلى أن ذلك حالهم - ولو كانوا في أجلى الأوقات ~~وهو النهار - بقوله: {فظلوا} أي الكفار {فيه} أي ذلك الباب العالي {يعرجون ~~*} أي يصعدون ماشين ms2472 في الصعود مشية الفرح {لقالوا} عنادا وإبعادا عن ~~الإيمان: {إنما سكرت} أي سدت وغشيت {أبصارنا} أي حتى ظننا ما ليس بواقع ~~واقعا {بل نحن قوم} أي وإن كان لنا غاية القوة على ما نريد محاولته ~~{مسحورون *} أي ثابت # PageV11P028 # وقوع السحر علينا حتى صرنا نرى الأشياء على خلاف ما هي عليه ونثبت ما لا ~~حقيقة له؛ والسكر: السد بإدخال اللطيف في المسام فيمنع الشيء كمال ما كان ~~عليه، ومنه السكر بالشراب، والسحر: حيلة خفية توهم معنى المعجزة من غير ~~حقيقة. # PageV11P029 # ولما كان ذكر هذه الآية السماوية على سبيل الفرض في الجواب عن إنكارهم ~~النبوة، دليلا على مرودهم على الكفر، وكان من المعلوم أن ثبوت النبوة مترتب ~~على ثبوت الوحدانية، توقع السامع الفهم الإخبار عما له تعالى من الآيات ~~المحققة الوجود المشاهدة الدالة على قدرته، فأتبعها بذلك استدلالا على ~~وحدانيته بما له من المصنوعات شرحا لقوله {وليعلموا أنما هو إله واحد} ~~[إبراهيم: 52] ودليلا على عدم إيمانهم بالخوارق، وابتدأ بالسماويات لظهورها ~~لكل أحد وشرفها وظهور أنها من الخوارق بعدم ملابستها والوصول إليها، فقال ~~مفتتحا بحرف التوقع: {ولقد حعلنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر عليها ~~سوانا مما هو مغن عن فتح باب ونحوه {في السماء بروجا} أي منازل للقمر، جمع ~~برج، وهو في الأصل القصر العالي أولها الحمل وآخرها الحوت، سميت بذلك لأنها ~~للكواكب السيارة كالمنازل لسكانها، وهي # PageV11P029 # مختلفة الطبائع، فسير الشمس والقمر بكل منها يؤثر ما لا يوثره الآخر، ~~فاختلافها في ذلك - مع أن نسبتها إلى السماء واحدة - دليل على الفاعل ~~المختار الواحد، والعرب أعرف الناس بها وباختلافها. # ومادة «برج» بكل تقليب تدور على الظهور الملزوم للعلو الملزوم للقوة، وقد ~~يفرط فيلزمه الضعف، فمن مطلق الظهور: بروج السماء، قال القزاز: سميت بروجا ~~لأنها بيوت الكواكب، فكأنها بمنزلة الحصون لها، وقيل: سميت لارتفاعها، وكل ~~حصن مرتفع فهو برج، والبرج - أي محركا: سعة بياض العين وصفاء سوادها، وقيل: ~~البرج في العين هو أن يكون البياض محدقا بالسواد، يظهر في نظر الإنسان فلا ms2473 ~~يغيب من سواد العين شيء، وتبرجت المرأة: أبدت محاسنها، والجربياء: الشمال - ~~لعلوها، والجريب: الوادي - لظهوره، والجريب: مكيال أربعة أقفزة، وجريب ~~الأرض معروف، وهو ساحة مربعة كل جانب منها ستون ذراعا، ومنه الجراب - لوعاء ~~من جلود، والجورب - للفافة الرجل، لأنهما ظاهران بالنسبة إلى ما فيهما، ~~وكذا الجربان - لغلاف السيف، وجرب البئر: جوفها؛ والأرجاب: الأمعاء - شبها # PageV11P030 # بالجراب؛ والبارجة: سفينة من سفن البحر تتخذ للقتال، والبجرة: كل عقدة في ~~البطن، والعجرة: كل عقدة في الجسد، والبجرة: السرة الناتئة، وسرة البعير ~~عظمت أولا، والبجر والبجري: الأمر العظيم، وجاء فلان بالبجارة، وهي ~~الداهية: وفيه ما جمع إلى الظهور القوة؛ ومن ذلك رجب: اسم شهر، ورجبت ~~الرجل: عظمته، والرجبة من وصف الأدوية، والرجب: الحياء والعفو، والرجب: ~~الهيبة؛ والمجرب: الذي بلي بالشدائد؛ ورجبت النخل ترجيبا: بنيت من جانبها ~~بناء لئلا يسقط؛ والجبر: خلاف الكسر، والملك - لوجود الجبر به لقوته، وجبرت ~~العظم، والجبارة: ما يوضع على الكسر لينجبر، وجبرت الرجل: أحسنت إليه، ~~وأجبرته: ضممته إلى ما يريد، وأجبرته على كذا: قهرته عليه، أي أزلت جبره، ~~والجيرية: العانة من الحمير، وهي أيضا الأقوياء من الناس، والجبار من ~~النخل: الطويل الفتي، والجبار اسم من أسماء الله تعالى، والجبار: كل عات، ~~وكل ما فات اليد، والعظيم القوي الطويل، والمتكبر الذي لا يرى لأحد عليه ~~حقا والمتجبر: الأسد، وجبار بالضم مخففا: يوم الثلاثاء - لأن الله تعالى ~~خلق المكروه فيه - # PageV11P031 # كما في الصحيح، ومن الضعف: الجبار - بالضم مخففا، وهو الهدر من الدماء ~~والحروب وغيرها، وقد يكون من جبر الكسر، لأنه جبر به المهدر عنه وقوي به ~~وأحسن إليه، وكل ما أفسد وأهلك فهو جبار - كأنه شبه بالجبيرة التي تفسد ~~لإصلاح الكسر، والجبر: العبد - لضعفه واحتياجه إلى التقوية؛ ومن الضعف أيضا ~~الجرب بالنسبة إلى من يحل به، وهو من القوة بالنسبة إلى نفسه، ومن الظهور ~~والانتشار أيضا، والجرباء: السماء - تشبيها بالأجرب، وأرض جرباء: مقحوطة؛ ~~والتربج: التجبر، والروبج: درهم صغير؛ قال الزبيدي: وهو دخيل، ومادة «جبر» ~~منها بخصوص ترتيبها تدور على النفع، وتارة تنظر إلى ms2474 ما يلزمه من عدم الضر ~~مثل الجبار بالضم مخففا لما هدر، وتارة تنظر إلى ما يلزم النفع من التكبر ~~والقهر. # ولما ذكر البروج، وصف سبحانه السماء المشتملة عليها فقال: {وزيناها} أي ~~السماء لأنها المحدث عنها بالكواكب {للناظرين} أي لكل من له أهبة النظر، في ~~دلائل الوحدانية، لا عائق له عن معرفة ذلك إلا عدم صرفه النظر إليه بالبصر ~~أو بالبصيرة {وحفظناها} أي بما لنا من العظمة {من كل شيطان} أي بعيد من ~~الخير محترق {رجيم} # PageV11P032 # مستحق للرجم وهو رمي الشيء بالاعتماد من غير آلة مهيأة للإصابة كالقوس ~~فإنها للرمي لا للرجم ومستحق للشتم، لأنه قوال بالظن وما لا حقيقة له {إلا ~~من استرق السمع} منهم فإنا لم نرد تمام الحفظ منه {فأتبعه} أي تبعه تبع من ~~هو حاث لنفسه سائق لها {شهاب} وهو عمود من نور يمتد بشدة ضيائه كالنار ~~{مبين *} يراه من فيه أهلية الرؤية حين يرجم به؛ روى البخاري في التفسير عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ~~«إذا قضي الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة ~~على صفوان ينفذه ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي ~~قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقي السمع ومسترقو السمع، هكذا ~~واحد فوق آخر - ووصف سفيان بيده ففرج بين أصابعه اليمنى، نصبها بعضها فوق ~~بعض - فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه وربما ~~لم يدركه حتى يرمي بها # PageV11P033 # إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى بلغوها إلى الأرض» # ، وربما قال سفيان: حتى ينتهي إلى الأرض، فتلقى على فم الساحر فيكذب معها ~~مائة كذبه فيصدق فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه ~~حقا للكلمة التي سمعت من السماء. قال المفسرون رضي الله عنهم: كانت ~~الشياطين لا تحجب عن السماوات فيلقون ما يسمعون منها إلى الكهنة، فلما ولد ~~عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد ms2475 صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم منعوا من السماوات كلها هكذا رأيت ولد ولعله «بعث» فإن في الصحيح ~~أن الذي منعهم نزول القرآن. # ولما ذكر آية السماء، ثنى بآية الأرض فقال: {والأرض مددناها} أي بما لنا ~~من العظمة، في الأبعاد الثلاثة: الطول والعرض والعمق، على الماء {وألقينا} ~~أي بعظمتنا {فيها} أي الأرض، جبالا {رواسي} أي ثوابت، لئلا تميل بأهلها ~~وليكون لهم علامات؛ ثم بنه على إحياء الموتى بما أنعم به في الأرض بقياس ~~جلي بقوله: {وأنبتنا فيها} أي الأرض ولا سيما الجبال بقوتنا الباهرة {من كل ~~شيء موزون *} # PageV11P034 # أي مقدر على مقتضى الحكمة من المعادن والنبات {وجعلنا لكم} أي إنعاما منا ~~عليكم {فيها معايش} وهي بياء صريحة من غير مد، جمع معيشة، وهي ما يحصل به ~~العيش من المطاعم والملابس والمعادن وغيرها {ومن لستم} أي أيها الأقوياء ~~الرؤساء {له برازقين *} مثلكم في ذلك، جعلنا له فها معايش من العيال والخدم ~~وسائر الحيوانات التي تنتفعون بها وإن ظننتم أنكم ترزقونهم، فإن ذلك باطل ~~لأنكم لا تقدرون على رزق أنفسكم فكيف بغيركم؟ فلما ظهر كالشمس كمال قدرته ~~وأنه واحد لا شريك له، بين أنه - كما كانت هذه الأشياء عنده بحساب قدره على ~~حكمة دبرها - كان غيرها كذلك، فذلك هو المانع من معاجلتهم بما يهزؤون به من ~~العذاب، فقال: {وإن} أي وما {من شيء} أي مما ذكر وغيره من الأشياء الممكنة، ~~وهي لا نهاية لها {إلا عندنا} أي لما لنا من القدرة الغالبة {خزائنه} أي ~~كما هو مقرر عندكم، لا تنازعون فيه، قال في الكشاف: ذكر الخزائن تمثيل {وما ~~ننزله} أي مطلق ذلك الشيء لا بقيد # PageV11P035 # عدم التناهي، فإن كل ما يبرز إلى الوجود متناه، فهو استخدام {إلا بقدر ~~معلوم *} على حسب التدريج كما ترونه؛ وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ~~ليس عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه ويقدره في الأرض كيف يشاء، عاما ~~ههنا وعاما ههنا، وربما كان في البحر. فهذا دليل قطعي على أن الفاعل المخصص ~~له بوقت دون ms2476 وقت وأرض دون أخرى فاعل واحد مختار. # فلما تم ما أراد من آيتي السماء والأرض، وختمه بشمول قدرته لكل شيء، ~~أتبعه ما ينشأ عنهما مما هو بينهما مودعا في خزائن قدرته فقال: {وأرسلنا} ~~أي بما لنا من التصريف الباهر {الرياح} جمع ريح، وهي جسم لطف منبث في الجو ~~سريع المر {لواقح} أي حوامل تحمل الندى ثم تمجه في السحاب التي تنشئها، فهي ~~حوامل للماء، لواحق بالجو، قوته على ذلك عالية حسا ومعنى؛ والريح: هواء ~~متحرك، وحركته بعد أن كان ساكنا لا بد لها من سبب، وليس هو نفس كونه هواء ~~ولا شيئا من لوازم ذاته، وإلا دامت حركته. # PageV11P036 # فليست إلا بتحريك الفاعل الواحد المختار {فأنزلنا} أي بعظمتنا بسبب تلك ~~السحائب التي حملتها الرياح {من السماء} أي الحقيقية أو جهتها أو السحاب، ~~لأن الأسباب المتراقية بسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة إلى البعيد ~~وأخرى إلى الأبعد {ماء} وهو جسم مائع سيال، به حياة كل حيوان من شأنه ~~الاغتذاء {فأسقيناكموه} جعلناه لكم سقيا، يقال: سقيته ماء أي ليشربه، ~~وأسقيته أي مكنته منه ليسقي به ماشيته ومن يريد. ونفى سبحانه عن غيره ما ~~أثبته أولا لنفسه فقال {وما أنتم له} أي ذلك الماء {بخازنين *} والخزن: وضع ~~الشيء في مكان مهيأ للحفظ، فثبت أن القادر عليه واحد مختار. # ومادة «لقح» بتقاليبها الست تدور على اللحاق، وتلزمه القوة والعلو حسا أو ~~معنى، فاللقاح اسم ماء الفحل - لأنه يلحق الأنثى فتحمله، وقد ألقح الفحل ~~الناقة، ولقحت لقاحا: حملت، والملقوح: ما لقحته من الفحل، أي أخذته، وهي ~~الملاقيح - يعني الأجنة، # PageV11P037 # واللقحة: الناقة الحلوب - لأنها أهل لأن يلحقها جائع، وألقح القوم النخل ~~ولقحوها - إذا ألحقوها بالفحالة فعلقوها عليها. # والقاحل: اليابس من الجلود، لأن أجزاءه تلاحق بعضها ببعض فضمرت، ومنه شيخ ~~قاحل. # واللحق: كل شيء لحق شيئا أي أدركه، والملحق: الدعي - لأنه متهيىء لأنه ~~يستلحقه كل من يريده، والملحاق: الناقة التي لا يفوتها الإبل: قال الزبيدي ~~في مختصر العين: وفي القنوت: إن عذابك بالكغار ملحق - بالكسر، أي لاحق ms2477 - ~~لغة. # والحقل: القراح الطيب - لتهيئها لمن يلحق بها، وقيل: هو الزرع إذا تشعب ~~ورقة، وهو من ذلك أيضا ومن لحوقه بالحصاد فيصير كالمحلوق، والحقيل: نبت، ~~والحقيلة: الماء الرطب، أي الأخضر من البقل والشجر في الأمعاء منه، ~~والحقيلة: حشافة التمر - للحاق كل من أرداه به، والحوقلة: الغرمول اللين - ~~كأنه مشبه بالنبت الأخضر، أو لإمكان تثنيه كل وقت ولحوق بعض أجزائه ببعض، ~~والحوقل: # PageV11P038 # الشيخ الضعيف النكاح - كأنه منه، والحوقلة: سرعة المشي، وحقل الفرس - إذا ~~وجع من أكل التراب - كأنه مأخوذ من الحقل، وحوقل الشيخ: اعتمد بيديه على ~~خصره إذا تمشى - كأنه للحاق يديه خصره. # والحلق مساغ الطعام والشراب، وحلوق الأرض: أوديتها ومجاريها - للحاق ~~المياه بها، ولشبيهها بالحلوق، والحلق: حلق الشعر بالموسى، من اللحاق ~~والقوة، والمحالق: الأكسية الخشنة التي تحلق الشعر من خشونتها، والحالق: ~~المشؤوم الذي يحلق قومه؛ والحلق: ضرب من النبات، لورقه حموضة - كأنه لسرعة ~~لحاق الماشية به لأنه كالفاكهة لها، والحلقة: الخاتم بلا فص - لتلاحق ~~أجزائها بعضها ببعض، ومنه حلقة القوم، والحلقة: السلاح كله، إما من هذا لأن ~~منها الدروع ذات الحلق، تسمية للشيء باسم جزئه، وإما من القوة والعلو ~~المعنوي لما يلزم عنها، والحلق: المال الكثير، إما من ذلك وإما من لحاق ~~صاحبه بمراده، والحالق: الجبل المنيف - لظهوره وعلوه ولحاقه بالجو، ~~والحوقلة: القارورة الطويلة العنق، وحلق الطائر: ارتفع في الهواء، من هذا؛ ~~واللقحة: الغراب؛ والحالق من الكرم والشرى: ما تعلق منه بالقضبان، فهو ظاهر ~~في اللحاق، وحلق الضرع - إذا ارتفع إلى البطن وانضم، فهو من العلو # PageV11P039 # واللحاق، وقيل: إذا كثر لبنه فهو إذا من اللحاق، وتحلق القمر: صارت حوله ~~دارة، وحلق قضيب الفرس حلقا - إذا تقشر، كأنه شبه بما حلق شعره، وحي لقاح: ~~لم يملكوا قط كأنه من القوة والعلو المعنوي؛ والقلح: صفرة تعلو الأسنان، ~~فهو من اللحاق مع العلو، ويسمى الجعل أقلح من هذا. # PageV11P040 # فلما تقرر تفصيل الخبر عما هو سبب للاحياء في الجملة، فتهيأت النفس ~~للانتقال منه إلى الإحياء الحقيقي قياسا، قال تعالى: {وإنا لنحن نحيي} أي ~~لنا ms2478 هذه الصفة على وجه العظمة، فنحيي بها ما نشاء من الحيوان بروح البدن، ~~ومن الروح بالمعارف، ومن النبات بالنمو، وإن كان أحدها حقيقة، والآخران ~~مجاز إلا أن الجمع بينهما جائز {ونميت} أي لنا هذه الصفة، فنبرز بها من ~~عظمتنا ما نشاء {ونحن الوارثون *} أي الإرث التام إذا مات الخلائق، الباقون ~~بعد كل شيء كما كنا ولا شيء، ليس لأحد فينا تصرف بإماتة ولا إحياء، فثبت ~~بذلك الوحدانية والفعل بالاختيار، فلما ثبت بهذا كمال قدرته، وكانت آثار ~~القدرة لا تكون محكمة إلا بالعلم، قال تعالى: {ولقد علمنا} أي بما لنا من ~~الإحاطة المعجزة {المستقدمين منكم} وهم من قضينا بموته أولا، فيكون في موته ~~كأنه يسارع إلى التقدم # PageV11P040 # وإن كان هو وكل من أهله مجتهدا بالعلاج في تأخيره {ولقد علمنا} بعظمتنا ~~{المستأخرين *} أي الذين نمد في أعمارهم فنؤخر موتهم حتى يكونوا كأنهم ~~يسابقون إلى ذلك وإن عالجوا الموت بشرب سم وغيره، أو عالجه لهم غيرهم ~~بضربهم بالسيف أو غيره، فعرف بذلك قطعا أن الفاعل واحد مختار، وكذا كل ~~متقدم ومتأخر في وصف من الأوصاف غير الموت، والمعنى على الأول: فنحن لا ~~نميت أحدا قبل أجله فلا تستعجلونا بالوعيد وتهيؤوا لدفاعه إن كنتم رجالا، ~~فإنه لا بد أن يأتي لأنه لا يبدل القول لدي. # ولما تم الدليل على تمام القدرة وشمول العلم، ثبت قطعا إحياء الموتى ~~لانتفاء المانع من جهة القدرة، واقتضاء الحكمة له من جهة العلم للعدل بين ~~العباد بالمقابلة على الصلاح والفساد، فقال تعالى مؤكدا لإنكارهم: {وإن ~~ربك} أي المحسن إليك بالانتقام لك ممن يعاديك، وإقرار عينك من مخالفيك {هو} ~~أي وحده {يحشرهم} أي يجمعهم إلى أرض القيامة بعد إعادتهم؛ قال الرماني: ~~وأصله جمع الحيوان إلى # PageV11P041 # مكان؛ ثم علل ذلك فقال مؤكدا لأجل اعتقادهم ما يستلزم الإنكار: {إنه ~~حكيم} أي يفعل الأشياء في أتم مواضعها بحيث لا يقدر أحد على نقضها {عليم *} ~~بالغ العلم فلا يخفى عليه شيء، وهو يريد أن ترى حكمته بكشف الغطاء عند ~~تمييز أهل السعادة والشقاء؛ والحكمة: ms2479 العلم الذي يصرف عما لا ينبغي، وأصلها ~~المنع. # ولما جرت سنته الإلهية أنه يذكر ابتداء الخلق دليلا على الإعادة سابقا ~~ولاحقا، وابتدأ هنا بذكر الحشر لما قام عليه من الدليل بإحياء الأرض، توقع ~~السامع تفصيل ابتداء الخلق الذي هو أدل دليل على البعث بعد إجماله في قوله ~~{وإنا لنحن نحيي} فقال مفتتحا بحرف التوقع: {ولقد خلقنا} أي بالعظمة ~~الباهرة {الإنسان} أي الآنس بنفسه، الناسي لغيره {من صلصال} أي طين يابس، ~~له عند النقر صلصلة أي صوت شديد متردد في الهواء، فإن كان فيه مد من غير ~~ترجيع فهو صلل، فالمراد شديد يبسه ولكنه غير مطبوخ، وأما # PageV11P042 # المطبوخ فهو فخار: ثم بين أصل الصلصال فقال: {من حمإ} أي طين أسود منتن ~~{مسنون *} أي مصبوب مهيأ لعمل ما يراد منه بالدلك والتحسين من الذهاب ~~والاضطراب والجعل على طبع وطريقة مستوية، وكل ذلك على غاية السهولة ~~والطواعية والهوان، فذكر أصل الإنسان وما وقع له من إبليس - الذي هو أصل ~~الجن كما أن آدم عليه السلام أبو البشر - من الكيد حتى أخرجه من دار الصفاء ~~إلى دار الكدر، ليحذره العقلاء من بني آدم، وفي التنبيه بابتداء الخلق على ~~وصول البشر إلى أصل كان بمحض القدرة مخالف لهم في التكوين بين أبوين، ~~وانتهاء الجن إلى أصل ليس خلقه كخلقهم تنبيه عظيم على انتهاء الموجودات إلى ~~موجود لا يجانسهم، بل هو خالق غير مخلوق، فاعل بالاختيار، واحد لا شريك له، ~~ولا اعتراض عليه، قادر على ما يريد سبحانه، وفي خلقه من الماء - الذي هو ~~كالأب - والطين - الذي هو كالأم - بمساعدة النار والهواء من الحكمة أن يكون ~~ملائما لما في هذا العالم، فيكون بقاءه بذلك الذي خلق منه في مأكله ومشربه ~~وملبسه وسائر أموره، وذلك أدل على حكمة الخالق وعلمه ووحدانيته. # PageV11P043 # ومادة «صل» تدور على الصلصال الذي هو الطين مطلقا، أو الطين الحر يخلط ~~بالرمل، أو الطين ما لم يجعل خزفا، ويتفرع جميع معاني المادة منه، لأن من ~~لوازمه في أوله الماء واللين بنداوته وسهولة خلطه لغيره، ms2480 فيأتي الخفاء لأنه ~~يغرز فيه بغير صوت، ومنها قبول التصفية من الغش، ومنها في آخره الصلابة ~~لشدة اليبس، فيلزم تضام الأجزاء وتضايقها على انتظام أو غير انتظام، ~~والصوت، وشدة الانفصال بالتشقق، ومن لوازمه التغير بالنتن، فيأتي الخبث ~~والفساد، ومن لوازمه شدة الاختلاط بحيث إذا نشب فيه شيء عسر خلاصه، ومن ~~لوازمه تميزه عما عداه، ومحل يصنع فيه. # فمن الصوت واليبس: صليل الحديد والإبل ونحو ذلك، يقال: صل الحديد ~~واللجام: امتد صوته، فإن توهم ترجيع الصوت قيل: صلصل، وصل البيض: سمع له ~~طنين عند القراع، والمسمار صليلا: ضرب فأكره أن يدخل في الشيء، والإبل ~~صليلا: يبست أمعاؤها من العطش فسمع لها صوت عند الشرب. # PageV11P044 # ومن الصوت: صلصل: أوعد وتهدد، وقتل سيد العسكر - لظهور الصيت بذلك، وصلصل ~~الرعد: صفا صوته، والكلمة: أخرجها متحذلقا، وطائر أو الفاختة، والراعي ~~الحاذق، والمصلل - كمحدث: السيد الكريم الحسيب، والخالص النسب، والأسكف وهو ~~الإسكاف عند العامة، وتصلصل الغدير: جفت حمأته، فتهيأ لأن يصوت يبسه، ~~والحلي: صوت، وحمار صلصل وصلاصل - بضمهما، وصلصال ومصلصل: مصوت. # ومن النتن: صلول اللحم والماء، يقال: صل اللحم صلولا: أنتن، والماء: أجن، ~~والصليان - بكسرتين مشددة اللام: ما تغير من اللحم، والصلة - بالضم: الريح ~~المنتنة. # PageV11P045 # ومن اليبس: الصلة، وهي الجلد اليابس قبل الدباغ، والنعل، والأرض، أو ~~اليابسة - وصل السقاء صليلا: يبس. أو أرض لم تمطر بين ممطورتين، والصل - ~~بالكسر: القرن، وشجر، والسيف القاطع. # ومن النداوة: الصلة، وهي التراب الندي؛ ومن الماء أعم من أن يكون كثيرا ~~أو قليلا: الصلة للمطرة الواسعة والمتفرقة القليلة، والصلة - بالضم: بقية ~~الماء وغيره، وكذا الصلصلة والصلصل - بضمهما: بقية الماء في الغدير، وكذا ~~من الدهن والزيت، وأما التفرق فمن التشقق، والصلة: القطعة من العشب، سميت ~~باسم المطر تسمية للمسبب باسم السبب. # ومن اللين: الصلالة - بالكسر - لبطانة الخف أو ساقها، والصلصل - كهدهد: ~~ناصية الفرس ويفتح، أو بياض في شعر معرفته، وما ابيض من شعر ظهره، وهذا من ~~التمييز أيضا؛ ومن المحل: القدح أو الصغير منه، والمصلة - بالكسر: الإناء ~~يصفى فيه الشراب؛ ومن الخبث: ms2481 الصل - بالكسر للحية مطلقا، أو الدقيقة ~~الصفراء، والداهية، # PageV11P046 # والتسيف القاطع - شبه بذلك لإهلاكه، وإنه لصل أصلال: داه منكر في الخصومة ~~وغيرها، وصلتهم الصالة: أصابتهم الداهية، وهذا أيضا من شدة الانتشاب، ومن ~~التشقق: الصال وهو الماء يقع على الأرض فتشقق. # ومن التصفية: صللنا الحب المختلط بالتراب: صببنا فيه ماء فعزلنا كلا على ~~حياله، وصل الشراب صلا صفاه، والمصلة - بالكسر: الإناء يصفي فيه. # ومن تضام الأجزاء وتضايقها، وقد يكون مع الانتظام ومنه: تلصيص البنيان، ~~أي ترصيصه، وقد لا يشترط فيه الانتظام ومنه: التص بمعنى التزق، واللص وهو ~~تقارب المنكبين، وتقارب الأضراس، وتضام مرفقي الفرس إلى زوره، واللصاء من ~~الجباه: الضيقة، والمرأة الملتزقة الفخدين لا فرجة بينهما، والزنجي: ألص ~~الأليتين، # PageV11P047 # وإغلاق الباب؛ ومن إطلاقه على ما ليس منتظما وإن لم يكن تقارب: اللصاء من ~~الغنم، وهي ما أقبل أحد قرينها وأدبر الآخر، ومن الخفاء الذي هو من لوازم ~~الطين وهو ندي: اللص - بالفتح، وهو فعل الشيء في ستر، والسارق، ويثلث. # ومادة «سن» تدور على الدلك، ويلزمه التحسين، فمن الدلك: السن - بالكسر، ~~وهو الضرس والخبة من الثوم - تشبه به، والثور الوحشي، وسنان الرمح، ومكان ~~البري من القلم، والأكل الشديد، والقرن، وشعبة المنجل، ومقدار العمر - لأنه ~~لما مر على صاحبه كان كأنه دلكه، والمسان من الإبل: الكبار، وسن السكين ~~وغيره فهو مسنون، والمسن - بالكسر: آلة السن، وسنن رمحه إليه: سدده، وسن ~~الأضراس: سوكها، والإبل: ساقها سريعا - لتدالكها عند الازدحام، وسن الأمر: ~~بينه - فكأنه هيأه لأن يركب فيدلك بالأفكار أو غيرها، وسن الطين: عمله ~~فخارا، وفلانا: طعنه بالسنان أو عضه بالأسنان، والفحل الناقة: كبها على ~~وجهها، وعليه # PageV11P048 # الدرع أو الماء: صبه، والطريقة: سارها، واستن: استاك. # والفرس: قمص، والسراب: اضطرب، والسنة - بالكسر: الفأس لها خلفان، والسنة ~~- بالضم: السيرة أو الطبيعة - كأنها عولجت حتى انقادت، والسنة من الله: ~~حكمه وأمره ونهيه، وسنن الطريق - مثلثة وبضمتين: نهجه وجهته، وجاءت الريح ~~سناسن: على طريقة واحدة، والحمأ المسنون: المنتن - لأنه تهيأ لأن يدلك ~~بالآية جبلا حتى يصلح لما يستعمل فيه، والفحل ms2482 يسان الناقة: يكدمها ويطردها ~~حتى ينوخها ليسفدها، والسنين - كأمير: ما يسقط من الحجر إذا حككته، والأرض ~~التي أكل نباتها كالمسنونة، والسنسن - بالكسر: العطش - كأنه سن الأمعاء حتى ~~أحرقها، ورأس المحالة، أي البكرة العظيمة، وحرف فقار الظهر كالسن والسنسنة، ~~ورأس عظام الصدر، أو طرف الضلع التي في الصدر، والمستسن: الطريق المسلوك، ~~والمستن: الأسد، والسنن - محركة: # PageV11P049 # الإبل تستن في عدوها، والسنينة - كسفينة: الرمل المرتفع المستطيل على وجه ~~الأرض، وهو من المسنون بمعنى المصبوب: وسنني هذا الشيء: شهى إلي الطعام - ~~كأنه سن المعدة حتى قطعت بعد كلالها، وتسانت الفحول: تكادمت، والنس: سرعة ~~الذهاب، ويلزمه تدالك الأعضاء، ونسيس الإنسان: مجهوده - لأن ذلك لا يكون ~~إلا بعد أشد الاضطراب، والنسيسة: الحشاشة، وهي بقية الروح من المريض ~~والجريح - كأنها صدمت حتى ذهب أكثرها، ونس اللحم: ذهب بلله من شدة الطبخ - ~~لأن إحراق النار أعظم دلك، وكذا نس الحطب - إذا أخرجت النار زبده على رأسه ~~- لقيام الإحراق مقام الرضخ فيما يستخرج دهنه، ونس من العطش: جف، من ذلك؛ ~~ومن التحسين: سنن المنطق - إذا حسنه، وسن الأمر: بينه، والطين: عمله فخارا، ~~والمال: أرسله في الرعي أو أحسن القيام عليه حتى # PageV11P050 # كأنه صقله، والشيء: صوره، والسنة - بالضم: الوجه، أو حره، أو دائرته، أو ~~الصورة أو الجبهة، ورجل مسنون الوجه: مملسه حسنه سهله، أو في وجهه وأنفه ~~طول، وكل ذلك يرجع إلى الدلك أيضا - والله أعلم. وقال أبو حيان: قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: المسنون: الرطب، ومعناه المصبوب، لأنه لا يكون مصبوبا ~~إلا وهو رطب؛ وقال الرازي في اللوامع: وهذا إشارة إلى درجات خلق آدم عليه ~~السلام ومراتبه، وأشار الله تعالى إلى ذلك في مواضع مختلفة حسبما اقتضته ~~الحكمة فقال في موضع {خلقه من تراب} [آل عمران: 59] إشارة إلى المبدإ ~~الأول، وفي آخر {من طين} إشارة إلى الجمع بين الماء والتراب، وفي آخر {من ~~حمإ مسنون} إشارة إلى الطين المتغير المستقر على حالة من الاعتدال تصلح ~~لقبول الصورة، وفي آخر {من صلصال} إشارة إلى يبسه وسماع صلصلة منه، وفي ms2483 آخر ~~{من صلصال كالفخار} [الرحمن: 14] وهو الذي قد أصلح بأثر من النار فصار ~~كالخذف، وبهذه القوة النارية حصل في الإنسان أثر من الشيطنة - انتهى. وقال ~~الرماني: وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه تقليب الحيوان من حال إلى حال # PageV11P051 # من جاعل قادر قلبه من أصل هو أبعد شيء من حال الحيوان إلى الحيوان، وقال: ~~إن الحكمة في جعله من الحمأة العبرة في أنه قلب من تلك الحال الحقيرة في ~~الصفة إلى هذه الحال الجليلة. # PageV11P052 # ولما ذكر سبحانه خلق الإنسان، أتبعه ذكر ما خلقه قبله من الجنان فقال: ~~{والجان} أي الذي هو للجن كآدم عليه السلام للناس: وقيل: هو إبليس {خلقناه} ~~وعبر عن تقليل زمان سبق خلقه وتقريبه بإثبات الجار فقال: {من قبل} أي قبل ~~خلق الإنسان {من نار السموم *} أي الحر الشديد، قيل: هي نار لا دخان لها، ~~يكون منها الصواعق، وهي بين السماء وبين الحجاب، فإذا أراد الله تعالى خرقت ~~الحجاب، فهدت إلى ما أمرت به، فالهداة التي يسمعها الناس هي خرق ذلك ~~الحجاب؛ وقال الرازي في اللوامع: نار لطيفة تناهت في الغليان في أفق ~~الهواء، وهي بالإضافة إلى النار التي جعلها الله تعالى متاعا كالجمد إلى ~~الماء والحجر إلى التراب - انتهى. وقال عبد الله: هذه السموم جزء من سبعين ~~جزءا من السموم # PageV11P052 # التي خلق الله منها الجان، وهي مأخوذة من دخولها بلطفها في مسام البدن، ~~ومنه السم القاتل - انتهى. # ولما كانت نعمة الإيجاد كافية في إخلاص العبادة للموجد، ثم لم يعتبرها ~~أهل الضلال، أشار تعالى إلى نعمة هي أكبر منها، وهي التفضيل على جميع ~~المخلوقات على وجه مبين لسبب الضلال، فقال عاطفا على ما تقديره: اذكر هذا ~~فإنه كاف في المراد لكل ذي لب: {وإذ} أي واذكر قول ربك إذ {قال ربك} أي ~~المحسن إليك بتشريف أبيك آدم عليه السلام لتشريفك {للملائكة} ولما كان مما ~~يتوقف فيه، أكده فقال: {إني خالق بشرا} أي حيوانا غير ملبس البشرة بما جعله ~~عليه من الطبيعة على الصورة الإنسانية {من صلصال} أي طين ms2484 شديد اليبس {من ~~حمإ} أي طين أسود منتن {مسنون *} أي مصور بصورة الآدمي في تجويفه وأعضائه ~~كأنه مصبوب في قالب؛ قال الرماني: وأصله الاستمرار في جهة من قولهم: على ~~سنن واحد {فإذا سويته} أي عدلته وأتممته وهيأته لنفخ الروح تهيئة قريبة من ~~الفعل {ونفخت فيه من روحي} أي خلقت الحياة فيه # PageV11P053 # كما تعلق النار بالفتيلة بالنفخ، وهو تمثيل، وأضاف الروح إليه تشريفا، ~~وهو ما يصير به الجسم حيا، وأشرف منه ما يصير به الروح عالما، وأشرف منه ما ~~يصير به العالم عاملا خاشعا {فقعوا له} أي تعظيما، حال كونكم {ساجدين *} أي ~~اسجدوا له سجود من كان في مبادرته به وسهولة انقياده كأنه وقع من غير ~~اختياره {فسجد الملائكة} أي بسبب هذا الأمر من غير توقف لما جاء الوقت الذي ~~أمرتهم فيه لذلك البشر، وهو أبوكم آدم عليه السلام وأنتم في صلبه {كلهم ~~أجمعون *} . # PageV11P054 # ولما أبلغ في تأكيد ما أفهمه الجمع، استثنى فقال: {إلا إبليس} قيل: هو من ~~قوم من الملائكة، وقيل: بل - لكونه كان واحدا بينهم منضافا إليهم عاملا ~~بأعمالهم - كان معمورا فيهم، فكان كأنه منهم، فصح استثناءه لذلك، فكأنه ~~قيل: ما فعل. فقيل استعظاما لمخالفته: {أبى أن يكون} أي لشكاسة في جبلته ~~{من الساجدين *} أو إنه لم يقل: فأبى - بالعطف، لأن الاستثناء منقطع، فإن ~~إبليس من نار والملائكة من نور، وهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون ~~بخلافه، فكأنه قيل: فما فعل به الملك؟ فقيل: لم يعاجله بالعقوبة، بل # PageV11P054 # أخره إلى أجله المحكوم به في الأزل كما أنه لم يعاجلكم لذلك، فكأنه قيل: ~~فما قال له؟ فقيل: {قال} له ليقيم الحجة عليه عند الخلائق ظاهرا كما قدمت ~~عليه الحجة في العلم باطنا: {يا إبليس} اختار هذا الاسم هنا لأن الإبلاس ~~معناه اليأس من كل خير، والسكون والانكسار، والحزن والتحير، وانقطاع الحجة ~~والندم {مالك} أي شيء لك من الأعذار في {ألا تكون} أي بقلبك وقالبك {مع ~~الساجدين *} لمن أمرتك بالسجود له وأنت تعلم مما أنا عليه من العظمة ~~والجلال ما ms2485 لا يعلمه كثير من الخلق {قال لم أكن} وأكد إظهارا للإصرار ~~والإضرار بالكبر فقال: {لأسجد لبشر} أي ظاهر البدن، لا قدرة له على التشكل ~~والتطور {خلقته من صلصال} أي طين يابس لا منعة فيه، بل إذا نقر أجاب ~~بالتصويت {من حمإ} أي طين متغير أسود كدر {مسنون *} أي مصور بصورة الفخار ~~متهيىء للدلك، لا يرد يد لامس، وأنا خير منه لأنك خلقتني من نار نافعة ~~بالإشراق، ممتنعة ممن يريدها بالإحراق، فخضوعي له مناف لحالي وممتنع مني، ~~وإلزامي به جور، فكأنه قيل: فماذا أجيب؟ فقيل: {قال فاخرج} أي تسبب عن كبرك # PageV11P055 # أني أقول لك: اخرج {منها} أي من دار القدس، قيل: السماء، وقيل: الجنة ~~{فإنك رجيم *} أي مطرود إذ الرجم لا يكون إلا لمن هو بعيد يراد الزيادة في ~~إبعاده بل إهلاكه، وعلة الإخراج أنها دار لا يقيم بها متكبر عاص بمخالفة ~~أمري، فإن لي الحاكم النافذ والعظمة التامة المقتضية لوجوب الطاعة، لا ~~ينبغي لمن أمرته بما مر أن يتخلف عن أمري فضلا عن أن يضرب لي الأمثال، ~~ويواجهني بالجدال، طاعنا فيما لي من الجلال والجمال؛ ثم أكد بعده بالإخبار ~~باستمراره فقال: {وإن عليك} أي خاصة {اللعنة} أي الكاملة للقضاء بالمباشرة ~~لأسباب البعد {إلى يوم الدين *} أي إلى يوم انقطاع التكليف وطلوع صبح ~~الجزاء بفناء الخلق أجمعين وفوات الأمد التي تصح فيه التوبة التي سبب ~~القرب، فذلك إيذان بدوام الطرد، وتوالي البعد والمقت، فلا يتمكن في هذا ~~الأمد من عمل يكون سببا للقرب من حضرة الأنس، وجناب القدس، ومن منع من ~~التوبة عن الكفر في وقتها يعلم قطعا أنه لا يغفر له، فهو معذب أبدا. # PageV11P056 # ولما علم من هذا دوام لعنه، لأنه منع التقرب في دار العمل، # PageV11P056 # وما بعد ذلك محل الجزاء لا العمل، وكان ذلك مفهما لإنظاره إلى ذلك الحد، ~~وكان ظاهره أن لعنه معني به، كان كأنه قيل: فماذا قال حين سمع ذلك؟ فقيل: ~~{قال} ذاكرا صفة الإحسان والتسبب في سؤال الإنظار: {رب} فاعترف بالعبودية ~~والإحسان إليه، ولم يحمله ms2486 ذلك على التوبة للحكم بدوام لعنه فلا يطمع طامع ~~في إيمان من ختم بكفره بالإجابة إلى ما يقترح، وأتى بفاء السبب لما فهم من ~~الإملاء فقال: {فأنظرني} والإنظار: تأخير المحتاج للنظر في أمره {إلى يوم ~~يبعثون *} فحمل يوم الدين على حقيقته، وأراد التصريح بالإنظار إليه ليأمن ~~الموت. فكأنه قيل: ماذا قيل له؟ فقيل: {قال} له ربه: {فإنك} أي بسبب ما ~~تقدم من الحكم {من المنظرين *} وقطع عليه ما دبج به من المكر فقال: {إلى} ~~ولما كان اليوم ما يتم فيه أمر ظاهر، وكانت الأيام الهائلة ثلاثة: زمان موت ~~الأحياء الخارجين من دار الخلد، ثم بعث الأموات، ثم الفصل بينهم بإحلال كل ~~فريق في داره، قال: {يوم} ولما كان الوقت أدل ألفاظ الزمان على الأجل، قال: ~~{الوقت} ولما كان قد دبج في سؤاله هذا تدبيجا أوهم تجاهله بتحتم # PageV11P057 # الموت على كل مكلف، بين تعالى أنه مما لا يجهل فقال: {المعلوم *} أي الذي ~~قدرت عليك الموت فيه، وهو النفخة الأولى وما يتبعها من موت كل مخلوق لم يكن ~~في دار الخلد. # ولما أفهم ما تقدم - كما قلنا - الحكم بإغوائه، كان السامع كأنه قال: ~~فماذا قال؟ فقيل: {قال} منسوبا نفسه بالمعبود العلي - الذي لا يسأل عما ~~يفعل، وكل أفعاله عدل وحكمة - بعد أن رفع نفسه على العبد البشري: {رب} أي ~~أيها الموجد والمربي لي وعزتك {بما أغويتني} أي بسبب إغوائك لي من أجلهم، ~~وللاهتمام بهذا السبب قدمه على جواب القسم الدال على المقسم به، وهو قوله: ~~{لأزينن لهم} أي تزيينا عظيما، المعاصي والمباحات الجارة إليها الشاغلة عن ~~الطاعة الصارفة عنها {في الأرض} أي التي هي محل الغفلة وهم منها، والشيء ~~إلى ما هو منه أميل، فهي بهذا التقدير # PageV11P058 # مساوية لآية «ص» «فبعزتك» ؛ والتزيين: جعل الشيء متقبلا في النفس من جهة ~~الطبع والعقل بحق أو بباطل {ولأغوينهم} أي بالإضلال عن الطريق الحميدة ~~{أجمعين} انتقاما لنفسي {إلا عبادك منهم} أي المشرفين بالإضافة إليك، فهم ~~لذلك لا يميلون عنك إلى شيء سواك، فلذلك أبدل منهم {المخلصين ms2487 *} فزاد بهذا ~~الكلام في الضلال، ولم يقدر أن يقول بدل ذلك: رب تب علي - ونحوه من ~~الاستعطاف كما قال آدم عليه السلام لما حفه اللطف وداركه العفو، فارعوا هذه ~~النعمة! والإخلاص: إفراد الشيء عما يشوبه من غيره، فكأنه قيل: فبماذا أجيب؟ ~~فقيل: {قال} الله في جوابه، رادا على ما أوهمه كلامه من أن له فعلا يستقل ~~به، مكذبا له: {هذا} أي الذي ذكرته من حال المستثنى والمستثنى منه {صراط ~~علي مستقيم *} لأني قضيت به ولو لم تقله أنت وحكمت به عليك وعليهم، فلا ~~محيص لكم عنه، فكأنه قيل: علي إقامته، أو هو وارد علي ألا عوج لسالكيه عن ~~الرجوع إلي والمرور علي - يعني أنه لا يقدر أحد أن يعمل شيئا # PageV11P059 # بغير إرادتي، فإني بالمرصاد؛ ثم شرح ذلك بقوله - مضيفا جميع العباد إليه ~~كما هو الحقيقة، نافيا ما قد يوهمه الكلام من أن لإبليس عملا مستقلا -: {إن ~~عبادي} أي عامة {ليس لك} أي بوجه من الوجوه {عليهم سلطان} أي لتردهم كلهم ~~عما يرضيني {إلا من اتبعك} أي بتعمد منه ورغبة في اتباعك {من الغاوين} ومات ~~عن غير توبة؛ فإني جعلت لك عليهم سلطانا بالتزيين والإغواء، وقيل وهو ظاهر: ~~إن الإضافة للتشريف، فلا تشمل إلا الخلص، فحينئذ يكون الاستثناء منقطعا، ~~وفائدة سوقه بصورة الاستثناء - على تقدير الانقطاع - الترغيب في رتبة ~~التشرف بالإضافة إليه والرجوع عن اتباع العدو إلى الإقبال عليه، لأن ذوي ~~الأنفس الأبية والهمم العلية ينافسون في ذلك المقام، ويرونه - كما هو الحق ~~- أعلى مرام {وإن جهنم لموعدهم} أي الغاوين من إبليس ومن شايعه {أجمعين *} ~~ثم بين أنهم متفاوتون فيها فقال: {لها سبعة أبواب} قال الرماني: وهي أطباق ~~بعضها فوق بعض - عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وقتادة وابن جريح ~~رحمهم الله {لكل باب منهم} أي الغاوين خاصة، لا يشاركهم # PageV11P060 # فيه مخلص {جزء مقسوم *} معلوم لنا من القدم لتقديرنا إياه، لا يزيد شيئا ~~ولا ينقص شيئا، فلا فعل فيه بغير التسبب الذي أظهرناه، لنربط به الأحكام ~~على ما ms2488 يقتضيه عقولكم ومجاري عاداتكم، وعن ابن جريح أن العليا جهنم، ثم ~~لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وفي نسخة تقديم ~~سقر على لظى، وعن الضحاك أن العليا لأهل التوحيد، ثم يخرجون، والثانية ~~للنصارى، والثالثة لليهود، والرابعة للصائبة، والخامسة للمجوس، والسادسة ~~لمشركي العرب، والسابعة للمنافقين، والسبب في تصاعدها اختلاف أنواع الكفر ~~في الغلط والخفة # {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] رحمة منه سبحانه، ولعلها كانت سبعة ~~باعتبار أصناف الكفار، لأنهم إما معطلة أو مثبتة، والمثبتة إما يهود أو ~~صابئة أو نصارى أو مجوس أو عباد أوثان، والكل إما مصارحون أو منافقون، ولما ~~كان المنافق لا يعرف ظاهرا من أيها هو؟ عد قسما واحدا ووكل أمره في ميزه ~~إلى العليم الخبير، ولما كان الكل عاملين بما لم يأذن به الله كانوا في حكم ~~المعطلة، لوصفهم الله بغير صفته، فرجعت # PageV11P061 # الأقسام إلى ستة، فأضيفت إليها العصاة من كل فرقة فجعلت جزء الطبقة ~~العليا من النار مقابلة لقسم المنافقين من كل أمة، لعملهم أعمال الكفار مع ~~الإيمان، كما أن عمل المنافقين عمل المؤمنين مع الكفران، فكانوا أخفى ~~الكفار فكان لهم الدرك الأسفل من النار، ثم رأيت في «رشف النصائح الإيمانية ~~وكشف الفضائح اليونانية» للعارف بالله تعالى شهاب الدين عمر بن محمد ~~السهروردي رحمه الله أنها جعلت سبعة على وفق الأعضاء السبعة من العين، ~~والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل، لأنها مصادر السيئات، ~~فكانت مواردها الأبواب السبعة - وهو مأخوذ من كتاب المحاسبة من كتاب ~~الإحياء للإمام الغزالي - ولما كانت هي بعينها مصادر الحسنات بشرط النية، ~~والنية من أعمال القلب، زادت الأعضاء واحدا، فجعلت أبواب الجنان ثمانية هذا ~~معنى قوله، قال: وأعمال القلوب من السيئات غير مؤاخذ بها. # ولما ذكر الكافرين وما جرهم إلى الضلال، وجرأهم على قبائح الأعمال، ذكر ~~المخلصين فقال - مؤكدا لإنكار المكذبين بالبعث: {إن المتقين} أي العريقين ~~في هذا الوصف؛ والمتقي: من جعل # PageV11P062 # الإيمان بإخلاصه حاجزا بينه وبين العقاب {في جنات وعيون} . # PageV11P063 # ولما كان المنزل لا يحسن إلا بالسلامة ms2489 والأنس والأمن، قال تعالى: ~~{ادخلوها} أي يقال لهم ذلك {بسلام} أي سالمين من كل آفة، مرحبا بكم ومسلما ~~عليكم حال الدخول {آمنين *} من ذلك دائما. # ولما كان الأنس لا يكمل إلا بالجنس مع كمال المودة وصفاء القلوب عن ~~الكدر، قال: {ونزعنا} أي بما لنا من العظمة {ما في صدورهم من غل} أي حقد ~~ينغل أي ينغرز في القلب حال كونهم {إخوانا} أي متصافين، حال كونهم {على ~~سرر} جمع سرير، وهو مجلس رفيع موطأ للسرور {متقابلين *} لا يرى بعضهم قفا ~~بعض؛ في آخر الثقفيات عن الجنيد رحمه الله أنه قال: ما أحلى الاجتماع مع ~~الأصحاب! وما أمر الاجتماع مع الأضداد! ولما كان النظر في الدوام والمآل ~~بعد ذلك، قال: {لا يمسهم فيها نصب} أي إعياء وتعب وجهد ومشقة {وما هم منها} ~~ولما كان المنكى في كل شيء إنما هو الإكراه، بني للمفعول قوله: {بمخرجين *} ~~. # ولما كان المفهوم من هذا السياق أن الناجي إنما هو المتقي المخلص # PageV11P063 # الذي ليس للشيطان عليه سلطان، وكان مفهوم المخلص من لا شائبة فيه، وكان ~~الإنسان محل النقصان، وكان وقوعه في النقص منافيا للوفاء بحق التقوى ~~والإخلاص، وكان ربما أيأسه ذلك من الإسعاد، فأوجب له التمادي في البعاد، ~~قال سبحانه - جوابا لمن كأنه قال: فما حال من لم يقم بحق التقوى؟ {نبىء ~~عبادي} أي أخبرهم إخبارا جليلا {أني أنا} أي وحدي {الغفور الرحيم *} أي ~~الذي أحاط - محوه للذنوب وإكرامه لمن يريد - بجميع ما يريد، لا اعتراض لأحد ~~عليه. # ولما كان ذلك ربما سببا للاغترار الموجب للإصرار، قال تعالى: {وأن عذابي ~~هو} أي وحده {العذاب الأليم *} أي الكامل في الإيلام، فعلم أن الأول لمن ~~استغفر، والثاني لمت أصر، وعرف من ذلك أن المتقين إنما دخلوا الجنة بعفوه، ~~والغاوين إنما عذبوا بعدله، فهو لف ونشر مشوش - على ما هو الأفصح. # ولما أتم سبحانه شرح قوله: {وليعلموا أنما هو إله واحد} وما تبعه من ~~الدلالة على البعث، شرع في شرح {وليذكر أولوا الألباب} بقصة الخليل عليه ~~السلام وما بعدها مع ms2490 الوفاء بذكر المعاد، تارة تلويحا # PageV11P064 # وتارة تصريحا، والرجز عن الاجتراء على طلب الإتيان بالملائكة عليهم ~~السلام، والالتفات إلى قوله: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل ~~واسحاق} [إبراهيم: 39] في أسلوب شارح لما تعقبه هذه القصة، فإن حصول القنوط ~~سبب لآية المغفرة، والإخبار بعذاب الأمم تمثيل لآية العذاب ليزدجر ~~المخاطبون، وأفراد لهم ذكر من هو أقرب إلى بلادهم ممن يعرفونه من المعذبين ~~لأنه أوقع في النفس، فقال تعالى: {ونبئهم} أي خبرهم إخبارا عظيما {عن ضيف ~~إبراهيم *} والضيف هو المنضم إلى غيره لطلب القرى، فهؤلاء سموا بهذا الاسم ~~لأنهم على صورة الضيف، فهو من دلالة التضمن {إذ دخلوا عليه} أي إبراهيم ~~عليه السلام {فقالوا} أي عقب الدخول {سلاما} . # ولما كان طلبهم في هذه الصورة للملائكة على وجه أوكد مما في سورة هود ~~عليه السلام، أشار لهم إلى ما في رؤية الملائكة من الخوف ولو كانوا مبشرين ~~وفي أحسن صورة من صور البشر - بقوله: {قال} بلسان الحال أو القال: {إنا} أي ~~أنا ومن عندي {منكم وجلون *} وأسقط ذكر جوابه بالسلام، ولا يقدح ذلك فيما ~~في سورة هود وغيرها # PageV11P065 # من ذكره، فإن إذ ظرف زمان بمعنى حين، والحين قد يكون واسعا، فيذكر ما فيه ~~تارة جميعه على ترتيبه، وأخرى على غير ذلك، وتارة بعضه مع إسقاط البعض مع ~~صدق جميع وجوه الإخبار لكونه كان مشتملا على الجميع، وتكون هذه التصرفات ~~على هذه الوجوه لمعان يستخرجها من أراد الله. # PageV11P066 # ولما أخبر أنه أخبرهم بوجله منهم، تشوف السامع إلى جوابهم فقال: {قالوا} ~~مريدين أمنه: {لا توجل} والوجل: اضطراب النفس لتوقع ما يكره؛ ثم عللوا ذلك ~~بقولهم مؤكدين لقلع ما في نفسه من الوجل المنافي للبشرى {إنا نبشرك بغلام} ~~أي ولد ذكر هو في غاية القوة وليس هو كأولاد الشيوخ ضعيفا. ولما كان خوفه ~~لخفاء أمرهم عليه، كان للوصف بالعلم في هذا السياق مزيد مزية فقالوا: {عليم ~~*} فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: {قال} مظهرا للتعجب إرادة تحقيق الأمر ~~وتأكيده: {أبشرتموني} أي بذلك {على أن مسني الكبر} ms2491 أي الذي لا حركة معه ~~يأتي منها ولد، أم على أن أعود شابا؟ ولذلك سبب عنه قوله: {فبم تبشرون *} ~~بينوا لي ذلك بيانا شافيا # PageV11P066 # {قالوا بشرناك بالحق} أي الأمر الثابت المقطوع به الواقع لا محالة الذي ~~يطابق خبرنا {فلا تكن} أي بسبب تبشيرنا لك بالحق {من القانطين *} أي ~~الآئسين الذين ركنوا إلى يأسهم، لقولك نحو أقوالهم. # فلما ألهبوه بهذا النهي {قال} منكرا لأن يكون من القانطين: {ومن يقنط} أي ~~ييأس هذا اليأس {من رحمة ربه} أي الذي لم يزل إحسانه دارا عليه {إلا ~~الضالون *} أي المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم من تمام القدرة وأنه ~~لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة، وهذا إشارة إلى أنه ما كان قانطا، وإنما كان ~~مريدا لتحقيق الخبر، وفي هذا تلويح إلى أمر المعاد. # فلما تحقق البشرى ورأى إتيانهم مجتمعين على غير الصفة التي يأتي عليها ~~الملك للوحي، وكان هو وغيره من العارفين بالله عالمين بأنه ما تنزل ~~الملائكة إلا بالحق، كان ذلك سببا لأن يسألهم عن أمرهم ليزول وجله كله، ~~فلذلك {قال فما} بفاء السبب {خطبكم} قال أبو حيان: والخطب لا يكاد يقال إلا ~~في الأمر الشديد - انتهى. وقال الرماني: إنه الأمر الجليل {يا أيها ~~المرسلون *} فإنكم ما جئتم إلا لأمر عظيم يكون فيصلا بين هالك وناج {قالوا ~~إنا} ولما كان عالما بمرسلهم، بنوا للمفعول # PageV11P067 # قولهم: {أرسلنا} أي بإرسال العزيز الحكيم الذي أنت أعرف الناس في هذا ~~الزمان به {إلى قوم} أي ذوي منعة {مجرمين} أي عريقين في الإجرام كلهم. # PageV11P068 # ولما كان إرسالهم للعذاب، قالوا مستثنين من الضمير في {مجرمين} أي قد ~~أجرموا كلهم إجراما عظيما {إلا آل لوط} فاستثنوهم من أن يكونوا مجرمين، ~~المستلزم لكونهم ما أرسلوا لتعذيبهم، فكان ذلك محركا للنفس إلى السؤال عن ~~حالهم، فإنهم ممن وقع الإرسال بسببه، فأجابوا بقولهم: {إنا لمنجوهم} أي ~~تنجية عظيمة بتدريج الأسباب على العادة {أجمعين إلا امرأته} . # فلما استثنوها من أن ينجوها فكان أمرها محتملا لأن تعذب ولأن ينجيها الله ~~تعالى بسبب غيرهم، تشوفت النفس ms2492 للوقوف على ما قضى الله به من ذلك، فقيل ~~بإسناد الفعل إلى أنفسهم لما لهم من الاختصاص بالمقدر سبحانه: {قدرنا} ولما ~~كان فعل التقدير متضمنا للعلم، علقه عن قوله: {إنها} أي امرأته، وأكد لأجل ~~ما أشير إليه هنا من عظيم تشوف الخليل عليه السلام إلى معرفة أمرهم # PageV11P068 # وتشديد سؤاله، في نجاة لوط عليه السلام وجميع آله - كما مضى التصريح به ~~في هود - فطما له عن سؤال في نجاتها بخلاف ما في النمل، فإن سياقها عار عن ~~ذلك {لمن الغابرين} أي الباقين الذين لا ينجون مع لوط عليه السلام، بل تكون ~~في الهلاك والعبرة؛ والآل - قال الرماني: أهل من يرجعون إلى ولايته، ولهذا ~~يقال: أهل البلد، ولا يقال آل البلد، والتقدير: جعل الشيء على مقدار غيره ~~لتظهر المساواة والمباينة، والغابر: الباقي فيمن يهلك. # فلما تم ما أريد الإخبار عنه من تحاورهم مع إبراهيم عليه السلام، أخبر عن ~~أمرهم مع لوط عليه السلام، فقال: {فلما} بالفاء الدالة على سرعة وصولهم ~~إليه، وكأنه ما اشتد إنكاره لهم إلا بعد الدخول إلى منزله، إما لخوفه عليهم ~~وهم لا يخافون، أو غير ذلك من أحوال لا تشبه أحوال البشر فلذا قال: {جاء آل ~~لوط} أي في منزله {المرسلون *} أي لإهلاك قومه {قال إنكم قوم} أي أقوياء ~~{منكرون *} لا بد أن يكون عن إتيانكم إلى هذه البلدة # PageV11P069 # شر كبير لأحد من أهل الأرض، وهو معنى {سيء بهم} [العنكبوت: 33] الآية، ~~فقدم حكاية إنكاره إياهم وإخبارهم عن العذاب لمثل ما تقدم في قصة إبراهيم ~~عليه السلام من الزجر عن قولهم {لو ما تأتينا بالملائكة} المحتمل لإرادة ~~جميع الملائكة {إن كنت من الصادقين} تعريفا لهم بأن بعض الملائكة أتوا من ~~كانا أكمل أهل ذلك الزمان على أجمل صور البشر، مبشرين لهما، ومع ذلك خافهم ~~كل منهما، فكيف لو كان منهم جمع كثير؟ أم كيف لو كانوا على صورهم؟ أم كيف ~~لو كان الرائي لهم غيرهما؟ أم كيف لو كان كافرا {يوم يرون الملائكة لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا ms2493 محجورا} [الفرقان: 22] ويجوز أن يكون قوله لهم ~~هذه المقالة إنما كان عند إخبارهم له بأنهم رسل الله، ويكون المعنى حينئذ ~~أنكم لستم على صفة الآتي بالوحي، فقد اشتد على أمركم، لكوني لا أعرفكم مع # PageV11P070 # الاستيحاش منكم، وذلك بعد محاورته لقومه ثم مقارعتهم عنهم، فكان خائفا ~~عليهم، فلما أخبروه أنهم ملائكة خاف منهم أن يكونوا أتوا بشيء يكرهه، وقد ~~تقدم آنفا أن الإخبار عما كان في حين من الأحيان لا يضر تقديم بعضه على بعض ~~ولا إسقاط بعض وذكر آخر، ولم يزد هنا الحرف الذي أصله المصدر، وهو «أن» كما ~~في العنكبوت، لأن استنكاره لهم وإن كان مرتبا على مجيئهم إلا أنه ليس متصلا ~~بأوله بخلاف المساءة. # PageV11P071 # ولما كانت حقيقة المنكر ما خرج عن عادة أشكاله، ولم يكن على طريقة ~~أمثاله، أضربوا عن قوله، وكان جوابهم أن {قالوا بل} أي لسنا منكرين لأنا ~~{جئناك} لنفرج عنك {بما} أي بسبب إيقاع ما {كانوا} أي جبلة وطبعا {فيه ~~يمترون *} بما جرت عادتنا أن نأتي بمثله من العذاب الذي كانوا يشكون فيه ~~شكا عظيما، يحملون نفوسهم عليه ويكذبون به، والجاهل يوصف بالشك وإن كان ~~مكذبا من جهة ما يعرض له منه، من حيث إنه لا يرجع إلى ثقة فيما هو عليه ~~{وأتيناك بالحق} الفاصل بينك وبينهم، الواقع بهم مطابقا لإخبارنا؛ ~~والإتيان: الانتقال إلى جهة الشيء، والذهاب: الانتقال عنه # PageV11P071 # {وإنا لصادقون *} في الإخبار بما يطابق الواقع. # ولما أخبروه بوقوع العذاب بهم، أمروه بما يكون سببا فيما أمروا به من ~~إنجائه، فقالوا: {فأسر} فأتو بالفاء لأن ما بعدها مسبب عما قبلها {بأهلك ~~بقطع} أي طائفة {من الليل واتبع} أي كلف نفسك أن تتبع {أدبارهم} لتكون ~~أقربهم إلينا وإلى محل العذاب، لأنك أثبتهم قلبا وأعرفهم بالله، والشر من ~~ورائكم، وقد جرت عادة الكبراء أن يكونوا أدنى جماعتهم إلى الأمر المخوف ~~سماحا بأنفسهم وتثبيتا لغيرهم، وعلما منهم بأن مداناة ما فيه وجل لا يقرب ~~من أجل، وضده لا يغني من قدر، ولا يباعد من ضرر، ولئلا يشتغل قلبك ms2494 بمن ~~خالفك، وليحتشموك فلا يلتفتوا، أو يتخلف أحد منهم - وغير ذلك من المصالح؛ ~~والدبر: جهة الخلف وهو ضد القبل {ولا يلتفت} أي أصلا {منكم أحد} إذ لا ~~فائدة فيه لأن الملتفت غير ثابت، لأنه إما غير مستيقن لخبرنا أو متوجع لهم، ~~فمن التفت ناله العذاب، وذلك أيضا أجد في الهجرة، وأسرع في السير، # PageV11P072 # وأدل على إخراج ما خلفوه من منازلهم وأمتعتهم من قلوبهم، وعلى أنهم لا ~~يرقون لمن غضب الله عليهم مع أنهم ربما رأوا ما لا تطيقه أنفسهم {وامضوا ~~حيث} وتعبيره بالمضارع يشعر بأنه يكون معهم بعض الملائكة عليهم السلام في ~~قوله: {تؤمرون *} . # ولما تقرر بهذا أمر إهلاكهم من غير تصريح ولا تعيين لوقت، قال تعالى: ~~{وقضينا} أي بما لنا من العظمة، موحين {إليه} أي خاصة {ذلك الأمر} وأشار ~~إلى تعظيمه بالإشارة إليه بأداة البعد، ثم فسره بقوله: {أن دابر} أي آخر ~~{هؤلاء} أي الحقيرين عند قدرتنا، وأشار بصيغة المفعول إلى عظمته سبحانه ~~وسهولة الأمر عنده فقال تعالى: {مقطوع} حال كونهم {مصبحين *} ولا يقطع ~~الدابر حتى يقطع ما دونه، لأن العدو يكون مستقبلا لعدوه، فهو كناية عن ~~الاستئصال بأن آخرهم وأولهم في الأخذ سواء، لأن الآخذ قادر، لا كما يفعل ~~بعض الناس مع بعض من أنهم يملون في آخر الوقائع فيفوتهم البعض. # PageV11P073 # فلما تم ما دار بينه وبين الرسل مقدما لما بين، أتبعه البيان عن # PageV11P073 # حال قومه إشارة إلى أن الملائكة إن كانوا بصفات البشر لم يعرفهم الكفرة، ~~وإن كانوا بصفاتهم أو بإظهار شيء من خوارقهم لم تحتمله قواهم، فلا نفع لهم ~~في مكاشفتهم في حالة من الحالات، فسؤالهم الإتيان بهم جهل عظيم، فقال ~~تعالى: {وجاء أهل المدينة} أي التي كان هذا الأمر فيها - قالوا: وهي سدوم - ~~لإرادة عمل الفاحشة بالأضياف {يستبشرون *} أي يلوح على بشراتهم السرور، فهم ~~يوجدونه لأنفسهم إيجاد من هو شديد الرغبة في طلبه، فكان حال لوط عليه ~~السلام أن {قال} لهم: {إن هؤلاء} أي الأقرباء مني {ضيفي} . # ولما كان إكرام الضيف إكراما لمن هو عنده ms2495 وإهانته إهانته، سبب عن ذلك ما ~~أشار إليه الكلام فقال: {فلا تفضحون *} في إصابتهم بفاحشة، وكان ذلك قبل ~~معرفته أنهم ملائكة {واتقوا الله} أي الذي له جميع العظمة {ولا تخزون *} أي ~~بإهانة ضيفي، فيكون ذلك عارا علي مدى الدهر، فلم يكفهم ذلك بل {قالوا} ~~بفظاظة، عاطفين على ما تقديره: ألم تعلم أنا لا نترك هذا الأمر لشيء من ~~الأسباب: {أو لم ننهك} أي من قبل هذا {عن العالمين *} أن تجير علينا # PageV11P074 # أحدا منهم، فما وصلوا إلى هذا الحد من الوقاحة، ذكر لهم الحريم ليحملهم ~~ذلك على الحياء، لأنه دأب من له أدنى مروءة ولا سيما ذكر الأبكار في سياق ~~يكاد يصرح بمراده، بأن {قال هؤلاء} مشيرا إلى بيته الذي فيه بناته صلى الله ~~عليه وسلم ورضي عنهن {بناتي إن كنتم} ولا بد {فاعلين *} أي قد عزمتم عزما ~~ماضيا على هذا الفعل، إشارة بأداة الشك إلى أن هذا الفعل مما لا ينبغي أن ~~يفعل، يعني وأنتم عالمون بأني لا أسلم بناتي أبدا، فعلم من ذلك أن وصولكم ~~إلى أضيافي دون هلاكي محال. # ولما ذكر ما ذكر من أمورهم وعظيم فجورهم، وهم قد فرغ من أمرهم وقضي ~~باستئصالهم، كان كل من يعلم ذلك قاضيا بأنهم لا عقول لهم، فأتبع سبحانه ذلك ~~ما يدل عليه بقوله: {لعمرك} أي وحياتك يا كريم الشمائل، وأكد لأن الحال قاض ~~في ذلك الحين استبعاد ردهم، ولتحقيق أن ذلك ضلال منهم صرف وتعنت محض، فقال: ~~{إنهم لفي سكرتهم} أي غوايتهم الجاهلية {يعمهون *} أي يتحيرون ولا يبصرون ~~طريق الرشد، فلذلك لا يقبلون قول النصوح، فإن كان المخاطب لوطا عليه ~~السلام، كان ضمير الغيبة # PageV11P075 # لقومه، وإن كان المخاطب نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وهو الظاهر ~~- كان الضمير لقومه، وكان التقدير أنهم في خبط بعيد عن السنن في طلبهم ~~إتيان الملائكة كما كان قوم لوط عليه السلام يقصدون الالتذاذ بالفاحشة بمن ~~مكن من هلاكهم، فشتان ما بين القصدين! وهيهات لما بين الفعلين! فصار المعنى ~~أن ما قذفوك به أول ms2496 السورة بهم لابك، لأن من يطلب إتيان الملائكة - مع جواز ~~أن يكون حاله حال قوم لوط عليه السلام عند إتيانهم - هو المجنون؛ والعمر - ~~بالفتح: العمر - بالضم، وهو مدة بقاء الشيء حيا، لكنه لا يقال في القسم إلا ~~بالفتح لخفته مع كثرة دور القسم، ولذلك حذفوا الذي تقديره: قسمي، والسكرة: ~~غمور السهو للنفس. # PageV11P076 # ولما تم ذلك، سبب عن القضاء دابرهم قوله تعالى: {فأخذتهم} أي أخذ انتقام ~~وغلبة {الصيحة} أي التي هي لعظمها وهولها هي الصيحة، وغيرها عدم بالنسبة ~~إليها؛ والأخذ: فعل يصير به الشيء في جهة الفاعل، والصيحة: صوت يخرج من ~~الفم بشدة؛ وقوله: {مشرقين *} أي داخلين في الإشراق، وهو ضياء الشمس # PageV11P076 # عند بزوغها، وتبين به أن وقته يسمى صبحا لغة، فإن الصبح والصباح والإصباح ~~أول النهار، ولعله يطلق عليه إلى وقت الغداء أو الزوال، أو تكون الصيحة وقت ~~الإشراق آخر أمرهم، وقلع المدائن من أماكنها وقت الصبح ابتداء أمرهم؛ ثم ~~بين سبحانه ما تسبب عن الصيحة متعقبا لها فقال: {فجعلنا عاليها} أي مدائنهم ~~{سافلها وأمطرنا} . # ولما كان الزجر في هذه السورة أعظم من الزجر في سورة هود عليه السلام، ~~لطلبهم أن يأتي بجميع الملائكة، أعاد الضمير على المعذبين لا على مدنهم - ~~كما مضى في سورة هود عليه السلام - لأن هذا أصرح، فقال: {عليهم} أي أهل ~~المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم {حجارة من سجيل} ثم حقق أن ذلك كله شرح ~~لقوله {وليذكر أولوا الألباب} بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم جدا ~~{لآيات} أي عدة من جهة غمرها بالماء بعد خسفها، ومن جهة كونه مخالفا لمياه ~~الأرض بالنتن والخباثة، وعدم عيش الحيوان فيه، وعدم النفع به، ومن جهة ~~فظاعة منظرة - وغير ذلك من أمره {للمتوسمين *} جمع متوسم، وهو الناظر في ~~السمة الدالة - وهي الأثر الدال في الوجه - والقرائن القاضية بالخير # PageV11P077 # والشر، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بمثل ذلك، فهو إلهاب لهم وتبكيت؛ ثم ~~بين أن ذلك غير خفي عنهم ولا بعيد عمن أراد الاتعاظ به، فقال جعلا لهم - ~~لعدم اعتبارهم بها ms2497 ومع رؤيتهم إياها في كل حين - في عداد المنكرين: {وإنها} ~~أي هذه المدائن {لبسبيل مقيم *} أي ثابت، وهو مع ذلك مبين، فالاعتبار بها ~~في غاية السهولة لقومك، وكانوا يمرون عليها في بعض أسفارهم إلى الشام. # ولما أشار سبحانه إلى الاستدلال بالتوسم الدال - مما هي عليه من المخالفة ~~لسائر مياه الأرض العذبة الورادة إليها على كثرتها ومع أن البلاد التي هي ~~بها من أبهج البلاد في عذوبة المياه وطراوة الأرض وحسن الأشجار وغير ذلك - ~~على أن لها نبأ هو في غاية الغرابة، وأتبع ذلك سهولة الوصول إليها حثا على ~~إتيانها بقصد نظرها والاعتبار بها والسؤال عن سبب كونها كذلك، قال تعالى ~~مشيرا إلى زيادة الحث بالتأكيد: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من حالها ~~{لآية} أي علامة عظيمة في الدلالة علينا {للمؤمنين *} أي الراسخين في الصدق ~~والتصديق، فإذا أخبروا أن سبب كونها هكذا أن الله أمر بعض جنده فرفعها ثم ~~قلبها ثم أتبعها الحجارة ثم خسف بها وغمرها # PageV11P078 # بهذا الماء - الذي هو في القذارة وعدم الثمرة مناسب لأفعال أهلها - لأجل ~~عصيانهم رسوله صلى الله علية وعلى آله وسلم، آمنوا حذرا من مثل هذا العذاب ~~إيمانا بالغيب. # ولما ذكر هذه القصة، ضم إليها ما هو على طريقها مما عذب قومه بنوع آخر من ~~العذاب يشابه عذاب قوم لوط في كونه نارا من السماء، فقال مؤكدا لأجل إنكار ~~الكفار أن يكون عذابهم لأجل التكذيب، أو عدا لهم - لأجل تماديهم على ~~الغواية مع العلم به - عداد المنكرين: {وإن} أي وإنه {كان} أي جبلة وطبعا ~~{أصحاب الأيكة} وهم قوم شعيب عليه السلام؛ والأيكة: الشجرة - عن الحسن، ~~وجمعه الأيك كشجرة وشجر، وقيل: الأيكة: الشجر الملتف {لظالمين *} أي ~~العريقين في الظلم {فانتقمنا منهم} أي بسبب ذلك؛ ثم أخبر عن البلدين ~~لتقاربهما في العذاب والمكان وكونهما على طريق واحدة من طرق متاجر قريش ~~فقال: {وإنهما} أي قرى قوم لوط ومحال أصحاب الأيكة {لبإمام} أي طريق يؤم ~~ويتبع ويهتدي به {مبين *} واضح لمن أراده، بحيث إنه من شدة وضوحه ms2498 موضح ~~لعظمة الله # PageV11P079 # وانتصاره لأنبيائه ممن يكذبهم، وهو مع وضوحه مقيم في مكانه لم تندرس ~~أعلامه، ولم تنطمس آثاره، فالآية من الاحتباك: ذكر في الأولى {مقيم} دلالة ~~على حذف مثله ثانيا، وفي الثانية {مبين} دلالة على حذف مثله أولا. # PageV11P080 # ولما كان ربما قيل: إنه لو كان لأصحاب الأيكة بيوت متقنة لمنعتهم من ~~العذاب؟ عطف عليهم من هم على طريق أخرى من متاجرهم إلى الشام، وكانوا قد ~~طال اغترارهم بالأمل حتى اتخذوا الجبال بيوتا، وكانت آيتهم في غاية الوضوح ~~فكذبوا بها، تحقيقا لأن المتعنتين لو رأوا كل آية لقالوا إنما سكرت أبصارنا ~~فقال: {ولقد كذب} . # ولما كان السياق للمكذبين وما وقع لهم بتكذيبهم، قدم فاعل، فقال مشيرا ~~إلى إتقان بيوتهم: {أصحاب الحجر} وهم ثمود قوم صالح عليه السلام، وديارهم ~~بين المدينة الشريفة والشام {المرسلين *} أي كلهم بتكذيب رسولهم كما كذب ~~هؤلاء المرسلين بتكذيبك، لأن الرسل يشهد بعضهم لبعض بالصدق، فمن كذب واحدا ~~منهم فقد كذب الجميع، وهم في إثبات الرسالة بالمعجزة على حد سواء؛ ثم أتبع ~~ذلك قوله: {وءاتيناهم} أي بعظمتنا على يد رسولهم صالح عليه السلام # PageV11P080 # {ءاياتنا} أي كلها، بإيتاء الناقة وسقيها ودرها وشربها، لأن الممكنات ~~كلها بالنسبة إلى قدرته على حد سواء، فمن كذب بواحدة منها فقد كذب بالجميع ~~{فكانوا} أي كونا هو كالجبلة {عنها} أي الآيات كلها خاصة، لا عن زينة ~~الدنيا التي تجر إلى الباطل {معرضين *} أي راسخين في الإعراض، لم يؤمنوا ~~بها، التفاتا إلى قوله تعالى {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء} - الآيتين، ~~وتمثيلا له ردا للمقطع على المطلع؛ ثم أخبر أنهم كانوا مثل هؤلاء في الأمن ~~من العذاب والغفلة عما يراد بهم مع أنهم كانوا أشد منهم فقال: {وكانوا ~~ينحتون} والنحت: قلع جزء بعد حزء من الجسم على سبيل المسح {من الجبال} التي ~~تقدم أنا جعلناها رواسي {بيوتا ءامنين *} عليها من الانهدام، وبها من لحاق ~~ما يكره، لا كبيوتكم التي لا بقاء لها على أدنى درجة {فأخذتهم} أي فتسبب عن ~~تكذيبهم أن أخذتهم أخذ العذاب ms2499 والانتقام {الصيحة} حال كونهم {مصبحين *} أي ~~داخلين في الصبح {فما} أي فتسبب عن # PageV11P081 # الصيحة أنه ما {أغنى} أي أجزأ {عنهم ما كانوا} أي بجبلاتهم {يكسبون *} من ~~البيوت والأعمال والعدد والآلات الخبيثة، لأنه لا يعجزنا شيء لأنه لا كلفة ~~علينا فيما نفعل {إنما نقول له كن فيكون} وفعلنا بهم ذلك لأنهم كانوا على ~~باطل، فكان تعذيبنا لهم حقا. # PageV11P082 # ولما كان المتعنت ربما قال: ما له يخلقهم ثم يهلكهم وهو عالم حين خلقهم ~~أنهم يكذبون؟ وكانت هذه الآية ملتفتة - مع ما فيها من ذكر الأرض - إلى تلك ~~التي أتبعها ذكر الخافقين، استدلالا على الساعة، قال على ذلك النمط: {وما ~~خلقنا} أي على عظمتنا {السماوات} أي على ما لها من العلو والسعة {والأرض} ~~على ما بها من المنافع والغرائب {وما بينهما} من هؤلاء المكذبين وعذابهم، ~~ومن المياه والرياح والسحاب المسبب عنه النبات وغير ذلك {إلا بالحق} أي ~~خلقا ملتبسا بالحق، فيتفكر فيه من وفقه الله فيعلم النشأة الآخرة بهذه ~~النشأة الأولى، أو بسبب الحق من إثبات ثوابت الأمور ونفي مزلزلها، لتظهر ~~عظمتنا بإنصاف المظلوم من الظالم، وإثابة الطائع وعقاب العاصي في يوم الفصل ~~- إلى غير ذلك من الحكم كما قال تعالى {ولله ما في السماوات وما في الأرض ~~ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي # PageV11P082 # الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31] فمن أمهلناه في الدنيا أخذنا منه الحق ~~بعد قيام الساعة، فلا بد من فعل ذلك {وإن الساعة لآتية} لأجل إقامة الحق لا ~~شك في إتيانها لحكم علمها سبحانه فيظهر فيها كل ذلك، ويمكن أن يكون ~~التقدير: فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، وما فعلنا ذلك إلا بالأمر من ~~قولنا «كن» وهو الحق {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي ~~بالأمر {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] يعني أنه لا مشقة علينا في شيء ~~من ذلك، وسنعدم ذلك بالحق إذا أردنا قيام الساعة، وأن الساعة لآتيه، لأنا ~~قد وعدنا بذلك، وليس بينكم وبين كونها إلا أن نريد فتكون كما كان غيرها مما ~~أردناه {فاصفح الصفح} ms2500 أي فأعرض - بسبب تحقق الأخذ بثارك - الإعراض {الجميل ~~*} بالحلم ولإغضاء وسعة الصدر، في مثل قولهم {ياأيها الذي نزل عليه الذكر ~~إنك لمجنون} فإنه لا بد من الأخذ لك منهم بالحق ولو لم يكن لك نصرة إلا في ~~ذلك اليوم لكانت كافية؛ ثم علل هذا الأمر بقوله: {إن ربك} أي المحسن إليك ~~الآمر لك بهذا {هو} # PageV11P083 # أي وحده {الخلاق} المتكرر منه هذا الفعل في كل وقت بمجرد الأمر، فلا عجب ~~في إيجاد ما ينسب إليه من إبداع الساعة أو غيرها، وهو لذلك عالم بأحوالكم ~~أجمعين وما يكون منها صلاحا لك على غاية الحكمة، لأن المصور أعلم بالصورة ~~من ناظرها والمتبصر فيها، وصانع الشيء أدرى به من مشتريه، وباني البيت أخبر ~~به من ساكنه، وهو الذي خلق كل ما تراه منهم فهو فعله فسلم له. # ولما كان إحكام المصنوعات لا يتم إلا بالعلم، قال تعالى: {العليم *} أي ~~البالغ العلم بكل المعلومات، فلا ترى أفعالهم وأقوالهم إلا منه سبحانه لأنه ~~خالقها، وقد علمت أنه لا يضيع مثقال ذرة فاعتمد عليه في أخذ حقك، فإنه نعم ~~المولى ونعم النصير، ولا يخفي عليه شيء منه؛ ويدل على ما قلته آية يس # {أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو ~~الخلاق العليم} [يس: 81] أو يقال: فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون شيئا مما ~~أردنا من الحق، لأنا ما خلقنا عذابهم إلا بالحق كما خلقناهم بالحق، فلم ~~يمتنع علينا شيء من ذلك {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} ~~أي بسبب إقامة الحق وإظهار أمرنا في العدل، ولولا أن سلطنا بعض الناس على ~~بعض لم يظهر # PageV11P084 # لهم منا هذه الصفة غاية الظهور، فنحن نعجل من الحق الذي خلقنا ذلك بسببه ~~على قيام الساعة - ما شئنا من الابتلاء والانتقام كما فعلنا ممن قصصنا ~~أمرهم، ونؤخر من ذلك ما بقي إلى قيام الساعة {وإن الساعة لآتية} لا شك ~~فيها، فلا ندع هناك شيئا من الحقوق إلا أقمناه {فأصفح الصفح الجميل} فلا بد ~~من ms2501 الأخذ لك بحقك إما في الدنيا وإما في الآخرة أن أي لأن {ربك هو الخلاق} ~~أي الفاعل للخلق مرة بعد مرة، لا تنفذ قدرته ولا تهن كلمته {العليم} التام ~~العلم، فهو قادر على ذلك عالم بوجه الحكمة فيه في وقته وكيفيته، فهو يعيد ~~الخلائق في الساعة كما بدأهم، ويستوفي إذ ذاك جميع الحقوق ويؤتيك في ذلك ~~اليوم ما يقر به عينك. # ولما ذكر صفة العلم بصيغة المبالغة، أتبعها ما آتاه في هذه الدار من مادة ~~العلم بصيغة العظمة، فقال عطفا على ما قدرته مما دل عليه السياق: {ولقد ~~آتيناك} مما يدل على علمنا {سبعا من المثاني} وهي الفاتحة الجامعة على ~~وجازتها جميع معاني القرآن فتثني في النزول فإنها نزلت مرتين، وتثني في كل ~~ركعة من الصلاة، وهي ثناء على الله # PageV11P085 # والصالحين من عباده، وهي مقسومة بين الله وعبده، وتثني فيه مقاصدها، ~~ويورد كل معنى من معانيها فيه بطرق مختلفة في إيضاح الدلالة عليه في قوالب ~~الألفاظ وجواهر التراكيب الهادية إليه - وغير ذلك من التثنية {والقرآن ~~العظيم *} أي الحاوي لجميع علوم الأولين والآخرين مما في جميع الكتب ~~السالفة وغيره. # PageV11P086 # ولما كان ما أوتيه وما سيؤتاه أعظم ما أوتيه مخلوق، اتصل به قوله: {لا ~~تمدن عينيك} أي مدا عظيما بالتمني والاشتهاء المصمم، ولذلك ثنى العين ~~احتزازا عن حديث النفس {إلى ما متعنا} أي على عظمتنا {به أزواجا} أي أصنافا ~~{منهم} أي أهل الدنيا؛ أو يقال: إنه لما كان المقصود لكل ذي لب إنما هو ~~التبليغ بدار الفناء إلى دار البقاء، المؤكد إتيانها في الآية السابقة، ~~وكان القرآن - كما تقدم - كفيلا بذلك، وسلاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~عما يؤذونه من أقوالهم، وتبين من ذلك علو درجته، توقع السامع ذكر ما # PageV11P086 # أسبغ عليه من النعم فقال تعالى؛ أو يقال: إنه لما أمره سبحانه بالصبر على ~~أذاهم، علل ذلك مما معناه أنهم خلقه، وأنه منفرد بالخلق، وهو بليغ العلم ~~بأفعالهم مريد لها، فليس الفعل في الحقيقة إلا له، وعلى المحب أن يرضى بفعل ms2502 ~~حبيبه من حيث إنه فعله، ولما كان التقدير: فهو الذي خلقهم، وعلم قبل خلقهم ~~ما يفعلون، عطف عليه تسلية له صلى عليه وعلى آله وسلم قوله {ولقد آتيناك} ~~أي بما لنا من العظمة كما أتينا صالحا ما تقدم {سبعا من المثاني} يكون كل ~~سبع منها كفيلا بإغلاق باب من أبواب النيران السبعة، وهي أم القرآن الجامعة ~~لجميع معاني القرآن التي أمرنا بإعادتها في كل ركعة، زيادة في حفظها، ~~وتبركا بلفظها، وتذكيرا لمعانيها، تخصيصا لها عن بقية الذكر الذي تكلفنا ~~بحفظه {و} آتيناك {القرآن العظيم} الجامع لجميع معاني الكتب السماوية ~~المتكفلة بخيري الدارين مع زيادات لا تحصى، المشار إلى عظمته أول السورة ~~بالتنوين ووصفه بأنه مبين للبراهين الساطعة على نبوتك، والأدلة القاطعة على ~~رسالتك، الدالة على الله الموصلة إليه، والآية مع ذلك دليل على العلم ~~المختتم به ما قبلها، فكأنه قيل: فماذا أعمل؟ # PageV11P087 # فقيل في معنى {ذرهم يأكلوا} : {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم} اكتفاء بهذا البلاغ العظيم الذي من تحلى به وأشربه قلبه أراه معايب ~~هذه الدار فبغضه فيها وأشرف به على ما أمامه {ولا تحزن عليهم} لكونهم لم ~~يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار، ويقوى بهم جانب الإسلام، وكأن هذا هو ~~الصفح المأمور به، وهو الإعراض عنهم أصلا ورأسا إلا في أمر البلاغ. # ولما أمره في عشرتهم بما أمر، أتبعه أمره بعشرة أصحابه رضي الله عنهم ~~بالرفق واللين فقال تعالى: {واخفض} أي طأطىء {جناحك للمؤمنين *} أي ~~العريقين في هذا الوصف، واصبر نفسك معهم، واكتف بهم، فإن الله جاعل فيهم ~~البركة، وناصرك ومعز دينك بهم، وغير محوجك إلى غيرهم، فمن أراد شقوته فلا ~~تلتفت إليهم، وهذا كناية عن اللين، وأصله أن الطائر إذا ضم الفرخ إليه بسط ~~جناحه ثم قبضه عليه - قاله أبو حيان؛ وفي الجزء العاشر من الثقفيات عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى # PageV11P088 # آله وسلم قال: # «المؤمن لين حتى تخاله من اللين أحمق» . # ولما كان الغالب على الخلق التقصير، ms2503 قال له: {وقل} أي للفريقين، مؤكدا ~~لما للكفار من التكذيب، ولما للمؤمنين به من طيب النفس: {إني أنا} أي لا ~~غيري من المنذرين بالأعداء الدنيوية {النذير المبين *} لمن تعمد التقصير، ~~إنذاري منقذ له من ورطته، لأنه محتف بالأدلة القاطعة. # ولما ذكر ما التحم بقصة أصحاب الحجر المقتسمين على قتل رسولهم، وختمه ~~بالإنذار الذي هم أهله، عاد إلى تتميم أمرهم فشبههم بمن كذب من هذه الأمة ~~فقال: {كما} أي كذب أولئك وآتيناهم آياتنا فأعرضوا عنها ففعلنا بهم من ~~العذاب ما هم أهله مثل ما {أنزلنا} أي بعظمتنا من الآيات {على المقتسمين *} ~~أي مثلهم من قريش حيث اقتسموا شعاب مكة، ينفرون الناس عنك ويفرقون القول في ~~القرآن، فلا تأس عليهم لتكذيبهم وعنادهم مع رؤيتهم الآيات البينات، فإن ~~سنتنا جرت بذلك فيمن أردنا شقوته كقوم صالح؛ ثم قال: {الذين} أي مع أنهم ~~تقاسموا على قتلك واقتسموا طرق مكة للتنفير عنك {جعلوا القرءان} بأقوالهم ~~{عضين *} أي قسموا القول فيه والحال # PageV11P089 # أنه جامع المعاني، لا متفرق المباني - منتظم التأليف أشد انتظام. متلائم ~~الارتباط أحكم التئام، كما قدمنا الإشارة إليه بتسميته كتابا وقرآنا، ~~وختمنا بأن ذلك على وجه الإبانة لاخفاء فيه، فقولهم كله عناه، فقالوا: سحر، ~~وقالوا: شعر، وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير الأولين - وغير ذلك، أنزلنا ~~عليهم آياتنا البينات وأدلتنا الواضحات، فأعرضوا عنها واشتغلوا بما لا ~~ينفعهم من التعنت وغيره دأب أولئك فليرتقبوا مثل ما حل بهم، ومثلهم كل من ~~تكلم في القرآن بمثل ذلك مما لا ينبغي من العرب وغيرهم؛ وروى البخاري عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما {جعلوا القرآن عضين} قال: هم أهل الكتاب: اليهود ~~والنصارى، جزؤوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وسيأتي معنى هذه اللفظة ~~{فوربك} أي فتسبب عن فعلهم هذا أنا نقسم بالموجد لك، المدبر لأمرك، المحسن ~~إليك بإرسالك {لنسئلنهم أجمعين *} أي هؤلاء وأولئك {عما كانوا} أي كونا هو ~~جبلة لهم {يعملون *} أي من تعضية القرآن وغيرها لأنا نسأل كلا عما صنع ~~{فاصدع} # PageV11P090 # أي اجهر بعلو وشدة، فارقا بين الحق والباطل بسبب ms2504 ذلك {بما تؤمر} به من ~~القرآن وكتاب مبين {وأعرض} أي إعراض من لا يبالي {عن المشركين *} بالصفح ~~الجميل عن الأذى والاجتهاد في الدعاء، ويؤيد أن قوله {كما} راجع إلى قصة ~~صالح ومتعلق بها - وإن لم أر من سبقني إليه - ذكر الوصف الذي به تناسبت ~~الآيتان وهو الاقتسام، ثم وصف المقتسمين بالذين جعلوا القرآن عضين، لئلا ~~يظن أنهم الذين تقاسموا في بيات صالح، أي أتينا أولئك الآيات المقتضية ~~للإيمان فما كان منهم إلا التكذيب والتقاسم كما أنزلنا على هؤلاء الآيات ~~فما كان منهم إلا ذلك، وإنما عبر في أولئك ب {ءاتيناهم} لأن آياتهم الناقة ~~وولدها والبئر، وهي معطاة محسوسة، لا منزلة معقولة، وقال في هؤلاء أنزلنا ~~إشارة إلى القرآن الذين هو أعظم الآيات، أو إلى الجميع وغلب عليها القرآن ~~لأنه أعظمها، وإلى أنهم مبطلون في جحدهم وأنه لا ينبغي لهم أن يتداخلهم نوع ~~شك في أنه منزل لأنه أعظم من تلك الآيات مع كونها محسوسات، وأما اعتراض ما ~~بينهما من الآيات فمن أعظم أفانين البلاغة، فإنه لما أتم قصة صالح عليه ~~السلام، علم أنه المتعنتين ربما قالوا: لأي شيء يخلقهم ثم يهلكهم مع علمه ~~بعدم # PageV11P091 # إجابتهم؟ فرد عليهم بأنه ما خلق {السماوات والأرض وما بينهما} من هؤلاء ~~المعاندين ومن أفعالهم وعذابهم وغير ذلك {إلا بالحق وأن الساعة لآتية} ~~فيعلم ذلك كله بالعيان من يشك فيه الآن، وذلك حين يكشف الغطاء عن البصائر ~~والأبصار فاصفح عنهم، فإنه لا بد من الأخذ لك بحقك، إن لم يكن في الدنيا ~~ففي يوم الجمع، ثم أكد التصرف بالحكمة بقوله {إن ربك هو الخلاق العليم} ثم ~~سلاه - عما يضيقون به صدره من التكذيب بالساعة، وأن الوعد بها إنما هو سحر، ~~ونحو ذلك من القول، ومن افتخارهم بأموالهم ونسبته إلى الحاجة إلى المشي ~~بالأسواق - بما آتاه من كنوز القرآن، وأمره بأن يزيد في التواضع واللين ~~للمؤمنين لتطيب نفوسهم فلا يأسوا على ما فاتهم من الدنيا، وأن ينذر الجميع ~~ويحذرهم من سطوات الله أمثال ما أنزل بالأقدمين، ثم ms2505 عاد إليهم فشبههم ~~بهؤلاء في التكذيب ليعلم أنهم أجدر منهم بالعذاب لأنهم مشبه بهم، والمشبه ~~به أعلى من المشبه، وذلك لكونهم أشد كفرا لأن نبيهم أعظم وآياته أجل وأكثر، ~~وأجلى وأبهر، فيكون ذلك # PageV11P092 # سبب اشتداد حذرهم، ولك أن تقول ولعله أحسن: إنه تعالى لما ذكر أن ثمود ~~سكنوا الأرض سكنى الآمنين. # فأزعجتهم عنها صيحه سلبت أرواحهم، وقلبت أشباحهم، كما سيكون لأهل الأرض ~~قاطبة بنفخة الصور، عند نفوذ المقدور، وكان قد قدم ذكر كثير مما في ~~السماوات والأرض من الآيات والعبر بقوله تعالى {ولقد جعلنا في السماء ~~بروجا} وما بعد ذلك من الجن والإنس وغيرهما مما جعل ذكر اختراعه دليلا على ~~الساعة، أتبع ذلك أن سبب خلق ذلك كله وما حواه من الخافقين إنما هو الساعة ~~فقال {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي بالأمر الثابت ~~لا بالتمويه والسحر كما أنتم تشاهدون، أو بسبب إقامة الحق وإبانته من ~~الباطل إبانة لا شك فيها يوم الجمع الأكبر، ومن إقامة الحق تنعيم الطائع ~~وتعذيب العاصي، وذلك بعد إتيان الساعة بنفختي الصور {وإن الساعة لآتيه ~~بالحق} أيضا، وليست سحرا كما تظنون، ولما كان إتيانها لهذا العرض مما يشفي ~~القلب لإدراك الثأر وهو حق لا بد منه، تسبب عنه قوله تعالى {فاصفح الصفح ~~الجميل} . # PageV11P093 # ولما كانت النفس بخبر الأعلم أوثق، وكان صانع الشيء أعلم به من غيره فكيف ~~إذا كان مع ذلك تام للعلم قال الله تعالى معللا لذلك {إن ربك} أي المحسن ~~إليك {وهو الخلاق} أي التام القدرة على الإيجاد والإعدام، الفعال لذلك ~~«العليم» البالغ العلم؛ ولما ختم بهذين الوصفين بعد تقدم الأخبار عما أوتى ~~أهل الحجر من الآيات، وأنه خلق الوجود بالحق لا بالتمويه، وكان ذلك موجبا ~~لتوقع الإخبار عما أوتي هذا النبي الكريم منها لإرشاد أمته، وكانت الآيات ~~إما أن تكون من قسم الخلق كآية صالح، أو من قسم الأمر الذي هو مدار العلم، ~~أشار إلى تفضيله صلى الله عليه وسلم بفضل ابنه، فقال عاطفا على ذلك {ولقد ~~ءاتيناك} أي ms2506 إن كنا أتينا صالحا أو غيره آية مضت فلم يبق إلا ذكرها فقد ~~آتيناك {سبعا من المثاني} وهي الفاتحة التي خصصت بها، ثنى فيها البسملة ~~للمبادىء، والحمدلة للكمالات، والرحمانية والرحيمية فيها للإبداع الأول ~~والمرضي من الأعمال، وملك الدنيا المسمى بالربوبية لكونه مستورا، وملك يوم ~~الدين، وبينهما رحمانية الإيجاد الثاني بالمعاد ورحيمية الثواب للمرضي من ~~الأسباب، # PageV11P094 # والعبادة التي لا تكون إلا مع القدرة والاختيار، والاستعانة الناظرة إلى ~~العجز عن كمال الاقتدار، والهداية بالهادي والمهدي، والضلال في مقابل ذلك ~~بالمضل والضال، وفي ذلك أسرار لا تسعها الأفكار {والقرآن الكريم} الجامع ~~لجميع الآيات مع كونه حقا ثابتا لا سحرا وخيالا، بل هو آية باقية على وجه ~~الدهر، مستمرا أمرها، دائما تلاوتها وذكرها، تفني الجبال الرواسي وهي ~~باقية، وتزول السماوات والأراضي وهي جديدة، إذا اصطف عسكر الفجرة قالت كل ~~آية منها هل من مبارز؟ وإن رام عدو مطاولة لتحققه بالضعف صاحت لدوام قوتها: ~~إني أناجز فلا تقوم لها قائم، ولا يحوم حول حماها حائم، ولا يروم خوض بحرها ~~رائم. # ولما كانت هذه الآية لصاحبها مغنية، ولمن فاز بقبولها معجبة مرضية، حسن ~~كل الحسن اتباعها بقوله {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم} ولما ~~كان كفرهم بعد بيانها إنما هو عناد، قال تعالى «ولا تحزن عليهم» ولما كان ~~الغني بها ربما طن حسن أنفة الغنى، عقبه قوله {واخفض جناحك للمؤمنين} ولما ~~كان ربما ظن أن تلاوتها تغني عن الدعاء لا سيما لمن أعرض، نفى ذلك بقوله ~~{وقل إني أنا النذير # PageV11P095 # المبين} تحريضا على الاجتهاد في التحذير، وتثبيتا للمؤمنين وإرغاما ~~للمعاندين، واستجلابا لمن أراد الله إسعاده من الكافرين، إعلاما بأن القلوب ~~للمؤمنين بيد الله سبحانه وتعالى، فلا وثوق مع ذلك بمقبل، ولا يأمن عن ~~مدبر. # ولما تم ذلك على هذا النظم الرصين، والربط الوثيق المتين، التفت الخاطر ~~إلى حال من يندرهم، وكان كفار قريش - في تقسيمهم القول في القرآن واقتسامهم ~~طرق مكة لإشاعة ذلك البهتان، تنفيرا لمن أراد الإيمان - أشبه شيء ~~بالمقتسمين على صالح ms2507 عليه السلام، قال تعالى {كما} أي آتينا أولئك ~~المقتسمين آياتنا فكانوا عنها معرضين، مثل ما {أنزلنا} آياتنا {على ~~المقتسمين} أي الذين تقاسموا برغبة كبيرة واجتهاد في ذلك {الذين جعلوا ~~القرآن عضين} أي ذا أعضاء أي أجزاء متفاصلة متباينة مثل أعضاء الجزور إذا ~~قطعت، جمع عضة مثل عدة وأصلها عضوة {فوربك لنسئلنهم أجمعين} أي لا يمتنع ~~علينا منهم أحد {عما كانوا يعملون فاصدع} أي بسبب أمرنا لك بالإنذار ~~وإخبارك أنا نسأل كل واحد عما عمل {بما تؤمر وأعرض عن المشركين} . # PageV11P096 # ولما كان هذا الصدع في غاية الشدة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~لكثرة ما يلقى عليه الأذى، خفف عنه سبحانه بقوله معللا له: {إنا كفيناك} أي ~~بما لنا من العظمة {المستهزءين *} أي شر الذين هم عريقون في الاستهزاء بك ~~وبما جئت به، فأقررنا عينك بإهلاكهم، وزال عنك ثقل ما آذوك به، وبقي لك ~~أجره، وسنكفيك غيرهم كما كفيناكهم، ثم وصفهم بقوله: {الذين يجعلون مع الله} ~~أي مع ما رأوا من آياته الدالة على جلاله، وعظيم إحاطته وكماله {إلها} . # ولما كانت المعية تفهم الغيرية، ولا سيما مع التعبير بالجعل، وكان ربما ~~تعنت منهم متعنت باحتمال التهديد على تألهه سبحان على سبيل التجريد، أو على ~~دعائه باسم غير الجلالة، لما ذكر المفسرون في قوله {قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن} [الإسراء: 110] الآية آخر سبحان، زاد في الصراحة بنفي كمال كل ~~احتمال بقوله: {ءاخر} قال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: سجد رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يقول في سجوده: يا ~~الله يا رحمن، # PageV11P097 # فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين؟ فأنزل الله هذه ~~الآية يعني آية سبحان، وتسبب عن أخذنا للمستهزئين - وكانوا أعتاهم - أن ~~يهدد الباقون بقولنا: {فسوف يعلمون} أي يحيط علمهم بشدة بطشنا وقدرتنا على ~~ما نريد، ليكون وازعا لغيرهم، أو يعلم المستهزئون وغيرهم عاقبة أمورهم في ~~الدارين. # ولما كان صدعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك ms2508 على حد من المشقة عظيم ~~وإن أريح من المستهزئين، لكثرة من بقي ممن هو على مثل رأيهم، قال يسليه ~~ويسخي بنفسه فيه: {ولقد نعلم} أي تحقق وقوع علمنا على ما لنا من العظمة ~~{أنك} أي على ما لك من الحلم وسعة البطان {يضيق صدرك} أي يوجد ضيقه ويتجدد ~~{بما يقولون} عند صدعك لهم بما تؤمر، في حقك من قولهم: {ياأيها الذي نزل ~~عليه الذكر} إلى آخره، وفي حق الذي أرسلك من الشرك والصاحبة والولد وغير ~~ذلك {فسبح} بسبب ذلك، ملتبسا {بحمد ربك} أي نزهه عن صفات النقص التي منها ~~الغفلة عما يعمل # PageV11P098 # الظالمون، مثبتا له صفات الكمال التي منها إعزاز الولي وإذلال العدو ~~{وكن} أي كونا جبليا لا انفكاك له {من الساجدين *} له، أي المصلين، أي ~~العريقين في الخضوع الدائم له بالصلاة التي هي أعظم الخضوع له وغيرها من ~~عبادته، ليكفيك ما أهمك فإنه لا كافي غيره، فلا ملجأ إلى سواه، وعبر عنها ~~بالسجود إشارة إلى شرفه وما ينبغي من الدعاء فيه لا سيما عند الشدائد، فقد ~~قال تعالى: # {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] وروي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة - ذكره البغوي بغير ~~سند، وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود عن حذيفة رضي الله عنه قال: كان النبي ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حزبه أمر صلى. وفي سنن النسائي الكبرى ~~ومسند أحمد عن علي رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إنسان ~~إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه كان يصلي إلى ~~شجرة ويدعو حتى أصبح. وفي لفظ لأحمد: لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا ~~رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحت # PageV11P099 # شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. ولأحمد ومسلم وأبي يعلى عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه ~~وهو ساجد» . # ولما أمره ms2509 بعبادة خاصة، أتبعه بالعامة فقال: {واعبد ربك} أي دم على عبادة ~~المسحن إليك بهذا القرآن الذي هو البلاغ بالصلاة وغيرها {حتى يأتيك اليقين} ~~بما يشرح صدرك من الموت أو ما يوعدون به من الساعة أو غيرها مما {يود الذين ~~كفروا معه لو كانوا مسلمين} قال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن شرف ~~العبد في العبودية، وأن العبادة لا تسقط عن العبد بحال ما دام حيا - انتهى. ~~وقال البغوي: وهذا معنى ما في سورة مريم عليها السلام {وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا} [مريم: 31] فقد انطبق آخر السورة - في الأمر باتخاذ ~~القرآن بلاغا لكل خير والإعراض عن الكفار - على أولها أتم انطباق، واعتنق ~~كل من الطرفين: الآخر والأول أي اعتناق - والله الموفق للصواب، وإليه ~~المرجع والمآب. # PageV11P100 # سورة النحل # مقصودها الدلالة على أنه تعالى تام القدرة والعلم، فاعل بالاختيار، منزه ~~عن شوائب النقص، وادل ما فيها على هذا المعنى أم النحل لما ذكر من شأنها من ~~دقة الفهمة في ترتيب بيوتها ورعيها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ما يخرح ~~منها من أعسالها، وجعله شفاء مع أكلها من الثمار النافعة والضارة - وغير ~~ذلك من الأمور، ووسمها بالنعم واضح في ذلك - والله أعلم. # PageV11P101 # {بسم الله} المحيط بدائرة الكمال ما شاء فعل {الرحمن} الذي عمت نعمته ~~جليل خلقه وحقيره وصغيره وكبيره {الرحيم *} الذي خص من شاء بنعمة النجاة ~~مما يسخطه بما يرضاه. # لما ختم الحجر بالإشارة إلى إتيان اليقين، وهو صالح لموت الكل، ولكشف ~~الغطاء بإتيان ما يوعدون مما يستعجلون به استهزاء من العذاب # PageV11P101 # في الآخرة بعد ما يلقون في الدنيا، ابتدأ هذه بمثل ذلك سواء، غير أنه ختم ~~تلك باسم الرب المفهم للإحسان لطفا بالمخاطب، وافتتح هذه باسم الأعظم ~~الجامع لجميع معاني الأسماء لأن ذلك أليق بمقام التهديد، ولما ستعرفه من ~~المعاني المتنوعة في أثناء السورة، وسيكرر هذا الاسم فيها تكريرا تعلم منه ~~صحة هذه الدعوى، وعبر عن الآتي بالماضي إشارة إلى تحققه تحقق ما وقع ومضى، ~~وإلى أن كل آت ولا بد ms2510 قريب، فقال تعالى: {أتى أمر الله} أي الملك الأعظم ~~الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، بما يذل الأعداء، ويعز الأولياء، ~~ويشفي صدورهم، ويقر أعينهم. # ولما كانت العجلة نقصا، قال مسببا عن هذا الإخبار: {فلا تستعجلوه} أيها ~~الأعداء استهزاء، وأيها الأولياء استكفاء واستشفاء، وذلك مثل ما أفهمه ~~العطف في قوله تعالى {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} كما تقدم؛ ~~والضمير يجوز أن يكون لله وأن يكون للأمر. # ولما كان الجزم بالأمور المستقبلة لا يليق إلا عند نفوذ الأمر، ولا نفوذ ~~إلا لمن لا كفوء له، وكانت العجلة - وهي الإتيان بالشيء # PageV11P102 # قبل حينه الأولى به - نقصا ظاهرا لا يحمل عليها إلا في ضيق الفطن، وكان ~~التأخير لا يكون إلا عن منازع مشارك، نزه نفسه سبحانه تنزيها مطلقا جامعا ~~بقوله تعالى: {سبحانه} أي تنزه عن الاستعجال وعن جميع صفات النقص {وتعالى} ~~أي تعاليا عظيما جدا {عما يشركون *} أي يدعون أنه شريك له، فلا مانع مما ~~يريد فعله، وساقه في غير قراءة حمزة والكسائي - في أسلوب الغيبة، إظهارا ~~للإعراض الدال على شدة الغضب، وهي ناظرة إلى قوله آخر التي قبلها {وأعرض عن ~~المشركين} [الحجر: 94] وقوله: {الذين يجعلون مع الله إلها ءاخر} [الحجر: ~~96] وقد آل الأمر في نظم الآية إلى أن صار كأنه قيل: إنه لا يعجل لأنه منزه ~~عن النقص، ولا بد من إنفاذ أمره لأنه متعال عن الكفوء؛ أو يقال: لا ~~تستعجلوه لأنه تنزه عن النقص فلا يجعل، وتعالى عن أن يكون له كفوء يدفع ما ~~يريد فلا بد من وقوعه، فهي واقعة موقع التعليل لصدر الآية كما أن صدر الآية ~~تعليل لآخر سورة الحجر. # ولما تقرر بذلك تنزهه عن كل نقص: شرك وغيره، شرع يصف نفسه سبحانه بصفات ~~الكمال من الأمر والخلق، ولما كان الأمر أقدم وأعلى، بدأ به، ولما كان من ~~أمره إنزال الملائكة على الصورة التي # PageV11P103 # طلبوها في قولهم # {لو ما تأتينا بالملائكة} [الحجر: 7] وقص عليهم في سورة إبراهيم ولوط ~~عليهما السلام ما يترتب على إنزالهم مجتمعين، وفهم ms2511 منه أن لهم في نزولهم ~~حالة أخرى لا تنكرها الرسل، وهي حالة الإتيان إليهم بالعلم الذي نسبته إلى ~~الأرواح نسبة الأرواح إلى الأشباح، وكان ذلك ربما أثار لهم اعتراضا يطلبون ~~به الفرق بينهم وبين الرسل في إنزالهم عليهم دونهم - كما تقدم في الحجر، ~~وكان ما يشركون به لا تصرف له أصلا بإنزال ولا غيره، قال تعالى مشيرا إلى ~~ذلك وإلى أن الوحي بواسطة الملك، وأن النبوة عطائية لا كسبية: {ينزل ~~الملائكة} الذين هم الملأ الأعلى {بالروح} أي المعنى الأعظم الذي هو ~~للأرواح بمنزلة الأرواح للأشباح {من أمره} الذي هو كلامه المشتمل على الأمر ~~والنهي {ألا له الخلق والأمر} وهو مما تميز به لحقيته وإعجازه عن جميع ~~المخلوقات، فكيف بما لا يعقل منها كالأصنام! # PageV11P104 # {على ما يشاء من عباده} دون بعض، لأن ذلك نتيجة فعله بالاختيار، وأبدل من ~~الروح أو فسر الإنزال بالوحي لأنه متضمن معنى القول فقال: {أن أنذروا} أي ~~الناس سطواتي، فإنها لا محالة نازلة بمن أريد إنزالها به، بسبب {أنه لا إله ~~إلا أنا} وعبر بضمير المتكلم لأنه أدل على المراد لكونه أعرف؛ وسبب عن ~~وحدانيته التي هي منتهى كمال القوة العلمية قوله آمرا بما هو أقصى كمال ~~القوة العملية: {فاتقون *} أي فليشتد خوفكم مني وأخذكم لما يكون وقاية لكم ~~من عذابي، فإنه لا مانع مما أريد، فمن علمت أنه أهل للنقمة أنزلتها به، ومن ~~علمته أهلا لتلقي الروح منحته إياه. # ولما وحد نفسه، دل على ذلك بقوله، شارحا لإيجاده أصول العالم وفروعه على ~~وجه الحكمة: {خلق السماوات} أي التي هي السقف المظل {والأرض} أي التي هي ~~البساط المقل # PageV11P105 # {بالحق} أي بالأمر المحقق الثابت، لا بالتمويه والتخييل {ألا له الخلق ~~والأمر} . # ولما كان ذلك من صفات الكمال المستلزمة لنفي النقائص، وكان قاطعا في ~~التنزه عن الشريك، لأنه لو كان، لزم إمكان الممانعة، فلزم العجز عن المراد، ~~أو وجود الضدين المرادين لهما، وكل منهما محال، فإمكان الشريك محال، ~~ولأنهما وكل ما فيهما ملكه وفي تصرفه، لا نزاع لمن أثبت ms2512 الإله في ذلك، تلاه ~~بقوله - نتيجة لذلك دالة على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام: {تعالى} أي ~~تعاليا فات الوصف {عما يشركون *} - عريا عن افتتاحه بالتنزيه كالأولى. # PageV11P106 # ولما كان خلق السماوات والأرض غيبا لتقدمه، وكان خلق الإنسان على هذه ~~الصفة شهادة، مع كونه أدل على ذلك من حيث إنه أشرف من كل ما يعبده من دون ~~الله، ولن يكون الرب أدنى من العبد أصلا، قال معللا: {خلق الإنسان} أي هذا ~~النوع الذي خلقه أدل ما يكون على الوحدانية والفعل بالاختيار، لأنه أشرف ما ~~في # PageV11P106 # العالم السفلي من الأجسام لمشاركته للحيوان الذي هو أشرف من غيره بالقوى ~~الشريفة من الحواس الظاهرة والباطنة، والشهوة والغضب، واختصاصه بالنطق الذي ~~هو إدراك الكليات والتصرف فيها بالقياسات {من نطفة} أي آدم عليه السلام من ~~مطلق الماء، ومن تفرع منه بعد زوجه من ماء مقيد بالدفق. # ولما كان - مع مشاركته لغيره من الحيوان في كونه من نطفة - متميزا بالنطق ~~المستند إلى ما في نفسه من عجائب الصنع ولطائف الإدراك، كان ذلك أدل دليل ~~على كمال قدرة الفاعل واختياره، فقال تعالى: {فإذا هو} أي الإنسان المخلوق ~~من الماء المهين {خصيم} أي منطيق عارف بالمجادلة {مبين *} أي بين القدرة ~~على الخصام، وموضح لما يريده غاية الإيضاح بعد أن كان ما لا حس به ولا حركة ~~اختيارية عنده بوجه، أفلا يقدر الذى ابتدأ ذلك على إعادته! # ولما صار التوحيد بذلك كالشمس، وكان كل ما في الكون - مع أنه دال على ~~الوحدانية - نعمة على الإنسان يجب عليه شكرها، شرع يعدد ذلك تنبيها له على ~~وجوب الشكر بالتبرؤ من الكفر، فقال مقدما الحيوانات لأنها أشرف من غيرها، ~~وقدم منها ما ينفع الإنسان لأنه # PageV11P107 # أجل من غيره. مبتدئا بما هو أولاها بالذكر لأنه أجلها منفعة في ضرورات ~~المعيشة وألزمها لمن أنزل الذكر بلسانهم: {والأنعام} أي الأزواج الثمانية: ~~الضأن والمعز والإبل والبقر {خلقها} غير ناطقة ولا مبينة مع كونها أكبر ~~منكم خلقا وأشد قوة. # ولما كان أول ما يمكن أن يلقى الإنسان عادة ms2513 من نعمها اللباس، بدأ به، ~~فقال على طريق الاستئناف: {لكم فيها دفء} أي ما يدفأ به فيكون منه حر معتدل ~~من حر البدن الكائن بالدثار بمنع البرد، وثنى بما يعم جميع نعمها التي منها ~~اللبن فقال: {ومنافع} ثم ثلث بالأكل لكونه بعد ذلك فقال تعالى: {ومنها ~~تأكلون *} وقدم الظرف دلالة على أن الأكل من غيرها بالنسبة إلى الأكل منها ~~مما لا يعتد به، ثم تلاه بالتجمل لأنه النهاية لكونه للرجال فقال تعالى: ~~{ولكم} أي أيها الناس خاصة {فيها} أي الأنعام {جمال} أي عظيم. # ولما كان القدوم أجل نعمة وأبهج من النزوح، قدمه فقال: {حين يريحون} ~~بالعشي من المراعي وهي عظيمة الضروع طويلة الأسنمة {وحين تسرحون *} بالغداة ~~من المراح إلى المراعي، فيكون # PageV11P108 # لها في هاتين الحالتين من الحركات منها ومن رعاتها ومن الحلب والتردد ~~لأجله وتجاوب الثغاء والرغاء أمر عظيم وأنس لأهلها كبير. # PageV11P109 # ولما كانت الأسفار بعد ذلك، تلاه بقوله تعالى: {وتحمل} أي الأنعام ~~{أثقالكم} أي أمتعتكم مع المشقة {إلى بلد} أي غير بلدكم أردتم السفر إليه ~~{لم تكونوا} - أي كونا أنتم مجبولون عليه - قادرين على حملها إليه، وتبلغكم ~~- بحملها لكم - إلى بلد لم تكونوا {بالغيه} بغير الإبل {أي بشق} أي بجهد ~~ومشقة وكلفة {الأنفس} ويجوز أن يكون المعنى: لم تبلغوه بها، فكيف لو لم تكن ~~موجودة؛ والشق: أحد نصفي الشيء، كأنه كناية عن ذهاب نصف القوة لما يلحق من ~~الجهد؛ والآية من الاحتباك: ذكر حمل الأثقال أولا دليلا على حمل الأنفس ~~ثانيا، وذكر مشقة البلوغ ثانيا دليلا على مشقة الحمل أولا. # ولما كان هذا كله من الإحسان في التربية، ولا يسخره للضعيف إلا البليغ في ~~الرحمة، وكان من الناس من له من أعماله سبب لرضى ربه، ومنهم من أعماله كلها ~~فاسدة، # PageV11P109 # قال: {إن ربكم} أي الموجد لكم والمحسن إليكم {لرؤوف} أي بليغ الرحمة لمن ~~يتوسل إليه بما يرضيه {رحيم *} أي بليغ الرحمة بسبب وبغير سبب. # ولما كانت الأنعام أكثر أموالهم، مع أن منافعها أكثر، بدأ بها ثم ثنى بما ~~هو ms2514 دونها، مرتبا له على الأشراف فالأشراف، فقال تعالى: {والخيل} أي الصاهلة ~~{والبغال} أي المتولدة بينها وبين الحمر {والحمير} أي الناهقة. # ولما كان الركوب فعل المخاطبين، وهو المقصود بالنفعة، ذكره باللام التي ~~هي الأصل في التعليل فقال: {لتركبوها} ولما كانت الزينة تابعة للمنفعة، ~~وكانت فعلا لفاعل الفعل المعلل، نصبت عطفا على محل ما قبلها فقال: {وزينة} ~~. # ولما دل على قدرته بما ذكر في سياق الامتنان، دل على أنها لا تتناهى في ~~ذلك السياق، فنبه على أنه خلق لهم أمورا لو عدها لهم لم يفهموا المراد على ~~سبيل التجديد والاستمرار في الدنيا # PageV11P110 # والآخرة {ما لا تعلمون *} فلا تعلمون له موجدا غيره ولا مدبرا سواه. # PageV11P111 # ولما كانوا في أسفارهم واضطرابهم في المنافع بهذه الحيوانات وغيرها ~~يقصدون أسهل الطرق وأقومها وأوصلها إلى الغرض، ومن عدل عن ذلك كان عندهم ~~ضالا سخيف العقل غير مستحق للعد في عداد النبلاء، نبههم على أن ما تقدم في ~~هذه السورة قد بين الطريق الأقوم الموصل إليه سبحانه بتكفله ببيان أنه واحد ~~قادر عالم مختار، وأنه هو المنعم، فوجب اختصاصه بالعبادة، وأخبرهم سبحانه ~~أنه أوجب هذا البيان على نفسه فضلا منه فقال تعالى: {وعلى} أي قد بين لكم ~~الطريق الأمم وعلى {الله} أي الذي له الإحاطة بكل الشيء {قصد السبيل} أي ~~بيان الطريق العدل، وعلى الله بيان الطريق الجائر حتى لا يشك في شيء منهما، ~~فإن الطريق المعنوية كالحسية، منها مستقيم من سلكه اهتدى {ومنها جائر} من ~~سلكه ضل عن الوصول فهلك {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم} [التوبة: ~~115] الآية {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] فالآية من ~~الاحتباك: ذكر أن عليه بيان القصد أولا دلالة على حذف أن عليه بيان الجائر ~~ثانيا، وذكر أن من الطرق # PageV11P111 # الجائر ثانيا دلالة على حذف أن منها المستقيم أولا، وتعبير الأسلوب لبيان ~~أن المقصود بالذات إنما هو بيان النافع، ومادة قصد تدور على العدل المواه، ~~ومنه القصد، أي الاستقامة، واستقامة الطريق من غير تعريج، وضد الإفراط ~~كالاقتصاد، ورجل ليس ms2515 بالجسيم ولا بالضئيل، وذلك لا يكون إلا عن إرادة ~~وتوجه، فإطلاق القصد على العزم مستقيما كان أو جائرا، إذا قلت: قصدته - ~~بمعنى أتيته أو أممته ونويته، من دلالة الالتزام، وكذا القصد بمعنى الكسر ~~بأي وجه كان، وقيل: لا يقال: قصد، إلا إذا كان بالنصف، والقصيد: ما تم شطر ~~أبياته، لأن ذلك أعدل حالاته، قال في القاموس: ثلاثة أبيات فصاعدا أو ستة ~~عشر فصاعدا؛ وقال الإمام أبو الفتح عثمان بن جني في آخر كتابه المغرب في ~~شرح القوافي: فالبيت على ثلاثة أضرب: قصير، ورمل، وزجر، فأما القصيد ~~فالطويل التام، والبسيط التام، والكامل التام، والمديد التام، والوافر ~~التام، والرجز التام، والخفيف التام، وهو كل ما تغنى به الركبان، ومعنى ~~قولنا: المديد التام والوافر التام. # PageV11P112 # نريد أتم ما جاء منهما في الاستعمال، أعني الضربين الأولين منهما، فأما ~~أن يجيئا على أصل وضعهما في دائرتيهما فذلك مرفوض مطرخ؛ والقصيد: المخ ~~السمين أو دونه، والعظم الممخ، والناقة السمينة بها نفي، والسمين من ~~الأسنمة - لأن بهذا الحال استقامة كل ما ذكر، وكذا القاصد: القريب، وبيننا ~~وبين الماء ليلة قاصدة، أي هينة السير، لأنه أقرب إلى الاستقامة، ومنه قصدت ~~كذا - إذا اعتمدته وأممته وتوجهت إليه سواء كان ذلك عدلا أو جورا، وانقصد ~~الرمح - إذا انكسر على السواء، كأنه مطاوع قصده، والواحدة من تلك الكسر ~~قصده بالكسر، ورمح قصد - ككتف: متكسر، والقصد - بالتحريك: العوسج - لأنه ~~سريع التكسر، والجوع - لأن الجائع قاصد لما يأكله متوجه إليه، والقصد: مشرة ~~العضاه تخرج في أيام الخريف لدنة تتثنى في أطراف الأغصان، وهي خوصة تخرج # PageV11P113 # فيها، وفي كثير من الشجر في تلك الأيام، أو هي الأغصان، أو هي الأغصان ~~الرطبة قبل أن تتلون وتشتد - سميت بذلك لخروجها وتوجهها إلى منظر العين، أو ~~توجه النظر إليها للسرور بها، والقصيد: العصا - لأنها تقصد ويقصد بها، ~~وأقصد السهم: أصاب فقتل مكانه، وأقصد فلانا: طعنه فلم يخطئه، والحية: لدغت ~~فقتلت - يمكن أن يكون ذلك من الاستقامة لأن قصد فاعله القتل، فكأنه استقام ~~قصده بنفوذه، ويمكن أن يكون ms2516 من السلب أي أنه أزال الاستقامة لأن من مات فقد ~~زالت استقامة حياته، ومنه المقصد كمخرج، وهو من يمرض ويموت سريعا، والقصيد ~~بمعنى اليابس من اللحم - فعيل بمعنى مفعل، أي أقصد فزالت استقامته بأن هلك ~~جفافا يبسا. # والصدق ضد الكذب، وهو من أعدل العدل وأقوم القصد، والصدق: الشدة، إذ بها ~~يمتحن الصادق من الكاذب، ومنه رجل صدق، أي يصدق ما يعزم عليه أو يقوله ~~بفعله، فهو شديد العزم سديد الأمر، والصديق - كأمير: الحبيب الذي يصدق قوله ~~في الحب بفعل، والمصادقة والصداق - بالكسر: المخالة كالتصادق، والصيدق - ~~كصقيل: # PageV11P114 # الأمين - لأنه مصدق في قوله، والملك - لأن محله يقتضي الصدق لعدم حاجته ~~إلى الكذب، والقطب - لأنه أصدق النجوم دلالة لثباته، وقال أبو عبد الله ~~القزاز: هو اسم للسها، وهو النجم الخفي الذي مع بنات نعش، والصدق - بالفتح: ~~الصلب المستوي من الرماح - لأنه صدق ظن الطاعن به، وكذا من الرجال، والكامل ~~من كل شيء، ورجل صدق اللقاء والنظر، ومصداق الشيء: ما يصدقه، وشجاع ذو مصدق ~~- كمنبر: صادق الحملة، أي شديدها، والصدقة - محركة: ما أعطيته في ذات الله ~~لأنها تصدق دعوى الإيمان لدلالتها على شدة العزم فيه، والصدقة - بضم الدال ~~وسكونها: مهر المرأة لأنه يصدق العزم فيه وكسكيت: الكثير الصدق، وصدقت الله ~~حديثا إن لم أفعل كذا - يمين لهم، أي لا صدقت، وفعله غب صادقة، أي بعد ما ~~تبين له الأمر، وصدقه تصديقا - ضد كذبه، والوحشي: عدا ولم يلتفت لما حمل ~~عليه، والمصدق - كمحدث: آخذ الصدقات، والمتصدق: معطيها. # ولما كان أكثر الخلق ضالا، كان ربما توهم متوهم أنه خارج عن الإرادة، ~~فنفي هذا التوهم بقوله - عطفا على ما تقديره: فمن شاء هداه قصد السبيل، ومن ~~شاء أسلكه الجائر، وهو قادر على ما يريد # PageV11P115 # من الهداية والإضلال -: {ولو شاء} هدايتكم {لهداكم أجمعين *} بخلق ~~الهداية في قلوبكم بعد بيان الطريق القصد، ولكنه لم يشأ ذلك فجعلكم قسمين. # ولما كان ما مضى كفيلا ببيان أنه الواحد المختار، شرع يوضح ذلك بتفصيل ~~الآيات إيضاحا يدعه في أتم انكشاف في سياق ms2517 معدد للنعم مذكر بها داع إلى ~~شكرها، فقال بعد ما دل به من الإنسان وما يليه في الشرف من الحيوان مبتدئا ~~بما يليهما في الشرف من النبات الذي هو قوام حياة الإنسان وما به قوام ~~حياته من الحيوان: {هو} لا غيره مما تدعي فيه الإلهية {الذي أنزل} أي ~~بقدرته الباهرة {من السماء} قيل: نفسها. وقيل: جهتها، وقيل: السحاب - كما ~~هو مشاهد {ماء} أي واحدا تحسونه بالذوق والبصر {لكم منه} أي خاصة {شراب} ~~ظاهر على وجه الأرض من العيون والأنهار والغدران وغيرها. # PageV11P116 # ولما كان أول ما يقيم الآدمي شراب اللبن الناشىء عن الماء فقدمه، أتبعه ~~ما ينشأ منه أشرف أغذيته وهو الحيواني، فقال تعالى: {ومنه شجر} لسريانه في ~~الأرض الواحدة واختلاطه بها، فينعقد من ذلك نبات {فيه تسيمون *} أي ترعون ~~على سبيل الإطلاق ليلا ونهارا ما خلق لكم من البهائم، والشجر هنا - بما ~~أفهمته الإسامة - عام لما يبقى في الشتاء حقيقة، ولغيره مجازا؛ قال القزاز: ~~الشجر ما بقي له ساق في الشتاء إلى الصيف، ثم يورق، والبقل ما لا يبقى له ~~ساق، قال الخليل: جل الشجر عظامه وما يبقى منه في الشتاء، ودقه صنفان: ~~أحدهما تبقى له أرومة في الأرض في الشتاء، وينبت في الربيع، ومنه ما ينبت ~~من الأرض كما تنبت البقلة، والفرق بينه وبين البقل أن الشجر يبقى له أرومة ~~على الشتاء ولا يبقى للبقل، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أن النبات ثلاثة ~~أقسام: شجر وهو ما يبقى في الشتاء، ولا يذهب فرعه ولا أصله، وما نبت في بزر ~~ولم ينبت في أرومة ثابتة فهو البقل، وما نبت في أرومة - أي أصل - وكان مما ~~يهلك فرعه وأصله في الشتاء فهو الجنبة، لأنه فارق الشجر الذي # PageV11P117 # يبقى فرعه وأصله، والبقل الذي يبيد فرعه وأصله، فكان جنبة بينهما. # ولما كان الشجر عاما، شرع سبحانه يفصله تنويعا للنعم وتذكيرا بالتفاوت، ~~إشارة إلى أن الفعل بالاختيار، فقال مبتدئا بالأنفع في القوتية والائتدام ~~والتفكه: {ينبت} أي هو سبحانه {لكم} أي خاصة {به} مع ms2518 كونه واحدا في أرض ~~واحدة {الزرع} الذي تشاهدونه من أقل الشجر مكثا وأصغره قدرا، {والزيتون} ~~الذي ترونه من أطول الأشجار عمرا وأعظمها قدرا. # ولما كانت المنافع كثيرة في شجر التمر، سماه باسمه فقال تعالى: {والنخيل} ~~ولما كانت المنفعة في الكرم بغير ثمرته تافهة، قال تعالى: {والأعناب} وهما ~~من أوسط ذلك {ومن كل الثمرات} وأما كلها فلا يكون إلا في الجنة، وهذا الذي ~~في الأرض بعض من ذلك الكل مذكر به ومشوق إليه {إن في ذلك} أي الماء العظيم ~~المحدث عنه وعن فروعه، أو في إنزاله على الصفة المذكورة {لآية} بينة على أن ~~فاعل ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة كما قدر على الابتداء، # PageV11P118 # وأنه مختار يفعل ذلك في الوقت الذي يريده. # ولما كان ذلك ممن يحس، وكان شغل الحواس بمنفعته - لقربه وسهولة ملابسته - ~~ربما شغل عن الفكر في المراد به، فكان التفطن لدلالته يحتاج إلى فضل تأمل ~~ودقة نظر، قال تعالى: {لقوم يتفكرون *} أي في أن وحدته وكثرة ما يتفرع عنه ~~دليل على وحدة صانعه وفعله بالاختيار، وأفرد الآية لوحدة المحدث عنه، وهو ~~الماء - كما قال تعالى في آية {تسقى بماء واحد} [الرعد: 4] وسيأتي في آية ~~النحل كلام الإمام أبي الحسن الحرالي في هذا. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة في التحامها بسورة الحجر مثل ~~الحجر بسورة إبراهيم من غير فرق، لما قال تعالى {فوربك لنسئلنهم أجمعين عما ~~كانوا يعملون} [الحجر: 92] وقال تعالى بعد ذلك في وعيد المستهزئين {فسوف ~~يعلمون} أعقب هذا ببيان تعجيل الأمر فقال تعالى {أتى أمر الله فلا ~~تستعجلوه} [النحل: 1] وزاد هذا بيانا قوله {سبحانه وتعالى عما يشركون} فنزه ~~سبحانه نفسه عما فاهوا به في استهزائهم وشركهم وعظيم بهتهم، وأتبع ذلك ~~تنزيها وتعظيما فقال تعالى {خلق السماوات # PageV11P119 # والأرض بالحق تعالى عما يشركون} ثم أتبع ذلك بذكر ابتداء خلق الإنسان ~~وضعف جبلته {خلق الإنسان من نطفة} ثم أبلغه تعالى حدا يكون فيه الخصام ~~والمحاجة، كل ذلك ابتلاء منه واختبار ليميز الخبيث من الطيب، وأعقب هذا ~~بذكر ms2519 بعض ألطافه في خلق الأنعام وما جعل فيها من المنافع المختلفة، وما هو ~~سبحانه عليه من الرأفة والرحمة اللتين بهما أخر العقوبة عن مستوجبها، وهدى ~~من لم يستحق الهداية بذاته بل كل هداية فبرأفة الخالق ورحمته، ثم أعقب ما ~~ذكره بعد من خلق الخيل والبغال والحمير وما في ذلك كله بقوله {ولو شاء ~~لهداكم أجمعين} فبين أن كل الواقع من هداية وضلال خلقه وفعله، وأنه أوجد ~~الكل من واحد، وابتدأهم ابتداء واحدا {خلق الإنسان من نطفة} فلا بعد في ~~اختلاف غاياتهم بعد ذلك، فقد أرانا سبحانه مثال هذا الفعل ونظيره في قوله ~~{وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر - إلى قوله: لآية لقوم ~~يتفكرون} انتهى. # PageV11P120 # ولما كان ربما قال بعض الضلال: إن هذه الأشياء مستندة إلى تأثير الأفلاك، ~~نبه على أنها لا تصلح لذلك بكونها متغيرة فلا بد لها من قاهر أثر فيها ~~التغير، ولا يزال الأمر كذلك إلى أن ينتهي إلى واحد قديم فاعل بالاختيار، ~~لما تقرر من بطلان التسلسل، فقال تعالى: {وسخر لكم} أي أيها الناس لإصلاح ~~أحوالكم {اليل} للسكنى {والنهار} للابتغاء؛ ثم ذكر آية النهار فقال تعالى: ~~{والشمس} أي لمنافع اختصها بها، ثم ذكر آية الليل فقال: {والقمر} لأمور ~~علقها به {والنجوم} أي لآيات نصبها لها، ثم نبه على تغيرها بقوله: {مسخرات} ~~أي بأنواع التغير لما خلقها له على أوضاع دبرها {بأمره} سببا لصلاحكم وصلاح ~~ما به قوامكم، دلالة على وحدانيته وفعله بالاختيار، ولو شاء لأقام أسبابا ~~غيرها أو أغنى عن الأسباب. # ولما كان أمرها مع كونه محسوسا - ليس فيه من المنافع القريبة الأمر ~~السهلة الملابسة ما يشغل عن الفكر فيه، لم يحل أمره إلى غير مطلق العقل، ~~إشارة إلى وضوحه وإن كان لا بد فيه من استعمال القوة المفكرة، ولأن الآثار ~~العلوية أدل على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة، فقال: {إن ~~في ذلك} أي التسخير # PageV11P121 # العظيم {لآيات} أي كثيرة متعددة عظيمة {لقوم يعقلون} وجمع الآيات لظهور ~~تعدادها بالتحديث عنها مفصلة. # ولما ms2520 كان ما مضى موضعا للتفكر المنتج للعلم بوحدة الصانع واختياره، وكان ~~التفكر في ذلك مذكرا بما بعده من سر التفاوت في اللون الذي لا يمكن ضبط ~~أصنافه على التحرير، وكان في ذلك تمام إبطال القول بتأثير الأفلاك ~~والطبائع، لأن نسبتها إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة، ~~قال تعالى عطفا على الليل: {وما ذرأ} أي خلق وبث وفرق التراب والماء {لكم} ~~أي خاصة، فاشكروه واعلموا أنه ما خصكم بهذا التدبير العظيم إلا لحكم كبيرة ~~أجلها إظهار جلاله يوم الفصل {في الأرض} أي مما ذكر ومن غيره حال كونه ~~{مختلفا ألوانه} حتى في الورقة، الواحدة، فترى أحد وجهيها - بل بعضه - في ~~غاية الحمرة، والآخر في غاية السواد أو الصفرة ونحو ذلك، فلو كان المؤثر ~~موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار، فعلم قطعا أنه إنما هو ~~قادر مختار، ولم يذكر # PageV11P122 # اختلاف الصور لأن دلالتها - لأجل اختلاف أشكال النجوم من السماء وصور ~~الجبال والروابي والوهاد من الأرض - ليست على إبطال الطبيعة كدلالة اختلاف ~~اللون. # ولما كان ذلك - وإن كان خارجا عن الحد في الانتشار - واحدا من جهة كونه ~~لونا، وحد الآية فقال: {إن في ذلك} الذي ذرأه في هذه الحال على هذا الوجه ~~العظيم {لآية} ولما نبه في التي قبلها على أن الأمر وصل في الوضوح إلى حد ~~لا يحتاج معه إلى غير بديهة العقل، نبه هنا على أن ذلك معلوم طرأ عليه ~~النسيان والغفلة، حثا على بذل الجهد في تأمل ذلك، وإشارة إلى أن دلالته على ~~المقصود في غاية الوضوح فقال: {لقوم يذكرون *} ولو لم يمنعوا - بما أفاده ~~الإدغام؛ والتذكر: طلب المعنى بالتفكر في متعلقه، فلا بد من حضور معنى يطلب ~~به غيره، وقد رتب سبحانه ذلك أبدع ترتيب، فذكر الأجسام المركبة عموما، ثم ~~خص الحيوان، ثم مطلق الجسم النامي وهو النبات، ثم البسائط من الماء ونحوه، ~~ثم الأعراض من الألوان. # PageV11P123 # ولما دل على قدرته واختياره سبحانه دلالة على القدرة على كل ما أخبر به ~~لاسيما الساعة، بخلق السماوات ms2521 والأرض الذي هو أكبر # PageV11P123 # من خلق الناس، ثم ذكر بعض ما في المكشوف من الأرض المحيط به الهواء من ~~التفاوت الدال على تفرد الصانع واختياره، وختمه باللون، أتبع ذلك بالمغمور ~~بالماء الذي لا لون له في الحقيقة، إشارة إلى أنه ضمنه من المنافع ~~والحيوانات التي لها من المقادير والكيفيات والأشكال والألوان البديعة ~~التخطيط، الغريبة الصباغ - ما هو أدل من ذلك فقال: {وهو} أي لا غيره {الذي ~~سخر البحر} أي ذلله وهيأه لعيش ما فيه من الحيوان وتكون الجواهر، وغير ذلك ~~من المنافع، والمراد به السبعة الأبحر الكائنة في الربع المرتفع عن الماء، ~~وهو المسكون من كرة الأرض المادة من البحر المحيط الغامر لثلاثة أرباع ~~الأرض، فجعله بالتسخير بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به بالركوب والغوص ~~وغيرهما {لتأكلوا منه} أي بالاصطياد وغيره من لحوم الأسماك {لحما طريا} لا ~~تجد أنعم منه ولا ألين، وهو أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيبادر إلى أكله ~~عذبا لذيذا مع نشبه في ملح زعاق {وتستخرجوا منه} أي بجهدكم في الغوص وما ~~يتبعه {حلية تلبسونها} # PageV11P124 # أي نساؤكم، وهن بعضكم لكم، فكأن اللابس أنتم، وهي من الحجارة التي لا ترى ~~أصلب منها ولا أصفى من اللؤلؤ وكذا من المرجان وغيره، مع نسبة هذا الصلب ~~وذاك الطري إلى الماء، فلو أنه فاعل بطبعه لاستويا. # ولما ذكر المنافع العامة مخاطبا لهم بها، وكان المخر - وهو أن تجري ~~السفينة مستقبلة الريح، فتشق الماء، فيسمع لجريها صوت معجب، وذلك مع الحمل ~~الثقيل - آية عظيمة لا يتأملها إلا أرباب القلوب خص بالخطاب أعلى أولي ~~الألباب، ومن قاربه في ابتغاء الصواب، فقال: {وترى الفلك} ولما كان النظر ~~إلى تعداد النعم هنا أتم منه في سورة فاطر، قدم المخر في قوله: {مواخر فيه} ~~أي جواري تشق الماء مع صوت، لتركبوها فتستدلوا - بعدم رسوبها فيه مع ميوعه ~~ورقته وشدة لطافته - على وحدانية الإله وقدرته. # ولما علل التسخير بمنفعة البحر نفسه من الأكل وما تبعه، عطف على ذلك ~~النفع به، فقال تعالى: {ولتبتغوا} أي تطلبوا # PageV11P125 # طلبا عظيما ms2522 بركوبه {من فضله} أي الله بالتوصل بها إلى البلدان الشاسعة ~~للمتاجر وغيرها {ولعلكم تشكرون *} هذه النعم التي أنتم عاجزون عنها لولا ~~تسخيره؛ والمخر: شق الماء عن يمين وشمال، وهو أيضا صوت هبوب الريح إذا اشتد ~~هبوبها، وقد ابتدىء فيه بما يغوص تارة ويطف أخرى بالاختيار، وثنى بما طبعه ~~الرسوب، وثلث بما من طبعه الطفوف. # PageV11P126 # ولما ذكر الأغوار، الهابطة الضابطة للبحار، أتبعها الأنجاد الشداد، التي ~~هي كالأوتاد، تذكيرا بما فيها من النعم فقال: {وألقى في الأرض} أي وضع فيها ~~وضعا، كأنه قذفه فيها قذفا، جبالا {رواسي} مماسة لها ومزينة لنواحيها، ~~كراهة {أن تميد} أي تميل مضطربة يمينا وشمالا، أي فيحصل لكم الميد، وهو ~~دوار يعتري راكب البحر {بكم} فهي ثابتة لأجل ذلك الإلقاء، ثابتة مع ~~اقتضائها بالكرية التحرك. # ولما ذكر الأوهاد، وأتبعها الأوتاد، تلاها بما تفجره غالبا منها، عاطفا ~~على {رواسي} لما تضمنه العامل من معنى «جعل» فقال: {وأنهارا} وأدل دليل على ~~ثبات الأرض ما سبقها من ذكر البحار، ولحقها من الحديث عن الأنهار، فإنها لو ~~تحركت ولو بمقدار شعرة في كل يوم لأغرقت البحار من إلى جانب الانخفاض، ~~وتعاكست مجاري الأنهار، # PageV11P126 # فعادت منافعها أشد المضار، ولو زادت البحار، بما تصب فيها الأنهار، على ~~مر الليل وكر النهار، لأغرقت الأرض، ولكنه تعالى دبر الأمر بحكمته تدبيرا ~~تعجز عن الاطلاع على كنهه أفكار الحكماء، بأن سلط حرارة الشمس على الأرض في ~~جميع مدة الصيف وبعض غيره من الفصول، فسرت في أغوارها، وحميت في أعماقها في ~~الشتاء، فأسخنت مياه البحار وغيرها فتصاعدت منها بخارات كما يتصاعد من ~~القدر المغلي بقدر ما صبت فيها الأنهار، فانعقدت تلك البخارات في الجو ~~مياها لما بردت، فنزل منها المطر، فأحيا الأرض بعد موتها، وتخلل أعماقها ~~منه ما شاء الله، فأمد الأنهار، ولذلك تزيد بزيادة المطر وتنقص بنقصه، ~~وهكذا في كل عام، فأوجب ذلك بقاء البحر على حاله من غير زيادة، فسبحان ~~المدبر الحكيم العزيز العليم! ولما ذكر ذلك، أتبعه ما يتوصل به إلى منافع ~~كل منه فقال ms2523 تعالى: {وسبلا} . # ولما كانت الجبال والبحار والأنهار أدلة على السبل الحسية والمعنوية، قال ~~تعالى: {لعلكم تهتدون *} أي يحصل الاهتداء فتهتدوا إلى مقاصدكم. # ولما كانت الأدلة في الأرض غير محصورة فيها، قال: {وعلامات} # PageV11P127 # أي من الجبال وغيرها، جمع علامة وهي صورة يعلم بها المعنى من خط، أو لفظ ~~أو إشارة أو هيئة، وقد تكون علامة وضعية، وقد تكون برهانية. # ولما كانت الدلالة بالنجم أنفع الدلالات وأعمها وأوضحها برا وبحرا ليلا ~~ونهارا، نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم لئلا يظن ~~أن المخاطب مخصوص، وأن الأمر لا يتعداه، فقال تعالى: {وبالنجم هم} أي أهل ~~الأرض كلهم، وأولى الناس بذلك أول المخاطبين، وهم قريش ثم العرب كلها، لفرط ~~معرفتهم بالنجوم {يهتدون *} وقدم الجار تنبيها على أن دلالة غيره بالنسبة ~~إليه سافلة. # ولما لم يبق - بذكر الدلائل على الوحدانية على الوجه الأكمل، والترتيب ~~الأحسن، والنظم الأبلغ - شبهة في أن الخالق إنما هو الله، لما ثبت من ~~وحدانيته، وتمام علمه وقدرته، وكمال حكمته، لجعله تلك # PageV11P128 # الدلائل نعما عامة، ومننا تامة، مع اتضاح العجز في كل ما يدعون فيه ~~الإلهية من دونه، واتضاح أنه سبحانه في جميع صنعه مختار، للمفاوتة في ~~الوجود والكيفيات بين ما لا مقتضى للتفاوت فيه غير الاختيار، فثبت بذلك أنه ~~قادر على الإتيان بما يريد. # قال مسببا عن ذلك: {أفمن يخلق} أي يجدد ذلك حيث أراد ومتى أراد فلا يمكن ~~عجزه بوجه لتمكن شركته {كمن} شركته ممكنة، فهو أصل في ذلك بسبب أنه {لا ~~يخلق} أي لا يقع ذلك منه وقتا ما من الأصنام وغيرها، في العجز عن الإتيان ~~بما يقوله؛ المستلزم لأن يكون ممكنا مخلوقا، ولو كان التشبيه معكوسا كما ~~قيل لم يفد ما أفاد هذا التقدير من الإبلاغ في ذمهم بإنزال الأعلى عن ~~درجته، وعبر ب «من» لأنهم سموها آلهة، وأنهى أمرها أن تكون عاقلة، فإذا ~~انتفى عنها وصف الإلهية معه لعدم القدرة على شيء انتفى بدونه من باب ~~الأولى. # ولما سبب عن هذه الأدلة إنكار تسويتهم الخالق ms2524 بغيره في العجز، # PageV11P129 # سبب عن هذا الإنكار إنكار تذكرهم، حثا لهم على التذكر المفيد لترك الشرك ~~فقال: {أفلا تذكرون *} بما تشاهدونه من ذلك ولو من بعض الوجوه - بما أفاده ~~الإدغام - لتذكروا ما يحق اعتقاده. # PageV11P130 # ولما كانت المقدورات لا تحصر، وأكثرها نعم العباد مذكرة لهم بخالقهم، قال ~~تعالى ممتنا عليهم بإحسانه من غير سبب منهم: {وإن تعدوا} أي كلكم {نعمة ~~الله} أي إنعام الملك الذي لا رب غيره، عليكم وإن كان في واحدة فإن شعبها ~~تفوت الحصر {لا تحصوها} أي لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم مع كفرها ~~وإعراضكم جملة عن شكرها، فلو شكرتم لزادكم من فضله. # ولما كانوا مستحقين لسلب النعم بالإعراض عن التذكير، والعمى عن التبصر، ~~أشار إلى سبب إدرارها، فقال تعالى: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال بجميع ~~صفات الإكرام والانتقام {لغفور رحيم *} فلذلك هو يدر عليكم نعمه وأنتم ~~منهمكون فيما يوجب نقمه. # ولما جرت العادة بأن المكفور إحسانه يبادر إلى قطعه عند علمه بالكفر، ~~فكان ربما توهم متوهم أن سبب مواترة الإحسان عدم العلم بالكفران، أو عدم ~~العلم بكفران لا يدخل تحت المغفرة، قال # PageV11P130 # مهددا مبرزا للضمير بالاسم الأعظم الذي بنيت عليه السورة للفصل بالفرق ~~بين الخالق وغيره ولئلا يتوهم تقيد التهديد بحيثية المغفرة إيماء إلى أن ~~ذلك نتيجة ما مضى: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة بجميع صفات الإكرام ~~والانتقام {يعلم} أي على الإطلاق {ما تسرون} أي كله. ولما كان الإسرار ربما ~~حمل على حالة الخلوة، فلم يكن علمه دالا على الإعلان، قال تعالى: {وما ~~تعلنون *} ليعلم مقدار المضاعفة لموجبات الشكر وقباحة الكفر، وأما الأصنام ~~فلا تعلم شيئا فلا أسفه ممن عبدها. # ولما أثبت لنفسه تعالى كمال القدرة وتمام العلم وأنه المنفرد بالخلق، شرع ~~يقيم الأدلة على بعد ما يشركونه به من الإلهية بسلب تلك الصفات فقال تعالى: ~~{والذين يدعون} أي دعاء عبادة {من دون الله} أي الذي له جميع صفات الكمال ~~{لا يخلقون شيئا} ولما كان ربما ادعى مدع في شيء أنه لا يخلق ms2525 ولا يخلق، ~~قال: {وهم يخلقون *} . # PageV11P131 # ولما كان من المخلوقات الميت والحي، وكان الميت أبعد شيء عن صفة الإله، ~~قال نافيا عنها الحياة - بعد أن نفى القدرة والعلم - المستلزم لأن يكون ~~عبدتها أشرف منها المستلزم لأنهم بخضوعهم لها في غاية السفه: {أموات} ولما ~~كان الوصف قد يطلق على غير الملتبس به مجازا عن عدم نفعه بضده وإن كان ~~قائما به عريقا فيه قال: {غير أحياء} مبينا أن المراد بذلك حقيقة سلب ~~الحياة على ضد ما عليه الله {ألا له الخلق} من كونه حيا لا يموت، ولعله ~~اقتصر على وصفهم - مع أنهم موات - بأنهم أموات لأن ذلك مع كونه كافيا في ~~المقصود من السياق - وهو إبعادهم عن الإلهية - يكون صالحا لكل مخلوق ادعى ~~فيه الإلهية وإن اتصف بالحياة، لأن حياته زائلة يعقبها الموت، ومن كان كذلك ~~كان بعيدا عن صفة الإلهية. # ولما كانوا - مع علمهم بأن الأصنام حجارة لا حياة لها - يخاطبون من ~~أجوافها بألسنة الشياطين - كما هو مذكور في السير وغيرها من الكتب المصنفة ~~في هواتف الجان، فصاروا يظنون أن لها علما بهذا الاعتبار، ولذلك كانوا ~~يظنون أنها تضر وتنفع، احتيج إلى نفي العلم عنها، ولما كانوا يخبرون على ~~ألسنتها ببعض ما يسترقونه من السمع، # PageV11P132 # فيكون كما أخبروا، لم ينف عنها مطلق العلم، بل نفي ما لا علم لأحد غير ~~الله به، لأنهم لا يخبرون عنه بخبر إلا بان كذبه، فقال تعالى عادا للبعث ~~عداد المتفق عليه: {وما يشعرون} أي في هذا الحال كما هو مدلول ما {أيان} أي ~~أي حين {يبعثون *} فنفى عنهم مطلق الشعور الذي هو أعم من العلم، فينتفي كل ~~ما هو أخص منه. # PageV11P133 # ولما كانت أدلة البعث قد ثبت قيامها، واتضحت أعلامها، وعلا منارها، ~~وانتشرت أنوارها، ساق الكلام فيها مساق ما لا خلاف إلا في العلم بوقته مع ~~الاتفاق على أصله، لأنه من لوازم التكليف، ولما اتضح بذلك كله عجز شركائهم، ~~أشار إلى أن منشأ العجز قبول التعدد، إرشادا إلى برهان التمانع، فقال على ~~طريق الاستئناف لأنه ms2526 نتيجة ما مضى قطعا: {إلهكم} أي أيها الخلق كلكم، ~~المعبود بحق {إله} أي متصف بالإلهية على الإطلاق بالنسبة إلى كل أحد وكل ~~زمان وكل مكان {واحد} لا يقبل التعدد - الذي هو مثار النقص - بوجه من ~~الوجوه، لأن التعدد يستلزم إمكان التمانع المستلزم للعجز المستلزم # PageV11P133 # للبعد عن رتبة الإلهية {فالذين} أي فتسبب عن هذا أن الذين {لا يؤمنون ~~بالآخرة} أي دار الجزاء ومحل إظهار الحكم الذي هو ثمرة الملك والعدل الذي ~~هو مدار العظمة {قلوبهم منكرة} أي جاهلة بأنه واحد، لما لها من القسوة لا ~~لاشتباه الأمر - لما تقدم في هود من أن مادة «نكر» تدور على القوة وهي ~~تستلزم الصلابة فتأتي القسوة {وهم} أي والحال أنهم بسبب إنكار الآخرة ~~{مستكبرون *} أي صفتهم الاستكبار عن كل ما لا يوافق أهواءهم وهو طلب الترفع ~~بالامتناع من قبول الحق أنفة من أهله، فصاروا بذلك إلى حد يخفى عليهم معه ~~الشمس كما قال تعالى: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} [هود: ~~20] وربما دل {مستكبرون} على أن {منكرة} بمعنى «جاحدة ما هي به عارفة» . # ولما كانوا - لكون الإنسان أكثر شيء جدلا - ربما أنكروا الاستكبار، ~~وادعوا أنه او ظهر لهم الحق لأنابوا، قال على طريق الجواب لمن كأنه قال: ~~إنهم لا يأبون استكبارا ما لا يشكون معه في أن هذا كلام الله {لا جرم} أي ~~لا ظن في {أن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما {يعلم} علما غيبيا ~~وشهاديا {ما يسرون} أي # PageV11P134 # يخفون مطلقا أو بالنسبة إلى بعض الناس. ولما كان علم السر لا يستلزم علم ~~الجهر - كما مضى غير مرة، قال: {وما يعلنون} فهو أخبر بذلك إلا عن أمر قطعي ~~لا يقبل المراء. # ولما كان في ذلك معنى التهديد، لأن المراد: فليجازينهم على دق ذلك وجهل ~~من غير أن يغفر منه شيئا - كما يأتي التصريح به في قوله: {ليحملوا أوزارهم ~~كاملة} [النحل: 25] علل هذا المعنى بقوله: {إنه} أي العالم بالسر والعلن ~~{لا يحب المستكبرين *} أي على الحق، كائنا ما كان. # ولما كان الطعن ms2527 في القرآن - بما ثبت من عجزهم عن معارضته - دليل ~~الاستكبار قال تعالى عاطفا على قوله {قلوبهم منكرة} : {وإذا قيل} أي من أي ~~قائل كان في أي وقت كان ولو تكرر {لهم} أي لمنكري الآخرة: {ماذا} أي أي شيء ~~{أنزل ربكم} أي المحسن إليكم المدبر لأموركم {قالوا} مكابرين في إنزاله ~~عادين «ذا» موصولة لا مؤكدة للاستفهام: الذي تعنون أنه منزل ليس منزلا، بل ~~هو {أساطير الأولين} - مع عجزهم بعد تحديهم عن معارضة # PageV11P135 # سورة منه مع علمهم بأنه أفصح الناس وأنه لا يكون من أحد من الناس متقدم ~~أو متأخر قول إلا قالوا أبلغ منه. # PageV11P136 # ولما كان الكتاب هو الصراط المستقيم المنقذ من الهلاك، وكان قولهم هذا ~~صدا عنه، فكان - مع كونه ضلالا - إضلالا، ومن المعلوم أن من ضل كان عليه ~~إثم ضلاله، ومن أضل كان عليه وزر إضلاله - هذا ما لا يخفى على ذي عقل صحيح، ~~فلما كان هذا بينا، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بالخفيات فكيف بالجليات، ~~حسن جدا قوله: {ليحملوا} فإنهم يعلمون أن هذا لازم لهم قطعا وإن قالوا ~~بألسنتهم غيره، أو يقال: إنه قيل ذلك لأنه - مع أن الجهل أولى لهم منه - ~~أخف أحوالهم لأنهم إما أن يعلموا أنهم فعلوا بهذا الطعن ما ليس لهم أولا، ~~فعلى الثاني هم أجهل الناس، وعلى الأول فإما أن يكونوا ظنوا أنهم يؤخذون به ~~أو لا، فعلى الثاني يكون الخلق سدى، وليس هو من الحكمة في شيء، فمعتقد هذا ~~من الجهل بمكان عظيم، وعلى الأول فهم يشاهدون كثيرا من الظلمة لا يجازون في ~~الدنيا، فيلزمهم في الحكمة اعتقاد الآخرة، ليجازى بها المحسن والمسيء، وهذا ~~أخف الأحوال المتقدمة، ولا يخفى ما في الإقدام # PageV11P136 # على مثله من الغباوة المناقضة لادعائهم أنهم أبصر الناس، فقد آل الأمر ~~إلى التهكم بهم لأنهم نسبوا إلى علم الجهل خير منه {أوزارهم} التي باشروها ~~لنكوبهم عن الحق تكبرا لا عن شبهة. # ولما كان الله من فضله يكفر عن أهل الإيمان صغائرهم بالطاعات وباجتناب ~~الكبائر فكان التكفير مشروطا بالإيمان، وكان ms2528 هؤلاء قد كفروا بالتكذيب ~~بالكتاب، قال تعالى: {كاملة} لا ينقص منها وزر شيء مما أسروا ولا مما ~~أعلنوا، لخفاء ولا ذهول بتكفير ولا غيره من دون خلل في وصف من الأوصاف، فهو ~~أبلغ من «تامة» لأن التمام قد يكون في العدة مع خلل في بعض الوصف {يوم ~~القيامة} الذي لا شك فيه ولا محيص عن إتيانه {و} ليحملوا {من} مثل {أوزار} ~~الجهلة الضعفاء {الذين يضلونهم} فيضلون بهم كما بين أولئك الذين ضلوا {بغير ~~علم} يحملون من أوزارهم من غير أن يباشروها لما لهم فيها من التسبب من غير ~~أن ينقص من أوزار الضالين بهم شيء وإن كانوا جهلة، لأن لهم عقولا هي بحيث ~~تهدي إلى سؤال أهل الذكر، وفطرا أولى تنفر من الباطل «أول» ما يعرض علهيا ~~فضيعوها؛ ثم استأنف التنبيه # PageV11P137 # على عظيم ما يحصل لهم من مرتكبهم من الضرر وعيدا لهم فقال تعالى: {ألا ~~ساء ما يزرون *} فأدخل همزة الإنكار على حرف النفي فصار إثباتا على أبلغ ~~وجه. # ولما كان المراد من هذا الاستكبار محو الحق وإخفاء أمره من غير تصريح ~~بالعناد - بل مع إقامة شبه ربما راجت - وإن اشتد ضعفها - على عقول هي أضعف ~~منها، وكأن هذا حقيقة المكر التي هي التغطية والستر كما بين في الرعد عند ~~قوله تعالى: # {بل زين للذين كفروا مكرهم} [الرعد: 23] شرع يهدد الماكرين ويحذرهم وقوع ~~ما وقع بمن كانوا أكثر منهم عددا وأقوى يدا، ويرجي المؤمنين في نصرهم ~~عليهم، بما له من عظيم القوة وشديد السطوة، فقال تعالى: {قد مكر الذين} ~~ولما كان المقصود بالإخبار ناسا مخصوصين لم يستغرقوا زمان القبل، أدخل ~~الجار فقال تعالى: {من قبلهم} ممن رأوا آثارهم ودخلوا ديارهم {فأتى الله} ~~أي بما له من مجامع العظمة {بنيانهم} أي إتيان بأس وانتقام {من القواعد} ~~التي بنوا عليها مكرهم {فخر} أي سقط مع صوت عظيم لهدته {عليهم السقف} . # ولما كانت العرب تقول: خر علينا سقف ووقع علينا حائط - # PageV11P138 # إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه كما نقله أبو حيان ms2529 عن ابن الأعرابي، ~~قال تعالى صرفا عن هذا إلى حقيقة السقوط المقيد بالجار: {من قولهم} وكانوا ~~تحته فهلكوا كما هو شأن البنيان إذا زالت قواعده. # ولما كان المكر هو الضر في خفية، لأنه القتل بالحيلة إلى جهة منكرة، بين ~~أن ما حصل لهم من العذاب هو من باب ما فعلوا بقوله: {وأتاهم العذاب} أي ~~الذي اتفقت كلمة الرسل على الوعيد به لمن أبى {من حيث لا يشعرون *} لأن ~~السبب الذي أعدوه لنصرهم كان بعينه سبب قهرهم، وهذا على سبيل التمثيل، ~~وقيل: إنه على الحقيقة فيما بناه نمرود من الصرح. # ذكر قصته من التوراة: # قال في السفر الأول منها في تعداد أولاد نوح عليه السلام: وكوش - يعني ~~ابن حام بن نوح - ولد نمرود، وكان أول جبار في الأرض، وهو كان مخوفا ذا صيد ~~بين يدي الرب، ولذلك يقال: # PageV11P139 # هذا مثل نمرود الجبار القناص، فكان مبدأ ملكه بابل والكوش والأهواز ~~والكوفة التي بأرض شنعار، ومن تلك الأرض خرج الموصلي فابتنى نينوى ورحبوت ~~القرية - وفي نسخة: قرية الرحبة - والإيلة والمدائن؛ ثم قال بعد أن عد ~~أحفاد نوح عليه السلام وممالكهم: هؤلاء قبائل بني نوح وأولادهم وخلوفهم ~~وشعوبهم، ومن هؤلاء تفرقت الشعوب في الأرض بعد الطوفان، وإن أهل الأرض كلهم ~~كانت لغتهم واحدة، ومنطقهم واحدا، فلما ظعنوا في المشرق انتهوا إلى قاع في ~~أرض شنعار - وفي نسخة: العراق - فسكنوه، فقال كل امرىء منهم لصاحبه: هلم ~~بنا نلبن اللبن ونحرقه بالنار، فيصير اللبن مثل الحجارة ويصير الجص بدل ~~الطين للملاط، ثم قال: هلموا! نبن لنا قرية نتخذها، وصرحا مشيدا لاحقا ~~بالسماء، ونخلف لنا شيئا نذكر به، لعلنا ألا نتفرق على الأرض كلها، فنظر ~~الرب القرية والصرح الذي يبينه الناس، فقال الرب: إني أرى هذا الشعب رأيهم ~~واحد ولغتهم واحدة # PageV11P140 # وقد هموا أن يصنعوا هذا الصنيع فهم الآن غير مقصرين فيما هموا أن يفعلوه، ~~فلأورد أمرا أشتت به لغتهم حتى لا يفهم المرء منهم لغة صاحبه، ثم فرقهم ~~الرب من هنالك على وجه الأرض كلها، ولم ms2530 يبنوا القرية التي هموا ببنائها، ~~ولذلك سميت بابل لأن هنالك فرق الرب لغة أهل الأرض كلها - انتهى. # قال لي بعض علماء اليهود: إن بابل معرب بوبال، ومعنى بوبال بالعبراني ~~الشتات - هذا ما في التوراة، وأما المفسرون فإنهم ذكروا أن الصرح بني على ~~هيئة طويلة في الطول والإحكام، وأن الله تعالى هدمه، فكانت له رجة تفرقت ~~لعظم هولها لغة أهل الأرض إلى أنحاء كثيرة لا يحصيها إلا خالقها فالله ~~أعلم. # PageV11P141 # ولما بين سبحانه وتعالى حال المكرة المتمردين عليه في الدنيا، أخذ يذكر ~~حالهم في الآخرة تقريرا للآخرة وبيانا لأن عذابهم غير مقصور على الدنيوي، ~~فقال تعالى: {ثم يوم القيامة يخزيهم} أي الله تعالى الذي فعل بهم في الدنيا ~~ما تقدم، خزيا يشهده جميع الخلائق # PageV11P141 # الوقوف في ذلك اليوم، فيحصل لهم من الذل - جزاء على تكبرهم - ما يجل عن ~~الوصف، وعطفه ب «ثم» لاستبعادهم له ولما له من الهول والعظمة التي يستصغر ~~لها كل هول {ويقول} أي لهم في ذلك الجمع تبكيتا وتوبيخا: {أين شركاءي} على ~~ما كنتم تزعمون، وأضاف سبحانه إلى نفسه المقدس لأنه أقطع في توبيخهم وأدل ~~على تناهي الغضب {الذين كنتم} أي كونا لا تنفكون عنه {تشاقون فيهم} ~~أوليائي، فتكونون بمخالفتهم في شق غير شقهم، فتخضعون لما لا ينبغي الخضوع ~~له، وتتكبرون على من لا ينبغي الإعراض عنه، ما لهم لا يحضرونكم ويدفعون ~~عنكم في هذا اليوم؟ وقرىء بكسر النون لأن مشاققة المأمور مشاققة الآمر. # ولما كان المقام للجلال والعظمة المستلزم لزيادة الهيبة التي يلزم # PageV11P142 # عنها غالبا خرس المخزي عن جوابه لو كان له جواب، وكان من أجل المقاصد في ~~تعذيبهم العدل بتفريح الأولياء وإشماتهم بهم، جزاء لما كانوا يعملون بهم في ~~الدنيا، وكانت الشماتة أعلى محبوب للشامت وأعظم مرهوب للمشموت فيه، وأعظم ~~مسل للمظلوم، دل على سكوتهم رغبا عن المبادرة بالجواب بتأخير الخبر عنه ~~وتقديم الخبر عن شماتة أعدائهم فيهم في سياق الجواب عن سؤال من قال: هل علم ~~بذلك المؤمنون؟ فقيل: {قال الذين} ولما كان العلم شرفا ms2531 للعالم مطلقا، بني ~~للمفعول قوله: {أوتوا العلم} أي انتفعوا به في سلوك سبيل النجاة من ~~الأنبياء عليهم السلام ومن أطاعهم من أممهم، إشارة إلى أن الهالك يصح سلب ~~العلم عنه وإن كان أعلم الناس، وعدل عن أن يقول: أعداؤهم أو المؤمنون ~~ونحوه، إجلالا لهم بوصفهم بالعلم الذي هو أشرف الصفات لكونه منشأ كل فضيلة، ~~وتعرضا بأن الحامل للكفار على الاستكبار الجهل الذي هو سبب كل رذيلة {إن ~~الخزي} أي البلاء المذل {اليوم} أي يوم الفصل الذي يكون للفائز فيه العاقبة ~~المأمونة {والسوء} أي كل ما يسوء {على الكافرين *} أي العريقين في الكفر ~~الذين # PageV11P143 # تكبروا في غير موضع التكبر، لا على غيرهم؛ ثم رغبهم في التوبة بقوله: ~~{الذين تتوفاهم} بالفوقية في قراءة الجمهور لأن الجمع مؤنث، وبالتحتية في ~~قراءة حمزة لأن المجموع غير مؤنث، وكان وفاتهم على وجهين: وجه خفيف - بما ~~أشار إليه التأنيث لخفة كفر صاحبه، وآخر ثقيل شديد لشدة كفر صاحبه، ولم ~~يحذف شيء من التاءين للإشارة إلى نقصان حالهم لأنه لا يمكن خيرها لموتهم ~~على الكفر بخلاف ما تقدم في تارك الهجرة في النساء {الملائكة} أي المؤكلون ~~بالموت، حال كونهم {ظالمي أنفسهم} بوضعها من الاستكبار على الملك الجبار ~~غير موضعها. # فلما تم ذلك على هذا الوجه البديع، والأسلوب الرفيع المنيع، ابتدأ الخبر ~~عن جوابهم على وجه معلم بحالهم فقال: {فألقوا} أي من أنفسهم عقب قول ~~الأولياء وبسبب سؤال ذي الكبرياء {السلم} أي المقادة والخضوع بدل ذلك ~~التكبر والعلو قائلين # PageV11P144 # ارتكابا للكذب من غير احتشام: {ما كنا نعمل} وأعرقوا في النفي فقالوا: ~~{من سوء} فكأنه قيل: إن هذا لبهتان عظيم في ذلك اليوم الجليل، فماذا قيل ~~لهم؟ فقيل: {بلى} قد عملتم أعظم السوء؛ ثم علل تكذيبهم بقوله: {إن الله} أي ~~المحيط بكل شيء {عليم} أي بالغ العلم من كل وجه {بما كنتم} أي جبلة وطبعا ~~{تعملون *} أي من الضلال والإضلال، فلا يسعكم الإنكار، أفما آن لكم أن ~~تنزعوا عن الجهل فيما يضركم ولا ينفعكم ويخفضكم ولا يرفعكم! # PageV11P145 # ولما كان ms2532 هذا الفعل مع هذا العلم سببا لدخول جهنم من غير أن يقام لهم ~~وزن، لأنه لا وزن لما ضيع أساسه، قال معقبا مسببا: {فادخلوا} أي أيها ~~الكفرة {أبواب جهنم} أي أبواب طبقاتها ودركاتها {خالدين} أي مقدرين الخلد ~~{فيها} أي في جهنم التي دأبها تجهم من دخلها. # ولما كان هذا المقام للمشاققة. وكان أمرها زائد القباحة. كان هذا الدخول ~~أقبح دخول، وكان سببا لأن يقال: {فلبئس} بالأداة الجامعة لمجامع الذم {مثوى ~~المتكبرين *} على وجه التأكيد وبيان الوصف الذي استحقوا به ذلك، لتقدم ~~كذبهم في قولهم {ما كنا # PageV11P145 # نعمل من سوء} تعريضا بأنهم جديرون - لغاية ما لهم من البلادة - أن ~~يستحسنوا النار كما كذبوا مع العلم التام بأنه لا يروج في ذلك اليوم كذب. # ولما تم الخبر عن المنكر لما أنزل الله على ألسنة الملائكة من الروح من ~~أمره على الأنبياء عليهم السلام، إنكارا لفضلهم وتكبرا بما ليس لهم، ~~بالاعتراض على خالقهم، ابتدأ الخبر عن المقرين تصديقا لهداتهم واعترافا ~~بفضلهم وتسليما لمن هم عبيده في تفضيل من يشاء، منبها على الوصف الذي أوجب ~~لهم الاعتراف بالحق، فقال حاذفا ل «إذا» دلالة على الرضى بأيسر شيء من ~~الخير والمدح عليه ولو لم يتكرر: {وقيل للذين اتقوا} أي خافوا عقاب الله ~~{ماذا} أي أي شيء {أنزل ربكم} أي المحسن إليكم من روحه المحيي للأرواح، على ~~رسوله {قالوا} معترفين بالإنزال، غير متوقفين في المقال، فاهمين أن ذا ~~مؤكدة للاستفهام لا بمعنى الذي: أنزل {خيرا} وإنما أطبق القراء على نصب هذا ~~ورفع الأول فرقا بين جوابي المقر والجاحد بمطابقة المقر بين الجواب ~~والسؤال، وعدول الجاحد بجوابه # PageV11P146 # عن السؤال؛ ثم أخذ يرغب بما لهم من حسن المآل على وجه الجواب لسؤال من ~~كأنه قال: ما لهم على ذلك؟ فقيل مظهرا موضع الإضمار مدحا لهم وتعميما لمن ~~اتصف بوصفهم: {للذين أحسنوا} فبين أن اعترافهم بذلك إحسان؛ ثم أخبر عنه ~~بقوله: {في هذه الدنيا حسنة} أي جزاء لهم على إحسانهم {هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان} [الرحمن: 60] . # ولما كانت هذه ms2533 الدار سريعة الزوال، أخبر عن حالهم في الآخرة فقال: {ولدار ~~الآخرة خير} أي جزاء ومصيرا؛ ثم مدحها ومدحهم بقوله تعالى: {ولنعم دار ~~المتقين *} أي هي، مرغبا في الوصف الذي كان سبب حيازتهم لها، وهو الخوف ~~المنافي لما وصف به الأشرار من الاستكبار، بإظهاره موضع الإضمار وحذف ~~المخصوص بالمدح لتقدم ما يدل عليه، وهو صالح لتقدير الدنيا - أي لمن عمل ~~فيها بالتقوى - ولتقدير الآخرة، وهو واضح. # ولما كان هذا المدح مشوفا لتفصيل ذلك قيل: {جنات عدن} أي إقامة لا ظعن ~~فيها {يدخلونها} حال كونها {تجري من تحتها} أي من تحت غرفها {الأنهار} ثم ~~أجيب من كأنه سأل عما فيها من # PageV11P147 # الثمار وغيرها بقوله تعالى: {لهم فيها} أي خاصة، لا في شيء سواها من غير ~~أن يجلب إليهم من غيرها {ما يشاؤون} ثم زاد في الترغيب بقوله: {كذلك} أي ~~مثل هذا الجزاء العظيم {يجزي الله} أي الذي له الكمال كله {المتقين *} أي ~~الراسخين في صفة التقوى، ثم حث على ملازمة التقوى بالتنبيه على أن العبرة ~~بحال الموت، فقال تعالى: {الذين تتوفاهم} أي تقبض أرواحهم وافية من نقص شيء ~~من الروح أو المعاني - بما أشار إليه إثبات التاءين والإظهار {الملائكة ~~طيبين} أي طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر متحلين بحلية الإيمان، فكأنه قيل: ~~ماذا تقول لهم الملائكة؟ فقيل: {يقولون} أي مكررين للتأكيد تسكينا لما ~~جبلوا عليه من تعظيم جلال الله بالتقوى {سلام عليكم} ويقال لهم لتحقق فوزهم ~~{ادخلوا الجنة} أي دار التفكه التي لا مثل لها {بما كنتم} أي جبلة وطبعا ~~{تعملون *} ترغيبا لهم في الأعمال التي لا يستطيعونها إلا برحمة الله لهم ~~بتوفيقهم لها. # PageV11P148 # ولما أخبر تعالى عن أحوال الكفار السائلين في نزول الملائكة بعد أن وهى ~~شبههم، وأخبر عن توفي الملائكة لهم ولأضدادهم المؤمنين، مشيرا بذلك إلى أن ~~سنته جرت بأنهم لا ينزلون إلا لإنزال الروح من أمره على من يختصه لذلك أو ~~لأمر فيصل لا مهلة فيه، قال منكرا عليهم: {هل ينظرون} أي هؤلاء الكفار في ~~تقاعسهم عن تصديق الرسل في ms2534 الإخبار بما أنزل ربهم، وجرد الفعل إشارة إلى ~~قرب ما ينتظرونه {إلا أن تأتيهم} أي بأمر الله {الملائكة} وهم لا يأتونهم ~~إلا بمثل ما أتوا به من قبلهم ممن قصصنا أمرهم من الظالمين إن لم يتوبوا ~~{أو يأتي أمر ربك} أي المحسن إليك المدير لأمرك بأمر يفصل النزاع من غير ~~واسطة ملك أو غيره. # ولما كان هذا أمرا مفزعا، كان موجبا لمن له فهم أن يقول: هل فعل هذا أحد ~~غير هؤلاء؟ فقيل: نعم! {كذلك} أي مثل هذا الفعل البعيد لبشاعته عن مناهج ~~العقلاء، مكرا في تدبير الأذى، # PageV11P149 # واعتقادا وقولا {فعل الذين} ولما كان الفاعلون مثل أفعالهم في التكذيب لم ~~يستغرقوا الزمان، أدخل الجار فقال تعالى: {من قبلهم وما} أي والحال أنه ما ~~{ظلمهم الله} أي الذي له الكمال كله في تقديره ذلك عليهم، لأنه المالك ~~المطلق التصرف والملك الذي لا يسأل عما يفعل {ولكن كانوا} أي جبلة وطبعا ~~{أنفسهم} أي خاصة {يظلمون *} فاستحقوا العقاب لقيام الحجة عليهم على السنن ~~الذي جرت به عوائدكم فيمن باشر سوء من غير أن يكره عليه إكراها ظاهرا، وهذا ~~بعينه هو العلة في إرسال الرسل، ونصب الشرئع والملل {فأصابهم} أي فتسبب عن ~~ظلمهم لأنفسهم أن أصابهم {سيئات} أي عقوبات أو جزاء سيئات {ما عملوا وحاق} ~~أي أحاط ضابطة {بهم} من العذاب والمرسل به من الملائكة {ما كانوا به} أي ~~خاصة {يستهزؤن *} تكبرا عن قبول الحق. # ومادة حاق واوية ويائية - بتراكيبها الست: حوق، حقو، قحو، قوح، وقح، حيق ~~- تدور على الإحاطة، ويلزمها صلابة المحيط ولين المحاط به: حاق به الشيء - ~~إذا نزل به فأحاط، والحيق: # PageV11P150 # ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله، وحاق فيه السيف: حاك أي عمل - من ~~التسمية باسم الجزء، ولأنه في الأغلب يكون في عمله الموت المحيط بالأجل، ~~وحاق بهم الأمر: لزمهم ووجب عليهم ونزل بهم، والحيقة: شجرة كالشيح يؤكل بها ~~التمر - كأنه يحيط بالتمرة، وحايقه: حسده وأبغضه - لإحاطة ذلك. # والحوق - بالضم: ما أحاط بالكمرة من حروفها، وبالضم والفتح معا: استدارة ~~في ms2535 الذكر، والحوق - بالفتح فقط: الإحاطة، والأحوق والمحوق - كمعظم: الكمرة ~~- كأنها مختصة بذلك لكبرها، ومنه فيشلة حوقاء: عظيمة - كأنها لعظمها هي ~~التي ظهر حرفها دون غيرها، وأرض محوقة - بضم الحاء: قليلة النبت لقلة المطر ~~- كأنه تشبه بالكمرة في ملاستها، وتركت النخلة حوقاء - إذا أشعل في ~~الكرانيف - لاستدارة النار بها أو لشبهها بعد حريق السعف بالذكر أو رأسه، ~~والحوقة بالفتح: الجماعة الممخرقة - لأن الجماعة لها قوة الاستدارة، ~~والممخرق إن كان من الكذب فمن لازمه العوج، وإن كان من المخراق - وهو ~~المنديل الذي يلف للعب به - فاللعب به على هيئة الاستدارة، وحوق # PageV11P151 # عليه تحويقا: عوج عليه الكلام، والحوق - بالفتح أيضا: الكنس والدلك ~~والتمليس لأن كلا منها ترد فيه اليد إلى قريب من مكانها فيشبه الإحاطة ولو ~~بالتعويج. # والحقو: الكشح، وهو ما بين عظم رأس الورك إلى الضلع الخلف لأنه موضع ~~إحاطة الإزار، والإزار نفسه حقو لأنه آلته أو الحقو معقد الإزار، والحقو: ~~موضع غليظ مرتفع عن السيل - من الصلابة والاستدارة لأن السيل يحيط به أو ~~يكاد، ومن السهم: موضع الريش لأنه يشبه الحقو في استدارته وغلظ بعض ودقة ~~بعض، وفي إحاطة الريش به، ومن الثنية: جانباها - من الإحاطة أو مطلق العوج، ~~والحقوة: وجع في البطن من أكل اللحم - للحوق وجعه الحقو. # والأقحوان: نبت يستدير به زهرة، وأقاحي الأمر: تباشيره - لأنها تحيط به ~~غالبا، وقحا المال: أخذه - لما يلزمه من الإحاطة، والمقحاة: المجرفة - ~~لأنها تحيط بالمجروف. # ومن اللين: قاح الجرح يقوح: صارت فيه مدة خالصة لا يخالطها # PageV11P152 # دم كقاح يقيح - واوية ويائية، ولما يلزمه من الاستدارة غالبا، وقوح ~~الجرح: انتبر - إما من الموضع الغليظ المرتفع عن السيل، وإما من استدارته، ~~وقاح البيت: كنسه كقوحه، والقاحة: الساحة - لاستدارتها غالبا، وأقاح: صمم ~~على المنع بعد السؤال - إما من لإزالة - أي أزال اللين - وإما من الصلابة. # ومن الصلابة: الوقاح - للحافر الصلب، وهو من الاستدارة أيضا، ورجل وقاح ~~الوجه: قليل الحياء - منه، والموقح - كمعظم: المجرب، وتوقيح الحوض: إصلاحه ~~بالمدر والصفائح - للاستدارة والصلابة. # ولما تم ما هو عجب من ms2536 مقالهم ومآلهم، في سوء أحوالهم، وختم بتهديدهم، عطف ~~على قوله {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم} موجبا آخر للتهديد، معجبا من حالهم ~~فيه، فقال: {وقال الذين أشركوا} أي الراسخ منهم في هذا الوصف والتابع له، ~~على سبيل الاعتراض على من يدعوهم إلى التوحيد من نبي وغيره، محتجين بالقدر ~~عنادا منهم، ومعترضين على من لا يسأل عما يفعل بأنه - لقدرته على كل شيء - # PageV11P153 # غير محتاج إلى بعث الرسل، فإرسالهم عبث - تعالى الله الحكيم عن قولهم، ~~فهو قول من يطلب العلة في أحكامه تعالى وفي أفعاله، وهو قول باطل، لأنه ~~سبحانه الفعال لما يريد سواء أطلع العباد على حكمته أم لا: {لو شاء الله} ~~أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلما، عدم عبادتنا لغيره {ما عبدنا} ~~. # ولما كانت الرتب كلها متقاصرة عن رتبته وكانت متفاوته، وكان ما يعبدونه ~~من الأصنام في أدناها رتبة، أدخلوا الجار فقالوا: {من دونه} وأعرقوا في ~~النفي فقالوا: {من شيء} أي من الأشياء {نحن ولا ءاباؤنا} من قبلنا! ولما ~~ذكروا الأصل أتبعوه الفرع فقالوا: {ولا حرمنا} أي على أنفسنا {من دونه} أي ~~دون أمره {من شيء} لأن ما يشاء لا يتخلف على زعمكم، لكنه لم يشأ العدم، فقد ~~شاء وجود ما نحن عليه، فنحن نتبع ما شاءه لا نتغير عنه، لأنه لا يشاء إلا ~~ما هو حق، وضل عن الأشقياء - بكلمتهم هذه الحق التي أرادوا بها الباطل - أن ~~مدار السعادة والشقاوة إنما هو موافقة الأمر لا موافقة الإرادة، فما كان من ~~الفعل والكف على وفق الأمر سعد فاعله، وما خالفه قامت به الحجة على فاعله ~~على # PageV11P154 # ما جرت به عوائد الناس فشقي. # فلما انتهك ستر هذه المقالة المموهة، وكان كأنه قيل استبعادا لها: هل ~~قالها غيرهم؟ فقيل: نعم! {كذلك} أي مثل هذا البعيد من السداد، والقول ~~الخارج عن الهداية والرشاد، وهو الاعتراض على ربهم في إرسال الرسل، مانعين ~~لجواز الإرسال بهذه الشبهة الضعيفة، فإنه تعالى يريد إظهار ثمرة الملك ~~بالحكم على ما يتعارفه العباد من إقامة الحجة ms2537 بالأفعال الاختيارية وإن كانت ~~بقضائه، لأن ذلك مستور عن العباد {فعل} أي كذب بدليل الأنعام {الذين} ودل ~~على عدم الاستغراق للزمان بقوله: {من قبلهم} وكان تكذيبا، لأن قولهم اقتضى ~~أن يكون ما هم عليه مما يرضاه الله، والرسل يقولون: لا يرضاه، ولا يرضى إلا ~~ما أخبروا بأن صاحبه مثاب عليه أو غير معاقب، فكان ذلك سببا للإنكار عليهم ~~بقوله: {فهل} أي فما {على الرسل} أي الذين لا رسل في الحقيقة غيرهم، وهم ~~الذين أرسلهم الله لدعاء العباد خلفا عن سلف؛ ولما كان الاستفهام # PageV11P155 # بمعنى النفي - كما تقدم - إلا أنه صور بصورته ليكون كدعوى الشيء بدليلها ~~فقال: {إلا البلاغ المبين *} وقد بلغوكم وأوضحوا لكم، فصار وبال العصيان ~~خاصا بكم. # PageV11P156 # ولما كان جمع الرسل مفهما لتوزيعهم على الأمم، كان موضع توقع التصريح ~~بذلك، فقال - دافعا لكرب هذا الاستشراف، نافيا لطروق احتمال، دالا علا أن ~~هذا القول السابق منصب إنكاره بالذات إلى اعتراضهم على الإرسال، ومسليا ~~لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحاثا لهم على الاعتبار، عطفا على ما ~~تقديره: فلقد بعثناك في أمتك هذه لأن يعبدوا الله وحده ويجتنبوا الطاغوت، ~~فمنهم من هدينا، ومنهم من حقت عليه الضلالة، فكان من غير شك بعضهم مرض لله ~~وبعضهم مغضب له، فإنه لا يكون حكم المتنافيين واحدا أبدا: {ولقد} أي والله ~~لقد {بعثنا} أي على ما لنا من العظمة التي من اعترض عليها أخذ {في كل أمة} ~~من الأمم الذين قبلكم {رسولا} فما بقي في الأرض أحد لم تبلغه الدعوة، ولأجل ~~أن # PageV11P156 # الرسل قد تكون من غير المرسل إليهم كلوط وشعيب عليهما السلام في أصحاب ~~الأيكة وسليمان عليه السلام في غير بني إسرائيل من سائر من وصل إليه حكمه ~~من أهل الأرض لم يقيد ب «منهم» . # ولما كان البعث متضمنا معنى القول، كان المعنى: فذهبوا إليهم قائلين: {أن ~~اعبدوا الله} أي الملك الأعلى وحده {واجتنبوا} أي بكل جهدكم {الطاغوت} كما ~~أمركم رسولنا {فمنهم} أي فتسبب عن إرسال الرسل أن كانت الأمم قسمين: منهم ~~{من ms2538 هدى الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة، للحق فحقت له الهداية فأبصر ~~الحق وعمل به باتباع الدعاة الهداة فيما أمروا به عن الله، فحقت له الجنة ~~{ومنهم من حقت} أي ثبتت غاية الثبات {عليه الضلالة} بأن أضله الله فنابذ ~~الأمر فلم يعمل به وعمل بمقتضى الإرادة، فإن الأمر قد لا يكون ما تعلق به، ~~والإرادة لا بد أن يكون ما تعلقت به، وقد يكون موافقها عاملا بالضلالة فحق ~~عليه عذابها فحقت له النار فهلك، لأنه لم تبق له حجة يدفع بها عن نفسه، فلو ~~كان كل ما شاءه # PageV11P157 # حقا كان الفريقان محقين فلم يعذب أحدهما، لكنه لم يكن الأمر كذلك، بل عذب ~~العاصي ونجى الطائع في كل أمة على حسب ما قال الرسل، وهذا هو معنى رضي ~~الله، إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم، فدل ذلك قطعا على صدق الرسل وكذب ~~مخالفيهم، فالآية من الاحتباك: ذكر فعل الهداية أولا دليلا على فعل الضلال ~~ثانيا، وحقوق الضلالة ثانيا دليلا على حقوق الهداية أولا. # ثم التفت إلى مخاطبتهم إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في ~~نظر البصيرة إلا الدليل المحسوس للبصر فقال: {فسيروا} أي فإن كنتم أيها ~~المخاطبون في شك من إخبار الرسل فسيروا {في الأرض} أي جنسها {فانظروا} أي ~~إذا سرتم ومررتم بديار المكذبين وآثارهم، وعبر هنا بالفاء المشيرة إلى ~~التعقب دون تراخ لأن المقام للاستدلال المنقذ من الضلال الذي تجب المبادرة ~~إلى الإقلاع عنه بخلاف {ثم انظروا} في الأنعام لما تقدم، وأشار بالاستفهام ~~إلى أن أحوالهم مما يجب أن يسأل عنه للاتعاظ به فقال: {كيف كان} أي كونا لا ~~قدرة على الخلاص منه {عاقبة} أي # PageV11P158 # آخر أمر {المكذبين *} أي من عاد ومن بعدهم الذين تلقيتم أخبارهم عمن ~~قلدتموهم في الكفر من أسلافكم، فإنهم كذبوا الرسل فيما أمرتهم بإبلاغه ~~مخالفة لأمري وعملا بمشيئتي، فأوقعت بهم لأنهم خالفوا أمري باختيارهم مع ~~جهلهم بإرادتي، فقامت عليهم الحجة على ما يتعارفه الناس بينهم. # ولما كان المحقق أنه ليس بعد الإيصال في الاستدلال ms2539 إلى الأمر المحسوس إلا ~~العناد، أعرض عنهم ملتفتا إلى الرؤوف بهم الشفيق عليهم، فقال مسليا له صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم: {إن تحرص على هداهم} فتطلبه بغاية جدك واجتهادك ~~{فإن الله} أي الملك الأعظم {لا يهدي} أي هو بخلق الهداية في القلب - هذا ~~على قراءة الكوفيين بفتح الياء وكسر الدال، ومن هاد ما بوجه من الوجوه على ~~قراءة الجمهور بالبناء للمفعول {من يضل} أي من يحكم بضلاله، وهو الذي أضلهم ~~فلا يمكن غيره أن يهديهم لأنه لا غالب لأمره؛ وقرىء شاذا بفتح الياء من ضل ~~بمعنى نسي، أي فلا تمكن هداية من نسيه، أي # PageV11P159 # تركه من الهداية ترك المنسي فإنه ليس في يد غيره شيء، ونقل الصغاني في ~~مجمع البحرين أنه يقال: ضل فلان البعير أي أضله، والضلال عند العرب سلوك ~~غير سبيل القصد، فالمعنى أنه كان سببا لسلوك البعير غير المقصود، فمعنى ~~الآية: لا تهدي من يضله الله - بفتح الياء، أي يكون سببا لسلوكه غير سبيل ~~القصد، فلا تحزن ولا يضيق صدرك من عدم تأثرهم بنصحك وإخلاصك في الدعاء، ولا ~~يقع في فكرك أن في دعائك نقصا، إنما النقص في مرائيهم العمياء، وليس عليك ~~إلا البلاغ. وقوله تعالى -: {وما لهم} أي هؤلاء الذين أضلهم الله وجميع من ~~يضله {من ناصرين *} أي ينصرونهم عند مجازاتهم على الضلال، لينقذوهم مما ~~لحقهم عليه من الوبال، كما فعل بالمكذبين من قبلهم - عطف على نتيجة ما ~~قبله، وهو فلا هادي لهم ما أراد الله ضلالهم، وتبكيت لهم وتقريع وحث وتهييج ~~على أن يقوموا بأنفسهم ويستعينوا بمن شاؤوا على نصب دليل ما يدعونه من أنهم ~~أتبع الناس للحق، إما بأن يبرهنوا على صحة معتقدهم أو يعينوهم على الرجوع ~~عنه عند العجز عن ذلك، أو يكفوا عنهم العذاب إذا حاق بهم. # PageV11P160 # ولما كان من حقهم - بعد قيام الأدلة على كمال قدرته وشمول علمه وبلوغ ~~حكمته في إبداع جميع المخلوقات مما نعلم وما لا نعلم على أبدع ترتيب وأحسن ~~نظام - تصديق الهداة في إعلامهم بأنه سبحانه ms2540 يعيدهم للبعث وأنهم لم يفعلوا ~~ولا طرقوا لذلك احتمالا، بل حلفوا على نفيه من غير شبهة عرضت لهم ولا إخبار ~~عن علم وصل إليهم فعل الجلف الجافي الغبي العاسي، أتبع ذلك سبحانه تعجيبا ~~آخر من حالهم، فقال - عاطفا على {وقال الذين أشركوا} لأن كلا من الجملتين ~~لبيان تكذيبهم الرسل والتعجيب منهم في ذلك، دالا على ان اعتقادهم مضمون هذه ~~الجملة هو الذي جرأهم على قول الأولى وما تفرع منها -: {وأقسموا بالله} أي ~~الملك الأعظم {جهد أيمانهم} جعلت الأيمان جاهدة لكثرة ما بالغوا فيها: {لا ~~يبعث الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {من يموت} أي يحيي أحدا بعد موته، ~~استنادا منهم إلى مجرد استبعاد مالم تجر به نفسه عندهم عادة، جمودا منهم عن ~~حلها بأن النشأة الأولى كانت من غير عادة، مع ادعائهم أنهم أعقل الناس ~~وأحدهم أذهانا وأثقبهم أفهاما. # ثم رد عليهم بقوله تعالى: {بلى} أي ليبعثهم لأنه لا مانع له # PageV11P161 # من ذلك وقد وعد به {وعدا} وبين أنه لا بد منه بقوله: {عليه} وزاده تأكيدا ~~في مقابلة اجتهادهم في أيمانهم بقوله: {حقا} أي لأنه قادر عليه وهو لا يبدل ~~القول لديه، فصار واجبا في الحكمة كونه، وأمر البعث معلوم عند كل عاقل سمع ~~أقوال الهداة تاركا لهواه {ولكن أكثر الناس} أي بما لهم من الاضطراب {لا ~~يعلمون *} أي لا علم لهم يوصلهم إلى ذلك لأنه من عالم الغيب لا يمكن عقولهم ~~الوصول إليه بغير إرشاد من الله، ولا هم يقبلون أقوال الدعاة إليه الذين ~~أيدهم بروح منه لتقيدهم بما توصلهم إليه عقولهم، وهي مقصورة على عالم ~~الشهادة لا يمكنها الترقي منه إلى عالم الغيب بغير وساطة منه سبحانه تعالى، ~~فلذلك ترى الإنسان منهم يأبى ذلك استعبادا لأن يكون شيء معقول لا يصل إليه ~~بمجرد عقله وهو خصيم مبين. # PageV11P162 # ولما بين أنه لا بد من ذلك لسبق الوعد به من القادر، بين حكمته بأمر مبين ~~أنه لا يسوغ تركه بوجه، وهو أنه لا يجوز في عقل عاقل أن أحدا ms2541 ملكا فما دونه ~~يأمر عبيده بشيء ثم يهملهم فلا يسألهم ولا سيما إن اختلفوا ولا سيما إن أدى ~~اختلافهم إلى المقاطعة والمقاتلة # PageV11P162 # فكيف إن كان حاكما فكيف إذا كان حكيما فكيف وهو أحكم الحاكمين! فقال ~~معلقا بما دل عليه {بلى} : {ليبين} أي فعله ووعد به فهو يبعثهم ليبين {لهم} ~~أي للناس {الذي يختلفون} أي يوجد اختلافهم {فيه} من البعث وغيره، ويجزي كلا ~~بما عمل لأن ذلك من العدل الذي هو فعله {وليعلم الذين كفروا} أي جهلوا ~~الآيات الدالة عليه، فكأنهم ستروها لأنها لظهورها لا تجهل {أنهم كانوا} أي ~~جبلة وطبعا {كاذبين *} أي عريقين في الكذب في إنكارهم للمعاد وزعمهم أنهم ~~المختصون بالمفاز علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. # ولما بين تحتمه وحكمته، بين إمكانه ويسره عليه وخفته لديه، فقال تعالى: ~~{إنما قولنا} أي بما من العظمة {لشيء} إبداء وإعادة {إذا أردناه} أي أردنا ~~كونه {أن نقول له} ثم ذكر محكى القول النفسي فقال - بانيا من «كان» التامة ~~ما دل على موافقة الأشياء المرادة موافقة المأمور للآمر المطاع -: {كن} أي ~~أحدث {فيكون *} أي فيتسبب عن ذلك القول أنه يكون حين تعلق القدرة به من غير ~~مهلة أصلا، فنحن خلقنا الخلق لنأمرهم وننهاهم. # ولما كان التقدير تفصيلا لفريقي المبين لهم وترغيبا في الهجرة لأنها بعد ~~الإيمان أوثق عرى الإسلام: فالذين كفروا # PageV11P163 # واغتروا بما شاهدوه من العرض الفاني لنخزينهم في الدنيا والآخرة ~~ولنجازينهم بجميع ما كانوا يعملون، عطف عليه قوله تعالى: {والذين هاجروا} ~~أي أوقعوا المهاجرة فرارا بدينهم فهجروا آباءهم وأبناءهم وأقاربهم من ~~الكفار وديارهم وجميع ما نهوا عنه {في الله} أي الملك الأعلى الذي له صفات ~~الكمال، بعدما «تمادى» المكذبون بالبعث على إيذائهم، فتركوا لهم بلادهم. # ولما كانت هجرتهم لم تستغرق زمان البعد لموت بعض من هجروه وإسلام آخرين ~~بعد احتمالهم لظلمهم ما شاء الله، قال تعالى: {من بعد ما ظلموا} أي وقع ~~ظلمهم من الكفار، بناه للمفعول لأن المحذور وقوع الظلم لا كونه من معين ~~{لنبوئنهم} أي نوجد لهم منزلا هو ms2542 أهل لأن يرجع إليه، بما لنا من الملائكة ~~وغيرهم من الجنود وجميع العظمة {في الدنيا} مباءة {حسنة} كبيرة عظيمة، جزاء ~~لهم على هدمتنا، بأن نعلي أمرهم وإن كره المشركون، كما يراه من يتدبر بمعني ~~لأوليائي على قلتهم، وسينكشف الأمر عما قريب انكشافا # PageV11P164 # لا يجهله أحد، فالآية دليل على ما قبلها. # ولما كان التقدير: ولنبوئنهم في الآخرة أجرا كبيرا، عطف عليه قوله تعالى: ~~{ولأجر الآخرة} المعد لهم {أكبر} مما جعلته لهم في الدنيا {لو كانوا يعلمون ~~*} أي لو كان الكفار لهم بجبلاتهم علم بأن يكون لهم عقل يتدبرون به لعلموا ~~- بإحساني إلى أوليائي في الدنيا من منعي لهم منهم في عنادهم مع كثرتهم ~~وقلتهم، وإسباغي لنعمي عليهم لا سيما في الأماكن التي هاجروا إليها من ~~الحبشة والمدينة وغيرهما مع اجتهادهم في منعها عنهم - أني أجمع لأوليائي ~~الدارين، وأن إحساني إليهم في الآخرة أعظم - روي أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ~~ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أكثر وأفضل - ثم تلا هذه ~~الآية. # PageV11P165 # ولما نبه على إحسانه إليهم، وكان فيه من أول الأمر نوع غموض لظهور الكفرة ~~في بادي الرأي، وصفهم بما يحتاج إليه في الاستجلاب لتمامه حثا وإلهابا، ~~فقال تعالى - واصفا للمهاجرين بيانا لأصل ما حملهم # PageV11P165 # على ما استحقوا به هذا لأجر الجزيل -: {الذين صبروا} أي استعملوا الصبر ~~على ما نابهم من المكاره من الكفار وغيرهم في الإقامة بين أظهرهم مدة ثم في ~~الهجرة بمفارقة الوطن الذي هو حرم الله المشرب حبه لكل قلب، فكيف بقلوب من ~~هو مسقط رؤوسهم ومألف أبدانهم ونفوسهم، وفي بذل الأرواح في الجهاد وغير ~~ذلك، ولفت الكلام إلى وصف والإحسان تنبيها على ما يحمل على التوكل فقال ~~تعالى: {وعلى ربهم} أي المحسن إليهم بإيجادهم وهدايتهم وحده {يتوكلون *} في ~~كل حالة يريدونها رضى بقضاء الله تعالى. # ولما أخبر تعالى أنه بعث الرسل، وكان عاقبة من كذبهم الهلاك، بدلالة ms2543 ~~آثارهم، وكانوا قد قدحوا في الرسالة بكون الرسول بشرا ثم بكونه ليس معه ملك ~~يؤيده، رد ذلك بقوله - مخاطبا لأشرف خلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~لكونه أفهمهم عنه مع أنه أجل من توكل وصبر، عائدا إلى مظهر الجلال بيانا ~~لأنه يظهر من يشاء على من يشاء -: {وما أرسلنا} أي بما لنا من العظمة. # ولما كان الإرسال بالفعل إنما كان في بعض الأزمنة، دل عليه # PageV11P166 # بالجار فقال: {من قبلك} إلى الأمم من طوائف البشر {إلا رجالا} لا ملائكة ~~بل آدميين، هم في غاية الاقتدار على التوكل والصبر الذي هو محط الرجلة ~~{نوحي إليهم} بواسطة الملائكة، وما أحسن تعقيب ذلك للصابرين، لأن الرسل ~~أصبر الناس. # ولما كانوا قد فزعوا إلى سؤال أهل الكتاب في بعض الأمور، وكانوا قد أتوا ~~علما من عند الله، سبب عن هذا الإخبار الأمر بسؤالهم عن ذلك، فقال مخاطبا ~~لهم ولكل من أراد الاستثبات من غيرهم: {فسئلوا} أي أيها المكذبون ومن أراد ~~من سواهم {أهل الذكر} أي العلم بالكتاب، سمي ذكرا لأن الذكر - الذي هو ضد ~~السهو - بمنزلة السبب المؤدي إليه فأطلق عليه، كأن الجاهل ساه وإن لم يكن ~~ساهيا، وكذا الذكر - الذي هو الكلام المذكور - سبب للعلم. # ولما كان عندهم حس من ذلك بسماع أخبار الأمم قبلهم، أشار إليه بقوله ~~تعالى: {إن كنتم} أي جبلة وطبعا {لا تعلمون*} أو هو التنفير من الرضى ~~بالجهل. # ولما كانت رسل الملوك تقترن بما يعرف بصدقهم، قال - جوابا لمن كأنه قال: ~~بأي دلالة أرسلوا؟ -: {بالبينات} المعرفة بصدقهم # PageV11P167 # {والزبر} أي الكتب الهادية إلى أوامر مرسلهم. # ولما كان القرآن أعظم الأدلة، أشار إلى ذلك بذكره مدلولا على غيره من ~~المعجزات بواو العطف، فقال - عاطفا على ما تقديره: وكذلك أرسلناك بالمعجزات ~~الباهرات -: {وأنزلنا} أي بما لنا من العظمة {إليك} أي وأنت أشرف الخلق ~~{الذكر} أي الكتاب الموجب للذكر، المعلي للقدر، الموصل إلى منازل الشرف ~~{لتبين للناس} كافة بما أعطاك الله من الفهم الذي فقت فيه جميع الخلق، ~~واللسان الذي هو أعظم الألسنة ms2544 وأفصحها وقد أوصلك الله فيه إلى رتبة لم يصل ~~إليها أحد {ما نزل} أي وقع تنزيله {إليهم} من هذا الشرع الحادي إلى سعادة ~~الدارين بتبيين المجمل، وشرح ما أشكل، من علم أصول الدين الذي رأسه ~~التوحيد، ومن البعث وغيره، وهو شامل لبيان الكتب القديمة لأهلها ليدلهم على ~~ما نسخ، وعلى ما بدلوه فمسخ. # ولما كان التقدير: لعلهم بحسن بيانك يعملون! عطف عليه بيانا # PageV11P168 # لشرف العلم قوله تعالى: {ولعلهم يتفكرون *} إذا نظروا أساليبه الفائقة، ~~ومعانيه العالية الرائقة، فيصلوا بالفكر فيه - بسبب ما فتحت لهم من أبواب ~~البيان - إلى حالات الملائكة، بأن تغلب أرواحهم على أشباحهم فيعلموا أنه ~~تعالى واحد قادر فاعل بالاختيار، وأنه يقيم الناس للجزاء فيطيعونه رغبة ~~ورهبة، فيجمعون بين شرفي الطاعة الداعية إليها الأرواح، والانكفاف عن ~~المعصية الداعية إليها النفوس بواسطة الأشباح. # PageV11P169 # ولما نبه سبحانه على التفكر، وكان داعيا للعاقل إلى تجويز الممكن والبعد ~~من الخطر، سبب عنه إنكار الأمن من ذلك فقال تعالى: {أفأمن} أي أتفكروا ~~فتابوا، أو استمروا على عتوهم؟ أفأمن {الذين مكروا} بالاحتيال في قتل ~~الأنبياء وإطفاء نور الله الذي أرسلهم به، المكرات {السيئات أن} يجازوا من ~~جنس عملهم بأن {يخسف الله} أي المحيط بكل شيء {بهم} أي خاصة {الأرض} فإذا ~~هم في بطنها، لا يقدرون على نوع تقلب بمدافعة ولا غيرها، كما فعل بقارون ~~وأصحابه وبقوم لوط عليه السلام من قبلهم {أو يأتيهم العذاب} على غير تلك ~~الحال {من حيث لا يشعرون *} به في حالة من هاتين الحالتين شعورا ما، هم في ~~حال سكون ودعة بنوم أو غفلة {أو يأخذهم} # PageV11P169 # أي الله بعذابه {في} حال {تقلبهم} وتصرفهم ومشاعرهم حاضرة وقواهم ~~مستجمعة. # ولما كانت هذه الأحوال الثلاثة مفروضة في حال أمنهم من العذاب وكان الأمن ~~من العدو يكون عن ظن عدم قدرته عليه، علل ذلك بقوله تعالى: {فما هم بمعجزين ~~*} أي في حالة من هذه الأحوال، سواء علينا غفلتهم ويقظتهم، ولم يعلل ما ~~بعده بذلك لأن المتخوف مجوز للعجز، فقال تعالى: {أو يأخذهم} أي الله أخذ ms2545 ~~غضب {على تخوف} منهم من العذاب وتحفظ من أن يقع بهم ما وقع بمن قبلهم من ~~عذاب الاستئصال، ويجوز أن يراد بما مضى عذاب الاستئصال، وبهذا الأخذ شيئا ~~فشيئا، فإن التخوف التنقص عند هذيل، روي أن عمر رضي الله عنه سأل الناس ~~عنها فسكتوا فأجابه شيخ من هذيل بأنه التنقص، فقال عمر رضي الله عنه: هل ~~تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم! قال شاعرنا # PageV11P170 # أبو كثير الهذلي يصف ناقة: # تخوف الرحل منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن # فقال عمر رضي الله عنه: أيها الناس! عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ~~ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. # ولما كان التقدير: لم يأمنوا ذلك في نفس الأمر، ولكن جهلهم بالله - لطول ~~أناته وحلمه - غرهم سبب عنه قوله التفاتا إلى الخطاب استعطافا: {فإن ربكم} ~~أي المحسن إليكم بإهلاك من يريد وإبقاء من يريد {لرءوف} أي بليغ الرحمة لمن ~~يتوسل إليه بنوع وسيلة، وكذا لمن قاطعه أتم مقاطعة، وإليه أشار بقوله ~~تعالى: # PageV11P171 # {رحيم *} أي فتسبب عن إمهاله لهم في كفرهم وطغيانهم مع القدرة عليهم ~~العلم بأن تركه لمعاجلتهم ما هو إلا لرأفته ورحمته. # ولما خوفهم، دل على تمام قدرته على ذلك وغيره بقوله: عاطفا على ما ~~تقديره: أو لم يروا إلى عجزهم عما يريدون وقسره لهم على ما لا يريدون، ~~فيعلموا بذلك قدرته وعجزهم، فيعلموا أن عفوه عن جرائمهم إحسان منه إليهم ~~ولطف بهم: {أولم} ولما كان حقهم المبادرة بالتوبة فلم يفعلوا، أعرض عنهم في ~~قراءة الجماعة تخويفا فقال تعالى: {يروا} بالياء التحتية، وقرأ حمزة ~~والكسائي بالخطاب على نسق ما قبله، أي ينظروا بعيون الأبصار متفكرين ~~بالبصائر، وبين بعدهم عن المعارف الإلهية بحرف الغاية فقال تعالى: {إلى ما ~~خلق الله} أي الذي له جميع الأمر {من شيء} أي له ظل {يتفيؤا} أي تترجع إلى ~~جهة الشاخص {ظلاله} وهو ما ستره الشاخص عن الشمس متجاوزة له {عن اليمين} ~~وهي ما على يمين المستدير للشمال، المستقبل للجنوب، الذي هو ms2546 ناحية الكعبة ~~لمن في بلاد الشام التي هي مسكن الأنبياء عليهم السلام، وأفراد لأن # PageV11P172 # الظل يكون أول ما تشرق الشمس مستقيما إلى تلك الجهة على استواء، وجمع في ~~قوله: {والشمائل} لأن الشمس كلما ارتفعت تحول ذلك الظل راجعا إلى جهة ما ~~وراء الشاخص، ولا يزال كذلك إلى أن ينتصب عند الغروب إلى جهة يساره قصدا ~~على ضد ما كان انتصب إليه عند الشروق، فلما كان بعد انتصابه إلى جهة اليمين ~~طالبا في تفيئه جهة اليسار، سميت تلك الجهات التي تفيأ فيها باسم ما هو ~~طالبه تنبيها على ذلك، وفيه إشارة إلى قلة الجيد المستقيم وكثرة المنحرف ~~الرديء. # ولما كانت كثرة الخاضعين أدل على القهر وأهيب، جمع بالنظر إلى معنى «ما» ~~في قوله: {سجدا} أي حال كونهم خضعا {لله} أي الملك الأعلى بما فيهم من ~~الحاجة إلى مدبرهم. # ولما كان امتداد الظل قسريا لا يمكن أحدا الانفصال عنه، قال جامعا بالواو ~~والنون تغليبا: {وهم داخرون *} ذلا وصغارا، لا يمتنع شيء منهم على تصريفه، ~~وخص الظل بالذكر لسرعة تغيره، والتغير دال على المغير. # ولما حكم على الظلال بما عم أصحابها من جماد وحيوان، وكان الحيوان # PageV11P173 # أشرف من الجماد، رقي الحكم إليه بخصوصه فقال تعالى: {ولله} أي الذي له ~~الأمر كله {يسجد} أي يخضع بالانقياد للمقادير والجري تحت الأقضية، وعبر بما ~~هو ظاهر في غير العقلاء مع شموله لهم فقال تعالى: {ما في السماوات} ولما ~~كان المقام للمبالغة في إثبات الحكم على الطائع والعاصي، أعاد الموصول فقال ~~تعالى: {وما في الأرض} ثم بين ذلك بقوله تعالى: {من دآبة} أي عاقلة وغير ~~عاقلة. # ولما كان المقرب قد يستهين بمن يقربه، قال مبينا لخضوع المقربين تخصيصا ~~لهم وإن كان الكلام قد شملهم: {والملائكة} . # ولما كان الخاضع قد يحكم بخضوعه وإن كان باطنه مخالفا لظاهره، قال - دالا ~~على أن في غيرهم من يستكبر فيكون انقياده للإرادة كرها، وعبر عن السجودين: ~~الموافق للأمر والإدارة طوعا، والموافق للارداة المخالف للأمر كرها، بلفظ ~~واحد، لأنه يجوز الجمع بين مفهومي ms2547 المشترك والحقيقة والمجاز بلفظ: {وهم} أي ~~الملائكة {لا يستكبرون *} ثم علل خضوعهم بقوله دلالة على أنهم كغيرهم في ~~الوقوف بين الخوف والرجاء: {يخافون ربهم} أي الموجد لهم، المدبر لأمورهم، ~~المحسن إليهم، خوفا مبتدئا {من فوقهم} إشارة إلى علو الخوف عليهم وغلبته ~~لهم، أو حال كون ربهم مع إحسانه إليهم له العلو والجبروت، فهو المخوف ~~المرهوب، # PageV11P174 # فهم عما نهوا عنه ينتهون {ويفعلون} أي بداعية عظيمة علما منهم بما عليهم ~~لربهم من الحق مع عدم منازع من حظ أو شهوة أو غير ذلك، ودل على أنهم مكلفون ~~بقوله تعالى: {ما يؤمرون *} فهم لرحمته لهم يرجون؛ فالآية من الاحتباك: ذكر ~~الخوف أولا دال على الرجاء ثانيا، وذكر الفعل ثانيا دال على الانتهاء أولا. # PageV11P175 # ولما كان التوحيد أعظم المأمورات، وكان العصيان فيه أعظم العصيان، وكان ~~سبحانه قد أكثر التخويف من عصيانه، أبلغ الأمر إلى نهايته بالإخبار بأن ~~الملائكة تخافه، وكان الملائكة من أعظم الموحدين، كما كانوا من أعظم ~~الساجدين، من أهل السماوات والأرضين، وكانت هذه الآيات من أعظم أدلة ~~التوحيد، أتبعها - عطفا على {وأنزل إليك الذكر} ليتظافر على ذلك أدلة العقل ~~والنقل وتسليكا بأحوال الملائكة - قوله تعالى: {وقال الله} فعبر لأجل تعظيم ~~المقام بالاسم الأعظم الخاص الذي بنيت عليه السورة: {لا تتخذوا} أي لا ~~تكلفوا فطركم الأولى السليمة المجبولة على معرفة أن الإله واحد إلى أن تأخذ ~~في اعتقادها {إلهين} ويجوز أن يكون معطوفا على ما علم من المقدمات المذكورة ~~أول السورة إلى قوله: {وما يشعرون أيان يبعثون} من النتيجة وهي {إلهكم إله ~~واحد} لاحتمال أن يقول متعنت: إنه لم يأمرنا # PageV11P175 # بذلك وإن دلت عليه الأدلة، ويجوز وهو أقرب - أن يعطف على قوله: {وقال ~~الذين أشركوا} تبكيتا لهم بأنهم احتجوا بحكمه، ولم يبادروا إلى امتثال ~~أمره. # ولم كان قد فهم المراد من التثنية، وكان ربما قال المتعنت: إن المنهي عنه ~~تكثير الأسماء، قال مؤكدا ومحققا: {اثنين} تنبيها على أن الألوهية لأنه ~~موضع لإمكان التنازع الملزوم للعجز المنافي لتلك الرتبة مطلق العدد ينافي ~~المنيفة الشماء، ms2548 وفي ذلك أيضا - مع كون معبوداتهم كانت كثيرة - إشارة إلى ~~أن ما يسمى آلهة - وإن زاد عدده - يرجع بالحقيقة إلى اثنين: خالق ومخلوق، ~~ومن المعلوم لكل ذي لب أن المخلوق غير صالح للألوهية، فانحصر الأمر في ~~الخالق، وإن لم يكن فيه الخالق كان منقسما لا محالة، وأقل ما ينقسم إلى ~~اثنين: وباب الاتخاذ إذا كان مفعوله نكرة، اكتفى بواحد كما تقول: اتخذت ~~بيتا، واتخذت زوجة - ونحو ذلك، ثم علل ذلك النهي بما اقتضاه السياق من ~~الوحدانية فقال تعالى: {إنما هو} أي الإله المفهوم من لفظ {إلهين} الذي لا ~~يستحق غيره أن يطلق عليه هذا الضمير إلا مجازا، لأنه لا يطلق إطلاقا حقيقيا ~~إلا على ما وجدوه من ذاته {إله} أي يستحق هذا الوصف على الإطلاق. # PageV11P176 # ولما كان السياق مفهما للوحدانية من النهي عن التثنية، وكان ربما تعنت ~~متعنت بأن المراد إثبات الإله الدال على الجنس، قال رافعا لكل شبهة: {واحد} ~~أي لا يمكن أن يثني بوجه ولا أن يجزأ لغناء المطلق عن كل شيء واحتياج كل ~~شيء إليه، فكونوا ممن يسجد له طوعا ولا تكونوا ممن لا يسجد له إلا كرها. # ولما كان أسلوب الغيبة لا يعين الإله في المتكلم، التفت إلى أسلوب التلكم ~~فقال تعالى: {فإياي} أي ذلك الواحد أنا وحدي لا شريك لي، فمن لم يوحدني ~~أوقعت به بقوتي ما لا يطيقه لعجزه. # ولما كانت الوحدانية مما لا يخفى على عاقل، وكانت مركوزة في كل فطرة ~~بدليل الاضطراب عند المحن، والشدائد والفتن، وكانت الرهبة - كما مضى عن ~~الحرالي في البقرة - خاصة بالخوف مما خالف العاصي فيه العلم، عبر بها فقال ~~تعالى: {فارهبون *} مختصا بذلك ولا تخافوا شيئا غيري من صنم ولا غيره، فإنه ~~ليس لشيء من ذلك قدرة، وإن أودعته فإنه لا يتمكن من إنفاذها، فالأمر كله ~~إلي وحدي. # PageV11P177 # ولما كان أسلوب الغيبة من الحاضر دالا على التردي بحجاب الكبر المؤذن ~~بشدة البطش وسرعة الانتقام وبعد المقام، رجع إليه فقال تعالى: {وله} فأعاد ~~الضمير على الله الاسم العلم ms2549 الجامع لجميع الأسماء الحسنى {ما في السماوات} ~~. # ولما كان الأمر قد تأكد وتأطد، وظهر المراد منه غاية الظهور، لم يحتج إلى ~~تأكيده بإعاداة النافي، فقال تعالى: {والأرض} أي مما تعبدونه وغيره، فكيف ~~يتصور أن يكون شيء من ذلك إلها وهو ملكه، مع كونه محتاجا إلى الزمان ~~والمكان وغيرهما {وله الدين} أي الخضوع والتذلل من كل ما فيهما ومن فيهما ~~بالطوع والكره، بإنفاذ القضاء والقدر، بالصحة والسقم، والغنى والفقر، ~~والحياة والموت، والإيجاد والإعدام، والإذلال والإعزاز، والإقبال والإعراض ~~- كما بين آنفا، وله الدينونة بالمجازاة {واصبا} أي دائما ثابتا عاما لا ~~كالملوك الذين تنقطع ممالكهم مع خصوصها، والمعبودات التي تنقطع عبادتها في ~~وقت من الأوقات # PageV11P178 # فتصير كاسدة بعد أن كانت رابحة وإن طال المدى، مع خصوصها بناس دون غيرهم، ~~ولا يخلو يوم من الأيام لملك غيره من جري أمور على غير مراده وإن عظم ~~سلطانه، وعلا شأنه، وكثرت أعوانه، فكيف يتصور من له أدنى بصر أن يكون غيره ~~إلها، وقد تقدم في {إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] في هود ما ينفع ~~استحضاره هنا. # ولما تقرر هذا الدليل على هذه الصفة، وكان من مفهومات الدين الجزاء ~~الناظر إلى الأفعال الواقية مما يضر، تسبب عنه الإنكار الشديد على من يلتفت ~~بشيء من أفعاله إلى غيره بعد علمه بأنه دائم لا يزول، وأن كل ما سواه زائل، ~~فقال معبرا بالتقوى التي هي نتيجة الرهبة: {أفغير الله} أي الذي له العظمة ~~كلها {تتقون *} وأتبع ذلك ما يوجب تعظيم الإنكار عليهم، فقال مبينا أنه لا ~~ينبغي أن يتعلق خوف ولا رجاء إلا به: {وما بكم} أي التبس بكم أيها الناس ~~عامة مؤمنكم وكافركم {من نعمة} أي جليلة أو حقيرة {فمن الله} أي المحيط بكل ~~شيء وحده لا من غيره. # ولما كان إخلاصهم له - مع ادعائهم ألوهية غيره - أمرا مستبعدا، عبر بأداة ~~التراخي والبعد في قوله تعالى: {ثم إذا مسكم} أي أدنى مس # PageV11P179 # {الضر} بزوال نعمة مما أنعم به عليكم {فإليه} أي وحده {تجأرون *} أي ~~تعرفون أصواتكم بالاستعانة ms2550 لما ركز في فطركم الأولية السليمة من أنه لا ~~ملجأ ولا منجى منه إلا إليه. # PageV11P180 # ولما كان الرجوع إلى الإشراك بعد الإخلاص مستبعدا أيضا لاستهجانهم سرعة ~~الاستحالة، قال تعالى: {ثم إذا كشف} سبحانه عما تشركون {الضر} أي الذي مسكم ~~{عنكم} ونبه على مسارعة الإنسان في الكفران فقال تعالى: {إذا فريق} أي ~~جماعة هم أهل فرقة وضلال {منكم} أيها العباد! {بربهم} الذي تفرد بالإنعام ~~عليهم {يشركون *} أي يوقعون الإشراك به بعبادة غيره تغيرا منهم عما كانوا ~~عليه عند الاستغاثة به في الشدة، فكان منطبقا عليهم ما ضربوا المثل بكراهته ~~بقولهم: # وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب # وهذا أجهل الجهل. # ولما كان هذا ملزوما بجحد النعمة، وكان من شأن العاقل البصير # PageV11P180 # بالأمور - كما يدعونه لأنفسهم - أن يغفل عن شيء من لوازم ما يقدم عليه، ~~قال: {ليكفروا} أي يوقعوا التغطية لأدلة التوحيد التي دلتهم عليها غرائز ~~عقولهم {بما ءاتينهم} أي من النعمة، تنبيها على أنهم ما أقدموا على ذلك ~~الشرك إلا لهذا الغرض إحلالا لهم محل العقلاء البصراء الذين يزعمون أنهم ~~أعلاهم، ورفعا لهم عن أحوال من يقدم على ما لا يعلم عاقبته، ولا خزي أعظم ~~من هذا، لأنه أنتج أن الجنون خير من عقل يكون هذا مآله، فهو من باب التهكم ~~{فتمتعوا} أي فتسبب عن هذا أن يقبل على هذا الفريق إقبال عالم قادر عليه ~~قائلا: تمتعوا {فسوف} أي فإن تمتعكم على هذا الحال سبب لأن يقال لكم ~~تهديدا: سوف {تعلمون *} غب تمتعكم، فهو إقبال الغضب والتهديد بسوء المنقلب، ~~وحذف المتهدد به أبلغ وأهول لذهاب النفس في تعيينه كل مذهب. # ولما هددهم بإشراكهم المستلزم لكفر النعمة، أتبعه عجبا آخر من أمرهم فقال ~~عاطفا على قوله تعالى {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} : # PageV11P181 # {ويجعلون} أي على سبيل التكرير {لما لا يعلمون} مما يعبدونه من الأصنام ~~وغيرها لكونه في حيز العدم في نفسه وعدما محضا بما وصفوه به كما قال تعالى ~~{أم تنبئونه بما لا يعلم} [الرعد: 33] {نصيبا مما رزقناهم} بما لنا ms2551 من ~~العظمة، من الحرث والأنعام وغير ذلك، تقربا إليها كما مضى شرحه في الأنعام، ~~ولك أن تعطفه - وهو أقرب - على {يشركون} فيكون داخلا في حيز «إذا» أي ~~فاجأوا مقابلة نعمته في الإنجاء بالإشراك والتقرب برزقه إلى ما الجهل به ~~خير من العلم به، لأنه عدم لأنه لا قدرة له ولا نفع في المقام الذي أقاموه ~~فيه؛ ثم التفت إليهم التفاتا مؤذنا بما يستحق على هذا الفعل من الغضب فقال ~~تعالى: {تالله} أي الملك الأعظم {لتسئلن} يوم الجمع {عما كنتم} أي كونا هو ~~في جبلاتكم {تفترون *} أي تتعمدون في الدنيا من هذا الكذب، سؤال توبيخ، وهو ~~الذي لا جواب لصاحبه إلا بما فيه فضيحته. # ولما بين سفههم في صرفهم مما آتاهم إلى ما هو في عداد العدم الذي لا ~~يعلم، بين لهم سفها هو أعظم من ذلك بجعلهم لمالك الملك وملكه أحقر ما ~~يعدونه مما أوجده لهم، لافتقارهم إليه وغناه عنه على وجه # PageV11P182 # التوالد المستحيل عليه مع كراهته لأنفسهم، فصار ذلك أعجب العجب، فقال ~~تعالى: {يجعلون لله} أي الذي لا معلوم على الحقيقة سواه لاستجماعه لصفات ~~الجلال والإكرام. ولما كان المراد تقريعهم، وكانت الأنوثة ربما أطلقت على ~~كرائم الأشجار، نص على المراد بقوله: {البنات} فلا أعجب منهم حيث يجعلون ~~الوجود للمعدوم المجهول، ويجعلون العدم للموجود المعلوم؛ ثم نزه نفسه عن ~~ذلك معجبا من وقوعه من عاقل بقوله تعالى: {سبحانه} . # ولما ذكر ما جعلوا له مع الغنى المطلق، بين ما نسبوا لأنفسهم مع لزوم ~~الحاجة والضعف فقال: {ولهم ما يشتهون *} من البنين، وذلك في جملة اسمية ~~مدلولها الثبات، ليكون مناديا عليهم بالفضيحة، لأنهم لا يبقون لأبنائهم ولا ~~يبقى أبناؤهم لهم، وقد يكونون أعدى أعدائهم؛ ثم بين حالهم إذا حصل لهم نوع ~~ما جعلوه له سبحانه فقال تعالى: {وإذا} أي جعلوا كذا والحال أنه إذا {بشر ~~أحدهم} ولما تعين وزال المحذور، جمع بين الخساستين كما بين آخر الصافات ~~فقال تعالى: {بالأنثى} أي قابل هذه البشرى # PageV11P183 # التي تستحق السرور بحصول نسمة تكون سببا لزيادة ms2552 هذا النوع، وقد تكون سبب ~~سعادته، دالة على عظمة الله - بضد ما تستحق مما لا يفيده شيئا بأن {ظل ~~وجهه} وكنى عن العبوس والتكدر والغبرة بما يفوز فيه من الغيظ بقوله تعالى: ~~{مسودا} أي من الغم والكراهة، ولعله اختير لفظ «ظل» الذي معناه العمل نهارا ~~وإن كان المراد العموم في النهار وغيره دلالة على شهرة هذا الوصف شهرة ما ~~يشاهد نهارا {وهو كظيم *} ممتلىء غيظا على المرأة ولا ذنب لها بوجه، ~~والبشارة في أصل اللغة: الخبر الذي يغير البشرة من حزن أو سرور، ثم خص في ~~عرف اللغة بالسرور، ولا تكون إلا بالخبر الأول، ولعله عبر عنه بهذا اللفظ ~~تنبيها على تعكيسهم للأمور في جعلهم وسرورهم وحزنهم وغير ذلك من أمرهم. # PageV11P184 # ولما كان سواد الوجه والكظم قد لا يصحبه الخزي، وصل به قوله تعالى: ~~{يتوارى} أي يستخفي بما يجعله في موضع كأنه الوراء لا اطلاع لأحد عليه {من ~~القوم} أي الرجال الذين هو # PageV11P184 # فيهم {من سوء ما بشر به} لعده له خزيا، ثم بين ما يلحقه من الحيرة في ~~الفكر عند ذلك بقوله تعالى: {أيمسكه على هون} أي ذلك وسفول أمر، ولما كانوا ~~يغيبون الموءودة في الأرض على غير هيئة الدفن، عبر عنه بالدس فقال تعالى: ~~{أم يدسه في التراب} قال ابن ميلق: قال المفسرون: كانت المرأة إذا أدركها ~~المخاض احتفرت حفيرة وجلست على شفيرها، فإن وضعت ذكرا أظهرته، وظهر السرور ~~أهله، وإن وضعت أنثى استأذنت مستولدها، فإن شاء أمسكها على هون وإن شاء أمر ~~بإلقائها في الحفيرة ورد التراب عليها وهي حية لتموت - انتهى. قالوا: وكان ~~الوأد في مضر وخزاعة وتميم. # ولما كان حكمهم هذا بالغا في القباحة، وصفه بما يستحقه فقال مؤكدا لقبحه: ~~{ألا ساء ما يحكمون *} أي بجعل ما يكرهونه لمولاهم الذي لا نعمة عندهم إلا ~~منه، وجعل ما يختارونه لهم خاصا بهم. # ولما كان شرح هذا أنهم تكلموا بالباطل في جانبه تعالى وجانبهم، بين ما هو ~~الحق في هذا المقام، فقال تعالى على تقدير الجواب لمن ms2553 كأنه قال: فما يقال ~~في ذلك؟ مظهرا في موضع الإضمار، تنبيها على الوصف الذي أوجب الإقدام على ~~الأباطيل من غير خوف: # PageV11P185 # {للذين لا يؤمنون} أي لا يوجدون الإيمان أصلا {بالآخرة مثل} أي حديث ~~{السوء} من الضعف والحاجة والذل والرعونة {ولله} أي الذي له الكمال كله ~~{المثل} أي الحديث أو المقدار أو الوصف أو القياس {الأعلى} من الغنى والقوة ~~وجميع صفات الكمال بحيث لا يلحقه حاجة ولا ضعف ولا شائبة نقص أصلا، وأعدل ~~العبارات عن ذلك لا إله إلا الله، ويتأتى تنزيل المثل على الحقيقة كما ~~سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى في سورة الروم. # ولما كان أمره سبحانه وتعالى أجل مما تدركه العقول، وتصل إليه الأفهام، ~~أشار إلى ذلك بقوله تعالى: {وهو} لا غيره {العزيز} الذي لا يمتنع عليه شيء ~~فلا نظير له {الحكيم *} الذي لا يوقع شيئا إلا في محله، فلو عاملهم بما ~~يستحقونه من هذه العظائم التي تقدمت عنهم لأخلى الأرض منهم {ولو يؤاخذ ~~الله} أي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال {الناس} كلهم. # ولما كان السياق للحكمة، وكان الظلم - الذي هو إيقاع الشيء في غير موقعه ~~- شديد المنافاة لها، وكان الشرك - الذي هذا سياقه - # PageV11P186 # أظلم الظلم، قال معبرا بالوصف الشامل لما وقع منهم منه بالفعل ولما هم ~~منطوون وهو وصف لهم ولم يباشروه إلى الآن بالفعل قال: {بظلمهم} أي يعاملهم ~~معاملة الناظر لخصمه المعامل له بمحض العدل من غير نظر إلى الفضل، وعبر ~~بصيغة المفاعلة لأن دلالتها على المناقشة أبلغ {ما ترك} ولما اقتضى الحال ~~ذكر الظلم، وكان سياق هذه الآية أغلظ من سياق فاطر، عبر بما يشمل كل محمول ~~الأرض سواء كان على الظهر أو في البطن مغمورا بالماء أو لا فقال تعالى: ~~{عليها} أي الأرض المعلوم أنها مستقرهم المدلول عليها التراب، وأعرق في ~~النفي فقال تعالى: {من دآبة} أي نفس تدب على وجه الأرض، لأن الكل إما ظالم ~~يعاقب بظلمه، وإما من مصالح الظالم فيهلكه عقوبة للظالم، أو لأنه ما خلقهم ~~إلا للبشر، فإذا أهلكهم ms2554 أهلكهم كما وقع قريب منه في زمن نوح عليه السلام ~~{ولكن} لا يفعل بهم ذلك فهو {يؤخرهم} إمهالا بحكمته وحلمه {إلى أجل مسمى} ~~ضربه لهم في الأزل. # PageV11P187 # ولما قطع العلم بالغاية عما يكون، سبب عن ذلك الإعلام بما يكون فيه فقال: ~~{فإذا جاء أجلهم} الذي حكم بأخذهم عنده {لا يستأخرون} أي عنه {ساعة} أي ~~وقتا هو عام التعارف بينكم، ثم عطف على جملة الشرط من أولها قوله تعالى: ~~{ولا يستقدمون *} أي عن الأجل شيئا. # PageV11P188 # ولما كان ما تقدم أمارة على كراهتهم لما نسبوه إلى الله تعالى، أتبعه ~~التصريح بعد التلويح بقوله تعالى: {ويجعلون لله} أي وهو الملك الأعظم {ما ~~يكرهون} أي لأنفسهم، من البنات والأموال والشركاء في الرئاسة، ومن ~~الاستخفاف برسلهم وجنودهم والتهاون برسالاتهم، ثم وصف جراءتهم مع ذلك، ~~الكائنة في محل الخوف، المقتضية لعدم التأمل اللازم لعدم العقل فقال: ~~{وتصف} أي تقول معتقدة مع القول الصفاء، ولما كان قولا لا حقيقة له بوحه، ~~أسنده إلى اللسان فقال: {ألسنتهم} أي مع ذلك مع أنه قول لا ينبغي أن يتخيله ~~عاقل {الكذب} ثم بينه بقوله: {أن لهم الحسنى} أي عنده، ولا جهل أعظم ولا ~~حكم أسوأ من أن تقطع بأن من تجعل له ما تكره يجعل لك ما تحب، فكأنه قيل: ~~فما لهم # PageV11P188 # عنده؟ فقيل: {لا جرم} أي لا ظن ولا تردد في {أن لهم النار} التي هي جزاء ~~الظالمين {وأنهم مفرطون *} أي مقدمون معجلون إليها بتقديم من يسوقهم ~~وإعجاله لهم؛ وقال الرماني: متروكون فيها، من قول العرب: ما أفرطت ورائي ~~أحدا، أي ما خلفت ولا تركت، وقرأ نافع بالتخفيف والكسر، أي مبالغون في ~~الإسراف والجراءة على الله. ولما بين مآلهم، وكانوا يقولون: إن لهم من يشفع ~~فيهم، بين لهم ما يكون من حالهم، بالقياس على أشكالهم تهديدا، وتسلية للنبي ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال تعالى: {تالله} أي الملك الأعلى {لقد ~~أرسلنا} أي بما لنا من العظمة، رسلا من الماضين {إلى إمم} ولما كان الإرسال ~~بالفعل لم يستغرق زمان ms2555 القبل، قال: {من قبلك} كما أرسلناك إلى هؤلاء {فزين ~~لهم الشيطان} أي المحترق بالغضب. المطرود باللعنة {أعمالهم} كما زين لهؤلاء ~~فضلوا كما ضلوا فأهلكناهم {فهو} لا غيره {وليهم اليوم} بعد إهلاكهم حال ~~كونهم في النار ولا قدرة له على نصرهم {ولهم عذاب أليم *} فلا ولي لأنه لو ~~قدر على نصرهم لما أسلمهم للهلاك وقد أطاعوه، بل لو عدموا ولايته كان ذلك ~~أولى لهم، فهو نفي لأن يكون لهم ولي على أبلغ الوجوه. # PageV11P189 # ولما كان حاصل ما مضى الخلاف والضلال والنقمة، كان كأنه قيل: فبين لهم ~~وخوفهم ليرجعوا، فإنا ما أرسلناك إلا لذلك {وما أنزلنا} أي بما لنا من ~~العظمة من جهة العلو {عليك الكتاب} أي الجامع لكل هدى. ولما كان في سياق ~~الدعاء والبيان عبر بما يقتضي الإيجاب فقال: {إلا لتبين} أي غاية البيان ~~{لهم} أي لمن أرسلت إليهم وهم الخلق كافة {الذي اختلفوا فيه} من جميع ~~الأمور دينا ودنيا لكونك أغزرهم علما وأثقبهم فهما، وعطف على موضع «لتبين» ~~ما هو فعل المنزل، فقال تعالى: {وهدى} أي بيانا شافيا {ورحمة} أي وإكراما ~~بمحبة. # ولما كان ذلك ربما شملهم وهم على ضلالهم، نفاه بقوله تعالى: {لقوم يؤمنون ~~*} والتبيين: معنى يؤدي إلى العلم بالشيء منفصلا عن غيره، وقد يكون عن ~~المعنى نفسه، وقد يكون عن صحته، والبرهان لا يكون إلا عن صحته فهو أخص، ~~والاختلاف: ذهاب كل إلى غير جهة صاحبه، والهدى: بيان طريق العلم المؤدي إلى ~~الحق. # PageV11P190 # ولما انقضى الدليل على أن قلوبهم منكرة استكبارا وما يتعلق به، وختمه بما ~~أحيا به القلوب بالإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل، وكان المقصود ~~الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة: الإلهيات، والنبوات، والمعاد، وإثبات ~~القضاء والقدر والفعل بالاختيار، وكان أجل هذه المقاصد الإلهيات، شرع في ~~أدلة الوحدانية والقدرة والفعل بالاخيتار المستلزم للقدرة على البعث على ~~وجه غير المتقدم ليعلم أن أدلة ذلك أكثر من أوراق الأشجار، وأجلى من ضياء ~~النهار فعطف على قوله: {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} قوله جامعا في ~~الدليل بين ms2556 العالم العلوي والعالم السفلي: {والله} أي الذي له الأمر كله ~~{أنزل من السماء} في الوقت الذي يريده {ماء} بالمطر والثلج والبرد {فأحيا ~~به الأرض} الغبراء. ولما كانت عادته بذلك مستمرة، وكان السياق لإثبات دعائم ~~الدين، وكان الإحياء بالماء لا يزال أثره قائما في زرع أو شجر في بعض ~~الأراضي، أعرى الظرف من الجار لأن المعنى به أبلغ فقال: {بعد موتها} ~~باليبوسة والجدب وتفتت النبات أصلا ورأسا. # ولما كان ما أقامه على ذلك في هذه السورة من الأدلة قد صار إلى # PageV11P191 # حد لا يحتاج معه السامع العاقل إلى أكثر من السماع، قال تعالى {إن في ~~ذلك} الماء المؤثر بتدبيره هذا الأثر العظيم {لآية لقوم يسمعون *} هذا ~~التنبيه في هذا الأسلوب المتضمن لما مضى من التشبيه، فيعلمون أنه ينزل من ~~أمره ما يريده فيحيي به أجساد العباد بعد موتها كما أحيى أجساد النبات ~~بالماء بعد موتها وأرواح الأشباح بالعلم بعد موتها، والحاصل ان هذه الأدلة ~~لا تحتاج مع الحس إلى كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق، وترك العناد ~~والجهل، فهو من سماع الأذن وما ينشأ عنه من الإجابة، استعمالا للشيء في ~~حقيقته ومجازه، ولعله لم يختمها ب «يبصرون» لئلا يظن أن ذلك من البصيرة، ~~فيظن أنه يحتاج فيها إلى كبير فكر فيفوت ما أريد من الإشارة إلى شدة ~~الوضوح. # ولما ذكر سبحانه هذا الأمر العام، ونبه على ما فيه من غريب الصنع الذي ~~غفل عنه لشدة الألف به، أتبعه بعض ما ينشأ عنه من تفاصيل الأمور، المحتوية ~~على عجائب المقدور، وبدأ بأعمها وأشدها ملابسة لهم، وأكثرها في نفسه ~~وأعظمها منفعة ودخلا في قوام عيشهم، فقال: {وإن لكم} أي أيها المخاطبون ~~المغمورون في النعم! {في الأنعام} ولما كانت الأدلة يعبر بها من الجهل # PageV11P192 # إلى العلم قال: {لعبرة} فكأنه قيل: ما هي؟ فقيل: {نسقيكم} بضم النون في ~~قراءة الجماعة من أسقاه - إذا أعد له ما يشربه دائما من نهر أو لبن ~~وغيرهما، وبالفتح في قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية شعبة: من ms2557 سقاه - ~~إذا ناوله شيئا فشربه. # ولما كان الأنعام اسم جمع، فكان مفردا كما نقل ذلك سيبويه، وذكر المسقي ~~وهو اللبن، لما اقتضاه سياق السورة من تعداد النعم فتعينت إرادة الإناث ~~لذلك، فانتفى الالتباس مع تذكير الضمير، قال تعالى: {مما} أي من بعض الذي ~~{في بطونه} فذكر الضمير لأمن اللبس والدلالة على قوة المعنى لكونها سورة ~~النعم بخلاف ما في المؤمنون. # ولما كان موضع العبرة تخليص اللبن من غيره، قدم قوله تعالى: {من بين فرث} ~~وهو الثفل الذي ينزل إلى الكرش، فإذا خرج منه لم يسم فرثا {ودم لبنا خالصا} ~~من مخالط منهما أو من غيرهما # PageV11P193 # يبغي عليه بلون أو رائحة؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا أكلت البهيمة ~~العلف واستقر في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما. ~~والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فيجري الدم في العروق، ~~واللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش. {سائغا} أي سهل المرور في الحقل ~~{للشاربين *} ثم عطف عليه ما هو أنفس منه عندهم وأقرب إليه في المعاني ~~المذكورة، فقال تعالى معلقا ب «نسقيكم» {ومن ثمرات النخيل والأعناب} . # ولما كان لهم مدخل في اتخاذ ما ذكر منه بخلاف اللبن الذي لا صنع لهم يه ~~أصلا، أسند الأمر إليهم وليكون ذلك إشارة إلى كراهة السكر وتوطئة للنهي عنه ~~في قوله مستأنفا: {تتخذون} أي باصطناع منكم وعلاج، ولأجل استئناف هذه ~~الجملة كان لا بد من قوله: {منه} أي من مائه، وعبر عن السكر # PageV11P194 # بالمصدر إبلاغا في تقبيحه، وزاد في الإبلاغ بالتعبير بأثقل المصدرين وهو ~~المحرك، يقال: سكر سكرا وسكرا مثل رشد رشدا ورشدا، ونحل نحلا ونحلا، فقال ~~تعالى: {سكرا} أي ذا سكر منشيا مطربا سادا لمجاري العقل قبيحا غير مستحسن ~~للرزق {ورزقا حسنا} لا ينشأ عنه ضرر في بدن ولا عقل من الخل والدبس ~~وغيرهما، ولا يسد شيئا من المجاري، بل ربما فتحها كالحلال الطيب، فإنه ينير ~~القلب، ويوسع العقل، والأدهان كلها تفتح سدد البدن، وهذا كما منحكم سبحانه ~~العقل الذي لا ms2558 أحسن منه فاستعمله قوم على صوابه في الوحدانية، وعكس آخرون ~~فدنسوه بالإشراك؛ قال الرماني: قيل: السكر ما حرم من الشراب، والرزق الحسن: ~~ما أحل منه - عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وإبراهيم والشعبي ~~وأبي رزين والحسن ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم. والسكر في اللغة على أربعة ~~أوجه: الأول ما أسكر. الثاني ما أطعم من الطعام. الثالث السكون. # PageV11P195 # الرابع المصدر من السكر، وأصله انسداد المجاري مما يلقي فيها، ومنه السكر ~~- يعني بكسر ثم سكون، ومن حمل السكر على السكر قال: إنها منسوخة بآية ~~المائدة، والتعبير عنه بما يفهم سد المجاري يفهم كراهته عندما كان حلالا؛ ~~والآية من الاحتباك: ذكر السكر أولا دال على الفتح ثانيا، وذكر الحسن دال ~~القبيح أولا، فالآية أدل ما في القرآن على المعتزلة في أن الرزق يطلق على ~~الحرام، ولتقارب آيتي الأنعام والأشجار جمعهما سبحانه فقال تعالى: {إن في ~~ذلك} أي الأمر العظيم من هذه المنافع {لآية} ولوضوح أمرهما في كمال قدرة ~~الخالق ووحدانيته قال تعالى: {لقوم يعقلون *} . # PageV11P196 # ولما كان أمر النحل في الدلالة على تمام القدرة وكمال الحكمة أعجب مما ~~تقدم وأنفس، ثلث به وأخره لأنه أقل الثلاثة عندهم، وغير الأسلوب وجعله من ~~وحيه إيماء إلى ما فيه من غريب الأمر وبديع الشأن فقال تعالى: {وأوحى ربك} ~~أي المحسن إليك بجعل العسل في مفاوز البراري المقفرة المفرطة المرارة ~~وغيرها # PageV11P196 # من الأماكن وبغير ذلك من المنافع، الدال على الفعل بالاختيار وتمام ~~الاقتدار {إلى النحل} أي بالإلهام؛ قال الرازي في اللوامع: فالله تعالى ~~أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فبعضها بالتسخير المجرد كالجمادات، وبعضها ~~بالإلهام والتسخير كالنحل والسرفة - أي بضم وسكون، وهي دويبة تتخذ بيتا من ~~دقاق العيدان فتدخله وتموت - والعنكبوت، وبعضها بالتسخير والإلهام والعقل ~~المتفق على نظام واحد كالملائكة، وبعضها بكل ذلك والفكر والتمييز والأعمال ~~المختلفة المبنية على الفكر كالإنسان. # ولما كان في الإيحاء معنى القول، أتى ب «أن» المفسرة فقال تعالى: {أن ~~اتخذي} أي افعلي ما يفعله المتكلف من أن يأخذ {من الجبال ms2559 بيوتا} أي بيوت! ~~ما أعجبها! {ومن الشجر} أي الصالحة لذلك في الغياض والجبال والصحارى {ومما ~~يعرشون *} أي يرفع الناس من السقوف والجدران وغيرها، وبدأ بالبيوت لأنها من ~~عجب الدهر في حسن الصنعة وبداعة الشكل وبراعة الإحكام وتمام التناسب. # PageV11P197 # ولما كان أهم شيء للحيوان بعد الراحة من هم المقيل الأكل، ثنى به، ولما ~~كان عاما في كل ثمر، ذكره بحرف التراخي إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك ~~وتيسيره لها، فقال تعالى: {ثم كلي} وأشار إلى كثرة الرزق بقوله تعالى: {من ~~كل الثمرات} قالوا: من أجزاء لطيفة تقع على أوراق الأشجار من الظل، وقال ~~بعضهم: من نفس الأزهار والأوراق. # ولما أذن لها في ذلك كله، وكان من المعلوم عادة أن تعاطيه لا يكون إلا ~~بمشقة عظيمة في معاناة السير إليه، نبه على خرقه للعادة في تيسيره لها فقال ~~تعالى: {فاسلكي} أي فتسبب عن الإذن في الأكل الإذن في السير إليه {سبل ربك} ~~أي المحسن إليك بهذه التربية العظيمة لأجل الأكل ذاهبة إليه وراجعة إلى ~~بيوتك حال كون السبل {ذللا} أي موطأة للسلوك مسهلة كما قال تعالى {هو الذي ~~جعل لكم الأرض ذلولا} [الملك: 15] وأشار باسم الرب إلى أنه لولا عظيم ~~إحسانه في تربيتها لما اهتدت إلى ذلك؛ ثم أتبعه نتيجة ذلك جوابا لمن كأنه ~~قال: ماذا يكون عن هذا كله؟ فقال تعالى: - {يخرج من بطونها} - بلفت الكلام ~~لعدم قصدها إلى هذه النتيجة {شراب} أي شراب! وهو العسل لأنه مع كونه من أجل ~~المآكل هو «مما يشرب» {مختلف ألوانه} # PageV11P198 # من أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك، اختلافا دالا على أن فاعله مع تمام قدرته ~~مختار، ثم أوضح ذلك بقوله تعالى: {فيه} أي مع كونه من الثمار النافعة ~~والضارة {شفاء للناس} قال الإمام الرازي في اللوامع: إذ المعجونات كلها ~~بالعسل، وقال إمام الأولياء محمد بن علي الترمذي: إنما كان ذلك لأنها ذلت ~~لله مطيعة وأكلت من كل الثمرات: حلوها ومرها محبوبها ومكروهها، تاركة ~~لشهواتها، فلما ذلت لأمر الله، صار هذا الأكل لله، فصار ذلك شفاء ms2560 للأسقام، ~~فكذلك إذا ذل العبد لله مطيعا، وترك هواه، صار كلامه شفاء للقلوب السقيمة - ~~انتهى. # وكونه شفاء - مع ما ذكر - أدل على القدرة والاختيار من اختلاف الألوان، ~~لا جرم وصل به قوله تعالى: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من أمرها كله ~~{لآية} وكما أشار في ابتداء الآية إلى غريب الصنع في أمرها، أشار إلى مثل ~~ذلك في الختم بقوله تعالى: {لقوم يتفكرون *} أي في اختصاص النحل بتلك ~~العلوم الدقيقة واللطائف الخفية بالبيوت المسدسة، والاهتداء إلى تلك ~~الاجزاء اللطيفة # PageV11P199 # من أطراف الأشجار والأوراق - وغير ذلك من الغرائب حيث ناطه بالفكر ~~المبالغ فيه من الأقوياء، تأكيدا لفخامته وتعظيما لدقته وغرابته في دلالته ~~على تمام العلم وكمال القدرة، وقد كثر في هذه السورة إضافة الآيات إلى ~~المخاطبين، تارة بالإفراد وتارة بالجمع، ونوطها تارة بالعقل وتارة بالفكر، ~~وتارة بالذكر وتارة بغيرها. # وقد جعل الإمام الرباني أبو الحسن الحرالي في كتابه المفتاح لذلك بابا ~~بعد أن جعل أسنان الألباب مثل أسنان الأجساد ما بين تمييز واحتلام وشباب ~~وكهولة وغيرها كما تقدم نقله عنه في سورة براءة عند قوله تعالى {ومنهم ~~الذين يؤذون النبي} [براءة: 61] فقال: الباب التاسع في وجوه إضافات الآيات ~~واتساق الأحوال لأسنان القلوب في القرآن - أي فإن لذلك مراتب في العلم ~~والأفهام -: اعلم أن الآيات والأحوال تضاف وتتسق لمن اتصف بما به أدرك ~~معناها، ويؤنب عليها من تقاصر عنها، وينفي منالها عمن لم يصل إليها، وهي ~~أطوار أظهرها # PageV11P200 # آيات الاعتبار البادية لأولي الأبصار، لأن الخلق كله إنما هو علم ~~للاعتبار منه، لا أنه موجود للاقتناع به {ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا ~~بها والذين هم عن ءاياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} ~~[يونس: 7-8] اتخذوا ما خلق للعبرة به إلى ربه كسبا لأنفسهم حتى صار عندهم ~~وعند أتباعهم آيتهم، لا آية خالقه {أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون} [الشعراء: ~~128] ، {والله خلقكم وما تعملون} ثم يلي آيات الاعتبار ما ينال إدراك آيته ~~العقل الأدنى ببداهة نظره {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات ms2561 بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [النحل: 12] جمع الآيات لتعدد ~~وجوهها في مقصد البيان، ثم يلي ما يدرك ببداهة العقل ما يحتاج إلى فكر ~~يثيره العقل الأدنى لشغل الحواس بمنفعته عن التفكر في وجه آيته # {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم ~~به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون} [النحل: 10] أفرد الآية لاستناد كثرته إلى وحدة الماء ابتداء ~~ووحدة الانتفاع انتهاء؛ ثم يلي ما يدرك بفكر العقل الأدنى ما يقبل # PageV11P201 # بالإيمان ويكون آية أمر قائم على خلق، وهو مما يدرك سمعا لأن الخلق مرئي ~~والأمر مسموع {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن ~~في ذلك لآية لقوم يسمعون} [النحل: 63-64-65] هذه آية حياة القلوب بنور ~~العلم والحكمة الذي أخذ سمعا عند تقرر الإيمان، وعند هذا الحد يتناهى العقل ~~إلى فطرة الأشد وتعلو بداهته وتترقى فطره إلى نظر ما يكون آية في نفس ~~الناظر لأن محار غيب الكون يرد إلى وجدان نقص الناظر، وكما أن الماء آية ~~حياة القلوب صار الشرابان: اللبن والخمر، آيتين على أحوال تخص القلوب بما ~~يغذوها من الله غذاء اللبن وينشيها نشوة السكر، منبعثا من بين فرث ودم ~~ونزول الخلق المقام عن الأمر القائم عليه {وإن لكم في الأنعام لعبرة} - ~~الآيتين إلى قوله تعالى: {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} وهذا العقل الأعلى، ~~وأفرد الآية لانفراد موردها في وجد القلب، # PageV11P202 # وكما للعقل الأدنى فكرة تنبىء عن بداهته فكذلك للعقل الأعلى فكرة تنبىء ~~عن علي فطرته {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر - ~~إلى قوله: لآية لقوم يتفكرون} وهذا العقل الأعلى هو اللب الذي عنه يكون ~~التذكر بالأدنى من الخلق لللأعلى من الأمر {وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ~~ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون} [النحل: 13] وفي مقابلة كل ms2562 من هذه ~~الأوصاف أضداد يرد البيان فيها بحسب مقابلتها، وكذلك حكم وصف المسلمين فيها ~~يظهر أن «لا أنجى للعبد من إسلامه نفسه لربه» ووصف المحسنين فيما يظهر قيام ~~ظاهر حسه {آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} [البقرة: 1] من استغنى ~~بما عنده من وجد لم يتفرغ لقبول غيب {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله ~~وءامنوا برسوله} [الحديد: 28] ، {إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم ~~اتقوا وءامنوا ثم اتقوا وأحسنوا} [المائدة: 93] ، {ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا فلن يقبل منه} ، {ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} « # PageV11P203 # فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به» {وفي خلقكم وما ~~يبث من دابة ءايات لقوم يوقنون} [الجاثية: 4] {وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75] ولجملة هذه الأوصاف ~~أيضا أضداد يرد بيان القرآن فيها بحسب تقابلها ويجري معها إفهامه، وما ~~أوصله خفاء المسمع والمرأى إلى القلب هو فقهه، ومن فقد ذلك وصف سمعه بالصمم ~~وعينه بالعمى، ونفى الفقه عن قلبه، ونسب إلى البهيمية، ومن لم تنل فكرته ~~أعلام ما غاب عيانه نفي عنه العلم # {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا} [الكهف: ~~101] ، {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا ~~يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف: 179] ، ~~{يقولون لئن رجعنا إلى المدينة} [المنافقون: 8]-إلى قوله: {ولكن المنافقين ~~لا يعلمون} [المنافقون: 8] ، {يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا} - الآية إلى قوله تعالى: {ولكن المنافقين لا يفقهون} نفي العلم ~~فيما ظهرت أعلامه والفقه فيما خفي أمره، ومراد البيان عن أضدادها هذه ~~الأوصاف بحسب تقابلها، وهذا الباب لمن يستفتحه من أنفع فواتح # PageV11P204 # الفهم في القرآن - انتهى. # PageV11P205 # ولما أيقظهم من رقدتهم، ونبههم على عظيم غفلتهم من عموم القدرة وشمول ~~العلم، المقتضي للفعل بالاختيار، المحقق للبعث وغيره، من كل ما يريده ~~سبحانه ببعض آياته المبثوثة في الآفاق من جماد ثم حيوان، وختم ذلك بما هو ~~شفاء، ثنى ببعض ms2563 ما في أنفسهم من الأدلة على ذلك مذكرا بمراتب عمر الإنسان ~~الأربع، وهي سن الطفولية والنمو، ثم سن الشباب الذي يكون عند انتهائه ~~الوقوف، ثم سن الكهولة وفيه يكون الانحطاط مع بقاء القوة، ثم سن الانحطاط ~~مع ظهور الضعف وهو الشيخوخة، مضمنا ما لا يغني عنه دواء، حثا على التفكر في ~~آياته والتعقل لها قبل حلول ذلك الحادث، فيفوت الفوت، ويندموا حيث لا ينفع ~~الندم، فقال: {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما {خلقكم} فجعلكم بعد ~~العدم أحياء فهما خصما {ثم يتوفاكم} على اختلاف الأسنان، فلا يقدر الصغير ~~على أن يؤخر، ولا الكبير على أن يقدم، فمنكم من يموت حال قوته {ومنكم من ~~يرد} أي بأيسر أمر منا، لا يقدر على مخالفته بوجه {إلى أرذل العمر} لأنه ~~يهرم فيصير إلى مثل حال الطفولية # PageV11P205 # في الضعف مع استقذار غيره له، ولا يرجى بعده {لكي لا يعلم} . # ولما كان مقصود السورة الدلالة على تمام القدرة وشمول العلم والتنزه عن ~~كل شائبة نقص، وكان السياق هنا لذلك أيضا بدليل ختم الآية، نزع الخافض ~~للدلالة على استغراق الجهل لزمن ما بعد العلم، فيتصل بالموت، ولا ينفع فيه ~~دواء ولا تجدي معه حيلة فقال: {بعد علم شيئا} لا يوجد في شيء من ذلك عند ~~إحلاله شفاء، ولا يمنعه دواء: فبادروا إلى التفكر والاعتبار قبل حلول أحد ~~هذين، ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة ~~{عليهم قدير *} أي بالغ العلم شامل القدرة، فمهما أراد كان، ومهما أراد ~~غيره ولم يرده هو، أحاط به علمه، فسبب له بقدرته ما يمنعه. # ولما ذكر المفاوتة في الأعمار المنادية بإبطال الطبائع الموجبة للمسابقة ~~إلى الاعتبار لأولي الأبصار للخوف كل لحظة من مصيبة الموت، ثنى بالمفاوتة ~~في الأرزاق فقال تعالى: {والله} أي الذي له الأمر كله # PageV11P206 # {فضل بعضكم} أيها الناس {على بعض} . # ولما كانت وجوه التفضيل كثيرة، وكان التفضيل في المعاش الذي يظن الإنسان ~~أن له قدرة على تحصيله، وكانت المفاوتة فيه أدل على تمام القدرة ms2564 والفعل ~~بالاختيار الذي السياق له، قال تعالى: {في الرزق} أي ولربما جعل الضعيف ~~العاجز الجاهل أغنى من القوي المحتال العالم، فاتقوا الله وأجملوا في ~~الطلب، وأقبلوا بجميع قلوبكم على ما ينفعكم من الاستبصار؛ قال الإمام أبو ~~نعيم في الحلية: حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد ثنا أحمد بن أحمد بن عمرو ~~الخلال قال: سمعت ابن أبي عمر يقول: كنا عند سفيان بن عيينة فذكروا الفضل ~~بن الربيع ودهاءه، فأنشأ سفيان يقول: # كم من قوي قوي في تقلبه ... مهذب الرأي عنه الرزق منحرف # ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط ... كأنه من خليج البحر يغترف # وعن نوادر أبي علي القالي أنه قال: قال أبو بكر بن الأنباري: وحدثني # PageV11P207 # أبي قال: بعث سليمان المهلبي إلى الخليل بن أحمد بمائة ألف درهم وطالبه ~~بصحبته فرد عليه المائة ألف، وكتب إليه هذه الأبيات: # أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال # سخي بنفسي أني لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال # فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال # والفقر في النفس لا في المال تعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال # ولما كان جعل المملوك في رتبة المالك مما يتعاظمهم في حقوقهم مع أنه في ~~الحقيقة لا مالك ولا ملك، فلا يدينون لذلك ولا يدانونه وإن جل الخطب وأدى ~~إلى ذهاب الأرواح، بل من كانت أمه مملوكة حطوا رتبته وإن كان أبوه من كان، ~~وإن كانت العبرة عندهم في # PageV11P208 # النسب بالأب، وهذا هو الذي أحوج عنترة إلى قوله: # إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل # إلى غير ذلك مما كان يعتذر به عن جهة أمه، نبههم سبحانه على ما وقعوا فيه ~~في حقه من ذلك بسبب الإشراك مع أنه مالك الملك وملك الملوك بعد ما اجترؤوا ~~عليه في تفضيل أنفسهم في نسبة البنات إليه، فقال تعالى: {فما الذين فضلوا} ~~أي في الرزق {برادي رزقهم} أي الذي اختصوا به {على ما ملكت ms2565 أيمانهم} وإن جل ~~نفعهم وتعاظم عندهم وقعهم {فهم فيه سواء} أي فيكون بذلك الرد المالك ~~والمملوك سواء، فهو جواب للنفي - نقله الرمال عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~رضي الله عنهم. # ولما وضح ذلك وضوح الشمس وظهر حتى ما به أصلا نوع لبس، تسبب عنه الإنكار ~~في قوله على وجه الإعراض عن خطابهم # PageV11P209 # المؤذن بالمقت: {أفبنعمة الله} أي الذي لا رب غيره {يجحدون *} في جعلهم ~~له شركاء يضيفون إليهم بعض ما أنعم به عليهم، فيسوون بينهم وبينه في ذلك ~~وبنعمتهم يعترفون ولها يحفظون في إنزال ما ملكت أيمانهم عنهم في المراتب ~~والأموال. # ولما ذكر الخلق والرزق، أتبعهما الألذاذ بالتأنس بالجنس من الأزواج ~~والأولاد وغيرهما اللازم له القيام بالمصالح فقال تعالى: {والله} أي الذي ~~له تمام القدرة وكمال العلم {جعل لكم} ولما كان الأزواج من الجنس، قال: {من ~~أنفسكم} لأن الشيء آلف لنوعه وأقرب إلى جنسه {أزواجا} أي تتوالدون بها ~~ويبكون السكون إليها سببا لبقاء نوعكم {وجعل لكم} أي أيها الناس الذين ~~يوجهون رغباتهم إلى غيره! {من أزواجكم بنين} ولعله قدمهم للشرف؛ ثم عطف على ~~ذلك ما هو أعم فقال: {وحفدة} أي من البنات والبنين وأولادهم والأصهار ~~والأختان، جمع حافد، يخفون في أعمالكم ويسرعون في خدمكم طاعة وموالاة، لا ~~كما يفعل الأجانب وبعض العاقين، وهذا معنى ما نقله الرماني عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما من أنه فسرهم بالخدام والأعوان، وهو الصواب لأن مادة حفد # PageV11P210 # تدور على الإسراع والخفة. # حفد: خف في العمل وأسرع، والحفد - محركة: الخدم - لخفتهم، ومشي دون ~~الخبب، والحفدة: البنات وأولاد الأولاد أو الأصهار - لذلك، وصناع الوشي - ~~لإسراعهم فيه وإسراع لابسه إلى لبسه منبسط النفس، والمحفد - كمجلس ومنبر: ~~شيء يعلف فيه الدواب - لإسراعها إليه، وكمنبر: طرف الثوب لإسراع حركته، ~~وقدح يكال به - لخفته، وكمجلس الأصل - لدوران الأمور عليه وإسراعها إليه، ~~وسيف محتفد: سريع القطع، وأحفده: حمله على الإسراع، والفادحة: النازلة، ~~وفوادح الدهر - خطوبه - لإسراعها بالمكروه وإسراع المنزول به ومن يهمه شأنه ~~إلى مدافعتها، ومن ذلك فدحه الأمر: أثقله - لأن ms2566 المكروه يسرع فيثقل فيكثر ~~اضطراب المنزول به. # PageV11P211 # ولما ذكر ذلك سبحانه، أتبع ما لا يطيب العيش إلا به، فقال تعالى: ~~{ورزقكم} أي لإقامة أودكم وإصلاح أحوالكم؛ ولما كان كل النعيم إنما هو في ~~الجنة، بعض فقال: {من الطيبات} بجعله ملائما للطباع، شهيا للأرواح، نافعا ~~للإشباع، فعلم من هذا قطعا أن صاحب هذه الأفعال، هو المختص بالجلال، ومن ~~أنكر شيئا من حقه فقد ضل أبعد الضلال، فكيف بمن أنكر خيره، وعبد غيره، وهو ~~باسم العدم أحق منه باسم الوجود، فلذلك تسبب عنه قوله معرضا عن خطابهم ~~إعراض المغضب: {أفبالباطل} أي من الأصنام وما جعلوا لهم من النصيب {يؤمنون} ~~أي على سبيل التجديد والاستمرار {وبنعمت الله} أي الملك الأعظم {هم} وله ~~عليهم خاصة - غير ما يشاركون فيه الناس - من المنن ما له {يكفرون} حتى أنهم ~~يجعلون مما أنعم به عليهم من السائبة والوصيلة والحامي وغيرها لأصنامهم، ~~وذلك متضمن لكفران النعمة الكائنة منه، ومتضمن لنسبتها إلى غيره، لأنه لم ~~يأذن لهم في شيء مما حرموه، # PageV11P212 # ولا يحل التصرف في مال المالك إلا بإذنه؛ ثم قال عطفا على ما أنكره عليهم ~~هناك: {ويعبدون} وأشار إلى سفول المراتب كلها عن رتبته سبحانه فقال تعالى: ~~{من دون الله} أي من غير من له الجلال والإكرام مما هو في غاية السفول من ~~الأصنام وغيرها {ما لا يملك} أي بوجه من الوجوه {لهم رزقا} تاركين من بيده ~~جميع الرزق، وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم من الطيبات؛ ثم بين جهة الرزق ~~فقال تعالى: {من السماوات والأرض} ثم أكد تعميم هذا النفي بقوله - مبدلا من ~~{رزقا} ، مبينا أن تنوينه للتحقير -: {شيئا} ثم أكد حقارتهم بقوله جامعا ~~لأن ما عجز عند الاجتماع فهو عند الانفراد أعجز: {ولا يستطيعون} أي ليس لهم ~~نوع استطاعة أصلا، ولك أن تجعله معطوفا على ما مضى من المعجب منه من ~~أقوالهم وأفعالهم في قوله {ويجعلون لله ما يكرهون} ونحوه. # PageV11P213 # ولما دحض بهذه الحجة جميع ما أقاموه من الشبه وضربوه من الأمثال فيما ~~ارتكبوه من قولهم ms2567 إن الملك لا يتوصل إليه إلا # PageV11P213 # بأعوان من حاجب ونائب ونحو ذلك، ولا يتوصل إليه إلا بأنواع القربان، ~~فعبدوا الأصنام، وفعلوا لها ما يفعل له تشبيها به عز شأنه، وتعالى سلطانه، ~~لأن الفرق أن ملوك الدنيا المقيس عليهم إنما أقاموا من ذكر لحاجتهم وضعف ~~ملكهم وملكهم، فحالهم مخالف لوصف من لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يشغله شأن ~~عن شأن، وكل شيء في قبضته وتحت قهره وعظمته، فلذلك تسبب عنها قوله تعالى: ~~{فلا تضربوا لله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {الأمثال} أي فتشبهوه تشبيها ~~بغيره وإن ضرب لكم هو الأمثال؛ قال أبو حيان وغيره: قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: أي لا تشبهوه بخلقه - انتهى. وهو - كما قال في الكشاف - تمثيل ~~للإشراك بالله والتشبيه به، لأن من يضرب الأمثال مشبه حالا بحال وقصة بقصة ~~- انتهى. وهذا النهي عام في كل مثل لخطر الأمر خشية أن يكون ذلك المثل غير ~~لائق بمقداره، وقد تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، لا سيما في ~~هذا لأن الخطأ فيه كفر، ويدل على ذلك تعليل الحكم بقوله تعالى: {إن الله} ~~أي الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره {يعلم} # PageV11P214 # أي له جميع صفة العلم، فإذا ضرب مثلا أتقنه بإحاطة علمه بحيث لا يقدر ~~غيره أن يبدي فرقا ما بين الممثل والممثل به في الأمر الممثل له {وأنتم لا ~~تعلمون *} أي ليس لكم علم أصلا، فلذلك تعمون عن الشمس وتلبس عليكم ما ليس ~~فيه لبس، وهذا المقام عال ومسلكه وعر، وسالكه على غاية من الخطر. # ولما ختم سبحانه بذلك تأكيدا لإبطال مذهب عبدة الأصنام بسلب العلم الذي ~~هو مناط السداد عنهم، حسن أن يصل به قوله - إقامة للدليل على علمه بأن ~~أمثاله لا يتطرق إليها الطعن، ولا يتوجه نحوها الشكوك -: {ضرب الله} أي ~~الذي له كمال العلم وتمام القدرة {مثلا} بالأحرار والعبيد له ولما عبدتموه ~~معه؛ ثم أبدل من مثلا: {عبدا} ولما كان العبد يطلق على الحر بالنسبة إلى ~~الله تعالى، قال تعالى: {مملوكا} ms2568 لا مكاتبا ولا فيه شائبة للحرية {ولا يقدر ~~على شيء} بإذن سيده ولا غيره، وهذا مثل شركائهم، ثم عطف على «عبدا» قوله: ~~{ومن رزقناه منا} من الأحرار {رزقا حسنا} واسعا طيبا {فهو ينفق منه} دائما، ~~وهو معنى {سرا وجهرا} وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى؛ ثم بكتهم إنكارا ~~عليهم بقوله تعالى: # PageV11P215 # {هل يستوون} أي هذان الفريقان الممثل بهما، لأن المراد الجنس، فإذا كان ~~لا يسوغ في عقل أن يسوي بين مخلوقين: أحدهما حر مقتدر والآخر مملوك عاجز، ~~فكيف يسوي بين حجر موات أو غيره وبين الله الذي له القدرة التامة على كل ~~شيء؟ # ولما كان الجواب قطعا: لا، وعلم أن الفاضل ما كان مثالا له سبحانه، على ~~أن من سوى بينهما أو فعل ما يؤول إلى التسوية أجهل الجهلة. # فثبت مضمون {إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} وأن غيره تعالى لا يساوي ~~شيئا، فثبت بلا ريب أنه المختص بالمثل الأعلى، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: ~~{الحمد لله} أي له الإحاطة بالعلم وجميع صفات الكمال التي منها اختصاصه ~~بالشكر، لكونه هو المنعم وليس لغيره إحاطة بشيء من ذلك ولا غيره، فكأنهم ~~قالوا: نحن نعلم ذلك، فقيل: {بل أكثرهم} أي في الظاهر والباطن - بما أشار ~~إليه الإضمار {لا يعلمون *} لكونهم يسوون به غيره، ومن نفى عنه العلم - ~~الذي هو أعلى صفات الكمال - كان في عداد الأنعام، فهم لذلك يشبهون به ما ~~ذكر، ويضربون الأمثال الباطلة، ويضيفون نعمه إلى ما لا يعد، ولعله أتى ~~بضمير الغيبة لقصر ذلك على من ختم بموته على الضلال، أو يقال وهو أرشق: لما ~~كان الجواب قطعا: لا يستووت والفاضل مثالك، فقد علم كل ذي لب أن لك المثل ~~الأعلى، فترجم عن وصفه # PageV11P216 # بقوله «الحمد لله» أي الإحاطة بصفات الكمال للملك الأعظم، وعن نسبتهم إلى ~~علم ذلك بقوله تعالى {بل أكثرهم لا يعلمون} أي ليس لهم علم بشيء أصلا، ~~لأنهم يعملون في هذا بالجهل، فنسبتهم إلى الغباوة أحسن في حقهم من نسسبتهم ~~إلى الضلال على علم، وسيأتي في ms2569 سورة لقمان إن شاء الله تعالى ما يكون نافعا ~~في هذا المقام، وإنما فسرت الحمد بما تقدم لأنه قد مضى في سورة الفاتحة أن ~~مادة «حمد» تدور على بلوغ الغاية، ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة، ~~فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضى فيلزمه الشكر، وبيانه أن الحمد ~~بمعنى الرضا والشكر لأنهما يكونان غالبا من غاية الإحسان، ويرجع إلى ذلك ~~الحمد بمعنى الجزاء وقضاء الحق، وحماداك - بالضم، أي غايتك، ويوم محتمد: ~~شديد الحر، وحمد النار - محركة: صوت التهابها، وأما يتحمد علي - بمعنى يمتن ~~- فأصله: يذكر ما يلزم منه حمده، ومنه المدح: وهو حسن الثناء، وتمدح بمعنى ~~تكلف أن يمدح وافتخر # PageV11P217 # وتشبع بما ليس عنده، فإنه في كل ذلك بذل جهده، ودحمه - كمنع: دفعه شديدا، ~~والمرأة: نكحها - لما في ذلك من بلوغ الغاية في الشهوة وما يلزمها من الدفع ~~ونحوه، والدحم - بالكسر: الأصل - لأنه غاية الشيء الذي ينتهي إليه، وحدم ~~النار - ويحرك: شدة احتراقها وحميها، واحتدم الدم: اشتدت حمرته حتى يسود، ~~والحدمة - محركة: النار - لأنها غاية الحر، والحدمة أيضا: صوتها - لدلالته ~~على قوة التهابها، ومن ذلك الحدمة أيضا لصوت جوف الحية، أو صوت في الجوف ~~كأنه تغيظ - لأنه يدل على غاية التهاب الباطن، والحدمة - كفرحة: السريعة ~~الغلي من القدور؛ ومن الاتساع: تمدحت الأرض أي اتسعت؛ ومن الاستدارة: ~~الداحوم لحبالة الثعلب - لأنها بلغت الغاية من مراد الصائد، ولأنه لما لم ~~يقدر على الخلاص منها كانت كأنها قد أحاطت به، والدمحمح: المستدير الململم، ~~ودمح تدميحا: طأطأ رأسه - لأن الانعطاف مبدأ الاستدارة - والله سبحانه ~~وتعالى الموفق. # ولما انقضى هذا المثل كافيا في المراد، ملزما لهم لاعترافهم بأن الأصنام ~~عبيد الله في قولهم «لبيك اللهم لبيك لا شريك لك # PageV11P218 # إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وكان ربما كابر مكابر فقال: إنهم ليسوا ~~ملكا له، أتبعه مثلا آخر لا تمكن المكابرة فيه، فقال تعالى: {وضرب الله} أي ~~الذي له الإحاطة الكاملة أيضا {مثلا} ثم أبدل منه {رجلين} ثم استأنف البيان ~~لما أجمل فقال تعالى: {أحدهما أبكم} ms2570 أي ولد أخرس؛ ثم ترجم بكمته التي أريد ~~بها أنه لا يفهم ولا يفهم بقوله: {لا يقدر على شيء} أي أصلا {وهو كل} أي ~~ثقل وعيال، والأصل فيه الغلظ الذي يمنع من النفوذ، كلت السكين كلولا - إذا ~~غلظت شفرتها فلم تقطع، وكل لسانه - إذا لم ينبعث في القول، لغلظه وذهاب حده ~~- قاله الرماني {على مولاه} الذي يلي أمره؛ ثم بين ذلك بقوله تعالى: {أينما ~~يوجهه} أي يرسله ويصرفه ذلك المولى {لا يأت بخير} وهذا مثل شركائهم الذين ~~هم عيال ووبال على عبدتهم. # PageV11P219 # ولما انكشف ضلالهم في تسويتهم الأنداد - الذين لا قدرة لهم على شيء ما - ~~بالله الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلما، حسن كل الحسن توبيخهم والإنكار ~~عليهم بقوله تعالى: {هل يستوي هو} أي هذا المذكور {ومن} أي ورجل آخر على ضد ~~صفته، فهو عالم فطن قوي خبير مبارك الأمر ميمون النقيبة {يأمر} بما له من ~~العلم والقدرة {بالعدل} أي ببذل النصيحة لغيره {وهو} في نفسه ظاهرا وباطنا ~~{على صراط} أي طريق واضح واسع {مستقيم} أي عامل بما يأمر به، وهذا مثال ~~للمعبود بالحق الذي يكفي عابده جميع المؤن، وهو دال على كمال علمه وتمام ~~قدرته. # PageV11P220 # ولما تم هذان المثلان، الدالان على تمام علمه وشمول قدرته، والقاضيان بأن ~~غيره عدم، عطف على قوله {إن الله يعلم} قوله مصرحا بتمام علمه وشمول قدرته: ~~{ولله} أي هذا علم الله في المشاهدات الذي علم من هذه الأدلة أنه مختص به، ~~ولذي الجلال والإكرام وحده {غيب السماوات والأرض} كما أن له وحده شهادتهما، ~~فما أراد # PageV11P220 # من ذلك كانت قدرته عليه كقدرته على الشهادة من الساعة التي تنكرونها ~~استعظاما لها، ومن غيرهما بما فصله لكم من أول السورة إلى هنا من خلق ~~السماوات والأرض وما فيهما {وما أمر الساعة} وهي الوقت الذي يكون فيه ~~البعث، على اعتقادكم أنها لا تكون استبعادا لها واستصعابا لأمرها في سرعته ~~عند الناس لو رأوه، ولذا عبر عنه بالساعة {إلا كلمح البصر} أي كرجع الطرف ~~المنسوب إلى البصر أي ms2571 بصر كان {أو هو أقرب} وإذا الخلق قد قاموا من قبورهم ~~مهطعين إلى الداعي - هذا بالنسبة إلى علمهم وقياسهم، وأما بالنسبة إليه ~~سبحانه فأمره في الجلالة والعظم والسرعة والإتقان يجل عن الوصف، وتقصر عنه ~~العقول، ولا شك فيه ولا تردد، ولذلك علله بقوله تعالى: {إن الله} أي الملك ~~الأعظم {على كل شيء} أي ممكن {قدير *} . # ولما انقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما استتبعه، ~~وختم بأمر الساعة، عطف على قوله تعالى {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} ما ~~هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة الأولى، فقال ~~تعالى: {والله} أي الذي له العظمة كلها # PageV11P221 # {أخرجكم} بعلمه وقدرته {من بطون أمهاتكم} والذي أخرجكم منها قادر على ~~إخراجكم من بطن الأرض بلا فرق بل بطريق الأولى، حال كونكم عند الإخراج {لا ~~تعلمون شيئا} من الأشياء قل أو جل، وعطف على {أخرجكم} قوله: {وجعل لكم} ~~بذلك أيضا {السمع والأبصار والأفئدة} آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة ~~عليه، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده، ~~ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعا قادر ~~على إعادته في بطن الأرض، بل بطريق الأولى، ولعله جمعهما دون السمع، لأن ~~التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله؛ والأفئدة هي ~~القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن بما أودعها من الحرارة اللطيفة ~~القابلة للمعاني الدقيقة {لعلكم تشكرون *} أي لتصيروا - بمعارف القلوب التي ~~وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات - في حال يرجى فيها شكركم لما ~~أفاض عليكم من لطائف صنعه، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن التعرف، ~~فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله، وأهمه # PageV11P222 # الذي تبنى عليه جميع مقاصد الأصول أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد ~~عالم بكل شيء قادر على كل شيء فاعل بالاختيار، وأن الطبائع من جملة ~~مقدوراته، لا فعل لها إلا بتصريفه. # ولما كان المقصود من تعداد هذه النعم الإعلام بأنه الفاعل بالاختيار وحده ms2572 ~~لا الطبائع ولا غيرها، دلهم على ذلك مضمونا إلى ما مضى بقوله مقررا لهم: ~~{ألم يروا} بالخطاب والغيبة - على اختلاف القراءتين لأن سياق الكلام وسباقه ~~يحتمل المقبل والمعرض بخلاف سياق الملك فإنه للمعرض فقط، فلذا اختلف القراء ~~هنا وأجمعوا هناك {إلى الطير مسخرات} أي مذللات للطيران بما أقامهن الله ~~فيه من المصالح والحكم بالطيران وغيره {في جو السماء} في الهواء بين ~~الخافقين بما لا تقدرون عليه بوجه من الوجوه مع مشاركتكم لها في السمع ~~والبصر وزيادتكم عليها بالعقول، فعلم قطعا ما وصل بذلك من قوله: {ما ~~يمسكهن} أي في الجو عن الوقوع. # PageV11P223 # ولما كان للسياق هنا مدخل عظيم في الرد على أهل الطبائع وهم الفلاسفة، ~~ولهم وقع عظيم في قلوب الناس، عبر بالاسم الأعظم، إشارة إلى أنه لا يقوى ~~على رد شبههم إلا من أحاط علما بمعاني الأسماء الحسنى، فكان متمكنا من علم ~~أصول الدين فقال: {إلا الله} أي الملك الأعظم، لأن نسبتكم وإياها إلى ~~الطبيعة واحدة، فلو كان ذلك فعلها لا ستويتم؛ ثم نبههم على ما في ذلك من ~~الحكم بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من إخراجكم على تلك الهيئة، ~~والإنعام عليكم بما ليس لها، وتقديرها على ما لم تقدروا عليه مع نقصها عنكم ~~{لآيات} ولما كان من لم ينتفع بالشيء كأنه لم يملكه، قال تعالى: {لقوم ~~يؤمنون *} أي هيأهم الفاعل المختار للإيمان. # PageV11P224 # ولما ذكرهم سبحانه بنعمة الإدراك بعد ابتداء الخلق، وأتبعه ما من به على ~~الطير من الارتفاع الحامي لها من الحر، أتبعه ما يسكنون إليه فيظلهم ~~ويجمعهم لأنه أهم الأشياء للحيوان، فقال تعالى: {والله} أي الذي له الحكمة ~~البالغة والقدرة الشاملة {جعل لكم} أي أيها الغافلون {من بيوتكم} أصل البيت ~~المأوى ليلا ثم اتسع فيه {سكنا} هو # PageV11P224 # مصدر بمعنى مفعول، ولم يسلط عليكم فيها الحشرات والوحوش كما سلطكم عليهم؛ ~~ثم أتبع ما يخص الحضر ما يصلح له وللسفر بما ميزهم به عن الطير وغيرها من ~~سائر الحيوانات، فقال تعالى: {وجعل لكم} أي إنعاما عليكم {من ms2573 جلود الأنعام} ~~التي سلطكم عليها. # ولما كانت الخيام، التي من جلود الأنعام، في ظلها الظليل تقارب بيوت ~~القرى، جمعها جمعا فقال تعالى: {بيوتا} فإنهم قالوا: إن هذا الجمع بالمسكن ~~أخص، والأبيات بالشعر أخص {تستخفونها} أي تطالبون بالاصطناع خفها فتجدونها ~~كذلك {يوم ظعنكم} أي وقت ارتحالكم، وعبر به لأنه في النهار أكثر {ويوم ~~إقامتكم} ثم أتبعه ما به كمال السكن فقال تعالى: {ومن أصوافها} أي الضأن ~~منها {وأوبارها} وهي للإبل كالصوف للغنم {وأشعارها} وهي ما كان من المعز ~~ونحوه من المساكن والملابس والمفارش والأخبية وغيرها {أثاثا} أي متاعا من ~~متاع البيت كثيرا، من قولهم: شهر أثيث أي كثير، وأث النبت. إذا كثر ~~{ومتاعا} تتمتعون به # PageV11P225 # {إلى حين *} أي وقت غير معين بحسب كل إنسان في فقد ذلك، وأعرض عن ذكر ~~الحرير والكتان والقطن لأنها لم تكن من صناعتهم، وإشارة إلى الاقتصاد وعدم ~~الإسراف. # ولما ذكر ما يخصهم، أتبعه ما يشاركون فيه سائر الحيوانات فقال: {والله} ~~أي الذي له الجلال والإكرام {جعل لكم} أي من غير حاجة منه سبحانه {مما خلق ~~ظلالا} من الأشجار والجبال وغيرها {وجعل لكم} أي مع غناه المطلق {من الجبال ~~أكنانا} جمع كن وهو ما يستكن به - أي يستتر - من الكهوف ونحوها، ولو كان ~~الخالق غير مختار لكانت على سنن واحد لا ظلال ولا أكنان؛ ثم أتبع ذلك ما ~~هداهم إليه عوضا مما جعله لسائر الحيوان فقال: {وجعل لكم} أي منا منه عليكم ~~{سرابيل} أي ثيابا {تقيكم الحر} وهي كل ما لبس من قميص وغيره - كما قال ~~الزجاج. # ولما كانت السرابيل نوعا واحدا، لم يكرر «جعل» فقال تعالى: {وسرابيل} أي ~~دروعا ومغافر وغيرها {تقيكم بأسكم} أضافه إليهم إفهاما لأنه الحرب، وذلك ~~كما جعل لبقية الحيوان - من الأصواف ونحوها والأنياب والأظفار ونحوها - ما ~~هو نحو ذلك يمنع # PageV11P226 # من الحر والبرد، ومن سلاح العدو، ولم يذكر سبحانه هنا وقاية البرد ~~لتقدمها في قوله تعالى {لكم فيها دفء} [النحل: 5] . # ولما تم ذلك كان كأنه قيل: نبهنا سبحانه بهذا الكلام على تمام ms2574 نعمة ~~الإيجاد، فهل بعدها من نعمة؟ فقال: نعم! {كذلك} أي كما أتم نعمة الإيجاد ~~عليكم هذا الإتمام العظيم بهذه الأمور ونبهكم عليها {يتم نعمته عليكم} في ~~الدنيا والدين بالهداية والبيان لطريق النجاة والمنافع، والتنبيه على دقائق ~~ذلك بعد جلائله {لعلكم تسلمون *} أي ليكون حالكم - بما ترون من كثرة إحسانه ~~بما لا يقدر عليه غيره مع وضوح الأمر - حال من يرجى منه إسلام قياده لربه، ~~فلا يسكن ولا يتحرك إلا في طاعته. # PageV11P227 # فلما صار هذا البيان، إلى أجلى من العيان، كان ربما وقع في الوهم أنهم إن ~~لم يجيبوا لحق الداعي بسبب إعراضهم حرج، فقال تعالى نافيا لذلك معرضا عنهم ~~بإعراض المغضب، مقبلا عليه # PageV11P227 # صلى الله عليه وعلى آله وسلم إقبال المسلي، معبرا بصيغة التفعل المفهمة ~~لأن الفطر الأولى داعية إلى الإقبال على الله فلا يعرض صاحبها عما يرضيه ~~سبحانه إلا بنوع معالجة: {فإن تولوا} أي كلفوا أنفسهم الإعراض ومتابعة ~~الأهواء فلا تقصير عليك بسبب توليهم ولا حرج {فإنما} أي بسبب أنه إنما ~~{عليك البلاغ المبين *} وليس عليك أن تردهم عن العناد، فكأنه قيل: فهل كان ~~إعراضهم عن جهل أو عناد؟ فقيل فيهم وفيهم: {يعرفون} أي كلهم {نعمت الله} أي ~~الملك الأعظم، التي تقدم عد بعضها في هذه السورة وغيرها {ثم ينكرونها} ~~بعبادتهم غير المنعم بها أو بتكذيب الآتي بالتنبيه عليها، بعضهم لضعف ~~معرفته، وبعضهم عنادا، وكان بعضهم يقول: هي من الله ولكن بشفاعة آلهتنا ~~{وأكثرهم} أي المدعوين بالنسبة إلى جميع أهل الأرض الذين أدركتهم دعوته صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم {الكافرون *} أي المعاندون الراسخون في الكفر. # ولما كان من أجل المقاصد بهذه الأساليب التخويف من البعث، وكان من ~~المعلوم أنه ليس بعد الإعراض عن البيان والإصرار على كفران المعروف من ~~الإحسان إلا المجازاة لأن الحكيم يمهل ولا يهمل، # PageV11P228 # قال تعالى: عاطفا على ثمرة {فإنما عليك البلاغ المبين} وهي: فبلغهم وبين ~~لهم ولا تيأس من رجوعهم: {ويوم} أي وخوفهم يوم {نبعث} بعد البعث {من كل أمة ~~شهيدا} يحكم بقوله الملك ms2575 إجراء للأمر على ما يتعارفون وإن كان غنيا عن ~~شهيد. # ولما كان الإذن لهم في الاعتذار في بعض المواقف الطويلة في ذلك اليوم ~~متعذرا، عبر عنه سبحانه بأداة البعد فقال تعالى: {ثم لا يؤذن} أي لا يقع ~~إذن على تقدير من التقادير {للذين كفروا} أي بعد شهادة الشهداء في الاعتذار ~~كما يؤذن في هذه الدار للمشهود عليه عند السؤال في الإعذار، لأنه لا عذر ~~هناك في الحقيقة {ولا هم} أي خاصة {يستعتبون *} أي ولا يطلب منهم الإعتاب ~~المؤثر للرضى وهو إزالة العتب وهو الموجدة المعبر بها عن الغضب المعبر به ~~عن آثاره من السطوة والانتقام، وأخذ العذاب لأهل الإجرام من قبيح ما ~~ارتكبوا، لأن تلك الدار ليست بدار تكليف؛ ثم وصل به أن ما يوجبه الغضب يدوم ~~عليهم في ذلك اليوم، فقال تعالى عاطفا على # PageV11P229 # ما بعد «ثم» : {وإذا رءا} وأظهر موضع الإضمار تعميما فقال تعالى: {الذين ~~ظلموا} فعبر بالوصف الموجب للعذاب {العذاب} بعد الموقف وشهادة الشهداء، ~~وجزاء الشرط محذوف لدلالة ما قرن بالفاعلية تقديره: لابسهم {فلا يخفف} أي ~~يحصل تخفيف بنوع من الأنواع ولا بأحد من الخلق {عنهم} شيء منه {ولا هم ~~ينظرون *} بالتأخير ولا لحظة بوجه من الوجوه على تقدير من التقادير من أحد ~~ما. # ولما بين سبحانه حاصل أمرهم في البعث وما بعده، وما من أهم المهم أمرهم ~~في الموقف مع شركائهم الذين كانوا يترجونهم، عطف على ذلك قوله تعالى: {وإذا ~~رءا} أي بالعين يوم القيامة {الذين أشركوا} فأظهر أيضا الوصف المناسب ~~للمقام {شركاءهم} أي الآلهة التي كانوا يدعونها شركاء {قالوا ربنا} يا من ~~أحسن إلينا وربانا! {هؤلاء شركاؤنا} أضافوهم إلى أنفسهم لأنه لا حقيقة ~~لشركتهم سوى تسميتهم لها الموجب لضرهم؛ ثم بينوا المراد بقولهم: {الذين كنا ~~ندعوا} أي نعبد. # ولما كانت المراتب متكثرة دون رتبته سبحانه لأن علوه غير منحصر، أدخل ~~الجار فقال تعالى: {من دونك} ليقربونا إليك، فأكرمنا لأجلهم # PageV11P230 # جريا على منهاجهم في الدنيا في الجهل والغباوة، فخاف الشركاء من عواقب ~~هذا القول والإقرار عليه ms2576 سطوات الغضب {فألقوا} أي الشركاء {إليهم} أي ~~المشركين {القول} أي بادروا به حتى كان إسراعه إليهم إسراع شيء ثقيل يلقى ~~من علو؛ وأكدوا قولهم لأنه مطاعنة لقول المشركين فقالوا: {إنكم لكاذبون *} ~~في جعلنا شركاء وأنا نستحق العبادة أو نشفع أو يكون لنا أمر نستحق به أن ~~نذكر {وألقوا} أي الشركاء {إلى الله} أي الملك الأعلى {يومئذ} أي يوم ~~القيامة إذ نبعث من كل أمة شهيدا {السلم} أي الانقياد والاستسلام بما علم ~~به الكفار أنهم من جملة العبيد لا أمر لهم أصلا، فأصلد زندهم، وخاب قصدهم، ~~وقيد بذلك اليوم لأنهم كانوا في الدنيا - بتزيين الشياطين لأمورهم ونطقهم ~~على ألسنتهم - بحيث يظن عابدوهم أن لهم منعة، وبهم قوة ويجوز أن يكون ضمير ~~«ألقوا» للمشركين {وضل عنهم} أي عن الكفار {ما كانوا} أي بجبلاتهم {يفترون ~~*} أي يتعمدون من دعوى النفع لهم والضر كذبا وفجورا، فكأنه قيل: هذا للذين ~~أشركوا، فما للذين كانوا دعاة إلى الشرك مانعين من الانتقال عنه؟ فقيل: ~~{الذين كفروا} أي أوجدوا # PageV11P231 # الكفر في أنفسهم {وصدوا} مع ذلك غيرهم {عن سبيل الله} أي الذي له الإحاطة ~~كلها {زدناهم} أي بما لنا من العظمة، بصدهم غيرهم {عذابا فوق العذاب} الذي ~~استحقوه على مطلق الشرك {بما كانوا} أي كونا جبليا {يفسدون *} أي يوقعون ~~الفساد ويجددونه؛ ثم كرر التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته ~~الآية السالفة، وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم، وتكون بحضرتهم، فقال ~~تعالى: {ويوم} أي وخوفهم يوم {نبعث} أي بما لنا من العظمة {في كل أمة} من ~~الأمم {شهيدا} أي هو في أعلى رتب الشهادة {عليهم} . # ولما كانت بعثة الأنبياء السابقين عليهم السلام خاصة بقومهم إلا قليلا، ~~قال: {من أنفسهم} وهو نبيهم. # ولما كان لذلك اليوم من التحقق ما لا شبهة فيه بوجه وكذا شهادة النبي صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم، عبر بالماضي إشارة إلى ذلك، وإلى أنه صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم لم يزل من حين بعثه متصفا بهذه الصفة العلية فقال ms2577 ~~تعالى: {وجئنا} أي بما لنا من العظمة {بك شهيدا} أي شهادة هي مناسبة ~~لعظمتنا {على هؤلاء} أي الذين بعثناك # PageV11P232 # إليهم وهم أهل الأرض، وأكثرهم ليس من وقوعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~ولذلك لم يقيد بعثته بشيء؛ ثم بين أنه لا إعذار في شهدائه فإنه لا حجة في ~~ذلك اليوم لمن خالف أمره اليوم، لأنه سبحانه أزاح العلل، وترك الأمر على ~~بيضاء نقية ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فقال عاطفا على قوله ~~{وما أنزلنا عليك الكتاب} - الآية، المتعقب لقوله {لا جرم} - الآيتين: ~~{ونزلنا} أي بعظمتنا بحسب التدريج والتنجيم {عليك الكتاب} الجامع للهدى ~~{تبيانا} أي لأجل البيان التام، قالوا: وهو اسم وليس بمصدر كتلقاء {لكل ~~شيء} ورد عليك من أسئلتهم ووقائعهم وغير ذلك، وهو في أعلى طبقات البيان كما ~~أنه في أعلى طبقات البلاغة، لأن المعنى به أسرع إلى الأفهام وأظهر، في ~~الإدراك، والنفس أشد تقبلا له لما هو عليه من حسن النظام والقرب إلى ~~الافهام، وإنما احتيج إلى تفسيره مع أنه في نهاية البيان لتقصير الإنسان في ~~العلم بمذاهب العرب الذين هم الأصل في هذا اللسان، وتقصير العرب عن جميع ~~مقاصده كما قصروا عن درجته في البلاغة، فرجعت الحاجة إلى تقصير الفهم لا ~~إلى تقصير الكلام في البيان، ولهذا تفاوت الناس في فهمه لتفاوتهم في درجات ~~البلاغة ومعرفة طرق العرب في جميع أساليبها؛ قال الإمام الشافعي # PageV11P233 # رضي الله عنه في آخر خطبة الرسالة بعد أن دعا الله تعالى أن يرزقه فهما ~~في كتابه ثم في سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فليست تنزل بأحد من ~~أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، واحتج ~~بآيات منها هذه، وذلك لأنه سبحانه بين فيه التوحيد والمبدأ والمعاد والأمر ~~والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام بالنص على بعضها، وبالإحالة على ~~السنة في الآخر، وعلى الإجماع في نحو قوله تعالى {ويتبع غير سبيل المؤمنين} ~~[النساء: 115] وعلى الاقتداء بالخلفاء الراشدين في قوله صلى الله عليه وعلى ms2578 ~~آله وسلم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» وبالاقتداء بجميع ~~أصحابه رضي الله عنهم في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أصحابي كالنجوم ~~بأيهم اقتديتم اهتديتم» وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد ~~ولم يخرج أحد منهم عن الكتاب والسنة، فهو من دلائل النبوة في كونه صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم شهيدا لكونه ما أخبر عنهم إلا بما هم أهله. # PageV11P234 # ولما كان لتبيان قد يكون للضلال، قال تعالى: {وهدى} أي موصلا إلى ~~المقصود. ولما كان ذلك قد لا يكون على سبيل الإكرام، قال تعالى: {ورحمة} ~~ولما كان الإكرام قد لا يكون بما هو في أعلى طبقات السرور، قال سبحانه: ~~{وبشرى} أي بشارة عظيمة جدا {للمسلمين} ويجوز أن يكون التقدير {في كل أمة ~~شهيدا عليهم} وهو رسولهم الذي أرسلناه إليهم في الدنيا {وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلاء} لكوننا أرسلناك إليهم وجعلناك أمينا عليهم {ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء} فلا عذر لهم، فيكون معطوفا على ما دل الكلام السابق دلالة ~~واضحة على تقديره. # PageV11P235 # ولما بين تعالى فضل هذا القرآن بما يقطع حجتهم، وكان قد قدم فضل من يأمر ~~بالعدل وهو على صراط مستقيم، أخذ يبين اتصاف القرآن ببيان كل شيء، وتضمنه ~~لذلك الطريق الأقوم، فقال تعالى جامعا لما يتصل بالتكاليف فرضا ونفلا، وما ~~يتصل بالأخلاق والآداب عموما وخصوصا: {إن الله} أي الملك المستجمع لصفات ~~الكمال {يأمر بالعدل} وهو الإنصاف الذي لا يقبل عمل يدونه، # PageV11P235 # وأول درجاته التوحيد الذي بنيت السورة عليه، والعدل يعتبر تارة في المعنى ~~فيراد به هيئة في الإنسان تطلب بها المساواة، وتارة في العقل فيراد به ~~التقسيط القائم على الاستواء، وتارة يقال: هو الفضل كله من حيث إنه لا يخرج ~~شيء من الفضائل عنه، وتارة يقال: هو أكمل الفضائل من حيث إن صاحبه يقدر على ~~استعماله في نفسه وفي غيره، وهو ميزان الله المبرأ من كل زلة وبه يستتب أمر ~~العالم، وبه قامت السماوات والأرض، وهو وسط كل أطرافه جور، وبالجملة الشرع ~~مجمع العدل، وبه ms2579 تعرف حقائقه، ومن استقام على نهج الحق فقد استتب على منهج ~~العدل - ذكره الرازي في اللوامع وفيه تلخيص، وفي آخر الجزء الخامس عشر من ~~الثقفيات أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال لمحمد بن كعب القرظي رضي ~~الله عنه: صف لي العدل، فقال: كن لصغير الناس أبا، ولكبيرهم ابنا، وللمثل ~~أخا، وللنساء كذلك، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر أجسامهم، ولا تضربن # PageV11P236 # لغضبك سوطا واحدا فتعدى فتكون من العادين انتهى. {والإحسان} وهو فعل ~~الطاعة على أعلى الوجوه، فالعدل فرض، والإحسان فضل، وهو مجاوزة النصفة إلى ~~التحامل على النفس، لأنه ربما وقع في الفرض نقص فجبر بالنفل، وهو في ~~التوحيد الارتقاء عن أول الدرجات، ومن أعلاه الغنى عن الأكوان، وتكون ~~الأكوان في غيبتها عند انبساط نور الحق كالنجوم في انطماسها عند انتشار نور ~~الشمس، وغايته الفناء حتى عن هذا الغنى، وشهود الله وحده، وهو التوحيد على ~~الحقيقة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه «الإحسان أن تعبد ~~الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وهو روح الإنسانية، ففي الجزء ~~الثامن من الثقفيات عن عاصم بن كليب الجرمي قال:: «حدثني أبي كليب أنه شهد ~~مع أبيه جنازة شهدها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: وأنا ~~غلام أعقل وأفهم، قال: فانتهى بالجنازة إلى القبر ولما يمكن لها فجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقولسو ذا أو خذ ذا! قال: حتى ظن الناس ~~أنها سنة، فالتفت إليهم فقال: أن هذا لا ينفع الميت ولا يضره، ولكن الله ~~تعالى يحب من العامل إذا # PageV11P237 # عمل أن يحسن» # {وإيتاء ذي القربى} فإنه من الإحسان، وهو أولى الناس بالبر، وذلك جامع ~~للاحسان في صلة الرحم. # ولما أمر بالمكارم، نهى عن المساوىء والملائم فقال تعالى: {وينهى عن ~~الفحشاء} وهي ما اشتد تقصيره عن العدل فكان ضد الإحسان {والمنكر} وهو ما ~~قصر عن العدل في الجملة {والبغي} وهو الاستعلاء على الغير ظلما، وقال ~~البيضاوي في سورة الشورى: ms2580 هو طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتجزأ كمية أو كيفية. ~~وهو من المنكر، صرح به اهتماما، وهو أخو قطيعة الرحم ومشارك لها في تعجيل ~~العقوبة «ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة مع ما يدخر له في ~~الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي بكرة ~~رضي الله عنه ورفعه، وأصل البغي الإدارة، كأنه صار بفهم هذا المعنى المحظور ~~- المحذور عند حذف مفعوله، لأن الإنسان - لكونه مجبولا على النقصان - لا ~~يكاد يصلح منه إرادة، فعليه أن يكون مسلوب الاختيار، مع الملك الجبار، ~~الواحد القهار، فتكون إرادته تابعة لإرادته، واختياره من وراء طاعته، وعن ~~الحسن أن الخلقين # PageV11P238 # الأولين ما تركا طاعة إلا جمعاها والأخيرين ما تركا معصية إلا جمعاها. # ولما دعا هذا الكلام على وجازته إلى أمهات الفضائل لي هي العلم والعدل ~~والعفة والشجاعة، وزاد من الحسن ما شاء، فإن الإحسان من ثمرات العفة، ~~والنهي عن البغي الذي هو من ثمرات الشجاعة المذمومة إذن فيما سواه منها، ~~ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالعلم وكان هذا أبلغ وعظ، نبه عليه سبحانه بقوله ~~تعالى: {يعظكم} أي يأمركم بما يرقق قلوبكم من مصاحبة ثلاثة ومجانبة ثلاثة ~~{لعلكم تذكرون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى تذكره، لما في ذلك من المعالي ~~بما وهب الله من العقل، الداعي إلى كل خير، الناهي عن كل ضير، فإن كل أحد ~~من طفل وغيره يكره أن يفعل معه شيء من هذه المنهيات، فمن كان له عقل واعتبر ~~بعقله علم أن غيره يكره منه ما يكره هو منه، ويعلم أنه إن لم يكف عن فعل ما ~~يكره أخوه وقع التشاجر، فيحصل الفساد المؤدي إلى خراب الأرض، هذا في الفعل ~~مع أمثاله من المخلوقين، فكيف بالخالق بأن يصفه بما لا يليق به سبحانه، وعز ~~اسمه، وتعالى جده، وعظم أمره! . # PageV11P239 # ولما تقررت هذه الجمل التي جمعت - بجمعها للمأمورات والمنهيات ما تضيق ~~عنه الدفاتر والصدور، وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب أنها بلغت قاموس ~~البحر وتعالت عن ms2581 طوق البشر، عطف على ما أفهمه السياق - من نحو: فتذكروا أو ~~فالزموا ما أمرتم به ونابذوا ما نهيتم عنه - بعض ما أجملته، وبدأ بما هو مع ~~جمعه أهم وهو الوفاء بالعهد الذي يفهم منه العلماء بالله ما دل عليه العقل ~~من الحجج القاطعة بالتوحيد وصدق الرسل ووجوب اتباعهم، فكانت أعظم العهود، ~~ويفهم منه غيرهم ما يتعارفونه مما يجري بينهم من المواثيق، فإذا ساروا فيها ~~بما أمر سبحانه وتحروا رضاه علما منهم بأنه العدل، قادهم ذلك إلى رتبة ~~الأولين فقال تعالى: {وأوفوا} أي أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في الحقيقة ~~غيره {بعهد الله} أي الملك الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل والنقل من ~~التوحيد وغيره من أصول الدين وفروعه # {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} [الرعد: 20] {وما يضل به إلا ~~الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} [البقرة: 27] {إذا عاهدتم} ~~بتقبلكم له بإذعانكم لأمثاله من الأدلة فيما عرف من عوائدكم، وصرحتم به # PageV11P240 # عند شدائدكم {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} ثم عطف عليه ما هو من جنسه ~~وأخص منه فقال تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان} واحترز عن لغو اليمين بقوله ~~تعالى: {بعد توكيدها} وحذف الجار لأن المنهي عنه إنما هو استغراق زمان ~~البعد بالنقض، وذلك لا يكون إلا بالكذب الشامل له كله، بعضه بالقوة وبعضه ~~بالفعل، ولعله جمع إشارة إلى أن المذموم استهانتها من غير توقف على كفارة، ~~لأن من فعل ذلك ولو في واحدة كان فاعلا ذلك في الجميع، بخلاف من ينقض ما ~~نقضه خير بالكفارة فإنه ناقض للبعض لا للكل، لأنه دائر مع الخير والأول ~~دائر مع الهوى؛ ثم حذرهم من النقض بأنه مطلع قادر، فقال تعالى مقبحا حالهم ~~إذ ذاك: {وقد جعلتم الله} أي الذي له العظمة كلها {عليكم كفيلا} أي شاهدا ~~ورقيبا. # ولما كان من شأن الرقيب حفظ أحوال من يراقبه، قال تعالى مرغبا مرهبا: {إن ~~الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {يعلم ما تفعلون *} فلم تفعلوا شيئا إلا ~~بمشيئته وقدرته، فكانت كفالته مجعولة بهذا الاعتبار ms2582 وإن لم يصرح بالجعل، ~~فمتى نقضتم فعل بكم فعل الكفيل القادر # PageV11P241 # بالمكفول المماطل من أحد الحق والعقوبة. # ولما أمر بالوفاء ونهى عن النقض، شرع في تأكيد وجوب الوفاء وتحريم النقض ~~وتقبيحه تنفيرا منه فقال تعالى: {ولا تكونوا} أي في نقضكم لهذا الأمر ~~المعنوي {كالتي نقضت غزلها} ولما كان النقض لم يستغرق زمان البعد، قال ~~تعالى: {من بعد قوة} عظيمة حصلت له {أنكاثا} أي أنقاضا، جمع نكث وهو كل شيء ~~نقض بعد الفتل سواء كان حبلا أو غزلا، فهو مصدر مجموع من نقضت لأنه بمعنى ~~نكثت، قال في القاموس: النكث - بالكسر أن تنقض أخلاق الأكسية لتغزل ثانية. ~~فيكون مثل جلست قعودا، أي فتكونوا بفعلكم ذلك كهذه المرأة التي ضربتم المثل ~~بها في الخرق مع ادعائكم أنه يضرب بأدناكم المثل في العقل، ثم وصل بذلك ما ~~يعرف أنهم أسفه من تلك المرأة بسبب أن ضررها لا يتعداها، وأما الضرر بفعلهم ~~فإنه مفسد لذات البين فقال تعالى: {تتخذون} # PageV11P242 # أي بتكليف الفطرة الأولى ضد ما تدعو إليه من الوفاء {أيمانكم دخلا} أي ~~فيضمحل كونها أيمانا إلى كونها ذريعة إلى الفساد بالخداع والغرور {بينكم} ~~من حيث إن المحلوف له يطمئن فيفجأه الضرر، ولو كان على حذر لما نيل منه ولا ~~جسر عليه، وكل ما أدخل في الشيء على فساد فهو دخل {إن} أي تفعلون ذلك بسب ~~أن {تكون أمة} أي وهي الخادعة أو المخدوعة لأجل سلامتها {هي} أي خاصة ~~{أربى} أي أزيد وأعلى {من أمة} في القوة أو العدد، فإذا وجدت نفادا ~~لزيادتها غدرت. # ولما عظم عليهم النقض، وبين أن من أسبابه الزيادة، حذرهم غوائل البطر ~~فقال تعالى: {إنما يبلوكم} أي يختبركم {الله} أي الذي له الأمر كله {به} أي ~~يعاملكم معاملة المختبر بالأيمان والزيادة ليظهر للناس تمسككم بالوفاء أو ~~انخلاعكم منه اعتمادا على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من ~~المؤمنين «أو غيرهم» مع قدرته سبحانه على ما يريد، فيوشك أن يعاقب ~~بالمخالفة فيضعف القوي ويقلل # PageV11P243 # الكثير {وليبينن لكم} أي إذا تجلى لفصل ms2583 القضاء {يوم القيامة} مع هذا كله ~~{ما كنتم} أي بجبلاتكم {فيه تختلفون *} فاحذروا يوم العرض على ملك الملوك ~~بحضرة الرؤساء والملوك وجميع المعبودات والكل بحضرته الشماء داخرون، ولديه ~~صاغرون، ومن نوقش الحساب يهلك. # PageV11P244 # ولما أمر ونهى، وخوف من العذاب في القيامة، وكان ربما ظن من لا علم له - ~~وهم الأكثر - من كثرة التصريح بالحوالة على القيامة نقص القدرة في هذه ~~الدار، صرح بنفي ذلك بقوله تعالى: {ولو شاء الله} أي الملك الأعلى الذي لا ~~أمر لأحد معه، أن يجعلكم أمة واحدة لا خلاف بينكم في أصول الدين ولا فروعه ~~{لجعلكم أمة واحدة} متفقة على أمر واحد لا تؤم غيره، منفيا عنها أسباب ~~الخلاف {ولكن} لم يشأ ذلك وشاء اختلافكم، فهو {يضل من يشاء} عدلا منه، لأنه ~~تام الملك عام الملك ولو كان الذي أضله على أحسن الحالات {ويهدي} بفضله {من ~~يشاء} ولو كان على أخس الأحوال، # PageV11P244 # فبذلك يكونون مختلفين في المقاصد، يؤم هذا غير ما يؤمه هذا، فيأتي الخلاف ~~مع تأدية العقل إلى أن الاجتماع خير من الافتراق فالاختلاف مع هذا من قدرته ~~الباهرة. # ولما تقرر بهذا أن الكل فعله وحده فلا فعل لغيره أصلا، كان ربما أوقع في ~~الوهم أنه لا حرج على أحد في شيء يفعله بين أن السؤال يكون عن المباشرة ~~ظاهرا على ما يتعارف الناس في إسناد الفعل إلى من ظهر اكتسابه له، فقال ~~تعالى مرغبا مرهبا مؤكدا لإنكارهم البعث عما ينشأ عنه: {ولتسئلن عما كنتم} ~~أي كونا أنتم مجبولون عليه {تعلمون *} وإن دق، فيجازي كلا منكم على عمله ~~وإن كان غنيا عن السؤال، فهو بكل شيء عليم. # ولما بين أن الكذب وما جر إليه أقبح القبائح، وأبعد الأشياء عن المكارم، ~~وكان من أعظم أسباب الخلاف، فكان أمره جديرا بالتأكيد، أعاد الزجر عنه ~~بأبلغ مما مضى بصريح النهي مرهبا مما يترتب على ذلك، فقال معبرا بالافتعال ~~إشارة إلى أن ذلك لا يفعل # PageV11P245 # إلا بعلاج شديد من النفس لأن الفطرة السليمة يشتد نفارها منه: {ولا ~~تتخذوا أيمانكم ms2584 دخلا} أي فسادا ومكرا وداء وخديعة {بينكم} أي في داخل ~~عقولكم وأجسامكم {فتزل} أي فيكون ذلك سببا لأن تزل {قدم} هي في غاية العظمة ~~بسبب الثبات {بعد ثبوتها} عن مركزها الذي كانت به من دين أو دنيا، فلا يصير ~~لها قرار فتسقط عن مرتبتها، وزلل القدم تقوله العرب لكل ساقط في ورطة بعد ~~سلامة {وتذوقوا السوء} مع تلك الزلزلة {بما صددتم} أي أنفسكم ومنعتم غيركم ~~بأيمانكم التي أردتم بها الإفساد لإخفاء الحق {عن سبيل الله} أي الملك ~~الأعلى، يتجدد لكم هذا الفعل ما دمتم على هذا الوصف {ولكم} مع ذلك {عذاب ~~عظيم} ثابت غير منفك إذا متم على ذلك. # ولما كان هذا خاصا بالأيمان، أتبعه النهي عن الخيانة في عموم العهد ~~تأكيدا بعد تأكيد للدلالة على عظيم النقض فقال تعالى: {ولا تشتروا} أي ~~تكلفوا أنفسكم لجاجا وتركا للنظر في # PageV11P246 # العواقب أن تأخذوا وتستبدلوا {بعهد الله} أي الذي له الكمال كله {ثمنا ~~قليلا} أي من حطام الدنيا وإن كنتم ترونه كثيرا، ثم علل قلته بقوله تعالى: ~~{إنما عند الله} أي الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين {هو خير لكم} ~~ولا يعدل عن الخير إلى ما دونه إلا لجوج ناقص العقل؛ ثم شرط علم خيريته ~~بكونهم من ذوي العلم فقال تعالى: {إن كنتم} أي بجبلاتكم {تعلمون *} أي ممن ~~يتجدد له علم ولم تكونوا في عداد البهائم، فصار العهد الشامل للأيمان ~~مبدوءا في هذه الآيات بالأمر بالوفاء به ومختوما بالنهي عن نقضه، والأيمان ~~التي هي أخص منه وسط بين الأمر والنهي المتعلقين به، فصار الحث عليها على ~~غاية من التأكيد عظيمة ورتبة من التوثيق جليلة، ثم بين خيريته وكثرته بقوله ~~تعالى على سبيل التعليل: {ما عندكم} أي من أعراض الدنيا، وهو الذي تتعاطونه ~~بطباعكم {ينفد} أي يفنى، فصاحبه منغص العيش أشد ما يكون به اغتباطا ~~بانقطاعه أو بتجويز انقطاعه إن كان في عداد من يعلم {وما عند الله} أي الذي # PageV11P247 # له الأمر كله من الثواب {باق} فليؤتينكم منه إن ثبتم على عهده؛ ms2585 ثم لوح ~~بما في ذلك من المشقة عطفا على هذا المقدر فقال تعالى مؤكدا لأجل تكذيب ~~المكذبين: {ولنجزين} أي الله - على قراءة الجماعة بالياء ونحن - على قراءة ~~ابن كثير وعاصم بالنون التفاتا إلى التكلم للتعظيم {الذين صبروا} على ~~الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي {أجرهم} ولما كان كرماء الملوك يوفون ~~الأجور بحسب الأعمال من الأحسن وما دونه، أخبر بأنه يعمد إلى الأحسن فيرفع ~~الكل إليه ويسوي الأدون به فقال: {بأحسن ما كانوا} أي كونا هو جبلة لهم ~~{يعملون *} . # ولما وعد بعد أن توعد، أتبعه ما يبين أن ذلك لا يخص شريفا ولا وضيعا، ~~وإنما هو دائر مع الوصف الذي رمز إليه فيما مضى بالعدل تارة، وبالعهد أخرى، ~~وهو الإيمان، فقال تعالى جوابا لمن كأنه قال: هذا خاص بأحد دون أحد، مرغبا ~~في عموم شرائع الإسلام: {من عمل صالحا} ولما كانت عامة، وكانت ربما خصت ~~الذكور، بين المراد من عمومها بقوله تعالى: {من ذكر أو أنثى} فعم ثم قيد ~~مشيرا بالإفراد إلى قلة الراسخين # PageV11P248 # بقوله تعالى: {وهو مؤمن} . # ولما كان الإنسان كلما علا في درج الإيمان، كان جديرا بالبلاء والامتحان، ~~بين تعالى أن ذلك لا ينافي سعادته، ولذلك أكد قوله: {فلنحيينه} دفعا لما ~~يتوهمه المستدرجون بما يعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا {حياة طيبة} أي ~~في الدنيا بما نؤتيه من ثبات القدم، وطهارة الشيم {ولنجزينهم} كلهم {أجرهم} ~~في الدنيا والآخرة {بأحسن ما كانوا} أي كونا جبليا {يعملون *} قال العلماء ~~رضي الله عنهم: المطيع في عيشه هنيئة، إن كان موسرا فلا كلام فيه، وإن كان ~~معسرا فبالقناعة والرضى بحكم النفس المطمئنة، والفاجر بالعكس، إن كان معسرا ~~فواضح، وإن كان موسرا فحرصه لا يدعه يتهنأ فهو لا يزال في عيشة ضنك. # ولما تقررت هذه الأحكام على هذه الوجوه الجليلة، وأشارت بحسن ألفاظها ~~وشرف سياقها إلى أغراض هي مع جلالتها غامضة دقيقة، فلاح بذلك أن القرآن ~~تبيان لكل شيء في حق من سلم من غوائل الهوى وحبائل الشيطان، وختم ذلك بالحث ~~على العمل الصالح، ms2586 وكان القرآن تلاوة وتفكرا وعملا بما ضمن # PageV11P249 # أجل الأعمال الصالحة، تسبب عن ذلك الأمر بأنه إذا قرىء هذا القرآن المنزل ~~على مثل تلك الأساليب الفائقة يستعاذ من الشيطان لئلا يحول بوساوسه بين ~~القارىء وبين مثل تلك الأغراض والعمل بها، وحاصله الحث على التدبر وصرف ~~جميع الفكر إلى التفهم والالتجاء إليه تعالى في كل عمل صالح لئلا يفسده ~~الشيطان بوساوسه، أو يحول بين الفهم وبينه، بيانا لقدر الأعمال الصالحة، ~~وحثا على الإخلاص فيها وتشمير الذيل عند قصدها، لا سيما أفعال القلوب التي ~~هي أغلب ما تقدم هنا، فقال تعالى مخاطبا لأشرف خلقه ليفهم غيره من باب ~~الأولى فيكون أبلغ في حثه وأدعى إلى اتباعه: {فإذا قرأت} أي أردت أن تقرأ ~~مثل {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا} [الأعراف: 4] {القرآن} الذي هو ~~قوام العمل الصالح والداعي إليه والحاث عليه، مع كونه تبيانا لكل شيء، وهو ~~اسم جنس يشمل القليل منه والكثير {فاستعذ} أي إن شئت جهرا وإن شئت سرا؛ قال ~~الإمام الشافعي: والإسرار أولى في الصلاة، وفي قول: يجهر كما يفعل خارج ~~الصلاة. {بالله} أي سل الذي له الكمال كله أن يعيذك {من الشيطان} أي ~~المحترق باللعنة {الرجيم *} أي المطرود عن الرحمة من أن يصدك بوساوسه عن ~~اتباعه، فإنه لا عائق # PageV11P250 # عن الإذعان، لأساليبه الحسان، إلا خذلان الرحمن، بوساوس الشيطان، فقل: ~~أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن ذلك أوفق للقرآن، وقد ورد به بعض ~~الأخبار عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا وهو المشهور ونص عليه ~~الإمام الشافعي رضي الله عنه، والصارف لهذا الأمر عن الوجوب أحاديث كثيرة ~~فيها القراءة بدون ذكر تعوذ كحديث البخاري وغيره «عن أبي سعيد بن المعلى ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له ما منعك أن ~~تجيبني؟ قال: كنت أصلي، قال: ألم يقل الله: {استجيبوا لله وللرسول إذا ~~دعاكم} [الأنفال: 24] ثم قال: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن {الحمد ~~لله رب العالمين} » وفي رواية الموطأ «أنه صلى الله ms2587 عليه وعلى آله وسلم ~~نادى أبيا وأنه قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال أبي: فقرأت {الحمد ~~لله رب العالمين} حتى أتيت على آخرها» # ومن طالع كتابي «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» رأى مثل هذا ~~أحاديث جدا من أحسنها حديث # PageV11P251 # نزول سورة الكوثر، وقيل: التعوذ بعد القراءة لظاهر الآية، وختام القرآن ~~بالمعوذتين موافق لهذا القول بالنسبة إلى الحال، والقول الأول الصحيح ~~بالنسبة إلى ما ندب إليه المرتحل من قراءة الفاتحة وأول البقرة. # ولما كان ذلك ربما هو أوهم تعظيمه، نفى ذلك بقوله جوابا لمن كأنه قال: هل ~~له سلطان؟ : {إنه ليس له سلطان} أي بحيث لا يقدر المسلط عليه على الانفكاك ~~عنه {على الذين ءامنوا} بتوفيق ربهم لهم {وعلى ربهم} أي وحده {يتوكلون *} ~~ويجوز أن يكون المعنى أنه لما تقرر في الأذهان أنه لا نجاة من الشيطان، ~~لأنه سلط علينا بأنه يرانا من حيث لا نراه ويجري فينا مجرى الدم، وكانت ~~فائدة الاستعاذة الإعاذة، أشير إلى حصولها بقوله على سبيل التعليل «إنه» أي ~~استعذ بالله يعذك منه، لأنه ليس له سلطان على الذين آمنوا بالله ليردهم ~~كلهم عما # PageV11P252 # يرضي الله، وعلى ربهم وحده يتوكلون، ثم وصل بذلك ما أفهمه من أن له ~~سلطانا على غيرهم فقال تعالى: {إنما سلطانه} أي الذي يتمكن به غاية التمكن ~~بإمكان الله له {على الذين يتولونه} أي تولوه وأصروا على ذلك بتجديد ولايته ~~كل حين {والذين هم} أي بظواهرهم وبواطنهم {به} أي بالشيطان {مشركون *} ~~دائما لأنهم إذا تبعوا وساوسه، وأطاعوا أوامره فقد عبدوه فجعلوه بذلك ~~شريكا، فهم لا يتأملون دقائق القرآن بل ولا يفهمون ظواهره على ما هي عليه ~~لما أعماهم به الشيطان من وساوسه، وحبسهم به عن هذه الأساليب من محابسه، ~~فهم لا يزالون يطعنون فيه بقلوب عمية وألسنة بذية؛ ثم عطف على هذا المقدر - ~~الذي دل عليه الكلام - ما أنتجه تسلط الشيطان عليهم فقال تعالى: {وإذا ~~بدلنا} أي بعظمتنا بالنسخ {ءاية} سهلة كالعدة بأربعة أشهر وعشر، وقتال ~~الواحد من المسلمين لاثنين من ms2588 الكفار، أو شاقة كتحريم الخمر وإيجاب صلوات ~~خمس، فجعلناها # PageV11P253 # {مكان ءاية} شاقة كالعدة بحول، ومصابرة عشرة من الكفار، أو سهلة كالآيات ~~المتضمنة لإباحة الخمر وإيجاب ركعتين أول النهار وركعتين آخره، فكانت ~~الثانية مكان الأولى وبدلا منها، أو يكون المعنى: نسخنا آية صعبة فجعلنا ~~مكانها آية سهلة؛ والتبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه {والله} أي الذي ~~له الإحاطة الشاملة {أعلم بما ينزل} من المصالح بحسب الأوقات والأحوال بنسخ ~~أو بغيره {قالوا} أي الكفار {إنما أنت} أي يا محمد! {مفتر} أي فإنك تأمر ~~اليوم بشيء وغدا تنهى عنه وتأمر بضده، وليس الأمر كما قالوا {بل أكثرهم} ~~وهم الذين يستمرون على الكفر {لا يعلمون *} أي لا يتجدد لهم علم، بل هم في ~~عداد البهائم، لعدم انتفاعهم بما وهبهم الله من العقول، لانهماكهم في اتباع ~~الشيطان، حتى زلت أقدامهم في هذا الأمر الواضح بعد إقامة البرهان بالإعجاز ~~على أن كل ما كان معجزا كان من عند الله، سواء كان ناسخا أو منسوخا أو لا، ~~فصارت معرفة أن هذا القرآن وهذا غير قرآن بعرضه على هذا البرهان من أوضح ~~الأمور وأسهلها تناولا لمن أراد ذلك منهم أو من غيرهم من فرسان البلاغة # PageV11P254 # فكأنه قيل: فما أقول؟ فقال: {قل} لمن واجهك بذلك منهم: {نزله} أي القرآن ~~بحسب التدريج لأجل اتباع المصالح لإحاطة علم المتكلم به {روح القدس} الذي ~~هو روح كله، ليس فيه داع إلى هوى، فكيف يتوهم فيما ينزله افتراء لا سيما مع ~~إضافته الطهر البالغ، فهو ينزله {من ربك} أيها المخاطب الذي أحسن إليك ~~بإنزاله ثم بتبديله بحسب المصالح كما أحسن تربيتك بالنقل من حال إلى حال لا ~~يصلح في واحدة منها ما يصلح في غيرها من الظهر إلى البطن، ثم من الرضاع إلى ~~الفطام، فما بعده، فكيف تنكر تبديل الأحكام للمصالح ولا تنكر تبديل الأحوال ~~لذلك، حال كون ذلك الإنزال {بالحق} أي الأمر الثابت الذي جل عن دعوى ~~الافتراء بأنه لا يستطاع نقضه {ليثبت} أي تثبيتا عظيما {الذين آمنوا} في ~~دينهم بما ms2589 يرون من إعجاز البدل والمبدل مع تضاد الأحكام، وما فيه من الحكم ~~والمصالح بحسب تلك الأحوال - مع ما كان في المنسوخ من مثل ذلك بحسب الأحوال ~~السالفة - وليتمرنوا على حسن الانقياد، ويعلم بسرعة انقيادهم في ترك الألف ~~تمام استسلامهم وخلوصهم عن شوائب الهوى؛ ثم عطف على محل {ليثبت} قوله: ~~{وهدى} أي بيانا واضحا {وبشرى} أي بما فيه من تجدد العهد # PageV11P255 # بالملك الأعلى وتردد الرسول بينه وبينهم بوساطة نبيهم صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم {للمسلمين *} المنقادين المبرئين من الكبر الطامس للأفهام، المعمي ~~للأحلام، ولولا مثل هذه الفوائد لفاتت حكمة تنجيمه. # PageV11P256 # ولما نقض شبهتهم هذه إشارة وعبارة بما فضحهم، نقض لهم شبهة أخرى بأوضح من ~~ذلك وأفضح فقال تعالى: {ولقد نعلم} أي علما مستمرا {أنهم يقولون} أي أيضا ~~قولا متكررا لا يزالون يلهجون به {إنما يعلمه بشر} وهم يعلمون أن ذلك سفساف ~~من القول؛ ثم استأنف الرد عليهم فقال تعالى: {لسان} أي لغة وكلام {الذين ~~يلحدون} أي يميلون أو يشيرون {إليه} بإن علمه إياه، مائلين عن القصد جائرين ~~عادلين عن الحق ظالمين {أعجمي} أي غير لغة العرب، وهو مع ذلك ألكن في ~~النادية غير بين، وهو غلام كان نصرانيا لبعض قريش اختلف في اسمه، وهذا ~~التركيب وضع في لسان العرب للإبهام والإخفاء، ومنه عجم الزبيب - لاستتاره، ~~والعجماء: البهيمة - لأنها لا تقدر على أيضاح ما في نفسها، وأما أعجمت ~~الكتاب فهو للإزالة. # PageV11P256 # {وهذا} أي القرآن {لسان عربي مبين *} أي هو من شدة بيانه مظهر لغيره أنه ~~ذو بيان عظيم، فلو أن المعلم عربي للزمهم أن لا يعجزوا عن الإتيان بمثل ما ~~علم، فكيف وهو أعجمي. # فلما بانت بهذا فضيحتهم، كان كأنه قيل: إن من العجب إقدامهم على مثل هذا ~~العار وهم يدعون النزاهة؟ فأجاب بقوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون} أي ~~يصدقون كل تصديق معترفين {بآيات الله} أي الذي له العظمة كلها {لا يهديهم ~~الله} أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق، بل يضلهم عن القصد، فلذلك ~~يأتون بمثل هذه الخرافات فأبشر ms2590 لمن بالغ في العناد، بسد باب الفهم والسداد. # ولما كان ربما توهم أنه لكونه هو المضل لا يتوجه اللوم عليهم نفى ذلك ~~بقوله: {ولهم عذاب أليم *} أي بذلك، لمباشرتهم له مع حجب المراد عنهم وخلق ~~القدرة لهم، إجراء على عوائد بعض الخلق مع بعض. # ولما زيف شبههم، أثبت لهم ما قذفوه به وهو بريء منه مقصورا عليهم، فقال ~~تعالى: {إنما يفتري} أي يتعمد {الكذب الذين لا يؤمنون} أي لا يتجدد منهم ~~الإيمان {بآيات الله} أي الذي له الكمال كله، فإن ردهم لما قام الدليل على ~~أنه حق وعجزوا # PageV11P257 # عنه تعمد منهم للكذب؛ ثم قصر الكذب عليهم فقال: {وأولئك} أي البعداء ~~البغضاء {هم} أي خاصة {الكاذبون *} أي العريقون في الكذب ظاهرا وباطنا. # ولما ذكر الذين لا يؤمنون مطلقا، أتبعهم صنفا منهم هم أشدهم كفرا فقال ~~تعالى: {من} أي أي مخلوق وقع له أنه {كفر بالله} أي الذي له صفات الكمال، ~~بأن قال أو عمل ما يدل على الكفر، ولما كان الكفر كله ضارا وإن قصر زمنه، ~~أثبت الجار فقال تعالى: {ومن بعد إيمانه} بالفعل أو بالقوة، لما قام على ~~الإيمان من الأدلة التي أوصلته إلى حد لا يلبس فصار استكباره عن الإيمان ~~ارتدادا عنه وجوب الشرط دل ما قبله وما بعده على أنه: فهو الكاذب، أو فعليه ~~غضب من الله {إلا من أكره} أي وقع إكراهه على قول كلمة الكفر {وقلبه} أي ~~والحال أن قلبه {مطمئن بالإيمان} فلا شيء عليه، وأجمعوا - مع إباحة ذلك له ~~- أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر، بل إن ثبت كان ذلك أرفع درجة، والآية # «نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه # PageV11P258 # أكرهوه فتابعهم وهو كاره، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه ~~كفر، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كلا! إن عمارا ملىء إيمانا ~~من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح ms2591 عينيه ~~ويقول: إن عادوا فعد لهم بمثل ما قلت» {ولكن من شرح} أي فتح فتحا صار يرشح ~~به {بالكفر صدرا} أي منه أو من غيره بالتسبب فيه لأن حقيقة الإيمان والكفر ~~يتعلق بالقلب دون اللسان، وإنما اللسان معبر وترجمان معرف بما في القلب ~~لتوقع الأحكام الظاهرة {فعليهم} لرضاهم به {غضب} أي غضب؛ ثم بين جهة عظمه ~~بكونه {من الله} أي الملك الأعظم {ولهم} أي بظواهرهم وبواطنهم {عذاب عظيم ~~*} لارتدادهم على أعقابهم. # ولما كان من يرجع إلى الظلمات بعد خروجه منها إلى النور جديرا بالتعجب ~~منه، كان كأنه قيل: لم يفعلون، أو لم يفعل # PageV11P259 # بهم ذلك؟ فقال تعالى: {ذلك} الارتداد أو الوعيد العظيم {بأنهم} أي بسبب ~~أنهم {استحبوا} أي أحبوا حبا عظيما {الحياة الدنيا} أي الدنيئة الحاضرة ~~الفانية، فآثروها {على الآخرة} الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمن ~~من الضيق والكافر من السعة {و} بسبب {أن الله} أي الملك الذي له الغنى ~~الأكبر {لا يهدي القوم الكافرين *} الذين علم استمرارهم عليه، بل يخذلهم ~~ويسلط الشيطان عليهم يحتالهم عن دينهم. # PageV11P260 # ولما كان استمرارهم على الكفر أعجب من ارتدادهم، أتبعه سببه فقال تعالى: ~~{أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين طبع} أي ختم ختما هو كفيل بالعطب {الله} ~~أي الملك الذي لا أمر لأحد معه {على قلوبهم} ولما كان التفاوت في السمع ~~نادرا، وحده فقال تعالى: {وسمعهم وأبصارهم} فصاروا - لعدم انتفاعهم بهذه ~~المشاعر - كأنهم لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون {وأولئك} أي الأباعد من ~~كل خير {هم الغافلون *} أي الكاملو الغفلة؛ ثم أتبع ذلك جزاءهم # PageV11P260 # عليه فقال تعالى: {لا جرم} أي لا شك {أنهم في الآخرة هم} أي خاصة ~~{الخاسرون *} أي أكمل خسارة لأنهم خسروا رأس المال وهو نفوسهم، فلم يكن لهم ~~مرجع يرجعون إليه. # ولما قدم الفاتن والمفتون، أتبع ذلك ذكر حكمهما على القراءتين فقال ~~تعالى: بحرف التراخي إشارة إلى تقاصر رتبتهما عن رتبة من لم يفعل ذلك: {ثم ~~إن ربك} أي المحسن إليك بالعفو عن أمتك وتخفيف الآصار عنهم في قبول توبة من ms2592 ~~ارتد بلسانه أو قلبه {للذين هاجروا} أهل الكفر بالنزوح من بلادهم توبة إلى ~~الله تعالى مما كانوا فيه. # ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل في أي وقت كان، أشار إلى ذلك ~~بالجار فقال تعالى مبينا أن الفتنة بالأذى - وإن كان بالغا - غير قادحة في ~~الهجرة وما تبعها، فيفيد ذلك في الهجرة بدونها من باب الأولى {من بعد ما ~~فتنوا} بالبناء للمجهول - على قراءة الجماعة، لأن المضر هو الفتنة مطلقا، ~~وللفاعل على قراءة ابن عامر، أي ظلموا بأن فتنوا من آمن بالله حين كانوا ~~كفارا، # PageV11P261 # أو أعطوا الفتنة من أنفسهم ففتنوها بأن أطاعوا في كلمة الكفر، أو في ~~الرجوع مع من ردهم إلى بلاد الكفر بعد الهجرة من بعد إيمانهم {ثم جاهدوا} ~~أي أوقعوا جهاد الكفار مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توبة إلى الله ~~تعالى {وصبروا} على ذلك إلى أن ماتوا عليه {إن ربك} أي المحسن إليك بتسخير ~~من هذه صفاتهم لك. # ولما كان له سبحانه أن يغفر الذنوب كلها ما عدا الشرك، وأن يعذب عليها ~~كلها وعلى بعضها، وأن يقبل الصالح كله، وأن يرد بعضه، أشار إلى ذلك بالجار ~~فقال تعالى: {من بعدها} أي هذه الأفعال الصالحة الواقعة بعد تلك الفاسدة ~~وهي الفتنة {لغفور} أي بليغ المحو للذنوب {رحيم *} أي بليغ الإكرام فهو ~~يغفر لهم ويرحمهم. # PageV11P262 # ولما تقدم كثير من التحذير والتبشير، وتقدم أنه لا يؤذن للذين كفروا ولا ~~هم يستعتبون، وختم ذلك بانحصار الخسار في الكفار، بين اليوم الذي تظهر فيه ~~تلك الآثار، ووصفه بغير الوصف المقدم باعتبار المواقف، فقال تعالى مبدلا من ~~{يوم نبعث من كل أمة شهيدا} # PageV11P262 # {يوم تأتي} أي فيه {كل نفس} أي إنسان وإن عظم جرمها {تجادل} أي تعتذر، ~~وعبر بالمجادلة إفهاما للذفع بأقصى ما تقدر عليه، وأظهر في قوله: {عن ~~نفسها} أي ذاتها بمفردها لا يهمها غير ذلك لما يوهم الإضمار من أن كل أحد ~~يجادل عن جميع الأنفس. ولما كان مطلق الجزاء مخوفا مقلقا، بني للمفعول ~~قوله: {وتوفى كل ms2593 نفس} صالحة وغير صالحة {ما عملت} أي جزاء من جنسه {وهم} ~~ولما كان المرهوب مطلق الظلم، وكان البناء للمفعول أبلغ جزاء في نفيه قال ~~تعالى: {لا يظلمون *} أي لا يتجدد عليهم ظلم لا ظاهرا ولا باطنا، ليعلم ~~بإبدال «يوم» من ذلك المتقدم أن الخسارة بإقامة الحق عليهم لا بمجرد ~~إسكاتهم. # ولما عقب سبحانه ما ضرب سابقا من الأمثال بقوله تعالى {ورزقكم من ~~الطيبات} وتلاه بذكر الساعة بقوله تعالى: {وما أمر الساعة} إلى آخره، ~~واستمر فيما مضت مناسباته آخذا بعضه بحجز بعض حتى ختم بالساعة وآمن من ~~الظلم فيها، وبين أن الأعمال هناك هي مناط الجزاء، عطف على ما مضى - من ~~الأمثال المفروضة المقدرة المرغبة - مثلا محسوسا موجودا، مبينا أن الأعمال ~~في هذه # PageV11P263 # الدار أيضا مناط الجزاء، مرهبا من المعاجلة فيها بسوط من العذاب فقال ~~تعالى: {وضرب الله} أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما لكم أيها ~~المعاندون! {مثلا قرية} من قرى الماضين التي تعرفونها كقرية هود أو صالح أو ~~لوط أو شعيب عليهم السلام كان حالها كحالهم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنها مكة {كانت ءامنة} أي ذات أمن يأمن به أهلها في زمن الخوف {مطمئنة} أي ~~تارة بأهلها، لا يحتاجون فيها إلى نجعة وانتقال بسبب زيادة الأمن بكثرة ~~العدد وقوة المدد، وكف الله الناس عنها، ووجود ما يحتاج إليه أهلها ~~{يأتيها} أي على سبيل التجدد والاستمرار {رزقها رغدا} أي واسعا طيبا {من كل ~~مكان} برا وبحرا بتيسير الله تعالى لهم ذلك. # ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالبا، نبه تعالى لهم ذلك بالفاء فقال ~~تعالى: {فكفرت} ونبه سبحانه على سعة فضله بجمع القلة الدال على أن كثرة ~~فضلة عليهم تافهة بالنسبة إلى ما عنده سبحانه وتعالى فقال: {بأنعم الله} أي ~~الذي له الكمال كله كما كفرتم {فأذاقها الله} # PageV11P264 # أي المحيط بكل شيئ قدرة وعلما {لباس الجوع} بعد رغد العيش {والخوف} بعد ~~الأمن والطمأنينة حتى صار لهم ذلك بشموله لهم لباسا، وبشدة عركهم ذواقا، ~~فكأن النظر إلى المستعار له، ms2594 وهو هنا أبلغ لدلالته على الإحاطة والذوق، ولو ~~نظر إلى المستعار لقال: فكساها، فكان يفوت الذوق، وذلك كما نظر إليه كثير ~~في قوله: # غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال # استعار الرداء للمعروف لأنه يصون صون الرداء لما يلقى عليه، ووصفه بالغمر ~~الذي هو وصف المعروف والنوال، لا وصف الرداء الذي هو المستعار، ولو نظر ~~إليه لوصفه بالسعة أو الطول مثلا كما نظر إليه من قال ذاكرا السيف الذي ~~يصون به الإنسان نفسه: # ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا بكر بن عمرو # لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر # PageV11P265 # فنظر إلى المستعار وهو الرداء في لفظ الاعتجار، فبانت فضيحة ابن الراوندي ~~في زندقته إذ قال لابن الأعرابي: هل يذاق اللباس؟ فقال له: لا بأس يا أيها ~~النسناس! هب أن محمدا ما كان نبيا، أما كان عربيا؟ {بما كانوا} أي بجبلاتهم ~~{يصنعون *} من الكفر والكبر، قد مرنوا عليه بكثرة المداومة مرون الإنسان ~~على صنعته. # ولما كان تعالى لا يعذب حتى يبعث رسولا، حقق ذلك بقوله تعالى: {ولقد ~~جاءهم} أي أهل هذه القرية {رسول منهم} كما وقع لكم {فكذبوه} كما فعلتم ~~{فأخذهم العذاب} كما سمعتم، وإن كان المراد بها مكة فالمراد به الجوع الذي ~~دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال «اللهم أعني بسبع ~~كسبع يوسف» وأما الخوف فما كان من جهاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~لهم {وهم ظالمون *} أي عريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها، لأنهم ~~استمروا على كفرهم مع الجوع، وسألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ~~الإغاثة فدعا لهم. # PageV11P266 # ولما تقرر بما مضى من أدلة التوحيد، فثبت ثباتا لا يتطرق إليه شك أن الله ~~هو الإله وحده كما أنه هو الرازق وحده، ونبههم على دقائق في تقديره للأرزاق ~~تدل على عظمته وشمول علمه وقدرته واختياره، فثبت أنهم ظالمون فيما جعلوا ~~للأصنام من رزقه، وأنه ليس لأحد أن يتحرك إلا بأمره سبحانه، وختم ذلك ms2595 بهذا ~~المثل المحذر من كفران النعم، عقبه بقوله تعالى صادا لهم عن أفعال ~~الجاهلية: {فكلوا} أي فتسبب عن جميع ما مضى أن يقال لهم: كلوا {مما رزقكم ~~الله} أي الذي له الجلال والجمال مما عده لكم في هذه السورة وغيرها، حال ~~كونه {حلالا طيبا} أي لا شبهة فيه ولا مانع بوجه {واشكروا نعمت الله} أي ~~الذي له صفات الكمال حذرا من أن يحل بكم ما أحل بالقرية الممثل بها {إن ~~كنتم إياه} أي وحده {تعبدون *} كما اقتضته هذه الأدلة، لأن وحده هو الذي ~~يرزقكم وإلا عاجلكم بالعقوبة لأنه ليس بعد العناد عن البيان إلا الانتقام، ~~فصار الكلام في الرزق والتقريع على عدم الشكر مكتنفا الأمثال قبل وبعد. # PageV11P267 # ولما كان الإذن إنما هو في بعض الرزق في الحال المذكور فاحتيج إلى ~~معرفته، وكانت المباحات أكثر من المحظورات، حصر القليل ليعلم منه الكثير، ~~لأن كل ضدين معروفين إجمالا عين أحدهما، عرف من تعيينه الآخر، فقال تعالى: ~~{إنما حرم} أي الله الذي لا أمر لأحد معه {عليكم الميتة} التي بينت على ~~لسان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ميتة وإن ذكيت {والدم ولحم ~~الخنزير} خصه بالذكر بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله كالدين {وما ~~أهل} أي بأي إهلال كان من أي مهل كان. ولما كان مقصود السورة لبيان الكمال، ~~كان تقديم غيره لتقبيح حال المعتنى به أولى فقال تعالى: {لغير الله} أي ~~الملك الأعظم الذي لا ملك سواه {به} . # ولما كان الإنسان قد يضطر إلى أكل كل ما يمكن أكله، بين لهم أنه رفق بهم ~~فأباح لهم سد الرمق من الحرام فقال تعالى: {فمن اضطر} أي كيفما وقع له ~~الاضطرار {غير باغ} على مضطر آخر {ولا عاد} سد الرمق. # ولما كان الإذن في الأكل من هذه الأشياء حال الضرورة # PageV11P268 # إنما هو رخصة، وكانت الشهوة داعية إلى ما فوق المأذون فيه قال تعالى: ~~{فإن الله} أي المختص بصفات الكمال، بسبب تناوله منها على ما حده {غفور ~~رحيم *} فمن زاد على ما ms2596 أذن له فيه فهو جدير بالانتقام. # PageV11P269 # ولما تبين بهذه الآية - كما مضى تقريره في الأنعام - جميع المحرم أكله من ~~الحيوانات، فعلم بذلك جهلهم فيما حرموه على أنفسهم لأجل أصنامهم، صرح ~~بالنهي عنه إبلاغا في تأكيد ذلك الحصر فقال تعالى: {ولا تقولوا} أي بوجه من ~~الوجوه في وقت ما. # ولما كان تحليلهم وتحريمهم قولا فارغا ليس له حقيقة أصلا، لأنه لا دليل ~~عليه، عبر عنه بأنه وصف باللسان لا يستحق أن يدخل إلى القلب فقال تعالى: ~~{لما تصف} أي لأجل الذي تصفه {ألسنتكم} أي من الأنعام والحروث والزروع. ~~ولما حرك النفس إلى معرفة ما يقال لأجل ذلك، بين مقول ذلك القول فقال ~~تعالى: {الكذب} أي القول الذي هو عين الكذب. # ولما اشتد التشوف إلى تعيين ذلك المقول، أبدل منه فقال تعالى: {هذا حلال ~~وهذا حرام} ويجوز أن يكون {الكذب} مفعول {تصف} فتكون {ما} مصدرية، أي ~~لوصفها إياه، فكأن # PageV11P269 # حقيقة الكذب كانت مجهولة فلم تعرف إلا بوصف ألسنتهم لها، فهو مبالغة في ~~وصف كلامهم بالكذب، وما بعده مقول القول. # ولما كانوا - كما تقدم يدعون أنهم أعقل الناس، فكان اللائق بهم إرخاء ~~للعنان النسبة إلى معرفة اللوازم عند الإقدام على الملزومات، قال تعالى: ~~{لتفتروا على الله} أي الملك الأعلى {الكذب} لأن من قال على أحد ما لم يأذن ~~فيه كان قوله كذبا، وكان كذبه لقصد افتراء الكذب، وإلا لكان في غاية الجهل، ~~فدار أمرهم في مثل هذا بين الغباوة المفرطة أو قصد ما لا يقصده عاقل، وهذا ~~باب من التهكم عجيب، فكأنه قيل: فما يستحقون على ذلك؟ فأجاب بقوله تعالى: ~~{إن الذين يفترون} أي يقتطعون عمدا {على الله} أي الذي له الأمر كله ~~{الكذب} منكم ومن غيركم {لا يفلحون *} . # ولما كان الفلاح عندهم هو العيش الواسع في هذه الدنيا، أجاب من كأنه قال: ~~فإنا ننظرهم بنعمة ورفاهة؟ فقال تعالى: {متاع قليل} أي ما هم فيه لفنائه ~~وإن امتد ألف عام {ولهم} بعده {عذاب أليم *} ومن ألمه العظيم دوامه فأي ~~متاع هذا. # ولما بين ms2597 لهم نعمته بتوسعته عليهم بما ضيقوا به على أنفسهم، بين لهم نعمة ~~أخرى بتمييزهم على بني إسرائيل فقال تعالى: # PageV11P270 # {وعلى الذين هادوا} أي اليهود {حرمنا} أي بعظمتنا عقوبة لهم بعدوانهم ~~وكذبهم على ربهم {ما قصصنا} أي بما لنا من العظمة التي كان المقصوص بها ~~معجزا {عليك} . # ولما لم يكن قص ذلك عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مستغرقا زمان ~~القبل، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي في الأنعام {وما ظلمناهم} أي الذين ~~وقع منهم الهود بتحريمنا عليهم ما حرمنا {ولكن كانوا} أي دائما طبعا لهم ~~وخلقا مستمرا {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون *} أي بالبغي والكفر، فضيقنا عليهم ~~معاملة بالعدل، وعاملناكم أنتم حيث ظلمتم بالفضل، فاشكروا النعمة واحذروا ~~غوائل النقمة. # ولما بين هذه النعمة الدنيوية عطف عليها نعمة هي أكبر منها جدا، استجلابا ~~لكل ظالم، وبين عظمتها بحرف التراخي فقال تعالى: {ثم إن ربك} أي المحسن ~~إليك {للذين عملوا السوء} وهو كل ما من شأنه أن يسوء، وهو ما لا ينبغي فعله ~~{بجهالة} كما عملتم وإن عظم فعلهم وتفاحش جهلهم {ثم تابوا} . # ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل، أدخل الجار فقال تعالى: {من بعد ~~ذلك} أي الذنب ول كان عظيما، فاقتصروا على ما أذن # PageV11P271 # فيه خالقهم {وأصلحوا} بالاستمرار على ذلك {إن ربك} أي المحسن إليك بتسهيل ~~دينك وتيسيره. ولما كان إنما يغفر بعد التوبة ما عدا الشرك الواقع بعدها، ~~أدخل الجار فقال تعالى: {من بعدها} أي التوبة وما تقدمها من أعمال السوء ~~{لغفور} أي بليغ الستر لما عملوا من السوء {رحيم *} أي محسن بالإكرام فضلا ~~ونعمة. # PageV11P272 # ولما دعاهم إلى مكارم الأخلاق ونهاهم عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه ~~وإن عظم جرمه، إجابة لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام في قوله {فمن تبعني ~~فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] أتبع ذلك ذكره ترغيبا في ~~اتباعه في التوحيد والميل مع الأمر والنهي إقداما وإحجاما إن كانوا ممن ~~يتبع الحق أو يقلد الآباء، فقال على سبيل التعليل لما قبله: {إن إبراهيم} ~~أي ms2598 أباكم الأعظم إمام الموحدين {كان أمة} فيه من المنافع الدنيوية ~~والأخروية ما يوجب أن يؤمه ويقصده كل أحد يمكن انتفاعه به {قانتا} أي مخلصا ~~{لله} أي الملك الذي له الأمر كله ليس فيه شيء من الهوى {حنيفا} ميالا مع ~~الأمر والنهي بنسخ أو بغيره، فكونوا حنفاء أتباعا للحق، # PageV11P272 # لما قام عليه من الأدلة، واستنانا بأعظم آبائكم. # ولما كان السياق لإثبات الكمال لإبراهيم عليه السلام، وكانت الأوصاف ~~الثبوتية قريبة المأخذ سريعة الوصول إلى الفهم، وأتى بعدها وصف سلبي بجملة، ~~حذف نون {يكن} منها إيجازا وتقريبا للفهم تخفيفا عليه وحفظا له من أن يذهب ~~قبل تمامها إلى غير المراد، وإعلاما بأن الفعل منفي عنه عليه السلام على ~~أبلغ وجوه النفي لا ينسب إليه شيء منه ولو قل، فقيل: {ولم يك} ولما كانوا ~~مشركين هم وكثير من أسلافهم، قبح عليهم ذلك بأن أعظم من يعتقدون عظمته من ~~آبائهم ليس من ذلك القبيل، فقال تعالى: {من المشركين *} الواقفين مع الهوى، ~~فلا تكونوا منهم؛ ثم بين حاله فقال: {شاكرا} ولما كان لله على من جعله أمة ~~من النعم ما لا يحصى، بين أن ذلك كله قليل في جنب فضله، فقال مشيرا إلى ذلك ~~بجمع القلة وإلى أن الشاكر على القليل يشكر إذا أتاه الكثير من باب الأولى: ~~{لأنعمه} فهو لا يزال يزيده من فضله، فتقبل دعاءه لكم # PageV11P273 # فاشكروا الله اقتداء به ليزيدكم، فكأنه قيل: فما أثابه على ذلك؟ أو علل ~~ما قبل، فقال تعالى: {اجتباه} أي اختاره اختيارا تاما {وهداه} أي بالبيان ~~الأعظم والتوفيق الأكمل {إلى صراط مستقيم *} وهو الحنيفية السمحة، فكان ممن ~~يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، وكان مخالفا للأبكم الموصوف في المثل ~~السابق؛ ثم قال: {وءاتيناه} أي بما لنا من العظمة {في الدنيا} بلسان الصدق ~~والثناء الجميل الذي ذللنا له ألسنة الخلق {حسنة} ونبه بالتعبير عن المعطي ~~بنون العظمة على جلالته حيث جعله إماما معظما لجميع أهل الملل، فجمع القلوب ~~على محبته، وجعل له فيهم لسان صدق، ورزقه في أولاده من النبوة ms2599 والصلاح ~~والملك والكثرة ما هو مشهور. # ولما كانت عظمة الدنيا لا تعتبر إلا مقرونة بنعمة الآخرة، قال تعالى: ~~{وإنه في الآخرة} وقال تعالى -: {لمن الصالحين *} أي له ما لهم من الثواب ~~العظيم - معبرا ب «من» تعظيما لمقام الصلاح وترغيبا فيه. # ولما قرر من عظمته في الدنيا والآخرة ما هو داع إلى اتباعه، صرح بالأمر ~~به تنبيها على زيادة عظمته بأمر متباعد في الرتبة على سائر النعوت التي ~~أثنى عليه بها، وذلك كونه صار مقتدي لأفضل ولد آدم، مشيرا إلى ذلك بحرف ~~التراخي الدال على علو رتبته بعلو رتبة من أمر باتباعه فيما مهده مما أمر ~~به من التوحيد والطريق الواضح # PageV11P274 # السهل فقال سبحانه: {ثم أوحينا} أي ثم زدناه تعظيما وجلالة بأن أوحينا ~~{إليك} وأنت أشرف الخلق، وفسر الإيحاء بقوله عز وجل ترغيبا في تلقي هذا ~~الوحي أحسن التلقي باقتفاء الأب الأعظم: {أن اتبع} أي بغاية جهدك ونهاية ~~همتك. # ولما كان المراد أصل الدين وحسن الاقتضاء فيه بسهولة الانقياد والانسلاخ ~~من كل باطل، والدعوة بالرفق مع الصبر، وتكرير الإيراد للدلائل وكل ما يدعوا ~~إليه العقل الصرف والفطرة السليمة، عبر بالملة فقال تعالى: {ملة إبراهيم} ~~ولا بعد في أن يفهم ذلك الهجرة أيضا. # ولما كانت الحنيفية أشرف أخلاق إبراهيم عليه السلام، فكانت مقصودة ~~بالذات، صرح بها فقال تعالى: {حنيفا} أي الحال كونك أو كونه شديد الانجذاب ~~مع الدليل الحق؛ ورغب العرب في التوحيد ونفرهم من الشرك بقوله تعالى: {وما ~~كان} أي بوجه من الوجوه {من المشركين *} ولما دعا سبحانه فيها إلى معالي ~~الشيم وعدم الاعتراض، وختم بالأمر بالملة الحنيفية التي هي سهولة الانقياد ~~للدليل، وعدم الكون مع الجامدين، اقتداء بالأب # PageV11P275 # الأعظم، وكان الخلاف والعسر مخالفا لملته، فكان لا يجر إلى خير، وكان من ~~المعلوم أن كل حكم حدث بعده ليس من ملته، وكان اليهود يزعمون جهلا أنه كان ~~على دينهم، وكان السبت من أعظم شعائرهم، أنتج ذلك قوله تعالى جوابا لمن قد ~~يدعي من اليهود أنه كان على دينهم، وتحذيرا من العقوبة ms2600 على الاختلاف في ~~الحق بالتشديد في الأمر. {إنما جعل} أي بجعل من لا أمر لغيره {السبت} أي ~~تحريمه واحترامه أو وباله {على الذين اختلفوا فيه} حين أمرهم نبيهم بالجمعة ~~فقبل ذلك بعضهم وأراد السبت آخرون، فبدلوا بالجمعة السبت. وشدد عليهم في ~~أمره انتقاما منهم بما تفهمه التعدية ب «على» فكان ذلك وبالا عليهم، وفي ~~ذلك تذكير بنعمة التيسير علينا؛ قال البغوي؛ قال الكلبي: أمرهم موسى عليه ~~السلام بالجمعة فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما، فاعبدوه يوم ~~الجمعة، ولا تعملوا فيه عملا لصنعتكم، وستة أيام لصناعتكم، فأبوا إلا شرذمة ~~منهم وقالوا: # PageV11P276 # لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك اليوم ~~عليهم وشدد عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى عليه السلام بيوم الجمعة فقالوا: لا ~~نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، فأخذوا الأحد، فأعطى الله الجمعة هذه الأمة ~~فقبلوها وبورك لهم فيها. # وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرني معمر أخبرني من سمع مجاهدا يقول في ~~قوله تعالى {إنما جعل السبت} فقال: ردوا الجمعة وأخذوا السبت مكانه. وروى ~~الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ~~وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا ~~الله له. فهم لنا فيه تبع، فاليهود غدا والنصارى بعد غد» . # ولما كان الإشراك واضحا في أمر النصارى، استغنى بنفيه عنه عن التصريح ~~بأنه ليس على دينهم؛ ثم حذر من الاختلاف مثبتا أمر البعث فقال تعالى: {وإن ~~ربك} أي المحسن إليك بطواعية أصحابك لك {ليحكم بينهم} أي هؤلاء المختلفين ~~{فيه يختلفون *} من قبول الجمعة وردها، ومن الإذعان لتحريم الصيد وإبائه ~~وغير ذلك، فيجازى كل فريق منهم بما يستحقه. {يوم القيامة} واجتماع جميع # PageV11P277 # الخلائق {فيما كانوا} أي بجبلاتهم {فيه يختلفون *} من قبول الجمعة وردها، ~~ومن الإذعان لتحريم الصيد وإبائه وغير ذلك، فيجازى كل فريق منهم بما ~~يستحقه. # PageV11P278 # ولما قدم سبحانه ms2601 في هذه السورة حكاية كثير من استهزائهم بوعده ووعيده، ~~وتكذيبهم لرسله على أبشع وجه، والتفتير عن حرقة الحرص عليهم، المفضي إلى ~~شدة التأسف على ضلالهم وغير ذلك مما ربما أيأس منهم فأقعد عن دعائهم، ~~وأتبعه ضرب الأمثال، ونصب الجدال - على تلك المناهيج المعجزة بما يسبق من ~~ظواهرها إلى الفهم عند قرع السمع من المعاني الجليلة، والمقاصد الجميلة - ~~لعامة الخلق ما يجل عن الوصف، وإذا تأملها الخواص وجدوا فيها من دقائق ~~الحقائق، ومشارع الرقائق، ومحكم الدلائل، ومتقن المقاصد والوسائل، ما يوضح ~~- بتفاوت الأفهام وتباين الأفكار - أنه بحر لا ساحل له ولا قرار، ولا منتهى ~~لما تستخرج منه الأنظار، وختم باتباع الأب الأعظم، لما كان ذلك، وأمر ~~سبحانه نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو السميع المطيع أن يستن ~~بآثاره، ويقتدي بإضماره وإظهاره، فسر # PageV11P278 # له تلك الملة التي أمره باتباعها فقال تعالى: {ادع} أي كل من تمكن دعوته ~~{إلى سبيل ربك} أي المحسن إليك، بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه واتساعه، وهو ~~الإسلام الذي هو الملة الحنيفية {بالحكمة} وهي المعرفة بمراتب الأفعال في ~~الحسن والقبح والصلاح والفساد، وقيل لها حكمة لأنها بمنزلة المانع من ~~الفساد وما لا ينبغي أن يختار، فالحكيم هو العالم بما يمنع من الفساد - ~~قاله الرماني، وهي في الحقيقة الحق الصريح، فمن كان أهلا له دعا به ~~{والموعظة} بضرب الأمثال والوعد والوعيد مع خلط الرغبة بالرهبة والإنذار ~~بالبشارة {الحسنة} أي التي يسهل على كل فهم ظاهرها، ويروق كل نحرير ما ~~ضمنته سرائرها، مع اللين في مقصودها وتأديتها هذا لمن لا يحتمل إلا ذلك ~~{وجادلهم} أي الذين يحتملون ذلك منهم افتلهم عن مذاهبهم الباطلة إلى مذهبك ~~الحق بطريق الحجاج {بالتي هي أحسن} من الطرق بالترفق واللين والوقار ~~والسكينة، ولا تعرض عنهم # PageV11P279 # يأسا منهم، ولا تجازهم بسيىء مقالهم وقبيح فعالهم صفحا عنهم ورفقا بهم، ~~فهو بيان لأصناف الدعوة بحسب عقول المدعوين، لأن الأنبياء عليهم السلام ~~مأمورون بأن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم، وقيل: الدعوة إن كانت لتقرير ~~الدين وتثبيت الاعتقاد في ms2602 قلوب أهله - وهي مع ذلك يقينية مطهرة عن احتمال ~~نقيض - فهي الحكمة وهي لطالب الحق المذعن إن كان مستعدا للقبول بفكره ~~الثاقب، وإن كانت مقارنة لاحتمال النقيض مفيدة للظن والإقناع فهي الموعظة ~~وهي للمذعن الذي لا استعداد له، وإن كانت لإلزام الجاحدين وإفحام المعاندين ~~فهي المجادلة، فإن كانت مركبة من مقدمات مسلمة عند الجمهور أو عند الخصم ~~فقط فهي الحسنة، وإن كانت من مقدمات كاذبة غير مسلمة يراد ترويجها بالحيل ~~الباطلة والطرق الفاسدة فهي السيئة التي لا تليق بمنصف؛ ثم علل الملازمة ~~لدعائهم على هذا الوجه بقوله تعالى: {إن ربك} أي المحسن إليك بالتخفيف عنك ~~{هو} أي وحده {أعلم} أي من كل من يتوهم فيه علم {بمن ضل عن سبيله} فكان في ~~أدنى درجات الضلال - وهو أعلم بالضالين الراسخين في الجور عن الطريق - # PageV11P280 # فلا انفكاك له عن الضلال، وهو أعلم بمن اهتدى لسبيله فكان في أدنى درجات ~~الهداية {وهو} أي خاصة {أعلم بالمهتدين *} أي الذين هم في النهاية منها، ~~فالآية من الاحتباك: ذكر أولا «من ضل» دليلا على حذف ضده ثانيا، و ~~{المهتدين} ثانيا دليلا على حذف ضدهم أولا. # وأما أنت فلا علم لك بشيء من ذلك إلا بإعلامنا، وقد ألزمناك البلاغ ~~المبين، فلا تفتر عنه معرضا عن الحرص المهلك واليأس فإنه ليس عليك هداهم. # ولما بين أمر الدعوة وأوضح طرقها وقدم أمر الهجرة والإكراه في الدين ~~والفتن فيه المشير إلى ما سبب ذلك من المحن والبلاء من الكفار ظلما، وختم ~~ذلك بالأمر بالرفق بهم، عم - بعد ما خصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم به من ~~الأمر بالرفق، بالأمر لأشياعه بالعدل والإحسان كما تقدم ولو مع أعدى ~~الأعداء، والنهي عن مجازاتهم إلا على وجه العدل - فقال تعالى: {وإن عاقبتم} ~~أي كانت لكم عاقبة عليهم تتمكنون فيها من أذاهم {فعاقبوا بمثل ما} # PageV11P281 # ولما كان الأمر عاما في كل فعل من المعاقبة من أي فاعل كان فلم يتعلق ~~بتعيين الفاعل غرض، بنى للمفعول قوله تعالى: {عوقبتم به} وفي ذلك إشارة - ~~على ms2603 ما جرت به عوائد الملوك في كلامهم - إلى إدالتهم عليهم وإسلامهم في ~~يديهم، وجعله بأداة الشك إقامة بين الخوف والرجاء. # ولما أباح لهم درجة العدل، رقاهم إلى رتبة الإحسان بقوله تعالى: {ولئن ~~صبرتم} بالعفو عنهم {لهو} أي الصبر {خير للصابرين *} وأظهر في موضع الإضمار ~~تعميما وتعليقا بالوصف. # ولما كان التقدير: فاصبروا، عطف عليه إفرادا له صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم بالأمر، إجلالا له وتسلية فيما كان سبب نزول الآية من التمثيل بعمه ~~حمزه رضي الله عنه، وتنويها بعظم مقام الصبر زيادة في حث الأمة، لأن أمر ~~الرئيس أدعى لامتثال أتباعه، فقال تعالى: {واصبر} ثم اتبع ذلك بما يحث على ~~دوام الالتجاء إليه المنتج للمراقبة والفناء عن الأغيار ثم الفناء عن ~~الفناء، لئلا يتوهم أن لأحد فعلا مستقلا فقال تعالى: {وما صبرك} أي أيها ~~الرسول # PageV11P282 # الأعظم! {إلا بالله} أي الملك الأعظم الذي شرع لك هذا الشرع الأقوم وأنت ~~قائم في نصره، ولقد قابل هذا الأمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأعلى ~~مقامات الصبر، وذلك أنهم مثلوا بقتلى المسلمين في غزوة أحد إلا حنظلة ~~الغسيل رضي الله عنه فإن أباه كان معهم فتركوه له، فلما وقف النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم على عمه حمزة رضي الله عنه فوجدهم قد جدعوا أنفه وقطعوا ~~أذنيه وجبوا مذاكيره وبقروا بطنه، نظر إلى شيء لم ينظر قط إلى أوجع لقلبه ~~منه فقال: # «رحمة الله عليك، فإنك كنت فعالا للخير وصولا للرحم، ولولا أن تحزن صفيه ~~لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى، أما والله! لئن أظفرني الله بهم ~~لأمثلن بسبعين منهم» ، وقال الصحابة رضي الله عنهم: لنزيدن على صنيعهم، ~~فلما نزلت الآية بادر صلى الله عليه وعلى آله وسلم الامتثال، وكان لا يخطب ~~خطبة إلا نهى عن المثلة، وأحسن يوم الفتح بأن نهى عن قتالهم بعد أن صاروا ~~في قبضته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا. # PageV11P283 # ولما كان - بعد توطين النفس على الصبر وتفريغ القلب ms2604 من الأحنة - يرجع إلى ~~الأسف على إهلاكهم أنفسهم بتماديهم على العتو على الله تعالى، قال سبحانه: ~~{ولا تحزن عليهم} أي في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس. # ولما كان سبحانه في مقام التبشير، بالمحل الكبير والموطن الخطير، الذي ما ~~حازه قبل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشير ولا نذير، وذلك هو ~~الإسراء إلى الملكوت الأعلى، والمقام الأسمى من السماوات العلى، في حضرات ~~القدس، ومحال الأنس، ووطأ لذلك في سورة النعم بمقامات الكرم إلى أن قارب ~~الوصول إليه، أوجز في العبارة بحذف حرف مستغنى عنه دلالة عليه فقال: {ولا ~~تك} بحذف النون أشارة إلى ضيق الحالة عن أدنى إطالة: # وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار # وهذا بخلاف ما يأتي في سورة النمل إن شاء الله تعالى {في ضيق} ولو قل - ~~كما لوح إليه تنوين التحقير بما يشير إليه حذف النون، فإن أذى الكفار الذي ~~السياق للتسلية عنه لا يضرك في المقصود الذي بعثت لأجله، وهو إظهار الدين ~~وقمع المفسدين بوجه من الوجوه {مما يمكرون *} أي من استمرار مكرهم بك ~~{واعبد ربك حتى # PageV11P284 # يأتيك اليقين} وكأنك به، وقد أتى فاصبر فإن الله تعالى معزك ومظهر دينك ~~وإن كرهوا؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إن الله} أي الجامع لصفات الكمال ~~بلطفه وعونه {مع الذين اتقوا} أي وجد منهم الخوف من الله تعالى، فكانوا في ~~أول منازل التقوى، وهو مع المتقين الذين كانوا في النهاية منها، فعدلوا في ~~أفعالهم من التوحيد وغيره عملا بأمر الله في الكتاب الذي هو تبيان لكل شيء، ~~وهو مع الذين أحسنوا وكانوا في أول درجات الإحسان {والذين هم} أي بضمائرهم ~~وظواهرهم {محسنون *} أي صار الإحسان صفة لهم غير منفكة عنهم، فهم في حضرات ~~الرحمن، وأنت رأس المتقين المحسنين، فالله معك، ومن كان الله معه كان ~~غالبا، وصفقته رابحة، وحالته صالحة، وأمره عال، وضده في أسوإ الأحوال، فلا ~~تستعجلوا قلقا كما استعجل الكفار استهزاء، تخلقا في التأني والحلم بصفة من ~~تنزه عن نقص ms2605 الاستعجال، وتعالى عن ادعاء الأكفاء والأمثال، فقد عانق آخرها ~~أولها، ووافق مقطعها، وآخرها احتباك: ذكر {الذين اتقوا} أولا دليلا على حذف ~~{الذين أحسنوا} ثانيا، {والمحسنين} ثانيا دليلا على حذف المتقين أولا - ~~والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب. # PageV11P285 # سورة الإسراء # وتسمى سبحان وبني إسرائيل # المقصود بها الإقبال على اله وحده، وخلع كل ما سواه، لأنه وحده المالك ~~لتفاصيل الأمور، وتفضيل بعض الخلق على بعض، وذلك هو العمل بالتقوى التي ~~أدناها التوحيد الذي افتتحت به النحل، وأعلاها الإحسان الذي اختتمت به، وهو ~~الفناء عما سوى الله، وهي من أوائل ما أنزل، روى البخاري في فضائل القرآن ~~وغيره عن ابن مسعود رض الله عنه قال: بنو إسائيل والكهف ومريم وطه ~~والأنبياء إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي. # وكل من أسمائها واضح الدلالة على ما ذكر أنه مقصودها، أما (سبحان) ، الذي ~~هو علم للتنزيه فمن أظهر ما يكون فيه، لأن من كان على غاية النزاهة عن كل ~~نقص، كان جديرا بأن لا نعبد إلا إياه، وأن نعرض عن كل ما سواه، لكونه متصفا ~~بما ذكر، وأما بنو إسرائيل فمن أحاط أيضا بتفاصيل # PageV11P286 # أمرهم في سيرهم إلى الأرض المقدسة الذي هو كالإسراء وإيتائهم الكتاب وما ~~ذكر مع ذلك من أمرهم في هذه السورة عرف ذلك) باسم الله (الملك المالك لجميع ~~الأمر) الرحمن (لكل ما أوجده بما رباه) الرحيم (لمن خصه بالتزام العمل بما ~~يرضاه. # PageV11P287 # لما كان مقصود النحل التنزه عن الاستعجال وغيره من صفات النقص، والاتصاف ~~بالكمال المنتج لأنه قادر على الأمور الهائلة ومنها جعل الساعة كلمح البصر ~~أو أقرب، وختمها بعد تفضيل إبراهيم عليه السلام والأمر باتباعه بالإشارة ~~إلى نصر أوليائه - مع ضعفهم في ذلك الزمان وقلتهم - على أعدائه على كثرتهم ~~وقوتهم، وكان ذلك من خوارق العادات ونواقص المطردات، وأمرهم بالتأني ~~والإحسان، افتتح هذه بتحقيق ما أشار الختم إليه بما خرقه من العادة في ### | الإسراء # ، وتنزيه نفسه الشريفة من توهم استبعاد ذلك، تنبيها على أنه قادر على أن ~~يفعل الأمور العظيمة الكثيرة الشاقة ms2606 في أسرع وقت، دفعا لما قد يتوهم أو ~~يتعنت به من يسمع نهيه عن الاستعجال وأمره بالصبر، وبيانا # PageV11P287 # لأنه مع المتقي المحسن، وتنويها بأمر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~وإعلاما بأنه رأس المحسنين وأعلاهم رتبة وأعظمهم منزلة، بما آتاه من ~~الخصائص التي منها المقام المحمود، وتمثيلا لما أخبر به من أمر الساعة فقال ~~تعالى: {سبحان} وهو علم للتنزيه، دال على أبلغ ما يكون من معناه، منصوب ~~بفعل متروك إظهاره، فسد مسده {الذي أسرى} فنزه نفسه الشريفة عن كل شائبة ~~نقص يمكن أن يضفيها إليه أعداؤه بهذا اللفظ الأبلغ عقب الأمر بالتأني آخر ~~النحل. كما نزه نفسه الشريفة بذلك اللفظ عقب النهي عن الاستعجال في أولها، ~~وهو راد لما علم من ردهم عليه وتكذيبهم له إذا حدثهم عن الإسراء، وفيه مع ~~ذلك إيماء إلى التعجيب من هذه القصة للتنبيه على أنها من الأمور البالغة في ~~العظمة إلى حد لا يمكن استيفاء وصفه. # ولما كان حرف الجر مقصورا على إفادة التعدية في «سرى» الذي بمعنى أسرى ~~وكان أسرى يستعمل متعديا وقاصرا عبر به، واختير القاصر للدلالة على ~~المصاحبة زيادة في التشريف فقال تعالى: {بعبده} أي الذي هو أشرف عباده ~~وأحقهم بالإضافة إليه الذي لم يتعبد قط لسواه من صنم ولا غيره لرجاء شفاعة ~~ولا غيرها. # ولما كان الإسراء هو السير في الليل، وكان الشيء قد يطلق على جزء معناه ~~بدلالة التضمن مجازا مرسلا، نفي هذا بقوله تعالى: {ليلا} # PageV11P288 # وليدل بتنوين التحقير على أن هذا الأمر الجليل كان في جزء يسير من الليل، ~~وعلى أنه عليه الصلاة والسلام لم يحتج - في الإسراء والعروج إلى سدرة ~~المنتهى وسماع الكلام من العلي الأعلى - إلى رياضة بصيام ولا غيره، بل كان ~~مهيئا لذلك متأهلا له، فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش {من المسجد الحرام} ~~أي من الكعبة المشرفة مسجد إبراهيم عليه السلام، قيل: كان نائما في الحطيم، ~~وقيل: في الحجر، وقيل: في بيت أم هانىء - وهو قول الجمهور، فالمراد بالمسجد ~~حينئذ الحرم لأنه فناء ms2607 المسجد {إلى المسجد الأقصى} أي الذي هو أبعد المساجد ~~حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقا من مكة المشرفة، بينهما أربعون ليلة، ~~فصلى بالأنبياء كلهم: إبراهيم وموسى ومن سواهما - على جميعهم أفضل الصلاة ~~والسلام، ورأى من آياتنا ما قدرناه له، ورجع إلى بين أظهركم إلى المسجد ~~الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه ~~المسافة شهرا ذهابا وشهرا # PageV11P289 # إيابا، ثم وصفه بما يقتضي تعظيمه وأنه أهل للقصد فقال تعالى: {الذي ~~باركنا} أي بما لنا من العظمة، بالمياه والأشجار وبأنه مقر الأنبياء ومهبط ~~الملائكة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات {حوله} أي لأجله ~~فما ظنك به نفسه! فهو أبلغ من «باركنا فيه» ثم منه إلى السماوات العلى إلى ~~سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف ~~وكرم وبجل وعظم دائما أبدا؛ ولعله حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور ~~فهومهم عن إدراك أدلته لو أنكروه بخلاف الإسراء، فإنه أقام دليله عليهم بما ~~شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم لم يرها قبل ذلك، فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من ~~أراد الله بالمعراج؛ ثم ذكر سبحانه الغرض من الإسراء بما يزيد في تعظيم ~~المسجد فقال: {لنريه} بعينه وقلبه {من ءاياتنا} السماوية والأرضية كما ~~أرينا أباه الخليل عليه السلام ملكوت السماوات والأرض، وجعل الالتفات # PageV11P290 # لتعظيم الآيات والبركات؛ روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ~~ولبن، فنظر إليهما فأخذ اللبن فقال جبرئيل عليه السلام: الحمد لله الذي ~~هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك. # وعن # جابر # رضي # الله # عنه # سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «لما كذبتني قريش قمت في ~~الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» . # ولما كان المعول عليه غالبا في إدراك ms2608 الآيات حس السمع والبصر، وكان تمام ~~الانتفاع بذلك إنما هو بالعلم، وكان سبحانه قد خص هذا النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم من كمال الحس مما يعد معه حس غيره عدما، عبر عن ذلك كله ~~بقوله تعالى: {إنه} أي هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء {هو} أي خاصة ~~{السميع} أي أذنا وقلبا بالإجابة لنا والإذعان لأوامرنا {البصير *} بصرا ~~وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات، وصدقه من الدلالات، حين نعت # PageV11P291 # ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة ~~الإسراء مما كان يراه وهو ينعت لهم وهم لا يرونه ولا يقاربون ذلك ولا ~~يطمعون فيه، وقال من كان دخل منهم إلى بيت المقدس: أما النعت والله فقد ~~أصاب، أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها، وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا ~~مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا ذلك اليوم نحو الثنية يشتدون، فقال ~~قائل: هذه والله الشمس قد طلعت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت، ~~يقدمها جمل أورق كما قال محمد، ثم لم يؤمنوا وقالوا: إن هذا إلا سحر مبين. # قال الإمام الرازي في اللوامع: وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبصر ~~جميع ما في الملكوت بالعين المبصرة مشاهدة لم يسترب فيه حتى روي أنه قال: ~~«رأيت ليلة أسري بي إلى العلى الذرة تدب على وجه الأرض من سدرة المنتهى» ~~وذلك لحدة بصره، والبصر على أقسام: بصر الروح، وبصر العقل الذي منه ~~التوحيد، وبصر القربة الذي خص به الأولياء وهو نور الفراسة، وبصر النبوة، ~~وبصر الرسالة. وهذه الأبصار كلها مجموعة لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا، وله زيادة بصر قيادة الرسل وسيادتهم، ~~فإنه سيد المرسلين وقائدهم، # PageV11P292 # وكان مطلعا على الملك والملكوت كما قال: زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها ~~- انتهى. وهذا الأخير رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه ~~أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت ms2609 ~~مشارقها ومغاربها» وكان يبصر من ورائه كما يبصر من أمامه - كما أخرجه ~~الشيخان وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه، وفي كثير من طرقه عدم التقييد ~~بالصلاة، وهذا صريح في أن بصره لم يكن متقيدا بالعين، بل خلق الله تعالى ~~الأبصار في جميع أعضائه وكذا السمع، فإن كون العين محلا لذلك وكذا الأذن ~~إنما هو بجعل الله، ولو جعل ذلك في غيرهما لكان كما يريد سبحانه ولا مانع، ~~ولم يكن الظلام يمنعه من نفود البصر ففي مسند أحمد عن جابر بن عبد الله رضي ~~الله عنهما قال: فقدت رحلي ليلة فمررت على رسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم وهو يشد لعائشة # PageV11P293 # رضي الله عنها، فقال: ما لك يا جابر؟ فقلت: فقدت جملي أو ذهب في ليلة ~~ظلماء، فقال لي: هذا جملك، اذهب فخذه، فذهبت نحو ما قال لي، فلم أجده فرجعت ~~إليه فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! ما وجدته، فقال لي: على رسلك، حتى إذا ~~فرغ أخذ بيدي فانطلق حتى أتينا الجمل فدفعه إلي، قال: هذا جملك - الحديث. ~~وروى البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى بالليل في الظلمة كمل يرى بالنهار في ~~الضوء، وروي مثل ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وقال القاضي عياض في الشفا: ~~حكى بقي بن مخلد عن عائشة رضي الله عنها قالت، كان النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم يرى في الظلمة كما يرى في الضوء، وأسند عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: لما تجلى الله ~~لموسى عليه الصلاة والسلام كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء ~~مسيرة عشرة فراسخ. # وجوز أن يكون اختصاص نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك بعد الإسراء ~~- انتهى. وقد أخرج حديث # PageV11P294 # أبي هريرة هذا الحافظ نور الدين الهيثمي في زوائد المعجمين: الأوسط ~~والأصغر للطبراني، ولعل هذا من مناسبة تعقيب ms2610 هذه الآية بذكر موسى عليه ~~السلام. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله {إن إبراهيم كان أمة ~~قانتا لله حنيفا} إلى قوله تعالى {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا} الآية، كان ظاهر ذلك تفضيل إبراهيم عليه السلام على محمد صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم وعلى جميع الأنبياء لا سيما مع الأمر بالاتباع، فأعقب ~~ذلك بسورة الإسراء، وقد تضمنت من خصائص نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~وانطوت على ما حصل منه المنصوص في الصحيح والمقطوع به والمجمع عليه من أنه ~~- صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - سيد ولد آدم، ~~فاستفتحت السورة بقصة الإسراء وقد تضمنت - حسبما وقع في صحيح مسلم وغيره - ~~إقامته بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفيهم إبراهيم وموسى وغيرهما من ~~الأنبياء من غير استثناء، هذه رواية ثابت عن أنس رضي الله عنه، وفي حديث ~~أبي هريرة رضي الله عنه، أنه - صلى الله # PageV11P295 # عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا - أثنى على ربه فقال: ~~الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل علي ~~القرآن فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي وسطا ~~وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ~~ذكري، وجعلني فاتحا وخاتما، فقال إبراهيم عليه السلام: بهذا فضلكم محمد صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم؛ وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه من طريق الربيع ~~بن أنس وذكر سدرة المنتهى وأنه تبارك وتعالى قال له: سل! فقال: إنك اتخذت ~~إبراهيم خليلا، وأعطيته ملكا عظيما، وكلمت موسى تكليما، وأعطيت داود ملكا ~~عظيما، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما، وسخرت ~~له الجن والإنس والشياطين والرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ~~وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص، وأعذته وأمه من ~~الشيطان الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل، فقال له ربه تبارك وتعالى: قد ~~اتخذتك حبيبا فهو ms2611 مكتوب في التوراة - « # PageV11P296 # محمد حبيب الرحمن» وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت أمتك هم الأولون ~~والآخرون. # وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول ~~النبيين خلقا وآخرهم بعثا، وأعطيتك سبعا من المثاني ولم أعطها نبيا قبلك، ~~وأعطيتك خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبيا قبلك، وجعلتك ~~فاتحا وخاتما. وفي حديث شريك أنه رأى موسى عليه السلام في السماء السابعة ~~قال: بتفضيل كلام الله، قال: ثم علا به فوق ذلك ما لا يعلمه إلا الله، فقال ~~موسى: لم أظن أن يرفع علي أحد. وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرجه ~~البزار «في ذكر تعليمه عليه الصلاة والسلام الأذان وخروج الملك فقال صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم: يا جبريل! من هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق! إني ~~لأقرب الخلق مكانا، وإن هذا الملك # PageV11P297 # ما رأيته قط منذ خلقت قبل ساعتي هذه. وفيه: ثم أخذ الملك بيد محمد صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم فقدمه، فأم بأهل السماء فيهم آدم ونوح» ، وفي هذا ~~الحديث قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين راويه: فيومئذ أكمل الله لمحمد ~~- صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - الشرف على أهل ~~السماوات والأرض؛ قال ابن الزبير: وقد حصل منه تفضيله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا - بالإسراء وخصوصه بذلك، ثم قد ~~انطوت السورة على ذكر المقام المحمود، وهو مقامه في الشفاعة الكبرى، وذلك ~~مما خص به حسبما ثبت في الصحيح وانعقد عليه إجماع أهل السنة، ولا أعلم في ~~الكتاب العزيز سورة تضمنت من خصائصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف ~~وكرم وبجل وعظم دائما أبدا - الذي فضل به كافة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة ~~والسلام مثل ما تضمنت هذه والحمد لله - انتهى. # ولما ثبت بهذه الخارقة ما أخبر به عن نفسه المقدسة من عظيم القدرة على كل ~~ما يريد، وما حباه صلى الله عليه وعلى آله وسلم به ms2612 من الآيات البينات في ~~هذا الوقت اليسير، أتبعه ما منح في المسير من مصر إلى الأرض المقدسة من ~~الآيات في مدد طوال جدا موسى عليه السلام الذي كان أعظم الأنبياء بركة على ~~هذه الأمة ليلة الإسراء # PageV11P298 # لما أرشد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه من مراجعة الله تعالى ~~في تخفيف الصلاة حتى رجعت من خمسين إلى خمس مع أجر خمسين، والذي كان أنهى ~~العروج به إذ ناجاه الله وقربه رأس جبل الطور بعد الأمر بالرياضة بالصوم ~~والتخلي أربعين يوما، والذي تقدم في آخر النحل أن قومه اختلفوا عليه في ~~السبت، تنفيرا من مثل حالهم، وتسلية عمن تبعهم في تكذيبهم وضلالهم، وذلك في ~~سياق محذر للمكذبين عظائم البلاء، فقال تعالى - عاطفا على ما تقديره، ~~فآتينا عبدنا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكتاب المفصل المعجز، ~~وجعلناه هدى للخلق كافة، وتولينا حفظه فكان آية باقية حافظا لدينه دائما: ~~{وءاتينا} أي بعظمتنا {موسى الكتاب} أي الجامع لخيري الدارين لتقواه ~~وإحسانه، معظما له بنون العظمة، فساوى بين النبيين في تعظيم الإراءة ~~والإيتاء وخص محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإضافة آياته إلى مظهر ~~العظمة، وكان إيتاء موسى عليه السلام الكتاب في نيف وأربعين سنة بعد أن ~~أخرج معه بني أسرائيل من حبائل فرعون وجنوده الذين كانوا لا يحصون كثرة ~~بتلك الآيات الهائلة التي لا يشك عاقل أن من قدر عليها لا يمتنع عليه شيء ~~أراده، وفي هذه المدة الطويلة - # PageV11P299 # بل بزيادة - كان وصول بني إسرائيل من مصر إلى هذا المسجد الذي أوصلنا ~~عبدنا إليه ورددناه إليكم في بعض ليلة راكبا البراق الذي كان يركبه ~~الأنبياء قبله، يضع حافره في منتهى طرفه، وبنو إسرائيل كانوا يسيرون جميع ~~النهار مجتهدين ثم يبيتون في الموضع الذي أدلجوه منه في التيه لا يقدرون أن ~~يجوزوه أربعين سنة - على ما قال كثير من العلماء، أو أنهم كانوا في هذه ~~المدة يدورون حول جبل أدوم كما في التوراة، فثبت أنا إنما نفعل بالاختيار ~~على حسب ما ms2613 نراه من الحكم، ثم ذكره ثمرة كتاب موسى عليه السلام فقال تعالى: ~~{وجعلناه} أي الكتاب، بما لنا من العظمة {هدى} . # ولما كان هذا التنوين يمكن أن يكون للتعظيم يستغرق الهدى، بين الحال ~~بقوله: {لبني إسرائيل} بالحمل على العدل في التوحيد والأحكام، وأسرينا ~~بموسى عليه السلام وبقومه من مصر إلى بلاد المسجد الأقصى، فأقاموا سائرين ~~إليها أربعين سنة ولم يصلوا، ومات كل من خرج منهم من مصر إلا «النقيبين ~~الموفيين» بالعهد، فقد بان الفصل # PageV11P300 # بين الإسرائين كما بان الفصل بين الكتابين، فذكر الإسراء أولا دليل على ~~حذف مثله لموسى عليه السلام ثانيا، وذكر إيتاء الكتاب ثانيا دليل على حذف ~~مثله أولا، فالآية من الاحتباك؛ ثم نبه على أن المراد من ذلك كله التوحيد ~~اعتقادا وعبادة بقوله تعالى: {ألا} أي لئلا {تتخذوا} بالياء التحتية في ~~قراءة أبي عمرو، وبالفوقانية في قراءة الباقين، فنبه بصيغة الافتعال على ~~أنه - لكثرة ما على وحدانيته من الدلائل، وله إلى خلقه من المزايا والفضائل ~~- لا يعدل عنه إلى غيره إلا بتكلف عظيم من النفس، ومنازعة بين الهوى والعقل ~~وما فطر سبحانه عليه النفوس من الانقياد إليه والإقبال عليه، ونفر من له ~~همة علية ونفس أبية من الشرك بقوله منبها بالجار على تكاثر الرتب دون رتبة ~~عظمته سبحانه وعد الاستغراق لها، تاركا نون العظمة للتنصيص على المراد من ~~دون لبس بوجه: {من دوني} وقال تعالى: {وكيلا *} أي ربا يكلون أمورهم إليه ~~ويعتمدون عليه من صنم ولا غيره، لتقريب إليه بشفاعة ولا غيرها - منبها بذكر ~~الوكالة على سفه آرائهم في # PageV11P301 # ترك من يكفي في كل شيء إلى من لا كفاية عنده لشيء، ثم أتبعه ما يدل على ~~شرفهم بشرف أبيهم، وأنه لم ينفعهم إدلاءهم إليه - عند إرادة الانتقام - بما ~~ارتكبوا من الإجرام، فقال - منبها على الاهتمام بالتوحيد والأمر بالإخلاص ~~بالعود إلى مظهر العظمة حيث لا لبس، ناصبا على الاختصاص في قراءة أبي عمرو، ~~وعلى النداء عند الباقين، تذكيرا بنعمة الإيحاء من الغرق: {ذرية من حملنا} ~~أي في السفينة بعظمتنا، ms2614 على ظهر ذلك الماء الذي طبق ما تحت أديم السماء، ~~ونبه على شرفهم وتمام نعمتهم بقوله تعالى: {مع نوح} أي من أولاده وأولادهم ~~الذين أشرفهم إبراهيم الذي كان شاكرا ثم إسرائيل عليهما السلام، لأن الصحيح ~~أن من كان معه من غيرهم ماتوا ولم يعقبوا، ولم يقل: ذرية نوح، ليعلم أنهم ~~عقب أولاده المؤمنين لتكون تلك منة أخرى؛ ثم نبه على تقواه وإحسانه حثا على ~~الاقتداء به بقوله: {إنه كان} أي كونا جبليا {عبدا شكورا *} أي مبالغا في ~~الشكر الذي هو صرف جميع ما أنعم الله به فيما خلقه له فأحسن إليه لشكره بأن # PageV11P302 # جعل في ذريته النبوة والكتاب كما فعل بإبراهيم عليه السلام لأنه كان ~~شاكرا، فاقتدوا بهذين الأبوين العظيمين في الشكر يزدكم، ولا تقلدوا غيرهما ~~في الكفر يعذبكم، وخص نوحا عليه السلام لأنه ما أملى لأحد ما أملى لقومه ~~ولا أمهل أحدا ما أمهلهم، ثم أهلكهم أجمعين كما أومأ إليه قوله {حملنا} ~~إهلاك نفس واحدة، ثم أذهب الماء بعد إغراقهم بالتدريج في مدة طويلة، فثبت ~~أنه منزه عن العجلة، وأنه سبحانه تارة يفعل الأمور الكثيرة الشاقة في أسرع ~~وقت، وترة يعمل ما هو دونها في أزمان طوال، فبان كالشمس أنه إنما يفعل على ~~حسب ما يريد مما تقتضيه حكمته؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلحم فرفع إليه ~~الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل ~~تدرون مما ذلك؟ يجمع الله الناس: الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم ~~الداعي، وينفذهم # PageV11P303 # البصر، وتدنو الشمس، فبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا ~~يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ~~ربكم؟ فذكر حديث الشفاعة العظمى وإتيانهم الأنبياء آدم وبعده أولي العزم ~~عليهم الصلاة والسلام، وأنهم يقولون لنوح عليه السلام: وقد سماك الله عبدا ~~شكورا، وكلهم يتبرأ ويحيل على من بعده إلى أن وصل ms2615 الأمر نبينا صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد ~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربنا، ألا ترى إلى ما ~~نحن فيه، فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي من ~~محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ~~ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع! فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب، ~~فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب ~~الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي # PageV11P304 # نفسي بيده! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو ~~كما بين مكة وبصرى ثم أتبع ذلك ما يدل على شرف كتاب موسى وصحة نسبته إليه ~~تعالى بما يقتضي شمول العلم وتمام القدرة بما كشف عنه الزمان من صدق ~~إخباره، وفظاظة وعيده وإنذاره، تنبيها على أن من كذب بكتابه أهلكه كائنا من ~~كان وإن طال إمهاله، فلا تغتروا بحلمه لأن الملوك لا تقر على أمر يقدح في ~~ملكها، فقال تعالى: {وقضينا} أي بعظمتنا بالوحي المقطوع به، منزلين ومنهين ~~{إلى بني إسرائيل} أي عبدنا يعقوب عليه السلام الذي كان أطوع أهل زمانه لنا ~~{في الكتاب} الذي أوصلناه إليهم على لسان موسى عليه السلام {لتفسدن} أكد ~~بالدلالة على القسم باللام لأنه يستبعد الإفساد مع الكتاب المرشد {في ~~الأرض} أي المقدسة التي كأنها لشرفها هي الأرض بما يغضب الله {مرتين ~~ولتعلن} أي بما صرتم إليه من البطر لنسيان المنعم {علوا كبيرا *} بالظلم ~~والتمرد، ولا ينتقم منكم إلا على حسب ما تقتضيه حكمتنا في الوقت الذي نريد ~~بعد إمهال طويل؛ والقضاء: فصل الأمر على إحكام {فإذا جاء وعد أولاهما} # PageV11P305 # أي وقته الذي حددناه له للانتقام فيه {بعثنا} أي بعظمتنا؛ ونبه على أنهم ~~أعداء بقوله: {عليكم} ونبه على عظمته، قدرته وسعة ملكه بقوله تعالى: {عبادا ~~لنا} أي ms2616 لا يدان لكم بهم لما وهبنا لهم من عظمتنا {أولي بأس} أي عذاب وشدة ~~في الحرب شديدة {شديد فجاسوا} أي ترددوا مع الظلم والعسف وشديد السطوة؛ ~~والجوس: طلب الشيء باستقصاء {خلال} أي بين {الديار} الملزوم لقهر أهلها ~~وسفولهم بعد ذلك العلو الكبير؛ والخلال: انفراج ما بين الشيئين وأكثر لضرب ~~من الوهن {وكان} أي ذلك البعث ووعد العقاب به {وعدا مفعولا *} أي لا شك في ~~وقوعه ولا بد أن يفعل لأنه لا حائل بيننا وبينه، ولا يبدل القول إلا عاجز ~~أو جاهل؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم جالوت وجنوده؛ وعن سعيد بن ~~المسيب أنهم بختنصر وجنوده؛ وعن الحسن: العمالقة؛ وعن سعيد بن جبير: ~~سنجاريب وجنوده؛ قال في السفر الخامس من التوراة # PageV11P306 # إشارة إلى هذه المرة الأولى - والله أعلم: وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ~~ربكم لم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه التي آمركم بها اليوم، ينزل بكم هذا ~~اللعن الذي أقص عليكم كله، ويدرككم العقاب، وتكونوا ملعونين في القرية ~~والسفر وفي الخصر، ويلعن نسلكم وثمار أرضكم، وتكونوا ملعونين إذا دخلتم، ~~وملعونين إذا خرجتم، ينزل بكم الرب البلاء والحشرات، وينزل بكم الضربات ~~الشديدة وبكل شيء تمدون أيديكم إليه لتعملوه حتى يهلككم ويتلفكم سريعا، من ~~أجل سوء أعمالكم وترككم لعبادتي، يسلط الله عليكم الموت فيهلككم من الأرض ~~التي تدخلونها لترثوها، يضربكم الله بحيران العقل والبهق والبرص، وبالحريق ~~باشتمال النار، وباليرقان والجرب والسموم، ويسلط عليكم هذه الشعوب حتى ~~تهلكوا، وتكون السماء التي فوقكم عليكم شبه النحاس، والأرض التي تحتكم شبه ~~الحديد، ويصير الرب مطر أرضهم غبارا ويكسركم الرب بين يدي أعدائكم، تخرجون ~~إليهم في طريق واحدة وتهربون في سبعة طرق، وتكونون مثلا وفزعا لجميع مملكات ~~الأرض، # PageV11P307 # وتكون جيفكم طعاما لجميع السباع وطيور السماء، ولا يذب أحد عنكم، ويضربكم ~~الرب بالجراحات التي ضرب بها أهل مصر، ويبليكم بالبرص والزحير وبالحكة، ولا ~~يكون لكم شفاء من ذلك، ويضربكم الرب بالعمى والكمه ورعب القلب، وتكونون ~~تجسسون في الظهيرة مثل ما يتجسس العميان، ولا يتم شيء ms2617 مما تعملون، ولا يكون ~~له تمام، وتكونون مقهورين مظلومين مغصوبين كل أيام حياتكم ولا يكون لكم ~~منقذ، تخطبون المرأة فيتزوجها غيركم، وتبنون بيتا ويسكنه غيركم، وتغرسون ~~كروما ولا تعصرون منها، وتذبحون ثيرانكم بين أيديكم ولا تأكلون منها شيئا، ~~ويؤخذ حمارك ظلما ولا تقدر أن تخلصه، ويسوق العدو أغنامكم ولا يكون لكم ~~منقذ، ويسبي بنيك وبناتك شعب آخر وتنظر إليهم ولا تقدر لهم على خلاص، وتشقى ~~وتغتم نهارك كله أجمع ولا يكون لك حيلة، وثمار أرضك وكل كدك يأكله شعب لا ~~تعرفه، وتكون مضطهدا مظلوما طول عمرك، # PageV11P308 # ويضربك الرب بجرح رديء على ركبتيك وساقيك ولا يكون لك، ويسلط عليك ~~الجراحات من قرنك إلى قدمك ويسوقك الرب، ويسوق ملكك الذي ملكته عليك إلى ~~شعب لم يعرفه أبوك، وتعبد هناك آلهة عملت من خشب وحجارة، وتكون مثلا وعجبا ~~ويفكر فيك كل من يسمع خبرك ثم قال: ويولد لك بنون وبنات ولا يكونون لك بل ~~يسبون، وينطلق بهم مسبيين. # ثم قال: ويسلط الرب عليك شعبا يأتيك وأنت جائع ظمآن، وتخدم أعداءك الذين ~~يسلطهم الله عليك من بعيد من أقصى الأرض، ويسرع إليك مثل طيران النسر شعب ~~لا تعرف لغتهم شعب وجوههم صفيقة لا تستحيي من الشيوخ، ولا ترحم الصبيان، ~~ويضيق عليك في جميع قراك حتى يظفر بسوراتك المشيدة التي تتوكل عليها وتثق ~~بها، وتضطر حتى تأكل لحم ولدك من الحاجة والضيق الذي يضيق عليك عدوك، ~~والرجل المدلل منكم المتلذذ المفيق تنظر عيناه إلى أخيه وحليلته وإلى من ~~بقي من ولده جائعا ولا يعطيهم من لحم ابنه الذي يأكل، لأنه لا يبقى عنده ~~شيء من الاضطهاد # PageV11P309 # والضيق الذي يضيق عليك عدوك في كل قراك، والمرأة المخدرة المدللة المفيقة ~~التي لم تطأ الأرض قدماها من الدلال تنظر عيناها إلى زوجها وإلى ابنها ~~وبنتها وإلى ولدها التي تلد، وهي تأكلهم، وذلك من الحاجة والفقر وعدم ~~الطعام مما يضيق عليك عدوك ويضطهدك في جميع قراك. # PageV11P310 # ولما بين سبحانه أنه قادر على إذلال العزيز بعد ضخامة عزه، بين أنه ms2618 مقتدر ~~على إدالته على من قهره بعد طول ذله إذا نقاه من درنه وهذبه من ذنوبه، فقال ~~تعالى مشيرا بأداة التراخي إلى عظمة هذه الإدالة بخرقها للعوائد: {ثم ~~رددنا} أي بما لنا من العظمة، وعجل لهم البشرى بقوله تعالى: {لكم} أي خاصة ~~{الكرة} أي العودة والعظمة؛ وبين أن ذلك مع السطوة بقوله سبحانه: {عليهم} ~~قال بعض المفسرين: في زمان داود عليه السلام {وأمددناكم} أي أعناكم # PageV11P310 # بعظمتنا {بأموال} تستعينون بها على قتال أعدائكم {وبنين} أي تقوون بهم ~~{وجعلناكم} أي بعظمتنا {أكثر} أي من عدوكم {نفيرا *} أي ناسا ينفرون معكم ~~إذا استنفرتموهم للقتال ونحوه من المهمات، والظاهر أنه ليس المراد بهذه ~~المرة ما كان على يدي داود عليه السلام لأن الله يقول في هذه المرة الثانية ~~{وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة} وداود عليه السلام أسس المسجد ولم ~~يكمله، إنما أكمله ابنه سليمان عليهما السلام من بعده، والذي عز من قال ذلك ~~أن بني إسرائيل كانوا قهروا قبل داود عليه السلام من الفلسطينيين وغيرهم، ~~ثم كان خلاصهم على يده عليه السلام - كما مضت الإشارة إليه في سورة البقرة، ~~قال في الزبور في المزمور الثالث عشر: من يعطي صهيون الخلاص لإسرائيل؟ إذا ~~رد الرب سبي شعبه يتهلل يعقوب ويفرح إسرائيل؛ وفي الثالث والأربعين: اللهم! ~~إنا قد سمعنا بآذاننا # PageV11P311 # وأخبرنا آباؤنا بالأعمال التي صنعت في أيامهم الأولى، فلنسبحك يا إلهنا ~~كل يوم، ونشكر اسمك إلى الدهر، الآن أضعفتنا وأقصيتنا، ولم تكن يا رب تصحب ~~جيوشنا، لكن رددتنا على أعقابنا عن أعدائنا، واختطفنا مبغضونا، جعلتنا ~~مأكلة كالغنم، مددتنا بين الشعوب، بعت شعبك بلا ثمن، أقللت كثرة عددهم، ~~صيرتنا عارا في جيرتنا، هزا وطنزا لمن حولنا، صرنا مثلا في الشعوب، وهزا ~~للرؤوس في الأمم، حزني بين يدي النهار كله، الخزي غطى وجهي، من صوت المعير، ~~اللهم! إن هذا كله قد نالنا ولم ننس اسمك، ولا نكثنا عهدك، ولا صرفنا ~~قلوبنا عنك، عدلت بقصدنا عن سبلك، أنزلتنا محال وعرة، غشيتنا بظلال الموت، ~~ولم ننسك يا رب، وقال ms2619 في المزمور الثامن والسبعين والذي بعده: اللهم! إن ~~الأمم دخلت ميراثك ونجست هيكل قدسك، جعلوا أورشليم خرابا كالمحرس، وصيروا ~~جثث عبيدك # PageV11P312 # طعاما لطير السماء، ولحوم أصفيائك لوحوش الأرض، سفكوا دماءهم كالماء حول ~~أورشليم وليس لهم دافن، صرنا عارا في جيراننا، هزءا وطنزا لمن حولنا، حتى ~~متى تسخط يا رب، دائما يشتعل مثل النار غضبك، أفض رجزك على الأمم الذين لا ~~يعرفونك وعلى الملوك الذين لم يدعوا اسمك، فإنهم أكلوا يعقوب وأخربوا ~~دياره، لا تذكر خطايانا الأولى بل تغشانا رأفتك سريعا، لأنا قد تمسكنا جدا، ~~فكن لنا معينا يا إلهنا ومخلصنا، ونمجد اسمك يا رب، نجنا واغفر لنا خطايانا ~~لأجل اسمك الكريم، لئلا تقول الأمم: أين إلههم؟ عند ذلك تعلم الشعوب وتنظر ~~عيوننا انتقام دماء عبيدك المسفوكة، وليدخل إليك تنهد الأسارى، وكمثل عظمة ~~ذراعك أنقذ بني المقتولين، جاز جيراننا في حضنهم للواحد سبعة بالعار الذي ~~عيروك يا رب! نحن شعبك وغنم رعيتك، نشكرك إلى الأبد ونخبر بتسابيحك من جيل ~~إلى جيل. # أنصت يا راعي # PageV11P313 # إسرائيل الذي هدى يوسف كالخروف، انظر أيها الجالس على الكروبين استعلن ~~قدام إفرام وبنيامين ومنشا، وأظهر جبروتك وتعال لخلاصنا، اللهم! أقبل وأشرق ~~وجهك علينا وخلصنا، اللهم ربنا القوي! حتى متى تسخط على صلاة عبيدك، ~~وتطعمهم الخبز بدموعهم وتسقيهم الدموع بالكيل، جعلتنا عارا لجيراننا، ~~واستهزأ بنا أعداؤنا، اللهم رب القوات! أقبل بنا وأشرق وجهك علينا وخلصنا، ~~أنت نقلت الكرمة من مصر، طردت الشعوب وغرستها، سهلت طريقا أمامها، مكنت ~~أصولها، امتلأت الأرض منها، ظلل الجبال ظلها وأغصانها على أرز الله، كذلك ~~امتدت عروقها إلى البحر وإلى الأنهار فروعها، ثم إنك هدمت سياجها، وقطعها ~~كل عابري السبيل، خنزير الغاب أفسدها، وحيوان الوحش رعتها، اللهم رب ~~القوات! اعطف علينا، واطلع من السماء، وانظر وتعاهد هذه الكرمة، وأصلح ~~الغرس الذي غرسته يمينك وابن الإنسان الذي قويته، ولتهلك الذين أحرقوها ~~بالنار برجزك، ولتكن يدك على رجل يمينك وابن الإنسان الذي # PageV11P314 # اصطفيته لك، لا تبعدنا منك وأنقذنا لنمجد اسمك، اللهم رب القوات! اعطف ~~علينا ms2620 وأشرق وجهك علينا وخلصنا؛ وفي الرابع والثمانين: رضيت يا رب عن أرضك، ~~ورددت سبي يعقوب، غفرت ذنوب شعبك سترت جميع خطاياهم، سكنت كل رجزك، ورددت ~~شدة غضبك؛ وفي الثامن والثمانين: قدوس إسرائيل ملكنا بالوحي، كلمت نبيك ~~وقلت: إني جعلت عونا للقوى، رفعت مختارا من شعبي، ووجدت داود عبدي، مسحته ~~بدهن قدسي، يدي أعانته، وذراعي قوته، عدوه لا يضره، وابن الخطيئة لا يذله، ~~وقطعت أعداءه من بين يديه، ولمغضبيه قهرت، أمانتي ورحمتي معه، وباسمي يرتفع ~~قرنه، جعلت في البحار طريقه، وفي الأنهار يمينه، هو يدعوني: أنت أبي وإلهي ~~ناصري وخلاصي، وأنا أجعله بكرا رفيعا على جميع ملوك الأرض وأحفظ عليه رحمتي ~~إلى الأبد؛ ثم قال: وأنت رفضت وأقصيت # PageV11P315 # مسيحك، ونقضت عهد عبدك في الأرض، ودنست قدسه، وهدمت جميع سياجه، وكل ~~حصونه أخفت، اختطفه عابرو السبيل، صار عارا في جيرته، رفعت يمين أعدائه، ~~فرحت جميع مبغضيه، رددت نصرة سيفه، لم تعنه في الحرب، أبطلت شجاعته، طرحت ~~في الأرض كرسيه، صغرت أيام سنيه، صببت حزنا عليه، فحتى متى تسخط يا رب؟ إلى ~~الأبد يتقد مثل النار رجزك، اذكر خلقك لي، فإنك لم تخلق الإنسان باطلا، من ~~هو الإنسان الذي يعيش ولا يعاين الموت أو ينجي نفسه من الجحيم؟ اللهم! أين ~~رحمتك القديمة التي حلفت بحقك لداود عليه السلام؟ اللهم أعداؤك عيروا آثار ~~مسيحك، تبارك الرب إلى الأبد، يكون يكون؛ وفي الخامس بعد المائة: خلصنا يا ~~إلهنا واجمعنا من الأمم لنشكر اسمك القدوس، ونفتخر بتسبيحك، تبارك # PageV11P316 # الرب إله إسرائيل من الآن وإلى الأبد، يقول جميع الشعب: يكون، وفي الخامس ~~والعشرين بعد المائة: إذا رد الرب سبي صهيون صرنا كالمتغربين، حينئذ تمتلىء ~~أفواهنا فرحا وألسنتنا تهليلا، هناك يقال في الأمم: قد أكثر الرب الصنيع ~~إلى هؤلاء، أكثر الرب الصنيع إلينا فصرنا فرحين، يا رب اردد سبينا كأودية ~~اليمن، الذين يزرعون بالدموع ويحصدون بالفرح، كانوا ينطلقون يبذرون زرعهم ~~باكين ويأتون مقبلين بالتهليل حاملين غلاتهم؛ وفي السادس والثلاثين بعد ~~المائة: على أنهار بابل جلسنا هناك وبكينا حين ms2621 ذكرنا صهيون، وعلقنا ~~قيتاراتنا على الصفصاف الذي في وسطها، لأن الذين سبونا سألونا هناك قول ~~التمجيد، والذين انطلقوا قالوا: سبحوا لنا في تسابيح صهيون! كيف نسبح لكم ~~تسابيح الرب في أرض غريبة؟ إن نسيتك يا يروشليم فتنساني يميني، ويلصق لساني ~~بحنكي إن لم أذكروك وإن لم أسبق وأصعد إلى يروشليم في ابتداء فرحي، اذكر يا ~~رب بني أدوم # PageV11P317 # في يوم أورشليم القائلين: اهدموا إلى الأساس. # يا ابنه الشقية! طوبى لمن يجازيك جزاء صنيعك بنا، طوبى لمن أخذ أطفالك ~~وضرب بهم الصخرة. # وهذا الذي في هذا المزمور إيذان بما يحل بهم من بختنصر، وقد تقدم غير مرة ~~أن ما كان فيما ينقل من هذه الكتب القديمة من لفظة توهم نقصا كالأب ونحوه ~~فإنها على تقدير صحتها عنهم لا يجوز إطلاقها في شرعنا، والظاهر أن هذه ~~الادلة المذكورة في القرآن في هذه الكرة هي التي كانت في أيام عزير عليه ~~السلام على يد كورش ملك الفرس - كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأن الذين ~~كانوا قهروهم أولا هم أجناد بختنصر - كما تقدم، ففي سفر أنبياء بني إسرائيل ~~الذين كانوا بعد موسى عليه السلام أن الله تعالى أوحى إلى إرميا بن حلقيا # PageV11P318 # من الأحبار الذين كانوا في عناثوث في أرض بنيامين على عهد يوشيا ملك ~~يهوذا في السنة الثالثة عشرة من ملكه يتوعدهم بأنهم إن لم يرجعوا عما ~~أحدثوا من الضلالات سلط عليهم ملك بابل، ولم يزل يحذرهم مثل ذلك ويخبرهم ~~بما يحصل لهم من الشر بذنوبهم إلى أن تمت أيام يواكيم بن يوشيا، وفي إحدى ~~عشرة سنة لصديقيا بن يوشيا إلى يوم سبيت أورشليم في الشهر الخامس، وهو شهر ~~آب وكان يخبرهم بأن ملك بابل يأسر صديقيا ملك اليهود، ويسوقه مع الأسرى إلى ~~بابل، ويستمرون في أسرهم سبعين سنة ثم يردهم الله تعالى إلى بيت المقدس. # قال إرميا عليه السلام: إن الله تعالى قال لي: من قبل أن أصورك في البطن ~~عرفتك، وخصصتك لي نبيا من قبل أن تخرج من الرحم وجعلتك ms2622 نبيا للشعوب، فقلت: ~~أطلب إليك يا رب وإلهي أن تعفيني، لأني لست أعلم أن أنطق لأني حدث، فقال لي ~~الرب: لا تقل: إني حدث. لأنك تتوجه إلى كل ما أرسلك فيه وتجمع ما آمرك به # PageV11P319 # من القول، فأده ولا تخف لأني معك أنقذك من كل آفة، وإن الرب مد يده ~~وقربها إلى في وقال لي الرب: قد صيرت أقوالي في فيك، فاعلم أني قد سلطتك ~~اليوم على جميع مملكات الأمم لتهدم وتنقض وتهلك وتستأصل وتبكت وتتنبأ ~~وتقدسني، ثم أوحى إلي الرب وقال: ما الذي رأيت يا إرميا؟ فقلت: رأيت غصنا ~~من شجر اللوز، فقال لي الرب: ما أحسن ما رأيت لأن معجل فصل أقوالي؛ ثم أوحى ~~إلي الرب ثانية: ما الذي رأيت؟ فقلت منجلا منصوبا ووجهه إلى ناحية الجربياء ~~- أي الشمال - فقال لي الرب: من ناحية الجربياء ينفتح الشر وينزل في جميع ~~الأرض التي ليهوذا، ها أنا مرسلك أن تدعو جميع عشائر مملكات الجربياء، يقول ~~الرب. فيأتون ويلقي كل رجل منهم كرسيه في مدخل أبواب أورشليم، ويحوطون ~~بسورها كما # PageV11P320 # يدور، وبجميع قرى يهوذا، وأنتقم منهم بأحكام وقضائي من أجل جميع سرورهم ~~وبسوء أعمالهم، لأنهم اجتنبوني وبخروا لآلهة غريبة بالبخور، وسجدوا لصنعة ~~أيديهم فأمت أنت فشد على ظهرك، وقم فقل عليهم جميع الأقوال التي آمرك بها ~~ولا تخفهم ولا تحابهم لئلا أكسرك بين أيديهم وأذلك، وقد جعلتك اليوم ~~كالقرية العزيزة الممتنعة، ومثل قضيب من حديد، وصيرتك مثل سور من نحاس على ~~الأرض كلها، وعلى جميع ملوك يهوذا وعلى عظمائهم وعلى أحبارهم وآبائهم، وعلى ~~جميع شعب الأرض، فإن جاهدوك لم يقهروك لأني معك وأنا منقذك منهم. # ولم يزل يقوم فيهم بمثل هذا من كلام في غاية البلاغة والرقة بحيث يفتت ~~الأكباد، ويصدع القلوب، ويفيض العيون، نحو أربع كراريس، لولا خوف الملالة ~~وكراهة الإطالة لأتيت بكثير منه، وكان المتنبئون الكذبة يقومون فيهم بخلاف ~~ذلك مما يؤمنهم إلى أن # PageV11P321 # ضربوا إرميا ليترك عنهم مثل ذلك، فلم يكن يستطيع تركه وقال لشخص من ~~المتنبئين اسمه ms2623 حنينا: إن الرب لم يرسلك، أنت وكلت هذا الشعب على الزور، ~~ومن أجل هذا يقول الرب: هو ذا أطرحك عن وجه الأرض، وفي هذه السنة تموت، ~~لأنك تكلمت بالإثم قدام الرب، فمات حنينا النبي الكذاب في تلك السنة في ~~الشهر السابع. ثم زاد تحذير إرميا لهم إلى أن حبسوه، ثم إن الله تعالى أمره ~~أن يكتب لهم ما يوحيه إليه في صحيفة ويرسلها إليهم، فدعا باروخ بن ناريا ~~الكاتب وأمره بكتابة ما أنطقه به الرب وقال له ها أنا محبوس ولست أستطيع أن ~~أدخل بيت الرب، فخذ هذه الصحيفة وادخل أنت إلى بيت الرب في يوم الصوم ~~واقرأها عليهم، فإنها كلام الرب، لعلهم يرجعون عن طريقة السوء، ويكف الرب ~~عن الشر الذي قاله عليهم. # لأنه عظيم الرجز والغضب الذي تكلم به الرب على هذا الشعب. ففعل باروخ ~~ذلك، فأخذوا الصحيفة من يده وأوصلوها # PageV11P322 # إلى الملك يواقيم بن يوشيا فشققها وأحرقها بالنار، فأمره الله أن يكتب ~~صحيفة أخرى مثلها ويزيد ما يأمره الله به، ومنه أن يواقيم ملك يهوذا لا ~~يكون له من يجلس على كرسي داود عليه السلام، وجيفته تكون مطروحة في السموم ~~بالنهار وفي الجليد بالليل، وآمر به وبذريته وبعبيده، وآتى على أورشليم ~~وعلى سكانها وعلى بيت يهوذا بكل الشر الذي قلت عليهم، لأنهم لم يسمعوا ~~صوتي. # ولما ملك صاديقيا على اليهود، وكانت السنة العاشرة من ملكه، وهي الثامنة ~~عشرة لبختنصر ملك بابل، أحاطت جيوش ملك بابل بأورشليم، وكان إرميا النبي ~~محبوسا في دار حرس الملك، حبسه فيها صاديقيا ملك يهوذا، وقال له: ما لك ~~تتنبأ وتقول: هكذا يقول الرب: هوذا أدفع هذه القرية وصديقيا ملك يهوذا في ~~يدي ملك بابل ويضبطها، ولا ينجو من أيدي الكلدانيين، لأن الرب دفاع يدفعه ~~في يدي ملك بابل # PageV11P323 # ويكلمه فمه لفمه وعيناه إلى عينيه، وينطلق به إلى بابل؟ فأوحى الله إلى ~~إرميا وهو محبوس فقال: يقول الرب: هوذا أدفع هذه القرية إلى ملك بابل ~~فيحرقها بالنار، وأنت فلا تفلت من يديه، ولكنك ms2624 أخذا تؤخذ وتدفع إليه وعيناك ~~إلى عينيه تنظر، وفمك إلى فمه يكلم، وإلى بابل تذهب، ولكن اسمع يا صديقيا ~~ملك يهوذا قول الرب، هكذا يقول الرب عليك: إنك لست تموت بالحرب، ولكنك موت ~~سلامة تموت، وكالذي ناحوا على آبائك الملوك الأولين الذين كانوا قبلك ~~ينوحون عليك ويقولون: واسيداه! لأن هذا القول الذي تكلمت به قاله الرب، هذا ~~كله، وأجناد ملك بابل تحاصر أورشليم وتقاتلها. # ثم إن صديقيا أرسل إلى فرعون بمصر ليستنجد به فخرج جنده، فلما سمع بهم ~~الكلدانيون انصرفوا عن أورشليم، وحل قول الرب على # PageV11P324 # إرميا أن هكذا يقول الرب إله إسرائيل لملك يهوذا الذي بعث إلى جند فرعون ~~ليعينوه: هوذا الآن جند فرعون يرجعون إلى أرض مصر، ويرجع الكلدانيون ~~ويقاتلون هذه القرية ويحتوون عليها ويحرقونها بالنار، هكذا يقول الرب، لا ~~تظنوا في أنفسكم أن الكلدانيين الذين انصرفوا عنكم ليس يرجعون، بل إنهم ~~يرجعون ويحرقون القرية بالنار ثم إن اليهود اتهموا إرميا بأنه يريد أن يفر ~~إلى الكلدانيين فجلدوه وطرحوه في السجن، فأخرجه الملك صديقيا وسأله في ~~البيت سرا عن قول الرب فقال له: في يد ملك بابل تدفع، وقال له: ماذا أخطأت ~~إليك وإلى عبيدك وإلى هذا الشعب إذ طرحتموني في السجن؟ وأين الذين كانوا ~~يتنبؤون لكم أنه لا يأتي عليكم ملك بابل ولا على هذه الأرض؟ فرده إلى السجن ~~ولم ينزله إلى الجب لأنه كان لا يقدر على مخالفة أشراف مملكته. # ثم قال إرميا: هكذا يقول الرب: من يسكن هذه القرية بالحرب # PageV11P325 # فبالجوع والموتان يذهب، فأما من يخرج إلى الكلدانيين فإنه يحيي نفسه ~~ويعيش، هكذا يقول الرب، فقال الأشراف: يقتل هذا الرجل لأنه يسقط أيادي ~~المقاتلة الذين بقوا في القرية وأيادي الشعب إذا قال هذا الكلام، فقال ~~الملك صديقيا: هوذا منذ وقع في أيديكم لا يستطيع أن يغير هذا الكلام، ولم ~~يكن الملك يقدر يقول لهم شيئا، فأخذوا إرميا وطرحوه في جب إميلخيا بن الملك ~~في دار السجن، والجب لم يكن فيه ماء ولكن حمأة، فغرق إرميا ms2625 في الحمأة، وسمع ~~عبد الملك حبشي وكان رجلا مؤمنا فقال للملك: يا سيدي! بئس ما صنع هؤلاء ~~القوم بالنبي إذ طرحوه في جب، وهو ذا يموت، فقال الملك: خذ معك من هنا ~~ثلاثين رجلا، وانطلقوا اصعدوا إرميا من الجب قبل أن يموت، وإن عبد الملك ~~أخذ رجالا ودخل إلى الخزانة التي أسفل بيت الملك، وأخذ من ثم خلقانا ~~فسبسبها إلى إرميا بالحبل وقال له: خذ هذه الخلقان، واجعلها تحت إبطيك، ~~لئلا # PageV11P326 # يعقرك الحبل، ففعل إرميا كذلك وأصعدوه من الجب وأجلسوه في دار السجن، ~~وأرسل الملك فأدخل إرميا إليه وجعله في داخل ثلاثة أبيات، مخدع داخل مخدع ~~وقال له: إني أسألك أن لا تكتمني شيئا، قال إرميا لصديقيا: إني أخاف أن ~~تقتلني، وإن أنا أشرت عليك لم تطعني، فقال صديقيا: حي هو الرب الذي خلقني ~~إني لا أقتلك ولا أدفعك إلى الناس الذين يريدون نفسك، فقال إرميا: هكذا ~~يقول الرب إله إسرائيل: لئن خرجت إلى أشراف ملك بابل لتحيين نفسك، وهذه ~~القرية تسلم ولا تحرق بالنار، وتعيش أنت وبنوك، وإن أنت لم تخرج إليهم ~~فستدفع هذه القرية إلى الكلدانيين ويحرقونها بالنار وأنت فلا تنجو من ~~أيديهم، فقال الملك لإرميا: إني أخشى من اليهود أن أخرج إلى الكلدانيين ~~فلعلهم يدفعونني في أيديهم ويهزؤون بي، قال إرميا: إنهم ليس يدفعونك في ~~أيديهم، اسمع إلى كلمة الرب لمنفعتك لتحيي نفسك. # وحل على إرميا قول الرب إذ كان محبوسا في دار الحرس: انطلق فقل للعبد ~~الحبشي الذي للملك: هكذا يقول الرب القوي إله # PageV11P327 # إسرائيل: هو ذا آتي على هذه القرية بالشر، ويكونون قدامك في ذلك اليوم، ~~وأنجيك، قال الرب: ولا تدفع في يد القوم الذين لا يخشون الله، ولا تسقط في ~~الحرب، ولكنك تنجو بنفسك لأنك توكلت على ما قال لك الرب. # وجلس إرميا في دار السجن حتى اليوم الذي أخذ فيه الكلدانيون أورشليم في ~~السنة التاسعة لصديقيا ملك يهوذا في الشهر العاشر، وفي تسعة من الشهر أتى ~~بختنصر ملك بابل في كل أجناده إلى ms2626 أورشليم وحلوا عليها، وفي إحدى عشرة سنة ~~لصديقيا في الشهر الخامس انثلمت القرية، فأتى كل أشراف ملك بابل إلى الباب ~~الأوسط، فلما رأى صديقيا أنهم قد جلسوا في الباب الأوسط وقد هرب المقاتلة ~~وخرجوا بالليل، خرج الملك أيضا من الباب الذي بين السورين في طريق نيسان، ~~فلما صار إلى الصحراء طلبه جند الكلدانيين على الأثر، فأدركوه في صحراء ~~أريحا وافترق عنه أجناده فساقوه حتى أصعدوه إلى بختنصر ملك بابل في ديلاب ~~من أرض حماة وذبح # PageV11P328 # ملك بابل بني صديقيا وكل أشراف يهوذا، وأعمى عيني صديقيا وأوثقه في ~~السلاسل لكي يذهب به إلى بابل، وأحرق بيت الملك وبيوت الشعب بالنار، ~~واستأصل السور المحيط بأورشليم، وكذا بقية الشعب، الذين بقوا في القرية ~~والذين هربوا إليه سباهم ودفعهم إلى وازردان صاحب شرطته، فانطلق بهم إلى ~~بابل، ومساكين الشعب - الذين ليس لهم شيء - تركهم في أرض يهوذا، واستعمل ~~عليهم أخيقام بن شافان، وأمر بختنصر صاحب شرطته أن يأخذ إرميا وقال: لتكن ~~عينك عليه، ولا تفعل به بأسا، وما قال لك من شيء فافعله، فأرسل إلى إرميا ~~فأخذه من دار الحبس، ودفعه إلى أجدليا بن أخيقام بن شافان ليرده إلى بيته، ~~وقال وازردان صاحب الشرطة لإرميا: إلهك الذي قال هذا الشر على هذه البلدة ~~وفعل كالذي قال، لأنكم أخطأتم للرب ولم تسمعوا صوته، فأنزل بكم هذا الأمر، ~~وأما أنت فهاأناذا قد أحللتك من السلاسل التي كانت في يديك، فإن شئت أن ~~تأتي معي إلى بابل فتعال، وإن شئت فأقم، فهذه الأرض # PageV11P329 # في يديك كلها، فحيثما كان خيرا لك وحيث يحسن في عينيك فانطلق إليه، وإلا ~~فاجلس عند جدليا بن أخيقام بن شافان الذي سلطه بختنصر في يهوذا، وأعطاه ~~صاحب الشرطة مواهب في الطريق وسرحه بسلام، فأتى إرميا إلى أجدليا بن أخيقام ~~إلى مسفيا، وجلس عنده مع الشعب الذين خلفهم ملك بابل في الأرض. # هذا ما دل على أولي البأس الشديد الذين سلطهم الله عليهم، وأما ما دل على ~~رحمة الله لهم ففي تأريخ يوسف بن ms2627 كريون أن الروم لما بلغهم أن بختنصر ملك ~~بابل فتح مدينة المقدس ازداد خوفهم من الكسدانيين، فأرسلوا إلى بختنصر رسلا ~~وهدايا، وطلبوا منه الأمان والمسالمة، فآمنهم وعاهدهم على طاعته وموالاته، ~~فاطمأنوا وآمنوا وانقطعت عنهم تلك الحروب إلى زمان دارا الملك، وكان # PageV11P330 # سبب الحروب بين الروم وبين الكسدانيين. أن الكسدانيين كانوا يعادون ~~اليونانيين، فأعان الروم اليونانيين فغضب الكسدانيون من ذلك فحاربوا أهل ~~رومية، واتصلت الحروب بينهم إلى هذا الحد، فلما انتقد الله العزيز على ~~الكسدانيين طول تجبرهم وحكم بزوال ملكهم وانقضاء دولتهم كما أخبرت به ~~الأنبياء عليهم السلام، أثار عليهم من ملوك الأمم ملكين عظيمين: أحدهما ~~دارا ملك ماداي، والآخر كورش ملك الفرس، فتزوج كورش ملك الفرس بنت دارا ~~واتفقا على معصية الكسدانيين، وأظهر الخلاف على بلتشصار بن بختنصر ملكهم، ~~ثم سار إلى بابل في عساكر قوية، فأرسل إليهم بلتشصر عسكرا كبيرا، فجرت ~~بينهم حرب عظيمة، قتل فيها من الفريقين خلق كثير، ثم انهزم عسكر بلتشصر ~~وهربوا، فتبعهم # PageV11P331 # كورش ودارا إلى مسيرة يوم عن بابل، وقتلا كثيرا منهم، وأقام دارا وكورش ~~في ذلك الموضع، ثم إن بلتشصر بعث إليهما بألف قائد من قواده ومعهم جميع ~~خاصته وجبابرته، فخرجوا من بابل آخر النهار، وساروا ليلتهم فانتهوا إلى ~~عسكر دارا وكورش عند الصباح فكبسوهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فانهزم دارا ~~وثبت كورش فقاتل الكسدانيين ومنعهم أن يتبعوا عسكر دارا، وقامت الحرب بينهم ~~طول النهار، ثم استظهر الكسدانيون على الفرس وقتلوا جماعة منهم، فانهزم ~~الفرس وعاد قواد بلتشصار إليه ظافرين غانمين، فعظم سرور بلتشصار بذلك، وصنع ~~لقواده صنيعا عظيما أحفل فيه وأحضر الآلات الحسنة من الفضة والذهب، وبالغ ~~في إكرامهم وحضر معهم مجلس الشراب، فأكل وشرب وعظم سرورهم وسروره، فلما أخذ ~~الشراب منه أراد أن يزيد في إكرام أصحابه وسرورهم، فأمر بإحضار آلات الذهب ~~والفضة التي كان جده بختنصر الملك قد أخذها من هيكل بيت المقدس، ونقلها مع ~~جالية بني إسرائيل إلى بابل، فأحضرت تلك الآلات بحضرة بلتشصر فشرب فيها ~~الخمر وسقى فيها قواده ms2628 ونساءه وجواريه، وأقبلوا يسبحون لأصنامهم ويحمدونها، ~~قال: فسخط الله سبحانه من ذلك وكره ما فعله بلتشصار من ابتذال آلات القدس # PageV11P332 # ولم يخف من الله ولم يشكره على ما ظفره بأعدائه، فأرسل ملاكا وأمره أن ~~يكتب بحضرة بلتشصار ألفاظا بأحمر تتضمن ذكر ما حكم الله به عليه وعلى ~~مملكته، فحل الملاك بأمر الله عز وجل وكتب الألفاظ على حائط المجلس مقابل ~~المنارة، وكان يرى أصابع الملاك وهي تكتب وما رأى بقية شخصه، وكانت تلك ~~الأصابع شديدة البهار والنور، فلما رآها ذهل ولحقه رعب شديد وفزع وارتعد ~~جميع جسمه رعدة شديدة، ورعب جيمع جنده، ولم يفهم تلك الكتابة ولا وجد في ~~أصحابه من يقرأها لأن الخط كان كسدانيا وكان اللفظ عبرانيا. # فأمر بإحضار دانيال النبي - صلى الله على نبينا محمد وعليه السلام - ~~فقرأها وفسرها وقال: أيها الملك! قد أخطأت خطأ عظيما بابتذالك آلات قدس ~~الله بأيدي جندك وجواريك فنجسوها، ولذلك سخط الله وأرسل ملاكه حتى كتب هذه ~~الألفاظ ليعلمك ما يريد أن يفعله، فأما هذه الألفاظ المكتوبة فهي «حسب ووزن ~~ونقل» وتفسيرها أن الله حسب مدة دولتكم التي قد جعلها لكم فوجدها قد انقضت # PageV11P333 # وانتهت ولم يبق منها شيء، ووزنك في الميزان فوجدك ناقصا، يريد أنه جربك ~~بالإحسان إليك والظفر بأعدائك فوجدك غير شاكر لإحسانه ولم تحمده، بل سبحت ~~الأصنام، وأما تفسير «نقل» فإن الله قد قضى وحكم بزوال الملك عنك ونقله إلى ~~كورش ودارا؛ قال: فلما سمع بلتشصار ما قال دانيال ازداد خوفه وفزعه واضطرب ~~قواده أيضا وفزعوا فزعا شديدا وانصرفوا إلى منازلهم وهم خائفون، فلما نام ~~بلتشصر في تلك الليلة جاء إليه خادم من خدمه فقتله على فراشه، وأخذ رأسه ~~ومضى إلى دارا وكورش، وأخبرهما بخبر بلتشصار وما فعل من ابتذال آنية القدس، ~~وخبر الكتابة التي كتبها الملاك قدامه وتفسير دانيال لها، وما أخبره به من ~~انقضاء ملكه وانتقال دولته إلى ملوك مادي وفارس بسبب ابتذاله آنية القدس، ~~فلما سمع دارا وكورش ما أخبرهما به ونظرا رأس بلتشصار شكرا الله ms2629 عز وجل ~~واعترفا بقدرته وأكثرا تسبيحه وتمجيده، ونذر كورش أنه يبني بيت الله ~~بأورشليم، ويرد تلك الآنية، ويطلق جالية اليهود أن يرجعوا إلى بلادهم، ثم ~~سار كورش ودارا من مواضعهما، ودخلا بابل وقتلا جميع أهلها بأشد # PageV11P334 # القتل وأعظم العذاب، فتم عند ذلك ما أخبرت به الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام من انتقام الله تعالى من الكسدانيين وأهل بابل ومجازاتهم بما فعلوه ~~بآنية قدسه، ثم اقتسم دارا وكورش مملكة الكسدانيين فأخذ دارا مدينة بابل ~~وأعمالها وتسلم قصر بلتشصار وجلس على سريره، وأخذ كورش جميع مملكة ~~الكسدانيين التي هي غير بابل وأعمالها واستقر الأمر بينهما على ذلك، وكان ~~دارا في ذلك الوقت شيخا فلم تطل مدته فلما مات اتفق عظماء مادي وفارس على ~~أن ملكوا عليهم كورش، ومنذ ذلك الوقت صار ملك مادي وفارس واحدا، وبقي الأمر ~~على ذلك ولم يتغير، ولما تسلم كورش مملكة الكسدانيين، وجلس على كرسي بابل ~~وملك على مادي وفارس حركه الله تعالى في السنة الأولى من ملكه، فذكر نذره ~~الذي كان قد نذر أنه يطلق لجالية بني إسرائيل الرجوع إلى بلدهم، وأنه يبني ~~قدس الله، ويرد آلاته إليه، فأمر بإحضار شيوخ الجالية وكبرائهم، فأخبرهم ~~بما قد عزم عليه من بناء بيت المقدس وإطلاقهم وقال لهم: من اختار من # PageV11P335 # جالية اليهود أن يمضي إلى مدينة القدس لبناء الهيكل الذي أخربه بختنصر ~~فليمض ويستعن بالله عز وجل فإنه يعينه، وأنا كورش عبد الإله العظيم أطلق من ~~خزائني جميع ما يحتاج إليه من المال والعدد لعمارة بيت الرب الذي ظفرني ~~بالكسدانيين، وأعطاني ملكهم، قال: فلما سمع شيوخ الجالية مقالة كورش عظم ~~سرورهم بذلك وشكروا الله عز وجل على إحسانه، وطلعوا إلى مدينة بيت المقدس، ~~ومعهم جماعة كثيرة، ومعهم عزرا الكاهن عليه السلام ونحميا ومردخاي ويشوع ~~وسائر رؤساء الجالية ومقدميهم، فبنوا بيت الله على المقدار الذي رسم لهم ~~كورش، وبنوا المذبح على واجبه وحدوده، وقربوا القرابين على واجبها، وكان ~~كورش يطلق لهم كل سنة ما يحتاجون إليه لخدمة بيت الله من المال ms2630 والحنطة ~~والزيت والخمر والغنم والبقر، وأطلق لهم مالا كثيرا، ولم يزل الأمر يجري ~~على ذلك طول مملكة الفرس، قال: ثم عظم أمر كورش وبسط الله يده على جميع ~~الأمم والممالك، وفتح له الحصون المنيعة وأعطاه كنوز الأرض # PageV11P336 # وذخائرها، ولم يزل مقبلا مظفرا حيثما توجه كما أخبر الله تعالى على يد ~~أشعيا النبي عليه السلام أنه يفعل ذلك بكورش من أجل إحسانه إلى بني ~~إسرائيل؛ قال في سفر الأنبياء في نبوة أشعيا بن آموص: هكذا يقول الرب: أنا ~~الذي أبطل آيات العرافين، وأصير كل تعريفهم جهلا، وأرد الحكماء إلى خلفهم، ~~وأعرف أعمالهم للناس، وأثبت كلمة عبيدي، وأتمم قول رسلي، لأنه قال ~~لأورشليم: إنها تعمر، ولقرى يهوذا: إنها تبنى وتعمر خراباتها، ويقول للغور ~~أن يخرب وتيبس أنهاره، ويقول لكورش: ارع لتتم جميع إرادتي، وتأمر ببناء ~~أورشليم وتقيم هياكلها، هكذا يقول الرب لمسيحه وكورش الذي أخذ بيمينه لتخضع ~~له الشعوب ويظهر على الملوك أبدا: افتح الأبواب بين يديه، ولا تغلق الأبواب ~~أمامه، أنا أسير قدامه، وأسهل له العسر، أكسر أبواب النحاس، وأحطم أمخال ~~الحديد، وأعطيه الذخائر # PageV11P337 # التي في الظلمات، والأشياء المطمورة المستورة، ليعلم أني أنا الرب الذي ~~دعوته قبل مولده إله إسرائيل، من أجل عبدي يعقوب وإسرائيل صفي دعوتك باسمك، ~~وكنيتك من قبل أن تعرفني، أنا الرب ولا إله غيري - انتهى ما في سفر ~~الأنبياء. # ولم يزل كورش يحسن إلى بني إسرائيل حتى مات وملك بعده ابنه تمكيشه فأنفذ ~~ما كان صنعه أبوه من البر إلى اليهود وإطلاق الأموال الكثيرة لهم تعظيما ~~لبيت الله، وكان من بعده من ملوك الفرس على ذلك، ويطلقون ما كان كورش يطلقه ~~للقرابين وغيرها، ويجلون بيت الله ويعظمونه ويتبركون به، حتى كان أحشويرش - ~~وهو أردشير الملك - فتغيرت حال اليهود في زمانه بسبب وزير استوزره من ~~العماليق يسمى هامان، ثم إن الله تعالى عطفه عليهم بسبب زوجة له من اليهود، ~~ولم يزل أمرهم مستقيما وهم تحت طاعة الفرس إلى أن ملك الإسكندر الثاني، قال ~~ابن كثير في سورة الكهف: ms2631 وهو الذي يؤرخ له من مملكة الروم، وقد كان قبل ~~المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة انتهى. وهو # PageV11P338 # الماقيدوني اليوناني الرومي، ملك بعد قتل أبيه فليفوس، وكان عمره حين ملك ~~عشرين سنة، وكان حكيما عارفا بسائر العلوم، وكان الذي علمه الحكمة ~~أرسطاطاليس الحكيم، وكان الإسكندر يشاوره في أموره ويرجع إلى رأيه ويتدرب ~~بتدبيره، ولم يكن يشبه أباه ولا أمه، وكان وجهه كوجه الأسد وعيناه ~~مختلفتين: اليمنى سوداء تنظر إلى أسفل، واليسرى صافية اللون كعين السنور ~~تنظر إلى فوق، وأسنانه دقيقة حادة كأسنان الكلب، وكان شجاعا جريئا مقداما ~~من صباه، فلما فتح بلاد المغرب ورجع منها قصد بلاد الشام وتوجه إلى بيت ~~المقدس فلقيه ملاك الرب فأمره أن يعظم القدس وأهلها، ففعل ثم قصد دارا ~~الثاني ملك الفرس، فلما حاذى نابلس خرج إليه سنبلاط السامري صاحبها وحمل ~~إليه أموالا كثيرة وهدايا، ثم سار إلى دارا فقتله، ثم إلى ملك الهند فكذلك، ~~ثم إلى مطلع الشمس، ثم أحب أن يرى أطراف الأرض فضرب فيها، ورأى من الأمم ~~والعجائب ما هو مذكور في سيره، ورجع فمات ببابل، ثم كان أمر اليهود تارة ~~وتارة وهم تحت حكم اليونان الذين ملكوا بعد الإسكندر، ثم غلب الروم فكان ~~اليهود تحت أيديهم، وكانوا يقومون ويقعدون تارة وتارة إلى أن كثرت فيهم ~~الأحداث، وعظمت المصائب والفتن، وعم الفساد، # PageV11P339 # وكثرت فيهم الخوارج، واتصل القتل والغدر والنهب والغارات، وقتلوا زكريا ~~ويحيى وابنه عليهما السلام، وأطبقوا على إرادة قتل المسيح ابن مريم عليهما ~~السلام، فرفعه الله تعالى إليه ثم سلط عليهم طيطوس قيصر فأهلكهم وأخرب ~~البيت الخراب الثاني - كما سيأتي ثم لم يقم لليهود أمر إلى الآن. # فلما ثبت بكون ما توعد به سبحانه في أوقاته كما أخبر به بطشه وحلمه، ~~فثبتت قدرته وعلمه، أشار إلى أن من سبب إذلاله لمن يريد به الخير المعصية، ~~وسبب إعزازه الطاعة، فقال تعالى: {إن أحسنتم} أي بفعل الطاعة على حسب الأمر ~~في الكتاب الداعي إلى العدل والإحسان {أحسنتم لأنفسكم} فإن ذلك يوجب كوني ~~معكم فأكسبكم ms2632 عزا في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما {وإن أسأتم} أي بارتكاب ~~المحرمات والإفساد {فلها} الإساءة، وذكرها باللام تنبيها على أنها أهل ~~لزيادة النفرة لأن كل أحد يتطير من نسبتها إليه عبارة كانت، فإذا تطير مع ~~العبارة المحبوبة فكيف يكون حاله مع غيرها. # PageV11P340 # ولما انتهزت فرصة الترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية، عطف الوعيد ~~الثاني بالفاء إشارة إلى أنه بعد نصر بني إسرائيل على أهل المرة الأولى، ~~ولعلها أيضا مؤذنة بقرب مدتها من مدة الإدالة فقال تعالى: {فإذا جاء} أي ~~أتى إتيانا هو كالملجأ إليه قسرا على خلاف ما يريده الآتي إليه {وعد ~~الآخرة} أي وقته، فاستأهلتم البلاء لما أفسدتم وأحدثتم من البلايا التي ~~أعظمها قتل زكريا ويحيى عليهما السلام والعزم على قتل عيسى عليه السلام ~~{ليسوءوا} أي بعثنا عليكم عبادا لنا ليسوءوا {وجوهكم} أي يجعل آثار المساءة ~~بادية فيها، وحذف متعلق اللام لدلالة الأول عليه {وليدخلوا المسجد} أي ~~الأقصى الذي سقناكم إليه من مصر في تلك المدد الطوال وأعطيناكم بلاده ~~بالتدريج، وجعلناه محل أمنكم وعزكم، ثم جعلناه محلا لإكرام أشرف خلقنا ~~بالإسراء به إليه وجمع أرواح النبيين كلهم فيه وصلاته بهم ثم، وهذا تعريض ~~بالتهديد لقريش بأنهم إن لم يرجعوا أبدل أمنهم في الحرم خوفا وعزهم ذلا، ~~فأدخل عليهم جنودا لا قبل لهم بها، وقد فعل ذلك عام الفتح لكنه فعل إكرام ~~لا إهانة ببركة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم ~~وبجل ومجد وعظم دائما أبدا {كما دخلوه} # PageV11P341 # أي الأعداء {أول مرة} بالسيف، ويقهروا جميع جنودكم دفعة واحدة {وليتبروا} ~~أي يهلكوا ويدمروا مع التقطيع والتفريق {ما علوا} أي عليه من ذلك، وقيل: ما ~~مصدرية، أي مدة علوهم فيكون {يتبروا} قاصرا فيعظم مدلوله، وأكد الفعل وحقق ~~الوعد فقال: {تتبيرا *} . # وقال في التوراة إشارة إلى هذه المرة الأخيرة - والله أعلم - بعد ما مضى ~~من الإشارة إلى المرة الأولى سواء: وإن لم تحفظ وتعمل بجميع الوصايا والسنن ~~التي كتبت في هذا الكتاب لتتقي الله ربك وتهاب اسمه ms2633 المحمود المرهوب، يخصك ~~الرب بضربات موجعة ويبتليك بها ويبتلي نسلك من بعدك، وينزل بك جميع الضربات ~~التي أنزلها بأهل مصر تدوم عليك، وكل وجع وكل ضربة لم تكتب في هذا الكتاب ~~يبتليك الله بها حتى تهلك وتبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم التي كانت ~~قد صارت مثل نجوم السماء، لأنك لم تسمع قول الله ربك، فيكون كما فرحكم الرب ~~وأنعم عليكم وكثركم يستأصلكم بالعقاب والنكال، ويدمر عليكم ويتلفكم، وتجلون ~~عن الأرض التي تدخلونها لترثوها، ويفرقكم الرب بين جميع الشعوب من أقطار ~~السماء إلى أقطارها، وتعبدون هناك الآلهة الأخرى التي # PageV11P342 # عملت من الحجارة والخشب لم تعرفوها أنتم ولا آباؤكم، ولا تسكنون أيضا بين ~~تلك الشعوب ولا تكون راحة لأقدامكم، ولكن يصير الله قلوبكم فزعة مرتجفة، ~~ويبتليكم بظلمة العين وسيلان الأنفس، وتكون حياتكم معلقة حيالكم من بعيد؛ ~~وتكونون فزعين الليل والنهار، ولا تصدقون أنكم تعيشون، بالغداة تقولون: متى ~~نمسي؟ وبالعشي تقولون: متى نصبح؟ وذلك من فزع قلوبكم وخوفكم ومن ظلمة ~~أبصاركم وقلة حيلتكم، ويردكم الله إلى أرض مصر في سفن على الحال الذي قلت ~~لكم، لا تعودون أن تروها أبدا، وتباعون هناك عبيدا وإماء، ولا يكون من ~~يشتريكم، هذه أقوال العهد التي أمر الله بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في ~~أرض موآب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب - انتهى. # وإنما قلت: إن هذا إشارة إلى المرة الثانية، لأنه تكرير لذلك الذي قدمته ~~في الأولى، فحمله على أن يكون مشيرا إلى غير ما أشار إليه الأول أولى، بل ~~ربما كان متعينا، ثم أخبرني بعض فضلاء اليهود أن علماءهم قالوا كذلك، وكان ~~الخراب في هذه المرة على يد طيطوس # PageV11P343 # بعد أن تملك أبوه أسفسيانوس على الروم ورجع من الأرض المقدسة بعد موت ~~ملكهم تيروس الذي كان أرسله لقتال اليهود لما خرجوا عن طاعته، وكان معه ~~يوسف بن كريون أحد أكابر اليهود، وكان أحد من ندبه اليهود لقتال أسفسيانوس ~~ومن معه، فأسروه وأحسنوا إليه فاستمر عندهم، فلما مات تيروس وملكه أصحابه ~~رجع إلى ms2634 رومية وبعث ابنه للفراغ من القدس وبعث يوسف معه بعد أن استمر البيت ~~عامرا من عمارة العزير عليه السلام أربعمائة سنة وعشرين سنة، ولم يدخل بعد ~~هذا الخراب في أيدي اليهود، وكان هذا لثلاثمائة سنة وثمانين سنة من ولاية ~~الإسكندر، وقال مؤرخهم في شرح هذا الخراب: إن طيطوس كان في قيسارية، فسار ~~منها حتى انتهى إلى يالو فأخذ من نقاوة عسكره ستمائة رجل، وسار إلى بيت ~~المقدس ليقف على أحوال المدينة، وينظر الحصن، ويعلم ما يحتاج إلى علمه، ~~ويدبر الأمور بحسب ذلك، وعمل على أن يراسل أهل بيت المقدس بالجميل ويدعوهم ~~إلى المسالمة ويبذل لهم الأمان، فلما قرب من المدينة # PageV11P344 # وجد الأبواب مغلقة، وليس يخرج من المدينة ولا يدخل إليها أحد لما بين ~~الخوارج من الحروب المتصلة، فما وجد من خاطبه من القوم، فانصرف راجعا إلى ~~عسكره. # قال: وكان قوم من أصحاب الخوارج لما علموا بمجيء طيطوس قد خرجوا من ~~المدينة، فكمنوا له في بعض الطريق، فما اجتاز بهم وهو راجع أحاطوا به ~~وحالوا بينه وبين أصحابه، فقاتلهم قتالا شديدا حتى خلص بعد أن أشرف على ~~الهلاك، فعلم ما القوم عليه من النجدة والشر فأعد لذلك عدته لما أراد الله ~~من خراب القدس، وكان الله سبحانه وتعالى ملكه وعز سلطانه قد أظهر لبني ~~إسرائيل أمورا دلتهم على زوال أمرهم لو أنهم تبصروا، منها شبه كوكب كبير له ~~نور قوي وضوء شديد كان القدس يضيء منه البلد كله طول الليل قريبا من ضوء ~~النهار، فأقام كذلك سبعة أيام مدة عيد الفصح، ففرح به الجهال واغتم ~~العلماء، ومنها أنهم أحضروا في هذا العيد بقرة ليقربوها، فولدت خروفا ~~فاستنكر الناس ذلك، ومنها أن باب القدس الشرقي كان عظيما ثقيلا لا يعالجه ~~إلا جماعة، فلما كان في تلك الأيام كانوا يجدونه كل يوم مفتوحا من غير ~~فاتح، فيجتمع الرجال المعتادون له فيغلقونه ثم يعودون إليه فيجدونه مفتوحا، ~~فكان الجهال يفرحون والعلماء # PageV11P345 # يغتمون، ومنها أنه ظهر على بيت قداس الأقداس في الهواء صورة وجه الإنسان ms2635 ~~شديد الحسن عظيم البهاء والنور، ومنها أنه ظهر أيضا في الجو صور ركبان من ~~نار يطيرون في الهواء قريبا من الأرض على بيت المقدس وعلى جميع أرض اليهود، ~~ومنها أنه سمع الكهنة في ليلة عيد العنصرة في القدس حس جماعة كثيرة يذهبون ~~ويجيئون في الهيكل من غير أن يروهم بل كانوا يسمعون وطأهم فقط، ثم سمعوا ~~صوتا عظيما يقول: امضوا بنا حتى نرتحل عن هذا البيت، ومنها أنه كان قد ظهر ~~قبل هذا بأربع سنين في المدينة رجل يمشي كالمجنون ويصيح بأعلى صوت يقول: ~~صوت من المشرق، صوت من المغرب، صوت من أربع جهات الدنيا، صوت على أورشلام، ~~وصوت على الهيكل، وصوت عل الحصن، وصوت على الفروس، وصوت على جميع الناس، ~~الويل على أورشلام، الويل على أورشلام، وكان لا يهدأ من هذا الكلام، وكان ~~الناس يبغضونه ويزجرونه ويتصورونه بالجنون، فلم يزل على ذلك إلى أن أحاط ~~العدو بالمدينة، # PageV11P346 # فابتدأ في بعض الأيام يتكلم على عادته، فأتاه حجر في رأسه فمات ووجد في ~~حائط قدس الأقداس حجر قديم مكتوب عليه «إذا صار بنيان الهيكل مربعا ملك على ~~أرض بني إسرائيل ملك عظيم، ويتسلط على سائر الأرض» فقال قوم: هو ملك بني ~~إسرائيل، وقال الحكماء والكهنة: بل الروم، ووجد أيضا حجر قديم مكتوب عليه ~~«إذا كمل بنيان القدس وصار مربعا فإنه عند ذلك يخرب» فلما وقع الحصار ~~وانهدم أنطونيا سدوا السور فصار الهيكل مربعا كما سيأتي، وأعظم الأمارات ما ~~كان عليه خوارجهم من القتال، وسفك دماء الخاص والعام، والحريق والجوع، بحيث ~~إنه أحاط البلاء بهم وبجميع الناس ولا يجدون مهربا حتى كرهوا الحياة. # ولما خلص طيطوس من الخوارج بات في عسكره، ثم سار بالليل من يالو، فأصبح ~~على بيت المقدس ونزل على رأس جبل الزيتون الذي في شرقي المدينة أورشليم، ~~ليحجز الوادي بينه وبينها ولا يخفى عليه من يخرج إليه منها، ثم رتب عسكره ~~ووصاهم بالتعاون والتظافر واليقظة والحذر، وأن لا يفارق بعضهم بعضا، وقال: ~~إنكم تقاتلون قوما لم تقاتلوا مثلهم في ms2636 البأس والشجاعة والصبر على القتال ~~والبصر # PageV11P347 # بالحرب، فلما رآه اليهود اصطلح رؤساء الخوارج يوحانان وشمعون والعازار ~~على أن لا يحارب بعضهم بعضا ويتفقوا على محاربة الروم، واجتمعوا وفتحوا باب ~~المدينة ولقوا من كان قرب من الروم، فقاتلوهم واشتد الحرب فانهزم الروم، ~~فردهم طيطوس وشجعهم فعادوا فكانت بينهم حرب عظيمة قتل فيها خلق كثير، ~~وانهزم اليهود فوقفوا عند السور وبعثوا جريدة من أصحابهم في عدد كثير من ~~جهة أخرى، فداروا من وراء عسكر الروم، وزحف أولئك من أمامهم، فكان الروم ~~بين العسكرين فقتل منهم خلق كثير فانهزموا، وثبت طيطوس في جمع من أصحابه ~~فاشتد الأمر حتى كاد يقتل، فقال أصحابه: امض إلى الجبل، فاختار الموت على ~~الهزيمة ولم يزل يقاتلهم حتى تخلص بعد أن استظهر عليه اليهود ثلاث دفعات، ~~ولما عاد اليهود إلى المدينة نقضوا عهودهم وحارب بعضهم بعضا كما كانوا، لأن ~~يوحانان كان يريد الرئاسة، وكان شمعون والعازار يأبيان ذلك، وحضر عيد الفصح ~~- وهو الفطير - فدخل يوحانان في أصحابه إلى القدس # PageV11P348 # في اليوم الأول، فلقيهم الناس بالجميل وسروا بهم، فنزعوا ما ظهر من ~~ثيابهم فإذا تحتها السلاح، وأخذوا على الناس الأبواب، فقتلوا خلقا كثيرا من ~~الكهنة وغيرهم ولم يرحموا صغيرا ولا كبيرا، فقتل العازار وشمعون من كان ~~خارج القدس من جماعة يوحانان، فخرج إليهم واشتد الأمر واتصلت الحرب، فلما ~~علم طيطوس زحف إلى المدينة فقال له قوم من اليهود الذين على السور: نفتح لك ~~الباب على أن تؤمننا وتريحنا من هؤلاء الخوارج، فلم يثق بهم لما ظهر لهم من ~~شرهم وغدرهم، وعلت الأصوات في المدينة، لأن بعضهم كان يريد أن يفتح لطيطوس ~~وبعضهم يمنع، وتبادروا إلى حفظ الأبواب والسور، فتقدم جماعة من الروم إلى ~~المدينة طمعا في أن يفتح لهم الباب فرماهم الخوارج بالحجارة والنشاب، ~~وأعانهم الذين كانوا استدعوا الروم للدخول، ثم خرج جماعة من اليهود فهزموا ~~الروم وأنكوا فيهم وتبعوهم إلى قرب عسكرهم، وشرعوا يهزؤون بهم ويعيرونهم ~~بالهزيمة، فأراد من في العسكر أن يلاقوهم فمنعهم طيطوس واشتد غضبه على ms2637 ~~أصحابه وقال: لست أعجب من اليهود في غدرهم، ولكن أعجب منكم مع بصركم بالحرب ~~وكثرة تجاربكم فكيف خدعوكم؟ # PageV11P349 # فمضيتم إلى المدينة بغير أمري وخالفتم وصيتي، ولذلك انهزمتم لأنه لا يجوز ~~للرعيه أن تخالف أمر الملك، وقد علمتم أن بعض ملوكنا قتل ابنه لأنه مضى إلى ~~الحرب بغير أمره، فأنتم مستحقون للقتل بعصياني، مستوجبون لما جرى عليكم من ~~الهزيمة، فسجد أصحاب طيطوس له واعترفوا بخطئهم وقالوا: لا نعاود، فأمرهم أن ~~يعدلوا ما حول المدينة من المعاثر والوهدات، ويسدوا الآبار ليسهل عليهم ~~القتال ويهدم السور، ففعلوا ذلك وقطعوا كل ما حول المدينة من الشجر ~~والنبات، وكان حولها من سائر الجهات بساتين كثيرة فيها أنواع الأشجار ~~والفواكه مسيرة أميال من كل جهة، فكان إذا أقبل إنسان عليها يرى أحسن منظر ~~فلم يبق الروم من ذلك شيئا، وكان من يعرف تلك البساتين إذا رآها بعد ~~إتلافها يبكي ويستوحش، واشتغل اليهود بخوارجهم، واتفق شمعون والعازار على ~~يوحانان وكان قد ملك القدس ومعه ثمانية آلاف وأربعمائة رجل من الشجعان، ~~وكان مع شمعون عشرة آلاف من اليهود وخمسة آلاف من أدوم - أي النصارى - وكان ~~الكهنة وجماعة من أهل المدينة مع العازار، وحصل الناس بين هؤلاء بأسوأ حال، ~~وكانوا إذا استظهر الروم على المدينة اتفقوا وحاربوهم، فإذا دفعوهم عادوا ~~إلى الشر فيما بينهم. # PageV11P350 # ثم إن طيطوس أحضر كبش الحديد وغيره من آلات القتال ليهدم السور، وصنع ~~أبراجا عظيمة من الخشب توازي سور المدينة وتحتها بكر ليدفعها الرجال وتصعد ~~عليها المقاتلة، وأرسل إليهم رجلا من أصحابه يدعوهم إلى المسالمة فرماه بعض ~~من على السور فقتله، واصطلح الخوارج وخرجوا إلى الروم فقاتلوهم وأحرقوا ~~الكبش وجميع تلك الآلات وأبعدوهم ورجعوا إلى المدينة يتقاتلون، فلما علم ~~طيطوس بذلك دفع الكبش على السور فهدم منه قطعة كبيرة، فهرب من كان وراءه ~~إلى السور الثاني، فأبعد الروم ما سقط من حجارة السور ليتسع لهم المجال، ~~فاصطلح الخوارج وفرقوا أصحابهم على جهات المدينة، واشتد بينهم وبين الروم، ~~وصدق الفريقان، وتولى طيطوس الحرب بنفسه، وأقبل يشجع ms2638 أصحابه ويعدهم ~~بالأموال والصلات، وشجع الخوارج أصحابهم ونادى شمعون: من انهزم قتل وهدم ~~منزله. # فلما رأى طيطوس ثبات أصحاب شمعون مال إلى جهة يوحانان، ولأنها معتدلة ~~وطيئة، وأراد أن ينطح السور الثاني، فناداه رجل # PageV11P351 # اسمه قصطور من فوق السور: أسألك يا سيدي أن تشفق على هذه المدينة والأمر ~~يجري على ما تحب، فظن طيطوس صدقه فتوقف وشرع يكلمه، وأطال المراجعة احتيالا ~~منه ليتمكن أصحابه من إحراق الكبش، ثم سأله أن يبعث له شخصا من أصحابه ~~ليتفق معه، فأرسل إليه شخصا من وجوه الروم فقال له: اقرب حتى ألقي إليك ما ~~لي ثم انزل، فألقى عليه صخرة فأخطأته وقتلت رجلا كان معه، فغضب طيطوس ودفع ~~الكبش على السور الثاني فانهدم منه قطعة كبيرة، فاشتد أسف قصطور فقتل نفسه، ~~وتبادر اليهود فمنعوا الروم من الدخول من الموضع الذي انثلم، وحاربوهم إلى ~~أن أخرجوهم عن السور الأول وقتلوا جماعة منهم، واتصلت الحرب بين الفريقين ~~أربعة أيام، وورد على طيطوس في اليوم الرابع عسكر كبير من أمم مختلفة تعينه ~~على اليهود، فخرج اليهود على عادتهم فقاتلوهم فلم تكن لهم بهم طاقة ~~فانهزموا ودخلوا إلى الحصن الثالث، فأمر طيطوس برفع الحرب وكف عنهم خمسة ~~أيام، وركب في اليوم الخامس وتقدم إلى قرب السور، # PageV11P352 # فوجد يوحانان وشمعون وأصحابهما قد خرجوا من المدينة ليحرقوا الكبش، ~~فابتدأهم طيطوس بالسلام وخاطبهم بالجميل والملاطفة وقال: قد رأيتم ما جرى ~~من هدم هذين السورين، وليس يتعذر هدم السور الثالث، وقد علمتم أنكم ما ~~انتفعتم في هذه المدة بما فعلتموه، وكذلك لا تنتفعون أيضا بدوامكم على ما ~~أنتم عليه من اللجاج في مخالفتنا. فارجعوا عن ذلك قبل أن أهدم هذا السور ~~الباقي، وأستبيح المدينة، وأخرب الهيكل، ولست أختار ذلك ولا أريده، فإن ~~رجعتم إلى طاعتنا كنا لكم على أفضل ما عهدتموه منا، ودامت لكم السلامة، ~~وزال عنكم ما أنتم فيه من المكروه. # وأمر يوسف بن كريون أن يقرب منهم ويبلغ معهم الغاية في القول ويستدعيهم ~~إلى المسالمة ويبذل لهم من الأمان والعهود ms2639 ما يثقون به ويسكنون إليه، فوقف ~~قدام باب المدينة وقال: اسمعوا مني يا معشر بني إسرائيل ما أنا مخاطبكم به، ~~فإني إنما أخاطبكم يما ينفعكم ويعود بصلاحكم إن قبلتموه، واعلموا أن محاربة ~~الأعداء ومقاومتهم قد كانت تحسن بكم حين كانت بلدانكم عامرة، وعساكركم ~~متوافرة، وأحوالكم مستقيمة، فأما بعد أن # PageV11P353 # بلغتم إلى هذه الحال، من خراب البلدان وفناء الرجال، وذهاب النعم واختلال ~~الأحوال، فكيف تطمعون في مقاومة هذه الأمة العظيمة القوية التي قد قهرت ~~الممالك والأمم واستولت عليهم، فعلى أي شيء تعتمدون؟ فإن قلتم: إنا نعتمد ~~على الله عز وجل ونرجو أن ينصرنا كما جرت عادته مع آبائنا، فيجب أن تعلموا ~~أنه هو الذي سلط عليكم هذه الأمة لسوء أفعالكم وكثرة ذنوبكم، لأنكم ارتكبتم ~~المحارم، وسفكتم الدماء، ونجستم هيكل الله المقدس، وقتلتم كهنته وصلحاء ~~أمته ظلما، فكيف ترجون من الله النصر والمعونة مع هذه الأفعال القبيحة ~~والله لا ينصر من عصاه، وإن كنتم تتكلون على الحصون والعدد والعساكر فأنتم ~~تعلمون أن جميع ذلك قد ذهب أكثره، ولم يبق منه إلا القليل، وهذه المدينة قد ~~هدم سوران من أسوارها ولم يبق غير واحد وهم مجدون في هدمه، وأنتم كل يوم في ~~نقصان وضعف وعدوكم في زيادة وقوة، فإن دمتم على ما أنتم عليه هلكتم ولم يبق ~~منكم باقية، فإن # PageV11P354 # قلتم: إنا نختار القتل على الذل للأمم وطاعتهم، فقد علمتم أن آباءنا ~~وأصولنا - وهم السادة الذين يجب علينا أن نقتدي بهم - لم يمتنعوا من مسالمة ~~الأمم الذين جاوروهم ومداراتهم، ولو كان أمرا مكروها لقد كانوا أولى ~~بكراهته منكم، والمتقدمون منا أطاعوا المصريين في أزمان كثيرة وملوك الموصل ~~والكسدانيين والفرس ثم اليونانيين الذين جاروا عليهم وأساؤوا إليهم وصبروا ~~على ظلمهم لهم على أن أذن الله بخلاصهم منهم على أيدي بني حشمناي الكهنة، ~~ثم أطاعوا بعد ذلك ملوك الروم إلى هذه الغاية، ولم يروا أن عليهم نقصا في ~~طاعتهم، وكذلك أنتم إن أطعتموهم كان ذلك أولى بكم من أن تعرضوا أنفسكم ~~للهلاك، ونعمتكم للزوال، وبلدكم ms2640 للخراب، وتحصلوا بعد ذلك في أضعاف ما ~~كرهتموه من الذلن ولا يعذركم في ذلك عاقل ولا يحمد رأيكم، على أن الروم ما ~~زالوا محسنين إليكم، كفوكم أمر أعدائكم من اليونانيين، وأزالوا سلطانهم ~~عنكم، وأعانوكم على كثير من الأمم الذين يعادونكم حتى غلبتموهم واستوليتم ~~عليهم، فأنتم بطاعتهم أولى منكم بمعصيتهم، وقد علمتم أن الله عز وجل قد جعل ~~لكل أمة دولة وسلطانا سلطها فيه، فإذا انقضى ذلك الزمان زالت دولتها ~~وسلطانها فذلت لغيرها وخضعت لمن كان يخضع لها، # PageV11P355 # وقد بسط الله أيديكم زمانا، وسلطكم على غيركم دهرا، ثم جعل الدولة ~~والسلطان لسواكم، وأراد أن يذلكم لهم، فمتى خالفتم مراد الله ولم تقبلوا ~~حكمه هلكتم، وليس يشك في أن الله أراد في هذا الزمان أن يرفع الروم ويبسط ~~أيديهم، لأنه قد أذل لهم الملوك وظفرهم بالأمم حتى أطاعهم من في سائر جهات ~~الدنيا ممن هو أشد منكم بأسا، وأكثر عددا، وأقوى سلطانا، وكيف تطمعون في أن ~~تغلبوهم وأنتم تشاهدون إقبالهم وقوة أمرهم ومعونة الله لهم، وترون أنفسكم ~~بخلاف ذلك، وليس يعيب الإنسان ولا ينقصه طاعته لمن هو أقوى منه وأعلى يدا، ~~لأن الله عز وجل قد جعل أمر الخلق في الدنيا مبنيا على أن يكون بعضهم تابعا ~~لبعض، وبعضهم قاهرا لبعض، وبعضهم محتاجا إلى بعض، وكل صنف يخضع لمن هو أقوى ~~منه ويذل له ويطيعه، وذلك ظاهر موجود في الناس على طبقاتهم، وفي الحيوانات ~~على اختلافها، وليس يستغني عن ذلك أحد، ولا يذمه عاقل، وإذ كان الأمر كذلك ~~فليس ينقصكم طاعة الروم، ولا الروم بأول من أطعتموهم وقد تقدمت طاعتكم لهم ~~منذ سنين؛ وقد ابتدؤوكم في هذا الوقت بالجميل، ودعوكم إلى المسالمة، وبذلوا ~~لكم الأمان، وضمنوا لكم الإحسان، وظهر منهم الإشفاق على مدينتكم وقدسكم ~~فاتقوا الله، # PageV11P356 # وتلافوا أمركم، وأحسنوا النظر لمن بقي منكم، فارجعوا إلى ما كنتم عليه من ~~طاعتهم لتبقوا وتتماسك أحوالكم، وتسلم هذه المدينة وهذا القدس الجليل قبل ~~أن يهدم هذا الحصن الباقي فتهلكوا. # فصاح الخوارج بشتم يوسف والفرية عليه ms2641 ورموه بالسهام والحجارة، فتباعد ~~قليلا وأغلظ لهم في الكلام وقال: يا معشر العصاة! أخبروني ما الذي حملكم ~~على قتال الروم إن كنتم تقصدون بذلك صيانة القدس عن الأعداء فأنتم قد ~~ابتذلتموه بالمعاصي ونجستموه بما سفكتم فيه من الدماء الكثيرة ظلما، وإن ~~كنتم تريدون نصرة الأمة وإعزازها فأنتم تقتلونها بأيديكم وتبالغون في ظلمها ~~والإساءة إليها، وهل يفعل الأعداء بكم أكثر مما فعلتموه؟ أو يبلغون فيكم ~~أكثر مما قد بلغتموه في أنفسكم؟ أخبروني متى كان من تقدم من أمتنا أو تأخر ~~يغلبون من يحاربهم ويستظهرون على أعدائهم بالعساكر والعدد دون الصلاح # PageV11P357 # والتقوى؟ وهل تخلص من تخلص من الشدائد إلا بطاعة الله والدعاء له؟ وهل ~~كانوا يغلبون إلا بنصر الله لهم ومعونته إياهم؟ وهل كان ينصرهم إلا إذا ~~أطاعوه واتقوه؟ فلما عصوه سلط عليهم الأعداء ومكنهم منهم حتى قهروهم ~~وأذلوهم، ولم ينتفعوا بعددهم وسلاحهم ولا قدروا على مقاومة الأعداء ببأسهم ~~وقوتهم، وقد علمتم أن الله عز وجل كفى الصالحين في كل زمان أمر أعدائهم، ~~فمنهم من دعا الله عز وجل عند الشدائد فاستجاب له بلا حرب، وأظهر الآيات ~~العظيمة في معونتهم وكفايتهم، فبلغوا بذلك ما لم يكونوا يبلغون إليه بحولهم ~~وقوتهم، ومنه من حارب الأعداء واستعان بالله عز وجل فأعانه على عدوه وظفره ~~به، ولم يفعل الله مثل ذلك مع العصاة ليظهر فضيلة الصالحين، اعتبروا بأبيكم ~~إبراهيم عليه السلام، لما أخذ فرعون امرأته ألم يضرب الله فرعون وأهله ~~بالبلاء العظيم حتى خضع فانكسر ورد امرأة إبراهيم عليه السلام وهي سليمة، ~~ثم أحسن إليه وأكرمه، فهل قدر إبراهيم عليه السلام على ذلك بالسيف ~~والمحاربة أو بالصلاح # PageV11P358 # والدعاء إلى الله عز وجل؟ وكذلك فعل الله مع إسحاق عليه السلام لما أخذ ~~أبيمالخ ملك فلسطين امرأته، وقد علمتم أن موسى عليه السلام لم يستظهر على ~~فرعون وعساكر المصريين حتى هلكوا وتخلصت أمة بني إسرائيل منهم بحرب ولا ~~عدة، بل بالدعاء وكفاية الله له، ولما حارب عماليق بني إسرائيل هل غلبوه ~~إلا بدعاء موسى عليه السلام وصلاته؟ ms2642 ويوشع بن نون عليه السلام لما عبر ~~الأردن مع بني إسرائيل قد كان في جمع كبير وقوة فهل فتح يريحا بالحرب أو ~~بالآية العجيبة في سقوط الحصن؟ ولما أخطأ عاخان بما أخذه من يريحا من ~~الغنيمة التي نهى الله عنها بني إسرائيل ألم يسخط الله على الأمة بسببه حتى ~~غلبهم أهل مدينة عاي وهم قليل، فلم يقدر بنو إسرائيل مع كثرتهم على ~~مقاومتهم إلى أن صلى يوشع بن نون عليه السلام ودعا إلى الله عز وجل فاستجاب ~~الله دعاءه ونصر بني إسرائيل على عاي وجدعون لما غلب عسكر مدين وعماليق مع ~~كثرتهم # PageV11P359 # هل غلبهم إلا بمعونة الله لهم؟ واذكروا كيف انهزم عسكر الأرمن العظيم عن ~~سبسطية بصلاة اليشع النبي عليه السلام ودعائه، وقد كان أهل المدينة أشرفوا ~~على الهلاك من الجوع، فأوقع الله الخوف في قلوب الأرمن فانهزموا بغير حرب ~~ولا قتال، وخرج أهل المدينة فغنموا عسكرهم وزال عنهم الجوع، واذكروا ما فعل ~~الله مع نساء الملك ويوشافاط لما ظفرهما بأعدائهما بالدعاء والصلاة، وقد ~~علمتم أن شمشون قبل أن يخطىء كان جبارا مظفرا، فلما أخطأ أسره أعداؤه فصار ~~ذليلا في أيديهم مثل أقل الناس وأضعفهم وطحنوه بالرحى مثل الإماء، وكذلك ~~شاوول - وفي نسخة: طالوت - الملك لما كان طائعا لله تعالى كان الله ينصره، ~~فلما عصاه أسلمه الله إلى أعدائه فظفروا به، ولم ينتفع بعساكره وعدده، ~~وأمصيا لما حارب أدوم غلبهم وظفر بهم، فلما أخذ أصنامهم ونصبها في بيت ~~المقدس # PageV11P360 # سخط الله عليه، فلما حارب يواش ملك بني إسرائيل بعد ذلك انهزم أقبح هزيمة ~~لخذلان الله له وتركه معونته، واذكروا هلاك عسكر سنحاريب ملك الموصل العسكر ~~العظيم بغير حرب ولا قتال بل بصلاة حزقيا الملك والأنبياء عليهم السلام ~~ودعائهم، واعتبروا بصدقيا الملك لما عصى الكسدانيين وظن أنهم يغلبهم ~~بعساكره وبعدته وخالف الأنبياء عليهم السلام في مسالمتهم، هل انتفع بذلك؟ ~~وهل كانت عاقبته وعاقبة الأمة إلا إلى الهلاك؟ فهذا وغيره مما لم أذكره لكم ~~يدلكم على عناية الله بالأخيار، وخذلانه للعصاة الأشرار. ms2643 # وساق لهم من مثل هذا كلاما كثيرا بلغيا، ثم رغبهم في طاعة اسفسيانوس ~~بالخصوص بما اشتهر من حسن سيرته، وقال: ولو لم تعلموا ذلك إلا بما عاملني ~~به من الجميل، وقد كنت أستوجب منه غير ذلك لكفاكم، لأني كنت أول من اجتهد ~~في محاربته، وقتلت خلفا كثيرا من أصحابه، ولقد كنت أعلم أني خالفت الصواب، ~~ولكني لما رأيتكم بأجمعكم قد اتفقتم على # PageV11P361 # محاربتهم وبعثتموني لم أخالفكم، وبذلت المجهود في مناصحتكم، وثبت في حصن ~~يودنات إلى أن فنى أصحابي، وغلبني الأمر، ولم يبق لي حيلة، ثم حصلت مع ~~الروم فما أساؤوا إلي بل أحسنوا وأجملوا وعفوا عني وأنا معهم إلى هذه ~~الغاية على ما أحب، وقد كنت اجتهدت قبل حصولي معهم أن أهرب إليكم فما تم لي ~~ذلك، وأنا الآن أحمد الله تعالى إذ لم يسهل لي ذلك، فإني لو كنت معكم لكنت ~~إما أن أشارككم في أفعالكم هذه فأكون مخطئا، أو أخالفكم فتقتلوني ظلما، ~~فتأملوا ما خاطبتكم به ولا تظنوا أن الله ينصركم، فإنكم لا تستحقون ذلك ~~لأنكم قد أسخطتموه، واستدلواعلى ذلك بآية عين سلوان، فإنها قد كانت قريبة ~~من الجفاف قبل أن ينزل بكم هذه العساكر، فلما نزلوا غزرت فصارت كالنهر ~~لتعلموا أن الله تعالى يريد معونة أعدائكم عليكم، وأنا أعلم أن كلامي لا ~~يؤثر فيكم ليتم ما قد حكم الله به من هلاك هذه المدينة وخراب هذا القدس ~~الجليل، ولذلك قد قست قلوبكم فصارت كالحجارة بل هي أقسى وأصلب من الحجارة، ~~لأن الحجر قد يؤثر فيه # PageV11P362 # الماء إذا دام انصبابه عليه، وأنتم لا تؤثر فيكم المواعظ الكثيرة، ولا ~~تلين قلوبكم ولا تنكسر، ولكني قد بلغت الغاية فيما يلزمني من نصيحتكم، ~~فاقبلوا نصحي وأشفقوا على هذا القدس الجليل الذي بنته الأنبياء المقدسون ~~والملوك العظماء، فإن بقاء عزكم وثبات أمركم مقرون ببقائه وعمارته، وإن خرب ~~لم يبق لكم عز ولا إقبال ولا دولة، فاقبلوا ما بذله لكم ابن الملك من ~~الأمان، وثقوا بعهده وما ضمنه من الإحسان، وأنا الضامن لكم ms2644 عنه، وإن ~~اتهمتموني بأني أخدعكم وأريد معاونة الروم عليكم فأنتم تعلمون أن أبي وأمي ~~وزوجتي الكريمة علي وأولادي معكم، فإن ظهر لكم من طيطوس بعد مسالمتكم له ما ~~تكرهون فاقتلوهم واقتلوني فقد وهبتكم دماءهم ودمي على ذلك. # ثم بكى يوسف بكاء شديدا، وكان طيطوس يسمع كلامه فرق له وأمر بإطلاق من ~~كان من السبي في عسكره، وأطلق لهم أن يمضوا حيث شاؤوا فمال أكثر أهل ~~المدينة إلى طاعة طيطوس، فمنعهم الخوارج ووكلوا بأبواب المدينة من يحفظها، ~~وأمروا الموكلين أن يقتلوا كل من أراد الخروج، ولما طال الحصار اشتد الجوع، ~~وكان الخوارج يفتشون منازل الناس وينهبون الطعام ويقتلون من مانعهم عنه، ~~فكان الناس يموتون في المدينة بالجوع، ومن أراد الخروج إلى ظاهر # PageV11P363 # المدينة ليأخذ شيئا من نبات الأرض قتله الخوارج، وإن قدر على الخروج قتله ~~الروم، فأفناهم ذلك، وكان طيطوس إذا سمع ذلك رق لهم واستعطفهم، فلا يزيد ~~استعطافه الخوارج إلا قسوة، ويخاطبونه بالقبيح ليكف عن ذلك لئلا يميل معه ~~الناس، فلما رأى ذلك جد في إخراب السور الثالث ليخلص الناس من الخوارج، ~~فقسم عسكره أربعة أقسام ونصب كباشا على الجهات الأربع، فخرج إليهم الخوارج ~~فقاتلوهم قتالا شديدا، وقتلوا من الروم خلقا كثيرا، وكانوا قد ندبوا أربعة ~~من أشدائهم لإحراق الكباش إذا اشتغلوا بالقتال، ولم يزالوا يقاتلونهم حتى ~~تم لهم ما أرادوا وأحرقوا الكباش وجميع آلاتها، ونظر الروم من شجاعة اليهود ~~وبأسهم ما هالهم فانهزموا، فردهم طيطوس وجعل يشجعهم وقال: أما تأنفون أن ~~يغلبكم اليهود بعد أن استظهرنا عليهم، وهدمنا سورين من أسوار المدينة، ولم ~~يبق غير سور واحد، وقد هلك أكثرهم وليس لهم من ينصرهم، ونحن فعساكرنا ~~متوافرة، ومعنا أمم كثيرة تعيننا عليهم، ثم أمرهم أن يتركوا قتالهم حتى ~~يهلكوا من الجوع، فضبطوا جميع # PageV11P364 # طرق المدينة، فضاق الأمر بهم جدا واشتد الجوع، ولم يكن أحد يقدر أن يطحن ~~قمحا لئلا ينهب، ولا يخبر لئلا يفضحه الدخان، فكان من عنده شيء يستفون ~~القمح والدقيق، فمات كثير من الناس، واشتغل الأحياء بأنفسهم، ms2645 فما كانوا ~~يدفنون موتاهم، وكان الحي ربما أخذ ميته فألقاه في بئر ثم يلقي نفسه بعده ~~ليموت، وكان بعضهم يحفر له قبرا ثم يضطجع فيه حتى يموت، وامتلأت الشوارع ~~بالموتى، فكان الخوارج يلقونهم من السور إلى الوادي الشرقي، فلما رآهم ~~طيطوس اغتم ورق لهم، وكان ببيت المقدس امرأة من أهل النعم، أصلها من مدينة ~~في حيرة الأردن، فلما كثرت الفتن هناك انتقلت في جملة من انتقل إلى بيت ~~المقدس بجميع عبيدها وسائر نعمتها، ولم يكن لها غير ابن واحد صغير وهي تحبه ~~حبا شديدا، فلما قويت المجاعة، ونهب الخوارج جميع ما عندها، اشتد بها الأمر ~~وكان ابنها يتضور من الجوع، فلما زاد بها الجوع وما يؤلم قلبها من تضور ~~ابنها، أرادت قتل ابنها لتأكله، فبقيت حائرة لا تدري على أي الأمرين تحمل ~~نفسها، هل تقتل ولدها العزيز عليها بيدها، وذلك من أعظم الأمور وأشنعها، أم ~~تصبر على # PageV11P365 # ما تراه به وبنفسها من البلاء وقد فارقها الصبر وعدمت الجلد، ثم زاد بها ~~الجوع فزال عنها التمييز فقالت: يا ابني وواحدي! قد كنت آمل أن تعيش حتى ~~تبرني، وكنت أخاف أن تموت قبلي فأفجع بموتك، فيا ليتني كنت قد ثكلتك فدفنتك ~~واحتسبتك عند الله، والآن يا ولدي فقد أحاط بنا المكروه وأيقنا بالهلاك، ~~فالحي لا يرجو الحياة والميت لا يدفن، وأنا وأنت هالكان، وإن مت يا بني لم ~~يدفنك أحد وكنت كغيرك ممن أكلته الكلاب وطيور السماء، وقد رأيت أن أقتلك ~~لتستريح مما أنت فيه ثم آكلك فأجعل بطني التي حملتك فيها قبرا لك، وأسد بك ~~جوعي، فيكون ذلك عوض برك بي الذي كنت أرجوه، وتنال بذلك الأجر العظيم، ~~ويكون ذلك عارا على هؤلاء الخوارج الذي أوقعونا في هذا البلاء، وزيادة في ~~سخط الله عليهم، ويذكر ذلك على ممر الدهر، ويتحدث به بعدنا الأجيال، ويعتبر ~~به ذوو الألباب، ثم قبضت على ابنها بيدها الواحدة وأخذت الحديدة بالأخرى ~~وهي كالمجنونة، # PageV11P366 # وحولت وجهها عنه لئلا تراه وضربته بالحديدة فمات، ثم أخذت منه وشوته ~~وأكلته، ms2646 فلما شم الخوارج ريح ذلك اللحم هجموا عليها فقالوا لها: من أين لك ~~هذا اللحم؟ ولم استأثرت به علينا؟ فقال: ما كنت بالتي أوثر نفسي عليكم ~~فاجلسوا، فجاءت بالمائدة وأخرجت ما بقي من جسم ابنها وقالت: هذا ولدي وأعز ~~الناس عندي قتلته بيدي لإفراط الجوع وأكلت من لحمه، وهذا بقية جسمه عزلتها ~~لكم، فكلوا واشعبوا ولا تكونوا أشد رحمة لولدي مني، ولا تضعف قلوبكم عن ذلك ~~فإنه قبيح لشجعان مثلكم أن تكون امرأة أقوى قلبا منكم، وأنتم أحق بأن ترضوا ~~بهذا مني، لأنكم الذين سببتم علينا البلاء حتى بلغنا هذا المبلغ، ثم رفعت ~~صوتها تبكي وتنتحب وتنوح على ابنها، فلما رأوا ذلك هالهم وخرجوا مذعورين ~~واشتهر خبرها، فقلق الناس قلقا شديدا، وتحققوا صحة الوعيد الذي سبق من ~~الله، وانكسر الخوارج لذلك واستعظموه وأطلقوا للناس الخروج، فخرج في ذلك ~~الوقت خلق كثير. # PageV11P367 # فلما اتصل ذلك بطيطوس استعظمه واشتد خوفه من الله تعالى، فرفع يده إلى ~~السماء وقال: اللهم! أنت العالم بالخفيات والمطلع على السرائر والنيات، أنت ~~تعلم أني لم أجىء إلى هذه المدينة لأسيء إلى أهلها ولقد ساءني أمر هذه ~~المرأة فلا تؤاخذني به، وطالب هؤلاء الخوارج وانتقم منهم، وظفرني بهم ولا ~~تمهلهم. وأمر بالإحسان إلى من خرج إليه من اليهود، فكان كثير منهم لا ~~يقدرون على فتح أفواههم، وكثير منهم مات لما أكل الطعام، وكان الصبيان ~~وغيرهم يختطفون الخبز إذا نظروه وينهشونه بلا عقل، فإذا أكلوا ماتوا، فقال ~~طيطوس ليوسف بن كريون: ما الحيلة في هؤلاء حتى لا يموتوا؟ فقال: ينبغي أن ~~يسقوا اللبن والحساء الرقيق أياما حتى تلين أمعاؤهم، ثم الطعام بعد ذلك، ~~ففعل ذلك فسلم منهم جماعة. وتقدم الروم إلى السور الثالث ليهدموه فخرج ~~إليهم يوحانان وشمعون وأصحابهما مع ما هم فيه من الضر فقاتلوهم قتالا ~~شديدا، وقتلوا منهم جماعة، فأمر طيطوس بدفع الكبش على السور، فدفع عليه في ~~الليل فهدم، وكبر الروم تكبيرا عظيما وكبر اليهود من داخل المدينة، فلم ~~يجسر الروم على # PageV11P368 # دخول المدينة، فلما أصبحوا ms2647 إذا سور جديد بإزاء الهدم قد بناه اليهود تلك ~~الليلة وهم قيام عليه، فاستعظم الروم ذلك وأيسوا من الفتح، فقال طيطوس: هذا ~~رطب لم يستحكم، وإذا ضربه الكبش أسرع الانهدام، فطلع الروم على السور الذي ~~هدموه، ووقف اليهود على الجديد واشتد القتال، فهزمهم اليهود بعد أن قتلوا ~~كثيرا منهم فضجر الروم وعزموا على الرحيل، فجمع طيطوس أصحابه وقال: اعلموا ~~أن كل من يعمل عملا فإنما قصده إلى الغاية: ولذلك يصبر على التعب ليبلغ ما ~~أراد، وربما كان آخر العمل أشق من أوله، فإن تركه ذهب تعبه ضائعا وبقي عمله ~~ناقصا لا ينتفع به. # وضرب لهم أمثالا في ذلك ثم قال: وأنتم قد صبرتم على محاربة هؤلاء القوم ~~واستظهرتم عليهم إلى هذه الغاية حتى هلك رؤساؤهم وجبابرتهم، وخربت حصونهم ~~ونفوا بالجوع والسيف، ولم يبق منهم غير شرذمة يسيرة كالموتى، فأن انصرفتم ~~كنتم قد ضيعتم تعبكم وأنتم على أنفسكم وأهنتموها # PageV11P369 # عند كل من يسمع خبركم، ولو كنتم انصرفتم عنهم قبل هذا كان أحسن بكم، وأما ~~الآن فلا عذر لكم في عجزكم عن محاربة قوم قد بلغ بهم الضر والجوع هذا ~~المبلغ، فإن رجعتم عنهم طمع فيكم كل أحد، واجترأ عليكم كل من يخافكم، ولم ~~لا تتأسون باليهود في الصبر والشجاعة مع فناء رجالهم، واجتماع المكاره ~~عليهم، وانقطاع رجائهم، فصبرهم إما طمعا في الظفر، أو أنفة من الغلبة، أو ~~رغبة في بقاء الذكر، فأنتم أحق بذلك منهم لتدفعوا العار عن أنفسكم على أنكم ~~قد صبرتم في أيام تيروس قيصر على محاربة هؤلاء القوم، وعملتم على أن لا ~~ترجعوا عنهم إلا بعد الظفر، فلما ملك أسفسيانوس الذي هو أشجع من تيروس ~~وأعظم بأسا، أردتم أن ترجعوا عنهم قبل أن تظفروا، فأي عذر لكم. فلما سمعوا ~~هذا ثبتوا. # ثم مضى جماعة منهم ليلا، فصعدوا من تلك الثلمة ودخلوا إلى المدينة ~~فكبروا، فانتبه اليهود وكانوا قد ناموا لطول تعبهم وضرهم، ولزم كل منهم ~~مكانه، ومضى طيطوس إلى أصحابه فوقف عند السور # PageV11P370 # إلى أن أصبحوا، فانهزم اليهود ms2648 إلى القدس وتبعهم الروم فاقتتلوا في الصحن ~~البراني، ولم يكن إلا السيوف لضيق الموضع، فكان بينهما قتال لم يكن فيما ~~مضى لاستقبال الجميع، لأنهم حصلوا في موضع لا مطمع فيه بالسلامة إلا بالصدق ~~في القتال، وكان الكل رجالة، فعظمت الحرب بينهم وعلت أصواتهم وضجيجهم حتى ~~سمعت من البعد، وكثرت القتلى في الفريقين واستظهر اليهود آخرا وأخرجوا ~~الروم قرب ربع النهار، وأمر طيطوس بهدم سور مضوع متصل بالقدس يسمى أنطونيا ~~ليتسع المجال لأصحابه، فلما هدم ذلك انثلم سور القدس وسهلت الطريق إليه، ~~فبادر اليهود وبنوه وأدخلوه في جملة القدس فصار مربعا، فكان ذلك تصديق ما ~~رأوه قبل ذلك مكتوبا على الحجر القديم المقدم ذكره «إذا كمل بنيان القدس ~~فصار مربعا فعند ذلك يخرب بيت المقدس» وكان اليهود قد نسوا ذلك، فلما رأوه ~~تذكروا وعلموا أن المدة قد تمت وأنه سيخرب. # وكان يوم هذه الحرب العظيمة عيد العنصرة، فقرب طيطوس من القدس وكلمهم ~~ورغبهم في المسالمة ليتمكنوا من العبادة في هذا العيد، ووعدهم بالإحسان ~~إليهم وقال: قد علمتم أن ملككم بحنيا لما حاصره # PageV11P371 # بختنصر ملك بابل وخرج إليه مستأمنا، انتفع بذلك ونفع قومه وبلده فسلموا، ~~وأن صدقيا الملك لما لج في محاربة بختنصر ولم يسالمه كما أمرته الأنبياء، ~~أهلك المدينة والأمة وأساء إلى نفسه وإليهم، فسبيلكم أن تعتبروا بهما ~~وتهتدوا بأصوبهما فعلا وأحمدهما عاقبة، فاقبلوا نصيحتي، واكتفوا بما جرى، ~~ووعدهم أن يعفو عن جميع ما تقدم ويحسن إليهم - وأطال الكلام. # وكان يوسف بن كريون يترحم لهم ويبكي بكاء شديدا، ثم قال لهم يوسف: إني ~~لست أعجب من خراب هذه المدينة، لعلمي بأن مدتها قد انتهت، ولكني أتعجب منكم ~~وأنتم تقرؤون كتاب دانيال النبي عليه السلام وتعلمون ما ذكره من بطلان ~~القرابين وعدم الكاهن المسيح، وأنتم مع ذلك لا تنكسرون ولا تخضعون لله، ولا ~~تستسلمون لمن قد سلطه الله عليكم. فلم يقبل الخوارج ولا رجعوا غير أن جماعة ~~من الكهنة والرؤساء تم لهم الخروج إلى الروم فآمنهم وأحسن إليهم، فمنع ~~الخوارج من بقي، ms2649 وضبطوا الطرق، فبكى اليهود وشكوا منع الخوارج لهم من ~~الخروج، فأراد الخوارج قتلهم فبادر الروم ليخلصوهم فهجموا إلى القدس ~~فقاتلوهم قتالا شديدا فانهزم الروم، وأدتهم الهزيمة # PageV11P372 # إلى داخل القدس الأعظم قدس الأقداس، فقتلهم اليهود فيه، فاختار طيطوس من ~~عسكره ثلاثين ألفا وأمرهم أن يدخلوا إلى صحن القدس لمحاربتهم، وأراد هو ~~الدخول معهم فمنعه أصحابه وقالوا: قف على موضع عال لتقوى قلوب أصحابك، ~~ويبذلوا المجهود في القتال، ولا تخاطر بنفسك وبنا، واتفق رأيهم على بيات، ~~فعلم بذلك اليهود فلم يناموا تلك الليلة، فلما أصبحوا افترق اليهود على ~~أبواب صحن القدس وأقاموا على مقاتلة الروم سبعة أيام، فقتلوا منهم جماعة ~~كثيرة وأبعدوهم عن القدس، فأمر طيطوس أصحابه بالكف عنهم ليفنيهم الجوع، ~~وكان بقرب القدس قصر عظيم من بناء سليمان بن داود عليهما السلام، ثم زاد ~~فيه ملوك البيت الثاني طبقة عالية من الخشب الحسن ووزروا جميع الجدر ~~بالخشب، فطلوا جميع ما فيه من الخشب بالنفط والكبريت والزفت، ثم أخفوا فيه ~~رجلا منهم ليشعل النار في مواضع من ذلك الخشب إذا دخله الروم، وكان فيه باب ~~خفي يخرج إلى موضع آخر لا يفطن له إلا من يعرفه، ثم مضوا إلى عسكر الروم ~~ليلا وهم في القدس فناوشوهم، فاجتمع عليهم من الروم خلق كثير فقاتلوهم ~~ساعة، ثم انهزموا فدخلوا هذا القصر، فدخل الروم وراءهم فلم يجدوا أحدا ~~منهم، فصعدوا # PageV11P373 # إلى الطبقة العالية، فخرج اليهودي الذي كان قد اختفى، فاختلط بهم وأطلق ~~النار في تلك المواضع، فاضطرمت النار في جميع جوانبه فبادر الروم إلى الباب ~~فوجدوا اليهود قد سدوه بسيوفهم فهلكوا، وكان فيهم جماعة من وجوه الروم، ~~فخاف الروم من اليهود ولم يأمنوا أن يحتالوا عليهم بأمر آخر، فخرجوا من ~~القدس والمدينة ورجعوا إلى معسكرهم، فأمر طيطوس بضبط الطرق والتضييق عليهم ~~ليهلكهم الجوع فمات أكثرهم، وخرج كثر من أصحاب الخوارج إلى طيطوس فقتلهم، ~~ثم دخلت الروم إلى بيت الله فلم يجدوا من يمانعهم، وكان طيطوس قد أكد على ~~أصحابه في أن لا يحرقوا القدس فقال ms2650 له رؤساء أصحابه: إنك إن لم تحرقه لم ~~تتمكن من اليهود، لأنهم لا يزالون يقاتلون ما كان باقيا، فإذا أحرق ذهب ~~عزهم فانكسرت قلوبهم فلم يبق لهم ما يقاتلون عنه، فقال: لا تحرقوه إلا أن ~~آمركم، وكان في طريقه باب مغشى بصفائح الفضة وهو مغلق، فأحرقه بعض الروم ~~ليأخذوا الفضة، فلما احترق وجدوا الطريق إلى القدس الأجل، فدخلوه وحملوا ~~أصنامهم فنصبوها فيه، فخرج قوم ممن بقي من اليهود في الليل إلى أولئك الذين ~~في القدس فقتلوهم، فلما بلغ ذلك طيطوس جاء إلى القدس فقتل أكثر من وجد فيه ~~من اليهود، وهرب من بقي منهم إلى # PageV11P374 # جبل صهيون، فلما كان الغد أحرق الروم أبواب قدس الأقداس، وكانت مغشاة ~~بالذهب، فلما سقطت كبروا وصرخوا صراخا عظيما، فجاء طيطوس مسرعا ليمنع من ~~إحراقه فلم يتم له ذلك، ويقال: إنه صاح حتى انقطع صوته، فلما علم أن الأمر ~~قد خرج عن يده دخل لينظره قبل أن يحترق، فلما رأى حسنه وبهجته تحير وتعجب ~~وقال: حقا إن هذا البيت الجليل ينبغي أن يكون بيت الله إله السماء ومسكن ~~جلاله ونوره، وإنه ليحق لليهود أن يحاربوا عنه ويستقلوا عليه، ولقد أصابت ~~الأمم وأحسنت فيما كانت تفعله من إعظام هذا البيت وإكرامه وحمل الهدايا ~~إليه، وإنه لأعظم من هيكل رومية ومن جميع هياكل الأمم التي شاهدناها وبلغنا ~~خبرها، وما أردت إحراقه ولكن هم فعلوا ذلك بشرهم ولجاجهم، وكان من بقي من ~~الكهنة لما رأوا الحريق حاربوا الروم عنه، فلما علموا أنهم عاجزون عن دفعهم ~~قالوا: ما نريد أن نبقى بعده فطرحوا أنفسهم في النار فهلكوا، ومضى عند ذلك ~~من بقي من اليهود إلى جميع ما في المدينة من القصور الجليلة والمنازل ~~الحسنة فأحرقوها بجميع ما فيها من الذخائر # PageV11P375 # والآلات، وكان حريق القدس في اليوم العاشر من الشهر الخامس وهو آب، وذلك ~~نظير اليوم الذي أحرق فيه الكسدانيون البيت الأول. # ولما كان في غد هذا اليوم ظهر من اليهود رجل متنبىء فقال لهم: اعلموا أن ~~هذا القدس سيعود ms2651 عن قليل مبنيا كما كان من غير أن يبنيه الآدميون، بل بقدرة ~~الله تعالى، فداوموا على ما أنتم عليه من محاربة الروم والامتناع من ~~طاعتهم، فاجتمع عليه جماعة فقاتلوا، فظفر بهم الروم فقتلوهم بأسرهم، وقتلوا ~~كثيرا من عوام اليهود وضعفائهم ممن كانوا قد رحموه قبل ذلك، وراسل يوحانان ~~وشمعون طيطوس يطلبان منه الأمان فقال: قد كنت طلبت إليكما ذلك قبل، فأما ~~الآن فأنتما في قبضتي وليس لي عذر عند الله ولا عند أحد من الناس في ~~استبقائكما. # فانحدر ليلا إلى القدس بأصحابهما فقتلوا قائدين من الروم فأمر طيطوس بقتل ~~من بقي في المدينة من اليهود ممن كان قدر رحمه، فلما رأى # PageV11P376 # أصحاب شمعون ذلك خافوا على أنفسهم، فأرسلوا إلى طيطوس أن يؤمنهم، فقتل ~~شمعون رؤساءهم وهرب الباقون إلى طيطوس فآمنهم وكف أصحابه عمن بقي من اليهود ~~في المدينة؛ ثم هرب شمعون ويوحانان من جبل صهيون إلى موضع استترا فيه، فتم ~~استيلاء طيطوس على جميع البلد وهدم سور جبل صهيون، ولما طال عليهما ~~الاستتار واشتد بهما الجوع خرجا إلى طيطوس فقتلهما، ثم رحل متوجها إلى ~~رومية ومعه السبي والغنائم، وكان كلما نزل منزلا يقدم جماعة ممن ظفر به من ~~الخوارج إلى السباع التي معه حتى أفناهم، وكان العازر لما رأى إفساد شمعون ~~وقتله من لم يكن له ذنب من اليهود قد علم أن لا مخلص لهم من البلاء، فخرج ~~عنه قبل استيلاء الروم على البلد عنها وأقام في بعض المواضع، فلما رحل ~~طيطوس مضى إلى قرية مصيرا فعمر حصنها، فسمع به طيطوس وهو بأنطاكية فرد إليه ~~قائدا من قواده فحاصره، فلما عاين الهلكة دعا أصحابه إلى قتل من خلفهم من ~~العيال والاستقتال ليموتوا أعزة، فأجابوه إلى ذلك وقاتلوا حتى قتلوا كلهم - ~~فسبحان القوي الشديد، الفعال لما يريد. # PageV11P377 # ولما انقضى ذلك، كان كأنه قيل: أما لهذه المرة من كرة كالأولى؟ فأطمعهم ~~بقوله سبحانه وتعالى: {عسى ربكم} أي الذي عودكم بإحسانه {أن يرحمكم} فيتوب ~~عليكم ويكرمكم؛ ثم أفزعهم بقوله تعالى: {وإن عدتم} أي ms2652 بما نعلم من دبركم ~~إلى المعصية مرة ثالثة فما فوقها {عدنا} أي بما تعلمون لنا من العظمة، إلى ~~عذابكم في الدنيا، وقد عادوا غير مرة بما أشار إليه الكلام، وإن كان في ~~سياق الشرط، ليظهر الفرق بين كلام العالم وغيره، وأشار إلى ذلك قوله في ~~التوراة عقب ما مضى: وإذا تمت عليك هذه الأقوال كلها والدعاء واللعن الذي ~~تلوت عليك فتب في قلبك وأنت متفرق بين الشعوب التي يفرقك الله فيها، واقبل ~~إلى ربك واسمع قوله، واعمل بجميع ما آمرك به اليوم أنت وبنوك من كل قلبك، ~~فيرد الرب سبيك ويرحمك، ويعود فيجمعك من جميع الشعوب التي فرقك فيها، وإن ~~كان المبددون يا آل إسرائيل في أقطار الأرض يجمعك الله ربك من هناك ويقربك ~~من ثم ويردك إلى الأرض التي ورثها أبوكم وترثون، وينعم عليكم وتكثرون أفضل ~~من آبائكم، ويختن الله الرب قلوبكم وقلوب نسلكم إلى الأبد، # PageV11P378 # وتتقون الله ربكم من كل قلوبكم وأنفسكم لما يريحكم وينعمكم وينزل الله كل ~~هذا اللعن بأعدائكم وشنأتكم الذي آذوكم. {وجعلنا} أي بعد ذلك بعظمتنا ~~{جهنم} التي تلقى داخلها بالتهجم والكراهة {للكافرين} وهذا الوصف الظاهر ~~موضع ضمير لبيان تعليق الحكم به على سبيل الرسوخ سواء في ذلك هم وغيرهم، ~~وفيه إشارة إلى أنهم يعودون إلى الإفساد، وإلى أن منهم من يؤمن ومنهم من ~~يكفر {حصيرا *} أي محبسا يحصرهم غاية الحصر، وعن الحسن أن الحصير هو الذي ~~يفرش ويبسط، فالمعنى أنه يجعلها مهادهم. # PageV11P379 # ولما ثبت أن كتاب موسى عليه السلام الذي أنزل عليه فيما بين مصر وبيت ~~المقدس في تلك المدة المتطاولة هو هدى لبني إسرائيل، صادق الوعد والوعيد ~~فيما قضى فيه إليهم من أمرهم وأمر بيت المقدس من ترقية حال من أطاعه ~~وإعلائهم وأخذ من عاداهم ومن تعكيس أحوال العصاة مرة بعد أخرى بتسليط ~~الأعداء عليهم بالقتل والأسر # PageV11P379 # والنهب وتخريب البلاد، تنبيها على أن طاعة الله تجلب كل خير وكرامة، ~~ومعصيته توجب كل بلية، كما كشف عنه الزمان على ما هو معروف من تواريخ ms2653 ~~اليهود وغيرها، لاح أن القرآن يزيد عليه في كل معنى حسن وأمر شريف فيما أتى ~~به من الوعود الصادقة، والأحكام المحكمة، والمعاني الفائقة، في النظوم ~~العذبة الرائقة، مع الإعجاز عن الإتيان بآية من مثله لجميع الإنس والجان ~~بنسبة ما زاد المسير المحمدي إلى بيت المقدس - الذي أراه فيه من آياته - ~~على المسير الموسوي الذي آتاه فيه الكتاب، فقال - في جواب من كأنه قال: قد ~~علم أن كتاب موسى عليه السلام الذي أنزل في مسيرة لقصد محل المسجد الأقصى ~~قيم في الهداية والوعود الصادقة، فما حال الكتاب محمد صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم الذي أنزل عليه منه في سبب مسيرة إليه في ذلك؟ {إن هذا القرءان} ~~أي الجامع لكل حق والفارق بين كل ملتبس {يهدي} . # ولما كان صاحب الذوق السليم يجد لحذف الموصوف هزة وروعة، لما يجد من ~~الفخامة بإبهامه لا يجدها عند ذكره وإيضاحه، قال {للتي} # PageV11P380 # أي للطرائق والأحوال والسنن التي {هي أقوم} من كل طريقة وسنة وحال دعا ~~إليها كتاب من الكتب السماوية، أما في الصورة فباعتبار ما علا به من ~~البيان، وأما في الوعود فباعتبار العموم لجميع الخلق في الدارين، وأما في ~~الأصول فبتصريف الأمثال وتقريب الوسائل، وحسم مواد الشبه وإيضاح وجوه ~~الدلائل، وأما الفروع فباعتبار الأحسنية تارة في السهولة والخفة، وتارة في ~~غير ذلك - كما هو واضح عند من تأمل ما بين الأمرين. # ولما انقسم الناس إلى مهتد به وضال، أتبع سبحانه ذلك بيانه، وكان التعبير ~~عن حالهما بالبشرى في قوله تعالى: {ويبشر المؤمنين} أي الراسخين في هذا ~~الوصف، ولهذا قيدهم بيانا لهم بقوله تعالى: {الذين} يصدقون إيمانهم بأنهم ~~{يعملون} أي على سبيل التجديد والاستمرار والبناء على العلم {الصالحات} من ~~التقوى والإحسان {أن لهم} أي جزاء لهم في ظاهرهم وبواطنهم {أجرا كبيرا *} ~~إشارة إلى صلاح هذه الأمة وثباتهم على دينهم وأنه لا يزال أمرهم ظاهرا كما ~~كان إنذار كتاب موسى عليه السلام قومه إشارة إلى إفسادهم وتبديلهم دينهم. # ولما بشرهم بما لهم في أنفسهم، أتبعه ما ms2654 لهم في أعدائهم فقال تعالى: # PageV11P381 # {وأن} أي ويبشر المؤمنين أيضا بأن {الذين لا يؤمنون} أي لا يتجدد منهم ~~إيمان {بالآخرة} حقيقة أو مجازا، المسبب عنه أنهم لا يعملون الصالحات حقيقة ~~لعدم مباشرتها، أو مجازا ببنائها على غير أساس الإيمان؛ وعبر بالعتاد تهكما ~~بهم، فقال تعالى: {أعتدنا} أي أحضرنا وهيأنا ما هو في غاية الطيب والنفاسة ~~والملاءمة على سبيل الوعد الصادق الذي لا يتخلف بوجه، وهو مع ذلك منظور ~~إليه، لعظمتنا {لهم} من عندنا بواسطة المؤمنين أو بلا واسطة. # ولما استشرف الأعداء إلى هذا الوعد استشراف المغتبط المسرور، أتاهم في ~~تفسيره بما خلع قلوبهم على طريقة «تحية بينهم ضرب وجيع» وسر قلوب الأولياء ~~سرورا عظيما، فقال تعالى: {عذابا أليما *} فإنه لا بشرى لذوي الهمم أعلى ~~ولا أسر من الانتقام من مخالفيهم، فصار فضل الكتاب على الكتاب كفضل الذهاب ~~على الذهاب، وحذف المؤمنين الذين لا يعملون الصالحات، لتمام البشارة ~~بالإشارة إلى أنهم من القلة في هذه الأمة الشريفة بحيث لا يكادون أن ~~يوجدوا. # ولما ذكر سبحانه ما لكلامه من الدعاء إلى الأقوام، # PageV11P382 # أتبعه ما عليه الإنسان من العوج الداعي له إلى العدول عن التمسك بشرائعه ~~القويمة والإقدام على ما لا فائدة فيه، تنبيها على ما يجب عليه من التأني ~~للنظر فيما يدعو إليه نفسه ووزنه بمعيار الشرع، فقال تعالى: {ويدع} حذف ~~واوه - الذي هو لام الفعل - خطأ في جميع المصاحف ولا موجب لحذفه لفظا في ~~العربية - مشير إلى أنه يدعو بالشر لسفهه وقلة عقله، وهو لا يريد علو الشر ~~عليه - بما أشير إليه بحذف ما معناه عند أهل الله الرفعة والعلو، وإلى أن ~~غاية فعله الهلاك إلى أن يتداركه الله، وقد ذكرت حكم الوقف عليه وعلى ~~أمثاله في سورة القمر {الإنسان} أي عند الغضب ونحوه على نفسه وعلى من يحبه، ~~لما له من الأنس بنفسه والنسيان لما يصلحه {بالشر} أي ينادي ربه ويتضرع ~~إليه بسبب إيقاع الشر به {دعاءه} أي مثل دعائه {بالخير} أي بحصول الخير له ~~ولمن يحبه؛ ثم نبه على ms2655 الطبع الذي هو منبع ذلك، فقال تعالى: {وكان الإنسان} ~~أي هذا النوع بما له من قلة التدبر لاشتغاله بالنظر في عطفيته والأنس ~~بنفسه، كونا هو مجبول عليه {عجولا *} أي مبالغا في العجلة يتسرع إلى طلب كل ~~ما يقع في # PageV11P383 # قلبه ويخطر بباله من غير أن يتأنى فيه تأني المتبصر الذي لا يريد أن يوقع ~~شيئا إلا في أتم مواقعه، ولذلك يستعجل العذاب لنفسه استهزاء، ولغيره ~~استشفاء؛ والعجلة: طلب الشيء في غير وقته الذي لا يجوز تقديمه عليه، وأما ~~السرعة فهي عمله في أول وقته الذي هو أولى به. # PageV11P384 # ولما ثبت ما لصفته تعالى من العلو، ولصفة الإنسان من السفول تلاه بما ~~لأفعاله تعالى من الإتقان، ذاكرا ما هو الأقوم من دلائل التوحيد والنبوة في ~~العالمين: العلوي والسفلي، ثم ما لأفعال الإنسان من العوج جريا مع طبعه، أو ~~من الإحسان بتوفيق اللطيف المنان، فقال تعالى مبينا ما منحهم به من نعم ~~الدنيا بعد ما أنعم عليهم به من نعم الدين: {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة ~~{اليل والنهار آيتين} دالتين على تمام العلم وشمول القدرة، آية الليل ~~كالآيات المتشابهة، وآية النهار كالمحكمة، فكما أن المقصود من التكليف لا ~~يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يتيسر الانتفاع به إلا ~~بهاتين الآيتين {فمحونا} # PageV11P384 # أي بعظمتنا الباهرة {آية اليل} بإعدام الضياء فجعلناها لا تبصر بها ~~المرئيات كما لا يبصر الكتاب إذا محي {وجعلنا} أي بعظمتنا {ءاية النهار} ~~ولما كانت في غاية الضياء يبصر بها كل من له بصر، أسند الإبصار إليها ~~مبالغة فقال: {مبصرة} أي بالشمس التي جعلها منيرة في نفسها، فلا تزال هذه ~~الدار الناقصة في تنقل من نور إلى ظلمة ومن ظلمة إلى نور كما للإنسان - ~~بعجلته التي يدعو إليها طبعه وتأنيه الداعي إليه عقله - من انتقال من نقصان ~~إلى كمال ومن كمال إلى نقصان، كما أن القمر الذي هو أنقص من الشمس كذلك: ثم ~~ذكر بعض المنافع المترتبة على ذلك، فقال تعالى: {لتبتغوا} أي تطلبوا طلبا ~~شديدا {فضلا من ms2656 ربكم} أي المحسن إليكم فيهما بضياء هذا تارة وبرد هذا أخرى ~~{ولتعلموا} بفصل هذا من هذا {عدد السنين} أي من غير حاجة إلى حساب، لأن ~~النيرين يدلان على تحول الحول بمجرد تنقلهما. # ولما كانا أيضا يدلان على حساب المطالع والمغارب، والزيادة والنقصان، ~~وغير ذلك من الكوائن، لمن أمعن النظر، وبالغ في الفكر، # PageV11P385 # قال تعالى: {والحساب} أي جنسه، فصلناهما لذلك على هذا الوجه المتقن ~~بالزيادة والنقصان، وتغير الأحوال في أوقات معلومة، على نظام لا يختل على ~~طول الزمان مقدار ذرة، ولا ينحل قيس شعرة إلى أن يريد الله خراب العالم ~~وفناء الخلق، فيبيد ذلك كله في أسرع وقت وأقرب زمن، ولولا اختلافهما ~~لاختلطت الأوقات وتعطلت الأمور {وكل شيء} غيرهما مما تحتاجون إليه في دينكم ~~أو دنياكم {فصلناه} أي بعظمتنا، وأزلنا ألباسه، وأكد الأمر تنبيها عل تمام ~~القدرة، وأنه لا يعجزه شيء يريده، فقال تعالى: {تفصيلا *} فانظروا بأبصاركم ~~وبصائركم، وتتبعوا في علانياتكم وسرائركم، تجدوا أمرا متقنا ونظاما محكما ~~{ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} [الملك: 4] . # ولما كان هذا أمرا دقيقا جدا، أتبعه ما هو أدق منه وأغرب في القدرة ~~والعلم من تفاصيل أحوال الآدميين، بل كل مكلف بعضها من بعض من قبل أن ~~يخلقهم، فقال تعالى: {وكل إنسان} أي من في طبعه التحرك والاضطراب {ألزمناه} ~~أي بعظمتنا {طائره} أي عمله الذي قدرناه عليه من خير وشر، ولعله عبر به # PageV11P386 # لأنهم كانوا لا يقدمون ولا يحجمون في المهم من أعمالهم إلا بالطائر ~~فيقولون: جرى لفلان الطائر بكذا. # {في عنقه} أي الذي محل الزين بالقلادة ونحوها، والشين بالغل ونحوه، ~~إلزاما لا يقدر أن ينفك عن شيء منه كما لا يقدر على الانفكاك عن العنق، ~~وذلك كما ألزمنا بني إسرائيل ما قضينا إليهم في الكتاب، فكان كما قلنا، وهم ~~يعلمون نه من السوء بمكان، فلم يقدروا على الاحتراز منه والانفصال عنه، فلا ~~يمكن أن يظهر في الأبد إلا ما قضى به في الأزل «جف القلم بما هو كائن» ~~{ونخرج} أي بما ms2657 لنا من العظمة وشمول العلم وتمام القدرة {له يوم القيامة} ~~أي الذي لا بد من إيجاده {كتابا} بجميع ما عمل {يلقاه} حال كونه {منشورا *} ~~تكتبه حفظتنا كل يوم، ثم إذا صعدوا قابلوا ما فيه على ما سطرناه قديما في ~~اللوح المحفوظ فيجدونه كما هو، لا خلاف فيه أصلا، فإذا لقي كتابه يوم العرض ~~قيل له: {اقرأ كتابك} أنت بنفسك غير ملزم بما يقرأه غيرك {كفى} وحقق الفاعل ~~بزيادة الباء فقال تعالى: {بنفسك اليوم} أي في جميع هذا اليوم الذي تكشف ~~فيه الستور، وتظهر جميع الأمور {عليك حسيبا *} أي حاسبا بليغا، فإنك تعطي ~~القدرة على قراءته # PageV11P387 # أميا كنت أو قارئا، ولا ترى فيه زيادة ولا نقصا، ولا تقدر أن تنكر منه ~~حرفا، إن أنكره لسانك شهدت عليك أركانك، فيا لها من قدرة باهرة، وقوة ~~قاهرة، ونصفة ظاهرة! . # ولما كان ما مضى، أنتج قطعا معنى ما قلنا لبني إسرائيل {إن أحسنتم} ~~الآية، لكل أحد منهم ومن غيرهم، وذلك قوله تعالى: {من اهتدى} فتبع الهدى ~~{فإنما يهتدي لنفسه} لأن ثوابه لا يتعداه {ومن ضل} بالإعراض عما أنزلنا من ~~البيان {فإنما يضل عليها} لأن عقابه عليه، لا يتجاوزه {ولا تزر وازرة} أي ~~أي وازرة كانت {وزر أخرى} لتخفف عنها، بل لكل جزاء عمله لا يتعداه إلى ~~غيره، فنثيب من اهتدى ونعذب من ضل {وما كنا} أي على عظمتنا {معذبين} أحدا ~~{حتى نبعث} أي بعثا يناسب عظمتنا {رسولا *} فمن بلغته دعوته فخالف أمره ~~واستكبر عن اتباعه عذبناه بما يستحقه، وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه ~~السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام في جميع الأمم ~~كما قال تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا} [النحل: 36] {وإن من أمة إلا ~~خلا فيها نذير} [ # PageV11P388 # فاطر: 24] فإن دعوتهم إلى الله تعالى قد انتشرت، وعمت الأقطار واشتهرت، ~~انظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي بعد إسماعيل عليه السلام # {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} [ص: 7] فإنه يفهم أنهم سمعوه في الملة ~~الأولى فمن بلغته دعوة ms2658 أحد منهم بوجه من الوجوه فقصر في البحث عنها فهو ~~كافر مستحق للعذاب، فلا تغتر بقول كثير من الناس في نجاة أهل الفترة مع ~~إخبار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن آباءهم الذين مضوا في الجاهلية ~~في النار، وأن ما يدحرج الجعل خير منهم - إلى غير ذلك من الأخبار؛ قال ~~الإمام أبو عبد الله الحليمي أحد أجلاء الشافعية وعظماء أئمة الإسلام رضي ~~الله عنهم في أوائل منهاجه في باب من لم تبلغه الدعوة: وإنما قلنا: إن من ~~كان منهم عاقلا مميزا إذا رأى ونظر إلا أنه لا يعتقد دينا فهو كافر، لأنه ~~وإن لم يكن سمع دعوة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا شك أنه سمع ~~دعوة أحد من الأنبياء الذين كانوا قبله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ~~كثرتهم، وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم والذين ~~كفروا بهم وخالفوهم، # PageV11P389 # فإن الخبر قد يبلغ على لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق، وإذا سمع ~~آية دعوة كانت إلى الله فترك أن يستدل بعقله على صحتها وهو من أهل ~~الاستدلال والنظر، كان بذلك معرضا عن الدعوة فكفر - والله أعلم، وإن أمكن ~~أن يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي ولا عرف أن في العالم من يثبت إلها - ~~وما نرى أن ذلك يكون - فإن كان فأمره على الاختلاف - يعني عند من يوجب ~~الإيمان بمجرد العقل ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل. وما قاله الحليمي نقل ~~نحوه عن الإمام الشافعي نفسه رضي الله عنه؛ قال الزركشي في آخر باب الديات ~~من شرحه على المنهاج: وقد أشار الشافعي إلى عسر قصور - أي عدم بلوغ - ~~الدعوة حيث قال: وما أظن أحدا إلا بلغته الدعوة إلا أن يكون قوم من وراء ~~النهر بكوننا، وقال الدميري: وقال الشافعي: ولم يبق من لم تبلغه الدعوة. # ولما أشار إلى عذاب المخالفين، قرر أسبابه وعرف أنها بقدره، # PageV11P390 # وأن قدره لا يمنع حقوق العذاب، لبناء الأمر على ما يتعارفه ذوو العقول ~~بينهم ms2659 فقال تعالى: {وإذا} أي فنبعث الرسل بأوامرنا ونواهينا، وإذا أردنا أن ~~نحيي قرية الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، ألقينا في قلوب أهلها امتثال ~~أوامرنا والتقيد باتباع رسلنا، وإذا {أردنا} وإرادتنا لا تكون إلا عظيمة ~~جدا {أن نهلك} أي بعظمتنا {قرية} في الزمن المستقبل {أمرنا} أي بما لنا من ~~العظمة التي لا يقدر أحد على مخالفتها {مترفيها} الذين لهم الأمر والنهي ~~بالفسق، أي استدرجناهم بإدرار النعم ودفع النقم على ما يعملون من المعاصي، ~~الذي كان - بكونه سببا لبطرهم ومخالفتهم - كالأمر بالفسق {ففسقوا فيها} بعد ~~ما أزال الرسول معاذيرهم بتبليغ الرسالة كما قال تعالى # {فلما نسوا ما ذكروا به} [الأنعام: 44]- أي على ألسنة الرسل - {فتحنا ~~عليهم أبواب كل شيء} [الأنعام: 44] الآية {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها ليمكروا فيها} [الأنعام: 123] وخص المترفين لأن غيرهم لهم تبع، ~~ولأنهم أحق الناس بالشكر وأولى بالانتقام عند الكفر، ويجوز أن يكون: ~~أمرناهم بأوامرنا ففسقوا فيها، أي الأوامر بالطاعات التي يعلم قطعا # PageV11P391 # أن أوامرنا تكون بها ولا تكون بغيرها، لأنا لا نأمر بالفحشاء، وقد جرت ~~العادة بأن المترف عسر الانقياد، لا تكاد تسمح نفسه بأن يصير تابعا بعدما ~~كان متبوعا، فعصوا فتبعهم غيرهم لأن الأصاغر تبع للأكابر فأطبقوا على ~~المعصية فأهلكناهم، وقرأ يعقوب: آمرنا - بمد الهمزة بمعنى كثرنا، من آمرت ~~الشيء وأمرته فأمر - إذا كثرته، وفي الحديث «خير المال سكة مأبورة ومهرة ~~مأمورة» أي كثيرة النتاج؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه قال: كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية: آمر بنو فلان. ~~والكثرة راجعة إلى الأمر الذي هو ضد النهي، فإنه نتيجة العز الذي هو لازم ~~الكثرة، ويجوز أن يكون من المؤامرة، أي أمرناهم بأوامرنا فما امتثلوا ~~وأمرونا بأوامرهم، أي سألونا ما يريدون فأعطيناهم ذلك استدراجا فأبطرهم نيل ~~الأماني ففسقوا {فحق} أي وجب وجوبا لا شك في وقوعه {عليها القول} الذي ~~توعدناهم به على لسان الرسول بمباشرة البعض للفسق وسكوت الباقين على حسب ما ~~تتعارفونه بينكم في أن من ms2660 خالف الأمر الواجب للفسق وسكوت الباقين على حسب ~~ما تتعارفونه بينكم في أن من خالف الأمر الواجب عليه استحق العقاب ~~{فدمرناها} أي أهلكناها إهلاكا شديدا بغتة غير مبالين بها فجعلناها # PageV11P392 # كالمدرة المفتتة، وكان أمرها على عظمتنا هينا، ولذلك أكد فقال تعالى: ~~{تدميرا *} . # PageV11P393 # ولما قرر أن هذا شأنه إذا أراد أن يهلك، أخبر أنه فعل ذلك بمن لا يحصيهم ~~العد من القرون، ولا يحيط بهم الحد من الأمم، لأن الاعتبار بالمشاهد أوقع ~~في القلب وأهول عند النفس، فكأنه قال: كم فعلنا ذلك بالقرى ولم نستعجل في ~~إهلاك قرية منهم ولا أخذناهم من غير إنذار، بل أرسلنا فيهم وأملينا لهم إلى ~~أن كان ما علمناه في الأزل، وجاء الوقت الذي قدرناه، وبلغوا في الذنوب ما ~~يستحقون به الأخذ، ولقد أهلكنا قوم نوح على هذا السنن، وكانوا أهل الأرض - ~~كما مضت الإشارة إليه ووقع التنبيه عليه، وإهلاكهم كان في إبلاغ أهل الأرض ~~ما أرسلنا به رسلنا من التوحيد لأن ذلك لم يخفف على أحد بعدهم، وعطف على ~~هذا المقدر قوله تعالى: {وكم أهلكنا} أي بما لنا من العظمة، وبين مدلول ~~«كم» بقوله تعالى: {من القرون} على هذا السنن. # ولما كان الإهلاك بعذاب الاستئصال لم يستغرق ما بعده، أدخل الجار فقال ~~تعالى: {من بعد نوح} الذي أنتم ذرية من أنجيناه # PageV11P393 # بالحمل معه بذنوبهم أمهلناهم حتى أعذرنا إليهم ثم أخذناهم في مدد ~~متفاوتة، فكان بعضهم أقصر مدة من بعض وبعضهم أنجيناه بعد أن أحطنا به مخايل ~~العذاب، وأما من قبل نوح فالظاهر من عبارة التوراة وسكوت القرآن أنهم لم ~~يكونوا كفارا، وبه صرح كثير من المفسرين في تفسير {كان الناس أمة واحدة} ~~[البقرة: 213] . # ولما كان ذلك ربما أوجب أن يقال: كيف يعذب الساكت مع إمكان عذره بعجز أو ~~غيره؟ قال دافعا لذلك تاركا مظهر العظمة، تلطفا بهذا النبي الكريم، عليه ~~أفضل الصلاة والتسليم، في جملة حالية: {وكفى بربك} أي المحسن إليك بالعفو ~~عن أمتك وأعقابهم من الاستئصال {بذنوب عباده} أي لكونه خلقهم وقدر ما فيهم ms2661 ~~من جميع الحركات والسكنات {خبيرا} من القدم، فهو يعلم السر وأخفى، وأما ~~أنتم فلستم هناك، فكم من إنسان كنتم ترونه من أكابر الصالحين ثم أسفرت ~~عاقبته عند الامتحان عن أنه من أضل الضالين {بصيرا *} بها، إذا وقعت لا ~~يخفى عليه شيء منها، وأما أتم فكم من شخص # PageV11P394 # كنتم ترونه مجتهدا في العبادة، فإذا خلا بارز ربه بالعظائم. # ولما تقرر أنه سبحانه خبير بذنوبهم بعد تزهيده في الدنيا بما ذكر من ~~مصارع الأولين، أتبعه الإخبار بأنه يعاملهم على حسب علمه على وجه معرف ~~بعلمه بجميع طوياتهم من خير وشر، مرغب في الآخرة، مرهب من الدينا، لأنها ~~المانعة من اتباع الرسل والتقيد بطاعتهم، خوفا من نقص الحظ من الدينا بزوال ~~ما هو فيه من الرئاسة والمال والانهماك في اللذة جهلا بأن ما قدر لا يكون ~~غيره سواء كان صاحبه في طاعة أو معصيته فقال تعالى: {من كان يريد} أي إرادة ~~هو فيها في غاية الإمعان بما اقتضاه طبعه المشار إليه بفعل الكون. # ولما كان مدار مقصود السورة على الإحسان الذي هو العبادة على المشاهدة، ~~وكان ذلك منافيا لحال من يلتفت إلى الدنيا، عبر بقوله تعالى: {العاجلة} أي ~~فقط {عجلنا} أي بعظمتنا {له فيها} أي العاجلة {ما نشاء} مما يريده لا جميع ~~ما يريده؛ ثم أبدل من «له» قوله تعالى: {لمن نريد} أي لا لكل من أراد ذلك، ~~تنبيها على أن ذلك بقوتنا لا بقوة ذلك المريد {ثم جعلنا} # PageV11P395 # أي بما لنا من العظمة {له} أي لظاهره وباطنه {جهنم} أي الدركة النارية ~~التي تلقى بالتجهم من كان يلقى الدنيا وأهلها بالتبسم {يصلاها} في الآخرة ~~{مذموما} أي مفعولا به الذم، وهو ضد المدح {مدحورا *} مدفوعا مطرودا مبعدا، ~~فينبغي لمريد الدنيا أن لا يزال على حذر لأنه لا ينفك من عذاب الآخرة، فإن ~~لم يعط شيئا من مناه - كما أشار إليه {لمن نريد} اجتمع له العذابان كاملين: ~~فقر الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أعطى فهو لا يعطي كل ما يريد - بما أشار إليه ~~«ما نشاء» - فيجتمع ms2662 له عذاب ما منعه منها مع عذاب الآخرة. # ولما ذكر الجاهل ذكر العالم العامل فقال تعالى: {ومن أراد الآخرة} أي ~~مطلق إرادة - بما أشار إليه التجريد {من كان} {وسعى} أي وضم إلى نيته العمل ~~بأن سعى {لها سعيها} أي الذي هو لها، وهو ما كانت جديرة به من العمل بما ~~يرضي الله بما شرعه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا ~~أي سعي كان بما لم يشهد ظاهر الكتاب والسنة، إعلاما بأن النية لا تنفع إلا ~~مع العمل، إما بالفعل عند التمكن، وإما بالقوة عند عدمه؛ ثم ذكر شرط السعي ~~الذي لا يقبل إلا به، فقال تعالى: {وهو مؤمن} أي راسخ في هذا الوصف # PageV11P396 # كما جاء عن بعض السلف: من لم يكن له ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ~~ونية صادقة، وعمل مصيب - وتلا هذه الآية، وهذا الرسوخ هو الإحسان الذي يدور ~~عليه مقصود السورة؛ ثم رتب عليه الجزاء فقال: {فأولئك} أي العالو الرتبة ~~لجمعهم الشرائط الثلاثة {كان} أي كونا لا بد منه {سعيهم مشكورا *} أي ~~مقبولا مثابا عليه بالتضعيف مع أن بعضهم نفتح عليه أبواب الدنيا كداود ~~وسليمان عليهما الصلاة والسلام ونستعمله فيها بما يحب، وبعضهم نزويها عنه ~~كرامة له لا هوانا، فالحاصل أنها إن وجدت عند الوالي لم تشرفه، وإن عدمت ~~عنه لم تحقره، وإنما الشرف وغيره عند الله بالأعمال. # ولما أخبر عن نفسه الشريفة بما يشير إلى التوسعة على من يريد من أهل ~~الباطل، أخبر بأنه قضى بذلك في الأزل تفضلا فقال تعالى: {كلا} أي من ~~الفريقين: مريد الدنيا ومريد الآخرة {نمد} أي بالعطاء؛ ثم أبدل من {كلا} ~~قوله تعالى: {هؤلاء} أي الذين طلبوا الدنيا نمد {وهؤلاء} الذين طلبوا ~~الآخرة نمد {من عطاء ربك} أي المحسن إليه بجميع قضائه، إن ضيق على مؤمن ~~فبالحماية من الدنيا # PageV11P397 # الفانية التي إنما هي لهو ولعب، وإن وسع فبالاستعمال فيها على حسب ما ~~يرضيه ويعلي كلمته {وما كان عطاء ربك} أي الموجد لك المدبر لأمرك {محظورا ~~*} أي ms2663 ممنوعا في الدنيا عن مؤمن ولا كافر، بل هو ملء السهل والجبل من الذهب ~~والفضة والحديد والنحاس والجواهر والثمار وأقوات الناس والبهائم، وغير ذلك ~~مما لا يحصيه إلا الله حتى لو اجتمع كل الناس على جمعه ليلا ونهارا، ولم ~~يكن لهم شغل سوى ذلك، لأعياهم ولم يقدروا عليه، فسبحان الجواد الواسع ~~المعطي المانع، ثم أمر بالنظر في عطائه هذا على وجه مرغب في الآخرة مزهد في ~~الدنيا، فقال تعالى آمرا بالاعتبار: {انظر} وبين أن حالهم لغرابته أهل لأن ~~يسأل عنه فقال تعالى: {كيف فضلنا} أي بما لنا من العظمة القاهرة {بعضهم على ~~بعض} في هذه الحياة الدنيا بالعطاء، فصار الفاضل يسخر المفضول، والمفضول ~~يرغب في خدمة المفضل ويتشرف بالتقرب إليه، مع أن رزق الله - وهوعطاءه - ~~بالنسبة إلى الكل على حد سواء، خلق ما هو موجود في هذه الدنيا للبر ~~والفاجر، وكل حريصون على أن يأخذوا فوق كفايتهم من الأرزاق التي هي أكثر ~~منهم، فما كان هذا التفاضل إلا بقسر قادر قهرهم على ذلك، وهو من تنزه عن ~~النقص وحاز # PageV11P398 # على كمال، فاستحق أن لا توجه رغبة راغب إلا إليه. # ولما نبه على أن ما نراه من التفضيل إنما هو بمحض قدرته، أخبر أن ما بعد ~~الموت كله كذلك من غير فرق فقال: {وللآخرة} أكد الإخبار عما فيها المستلزم ~~لتأكيد الإعلام بوجودها لهم من إنكاره {أكبر درجات} من هذه الحياة الدنيا ~~{وأكبر تفضيلا *} أولا بالجنة والنار أنفسهما، وثانيا بالدرجات في الجنة ~~والدركات في النار؛ ولما كان العلم هنا مقيدا بالذنوب، ذكر بعد المفاضلة في ~~الدنيا، ولعل في ذلك إشارة إلى أن أكثر من يزاد في الدنيا تكون زيادته نقصا ~~من آخرته بسبب ذنب اكتسبه أو تقصير ارتكبه، ولما كان العلم فيما يأتي في ~~قوله تعالى: {وربك أعلم} مطلقا، طوى بعده الرذائل، وعطف على ذلك المطوي ~~الفضائل، فقال تعالى: {ولقد فضلنا بعض، النبيين على بعض} الآية، فمن كانت ~~له نفس أبيه وهمة علية كان عليه أن يزهد في علو فان لأجل العلو ms2664 الباقي. # PageV11P399 # ولما تقرر بما مضى أن له سبحانه الأمر كله، وأنه متصف بجميع الكمال منزه ~~عن شوائب النقص، أنتج أنه لا إله غيره، فقال تعالى يخاطب الرأس لأن ذلك ~~أوقع في أنفس الأتباع، وإشارة إلى أنه لا يوحده # PageV11P399 # حق توحيده سواه، ويجوز أن يكون خطابا عاما لكل من يصح أن يخاطب به: {لا ~~تجعل مع الله} الذي له جميع صفات الكمال {إلها} وسيأتي قريبا سر قوله: ~~{ءاخر} أنه مفهوم من المعية {فتقعد} أي فيتسبب عن ذلك أن تقعد أي تصير في ~~الدنيا قبل الآخرة {مذموما} . # ولما كان الذم قد يحتمله بعض الناس مع بلوغ الأمل، بين أنه مع الخيبة ~~فقال تعالى: {مخذولا *} أي غير منصور فيما أردته من غير أن يغني عنك أحد ~~بشفاعة أو غيرها. ولما قرع الأسماع بهذا النهي المحتم لتوحيده، أتبعه ~~الإخبار بالأمر بذلك جمعا في ذلك بين صريحي الأمر والنهي تصريحا بعد ~~التنزيه له عن الشريك بالإفراد له في العبادة في أسلوب الخبر، إعلاما بعظم ~~المقام فقال تعالى: {وقضى} أي نهاك عن ذلك وأمر {ربك} أي المحسن إليك أمرا ~~حتما مقطوعا به ماضيا لا يحتمل النزاع؛ ثم فسر هذا الأمر بقوله تعالى: {ألا ~~تعبدوا} أي أنت وجميع أهل دعوتك، وهم جميع الخلق {إلا إياه} فإن ذلك هو ~~الإحسان. # ولما أمر بمعرفة الحق المحسن المطلق منبها على وجوب ذلك باسم الرب، أتبعه ~~الأمر بمعرفة الحق لأول المربين من الخلق فقال: # PageV11P400 # {وبالوالدين} أي وأحسنوا، أي أوقعوا الإحسان بهما {إحسانا} بالإتباع في ~~الحق إن كانا حنيفين شاكرين لأنعمه كإبراهيم ونوح عليهما السلام فإن ذلك ~~يزيد في حسناتهما، وبالبراءة منهما في الباطل فإن ذلك يخفف من وزرهما ~~واللطف بهما ما لم يجر إلى فساد ليكون الله معكم فإنه مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون. # ولما كان سبحانه عليما بما في الطباع من ملال الولد لهما عند أخذهما في ~~السن، قال تعالى: {إما} مؤكدا بإدخال «ما» على الشرطية لزيادة التقرير ~~للمعنى اهتماما بشأن الأبوين {يبلغن عندك} أي بأن يضطر إليك فلا ms2665 يكون لهما ~~كافل غيرك {الكبر} ونفى كل احتمال يتعلق به المتعنت بقوله تعالى: {أحدهما ~~أو كلاهما} فيعجزا بحيث يكونان في كفالتك {فلا تقل لهما أف} أي لا تتضجر ~~منهما، وفي سورة الأحقاف ما ينفع كثيرا هنا؛ ثم صرح بما ينهى عنه الكلام من ~~باب الأولى تعظيما للمقام فقال: {ولا تنهرهما} فيما لا ترضاه؛ والنهر: زجر ~~بإغلاظ وصياح. وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي رحمه الله في كتابه في أصول ~~الفقه: وقد أولع الأصوليون بأن يذكروا # PageV11P401 # في جملة هذا الباب - أي باب الاستدلال بالملزوم على اللازم والأدنى على ~~الأعلى - قوله تعالى: {ولا تقل لهما أف} بناء على أن التأفيف عندهم أقل شيء ~~يعق به الأب، وذلك حائد عن سنن البيان ووجه الحكمة، لأنه ليس في العقوق شيء ~~أشد من التأفيف لأنه إنما يقال للمستقذر المسترذل، ولذلك عطف عليه {ولا ~~تنهرهما} لأنه لا يلزم منه لزوم سواء ولا لزوم أحرى، ولا يصلح فيما يقع ~~أدنى أن يعطف عليه ما يلزمه سواء أو أحرى، كما لو قال قائل: من يعمل ذرة ~~خيرا يره، ومن يعمل قيراطا يره، لم يصلح عطفه عليه لإفادة الأول إياه، ولعل ~~ذلك شيء وهل فيه واهل فسلك إثره من غير اعتبار لقوله - انتهى. # ولما نهاه عن عقوقهما تقديما لما تدرأ به المفسدة، أمره ببرهما جلبا ~~للمصلحة، فقال تعالى: {وقل لهما} أي بدل النهر وغيره {قولا كريما *} أي ~~حسنا جميلا يرضاه الله ورسوله مع ما يظهر فيه من اللين والرقة والشفقة وجبر ~~الخاطر وبسط النفس، كما يقتضيه حسن الأدب وجميل المروءة، # PageV11P402 # ومن ذلك أنك لا تدعوهما بأسمائهما، بل بيا أبتاه ويا أمتاه - ونحو هذا ~~{واخفض لهما} ولما كان الطائر يخفض جناحه عند الذل، استعار لتعطفه عليهما ~~رعيا لحقوقهما قوله تعالى: {جناح الذل} أي جناح ذلك، وبين المراد بقوله ~~تعالى: {من الرحمة} أي لا من أجل امتثال الأمر والنواهي وما تقدم لهما من ~~من أجل الرحمة لهما، بأن لا تزال تذكر نفسك بالأوامر والنواهي وما تقدم ~~لهما من الإحسان إليك، فصارا مفتقرين ms2666 إليك وقد كنت أفقر خلق الله إليهما، ~~حتى يصير ذلك خلقا لازما لك فإن النفس لأمارة بالسوء، وإن لم تقد إلى الخير ~~بأنواع الإرغاب والإرهاب والإمعان في النظر في حقائق الأمور وعجائب ~~المقدور، ولذلك أتبعه قوله تعالى آمرا بأن لا يكتفي برحمته التي لا بقاء ~~لها، فإن ذلك لا يكافىء حقهما بل يطلب لهما الرحمة الباقية: {وقل رب} أي ~~أيها المحسن إلي بعطفهما علي حتى ربياني وكانا يقدماني على أنفسهما ~~{ارحمهما} بكرمك برحمتك الباقية وجودك كما رحمتهما أنا برحمتي القاصرة مع ~~بخلي وما في من طبع اللوم {كما ربياني} برحمتهما لي {صغيرا *} وهذا مخصوص # PageV11P403 # بالمسلمين بآية {ما كان للنبي} لا منسوخ، ولقد أبلغ سبحانه في الإيصاء ~~بهما حيث بدأه بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ونظمه في سلكه، وختمه ~~بالتضرع في نجاتهما، جزاء على فعلهما وشكرا لهما، وضيق الأمر في مراعاتهما ~~حتى لم يرخص في أدنى شيء من امتهانهما، مع موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد ~~يدخل الصبر إليها في حد الاستطاعة إلا بتدريب كبير. # ولما كان ذلك عسرا جدا حذر من التهاون به بقوله تعالى: {ربكم} أي المحسن ~~إليكم في الحقيقة، فإنه هو الذي عطف عليكم من يربيكم وهو الذي أعانهم على ~~ذلك {أعلم} أي منكم {بما في نفوسكم} من قصد البر بهما وغيره، فلا يظهر ~~أحدكم غير ما يبطن، فإن ذلك لا ينفعه ولا ينجيه إلا أن يحمل نفسه على ما ~~يكون سببا لرحمتهما {إن تكونوا} أي كونا هو جبلة لكم {صالحين} أي متقين أو ~~محسنين في نفس الأمر؛ والصلاح: استقامة الفعل على ما يدعو إليعه الدليل، ~~وأشار إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس وترجيعها كرة بهد فرة بقوله ~~تعالى: {فإنه كان للأوابين} أي الرجاعين # PageV11P404 # إلى الخير مرة إثر مرة بعد جماع أنفسهم عنه {غفورا *} أي بالغ الستر، ~~تنبيها لمن وقع منه تقصير، فرجع عنه على أنه مغفور. # PageV11P405 # ولما حث على الإحسان إليهما بالخصوص، عم بالأمر به لكل ذي رحم وغيره، ~~فقال تعالى: {وءات ذا القربى} من ms2667 جهة الأب أو الأم وإن بعد {حقه و} آت ~~{المسكين} وإن لم يكن قريبا {وابن السبيل} وهو المسافر المنقطع عن ماله ~~لتكون متقيا محسنا. # ولما رغب في البذل، وكانت النفس قلما يكون فعلها قواما بين الإفراط ~~والتفريط، أتبع ذلك قوله تعالى: {ولا تبذر} بتفريق المال سرفا، وهو بذله ~~فيما لا ينبغي، وفي قوله {تبذيرا *} تنبيه على أن الارتقاء نحو ساحة ~~التبذير أولى من الهبوط إلى مضيق الشح والتقتير؛ والتبذير: بسط اليد في ~~المال على حسب الهوى جزافا، وأما الجود فبمقدار معلوم، لأنه اتباع أمر الله ~~في الحقوق المالية، ومنها معلوم بحسب القدر، ومنها معلوم بحسب الوصف ~~كمعاضدة أهل الملة وشكر أهل الإحسان إليك ونحو ذلك، وقد سئل ابن مسعود رضي ~~الله عنه عن التبذير فقال: إنفاق المال من غير حقه، وعن مجاهد رضي الله ~~عنه: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيرا، ولو أنفق مدا في ~~باطل كان تبذيرا. ثم علل ذلك بقوله: # PageV11P405 # {إن المبذرين} أي جبلة وطبعا {كانوا} أي كونا هم راسخون فيه {إخوان ~~الشياطين} أي كلهم، البعيدين من الرحمة، المحترقين في اللعنة، فإن فعلهم ~~فعل النار التي هي أغلب أجزائهم، وهو إحراق ما وصلت إليه لنفع وغير نفع، ~~فإذا لم يجدوا أخذوا ما ليس لهم، والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم وتابع ~~أمرهم: هو أخوهم. # ولما كان الاقتصاد أدعى إلى الشكر، والتبذير أقود إلى الكفر، قال تعالى: ~~{وكان الشيطان} أي هذا الجنس البعيد من كل خير، المحترق من كل شر {لربه} أي ~~الذي أحسن إليه بإيجاده وتربيته {كفورا *} أي ستورا لما يقدر على ستره من ~~آياته الظاهرة، ونعمه الباهرة، مع الحجة. # ولما أمر بما هو الأولى في حالة الوجدان، أمر بمثل ذلك حالة العدم، فقال ~~مؤكدا تنبيها على أنه ينبغي أن يكون الإعراض عنهم في حيز الاستبعاد ~~والاستنكار: {وإما تعرضن عنهم} أي عن جميع من تقدم ممن أمرت بالبذل له، ~~لأمر اضطرك إلى ذلك لا بد لك منه، لكونك لا تجد ما تعطيه، فأعرضت حياء ms2668 لا ~~لإرادة المنع، بل {ابتغاء} أي طلب {رحمة} أي إكرام وسعة {من ربك} الكثير ~~الإحسان {ترجوها} فإذا أتتك واسيتهم فيها {فقل لهم} في حالة الإعراض {قولا ~~ميسورا *} أي ذا يسر يشرح صدورهم، ويبسط رجاءهم، لأن ذلك أقرب إلى طريق ~~المتقين المحسنين الذين أنا # PageV11P406 # معهم؛ قال أبو حيان: وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان بعد نزول هذه ~~الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي وسئل قال: يرزقنا الله وإياكم من فضله - ~~انتهى. # وقد وضع هنا الابتغاء موضع الفقر لأنه سببه، فوضع المسبب موضع السبب. # ولما أمر بالجود الذي هو لازم الكرم، نهى عن البخل الذي هو لازم اللوم، ~~في سياق ينفر منه ومن الإسراف، فقال ممثلا بادئا بمثال الشح: {ولا تجعل ~~يدك} بالبخل {مغلولة} أي كأنها بالمنع مشدودة بالغل {إلى عنقك} لا تستطيع ~~مدها {ولا تبسطها} بالبذل {كل البسط} فتبذر {فتقعد} أي توجد كالمقعد، ~~بالقبض {ملوما} أي بليغ الرسوخ فيما تلام بسببه عند الله، لأن ذلك مما نهى ~~عنه، وعند الناس، وبالبسط {محسورا *} منقطعا بك لذهاب ما تقوى به وانحساره ~~عنك، وكل من الحالتين مجاوز لحد الاعتدال. # PageV11P407 # ولما كان سبب البخل خوف الفقر، وسبب البسط محبة إغناء المعطي، قال مسليا ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضافة عن التوسعة على من ~~يسأله بأن ذلك إنما هو لتربية العباد بما يصلحهم، لا لهوان بالمضيق عليه، ~~ولا لإكرام للمسوع عليه: {إن ربك} # PageV11P407 # أي المحسن إليك {يبسط الرزق لمن يشاء} البسط له دون غيره {ويقدر} أي يضيق ~~كذلك سواء قبض يده أو بسطها {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} ~~[الشورى: 27] ولكنه تعالى لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده، ولا بالمقبوض ~~عنه أقصى مكروهه، فاستنوا في إنفاقكم على عباده بسنته في الاقتصاد {إنه ~~كان} أي كونا هو في غاية المكنة {بعباده خبيرا} أي بالغ الخبر {بصيرا *} أي ~~بالغ البصر بما يكون من كل القبض والبسط لهم مصلحة أو مفسدة. # ولما أتم سبحانه ما أراد من الوصية بالأصول وما تبع ذلك، ms2669 وختمه بما قرر ~~من أن قبض الرزق وبسطه منه من غير أن ينفع في ذلك حيلة، أوصاهم بالفروع، ~~لكونهم في غاية الضعف وكانوا يقتلون بناتهم خوف الفقر، وكان اسم البنت قد ~~صار عندهم لطول ما استهجنوه موجبا للقسوة، فقال في النهي عن ذلك مواجها ~~لهم، إعلاما ببعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن هذا الخلق قبل الإسلام ~~وبعده: {ولا تقتلوا أولادكم} معبرا بلفظ الولد هو داعية إلى الحنو والعطف ~~{خشية إملاق} أي فقر متوقع لم يقع بعد؛ ثم وصل بذلك استئنافا قوله: {نحن ~~نرزقهم وإياكم} مقدما ضمير الأولاد لكون الإملاق مترقبا من الإنفاق عليهم ~~غير حاصل في حال القتل، بخلاف # PageV11P408 # آية الأنعام فإن سياقها يدل على أن الإملاق حاصل عند القتل، والقتل للعجز ~~عن الإنفاق، ثم علل ذلك بما هو أعم منه فقال تعالى: {إن قتلهم} أي مطلقا ~~لهذا أو غيره {كان خطأ} أي إثما {كبيرا *} قال الرماني: والخطأ - أي بكسر ~~ثم سكون - لا يكون إلا تعمدا إلى خلاف الصواب، والخطأ - أي محركا - قد يكون ~~من غير تعمد. # ولما كان في قتل الأولاد حظ من البخل، وفي فعل الزنا داع من الإسراف، ~~أتبعه به فقال تعالى: {ولا تقربوا} أي أدنى قرب بفعل شيء من مقدماته ولو ~~بإخطاره بالخاطر {الزنى} مع أن السبب الغالب في فعل النساء له الحاجة وطلب ~~التزيد، وفيه معنى قتل الولد بتضييع نسبه، وفيه تسبب في إيجاد نفس الباطل، ~~كما أن القتل تسبب في إعدامها بالباطل، وعبر بالقربان تعظيما له لما فيه من ~~المفاسد الجارة إلى الفتن بالقتل وغيره؛ ثم علله بقوله مؤكدا إبلاغا في ~~التنفير عنه لما للنفس من شدة الداعية إليه: {إنه كان} أي كونا لا ينفك عنه ~~{فاحشة} أي زائدة القبح، وقد نهاكم عن الفحشاء في آية العدل والإحسان ~~{وساء} الزنا {سبيلا *} أي ما أسوأه من طريق! # PageV11P409 # والتعبير عنه بالسبيل يدل على كثرة متعاطيه بالدلالة على سعة منهجه. # ولما أتم النهي عن هذين الأمرين المتحدين في وصف الفحش وفي السبب على ~~تقدير، وفي ms2670 إهلاك الولد بالقتل وما في معناه، أتبعهما مطلق القتل الذي من ~~أسبابه تحصيل المال فقال تعالى: {ولا تقتلوا النفس} أي بسبب ما جعل خالقها ~~لها من النفاسة {التي حرم الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ~~بالإسلام أو العهد {إلا بالحق} أي بأمر يحل الله به تلك الحرمة التي كانت، ~~فصارت الأسباب المنهي عنها بتحريم مسبباتها منع الموجود بخلا ثم بذله ~~إسرافا ثم تحصيل المفقود بغيا؛ ثم عطف على ما أفهم السياق تقديره وهو: فمن ~~قتل نفسا بغير حق فقد عصى الله ورسوله {ومن قتل} أي وقع قتله من أي قاتل ~~كان {مظلوما} أي بأي ظلم كان، من غير أن يرتكب إحدى ثلاث: الكفر، والزنا ~~بعد الإحصان، وقتل المؤمن عمدا، عدوانا {فقد جعلنا} أي بما لنا من العظمة ~~{لوليه} أي سواء كان قريبا أو سلطانا {سلطانا} أي أمرا متسلطا {فلا يسرف} ~~الولي، أو فلا تسرف أيها الولي {في القتل} بقتل غير القاتل، ولا يزد على ~~حقه بوجه {إنه} أي القتيل {كان منصورا *} # PageV11P410 # في الدنيا بما جبل الله في الطباع من فحش القتل، وكراهة كل أحد له، وبغض ~~القاتل والنفرة منه، والأخذ على يده، وفي الآخرة بأخذ حقه منه من غير ظلم ~~ولا غفلة، فمن وثق بذلك ترك الإسراف، فإنه لخوف الفوت أو للتخويف من العود. # PageV11P411 # ولما نهى عن الإغارة على الأرواح والأبضاع التي هي سببها، أتبعه النهي عن ~~نهب ما هو عديلها، لأن به قوامها، وهو الأموال، وبدأ بأحق ذلك بالنهي لشدة ~~الطمع فيه لضعف مالكه فقال تعالى: {ولا تقربوا} أي فضلا عن أن تأكلوا {مال ~~اليتيم} فعبر بالقربان الذي هو قبل الأخذ تعظيما للمقام {إلا بالتي هي ~~أحسن} من طرائق القربان، وهو التصرف فيه بالغبطة تثميرا لليتيم {حتى يبلغ} ~~اليتيم {أشده} وهو إيناس الرشد منه بعد بلوغه. # ولما كانت الوصية نوعا من أنواع العهد، أمر بوفاء ما هو أعم منها فقال ~~تعالى: {وأوفوا} أي أوقعوا هذا الجنس في الزمان والمكان، وكل ما يتوقف عليه ~~الأمر المعاهد عليه ويتعلق ms2671 به {بالعهد} # PageV11P411 # أي بسببه ليتحقق الوفاء به ولا يحصل فيه نقص ما، وهو العقد الذي يقدم ~~للتوثق. # ولما كان العلم بالنكث والوفاء متحققا، كان العهد نفسه كأنه هو المسؤول ~~عن ذلك، فيكون رقيبا على الفاعل به، فقال تعالى مرهبا من المخالفة: {إن ~~العهد كان} أي كونا مؤكدا عنه {مسؤولا *} أي عن كل من عاهد هل وفى به؟ أو ~~مسؤولا عنه من كل من يتأتى منه السؤال. # ولما كان التقدير بالكيل أو الوزن من جملة الأمانات الخفية كالتصرف ~~لليتيم، وكان الائتمان عليه كالمعهود فيه، أتبعه قوله: {وأوفوا الكيل} أي ~~نفسه فإنه أمر محسوس لا يقع فيه إلباس واشتباه؛ ولما كان صالحا لمن أعطى ~~ومن أخذ، قال: {إذا كلتم} أي لغيركم، فإن اكتلتم لأنفسكم فلا جناح عليكم إن ~~نقصتم عن حقكم ولم توفوا الكيل {وزنوا} أي وزنا متلبسا {بالقسطاس} أي ميزان ~~العدل الذي هو أقوم الموازين، وزاد في تأكيد معناه فقال تعالى: {المستقيم} ~~دون شيء من الحيف على ما مضى في الكيل سواء {ذلك} # PageV11P412 # أي الأمر العالي الرتبة الذي أمرناكم به {خير} لكم في الدنيا والآخرة وإن ~~تراءى لكم أن غيره خير {وأحسن تأويلا *} أي عاقبة في الدارين، وهو تفعيل من ~~الأول وهو الرجوع، وأفعل التفضيل هنا لاستعمال النصفة لإرخاء العنان، أي ~~على تقدير أن يكون في كل منهما خير، فهذا الذي أزيد خيرا والعاقل لا ينبغي ~~أن يرضى لنفسه بالدون. # ولما كان ذلك مما تشهد القلوب بحسنه، وأضداده مما تتحقق النفوس قبحه، لأن ~~الله تعالى جبل الإنسان على ذلك كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ~~«البر ما سكن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد ~~في الصدر وإن أفتاك المفتون وأفتوك» وقال: «إن مما أدرك الناس من كلام ~~النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» وكان قد جمع الضمائر سبحانه، ~~تلاه سبحانه بما يعمه وغيره فقال تعالى مفردا الضمير ليصوب النهي إلى كل من ~~الجمع # PageV11P413 # والإفراد في حالتي الاجتماع والانفراد على حد سواء: {ولا} ms2672 أي افعلوا ما ~~أمرتم به من ذلك، وانتهوا عما نهيتم عنه منه، لما تقرر في الجبلات من العلم ~~الضروري بخيريته وحسنه، ولا {تقف} أي تتبع أيها الإنسان مجتهدا بتتبع ~~الآثار {ما ليس لك به علم} من ذلك وغيره، كل شيء بحسبه، لا سيما البهت ~~والقذف، فما كان المطلوب فيه القطع لم يقنع فيه بدونه، وما اكتفى فيه بالظن ~~وقف عنده؛ ثم علل ذلك مخوفا بقوله: {إن السمع والبصر} وهما طريقا الإدراك ~~{والفؤاد} الذي هو آلة الإدراك؛ ثم هول الأمر بقوله تعالى: {كل أولئك} أي ~~هذه الأشياء العظيمة، العالية المنافع، البديعة التكوين، وأولاء وجميع ~~أسماء الإشارة يشار بها للعاقل وغيره كقوله: # ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام # {كان} أي بوعد لا خلف فيه {عنه} أي وحده {مسؤولا *} بسؤال يخصه، هل ~~استعمله صاحبه في طلب العلم مجتهدا في ذلك، ليعمل عند الوقوف على الحقائق ~~بما يرضي الله، ويجتنب ما يسخطه أو لا؟ وأول حديث النفس السابح ثم الخاطر ~~ثم الإرادة والعزيمة، فيؤاخذ بالإرادة والعزيمة لدخولهما تحت الاختيار ~~فيتعلق بهما التكليف، # PageV11P414 # ولعدم دخول الأولين خفف عنا بعدم المؤاخذة بهما، كما قال صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسهم ما لم تعمل به أو ~~تكلم» . # PageV11P415 # ولما كان الكبر والأنفة أعظم موقف عن العلم الداعي إلى كل خير، ومرض بمرض ~~الجهل الحامل على كل شر، قال تعالى: {ولا تمش} أي مشيا ما، وحقق المعنى ~~بقوله تعالى: {في الأرض} أي جنسها {مرحا} وهو شدة الفرح التي يلزمها ~~الخيلاء، لأن ذلك من رعونات النفس بطيش الهوى وداعي الشهوة وما طبعت عليه ~~من النقائص، فإنه لا يحسن إلا بعد بلوغ جميع الآمال التي تؤخذ بالجد ولن ~~يكون ذلك لمخلوق، ولذلك علله بقوله تعالى: {إنك لن تخرق} أي ولو بأدنى ~~الوجوه {الأرض} أي تقطعها سيرا من مكانك إلى طرفها {ولن تبلغ} أي بوجه من ~~الوجوه {الجبال طولا *} أي طول الجبال كلها بالسير فيها، فإذا كنت تعجز في ~~قدرتك وعلمك ms2673 عن خط مستقيم من عرض الأرض # PageV11P415 # مع الجد والاجتهاد وعن التطاول على أوتادها فبماذا تفخر؟ وبأي شيء تتكبر ~~حتى تتبختر؟ وذلك من فعل من بلغ جميع ما أمل؛ ثم عظم جميع ما مضى من ~~المنهيات وأضداد المأمورات بقوله تعالى: {كل ذلك} أي الأمر البعيد من ~~المكارم {كان} أي كونا غير مزايل. # ولما كانت السيئة قد صارت في حكم الأسماء كالإثم والذنب وزال عنها حكم ~~الصفات، حملها على المذكر ووصفها به فقال تعالى: {سيئه} وزاد بشاعته بقوله ~~تعالى: {عند ربك} أي المحسن إليك إحسانا لا ينبغي أن يقابل عليه إلا بالشكر ~~{مكروها *} أي يعامله معاملة المكروه من النهي عنه والذم لفاعله والعقاب، ~~والعاقل لا يفعل ما يكرهه المحسن إليه حياء منه، فإن لم يكن فخوفا من قطع ~~إحسانه، وخضوعا لعز سلطانه، ويجوز أن يكون المراد بهذا الإفراد النبي صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى أنه لا يقدر أحد غيره على امتثال هذا ~~المعنى على ما ينبغي، لأنه لا يعلم أحد العلم على ما هو عليه سواء، ولأن ~~الرأس إذا خوطب بشيء # PageV11P416 # كان الأتباع له أقبل وبه أعنى. # ولما تمت هذه الأوامر والزواجر على هذا الوجه الأحكم والنظام الأقوم، ~~أشار إلى عظيم شأنه ومحكم إتقانه بقوله على طريق الاستئناف، تنبيها للسامع ~~على أن يسأل عنه: {ذلك} أي الأمر العالي جدا {مما أوحى} أي بعث في خفية ~~{إليك ربك} أي المحسن إليك {من الحكمة} التي لا يستطاع نقضها ولا الإتيان ~~بمثلها من الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر، ومن حكمة هذه الأشياء المشار ~~إليها من الأوامر والنواهي أنها لم تقبل النسخ في شريعة من الشرائع، بل ~~كانت هكذا في كل ملة. # ولما بين أن الجهل سبب لكل سوء، وكان الشرك أعظم جهل، أتبعه - ليكون ~~النهي عنه بدءا وختاما، دلالة على فرط شناعته عطفا على ما مضى من النواهي - ~~قوله تعالى: {ولا تجعل} أو يقدر له ما يعطف عليه نحو: فالزمه ولا تجعل {مع ~~الله} أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله ms2674 {إلها} . # ولما كانوا لتعنتهم ربما جعلوا تعداد الأسماء تعدادا للمسميات كما ورد في ~~سبب نزول {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} قال تعالى مع إفهام المعية ~~للغيرية: {ءاخر} فإن ذلك أعظم الجهل الذي نهى # PageV11P417 # عن قفوه {فتلقى} أي فيفعل بك في الآخرة في الحبس {في جهنم} من الإسراع ~~فيه وعدم القدرة على التدارك فعل من ألقى من عال، حال كونك {ملوما} أي ~~معنفا على ما فعلت بعد الذم {مدحورا *} أي مطرودا بعد الخذلان، فهذان ~~الوصفان أشنع من وصفي الذم والخذلان في الآية الأولى كما هي سنته تعالى أن ~~يبدأ بالأخف تسليكا لعباده، وإنما كان الشرك أجهل الجهل لأن من الواضح أن ~~الإله لا يكون إلا واحدا بالذات فلا ينقسم، وبالاعتبار فلا يجانس؛ وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه ~~السلام أولها {لا تجعل مع الله إلها ءاخر} وهي عشر آيات في التوراة، جعل ~~فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك، لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن ~~عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء، وحك بيافوخه السماء، ما ~~أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين الله أضل من النعم. # ولما كان ادعاءهم أن الملائكة بنات الله ادعاء لأن له مناسبا ومجانسا في ~~أخص الصفات وهي الإلهية، وكانت عبادتهم لهم تحقيقا لذلك، وكان ذلك أزيد من ~~مجرد الشرك في الجهل، ساقه مساق التقريع والتوبيخ تنبيها على ظهور فساده ~~متصلا بما مضى من النهي عن الشرك # PageV11P418 # بالعطف بفاء السبب على {ما} بعد الاستئناف بهمزة الإنكار، فكان كأنه قيل: ~~لا تفعل ذلك كما فعل هؤلاء الذين أفرطوا في الجهل فنسبوا إليه من خلقه أدنى ~~الجزءين كما تقدم في النحل في قوله تعالى {ويجعلون لله البنات} [النحل: 54] ~~ثم عبدوا ذلك الجزء وهم لا يرضونه لأنفسهم؛ ثم التفت إليهم مخاطبا بما دل ~~على تناهي الغضب فقال: {أفأصفاكم ربكم} أي أخلق المحسن إليكم بنين وبنات ~~فأصفاكم إحسانا إليكم وأنتم تكفرون به {بالبنين} الذين هم أفضل صنفي ms2675 ~~الأولاد، {و} لم يحسن إلى نفسه بأن شارككم في البنين، بل {اتخذ} عبر ~~بالافتعال لأن من عدل إلى أحد الصنفين مع التمكن من الآخر لا يكون إلا شديد ~~الرغبة فيما عدل إليه {من الملائكة} الذين هم أقرب عباده أولادا، ثم ما ~~كفاه نقص الولدية ومعالجة أسبابها حتى جعل ما اتخذه {إناثا} فرضي لنفسه - ~~وهو إلهكم الخالق الرازق - با لا ترضونه لأنفسكم، ووصلتم في كراهته في بعض ~~الحالات إلى القتل، فصار مشاركا لكم في البنات مخصصا لكم دونه بالبنين، ~~وذلك خلاف # PageV11P419 # عادتكم، فإنه العبيد لا يؤثرون بالأجود ويكون الأدون للسادات، وعبر أولا ~~بالبنين دون الذكور لأن اسم الابن ألذ في السمع، مرض لمن بشر به من غير نظر ~~في العاقبة، وقد يكون أنثى الأفعال، ولأن اسم الذكر مشترك المعنى، وعبر في ~~الثاني بالإناث لإفهام الرخاوة بمدلول اللفظ، ولأنهن بنات بالمعادلة، ويمكن ~~أن تنزل الآية على الاحتباك، فيكون التقدير: بالبنين ورضي لنفسه بالبنات، ~~وخصكم في نوعكم الذي هو أضعف ما يكون بالذكور، واتخذ من الملائكة الذين ~~منهم من يقدر على حمل الأرض وقلب أسفلها على أعلاها إناثا في غاية الرخاوة، ~~ولذلك استأنف الإنكار عليهم معظما لذلك بقوله تعالى: {إنكم لتقولون} وأكده ~~لما لهم من التهاون له والاجتراء عليه بقوله تعالى: {قولا} وزاد في ذلك ~~بقوله: {عظيما *} أي في الجهل والإفك، عليه وعلى ملائكة الذين لا يعصونه ما ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فتضيفون إليه الأولاد وهم من خصائص الأجسام ثم ~~تفضلون أنفسكم عليه # PageV11P420 # فتجعلون له ما تكرهون. # PageV11P421 # ولما كان في هذا من البيان ما لا يخفى على الإنسان ولم يرجعوا، أشار إلى ~~أن لهم أمثال هذا الإعراض عن أمثال هذا البيان فقال تعالى: {ولقد صرفنا} أي ~~طرقنا تطريقا عظيما بأنواع طرق البيان من العبر والحكم، والأمثال والأحكام، ~~والحجج والأعلام، في قوالب الوعد والوعيد، والأمر والنهي، والمحكم ~~والمتشابه - إلى غير ذلك {في هذا القرءان} من هذه الطرق ما لا غبار عليه، ~~ونوعناه من جهة إلى جهة، ومن مثال إلى مثال؛ والتصريف لغة: صرف الشيء ms2676 من ~~جهة إلى أخرى، ثم صار كناية عن التبيين - قاله أبو حيان. # ولما كان ذلك مركوزا في الطباع، وله في العقول أمثال تبرز عرائسها من ~~خدورها بأدنى التفات من النفس، سمي الوعظ بها تذكيرا بما هو معلوم فقال ~~تعالى: {ليذكروا} أي نوعا من التذكير - بما أشار إليه الإدغام، فإنه سبحانه ~~كريم يرضى باليسير - هذا في قراءة الجماعة، وقرأ حمزة والكسائي بإسكان ~~الذال وضم الكاف إشارة إلى أن جميع ما في القرآن لا يخرج شيء منه عن العقل، ~~بل هو مركوز في الطباع، وله شواهد في الأنفس والآفاق، يستحضرها الإنسان ~~بأدنى إشارة وأيسر تنبيه، إذا أزيل عنها ما سترها عن العقل من الحظوظ # PageV11P421 # والشواغل، وأتبعه قوله تعالى معجبا منهم: {وما يزيدهم} التصريف {إلا ~~نفورا *} عن السماع فضلا عن التذكير، لاعتقادهم أن ذلك ليس ببراهين، بل هو ~~شبه وخيل إلى صرفهم عما هم فيه مما ألفوه وتلقوه عن آبائهم وتمادت عليهم ~~الدهور في اعتقاد كونه حقا، فكأنه قيل: فما يفعل بهم؟ فقال تعالى: {قل} لهم ~~ولا تيأس من رجوع بعضهم: {لو كان معه} أي ربكم الذي تقدم وصفه بالإحسان ~~والتنزيه {ءالهة كما يقولون} من هذه الأقوال التي لو قالها أعظمكم في حق ~~أدناكم وهو يريد بها حقيقتها لصار ضحكة للعباد {إذا لابتغوا} أي طلبوا طلبا ~~عظيما {إلى ذي العرش} أي صاحب السرير الأعظم المحيط الذي من ناله كان ~~منفردا بالتدبير {سبيلا *} أي طريقا سالكا يتوصلون به إليه ليقهروه ويزيلوا ~~ملكه كما ترون من فعل ملوك الدنيا بعضهم مع بعض، أو ليتخذوا عنده يدا ~~تقربهم إليه، وصرح بالعرش تصويرا لعظمته وتعيينا للمبتغي والمبتغى؛ ثم نزه ~~نفسه تعظيما عن ذلك وعن كل نقص فقال تعالى: {سبحانه} أي تنزه التنزه الأعظم ~~عن كل شائبة نقص {وتعالى} أي علا # PageV11P422 # أعظم العلو بصفات الكمال {عما يقولون} من هذه النقائض التي لا يرضاها ~~لنفسه أحد من عقلاء خلقه فضلا عن رئيس من رؤسائكم، فكيف بالعلي الأعلى! ~~وأتى بالمصدر المجرد في قوله تعالى: {علوا} إيذانا بأن الفعل مجرد في ms2677 ~~الحقيقة وإن أتى به على صيغة التفاعل إيذانا بالمبالغة {كبيرا *} لا تحتمل ~~عقولكم الوقوف على حقيقته ولا تدركون منه أكثر من مفهوم هذا الوصف عندكم ~~بحسب ما تتعارفونه: # والأمر أعظم من مقالة قائل ... إن رقق البلغاء أو إن فخموا # ثم استأنف بيان عظمة هذا التنزيه مقرونا بالوصف بالكمال فقال تعالى: ~~{تسبح} أي توقع التنزيه الأعظم {له} أي الإله الأعظم الذي تقدم وصفه ~~بالجلال والإكرام خاصة {السماوات السبع} كلها {والأرض} أيضا {ومن فيهن} من ~~ذوي العقول {وإن} أي وما، وأعرق في النفي فقال تعالى: {من شيء} أي ذي عقل ~~وغيره {إلا يسبح} أي ينزه له متلبسا {بحمده} أي بوصفه بما له من صفات ~~الكمال بما له تعالى في ذلك الشيء من الآيات الدالة # PageV11P423 # على كل من السلب والإيجاب، وهذا تسبيح بلسان المقال ممن يصح منه، وبلسان ~~الحال منه ومن غيره، كما قال الجدار للوتد: لم تشقني؟ فقال: سل من يدقني. ~~وهو تسبيح من جهات شتى ليسمعها العارفون بسمع الفهم وصفاء الذهن من جهة ~~ذاتها في خلقها ثم في معنى صفتها بحاجتها من جهة حدوثها إلى صانع أحدثها ~~قديم غير مصنوع، ومن جهة إتقانها إلى كونه مدبرا حكيما، ومن جهة فنائها إلى ~~كونه مع ذلك قادرا مختارا، قاهرا جبارا - إلى غير ذلك، بخلاف ما لو قصر ~~التسبيح على لسان المقال فإنه يكون من نوع واحد، وأوضح مرشدا إلى ذلك قوله ~~تعالى: {ولكن لا تفقهون} دون «تسمعون» {تسبيحهم} لإعراضكم عن النظر ونفوركم ~~عن سماع الذكر الذي هو أعظم أسبابه، على أن هذا إنما هو بالنسبة لعامة ~~الخلق، وأما الخاصة فإنهم يسمعون تسبيح الجمادات؛ روى البخاري عن عبد الله ~~رضي الله عنه قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ~~ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل: فأدخل يده في الإناء وقال: # PageV11P424 # حي على الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين ~~أصابع رسول ms2678 الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم - ولقد ~~كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وتسبيح الحصى مشهور، وفي زبور داود عليه ~~السلام تكرير كثير لهذه الآية وحث على تأملها، قال في المزمور الثامن ~~والستين: تسبح له السماوات والأرض والبحار وكل ما يدب فيها. وفي المزمور ~~الخامس والثمانين: فليس مثلك يا ربي وإلهي ولا مثل أعمالك، لأن جميع الأمم ~~الذين خلقت يأتون ويسجدون أمامك يا رب ويسبحون لاسمك، لأنك عظيم صانع ~~الآيات. وفي الثامن والثمانين: بذراعك العزيزة فرقت أعداءك، لك السماوات ~~ولك الأرض، أنت أسست الدنيا بكمالها، خلقت البر والبحر، تابور وحرمون باسمك ~~يسبحان، لك القوة والجبروت، تعتز يدك، وتعلو يمينك، بالعدل والحكم أتقنت ~~كرسيك، الرحمة والعدل ينطلقان أمامك، طوبى للشعب الذي يعرف # PageV11P425 # تسبيحك. # وفي الخامس والتسعين: سبحوا الرب تسبيحا جديدا، الأرض كلها تسبح الرب، ~~اسجدوا للرب في هياكل قدسه لأن جميع الأرض تتزلزل بين يديه، قولوا في ~~الشعوب: إن الله هو الملك أتقن الدنيا لكيلا تزول، يقضي بين الشعوب بالعدل، ~~تفرح السماوات وتبتهج الأرض، ينقلب البحر في عمقه، تتهلل البقاع وما فيها، ~~هنالك يسبح جميع شجر الغياض قدام الرب. وفي السابع والتسعين: ولله تسبح كل ~~الأرض، مجدوا وهللوا وسبحوا الرب. وفي الثامن والأربعين بعد المائة: سبحوا ~~الرب من السماوات، سبحوه من العلى يا جميع ملائكته! وكل جنوده تسبحه، الشمس ~~والقمر يسبحانه، وجميع الكواكب والنور تسبحه، يسبح الرب سماء الدنيا ~~والمياه التي فوق السماوات، تسبح جميعا اسم الرب لأنه قال فكانوا، وأمر ~~فخلقوا، وأقامهم إلى الأبد والدهر، جعل لها مقدرا لا تتجاوزه، يسبح الرب من ~~في الأرض: التنانين # PageV11P426 # وجميع الأعماق، النار والبرد والثلج والجليد والريح العاصفة عملت كلمته، ~~الجبال وكل الآكام، الشجر المثمرة وجميع الأرز، السباع وكل البهائم والوحوش ~~وكل حيوان وكل طائر ذي جناح، ملوك الأرض وسائر الشعوب العظماء وجميع حكام ~~الأرض، الشبان والعذارى والشيوخ والصبيان يسبحون اسم الرب، لأن اسمه قد ~~تعالى وحده. وفي الخمسين بعد المائة: سبحوا الله في كل قديسيه، سبحوه في ~~جلد ms2679 قوته، سبحوه كمثل جبروته، سبحوه بكثرة عظمته، سبحوه بصوت القرن، وسبحوه ~~بأصوات عالية، كل نسمة تسبح الرب. # ولما كان تسبيح جميع المخلوقات أمرا واضح الفهم ظاهر الشأن، فكانوا ~~مستحقين للعقاب في عدم فهمه بعدم التأمل في المصنوعات حق التأمل، نبههم على ~~أن عافيتهم إنما هي لحلمه عنهم، فهو ينظرهم إلى المدة التي ضربها لهم لأنه ~~لا يعجل لتنزهه عن شوائب النقص الذي نطق كل شيء بتنزيهه عنها فقال تعالى: ~~{إنه كان حليما} حيث لا يعاجلكم بالعقوبة على إعراضكم عن صرف الأفكار فيما # PageV11P427 # أمركم بصرفها إليه. # ولما كان الغالب على أحوال البشر أن حليمهم إذا غضب لا يغفر، وإن عفا كان ~~عفوه مكدرا، قال تعالى: {غفورا *} مشيرا بصيغة المبالغة إلى أنه على غير ~~ذلك ترغيبا في التوبة. # PageV11P428 # ولما قرر في سياق التوحيد أنهم في الحضيض من الغباوة، التفت إلى سيد أولي ~~الفهم، فقال مشيرا إلى النبوة عاطفا على {لا تفقهون} منبها على أنهم لا ~~يفهمون لسان القال فضلا عن لسان الحال: {وإذا قرأت القرءان} الذي لا يدانيه ~~واعظ، ولا يساويه مفهم، وهو تبيان لكل شيء {جعلنا} أي بما لنا من العظمة ~~{بينك} وبينهم، ولكنه أظهر هذا المضمر بالوصف المنبه على إعراضهم عن السماع ~~على الوجه المفهم فقال تعالى: {وبين الذين لا يؤمنون} أي لا يتجدد لهم ~~إيمان {بالآخرة} أي التي هي قطب الإيمان {حجابا} مالئا لجميع ما بينك ~~وبينهم مع كونه ساترا لك عن أن يدركوك حق الإدراك على ما أنت عليه {مستورا ~~*} عنهم وعن غيرهم، لا يراه إلا من أردنا، وذلك أبلغ في العظمة وأعجب في ~~نفود الكلمة {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة {على قلوبهم أكنة} أي أغطية، ~~كراهة {أن يفقهوه} أي يفهموا القرآن حق فهمه {وفي ءاذانهم وقرا} أي شيئا ~~ثقيلا يمنع سماعهم السماع النافع بالقصور في إدراكهم # PageV11P428 # لا في بيانه، فرؤيتهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حال التلاوة غير ~~صحيحة كما أن سمعهم وإدراكهم لما يقرأه كذلك كما قال تعالى {ختم الله على ~~قلوبهم وعلى ms2680 سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} [البقرة: 7] {وإذا ذكرت ربك} أي ~~المحسن إليك وإليهم {في القرءان} حال كونه {وحده} مع الإعراض عن آلهتهم ~~{ولوا} وحقق المعنى وصوره بما يزيد في بشاعته تنفيرا عنه فقال: {على ~~أدبارهم نفورا *} مصدر من غير اللفظ مؤكد لأنه محصل لمعناه، أو جمع نافر ~~كقاعد وقعود. # ومادة «وقر» بجميع تقاليبها عشر تدور على الجمع كما مضى في آخر يوسف وأول ~~الحجر، فالوقر - بالفتح: ثقل في الأذن أو ذهاب السمع كله - لأن ذلك يوجب ~~اجتماعا في النفس وسكونا يحمل على الوقار الذي هو السكينة بفقد بعض ما كان ~~يشعب الفكر من السمع، ومن ذلك ذلك الوقر - بالكسر: الحمل مطلقا أو الثقيل، ~~أو لأن الحمل جامع لما فيه والأذن جمعت ما سدها، فكأنه جمع خرقها فصيرها ~~صلدا كالصخرة الصماء لا ينفذ فيها شيء، ولذلك يسمى الطرش الصمم ونخلة ~~موقرة، أي مستجمعة حملا، واستوقرت الإبل: سمنت أي جمعت # PageV11P429 # الشحم واللحم، ووقر كوعد: جلس - لاستجماع بعض أعضائه إلى بعض، والوقير: ~~القطيع من الغنم أو صغارها أو خمسمائة منها أو عام، أو الغنم بكلبها ~~وحمارها وراعيها كالقرة - لاستجماع بعضها إلى البعض، والوقري - محركة: راعي ~~الوقير أو مقتني الشاء وصاحب الحمير وساكنو المصر، والقرة - كعدة: العيال ~~والثقل والشيخ الكبير - لأن الكبر والثقل يثمران الوقار الناشىء عن استجماع ~~النفس والعزم وترك الانتشار بالطيش، وما قبلهما واضح في الجمع، والموقر - ~~كمعظم: المجرب العاقل قد حنكته الدهور - لأن ذلك يثمر استجماع العقل، ووقرت ~~الرجل توقيرا: بجلته ورزنته، والدابة: سكنتها - فكان كأنه جمع إليها حمل ~~ثقيل، والتيقور فيعول من الوقار تاءه مبدلة من واو، يقال: وقر في بيته يقر، ~~أي جمع نفسه فيه لاجتماع همه، والموقر - كمجلس: الموضع السهل عند سفح الجبل ~~- لعله شبه بالرجل الوقور المطمئن الساكن النفس، والحامل الذي يوطئه الحمل، ~~والوقرة: وكتة - أي حفرة - تكون في الحافر والعين والحجر - لأن من شأن # PageV11P430 # الحفرة أن تجمع ما تودعه، ومنه توقير الشيء: أن تصير له وقرات، أي آثارا، ~~والوقر: الصدع في الساق وكالوكتة أو الهزمة تكون في ms2681 العظم والحجر والعين، ~~وأوقر الله الدابة: أصابها بوقرة، وفقير وقير، أي مكسور العظام أو الفقار، ~~أو تشبيه بصغار الشاء أو اتباع، أو المعنى أن الدين أوقره، والوقير: النقرة ~~العظيمة في الصخرة تمسك الماء - وهو واضح في الجمع. # والروق: القرن - لشدة اجتماعه لصلابته واستدارته، ولأنه يجمع إقدام صاحبه ~~وعزمه، والروق أيضا: عزم الرجل وفعاله - لجمعهما أمره، والروق من الليل: ~~طائفة - لاجتماع ساعاتها، والروق من البيت: رواقه، أي شقته التي دون الشقة ~~العليا - لأنها تكمل جمعه لما يقصد منه من الستر، ورواق البيت - ككتاب ~~وغراب. ما أطاف به، قال القزاز: وقيل: الرواق كالفسطاط يحمل على عمود واحد ~~في وسطه، قال في القاموس: أو سقف في مقدم البيت وحاجب العين - ولعله شبه ~~بالستر، ومن الليل: مقدمه وجانبه - شبه بجانب البيت، والروق من الشباب: ~~أوله كالريق بالفتح، والريق ككيس، وأصله ريوق - لأنه ينبني عليه ما بعده ~~ويجتمع إليه كأنه الأصل الذي يجمع # PageV11P431 # جميع الفروع، والريق أيضا أن يصيبك من المطر شيء يسير - كأنه أول المطر، ~~والروقة: الشيء اليسير، وهي من ذلك، والروق أيضا: العمر - لأنه الجامع ~~للحال، وراقني الشيء: أعجبني - لأن الفكر يجمع الخواطر لأجله فلا يظهر له ~~وجه ما صار به معجبا، ووصيف روقة - إذا أعجبك، وجارية روقة وغلمان روقة، ~~جمع رائق، والروقة: الشيء الجميل جدا، والروق - بالفتح العجب والإعجاب ~~بالشيء، ومن الخيل: الحسن الخلق يعجب الرائي، والجمال الرائق، والريق ~~والروق والرواق: الستر - لأنه يجمع البصر والهم عما وراءه، وهو أيضا موضع ~~الصائد - لأنه يجمعه على ما يريد ويوصله إليه، والروق: الرواق ومقدم البيت ~~والشجاع لا يطاق - لاجتماع همه لما يريد، والفسطاط والسيد - لجمع الفضائل، ~~والصافي من الماء وغيره - لأن الصفاء أجدر باجتماع الأجزاء، والروق: ~~الجماعة والحب الخالص ومصدر راق عليه، أي زاد عليه فضلا - لأن الزيادة لا ~~تكون إلا عن جمع، والروق: البدن من الشيء - لجمعه له، والحية - لتحويها أي ~~تجمعها، وداهية ذات روقين، أي عظيمة مشبهة # PageV11P432 # بالثور، ورمى بأرواقه على الدابة: ركبها، أي بجميع أعضائه، ورمى بأرواقه ~~عنها: نزل، وألقى أرواقه: ms2682 عدا فاشتد عدوه - كأنه خرج من جميع أعضائه - فعدا ~~روحا بلا بدن فصار أعظم من الطائر، أي غلبت روحه على بدنه، وألقى أوراقه: ~~أقام بالمكان مطمئنا؛ قال في القاموس: كأنه ضد - انتهى. # والمفعول فيه في هذا محذوف، كأنه قال: في مكان كذا، ومن المعلوم أن بدنه ~~إذا كان في مكان وهو حي فقد أقام به، وألقى عليك أرواقه، وهو أن تحبه ~~شديدا، والمعنى أنه ألبسك بدنه فصارت روحك مديرة له فصرت إياه. وتعبير ~~القزاز بقوله «وهو أن تحبه حتى تستهلك في حبه» يدل على ذلك، وألقت السحابة ~~أرواقها، أي مطرها ووبلها أو مياهها الصافية - وذلك هو مجموع ما فيها، ~~وأرواق الليل: أثناء ظلمته بأرواقه - إذا قام وثبت، وقيل: أرواقه: مقاديمه، ~~وأسلبت العين # PageV11P433 # أرواقها: سالت دموعها، أي جميع ما فيها - كأن ذلك كناية عن اشتداد ~~البكاء، وروق الفرس: الذي يمده الفارس من رمحه بين أذنيه - تشبيه له بقرن ~~الثور، وذلك الفرس أروق، ومنه الروق - محركة، وهو طول الأسنان - تشبيها لها ~~بالروق أي القرن - قال القزاز: وقيل: الروق: طول الأسنان وانثناءها إلى ~~داخل الفم، وإشراف العليا على السفلى، والقوم روق - إذا كانوا كذلك، وهو ~~يصلح لأن يكون تشبيها بما ذكر، ولأن يكون من الجمع من أجل الانثناء، ومنه ~~أكل فلان روقه - إذا أسن فطال عمره حتى تتحات أسنانه - المشبهة بالقرن، ~~والترويق: التصفية - وقد تقدم أن الشيء إذا خلص من الأغيار كانت أجزاؤه أشد ~~تلاصقا، والترويق: أن يبيع سلعة ويشتري أجود منها - مشبهة بالتصفية، ~~والراووق: المصفاة يروق بها الشراب بلا عصر والكأس بعينها، والباطية وناجود ~~الشراب الذي يروق به - لأنها تجمع الشراب. # والقرو: القصد والتتبع كالاقتراء والاستقراء والطعن # PageV11P434 # وهو واضح في الجمع، والقرو: حوض طويل ترده الإبل، وعبارة القزاز: شبه حوض ~~ممدود مستطيل إلى جنب الحوض، يفرغ منه في الحوض الأعظم، ترده الإبل والغنم، ~~وكذا إن كان من خشب. والقرو: الأرض لا تكاد تقطع - كأنها حمت اجتماع ~~أجزائها عن أن يفرقها أحد، والقرو: مسيل المعصرة ومثعبها - لاجتماع ما يسيل ~~فيه، وأسفل النخلة ينقر ms2683 فينتبذ فيه أو يتخذ منه المركن والإجانة للشرب، ~~وقدح أو إناء صغير، وميلغة الكلب، وحق عليه طبق، ومنقع الماء، والعرب تقول: ~~أصبحت الأرض قروا واحدا - إذا كثر الخصب والمطر، وكل ذلك واضح في الجمع، ~~وأن يعظم جلد البيضتين لريح أو ماء، أو نزول الأمعاء كالقروة، وذلك إما ~~لشبههما بالقدح أو لجمعهما ما أوجب كبرهما، وقرى كفعلى: ماء بالبادية - ~~لجمعه الناس، والقرى: القرع يؤكل - لأنه صالح لأن يجعل إناء، والقرا: الظهر ~~- لجمعه الأعضاء، وناقة قرواء: طويلة السنام، والمقروري: الطويل الظهر، ~~وأقرى: اشتكى - إما أن يكون من شكاية القرا، وإما أن يكون للسلب، أي أزال ~~اجتماع همه وعزمه، والقرواء: # PageV11P435 # العادة - لجمعها أهلها، والدبر - لجمعها ما فيها، وأقرى: طلب القرى، ولزم ~~القرى، وأقرى الجل على الفرس: ألزمه، والمقاري: رؤوس الإكام - لأنها تجمع، ~~وتركتهم قروا واحدا على طريقة واحدة - أي مجتمعين وشاة مقروة: جعل رأسها في ~~خشبة لئلا ترضع نفسها - أي جمع فكاها، وقروة الرأس: طرفه، وعبارة القزاز: ~~وقروان الرأس وقروة الرأس: أعلاه - كأنه مجتمع أمره لأنه موضع المفكرة، ~~وقروة الأنف: طرفه - لأنه آخر جامع لجماله، واستقرى الدمل: صارت فيه المدة ~~- أي اجتمعت، والقيروان: معظم العسكر ومعظم القافلة - وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى بقية المادة في # {بورقكم هذه} في [الكهف: 19] . # PageV11P436 # ولما كانوا ربما ادعوا السمع والفهم فشككوا بعض من لم يرسخ إيمانه -، ~~أتبعه تعالى ما يؤكد ما مضى ويثبت السامعين فيه فقال تعالى على طريقة ~~الجواب مهددا ودالا على أن مداركهم معروفة: {نحن أعلم} أي من كل عالم {بما ~~يستمعون} أي يبالغون في الإصغاء والميل لقصد السمع {به} من الآذان والقلوب، ~~أو بسببه # PageV11P436 # من إرادة الوقوع على سقطة يجعلونها موضع تكذيبهم واستهزائهم {إذ} أي حين ~~{يستمعون} أي يصغون بجهدهم، وبين بعدهم المعنوي بقوله تعالى: {إليك وإذ} أي ~~وحين {هم} ذوو {نجوى} أي يتناجون بأن يرفع كل منهم سره على صاحبه بعد ~~إعراضهم عن الاستماع: ثم ذكر ظرف النجوى فقال تعالى: {إذ يقول} مبرزا ~~لضميرهم بالوصف الدال على حملهم على ما تناجوا به، وهم {الظالمون} ms2684 ومقولهم: ~~{إن تتبعون} أي أيها التابعون له بغاية جهدكم {إلا رجلا مسحورا *} مختلط ~~العقل، فامتطوا في هذا الوصف ذروة الظلم، وسيأتي في آخر السورة سر استعمال ~~اسم المفعول موضع اسم الفاعل؛ ثم وصل بذلك الدليل على نسبته سبحانه لهم إلى ~~الجهل الذي كان نتيجة قولهم هذا فقال تعالى: {انظر} ولما كان أمرهم بما ~~يزيد العجب منه وتتوفر الدواعي على السؤال عنه قال تعالى: {كيف ضربوا} أي ~~هؤلاء الضلال {لك الأمثال} التي هي أبعد شيء عن صفتك من قولهم: ساحر وشاعر ~~ومجنون ونحوه {فضلوا} عن الحق في جميع ذلك {فلا} أي فتسبب عن ضلالهم أنهم ~~لا {يستطيعون سبيلا *} أي يسلكون فيه، إلى إصابة المحن # PageV11P437 # في مثل، أو إحكام الأمر في عمل، وهذا بعد أن نهاهم الله بقوله تعالى {فلا ~~تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النحل: 74] فكأن هذا ~~أول دليل على ما وصفناهم به من عدم الفهم والسمع فضلا عن أن يكون لهم إلى ~~مقاومة هذا القرآن - الذي يدعون أنه قول البشر - سبيل أو يغبروا في وجهه ~~بشبهة فضلا عن دليل. # ولما جرت عادة القرآن بإثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وقدم الدلالة على ~~الأولين، وختم بإثبات جهلهم في النبوة مع ظهورها، أتبع ذلك أمرا جليا في ~~ضلالهم عن السبيل في أمر المعاد وقرره غاية التقرير، وحرره أتم تحرير، فقال ~~تعالى معجبا منهم: {وقالوا} أي المشركون المنكرون للتوحيد والنبوة والبعث ~~مع اعترافهم بأنا ابتدأنا خلقهم ومشاهدتهم في كل وقت أنا نحيي الأرض بعد ~~موتها: {أإذا} استفهاما إنكاريا كأنهم على ثقة من عدم ما ينكرونه، والعامل ~~في {إذا} فعل من لفظ {مبعوثون} لا هو. فإن ما بعد {إن} لا يعمل فيما قبلها. ~~فالمعنى: أنبعث إذا {كنا} أي بجملة أجسامنا كونا لازما {عظاما ورفاتا} أي ~~حطاما مكسرا مفتتا وغبارا {إنا لمبعوثون} حال كوننا مخلوقين {خلقا جديدا *} ~~فكأنه قيل: فماذا يقال لهم في الجواب؟ فقيل: {قل} لهم: لا تكونوا رفاتا، بل ~~{كونوا} # PageV11P438 # ترابا، بل كونوا أصلب التراب {حجارة} أي هي في غاية اليبس ms2685 {أو حديدا *} ~~زاد على يبس الحجارة شدة اتصال الأجزاء {أو خلقا} غيرهما {مما يكبر} أي ~~يعظم عظمة كبيرة {في صدوركم} عن قبول الحياة ولو أنه الموت، حتى تعلموا حال ~~الإعادة، كيف يكون حالكم في الإجابة إلى ما يريد؟ فإن الكل أصله التراب، ~~فالذي فضل طينكم - الذي خلقتم منه على سائر الطين بالنمو ثم بالحياة ثم ~~بالنطق وفضل بعض الناطقين على بعض بمواهب لا تحصى - قادر أن ينقل تلك ~~الفضيلة إلى الطين الذي نقله طورا بعد طور إلى أن جعله حجرا أو حديدا ~~{فسيقولون} تماديا في الاستهزاء: {من يعيدنا} إذا كنا كذلك {قل الذي فطركم} ~~أي ابتدأ خلقكم {أول مرة} ولم تكونوا شيئا يعيدكم بالقدرة التي ابتدأكم ~~بها، فكما لم تعجز تلك القدرة عن البداءة فهي لا تعجز عن الإعادة ~~{فسينغضون} أي مصوبين بوعد لا خلف فيه مشيرين {إليك رؤوسهم} أي يحركونها من ~~شدة التعجب والاستهزاء كأنهم في شدة جهلهم على غاية البصيرة من العلم بما ~~يقولون؛ والنغض والإنغاض: تحريك بارتفاع وانخفاض # PageV11P439 # {ويقولون} استهزاء: {متى هو} ثم وصل به قوله تعالى: {قل} قول مقتصد غير ~~ممتعض بحالهم ولا ضيق بقولهم: {عسى أن يكون} أي كونا لا انفكاك عنه {قريبا ~~*} مطرقا إليه الاحتمال لإمكانه غير جازم، ثم استأنف جازما بقوله: {يوم} أي ~~يكون ذلك يوم {يدعوكم} أي يناديكم المنادي من قبله بالنفخة أو بغيرها كأن ~~يقول: يا أهل القبور! قوموا إلى الجزاء - أو نحو ذلك {فتستجيبون} أي ~~توافقون الداعي فتفعلون ما أراد بدعائه وتطلبون إجابته وتوجدونها، أو ~~استعار الدعاء والاستجابة للبعث والانبعاث تنبيها على سرعتهما وتيسر ~~أمرهما، أو أن القصد بهما الإحضار للحساب {بحمده} أي بإحاطته سبحانه بكل ~~شيء قدرة وعلما من غير تخلف أصلا، بل لغاية الإذعان كما يرشد إليه صيغة ~~استفعل، وأنتم مع سرعة الإجابة تحمدون الله تعالى، أي تثبتون له صفة الكمال ~~{وتظنون} مع استجابتكم وطول لبثكم {إن} أي ما {لبثتم} ميتين {إلا قليلا *} ~~لشدة ما ترون من [الأهوال التي أحاطت بكم # PageV11P440 # والتي تستقبلكم، أو جهلا منكم بحقائق الأمور ms2686 كما هي حالكم اليوم كما ترون ~~من - جدة خلقكم وعدم تغيره. # ولما أمره سبحانه بإبلاغهم هذا الكلام، وفيه من التهكم بهم والتبكيت لهم ~~والاستخفاف بعقولهم ما لا يعلم مقداره إلا مثلهم من البلغاء والعرب ~~العرباء، وكان لكونه كلام العليم بالعواقب، الخبير بما تجن الضمائر - ربما ~~استن به المؤمنون فخاطبوهم بنحوه من عند أنفسهم، نهاهم عن ذلك لئلا يقولوا ~~ما يهيج شرا أو تثير ضرا، فقال تعالى: {وقل} أي قل لهم ذلك من الحكمة ~~والموعظة الحسنة، وقل {لعبادي} أي الذين هم أهل للإضافة إلي، واعظا لهم ~~لئلا يتجاوزوا الحد من شدة غيظهم من المشركين، إن تقل لهم ذلك {يقولوا} ~~الموعظة والحكمة والمجادلة {التي هي أحسن} لأكون معهم لأني مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: {إن الشيطان} أي البعيد من ~~الرحمة، المحترق باللعنة {ينزغ بينهم} أي يفسد ويغري ويوسوس، وأصل النزغ ~~الطعن، وهم غير معصومين، فيوشك أن # PageV11P441 # يأتوا بما لا يناسب الحال أو الوقت بأن يذكروا مساوىء غيرهم أو محاسن ~~أنفسهم فيوقع في شر؛ ثم علل هذه العلة بقوله تعالى: {إن الشيطان كان} أي في ~~قديم الزمان وأصل الطبع كونا هو مجبول عليه {للإنسان عدوا} أي بليغ العداوة ~~{مبينا *} ثم فسر «التي هي أحسن» مما علمهم ربهم من النصفة بقوله تعالى: ~~{ربكم أعلم بكم} ثم استأنف فقال تعالى: {إن يشأ} رحمتكم {يرحمكم} بأن ييسر ~~لكم أفعال الخير {أو إن يشأ} عذابكم {يعذبكم} بأن ييسركم لأفعال الشر، فإذا ~~قالوا لهم ذلك كانوا جديرين بأن يعرضوا - أو من أراد الله منهم - أفعالهم ~~على ما يعلمونه من الخير والشر فينظروا أيهما أقرب إليها، وربما ردهم ذلك ~~من أنفسهم عن الفساد، لحسم مادة العناد، ويجوز - وهو - عندي أحسن - أن تكون ~~الآية استئنافا واقعا موقع التعليل للأمر بقول الأحسن، أي {ربكم} أيها ~~العباد {أعلم بكم} وبما يؤول أمركم إليه من سعادة وشقاوة {إن يشأ يرحمكم} ~~بهدايتكم {أو إن يشأ يعذبكم} بإضلالكم، فلا تحتقروا أيها المؤمنون المشركين ~~فتقطعوا بأنهم من أهل النار فتعيروهم ms2687 بذلك، فإنه يجر إلى الإحن وحر الصدور ~~وغيظ القلوب بلا فائدة، لأن الخاتمة # PageV11P442 # مجهولة، ولا تتجاوزوا فيهم ما آمركم به من قول وفعل فإنه الأحسن؛ ثم رقى ~~الخطاب إلى أعلى الخلق ورأس أهل الشرع ليكون من دونه أولى بالمعني منه فقال ~~تعالى: {وما} أي فما أرسلناك إلا للدعاء بمثل ذلك على حسب ما نأمرك به، وما ~~{أرسلناك} أي مع ما لنا من العظمة الغنية عن كل شيء {عليهم وكيلا *} أي ~~حفيظا وكفيلا لغيرهم على ما يرضي الله، وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم ~~وأمر أصحابك بمداراتهم. # ولما أمرهم بأن ينسبوا الأعلمية بهم إليه سبحانه، أخبر بما هو أعم من ذلك ~~فقال تعالى عاطفا على {ربكم} إعلاما بأن علمه ليس مقصورا عليهم، بل هو ~~محيط، قاصرا الخطاب على أعلم الخلق به سبحانه إشارة إلى أنه لا يعلم هذا حق ~~علمه غيره: {وربك} أي المحسن إليك بأن جعلك أكمل الخلق {أعلم} أي من كل ~~عالم {بمن في السماوات} أي كلها {والأرض} منهم ومن غيرهم، بأحوالهم ~~ومقاديرهم وآجالهم وما يستأهل كل واحد منهم، لأنه هو الذي خلقهم وفاوت ~~بينهم في أخلاقهم وهيئاتهم فكيف يستبعدون أن يكون يتيم أبي طالب - على ما ~~كانوا يقولون - نبيا، وأن يكون أصحابه العراة الجياع أفضل منهم. # ولما كان قد فهم من هذا السياق تفضيل بعض الأشياء على بعض # PageV11P443 # حتى تصير قابلة الروح الحياة بدءا وإعادة، بعد أن فهم من أول السورة وآخر ~~التي قبلها اختصاص بعض الأنبياء بفضائل من روح العلم والحكمة لم يحزها ~~غيره، صرح بهذا هنا فقال تعالى عطفا على ما أرشد إليه سياق الإخبار ~~بالأعلمية، ملتفتا إلى مقام العظمة الداعي إليه الحال، وهو الوصف ~~بالأعلمية: {ولقد} أي فميزنا بينهم بالرذائل والفضائل تفضيلا لبعضهم على ~~بعض على حسب إحاطة علمنا بهم وشمول قدرتنا لهم في تأهلهم للسعادة والشقاوة ~~ففضلنا بعض الناس على بعض، ففضلنا العلماء على غيرهم، وفضلنا النبيين منهم ~~على غيرهم، ولقد {فضلنا} أي بما لنا من العظمة {بعض النبين} أي سواء كانوا ~~رسلا أو لا ms2688 {على بعض} بعد أن جعلنا الكل فضلاء لتقوى كل منهم وإحسانه، فلا ~~ينكر أحد من العرب أو بني إسرائيل أو غيرهم تفضيلنا لهذا النبي الكريم الذي ~~صدرنا السورة بتفضيله على جميع الخلائق، فإنا نفعل ما نشاء، بما لنا من ~~القدرة التامة والعلم الشامل، والحاصل أن من أعظم ثمرات العمل التفضيل ~~بإعطاء كل واحد بل كل شيء ما يستحقه، وبذلك يستدل على تمام - حكمته في شمول ~~علمه وكمال قدرته، فلذلك ذكر # PageV11P444 # التفضيل هنا بعد ذكر العلم المطلق، وصرح بتفضيل أشرف الخلائق وطوى ذكر ~~غيرهم، كما ذكر التفضيل في الدنيا بعد إثبات العلم المقيد بالذنوب في قوله: ~~{من كان يريد العاجلة - إلى قوله تعالى: انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} . # ولما كان القصد إلى بني إسرائيل في هذه السورة سابقها ولاحقها ظاهرا، ~~والتعريض بهم في كثير منها بينا، وكان داود عليه السلام هو المؤسس للمسجد ~~الأقصى الذي وقع الإسراء إليه، وكان قد خص بأن ألين له الحديد الذي أمر ~~المشركون أن يكونوه، لاستبعادهم الإعادة، وكان - مع كونه ملكا - من أشد ~~الناس تواضعا، وأكثرهم بكاء، وأبعدهم من المرح في الأرض، قال تعالى: ~~{وءاتينا} أي بما لنا من العظمة {داود} أي الذي هو من أتباع موسى الذي ~~آتيناه الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا يتخذوا من دوني وكيلا {زبورا ~~*} لأنهم قاطعون بأن من بين موسى وعيسى من أنبياء بني إسرائيل دون موسى في ~~الرتبة، وكل منهم داع إلى شريعته، عامل بحكم التوراة التي شرفه الله بها، ~~غير خارج عن شيء من سنتها، فكان القياس # PageV11P445 # يقتضي أن يكونوا في الفضيلة سواء، فلم يجر ذلك على مقتضى عقول الناس، بل ~~فاوت سبحانه بينهم على حسب علمه بأحوالهم حتى في الوحي، فخص من بينهم داود ~~عليه السلام بكتاب كله مواعظ، والمواعظ أشد شيء منافاة للمشي في الأرض ~~مرحا، ونهيا عنه، وأعظم شيء أمرا بالقول الذي هو أحسن من الإخلاص والمراقبة ~~والإحسان، هذا إلى ما ذكر فيه من التسبيح من كل شيء الذي هو من أعظم مقاصد ~~السورة ms2689 كما تقدم نص الزبور به قريبا، فكان ذكر تفضيله به هنا أنسب شيء لهذا ~~المقام، وفي ذلك أعظم إشارة وأجل تنبيه على فضل بيت المقدس الذي جعله سببا ~~لتفضيل الأنبياء تارة بالهجرة إليه كإبراهيم عليه السلام وتارة بقصد تطهيره ~~من الشرك وتنويره بالتوحيد كموسى عليه السلام، وتارة بتأسيس بنيانه وتشييد ~~أركانه كداود عليه السلام، وتارة بالإسراء إليه والإمامة بالأنبياء عليهم ~~السلام به والعروج منه إلى سدرة المنتهى والمقام الأعلى، وأما تفضيله ~~وتفضيل ابنه سليمان - على نبينا محمد وعليهما الصلاة والسلام - بالملك وسعة ~~الأمر فدخل في قوله تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} وروى البخاري في ~~التفسير # PageV11P446 # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خفف على ~~داود القراءة فكان يأمر بدوابه لتسرج، فكان يقرأ قبل أن يفرغ - يعني ~~القرآن، ومن أعظم المناسبات لتخصيص داود عليه السلام وزبوره بالذكر هنا ذكر ~~البعث الذي هذا مقامه فيه صريحا، وكذا ذكر النار مع خلو التوراة عن ذلك، ~~أما البعث فلا ذكر له فيها أصلا، وأما النار فلم يذكر شيء مما يدل عليها ~~إلا الجحيم في موضع واحد، وأما الزبور فذكر فيه النار والهاوية والجحيم في ~~غير موضع، وأما البعث فصرح به، وهو ظاهر في كونه بالروح والجسد، قال في ~~المزمور الثالث بعد المائة: نفسي تبارك الرب، الرب إلهي عظيم جدا، لبس ~~المجد، وعظيم البهاء، وتجلل بالنور كالرداء، ومد السماء كالخباء، جعل الماء ~~أساسها، واستوى على السحاب، ومشى على أجنحة الرياح، خلق ملائكته أرواحا ~~وخدمه نارا واقدة، وتجلل بالغمر كالرداء، وعلى الجبال تقف المياه، ومن رجزك ~~قهرت، ومن صوت رعدك تجزع الجبال عالية، والبقاع منهبطة في الأماكن التي ~~أسست، جعلت حدا لا تتجاوزه، لا تعود تغطي الأرض، أرسل الماء عيونا في ~~الأودية، وبين الجبال # PageV11P447 # تجري المياه لتسقي حيوان البر، وتروي عطاش الوحوش، يقع عليها طائر السماء ~~إلى أن قال: وكل بحكمة صنعت، امتلأت الأرض من خليقتك، هذا البحر العظيم ~~السعة فيه حيتان لا تحصى كبار وصغار، وفيه تسلك ms2690 السفن، وهذا التنين الذي ~~خلقته ليتعجب منه، والكل إياك يرجون لتعطيهم طعامهم في حينه، فإذا أنت ~~أعطيتهم يعيشون، وعند بسط يدك بالطيبات يشبعون، وحين تصرف وجهك يجزعون، ~~تنزع أرواحهم فيموتون، وإلى التراب يرجعون، ترسل روحك فيخلقون، وتجدد وجه ~~الأرض دفعة أخرى، ويكون مجد الرب إلى الأبد - انتهى. # فكأن ذلك جواب لقول من لعله يقول للعرب من اليهود: إن الأمر كما تقولون ~~في أنه لاقيامة - كما يقوله بعض زنادقتهم كما ذكر عنهم في نص الإنجيل وكما ~~نقل عنهم في سورة النساء أنهم قالوا: أنتم أهدى سبيلا، ودينكم خير من دين ~~محمد، وفي الزبور - كما تقدم في أول السورة عن توراة موسى عليه الصلاة ~~والسلام - # PageV11P448 # ألا تتخذوا من دون الله وكيلا، وذلك من أعظم مقاصد السورة، قال في ~~المزمور الخامس والأربعين بعد المائة: لا تتوكلوا على الرؤساء ولا على بني ~~البشر الذين ليس عندهم خلاص، فإن أرواحهم تفارقهم ويعودون إلى ترابهم، في ~~ذلك اليوم تبطل أعمالهم. # PageV11P449 # ولما أثبت أن شأنه تعالى فعل ذلك وأمثاله من التفضيل والتحويل على حسب ~~علمه وقدرته، ثبت بغير شبهة أن لا مفزع إلا إليه، فأمره صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم تحقيقا لذلك أن يأمرهم بما يظهر به عجز شركائهم، ردا عليهم في ~~قولهم: لسنا بأهل لعبادته استقلالا، فنحن نعبد بعض المقربين ليشفع لنا ~~عنده، فقال تعالى: {قل ادعوا الذين} وأشار إلى ضعف عقولهم وعدم تثبتهم ~~بالتعبير بالزعم فقال تعالى: {زعمتم} أنهم آلهة؛ وبين سفول رتبتهم بقوله ~~تعالى: {من دونه} أي من سواه كالملائكه وعزير والمسيح والأصنام، ليجلبوا ~~لكم خيرا، أو يدفعوا عنكم ضرا {فلا} أي فإن دعوتموهم أو لم تدعوهم فإنهم لا ~~{يملكون كشف الضر} أي البؤس الذي من شأنه أن يرض الجسم كله {عنكم} حتى لا ~~يدعوا شيئا منه {ولا تحويلا *} له من حالة إلى ما هو أخف منها، فضلا عن أن ~~يبدلوه بحالة حسنة أو يحولوه إلى عدوكم، والآية نحو قوله تعالى: {فما ~~يستطيعون # PageV11P449 # صرفا ولا نصرا} [الفرقان: 19] فكيف يتخذ أحد منهم دوني وكيلا؟ ms2691 قالوا: ~~وسبب نزولها شكوى قريش إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما نزل بهم ~~من القحط حين دعا عليهم بسبع كسبع يوسف عليه السلام. ولم ينضب {يملكون} ~~لئلا يظن أن النفي مسبب عن الدعاء فيتقيد به. # ولما بين أنه لا ضر لهم ولا نفع، بين أنهم يتسابقون إلى القرب إليه رجاء ~~أن ينفعهم وخوف أن يضرهم فقال تعالى: {أولئك} أي الذين أعلوا مراتبهم ~~بالإقبال على طاعة الله، وكان المشركون يعلون مراتبهم بتألههم، وعبر عن ذلك ~~واصفا للمبتدإ بقوله تعالى: {الذين يدعون} أي يدعوهم الكفار ويتألهونهم؛ ثم ~~أخبر عن المبتدإ بقوله تعالى: {يبتغون} أي يطلبون طلبا عظيما {إلى ربهم} ~~المحسن إليهم وحده {الوسيلة} أي المنزلة والدرجة والقربة بالأعمال الصالحة ~~{أيهم أقرب} أي يتسابقون بالأعمال مسابقة من يطلب كل منهم أن يكون إليه ~~أقرب ولديه أفضل {ويرجون رحمته} رغبة فيما عنده {ويخافون عذابه} تعظيما ~~لجنابه، المكلف منهم كالملائكة والمسيح وعزير بالفعل، وغيرهم كالأصنام ~~بالقوة من حيث إنه قادر # PageV11P450 # على أن يخلق فيها قوة الإدراك للطاعة والعذاب فتكون كذلك فالعابدون لهم ~~أجدر بأن يعبدوه ويبتغوا إليه الوسيلة؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد ~~الله رضي الله عنه {إلى ربهم الوسيلة} قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسا ~~من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم. ثم علل خوفهم بأمر عام فقال تعالى: ~~{إن عذاب ربك} أي المحسن إليك برفع انتقام الاستئصال منه عن أمتك {كان} أي ~~كونا ملازما له {محذورا *} أي جديرا بأن يحذر لكل أحد من ملك مقرب ونبي ~~مرسل فضلا عن غيرهم، لما شوهد من إهلاكه للقرون ومن صنائعه العظيمة. # ولما كان المعنى: فاحذرونا فإنا أبدنا الأمم السالفة ودمرنا القرى ~~المشيدة، عطف عليه قوله تعالى: {وإن} أي وما؛ وأعرق في النفي فقال تعالى: ~~{من قرية} من القرى هذه التي أنتم بها وغيرها {إلا نحن} أي بما لنا من ~~العظمة {مهلكوها} بنوع من الهلاك، لما هم عليه من الكفر أو العصيان، وعن ~~مقاتل أنها عامة للصالحة بالموت # PageV11P451 # والطالحة بالعذاب. # ولما كان ms2692 الممكن ليس له من ذاته إلا العدم، وذلك مستغرق لزمان القبل، حذف ~~الجار فقال تعالى: {قبل يوم القيامة} الذي أنتم به مكذبون، كما فعلنا في ~~بيت المقدس في المرتين المذكورتين أول السورة لإفساد أهلها فاحذروا مثل ذلك ~~{أو معذبوها} أي القرية بعذاب أهلها {عذابا شديدا} مع بقائها. # ولما أكد ذلك بالاسمية، زاده تأكيدا في جواب من كأنه قال: هل في ذلك من ~~ثنيا لأن مثله لا يكاد يصدق؟ فقال تعالى: {كان ذلك} أي الأمر العظيم {في ~~الكتاب} الذي عندنا {مسطورا *} على وجه الخبر، والأخبار لا تنسخ، فلو لم ~~يكن حشر كان أمرنا جديرا بأن يمتثل حذرا من سطواتنا، ولا بد من أن نخيفكم ~~بعد طول أمنكم ونهلك كثيرا من أعزائكم على يد هذا الرجل الواحد الذي أنتم ~~كلكم متمالئون عليه مستهينون بأمره، مع أنا أرسلناه لعزكم وعلو ذكركم، ولا ~~بد أن ندخله إلى بلدكم هذا بجنود # PageV11P452 # أولي بأس شديد، لإفسادكم فيه واستهانتكم به كما فعلنا ببني إسرائيل حين ~~أفسدوا في مسجدهم كما تقدم؛ قال الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد ~~الداني في كتاب الفتن: حدثنا عبد بن أحمد بن محمد الهروي في كتابه ثنا عمر ~~بن أحمد بن عثمان بن شاهين ثنا محمد بن هارون الحضرمي ثنا علي بن عبد الله ~~التميمي ثنا عبد المنعم بن إدريس قال: أخبرنا أبي عن وهب بن منبه قال: ~~الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب إرمينية، وإرمينية آمنة من الخراب حتى ~~تخرب مصر، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الكوفة، ولا تكون الملحمة الكبرى ~~حتى تخرب الكوفة، فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت القسطنطينية على يدي رجل ~~من بني هاشم، وخراب الأندلس من قبل الزنج، وخراب إفريقية من قبل الأندلس، ~~وخراب مصر من انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها، وخراب العراق من قبل الجوع # PageV11P453 # والسيف، وخراب الكوفة من قبل عدو من ورائهم يحقرهم حتى لا يستطيعوا أن ~~يشربوا من الفرات قطرة، وخراب البصرة من قبل العراق، وخراب الأبلة من قبل ~~عدو يحفزهم مرة برا ومرة ms2693 بحرا، وخراب الري من قبل الديلم، وخراب خراسان من ~~قبل تبت، وخراب تبت من قبل الصين، وخراب الصين من قبل الهند، وخراب اليمن ~~من قبل الجراد والسلطان، وخراب مكة من قبل الحبشة، وخراب المدينة من قبل ~~الجوع؛ حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا علي بن محمد بن نصير ~~حدثنا محمد بن خلف أخبرنا سالم بن جنادة أخبرنا أبي عن هشام بن عروة عن ~~أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم: «آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة» انتهى. وقد أخرجه الترمذي ~~من هذا الوجه. # PageV11P454 # ولما كانت كفار قريش تكرر اقتراحهم للآيات بعد أن اشتد أذاهم، وكان صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم - لشدة حرصه على إيمان كل أحد فكيف بقومه العرب ~~فكيف ببني عمه منهم - ربما أحب أن # PageV11P454 # الله تعالى يجيبهم إلى مقترحهم طمعا في إيمانهم وإراحة له ولأتباعه من ~~أذاهم، وكان ما رأوه من آية الإسراء أمرا باهرا ثم لم يؤمنوا، بل ارتد بعض ~~من كان آمن منهم، كان المقام في قوة اقتضائه أن يقال بعد ذكر آية العذاب: ~~ما لهم لا يعجل عذابهم أو يجابون إلى مقترحاتهم ليقضى الأمر؟ فيقال في ~~الجواب: ما منعنا من تعجيل عذابهم إلا أنا ضربنا لهم أجلا لا بد من بلوغه ~~{وما منعنا} أي على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ولا يمنعها مانع ~~{أن نرسل} أي إرسالا يظهر عظمتنا على وجه العموم {بالآيات} أي التي ~~اقترحتها قريش، فكان كأنه لا آيات عندهم سواها {إلا} علمنا في عالم الشهادة ~~بما وقع من {أن كذب بها} أي المقترحات {الأولون} وعلمنا في عالم الغيب أن ~~هؤلاء مثل الأولين في أن الشقي منهم لا يؤمن بالمقترحات كما لم يؤمن ~~بغيرها، وأنه يقول فيها ما قال في غيرها من أنها سحر ونحو هذا، والسعيد لا ~~يحتاج في إيمانه إليها، فكم أجبنا أمة إلى مقترحها فما زاد ذلك أهل الضلالة ~~منهم إلا كفرا، فأخذناهم ms2694 لأن سنتنا جرت أنا لا نمهل بعد الإجابة إلى ~~المقترحات من كذب بها، ونحن قد قضينا برحمة هذه الأمة وتشريفها على الأمم ~~السالفة بعدم استئصالها، لما يخرج من أصلاب # PageV11P455 # كفرتها من خلص عبادنا، والمنع هنا مبالغة مراد بها نفي إجابتهم إلى ~~مقترحاتهم، ولا يجوز أخذه على ظاهره، لأنه وجود ما يتعذر معه وقوع الفعل من ~~القادر عليه، ثم عطف على ما دل عليه المقام وهو: فكم أجبنا - إلى آخر ما ~~ذكرته، قوله تعالى: {وءاتينا} أي بما لنا من العزة الباهرة {ثمود الناقة} ~~حال كونها {مبصرة} أي مضيئة، جديرة بأن يستبصر بها كل من شاهدها {فظلموا ~~بها} أي فوقعوا في الظلم الذي هو كالظلام بسببها، بأن لم يؤمنوا ولم يخافوا ~~عاقبتها، وخص آية ثمود بالذكر تحذيرا بسبب أنهم عرب اقترحوا ما كان سببا ~~لاستئصالهم، ولأن لهم من علمها وعلم مساكنهم بقربها إليهم وكونها في بلادهم ~~ما ليس لهم من علم غيرها، وخص الناقة لأنها حيوان أخرجه من حجر، والمقام ~~لإثبات القدرة على الإعادة ولو كانوا حجارة أو حديدا، ودل على سفههم في كلا ~~الأمرين على طريق النشر المشوش بذكر داود عليه السلام إشارة إلى الحديد، ~~والناقة إشارة إلى الحجارة، فلله هذه الإشارة ما أدقها! وهذه العبارة ما ~~أجلها وأحقها! {وما نرسل} أي بما لنا من الجلالة التي هي بحيث تذوب لها ~~الجبال {بالآيات} أي المقترحات وغيرها {إلا تخويفا *} أي للمرسل إليهم بها، ~~فإن خافوا نجوا وإلا هلكوا فإذا كشف الأمر لكم في عالم الشهادة عن أنهم # PageV11P456 # لا يخافونها وفق ما كان عندنا في عالم الغيب، علم أنه لا فائدة لكم فيها. # ولما كان التقدير للتعريف بمطابقة الخبر الخبر: اذكر أنا قلنا لك {إن ~~الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ءاية} [يونس: 96] واذكر ~~ما وقع من ذلك ماضيا من آيات الأولين وحالا من قصة الإسراء، عطف عليه قوله ~~تعالى: {وإذ} أي واذكر إذ {قلنا} على ما لنا من العظمة المحيطة {لك إن ربك} ~~المتفضل بالإحسان إليك بالرفق بأمتك ms2695 {أحاط بالناس} علما وقدرة، تجد ذلك إذا ~~طبقت بعضه على بعض أمرا سويا حذو القذة لا تفاوت فيه، واعلم أنه مانعك منهم ~~وحائطك ومظهر دينك كما وعدك؛ ثم عطف على {وما نرسل} قوله تعالى: {وما ~~جعلنا} أي بما لنا من القوة الباهرة التي لها الغنى المطلق {الرءيا التي ~~أريناك} أي بتلك العظمة التي شاهدتها ليلة الإسراء {إلا فتنة} أي امتحانا ~~واختبارا {للناس} ليتبين بذلك في عالم الشهادة المتقي المحسن والجاهل ~~المسيء كما هو عندنا في عالم الغيب، فنقيم بها عليهم الحجة، لا ليؤمن أحد ~~من حقت عليهم الكلمة ولا لنزداد نحن علما # PageV11P457 # بسرائرهم، ولا شك في أن قصة الإسراء إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات ~~العلى كان يقظة لا مناما بالدليل القطعي المتواتر من تكذيب من كذب وارتداد ~~من ارتد، وهذا مذهب الجمهور وأهل السنة والجماعة، وقد ورد في صحته ما لا ~~يحصى من الأخبار - هذا النقل، وأما الإمكان العقلي فثابت غير محتاج إلى ~~بيان، فإن كل ذرة من ذرات الموجودات فيها من العجائب والغرائب والدقائق ~~والرقائق ما يتحير فيه العقول، لكن لما كان على وفق العادة ألفته الطباع، ~~فلم تنكره الأبصار ولا الأسماع، وأما مثل هذا فلما كان على خلاف العادة ~~استنكره ضعفاء العقول الذين لا يتجاوز فهمهم المحسوسات، على ما ألفوا من ~~العادات، وأما أولو الألباب الذين سلموا من نزعات الشيطان ووساوس العادة، ~~ونظروا بأعين البصائر إلى آثار رحمة الله في صنع المصنوعات وإحداث المحدثات ~~في الملك والملكوت، والشهادة والغيب، والخلق والأمر، فاعترفوا به، وأنه من ~~عظيم الآيات، وبدائع الدلائل النيرات، وأدل دليل على ذلك قوله تعالى {فتنة} ~~لأنه لو كان رؤيا منام لم يكن بحيث يستبعده أحد فلم يكن فتنة، ولعله إنما ~~سماه رؤيا - وهي للمنام - على وجه # PageV11P458 # التشبيه والاستعارة، لما فيه من الخوارق التي هي بالمنام أليق في مجاري ~~العادات، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما {وما جعلنا ~~الرءيا التي أريناك} الآية، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله ~~عليه ms2696 وعلى آله وسلم ليلة أسري به. # ولما كان كل ما خفي سببه وخرج عن العادة فتنة يعلم به في طبعه الحق ومن ~~في طبعه الباطل، ومن هو سليم الفطرة ومن هو معكوسها، وكان قد أخبر أن شجرة ~~الزقوم تنبت في أصل الجحيم، وكان ذلك في غاية الغرابة، ضمه إلى الإسراء في ~~ذلك فقال تعالى: {والشجرة} عطفا على الرؤيا {الملعونة في القرءان} بكونها ~~ضارة، والعرب تسمي كل ضار ملعونا، وبكونها في دار اللعنة، وكل من له عقل ~~يريد بعدها عنه، وهي كما رواه البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما شجرة الزقوم جعلناها أيضا فتنة للناس نقيم بها عليهم الحجة في الكفر ~~والإيمان، فنثبتهم أي من أردنا إيمانه منهم بالأول وهو الإسراء {ونخوفهم} ~~بالثاني وأمثاله {فما يزيدهم} أي الكافرين منهم التخويف حال التخويف، فما ~~بعده من أزمنة الاستقبال أجدر بالزيادة # PageV11P459 # {إلا طغيانا} أي تجاوزا للحد هو في غاية العظم {كبيرا *} فيقولون في ~~الأول ما تقدم في أول السورة، وفي الثاني: إن محمدا يقول: إن وقود النار ~~الناس والحجارة، ثم يقول: إن فيها شجرا، قد علمتم أن النار تحرق الشجر، ولم ~~يقولوا ما هم أعلم الناس به من أن الذي جعل لهم من الشجر الأخضر نارا قادر ~~على أن يجعل في النار شجرا، ومن أنسب الأشياء استحضارا هنا ما ذكره العلامة ~~شيخ مشايخنا زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغي بمعجم العين المدني في ~~تأريخ المدينة الشريفة في أوائل الباب الرابع في ذكر الأودية فإنه قال: ~~وادي الشظاة - أي بمعجمتين مفتوحتين - يأتي من شرقي المدينة من أماكن بعيدة ~~عنها إلى أن يصل السد الذي أحدثته نار الحرة التي ظهرت في جمادى الآخرة سنة ~~أربع وخمسين وستمائة - يعني: وهي المشار إليها بقول النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار بالحجاز تضيء لها أعناق الإبل ~~ببصرى» قال: وكان ظهورها من واد يقال به أحيليين في الحرة الشرقية، وصارت ~~من مخرجها إلى جهة الشمال مدة ثلاثة أشهر ms2697 # PageV11P460 # تدب دبيب النمل، تأكل ما مرت عليه من جبل وحجر ولا تأكل الشجر، فلا تمر ~~على شيء من ذلك إلا صار سدا لا مسلك لإنسان فيه ولا دابة إلى منتهى الحرة ~~من جهة الشمال - فذكر القصة وهي غريبة، وأسند فيها عن المطري فيما يتعلق ~~بعدم أذاها للخشب. # PageV11P461 # ولما تقدم أنهم استبعدوا الإعادة من أجل صيرورتهم بعد الموت رفاتا، وأخبر ~~تعالى بقدرته على ذلك ولو صاروا إلى ما هو أعسر عندهم في الإعادة من الرفات ~~بأن يكونوا حجارة أو حديدا، وأشار إلى قدرته على التصرف بخرق العادة في ~~الحديد بإلانته لعبد من عبيده، ثم في الحجارة على سبيل الترقي في النشر ~~المشوش بما هو أعجب من ذلك، وهو إفاضة الحياة عليها لعبد آخر من عبيده، ~~أشار إلى تصرفه في التراب الذي هو نهاية الرفات الذي حملهم على الاستبعاد ~~بما هو أعجب من كل ما تقدمه، وذلك بإفاضة الحياة الكاملة بالنطق عليه # PageV11P461 # من غير أن تسبق له حالة حياة أصلا، وذلك بخلق آدم عليه السلام الذي هو ~~أصلهم، مع ما في ذلك من حفظ السياق في التسلية بأن الآيات لا تنفع المحكوم ~~بشقاوته وبأن آدم عليه السلام قد سلط عليه الحاسد واشتد أذاه له مع أنه صفي ~~الله وأول أنبيائه، مع البيان لأن أغلب أسباب الطغيان الحسد الذي حمل إبليس ~~على ما فعل فقال تعالى: {إذ} أي واذكر أيضا ما وقع من الطغيان مع رؤية ~~الآيات في أول هذا الكون من إبليس الذي هو من أعلم الخلق بآيات الله ~~وعظمته، ثم ممن اتبعه من ذرية آدم عليه السلام بعد تحقق عداوته في مخالفة ~~ربهم المحسن إليهم مع ادعاء ولايته إذ {قلنا} أي بما لنا من العظمة التي لا ~~يعصي مرادها شيء {للملائكة} حين خلقنا أباكم آدم وفضلناه: {اسجدوا لآدم} ~~امتثالا لأمري {فسجدوا إلا إبليس} أبى أن يسجد لكونه ممن حقت عليه الكلمة ~~ولم ينفعه ما يعلمه من قدرة الله وعظمته، وذلك معنى قوله: {قال} أي لنا ~~منكرا متكبرا: {ءأسجد} أي خضوعا {لمن ms2698 خلقت} حال كون أصله # PageV11P462 # {طينا *} فكفر بنسبته لنا إلى الجور وعدم الحكمة، متخيلا أنه أكرم من آدم ~~عليه السلام من حيث إن الفروع ترجع إلى الأصول، وأن النار التي هي أصله ~~أكرم من الطين، وذهب عليه إن الطين أنفع من النار فهو أكرم، وعلى تقدير ~~التنزل فإن الجواهر كلها من جنس واحد، والله تعالى الذي أوجدها من العدم ~~يفضل بعضها على بعض بما يحدث فيها من الأعراض، كما تقدمت الإشارة إليه في ~~{ولقد فضلنا بعض النبين على بعض} [الإسراء: 55] . # ولما أخبر تعالى بتكبره، كان كأنه قيل: إن هذه لوقاحة عظيمة واجتراء على ~~الجناب الأعلى، فهل كان غير هذا؟ فقيل: نعم! {قال أرءيتك} أي أخبرني {هذا ~~الذي كرمت علي} بم كرمته علي مع ضعفه وقوتي؟ فكأنه قيل: لقد أتى بالغاية في ~~إساءة الأدب، فما كان بعد هذا؟ فقيل: قال مقسما لأجل استبعاد أن يجترىء أحد ~~هذه الجراءة على الملك الأعلى: {لئن أخرتن} أي أيها الملك الأعلى تأخيرا ~~ممتدا {إلى يوم القيامة} حيا متمكنا {لأحتنكن} أي بالإغواء {ذريته} أي ~~لأستولين عليهم بشدة احتيالي كما يستولي الآكل على ما أخذه في # PageV11P463 # حنكه، بتسليطك لي عليهم {إلا قليلا *} وهم أولياؤك الذين حفظتهم مني، ~~فكأنه قيل: لقد أطال في الاجتراء فما قال له ربه بعد الثالثة؟ فقيل: {قال} ~~مهددا له: {اذهب} أي امض لثباتك الذي ذكرته بإرادتي لا بأمري، فإنك لن تعدو ~~أمرنا فيك وقد حكمنا بشقاوتك وشقاوة من أردنا طاعته لك، ولذلك سبب عنه قوله ~~تعالى: {فمن تبعك} أي أدنى اتباع {منهم} أي أولاد آدم عليه السلام، ويجوز ~~أن يراد بتجريد الفعل أن من تبعه بغير معالجة من فطرته الأولى لا يكون إلا ~~عريقا في الشر. # ولما كان التقدير: أذقته من خزيك، عبر عنه بقوله تعالى: {فإن جهنم} أي ~~الطبقة النارية التي تتجهم داخلها {جزاؤكم} أي جزاءك وجزاءهم، تجزون ذلك ~~{جزاء موفورا *} مكملا وافيا بما تستحقون على أعمالكم الخبيثة. # ومادة «وفر» بجميع تراكيبها - وهي خمسة عشر، في الواوي ستة: وفر، ورف، ~~فور، فرو، رفو، ms2699 روف، وفي اليائي ثلاثة: فري، رفي، ريف، وفي المهموز ستة: ~~رفأ، رأف، فرأ، فأر، أفر، أرف - تدور على السعة، والمجاوزة للحد، والعلو ~~على المقدار، والفضل عن الكفاية؛ فالوفر: المكان الكبير، وسقاء وفر: لم ~~ينقص من أديمه شيء، وإداوة وفراء، والوفرة: ما بلغ الأذنين من الشعر، ~~والوافر: # PageV11P464 # ضرب من العروض وزنه مفاعلتن ست مرات، والوفر: الغنى، ومن المال: الكثير ~~الواسع، والعام من كل شيء، ووفره توفيرا: أكثره، ووفر له عرضه: لم يشتمه، ~~ووفر عطاءه: رده عليه وهو راض، ووفره توفيرا: أكمله وجعله وافرا - لأن ~~الكمال لا يكاد يتحقق إلا مع زيادة، والثوب: قطعه وافرا، والوافرة: ألية ~~الكبش إذا عظمت، والدنيا، والحياة، وكل شحمة مستطيلة، وهم متوافرون: فيهم ~~كثرة، واستوفر عليه حقه: استوفاه. # وورف النبت يرف إذا رأيت له بهجة من ريه، ولا يكون ذلك إلا من نضارته ~~واتساعه وكونه ملء العين، وورف الظل يرف ورفا ووريفا ووروفا: اتسع وطال ~~وامتد كأورف وورف والورف: ما رق من نواحي الكبد - لزيادته واسترخائه، ~~والرفة - كعدة: الناضر من النبت، وورفته توريفا: مصصته، والأرض: قسمتها - ~~كأنه من الإزالة. # وفارت القدر - إذا غلت حتة يعلو ما فيها فتفيض، وكل حار يفور فورا، وفار ~~العرق - إذا انتفخ، زاد في القاموس: وضرب، # PageV11P465 # والمسك، انتشر، وفارة الإبل: فوح جلودها إذا نديت بعد الورد، والفائر: ~~المنتشر العصب من الدواب وغيرها، وأتوا من فورهم: من وجههم أو قبل أن ~~يسكنوا - لأن حركتهم توسع وانتشار فسميت فورا والفار: عضل الإنسان - لأنه ~~أثخن مما دونه، والفور - بالضم: الظباء، جمع فائر - لأنه من أسرع الحيوان ~~نفارا، وأشدها وثبا، وأوسعها عدوا، وقال القزاز: والفارة والفورة: ريح تكون ~~في رسغ الفرس تنفش إذا مسحت وتجتمع إذا تركت، وقال في فأر: فإذا مشى انفشت، ~~وأعاده في القاموس في المهموز فقال: والفأرة له - أي للذكر من الحيوان ~~المعروف - وللأنثى، وريح في رسغ الدابة تنفش إذا محست وتجتمع إذا تركت ~~كالفورة بالضم، والفور: ولد الحمار - لخفته وسرعة حركته ووثبه، وفوارتا ~~الكرش: غدتان في جوف لحمتين، وقيل: الفوارة: اللحمة - التي في ms2700 داخلها ~~الغدة، وقيل: تكونان لكل ذي لحم، وذلك لوجوب الزيادة سواء قلنا: إنها لحمة ~~أو غدة، # PageV11P466 # وقال القزاز: وقالوا: ماء الرجل إنما يقع في الكلية ثم في الفوارة ثم في ~~الخصية، فعلى هذا سمي لأنه يقذف ما فيه إلى الخصية، والفياران - بالكسر: ~~حديدتان تكتنفان لسان الميزان لاتساعهما عن اللسان، والفيرة - بالكسر ~~بالهمز وبغيره: تمر يغلى ويمرس ويطبخ بحلبة تشربها النفساء قاله القزاز، ~~وفي مختصر العين: حلبة تطبخ؛ فإذا فارت فوارتها ألقيت في معصرة ثم صفيت ~~وتحسيها النفساء، وأعاده في القاموس في المهموز وقال: والفئرة - بالكسر - ~~والفؤارة كثمامة والفئيرة والفئرة كعنبة ويترك همزها: حلبة تطبخ للنفساء - ~~سميت إما لغليانها وإما للاتساع بجمع التمر والحلبة. # والفرو والفروة: لبس معروف - لخروج صوفها وزيادة الرفق به، كأنها أصل ~~المادة كلها، وفروة الرأس: جلدته بشعرها، والفروة: الأرض البيضاء ليس لها ~~نبات - لأنه أوسع لها من حيث هي، والفروة: # PageV11P467 # الغنى والثروة وقطعة نبات مجتمعة يابسة، وجبة شمر كماها - لأنه لولا ~~زيادتهما ما شمرا، ونصف كساء يتخذ من أوبار الإبل - كأنه شبه بالفروة لطول ~~وبره، وخريطة يجعل السائل فيها صدقته، والتاج - لاتساعه وعلوه وكماله ولغنى ~~صاحبه، وخمار المرأة - لزيادته على كفايتها ولسبوغه وفضله عن رأسها. # ورفا الثوب يرفوه: أصلحه ولأم خرقه: وقال في القاموس: في المهموز: وضم ~~بعضه إلى بعض، قال القزاز: والهمز أكثر؛ والرفاء - ككساء: الالتحام ~~والاجتماع والاتفاق، ومنه ما يدعى به للمتزوج: بالرفاء والبنين، وأعادوه في ~~المهموز. وقال في القاموس: أي بالالتئام وجمع الشمل، قال القزاز: ومعنى ~~رفا: تزوج، والأرفى: العظيم الأذنين في استرخاء، قال القزاز: والأذن ~~الرفواء هي التي تقبل على الأخرى حتى تكاد تماس أطرافهما؛ ورفوت الرجل: إذا ~~سكنته من رعب، وأعاده في القاموس في المهموز - لأن ذلك # PageV11P468 # أوسع لفكره لأنه أقر لعينه. # والروف: السكون - وهو أوسع من الاضطراب لأنه لا يكون إلا عن قرار العين، ~~قال في القاموس: وليس من الرأفة، والروفة: الرحمة، وراف يراف لغة في رأف ~~يرأف - وستأتي بقيتها قريبا إن شاء الله تعالى. # PageV11P469 # ولما بدأ سبحانه بالوعيد لطفا بالمكلفين، ms2701 عطف على «اذهب» قوله ممثلا حاله ~~في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع بقوم فصوت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم، ~~ويقلعهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم: ~~{واستفزز} أي استخف، والفز أصله القطع، أي استزله بقطعه عن الصواب - قاله ~~الرماني {من استطعت منهم} وهم الذين سلطناك عليهم {بصوتك} أي دعائك بالغنى ~~والمزامير وكل ما تزينه بالوساس {وأجلب} أي اجمع أو سق بغاية ما يمكنك من ~~الصياح {عليهم بخيلك} أي ركبان جندك {ورجلك} أي ومشاتهم؛ والمعنى: افعل ~~جميع ما تقدر عليه، ولا تدع شيئا من قوتك، فإنك لا تقدر على شيء لم أقدره ~~لك. # ولما كان الشيطان طالبا شركة الناس في جميع أمورهم بوساوسه الحاملة # PageV11P469 # لهم على إفسادها، فإن أطاعوه كانوا طالبين لأن يشركوه وإن كانوا لا شعور ~~لهم بذلك، عبر بصيغة المفاعلة فقال تعالى: {وشاركهم} أي بوثوبك على ~~مخالطتهم عند ما يشاركونك بفعل ما يوافق هواك {في الأموال} أي التي يسعون ~~في تحصيلها {والأولاد} أي التي ينسلونها، إن اقتنوها بوجه محرم أو لم ~~يذكروا اسمي عليها، وكذا قرابينهم لغير الله وإنفاقهم في المحرمات وتعليمهم ~~أولادهم المعاصي والكفر مشاركة فيها {وعدهم} من المواعيد الباطلة ما ~~يستخفهم ويغرهم من شفاعة الآلهة والكرامة على الله تعالى وتسويف التوبة - ~~ونحو ذلك؛ ثم التفت إلى الصالحين من عباده فأخبرهم تثبيتا لهم وتنبيها ~~لغيرهم على أنه ليس بيده شيء، فقال تعالى مظهرا لضميره بما يدل على تحقيره، ~~تقبيحا لأمره وتنفيرا منه: {وما يعدهم الشيطان} أي المحترق المطرود ~~باللعنة، من عدم البعث وطول الأجل وشفاعة الآلهة ونحو ذلك {إلا غرورا *} ~~والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب، ثم رجع إلى مواجهته بما يحقر ~~أمره، فإن المواجهة بالتحقير أنكأ، مصرحا بنتيجة ذلك، وهي أنه غير قادر إلا ~~بإذنه سبحانه، وممنوع عنه ما لم يقدره له، دفعا لما قد يوهمه ما مضى # PageV11P470 # من أنه يؤثر شيئا استقلالا فقال تعالى: {إن} أي اجهد جهدك، لأن أهل ~~الشهوات سلطتك عليهم زيادة في شقائك بما أردته منهم قبل ms2702 خلقك وخلقهم، لا ~~تقدر أن تتعدى شيئا منه إلى خالصتي ومن ارتضيته لعبادتي، إن {عبادي} الذين ~~أهلتهم للإضافة إلي فقاموا بحق عبوديتي بالتقوى والإحسان {ليس لك} أي بوجه ~~من الوجوه {عليهم سلطان} أي فلا تقدر أن تغويهم وتحملهم على ذنب لا يغفر، ~~فإني وفقتهم للتوكل علي فكفيتهم أمرك {وكفى بربك} أي الموجد لك المدبر ~~لأمرك {وكيلا *} يحفظ ما هو وكيل فيه من كل ما يمكن أن يفسده. # PageV11P471 # ولما ذكر أنه الوكيل الذي لا كافي غيره في حفظه، لاختصاصه بشمول علمه ~~وتمام قدرته، أتبعه بعض أفعاله الدالة على ذلك فقال تعالى، عودا إلى دلائل ~~التوحيد الذي هو المقصود الأعظم بأحوال البحر الذي يخلصون فيه، في أسلوب ~~الخطاب استعطافا لهم إلى المتاب: {ربكم} أي المحسن إليكم، هو {الذي يزجي} ~~أي يسوق ويدفع وينفذ {لكم} أي لمنفعتكم {الفلك} التي حملكم فيها مع أبيكم ~~نوح عليه السلام {في البحر لتبتغوا} أي تطلبوا طلبا عظيما بذلك أنواع ~~المنافع التي يتعذر أو يتعسر الوصول إليها في البر {من فضله} ثم علل فعله # PageV11P471 # ذلك بقوله تعالى: {إنه} أي فعل ذلك لكم لأنه {كان} أي أزلا وأبدا {بكم} ~~أي أيها المؤمنون خاصة {رحيما *} أي مكرما بالتوفيق إلى فعل ما يرضيه في ~~المتجر وغيره، لا لشيء غير ذلك، أو يكون ذلك خطابا لجميع النوع فيكون ~~المعنى: خصكم به من بين الحيوانات. # ولما كان المراد المؤمنين خاصة وإن كان خطابا للمجموع، خص المشركين كذلك ~~فقال: {وإذا} أي فإذا نعمكم بأنواع الخير كنتم على إشراككم به سبحانه، وإذا ~~{مسكم} ولم يقل: أمسكم - بالإسناد إلى نفسه، تأديبا لنا في مخاطبته بنسبة ~~الخير دون الشر إليه، مع اعتقاده أن الكل فعله، وتنبيها على أن الشر مما ~~ينبغي التبرؤ منه والبعد عنه {الضر في البحر} من هيج الماء واغتلامه لعصوف ~~الريح وطمو الأمواج {ضل} أي ذهب وبطل عن ذكركم وخواطركم {من تدعون} من ~~الموجودات كلها {إلا إياه} وحده، فأخلصتم له الدعاء علما منكم أنه لا ~~ينجيكم سواه {فلما نجاكم} من الغرق وأوصلكم بالتدريج {إلى ms2703 البر أعرضتم} عن ~~الإخلاص له ورجعتم إلى الإشراك {وكان الإنسان} أي هذا النوع {كفورا *} أي ~~بليغ التغطية لما حقه أن يشهر، فأظهر في موضع الإضمار تنبيها على أن هذا ~~الوصف لا يخصهم، بل يعم هذا النوع لطبعه على النقائص إلا من أخلصه الله له. # PageV11P472 # ولما كان التقدير: أعرضتم بعد إذ أنجاكم فكفرتم بذلك وكان الكفر وصفا لكم ~~لازما، فتسبب عن ذلك أنكم أمنتم، أي فعلتم بذلك فعل الآمن، أنكر عليهم هذا ~~الأمر لكونه من أجهل الجهل فقال تعالى: {أفأمنتم} أي أنجوتم من البحر ~~فأمنتم بعد خروجكم منه {أن نخسف} أي بما لنا من العظمة {بكم} ودل على شدة ~~إسراعهم بالكفر عند وصولهم إلى أول الساحل بقوله تعالى: {جانب البر} أي ~~فنغيبكم فيه في أي جانب كان منه، لأن قدرتنا على التغييب في التراب في جميع ~~الجوانب كقدرتنا على التغييب في الماء سواء، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من ~~الله في جميع الجوانب {أو} أمنتم إن غلظت أكبادكم عن تأمل مثل هذا أن {يرسل ~~عليكم} من جهة الفوق شيئا من أمرنا {حاصبا} أي يرمي بالحصباء، أي بالحصى ~~الصغار - قاله الرازي في اللوامع، وقال الرماني: حجارة يحصب بها، أي يرمي ~~بها، حصبه - إذا رماه رميا متتابعا - انتهى. # يرميكم # PageV11P473 # ذلك الحاصب في وجوهكم أو فوق رؤوسكم رميا يهلك مثله كما وقع لقوم لوط أنا ~~أرسلنا عليهم حاصبا، وقيل: الحاصب: الريح، ولم يقل: حاصبة لأنه وصف لزمها، ~~ولم يكن لها، مذكر تنتقل إليه في حال فكان بمنزلة حائض {ثم لا تجدوا} أيها ~~الناس {لكم} وأطلق ليعم فقال تعالى: {وكيلا *} ينجيكم من ذلك ولا من غيره ~~كما لم تجدوا في البحر وكيلا غيره {أم أمنتم} إن جاوزت بكم الغباوة حدها ~~فلم تجوزوا ذلك {أن يعيدكم فيه} أي البحر بما لنا من العظمة التي تضطركم ~~إلى ذلك فتقركم عليه وإن كرهتم {تارة أخرى} بأسباب تضطركم إلى ذلك {فنرسل ~~عليكم} أي بما لنا من صفة الجلال {قاصفا} وهو الكاسر بشدة {من الريح} كما ~~عهدتم أمثاله يا من ms2704 وقفت أفكارهم مع المحسوسات فرضوا بذلك أن يكونوا ~~كالبهائم لا يفهمون إلا الجزئيات المشاهدات {فيغرقكم} أي في البحر الذي ~~أعدناكم فيه، لعظمتنا {بما كفرتم} كما يفعل # PageV11P474 # أحدكم إذا ظفر بمن كفر إحسانه {ثم لا تجدوا لكم} وإن أمعنتم في الطلب، ~~وطالت أزمانكم في إتقان السبب. ولما كان إطلاق النفي في ختام الآية الماضية ~~- وإن كان لإرادة التعميم - يحتمل أن يدعي تقييده بما يخالف المراد، وكان ~~المقصود هنا التخويف بسطوته سبحانه تارة بالخسف وتارة بغيره، قيد بما عين ~~المراد، وقدم قوله تعالى: {علينا} دلالة على باهر العظمة {به} أي بما فعلنا ~~بكم {تبيعا *} أي مطالبا يطالبنا به. # PageV11P475 # ولما قرر سبحانه بهذه الجمل ما يسر لهم من البر، وسهل من شدائد البحر في ~~معرض التهديد، أتبعه أنه فعل ذلك تكريما لهم على سائر مخلوقاته، كما هو ~~شأنه في القدرة على ما يريد في المفاوتة بين الأمور التي كانت متساوية عند ~~أول خلقه لها، ليستدلوا بذلك على سهولة الإعادة، مشيرا إلى أنه ركب جوهر ~~الإنسان من نفس هي أشرف النفوس بما فضلها على قوى النفس النباتية من ~~الاغتذاء والنمو والتوليد بالحس ظاهرا وباطنا وبالحركة بالاختيار، وخصه على ~~سائر الحيوان بالقوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي، ويتجلى بها ~~نور معرفة الله، ويشرق فيها ضوء كبريائه وتطلع على عالمي الخلق والأمر، ~~وتحيط بأقسام المخلوقات من الأرواح # PageV11P475 # والأجسام كما هي، فكانت بذلك النفس الإنسانية أشرف نفوس هذا العالم، ~~وبدنه كذلك باختصاصه باعتدال القامة وامتدادها والتناول باليد وغير ذلك، ~~فقال تعالى عاطفا على ما يرشد إليه السياق من مثل أن يقال: فلقد كرمناكم ~~بذلك من إزجاء الفلك وإنجائكم في وقت الشدائد، أو على: ولقد فضلنا: {ولقد ~~كرمنا} أي بعظمتنا تكريما عظيما {بني ءادم} أي على سائر الطين بالنمو، وعلى ~~سائر النامي بالحياة، وعلى سائر الحيوان بالنطق، فكان حذف متعلق التكريم ~~دالا على عمومه لجميع الخلق، وذلك كله تقديرا للقدرة على البعث {وحملناهم ~~في البر} على الدواب وغيرها {والبحر} على السفن وغيرها {ورزقناهم} أي رزقا ~~يناسب عظمتنا ms2705 {من الطيبات} أي المستلذات من الثمرات والأقوات التي يأكل ~~غيرهم من الحيوان قشها {وفضلناهم} في أنفسهم بإحسان الشكل، وفي صفاتهم ~~بالعلم المنتج لسعادة الدارين، وفي رزقنا لهم بما تقدم. # ولما حذف متعلق التكريم دلالة على التعميم، وكان أغلب أفراده ضالا، قال ~~لذلك: {على كثير ممن خلقنا} أي بعظمتنا التي خلقناهم بها وأكد الفعل ~~بالمصدر إشارة إلى إعراقهم في الفضيلة فقال تعالى: {تفضيلا *} هذا ما ~~للمجموع، وأما الخلص فهم أفضل الخلائق لما علمنا من معالجتهم بالإخلاص ~~وجهادهم لأهويتهم، لما طبعت عليه نفوسهم من النقائص، # PageV11P476 # ولما لها من الدسائس حتى امتطوا بعد رتبة الإيمان درجتي التقوى والإحسان، ~~وتقديم الأمر للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام توطئة لهذه الآية أدل دليل ~~على هذا. # ولما قرر سبحانه قدرته على التفضيل في الحياة الحسية والمعنوية، ~~والمفاضلة بين الأشياء في الشيئين فثبت بذلك قدرته على البعث، وختم ذلك ~~بتفضيل البشر، وكان يوم الدين أعظم يوم يظهر في التفضيل، أبدل من قوله {يوم ~~يدعوكم} مرهبا من سطواته في ذلك اليوم، ومرغبا في اقتناء الفضائل في هذا ~~اليوم قوله تعالى: {يوم ندعوا} أي بتلك العظمة {كل أناس} أي منكم {بإمامهم} ~~أي بمتبوعهم الذي كانوا يتبعونه، فيقال: يا أتباع نوح! يا أتباع إبراهيم! ~~يا أتباع عيسى! يا أتباع محمد! فيقومون فيميز بين محقيهم ومبطليهم، ويقال: ~~يا أتباع الهوى! يا أتباع النار! يا أتباع الشمس! يا أتباع الأصنام! ونحو ~~هذا، أو يكون المراد بسبب أعمالهم التي ربطناهم بها ربط المأموم بإمامه كما ~~قال تعالى {وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه} وسماها إماما لكونهم أموها ~~واجتهدوا في قصدها، وندفع إليهم الكتب التي أحصت # PageV11P477 # حفظتنا فيها تلك الأعمال {فمن أوتي} منهم من مؤت ما {كتبه بيمينه} فهم ~~البصراء القلوب لتقواهم وإحسانهم، وهم البصراء في الدنيا، ومن كان في هذه ~~الدنيا بصيرا فهو في الآخرة أبصر وأهدى سبيلا {فأولئك} أي العالو المراتب ~~{يقرءون كتابهم} أي يجددون قراءته ويكررونها سرورا بما فيه كما هو دأب كل ~~من سر بكتاب {ولا يظلمون} بنقص حسنة ما من ms2706 ظالم ما {فتيلا *} أي شيئا هو في ~~غاية القلة والحقاره، بل يزادون بحسب إخلاص النيات وطهارة الأخلاق وزكاء ~~الأعمال، ومن أوتي كتابه بشماله فهو لا يقرأ كتابه لأنه أعمى في هذه الدار ~~{ومن كان} منهم {في هذه} الدار {أعمى} أي ضالا يفعل في الأعمال فعل الأعمى ~~في أخذ الأعيان، لا يهتدي إلى أخذ ما ينفعه وترك ما يضره، ولا يميز بين حسن ~~وقبح {فهو في الآخرة} لأن كل أحد يقوم على ما مات عليه {أعمى} أي أشد عمى ~~مما كان عليه في هذه الدار، لا ينجح له قصد، ولا يهتدي لصواب، ولا يقدر على ~~قراءة كتاب، لما فيه من موجبات العذاب، ولم يقل: أشد عمى، كما يقولونه في ~~الخلق اللازمة لحالة واحدة من العور والحمرة والسواد ونحوها، لأن هذا مراد ~~به عمى القلب الذي من شأنه التزايد والحدوث في كل لحظة شيئا بعد شيء، فخالف # PageV11P478 # ما لا يزيد؛ ولم يمله أبو عمرو مع إمالة الأول ليدل على أن معناه: أفعل ~~من كذا، فهو وسط، والإمالة إنما يحسن في الأواخر، ولأن هذا معناه، عطف عليه ~~قوله تعالى: {وأضل سبيلا *} لأن هذه الدار دار الاكتساب والترقي بالأسباب، ~~وأما تلك فليس فيها شيء من ذلك؛ فالآية من الاحتباك: أثبت الإيتاء باليمين ~~والقراءة أولا دليلا على حذف ضدهما ثانيا، وأثبت العمى ثانيا دليلا على حذف ~~ضده أولا. # PageV11P479 # ولما قرر أن من ترك سبيل الرشد كان كالأعمى، ومن تبعها كان كالبصير، ~~أتبعه دليله فقال محذرا للبصراء عن الاغترار بوساوس الأشقياء: {وإن} أي ~~وأكثر هؤلاء أعمى، قد افتتن في نفسه بهواه مع بياننا لطريق الرشد بما ~~أوحينا إليك من هذه الحكمة حتى صارت أوضح من الشمس وإن الأعداء {كادوا} أي ~~قاربوا في هذه الحياة الدنيا لعماهم في أنفسهم عن عصمة الله لك بسبب عماهم ~~عما جبلت عليه من الفطنة، وجودة الفطرة، وذكاء القريحة، وثقوب الفهم، وبعد ~~المرمى في الوقوف على خداع المخادعين، ومكر الماكرين، # PageV11P479 # لتجلي الدقائق في مرآة قلبك الصقيلة وصافي فكرتك الشفافة. ولما كانت «إن» ms2707 ~~مخففة من الثقيلة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية فقال تعالى: ~~{ليفتنونك} أي ليخالطونك مخالطة تمليك إلى جهة قصدهم بكثرة خداعهم بإطماعهم ~~لك في الموافقة لما يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا {عن الذي أوحينا} أي بما ~~لنا من العظمة {إليك} من الحكمة {لتفتري} أي تقطع متعمدا {علينا} على ~~عظمتنا {غيره} من طرد من أوحينا إليك الأمر بمصابرتهم، إطماعا منهم في ~~إسلام من هو بحيث يرجى إسلامه إسلام الجم الغفير منهم لشرفه ونحو ذلك مما ~~عناه الله سبحانه وهو أعلم بمراده؛ قال الرماني: وأصل الفتنة ما يطلب به ~~خلاص الشيء مما لابسه {وإذا} أي لو ملت إليهم {لاتخذوك} أي بغاية الرغبة ~~{خليلا *} ومن كان خليل الكفار لم يكن خليل الله، ولكنك أبصرت رشدك فلزمت ~~أمر الله، واستمروا على عماهم إتماما لتفضيلنا لك على كل مخلوق، وقد تقدم ~~قريبا ما تدور عليه مادة «فرا» وأنه السعة، وقد بقي من تقاليبها اليائي ~~والمهموز، فمعنى فريت الأديم: شققته فاسدا أو صالحا - لأنه يتسع بذلك، # PageV11P480 # وقال القزاز: الفري مصدر فريت الأديم - إذا شققته للإصلاح، وأفريته - إذا ~~شققته للإفساد - كأن همزته للإزالة، وحكى أبو عبيدة: فريت الشيء وأفريته: ~~قطعته، وفرى الكذب وافتراه: اختلقه - لأنه اتساع في القول وزيادة على ما ~~يكفي من الصدق وتجاوز للحد، وفرى المزادة: خلقها وصنعها، وقال القزاز: ~~خرزها - لأنها تسع ما لا تسعه قبل الخرز، قال: وأصل الفري الشق - يعني: ~~والخرز واقع في الشق، فالعلاقة المحل، وفرى الأرض: سارها وقطعها - تشبيها ~~لها بالأديم، وفرى - كرضي: تحير ودهش - من التسمية باسم السبب، لأن سبب ~~الدهش كثرة وعظم في المحسوس، وأفراه، أصلحه أو أمر بإصلاحه - لأن الإصلاح ~~سعة بالنسبة إلى الإفساد، وأفرى فلانا: لامه - لأنه يلزم منه الزيادة في ~~الكلام لما يحاج به الملوم، والفرية: الجلبة - لأنها زيادة عن الكلام ~~المعتاد، وبالكسر: الكذب، وكغنى: الأمر المختلق المصنوع أو العظيم، ~~والواسعة من الدلاء كالفرية، والحليب ساعة تحلب - لارتفاع الرغوة، وتفرى ~~الشيء: انشق، والعين: انبجست، وهو يفري الفرى كغنى: # PageV11P481 # يأتي بالعجب في عمله. # وقال القزاز: وتركت ms2708 فلانا يفري ويقد، أي حاد في الأمر، وفلانا يفري منذ ~~اليوم - إذا جاء بالعجب، لأنه لا يعجب إلا ما زاد على الكفاية. # والرفة: التبن - لأنه ما فضل عن الحب، والرفة: دويبة تصيد تسمى عناق ~~الأرض - لأن حالها أوسع من حال ما لا يصيد، ذكر هذا صاحب مختصر العين في ~~المعتل بالياء فوزنه ثبة، وساقه صاحب القاموس في الهاء وقال فيما مدلوله ~~التبن: إنه كصرد، ثم ساقه في المعتل الواوي في ورف وقال: والرفة كثبة: ~~التبن، فاضطرب كلامه فوجب قبول مختصر العين، لكن ذكره الإمام أبو غالب بن ~~التباني - وهو من يخضع له - في كتابه الموعب في مقلوب رهف فقال ناسبا له ~~إلى كتاب العين ما نصه: والرفة: التبن، قال غيره: ويقال في مثل من الأمثال: ~~استغنت التفه عن الرفه، والتفه: عناق الأرض، وهي دويبة كالثعلب خبيثة، تصيد ~~كل شيء، وذلك أنها لا تأكل # PageV11P482 # إلا اللحم - أبو حنيفة مثله، كله انتهى بحروفه، وقال صاحب القاموس في ~~المعتل: والتفة ذكر في ت ف ف، وقال في الهاء: والتفه كثبه: عناق الأرض، ~~وقال في الفاء: والتفة - كقفة: دويبة كجرو الكلب أو كالفأرة، واستغنت التفة ~~عن الرفة؛ ويخففان، يضرب للئيم إذا شبع. فلعل هذا الاختلاف لغات - والله ~~أعلم. # قال في مختصر العين: والأرفي مثل كركي: اللبن المحض الطيب - لفيضه ~~كالغائر، جعله المختصر يائيا، والقاموس واويا، ثم أعاده في المهموز فقال: ~~والأرفي - كقمري: اللبن الخالص، وساق القزاز في اليائي: رافيت الرجل أرافيه ~~مرافاة - إذا وافقته - لأن ذلك أوسع في العشرة، والريف بالكسر - الخصب، ~~وقال في القاموس: أرض فيها زرع وخصب، والسعة في المأكل والمشرب، وما قارب ~~الماء من أرض العرب، أو حيث الخضر والمياه والزروع، وراف البدوي: أتى ~~الريف، والراف: الخمر - وهو لا يكون إلا عن سعة، وأرض ريفة ككيسة: خصبة، ~~وأرافت الأرض: أخصبت. # ومن المهموز: رفأ السفينة - كمنع وأرفأها: أدناها من الشط - # PageV11P483 # لاتساع من فيها بالبر، وبالنسبة إليها يكون للسلب، والموضع مرفأ، ويضم، ~~ورفأ بينهم: أصلح، وأرفأ، جنح، وامتشط ودنى وأدنى وحابى ودارأ كرافأ ms2709 وإليه ~~لجأ، وترافؤوا: توافقوا وتواطؤوا، واليرفيء كاليلمعي: راعي الغنم والظليم ~~النافر والظبي القفوز المولى والمنتزع القلب فزعا - كأنه شبه بالظليم في ~~اتساع حركته وعدم ثباته، وذلك شبيه أيضا بفوران القدر في مجاوزة الحد، ~~ورفأت العروس ترفئة وترفيئا - تقدم في الواوي، والرأف: الخمر والرجل ~~الرحيم، أو الرأفة: أشد الرحمة أو أرقها، ولا شك في دخول ذلك في السعة، ~~ورأف: موضع أو رملة - ولعلهما واسعان، والفرأ - كجبل وسحاب: حمار الوحش أو ~~الفتي منه - لشدة نفاره كالقدر في فورانها، وأمر فريء كفري، وكل الصيد في ~~جوف الفرا، أي كله دونه، وفرأ - محركة: جزيرة باليمن - لعله بها بكثرة، ~~والفأر معروف، والواحدة فأرة، والجمع فئران - سمي لقفزه في جرية، ولأنه وسع ~~من الحشرات تصرفا بالمشي في الجدر والسقوف ونحوها، والفأرة: شجرة ونافجة # PageV11P484 # المسك، قال في القاموس: أو الصواب إيراد فارة المسك في ف ور لفوران ~~رائحتها، أو يجوز همزها لأنها على هيئة الفأرة، وفأر كمنع: حفر وخبأ ودفن - ~~يمكن أن يكون من السعة ومن سلبها؛ ولبن فئر - ككتف: وقعت فيه الفأرة، وأرض ~~فئرة ومفأرة: كثيرة الفأر، وأفرت القدر بالفتح تأفر أفرا: اشتد غليانها، ~~والإنسان: وثب وعدا، والبعير: نشط وسمن بعد الجهد كأفر كفرح فيهما، وخف في ~~الخدمة، والذي يسعى بين يدي الإنسان ويخدمه مئفر، والأفرة - بضمتين وتشديد ~~الراء: الجماعة - وقيدها في مختصر العين بذات الجلبة - والبلية والاختلاط، ~~وكل ذلك واضح في الاتساع والزيادة على الكفاية، والأفرة أيضا شدة الشر - ~~لشدة فورانه كالقدر، وشدة الشتاء أو مطلق الشدة، ومن الصيف: أوله - لأنه ~~يتسع به، قال في القاموس: ويفتح أولها ويحرك في الكل؛ والأرفة - بالضم: ~~الحد بين الأرضين والعقدة - وكأن هذا سلب الاتساع، والأرفي كقمري: الماسح، ~~وأرف على الأرض تأريفا: جعلت لها حدود وقسمت، # PageV11P485 # وتأريف الحبل: عقده، وهو مؤارفي حده إلى حدي في السكنى والمكان - والله ~~الموفق. # ولما ذكره سبحانه بما كان في ذلك من رشده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~أتبعه ببيان أنه إنما كان بعصمة الله له ليزداد شكرا، فقال تعالى: {ولولا ~~أن ثبتناك} ms2710 أي بما لنا من العظمة على ما أمرنا لما تقدم من أنا مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون، وأنت رأس المتقين والمحسنين {لقد كدت} أي قاربت ~~{تركن إليهم} أي الأعداء {شيئا قليلا *} لمحبتك في هدايتهم وحرصك على ~~منفعتهم، وكنا عصمناك فلم تركن إليهم لا قليلا ولا كثيرا، ولا قاربت ذلك، ~~كما أفادته {لولا} لأنها تدخل على جملة اسمية فجملة فعلية لربط امتناع ~~الثانية بوجود الأولى، فامتناع قرب الركون مرتبط بوجود التثبيت، وذلك لأن ~~{لولا} لانتفاء الثاني لأجل انتفاء الأول، وهي هنا داخلة على لا النافية، ~~فتكون لانتفاء قرب الركون لأجل انتفاء التثبيت، وانتفاء النفي وجود، فإذن ~~التثبيت موجود، وقرب الركون منتف. ويجوز أن يكون المراد الدلالة على شدة ~~مكرهم وتناهي خداعهم إلى حالة لا يدرك وصفها، # PageV11P486 # فيكون الفعل مسندا إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمراد إسناده ~~إليهم ليكون المعنى: كادوا أن يجعلوك مقاربا للركون إليهم، كما تقول ~~لصاحبك: لقد كدت تقتل نفسك، أي فعلت ما قاربت به أن يقتلك غيرك لأجل فعلك، ~~وهذه الآية من الأدلة الواضحة على ما خص به النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم من الفضائل في شرف جوهره، وزكاء عنصره، ورجحان عقله، وطيب أصله، لأنها ~~دلت على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو وكل إلى نفسه وما خلق الله في ~~طبعه وجبلته من الغرائز الكاملة والأوصاف الفاضلة، ولم يتداركه بما منحه من ~~التثبيت زيادة على ذلك حال النبوة لم يركن إليهم، وهم أشد الناس أفكارا، ~~وأصفاهم أفهاما، وأعلمهم بالخداع، مع كثرة عددهم، وعظم صبرهم وجلدهم - ~~ركونا ما أصلا، وإنما كان قصاراهم أن يقارب الركون شيئا قليلا، فسبحان من ~~يخص من يشاء بما يشاء، وهو ذو الفضل العظيم {إذا} أي لو قاربت الركون ~~الموصوف إليهم {لأذقناك} أي بعظمتنا {ضعف} عذاب {الحياة وضعف} عذاب ~~{الممات} أي ذلك العذاب مضاعفا. # وهذه المادة تدور على الوهي، ويلزمه التقوية بالضعف - بكسر الضاد أي ~~المثل وما زاد، وكل شيء له مكاثر فهو ضعيف بدونه، # PageV11P487 # ويلزم الضعف الذي ms2711 هو المثل المضموم إلى مثله: القوة، فمن الوهي: الضعف ~~والضعف بالفتح والضم، وهو خلاف القوة، وقيل: الضعف بالفتح في العقل والرأي، ~~وبالضم في الجسد، والضعيف: الأعمى - حميرية، وأرض مضعفة للمفعول: أصابها ~~مطر ضعيف، وضعف الشيء بالكسر: مثله - لأن كل ما له مثل فهو ضعيف، وضعفاه ~~مثلاه. ويقال: لك ضعفه، أي مثلاه، وثلاثة أمثاله، لأن أصل الضعف زيادة غير ~~محصورة، وضاعفت الشيء، أي ضممت إلى الشيء شيئين فصار ثلاثة، وأضعاف الكتاب: ~~أثناء سطوره - لأنها أمثال للسطور من البياض وزيادة عليها ومن القوة التي ~~تلزم المثل: أضعاف البدن وهي أعضاؤه - لأن غالبها مثنى، أو هي عظامه - ~~لأنها أقوى ما فيه، ومن الضعف أيضا مقلوبة الذي هو ضفع - إذا أحدث وضرط، ~~وكذا مقلوبة فضع، والضفع نجو الفيل، والضفعانة: تمرة السعدانة ذات الشوك ~~مستديرة - كأنها فلكة، فالمعنى - والله أعلم: أذقناك وهي الحياة ووهي ~~الممات مضاعفا أضعافا كثيرة. # ولما كانت القوة بعد هذا في غاية البعد، عبر بأداة التراخي في قوله ~~تعالى: {ثم لا تجد لك} أي وإن كنت أعظم الخلق وأعلاهم همة # PageV11P488 # {علينا نصيرا *} والآية دالة على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظيم شأن ~~مرتكبه وارتفاع منزلته، وعلى أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج عن ~~ولايته، فعلى من تلاها أن يتدبرها وأن يستشعر الخشية وعظيم التصلب في ~~الدين. # ولما بين أنهم استمالوه بالرفق حتى كادوا - لولا العصمة - أن يميلوه، دل ~~على أنهم أخافوه بعد ذلك حتى كادوا أن يخرجوه من وطنه قبل الإذن الخاص ~~بالهجرة فقال تعالى: {وإن} أي وإنهم {كادوا} أي الأعداء {ليستنفرونك} أي ~~يستخفونك بكثرة الأذى الذي من شأنه ذلك فيما جرت به العوائد {من الأرض} أي ~~المكية التي هي الأرض كلها لأنها أمها {ليخرجوك منها} مع أن وجودك عندهم ~~رحمة لهم، فلا أعمى منهم! وأصل الفز القطع بشدة - قاله الرماني {وإذا} أي ~~وإذا أخرجوك {لا يلبثون خلافك} أي بعد إخراجك لو أخرجوك {إلا قليلا *} ~~وسيعلمون إذا أذنا لك في النزوح كيف نصب عليهم العذاب بعد خروجك بقليل، ~~برمحك الطويل، وسيفك ms2712 الصقيل، وسيوف أتباعك المؤمنين، لثبوت هذا الدين، وقد ~~حقق الله سبحانه هذا الوعيد بقتل صناديدهم في غزوة # PageV11P489 # بدر في رمضان من السنة الثانية من الهجرة بعد ثمانية عشر شهرا من مهاجرته ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحرم على المشركين الذين أخرجوه صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم من مكة المشرفة الدخول إليها والإقامة في حريمها من ~~جزيرة العرب، إكراما له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وانتقاما ممن يعتقد ~~شيئا من كفر من أخرجوه؛ ورفع {يلبثون} لأن {إذن} إذا وقعت بعد الواو والفاء ~~جاز فيها الإلغاء، لأنها متوسطة في الكلام كما أنه لا بد من أن تلغى في آخر ~~الكلام، وفي الآية بيان لأن الجاهل لا يزال ينصب للعالم الحبائل، ويطلب له ~~الغوائل، فيعود ذلك عليه بالوبال، في الحال والمآل. # PageV11P490 # ولما أخبره بذلك، أعلمه أنه سنته في جميع الرسل فقال تعالى: {سنة} أي ~~كسنة أو سنتنا بك سنة {من قد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة. # ولما كان الإرسال قد عمت بركته بهذه العظمة جميع الأزمان بما حفه به من ~~قويم الفطرة، أسقط الجار فقال تعالى: {قبلك} أي في الأزمان الماضية كلها ~~{من رسلنا} بأن جعلنا وجودهم بين ظهراني قومهم رحمة لقومهم، فإذا أخرجوهم ~~عاجلنا من رضي بإخراجهم # PageV11P490 # بالعقوبة {ولا تجد لسنتنا} أي لما لها من العظمة {تحويلا} أي بمحول غيرنا ~~يحولها، لكنهم خصوا عن الأمم السالفة بأنهم لا يعذبون عذاب الاستئصال ~~تشريفا لهم بهذا النبي الكريم. # ولما قرر أمر أصول الدين بالوحدانية والقدرة على المعاد، وقرر أمرهم أحسن ~~تقرير، واستعطفهم بنعمه، وخوفهم من نقمه، وقرر أنه سبحانه عصمه عليه الصلاة ~~والسلام من فتنتهم بالسراء والضراء بما أنار به من بصيرته، وأحسن من ~~علانيته وسريرته، صار من المعلوم أنه قد تفرغ للعبادة، وتهيأ للمراقبة، ~~فبدأ بأشرفها فوصل بذلك قوله تعالى: {أقم} أي حقيقة بالفعل ومجازا بالعزم ~~عليه {الصلاة} بفعل جميع شرائطها وأركانها ومبادئها وغاياتها، بحيث تصير ~~كأنها قائمة بنفسها، فإنها لب العبادة بما فيها من خالص المناجاة بالإعراض ~~عن ms2713 كل غير، وفناء كل سوى، بما أشرق من أنوار الحضرة التي اضمحل لها كل فان، ~~وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أن الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون ~~بمكرهم استفزاز الأولياء، وأدفع الأشياء للضراء، وأجلبها لكل سراء، ولذلك ~~كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة كما ~~تقدم تخريجه في آخر الحجر؛ ثم عين له الأوقات بقوله تعالى: # PageV11P491 # {لدلوك الشمس} أي زوالها واصفرارها وغروبها، قال في القاموس: دلكت الشمس: ~~غربت أو اصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء. فحينئذ في هذه اللفظة دلالة ~~على الظهر والعصر والمغرب من استعمال المشترك في معانيه، أما في الظهر ~~والمغرب فواضح، وأما في العصر فلأن أول وقتها أول أخذ الشمس في الاصفرار، ~~وأدل دليل على ذلك أنه غيا الإقامة بوقت العشاء فقال تعالى: {إلى} حثا على ~~نية أن يصلي كلما جاء الوقت ليكون مصليا دائما، لأن الإنسان في صلاة ما كان ~~ينتظر الصلاة، فهو بيان لأن وقت المغرب من الدلوك الذي هو الغروب إلى أن ~~يذهب الشفق {غسق اليل} فالغسق: ظلمة أول الليل، وهو وقت النوم؛ وقال الرازي ~~في اللوامع: وهو استحكام ظلمة الليل، وقال الرماني: ظهور ظلامه؛ ثم عطف ~~عليه بتغيير السياق قوله تعالى: {وقرءان} فكأنه قال: ثم نم وأقم قرآن ~~{الفجر} إشارة إلى الصبح، وقيل: نصب على الإغراء، وكأنه عبر عنها بالقرآن ~~لأنه مع كونه أعظم أركان الصلاة يطول فيها القراءة ما لا يطول في غيرها، ~~ويجهر به فيها دون أختها العصر وتشويقا بالتعبير به إليها لثقلها بالنوم. # ولما كان القيام من المنام صعبا، علل مرغبا مظهرا غير مضمر # PageV11P492 # لأن المقام مقام تعظيم فقال تعالى: {إن قراءن الفجر كان مشهودا *} يشهده ~~فريقا الملائكة، وهو أهل لأن يشهده كل أحد، لما له من اللذة في السمع، ~~والإطراب للقلب، والإنعاش للروح، فصارت الآية جامعة للصلوات؛ روى البخاري ~~في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: فضل صلاة الجميع على صلاة ~~الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة ms2714 الليل وملائكة النهار في صلاة ~~الفجر، يقول أبي هريرة: اقرؤوا إن شئتم {إن قرءان الفجر} - الآية. قالوا: ~~وهذا دليل على وجوب الصلاة بأول الوقت، وأن التغليس بصلاة الفجر أفضل؛ ثم ~~حث بعدها على التهجد لأفضليته وأشديته فقال تعالى: {ومن} أي وعليك بعض، أو ~~قم بعض {اليل فتهجد} أي اترك الهجود - وهو النوم - بالصلاة {به} أي بمطلق ~~القرآن، فهو من الاستخدام الحسن {نافلة لك} أي زيادة مختصة بك؛ قال عبد ~~الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: وأصل النفل الزيادة، ومنه الأنفال الزائدة ~~على الغنائم التي أحلها الله لهذه الأمة، وقال أبو عبد الله القزاز: ~~النوافل: الفواضل، ومن هذا يقولون: فلان ممن ترجى نوافله - انتهى. فهو ~~زيادة للنبي # PageV11P493 # صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الفرض وللأمة في التطوع، وخص به ترغيبا ~~للأمة لأنهم يعلمون أنه لا يخص إلا بخير الخير، لأنه الوقت الذي كني فيه عن ~~استجابة الدعاء بالنزول إلى السماء الدنيا اللازم منه القرب الوارد في ~~الأحاديث الصحيحة أنه يكون في جوف الليل، لأن من عادة الملوك في الدنيا أن ~~يجعلوا فتح الباب والقرب منه ورفع الستر والنزول عن محل الكبرياء أمارة على ~~قضاء الحوائج، وكل ما يعبر به عن الله تعالى مما ينزه سبحانه عن ظاهره يكون ~~كناية عن لازمه، وبين ذلك حديث رويناه في جزء العبسي عن عثمان بن أبي العاص ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن في الليل ساعة ~~يفتح فيها أبواب السماء فينادي مناد: هل من داع فيستجاب له؟» إلى آخره، ~~فهذا شاهد عظيم لهذا التأويل. # ولما أمره سبحانه بالتهجد والتذلل، وكان السياق للعظمة رجاء في النوال ~~بما يليق بالسياق فقال تعالى: {عسى أن} أي لتكون بمنزلة الراجي لأن {يبعثك} ~~ولما كان السياق قد انصرف للترجية، عبر بصفة الإحسان فقال تعالى: {ربك} أي ~~المحسن إليك بعد الموت الأكبر وقبله، كما بعث نفسك من الموت الأصغر إلى ~~خدمته {مقاما} نصب على الظرف {محمودا *} وذلك لأن «عسى» للترجي # PageV11P494 # في المحبوب والإشفاق في ms2715 المكروه، وقد يضعف ذلك فيلزم الشك في الأمر، وقد ~~يقوى فيأتي اليقين، وهي هنا لليقين، قالوا: إن عسى تفيد الإطماع، ومن أطمع ~~أحدا في شيء ثم حرمه كان عارا، والله تعالى أكرم من أن يفعل ذلك، وعبر بها ~~دون ما يفيد القطع لأن ذلك أقعد في كلام الملوك لأنه أدل على العظمة، ~~وللبخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن الناس يصيرون يوم ~~القيامة جثى، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع! يا فلان اشفع! حتى ~~تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فذلك يوم يبعثه الله ~~المقام المحمود. # أي فيظهر ما له من الحظ من اسمه أحمد ومحمد في ذلك الحين بحمد كل ذي روح ~~بإيصال الإحسان إلى كل منهم بالفعل، وله في التفسير وغيره عن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من قال ~~حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة! آت محمدا ~~الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم ~~القيامة» يعني - والله أعلم - الشفاعة الخاصة، وأما العامة فللكل بغير شرط. # ولما كان هذا المقام صالحا للشفاعة ولكل مقام يقومه، وكان كل مقام يحتاج ~~إلى التوفيق في مباشرته والانفصال عنه، تلاه حاثا # PageV11P495 # على دوام المراقبة واستشعار الافتقار بقوله مقدما المدخل لأنه أهم: {وقل ~~رب} أي أيها الموجد لي، المدبر لأمري، المحسن إلي {أدخلني} في كل مقام تريد ~~إدخالي فيه حسي ومعنوي دنيا وأخرى {مدخل صدق} يستحق الداخل فيه أن يقال له: ~~أنت صادق في قولك وفعلك، فإن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها {وأخرجني} ~~من كل ما تخرجني منه {مخرج صدق} . # ولما كان الصدق في الأمور قد لا يقارنه الظفر، قال تعالى: {واجعل لي} أي ~~خاصة {من لدنك} أي عندك من الخوارق التي هي أغرب الغريب {سلطانا} أي حجة ~~وعزا {نصيرا *} وفيه إشعار بالهجرة وأنها تكون على الوجه الذي كشف عنه ~~الزمان من العظمة ms2716 التي ما لأحد بها من يدان. # PageV11P496 # ولما كان الدعاء قد لا يستجاب، قال مبشرا له بأنه ليس بين دعائه وبين ~~استجابته إلا قوله، ومحققا لتلك البشرى بالأمر بأن يخبر بها: {وقل} أي ~~لأوليائك وأعدائك: {جاء الحق} وهو كل ما أمرني به ربي وأنزله إلي {وزهق} أي ~~اضمحل وبطل وهلك {الباطل} وهو كل ما خالفه؛ ثم علل زهوقه بقوله: {إن الباطل ~~كان} في نفسه بجبلته وطبعه {زهوقا *} قضاء قضاه الله تعالى من الأزل؛ روى ~~البخاري في التفسير وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه # PageV11P496 # قال: دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحول البيت ستون وثلاثمائة ~~نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا} ، {جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد} [سبأ: 49] . # ولما كان القرآن الذي نوه به في آية {أقم الصلاة} هو السبب الأعظم في ~~إزهاق الباطل الذي هو كالسحر خيال وتمويه، وهو الجامع لجميع ما مضى من ~~الإلهيات والبعث وما تبع ذلك، قال عاطفا على {ولقد كرمنا} : {وننزل} أي ~~بعظمتنا؛ ثم بين المنزل بقوله تعالى: {من القرءان} أي الجامع الفارق الذي ~~هو أحق الحق {ما هو شفاء} للقلوب والأبدان {ورحمة} أي إكرام وقوة ~~{للمؤمنين} أي الراسخين في الإيمان، لإنارته لقلوبهم من صدإ الجهل، وحمله ~~لهم على سبيل الرشد الذي هو سبب الرحمة، ولحراسته لهم من كل شيطان ومرض ~~ومحنة إذا وقع الصدق في الاستشفاء به، هو كله كذلك وكذا جميع أبعاضه؛ قال ~~الرازي في اللوامع: وهو أنس المحبين، وسلوة المشتاقين، وإنه النور المبين، ~~الذي من # PageV11P497 # استبصر به انكشف له من الحقائق ما كان مستورا، وانطوى عنه من البوائق ما ~~كان منشورا، كما أن الباطل داء ونقمة للكافرين {و} من أعجب العجب أن هذا ~~الشفاء {لا يزيد الظالمين} أي الراسخين في هذا الوصف، وهم الذين يضعون ~~الشيء في غير موضعه، بإعراضهم عما يجب قبوله {إلا خسارا *} أي نقصانا، ~~لأنهم إذا جاءهم وقامت به الحجة عليهم، أعرضوا عنه، فكان إعراضهم ذلك زيادة ~~في ms2717 كفرانهم، كما أن قبول المؤمنين له وإقبالهم على تدبره زيادة في إيمانهم، ~~وفي الدارمي عن قتادة قال: ما جالس القرآن أحد فقام عنه بزيادة أو نقصان - ~~ثم قرأ هذه الآية؛ ثم عطف على هذا المقدر المعلوم تقديره ما هو أعم منه ~~وأبين في الفتنة والاجتراء فقال تعالى: {وإذا أنعمنا} أي بما لنا من العظمة ~~{على الإنسان} أي هذا النوع هؤلاء وغيرهم بأي نعمة كانت، من إنزال القرآن ~~وغيره {أعرض} أي عن ذكر المنعم كإعراض هؤلاء عند مجيء هذه النعمة التي لا ~~نعمة مثلها {ونأ} أي تباعد # PageV11P498 # تكبرا {بجانبه} بطرا وعمى عن الحقائق {وإذا مسه الشر} أي هذا النوع وإن ~~قل {كان يئوسا *} أي شديد اليأس هلعا وقلة ثقة بما عنده من رحمة الله إلا ~~من حفظه الله وشرفه بالإضافة إليه فليس للشيطان عليه سلطان. # ولما كان المفرد المحلى باللام يعم، كان هذا ربما اقتضى من بعض المتعنتين ~~اعتراضا بأن يقال: إنا نرى بعض الإنسان إذا أعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وكان ~~هذا الاعتراض ساقطا لا يعبأ به، أما أولا فلأنه قد تقدم الجواب عنه في سورة ~~يونس عليه السلام في قوله تعالى {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} ~~[يونس: 12] بأن هذا في المسرفين دون غيرهم، وبقوله تعالى في سورة هود عليه ~~السلام {إلا الذين صبروا} [هود: 11] ولعله طواه في هذا المقام إشارة إلى ~~أنه لقلة أفراده كأنه عدم، وأما ثانيا فلأن المحلى باللام سواء كان مفردا ~~أو جمعا في قوة الجزئي حتى يرد ما يدل على أنه كلي، فلذلك أعرض تعالى عنه ~~وأمره بالجواب عن القسمين المشار إليه والمنصوص عليه فقال تعالى: {قل} أي ~~يا أشرف خلقنا! {كل} من الشاكر والكافر {يعمل على شاكلته} # PageV11P499 # أي طريقته التي تشاكل روحه وتشاكل ما طبعنا عليه من خير أو شر {فربكم} أي ~~فتسبب عن ذلك أن الذي خلقكم ودرجكم في أطوار النمو، لا غيره {أعلم} مطلقا ~~{بمن هو} منكم {أهدى سبيلا *} أي أرشد وأقوم من جهة المذهب بتقواه وإحسانه، ~~فيشكر ويصبر احتسابا فيعطيه ms2718 الثواب، ومن هو أضل سبيلا، فيحل به العقاب، ~~لأنه يعلم ما طبعهم عليه في أصل الخلقة وغرزه فيهم من الخلائق، وغيره إنما ~~يعلم أمور الناس في طرائقهم بالتجربة؛ وقد روى الإمام أحمد - لكن بسند ~~منقطع - عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~قال: «إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه ~~فلا تصدقوا به، فإنه يصير إلى ما جبل عليه» هذا كله الإعراض بالفعل، وإن ~~كان بالقوة التزمنا أنها كلية، والله أعلم بالمهتدي فيحفظه من الإعراض ~~واليأس بالفعل هو فيه بالقوة. # ولما بين سبحانه - بعد التعجيب من إنكارهم البعث - جهل الإنسان، وما هو ~~عليه من الضلال والنسيان، إلا من فضله على أنباء نوعه # PageV11P500 # كما فضل طينته على سائر الطين، وختم بآية المشاكلة التي منها مشاكلة بعض ~~الأرواح لبعض ومشاكلتها للطباع، وبان بذلك أنه سبحانه وتعالى قادر على فعل ~~ما يشاء عالم بكل معلوم، رجع إلى التعجب منهم بما هو من شأن الأرواح التي ~~من شأنها التشاكل فقال تعالى عاطفا على {وقالوا إذا كنا عظاما} : ~~{ويسئلونك} أي تعنتا وامتحانا {عن الروح} الذي تقدم أنها تعاد إلى أجسادهم ~~يوم البعث ولو كانوا حجارة أو حديدا: ما هي؟ هل هي جسم أم لا؟ وهل هي ~~متولدة من امتزاج الطبائع التي في البدن أم امتزاجه مبتدأ؟ وهل هي قديمة أم ~~حادثة؟ ولما كان ذلك تعنتا، مع أنه لا يفتقر إليه في صحة اعتقاده، أمره بأن ~~يجيبهم عنه بما يليق بحالهم بقوله تعالى: {قل الروح} أي هذا النوع الذي ~~تصير به الأجسام حية {من أمر ربي} أضافها إلى الأمر وهو الإرادة وإن كانت ~~من جملة خلقه، تشريفا لها وإشارة إلى أنه لا سبب من غيره يتوسط بينها وبين ~~أمره، بل هو يبدعها من العدم، أو يقال - وهو أحسن: إن الخلق قسمان: ما كان ~~بتسبيب وتنمية وتطوير، وهو الذي يترجم في القرآن بالخلق، والثاني ما كان ~~إخراجا من العدم بلا تسبيب ولا تطوير، وهو ms2719 المعبر عنه بالأمر، ومنه هذه ~~الروح المسؤول عنها وكل روح في القرآن، وكذا ما هو للحفظ والتدبير # PageV11P501 # كالأديان، والجامع لذلك القيومية كما مضى عن الحرالي عند روح القدس في ~~البقرة، فأفادت هذه العبارة أنها محدثة، وأنها غير مطورة ولا مسببة، وهي ~~جسم لطيف سار في البدن كماء الورد في الورد على الصحيح عند أهل السنة، ~~وأمسك السلف عن الإمعان في الكلام على الروح أدبا، لأنهم علموا أن في عدم ~~الجواب لسؤالهم بغير هذا إشارة إلى أن السكوت عنه أولى لهم؛ ثم أتبعه ~~التنبيه على جهلهم لتعكيسهم في الأسئلة بتركهم الإقبال على ما لا يفهمونه ~~بلا شك وينفعهم في الدارين من هذا الروح المعنوي وهو القرآن، وإقبالهم على ~~ما لا يفهمونه من الروح المحسوس لقلة علمهم، ومن فهمه منهم لا يفهمه إلا ~~بعسر عظيم، وفيه أسئلة كثيرة جدا لا برهان على أجوبتها، منها أنه متحيز أم ~~لا؟ وأنه مغاير للنفس أم لا؟ وهل تبقى بعد الموت أم لا؟ فعلمنا به أنه إنما ~~هو على الإجمال، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه، فإن أكثر ~~حقائق الأشياء مجهولة، وهي موجودة. # فالسكنجبين خاصيته قمع الصفراء، وحقيقة تلك الخاصية مجهولة، وهي معلومة ~~الوجود، وليس وراء العلم بما سألوا عنه من الروح بعد فهمه من الفائدة ما ~~لذلك الذي تركوه ولا قريب منه، فقال تعالى دالا على حدوثه بتغيره، فإنه ~~يكون في المبدإ جاهلا ثم يحدث له العلم شيئا بعد شيء، # PageV11P502 # وكل متغير حادث: {وما أوتيتم} أي من أي مؤت كان بعد أن كنتم لا تعلمون ~~شيئا {من العلم} أي مطلق هذه الحقيقة، فكيف بالمشكل منها {إلا قليلا *} ~~ومما تجهلونه أمور ضرورية لكم، لأن تماديكم على الجهل بها سبب لهلاككم في ~~الدارين، فمن أجهل الجهل وأضل الضلال أن تسألوا عما لا يضركم الجهل به، ~~ويتوقف إثباته على أمور دقيقة، ومقدمات صعبة، وتتركوا ما يضركم الجهل به في ~~الدين والدنيا، مع كونه في غاية الوضوح، لكثرة ما قام عليه من الأدلة، وله ~~بحضرتكم من الأمثلة، ms2720 والذي سألتموه منزه عن الغش والضيق، فهو ينبهكم على ~~عبثكم نصيحة لكم ويعدل عن جوابكم عنه إلى ما ينفعكم رفقا بكم، ولفهم هذا ~~سكت السلف عن الخوض في أمره، والخطاب لليهود والعرب، أما العرب فواضح، وأما ~~اليهود فإنهم وإن كانوا أهل الكتاب فذلك إشارة إلى تلاشي علمهم في جنب علم ~~الله؛ كما ستأتي الإشارة إليه بقول الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام في ~~العصفور الذي نقر من البحر نقرة أو نقرتين، فحيث ورد تعظيم على أحد وتكثره ~~فهو بالنسبة إلى غيره من الخلق، وحيث ورد تقليله - كما في هذه الآية - فهو ~~من حيث إضافته إلى # PageV11P503 # علم الله تعالى، وهذه الآية ورد في سبب نزولها ما يظن أنه متناقض، فإنه ~~روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يمشي مع النبي ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة، فسأله اليهود عن الروح فأوحى ~~إليه، فلما انجلى عنه الوحي تلا عليهم - الآية. # وفي السيرة الهشامية والدلائل للبيهقي وتفسير البغوي وغيره من التفاسير ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشا أرسلت إلى اليهود قبل الهجرة تسألهم ~~عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم أهل الكتاب الأول وعندهم من ~~علم الأنبياء ما ليس عند قريش، فأمروهم أن يسألوه عن الروح، وعن قصتي أصحاب ~~الكهف وذي القرنين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ~~«أخبركم بما سألتم عنه غدا» - ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث فيما يذكرون ~~خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، حتى أرجف به أهل مكة، وحتى ~~حزن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ~~وروي أيضا أن لبث الوحي كان أربعين ليلة. وروي: اثنتي عشرة # PageV11P504 # ليلة، وفي مسند أبي يعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش ~~ليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، ~~ونزلت {ويسئلونك} - الآية. وليس ذلك وأمثاله بحمد الله بمشكل، ms2721 فإنه محمول ~~على أنه نزل للسبب الأول، فلما سئل عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~ثانيا لم يجب فيه بالجواب الأول، إما لرجاء أن يؤتى بأوضح منه، أو خشية أن ~~يكون نسخ - أو نحو ذلك لأمر رآه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيعيد الله ~~سبحانه إنزاله عليه تثبيتا له وإعلاما بأنه هو الجواب، وفيه مقنع، وفي ~~تأخير الجواب في هذا الأمر برهان قاطع لقريش وكل من له أدنى لب على صدق ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أن هذا القرآن من عند الله، لا يقدر ~~عليه غيره، لأنه لو كان قادرا على الإتيان بشيء منه من عند نفسه أو من عند ~~أحد من الخلق لبذل جهده في ذلك، تنزيها لنفسه الشريفة، وهمته المنيفة، ~~وعرضه الطاهر، عن مثل ما خاضوا فيه بسبب إخلاف موعدهم. # ولما كانت الروح من عالم الأمر الذي هو من سر الملكوت، ضمت إلى سورة ~~الإسراء الذي هو من أبطن سر الملكوت لاسيما بما علا به من المعراج الذي جعل ~~لغرابته كالرؤيا # PageV11P505 # {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} ولذلك فصلت عن السؤالين ~~الآخرين، لأنهما من عالم الملك، وسيأتي بقية الكلام على هذا في سورة الكهف ~~إن شاء الله تعالى. # PageV11P506 # ولما شرح إرادتهم الفتنة عما جاءهم من العلم بتبديل المنزل، وإخراج ~~المرسل، وما تبع ذلك حتى ختم بتجهيلهم إذ سألوا تعنتا عن الروح الحسي، وكان ~~الأنفع لهم سؤالهم استفادة وتفهما عن دقائق الروح المعنوي الذي أعظم الله ~~شرفهم به بإنزاله إليهم على لسان رجل منهم هو أشرفهم مجدا، وأطهرهم نفسا، ~~وأعظمهم مولدا، وأزكاهم عنصرا، وأعلاهم همة، وختم بتقليل علمهم إشارة إلى ~~أنهم لا يفهمون إلا أن يفهمهموه سبحانه وهو أعلم بما يفهمونه وما لا ~~يفهمونه، قال عاطفا على {وإن كادوا ليفتنونك} تنبيها لهم على أنه لو شاء ~~لذهب بسبب هذا العلم القليل الذي وهبهموه، فعمهم الجهل كما كانوا، وعلى أنه ~~لم يكفهم ترك السؤال عما يعنيهم حتى سألوا عما لا يعنيهم، وأرادوا ms2722 تبديل ما ~~ينفعهم ويعنيهم بما يبيدهم ويفنيهم، فضلوا قولا وفعلا: {ولئن شئنا} ~~ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء، ولامه موطئة للقسم، وأجاب عن القسم بما أغنى عن ~~جواب الشرط فقال تعالى: {لنذهبن} أي بما لنا من العظمة ذهابا محققا {بالذي ~~أوحينا} أي بما لنا من العظمة {إليك} مما أرادوا الفتنة # PageV11P506 # فيه من القرآن على أن فيه من العلم ما يغنيهم - لو أقبلوا على تفهمه - عن ~~شيء من الأشياء فلا تبقى عندك نحن ولا وحينا، ولإفادة هذا لم يقل: لأذهبنا. ~~{ثم} أي بعد الذهاب به {لا تجد لك} ولما كان السياق هنا للروح الذي هو ~~الوحي، فكانت العناية به أشد، قدم قوله: {به} ولما كان السياق لمن يأخذ ما ~~يريد طوعا وكرها، قال تعالى: {علينا} أي بما لنا من العظمة التي لا تعارض ~~{وكيلا *} يأتيك به أو بشيء منه. # ولما كان لا ملجأ منه سبحانه إلا إليه، قال تعالى: {إلا} أي لكن تجد ~~{رحمة} مبتدئة وكائنة {من ربك} أي المحسن إليك بأن أوجدك ورباك، ولم يقطع ~~إحسانه قط عنك، يعيد بها إليك ويأتيك بما يقوم مقامه، وعبر عن أداة ~~الانقطاع بأداة الاتصال إشارة إلى أن رحمته سبحانه له - التي اقتضتها صفة ~~إحسانه إليه لعظمها - كالوكيل الذي يتصرف بالغبطة على كل حال. # ولما كان في إنزاله إليه ثم إبقائه لديه من النعمة عليه وعلى أمته ما لا ~~يحصى، نبه على ذلك بقوله تعالى مستأنفا مؤكدا لأن كون الرحمة هكذا من أغرب ~~الغريب، فهو بحيث لا يكاد # PageV11P507 # يصدق، وهو مما يتلذذ بذكره {إن فضله كان} أي كونا ثابتا {عليك} أي خاصة ~~{كبيرا *} أي بالغ الكبر، وقد ورد أنه يذهب بالقرآن في آخر الزمان، يسري ~~بما في المصاحف وبما في القلوب، وقد أفهمت ذلك هذه الآية لأن كلام الملوك ~~يفهم أصل الشيء ولو كان في سياق الشرط. # ولما كان بمعرض أن يقولوا: إن ذهب عليك من شيء فائت بمثله من عند نفسك ~~ومما اكتسبته منه من الأساطير، أمره أن يجيبهم عن هذا بقوله دلالة على ~~مضمون ms2723 ما قبله: {قل} . # ولما أريد هنا المماثلة في كل التفصيل إلى جميع السور في المعاني ~~الصادقة، والنظوم الرائقة، كما دل عليه التعبير بالقرآن، زاد في التحدي قيد ~~الاجتماع من الثقلين وصرف الهمم للتظاهر والتعاون والتظافر بخلاف ما مضى في ~~السور السابقة، فقال تعالى مؤكدا باللام الموطئة للقسم لادعائهم أنهم لو ~~شاؤوا أتوا بمثله، والجواب حينئذ للقسم، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب ~~القسم: {لئن اجتمعت الإنس} الذين تعرفونهم وتعرفون ما أتوا من البلاغة ~~والحكمة والذين لا تعرفونهم، وقدمهم لسهولة اجتماعهم بهم ولأنهم عندهم ~~الأصل في البلاغة {والجن} الذين يأتون كهانكم ويشجعون لهم ويعلمونهم ببعض ~~المغيبات عنهم، # PageV11P508 # وترك الملائكة لأنهم لا عهد لهم بشيء من كلامهم {على أن يأتوا} أي يجددوا ~~إيتاء ما في وقت ما في حال اجتماعهم {بمثل هذا القرآن} أي جميعه على ما هو ~~عليه من التفصيل، وخصه بالإشارة تنبيها على أن ما يقوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم عن الله وحي من الله، ليس فيه شيء من عند نفسه، وأن المراد في هذا ~~السياق المتحدى به الذي اسمه القرآن خاصة {لا يأتون} . # ولما كانت هذه السورة مكية، فكان أكثر ما يمكن في هذه الآية أن يكون آخر ~~المكي فيختص التحدي به، وكان المظهر إذا أعيد مضمرا أمكن فيه الخصوص، وكان ~~المراد إنما هو الشمول، ومتى أريد الشمول استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار ~~محيط كما يأتي عن الحرالي في أواخر سورة الكهف، لم يقل هنا «به» لذلك، ~~ولئلا يظن أنه يعود على القرآن لا على مثله، بل أظهر فقال دالا على أن ~~المراد جميع المكي والمدني: {بمثله} أي لا مع التقيد بمعانيه الحقة الحكيمة ~~حتى يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة، مبينا لأحسن المعاني بأوضح ~~المباني، ولا مع الانفكاك عنها إلى معان مفتراة؛ ثم أوضح أن المراد الحكم ~~لعجزهم مجتمعين ومنفردين متظاهرين وغير متظاهرين فقال تعالى: {ولو} ولما ~~كان المكلفون مجبولين على المخالفة # PageV11P509 # وتنافي الأغراض قال تعالى: {كان} أي جبلة وطبعا على خلاف العادة {بعضهم ~~لبعض ظهيرا ms2724 *} أي معينا بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه، وقد تقدم في ~~السور المذكور فيها التحدي ما يتم هذا المعنى. # ولما تمت هذه الجمل على هذا الوجه الجميل، والوصف الجليل، نبه على ذلك ~~سبحانه بقوله عطفا على نحو: صرفنا هذه الأمثال كما ترون على أعلى منهاج ~~وأبلغ سياق في أبدع انتظام: {ولقد صرفنا} أي رددنا وكررنا تكريرا كثيرا بما ~~لنا من العظمة، ولما كان مبنى السورة على بيان العناية بالناس الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون، اقتضى المقام لمزيد الاهتمام تقديم قوله تعالى: {للناس} ~~أي الذين هم ناس {في هذا القرءان} الهادي للتي هي أقوم {من كل مثل} أي من ~~كل ما هو في غرابته وسيره في أقطار الأرض وبلاغته ووضوحه ورشاقته كالمثل ~~الذي يجب الاعتبار به؛ والتصريف: تصيير المعنى دائرا في الجهات المختلفة ~~بالإضافة والصفة والصلة ونحو ذلك {فأبى} أي فتسبب عن ذلك الذي هو سبب ~~للشفاء والشكر والهدى، تصديقا لقولنا {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} أنه ~~أبى # PageV11P510 # {أكثر الناس} وهم من هم في صورة الناس وقد سلبوا معانيهم. # ولما كان «أبى» متأولا بمعنى النفي، فكان المعنى: فلم يرضوا مع الكبر ~~والشماخة، استقبله بأداة الاستثناء فقال تعالى: {إلا كفورا *} لما لهم من ~~الاضطراب. # ولما كان هذا أمرا معجبا، عجب منهم تعجيبا آخر، عاطفا له على {ويسئلونك} ~~إن كان المراد بالناس في قوله {فأبى أكثر الناس} الكل، وعلى «فأبى» إن كان ~~المراد بهم قريشا فقال تعالى: {وقالوا} أي كفار قريش ومن والاهم تعنتا بعد ~~ما لزمهم من الحجة ببيان عجزهم عن المعارضة ولغير ذلك فعل المبهوت المحجوج ~~المعاند، مؤكدين لما لزمهم من الحجة التي صاروا بها في حيز من يؤمن قطعا من ~~غير توقف: {لن نؤمن} أي نصدق بما تقول مذعنين {لك حتى تفجر} أي تفجيرا ~~عظيما {لنا} أي أجمعين {من الأرض ينبوعا *} أي عينا لا ينضب ماءها {أو تكون ~~لك} أي أنت وحدك {جنة من نخيل و} أشجار {عنب} عبر عنه بالثمرة لأن الانتفاع ~~منه بغيرها قليل {فتفجر} ms2725 أي بعظمة زائدة {الأنهار} الجارية {خلالها تفجيرا ~~*} وهو تشقيق عما يجري من ماء أو ضياء أو نحوهما؛ فالفجر: شق الظلام من ~~عمود الصبح، والفجور: # PageV11P511 # شق جلباب الحياء بما يخرج إلى الفساد {أو تسقط السماء} أي نفسها {كما ~~زعمت} فيما تتوعدنا به {علينا كسفا} أي قطعا جمع كسفه وهي القطعة، ويجوز أن ~~يكون المراد بذلك الحاصب الآتي من جهة العلو وغيره مما توعدوا به في نحو ~~قوله {أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} [الأنعام: 65] وتسمية ذلك سماء كتسمية ~~المطر بل والنبات سماء: # إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # {أو تأتي} معك {بالله} أي الملك الأعظم {والملائكة قبيلا *} أي إتيانا ~~عيانا ومقابلة ينظر إليه لا يخفى على أحد منا شيء منه، وكان أصله الاجتماع ~~الذي يلزم منه المواجهة بالإقبال من قبائل الرأس الجامعة {أو يكون لك} أي ~~خاصا بك {بيت من زخرف} أي ذهب كامل الحسن والزينة {أو ترقى} أي تصعد {في ~~السماء} درجة درجة ونحن ننظر إليك صاعدا {ولن نؤمن} أي نصدق مذعنين {لرقيك} ~~أي أصلا {حتى تنزل} وحققوا معنى كونه {من السماء} بقولهم: {علينا كتابا} ~~ومعنى كونه، {في رق} أو نحو قولهم: {نقرؤه} يأمرنا فيه باتباعك. # فلما تم تعنتهم فكان لسان الحال طالبا من الله تعالى الجواب عنه، أمره ~~الله تعالى بجوابهم بقوله: {قل سبحان ربي} أي تنزه عن أن # PageV11P512 # يكون له شريك في ملكه يطلب منه ما لا يطلب إلا من الإله، فهو تنزيه لله ~~وتعجيب منه لوضوح عنادهم بطلبهم ما لا قدرة عليه إلا للإله ممن لا قدرة له ~~على شيء منه إلا بإذن الله، ولم يدع قط أنه قادر على شيء منه، فحسن ~~الاستفهام جدا في قوله تعالى: {هل كنت إلا بشرا} لا يقدر على غير ما يقدر ~~عليه البشر {رسولا *} كما كان من قبلي من الرسل، لا أتعدى ما أمرت به من ~~التبليغ، فلا آتي بشيء إلا بإذن الله، ولم أقل: إني إله، حتى يطلب مني ما ~~يطلب من الإله ورتبوا أنفسهم هذا ms2726 الترتيب لأنهم حصروا حاله في دعوى أن يكون ~~عظيما بالرسالة أو غيرها ليتبعه الناس، فإن كان الأول كان مقبول القول عند ~~مرسله، وحينئذ فإما أن يسأله في نفع عام بالينبوع، أو خاص به بالجنة إن بخل ~~بالعام، أو ضر بالكشف أو يسأله في الإتيان مع جنده لأن يصدقه، وإن كانت ~~عظمته بغير ذلك فإما أن يكون ملكا ليكون له البيت المذكور بما جرت العادة ~~أن يكون تابعا له، أو يكون ممن يجتمع بالملك الذي أرسله فيرقى على ما ~~قالوا. # PageV11P513 # ولما أمر بما تضمن أنه كإخوانه من الرسل في كونه بشرا، # PageV11P513 # أتبعه قوله تعالى عطفا على: {فأبى} أو {فقالوا} : {وما منع الناس} أي ~~قريشا ومن قال بقولهم لما لهم من الاضطراب {أن يؤمنوا} أي لم يبق لهم مانع ~~من الإيمان، والجملة مفعول «منع» {إذ جاءهم الهدى} أي الدليل القاطع على ~~الإيمان وهو القرآن وغيره من الأدلة {إلا} وفاعل منع {أن قالوا} أي منكرين ~~غاية الإنكار متعجبين متهكمين: {أبعث الله} أي بما له من العظمة الباهرة من ~~صفات الجلال والإكرام {بشرا ورسولا *} وسبب اتباع الضلال - مع وضوح ضره - ~~وترك الهدى - مع ظهور نفعه - وقوع الشبهة أو الشهوة لضعفاء العقول - وهم ~~أكثر الناس - في أوله ثم تقليد الرؤساء وتمكن العادة السيئة فيما بعد ذلك، ~~فلما أنكروا كون الرسول بشرا بعد أن جعلوا الإله حجرا، علمه جوابهم بقوله ~~تعالى: {قل} لهم: قال ربي سبحانه وتعالى: {لو كان} أي كونا متمكنا {في ~~الأرض} التي هي مسكن الآدميين {ملائكة يمشون} عليها كالآدميين من غير طيران ~~كالملائكة إلى السماء {مطمئنين} باتخاذهم لها قرارا كما فعل البشر {لنزلنا} ~~أي بما لنا من العظمة {عليهم} مرة بعد مرة كما فعلنا في تنزيل جبريل عليه ~~السلام على الأنبياء من البشر، وحقق الأمر بقوله تعالى: {من السماء ملكا ~~رسولا *} لتمكنهم من التلقي منه لمشاكلتهم له بخلاف # PageV11P514 # البشر كما هو مقتضى الحكمة، لأن رسول كل جنس ينبغي أن يكون منهم، إذ ~~الشيء عن شكله أفهم، وبه آنس، وإليه أحسن، وله آلف، إلا ms2727 من فضله بتغليب ~~نفسه وعقله على شهوته فأقدره بذلك على التلقي من الملك. # ولما نصب البرهان القاطع على أن القرآن الموحى إليه من عند الله، ونفى ~~شبهتهم في إنكار كون الرسول بشرا، بأنه ما خرج عن عادة من قبله ممن كانوا ~~مقرين بأنهم أنبياء، وبأن الجنس لا يفهم عن جنس آخر، فالبشر لا يفهم عن ~~الملك إلا بخارقة، ولا يكون ذلك إلا للرسل ومن أراد الله من أتباعهم، لم ~~يبق إلا محض العناد الذي لا رجوع فيه إلا إلى السيف عند القدرة، وإلى الله ~~عند فقدها، وكان في مكة المشرفة غير قادر على السيف، أمره الله تعالى ~~بالرجوع إلى السيف فقال تعالى: {قل كفى بالله} أي المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما {شهيدا} أي فيصلا يكون {بيني وبينكم} يعامل كلا منا بما يستحق؛ ثم ~~علل كفايته لذلك بقوله تعالى: {إنه كان بعباده} قبل أن يخلقهم {خبيرا} بما ~~يؤول إليه أمرهم بعد إيجاده لهم {بصيرا *} بما يكون منهم بعد وجوده. # ولما تقدم أنه سبحانه وتعالى أعلم بالمهتدي والضال، وكان ختم هذه الآية ~~مرشدا إلى أن المعنى: فمن علم منه بجوابه قابلية للخير وفقه للعمل على تلك ~~المشاكلة، ومن علم منه قابلية للشر أضله، عطف # PageV11P515 # عليه قوله تعالى: {ومن يهد الله} أي الذي له الأمر كله لأنه لا شريك له، ~~بخلق الهداية في قلبه، وأشار إلى قلة المهتدي على طريقة الإحسان بإفراد ~~ضميره، وإلى كثرة الضال بجمعه فقال تعالى: {فهو} أي لا غيره {المهتد} لا ~~يمكن أحدا غيره أن يضله {ومن يضلل} فهو الضال لا هادي له، وذلك معنى قوله ~~تعالى: {فلن تجد لهم} أي للضالين {أولياء} أي أنصارا في هذه الدنيا {من ~~دونه} يهدونهم ولا ينفعونهم بشيء أراد الله غيره، ولذلك نفوا أصلا ورأسا، ~~لأنهم إذا انتفى نفعهم كانوا كالعدم، وإذا انتفى على الجمع انتفى عن المفرد ~~من باب الأولى؛ فالآية من الاحتباك: خبر الأول يدل على حذف ضده ثانيا، ~~ونتيجة الثاني تدل على حذف ضدها من الأول. # ولما كان يوم الفصل ms2728 يوما يظهر فيه لكل أحد في كل حالة من عظمته تعالى ما ~~يضمحل معه كل عظمة قال تعالى: {ونحشرهم} بنون العظمة أي نجمعهم بكره {يوم ~~القيامة} أي الذي هو محط الحكمة {على وجوههم} يمشون أو مسحوبين عليها إهانة ~~لهم فيها كما لم يذلوها بالسجود لنا {عميا وبكما وصما} كما كانوا في الدنيا ~~لا ينتفعون بأبصارهم ولا نطقهم ولا أسماعهم، بل يكون ضررا عليهم لما ينظرون ~~من المعاطب، ويسمعون من المصائب، وينطقون به من المعايب؛ قال الرازي في ~~اللوامع إذ يحشر المرء على ما مات عليه، # PageV11P516 # فلم يكن له في الآخرة شيء إلا حصل أوله ومبدأه في الدنيا وتمامه في ~~الآخرة - انتهى. # ولما كان المقام للانتقال من مقام إلى آخر، قدم البصر لأنه العمدة في ~~ذلك، وثنى بالنطق لأنه يمكن الأعمى الاسترشاد، وختم بالسمع لأنه يمكن معه ~~وحده نوع رشاد، وعطفها بالواو إن كان لتشريك الكل في كل من الأوصاف ~~فللتهويل، لأن المتكلم إذا نطق بالعاطف ظن السامع الانتقال إلى شيء آخر، ~~فإذا أتى بالوصف كان أروع للعلم بأن صاحبه عريق فيه، لما تقدم في براءة، ~~وإن كان للتنويع فلتصويرهم بأقبح صورة من حيث إنه لا ينتفع فريق منهم ~~بالآخر كبير نفع، فكأنه قيل: إلى أي مكان يحشرون؟ فقال تعالى: {مأواهم ~~جهنم} تستعر عليهم وتتجهمهم، كل واحد منهم يقاسي عذابها وحده وإن كان وجهه ~~إلى وجه صاحبه، لأنه لا يدرك سوى العذاب للختم على مشاعره، فيا طولها من ~~غربة! ويا لها من كربة! فكأنه قيل: هل يفتر عنهم عذابها؟ فقيل: لا بل هم كل ~~ساعة في زيادة، لأنها {كلما خبت} أي أخذ لهبها في السكون عند إنضاجها ~~لجلودهم {زدناهم} أي بما لنا من العظمة {سعيرا *} بإعادة الجلود؛ ثم بين ~~علة تعذيبهم ليرجع منهم من قضى بسعادته فقال تعالى: {ذلك} أي العذاب العظيم ~~{جزاؤهم بأنهم} أهل الضلالة {كفروا بآيتنا} # PageV11P517 # القرآنية وغيرها، مع ما لها من العظمة بنسبتها إلينا، وكانوا كل يوم ~~يزدادون كفرا، وهم عازمون على الدوام على ذلك ما بقوا {وقالوا} ms2729 إنكارا ~~لقدرتنا {إذا كنا عظاما ورفاتا} ممزقين في الأرض؛ ثم كرروا الإنكار كأنهم ~~على ثقة من أمرهم هذا الذي بطلانه أوضح من الشمس بقولهم: {أإنا لمبعوثون} ~~أي ثابت بعثنا {خلقا جديدا *} فنحن نريهم جزاء على هذا الإنكار المكرر ~~الخلق الجديد في جلودهم مكررا كل لحظة # {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب} [النساء: 56] ثم ~~أتبعه بقاطع في بيان جهلهم فقال منبها على أنهم أولى بالإنكار عاطفا على ما ~~تقديره: ألم يروا أن الله الذي ابتدأ خلقهم قادر على أن يعيدهم {أو لم ~~يروا} أي يعلموا بعيون بصائرهم علما هو كالرؤية بعيون أبصارهم لما قام عليه ~~من الدلائل، ونادى بصحته من الشواهد الجلائل {أن الله} أي الملك الأعلى ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما لا غيره {الذي خلق السماوات} جمعها لما دل على ~~ذلك من الحسن، ولما لم يكن للأرض مثل ذلك أفردها مريدا الجنس الصالح للجمع ~~فقال تعالى: {والأرض} على كبر أجرامها، وعظم أحكامها، وشدة أجزائها، وسعة ~~أرجائها، وكثرة ما فيها من المرافق والمعاون التي يمزقها ويفنيها ثم يجددها ~~ويحييها {قادر على أن يخلق} أي يجدد في # PageV11P518 # أي وقت أراد {مثلهم} بدءا فكيف بالإعادة وهم أضغف أمرا وأحقر شأنا {و} ~~أنه {جعل لهم أجلا} لعذابهم أو موتهم أو بعثهم لأنه معلوم في نفسه {لا ريب ~~فيه} بوجه من الوجوه لما تكرر لهم من مشاهدة أنه لا تؤخر نفس إذا جاء ~~أجلها، وكذا لا تقدم على أجلها، فكم ممن اجتهد الضراغمة الأبطال وفحول ~~الرجال في ضره أو قتله؛ وهم قاطعون أنه في قبضتهم فلم يقدروا على ذلك، ثم ~~كان ذلك بأضعف الناس أو بأوهى سبب فعلم بذلك أنه المنفرد بالقدرة على ~~الإيجاد والإعدام {فأبى} أي بلى قد علموا ذلك علما كالمحسوس المرئي فتسبب ~~عن ذلك السبب للإيمان أن أبوا - هكذا كان الأصل فأظهر تعميما وتعليقا ~~بالوصف فقال: {الظالمون} أي أبى هؤلاء المتعنتون لظلمهم {إلا كفورا *} أي ~~جحودا لعدم الشركة. # ولما قدم في هذه السورة أنه هو المعطي وأن عطاءه الجم - الذي ms2730 فات الحصر، ~~وفضل عن الحاجة، وقامت به الحجة على العباد في تمام قدرته وكمال علمه - غير ~~محظور عن أحد، وأنهم يقتلون أولادهم مع ذلك خشية الإملاق، وهم يطلبون أن ~~يظهر لهم من جنس ما خلق من الينابيع والجنات والذهب والزخرف على كيفيات ~~مخصوصة لغير حاجة ما تقدم ذكره، وقد امتنعوا بخلا وأنفة وجهلا عن الاعتراف ~~له بما أوجبه عليهم شكرا لنعمته، واستدفاعا لنقمته، بعد قيام الدلائل وزوال # PageV11P519 # الشبه فلا أبخل منهم لأنهم بخلوا مما يجب عليهم من الكلام كما قال النبي ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم: # «أبخل الناس من بخل بالسلام» أمره أن ينبههم على سفههم في ذلك بقوله ~~تعالى: {قل لو} . # ولما كان من حق «لو» الدخول على الأفعال، علم أن بعدها فعلا من جنس ما ~~بعد تقديره: تملكون ولكنه حذفه وفصل الضمير لأن المقصود الحكم عليهم بادىء ~~بدء فقال تعالى: {أنتم} أي دون غيركم {تملكون خزائن} عبر بصيغة منتهى ~~الجموع، لأن المقام جدير المبالغة {رحمة} أي إرزاق وإكرام {ربي} المحسن إلي ~~بإيتائي جميع ما ثبت أمري وأوضحه، وهي مقدوراته التي يرحم بها عباده ~~بإضافتها عليهم {إذا لأمسكتم} أي لوقع منكم الإمساك عن الإنفاق في بعض ~~الوجوه التي تحتاجونها {خشية} عاقبة {الإنفاق} أي الموصل إلى الفقر، ثم ~~استدل على صحة هذا المفروض بالمشاهد من مضمون قوله تعالى: {وكان} أي جبلة ~~وطبعا {الإنسان} أي الذي من شأنه الإنس بنفسه، فهو لذلك لا يعقل الأمور حق ~~عقلها {قتورا *} أي بخيلا ممسكا غاية الإمساك لإمكان أن يكون فقيرا فلا ~~تراه إلا مضيقا في النفقة على نفسه، ومن # PageV11P520 # تلزمه نفقته، شديدا في ذلك وإن اتسعت أحواله، وزادت على الحد أمواله، لما ~~فيه من صفة النقص اللازمة بلزوم الحاجة له، طبع على ذلك فهو في غريزته ~~بالقوة، فكلهم يفعله إلا من وفقه الله تعالى فغلب عقله على هواه وقليل ما ~~هم! أي فإذا كان هذا أمركم فيما تملكونه مع الحاجة إلى الوجوه المنفق فيها ~~فكيف تطلبون من النبي صلى الله عليه وعلى آله ms2731 وسلم ما لا يملكه، ولا ادعى ~~القدرة عليه؟ أو من الخالق الحكيم أن يفعل ما تتعنتون به عبثا بغير حاجة ~~أصلا، لأنه إن كان لإثبات قدرته فأنتم لا تمترون فيها، وإن كان لإثبات ~~رسالة نبيكم فقد ثبت بأمور أعظمها هذا القرآن الذي مر آنفا إقامة الدليل ~~عليها به، وهتك أستار شبهتكم في استبعاد كون الرسول بشرا، والله تعالى قد ~~أكرمكم بنبيكم عن أن يعاجلكم بالاستئصال عند العصيان بعد كشف الغطاء كما ~~جرت به سنته في جميع الأمم، وإن كان لإثبات غناكم فهو شيء لا يغني نفوسكم ~~فيردها عن طلب المزيد وعن التقتير لما طبعتم عليه. بل تكونون عند حصول ذلك ~~لكم لحصول الغنى كالمستجير من الرمضاء بالنار، وهو قد قضى أنه يظهر أمره ~~على كل من ناواه وإن كره الكافرون، وقد علم من يؤمن فييسر له الإيمان ~~ويجعله # PageV11P521 # عونا لحزب الرحمن، ومن لا يؤمن فهو يجعله مع أولياء الشيطان، ويذيق الكل ~~الهوان، ويجعلهم وقودا للنيران، فلم يبق بعد هذا كله في إجابتكم إلى تعنتكم ~~إلا العبث الذي هو سبحانه متعال عنه، فلا وجه يحصل به الإنسان الغني إلا ~~اتباع السنة والانسلاخ عن الهوى، فمن وصل إلى ذلك استوى عنده الذهب ~~والحصباء. # PageV11P522 # ولما قدم سبحانه أن أكثر الناس جحد الآيات لكونه حكم بضلاله، ومن حكم ~~بضلاله لا يمكن هداه، وختم بأن من جبل على شيء لم ينفك عنه، شرع يسلي نبيه ~~عليه الصلاة والسلام بما اتفق لمن قبله من إخوانه الأنبياء، مع التنبيه على ~~أنه يجود بالآيات على حسب المقتضيات، وعلى أن خوارق العادات لا تنفع في ~~إيمان من حكم عليه بالضلال، وتوجب - كما في سنه الله - إهلاك من عصى بعد ~~ذلك بعذاب الاستئصال، فقال عاطفا على قوله {ولقد صرفنا للناس} : {ولقد ~~ءاتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى} بن عمران المتقي المحسن عليه السلام ~~لما أرسلناه إلى فرعون {تسع آيات بينات} وهي - كما في التوراة: العصى، ثم ~~الدم، ثم الضفادع، ثم القمل، ثم موت البهائم، ثم البرد # PageV11P522 # الكبار التي أنزلها ms2732 الله مع النار المضطرمة، فكانت تهلك كل ما مرت عليه ~~من نبات وحيوان، ثم الجراد، ثم الظلمة، ثم موت الأبكار من الآدميين وجميع ~~الحيوان - كما مضى ذلك في هذا الكتاب عن التوراة في سورة الأعراف، وكأنه عد ~~اليد مع العصى آية، ولم يفرد اليد لأنه ليس فيها ضرر عليهم، وقد نظمتها ~~ليهون حفظها فقلت: # عصى قمل موت البهائم ظلمة ... جراد دم ثم الضفادع والبرد # وموت بكور الآدمي وغيره ... من الحي آتاها الذي عز وانفرد # وهي ملخصة في الزبور فإنه قال في المزمور السابع والسبعين: صنع آياته ~~وعجائبه في مصارع صاعان، وجعل أنهارهم دما وصهاريجهم لكيلا يشربوا الماء: ~~أرسل عليهم الهوام وذباب الكلاب فأكلهم الضفادع وأفسدهم، أطعم القمل ثمارهم ~~والجراد كدهم، كسر بالبرد كرومهم، وبالجليد تبنهم، أسلم للبرد مواشيهم ~~وللحريق أموالهم، أرسل عليهم شدة حنقه سخطا وغضبا، أرسل ملائكة الشر، فتح ~~طرق سخطه، ولم يخلص من الموت أنفسهم، # PageV11P523 # أسلم للموت دوابهم، قتل جميع أبكار مصر وأول أولادهم في مساكن حام. وقال ~~في المزمور الرابع بعد المائة بعد أن ذكر صنائع الله عند بني إسرائيل ~~وآبائهم: بعث جوعا على الأرض، حطم زرع أرضهم، أرسل أمامهم رجلا، بيع يوسف ~~للعبودية، وأوثقوا بالقيود رجليه، صارت نفسه في الحديد حتى جاءت كلمته، ~~وقول الرب ابتلاه، أرسل الملك فأطلقه، وجعله رئيسا على شعبه، وأقامه ربا ~~على بنيه، وسلطانه على كل ما له، ليؤدب أراجينه كنفسه ويفقه مشايخه، دخل ~~إسرائيل مصر، وتغرب يعقوب في أرض حام، وكثر شعبه جدا، وعلا على أعدائه، ~~وصرف قلبه ليبغض شبعه ويغدر بعبيده، أرسل موسى عبده وهارون صفيه، فصنعا ~~فيهم آياته وعجائبه في أرض حام، بعث ظلمة فصار ليلا، وأسخطوا كلامه، فحول ~~مياههم دما، وأمات حيتانهم، وانبعثت أرضهم ضفادع في قياطين ملوكهم، أمر ~~الهوام فجاء وذباب الكلب والقمل في جميع تخومهم، جعل أمطارهم بردا، واشتعلت ~~النار في أرضهم، ضرب كرومهم وتبنهم، وكسر شجر تخومهم، أذن للجراد فجاء ~~وذباب لا يحصى، فأكل جميع عشب الأرض وثمارها، وقتل كل أبكار مصر وأول ولد ~~ولد ms2733 لهم غير أنه لم يذكر العصى، وكأن ذلك لشهرتها # PageV11P524 # جدا عندهم، ولأن جميع الآيات كانت بها، فهي في الحقيقة الآية الجامعة ~~للكل، وإنما قلت: إن الآيات هذه، لأن السياق يدل على أن فرعون رآها كلها، ~~وعاند بعد رؤيتها، وذلك إشارة إلى أنه لو أعطى كفار قريش ما اقترحوه من ~~تفجير الينبوع وما معه، لم يكفهم عن العناد، فالإتيان به عبث لا مصلحة فيه. # ولما كان اليهود الذين أمروا قريشا بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم عن الروح التي مضى الجواب عنها - كما في بعض الروايات - وعن أهل الكهف ~~وذي القرنين الآتي شرح قصتيهما في الكهف، نبههم على سؤالهم - إن كانوا ~~يقبلون كلامهم - عن أمر موسى عليه السلام في كونه كهذا النبي الكريم في أنه ~~بشر مع كونه رسولا وفي كونه أتى بالخوارق فكذب بها المعاندون فاستؤصل ~~المكذب، فقال تعالى: {فسئل} أي يا أعظم خلقنا! {بني إسراءيل} أي عامة الذين ~~نبهوا قريشا على أمر الروح عن حديث موسى عليه السلام أو المؤمنين كعبد الله ~~بن سلام وأصحابه {إذ} أي عن ذلك حين {جاءهم} أي جاء آباءهم، فوقع له من ~~التكذيب بعد إظهار المعجزات الباهرات ما وقع لك، ولم يكذب لخلل من أمره ولا ~~لقوة من عدوه على مدافعة # PageV11P525 # العذاب، وإنما كان جهلا وعنادا، ليكون ذلك مسلاة لك وعلما على خبث طباعهم ~~وحجة قاطعة عليهم {فقال} أي فذهب إلى فرعون فأمره بإرسالهم معه فأبى فأظهر ~~له الآيات واحدة بعد أخرى فتسبب عن ذلك ضد ما يقتضيه الحال، وهو أن قال {له ~~فرعون} عتوا واستكبارا: {إني لأظنك} أكد قوله لما أظهر موسى عليه السلام ~~مما يوجب الإذعان له والإيمان والإنكار لأن يكذبه أحد {يا موسى مسحورا *} ~~أي فكل ما ينشأ عنك فهو من آثار السحر الذي بك، خيال لا حقيقة له، وأنت في ~~الحقيقة مسحور، ولوجود السحر عنك ساحر، قال أبو عبيد: كما يقال: ميمون - ~~بمعنى يأمن. وكأنه موه على جنوده لما أراهم آية اليد بهذه الشبهة، وهذا كما ~~قالت قريش ms2734 {إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} وقالوا في موضع آخر: ساحر، فإنهم ~~ربما أطلقوا اسم المفعول مريدين اسم الفاعل مبالغة في أنه كالمجبر على ~~الفعل، وفي الأمر بسؤال اليهود تنبيه على ضلالهم، قال الشيخ ولي الدين ~~الملوي: ولعل منه اقتباس الأئمة في المناظرة مطالبة اليهود والنصارى ونحوهم ~~بإثبات نبوة أنبيائهم، فكل طريق يسلكون يسلك مثله في تقرير # PageV11P526 # نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل اعتراض يوردونه يورد عليهم ~~مثله، وما كان جوابا لهم فهو جواب لنا، ومن تفطن للآية الكريمة رأى منها ~~العجب في ذلك - انتهى ولم يؤمن فرعون على تواتر تلك الآيات وعظمها، فكأنه ~~قيل: فما قال موسى عليه السلام؟ فقيل: {قال} لفرعون: {لقد علمت} أي أنا بضم ~~التاء على قراءة الكسائي ليفيد أن عنده العلم القطعي بأن ما أتى به منزل من ~~ربه، فهو أعقل أهل ذلك الزمان وليس على ما ادعاه فرعون، أو بفتح التاء - ~~على قراءة الباقين أي أنك يا فرعون صرت بما أظهرته أنا من الأدلة في عداد ~~من يعلم أنه {ما أنزل} على يدي {هؤلاء} الآيات {إلا رب السماوات والأرض} أي ~~خالقهما ومدبرهما حال كون هذه الآيات {بصائر} أي بينات ثابتا أمرها عليا ~~قدرها، يبصر بها صدقي، وأما السحر فإنه لا يخفى على أحد أنه خيال لا حقيقة ~~له {وإني} أي وإن ظننتني يا فرعون مسحورا {لأظنك} أكد لما كان مع فرعون من ~~ينكر قوله ويظهر القطع بسعادة فرعون {يا فرعون مثبورا *} أي ملعونا مطرودا ~~مغلوبا مهلكا ممنوعا من الخير فاسد العقل، وظني قريب إلى الصحة بخلاف ظنك ~~لعنادك لرب العالمين، لوضوح مكابرتك للبصائر التي كشف عنها وبها الغطاء، ~~فهي أوضح من الشمس، وذلك لإخلادك إلى الحال # PageV11P527 # التي أنت بها وكسلك عن الانتقال عنها إلى ما هو أشرف منها، وقد بينت مدار ~~«ثبر» في {لا تثريب} في سورة يوسف عليه السلام، فإذا راجعتها اتضح لك ما ~~أشرت إليه {فأراد} أي فما تسبب عن هذا الذي هو موجب الإيمان في العادة إلا ~~أن فرعون ms2735 أراد {أن يستفزهم} أي يستخف موسى ومن آمن معه ويخرجهم فيكونوا ~~كالماء إذا سال، من قولهم: فز الجرح: سال {من الأرض} بالنفي والقتل للتمكن ~~من استعباد الباقين كما أراد هؤلاء أن يستفزوك من الأرض ليخرجوك منها ~~للتمكن مما هم عليه من الكفر والعناد؛ ثم أخذ يحذرهم سطواته بما فعل بمن ~~كانوا أكثر منهم وأشد فقال: {فأغرقناه} أي فتسبب عن ذلك أن رددنا - بما لنا ~~من العظمة - كيده في نحره: فلم نقدره على مراده واستفززناه نحن فلم يقدر ~~على الامتناع، بل خف غير عالم بما نريد به حتى أدخلناه في البحر حيث أدخلنا ~~بني إسرائيل فأنجيناهم وأغرقناه {ومن معه جميعا *} كما جرت به سنتنا فيمن ~~عاند بعد أن # PageV11P528 # رأى الخوارق وكفر النعمة وأفرط في البغي بعد ظهور الحق، فليحذر هؤلاء مثل ~~ذلك ولا سيما إذا أخرجنا رسولنا من بين ظهرانيهم ففي هذه الآية وأمثالها ~~بشارة له بإسلاكنا له في النصرة، والتمكن سبيل إخوانه من الرسل عليهم ~~السلام {وقلنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يتعاظمها شيء. # PageV11P529 # ولما كان هذا القول غير مستغرق لزمان البعد، أثبت الجار فقال تعالى: {من ~~بعده} أي الإغراق {لبني إسراءيل} الذين كانوا تحت يده أذل من العبيد ~~لتقواهم وإحسانهم: {اسكنوا الأرض} أي مطلق الأرض إشارة إلى أن فرعون كان ~~يريد محوهم عن الأرض أو إلى أن سكناهم مع وجوده كانت عدما، لما بهم من الذل ~~- والأرض التي أراد أن يستفزهم منها، وهي أرض مصر، أي صيروا بحيث تسكنونها ~~لا يد لأحد عليكم، ولا مانع لكم مما تريدون منها، كما كان فرعون وجنوده إذا ~~شئتم مملكين فيها بعد أن كنتم عبيدا تسامون سوء العذاب {فإذا جاء} أي مجيئا ~~محققا {وعد الآخرة} أي القيامة بعد أن سكنتم الأرض أحياء ودفنتم فيها ~~أمواتا {جئنا} أي بما لنا من العظمة {بكم} منها {لفيفا *} أي بعثناكم ~~وإياهم مختلطين، لا حكم لأحد على آخر، ولا دفع لأحد عن آخر على غير الحالة ~~التي كانت في الدنيا، ثم ميزنا # PageV11P529 # بعضكم عن بعض، ونعمنا ms2736 الطيب منكم بإهانة الخبيث، أن يسأل بنو إسرائيل ~~الذين يقبل هؤلاء المشركون الجهلة كلامهم ويستنصحونهم في أمورهم - عن هذا ~~الذي تلوناه عليك يخبروا به كما أخبرناك، فيثبت حينئذ عندهم أمر الآخرة، ~~وإلا كان قبولهم لبعض كلامهم دون بعض بغير دليل تحكما وترجيحا من غير مرجح. # ولما ثبت أمر الحشر بإثبات القدرة على كل ممكن تارة، وبإخبار بني إسرائيل ~~الذين ألزموا أنفسهم قبول كلامهم وقطع المفاوز إليهم لسؤالهم عن بعض الأمور ~~أخرى، ثبت أن هذا القرآن المخبر بذلك حق، وكانوا قد سألوه عن المسائل ~~المذكورة فأجابهم عن أولها وهي الروح بأمر مجمل وعقبه بأنهم سألوه في أشياء ~~اقترحوها وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفعلها، وأشار تعالى بالإخبار عن آيات ~~موسى عليه السلام إلى أنه لم يترك إجابتهم بخلا ولا عجزا، فإنها من جنس ما ~~سألوا من التصرف في المياه تارة بإنزالهما وتارة بتبديلها دما الموجب ~~للقدرة على إنبات الأشجار بها، ومن إسقاط السماء كسفا بإسقاط البرد المهلك، ~~فثبت بذلك صحة الإخبار بتصريف الأمثال في هذا الكتاب، # PageV11P530 # فعطف على قوله: {ولقد صرفنا} قوله تعالى: {وبالحق} أي من المعاني الثابتة ~~التي لا مرية فيها لا بغيره {أنزلناه} نحن القرآن أو هذا الذي أخبر منه ~~بالحشر لبني إسرائيل ملتفين بالقبط وبما قبله على ما لنا من العظمة ~~{وبالحق} لا بغيره {نزل} هو ووصل إليهم على لسانك بعد إنزاله عليك كما ~~أنزلنا سواء غضا طريا محفوظا لم يطرأ عليه طارىء، فليس فيه شيء من تحريف ~~ولا تبديل كما وقع في كتاب اليهود الذين يسألهم قومك، فأفاد هذا أن القرآن ~~معجز بكونه مع إعجازه بالبلاغة في تصريف الأمثال، وغيرها من نظم المقال ~~{وما أرسلناك} أي بما لنا من العظمة {إلا مبشرا ونذيرا *} على غاية التمكن ~~في كل من الوصفين - بما أشار إليه الواو والصيغة، تبلغهم ما فيه من بشارة ~~لمن آمن بذلك اليوم، ونذارة لمن لم يؤمن به، فإن قبلوا فهو حظهم، وإن لم ~~يقبلوا كان عليهم وزرهم، ولم يكن عليك لوم، فإنا ما أرسلناك عليهم ms2737 وكيلا، ~~وسنزهق باطلهم بهذا الحق لا محالة، فلا تستعجل لهم {إن الباطل كان زهوقا} ~~ولم نرسلك لتفجير الأنهار ولا إنبات الأشجار؛ ثم أخبر أن الحكمة في إنزال ~~القرآن منجما فقال تعالى: {وقرءانا} أي وفصلنا أو وأنزلنا قرآنا {فرقناه} ~~أي أنزلناه منجما في أوقات # PageV11P531 # متطاولة وميزناه بالحقيقة عن كل باطل، وبالإعجاز عن كل كلام {لتقرأه على ~~الناس} أي عامة كل من أمكنك منهم، فإنك مرسل إليهم كلهم. # ولما كانوا لما لهم من النوس في غاية الزلزلة، لا يتهذبون إلا في أزمان ~~طويلة وعلاج كبير، قال مشيرا إلى ذلك: {على مكث} أي تؤدة وترسل بأن تقرأ ~~منه كل نجم في وقته الذي أنزلناه فيه مدة ثلاث وعشرين سنة {ونزلناه} من ~~عندنا بما لنا من العظمة {تنزيلا *} بعضه في إثر بعض، مفرقا بحسب الوقائع ~~لأنه أتقن في فصلها، وأعون على الفهم لطول التأمل لما نزل من نجومه في مدة ~~ما بين النجمين لغزارة ما فيه من المعاني، وكثرة ما تضمنه من الحكم، وذلك ~~أيضا أقرب للحفظ، وأعظم تثبيتا للفؤاد، وأشرح للصدر، لأن أخبار الحبيب إذا ~~كانت متواصلة كان المحب كل يوم في عيد، بهناء جديد، فعلنا بك ذلك لما تقدم ~~من أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلما طالت الدلائل، وزالت ~~الشبه، وعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلما طالت الدلائل، ~~وزالت الشبه، وعلم أن الحظ لمن أقبل، والخيبة لمن أدبر، أمره أن يقول منبها ~~لهم على ذلك # PageV11P532 # مبكتا لهم بتقاعسهم عنه وعنادهم فيه بقوله تعالى: {قل آمنوا به} أي ~~القرآن {أو لا تؤمنوا} فالإيمان به غير محتاج إليكم ولا موقوف عليكم لأنكم ~~إن آمنتم به كان الحظ لكم، وإلا لم تضروا إلا أنفسكم، وهو احتقار لهم حيث ~~صرف لهم من كل مثل فأبوا إلا كفورا، ثم علل ذلك بما يقبل بكل ذي لب إليه، ~~فإن كان ل «قل» فهو تسلية له صل الله عليه وعلى آله وسلم، وإن كان لما ~~بعدها فهو تبكيت لهم وتحقير، فقال تعالى: ms2738 {إن الذين أوتوا العلم} وبني ~~للمفعول دلالة على أن العلم الرباني - وهو العلم في الحقيقة من أي مؤت كان، ~~حاث على الإيمان بهذا القرآن، وتنبيها على أن من كان يعلم ولا يحمله علمه ~~على الإيمان بهذا الكتاب الذي لا شيء أبين من حقيقته بمصادقته لكتب ~~الأنبياء الذين ثبتت رسالاتهم ومضت عليها الدهور، واطمأنت بها النفوس، ~~وزيادته عليها بما أودعه الله من الإعجاز والحكم - فعلمه كلا علم بل هو ~~أجهل الجهلة، سواء كان ممن سألتموه عني أو من غيرهم - كما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى تحقيقه في الزمر. # ولما كان المراد أن من اتصف بهذا الوصف ولو زمنا يسيرا نفعه، أدخل الجار ~~فقال مرغبا في العلم ليحمل على الإيمان بالقرآن: {من قبله} أي قبل إنزاله ~~ممن آمن من بني إسرائيل # PageV11P533 # الذين أمرني الله بسؤالهم تسميعا لكم وتثبيتا لكونكم أقبلتم عليهم ~~بالسؤال وجعلتموهم محط الوثوق: {إذا يتلى} أي من أي تال كان {عليهم} في وقت ~~من الأوقات، ينقلهم من حال إلى حال، فيرقيهم في مدارج القرب ومعارج الكمال، ~~إلى أعلى الرتب، بأنهم {يخرون} أي يسقطون بسرعة؛ وأكد السرعة وأفاد ~~الاختصاص بقوله تعالى: {للأذقان} باللام دون إلى أو على، دالا بالأذقان على ~~أنهم من شدة ما يحصل لهم من الخشوع يسقطون سقوط من ليس له اختيار، وأول ما ~~يلاقي الأرض ممن يسقط كذلك ذقنه، وهو مجتمع اللحيين من منبت لحيته - فإن ~~الإنسان مجبول بالطبع على صيانة وجهه، فهو يرفع رأسه فتصير ذقنه وفمه أقرب ~~ما في وجهه إلى الأرض حال السقوط، ولهذا قال شاعرهم: فخر سريعا لليدين ~~وللفم. # ثم بين أن ذلك ليس سقوطا اضطراريا من كل جهة بقوله تعالى: {سجدا *} أي ~~يفعلون ذلك لما يعلمون من حقيته بما أوتوا من العلم السالف، وما في قلوبهم ~~من الإذعان، والخشية للرحمن {ويقولون} أي على وجه التحديد المستمر: {سبحان ~~ربنا} أي تنزه # PageV11P534 # الموجد لنا، المدبر لأمورنا، المحسن إلينا، عن شوائب النقص، لأنه وعد على ~~ألسنة رسلنا أن يبعثنا بعد الموت ووعده الحق، فلا بد أن ms2739 يكون، ووعد أن يأتي ~~بهذا الكتاب على لسان هذا النبي العربي، وأوصل هذا الوعد إلينا في الكتب ~~السالفة فأنجز ما سبق به وعده {إن} أي أنه {كان} أي كونا لا ينفك {وعد ~~ربنا} أي المحسن إلينا بالإيمان، وما تبعه من وجوه العرفان {لمفعولا *} دون ~~خلف، ولا بد أن يأتي جميع ما وعد به من الثواب والعقاب، وهو تعريض بقريش ~~حيث كانوا يستهزئون بالوعيد في قولهم {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا} ~~ونحوه مما معناه الطعن في قدرة الله القادر عل كل شيء {ويخرون} عند تكرار ~~سماعه {للأذقان} مع سجودهم {يبكون ويزيدهم} تكراره {خشوعا *} أي خضوعا ~~وتواضعا وإخباتا، فإن كان سؤالكم إياهم لتؤمنوا إذا أخبروكم أني على الحق ~~فآمنوا، وإن كان لغير ذلك فقد تبين سفهكم وضعف أمركم وسوء رأيكم، وعبر في ~~البكاء بالفعل إشارة إلى تجدده في بعض الأحيان لما لهم في بعضها من السرور ~~ببعض ما أبيح من الملاذ، وفي السجود بالاسم إشارة إلى دوام ذلهم بالسجود ~~المشروع، أو بمطلق الخضوع، وسيأتي في سورة مريم ما يزيده وضوحا. # PageV11P535 # ولما كان إيمان أهل العلم الأول به وإذعانهم له وتركهم لأديانهم - التي ~~أخذوها عن الأنبياء الآتين إليهم بالكتب لأجله بعد إقامة الدليل القاطع على ~~أنه من عند الله - موجبا لكل من له أدنى إنسانية أن يؤمن به ويقبل عليه ~~ويدعو من أنزله دون غيره دائما، لا في أوقات الشدة فقط {وإذا مسكم الضر في ~~البحر ضل من تدعون إلا إياه} وكانت أوقات الإجابة أولى بالدعاء من غيرها، ~~وكانت حالة السجود لا سيما مع البكاء والخشوع أولاها «أقرب ما يكون العبد ~~من ربه وهو ساجد» كان المعاندون من العرب كأنهم قالوا لأن ذلك من شأنهم ومن ~~حقهم بعد ما قام من الأدلة: آمنا فعلمنا كيف ندعو وبأي اسم نهتف؟ ولما كان ~~الجلالة هو الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، وكان قد ورد في النحل ~~من التنويه به ما لم يرد في غيرها لما تقدم من الأسرار مع أنه عد فيها من ms2740 ~~النعم ما لم يعد في غيرها، ومنها تعليم الإنسان البيان، وذلك أليق باسم ~~الرحمن {الرحمن علم القرآن} [الرحمن: 1] الآيات، وكانت الرحمة دنيوية ~~وأخروية من الخالق ومن الخلائق قد كررت في هذه السورة ثماني مرات {عسى ربكم ~~أن يرحمكم} ، {جناح الذل من الرحمة} ، # PageV11P536 # {وقل رب ارحمهما} {ابتغاء رحمة من ربك} ، {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم} ~~، {إنه كان بكم رحيما} ، {إلا رحمة من ربك} خزائن رحمة ربي وكان ذلك ظاهرا ~~في إرادة عمومها، فكان اسم الرحمن به أليق، وقع الجواب بقوله تعالى: {قل ~~ادعوا الله} أي الملك الأعظم ذا الجلال والإكرام في ذات إحاطته {أو ادعوا ~~الرحمن} في معنى استغراقه بالرحمة، أي سموا - أي أوقعوا الدعاء مسمين في ~~حال دعائكم - ربكم الذي سبحتموه في السجود بأي اسم أردتم مما أذن فيه، ~~فاهتفوا بهذا الاسم الدال على الجلال، واستحقاق مسماه الدعاء لذاته، أو ~~بهذا الاسم الدال على الجمال واستحقاقه الدعاء لإنعامه، مطلقا وفي حالة ~~السجود {أيا ما تدعوا} أي به من أسمائه فقد حصلتم به على القصد، فإن المسمى ~~واحد وإن تعددت أسماؤه الدالة على الشرف. ولما كان في الرحمن جمال ظاهر في ~~باطنه جلال، لأن عموم الرحمة لبعض نعمة، ولبعض استدراج ونقمة، فكان لذلك ~~جامعا لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، سبب عن ذكر كل من الاسمين: ~~العلم الجامع، والوصف الواقع موقعه، قوله: {فله} أي المسمى بهذين الاسمين ~~وحده، وهو الواحد الأحد {الأسماء الحسنى} هذان الاسمان # PageV11P537 # وغيرهما مما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو دال على ~~التحميد والتمجيد والتقديس والتعظيم، فهذا الضمير استخدام، وقد تضمن هذا ~~القول أن معنى اسم الرحمن أشمل من اسم الرحيم وإن كان بناء كل منهما ~~للمبالغة؛ قال الإمام أبو الحسن الحرالي رحمه الله في شرحه للأسماء الحسنى: ~~الرحمانية استغراق الخلق بالرحمة في إنشائهم، والرحيمية إجراء الخلق على ما ~~يوافق حسهم ويلائم خلقهم وخلقهم ومقصد أفئدتهم، فإذا اختص ذلك بالبعض كان ~~رحيمية، وإذا استغرق كان رحمانية ولاستغراق معنى اسم الرحمن لم يكن لتمام ~~معناه ms2741 وجود الخلق، فلم يجر بحق على أحد منهم، وإنما يوجد فيهم حظ خاص من ~~معناه يجري عليهم به اسم الرحيم لا اسم الرحمن، فلذلك لحق اسم الرحمن في ~~معنى استغراقه باسم الله في ذات إحاطته فقال تعالى {قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن} فإذا تحقق القلب اختصاصه بالله علما كان أصلا للفظ به قولا فعلمت ~~أنه لا رحمن إلا الله كما أنه لا إله إلا الله، ولحق باسم الإله فقد علم ~~فقد التمام لمعناه في الخلق كما قد فقد أصل علم الاعتبار من معناه في اسم ~~إله، والتوحيد في اسم الرحمن واجب لاحق بالفرض في توحيد الإله، ولذلك ولي ~~اسم الله في موارده في الكتب وفي هذا التعديد أي الوارد في # PageV11P538 # حديث الترمذي والبزار وغيرهما من أسماء الله الحسنى عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه - انتهى. # وقد مر في آخر الحجر ما ينفع هنا. # ولما ذكر السجود وعقبه بالدعاء، أشار إلى أنه في كل حالة حسن، وفي الصلاة ~~أولى وأحسن، بعد أن ذكر قريبا الصلوات الخمس، وكان ربما فهم من قوله {إن ~~قرءان الفجر كان مشهودا} ، ومن قوله: {إذا يتلى عليهم} قوة الجهر به قال ~~تعالى: {ولا تجهر بصلاتك} أي بقراءتك فيها، أو سمى القراءة صلاة لأنها شرط ~~فيها جهرا قويا حتى تسمعه المشركون، فإن المخالفين قد عرف عنادهم فلا يؤمن ~~سبهم للقرآن ولمن أنزله ولمن جاء به، بل كانوا يفعلون ذلك ويلغون، وربما ~~صفقوا وصفروا ليغلطوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويخلطوا عليه ~~قراءته {ولا تخافت} أي تسر {بها} إسرارا بليغا كأنك تناظر فيه آخر بحيث لا ~~تسمع من وراءك ليأخذوه عنك {وابتغ} أي اطلب بغاية جهدك {بين ذلك} أي الجهر ~~والمخافتة التي أفهمت أداة البعد عظمة شأنهما {سبيلا *} أي طريقا وسطا؛ روى ~~البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: نزلت ~~ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه ~~رفع صوته بالقرآن، # PageV11P539 # فإذا سمعه المشركون ms2742 سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله عز وجل ~~لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم {ولا تجهر بصلاتك} أي بقراءتك، فيسمع ~~المشركون فيسبوا القرآن {ولا تخافت بها} عن أصحابك فلا تسمعهم - انتهى. # أطلق هنا اسم الكل على الجزء إشارة إلى أن المقصود الصلاة وفيما تقدم اسم ~~الجزء على الكل لأن المقصود الأعظم هناك القراءة في الفجر، وروى البخاري عن ~~عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في الدعاء، وقد تقدم غير مرة أنه ~~ليس ببدع أن يكون للشيء أسباب كثيرة. # ولما تقدم إحاطة هذين الاسمين، أما الله فبجميع معاني الأسماء الحسنى، ~~وأما الرحمن فبالرحمانية، المأمور بالدعاء بهما كل مخاطب، خصه صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم بالأمر بالتحميد الذي معناه الإحاطة واسمه صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم مشتق منه لاتصافه به حامدا ومحمودا، وبالتكبير عن كل ما ~~يفهمه العباد من أسمائه الحسنى فقال تعالى: {وقل الحمد} أي الإحاطة ~~بالأوصاف الحسنى {لله} أي الملك الأعظم {الذي لم يتخذ} لكونه محيطا بالصفات ~~الحسنى {ولدا} فإن ذلك لا يكون إلا للحاجة وبالحاجة وهي من أسوأ الأوصاف ~~{ولم يكن} أي يوجد بوجه من الوجوه {له شريك في الملك} # PageV11P540 # ولا ولد ولا غيره فإن ذلك لا يكون إلا بالعجز {ولم يكن له ولي} ناصر أعم ~~من أن يكون ذلك الناصر ولدا أو شريكا أو غيره: ثم قيده واصفا بقوله تعالى: ~~{من الذل} إفهاما بأن له أولياء جاد عليهم بالتقريب وجعلهم أنصارا لدينه ~~رحمة منه لهم لا احتياجا منه إليهم {وكبره} عن أن يشاركه أحد في شيء من ~~الأشياء وعن كل ما يفهمه فاهم، ويصفه به واصف، والتكبير أبلغ لفظ للعرب في ~~معنى التعظيم والإجلال - قاله أبو حيان. وأكد بالمصدر تحقيقا له وإبلاغا في ~~معناه، أي فقال: {تكبيرا} عن أن يدرك أحد كنه معرفته أو يجهله أحد من كل ~~وجه، بل احتجب سبحانه بكبريائه وجلاله فلا يعرف، وتجلى بإكرامه وكماله فلا ~~ينكر، فكان صريح اتصافه بالحمد أنه تعالى متصف بجميع صفات ms2743 الكمال، وصريح ~~وصفه بنفي ما ذكر أنه منزه عن شوائب النقص وأنه أكبر من كل ما يخطر للعباد ~~المطبوعين على النقص المجبولين على غزائز العجز، ولذلك وغيره من المعاني ~~العظمى سمى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الآية آية العز كما رواه ~~الإمام أحمد عن سهل عن أبيه رضي الله عنهما، وذلك عين ما افتتحت # PageV11P541 # به السورة من التنزيه وزيادة - والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه ~~المرجع والمآب. # PageV11P542 # مقصودها وصف الكتاب بأنه قيم، لكونه زاجرا عن الشريك الذي هو خلاف ما قام ~~عليه الدليل في) سبحان (من أنه لا وكيل دونه، ولا إله إلا هو، وقاصا بالحق ~~أخبار قوم قد فضلوا في أزمانهم وفق ما وقع الخبر به في) سبحان (من أنه يفضل ~~من يشاء، ويفعل ما يشاء، وأدل ما فيها على هذا المقصد قصة أهل الكهف لأن ~~خبرهم أخفى ما فيها من القصص مع أن سبب فراقهم لقومهم الشرك، وكان # PageV12P001 # أمرهم موجبا - بعد طول رقادهم - للتوحيد وإبطال الشرك) بسم الله (الذي لا ~~كفوء له ولا شريك) الرحمن (الذي أقام عباده على أوضح الطرق بقيم الكتاب) ~~الرحيم (بتفضيل من اختصه بالصواب. # PageV12P002 # لما ختمت تلك بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالحمد عن التنزه عن صفات ~~النقص لكونه أعلم الخلق بذلك، بدئت هذه بالإخبار باستحقاقه سبحانه الحمد ~~على صفات الكمال التي منها البراءة عن كل نقص، منبها بذلك على وجوب حمده ~~بما شرع من الدين على هذا الوجه الأحكم بهذا الكتاب القيم الذي خضعت لجلاله ~~العلماء الأقدمون، وعجز عن معارضته الأولون والآخرون، الذي هو الدليل على ~~ما ختمت به تلك من العظمة والكمال، والتنزه والجلال، فقال ملقنا لعباده ~~حمده، معلما لهم كيف يثنون عليه، مفقها لهم في اختلاف العبارات باختلاف ~~المقامات: {الحمد} أي الإحاطة بصفات الكمال {لله} أي المستحق لذلك لذاته. # ولما أخبر باستحقاقه ذلك لذاته، أخبر بأنه يستحقه أيضا لصفاته وأفعاله، ~~فقال تعالى: {الذي} ولما كان المراد وصف جملة الكتاب # PageV12P002 # بالإعجاز من غير نظر إلى التفريق واللتدريج، عبر ms2744 بالإنزال دون التنزيل ~~فقال: {أنزل} وعدل عن الخطاب بأن يقول: عليك، كما يقول: فلعلك باخع نفسك، ~~كما في ذلك من الوصف بالعبودية والإضافة إليه سبحانه من الإعلام بتشريفه ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتنبيه على علة تخصيصه بالإنزال عليه كما ~~تقدم في سورة البقرة، فقال. مقدما له على المنزل لأن المراد الدلالة على ~~صحة رسالته بما لا يحتاج فيه قريش إلى سؤال اليهود ولا غيرهم من تخصيصه بما ~~لا يقدر عليه غيره: {على عبده} وإشارة إلى أنه الذي أسرى به إلى حضرات مجده ~~ليريه من آياته {الكتاب} الجامع لمعاني الكتب المشار إليه في آخر التي ~~قبلها بما أشير إليه من العظمة كما آتى موسى التوراة الآمرة بالعدل في ~~الأحكام، وداود الزبور الحادي إلى الزهد والإحسان، على ما أشير إليه في ~~{سبحان} . # ولما كان الجامع لا يخلو من عوج أو قابلية له إلا أن كان من علام الغيوب، ~~نفى القابلية والإمكان دلالة على أنه من عنده لينتفي العوج بطريق الأولى ~~فقال تعالى: {ولم} أي والحال أنه لم {يجعل له} ولم يقل: فيه {عوجا *} أي ~~شيئا من عوج، أي بل هو مستقيم في جميع معانيه من غير اختلاف أصلا، هاد إلى ~~كل # PageV12P003 # صواب، لأن العوج - بالكسر: فقد الاستقامة في المعاني، وبالفتح في ~~الأعيان؛ وأتبعه حالا أخرى له بقوله تعالى: {قيما} تصريحا باللازم تأكيدا ~~له، ومقيدا أنه مهيمن على ما قبله من الكتب مقيم لغيره، وقد مضى في الفاتحة ~~ثم في الأنعام عن الإمام سعد الدين التفتازاني الشافعي رحمه الله أن كل ~~سورة افتتحت بالحمد فللإشارة إلى نعمة من أمهات النعم التي هي إيجاد وإبقاء ~~أولا، وإيجاد وإبقاء ثانيا، وأنه أشير في الفاتحة لكونها أم الكتاب إلى ~~الأربع، وفي الأنعام إلى الإيجاد الأول وهو ظاهر، وفي هذه السورة إلى ~~الإبقاء الأول، فإن نظام العالم وبقاء النوع الإنساني يكون بالنبي والكتاب. # انتهى. ويؤيده أنه في هذه السورة ذكر أنه انتظم بأهل الكهف أمر من اطلع ~~عليهم من أهل زمانهم ثم بالخضر عليه السلام ms2745 كثير من الأحوال، ثم بذي ~~القرنين أمر جميع أهل الأرض بما يسر له من الأسباب التي منها السد الذي ~~بيننا وبين ياجوج وماجوج الذين يكون بهم. إذا أخرجهم الله تعالى - فساد ~~الأرض كلها، ثم ذكر في التي تليهما من أهل وده واصطفائه من اتبعهم لنظام ~~العالم بما وفقهم له من طاعته، وبصرهم به من معرفته، واستمر كذلك في أكثر ~~السور حتى ذكر السورة التي أشار فيها إلى الإيجاد الثاني، وأتبعها بالتي ~~أشار فيها إلى الإبقاء الثاني، ولما كان إبقاء الأول يقتضي مهلة لبلوغ حد ~~التكليف وإجراء القلم # PageV12P004 # ثم مهلة أخرى يكون فيها العمل والاستعداد لما لأجله كان هذا الوجود من ~~العرض على الرحمن، للجزاء بالإساءة أو الإحسان، ومهلة أخرى يحبس فيها ~~السابق من الخلائق إلى ورود مشرع الموت لانتظار اللاحق، إلى بلوغ ما ضرب ~~سبحانه من الآجال، لأزمان الإمهال، وقيام الناس أجمعين، لرب العالمين، وهو ~~البرزخ وكان ما قبل التكليف شبيها بالعدم إلا في تعلم الكتاب والتوحيد ~~والاجتماع على أهل الدين والوفاء بما تقدموا فيه بالعهد من الأحكام، ودربوا ~~عليه من الحلال والحرام، أشير إليه بما بين الفاتحة والأنعام التي هي سورة ~~الإيجاد الأول من السور الأربع، وكأن سن الاحتلام كان أول الإيجاد من ~~الإعدام، وأشير إلى بقية العمر وهو زمان التكليف بما بين الأنعام وهذه ~~السورة من السور التي ذكر فيها مصارع الأولين وأخبار الماضين تحذيرا من مثل ~~أحوالهم، لمن نسج على منوالهم، وختمت بالتحميد مقترنا بالتوحيد إشارة إلى ~~أنه يجب الاجتهاد في أن يختم الأجل في أعلى ما يكون من خصال الدين، وأشير ~~إلى مهلة البرزخ بما بين هذه وسورة الإيجاد الثاني من السور التي ذكر في ~~غالبها مثل ذلك، وأكثر فيها كلها من ذكر الموت وما بعده من البرزخ الذي ~~يكون لانقطاع العلائق باجتماع الخلائق، لأجل التجلي في رد العظمة، والكشف ~~البليغ عن نفوذ الكلمة، # PageV12P005 # والتحلي بالحكم باستقرار الفريقين في دار النعيم أو غار الجحيم، وأكثر ~~فيما بين هذه وبين سبأ من أمر البعث كثرة ليست فيما ms2746 مضى حتى صدر بعضها به، ~~وبناها عليه كسورتي الأنبياء {اقترب للناس حسابهم} [الأنبياء: 1] والحج {إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم} [الحج: 1] ولما لم يكن بين البعث وما بعده مهلة ~~لشيء من ذلك، عقب سورة الإيجاد الثاني بسورة الإبقاء الثاني من غير فاصل ~~ولا حاجز ولا حائل - والله أعلم. # ولما وصف الكتاب بما له من العظمة في جميع ما مضى من أوصافه من الحكمة ~~والإحكام، والتفصيل والبيان، والحقية، والإخراج من الظلمات إلى النور، ~~والجمع لكل معنى والتبيان لكل شيء، أتبعه ذكر فائدته مقدما ما هو الأهم من ~~درء المفسدة بالإنذار، لأنه مقامه كما هو ظاهر من {سبحان} فقال: {لينذر} ~~وقصره على المفعول الأول ليعم كل من يصح قبوله الإنذار ولو تقديرا، وليفيد ~~أن الغرض بيان المنذر به لا المنذر {بأسا شديدا} كائنا {من لدنه} أي أغرب ~~ما عنده من الخوارق بما في هذا الكتاب من الإعجاز لمن خالف أمره من عذاب ~~الدنيا والآخرة كوقعة بدر وغيرها المفيد لإدخال الإسلام # PageV12P006 # عليهم وهم كارهون، بعد ما كانوا فيه من القوة وهو من الضعف {ويبشر ~~المؤمنين} أي الراسخين في هذا الوصف {الذين يعملون الصالحات} وهو ما أمر به ~~خالصا له، وذلك من أسنان مفتاح الإيمان {أن لهم} أي من حيث هم عاملون {أجرا ~~حسنا *} وهو النعيم، حال كونهم {ماكثين فيه أبدا *} بلا انقطاع أصلا، فإن ~~الأبد زمان لا آخر له، فجمعت هاتان العلتان جميع معاني الكتاب فإنه لا يكون ~~كذلك إلا وقد جمع أيضا جميع شرائع الدين وأمر المعاش وأمر المعاد وما ~~يعنيهم فعله أو تركه أو اعتقاده، وما يتبع ذلك، وذلك هو القيم، أي المستقيم ~~في نفسه، المقيم لغيره. # ولما كان الغالب على الإنسان المخالفة للأوامر، لما جبل عليه من النقائص، ~~كان الإنذار فأهم أعاده لذلك ولأن المقام له كما مضى، ذاكرا فيه بعض ~~المتعلق المحذوف من الآية التي قبلها، تبكيتا لليهود المضلين لهؤلاء العرب ~~ولمن قال بمقالتهم فقال تعالى: {وينذر} # PageV12P007 # واقتصر هنا على المفعول الأول ليذهب الفكر في الثاني الذي عبر عما يحتمل ms2747 ~~تقديره به فيما مضى ب {لدنه} - كل مذهب فيكون أهول {الذين قالوا اتخذ الله} ~~أي تكلف ذو العظمة التي لا تضاهى كما يتكلف غيره أن أخذ {ولدا *} وهم بعض ~~اليهود والنصارى والعرب؛ قال الأصبهاني: وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر ~~قصة كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كون ذلك لبعض أعظم جزئيات ذلك ~~الكل، ولم أجعل الآية من الاحتباك لنقص المعنى، ثم استأنف معللا في جواب من ~~كأنه قال: ما لهم خصوا به الوعيد الشديد؟ فقال تعالى: {ما لهم به} أي القول ~~{من علم} أصلا لأنه مما لا يمكن أن يعلق العلم به لأنه لا وجود له ولا يمكن ~~وجوده، ثم قرر هذا المعنى وأكد بقوله تعالى: {ولا لأبائهم} الذين هم ~~مغتبطون بتقليدهم في الدين حتى في هذا الذي لا يتخيله عاقل، ولو أخطؤوا في ~~تصرف دنيوي لمن يتبعوهم فيه، تنبيها عل أنه لا يحل لأحد أن يقول على الله ~~تعالى ما لا علم له به، ولا سيما في أصول الدين، ثم هول أمر ذلك بقوله ~~تعالى: {كبرت} أي مقالتهم هذه {كلمة} # PageV12P008 # أي ما أكبرها من كلمة! وصور فظاعة اجترائهم على النطق بها بقوله تعالى: ~~{تخرج من أفواههم} أي لم يكفهم خطورها في نفوسهم، وترددها في صدورهم، حتى ~~تلفظوا بها، وكان تلفظهم بها على وجه التكرير - بما أشار إليه التعبير ~~بالمضارع؛ ثم بين ما أفهمه الكلام من أنه كما أنهم لا علم لهم بذلك لا علم ~~لأحد به أصلا، لأنه لا وجود له فقال تعالى: {إن} أي ما {يقولون إلا كذبا *} ~~أي قولا لا حقيقة له بوجه من الوجوه. # وقال ابن الزبير في برهانه: من الثابت المشهور أن قريشا بعثوا إلى اليهود ~~بالمدينة يسألونهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأجابت ~~يهود بسؤاله عن ثلاثة أشياء، قالوا: فإن أجابهم فهو نبي، وإن عجز فالرجل ~~متقول فرؤا فيه رأيكم، وهي الروح، وفتية ذهبوا في الدهر الأول وهم أهل ~~الكهف، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ms2748 فأنزل الله عليه جواب ما ~~سألوه، وبعضه في سورة الإسراء {ويسئلونك عن الروح} [الإسراء: 85] الآية، ~~واستفتح سبحانه وتعالى سورة الكهف بحمده، وذكر نعمة الكتاب # PageV12P009 # وما أنزل بقريش وكفار العرب من البأس يوم بدر وعام الفتح، وبشارة ~~المؤمنين بذلك وما منحهم الله تعالى من النعيم الدائم، وإنذار القائلين ~~بالولد من النصارى وعظيم مرتكبهم وشناعة قولهم {إن يقولون إلا كذبا} وتسلية ~~نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمر جميعهم {فلعلك باخع نفسك} ~~[الكهف: 6] ، والتحمت الآي أعظم التحام، وأحسن التئام، إلى ذكر ما سأل عنه ~~الكفار من أمر الفتية {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ~~عجبا} [الكهف: 9] ثم بسطت الآي قصتهم، وأوضحت أمرهم، واستوفت خبرهم؛ ثم ذكر ~~سبحانه أمر ذي القرنين وطوافه وانتهاء أمره، فقال تعالى {ويسئلونك عن ذي ~~القرنين} [الكهف: 83] الآيات، وقد فصلت بين القصتين بمواعظ وآيات مستجدة ~~على أتم ارتباط، وأجل اتساق، ومن جملتها قصة الرجلين وجنتي أحدهما وحسن ~~الجنتين وما بينهما وكفر صاحبهما واغتراره، وهما من بني إسرائيل، ولهما ~~قصة، وقد أفصحت هذه الآي منها باغترار أحدهما بما لديه وركونه إلى توهم ~~البقاء، وتعويل صاحبه على ما عند ربه ورجوعه إليه وانتهاء أمره - بعد ~~المحاورة الواقعة في الآيات بينهما - إلى إزالة ما تخيل المفتون بقاءه، ~~ورجع ذلك كأن لم يكن، ولم يبق بيده إلا الندم، ولا صح له من جنته بعد عظيم ~~تلك البهجة سوى التلاشي والعدم، وهذه حال من ركن إلى ما سوى المالك، ومن كل ~~شيء إلا وجهه سبحانه وتعالى فان وهالك {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} ~~[محمد: 36] {ففروا إلى الله} [ # PageV12P010 # الذاريات: 50] ثم أعقب ذلك بضرب مثل الحياة الدنيا لمن اعتبر واستبصر، ~~وعقب تلك الآيات بقصة موسى والخضر عليها السلام إلى تمامها، وفي كل ذلك من ~~تأديب بني إسرائيل وتقريعهم وتوبيخ مرتكبهم في توقفهم عن الإيمان وتعنيفهم ~~في توهمهم عند فتواهم لكفار قريش بسؤاله عليه السلام عن القصص الثلاث أن قد ~~حازوا العلم وانفردوا بالوقوف على ما لا يعلمه غيرهم، فجاء جواب ms2749 قريش بما ~~يرغم الجميع ويقطع دابرهم، وفي ذكر قصة موسى والخضر إشارة لهم لو عقلوا، ~~وتحريك لمن سبقت له منهم السعادة، وتنبيه لكل موفق في تسليم الإحاطة لمن هو ~~العليم الخبير، وبعد تقريعهم وتوبيخهم بما أشير إليه عاد الكلام إلى بقية ~~سؤالهم فقال تعالى {يسئلونك عن ذي القرنين} إلى آخر القصة، وليس بسط هذه ~~القصص من مقصودنا وقد حصل، ولم يبق إلا السؤال عن وجه انفصال جوابهم ووقوعه ~~في السورتين مع أن السؤال واحد، وهذا ليس من شرطنا فلننسأه بحول الله إلى ~~موضعه إن قدر به - انتهى. # وقد تقدم في سورة الإسراء من الجواب عن هذا أن الروح ضمت إليها، لأنه من ~~سر الملكوت كالإسراء، وبقي أنه لما أجمل سبحانه أمرها لما ذكر من عظيم ~~السر، وعيب عليهم اشتغالهم بالسؤال وترك ما هو من عالمها، وهو أعظم منها ~~ومن كل ما برز إلى الوجود من ذلك العالم من الروح # PageV12P011 # المعنوي الذي به صلاح الوجود كله، وهو القرآن العظيم، وعظم أمره بما ذكر ~~في الإسراء إلى أن اقتضى الحال في إنهاء عظمته أن يدل على إصلاح الوجود به ~~بما حرره وفصله وقرره من أمر السؤالين الباقيين اللذين هما من ظاهر الملك ~~فيما ضم إليهما مما تم به الأمر، واتضح به ما له من جليل القدر، كان الأكمل ~~في ذلك أن يكون ما انتظم به ذلك سورة على حدتها، ولما كان أمر أهل الكهف من ~~حفظ الروح في الجسد على ما لم يعهد مثله ثم إفاضتها، قدم الجواب عن السؤال ~~عنهم ليلي أمر الروح، وختم بذي القرنين لإحاطة أمره بما طاف من الأرض، ولما ~~جعل من السد علما على انقضاء شأن هذه الدار وختام أمرها، وطي ما برز من ~~نشرها والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولما كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم شفقة عليهم ~~وغيرة على المقام الإلهي الذي ملأ قلبه تعظيما له، خفض عليه سبحانه بقوله ~~تعالى: {فلعلك باخع} أي فتسبب عن قولهم هذا، المباين جدا لما ms2750 تريد لهم، ~~الموجب لإعراضهم عنك أنك تشفق أنت ومن يراك على تلك الحالة من أتباعك من أن ~~تكون قاتلا {نفسك} من شدة الغم والوجد، وأشار إلى شدة نفرتهم وسرعة ~~مفارقتهم وعظيم مباعدتهم بقوله تعالى: {على ءاثارهم} أي حين تولوا # PageV12P012 # عن إجابتك فكانوا كمن قوضوا خيامهم وأذهبوا أعلامهم {إن لم يؤمنوا} . # ولما صور بعدهم، صور قرب ما دعاهم إليه ويسر تناوله بقوله تعالى: {بهذا ~~الحديث} أي القيم المتجدد تنزيله على حسب التدريج {أسفا *} منك على ذلك، ~~والأسف: أشد الحزن والغضب؛ ثم بين علة إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما ~~يقدر عليه من التبليغ للبشارة والنذارة بأنهم لم يخرجوا عن مراده سبحانه، ~~وأن الإيمان لا يقدر على إدخاله قلوبهم غيره فقال تعالى: {إنا} أي لا نفعل ~~ذلك لأنا {جعلنا} بما لنا من العظمة {ما على الأرض} من المواليد الثلاثة: ~~الحيوان والمعدن والنبات {زينة لها} بأن حسناه في العيون، وأبهجنا به ~~النفوس، ولولا مضرة الحيوانات المؤذية من الحشرات وغيرها كانت الزينة بها ~~ظاهرة، والظاهر أنه لو أطاع الناس كلهم لذهبت مضرتها فبدت زينتها، كما يكون ~~على زمن عيسى عليه السلام حيث تصير لعبا للولدان. # ولما أخبر بتزيينها، أخبر بعلته فقال تعالى: {لنبلوهم} أي نعاملهم معاملة ~~المختبر الذي يسأل لخفاء الأمر عليه بقوله تعالى: {أيهم أحسن عملا *} أي ~~بإخلاص الخدمة لربه، فيصير ما كنا نعلمه منهم ظاهرا بالفعل # PageV12P013 # تقام به عليهم الحجة على ما يتعارفونه بينهم بأن من أظهر موافقة الأمر ~~فيما نال من الزينة حاز المثوبة، ومن اجترأ على مخالفة الأمر بما آتيناه ~~منها فعمل على أنها للتنعم بها فقط استحق العقوبة. ولما كان دعاء الزينة ~~إلى حقيقة الحياة الدنيا من اللهو واللعب ظاهرا لموافقته لما طبعت عليه ~~النفوس من الهوى لم يحتج إلى التنبيه عليه أكثر من لفظ الزينة. # ولما كان دعاءها إلى الزهد فيها والإعراض عنها جملة والاستدلال بها على ~~تمام علم صانعها وشمول قدرته على إعادة الخلائق كما ابتدأهم وغير ذلك خفيا، ~~لكونه مستورا عن العقول بهوى النفوس، نبه عليه ms2751 بقوله تعالى: {وإنا لجاعلون} ~~أي بما لنا من العظمة ثابت لنا هذا الوصف دائما {ما عليها} من جميع تلك ~~الزينة لا يصعب علينا شيء منه {صعيدا} أي ترابا بأن نهلك تلك الزينة بإزالة ~~اخضرارها فيزول المانع من استيلاء التراب عليها ثم نسلط عليها الشموس ~~والرياح فيردها بذلك إلى أصلها ترابا {جزرا *} أي يابسا لا ينبت شيئا ~~بطبعه، وكذا نفعل بمن سبب تسليط البلاء عليه من الحيوان آدميا كان أو غيره ~~سواء. ولما كان من المشاهد إعادة النبات بإذن الله تعالى بإنزال الماء عليه ~~إلى الصورة النباتية التي هي الدليل على إحياء الموتى مرة بعد مرة ما دامت # PageV12P014 # الأرض موجودة على هذه الصورة، طوي ذكر ذلك سترا لهذا البرهان المنير عن ~~الأغبياء المشغولين بالظواهر، علما منه سبحانه بظهوره لأولي البصائر. # PageV12P015 # ولما كان هذا من العجائب التي تضاءل عندها العجائب، والغرائب التي تخضع ~~لديها الغرائب، وإن صارت مألوفة بكثرة التكرار، والتجلي على الأبصار، هذا ~~إلى ما له من الآيات التي تزيد على العد، ولا يحصر بحد، من خلق السماوات ~~والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب - وغير ذلك، ~~حقر آية أصحاب الكهف - وإن كانت من أعجب العجب - لاضمحلالها في جنب ذلك، ~~لأن الشيء إذا كان كذلك كثر ألفه فلم يعد عجبا، فنبه على ذلك بقوله تعالى ~~عطفا على ما تقديره: أعلمت أن هذا وغيره من عجائب قدرتنا؟ : {أم حسبت} على ~~ما لك من العقل الرزين والرأي الرصين {أن أصحاب الكهف} أي الغار الواسع ~~المنقور في الجبل كالبيت {والرقيم} أي القرية أو الجبل {كانوا} هم فقط {من ~~ءاياتنا عجبا *} على ما لزم من تهويل السائلين من الكفرة من اليهود والعرب، ~~والواقع أنهم - وإن كانوا من العجائب - ليسوا بعجب بالنسبة إلى كثرة ~~آياتنا، وبالنسبة إلى هذا العجب النباتي الذي أعرضتم عنه بإلفكم له من كثرة ~~تكرره فيكم، فإنه سبحانه أخرج نبات الأرض على تباين # PageV12P015 # أجناسه، واختلاف ألوانه وأنواعه، وتضاد طبائعه، من مادة واحدة، يهتز ~~بالينبوع، يبهج الناظرين ويروق المتأملين، ثم يوقفه ثم يرده ms2752 باليبس والتفرق ~~إلى التراب فيختلط به حتى لا يميزه عن بقية التراب، ثم يرسل الماء فيختلط ~~بالتراب فيجمعه أخضر يانعا يهتز بالنمو على أحسن ما كان، وهكذا كل سنة، ~~فهذا بلا شك أعجب حالا ممن حفظت أجسامهم مدة عن التغير ثم ردت أرواحهم ~~فيها، وقد كان في سالف الدهر يعمر بعض الناس أكثر من مقدار ما لبثوا، وهذا ~~الكهف - قيل: هو في جبال بمدينة طرسوس وهو المشهور، وقال أبو حيان: قيل: هو ~~في الروم، وقيل: في الشام، وقيل: في الأندلس، قال: في جهة غرناطة بقرب قرية ~~تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد انجرد لحمه، وبعضهم ~~متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من عرف شأنهم، ويزعم ناس أنهم أصحاب ~~الكهف، ونقل عن ابن عطية قال: دخلت إليهم سنة أربع وخمسمائة فرأيتهم بهذه ~~الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم، وهو في فلاة من ~~الأرض، وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة ~~دقيوس، ونقل أبو حيان # PageV12P016 # عن أبيه أنه حين كان بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم ~~يغلطون في عدتهم إذا عدوهم وأن معهم كلبا، قال: وأما ما ذكرت من مدينة ~~دقيوس التي بقبلي غرناطة، فقد مررت عليها مرارا لا تحصى، قال: ويترجح كون ~~أصحاب الكهف بالأندلس - انتهى ملخصا. # قلت: وفيه نظر، والذي يرجح المشهور ما نقل البغوي وغيره عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: غزونا مع معاوية بحر الروم فمررنا بالكهف ~~الذي فيه أصحاب الكهف فإن معاوية لم يصل إلى بلاد الأندلس والله أعلم. # ولما صغر أمرهم بالنسبة إلى جليل آياته وعظيم بيناته وغريب مصنوعاته، لخص ~~قصتهم التي عدوها عجبا وتركوا الاستبصار على وحدانية الواحد القهار بما هو ~~العجب العجيب، والنبأ الغريب، فقال تعالى: {إذ أوى} أي كانوا على هذه الصفة ~~حين أووا، ولكنه أبرز الضمير لبيان أنهم شبان ليسوا بكثيري العدد فليست لهم ~~أسنان استفادوا بها من التجارب والتعلم ما اهتدوا ms2753 إليه من الدين والدنيا، ~~ولا كثرة حفظوا بها ممن يؤذيهم أيقاظا ورقودا # PageV12P017 # فقال تعالى: {الفتية} وهو أصحاب الكهف المسؤول عنهم، والشبان أقبل للحق ~~وأهدى للسبيل من الشيوخ {إلى الكهف} المقارب لقريتهم المشهور ببلدتهم فرارا ~~بدينهم كما أويت أنت والصديق إلى غار ثور فرارا بدينكما {فقالوا} عقب ~~استقرارهم فيه: {ربنا ءاتنا} ولما كانت الموجودات - كما مضى عن الحرالي في ~~آل عمران - على ثلاث رتب: حكميات جارية على قوانين العادات، وعنديات خارقة ~~للمطردات ولدنيات مستغرقة في الأمور الخارقات، طلبوا أعلاها فقالوا: {من ~~لدنك} أي من مستبطن الأمور التي عندك ومستغربها {رحمة} أي إكراما تكرمنا به ~~كما يفعل الراحم بالمرحوم {وهيىء لنا} أي جميعا لا تخيب منا أحدا {من أمرنا ~~رشدا *} أي وجها ترشدنا فيه إلى الخلاص في الدارين، لا جرم صارت قصتهم على ~~حسب ما أجابهم ربهم بديعة الشأن فردة في الزمان، يتحدث بها في سائر ~~البلدان، في كل حين وأوان. # ولما أجابهم سبحانه، عبر عن ذلك بقوله تعالى: {فضربنا} أي عقب هذا القول ~~وبسببه {على ءاذانهم} أي سددناها وأمسكناها عن # PageV12P018 # السمع، وكان أصله؛ ضربنا عليها حجابا بنوم ثقيل لا تزعج منه الأصوات، لأن ~~من كان مستيقظا أو نائما نوما خفيفا وسمعه صحيح سمع الأصوات {في الكهف} أي ~~المعهود. # ولما كانت مدة لبثهم نكرة بما كان لأهل ذلك الزمان من الشرك، عبر بما يدل ~~على النكرة فقال تعالى: {سنين} : ولما كان ربما ظن أنه ذكر السنين للمبالغة ~~لأجل بعد هذا النوم عن العادة، حقق الأمر بأن قال مبدلا منها معرفا لأن ~~المراد بجمع القلة هنا الكثرة: {عددا} أي متكاثرة؛ قال الزجاج كل شيء مما ~~يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف أريد كثرته لأنه إذا قل فهم مقدار عدده بدون ~~التقدير فلم يحتج إلى أن يعد. {ثم بعثناهم} أي نبهناهم من ذلك النوم ~~{لنعلم} علما مشاهدا لغيرنا كما كنا نعلم غيبا ما جهله من يسأل فيقول: {أي ~~الحزبين} هم أو من عثر عليهم من أهل زمانهم {أحصى} أي حسب وضبط {لما} أي ~~لأجل ms2754 علم ما # PageV12P019 # {لبثوا أمدا *} أي وقع إحصاءه لمدة لبثهم فإنهم هم أحصوا لبثهم فقالوا: ~~لبثنا يوما أو بعض يوم، ثم تبرؤوا من علم ذلك وردوه إلى عالمه وأهل البلد، ~~أحصوا ذلك بضرب النقد الذي وجد معهم أو غير ذلك من القرائن التي دلتهم ~~عليه، ولكنهم وإن صادق قولهم ما في نفس الأمر أو قريبا منه فعلى سبيل الظن ~~والتقريب، لا القطع والتحديد، بقوله تعالى # {قل الله أعلم بما لبثوا} [الكهف: 26] فإذا علم بجهل كل من الحزبين ~~بأمرهم أن الله هو المختص بعلم ذلك، علم أنه المحيط بصفات الكمال، وأنه لم ~~يتخذ ولدا، ولا له شريك في الملك، وأنه أكبر من كل ما يقع في الوهم. # PageV12P020 # ولما كان الكلام على اختلاف وقع في مدتهم، وكان الحزبان معا هم ومن ~~خالفهم متقاربين في الجهل بإحصائه على سبيل القطع وكان اليهود الذين أمروا ~~قريشا بالسؤال عن أمرهم تشكيكا في الدين لا يعلمون أمرهم على الحقيقة، نبه ~~على ذلك بقوله - جوابا لمن كأنه قال: أيهما أحصاه؟ : {نحن} أو يقال: ولما ~~أخبر الله سبحانه عن مسألة قريش الثانية، وهي قصة أهل الكهف، مجملا لها بعض ~~الإجمال بعد إجمال الجواب عن المسألة الأولى، وهي الروح، # PageV12P020 # كان السامع جديرا بأن تستشرف نفسه إلى بيان أكثر من ذلك فيضيق صدره خشية ~~الاقتصار على ما وقع من ذلك من الأخبار، فقال جوابا لمن كأنه قال: اسأل ~~الإيضاح وبيان الحق من خلاف الحزبين: نحن {نقص} أي نخبر إخبارا تابعا ~~لآثارهم قدما فقدما {عليك} على وجه التفصيل {نبأهم بالحق} أي خبرهم العظيم ~~وليس أحد غيرنا إلا قصا ملتبسا بباطل: زيادة أو نقص، فكأنه قيل: ما كان ~~نبأهم؟ فقال تعالى: {إنهم فتية} أي شبان {ءامنوا بربهم} المحسن إليهم ~~الناظر في مصالحهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم، وهداهم بما وهب لهم في أصل ~~الفطرة من العقول الجيدة النافعة. # ولما دل على الإحسان باسم الرب، وكان في فعله معهم من باهر القدرة ما لا ~~يخفى، التفت إلى مقام العظمة فقال تعالى عاطفا على ما تقديره: ms2755 فاهتدوا ~~بإيمانهم: {وزدناهم} بعد أن آمنوا {هدى} بما قذفنا في قلوبهم من المعارف، ~~وشرحنا لهم صدورهم من المواهب التي حملتهم على ارتكاب المعاطب، والزهد في ~~الدنيا والانقطاع إليه {وربطنا} بما لنا من العظمة {على قلوبهم} أي ~~قويناها، فصار ما فيها من القوى مجتمعا غير مبدد، فكانت حالهم في الجلوة ~~كحالهم # PageV12P021 # في الخلوة {إذ قاموا} لله تعالى حق القيام في ذلك الجيل الكافرين بين يدي ~~طاغيتهم دقيانوس {فقالوا} مخالفين لهم: {ربنا} الذي يستحق أن نفرده ~~بالعبادة لتفرده بتدبيرنا، هو {رب السماوات والأرض} أي موجدهما ومدبرهما ~~{لن ندعوا من دونه إلها *} بعد أن ثبت عجز كل من سواه، والله {لقد قلنا ~~إذا} أي إذا دعونا من دونه غيره {شططا} أي قولا ذا بعد مفرط عن الحق جدا؛ ~~ثم شرعوا يستدلون على كونه شططا بأنه لا دليل عليه، ويجوز أن يكونوا لما ~~قالوا ذلك عرض لهم الشيطان بشبهة التقليد فقالوا مجيبين عنها: {هؤلاء} وأن ~~يكونوا قالوا ذلك للملك إنقاذا له من شرك الجهل، وبين المشار إليهم بقولهم: ~~{قومنا} أي وإن كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا {اتخذوا} أي مخالفين مع ~~منهاج العقل داعي الفطرة الأولى {من دونه ءالهة} أشركوهم معه لشبهة واهية ~~استغواهم بها الشيطان؛ ثم استأنفوا على طريق التخصيص ما ينبه على أنهم من ~~حين عبادتهم إلى الآن لم يأتوا على ذلك بدليل، فقالوا منبهين على فساد ~~التقليد في أصول الدين وأنه لا مقنع فيه بدون القطع: {لولا} أي هلا {يأتون} ~~الآن. # PageV12P022 # ولما كانوا بعبادتهم لهم قد أحلوهم محل العلماء، قال تعالى: {عليهم} أي ~~على عبادتهم إياهم، وحققوا ما أرادوا من الاستعلاء بقولهم: {بسلطان} أي ~~دليل قاهر {بين} مثل ما نأتي نحن على تفرد معبودنا بالأدلة الظاهرة، ~~والبراهين الباهرة، فإن مثل هذا الأمر لا يقنع فيه بدون ذلك، وقد جمعنا ~~الأدلة كلها في الاستدلال على تفرد الله باستحقاقه للعبادة بأنه تفرد بخلق ~~الوجود، فتسبب عن عجزهم عن دليل أنهم أظلم الظالمين لافتعالهم الكذب عن ملك ~~الملوك ومالك الملك، فلذلك قالوا: {فمن ms2756 أظلم ممن افترى} أي تعمد {على الله} ~~أي الملك الأعظم {كذبا *} فالآية دالة على فساد التقليد في الوحدانية. # PageV12P023 # ولما استدلوا على معتقدهم، وعلموا سفه من خالفهم، وهم قوم لا يدان لهم ~~بمقاومتهم، لكثرتهم وقلتهم، تسبب عن ذلك هجرتهم ليسلم لهم دينهم، فقال ~~تعالى شارحا لما بقي من أمرهم، عاطفا على ما تقديره: وقالوا أو من شاء الله ~~منهم حين خلصوا من قومهم نجيا: لا ترجعوا إلى قومكم أبدا ما داموا على ما ~~هم عليه، هذا إن كان المراد قيامهم بين يدي دقيانوس، وإن كان المراد من ~~القيام الانبعاث بالعزم الصادق لم يحتج إلى هذا التقدير: {وإذ} أي حين ~~{اعتزلتموهم} # PageV12P023 # أي قومكم {وما} أي واعتزلتم ما {يعبدون إلا الله} أي الذي له صفات ~~الكمال، وهذا دليل على أنهم كانوا يشركون، ويجوز أن يكونوا سموا الانقياد ~~كرها لمشيئته والخضوع بزعمهم لاقضيته عبادة {فأوا} أي بسبب هذا الاعتزال، ~~وهذا دليل العامل في {إذ} {إلى الكهف} أي الغار الذي في الجبل {ينشر} أي ~~يحيي ويبعث {لكم ربكم} الذي لم يزل يحسن إليكم {من رحمته} ما يكفيكم به من ~~المهم من أمركم {ويهيىء لكم من أمركم} الذي من شأنه أن يهمكم {مرفقا *} ~~ترتفقون به، وهو بكسر الميم وفتح الفاء في قراءة الجماعة، وبفتحها وكسر ~~الفاء للنافع وابن عامر، وهذا الجزم من آثار الربط على قلوبهم بما علموا من ~~قدرته على كل شيء، وحمايته من لاذ به ولجأ إليه وعبده وتوكل عليه، ففعلوا ~~ذلك ففعل الله ما رجوه فيه، فجعل لهم أحسن مرفق بأن أنامهم ثم أقامهم بعد ~~مضي قرون ومرور دهور، وهدى بهم ذلك الجيل الذي أقامهم فيه {وترى} لو رأيت ~~كهفهم {الشمس إذا طلعت} . # ولما كان حالهم خفيا، وكذا حال انتقال الشمس عند من لم يراقبه، # PageV12P024 # أدغم تاء التفاعل نافع وابن كثير وأبو عمرو، وأسقطها عاصم وحمزة ~~والكسائي، فقال تعالى: {تزاور} أي تتمايل وتتحرف، ولعل قراءة ابن عامر ~~ويعقوب تزور بوزن تحمر ناظرة إلى الحال عند نهاية الميل {عن كهفهم} بتقلص ~~شعاعها بارتفاعها إلى ms2757 أن تزول {ذات اليمين} إذا كنت مستقبلا القبلة وأنت ~~متوجه إليه أو مستقبلا الشمس فيصيبهم من حرها ما يمنع عنهم التعفن ويمنع ~~سقف الكهف شدة الحرارة المفسدة في بقية النهار {وإذا غربت} أي أخذت في ~~الميل إلى الغروب {تقرضهم} أي تعدل في مسيرها عنهم {ذات الشمال} كذلك، لئلا ~~يضرهم شدة الحرارة، ويصيبهم من منافعها مثل ما كان عند الطلوع، فلا يزال ~~كهفهم رطبا، ويأتيه من الهواء الطيب والنسيم الملائم ما يصونهم عن التعفن ~~والفساد، فتحرر بذلك أن باب الغار مقابل لبنات نعش، وأن الجبل الذي هم فيه ~~شمالي مكة المشرفة، ويجوز أن يكون المراد يمين من يخرج من الكهف وشماله، ~~فلا يلزم ذلك، وقال الأصبهاني: قيل: إن باب ذلك كان مفتوحا # PageV12P025 # إلى جانب الشمال إذا طلعت الشمس عن يمين الكهف، وإذا غربت كانت على ~~شماله. # ومادة (قرض) وليس لها إلا هذا التركيب - تدور على القطع، ويلزمه الميل عن ~~الشيء والعدول والازورار عنه، قرضت الشيء، - بالفتح - أقرضه - بالكسر: ~~قطعته بالمقراض أو بغيره - لأنك إذا وصلت إليه فقد حاذيته فإذا قطعته ~~تجاوزته فانحرفت عنه، والقرض: قول الشعر خاصة - لأنه لا شيء من الكلام ~~يشبهه فهو مقطوع منه مائل عنه بما خص به من الميزان، وهل مررت بمكان كذا؟ ~~فتقول: قرضته ذات اليمين ليلا، أي كان عن يميني، والقرض: ما تعطيه من المال ~~لتقضاه - لأنك قطعته من مالك، والقرض - بالكسر: لغة فيه عن الكسائي، ~~والقرض: ما سلفت من إحسان أو إساءة - على التشبيه، والتقريض: المدح والذم - ~~لأنه يميز الكلام فيه تمييزا ظاهرا، وهما يتقارضان كذا - كأن كلا منهما ~~مقرض لصاحبه وموف له على ما أقرضه، والمقارضة: المضاربة - لأن صاحب المال ~~قطع من ماله، والعامل قطع من عمله حصة لهذا المال، قرض فلان الرباط - إذا ~~مات، # PageV12P026 # لأنه إذا انقطعت حياته انقطع كل رباط له في الدنيا، وجاء فلان وقد قرض ~~رباطه - إذا جاء مجهودا قد أشرف على الموت - كأنه أطلق عليه ذلك للمقاربة، ~~والمقارضة: المشاتمة - لقطعها العرض وما بين المتشاتمين، والاقتراض: ~~الاغتياب - من ذلك ms2758 ومن القرض أيضا، لأن من اغتاب اغتيب، وقرض - بالكسر - ~~إذا زال من شيء إلى شيء - لأنه بوصل الثاني قطع الأول، وقرض - إذا مات، ~~والمقارض: الزرع القليل - إما للإزالة على الضد من الكثير، أو تشبيه بمواضع ~~الاستقاء في البئر القليلة الماء، فإن المقارض أيضا المواضع التي يحتاج ~~المستقي إلى أن يقرض منها الماء، أي يميح، أي يدخل الدلو في البئر فيملأها ~~لقلة الماء - لأنها مواضع قطع الماء برفعه عن البئر والمقارض أيضا: الجرار ~~الكبار - كأنها لكبرها وقطعها كثيرا من الماء هي التي قطعت دون الصغار، وما ~~عليه قراض، أي ما يقرض عنه العيون فيستره لتعدل عنه العيون - لعدم نفوذها ~~إلى جلده، والقرض في السير هو أن تعدل عن الشيء في مسيرك، فإذا عدلت عنه ~~فقد قرضته، والمصدر القرض وأصله من القطع، وابن مقرض - كمنبر: ويبة تقتل ~~الحمام - كأنها سميت لقطعها حياة الحمام، وقرض البعير جرته: # PageV12P027 # مضغها فهي قريض - لتقطيعها بالمضغ ولقطعها من بطنه بردها إلى حنكه للمضغ. # ولما بين تعالى أنه حفظهم من حر الشمس، بين أنه أنعشهم بروح الهواء، ~~وألطفهم بسعة الموضع في فضاء الغار فقال: {وهم في فجوة منه} أي في وسط ~~الكهف ومتسعه. # ولما شرح هذا الأمر الغريب، والنبأ العجيب، وصل به نتيجته فقال تعالى: ~~{ذلك} أي المذكور العظيم من هدايتهم، وما دبروا لأنفسهم، وما دبر لهم من ~~هذا الغار المستقبل للنسيم الطيب المصون عن كل مؤذ، وما حقق به رجاءهم مما ~~لا يقدر عليه سواه {من ءايات الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء علما ~~وقدرة، وإن كان إذا قيس إلى هذا القرآن القيم وغيره مما خصت به هذه الأمة ~~كان يسيرا. # ولما كان انفرادهم بالهدى عن أهل ذلك القرن كلهم عجبا، وصل به ما إذا ~~تؤمل زال عجبه فقال تعالى: {من يهد} ولو أيسر هداية - بما دل عليه حذف ~~الياء في الرسم {الله} أي الذي له الأمر كله بخلق الهداية في قلبه للنظر في ~~آياته التي لا تعد والانتفاع بها {فهو} # PageV12P028 # خاصة {المهتد} في أي زمان ms2759 كان، فلن تجد له مضلا مغويا {ومن يضلل} إضلالا ~~ظاهريا بما دل عليه الإظهار بإعمائه عن طريق الهدى، فهو لا غيره الضال {فلن ~~تجد له} أصلا من دونه، لأجل أن الله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه ~~أضله {وليا مرشدا *} فتجده يرى الآيات بعينه، ويسمعها بأذنه، ويحسها بجميع ~~حواسه، ولا يعلم أنها آيات فضلا عن أن يتدبرها وينتفع بها، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الاهتداء أولا دليلا على حذف الضلال ثاينا، والمرشد ثانيا ~~دليلا على حذف المضل أولا. # PageV12P029 # ولما نبه سبحانه هذا التنبيه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~وتثبيتا أن يبخع نفسه، عطف على ما مضى بقية أمرهم فقال: {وتحسبهم أيقاظا} ~~لانفتاح أعينهم للهواء ليكون أبقى لها، ولكثرة حركاتهم {وهم رقود ونقلبهم} ~~بعظمتنا في حال نومهم تقليبا كثيرا بحسب ما ينفعهم كما يكون النائم {ذات} ~~أي في الجهة التي هي صاحبة {اليمين} منهم {وذات الشمال} لينال روح النسيم ~~جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول المكث {وكلبهم باسط} وأعمل ~~اسم الفاعل هذا، لأنه ليس بمعنى الماضي بل هو حكاية حال ماضية فقال: ~~{ذراعيه بالوصيد} أي بباب الكهف وفنائه كما هي عادة الكلاب، وذكر هذا الكلب ~~على طول الآباد # PageV12P029 # بجميل هذا الرقاد من بركة صحبة الأمجاد. # ولما كان هذا مشوقا إلى رؤيتهم، وصل به ما يكف عنه بقوله تعالى: {لو ~~اطلعت عليهم} وهم على تلك الحال {لوليت منهم فرارا} أي حال وقوع بصرك عليهم ~~{ولملئت} في أقل وقت بأيسر أمر {منهم رعبا *} لما ألبسهم الله من الهيبة، ~~وجعل لهم من الجلالة، وتدبيرا منه لما أراد منهم {وكذلك} أي فعلنا بهم هذا ~~من آياتنا من النوم وغيره، ومثل ما فعلناه بهم {بعثناهم} بما لنا من العظمة ~~{ليتساءلوا} وأظهر بالافتعال إشارة إلى أنه في غاية الظهور. ولما كان ~~المراد تساؤلا عن أخبار لا تعدوهم قال تعالى: {بينهم} أي عن أحوالهم في ~~نومهم ويقظتهم فيزدادوا إيمانا، وثباتا وإيقانا، بما ينكشف لهم من الأمور ~~العجيبة، والأحوال الغريبة فيعلم أنه ms2760 لا علم لأحد غيرنا، ولا قدرة لأحد ~~سوانا، وأن قدرتنا تامة، وعلمنا شامل، فليعلم ذلك من أنكر قدرتنا على البعث ~~وسأل اليهود البعداء البغضاء عن نبيه الحبيب الذي أتاهم بالآيات، وأراهم ~~البينات، فإن كانوا يستنحصون اليهود فليسألوهم عما قصصنا # PageV12P030 # من هذه القصة، فإن اعترفوا به لزمهم جميعا الإيمان والرجوع عن الغي ~~والعدوان، وإن لم يؤمنوا علم قطعا أنه لا يؤمن من أردنا هدايته بالآيات ~~البينات كأهل الكهف وغيرهم، لا بإنزال الآيات المقترحات. # ولما كان المقام مقتضيا لأن يقال: ما كان تساؤلهم؟ أجيب بقوله تعالى: ~~{قال قائل منهم} مستفهما من إخوانه: {كم لبثتم} نائمين في هذا الكهف من ~~ليلة أو يوم، وهذا يدل على أن هذا القائل استشعر طول لبثهم بما رأى من ~~هيئتهم أو لغير ذلك من الأمارات؛ ثم وصل به في ذلك الأسلوب أيضا قوله ~~تعالى: {قالوا لبثنا يوما} ودل على أن هذا الجواب مبني على الظن بقوله دالا ~~حيث أقرهم عليه سبحانه على جواز الاجتهاد والقول بالظن المخطىء، وأنه لا ~~يسمى كذبا وإن كان مخالفا للواقع {أو بعض يوم} كما تظنون أنتم عند قيامكم ~~من القبور إن لبثتم إلا قليلا، لأنه فرق بين صديق وزنديق في الجهل بما غيبه ~~الله تعالى: فكأنه قيل: على أي شيء استقر أمرهم في ذلك؟ فأجيب بأنهم ردوا ~~الأمر إلى الله بقوله: {قالوا} أي قال بعضهم إنكارا على أنفسهم ووافق ~~الباقون بما عندهم من التحاب في الله والتوافق فيه في الحقيقة إخوان الصفا ~~وخلان # PageV12P031 # الألفة والوفا {ربكم} المحسن إليكم {أعلم} أي من كل أحد {بما لبثتم ~~فابعثوا} أي فتسبب عن إسناد العلم إلى الله تعالى أن يقال: اتركوا الخوض في ~~هذا واشتغلوا بما ينفعكم بأن تبعثوا {أحدكم بورقكم} أي فضتكم {هذه} التي ~~جمعتموها لمثل هذا {إلى المدينة} التي خرجتم منها وهي طرطوس ليأتينا بطعان ~~فإنا جياع {فلينظر أيها} أي أي أهلها {أزكى} أي أطهر وأطيب {طعاما فليأتكم} ~~ذلك الأحد {برزق منه} لنأكل {وليتلطف} في التخفي بأمره حتى لا يتفطنوا له ~~{ولا يشعرن} أي ms2761 هذا المبعوث منكم في هذا الأمر {بكم أحدا *} أن فطنوا له ~~فقبضوا عليه، وإن المعنى: لا يقولن ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصد منه إلى ~~الشعور بكم فيكون قد أشعر بما كان منه من السبب، وفي قصتهم دليل على أن حمل ~~المسافر ما يصلحه من المنفعة رأى المتوكلين لا المتآكلين المتكلين على ~~الإنفاقات على ما في أوعية القوم من النفقات، وفيها صحة الوكالة؛ ومادة ~~(ورق) بجميع تراكيبها الخمسة عشر قد تقدم في سورة سبحان وغيرها أنها تدور ~~على الجمع، فالورق مثلثة وككتف # PageV12P032 # وجبل: الدراهم المضروبة - تشبيها بالورق في الشكل وفي الجمال، وبها جمع ~~حال الإنسان، وحالها مقتض للجمع، والوراق: الكثير الدراهم وهو أيضا مورق ~~الكتب، وحرفته الوراقة، وما زلت منك موارقا، أي قريبا مدانيا - أي كالذي ~~يساجلك في قطاف الورق من شجرة واحدة فهو يأخذ من ناحية وأنت من أخرى، ~~والمداناة: أول الجمع والورق - محركة: جمال الدنيا وبهجتها - لأنها تجمع ~~ألوانا وأنواعا، ولعل منه الورقة، قال في مختصر العين: إنها سواد في غبرة. # وحمامة ورقاء - أي منه، وفي القاموس: والأورق من الإبل: ما في لونه بياض ~~إلى سواد، ورأى رجل الغول على جمل أورق فقال: جاء بأم الربيق على أريق، أي ~~بالداهية العظيمة، صغر الأورق كسويد في أسود، والأصل وريق فقلبت واوه همزة، ~~والأورق أيضا من الكتاب والشجر معروف - لأنك لا تكاد تحد واحدة منه على لون ~~واحد، ولأنه يجمع الواحدة منه إلى الأخرى ويجمع معنى ما يحمله، قال في ~~مختصر العين: والورق: أدم رقاق منه ورق المصحف، والورق أيضا: الخبط - # PageV12P033 # لأنه لما كانت الإبل تعلفه كان كأنه هو الورق لا غيره، والورق: الحي من ~~كل حيوان - لأن الحياة هي الجمال، وبها جماع الأمور، ولأن الورق دليل على ~~حياة الحي من الشجر، فهو من إطلاق اسم الدال على المدلول، والورق أيضا: ما ~~استدار من الدم على الأرض، أو ما سقط اسم من الجراحة - لأن الاستدارة أجمع ~~الأشكال، وهو تشبيه بورق الشجر في الشكل، والورق: المال من إبل ودراهم ~~وغيرها ms2762 - لأن جماع حياة الإنسان وكمالها بذلك كما أن كمال حياة الشجر ~~بالورق، ولرعي المال من الحيوان الورق، والورق: حسن القوم وجمالهم - من ~~ذلك، لأنه يجمع أمرهم ويجمع إليهم غيرهم، والورق من القوم: أحداثهم أو ~~الضعاف من الفتيان - تشبيه بالورق لأنه لا يقيم غالبا أكثر من عام، ولأنه ~~ضعيف في نفسه، وضعيف النفع بالنسبة إلى الثمر، والورقة - بهاء: الخسيس ~~والكريم، ضد - للنظر تارة إلى كونه نافعا للمرعى ودالا على الحياة، وإلى ~~كونه غير مقصود بالذات أخرى، ورجل ورق وامرأة ورقة: خسيسان أي لا ثمرة ~~لهما، ومن ذلك أورق الصائد - إذا رمى فأخطأ أي لم يقع # PageV12P034 # على غير الورق، أي لم تحصل له ثمرة، بل وقع على شجرة غير مثمرة، وكذا ~~أورق القوم: أخفقوا في حاجتهم، أي رجعوا بلا ثمرة، ومن ذلك أيضا أورقوا: ~~كثر مالهم ودراهمهم - ضد، هذا بالنظر إلى أن في الورق جمال الشجر وحياته، ~~والتجارة مؤرقة للمال كمجلبة أي مكثرة؛ ومنه قول القزاز في ديوانه: هذا رجل ~~مؤرق له دراهم، والمؤرق: الذي لا شيء له - ضد، أو أنه تارة يكون للإيجاب ~~والصيرورة نحو أغد البعير، وتارة للسلب نحو أشكيته، والوراق ككتاب: وقت ~~خروج الورق من الشجر، وشجرة وريقة وورقة: كثيرة الورق، والوارقة: الشجرة ~~الخضراء الورق الحسنته، والوراق - كسحاب: خضرة الأرض من الحشيش، وليس من ~~الورق في شيء، وذلك أن تلك الخضرة لا تخلو عن لون آخر، والرقة - كعدة: أول ~~نبات النصي والصليان وهما نباتان أفضل مراعي الإبل، لأنهما سبب لجمع المال ~~للرعي، والرقة: الأرض التي يصيبها المطر في الصفرية - أي أول الخريف - أو ~~في القيظ فتنبت # PageV12P035 # فتكون خضراء - كأن ذلك النبات يكون أقل خضرة من نبات الربيع، ويكون ~~اختلاطه لغيره من الألوان أكثر مما في الربيع، وفي القوس ورقة - بالفتح: ~~عيب، والورقاء: الذئبة - من أجل أن الورق الخالي عن الثمر تقل الرغبة في ~~شجره وهو دون المثمر، ولأن الورق مختلط اللون، والاختلاط في كل شيء عيب ~~بالنسبة إلى الخالص، وتورقت الناقة: أكلت الورق. # وقار الرجل يقور: مشى على أطراف ms2763 قدميه لئلا يسمع صوتهما - لأن فاعل ذلك ~~جدير بالوصول إلى ما أراد مما يجمع شمله، ومنه قار الصيد: ختله - لأن أهل ~~الخداع أولى بالظفر، ألا ترى الأسود تصاد به، ولو غولبت عز أخذها، وقار ~~الشيء: قطعه من وسطه خرقا مستديرا كقوره - لأن الثوب يصير بذلك الخرق يجمع ~~ما يراد منه، والاستدارة أجمع الأشكال كما سلف، والقوارة - كثمامة: ما قور ~~الثوب وغيره، أو يخص بالأديم، وما قطعت من جوانب الشيء، والشيء الذي قطع من ~~جوانبه - ضد، وهو من تسميه موضع الشيء باسمه، والقارة: الجبل الصغير الصلب ~~المنقطع عن الجبال - لشدة اجتماع أجزائه بالصلابة # PageV12P036 # واجتماعه في نفسه بانقطاعه عن غيره مما لو خالطه لفرقه، ولم يعرف حد على ~~ما هو، والقارة: الصخرة العظيمة، والأرض ذات الحجارة السود - لاجتماعها في ~~نفسها بتميزها عن غيرها بتلك الحجارة، ودار قوراء: واسعة - تشبيها بقوارة ~~الثواب، ولأنها كلما اتسعت كانت أجمع، والقار: الإبل أو القطيع الضخم منها، ~~والاقورار: تشنج الجلد وانحناء الصلب هزالا وكبرا - لأن كلا من التشنج ~~والانحناء اجتماع، والاقورار: الضمر - لأن الضامر اجتمعت أجزاؤه، ~~والاقورار: السمن - ضد، لأن السمين جمع اللحم والشحم، والاقورار: ذهاب نبات ~~الأرض - لأنها تصير بذلك قوراء فتصير أجدر بأن تسع الجموع، ويمكن أن يكون ~~الأقورار كله من السلب إلا ما للسمن، والقور: القطن الحديث أو ما رزع من ~~عامة لأنه يلبس فيجمع البدن، ولقيت منه الأقورين - بكسر الراء، والأقوريات ~~أي الدواهي القاطعة - تشبيها بما قور من الثوب، فهي للسلب، والقور - محركة: ~~العين - لأن محلها يشبه القوارة، والمقور - كمعظم: المطلي بالقطران - ~~لاجتماع أجزائه بذلك، واقتار: احتاج، أي صار أهلا لأن يجمع، # PageV12P037 # وتقور الليل: تهور، أي مضى، من القطع، وتقورت الحية: تثنت أي تجمعت، ~~والقار: شجر مر - كأنه الذي تطلى به السفن، وهذا أقير من هذا: أشد مرارة - ~~لأن المرارة تجمع اللهوات عند الذوق، والقارة قبيلة - لأن ابن الشداخ أراد ~~أن يفرقهم فقال شاعرهم: # دعونا قارة لا تذعرونا ... فنجفل مثل إجفال الظليم # فسموا القارة بهذا وكانوا رماة، وفي المثل: قد أنصف القارة من ms2764 راماها. # والرقوة: فويق الدعص من الرمل، ويقال رقو، بلا هاء - كأنه لجمعه الكثير ~~من الرمل، أو لجمعه من يطلب الإشراف على الأماكن البعيدة بالعلو عليه ~~لترويح النفس - والله الموفق. # PageV12P038 # ولما نهوا رسولهم عن الإشعار بهم عللوا ذلك فقالوا: {إنهم} أي أهل ~~المدينة {إن يظهروا} أي يطلعوا عالين {عليكم يرجموكم} أي يقتلوكم أخبث قتله ~~إن استمسكتم بدينكم {أو يعيدوكم} قهرا # PageV12P038 # {في ملتهم} إن لنتم لهم {ولن تفلحوا إذا} أي إذا عدتم فيها مطمئنين بها، ~~لأنكم وإن أكرهتم ربما استدرجكم الشيطان بذلك إلى الإجابة حقيقة {أبدا *} ~~أي فبعثوا أحدهم فنظر الأزكى وتلطف في الأمر، فاسترابوا منه لأنهم أنكروا ~~ورقه لكونها من ضرب ملك لا يعرفونه فجهدوا به فلم يشعر بهم أحدا من ~~المخالفين، وإنما أشعر بهم الملك لما رآه موافقا لهم في الدين لأنه لم يقع ~~النهي عنه {وكذلك} أي فعلنا بهم ذلك الأمر العظيم من الربط على قلوبهم، ~~والستر لأخبارهم والحماية من الظالمين والحفظ لأجسامهم على مر الزمان، ~~وتعاقب الحدثان، ومثل ما فعلنا بهم ذلك {أعثرنا} أي أظهرنا إظهار أضطراريا، ~~أهل البلد وأطلعناهم، وأصله أن الغافل عن الشيء ينظر إليه إذا عثر به نظر ~~إليه فيعرفه، فكان العثار سببا لعلمه به فأطلق اسم السبب على المسبب {عليهم ~~ليعلموا} أي أهل البلد بعد أن كان حصل لبعضهم شك في حشر الأجساد لأن اعتقاد ~~اليهود والنصارى أن البعث إنما هو للروح فقط {أن وعد الله} الذي له صفات ~~الكمال بالبعث للروح والجسد معا # PageV12P039 # {حق} لأن قيامهم بعد نومهم نيفا وثلاثمائة سنة مع خرق العادة بحفظ ~~أبدانهم عن الفناء من غير أكل ولا شرب مثل قيام من مات بجسمه الذي كان سواء ~~على أن مطلق النوم دال على ذلك كما قال بعض العارفين «علمك باليقظة بعد ~~النوم علم بالبعث بعد الموت، والبرزخ واحد غير أن للروح بالجسم في النوم ~~تعلقا لا يكون بالموت، وتستيقظ على ما نمت عليه كذلك تبعث على ما مت عليه» ~~. # ولما كان من الحق ما قد يداخله شك قال تعالى: ms2765 {وأن} أي وليعلموا أن ~~{الساعة لا ريب فيها} مبينا أنها ليست موضع شك أصلا لما قام عليها من أدلة ~~العقل، المؤيد في كل عصر بقواطع النقل، ومن طالع تفسير (الزيتون) من كتابي ~~هذا حصل له هذا ذوقا؛ ثم بين أن هذا الإعثار أتاهم بعلم نافع حال تجاذب ~~وتنازع فقال: {إذ} أي ليعلموا ذلك، وأعثرنا حين {يتنازعون} أي أهل المدينة. # ولما كان التنازع في الغالب إنما يكون ما بين الأجانب، وكان تنازع هؤلاء ~~مقصورا عليهم كان الأهم بيان محله فقدمه فقال تعالى: {بينهم أمرهم} أي أمر ~~أنفسهم في الحشر فقائل يقول: تحشر الأرواح مجردة: وقائل يقول: بأجسادها، أو ~~أمر الفتية فقائل يقول: ناس صالحون، وناس يقولون: لا ندري من أمرهم غير أن ~~الله تعالى أراد هدايتنا بهم {فقالوا} أي فتسبب عن هذا الإعثار أو التنازع ~~أن قال أكثرهم: {ابنوا عليهم} على كل حال {بنيانا} يحفظهم، واتركوا التنازع ~~فيهم، ثم عللوا ذلك بقولهم: {ربهم} أي المحسن إليهم بهدايتهم وحفظهم وهداية ~~الناس بهم {أعلم بهم} أن كانوا صالحين أو لا، وأما أنتم فلا طريق لكم إلى ~~علم ذلك؛ ثم استأنف على طريق الجواب لمن كأنه قال: ماذا فعلوا؟ فقال: {قال ~~الذين غلبوا على} أي وقع أن كانوا غالبين على {أمرهم} أي ظهروا عليه وعلموا ~~أنهم ناس صالحون فروا بدينهم من الكفار وضعف من ينازعهم؛ ويجوز - وهو أحسن ~~- أن يكون الضمير لأهل البلد أو للغالبين أنفسهم، إشارة إلى أن الرؤساء ~~منهم وأهل القوة كانوا أصلحهم إيماء إلى أن الله تعالى # PageV12P040 # أصلح بهم أهل ذلك الزمان {لنتخذن عليهم} ذلك البنيان الذي اتفقنا عليه ~~{مسجدا *} وهذا دليل على أنهم حين ظهروا عليهم وكلموهم أماتهم الله بعد أن ~~علموا أن لهم مدة طويلة لا يعيش مثلها أحد في ذلك الزمان، وقبل أن يستقصوا ~~جميع أمرهم، وفي قصتهم ترغيب في الهجرة. # PageV12P041 # ولما ذكر تعالى تنازع أولئك الذين هداهم الله بهم، ذكر ما يأتي من إفاضة ~~من علم قريشا أن تسأل صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهم في ms2766 الفضول الذي ليس ~~لهم إليه سبيل، ولا يظفرون # PageV12P041 # فيه بدليل علما من أعلام النبوة فقال تعالى: {سيقولون} أي أهل الكتاب ومن ~~وافقهم في الخوض في ذلك بعد اعترافهم بما قصصت عليك من نبأهم بوعد لا خلف ~~فيه: هم {ثلاثة} أشخاص {رابعهم كلبهم} ولا علم لهم بذلك، ولذلك أعراه عن ~~الواو فدل إسقاطها على أنهم ليسوا ثلاثة وليس الكلب رابعا {ويقولون} أي ~~وسيقولون أيضا: {خمسة سادسهم كلبهم} . # ولما تغير قولهم حسن جدا قوله تعالى: {رجما بالغيب} أي رميا بالأمر ~~الغائب عنهم الذي لا اطلاع لهم عليه بوجه {ويقولون} أيضا دليلا على أنه لا ~~علم لهم بذلك: {سبعة وثامنهم كلبهم} وتأخير هذا عن الرجم - وإن كان ظنا - ~~مشعر بأنه حق، ويؤيده هذه الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة ~~كما تدخل الواو حالا عن المعرفة في نحو {إلا ولها كتاب معلوم} [الحجر: 4] ~~فإن فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصاف الموصوف ~~بالصفة أمر ثابت مستقر، فدلت هذه الواو على أن أهل هذا القول قالوه عن ثبات ~~علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن، وفي براءة، # PageV12P042 # كلام نفيس عن اتباع الوصف تارة بواو وتارة مجردا عنها. فلما ظهر كالشمس ~~أنه لا علم لهم بذلك كان كأنه قيل: ماذا يقال لهم؟ فقيل: {قل ربي} أي ~~المحسن إلي بإعلامي بأمرهم وغيره {أعلم بعدتهم} أي التي لا زيادة فيها ولا ~~نقص، فكان كأنه قيل: قد فهم من صيغة «أعلم» أم من الخلق من يعلم أمرهم ~~فقيل: {ما يعلمهم إلا قليل *} أي من الخلق وهو مؤيد لأنهم أصحاب القول ~~الغالب، وهو، قول ابن عباس رضي الله عنهما، وكان يقول: أنا من ذلك القليل. ~~{فلا} أي فتسبب عن ذلك أن يقول لك على سبيل البت الداخل تحت النهي عن قفو ~~ما ليس لك به علم: لا {تمار} أي تجادل وتراجع {فيهم} أحدا ممن يتكلم بغير ~~ما أخبرتك به {إلا مرآء ظاهرا} أدلته، وهو ما أوحيت إليك به ولا تفعل فعلهم ~~من الرجم بالغيب {ولا تستفت} أي ms2767 تسأل سؤال مستفيد {فيهم} أي أهل الكهف ~~{منهم} أي من الذين يدعون العلم من بني إسرائيل أو غيرهم {أحدا *} . # ولما كان نهيه عن استفتائهم موجبا لقصر همته على ربه سبحانه فكان من ~~المعلوم أنه إذا سئل عن شيء، التفتت نفسه إلى تعرفه من قبله، فربما قال لما ~~يعلم من إحاطة علم الله سبحانه وكرمه لديه: سأخبركم به غدا، كما وقع من هذه ~~القصص، علمه الله ما يقول في كل أمر # PageV12P043 # مستقبل يعزم عليه بقوله تعالى: {ولا تقولن لشيء} أي لأجل شيء من الأشياء ~~التي يعزم عليها جليلها وحقيرها، عزمت على فعله: عزما صادقا من غير تردد ~~وإن كنت عند نفسك في غاية القدرة عليه: {إني فاعل ذلك} أي الشيء وإن كان ~~مهما {غدا *} أي فيما يستقبل في حال من الأحوال {إلا} قولا كائنا معه {أن ~~يشاء} في المستقبل ذلك الشيء {الله} أي مقرونا بمشيئة الملك الأعلى الذي لا ~~أمر لأحد معه سبحانه تعظيما لله أن يقطع شيء دونه واعترافا بأنه لا حول ولا ~~قوة إلا به، ولأنه إن قيل ذلك دون استثناء فات قبل الفعل أو عاقه عنه عائق ~~كان كذبا منفرا عن القائل. # ولما كان النسيان من شأن الإنسان وهو غير مؤاخذ به قال تعالى: {واذكر ~~ربك} أي المحسن إليك برفع المؤاخذة حال النسيان {إذا نسيت} الاستثناء ~~بالاستعانة والتوكل عليه وتفويض الأمر كله بأن تقول: إن شاء الله، ونحوها ~~في أي وقت تذكرت؛ وأخرج الطبراني في معجمه الأوسط في ترجمة محمد بن الحارث ~~الجبيلي - بضم الجيم وفتح الموحدة - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا خاص ~~برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس لأحد منا أن يستثني إلا بصلة ~~اليمين. ثم عطف # PageV12P044 # على ما أفهمه الكلام وهو: فقل إذا نسيت: إني فاعل ذلك غدا إن شاء الله - ~~ونحو ذلك من التعليق بالمشيئة المؤذن بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله ولا ~~مشيئة لأحد معه قوله: {وقل عسى أن يهدين ربي} أي المحسن إلي {لأقرب} أي الى ms2768 ~~أشد قربا {من هذا} أي الذي عزمت على فعله ونسيت الاستثناء فيه فقضاه الله ~~ولم يؤاخذني، أو فاتني أو تعسر علي لكوني لم أقرن العزم عليه بذكر الله ~~{رشدا *} أي من جهة الرشد بأن يوفقني للاستثناء فيه عند العزم عليه مع كونه ~~أجود أثرا وأجل عنصرا فأكون كل يوم في ترق بالأفعال الصالحة في معارج ~~القدس، و «اقرب» أفعل تفضيل من قرب - بضم الراء - من الشيء، لازم، لا من ~~المكسور الراء المتعدي نحو {ولا تقربوا الزنى} [الإسراء: 32] {ولا تقربوا ~~مال اليتيم} [الإسراء: 34] الآية، والأقرب من رشد الاستدلال بقصة أهل الكهف ~~التي الحديث عنها على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحو ~~ذلك الاستدلال على وحدانية الصانع وقدرته على البعث وغيره بالأمور الكلية ~~أو الجزئيات القريبة المتكررة، لا بهذا الأمر الجزئي النادر المتعب ونحو ~~هذا من المعارف الإلهية. # PageV12P045 # ولما فرغ من هذه التربية في أثناء القصة وختمها بالترجية في الهداية ~~للأرشد، وكان علم مدة لبثهم أدق وأخفى من علم عددهم، شرع في إكمالها مبينا ~~لهذا الأخفى، عاطفا على قوله {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} [الكهف: 19] أو ~~على «فأووا إليه» الذي أرشد إلى تقديره قولهم: {فأووا إلى الكهف} كما مضى، ~~المختوم بنشر الرحمة وتهيئة المرفق بعد قوله {إذ أوى الفتية} المختوم ~~بقولهم {وهيىء لنا من أمرنا رشدا} فقال بيانا لإجمال {سنين عددا} محققا ~~لقوله تعالى: {قل الله أعلم بما لبثوا} : {ولبثوا في كهفهم} نياما {ثلاث} ~~أي مدة ثلاث {مائة سنين} شمسية بحساب اليهود الآمرين بهذا السؤال، وعبر ~~بلفظ السنة إشارة إلى ذمها بما وقع فيها من علو أهل الكفر وطغيانهم بما ~~أوجب خوف الصديقين وهجرتهم وإن كان وقع فيها خصب في النبات وسعة في الرزق، ~~وذلك يدل على استغراق الكفر لمدة نومهم. # ولما كان المباشرون للسؤال هم العرب قال: {وازدادوا تسعا *} أي من السنين ~~القمرية إذا حسب الكل بحساب القمر، لأن تفاوت ما بين السنة الشمسية ~~والقمرية عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة كما تقدم في النسيء من ms2769 ~~براءة، فإذا حسبت زيادة السني القمرية على الثلاتمائة الشمسية باعتبار نقص ~~أيامها # PageV12P046 # عنها كانت تسع سنين، وكأن مدة لبثهم كانت عند اليهود أقل من ذلك أو أكثر، ~~فقال على طريق الجواب لسؤال من يقول: فإن قال أحد غير هذا فما يقال له؟ {قل ~~الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {أعلم} منكم {بما لبثوا} ثم علل ذلك ~~بقوله تعالى: {له} أي وحده {غيب السماوات والأرض} يعلمه كله على ما هو ~~عليه، ولا ينسى شيئا من الماضي ولا يعزب عنه شيء من الحاضر، ولا يعجز عن ~~شيء من الآتي، فلا ريب فيما يخبر به. # ولما كان السمع والبصر مناطي العلم، وكان متصفا منهما بما لا يعلمه حق ~~علمه غيره، عجب من ذلك بقوله تعالى: {أبصر به وأسمع} ولما كان القائم بشيء ~~قد يقوم غيره مقامه إما بقهر أو شرك، نفى ذلك فانسد باب العلم عن غيره إلا ~~من جهته فقال تعالى: {ما لهم} أي لهؤلاء السائلين ولا المسؤولين الراجمين ~~بالغيب من أصحاب الكهف {من دونه} وأعرق بقوله تعالى: {من ولي} يجيرهم منه ~~أو بغير ما أخبر به {ولا يشرك} أي الله {في حكمه أحدا *} فيفعل شيئا بغير ~~أمره أو يخبر بشيء من غير طريقه. # ولما تقرر أنه لا شك في قوله: ولا يقدر أحد أن يأتي بما # PageV12P047 # يماثله فكيف بما ينافيه مع كونه مختصا بتمام العلم وشمول القدرة، حسن ~~تعقيبه بقوله عطفا على {قل لله أعلم} : {واتل} أي اقرأ على وجه الملازمة ~~{ما أوحي إليك} وبنى الفعل للمجهول لأن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم وهو على القطع بأن الموحى إليه هو الله سبحانه وتعالى {من كتاب ~~ربك} الذي أحسن تربيتك في قصة أهل الكهف وغيرها، على من رغب فيه غير ملتفت ~~إلى غيره واتبعوا ما فيه واثقين بوعده ووعيده وإثباته ونفيه وعلى غيرهم. # ولما كان الحامل على الكف عن إبلاغ رسالة المرسل وجدان من ينقضها أو عمي ~~على المرسل، قال تعالى: {لا مبدل لكلماته} فلا شك في وقوعها ms2770 فلا عذر في ~~التقصير في إبلاغها، والنسخ ليس بتبديل بهذا المعنى بل هو غاية لما كان ~~{ولن تجد} أي بوجه من الوجوه {من دونه} أي أدنى منزلة من رتبته الشماء إلى ~~آخر المنازل {ملتحدا *} أي ملجأ ومتحيزا تميل إليه فيمنعك منه إن قصرت في ~~ذلك. # ولما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم كثير ~~الأسف على توليهم عنه يكاد يبخع نفسه حسرة عليهم وكانوا يقولون له إذا رأوا ~~مثل هذا الحق الذي لا يجدون له مدفعا: # PageV12P048 # لو طردت هؤلاء الفقراء وأبعدتهم عنك مثل عمار وصهيب وبلال فإنه يؤذينا ~~ريح جبابهم ونأنف من مجالستهم جلسنا إليك وسمعنا منك ورجونا أن نتبعك، قال ~~يرغبه في أتباعه مزهدا فيمن عداهم كائنا من كان، معلما أنه ليس فيهم ملجأ ~~لمن خالف أمر الله وأنهم لا يريدون إلا تبديل كلمات الله فسيذلهم عن قريب ~~ولا يجدون لهم ملتحدا: {واصبر نفسك} أي احبسها وثبتها في تلاوته وتبيين ~~معانيه {مع الذين يدعون ربهم} شكرا لإحسانه، واعترافا بامتنانه، وكنى عن ~~المداومة بما يدل على البعث الذي كانت قصة أهل الكهف دليلا عليه فقال ~~تعالى: {بالغداة} أي التي الانتقال فيها من النوم إلى اليقظة كالانتقال من ~~الموت إلى الحياة {والعشي} أي التي الانتقال فيها من اليقظة إلى النوم ~~كالانتقال من الحياة إلى الموت؛ ثم مدحهم بقوله تعالى معللا لدعائهم: ~~{يريدون} أي بذلك {وجهه} لا غير ذلك في رجاء ثواب أو خوف عقاب وإن كانوا في ~~غاية الرثاثة، وأكد ذلك بالنهي عن ضده فقال مؤكدا للمعنى لقصر الفعل ~~وتضمينه فعلا آخر: {ولا تعد عيناك} علوا ونبوءا وتجاوزا # PageV12P049 # {عنهم} إلى غيرهم، أي لا تعرض عنهم، حال كونك {تريد زينة الحياة الدنيا} ~~التي قدمنا في هذه السورة أنا زينا بها الأرض لنبلوهم بذلك، فإنهم وإن ~~كانوا اليوم عند هؤلاء مؤخرين فهم عند الملك الأعلى مقدمون، وليكونن عن ~~قريب - إذا بعثنا من نريد من العباد بالحياة من برزخ الجهل - في الطبقة ~~العليا من أهل العز، وأما بعد البعث ms2771 الحقيقي فلتكونن لهم مواكب يهاب الدنو ~~منها كما كان لأهل الكهف بعد بعثهم من هذه الرقدة بعد أن كانوا في حياتهم ~~قبلها هاربين مستخفين في غاية الخوف والذل، وأما إن عدت العينان أحدا لما ~~غفل عنه من الذكر، وأحل به من الشكر، فليس ذلك من النهي في شيء لأنه لم يرد ~~به الإ الآخرة. # ولما بلغ في أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمجالسة المسلمين، نهاه عن ~~الالتفات إلى الغافلين، وأكد الإعراض عن الناكبين فقال تعالى: {ولا تطع من ~~أغفلنا} بعظمتنا {قلبه} أي جعلناه غافلا، لأن الفعل فيه لنا لا له {عن ~~ذكرنا} بتلك الزينة. # PageV12P050 # ولما كان التقدير: فغفل، لأن عظمتنا لا يغلبها شيء فلا يكون إلا ما نريد، ~~عطف على فعل المطاوعة قوله تعالى: {واتبع هواه} بالميل إلى ما استدرجناه به ~~منها والأنفة من مجالسة أوليائنا الذين أكرمناهم بالحماية منها لأن ذكر ~~الله مطلع الأنوار، فإذا أفلت الأنوار تراكمت الظلمة فجاء الهوى فأقبل على ~~الخلق {وكان أمره فرطا *} أي متجاوزا للحد مسرفا فيه متقدما على الحق، ~~فيكون الحق منبوذا به وراء الظهر مفرطا فيه بالتقصير فإن ربك سبحانه سينجي ~~أتباعك على ضعفهم منهم كما أنجى أصحاب الكهف، ويزيدك بأن يعليهم عليهم ~~ويدفع الجبابرة في أيديهم لأنهم مقبلون على الله معرضون عما سواه، وغيرهم ~~مقبل على غيره معرض عنه. # PageV12P051 # ولما رغبه في أوليائه، وزهده في أعدائه، ترضية بقدره بعد أن قص الحق من ~~قصة أهل الكهف للمتعنتين، علمه ما يقول لهم على وجه يعمهم ويعم غيرهم ويعم ~~القصة وغيرها فقال تعالى مهددا ومتوعدا - كما نقل عن علي رضي الله عنه وكذا ~~عن غيره: # PageV12P051 # {وقل} أي لهم ولغيرهم: هذا الذي جئتكم به من هذا الوحي العربي العري عن ~~العوج، الظاهر الإعجاز، الباهر الحجج {الحق} كائنا {من ربكم} المحسن إليكم ~~في أمر أهل الكهف وغيرهم من صبر نفسي مع المؤمنين، والإعراض عمن سواهم وغير ~~ذلك، لا ما قلتموه في أمرهم، ويجوز أن يكون الحق مبتدأ {فمن شاء} أي منكم ~~ومن غيركم ms2772 {فليؤمن} بهذا الذي قصصناه فيهم وفي غيرهم، فهو مقبول مرغوب فيه ~~وإن كان فقيرا زري الهيئة ولم ينفع إلا نفسه {ومن شاء} منكم ومن غيركم ~~{فليكفر} فهو أهل لأن يعرض عنه ولا يلتفت إليه وإن كان أغنى الناس وأحسنهم ~~هيئة، وإن تعاظمت هيبته لما اشتد من أذاه، وأفرط من ظلمه، وسنشفي قلوب ~~المؤمنين في الدارين بالانتقام منه، والآية دالة على أن كلا من الكفر ~~والإيمان موقوف على المشيئة بخلق الله تعالى، لأن الفعل الاختياري يمتنع ~~حصوله بدون القصد إليه وذلك القصد إن كان بقصد آخر يتقدمه لزم أن # PageV12P052 # يكون كل قصد مسبوقا بقصد آخر إلى غير النهاية وهو محال، فوجب أن تنتهي ~~تلك القصود إلى قصد يخلقه الله في العبد على سبيل الضرورة يجب به الفعل، ~~فإلإنسان مضطر في صورة مختار، فلا دليل للمعتزلة في هذه الآية. # ولما هدد السامعين بما حاصله: ليختر كل امرىء لنفسه ما يجده غدا عند الله ~~تعالى، اتبع هذا التهديد تفصيلا لما أعد للفريقين من الوعد والوعيد لفا ~~ونشرا مشوشا - بما يليق بهذا الأسلوب المشير إلى أنه لا كفوء له من نون ~~العظمة فقال تعالى: {إنا اعتدنا} أي هيأنا بما لنا من العظمة تهيئة قريبة ~~جدا، وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير {للظالمين} أي لمن لم يؤمن، ~~ولكنه وصف إشارة إلى تعليق الحكم به {نارا} جعلناها معدة لهم {أحاط بهم} ~~كلهم {سرادقها} أي حائطها الذي يدار حولها كما يدار الحظير حول الخيمة من ~~جميع الجوانب. # ولما كان المحرور شديد الطلب للماء قال تعالى: {وإن يستغيثوا} من حر ~~النار فيطلبوا الغيث - وهو ماء المطر - والغوث بإحضاره لهم؛ وشاكل ~~استغاثتهم تهكما بهم فقال تعالى: {يغاثوا بماء} ليس كالماء الذي قدمنا ~~الإشارة إلى أنا نحيي به الأرض بعد صيرورتها صعيدا جرزا، # PageV12P053 # بل {كالمهل} وهو القطران الرقيق وما ذاب في صفر أو حديد والزيت أو درديه ~~- قاله في القاموس. # وشبهه به من أجل تناهي الحر مع كونه ثخينا، وبين وجه الشبه بقوله تعالى: ~~{يشوي الوجوه} أي إذا قرب ms2773 إلى الفم فكيف بالفم والجوف! ثم وصل بذلك ذمه ~~فقال تعالى: {بئس الشراب} أي هو، فإنه أسود منتن غليظ حار، وعطف عليه ذم ~~النار المعدة لهم فقال تعالى: {وساءت مرتفقا *} أي منزلا يعد للارتفاق، ~~فكأنه قيل: فما لمن آمن؟ فقال تعالى: {إن الذين ءامنوا} ولما كان الإيمان ~~هو الإذعان للأوامر، عطف عليه ما يحقق ذلك فقال تعالى: {وعملوا الصالحات} ~~ثم عظم جزاءهم بقوله تعالى: {إنا لا نضيع} أي بوجه من الوجوه لما يقتضيه ~~عظمتنا {أجر من أحسن عملا *} مشيرا بإظهار ضميرهم إلى أنهم استحقوا بذلك ~~الوصف بالإحسان، فكأنه قيل: فما لهم؟ فقال مفصلا لما أجمل من وعدهم: ~~{أولئك} أي العالو الرتبة {لهم جنات عدن} أي إقامة، فكأنه قيل: ما لهم ~~فيها؟ فقيل: {تجري من تحتهم} أي تحت منازلهم {الأنهار} فكأنه قيل: ثم ماذا؟ ~~فقيل: {يحلون فيها} # PageV12P054 # وبنى الفعل للمجهول لأن القصد وجود التحلية، وهي لعزتها إنما يؤتى بها من ~~الغيب فضلا من الله تعالى. # ولما كان الله أعظم من كل شيء، فكانت نعمه لا يحصى نوع منها، قال تعالى ~~مبعضا: {من أساور} جمع أسورة جمع سوار، كما يلبس ذلك ملوك الدنيا من جبابرة ~~الكفرة في بعض الأقاليم كأهل فارس. ولما كان لمقصودها نظر إلى التفضيل ~~والفعل بالاختيار على الإطلاق، وقع الترغيب في طاعته بما هو أعلى من الفضة ~~فقال مبعضا أيضا: {من ذهب} أي ذهب هو في غاية العظمة. ولما كان اللباس جزاء ~~العمل وكان موجودا عندهم، أسند الفعل إليهم فقال تعالى: {ويلبسون ثيابا ~~خضرا} ثم وصفها بقوله تعالى: {من سندس} وهو ما رق من الديباج {وإستبرق} وهو ~~ما غلظ منه؛ ثم استأنف الوصف عن حال جلوسهم فيها بأنه جلوس الملوك ~~المتمكنين من النعيم فقال تعالى: {متكئين فيها} أي لأنهم في غاية الراحة ~~{على الأرائك} أي الأسرع عليها الحجل، ثم مدح هذا فقال تعالى: {نعم الثواب} ~~أي هو لو لم يكن لها وصف غير ما سمعتم فكيف ولها من الأوصاف # PageV12P055 # ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى! وإلى ذلك ms2774 أشار بقوله تعالى: {وحسنت} ~~أي الجنة كلها، وميز ذلك بقوله تعالى: {مرتفقا *} . # PageV12P056 # ولما كان إنما محط حال المشركين العاجل، وكان قد تقدم قولهم {أو يكون لك ~~جنة من نخيل وعنب} [الإسراء: 91] الآية، وقوله تعالى: {إنا جعلنا ما على ~~الأرض زينة لها} [الكهف: 7] الآية، وقوله تعالى: في حق فقراء المؤمنين ~~الذين تقذروهم {ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} [الكهف: 28] ~~الآية واستمر إلى أن ختم بأن جنات المؤمنين عظيم حسنها من جهة الارتفاق، ~~عطف على قوله تعالى {وقل الحق من ربكم} [الكهف: 29] قوله تعالى كاشفا بضرب ~~المثل أن ما فيه الكفار من الارتفاق العاجل ليس أهلا لأن يفتخر به لأنه إلى ~~زوال: {واضرب لهم} أي لهؤلاء الضعفاء والمتجبرين الذين يستكبرون على ~~المؤمنين، ويطلبون طردهم لضعفهم وفقرهم: {مثلا} لما آتاهم الله من زينة ~~الحياة الدنيا، فاعتمدوا عليهم وركنوا إليه ولم يشكروا من آتاهم إياه عليه، ~~بل أداهم إلى الافتقار والتكبر على من زوى ذلك عنه إكراما له وصيانة عنه ~~{رجلين} فكأنه قيل: فما مثلهما؟ فقيل: {جعلنا} أي بما لنا من العظمة ~~{لأحدهما} وهو المجعول مثلا لهم {جنتين} أي بساتين يستر ما # PageV12P056 # فيهما من الأشجار من يدخلهما على أي وضع من الأوضاع كانتا، ومن جملة ~~الأوضاع أن تكون إحداهما من السهل والأخرى في الجبل، ليبعد عموم عاهة لهما ~~لأنها إما من برد أو حر {من أعناب} لأنها من أشجار البلاد الباردة وتصبر ~~على الحر، وهي فاكهة وقوت بالعنب والزبيب والخل وغيرها {وحففناهما} أي ~~حططناهما بعظمتنا {بنخل} لأنها من أشجار البلاد الحارة، وتصبر على البرد، ~~وربما منعت عن الأعناب بعض أسباب العاهات، وثمرها فاكهة بالبسر والرطب وقوت ~~بالتمر والخل فكأن النخل كالإكليل من وراء العنب، وهو مما يؤثره الدهاقين ~~لأنه في غاية البهجة والمنفعة {وجعلنا بينهما} أي أرضي الجنتين {زرعا *} ~~لبعد شمول الآفة للكل، لأن زمان الزرع ومكانه غير زمان أثمار الشجر المقدم ~~ومكانه، وذلك هو العمدة في القوت، فكانت الجنتان أرضا جامعة لخير الفواكه ~~وأفضل الأقوات، وعمارتهما متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما ms2775 يقطعها ويفصل ~~بينها، مع سعة الأطراف، وتباعد الأكناف، وحسن الهيئات والأوصاف. # ولما كان الشجر قد يكون فاسدا من جهة أرضه، نفى ذلك بقوله تعالى؛ جوابا ~~لمن كأنه قال: ما حال أرضهما المنتج لزكاء ثمرهما؟ : # PageV12P057 # {كلتا} أي كل واحدة من {الجنتين} المذكورتين {ءاتت أكلها} أي ما يطلب ~~منها ويؤكل من ثمر وحب، كاملا غير منسوب شيء منهما إلى نقص ولا رداءة، وهو ~~معنى: {ولم تظلم} أي تنقص حسا ولا معنى كمن يضع الشيء في غير موضعه {منه ~~شيئا} . # ولما كان الشجر ربما أضر بدوامه قلة السقي قال تعالى: {وفجرنا} أي تفجيرا ~~يناسب عظمتنا {خلالهما نهرا *} أي يمتد فيتشعب فيكون كالأنهار لتدوم طراوة ~~الأرض ويستغني عن المطر عند القحط؛ ثم زاد في ضخامة هذا الرجل فبين أن له ~~غير هاتين الجنتين والزرع بقوله تعالى: {وكان له} أي صاحب الجنتين {ثمر} أي ~~مال مثمر غير ما تقدم كثير، ذو أنواع ليكون متمكنا من العمارة بالأعوان ~~والآلات وجميع ما يريد {فقال} أي هذا الكافر {لصاحبه} أي المسلم المجعول ~~مثلا لفقراء المؤمنين {وهو} أي صاحب الجنان {يحاوره} أي يراجعه الكلام، من ~~حار يحور - إذا رجع افتخارا عليه وتقبيحا لحاله بالنسبة إليه، والمسلم # PageV12P058 # يحاوره بالوعظ وتقبيح الركون إلى الدنيا: {أنا أكثر منك مالا} لما ترى من ~~جناني وثماري {وأعز نفرا *} أي ناسا يقومون معي في المهمات، وينفرون عند ~~الضرورات، لأن ذلك لازم لكثرة المال {ودخل جنته} وحد لإرادة الجنس ودلالة ~~على ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة، وإشارة إلى أنه لا ~~جنة له غيرها لأنه لا حظ له في الآخرة {وهو} أي والحال أنه {ظالم لنفسه} ~~بالاعتماد على ماله والإعراض عن ربه؛ ثم استأنف بيان ظلمه بقوله: {قال} لما ~~استولى عليه من طول أمله وشدة حرصه وتمادي غفلته واطراحه للنظر في العواقب ~~بطول المهلة وسبوغ النعمة: {ما أظن أن تبيد} أي تهلك هلاكا ظاهرا مستوليا ~~{هذه أبدا *} ثم زاد في الطغيان والبطر بقصر النظر على الحاضر فقال: {وما ~~أظن الساعة قائمة} استلذاذا بما هو ms2776 فيه وإخلادا إليه واعتمادا عليه. # ولما كان الإنسان مجبولا على غلبة الرجاء عليه، فإذا حصل له من دواعي ~~الغنى وطول الراحة وبلوغ المأمول والاستدراج بالظفر بالسؤال ما يربيه، ~~ويثبت أصوله ويقويه، اضمحل الخوف فلم يزل يتضاءل حتى لا يتلاشى فكان عدما، ~~فقال تعالى حاكيا عن هذا الكافر # PageV12P059 # ما أثمر له الرجاء من أمانه من سوء ما يأتي به القدر مقسما: {ولئن رددت} ~~أي ردني راد {إلى ربي} المحسن إلي في هذه الدار، في السعة على تقدير قيامها ~~الذي يستعمل في فرضه أداة الشك {لأجدن خيرا منها} أي هذه الجنة؛ وقرأ ابن ~~كثير وابن عامر بالتثنية للجنتين {منقلبا *} أي من جهة الانقلاب وزمانه ~~ومكانه، لأنه ما أعطاني ذلك إلا باستحقاقي، وهو وصف لي غير منفك في ~~الدارين، وإن لم يقولوا نحو هذا بألسنة مقالهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به، ~~فكأنه قيل: إن هذا لفي عداد البهائم حيث قصر النظر على الجزئيات، ولم يجوز ~~أن يكون التمويل استدراجا، فما قال له الآخر؟ فقيل: {قال له صاحبه وهو} أي ~~والحال إن ذلك الصاحب {يحاوره} منكرا عليه: {أكفرت} . # ولما كان كفره بإنكار البعث، دل عليه بقوله تعالى: {بالذي خلقك من تراب} ~~بخلق أصلك {ثم من نطفة} متولدة من أغذية أصلها تراب {ثم سواك} بعد أن أولدك ~~وطورك في أطوار النشأة # PageV12P060 # {رجلا *} حيث نفيت إعادته لمن ابتدأ خلقهم على هذا الوجه تكذيبا للرسل ~~واستقصارا للقدرة، ولم تثبت لها في الإعادة ما ثبت لها بعلمك في الابتداء، ~~ثم لم تجوزها بعد القطع بالنفي إلا على سبيل الفرض بأداة الشك، وهي من ~~دعائم أصول الدين الذي لا يقتنع فيه إلا بالقطع، ونسبته إلى العبث الذي لا ~~يرضاه عاقل إذ جعلت غاية هذا الخلق البديع في هذا التطوير العظيم الموت ~~الذي لو كان غاية كما زعمت - لفوت على المطيع الثواب، وعلى العاصي العقاب. # PageV12P061 # ولما أنكر على صاحبه، أخبر عن اعتقاده بما يضاد اعتقاد صاحبه، فقال مؤكدا ~~لأجل إنكار صاحبه مستدركا لأجل كفرانه: {لكنا} لكن أنا. ولما كان سبحانه ms2777 لا ~~شيء أظهر منه ولا شيء أبطن منه، أشار إلى ذلك جميعا بإضماره قبل الذكر فقال ~~تعالى: {هو} أي الظاهر أتم ظهور فلا يخفى أصلا، ويجوز أن يكون الضمير للذي ~~خلقك {الله} أي المحيط بصفات الكمال {ربي} وحده، لم يحسن إلي خلقا ورزقا ~~أحد غيره، هذا اعتقادي في الماضي والحال # PageV12P061 # {ولا أشرك بربي} المحسن إلي في عبادتي {أحدا *} كما لم يشاركه في إحسانه ~~إلي أحد، فإن الكل خلقه وعبيده، وأنى يكون العبد شريكا للرب! فإني لا أرى ~~الغنى والفقر إلا منه، وأنت - لما اعتمدت على مالك - كنت مشركا به. # ولما كان المؤمنون على طريق الأنبياء في إرادة الخير والإرشاد إلى سبيل ~~النجاة وعدم الحقد على أحد بشر أسلفه وجهل قدمه، قال له مصرحا بالتعليم بعد ~~أن لوح له به فيما ذكره عن نفسه مما يجب عليه: {ولولا إذ} أي وهلا حين ~~{دخلت جنتك قلت} ما يدل على تفويضك الأمر فيها وفي غيرها إلى الله تعالى ~~كما تقدم الإرشاد إليه في آية {ولا تقولن لشي} [الكهف: 23] تاركا للافتخار ~~بها، ومستحضرا لأن الذي وهبكها قادر على سلبك إياها ليقودك ذلك إلى التوحيد ~~وعدم الشرك، فلا تفرح بها ولا بغيرها مما يفنى لأنه لا ينبغي الفرح إلا بما ~~يؤمن عليه بالزوال {ما شاء الله} أي الذي له الأمر كله، كان، سواء كان ~~حاضرا أو ماضيا أو مستقبلا، ولذلك أعراها عن الجواب، لا ما يشاؤه غيره ولا ~~يشاؤه هو سبحانه؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: {لا قوة} أي لأحد على بستان ~~وغيره {إلا بالله} # PageV12P062 # أي المتوحد بالكمال، فلا شريك له، وأفادت هذه الكلمة إثبات القوة لله ~~وبراءة العبد منها، والتنبيه على أنه لا قدرة لأحد من الخلق إلا بتقديره، ~~فلا يخاف من غيره، والتنبيه على فساد قول الفلاسفة في الطبائع من أنها ~~مؤثرة بنفسها. # ولما قدم ما يجب عليه في نفسه منبها به لصاحبه، ثم ما يجب عليه من ~~التصريح بالإرشاد في أسلوب مقرر أن الأمر كله لله، لا شيء لأحد غيره، أنتج ~~قوله ms2778 تعالى: {إن ترن} أي أيها المفتخر بما له علي! {أنا} ولما ذكر ضمير ~~الفصل، ذكر مفعول (ترى) الثاني فقال: {أقل منك} وميز القليل بقوله: {مالا ~~وولدا *} أي من جهة المال والولد الذي هو أعز نفر الإنسان. # ولما أقر هذا المؤمن بالعجز والافتقار، في نظير ما أبدى الكافر من التقوى ~~والافتخار، سبب عن ذلك ما جرت به العادة في كل جزاء، داعيا بصورة التوقع ~~فقال تعالى: {فعسى ربي} المحسن إلي {أن يؤتين} من خزائن رزقه {خيرا من ~~جنتك} فيحسن إلي بالغنى كما أحسن إلي بالفقر المقترن بالتوحيد، المنتج ~~للسعادة {ويرسل عليها} # PageV12P063 # أي جنتك {حسبانا} أي مرامي من الصواعق والبرد الشديد {من السماء} . # ولما كانت المصابحة بالمصيبة أنكى ما يكون، قال تعالى: {فتصبح} بعد كونها ~~قرة للعين بما تهتز به من الأشجار والزروع {صعيدا زلقا *} أي أرضا يزلق ~~عليها لملاستها باستئصال نباتها، فلا ينبت فيها نبات، ولا يثبت فيها قدم ~~{أو يصبح ماؤها غورا} وصف بالمصدر لأنه أبلغ {فلن تستطيع} أنت {له طلبا *} ~~. # PageV12P064 # ولما كان من المعلوم أن هذا المؤمن المخلص بعين الرضى، كان من المعلوم أن ~~التقدير: فاستجيب لهذا الرجل المؤمن، أو: فحقق له ما توقعه فخيب ظن المشرك، ~~فعطف عليه قوله: {وأحيط} أي أوقعت الإحاطة بالهلاك، بني للمفعول لأن الفكر ~~حاصل بإحاطة الهلاك من غير نظر إلى فاعل مخصوص، وللدلالة على سهولته ~~{بثمرة} أي الرجل المشرك، كله فاستؤصل هلاكا ما في السهل منه وما في الجبل، ~~وما يصبر منه على البرد والحر وما لا يصبر {فأصبح يقلب كفيه} ندما، ويضرب ~~إحداهما على الأخرى تحسرا {على ما أنفق فيها} لعمارتها ونمائها {وهي خاوية} # PageV12P064 # أي ساقطة مع الخلو {على عروشها} أي دعائمها التي كانت تحملها فسقطت على ~~الأرض وسقطت هي فوقها {ويقول} تمنيا لرد ما فات لحيرته وذهول عقله ودهشته: ~~{يا ليتني} تمنيا لاعتماده على الله من غير إشراك بالاعتماد على الفاني {لم ~~أشرك بربي أحدا *} كما قال له صاحبه، فندم حيث لم ينفعه الندم على ما فرط ~~في الماضي لأجل ما ms2779 فاته من الدنيا، لا حرصا على الإيمان لحصول الفوز في ~~العقبى، لقصور عقله ووقوفه مع المحسوسات المشاهدات {ولم تكن له فئة} أي ~~جماعة لا من نفره الذين اعتز بهم ولا من غيرهم {ينصرونه} مما وقع فيه {من ~~دون الله} أي بغير عون من الملك الأعظم {وما كان} هو {منتصرا *} بنفسه، بل ~~ليس الأمر في ذلك إلا لله وحده. # ولما أنتج هذا المثل قطعا أنه لا أمر لغير الله المرجو لنصر أوليائه بعد ~~ذلهم، ولإغنائهم بعد فقرهم، ولإذلال أعدائه بعد عزهم وكبرهم، وإفقارهم بعد ~~إغنائهم وجبرهم، وأن غيره إنما هو كالخيال لا حقيقة له، صرح بذلك في قوله ~~تعالى: {هنالك} أي في مثل هذه الشدائد العظيمة {الولاية} أي النصرة - على ~~قراءة الفتح، والسلطان - على الكسر، وهي قراءة حمزة # PageV12P065 # والكسائي، والفتح لغيرهما، وهما بمعنى واحد، وهو المصدر كما صدر به في ~~القاموس. {لله} أي الذي له الكمال كله {الحق} أي الثابت الذي لا يحول يوما ~~ولا يزول، ولا يغفل ساعة ولا ينام، ولا ولاية لغيره بوجه - هذا على قراءة ~~الجماعة بالجر على الوصف وهو في قراءة أبي عمرو والكسائي بالرفع على ~~الاستئناف والقطع تقليلا، تنبيها على أن فزعهم في مثل هذه الأزمات إليه دون ~~غيره برهان قاطع على أنه الحق وما سواه باطل، وأن الفخر بالعرض الزائل من ~~أجهل الجهل، وأن المؤمنين لا يعيبهم فقرهم ولا يسوغ طردهم لأجله، وأنه يوشك ~~أن يعود فقرهم غنى وضعفهم قوة. ولما علم من ذلك من أنه آخذ بأيدي عبيدة ~~الأبرار وعلى أيدي عصاته الأشرار، قال تعالى: {هو خير ثوابا} لمن أثابه ~~{وخير عقبا *} أي عاقبة عظيمة، فإن فعلا - بضمه وبضمتين - من صيغ جموع ~~الكثرة فيفيده ذلك مبالغة وإن لم يكن جمعا، والمعنى # PageV12P066 # أنه أي ثوابه لأوليائه خير ثواب وعقباه خير عقبى. # PageV12P067 # ولما أتم المثل لدنياهم الخاصة بهم التي أبطرتهم، فكانت سبب إشقائهم وهم ~~يحسبون أنها عين إسعادهم ضرب لدار الدنيا العامة لجميع الناس في قلة بقائها ~~وسرعة فنائها، وأن من تكبر بها كان أخس منها ms2780 فقال تعالى: {واضرب لهم} أي ~~لهؤلاء الكفار المغترين بالعرض الفاني، المفتخرين بكثرة الأموال والأولاد ~~وعزة النفر {مثل الحياة الدنيا} أي التي صفتها - التي هم بها ناطقون - تدل ~~على أن ضدها الأخرى، في ينوعها ونضرتها، واختلابها للنفوس ببهجتها، ~~واستيلائها على الأهواء بزهرتها، واختداعها لذوي الشهوات بزينتها، ثم ~~اضمحلالها وسرعة زوالها، أفرح ما كانوا بها، وأرغب ما كانوا فيها مرة بعد ~~أخرى، على مر الأيام وكر الشهور، وتوالي الأعوام وتعاقب الدهور، بحيث نادت ~~على نفسها بالتحذير منها والتنفير عنها للعاقل اللقن، والكيس الفطن، رغبة ~~إلى الباقي الذي # PageV12P067 # يدوم سروره، ويبقى نعيمه وحبوره، وذلك المثل {كماء أنزلناه} بعظمتنا ~~واقتدارنا بعد يبس الأرض وجفاف ما فيها وزواله، وبقلعه كما تشاهدونه ~~واستئصاله، وقال: {من السماء} تنبيها على بليغ القدرة في إمساكه في العلو ~~وإنزاله في وقت الحاجة على الوجه النافع {فاختلط} أي فتعقب وتسبب عن إنزاله ~~أنه اختلط {به نبات الأرض} أي التراب الذي كان نباتا ارفت بطول العهد في ~~بطنها، فاجتمع بالماء والتف وتكاثف، فهيأناه بالتخمير والصنع الذي لا يقدر ~~عليه سوانا حتى أخرجناه من الأرض أخضر يهتز على ألوان مختلفة ومقادير ~~متفاوتة ثم أيبسناه {فأصبح هشيما} أي يابسا مكسرا مفتتا {تذروه} أي تثيره ~~وتفرقه وتذهب به {الرياح} حتى يصير عما قليل كأنه بقدرة الله تعالى لم يكن ~~{وكان الله} أي المختص بصفات الكمال {على كل شيء} من ذلك وغيره إنشاء ~~وإفناء وإعادة {مقتدرا *} أزلا وأبدا، فلا تظنوا أن ما تشاهدونه من قدرته ~~حادث. # ولما تبين بهذين المثلين وغيرهما أن الدينا - التي أوردت أهلها الموارد ~~وأحلتهم أودية المعاطب - سريعة الزوال، وشيكة الارتحال، # PageV12P068 # مع كثرة الأنكاد، ودوام الأكدار، من الكد والتعب، والخوف والنصب كالزرع ~~سواء، تقبل أولا في غاية النضرة والبهجة، تتزايد نضرتها وبهجتها شيئا ~~فشيئا، ثم تأخذ في الانتقاص والانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء، فهي جديرة ~~لذلك بالزهد فيها والرغبة عنها، وأن لا يفتخر بها عاقل فضلا عن أن يكاثر ~~بها غيره، قال تعالى: {المال والبنون} الفانيان الفاسدان وهما أجل ما في ~~هذه ms2781 الدار من متاعها {زينة الحياة الدنيا} التي لو عاش الإنسان جميع أيامها ~~لكان حقيقا لصيرورة ما هو في منها إلى زوال بالإعراض عنها والبغض لها، ~~وأنتم تعلمون ما في تحصيلهما من التعب، وما لهما بعد الحصول من سرعة العطب، ~~وهما مع ذلك قد يكونان خيرا إن عمل فيهما بما يرضي الله، وقد يكونان شرا ~~ويخيب الأمل فيهما، وقد يكون كل منهما سبب هلاك صاحبه وكدره، وسوء حياته ~~وضرره {والباقيات الصالحات} وهي أعمال الخير المجردة التي يقصد بها وجه ~~الله تعالى التي رغبنا فيها بقولنا # {لنبلوهم أيهم أحسن عملا} [الكهف: 7] وما بعده {خير} أي من الزينة ~~الفانية. ولما كان أهم ما إلى من حصل # PageV12P069 # النفائس لكفايته من يحفظها له لوقت حاجته قال: {عند ربك} أي الجليل ~~المواهب، العالم بالعواقب، وخير من المال والبنين في العاجل والآجل {ثوابا ~~وخير} من ذلك كله {أملا *} أي من جهة ما يرجو فيها من الثواب ويرجو فيها من ~~الأمل، لأن ثوابها إلى بقاء، وأملها كل ساعة في تحقيق وعلو وارتقاء، وأمل ~~المال والبنين يختان أحوج ما يكون إليهما. # ولما ذكر المبدأ ونبه على زواله، وختم بأن المقصود منه الاختبار للرفعة ~~بالثواب أو الضعة بالعقاب، وكان الخزي والصغار، أعظم شيء ترهبه النفوس ~~الكبار، لا سيما إذا عظم الجمع واشتد الأمر، فكيف إذا انضم إليه الفقر فيكف ~~إذا صاحبهما الحبس وكان يوم الحشر يوما يجمع فيه الخلائق، فهو بالحقيقة ~~المشهود، وتظهر فيه العظمة فهو وحده المرهوب، عقب ذكر الجزاء ذكره، لأنه ~~أعظم يوم يظهر فيه، فقال تعالى عاطفا على {واضرب} : {ويوم} أي واذكر لهم ~~يوم {نسير الجبال} عن وجه الأرض بعواصف القدرة كما يسير نبات الأرض - بعد ~~أن صار هشميا - بالرياح {فترى الجبال # PageV12P070 # تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} [النحل: 88] {وترى الأرض} بكمالها ~~{بارزة} لا غار فيها ولا صدع ولا جبل ولا نبت ولا شجر ولا ظل {و} الحال أنا ~~قد {حشرناهم} أي الخلائق بعظمتنا قبل التسيير بتلك الصيحة، قهرا إلى الموقف ~~الذي ينكشف فيه المخبآت، وتظهر الفضائح ms2782 والمغيبات، ويقع الحساب فيه على ~~النقير والقطمير، والنافذ فيه بصير، فينظرون ويسمعون زلازل الجبال عند ~~زوالها، وقعاقع الأبنية والأشجار في هدها وتباين أوصالها، وفنائها بعد عظيم ~~مرآها واضمحلالها {فلم نغادر} أي نترك بما لنا من العظمة {منهم} أي الأولين ~~والآخرين {أحدا *} لأنه لا ذهول ولا عجز. # PageV12P071 # ولما ذكر سبحانه حشرهم، وكان من المعلوم أنه للعرض، ذكر كيفية ذلك العرض، ~~فقال بانيا الفعل للمفعول عل طريقة كلام القادرين، ولأن المخوف العرض لا ~~كونه من معين: {وعرضوا على ربك} أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك ~~{صفا} لاتساع والمسايقة إلى داره، لعرض أذل شيء وأصغره، وأطوعه وأحقره، ~~يقال لهم تنبيها على مقام العظمة: {لقد جئتمونا} أحياء سويين حفاة عراة ~~غرلا {كما خلقناكم} بتلك العظمة {أول مرة} منعزلين من # PageV12P071 # كل شيء كنتم تجمعونه وتفاخرون به منقادين مذعنين فتقولون {هذا ما وعد ~~الرحمن وصدق المرسلون} [يس: 52] فيقال لكم: {بل زعمتم} أي ادعيتم جهلا ~~بعظمتنا {أن} أي أنا {لن نجعل لكم} على ما لنا من العظمة {موعدا *} أي ~~مكانا ووقتا نجمعكم فيه هذا الجمع فننجز ما وعدناكم به على ألسنة الرسل ~~{ووضع} بأيسر أمر بعد العرض المستعقب للجمع بأدنى إشارة {الكتاب} المضبوط ~~فيه دقائق الأعمال وجلائلها على وجه بين لا يخفى على قارىء ولا غيره شيء ~~منه {فترى المجرمين} لتقر عينك منهم بشماتة لا خير بعدها {مشفقين مما فيه} ~~من قبائح أعمالهم، وسيىء أفعالهم وأقوالهم أي خائفين دائما خوفا عظيما من ~~عقاب الحق والفضيحة عند الخلق {ويقولون} أي يجددون ويكررون قولهم: ~~{ياويلتنا} كناية عن أنه لا نديم لهم إذ ذاك إلا الهلاك {مال هذا الكتاب} ~~أي أي شيء له حال كونه على غير حال الكتب في الدنيا، ورسم لام الجر وحده ~~إشارة إلى أنهم صاروا من قوة الرعب وشدة الكرب يقفون على بعض الكتب، وفسروا ~~حال الكتاب التي أفظعتهم وسألوا عنها بقولهم: {لا يغادر} أي يترك أي يقع ~~منه غدر، أي عدم الوفاء وهو من غادر الشيء: تركه كأن كلا منهما يريد غدر ~~الآخر، أي ms2783 عدم الوفاء # PageV12P072 # به، من الغدير - لقطعة من الماء يتركها السيل كأنه لم يوف لهما بأخذ ما ~~معه، وكذا الغديرة لناقة تركها الراعي {صغيرة} أي من أعمالنا. # ولما هالهم إثبات جميع الصغائر، بدؤوا بها، وصرحوا بالكبائر - وإن كان ~~إثبات الصغائر يفهمها - تأكيدا لأن المقام للتهويل وتعظيم التفجع، وإشارة ~~إلى أن الذي جرهم إليها هو الصغائر - كما قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه ~~- فقالوا: {ولا كبيرة إلا أحصاها} ولما كان الإحصاء قد لا يستلزم اطلاع ~~صاحب الكتاب وجزاءه عليه، نفى ذلك بقوله تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضرا} ~~كتابة وجزاء من غير أن يظلمهم سبحانه أو يظلم من عادوهم فيه {ولا يظلم ربك} ~~الذي رباك بخلق القرآن {أحدا *} منهم ولا من غيرهم في كتاب ولا عقاب ولا ~~ثواب، بل يجازى الأعداء بما يستحقون، تعذيبا لهم وتنعيما لأوليائه الذين ~~عادوهم فيه للعدل بينهم؛ روى الإمام أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله ~~رضي الله عنهما أنه سافر إلى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه مسيرة شهر ~~فاستأذن عليه قال: فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، قلت: حديث بلغني عنك ~~أنك سمعته من # PageV12P073 # رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت قبل أن ~~أسمعه، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: # «يحشر الله عز وجل الناس - أو قال: العباد - حفاة عراة بهما قلت: وما ~~بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: ~~أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند ~~أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل ~~الجنة وله عند أحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قال: قلنا: ~~كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات» . # ولما ذكر البعث وختمه بإحسانه بالعدل المثمر لإعطاء كل أحد ما يستحقه، ~~أتبعه - بما له من الفضل - بابتداء الخلق ms2784 الذي هو دليله، في سياق مذكر ~~بولايته الموجبة للإقبال عليه، وعداوة الشيطان الموجبة للإدبار عنه، مبين ~~لما قابلوا به عدله فيهم وفي عدوهم من الظلم بفعلهم كما فعل من التكبر على ~~آدم عليه السلام بأصله، فتكبروا على فقراء المؤمنين بأصلهم وأموالهم ~~وعشائرهم، فكان فعلهم فعله سواء، فكان # PageV12P074 # قدوتهم وهو عدوهم، ولم يقتدوا بخير خلقه وهو وليهم وهو أعرف الناس به، ~~فقال تعالى عاطفا على {واضرب} : {وإذ} أي واذكر لهم إذ {قلنا} بما لنا من ~~العظمة {للملائكة} الذين هم أطوع شيء لأوامرنا وإبليس فيهم، قال ابن كثير: ~~وذلك أنه كان قد ترسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك، ولهذا دخل في ~~خطابهم وعصى بالمخالفة {اسجدوا لآدم} أبيهم نعمة منا عليه يجب عليهم شكرنا ~~فيها {فسجدوا} كلهم {إلا إبليس} فكأنه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: {كان} أي ~~لأنه كان {من الجن} المخلوقين من نار، ولعل النار لما كانت نيرة وإن كانت ~~نورانيتها مشوبة بكدورة وإحراق، عد من الملائكة لاجتماع العنصرين في مطلق ~~النور، مع ما كان غلب عليه من العبادة، فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خلقت ~~الملائكة من نور، وخلق الجان - وفي رواية: إبليس - من مارج من نار، وخلق ~~آدم مما وصف لكم» وفي مكائد الشيطان لابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن الجن كانت قبيلة من الملائكة. # ولما كان أكثر الجن مفسدا، رجوعا إلى الأصل الذي هو # PageV12P075 # النار المحرقة لما لاصقها، المفسدة له، سبب فسقه عن كونه منهم فقال ~~تعالى: {ففسق} أي خرج، يقال: فسقت الفأرة من حجرها - إذا خرجت للعيث ~~والفساد. {عن أمر ربه} أي سيده ومالكه المحسن إليه بإبداعه، وغير ذلك من ~~اصطناعه، في شأن أبيكم، إذ تكبر عليه فطرده ربه من أجلكم، فلا تستنوا به في ~~الافتخار والتكبر على الضعفاء، فإن من كانت خطيئته في كبر لم يكن صلاحه ~~مرجوا، ومن كانت خطيئته في معصية كان صلاحه مرجوا، ثم ms2785 سبب عن هذا ما هو ~~جدير بالإنكار فقال تعالى في أسلوب الخطاب لأنه أدل على تناهي الغضب وأوجع ~~في التبكيت، والتكلم لأنه أنص على المقصود من التوحيد: {أفتتخذونه} أي ~~أيفسق باستحقاركم فيطرده لأجلكم فيكون ذلك سببا لأن تتخذوه {وذريته} شركاء ~~لي {أولياء} لكم {من دوني} أي اتخاذا مبتدئا من غيري أو من أدنى رتبة من ~~رتبتي، ليعم الاتخاذ استقلالا وشركة، ولو كان المعنى: من دون - أي غير - ~~اتخاذي، لأفاد الاستقلال فقط، ولو كان الاتخاذ مبتدئا منه بأن كان هو الآمر ~~به لم يكن ممنوعا، وأنا وليكم المفضل عليكم # PageV12P076 # {وهم لكم} ولما كان بناء فعول للمبالغة ولا سيما وهو شبيه بالمغالاة في ~~نحو القول، أغنى عن صيغة الجمع فقال: {عدو} إشارة إلى أنهم في شدة العداوة ~~على قلب واحد. ولما كان هذا الفعل أجدر شيء بالذم، وصل به قوله تعالى: ~~{بئس} وكان الأصل: لكم، ولكنه أبرز هذا الضمير لتعليق الفعل بالوصف ~~والتعميم فقال تعالى: {للظالمين بدلا *} إذا استبدلوا من ليس لهم شيء من ~~الأمر وهم لهم عدو بمن له الأمر كله وهو لهم ولي. # PageV12P077 # ولما كان الشريك لا يستأثر بفعل أمر عظيم في المشترك فيه من غير علم ~~لشريكه به، قال معللا للذم على هذا الظلم بما يدل عل حقارتهم عن هذه ~~الرتبة، عادلا في أسلوب التكلم إلى التجريد عن مظهر العظمة لئلا يتعنت من ~~أهل الإشراك متعنت كما عدل في {دوني} لذلك: {ما أشهدتهم} أي إبليس وذريته ~~{خلق السماوات والأرض} نوعا من أنواع الإشهاد {ولا خلق أنفسهم} إشارة إلى ~~أنهم مخلوقون وأنه لا يصح في عقل عاقل أن يكون مخلوق شريكا لخالقه أصلا ~~{وما كنت} أي أزلا وأبدا متخذهم، هكذا الأصل ولكنه أبرز إرشادا إلى أن ~~المضل لا يستعان به، لأنه مع عدم نفعه يضر، فقال تعالى: {متخذ المضلين عضدا ~~*} إشارة إلى أنه لا يؤسف على فوات # PageV12P077 # إسلام أحد، فإن من علم الله فيه خيرا أسمعه، ومن لم يسمعه فهو مضل ليس ~~أهلا لنصرة الدين. # ولما أقام البرهان القاطع على ms2786 بعد رتبتهم عن المنزلة التي أحلوهم بها من ~~الشرك، أتبعه التعريف بأنهم مع عدم نفعهم لهم في الدنيا يتخلون عنهم في ~~الآخرة أحوج ما يكونون إليهم تخييبا لظنهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ~~فقال تعالى عاطفا على {إذ قلنا} عادلا إلى مقام الغيبة، إشارة إلى بعدهم عن ~~حضرته الشماء وتعاليه عما قد يتوهم من قوله تعالى {وعرضوا على ربك صفا لقد ~~جئتمونا} [الكهف: 48] في حجب الجلال والكبرياء، وجرى حمزة في قراءته بالنون ~~على أسلوب التكلم الذي كان فيه مع زيادة العظمة: {ويوم} أي واذكر يوم ~~{يقول} الله لهم تهكما بهم: {نادوا شركاءي} وبين أن الإضافة ليست على ~~حقيقتها، بل هي توبيخ لهم فقال تعالى: {الذين زعمتم} أنهم شركاء {فدعوهم} ~~تماديا في الجهل والضلال {فلم يستجيبوا لهم} أي لم يطلبوا ويريدوا أن ~~يجيبوهم إعراضا عنهم استهانة بهم واشتغالا بأنفسهم فضلا عن أن يعينوهم. # ولما كانوا في غاية الاستبعاد لأن يحال بينهم وبين معبوداتهم، قال في ~~مظهر العظمة: {وجعلنا بينهم} أي المشركين والشركاء {موبقا *} # PageV12P078 # أي هلاكا أو موضع هلاك، فاصلا حائلا بينهم، مهلكا قويا ثابتا حفيظا، لا ~~يشذ عنه منهم أحد، وإنما فسرته بذلك لأنه مثل قوله تعالى {فزيلنا بينهم} ~~[يونس: 28] أي بالقلوب أي جعلنا ما كان بينهم من الوصلة عداوة، ومثل قوله ~~تعالى {ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذابا ضعفا من النار} [الأعراف: 38] {هؤلاء ~~شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك} [النحل: 86] ونحوه، لأن معنى ذلك كله أنه ~~يبدل ما كان بينهم من الود في الدنيا والوصلة ببغض وقطيعة كما قال تعالى ~~{ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} [العنكبوت: 25] وأن كل ~~فريق يطلب للآخر الهلاك، فاقتضى ذلك اجتماع الكل فيه، هذا ما يرشد إلى ~~المعنى من آيات الكتاب، ونقل ابن كثير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ~~أنه قال: هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة، وقال ~~الحسن البصري: عداوة. # وأما أخذه من اللفظ فلأن مادة وبق - يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة، ~~ولها ms2787 أحد عشر تركيبا: واحد يائي: بقي، وستة واوية: قبو، قوب، بقو، بوق، ~~وقب، وبق، وأربعة مهموزة: قبأ، قأب، بأق، أبق - كلها تدور على الجمع، ~~وخصوصا ترتيب وبق # PageV12P079 # يدور على الحائل بين شيئين، ويلزمه القوة والثبات والحفظ والهلاك قوة أو ~~فعلا، لأن من حيل بينه وبين شيء فقد هلك بفقد ذلك الشيء بالفعل إن كان ~~الحائل موتا، وبالقوة إن كان غيره، يقال: قبل الشيء: جمعه بأصابعه، ~~والبناء: رفعه، والزعفران: جناه، والقبا - بالقصر: نبت - لأنه سبب الاجتماع ~~لرعيه والانتفاع به وهو يجمع أيضا، والقبا: تقويس الشيء - لأنه أقرب إلى ~~اجتماع بعض أجزائه ببعض، والقبوة: انضمام ما بين الشفتين، ومنه القباء من ~~الثياب، وقباه تقبية: عباه، أي جمعه حتى صار كأنه في مكان مقبو، وقبى عليه ~~تقبية: عدا عليه في أمره - لأنه كان كأنه أوقعه في حفرة، والثوب: جعل منه ~~قباء، وتقبى القباء: لبسه، وزيدا: أتاه من قفاه - لأن من يريد رمي أحد في ~~حفرة كذلك يأتيه مخاتلة، وتقبى الشيء: صار كالقبة، وامرأة قابية: تلقط ~~العصفر وتجمعه، والقابياء: اللئيم - لأنه بناء مبالغة، فيدل على كثرة الجمع ~~والحرص اللازمين للؤم، وبنو قابياء: المجتمعون لشرب الخمر - لأنها حالة ~~تظهر لؤم اللئام، وقباء - بالضم ويذكر ويقصر - موضع قرب المدينة الشريفة، ~~وموضع بين مكة والبصرة، وانقبى: استخفى، وقبى قوسين وقباء قوسين - ككساء: ~~قاب قوسين، والمقبي: الكثير الشحم - كأنه جمع لنفسه منه بالراحة ما صار ~~كالبناء، والقباية: المفازة - لأنها تجمع ما فيها كما تجمع القبة والقباء ~~والوقبة ما فيها. ومن مهموزة: قبأ الطعام - كجمع: أكله، ومن الشراب: امتلأ، ~~والقباءة: حشيشة ترعى - لأن المال يجتمع على رعيها. # ومن الواوي: قاب الأرض يقوبها وقوبها: حفر فيها شبه التقوير - لأن ~~الدائرة أجمع ما يكون لغيرها وفي نفسها، لأنه لا زوايا فيها فاصلة، وقوبت ~~الأرض: آثرت فيها، والقوبة: ما يظهر في الجسد ويخرج عليه - لأنه يكون غالبا ~~على هيئة الدائرة، وتقوب جلده: تقلع عنه الجرب، وانحلق عنه الشعر - إما من ~~الإزالة، وإما لأن آثاره تكون كالدوائر، وقوب الشيء: قلعه من أصله - لأن ms2788 ~~أثره إذا انقلع يكون حفرا مستديرا، وتقوب هو: تقلع، والقائبة والقابة: ~~البيضة - لأنها لتدويرها تشبه ذلك الحفر، والقوب - بالفتح: # PageV12P080 # فلق الطير بيضه، وبالضم: الفرخ - لأنه منها، وفي المثل: تخلصت قائبة من ~~قوب - يضرب لمن انفصل من صاحبه، والقوبي: المولع بأكل الأقواب أي الفراخ، ~~والقوب - كصرد: قشور البيض، وتقوبت البيضه: انقابت أي انحفرت، وأم قوب: ~~الداهية - لجمعها ما تأتي عليه كأنه ابتلعه حفر، وقاب: قرب - لأن القرب ~~مبدأ الجمع، وقاب: هرب، أي سلب القرب - ضد، وقاب: فلق، أي شق الجمع فهو من ~~الإزالة أيضا، وقاب قوس وقيبه، أي قدره - لأن القوس شبه نصف دائرة من ذلك ~~الحفر، والقاب: ما بين المقبض والسية - لأنه بعض ذلك، ولكل قوس قابان، ~~والأسود المتقوب: الذي انسلخ جلده من الحيات - لتدور ذلك الجلد وشبهه ~~بالحفرة، واقتاب الشيء: اختاره، أي جمعه إليه، ورجل مليء قوبة - كهمزة: ~~ثابت الدار مقيم - من الثبات الذي هو لازم الجمع، وقوب من الغبار: اغبر - ~~إما لأن من يحفر ذلك بغير، وإما لأن الغبار كثر عليه حتى غطاه فصار له مثل ~~تلك الحفرة. # ومن مهموزه: قأب الطعام - كمنع: أكله، والماء: شربه كقئبه - كفرح، أو شرب ~~كل ما في الإناء، وقئب من الشراب: تملأ، وهو مقأب - كمنبر: كثير الشرب ~~للماء، وإناء قوأب: كثير الأخذ # PageV12P081 # للماء - فهو كما ترى جمع مخصوص بالأكل والشرب، أو أنه جمعه في وقبة بطنه. # ومن الواوي: بقاه بعينه: نظر إليه - فهو من الحفظ اللازم للجمع، وابقه ~~بقوتك مالك، وبقاوتك مالك أي احفظه حفظك مالك، وبقوته: انتظرته - وهو يرجع ~~إلى الثبات والمراقبة التي ترجع إلى الحفظ، ويلزم الحفظ الثبات. ومن ~~اليائي: بقي الشيء بقاء: ثبت ودام ضد فني، والاسم البقوى - كدعوى، ويضم، ~~والبقيا - بالضم والبقية، وقد توضع الباقية موضع المصدر. # ومن واويه: البوقة: الجمع والدفعة من المطر الشديد أو المنكرة تنباق - ~~أنها نزلت من وقبة لشدتها، والبوائق: العوائد - لأنها جامعة لمن اعتادها، ~~والبوائق: الشر - لأنه مهلك، فكأنه موقع في المهالك، والبوق - بالضم: شبه ~~منقاب ينفخ فيه الطحان، أو الذي ينفخ فيه ms2789 مطلقا ويرمز - لأنه لتجويفه يشبه ~~الوقبة، والبوق أيضا: الباطل والزور - لأن صوته أشبع شيء بذلك، والمبوق - ~~كمعظم: الكلام الباطل، والبوق - بالفتح: من لا يكتم السر - لأن البوق متى ~~نفخ فيه صوت، والبوقة: شجرة دقيقة - لأنها لدقتها يسرع إليها الهلاك كمن ~~وقع فيه وقبة، # PageV12P082 # والبائقة: الداهية - كأنها تدفع من أتته في الوقبة، وانباقت عليه بائقة: ~~انفتقت، وباق: جاء بالشر والخصومات - من ذلك، وكذا باق، أي تعدى على إنسان، ~~وانباق به: ظلمه، والبائقة القوم: أصابتهم، كانباقت عليهم، أي خرجت لشدتها ~~من وقبة، والباقة: الحزمة من بقل - لاجتماعها، وباق بك: طلع عليك من غيبة - ~~كأنه كان في حفرة فخرج، ومنه باق فلان: هجم على قوم بغير إذنهم، وباق ~~القوم: سرقهم، وباق به: حاق به، أي - أحاط كما تحيط الوقبة، وباق القوم ~~عليه: اجتمعوا فقتلوه ظلما، وباق المال: فسد وبار - كحال من وقع في حفرة، ~~ومنه متاع بائق: لا ثمن له، وتبوق في الماشية: وقع فيها الموت وفشا، والحاق ~~باق: صوت الفرج عند الجماع - لأنه من الجمع، ولأن الفرج وقبة، ومن مهموزه: ~~بأقتهم الداهية بؤوقا: أصابتهم، وانبأق عليهم الدهر: هجم عليهم بالداهية. # ومن الواوي، الوقبة: كوة عظيمة فيها ظل، والوقب والوقبة: نقرة في الصخرة ~~يجتمع فيها الماء، وقيل: هي نحو البئر في الصفا تكون قامة أو قامتين يستنقع ~~فيها ماء السماء، وكل نقر في الجسد وقب كنقر العين والكتف، والوقبان من ~~الفرس: هزمتان فوق عينيه، ووقب # PageV12P083 # المحالة: الثقب الذي يدخل فيه المحور، ووقبة الدهن: أنقوعته، وكذا وقبة ~~الثريد، ووقب الشيء: دخل في الوقب، وأوقب الشيء: أدخله فيه، وركية وقباء: ~~غامرة الماء، وامرأة ميقاب: واسعة الفرج وبنو الميقاب نسبوا إلى أمهم، ~~يريدون سبهم بذلك، والميقاب: الرجل الكثير الشرب للماء، والحمقاء ~~أوالمحمقة، وسير الميقاب: أن تواصل سير يوم وليلة - كأن ذلك سير الأحمق ~~الذي لا يبقى على ظهره، ووقب القمر وقوبا: دخل في الظل الذي يكسفه - كأنه ~~حفرة ابتلعته، ووقبت الشمس وقوبا: غابت كذلك، وقيل: كل ما غاب فقد وقب، ~~ووقب الظلام، أقبل. أي فصار كالوقبة، ms2790 فابتلع الضياء أو ابتلع ما في الكون ~~فحجبه عن الضياء، ورجل وقب: أحمق - كأنه وعاء لكل ما يسمع، لا أهلية له في ~~تمييز جيده من رديئه، والأنثى: وقبة، وقال ثعلب: الوقب: الدنيء، أي لأنه ~~يتبع نفسه هواها فيصير كأنه الوقبة لا ترد شيئا مما يلقي فيها، ووقب الفرس ~~وقبا وهو صوت قنبه، أي وعاء قضيبه، وقيل: صوت تقلقل جردان الفرس في قنبه - ~~لأن وعاء جردانه كالوقبة، فهو من اطلاق اسم المحل على ما فيه، والقبة - # PageV12P084 # كعدة: الإنفحة إذا عظمت من الشاة، قال ابن الأعرابي: ولا يكون ذلك في غير ~~الشاء - لأن شبه الإنفحة بالوقبة ظاهر، والوقباء: موضع يمد ويقصر، والوقبى: ~~ماء لبني مازن - لأنه يجمعهم كما تجمع الوقبة ما فيها، والأوقاب: قماش ~~البيت كالبرمة والرحيين والعمد - لأن البيت لها كالوقبة لجمعها أو لأنها ~~جامعة لشمل من فيه، والميقب: الودعة، وأوقب القوم: جاعوا، أي تهيؤوا لإدخال ~~الطعام في وقبة الجوف، وذكر أوقب: ولاج في الهنات - لأنها كالأوقاب أي ~~الحفر، والوقب: الإقبال والمجيء، وهو سبب الجمع. # ووبق - كوعد ووجل وورث وبوقا وموبقا: هلك، أي وقع فيه وقبة، أي حفرة ~~كاستوبق، وكمجلس: المهلك والمحبس، وواد في جهنم، وكل شيء حال بين شيئين - ~~لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين غيره. # ومنه قيل للموعد: موبق، وأوبقه: حبسه أو أهلكه. # ومن مهموزه: أبق العبد - كسمع وضرب ومنع - أبقا # PageV12P085 # ويحرك - وإباقا - ككتاب: ذهب بلا خوف ولا كد عمل، أو استخفى ثم ذهب - وكل ~~ذلك يوجع إلى جعله كأنه نزل في وقبة، ومن شأنه حينئذ أن يخفى، ومنه تأبق: ~~استتر أو احتبس، وتأبق الشيء: أنكره - لأن سبب الإنكار الخفاء، وتأبق: ~~تأثم، أي جانب الإثم، فهو لسلب الجمع أو لسلب الهلاك في الوقبة، والأبق - ~~محركة: القنب - لشبهه لتجويفه بالوقبة، والأبق: قشره - لقوته اللازمة للجمع ~~أو لأنه خيوط مجتمعة. # PageV12P086 # ولما قرر سبحانه ما لهم مع شركائهم، ذكر حالهم في استمرار جهلهم، فقال ~~تعالى: {ورءا المجرمون} أي العريقون في الإجرام {النار} أي ورأوا، ولكنه ~~أظهر للدلالة على تعليق الحكم بالوصف ms2791 {فظنوا} ظنا {أنهم مواقعوها ولم} أي ~~والحال أنهم لم {يجدوا عنها مصرفا *} أي مكانا ينصرفون إليه، فالموضع موضع ~~التحقق، ولكن ظنهم جريا على عادتهم في الجهل كما قالوا {اتخذ الله ولدا} ~~[الكهف: 4] بغير علم {وما أظن أن تبيد هذه أبدا} [الكهف: 35] ، {وما أظن ~~الساعة قائمة} [الكهف: 36] ، {إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: ~~32] مع قيام الأدلة التي لا ريب فيها. # ولما كان الكلام في قوة أن يقال: صرفنا هذه الأخبار بما أشارت # PageV12P086 # إليه من الأسرار الكبار، فقامت دلائل الشريعة الجلائل، وأضاءت بها جواهر ~~المعاني الزواهر، عطف على ذلك: {ولقد صرفنا} أي بما لنا من العظمة. ولما ~~كانت هذه السورة في وصف الكتاب، اقتضى الاهتمام به تقديمه في قوله تعالى: ~~{في هذا القرءان} أي القيم الذي لا عوج فيه، مع جمعه للمعاني ونشره الفارق ~~بين الملبسات {للناس} أي المزلزلين فضلا عن الثابتين {من كل مثل} أي حولنا ~~الكلام وطرقناه في كل وجه من وجوه المعاني وألبسناه من العبارات الرائقة، ~~والأساليب المتناسقة، ما سار بها في غرابته كالمثل، يقبله كل من يسمعه، ~~وتضرب به آباط الإبل في سائر البلاد، بين العباد، فتبشر به قلوبهم، وتلهج ~~به ألسنتهم، فلم يتقبلوه وجادلوا فيه؛ ثم نبه على الوصف المقتضي لذلك بقوله ~~تعالى: {وكان الإنسان} الذي جعل خصيما وهو آنس بنفسه جبلة وطبعا {أكثر شيء} ~~وميز الأكثرية بقوله تعالى: {جدلا *} لأنه لم ينته عن الجدل بعد هذا ~~البيان، الذي أضاء جميع الأكوان. # ولما بين إعراضهم، بين موجبه عندهم فقال: {وما منع} ولما كان الناس تبعا ~~لقريش قال: {الناس} أي الذين جادلوا بالباطل، الإيمان - هكذا كان الأصل، ~~ولكنه عبرعن هذا المفعول الثاني بقوله تعالى: # PageV12P087 # {أن يؤمنوا} ليفيد التجديد وذمهم على الترك {إذ} أي حين {جاءهم الهدى} ~~بالكتاب على لسان الرسول، وعطف على المفعول الثاني - معبرا بمثل ما مضى لما ~~مضى - قوله تعالى: {ويستغفروا ربهم} أي المحسن إليهم. # ولما كان الاستثناء مفرغا، أتى بالفاعل فقال تعالى: {إلا أن} أي طلب أن ~~{تأتيهم سنة الأولين} في إجابتهم إلى ms2792 ما اقترحوه على رسلهم، المقتضي ~~للاستئصال لمن استمر على الضلال، ومن ذلك طلبهم أن يكون النبي ملكا، وذلك ~~نقمة في صورة نعمة وإتيان بالعذاب دبرا، أي مستورا {أو} طلب أن {يأتيهم ~~العذاب قبلا *} أي مواجهة ومعاينة ومشاهدة من غير ستر له، هو في قراءة من ~~كسر القاف وفتح الباء واضح، من قولهم: لقيت فلانا قبلا، أي معاينة، وكذا في ~~قراءة من ضمهما، من قولهم: أنا آتيك قبلا لا دبرا، أي مواجهة # PageV12P088 # من جهة وجهك لا من جهة قفاك، قال تعالى: # {إن كان قميصه قد من قبل} [يوسف: 26] ، ويصح أن يراد بهذه القراءة ~~الجماعة، لأن المراد بالعذاب الجنس أي يأتيهم أصنافا مصنفة صنفا ونوعا ~~نوعا، وقد مضى في الأنعام بيانه، وهذا الشق قسيم الإتيان بسنة الأولين، ~~فمعناه: من غير أن يجابوا إلى ما اقترحوا كما تقدم في التي قبلها {فأبى ~~أكثر الناس إلا كفورا وقالوا لن نؤمن لك} [الإسراء: 89-90]- إلى قوله ~~تعالى: {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا} [الإسراء: 92] الآية وهذه ~~الآية من الاحتباك: ذكر {سنة الأولين} أولا يدل على ضدها ثانيا، وذكر ~~المكاشفة ثانيا يدل على المساترة أولا. # ولما كان ذلك ليس إلى الرسول، إنما هو إلى الإله، بينه بقوله تعالى: {وما ~~نرسل} على ما لنا من العظمة التي لا أمر لأحد معنا فيها {المرسلين إلا ~~مبشرين} بالخير على أفعال الطاعة {ومنذرين} بالشر على أفعال المعصية، فيطلب ~~منهم الظالمون من أممهم ما ليس إليهم من فصل الأمر {ويجادل الذين كفروا} أي ~~يجددون الجدال كلما # PageV12P089 # أتاهم أمر من قبلنا {بالباطل} من قولهم: لو كنتم صادقين لأتيتم بما نطلب ~~منكم، مع أن ذلك ليس كذلك لأنه ليس لأحد غير الله من الأمر شيء {ليدحضوا} ~~أي ليزلقوا فيزيلوا ويبطلوا {به الحق} الثابت من المعجزات المثبتة لصدقهم. # ولما كان لكل مقام مقال، ولكل مقال حد وحال، فأتى في الجدال بصيغة ~~الاستقبال، وكان اتخاذ الاستهزاء أمرا واحدا، أتى به ماضيا فقال تعالى: ~~{واتخذوا} أي كلفوا أنفسهم أن أخذوا {ءاياتي} بالبشارات التي هي المقصودة ~~بالذات ms2793 لكل ذي روح {وما أنذروا} من آياتي، بني للمفعول لأن الفاعل معروف ~~والمخيف الإنذار {هزوا *} مع بعدهما جدا عن ذلك، فلا بالرغبة أطاعوا، ولا ~~للرهبة ارتاعوا، فكانوا شرا من البهائم. # PageV12P090 # ولما حكي عنهم هذا الجدال، والاستهزاء والضلال، وصفهم بما يموجب الخزي ~~فقال - عاطفا على ما تقديره: فكانوا بذلك أظلم الظالمين: {ومن أظلم} منهم - ~~استفهاما على سبيل التقرير، ولكنه أظهر للتنبيه على الوصف الموجب للإنكار ~~على من شك في أنهم أظلم. فقال تعالى: {ممن ذكر} أي من أي مذكر كان {بأيات} ~~أي علامات {ربه} المحسن إليه بها؛ قال الأصبهاني: وهذا من أفصح # PageV12P090 # التقرير أن يوقف الرجل على ما لا جواب فيه إلا الذي يريد خصمه. # ولما كان التذكير سببا للإقبال فعكسوا فيه قال تعالى: {فأعرض عنها} تاركا ~~لما يعرف من تلك العلامات العجيبة وما يوجبه ذلك الإحسان من الشكر {ونسي ما ~~قدمت يداه} من الفساد الذي هو عارف - لو صرف عقله إلى الفكر فيما ينفعه - ~~أن الحكمة تقتضي جزاءه عليه، وأفرد الضمير في جميع هذا على لفظ {من} إشارة ~~إلى أن من فعل مثل هذا - ولو أنه واحد - كان هكذا، والأحسن أن يقال: إنهم ~~لما كانوا قد سألوا اليهود عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما أشير إليه ~~عند {ويسألونك عن الروح} [الإسراء: 85] فأمروهم بسؤاله عما جعلوه أمارة على ~~صدقه، فلم يؤثر ذلك فيهم، واستمروا بعد إخباره بالحق على التكذيب، شرح ~~حالهم بالتعقيب بالفاء، فكان المعنى: من أظلم منهم، لأنهم ذكروا فأعرضوا ~~ونسوا ما اعتقدوا أنه دليل الصدق، وأنه لا جدال بعده، وسيأتي لموقع الفاء ~~في آخر السجدة مزيد بيان، وإسناد الفعل في الإعراض وما بعده إليهم حقيقة ~~مما لهم من الكسب كما أن إسناد الجعل وما بعده إلى الله حقيقة بما له من ~~الخلق. # ولما كان كأنه قيل: ما لهم فعلوا ذلك؟ أيجهل قبح هذا أحد؟ قيل: # PageV12P091 # {إنا جعلنا} بما لنا من القدرة على إعماء البصائر والأبصار {على قلوبهم} ~~فجمع رجوعا إلى أسلوب {واتخذوا ءاياتي} لأنه أنص على ذم ms2794 كل واحد {أكنة} أي ~~أغطية مستعلية عليها استعلاء يدل سياق العظمة على أنه لا يدع شيئا من الحيز ~~يصل إليها، فهي لا تعي شيئا من آياتنا، ودل بتذكير الضمير على أن المراد ~~بالآيات القرآن فقال تعالى: {أن} أي كراهة أن {يفقهوه} أي يفهموه {وفي ~~ءاذانهم وقرا} أي ثقلا فهم لا يسمعون حق السمع، ولا يعون حق الوعي {وإن ~~تدعهم} أي تكرر دعاءهم كل وقت {إلى الهدى} لتنجيهم بما عندك من الحرص على ~~ذلك والجد {فلن يهتدوا} أي كلهم بسبب دعائك {إذا} أي إذا دعوتهم {أبدا *} ~~لأن من له العظمة التامة - وهو الذي إذا عبر عن نفسه بنونها كانت على ~~حقيقتها - حكم عليها بالضلال، أي أنه لا يكون الدعاء وحده هاديا لأكثرهم، ~~بل لا بد معه من السيف كما سنأمرك به فتقطع الرؤوس فيذل غيرهم، وقد يكون ~~المراد أن من كان هكذا معاندا على هذا الوجه مؤبد الشقاء، وقد نفى # PageV12P092 # آخر هذه الآية الفعل عن العباد وأثبته لهم أولها، وقلما نجد في القرآن ~~آية تسند الفعل إليهم إلا قارنتها أخرى تثبته لله وتنفيه عنهم، ابتلاء من ~~الله لعباده ليتميز الراسخ - الذي ينسب للمكلفين الكسب المفيد لأثر ~~التكليف، ولله الخلق المفيد لأنه سبحانه لا شريك له في خلق ولا غيره - من ~~الطائش الذي يقول بالجبر أو التفويض. # ولما كان هذا مقتضيا لأخذهم، عطف على ما اقتضاه السياق مما ذكرته من ~~العلة قوله تعالى: {وربك} مشيرا بهذا الاسم إلى ما اقتضاه الوصف من الإحسان ~~بأخذ من يأخذ منهم وإمهال غيره لحكم دبرها؛ ثم أخبر عنه بما ناسب ذلك من ~~أوصافه فقال: {الغفور} أي هو وحده الذي يستر الذنوب إما بمحوها وإما بالحلم ~~عنها إلى وقت {ذو الرحمة} أي الذي يعامل - وهو قادر - مع موجبات الغضب ~~معاملة الراحم بالإكرام؛ ثم استشهد على ذلك بقوله تعالى: {لو يؤاخذهم} أي ~~هؤلاء الذين عادوك وآذوك، وهو عالم بأنهم لا يؤمنون لو يعاملهم معاملة ~~المؤاخذ {بما كسبوا} حين كسبهم {لعجل لهم العذاب} واحدا بعد واحد، ولكنه لا ~~يعجل ms2795 لهم ذلك {بل لهم موعد} يحله بهم فيه، ودل على أن موعده ليس كموعد غيره # PageV12P093 # من العاجزين بقوله دالا على كمال قدرته: {لن يجدوا من دونه} أي الموعد ~~{موئلا *} أي ملجأ ينجيهم منه، فإذا جاء موعدهم أهلكناهم فيه بأول ظلمهم ~~وآخره. # PageV12P094 # ولما كانت هذه سنته في القرون الماضية والأمم الخالية، قال تعالى عاطفا ~~على قوله «لهم موعد» مروعا لهم بالإشارة إلى ديارهم المصورة لدمارهم: {وتلك ~~القرى} أي الماضية من عاد وثمود ومدين وقوم لوط وأشكالهم {أهلكناهم} أي ~~حكمنا بإهلاكهم بما لنا من العظمة {لما ظلموا} أي أول ما ظلموا، أو ~~أهلكناهم بالفعل حين ظلمهم لكن لا في أوله، بل أمهلناهم إلى حين تناهيه ~~وبلوغه الغاية، فليحذر هؤلاء مثل ذلك {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة ~~{لمهلكهم} أي إهلاكهم بالفعل {موعدا *} أي وقتا نحله بهم فيه ومكانا لم ~~نخلفه، كما أنا جعلنا لهؤلاء موعدا في الدنيا بيوم بدر والفتح وحنين ونحو ~~ذلك، وفي الآخرة لن نخلفه، وكذا كل أمر يقوله نبي من الأنبياء عنا لا يقع ~~فيه خلف وإن كان يجوز لنا ذلك، بخلاف ما يقوله من نفسه غير مسند إلينا فإنه ~~يمكن وقوع الخلف فيه، كما # PageV12P094 # وقع في الوعد بالإخبار عن هذه المسائل التخلف أربعين ليلة أو ما دونها ~~على حسب فهمهم أن {غدا} على حقيقته. # ولما قدم الكلام على البعث، واستدل عليه بابتداء الخلق، ثم ذكر بعض ~~أحواله، ثم عقبه بما ضرب لذلك وغيره من الأمثال، وصرف من وجوه الاستدلال، ~~وختم ذلك بأنه يمهل عند المساءة، عقب ذلك بأنه كذلك يفعل عند المسرة، فلكل ~~شيء عنده كتاب، وكل قضاء بقدر وحساب، فذكر قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ~~وما اتفق له في طلبه، وجعله سبحانه له الحوت آية وموعدا للقائه، ولو أراد ~~سبحانه لقرب المدى ولم يحوج إلى عناء، مع ما فيها من الخارق الدال على ~~البعث، ومن الدليل على أن من ثبت فضله وعلمه لا يجوز أن يعترض عليه إلا من ~~كان على ثقة مما يقوله من ربه ms2796 ولا أن يمتحن، ومن الإرشاد إلى ذم الجدل بغير ~~علم، ووجوب الانقياد للحق عند بيانه، وظهور برهانه، ومن إرشاد من استنكف أن ~~يجالس فقراء المؤمنين بما اتفق لموسى عليه السلام من أنه - وهو كليم الله - ~~أتبع الخضر عليه السلام ليقتبس من علمه، ومن تبكيت اليهود بقولهم لقريش لما ~~أمروهم بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «إن # PageV12P095 # لم يخبركم فليس بنبي» الموهم للعرب الذين لا يعلمون شيئا أن من شرط النبي ~~أن لا يخفى عليه شيء، مع ما يعلمون من أن موسى عليه السلام خفي عليه جميع ~~ما فعله الخضر عليه السلام، وإلى نحو هذا أشار الخضر عليه السلام بقوله إذ ~~وقع العصفور على حرف السفينة ونقر من البحر نقرة أو نقرتين «ما نقص علمي ~~وعلمك يا موسى من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر» # وبإعلامهم بما يعلمونه من أن موسى عليه السلام جعل نفسه تابعا للخضر عليه ~~السلام، تكذيبا لهم في ادعائهم أنه ليس أحد أعلى من موسى عليه السلام في ~~وصف من الأوصاف، وأنه لا ينبغي لأحد اتباع غيره، ومن جوابهم عما لعلهم ~~يقولون للعرب بهتا وحسدا «لو كان نبيا ما قال: أخبركم غدا، وتأخر عن ذلك» ~~بما اتفق لموسى في وعده الخضر عليهما السلام بالصبر، وبما خفي عليه مما ~~اطلع عليه الخضر عليهما السلام، فقال تعالى عاطفا على قوله سبحانه {وإذ ~~قلنا للملائكة} : {وإذ} أي واذكر لهم حين {قال موسى} أي ابن عمران المرسل ~~إلى بني إسرائيل، أي قوله الذي كان في ذلك الحين {لفتاه} يوشع بن نون ~~عليهما السلام: {لا أبرح} أي لا أزال سائرا في طلب العبد الذي أعلمني ربي ~~بفضله - كما دل عليه ما يأتي {حتى أبلغ مجمع البحرين} أي ملتقاهما وموضع ~~اختلاطهما الذي سبق إليه فهمي، فتعينت البداءة به فألقاه ثم {أو أمضي حقبا ~~*} إن لم أظفر بمجمع البحرين الذي جعله ربي موعدا لي في لقائه؛ والحقب - ~~قال في القاموس - ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة أو السنون - انتهى. ms2797 وما ~~أنسب التوقيت بمجمع بحري الماء بمجمع بحري العلم وتزودهما بالنون الذي قرنه ~~الله بالقلم وما يسطرون، وعين الحياة لأن العلم حياة القلوب، فسارا وتزودا ~~حوتا مشويا في مكتل كما أمر به، فكانا يأكلان منه إلى أن بلغا المجمع {فلما ~~بلغا مجمع بينهما} أي البحرين، فلم يكن هناك بين أصلا لصيرورتهما شيئا ~~واحدا {نسيا حوتهما} فلم يعلم موسى عليه السلام شيئا من حاله ونسي أن يسأل ~~عنه، وعلم يوشع عليه السلام بعض حاله فنسي أن يذكر ذلك له {فاتخذ} أي الحوت ~~معجزة في معجزة {سبيله} أي طريقه الواسع الواضح {في البحر سربا *} أي خرقا ~~في الماء غير ملتئم، من السرب الذي هو جحر الوحشي، والحفير تحت الأرض، ~~والقناة يدخل منها الماء الحائط. وقد ورد في حديثه في الصحيح أن الله تعالى ~~أحياه وأمسك عن موضع جريه # PageV12P096 # في الماء، فصار طاقا لا يلتئم. ويوشع عليه السلام ينظر ذلك، وكأن المجمع ~~كان ممتدا، فظن موسى عليه السلام أن المطلوب أمامه أو ظن أن المراد مجمع ~~آخر فسار {فلما جاوزا} أي موسى وفتاه عليهما السلام ذلك الموضع من المجمع ~~تعب، ولم يتعب حتى جاوز المكان الذي أمر به معجزة أخرى، فلما جاع وتعب {قال ~~لفتاه ءاتنا} أي أحضر لنا {غداءنا} أي لنتقوى به على ما حصل لنا من ~~الإعياء، ولذلك وصل به قوله تعالى: {لقد لقينا من سفرنا} أي الذي سافرناه ~~في هذا اليوم خاصة، ولذلك أشار إليه بأداة القرب فقال تعالى: {هذا نصبا *} ~~وكان الحوت زادهم فلم يكن معه، فكأنه قيل: فما كان عن أمره؟ فقيل: {قال} ~~لموسى عليه السلام معجبا له: {أرءيت} ما دهاني؟ {إذ أوينا إلى الصخرة} التي ~~بمجمع البحرين # PageV12P097 # {فإني} أي بسبب أني {نسيت الحوت} أي نسيت أن أذكر لك أمره الذي كان هناك؛ ~~ثم زاد التعجيب من هذا النسيان بالاعتراض بين الإخبار به مجملا وبين تفصيل ~~أمره وبإيقاع النسيان عليه ثم على ذكره فقال تعالى: {وما أنسانيه} مع كونه ~~عجيبا {إلا الشيطان} بوساوسه. # ولما كان المقام للتدريب في ms2798 عظيم تصرف الله تعالى في القلوب بإثبات العلم ~~ونفيه وإن كان ضروريا، ذكر نسيانه، ثم أبدل من ضميره # PageV12P098 # قوله تعالى: {أن أذكره} لك فإنه عاش فانساب من المكتل في البحر {واتخذ ~~سبيله} أي طريقه الذي ذهب فيه {في البحر عجبا *} وذكره له الآن مانع من أن ~~يكون للشيطان عليه سلطان على أن هذا الإنساء ليس مفوتا لطاعة، بل فيه ترقية ~~لهما في معارج المقامات العالية لوجدان التعب بعد المكان الذي فيه البغية، ~~وحفظ الماء منجابا على طول الزمان وغير ذلك من آيات الإيقان، وقوله تعالى ~~{إنما سلطانه على الذين يتولونه} [النحل: 100] مبين أن السلطان الحمل على ~~المعاصي، وقد كان في هذه القصة خوارق حياة الحوت وإيجاد ما كان أكل منه، ~~وإمساك الماء عن مدخله، وقد اتفق لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه ~~أو أتباعه ببركته مثل ذلك. # أما إعادة ما أكل من الحوت المشوي - وهو جنبه - فقد روى البيهقي في أواخر ~~دلائل النبوة عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: «خرجنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الحجة التي حجها حتى إذا كنا ببطن الروحاء ~~- فذكر قصة المرأة التي أبرأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولدها من ~~الجنون إلى أن قال: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حجته ~~انصرف حتى إذا نزل ببطن الروحاء # PageV12P099 # أتته تلك المرأة بشاة قد شوتها، فأمر بأخذ تلك الشاة منها ثم قال: يا ~~أسيم - وكان إذا دعاه رخمه! ناولني ذراعا، وكان أحب الشاة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم مقدمها، ثم قال: يا أسيم! ناولني ذراعا! ~~فناولته، ثم قال: يا أسيم! ناولني ذراعا! فقلت: يا رسول الله! إنما هما ~~ذراعان وقد ناولتك، فقال: والذي نفسي بيده لو سكت ما زلت تناولني ذراعا ما ~~قلت لك: ناولني ذراعا» فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لو سكت أوجد الله ~~لها ذراعا ثم ذراعا وهكذا، وقوله الحق الذي لا فرق بينه ms2799 وهو في عالم الغيب ~~وبين ما وجد في عالم الشهادة. # وأما حياة الحوت المشوي فقد مضى عند {والله يعصمك من الناس} [المائدة: ~~67] ما هو أكبر من ذلك في قصة الشاة المشوية المسمومة، وهو أن ذراعها أخبر ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه مسموم فهو أعظم من عود الحياة من ~~غير نطق، وكذا حنين الجذع، وسلام الحجر، وتسبيح الحصا، وتأمين أسكفة الباب ~~وحوائط # PageV12P100 # البيت ونحو ذلك أعظم من عود الحياة إلى ما كان حيا، فقد روى البيهقي في ~~الدلائل عن عمرو بن سواد قال: قال لي الشافعي: ما أعطى الله نبيا ما أعطى ~~محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقلت: أعطى عيسى عليه السلام إحياء ~~الموتى؟ فقال: أعطى محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجذع - الذي كان ~~يخطب إلى جنبه حتى هيىء له المنبر، فلما هيىء له المنبر حن الجذع حتى سمع ~~صوته - فهذا أكبر من ذاك - انتهى. على أنه قد تقدم في آل عمران وفي آخر ~~البقرة في قصة إبراهيم عليه السلام أشياء من إحياء الموتى له صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم ولبعض أمته. # وأما آية الماء فمرجعها إلى صلابته، ولا فرق بين جموده بعدم الالتئام بعد ~~الانخراق وبين جموده وصلابته بالامتناع من الانخراق، وقد روى البيهقي في ~~ذلك ما فيه آية من الإحياء بسند منقطع # PageV12P101 # عن أنس رضي الله عنه قال: كنا في الصفة عند رسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ فأضاف المرأة إلى النساء ~~وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض ~~فغمضه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله ~~قال: ائت أمه فأعلمها، فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما، ثم قالت: ~~اللهم إني أسلمت لك طوعا، وخلعت الأوثان زهدا، وهاجرت إليك رغبة، اللهم لا ~~تشمت بي عبدة الأوثان، ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها، ~~قال: فوالله ms2800 ما تقضي كلامها حتى حرك قدميه، وألقى الثوب عن وجهه، وعاش حتى ~~قبض الله رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى هلكت أمه؛ ثم جهز عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه - يعني جيشا، واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي، قال: ~~وكنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد تدروا بنا، فعفوا آثار ~~الماء، قال: وكان حر شديد، فجهدنا العطش ودوابنا، وذلك يوم الجمعة فلما ~~مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين، ثم مد يده وما نرى في السماء شيئا، ~~فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحا وأنشأ سحابا فأفرغت حتى ملأت الغدر ~~والشعاب، فشربنا وسقينا واستقينا # PageV12P102 # ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج ~~وقال: يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم! ثم قال: أجيزوا باسم الله! فأجزنا ~~ما يبل الماء حوافر دوابنا، فأصبنا العدو غيلة فقتلنا وأسرنا وسبينا ثم ~~أتينا الخليج فقال مثل مقالته فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا. # وأخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا إسماعيل الصفار ن الحسن بن علي بن عفان ~~أنبأنا ابن نمير عن الأعمش عن بعض أصحابه، قال: انتهينا إلى دجلة وهي مادة، ~~والأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم الله، ثم أقحم فرسه فاندفع على ~~الماء، فقال الناس: بسم الله بسم الله، ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء، ~~فلما نظر إليهم الأعاجم قالوا: ديوان ديوان، ثم ذهبوا على وجوههم، فما ~~فقدوا إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم فاقتسموها. ~~أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا أبو محمد عبد الله بن محمد السمذي ثنا ~~أبو العباس السراج ثنا الفضل بن سهل وهارون بن عبد الله قالا: ثنا سليمان ~~بن المغيرة أن أبا مسلم الخولاني جاء إلى الدجلة وهي ترمي بالخشب من مدها، ~~فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه وقال: هل تفقدون من متاعكم شيئا # PageV12P103 # فندعو الله - قال البيهقي: هذا إسناد صحيح. # PageV12P104 # وفي هذا الأمر من هذه القصة قاصمة للسائلين والآمرين لهم بالسؤال، لأن ~~المراد - والله أعلم ms2801 - أن هذا الأمر وقع لنبي هؤلاء المضلين، فمر قريشا أن ~~يسألوهم عن هذه القصة، فإن أخبروهم عنها بمثل ما أخبرتهم فصدقوهم، لزمهم أن ~~يؤمنوا بالبعث لأمر هذا الحوت الذي أحياه الله بعد أن كان مشويا وصار كثير ~~منه في البطون، وإن لم يصدقوهم في هذا وصدقوهم في غيره مما يتعنتون به عليك ~~فهو تحكم، وإن كانوا يتهمونهم في كل أمر كان سؤالهم لهم عبثا، ليس من أفعال ~~من يعقل، فكأنه قيل: فما قال موسى حينئذ؟ فقيل: {قال} منبها على أن ذلك ليس ~~من الشيطان، وإنما هو إغفال من الله تعالى بغير واسطة ليجدا العلامة التي ~~أخبره الله بها كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنى لأنسى - ~~أي ينسيني الله تعالى - لأسن» {ذلك} أي الأمر العظيم من فقد الحوت {ما كنا ~~نبغ} # PageV12P104 # أي نريد من هذا الأمر المغيب عنا، فإن الله تعالى جعله موعدا لي في لقاء ~~الخضر {فارتدا على ءاثارهما} يقصانها {قصصا *} وهذا يدل على أن الأرض كانت ~~رملا، لا علم فيها، فالظاهر - والله أعلم - أنه مجمع النيل والملح الذي عند ~~دمياط، أو رشيد من بلاد مصر، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركبا في ~~سفينته للتغذية - كما في الحديث، فإن الطير لا يشرب من الملح، ومن المشهور ~~في بلاد رشيد أن الأمر كان عندهم، وأن عندهم سمكا ذاهب الشق يقولون: أنه من ~~نسل تلك السمكة - والله أعلم. فاستمرا يقصان حتى انتهيا إلى موضع فقد الحوت ~~{فوجدا عبدا من عبادنا} مضافا إلى حضرة عظمتنا وهو الخضر عليه السلام ~~{ءاتيناه} بعظمتنا {رحمة} أي وحيا ونبوة، وكونه نبيا قول الجمهور {من ~~عندنا} أي مما لم يجر على قوانين العادات غير أنه ليس بمستغرب عند أهل ~~الاصطفاء {وعلمناه من لدنا} أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندنا ~~مما لم يحدث عن الأسباب المعتادات، فهو مستغرب عند أهل الاصطفاء {علما} ~~قذفناه في قلبه بغير واسطة؛ وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي: «عند» في لسان ~~العرب لما ظهر، و «لدن» لما بطن، فيكون ms2802 المراد بالرحمة ما ظهر من كراماته، ~~وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعا أنه خاص بحضرته سبحانه، # PageV12P105 # أي نريد من هذا الأمر المغيب عنا، فإن الله تعالى جعله موعدا لي في لقاء ~~الخضر {فارتدا على ءاثارهما} يقصانها {قصصا *} وهذا يدل على أن الأرض كانت ~~رملا، لا علم فيها، فالظاهر - والله أعلم - أنه مجمع النيل والملح الذي عند ~~دمياط، أو رشيد من بلاد مصر، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركبا في ~~سفينته للتغذية - كما في الحديث، فإن الطير لا يشرب من الملح، ومن المشهور ~~في بلاد رشيد أن الأمر كان عندهم، وأن عندهم سمكا ذاهب الشق يقولون: أنه من ~~نسل تلك السمكة - والله أعلم. فاستمرا يقصان حتى انتهيا إلى موضع فقد الحوت ~~{فوجدا عبدا من عبادنا} مضافا إلى حضرة عظمتنا وهو الخضر عليه السلام ~~{ءاتيناه} بعظمتنا {رحمة} أي وحيا ونبوة، وكونه نبيا قول الجمهور {من ~~عندنا} أي مما لم يجر على قوانين العادات غير أنه ليس بمستغرب عند أهل ~~الاصطفاء {وعلمناه من لدنا} أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندنا ~~مما لم يحدث عن الأسباب المعتادات، فهو مستغرب عند أهل الاصطفاء {علما} ~~قذفناه في قلبه بغير واسطة؛ وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي: «عند» في لسان ~~العرب لما ظهر، و «لدن» لما بطن، فيكون المراد بالرحمة ما ظهر من كراماته، ~~وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعا أنه خاص بحضرته سبحانه، # PageV12P106 # فأهل التصوف سموا العلم بطريق المكاشفة العلم اللدني، فإذا سعى العبد في ~~الرياضيات يتزين الظاهر بالعبادة، وتتخلى النفس عن الأخلاق الرذيلة، وتتحلى ~~بالأخلاق الجميلة، وتصير القوى الحسية والخيالية والوهمية في غاية القوة، ~~وحينئذ تصير القوة العقلية قوية صافية، وربما كانت النفس بحسب أصل الفطرة ~~نورانية إلهية علوية قليلة التعلق بالحوادث البدنية، شديدة الاستعداد لقبول ~~الأمور الإلهية، فتشرق فيها الأنوار الإلهية وتفيض عليها من عالم القدس على ~~وجه الكمال فتحصل المعارف والعلوم من غير تفكر وتأمل، فهذا هو العلم ~~اللداني. # ثم أورد سبحانه وتعالى القصة على طريق الاستئناف على تقدير سؤال سائل عن ~~كل كلام ms2803 يرشد إليه ما قبله، وذلك أنه من المعلوم أن الطالب للشخص إذا لقيه ~~كله، لكن لا يعرف عين ذلك الكلام فقال لمن كأنه سأل عن ذلك: {قال له موسى} ~~طالبا منه على سبيل التأدب والتلطف بإظهار ذلك في قالب الاستئذان: {هل ~~أتبعك} أي اتباعا بليغا حيث توجهت؛ والاتباع: الإتيان لمثل فعل الغير لمجرد ~~كونه آتيا به؛ وبين أنه لا يطلب منه غير العلم بقوله: {على أن تعلمن} # PageV12P107 # وزاد في التلطف بالإشارة إلى أنه لا يطلب جميع ما عنده ليطول عليه الزمان ~~بل جوامع منه يسترشد بها إلى باقيه فقال: {مما علمت} وبناه للمفعول لعلم ~~المخاطبين - لكونهم من الخلص - بأن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى، وللإشارة ~~إلى سهولة كل أمر على الله عز وجل {رشدا *} أي علما يرشدني إلى الصواب فيما ~~أقصده، ولا نقص في تعلم نبي من نبي حتى يدعي أن موسى هذا ليس موسى بن عمران ~~عليه السلام فإنه قد ثبت كونه ابن عمران في الصحيح، وأتى صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم في سؤاله له بهذه الأنواع من الآداب والإبلاغ في التواضع لما ~~هو عليه من الرسوخ في العلم، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر، كان علمه ~~بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان طلبه لها أشد، فكان تعظيمه لأرباب ~~العلوم أكمل. # ولما أتم العبارة عن السؤال، استأنف جوابه له بقوله تعالى: {قال} أي ~~الخضر عليه السلام: {إنك لن تستطيع} يا موسى {معي صبرا *} أي هو من العظمة ~~على ما أريد لما يحثك على عدم الصبر من ظاهر الشرع الذي أمرت به، فالتنوين ~~للتعظيم بما تؤذن به تاء الاستفعال، وأكد لما في سؤال موسى عليه السلام من ~~التلطف المؤذن بأنه يصبر # PageV12P108 # عليه ولا يخالفه في شيء أصلا، ويؤخذ منه أن العالم إن رأى في التغليظ على ~~المتعلم ما يفيده نفعا وإرشادا إلى الخير كان عليه ذكره، فإن السكوت عنه ~~يوقع المتعلم في الغرور والنخوة، وذلك يمنعه من التعلم. # PageV12P109 # ولما كان المقام صعبا جدا لأنه بالنسبة إلى أوامر ms2804 الله تعالى، بينه على ~~وجه أبلغ من نفي الأخص، وهو الصبر البليغ، بالتعجيب من مطلق الصبر معتذرا ~~عن موسى في الإنكار، وعن نفسه في الفعل، بأن ذلك بالنسبة إلى الظاهر ~~والباطن، فقال عاطفا على ما تقديره: فكيف تتبعني الاتباع البليغ: {وكيف ~~تصبر} يا موسى {على ما لم تحط به خبرا *} أي من جهة العلم به ظاهرا وباطنا، ~~فأشار بالإحاطة إلى أنه كان يجوز أن يكون على صواب، ولكن تجويزا لا يسقط ~~عنه وجوب الأمر، ويجوز أن يكون هذا تعليلا لما قبله، فيكون الصبر الثاني هو ~~الأول، والمعنى أنك لا تستطيع الصبر الذي أريده لأنك لا تعرف فعلي على ما ~~هو عليه فتراه فاسدا {قال} أي موسى عليه السلام، آتيا بنهاية التواضع لمن ~~هو أعلم منه، إرشادا لما ينبغي في طلب العلم رجاء تسهيل الله # PageV12P109 # له والنفع به: {ستجدني} فأكد الوعد بالسين؛ ثم أخبر عنه سبحانه أنه قوى ~~تأكيده بالتبرك بذكر الله تعالى لعلمه بصعوبة الأمر على الوجه الذي تقدم ~~الحث عليه في هذه السورة في قوله تعالى {ولا تقولن لشيء إني فاعل} الآية ~~ليعلم أنه منهاج الأنبياء وسبيل الرسل، فقال تعالى: {إن شاء الله} أي الذي ~~له صفات الكمال {صابرا} على ما يجوز الصبر عليه؛ ثم زاد التأكيد بقوله عطفا ~~بالواو على «صابرا» لبيان التمكن في كل من الوصفين: {ولا أعصي} أي وغير عاص ~~{لك أمرا *} تأمرني به غير مخالف لظاهر أمر الله {قال} أي الخضر عليه ~~السلام: {فإن اتبعتني} يا موسى اتباعا بليغا {فلا تسألني عن شيء} أقوله أو ~~أفعله {حتى أحدث لك} خاصة {منه ذكرا *} يبين لك وجه صوابه، فإني لا أقدم ~~على شيء إلا وهو صواب جائز في نفس الأمر وإن كان ظاهره غير ذلك. # ولما تشارطا وتراضيا على الشرط سبب قوله تعالى: {فانطلقا} أي موسى والخضر ~~عليهما السلام على الساحل، يطلبان سفينة يركبان فيها واستمرا {حتى إذا ركبا ~~في السفينة} وأجاب الشرط بقوله تعالى: {خرقها} وعرفها لإرشاد السياق بذكر ~~مجمع البحرين إلى أن # PageV12P110 # انطلاقهما كان لطلب ms2805 سفينة، فكانت لذلك كأنها مستحضرة في الذهن، ولم يقرن ~~«خرق» بالفاء لأنه لم يكن مسببا عن الركوب ولا كان في أول أحيانه؛ ثم ~~استأنف قوله تعالى: {قال} أي موسى عليه السلام، منكرا لذلك لما في ظاهره من ~~الفساد بإتلاف المال المفضي إلى فساد أكبر منه بإهلاك النفوس، ناسيا لما ~~عقد على نفسه لما دهمه مما عنده من الله - وهو الإله العظيم - من العهد ~~الوثيق المكرر في جميع أسفار التوراة بعد إثباته في لوحي الشهادة في العشر ~~كلمات التي نسبتها من التوراة كنسبة الفاتحة من القرآن بالأمر القطعي أنه ~~لا يقر على منكر، ومن المقرر أن النهي واجب على الفور، على أنه لا يقر على ~~منكر، ومن المقرر أن النهي واجب على الفور، على أنه لو لم ينس لم يترك ~~الإنكار، كما فعل عند قتل الغلام، لأن مثل ذلك غير داخل في الوعد، لأن ~~المستثنى شرعا كالمستثنى وضعا، ففي الأولى نسي الشرط، وفي الثانية نسي - ~~لما دهمه من فظاعة القتل الذي لم يعلم فيه من الله أمرا - أنه ينبغي تقليده ~~لثناء الله تعالى عليه: {أخرقتها} وبين عذره في الإنكار بما في غاية الخرق ~~من الفظاعة فقال: {لتغرق أهلها} والله! {لقد جئت شيئا إمرا} أي عظيما منكرا ~~عجيبا شديدا {قال} أي الخضر عليه السلام: {ألم أقل إنك} يا موسى! # PageV12P111 # {لن تستطيع معي صبرا *} فذكره بما قال له عند الشرط {قال} موسى: {لا ~~تؤاخذني} يا خضر {بما نسيت} من ذلك الاشتراط {ولا ترهقني} أي تلحقني بما لا ~~أطيقه وتعجلني عن مرادي باتباعك على وجه القهر ناسبا لي إلى السفه والخفة ~~وركوب الشر {من أمري عسرا *} بالمؤاخذة على النسيان، فكل منهما صادق فيما ~~قال، موف بحسب ما عنده، أما موسى عليه السلام فلأنه ما خطر له قط أن يعاهد ~~على أن لا ينهى عما يعتقده منكرا، وأما الخضر فإنه عقد على ما في نفس الأمر ~~لأنه لا يقدم على منكر، ومع ذلك فما نفي إلا الصبر البليغ الذي دل عليه ~~بزيادة تاء الاستفعال، وقد ms2806 حصل ما يطلق عليه صبر. # لأنه لما ذكره كف عنه لما تذكر بثناء الله عليه أنه لا يفعل باطلا، ولم ~~يحصل الصبر البليغ الذي في نفس الخضر بالكسوت في أول الأمر وآخره {فانطلقا} ~~بعد نزولهما من السفينة وسلامتها من الغرق والغصب {حتى إذا لقيا غلاما} لم ~~يبلغ الحلم وهو في غاية القوة {فقتله} حين لقيه - كما دلت عليه الفاء ~~العاطفة على الشرط. ثم أجاب الشرط بقوله مشعرا بأن شروعه في الإنكار في هذه ~~أسرع: {قال} أي موسى عليه السلام: {أقتلت} يا خضر {نفسا زكية} # PageV12P112 # بكونها على الفطرة الأولى من غير أن تدنس بخطيئة توجب القتل {بغير نفس} ~~قتلتها ليكون قتلك لها قودا؛ وهذا يدل على أنه كان بالغا حتى إذا قتل قتيلا ~~أمكن قتله به إلا أن يكون شرعهم لا يشترط البلوغ؛ ثم استأنف قوله: {لقد ~~جئت} في قتلك إياها {شيئا} وصرح بالإنكار في قوله: {نكرا *} لأنه مباشرة. ~~والخرق تسبب لا يلزم منه الغرق. # PageV12P113 # ولما كانت هذه ثانية {قال} الخضر عليه السلام: {ألم أقل} وزاد قوله: {لك ~~إنك} يا موسى {لن تستطيع معي} أي خاصة {صبرا * قال} موسى عليه السلام حياء ~~منه لما أفاق بتذكر مما حصل من فرط الوجد لأمر الله فذكر أنه ما تبعه إلا ~~بأمر الله: {إن سألتك عن شيء بعدها} يا أخي! وأعلم بشدة ندمه على الإنكار ~~بقوله: {فلا تصاحبني} بل فارقني؛ ثم علل ذلك بقوله {قد بلغت} وأشار إلى أن ~~ما وقع منه من الإخلال بالشرط من أعظم الخوارق التي اضطر إليها فقال: {من ~~لدني عذرا *} باعتراضي مرتين واحتمالك لي فيهما. وقد أخبرني الله بحسن حالك ~~في غزارة علمك {فانطلقا} بعد قتله {حتى إذا أتيا أهل قرية} عبر عنها هنا ~~بالقرية دون المدينة # PageV12P113 # لأنه أدل على الذم، لأن مادة قرا تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك كما ~~تقدم في آخر سورة يوسف عليه السلام؛ ثم وصفها ليبين أن لها مدخلا في لؤم ~~أهلها بقوله تعالى: {استطعما} وأظهر ولم يضمر في قوله: {أهلها} لأن ~~الاستطعام لبعض ms2807 من أتوه، أوكل من الإتيان والاستطعام لبعض ولكنه غير متحد، ~~وهذا هو الظاهر، لأنه هو الموافق للعادة. # قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن ~~المنزل: ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان سنين الأفهام في القرآن: ~~اعلم أن لوقوع الإظهار والإضمار في بيان القرآن وجهين: أحدهما يتقدم فيه ~~الإظهار وهو خطاب المؤمنين بآيات الآفاق وعلى نحوه هو خطاب الخلق بعضهم ~~لبعض لا يضمرون إلا بعد أن يظهروا، والثاني يتقدم فيه الإضمار وهو خطاب ~~الموقنين بآية الأنفس، ولم يصل إليه تخاطب الخلق. فإذا كان البيان عن ~~إحاطة، تقدم الإضمار {قل هو الله أحد} وإذا كان عن اختصاص، تقدم الإظهار ~~{الله الصمد} وإذا رد عليه بيان على حدة أضمر {لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحد} أي هذا الذي عم بأحديته وخص بصمديته، وإذا # PageV12P114 # أحاط البيان بعد اختصاص استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط أو بإضمار، ~~أو بجمع المضمر والمظهر {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} [الحجرات: 1] {إن بطش ربك لشديد إنه ~~هو يبدىء ويعيد} [البروج: 12] {هو الله لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة} ~~[الحشر: 22] والتفطن لما اختص به بيان القرآن عن بيان الإنسان من هذا النحو ~~من مفاتيح أبواب الفهم، ومن نحوه {أتيا أهل قرية استطعما أهلها} استأنف ~~للمستطعمين إظهارا غير إظهار المأتيين - انتهى. وجعل السبكي الإتيان للبعض، ~~والاستطعام للكل، لأنه أشد ذما لأهل القرية وأدل على شر طبعها، ومن قال ~~بالأول مؤيد بقول الشافعي في كتاب الرسالة في باب ما نزل من الكتاب عاما ~~يراد به العام ويدخلها الخصوص وهو بعد البيان الخامس في قول الله عز وجل ~~{حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها} : وفي هذه الآية أدل دلالة على أنه لم ~~يستطعما كل أهل القرية وفيها خصوص - انتهى، وبيان ذلك أن نكرة إذا أعيدت ~~كانت الثانية غير الأولى، وإذا أعيدت معرفة كانت عينا في الأغلب. # ولما أسند # PageV12P115 # الإتيان إلى أهل القرية كان ظاهره ms2808 تناول الجميع، فلو قيل: استطعماهم لكان ~~المراد بالضمير عين المأتيين، فلما عدل عنه - مع أنه أخصر - إلى الظاهر ولا ~~سيما إن جعلناه نكرة كان غير الأولى وإلا لم يكن للعدول فائدة، وقد كان ~~الظاهر أن الأول للجميع فكان الثاني للبعض، وإلا لم يكن غيره ولا كان ~~للعدول فائدة. {فأبوا} أي فتسبب عن استطعامهما أن أبى المستطعمون من أهل ~~القرية {أن يضيفوهما} أي ينزلوهما ويطعموهما فانصرفا عنهم {فوجدا فيها} أي ~~القرية، ولم يقل: فيهم، إيذانا بأن المراد وصف القرية بسوء الطبع {جدارا} ~~مشرفا على السقوط، وكذا قال مستعيرا لما لا يعقل صفة ما يعقل: {يريد أن ~~ينقض} أي يسقط سريعا فمسحه الخضر بيده {فأقامه} . # ولما انقضى وصف القرية وما تسبب عنه أجاب «إذا» بقوله: {قال} أي له موسى ~~عليه السلام: {لو شئت لتخذت} لكوننا لم يصل إلينا منهم شيء {عليه} أي على ~~إقامة الجدار {أجرا *} نأكل به، فلم يعترض عليه في هذه المرة لعدم ما ينكر ~~فيها، وإنما ساق ما يترتب عليها من ثمرتها مساق العرض والمشورة غير أنه ~~يتضمن السؤال {قال} # PageV12P116 # الخضر عليه السلام: {هذا} أي الوقت أو السؤال. ولما كان ذلك سبب الفراق ~~أو محله، سماه به مبالغة فقال: {فراق بيني وبينك} يا موسى بعد أن كان ~~البينان بينا واحدا لاتصالهما فلا بين، فهو في الحقيقة فوق ما كان متصلا من ~~بينهما، أو فراق التقاول الذي كان بيننا، أي الفراق الذي سببه السؤال، وإذا ~~نزل على الاحتباك ازداد ظهورا، تقديره: فراق بيني وبينك كما أخبرت، وفراق ~~بينك من بيني كما شرطت، وقد أثبتت هذه العبارة الفراق على أبلغ وجه، وذلك ~~أنه إذا وقع فراق بيني من بينك بحائل يحول بينهما فقد وقع منك بطريق ~~الأولى، وحقيقته أن البين هو الفراغ المنبسط الفاصل بين الشيئين وهو موزع ~~بينهما، فبين كل منهما من منتصف ذلك الفراغ إليه، فإذا دخل في ذلك الفراغ ~~شيء فصل بينهما، وصار بين كل منهما ينسب إليه، لأنه صار بين ما ينسب إلى كل ~~منهما من البينين، ms2809 وحينئذ يكون بينهما مباينة، أي أن بين كل منهما غير بين ~~الآخر ومن قال: إن معنى «هذا فراق بيننا» زوال الفصل ووجود الوصل، كذبه أن ~~معنى «هذا اتصال بيننا» المواصلة، فلو كان هذا معنى ذاك أيضا لاتحد معنى ما ~~يدل على الوصل بمعنى ما يدل على الفصل، وقد نبه الله سبحانه # PageV12P117 # وتعالى موسى عليه السلام - كما في تفسير الأصبهاني وغيره - بما فعل الخضر ~~عليه السلام على ما وقع له هو من مثله سواء بسواء، فنبهه - بخرق السفينة ~~الذي ظاهره هلك وباطنه نجاة من يد الغاصب - على التابوت الذي أطبق عليه ~~وألقي في اليم خوفا عليه من فرعون الغاصب فكان ظاهره هلكا وباطنه نجاة، ~~وبقتل الغلام على أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر في قتله القبطي وإن لم ~~يكن إذ ذاك يعلمه لكونه لم ينبأ، وبأقامة الجدار من غير أجر على سقيه لبنات ~~شعيب عليهم السلام من غير أجر مع احتياجه لذلك. # ولما كان من المعلوم شدة استشراف موسى عليه السلام إلى الوقوف في باطن ~~هذه الأمور، قال مجيبا له عن هذا السؤال: {سأنبئك} يا موسى بوعد لا خلف فيه ~~إنباء عظيما {بتأويل} أي بترجيع {ما لم تستطع عليه صبرا *} لمخالفته عندك ~~الحكمة إلى الحكمة وهو أن عند تعارض الضررين يجب ارتكاب الأدنى لدفع الأقوى ~~بشرط التحقق، وأثبت تاء الاستفعال هنا وفيما قبله إعلاما بأنه # PageV12P118 # ما نفى إلا القدرة البليغة على الصبر، إشارة إلى صعوبة ما حمل موسى من ~~ذلك، لا مطلق القدرة على الصبر {أما السفينة} التي أحسن إلينا أهلها ~~فخرقتها {فكانت لمساكين} وهو دليل للشافعي على أن الفقير أسوأ حالا من ~~المسكين، لأن هؤلاء يملكون سفينة {يعملون في البحر} ليستعينوا بذلك على ~~معاشهم. # ولما كان التعييب من فعله، أسنده إليه خاصة، تأدبا مع الله تعالى فقال: ~~{فأردت أن أعيبها} فإن تفويت منفعتها بذلك ساعة من نهار وتكليف أهلها لوحا ~~يسدونها به أخف ضررا من تفويتهم منفعتها أخذا ورأسا بأخذ الملك لها، ولم ~~أرد إغراق أهلها كما هو المتبادر ms2810 إلى الفهم؛ ثم عطف على ذلك علة فعله فقال: ~~{وكان وراءهم} أي أمامهم، ولعله عبر بلفظ (وراء) كناية عن الإحاطة بنفوذ ~~الأمر في كل وجهة وارتهم وواروها، وفسره الحرالي في سورة البقرة بأنه ~~وراءهم في غيبته عن علمهم وإن كان أمامهم في وجهتهم، لأنه فسر الوراء بما ~~لا يناله الحس ولا العلم حيثما كان من المكان، قال: فربما اجتمع أن يكون ~~الشيء، وراء من حيث إنه لا يعلم، ويكون أماما في المكان. {ملك يأخذ} في ذلك ~~الوقت {كل سفينة} ليس فيها عيب {غصبا} من أصحابها ولم يكن عند أصحابها علم ~~به. # PageV12P119 # ولما كان كل من الغصب والمسكنة سببا لفعله، قدمها على الغصب، إشارة إلى ~~أن أقوى السببين الحاملين على فعله الرأفة بالمساكين {وأما الغلام} أي الذي ~~قتلته {فكان أبواه مؤمنين} وكان هو مطبوعا على الكفر - كما يأتي في حديث ~~أبي رضي الله عنه. # ولما كان يحتمل عند الخضر عليه السلام أن يكون هذا الغلام مع كفره في ~~نفسه سببا لكفر أبويه إن كبر، وكان أمر الله له بقتله مثل فعل من يخشى ذلك، ~~أسند الفعل إليهما في قوله: {فخشينا أن يرهقهما} أي يغشيهما ويلحقهما إن ~~كبر بمحبتهما له أو بجراءته وقساوته {طغيانا} أي تجاوزا في الظلم وإفراطا ~~فيه {وكفرا *} لنعمتهما فيفسد دنياهما أو يحملهما حبهما له على الطغيان ~~والكفر بالله طاعة فيفسد دينهما، روى مسلم في القدر وأبو داود في السنة ~~والترمذي في # PageV12P120 # التفسير عن ابن عباس عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم قال: «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا، ولو عاش لأرهق ~~أبويه طغيانا وكفرا» وهذا حديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يدل على أن ~~العذاب - على ما لو وجد شرطه لوقع - إنما يكون على ما كان جبلة وطبعا، لا ~~ما كان عارضا، وإلا لعذب الأبوان على تقدير أن يكون المعلوم من الكفر ~~منهما. # ولما ذكر ما يلزم على تقدير بقائه من الفساد سبب عنه قوله: {فأردنا} أي ~~بقتله ms2811 وإراحتهما من شره، ولما كان التعويض عن هذا الولد لله وحده، أسند ~~الفعل إليه في قوله: {أن يبدلهما ربهما} أي المحسن إليهما بإعطائه وأخذه ~~{خيرا منه زكاة} طهارة وبركة، أي من جهة كونه كان ظاهر الزكاء في الحال، ~~وأما في المآل فلو عاش كان فيه خبيثا ظاهر الخبث، وهذا البدل يمكن أن يكون ~~الصبر، ويمكن أن يكون ولدا آخر، وهو المنقول وأنها كانت بنتا {وأقرب رحما ~~*} برا بهما وعطفا عليهما ورحمة لهما فكان الضرر اللاحق لهما بالتأسف عليه ~~أدنى من الضرر اللاحق لهما # PageV12P121 # عند كبره بإفساد دينهما أو دنياهما {وأما الجدار} الذي أشرت بأخذ الأجر ~~عليه {فكان لغلامين} ودل على كونهما دون البلوغ بقوله {يتيمين} . # ولما كانت القرية لا تنافي التسمية بالمدينة، وكان التعبير بالقرية أولا ~~أليق، لأنها مشتقة من معنى الجمع، فكان أليق بالذم في ترك الضيافة لإشعاره ~~ببخلهم حالة الاجتماع وبمحبتهم للجمع والإمساك، وكانت المدينة بمعنى ~~الإقامة، فكان التعبير بها أليق للإشارة به إلى أن الناس يقيمون فيها، ~~فينهدم الجدار وهم مقيمون فيأخذون الكنز، قال: {في المدينة} فلذلك أقمته ~~احتسابا {وكان تحته كنز} أي مال مدخور {لهما} لو وقع لكان أقرب إلى ضياعه ~~{وكان أبوهما صالحا} ينبغي مراعاته وخلفه في ذريته بخير. # ولما كان الإبلاغ إلى حد البلوغ والاستخراج فعل الله وحده، أسند إليه ~~خاصة فقال: {فأراد ربك} أي المحسن إليك بهذه التربية، إشارة إلى ما فعل بك ~~من مثلها قبل النبوة كما بين {أن يبلغا} أي الغلامان {أشدهما} أي رشدهما ~~وقوتهما {ويستخرجا كنزهما} لينتفعا به وينفعا الصالحين {رحمة} بهما {من ~~ربك} # PageV12P122 # أي الذي أحسن تربيتك وأنت في حكم اليتيم فكان التعب في إقامة الجدار ~~مجانا أدنى من الضرر اللازم من سقوطه لضياع الكنز وفساد الجدار، وقد دل هذا ~~على أن صلاح الآباء داع إلى العناية بالأبناء، روي عن الحسن بن علي رضي ~~الله عهنما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله كنز ~~الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما، قال فأبي وجدي خير منه، قال أنبأنا ms2812 الله أنكم ~~قوم خصمون. {وما فعلته} أي شيئا من ذلك {عن أمري} بل عن أمر من له الأمر، ~~وهو الله. # ولما بان سر تلك القضايا، قال مقدرا للأمر: {ذلك} أي لشرح العظيم {تأويل ~~ما لم تسطع} يا موسى {عليه صبرا} وحذف تاء الاستطاعة هنا لصيرورة ذلك - بعد ~~كشف الغطاء - في حيز ما يحمل فكان منكره غير صابر أصلا لو كان عنده مكشوفا ~~من أول الأمر، وسقط - ولله الحمد - بما قررته في هذه القصة ما يقال من أن ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر في قول سليمان # PageV12P123 # عليه السلام المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «لأطوفن ~~الليلة على مائة امرأة كلهن تلد فارسا يجاهد في سبيل الله، فلم تلد منهن ~~إلا واحدة جاءت بشق آدمي أنه لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا فرسانا أجمعون» ~~فأفهم ذلك أن ذلك كل نبي استثنى في خبره صدقه الله تعالى كما وقع للذبيح ~~أنه قال: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} [الصافات: 102] فوفى، فما لموسى ~~عليه السلام - وهو من أولي العزم - فعل مع الاستثناء ما فعل؟ فإن الذبيح ~~صبر على ما هو قاطع بأنه بعينه أمر الله، بخلاف موسى عليه السلام فإنه كان ~~ينكر ما ظاهره منكر قبل العلم بأنه من أمر الله، فإذا نبه صبر، وأما قول ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يرحم الله أخي موسى! وددنا لو أنه صبر ~~حتى يقص علينا من أمرهما» فمعناه: صبر عن الإذن للخضر عليه السلام في ~~مفارقته في قوله {فلا تصاحبني} ويدل عليه أن في رواية لمسلم «رحمة الله ~~علينا وعلى موسى! لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه # PageV12P124 # أخذته من صاحبه ذمامة» # {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} . فتحرر أنه وفى بمقام الشرع ~~الذي أقامه الله فيه فلم يخل بمقام الصبر الذي ليس فيه ما يخالف ما يعرف ~~ويستحضر من الشرع، وكيف لا وهو من أكابر أولي العزم الذين قال الله تعالى ~~لأشرف خلقه في التسليك بسيرهم ms2813 {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} ~~[الأحقاف: 35] وقال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: ~~90] وقال عليه السلام فيما خرجه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوذي من بعض من كان معه في حنين فتلون ~~وجهه وقال: «يرحم الله أخي موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» وعلم أن في ~~قصته هذه حثا كثيرا على المجاهرة بالمبادرة بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والمصابرة عليه، وأن لا يراعى فيه كبير ولا صغير إذا كان الإمرء على ~~ثقة من أمره في الظاهر بما عنده في ذلك من العلم عن الله ورسوله وأئمة ~~دينه، وتنبيها على أنه لا يلزم من العلم اللدني - سواء كان صاحبه نبيا أو ~~وليا - معرفة كل شيء كما يدعيه أتباع بعض الصوفية، لأن الخضر سأل موسى ~~عليهما السلام: # PageV12P125 # من أنت؟ وهل هو موسى نبي بني إسرائيل - كما سيأتي. روى البخاري في ~~التفسير من روايات مختلفة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أبي بن كعب رضي ~~الله عنه حدثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «موسى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت ~~القلوب ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله! هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: ~~لا! فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى إليه: بلى! عبد من عبادي ~~بمجمع البحرين، قال: أي رب! كيف السبيل إليه؟ قال: تأخذ حوتا في مكتل فحيث ~~ما فقدته فاتبعه - وفي رواية: خذ نونا ميتا حيث ينفخ فيه الروح - فخرج ومعه ~~فتاه يوشع بن نون حتى انتهيا إلى الصخرة، فوضع موسى رأسه فنام في ظل الصخرة ~~في مكان ثريان إذ تضرب الحوت - وفي رواية: وفي أصل تلك الصخرة عين يقال له ~~الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيى، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فانسل ~~من المكتل فدخل البحر - فأمسك الله عنه جرية # PageV12P126 # البحر حتى كان ms2814 أثره في حجر، فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن ~~يخبره، فذكر سفرهما وقول موسى عليه السلام {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} ~~قال: قد قطع الله عنك النصب، فرجعا فوجدا خضرا على طنفسة خضراء على كبد ~~البحر مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى ~~فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضي من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى! قال: موسى ~~بني إسرائيل؟ قال: نعم! قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني، قال: أما يكفيك ~~أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك؟ يا موسى! إن لي علما لا ينبغي لك أن ~~تعلمه، وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه - أي لا ينبغي لك أن تعمل بالباطن ~~ولا ينبغي لي أنا أن أقف مع الظاهر، أطلق العلم على العمل لأنه سببه - ~~فانطلقا يمشيان على الساحل، فوجدوا معابر صغارا تحمل أهل هذا الساحل إلى ~~أهل الساحل الآخر، فعرف الخضر فقالوا: عبد الله الصالح! لا تحمله بأجر، ~~فحملوهم في سفينتهم بغير نول: بغير أجر - فركبا السفينة، ووقع عصفور على ~~حرف السفينة فغمس منقاره في البحر؛ وفي رواية: فأخذ بمنقاره من البحر، # PageV12P127 # وفي رواية: فنقر نقرة أو نقرتين فقال: والله ما نقص علمي وعلمك من علم ~~الله إلا كما نقص هذا من البحر، فلم يفجأ موسى إلا الخضر عمد إلى قدوم فخرق ~~السفينة ووتد فيها وتدا فذكر إنكاره وجوابه ثم قال: وكانت الأولى من موسى ~~نسيانا، والوسطى شرطا، والثالثة عمدا - فذكر القصة، وقال في آخرها: فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددنا أن موسى صبر حتى يقص علينا من أمرهما» ~~. # PageV12P128 # ولما فرغ من هذه القصة التي حاصلها أنها طواف في الأرض لطلب العلم، عقبها ~~بقصة من طاف الأرض لطلب الجهاد، وقدم الأولى إشارة إلى علو درجة العلم لأنه ~~أساس كل سعادة، وقوام كل أمر، فقال عاطفا على {ويجادل الذين كفروا بالباطل} ~~[الكهف: 56] {ويسألونك عن} الرجل الصالح المجاهد {ذي القرنين} سمي لشجاعته ~~أو لبلوغه قرني مغرب الشمس ومشرقها، ms2815 أو لانقراض قرنين من الناس في زمانه، ~~أو لأنه كان له ضفيرتان من الشعر أو لتاجه قرنان، وهو الإسكندر الأول - نقل ~~ابن كثير عن الأزرقي أنه كان على زمن الخليل عليه السلام، وطاف معه بالبيت، ~~ومن المناسبات الصورية # PageV12P128 # أن في قصة كل منهما ثلاثة أشياء آخرها بناء جدار لا سقف له، وإنما هو ~~لأجل حفظ ما يهتم به خوف المفسد، وصدرها بالإخبار عن سؤالهم إشارة إلى أنهم ~~لم يسألوا عن التي قبلها على ما فيها من العجائب واللطائف، والأسرار ~~والمعارف، تبكيتا لليهود في إغفال الأمر بالسؤال عنها إن كان مقصودهم الحق، ~~وإن لم يكن مقصودا لهم كانوا بالتبكيت أجدر، أو تكون معطوفة على مسألتهم ~~الأولى وهي الروح، وصدرها بالإخبار بالسؤال تنبيها على ذلك لطول الفصل، ~~إشارة إلى أن ذلك كله مرتبط بجوابهم ارتباط الدر بالسلك. # ولما كان من المعلوم أنه يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فبماذا ~~أجيبهم؟ قال: {قل} أي لهم: {سأتلوا} أي أقص قصا متتابعا في مستقبل الزمان ~~إن أعلمني الله به {عليكم} أيها المشركون وأهل الكتاب المعلمون لهم مقيدا ~~بأن شاء الله كما سلف لك الأمر به {منه ذكرا *} كافيا لكم في تعرف أمره، ~~جامعا لمجامع ذكره. # ولما كانت قصته من أدل دليل على عظمة الله، جلاها في ذلك المظهر فقال: ~~{إنا} مؤكدا لأن المخاطبين بصدد التعنت والإنكار {مكنا} أي بما لنا من ~~العظمة، قيل: بالملك وحده، وقيل مع # PageV12P129 # النبوة، لأن ما ينسب إلى الله تعالى على سبيل الامتنان والإحسان جدير بأن ~~يحمل على النهاية لا سيما إذا عبر عنه بمظهر العظمة {له في الأرض} مكنة يصل ~~بها إلى جميع مسلوكها، ويظهر بها على سائر ملوكها {وءاتيناه} بعظمتنا {من ~~كل شيء} يحتاج إليه في ذلك {سببا} قال أبو حيان: وأصل السبب الحبل، ثم توسع ~~فيه حتى صار يطلق على ما يتوصل به إلى المقصود. فأراد بلوغ المغرب، ولعله ~~بدأ به لأن باب التوبة فيه {فأتبع} أي بغاية جهده - هذا على قراءة ابن كثير ~~ونافع وأبي عمرو ms2816 بالتشديد، والمعنى على قراءة الباقين بقطع الهمزة وإسكان ~~الفوقانية: ألحق بعض الأسباب ببعض، وذلك تفسير لقراءة التشديد {سببا *} ~~يوصله إليه، واستمر متبعا له {حتى إذا بلغ} في ذلك المسير {مغرب الشمس} أي ~~الحد الذي لا يتجاوزه آدمي في جهة الغرب {وجدها} فيما يحس بحاسة لمسه ~~{تغرب} كما أحسه بحاسة بصره من حيث إنه متصل بما وصل إليه بيده، لا حائل ~~بينه وبينه {في عين حمئة} أي ذات حمأة أي طين أسود، وهي مع ذلك حارة كما ~~ينظر من في وسط البحر أنها تغرب فيه وتطلع منه وعنده القطع بأن الأمر ليس ~~كذلك {ووجد عندها} أي على الساحل المتصل بتلك العين {قوما} كفارا لهم قوة ~~على ما يحاولونه ومنعة، # PageV12P130 # فكأنه قيل: ماذا أمر فيهم؟ فأجيب بقوله: {قلنا} بمظهر العظمة: {يا ذا ~~القرنين} إعلاما بقربه من الله وأنه لا يفعل إلا ما أمره به، إما بواسطة ~~الملك إن كان نبيا وهو أظهر الاحتمالات، أو بواسطة نبي زمانه، أو باجتهاده ~~في شريعته الاجتهاد المصيب، {إما أن تعذب} أي هؤلاء القوم ببذل السيف فيهم ~~بكفرهم {وإما أن تتخذ} أي بغاية جهدك {فيهم حسنا *} أمرا له حسن عظيم، وذلك ~~هو البداءة بالدعاء، إشارة إلى أن القتل وإن كان جائزا فالأولى أن لا يفعل ~~إلا بعد اليأس من الرجوع عن موجبه {قال أما من ظلم} باستمراره على الكفر ~~فإنا نرفق به حتى نيأس منه ثم نقتله، وإلى ذلك أشار بقوله: {فسوف نعذبه} ~~بوعد لا خلف فيه بعد طول الدعاء والترفق {ثم يرد} بعد الحياة بالموت، أو ~~بعد البرزخ بالبعث، ردا هو في غاية السهولة {إلى ربه} الذي تفرد بتربيته ~~{فيعذبه عذابا نكرا *} شديدا جدا لم يعهد مثله لكفره لنعمته، وبذل خيره في ~~عبادة غيره، وفي ذلك إشارة بالتهديد الشديد لليهود الغارين لقريش، وإرشاد ~~لقريش إلى أن يسألوهم عن قوله هذا، ليكون قائدا لهم إلى الإقرار بالبعث ~~{وأما من ءامن وعمل صالحا} تصديقا لما أخبر به من تصديقه # PageV12P131 # {فله} في الدارين {جزاء} طريقته {الحسنى} منا ومن الله ms2817 بأحسن منها ~~{وسنقول} بوعد لا خلف فيه بعد اختباره بالأعمال الصالحة {له} أي لأجله {من ~~أمرنا} الذي نأمر به فيه {يسرا *} أي قولا غير شاق من الصلاة والزكاة ~~والخراج والجهاد وغيرها، وهو ما يطيقه ولا يشق عليه مشقة كبيرة {ثم أتبع} ~~لإرادته بلوغ مشرق الشمس {سببا *} من جهة الجنوب يوصله إلى المشرق واستمر ~~فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مر عليها {حتى إذا بلغ} في مسيره ذلك {مطلع ~~الشمس} أي الموضع الذي تطلع عليه أولا من المعمور من الأرض {وجدها تطلع على ~~قوم} على ساحل البحر لهم قوة شديدة {لم نجعل لهم} ولما كان المراد التعميم، ~~أثبت الجار فقال: {من دونها} أي من أدنى الأماكن إليهم أول ما تطلع {سترا ~~*} يحول بينهم وبين المحل الذي يرى طلوعها منه من البحر من جبل ولا أبنية ~~ولا شجر ولا غيرها. # PageV12P132 # ولما كان أمره مستغربا في نفسه وفي الاطلاع عليه لا سيما عند القرب، قال ~~تعالى: {كذلك} أي أمره كما ذكرنا لكم على # PageV12P132 # سبيل الاقتصار {وقد أحطنا} بما لنا من العظمة، {بما لديه} أي كله من ~~الأمور التي هي أغرب المستغرب {خبرا *} أي من جهة بواطن أموره فضلا عن ~~ظواهرها، فلا يستغرب إخبارنا عن ذلك ولا عن أمر أصحاب الكهف، ولا يظن أن ~~تفصيل أمر الروح خفي عنا، لأنا مطلعون على خفايا الأمور وظواهرها، شواهدها ~~وغوائبها، وكيف لا ونحن أوجدناها ولكنا لا نذكر من ذلك إلا ما نريد على ما ~~تدعو إليه الحكمة، فلو شئنا لبسطنا هذه القصة وقصة أهل الكهف وفصلنا أمر ~~الروح تفصيلا يعجز عن حفظه الألباء {ثم أتبع} في إرادته ناحية السد مخرج ~~يأجوج ومأجوج {سببا *} من جهة الشمال، واستمر أخذا فيه {حتى إذا بلغ} في ~~مسيره ذلك {بين السدين} أي الجبلين المانعين من وراءهما من الوصول منهما ~~إلى من أمامهما وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي بلاد أرمينية وآذربيجان، ~~أملسان يزلق عليهما كل شيء؛ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم بفتح ~~السين، والباقون بضمهما، فقيل: هما بمعنى ms2818 واحد، وقيل: المضموم من فعل الله، ~~والمفتوح من فعل الناس. {وجد من دونهما} أي بقربهما من الجانب الذي هو أدنى ~~منهما إلى الجهة التي أتى منها ذو القرنين # PageV12P133 # {قوما} أي أقوياء لغتهم في غاية البعد من لغات بقية الناس لبعد بلادهم من ~~بقية البلاد، فهم لذلك {لا يكادون يفقهون قولا *} أي لا يقربون من أن ~~يفهموه ممن مع ذي القرنين فهما جيدا كما يفهم غيرهم، ودل وصفهم بما يأتي ~~على أنهم يفهمون فهما ما بعد بعد ومحاولة طويلة، لعدم ماهر بلسانهم ممن مع ~~ذي القرنين، وعدم ماهر منهم بلسان أحد ممن معه، وهذا يدل على أن بينهم وبين ~~بقية سكان الأرض غير يأجوج ومأجوج براري شاسعة، وفيافي واسعة، منعت من ~~اختلاطهم بهم، وأن تطيعهم بلسان غيرهم بعيد جدا لقلة حفظهم لخروج بلادهم عن ~~حد الاعتدال، أو لغير ذلك، ويلزم من ذلك أنهم لا يكادون يفهمون غيرهم شيئا ~~من كلامهم، وذلك معنى قراءة حمزة والكسائي بضم التحتانية وكسر القاف، ودل ~~على أن عدم فهمهم وأفهامهم مقيد بما مضى قوله: {قالوا} أي مترجموهم أو ~~جيرانهم - الذين من دونهم - كما في مصحف ابن مسعود ممن يعرف بعض كلامهم، أو ~~بالإشارة كما يخاطب إليكم: {يا ذا القرنين} مسنا # PageV12P134 # الضر {إن يأجوج ومأجوج} وهما قبيلتان من الناس من أولاد يافث، لا يطاق ~~أمرهم، ولا يطفأ جمرهم، وقد ثبت في الصحيح في حديث بعث النار أنهم من ذرية ~~آدم عليه السلام {مفسدون في الأرض} بأنواع الفساد {فهل نجعل لك خرجا} نخرجه ~~لك من أموالنا - هذا على قراءة الجماعة، وزاد حمزة والكسائي ألفا، فقيل: ~~هما بمعنى واحد، وقيل: بل الخرج ما تبرعت به، والخراج بالألف ما لزمك. # {على أن تجعل} في جميع ما {بيننا وبينهم} من الأرض التي يمكن توصلهم ~~إلينا منها بما آتاك الله من المكنة {سدا *} يصل بين هذين الجبلين {قال} ~~بعفة وديانة وقصد للخير: {ما مكني} . # ولما كان لمكنته حالتان: إحداهما ظاهرة، وهي ما شوهد من فعله بعد وقوعه، ~~وباطنة ولا يقع أحد عليها ms2819 بحدس ولا توهم، لأنها مما لم يؤلف مثله، فلا يقع ~~المتوسم عليه، قرأ ابن كثير بإظهار النون في {مكنني} وغيره بالإدغام، إشارة ~~إليهما. ولما كان النظر إلى ما يقع المكنة فيه أكثر، قدم ضميره فقال: {فيه ~~ربي} أي المحسن إلي بما ترون من الأموال والرجال، والفهم في إتقان # PageV12P135 # الأمور، والتوصل إلى جميع الممكن للمخلوق {خير} أي من خرجكم الذي تريدون ~~بذله لمكنتي كما قال سليمان عليه السلام {فما آتاني الله خير مما آتاكم} ~~[النمل: 36] {فأعينوني بقوة} أي آلات وعمال أتقوى بها في فعل ذلك، فإن أهل ~~البلاد أخبر بما يصلح في هذا العمل من بلادهم وما معي إنما هو للقتال وما ~~يكون من أسبابه، لا لمثل هذا {أجعل بينكم} أي بين ما تختصون به {وبينهم ~~ردما *} أي حاجزا حصينا موثقا بعضه فوق بعض، مع التلاصق المتلاحم الموجب ~~لأن لا يميز بعضه من بعض وهو أعظم من السد؛ قال البغوي: فحفر له الأساس حتى ~~بلغ الماء وجعل حشوه الصخر وطينه النحاس يذاب فيصب عليه فصار كأنه عرق من ~~جبل تحت الأرض. {ءاتوني} بفتح الهمزة بعدها ساكنة، ومدها على قراءة أي ~~أعطوني وبهمزة وصل، وهمزة بعدها ساكنة أي جيئوني وتعالوا إلي فقد أجبتكم ~~إلى سؤالكم، ثم ابتدأ مغريا على هذه القراءة فقال: {زبر الحديد} أي عليكم ~~به فأحضروا إلي قطعة، فأتوه # PageV12P136 # بذلك فردم ما فوق الأساس بعضه على بعض صفا من الحديد وصفا من الحطب، قال ~~البغوي: فلم يزل يجعل قطع الحديد على الحطب والحطب على الحديد. {حتى إذا ~~ساوى} أي بذلك البناء {بين الصدفين} أي أعلى منقطع الجبلين الموصوفين، سميا ~~لتصادفهما - أي تقابلهما وتقاربهما - بالبناء على تلك الحالة عرضا وطولا، ~~وقراءة من فتح الصاد والدال - وهم نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم - دالة ~~على أن تقابلهما في غاية الاستقامة، فكأنهما جدار فتح فيه باب، وقراءة ابن ~~كثير وأبي عمرو وابن عامر بضمهما دالة على أنه مع ذلك في غاية القوة حتى أن ~~أعلاه وأسفله سواء، وقراءة شعبة عن عاصم بالضم وإسكان ms2820 الدال على أشد ثبات ~~وأتقنه في كل منهما، فلا ينتخر شيء منهما على طول الزمان بريح ولا غيرها من ~~فساد في أحد الجانبين برخاوة من سياخ أو غيره {قال} أي للصناع: {انفخوا} في ~~الأكوار فنفخوا فأضرم فيه النار، واستمر كذلك {حتى إذا جعله} # PageV12P137 # أي كله {نارا قال} للقوم: {ءاتوني} بالنحاس {أفرغ عليه} أي الحديد المحمى ~~{قطرا *} منه بعد إذابته، فإن القطر: النحاس الذائب، هذا في قراءة حمزة ~~وأبي بكر عن عاصم بإسكان الهمزة، وقراءة الباقين بفتح الهمزة ومدها بمعنى ~~أعطوني النحاس. # ففعلوا ذلك فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا، ثم قال الله تعالى: ~~{فما} أي فتسبب عن ذلك أنه لما أكمل عمله وأحكمه ما {اسطاعوا} أي يأجوج ~~ومأجوج وغيرهم {أن يظهروه} أي يعلو ظهره لعلوه وملاسته {وما استطاعوا له ~~نقبا *} لثخنه وصلابته، وزيادة التاء هنا تدل على أن العلو عليه أصعب من ~~نقبه لارتفاعه وصلابته والتحام بعضه ببعض حتى صار سبيكة واحدة من حديد ~~ونحاس في علو الجبل، وقد حكى ابن خرداذبه عن سلام الترجمان الذي أرسله أمير ~~المؤمنين الواثق إليه حتى رآه أن ارتفاعه مد البصر، # PageV12P138 # ولأنهم لو احتالوا ببناء درج من جانبهم أو وضع تراب حتى ظهروا عليه لم ~~ينفعهم ذلك لأنه لا حيلة لهم على النزول من الجانب الآخر، ويؤيده أنهم ~~يخرجون في آخر الزمان بنقبه لا بظهوره، ولا ينافي نفي الاستطاعة لنقبه ما ~~رواه الإمام أحمد والترمذي في التفسير وابن ماجه في الفتن عن أبي رافع عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن ~~يأجوج ومأجوج ليحفرن السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي ~~عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا، فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم ~~وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال ~~الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله فيستثنى فيعودون إليه وهو ~~كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس» - الحديث. وفي ms2821 حديث الصحيحين ~~عن زينب بنت جحش رضي الله عنها عن النبي صلى الله # PageV12P139 # عليه وعلى آله وسلم: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم» وروياه عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: ~~«مثل هذا وعقد تسعين» فكأنه قيل: فما قال حين أفرغه؟ قيل: {قال هذا} أي ~~السد {رحمة من ربي} المحسن إلي بإقداري عليه ومنع الفساد به {فإذا جاء وعد ~~ربي} بقرب قيام الساعة {جعله دكاء} بإقدراهم على نقبه وهدمه وتسهيل ذلك ~~عليهم، والتعبير بالمصدر المنون في قراءة الجماعة للمبالغة في دكه هو الذي ~~أشارت إليه قراءة الكوفيين بالمد ممنوعا من الصرف. # ولما كان هذا أمرا مستعظما خارقا للعادة، علله بقوله: {وكان وعد ربي} ~~الذي وعد به في خروج يأجوج ومأجوج واختراقهم الأرض وإفسادهم لها ثم قيام ~~الساعة {حقا *} كائنا لا محالة، فلذلك أعان على هدمه، وعن قتادة قال: «ذكر ~~لنا أن # PageV12P140 # رجلا - وفي رواية: عن رجل من أهل المدينة قال: يا رسول الله! قد رأيت سد ~~يأجوج ومأجوج، قال انعته لي، قال: كالبرد المحبر: طريقة سوداء وطريقة ~~حمراء، وفي وراية: طريقة حمراء من حديد وطريقة سوداء من نحاس، وفي رواية ~~أنه قال: انتهيت إلى أرض ليس لهم إلا الحديد يعملونه» - رواه الطبري وابن ~~أبي عمر والطبراني في مسند الشاميين وابن مردويه عنه والبزار من وجه آخر من ~~طريق أبي بكرة رضي الله عنه - ذكر ذلك شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث ~~الكشاف، وفي حديث فتح الباب من سيرة الحافظ أبي الربيع بن سالم الكلاعي ~~وشيخه ابن حبيش - وكان أمير تلك الجيوش التي بها عبد الرحمن بن ربيعة في ~~أيام عمر رضي الله عنه - ما نصه: وحدث مطر بن ثلج التميمي قال: دخلت على ~~عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهربراز عنده - يعني: وكان ملك الباب من جهة ~~آل كسرى فأقبل رجل عليه شحوبة حتى جلس إلى شهربراز فتساءلا، ثم إن شهربراز ~~قال لعبد الرحمن: أيها الأمير! أتدري من أين جاء ms2822 هذا الرجل؟ إني بعثته منذ ~~سنين نحو السد لينظر لي ما حاله ومن دونه، # PageV12P141 # وزودته مالا عظيما، وكتبت له إلى من يليني وأهديت له وسألته أن يكتب إلى ~~من وراءه، وزودته لكل ملك هدية، ففعل ذلك بكل ملك بيني وبينه حتى انتهى إلى ~~الملك الذي السد في ظهر أرضه، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد، فأتاه فبعث ~~معه بازياره ومعه عقابه، فذكر أنه أحسن إلى البازيار، قال: فتشكر لي ~~البازيار فلما انتهينا إذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين ~~بعد ما استوى بهما، وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده، فنظرت ~~إلى ذلك وتفرست فيه، ثم ذهبت لأنصرف فقال لي البازيار: على رسلك! أكافيك ~~أنه لا يلي ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله تعالى بأفضل ما عنده من الدنيا ~~فيرمي به في هذا اللهب، فشرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء وانقضت ~~عليها العقاب وقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء، وإن لم تدركها حتى تفع ~~فذلك شيء، فخرجت علينا باللحم في مخالبها وإذا فيه ياقوتة فأعطانيها، وهي ~~هذه، فتناولها منه شهربراز وهي حمراء فناولها عبد الرحمن فنظر إليها ثم ~~ردها إليه فقال شهربراز: هذه خير من هذه البلدة - يعني الباب - وايم الله! ~~لأنتم أحب إلي ملكة من آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها # PageV12P142 # لانتزعوها مني، وايم الله! لا يقوم لكم شيء ما وفيتم أو وفى ملككم ~~الأكبر، فأقبل عبد الرحمن على الرسول وقال: ما حال الردم وما شبهه؟ فقال: ~~هذا الثوب الذي على هذا الرجل، وأشار إلى مطر بن ثلج وكان عليه قباء برود ~~يمنية أرضه حمراء ووشيه أسود، أو وشيه أحمر وأرضه سوداء، فقال مطر: صدق ~~والله الرجل! لقد نفذ ورأى، قال عبد الرحمن: أجل! ووصف صفة الحديد والصفر ~~وقرأ {آتوني زبر الحديد} إلى آخر الآية، وقال عبد الرحمن لشهربراز: كم كانت ~~هديتك؟ قال: قيمة مائة ألف في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك ms2823 ~~البلدان - انتهى. # وقد ظهر أن ما تعنتوا به من قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين وما أدرج ~~بينهما تبكيتا لليهود الآمرين بذلك - دال من قصة موسى عليه السلام على قيام ~~الساعة فصار كله أعظم ملزم لهم إن قبلوه، وأوضح فاضح لعنادهم إن تركوه. # ولما انقضى ما سألوا عنه على أحسن وجه في أبلغ سياق وأبدع تناسب، وأدرج ~~في خلاله ما أدرج من التذكير والوعظ، والأمر والنهي، # PageV12P143 # والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والتبكيت للكاتمين لما عندهم من ~~العلم، الناكبين عما استبان لهم من الطريق اللاحب والمنهج الواضح صنع ~~القادر الحكيم الذي لا يستخفه ضجر فيستعجل، ولا يعيبه أمر فيستمهل، وختمه ~~بما هو علم عظيم للساعة، ذكر ما يكون إذإ ذاك وما يكون بعده إلى حصول كل من ~~الفريقين في داره ومحل استقراره؛ ولما كان ذلك أمرا عظيما، دل عليه بالنون ~~فقال عاطفا على تقديره: فقد بان أمر ذي القرنين أي بيان، وصدق في قوله ~~{فإذا جاء وعد ربي} فإنه إذا جاء وعدنا جعلناه بقدرتنا التي نؤتيها ليأجوج ~~ومأجوج دكاء فأخرجناهم على الناس بعد خروج الدجال: {وتركنا بعضهم} أي بعض ~~من خلف السد ومن أمامه {يومئذ} أي إذ جعلنا السد دكاء وخرجوا مقدمتهم ~~بالشام وساقطتهم بخراسان، وهم - كما قال الله تعالى - {من كل حدب ينسلون} . ~~{يموج} أي يضطرب {في بعض} كما يموج البحر، فأهلكوا ما مروا عليه من شيء إلا ~~ما أراد الله، ثم أبادهم الذي خلقهم وبقرب ذلك أفنى الخلائق أجمعين {ونفخ ~~في الصور} أي النفخة الثانية لقوله: {فجمعناهم} ويجوز أن تكون هذه الفاء ~~الفصيحة فيكون المراد النفخة الأولى، أو ونفخ في الصور فمات الخلائق # PageV12P144 # كلهم، فبليت أجسامهم، وتفتتت عظامهم، كما كان من تقدمهم، ثم نفخ فيه ~~النفخة الثانية فجمعناهم من التراب بعد تمزقهم فيه، وتفرقهم في أقطار الأرض ~~بالسيول والرياح وغير ذلك {جمعا} فأقمناهم دفعة واحدة كلمح البصر، وحشرناهم ~~إلى الموقف للحساب ثم العقاب أو الثواب {وعرضنا} أي أظهرنا {جهنم يومئذ} أي ~~إذ جمعناهم لذلك {للكافرين عرضا *} ظاهرا لهم كل ما فيها ms2824 من الأهوال وهم لا ~~يجدون عنها مصرفا؛ ثم وصفهم بما أوجب سجنهم فيها وتجهمها لهم فقال: {الذين ~~كانت} كونا كأنه جبلة لهم {أعينهم} الوجهية والقلبية {في غطاء عن ذكري} ~~بعدم النظر فيما جعلنا على الأرض من زينة دليلا على الساعة بإفنائه إثر ~~إحيائه وإعادته بعد إبدائه {وكانوا} بما جبلناهم عليه {لا يستطيعون} أي ~~استطاعة عظيمة تسعدهم، لضعف عقولهم، وغرق استبصارهم في فضولهم {سمعا *} ~~لآياتي التي تسمع الصم وتبصر الكمه، وهو أبلغ في التبكيت بالغباوة والتقريع ~~بالبلادة من مجرد نفي البصر والسمع، لأن ذلك لا ينفي الاستطاعة؛ ثم عطف على ~~ما أفهمه ذلك # PageV12P145 # قوله موبخا لهم ومبكتا: {أفحسب} أي أغطوا أعينهم عن آياتي وأصموا أسماعهم ~~عن كلماتي، وعبدوا عبادي فحسبوا لضعف عقولهم، وإنما قال: {الذين كفروا} ~~دلالة على الوصف الذي أوجب لهم ذلك {أن يتخذوا} أي ولو بذلوا الجهد {عبادي} ~~من الأحياء كالملائكة وعزير والمسيح، والأموات كالأصنام. # ولما كان كل شيء دونه سبحانه، وكان لا يستغرق شيء من الأشياء جميع ما دون ~~رتبته من المراتب، أثبت الجار فقال: {من دوني أولياء} أي مبتدئين اتخاذهم ~~من دون إذني، والمفعول الثاني ل {حسب} محذوف تقديره: ينصرونهم ويدفعون عنهم ~~ويجعلون بعضهم ولدا ولا أعذبهم. ولما كانت غاية اتخاذ الولي أن يفعل ما ~~يفعل القريب من النصر والحماية من كل مؤذ، جاز كون هذا سادا مسد مفعولي ~~{حسب} لأن معناه: أحسبوا اتخاذهم مانعهم مني؟ ولما كان معنى الاستفهام ~~الإنكاري: ليس الأمر كذلك، بل أصلد زندهم، وخاب جدهم، وغاب سعدهم، حسن جدا ~~قوله مؤكدا لأجل إنكارهم: {إنا اعتدنا جهنم} التي تقدم أنا عرضناها لهم ~~{للكافرين نزلا *} نقدمها لهم أول قدومهم كما يعجل للضيف، فلا يقدر أحد على ~~منعها عنهم، ولهم وراءها ما يحتقر بالنسبة إليه كما هو شأن ما بعد النزل ~~بالنسبة إليه. # PageV12P146 # ولما تبين بذلك الذي لا مرية فيه أنهم خسروا خسارة لا ربح معها، وخاب ما ~~كانوا يؤملون، أمره أن ينبههم على ذلك فقال: {قل هل ننبئكم} أي نخبركم أنا ~~وكل عبد لله ليست ms2825 عينه في غطاء عن الذكر، ولا في سمعه عجز عن الوعي، إخبارا ~~عظيما أيها التاركون من لا خالق ولا رازق لهم سواه، والمقبلون على من ليس ~~بيده شيء من خلق ولا رزق ولا غيره {بالأخسرين} ولما كانت أعمالهم مختلفة، ~~فمنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد النجوم، ومنهم من يعبد بعض ~~الأنبياء، ومنهم من يعبد الأوثان، ومنهم من يكفر بغير ذلك، جمع المميز ~~فقال: {أعمالا *} ثم وصفهم بضد ما يدعونه لأنفسهم من نجاح السعي وإحسان ~~الصنع فقال: {الذين ضل سعيهم} أي حاد عن القصد فبطل {في الحياة الدنيا} ~~بالإعراض عمن لا ينفعهم ولا يضرهم إلا هو، والإقبال على ما لا نفع فيه ولا ~~ضر {وهم} أي والحال أنهم مع ظهور ذلك كالشمس {يحسبون} لضعف عقولهم {أنهم ~~يحسنون صنعا *} أي فعلا هو في غاية الإحكام وهم في غاية الدربة به؛ وروى ~~البخاري في # PageV12P147 # التفسير عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن الأخسرين اليهود والنصارى، ~~قال: أما اليهود فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا ~~بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شرب - انتهى. قلت: وكذا قال اليهود لأن ~~الفريقين أنكروا الحشر الجسماني وخصوه بالروحاني. # ولما كانوا ينكرون أنهم على ذلك، لملازمتهم لكثير من محاسن الأعمال، ~~البعيدة عن الضلال، بين لهم السبب في بطلان سعيهم بقوله: {أولئك} أي ~~البعداء البغضاء {الذين كفروا} أي أوقعوا الستر والتغطية لما من حقه أن ~~يظهر ويشهر، مستهينين {بأيات ربهم} من كلامه وأفعاله، وبين سبب هذا الكفر ~~بقوله: {ولقائه} أي فصاروا لا يخافون فلا يردهم شيء عن أهوائهم {فحبطت} أي ~~سقطت وبطلت وفسدت بسبب جحدهم للدلائل {أعمالهم} لعدم بنائها على أساس ~~الإيمان {فلا} أي فتسبب عن سقوطها أنا لا {نقيم لهم} ما لنا من الكبرياء ~~والعظمة المانعين من اعتراض أحد علينا أو شفاعته بغير إذننا لدينا {يوم ~~القيامة وزنا *} أي لا نعتبرهم لكونهم جهلوا أمرنا الذي لا شيء أظهر منه، ~~وآمنوا مكرنا ولا شيء أخطر منه. # PageV12P148 # ولما كان هذا السياق في الدلالة على أن ms2826 لهم جهنم أوضح من الشمس قال: ~~{ذلك} أي الأمر العظيم الذي بيناه من وعيدهم {جزاؤهم} لكن لما كان حاكما ~~بضلالهم وغباوتهم، بين الجزاء بقوله: {جهنم} وصرح بالسببية بقوله: {بما ~~كفروا} أي وقعوا التغطية للدلائل {واتخذوا ءاياتي} التي هي مع إنارتها أجد ~~الجد وأبعد شيء عن الهزل {ورسلي} المؤيدين بباهر أفعالي مع ما لهم من ~~الشهامة والفضل {هزوا *} فلم يكتفوا بالكفر الذي هو طعن في الإلهية حتى ~~ضموا إليه الهزء الذي هو أعظم احتقار. # ولما بين ما لأحد قسمي أهل الجمع تنفيرا عنهم، بين ما للآخر على تقدير ~~الجواب لسؤال تقتضيه الحال ترغيبا في اتباعهم والاقتداء بهم، فقال: {إن ~~الذين ءامنوا} أي باشروا الإيمان {وعملوا} تصديقا لإيمانهم {الصالحات} من ~~الخصال {كانت لهم} لبناء أعمالهم على الأساس {جنات} أي بساتين {الفردوس} أي ~~أعلى الجنة، وأصله البستان الذي هو الجنة بالحقيقة لانخفاض ما دونه عنه، ~~وستر من يدخله بكثرة أشجاره {نزلا *} كما كان السعير والأغلال لأولئك نزلا، ~~يعد لهم حين الدخول {خالدين فيها} بعد دخولهم {لا يبغون} أي يريدون أدنى ~~إرادة # PageV12P149 # {عنها حولا *} أي تحولا لأنه مزيد عليها، دفعا لما قد يتوهم من أن الأمر ~~كما في الدنيا من أن كل أحد في أي نعيم كان يشتهي ما هو أعلى منه لأن طول ~~الإقامة قد يورث السآمة، بل هم في غاية الرضى بها، لما فيها من أنواع ~~الملاذ التي لا حصر لها ولا انقضاء، لا يشتهي أحد منهم غير ما عنده سواء ~~كان في الفردوس أو فيما دونه، وهو تعريض بالكفرة في أنهم يصطرخون في النار ~~{ربنا أخرجنا منها} [المؤمنون: 107] وذلك عكس ما كان في الدنيا من ركون ~~الكفار إليها، ومحبتهم في طول البقاء فيها، وعزوف المؤمنين عنها، وشوقهم ~~إلى ربهم بمفارقتها. # ولما تم الجواب عن أسئلتهم على أحسن الوجوه مخللا بما تراه من الحجج ~~البينة والنفائس الملزمة لهم بفصل النزاع، وأتبع ذلك بقص الأمر الذي ~~بإغفاله تجرؤوا على الكفر، وهو أمر البعث إلى أن ختمه بما يقتضي أن ~~معلوماته لا تحد، لأن ms2827 مقدوراته في تنعيم أهل الجنة لا آخر لها فلا تعد، ~~وكان اليهود قد اعترضوا على قوله في أولها {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ~~[الإسراء: 85] بأنهم أوتوا التوراة، وكان لكل ما سألوا عنه من الفصول ~~الطويلة الذيول أمور تهول، وكان ربما قال قائل: ما له لا يزيد ذلك شرحا؟ ~~قال تعالى آمرا # PageV12P150 # بالجواب عن ذلك كله، معلما لهم بأنهم لا يمكنهم الوقوف على تمام شرح شيء ~~من معلوماته، وآخر استفصال شيء من مقدوراته، قطعا لهم عن السؤال، وتقريبا ~~إلى أفهامهم بضرب من المثال: {قل} أي يا أشرف الخلق لهم: {لو كان البحر} أي ~~ماؤه على عظمته عندكم {مدادا} وهو اسم لما يمد به الدواة من الحبر {لكلمات} ~~أي لكتب كلمات {ربي} أي المحسن إلي في وصف ذكر وغيره مما تعنتموه في السؤال ~~عما سألتم عنه أو غير ذلك {لنفد} أي فني مع الضعف فناء لا تدارك له {البحر} ~~لأنه جسم متناه. # ولما كانت المخلوقات - لكونها ممكنة - ليس لها من ذاتها إلا العدم، وكانت ~~الكلمات من صفات الله، وصفات الله واجبة الوجود، فكان نفادها محالا، فكان ~~نفاد الممكن من البحر وما يمده بالنسبة إليها مستغرقا للأزمنة كلها، جرد ~~الظرف من حرف الجر فقال: {قبل أن تنفد} أي تفنى وتفرغ {كلمات ربي} لأنها لا ~~تتناهى لأن معلوماته ومقدوراته لا تتناهى، وكل منها له شرح طويل، وخطب ~~جليل؛ ولما لم يكن أحد غيره يقدر على إمداد البحر قال: {ولو جئنا} أي بما ~~لنا من العظمة التي لا تكون لغيرنا {بمثله مددا *} أي له يكتب منه لنفد ~~أيضا، وهذا كله كناية عن عدم النفاد، لأنه تعليق # PageV12P151 # على محال عادة كقولهم: لا تزال على كذا ما بل بحر صوفة وما دجى الليل، ~~ونحو هذا، ولعله عبر بجمع السلامة إشارة إلى أن قليلها بهذه الكثرة فكيف ~~بما هو أكثر منه، وذلك أمر لا يدخل تحت وصف، وعبر بالقبل دون أن يقال «ولم ~~تنفد» ونحوه، لأن ذلك كاف في قطعهم عن الاستقصاء في السؤال ولأن التعبير ~~بمثل ms2828 ذلك ربما فتح بابا من التعنت وهو أن يجعلوا الواو للحال فيجعلوا ~~النفاد مقيدا بذلك، وأما سورة لقمان فاقتضى سياقها في تأسيس ما فيها على ~~{الغني الحميد} [لقمان: 26] ومقصودها أن يكون التعبير فيها بغير ما ههنا، ~~فما في كل سورة أبلغ بالنسبة إلى سياقه، مع أنه ليس في إفصاح واحدة منهما ~~ما يدل على نفاد الكلمات ولا عدمه، وفي إفهام كل منهما بتدبر القرائن في ~~السياق وغيره ما يقطع بعدم نفاذها، ولا تخالف بين الآيتين وإن كان التعبير ~~في هذه السورة أدخل في التشابه، ويجاب عنه بما قالوا في مثل قول الشاعر ~~«على لاحب لا يهتدى بمناره» من أن ما في حيز السلب لا يقتضي الوجود، ولعل ~~التعبير بمثل ذلك من الفتن المميزة بين من في قلبه مرض وبين الراسخ الذي ~~يرد المتشابه إلى المحكم، وهو ما دل عليه البرهان القاطع من أن الله تعالى ~~لا نهاية لذاته، ولا لشيء من # PageV12P152 # صفاته، بل هو الأول والآخر الباقي بلا زوال - والله أعلم. # ولما كانوا ربما قالوا: ما لك لا تحدثنا من هذه الكلمات بكل ما نسألك عنه ~~حيثما سألناك؟ وكانوا قد استنكروا كون النبي بشرا، وجوزوا كون الإله حجرا، ~~وغيوا إيمانهم به بأمور سألوه في الإتيان بها كما تقدم بعد أول مسائلهم، ~~وهي الروح آخر سبحان، وكان قد ثبت بإجابتهم عن المسائل على هذا الوجه أنه ~~رسول، أمره سبحانه أن يجيبهم عن ذلك كله بما يرد عليهم غلطهم، ويفضح شبههم، ~~إرشادا لهم إلى أهم ما يعنيهم من الحرف الذي النزاع كله دائر عليه وهو ~~التوحيد فقال: {قل إنما أنا} أي في الاستمداد بالقدرة على إيجاد المعدوم ~~والإخبار بالمغيب {بشر مثلكم} أي لا أمر لي ولا قدرة إلا على ما يقدرني ~~عليه ربي، ولا استبعاد لرسالتي من الله فإن ذلك سنته فيمن قبلي {يوحى إلي} ~~أي من الله الذي خصني بالرسالة كما أوحى إلى الرسل قبلي ما لا غنى لأحد عن ~~علمه واعتقاده {أنما إلهكم} # PageV12P153 # وأشار إلى أن إلهيته بالإطلاق لا بالنظر ms2829 إلى جعل جاعل ولا غير ذلك فقال: ~~{إله واحد} أي لا ينقسم بمجانسة ولا غيرها، قادر على ما يريد، لا منازع له، ~~لم يؤخر جواب ما سألتموني عنه من عجز ولا جهل ولا هوان بي عليه - هذا هو ~~الذي يعني كل أحد علمه، وأما ما سألتم عنه من أمر الروح والقصتين تعنتا ~~فأمر لو جهلتموه ما ضركم جهله، وإن اتبعتموني علمتموه الآن وما دل عليه من ~~أمر الساعة إيمانا بالغيب علم اليقين، وعلمتموه بعد الموت بالمشاهدة عين ~~اليقين، وبالمباشرة حق اليقين، وإن لم تتبعوني لم ينفعكم علمه {فمن} أي ~~فتسبب عن وحدته المستلزمة لقدرته أنه من {كان يرجوا} أي يؤمن بمجازاته له ~~على أعماله في الآخرة برؤيته وغيرها، وإنما قال: {لقاء ربه} تنبيها على أنه ~~هو المحسن إلى كل أحد بالتفرد بخلقه ورزقه، لا شريك له في شيء من ذلك على ~~قياس ما نعلمه من أنه لا مالك إلا وهو قاهر لمملوكه على لقائه، مصرف له في ~~أوامره في صباحه ومسائه. # ولما كان الجزاء من جنس العمل، كان الواجب على العبد الإخلاص في عمله، ~~كما كان عمل ربه في تربيته بالإيجاد وما بعده، فقال: {فليعمل} وأكده ~~للإعلام بأنه لا بد مع التصديق من الإقرار فقال: {عملا} أي ولو كان قليلا ~~{صالحا} وهو ما يأمره به # PageV12P154 # من أصول الدين وفروعه من التوحيد وغيره من أعمال القلب والبدن والمال ~~ليسلم من عذابه {ولا يشرك} أي وليكن ذلك العمل مبنيا على الأساس وهو أن لا ~~يشرك ولو بالرياء {بعبادة ربه أحدا *} فإذا عمل ذلك فاز فحاز علوم الدنيا ~~والآخرة، وقد انطبق آخر السورة على أولها بوصف كلمات الله ثم ما يوحى إليه، ~~وكل منهما أعم من الكتاب بالأقومية للدعاء إلى الحال الأسلم، في الطريق ~~الأقوم، وهو التوحيد عن الشريك الأعم من الولد وغيره، والإحسان في العمل، ~~مع البشارة لمن آمن، والنذارة لمن أعرض عن الآيات والذكر، فبان بذلك أن لله ~~تعالى - بوحدانيته وتمام علمه وشمول قدرته صفات - الكمال، فصح أنه المستحق ~~لجميع الحمد ms2830 - والله الموفق، والحمد لله على إتمام سورة الكهف من كتاب نظم ~~الدرر من تناسب الآي والسور. # PageV12P155 # مقصودها بيان اتصافه سبحانه بشمول الرحمة بإفاضة النعم على جميع خلقه، ~~المستلزم للدلالة على اتصافه لجميع صفات الكمال، المستلزم لشمول القدرة على ~~إبداع المستغرب، المستلزم لتمام القدرة الموجب للقدرة على البعث والتنزه عن ~~الولد لأنه لا يكون إلا لمحتاج، ولا يكون إلا مثل الوالد، ولا سمي له ~~سبحانه فضلا عن مثيل، وعلى هذا دلت تسميتها بمريم، لأن قصتها أدل ما فيها ~~على تمام القدرة وشمول العلم، لأن أغرب ما في المخلوقات وأجمعه خلقا ~~الآدمي، وأعجب أقسام توليده الأربعة - بعد كونه آدميا - ما كان من أنثى بلا ~~توسط ذكر، لأن أضعف الأقسام، وأغرب ذلك أن يتولد منها على ضعفها أقوى النوع ~~وهو الذكر، ولا سيما إن أوتي قوة الكلام والعلم والكتاب في حال الطفولية، ~~وأن يخبر بسلامته الكاملة فيكون الأمر كذلك، لم يقدر أحد - مع كثرة الأعداء ~~- على أن يسمه بشيء من أذى، هذا إذا جمعته من # PageV12P156 # إخراج الرطب في غير حينه من يابس الحطب، ومن إنباع الماء في غير موضعه، ~~وعلى مثل ذلك أيضا دلت تسميتها بما في أولها من الحروف، بيان ذلك أن مخرج ~~الكاف من أقصى اللسان مما يلي الحلق ويحاذيه من أسفل الحنك، وهي أدنى من ~~مخرج القاف قليلا إلى مقدم الفم ر، ولها من الصفات الهمس والشدة والانفتاح ~~والاستفال والخفاء، ومخرج الياء من وسط اللسان والحنك الأعلى، ولها من ~~الصفات الجهر والرخاوة والانفتاح والاستفال، وه أغلب صفاتها، ومخرج العين ~~وسط الحلق، ولها من صفات الجهر وبين أصول الثنيتين السفليين، وله من الصفات ~~الهمس والرخاوة والإطباق والاستعلاء والصفير، فالافتتاح بهذه الأحرف هنا ~~إشارة - والله أعلم - إلى أن أهل الله عامة - من ذكر منهم في هذه السورة ~~وغيرهم - يكونأمرهم عند المخالفين أولا - كما تشير إليه الكاف - ضعيفا مع ~~شدة انفتاح كما كان حال النبي (صلى الله عليه وسلم) أول ما دعا، فإنه اشتهر ~~أمره ولكنه كان ضعيفا بإنكار قومه إلا أنهم لم ms2831 يبالغوا في الإنكار، ثم يصير ~~الأمر فيا، ائل العراك - كما تشير إلأيه الهاء - إلى استقال، # PageV12P157 # ثم يزداد بتمالؤ المستكبرين عليهم ضعفا وخفاء، وإلى هذا تشير قراءتها ~~بالإمالة، ولا بد مع ذلك من نوع ظهور - كما يشبر إليه انفتاح الهاء وإليه ~~تشير قراءة الفتح، وهذا كما كان النبي (صلى الله عليه وسلم) حين صرح بسب ~~آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم فقاموا عليه إلبا واحدا، فهاجر أكثر ~~الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة، وخاف أبو طالب دهماء العرب فقال قصيدته ~~اللامية يفي ذلك، وتمادى الحال حتى ألجاتهم قريش إلأى الشعب، وتكون في وسط ~~أمرهم - كما تشير إليه الياءوقراءتها بالفتح، لهم قوة مع رخاوة واشتهار ~~واستفال، وهو الأغلب عليهم ظاهرا كما تشير إليه قراءة الإمالة، فيكون ذلهم ~~من وراء عز وعزهم في ثوب ذل، يعرف ذلك من عاناه، ونظر إليه بعين الحقيقة ~~واجتلاء، وهذا كما كان عند قيام من قام من قريش يفي نقض الصحيفة الظالمة ~~وإخراجهم من الشعب، ثم عند موت خديجة رضي الله عنها وأبي طالب، وخرج (صلى ~~الله عليه وسلم) إلى الطائف فردوه - بأبي هو وأمي ونفسي وودلدي وعيني، فلما ~~قرب من مكة المشرفة لم يستطع دخولها بغير جوار، فاختفى في غار حراء وأرسل ~~إلى من يجيره، ثم أرسل حتى أجاره المطعم بن عدي، ولبس السلاح هو من أطاعةى ~~وأدخله (صلى الله عليه وسلم) حتى طاف بالبيت، ثم قضى سبحانه أن قتل المطعم ~~في بدر كافرا، بعد اجتهاد النبي (صلى الله عليه وسلم) في سلامته والإيصاء ~~به أن لا يقتل - ليعلم أنه سبحانه # PageV12P158 # مختار في عموم رحمته وخصوصها، لئلا ييأس عاص أو يأمن طائع، ثم إذا علا ~~أمرهم عن الوسط صاعدا قوي - كما تشير إليه العين، فصار بين الشدة والرخاوة، ~~وفيه انفتاح بشهرة مع استفال في بعض الأمر كما كان حاله (صلى الله عليه ~~وسلم) عند مبايعة الأنصار رضوان الله عليهم، وأما آخر أمرهم فهو وإن كالن ~~فيه نوع من الضعف، وضرب من الرخاوة واللين كما كان في غزوة حنين ms2832 والطائف، ~~فإنه تعقبه قوة عظيمة بالإطباق، واستعلاء واشتهار يملأ الآفاق، كما يشير ~~إليه الصغير - هذا في أهل الله عامة المذكورين في هذه السورة وغيرهم، وأما ~~ما يخص عيسى عليه الصلاة والسلام الذي هو صورة سورتها ومطمح إشارتها ~~وسيرتها فجعل الحروف اللسانية من هذه الحروف أغلبها ثلاثة أحرف منها إشارة ~~إللا أن إبراهيم عليه السلام بما أعطى في نفسه وفي ذريته ولسان الصدق ~~المذكور به هو لسان هذا الوجود، وأن دولة آله الذين عيسى عليه السلام من ~~أعيانهم هي وسط هذا الوجود حقيقة وخيارا، فموسى عليه السلام أو أصحاب ~~شرائعهم بمنزلة القاف التي هي من أقصى اللسان وله حظ كبيرمنها، فإنه من ~~أجله قتل أبناء بني إسرائيل وولد في سنةالقتل، وكان سبب هجرته وابتداء سيره ~~إلى الله تعالى قتله القبطي، وقرب نجيا، # PageV12P159 # ومن صفاتها الجهر والشدة والانفتاح، والاستعالاء والقلقلة، وهو عريق يفي ~~كل من خيرات ذلك، وداود عليه السلام ثاني ذوي كتبهم بمنزلة الهمزة التي هي ~~أبعد من مخرج الهاء إحدى هذه الحروف، وهو أول من جمع من بني إسرائيل بين ~~الملك والنبوة، وله حظ من صفاتها: الجهر والشدة والانفتاح، بما كان فيه من ~~الملك والظهور، والنصر على الأعداء وعجائب المقدور، وله حظ من وصفها ~~بالاستفال في أول أمره وفي آخره بما كان من بكائه وتواضعه وإخباته لربه ~~وصلاحه، فالكاف هنا إشارة إلى أن عيسى عليه الصلاة والسلام هو ثاني ~~الشارعين يفي الوجود، والهاء عبارة عن أنه من عقب داود عليه السلام، وكل ~~منهما له حظ من صفات الحرف المشير إليه الدال عليه، والصاد التي هي من طرف ~~اللسان وهي خاتمة هذه الحروف إشارة مما فيها من الإطباق المشير إلى تطبيق ~~الرسالة لجميع الوجوه، ومن الاستعلاء المشير إلى نهاية العطمة، والصفير ~~المشير إلى غاية الانتشار بما فيها من الصفات إلى أن أول أمر عيسى عليه ~~السلام يكون فيه مع الشدة ضعف، ثم تشير أيضا الهاء - التي هي من أقصى الحلق ~~- إلى أن أمره يبطن بعد ذلك الظهور ويخفى بارتفاعه إلى السماء، ms2833 ويدل ~~الاستفال على أنها قريبة إلى السفلى، وهو # PageV12P160 # كذلك فإنه في الثانية بدلالة رتبة الكاف والهاء في مخرجيهما، وتشير الياء ~~بجهرها إلى ظهوره بنزوله، وتدل بكونها من وسط اللسان على تمكنه في أموره، ~~وباعتلائها على شيء في ذلك وهو ضعف الاتباع وحصرهم في ذلك الوقت، وتدل ~~بانفتاحها ورخاوتها على ظهوره على الدجال في أولئك القوم الذين قد جهدهم ~~البلاء عند نزوله، ومسهم الضر قبل حلوله، وتليح غلبة الاستفال عليها إلى ~~أمر يأجوج ومأجوج لما يوحيه الله إليه " إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان ~~لأحد بهم، فجرز عبادي إلى الطور " وتدل العين بكونها من وسط الحق على ~~انحصارهم، ويجهرها على أنه لا سبيل للعدو عليهم ولا وصول بوجه إليهم، وبما ~~فيها من البينية والاستفال على جهدهم مع حسن العاقبة، وتبشر - بما فيها من ~~الانفتاح - بحصول الفتح الذي ليس وراءه 9 فتح، وتدل الصاد بمخرجها على ~~القوة الزائدة، وبالهمس والرخاوة على أنها قوة لا بطش فيها، وبالإطباق ~~والاستعلاء على عموم الذين جميع الناس، وبالصفير على أنه ليس وراء ذلك إلا ~~النفخ في الصور لعموم الهلاك لكل موجود مفطور، ثم لبعثرة القبور، وتحصيل ما ~~في الصدور، وكل هذا منترتيب سنته سبحانه في المصطفين من عباده على # PageV12P161 # هذا النحو البديع، وترتيب هذه الحروف على هذا النظم الدال عليه دائر على ~~القدرة التامة والعلم الشامل والحكمة الباهرة، رحمهم سبحانه بأن نكبهم طريق ~~الجبارين التي أوصلتهم إلى القسوة، وجنبهم سنن المستكبرين التي تلجئ ولا بد ~~إلأى الشقوة، فجعل نصرهم في لوامع انكسار، وكسرهم في جوامع انتصار، وحماهم ~~من فخامة دائمة تجر إلى بذح وعلو واستكبار، ومن رقة ثابتة تحمل على ذل ~~وسفول وصغار، فلقد انطبق الاسمان على المسمى، واتضحا غاية الاتضاح في أمره ~~ونما، وهذا معنى ما قال الكلبي: هو ثناء أثنى الله به على نفسه.) بسم الله ~~(المنزه عن كل شائبة نقص، القادر على كل ما يريد) الرحمن (الذي عم نواله ~~سائر مخلوقاته) الرحيم (الذي اختص الصالحين من عباده، بما يسعد من مراده. # ولما ms2834 كان مقصود التي قبلها الدلالة على أنم القرآن قيم لا عوج فيه، وبه ~~تمام الانتظام في نعمة الإبقاء الأول، ودل على ذلك بأنه ساق المؤول عنه من ~~القصص أحسن سوق، وكشف عن مخبأته القناع أبدع كشف - إلى غير ذلك مما خلله به ~~من بدائع الحكم وغرائب # PageV12P162 # المعاني فاضحة لمن ادعى الله سبحانه ولدا، وختمها بمثل ذلك وصف الكتاب ~~والتوحيد - النافي لقبول التعدد بولد أوغيره بكل اعتبار - والعمل الصالح، ~~ابتدأ هذه بالكشف عن أغرب من تلك القصص، تحقيقا لآية) أم حسبت أن أصحاب ~~الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) [الكهف: 9] بسياق غير ما تقدم فيما ~~مضى عن السور، وجزئيات لم تذكر إلا فيها مع عدم المخالفة لما مضى، تأييدا ~~لأن كلماته لا تنفذ، وعجائبه لا تعد ولا تحد، وأنه لو كان من عند غيره ~~لاختلف، مع أن أهلها سادة الموحدين، وقادة المصلحين المتقين الذين عملوا ~~الصالحاتن، ونفوا الشرك وشرعوا ذلك للناس، فرحمهم ربهم سبحانه، وكلهم ممن ~~يعتقده اليهود الآمرون لقريش بالسؤال عن أصحاب الكهف وذي القرنين تعنتا، ~~أمت من عدا عيسى عليه الصلاة والسلام فواضح، وأما عيسى عليه السلام ~~فيعتقدون أنه ما اتى لأأنه سيأتي، ويكون الناس في أيامه على دين واحد ~~تصديقا لوعد التوارة الآتي بيانه، وذلك على وجه مستلزم في أكثرها تنزهه ~~تعالاى عن الوالد، وقدرته على البعث، وبدأها بقصة من خرق له العادة في ~~الولد على وجه مبين أنه لا يحتاجه إلا فإن حسا أو معنى يريد أن يخلفه فيما ~~تعسر عليه فعله أو تعذر، وكان تقديم قصته أولى لأن التبكيت به أعظم ~~لمباشرتهم لقتله وقتل ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام، وإشارة إلى أن ~~العمل الصالح المؤسس على التوحيد ضامن لإجابة الدعاء وإن كان فيه خرق ~~العادة، وثنى بأمر من نسبوء إليه وافتروه عليهوقصدوا قتله على # PageV12P163 # وجه معرب عن شأنه غاية الإعراب، مبين فيه وجه الصواب، متمما لتبكيت ~~اليهود الآمرين لقريش بالتعنت بالسؤال بالإشارة إلى قتل زكريا ويحيى عليهما ~~الصلاة والسلام وإعاء صلب المسيح الذي بشرت به التوراة، ms2835 وهم الآن ينتظرونه ~~ويدعون أنهم أخص الناس به، وقذف أمه - وحاشاها - دالا بذلك على القدرة على ~~البعث، قال في التوراة في آخر السفر الأول: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام ~~أخب ربقرب وفاته وقال لبنيه: اجتمعوا إلى فأبين لكم ما هو كائن من أمركم في ~~آخر الأيام، اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب انصتوا لإسرائيل أبيكم ثن قال: ~~يا يهوذا لك يعترف إخوتك بتعالى يدك على رقاب أعدائك، وليسجد لك بنو أبيك، ~~شبل الليث، من ذا يقيمه عن فريسته، لا يزول القضيب من آل يهوذا، لا يعدم ~~سبط يهوذا ملكا مسلطا وأفخاده نبيا مرسلا حتى يأتي الذي له الملك - وفي ~~نسخة: الكل - وإياه تنتظر الشعوب، يربط بالحبلة جحشه عيناه أشد شهولة من ~~الخمر، وأسنانه أشد بياضا من اللبن - هذا نصه، وعند اليهود أنه المسيح، ~~ويسمونه مع ذلك المنتظر والمهدي، وعندهم أنه ينصرهم ويخلصهم # PageV12P164 # مما هم فيه من الذل، فقلت لبعضهم: أشهد أنه المسيح ابم مريم الذي أتى ~~وتبعه النصارى وعاديتموه حتى رفعه الله تعالى، فقال الذي في التوارة أنه ~~يكون له الكل، وعيسىة مل كان كذلك، فقلت: إنه يكون له الكل حين ينزل تابعا ~~لديننا من حيث إنه لا يقبل إلا الإسلام، قيطبق أهل الأرض على إتباعهخ عليه، ~~ويسعد به منكم من يتبعه، ويزول عنه الذل، هذا لا يناف كلام التوراة فإنه لم ~~يقيد ذلك بساعة إتيانه. فلم يقبل ذلك، ثم إنه أتى إلي يوما بكتاب من كتبهم ~~في شرح سفر الأنبياء فقال في الكلام على البشائر المتعلقة بالمسيح " ولا ~~يبعد أن يبدو لإسرائيل ثم يختقي ثم يظهر فيكون له الكل " فقلت له: انظر ~~وتبصر هذا عين ما ذكرته لك من قبل فبهت لذلك فقلت: أطعني وأسلم ففكر ثم ~~قال: حتى يريد الله تعالى. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما قال تعالى) أم حسبت أن ~~أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (ثم أورد خبرهم وخبر الرجلين ~~وموسى والخضر عليهما السلام وقصة ذي القرنين، أتبع سبحانه ذلك بقصص تضمنت ms2836 ~~من العجائب ما هو أشد عجبا وأخفى سببا، فافتتح سورة مريم بيحيى بن زكريا ~~وبشارة زكريا به بعد الشيخوخة وقطع الرجاء وعقر الزوج حتى سأل زكريا ~~مستفهما ومتعجبا) أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر ~~عتيا) [ # PageV12P165 # مريم: 8] فأجابه تعالى بأن ذلك عليه هين، وأنه يجعل ذلك آية للناس، وأمر ~~هذا أعجب من القصص المتقدمة، فكانقد قيل: أم حسبت يا محمد أنم أصحاب الكهف ~~والرقيم كانوا من آياتنا عجيا، نحن نخبرك بخبرهم ونخبرك بما هو أعجب وأغرب ~~وأوضح آية، وهو قصة زكريا في ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام، وقصة عيسى ~~في كيونته بغير أب، ليعلم أن الأسباب في الحقيقة لا يتوقف عليها شيء من ~~مسبباتها إلا بحسب سنة الله، وإنما الفعل له سبحانه لا بسبب، وإلى هذا أشار ~~قوله تعالى لزكريا عليه والسلام) وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (ثم أتبع ~~سبحانه بشارة زكريا بيحيى بإتيانه الحكم صبيا، ثم بذكر وابنها عليهما ~~الصلاة والسلام، وتعلقت الآي بعد إلى انقضاء السورة انتهى. # مريم: (1 - 15) كهيعص # ) كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريآ إذ نادى ربه ندآء خفيا قال رب إني وهن ~~العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا وإني خفت الموالي من ~~ورآئي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب ~~واجعله رب رضيا يزكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ~~قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال ~~كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية ~~قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى ~~إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ييحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا ~~من لدنا وزكاة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ~~ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (() # PageV12P166 # ولما كانت هذه السورة ms2837 تالية للسورة الواصفة للكتاب - الذي به نعمة ~~الإبقاء الأول - بالاستقامة البالغة، افتتحها بالأحرف المقطعة، كما افتتح ~~السورة التي تلي أم الكتاب، الداعية إلى الصراط المستقيم، الواصفة الكتاب ~~بالهدى الضامن للاستقامة، والتي تلي واصفته، # PageV12P166 # والتي تلي الأنعام المشيرة إلى نعمة الإيجاد الأول، فقال: {كهيعص *} وهي ~~خمسة أحرف على عددها مع تلك السور، وهي جامعة النعم، وواصفة الكتاب، وذات ~~النعمة الأولى، وذات النعمة الثانية، كما افتتحت الأعراف التالية لذات ~~النعمة الأولى بأربعة على عددها مع قبلها من الأم الجامعة والواصفة وذات ~~النعمة الأولى، وكما افتتحت آل عمران التالية للواصفة بثلاثة على عددها مع ~~الأم والواصفة {ذكر} أي هذا الذي أتلوه عليكم ذكر {رحمت ربك} أي المحسن ~~إليك بالتأييد بكشف الغوامض وإظهار الخبء {عبده} منصوب برحمة، لأنها مصدر ~~بني على التاء، لا أنها دالة على الوحدة {زكريا *} أي ابن ماثان، جزاء له ~~على توحيده وعمله الصالح الذي حمله عليه الرجاء للقاء ربه، والرحمة منه ~~سبحانه المعونة والإجابة والإيصال إلى المراد ونحو ذلك من ثمرات الرحمة ~~المتصف بها العباد {إذ نادى} # PageV12P167 # ظرف الرحمة {ربه} . # ولما قدم تشريفه بالذكر والرحمة والاختصاص بالإضافة إليه فدل ذلك على ~~كمال القرب، قال: {نداء خفيا *} أي كما يفعل المحب القريب مع حبيبه المقبل ~~عليه في قصد خطاب السر الجامع بين شرف المناجاة ولذاذة الانفراد بالخلوة، ~~فأطلع سبحانه عليه لأنه يعلم السر وأخفى، فكأنه قيل: كما ذلك الندا؟ فقيل: ~~{قال رب} بحذف الأداة للدلالة على غاية القرب {إني وهن} أي ضعف جدا {العظم ~~مني} أي هذا الجنس الذي هو أقوى ما في بدني، وهو أصل بنائه، فكيف بغيره! ~~ولو جمع لأوهم أنه وهن مجموع عظامه لا جميعها {واشتعل الرأس} أي شعره مني ~~{شيبا ولم أكن} فيما مضى قط مع صغر السن {بدعائك} أي بدعائي إياك {رب شقيا ~~*} فأجرني في هذه المرة أيضا على عوائد فضلك، فإن المحسن يربي أول إحسانه ~~بآخره وإن كان ما ادعوا به في غاية البعد في العادة، لكنك فعلت مع أبي ~~إبراهيم عليه السلام مثله، فهو ms2838 دعاء شكر واستعطاف؛ ثم عطف # PageV12P168 # على «إني وهن» قوله: {وإني خفت الموالي} أي فعل الأقارب أن يسيئوا ~~الخلافة {من وراءي} أي في بعض الزمان الذي بعد موتي {وكانت امرأتي عاقرا} ~~لا تلد أصلا - بما دل عليه فعل الكون {فهب لي} أي فتسبب - عن شيخوختي وضعفي ~~وتعويدك لي بالإجابة، وخوفي من سوء خلافة أقاربي، ويأسي عن الولد عادة بعقم ~~امرأتي، وبلوغي من الكبر حدا لاحراك بي معه - إني أقول لك يا قادرا على كل ~~شيء: هب لي {من لدنك} أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندك، لم ~~تجرها على مناهج العادات والأسباب المطردات، لا من جهة سبب أعرفه، فإن ~~أسباب ذلك عندي معدومة. # وقد تقدم في آل عمران لذلك مزيد بيان {وليا *} أي من صلبي بدلالة {ذرية} ~~في السورة الأخرى {يرثني} في جميع ما أنا فيه من العلم والنبوة والعمل ~~{ويرث} زيادة على ذلك {من ءال يعقوب} جدنا مما خصصتهم به من المنح، وفضلتهم ~~به من النعم، من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم، وخص اسم يعقوب اقتداء به نفسه ~~إذ قال ليوسف عليهما الصلاة والسلام {ويتم نعمته عليك وعلى ءال يعقوب} ~~[يوسف: 6] ولأن إسرائيل صار علما على الأسباط كلهم، # PageV12P169 # وكانت قد غلبت عليهم الأحداث؛ وقد استشكل القاضي العضد في «الفوائد ~~الغياثية» كون {يرث} على قراءة الرفع صفة بأنه يلزم عليه عدم إجابة دعائه ~~عليه الصلاة والسلام لأن يحيى عليه السلام قتل في حياته، ولا يكون وارثا ~~إلا إذا تخلف بعده، وقد قال تعالى {فاستجبنا له ووهبنا له يحيى} [الأنبياء: ~~90] قال: فتجعل استئنافية، ولا يلزم حينئذ إلا خلف ظنه عليه السلام - هكذا ~~نقل لي عنه، وأنا أجله عن ذلك، لأنه لا يلزم تخلف دعائه ولا يتجرأ على علي ~~مقامه بإخلاف ظنه، لأن الإخبار عن قتله قبله إن كان عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وصح السند، كان تسمية العلم الذي أخذه عنه في حياته إرثا مجازا مرسلا ~~باعتبار ما يؤول إليه في الجملة، لا سيما مع جواز أن يكون يحيى عليه السلام ~~علمه ms2839 لمن عاش بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام، وذلك لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سمى العلم إرثا على وجه الاستعارة التبعية بقوله عليه الصلاة ~~والسلام «العلماء ورثة الأنبياء» ولا شك أن من ضرورة تعلم العلم حياة ~~المأخوذ عنه، ولم يرد منع من تسميته إرثا حال الأخذ، هذا إذا صح # PageV12P170 # أن يحيى عليه السلام مات قبل زكريا عليه السلام، وحينئذ يؤول {من وراءي} ~~بما غاب عنه، أي عجزت عن تتبع أفعال الموالي بنفسي في حال الكبر، وخفت سوء ~~فعلهم إذا خرجوا من عندي وغابوا عني، فهب لي ولدا يكون متصفا بصفاتي، فكان ~~ما سأله، وإن لم يصح موته قبله بالطريق المذكور لم يصح أصلا، وينتفي ~~الاعتراض رأسا، فإن التواريخ القديمة إنما هي عن اليهود فهي لا شيء، مع أن ~~البغوي نقل في أول تفسير سورة بني إسرائيل ما يقتضي موت زكريا قبل يحيى ~~عليهما الصلاة والسلام، فإنه قال: آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ~~ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكانوا من بيت آل داود عليه السلام فمات ~~زكريا عليه السلام، وقيل: قتل، فلما رفع الله عيسى عليه الصلاة والسلام من ~~بين أظهرهم وقتلوا يحيى ابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوش ~~فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأسا من ~~رؤوس جنوده يدعى بيوزردان صاحب الفيل فقال: إني كنت قد حلفت بإلهي: لئن أنا ~~ظهرت # PageV12P171 # على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلا أن لا أجد ~~أحدا أقتله، فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، وأن بيوزردان دخل بيت ~~المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دما يغلي ~~فقال: يا بني إسرائيل! ما شأن هذا الدم يغلي؟ قالوا: هذا دم قربان لنا ~~قربناه فلم يقبل منا، فقال: ما صدقتموني، قالوا: لو كان تأول زماننا لتقبل ~~منا، ولكن قد انقطع منا الملك والوحي فلذلك لم يقبل منا، فذبح منهم ~~بيوزردان على ذلك الدم سبعمائة ms2840 وسبعين رجلا من رؤوسهم فلم يهدأ، فأتى ~~بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من شيبهم ~~وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فلما رأى بيوزردان أن الدم لا يهدأ قال ~~لهم: يا بني إسرائيل! ويلكم! أصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد طال ما ~~ملكتم الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ~~ذكر إلا قتلته، فلما رأوا الجد وشدة القتل صدقوا الخبر فقالوا: إن هذا دم ~~نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله عز وجل، فلو أطعناه فيها لكان ~~أرشد منا، # PageV12P172 # وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه، فقال لهم بيوزردان: ما ~~كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا، قال: الآن صدقتموني، بمثل هذا ينتقم منكم ~~ربكم، فلما رأى بيوزردان أنهم صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب ~~المدينة وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوش، وخلا في بني إسرائيل، ثم قال: ~~يا يحيى بن زكريا! قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم ~~فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقي من قومك أحدا، فهدأ الدم بإذن الله تعالى، ~~ورفع بيوزردان عنهم القتل وقال: آمنت بالذي آمن به بنو إسرائيل وأيقنت أنه ~~لا رب غيره، وقال لبني إسرائيل: إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل ~~دماؤكم وسط عسكره، وإني لست أستطيع أن أعصيه، قالوا له: افعل ما أمرت به، ~~فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر ~~والغنم، فذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك ~~فطرحوا على ما قتل من مواشيهم، فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من بني ~~إسرائيل، فلما بلغ الدم عسكره أرسل بيوزردان أن ارفع عنهم القتل، ثم انصرف ~~إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد. # PageV12P173 # فهذا كما ترى ظاهر في أن يحيى تخلف بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام وكذا ~~ما تقدم في آل عمران عن الإنجيل ms2841 في قصة ولادته. # ولما ختم دعاءه بقوله: {واجعله رب} أي أيها المحسن إلي {رضيا *} أي بعين ~~الرضا منك دائما حتى يلقاك على ذلك، قيل في جواب من كأنه قال: ماذا قال له ~~ربه الذي أحسن الظن به؟ : {يا زكريا إنا} أي على ما لنا من العظمة {نبشرك} ~~إجابة لدعائك؛ وقراءة الجماعة غير حمزة بالتشديد أوفق من قراءة حمزة ~~للتأكيد الذي جيء به، لأن المبشر به لغرابته جدير بالإنكار {بغلام اسمه ~~يحيى} ثم وصفه بما عرف به أن مما شرفه به أن ادخر له هذا الاسم فقال: {لم ~~نجعل له} فيما مضى، ولعله أتى بالجار الدال على التبعيض تخصيصا لزمان بني ~~إسرائيل قومه فقال: {من قبل سميا *} فكأنه قيل: ما قال في جواب هذه البشارة ~~العظمى؟ فقيل: {قال} عالما بصدقها طالبا لتأكيدها، والتلذيذ بترديدها، وهل ~~ذلك من امرأته أو غيرها؟ وهل إذا كان منها يكونان على حالتهما من الكبر أو ~~غيرها غير طائش ولا عجل {رب} أي المحسن إلي بإجابة دعائي دائما {أنى} أي # PageV12P174 # من أين وكيف وعلى أي حال {يكون لي غلام} يولد لي على غاية القوة والنشاط ~~والكمال في الذكورة {وكانت} أي والحال أنه كانت {امرأتي} كانت شابة {عاقرا} ~~غير قابلة للولد عادة وأنا وهي شابان فلم يأتنا ولد لاختلال أحد السبيبن ~~فكيف بها وقد أسنت! {وقد بلغت} أنا {من الكبر عتيا} أي أمرا في اليبس ~~مجاوزا للحد هو غاية في الكبر ما بعدها غاية، وقد حصل من ذلك من الضعف ويبس ~~الأعضاء وقحلها ما يمنع في العادة من حصول الولد مطلقا لاختلال السببين معا ~~فضلا عن أن يصلح لأن يعبر عنه بغلام؛ قال البغوي في آل عمران: وقال الضحاك ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ~~ثمان وتسعين سنة؛ وقال الرازي في اللوامع: إن هذا على الاستخبار أيعطيه ~~الله الولد بتلك الحال أم يقلبه شابا؟ ولله تعالى في كل صنع تدبيران: ~~أحدهما المعروف الذي يسلكه الناس من # PageV12P175 # توجيه الأسباب إلى المسببات، ms2842 والآخر يتعلق بالقدرة المحضة، ولا يعرفه إلا ~~أهل الاستبصار - انتهى. {قال كذلك} أي الأمر؛ ثم علله بقوله: {قال ربك} أي ~~الذي عودك بالإحسان، وذكر مقول القول فقال: {هو} أي خلق يحيى منكما على هذه ~~الحالة {علي} أي خاصة {هين} لا فرق عندي بينه وبين غيره {وقد خلقتك} أي ~~قدرتك وصورتك وأوجدتك. # ولما كان القصد تشبيه حاله بالإتيان منه بولد على ضعف السبب بتقديره من ~~النطفة على ضعف سبيتها لكونها تارة تثمر وتارة لا، وهو الأغلب، أتى بالجار ~~إشارة إلى ذلك فقال: {من قبل} أي قبل هذا الزمان {ولم} أي والحال أنك لم: ~~ولما كان عليه السلام شديد التشوف لما يلقى عليه من المعنى في هذه البشرى، ~~أوجز له حتى بحذف النون وليثبت أنه ليس له من ذاته إلا العدم المحض، وينفي ~~أن يكون له من ذاته وجود ولو على أقل درجات الكون لاقتضاء حاله في هذا ~~التعجب لتذكيره في ذلك فقال: {تك شيئا *} # PageV12P176 # أي يعتد به، ثم أبرزتك على ما أنت عليه حين أردت، فتحقق بهذا أنه من ~~امرأته هذه العاقر في حال كونهما شيخين، ثم قيل جوابا لمن كأنه قال: ما قال ~~بعد علمه بذلك؟ : {قال رب} أي أيها المحسن إلي بالتقريب! {اجعل لي} على ذلك ~~{ءاية} أي علامة تدلني على وقوعه {قال} أي الله: {ءايتك} على وقوع ذلك {ألا ~~تلكم الناس} أي لا تقدر على كلامهم. # ولما بدئت السورة بالرحمة، وكان الليل محل تنزلها «ينزل ربنا كل ليلة إلى ~~السماء الدنيا فيقول» - الحديث، قال: {ثلاث ليال} أي بأيامها - كما ذلك ~~عليه التعبير بالأيام في آل عمران حال كونك {سويا *} من غير خرس ولا مرض ~~ولا حبسة عن مطلق الكلام، بل تناجي ربك فيها بتسبيحه وتحميده وتلاوة كتابه ~~وكل ما أردت من مثل ذلك وكذا من عدا الناس من الملائكة وغيرهم من صالح عباد ~~الله، وجعلت الآية الدالة عليه سكوتا عن غير ذكر الله دلالة على إخلاصه ~~وانقطاعه بكليته إلى الله دون غيره {فخرج} عقب إعلام الله له بهذا ms2843 {على ~~قومه} أي عاليا على العلية منهم {من المحراب} الذي كان فيه وهو صدر الهيكل ~~وأشرف ما فيه، وهو منطلق اللسان بذكر الله منحبسه # PageV12P177 # عن كلام الناس {فأوحى إليهم} أي أشار بشفتيه من غير نطق: قال الإمام أبو ~~الحسن الرماني في آل عمران: والرمز: الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في ~~الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين، والأول أغلب؛ قال: وأصله الحركة. ~~وسبقه إلى ذلك الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري فقال: وأما الرمز فإن الأغلب ~~من معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين ~~والعينين أحيانا، وذلك غير كثير فيهم، وقد يقال للخفي من الكلام الذي مثل ~~الهمس بخفض الصوت الرمز. ثم نقل أن المراد به هنا تحرك الشفتين عن مجاهد - ~~انتهى. وهو ظاهر أيضا في الوحي لأنه مطلق الإشارة والكناية والكلام الخفي، ~~فيجوز أن يكون وحيه بكل منهما، لا يقدر على غير ذلك في مخاطبته للناس، فإذا ~~توجه إلى مناجاة ربه سبحانه انطلق أحسن انطلاق {أن سبحوا} أي أوجدوا ~~التنزيه والتقديس لله تعالى بالصلاة وغيرها {بكرة وعشيا *} فحملت امرأته ~~كما قلنا فولدت ولدا فسماه يحيى كما بشرناه به فكبر حتى ميز فقلنا: {يا ~~يحيى خذ الكتاب} أي التوراة {بقوة} . # ولما كانت النبوة لا يستضلع بأمرها ويقوى على حملها إلا عند استحكام ~~العقل ببلوغ الأشد، وكان التطويق على أمرها قبل ذلك من العظمة بمكان، دل ~~عليه النون في قوله: {وءاتيناه} بما لنا من # PageV12P178 # العظمة {الحكم} أي النبوة والفهم للتوراة {صبيا *} لغلبة الروح عليه، ~~وهذه الخارقة لم تقتض الحكمة أن تكون لنبينا صلى الله عليه وسلم لأن قومه ~~لا عهد لهم بالنبوة، فكانوا إذا كذبوا لا يكون لهم من أنفسهم ما يلزمهم من ~~التناقض، فعوض أعظم من ذلك بغرائز الصدق التي أوجبت له تسميته بالأمين ~~ليكونوا بذلك مكذبين لأنفسهم في تكذيبهم له. وبمزيد إبقاء معجزته القرآنيه ~~بعده تدعو الناس إلى دينه دعاء لا مرد له {و} آتيناه {حنانا} أي رحمة وهيبة ~~ووقارا ورقة قلب ورزقا وبركة {من لدنا} من مستقرب المستغرب من ms2844 عظمتنا بلا ~~واسطة تعليم ولا تجربة {وزكاة} أي طهارة في نيته تفيض على أفعاله وأقواله ~~{وكان} أي جبلة وطبعا {تقيا *} حوافا لله تعالى {وبرا} أي واسع الأخلاق ~~محسنا {بوالديه ولم يكن} جبلة وطبعا {جبارا} عليهما ولا على غيرهما؛ ثم ~~قيده بقوله: {عصيا *} إشارة إلى أن يفعل فعل الجبارين من الغلظة والقتل ~~والبطش بمن يستحق ذلك كما قال تعالى لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ~~{جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم} [التحريم: 9] فكان مطيعا لله قائما ~~بحقوقه وحقوق عباده على ما ينبغي، فهنيئا له ما أعطاه من # PageV12P179 # هذه الخلال القاضية بالكمال، والتعبير بصيغة المبالغة يفهم أن المنفي ~~الجبل عليها، وما دونها يذهبه الله بغسل القلب أو غيره {وسلام} أي أي سلام ~~{عليه} منا {يوم ولد} من كل سوء يلحق بالولادة وما بعدها في شيء من أمر ~~الدين {ويوم يموت} من كرب الموت وما بعده، ولعله نكر السلام لأنه قتل فما ~~سلم بدنه بخلاف ما يأتي في عيسى عليه الصلاة والسلام {ويوم يبعث} من كل ما ~~يخاف بعد ذلك {حيا *} حياة هي الحياة للانتفاع بها، إجابة لدعوة أبيه في أن ~~يكون رضيا، وخص هذه الأوقات لأن من سلم فيها سلم في غيرها لأنها أصعب منه؛ ~~أخرج الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «كل بني آدم يلقى الله يوم القيامة بذنب وقد يعذبه عليه إن شاء أو ~~يرحمه إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من ~~الصالحين، وأهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: ~~ذكره مثل هذه القذاة» # قال الهيثمي: وفيه حجاج ابن سليمان الرعيني وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ~~أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه أيضا عن عبد الله بن عمرو ابن ~~عباس رضي الله عنهم، لكن ليس فيه # PageV12P180 # ذكر الذكر، ولفظ ابن عباس رضي الله عنهما: كنت في حلقة في المسجد نتذاكر ~~فضائل الأنبياء - فذكره حتى قال: فقال رسول الله صلى الله عليه ms2845 وسلم: «ما ~~ينبغي أن يكون أحد خيرا من يحيى بن زكريا، قلنا: يا رسول الله! وكيف ذاك؟ ~~قال: ألم تسمعوا الله كيف نعته في القرآن؟ {يا يحيى خذ الكتاب} - إلى قوله: ~~{حيا} ، مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين لم يعمل سيئة ~~ولم يهم بهم» ورواه أيضا البزار وفيه على بن زيد بن جدعان ضعفه الجمهور - ~~وقد وثق، وبقية رجاله ثقات. وأشار سبحانه بالتنقل في هذه الأطوار إلى موضع ~~الرد على من ادعى لله ولدا من حيث إن ذلك قاض على الولد نفسه وعلى أبيه ~~بالحاجة، وذلك مانع لكل من الولد والوالد من الصلاحية لمرتبة الإلهية ~~المنزهة عن الحاجة، وقد مضى في آل عمران ما تجب مراجعته. # PageV12P181 # ولما كان حاصل القصة أنه ولد أخرجه الله تعالى عن سبب هو في ضعفه قريب من ~~العدم، أما من جهته فبلوغه إلى حد من السن وحال في المزاج لا يقبل حركة ~~الجماع عادة، أما من جهة زوجته فلزيادتها مع يأسها ببلوغها إلى نحو ذلك ~~السن بكونها عاقرا لم تقبل حبلا قط، # PageV12P181 # أتبعه بقصة هي أغرب من قصته بكونها ليس فيها إلا سبب واحد وهو المرأة، ~~وعدم فيها سبب الذكورية أصلا، إشارة إلى أنه تعالى يخلق ما يشاء تارة بسبب ~~قوي، وتارة بسبب ضعيف، وتارة بلا سبب، ومن كان كذلك كان مستغنيا عن الولد؛ ~~ولما كان على اليهود الآمرين بالسؤال تعنتا عن قصتي أصحاب الكهف وذي ~~القرنين أن ينصحوا العرب بالإعلام بأن دينهم باطل لشركهم، فلم يفعلوا ~~فكانوا جديرين بالتبكيت، وكانت قصة زكريا أعظم في تبكيتهم بمباشرتهم لقتله ~~وقتل ولده يحيى عليهما السلام، قدمها في الذكر، وتوطئة لأمر عيسى عليه ~~السلام كما مضى بيانه في آل عمران إلزاما لهم بالاعتراف به، وللنصارى ~~بالاعتراف بأنه عبد، كما اعترف كل منهما بأمر يحيى عليه السلام، وذلك بما ~~جمع بينهما من خرق العادة، وكانت قصة يحيى أولى من قصة إسحاق عليهما السلام ~~لما تقدم، ولمشاهدة الذين اختلفوا في عيسى عليه السلام من الفريقين لأمره ~~وأمر ms2846 يحيى عليهم الصلاة والسلام لما لهما من الاتحاد في الزمن مع ما لهما ~~من قرب النسب، ولما كانت قصة عيسى عليه السلام أغرب، أشار إلى ذلك بتغيير ~~السياق فقال عاطفا على ما تقديره: اذكر هذا لهم: {واذكر} - بلفظ الأمر {في ~~الكتاب مريم} ابنة عمران خالة يحيى - كما في الصحيح # PageV12P182 # من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة الأنصاري رضي الله عنهما في حديث ~~الإسراء: «فلما خلصت فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة» ثم أبدل من {مريم} ~~بدل اشتمال قوله: {إذ} أي اذكر ما اتفق لها حين {انتبذت} أي كلفت نفسها أن ~~اعتزلت وانفردت {من أهلها} حالة {مكانا شرقيا *} عن مكانهم، فكان انفرادها ~~في جهة مطالع الأنوار إشارة إلى ما يأتيها من الروح الإلهي {فاتخذت} أي ~~أخذت بقصد وتكلف، ودل على قرب المكان بالإتيان بالجار فقال: {من دونهم} أي ~~أدنى مكان في مكانهم لانفرادها للاغتسال أو غيره {حجابا} يسترها {فأرسلنا} ~~لأمر يدل على عظمتنا {إليها روحنا} جبرائيل عليه السلام ليعلمها بما يريد ~~الله بها من الكرامة بولادة عيسى عليه السلام من غير أب، لئلا يشتبه عليها ~~الأمر، ويتشعب بها الفكر، فتقتل نفسها غما {فتمثل لها} أي تشبح وهو روحاني ~~بصورة الجسماني {بشرا سويا *} في خلقه حسن الشكل لئلا تشتد نفرتها وروعها ~~منه؛ ثم أخرج القصة مخرج الاستئناف فقال دالا على حزمها وخلوص تعبدها لله ~~والتجائها إليه وشهودها له بحيث لا تركن إلى سواه: {قالت} . # PageV12P183 # ولما كان على أنهى ما يكون من الجمال والخلال الصالحة والكمال، فكان بحيث ~~يستبعد غاية الاستبعاد أن يتعوذ منه أكدت فقالت: {إني أعوذ بالرحمن} ربي ~~الذي رحمته عامة لجميع عباده في الدنيا والآخرة، وله بنا خصوصية في إسباغ ~~الرحمة وإتمام النعمة {منك} ولما تفرست فيه - بما أنار الله من بصيرتها ~~وأصفى من سريرتها - التقوى، ألهبته وهيجته للعمل بمضمون هذه الاستعاذة ~~بقولها: {إن كنت تقيا * قال} جبرئيل عليه السلام مجيبا لها بما معناه: إني ~~لست ممن تخشين أن يكون متهما، مؤكدا لأجل استعاذتها، {إنما أنا رسول ربك} ms2847 ~~أي الذي عذت به أي فأنا لست متهما، متصف بما ذكرت وزيادة الرسلية، وعبر ~~باسم الرب المقتضي للإحسان لطفا بها، ولأن هذه السورة مصدرة بالرحمة، ومن ~~أعظم مقاصدها تعداد النعم على خلص عباده {لأهب} بأمره أو ليهب هو على ~~القراءة الأخرى {لك} وقدم المتعلق تشويقا إلى المفعول ليكون أوقع في النفس؛ ~~ثم بينه معبرا بما هو أكثر خيرا وأقعد في باب البشرى وأنسب لمقصود السورة ~~مع أنه لا ينافي ما ذكر في آل عمران بقوله: # PageV12P184 # {غلاما} أي ولدا ذكرا في غاية القوة والرجولية {زكيا *} طاهرا من كل ما ~~يدنس البشر: ناميا على الخير والبركة {قالت} مريم: {أنى} أي من أين وكيف ~~{يكون لي غلام} ألده {ولم يمسسني بشر} بنكاح أصلا حلال ولا غيره بشبهة ولا ~~غيرها. # ولما هالها هذا الأمر، أداها الحال إلى غاية الإسراع في إلقاء ما تريد من ~~المعاني لها لعلها تستريح مما تصورته، فضاق عليها المقام، فأوجزت حتى بحذف ~~النون من «كان» ولتفهم أن هذا المعنى منفي كونه على أبلغ وجوهه فقالت {ولم ~~أك} . ولما كان المولود سر من يلده، وكان التعبير عنه بما هو من مادة ~~الغلمة دالا على غاية الكمال في الرجولية المقتضي لغاية القوة في أمر ~~النكاح نفت أن يكون فيها شيء من ذلك فقالت: {بغيا *} أي ليكون دأبي الفجور، ~~ولم يأت «بغية» لغلبة إيقاعه على النساء، فكان مثل حائض وعاقر في عدم ~~الإلباس ولأن بغية، لا يقال إلا للمتلبسة به {قال} أي جبريل عليه السلام ~~{كذلك} القول الذي قلت لك يكون. # PageV12P185 # ولما كان لسان الحال قائلا: كيف يكون بغير سبب؟ أجاب بقوله: {قال} ولما ~~بنيت هذه السورة على الرحمة واللطف والإحسان بعباد الرحمن، عبر باسم الرب ~~الذي صدرت به بخلاف سورة التوحيد آل عمران المصدرة بالاسم الأعظم فقال: ~~{ربك هو} أي المذكور وهو أيجاد الولد على هذه الهيئة {علي} أي وحدي لا يقدر ~~عليه أحد غيري {هين} أي خصصناك به ليكون شرفا به لك. # ولما كان ذلك أعظم الخوارق، نبه عليه بالنون في ms2848 قوله، عطفا على ما قدرته ~~مما أفهمه السياق: {ولنجعله} بما لنا من العظمة {ءاية للناس} أي علامة على ~~كمال قدرتنا على البعث أدل من الآية في يحيى عليه السلام، وبه تمام القسمة ~~الرباعية في خلق البشر، فإنهه أوجده من أنثى بلا ذكر، وحواء من ذكر بلا ~~أنثى وآدم عليه السلام لا من ذكر ولا أنثى، وبقية أولاده من ذكر وأنثى معا ~~{ورحمة منا} لمن آمن به في أول زمانه، ولأكثر الخلق بالإيمان والإنجاء من ~~المحن في آخر زمانه، لا كآية صالح عليه السلام لأنها كانت آية استئصال لأهل ~~الضلال {وكان} ذلك كله {أمرا مقضيا *} أي محكوما به مبتوتا هو في غاية ~~السهولة لا مانع منه أصلا، ونبه # PageV12P186 # على سرعة تسبيب الحمل عن هذا القول وإن كان التقدير بما أرشد إليه في غير ~~هذه السورة: فنفخ في درعها فوصل النفخ إلى جوفها {فحملته} وعقب بالحمل ~~قوله: {فانتبذت به} أي فاعتزلت - وهو في بطنها - حالة {مكانا قصيا *} أي ~~بعيدا من أهلها أو من المكان الشرقي، وأشار إلى قرب الولادة من الحمل بفاء ~~التعقيب في قوله: {فأجاءها} أي فأتى بها وألجأها {المخاض} وهو تحرك الولد ~~في بطنها للولادة {إلى جذع النخلة} وهو ما برز منها من الأرض ولم يبلغ ~~الأغصان، وكان تعريفها لأنه لم يكن في تلك البلاد الباردة غيرها، فكانت ~~كالعلم لما فيها من العجب، لأن النخل من أقل الأشجار صبرا على البرد، ~~ولعلها ألجئت إليها دون غيرها من الأشجار على كثرتها لمناسبة حال النخلة ~~لها، لأنها لا تحمل إلا بإلقاح من ذكور النخل، فحملها بمجرد هزها أنسب شيء ~~لإتيانها بولد من غير والد، فكيف إذا كان ذلك في غير وقته! فكيف إذا كانت ~~يابسة! مع ما لها فيها من المنافع بالاستناد إليها والاعتماد عليها، وكون ~~رطبها خرسة للنفساء وغاية في نفعها وغير ذلك. # PageV12P187 # ولما كان ذلك أمرا صعبا عليها جدا، كان كأنه قيل: يا ليت شعري! ما كان ~~حالها؟ فقيل: {قالت} لما حصل عندها من خوف العار: {ياليتني مت} ولما كانت ms2849 ~~كذلك أشارت إلى استغراق الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت من غير جار: ~~{قبل هذا} أي الأمر العظيم {وكنت نسيا} أي شيئا من شأنه أن ينسى {منسيا *} ~~أي متروكا بالفعل لا يخطر على بال، فولدته {فناداها من تحتها} وهو عيسى ~~عليه السلام {ألا تحزني} قال الرازي في اللوامع: والأصح أن مدة حملها له ~~وولادته ساعة لأنه كان مبدعا، ولم يكن من نطفة تدور في أدوار الخلقة - ~~انتهى. ونقله ابن كثير وقال: غريب عن ابن عباس رضي الله عنهما، ويؤيده أنه ~~لم ينقل في كتابنا ولا عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنهم أنكروا عليها زمن ~~الحمل، ولو علموا به لأنكروه ولو أنكروه لنقل كما نقل إنكار الولادة. # ولما أنكروا الولادة فكأنها قالت: لم لا أحزن؟ وتوقعت ما يعلل به؟ قال: ~~{قد جعل ربك} أي المحسن إليك {تحتك} في هذه الأرض التي لا ماء جاريا بها ~~{سريا *} جدولا من # PageV12P188 # الماء جليلا آية لك تطيب نفسك {وهزي إليك} أي أوقعي الهز وهو جذب بتحريك. # ولما كان المقصود التهويل لصرف فكرها عما دهمها من الهم جعله قاصرا ~~فكأنها قالت: ما أهز؟ إذ لم يكن في الجذع ما يتوقع نفعه بهزه، فقال مصرحا ~~بالمهزوز: {بجذع النخلة} التي أنت تحتها مع يبسها وكون الوقت ليس وقت حملها ~~فكأنها قالت: ولم ذاك؛ فقال: {تساقط عليك} من أعلاها {رطبا جنيا *} طريا ~~آية أخرى عظيمة تطيب النفس وتذهب بالحزن، وتدل على البراءة، والتعبير بصيغة ~~التفاعل في قراءة الجماعة وحمزة للدلالة على أن التمر يسقط منها، ومن حقه ~~أن يكون منتفيا لأنها غير متأهلة لذلك، فهو ظاهر في أنه على وجه خارق ~~للعادة، وقراءة الجماعة بالإدغام تشير مع ذلك إلى أنه مع شدته يكاد أن يخفي ~~كونه منها ليبسها وعدم إقنائها، وقراءة حمزة بالفتح والتخفيف تشير إلى ~~سهولة تساقطه وكثرته، وقراءة حفص عن عاصم بالضم وكسر القاف من فاعل، # PageV12P189 # تدل على الكثرة وأنه ظاهر في كونه من فعلها. # PageV12P190 # ولما كان من المعلوم أنها هزت فتساقط الرطب، سبب عنه قوله: ms2850 {فكلي} أي ~~فتسبب عن الإنعام عليك بالماء والرطب أن يقال لك تمكينا من كل منهما كلي من ~~الرطب {واشربي} من ماء السرى {وقري} أي استقري {عينا} بالنوم، فإن المهموم ~~لا ينام، والعين لا تستقر ما دامت يقظى، وعن الأصمعي أن المعنى: ولتبرد ~~دمعتك، لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة، واشتقاق «قري» من القرور، ~~وهو الماء البارد - انتهى. # وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: وحكى الفراء أن قريشا ومن ~~حولهم يقولون: قررت به عينا - أي بكسر العين - أقر، وأن أسدا وقيسا وتميما ~~يقولون: قررت به عينا - أي بالفتح - أقر، قال - يعني الفراء: فمن قال: قررت ~~- أي بالكسر - قرا، وقرى عينا - أي بالفتح، وهي القراءة المعروفة، ومن قال: ~~قررت، - أي بالفتح قرا وقري عينا - بكسر القاف أي وهي الشاذة، قال - أي ~~القزاز: هي لغة كل من لقيت من أهل نجد، والمصدر قرة وقرور. # PageV12P190 # وسيأتي في القصص ما ينفع هنا، وهو على كل حال كناية عن طيب النفس وتأهلها ~~لأن تنام بالكفاية في الدنيا بطعام البدن وغذاء الروح بكونه آية باهرة، ~~والآخرة بالكرامة وذلك على أنفع الوجوه، قيل: ما للنفساء خير من الرطب ولا ~~للمريض خير من العسل؛ ثم سبب عن ذلك قوله مؤكدا إيذانا بأن أكثر رؤيتها في ~~تلك الأوقات الملائكة عليهم السلام {فإما ترين} أي يا مريم {من البشر أحدا} ~~لا تشكين أنه من البشر ينكر عليك {فقولي} لذلك المنكر جوابا له مع التأكيد ~~تنبيها على البراءة لأن البريء يكون ساكنا لاطمئنانه والمرتاب يكثر كلامه ~~وحلفه: {إني نذرت للرحمن} أي الذي عمت رحمته فأدخلني فيها على ضعفي وخصني ~~بما رأيت من الخوارق {صوما} أي صمتا ينجي من كل وصمة وإمساكا عن الكلام ~~{فلن} أي فتسبب عن النذر أني لن {أكلم اليوم إنسيا *} فإن كلامي يقبل الرد ~~والمجادلة ولكن يتكلم عني المولود الذي كلامه لا يقبل الدفع، وأما أنا ~~فأنزه نفسي عن مجادلة السفهاء فلا أكلم إلا الملائكة أو الخالق بالتسبيح ~~والتقديس وسائر أنواع الذكر، قالوا: ومن أذل الناس ms2851 سفيها لم يجد مسافها، ~~ومن # PageV12P191 # الدلالة عليه بالصمت عن كلام الناس مع ما تقدم الإشارة إلى أنه ردع مجرد ~~{فأتت} أي فلما سمعت هذا الكلام اشتد قلبها، وزال حزنها، وأتت {به} أي ~~بعيسى {قومها} وإن كان فيهم قوة المحاولة لكل ما يريدونه إتيان البريء ~~الموقن بأن الله معه {تحمله} غير مبالية بأحد ولا مستخفية فكأنه قيل: فما ~~قالوا لها؟ فقيل: {قالوا يا مريم} ما هذا؟ مؤكدين لأن حالها في إتيانها ~~يقتضي إنكار كلامهم {لقد جئت} بما نراه {شيئا فريا *} قطيعا منكرا {ياأخت ~~هارون} في زهده وورعه وعفته وهو صالح كان في زمانها أو أخو موسى عليه ~~السلام {ما كان أبوك} أي عمران ساعة من الدهر {امرأ سوء} لنقول: نزعك عرق ~~منه {وما كانت أمك} في وقت من الأوقات {بغيا *} أي ذات بغي أي عمد لتتأسى ~~بها {فأشارت} امتثالا لما أمرت به {إليه} أي عيسى ليكلموه فيجيب عنها ~~{قالوا كيف نكلم} يا مريم {من كان في المهد} أي قبيل إشارتك {صبيا *} لم ~~يبلغ سن هذا الكلام، الذي لا يقوله إلا الأكابر العقلاء بل الأنبياء ~~والتعبير ب «كان» يدل على أنه حين الإشارة إليه لم يحوجهم إلى أن يكلموه، ~~بل حين سمع المحاورة وتمت الإشارة بدا منه قوله # PageV12P192 # خارق لعادة الرضعاء والصبيان، ويمكن أن تكون تامة مشيرة إلى تمكنه في حال ~~ما دون سن الكلام، ونصب {صبيا} على الحال، فلما كانت هذه العبارة مؤذنة ~~بذلك استأنف قوله: {قال} أي واصفا نفسه بما ينافي أوصاف الأخابث، مؤكدا ~~لإنكارهم أمره فقال: {إني عبد الله} أي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال ~~لا أتعبد لغيره، إشارة إلى الاعتقاد الصحيح فيه، وأنه لا يستعبده شيطان ولا ~~هوى {ءاتاني الكتاب} أي التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف على صغر ~~سني {وجعلني} أي في علمه {نبيا *} ينبىء بما يريد في الوقت الذي يريد، وقيل ~~في ذلك: فانبئكم به {وجعلني مباركا} بأنواع البركات {أين ما} في أي مكان ~~{كنت} فيه. # ولما سبق علمه سبحانه أنه يدعي في عيسى الإلهية ms2852 أمره أن يقول: {وأوصاني ~~بالصلاة} له طهرة للنفس {والزكاة} طهرة للمال فعلا في نفسي وأمرا لغيري {ما ~~دمت حيا} ليكون ذلك حجة على من أطراه لأنه لا شبهة في أن من يصلي لإله ليس ~~بإله {وبرا} أي وجعلني برا، أي واسع الخلق طاهره. # PageV12P193 # ولما كان السياق لبراءتها فبين الحق في وصفه، صرح ببراءتها فقال: ~~{بوالدتي} أي التي أكرمها الله بإحصان الفرج والحمل بي من غير ذكر، فلا ~~والد لي غيرها {ولم يجعلني جبارا شقيا *} بأن أفعل فعل الجبارين بغير ~~استحقاق، إنما أفعل ذلك بمن يستحق، وفيه إيماء إلى أن التجبر المذموم فعل ~~أولاد الزنا، وذلك أنه يستشعر ما عنده من النقص فيريد أن يجبره بتجبره، ثم ~~أخبر بما له من الله من الكرامة الدائمة مشيرا إلى أنه لا يضره عدو، وإلى ~~أنه عبد لا يصلح أن يكون إلها وإلى البعث فقال: {والسلام} أي جنسه {علي} ~~فلا يقدر أحد على ضرري {يوم ولدت} فلم يضرني الشيطان ومن يولد لا يكون إلها ~~{ويوم أموت} كذلك أموت كامل البدن والدين، لا يقدر أحد على انتقاصهما مني ~~كائنا من كان {ويوم أبعث حيا *} يوم القيامة كما تقدم في يحيى عليه السلام، ~~إشارة إلى أنه في البشرية مثله سواء لم يفارقه أصلا إلا في كونه من غير ~~ذكر، وإذا كان جنس السلام عليه كان اللعن على أعدائه، فهو بشارة لمن صدقة ~~فإنه منه، ونذارة لمن كذبه، ولم يكن لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~مثل هذه الخارقة لئلا يلتبس حاله بالكهان، لأن قومه لا عهد لهم بالخوارق ~~إلا عندهم، # PageV12P194 # وإذا تقرر ذلك في نفوسهم من الصغر صعب زواله، ولم يكن هناك ما ينفيه حال ~~الصغر، فعوض عن ذلك إنطاق الرضعاء كمبارك اليمامة وغيره، وإنطاق الحيوانات ~~العجم، بل والجمادات كالحجارة وذراع الشاة المسمومة والجذع اليابس وغيرها. # PageV12P195 # ولما كان في ذلك من أقوال عيسى وأحواله - المنادية بالحاجة للتنقل في ~~أطوار غيره من البشر والكرامة من الله - أعظم البيان عن بعده عما ادعى فيه ~~النصارى من الإلهية ms2853 واليهود من أنه لغير رشده، نبه على ذلك مشيرا إليه ~~بأداة البعد فقال مبتدئا: {ذلك} أي الولد العظيم الشأن، العلي الرتبة، الذي ~~هذه أحواله وأقواله البعيدة عن صفة الإله وصفة من ارتاب في أمره؛ ثم بين ~~اسم الإشارة أو أخبر فقال: {عيسى ابن مريم} أي وحدها ليس لغيرها فيه بنوة ~~أصلا، وهي من أولاد آدم، فهو كذلك؛ ثم عظم هذا البيان تعظيما آخر فقال: ~~{قول} أي هو - أي نسبته إلى مريم فقط - قول {الحق} أي الذي يطابقه الواقع، ~~أو يكون القول عيسى نفسه كما أطلق عليه في غير هذا الموضع «كلمة» من تسمية ~~المسبب باسم السبب وهو على هذه # PageV12P195 # القراءة خبر بعد خبر أو بدل أو خبر مبتدأ محذوف، وعلى قراءة عاصم وابن ~~عامر بالنصب، هو اغراء، أي الزموا ذلك وهو نسبته إلى مريم عليهما السلام ~~وحدها ثم عجب من ضلالهم فيه بقوله: {الذي فيه يمترون *} أي يشكون شكا ~~يتكلفونه ويجادلونه به مع أن أمره في غاية الوضوح، ليس موضعا للشك أصلا؛ ثم ~~دل على كونه حقا في كونه ابن مريم لا غيرها بقوله ردا على من ضل: {ما كان} ~~أي ما صح ولا تأتي ولا تصور في العقول ولا يصح ولا يتأتى لأنه من المحال ~~لكونه يلزم منه الحاجة {لله} الغني عن كل شيء {إن يتخذ} ولما كان المقام ~~يقتضي النفي العام، أكده ب «من» فقال: {من ولد} . # ولما كان اتخاذ الولد من النقائص، أشار إلى ذلك بالتنزيه العام بقوله: ~~{سبحانه} أي تنزه عن كل نقص من احتياج إلى ولد أو غيره ثم علل ذلك بقوله: ~~{إذا قضى أمرا} أي أمر كان {فإنما يقول له كن} أي يريده ويعلق قدرته به ~~{فيكون *} من غير حاجة إلى شيء أصلا، # PageV12P196 # فكيف ينسب إلى الاحتياج إلى الإحبال والإيلاد والتربية شيئا فشيئا كما ~~أشار إليه الاتخاذ. # ولما كان لسان الحال ناطقا عن عيسى عليه الصلاة والسلام بأن يقول: وقد ~~قضاني الله فكنت كما أراد، فأنا عبد الله ورسوله فاعتقدوا ذلك ولا تعتقدوا ~~سواه ms2854 من الأباطيل، عطف عليه في قراءة الحرميين وأبي عمرو قوله: {وإن الله} ~~أي الذي له الأمر كله {ربي وربكم} أي أحسن إلى كل منا بالخلق والرزق، لا ~~فرق بيننا في أصل ذلك {فاعبدوه} وحده لتفرده بالإحسان كما أعبده، وقراءة ~~الباقين بالكسر على أنه مقول عيسى عليه السلام الماضي، ويكون اعتراض ما ~~تقدم من كلام الله بينهما للتأكيد والاهتمام. # ولما كان اشتراك الخلائق في عبادة الخالق بعمل القلب والجوارح علما وعملا ~~أعدل الأشياء، أشار إلى ذلك بقوله: {هذا} أي الذي أمرتكم به {صراط مستقيم ~~*} لأنا بذلنا الحق لأهله بالاعتقاد الحق # PageV12P197 # والعمل الصالح، ولم يتفضل أحد منا فيه على صاحبه. # ولما كان المنهج القويم بحيث يكون سببا للاجتماع عند كل صحيح المزاج، عجب ~~منهم في استثمار غير ذلك منه فقال: {فاختلف} أي فتسبب عن هذا السبب ~~للاجتماع أنه اختلف {الأحزاب} الكثيرون. ولما كان الاختلاف لم يعم جميع ~~المسائل التي في شرعهم قال: {من بينهم} أي بني إسرائيل المخاطبين بذلك خاصة ~~لم تكن فيهم فرقة من غيرهم في هذه المقالة القويمة التي لا تنبغي لمن له ~~أدنى مسكة أن يتوقف في قبولها، فمنهم من أعلم أنها الحق فاتبعها ولم يحد عن ~~صوابها، ومنهم من أبعد في الضلال عنها بشبه لا شيء أو هي منها؛ روي عن ~~قتادة أنه اجتمع من أحبار بني إسرائيل أربعة: يعقوب ونسطور وملكا وإسرائيل، ~~فقال يعقوب: عيسى هو الله نزل إلى الأرض فكذبه الثلاثة واتبعه اليعقوبية، ~~وقال نسطور: عيسى ابن الله فكذبه الاثنان واتبعه النسطورية، وقال ملكا: ~~عيسى أحد # PageV12P198 # ثلاثة: الله إله، ومريم إله، وعيسى إله، فكذبه الرابع واتبعه طائفة، وقال ~~إسرائيل: عيسى عبد الله كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فاتبعه فريق من ~~بني إسرائيل، ثم اقتتل الأربعة فغلب المؤمنون وقتلوا وظهرت اليعقوبية على ~~الجميع - ذكر معناه أبو حيان وابن كثير ورواه عن عبد الرزاق عن معمر عن ~~قتادة {فويل} أي فتسبب عن اختلافهم أنا نقول: ويل {للذين كفروا} منهم ومن ~~غيرهم {من مشهد يوم عظيم *} في جمعه ms2855 لجميع الخلائق، وما فيه من الأهوال ~~والقوارع. # PageV12P199 # ولما كان ذلك المشهد عظيم الجمع، شديد الزحام مستوي الأرض، بعيد الأرجاء، ~~كان حاله مقتضيا لئلا يطلعوا على غير ما يليهم من أهواله، فقال في جواب من ~~يقول: وما عسى أن يسمعوا أو يبصروا فيه، معلما بأن حالهم في شدة السمع ~~والبصر جديرة بأن يعجب منها: {أسمع بهم وأبصر} أي ما أشد سمعهم وما أنفذ ~~بصرهم! {يوم يأتوننا} سامعين لكل أهواله، مبصرين لسائر أحواله، فيطلعون ~~بذلك على جميع ما أدى عمله في الدنيا إلى ضرهم في ذلك اليوم، وجميع ما كان ~~ينفعهم لو عملوه، فيندمون حيث لا ينفعهم الندم، ويتمنون المحال من الرجوع ~~إلى الدنيا ونحوه ليتداركوا فلا يجابون إلى ذلك، بل يسلك بهم في كل # PageV12P199 # ما يؤذيهم ويهلكهم ويرديهم، فيكونون بسلوك ذلك - وهم يعلمون ضرره عميا ~~وبكما وصما، لأنهم لا ينتفعون بمداركهم كما كانوا في الدنيا كذلك، لكنهم - ~~هكذا كان الأصل، وإنما أظهر فقال: {لكن الظالمون} تنبيها على الوصف الذي ~~أحلهم ذلك المحل {اليوم في ضلال مبين *} لا يسمعون ولا يبصرون. # ولما كان هذا الذي تقدم إنذارا بذلك المشهد، كان التقدير: أنذر قومك ذلك ~~المشهد وما يسمعونه فيه ويبصرونه {وأنذرهم يوم الحسرة} نفسه في ذلك المشهد ~~العظيم، يوم تزل القدم، ولا ينفع الندم، للمسيء على إساءته، وللمحسن على ~~عدم ازدياده من الإحسان. # ولما كان {يوم} مفعولا، لا ظرفا، أبدل منه، أو علل الإنذار فقال: {إذ} أي ~~حين، أو لأنه، وعبر عن المستقبل بالماضي، إيذانا بأنه أمر حتم لا بد منه ~~فقال: {قضي الأمر} أي أمره وفرغ منه بأيسر شأن وأهون أمر، وقطعنا أنه لا بد ~~من كونه {وهم} حال من {أنذرهم} أي والحال أنهم الآن {في غفلة} عما قضينا أن ~~يكون في ذلك الوقت من أمره، لا شعور لهم بشيء منه، # PageV12P200 # بل يظنون أن الدهر هكذا حياة وموت بلا آخر {وهم لا يؤمنون *} بأنه لا بد ~~من كونه؛ وفي الصحيح ما يدل على أن يوم الحسرة حين يذبح الموت فقد روى مسلم ms2856 ~~عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجاء ~~بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا، ~~فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم! هذا الموت، ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون ~~هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم! هذا الموت، فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: ~~يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، ثم قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفي وراية: فذلك قوله {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي ~~الأمر} » «الآية. # وأما الغفلة ففي الدنيا، روى ابن حبان في صحيحه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {إذ قضي الأمر وهم في غفلة} قال في الدنيا. قال المنذري: وهو في مسلم ~~بمعناه في آخر حديث. # ولما كان الإرث هو حوز الشيء بعد موت أهله، وكان سبحانه # PageV12P201 # قد قضى بموت الخلائق أجمعين، وأنه يبقى وحده، عبر عن ذلك بالإرث مقررا به ~~مضمون الكلام السابق، فقال مؤكدا تكذيبا لقولهم: إن الدهر لا يزال هكذا، ~~حياة لقوم وموت لآخرين {إنا نحن} بعظمتنا التي اقتضت ذلك ولا بد، وأفاد ~~الأصبهاني أن تأكيد اسم {إن} أفاد أن الإسناد إليه سبحانه لا إلى أحد من ~~جنده {نرث الأرض} فلا ندع بها عامرا من عاقل ولا غيره. ولما كان العاقل ~~أقوى من غيره، صرح به بعد دخوله فقال: {ومن عليها} أي من العقلاء، بأن ~~نسلبهم جميع ما في أيديهم {وإلينا} لا إلى غيرنا من الدنيا وجبابرتها إلى ~~غير ذلك {يرجعون *} معنى في الدنيا وحسا بعد الموت. # ولما ذم الضالين في أمر المسيح، وعلق تهديدهم بوصف دخل فيه مشركو العرب، ~~فأنذرهم بصريح تكذيبهم بالبعث، وغيرهم بأنهم لسوء أعمالهم كالمكذبين به، ~~وختم ذلك بأنه الوارث وأن الرجوع إليه، ودخل في ذلك الإرث بغلبة أنبيائه ~~وأتباعهم على أكثر أهل # PageV12P202 # الأرض برجوع أهل الأديان الباطلة إليهم حتى يعم ذلك جميع أهل الأرض في ~~زمن عيسى عليه الصلاة والسلام، وكان إبراهيم عليه السلام لكثرة أولاده من ~~العرب والروم وأهل الكتابين وراثا ms2857 لأكثر الأرض، وكان مثل زكريا في هبة ~~الولد على كبر سنه وعقم زوجه، أتبع ذلك قوله: {واذكر} أي يا محمد! {في ~~الكتاب} أي الذي أنزل عليك وتبلغه للناس وتعلمهم أن هذه القصة من القرآن ~~{إبراهيم} أعظم آبائكم الذي نهى أباه عن الشرك يا من يكفرون تقليدا للآباء! ~~ثم علل تشريفه بذكره له على سبيل التأكيد المعنوي بالاعتراض بين البدل ~~والمبدل منه، واللفظي ب «إن» بقوله منبها على أن مخالفتهم له بالشرك ~~والاستقسام بالأزلام ونحو ذلك تكذيب بأوصافه الحسنة: {إنه كان} أي جبلة ~~وطبعا {صديقا} أي بليغ الصدق في نفسه في أقواله وأفعاله، والتصديق بكل ما ~~يأتيه مما هو أهل لأن يصدق لأنه مجبول على ذلك ولا يكون كذلك إلا وهو عامل ~~به حق العمل فهو أبلغ من المخلص # PageV12P203 # {نبيا *} أي يخبره الله بالأخبار العظيمة جدا التي يرتفع بها في الدارين ~~وهو أعظم الأنبياء بعد محمد - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام كما رواه ~~الحافظ أبو البزار بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه وأكده وكذا أكد فيما ~~بعده من الأنبياء عليهم السلام وإن كانوا مقرين بنبواتهم تنزيلا لهم منزلة ~~المنكر، لجريهم في إنكارهم نبوة البشر على غير مقتضى عليهم. # PageV12P204 # ولما تكفل ما تقدم من هذه السورة بنفي الشريك بقيد كونه ولدا، أتبع ذلك ~~من قصته ما ينفي الشريك ليقتدي به أولاده في ذلك إذ كانوا يقلدون الآباء ~~وليس في آبائهم مثله، فقال مبدلا من {إبراهيم} {إذ قال} أي اذكر وقت قوله ~~{لأبيه} هاديا له من تيه الضلال بعبادة الأصنام مستعطفا له في كل جملة ~~بقوله: {يا أبت} . # ولما كان العاقل لا يفعل فعلا إلا لثمره، نبهه على عقم فعله بقوله: {لم ~~تعبد} مريدا بالاستفهام المجاملة، واللطف والرفق واللين والأدب الجميل في ~~نصحه له كاشفا الأمر غاية الكشف بقوله: {ما لا يسمع ولا يبصر} أي ليس عنده ~~قابلية لشيء من هذين الوصفين ليرى ما أنت فيه من خدمته أو يجيبك إذا ناديته ~~حالا أو مآلا. ولما كان الأعمى الأصم # PageV12P204 # قد ينفع بكلام ms2858 أو غيره، قال: {ولا يغني عنك شيئا *} من الإغناء. # ولما نبهه على أن ما يعبده لا يستحق العبادة، بل لا تجوز عبادته، لنقصه ~~مطلقا ثم نقصه عن عابده، ولن يكون المعبود دون العابد أصلا، وكان أقل ما ~~يصل إليه بذلك مقام الحيرة، نبهه على أنه أهل للهداية، فقال مكررا لوصفه ~~المذكور بالعطف والود: {ياأبت} وأكد علما منه أنه ينكر أن يكون ابنه أعرف ~~منه بشيء فقال: {إني قد جاءني} من المعبود الحق {من العلم ما لم يأتك} منه ~~{فاتبعني} أي فتسبب عن ذلك أني أقول لك وجوبا على النهي عن المنكر ونصيحة ~~لما لك علي من الحق: اجتهد في تبعي {أهدك صراطا سويا *} لا عوج فيه، كما ~~أني لو كنت معك في طريق محسوس وأخبرتك أن أمامنا مهالك لا ينجو منها أحد، ~~وأمرتك أن تسلك مكانا غير ذلك، لأطعتني، لو عصيتني فيه عدك كل أحد غاويا. # ولما بين أنه لا نفع فيما يعبده، ونبهه على الوصف المقتضي لوجوب الاقتداء ~~به، بين له ما في عبادة معبوده من الضر فقال: {يا أبت لا تعبد الشيطان} فإن ~~الأصنام ليس لها دعوة أصلا، والله تعالى قد حرم عبادة غيره مطلقا على لسان ~~كل # PageV12P205 # ولي له، فتعين أن يكون الآمر بذلك الشيطان، فكان هو المعبود بعبادتها في ~~الحقيقة؛ ثم علل هذا النهي فقال: {إن الشيطان} البعيد من كل خير المحترق ~~باللعنة، وذكر الوصف الموجب للإملاء للعاصي فقال: {كان للرحمن} المنعم ~~بجميع النعم القادر على سلبها، ولم يقل: للجبار - لئلا يتوهم أنه ما أملى ~~لعاصيه مع جبروته إلا للعجز عنه {عصيا *} بالقوة من حين خلق، وبالفعل من ~~حين أمره بالسجود لأبيك آدم فأبى فهو عدو لله وله، والمطيع للعاصي لشيء عاص ~~لذلك الشيء، لأن صديق العدو عدو. # فلما بين له أنه بذلك عاص للمنعم، خوفه من إزالته لنعمته فقال: {يا أبت ~~إني أخاف} لمحبتي لك وغيرتي عليك {أن يمسك عذاب} أي عذاب كائن {من الرحمن} ~~أي الذي هو ولي كل من يتولاه لعصيانك إياه {فتكون} ms2859 أي فتسبب عن ذلك أن تكون ~~{للشيطان} وحده وهو عدوك المعروف العداوة {وليا *} فلا يكون لك نصرة أصلا، ~~مع ما يوصف به من السخافة باتباع العدو الدني، واجتناب الولي العلي. # فلما وصل إلى هذا الحد من البيان، كان كأنه قيل: ماذا كان جوابه؟ فقيل: ~~{قال} مقابلا لذلك الأدب العظيم والحكمة البالغة # PageV12P206 # الناشئة عن لطافة العلم بغاية الفظاظة الباعث كثافة الجهل، منكرا عليه في ~~جميع ما قال بإنكار ما بعثه عليه من تحقير آلهته: {أراغب} قدم الخبر لشدة ~~عنايته والتعجيب من تلك الرغبة والإنكار لها، إشارة إلى أنه لا يفعلها أحد؛ ~~ثم صرح له بالمواجهة بالغلظة فقال: {أنت} وقال: {عن ءالهتي} بإضافتها إلى ~~نفسه فقط، إشارة إلى مبالغته في تعظيمها؛ والرغبة عن الشيء: تركه عمدا. ثم ~~ناداه باسمه لا بلفظ النبوة المذكر بالشفقة والعطف زيادة في الإشارة إلى ~~المقاطعة وتوابعها فقال: {يا إبراهيم} ثم استأنف قوله مقسما: {لئن لم تنته} ~~عما أنت عليه {لأرجمنك} أي لأقتلنك، فإن ذلك جزاء المخالفة في الدين، ~~فاحذرني ولا تتعرض لذلك مني وانته {واهجرني} أي ابعد عني {مليا} أي زمانا ~~طويلا لأجل ما صدر منك هذا الكلام، وفي ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم وتأسية فيما كان يلقى من الأذى، ويقاسي من قومه من العناء، ~~ومن عمه أبي لهب من الشدائد والبلايا - بأعظم آبائه وأقربهم به شبها {قال} ~~أي إبراهيم عليه السلام مقابلا لما كان من طيش الجهل بما يحق لمثله من ~~رزانة العلم: {سلام عليك} أي أنت سالم مني ما لم أومر فيك بشيء؛ ثم استأنف ~~قوله: {سأستغفر} بوعد لا خلف فيه {لك ربي} # PageV12P207 # أي المحسن إلي بأن أطلب لك منه غفران ذنوبك بأن يوفقك للاسلام الجاب لما ~~قبله، لأن هذا كان قبل أن يعلم أنه عدو لله محتوم بشقاوته بدليل عدم جزمه ~~بعذابه في قوله: {إني أخاف أن يمسك} . # ثم علل إقدامه على ذلك إشارة إلى أنه مقام خطر بما له من الإذلال لما له ~~من مزيد القرب فقال: {إنه ms2860 كان بي} أي في جميع أحوالي {حفيا *} أي مبالغا في ~~إكرامي مرة بعد مرة وكرة إثر كرة، ثم عطف على عدوه بالإحسان وعده بما سأل ~~فيه الهجرة فقال: {وأعتزلكم} أي جميعا بترك بلادكم؛ وأشار إلى أن من شرط ~~المعبود أن يكون أهلا للمناداة في الشدائد بقوله: {وما تدعون} أي تعبدون ~~{من دون الله} الذي له الكمال كله، فمن أقبل عليه وحده أصاب، ومن أقبل على ~~غيره فقد خاب ولم يقيد الاعتزال بزمن، بل أشار إلى أنهم ما داموا على هذا ~~الدين فهو معتزل لهم {وأدعوا} أي أعبد {ربي} وحده لاستحقاقه ذلك مني بتفرده ~~بالإحسان إلي، ثم دعا لنفسه بما نبههم به على خيبة مسعاهم فقال غير جازم ~~بإجابة دعوته وقبول عبادته إجلالا لربه وهضما لنفسه: {عسى ألا أكون} أي ~~كونا ثابتا كأنه احترز بذلك # PageV12P208 # عما لا بد للأولياء منه في الدنيا من البلاء {بدعاء ربي} المتفرد ~~بالإحسان إلي {شقيا *} كما كنتم أنتم أشقياء بعبادة ما عبدتموه، لأنه لا ~~يجيب دعاءكم ولا ينفعكم ولا يضركم. # ولما رأى من أبيه ومعاشريه ما رأى، عزم على نشر شقة النوى مختارا للغربة ~~في البلاد على غربة الأضداد، فكان كما قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمة ~~الله: # وما غربة الإنسان في شقة النوى ... ولكنها والله في عدم الشكل # وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي # وحقق ما عزم عليه؛ ثم بين سبحانه وتعالى تحقيق رجائه وإجابة دعائه فقال: ~~{فلما اعتزلهم} أي بالهجرة إلى الأرض المقدسة {وما يعبدون} أي على ~~الاستمرار {من دون الله} الجامع لجميع معاني العظمة التي لا ينبغي العبادة ~~لغيره {وهبنا} أي على ما لنا من العظمة {له} كما هو الشأن في كل كن ترك ~~شيئا لله {إسحاق} ولدا له لصلبه من زوجته العاقر العقيم بعد تجاوزها سن ~~اليأس وأخذه هو في السن إلى حد لا يولد لمثله {ويعقوب} ولدا لإسحاق وخصهما # PageV12P209 # بالذكر للزومهما محل إقامته وقيامهما بعد موته بخلافته فيه وأما إسماعيل ~~عليه السلام فكان الله سبحانه هو ms2861 المتولي لتربيته بعد نقله رضيعا إلى ~~المسجد الحرام وإيحائه به تلك المشاعر العظام فأخروه بالذكر جاعلا له أصلا ~~برأسه؛ ثم صرح بما وهب لأولاده جزاء على هجرته فقال: {وكلا} أي منهما ~~{جعلنا نبيا *} عالي المقدار، ويخبر بالأخبار كما جعلنا إبراهيم عليه ~~السلام نبيا {ووهبنا لهم} كلهم {من رحمتنا} أي شيئا عظيما جدا، بالبركة في ~~الأموال والأولاد وإجابة الدعاء، واللطف في القضاء وغير ذلك من خيري الدنيا ~~والآخرة {وجعلنا لهم} بما لنا من العظمة {لسان صدق عليا} أي ذكرا صادقا ~~رفيع القدر جدا يحمدون به ويثنى عليهم من جميع أهل الملل على كر الأعصار، ~~ومر الليل والنهار، وعبر باللسان عما يوجد به، وفي ذلك ترغيب في الهجرة ~~ثانيا بعد ما رغب فيها بقصة أهل الكهف أولا، وأشار إليها بقوله في {سبحان} ~~{وقل رب أدخلني مدخل صدق} [الإسراء: 80] الآية. # PageV12P210 # ولما كان موسى أول من نوه الله بأسمائهم، على لسانه في التوراة، وأظهر ~~محامدهم، وشهر مناقبهم، وتوارث ذلك أبناؤهم منه حتى شاع أمرهم وذاع، وملأ ~~الأسماع، وطار في الأقطار، حتى عم البراري والبحار، عقب ذكرهم بذكره فقال: ~~{واذكر في الكتاب} # PageV12P210 # أي الذي لا كتاب مثله في الكمال {موسى} أي الذي أنقذ الله به بني إسرائيل ~~من العبودية والذل ختى تمكنوا من آثار آبائهم، وكان موافقا لأبيه إبراهيم ~~عليهم السلام في أن كلا منهما أراد ملك زمانه الذي ادعى الربوبية قتله خوفا ~~على ملكه منه، فأنجاه الله منه، وأمر موسى أعجب لأنه سبحانه أنجاه من الذبح ~~بالذباح، ثم علل ذكره له بقوله: {إنه كان} أي كونا عريقا فيه {مخلصا} لله ~~تعالى في توحيده وجميع أعماله كما أشارت إليه قراءة الجمهور - من غير كلفة ~~في شيء، في ذلك لأن الله أخلصه له كما في قراءة الكوفيين بالفتح {وكان ~~رسولا} إلى بني إسرائيل والقبط {نبيا *} ينبئه الله بما يريد من وحيه ~~لينبىء به المرسل إليهم، فيرفع بذلك قدره، فصار الإخبار بالنبوة عنه مرتين: ~~إحداهما في ضمن {رسولا} والأخرى صريحا مع إفهام العلو باشتقاقه من النبوة، ~~وبكون ms2862 النبأ لا يطلق عليه غالبا إلا على خبر عظيم، فصار المراد: رسولا ~~عاليا مقداره ويخبر بالأخبار الجليلة، وفيه دفع لما يتوهم من أنه رسول عن ~~بعض رسله كما في أصحاب يس؛ وعطف على ذلك دليله الدال على ما صدرت به السورة ~~من الرحمة، فرحمه بتأنيس وحشته وتأهيل غربته بتلذيذه بالخطاب وإعطائه ~~الكتاب # PageV12P211 # فقال: {وناديناه} أي بما لنا من العظمة {من جانب الطور} أي الجانب ~~{الأيمن} فأنبأناه هنالك - حين كان متوجها إلى مصر - بأنه رسولنا، ثم ~~واعدناه إليه بعد إغراق آل فرعون، فكان لبني إسرائيل به من العجائب في ~~رحمتهم بإنزال الكتاب، والإلذاذ بالخطاب، من جوف السحاب، وفي إماتتهم لما ~~طلبوا الرؤية، ثم إحيائهم وغير ذلك ما يجل عن الوصف على ما هو مذكور في ~~التوراة، وتقدم كثير منه في هذا الكتاب {وقربناه} بما لنا من العظمة تقريب ~~تشريف حال كونه {نجيا *} نخبره من أمرنا بلا واسطة من النجوى وهي السر ~~والكلام بين الاثنين كالسر، والتشاور كما في يوسف ويأتي في المجادلة ~~{ووهبنا له} أي هبة تليق بعظمتنا {من رحمتنا} له لما سألنا {أخاه} أي ~~معاضدة أخيه وبينه بقوله: {هارون} حال كونه {نبيا *} أو هو بدل أي نبوته ~~شددنا به أزره، وقوينا به أمره، وكان يخلفه من قومه عند ذهابه إلى ساحة ~~المناجاة، ومع ذلك فأشركوا بي صورة عجل، فلا تعجب من غرورهم للعرب مع ~~مباشرتهم لهذه العظائم. # ولما كان إسماعيل عليه الصلاة والسلام هو الذي ساعد أباه # PageV12P212 # إبراهيم عليه السلام في بناء البيت الذي كان من الأفعال التي أبقى الله ~~بها ذكره، وشهر أمره وكان موافقا لموسى عليه السلام في ظهور آية الماء الذي ~~به حياة كل شيء وإن كانت آية موسى عليه السلام انقضت بانقضائه، وآيته هو ~~باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي التي كانت سبب حياته وماؤها ~~ببركته أفضل مياه الأرض، وجعل سبحانه آية الماء التي أظهرها له سبب حفظه من ~~الجن والإنس والوحش وسائر المفسدين، إشارة إلى أنه سبحانه يحيي بولده محمد ~~صلى الله ms2863 عليه وسلم الذي غذاه بذلك الماء ورباه عند ذلك البيت إلى أن ~~اصطفاه برسالته، فحسدته اليهود وأمرت بالتعنت عليه - ما لم يحي بغيره، ~~ويجعله قطب الوجود كما خصه - من بين آل إبراهيم عليه السلام - بالبيت الذي ~~هو كذلك قطب الوجود، ويشفي به من داء الجهل، ويغني به من مرير الفقر، كما ~~جعل ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم، وكان صلى الله عليه وسلم آخر من شيد ~~قدرهم، وأعظم من أعلى ذكرهم، عقب ذكره بذلك فقال: {واذكر في الكتاب} أباك ~~الأقرب {إسماعيل} ابن إبراهيم عليهما السلام الذي هم معترفون بنبوته، ~~ومفتخرون برسالته وأبوته، فلزم بذلك فساد تعليلهم إنكار نبوتك بأنك من ~~البشر، ثم علل ذكره والتنويه بقدره بقوله معلما بصعوبة الوفاء بالتأكيد: # PageV12P213 # {إنه كان} جبلة وطبعا {صادق الوعد} في حق الله وغيره لمعونة الله له على ~~ذلك، بسبب أنه لا يعد وعدا إلا مقرونا بالاستثناء كما قال لأبيه حين أخبرهم ~~بأمر ذبحه {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} فكن أبي كذلك ولا تقولن لشي ~~إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله، وخصه بالمدح به - وإن كان الأنبياء ~~كلهم كذلك - لقصة الذبح فلا يلزم منه تفضيله {وكان رسولا نبيا} نبأه الله ~~بأخباره، وأرسله إلى قومه جرهم قاله الأصبهاني. وأتى أهل البراري بدين أبيه ~~إبراهيم عليهما الصلاة والسلام فأحياها الله بنور الإيمان الناشىء عن روح ~~العلم ووصفه بالرسالة زيادة على وصف أخيه إسحاق عليهما السلام وتقدم في أمر ~~موسى عليه السلام سر الجمع بين الوصفين؛ وفي صحيح مسلم وجامع الترمذي - عن ~~واثلة بن الأسقع رضي الله عنه «أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل عليه ~~السلام» وفي رواية الترمذي «أن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل» {وكان ~~يأمر أهله بالصلاة} التي هي طهرة البدن وقرة العين وخير العون على جميع ~~المآرب # PageV12P214 # {والزكاة} التي هي طهرة المال، كما أوصى الله بذلك جميع الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام، وتقدم في هذه السورة أنه سبحانه وتعالى أوصى بذلك عيسى ~~عليه السلام {وكان عند ربه} لعبادته على ms2864 حسب ما أقامته ربوبيته {مرضيا *} ~~فاقتد أنت به فإنه من أجل آبائك، لتجمع بين طهارة القول والبدن والمال، ~~فتنال رتبة الرضا. # PageV12P215 # ولما كان إسماعيل عليه السلام قد رفع بالسكنى حيا إلى أعلى مكان في الأرض ~~رتبة، وكان أول نبي رمى بالسهام، وكان إدريس عليه السلام - مع رفعته إلى ~~المكان العلي - أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم ~~النجوم والحساب، وخط بالقلم، وخاط الثياب ولبس الجبة وكان أغربهم قصة، ~~وأعجبهم أمرا، وأقدمهم زمنا، ختم به هذه القصص تأييدا لهذا النبي الكريم، ~~بما بين له من القصص التي هي أغرب مما أمر اليهود بالتعنت فيه، وإشارة إلى ~~أن الله تعالى يؤتي أتباعه من علوم إدريس الأرضية والسماوية مما يستحق أن ~~يحفظ بالخط ويودع بطون الكتب لضيق الصدور عن حفظه ما لم يؤته أمة من الأمم، ~~وأنه يجمع شملهم، وترهيبا للمتعنتين بأنهم إن لم ينتهوا وضع فيهم السلاح ~~كما فعل إدريس عليه السلام بكفار زمانه فقال: {واذكر في الكتاب} أي الجامع # PageV12P215 # لكل ما يحتاج إليه من القصص المتقدمين والمتأخرين {إدريس} أي الذي هو ~~أبعد ممن تعنت بهم اليهود زمانا، وأخفى منهم شأنا، وهو جد أبي نوح عليه ~~السلام واسمه حنوخ بمهملة ونون وآخره معجمة {إنه كان صديقا} أي صادقا في ~~أقواله وأفعاله، ومصدقا بما أتاه عن الله من آياته على ألسنة الملائكة ~~{نبيا *} ينبئه الله تعالى بما يوحيه إليه من الأمر العظيم، رفعة لقدره، ~~فينبىء به الناس الذين أرسل إليهم {ورفعناه} جزاء منا له على تقواه ~~وإحسانه، رفعة تليق بعظمتنا، فأحللناه {مكانا عليا *} أي الجنة أو السماء ~~الرابعة، وهي التي رآه النبي صلى الله عليه وسلم بها ليلة الإسراء؛ قال ابن ~~قتيبة في المعارف: وفي التوراة أن أخنوخ أحسن قدام الله فرفعه إليه - ~~انتهى. وفي نسخة ترجمه التوراة وهي قديمة جدا وقابلتها مع بعض فضلاء ~~الربانيين من اليهود وعلى ترجمة سعيد الفيومي بالمعنى وكان هو القارىء ما ~~نصه: وكانت جميع حياة حنوخ ثلاثمائة وخمسا وستين سنة، فأرضى حنوخ الله ms2865 ففقد ~~لأن الله غيبه، وفي نسخة # PageV12P216 # أخرى: لأن الله قبله، وفي أخرى: لأن الله أخذه. وهو قريب مما قال ابن ~~قتيبة، لأن أصل الكلام عبراني، وإنما نقله إلى العربي المترجمون، فكل ترجم ~~على قدر فهمه من ذلك اللسان، ويؤيد أن المراد الجنة ما في مجمع الزوائد ~~للحافظ نور الدين الهيثمي عن معجمي الطبراني - الأوسط والأصغر إن لم يكن ~~موضوعا: حدثنا محمد بن واسط ثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي ثنا ~~حجاج بن محمد بن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد ابن أسلم عن عبيد الله بن ~~أبي رافع عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «إن إدريس عليه السلام كان صديقا لملك الموت فسأله أن يريه الجنة والنار، ~~فصعد بإدريس فأراه النار ففزع منها، وكاد يغشى عليه فالتف عليه ملك الموت ~~بجناحه، فقال ملك الموت: أليس قد رأيتها؟ قال: بلى! ولم أر كاليوم قط، ثم ~~انطلق به حتى أراه الجنة فدخلها فقال له ملك الموت: انطلق! قد رأيتها، قال: ~~إلى أين؟ قال ملك الموت: حيث كنت، قال إدريس: لا والله! لا أخرج منها بعد ~~إذ دخلتها، فقيل لملك الموت: أليس أنت أدخلته إياها وأنه ليس لأحد دخلها أن ~~يخرج منها» . # وقال: لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، وقال الحافظ نور الدين: ~~إبراهيم المصيصي متروك. # PageV12P217 # قلت وفي لسان الميزان لتلميذه شيخنا حافظ العصر ابن حجر عن الذهبي أنه ~~كذاب، وعن ابن حبان أنه كان يسوي الحديث، أي يدلس تدليس التسوية. وفي تفسير ~~البغوي عن وهب قريب من هذا، وفيه أنه سأل ملك الموت أن يقبض روحه ويردها ~~إليه بعد ساعة، فأوحى الله إليه أن يفعل، وفيه أنه احتج في امتناعه من ~~الخروج بأن كل نفس ذائقة الموت وقد ذاقه، وأنه لا بد من ورود النار وقد ~~وردها، وأنه ليس أحد يخرج من الجنة، فأوحى الله إلى ملك الموت: بإذني دخل ~~الجنة - يعني: فخل سبيله - فهو حي هناك. وفي تفسير ms2866 البغوي أيضا عن كعب ~~وغيره أن إدريس عليه السلام مشى ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا ~~رب! فكيف بمن يحملها؟ اللهم! خفف عنه من ثقلها، فخفف عنه فسأل ربه عن السبب ~~فأخبره فسأل أن يكون بينهما خلة، فأتاه فسأله إدريس عليه السلام أن يسأل ~~ملك الموت أن يؤخر أجله، فقال: لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها، وأنا ~~مكلمه، فرفع إدريس عليه السلام فوضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت ~~وكلمه فقال: ليس ذلك إلي، ولكن إن أحببت أعلمته أجله # PageV12P218 # فيتقدم في نفسه، قال: نعم! فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما ~~أراه يموت أبدا، قال: وكيف ذلك؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، ~~قال: فإني أتيتك وتركته هناك، قال: انطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات، ~~فوالله ما بقي من أجل إدريس - عليه السلام - شيء، فرجع الملك فوجده ميتا. ~~ومن جيد المناسبات أن إسماعيل وإدرس عليهما الصلاة والسلام اشتركا في ~~البيان بالعلم واللسان، فإسماعيل عليه السلام أول من أجاد البيان باللسان، ~~وإدريس عليه السلام أول من أعرب الخطاب بالكتاب، فقد روى الطبراني عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول من فتق لسانه ~~بهذه العربية إسماعيل عليه السلام» # ولأحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول من ~~خط بالقلم إدريس عليه السلام» . # ولما انقضى كشف هذه الأخبار، العلية المقدار، الجليلة الأسرار، شرع ~~سبحانه ينسب أهلها بأشرف نسبهم، ويذكر أمتن سببهم هزا # PageV12P219 # لمن وافقهم في النسب إلى الموافقة في السبب فقال: {أولئك} أي العالو ~~الرتب، الشرفاء النسب {الذين أنعم الله} بما له من صفات الكمال التي بها ~~أقام آدم عليه السلام وهم في ظهره، مع ما طبعه عليه من الأمور المتضادة حتى ~~نجاه من مكر إبليس، ونجى بها نوحا عليه السلام وهم في صلبه من ذلك الكرب ~~العظيم، وإبراهيم عليه السلام وهم في قواه مع اضطرام النار وإطفاء السن ms2867 ~~وإصلاد العظم، وأعلى بها إسرائيل عليه السلام وبنيه في سوط الفراق وامتهان ~~العبودية وانتهاك الاتهام حتى كان أبناؤه معدن الملوك والأنبياء، ومحل ~~الأتقياء والأصفياء، إلى غير ذلك من جليل الأنبياء وعظيم الأصطفاء ~~والاجتباء {عليهم} بما خصهم به من مزيد القرب إليه، وعظيم المنزلة لديه؛ ~~وبين الموصول بقوله: {من النبيين} أي المصطفين للنبوة الذين أبنأهم الله ~~بدقائق الحكم، ورفع محالهم بين الأمم، وأنبؤوا الناس بجلائل الكلم، وأمروهم ~~بطاهر الشيم. # ولما كانوا بعض بني آدم الذين تقدم أنا كرمناهم، قال إشارة إلى ما في ذلك ~~من النعمة عليهم وهم يرونها: {من ذرية ءادم} صفينا أبي البشر الذي خلقه ~~الله من التراب بيده، وأسجد له ملائكته، وإدريس أحقهم بذلك. # ولما كان في إنجاء نوح عليه السلام وإغراق قومه من القدرة الباهرة ما لا ~~يخفى، نبه عليه بنون العظمة في قوله مشيرا إلى أعظم النعمة عليهم # PageV12P220 # بالتبعيض، وإلى أن نبيهم من ذريته كما كان هو من ذرية إدريس عليه السلام ~~الذي هو من ذرية آدم، فكما كان كل منهم رسولا فكذلك هو وإبراهيم أقربهم إلى ~~ذلك: {وممن حملنا مع نوح} صفينا أول رسول أرسلناه بعد افتراق أهل الأرض ~~وإشراكهم، من خلص العباد، وأهل الرشاد، وجعلناه شكورا، وإبراهيم أقربهم إلى ~~ذلك {ومن ذرية إبراهيم} خليلنا الذي كان له في إعدام الأنداد ما اشتهر به ~~من فضله بين العباد، وإسماعيل وإسحاق أولاهم بذلك، ثم يعقوب {وإسراءيل} ~~صفينا، وهم الباقون: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم بنت داود - ~~على جميعهم أفضل الصلاة والسلام - فكما كان هؤلاء رسلا وهم من ذرية إبراهيم ~~الذي هو من ذرية نوح فكذا نبيكم الذي هو من ذرية إسماعيل الذي هو من ~~إبراهيم لصلبه وهو أول أولاده كما كان إسرائيل من ذريته، فالإرسال من ذرية ~~من هو ابنه لصلبه أولى من الإرسال من ذرية من بينه وبينه واسطة، وإلا كان ~~بنو إسرائيل أشرف منكم وأبوهم أشرف من أبيكم، فلا تردوا الكرامة، يا من ~~يتنافسون في المفاخرة والزعامة {وممن هدينا} إلى أقوم الطرق ms2868 {واجتبينا} أي ~~فعلنا بهم فعل من يتخير الشيء وينتقيه بأن أسبغنا عليهم من النعم ما يجل عن ~~الوصف؛ وعطف الأوصاف بالواو إشارة إلى التمكن فيها. # PageV12P221 # ولما ذكر ما حباهم به، ذكر ما تسبب عن ذلك فقال مستأنفا {إذا تتلى عليهم ~~ءايات الرحمن} العام النعمة، فكيف بهم إذا أعلاهم جلال أو خصتهم رحمة من ~~جلائل النعم، من فيض الجود والكرم، فسمعوا خصوص هذا القرآن {خروا سجدا} ~~للمنعم عليهم تقربا إليه، لما لهم من البصائر المنيرة في ذكر نعمه عليهم ~~وإحسانه إليهم {وبكيا *} خوفا منه وشوقا إليه، فوصفهم بسرعة الخشوع من ذكر ~~الله الناشىء عن دوام الخضوع والناشىء عنه الإسراع بالسجود في حالة البكاء، ~~وجعلهما حالتين بالعطف بالواو لعراقة المتحلي بهما في كل منهما عل انفراده، ~~وعبر بالاسم في كل من السجود والبكاء، إشارة إلى أن خوفهم دائم كما أن ~~خضوعهم دائم لعظمة الكبير الجليل، لأن تلك الحضرة لا تغيب عنهم أصلا، وإن ~~حصل غير البكاء فللتأنيس لمن أرسلوا إليه ليوصلوه إلى قريب من رتبتهم بحسن ~~عشرتهم على تفاوت المراتب، وتباين المطالب، وحذف ذكر الأذقان لدلالتها - # PageV12P222 # كما تقدم في سبحان - على نوع دهشة، فهي - وإن أعلت صاحبها عمن لم يبلغها ~~- حالة دون مقام الراسخين في حضرة الجلال، لأنهم - مع كونهم في الذروة من ~~مقام الخوف - في أعلى درجات الكمال من حضور الفكر وانشراح الصدر - لتلقي ~~واردات الحق وإلقائها إلى الخلق، انظر إلى ثبات الصديق رضي الله عنه - لعلو ~~مقامه عن غيره - عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه أوفاهم من ~~المحبة مشربا، وأصفاهم موردا، وأوفرهم حزنا، وأكثرهم غما وهما، حتى أنه ~~اعتراه لذلك مرض السل حتى مات به وجدا وأسفا ومن هنا تعلم السر في إرسال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأنبجانية التي ألهت في الصلاة بأعلامها في ~~الصلاة إلى أبي جهم لأنه رضي الله عنه ربما كان من أهل الجمع في الصلاة فلا ~~يرى غيره سبحانه فناء عن كل فان بخلاف النبي فإنه لكماله متمكن في كل من ~~مقامي ms2869 الجمع والفرق في كل حالة ولهذا يرى من خلفه في الصلاة ولا يخفى عليه ~~خشوعهم. # ولما كان من المقاصد العظيمة تبكيت اليهود، لأنهم أهل الكتاب وعندهم من ~~علوم الأنبياء ما ليس عند العرب وقد استرشدوهم واستنصحوهم، فقد كان أوجب ~~الواجبات عليهم محض النصح لهم، فأبدى سبحانه من تبكيتهم ما تقدم إلى أن ~~ختمه بأن جميع الأنبياء كانوا لله # PageV12P223 # سجدا ولأمره خضعا، عقب ذلك بتوبيخ هو أعظم داخل فيه وهو أشد مما تقدم لمن ~~خاف الله ورسله فقال: {فخلف من بعدهم} أي في بعض الزمان الذي بعد هؤلاء ~~الأصفياء سريعا {خلف} هم في غاية الرداءة {أضاعوا الصلاة} الناهية عن ~~الفحشاء والمنكر التي هي طهرة الأبدان، وعصمة الأديان، وأعظم الأعمال، ~~بتركها أو تأخيرها عن وقتها والإخلال بحدودها، فكانوا لما سواها أضيع، ~~فأظلمت قلوبهم فأعرضوا عن داعي العقل {واتبعوا} أي بغاية جهدهم {الشهوات} ~~التي توجب العار في الدنيا والنار في الآخرة، فلا يقربها من يستحق أن يعد ~~بين الرجال، من تغيير أحكام الكتاب وتبديل ما فيه مما تخالف الأهواء كالرجم ~~في الزنا، وتحريم الرشى والربا، ونحو ذلك، وأعظمه كتم البشارة بالنبي ~~العربي الذي هو من ولد إسماعيل {فسوف يلقون} أي يلابسون - وعدا لا خلف فيه ~~بعد طول المهلة - جزاء فعلهم هذا {غيا *} أي شرا يتعقب ضلالا عظيما، فلا ~~يزالون في عمى عن طريق الرشاد لا يستطيعون إليه سبيلا، وهم على بصيرة من ~~أنهم على خطأ وضلال، ولكنهم مقهورون على ذلك بما زين لهم منه حتى صارت لهم ~~فيه أتم رغبة، وذلك أعظم الشر، ولم يزل سبحانه يستدرجهم بالنعم إلى # PageV12P224 # أن قطعوا بالظفر والغلبة حتى أناخت بهم سطوات العزة، فأخذوا على غرة، ولا ~~أنكأ من الأخذ على هذه الصفة بعد توطين النفس على الفوز، وهو من وادي قوله # {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما} [الإسراء: 97] مع قوله ~~{أسمع بهم وأبصر} وجزاء من كان هذا ديدنه في الدنيا والآخرة معروف لكل من ~~له أدنى بصيرة أنه العار ثم النار، وأيضا فإن من ضل ms2870 أخطأ طريق الفلاح من ~~الجنة وغيرها فخاب، ومن خاب فقد هلك؛ قال أبو علي الجبائي: والغي هو الخيبة ~~في اللغة - انتهى. ويجوز أن يراد بالغي الهلاك، إما من قولهم - أغوية - وزن ~~أثفية - أي مهلكة، وإما من تسمية الشيء باسم ما يلزمه. # PageV12P225 # ولما أخبر تعالى عنهم بالخيبة، فتح لهم باب التوبة، وحداهم إلى غسل هذه ~~الحوبة، بقوله: {إلا من تاب} أي مما هو عليه من الضلال، بإيثار سفساف ~~الأعمال، على أوصاف الكمال، فحافظ على الصلاة، وكف نفسه عن الشهوات {وءامن} ~~بما أخذ عليه به العهد {وعمل} بعد إيمانه تصديقا له {صالحا} من الصلوات ~~والزكاة وغيرها، ولم يؤكدهما لما أفهمته التوبة من إظهار عمل الصلاة التي ~~هي أم العبادات {فأولئك} العالو الهمم، الطاهرو الشيم {يدخلون الجنة} التي ~~وعد المتقون {ولا يظلمون} من ظالم ما # PageV12P225 # {شيئا *} من أعمالهم؛ ثم بينها بقوله: {جنات عدن} أي إقامة لا ظعن عنها ~~بوجه من الوجوه {التي وعد الرحمن} الشامل النعم {عباده} الذين هو أرحم بهم ~~من الوالدة بولدها؛ وعبر عنهم بوصف العبودية للإشعار بالتحنن، وعدا كائنا ~~{بالغيب} الذي لا اطلاع لهم عليه أصلا إلا من قبلنا، فآمنوا به فاستحقوا ~~ذلك بفضله سبحانه على إيمانهم بالغيب. # ولما كان من شأن الوعود الغائبة - على ما يتعارفه الناس بينهم - احتمال ~~عدم الوقوع، بين أن وعده ليس كذلك بقوله: {إنه كان} أي كونا هو سنة ماضية ~~{وعده مأتيا *} أي مقصودا بالفعل، فلا بد من وقوعه، فهو كقوله تعالى {إن ~~كان وعد ربنا لمفعولا} [الإسراء: 108] . # ولما كانت الجنة دار الحق، وكان أنكأ شيء لذوي الأقدار الباطل، وكان أقل ~~ما ينكأ منه سماعه، نفى ذلك عنها أبلغ وجه فقال: {لا يسمعون فيها لغوا} أي ~~شيئا ما من الباطل الذي لا ثمرة له. ولما كانت السلامة ضد الباطل من كل ~~وجه، قال: {إلا} أي لكن {سلاما} لا عطب معه ولا عيب ولا نقص أصلا فيه، ~~وأورد على صورة الاستثناء من باب قول الشاعر: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب ms2871 # PageV12P226 # ويحسن أن يراد باللغو مطلق الكلام؛ قال في القاموس: لغا لغوا: تكلم. أي ~~لا يسمعون فيها كلاما إلا كلاما يدل على السلامة، ولا يسمعون شيئا يدل على ~~عطب أحد منهم ولا عطب شيء فيها. # ولما كان الرزق من أسباب السلامة قال: {ولهم رزقهم} أي على قدر ما ~~يتمنونه ويشتهونه على وجه لا بد من إتيانه ولا كلفة عليهم فيه ولا يمن ~~عليهم به {فيها بكرة وعشيا *} أي دواما، لا يحتاجون إلى طلبه في وقت من ~~الأوقات، وفي تفسير عبد الرزاق عن مجاهد: وليس فيها بكرة ولا عشي، لكنهم ~~يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. أي أنهم خوطبوا بما يعرفون كما ~~أشار إليه تأخير الظرف إذ لو قدم لأوهم بعدهم عن ذلك بالجنة. # ولما باينت بهذه الأوصاف دار الباطل، أشار إلى علو رتبتها وما هو سببها ~~بقوله: {تلك الجنة} بأداة البعد لعلو قدرها، وعظم أمرها {التي نورث} أي ~~نعطي عطاء الإرث الذي لا نكد فيه من حين التأهل له بالموت ولا كد ولا ~~استرجاع {من عبادنا} الذين أخلصناهم لنا، فخلصوا عن الشرك نية وعملا {من ~~كان} أي جبلة وطبعا {تقيا *} أي مبالغا في التقوى، فهو في غاية الخوف منا ~~لاستحضاره أنه عبد؛ قال الرازي في اللوامع: وما تقرب أحد إلى ربه بشيء أزين ~~عليه من ملازمة العبودية وإظهار الافتقار، والعبد يكون ذليلا بأوصافه، # PageV12P227 # عزيزا بأوصاف الحق تعالى - انتهى. # وذلك إشارة إلى سبب إيراثها التقوى. # ولما كرر سبحانه الوصف بالتقى في هذه السورة ثلاث مرات، وختمه بأنه سبب ~~للمقصود بالذات، وهو الراحة الدائمة بالوراثة لدار الخلد على وجه الإقامة ~~المستمرة، وصفة الملك الذي لا كدر فيه بوجه ولا تخلف عن مراد، أتبعه ما ~~بعده إشارة إلى ما تنال به التقوى، وهو الوقوف مع الأمر مراقبة للأمر على ~~{وبالحق أنزلناه} [الإسراء: 105] لأنه لما كان العلم واقعا بأن جميع سورة ~~الكهف شارحة لمسألتين من مسائل قريش، وبعض سورة سبحان شارح للثالثة، ولطول ~~الفصل صدرت قصة ذي القرنين بقوله {ويسألونك} إعلاما بعطفها على ms2872 مسألة الروح ~~المصدرة بمثل ذلك، وجاءت سورة مريم كاشفة - تبكيتا لأهل الكتاب الكاتمين ~~للحق - عن أغرب من تلك القصص وأقدم زمانا وأعظم شأنا من أخبار الأنبياء ~~المذكورين ومن أسرع التبديل بعدهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات، فثبت بذلك ~~أن هذا كله مرتب لإجابة سؤالهم وأنه كلام الله قطعا، إذ لو كان من عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما وعدهم الإجابة في الغد إلا وهو قادر عليها، ~~لما هو معلوم قطعا من رزانة عقله، وغزارة فطنته، ومتانة رأيه، ولو قدر على ~~ذلك ما تركهم يتكلمون في عرضه بما الموت أسهل منه، لما علم منه من الشهامة ~~والأنفة والبعد عما يقارب الشين، وبان بذلك أن الله سبحانه وعز شأنه ما ~~أجمل أمر الروح # PageV12P228 # ولا أخر الإجابة خمس عشرة ليلة أو أقل أو أكثر من عجز ولا جهل، وثبت بذلك ~~كله وبما بين من صنعه لأهل الكهف ولذي القرنين وفي ولادة يحيى وعيسى وإسحاق ~~عليهم الصلاة والسلام تمام قدرته المستلزم لكمال علمه، وكان الإخبار عن ذلك ~~مطابقا للواقع الذي ثبت بعضه بالنقل الصحيح وبعضه بأدلة العقل القاطعة، ثبت ~~مضمون قوله تعالى {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} وأن هذا الكتاب قيم لا عوج ~~فيه، فعطف عليه الجواب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لجبرئيل عليه ~~الصلاة والسلام «لقد أبطات علي يا جبرئيل حتى سؤت ظنا» ونحوه مما ذكر في ~~أسباب النزول، فقال على لسان جبرئيل عليه الصلاة والسلام: {وما نتنزل} أي ~~أنا ولا أحد من الملائكة بإنزال الكتاب ولا غيره {إلا بأمر ربك} المحسن ~~إليك في جميع الأمر في التقديم والتأخير لئلا يقع في بعض الأوهام أنه حق في ~~نفسه، ولكنه نزل بغير أمره سبحانه، ووقع الخطاب مقترنا بالوصف المفهم لمزيد ~~الإكرام تطييبا لقلبه صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أنه محسن إليه، ولفظ ~~التنزل مشير إلى الإكرام، وهو التردد مرة بعد مرة ووقتا غب وقت، ولا يكون ~~إلا لذلك لأن النزول للعذاب يقتضي به الأمر في مثل لمح البصر، وكان هذا عقب ~~ذكر ms2873 القيامة بذكر الجنة كما كان المعطوف عليه عقب # {فإذا جاء وعد الآخرة} [الإسراء: 7] وكما كان ختام مسائلهم بذكر الآخرة ~~في قوله # PageV12P229 # {فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء} [الكهف: 98]- إلى آخر السورة ليكون ذلك أشد ~~تثبيتا للبعث وأعظم تأكيدا، وإن استطلت هذا العطف مع بعد ما بين المعطوف ~~والمعطوف عليه واستعظمته واستنكرته لذلك واستبعدته فقل: لما كشفت هذه ~~السورة عن هذه القصص الغريبة، وكان المتعنتون ربما قالوا: نريد أن يخبرنا ~~هذا الذي ينزل عليك بجميع أنباء الأقدمين وأخبار الماضين، قال جوابا عن ذلك ~~أن قيل: ما أنزلنا عليك بأخبار هؤلاء إلا بأمر ربك، وما نتنزل فيما يأتي ~~أيضا إلا بأمر ربك؛ ثم علل ذلك بقوله: {له ما بين أيدينا} أي من المكان ~~والزمان وما فيهما {وما خلفنا} من ذلك {وما بين ذلك} وهو نحن والمكان ~~والزمان اللذان نحن بهما وما فوقه وتحته، ونحن نعلم ذلك ونعمل على حسب ما ~~نعلم، فلا نتصرف في ملكه إلا بأمره {وما كان} على تقدير من التقادير {ربك ~~نسيا *} أي ذا نسيان لشيء من الأشياء فيترك تفصيل أمر الروح، ويؤخر الجواب ~~عن الوقت الذي وعدتهم فيه لخفاء شيء من ذلك عليه، ولا ينسى ما يصلحك فيحتاج ~~إلى مذكر به، ولا ينسى أحدا منا فينزل في وقت نسيانه له بل هو دائم الاطلاع ~~على حركتنا وسكناتنا، فنحن له في غاية المراقبة، وهو سبحانه يصرفنا بحسب ~~الحكمة في كل وقت تقتضيه حكمته، لا يكون شيء من ذلك إلا في الوقت الذي حده ~~له وأراده فيه، ولا يخرج شيء من الأشياء وإن دق عن مراده. ويجوز أن يقال في ~~التعبير بصيغة فعيل أنه لا يتمكن العبد من الغيبة # PageV12P230 # عن السيد بغير إذنه إلا أن كان بحيث يمكن أن يغفل وأن تطول غفلته وتعظم ~~لكونه مجبولا عليها، أو أنه لما استلبث الوحي في أمر الأسئلة التي سألوا ~~عنها من الروح وما معها خمس عشرة ليلة أو أكثر أو أقل - على اختلاف ~~الروايات، فكان ذلك موهما للأغبياء أنه نسيان، وكان مثل ms2874 ذلك لا يفعله إلا ~~كثير النسيان، نفى هذا الوهم بما اقتضاه من الصيغة ونفى قليل ذلك وكثيرة في ~~السورة التي بعدها ضما لدليل العقل بقوله # {لا يضل ربي ولا ينسى} [طه: 52] لما اقتضاه السياق، فأتى في كل أسلوب بما ~~يناسبه مع الوفاء بما يجب من حق الاعتقاد، وهذه الآية مع {وبالحق أنزلناه} ~~و {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} [الإسراء: 88] مثل {قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات} [هود: 3]- الآيتين في سورة هود عليه السلام، على ما قدمت في بيانه ~~غير أن ما جمع هناك فصل هنا في أول الجواب على أسئلتهم بآية {قل لئن ~~اجتمعت} وأثنائه بآية {وبالحق أنزلناه} وآخره بهذه الآية، لتكون الآيات ~~رابطة على هذه الأجوبة وتوابعها وضابطة لها كالشهب والحرس الشديد بالنسبة ~~إلى السماء، فلا يبغيها متعنت من جهة من جهاتها كيدا إلا رد خاسئا، ولا ~~يرميها بقادح ألا كان رميه خاطئا. # ولما وصف سبحانه وتعالى بنفوذ الأمر واتساع العلم على وجه ثبت # PageV12P231 # به ما أخبر به عن الجنة، فثبت أمر البعث، أتبع ذلك ما يقرره على وجه أصرح ~~منه وأعم فقال مبدلا من {ربك} : {رب السماوات والأرض} اللتين نحن من جملة ~~ما فيهما من عباده {وما بينهما} منا ومن غيرنا من الأحياء وغيرها {فاعبده} ~~بالمراقبة الدائمة على ما ينبغي له من مثلك {واصطبر} أي اصبر صبرا عظيما ~~بغاية جهدك على كل ما ينبغي الاصطبار عليه كذلك {لعبادته} أي لأجلها فإنها ~~لا تكون إلا عن مجاهدة شديدة؛ ثم علل ذلك بقوله: {هل تعلم له سميا *} أي ~~متصفا بوصف من أوصافه اتصافا حقيقيا، أو مسمى باسمه، العلم الواقع موقع ~~لأنه لا مماثل له حتى ولا في مجرد الاسم، وإيراده بصورة الاستفهام كالدعوى ~~بدليلها. # PageV12P232 # ولما تبين بذلك وبما ذكر في هاتين السورتين مما سألوا عنه ومن غيره شمول ~~علمه وتمام قدرته لا سيما في إيجاد البشر تارة من التراب، وتارة من ذكر ~~وأنثى في حكم العدم، وتارة من أنثى بلا ذكر، وثبت ذلك كله، فانكشفت الشبه، ~~وتضاءلت موجبات المراء، وانقمعت ms2875 مخيلات الفتن، عجب منها في إنكارهم البعث ~~وهم يشاهدون # PageV12P232 # ما ذكر من قدرته وعلمه، عاطفا على التعجب في قولهم {وقالوا ءاذا كنا} ~~تعجيبا أشد من ذلك فقال: {ويقول} بلفظ المضارع المؤذن بالتجدد بعد هذا ~~البيان المقتضي حتما لاعتقاده البعث فضلا عن إنكار مرة من المرات، ليخبر ~~عنها بصيغة الماضي، فكيف بالمداومة على ذلك المشار إليها بصيغة المضارع؛ ~~وعبر بالمفرد وإن كان للجنس لأن الإنكار على الواحد يستلزم الإنكار على ~~المتعدد فقال: {الإنسان} أي الذي خلقناه ولم يك شيئا، مع ما فضلناه به من ~~العقل، ونصبنا له من الدلائل، فشغله الإنس بنفسه عن التأمل في كمال ربه ~~منكرا مستبعدا: {أءذا ما مت} ثم دل على شدة استبعاده لذلك بقوله مخلصا للام ~~الابتداء إلى التوكيد سالخا لها عما من شأنها الدلالة عليه من الحال لتجامع ~~ما يخلص للاستقبال: {لسوف أخرج} أي يخرجني مخرج {حيا *} أي بعد طول الرقاد، ~~وتفتت الأجزاء والمواد، وجاء بهذه التأكيدات لأن ما بعد الموت وقت كون ~~الحياة منكرة على زعمه، والعامل في {إذا} فعل من معنى {أخرج} لا هو، لمنع ~~لام الابتداء لعمله فيما قبله؛ ثم قابل إنكاره الباطل بإنكار هو الحق فقال ~~عطفا على يقول أو على ما تقديره: ألا يذكر ما لنا من تمام القدرة بخلق ما ~~هو أكبر من ذلك من جميع الأكوان: {أو لا يذكر} بإسكان الذال # PageV12P233 # على قراءة نافع وابن عامر وعاصم إشارة إلى أنه أدنى ذكر من هذا يرشده إلى ~~الحق، وقراءة الباقين بفتح الذال والكاف وتشديدهما يشير إلى أنه - ~~لاستغراقه في الغفلة - يحتاج إلى تأمل شديد {الإنسان} أي الآنس بنفسه، ~~المجترىء بهذا الإنكار على ربه وقوفا مع نفسه {أنا خلقناه} وأشار الجار إلى ~~سبقه بالعدم فقال: {من قبل} أي من قبل جدله هذا أي بما لنا من القدرة ~~والعظمة. # ولما كان المقام لتحقيره بكونه عدما، أعدم من التعبير عن ذلك ما أمكن ~~إعدامه، وهو النون، لتناسب العبارة المعتبر فقال: {ولم يك شيئا *} أصلا، ~~وإنا بمقتضى ذلك قادرون على إعادته فلا ينكر ms2876 ذلك. # ولما كان كلام الكافر صورته صورة استفهام، وهو جحد في الحقيقة وإنكار، ~~وكان إنكار المهدد لشيء يقتدر عليه المهدد سببا لأن يحققه لما مقسما عليه، ~~قال تعالى مجيبا عن إنكاره مؤذنا بالغضب عليهم بالإعراض عنهم مخاطبا لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم تفخيما لشأنه وتعظيما لأمره: {فوربك} المحسن إليك ~~بالانتقام منهم. # ولما كان الإنكار للبعث يلزم منه الاحتقار، أتى بنون العظمة، استمر في ~~هذا التحلي بهذا المظهر إلى آخر وصف هذا اليوم فقال: {لنحشرنهم} بعد البعث ~~{والشياطين} الذين يضلونهم بجعل كل واحد # PageV12P234 # منهم مع قرينه الذي أضله، في سلسلة {ثم لنحضرنهم} بعد طول الوقوف {حول ~~جهنم} التي هم بها مكذبون، يحيطون بها لضيق رأسها وبعد قعرها، حال كونهم ~~{جثيا *} على الركب من هول المطلع وشدة الذل، مستوقرين تهيؤوا للمبادرة إلى ~~امتثال الأوامر {ثم لننزعن} أي لنأخذن أخذا بشدة وعنف {من كل شيعة} أي فرقة ~~مرتبطة بمذهب واحد. # ولما كان التقدير: لننزعن أغناهم، وهم الذين إذا نظرت إلى كل واحد منهم ~~بخصوصه حكمت بأنه أغنى الناس، علم أنهم بحيث يحتاج إلى السؤال عنهم لإشكال ~~أمرهم فقال: {أيهم أشد على الرحمن} الذي غمرهم بالإحسان {عتيا *} أي تكبرا ~~متجاوزا للحد، انتزاعا يعلم به أهل الموقف أنه أقل من القليل، وأوهى أمرا ~~من القتيل، وأن له سبحانه - مع صفة الرحمة التي غمرهم إحسانها وبرها - صفات ~~أخرى من الجلال والكبرياء والجبروت والانتقام. # ولما تقدم ما هو في صورة الاستفهام، أتبعه ما يزيل ما قد يقع بسببه من ~~بعض الأوهام، فقال: {ثم} وعزتنا! {لنحن} لشمول علمنا وكمال قدرتنا وعظمتنا ~~{أعلم} من كل عالم {بالذين هم} لظواهرهم وبواطنهم {أولى بها} أي جهنم {صليا ~~*} وبالذين هم أولى بكل طبقة من دركاتها من جميع الخلق من المنتزعين ~~وغيرهم، فلا يظن بنا أنا نضع أحدا في غير دركته أو غير طبقته من دركته؛ # PageV12P235 # وعطف هذه الجمل بأداة البعد مقرونة بنون العظمة لبعد مراتبها وتصاعدها في ~~ذرى العليا وترقيها، تهويلا للمقام وتعظيما للأمر لاستبعادهم له، على أنه ~~يمكن أن تكون الحروف ms2877 الثلاثة للترتيب الزماني، وهو في الأولين واضح، وأما ~~في الثالث فلأن العلم كناية عن الإصلاء، لأن من علم ذنب عدوه - وهو قادر - ~~عذبه، فكأنه قيل: لنصلين كلا منهم النار على حسب استحقاقه لأنا أعلم ~~بأولويته لذلك. # ولما كانوا بهذا الإعلام، المؤكد بالإقسام، من ذي الجلال والإكرام، ~~جديرين بإصغاء الأفهام، إلى ما يوجه إليها من الكلام، التفت إلى مقام ~~الخطاب، إفهاما للعموم فقال: {وإن} أي وما {منكم} أيها الناس أحد {إلا ~~واردها} أي داخل جهنم؛ ثم استأنف قوله: {كان} هذا الورود؛ ولما كان المعنى ~~أنه لا بد من من إيقاعه، أكده غاية التأكيد فأتى بأداة الوجوب فقال: {على ~~ربك} الموجد لك المحسن إليك بإنجاء أمتك لأجلك {حتما} أي واجبا مقطوعا به ~~{مقضيا *} لا بد من إيقاعه؛ قال الرازي في اللوامع: ما من مؤمن - إلا ~~الأنبياء - إلا وقد تلطخ بخلق سوء ولا ينال السعادة الحقيقية إلا بعد ~~تنقيته، وتخليصه من ذلك إنما يكون بالنار. # PageV12P236 # ولما كان الخلاص منها بعد ذلك مستبعدا، قال مشيرا إليه بأداة البعد: # PageV12P236 # {ثم ننجي} أي تنجية عظيمة على قراءة الجماعة، ومطلق إنجاء على قراءة ~~الكسائي، وكأن ذلك باختلاف أحوال الناس مع أن المطلق لا ينافي المقيد ~~{الذين اتقوا} أي كانوا متقين منها بأن تكون عليهم حال الورود بردا وسلاما ~~{ونذر الظالمين} أي نترك على أخبث الأحوال الذين وضعوا الأشياء في غير ~~مواضعها واستمروا على ذلك فكانوا في أفعالهم خابطين كالأعمى {فيها جثيا *} ~~كما كانوا حولها لا يهتدون إلى وجه يخلصون به منها. # ولما كان هذا جديرا بالقبول لقيام الأدلة على كمال قدرة قائله، وتنزهه عن ~~إخلاف القول، لبراءته من صفات النقص، قال معجبا من منكره عاطفا على قوله ~~{ويقول الإنسان} : {وإذا تتلى عليهم} أي الناس، من أي تال كان {ءاياتنا} ~~حال كونها {بينات} لا مرية فيها، بأن تكون محكمات، أو متشابهات قد تبعها ~~البيان بالمحكمات، أو ببيان النبي صلى الله عليه وسلم فهي حال مؤكدة أو ~~كاشفة {قال الذين كفروا} بآيات ربهم البينة، جهلا منهم ونظرا إلى ظاهر ms2878 ~~الحياة الدنيا الذي هو مبلغهم من العلم {للذين ءامنوا} أي لأجلهم أو مواجهة ~~لهم، إعراضا عن الاستدلال بالآيات، ووجوه دلالتها # PageV12P237 # البينات، بالإقبال على هذه الشبهة الواهية - وهي المفاخرة بالمكاثرة في ~~الدنيا - من قولهم: {أي الفريقين} نحن - بما لنا من الاتساع، أم أنتم - بما ~~لكم من خشونة العيش ورثاثة الحال {خير مقاما} أي موضع قيام أو إقامة - على ~~قراءة ابن كثير بضم الميم والجماعة بفتحها: {وأحسن نديا *} مجمعا ومتحدثا ~~باعتبار ما في كل من الرجال، وما لهم من الزي والأموال، ويجعلون ذلك ~~الامتحان بالإنغام والإحسان دليلا على رضى الرحمن، مع التكذيب والكفران، ~~ويغفلون عن أن في ذلك - مع التكذيب بالبعث - تكذيبا مما يشاهدونه منا من ~~القدرة على العذاب بإحلال النقم، وسلب النعم، ولو شئنا لأهلكناهم وسلبنا ~~جميع ما يفتخرون به {وكم أهلكنا} بما لنا من العظمة. # ولما كان المراد استغراق الزمان، لم يأت بالجار إعلاما بأن المتقدمين ~~كلهم كانوا أرغد عيشا وأمكن حالا فقال: {قبلهم من قرن} أي شاهدوا ديارهم، ~~ورأوا آثارهم؛ ثم وصف كم بقوله: {هم} أي أهل تلك القرون {أحسن} من هؤلاء ~~{أثاثا} أي أمتعة {ورئيا *} أي منظرا، فكأنه قيل: فما يقال لهم؟ فقال: {قل} ~~أي لهم ردا عليهم وقطعا لمعاذيرهم وهتكا لشبههم: هذا الذي افتخرتم به لا ~~يدل على حسن الحال في الآخرة، بل على عكس ذلك، فقد جرت عادته سبحانه أنه ~~{من كان في الضلالة} مثلكم كونا راسخا بسط له # PageV12P238 # في الدنيا وطيب عيشه في ظاهر الحال فيها، ونعم بأنواع الملاذ، وعبر عن أن ~~ذلك لا يكاد يتخلف عن غير من حكم بإلزامه المسكنة من اليهود بلام الأمر، ~~إيذانا بوجوده وجود المأمور به الممتثل في قوله: {فليمدد} وأشار إلى التحلي ~~لهم بصفة الإحسان بقوله: {له الرحمن} أي العام الامتنان {مدا *} في العاجلة ~~بالبسط في الآثار، والسعة في الديار، والطول في الأعمار، وإنفاقها فيما ~~يستلذ من الأوزار الكبار، فيزيده العزيز الجبار بذلك ضلالة، فيا له من ~~خسار، وتباب وتبار، لمن له استبصار، ولا نزال نمد هل استدراجا {حتى} ms2879 وحقق ~~أخذهم بأداة التحقيق فقال: {إذا رأوا} أي كل من كفر بالله بأعينهم وإن ~~ادعوا أنهم يتعاضدون ويتناصرون، ولذلك جمع باعتبار المعنى {ما يوعدون} من ~~قبل الله {إما العذاب} في الدنيا بأيدي المؤمنين أو غيرهم، أو في البرزخ ~~{وإما الساعة} التي هم بها مكذبون، وعن الاستعداد لها معرضون، ولا شيء يشبه ~~أهوالها، وخزيها ونكالها. # ولما كان الجواب: علموا أن مكانهم شر الأماكن، وأن # PageV12P239 # جندهم أضعف الجنود، عبر عنه بقوله تهديدا: {فسيعلمون} إذا رأوا ذلك {من ~~هو شر مكانا} أي من جهة المكان الذي قوبل به المقام {وأضعف جندا *} هم أو ~~المؤمنون، أي أضعف من جهة الجند الذي أشير به إلى الندي، لأن القصد من فيه، ~~وكأنه عبر بالجند لأن قصدهم المغالبة وما كل من في الندي يكون مقاتلا. # ولما كان هذا لكونه استدراجا زيادة في الضلال، قابله بقوله، عطفا على ما ~~تقدم تقديره تسبيبا عن قوله {فليمدد} وهو: فيزيده ضلالا، أو على موضع ~~{فليمدد} : {ويزيد الله} وعبر بالاسم العلم إشارة إلى التجلي لهم بجميع ~~الصفات العلى ليعرفوه حق معرفته {الذين اهتدوا هدى} عوض ما زوى عنهم ومنعهم ~~من الدنيا لكرامتهم عنده مما بسطه للضلال لهوانه عليه؛ فالآية من الاحتباك: ~~ذكر السعة بالمد للضال أولا دليلا على حذف الضيق بالمنع للمهتدي ثانيا، ~~وزيادة الهداية ثانيا دليلا على حذف زيادة الضلال أولا، وأشار إلى أنه مثل ~~ما خذل أولئك بالنوال، وفق هؤلاء لمحاسن الأعمال، بإقلال الأموال فقال: ~~{والباقيات} ثم وصفها احترازا من أفعال أهل الضلال بقوله: {الصالحات} أي من ~~الطاعات والمعارف التي شرحت لها الصدور، # PageV12P240 # فأنارت بها القلوب، وسلمت من إحباط الذنوب، فأوصلت إلى علام الغيوب {خير ~~عند ربك} مما متع به الكفرة ومدوا به - على تقدير التنزل إلى تسميته خيرا، ~~وإضافة الرب إليه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه يربيها تربية تبلغ أقصى ~~ما يرضيه في كل تابعيه؛ ثم بين جهة خيرية هذا بقوله: {ثوابا} أي من جهة ~~الثواب {وخير مردا *} أي من جهة العاقبة يوم الحسرة وهو كالذي قبله، ms2880 أو على ~~قولهم: الصيف أحر من الشتاء بمعنى أنه في حره أبلغ منه في برده. فالكفرة ~~يردون إلى خسارة وفناء، والمؤمنون إلى ربح وبقاء. # PageV12P241 # ولما تضمن هذا من التهديد بذلك اليوم ما يقطع القلوب، فيوجب الإقبال على ~~ما ينجي منه، عجب من حال من كفر به، موبخا له، منكرا عليه، عاطفا على ما ~~أرشد إليه السياق فقال معبرا عن طلب الخير بالرؤية التي هي الطريق إلى ~~الإحاطة بالأشياء علما وخبرة، وإلى صحة الخبر عنها: {أفرءيت} أي أرأيت الذي ~~يعرض عن هذا اليوم فرأيت {الذي} زاد على ذلك بأن {كفر بآياتنا} الدالات على ~~عظمتنا بالدلالات البينات {وقال} جراءة منه وجهلا؛ أو يقال: # PageV12P241 # إنه لما هول أمر ذلك اليوم. وهتك أستار مقالاتهم، وبين وهيها، تسبب عن ~~ذلك التعجيب ممن يقول: {لأوتين} أي والله في الساعة على تقدير قيامها ممن ~~له الإيتاء هنالك {مالا وولدا *} أي عظيمين، فلم يكفه في جهله تعجيز القادر ~~حتى ضم إليه إقدار العاجز. # ولما كان ما ادعاه لا علم له به إلا بأحد أمرين لا علم له بواحد منهما، ~~أنكر عليه قوله ذلك بقوله: {أطلع الغيب} الذي هو غائب عن كل مخلوق، فهو في ~~بعده عن الخلق كالعالي الذي لا يمكن أحدا منهم الاطلاع عليه، وتفرد به ~~الواحد القهار {أم اتخذ} أي بغاية جهده {عند الرحمن} العام الرحمة بالإنعام ~~على الطائع والانتقام من العاصي ثوابا للطائع {عهدا *} عاهده عليه بأنه ~~يؤتيه ما ذكر بطاعة فعلها له على وجهها ليقف سبحانه فيه عند قوله. # ولما كان كل من الأمرين: إطلاع الغيب واتخاذ العهد، وكذا ما ادعاه لنفسه، ~~وما يلزم عن اتخاذ العهد من القرب، منتفيا قال: {كلا} أي لم يقع شيء من ~~هذين الأمرين، ولا يكون ما ادعاه فليرتفع عنه صاغرا. # PageV12P242 # ولما كان النفي هنا عن الواحد مفهما للنفي عما فوقه اكتفى به، ولما رد ~~ذلك استأنف الجواب لسؤال من كأنه قال: فماذا يكون له؟ بقوله مثبتا السين ~~للتوكيد في هذا التهديد: {سنكتب ما يقول} أي نحفظه عليه حفظ ms2881 من يكتبه ~~لنوبخه به ونعذبه عليه بعد الموت فيظهر له بعد طول الزمان أن ما كان فيه ~~ضلال يؤدي إلى الهلاك لا محالة، ويجوز أن تكون السين على بابها من المهلة، ~~وكذا الكتابة، والإعلام بذلك للحث على التوبة قبل الكتابة، وذلك من عموم ~~الرحمة {ونمد له من العذاب مدا *} باستدراجه بأسبابه من كثرة النعم من ~~الأموال والأولاد المحببة له في الدنيا، المعذبة له فيها، بالكدح في جمعها ~~والمخاصمة عليها الموجبة له التمادي في الكفر الموجب لعذاب الآخرة، وإتيان ~~بعضه في إثر بعض {إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون} [التوبة: 85] {ونرثه} بموته عن جميع ذلك؛ ثم أبدل من ضميره قوله: ~~{ما يقول} أي من المال والولد فنحول بينه وبينهم بعد البعث كما فعلنا ~~بالموت كحيلولة الوارث بين الموروث وبين الموروث عنه {ويأتينا} في القيامة ~~{فردا *} مسكينا منعزلا عن كل شيء لا قدرة له على مال ولا ولد، قلا عز له، ~~ولا قوة بشيء منهما؛ روى # PageV12P243 # البخاري في التفسير عن خباب رضي الله عنه قال: كنت قينا بمكة فعملت للعاص ~~بن وائل السهمي سيفا، فجئت أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، قلت: لا ~~أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يحييك، وفي رواية: حتى تموت ثم تبعث، قال: ~~وإني لمبعوث من بعد الموت؟ قلت: نعم! قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف ~~أوتى مالا وولدا فأقضيك، فنزلت هذه الآية {أفرأيت الذي - إلى قوله: فردا} . # ولما أخبر تعالى بالبعث، وذكر أن هذا الكافر يأتيه على صفة الذل، أتبعه ~~حال المشركين مع معبوداتهم، فقال معجبا منهم عاطفا على قوله ويقول الإنسان: ~~{واتخذوا} أي الكفار، وجمع لأن نفي العز عن الواحد قد لا يقتضي نفيه عما ~~زاد {من دون الله} وقد تبين لهم أنه الملك الأعلى الذي لا كفوء له {ءالهة ~~ليكونوا لهم} أي الكافرين {عزا *} لينقذوهم من العذاب. # ولما بين أنه لا يعزه مال ولا ولد، وكان نفع الأوثان دون ذلك بلا شك، ~~نفاه بقوله: {كلا} بأداة الردع، ms2882 لأن ذلك طلب للعز من معدن الذل من العبيد ~~الذين من اعتز لهم ذل، فإنهم مجبولون على الحاجة، ومن طلب العز للدنيا طلبه ~~من العبيد لا محالة، فاضطر قطعا - # PageV12P244 # لبنائهم على النقص - إلى ترك الحق واتباع الباطل، فكانت عاقبة أمره الذل ~~وإن طال المدى، فإن الله تعالى ربما أمهل المخذول إلى أن ينتهي في خذلانه ~~إلى أن يستحق لباس الذل؛ ثم بين سبحانه ذلك بما يكون منهم يوم البعث فقال: ~~{سيكفرون} أي الآلهة بوعد لا خلف فيه وإن طال الزمان {بعبادتهم} أي ~~المشركين، فيقولون لهم {ما كنتم إيانا تعبدون} [يونس: 28] {إذ تبرأ الذين ~~اتبعوا من الذين اتبعوا} [البقرة: 166] {ويكونون عليهم} أي الكفار؛ ووحد ~~إشارة إلى اتفاق الكلمة بحيث إنهم لفرط تضامنهم كشيء واحد فقال: {ضدا *} أي ~~أعداء فيكسبونهم الذل، وكذا يفعل الكفار مع شركائهم ويقولون {والله ربنا ما ~~كنا مشركين} فيقع بينهم العداوة كما قال تعالى {ثم يوم القيامة يكفر بعضهم ~~ببعض ويلعن بعضكم بعضا} [العنكبوت: 25] . # ولما كان من المستبعد عندهم جواز رجوعهم عنهم فضلا عن كفرهم بهم، دل على ~~وقوعه بما يشاهد منهم من الأفعال المنافية لرزانة الحلم الناشئة عن وقار ~~العلم، فقال: {ألم تر أنا} بما لنا من العظمة {أرسلنا الشياطين} الذين ~~خلقناهم من النار، إرسالا مستعليا بالإبعاد والإحراق {على الكافرين} أي ~~العريقين في الكفر # PageV12P245 # {تؤزهم أزا *} أي تحركهم تحريكا شديدا، وتزعجهم في المعاصي والدنايا التي ~~لا يشكون في قباحتها وعظيم شناعتها وهم أشد الناس عيبا لفاعليها وذما ~~لمرتكبيها إرعاجا عظيما بحيث يكونون في تقلبهم ذلك مثل الماء الذي يغلي في ~~القدر، ومثل الشرر المتطاير الذي هو أشد شيء منافاة لطبع الطين وملاءمة ~~لطبع النار، فلما ثبت بذلك المدعى، تسبب عنه النهي عما اتصفوا به من خفة ~~السفه وطيش الجهل فقال: {فلا تعجل عليهم} بشيء مما تريد به الراحة منهم. # ولما كانت مراقبة ناصر الإنسان لعدوه في الحركات والسكنات أكبر شاف للولي ~~ومفرح، وأعظم غائط للعدو ومزعج ومخيف ومقلق، علل ذلك بقوله دالا على أن ~~زمنهم قصير جدا ms2883 بذكر العد: {إنما نعد لهم} بإمهالنا لهم وإدرارنا النعم ~~عليهم {عدا *} لأنفاسهم فما فوقها لا نغفل عنهم بوجه، فإذا جاء أجلهم الذي ~~ضربناه لهم، محونا آثارهم، وأخلينا منهم ديارهم، لا يمكنهم أن يفوتونا، ~~فاصبر فما أردنا بإملائنا لهم إلا إشقاءهم وإرداءهم لا تنعيمهم وإعلاءهم، ~~فهو من قصر الموصوف على صفته إفرادا. # PageV12P246 # ولما بين مآل حال الكافرين في آلهتهم ودليله، أتبعه بوقته فقال: {يوم} أي ~~يكفرون بعبادتهم يوم {نحشر المتقين} أي العريقين # PageV12P246 # في هذا الوصف؛ ولما تقدمت سورة النعم العامة النحل، وأتبعت سورة النعم ~~الخاصة بالمؤمنين وبعض العامة، مثل {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء: 70] ، ~~ثم سورتي الخاصة بالصالحين الكهف وهذه، قال: {إلى الرحمن} فيدخلهم دار ~~الرضوان، فذكر الاسم الدال على عموم الرحمة، وكرره في هذه السورة تكريرا دل ~~على ما فهمته، وربما أيد ذلك افتتاح النحل بنعمة البيان على هذا الإنسان ~~التي عبر عنها بالخصيم، وختام هذه بالقوم اللد من حيث رد مقطع هذه التي ~~كانت بالنظر إلى النعم شيئا واحدا على مطلعها {وفدا *} أي القادمين في ~~إسراع ورفعة وعلى، كما تقدم الوفود على الملوك، فيكونون في الضيافة ~~والكرامة. # ولما ذكر ما يدل على كرامة أوليائه، أتبعه ما يدل على إهانة أعدائه فقال: ~~{ونسوق المجرمين} أي بالكفر وغيره من المعصية، كالبهائم سوقا عنيفا مزعجا ~~حثيثا {إلى جهنم} بسطوة المنتقم الجبار {وردا *} أي عطاشا {لا يملكون ~~الشفاعة} أي لا يملك أحد من القسمين أن يشفع ولا أن يشفع فيه {إلا من اتخذ} ~~أي كلف نفسه واجتهد في أن أخذ {عند الرحمن عهدا *} بما وفقه له من الإيمان ~~والطاعة التي وعده عليها أن يشفع أو أن يشفع فيه؛ فالآية من الاحتباك: ذكر ~~الرحمن أولا دليلا على المنتقم ثانيا، وجهنم ثانيا دليلا # PageV12P247 # على حذف الجنة أولا. # ولما أبطل مطلق الشفعاء، وكان الولد أقرب شفيع، وكانوا قد ادعوا له ولدا، ~~أبطل دعواهم فيه لينتفي كل شفيع خاص وعام، فينتفي كل عز راموه بشفاعة ~~آلهتهم وغيرها. فقال عاطفا على قوله: {واتخذوا من دون الله آلهة} موجبا ms2884 ~~منهم: {وقالوا} أي الكفرة {اتخذ الرحمن} أي الذي لا منعم غيره، فكل أحد ~~محتاج إليه وهو غني عن كل أحد {ولدا *} قالت اليهود: عزير، والنصارى: ~~المسيح، والمشركون: الملائكة، مع قيام الأدلة على استحالته عليه سبحانه؛ ثم ~~استأنف الالتفات إلى خطابهم بأشد الإنكار، إيماء إلى تناهي الغضب فقال: ~~{لقد} أي وعزتي! لقد {جئتم شيئا إدا *} أي عظيما ثقيلا منكرا؛ ثم بين ثقله ~~بقوله: {تكاد السماوات} على إحكامها، مع بعدها من أصحاب هذا القول {يتفطرن} ~~أي يأخذن في الانشقاق {منه} أي من هذا الشيء الإد {وتنشق الأرض} على تحتها ~~شقا نافذا واسعا {وتخر} أي تسقط سريعا {الجبال} على صلابتها {هدا *} كما ~~ينفسخ السقف تحت ما لا يحتمله من الجسم الثقيل، لأجل {أن ادعوا} أي سموا ~~{للرحمن} الذي كل ما سواه نعمة منه {ولدا *} هذا المفعول الثاني، وحذف ~~الأول لإرادة العموم {وما ينبغي} أي ما يصح ولا يتصور {للرحمن أن يتخذ ولدا ~~*} لأنه غير محتاج إلى الولد بوجه، # PageV12P248 # ومع ذلك فهو محال، لأن الولد لا يكون إلا مجانسا للوالد، ولا شيء من ~~النعم بمجانس للمنعم المطلق الموجد لكل ما سواه، فمن دعا له ولدا قد جعله ~~كبعض خلقه، وأخرجه عن استحقاق هذا الاسم، ثم أقام الدليل على غناه عن ذلك ~~واستحالته عليه، تحقيقا لوحدانيته، وبيانا لرحمانيته، فهدم بذلك الكفر ~~بمطلق الشريك بعد أن هدم الكفر بخصوص الولد فقال: {إن} أي ما {كل من} أي ~~شيء من العقلاء، فهو نكرة موصوفة لوقوعها بعد كل وقوعها بعد رب {في ~~السماوات والأرض} الذين ادعوا أنهم ولد وغيرهم {إلا} . # ولما كان من العبد من يعصي على سيده، عبر بالإتيان فقال: {ءاتي الرحمن} ~~العام بالإحسان، أي منقاد له طوعا أو كرها في كل حالة وكل وقت {عبدا *} ~~مسخرا مقهورا خائفا راجيا، فكيف يكون العبد ابنا أو شريكا؟ فدلت الآية على ~~التنافي بين العبودية والولدية، فهي من الدليل على عتق الولد والوالد إذا ~~اشتريا. # PageV12P249 # ولما كان من المستبعد معرفة الخلائق كلهم، أتبعه بقوله: {لقد} أي والله ~~لقد {أحصاهم} كلهم ms2885 إحا ### | طة # بهم {وعدهم} ولما كان ذلك لا يكاد يصدق، أكده بالمصدر فقال: {عدا *} قبل ~~خلقهم من جميع جهات العبد ولوازمها، فلم يوجد ولم يولد، ولم يعدم أو يصب # PageV12P249 # أحد منهم إلا في حينه الذي عده له، وقد يكون الإحصاء قبل الوجود في عالم ~~الغيب والعد بعد الوجود {وكلهم} أي وكل واحد منهم {ءاتيه يوم القيامة} بعد ~~بعثه من الموت {فردا *} على صفة الذل، موروثا ماله وولده الذي كنا أعطيناه ~~في الدنيا قوة له وعزا، لأنه لا موجود غيره يقدر على حراسة نفسه من الفناء، ~~فهو لا شك في قبضته، فكيف يتصور في بال أو يقع في خيال أن يكون شيء من ذلك ~~له ولدا أو معه شريكا. # ولما عم بهذا الحكم الطائع والعاصي، وكان ذلك محزنا لأهل الطاعة باستشعار ~~الذل في الدارين، تحركت النفس إلى معرفة ما أفادتهم الطاعة، واستأنف الجواب ~~لذلك مبشرا لهم بقوله: {إن الذين آمنوا وعملوا} تصديقا لادعائهم الإيمان، ~~الأعمال {الصالحات سيجعل} تحقيقا عما قليل عند بيعة العقبة {لهم الرحمن} ~~الذي خصهم بالرضا بعد أن عمهم بالنعمة، جزاء على انقيادهم له، لأنه كان إما ~~باختيارهم وإما برضاهم {ودا *} أي حبا عظيما في قلوب العباد، دالا على ما ~~لهم عندهم من الود؛ قال الأصبهاني: من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي ~~تكسب بها الناس مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع غيره أو غير ذلك، ~~وإنما هو اختراع ابتدأ اختصاصا منه لأوليائه بكرامة خاصة كما # PageV12P250 # قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم - انتهى. ~~والمراد - والله أعلم - أنه لا يجعل سبحانه في قلب أحد من عباده الصالحين ~~عليهم إحنة، لأن الود - كما قال الإمام أبو الحسن الحرالي: خلو عن إرادة ~~المكروه، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الروم ما يزيد ذلك وضوحا؛ روى ~~الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن الله إذا أحب عبدا دعا جبرئيل فقال: يا جبرئيل! إني أحب فلانا ~~فأحبه، ms2886 فيحبه جبرئيل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، ~~فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبدا دعا ~~جبرئيل فقال: يا جبرئيل! إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبرئيل ثم ينادي في ~~أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ثم يوضع له ~~البغضاء في الأرض» . # ولما كان إنزال هذا القول الثقيل ثم تيسيره حفظا وعملا سببا لما جعل لأهل ~~الطاعة في الدنيا من الود بما لهم من التحلي والتزين بالصالحات، والتخلي ~~والتصون من السيئات، الدال على ما لهم عند مولاهم من عظيم العز والقرب، ~~وكان التقدير: والذين كفروا ليكسبنهم # PageV12P251 # الجبار بغضا وذلا، فأخبر كلا من الفريقين بما له بشارة ونذارة، قال مسببا ~~عن إفصاح ذلك وإفهامه: {فإنما يسرناه} أي هذا القرآن، الذي عجز عن معارضته ~~الإنس والجان، والكتاب القيم والوحي الذي لا مبدل له بسبب إنزالنا إياه ~~{بلسانك} هذا العربي المبين، العذب الرصين {لتبشر به المتقين} وهم الذين ~~يجعلون بينهم وبين ما يسخط الله وقاية، فلا يبطلون حقا ولا يحقون باطلا، ~~ومتى حصلت لهم هفوة بادروا الرجوع عنها بالمتاب، بما لهم عندنا من العز ~~الذي هو ثمرة العز المدلول عليه بما لهم منه في الدنيا، لا لتحزنهم بأن ~~ينزل فيه ما يوهم تسويتهم بأهل المعصية في كلتا الدارين {وتنذر به قوما لدا ~~*} أشد في الخصومة، يريدون العز بذلك، لما لهم عندنا من الذل والهوان ~~الناشىء عن المقت المسبب عن مساوىء الأعمال، وأنا نهلكهم إن لم يرجعوا عن ~~لددهم، والألد هو الذي يتمادى في غيه ولا يرجع لدليل، ويركب في عناد الحق ~~ما يقدر عليه من الشر، ولا يكون هذا إلا ممن يحتقر من يخاصمه ويريد أن يجعل ~~الحق باطلا، تكبرا عن قبوله، فينطبق عليه ما رواه مسلم في الإيمان عن ~~صحيحه، وأبو داود في اللباس من سننه، والترمذي في البر من جامعه، وابن ماجه ~~في السنة من سننه عن ابن مسعود # PageV12P252 # رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ms2887 وسلم قال: # «لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن ~~يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق ~~وغمط -» وفي رواية: «وغمص - الناس» وكلاهما بمعنى الاحتقار، ومن كان هذا ~~سبيله مرن على ذلك ومرد عليه، فكان جديرا بأن يركبه الله أبطل الباطل: ~~الكفر عند الموت، فتحرم عليه الجنة، فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ~~{سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} [الأعراف: 49] فيا ذل ~~من تكبر على الحق! ويا عز من تشرف بالذل للحق والعز على الباطل! ولعمري لقد ~~أجرى الله عادته - ولن تجد لسنة الله تحويلا أن من تعود الجراءة بالباطل ~~كان ذليلا في الحق، وإليه يشير قوله تعالى في وصف أحبابه {أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] . # ولما كان التقدير بعدما أرشد إليه السياق من مفعول {ينذر} : فإنا قادرون ~~على إهلاكهم وجميع ما نريد منهم، عطف عليه قوله: {وكم أهلكنا} بما لنا من ~~العظمة، ولما كان المراد التعميم، أثبت الظرف # PageV12P253 # عريا عن الجار، وأكد الخبر بإثبات من بعده فقال: {قبلهم من قرن} كانوا ~~أشد منهم شدة، وأكثر عدة، وأوثق عدة، فلم يبق إلا سماع أخبارهم، ومشاهدة ~~آثارهم؛ ثم قال تصويرا لحالهم، وتقريرا لمضمون ما مضى من مآلهم: {هل تحس ~~منهم من أحد} ببصر أو لمس {أو تسمع لهم ركزا *} أي صوتا خفيا فضلا عن أن ~~يكون جليا، فقد ختمت السورة بما بدئت به من الرحمة لأوليائه، والود ~~لأصفيائه، والنعمة للذين خلفوا بعدهم من أعدائه، بعد الرحمة للفريقين بهذا ~~الكتاب بشارة ونذارة فحلت الرحمة على أوليائه، وزلت عن أعدائه والله ~~الموفق. # PageV12P254 # مقصودها الإعلام بإمهال المدعوين والحلم عنهم والترفق بهم إلى أن يكونوا ~~أكثر الأمم، زيادة في الشرف داعيهم (صلى الله عليه وسلم) ، وعلى هذا المقصد ~~الشريف دل اسمها بطريق الرمز والإشارة، لتبيين أهل الفطنة والبصارة، وذلك ~~بما في أولها من الحروف المقطعة، وذلك أنه لما كان ختام سورة مريم حاملا ms2888 ~~على الخوف من أن تهلك أمته (صلى الله عليه وسلم) قبل ظهور أمره الذي أمر ~~الله به ةاشتهار دعوته، لقلة من آمن به منهم، ابتدأه سبحانه بالطاء إشارة ~~بمخرجها الذي هو من رأس اللسان وأصول الثنيتين العليين إلى قوة أمر ~~وانتشاره، وعلوه وكثرة أتباعه، لأن هذا المخرج أكثر المخارج حروفا، وأشدها ~~حركة وأوسعها انتشارا، وبما فيها من صفات الجهر والإطباق والاستعلاء ~~والقلقلة إلى انقلاب ما هو فيه من الإسرار جهرا، وما هو فيه من الرقة ~~فخامة، لأنها من حروف التفخيم، وأنه يستعلي أمره، وينتشر ذكره، حتى يطبق ~~جميع الوجود ويقلقل سائر الأمم، ولكن يكون ذلك. # بما تشير إليه الهاء بمخرجها من أقصى الحلق. # PageV12P255 # على حد بعده من طرف اللسان مع طول كبير وتماد كثير، وبما فيها من صفات ~~الهمس والرخاوة والانفتاح والاستفال والخفاء مع مخافته وضعف كبير، وهدوء ~~وخفاء عظيم، ومقاساة شدائد كبار، مع نوع فخامة واشتهار، وهو وإن كان ~~اشتهارا يسيرا يغلب هذا الضعف كله وإن كان قويا شديدا، وقراءة الإمالة ~~للهاء تشير إلى شدة الضعف، وقراءة التفخيم. # وهي الأكثر القراء. # مشيرة إلى فخامة القدر وقوة الأمر، بما لهما من الانتفاخ، وإن رئي أنه ~~ليس كذلك (إنه ليخافهملك بني الأصفر) وإن كان معنى الحرفين: يا رجل، فهو ~~إشارة إلى قوته وعلو قدره، وفخامة ذكره، وانتشار أتباعه وعموم أمره، وإن ~~كانا إشارة إلى وطء الأرض فهو إلاحة إلى قوة التمكن وعظيم القدرة وبعدد ~~الصيت حتى تصير كلها ملكا له ولأتباعه، وملكا لأمرائه واشياعه. # والله أعلم. # وذكر ابن الفرات في تأريخه أن هحر الحبشة كانت قي السنة الثامنة من ~~المبعث فالظاهر. # على ما يأتي في إسلام عمر رضي الله عنه أن نزول هذه السورة أو أولها كان ~~قرب هجرة الحبشة، فيكون سبحانه قد رمز له (صلى الله عليه وسلم) على ما هو # PageV12P256 # ألذ في محادثة الأحباب، من صريح الخطاب، بعدد مسمى الطاء إلى أن وهن ~~الكفار الوهن الشديد. # يقع في السنة التاسعة من نزولها، وذلك في غزوة بدر الموعد في سنة ms2889 أربع من ~~الهجرة، وبعدد اسمها إلى أن الفتح الأول يكون في السنة الحاية عشر من ~~نزولها، وذلك في عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة عند نزول ~~سورة الفتح، ورمز له بعدد مسمى الهاء إلى أن مبدأ النصرة بالهجرة في السنة ~~الخامسة من نزولها، وبعدد اسمها إلى أن نصرة بالفعل يعق في السنة السابعة ~~من نزولها، وذلك في غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة، وبعدد ~~حرفي اسمها لا بعدد اسميها إلى أنه في السنة الثالثة عشر من نزولها يكون ~~بفتح الأكبر بالاستعلاء على مكة المشرفة التي كان سببا قريبا للاستعلاء على ~~جميع الأرض، وذلك في أواخرها في رمضان سنة ثمان من الهجرة، وكان تمتمه بفتح ~~الطائف بإرسال وفدهم وإسلامهم وهدم طاغيتهم في سنة تسع، وهي السنة الرابعة ~~عشرة، وبعدد اسميهما إلى أن تطبيق أكثر الأرض بالإسلام يكون في السنة ~~الثامنة عشرة من نزولها، وذلك بخلافة عمر رضي الله عنه في السنة الثالثة ~~عشر من الهجرة. # والله أعلم. # ) بسم (الواسع الحلم التام القدرة) الله (الملك الأعظم) الرحمن ( # PageV12P257 # الذي استوى في أصل نعمته جميع خلقه) الرحيم (الذي أتم النعمة على أهل ~~توفيقه ولطفه) طه # PageV12P258 ### | طه # *} أي تخلص بالغ من كل ما يخشى وظهر عظيم وطيب منتشر في كل قطر إلى نهاية ~~الوطن الذي هو التاسع، ممن له الإحاطة التامة بكل غيب، وإليه يرجع الأمر ~~كله، كما اجتمعت أسماؤه كلها في غيب هو الذي جعل العزة للمهتدين والهدى ~~للمتقين. # هذه السورة والتي قبلها من أقدم السور المكية، قال هشام في تهذيب السيرة: ~~قال ابن اسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن ~~الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت أم أمية بن المغيرة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: قالت: لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار ~~النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله تبارك وتعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا ~~نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم. فذكر إرسالهم إليه بهدايا ms2890 ليردهم ~~إليه، وأن بطارقته كلموه في ذلك، وأنه أبى حتى يسمع كلامهم، وأنه طلبهم ~~فأجمع أمرهم على أن يقولوا الحق كائنا فيه ما كان، فدخلوا وقد دعا النجاشي ~~أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم به # PageV12P258 # قومكم ولم تدخلوا به في دين أحد من هذه الملل. قالت: فكان الذي كلمه جعفر ~~بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: أيها الملك! كنا قوما أهل جاهلية، نعبد ~~الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل ~~القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه ~~وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد ~~نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء ~~الأمانة، وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن ~~الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم. وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ~~وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد عليه ~~أمور الإسلام. فصدقناه وآمنا به، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ~~ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان. فلما قهرونا وظلمونا خرجنا إلى بلادك، ~~واخترناك على من سواك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك! فقال له ~~النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ فقال له جعفر: نعم! فقال له ~~النجاشي: فاقرأه علي فقرأ عليه صدرا من كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى أخضل ~~لحيته وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا # PageV12P259 # عليهم؛ ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، ~~ثم ذكر تأمينه لهم ورد هدايا قريش ورسلهم خائبين. وقال ابن هشام: وقال ابن ~~إسحاق: فحدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن ~~عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبي حثمة ~~رضي الله عنها قالت: والله! إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر رضي ~~الله عنه ms2891 في بعض حاجاتنا إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي وهو على شركه، ~~وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا، فقال: إنه الانطلاق يا أم عبد ~~الله؟ قلت: نعم! والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل ~~الله لنا مخرجا، فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف ~~وقد أحزنه فيما أرى خروجنا، فجاء عامر رضي الله عنه بحاجته تلك فقلت له: يا ~~أبا عبد الله! لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا! قال: أطمعت في إسلامه؟ ~~قلت: نعم! قال: لايسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب. # يأسا منه. لما كان يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام، قال ابن إسحاق: وكان ~~إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب، وكانت عند سعيد بن زيد بن ~~عمرو بن نفيل رضي الله عنهم، وكانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم ~~مستخفون بإسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله بن النحام. رجل من قومه ~~بني عدي بن كعب. قد أسلم رضي الله عنه، # PageV12P260 # وكان أيضا يستخفي بإسلامه فرقا من قومه، وكان خباب بن الأرت رضي الله عنه ~~يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما ~~متوشحا بسيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه رضي الله ~~عنهم قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين ما ~~بين رجال ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب ~~وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي ~~الله عنهم أجمعين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم ~~يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله رضي الله عنه فقال: ~~أين تريد يا عمر؟ قال أريد محمدا هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش وسفه ~~أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم ms2892 رضي الله عنه: والله! ~~لقد غرتك نفسك من نفسك ياعمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد ~~قتلت محمدا! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال: ~~ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما ~~وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه وعندهما ~~خباب بن الأرت رضي الله عنه وعنهما، معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها، فلما ~~سمعوا حس عمر تغيب # PageV12P261 # خباب بن الأرت رضي الله عنه في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة ~~بنت الخطاب رضي الله عنها الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا ~~من البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا ~~له: ما سمعت شيئا؟ قال: بلى! والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على ~~دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد رضي الله عنه فقامت إليه أخته فاطمة بنت ~~الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه رضي ~~الله عنهما: نعم! قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك! فلما رأى ~~عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى وقال لأخته: أعطيني هذه ~~الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد؟ وكان عمر ~~كاتبا، فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال: لاتخافي، وحلف ~~لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت: ~~يا أخي! إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل ~~فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها، فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا ~~الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب رضي الله عنه خرج إليه فقال له: يا عمر! ~~والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم فإني ~~سمعته أمس وهو يقول: اللهم! أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو ms2893 بعمر بن ~~الخطاب فالله الله يا عمر! فقال له عمر عند ذلك: فدلني # PageV12P262 # يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، ~~معه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوحشه ثم عمد إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلال الباب فرآه متوحشا السيف ~~فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال: يا رسول الله! هذا ~~عمر بن الخطاب متوحشا السيف! فقال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: فأذن ~~له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم ~~جبذه جبذة شديدة وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب! فوالله ما أرى أن تنتهي ~~حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر: يا رسول الله! جئتك لأومن بالله وبرسوله ~~وبما جاء من عند الله، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل ~~البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من مكانهم، وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر بن ~~الخطاب مع إسلام حمزة رضي الله عنهما، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وينتصفون # PageV12P263 # بهما من عدوهم، فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن أسلام عمر رضي الله ~~عنه حين أسلم. # وكان إسلام عمر بعد إسلام حمزة رضي الله عنهما بثلاثة أيام، كما ثبت ذلك ~~في حاشية شرح العقائد عن فوائد تمام الرازي، وصفوة الصفوة لابن الجوزي؛ قال ~~ابن هشام: قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ~~قال: لما أسلم عمر قال: أي ms2894 قريش أنقل للحديث؟ قال: قيل له: جميل بن معمر ~~الجمحي، فغدا عليه، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: وغدوت أتبع أثره ~~وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل ~~أني أسلمت ودخلت في دين محمد؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه. ~~واتبعه عمر رضي الله عنه واتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى ~~صوته: يا معشر قريش! وهم في أنديتهم حول الكعبة. ألا! إن ابن الخطاب قد صبأ ~~قال: يقول عمر رضي الله عنه من خلفه: كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه ~~حتى قامت الشمس على روؤسهم قال: وطلح فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: ~~افعلوا ما بدا لكم، فأحلف # PageV12P264 # بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها أو تركتموها لنا، قال: فبينما ~~هو على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم ~~فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، قال: فمه! رجل اختار لنفسه أمرا فماذا ~~تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم؟ هكذا عن الرجل! قال: ~~فوالله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. وفي الروض الأنف للامام أبي القاسم ~~السهيلي أن يونس روى عن ابن إسحاق أن عمر قال حين أسلم رضي الله عنه: # الحمد لله ذي المن الذي وجبت ... له علينا أياد ما لها غير # وقد بدأنا فكذبنا فقال لنا ... صدق الحديث نبي عنده الخبر # وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى ... ربي عشية قالوا قد صبا عمر # وقد ندمت على ما كان من زلل ... بظلمها حين تتلى عندها السور # لما دعت ربها ذا العرش جاهدة ... والدمع من عينها عجلان يبتدر # أيقنت أن الذي تدعوه خالقها ... فكاد يسبقني من عبرة درر # فقلت أشهد أن الله خالقنا ... وأن أحمد فينا اليوم مشتهر # نبي صدق أتى بالحق من ثقة ... وافى الأمانة ما في عوده خور ms2895 # إذا تقرر هذا، علم أن المقصود من السورة - كما تقدم - تشريف # PageV12P265 # هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بإعلامه بالرفق بأمته، والإقبال ~~بقلوبهم حتى يملؤوا الأرض كثرة، كما أنزل عليهم السكينة وهم في غاية الضعف ~~والقلة، وحماهم ممن يريد قتلهم، ولين قلب عمر رضي الله عنه بعد ما كان فيه ~~من الغلظة وجعله وزيرا، ثم حماه بعدوه، وتأمينه صلى الله عليه وسلم من أن ~~يستأصلوا بعذاب، وبأنه يموت نبيهم قبلهم لا كما وقع للمهلكين من قوم نوح ~~وهود عليهما السلام ومن بعدهم - بما دل عليه افتتاح هذه بنفي الشقاء وختم ~~تلك بجعل الود وغير ذلك، والداعي إلى هذا التأمين أنه سبحانه لما ختم تلك ~~بإهلاك القرون وإبادة الأمم بعد إنذار القوم اللد، ولم يختم سورة من السور ~~الماضية بمثل ذلك، كان ربما أفهم أنه قد انقضت مدتهم، وحل بوارهم، وأتى ~~دمارهم، وأنه لا يؤمن منهم - لما هم فيه من اللد - إلا من قد آمن، فحصل ~~بذلك من الغم والحزن ما لا يعلم قدره إلا الله، لأن الأمر كان في ابتدائه، ~~ولم يسلم منهم إلا نفر يسير جدا، فسكن سبحانه الروع بقوله: {ما أنزلنا} ~~بعظمتنا {عليك} أي وأنت أعلم الخلق {القرآن} أي أعظم الكتب، الجامع لكل ~~خير، والدافع لكل ضير، الذي يسرناه بلسانك {لتشقى*} أي بتعب قلبك بكونك من ~~أقل المرسلين تابعا بعد استئصال قومك وشقائهم بإنذارك {إلا} أي لكن أنزلناه # PageV12P266 # {تذكرة} أي تذكيرا عظيما {لمن يخشى*} ممن أشرنا في آخر التي قبلها إلى ~~بشارته إيماء إلى أنه سيكون فيهم من المتقين من تناسب كثرته إعجاز هذا ~~القرآن ودوامه، وما فيه من الجمع المشار إليه بالتعبير بالقرآن لجميع ما في ~~الكتب السالفة من الأحكام أصولا وفروعا، والمواعظ والرقائق، والمعارف ~~والآداب، وأخبار الأولين والآخرين، ومصالح الدارين، وزيادته عليها بما شاء ~~الله، لأن كثرة الأمة على قدر جلالة الكتاب، والتعبير عن «لكن» بالإشارة ~~إلى أنه يمكن أن يكون من باب: # ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # وأشار بالمصدر الجاري ms2896 على غير الفعل في قوله: {تنزيلا} إلى أنه يتمهل ~~عليهم ترفقا بهم، ولا ينزل هذا القرآن إلا تدريجا، إزالة لشبههم، وشرحا ~~لصدورهم، وتسكينا لنفوسهم، ومدا لمدة البركة فيهم بتردد الملائكة الكرام ~~إليهم، كما أنه لم يهلكهم بمعاصيهم اكتفاء ببينة ما في الصحف الأولى، بل ~~أرسل إليهم رسولا لئلا يقولوا: ربنا لولا - كما اقتضته حكمته وتمت به ~~كلمته، ولما كان رجوعهم إلى الدين على ما يشاهد منهم من الشدة والأنفة ~~والشماخة التي سماهم الله بها قوما لدا في غاية البعد، شرع سبحانه يذكر ~~بقدرته إشارة إلى أن القلوب بيده يقلبها كيف شاء كما صورها كيف شاء، وأن ~~شأنه الرفق والأناة، فقال ملتفتا من التكلم إلى الغيبة ليدل على ما اقتضته ~~النون من العظمة # PageV12P267 # مقدما ما اقتضى الحال تقديمه من سكن المدعوين المعتنى بتذكرتهم وهداية ~~أريد منهم: {ممن خلق الأرض} المنخفضة. # ولما قدم الأرض إعلاما بالاعتناء برحمها بالترفق بسكانها ليملأها ~~بالإيمان منهم تحقيقا لمقصود السورة تشريفا للمنزل عليه، أتبعها محل ~~الإنزال على سبيل الترقي من بيت العزة إلى ما كنزه في خزانة العرش فقال: ~~{والسماوات العلى*} في ستة أيام، ولو شاء كانتا في لحظة. # ولما كان القادر قد لايكون ملكا، قال دالا على ملكه مادحا له بالقطع خبرا ~~لمبتدأ محذوف: {الرحمن} مفتتحا بالوصف المفيض للنعم العامة للطائع والعاصي؛ ~~ثم ذكر خبرا ثانيا دالا على عموم الرحمة فقال: {على العرش} الحاوي لذلك كله ~~{استوى*} أي أخذ في تدبير ذلك منفردا، فخاطب العباد بما يفهمونه من قولهم: ~~فلان استوى، أي جلس معتدلا على سرير الملك، فانفرد بتدبيره وإن لم يكن هناك ~~سرير ولا كون عليه أصلا، هذا روح هذه العبارة، كما أن روح قوله عليه الصلاة ~~والسلام الذي رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما «القلوب بين ~~إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء» أنه سبحانه وتعالى عظيم القدرة على ~~ذلك، وهو عليه يسير خفيف كخفته على من هذا # PageV12P268 # الحالة، وليس المراد أن هناك إصبعا أصلا - نبه على ذلك حجة الإسلام ms2897 ~~الغزالي، ومنه أخذ الزمخشري أن يد فلان مبسوطة كناية عن جواد وإن لم يكن ~~هناك بد ولا بسط أصلا. # ولما كان الملك قد لا يكون مالكا، قال مقدما الأشرف على العادة: {له ما ~~في السماوات} أي كله من عاقل وغيره {وما في الأرض} جميعه {وما بينهما} أي ~~السماوات والأرض {وما تحت الثرى*} وهو التراب الندي، سواء قلنا: إنه آخر ~~العالم فما تحته العدم المحض أم لا؟ فبكون تحته النور أو الحوت أو غيرهما. # PageV12P269 # ولما كان الملك لا ينتظم غاية الانتظام إلا بإحاطة العلم، وكان الملك من ~~الآدميين قد لا يعلم أحوال أقصى ملكه كما يعلم أحوال أدناه لا سيما إذا كان ~~واسعا ولذلك يختل بعض أمره، اعلم أنه سبحانه بخلاف ذلك، فقال حثا على ~~مراقبته والإخلاص له: {وإن تجهر بالقول} أي بهذا القرآن للبشارة والنذارة ~~أو لغير ذلك أو بغيره، فإنه علام به وغير محتاج إلى الجهر، فلا يتكلف ذلك ~~في غير ما أمرت بالجهر به لغرض غير الإسماع {فإنه يعلم السر} وهو ما يناجي ~~به الاثنان مخافتة {وأخفى*} من ذلك، وهو ما في الضمائر مما تخيلته الأفكار ~~ولم يبرز إلى الخارج # PageV12P269 # وغيره من الغيب الذي لم يعلمه غيره تعالى بوجه من الوجوه، ومنه ما سيكون ~~من الضمائر. ولما كان من هو بهذه الأوصاف من تمام العلم والقدرة ربما ظن أن ~~له منازعا، نفى ذلك بقوله معلما أن هذا الظن باطل قطعا لا شبهة له وأن ما ~~مضى ينتج قطعا: {الله} مفتتحا بالاسم الأعظم الحاوي لصفات الكبر وغيرها {لا ~~إله إلا هو} ثم علل ذلك بقوله: {له} أي وحده {الأسماء الحسنى*} أي صفات ~~الكمال التي لا يصح ولا يتصور أن يشوبها نقص ما، بل هو متصف بها دائما ~~اتصافا حقيقيا لا يمكن انفكاكه، كما يكون لغيره من الاتصاف ببعض المحاسن في ~~بعض الأحايين ثم يعجز عنه في وقت آخر أو بالنسبة إلى زمان آخر. # ولما أتبع ذلك قصة موسى عليه السلام مصدرة باستفهام مقترن بواو عطف، ~~وأرشد ذلك إلى أن ms2898 المعنى: هل تعلم له سميا، أي متصفا بأوصافه أو بشيء منها ~~له بذلك الوصف مثل فعله، ولما كان الجواب قطعا: لا، ثبت أن لا متصف بشيء من ~~أوصافه، فعطف على هذا المقدر قصة موسى عليه السلام، ويكون التقدير: هل علمت ~~بما ذكرناك به في هذه الآيات أنا نريد ما هو علينا يسير بما لنا من القدرة ~~التامة والعلم الشامل من إسعادك في الدارين تكثير أجرك، وتفخيم أمرك، ~~بتكثير # PageV12P270 # أتباعك، وعطف عليه القصة شاهدا محسوسا على ما له من الاتصاف بما انتفى عن ~~غيره من الأسماء الحسنى، ولاسيما ما ذكر هنا من الاتصاف بتمام القدرة ~~والتفرد بالعظمة، وأنه يعلي هذا المصطفى بإنزال هذا الذكر عليه وإيصاله منه ~~إليه النصرة على الملوك وسائر الأضداد، والتمكين في أقطار البلاد، وكثرة ~~الأتباع، وإعزاز الأنصار والوزراء والأشياع، وغير ذلك بمقدار ما بين ابتداء ~~أمرهما من التفاوت، فإن ابتداء أمر موسى عليه السلام أنه أتى النار ليقبس ~~أهله منها نارا أو يجد عندها هدى. # فمنح بذلك من هدى الدارين والنصرة على الأعداء كما سيقص هنا ما منح، وهذا ~~النبي الكريم كان ابتداء أمره أنه يذهب إلى غار حراء فيتعبد الليالي ذوات ~~العدد، ويتزود لذلك اجتذابا من الحق له قبل النبوة بمدد، تدريبا له وتقوية ~~لقلبه، فأتته النبوة وهو في مضمارها سائر، وإلى أوجها بعزمه صائر بل طائر، ~~وموسى عليه السلام رأى حين أتته النبوة آية العصا واليد، ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم كان قبل النبوة لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه، كما أسنده ابن ~~إسحاق في السيرة. وروى مسلم وغيره عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم # PageV12P271 # قال: «إني لأعرف حجرا كان يسلم علي قبل أن أبعث» فقال تعالى مقررا تنبيها ~~على أنه يذكر له منه ما يكفي في تسليته وتقوية قلبه، وتبكيت اليهود الذين ~~توقفوا في أمره صلى الله عليه وسلم وغشوا قريشا حين تكلفوا طي شقة البين ~~إليهم ورضوا بقولهم لهم وعليهم ليكون فائدة الاستفهام أن ms2899 يفرغ أذنه الشريفة ~~للسماع وقلبه للوعي العظيم: {وهل أتاك} أي يا أشرف الخلق! {حديث موسى*} ~~نادبا إلى التأسي بموسى عليه السلام في تحمل أعباء النبوة وتكليف الرسالة ~~والصبر على مقامات الشدائد، وشارحا بذكر ما في هذه السورة من سياق قصة ما ~~أجمل منها في سورة مريم، ومقررا بما نظمه في أساليبها ما تقدم أنه مقصد ~~السورة من أنه يسعده ولا يشقيه، ويعزه على جميع شانئيه بإعزازه على أهل ~~بلده بعد إخراجهم له، كما أعز موسى عليه السلام من خرج من بلادهم خائفا ~~يترقب، ترغيبا في الهجرة ثالثا بعد ما رغب فيها أولا بقصة أصحاب الكهف ~~وثانيا بقصة أبيه إبراهيم عليه السلام، وأنه يعلي قومه على جميع أهل الأرض، ~~وينقذهم به بعد ضعفهم من كل شدة ويغني فقرهم ويجعلهم ملوك الأرض، يذل بهم ~~الجبابرة، ويهلك من علم شقاوته منهم كما فعل بقوم موسى، وأشار بإنجاء موسى ~~عليه السلام على # PageV12P272 # يد عدوه وإلقائه المحبة عليه وهداية السحرة دون فرعون وقومه، وعبادة بني ~~إسرائيل العجل بعد ما رأوا من الآيات والنعم والنقم، ثم رجوعهم عنها إلى ~~عظيم قدرته على التصرف في القلوب لمن كان يبخع نفسه لكفرهم بهذا الحديث ~~أسفا، وكذا ما في قصة آدم عليه السلام من قوله {فنسي ولم نجد له عزما} [طه: ~~115] وقوله {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} [طه: 122] ولعله أشار بقوله ~~{واحلل عقدة من لساني} [طه: 27] إلى ما أنعم الله به عليه من تيسير هذا ~~الذكر بلسانه، وأرشد بدعاء موسى عليه السلام بشرح الصدر وتيسير الأمر وطلب ~~وزيرا من أهله إلى الدعاء بمثل ذلك حتى دعا المنزل عليه هذا القرآن بأن ~~يؤيد الله الدين بأحد الرجلين، فأيده بأعظم وزير: عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه - كما مضى هذا إلى تمام ما اشتمل عليه سياق قصة موسى عليه السلام هنا، ~~إتماما لتبكيت اليهود على تعليمهم قريشا أن يسألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الروح، وما ذكر معها من دقائق، من أمر قصة نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم، لا ms2900 يعلمها أحد منهم أو إلا حذاقهم، منها أن الموعد كان يوم الزينة، ~~ومنها إيمان السحرة إيمانا كاملا، ومنها التهديد بتصليبهم في جذوع النخل، ~~ومنها إلقاء السامري لأثر الرسول، فإني لم أر أحدا من اليهود يعرف ذلك، ~~وأخبرني بعض فضلائهم أنه لا ذكر لذلك عندهم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما ذكر سبحانه قصة إبراهيم ~~عليه السلام وما منحه وأعطاه، وقصص الأنبياء بعده بما خصهم به، # PageV12P273 # وأعقب ذلك بقوله تعالى {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ~~آدم} [مريم: 58] وكان ظاهر الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العلية، ~~والدرجات المنفية الجليلة لا سيما وقد اتبع ذلك بقوله {فخلف من بعدهم خلف ~~أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} [مريم: 59] كان هذا مظنة ~~إشفاق وخوف فاتبعه تعالى بملاطفة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ملاطفة ~~المحبوب المقرب المجتبى فقال {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} وأيضا فقد ختمت ~~سورة مريم يقوله {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ~~ركزا} بعد قوله {وتنذر به قوما لدا} وقد رأى عليه الصلاة والسلام من تأخر ~~قريش عن الإسلام ولددها ما أوجب إشفاقه وخوفه عليهم. ولا شك أنه عليه ~~الصلاة والسلام يحزنه تأخير إيمانهم، ولذلك قيل له {فلا تحزن عليهم} فكأنه ~~عليه الصلاة والسلام ظن أنه يستصعب المقصود من استجابتهم، أو ينقطع الرجاء ~~من إنابتهم فيطول العناء والمشقة، فبشره سبحانه وتعالى بقوله: {ما أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى} فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم، فيستجيب من انطوى على ~~الخشية إذا ذكر وحرك إلى النظر في آيات الله كما قيل له في موضع آخر {فلا ~~يحزنك قولهم} [يونس: 65] ثم تبع ذلك سبحانه تعريفا وتأنيسا بقوله {الرحمن ~~على العرش استوى} إلى أول قصص موسى عليه السلام، فأعلم سبحانه أن الكل خلقه ~~ملكه، وتحت قهره وقبضته لا يشذ شيء عن ملكه. # PageV12P274 # فإذا شاهد آية من وفقه لم يصعب أمره، ثم اتبع ذلك بقصة موسى عليه السلام، ~~وما كان منه في إلقائه ms2901 صغيرا في اليم، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك ~~فرعون وظهور بني إسرائيل، وكل هذا مما يؤكد القصد المتقدم، وهذا الوجه ~~الثاني أولى من الأول - والله أعلم، انتهى. {إذ} أي حديثه حين {رأى نارا} ~~وهو راجع من بلاد مدين {فقال لأهله امكثوا} أي مكانكم واتركوا ما أنتم عليه ~~من السير؛ ثم علل أمره بقوله: {إني ءانست} أي أبصرت في هذا الظلام إبصارا ~~بينا لا شبهة فيه من إنسان العين الذي تبين به الأشياء، وهو مع ذلك مما يسر ~~من الإنس الذين هم ظاهرون ما ترك بهم {نارا} فكأنه قيل، فكان ماذا؟ فقال ~~معبرا بأداة الترجي لتخصيصه الخبر الذي عبر به في النمل بالهدى: {لعلي ~~ءاتيكم} أي أترجى أن أجيئكم {منها بقبس} أي بشعلة من النار في رأس حطبة ~~فيها جمرة تعين على برد هذه الليلة {أو أجد على} مكان {النار هدى*} أي ما ~~أهتدي به لأن الطريق كانت قد خفيت عليهم {فلما أتاها} . # ولما كان في الإبهام ثم تعيين تشويق ثم تعظيم، بنى للمفعول قوله: {نودي} ~~من الهدى الذي لا هدى غيره؛ ثم بين النداء بقوله: # PageV12P275 # {يا موسى*} ولما كان المقام للتعريف بالأيادي تلطفا، قال مؤكدا، تنبيها ~~له على تعرف أنه كلامه سبحانه من جهة أنه يسمعه من غير جهة معينة وعلى غير ~~الهيئة التي عهدها في مكالمة المخلوقين، مسقطا الجار في قراءة ابن كثير ~~وأبي عمرو وأبي حفص بالفتح، وحاكيا بقول مقدر عند الباقين: {إني أنا ربك} ~~أي المحسن إليك بالخلق والرزق وغيرهما من مصالح الدارين {فاخلع نعليك} كما ~~يفعل بحضرات الملوك أدبا، ولتنالك بركتها ولتكون مهيأ للإقامة غير ملتفت ~~إلى ما وراءك من الأهل والولد، ولهذا قال أهل العبارة: النعل يدل على ~~الولد. # ثم علل بما يرشد إلى أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان فقال: ~~{إنك بالواد المقدس} أي المطهر عن كل ما لا يليق بأفنية الملوك؛ ثم فسره ~~بقوله: {طوى*} ولما كان المعنى: فإني اخترته تشريفا له من بين البقاع ~~لمناجاتك، عطف ms2902 عليه قوله: {وأنا اخترتك} أي للنبوة {فاستمع} أي أنصت ملقيا ~~سمعك معملا قلبك للسماع {لما} أي اخترتك للذي، وقدم استمع اهتماما به ~~{يوحى*} أي يقال لك مني سرا مستورا عن غيرك سماعه وإن كان في غاية الجهر، ~~كما يفعل الحبيب مع حبيبه من صيانة حديثهما عن ثالث # PageV12P276 # بما يجعل له من الخلوة إعلاما بعلو قدره وفخامة أمره؛ ثم فسر الموحى بأول ~~الواجبات وهو معرفة الله تعالى؛ فقال مؤكدا لعظم الخبر وخروجه عن العادات: ~~{إنني أنا الله} فذكر الاسم العلم لأن هذا مقامه إذ الأنسب للملطوف به - ~~بعد التعرف إليه بالإكرام - الإقامة في مقام الجلال والجمال. # ولما كان هذا الاسم العلم جامعا لجميع معاني الأسماء الحسنى التي علت عن ~~أن يتصف بها أو بشيء منها حق الاتصاف غيره تعالى، حسن تعقيبه بقوله: {لا ~~إله إلا أنا} ولما تسبب عن ذلك وجوب إفراده بالعبادة، قال: {فاعبدني} أي ~~وحدي: ثم خص من بين العبادات معدن الأنس والخلوة، وآية الخضوع والمراقبة ~~وروح الدين فقال: {وأقم الصلاة} أي التي أضاعها خلوف السوء، إشارة إلى أنها ~~المقصود بالذات من الدين، لأنها أعلى شرائعه لأنها حاملة على المراقبة، بما ~~فيها من دوام الذكر والإعراض عن كل سوء، وذلك معنى {لذكري*} وذلك أنسب ~~الأشياء لمقام الجلال، بل هي الجامعة لمظهري الجمال والجلال؛ ثم علل الأمر ~~بالعبادة بأنه لم يخلق الخلق سدى، بل لا بد من إماتتهم، ثم بعثهم لإظهار ~~العظمة ونصب موازين العدل، فقال مؤكدا لإنكارهم معبرا بما يدل على سهولة ~~ذلك عليه جدا: {إن الساعة ءاتية} أي لاريب في إتيانها، فهي أعظم باعث على ~~الطاعة. # PageV12P277 # ولما كان بيان حقيقة الشيء مع إخفاء شخصه ووقته وجميع أحواله موجبا في ~~الغالب لنسيانه والإعراض عنه، فكان غير بعيد من إخفائه أصلا ورأسا، قال ~~مشيرا إلى هذا المعنى: {أكاد أخفيها} أي أقرب من أن أجدد إخفاءها، فلذا ~~يكذب بها الكافر بلسانه والعاصي بعصيانه فالكافر لا يصدق بكونها والمؤمن لا ~~يستعد غفلة عنها، فراقبني فإن الأمر يكون بغتة، ما من لحظة إلا ms2903 وهي صالحة ~~للترقب؛ ثم بين سبب الإتيان بها بقوله: {لتجزى} أي بأيسر أمر وأنفذه {كل ~~نفس} كائنة من كانت {بما تسعى*} أي توجد من السعي في كل وقت كما يفعل من ~~أمر ناسا بعمل من النظر في أعمالهم ومجازاة كل بما يستحق. # PageV12P278 # ولما كانت - لما تقدم - في حكم المنسي عند أغلب الناس قال: {فلا يصدنك ~~عنها} أي إدامة ذكرها ليثمر التشمير في الاستعداد لها {من لا يؤمن بها} ~~بإعراضه عنها وحمله غيره على ذلك بتزيينه بما أوتي من المتاع الموجب ~~للمكاثرة المثمرة لامتلاء القلب بالمباهاة والمفاخرة، فإن من انصد عن ذلك ~~غير بعيد الحال ممن كذب بها، # PageV12P278 # والمقصود من العبارة نهي موسى عليه السلام عن التكذيب، فعبر عنه بنهي من ~~لا يؤمن عن الصد إجلالا لموسى عليه السلام، ولأن صد الكافر عن التصديق سبب ~~للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب، ولأن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل ~~في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على السبب، فكأنه قيل: كن شديد ~~الشكيمة صليب المعجم، لئلا يطمع أحد في صدك وإن كان الصاد هم الجم الغفير، ~~فإن كثرتهم تصل إلى الهوى لا إلى البرهان، وفي هذا حث عظيم على العمل ~~بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله ~~نبه عليه الكشاف. ثم بين العلة في التكذيب بها والكسل عن التشمير لها ~~بقوله: {واتبع} أي بغاية جهده {هواه} فكان حاله حال البهائم التي لا عقل ~~لها، تنفيرا عن مثل حاله؛ ثم أعظم التحذير بقوله مسببا: {فتردى*} أي فتهلك، ~~إشارة إلى أن من ترك المراقبة لحظة حاد عن الدليل، ومن حاد عن الدليل هلك. # ولما كان المقام مرشدا إلى أن يقال: ما جوابك يا موسى عما سمعت؟ وكان ~~تعالى عالما بأنه يبادر إلى الجواب بالطاعة في كل ما تقدم، طوى هذا المقال ~~مومئا إليه بأن عطف عليه قوله: {وما تلك} أي العالية المقدار # PageV12P279 # {بيمينك يا موسى*} مريدا - بعد تأنيسه بسؤاله عما هو أعلم به منه - إقامة ~~البينة لديه بما يكون ms2904 دليلا على الساعة من سرعة القدرة على إيجاد ما لم ~~يكن، بقلب العصا حية بعد تحقق أنها عصاه يقرب النظر إليها عند السؤال عنها ~~ليزداد بذلك ثباتا ويثبت من يرسل إليهم {قال هي} أي ظاهرا وباطنا {عصاي} ثم ~~وصل به مستأنسا بلذيذ المخاطبة قوله بيانا لمنافعها خوفا من الأمر بإلقائها ~~كالنعل: {أتوكأ} أي أعتمد وأرتفق وأتمكن {عليها} أي إذا أعييت أو أعرض لي ~~ما يحوجني إلى ذلك من زلق أو هبوط أو صعود أو طفرة أو ظلام ونحو ذلك؛ ثم ~~ثنى بعد مصلحة نفسه بأمر رعيته فقال: {وأهش} أي أخبط الورق، قال ابن كثير: ~~قال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك: والهش أن يضع الرجب المحجن في ~~الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود ولا يخبط فهذا الهش، ~~قال: وكذا قال ميمون بن مهران، وقال أبو حيان: والأصل في هذه المادة ~~الرخاوة. # يقال: رجل هش. {بها على غنمي} . # ولما كان أكمل أهل ذلك الزمان، خاف التطويل على الملك فقطع على نفسه ما ~~هو فيه من لذة المخاطبة كما قيل: اجلس على # PageV12P280 # البساط وإياك والانبساط، وطمعا في سماع كلامه سبحانه وتعالى، فقال مجملا: ~~{ولي فيها مآرب} أي حوائج ومنافع يفهمها الألباء. ولما كان المحدث عنه ~~لايعقل، وأخبر عنه بحمع كثرة، كان الأنسب معاملته معاملة الواحدة المؤنثة ~~فقال: {أخرى*} تاركا للتفصيل، فكأنه قيل: فماذا قيل له؟ فقيل: {قال ألقها} ~~أي العصا، وأنسه بقوله سبحانه وتعالى: {يا موسى * فألقاها} أي فتسبب عن هذا ~~الأمر المطاع أنه ألقاها ولم يتلعثم {فإذا هي} أي في الحال ظاهرا وباطنا ~~{حية} عظيمة جدا يطلق عليها لعظمعا بنهاية أمرها اسم الثعبان، والحية اسم ~~جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير {تسعى*} سعيا خفيفا يطلق عليها ~~لأجله في أول أمرها اسم الجان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها صارت حية ~~صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورم حتى صارت ثعبانا - انتهى. فهي في ~~عظم الثعبان وسرعة الجان. # ولما كان ذلك أمرا مخيفا، استشرف السامع ms2905 إلى ما يكون من حاله عند مثل هذا ~~بعد ذلك، فاستأنف إخباره بقوله: {قال} أي الله تبارك وتعالى على ما يكون ~~منها عند فرعون لأجل التدريب: # PageV12P281 # {خذها ولا تخف} مشيرا إلى أنه خاف منها على عادة الطبع البشري؛ ثم علل له ~~النهي عن الخوف بقوله {سنعيدها} أي بعظمتنا عند أخذك لها بوعد لا خلف فيه ~~{سيرتها} أي طريقتها {الأولى*} من كونها عصا، فهذه آية بينة على أن الذي ~~يخاطبك هو ربك الذي له الأسماء الحسنى، فنزلت عليه السكينة، وبلغ من ~~طمأنينته أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيتها، فإذا هي عصاه، ويده بين ~~شعبتيها. # ولما أراه آية في بعض الآفاق، أراد أن يريه آية في نفسه فقال: {واضمم ~~يدك} من جيبك الذي يخرج منه عنقك {إلى جناحك} أي جنبك تحت العضد تنضم على ~~ما هي عليه من لونها وما بها من الحريق، وأخرجها {تخرج} فالآية من باب ~~الاحتباك، والجناح: اليد، والعضد، والأبط، والجانب - قاله في القاموس، فلا ~~يعارض هذا ما في القصص لأنه أطلق الجناح هناك على اليد وهي أحق به، وهنا ~~على الجنب الذي هو موضعها تسمية للمحل باسم الحال {بيضاء} بياضا كالشمس ~~تتعجب منه. # ولما كان البرص أبغض شيء إلى العرب، نافيا له ولغيره، ولم يسمه باسمه لأن ~~أسماعهم له مجاجة، ولأن نفي الأعم من الشيء # PageV12P282 # أبلغ من نفيه بخصوصه: {من غير سوء} أي مرض لا برص ولا غيره، حال كونها ~~{آية أخرى*} افعل ما أمرتك به من إلقاء العصا وضم اليد، أو فعلنا ذلك من ~~إحالة العصا ولون اليد من مناداتك لمناجاتك {لنريك} في جميع أيام نبوتك {من ~~آياتنا الكبرى*} ليثبت بذلك حنانك، ويزداد إتقانك، فكأنه قيل: لماذا يفعل ~~بي هذا؟ فقيل: لنرسلك إلى بعض المهمات {اذهب إلى فرعون} أي لترده عن عتوه: ~~ثم علل الإرسال إلية بقوله، مؤكدا لأن طغيان أحد بالنسبة إلى شيء مما للملك ~~الأعلى مما يستبعد: {إنه طغى*} أي تجاوز حده من العبودية فادعى الربوبية، ~~وأشار إلى ما حصل له من الضيق من ms2906 ذلك بما عرف من أنه أمر عظيم، وخطب جسيم، ~~يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح قلب ضابط كما ~~صرح به في سورة الشعراء - بقوله {قال رب اشرح} أي وسع {لي} ولما أبهم ~~المشروح ليكون الكلام أوكد بتكرير المعنى في طريقي الإجمال والتفصيل، قال ~~رافعا لذلك الإبهام: {صدري*} للإقدام على ذلك، وإلى استصعابه بقوله: {ويسر ~~لي} ثم بين ذلك الإبهام بقوله: {أمري*} وإلى استعجازه نفسه عن الإبانة لهم ~~عن المراد بقوله: # PageV12P283 # {واحلل} ولما كان المعنى هنا ما لا يحتمل غيره إذ إنه لم يسأل بقاءه في ~~غير حال الدعوة، عدل عن طريق الكلام الماضي فقال: {عقدة من لساني*} أي مما ~~فيه من الحبسة عن الإتيان بجميع المقاصد من الجمرة التي وضعها في فيه وهو ~~عند فرعون، كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولما كان سؤاله هذا إنما ~~هو الله، ولذلك اقتصر على قدر الحاجة فلم يطلب زوال الحبسة كلها، أجابه ~~بقوله: {يفقهوا قولي*} وإلى اعتقاد صعوبة المقام مع ذلك كله بطلب التأييد ~~بنصير يهمه أمره بقوله: {واجعل لي} أي مما تخصني به؛ وبين اهتمامه بالإعانة ~~كما يقتضيه الحال فقدم قوله: {وزيرا} أي ملجأ يحمل عني بعض الثقل ويعاونني ~~{من أهلي*} لأني به أوثق لكونه علي أشفق، ثم أبدل منه قوله: {هارون} وبينه ~~بقوله: {أخي*} أي لأنه أجدر أهلي بتمام مناصرتي؛ وأجاب الدعاء في قراءة ابن ~~عامر فقال: {اشدد} بقطع الهمزة مفتوحة {به أزري*} أي قوتي وظهري {وأشركه} ~~بضم الهمزة مسندا الفعلين إلى ضميره على أنهما مضارعان، # PageV12P284 # وقراءة الباقين بوصل الأول وفتح همزة الثاني على أنهما أمران، مسندين إلى ~~الله تعالى على الدعاء {في أمري*} أي النبوة. # PageV12P285 # ولما أفهم سؤاله هذا أن له فيه أغراضا، أشار إلى أنها ليست مقصودة له ~~لأمر يعود على نفسه بذكر العلة الحقيقية، فقال: {كي نسبحك} أي بالقول ~~والفعل بالصلاة وغيرها {كثيرا*} فأفصح عن أن المراد بالمعاضدة إنما هو ~~لتمهيد الطريق إليه سبحانه. # ولما كان التسبيح ذكرا خاصا ms2907 لكونه بالتنزيه الذي أعلاه التوحيد، أتبعه ~~العام فقال: {ونذكرك} أي بالتسبيح والتحميد {كثيرا} فإن التعاون والتظاهر ~~أعون على تزايد العبادة أنه مهيج للرغبات؛ ثم علل طلبه لأخيه لأجل هذا ~~الغرض بقوله: {إنك كنت بنا بصيرا*} قبل الإقامة في هذا الأمر في أنك جبلتنا ~~على ما يلائم ذكرك وشكرك، وأن التعاضد مما يصلحنا، وكل ذلك تدريب لمن أنزل ~~عليه الذكر على مثله وتذكير بنعمة تيسيره بلسانه ليزداد ذكرا وشكرا. # ولما تم ذلك، كان موضع توقع الجواب، فأتبعه قوله: {قال} أي الله: {قد ~~أوتيت} بأسهل أمر {سؤلك} أي ما سألته {يا موسى} من حل عقدة لسانك وغير ذلك ~~ولو شئت لم أفعل ذلك ولكني فعلته منة مني عليك. # ولما كان إنجاؤه من فرعون يث ولد في السنة التي يذبح # PageV12P285 # فيها الأبناء - قالوا: وهي الرابعة من ولادة هارون عليه السلام - بيد ~~فرعون وفي بيته أمرا عظيما، التفت إلى مقام العظمة مذكرا له بذلك تنويرا ~~لبصيرته وتقوية لقلبه، إعلاما بأنه ينجيه منه الآن، كما أنجاه في ذلك ~~الزمان، ويزيده بزيادة السن والنبوة خيرا، فيجعل عزه في هلاكه كما جعل إذ ~~ذاك عزه في وجوده فقال: {ولقد مننا} أي أنعمنا إنعاما مقطوعا به على ما ~~يليق بعظمتنا {عليك} فضلا منا {مرة أخرى*} غير هذه؛ ثم ذكر وقت المنة فقال: ~~{إذ} أي حين {أوحينا} أي بما لنا من العظمة {إلى أمك} أي بالإلهام {ما} ~~يستحق لعظمته أن {يوحى*} به، ولا يعلمه إلا نبي أو من هو قريب من درجة ~~النبوة؛ ثم فسره بقوله: {أن اقذفيه} أي ألقي ابنك {في التابوت} وهو ~~الصندوق، فعلوت من التوب الذي معناه تفاؤلا به، وقال الحرالي: هو وعاء ما ~~يعز قدره، والقذف مجاز عن المسارعة إلى وضعه من غير تمهل لشيء أصلا، إشارة ~~إلى أنه فعل مضمون السلامة كيف ما كان، والتعريف لأنه نوع من الصناديق أشد ~~الناس معرفة به بنو إسرائيل {فاقذفيه} أي # PageV12P286 # موسى عليه السلام عقب ذلك بتابوته، أو التابوت الذي فيه موسى عليه السلام ~~{في اليم} أي البحر ms2908 وهو النيل. # ولما كانت سلامته في البحر من العجائب، لتعرضه للغرق بقلب الريح للتابوت، ~~أو بكسره في بعض الجدر أو غيرها، أو بجريه مستقيما مع أقوى جرية من الماء ~~إلى البحر الملح وغير ذلك من الآفات، أشار إلى تحتم تنجيته بلام الأمر ~~عبارة عن معنى الخبر في قوله، جاعلا البحر كأنه ذو تمييز ليطيع الأمر: ~~{فليلقه} أي التابوت الذي فيه موسى عليه السلام أو موسى بتابوته {اليم ~~بالساحل} أي شاطىء النيل، سمي بذلك لأن الماء يسحله، أي ينشره إلى جانب ~~البيت الذي الفعل كله هربا من شر صاحبه، وهو فرعون، وهو المراد بقوله: ~~{يأخذه} جوابا للأمر، أي موسى {عدو لي} ونبه على محل العجب بإعادة لفظ ~~العدو في قوله: {وعدو له} فإنه ما عادى بني إسرائيل بالتذبيح إلا من أجله ~~{وألقيت عليك محبة} أي عظيمة؛ ثم زاد الأمر في تعظيمها إيضاحا بقوله: {مني} ~~أي ليحبك كل من رآك لما جبلتك عليه من الخلال الحميدة، والشيم السديدة، ~~لتكون أهلا لما أريدك له {ولتصنع} أي تربى بأيسر أمر تربية بمن هو ملازم لك ~~لا ينفك عن الاعتناء بمصالحك عناية شديدة {على عيني*} أي مستعليا على ~~حافظيك غير مستخفى # PageV12P287 # في تربيتك من أحد ولا مخوف عليك منه، وأنا حافظ لك حفظ من يلاحظ الشيء ~~بعينه لا يغيب عنها، فكان كل ما أردته، فلما رآك هذا العدو أحبك وطلب لك ~~المراضع، فلما لم تقبل واحدة منهن بالغ في الطلب، كل ذلك إمضاء لأمري ~~وإيقافا لأمره به نفسه لا بغيره ليزداد العجب من إحكام السبب، ثم ذكر ظرف ~~الصنع فقال: {إذ} أي حين {تمشي أختك} أي في الموضع الذي وضعوك به لينظروا ~~لك مرضعة {فتقول} بعد إذ رأتك، لآل فرعون: {هل أدلكم على من يكفله} أي يقوم ~~بمصالحه من الرضاع والخدمة، ناصحا له، فقالوا: نعم! فجاءت بأمك فقبلت ثديها ~~{فرجعناك} أي فتسبب عن قولها هذا أن رجعناك {إلى أمك} حين دلتهم عليها {كي ~~تقر} أي تبرد وتسكن {عينها} وتربيك آمنة عليك غير خائفة، ظاهرة غير ms2909 مستخفية ~~{ولا تحزن} بفراقك أو بعدم تربيتها لك وبذلها الجهد في نفعك {وقتلت نفسا} ~~أي بعد أن صرت رجلا من القبط دفعا عن رجل من قومك فطلبت بها وأرادوا قتلك ~~{فنجيناك} بما لنا من العظمة {من الغم} الذي كان قد نالك بقتله خوفا من ~~جريرته، بأن أخرجناك مهاجرا لديارهم نحو مدين {وفتناك فتونا} أي خلصناك من ~~محنة بعد محنة مرة بعد مرة، # PageV12P288 # على أنه جمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بالتاء، ويجوز أن يكون مصدرا ~~كالشكور، إذن الفتون ولادته عام الذبح وإبقاؤه في البحر ثم منعه الرضاع من ~~غير ثدي أمه ثم جره لحية فرعون، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله ~~القبطي، ثم خروجه إلى مدين في الطريق الهيع خائفا يترقب، ثم إيجار نفسه عشر ~~سنين، ثم إضلاله الطريق، ثم تفرق غنمه في ليلة مظلمة {فلبثت سنين} أي كثيرة ~~{في أهل مدين} مقيما عند نبينا شعيب عليه السلام يربيك بآدابه، وصاهرته على ~~ابنته {ثم جئت} أي الآن {على قدر} أي وقت قدرته في الأزل لتكليمي لك، وهو ~~بلوغ الأشد والاستواء، وإرسالك إلى فرعون لأمضي فيه قدري الذي ذبح أبناء ~~بني اسرائيل خوفا منه، فجئت غير مستقدم ولا مستأخر {يا موسى * واصطنعتك} أي ~~ربيتك بصنائع المعروف تربية من يتكلف تكوين المربى على طريقة من الطرائق ~~{لنفسي *} أي لتفعل من مرضاتي في تمهيد شرائعي وإنفاذ أوامري ما يفعله من ~~يصنع للنفس من غير مشارك، فهو تمثيل لما حوله من منزلة التقريب والتكريم. # فلما تمهد ذلك كله بعد علم نتيجته، أعادها في قوله: {اذهب أنت} كما تقدم ~~أمري لك به {وأخوك} كما سألت {بآياتي} التي أريتك # PageV12P289 # وغيرها مما أظهره على يديك {ولا تنيا} أي تفترا وتضعفا {في ذكري*} الذي ~~تقدم أنك جعلته غاية دعائك، بل لتكن - مع كونه ظرفا محيطا بجميع أمرك - في ~~غاية الاجتهاد فيه وإحضار القلب له، وليكن أكثر ما يكون عند لقاء فرعون أن ~~عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه، فإن ذلك أعون شيء على المراد، ms2910 ثم ~~بين المذهوب إليه بقوله، مؤكدا لنفس الذهاب لأنه لشدة الخطر لا يكاد طبع ~~البشر يتحقق جزم الأمر به فقال: {اذهبا إلى فرعون} ثم علل الإرسال إليه ~~بقوله، مؤكدا لما مضى، ولزيادة التعجيب من قلة عقله، فكيف بمن تبعه {إنه ~~طغى*} ثم أمرهما بما ينبغي لكل آمر بالمعروف من الأخذ بالأحسن فالأحسن ~~والأسهل فالأسهل، فقال مسببا عن الانتهاء إليه ومعقبا: {فقولا له قولا ~~لينا} لئلا يبقى له حجة، ولا يقبل له معذرة {لعله يتذكر} ما مر له من تطوير ~~الله له في أطوار مختلفة، وحمله فيما يكره على ما لم يقدر على الخلاص منه ~~بحيلة، فيعلم بذلك أن الله ربه، وأنه قادر على ما يريد منه، فيرجع عن غيه ~~فيؤمن {أو يخشى*} أي أو يصل إلى حال من يخاف عاقبة قولكما لتوهم الصدق # PageV12P290 # فيكون قولكما تذكرة له فيرسل معكما بني إسرائيل، ومعنى الترجي أن يكون ~~حاله حال من يرجى منه ذلك، لأنها من ثمرة اللين في الدعاء، جرى الكلام في ~~هذا وأمثاله على ما يتعارفه العباد في محاوراتهم، وجاء القرآن على لغتهم ~~وعلى ما يعنون، فالمراد: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من ~~العلم، وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلما، وأما علمه تعالى فقد أتى من وراء ~~ما يكون - قاله سيبويه في باب من النكرة يجري مجرى ما فيه الألف واللام من ~~المصادر والأسماء. # PageV12P291 # ولما كان فرعون في غاية الجبروت، وكان حاله حال من يهلكهما إلا أن ~~يمنعهما الله، وأراد علم ما يكون من ذلك {قالا ربنا} أي أيها المحسن إلينا. ~~ولما كان مضمون إخبارهما بالخوف مع كونهما من جهة الله - من شأنه أن لا ~~يكون وأن ينكر، أكد فقالا مبالغين فيه بإظهار النون الثالثة إبلاغا في ~~إظهار الشكوى ليأتي الجبر على قدر ما يظهر من الكسر: {إننا نخاف} لما هو ~~فيه من المكنة {أن يفرط} أي يجعل {علينا} بالعقوبة قبل إتمام البلاغ عجلة ~~من يطفر ويثب إلى الشيء {أو أن يطغى*} فيتجاوز إلى أعظم مما هو فيه ms2911 من ~~الاستكبار {قال لا تخافا} ثم علل ذلك بما هو مناط النصرة والحيطة للولي ~~والإهلاك للعدو، فقال مؤكدا إشارة إلى عظم الخبر، # PageV12P291 # وتنبيها لمضمونه لأنه خارج عن العوائد، وأثبت النون الثالثة على وزان ~~تأكيدهما: {إنني معكما} لا أغيب كما تغيب الملوك إذا أرسلوا رسلهم {أسمع ~~وأرى*} أي لي هاتان الصفتان، لا يخفى علي شيء من حال رسولي ولا حال عدوه، ~~وأنتما تعلمان من قدرتي ما لا يعلمه غيركما. # ولما تمهد ذلك، تسبب عنه تعليمهما ما يقولان، فقال مؤكدا للذهاب أيضا لما ~~مضى: {فأتياه فقولا} أي له؛ ولما كان فرعون ينكر ما تضمنه قولهما، أكد ~~سبحانه فقال: {إنا} ولما كان التنبيه على معنى المؤازرة هنا - كما تقدم ~~مطلوبا، ثنى فقال: {رسولا ربك} الذي رباك فأحسن تربيتك بعد أن أوجدك من ~~العدم، إشارة إلى تحقيره بأنه من جملة عبيد مرسلهما تكذيبا له في ادعائه ~~الربوبية، ثم سبب عن إرسالكما إليه قولكما: {فأرسل معنا} عبيده {بني ~~إسرائيل} ليعبدوه، فإنه لا يستحق العبادة غيره {ولا تعذبهم} بما تعذبهم به ~~من الاستخدام والتذبيح؛ ثم علل دعوى الرسالة بما يثبتها، فقال مفتتحا ~~بالحرف التوقع لأن حال السامع لادعاء الرسالة أن يتوقع دلالة على الإرسال: ~~{قد جئناك بآية} أي علامة عظيمة وحجة وبرهان # PageV12P292 # {من ربك} الذي لا إحسان عليك إلا منه، موجبة لقبول ما ادعيناه من العصا ~~واليد وغيرهما، فأسلم تسلم، وفي تكرير مخاطبته بذلك تأكيد لتبكيته في ادعاء ~~الربوبية، ونسبته إلى كفران الإحسان، فسلام عليك خاصة إن قبلت هدى الله ~~{والسلام} أي جنسه {على} جميع {من اتبع} بغاية جهده {الهدى*} عامة، وإذا ~~كان هذا الجنس عليهم كان من المعلوم أن العطب على غيرهم، فالمعنى: وإن أبيت ~~عذبت {إنا} أي لأنا {قد أوحي إلينا} من ربنا {أن العذاب} أي كله، لأن اللام ~~للاستغراق أو الماهية، وعلى التقديرين يقتضي قدر ثبوت هذا الجنس ودوامه لما ~~تفهمه الاسمية {على} كل {من كذب وتولى*} أي أوقع التكذيب والإعراض، وذلك ~~يقتضي أنه إن كان منه شيء على مصدق منقضيا، وإذا انقضى ms2912 كان كأن لم يوجد، ~~وفي صرف الكلام عنه تنبيه على أنه ضال مكذب وتعليم للأدب. # ولما كان التقدير: فأتياه فقولا: إنا رسولا ربك - إلى آخر ما أمر به، ~~وتضمن قولهما أن لمرسلهما القدرة التامة والعلم الشامل، فتسبب عنه سؤاله عن ~~تعيينه، أستأنف الإخبار عن جوابه بقوله: {قال} أي فرعون مدافعا لهما ~~بالمناظرة لا بالبطش، لئلا ينسب إلى # PageV12P293 # السفه والجهل: {فمن} أي تسبب عن كلامكما هذا الذي لا يجترىء على مواجهتي ~~به أحد من أهل الأرض أن أسألكما: من {ربكما} الذي أرسلكما، ولم يقل: ربي، ~~حيدة عن سواء النظر وصرفا للكلام على الوجه الموضح لخزيه. # ولما كان موسى عليه السلام هو الأصل في ذلك، وكان ربما طمع فرعون بمكره ~~وسوء طريقه في حبسه تحصل في لسانه، أفرده بقوله: {يا موسى * قال} له موسى ~~على الفور: {ربنا} أي موجدنا ومربينا ومولانا {الذي أعطى كل شيء} مما تراه ~~في الوجود {خلقه} أي ما هو عليه مما هو به أليق في المنافع المنوطة به، ~~والآثار التي تتأثر عنه من الصورة والشكل والمقدار واللون والطبع وغير ذلك ~~مما يفوت الحصر، ويجل عن الوصف. # ولما كان في إفاضة الروح من الجلالة والعظم ما يضمحل عنده غيره من ~~المفاوتة، أشار إلى ذلك بحرف التراخي فقال: {ثم هدى *} أي كل حيوان منه مع ~~أن فيها العاقل وغيره إلى جميع منافعه فيسعى لها، ومضاره فيحذرها، فثبت ~~بهذه المفاوتة والمفاصلة مع اتحاد نسبة الكل إلى الفاعل أنه واحد مختار، ~~وأن ذلك لو كان بالطبيعة المستندة إلى النجوم أو غيرها كما كان يعتقده ~~فرعون وغيره لم يكن هذا التفاوت. # PageV12P294 # ولما لم يكن لأحد بالطعن في هذا الجواب قبل لأنه لا زلل فيه ولا خلل مع ~~رشاقته واختصاره وسبقه بالجمع إلى غاية مضماره - صرف الكلام بسرعة خوف من ~~الاتضاح، بزيادة موسى عليه السلام في الإيضاح، فيظهر الفساد من الصلاح، إلى ~~شيء يتسع فيه المجال، ولا يقوم عليه دليل، فيمكن فيه الرد، فأخبر عنه ~~سبحانه على طريق الاستئناف بقوله: {قال فما} أي تسبب ms2913 عما تضمن هذا من نسبة ~~ربك إلى العلم بكل موجود أني أقول لك: فما {بال} أي خبر {القرون الأولى*} ~~الذي هو في العظمة بحيث إنه ما خالط أحدا إلى أحاله وأماله، وهو وأن كان ~~حيدة، هو من أمارات الانقطاع، غير أنه فعل راسخ القدم في المكر والخداع. # ولما فهم عنه موسى عليه السلام ما أراد أن ترتب على الخوض في ذلك مما لا ~~طائل تحته من الرد والمطاولة، ولم تكن التوراة نزلت عليه إذ ذاك، وإنما ~~نزلت بعد هلاك فرعون لم يمش معه في ذلك {قال} قاطعا له عنه: {علمها عند ~~ربي} أي المحسن إلي بإرسالي وتلقيني الحجاج. # ولما كانت عادة المخلوقين إثبات الأخبار في الكتب، وكان تعالى قد وكل ~~بعباده من ملائكته من يضبط ذلك، قال مخاطبا له بما يعرفون من أحوالهم: {في ~~كتاب} أي اللوح المحفوظ. ولما كان ربما وقع # PageV12P295 # في وهم واهم أن الكتاب لا يكون إلاخوفا من نسيان الشيء أو الجهل بالتوصل ~~إليه مع ذكر عينه، نفى ذلك بقوله: {لا يضل ربي} أي الذي رباني كما علمت ~~ونجاتي من جميع ما قصدتموه لي من الهلاك ولم يضل عن وجه من وجوهه، ولا نسي ~~وجها يدخل منه شيء من خلل {ولا ينسى*} أي لا يقع منه نسيان لشيء أصلا من ~~أخباره ولا لغيرهم، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت اليهود بأن ثبوت النبوة إن كان ~~يتوقف على أن يخبر النبي عن كل ما يسأل عنه لزم أن يتوقفوا في نبوة نبيهم ~~عليه السلام لأنه لم يخبر فرعون عما سأله عنه من أمر القرون؛ ثم وصل بذلك ~~ما كان فيه قبل من الدليل العقلي على وحدة الصانع واختياره فقال: {الذي جعل ~~لكم} أيها الخلائق {الأرض} أي أكثرها {مهدا} تفترشونها، وجعل بعضها جبالا ~~لا يمكن القرار عليها، وبعضها رخوا تسرح فيه الأقدام وبعضها جلدا - إلى غير ~~ذلك مما تشاهدون فيها من الاختلاف {وسلك لكم فيها سبلا} أي سهل طرقا ~~تسلكونها في أراضي سهلة وحزنة وسطها بين الجبال والأودية والرمال، وهيأ ms2914 لكم ~~فيها من المنافع من المياه والمراعي ما يسهل ذلك، وجعل فيها ما لا يمكن ~~استطراقه أصلا، من أن نسبة الكل إلى الطبيعة واحدة، فلولا أن الفاعل واحد ~~مختار لم يكن هذا التفاوت وعلى هذا النظام البديع {وأنزل من السماء ماء} ~~تشاهدونه واحدا في اللون والطعم. # ولما كان ما ينشأ عنه أدل على العظمة وأجلى للناظر وأظهر للعقول. # PageV12P296 # استغرق صلى الله عليه وسلم في بحار الجلال، فاستحضر أن الآمر له بهذا ~~الكلام هو المتكلم به في الحقيقة فانيا عن نفسه وعن جميع الأكوان، فعبر عن ~~ذلك، عادلا عن الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع بما له من العظمة بقوله: ~~{فأخرجنا} أي بما لنا من العظمة التي تنقاد لها الأشياء المختلفة {به ~~أزواجا} أي أصنافا متشاكلة ليس فيها شيء يكون واحدا لا شبيه له {من نبات ~~شتى*} أي مختلفة جدا في الألوان والمقادير والمنافع والطبائع والطعوم؛ ثم ~~أشار إلى تفصيل ما فيها من الحكمة بقوله حالا من فاعل {أخرجنا} : {كلوا} أي ~~ما دبره لكم بحكمته منها {وارعوا} أي سرحوا في المراعي {أنعامكم} ما أحكمه ~~لها ولا يصلح لكم، فكان من متقن تدبيره أن جعل أرزاق العباد بعملها تنعيما ~~لهم، وجعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يقدرون على أكله، وقد دلت هذه ~~الأوصاف على تحققه سبحانه قطعا بأنه لا يضل ولا ينسى من حيث إنه تعالى أبدع ~~هذا العالم شاملا لكل ما يحتاجه من فيه لما خلقهم له من السفر إليه والعرض ~~عليه في جميع تقلباتهم على اختلافها، وتباين أصنافها، وتباعد أوصافها، وعلى ~~كثرتهم، وتنائي أمزجتهم، ولم يدعه ناقصا من شيء من ذلك بخلاف غيره، # PageV12P297 # فإنه لو عمل شيئا واجتهد كل الاجتهاد في تكميله فلا بد أن يظهر له فيه ~~نقص ويصير يسعى في إزالته وقتا بعد وقت. # ولما كمل هذا البرهان القويم، دالا على العليم الحكيم، قال منبها على ~~انتشار أنواره، وجلالة مقداره، مؤكدا لأجل إنكار المنكرين: {إن في ذلك} أي ~~الإنشاء هذه الوجوه المختلفة {لآيات} على منشئه {لأولي النهى *} العقول ms2915 ~~التي من شأنها أن تنهى صاحبها عن الغي، ومن عمي عن ذلك فلا عقل له أصلا لأن ~~عقله لم ينفعه، وما لا ينفع في حكم العدم، وذكر ابن كثير هنا ما عزاه ابن ~~إسحاق في السيرة لزيد بن عمرو بن نفيل، وابن هشام لأمية بن أبي الصلت: # وأنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا # فقلت ألا يا اذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذي كان باغيا # فقولا له آأنت سويت هذه ... بلا وتد حتى استقلت كما هيا # وقولا له آأنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق إذن بك بانيا # وقولا له آأنت سويت وسطها ... منيرا إذا ما جنه الليل هاديا # وقولا له من يخرج الشمس بكرة ... فيصبح ما مست من الزرع ضاحيا # وقولا له من ينبت الحب في الثرى ... فيخرج منه البقل يهتز رابيا # ويخرج منه حبه في رؤوسه ... وفي ذاك آيات لمن كان واعيا # PageV12P298 # ولما أخبر سبحانه وتعالى عما خلق في الأرض من المنافع الدالة # PageV12P298 # على تمام علمه وباهر قدرته، على وجه دال على خصوص القدرة على البعث، وكان ~~من الفلاسفة تناسخيتهم وغيرهم من يقر الله بالوحدانية ولا يقر بقول أهل ~~الإسلام: إن الروح جسم لطيف سار في الجسم سريان النار في الفحم، بل يقول: ~~إنها ليست بجسم ولا قوة في جسم ولا صورة لجسم وليست متصلة به اتصال انطباع ~~ولا حلول فيه، بل اتصال تدبير وتصرف، وأنها إذا فارقت البدن اتصلت ~~بالروحانيين من العالم العقلي الذي هو عالم المجردات وانخرطت في سلك ~~الملائكة المقربين، أو اتصلت ببعض الأجرام السماوية من كوكب أو غيره ~~كاتصالها بالبدن الأول وانقطع تعلقها به فلم تعد إليه حتى ولا يوم البعث ~~عند من يقول منهم بالحشر، وصل بذلك قوله تعالى، يرد عليهم، معبرا بالضمير ~~الذي يعبر به الهيكل المجتمع من البدن والنفس: {منها} أي الأرض لا من غيرها ~~{خلقناكم} إذ أخرجناكم منها بالعظمة الباهرة في النشأة الأولى بخلق أبيكم ~~آدم عليه السلام {وفيها} لا في غيرها كما أنتم كذلك تشاهدون ms2916 {نعيدكم} ~~بالموت كذلك أجساما وأرواحا، فتصيرون ترابا كما كنتم، وللروح مع ذلك وأن ~~كانت في عليين تعلق ببدنها بوجه ما، يدرك البدن به اللذة بالتذاذها والألم ~~بتألهما، وقد صح أن الميت يقعد في قبره ويجيب سؤال الملكين عليهما السلام، ~~لا يقدر أحد منكم أن يخلص من تلك العظمة # PageV12P299 # المحيطة بجليل عظمته ولا بدقيق حكمته {ومنها} لا من غيرها {نخرجكم} يوم ~~البعث بتلك العظمة بعينها {تارة أخرى*} كما بدأناكم أول مرة مثل ما فعلنا ~~في النبات سواء، فقد علم أن هذا فعل الواحد المختار، لا فعل الطبائع، فمرة ~~جعلكم أحياء من شيء ليس له أصل في الحيوانية أصلا، وكرة ردكم إلى ما كنتم ~~عليه قبل الحياة ترابا لا روح فيه ولا ما يشبهها، فلا ريب أن فاعل ذلك قادر ~~على أن يخرجكم منها أحياء كما ابتدأ ذلك، بل الإعادة أهون في مجاري العادة. # ولما كان ما ذكر مما علق بالأرض من المرافق وغيره على غاية من الوضوح، ~~ليس وراءها مطمح، فكان المعنى: أرينا فرعون هذا الذي ذكرنا لكم من آياتنا ~~وغيره، وكان المقام لتعظيم القدرة، عطف عليه قوله: {ولقد أريناه} أي بالعصا ~~واليد وغيرهما مما تقدم من مقتضى عظمتنا {آياتنا} أي التي عظمتها من عظمتنا ~~{كلها} بالعين والقلب لأن من قدر على مثل ذلك فهو قادر على غيره من أمثاله ~~من خوارق العادات، لأن الممكنات بالنسبة إلى قدرته على حد سواء، لا سيما ~~والذي ذكر أمهات الآيات كما سيومأ # PageV12P300 # إليه إن شاء الله تعالى في سورة الأنبياء {فكذب} أي بها {وأبى*} أي أن ~~يرسل بني إسرائيل؛ وهذا أبلغ من تعديد ما ذكر في الأعراف، فكأنه قيل: كيف ~~صنع في تكذيبه وإبائه؟ فقيل: {قال} حين لم يجد مطعنا مخيلا للقبط بما ~~يثيرهم حمية لأنفسهم لأنه علم حقية ما جاء به موسى وظهوره، وتقبل العقول ~~له، فخاف أن يتبعه الناس ويتركوه، ووهن في نفسه وهنا عظيما بتأمل كلماته ~~مفردة ومركبة يعرف مقداره: {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا} هذه التي نحن مالكوها ~~{بسحرك يا موسى*} ms2917 فخيل إلى أتباعه أن ذلك سحر، فكان ذلك - مع ما ألفوه من ~~عادتهم في الضلال - صارفا لهم عن اتباع ما رأوا من البيان، ثم وصل بالفاء ~~السببية قوله مؤكدا إيذانا بعلمه أن ما أتى به موسى ينكر كل من يراه أن ~~يقدر غيره على معارضته: {فلنأتينك} أي والإله الأعظم! بوعد لا خلف فيه ~~{بسحر مثله} تأكيدا لما خيل به؛ ثم أظهر النصفة والعدل إيثاقا لربط قومه ~~فقال: {فاجعل بيننا وبينك موعدا} أي من الزمان والمكان {لا نخلفه} أي لا ~~نجعله خلفنا {نحن ولا أنت} بأن نقعد عن إتيانه. # ولما كان من الزمان والمكان لا ينفك عن الآخر قال: {مكانا} وآثر ذكر ~~المكان لأجل وصفه بقوله: {سوى *} أي # PageV12P301 # عدلا بيننا، لا حرج على واحد منا في قصده أزيد من حرج الآخر، فانظر هذا ~~الكلام الذي زوقه وصنعه ونمقه فأوقف به قومه عن السعادة واستمر يقودهم ~~بأمثاله حتى أوردهم البحر فأغرقهم، ثم في غمرات النار أحرقهم، فعلى الكيس ~~الفطن أن ينقد الأقوال والأفعال، والخواطر والأحول، ويعرضها على محك الشرع: ~~الكتاب والسنة، فما وافق لزمه وما لا تركه. # ولما كان مجتمع سرورهم الذي اعتادوه حاويا لهذه الأغراض زمانا ومكانا ~~وغيرهما، اختاره عليه السلام لذلك، فاستؤنف الخبر عنه في قوله تعالى: {قال ~~موعدكم} أي الموصوف {يوم الزينة} أي عيدكم الذي اعدتم الاجتماع فيه في ~~المكان الذي اعتدتموه، فآثر هنا ذكر الزمان وإن كان يتضمن المكان لما فيه ~~من عادة الجمع كما آثر فيما تقدم المكان لوصفه بالعدل {وأن يحشر} بناه ~~للمفعول لأن القصد الجمع، لا كونه من معين {الناس} أي إغراء ولو بكره ~~{ضحى*} ليستقبل النهار من أوله، فيكون أظهر لما يعمل وأجلى، ولا يأتي الليل ~~إلا وقد قضي الأمر، وعرف المحق من المبطل، وأنتم أجمع ما تكونون وأفرغ، ~~فيكل حد المبطلين وأشياعهم، والمتكبرين # PageV12P302 # على الحق وأتباعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع ~~في جميع أهل الوبر والمدر {فتولى فرعون} عن موسى إلى تهيئة ما يريد من ~~الكيد بعد توليه ms2918 عن الانقياد لأمر الله {فجمع كيده} أي مكره وحيلته وخداعه، ~~الذي دبره على موسى بجمع من يحصل بهم الكيد، وهم السحرة، حشرهم من كل أوب، ~~وكان أهل مصر أسحر أهل الأرض وأكثرهم ساحرا، وكانوا في ذلك الزمان أشد ~~اعتناء بالسحر وأمهر ما كانوا وأكثر {ثم أتى *} للميعاد الذي وقع القرار ~~عليه بمن حشره من السحرة والجنود ومن تبعهم من الناس، مع توفر الدواعي على ~~الإتيان للعيد، والنظر إلى تلك المغالبة التي لم يكن مثلها. # PageV12P303 # ولما تشوف السامع إلى ما كان من موسى عليه السلام عند ذلك، استأنف سبحانه ~~الخبر عنه بقوله: {قال لهم} أي لأهل الكيد وهم السحرة وغيرهم {موسى} حين ~~رأى اجتماعهم ناصحا لهم: {ويلكم} يا أيها الناس الذين خلقهم الله لعبادته ~~{لا تفتروا} أي لا تتعمدوا أن تصنعوا استعلاء {على الله كذبا} بجعلكم آياته ~~العظام الثابتة سحرا لا حقيقة له، وادعائكم أن ما تخيلون به حق وليس بخيال، ~~وإشراككم به؛ # PageV12P303 # وسبب عنه قوله: {فيسحتكم} أي يهلككم؛ قال الرازي. وأصله الاستئصال ~~{بعذاب} أي عظيم تظهر به خيبتكم {وقد خاب} كل {من افترى *} أي تعمد كذبا ~~على الله أو على غيره {فتنازعوا} أي تجاذب السحرة {أمرهم بينهم} لما سمعوا ~~هذا الكلام، علما منهم بأنه لا يقدر أن يواجه فرعون بمثله في جميع جنوده ~~وأتباعه لم يسلم منه إلا من الله معه {وأسروا النجوى*} أي كلامهم الذي ~~تناجوا به وبالغوا في إخفائه، فإن النجوى الإسرار، لئلا يظهر فرعون وأتباعه ~~على عوارهم في اختلافهم الذي اقتضاه لفظ التنازع، فكأنه قيل: ما قالوا حين ~~انتهى تنازعهم؟ فقيل: {قالوا} أي السحرة بعد النظر وإجالة الرأي ما خيلهم ~~به فرعون تلقنا منه وتقربا إليه بما ينفر الناس عن موسى وهارون عليهما ~~السلام ويثبطهم عن اتباعهما وإن غلبا، لأنه لا ينكر غلبة ساحر على ساحر ~~آخر: {إن هذان} أي موسى وهارون وقرىء: هاذان - بالألف، على لغة من يجعل ألف ~~المثنى لازمة في كل حال؛ قال أبو حيان: وهي لغة لطوائف من العرب لبني ~~الحارث بن كعب ms2919 وبعض كنانة خثعم وزبيد وبني العنبر # PageV12P304 # وبني الهجيم ومراد وعذره. {لساحران} لا شك في ذلك منهما {يريدان} أي بما ~~يقولان من دعوى الرسالة وغيرها {أن يخرجاكم} أيها الناس {من أرضكم} هذه ~~التي ألفتموها، وهي وطنكم خلفا عن سلف {بسحرهما} الذي أظهراه لكم وغيره. # ولما كان كل حزب بما لديهم فرحون قالوا: {ويذهبا بطريقتكم} هذه السحرية ~~التي تعبتم في تمهيدها، وأفنى فيها أسلافكم أعمارهم، حتى بلغ أمرها الغاية، ~~وبدينكم الذي به قوامكم {المثلى*} أي التي هي أمثل الطرق، فيكونا آثر بما ~~يظهرانه منها عند الناس منكم، ويصرفان وجوه الناس إليها عنكم، ويبطل ما لكم ~~بذلك من الارزاق والعظمة عند الخاص والعام وغير ذلك من الأغراض {فأجمعوا ~~كيدكم} أي لا تدعوا منه شيئا إلا جئتم به ولا تختلفوا تضعفوا {ثم ائتوا} ~~إلى لقاء موسى وهارون لمباراتهما {صفا} أي متسابقين متساوين في السباق ~~ليستعلي أمركم عليهما فتفلحوا، والاصطفاف أهيب في صدور الرائين. # ولما كان التقدير: فمن أتى كذلك فقد استعلى، عطف # PageV12P305 # عليه قولهم محققا: {وقد أفلح اليوم} في هذا الجمع الذي ما اجتمع مثله قط ~~{من استعلى*} أي غلب ووجد علوه، أي ففعلوا ما تقدم وأتوا صفا، فلما أتوا ~~وكانوا خبيرين بأن يقولوا ما ينفعهم في مناصبة موسى عليه السلام، استؤنف ~~الإخبار عنه بقوله تعالى: {قالوا} أي السحرة منادين، لأن لين القول مع ~~الخصم إن لم ينفع لم يضر: {يا موسى إما أن تلقي} ما معك مما تناظرنا به ~~أولا {وإما أن نكون} أي نحن {أول من ألقى*} ما معه {قال} أي موسى مقابلا ~~لأدبهم بأحسن منه ولأنه فهم أن مرادهم الابتداء، وليكون هو الآخر فيكون ~~العاقبة بتسليط معجزته على سحرهم فلا يكون بعدها شك: لا ألقي أنا أولا {بل ~~ألقوا} أنتم أولا، فانتهزوا الفرصة، لأن ذلك كان مرادهم بما أفهموه من ~~تعبير السياق والتصريح بالأول، فألقوا {فإذا حبالهم وعصيهم} التي ألقوها ~~{يخيل إليه} وهو صفينا تخييلا مبتدئا {من سحرهم} الذي كانوا قد فاقوا به ~~أهل الأرض {أنها} لشدة اضطربها {تسعى*} سعيا، وإذا ms2920 كان هذا حاله مع أنه ~~أثبت الناس بصرا وأنفذهم بصيرة فما ظنك بغيرة! {فأوجس} أي أضمر بسبب ذلك، ~~وحقيقته: أوقع واجسا أي خاطرا وضميرا. # PageV12P306 # ولما كان المقام لإظهار الخوارق على يديه، فكان ربما فهم أنه أوقعه في ~~نفس أحد غيره، كان المقام للاهتمام بتقديم المتعلق، فقال لذلك لا لمراعاة ~~الفواصل: {في نفسه} أي خاصة، وقدم ما المقام له والاهتمام به فقال: {خيفة ~~موسى*} مثل ما خاف من عصاه أول ما رآها كذلك على ما هو طبع البشر، وللنظر ~~إلى الطبع عبر بالنفس لا القلب مثلا. # PageV12P307 # ولما كان ذلك، وكان المعلوم أن الله معه، وأنه جدير بإبطال سحرهم، استأنف ~~الخبر عنه بقوله: {قلنا} بما لنا من العظمة: {لا تخف} من شيء من أمرهم ولا ~~غيره، ثم علل ذلك بقوله، وأكده أنواعا من التأكيد لاقتضاء الحال إنكار أن ~~يغلب أحد ما أظهروا من سحرهم لعظمه: {إنك أنت} أي خاصة {الأعلى*} أي الغالب ~~غلبة ظاهرة لا شبهة فيها {وألق} وأشار إلى يمن العصا وبركتها بقوله: {ما في ~~يمينك} أي من هذه العصا التي قلنا لك أول ما شرفناك بالمناجاة {وما تلك ~~بيمينك يا موسى} ثم أريناك منها ما أريناك {تلقف} بقوة واجتهاد مع سرعة لا ~~تكاد تدرك - بما أشار إليه حذف التاء {ما صنعوا} أي فعلوه بعد تدرب كبير ~~عليه # PageV12P307 # وممارسة طويلة؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنما} أي أن الذي {صنعوا} أي أن صنعهم ~~مما رأيته وهالنا أمره. # ولما كان المقصود تحقير هذا الجيش أفرد ونكر لتنكير المضاف وتحقيره فقال: ~~{كيد ساحر} أي كيد سحري لا حقيقة له ولا ثبات، سواء كان واحدا أو جمعا، ولو ~~جمع لخيل أن المقصود العدد، ولما كان التقدير: فهم لا يفلحون، عطف عليه ~~قوله: {ولا يفلح الساحر} أي هذا الجنس {حيث أتى*} أي كيف ما سار وأيه {سلك} ~~فإنه إنما يفعل ما لا حقيقة له، فامتثل ما أمره به ربه من إلقاء عصاه، فكان ~~ما وعده به سبحانه من تلقفها لما صنعوا من غير أن يظهر عليها ms2921 زيادة في ثخن ~~ولا غيره مع أن حبالهم وعصيهم كانت شيئا كثيرا، فعلم كل من رأى ذلك حقيته ~~وبطلان ما فعل السحرة، فبادر السحرة منهم إلى الخضوع لأمر الله ساجدين ~~مبادرة من كأنه ألقاه ملق على وجهه، ولذلك قال تعالى بعد أن ذكر مكرهم ~~واجتهادهم في معارضة موسى عليه الصلاة والسلام وحذف ذكر الإلقاء وما سببه ~~من # PageV12P308 # التلقف لأن مقصود السورة القدرة على تليين القلوب القاسية: {فألقي ~~السحرة} أي فألقاهم ما رأوا من أمر الله بغاية السرعة وبأيسر أمر {سجدا} ~~على وجوههم؛ قال الأصبهاني: سبحان الله! ما أعظم شأنهم! ألقوا حبالهم ~~وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة الشكر والسجود، فما أعظم ~~الفرق بين الإلقاءين. فكأن قائلا قال: هذا فعلهم فما قالوا؟ فقيل: {قالوا ~~آمنا} أي صدقنا. # ولما كان سياق هذه السورة مقتضيا لتقديم هارون عليه السلام قال: {برب ~~هارون وموسى*} بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه سبحانه لا يشقيه بهذا ~~القرآن بل يهدي الناس به ويذلهم له، فيجعل العرب على شماختها أذل شيء ~~لوزرائه وأنصاره وخلفائه وإن كانوا أضعف الناس، وقبائلهم أقل القبائل، مع ~~ما في ذلك من الدليل على صدق إيمانهم وخلوص ادعائهم بتقديم الوزير المترجم ~~ترقيا في درج المعرفة ممن أوصل ذلك إليهم إلى من أمره بذلك ثم إلى من أرسله ~~شكرا للمنعمين بالتدريج # «لا يشكر الله من لم يشكر الناس» وهذا لما أوجب تقديمه هنا لا لهذا فقط، ~~وذكروا اسم الرب إشارة إلى أنه سبحانه أحسن إليهما بإعلاء شأنهما على ~~السحرة، وعلى من كانوا يقرون بالربوبية، وهو فرعون الذي لم يغن عنهم شيئا، ~~فكانوا أول النهار سحرة، وآخر شهداء بررة، وهذه الآية في أمثالها من أي هذه ~~السور # PageV12P309 # وغيرها مما قدم فيه ما يتبادر أن حقه التأخير وبالعكس لأنحاء من المعاني ~~دقيقة، هي التي حملت بعض من لم يرسخ إلى أن يقول: إن القرآن يراعي الفواصل ~~كما يتكلف بلغاء العرب السجع، وتبعه جمع من المتأخرين تقليدا، وقد عاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ms2922 حين قال: «سجع كسجع الجاهلية أو قال: الكهان» ~~وقد علم مما ذكرته أن المعنى الذي بنيت عليه السورة ما كان ينتظم إلا ~~بتقديم هارون، ويؤيد ذلك أنه قال هنا {إنا رسولا} وفي الشعراء {رسول} ، وقد ~~قال الإمام فخر الدين الرازي كما حكاه عنه الشيخ أبو حيان في سورة فاطر من ~~النهر: لا يقال في شيء من القرآن: أنه قدم أو أخر لأجل السجع، لأن معجزة ~~القرآن ليست في مجرد اللفظ، بل فيه وفي المعنى، وقال القاضي أبو بكر ~~الباقلاني في كتاب إعجاز القرآن: ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن ~~وذكره أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه، ثم رد على المخالف بأن قال: ~~والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم ~~يكن سجعا لأن # PageV12P310 # السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع. وليس كذلك ما اتفق مما هو ~~في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى، وفصل بين أن ~~ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه وبين أن يكون ~~المعنى منتظما دون اللفظ. ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة ~~غيره. ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتحسين الكلام دون ~~تصحيح المعنى، ثم استدل على ذلك بأشياء نفيسة أطال فيها وأجاد - رحمه الله، ~~وقد تقدم في آخر سورة التوبة ما ينفع جدا في هذا المرام. # ولما كان موسى عليه السلام هو المقصود بالإرسال إلى فرعون، استأنف تعالى ~~الإخبار عن فرعون عندما فجئه ذلك فقال: {قال} أي فرعون للسحرة منكرا عليهم، ~~وأضمر اسمه هنا ولم يظهره كما في الأعراف لأن مقصود السورة الرفق بالمدعوين ~~والحلم عنهم، وهو غير متأهل لذكر اسمه في هذا المقام: {آمنتم} أي بالله ~~{له} أي مصدقين أو متبعين لموسى {قبل أن ءاذن لكم} في ذلك، إبهاما بأنه ~~سيأذن فيه ليقف الناس عن المبادرة إلى الاتباع بين خوف العقوبة ورجاء ~~الإذن؛ ثم استأنف قوله معللا مخيلا لأتباعه صدا لهم ms2923 عن الاقتداء بهم: {إنه ~~لكبيركم} أي في العلم {الذي علمكم السحر} فلم تتبعوه لظهور الحق، بل ~~لإرادتكم شيئا من المكر وافقتموه عليه قبل حضوركم # PageV12P311 # في هذا الموطن، وهذا على عادته في تخييل أتباعه فيما يوقفهم عن اتباع ~~الحق. # ولما خيلهم، شرع يزيدهم حيرة بتهديد السحرة فقال: {فلأقطعن} أي سبب ما ~~فعلتم {أيديكم} على سبيل التوزيع {وأرجلكم} أي من كل يدا ورجلا {من خلاف} ~~فإذا قطعت اليد اليمنى قطعت الرجل اليسرى {ولأصلبنكم} وعبر عن الاستعلاء ~~بالظرف إشارة إلى تمكينهم من المصلوب فيه تمكين المظروف في ظرفه فقال: {في ~~جذوع النخل} تبشيعا لقتلكم ردعا لأمثالكم {ولتعلمن أينا} أنا أورب موسى ~~الذي قال: إنه أوحى إليه أن العذاب على من كذب وتولى {أشد عذابا وأبقى*} أي ~~من جهة العذاب، أي أينا عذابه أشد وأطول زمانا. # PageV12P312 # ولما علموا ما خيل به على عقول الضعفاء، نبهوهم فأخبر تعالى عن ذلك بقوله ~~مستأنفا: {قالوا لن نؤثرك} أي نقدم أثرك بالاتباع لك لنسلم من عذابك الزائل ~~{على ما جاءنا} به موسى عليه السلام {من البينات} التي عايناها وعلمنا أنه ~~لا يقدر أحد على مضاهاتها. ولما بدؤوا بما يدل على الخالق من الفعل الخارق، ~~ترقوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله، إشارة إلى علي قدره فقالوا: # PageV12P312 # {والذي} أي ولا نؤثرك بالاتباع على الذي {فطرنا} أي ابتدأ خلقنا، إشارة ~~إلى شمول ربوبيته سبحانه وتعالى لهم وله ولجميع الناس، وتنبيها على عجز ~~فرعون عند من استحقه، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله تعالى عبارة ~~وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم. # ولما تسبب عن ذلك أنهم لا يبالون به، علما بأن ما فعله فهو بإذن الله، ~~قالوا: {فاقض ما} أي فاصنع في حكمك الذي {أنت قاض} ثم عللوا ذلك بقولهم: ~~{إنما تقضي} أي تصنع بنا ما تريد أن قدرك الله عليه {هذه الحياة الدنيا*} ~~أي إنما حكمك في مدتها على الجسد خاصة، فهي ساعة تعقب راحة، ونحن لانخاف ~~إلا ممن يحكم على الروح وإن فني الجسد، فذاك هو الشديد العذاب، الدائم ~~الجزاء ms2924 بالثواب أو العقاب، ولعلهم أسقطوا الجار تنزلا إلى أن حكمه لو فرض ~~أنه يمتد إلى آخر الدنيا لكان أهلا لأن لا يخشى لأنه زائل وعذاب الله باق. ~~ثم عللوا تعظيمهم لله واستهانتهم بفرعون بقولهم: {إنا ءامنا بربنا} أي ~~المحسن إلينا طول أعمارنا مع إساءتنا بالكفر وغيره {ليغفر لنا} من غير نفع ~~يلحقه بالفعل أو ضرر يدركه بالترك # PageV12P313 # {خطايانا} التي قابلنا بها إحسانه: ثم خصوا بعد العموم فقالوا: {وما ~~أكرهتنا عليه} وبينوا ذلك بقولهم: {من السحر} لتعارض به المعجزة، فإن كان ~~الأكمل لنا عصيانك فيه لأن الله أحق بأن يتقى. روي أن الذي كان من القبط من ~~السحرة اثنان فقط، والباقون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على تعلم السحر، ~~وروي أنهم رأوا موسى عليه السلام نائما وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون إن ~~الساحر إذا نام بطل سحره، فهذا لا يقدر على معارضته، فأبى عليهم وأكرههم ~~على المعارضة. # ولما كان التقدير: فربنا أهل التقوى وأهل المغفرة، عطفوا عليه مستحضرين ~~لكماله: {والله} أي الجامع لصفات الكمال {خير} جزاء منك فيما وعدتنا به ~~{وأبقى*} ثوابا وعقابا، والظاهر أن الله تعالى سلمهم من فرعون، ويؤيده قوله ~~تعالى {أنتما ومن اتبعكما الغالبون} [القصص: 35]- قاله أبو حيان. وسيأتي في ~~آخر الحديد ما هو صريح في نجاتهم؛ ثم عللوا هذا الختم بقولهم: {إنه من يأت ~~ربه} أي الذي رباه وأحسن إليه بأن أوجده وجعل له جميع ما يصلحه {مجرما} أي ~~قاطعا ما أمره به أن يوصل {فإن له جهنم} دار الإهانة {لا يموت فيها} أبدا ~~مع شدة عذابها. # بخلاف عذابك الذي إن # PageV12P314 # اشتد أمات فزال سريعا، وإن خف لم يخف وكان آخره الموت وإن طال {ولا يحيى ~~*} فيها حياة ينتفع بها {ومن يأته} أي ربه الذي أوجده ورباه {مؤمنا} أي ~~مصدقا به. # ولما قدم أن مجرد الكفر يوجب العذاب. كان هذا محلا يتوقع فيه الإخبار عن ~~الإيمان بمثل ذلك فقال: {قد} أي ضم إلى ذلك تصديقا لإيمانه أنه {عمل} أي في ~~الدنيا {الصالحات} التي أمر بها فكأن صادق الإيمان ms2925 مستلزم لصالح الأعمال ~~{فأولئك} أي العالو الرتبة {لهم} أي لتداعي ذواتهم بمقتضى الجبلة {الدرجات ~~العلى*} التي لا نسبة لدرجاتك التي وعدتنا بها منها؛ ثم بينوها بقولهم: ~~{جنات عدن} أي أعدت للإقامة وهيئت فيها أسبابها {تجري من تحتها الأنهار} أي ~~من تحت غرفها وأسرتها وأرضها؛ فلا يراد موضع منها لأن يجري فيه نهر إلا ~~جرى؛ ثم بين بقوله: {خالدين فيها} أن أهلها هيئوا أيضا للإقامة. # ولما أرشد السياق والعطف على غير معطوف عليه ظاهر إلى أن التقدير: ذلك ~~الجزاء العظيم والنعيم المقيم جزاء الموصوفين، لتزكيتهم أنفسهم، عطف عليه ~~قوله: {وذلك جزاء} كل {من تزكى*} أي طهر نفسه بما ذكر من الإيمان والأعمال ~~الصالحة، وفي هذا تسلية للصحابة رضوان الله عليهم فيما كان يفعل بهم عند ~~نزول # PageV12P315 # هذه السورة إذ كانوا مستضعفين. # PageV12P316 # ولما بين سبحانه استكبار فرعون المدعى في قوله {فكذب وأبى} وختمه سبحانه ~~بأنه يهلك العاصي كائنا من كان، وينجي الطائع، أتبع ذلك شاهدا محسوسا عليه ~~كفيلا ببيان أنه لم يغن عن فرعون شيء من قوته ولا استكباره، فقال عاطفا على ~~«ولقد أريناه آياتنا» : {ولقد أوحينا} أي بعظمتنا لتسهيل ما يأتي من الأمور ~~الكبار {إلى موسى} غير مكترثين لشيء من أقوال فرعون ولا أفعاله، وهذا ~~الإيحاء بعد ما تقدم من أمر السحرة بمدة مديدة جرت فيها خطوب طوال كانت ~~بسببها الآيات الكبار، وكأنها حذفت لما تدل عليه من قساوة القلوب، والمراد ~~هنا الانتهاء لما تقدم من مقصود السورة {أن أسر} أي ليلا، لأن السري سير ~~الليل؛ وشرفهم بالإضافة إليه فقال: {بعبادي} أي بني إسرائيل الذين لفت قلب ~~فرعون حتى أذن في مسيرهم بعد أن كان قد أبى أن يطلقهم أو يكف عنهم العذاب، ~~فاقصد بهم ناحية بحر القلزم {فاضرب لهم} أي اعمل # PageV12P316 # بضرب البحر بعصاك، ولذلك سماه ضربا. # ولما كان ضرب البحر بالعصا سببا لوجود الطريق الموصوفة، أوقع الفعل عليها ~~فقال: {طريقا في البحر} ووصفها بالمصدر مبالغة فقال: {يبسا} حال كونها أو ~~كونك {لا تخاف} والمراد بها الجنس، فإنه كان لكل ms2926 سبط طريقا {دركا} أي أن ~~يدركك شيء من طغيان البحر أو بأس العدو أو غير ذلك. # ولما كان الدرك مشتركا بين اللحاق والتبعة، أتبعه بقوله: {ولا تخشى*} أي ~~شيئا غير ذلك أصلا إنفاذا لأمري وإنقاذا لمن أرسلتك لاستنقاذهم، وسوقه على ~~هذا الوجه من إظهار القدرة والاستهانة بالمعاند مع كبريائه ومكنته استدلالا ~~شهوديا على ما قرر أول السورة من شمول القدرة وإحاطة العلم للبشارة بإظهار ~~هذا الدين بكثرة الأتباع وإبارة الخصوم والإسعاد برد الأضداد وجعل بغضهم ~~ودا، وإن كانوا قوما لدا؛ ثم أتبع ذلك قوله عطفا على ما تقديره: فبادر # PageV12P317 # امتثال الأمر في الإسراء وغيره: {فأتبعهم} أي أوجد التبع والمسير وراء ~~بني إسرائيل على ذلهم وضعفهم {فرعون بجنوده} على كثرتهم وقوتهم وعلوهم ~~وعزتهم، فكانوا كالتابع الذي لا معنى له بدون متبوعه {فغشيهم} أي فرعون ~~وقومه {من اليم} أي البحر الذي من شأنه أن يؤم؛ وأوجز فهول فقال: {ما غشيهم ~~*} أي أمر لا تحتمل العقول وصفه حق وصفه، فأهلك أولهم وآخرهم؛ وقطع دابرهم، ~~لم يبق منهم أحدا، وما شاكت أحدا من عبادنا المستضعفين شوكة {وأضل فرعون} ~~على تحذلقه {قومه} مع ما لهم من قوة الأجساد ومعانيها. # ولما كان إثبات الفعل لا يفيد العموم، نفى ضده ليفيده مع كونه أوكد وأوقع ~~في النفس وأروع لها فقال: {وما هدى*} أي ما وقع منه شيء من الهداية، لا ~~لنفسه ولا لأحد من قومه، فتم الدليل الشهودي على تمام القدرة على إنجاء ~~الطائع وإهلاك العاصي. # ولما كان هذا موجبا للتشوف إلى ما وقع لبني إسرائيل بعده، قال تعالى ~~شافيا لهذا الغليل، أقبلنا على بني إسرائيل ممتنين بما مضى وما يأتي ~~قائلين: {يا بني إسرائيل} معترفين لهم أنا نظرنا إلى السوابق فأكرمناهم # PageV12P318 # لأجل أبيهم. # ولما كان درء المفاسد وإزالة الموانع قبل جلب المصالح واستدرار المنافع ~~قال: {قد أنجيناكم} بقدرتنا الباهرة {من عدوكم} الذي كنتم أحقر شيء عنده. # ولما تفرغوا لإنفاذ ما يراد منهم من الطاعة قال: {وواعدناكم} أي كلكم - ~~كما مضى في البقرة عن نص التوراة - للمثول ms2927 بحضرتنا والاعتزاز بمواطن رحمتنا ~~{جانب الطور الأيمن} أي الذي على أيمانكم في توجهكم هذا الذي وجوهكم فيه ~~إلى بيت أبيكم إبراهيم عليه السلام، وهو جانبه الذي يلي البحر وناحية مكة ~~واليمن. # ولما بدأ بالمنفعة الدينية، ثنى بالمنفعة الدنيوية فقال: {ونزلنا عليكم} ~~بعد إنزال هذا الكتاب في هذه المواعدة لإنعاش أرواحكم {المن والسلوى*} ~~لإبقاء أشباحكم، فبدأ بالإنجاء الممكن من العبادة، ثم أتبعه بنعمة الكتاب ~~الدال عليها، ثم بالرزق المقوي، ودل على نعمة الإذن فيه بقوله: {كلوا} ودل ~~على سعته بقوله: {من طيبات ما} ودل على عظمته بقوله: {رزقناكم} من ذلك ومن ~~غيره. # ولما كان الغنى والراحة سبب السماحة، قال: {ولا تطغوا فيه} # PageV12P319 # بالادخار إلى غد في غير يوم الجمعة ولا بغير ذلك من البطر وإغفال الشكر ~~بصرفه في غير الطاعة {فيحل} أي ينزل ويجب في حينه الذي هو أولى الأوقات به ~~- على قراءة الجماعة بالكسر، ونزولا عظيما وبروكا شديدا - على قراءة ~~الكسائي بالضم {عليكم غضبي} فتهلكوا لذلك {و} كل {من يحلل عليه غضبي} منكم ~~ومن غيركم {فقد هوى*} أي كان حاله حال من سقط من علو. # PageV12P320 # ولما كان الإنسان محل الزلل وإن اجتهد، رجاه واستعطفه بقوله: {وإني ~~لغفار} أي ستار بإسبال ذيل العفو {لمن تاب} أي رجع عن ذنوبه من الشرك وما ~~يقاربه {وءامن} بكل ما يجب الإيمان به {وعمل صالحا} تصديقا لإيمانه. # ولما كانت رتبة الاستمرار على الاستقامة في غاية العلو، عبر عنها بأداة ~~التراخي فقال: {ثم اهتدى*} أي استمر على العمل الصالح متحريا به إيقاعه على ~~حسب أمرنا وعلى أقرب الوجوه المرضية لنا، له إلى ذلك غاية التوجه كما يدل ~~عليه صيغة افتعل، وكأنه لما رتب الله سبحانه منازل قوم موسى عليه السلام ~~عامة والسبعين المختارين منهم خاصة في الجبل - كما مضى عن نص التوراة في ~~سورة البقرة، وواعده الكلام # PageV12P320 # بعد ثلاثين ليلة ولم يعين له أولها، وكأنه لاشتياقه إلى ما رأى من التعرف ~~إليه بمقام الجمال لم يتوقف على خصوص إذن من الله تعالى في أول وقت الإتيان ms2928 ~~اكتفاء بمطلق الأمر السابق في الميعاد، فتعجل بعشرة أيام عن الوقت الذي علم ~~الله أن الكلام يقع فيه بعد الثلاثين التي ضربها لذلك، وأمر موسى عليه ~~السلام قومه عند نهوضه، وتقدم إليهم في اتباعه والكون في أثره للحلول في ~~الأماكن التي حدها الله لهم وأمر السبعين المختارة بمثل ذلك، وكأنهم لما ~~مضى تلبثوا لما رأوا من مقام الجلال، فلما مضت الثلاثون بعد ذهاب موسى لم ~~يكن أتى الوقت الذي أراد الله أن تكون المناجاة فيه، فزاده عشرا فظن بنو ~~اسرائيل الظنون في تلك العشرة، ووقع لهم ما وقع من اتخاذ العجل. # ولما كان ذلك - والله أعلم بما كان، وكان أعظم ما مضى في آية الامتنان ~~عليهم والتعرف بالنعم إليهم المواعدة لهدايتهم بالآيات المرئية والمسموعة، ~~وختم ذلك بالإشارة إلى الاجتهاد في الإقبال على الهدى، أتبع ذلك ذكر ضلالهم ~~بعد رؤية ما يبعد معه كل البعد إلمام من رآه بشيء من الضلال، كل ذلك لإظهار ~~القدرة التامة على التصرف في القلوب بضد ما يظن بها، وكان تنجز المواعيد ~~ألذ شيء للقلوب وأشهاه إلى النفوس، وكان السياق مرشدا حتما إلى أن # PageV12P321 # التقدير: فأتوا إلى الطور لميعادنا، وتيمموا جانبه الأيمن بأمرنا ~~ومرادنا، وتعجل موسى صفينا الصعود فيه مبادرا لما عنده من الشوق إلى ذلك ~~المقام الشريف وتأخر مجيء قومه عن الإتيان معه، فقلنا: ما أخر قومك عن ~~الأتيان معك؟ فعطف عليه قوله: {وما أعجلك} أي أي شيء أوجب لك العجلة في ~~المجيء {عن قومك} وإن كنت بادرت مبادرة المبالغ في الاسترضاء، أما علمت أن ~~حدود الملوك لا ينبغي تجاوزها بتقدم أو تأخر؟ {يا موسى*} فهلا أتيتم جمله ~~وانتظرتم أمرا أمرا جديدا بخصوص الوقت الذي استحضركم فيه {قال} موسى ظنا ~~منه أنهم أسرعوا وراءه: {هم} وأتى باسم الإشارة وأسقط منه هاء التنبيه لأنه ~~لا يليق بخطاب الله، قال ابن هبيرة: ولم أر أحدا من الأصفياء خاطب ربه ~~بذلك، وإنما خاطب به الكفار لغباوتهم # {قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك} [النحل: 86] في ~~أمثالها ms2929 وأما آخر الزخرف فقد ذكر التعبير بها في موضعه {أولاء} أي هم في ~~القرب بحيث يسار إليهم، كائنين {على أثري} أي ماشين على آثار مشيي قبل أن ~~ينطمس لم أسبقهم إلا بشيء جرت العادة في السبق بمثله بين الرفاق، هذا بناء ~~منه على ما كان عهد إليهم، وأكد فيه عليهم: ثم اعتذر عن فعله فقال: {وعجلت} # PageV12P322 # أنا بالمبادرة {إليك} وجرى على عادة أهل القرب كما يحق له فقال: {رب} أي ~~أيها المسارع في إصلاح شأني والإصلاح إلي {لترضى*} عني رضا أعظم مما كان ~~{قال} الرب سبحانه: {فإنا} أي قد تسبب عن عجلتك عنهم أنا {قد فتنا} أي ~~خالطنا بعظمتنا مخالطة مميلة محيلة {قومك} بتعجلك. # ولما كانت الفتنة لم تستغرق جميع الزمن الذي كان بعده، وإنما كانت في ~~بعضه، أدخل الجار فقال: {من بعدك} أي خالطناهم بأمر من أمرنا مخالطة ~~أحالتهم عما عهدتهم عليه، وكان ذلك بعد تمام المدة التي ضربتها لهم، وهي ~~الثلاثون بالفعل وبالقوة فقط، من أول ما فارقتهم بضربك لتلك المدة باعتبار ~~أن أول إتيانك هو الذي كان سبب الفتنة لزيادة أيام الغيبة بسببه لأنا زدنا ~~في آخر المدة بمقدار ما عجلت به في أولها، فلما تأخر رجوعك إليهم حصل لهم ~~الفتون بالفعل، فظنوا مرجمات الظنون. # ولما عمتهم الفتنة إلا اثني عشر ألفا من أكثر من ستمائة ألف، # PageV12P323 # أطلق الضلال على الكل فقال: {وأضلهم السامري*} أي عن طريق الرشد بما سبب ~~لهم؟ روى النسائي في التفسير من سننه، وأبو يعلى في مسنده وابن جرير وابن ~~أبي حاتم في تفسيريهما عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث الفتون أن موسى ~~عليه السلام لما وعده ربه أن يكلمه استخلف على قومه أخاه هارون عليه ~~السلام، وأجلهم ثلاثين يوما، وذهب فصامها ليلها ونهارها، ثم كره أن يكلم ~~ربه وريح فمه متغير، فمضغ شيئا من نبات الأرض فقال له ربه: أوما علمت أن ~~ريح الصائم أطيب من ريح المسك؟ ارجع فصم عشرا، فلما رأى قوم موسى أنه لم ~~يرجع إليهم ساءهم ms2930 ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم خرجتم من مصر، ولقوم ~~فرعون عندكم عواري وودائع، ولكم فيها مثل ذلك، وأنا أرى أن تحسبوا ما لكم ~~عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئا ~~من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع ~~أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد النار فأحرقه # PageV12P324 # فقال: لا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري من قوم يعبدون البقر، جيران ~~لبني إسرائيل ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين ~~احتملوا، فقضى له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون عليه ~~السلام: يا سامري! ألا تلقي ما في يدك - وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ~~ذلك اليوم، فقال هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها ~~لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد، فألقاها ودعا له ~~هارون، فقال: أريد أن يكون عجلا، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية ~~أو نحاس أو حديد، فصار عجلا أجوف ليس فيه الروح، له خوار، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: لا والله! ما كان له صوت قط، إنما كانت الريح تدخل في دبره ~~فتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو إسرائيل فرقا، فقالت فرقة: ~~يا سامري! ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى أضل الطريق، ~~فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى. # فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإنا ~~نتبع موسى، وقالت فرقة: هذا عمل الشيطان، وليس بربنا، ولن نؤمن # PageV12P325 # به ولن نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل ~~وأعلنوا التكذيب به - الحديث. # ثم سبب عن إخباره سبحانه له بذلك قوله: {فرجع موسى} أي لما أخبره ربه ~~بذلك {إلى قومه} أي الذين لهم قوة عظيمة على ما يحاولونه {غضبان أسفا*} ms2931 أي ~~شديد الحزن أو الغضب؛ واستأنف قوله: {قال} لقومه لما رجع إليهم مستعطفا ~~لهم: {يا قوم} وأنكر عليهم بقوله: {ألم يعدكم ربكم} الذي طال إحسانه إليكم ~~{وعدا حسنا} أي بأنه ينزل عليكم كتابا حافظا، ويكفر عنكم خطاياكم، وينصركم ~~على أعدائكم - إلى غير ذلك من إكرامه. # ولما جرت العادة بأن طول الزمان ناقض للعزائم، مغير للعهود، كما قال أبو ~~العلاء أحمد بن سليمان المعري في هذا البيت: # لا أنسينك إن طال الزمان بنا ... وكم حبيب تمادى عهده فنسي # وكان عليه الصلاة والسلام قريب العهد بهم، أنكر طول العهد بقوله، مستأنفا ~~عما تقديره: هل ترك ربكم مواعيده لكم وقطع معروفه عنكم: {أفطال عليكم ~~العهد} أي زمن لطفه بكم، فتغيرتم عما # PageV12P326 # فارقتكم عليه كما يعتري أهل الرذائل الانحلال في العزائم لضعف العقول ~~وقلة التدبر {أم أردتم} بالنقض مع قرب العهد وذكر الميثاق {أن يحل عليكم} ~~بسبب عبادة العجل {غضب من ربكم} أي المحسن إليكم، وكلا الأمرين لم يكن، أما ~~الأول فواضح، وأما الثاني فلا يظن بأحد إرادته، والحاصل أنه يقول: إنكم ~~فعلتم ما لا يفعله عاقل {فأخلفتم} أي فتسبب عن فعلكم ذلك أن أخلفتم ~~{موعدي*} في إجلال الله والإتيان إلى الموضع الذي ضربه لكم لكلامه لي ~~وإنزال كتابه علي إحسانا إليكم وإقبالا عليكم، وكأنه أضاف الموعد إليه أدبا ~~مع الله تعالى وإعظاما له، أو أنه لما كان إخلاف الموعد المؤكد المعين الذي ~~لا شبهة فيه، لما نصب عليه من الدلائل الباهرة، وأوضحه من البراهين ~~الظاهرة، لا يكون إلا بنسيان لطول العهد، أو عناد بسوء قصد، وكان من أبلغ ~~المقاصد وأوضح التقرير إلجاء الخصم بالسؤال إلى الاعتراف بالمراد، سألهم عن ~~تعيين أحد الأمرين مع أن طول العهد لا يمكن ادعاؤه، فقال ما معناه: أطال ~~عليكم العهد بزيادة عشرة أيام فنسيتم فلم يكن عليكم في الإخلاف جناح؟ أم ~~أردتم أن يحل عليكم الغضب فعاندتم؟ فكانت الآية من الاحتباك: ذكر طول العهد ~~الموجب للنسيان أولا دليل # PageV12P327 # على حذف العناد ثانيا، وذكر حلول الغضب ثانيا دليل على ms2932 انتفاء الجناح ~~أولا، وسر ذلك أن ذكر السبب الذي هو طول العهد أدل على النسيان الذي هو ~~المسبب، وإثبات الغضب - وهو المسبب - أنكأ من إثبات سببه الذي هو العناد. # PageV12P328 # ولما تشوف السامع إلى جوابهم، استأنف ذكره فقال: {قالوا} : لم يكن شيء من ~~ذلك. # ولما كان المقصود من هذا السياق كله إظهار عظيم القدرة، عبر عن ذلك ~~بقوله، حكاية عنهم للاعتراف بما قررهم موسى عليه السلام به من العناد ~~معتذرين عنه بالقدرة، والاعتذار به لا يدفع العقوبة المرتبة على الذنب: {ما ~~أخلفنا موعدك بملكنا} أي لقد صدقت فيما قلت، ولكنا لم نفعل ذلك ونحن بملك ~~أمرنا - هذا على قراءة الجماعة بالكسر، وعلى قراءة نافع وعاصم بالفتح ~~المعنى: ولنا ملكة نتصرف بها في أنفسنا، وعلى قراءة حمزة والكسائي بالضم ~~كأنهم قالوا: ولنا سلطان قاهر لأمورنا - على أنهم قد ذكروا أن القراءات ~~الثلاث لغات لمعنى واحد، قال في القاموس: ملكه يملكه ملكا مثلثة: احتواه ~~قادرا # PageV12P328 # على الاستبداد به، والمعنى أن السامري زين لهم ذلك، ووسوس به الشيطان فما ~~دورا إلا وقد تبعوه حتى كانوا كأنهم يقادون إليه بالسلاسل، وقيل هذا كلام ~~من لم يعبده، اعتذروا بأنهم كانوا قليلا، لا قدرة لهم على مقاومة من عبده، ~~وهذا كله إشارة إلى أنه تعالى هو المتصرف في القلوب، فهو قادر على أن يرد ~~كفار قريش والعرب من بعد عنادهم، ولددهم وفسادهم {ولكنا} كنا {حملنا ~~أوزارا} أي أثقالا من النقدين هي أسباب الآثام، كما تقدم في الأعراف أن ~~الله أمرهم في التوراة أن يستعيروها من القبط فخربوهم بها، وكأن هذا ما كان ~~خيانة في ذلك الشرع، أو أن الله تعالى أباح لهم ذلك في القبط خاصة {من زينة ~~القوم} الذين لم نكن نعرف قوما غيرهم، وغيرهم ليس حقيقا بإطلاق هذا اللفظ ~~عليه وهم القبط، فقضى لنا أن نقذفها في النار، وتوفرت الدواعي على ذلك ~~واشتدت بحيث لم نتمالك {فقذفناها فكذلك} أي فتعقب هذا أنه مثل ذلك الإلقاء # PageV12P329 # {ألقى السامري*} وهو لصيق انضم إليهم من قبط مصر، ألقى ms2933 ما كان معه، أما ~~من المال وإما من أثر الرسول، كما مضى ويأتي، وكأن إلقاءه كان آخرا. # ولما كان خروج التمثال عقب إلقاءه، حعل كأنه المتسبب في ذلك، فقيل مع ~~العدول عن أسلوب التكلم استهجانا لنسبة أمر العجل إلى المتكلم: {فأخرج لهم} ~~أي لمن شربه وعبده، وجعل الضمير للغيبة يؤيد قول من جعل هذا كلام من لم ~~يعبد العجل، والمعنى عند من جعله من كلام العابدين أنهم دلوا بذلك على ~~البراءة منه والاستقذار له. # ولما كان شديد الشبه للعجول، قيل: {عجلا} وقدم قوله: {جسدا} لنعرف أن ~~عجليته صورة لا معنى - على قوله: {له خوار} لئلا يسبق إلى وهم أنه حي، فتمر ~~عليه لمحة على اعتقاد الباطل {فقالوا} أي فتسبب عن ذلك أن السامري قال ~~فتابعه عليه من أسرع في الفتنة أول ما رآه: {هذا} مشرين إلى العجل الذي هو ~~على صورة ما هو # PageV12P330 # مثل في الغباوة {إلهكم وإله موسى * فنسى *} أي فتسبب عن أنه إلهكم أن ~~موسى نسي - بعدوله عن هذا المكان - موضعه فذهب يطلبه في مكان غيره، أو نسي ~~أن يذكره لكم. # ولما كان هذا سببا للإنكار على من قال هذا، قال: {أفلا يرون} أي أقالوا ~~ذلك؟ فتسبب قولهم عن عماهم عن رؤية {أن} أي أنه {لا يرجع إليهم قولا*} ~~والإله لا يكون أبكم {ولا يملك لهم ضرا} فيخافوه كما كانوا يخافون فرعون ~~فيقولوا ذلك خوفا من ضره {ولا نفعا*} فيقولوا ذلك رجاء له. # ولما كان الذنب مع العلم أبشع، والضلال بعد البيان أشنع، قال عاطفا على ~~قوله {قال يا قوم ألم يعدكم} أو على قوله «قالوا ما أخلفنا» : {ولقد قال ~~لهم هارون} أي مع أن من لم يعبده لم يملكوا رد من عبده. # ولما كان قولهم في بعض ذلك الزمان، قال: {من قبل} أي من قبل رجوع موسى، ~~مستعطفا لهم: {يا قوم} ثم حصر أمرهم ليجتمع فكرهم # PageV12P331 # ونظرهم فقال: {إنما فتنتم} أي وقع اختباركم فاختبرتم في صحة إيمانكم ~~وصدقكم فيه وثباتكم عليه {به} أي بهذا التمثال في إخراجه ms2934 لكم على هذه ~~الهيئة الخارقة للعادة. وأكد لأجل إنكارهم فقال: {وإن ربكم} أي الذي أخرجكم ~~من العدم ورباكم بالإحسان {الرحمن} وحده الذي فضله عام ونعمه شاملة، فليس ~~على البر ولا فاجر نعمة إلا وهي منه قبل أن يوجد العجل، وهو كذلك بعده. ومن ~~رحمته قبول التوبة، فخافوا نزع نعمه بمعصيته، وارجوا إسباغها بطاعته ~~{فاتبعوني} بغاية جهدكم في الرجوع إليه {وأطيعوا أمري*} في دوام الشرف ~~بالخضوع لديه، ودوام الإقبال عليه، بدفع عنكم ضيره، ويفض عليكم خيره. # ولما كان هذا موضع أن يسأل من جوابهم لهذا الأمر الواضح الذي لا غبار ~~عليه، قيل: {قالوا} بفظاظة وجمود: {لن نبرح عليه} أي على هذا العجل ~~{عاكفين} أي مقيمين مستديرين مجتمعين وإن حاربنا في ذلك {حتى يرجع إلينا ~~موسى*} فدافعهم، # PageV12P332 # فهموا به، وكان معظمهم قد ضل، فلم يكن معه من يقوى بهم، فخاف أن يجاهد ~~بهم الكافرين فلا يفيد ذلك شيئا، ويقتل بعضهم فيحمى له آخرون من ذوي رحمة ~~الأقربين، فيصير بين بني إسرائيل فرقة يبعد ضم شتاتها وتلافي دهمائها، ~~وكانوا قد غيوا الرجوع برجوع موسى عليه السلام مع أنه لم يأمره بجهاد من ~~ضل، إنما قال له {وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} [الأعراف: 142] فرأى من ~~الإصلاح اعتزلهم إلى أن يأتي، فلما ذكر ما قال هارون عليه السلام، التفتت ~~النفس إلى علم ما قال له موسى عليه السلام لأنه خليفته عليهم، مع كونه راسا ~~في نفسه، فدفع هذا العناء بقوله، مسقطا أخذه برأس أخيه لما تقدم من ذكره ~~ويأتي هنا من الدلالة عليه، ولم تدع إليه ضرورة في هذه السورة التي من أعظم ~~مقاصدها الدلالة على تليين القلوب: {قال} أي موسى: {يا هارون} أنت نبي الله ~~وأخي ووزيري وخليفتي فأنت أولى الناس بأن ألومه، وأحقهم بأن أعاتبه {ما ~~منعك إذ} أي حين {رأيتهم ضلوا*} عن طريق الهدى، واتبعوا سبيل الردى، من ~~اتباعي في سيرتي فيهم من الأخذ على يد الظالم طوعا أو كرها، # PageV12P333 # اتباعا لا تزيغ فيه عما نهجته لك بوجه من الوجوه شيئا من ms2935 زيغ، وعبر عن ~~هذا التأكيد بزيادة «لا» في قوله: {ألا تتبعن} كما تقدم غير مرة أن النافي ~~إذا زيد في الكلام كان نافيا لضد مضمونه فيفيد إثباتا للمضون ونفيا لضده، ~~فيكون ذلك في غاية التأكيد {أفعصيت} أي أتكبرت عن اتباعي فتسبب عن ذلك أنك ~~عصيت {أمري*} وأخذ بلحيته وبرأسه يجره إليه غضبا لله تعالى، فكأنه قيل: ما ~~قال له؟ فقيل: {قال} مجيبا له مستعطفا بذكر أول وطن ضمهما بعد نفخ الروح مع ~~ما له من الرقة والشفقة: {يبنؤم} فذكره بها خاصة وإن كان شقيقه لأنه يسوءها ~~ما يسوءه، وهي أرق من الأب {لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} أي بشعره؛ ثم علل ~~ذلك بقوله: {إني خشيت أن تقول} إن اشتددت عليهم حتى يصل الأمر إلى القتال ~~{فرقت بين بني إسرائيل} بفعلك هذا الذي لم يجد شيئا لقلة من كان معك وضعفكم ~~عن ردهم {ولم ترقب قولي*} {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} ~~ولم تقل وارددهم ولو أدى الأمر إلى السيف، وهذا كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم مأمورا بالصفح والحلم والمدافعة باللين عند ضعف الناصر وقلة ~~المعين. # PageV12P334 # ولما فرغ من نصيحة أقرب الناس إليه وأحقهم بنصيحته وحفظه على الهدى إذ ~~كان رأس الهداة، تشوف السامع إلى ما كان من غيره، فاستأنف تعالى ذكره ~~بقوله: {قال} أي موسى عليه السلام لرأس أهل الضلال معرضا عن أخيه بعد قبول ~~عذره. جاعلا ما نسب إليه سببا لسؤاله عن الحامل له عليه: {فما خطبك} أي ~~أمرك هذا العجيب العظيم الذي حملك على ما صنعت وأخبرني العزيز العليم أنك ~~أنت أضللتهم به {يا سامري * قال} السامري مجيبا له: {بصرت} من البصر ~~والبصيرة {بما لم يبصروا به} من أمر الرسول الذي أجاز بنا البحر {فقبضت} أي ~~فكان ذلك سببا لأن قبضت {قبضة} أي مرة من القبض، أطلقها على المقبوض تسمية ~~للمفعول بالمصدر {من أثر} فرس ذلك {الرسول} أي المعهود {فنبذتها} في الحلي ~~الملقى في النار، أو في العجل {وكذلك} أي وكما سولت لي نفسي ms2936 أخذ اثره ~~{سولت} أي حسنت وزينت {لي نفسي} نبذها في الحلي فنبذتها، فكان منها ما كان، ~~ولم يدعني إلى ذلك داع ولا حملني عليه حامل غير التسويل. # ولما كان فعله هذا مفرقا لبني إسرائيل عن طريق الحق # PageV12P335 # التي كانوا عليها، وجامعا لهم على تمثال حيوان هو من أخس الحيوانات، وعلى ~~نفسه بكونه صار متبوعا في ذلك الضلال، لكونه كان سببه، عوقب بالنفرة من ~~الإنسان الذي هو أشرف الحيوان، ليكون ذلك سببا لضد ما تسبب عن فعله، فيعاقب ~~بالدنيا بعقوبة لا شيء أشد منها وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا ~~فلا يتصل بأحد ولا يتصل به أحد، بل يكون وحيدا طريدا ما دام حيا، فلذلك ~~استؤنف الإخبار عن هذا بقوله تعالى: {قال} أي له موسى عليه السلام: {فاذهب} ~~أي تسبب عن فعلك أني أقول لك: اذهب من بيننا، أو حيث ذهبت {فإن لك في ~~الحياة} أي ما دمت حيا {أن تقول} لكل من رأيته: {لا مساس} أي لا تمسني ولا ~~أمسك، فلا تقدر أن تنفك عن ذلك لإرادة الإله الحق ذلك بك وترغيبك فيه - بما ~~أفادته اللام، لتعلم أنت ومن تبعك أنكم كنتم على أعظم ضلال في ترك القادر ~~على كل شيء، واتباع ما لا قدرة له على شيء {وإن لك} بعد الممات {موعدا} ~~للثواب إن تبت، وللعقاب إن أبيت # PageV12P336 # {لن تخلفه} مبنيا للفاعل وللمفعول، أي لا يكون خلفك ولا تكون أنت خلفه، ~~بل يكون كل منكما مواجها لصاحبه، لا انفكاك له عنه، كما أنك في الحياة لا ~~تقدر أن تنفك عن النفرة من الناس، فاختر لنفسك ما يحلو. # ولما ذكر ما للإله الحق من القدرة التامة في الدارين، أتبعه عجز العجل ~~فقال: {وانظر إلى إلهك} أي بزعمك {الذي ظلت} أي دمت في مدة يسيرة جدا بما ~~أشار إليه تخفيف التضعيف {عليه عاكفا} أي مقبلا مقاربا مواظبا جهارا ~~{لنحرقنه} أي بالنار وبالمبرد - كما سلف عن نص التوراة، وكان معنى ذلك أنه ~~أحماه حتى لان فهان على المبارد {ثم لننسفنه} ms2937 أي لنذرينه إذا صار سحالة {في ~~اليم} أي البحر الذي أغرق الله فيه آل فرعون وهو أهل لأن يقصد فيجمع الله ~~سحالته التي هي من حيلهم وأموالهم فيحميها في نار جهنم ويكويهم ويجعلها من ~~أشد العذاب عليهم، وأكد الفعل إظهارا لعظمة الله الذي أمره بذلك، وتحقيقا ~~للصدق في الوعد فقال: {نسفا} . # PageV12P337 # ولما أراهم بطلان ما هم عليه بالعيان، أخبرهم بالحق على وجه الحصر # PageV12P337 # فقال: {إنما إلهكم} جميعا {الله} أي الجامع لصفات الكمال؛ ثم كشف المراد ~~من ذلك وحققه بقوله: {الذي لا إله إلا هو} أي لا يصلح لهذا المنصب أحد غيره ~~لأنه {وسع كل شيء علما*} تمييز محول عن الفاعل، أي أحاط علمه بكل شيء، فكان ~~على كل شيء ممكن قديرا، فكان كل شيء إليه فقيرا، وهو غني عن كل شيء، وجوده ~~يباين وجود غيره، وذاته تباين ذات غيره، وصفاته تباين صفات غيره، وأما ~~العجل الذي عبدوه فلو كان حيا كان مثلا في الغباوة، فلا يصلح للإلهية بوجه ~~ولا في عبادته شيء من حق، وكان القياس على ما يتبادر إلى الذهن حيث نفى عنه ~~العلم بقوله {ألا يرجع إليهم قولا} والقدرة بقوله {ولا يملك لهم ضرا ولا ~~نفعا} أن يثبتا هنا للاله الحق، ولكنه اعتنى بإثبات العلم الواسع لاستلزامه ~~للقدرة على كل ما يمكن أن يتعلق به، بإفادة الأسباب لشيء المراد، ومنع ~~الموانع عنه فيكون لا محالة، ولو لم يكن كذلك لكان التخلف للجهل إما بما ~~يفيد مقتضيا أو يمنع مانعا، وأدل دليل على ذلك قوله تعالى {ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} [الأعراف: 188] ولا يستلزم إثبات ~~القدرة المحيطة العلم الشامل لخروج قسم # PageV12P338 # المحال الذي ليس من شأن القدرة أن تتعلق به. # ولما تمت هذه القصة على هذا الأسلوب الأعظم، والسبيل الأقوم، متكفلة ~~بالدلالة على القدرة على ما وقعت إليه الإشارة من البشارة أول السورة ~~بتكثير هذه الأمة ورد العرب عن غيهم بعد طول التمادي في العناد، والتنكب عن ~~سبيل الرشاد، إلى ما تخللها من التسلية ms2938 بأحوال السلف الصالح والتأسية، ~~مفصلة من أدلة التوحيد والبعث، وغير ذلك من الحكم، بما يبعث الهمم، على ~~معالي الشيم، كان كأنه قيل: هل يعاد شيء من القصص على هذا الأسلوب البديع ~~والمثال الرفيع؟ فقيل: نعم {كذلك} أي مثل هذا القص العالي، في هذا النظم ~~العزيز الغالي، لقصة موسى ومن ذكر معه {نقص عليك} أي بما لنا من العظمة ~~التي لا يعجزها شيء؛ وأشار إلى جلالة علمه بقوله: {من أنباء} أي أخبار {ما ~~قد سبق} من الأزمان والكوائن الجليلة، زيادة في علمك، وإجلالا لمقدارك، ~~وتسلية لقلبك، وإذهابا لحزنك، بما اتفق للرسل من قبلك وتكثيرا لأتباعك ~~وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة وتأكد ~~الحجة على من عابه: {وقد ءاتيناك} من عظمتنا # PageV12P339 # تشريفا لك وتعظيما لقدرك {من لدنا} أي من عندنا من الأمر الشريف بمزيد ~~خصوصيته بنا ولطيف اتصاله بحضرتنا من غيب غيبا {ذكرا*} عظيما جليلا جامعا ~~لما أظهرناه من أمرنا في التوراة، وما ابطناه من سرنا في الإنجيل، وما ~~أودعناه من سكينتنا في الزبور، مع ما خصصناه به من لطائف المزايا، وعظائم ~~الأسرار، يعرف بمجرد تلاوته أنه من عندنا لما يشهد له من الروح، ويذاق له ~~من الإخبات والسكون، ويرى له من الجلالة في الصدور مع القطع بأن أحدا لا ~~يقدر أن يعارضه، وضمناه تلك القصص مع ما زدنا فيه على ذلك من المواعظ ~~والأحكام ودقائق اشارات الحقائق، متكفلا بسعادة الدارين وحسنى الحسنيين، ~~فمن أقبل عليه كان مذكرا له بكل ما يريد من العلوم النافعة. # ولما اشتمل هذا الذكر على جميع أبواب الخير، فكان كل مل ليس له فيه أصل ~~شقاور محضة وضلالا بعيدا، قال يقص عليه من أنباء ما يأتي كما قص من أنباء ~~ما قد سبق: {من أعرض عنه} أي عن ذلك الذكر، وهو عام في جميع من يمكن دخوله ~~في معنى «من» من العالمين {فإنه يحمل} ولما كان المراد استغراق الوقت قال: # PageV12P340 # {يوم القيامة وزرا*} أي حملا ثقيلا من العذاب الذي سببه الوزر وهو الذنب، ms2939 ~~جزاء لإعراضه عنه واشتغاله بغيره {خالدين فيه} وجمع هنا حملا على المعنى ~~بعد الإفراد للفظ، تنبيها على العموم لئلا يغفل عنه بطول الفصل، أو يظن أن ~~الجماعة يمكنهم المدافعة، ويمكن أن يراد بالوزر الحمل الثقيل من الإثم، ~~ويكون الضمير في «فيه» للعذاب المسبب عنه فيكون استخداما كقوله: # إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # ولما كانوا منكرين ليوم القيامة، صرح بذكره ثانيا مع قرب العهد، قارعا ~~لأسماعهم به، مجريا له إجراء ما هو به جدير من أنه متحقق لا مرية فيه فقال: ~~{وساء} أي وبئس؛ وبين أصحاب السوء فقال: {لهم} أي ذلك الحمل {يوم القيامة ~~حملا} ثم شرح لهم بعض أحوال ذلك اليوم من ابتدائه، فقال مبدلا من «يوم ~~القيامة» : {يوم ينفخ} أي بعظمتنا - على قراءة أبي عمرو بالنون مبنيا ~~لفاعل، ودل على تناهي العظمة بطريقة كلام القادرين في قراءة الباقين بالياء # PageV12P341 # مبنيا للمفعول {في الصور} فيقوم الموتى من القبور {ونحشر} أي بعظمتنا ~~{المجرمين} منهم الذين قطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وعدل عن أن يقول: ~~ونحشرهم - لبيان الوصف الذي جره لهم: الإعراض عن الذكر {يومئذ} أي يوم ~~القيامة، ويكون لهم ما تقدم {زرقا} أي زرق العيون والجسوم على هيئة من ضرب ~~فتغير جسمه، حال كونهم {يتخافتون} . # ولما كان التخافت - وهو المسارة بالكلام - قد يكون بين اثنين من قبيلتين، ~~فيكون كل منهما خائفا من قومه أقل عارا مما لو كانا من قبيلة واحدة، لأنه ~~يدل على أن ذلك الخوف طبع لازم، قال دالا على لزومه وعمومه: {بينهم} أي ~~يتكلمون خافضي أصواتهم من الهيبة والجزع. # ولما كانت الزرقة أبغض ألوان العيون إلى العرب لعدم إلفهم لها، والمخافتة ~~أبغض الأصوات إليهم لأنها تدل عندهم على سفول الهمة والجبن وكانوا من ~~الزرقة أشد نفرة لأن المخافتة قد يتعلق بها غرض. رتبهما سبحانه كذلك، ثم ~~بين ما يتخافتون به فقال: # PageV12P342 # {إن} أي يقول بعضهم لبعض: ما {لبثتم} أي في الدنيا استقصارا لمدة إقامتهم ~~في غيب ما بدا لهم من المخاوف، أو ms2940 غلطا ودهشة {إلا عشرا*} أي عقدا واحدا، ~~لم يزد على الآحاد إلا بواحد، وهو لو أنه سنون سن من لم يبلغ الحلم، فكيف ~~إذا كان شهورا أو أياما فلم يعرفوا لذة العيش بأي تقدير كان. # PageV12P343 # ولما كان علم ما يأتي أخفى من علم ما سبق، أتى فيه بمظهر العظمة فقال: ~~{نحن أعلم} من كل أحد {بما يقولون} أي في ذلك اليوم {إذ يقول أمثلهم طريقة} ~~في الدنيا فيما يحسبون، أي أقربهم إلى أن تكون طريقته مثل ما يطلب منه: ~~{إن} أي ما {لبثتم} ودل على أن المعدود المحذوف من الأول الأيام بقوله: ~~{إلا يوما} أي مبدأ الآحاد، لا مبدأ العقود كما قال في الاية الأخرى {قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم} [المؤمنون: 113] {يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ~~كذلك كانوا يؤفكون} [الروم: 55] فلا يزالون في إفك وصرف عن الحق في ~~الدارين، لأن الإنسان يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويجوز ~~أن يكون المراد أن من قال: إن لبثهم يوم واحد، أمثلهم في نفس الأمر، لأن ~~الزمان وإن طال إنما هو يوم متكرر، ليس مرادا لنفسه، وإنما هو مراد # PageV12P343 # لما يكون فيه فإن كان خيرا كان صاحبه محمودا ولم يضره قصره، وإن كان شرا ~~كان مذموما ولم ينفعه طوله، ويجوز أن يكون أنث أولا إرادة لليالي، لأنها ~~محل الراحة المقصودة بالذات، فكان كأنهم قالوا: لم يكن لنا راحة إلا بزمن ~~يسير جدا أكثر أول العقود، ونص الأمثل على اليوم الذي يكون الكد فيه للراحة ~~في الليل إشارة إلى أنهم ما كان لهم في اللبث في الدنيا راحة أصلا، ولم يكن ~~سعيهم إلا نكدا كله كما يكون السعي في يوم لا ليلة يستراح فيها. وإن كانت ~~فيه راحة فهي ضمنية لا أصلية. # ولما أخبر عن بعض ما سبق ثم عن بعض ما يأتي من أحوال المعرضين عن هذا ~~الذكر فيما ينتجه لهم إعراضهم عنه، وختم ذلك باستقصارهم مدة لبثم في هذه ~~الدار، أخبر عن بعض أحوالهم في الإعراض ms2941 فقال: {ويسألونك عن الجبال} ما يكون ~~حالها يوم يتفخ في الصور؟ شكا منهم في البعث وقوفا مع الوهم في أنها تكون ~~موجودة على قياس جمودهم لا محالة، لأنها أشد الأشياء قوة، وأطولها لبثا، ~~وأبعدها مكثا، فتمنع بعض الناس من سماع النفخ في الصور، وتخيل للبعض بحكم ~~رجع الهواء الحامل للصوت أنه آت من غير جهته فلا يستقيم القصد إلى الداعي ~~{فقل} أي فتسبب عن علمنا بأنهم يسألونك هذا # PageV12P344 # السؤال أنا نقول لك: قل، أو يكون على تقدير شرط، أي فإذا سألوك فقل لهم، ~~وهذا بخلاف ما نزل بعد وقوع السؤال عنه مثل الروح وقصة ذي القرنين فإن ~~الأمر بجوابه على طريق الاستئناف لما هناك من استشراف النفس للجواب ~~{ينسفها} أي يقلعها من أماكنها ويذريها بالهواء {ربي} المحسن إلي بنصري في ~~يوم القيامة نصرا لا يبلغ كنهه {نسفا} عند النفخة الأولى {فيذرها} أي ~~أماكنها {قاعا} أي أرضا ملساء {صفصفا*} أي مستويا كأنه صف واحد لا اثر ~~للجبال فيه {لا ترى} أي بالبصر ولا بالبصيرة {فيها} أي مواضع الجبال {عوجا} ~~بوجه من الوجوه، وعبر هنا بالكسر هو للمعاني، ولم يعبر بالفتح الذي يوصف به ~~الأعيان، ومواضع الجبال أعيان لا معاني، نفيا للاعوجاج على أبلغ وجه، بمعنى ~~أنك لو جمعت أهل الخبرة بتسوية الأراضي لا تفقوا على الحكم باستوائها، ثم ~~لو جمعت أهل الهندسة فحكموا مقاييسهم العلمية فيها لحكموا بمثل ذلك {ولا ~~أمتا*} أي شيئا مرتفعا كالكدية أو نتوا يسيرا أو شقا أو اختلافا؛ وقال ~~البيضاوي والزمخشري: الأمت النتو اليسير، قال الغزالي في الدرة الفاخرة: # PageV12P345 # ينفخ في الصور فتطاير الجبال، وتفجر الأنهار بعضها في بعض، فيمتلىء عالم ~~الهواء ماء، وتنتثر الكواكب وتتغير السماء والأرض، ويموت العالمون فتخلو ~~الأرض والسماء؛ قال: ثم يكشف سبحانه عن بيت في سقر فيخرج لهيب النار فيشتعل ~~في البحور فتنشف، ويدع الأرض جمرة سوداء، والسماوات كأنها عكر الزيت ~~والنحاس المذاب، ثم يفتح تعالى خزانة من خزائن العرش فيها بحر الحياة، ~~فيمطر به الأرض، وهو كمني الرجال فتنبت الأجسام على ms2942 هيئتها، الصبى صبي، ~~والشيخ شيخ، وما بينهما، ثم تهب من تحت العرش نار لطيفة فتبرز الأرض ليس ~~فيها جبل ولا عوج ولا أمت، ثم يحيى الله إسرافيل فينفخ في الصور من صخرة ~~القدس، فتخرج الأرواح من ثقب في الصور بعددها كل روح إلى جسدها حتى الوحش ~~والطير فإذا هم بالساهرة. # ولما أخبر سبحانه بنزول ما يكون منه العوج في الصوت قال: {يومئذ} أي إذ ~~ينفخ في الصور فتنسف الجبال {يتبعون} أي أهل المحشر بغاية جهدهم {الداعي} ~~أي بالنفخ منتصبين إليه على الاستقامة {لا عوج له} أي الداعي في شيء من ~~قصدهم إليه، # PageV12P346 # لأنه ليس في الأرض ما يحوجهم إلى التعريج ولا يمنع الصوت من النفوذ على ~~السواء؛ وقال أبو حيان: أي لا عوج لدعائه، بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى ناس ~~دون ناس. # ولما أخبر بخشوعهم في الحديث والانقياد للدعوة، أخبر بخشوع غير ذلك من ~~الأصوات التي جرت العادة بكونها عن الاجتماع فقال: {وخشعت الأصوات} أي ~~ارتخت وخفيت وخفضت وتطامنت لخشوع أهلها {للرحمن} أي الذي عمت نعمه، فيرجى ~~كرمه، ويخشى نقمه {فلا} أي فيتسبب عن رخاوتها أنك {تسمع إلا همسا*} أخفى ما ~~يكون من الأصوات، وقيل: أخفى شيء من أصوات الأقدام. # PageV12P347 # ولما تقرر ما للأصوات من الانخفات، وكان قد أشير فيما مضى إلى وقوع ~~الشفاعة من بعض أخصائه بإذنه، وكان الحشر للحساب بمعرض التقريب لبعض ~~والتبعيد لبعض، وكانت العادة جارية بأن المقرب يشفع للمبعد، لما بين أهل ~~الجمع من الوصل والأسباب المقتضية لذلك، وكان الكفار يزعمون أن آلهتهم تشفع ~~لهم # PageV12P347 # قال نافيا لأن تقع شفاعة بغير إذنه، معظما ذلك اليوم بالإنذار منه مرة ~~بعد مرة: {يومئذ} أي إذ كان ما تقدم {لا تنفع الشفاعة} أي لا تكون شفاعة ~~ليكون لها نفع، لأنه قد ثبت بما مضى أنه لا صوت، وتقرر في تحقيق المحصورات ~~من علم الميزان أن السالبة الحقيقية لا تستدعي وجود الموضوع في الخارج، ~~وإنما حول العبارة لأن المقصود بالذات النفع، فنفيه بادىء بدا أفظع، وقرع ~~السمع به أولا ms2943 أهول وأفزع {إلا} أي إلا شفاعة {من أذن له الرحمن} العام ~~النعمة {ورضي له قولا*} ولو الإيمان المجرد. # ولما نفي أن تقع الشفاعة بغير إذنه، علل ذلك - كما سلف في آية الكرسي - ~~بقوله: {يعلم ما بين أيديهم} أي الخلائق وهو كل ما يعلمونه {وما خلفهم} وهو ~~كل ما غاب عنهم علمه، أي علمه سبحانه محيط بهم، فهو يمنع قلوبهم في ذلك ~~اليوم بما يوجد من الأسباب أن تهم بما لا يرضاه {ولا يحيطون به علما*} ~~ليحترزوا عما يقدره عليهم، و {علما} تمييز منقول من الفاعل، # PageV12P348 # أي ولا يحيط علمهم به - قال أبو حيان. والأقرب عندي كونه منقولا عن ~~المفعول الذي تعدى إليه الفعل بحرف الجر، أي ولا يحيطون بعلمه، فيكون ذلك ~~أقرب إلى ما في آية الكرسي. ولما ذكر خشوع الأصوات، أتبعه خضوع دونها فقال: ~~{وعنت الوجوه} أي ذلت وخضعت واستسلمت وجوه الخلائق كلهم، وخصها لشرفها ~~ولأنها أول ما يظهر فيه الذل {للحي} الذي هو مطلع على الدقائق والجلائل، ~~وكل ما سواه جماد حيث ما نسبت حياته إلى حياته {القيوم} الذي لا يغفل عن ~~التدبير ومجازاة كل نفس بما كسبت {وقد خاب} أي خسر خسارة ظاهرة {من حمل} ~~منهم أو من غيرهم {ظلما*} . # ولما ذكر الظالم، أتبعه الحكيم فقال: {ومن يعمل} ولما كان الإنسان محل ~~العجز وإن اجتهد، قال {من الصالحات} أي التي أمره الله بها بحسب استطاعته، ~~لأنه «لن يقدر الله أحد حق قدره» «ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» {وهو مؤمن} ~~ليكون بناؤها على الأساس، وعبر بالفاء إشارة إلى قبول الأعمال وجعلها سببا ~~لذلك الحال فقال: {فلا يخاف ظلما} بأن ينسب إليه سوء لم يقترفه # PageV12P349 # لأن الجزاء من جنس العمل، وقراءة ابن كثير بلفظ النهي محققة للمبالغة في ~~النفي {ولا هضما} أي نقصا من جزائه وإن كان هو لم يوف المقام حقه لأنه لا ~~يستطيع ذلك، وأصل الهضم الكسر، وأما غير المؤمن فلو عمل أمثال الجبال من ~~الأعمال لم يكن لها وزر. # PageV12P350 # ولما اشتملت هذه الآية على الذروة ms2944 من حسن المعاني، فبشرت ويسرت، وأنذرت ~~وحذرت، وبينت الخفايا، وأظهرت الخبايا، مع ما لها من جلالة السبك وبراعة ~~النظم، كان كأنه قيل تنبيها على جلالتها: أنزلناها على هذا المنوال العزيز ~~المثال {وكذلك} أي ومثل هذا الإنزال {أنزلناه} أي هذا الذكر كله بعظمتنا ~~{قرآنا} جامعا لجميع المعاني المقصودة {عربيا} مبينا لما أودع فيه لكل من ~~له ذوق في أساليب العرب. # ولما كان أكثر هذه الآيات محذرا، قال: {وصرفنا} أي بما لنا من العظمة ~~{فيه من الوعيد} أي ذكرناه مكررين له محولا في أساليب مختلفة، وأفانين ~~متنوعة مؤتلفة. # ولما ذكر الوعيد، أتبعه ثمرته فقال: {لعلهم يتقون} أي ليكون الناظر لهم ~~بعد ذلك على رجاء من أن يتقوا ويكونوا به في عداد من يجدد التقوى كل حين، ~~بأن تكون له وصفا مستمرا، وهي الحذر الحامل # PageV12P350 # على اتخاذ الوقاية مما يحذر {أو} في عداد من {يحدث} أي يجدد هذا التصريف ~~{لهم ذكرا*} أي ما يستحق أن يذكر من طرق الخير، فيكون سببا للخوف الحامل ~~على التقوى، فيردهم عن بعض ما تدعو إليه النفوس من النقائض والبؤس. # ولما بلغت هذه الجمل نهاية الإعجاز، فاشتملت على غاية الحكمة، دالة على ~~أن لقائلها تمام العلم والقدرة والعدل في أحوال الدراين، تسبب عن سوقها ~~كذلك أن بان له من العظمة ما أفهمه قوله، معظما لنفسه الأقدس بما هو له أهل ~~بعد تعظيم كتابه تعليما لعباده ما يجب له من الحق دالا بصيغة التفاعل على ~~مزيد العلو: {فتعالى الله} أي بلغ الذي لا يبلغ الواصفون وصفه حق وصفه من ~~العلو أمرا لاتحتمله العقول، فلا يلحقه شيء من إلحاد الملحدين ووصف ~~المشركين {الملك} الذي لا يعجزه شيء، فلا ملك في الحقيقة غيره {الحق} أي ~~الثابت الملك، فلا زوال لكونه ملكا في زمن ما؛ ولعظمة ملكه وحقية ذاته ~~وصفاته صرف خلقه على ما هم عليه من الأمور المتباينة. # PageV12P351 # ولما كانت هذه الآيات في ذم من أعرض عن هذا الذكر، كان تقدير: فلا تعرض ~~عنه، بل أقبل عليه لتكون من المتقين الذاكرين، ms2945 ولما كان هذا الحث العظيم ~~ربما اقتضى للمسابق في التقوى المبالغة في المبادرة إليه فيستعجل بتلقفه ~~قبل الفراغ من إيحائه، قال عاطفا على هذا المقدر: {ولا تعجل بالقرآن} أي ~~بتلاوته. # ولما كان النهي عاما لجميع الأوقات القبلية، دل عليه بالجار لئلا يظن أنه ~~خاص بما يستغرق زمان القبل جملة واحدة فقال: {من قبل أن} ولما كان النظر ~~هنا إلى فراغ الإيحاء لا إلى موح معين، بنى للمجهول قوله: {يقضى} أي ينهى ~~{إليك وحيه} من الملك النازل إليك من حضرتنا به كما أنا لم نعجل بإنزاله ~~عليك جملة، بل رتلناه لك ترتيلا، ونزلناه إليك تنزيلا مفصلا تفصيلا، وموصلا ~~توصيلا - كما أشرنا إليه أول السورة، فاستمع له ملقيا جميع تأملك إليه ولا ~~تساوقه بالقراءة، فإذا فرغ فاقرأه فإنا نجمعه في قلبك ولا نسقيك بإنسائه ~~وأنت مصغ إليه، ولا بتكليفك للمساوقة بتلاوته # PageV12P352 # {وقل رب} أي المحسن إلي بإفاضة العلوم علي {زدني علما*} أي بتفهيم ما ~~أنزلت إلي منه وإنزال غيره كما زدتني بإنزاله وتحفيظه، لتتمكن من معرفة ~~الأسباب المفيدة لتبع الخلق لك، فإنه كما تقدم على قدر إحاطة العلم يكون ~~شمول القدرة، وفي هذا دليل على أن التأني في العلم بالتدبر وبإلقاء السمع ~~أنفع من الاستعجال المتعب للبال المكدر للحال، وأعون على الحفظ، فمن وعى ~~شيئا حق الوعي حفظه غاية الحفظ؛ وروى الترمذي وابن ماجة والبزار عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # «اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما والحمد لله على كل ~~حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار» أفاده ابن كثير في تفسيره. # ولما قرر سبحانه بقصة موسى عليه السلام ما أشار إليه أول السورة بما هو ~~عليه من الحلم والتأني على عباده، والإمهال لهم فيما هم عليه من النقص ~~بالنسيان للعهود والنقض للمواثيق، وأتبعها ذكر مدح # PageV12P353 # هذا الذكر الذي تأدت إلينا به، وذم من أعرض عنه، وختمه بما عهد إليه صلى ~~الله عليه وسلم في أمره نهيا وأمرا، أتبع ms2946 ذلك سبحانه قصة آدم عليه السلام ~~تحذيرا من الركون إلى ما يسبب النسيان، وحثا على رجوع من نسي إلى طاعة ~~الرحمن، وبيانا لأن ذلك الذي قرره من حلمه وإمهاله عادته سبحانه من القدم، ~~وصفته التي كانت ونحن في حيز العدم، وأنه جبل الإنسان على النقص، فلو أخذهم ~~بذنوبهم ما ترك عليها من دابة، فقال عاطفا على قوله {وكذلك أنزلناه حكما ~~عربيا} [الرعد: 37] أو {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق} مؤكدا لما تقدم ~~فيه وعهد به من أمر القرآن، ومحذرا من الإخلال بذلك ولو على وجه النسيان، ~~ومنجزا لما وعد به من قص أنباء المتقدمين مما يوافق هذا السياق: {ولقد ~~عهدنا} بما لنا من العظمة {إلى آدم} أبي البشر الذي أطلعناه على كثير منها ~~في النهي عن الأكل من الشجرة {من قبل} أي في زمن من الأزمان الماضية قبل ~~هؤلاء الذين تقدم في هذه السورة ذكر نسيانهم وإعراضهم {فنسي} عهدنا وأكل ~~منها مع علمه من تلك العظمة بما لا ينبغي أن ينسى معه ذلك العهد المؤكد ~~بذلك الجلال، فعددنا عليه وقوعه في ذلك المنهي ناسيا ذنبا لعلو رتبته ~~عندنا، فهو # PageV12P354 # من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» فكيف بما فوق ذلك! {ولم نجد} ~~بالنظر إلى ما لنا من العظمة {له عزما*} أي قصدا صلبا ماضيا وإرادة نافذة ~~لا تردد فيها كإرادات الملائكة عليهم السلام، والمعنى أنه لم يتعلق علمنا ~~بذلك موجودا، ومع ذلك عفونا عنه ولم نزحزحه عن رتبة الاصطفاء. # PageV12P355 # ولما كان المقصود من السورة - كما سلف - الإعلام بالحلم والأناة والتلطف ~~بالنائي والقدرة على المعرض، ذكر فعله آدم عليه السلام هذه في هذه السورة ~~بلفظ المعصية مع التصريح بأنها على وجه النسيان، وذكر ذلك أولا مجملا ثم ~~أتبعه تفصيله ليكون ذلك مذكورا مرتين، تأكيدا للمعنى المشار إليه، تقريرا ~~وتحذيرا من الوقوع في منهي، وإرشادا لمن «غلب عليه» طبع النقص إلى المباردة ~~إلى الندم وتعاطي أسباب التوبة ليتوب الله عليه ما فعل بآدم عليه السلام ~~فقال: {وإذ} أي اذكر هذا واذكر ms2947 حين {قلنا} بما لنا من العظمة، أي اذكر ~~قولنا في ذلك الوقت {للملائكة} أي المجبولين على مضي العزم # PageV12P355 # والتصميم على القصد من غير مانع تردد ولا عائق فتور {اسجدوا لآدم} الذي ~~خلقته بيدي، فلم نأمرهم بذلك إلا بعد أن اصطفيناه ونحن عالمون بما سيقع ~~منه، وأنه لا يقدح في رتبة اصطفائه، فإن الحلم والكرم من صفاتنا، والرحمة ~~من شأننا، فلا تيأس من عودنا بالفضل والرحمة على من بالغ في مقاطعتنا من ~~قومك الذين وصفناهم باللدد {فسجدوا} أي الملائكة {إلا إبليس} الذي نسب الله ~~إلى الجور والإخلال بالحكمة فكفر فأيس من الرحمة وسلب الخير فأصر على إضلال ~~الخلق بالتلبيس، فكأنه قيل: ما كان من حاله في عدم سجوده؟ فقيل: {أبى*} أي ~~تكبر على آدم فعصى أمر الله {فقلنا} بسبب ذلك بعد أن حلمنا عنه ولم نعاجله ~~بالعقوبة: {يا آدم إن هذا} الشيطان الذي تكبر عليك {عدو لك} دائما لأن ~~الكبر الناشىء عن الحسد لا يزول {ولزوجك} لأنها منك {فلا يخرجنكما} أي لا ~~تصغيا إليه بوجه فيخرجكما، ووجه النهي إليه والمراد: هما، تنبيها على أن ~~لها من الجلالة ما ينبغي أن تصان عن أن يتوجه إليها نهي، وأسند الإخراج ~~إليه لزيادة التحذير والإبلاغ في التنفير، وزاد في # PageV12P356 # التنبيه بقوله: {من الجنة} أي فإنه لا يقصر في ضركما وإرادة إنزالكما ~~عنها. # ولما نص سبحانه على شركتها له في الإخراج فكان من المعلوم شركتها له في ~~آثاره، وكانت المرأة تابعة للرجل، فكان هو المخصوص في هذه الدار بالكل في ~~الكد والسعي، والذب والرعي، وكان أغلب تعبه في أمر المرأة، أفرد بالتحذير ~~من التعب لذلك وعدا لتعبها بالنسبة إلى تعبه عدما، وتعريفا بأن أمرها بيده، ~~وهو إن تصلب قادها إلى الخير، وإلا قادته إلى الضير، وعبر عن التعب بالشقاء ~~زيادة في التحذير منه فقال: {فتشقى} أي فتتعب، ولم يرد شقاوة الآخر، لأنه ~~لو أرادها ما دخل الجنة بعد ذلك، لأن الكلام المقدر بعد الفاء خبر، والخبر ~~لا يخلف. ثم علل شقاوته على تقدير الإخراج بوصفها ms2948 بما لا يوجد في غيرها من ~~الأقطاب التي يدور علها كفاف الإنسان، وهي الشبع والري والكسوة والكن. # ذاكرا لها بلفظ النفي لنقائضها ليطرق سمعه بأسماء أصناف الشقوة التي حذره ~~منها ليصير بحيث يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها، فإذا مضت عليه القدرة ~~الباهرة علم أنه لا يغني حذر من قدر، فقال: {إن لك} أي علينا {ألا تجوع ~~فيها} أي يوما ما {ولا تعرى*} فلا يتجرد باطنك ولا ظاهرك {وأنك لا تظمؤا} # PageV12P357 # بالتهاب القلب {فيها ولا تضحى*} أي لا يكون بحيث يصيبك حر الشمس، والمعنى ~~أنه لا يصيبك حر في الباطن ولا في الظاهر {فوسوس} أي فتعقب تحذيرنا هذا من ~~غير بعد في الزمان أن وسوس {إليه الشيطان} المحترق المطرود، وهو إبليس، أي ~~ألقى إليه وجه الخفاء بما مكناه من الجري في هذا النوع مجرى الدم، وقذف ~~المعاني في قلبه، وكأنه عبر ب «إلى» ، لأن المقام لبيان سرعة قبول هذا ~~النوع للنقائص وإن أتته من بعد، أو لأنه ما أنهى إليه ذلك إلا بواسطة زوجه، ~~لذلك عدى الفعل عند ذكرهما بالام، وكأنه قيل: ما دس إليه؟ فقيل: {قال يا ~~آدم} ثم ساق له الغش مساق العرض، إبعادا لنفسه من التهمة والغرض؛ وشوقه ~~إليه أولا بقوله: {هل أدلك} فإن النفس شديدة الطلب لعلم ما تجهله؛ وثانيا ~~بقوله: {على شجرة الخلد} أي التي من أكل منها خلد، فإن الإنسان أحب شيء في ~~طول البقاء؛ وثالثا بقوله: {وملك لا يبلى*} أي لا يخلق أصلا، فكأنه قال له ~~بلسان الحال أو القال: نعم، فقال: شجرة الخلد هذه - مشيرا إلى التي نهي ~~عنها - ما بينك وبين الملك الدائم إلا أن تأكل منها. # {فأكلا} أي فتسبب عن قوله وتعقب أن أكل {منها} هو وزوجه، متبعين لقوله ~~ناسيين ما عهد إليهما {فبدت لهما} لما خرقا من ستر النهي وحرمته # PageV12P358 # {سوءاتهما} وقوعا لما حذرا منه من إخراجهما مما كانا فيه {وطفقا} أي شرعا ~~{يخصفان} أي يخيطان أو يلصقان {عليهما من ورق الجنة} ليسترا عوراتهما {وعصى ~~آدم} وإن كان إنما ms2949 فعل المنهي نسيانا، لأن عظم مقامه وعلو رتبته يقتضيان له ~~مزيد الاعتناء ودوام المراقبة مع ربط الجأش ويقظة الفكر {ربه} أي المحسن ~~إليه بما لم ينله أحدا من بنيه من تصويره له بيده وإسجاد ملائكته له ~~ومعاداة من عاداه {فغوى*} من الغواية وهي الضلال، ولذلك قالوا: المعنى: فضل ~~عن طريق السداد، فأخطأ طريق التوصل إلى الخلد بمخالفة أمره، وهو صفيه، لم ~~ينزله عن رتبة الاصطفاء، لأن رحمته واسعة، وحلمه عظيم، وعفوه شامل، فلا ~~يهمنك أمر القوم اللد، فإنا قادرون على أن نقبل بقلوب من شئنا منهم فنجعلهم ~~من أصفى الأصفياء، ونخرج من أصلاب من شئنا منهم من نجعل قلبه معدن الحكمة ~~والعلم. # ولما كان الرضى عنه - مع هذا الفعل الذي أسرع فيه اتباع العدو وعصيان ~~الولي بشيء لا حاجة به إليه - مستبعدا جدا، أثبت # PageV12P359 # ذلك تعالى مشيرا إليه بأداة التراخي فقال: {ثم اجتباه ربه} أي المحسن ~~إليه {فتاب عليه} أي بسبب الاجتباء بالرجوع إلى ما كان عليه من طريق السداد ~~{وهدى*} بالحفظ في ذلك كما هو الشأن في أهل الولاية والقرب. # PageV12P360 # ولما كانت دور الملوك لا تحتمل مثل ذلك، وكان قد قدم سبحانه عنايته بآدم ~~عليه السلام اهتماما به، وكان الخبر عن زوجه وعن إبليس لم يذكر، فكانت نفس ~~السامع لم تسكن عن تشوفها إلى سماع بقية الخبر، أجاب عن ذلك بأنه أهبط من ~~داره المقدسة الحامل على المخالفة والمحمول وإن كان قد هيأه بالاجتباء لها، ~~فقال على طريق الاستئناف: {قال} أي الرب الذي انتهكت حرمة داره: {اهبطا ~~منها} أيها الفريقان: آدم وتبعه، وإبليس {جميعا} . # ولما كان السياق لوقوع النسيان وانحلال العزم بعد أكيد العهد، حرك العزم ~~وبعث الهم بإيقاع العداوة التي تنشأ عنها المغالبة، فتبعث الهمم وتثير ~~العزائم، فقال في جواب من كأنه قال: على أي حال يكون الهبوط: {بعضكم لبعض ~~عدو} وهو صادق بعداوة كل من الفريقين للفريق الآخر: فريق إبليس - الذين هم ~~الجن - بالإضلال، وفريق # PageV12P360 # الإنس بالاحتراز منهم بالتعاويذ والرقى وغير ذلك، وبعداوة بعض كل فريق ~~لبعضه ms2950 {فإما} أي فتسبب عن ذلك العلم بأنه لا قدرة لأحد منكم على التحرز من ~~عدوه إلا بي ولا حرز لكم من قبلي إلا اتباع أمري، فإما {يأتينكم} أي أيها ~~الجماعة الذين هم أضل ذوي الشهوات من المكلفين {مني هدى} تحترزون به عن ~~استهواء العدو واستزلاله {فمن اتبع} عبر بصيغة «افتعل» التي فيها تكلف ~~وتتميم للتبع الناشىء عن شدة الاهتمام {هداي} الذي أسعفته به من أوامر ~~الكتاب والرسول المؤيد بدلالة العقل، وللتعبير بصيغة «افتعل» قال: {فلا ~~يضل} أي بسبب ذلك، عن طريق السداد في الدنيا ولا في الآخرة أصلا {ولا ~~يشقى*} أي في شيء من سعيه في واحدة منهما، فإن الشقاء عقاب الضلال، ويلزم ~~من نفيه نفي الخوف والحزن بخلاف العكس، فهو أبلغ مما في البقرة، فإن المدعو ~~إليه في تلك مطلق العبادة، والمقام في هذه للخشية والبعث على الجد بالعداوة ~~{إلا تذكرة لمن يخشى} وللإقبال على الذكر {من أعرض عنه فإنه يحمل يوم ~~القيامة وزرا} والتحفظ من المخالفة ولو بالنسيان {فنسي ولم نجد له عزما} . ~~قال الرازي في اللوامع: والشقاء: فراق العبد من الله، والسعادة وصوله # PageV12P361 # إليه؛ وقال الأصبهاني عن ابن عباس رضي الله عنهما: ضمن الله عز وجل لمن ~~اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة {ومن أعرض} أي فعل دون ~~فعل الرضيع بتعمد الترك لما ينفعه بالمجاورة {عن ذكري} الذي هو الهدى {فإن ~~له} ضد ذلك {معيشة} حقرها سبحانه بالتأنيث ثم وصفها بأفظع وصف وهو مصدر ~~يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع وغيره فقال: {ضنكا} أي ذات ضنك أي ضيق، ~~لكونه على ضلال وإن رأى أن حاله على غير ذلك في السعة والراحة، فإن ضلاله ~~لا بد أن يرديه، فهو ضنك لكونه سببا للضيق وآئلا إليه، من تسمية السبب باسم ~~المسبب، مع أن المعرض عن الله لا يشبع ولا يضل إلى أن يقنع، مستول عليه ~~الحرص الذي لا يزال أن يطيح ببال من يريد الازدياد من الدنيا، مسلط عليه ~~الشح الذي يقبض يده عن الانفاق، ms2951 عن مناوأة الخصوم، وتعاقب الهموم، مع أنه ~~لا يرجو ثوابا، ولا يأمن عقابا، فهو لذلك في أضيق الضيق، لا يزال همه أكبر ~~من وجده # «لو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى إليه ثانيا، ولو أن له واديين لا ~~بتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» ~~متفق عليه عن أنس رضي الله عنه، وهكذا حال من أتبع نفسه هواها، وأما المقبل ~~على الذكر بكليته فهو قانع راض بما هو فيه، مستكثر من ذكر الله الشارح ~~للصدور الجالي للقلوب فهو أوسع سعة، فلا تغتر بالصور وانظر إلى المعاني. # PageV12P362 # ولما ذكر حاله في الدنيا، أتبعه قوله: {ونحشره يوم القيامة أعمى*} وكان ~~ذلك في بعض أوقات ذلك اليوم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا خرج من ~~القبر خرج بصيرا، فإذا سيق إلى المحشر عمي، أو يكون ذلك - وهو أقرب مفهوم ~~العبارة - في بعض أهل الضلال ليجتمع مع قوله {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} ~~[مريم: 38] وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيح من هذا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الظلم ظلمات يوم القيامة» ثم استأنف قوله: ~~{قال} مذكرا بالنعمة السابقة استعطافا لأن من شأن مسلف نعمة أن يربيها وإن ~~قصر المنعم عليه، وغاية ذلك إنما يكون مهما بقي للصلح موضع: {رب} أي أيها ~~المحسن إلي المسبغ نعمه علي {لم حشرتني} في هذا اليوم {أعمى وقد كنت} أي في ~~الدنيا، أو في أول هذا اليوم {بصيرا*} فكأنه قيل: بم أجيب؟ فقيل: {قال} له ~~ربه: {كذلك} أي مثل هذا الفعل الشنيع فعلت في الدنيا، والمعنى: مثل ما قلت ~~كان؛ ثم فسر على الأول، وعلل على الثاني، فقال: {أتتك آياتنا} على عظمتها ~~التي هي من عظمتنا {فنسيتها} أي فعاملتها بإعراضك عنها معامله المنسي الذي ~~لا يبصره صاحبه، فقد جعلت نفسك أعمى البصر # PageV12P363 # والبصيرة عنها، كما قال تعالى: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} ~~[الكهف: 101] {وكذلك} أي ومثل ذلك النسيان الفظيع، وقدم الظرف ms2952 ليسد سوقه ~~للمظروف ويعظم اختباره لفهمه فقال: {اليوم تنسى*} أي تترك على ما أنت عليه ~~بالعمى والشقاء بالنار، فتكون كالشيء الذي لا يبصره أحد ولا يلتفت إليه ~~{وكذلك} أي ومثل ذلك الجزاء الشديد {نجزي من أسرف} في متابعة هواه فتكبر عن ~~متابعة أوامرنا {ولم يؤمن بآيات ربه} فكفر إحسانه إما بالتكذيب وإما بفعله ~~فعل المكذب. # ولما ذكر أن هذا الضال كان في الدنيا معذبا بالضنك، وذكر بعض ما له في ~~الآخرة، قال مقسما لما له من التكذيب: {ولعذاب الآخرة} بأي نوع كان {أشد} ~~من عذاب الدنيا {وأبقى*} منه، فإن الدنيا دار زوال، وموضع قلعة وارتحال. # PageV12P364 # ولما كان ما مضى من هذه السورة وما قبلها من ذكر مصارع الأقدمين، وأحاديث ~~المكذبين، بسبب العصيان على الرسل، سببا عظيما للاستبصار والبيان، كانوا ~~أهلا لأن ينكر عليهم لزومهم لعماهم فقال تعالى: {أفلم يهد} أي يبين {لهم كم ~~أهلكنا قبلهم} اي كثرة إهلاكنا # PageV12P364 # لمن تقدمهم {من القرون} بتكذيبهم لرسلنا، حال كونهم {يمشون في مساكنهم} ~~ويعرفون خبرهم بالتوارث خلفا عن سلف أنا ننصر أولياءنا ونهلك أعدائنا ونفعل ~~ما شئنا! والأحسن أن لا يقدر مفعول، ويكون المعنى: أو لم يقع لهم البيان ~~الهادي، ويكون ما بعده استئنافا عينا كما وقع البيان بقوله استئنافا: {إن ~~في ذلك} أي الإهلاك العظيم الشأن المتوالي في كل أمة {لآيات} عظيمات البيان ~~{لأولي النهى*} أي العقول التي من شأنها النهي عما لا ينفع فضلا عما يضر، ~~فإنها تدل بتواليها على قدرة الفاعل، وبتخصيص الكافر بالهلاك والمؤمن ~~بالنجاة على تمام العلم مع عموم القدرة، وعلى أنه تعالى لا يقر على الفساد ~~وإن أمهل - إلى غير ذلك ممن له وازع من عقله. # ولما هددهم بإهلاك الماضين، ذكر سبب التأخير عنهم، عاطفا على ما أرشد إلى ~~تقديره السياق، وهو مثل أن يقال: فلو أراد سبحانه لعجل عذابهم: {ولولا ~~كلمة} أي عظيمة ماضية نافذة {سبقت} أي في الأزل {من ربك} الذي عودك ~~بالإحسان بأنه يعامل بالحلم والأناة، وأنه لا يستأصل مكذبيك، بل يمد لهم، ~~ليرد من ms2953 شاء # PageV12P365 # منهم ويخرج من أصلاب بعضهم من يعبده، وإنما ذلك إكراما لك رحمة لأمتك ~~لأنا كما قلنا أول السورة {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} بإهلاكهم وإن ~~كانوا قوما لدا، ولا بغير ذلك، وما أنزلناه إلا لتكثر أتباعك، فيعملوا ~~الخيرات، فيكون ذلك زيادة في شرفك، وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه ~~وسلم «وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم ~~تابعا» {لكان} أي العذاب {لزاما} أي لازما أعظم لزوم لكل من أذنب عند أول ~~ذنب يقع منه لشرفك عنده وقربك لديه {و} لولا {أجل مسمى*} ضربه لكل شيء لكان ~~الأمر كذلك أيضا، لكنه سبقت رحمته غضبه فهو لا يعجل، وضرب الأجل فهو لا ~~يأخذ قبله، وكل من سبق الكلمة وتسمية الأجل مستقل بالإمهال فكيف إذا ~~اجتمعا، فتسبب عن العلم بأنه لا بد من استيفاء الأجل وإن زاد العاصي في ~~العصيان تسليم الأمور إلى الله وعدم القلق في انتظار الفرج فقال: {فاصبر ~~على ما يقولون} لك من الاستهزاء وغيره. # ولما كان الصبر شديدا على النفس منافرا للطبع، لأن النفس مجبولة على ~~النقائص، مشحونة بالوسواس، أمر منه لأجل من يحتاج إلى الكمال بما ينهض بها ~~من حضيض الجسم إلى أوج الروح بمقامي # PageV12P366 # التحلي بالكمالات والتخلي عن الرعونات، وبدأ بالأول لأنه العون على ~~الثاني، وذكر أشرف الحلي فقال: {وسبح بحمد ربك} أي اشتغل بما ينجيك من ~~عذابه، ويقربك من جنابه، بأن تنزه من أحسن إليك عن كل نفص، حال كونك حامدا ~~له بإثبات كل كمال، وذلك بأن تصلي له خاصة وتذكره بالذاكرين، غير ملتفت إلى ~~شيء سواه {قبل طلوع الشمس} صلاة الصبح {وقبل غروبها} صلاة العصر والظهر؛ ~~وغير السياق في قوله: {ومن آناء اليل} أي ساعاته، جمع إنو - بكسر ثم سكون، ~~أي ساعة، لأن العبادة حينئذ أفضل لاجتماع القلب وهدوء الرجل والخلو بالرب، ~~لأن العبادة إذ ذاك أشق وأدخل في التكليف فكانت أفضل عند الله {فسبح} أي ~~بصلاة المغرب والعشاء، إيذانا بعظمة صلاة الليل، وكرر الأمر بصلاتي الصبح ~~والعصر ms2954 إعلاما بمزيد فضلهما، لأن ساعتيهما أثناء الطي والبعث فقال: {وأطراف ~~النهار} ويؤيد ما فهمته من أن ذلك تكرير لهما ما في الصحيحين عن جرير ابن ~~عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند # PageV12P367 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: # «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن ~~لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ، ثم قرأ هذه ~~الاية. وإلا لم يكن في الآية مزيد حث عليهما خاصة، على أن الفظ «آناء ~~وأطراف» صالح لصلاة التطوع من الرواتب وغيرها ليلا ونهارا، وأفاد بذكر ~~الجار في الآناء التبعيض، لأن الليل محل الراحة، ونزعه من الأطراف لتيسر ~~استغراقها بالذكر، لأن النهار موضع النشاط واليقظة، ويجوز - وهو أحسن - أن ~~يكون المراد بما قبل الطلوع الصبح، وما قبل الغروب العصر فقط، وببعض الآناء ~~المغرب والعشاء، وأدخل الجار لكونهما وقتين، وبجميع الأطراف الصبح والظهر ~~والعصر، لأن النهار له أربعة أطراف: أوله، وآخره وآخر نصفه الأول، وأول ~~نصفه الثاني، والكل مستغرق بالتسبيح، ولذلك نزع الجار، أما الأول والآخر ~~فبالصبح والعصر، وأما الآخران فبالتهيؤ للصلاة ثم الصلاة نفسها، وحينئذ ~~تكون الدلالة على فضيلة الصبح والعصر من وجهين: التقديم والتكرير، وإلى ذلك ~~الإشارة بالحديث، وإذا أريد إدخال النوافل حملت الأطراف على الساعات - ~~والله الهادي. # PageV12P368 # ولما كان الغالب على الإنسان النسيان فكان الرجاء عنده أغلب، ذكر الجزاء ~~بكلمة الإطماع لئلا يأمن فقال: {لعلك ترضى *} أي افعل هذا لتكون على رجاء ~~من أن يرضاك ربك فيرضيك في الدنيا والآخرة، بإظهار دينك وأعلاء أمرك، ولا ~~يجعلك في عيش ضنك في الدنيا ولا في الآخرة - هذا على قراءة الكسائي وأبي ~~بكر عن عاصم بالبناء للمفعول، والمعنى على قراءة الجماعة بالبناء للفاعل: ~~لتكون على رجاء من أن تكون راضيا دائما في الدنيا والآخرة، ولا تكون كذلك ~~إلا وقد أعطاك ربك جميع ما تؤمل. # ولما كانت النفس ميالة إلى الدنايا، مرهونة بالحاضر من فاني العطايا، ~~وكان تخيلها عن ms2955 ذلك هؤ الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها، قال مؤكدا ~~إيذانا بصعوبة ذلك: {ولا تمدن} مؤكدا له بالنون الثقيلة {عينيك} أي لا تطول ~~نظرهما بعد النظرة الأولى المعفو عنها قاصدا للاستحسان {إلى ما متعنا به} ~~بما لنا من العظمة التي لا ينقصها تعظم أعدائنا به في هذه الحياة الفانية ~~{أزواجا} أي أصنافا متشاكلين {منهم} أي من الكفرة {زهرة} أي تمتيع # PageV12P369 # {الحياة الدنيا} لا ينتفعون به في الآخرة لعدم صرفهم له في أوامر الله، ~~فهو مصدر من المعنى مثل جلست قعودا، ثم علل تمتيعهم بقوله تعالى: {لنفتنهم ~~فيه} أي لنفعل بهم فعل المختبر، فيكون سبب عذابهم في الدنيا بالعيش الضنك ~~لما مضى، وفي الآخرة بالعذاب الأليم، فصورته تغر من لم يتأمل معناها حق ~~التأمل، فما أنت فيه خير مما هم فيه {ورزق ربك} الذي عود به أولياءه - وهو ~~في دار السفر- الكفاف الطيب المقرون بالتوفيق {خير} من زهرتهم، لأنه يكفي ~~ولا يطغي وزادك ما يدني إلى جنابه فيعلي {وأبقى*} فإنه وفقك لصرفه في ~~الطاعة فكتب لك من أجره ما توفاه يوم الحاجة على وجه لا يمكن أحدا من الخلق ~~حصره، وتكون الدنيا كلها فضلا عما في أيديهم أقل من قطرة بالنسبة إلى بحره، ~~وإضافة رزقه دون رزقهم إليه سبحانه - وإن كان الكل منه - للتشريف، وفي ~~التعبير بالرب إيذان بالحل، وفيه إشارة إلى ظهوره عليهم وحياته بعدهم كما ~~هو الشأن في الصالحين والطالحين. # PageV12P370 # ولما أمر بتزكية النفس أتبعه الإعلام بأن منها تزكية الغير، لأن ذلك أدل ~~على الإخلاص، وأجدر بالخلاص، كما دل عليه مثل السفينة الذي ضربه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لمن يأمر بالمعروف ومن يتركه فقال {وأمر أهلك بالصلاة} ~~كما كان أبوك إسماعيل عليه السلام، ليقودهم إلى كل خير {إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] ولم يذكر الزكاة لدخولها في التزهيد ~~بالآية التي قبلها. # ولما كانت شديدة على النفس عظيمة النفع، قال {واصطبر} بصيغة الافتعال ~~{عليها} أي على فعلها، مفرغا نفسك لها وإن شغلتك عن بعض أمر المعاش، لأنا ms2956 ~~{لا نسألك رزقا} أي نكلفك طلبه لنفسك ولا لغيرك، فإن ما لنا من العظمة يأبى ~~أن نكلفك أمرا، ولا نكفيك ما يشغلك عنه. # ولما كانت النفس بكليتها مصروفة إلى أمر المعاش، كانت كأنها تقول: فمن ~~أين يحصل الرزق؟ فقال: {نحن} بنون العظمة {نرزقك} لك ولهم ما قدرناه لكم من ~~أي جهة شئنا من ملكنا الواسع وإن كان يظن أنها بعيدة، ولا ينفع في الرزق ~~حول محتال، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا تدأبوا في تحصيله والسعي ~~فيه، فإن كلا من الجاد فيه والمتهاون به لا يناله أكثر مما قسمناه له في ~~الأزل ولا أقل، # PageV12P371 # فالمتقي لله المقبل على ذكره واثق بوعده قانع راض فهو في أوسع سعة، ~~والمعرض متوكل على سعيه فهو في كد وشقاء وجهد وعناء أبدا {والعاقبة} أي ~~الكاملة، وهي التي لا عاقبة في الحقيقة غيرها، وهي الحالة الجميلة المحمودة ~~التي تعقب الأمور، أي تكون بعدها {للتقوى*} أي لأهلها، ولا معولة على الرزق ~~وغيره توازي الصلاة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر ~~فزع إلى الصلاة - أخرجه أحمد عن حذيفة وعلقه البغوي في آخر سورة الحجر، ~~وقال الطبراني في معجمه الأوسط: ثنا أحمد - هو ابن يحيى الحلواني - ثنا ~~سعيد - هو ابن سليمان - عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن محمد بن حمزة عن ~~عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل ~~بأهله الضيق أمرهم بالصلاة، ثم قرأ {وأمر أهلك بالصلاة} الآية. # لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن سلام إلا بهذا الإسناد، تفرد به معمر، ~~وقال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير في تفسيره: وقال ابن أبي حاتم: ~~حدثنا أبي عبد الله بن أبي زياد القطران ناسيارنا جعفر عن ثابت قال: «كان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم # PageV12P372 # إذا أصابته خصاصة نادى أهله: يأهلاه! صلوا صلوا» ، قال ثابت: وكان ~~الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة، وقد روى الترمذي وابن ماجه ~~كلاهما في الزهد ms2957 - وقال الترمذي: حسن غريب - من حديث عمران بن زائدة عن ~~أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد ~~فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك» وروى ابن ماجه من حديث ~~الضحاك عن الأسود عن ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد، كفاه الله هم دنياه، ومن ~~تشعبت به الهموم أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك» وروى أيضا ~~من حديث عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت رضي ~~الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كانت الدنيا همه ~~فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب ~~له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمر، وجعل غناه في قلبه، وأتته ~~الدنيا وهي راغمة» . # ولما قدم في هذه السورة ما ذكر من قصص الأولين وأخبار # PageV12P373 # الماضين، مبكتا بذلك من أمر قريش بالتعنت من اليهود، فلم يقدروا على ~~إنكار شيء منه ولا توجيه طعن إليه، وخلله ببدائع الحكم، وغرائب المواعظ في ~~أرشق الكلم، وختم ذلك بأعظم داع إلى التقوى، عجب منهم في كونهم لا يذعنون ~~للحق أنفة من المجاهرة بالباطل، أو خوفا من سوء العواقب، فقال: {وقالوا} ~~ولعله عطف على ما يقدر في حيز قوله {أفلم يهد لهم إلى قوله: إن في ذلك ~~لآيات} من أن يقال: وقد أبوا ذلك ولم يعدوا شيئا منه آية: {لولا} أي هلا ~~ولم لا {يأتينا} أي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم {بآية} أي مثل آيات ~~الأولين {من ربه} المحسن إليه، دالة على صدقه. # ولما تضمن هذا أنهم لم يعدوا شيئا من هذه البينات - التي أدلى بها على من ~~تقدمه - آية مكابرة، استحقوا الإنكار، فقال: {أولم} أي ألم يأتهم من ms2958 الآيات ~~في هذا القرآن مما خصصتك به من الأحكام والحكم في أبلغ المعاني بأرشق ~~النظوم ما أعجز بلغاءهم، وأبكم فصحاءهم، فدل قطعا على أنه كلامي، أو لم ~~{تأتهم بينة ما} أي الأخبار التي {في الصحف الأولى*} من صحف إبراهيم وموسى ~~وعيسى وداود عليهم السلام في التوارة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب ~~الإلهية # PageV12P374 # كقصتي آدم وموسى المذكورتين في هذه السورة وغيرهما مما تقدم قصة لها كما ~~هي عند أهلها على وجوه لا يعلمها إلا قليل من حذاقهم من غير أن يخالط عالما ~~منهم أو من غيرهم، ومن غير أن يقدر أحد منهم على معارضة ما أتى به في قصتها ~~من النظم المنتج قطعا أنه لا معلم له إلا الله المرسل له، وأن أتى به منها ~~شاهد لما في الصحف الأولى من ذلك بالصدق، لأنه كلام الله، فهو بينة على ~~غيره لإعجازه، فجميع الكتب الإلهية مفتقرة إلى شهادته افتقار المحتج عليه ~~إلى شهادة الحجة، ولا افتقار له بعد العجز عنه إلى شيء أصلا، فهو أعظم من ~~آيات جميع الأنبياء اللاتي يطلبون مثلها بما لا يقايس. # ولما تبين بذلك أنهم يطعنون بما لا شبهة لهم فيه أصلا، أتبعه ما كان لهم ~~فيه نوع شبهة لو وقع، فقال عاطفا على {ولولا كلمة} : {ولو أنا أهلكناهم} ~~معاملة لهم في عصيانهم بما يقتضيه مقام العظمة {بعذاب من قبله} أي من قبل ~~هذا القرآن المذكور في الآية الماضية # PageV12P375 # وما قاربها، وفي قوله {ولا تعجل بالقرآن} صريحا، وكذا في مبنى السورة {ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى} {لقالوا} يوم القيامة: {ربنا} يا من هو متصف ~~بالإحسان إلينا {لولا} أي هلا ولم لا {أرسلت} ودلوا على عظمته وعلو رتبته ~~بحرف الغاية فقالوا: {إلينا رسولا} أي يأمرنا بطاعتك {فنتبع} أي فيتسبب عنه ~~أن نتبع {آياتك} التي يجيئنا بها. # ولما كان اتباعهم لا يستغرق زمان القبل قالوا: {من قبل أن نذل} بالعذاب ~~هذا الذل {ونخزى*} بالمعاصي التي عملناها على جهل هذا الخري فلأجل ذلك ~~أرسلناك إليهم وأقمنا بك حجة عليهم، ونحن ms2959 نترفق بهم، ونكشف عن قلوب من شئنا ~~منهم ما عليها من الرين بما ننزل من الذكر ونجدد من الآيات حتى نصدق أمرك ~~ونعلي شأنك ونكثر أتباعك وننصر أشياعك. # ولما علم بهذا أن إيمانهم كالمتنع، وجدالهم لا ينقطع، بل إن جاءهم الهدى ~~طعنوا فيه، وإن عذبوا قبله تظلموا، كان كأنه قيل: فما الذي أفعل معهم؟ ~~فقال: {قل كل} أي مني ومنكم {متربص} أي منتظر حسن عاقبة أمره ودوائر الزمان ~~على عدوه {فتربصوا} فإنكم كالبهائم ليس لكم تأمل، ولا تجوزون # PageV12P376 # الجائز إلا عند وقوعه {فستعلمون} أي عما قريب بوعد لا خلف فيه عند كشف ~~الغطاء {من أصحاب الصراط} أي الطريق الواضح الواسع {السوي} أي الذي لا عوج ~~فيه ولا نتو، فهو من شأنه أن يوصل إلى المقاصد. # ولما كان صاحب الشيء قد لا يكون عالما بالشيء ولا عاملا بما يعلم منه، ~~قال {ومن اهتدى*} أي من الضلالة فحصل على جميع ما ينفعه واجتنب جميع ما ~~يضره، نحن أم أنتم؟ ولقد علموا يقينا ذلك يوم فتح مكة المشرفة، واشتد ~~اغتباطهم بالإسلام، ودخلوا رغبة في الحلم والكرم، ورهبة من السيف والنقم، ~~وكتنوا بعد ذلك يعجبون من توقفهم عنه ونفرتهم منه، وهذا معناه أنه صلى الله ~~عليه وسلم ومن اتبعه هم السعداء الأغنياء الراضون في الدنيا والآخرة، وهو ~~عين قوله تعالى: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} فقد انطبق الآخر على الأول، ~~ودل على أن العظيم يعامل بالحلم فلا يعجل - والله أعلم. # PageV12P377 # مقصودها الاستدلال على تحقق الساعة وقربها ولو بالموت، ووقوع الحساب فيها ~~على الجليل والحقير، لأن موجدها لا شريك له يعوقه عنها، وهن من لا يبدل ~~القول لديه، والدال على ذلك أوضح دلالة مجموع قصص جماعة ممن ذكر فيها من ~~الأنبياء عليهم السلام، ولا يستقل قصة منها استقلالا ظاهرا بجميع ذلك كما ~~سنبين، ولا يخلو قصو من قصصهم من دلالة على شيء من ذلك فنسبت إلى الكل - ~~والله الموفق. # سورة الأنبياء # PageV12P378 # {بسم} الحكيم العدل الذي تمت قدرته وعم أمره {الله} الملك الذي لا كفوء ~~له ms2960 {الرحمن} الذي ساوى بين خلقه في رحمة إيجاده {الرحيم*} الذي ينجي من شاء ~~من عباده في معاده. # لما ختمت طه بإنذارهم بأنهم سيعلمون الشقي والسعيد، وكان هذا العلم تارة ~~يكون في الدنيا بكشف الحجاب بالإيمان، وتارة بمعانية ظهور الدينن وتارة ~~بإحلال العذاب بإزهاق الروح بقتل أو غيره، وتارة ببعثها يوم الدين، افتتحت ~~هذه بأجلى ذلك وهو اليوم الذي # PageV12P378 # يتم فيه كشف الغطاء فينتقل فيه الخبر من علم اليقين إلى عين اليقين وحق ~~اليقين وهو يوم الحساب، فقال تعالى: {اقترب للناس} أي عامة أنتم وغيركم ~~{حسابهم} أي في يوم القيامة؛ وأشار بصيغة الافتعال إلى مزيد القرب لأنه لا ~~أمة بعد هذه ينتظر أمرها، وأخر الفاعل تهويلا لتذهب النفس في تعيينه كل ~~مذهب، ويصح أن يراد بالحساب الجزاء، فيكون ذلك تهديدا بيوم بدر والفتح ~~ونحوهما، ويكون المراد بالناس حينئذ قريشا أو جميع العرب، والحساب: إحصاء ~~الشيء والمجازاة عليه بخير أو شر {وهم} أي الحال أنهم من أجل ما في جبلاتهم ~~من النوس، وهو الاضطراب الموجب لعدم الثبات على حالة الأمن، أنقذه الله ~~منهم من هذا النقص وهم قليل جدا {في غفلة} فهي تعليل لآخر تلك على ما تراه، ~~لأنهم إذا نشروا علموا، وإذا أبادتهم الوقائع علموا هم بالموت، ومن بقي ~~منهم بالذل المزيل لشماخة الكبر، أهل الحق من أهل الباطل، وقوله: {معرضون*} ~~كالتعليل للغفلة، أي أحاطت بهم الغفلة بسبب إعراضهم عما يأتيهم منا، وسيأتي ~~ما يؤيد هذا في قوله آخرها {بل كنا ظالمين} وإلا فالعقول قاضية بأنه لا بد ~~من جزاء المحسن والمسيء. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما تقدم قوله # PageV12P379 # سبحانه {لا تمدن عينيك} [طه: 131]- إلى قوله - {فستعلمون من أصحاب الصراط ~~السوي ومن اهتدى} [طه: 131] قال تعالى {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة ~~معرضون} أي لا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة لمن ناله بغير حق، ونسأل ~~عن قليل ذلك وكثيره {ولتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر: 8] والأمر قريب ~~{اقترب للناس حسابهم} وأيضا فإنه تعالى لما قال {وتنذر ms2961 به قوما لدا} [مريم: ~~97] وهم الشديدو الخصومة في الباطل، ثم قال {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} ~~[مريم: 74] إلى آخرها، استدعت هذه الجملة بسط حال، فابتدئت بتأنيسه عليه ~~الصلاة السلام وتسليتة، حتى لا يشق عليه لددهم، فتضمنت سورة طه من هذا ~~الغرض بشارته بقوله {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} [طه: 2] وتأنيسه بقصة ~~موسى عليه السلام وما كان من حال بني إسرائيل وانتهاء أمر فرعون ومكابدة ~~موسى عليه السلام لرد فرعون ومرتكبه إلى أن وقصه الله، وأهلكه، وأورث عباده ~~أرضهم وديارهم، ثم اتبعت بقصة آدم عليه السلام ليرى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم سنته في عباده حتى أن آدم عليه السلام وإن لم يكن امتحانه بذريته ولا ~~مكابدته من أبناء جنسه - فقد كابد من إبليس ما قصه الله في كتابه، وكل هذا ~~تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه إذا تقرر لديه أنه سنة الله تعالى في ~~عبادة هان عليه لدد قريش # PageV12P380 # ومكابدتهم، ثم ابتدئت سورة الأنبياء ببقية هذا التأنيس، فبين اقتراب ~~الحساب ووقوع يوم الفصل المحمود فيه ثمرة ما كوبد في ذات الله والمتمنى فيه ~~أن لو كان ذلك أكثر والمشقة أصعب لجليل الثمرة وجميل الجزاء، ثم اتبع ذلك ~~سبحانه بعظات، ودلائل وبسط آيات، وأعلم أنه سبحانه قد سبقت سنته بإهلاك من ~~لم يكن منه الإيمان من متقدمي القرون وسالفي الأمم # {ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها} [الأنبياء: 6] وفي قوله {أفهم يؤمنون} ~~[الأنبياء: 6] تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر قريش ومن قبل ما ~~الكلام بسبيله، وقد تضمنت هذه السورة إلى ابتداء قصة إبراهيم عليه السلام ~~من المواعظ والتنبيه على الدلالات وتحريك العباد إلى الاعتبار بها ما يعقب ~~لمن اعتبر به التسليم والتفويض لله سبحانه والصبر علىلابتلاء وهو من مقصود ~~السورة، وفي قوله {ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين} ~~[الأنبياء: 9] إجمال لما فسره النصف الأخير من هذه السورة من تخليص الرسل ~~عليهم السلام من قومهم وإهلاك من أسرف وأفك ولم يؤمن، وفي ذكر تخليص الرسل ~~وتأييدهم الذي ms2962 تضمنه النصف الأخير من لدن قوله {ولقد ءاتينا إبراهيم رشده} ~~[الأنبياء: 51] إلى آخر السورة كمال الغرض المتقدم من التأنيس وملاءمة ما ~~تضمنته سورة طه وتفسير لمجمل {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم # PageV12P381 # من أحد أو تسمع لهم ركزا} [مريم: 98] انتهى. # ولما أخبر سبحانه عن غفلتهم وإعراضهم، علل ذلك بقوله: {ما يأتيهم} وأعرق ~~في النفي بقوله: من {ذكر} أي وحي يذكر بما جعل في العقول من الدلائل عليه ~~سبحانه ويوجب الشرف لمن أتبعه {من ربهم} المحسن إليهم بخلقهم وتذكيرهم، ~~قديم لكونه صفة له {محدث} إنزاله {إلا استمعوه} أي قصدوا سماعه وهو أجد ~~الجد وأحق الحق {وهم} أي والحال أنهم {يلعبون*} أي يفعلون فعل اللاعبين ~~بالاستهزاء به ووضعه في غير مواضعه وجعلهم استماعهم له لإرادة الطعن فيه، ~~فهو قريب من قوله {لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه} [فصلت: 26] {لاهية ~~قلوبهم} أي غارقة قلوبهم في اللهو، مشغولة به عما حداها إليه القرآن، ~~ونبهها عليه الفرقان، وحذرها منه البيان، قال الرازي في اللوامع: لاهية: ~~مشتغلة من لهيت ألهى: أو طالبة للهو، من لهوت ألهو - انتهى. ويمكن أن يراد ~~بالناس مع هذا كله العموم ويكون من باب قوله تعالى # {وما قدروا الله حق قدره} [ # PageV12P382 # الأنعام: 91] وقوله صلى الله عليه وسلم «لا أحصي ثناء عليك» وأن يخص ~~بالكفار. # ولما ذكر ما يظهرونه في حال الاستماع من اللهو واللعب، ذكر ما يخفونه من ~~التشارو في الصد عنه وإعمال الحيلة في التنفير منه والتوثق من بعضهم لبعض ~~في الثبات على المجانبة له فقال عاطفا على {استمعوا} : {وأسروا} أي الناس ~~المحدث عنهم {النجوى} أي بالغوا في إسرار كلامهم بسبب الذكر، لأن المناجاة ~~في اللغة السر - كذا في القاموس، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ~~ديوانه: والنجوى: الكلام بين اثنين كالسر والتشاور. # ولما أخبر بسوء ضمائرهم، أبدل من ضميرهم ما دل على العلة الحاملة لهم على ~~ذلك فقال: {الذين ظلموا} ثم بين ما تناجوا به فقال: {هل} أي فقالوا في ~~تناجيهم هذا، معجبين من ادعائه النبوة مع ms2963 مماثلته لهم في البشرية: هل {هذا} ~~الذي أتاكم بهذا الذكر {إلا بشر مثلكم} أي خلقه وأخلاقه من الأكل والشرب ~~والحياة والموت، فكيف يختص عنكم بالرسالة؟ ما هذا الذي جاءكم به مما لا ~~تقدرون على مثله # PageV12P383 # إلا سحر لا حقيقة له، فحينئذ تسبب عن هذا الإنكار في قولهم: {أفتأتون ~~السحر وأنتم} أي والحال أنكم {تبصرون*} بأعينكم أنه بشر مثلكم، وببصائركم ~~أن هذه الخوارق التي يأتي بها يمكن أن تكون سحرا، فيا لله العجب من قوم ~~رأوا ما أعجزهم فلم يجوزوا أن يكون عن الرحمن الداعي إلى الفوز بالجنان ~~وجزموا بأنه من الشيطان الداعي إلى الهوان، باصطلاء النيران، والعجب أيضا ~~أنهم أنكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم لما يخص الله به بعض الناس عن ~~بعض الذكاء والفطنة، وحسن الخلائق والأخلاق، والقوة والصحة، وطول العمر ~~وسعة الرزق - ونحو ذلك من القيافة والعيافة والرجز والكهانة، ويأتون ~~أصحابها لسؤالهم عما عندهم من ذلك من العلم. # ولما كان الله تعالى لا يقر من كذب عليه، فضلا عن أن يصدقه ويؤيده، ولا ~~يخفى عليه كيد حتى يلزم منه نقص ما أراده، قال دالا لهم على صدقه منبها على ~~موضع الجحة في أمره - على قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وجوابا لمن ~~كأنه قال: فماذا يقال لهؤلاء؟ - على قراءة الباقين: {قال ربي} المحسن إلي ~~بتأييدي بكل ما يبين صدقي ويحمل على أتباعي {يعلم القول} سواء كان # PageV12P384 # سرا أو جهرا. # ولما كان من يسمع من هاتين المسافتين يسمع من أي مسافة فرضت غيرهما قطعا، ~~لم يحتج إلى جمع على أنه يصح إرادة الجنس فقال: {في السماء والأرض} على حد ~~سواء، لأنه لا مسافة بينه وبين شيء من ذلك {وهو} أي وحده {السميع العليم*} ~~يسمع كل ما يمكن سمعه، ويعلم كل ما يمكن علمه من القول وغيره، فهو يسمع ~~سركم، ويبطل مكركم، ويسمع ما أنسبه إليه من هذا الذكر، فلو لم يكن عنه ~~لزلزل بي، وقد جرت سنته القديمة في الأولين، بإهلاك المكذبين، وتأييد ~~الصادقين، وإنجائهم من زمن نوح عليه السلام ms2964 إلى هذا الزمان، ولعلمه بحال ~~الفريقين. # وستعلمون لمن تكون له العاقبة، وقد أشار إلى هذا في هؤلاء الأنبياء عليهم ~~السلام الذين دل بقصصهم في هذه السورة على ما تقدمها من الأحكام والقضايا ~~{وكنا به عالمين} [الأنبياء: 51] {إذ قال لأبيه وقومه وكنا لحكمهم شاهدين} ~~و {كنا بكل شيء عالمين} [الأنبياء: 88] {وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون} ~~[الأنبياء: 109] {إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون} [الأنبياء: ~~110] {إن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] {ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} [النور: 55] . # PageV12P385 # ولما كانت أقوالهم في أمر القرآن قد اضطربت، والإضطراب من أمارات الباطل، ~~وكان وصفهم له بأنه سحر مما يهول السامع ويعلم منه أنه معجز، فربما أدى إلى ~~الاستبصار في أمره، أخبر أنهم نزلوا به عن رتبة السحر على سبيل الاضطراب ~~فقال: {بل قالوا} أي عن هذا الذكر الحكيم أنه {أضغاث أحلام} أي تخاليط نائم ~~مبناه الباطل وإن كان ربما صدق بالأخبار ببعض المغيبات التي كشف الزمان عن ~~أنها كما أخبر القرآن، ثم أنزلوا عن ذلك إلى الوصف موجب لأعظم النفرة عنه ~~وعمن ظهر عنه فقالوا: {بل افتراه} أي تعمد وصفه من عند نفسه ونسبه إلى ~~الله. # ولما كان ذلك لا ينافي كون مضمونه صادقا في نفسه، قالوا {بل هو شاعر} أي ~~يخيل ما لا حقيقة له كغيره من الشعراء، تتربص به ريب المنون لأنه بشر كما ~~تقدم، فلا بد أن يموت ونستريح بعد موته، وإليه أشار في آخر التي قبلها {قل ~~كل متربص} [طه: 135] إلى أخره، فاضطربت أقوالهم وعولوا أخيرا على قريب من ~~السحر في نفي الحقيقة. # ولما كانوا يصفون القرآن بجميع هذه الأوصاف جملة، يقولون لكل شخص ما رأوه ~~أنسب له منها، نبه الله سبحانه كل من له لب على بطلانها كلها بتناقضها بحرف ~~الإضراب إشارة إلى أنه كان يجب على # PageV12P386 # من قالها على قلة عقله وعدم حيائه أن لا ينتقل إلى قول منها إلا بعد ~~الإعراض عن الذي قبله، وأنه مما يضرب عنه لكونه غلطا، ما قيل ms2965 إلا عن سبق ~~لسان وعدم تأمل، سترا لعناده وتدليسا لفجوره، ولو فعل ذلك لكانت جديرة ~~بانكشاف بطلانها بمجرد الانتقال فكيف عند اجتماعها. ولما كانت نسبته إلى ~~الشعر أضعفها شأنا، وأوضحها بطلانا، لم يحتج إلى إضراب عنه، وعبروا في ~~الأضغاث بوصف القرآن تأكيدا لعيبه، وفي الافتراء والشعر بوصفه صلى الله ~~عليه وسلم لذلك. # ولما أنتج لهم ذلك على زعمهم القدح في أعظم المعجزات، سببوا عن هذا القدح ~~طلب آية فقالوا: {فليأتنا} أي دليلا على رسالته {بآية} أي لأنا قد بينا ~~بطعننا أن القرآن ليس بآية؛ ثم خيلوا النصفة بقولهم: {كما} أي مثل ما، ~~وبنوا الفعل للمفعول إشارة إلى أنه متى صحت الرسالة كان ذلك بزعمهم من غير ~~تخلف لشيء أصلا فقالوا: {أرسل الأولون*} أي بالآيات مثل تسبيح الجبال، ~~وتسخير الريح، وتفجير الماء، وإحياء الموتى، وهذا تناقض آخر في اعترافهم ~~برسالة الأولين مع معرفتهم أنهم بشر، وإنكارهم رسالته صلى الله عليه وسلم ~~لكونه بشرا، ولم يستحيوا بعد التناقض من المكابرة فيما أتاهم به من # PageV12P387 # انشقاق القمر، وتسبيح الحصى، ونبع الماء، والقرآن المعجز، مع كونه أميا - ~~إلى غير ذلك. # ولما أشار سبحانه إلى فساد طعنهم بما جعله هباء منثورا، وتضمن قولهم الذي ~~سببوه عنه القرار بالرسل البشريين وأياتهم، أتبعه بيان ما عليهم فيه، فبين ~~أولا أن الآيات تكون سببا للهلاك، فقال جوابا لمن كأنه قال: رب أجبهم إلى ~~ما اقترحوه ليؤمنوا: {ما ءامنت} أي بالإجابة إلى الآيات المقترحات. # ولما كان المراد استغراق الزمان، جرد الظرف عن الخافض فقال: {قبلهم} أي ~~قبل كفار مكة المقترحين عليك، وأعرق في النفي فقال: {من قرية} ولما كان ~~المقصود التهويل في الإهلاك، وكان إهلاك القرية دالا على إهلاك أهلها من ~~غير عكس، دل على إهلاك جميع المقترحين تحذيرا من مثل حالهم بوصفها بقوله في ~~مظهر العظمة المقتضي لإهلاك المعاندين: {أهلكناها} أي على كثرتهم {وكم ~~أهلكنا من القرون من بعد نوح} [الإسراء: 17] ، {وما أهلكنا من قرية إلا لها ~~منذرون} [الشعراء: 208] ، {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ~~«وما من ms2966 الأنبياء # PageV12P388 # نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» وأشار بذلك إلى أنه لم ~~يسلم عند البأس إلا قرية واحدة وهم قوم يونس لأنهم آمنوا عند رؤية المخايل ~~وقيل الشروع في الإهلاك، وهو إشارة إلى أن سبب الإيمان مشيئته سبحانه لا ~~الآيات. # ولما كانوا كمن قبلهم إن لم يكونوا دونهم، حسن الإنكار في قوله: {أفهم ~~يؤمنون*} أي كلا! بل لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ~~حين لا ينفع الإيمان، وقد قضينا في الإزل أن لا نستأصل هذه الأمة إكراما ~~لنبيها، فنحن لا نجيبهم إلى المقترحات لذلك. # ولما بين أولا أن الآيات تكون سببا للهلاك، فلا فائدة في الإجابة إلى ما ~~اقترحوه منها بعد بطلان ما قدحوا به في القرآن، بين ثانيا بطلان ما قدحوا ~~به في الرسول بكونه بشرا، بأن الرسل الذين كانوا من قبله كانوا بإقرارهم من ~~جنسه، فما لهم أن ينكروا رسالته هو مثلهم، بل عليهم أن يعترفوا له عندما ~~أظهر من المعجز كما اعترفوا لأولئك، كل ذلك فطما عن أن يتمنى أحد إجابتهم ~~إلى التأييد بملك ظاهر، فقال عاطفا على ما «آمنت» : {وما أرسلنا} . # ولما كان السياق لإنكار أن يكون النبي بشرا، وكان الدهر كله ما خلا قط ~~جزء منه من رسالة، إما برسول قائم، وإما بتناقل أخباره، # PageV12P389 # كان تعميم الزمان أنسب فقال من غير حرف جر: {قبلك} أي في جميع الزمان ~~الذي تقدم زمانك في جميع طوائف البشر {إلا رجالا نوحي إليهم} بالملائكة سرا ~~من غير أن يطلع على ذلك الملك غيرهم كما اقتضته العظمة من التخصيص ~~والاختيار والإسرار عن الأغيار، وذلك من نعم الله على خلقه، لأن جعل الرسل ~~من البشر أمكن للتلقي منهم والأخذ عنهم. # ولما لم يكن لهم طريق في علم هذا إن يقبلوا خبره عن القرآن إلا سؤال من ~~كانوا يفزعون إليهم من أهل الكتاب ليشايعوهم على ما هم عليه من الشك ~~والارتياب، قال: {فسألوا أهل الذكر} ثم نبه على أنهم غير محتاجين فيه إلى ~~السؤال ms2967 بما كان قد بلغهم على الآجال من أحوال موسى وعيسى وإبراهيم وإسماعيل ~~وغيرهم عليهم الصلاة والسلام بقوله، معبرا بأداة الشكك محركا لهم إلى ~~المعالي: {إن كنتم} أي بجبلاتكم {لا تعلمون*} أي لا أهلية لك في اقتناص ~~علم، بل كنتم أهل تقليد محض وتبع صرف. # ولما بين أنه على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلا، بين # PageV12P390 # أنه على سنتهم في جميع الأوصاف التي حكم بها على البشر من العيش والموت ~~فقال: {وما جعلناهم} أي الرسل الذين اخترنا بعثهم إلى الناس ليأمروهم ~~بأوامرنا. ولما كان السبب في الأكل ترتيب هذا الهيكل الحيواني على ما هو ~~عليه لا كونه متكثرا، وحد فقال {جسدا} أي ذوي جسد لحم ودم متصفين بأنهم {لا ~~يأكلون الطعام} بل جعلناهم أجسادا يأكلون ويشربون، وليس ذلك بمانع من ~~إرسالهم؛ قال ابن فارس في المجمل: وفي كتاب الخليل: إن الجسد لا يقال لغير ~~الإنسان من خلق الأرض. ثم عطف على الأول قوله: {وما كانوا خالدين*} أي ~~بأجسادهم، بل ماتوا كما مات الناس قبلهم وبعدهم، أي لم يكن ذلك في جبلتهم ~~وإنما تميزوا عن الناس بما يأتيهم عن الله سبحانه، ورسولكم صلى الله عليه ~~وسلم ليس بخالد، فتربصوا كما أشار إليه ختم طه فإنه متربص بكم وأنتم عاصون ~~للملك الذي اقترب حسابه لخلقه وهو مطيع له، فأيكم أحق بالأمن؟ ولما بين أن ~~الرسل كالمرسل إليهم بشر غير خالدين، بين سنته فيهم وفي أممهم ترغيبا لمن ~~اتبع، وترهيبا لمن امتنع، فقال عاطفا بأداة التراخي في مظهر العظمة على ما ~~أرشد إليه التقدير من مثل: بل جعلناهم # PageV12P391 # جسدا يأكلون ويشربون، ويعيشون إلى انقضاء آجالهم ويموتون، وأرسلناهم إلى ~~أممهم فحذروهم وأنذروهم وكلموهم كما أمرناهم، ووعدناهم أن من آمن بهم ~~أسعدناه، ومن كفر واستمر أشقيناه، وأنا نهلك من أردنا من المكذبين، فآمن ~~بهم بعض وكفر آخرون؛ فلم نعاجلهم بالأخذ بل صبرنا عليهم، وطال بلاء رسلنا ~~بهم {ثم صدقناهم} بما اقتضت عظمتنا، وأكد الأمر بتعدية الفعل من غير حرف ~~الجر فقال: {الوعد} أي بإنجائهم؛ ms2968 وأشار بأداة التراخي إلى أنهم طال بلاؤهم ~~بهم وصبرهم عليهم، ثم أحل بهم سطوته، وأراهم عظمته، ولذا قال مسببا عن ذلك: ~~{فأنجيناهم} أي الرسل بعظمتنا، ولكون السياق لأنهم في غاية الغفلة التي نشأ ~~عنها التكذيب البليغ الذي اقتضى تنويع القول به إلى سحر وأضغاث وافتراء ~~وشعر، فاقتضى مقابلته بصدق الوعد منه سبحانه، عبر بالإنجاء الذي هو إقلاع ~~من وجدة العذاب في غاية السرعة {ومن نشآء} أي من تابعيهم. إشارة إلى أن سبب ~~الإنجاء المشيئة لا أن التصديق موجب له، لأنه لا يجب عليه سبحانه وتعالى ~~شيء {وأهلكنا} أي بما يقتضيه الحكمة {المسرفين*} كلهم الذين علمنا أن ~~الإسراف لهم وصف لازم لا ينفكون عنه. # PageV12P392 # ولما انقضى ما لزمهم بسبب الإقرار برسلية البشر من الإقرار برسلية رسولهم ~~صلى الله عليه وسلم لكونه مساويا لهم في النوع والإتيان بالمعجز، وما فعل ~~بهم وبأممهم ترغيبا وترهيبا، وختم ذلك بأنه أباد المسرفين، ومحا ذكرهم إلا ~~بالبشر، التفت إلى الذكر الذي طعنوا فيه، فقال مجيبا لمن كأنه قال: هذا ~~الجواب عن الطعن في الرسول قد عرف، فما الجواب عن الطعن في الذكر؟ معرضا عن ~~جوابهم لما تقدم من الإشارة بحرف الإضراب إلى أن ما طعنوا به فيه لا يقوله ~~عاقل، مبينا لما لهم فيه من الغبطة التي هم لها رادون، والنعمة التي هم بها ~~كافرون: {لقد} أي وعزتنا لقد {أنزلنا} بما لنا من العظمة {إليكم} يا معشر ~~قريش بل العرب قاطبة {كتابا} أي جامعا لجميع المحاسن لا يغسله الماء ولا ~~يحرقه النار {فيه ذكركم} طوال الدهر بالخير إن أطعتم، والشر إن عصيتم، وبه ~~شرفكم على سائر الأمم بشرف ما فيه من مكارم الأخلاق التي كنتم تتفاخرون بها ~~وبشرف نبيكم الذي تقولون عليه الأباطيل، وتكثرون فيه القال والقيل. # ولما تم ذلك على هذا الوجه، نبه أنه يتعين على كل ذي لب الإقبال عليه ~~والمسارعة إليه، فحسن جدا قوله منكرا عليهم منبها على أن علم ذلك لا يحتاج ~~إلى غير العقل المجرد عن الهوى: {أفلا تعقلون*} . # PageV12P393 # ولما كان ms2969 التقدير: فإن عدلتم بقبوله شرفناكم، وإن ظلمتم برده عنادا ~~أهلكناكم كما أهلكنا من كان قبلكم، عطف عليه قوله: {وكم قصمنا} أي بعظمتنا ~~{من قرية} جعلناها كالشيء اليابس الذي كسر فتباينت أجزاؤه، والإناء الذي فت ~~فانكب ماؤه؛ وأشار بالقصم الذي هو أفظع الكسر إلى أنها كانت باجتماع الكلمة ~~وشدة الشكيمة كالحجر الرخام في الصلابة والقوة، و «كم» في هذا السياق يقتضي ~~الكثرة، ثم علل إهلاكها وانتقالها بقوله: {كانت ظالمة} ثم بين الغنى عنها ~~بقوله: {وأنشأنا} أي بعظمتنا. # ولما كان الدهر لم يخل قط بعد آدم من إنشاء وإفناء، فكان المراد أن ~~الإنشاء بعد الإهلاك يستغرق الزمان على التعاقب، بيانا لأن المهلكين ضروا ~~أنفسهم من غير افتقار إليهم، اسقط الجار فقال: {بعدها قوما} أي أقوياء، ~~وحقق أنهم لا قرابة قريبة بينهم بقوله: {ءاخرين*} ثم بين حالها عند إحلال ~~البأس بها فقال: {فلما أحسوا *} أي أدرك أهلها بحواسهم {بأسنا} أي بما فيه ~~من العظمة {إذا هم} # PageV12P394 # أي من غير توقف أصلا {منها} أي القرية {يركضون*} هاربين عنها مسرعين كمن ~~يركض الخيل - أي يحركها - للعدو، بعد تجبرهم على الرسل وقولهم لهم ~~{لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا} [إبراهيم: 13] فناداهم لسان الحال ~~تقريعا تبشيعا لحالهم وتفظيعا: {لا تركضوا} وصور التهكم بهم بأعظم صورة ~~فقال: {وارجعوا} إلى قريتكم {إلى ما} . # ولما كان التأسيف إنما هو على العيش الرافه لا على كونه من معط معين، بني ~~للمفعول قوله: {أترفتم فيه} أي منها، ويجوز أن يكون بني للمجهول إشارة إلى ~~غفلتهم عن العلم لمن أترفهم أو إلى أنهم كانوا ينسبون نعمتهم إلى قواهم، ~~ولو عدوها من الله لشكروه فنفعهم. ولما كان أعظم ما يؤسف عليه بعد العيش ~~الناعم المسكن، قال: {ومساكنكم} أي التي كنتم تفتخرون بها على الضعفاء من ~~عبادي بما أتقنتم من بنائها، وأوسعتم من فنائها، وعليتم من مقاعدها، وحسنتم ~~من مشاهدها ومعاهدها {لعلكم تسألون*} في # PageV12P395 # الإيمان بما كنتم تسألون، فتابوا بما عندكم من الأنفة ومزيد الحمية ~~والعظمة، أو تسألون في الحوائج والمهمات، كما يكون الرؤساء ms2970 في مقاعدهم ~~العلية، ومراتبهم البهية، فيجيبون سائلهم بما شاؤوا على تؤدة وأحوال مهل ~~تخالف أحوال الراكض العجل {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} ~~[إبراهيم: 44] . # ولما كان كأنه قيل: بما أجابوا هذا المقال؟ قيل {قالوا} حين لا نفع ~~لقولهم عند نزول البأس: {يا ويلنا} إشارة إلى أنه حل بهم لأنه لا ينادي إلا ~~القريب، وترفقا له كما يقول الشخص لمن يضربه: يا سيدي - كأنه يستغيث به ~~ليكف عنه، وذلك غباوة منهم، وعمى عن الذي أحله بهم، لأنهم كالبهائم لا ~~ينظرون إلا السبب الأقرب؛ ثم عللوا حلوله بهم تأكيدا لترفقهم بقولهم: {إنا ~~كنا} أي جبلة لنا وطبعا {ظالمين*} حيث كذبنا الرسل، وعصينا أمر ربنا، ~~فاعترفوا حيث لم ينفعهم الاعتراف لفوات محله {فما} أي فتسبب عن إحلالنا ذلك ~~البأس بهم أنه ما {زالت تلك} أي الدعوة البعيدة عن الخير والسلامة، وهي ~~قولهم: يا ويلنا {دعواهم} يرددونها لا يكون # PageV12P396 # دعوى لهم غيرها، لأن الويل ملازم لهم غير منفك عنهم، وترفقهم له غير ~~نافعهم {حتى جعلناهم} بما لنا من العظمة {حصيدا} كالزرع المحصود. # ولما كان هذا وما بعده مثل حلو حامض في الزمان، جعلا خبرا واحدا ليكون ~~«جعل» مقتصرا على مفعولين فقال: {خامدين*} أي جامعين للانقطاع والخفوت، لا ~~حركة لهم ولا صوت، كالنار المضطرمة إذا بطل لهيبها ثم جمرها وصارت رمادا، ~~ولم يك ينفعهم إيمانهم واعترافهم بالظلم وخضوعهم لما رأوا بأسنا. # PageV12P397 # ولما ذمهم باللعب وبين أنه يفعل في إهلاك الظلم وإنجاء العدل فعل الجاد ~~بإحقاق الحق بالانتقام لأهله، وإزهاق الباطل باجتثاثه من أصله، فكان ~~التقدير: وما ينبغي لنا أن نفعل غير ذلك من أفعال الحكمة العرية عن اللعب، ~~فلم نخلق الناس عبثا يعصوننا ولا يؤاخذون، عطف عليه قوله: {وما خلقنا} أي ~~بعظمتنا التي تقتضي الجد ولا بد. # ولما كان خلق السماء واحدة يكفي في الدلالة على الحكمة فكيف بأكثر منها! ~~وحد فقال: {السماء} أي على علوها وإحكامها # PageV12P397 # {والأرض} على عظمها واتساعها {وما بينهما} مما دبرناه لتمام المنافع من ~~أصناف البدائع وغرائب الصنائع ms2971 {لاعبين*} غير مريدين بذلك تحقيق الحقائق ~~وإبطال الأباطيل، بل خلقنا لكم ذلك آية عظيمة كافية في الوصول إلينا ليظهر ~~العدل في جزاء كل بما يستحق، مشحونة بما يقوت الأجسام، ويهيج النفوس، ويشرح ~~الصدور، ويريح الأرواح ويبعث إلى الاعتبار، كل من له استبصارا، للدلالة على ~~حكمتنا ووجوب وحدانيتنا فاتخذتم أنتم ما زاد على الحاجة لهوا صادا عن ~~الخير، داعيا إلى الضير. # ولما نفى عنه اللعب، أتبعه دليله فقال: {لو أردنا} أي على عظمتنا {أن ~~نتخذ لهوا} يكون لنا ومنسوبا في لهوه إلينا، واللهو - قال الأصفهاني: صرف ~~الهم عن النفس بالقبيح. {لاتخذناه} أي بما لنا من العظمة {من لدنا} أي مما ~~يليق أن ينسب إلى حضرتنا بما لنا من تمام القدرة وكمال العظمة، وباهر ~~الجلالة والحكمة، وذلك بأن يكون محض لهو لا جد فيه أصلا، ولا يخلطه شيء من ~~الكدر، # PageV12P398 # ولا يتوقف من يراه في تسميته لهوا، لا يكون له عنده اسم غير ذلك كما لو ~~أن شمسا أخرى وجدت لم يتوقف أحد في تسميتها شمسا كما قال تعالى في السورة ~~الماضية {وقد ءاتيناك من لدنا ذكرا} [طه: 99] أي فهو بحيث لا يتوقف أحد في ~~أنه من عندنا، وأنه ذكر وموعظة كما مضى، لكنا لم نرد ذلك فلم يكن، وما ~~اتخذتموه لهوا فإنا خلقناه لغير ذلك بدليل ما فيه من الشواغل والمنغصات ~~والقواطع فاتخذتموه أنتم من عند أنفسكم لهوا، فكان أكثره لكم ضرا وعليكم ~~شرا، وخص الحرالي {عند} بما ظهر، و {لدن} بما بطن، فعلى هذا يكون المراد: ~~من حضرتنا الخاصة بنا الخفية التي لا يطلع عليها غيرنا، لأن ما للملك لا ~~يكون مبتذلا، وكذلك لم يذكر إلا ما يتحقق المكذبون بالبعث رؤيته فوحد ~~السماء هنا وجمعها في غير هذا الموضع لاقتضاء الحال ذلك. # ولما كان هذا مما ينبغي أن تنزه الحضرة القدوسية عنه وعن مجرد ذكره ولو ~~على سبيل الفرض، أشار إلى ذلك بأداة شرط أخرى فقال: {إن كنا فاعلين*} أي ~~له، ولكنه لا يليق بجنابنا فلم نفعله ولا نكون فاعلين ms2972 له {بل} وإشعار لهذا ~~المعنى بالقذف والدمغ تصويرا للحق بجعل الحق كأنه جرم صلب كالصخرة قذف بها ~~على جرم رخو # PageV12P399 # أجوف فقال: {نقذف} أي إنما شأننا أن نرمي رميا شديدا {بالحق} الذي هو هذا ~~الذكر الحكيم الذي أنزلناه جدا كله وثباتا جميعه لا لهو فيه ولا باطل، ولا ~~هو مقارب لشيء منهما، ولا تقدرون أن تتخذوا شيئا منه لهوا اتخاذا يطابقكم ~~عليه منصف، فنحن نقذف به {على الباطل} الذي أحدثتموه من غير أنفسكم ~~{فيدمغه} أي فيمحقه محق المكسور الدماغ {فإذا هو} في الحال {زاهق} أي ذاهب ~~الروح أي هالك؛ ثم عطف على ما أفادته «إذا» قوله: {ولكم} أي وإذا لكم أيها ~~المبطلون {الويل مما تصفون*} أي من وصفكم لكل شيء بما تهوى أنفسكم من غير ~~إذن منا لكم، لأنكم لا تقفون على حقائق الأمور، فإن وصفتم القرآن بشيء مما ~~تقدم ثم قذفنا عليه بما يبين بطلانه، بان لكل عاقل أنه يجب عليكم أن ~~تنادموا الويل بميلكم كل الميل، وإن وصفتم الله أو الدنيا أو غيرهما فكذلك ~~إنما أنتم متعلقون بقشور وظواهر لا يرضاها إلا بعيد عن العقل محجوب عن ~~الإدراك؛ ثم عطف أيضا على ما لزم من ذلك القذف قوله: {وله من في السماوات} ~~أي الأجرام العالية وهي ما تحت العرش، وجمع السماء هنا لا قتضاء تعميم ~~الملك ذلك. # ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدد الأراضي، وحد فقال: # PageV12P400 # {والأرض} أي ومن فيها، وذلك شامل - على أن التعبير بمن لتغليب العقلاء - ~~للسماوات والأرض، لأن الأرض في السماوات، وكل سماء في التي فوقها، والعليا ~~في العرش وهو سبحانه ذو العرش العظيم - كما سيأتي قريبا، فدل ذلك دلالة ~~عقلية على أنه مالك الكل وملكه. # ولما كانوا يصفون الملائكة بما لهم الويل من وصفه، خصهم بالذكر معبرا عن ~~خصوصيتهم وقربهم بالعندية تمثيلا بما نعرف من أصفياء الملوك عند التعبير ~~بعند من مجرد القرب في المكانة لا في المكان فقال: {ومن عنده} أي هم له حال ~~كونهم {لا يستكبرون عن عبادته} بنوع كبر طلبا ولا ms2973 إيجادا {ولا يستحسرون*} ~~أي ولا يطلبون أن ينقطعوا عن ذلك فأنتج ذلك قوله: {يسبحون} أي ينزهون ~~المستحق للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال والأفعال التي هي عبادة، فهي ~~مقتضية مع نفي النقائص إثبات الكمال {اليل والنهار} أي في جميع آنائهما ~~دائما. ولما لم يصرح هنا بإنكار منهم، ولا ما يستلزمه من الاستكبار، لم ~~يؤكد لا عطف بالواو فقال: {لا يفترون*} عن ذلك في وقت من الأوقات بخلاف ما ~~في {فصلت} فإن الأمر فيها مبني على حد استكبارهم المستلزم # PageV12P401 # لأنكارهم المقتضي للتأكيد، وكل هذا في حيز {إذا} أي إذا أنزلنا شيئا من ~~القرآن منبها على أقاويلكم مبينا لأباطيلكم، فاجأه ظهور الزهوق للباطل، ~~والويل لكم والملك له سبحانه منزها عن كل نقص ثابتا له بالعبادة كل كمال، ~~ويجوز أن يعطف على {نقذف} . # PageV12P402 # ولما كانوا عند هذا البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد فلم يفعلوا، ~~كانوا حقيقين بعد الإعراض عنهم - بالتوبيخ والتهكم والتعنيف فقال تعالى: ~~{أم اتخذوا} أي أعلموا أن كل شيء تحت قهره نافذ فيه أمره فرجعوا عن ضلالهم، ~~أم لم يعلموه، أو عملوا ما ينافيه فاتخذوا {ءالهة} . # ولما كانت معبوداتهم أصناما أرضية من حجارة ونحوها قال: {من الأرض} أي ~~التي هم مشاهدون لأنها وكل ما فيها طوع مشيئته {هم} أي خاصة {ينشرون*} أي ~~يحيون شيئا مما فيها من الأجسام النامية حتى يستحقوا بذلك صفة الإلهية، ~~وإفادة السياق الحصر تفيد أنه لو وقع الإنشاء لأحد على وجه يجوز مشاركة ~~غيره له لم يستحق العبادة، وفي هذا الاستفهام تهكم بهم بالإشارة إلى أنهم ~~عبدوا ما هو من أدنى ما في الأرض مع أنه ليس في الأرض ما يستحق أن يعبد، ~~لأن الإنسان أشرف ما فيها، ولا يخفى ما له من # PageV12P402 # الحاجة المبعدة من تلك الرتبة الشماء. # ولما كان الجواب قطعا: لم يتخذوا آلهة بهذا الوصف، ولا شيء غيره سبحانه ~~يستحق وصف الإلهية، أقام البرهان القطعي على صحة نفي إله غيره ببرهان ~~التمانع، وهو أشد برهان لأهل الكلام فقال: {لو كان فيهما} أي السماوات ~~والأرض، ms2974 أي في تدبيرهما. # ولما كان الأصل فيما بعد كل من «إلا» و «غير» أن يكون من جنس ما قبلهما ~~وإن كان مغايرا له في العين، صح وضع كل منهما موضع الآخر، واختير هنا ~~التعبير بأداة الاستثناء والمعنى للصفة إذ هي تابعة لجميع منكور غير محصور ~~الإفادة إثبات الإلهية له سبحانه مع النفي عما عداه، لأن {لولا} - لما فيها ~~من الامتناع - مفيدة للنفي، فالكلام في قوة أن يقال «ما فيهما» {ءالهة إلا ~~الله} أي مدبرون غير من تفرد بصفات الكمال، ولو كان فيهما آلهة غيره ~~{لفسدتا} لقضاء العادة بالخلاف بين المتكافئين المؤدي إلى ذلك، ولقضاء ~~العقل بإمكان الاختلاف اللازم منه إمكان التمانع اللازم منه إمكان عجز ~~أحدهما اللازم منه أن لا يكون إلها لحاجته، وإذا انتفى الجمع، انتفى ~~الاثنان من باب الأولى، لأن الجمع كلما زاد حارب بعضهم بعضا فقل الفساد كما ~~نشاهد. # ولما أفاد هذا الدليل أنه لا يجوز أن يكون المدبر لها إلا واحدا، وأن ذلك ~~الواحد لا يكون إلا الله قال: {فسبحان الله} أي فتسبب عن # PageV12P403 # ذلك تنزه المتصف بصفات الكمال {رب العرش} أي الذي هو نهاية المعلومات من ~~الأجسام، ورب ما دونه من السماوات والأراضي وما فيهما المتفرد بالتدبير، ~~كما يتفرد الملك الجالس على السرير {عما يصفون*} مما يوهم نقصا ما، ثم علل ~~ذلك بقوله: {لا يسأل} أي من سائل ما {عما يفعل} أي لا يعترض عليه لأنه لا ~~كفوء له في علم ولا حكمة ولا قدرة ولا عظمة ولا غير ذلك، فليس في شيء من ~~أفعاله لإتقانها موضع سؤال، فمهما أراد كان ومهما قال فالحسن الجميل، فلو ~~شاء لعذب أهل سماواته وأهل أرضه، وكان ذلك منه عدلا حسنا، وهذا مما يتمادح ~~به أولو الهمم العوال، كما قال عامر الخصفي في هاشم بن حرملة بن الأشعر: # أحيا أباه هاشم بن حرملة ... يوم الهباءات ويوم اليعمله # ترى الملوك عنده مغربلة ... يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له # قال ابن هشام في مقدمة السيرة قبل «أمر البسل» بقليل: أنشدني ms2975 # PageV12P404 # أبو عبيدة هذه الأبيات وحدثني أن هاشم قال لعامر: قل في بيتا جيدا أثبك ~~عليه، فقال عامر البيت الأول فلم يعجب هاشما، ثم قال البيت الثاني فلم ~~يعجبه، ثم قال الثالث فلم يعجبه، فلما قال الرابع «ويقتل ذا الذنب ومن لا ~~ذنب له» أعجبه فأثابه عليه، ومن أعجب ما رأيت في حكم الأقدمين أن الشهر ~~ستاني قال في الملل: وقد سأل بعض الدهرية أرسطاطاليس فقال: إذا كان لم يزل ~~ولا شيء غيره ثم أحدث العالم فلم أحدثه؟ فقال: «لم» غير جائز عليه، لأن لم ~~تقتضي علة والعلة محمولة فيما هي علة له من معل فوقه ولا علة فوقه، وليس ~~بمركب فتحمل ذاته العلل، فلم عنه منفية. {وهم يسألون*} من كل سائل لما في ~~أفعالهم من الاختلال بل يمنعون عن أكثر ما يريدون. # ولما قام الدليل، ووضح السبيل، واضمحل كل قال وقيل، فانمحقت الأباطيل، ~~قال منبها لهم على ذلك: {أم} أي أرجعوا عن ضلالهم لما بان لهم غيهم فيه ~~فوحدوا الله أم {اتخذوا} ونبه على أن كل شيء دونه وأثبت أن آلهتهم بعض من ~~ذلك بإثبات # PageV12P405 # الجار فقال منبها لهم مكررا لما مضى على وجه أعم، طالبا البرهان تلويحا ~~إلى التهديد: {من دونه ءالهة} من السماء أو الأرض وغيرهما. # ولما كان جوابهم: اتخذنا، ولا يرجع أمره بجوابهم فقال: {قل هاتوا ~~برهانكم} على ما ادعيتموه من عقل أو نقل كما أثبت أنا ببرهان النقل المؤد ~~بالعقل. # ولما كان الكريم سبحانه لا يؤاخذ بمخالفة العقل ما لم ينضم إليه دليل ~~النقل، أتبعه قوله مشيرا إلى ما بعث الله به الرسل من الكتب: {هذا ذكر} أي ~~موعظة وشرف {من معي} ممن آمن بي وقد ثبت أنه كلام الله بعجزكم عن معارضته ~~فانظروا هل تجدون فيه شيئا يؤيد أمركم {وذكر} أي وهذا ذكر {من قبلي} ~~فاسألوا أهل الكتابين هل في الكتاب منهما برهان لكم. # ولما كانوا لا يجدون شبهة لذلك فضلا عن حجة اقتضى الحال الإعراض عنهم ~~غضبا، فكان كأنه قيل: لا يجدون لشيء من ms2976 ذلك برهانا {بل أكثرهم} أي هؤلاء ~~المدعوين {لا يعلمون الحق} بل هم جهلة والجهل أصل الشر والفساد، فهم يكفرون ~~تقليدا {فهم} أي فتسبب عن جهلهم ما افتتحنا به السورة من أنهم {معرضون*} عن ~~ذكرك وذكر # PageV12P406 # من قبلك غفلة منهم عما يراد بهم وفعلا باللعب فعل القاصر عن درجة العقل، ~~وبعضهم معاند مع علمه الحق، وبعضهم يعلم فيفهم - كما أفهمه التقييد ~~بالأكثر. # ولما كان التقدير بيانا لما في الذكرين: ولو أقبلوا على الذكر لعلموا أنا ~~أوحينا إليك في هذا الذكر أنه لا إله ألا أنا، ما أرسلناك إلا لنوحي إليك ~~ذلك، عطف عليه قوله: {وما أرسلنا} أي بعظمتنا. # ولما كان الإرسال بالفعل غير مستغرق للزمان المتقدم لأنه كما أن الرسالة ~~لا يقوم بها كل أحد، فكذلك الإرسال لا يصلح له كل زمن، أثبت الجار فقال: ~~{من قبلك} وأعرق في النفي فقال: {من رسول} في شيع الأولين {إلا نوحي إليه} ~~من عندنا {أنه لا إله إلا أنا} ولم يقل: نحن، لئلا يجعلوها وسيلة إلى شبهة، ~~ولذا قال: {فاعبدون*} بالإفراد، وترك التصريح بالأمر بالتخصيص بالعبادة ~~لفهمه من المقام والحال، فإنهم كانوا قبل ذلك يعبدونه ولكنهم يشركون تنبيها ~~على أن كل عبادة فيها شوب شرك عدم. # ولما دل على نفي مطلق الشريك عقلا ونقلا، فانتفى بذلك كل فرد يطلق عليه ~~هذا الاسم، عجب من ادعائهم الشركة المقيدة بالولد، فقال # PageV12P407 # عاطفا على قوله {وأسروا النجوى} [طه: 62] : {وقالوا} قيل: الضمير لخزاعة ~~حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وقيل: لليهود حيث قالوا: إنه سبحانه صاهر ~~الجن فكانت منهم الملائكة: {اتخذ} أي تكلف كما يتكلف من يكون له ولد ~~{الرحمن} أي الذي كل موجود من فيض نعمته {ولدا} . # ولما كان ذلك أعظم الذنب، نزه نفسه سبحانه عنه بمجمع التنزيه فقال: ~~{سبحانه} أي تنزه عن أن يكون له ولد، فإن ذلك يقتضي المجانسة بينه وبين ~~الولد، ولا يصح مجانسة النعمة للمنعم الحقيقي {بل} الذي جعلوهم له ولدا وهم ~~الملائكة {عباد} من عباده، أنعم الله عليهم بالإيجاد كما أنعم على غيرهم ms2977 لا ~~أولاد، فإن العبودية تنافي الولدية {مكرمون*} بالعصمة من الزلل، ولذلك فسر ~~الإكرام بقوله: {لا يسبقونه} أي لا يسبقون إذنه {بالقول} أي بقولهم، لأنهم ~~لا يقولون شيئا لم يأذن لهم فيه ويطلقه لهم. # ولما كان الواقف عما لم يؤذن له فيه قد لا يفعل ما أمر به قال: {وهم ~~بأمره} أي خاصة إذا أمرهم {يعملون*} لا بغيره لأنهم # PageV12P408 # في غاية المراقبة له فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل وذلك غاية ~~الطاعة؛ ثم علل إخباره بذلك بعلمه بما هذا المخبر به مندرج فيه فقال: {يعلم ~~ما بين أيديهم} أي مما لم يعملوه {وما خلقهم} مما عملوه، أو يكون الأول لما ~~عملوه والثاني لما لم يعلموه، لأنك تطلع على ما قدامك ويخفى عليك ما خلفك، ~~أي أن علمه محيط بأحوالهم ماضيا وحالا ومآلا، لا يخفى عليه خافية؛ ثم صرح ~~بلازم الجملة الأولى فقال: {ولا يشفعون} أي في الدنيا ولا في الآخرة {إلا ~~لمن ارتضى} فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه، وبلازم الجملة الثانية ~~فقال: {وهم من خشيته} أي لا من غيرها {مشفقون*} أي دائما. # PageV12P409 # ولما نفى الشريك مطلقا ثم مقيدا بالولدية، أتبعه التهديد على ادعائه ~~بتعذيب المتبوع الموجب لتعذيب التابع فقال: {ومن يقل منهم} أي من كل من قام ~~الدليل على أنه لا يصلح للإلهية حتى العباد المكرمون الذين وصف كرامتهم ~~وقرب منزلتهم عنده وأثنى عليهم كما رواه البيهقي في الخصائص من الدلائل عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: # PageV12P409 # {إني إله} ولما كانت الرتب التي تحت رتبة الإلهية كثيرة، بعض ليدل على من ~~استغرق بطريق الأولى فقال: {من دونه} أي من دون الله {فذلك} أي اللعين الذي ~~لا يصلح للتقريب أصلا ما دام على ذلك {نجزيه} أي بعظمتنا {جهنم} لظلمه، ~~فأفهم تعذيب مدعي الشرك تعذيب أتباعه من باب الأولى، وهو على سبيل الفرض ~~والتمثيل في الملائكة من إحاطة علمه بأنه لا يكون، وما ذاك إلا لقصد تفظيع ~~أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد، وفي دلائل النبوة للبيهقي في باب التحدث ~~بالنعمة والخصائص ms2978 أن هذه الآية مع قوله تعالى {ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك} [الفتح: 2] دليل على فضله صلى الله عليه وسلم على أهل السماء. # ولما كان مقتضيا للسؤال عن غير هذا من الظلمة، قيل: {كذلك} أي مثل هذا ~~الجزاء الفظيع جدا {نجزي الظالمين*} كلهم ما داموا على ظلمهم. # ولما أنكر سبحانه اتخاذهم آلهة من دونه تارة بقيد كونها أرضية، وتارة ~~بقيد كونها سماوية، وتارة مطلقة، لتعم كلا من القسمين # PageV12P410 # وغيرهما، واستدل على ذلك كله بما لم تبق معه شبهة، فدل تفرده على أنه لا ~~مانع له مما يريد من بعث ولاغيره، وكان علمهم لا يتجاوز ما في السماوات ~~والأرض، قال مستدلا على ذلك أيضا مقررا بما يعلمونه، أو ينبغي أن يسألوا ~~عنه حتى يعلموه لتمكنهم من ذلك {فاسألوا أهل الذكر} جليا له في أسلوب ~~العظمة: {أولم} أي ألم يعلموا ذلك بما أوضحنا من أدلته ولم يروا، ولكنه ~~أظهر للدلالة على أنهم يغطون أنوار الدلائل عنادا فقال: {ير} أي يعلم علما ~~هو كالمشاهدة {الذين كفروا} أي ستروا ما يعلمون من قدرة الله فأدى ذلك إلى ~~الاستهانة والتنقص فصار ذنبهم غير مغفور، وسعيهم غير مشكور، وحذف ابن كثير ~~الواو العاطفة على ما قدرته مما هدى إليه السياق أيضا، لا للاستفهام بما دل ~~عليه ختام الآية التي قبل من البعث والجزاء المقتضي للإنكار على من أنكره، ~~فكان المعنى على قراءته: نجزي كل ظالم بعد البعث، ألم ير المنكرون لذلك ~~قدرتنا عليه بما أبدعنا من الخلائق، وإنما أنكر عليهم عدم الرؤية بسبب أن ~~الأجسام وإن تباينت لا ينفصل بعضها عن بعض إلا بقادر يفصل بينها، فمن ~~البديهي الاستحالة أن يرتفع شيء منها # PageV12P411 # عن الآخر منفصلا عنه بغير رافع لا سيما إذا كان المرتفع ثابتا من غير ~~عماد، فكيف وهو عظيم الجسم كبير الجرم؟ وذلك دال على تمام القدرة والاختيار ~~والتنزه عن كل شائبة نقص من مكافىء وغيره، فصح الإنكار عليهم في عدم علم ~~ذلك بسبب أنهم عملوا بخلاف ما يعلمونه {أن السماوات والأرض} . # ولما ms2979 كان المراد الإخبار عن الجماعتين لا عن الأفراد قال: {كانتا} ولما ~~كان المراد شدة الاتصال والتلاحم، أخبر عن ذلك بمصدر مفرد وضع موضع الاسم ~~فقال: {رتقا} أي ملتزقتين زبدة واحدة على وجه الماء، والرتق في اللغة: ~~السد، الفتق: الشق {ففتقناهما} أي بعظمتنا أي بأن ميزنا إحداهما عن الأخرى ~~بعد التكوين المتقن وفتقنا السماء بالمطر، والأرض بأنواع النبات بعد أن لم ~~يكن شيء من ذلك، ولا كان مقدورا على شيء منه لأحد غيرنا؛ عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما وعطاء والضحاك وقتادة: كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ففضل الله ~~تعالى بينهما بالهواء. وعن مجاهد وأبي صالح والسدي: كانتا مؤتلفة طبقة ~~واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات، وكذلك # PageV12P412 # الأرض كانت مرتتقة واحدة ففتقها فجعلها سبع طبقات. # ولما كان خلق الماء سابقا على خلق السماوات والأرض، قال: {وجعلنا} أي بما ~~اقتضته عظمتنا {من الماء} أي الهامر ثم الدافق {كل شيء حي} مجازا من النبات ~~وحقيقة من الحيوان، خرج الإمام أحمد وغيره «عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن كل شيء، فقال: كل شيء خلق من ماء» ~~ولذلك أجاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الذي وجده على ماء بدر وسأله: ممن ~~هو؟ بقوله: «نحن من ماء» . # ولما كان هذا من تصرفه في هذين الكونين ظاهرا ومنتجا لأنهما وكل فيهما ~~ومن فيهما بصفة العجز عن أن يكون له تصرف ما، تسبب عنه إنكار عدم إيمانهم ~~فقال: {أفلا يؤمنون*} أي بأن شيئا منهما أو فيهما لا يصلح للإلهية، لا على ~~وجه الشركة ولا على وجه الانفراد، وبأن صانعهما ومبدع النامي من حيوان ~~ونبات منهما بواسطة الماء قادر على البعث للحساب للثواب أو العقاب، بعد أن ~~صار الميت ترابا بماء يسببه لذلك. # ولما كان من القدرة الباهرة ثبات الأرض من غير حركة، وكان الماء أدل دليل ~~على ثباتها، وكانت الأرض أقرب في # PageV12P413 # الذكر من السماء، أتبع ذلك قوله: {وجعلنا} بما لنا من العظمة {في الأرض} ~~جبالا {رواسي} أي ثوابت، كراهة ms2980 {أن تميد بهم} وتضطرب فتهلك المياه كل شيء ~~حي فيعود نفعها ضرا وخيرها شرا. # ولما كان المراد من المراسي الشدة والحزونة لتقوى على الثبات والتثبيت، ~~وكان ذلك مقتضيا لإبعادها وحفظها عن الذلة والليونة، بين أنه أخرق فيها ~~العادة ليعلم أنه قادر مختار لكل ما يريد فقال: {وجعلنا} بما لنا من القدرة ~~الباهرة والحكمة البالغة {فيها} أي الجبال مع حزونتها {فجاجا} أي مسالك ~~واسعة سهلة؛ ثم أبدل منها قوله: {سبلا} أي مذللة للسلوك، ولولا ذلك لتعسر ~~أو تعذر الوصول إلى بعض البلاد {لعلهم يهتدون*} إلى منافعهم في ديارهم ~~وغيرها، وإلى ما فيها من دلائل الوحدانية وغيرها فيعلموا أن وجودها لو كان ~~بالطبيعة كانت على نمط واحد مساوية للأرض متساوية في الوصف، وأن كونها على ~~غير ذلك دال على أن صانعها قادر مختار متفرد بأوصاف الكمال. # PageV12P414 # ولما دلهم بالسماوات والأرض على عظمته، ثم فصل بعض ما في الأرض لملابستهم ~~له، وخص الجبال لكثرتها في بلادهم، أتبعه # PageV12P414 # السماء فقال: {وجعلنا} أي بعظمتنا {السماء} وأفردها بإرادة الجنس لأن ~~أكثر الناس لا يشاهدون منها إلا الدنيا ولأن الحفظ للشيء الواحد أتقن ~~{سقفا} أي للأرض لا فرق بينها وبين ما يعهد من السقوف إلا أن ما يعهد لا ~~يسقط منه إلا ما يضر، وهذه مشحونة بالمنافع فأكثر ما ينزل منها ما لا غنى ~~للناس عنه من الآت الضياء وعلامات الاهتداء والزينة التي لا يقدر قدرها. # ولما كان ما يعرفون من السقوف على صغرها لا تثبت إلا بالعمد، ويتمكن منه ~~المفسدون، وتحتاج كل قليل إلى إصلاح وتعهد، بين أن هذا السقف على سعته ~~وعلوه على غير ذلك فقال: {محفوظا} أي عن السقوط بالقدرة وعن الشياطين ~~بالشهب، فذكر باعتبار السقف، وأشار إلى كثرة ما حوى من الآيات مؤنثا ~~باعتبار السماء أو العدد الدال عليه الجنس، لأن العدد أولى بالدلالة على ~~كثرة الآيات والنجوم مفرقة في الكل فقال: {وهم} أي أكثر الناس {عن آياتها} ~~أي من الكواكب الكبار والصغار، والرياح والأمطار، وغير ذلك من الدلائل التي ~~تفوت الانحصار، أي ms2981 الدالة على قدرتنا على كل ما نريد من البعث وغيره وعلى ~~عظمتنا بالتفرد بالإلهية # PageV12P415 # وغير ذلك من أوصاف الكمال، من الجلال والجمال {معرضون*} لا يتفكرون فيما ~~فيها من التسيير والتدبير بالمطالع والمغارب والترتيب القويم الدال على ~~الحساب الدائر عليه سائر المنافع. # ولما ذكر السماء، ذكر ما ينشاء عنها فقال: {وهو} أي لا غيره {الذي خلق ~~اليل والنهار} ثم أتبعهما آيتيهما فقال: {والشمس} التي هي آية النهار وبها ~~وجوده {والقمر} الذي هو آية الليل. ولما ذكر أعظم آياتها فأفهم بقية ~~الكواكب، استأنف لمن كأنه قال: هل هي كلها في سماء واحدة؟ : {كل} أي من ذلك ~~{في فلك} فكأنه قيل: ماذا تصنع؟ فقيل تغليبا لضمير العقلاء. . . ونقلهم ~~إليها: {يسبحون*} أي كل واحد يسبح في الفلك الذي جعل به. # ولما ذكر الصارم البتار، للأعمار الطوال والقصار، من الليل والنهار، كان ~~كأنه قيل: فيفنيان كل شديد، ويبليان كل جديد، فعطف عليه قوله: {وما جعلنا} ~~أي بما لنا من العظمة التي اقتضت تفردنا بالبقاء {لبشر} وحقق عدم هذا الجعل ~~بإثبات الجار فقال: {من قبلك الخلد} ناظرا إلى قوله {وما كانوا خالدين} بعد ~~قوله # PageV12P416 # {هل هذا إلا بشر مثلكم} وهذا من أقوى الأدلة على أن الخضر عليه السلام ~~مات، ويجاب بأن الحياة الطويلة ليست خلدا كما في حق عيسى عليه السلام، لكن ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض بعد ~~اليوم» # وقوله: «» لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على ظهر الأرض اليوم أحد ~~«وقوله:» «وددنا أن موسى عليه السلام صبر فقص علينا من أمرهما» في أمثال ~~ذلك، يدل على موته دلالة لا تقبل ادعاء حياته بعدها إلا بأظهر منه. # ولما كان قولهم {بل هو شاعر} [الأنبياء: 5] مشيرا إلى أنهم قالوا نتربص ~~به ريب المنون كما اتفق لغيره من الشعراء، وكان ينبغي أن لا ينتظر أحد لآخر ~~من الأذى إلا ما يتحقق سلامته هو منه، توجه الإنكار عليهم والتسلية له بمنع ~~شماتتهم في قوله: {أفائن} أي أيتمنون موتك ms2982 فإن {مت فهم} أي خاصة ~~{الخالدون*} فالمنكر تقدير خلودهم على تقدير موته الموجب لإنكار تمنيهم ~~لموته، فحق الهمزة دخولها على الجزاء، وهو فهم، وإنما قارنت الشرط لأن ~~الاستفهام له الصدر. # PageV12P417 # ولما تم ذلك، أنتج قطعا: {كل نفس} أي منكم ومن غيركم {ذائقة الموت} أي ~~فلا يفرح أحد ولا يحزن بموت أحد، بل يشتغل بما يهمه، وإليه الإشارة بقوله: ~~{ونبلوكم} أي نعاملكم معاملة المبتلي المختبر المظهر في عالم الشهادة ~~الشاكر والصابر والمؤمن والكافر كما هو عندنا في علام الغيب بأن نخالطكم ~~{بالشر} الذي هو طبع النفوس، فهي أسرع شيء إليه، فلا ينجو منه إلا من ~~أخلصناه لنا {والخير} مخالطة كبيرة، وأكد البلاء بمصدر من معناه مقرون ~~بالهاء تعظيما له فقال: {فتنة} أي كما يفتن الذهب إذا أريدت تصفيته بمخالطة ~~النار له، على حالة عظيمة محيلة مميلة لكم لا يثبت لها إلا الموفق {وإلينا} ~~أي بعد الموت لا إلى غيرنا {ترجعون*} للجزاء حيث لا حكم لأحد أصلا لا ظاهرا ~~ولا باطنا كما هذه الدار بنفوذ الحكم فلا يكون إلا ما نريد فاشتغلوا بما ~~ينجيكم منا، ولا تلتفتوا إلى غيره، فإن الأمر صعب، وجدوا فإن الحال جد. # PageV12P418 # ولما أخبر سبحانه عن إعراضهم عن الساعة تكذيبا، واستدل على كونها منزهة ~~عن الغيب في خلق هذا العالم وتعاليه عن جميع صفات النقص واتصافه بأوصاف ~~الكمال إلى أن ختم ذلك بمثل ما ابتدأ به على وجه أصرح، وكان فيه تنبيههم ~~على الابتلاء # PageV12P418 # وكان الابتلاء على قدر النعم، فكان صلى الله عليه وسلم أعظم شيء ابتلوا ~~به لأنه لا نعمة أعظم من النعمة به، ولا شيء أظهر من آياته عطف على قوله ~~«وأسروا النجوى» قوله: {وإذا رءاك} أي وأنت أشرف الخلق وكلك جد وجلال وعظمة ~~وكمال {الذين كفروا} فأظهر منبها على أن ظلمهم الذي أوجب لهم ذلك هو الكفر ~~وإن كان في أدنى رتبة، تبشيعا له وتنبيها على أنه يطمس الفكر مطلقا. # ولما كان من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم في غاية البعد عن الهزء، قال ms2983 ~~منبها على أنهم أعرقوا في الكفر حتى بلغوا الذروة: {إن} أي ما {يتخذونك} أي ~~حال الرؤية، وسيعلم من يبقى منهم عما قليل أنك جد كلك {إلا هزوا} أي جعلوك ~~بحمل أنفسهم على ضد ما يعتقد عين ما ليس فيك شيء منه؛ ثم بين استزاءهم به ~~بأنهم يقولون إنكارا واستصغارا: {أهذ الذي يذكر} أي بالسوء {ءالهتكم} قال ~~أبو حيان: والذكر يكون بالخير والشر، فإذا لم يذكر متعلقه فالقرينة تدل ~~عليه - انتهى. فإذا # PageV12P419 # دلت القرينة على أحدهما أطلق عليه {وهم} أي والحال أنهم على حال كانوا ~~بها أصلا في الهزء، وهي أنهم {بذكر الرحمن} الذي لا نعمة عليهم ولا على ~~غيرهم إلا منه، وكرر الضمير تعظيما بما أتوا به من القباحة فقال: {هم} أي ~~بظواهرهم وبواطنهم {كافرون} أي ساترون لمعرفتهم به، فلا أعجب ممن هو محل ~~للهزء لكونه أنكر ذكر من لا نعمة منه ولا نقمة أصلا بالسوء، وهو يذكر من كل ~~نعمة منه بالسوء ويهزأ به. # ولما كان من آيات الأولين التي طلبوها العذاب بأنواع الهول، وكانوا هم ~~أيضا قد طلبوا ذلك واستعجلوا به {عجل لنا قطنا} [ص: 26] ونحو ذلك، وكان ~~الذي جرأهم على هذا حلم الله عنهم بإمهاله لهم، قال معللا لذلك: {خلق} ~~وبناه للمفعول لأن المقصود بيان ما جبل عليه والخالق معروف {الإنسان} أي ~~هذا النوع. # ولما كان مطبوعا على العجلة قال: {من عجل} فلذا يكفر، لأنه إذا خولف بادر ~~إلى الانتقام عند القدرة فظن بجهله أن خالقه كذلك، وأن التأخير ما هو إلا ~~عن عجز أو عن رضى؛ ثم قال تعالى مهددا # PageV12P420 # للمكذبين: {سأوريكم} حقا {ءاياتي} القاصمة والعاصمة، بهجرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومن عندكم من أتباعه المستضعفين وخلافتهم بين أيديكم وجعلهم ~~شجا في حلوقكم حتى يتلاشى ما أنتم عليه وغيره ذلك من العظائم {فلا ~~تستعجلون*} أي تطلبوا أن أوجد العجلة بالعذاب أو غيره، فإني منزه عن العجلة ~~التي هي من جملة نقائصكم. # ولما ذم العجلة وهي إرادة الشيء قبل أوانه، ونهى عنها، قال دالا عليها ~~عاطفا ms2984 على عامل {هذا} : {ويقولون} أي في استهزائهم بأولياء الله: {متى هذا} ~~وتهكموا بقولهم: {الوعد} أي بإتيان الآيات من الساعة ومقدماتها وغيرها، ~~وزادوا في الإلهاب والتهييج تكذيبا فقالوا: {إن كنتم صادقين*} أي عريقين في ~~هذا الوصف جدا - بما دل عليه الوصف وفعل الكون. # ولما غلوا في الاستهزاء فكانوا أجهل الجهلة باستحالة الممكن، استأنف ~~الجواب عن كلامهم بنفي العلم عنهم في الحال والمآل دون المعاينة على طريق ~~التهكم والاستهزاء بهم: {لو يعلم الذين كفروا} وذكر المفعول به فقال: {حين} ~~أي لو تجدد لهم علم ما بالوقت الذي يستعجلون به؛ وذكر ما أضيف إليه ذلك ~~الوقت فقال: {لا يكفون} # PageV12P421 # أي فيه بأنفسهم {عن وجوههم} التي هي أشرف أعضائهم {النار} استسلاما وضعفا ~~وعجزا {ولا عن ظهورهم} التي هي أشد أجسادهم، فعرف من هذا أنها قد أحاطت بهم ~~وأنهم لا يكفون عن غير هذين من باب الأولى {ولا هم ينصرون*} أي ولا يتجدد ~~لهم نصر ظاهرا ولا باطنا بأنفسهم ولا بغيرهم، لم يقولوا شيئا من ذلك الكفر ~~والاستهزاء والاستعجال، ولكنهم لا يعلمون ذلك بنوع من أنواع العلم إلا عند ~~الوقوع لأنه لا أمارة لها قاطعة بتعيين وقتها ولا تأتي بالتدريج كغيرها، ~~وهذا معنى {بل تأتيهم} أي الساعة التي هي ظرف لجميع تلك الأحوال وهي معلومة ~~لكل أحد فهي مستحضرة في كل ذهن {بغتة فتبهتهم} أي تدعهم باهتين حائرين؛ ثم ~~سبب عن بهتهم قوله: {فلا يستطيعون ردها} أي لا يطلبون طوع ذلك لهم في ذلك ~~الوقت ليأسهم عنه {ولا هم ينظرون*} أي يمهلون من ممهل ما ليتداركوا ما أعد ~~لهم فيها، فيا شدة أسفهم على التفريط في الأوقات التي أمهلوا فيها في هذه ~~الدار، وصرفهم إياها في لذات أكثرها أكدار. # PageV12P422 # ولما كان التقدير حاق بهم هذا باستهزائهم بك، تبعه ما يدل # PageV12P422 # على أن الرسل في ذلك شرع واحد، تسلية له صلى الله عليه وسلم وتأسية، فقال ~~عاطفا على {وإذا رءاك} : {ولقد} مؤكدا له لمزيد التسلية بمساواة إخوانه من ~~الرسل وبتعذيب أعدائه. ولما كان المخوف نفس الاستهزاء ms2985 لا كونه من معين، بني ~~للمفعول قوله: {استهزئ برسل} أي كثيرين. # ولما كان معنى التنكير عدم الاستغراق، أكده بالخافض فقال: {من قبلك فحاق} ~~أي فأحاط {بالذين سخروا منهم} لكفرهم {ما كانوا} بما هو لهم كالجبلة {به ~~يستهزءون*} من الوعود الصادقة كبعض من سألوه الإتيان بمثل آياتهم كقوم نوح ~~ومن بعدهم. # ولما هددهم بما مضى مما قام الدليل على قدرته عليه، وختمه - لوقوفهم مع ~~المحسوسات - بما وقع لمن قبلهم، وكان الأمان عن مثل ذلك لا يكون إلا بشيء ~~يوثق به، أمره أن يسألهم عن ذلك بقوله: {قل من يكلؤكم} أي يحفظكم ويؤخركم ~~ويكثر رزقكم، وهو استفهام توبيخ. # ولما استوى بالنسبة إلى قدرته حذرهم وغفلتهم، قال: {باليل} # PageV12P423 # أي وأنتم نائمون. ولما كانت مدافعة عذابه سبحانه غير ممكنة لنائم ولا ~~يقظان قال: {والنهار} أي وأنتم مستيقظون. ولما كان لا منعم بكلاية ولا ~~غيرها سواه سبحانه، ذكرهم بذلك بصفة الرحمة فقال: {من الرحمن} الذي لا نعمة ~~بحراسة ولا غيرها إلا منه حتى أمنتم مكره ولو بقطع إحسانه، فكيف إذا ضربتم ~~بسوط جبروته وسطوة قهرة وعظموته. # ولما كان الجواب قطعا: ليس لهم من يكلؤهم منه وهو معنى الاستفهام ~~الإنكاري، قال مضربا عنه: {بل هم} أي في أمنهم من سطواته {عن ذكر ربهم} ~~الذي لا يحسن إليهم غيره {معرضون*} فهم لا يذكرون أصلا فضلا عن أن يخشوا ~~بأسه وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان. # ولما أرشد السياق إلى أن التقدير: أصحيح هذا الذي أشرنا إليه من أنه لا ~~مانع لهم منا، عادله بقوله إنكارا عليهم: {أم لهم ءالهة} موصوفة بأنها ~~{تمنعهم} نوب الدهر. ولما كانت جميع الرتب # PageV12P424 # تحت رتبته سبحانه، أثبت حرف الابتداء فقال محقرا لهم: {من دوننا} أي من ~~مكروه هو تحت إرادتنا ومن جهة غير جهتنا. # ولما كان الجواب قطعا: ليس لهم ذلك، وهو بمعنى الاستفهام، استأنف الإخبار ~~بما يؤيد هذا الجواب، ويجوز أن يكون تعليلا، فقال: {لا يستطيعون} أي الآلهة ~~التي يزعمون أنها تنفعهم، أو هم - لأنهم لا مانع لهم من دوننا - {نصر ms2986 ~~أنفسهم} من دون إرادتنا فكيف بغيرهم، أو يكون ذلك صفة الآلهة على طريق ~~التهكم {ولا هم} أي الكفار أو الآلهة {منا} أي بما لنا من العظمة {يصحبون*} ~~بوجه من وجوه الصحبة حتى يصير لهم استطاعة بنا، فانسدت عليهم أبواب ~~الاستطاعة أصلا ورأسا. # ولما لم يصلح هذا لأن يكون سببا لاجترائهم، أضرب عنه قائلا في مظهر ~~العظمة، إشارة إلى أن اغترارهم به سبحانه - مع ما له من دلائل الجلال - من ~~أعجب العجب، بانيا على نحو «لا كالىء لهم منه ولا مانع» : {بل متعنا} أي ~~بعظمتنا {هؤلاء} أي الكفار # PageV12P425 # على حقارتهم، أو الإضراب عن عدم استطاعتهم للنصر، والمعنى أن ما هم فيه ~~من الحفظ إنما هو منا لأجل تمتيعهم بما لا يتغير به إلا مغرور، لا من مانع ~~يمنعهم {وءاباءهم} من قبلهم بالنصر وغيره {حتى طال عليهم العمر} فكان طول ~~سلامتهم غارا لهم بنا، فظنوا أنه لا يغلبهم على ذلك التمتيع شيء، ولا ينزع ~~عنهم ثوب النعمة. # ولما أقام الأدلة ونصب الحجج على أنه لا مانع لهم من الله، تسبب عن ذلك ~~الإنكار عليهم في اعتقاد غيره فقال: {أفلا يرون} أي يعلمون علما هو في ~~وضوحه مثل الرؤية بالبصر {أنا} بما لنا من العظمة، وصور ما كان يجريه من ~~عظمته على أيدي أوليائه فقال: {نأتي الأرض} أي التي أهلها كفار، إتيان غلبة ~~لهم بتسليط أوليائنا عليهم. # ولما كان الإتيان على ضروب شتى، بينه بقوله: {ننقصها من أطرافها} بقتل ~~بعضهم ورد من بقي عن دينه إلى الإسلام، فهم في نقص، وأولياؤنا في زيادة. # ولما كانت مشاهدتهم لهذا مرة بعد مرة قاضية بأنهم المغلبون، تسبب عنه ~~إنكار غير ذلك فقال: {أفهم} أي خاصة {الغالبون*} أي مع مشاهدتهم لذلك أم ~~أولياؤنا. # PageV12P426 # ولما تبين الخلف في قولهم على كثرته وادعائهم الحكمة والبلاغة، وفعلهم ~~على كثرتهم وزعمهم القوة والشجاعة، ثبت أن أقواله الناقضة لذلك من عند الله ~~بما ثبت من استقامة معانيها وإحكامها، بعدما اتضح من إعجاز نظومها وحسن ~~التئامها، فأمره أن يبين لهم ذلك بقوله: {قل ms2987 إنما أنذركم} أيها الكفار ~~{بالوحي} أي الآتي به الملك عن الله فلا قدح في شيء من نظمه ولا معناه ~~والحال أنكم لا تسمعون - على قراءة الجماعة والحال أنك لا تسمعهم - على ~~قراءة ابن عامر بضم الفوقانية وكسر الميم ونصب الصم خاصة، ولكنهم لما كانوا ~~لا ينتفعون بإنذاره لتصامهم وجعلهم أصابعهم في آذانهم وقت الإنذار عدهم ~~صما، وأظهر الوصف لتعليق الحكم به فقال: {ولا يسمع الصم الدعاء} أي ممن ~~يدعوهم، أو يكون معطوفا على ما تقديره: فإن كانت أسماعكم صحيحة سمعتم ~~فأجبتم، ونبه بقوله: {إذا ما ينذرون*} على أن المانع لهم مع الصمم كراهة ~~الإنذار، وبالبناء للمفعول على منذر. # ولما كان المنذر لا يترك الاستعداد لما ينذر به من العذاب # PageV12P427 # إلا إذا كان قويا على دفعه. بين أنهم على غير ذلك فقال: {ولئن} أي لا ~~يسمعون والحال أنه لا قوة بهم، بل إن {مستهم} أي لاقتهم أدنى ملاقاة {نفحة} ~~أي رائحة يسيرة مرة من المرات {من عذاب ربك} المحسن إليك بنصرك عليهم ~~{ليقولن} وقد أذهلهم أمرها عن نخوتهم. وشغلهم قدرها عن كبرهم وحميتهم: {يا ~~ويلنا} الذي لا نرى الآن بحضرتنا غيره {إنا كنا} أي بما لنا مما هو في ~~ثباته كالجبلات {ظالمين*} أي عريقين في الظلم في إعراضنا وتصامنا ترفقا ~~وتذللا لعله يكف عنهم. # ولما بين ما افتتحت السورة من اقتراب الساعة بالقدرة عليه واقتضاء الحكمة ~~له، وأن كل أحد ميت لا يستطيع شيئا من الدفع عن نفسه فضلا عن غيره، وختمت ~~الآيات بإقرار الظالم بظلمه، وكانت عادة كثير من الناس الجور عند القدرة، ~~بين أنه سبحانه بخلاف ذلك فذكر بعض ما يفعل في حساب الساعة من العدل فقال ~~عاطفا على قوله {بل تأتيهم بغتة} : {ونضع} فأبرزه في مظهر العظمة إشارة إلى ~~هوانه عنده وإن كان لكثرة الخلائق وأعمال كل منهم متعذرا عندنا {الموازين} ~~المتعددة لتعدد الموزونات أو أنواعها. ولما كانت الموازين آلة العدل، وصفها ~~به مبالغة فقال {القسط} أي العدل المميز للأقسام على السوية. # PageV12P428 # ولما كان الجزاء علة في وضع ms2988 المقادير، عبر باللام ليشمل - مع ما يوضع فيه ~~- ما وضع الآن لأجل الدنيوية فيه فقال: {ليوم القيامة} الذي أنتم عنه - ~~لإعراضكم عن الذكر - غافلون. ولما جرت العادة بأن الملك قد يكون عادلا فظلم ~~بعض أتباعه، بين أن عظمته في إحاطة علمه وقدرته تأبى ذلك، فبنى الفعل ~~للمجهول فقال: {فلا} أي فتسبب عن هذا الوضع أنه لا {تظلم} أي من ظالم ما ~~{نفس شيئا} من عملها {وإن كان} أي العمل {مثقال حبة} هذا على قراءة الجماعة ~~بالنصب. # والتقدير على قراءة نافع بالرفع: وإن وقع أو وجد {من خردل} أو أحقر منه، ~~وإنما مثل به لأنه غاية عندنا في القلة، وزاد في تحقيره بضمير التأنيث ~~لإضافته إلى المؤنث فقال: {أتينا بها} بما لنا من العظمة في العلم والقدرة ~~وجميع صفات الكمال فحاسبناه عليها، والميزان الحقيقي. ووزن الأعمال على صفة ~~يصح وزنها معها بقدرة من لا يعجزه شيء. # ولما كان حساب الخلائق كلهم على ما صدر منهم أمرا باهرا للعقل، حقره عند ~~عظمته فقال: {وكفى بنا} أي بما لنا من العظمة # PageV12P429 # {حاسبين*} أي لا يكون في الحساب أحد مثلنا، ففيه توعد من جهة أن معناه ~~أنه لا يروج عليه شيء من خداع ولا يقبل غلطا، ولا يضل ولا ينسى، إلى غير ~~ذلك من كل ما يلزم منه نوع لبس أو شوب نقص، ووعد من جهة أنه لا يطلع على كل ~~حسن فقيد وإن دق وخفي. # ولما قدم في قوله {ما يأتيهم من ذكر من ربهم} - الآية وغيره أنهم أعرضوا ~~عن هذا الذكر تعللا بأشياء منها طلب آيات الأولين، ونبه على إفراطهم في ~~الجهل بما ردوا من الشرف بقوله {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم} ومر إلى ~~أن ختم بالتهديد بعذابه، وأنه يحكم بالقسط، وكان كتاب موسى عليه السلام بعد ~~القرآن أعظم الكتب السماوية، وكان أهل الكتاب قد أعرضوا عنه غير مرة على ~~زمن موسى عليه السلام بعبادة العجل وغيره وبعد موته مع كون المرسل، به ~~اثنان تعاضدا على إبلاغه وتقرير أحكامه بعد أن ms2989 بهرا العقول بما أتيا به من ~~الآيات التي منها - كما بين في سورة البقرة والأعراف - التصرف في العناصر ~~الأربعة التي هي أصل الحيوان الذي بدأ الله منها خلقه. ومقصود السورة ~~الدلالة على إعادته، ومنها ما عذب به من أعرض عن ذكر موسى وهارون عليهما ~~السلام الذي هو ميزان العدل لما نشر من الضياء المورث للتبصرة الماحقة ~~للظلام، فلا يقع متبعه في # PageV12P430 # ظلم، وكان الحساب تفصيل الأمور ومقابلة كل منها بما يليق به، وذلك بعينه ~~هو الفرقان، قال سبحانه بعد آية الحساب عاطفا على «لقد أنزلنا» : {ولقد ~~ءاتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى وهارون} أي أخاه الذي سأل أن يشد أزره ~~به {الفرقان} الذي تعاضدا على إبلاغه والإلزام بما دعا إليه حال لكونه ~~مبينا لسعادة الدارين، لا يدع لبسا في أمر من الأمور {وضياء} لا ظلام معه، ~~فلا ظلم للمستبصر به، لأن من شأن من كان في الضياء أن لا يضع شيئا إلا في ~~موضعه {وذكرا} أي وعظا وشرفا. # ولما كان من لا ينتفع بالشيء لا يكون له منه شيء، قال: {للمتقين*} أي ~~الذين صار هذا الوصف لهم شعارا حاملا لهم على التذكير لما يدعو إليه الكتاب ~~من التوحيد الذي هو أصل المراقبة؛ ثم بين التقوى بوصفهم بقوله: {الذين ~~يخشون} أي يخافون خوفا عظيما {ربهم} أي المحسن إليهم بعد الإيجاد بالتربية ~~وأنواع الإحسان {بالغيب} أي في أن يكشف لهم الحجاب {وهم من الساعة} التي ~~نضع فيها الموازين وقد أعرض عنها الجاهلون مع كونها أعظم حامل على كل خير، ~~مبعد من كل ضير {مشفقون*} لأنهم لقيامها متحققون، وبنصب الموازين فيها ~~عالمون. # PageV12P431 # ولما ذكر فرقان موسى عليه السلام، وكان العرب يشاهدون إظهار اليهود ~~للتمسك به والمقاتلة على ذلك والاغتباط، حثهم على كتابهم الذي هو أشرف منه ~~فقال: {وهذا} فأشار إليه بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم {ذكر} ~~أي عظيم، ودلهم على أنه أثبت الكتب وأكثرها فوائد بقوله: {مبارك} ودلهم على ~~زيادة عظمته بما له من قرب الفهم والإعجاز وغيره بقوله: {أنزلناه} ms2990 ثم أنكر ~~عليهم رد ووبخهم في سياق دال على أنهم أقل من أن يجترئوا على ذلك، منبه على ~~أنهم أولى بالمجاهدة في هذا الكتاب من أهل الكتاب في كتابهم فقال: {أفأنتم ~~له} أي لتكونوا دون أهل الكتاب برد ما أنزل لتشريفكم عليهم وعلى غيرهم مع ~~أنكم لا تنكرون كتابهم {منكرون*} أي أنه لو أنكره غيركم لكان ينبغي لكم ~~مناصبته، فكيف يكون الإنكار منكم؟ # PageV12P432 # ولما كان مقصود السورة الدلالة على القدرة على ما استبعده العرب من إعادة ~~الحيوان بعد كونه ترابا، وبدأ ذكر الأنبياء بمن صرفه في العناصر الأربعة ~~كما تقدم قص ذلك من التوراة في سورتي البقرة والأعراف إشارة إلى من استبعد ~~عليه ما جعله إلى بعض عبيده # PageV12P432 # أعمى الناس، تلاه من الأنبياء بمن سخر له واحدا من تلك العناصر، مرتبا ~~لهم على الأخف في ذلك فالأخف على سبيل الترقي، فبدأهم بذكر من سخر له عنصر ~~النار، مع التنبيه للعرب على عماهم عن الرشد بإنكاره للشرك بعبادة الأوثان ~~على أبيه وغيره، ودعائهم إلى التوحيد، والمجاهدة في الله على ذلك حق ~~الجهاد، وهو أعظم آباء الرادين لهذا الذكر، والمستمسكين بالشرك تقليدا ~~للآباء، إثباتا للقدرة الباهرة الدالة على التوحيد الداعي إليه جميع هؤلاء ~~الأصفياء، هذا مع مشاركته بإنزال الصحف عليه لموسى ومحمد عليهما الصلاة ~~والسلام ومشاركته لهما في الهجرة، وإذا تأملت ما في سورتي الفرقان والشعراء ~~ازداد ما قلته وضوحا، فإنه لما أخبر تعالى أنهم قالوا {لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة} [الفرقان: 32] بدأ بقصة موسى الذي كتب له ربه في ~~الألواح من كل شيء، وقومه مقرون بعظمة كتابه وأنه أوتي من الآيات ما بهر ~~العقول، وكفر به مع ذلك كثير منهم. ولما قال في الشعراء {ما يأتيهم من ذكر ~~من الرحمن محدث} [الآية: 5] كما هنا، صنع كما صنع هنا من البداءة بقصة موسى ~~عليه السلام وإيلائها ذكر إبراهيم عليه السلام فقال تعالى: {ولقد ءاتينا} ~~بما لنا من العظمة {إبراهيم رشده} أي صلاحه # PageV12P433 # وإصابته وجه الأمر واهتداءه إلى عين الصواب وأدل الدلالة ms2991 وأعرف العرف ~~وأشرف القصد الذي جلبناه عليه؛ وقال الرازي في اللوامع: والرشد قوة بعد ~~الهداية - انتهى. وأضافة إليه إشارة إلى أنه رشد يليق به على علو مقامه ~~وعظم شأنه لا جرم ظهر عليه أثر ذلك من بين أهل ذلك الزمان كلهم فآثر ~~الإسلام على غيره من الملل {من قبل} أي قبل موسى وهارون عليهما السلام ~~{وكنا} بما لنا من العظمة {به} ظاهرا وباطنا {عالمين*} بأنه جبلة خير يدوم ~~على الرشد ويترقى فيه إلى أعلى درجاته لما طبعناه عليه بعظمتنا من طبائع ~~الخير؛ وتعليق {إذ قال} أي إبراهيم {لأبيه وقومه} ب {عالمين} إشارة إلى أن ~~قوله لما كان بإذن منا ورضى لنا نصرناه - وهو وحده - على قومه كلهم، ولو لم ~~يكن يرضينا لمنعناه منه بنصر قومه عليه وتمكين النار منه، فهو مثل ما مضى ~~في قوله {قل ربي يعلم القول في السماء والأرض} ومفهوم هذا القيد لا يضر ~~لأنه لا يحصي ما ينفيه من المنطوقات، وإن شئت فعلقه ب {آياتنا} ؛ ثم ذكر ~~مقول القول في قوله منكرا عليهم محقرا لأصنامهم في أسلوب التجاهل لإثبات ~~دعوى جهلهم بدليل: # PageV12P434 # {ما هذه التماثيل} أي الصور التي صنعتموها مماثلين بها ما فيه روح، ~~جاعلين بها ما لا يكون إلا لمن لا مثل له، وهي الأصنام {التي أنتم لها} أي ~~لأجلها وحدها، مع كثرة ما يشابهها وما هو أفضل منها {عاكفون*} أي موقعون ~~الإقبال عليها مواظبون على ذلك، فبأي معنى استحقت منكم هذا الاختصاص، وإنما ~~هي مثال للحي في الصورة وهو أعلى منها بالحياة التي أفاضها الله عليه. # ولما أتاهم بهذا القاصم، استأنف الخبر سبحانه عن جوابهم بقوله: {قالوا} ~~مسوين أنفسهم بالبهائم التي تقاد ولا علم بما قيدت له: {وجدنا ءاباءنا لها} ~~خاصة {عابدين*} فاقتدينا بهم لا حجة لنا غير ذلك. ولما غلوا في الجهل غير ~~محتشمين من إقرارهم على أنفسهم به، بالاستناد إلى محض التقليد بعد إفلاسهم ~~من أدنى شبهة فضلا عن الدليل، استأنف الله تعالى الإخبار عن جوابه بقوله: ~~{قال} أي منبها لهم بسوط ms2992 التقريع على أن الكلام مع آبائهم كالكلام معهم: ~~{لقد كنتم} وأكد بقوله: {أنتم} لأجل صحة العطف لأن الضمير المرفوع المتصل ~~حكمه حكم جزء الفعل، هذا مع الإشارة إلى الحكم على # PageV12P435 # ظواهرهم وبواطنهم {وءاباؤكم} أي من قبلكم {في ضلال} قد أحاط بكم إحاطة ~~الظرف بالمظروف والمسلوك بالسلك {مبين*} ليس به نوع من الخفاء. # PageV12P436 # ولما لم تكن عادته مواجهة أحد بما يكره، استأنف الإخبار عنهم بما يدل ~~عليه فقال: {قالوا} ظنا منهم أنه لم يقل ذلك على ظاهره: {أجئتنا} في هذا ~~الكلام {بالحق} الذي يطابقه الواقع {أم أنت من اللاعبين*} فظاهر كلامك غير ~~حق {قال} بانيا على ما تقديره: ليس كلامي لعبا، بل هو جد، وهذه التماثيل ~~ليست أربابا {بل ربكم} الذي يستحق منكم اختصاصه بالعبادة {رب السماوات ~~والأرض} أي مدبرهن القائم بمصالحهن {الذي فطرهن*} أي أوجدهما وشق بهما ظلمة ~~العدم، وأنتم وتماثيلكم مما فيهما من مصنوعاته أنتم تشهدون بذلك إذا رجعتم ~~إلى عقولكم مجردة عن الهوى {وأنا على ذلكم} الأمر البين من أنه ربكم وحده ~~فلا تجوز عبادة غيره {من الشاهدين*} أي الذين يقدرون على إقامة الدليل # PageV12P436 # على ما يشهدون به لأنهم لم يشهدوا إلا على ما هو عندهم مثل الشمس، لا كما ~~فعلتم أنتم حين اضطركم السؤال إلى الضلال. # ولما أقام البرهان على إثبات الإله الحق، أتبعه البرهان على إبطال الباطل ~~فقال: {وتالله} وهو القسم، والأصل في القسم الباء الموحدة، والواو بدل ~~منها، والتاء بدل من الواو، وفيها - مع كونها بدلا - زيادة على التأكيد ~~بالتعجب: قال الأصبهاني: كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده - انتهى. وفيها ~~أيضا أنها تدل على رجوع التسبب باطنا، فكأنها إشارة إلى أنه بعد أن تسبب في ~~ردهم عن عبادتها ظاهرا بما خاطبهم به، تسبب من ذلك ثانيا باطنا بإفسادها ~~{لأكيدن} أكد لأنه مما ينكر لشدة عسره؛ والكيد: الاحتيال في الضرر ~~{أصنامكم} أي هذه التي عكفتم عليها ناسين الذي خلقكم وإياها، أي لأفعلن بها ~~ما يسوءكم بضرب من الحيلة. # ولما كان عزمه على إيقاع الكيد في ms2993 جميع الزمان الذي يقع فيه توليهم في أي ~~جزء تيسر له منه، أسقط الجار فقال: {بعد أن تولوا} أي توقعوا التولي عنها، ~~وحقق مراده بقوله: {مدبرين*} # PageV12P437 # لأنزلكم من الدليل العقلي على تحقيق الحق إذ لم تكونوا من أهله إلى ~~الدليل الحسي على إبطال الباطل. # ولما كانوا في غاية التعظيم لأصنامهم لرسوخ أقدامهم في الجهل، لم يقع في ~~أوهامهم قط أن إبراهيم عليه السلام يقدم على ما قال، وعلى تقدير إقدامه ~~الذي هو عندهم من قبيل المحال لا يقدر على ذلك، فتولوا إلى عيدهم، وقصد هو ~~ما كان عزم عليه فشمر في إنجازه تشميرا يليق بتعليقه اليمين بالاسم الأعظم ~~{فجعلهم} أي عقب توليهم {جذاذا} قطعا مهشمة مكسرة مفتتة، من الجذ وهو القطع ~~{إلا كبيرا} واحدا {لهم} أي للأصنام أو لعبادها فإنه لم يكسر وجعل الفأس ~~معه {لعلهم} أي أهل الضلال {إليه} وحده {يرجعون*} عند إلزامه لهم بالسؤال ~~فتقوم عليهم الحجة، إذ لو ترك غيره معه لربما زعموا أن كلا يكل الكلام إلى ~~الآخر عند السؤال لغرض من الأغراض، فلما عادوا إلى أصنامهم فوجدوها على تلك ~~الحال علم أنه لا بد لهم عند ذلك من أمر هائل، فاستؤنف الإخبار عنه بقوله: ~~{قالوا} أي أهل الضلال: {من فعل هذا} # PageV12P438 # الفعل الفاحش {بآلهتنا} ثم استأنفوا الخبر عن الفاعل فقالوا مؤكدين ~~لعلمهم أن ما أقامه الخليل عليه السلام على بطلانها يميل القلوب إلى اعتقاد ~~أن هذا الفعل حق: {إنه من الظالمين*} حيث وضع الإهانة في غير موضعها، فإن ~~الآلهة حقها الإكرام، لا الإهانة والانتقام {قالوا} أي بعضهم لبعض: {سمعنا} ~~ولم يريدوا تعظيمه مع شهرته وشهرة أبيه وعظمتهما فيهم ليجترىء عليه من لا ~~يعرفه فنكروه بقولهم: {فتى} أي شابا من الشبان {يذكرهم} أي بالنقص والعيب ~~{يقال له إبراهيم*} يعنون: فهو الذي يظن أنه فعله {قالوا} مسببين عن هذا ~~كارهين لأن يأخذوه سرا فيقال: أخذ بغير بينة، وهم كفرة وهو قد خالفهم في ~~دينهم فإلى الله المشتكى من قوم يأخذون أكابر أهل دينهم بغير بينة بل ولا ms2994 ~~ظنة {فأتوا به} إلى هنا أي إلى بيت الأصنام {على أعين الناس} أي جهرة، ~~والناس ينظرون إليه نظرا لا خفاء معه حتى كأنه ماش على أبصارهم، متمكنا ~~منها تمكن الراكب على المركوب، وعبر بالعين عن البصر ليفهم الأكابر، ويجمع ~~القلة لإفادة السياق الكثرة، فيفيد الأمران قلة ما، لئلا يتوهم من جمع ~~الكثرة جميع الناس مطلقا {لعلهم} إذا رأوه {يشهدون*} أي أنه فعل بالآلهة ~~هذا # PageV12P439 # الفعل، أو أنه ذكرها بسوء، فيكون ذلك مسوغا لأخذه بذلك، أو يشهد بفعله ~~بعضهم، لأن الشيء إذا حضر كانت أحواله بالذكر أولى منها إذا كان غائبا، ~~وكان هذا عين ما قصده الخليل عليه السلام أن يبين - في هذا المحفل الذي لا ~~يوجد مثله - ما هم عليه من واضح الجهل المتضمن قلة العقل. # PageV12P440 # ولما كان إحضاره معلوما أنهم لا يتأخرون عنه، استأنف أخباره لما يقع ~~التشوف له فقال: {قالوا} منكرين عليه مقررين، له بعد حضوره على تلك الهيئة: ~~{ءأنت فعلت هذا} الفعل الفاحش {بآلهتنا يا إبراهيم * قال} متهكما لهم ~~وملزما بالحجة: {بل فعله كبيرهم} غيره من أن يعبد معه من هو دونه، وهذا على ~~طريق إلزام الحجة؛ وتقييده بقوله: {هذا} إشارة إلى الذي تركه بغير كسر يدل ~~على أنه كان فيهم كبير غيره. وكذا التنكير فيما مضى من قوله {إلا كبيرا ~~لهم} وهذا - مع كونه تهكما بهم وكناية عن أنهم لا عقل لهم لعبادتهم من ~~يعلمون أنه لا يقدر على فعل ما - تنبيه على قباحة الشرك، وأنه لا يرضى به ~~إله بل يهلك من عبد غيره وكل ما عبد من دونه إن كان قادرا، غيره على مقامه ~~العظيم، ومنصبه الجسيم. # ولما أخبر بذلك، ولم يكن أحد رآه حتى يشهد على فعله، وكانوا # PageV12P440 # قد أحلوهم بعبادتهم ووضع الطعم لهم محل من بعقل، سبب عنه أمرهم بسؤالهم ~~فقال: {فاسألوهم} أي عن الفاعل ليخبروكم به {إن كانوا ينطقون*} على زعمكم ~~أنهم آلهة يضرون وينفعون، فإن قدروا على النطق أمكنت منهم القدرة وإلا فلا، ~~أما سؤال الصحيح فواضح، وأما غيره فكما ms2995 يسأل الناس من جرح أو قطعت يده أو ~~رجله أو ضرب وسطه وبقيت فيه بقية من رمق، وإسناده الفعل ما لا يصح إسناده ~~إليه وأمره بسؤاله بعد الإضراب عن فعله متضمن لأنه هو الفاعل. # ولما كان روح الكلام إقراره بالفعل وجعلهم موضع الهزء لأنهم عبدوا ما لا ~~قدرة له على دفاع أصلا تسبب عنه قوله تعالى الدال على خزيهم: {فرجعوا} أي ~~الكفرة {إلى أنفسهم} بمعنى أنهم فكروا فيما قال فاضطرهم الدليل إلى أن ~~تحققوا أنهم على محض الباطل وأن هذه الشرطية الممكنة عقلا غير ممكنة عادة ~~{فقالوا} يخاطب بعضهم بعضا مؤكدين لأن حالهم يقتضي إنكارهم لظلمهم: {إنكم ~~أنتم} خاصة {الظالمون*} لكونكم وضعتم العبادة في غير موضعها، لا إبراهيم ~~فإنه أصاب في إهانتهم سواء المحز ووافق عين الغرض، # PageV12P441 # وفي أنكم بعد أن عبدتموها ولا قدرة لها تركتموها بلا حافظ. # ولما كان رجوعهم إلى الضلال بعد هذا الإقرار الصحيح الصريح في غاية ~~البعد، عبر بأداته مشيرا إلى ذلك فقال: {ثم نكسوا} أي انقلبوا في الحال غير ~~مستحيين مما يلزمهم من الإقرار بالسفه حتى كأنهم قلبهم قالب لم يمكنهم دفعه ~~{على رءوسهم} فصار أعلاهم أسفلهم برجوعهم عن الحق إلى الباطل، من قولهم: ~~نكس المريض - إذا رجع إلى حاله الأول، قائلين في مجادلته عن شركائهم: {لقد ~~علمت} يا إبراهيم! {ما هؤلاء} لا صحيحهم ولا جريحهم {ينطقون*} فكانوا بما ~~فاهوا به ظانين أنه ينفعهم، ممكنين لإبراهيم عليه السلام من جلائل المقاتل. # ولما تسبب عن قولهم هذا إقرارهم بأنهم لا فائدة فيهم، فاتجهت لإبراهيم ~~عليه السلام الحجة عليهم، استأنف سبحانه الإخبار عنها بقوله: {قال} منكرا ~~عليهم موبخا لهم مسببا عن إقرارهم هذا: {أفتعبدون} ونبههم على أن جميع ~~الرتب تتضاءل دون رتبة الإلهية بقوله: {من دون الله} أي من أدنى رتبة من ~~تحت رتبة الملك الذي لا ضر ولا نفع إلا بيده لاستجماعه صفات الكمال. ولما ~~كانوا في محل ضرورة بسبب تكسير # PageV12P442 # أصنامهم، راجين من ينفعهم في ذلك، قدم النفع فقال: {ما لا ينفعكم شيئا} ~~لترجوه {ولا ms2996 يضركم*} شيئا لتخافوه. # ولما أثبت أن معبوداتهم هذه في حيز العدم، فكانوا لعبادتها دونها، استأنف ~~تبكيتهم لذلك بأعلى كلمات التحقير التي لا تقال إلا لما هو غاية في القذارة ~~فقال: {أف} أي تقذر وتحقير مني، وفي الأحقاف ما يتعين استحضاره هنا، ثم خص ~~ذلك بهم بقوله: {لكم ولما تعبدون} ولما كانت على وجه الإشراك، وكانت جميع ~~الرتب تحت رتبته تعالى، وكانت أصنامهم هذه في رتب منها سافلة جدا أثبت ~~الجار فقال: {من دون الله} أي الملك الأعلى لدناءتكم وقذارتكم. # ولما تسبب عن فعلهم هذا وضوح أنه لا يقر به عاقل، أنكر عليهم ووبخهم على ~~ترك الفكر تنبيها على أن فساد ما هم عليه يدرك ببديهة العقل فقال: {أفلا ~~تعقلون*} أي وأنتم شيوخ قد مرت بكم الدهور وحنكتكم التجارب. # ولما وصل بهم إلى هذا الحد من البيان، فدحضت حجتهم، وبان عجزهم، وظهر ~~الحق، واندفع الباطل، فانقطعوا انقطاعا فاضحا، أشار سبحانه إلى الإخبار عن ~~ذلك بقوله استئنافا: {قالوا} عادلين إلى # PageV12P443 # العناد واستعمال القوة الحسية: {حرقوه} بالنار لتكونوا قد فعلتم فيه فعلا ~~هو أعظم مما فعل بآلهتكم {وانصروا آلهتكم} التي جعلها جذاذا؛ وأشاء التعبير ~~- بأداة الشك وفعل الكون واسم الفاعل إلى أن أذاه لا يسوغ، وليس الحامل ~~عليه إلا حيلة غلبت على الفطرة الأولى السليمة - في قوله: {إن كنتم ~~فاعلين*} أي النصرة لها، فإن النار أهول المعاقبات وأفظعها، فهي أزجر لمن ~~يريد مثل هذا الفعل، واتركوا الجدال فإنه يورث ضد ما تريدون، ويؤثر عكس ما ~~تطلبون، فعزموا على ذلك فجمعوا الحطب شهرا ووضعوه في جوبة من الأرض أحاطوا ~~بها جدارا كما في الصافات حتى كان ذلك الحطب كالجبل، وأضرموا فيه النار حتى ~~كان على صفة لم يوجد في الأرض قط مثلها، حتى إن كان الطائر ليمر بها في ~~الجو فيحترق، ثم ألقوه فيها بالمنجنيق فقال: حسبي الله ونعم الوكيل - أخرجه ~~البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولأبي يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «لما ms2997 ألقي إبراهيم عليه السلام في النار قال: اللهم! إنك في السماء واحد ~~وأنا في الأرض واحد، عبدك» وقال البغوي: أتاه خازن المياه فقال: إن # PageV12P444 # أردت أخمدت النار، وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، ~~فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل. فأراد الله الذي له ~~القوة جميعا سلامته منها، فعبر عن ذلك بقوله سبحانه استئنافا لجواب من زاد ~~تشوفه إلى ما كان من أمره بعد الإلقاء فيها: {قلنا} أي بعظمتنا {يا نار ~~كوني} بإرادتنا التي لا يتخلف عنها مراد {بردا} . ولما كان البرد قد يكون ~~ضارا قال: {وسلاما} فكانت كذلك، فلم تحرق منه إلا وثاقه. # ولما كان المراد اختصاصه عليه السلام بهذا قيده به، ولما كان المراد ~~حياته ولا بد، عبر بحرف الاستعلاء فقال: {على إبراهيم*} أي فكان ما أردنا ~~من سلامته، وروى البغوي من طريق البخاري عن أم شريك رضي الله عنها «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال: كان ينفخ النار على إبراهيم» ~~وقال ابن كثير: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبيد الله بن أخي وهب ثنا عمي عن ~~جرير بن حازم أن نافعا حدثه قال: حدثتني مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي ~~قالت: دخلت على عائشة رضي الله عنها فرأيت في # PageV12P445 # بيتها رمحا فقلت: يا أم المؤمنين! ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به ~~هذه الأوزاغ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن إبراهيم عليه ~~السلام حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفىء عنه غير الوزغ، ~~فإنه كان ينفخ على إبراهيم فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله» . # ولما قدم ما نبه على شدة الاهتمام به لإفهامه أنه حكم بسلامته من كيدهم ~~عند همهم به فكيف بما بعده! قال عاطفا على ما تقديره: فألقوه فيها: ~~{وأرادوا به كيدا} أي مكرا بإضراره بالنار وبعد خروجه منها {فجعلناهم} أي ~~بما لنا من الجلال. # ولما كانوا قد أرادوا بما صنعوا له من العذاب أن ms2998 يكون أسفل منهم أهل ذلك ~~الجمع، وكان السياق لتحقيق أمر الساعة الذي هو مقصود السورة، وكان الصائر ~~إليها المفرط فيها بالتكذيب بها قد خسر خسارة لا جبر لها لفوات محل ~~الاستدراك، قال: {الأخسرين*} لأن فضيحتهم في الدنيا الموجبة للعذاب في ~~الأخرى كانت بنفس فعلهم الذي كادوه به، ولم يذكر سبحانه شعيبا عليه السلام ~~مع أنه سخر له النار في يوم الظلة فأحرقت عصاه، لأن فعل النار بقومه كان ~~على ما هو المعهود من أمرها بخلاف فعلها مع إبراهيم عليه السلام، فإنه على ~~خلاف # PageV12P446 # المعتاد، وقد وقع مثل هذا لبعض أتباع نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو أبو ~~مسلم الخولاني، طلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني ~~رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم! فأمر ~~بنار فألقي فيها فوجدوه قائما يصلي فيها وقد صارت عليه بردا وسلاما، وقدم ~~المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر ~~رضي الله عنهما وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله. # ولما كان إنجاؤه - وهو وحده - ممن أرادوا به هذا الأمر العظيم من العجائب ~~فكيف إذا انضم إليه غيره، ولم يكن في ذلك الغير آية تمنعهم عنه كما كان في ~~إبراهيم عليه السلام، قال: {ونجيناه} أي بعظمتنا {ولوطا} أي ابن أخيه ~~وصديقه لكونه آمن به وصدقه، من بلادهما كوثى بلاد العراق، منتهيين إلى ~~الأرض المقدسة، ولعله عبر بإلى الدالة على تضمين «انتهى» للدلالة على أن ~~هناك غاية طويلة، فإنهما خرجا من كوثى من أرض العراق إلى حران ثم من حران # PageV12P447 # {إلى الأرض} المقدسة {التي باركنا فيها} بأن ملأناها من الخيرات الدنيوية ~~والأخروية بما فيها من المياه التي بها حياة كل شيء من الأشجار والزروع ~~وغيرها، وما ظهر منها من الأنبياء عليهم السلام الذي ملؤوا الأرض نورا ~~{للعالمين*} كما أنجيناك أنت يا أشرف أولاده وصديقك أبا ms2999 بكر رضي الله عنه ~~إلى طيبة التي شرفناها بك، وبثثنا من أنوارها في أرجاء الأرض وأقطارها ما ~~لم نبث مثله قط، وباركنا فيها للعالمين، بالخلفاء الراشدين وغيرهم من ~~العلماء والصالحين، الذين انبثت خيراتهم العلمية والعملية والمالية في جميع ~~الأقطار. # ولما أولد له في حال شيخوخته وعجز امرأته مع كونها عقيما، وكان ذلك دالا ~~على الاقتدار على البعث الذي السياق كله له، قال: {ووهبنا} دالا على ذلك ~~بنون العظمة {له إسحاق} أي من شبه العدم، وترك شرح حاله لتقدمه، أي فكان ~~ذلك دالا على اقتدارنا على ما نريد لا سيما من إعادة الخلق في يوم الحساب؛ ~~ولما كان قد يظن أنه - لتولده بين شيخ فان وعجوز مع يأسها عقيم - كان على ~~حالة من الضعف، لا يولد لمثله معها، نفى ذلك بقوله: {ويعقوب نافلة} أي ولد ~~إسحاق زيادة على ما دعا به إبراهيم عليهما السلام؛ ثم نمى سبحانه أولاد ~~يعقوب - وهو إسرائيل - وذرياتهم إلى أن ساموا النجوم عدة، وباروا الجبال ~~شدة {وكلا} من هؤلاء الأربعة؛ وعظم رتبتهم بقوله: {جعلنا صالحين*} # PageV12P448 # أي مهيئين - لطاعتهم لله - لكل ما يريدونه أو يرادون له أو يراد منهم، ~~وهذا إشارة إلى أن العاصي هالك، لا يصلح لشيء وإن طال عمره، واشتد أمره، ~~لأن العبرة بالعاقبة. # PageV12P449 # ولما ذكر أنه أعطاهم رتبة الصلاح في أنفسهم، ذكر أنه أعطاهم رتبة الإصلاح ~~لغيرهم، فقال معظما لإمامتهم: {وجعلناهم أئمة} أي أعلاما ومقاصد يقتدى بهم ~~في الدين بما أعطاهم من النبوة. ولما كان الإمام قد يدعو إلى الردى، ويصد ~~عن الهدى، إذا كانت إمامته ظاهرة لا يصحبها صلاح باطن، احترز عن ذلك بقوله: ~~{يهدون} أي يدعون إلينا من وفقناه للهداية {بأمرنا} وهو الروح الذي هو ~~العمل المؤسس على العلم بإخبار الملائكة به عنا، ولإفهام ذلك عطف عليه قوله ~~معظما لوحيه إليهم: {وأوحينا إليهم} أي أيضا {فعل} أي أن يفعلوا {الخيرات} ~~كلها وهي شرائع الدين، ولعله عبر بالفعل دلالة على أنهم امتثلوا كل ما أوحي ~~إليهم. # ولما كانت الصلاة أم الخيرات، خصها بالذكر فقال: ms3000 {وإقام الصلاة} قال ~~الزجاج: الإضافة عوض عن تاء التأنيث. يعني فيكون من الغالب لا من القليل، ~~وكان سر الحذف تعظيم # PageV12P449 # الصلاة لأنها مع نقصها عن صلاتنا - لما أشار إليه الحذف - بهذه المنزلة ~~من العظمة فما الظن بصلاتنا. # ولما كانت الصلاة بين العبد والحق، وكان روحها الإعراض عن كل فان، عطف ~~عليها قوله: {وإيتاء الزكاة} أي التي هي مع كونها إحسانا إلى الخلق بما دعت ~~الصلاة إلى الانسلاخ عنه من الدنيا، ففعلوا ما أوحيناه إليهم {وكانوا لنا} ~~دائما جبلة وطبعا {عابدين*} أي فاعلين لكل ما يأمرون به غيرهم، فعل العبد ~~مع مولاه من كل ما يجب له من الخدمة، ويحق له من التعظيم والحرمة. # ولما كان سبحانه قد سخر لصديقه لوط عليه السلام إهلاك من عصاه في أول ~~الأمر بحجارة الكبريت التي هي من النار، وفي آخره بالماء الذي هو أقوى من ~~النار، تلاه به فقال: {ولوطا} أي وآتيناه أو واذكر لوطا؛ ثم استأنف قوله: ~~{ءاتيناه} أي بعظمتنا {حكما} أي نبوة وعملا محكما بالعلم {وعلما} مزينا ~~بالعمل {ونجيناه} بانفرادنا بالعظمة. # ولما كانت مادة «قرا» تدل على الجمع، قال: {من القرية} المسماة سدوم، أي ~~من عذابهم وجميع شرورهم، وأفرد تنبيها على عمومها بالقلع والقلب وأنه كان ~~في غاية السهولة والسرعة، وقال # PageV12P450 # أبو حيان: وكانت سبعا، عبر عنها بالواحدة لاتفاق أهلها على الفاحشة. ~~{التي كانت} قبل إنجائنا له منها {تعمل الخبائث} بالذكران، وغير ذلك من ~~الطغيان، فاستحقوا النار التي أمر المؤلفات، بما ارتكبوا من الشهوة ~~المحظورة لعدهم لها أحلى الملذذات، والغمر بالماء القذر المنتن الذي جعلناه ~~- مع أنا جعلنا من الماء كل شيء حي - لا يعيش فيه حيوان، فضلا عن أن يتولد ~~منه، ولا ينتفع به، لما خامروا من القذر الذي لا ثمرة له. # ولما كان في هذا إشارة إلى إهلاك القرية، وأن التقدير: ودمرنا عليهم بعد ~~انفصاله عنهم، علله بقوله: {إنهم كانوا} أي بما جلبوا عليه {قوم سوء} أي ~~ذوي قدرة على الشر بانهماكهم في الأعمال السيئة {فاسقين*} خارجين من كل ~~خير، ms3001 ثم زاد الإشارة وضوحا بقوله: {وأدخلناه} أي دونهم بعظمتنا {في رحمتنا} ~~أي في الأحوال السنية، والأقوال العلية، والأفعال الزكية، التي هي سبب ~~الرحمة العظمى ومسببة عنها؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنه من الصالحين*} أي لما ~~جلبناه عليه من الخير. # ولما أتم سبحانه قصة لوط المناسبة لقصة الخليل عليهما السلام بحجارة ~~الكبريت، ولقصة نوح عليه السلام بالماء الذي غمرت به قراه السبع، أتبع ذلك ~~قصة نوح عليه السلام الذي سخر له من الماء ما لم يسخره # PageV12P451 # لغيره لغمره جميع الأرض دانيها وقاصيها، واطيها وعاليها، فقال: {ونوحا ~~إذ} أي اذكره حين {نادى} أي دعا ربه {إني مغلوب فانتصر} [القمر: 10] و {لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] ونحوه من الدعاء. # ولما كان دعاؤه لم يستغرق الأزمنة الماضية، أثبت الجار فقال: {من قبل} أي ~~من قبل لوط ومن تقدمه {فاستجبنا} أي أردنا الإجابة وأوجدناها بعظمتنا {له} ~~في ذلك النداء؛ ثم سبب عن ذلك قوله: {فنجيناه} أي بعظمتنا تنجية عظيمة ~~{وأهله} الذين أدام ثباتهم على الإسلام وصلتهم به {من الكرب العظيم*} من ~~الأذى والغرق؛ قال أبو حيان: والكرب: أقصى الغم، والأخذ بالنفس، وهو هنا ~~الغرق، عبر عنه بأول أحوال ما يأخذ الغريق. {ونصرناه} أي مخلصين له ومانعين ~~ومنتقمين {من القوم} أي المتصفين بالقوة {الذين كذبوا} أي أوقعوا التكذيب ~~له {بآياتنا} أي بسبب إتيانه بها، وهي من العظمة على أمر لا يخفى. # ولما كان التقدير: ثم أهلكناهم، علله بقوله: {إنهم كانوا قوم سوء} لا عمل ~~لهم إلا ما يسوء {فأغرقناهم} أي بعظمتنا التي أتت عليهم كلهم {أجمعين*} حتى ~~من قطع الكفر بين نوح عليه السلام وبينه # PageV12P452 # من أهله فصار لا يعد من أهله، لاختلاف الانتساب بالدين. # ولما كان ربما قيل: لم قدم إبراهيم ومن معه على نوح وهو أبوهم ومن أولي ~~العزم، وموسى وهارون على إبراهيم وهو كذلك، أشار بقصة داود وسليمان - على ~~جميعهم الصلاة والسلام - إلى أنه ربما يفضل الابن الأب في أمر، فربما قدم ~~لأجله وإن كان لا يلزم منه تقديمه مطلقا، ms3002 مع ما فيها من أمر الحرث الذي هو ~~أنسب شيء لما بعد غيض الماء في قصة نوح عليه السلام، هذا في أوله وأما في ~~آخره فما ينبته مثال للدنيا في بهجتها وغرورها، وانقراضها ومرورها، ومن ~~تصريف داود عليه السلام في الجبال وهي أشد التراب الذي هو أقوى من الماء، ~~وفي الحديد وهو أقوى من تراب الجبال، وسليمان عليه السلام في الريح وهي ~~أقوى من التراب فقال: {وداود} أي أول من ملك ابنه من أنبياء بني إسرائيل ~~{وسليمان} ابنه، أي اذكرهما واذكر شأنهما {إذ} أي حين {يحكمان في الحرث} ~~الذي أنبت الزرع، وهو من إطلاق اسم السبب على المسبب كالسماء على المطر ~~والنبت، قيل: كان ذلك كرما، وقيل: زرعا {إذ نفشت} # PageV12P453 # أي انتشرت ليلا بغير راع {فيه غنم القوم} الذي لهم قوة على حفظها فرعته؛ ~~قال قتادة: النفش بالليل، والهمل بالنهار. # {وكنا} أي بعظمتنا التي لا تقر على خلاف الأولى في شرع من الشروع ~~{لحكمهم} أي الحكمين والمتحاكمين إليهما {شاهدين} لم يغب عنا ذلك ولا شيء ~~من أمرهم هذا ولا غيره، فذلك غيرنا على داود عليه السلام تلك الحكومة مع ~~كونه ولينا وهو مأجور في اجتهاده لأن الأولى خلافها، فإنه حكم بأن يمتلك ~~صاحب الحرث الغنم بما أفسدت من الكرم، فكأنه رأى قيمة الغنم قيمة ما أفسدت ~~{ففهمناها} أي الحكومة بما لنا من العلم الشامل والقدرة الكاملة على رفع من ~~نشاء {سليمان} فقال: تسلم الغنم لصاحب الكرم ليرتفق بلبنها ونسلها وصوفها ~~ومنافعها، ويعمل صاحبها في الكرم حتى يعود كما كان فيأخذ حرثه، وترد الغنم ~~إلى صاحبها، وهذا أرفق بهما. وهذا أدل دليل على ما تقدمت الإشارة إليه عند ~~{قل ربي يعلم القول} ، و {كنا به عالمين إذ قال لأبيه} وفيه رد عليهم في ~~غيظهم من النبي صلى الله عليه وسلم # PageV12P454 # في تسفيه الآباء والرد عليهم كما في قصة إبراهيم عليه السلام لأنه ليس ~~بمستنكر أن يفضل الابن أباه ولو في شيء، والآية تدل على أن الحكم ينقض ~~بالاجتهاد إذا ظهر ما ms3003 هو أقوى منه. # ولما كان ذلك ربما أوهم شيئا في أمر داود عليه السلام، نفاه بقوله دالا ~~على أنهما على الصواب في الاجتهاد وإن كان المصيب في الحكم إنما هو أحدهما ~~{وكلا} أي منهما {ءاتينا} بما لنا من العظمة {حكما} أي نبوة وعملا مؤسسا ~~على حكمة العلم، وهذا معنى ما قالوه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن ~~من الشعر حكما - أي قولا صادقا مطابقا للحق {وعلما} مؤيدا بصالح العمل، وعن ~~الحسن رحمه الله: لولا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا، ولكنه أثنى على ~~سليمان عليه السلام بصوابه، وعذر داود عليه السلام باجتهاده انتهى. وأتبعه ~~من الخوارق ما يشهد له بالتقدم والفضل فقال: {وسخرنا} أي بعظمتنا التي لا ~~يعيبها شيء. # ولما كان هذا الخارق في التنزيه، لم يعد الفعل اللام زيادة في # PageV12P455 # التنزيه وإبعادا عما ربما أوهم غيره فقال مقدما ما هو أدل على القدرة في ~~ذلك لأنه أبعد عن النطق: {مع داود الجبال} أي التي هي أقوى من الحرث، حال ~~كونهن {يسبحن} معه، ولو شئنا لجعلنا الحرث أو الغنم يكلمه بصواب الحكم، ولم ~~يذكر ناقة صالح لأنها مقترحة موجبة لعذاب الاستئصال، فلم يناسب ذكرها هنا، ~~لما أشار إليه قوله تعالى {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم} ، «وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين» وهذه الآيات التي ذكرت هنا ليس فيها شيء مقترح ~~{والطير} التي سخرنا لها الرياح التي هي أقوى من الجبال وأكثر سكناها ~~الجبال، سخرناها معه تسبح {وكنا فاعلين*} أي من شأننا الفعل لأمثال هذه ~~الأفاعيل، ولكل شيء نريده بما لنا من العظمة المحيطة، فلا تستكثروا علينا ~~أمرا وإن كان عندكم عجبا، وقد اتفق نحو هذا لغير واحد من هذه الأمة، كان ~~مطرف بن عبد الله ابن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه ابنته، هذا مع أن ~~الطعام كان يسبح بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم والحصا وغيره. # PageV12P456 # ولما ذكر التسخير بالتسبيح، أشار إلى تسخير الحديد الذي هو # PageV12P456 # أقوى تراب الجبال وأصلبه وأصفاه فقال: {وعلمناه} أي بعظمتنا {صنعة لبوس} ms3004 ~~قال البغوي: وهو في اللغة اسم لكل ما يلبس ويستعمل في الأسلحة كلها، وهو ~~كالجلوس والركوب. {لكم} أي لتلبسوه في حربكم، وألنا له في عمله الحديد ~~ليجتمع له إلى العلم سهولة العمل فيأتي كما يريد {لتحصنكم} أي اللبوس أو ~~داود أو الله على قراءة الجماعة في حصن مانع، وهو معنى قراءة النون الدال ~~على مقام العظمة عند أبي بكر عن عاصم ورويس عن يعقوب، وقراءة أبي جعفر وابن ~~عامر وحفص بالفوقانية للدروع نظرا إلى الجنس {من بأسكم} الكائن مما يحصل من ~~بعضكم لبعض من شدائد الحرب لا من البأس كله {فهل أنتم شاكرون*} لنا على ذلك ~~لتوحدنا وتؤمنوا بأنبيائنا؛ قال البغوي: قال قتادة: أول من صنع الدروع ~~وسردها وحلقها داود عليه السلام، وكانت من قبل صفائح، والدرع يجمع الخفة ~~والحصانة. # ولما كان قد سخر لابنه سليمان عليه السلام الريح التي هي أقوى # PageV12P457 # من بقية العناصر قال: {ولسليمان} معبرا باللام لأنها كانت تحت أمره لنفعه ~~ولا إبهام في العبارة {الريح} قال البغوي: وهي جسم لطيف يمتنع بلطفه من ~~القبض عليه، ويظهر للحس بحركته، وكان سليمان عليه السلام يأمر بالخشب فيضرب ~~له، فإذا حمل عليه ما يريد من الدواب، الناس وآلة الحرب أمر العاصفة فدخلت ~~تحت الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء تمر به شهرا في غدوته ~~وشهرا في روحته - انتهى ملخصا. فكان الريحان مسخرتين له، ولكن لما كان ~~السياق هنا لبيان الإقدار على الأفعال الغريبة الهائلة، قال: {عاصفة} أي ~~شديدة الهبوب، هذا باعتبار عملها، ووصفت بالرخاء باعتبار لطفها بهم فلا ~~يجدون لها مشقة {تجري بأمره} إذا أمرها غادية ورائحة ذاهبة إلى حيث أراد ~~وعائدة على حسب ما يريد، آية في آية. # ولما كان قد علم مما مضى من القرآن لحامله المعتني بتفهم معانيه، ومعرفة ~~أخبار من ذكر فيه، أنه من بني إسرائيل، وأن قراره بالأرض المقدسة فكان من ~~المعلوم أنه يجريها إلى غيره، وكان الحامل إلى مكان ربما تعذر عوده مع ~~المحمول، عبر بحرف الغاية ذاكرا محل القرار دلالة ms3005 على أنها # PageV12P458 # كما تحمله ذهابا إلى حيث أراد من قاص ودان - تحمله إلى قراره أياما فقال: ~~{إلى الأرض التي باركنا} أي بعزتنا {فيها} وهي الشام {وكنا} أي أزلا وأبدا ~~بإحاطة العظمة {بكل شي} من هذا وغيره من أمره وغيره {عالمين*} فكنا على كل ~~شيء قادرين، فلولا رضانا به لغيرناه عليه كما غيرنا على من قدمنا أمورهم، ~~وهذا من طراز {قل ربي يعلم القول} كما مضى، وتسخير الريح له كما سخرت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ليالي الأحزاب، قال حذيفة رضي الله عنه: حتى كانت ~~تقذفهم بالحجارة، ما تجاوز عسكرهم فهزمهم الله بها وردوا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا. # وأعم من جميع ما أعطى الأنبياء عليهم السلام أنه أعطى صلى الله عليه وسلم ~~التصرف في العالم العلوي الذي جعل سبحانه من الفيض على العالم السفلي ~~بالاختراق لطباقه بالإسراء تارة، وبإمساك المطر لما دعا بسبع كسبع يوسف، ~~وبإرساله أخرى كما في أحاديث كثيرة، وأتي مع ذلك بمفاتيح خزائن الأرض كلها ~~فردها صلى الله عليه وسلم. # ولما ذكر تسخير الريح له، ذكر أنه سخر له مأغلب عناصره النار والريح ~~للعمل في الماء، مقابلة لارتفاع الحمل في الهواء باستفال الغوص في الماء ~~فقال: {ومن} أي وسخرنا له من {الشياطين} الذين هم أكثر شيء تمردا وعتوا، # PageV12P459 # وألطف شيء أجساما {من} وعبر بالجمع لأنه أدل على عظم التصرف فقال: ~~{يغوصون له} في المياه لما يأمرهم به من استخراج الجواهر وغيرها من ~~المنافع، وذلك بأن أكثفنا أجسامهم مع لطافتها لتقبل الغوص في الماء معجزة ~~في معجزة، وقد خنق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم العفريت الذي جاء بشهاب ~~من نار وأسر جماعة من أصحابه رضي الله عنهم عفاريت أتوا إلى ثمر الصدقة ~~وأمكنهم الله منهم {ويعملون عملا} أي عظيما جدا. # ولما كان إقدارهم على الغوص أعلى ما يكون في أمرهم، وكان المراد استغراق ~~إقدارهم على ما هو أدنى من ذلك مما يريده منهم، نزع الجار فقال: {دون ذلك} ~~أي تحت هذا الأمر العظيم أو غيره من بناء ما ms3006 يريد، واصطناع ما يشاء، من ~~الصنائع العجيبة، والآثار الغريبة، وفي ذلك تسخير الماء والتراب بواسطة ~~الشاطين، فقد ختم عند انتهاء الإشارة إلى تسخير العناصر - بمن سخر له ~~العناصر الأربعة كما ابتدأ بذلك {وكنا} أي بعظمتنا التي تغلب كل شيء {لهم ~~حافظين*} من أن يفعلوا غير ما يريد، ولمن يذكر هودا عليه السلام هنا، إن ~~كان قد سخر له الريح، لأن عملها له كان على مقتضى # PageV12P460 # العادة في التدمير والأذى عند عصوفها وإن كان خارقا بقوته، والتي لسليمان ~~عليه السلام للنجاة والمنافع، هذا مع تكرارها فأمرها أظهر، وفعلها أزكى ~~وأطهر. # ولما أتم سبحانه ذكر من سخر لهم العناصر التي منها الحيوان المحتوم ~~ببعثته تحقيقا لذلك، ذكر بعدهم من وقع له أمر من الخوارق يدل على ذلك، إما ~~بإعادة أو حفظ أو ابتداء، بدأهم بمن أعاد له ما كان أعدمه من أهل ومال، ~~وسخر له عنصر الماء في إعادة لحمه وجلده، لأن الإعادة هي المقصودة بالذات ~~في هذه السورة فقال: {وأيوب} أي واذكر أيوب، قالوا: وهو ابن أموص بن روم بن ~~عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وكان صاحب البثنية من بلاد الشام، ~~وكان الله قد بسط عليه الدنيا فشكره سبحانه ثم ابتلاه فصبر {إذ نادى ربه} ~~أي المحسن إليه في عافيته وضره بما آتاه من صبره {أني مسني الضر} بتسليطك ~~الشيطان علي في بدني وأهلي ومالي وقد طمع الآن في ديني، وذلك أنه زين ~~لامرأة أيوب # PageV12P461 # عليه السلام أن تأمره أن يذبح الصنم فإنه يبرأ ثم يتوب، ففطن لذلك وحلف: ~~ليضربنها إن برأ، وجزع من ذلك، والشكوى إلى الله تعالى ليست من الجزع فلا ~~تنافي الصبر، وقال سفيان بن عيينة: ولا من شكا إلى الناس وهو في شكواه راض ~~بقضاء الله تعالى. # {وأنت} أي والحال أنك أنت {أرحم الراحمين*} فافعل بي ما يفعل الرحمن ~~بالمضرور، وهذا تعريض بسؤال الرحمة حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وربه ~~بأبلغ صفاتها ولم يصرح، فكان ذلك ألطف في السؤال، فهو أجدر بالنوال ~~{فاستجبنا له} ms3007 أي أوجدنا إجابته إيجاد من كأنه طالب لها بسبب ندائه، هذا ~~بعظمتنا في قدرتنا على الأمور الهائلة، وسبب عن ذلك قوله: {فكشفنا} أي بما ~~لنا من العظمة {ما به من ضر} بأن أمرناه أن يركض برجله، فتنبع له عين من ~~ماء، فيغتسل فيها، فينبت لحمه وجلده أحسن ما كان وأصحه ودل على تعاظم هذا ~~الأمر بقوله: {وءاتيناه أهله} أي أولاده وما تبعهم من حشمه، أحييناهم له ~~بعد أن كانوا ماتوا {ومثلهم} أي وأوجدنا له مثلهم في الدنيا، فإن قوله: ~~{معهم} يدل على # PageV12P462 # أنهم وجدوا عند وجدان الأهل، حال كون ذلك الكشف والإيتاء {رحمة} أي نعمة ~~عظيمة تدل على شرفه بما شأنه العطف والتحنن، وهو من تسمية المسبب باسم ~~السبب، وفخمها بقوله: {من عندنا} بحيث لا يشك من ينظر ذلك أنا ما فعلناه ~~إلا رحمة منا له وأن غيرنا لم يكن يقدر على ذلك {وذكرى} أي عظة عظيمة ~~{للعابدين*} كلهم، ليتأسوا به فيصبروا إذا ابتلوا بفتنة الضراء ولا يظنوا ~~أنها لهوانهم، ويشكروا إذا ابتلوا بنعمة السراء لئلا تكون عين شقائهم، ~~واتبعه سبحانه بمن أنبع له من زمزم ماء باقيا شريفا، إشارة إلى شرفه وشرف ~~ولده خاتم الرسل ببقاء رسالته ومعجزته فقال: {إسماعيل} أي ابن إبراهيم ~~عليهما السلام الذي سخرنا له من الماء بواسطة الروح الأمين ما عاش به صغيرا ~~بعد أن كان هالكا لا محالة، ثم جعلناه طعام طعم وشفاء سقم دائما، وصناه - ~~وهو كبير - من الذبح فذبحه أبوه واجتهد في إتلافه إمتثالا لأمرنا فلم ينذبح ~~كما اقتضته إرادتنا {وإدريس} أي ابن شيث بن آدم عليهم السلام الذي احييناه ~~بعد موته ورفعناه مكانا عليا، وهو أول نبي بعث من بني آدم عليهما السلام # PageV12P463 # {وذا الكفل} الذي قدرناه على النوم الذي هو الموت الأصغر، فكان يغلبه فلا ~~ينام أو إلا قليلا، يقوم الليل ولا يفتر، ويصوم النهار ولا يفطر، ويقضي بين ~~الناس ولا يغضب. # فقدره الله على الحياة الكاملة في الدنيا التي هي سبب الحياة الكاملة في ~~الأخرى وهو خليفة اليسع عليه ms3008 السلام تخلفه على أن يتكفل له بصيام النهار ~~وقيام الليل وأن لا يغضب، قيل: إنه ليس بنبي وعن الحسن أنه نبي، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه إلياس، وقيل: هو يوشع بن نون، وقيل: زكريا - عليهم ~~السلام. # ولما قرن بينهم لهذه المناسبة، استأنف مدحهم فقال: {كل} أي كل واحد منهم ~~{من الصابرين*} على ما ابتليناه به، فآتيناهم ثواب الصابرين {وأدخلناهم} ~~ودل على عظمة ما لهم عنده سبحانه بقوله: {في رحمتنا} ففعلنا بهم من الإحسان ~~ما يفعله الراحم بمن يرحمه على وجه عمهم من جميع جهاتهم، فكان ظرفا لهم؛ ثم ~~علل بقوله: {إنهم من الصالحين} لكل ما يرضاه الحكيم منهم، بمعنى أنهم جبلوا ~~جبلة خير فعملوا على مقتضى ذلك، ثم أتبعهم من هو أغرب حالا منهم # PageV12P464 # في الحفظ فقال {وذا النون} أي اذكره {إذ ذهب مغاضبا} أي على هيئة الغاضب ~~لقومه بالهجرة عنهم، ولربه بالخروج عنهم دون الانتظار لإذن خاص منه ~~بالهجرة، وروي عن الحسن أن معنى {فظن أن لن نقدر عليه} أن لن نعاقبه بهذا ~~الذنب، أي ظن أنا نفعل معه من لا يقدر، وهو تعبير عن اللازم بالملزوم مثل ~~التعبير عن العقوبة بالغضب، وعن الإحسان بالرحمة وفي أمثاله كثرة، فهو أحسن ~~الأقوال وأقومها - رواه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن قتادة عنه وعن ~~مجاهد مثله وأسند من غير طريق عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه، وكذا قال ~~الأصبهاني عنه أن معناه: لن نقضي عليه بالعقوبة، وأنه قال أيضا ما معناه: ~~فظن أن لن نضيق عليه الخروج، من القدر الذي معناه الضيق، لا من القدرة، ~~ومنه {فقدر عليه رزقه} [الفجر: 16] وروى البيهقي أيضا عن الفراء أن نقدر ~~بمعنى نقدر - مشددا وبحكم، وأنشد عن ابن الأنباري عن أبي صخر الهذلي: # ولا عائدا ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما نقدر يقع ولك الشكر {فنادى} أي ~~فاقتضت حكمتنا أن عاتبناه حتى استسلم فألقى نفسه في البحر فالتقمه الحوت ~~وغاص به إلى قرار البحر ومنعناه من أن يكون # PageV12P465 # له طعاما، فنادى {في ms3009 الظلمات} من بطن الحوت الذي في أسفل البحر في الليل، ~~فهي ظلمات ثلاث - نقله ابن كثير عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما رضي الله ~~عنهم. {أن لا إله إلا أنت} . # ولما نزهه عن الشريك عم فقال: {سبحانك} أي تنزهت عن كل نقص، فلا يقدر على ~~الإنجاء من مثل ما أنا فيه غيرك؛ ثم أفصح بطلب الخلاص بقوله ناسبا إلى نفسه ~~من النقص ما نزه الله عن مثله: {إني كنت} أي كونا كبيرا {من الظالمين} أي ~~في خروجي من بين قومي فبل الإذن، فاعف عني كما هي شيمة القادرين، ولذلك قال ~~تعالى مسببا عن دعائه: {فاستجبنا له} أي أوجدنا الإجابة إيجاد من هو طالب ~~لها تصديقا لظنه أن لن نعاقبه «أنا عند ظن عبدي بي» والآية تفهم أن شرط ~~الكون مع من يظن الخير دوام الذكر وصدق الإلتجاء، وقال الرازي في اللوامع: ~~وشرط كل من يلتجىء إلى الله أن يبتدىء بالتوحيد ثم بالتسبيح والثناء ثم ~~بالاعتراف والاستغفار والاعتذار، وهذا شرط كل دعاء - انتهى. # ولما كان التقدير: فخلصناه مما كان فيه، عطف عليه قوله، تنبيها # PageV12P466 # على أنهما نعمتان لأن أمره مع صعوبته كان في غاية الغرابة: {ونجيناه} أي ~~بالعظمة البالغة تنجية عظيمة، وأنجيناه إنجاء عظيما {من الغم} الذي كان ~~ألجأه إلى المغاضبة ومن غيره، قال الرازي: وأصل الغم الغطاء على القلب - ~~انتهى. فألقاه الحوت على الساحل وأظله الله بشجرة القرع. # ولما كان هذا وما تقدمه أمورا غريبة، أشار إلى القدرة على أمثالها من ~~جميع الممكنات، وأن ما فعله من إكرام أنبيائه عام لأتباعهم بقوله: {وكذلك} ~~أي ومثل ذلك الإنجاء العظيم الشأن والتنجية {ننجي} أي بمثل ذلك العظمة ~~{المؤمنين*} إنجاء عظيما وننجيهم تنجية عظيمة، ذكر التنجية أولا يدل على ~~مثلها ثانيا، وذكر الإنجاء ثانيا يدل على مثله أولا وسر ذلك الإشارة إلى ~~شدة العناية بالمؤمنين لأنهم ليس لهم كصبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - ~~بما أشار إليه بحديث «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» «يبتلى ~~المرء على قدر دينه» فيسلهم سبحانه من البلاء ms3010 كما تسل الشعرة من العجين، ~~فيكون ذلك مع السرعة في لطافة وهناء - بما أشارت إليه قراءة ابن عامر وأبي ~~بكر عن عاصم رضي الله عنه بتشديد الجيم لإدغام النون الثانية فيه، أو يكون ~~المعنى أن من دعا منهم بهذا الدعاء أسرع نجاته، فإن المؤمن # PageV12P467 # متى حصلت له هفوة راجع ربه فنادى معترفا بذنبه هذا النداء، ولاسيما إن ~~مسه بسوط الأدب، فبادر إليه الهرب. # PageV12P468 # ولما كان حاصل أمر يونس عليه السلام أنه خرج من بطن لم يعهد الخروج من ~~مثله، عطف عليه قصة زكريا عليه السلام في هبته له ولدا من بطن لم يعهد ~~الحمل من مثله في العقم واليأس ناظرا إلى أبيه إبراهيم عليه السلام أول من ~~ذكر تصريفه في أحاد العناصر فيما اتفق له من مثل ذلك في ابنه إسحاق عليه ~~السلام تكريرا لأعلام القيامة وتقريرا للقدرة التامة فقال: {وزكريا} أي ~~اذكره {إذ نادى ربه} نداء الحبيب القريب فقال: {رب} بإسقاط أداة البعد {لا ~~تذرني فردا} أي من غير ولد يرث ما آتيتني من الحكمة. # ولما كان من الوارث من يحب من يحجبه من الإرث أو يشاركه فيه، ومنهم من لا ~~يحب ذلك ويسعى في إهلاك من يحجبه أو ينقصه، ومنهم من يأخذ الإرث فيصرفه في ~~المصارف القبيحة على ما تدعوه إليه شهوته وحاجته، ومنهم من يأخذه بعفة ~~فينفذ وصايا الموروث # PageV12P468 # ويصل ذا قرابته وأهل وده، ويتصدق عنه، ويبادر إلى كل ما كان يحبه وينفعه، ~~كل ذلك لغنى نفسه وكرم طبعه مع كونه مجبولا على الحاجة والنقص، وكان الله ~~هو الغني الحميد، الحكيم المجيد، قال ملوحا بمقصده في أسلوب الإلهاب ~~والتهييج: {وأنت} أي والحال أنك {خير الوارثين*} لأنك أغناهم عن الإرث ~~وأحسنهم تصرفا، وكثيرا ما تمنح إرث بعض عبيدك عبيدا آخرين، فأنت الحقيق بأن ~~تفعل في إرثي من العلم والحكمة ما أحبه، فتهبني ولدا تمن عليه بذلك ~~{فاستجبنا له} بعظمتنا وإن كان في حد من السن لا حراك به معه وزوجه في حال ~~من العقم لا يرجى معه حبلها، ms3011 فكيف وقد جاوزت سن اليأس، ولذلك عبر بما يدل ~~على العظمة فقال: {ووهبنا له يحيى} وارثا حكيما نبيا عظيما {وأصلحنا له} ~~خاصة من بين أهل ذلك الزمان {زوجه} أي جعناها صالحة لكل خير، خالصة له ولا ~~سيما لما مننا عليه به من هذه الهبة بعد أن كانت بعقمها وكبرها غير صالحة ~~له بوجه يقدر عليه غيرنا؛ ثم استأنف البيان لخيرية الموروث والوارث ~~والمصلحة للولادة فقال، مؤكدا ترغيبا في مثل # PageV12P469 # أحوالهم وأنها مما يلتذ بذكره ويعجب من أمره: {إنهم كانوا} مجبولين في ~~أول ما خلقناهم جبلة خير، مهيئين لأنهم {يسارعون في الخيرات} أي يبالغون في ~~الإسراع بها مبالغة من يسابق آخر، ودل على عظيم أفعالهم بقوله: {ويدعوننا} ~~مستحضرين لجلالنا وعظمتنا وكمالنا {رغبا} في رحمتنا {ورهبا} من سطوتنا ~~{وكانوا} أي جبلة وطبعا {لنا} خاصة {خاشعين*} ي خائفين خوفا عظيما يحملهم ~~على الخضوع والانكسار. # ولما استدل على الساعة بما وهب لهؤلاء القوم من أهل الطاعة من التصرف في ~~العناصر وغيرها إلى أن ذكر أنه خرق العادة في إيداع يحيى عليه الصلاة ~~والسلام بين والدين لا يولد لمثلهما لأن أباه زكريا عليه السلام كان قد صار ~~إلى حالة الكبر ويبس من الأعضاء عظيمة، وأمه كانت - مع وصولها إلى مثل تلك ~~الحال - عاقرا في حال شبابها، تلاه بإبداع ابن خالته عيسى عليه السلام الذي ~~هو علم للساعة على حال أغرب من حاله، فأخرجه من أنثى بلا ذكر، إشارة إلى ~~قرب الوقت لضعف الأمر، كضعف الأنثى بالنسبة إلى الذكر، فقال: {والتي أحصنت ~~فرجها} أي حفظته من الحلال والحرام # PageV12P470 # حفظا يحق له أن يذكر ويتحدث به، لأنه غاية في العفة والصيانة، والتخلي عن ~~الملاذ إلى الانقطاع إلى الله تعالى بالعبادة، مع ما جمعت إلى ذلك من ~~الأمانة والاجتهاد في متانة الديانة {فنفخنا} أي بما لنا من العظمة التي لا ~~يداني أوجها نقص، ولا يقرب من ساحتها حاجة ولا وهن {فيها} أي في فرجها - ~~كما التحريم، نفخا هو من جناب عظمتنا؛ ودل على عظم خلوصه وصفائه بقوله: {من ms3012 ~~روحنا} أي من روح يحق له أن يضاف إلينا لجلالته وطهارته، فكان من ذلك النفخ ~~حبل وولد. # ولعله أضاف هنا النفخ إليها، لا إلى فرجها وحده، ليفيد أنه - مع خلق عيسى ~~عليه السلام به وإفاضة الحياة عليه حسا ومعنى - أحياها هي به معنى بأن قوى ~~به معانيها القلبية حتى كانت صديقة متأهلة لزواجها بخير البشر في الجنة، ~~وخصت هذه السورة بهذا لأن مقصودها الدلالة على البعث الذي هو إفاضة الأرواح ~~على الأموات، قال الرازي: وعلى الجملة هذه عبارة عن إبداع عيسى عليه السلام ~~في # PageV12P471 # رحم مريم عليها السلام من غير نطفة. # ولما قدمته من السر في إفاضة النفخ إلى حملتها، أتبع ذلك قوله: {وجعلناها ~~وابنها} أي بتلك العظمة العظمى {ءاية} جعلهما نفس الآية لكثرة ما كان فيهما ~~من الأعاجيب. ولما كان ما فيهما من ذلك ليس مقصودا لذاته، بل لتقرير أمر ~~عيسى عليه السلام، لم يقل: آيتين، أو لئلا يظن أن نفس العدد مقصود فينقص ~~المعنى {للعالمين*} أي في أن الله قادر على كل شيء لا سيما البعث الذي هو ~~آيته، يتحدث بذلك بعدهما جيل بعد جيل، وعالم بعد عالم، وأمة بعد أمة، إلى ~~قيام الساعة التي هو علمها، وحفظنا ابنها بعلمنا وحكمتنا وقدرتنا وعظمتنا ~~ممن كاده، ورفعناه إلى محل قدسنا، وختم به الأنبياء المذكورين هنا لأنه ~~خاتم المجددين لهذا الدين المحمدي، وهو دليل الساعة، وكتابة أعظم كتاب بعد ~~التوراة التي ابتدأ بصاحبها ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حاشى ~~القرآن الذي عجزت لبلاغته الإنس والجان. # PageV12P472 # ذكر شيء من دلائل كونه آية من الإنجيل: قال متى أحد المترجمين الأربعة ~~للإنجيل وأغلب السياق له بعد أن ذكر مقتل يحيى ابن زكريا عليهما السلام كما ~~مضى في آل عمران: فلما سمع يسوع مضى من هناك في سفينة إلى البرية مفردا، ~~وسمع الجمع فتبعوه ماشين من المدينة، فلما خرج أبصر جمعا كثيرا فتحنن عليهم ~~وأبرأ أعلاءهم ومرضاهم وقال مرقس: فلما خرج يسوع أبصر جمعا كثيرا فتحنن ~~عليهم لأنهم كانوا كخراف لا راعي لها ms3013 فبدأ يعلمهم، وبعد ساعات كثيرة جاء ~~تلاميذه إليه، وقال متى: ولما كان المساء أتى تلاميذه وقالوا: إن المكان ~~قفر، والساعة قد جازت، أطلق الجمع يذهبوا إلى القرى المحيطة فيبتاغوا لهم ~~طعاما، فقال لهم: أعطوهم أنتم ليأكلوا، فقالوا: ليس هاهنا، وأمر بإجلاس ~~الجميع على العشب، وقال مرقس: الأخضر أحزابا أحزابا، فجلسوا رفاقا رفاقا ~~مائة مائة وخمسين خمسين، وقال يوحنا: فقال لفيلبس: من أين نبتاع لهؤلاء ~~خبزا؟ قاله ليجربه، فقال فيلبس: ما يكفيهم خبز بمائتي دينار، وقال # PageV12P473 # إندراوس أخو شمعون الصفاء: إن هاهنا حدثا معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان، ~~فقال يسوع: مروا الناس بالجلوس، وقال متى: وأخذ الخمس خبزات والحوتين، ونظر ~~إلى السماء وبارك وقسم وأعطى الخبز لتلاميذه، وقال مرقس: وقسم الحوتين ~~وناول التلاميذ الجميع فأكل جميعهم وشبعوا ورفعوا من فضلات الكسر اثني عشر ~~سلا مملوءة، ومن السمك، وكان عدد الآكلين خمسة آلاف رجل، وقال متى: سوى ~~النساء والصبيان، وقال يوحنا: فقالوا: حقا إن هذا هو النبي الجائي إلى ~~العالم، فعلم يسوع أنهم اجتمعوا ليحتفظوا به ويصيروه ملكا، فتحول إلى ~~الجبل، وقال متى: وللوقت أمر تلاميذه أن يصعدوا إلى السفينة ويسبقوه إلى ~~العبر ليطلق الجموع، وقال يوحنا: ليعبروا إلى الكفر ناحوم وكان ظلاما، وقال ~~متى: فأطلق الجمع وصعد إلى الجبل منفردا يصلي، وقال مرقس: وللوقت تقدم إلى ~~تلاميذه بركوبهم السفينة وأن يسبقوه إلى العبر عند بيت صيدا ليطلق هو ~~الجماعة، فلما ودعهم وذهب إلى الجبل ليصلي، قال متى: فلما كان المساء وكان ~~وحده هناك # PageV12P474 # والسفينة في وسط البحر، فضربتها الأمواج لمعاندة الريح لها، قال يوحنا: ~~فمضوا نحو خمسة وعشرين غلوة أو ثلاثين، وقال متى: وفي الهجعة الرابعة من ~~الليل جاءهم ماشيا على البحر فاضطربوا وقالوا: إنه خيال، ومن خوفهم صرخوا، ~~فكلمهم قائلا: أنا هو، لا تخافوا، أجابه بطرس وقالوا: إن كنت أنت هو فمرني ~~أن آتي إليك على الماء، فقال له: تعال! فنزل بطرس من السفينة ومشى على ~~الماء، فرأى قوة الريح فخاف، وكاد أن يغرق فصاح قائلا: يا رب نجني! فللوقت ms3014 ~~مد يسوع يده وأخذه وقال له: يا قليل الأمانة! لم شككت؟ فلما صعد السفينة ~~سكنت الريح، قال يوحنا: وللوقت صارت إلى الأرض التي أرادوها، وفي الغد نظرت ~~الجموع الذين كانوا معه في عبر البحر أن ليس هناك سوى سفينة واحدة، وأن ~~يسوع لم يركبها مع تلاميذه لكن تلاميذه مضوا وحدهم، وكانت سفن أخر وافت من ~~طبرية حتى انتهت إلى الموضع الذي أكلوا الخبز الذي بارك عليه، فحين لم ير ~~الجماعة يسوع هناك ولا تلاميذه، ركبوا تلك السفن، وأتوا إلى كفر ناحوم ~~يطلبون يسوع، فلما قصدوه في عبر البحر قالوا له: يا معلم! متى صرت هاهنا؟ ~~أجاب يسوع وقال: الحق الحق أقول لكم! إنكم لم تطلبوني لنظركم الآيات بل ~~لأكلكم الخبز فشبعتم، اعلموا لا للطعام الزائل بل للطعام الباقي في الحياة ~~المؤبدة # PageV12P475 # الذي يعطيكموه ابن البشر، ثم قال: لست أعمل بمشيئتي، لكن بمشيئة الذي ~~أرسلني، ثم قال: قد كتب في الأنبياء أنهم يكونون بأجمعهم معلمين، الحق أقول ~~لكم! من يؤمن بي فله الحياة الدائمة، قالوا: ما نصنع حتى نعمل أعمال الله؟ ~~قال: عمل الله هو أن تؤمنوا بمن أرسله، قال متى: ولما عبروا جاؤوا إلى أرض ~~جناشر، قال مرقس: فأرسوا وخرجوا من السفينة - انتهى. # فعرفه أهل ذلك المكان وأرسلوا إلى جميع تلك الكور فقدموا إليه كل ~~المسقومين وطلبوا إليه أن يلمسوا طرف ثوبه فقط، وكل من لمسه خلص. # PageV12P476 # ولما دل ما مضى من قصص هؤلاء الأنبياء وغيرهم على أن لله القدرة الباهرة، ~~القوة البالغة الشاملة للبعث وغيره، وكان ذلك دالا على التوحيد الذي هو أصل ~~الدين، وأنهم كلهم متفقون عليه بالتصريح من البعض هنا ومن الباقين فيما ~~سبق، كان إثباته فذلكة هذه القصص وما تقدمها من هذه السورة، فلذلك اتصل به ~~قوله مخاطبا لمن قال لهم: أفأنتم له منكرون: {إن هذه} أي الأنبياء الذين ~~أرسلناهم قبل نبيكم صلى الله عليه وسلم رجالا نوحي إليهم كما أنه رجل نوحي ~~إليه # PageV12P476 # لا آباؤكم ولا ما وجدتموه عليه {أمتكم} أي مقصودكم أيها الخلق بالاقتداء ms3015 ~~في الاهتداء، حال كونها {أمة} قال البغوي: وأصل الأمة الجماعة التي هي على ~~مقصد واحد - انتهى. وأكد سبحانه هذا المعنى فقال: {واحدة} كما في الخبر ~~أنهم أولاد علات. أمهاتهم شتى ودينهم واحد. لا اختلاف بينهم أصلا في ~~التوحيد الذي هو الأصل ولا في توجيه الرغبات إلينا، وقصر النظر علينا، علما ~~منهم بما لنا من صفات الكمال، وأن كل شيء فإلينا مفتقر، ولدينا خاضع منكسر، ~~فاتبعوهم في ذلك، لا تحيدوا عنهم تضلوا، وإنما فرقناهم وجعلناهم عددا بحسب ~~الأمم المتشعبة في الأزمان المتطاولة، وأنا لم نجعل لأحد منهم الخلد، ولغير ~~من الحكم، فبثثناهم في الأقطار، حتى ملؤوها من الأنوار. # ولما كان المقصود تعيين المراد من غير لبس، عدل عن صيغة العظمة فقال: ~~{وأنا ربكم} أي لا غيري، في كل زمان وكل مكان، لكل أمة، لأني لا أتغير على ~~طول الدهر، ولا يشغلني شأن عن شأن {فاعبدون*} دون غيري فإنه لا كفوء لي. # ولما كان من المعلوم أنهم لم يفعلوا، أعرض إلى أسلوب الغيبة # PageV12P477 # إيذانا بالغضب، فكان التقدير في جواب من كأنه قال: ما فعلوا؟ : لم يطيعوا ~~أمري في الاجتماع على ما جمعتهم عليه من عبادتي التي هي سبب لجلب كل خير، ~~ودفع كل ضير ولا افتدوا في ذلك بالكمل من عبادي، فعطف عليه قوله {وتقطعوا} ~~أي مخالفة للأمر بالاجتماع ولما كان الدين الحق من الجلاء والعظمة ~~والملاءمة للنفوس بحيث لا يجهله ولا يأباه أحد نصح لنفسه وإن جهله، كفى ~~أدنى تنبيه في المبادرة إليه وترك ما سواه كائنا ما كان، فكان خروج الإنسان ~~عنه بعد أن كان عليه في غاية البعد فضلا عن أن يتكلف ذلك بمنازعة غيره ~~المؤدية إلى الافتراق والتباغض ولا سيما إن كان ذلك الغير قريبه أو صديقه، ~~وكانت صيغة التفعل من القطع صريحة في التفرق، وتفيد العلاج والتكلف، وكانت ~~تأتي بمعنى التفعيل والاستفعال، عبر بها. # ولما كان في غاية البعد أن يقطع الإنسان أمر نفسه، كان تقديم الأمر أهم ~~فقال: {أمرهم} فنصبه بفعل التقطع لأنه بمعنى التقطيع كما ms3016 قاله البغوي ~~وغيره، أو بمعنى الاستفعال كما قالوا في تجبر وتكبر. # ولما كان في غاية من العجب أن يكون التقطيع واقعا منهم بهم # PageV12P478 # وأن يكون مستغرقا لظرفه، قال: {بينهم} أي فكانوا فرقا كل فرقة على شعبة ~~من ضلال، زينها لها هواها، فلم يدعوا شيئا من الأمر بغير تقطيع، وكان العطف ~~بالواو دون الفاء كما في المؤمنون لأن ترك العبادة ليس سببا للتقطع، بل ~~ربما كان عنه الاجتماع على الضلال، كما يكون في آخر الزمان وكما قال تعالى ~~{كان الناس أمة واحدة} [البقرة: 213] الآية {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ~~إلا من بعد ما جاءتهم البينة} [البينة: 4] . # ولما كان كأنه قيل: فماذا يفعل بهم؟ قال ما هو غاية في الدلالة على باهر ~~العظمة وتام القدرة ليكون أشد في الوعيد، وصادع التهديد: {كل} أي من هذه ~~الفرق وإن بالغ في التمرد {إلينا} على عظمتنا التي لا يكافئها شيء، لا إلى ~~غيرنا {راجعون *} فنحكم بينهم فيتسبب عن ذلك أنا نجازيهم إقامة للعدل فنعطي ~~كلا من المحق التابع لأصفيائنا والمبطل المائل إلى الشياطين أعدائنا ما ~~يستحقه، وذلك هو معنى قوله تعالى، فارقا بين المحسن والمسيء تحقيقا للعدل ~~وتشويقا بالفضل: {فمن يعمل} أي منهم الآن من {الصالحات وهو} أي # PageV12P479 # والحال أنه {مؤمن} أي بان لعمله على الأساس الصحيح {فلا كفران} أي إبطال ~~بالتغطية {لسعيه} بل نحن نجزيه عليه بما يستحقه ونزيده من فضلنا {وإنا له} ~~أي لسعيه الآن على عظمتنا {كاتبون*} وما كتبناه فهو غير ضائع، بل باق، ~~لنطلعه على يوم الجزاء بعد أن نعطيه قدرة على تذكره، فلا يفقد منه شيئا قل ~~أو جل، ومن المعلوم أن قسميه «ومن يعمل من السيئات وهو كافر فلا نقيم له ~~وزنا» و «من عمل منها وهو مؤمن فهو في مشيئتنا» ، ولعله حذف هذين القسمين ~~ترغيبا في الإيمان. # ولما كان هذا غير صريح في أن هذا الرجوع بعد الموت، بينه بقوله: {وحرام} ~~أي وممنوع ومحجور {على قرية} أي أهلها {أهلكناها} أي بالموت بعظمتنا {أنهم ~~لا يرجعون*} أي إلينا بأن ms3017 يذهبوا تحت التراب باطلا من غير إحساس، بل إلينا ~~بموتهم رجعوا فحبسناهم في البرزخ منعمين أو معذبين نعيما وعذابا دون النعيم ~~والعذاب الأكبر، ولقد دل على قدرته قوله: {حتى إذا فتحت} بفتح السد الذي ~~تقدم وصفنا له، وأن فتحه لا بد منه وقراءة ابن عامر بالتشديد تدل على كثرة ~~التفتيح أو على كثرة الخارجين من الفتح وإن كان فرحة واحدة كما أشار إطلاق ~~قراءة الجماعة بالتخفيف # PageV12P480 # {يأجوج ومأجوج} فخرجوا على الناس؛ وعبر عن كثرتهم التي لا يعلمها إلا هو ~~سبحانه بقوله: {وهم} أي والحال أنهم {من كل حدب} أي نشز عال من الأرض ~~{ينسلون*} أي يسرعون، من النسلان وهو تقارب الخطا مع السرعة كمشي الذئب، ~~وفي العبارة إيماء إلى أن الأرض كرية {واقترب الوعد الحق} وهو حشر الأموات ~~الذي يطابقه الواقع، إذا وجد قربا عظيما، كأن الوعد طالب له ومجتهد فيه. # ولما دلت صيغة «افتعل» على شدة القرب كما في الحديث أن الساعة إذ ذاك مثل ~~الحامل المتم، علم أن التقدير جوابا لإذا: كان ذلك الوعد فقام الناس من ~~قبورهم: {فإذا هي شاخصة} أي واقفة جامدة لا تطرف لما دهمهم من الشدة، ويجوز ~~وهو أقرب أن تكون إذا هذه الفجائية هي جواب إذا الشرطية، وهي تقع في ~~المجازات سادة مسد الفاء، فإذا جاءت الفاء معها متفاوتة على وصل الجزاء ~~بالشرط فيتأكد، فالمعنى: إذا كان الفتح ووقع ما تعقبه فاجأت الشخوص {أبصار ~~الذين كفروا} أي منهم، لما بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبونه من # PageV12P481 # الأهوال، قائلين: {يا ويلنا} أي حضرنا الويل فهو نديمنا فلا مدعو لنا ~~غيره {قد كنا} أي في الدنيا {في غفلة من هذا} أي مبتدئة من اعتقاد هذا ~~البعث فكنا نكذب به فعمتنا الغفلة. # ولما كان من الوضوح في الدلائل والرسوخ في الخواطر بحيث لا يجهله أحد، ~~أضربوا عن الغفلة فقالوا: {بل كنا ظالمين*} أي بعدم اعتقاده واضعين الشيء ~~في غير موضعه حيث أعرضنا عن تأمل دلائله، والنظر في مخايله، وتقبل كلام ~~الرسل فيه، فأنكرنا ما هو أضوأ ms3018 من الشمس. # PageV12P482 # ولما كان هذا محلا يخطر بالبال فيه آلهتهم بما يترجونه منها من النفع، ~~قال مخاطبا لهم إرادة التعنيف والتحقير: {إنكم} وأكده لإنكارهم مضمون ~~الخبر: {وما تعبدون} أيها المشركون من الأصنام والشياطين؛ ولما كان يتعبدون ~~له سبحانه طوعا وكرها مع الإشراك، قيد بقوله دالا على أن رتبة ما عبدوه من ~~أدنى المراتب الكائنة تحت رتبته سبحانه: {من دون الله} أي الملك الأعلى ~~الذي لا كفوء له؛ ولما كانوا يرمى بهم في جهنم رمي الحجارة الصغار التي ~~تسمى الحصباء إلى المحصوب إسراعا وإكراها، فيكونون وقودها من غير إخراج، ~~قال: {حصب جهنم} أي الطبقة التي تلقى المعذب بها بالتجهم والعبوسة والتكره؛ ~~ثم أكد ذلك بقوله استئنافا: {أنتم لها واردون*} أي # PageV12P482 # داخلون دخول ورد الحمى على حالة هي بين السواد بالدخان والاحمرار باللب. # ولما قرعهم من هذا الكلام بما لا جواب لهم عنه غير المكابرة، أعرض عنهم ~~الخطاب استهانة بهم واحتقارا لهم فقال: {لو كان هؤلاء} أي الذين أهلوهم ~~لرتبة الإلهية وهم في الحقارة بحيث يقذف بهم في النار قذفا {ءالهة} أي كما ~~زعم العابدون لهم {ما وردوها} أي جهنم أصلا، فكيف على هذه الصفة؛ ثم أخبر ~~عنهم وعنها بقوله: {وكل} أي منهم ومنها {فيها} أي جهنم {خالدون*} لا انفكاك ~~لهم عنها، بل يحمى بكل منهم فيها على الآخر {لهم} أي لمن فيه الحياة من ~~المذكورين العابدين مطلقا والمعبودين الراضين كفرعون {فيها زفير} أي تنفس ~~عظيم على غاية من الشد والمد. تكاد تخرج معه النفس، ويقرنون بآلهتهم زيادة ~~في عذابهم حيث جعل المعبود الذي كان يطلب من السعادة زيادة في الشقاوة فصار ~~عدوا ولا يكون أنكأ من مقارنة العدو. # ولما كانت تعمية الأخبار مما يعدم القرار، ويعظم الأكدار، # PageV12P483 # قال {وهم فيها لا يسمعون*} حذف المتعلق تعميما لكل مسموع، قال ابن كثير: ~~قال ابن أبي حاتم: حدثنا على بن محمد الطنافسي ثنا ابن فضيل ثنا عبد الرحمن ~~- يعني المسعودي - عن أبيه قال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا بقي من ~~يخلد في ms3019 النار جعلوا في توابيت من نار فيها مسامير من نار فلا يرى أحد منهم ~~أنه يعذب في النار غيره، ثم تلا عبد الله - يعني هذه الآية، قال: ورواه ابن ~~جرير من حديث حجاج بن محمد عن المسعودي عن يونس بن خباب عن ابن مسعود ~~فذكره. # ولما ذكر حالهم وحال معبوديهم بغاية الويل، كان موضع السؤال عمن عبدوهم ~~من الصالحين من نبي أو ملك وغيرهما من جميع من عبده سبحانه لا يشرك به ~~شيئا، فقال مبينا أنهم ليسوا مرادين لشيء من ذلك على وجه يعمهم وغيرهم من ~~الصالحين: {إن الذين سبقت لهم منا} أي ولنا العظمة التي لا يحاط بها ~~{الحسنى} أي الحكم بالموعدة البالغة في الحسن في الأزل سواء ضل بأحد منهم ~~الكفار فأطروه أو لا {أولئك} أي العالو الرتبة {عنها} أي جهنم. # ولما كان الفوز مطلق الإبعاد عنها لا كونه من مبعد معين، قال: # PageV12P484 # {مبعدون*} برحمة الله لأنهم أحسنوا في العبادة واتقوا، وهل جزاء الإحسان ~~إلا الإحسان؛ قال ابن كثير في تفسيره: قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد ~~بن علي بن سهل ثنا محمد بن حسن الأنماطي ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ثنا ~~يزيد بن أبي حكيم أن الحكم - يعني ابن أبان - عن عكرمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم أنتم لها واردون} قال ابن الزبعرى: قد عبدت الشمس والقمر والملائكة ~~وعزير وعيسى ابن مريم أكل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت {ولما ضرب ابن ~~مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا ~~جدلا بل هم قوم خصمون} ثم نزلت {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون} رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابة الأحاديث المختارة انتهى. وفي ~~السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه اعتراض ابن ms3020 الزبعرى ~~قال: «كل من أحب # PageV12P485 # أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن ~~أمرتهم بعبادته» وقد أسلم ابن الزبعرى بعد ذلك ومدح النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # ولما كان أقل ما ينكىء من المكروه سماعه، قال: {لا يسمعون حسيسها} أي ~~حركتها البالغة وصوتها الشديد، فكيف بما دونه لأن الحس مطلق الصوت أو الخفي ~~منه كما قال البغوي، فإذا زادت حروفه زاد معناه {وهم} أي الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى {في ما} ولما كانت الشهوة - وهي طلب النفس اللذة - لا تكون إلا ~~بليغة، عبر بالافتعال دلالة على عظيم ما هم فيه من اللذة فقال: {اشتهت ~~أنفسهم} في الجنة {خالدون*} أي دائما أبدا. # ولما كان معنى ذلك أن سرورهم ليس له زوال، أكده بقوله: {لا يحزنهم} أي ~~يدخل عليهم حزنا - على قراءة الجماعة حتى نافع بالفتح، عن حزنه، أو جعلهم ~~حزبين - على قراءة أبي جعفر بضم ثم كسر، من أحزنه - رباعيا، فهي أشد، ~~فالمنفي فيها كونه يكون لهم صفة # PageV12P486 # {الفزع الأكبر} أي فما الظن بما دونه {وتتلقاهم} أي تلقيا بالغا في ~~الإكرام {الملائكة} حيثما توجهوا، قائلين بشارة لهم: {هذا يومكم} إضافة ~~إليهم لأنهم المنتفعون به {الذي كنتم} في الدنيا. # ولما تطابق على الوعد فيه الرسل والكتب والأولياء من جميع الأتباع، بنى ~~الفعل للمفعول إفادة للعموم فقال: {توعدون*} أي بحصول ما تتمنون فيه من ~~النصر والفوز العظيم، والنعيم المقيم، فأبشروا فيه بجميع ما يسركم. # ولما كانت هذه الأفعال على غاية من الأهوال، تتشوف بها النفس إلى معرفة ~~اليوم الذي تكون فيه، قال تعالى شافيا لعي هذا السؤال، زيادة في تهويل ذلك ~~اليوم لمن له وعي: {يوم} أي تكون هذه الأشياء يوم {نطوي} أي بما لنا من ~~العظمة الباهرة {السماء} طيا فتكون كأنها لم تكن؛ ثم صور طيها بما يعرفون ~~فقال مشبها للمصدر الذي دل عليه الفعل: {كطي السجل} أي الكتاب الذي له ~~العلو والقدرة على مكتوبه {للكتب} أي القرطاس الذي يكتبه ويرسله # PageV12P487 # إلى أحد، وإنما قلت ذلك ms3021 لأن السجل يطلق على الكتاب وعلى الكاتب - قاله في ~~القاموس، واختير للفاعل لفظ السجل لما مضى في سورة هود من أن هذه المادة ~~تدور على العلو، وللمطوي لفظا الكتاب الدال على الجمع، لكونه لازما للطي، ~~مع أن ذلك أنسب لما جعل كل منهما مثالا له، وقراءة المفرد لمقابلة لفظ ~~السماء، والجمع للدلالة على أن المراد الجنس، فجميع السماوات تطوى؛ قال ابن ~~كثير: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي ثنا محمد بن أحمد بن أحمد بن الحجاج ~~الرقي حدثنا محمد بن سلمة عن أبي الواصل عن أبي المليح عن الأزدي عن أبي ~~الجوزاء الأزدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يطوي الله السماوات السبع ~~بما فيها من الخليفة، والأرضين السبع بما فيها من الخليفة، يطوي ذلك كله ~~بيمينه حتى يكون ذلك بمنزلة خردلة. # ولما كان هذا عند من لا يعلم أعظم استبعادا من استبعادهم إعادة الموتى، ~~قال دالا عليه مقربا له إلى العقول بتشبيه الإعادة بالإبداء، في تناول ~~القدرة لهما على السواء، فإنه كما أخرجه بعلم من خزائن قدرته كذلك يرده ~~بعلمه في خزائن قدرته، كما يصنع في نور السراج ونحوه إذا أطفىء، فكذا في ~~غيره من جميع الأشياء {كما} أي مثل ما # PageV12P488 # {بدأنا} أي بما علم لنا من العظمة {أول خلق} أي تقدير أي تقدير كان، نكره ~~ليفيد التفصيل واحدا واحدا، بمعنى أن كل خلق جل أو قل سواء في هذا الحكم، ~~وهو أنا {نعيده} أي بتلك العظمة بعينها، غير ناسين له ولا غافلين ولا ~~عاجزين عنه، فما كان متضام الأجزاء فمددناه نضمه بعد امتداده، وما كان ميتا ~~فأحييناه نميته بعد حياته، وما كان حيا فأمتناه نحييه بعد موته، ونعيد منهم ~~من التراب من بدأناه منه، والحاصل أن من أوجد شيئا لا يبعد عليه التصرف فيه ~~كيفما كان؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # «إنكم محشورون إلى الله عراة غرلا {كما بدأنا أول الخلق نعيده} - الآية، ~~أول ms3022 من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، ألا إنه يجاء برجال من أمتي ~~فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يارب! أصحابي! فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، ~~فأقول كما قال العبد الصالح {كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم - إلى قوله - ~~شهيد} فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم» ثم أعلم ~~أن ذلك أمر لابد منه بالتعبير بالمصدر # PageV12P489 # تأكيدا لما أنكروه وبالغوا في إنكاره فقال: {وعدا} وأكد بقوله: {علينا} ~~وزاده بقوله: {إنا كنا} أي أزلا وأبدا، على حالة لا تحول {فاعلين} أي شأننا ~~أن نفعل ما نريد، لا كلفة علينا في شيء من ذلك بوجه. # ولما ذكر صدقه في الوعد وسهولة الأفعال عليه، وكان من محط كثير مما مضى ~~أن من فعل ما لا يرضي الله غير عليه، كائنا من كان، ومن فعل ما أمره به ~~نصره وأيده ولو بعد حين، كما أشير إليه بقوله تعالى {قل ربي يعلم القول في ~~السماء والأرض} وما بعده من أشكاله، حتى ختم بقوله {أولم يروا أنا نأتي ~~الأرض ننقصها} الآية، قال تعالى عاطفا على {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ~~ذكركم} وما عطف عليه من أشباهه مذكرا بما وعد على لسان داود عليه السلام: ~~{ولقد كتبنا} أي على عظمتنا التي نفوذها محقق لا تخلف له أصلا {في الزبور} ~~أي الذي أنزلناه على داود عليه السلام. # ولما كان المكتوب المشار إليه لم يستغرق ما بعد الذكر المراد من هذا ~~الزبور، أشار إلى التبعيض بإثبات الجار فقال: # PageV12P490 # {من بعد الذكر} أي الكلام الداعي إلى الله تعالى الدال عليه من الدعاء ~~والمواعظ والتسبيح والتمجيد الذي ابتدأنا به الزبور {أن الأرض} أي جنسها ~~الشامل لبقاع أرض الدنيا كلها ولأرض المحشر والجنة وغير ذلك مما يعلمه الله ~~{يرثها عبادي} وحقق ما أفادته إضافتهم إليه من الخصوص بقوله: {الصالحون*} ~~أي المتخلقون بأخلاق أهل الذكر، المقبلين على ربهم، الموحدين له، المشفقين ~~من الساعة، الراهبين من سطوته، الراغبين في رحمته، الخاشعين له - كما أشرنا ~~إليه بقولنا {قل ربي يعلم القول} وما ms3023 ضاهاه وبذكر ما سلف في هذه السورة من ~~شاهد ذلك من قصص هؤلاء الأنبياء الذي ضمناها بعض أخبارهم دلالة على أن ~~العاقبة لمن أرضانا {لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم} [إبراهيم: ~~13-14] {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} [الأعراف: 128] {أولئك هم ~~الوارثون الذين يرثون الفردوس} [المؤمنون: 11] وفي هذا إشارة بالبشارة بأنه ~~تعالى يورث هذه الأمة على ضعفها ما أورث داود وابنه سليمان عليهما الصلاة ~~والسلام على ما أعطاهما من القوة من إلانة الحديد والريح والحيوانات كلها ~~من الجن والإنس والوحش # PageV12P491 # والطير وغير ذلك، والمراد بهذا الكلام - والله أعلم - ظاهره، فإنه ابتدأ ~~سبحانه الزبور بالأذكار والمواعظ إلى أن قال في المزمور السادس والثلاثين ~~وهو قبل ربعه - هذا اللفظ بعينه. # بيان ذلك: # المزمور الأول: طوبى للرجل الذي لا يتبع رأي المنافقين، ولم يقف في طريق ~~الخاطئين، ولم يجلس في مجالس المستهزئين، لكن في ناموس الرب مشيئته، وفي ~~سننه يتلوا ليلا ونهارا، فيكون كمثل الشجرة المغروسة على مجاري المياه التي ~~تعطي ثمرتها في حينها، وورقها لا ينتثر، وكل ما يعمل يتم، ليس كذلك ~~المنافقون، بل كالهباء الذي تذريه الرياح عن وجه الأرض، فلهذا لا يقوم ~~المنافقون في القضاء ولا الخطأة في مجمع الصديقين، لأن الرب عالم بطريق ~~الأبرار، وطريق المنافقين تبيد. # المزمور الثاني: لماذا ارتجت الشعوب؟ وهدت الأمم بالباطل؟ قامت ملوك ~~الأرض ورؤساؤها وائتمروا جميعا على الرب وعلى مسيحه قائلين لنقطع أغلالهما ~~ونلقي عنا سيرهما، الساكن في السماء # PageV12P492 # يضحك بهم، والرب يمقتهم، حينئذ يكلمهم بغضبه، وبسخطه يذهلهم، أنا أقمت ~~ملكا منهم على صهيون جبل قدسه، لأخبر ميثاق الرب، الرب قال لي: أنت ابني، ~~أنا اليوم ولدتك، سلني فأعطيك الشعوب، ميراثك وسلطانك على أقطار الأرض، ~~ترعاهم بقضيب من حديد، ومثل آنية الفخار تسحقهم، من الآن تفهموا أيها ~~الملوك! تأدبوا يا جميع قضاة الأرض! اعبدوا الرب بخشية، سبحوه برعدة، ~~الزموا الأدب لئلا يسخط الرب عليكم فتضلوا عن سبيله العادلة، إذا ما توقد ~~رجزه عن قليل، طوباهم المتوكلين عليه. # المزمور الخامس: استمع يارب قولي ms3024 داعيا، وكن لدعائي مجيبا، وأنصت إلى صوت ~~تضرعي، فإنك ملكي وإلهي، وإني لك أصلي في غدواتي، استمع يا رب طلبتي لأقف ~~أمامك بالغداة وتراني، لأنك إله لا ترضى الإثم، ولا يحل في مساكنك شرير، ~~ولا يثبت مخالفو وصاياك بين يديك، أبغضت جميع عاملي الإثم، وأبدت كل ~~الناطقين بالكذب؛ الرجل السافك الدماء الغاش الرب يرذله، وأنا بكثرة # PageV12P493 # رحمتك أدخل بيتك، وأسجد في هيكل قدسك مستشعرا بخشيتك، اهدني يا رب بعدلك، ~~ومن أجل أعدائي سهل أمامك طريقي، فإنه ليس في أفواههم صدق، بل الإثم في ~~قلوبهم، حناجرهم قبور مفتحة، وألسنتهم غاشة، دنهم يا الله! ومثل كثرة ~~نفاقهم ارفضهم لأنهم أسخطوك يا رب، ويفرح بك جميع المتوكلين عليك، وإلى ~~الأبد يسرون، وفيهم تحل بركتك، ويفتخر بك كل محبي اسمك، لأنك يارب تبارك ~~الصديق، وكمثل سلاح، المسرة كللتنا. # المزمور السادس: يارب! لا تبكتني بغضبك، ولا تؤدبني بزجرك، ارحمني يا رب ~~فإني ضعيف، اشفني يارب فإن عظامي قلقت، ونفسي جزعت جدا، وأنت نج نفسي ~~وخلصني برحمتك، فليس في الموتى من يذكرك، ولا في الجحيم من يشكرك، تعبت في ~~تنهدي، أحمم في كل ليلة سريري، وبدموعي أبل فراشي، ذبلت من السخط عيناي، ~~ابعدوا عني يا جميع عاملي الإثم، فإن الرب سمع صوت بكائي، الرب سمع صوت ~~تضرعي، الرب قبل صلاتي، يخزون ويبهتون جميع أعدائي، ويتضرعون ويسقطون جدا ~~عاجلا. # PageV12P494 # وفي المزمور التاسع: أشكرك يا رب من كل قلبي، وأقص جميع عجائبك، أفرح ~~وأسر بك، وأرتل لاسمك العلي حين تولى أعدائي على أدبارهم يضعفون ويبيدون من ~~بين يديك، لأنك قضيت لي وانتقمت لي، استويت على العرش يا ديان الحق، زجرت ~~الشعوب، أبدت المنافق أسقطت اسمه إلى الأبد وإلى أبد الأبد، لأنك أبدت سلاح ~~العدو، وأفنيت مدائنه، وأزلت ذكرها، الرب دائم إلى الأبد، أعد كرسيه للقضاء ~~ليقضي للمسكونة بالعدل، ويدين الشعوب بالاستقامة. # المزمور الثاني عشر: حتى متى يا رب تنساني إلى التمام؟ حتى متى يا رب ~~تصرف وجهك عني؟ حتى متى تترك هذه الأفكار في نفسي والهموم والأوجاع في ms3025 قلبي ~~النهار كله؟ حتى متى يعلو عدوي علي؟ انظر إلي واستجب لي يا ربي وإلهي! أنر ~~عيني لئلا أنام ميتا، ولئلا يقول عدوي: إني عليه قد قدرت، والمضطهدون لي ~~يفرحون إذا أنا زللت، وأنا على رحمتك توكلت، فلبي بخلاصك يفرح، أرتل الرب ~~الذي صنع لي حسنا، وأسبح اسم الرب العالي. # المزمور الرابع عشر: يا رب من يسكن في مسكنك أو من يحل في طور قدسك؟ ذاك ~~الذي يمشي بلا عيب ويعمل البر ويتكلم في قلبه # PageV12P495 # بالحق، ولا يغش بلسانه أحدا، ولا يصنع بقريبه سوءا، ولا يلتمس لجيراته ~~عارا، عيناه تشنأ الأثمة، يمجد أتقياء الرب، يحلف لقريبه ولا يكذب، ولا ~~يعطي فضته بالربا، ولا يقبل الرشوة على الأزكياء، الذي يفعل هذا يدوم ولا ~~يحول إلى الأبد. # المزمور السادس عشر: استمع يا الله ببري، وانظر إلى تواضعي، وأنصت لصلاتي ~~من شفتين غير غاشتين، من قدامك يخرج قضائي، عيناك تنظران الاستقامة، بلوت ~~قلبي وتعاهدتني، جربتني فلم تجد في ظلما، ولم يتكلم فمي بأعمال الشر، من ~~أجل كلام شفتيك حفظت طرق صعبة لكيما يشتد في سبلك نهوضي ولا تزل خطاي، وإذا ~~ما دعوتك استجب لي، اللهم أنصت إلي أسمعك، وتقبل دعائي يا مخلص المتوكلين ~~عليك، خلصني بيمينك من المضادين لي، احفظني مثل حدقة العين، وبظلال جناحك ~~ظللني، من وجه المنافقين الذين أجهدوني، وأعدائي الذين اكتنفوا نفسي، تفقدت ~~شحومهم، وتكلمت أفواههم بالكبرياء، عندما أخرجوني أحاطوا بي، نصبوا عيونهم ~~ليضربوا بي الأرض، استقبلوني مثل الأسد المستعد للفريسة، ومثل الشبل الذي ~~يأوي في خفية، قم يا رب! أدركهم وعرقلتهم، ونج نفسي من المنافقين، ومن سيف # PageV12P496 # أعدائك، اللهم عن قرب شتتهم في الأرض، اقسمهم في حياتهم. # المزمور السابع عشر: أحبك يا رب قوتي! الرب رجائي وملجأي ومخلصني إلهي ~~عوني، عليه توكلي، ساتري وخلاصي وناصري، أسبح الرب وأدعوه، أنجو من أعدائي، ~~لأن غمرات الموت اكتنفتني، وأودية الأثمة أفزعتني، أحاطت بي أهوال الجحيم، ~~شباك الموت أدركتني، وعند شدتي دعوت الرب، وإلى إلهي صرخت، سمع من هيكل ~~قدسه صوت دعائي، أمامه ms3026 يدخل إلى مسامعه، تزلزلت الأرض وارتعدت، تحركت ~~أساسات الجبال وتزعزعت من أجل أن الرب غضب عليها، صعد الدخان من رجزه ~~والتهبت النار أمامها، اشتعل منه جمر نار، طأطأ السماوات، والضباب تحت ~~رجليه، طار على أجنحة الرياح، جعل الظلمة حجابه، تحوط مظلته مياه مظلمة في ~~سحب الهواء من الزمهرير ظلاله، ومن بريق نور وجهه جعل الغمام يجري بين ~~يديه، بردا وجمر نار، أرعد الرب من السماء، وأبدى العلي صوته، أرسل سهاما ~~وفرقهم، وأكثر البرق وأفزعهم وأقلقهم، ظهرت عيون المياه، وانكشفت أساسات ~~المسكونة من انتهارك يا رب! ومن هبوب الريح سخطك، أرسل من العلى وأخذني، ~~نشلني من المياه الغزيرة، وخلصني من أعدائي الأشداء، ومن المبغضين لي، ~~لأنهم تقووا أكثر مني، سبقوني في يوم حزني، نجاني في يوم جزعي، الرب صار لي ~~سندا، أخرجني إلى السعة، وأنقذني لأنه ترأف لي، خلصني من أعدائي الأشداء ~~المبغضين، جازاني الرب # PageV12P497 # مثل بري، ومثل طهر يدي يعطيني، لأني حفظت سبل الرب، ولم أبعد من إلهي، إذ ~~كل أحكامه قدامي، وعدله لم أبعده عني، أكون معه بلا عيب، ولم تزدحف خطاي، ~~جازاني الرب مثل بري، ومثل طهر يدي أمامه، مع العفيف عفيفا تكون، ومع البار ~~بارا تكون، ومع الملتوي ملتويا تكون، ومع المختار مختارا تكون، من أجل أنك ~~تنجي الشعب المتواضع وتذل أعين المتعظمين، وأنت يا رب تضيء سراجي، لأني بك ~~أنجو من الرصد، وبإلهي اعبر السور، والله لا ريب في سبله، كلام الرب مختبر، ~~يخلص جميع المتوكلين عليه، لا إله مثل الرب، ولا عزيز مثل إلهنا، الإله ~~الذي عضدني بقوته، جعل سبلي بلا عيب، ثبت قدمي، وعلى المشارق رفعني، علم ~~يدي القتال، شدد ذراعي مثل قوس نحاس، أعطاني الخلاص، يمينه نصرتني، وأدبه ~~أقامني إلى التمام، حكمتك علمتني، وسعت خطاي تحتي، ولم تضعف قدماي، أطلب ~~أعدائي وأدركهم، ولا أرجع حتى أفنيهم، أرميهم فلا يستطيعون القيام، يسقطون ~~تحت قدمي، عضدتني بقوة في الحرب، جعلت كل الذين قاموا علي تحتي، أبدت ~~أعدائي، استأصلت الذي شنؤوني، صرخوا فلم يكن لهم مخلص، ms3027 رغبوا إلى الله فلم ~~يستجب لهم، أسحقهم مثل الثرى # PageV12P498 # أمام الريح، وكمثل طين الطرق أطؤهم، نجني من مقاومة الألسن، سيرني رأسا ~~على الشعوب، الشعب الذي لا أعرفه تعبد لي، سمع لي سماع الأذن، بنو الغرباء ~~أقبلوا وأطيعوني، ولم يؤمن بي بنو الغرباء، حي هو الله، وتبارك إله خلاصي، ~~تعالى الرب الذي أنقذني، الله الذي ثبت لي الانتقام، أخضع الشعوب تحتي، ~~ونجاني من أعدائي، ورفعني على الذين قاموا علي، ومن الرجال الأثمة نجاني، ~~لذلك أشكرك يا رب بين الشعوب، وأرتل لاسمك. # المزمور الحادي والعشرون: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ تباعدت عن خلاصي لقول ~~جهلي، إلهي دعوتك بالنهار فلم تستجب لي، وفي الليل فلم يكن مني جهلا، أنت ~~كائن في القديسين يا فخر إسرائيل، بك آمن آباؤنا، وتوكلوا عليك فنجيتهم، ~~وصرخوا إليك فخلصتهم، رجوك فلم يخزوا، وأنا فدودة ولست إنسانا، عار في ~~الناس، مرذول في الشعب، كل من رآني يمقتني، تكلموا بشفاههم وهزوا رؤوسهم ~~وقالوا: إن كان آمن أو توكل على الرب فلينجه، ويخلصه إن # PageV12P499 # كان يحبه، وأنت من البطن أخرجتني، ومذ كنت أرتضع من بطن أمي ألقيت إليك، ~~وعليك من الرحم توكلت، ومن بطن أمي أنت إلهي فلا تبعد عني، فإن الشدة ~~قريبة، وليس من يخلصني، أحاطت بي عجول كثيرة، اكتنفتني ثيران سمان، فتحت ~~أفواهها على مثل الأسد الزائر المفترس، ومثل الماء انهرقت عظامي، وصار قلبي ~~مثل الشمع المذاب في وسط بطني، يبست قواي مثل الفخار، لصق لساني بحنكي، ~~وإلى تراب الموت أنزلتني، أحاطت بي كلاب كثيرة، اكتنفتني جماعة الأشرار، ~~ثقبوا يدي ورجلي، وزعزعوا جميع عظامي، نظروا إلي وشتموني، واقتسموا بينهم ~~ثيابي، واقترعوا على لباسي، وأنت يا رب فلا تبعد من معونتي، انظر إلى ~~تضرعي، نج من السيف نفسي، ومن يد الكلاب التي احتوشتني، ومن فم الأسد ~~خلصني، ومن القرن المتعالي على تواضعي، لأبشر باسمك إخوتي، وبين الجماعة ~~أمجدك، أيها الخائفون من الرب مجدوه! يا جميع ذرية يعقوب سبحوه! يخشاه كل ~~زرع إسرائيل، لأنه لم يهن ولم يرذل دعوة المسكين، # PageV12P500 # ولا صرف ms3028 وجهه عني، وعند دعائي استجاب لي، يأكل المساكين ويشبعون، ويسجد ~~قدامه جميع قبائل الشعوب، لأنه الملك الرب، وسلطانه على الأمم، تأكل وتسجد ~~قدام الرب جميع ملوك الأرض، وبين يديه يجثو جميع هابطي التراب لله، يحيي ~~نفسي، وذريتي له تتعبد، أخبروا بالرب أيها الجيل الآتي، وحدثوا بعدله، ليرى ~~الشعب الذي يولد صنع الرب. # المزمور الثلاثون: عليك يارب توكلت فلا أخزى إلى الأبد، خلصني وأنقذني ~~بعدلك، أنصت لي بسمعك، واستنقذني عاجلا، كن لي إلها نصيرا وملجأ ومخلصا ~~لأنك عوني وملجئي، وباسمك يارب تهديني وتعينني وتخرجني من هذا الفخ الذي ~~أخفي لي، لأنك ناصري، وفي يدك أسلم روحي، نجني يا رب إله الحق، شنأت الذين ~~يغتبطون بالأوثان الباطله، وأنا على الرب توكلت، أفرح وأسر برحمتك لأنك ~~نظرت إلى تواضعي، وخلصت نفسي من الشدائد، ولمن تسلمني في أيدي الأعداء، ~~اقمت رجلي في السعة، ارحمني يا رب فإني حزين، جزعت # PageV12P501 # عيناي من سخطك، ونفسي وقواي، فني عمري بالأحزان، وسني بالزفرات، ضعفت ~~بالمسكنة قوتي وقلقت عظامي، صرت عارا في أعدائي وجيرتي، ورهبة لمن عرفني، ~~من عاينني تباعد عني، ونسوني في قلوبهم مثل الميت، صرت مثل إناء مكسور، ~~لأني سمعت سب جميع من حولي، هموا بي وعند اجتماعهم علي جميعا تآمروا لأخذ ~~نفسي، فأنا يا رب عليك توكلت، قلت: أنت إلهي، وفي يدك قسمي، نجني من يد ~~أعدائي والطاردين لي، أضىء وجهك على عبدك، وخلصني برحمتك، يارب لا تخزني ~~فإني دعوتك، تخزي المنافقين ويهبطون إلى الجحيم، تبكم الشفاه الغاشة ~~المتقولة على الصديق بالزور والبهتان، ما أكثر رحمتك يا رب لجميع خائفيك، ~~أعددتها لمن اعتصم بك أمام بني البشر، استرهم في كنفك من أشرار الناس وفي ~~ظلال وجهك، وقهم من مقاومة الألسن، تبارك الرب الذي انتخب له الأصفياء في ~~المدينة العظيمة، أنت قلت في تحيري: إني سقطت من حذاء عينيك، ولذلك سمعت ~~صوت تضرعي حين دعوتك، حبوا الرب يا جميع # PageV12P502 # أصفيائه، فإن الرب يبتغي الحق، ويكافىء المستكبرين بفعلهم، تشتد قلوبكم ~~وتقوى أيها المتوكلون على الرب. # المزمور الثالث والثلاثون: ms3029 أبارك الرب في كل حين، وكل أوان تسبيحه في ~~فمي، بالرب تفتخر نفسي، فليسمع أهل الدعة ويفرحوا، عظموا معي الرب وشرفوا ~~اسمه أجمعون، أنا طلبت الرب فأجابني، ومن شدائدي نجاني، أقبلوا إلى الرب ~~واستتروا به، فإن وجوهكم لا تخزى، إن المسكين دعا فاستجاب له الرب، ومن ~~جميع أحزانه خلصه، ملك الرب يحوط أتقياءه وينجيهم، ذوقوا وتيقنوا طيب الرب، ~~طوبى للرجل المتوكل عليه، اتقوا الرب ياجميع قديسيه لأنه لا منقصة ~~لأتقيائه، الأغنياء افتقروا وجاعوا، والذين يطلبون الرب لا يعدمون كل ~~الخيرات، هلموا أيها الأبناء واسمعوا مني لأفهمكم مخافة الرب، من هو الرجل ~~الذي يهوى الحياة ويحب أن يرى الأيام الصالحة، اكفف لسانك من الشر وشفتيك، ~~لا تتكلم بالغدر، ابعد عن الشر، واصنع الخير، اطلب السلامة واتبعها، فإن ~~عين الرب على الأبرار، وسمعه إلى تضرعهم، وجه الرب على صانعي الشر ليمحو ~~ذكرهم من الأرض، الأبرار دعوا فاستجاب لهم الرب، من جميع شدائدهم نجاهم، # PageV12P503 # الرب قريب من مستقيمي القلوب، يخلص متواضعي الأرواح، كثيرة هي أحزان ~~الصديقين، ومن جميعها ينجيهم الرب، الرب يحفظ جميع عظامهم، وواحد منهم لا ~~ينكسر، موت الخطأة سيىء، ومبغضو البار يهلكون، الرب ينجي نفوس عبيده، ولا ~~يخيب المتوكلين عليه. # المزمور الرابع والثلاثون: حاكم يا رب الذين يظلمونني، قاتل الذي ~~يقاتلونني، خذ سلاحا وترسا وقم لمعونتي، استل سيفا ورد به أعدائي الذين ~~يرهقونني، وقل لنفسي: أنا مخلصك، يخزى ويبهت طالبو نفسي، يرتدون على ~~أعقابهم ويخزي الذين يتفكرون بي الشر، ويكونون كالغبار أمام الريح، وملك ~~الرب يخزيهم، تكون طريقهم زلقة ظلمة عليهم وملك الرب يطاردهم، لأنهم أخفوا ~~لي فخا، بغير حق عيروا نفسي، فليأتهم الشر بغتة، والمصيدة التي أخفوها ~~تأخذهم، وفي الحفرة التي حفروها يسقطون، نفسي تبتهج بالرب، وتنعم بخلاصه، ~~عظامي كلها تقول: يا رب من مثلك منجي المسكين من يد القوي، والفقير والبائس ~~من يد الذين يختطفونه، قام علي شهود الزور، وعما لم أعلم ساءلوني، جازوني ~~بدل الخير شرا، وأبادوا نفسي وأنا عندما لجوا علي لبست مسحا، وبالصيام ~~أذللت نفسي، وصلاتي ms3030 عادت إلى حضني، مثل قريب وأخ كنت لهم، صرت كالحزين ~~الكئيب # PageV12P504 # في تواضعي، اجتمعوا علي وفرحوا، اجتمع علي الأشرار ولم أشعر، أثموا ولم ~~يندموا، أحزنوني وهزؤوا بي وصروا أسنانهم علي، يا رب إلى متى تنتظر! نج ~~نفسي من شر ما نصبوا، ومن الأسد نج وحدتي، لأشكرك يا رب في الجموع الكثيرة ~~وفي الشعب الصالح أرتل لك، لا يسر بي المعادون لي ظلما، الذين يشنؤونني ~~باطلا ويتغامزون بعيونهم، لأنهم يتكلمون بالسلام وبالدغل يفكرون، وعلى ~~المتواضعين في الأرض يقولون الكذب، فتحوا علي أفواههم، وقالوا: نعما نعما! ~~قد قرت به عيوننا، اللهم قد رأيت، لا تغفل، لا تبعد عني يا رب! انظر سريعا ~~في قضائي إلهي وربي، كن في ظلامتي، واحكم لي مثل برك يا ربي وإلهي، لا ~~تسرهم بي، لئلا يقولوا في قلوبهم: تفتحت نفوسنا، ولا يقولوا: قد ابتلعناه، ~~يخزون ويهنون جميعا الذين يفرحون بإساءتي، يلبس الخزي والبهت المتعظمون ~~بالقول علي يسر ويفرح الذين يهوون بري، ويقولون في كل حين: عظيم هو الرب، ~~الذين يريدون سلامة عبدك، لساني يتلو عدلك وتمجيدك النهار كله. # PageV12P505 # المزمور السادس والثلاثون: لا تغبط الأشرار ولا تتأس بفاعلي الإثم، لأنهم ~~مثل العشب سريعا يجفون، ومثل البقل الأخضر عاجلا يذبلون، توكل على الرب ~~واصنع الخير، واسكن في الأرض، وعش من نعيمها، استبشر بالرب يعطيك مطلوبات ~~قلبك، واكشف سبلك للرب وتوكل عليه وهو يصنع لك، يخرج مثل النور عدلك، ومثل ~~الظهيرة أحكامك، اخضع للرب واضرع إليه، لا تغبط الرجل المستقيم في طريقه ~~المقيم على إثمه، ولا رجلا يعمل بخلاف الناموس، اكفف من السخط، ودع الغضب، ~~لا تبار الشرير، فإن الأشرار جميعا يبيدون، والذين يرجون الرب يرثون الأرض ~~عن قليل، لا يوجد الخاطىء، ويطلب مكانه فلا يوجد، أهل الدعة يرثون الأرض، ~~ويتنعمون بكثرة السلامة، المنافق يرصد الصديق ويصر عليه أسنانه، والرب يهزأ ~~به، لأنه قد علم أن يومه يدركه، استل الخطأة سيوفهم، وأوتروا قسيهم، ~~ليصرعوا المسكين والبائس، ويقتلوا المستقيم القلب، تدخل سيوفهم إلى قلوبهم، ~~وتنكسر قسيهم، اليسير للصديق خير من كثرة ms3031 غنى الخطأة، لأن سواعد الخطأة ~~تنكسر، والرب يحفظ الأبرار، الرب يعرف أيام صديقيه الذين لا عيب فيهم ~~وميراثهم إلى الأبد، ولا يخزون في # PageV12P506 # زمان سوء، وفي أيام الشدائد يشبعون، لأن الأثمة يبيدون، أعداء الرب حين ~~يرتعون ويتمجدون يذهبون مثل الدخان ويضمحلون، الخاطىء يقترض ولا يوفى، ~~والبار يترأف ويعطي، لأن مباركيه يرثون الأرض، ولا غيه يستأصلون، الرب يقوم ~~خطأ الإنسان ويهديه في الطريق، إن سقط البار لم يجزع، لأن الرب ممسك بيده، ~~كنت صبيا وشخت ولم أر صديقا رفض، ولا ذريته طلبت خبزا النهار كله يترحم ~~ويقرض ونسله مبارك، ابعد عن الشر وافعل الخير، واسكن إلى أبد الأبد، لأن ~~الرب يحب العدل، ولا يضيع أصفياءه، يحفظهم إلى أبد الأبد، الأثمة يهلكون ~~ونسل الخطأة يستأصلون، الصديقون يرثون الأرض ويسكنون فيها إلى أبد الأبد، ~~فم الصديق ينطق بالحكمة ولسانه يقول العدل، سنة إلهه في قلبه، ولا تزدحف ~~قدماه، الخاطىء يرصد البار ويهم بقتله، والرب لا يسلمه في يديه، ولا يدخله ~~في الحكم، ترج الرب واحفظ طرقه، وهو يرفعك لترث الأرض وتعاين الخطأة ~~يبيدون، رأيت المنافق يتعالى: ويتطاول مثل أرز لبنان، مررت به فلم أجده ~~وطلبت موضعه فلم أصبه، تمسك بالدعة وسترى الاستقامة، فإن عاقبة الرجل ~~المستقيم سلامة، الخطأة جميعا يبيدون، وبقايا الأشرار يستأصلون، خلاص ~~الأبرار من عند الرب وهو ناصرهم في زمان الشدائد، # PageV12P507 # الرب عونهم ومنجيهم ومنقذهم من الخطأة، ويخلصهم لأنهم توكلوا عليه. # PageV12P508 # ولما كان ما ذكر في هذه السورة من الحكم والدلائل والقصص واعظا شافيا ~~حكيما، ومرشدا هاديا عليما، قال واصلا بما تقدم إشارة إلى أنه نتيجته: {إن ~~في هذا} أي الذي ذكرناه هنا من الأدلة على قدرتنا على قيام الساعة وغيرها ~~من الممكنات، وعلى أن من ادعى علينا أمرا فأيدناه عليه وجعلنا العاقبة له ~~فيه فهو صادق محق، وخصمه كاذب مبطل {لبلاغا} لأمرا عظيما كافيا في البلوغ ~~إلى معرفة الحق فيما ذكرناه من قيام الساعة والوحدانية وجميع ما تحصل به ~~البعثة {لقوم} أي لأناس أقوياء على ما يقصدونه {عابدين*} أي معترفين ms3032 ~~بالعبودية لربهم الذي خلقهم اعترافا تطابقه الأفعال بغاية الجد والنشاط. # ولما كان هذا مشيرا إلى رشادهم، فكان التقدير: فما أرسلناك إلا لإسعادهم ~~والكفاية لهم في البلاغ إلى جنات النعيم، عطف عليه ما يفهم سبب التأخير ~~لإنجاز ما يستعجله غير العابدين من العذاب فقال: {وما أرسلناك} أي بعظمتنا ~~العامة على حالة من الأحوال {إلا} على حال كونك {رحمة للعالمين*} كلهم، أهل ~~السماوات وأهل الأرض # PageV12P508 # من الجن والأنس وغيرهم، طائعهم بالثواب، وعاصيهم بتأخير العقاب، الذي كنا ~~نستأصل به الأمم، فنحن نمهلهم ونترفق بهم، إظهارا لشرفك وإعلاء لقدرك، حتى ~~نبين أنهم مع كثرتهم وقوتهم وشوكتهم وشدة تمالئهم عليك لا يصلون إلى ما ~~يريدون منك، ثم نرد كثيرا منهم إلى دينك، ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم ~~أعوانك، بعد طول ارتكابهم الضلال، وارتباكهم في أشراك المحال، وإيضاعهم في ~~الجدال والمحال، فيلعم قطعا أنه لا ناصر لك إلا الله الذي يعلم القول في ~~السماء والأرض، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة ~~العظمى يوم يجمع الأولون والآخرون، وتقوم الملائكة صفوفا والثقلان وسطهم، ~~ويموج بعضهم في بعض من شدة ما هم فيه، يطلبون من يشفع لهم في أن يحاسبوا ~~ليستريحوا من ذلك الكرب أما إلى جنة أو نار، فيقصدون أكابر الأنبياء نبيا ~~نبيا عليهم الصلاة والسلام، والتحية والإكرام، فيحيل بعضهم على بعض، وكل ~~منهم يقول: لست لها، حتى يأتوه صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، ويقوم ~~ومعه لواء الحمد فيشفعه الله وهو المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون ~~والآخرون وقد سبقت أكثر الحديث بذلك في سورة غافر عند {ولا شفيع يطاع} ~~[الآية: 18] . # PageV12P509 # ولما كان البلاغ الذي رتب هذا لأجله هو التوحيد الملزوم لتمام القدرة، ~~أتبع الإشارة إلى تأخيرهم الإيمان إلى تحذيرهم فقال: {قل} أي لكل من يمكنك ~~له القول: {إنما يوحى إلي} أي ممن لا موحي بالخير سواه وهو الله الذي خصني ~~بهذا الكتاب المعجز {أنما إلهكم} . # ولما كان المراد إثبات الوحدانية، لإله مجمع على إلهيته منه ومنهم، كرر ~~ذكر الإله ms3033 فقال: {إله واحد} لا شريك له، لم يوح إلي في أمر الإله إلا ~~الوحداينة، وما إلهكم إلا واحد لمن يوح إلي فيما تدعون من الشركة غير ذلك، ~~فالأول من قصر الصفة على الموصوف، أي الحكم على الشيء، أي الموحي به إلي ~~مقصور على الوحدانية لا يتعداها إلى الشركة، والثاني # PageV12P510 # من قصر الموصوف على الصفة، أي الإله مقصور على الوحدة لا يتجاوزها إلى ~~التعدد، والمخاطب بهما من يعتقد الشركة، فهو قصر قلب. # ولما انضم إلى ما مضى من الأدلة العقلية في أمر الوحدانية هذا الدليل ~~السمعي، وكان ذلك موجبا لأن يخشى إيجاز ما توعدهم به فيخلصوا العبادة لله، ~~أشار إلى ذلك مرهبا ومرغبا بقوله: {فهل أنتم مسلمون*} أي مذعنون له ملقون ~~إليه مقاليدكم متخلون عن جميع ما تدعونه من دونه لتسلموا من عذابه وتفوزوا ~~بثوابه، ففي الآية أن هذه الوحدانية يصح أن يكون طريقها السمع. # ولما كان توليهم بعد هذه القواطع مستبعد، أشار إلى ذلك بإيراده بأداة ~~الشك فقال: {فإن تولوا} أي لم يقبلوا ما دعوتهم إليه {فقل} أي لهم: ~~{ءاذنتكم} أي أعلمتكم ببراءتي منكم وأني غير راجع إليكم أبدا كما أنكم ~~تبرأتم مني ولم ترجعوا إلي، فصار علمكم أن لا صلح بيننا مع التولي كعلمي ~~وعلم من اتبعني. لتتأهبوا لجميع ما تظنونه ينفعكم، فهو كمن بينه وبين ~~أعدائه هدنة فأحس منهم بغدره، فنبذ إليهم العهد، شهر ذلك النبذ وأشاعه فلم ~~يخفه عن أحد منهم، وهو مما اشتهر أنه بلغ النهاية في الفصاحة والوجازة، أو ~~أبلغتكم # PageV12P511 # جميع ما أرسلت به ولم أخص به أحدا دون أحد، وهذا كله معنى {على سواء} أي ~~إيذانا مستعليا على أمر نصف وطريق عدل، ليس فيه شيء من خفاء ولا غش ولا ~~خداع ولا عذر، بل نستوي فيه نحن وأنتم. # ولما كان من لازم البراءة من شخص الإيقاع به كان موضع أن يقولوا هزؤا على ~~عادتهم: نبذت إلينا على سواء فعجل لنا ما تتوعدنا به، فقال: {وإن} أي وما ~~{أدري أقريب} جدا بحيث يكون قربه على ms3034 ما تتعارفونه {أم بعيد ما توعدون*} من ~~عذاب الله في الدنيا بأيدي المسلمين أو بغيره، أو في الآخرة مع العلم بأنه ~~كائن لا محالة، وأنه لا بد أن يلحق من أعراض عن الله الذل والصغار. # ولما كان من المقطوع به من كون الشك إنما هو في القرب أو البعد أن يكون ~~التقدير: لكنه محقق الوجود، لأن الله واحد لا شريك له، وقريب عند الله، لأن ~~كل ما حقق إيجاده قريب، علله بقوله: {إنه} أي الله تعالى {يعلم الجهر} ولما ~~كان الجهر قد يكون في الأفعال، بينه بقوله: {من القول} مما تجاهرونه به من ~~العظائم وغير ذلك، ونبه الله تعالى على ذلك لأن من أحوال الجهر أن ترتفع ~~الأصوات جدا بحيث تختلط ولا يميز بينها ولا يعرف كثير من حاضريها ما قاله ~~أكثر القائلين، فأعلم سبحانه أنه لا يشغله صوت # PageV12P512 # عن آخر ولا يفوته شيء عن ذلك ولو كثر {ويعلم ما تكتمون*} مما تضمرونه من ~~المخازي كما قال تعالى أولها {قل ربي يعلم القول في السماء والأرض} ومن ~~لازم ذلك المجازاة عليه بما يحق لكم من تعجيل وتأجيل، فستعلمون كيف يخيب ~~ظنونكم ويحقق ما أقول، فتقطعون بأني صادق عليه ولست بساحر، ولا حالم ولا ~~كاذب ولا شاعر، فهو من أبلغ التهديد فإنه لا أعظم من التهديد بالعلم. # ولما كان الإمهال قد يكون نعمة، وقد يكون نقمة، قال: {وإن} وما {أدري} أي ~~أيكون تأخير عذابكم نعمة لكم كما تظنون أو لا. ولما كان إلى كونه نقمة ~~أقرب، قال معبرا عما قدرته: {لعله} أي تأخير العذاب وإيهام الوقت {فتنة ~~لكم} أي اختبار من الله ليظهر ما يعلمه منكم من الشر لغيره، لأن حالكم حال ~~من يتوقع منه ذلك {ومتاع} لكم تتمتعون به {إلى حين*} أي بلوغ مدة آجالكم ~~التي ضربها لكم في الأزل، ثم يأخذكم بغتة أخذه يستأصلكم بها. # ولما كان اللازم من هذه الآيات تجويز أمور تهم سامعها وتقلقه للعلم بأن ~~الله تعالى له أن يفعل ما يشاء من عدل وفضل، وكان ms3035 من العدل جواز تعذيب ~~الطائع وتنعيم العاصي، كان كأنه قيل: فما قال # PageV12P513 # الرسول الشفوق على الأمة حين سمع هذا الخطاب؟ فقيل: قال مبتهلا إلى الله ~~تعالى - هذا على قراءة حفص. وعلى قراءة الجمهور: لما علم سبحانه أن ذلك ~~مقلق، أمره صلى الله عليه وسلم بما يرجى من يقلق من أتباعه فقال: {قال رب} ~~أي ايها المحسن إلي في نفسي واتباعي بامتثال أوامرك واجتناب نواهيك {احكم} ~~أي أنجز الحكم بيني وبين هؤلاء المخالفين {بالحق} أي بالأمر الذي يحق لكل ~~منا من نصر وخذلان على ما أجريته من سنتك القديمة في أوليائك وأعدائك {ما ~~ننزل الملائكة إلا بالحق} [الحجر: 8] أي الأمر الفصل الناجز، قال ابن كثير: ~~وعن مالك عن زيد بن أسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالا ~~قال {رب احكم بالحق} . وفي الآية أعظم حث على لزوم الإنسان بالحق ليتأهل ~~لهذه الدعوة. # ولما كان التقدير: فربنا المنتقم الجبار له أن يفعل ما يشاء وهو قادر على ~~ما توعدون، عطف عليه قوله: {وربنا} أي # PageV12P514 # المحسن إلينا أجمعين؛ ثم وصفه بقوله: {الرحمن} أي العام الرحمة لنا ولكم ~~بإدرار النعم علينا، ولولا عموم رحمته لأهلكنا أجمعين وإن كنا نحن أطعناه، ~~لأنا لا نقدره حق قدره {لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من ~~دابة} والحاصل أنه لما سأل {الحق} المراد به الهلاك للعدو والنجاة للولي، ~~أفرد الإضافة إشارة إلى تخصيصه بالفضل، وإفرادهم بالعدل، ولما سأل العون عم ~~بالإضافة والصفة قنوعا بترجيح جانبه بالعون وإن شملتم الرحمة، ولأن من ~~رحمتهم خليتهم عما هم عليه من الشر فقال: {المستعان} أي المطلوب منه العون ~~وهو خبر المبتدأ موصوف {على ما تصفون*} مما هو ناشىء عن غفلتكم الناشئة عن ~~إعراضكم عن هذا الذكر من الاستهزاء والقذف بالسحر وغيره، والمناصبة ~~بالعداوة والتوعد بكل شر، فقد انطبق آخر السورة على أولها بذكر الساعة ردا ~~على قوله {اقترب للناس حسابهم} وذكر غفلتهم وإعراضهم وذكر القرآن الذي هو ~~البلاغ، وذكر الرسالة بالرحمة لمن نسبوه إلى ms3036 السحر وغيره، وتفصيل ما ~~استعجلوا به من آيات الأولين وغير ذلك، وقام الدليل بالسمع بعد العقل على ~~تحقق أمر الساعة بأنه سبحانه لا شريك له يمنعه من ذلك، وأنه يعلم السر ~~وأخفى، وهو رحمن، فمن رحمته إيجاد يوم الدين ليجازي فيه المحسن بإحسانه، # PageV12P515 # والمسيء بكفرانه، وفي ذلك أعظم ترهيب في أعلى حاث على التقوى للنجاة في ~~ذلك اليوم، وهو أول التي تليها - والله الموفق. # PageV12P516 # مقصودها الحث على التقوى المعلية عن دركة الاستحقاق للحكم بالعدل إلى ~~درجة استئال الإنعام بالفضل، في يوم الجمع للفصل، وأنسب ما فيها لذلك الحج ~~وهو ظاهر) بسم الله (الذي اقتضت عظمته خضوع كل شيء) الرحمن (الذي عم برحمته ~~وعدله كل موجود) الرحيم (الذي خص بفضله من شاء من ذوي عدله. # لما ختمت التي قبلها بالترهيب من الفزع الأكبر، وطي السماء وإتيان ما ~~يوعدون، والدينونة بما يستحقون، وكان أعظم ذلك يوم الدين، افتتحت هذه ~~بالأمر بالتقوى المنجية من هول ذلك اليوم # PageV13P001 # فقال: {يا أيها الناس} أي الذين تقدم أول تلك أنه اقترب لهم حسابهم ~~{اتقوا ربكم} أي احذروا عقاب المحسن إليكم بأنواع الإحسان بأن تجعلوا بينكم ~~وبينه وقاية الطاعات. # PageV13P001 # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما افتتحت سورة الأنبياء بقوله تعالى: ~~{اقترب للناس حسابهم} وكان واردا في معرض التهديد، وتكرر في مواضع منها ~~كقوله تعالى: {إلينا ترجعون} [الأنبياء: 35] {سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ~~ويقولون متى هذا الوعد} [الأنبياء: 37] {لو يعلم الذين كفروا حين يكفون عن ~~وجوههم النار} [الأنبياء: 39] {ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك} [الأنبياء: ~~46] {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] {وهم من الساعة ~~مشفقون} [الأنبياء: 49] {كل إلينا راجعون} [الأنبياء: 93] {واقترب وعد ~~الحق} [الأنبياء: 97] {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: ~~98] {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب} [الأنبياء: 104] إلى ما تخلل هذه ~~الآي من التهديد، وشديد الوعيد، حتى لا تكاد تجد أمثال هذه الآي في الوعيد ~~والإنذار بما في الساعة وما بعدها وما بين يديها في نظائر هذه السورة، وقد ~~ختمت من ذلك بمثل ما به ms3037 ابتدئت، اتصل بذلك ما يناسبه من الإعلام بهول ~~الساعة وعظيم أمرها، فقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} - إلى قوله: ~~{ولكن عذاب الله شديد} ثم اتبع ببسط الدلالات على البعث الأخير وإقامة ~~البرهان {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث} الآيات، ثم قال {ذلك بأن ~~الله هو الحق} أي اطرد هذا الحكم العجيب ووضح من تقلبكم من حالة إلى حالة ~~في الأرحام وبعد خروجكم إلى # PageV13P002 # الدنيا وأنتم تعلمون ذلك من أنفسكم، وتشاهدون الأرض على صفة من الهمود ~~والموت إلى حين نزول الماء فنحيي ونخرج أنواع النبات وضروب الثمرات {يسقى ~~بماء واحد ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى} كما أحياكم أولا وأخرجكم ~~من العدم إلى الوجود وأحيا الأرض بعد موتها وهمودها، كذلك تأتي الساعة من ~~غير ريب ولا شك، ويبعثكم لما وعدكم من حسابكم وجزائكم {فريق في الجنة وفريق ~~في السعير} انتهى. # ولما أمرهم بالتقوى: علل ذلك مرهبا لهم بقوله: {إن زلزلة الساعة} أي التي ~~تقدم التحذير منها في الأنبياء بدأ وختما وما بين ذلك، أي شدة اضطرابها ~~وتحركها العنيف المزيل للأشياء عن مقارها إزالة عظيمة، بما يحصل فيهما من ~~الأصوات المختلفة، والحركات المزعجة المتصلة، من النفخ في الصور، وبعثرة ~~القبور، وما يتسبب عن ذلك من عجائب المقدور، وقت القيام، واشتداد الزحام، ~~وذلك لأن «زلزل» مضاعف زل - إذا زال عن مقره بسرعة، ضوعف لفظه لتضاعف ~~معناه؛ قال البغوي: الزلزلة والزلزال: شدة الحركة على الحال الهائلة - ~~انتهى. وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول فيه # PageV13P003 # {شيء عظيم*} أي لا تحتمل العقول وصفه؛ قال ابن كثير: أي أمر كبير، وخطب ~~جليل وطارق مفظع، وحادث هائل، وكائن عجيب - انتهى. # وهذا للزلزلة نفسها، فكيف بجميع ما يحدث في ذلك اليوم الذي لا بد لكم من ~~الحشر فيه إلى الله ليجازيكم على ما كان منكم، لا ينسى منه نقير ولا قطمير، ~~ولا يخفى قليل ولا كثير، مما تطير له القلوب، ولا تثبت له النفوس، فاعتدوا ~~وجاهدوا أعداءكم من الأهواء والشياطين. # ولما ms3038 كان المراد بالساعة القيام وما والاه، جعل مظروفا لذلك اليوم الذي ~~هو من ذلك الوقت إلى افتراق الفريقين إلى داري الإبعاد والإسعاد، والهوان ~~والغفران، فقال تعالى: {يوم ترونها} أي الزلزلة أو كل مرضعة، أضمرها قبل ~~الذكر، تهويلا للأمر وترويعا للنفس {تذهل} أي تنسى وتغفل حائرة مدهوشة، وهو ~~العامل في «يوم» ويجوز أن يكون عامله معنى الكلام، أي تستعظمون جدا ذلك ~~اليوم عند المعاينة وإن كنتم الآن تكذبون، ويكون ما بعده استئنافا ودل ~~بالسور على عموم تأثيره لشدة عظمته فقال: {كل مرضعة} # PageV13P004 # أي بالفعل {عما أرضعت} من ولدها وغيره، وهي من ماتت مع أبنها رضيعا، قال ~~البغوي: يقال: مرضع، بلا هاء - إذا أريد به الصفة مثل حائض وحامل، فإذا ~~أرادوا الفعل أدخلوا الهاء - يعني: فيدل حينئذ أنها ملتبسة به {وتضع كل ذات ~~حمل حملها} أي تسقطه قبل التمام رعبا وفزعا، وهي من ماتت حاملا - والله ~~أعلم، فإن كل أحد يقوم على ما مات عليه، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها ~~بغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام - انتهى. ويؤيد أن هذه ~~الزلزلة تكون بعد البعث ما في الصحيحين وغيرهما: مسلم في الإيمان وهذا ~~لفظه، والبخاري عند تفسير هذه الآية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه رفعه: ~~«يقول الله عز وجل: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك! والخير في يديك، قال: ~~يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعون، فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها» الحديث والأحاديث في ~~ذلك كثيرة، ومعارضها # PageV13P005 # ضعيف، والمناسب أيضا لما في آخر تلك من قوله {فإذا هي شاخصة أبصار الذين ~~كفروا} [الأنبياء: 97] وما تبعه أن هذه الزلزلة بعد القيام من القبور {يوم ~~نطوي السماء} [الأنبياء: 104] {إذا السماء انفطرت} [الانفطار: 1] إلى قوله: ~~{علمت نفس ما قدمت وأخرت} [الانفطار: 5] ويمكن أن يكون المراد هذا وما قبله ~~لأن يوم الساعة طويل، فنسبة الكل إليها على حد سواء. # ولما كان الناس كلهم يرون الزلزلة، ولا يرى الإنسان السكر - إلا ms3039 من غيره ~~قال في الزلزلة {ترونها} وقال في {السكر} : {وترى الناس سكارى} أي لما هم ~~فيه من الدهش والحيرة والبهت لما شاهدوا من حجاب العز وسلطان الجبروت ~~وسرادق الكبرياء، ثم دل على أن ذلك ليس على حقيقته بقوله، نافيا لما يظن ~~إثباته بالجملة الأولى: {وما هم بسكارى} أي من الخمر. # ولما نفى أن يكونوا سكارى من الخمر، أثبت ما أوجب لهم تلك الحالة فقال: ~~{ولكن عذاب الله} ذي العز والجبروت {شديد*} فهو الذي وجب أن يظن بهم السكر، ~~لأنه أذهب خوفه حولهم، وطير هوله عقولهم. # ولما أفهم العطف الآتي أن الناس قسمان، وأن التقدير: فإن # PageV13P006 # منكم من يؤمن فبتقي فينجو من شر ذلك اليوم الذي اقتضت الحكمة إظهار ~~العظمة فيه ليزداد حزب الله فرحا، وحزب الشيطان غما وترحا، عطف عليه قوله: ~~{ومن الناس} أي المذبذبين المضطربين {من} لا يسعى في إعلاء نفسه وتهذيبها ~~فيكذب فيوبق بسوء أعماله، لأنه {يجادل في الله} أي في قدرة الملك الأعظم ~~على ذلك اليوم وفي غير ذلك من شؤونه بعد أن جاءه العلم بها اجتراء على ~~سلطانه العظيم {بغير علم} بل بالباطل الذي هو جهل صرف، فيترك اتباع الهداة ~~النصحاء {ويتبع} بغاية جهده في جداله {كل شيطان} أي محترق بالشر مبعد ~~باللعن. # ولما كان السياق لذم متبعه، أشار إلى أنه لا قصد له في اتباعه إلا الشر، ~~لأنه لا لبس في أمره بصيغة المبالغة كما مضى في النساء ويأتي في الصافات، ~~فقال: {مريد*} أي متجرد للفساد لا شغل له غيره، فهو في غاية الضراوة عليه، ~~قال البيضاوي: وأصله العرى {كتب} أي قضى وقدر على سبيل الحتم الذي لا بد ~~منه، تعبير باللازم عن الملزوم {عليه} أي على ذلك الشيطان # PageV13P007 # {أنه من تولاه} أي فعل معه فعل الولي مع وليه، باتباعه والإقبال على ما ~~يزينه {فأنه يضله} بما يبغض إليه من الطاعات فيخطىء سبيل الخير. # ولما نفر عن توليه بإضلاله لأن الضلال مكروه إلى كل أحد، بين أنه إضلال ~~لا هدى معه أصلا فقال: {ويهديه} أي ms3040 بما يزين له من الشهوات، الحاملة على ~~الزلات، إعلاما بأنه إن كان له هدى إلى شيء فهو {إلى عذاب السعير*} . ولما ~~حذر الناس من ذلك اليوم، وأخبر أن منهم من يكذب، وعرف بمآله، فأفهم ذلك أن ~~منهم من يصدق به فيكون له ضد حاله، وكان كثير من المصدقين يعملون عمل ~~المكذبين، أقبل عليهم سبحانه إقبالا ثانيا رحمة لهم، منبها على أنه ينبغي ~~أن لا يكون عندهم نوع من الشك في ذلك اليوم لما عليه من الآيات في الآفاق ~~وفي أنفسهم، فقال دالا عليه بالأمرين: {يا أيها الناس} أي كافة، ويجوز أن ~~يراد المنكر فقط، وعبر بالناس الذي هو من أسفل الأوصاف لذلك، وإشارة إلى أن ~~المنكر والعامل عمله - وإن كان مصدقا - هم أكثر الناس، وعبر بأداة الشك ~~إشارة إلى أن الذي يقتضيه الحال جزمهم به فقال: {إن} وبين أنه ما # PageV13P008 # عبر به إلا للتوبيخ، لا للشك في أمرهم، بجعل الشرط ماضيا، ودل ب «كان» ~~وبالظرف على ما تمكن الريب منهم فقال: {كنتم في ريب} أي شك وتهمة وحاجة إلى ~~البيان {من البعث} وهو قيام الأجسام بأرواحها كما كانت قبل مماتها سواء، ~~استعظاما لأن نقدر عليه {فإنا خلقناكم} بقدرتنا التي لا يتعاظمها شيء {من ~~تراب} لم يسبق له اتصاف بالحياة {ثم من نطفة} حالها أبعد شيء عن حال ~~التراب، فإنها بيضاء سائلة لزجة صافية كما قال # {من ماء دافق} [الطارق: 6] وأصلها الماء القليل - قاله البغوي. وأصل ~~النطف الصب - قاله البيضاوي. {ثم من علقة} أي قطعة دم حمراء جامدة، ليس ~~فيها أهلية للسيلان {ثم من مضغة} أي قطعة لحم صغيرة جدا تطورت إليها النطفة ~~{مخلقة} بخلقة الآدمي التمام {وغير مخلقة} أي أنشأناكم من تراب يكون هذا ~~شأنه، وهو أنا ننقله في هذه الأطوار إلى أن يصير مضغة، فتارة يخلقها ويكون ~~منها آدميا، وتارة لا يخلقها بل يخرجها من الرحم فاسدة، أو تحرقها حرارته، ~~أو غير مخلقة تخليقا تاما بل ناقصا مع وجود الروح كشق الذي كان شق آدمي، ~~وسطيح الذي كان علوا ms3041 بلا سفل ونحوهما {لنبين لكم} كمال قدرتنا، وتمام ~~حكمتنا، وأن # PageV13P009 # ذلك ليس كائنا عن الطبيعة، لأنه لو كان عنها لم يختلف، فدل اختلافه على ~~أنه عن فاعل مختار، قادر قهار، وحذف المفعول إشارة إلى أنه يدخل فيه كل ما ~~يمكن أن يحيط به العقول. # ولما كان التقدير: فنجهض منه ما لا نشاء إتمامه، عطف عليه قوله: {ونقر في ~~الأرحام} أي من ذلك الذي خلقناه {ما نشاء} إتمامه {إلى أجل مسمى} قدرناه ~~لإتمامه ما بين ستة أشهر إلى ما نريد من الزيادة على ذلك، بحسب قوة الأرحام ~~وضعفها، وقوة المخلقات وضعفها وكثرة ما تغتذيه من الدماء وقلته، وزكائه ~~وخبثه، إلى غير ذلك من أحوال وشؤون لا يعلمها إلا بارئها، جلت قدرته، ~~وتعالت عظمته، وأما ما لم نشأ إتمامه فإن الأرحام تمجه بقدرتنا وتلقيه دون ~~التمام أو تحرقه فيضمحل {ثم نخرجكم} بعد ذلك {طفلا} أي في حال الطفولة من ~~صغر الجثة وضعف البدن والسمع والبصر وجميع الحواس، لئلا تهلكوا أمهاتكم ~~بكبر أجرامكم، وعظم أجسامكم، وهو يقع على جميع، وعبر به دونه للتساوي في ~~ضعف الظاهر والباطن. # ولما ذكر أضعف الضعف ذكر أقوى القوة عاطفا له # PageV13P010 # عليه لما بينهما من المهلة بأداة التراخي فقال: {ثم} أي نمد أجلكم ~~{لتبلغوا} بالانتقال في أسنان الأجسام فيما بين الرضاع، إلى حال اليفاع، ~~إلى زمان الاحتلام، وقوة الشباب والتمام {أشدكم} أي نهاية كل شدة قدرناها ~~لكل واحد منكم {ومنكم من يتوفى} قبل ما بعد ذلك من سن الشيخوخة {ومنكم من ~~يرد} بالشيخوخة، وبناه للمجهول إشارة إلى سهولته عليه مع استبعاده لولا ~~تكرر المشاهدة عند الناظر لتلك القوة والنشاط وحسن التواصل بين أعضائه ~~والارتباط {إلى أرذل العمر} وهو سن الهرم فينقص جميع قواه {لكيلا يعلم} . # ولما كان السياق للقدرة على البعث الذي هو التحويل من حال الجمادية إلى ~~ضده بغاية السرعة، أثبت «من» الابتدائية للدلالة على قرب زمن الجهل من زمن ~~العلم، فربما بات الإنسان في غاية الاستحضار لما يعلم والحذق فيه فعاد في ~~صبيحة ليلته أو بعد ms3042 أيام يسيرة جدا من غير كبير تدريج لا يعلم شيئا، وأفهم ~~إسقاط حرف الانتهاء أنه ربما عاد إليه علمه، وربما اتصل جهله بالموت بخلاف ~~ما مضى في النحل فقال: {من بعد علم} كان أوتيه {شيئا} بل يصير كما كان طفلا ~~في ضعف الجواهر والأعراض، لتعلموا أن ذلك كله فعل الإله الواحد المختار، ~~وأنه لو كان فعل الطبيعة لازداد بطول البقاء نموا في جميع ذلك، وقد علم - ~~بعود الإنسان في ذهاب العلم وصغر الجسم إلى نحو # PageV13P011 # ما كان عليه في ابتداء الخلق - قطعا أن الذي أعاده إلى ذلك قادر على ~~إعادته بعد الممات، والكون على حال الرفات. # ولما تم هذا الدليل على الساعة محكم المقدمات واضح النتائج، وكان أول ~~الإيجاد فيه غير مشاهد فعبر عنه بما يليق به، أتبعه دليلا آخر محسوسا، ~~وعطفه على ما أرشد إليه التقدير من نحو قوله: تجدون أيها الناس ما ذكرناه ~~في أنفسكم، فقال: {وترى} فعبر بالرؤية {الأرض} ولما كان في سياق البعث، عبر ~~بما هو أقرب إلى الموت فقال: {هامدة} أي يابسة مطمئنة ساكنة سكون الميت ليس ~~بها شيء من نبت، ولعله أفرد الضمير توجيها إلى كل من يصلح أن يخاطب بذلك ~~{فإذا} أي فننزل عليها ماء من مكان لا يوجد فيه ثم ينزل منه إلا بقدرة ~~عظيمة وقهر باهر، فإذا {أنزلنا} بما لنا من العظمة {عليها الماء اهتزت} أي ~~تحركت بنجوم النبات اهتزاز الحي، وتأهلت لإخراجه؛ قال الرازي: والاهتزاز: ~~شدة الحركة في الجهات المختلفة. {وربت} أي انتفخت، وذلك أول ما يظهر منها ~~للعين وزادت ونمت بما يخرج منها من النبات الناشىء عن التراب والماء ~~{وأنبتت} بتقديرنا {من كل زوج} أي صنف عادلناه بصنف # PageV13P012 # آخر جعلناه تمام نفعه به {بهيج*} أي مؤنق من أشتات النباتات في اختلاف ~~ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها، ومنافعها ومقاديرها رائقة المناظر، ~~لائقة في العيون والبصائر، قال الرازي: فكما أن النبات يتوجه من نقص إلى ~~كمال، فكذلك الآدمي يترقى من نقص إلى كمال، ففي المعاد يصل إلى كماله الذي ~~أعد له من ms3043 البقاء والغنى والعلم والصفاء والخلود، أي السعيد منه في دار ~~السلام مبرا عن عوارض هذا العالم - انتهى. # PageV13P013 # ولما قرر سبحانه هذين الدليلين، رتب عليهما ما هو مطلوب والنتيجة فقال ~~على طريق التعليل: {ذلك} أي الذي تقدم من الأمر بالتقوى، والترهيب من جلال ~~الله بالحشر، والاستدلال عليه بالتصرف في تطوير الإنسان والنبات إلى ما في ~~تضاعيفه من أنواع الحكم وأصناف اللطائف {بأن} أي بسبب أن تعلموا أن {الله} ~~أي الجامع لأوصاف الكمال {هو} أي وحده {الحق} أي الثابت أتم الثبات، بحيث ~~يقتضي ذلك أنه يكون كل ما يريد، فإنه لا ثبات مع العجز {وأنه يحيي الموتى} ~~أي القادر على ذلك بأنه - كما سيأتي - هو العلي # PageV13P013 # الكبير {وأنه على كل شيء} من الخلق وغيره {قدير*} {إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] {وأن الساعة} التي تقدم التحذير منها، ~~وهي وقت حشر الخلائق كلهم {آتية لا ريب فيها} بوجه من الوجوه لما دل عليها ~~مما لا سبيل إلى إنكاره بقول من لا مرد لقوله، وهو حكيم فلا يخلف ميعاده، ~~ولا يسوغ بوجه أن يترك عباده بغير حساب {وأن الله} لما له من الجلال والحكم ~~{يبعث} بالإحياء {من في القبور*} لحضوره والفصل بينهم فيها في كل ما ~~اختلفوا فيه لأن ذلك من العدل الذي أمر به، وبه يظهر كثير من صفاته سبحانه ~~أتم الظهور، والحاصل أن المراد أنه سبحانه قال ما تقدم وفعل ما ذكر من ~~إيجاد الإنسان والنبات في هذه الأطوار ليعلم أنه قادر على هذه الأمور وعلى ~~كل شيء {ومن} أي فمن الناس الذين كانوا قد وقفوا عن الإيمان قبل هذا البيان ~~من آمن عند سماع هذه القواطع، ومن {الناس} وهم ممن اشتد تكاثف طبعه {من ~~يجادل} أي بغاية جهده {في الله} أي في قدرته وما # PageV13P014 # يجمعه هذا الاسم الشريف من صفاته بعد هذا البيان الذي لا مثل لهه ولا ~~خفاء فيه {بغير علم} أتاه عن الله على لسان أحد من أصفيائه أعم من أن يكون ~~كتابا أو ms3044 غيره {ولا هدى} أرشده إليه من عقله أعم من كونه بضرورة أو استدلال ~~{ولا كتاب منير*} صح لديه أنه من عند الله، ومن المعلوم أنه بانتفاء هذه ~~الثلاثة لا يكون جداله إلا بالباطل {ثاني عطفه} أي رخي البال معرضا متكبرا ~~متماثلا لاويا عنقه لذلك كما قال تعالى {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى ~~مستكبرا} [لقمان: 7] والعطف في الأصل الجانب وموضع الميل. # ولما دل السياق على أنه أكثف الأقسام طبعا، عبر عن قصده بقوله: {ليضل} أي ~~غيره {عن سبيل الله} إفهاما لذلك، لأن هذا لا يقصده عاقل، فالقسم الأول ~~تابع ضال، وهذا داع لأهل الضلال، هذا على قراءة الضم للجمهور، وعلى قراءة ~~الفتح لابن كثير وأبي عمرو ورويس عن يعقوب بخلاف عنه من ضل، تكون من باب ~~التهكم كما تقدم غير مرة، أي إنه من الحذق بحيث لا يذهب عليه أن هذا ضلال، ~~فما وصل إليه إلا بقصده له. # ولما ذكر فعله وثمرته، ذكر ما أعد له عليه فقال: {له في الدنيا خزي} اي ~~إهانة وذل وإن طال زمن استدراجه # PageV13P015 # بتنعيمه «حق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه» {ونذيقه} أي ~~بما لنا من العظمة {يوم القيامة} الذي يجمع فيه الخلائق بالإحياء بعد الموت ~~{عذاب الحريق*} أي بجعله يحس بألم العذاب بالحريق كما يحس الذائق بالشيء ~~كما أحرق قلوب المهتدين بجداله بالباطل، ويقال حقيقة أو مجازا: {ذلك} أي ~~العذاب العظيم {بما} أي بسبب ما {قدمت يداك} أي بعملك، ولكنه جرت عادة ~~العرب أن تضيف الأعمال إلى اليد لأنها آلة أكثر العمل، وإضافة ما يؤدي ~~إليهما أنكأ {وأن} أي وبسبب أن {الله} أي الذي له الكمال كله {ليس بظلام} ~~أي بذي ظلم ما {للعبيد*} ولو ترككم بغير ذلك لكان في مجاري عاداتكم ظلما ~~أولا بتسوية المحسن بالمسيء، وثانيا بترك الانتصار للذين عادوك فيه وأذيتهم ~~من أجله، ويجوز أن تكون الصيغة للمبالغة لتفهم أنه لو تركه لكان الظلم، ~~وذلك في غاية البعد عن حكمته و. . . نفي أصل الظلم من آياته الباهرة. ms3045 # PageV13P016 # ولما بين قسمي المصارحين بالكفر الكثيف والأكثف صريحا. وأفهم المؤمن ~~المخلص، عطف على ذلك المذبذب فقال: {ومن الناس} # PageV13P016 # ولذلك عبر بالناس الذي مدلولة الاضطراب والتردد دون أن يضمر {من يعبد ~~الله} أي يعمل على سبيل الاستمرار والتجدد بما أمر به الإله الأعظم من ~~طاعته {على حرف} فهو مزلزل كزلزلة من يكون على حرف شفير أو جبل أو غيره، لا ~~استقرار له، وكالذي على طرف من العسكر، فإن رأى غنيمة قر، وإن توهم خوفا ~~طار وفر، وذلك معنى قوله: {فإن أصابه خير} أي من الدنيا {اطمأن به} أي ~~بسببه، وثبت على ما هو عليه {وإن أصابته فتنة} أي مصبية ولو قلت - بما يشير ~~إليه التأنيث - في جسده أو معيشته يختبر بها ويظهر خبأة للناس {انقلب على ~~وجهه} لتهيئه للانقلاب بكونه على شفا جرف فسقط عن ذلك الطرف من الدين سقوطا ~~لا رجوع له بعد إليه ولا حركة له معه، فإن الإنسان مطبوع على المدافعة بكل ~~عضو من أعضائه عن وجهه فلا يمكن منه إلا بعد نهاية العجز، والمعنى أنه رجع ~~إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر أو الشك رجوعا متمكنا، وهذا بخلاف الراسخ ~~في إيمانه، فإنه إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء حمد وصبر، فكل قضاء ~~الله له خير. # ولما كان انقلاب هذا مفسدا لآخرته بما ناله من الوزر، وغير نافع له في ~~استدراك ما فاته من الدنيا، كانت فذلكة ذلك قوله: # PageV13P017 # {خسر الدنيا} أي بسبب أن ذلك لا يرد ما فاته منها ويكون سبب التقتير عليه ~~وذهاب بركته {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} [المائدة: 66] «إن الرجل ليحرم الرزق ~~بالذنب يصيبه» {والآخرة} بفوات أجر الصبر وحصول إثم الجزع: ثم عظم مصيبته ~~بقوله: {ذلك} أي الأمر العظيم {هو} أي لا غير {الخسران المبين*} ورى ~~البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: كان ~~الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال: هذا ms3046 دين صالح، ~~وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء ثم بين هذا الخسران الذي ~~رده إلى ما كان فيه قبل الإيمان الحرفي بقوله: {يدعوا} أي يعبد حقيقة ~~أومجازا مع التجدد والاستمرار بالاعتماد على غير الله ومنابذة {وإياك ~~نستعين} [الفاتحة: 5] . ولما كان كل ما سوى الله دونه، نبه على ذلك بقوله: ~~{من دون الله} أي عن أدنى رتبة من رتب المستجمع لصفات الكمال. # ولما كان المتضي للعبادة إنما هو الفعل بالاختيار، وأما الفعل الذي ~~يقتضيه الطبع والقسر عليه فلا عبرة به في ذلك، فإنه لا قدرة على الانفكاك ~~عنه فلا حمد لفاعله، نبه على ذلك بقوله: {ما لا يضره} أي بوجه # PageV13P018 # من الوجوه حتى ولا بقطع النفع إن كان يتصور منه. # ولما قدم الضر لأنه من الأعذار المقبوله في ارتكاب الخطأ، أتبعه النفع ~~قطعا لكل مقال فقال: {وما لا ينفعه} بوجه من الوجوه ولا بترك الضر إن وجد ~~منه، ولو أسقطت «ما» من الثاني لظن أن الذم يشترط فيه انتفاء الضر والنفع ~~معا حتى أن من ادعى ما انتفى عنه أحدهما لم يذم {ذلك} أي الفعل الدال على ~~أعظم السفه وهو دعاء شيء انتفى عنه القدرة على النفع، أو شيء انتفى عنه ~~القدرة على الضر {هو} أي وحده {الضلال البعيد*} عن الحق والرشاد الذي أوصل ~~إلى فياف مجاهل لا يتأتى الرجوع منها، وذلك لأن الأول لو ترك عبادته ما قدر ~~على منع إحسانه، والثاني لو تقاداه ما وصل إلى نفعه ولا يترك ضره، ~~فعبادتهما عبث، لأنه استوى فعلها وتركها. # ولما كان الإحسان جالبا للانسان، من غير نظر إلى مورده، لأن القلوب جبلت ~~على حب من أحسن إليها، بين أن ما قيل في جانب النفع إنما هو على سبيل الفرض ~~فقال: {يدعوا} ولما كان ما فرض أولا فيما عبر عنه ب «ما» قد يكون غير عاقل، ~~فيكون ما صدر منه لعدمه # PageV13P019 # العقل، أزال هذا الإبهام بقوله: {لمن} أي زاعما أن من {ضره} ولو بعبادته ~~الموجبة لأعظم الشقاء {أقرب ms3047 من نفعه} الذي يتوقع منه - إله. # ولما كانت الولاية الكاملة لا تنبغي إلا لمن يكون توقع النفع منه والضر ~~على حد سواء، لقدرته على كل منهما باختياره، وكان العشير لا يصلح إلا إن ~~كان مأمون العاقبة، وكان هذا المدعو إن نظر إليه في جانب الضر وجد غير قادر ~~عليه، أو في جانب النفع فكذلك، وإن فرض توقع نفعه أو ضره كان خوف ضره أقرب ~~من رجاء نفعه، استحق غاية الذم فلذلك استأنف تعالى وصفه بقوله معبرا في ذمه ~~بالأداة الموضوعة لمجامع الذم: {لبئس المولى} لكونه ليس مرجو النفع كما هو ~~مخشي الضر {ولبئس العشير*} لكونه ليس مأمون الضر فهو غير صالح لولاية ولا ~~لعشرة بوجه. # ولما أفهم ما تقدم أن هذا الإله المدعو إليه قادر على كل من النفع والضر ~~بالاختبار، وأن تجويز الوقوع لكل منهما منه على حد سواء، نبه على ذلك بقوله ~~مستأنفا: {إن الله} أي الحائز لجميع صفات الكمال المنزه عن جميع شوائب ~~النقص {يدخل الذين آمنوا} برسله وما دعت إليه من شأنه {وعملوا} تصديقا ~~لإيمانهم {الصالحات} الخالصة # PageV13P020 # الشاهدة بثباتهم في الإيمان بعد ما ضرهم في الدنيا بأنواع المعايب، ~~تطهيرا لهم مما اقترفوه من الزلات، وأهوتهم إليه الهفوات {جنات تجري من ~~تحتها} أي من أي مكان أردت من أرضها {الأنهار} ولما كان هذا أمرا باهرا دل ~~على سهولته بقوله: تصريحا بما أفهمه السياق من وصف الاختيار: {إن الله} أي ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما {يفعل ما يريد*} من كل نفع وضر. # PageV13P021 # ولما أتم الدليل على خسران هذا المنقلب وربح الثابت، وكان هذا مفهما لأن ~~من رجاه لما وعد به بادر الإقبال عليه ولم ينفع إلا نفسه، ومن لا يرج ذلك ~~أعرض عن الله سبحانه منقلبا على جهه فلم يضر إلا نفسه، ترجم عن حال هذا ~~الثاني العابد على حرف بقوله: {من كان يظن} أي ممن أصابته فتنة {أن لن ~~ينصره الله} ذو الجلال والإكرام في حال من أحواله {في الدنيا والآخرة} ~~فأعرض عنه انقلابا على وجهه فإنه ms3048 لا يضر إلا نفسه وإن ظن أنه لا يضرها ~~{فليمدد بسبب} أي حبل أو شيء من الأشياء الموصلة له {إلى السماء} التي ~~يريدها من سقف أو سحاب أو غيرهما. # ولما كان مده ذلك متعسرا أو متعذرا، عبر عما يتفرع عليه بأداة # PageV13P021 # التراخي فقال: {ثم ليقطع} أي ليوجد منه وصل وقطع، أي ليبذل جهده في دفع ~~القضاء والقدر عنه، وهي لام أمر عند من حركها بالكسر إفهاما لشدة الحركة في ~~المزاولة للذهاب إلى السفل الدال على عدم العقل، وهم أبو عمرو وابن عامر ~~وورش عن نافع ورويس عن يعقوب، أو أسكنها وهم الباقون {فلينظر} ببصره ~~وبصيرته {هل يذهبن} وإن اجتهد {كيده ما يغيظ*} أي شيئا يحصل له منه غيظ، أو ~~يكون المعنى: فليفعل ما يفعله من بلغ منه الغيظ بأن يربط حبلا بسقف بيته ثم ~~ليربطه في عنقه ثم ليقطع ما بين رجليه وبين الأرض ليختنق، وهذا كما يقال ~~لمن أدبر عنه أمر فجزع: اضرب برأسك الجدار إن لم ترض هذا، مت غيظا - ونحو ~~ذلك، والحاصل أنه إن لم يصبر على المصائب لله طوعا صبر عليها كرها مع ما ~~ناله من أسباب الشقاء. # ولما بين سبحانه هذه الآيات المرئية، في هذه الأساليب العلية، هذا البيان ~~الشافي الهادي بإعجاز حكمه، بين أنه معجز أيضا بنظمه، فقال: {وكذلك} أي ~~ومثل ما بينا هذه الآيات المرئية التي أنزلنا كلامنا لبيان حكمها وإظهار ~~أسرارها {أنزلناه} أي الكلام كله بما لنا # PageV13P022 # من العظمة الباهرة {آيات بينات} معجزا نظمها، كما كان معجزا حكمها. # ولما كان الكلام بينا في أن التقدير: ليعلم إذا ضل ضال مع هذا البيان أن ~~الله يضل من يريد، عطف عليه قوله: {وأن} أي وليعلم أن {الله} أي الموصوف ~~بالإكرام، كما هو موصوف بالانتقام {يهدي} أي بآياته {من يريد*} أي لتبين ~~قدرته واختياره إزاحة لغم من يقول: إذا كانت الآيات المرئية والمسموعة في ~~هذا الحد من البيان فما لأكثر الناس على ضلالهم يتخلف فيهم المسببات عن ~~أسبابها. # ولما كان ذلك موجبا للسؤال، عن حال ms3049 الفريقين: المهدي والضال، أجاب عن ذلك ~~ببيان جميع فرق الضلال، لأن لهذه السورة أتم نظر إلى يوم الجمع الذي هو ~~مقصود السورة التي قبلها، فقصد إلى استيعاب الفرق تصويرا لذلك اليوم بأليق ~~صورة، وقرن بكل من فريقي أهل الكتاب موافقة في معناه فقال: {إن الذين ~~ءامنوا} أي من أي فرقة كانوا، وعبر بالفعل ليشمل الإقرار باللسان، الذي هو ~~أدنى وجوه الإيمان {والذين هادوا} أي انتحلوا اليهودية، على أي حال كانوا ~~من إيمان أو كفران. # ولما كان اليهود عبدوا الأصنام متقربين بها إلى النجوم # PageV13P023 # كما مضى في المائدة، أتبعهم من شابهوه فقال: {والصابئين} ثم تلا بثاني ~~فريقي أهل الكتاب فقال: {والنصارى} ثم أتبعهم من أشبهه بعض فرقهم في قولهم ~~بإلهين اثنين فقال: {والمجوس} وهم عبدة النار؛ ثم ختم بأعم الكل في الضلال ~~كما فتح بأعمهم في الهدى فقال: {والذين أشركوا} لشموله كل شرك حتى الأصغر ~~من الربا وغيره {إن الله} أي الملك الأعظم الذي له الملك كله وهو أحكم ~~الحاكمين {يفصل بينهم يوم القيامة} فيجازي كلا بعمله على ما يقتضيه في ~~مجاري عاداتكم، ويقتص لبعضهم من بعض، ويميز الخبيث منهم من الطيب؛ ثم علل ~~ذلك بقوله: {إن الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال {على كل شيء} من الأشياء ~~كلها {شهيد*} فلا شيء إلا وهو به عليم، فهو لذلك على كل شيء قدير، كما مضى ~~بيانه في {وسع كل شيء علما} [طه: 98] في طه، وقال الحرالي في شرح الأسماء ~~الحسنى: الشهادة رؤية خبرة بطية الشيء ودخلته ممن له غنى في أمره، فلا ~~شهادة إلا بخبرة وغنى ممن له اعتدال في نفسه بأن لا يحيف على غيره، فيكون ~~ميزان عدل بينه وبين غيره، فيحق له أن يكون ميزانا بين كل متداعيين ممن ~~يحيط بخبرة أمرهما {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] وبحسب إحاطة علم الشهيد # PageV13P024 # ترهب شهادته، ولذلك أرهب شهادة شهادة الله على خلقه {قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله} [الأنعام: 19] ولما كان أيما الإحاطة ms3050 والخبرة والرقبة لله ~~كان بالحقيقة لا شهيد إلا هو - انتهى. # PageV13P025 # ولما كان جميع ما تقدم في هذه السورة دالا على أنه على كل شيء قدير، وأنه ~~يفعل ما يريد، وختم ذلك بأنه بكل شيء عليم لم يغب ولا يغيب شيء عنه، فاقتضى ~~ذلك قيوميته، وكان بحيث يستعظم لكثرة الخلائق فكيف بأحوالهم، قرر ذلك في ~~جواب من كأنه سأل فهي في معنى العلة، فقال: {ألم تر أن الله} أي الحائز ~~لجميع الكمال المبرأ عن كل نقص {يسجد له} أي يخضع منقادا لأمره مسخرا لما ~~يريد منه تسخير من هو في غاية الاجتهاد في العبادة والإخلاص فيها {من في ~~السماوات} . # ولما كان في السياق مقتضيا للإبلاغ في صفة القيومية بشهادة ذكر الفصل بين ~~جميع الفرق، أكد بإعادة الموصول فقال: {ومن في الأرض} إن أخلت غير العاقل ~~فبالتغليب، وإن خصصت فبالعاقل أفهم خضوع غيره من باب الأولى. ولما ذكر ما ~~يعم العاقل وغيره، أتبعه بأشرف # PageV13P025 # ما ذكر مما لا يعقل لأن كلا منهما عبد من دون الله أو عبد شيء منه فقال: ~~{والشمس والقمر والنجوم} من الأجرام العلوية فعبد الشمس حمير، والقمر ~~كنانة، والدبران تميم، والشعرى لخم، والثريا طيىء وعطاردا أسدا، والمرزم ~~ربيعة - قاله أبو حيان. ثم أتبع ذلك أعلام الذوات السفلية فقال: {والجبال} ~~أي التي تنحت منها الأصنام {والشجر} التي عبد بعضها {والدواب} التي عبد ~~منها البقر، كل هذه الأشياء تنقاد لأمر الله، ومن المعلوم لكون هذه لا تعقل ~~- أن أمره لها هو مراده منها. # ولما كان العقلاء من المكلفين قد دخلوا في قوله {ومن في الأرض} دخولا ~~أوليا، وكان السجود الممدوحون عليه إنما هو الموافق للأمر، لا الموافق ~~للإرادة المجردة عن الأمر، قال دالا على إرادته هنا بتكريرهم وتقسيمهم بعد ~~إدخالهم في السجود الإدارة وتعميمهم: {وكثير من الناس} أي يسجد سجودا هو ~~منه عبادة شرعية فحق له الثواب {وكثير} أي منهم {حق عليه العذاب} بقيام ~~الحجة عليه بكون لم يسجد، فجحد الأمر الذي من جحده كان كافرا وإن كان ساجدا ~~عابدا ms3051 بالمعنى اللغوي الذي هو الجري مع المراد، وعلى القول بأن # PageV13P026 # هذا في تقدير عامل من لفظ الأول بغير معناه هو قريب من الاستخدام الذي ~~يعلو فيه ضمير على لفظ مراد منه معنى آخر، والآية من الاحتباك: إثبات ~~السجود في الأول دليل على انتفائه في الثاني، وذكر العذاب في الثاني دليل ~~على حذف الثواب في الأول. # ولما علم بهذا أن الكل جارون مع الإرادة منقادون أتم انقياد تحت طوع ~~المشيئة، وأنه إنما جعل الأمر والنهي للمكلفين سببا لإسعاد السعيد منهم ~~وإشقاء الشقي، لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه من أحوالهم فيما بينهم، ~~كان المعنى: فمن يكرم الله بتوفيقه لا متثال أمره فما له من مهين، فعطف ~~عليه: {ومن يهن الله} أي الذي له الأمر كله بمنابذة أمره {فما له من مكرم} ~~لأنه لا قدرة لغيره أصلا، ولعله إنما ذكره وطوى الأول لأن السياق لإظهار ~~القدرة، وإظهارها في الإهانة أتم، مع أن أصل السياق للتهديد؛ ثم علل أن ~~الفعل له لا لغيره بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {يفعل ما يشاء*} أي ~~كله، فلو جاز أن يمانعه غيره ولو في لحظة لم يكن فاعلا لما يشاء، فصح أنه ~~لا فعل لغيره، قال ابن كثير: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي ~~ن القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه # PageV13P027 # أنه قيل له: إن ههنا رجلا يتكلم في المشيئة، فقال له علي: يا عبد الله ~~خلقك الله كما شاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء، قال: فيمرضك إذا شاء أو ~~إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا ~~شاء، قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء، قال: والله لو ~~قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، وقد مر في سورة يوسف عند # {إن الحكم إلا لله عليه توكلت} [يوسف: 67] ما ينفع هنا. # ولما قسم الناس إلى مخالف ومؤالف، أتبعه جزاءهم بما يرغب ms3052 المؤالف ويرهب ~~المخالف على وجه موجب للأمر بالمعروف الذي من جملته الجهاد لوجهه خالصا ~~فقال: {هذان} أي الساجد والجاحد من جميع الفرق {خصمان} لا يمكن منهما ~~المسالمة الكاملة إذ كل منهما في طرف. # ولما أشار بالتثنية إلى كل فرقة منهم صارت - مع كثرتها وانتشارها باتحاد ~~الكلمة في العقيدة - كالجسد الواحد، صرح بكثرتهم بالتعبير بالجمع فقال: ~~{اختصموا} أي أوقعوا الخصومة بغاية الجهد، ولما كانت الفرق المذكورة كلها ~~مثبتة وقد جحد أكثرهم # PageV13P028 # النعمة، قال: {في ربهم} أي الذي هم بإحسانه إليهم معترفون، لم يختصموا ~~بسبب غيره أصلا، وحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعبيدة بن الحارث ~~وعلي بن أبي طالب - الذين هم أول من برز للمخاصمة بحضرة رسول الله - صلى ~~الله عليه ورضي عنهم - للكفرة من بني عمهم: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ~~والوليد بن عتبة، في غزوة بدر - أولى الناس بهذه الآية لما روي في الصحيح ~~عن أبي ذر رضي الله عنه «أنه كان يقسم أنها نزلت فيهم، ولذلك قال رضي الله ~~عنه: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن عز وجل يوم القيامة للخصومة» أخرجه ~~البخاري في صحيحه، ولعله رضي الله عنه أول الثلاثة، قام لمنابذتهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإنه كان أشبهم. # ولما ذكر خصومتهم وشرطها، ذكر جزاءهم عليها في فصل الأمر الذي قدم ذكره، ~~وبدأ بالترهيب لأن الإنسان إليه أحوج فقال: {فالذين كفروا} منابذين لأمر ~~ربهم {قطعت} تقطيعا لا يعلم كثرته إلا الله، بأيسر أمر ممن لا أمر لغيره ~~{لهم} الآن وهيئت وإن وافقوا مراد ربهم بمخالفتهم أمره {ثياب من نار} تحيط ~~بهم وهي على مقاديرهم سابغة عليهم كما كانوا يسلبون الثياب في الدنيا # PageV13P029 # تعاظما وتكبرا حال كونهم {يصب} إذا دخلوها {من فوق رؤوسهم الحميم*} أي ~~الماء الحار حرارة لا يدري مقدارها إلا بالذوق - أعاذنا الله منه، واستأنف ~~الإخبار عنه بقوله: {يصهر} أي يذاب، وأصله المخالطة الشديدة {به} من شدة ~~حرارته {ما في بطونهم} من شحم وغيره {والجلود*} فيكون أثره في البطن ~~والظاهر سواء ms3053 {ولهم مقامع} جمع مقمعة بكسر ثم فتح، وهي عمود حديد يضرب به ~~الرأس والوجه ليرد المضروب عن مراده ردا عنيفا، ثم نفى المجاز بقوله: {من ~~حديد*} أي يقمعون بها {كلما أرادوا} أي كلهم فالبعض بطريق الأولى {أن ~~يخرجوا منها} أي من تلك الثياب أو من النار. # ولما كان السياق لخصومة أولياء الله المتصفين بما هو مقصود السورة من ~~التقوى للكفار، المنابذين لها بكل اعتبار، اقتضى ذلك بشارة للأولياء ونذارة ~~للأعداء - قوله زيادة على ما في السجدة: {من غم} عظيم لا يعلم قدر عظمه إلا ~~الله {أعيدوا} ، كل من {فيها} كأنهم يضربون بلهيب النار فيرفعهم حتى إذا ~~كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا - قاله الحسن، أو ~~أنهم يضطربون في تلك الثياب المقطعة من النار إلى أن يكادوا # PageV13P030 # أن ينفصلوا منها وهم في النار ثم يردون كما كانوا، وذلك أشد في العذاب، ~~مقولا لهم: ارجعوا صاغرين مقاسين لغمومها {وذوقوا عذاب الحريق*} أي العذاب ~~البالغ في الإحراق. # PageV13P031 # ولما ذكر ما لأحد الخصمين وهم الكافرون، أتبعه ما للآخر وهم المؤمنون، ~~وغير السياق بالتأكيد لمن كأنه سأل عنه، معظما له بإثبات الاسم العلم ~~الجامع إيذانا بالاهتمام فقال: {إن الله} أي الذي له الأمر كله {يدخل الذين ~~آمنوا} عبر في الإيمان بالماضي ترغيبا في المبادرة إلى إيقاعه {وعملوا ~~الصالحات} تصديقا لإيمانهم، وعبر بالماضي إشارة إلى أن من عمل الصالح انكشف ~~له ما كان محجوبا عنه من حسنه فأحبه ولم ينفك عنه {جنات تجري} أي دائما {من ~~تحتها الأنهار} أي المياه الواسعة، أينما أردت من أرضها جرى لك نهر في ~~مقابلة ما يجري من فوق رؤوس أهل النار {يحلون فيها} في مقابلة ما يزال من ~~بواطن الكفرة وظواهرهم {من أساور} . # ولما كان مقصودها الحث على التقوى المعلية إلى الإنعام بالفضل، شوق إليه ~~بأغلى ما نعرف من الحلية فقال: {من ذهب ولؤلؤا} وقراءة نافع وعاصم بنصبه ~~دليل على عطفه بالجر على «أساور» {ولباسهم فيها حرير*} في مقابلة ثياب ~~الكفار كما كان لباس الكفار # PageV13P031 # في الدنيا ms3054 حريرا، ولباس المؤمنين دون ذلك، وقد رود في الصححين عن عبد ~~الله بن الزبير عن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه السلام قال: ~~«لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» قال ابن ~~كثير: قال عبد الله بن الزبير «ومن لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل ~~الجنة» قال تعالى: {ولباسهم فيها حرير} انتهى «وذلك أن في الصحيحين وغيرهما ~~عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله قال:» إنما يلبس هذه من لا خلاق له ~~في الآخرة «» فيوشك لتشبهه بالكفار في لباسهم - أن يلحقه الله بهم فلا يموت ~~مسلما - والله الهادي {وهدوا} أي بأسهل أمر بهداية الله أعم من أن يكون ~~السبب القريب لذلك العقل وحده أو مع الرسول أو الكتاب أو غير ذلك وهو حال ~~من {الذين آمنوا} ، وما بعدها ختم به لئلا يطول الفصل بين الفعل ومفعوله ~~ولتكون محاسنهم محيطة بذكر دخولهم الجنة إشارة إلى دوامها {إلى الطيب من ~~القول} فلم يزالوا في حال حسن {وهدوا} وبنى الفعل أيضا للمفعول إشارة إلى ~~سهولة الهداية لهم وللأتقياء منهم، ولذلك لم يذكر العزة، واكتفى بذكر الحمد ~~فقيل: {إلى صراط الحميد*} الذي وفقهم لسلوك ما يحمدون عليه # PageV13P032 # فيحمدون عاقبة، فكان فعلهم حسنا كما كان قولهم حسنا، فدخلوا الجنة التي ~~هي أشرف دار عند خير جار وحلوا فيها أشرف الحلي كما تحلوا في الدنيا بأشرف. ~~الطرائق، هذا بعد أن حازوا أشرف الذكر في الدنيا عكس حال الكفار في اقتراف ~~ما أدخلهم ما كلما أرادوا الخروج منه اعيدوا فيه، مع ما نالهم من سوء ~~الذكر، بإقبالهم كالبهائم على الفاني مع خسته لحضوره، وإعراضهم عن الباقي ~~مع شرفه لغيابه. # ولما بين ما للفريقين، وتضمن ما للفريق الثاني بيان أعمالهم الدالة على ~~صدق إيمانهم، كرر ذكر الفريق الأول لبيان ما يدل على استمرار كفرهم، ويؤكد ~~بيان جزائهم، فقال: {إن الذين كفروا} أي أوقعوا هذا الفعل الخبيث. ولما مان ~~المضارع قد لا يلحظ منه زمان معين من حال ms3055 أو استقبال، بل يكون المقصود منه ~~الدلالة على مجرد الاستمرار كقولهم: فلان يعطي ويمنع، قال عاطفا له على ~~الماضي: {ويصدون} أي ويديمون الصد {عن سبيل الله} أي الملك الأعظم، ~~باقتسامهم طرق مكة، وقول بعضهم لمن يمر به: خرج فينا ساحر، وآخر يقول شاعر، ~~وآخر: كاهن، فلا تسمعوا منه، فإنه يريد أن يردكم عن دينكم؛ قال بعض من ~~أسلم: لم يزالوا بي حتى جعلت في أدنى الكرسف مخافة أن أسمع شيئا من كلامهم. ~~وكانوا يؤذون من أسلم - إلى غير ذلك من أعمالهم، ولعله إنما عبر بالمضارع ~~رحمة منه لهم ليكون كالشرط في الكفر فيدل على # PageV13P033 # أن من ترك الصد زال عنه الكفر وإن طال ذلك منه {و} يصدون عن {المسجد ~~الحرام} أن تقام شعائره من الطواف فيه بالبيت والصلاة والحج والاعتمار ممن ~~هو أهل ذلك من أوليائنا. ثم وصفه بما يبين شديد ظلمهم في الصد عنه فقال: ~~{الذي جعلناه} بما لنا من العظمة {للناس} أي كلهم؛ ثم بين جعله لهم بقوله: ~~{سواء العاكف فيه} أي المقيم {والباد} أي الزائر له من البادية؛ قال الرازي ~~في اللوامع: {سواء} رفع بالابتداء، و {العاكف} خبره، وصلح من تنكيره ~~للابتداء، لأنه كالجنس في إفادة العموم الذي هو أحسن العهد. # ولما ذكر الكفار ودليل كفرهم بما استعطفهم، وزاد في الاستعطاف بحذف الخبر ~~عنهم، ودل آخر الآية هلى أنه يذيقهم العذاب الأليم، عطف عليه ما ينفر عن ~~وصفهم فقال: {ومن يرد فيه} أي شيئا من أفعال الكفار من الصد المذكور وغيره، ~~أي يقع منه إرادة لشيء من ذلك {بإلحاد} أي مصاحبة تلك الإرادة وملتبسة بجور ~~عن الأمر المعروف وميل واعوجاج. ولما كان ذلك يقع على مطلق هذا المعنى، بين ~~المراد بقوله: {بظلم} أي في غير موضعه، وأما صد الكفار عنه فإنه بحق، لأنهم ~~نجس لا ينبغي قربانهم المحال المقدسة، وكذا صد الحائض والجنب والخائن ~~{نذقه} ولما كان المشروط نوعا من الإلحاد، لا الإلحاد الكامل، عبر بقوله # PageV13P034 # {من عذاب أليم*} ودل هذا الخبر عمن أراد شيئا مما فعله ms3056 الكفار أن الخبر ~~عن الكفار الفاعلين لما رتب هذا الجزاء على إرادته ما قدرته. # PageV13P035 # ولما ذكر الفريقين وجزاء كل وختمه بذكر البيت، أتبعه التذكير به وبحجه، ~~لما فيه من التذكير بالقيامة الحاملة على التقوى التي هي مقصد السورة، بما ~~فيه من الوفادة على الله، مع التجرد من المحيط، والخضوع للرب، والاجتماع في ~~المشاعر موقفا في أثر موقف، ولما فيه من الحث على التسنن بأبيهم الأعظم ~~إبراهيم عليه السلام فقال، مقرعا وموبخا لمن أشرك في نفعه «أسست على ~~التوحيد من أول يوم» عطفا على قوله أول السورة {اتقوا} {وإذ} أي واذكروا إذ ~~{بوأنا} بما لنا من العظمة، ولما لم يجعله سبحانه سكنه بنفسه، قصر الفعل عن ~~التعدية إلى مفعوله الأول فقال: {لإبراهيم} أي قدرنا له {مكان البيت} أي ~~الكعبة وجعلناه له مباءة، أي منزلا يبوء إليه أي يرجع، لأنه - لما نودعه ~~فيه من اللطائف - أهل لأن يرجع إليه من فارقه ويحن إليه، ويشتاق من باعده ~~وينقطع إليه بعض ذريته، من # PageV13P035 # المباءة بمعنى المنزل، وبوأه إياه وبوأه له، أي أنزله، قال في ترتيب ~~المحكم: وقيل: هيأته ومكنت له فيه. ويدل على أن إبراهيم عليه السلام أول ~~بان للبيت ما في الصحيح «عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! ~~أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس، قلت: ~~كم بينهما؟ قال: أربعون سنة» ولما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام نبيا، ~~كان من المعلوم أن نبوته له لأجل العبادة، فكان المعنى: قلنا له: أنزل أهلك ~~هاهنا وتردد إلى هذا المكان للعبادة، فذلك فسره بقوله: {أن لا تشرك بي ~~شيئا} فابتدأ بأس العبادة ورأسها، وعطف على النهي قوله: {وطهر بيتي} عن كل ~~ما لا يليق به من قذر حسي ومعنوي من شرك ووثن وطواف عريان به، كما كانت ~~العرب تفعل {للطائفين} به. # ولما تقدم العكوف فاستغنى عن إعادته، قال: {والقائمين} أي حوله تعظيما لي ~~كما يفعل حول عرشي، أو في الصلاة، ولأن العكوف بالقيام أقرب إلى ms3057 مقصود ~~السورة. {والركع} ولما كان كل من الطواف والقيام عبادة برأسه، ولم يكن ~~الركوع والسجود كذلك، عطف ذاك، واتبع هذا لما بينهما من كمال الاتصال، إذ # PageV13P036 # لا ينفك أحدهما عن الآخر في الصلاة فقال: {السجود*} أي المصلين صلاة أهل ~~الإسلام الأكمل {وأذن في الناس} أي أعلمهم وناد فيهم {بالحج} وهو قصد البيت ~~على سبيل التكرار لعبادة المخصوصة بالمشاعر المنصوصة {يأتوك} أي يأتوا بيتك ~~الذي بنيته لذلك، مجيبين لصوتك بإذننا سامعين طائعين مخبتين خاشعين من ~~أقطار الأرض كما يجيبون صوت الداعي من قبلنا إذا دعاهم بمثل ذلك بعذ الموت ~~{رجالا} أي مشاة على أرجلهم {وعلى كل ضامر} أي هزيل من طول السير من الإبل ~~لبعد الشقة وعظم المشقة. # ولما كان الضامر يطلق على كل من الذكر والأنثى من الجمال، وكانت الأنثى ~~أضعف النوعين، فكان الحكم عليها بالإتيان المذكور حكما على الذكر الذي هو ~~أشد بطريق الأولى، أسند إلى ضميرها فقال معبرا بما يدل على التجدد ~~والاستمرار، واصفا الضوامر التي أفهمتها «كل» {يأتين} أي الضوامر {من كل ~~فج} أي طريق واسع بين جبلين {عميق*} أي بعيد منخفض بالنسبة إلى علو جباله. ~~قال أبو حيان: أصله البعد سفلا - انتهى. حفاة عراة، ينتقلون من مشعر من ~~مشاعر # PageV13P037 # الحج إلى معشر، ومن مشهد إلى مشهد، مجموعين بالدعوة، خاشعين للهيبة، ~~خائفين من السطوة، راجين للمغفرة، ثم يتفرقون إلى مواطنهم، ويتوجهون إلى ~~مساكنهم، كالسائرين إلى مواقف الحشر، يوم البعث والنشر، المتفرقين إلى داري ~~النعيم والجحيم، في أيها المصدقون بأن خليلنا إبراهيم عليه السلام نادى ~~بالحج فأجابه بقدرتنا كرامة له من أراد الله حجة على بعد أقطارهم، وتنائي ~~ديارهم، ممن كان موجودا في ذلك الزمان، وممن كان في ظهور الآباء الأقربين ~~أو الأبعدين! صدقوا أن الداعي من قبلنا بالنفخ في الصور يجيبه كل من كان ~~على ظهرها ممن حفظنا له جسده، أو سلطنا عليه الأرض فمزقناه حتى صار ترابا، ~~وما بين ذلك، لأن الكل علينا يسير. # ولما كان الإنسان ميالا إلى الفوائد، مستشرقا إلى جميل العوائد، علل ~~الإتيان ms3058 بما يرغبه مبيحا من فضله ما يقصده من أمر المعاش فقال: {ليشهدوا} ~~أي يحضروا حضورا تاما {منافع لهم} أي لا للمعبود، دينية ودنيوية، فإنه كما ~~جعل سبحانه تلك المواطن ماحية للذنوب، جالبة للقلوب، جعلها جالبة للفوائد، ~~جارية على أحسن العوائد، سالمة للفقر جابرة للكسر، ولما كانت المنافع لا ~~تطيب وتثمر إلا بالتقوى كان الحامل على التقوى لذكر قال: {ويذكروا اسم ~~الله} أي الجامع لجميع الكمالات بالتكبير وغيره عند الذبح وغيره، إعلاما # PageV13P038 # بأنه المقصود الذي يتبعه جميع المقاصد لأنه ما جمعهم على ما فيه من تلك ~~الأرض الغراء والأماكن الغبراء إلا هو بقدرته الكاملة، وقوته الشاملة، لا ~~اسم شيء من الأصنام كما كانت الجاهلية تفعل {في أيام معلومات} أي علم أنها ~~أول عشر في ذي الحجة الذي يوافق اسمه مسماه، لا ما سموه به ومسماه غيره على ~~ما حكم به النسيء، وفي هذا إشارة إلى أن المراد به الإكثار إذ مطلق الذكر ~~مندوب إليه في كل وقت، وفي التعبير بالعلم إشارة إلى وجوب استفراغ الجهد ~~بعد القطع بأن الشهر ذو الحجة اسما ومسمى في تحرير أوله، وأما أيام التشريق ~~فإنها لما كانت مبنية على العلم بأمر الشهر الذي أمر به هنا، فأنتج العلم ~~بيوم العيد، لم يحتج في أمرها إلى غير العد فلذا عبر عنها به دون العلم. # ولما كانت النعم أجل أموالهم، قال تعالى مرغبا لهم ومرهبا: {على} أي ~~مبركين بذكره وحامدين على {ما رزقهم} ولو شاء محقه {من بهيمة} ولما كانت ~~البهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، بينها بقوله: {الأنعام} من ~~الإبل والبقر والغنم بالتكبير عند رؤيته، ثم عند ذبحه، وفيه حث على التقرب ~~بالضحايا، والهدايا، ولذلك التفت إلى الإقبال عليهم، وتركيب «لهم» يدور على ~~الاستعجام والخفاء والانغلاق وعدم التمييز، وتركيب «نعم» على الرفاهية ~~والخفض والدعة. # PageV13P039 # ولما ذكر سبحانه العبادة فخاطب بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، تنبيها ~~على أنها لعظم المعبود لا يقوم بها على وجهها إلا الخلص، أقبل على العابدين ~~كلهم بالإذن في ما يسرهم ms3059 من منحة التمتيع، تنبيها على النعمة، حثا على ~~الشكر، فقال مبينا عما اندرج في ذلك من الذبح: {فكلوا منها} أي إن شئتم إذا ~~تطوعتم بها ولا تمتنعوا كأهل الجاهلية، فالأكل من المتطوع به لا يخرجه عن ~~كونه قربانا في هذه الحنيفية السمحة منة على أهلها، تشريفا لنبيها صلى الله ~~عليه وسلم، والأكل من الواجب لا يجوز لمن وجب عليه، لأنه إذا أكل منه ولم ~~يكن مخرجا لما وجب عليه بكماله {وأطعموا البائس} أي الذي اشتدت حاجته، من ~~بئس كسمع إذا ساءت حاله وافتقر، وبين أنه من ذلك، لا من بؤس - ككرم الذي ~~معناه: اشتد في الحرب، بقوله: {الفقير*} وأكد هذا الحث ونفى عنه الريب ~~بعوده إلى الأسلوب الأول في قوله: {ثم ليقضوا} أي يقطعوا وينهوا يوم النحر ~~بعد طول الإحرام {تفثهم} أي شعثهم بالغسل وقص الأظفار والشارب وحلق العانة ~~ونحو ذلك {وليوفوا نذورهم} أخذا من الفراغ من الأمر والخروج من كل واجب ~~{وليطوفوا} فيكون ذلك آخر أعمالهم، وحث # PageV13P040 # على الإكثار منه والاجتهاد فيه بصيغة التفعل، وعلى الإخلاص بالإخفاء بحسب ~~الطاقة بالإدغام، واللام إن كسرت - كما هي قراءة أبي عمرو وابن عامر وورش ~~عن نافع وقنبل عن ابن كثير ورويس عن يعقوب في {ليقضوا} وقراءة ابن ذكوان عن ~~ابن عامر وحده في {ليوفوا. . وليطوفوا} يصح أن تكون للعلة عطفا على ~~{ليشهدوا} ويكون عطفها بأداة التراخي لطول المدة على ما هو مفهومها مع ~~الإشارة إلى التعظيم في الرتبة، ويصح أن تكون للأمر كقراءة الباقين ~~بالإسكان، وقوله: {بالبيت} أي من ورائه، لعلم الحجر، ومتى نقص عن إكمال ~~الدوران حوله أدنى جزء لم يصح لأنه لم يوقع مسمى الطواف، فلا تعلق بالباء ~~في التبعيض ووصفه بقوله: {العتيق*} إشارة إلى استحقاقه للتعظيم بالقدم ~~والعتق من كل سوء، ثم أشار إلى تعظيم الحج وأفعاله هذه بقوله: {ذلك} أي ~~الأمر الجليل العظيم الكبير المنافع دنيا وأخرى ذلك. ولما كان التقدير: فمن ~~فعله سعد، ومن انتهك شيئا منه شقي، عطف عليه قوله: {ومن يعظم} أي بغاية ~~جهده {حرمات ms3060 الله} أي ذي الجلال والإكرام كلها من هذا ومن غيره، وهي الأمور ~~التي جعلها له فحث على فعلها أو تركها {فهو} # PageV13P041 # أي التعظيم الحامل له على امتثال الأمر فيها على وجهه واجتناب المنهي عنه ~~كالطواف عريانا والذبح بذكر اسم غير الله {خير} كائن {له عند ربه} الذي ~~أسدى إليه كل ما هو فيه من النعم فوجب عليه شكره فإن ذلك يدل على تقوى ~~قلبه، لأن تعظيمها من تقوى القلوب، وتعظيمها لجلال الله، وانتهاكها شر عليه ~~عند ربه. # ولما كان التقدير: فقد حرمت عليكم أشياء أن تفعلوها، وأشياء أن تتركوها، ~~عطف عليه قوله بيانا أن الإحرام لم يؤثر فيها كما أثر في الصيد: {وأحلت لكم ~~الأنعام} وهي الإبل والبقر والغنم كلها {إلا ما يتلى} أي على سبيل التجديد ~~مستمرا {عليكم} تحريمه من الميتة والدم وما أهل لغير الله به، خلافا للكفار ~~في افترائهم على الله بالتعبد بتحريم الوصيلة والبحيرة والسائبة والحامي ~~وإحلال الميتة والدم. # ولما أفهم ذلك حل السوائب وما معها وتحريم المذبوح للأنصاب، وكان سبب ذلك ~~كله الأوثان، سبب عنه قوله: {فاجتنبوا} أي بغاية الجهد اقتداء بالأب الأعظم ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم الإيصاء له بمثل ذلك عند جعل البيت ~~له مباءة {الرجس} أي القذر الذي من حقه أن يجتنب من غير أمر؛ ثم بينه وميزه ~~بقوله: {من الأوثان} أي القذر الذي من حقه أن يحتنب من غير أمر، فإنه إذا ~~اجتنب السبب اجتنب المسبب. # PageV13P042 # ولما كان ذلك كله من الزور، أتبعه النهي عن جميع الزور، وزاد في تبشيعه ~~وتغليظه إذ عدله - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك فقال: ~~{واجتنبوا} أي بكل اعتبار {قول الزور*} أي جميعه، وهو الانحراف عن الدليل ~~كالشرك المؤدي إلى لزوم عجز الإله وتحريم ما لم ينزل الله به سلطانا من ~~السائبة وما معها، وتحليل الميتة ونحوها مما قام الدليل السمعي على تحريمه ~~كما أن الحنف الميل مع الدليل، ولذلك أتبعه قوله: {حنفاء لله} الذي له ~~الكمال كله، فلا ميل في شيء من ms3061 فعله، وإنما كانا كذلك مع اجتماعهما في مطلق ~~الميل، لأن الزور تدور مادته على القوة والوعورة، والحنف - كما مضى في ~~البقرة - على الرقة والسهوله، فكان ذو الزور معرضا عن الدليل بما فيه من ~~الكثافة والحنيف مقبلا على الدليل بما له من الاطافة. # ولما أفهم ذلك التوحيد، أكده بقوله: {غير مشركين به} أي شيئا من إشراك، ~~بل مخلصين له الدين، ودل على عظمة التوحيد وعلوه، وفظاعة الشرك وسفوله، ~~بقوله زاجرا عنه عاطفا على ما تقديره: فمن امتثل ذلك أعلاه اعتداله إلى ~~الرفيق الأعلى: {ومن يشرك} أي يوقع شيئا من الشرك {بالله} أي الذي له ~~العظمة كلها، لشيء # PageV13P043 # من الأشياء في وقت من الأوقات {فكأنما خر من السماء} لعلو ما كان فيه من ~~أوج التوحيد وسفول ما انحط إليه من حضيض الإشراك. # ولما كان الساقط من هذا العلو متقطعا لا محالة إما بسباع الطير أو ~~بالوقوع على جلد، عبر عن ذلك بقوله: {فتخطفه الطير} أي قطعا بينها، وهو ~~نازل في الهواء قبل أن يصل إلى الأرض {أو تهوي به الريح} أي حيث لم يجد في ~~الهواء ما يهلكه {في مكان} من الأرض {سحيق*} أي بعيد في السفول، فيتقطع حال ~~وصوله إلى الأرض بقوة السقطة وشدة الضغطة لبعد المحل الذي خر منه وزل عنه، ~~فالآية من الاحتباك: خطف الطير الملزوم للتقطع أولا دال على حذف التقطع ~~ثانيا، والمكان السحيق الملزوم لبلوغ الأرض ثانيا دليل على حذف ضده أولا؛ ~~ثم عظم ما تقدم من التوحيد وما هو مسبب عنه بالإشارة بأداة البعد. # PageV13P044 # {ذلك} أي الأمر العظيم الكبير ذلك، فمن راعاه فاز، ومن حاد عنه خاب؛ ثم ~~عطف عليه ما هو أعم من هذا المقدر فقال: {ومن} ويجوز أن يكون حالا، أي أشير ~~إلى الأمر العظيم والحال أنه من {يعظم شعائر الله} أي معالم دين الملك # PageV13P044 # الأعظم التي ندب إليها وأمر بالقيام بها في الحج، جمع شعيرة وهي المنسك ~~والعلامة في الحج، والشعيرة أيضا: البدنة المهداة إلى البيت الحرام، قال ~~البغوي: وأصلها من الإشعار وهو ms3062 إعلامها ليعرف أنها هدي - انتهى. ولعله ~~مأخوذ من الشعر لأنها إذا جرحت قطع شيء من شعرها أو أزيل عن محل الجرح، ~~فيكون من الإزالة، وتعظيمها استحسانها، فتعظيمها خير له لدلالته على تقوى ~~قلبه {فإنها} أي تعظيمها {من} أي مبتدىء من {تقوى القلوب*} التي من شأنها ~~الشعور بما هو أهل لأن يعظم، فمعظمها متق، وقد علم بما ذكرته أنه حذف من ~~هذه جملة الخير ومن قوله {ومن يعظم حرمات الله} سبب كونه خيرا له، وهو ~~التقوى، ودل على إرادته هناك بذكره هنا، وحذف هنا كون التعظيم خيرا، ودل ~~عليه بذكره هناك، فقد ذكر في كل جملة ما دل على ما حذف من الأخرى كما تقدم ~~في {قد كان لكم آية في فئتين} [آل عمران: 13] في آل عمران، وأنه يسمى ~~الاحتباك، وتفسيري للشعائر بما بما ذكرته من الأمر العام جائز الإرادة، ~~ويكون إعادة الضمير على نوع منه نوعا من الاستخدام، فقوله: {لكم فيها} ~~معناه: البدن أو النعم المهداة أو مطلقا {منافع} بالدر والنسل والظهر ونحوه # PageV13P045 # فكلما كانت سمينة حسنة كانت منافعها أكثر دينا ودنيا {إلى أجل مسمى} وهو ~~الموت الذي قدرناه على كل نفس، أو النحر إن كانت مهداة، أو غير ذلك، وهذا ~~تعليل للجملة التي قبله، فإن المنافع حاملة لذوي البصائر على التفكر فيها ~~لا سيما مع تفاوتها، والتفكر فيها موصل إلى التقوى بمعرفة أنها من الله، ~~وأنه قادر على ما يريد. وأنه لا شريك له. # ولما كانت هذه المنافع دنيوية، وكانت منفعة نحرها إذا أهديت دينية، أشار ~~إلى تعظيم الثاني بأداة التراخي فقال: {ثم محلها} أي وقت حلول نحرها ~~بانتهائكم بها {إلى البيت العتيق*} أي إلى فنائه وهو الحرم كما قال تعالى ~~{هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] . # ولما كان التقدير: جعل لكم سبحانه هذه الأشياء مناسك، عطف عليه قوله: ~~{ولكل أمة} أي من الأمم السالفة وغيرها {جعلنا} بعظمتنا التي لا يصح أن ~~تخالف {منسكا} أي عبادة أو موضع عبادة أو قربانا، فإنه يكون مصدر نسك - ~~كنصر وكرم - نسكا ومنسكا، ويكون بمعنى ms3063 الموضع الذي يعبد فيه، والذي يذبح ~~فيه النسك وهو الهدي، وقال ابن كثير: ولم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء # PageV13P046 # على اسم الله مشروعا في جميع الملل. # ثم أتبع هذا الجعل عتله بيانا لأنه ليس مقصودا في نفسه فقال: {ليذكروا} ~~ولما كان الدين سهلا سمحا ذا يسر، رضي بالدخول فيه بالظاهر فقال: {اسم ~~الله} أي الملك الأعلى وحده، على ذبائحهم وقرابينهم وعبادتهم كلها، لأنه ~~الرزاق لهم وحده؛ ثم علل الذكر بالنعمة تنبيها على التفكر فيها فقال: {على ~~ما رزقهم} فوجب شكره به عليهم {من بهيمة الأنعام} . # ولما علم أن الشارع لجميع الشرائع الحقة واحد، وأن علة نصبه لها ذكره ~~وحده، تسبب عنه قوله: {فإلهكم} أي الذي شرع هذه المناسك كلها. ولما كان ~~الإله ما يحق له الإلهية بما تقرر من أوصافه، لا ما سمي إلها، قال: {إله} ~~ووصفه بقوله: {واحد} أي وإن اختلفت فروع شرائعه ونسخ بعضها بعضا، ولو اقتصر ~~على «واحد» لربما قال متعنتهم: إن المراد اقتصارنا على واحد مما نعبده. ~~والتفت إلى الخطاب لأنه أصرح وأجدر بالقبول. # ولما ثبت كونه واحدا، وجب اختصاصه بالعبادة، فلذا قال: {فله} أي وحده ~~{أسلموا} أي انقادوا بجميع ظواهركم وبواطنكم # PageV13P047 # في كل ما أمر به أو نهى عنه ناسخا كان أو لا وإن لم تفهموا معناه كغالب ~~مناسك الحج. # ولما أمر بالإسلام من يحتاج إلى ذلك إيجادا أو تكميلا أو إدامة، وكان ~~الإسلام هو سهولة الانقياد من غير كبر ولا شماخة، وكان منشأ الطمأنينة ~~والتواضع اللذين هما أنسب شيء لحال الحجاج المتجرد من المخيط المكشوف الرأس ~~الطالب لوضع أوزاره، وتخفيف آصاره لستر عوراه، أقبل سبحانه وتعالى على ~~الرأس من المأمورين، الحائز لما يمكن المخلوقين أن يصلوا إليه من رتب ~~الكمال، وخلال الجمال والجلال، إشارة إلى أنه لا يلحقه أحد في ذلك فقال: ~~{وبشر المخبتين*} أي المتواضعين، المنكسرين، من الخبت - للأرض المنخفضة ~~الصالحة للاستطراق وغيره من المنافع؛ ثم بين علاماتهم فقال: {الذين إذا ذكر ~~الله} أي الذي له الجلال والجمال {وجلت} أي خافت خوفا مزعجا ms3064 {قلوبهم} . # ولما كان في ذكر الحج، وكان ذلك مظنة لكثرة الخلطة الموجبة لكثرة الأنكاد ~~ولا سيما وقد كان أكثر المخالطين مشركين، لأن السورة مكية، قال عاطفا غير ~~متبع، إيذانا بالرسوخ في الأوصاف: {والصابرين} الذين صار الصبر عادتهم {على ~~ما أصابهم} # PageV13P048 # كائنا ما كان. # ولما كان ذلك شاغلا عن الصلاة، قال: {والمقيمي الصلاة} أي وإن حصل لهم من ~~المشاق بأفعال الحج وغيره ما عسى أن يحصل، ولذلك عبر بالوصف دون الفعل ~~إشارة إلى أنه لا يقيمها على الوجه المشروع مع ذلك المشاق والشواغل إلا ~~الأراسخ في حبها، فهم - لما تمكن من حبها في قلوبهم والخوف من الغفلة عنها ~~- كأنهم دائما في صلاة. # ولما كان ما يحصل فيه من زيادة النفقة ربما كان مقعدا عنه، رغب فيه ~~بقوله: {ومما رزقناهم} فهم لكونه نعمة منا لا يبخلون به، ولأجل عظمتنا ~~يحسنون ظن الخلف {ينفقون*} أي يجددون بذله على الاستمرار، بالهدايا التي ~~يغالون في أثمانها وغير ذلك، إحسانا إلى خلق الله، امتثالا لأمره كالخبت ~~الباذل لما يودعه تعالى فيه من الماء والمرعى. # PageV13P049 # ولما قدم سبحانه الحث على التقرب بالأنعام كلها، وكانت الإبل أعظمها ~~خلقا، وأجلها في أنفسهم أمرا، خصها بالذكر في سياق تكون فيه مذكورة مرتين ~~معبرا بالاسم الدال على عظمها، أو أنه خصها لأنه خص العرب بها دون الأمم ~~الماضية، فقال عاطفا على قوله {جعلنا منسكا} أو يكون التقدير والله أعلم: ~~فأشركناكم مع الأمم الماضية # PageV13P049 # في البقر والغنم {والبدن} أي الإبل أي المعروفة بعظم الأبدان - {جعلناها} ~~أي بعظمتنا، وزاد في التذكير بالعظمة بذكر الاسم العلم فقال: {لكم من شعائر ~~الله} أي أعلام دين الملك الأعظم ومناسكه التي شرعها لكم وشرع فيها ~~الإشعار، وهو أن يطعن بحديدة في سنامها، تمييزا لما يكون منها هديا عن ~~غيره. # ولما نبه على ما فيها من النفع الديني، نبه على ما هو أعم منه فقال: {لكم ~~فيها خير} بالتسخير الذي هو من منافع الدنيا، والتقريب الذي هو من منافع ~~الآخرة؛ روى الترميذي وحسنه وابن ماجة عن عائشة رضي ms3065 الله عنها أن النبي صلى ~~الله علية وسلم قال: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من هراقة ~~الدم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وأن الدم ليقع من ~~الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفسا» والدارقطني في السنن عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» ما ~~أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد « # ولما ذكر ما فيها، سبب عنه الشكر فقال: {فاذكروا اسم الله} أي الذي لا ~~سمي له {عليها} أي على ذبحها بالتكبير، حال كونها # PageV13P050 # {صواف} قياما معقلة الأيدي اليسرى، فلولا تعظيمه بامتثال شرائعه، ما شرع ~~لكم ذبحها وسلطكم عليها مع أنها أعظم منكم جرما وأقوى {فإذا وجبت جنوبها} ~~أي سقطت سقوطا بردت به بزوال أرواحها فلا حركة لها أصلا، قال ابن كثير وقد ~~جاء في حديث مرفوع» ولا تعجلوا النفس أن تزهق «وقد وراه الثوري في جامعه عن ~~أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن فرافصة الحنفي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أنه قال ذلك. # ولما كان ربما ظن أنه يحرم الأكل ممنها للأمر بتقريبها لله تعالى، قال ~~نافيا لذلك: {فكلوا منها} إذا كانت تطوعا إن شئتم الأكل، فإن ذلك لا يخرجها ~~عن كونها قربانا {وأطعموا القانع} أي المتعرض للسؤال بخضوع وانكسار ~~{والمعتر} أي السائل، وقيل: بالعكس، وهو قول الشافعي رحمه الله، قال في ~~كتاب اختلاف الحديث: والقانع هو السائل، والمعتر هو الزائر والمار، قال ~~الرازي في اللوامع: وأصله في اللغة أن القاف والنون والعين تدل على الإقبال ~~على الشيء، ثم تختلف معانيه مع اتفاق القياس، فالقانع: السائل، لإقباله على ~~من يساله، والقانع: الراضي الذي لا يسأل، كأنه مقبل على الشيء الذي هو راض ~~به. # ولما كان تسخيرها لمثل هذا القتل على هذه الكيفية مع قوتها # PageV13P051 # وكبرها أمرا باهرا للعقل عند التأمل، نبه عليه بالتحريك للسؤال عما هو ~~أعظم منه فقال: {كذلك} أي مثل هذا التسخير العظيم المقدار ms3066 {سخرناها} ~~بعظمتنا التي لولاها ما كان ذلك {لكم} وذللناها ليلا ونهارا مع عظمها ~~وقوتها، ولو شئنا جعلناها وحشية {لعلكم تشكرون*} أي لتتأملوا ذلك فتعرفوا ~~أنه ما قادها لكم إلا الله فيكون حالكم حال من يرجى شكره، فتوقعوا الشكر ~~بأن لا تحرموا منها إلا ما حرم، ولا تحلوا إلا ما أحل، وتشهدوا منها ما حث ~~على إهدائه، وتتصرفوا فيها بحسب ما أمركم. # ولما حث على التقرب بها مذكورا اسمه عليها، وكان من مكارم الأخلاق، وكان ~~أكثرهم يفعله، وكانوا ينضحون البيت ونحوه بدماء قرابينهم، ويشرحون اللحم، ~~ويضعونه حوله، زاعمين أن ذلك قربة، وقد كان بعض ذلك شرعا قديما، نبه سبحانه ~~على نسخ ذلك بأن نبه على أن المقصود منه روحه لا صورته فقال: {لن ينال} أي ~~يصيب ويبلغ ويدرك. # ولما كان السياق للحث على التقريب له سبحانه، كان تقديم اسمه على الفاعل ~~أنسب للإسراع بنفي ما قد يتوهم من لحاق نفع أو ضر، # PageV13P052 # فقال معبرا بالاسم العلم الذي حمى عن الشركة بكل اعتبار: {الله} أي رضا ~~الملك الذي له صفات الكمال فلا يلحقه نفع ولا ضر {لحومها} المأكوله {ولا ~~دماؤها} المهراقة {ولكن يناله التقوى} أي عمل القلب وهي الصفة المقصود بها ~~أن تقي صاحبها سخط الله، وهي التي استولت على قلبه حتى حملته على امتثال ~~اموامر التي هي نهايات لذلك، الكائنة {منكم} الحاملة على التقرب التي بها ~~يكون له روح القبول، المحصلة للمأمول؛ قال الرازي في اللوامع: وهذا دليل ~~على أن النية الخالصة خير من الأعمال الموظفة - انتهى. فإذا نالته سبحانه ~~النية قبل العمل فتلقى اللقمة «فرباها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل ~~جبل» «ووقع الدم منه بمكان» فالنفي لصورة لا روح لها والإثبات لذات الروح، ~~فقد تفيد النية من غير عمل كما قال صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ما ~~معناه. «إن بالمدينة رجالا ما نزلنا منزلا ولا قطعنا واديا إلا كانوا فيه ~~حبسهم العذر» ولا يفيد العمل بغير نية، والنية هي التي تفيد الجزاء سرمدا ~~والله الموفق؛ ثم ms3067 كرر التنبيه على عظيم تسخيرها منبها على ما أوجب عليهم به ~~فقال: {كذلك} أي التسخير العظيم {سخرها} أي الله الجامع لصفات الكمال {لكم} ~~بعظمته وغناه عنكم {لتكبروا} . # ولما ذكر التكبير، صوره بالاسم الأعظم فقال: {الله} وضمن التكبير فعل ~~الشكر، فكان التقدير: شاكرين له {على ما هداكم} # PageV13P053 # أي على هدايتكم له والأمور العظيمة التي هداكم إليها. # ولما كان الدين لا يقوم إلا بالنذارة والبشارة، وكان السياق لأجل ما تقدم ~~من شعائر الحج، ومعالم العج والثج - بالبشارة أليق، ذكرها مشيرا إلى ~~النذارة بواو العطف ليؤذن أن التقدير: فأنذر أيها الداعي المسيئين: {وبشر ~~المحسنين*} أي الذين أوجدوا الإحسان لأفعالهم صورة ومعنى. # ولما ذكر سبحانه الحج المذكر للمهاجرين بأوطانهم المخاصمة التي أنزلت في ~~غزوة بدر، وذكر ما يفعل فيه من القربات، عظم اشتياق النفوس إلى ذلك وتذكرت ~~علو المشركين الذي يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام وظهورهم ومنعهم لمن ~~أراد هذه الأفعال، على هذه الأوصاف الخالصة، والأحوال الصالحة، وفتنتهم له، ~~فأجابها سبحانه عن هذا السؤال بقوله: {إن الله} أي الذي لا كفوء له {يدافع ~~عن الذين آمنوا} لأنهم بدخولهم في الإيمان لم يكونوا مبالغين في الخيانة ~~ولا في الكفر فهو يحبهم، فكيف بالمحسنين الذين ختمت بهم الآية السالفة، أي ~~فيظهرهم على عدوهم - هذا في قراءة ابن كثير # PageV13P054 # وأبي عمرو ويعقوب بغير ألف، وفي قراءة الباقين مبالغة بإخراج الفعل على ~~المغالبة، فكأنه قال: بشرهم بأن الله يدفع عنهم، ولكنه تعالى أظهر الأوصاف ~~ليفهم أنها مناط الأحكام والتعبير، فعبر بالفعل الماضي ترغيبا، أي لكل من ~~أوقع هذا الوصف في الخارج إقياعا ما دفع عنه؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} ~~أي الذي له صفات الكمال {لا يحب} أي لا يكرم كما يفعل المحب {كل خوان} في ~~أمانته، مانع لعباده من بيته الذي هو للناس سواء العاكف فيه والبادي {كفور} ~~لنعمته بالتقرب إلى غيره، فهو يفعل مكارم الأخلاق صورة ليس فيها معنى أصلا، ~~لا يصححها بذكر الله وحده، ولا يجملها بالإحسان، وأتى بالصفتين على صيغة ~~المبالغة لأن ms3068 نقائص الإنسان لا يمكنه أن يفعلها خالية عن المبالغة، لأنه ~~يخون نفسه بالعزم أولا، والفعل ثانيا وغيره من الخلق ثالثا، وكذا يخون نفسه ~~ربه سبحانه وهكذا في الكفر وغيره، ولما كانت الخيانة منبع النقائص، كانت ~~المبالغة فيها أكثر. # PageV13P055 # ولما كان كأنه قد قيل: كيف تكون المدافعة وبمن؟ # PageV13P055 # فقيل: بعباده المؤمنين، عبر عن ذلك بقوله: {أذن} وأشار بقراءة من بناه ~~للمجهول إلى سهولة ذلك عليه سبخانه {للذين يقاتلون} أي للذين فيهم قوة ~~المدافعة، في المدافعة بالقتلا بعد أن كانوا يمنعون منه بمكة ويؤمرون ~~بالصفح؛ ثم ذكر سبب الإذن فقال {بأنهم ظلموا} أي وقع ظلم الظالمين لهم ~~بالإخراج من الديار، والأذى بغير حق. # ولما كان التقدير: فأن الله أراد إظهار دينه بهم، عطف عليه قوله: {وإن ~~الله} أي الذي هو الملك الأعلى، وكل شيء في قبضته، ويجوز عطفه على قوله {إن ~~الله يدفع} أي بإذنه لهم في القتال وأنه {على نصرهم} وأبلغ في التأكيد لا ~~ستبعاد النصرة إذ ذاك بالكفار من الكثرة والقوة، وللمؤمنين من الضعف ~~والقلة، فقال: {لقدير*} ثم وصفهم بما يبين مظلوميتهم على وجه يجمعهم ~~ويوثقهم بالله فقال: {الذين أخرجوا من ديارهم} إلى الشعب والحبشة والمدينة ~~{بغير حق} أوجب ذلك {إلا أن يقولوا} أي غير قولهم، أو ألا قولهم: {ربنا ~~الله} المحيط بصفات الكمال، الموجب لإقرارهم في ديارهم، وحبهم ومدحهم ~~واقتفاء آثارهم، فهو من باب: # PageV13P056 # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # وفي سوق ذلك المساق الاستثناء عند من يجعله منقطعا إشارة إلى أن من أخلص ~~لله، صوب الناس إليه سهام مكرهم، ولم يدعوا في أذاه شيئا من جهدهم. # ولما ذكر مدافعته، وذكر أنها بالمؤمنين، بين سرها عموما ليفهم منها هذا ~~الخاص، وصورها تقريبا لفهمها، فقال عاطفا على ما تقديره: فلولا إذن الله ~~لهم لاستمر الشرك ظاهرا، والباطل - باستيلاء الجهلة على مواطن الحج - ~~قاهرا: {ولولا دفع الله} أي المحيط بكل شيء علما وقدرة في كل شريعة، وفي ~~زمن كل نبي أرسله {الناس} أي عموما {بعضهم ببعض} ms3069 أي بتسليط بعضهم على بعض ~~{لهدمت صوامع} وهي معابد صغار مرتفعة للرهبان {وبيع} للنصارى {وصلوات} أي ~~كنائس اليهود {ومساجد} أي للمسلمين، أخرها لتكون بعيدة من الهدم قريبة من ~~الذكر {يذكر فيها اسم الله} أي الملك الذي لا ملك غيره، ولعل العدول عن ~~الإضمار إلى الإظهار للإشارة إلى اختلاف ذكره تعالى في الأماكن المذكورة ~~بالإخلاص وغيره {كثيرا} لأن كل فرقة تريد هدم ما للأخرى، بل ربما أراد بعض ~~أهل ملة إخراب # PageV13P057 # بعض معابد أهل ملته، لا فبدفعه الله بمن يريد من عباده، وإذا تأملت ذلك ~~وجدت فيه من الأسرار، ما يدق عن الأفكار، فإنه تعالى لما أراد بأكثر الناس ~~الفساد، نصب لهم من الأضداد، ما يخفف كثيرا من العناد. # ولما كان لتقدير: ولكن لم تهدم المذكورات، لأن الله دفع بعضهم ببعض، وجعل ~~بعضهم في نحور بعض، عطف عليه أو على قوله {أذن} قوله: {ولينصرن الله} أي ~~الملك الأعظم، وأظهر ولم يضمر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: {من ~~ينصره} كائنا كم كان منهم ومن غيرهم، بما يهيىء له من الأسباب، إجراء له ~~على الأمر المعتاد، وبغير أسباب خرقا للعادة، كما وقع في كثير من الفتوحات، ~~كخوض العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه البحر الملح إلى جواثاء بالبحرين، ~~واقتحام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الدجلة مع عظمها في ذلك العام ~~وطموها، وزيادتها وعلوها، وزلزلة أسوار حمص بالتكبير وتهدم كثيرا من ~~بيوتها، عن إتقان بنيانها، وإحكام قواعدها وأركانها # PageV13P058 # ونحو ذلك؛ ثم علل نصره وإن ضعف المنصور، بقوله: {إن الله} أي الذي لا ~~كفوء له {لقوي*} أي على ما يريد {عزيز*} لا يقدر أحد على مغالبته، ومن كان ~~ناصره فهو المنصور، وعدوه المقهور، ولقد صدق سبحانه فيما وعد به، فأذل ~~بأنصار دينه رضي الله عنهم - جبابرة أهل الأرض وملوكهم، ومن أصدق من الله ~~حديثا. # ولما وصف نفسه سبحانه بما يقتضي تمكين منصوره الذي ينصره، وصفهم بما يبين ~~أن قتالهم له، لا لهم، بعد أن وصفهم بأنهم أوذوا بالإخراج من الديار الذي ~~يعادل القتل، ms3070 فقال: {الذين} ولما كان وقت النصرة مبهما آخره يوم الفصل، عبر ~~بأداة الشك ليكون ذلك أدل على إخلاص المخلص في القتال: {إن مكناهم} بما لنا ~~من العظمة {في الأرض} بإعلائهم على أضدادهم {أقاموا الصلاة} أي التي هي ~~عماد الدين، الدالة على المراقبة والإعراض عن تحصيل الفاني {وآتوا الزكاة} ~~المؤذنة بالزهذ في الحاصل منه، المؤذن بعمل النفس للرحيل {وأمروا بالمعروف} ~~وهو ما عرفه الشرع وأجاره {ونهوا عن المنكر} المعرف بأنه لا أنس لهم إلا به ~~سبحانه، ولا خوف لهم إلا منه، ولا رجاء فيه والآية دالة على صحة خلافة ~~الأئمة الأربعة. # PageV13P059 # ولما كان هذا ابتداء الأمر بالجهاد، وكان عقب ما آذى أعداؤه أولياءه، ~~فطال أذاهم لهم، فكان التقدير كما أرشد إليه العطف على غير مذكور، عطفا على ~~{ولولا دفع} فلله بادئة الأمور، عطف عليه قوله: {ولله} أي الملك الأعلى ~~المحيط بكل شيء {عاقبة الأمور*} فتمكينهم كائن لا محالة، لكن ذكره للعاقبة ~~وطيه للبادئة منبه على أنه تعالى يجعل للشيطان - كما هو المشاهد في الأغلب ~~- حظا في البادئة، ليتبين الصادق من الكاذب، والمزلزل من الثابت، وأما ~~العاقبة فهي متمحضة له إلى أن يكون آخر ذلك القيامة التي لا يكون لأحد فيها ~~أمر، حتى أنه لا ينطق أحد إلا بإذن خاص. ولما كان في ترغيب هذه الآيات ~~وترهيبها ما يعطف العاقل، ويقصف الجاهل، طوي حكم العاقل لفهمه ما سبق، وهو: ~~فإن يؤمنوا بك مكناهم في الأرض، ودل عليه بعطف حكم الجاهل على غير مذكور في ~~سياق يسلي به نبيه صلى الله عليه وسلم ويعزيه، ويؤنسه ويواسيه، فقال {وإن ~~يكذبوك} أي أخذتهم وإن كانوا أمكن الناس، فقد فعلت بمن قبلهم ذلك، فلا ~~يحزنك أمرهم {فقد كذبت} وأتى سبحانه بتاء التأنيث تحقيرا للمكذبين في قدرته ~~وإن كانوا أشد الناس. # ولما كانت هذه الأمم لعظمهم وتمادي أزمانهم كأنهم قد استغرقوا الزمان ~~كله، لم يأت بالجار فقال: {قبلهم قوم نوح} وكانوا # PageV13P060 # أطول الناس أعمارا، وأشدهم اقتدارا؛ ولما لم يتعلق في هذا السياق غرض ~~بالمخالفة في ترتيبهم، ساقهم ms3071 على حسب ترتبيهم في الوجود فقال: {وعاد} أي ~~ذوو الأبدان الشداد {وثمود*} أولو الأبنية الطوال، في السهول والجبال {وقوم ~~إبراهيم} المتجبرون المتكبرون {وقوم لوط*} الأنجاس، بما لم يسبقهم إليه أحد ~~من الناس {وأصحاب مدين} أرباب الأموال، المجموعة من خزائن الضلال. # ولما كان موسى عليه السلام قد أتى من الآيات المرئية ثم المسموعة بما لم ~~يأت بمثله أحد ممن تقدمه، فكان تكذيبه في غاية من البعد، غير سبحانه ~~الأسلوب تنبيها على ذلك، وعلى أن الذين أطبقوا على تكذيبه القبط، وأما قومه ~~فما كذبه منهم إلا ناس يسير، فقال: {وكذب موسى} وفي ذلك أيضا تعظيم للتأسية ~~وتفخيم للتسلية {فأمليت للكافرين} أي فتعقب عن تكذيبهم أني أمهلتهم بتأخير ~~عقوبتهم إلى الوقت الذي ضربته لهم، وعبر عن طول الإملاء بأداة التراخي ~~لزيادة التأسية فقال: {ثم أخذتهم} ونبه سبحانه وتعالى على أنه كان في أخذهم ~~عبر وعجائب، وأهوال وغرائب، بالاستفهام في قوله: {فكيف كان نكير*} أي ~~إنكاري لأفعالهم، فليحذر هؤلاء الذين أتيتهم بأعظم ما أتى به رسول قومه مثل ~~ذلك. # PageV13P061 # ولما كانت هذه الأمم السبعة أكثر أهل الأرض، بل كانت أمة # PageV13P061 # منهم أهل الأرض كما مضى بيانه في الأعراف، فكيف بمن عداهم ممن كان في ~~أزمانهم وبعدهم، وأخبر سبحانه وتعالى أن عادته فيهم الإملاء ثم الإهلاك، ~~تسبب عن ذلك تهويل الإخبارعنهم وتكثيرهم، فقال تعالى شارحا للأخذ والإمهال ~~على طريق النشر المشوش: {فكأين من قرية أهلكناها} كهؤلاء المذكورين وغيرهم، ~~وفي قراءة الجماعة غير أبي عمرو بالنون إظهارا للعظمة {وهي} أي والحال أنها ~~{ظالمة فهي} أي فتسبب عن إهلاكها أنها {خاوية} أي متهدمة ساقطة أي جدرانها ~~{على عروشها} أي سقوفها، بأن تقصفت الأخشاب ولا من كثرة الأمطار، وغير ذلك ~~من الأسرار، فسقطت ثم سقطت عليها الجدران. أو المعنى: خالية، قد ذهبت ~~أرواحها بذهاب سكانها على البقاء سقوفها، ليست محتاجة إلىغير السكان {و} كم ~~من {بئر معطلة} من أهلها مع بقاء بنائها، وفوران مائها {وقصر مشيد*} أي عال ~~متقن مجصص لأنه لا يشيد - أي يجصص - إلا الذي يقصد ms3072 رفعه، فحلت القصور من ~~أربابها، وأقفرت موحشة من جميع أصاحبها، بعد كثرة التضام في نواديها، وعطلت ~~الآبار من ورادها # PageV13P062 # بعد الازدحام بين رائحها وغاديها، دانية ونائية، حاضرة وبادية؛ ولما كان ~~خراب المشيد يوهى من أركانه، ويخلق من جدارنه، لم يحس التشديد في وصف ~~القصر، كما حسن في وصف البئر. # ولما كان هذا واعظا لمن له استبصار، وعاطفا له إلى العزيز الغفار، تسبب ~~عنه الإنكار عليهم في عدم الاعتبار، فعد أسفارهم - التي كانوا يرون فيها ~~هذه القرى على الوجه الذي أخر به سبحانه لما كانت على ذلك الوجه - عدما، ~~فقال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض} أي وهم بصراء ينظرون بأعينهم ما يمرون ~~عليه، من الآيات المرئية من القرى الظالمة المهلكة وغيرها، وقرينة الحث على ~~السير دل على البصر. # ولما كان الجواب منصوبا، علم أنه منفي لأنه مسبب عن همزة الإنكار التي ~~معناها النفي، وقد دخلت على النفي السير فنفته، فأثبتت السير عريا عما ~~أفاده الجواب، وهو قوله {فتكون} أي فيتسبب عن سيرهم أن تكون {لهم قلوب} ~~واعية {يعقلون بها} ما رأوه بأبصارهم في الآيات المرئيات من الدلالة على ~~وحدانية الله تعالى وقدرته على الإحياء والإماتة متى أراد فيعتبروا به، ~~فانتفاء القلوب الموصوفة متوقف على نفي السير الذي هو إثبات السير، وكذا ~~الكلام في الآذان من قوله {أو} أي أو تكون لهم إن كانوا عمي الأبصار # PageV13P063 # كما دل عليه جعل هذا قسيما {آذان يسمعون بها} الآيات المسموعة المترجمة ~~عن تلك القرى وغيرها سواء ساروا أو لم يسيروا، إن كانت بصائرهم غير نافذة ~~الفهم بمجرد الرؤية فيتدبروها بقلوبهم، فإنه لا يضرهم فقد الأبصار عند وجود ~~البصائر. # ولما كان الضار للإنسان إنما هو عمى البصائر دون الأبصار، نفى العمى أصلا ~~عن الأبصار لعدم ضرورة مع إنارة البصائر، وخصه بالبصئر لوجود الضرر به ولو ~~وجدت الأبصار، مسببا عما مضى مع ما أرشد إليه من التقدير، فقال: {فإنها لا ~~تعمى الأبصار} أي لعدم الضرر بعماها المستنير البصيرة {ولكن تعمى القلوب} ~~وأكد المعنى بقوله: {التي في الصدور*} ms3073 لوجود الضرر بعماها المبطل لمنفعة ~~صاحبها وإن كان البصر موجدا، فاحتيج في تصوير عماها إلى زيادة تعيين لما ~~تعورف من أن العمى إنما هو للبصر، إعلاما بأن القلوب ما ذكرت غلطا، بل ~~عمدا، تنبيها على أن عمى البصر عدم بالنسبة لى عماها، والمراد بالقلب لطيفة ~~ربانية روحانية مودعة في اللحم الصنوبري المودع في الجانب الأيسر من الصدر، ~~لديه تعلق. . . عقول الأكثر في أنه يضاهي تعلق العرض بالجسم، أو الصفة ~~بالموصوف، أو المتمكن بمكان # PageV13P064 # وهذه اللطيفة على حقيقة الإنسان سميت قلبا للمجاورة والتعلق، وهي كالفارس ~~والبدن كله كالفرس، وعمى الفارس أضر على الفارس من عمى الفرس، بل لا نسبة ~~لأحد الضررين بالآخرة، فلذلك نفى عمى الأبصار أصلا # PageV13P065 # ورأسا، فلا شيء ضرره بالنسبة إلى عمى البصائر. # ولما قدم سبحانه أن الضال المضل له خزي في الدنيا، وقدم أنه يدفع عن ~~الذين آمنوا وينصرهم، وساق الدليل الشهودي على ذلك لمن كان جامد الفهم، ~~مقيدا بالوهم، بالقرى الظالمة التي أنجز هلاكها، وختم بإنكار عماهم عن ظاهر ~~الآيات البينات، قال عاطفا على {ومن الناس من يجادل} معجبا منهم وموضحا ~~لعماهم: {ويستعجلونك} ويجوز وهو أحسن أن تكون هذه الجملة حالا من فاعل ~~{يسيروا} فيكون مما أنكر عليهم {بالعذاب} الذي تتوعدهم به تكذيبا واستهزاء، ~~{و} الحال أنه {لن يخلف الله} الذي لا كفوء له {وعده} فلا بد من وقوعه لكن ~~الطويل عندهم من الزمن قصير عنده، وقد ينجز الوعد وقد يؤخره بعد الوعيد إلى ~~حين يوم أو أقل أو أكثر، لأن قضاءه سبق أنه لا يكون إلا فيه لحكم يظهرها ~~لمن يشاء من عباده {وإن يوما} أي واحدا {عند ربك} أي المحسن إليك بتأخير # PageV13P066 # العذاب عنهم إكراما لك {كألف سنة} ولما كان المقصود هنا التطويل، فعبر ~~بالسنة تنبيها عليه؛ ولما كانت السنون قد تختلف قال: {مما تعدون*} لأن ~~أيامكم تناسب أوهامكم، وأزمانكم تناسب شأنكم، وهو حليم لا يستطيل الزمان، ~~وقادر لا يخاف الفوت. # PageV13P067 # ولما دل على نصر أوليائه، وقسر أعدائه، بشهادة تلك القرى، وختم بالتعجيب ~~من استعجالهم ms3074 مع ما شاهدوا من إهلاك أمثالهم، وأعلمهم ما هو عليه من ~~الأناة، واتساع العظمة، وكبر المقدار، عطف على {فكأين} محذرا من نكاله، بعد ~~طويل إمهاله، قوله: {وكأين من قرية} أي من أهلها {أمليت لها} أي أمهلتها ~~كما أمهلتكم {وهي ظالمة} كظلمكم بالاستعجال وغيره {ثم أخذتها} أي بالعذاب ~~{وإلي المصير*} بانقطاع كل حكم دون حكمي، كما كان مني البدء، فلم يقدر أحد ~~أن يمنع من خلق ما أردت خلقه، ولا أن يخلق ما لم أرد خلقه، فلا تغتروا ~~بالإمهال، وإن تمادت الأيام والليالي، واحذروا عواقب الوبال، وإن بلغتم ما ~~أردتم من الآمال، ولعله إنما طوى ذكر البدء، لأنه احتجب فيه بالأسباب فغلب ~~فيه اسمه الباطن، ولذلك ضل في هذه الدار أكثر الخلق وقوفا مع الأسباب. # ولما كان الاستعجال بالأفعال لا يطلب من الرسول، وكان الإخبار باستهزائهم ~~وشدة عماهم ربما أفهم الإذن في الإعراض عنهم أصلا ورأسا قال سبحانه وتعالى ~~مزيلا لذلك منبها على أن مثله إنما يطلب من المرسل، لا من الرسول: {قل} أي ~~لهم، ولا يصدنك عن دعائهم ما أخبرناك به من عماهم {يا أيها الناس} أي جميعا ~~من قومي وغيرهم {إنما أنا لكم نذير} أي وبشير، وإنما طواه لأن المقام ~~للتخويف، ويلزم منه الأمن للمنتهى فتأتي البشارة، ولأن النذارة هي المقصود ~~الأعظم من الدعوة، لأنه لا يقدم عليها إلا المؤيدون بروح من الله {مبين*} ~~أي لكل ما ينفعكم لتلزموه. ويضركم فتتركوه لا إله، أعجل لكم العذاب؛ ثم ~~تسبب عن كونه مبينا العلم بأن وصف البشارة مراد وإن طوي، فدل عليه سبحانه ~~بقوله تفضيلا لأهل البشارة والنذارة: {فالذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان ~~{وعملوا} أي تصديقا لدعواهم ذلك {الصالحات لهم مغفرة} لما فرط منهم من ~~التقصير لأنه لن يقد أحد أن يقدر الله حق قدره. # ولما كان هذا أول الإذن في القتال، الموجب لمنابذة الكفار، ومهاجرة الأهل ~~والأموال والديار، وكان ذلك - مع كونه في غاية الشدة - موجبا للفقر عادة، ~~قال محققا له ومنبها على أنه سبب الرزق: {ورزق} أي في الدنيا ms3075 بالغنائم ~~وغيرها، والآخرة بما # PageV13P067 # لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر {كريم*} لا خسة فيه ولا ~~دناءة بانقطاع ولا غيره أصلا ما داموا على الاتصاف بذلك، هذا فعل ربهم بهم ~~عكس ما وصف به مدعو الكفار من أن ضره أقرب من نفعه. # ولما كان في سياق الإنذار، قال معبرا بالماضي زيادة في التخويف: {والذين ~~سعوا} أي أوقعوا السعي ولو مرة واحدة بشبهة من الشبه ونحوها {في آياتنا} أي ~~التي نصبناها للدلالة علينا مرئية أو مسموعة {معاجزين} أي مبالغين في فعل ~~ما يلزم - في زعمهم - منه عجزنا، ومعجزين، أي مقدرين أنهم يعجزوننا ~~بإخفائهم آياتنا، وإضلال الناس وصدهم عهنا بألقاء الشبه والجدال، اتباعا ~~للشيطان المريد، من غير علم ولا هدى ولا كتب منير كشبه الاتحادية الذين راج ~~أمرهم على كثير من الناس مع أنه لا شيء أوهى من شبههم ولا أظهر بطلانا، ~~ولذلك راج أمرها على أهل الغباوة، فإن الداعية منهم يقول لمن يغره: هذا ~~الظاهر من الكلام لا يقول به عاقل، فالمراد به أسرار دقيقة، وراء طور ~~العقل، لا يوصل إليه إلا بالرياضة والكشف، وما درى المغرور أن أبا طالب كان ~~أعقل من هذا الذي ينسب إليه ذلك الكفر الظاهر، # PageV13P068 # فإن شعره أحسن من شعره، وبديهته أعظم من بديهته، ورؤيته أحكم من رؤيته، ~~وقد رأى من الآيات من النبي صلى الله عليه وسلم ما لا مزيد عليه، مع أن له ~~من القرابة ما هو معروف، ومن المحبة ما يفوت الحصر، ومع ذلك فقد أصر من ~~الضلال ما لا يرضاه حمار لو نطق، على أن هذا المغرور قد لزمه - بتحسين الظن ~~بهؤلاء الكفرة - إساءة الظن بأشرف الخلق: النبي صلى الله عليه وسلم في قوله # «من رأى منكم منكرا» - الحديث الذي في بعض رواياته: «وليس وراء ذلك أي ~~الإنكار بالقلب - مثقال حبة من إيمان» وقد أفردت لبيان ضلالهم كتبا لما ~~استطار من شرهم، ومس من ضرهم، منها المطول والمختصر، لا مزيد على بيانها ~~وظهور سلطانها {أولئك} البعداء البغضاء {أصحاب ms3076 الجحيم*} أي استحقاقا بما ~~سعوا، فإن شاء تاب عليهم، وإن شاء كبهم فيها، ليعلموا أنهم هم العاجزون، ~~هذا في الآخرة، وسيظهر سبحانه في الدنيا أيضا عجزهم، بكشف شبههم ومج القلوب ~~النيرة لها، مع ذلهم وانكسارهم، وهوانهم وصغارهم، حتى لا يقدروا أن ينطقوا ~~من ذلك ببنت شفة، علما منهم أن مثلها لا يقوله عاقل. # ولما لاح من ذلك أن الشيطان ألقى للكفار شبها، يعاجزون بها بجدالهم في ~~دين الله الذي أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بإظهاره، # PageV13P069 # وتقرير وإشهاره، عطف عليه تسلية له صلى الله عليه وسلم قوله: {وما ~~أرسلنا} أي بعظمتنا {من قبلك} ثم أكد الاستغراق بقوله: {من رسول} أي من ملك ~~أو بشر بشريعة جديدة يدعو إليها {ولا نبي} سواء كان رسولا أو لا، مقرر ~~بالحفظ لشريعة سابقة - كذا قال البيضاوي وغيره في الرسول وهو منقوص بأنبياء ~~بني أسرائيل الذين بين موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فإن الله تعالى ~~سماهم رسلا في غير آية منها {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده ~~بالرسل} [البقرة: 87] فالصواب أن يقال: النبي إنسان أوحي إليه بشرع جديد أو ~~مقرر، فإن أمر بالتبليغ فرسول أيضا، والتقييد بشرع لإخراج مريم وغيرها من ~~الأولياء {إلا إذا تمنى} أي تلا على الناس ما أمره الله به أو حدثهم به ~~واشتهى في نفسه أن يقبلوه حرصا منه على إيمانهم شفقة عليهم {ألقى الشيطان ~~في أمنيته} أي ما تلاه أو حدث به واشتهى أن يقبل، من الشبه والتخيلات ما ~~يتلقفه منه أولياءه فيجادلون به أهل الطاعة ليضلوهم # {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} [الأنعام: 121] {وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا} [الأنعام: 112] كما يفعل هؤلاء فيما # PageV13P070 # يغيرون به في وجه الشريعة أصولا وفروعا من قولهم: إن القرآن شعر وسحر ~~وكهانة، وقولهم {لو شاء الله ما أشركنا} [الأنعام: 148] وقولهم {هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] وقولهم: إن ما قلته الله بالموت حتف أنفه ~~أولى بالأكل مما ذبح، وقولهم: نحن أهل الله وسكان ms3077 حرمه، لا نخرج من الحرم ~~فنقف في الحج بالمعشر الحرام ويقف الناس بعرفة، ونحن نطوف قي ثيابنا وكذا ~~من ولدناه، وأما غيرنا فلا يطوف إلا عريانا ذكرا ان أو أنثى إلا أن يعطيه ~~أحد منا ما يلبسه، ونحو ذلك مما يريدون أن يطفئوا به نور الله، وكذا ~~تأويلات الباطنية والاتحادية وأنظارهم التي ألحدوا فيها، يضل بها من يشاء ~~الله ثم يمحوها من أراد من عباده وما أراد من أمره {فينسخ} أي فيتسبب عن ~~إلقائه أنه ينسخ {الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما {ما يلقي الشيطان} ~~فيبطله بإيضاح أمره ومج القلوب له. # ولما كان إبطاله سبحانه للشبه إبطالا محكما، لا يتطرق إليه لعلو رتبة ~~بيانه - شبهة أصلا، عبر بأداة التراخي فقال: {ثم يحكم الله} أي الملك الذي ~~لا كفوء له {آياته} أي يجعلها جلية فيما أريد منها، وأدل دليل على أن هذا ~~هو المراد مع الافتتاح بالمعاجزة في الآيات - الختام بقوله عطفا على ما ~~تقديره: فالله على ما يشاء قدير: # PageV13P071 # {والله} أي الذي له الأمر كله {عليم} أي بنفي الشبه {حكيم*} بإيراد ~~الكلام على وجه لا تؤثر فيه عند من له أدنى بصيرة، وكذا ما مضى في السورة ~~ويأتي من ذكر الجدال. # PageV13P072 # ولما ذكر سبحانه ما حكم به من تمكين الشيطان من هذا الإلقاء، ذكر العلة ~~في ذلك فقال: {ليجعل ما يلقي الشيطان} أي في المتلو أو المحدث به من تلك ~~الشبه في قلوب أوليائه {فتنة} أي اختبارا وامتحانا {للذين في قلوبهم مرض} ~~لسفولها عن حد الاعتدال من اللين حتى صارت مائيته تقبل كل صورة ولا يثبت ~~فيها صورة، وهم أهل النفاق المتلقفون للشبه الملقون لها {والقاسية قلوبهم} ~~عن فهم الآيات، وهم من علت قلوبهم عن ذلك الجدال أن صارت حجرية، وهم ~~المصارحون بالعداوة، فهم في ريب من أمرهم وجدال للمؤمنين، قد انتقشت فيها ~~الشبه، فصارت أبعد شيء عن الزوال. ولما كان التقدير: فإنهم حزب الشيطان، ~~وأعداء الرحمن، عطف عليه قوله. وإنهم هكذا الأصل، ولكنه أظهر تنبيها على ~~وصفهم فقال: ms3078 {وإن الظالمين} أي الواضعين لأقوالهم وأفعالهم في غير مواضعها ~~كفعل من هو في الظلام {لفي شقاق} أي خلاف بكونهم في شق # PageV13P072 # غير شق حزب الله بمعاجزتهم في الآيات بتلك الشبه التي تلقوها من الشيطان، ~~وجادلوا بها أولياء الرحمن {بعيد*} عن الصواب {ولتصغي إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} [الأنعام: 113] {وليعلم ~~الذين أوتوا العلم} بإتقان حججه، وإحكام براهينه، وضعف شبه المعاجزين، وبني ~~فعله للمجهول تعظيما لثمرته في حد ذاته لا بالنسبة إلى معط معين {أنه} أي ~~الشيء الذي تلوته أو حدثت به {الحق} أي الثابت الذي لا يمكن زواله {من ربك} ~~أي المحسن إليك بتعليمك إياه، فإن الحق كلما جودل أهله ظهرت حججه، وأسفرت ~~وجوهه، ووضحت براهينه، وغمرت لججه، كما قال تعالى {يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا} [البقرة: 26] {فيؤمنوا به} لما ظهر لهم من صحته بما ظهر من ضعف تلك ~~الشبه {فتخبت} أي تطمئن وتخضع {له قلوبهم} وتسكن به قلوبهم، فإن الله جعل ~~فيها السكينة فجعلها زجاجية صلبة صافية رقيقة بين المائية والحجرية، نافعة ~~بفهم العلم وحفظه والهداية به لمن يقبل عنهم من الضالين كما ينفع الخبث ~~بقبول طائفة منه لطائفة من الماء، وإنبات ما يقدره الله من الكلاء وغيره ~~وحفظ طائفة أخرى لطائفة أخرى منه لشرب الحيوان {وإن الله} بجلاله وعظمته ~~لهاديهم، ولكنه أظهر تنبيها على سبب العلم فقال: {لهاد الذين آمنوا} في # PageV13P073 # جميع ما يلقيه أولياء الشيطان {إلى صراط مستقيم*} يصلون به إلى معرفة ~~بطلانه، فيوصلهم ذلك إلى سعادة الدارين {ولا يزال الذين كفروا} أي وجد منهم ~~الكفر وطبعوا عليه {في مرية} أي شك يطلبون السكون إليه {منه} أي من أجل ~~إلقاء الشيطان وما ألقاه، أو مبتدىء منه {حتى تأتيهم الساعة} أي الموت أو ~~القيامة {بغتة} أي فجأة بموتهم حتف الأنف {أو يأتيهم عذاب يوم عقيم*} يقتل ~~فيه جميع أبنائهم منهم ولا يكون لهم فيه شيء مما يترجونه من نصر أو غيره ~~كما سعوا بجدلهم وإلقاء الضلالات في إعقام الآيات، فإذا انكشف لهم ms3079 الغطاء ~~بالساعة أو العذاب الموصل إلى حد الغرغرة آمنوا دأب البهائم التي لا ترى ~~إلا الجزئيات، فلم ينفعهم ذلك لفوات شرطه، وقد زالت بحمد الله عن هذه الآية ~~- بما قررته الشكوك، وانفضحت مخيلات الشبه، وانقمعت مضلات الفتن، من قصة ~~الغرانيق وما شاكلها مما يتعالى عنه ذلك الجناب الرفيع، والحمى العظيم ~~المنيع، ولم يصح شيء من ذلك كما صرح به الحافظ عماد الدين ابن كثير وغيره ~~كيف وقد منع الشيطان من مثاله صلى الله عليه وسلم في المنام، # PageV13P074 # كما قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه # «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» وقد تولى الله ~~سبحانه حفظ الذكر الحكيم بحراسة السماوات وغيرها {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا ~~له لحافظون} {إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ~~ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} [الجن: 27] . # ولما كانوا من الكثرة والقوة بمكان كان كأنه قيل: كيف يغلبون؟ فقال جوابا ~~عن ذلك: {الملك يومئذ} أي يوم إذ يأتيهم ذلك إما في القيامة أو في الدنيا ~~{لله} أي المحيط بجميع صفات الكمال وحد بتغليب اسمه الظاهر، بأن يجري أمره ~~فيه على غير الأسباب التي تعرفونها. # ولما كان كأنه قيل: ما معنى اختصاصه به وكل الأيام له؟ قيل: {يحكم بينهم} ~~أي بين المؤمنين والكافرين بالأمر الفيصل، لا حكم فيه ظاهرا ولا باطنا ~~لغيره، كما ترونه الآن، بل يمشي فيه الأمر على أتم قوانين العدل، ولذلك سبب ~~ظهور العدل عنه قوله مفصلا بادئا. إظهارا لتفرده بالحكم بإكرام من كانوا ~~قاطعين بهوانهم في الدارين # PageV13P075 # مع أن تقديمهم أوفق لمقصود السورة: {فالذين آمنوا وعملوا} أي وصدقوا ~~دعواهم الإيمان بأن عملوا {الصالحات} وهي ما أمرهم الله به. # ولما كانت إثابته تعالى لأهل طاعته تفضلا منه، نبه على ذلك بإعراء الخبر ~~عن الفاء السببية بخلاف ما يأتي في حق الكفار فقال: {في جنات النعيم*} في ~~الدنيا مجازا، لمآلهم إليهم مع ما يجدونه من لذة ms3080 المناجاة واستشعار القرب ~~وفي الآخرة حقيقة بما رحمهم الله به من توفيقهم للأعمال الصالحة {والذين ~~كفروا} أي غطوا ما أعطيناهم من المعرفة بالأدلة على وحدانيتنا {وكذبوا ~~بآياتنا} ساعين - بما أعطيناهم من الفهم في تعجيزها بالمجادلة بما يوحي ~~إليهم أولياؤهم من الشياطين من الشبه، وقرن الخبر بالفاء إيذانا بأنه مسبب ~~عن كفرهم فقال: {فأولئك} أي البعداء عن أسباب الكرم {لهم عذاب مهين*} بسبب ~~ما سعوا في إهانة آياتنا مريدين إعزاز أنفسهم بمغالبتها والتكبر عن ~~اتباعها. # ولما كان المشركون يمنعون بهذ الشبه وغيرها كثيرا من الناس الإيمان، ~~وكانوا لا يتمكنون بها إلا ممن يخالطهم، رغب سبحانه في الهجرة فقال: ~~{والذين هاجروا} أي أوقعوا هجرة ديارهم وأهليهم {في سبيل الله} أي طريق ذي ~~الجلال والإكرام التي شرعها، فكانت # PageV13P076 # ظرفا لمهاجرتهم، فلم يكن لهم بها غرض آخر. ولما كان أكثر ما يخاف من ~~الهجرة القتل. لقصد الأعداء للمهاجر بالمصادمة، عند تحقق المصارمة، قال ~~معبرا بأداة التراخي إشارة إلى طول العمر وعلو الرتبة بسبب الهجرة: {ثم ~~قتلوا} أي بعد الهجرة، وألحق به مطلق الموت فضلا منه فقال: {أو ماتوا} أي ~~من غير قتل {ليرزقنهم الله} أي الملك الأعلى {رزقا حسنا} من حين تفارق ~~أرواحهم أشباحهم لأنهم أحياء عند ربهم، وذلك لأنهم أرضوا الله بما انخلعوا ~~منه مما أثلوه طول أعمارهم. وأثله آباؤهم من قبلهم، وأموالهم وأهليهم ~~وديارهم. # ولما كان التقدير: فإن الله فعال ما يريد من إحيائهم ورزقهم وغيره، عطف ~~عليه قوله: {وإن الله} أي الجامع لصفات الكمال بعظمته وقدرته على الإحياء ~~كما قدر على الإماتة {لهو خير الرازقين*} يرزق الخلق عامة البر منهم ~~والفاجر، فكيف بمن هاجر إليه! ويعطي عطاء لا يدخله عد، ولا يحويه حد، وكما ~~دلت الآية على تسوية من مات في سبيل الله برباط أو غيره في الرزق بالشهيد، ~~دلت السنة أيضا من حديث سلمان وغيره رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من مات مرابطا أجري عليه الرزق وأمن الفتانين» . # PageV13P077 # ولما كان الرزق لا يتم إلا ms3081 بحسن الدار، وكان ذلك من أفضل # PageV13P077 # الرزق، قال دالا على ختام التي قبل: {ليدخلنهم مدخلا} أي دخولا ومكان ~~دخول قراءة نافع وأبي جعفر بفتح الميم، وإدخالا ومكان إدخال على قراءة ~~الباقين {يرضونه} لا يبغون به بدلا، بما أرضوه به بما خرجوا منه. # ولما كان التقدير: فإن الله لشكور حميد، وكان من المعلوم قطعا أنه لا ~~يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره وإن اجتهد، لأن الإنسان محل الخطأ والنسيان، ~~فلو أوخذ بذلك هلك، وكان ربما ظن ظان أنه لو علم ما قصروا فيه لغضب عليهم، ~~عطف على ما قدرته قوله: {وإن الله} أي الذي عمت رحمته وتمت عظمته {لعليم} ~~أي بمقاصدهم وما علموا مما يرضيه وغيره {حليم*} عما قصروا فيه من طاعته، ~~وما فرطوا في جنبه سبحانه. # ولما ختم هذه الآيات - التي الإذن للمظلومين في القتال للظالمين - بصفة ~~الحلم، فكان ذلك مخيلة لوجوب العفو عن حقوق العباد كما في شريعة عيسى عليه ~~الصلاة والسلام، نفى ذلك بقوله إذنا للمجهارين فيمن أخرجهم من ديارهم أن ~~يخرجوه من دياره ويذيقوه بعض ما توعده الله به من العذاب المهين: {ذلك} أي ~~الأمر المقرر من صفة الله تعالى ذلك {ومن عاقب} من العباد بأن # PageV13P078 # أصاب خصمه، لمصيبة يرجو فيها العاقبة {بمثل ما عوقب} أي عولج علاج من ~~يطلب حسن العاقبة {به} من أي معاقب كان فلم يتجاوز إلى ظلم {ثم بغي} أي من ~~أي باغ كان {عليه} بالعود إلى خصومته لأخذه حقه. # ولما كان ما يحصل للمبغي عليه بالكسر عودا على بدء من الذل والهوان مبعدا ~~لأن ينجبر، أكد وعده فقال: {لينصرنه الله} أي الذي لا كفوء له. # ولما قيد ذلك بالمثلية، وكان أمرا خفيا، لا يكاد يوقف عليه، فكان ربما ~~وقعت المجاوزة خطأ، فظن عدم النصرة لذلك، أفهم تعالى أن المؤاخذة إنما هي ~~بالعمد، بقوله؛ ويجوز أن يكون التقدير ندبا إلى العفو بعد ضمان النصر: إن ~~الله لعزيز حكيم، ومن عفا وأصلح فقد تعرض لعفو الله عن تقصيره، ومغفرته ~~لذنوبه، فهو احتباك: ذكر ms3082 النصرة دليل العزة والحكمة، وذكر العفو منه سبحانه ~~دليل حذف العفو من العبد {إن الله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما {لعفو} ~~أي عمن اقتص ممن ظلمه أول مرة {غفور*} لمن اقتص ممن بغى عليه. # PageV13P079 # ولما ختم بهذين الوصفينن ذكر من الدليل عليهما أمرا جامعا للمصالح، عاما ~~للخلائق، يكون فيه وبه الإحسان بالخلق والرزق فقال: {ذلك} أي معرفة اتصافه ~~سبحانه بهذين الوصفين {بأن الله} المتصف بجميع صفات الكمال {يولج} لأجل ~~مصالح العباد المسيء والمحسن {الليل في النهار} فيمحو ظلامه بضيائه، ولو ~~شاء مؤاخذة الناس لجعله سرمدا فتعطلت مصالح النهار {ويولج النهار في الليل} ~~فينسخ ضياءه بظلامه، ولولا ذلك لتعطلت مصالح الليل، أو يطول أحدهما حيث ~~يراد استيلاء ما طبع عليه على ضد ما طبع عليه آخر لما يراد من المصالح التي ~~جعل ذلك لأجلها {وأن الله} بجلاله وعظمته {سميع} لما يمكن أن يسمع {بصير*} ~~أي مبصر عالم لما يمكن أن يبصر دائم الاتصاف بذلك فهو غير محتاج إلى سكون ~~الليل ليسمع، ولا لضياء النهار ليبصر، لأنه منزه عن الأعراض، وهو لتمام ~~قدرته وعلمه لا يخاف في عفوه غائلة، ولا يمكن أن يفوته أمر، أو يكون ~~التقدير: ذلك النصر والعفو بأنه قادر وبأنه عالم. # ولما وصف نفسه سبحانه بما ليس لغيره فبان بذلك نقير ما سواه بفعله علله ~~بقوله: {ذلك} أي الاتصاف بتمام القدرة وشمول العلم {بأن الله} الحاوي لصفات ~~الكمال، القادر على إخراج المعدوم # PageV13P080 # ولما ختم بهذين الوصفينن ذكر من الدليل عليهما أمرا جامعا للمصالح، عاما ~~للخلائق، يكون فيه وبه الإحسان بالخلق والرزق فقال: {ذلك} أي معرفة اتصافه ~~سبحانه بهذين الوصفين {بأن الله} المتصف بجميع صفات الكمال {يولج} لأجل ~~مصالح العباد المسيء والمحسن {الليل في النهار} فيمحو ظلامه بضيائه، ولو ~~شاء مؤاخذة الناس لجعله سرمدا فتعطلت مصالح النهار {ويولج النهار في الليل} ~~فينسخ ضياءه بظلامه، ولولا ذلك لتعطلت مصالح الليل، أو يطول أحدهما حيث ~~يراد استيلاء ما طبع عليه على ضد ما طبع عليه آخر لما يراد من المصالح ms3083 التي ~~جعل ذلك لأجلها {وأن الله} بجلاله وعظمته {سميع} لما يمكن أن يسمع {بصير*} ~~أي مبصر عالم لما يمكن أن يبصر دائم الاتصاف بذلك فهو غير محتاج إلى سكون ~~الليل ليسمع، ولا لضياء النهار ليبصر، لأنه منزه عن الأعراض، وهو لتمام ~~قدرته وعلمه لا يخاف في عفوه غائلة، ولا يمكن أن يفوته أمر، أو يكون ~~التقدير: ذلك النصر والعفو بأنه قادر وبأنه عالم. # ولما وصف نفسه سبحانه بما ليس لغيره فبان بذلك نقير ما سواه بفعله علله ~~بقوله: {ذلك} أي الاتصاف بتمام القدرة وشمول العلم {بأن الله} الحاوي لصفات ~~الكمال، القادر على إخراج المعدوم # PageV13P081 # وتجديد ما فات، من نشر الأموات وغيره {هو} وحده {الحق} أي الواجب الوجود ~~{وأن ما يدعون} أي دعاء عبادة وهم لا يسمعون. # ولما كان سبحانه فوق كل شيء بقهره وسلطانه، قال محقرا لهم: {من دونه} أي ~~من هذه الأصنام وغيرها، ولم يتقدم هنا من الدليل على بطلان الأوثان مثل ما ~~ذكره في لقمان الداعي الحال إلى التأكيد بضمير الفصل فقال: {هو الباطل} ~~لأنه ممكن وجوده وعدمه، فليس له من ذاته إلا العدم كغيره من الممكنات {وأن ~~الله} لكونه هو الحق الذي لا كفوء له {هو} وحده {العلي الكبير*} وكل ما ~~سواه سافل حقير، تحت قهره وأمره، فهو يحيي الموتى كما تقدم أول السورة. # ولما دل ما تضمنه رزقه سبحانه للميت في سبيله بقتل أو غيره على إحيائه ~~له، ودل سبحانه على ذلك وعلى أنه خير الرازقين بما له من العظمة، وختم ~~بهذين الوصفين، أتبعه دليلا آخر على ذلك كله بآية مشاهدة جامعة بين العالم ~~العلوي والسفلي قاضية بعلوه وكبره، فقال: {ألم تر} أي أيها المخاطب {أن ~~الله} أي المحيط قدرة وعلما {أنزل من السماء ماء} بأن يرسل رياحا فتثير ~~سحابا فيمطر على الأرض الملساء. # ولما كان هذا الاستفهام المتلو بالنفي في معنى الإثبات لرؤية الإنزال ~~لكونه فيه معنى الإنكار، عطف على {أنزل} معقبا له على حسب العادة قوله، ~~معبرا بالمضارع تنبيها على عظمة النعمة بطول زمان ms3084 أثر المطر وتجدد نفعه: ~~{فتصبح الأرض} أي بعد أن كانت مسودة يابسة، ميتة هامدة {مخضرة} حية يانعة، ~~مهتزة نامية، بما فيه رزق العبادة، وعمار البلاد، ولم ينصب على أنه جوابه ~~لئلا يفيد نفي الاخضرار، وذلك لأن الاستفهام من حيث فيه معنى الإنكار نفي ~~لنفي رؤية الإنزال الذي هو إثبات الرؤية، فيكون ما جعل جوابا له منفيا، لأن ~~الجواب متوقف على ما هو جوابه، فإذا نفى ما عليه التوقف انتفى المتوقف ~~عليه، أي إذا نفى الملزوم انتفى اللازم، وإذا نفي السبب انتفى المسبب - كما ~~تقدم «فتكون لهم قلوب» فلو نصب «يصبح» على أنه جواب الاستفهام لكان المعنى ~~أن عدم الاخضرار متوقف على نفي النفي للإنزال الذي هو إثبات الإنزال، وهو ~~واضح الفساد - أفاده شيخنا الإمام أبو الفضل رحمه الله. # ولما كان هذا إنتاجا للأشياء من أضدادها، لأن كلا من الماء في # PageV13P082 # رقته وميوعه والتراب في كثافته، وجموده في غاية البعد عن النبات في تنوعه ~~وخضرته، ونموه وبهجته، قال سبحانه وتعالى منبها على ذلك: {إن الله} أي الذي ~~له تمام العز وكمال العلم {لطيف} أي يسبب الأشياء عن أضدادها {خبير*} أي ~~مطلع على السرائر وإن دقت، فلا يستبعد عليه إحياء من أراد بعد موته، ~~والإحسان في رزقه. # PageV13P083 # ولما اقتضى ذلك أنهى التصرف، لأنه لا بد بعد اختلاط الماء بالتراب من ~~أمور ينشأ عنها النبات، على تلك الهيئات الغريبة المختلفة، فأوجب ذلك أن ~~يكون هو المالك المطلق، قال: {له ما في السماوات} أي التي أنزل منها الماء، ~~ولما كان السباق لإثبات البعث والانفراد بالملك والدلالة على ذلك، اقتضى ~~الحال التأكيد بإعادة الموصول فقال: {وما في الأرض} أي التي استقر فيها، ~~وذلك يقتضي ملك السماوات والأرضين، فإن كل واحدة منها في التي فوقها حتى ~~ينتهي الأمر إلى عرشه سبحانه الذي لا يجوز أصلا أن يكون لغيره. # ولما كان من المألوف عندنا أن المالك فقير إلى ما في يده؛ مذموم على ~~إمساكه بالتقتير، وعلى بذله بالتبذير، بين أنه بخلاف ذلك فقال: {وإن الله} ~~أي الذي ms3085 له الإحاطة التامة {لهو} أي وحده {الغني} أي عنهما وعما فيهما، ما ~~خلق شيئا منهما أو فيهما لحاجة له إليه بل لحاجتكم أنتم إليه {الحميد*} في ~~كل ما يعطيه أو يمنعه، لما في # PageV13P083 # ذلك من الحكم الخفية والجلية؛ ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: {ألم تر} أي ~~أيها المخاطب {أن الله} أي الحائز لصقفات الكمال، من الجلال والجمال {سخر ~~لكم} فضلا منه {ما في الأرض} كله من مسالكها وفجاجها وما فيها من حيوان ~~وجماد، وزروع وثمار، فعلم أنه غير محتاج إلى شيء منه # ولما كان تسخير السلوك في البحر من أعجب العجب، قال: {والفلك} أي وسخرها ~~لكم موسقة بما تريدون من البضائع. ثم بين تسخيرها بقوله: {تجري في البحر} ~~أي العجاج، المتلاطم بالأمواج، بريح طيبة على لطف وتؤدة. # ولما كان الراكب فيها - مع حثيث السير وسرعة المر - مستقرا كأنه على ~~الأرض، عظم الشأن في سيرها بقوله: {بأمره} ولما كان إمساكها على وجه الماء ~~مع لطافته عن الغرق أمرا غريبا كإمساك السماء على متن الهواء عن الوقوع، ~~أتبعه قوله: {ويمسك السماء} ثم فسر ذلك بقوله مبدلا: {أن تقع} أي مع علوها ~~وعظمها وكونها بغير عماد {على الأرض} التي هي تحتها. # ولما اقتضى السياق أنه لا بد أن تقع لانحلاله إلى أن يمنع # PageV13P084 # وقوعها لأنها جسم كثيف عظيم، ليس له من طبعه إلا السفول، أشار إلى ذلك ~~بقوله: {إلا بإذنه} أي فيقع إذا أذن في وقوعها حين يريد طي هذا العالم ~~وإيجاد عالم البقاء. ولما كان هذا الجود الأعظم والتدبير المحكم محض كرم من ~~غير حاجة أصلا، أشار إليه بقوله: {إن الله} أي الذي له الخلق والأمر. # ولما كان الجماد كله متاعا للحيوان، اقتضى تقديم قوله: {بالناس} أي على ~~ظلمهم {لرؤوف} أي بما يحفظ من سرائرهم عن الزيغ بإرسال الرسل، وإنزال الكتب ~~ونصب المناسك، التي يجمع معظمها البيت الذي بوأه لإبراهيم عليه السلام، وهو ~~التوحيد والصلاة والحج الحامل على التقوى التي بنيت عليها السورة، فإن ~~الرأفة كما قال الحرالي: ألطف الرحمة وأبلغها، ms3086 فالمرؤوف به تقيمه عناية ~~الرأفة حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يستدعي العفو، وتارة يكن هذا الحفظ ~~بالقوة بنصب الأدلة، وتارة يضم إلى ذلك الفعل بخلق الهداية في القلب، وهذا ~~خاص بمن له بالمنعم نوع وصلة. # {رحيم*} بما يثبت لهم عموما من الدرجات على ما منحهم به من ثمرات # PageV13P085 # ذلك الحفظ من الأعمال المرضية لما تقدم في الفاتحة من أن الرحيم خاص ~~الرحمة بما ترضاه الإلهية، وتقدم في البقرة تحقيق هذا الموضع. # ولما بين سبحانه جملا من أمهات الدين، وأتبعها الإعانة لأهله على ~~المعتدين، وختم بما بعد الموت للمهاجرين، ترغيبا في منابذة الكافرين، وعرف ~~بما له من تمام العلم وشمول القدرة، ومثل ذلك بأنواع من التصرف في خلق ~~السماوات والأرضين، وأنهاه بالدلالة على أنه كله لنفع الآدميين نعمة منه، ~~تلا ذلك بما هو أكبر منه نعمة عليهم فقال: {وهو} أي وحده {الذي أحياكم} أي ~~عن الجمادية بعد أن أوجدكم من العدم بعد أن لم تكونوا شيئا، منة منه عليكم ~~مستقلة، لزم منها المنة بما تقدم ذكره من المنافع الدنيوية لتستمر حياتكم ~~أولا، الدينية لتنتفعوا بالبقاء ثانيا {ثم يميتكم} ليكون الموت واعظا لأولي ~~البصائر منكم، وزاجرا لهم عما طبعوا عليه من الأخلاق المذمومة {ثم يحييكم} ~~للتحلي بفصل القضاء وإظهار العدل في الجزاء. # ولما علم أن كل ما في الوجود من جوهر وعرض نعمة على # PageV13P086 # الإنسان حتى الحياة والموت، وكان من أجلى الأشياء، وكانت أفعاله معرضة عن ~~الرب هذه النعم بالعبادة لغيره، أو التقصير في حقه على عموم فضله وخيره، ~~ختم الآية سبحانه بقوله: {إن الإنسان لكفور*} أي بليغ الكفر حيث لم يشكر ~~على هذه النعم المحيطة به. # ولما تقدم ذكر المناسك، وكان لكثرة الكفار قد يقع في النفس أن إقامتها ~~معجوز عنها، وكشف سبحانه غمة هذا السؤال بآية {إن الله يدافع عن الذين ~~آمنوا} وما بعدها، فأنتج ذلك علمنا بتصرفه التام بقدرته الباهرة، وعلمه ~~الشامل المقتضي لإقبال العباد إليه، واجتماعهم كلهم عليه، فمن شك في قدرته ~~على إظهار دينه بمدافعته ms3087 عن أهله، أو نازع فيه فهو كفور، ذكر بإظهار أول ~~هذا الخطاب بآخر ذلك الخطاب مؤكدا لما أجاب به عن ذلك السؤال من تمام ~~القدرة وشمول العلم أنه هو الذي مكن لكل قوم ما هم فيه من المناسك التي بها ~~انتظام الحياة، فإن وافقت الأمر الإلهي كانت سببا للحياة الأبدية، وإلا ~~كانت سببا للهلاك الدائم، وهو سبحانه الذي نصب من الشرائع لكل قوم ما ~~يلائمهم، لأنه بتغيير الزمان بإيلاج الليل في النهار على مر الأيام وتوالي ~~الشهور والأعوام، بسبب من الأسباب - لأجل امتحان العباد، وإظهار ما خبأ في ~~جبلة كل منهم من طاعة وعصيان، وشكر وكفران - # PageV13P087 # ما يصير الفعل مصلحة بما يقتضيه من الأسباب بعد أن كان مفسدة وبالعكس، ~~لاقتداره على كل شيء وإظهار اقتداره كما قال تعالى عند أول ذكره للنسخ # {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 106] الآيات، فعلم أن ~~منازعتهم فيه كفر، فلذلك أتبع هذا قوله من غير عاطف لما بينهما من تمام ~~الاتصال: {لكل أمة} أي في كل زمان {جعلنا} أي بما لنا من العظمة {منسكا} أي ~~شرعا لاجتماعهم به على خالقهم حيث وافق أمره، ولاجتماعهم على أهوائهم إذا ~~لم يوافقه، وعن ابن جرير أن أصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي ~~يعتاده الإنسان ويتردد إليه إما لخير أو لشر. # ولما كان بحيث إن ما أراده سبحانه كان لا محالة، قال: {هم ناسكوه} أي ~~متعبدون به، لأنا ندافع عنهم من يعاديهم فيه حتى يستقيم لهم أمره، لإسعادهم ~~به أو إشقائهم، فمن شك في قدرتنا على تمكينهم منه فهو كفور، فإن وافق الأمر ~~كان ربحا وإيمانا، وإن خالفه كان كفرا وخسرانا. # ولما كان قد حكم بإظهار دينه على الدين كله، وبأن الكفار على كثرتهم ~~يغلبون بعد ما هم فيه من البطر، أعلم بذلك بالتعبير بصيغة الزجر لهم بقوله ~~مسببا عن هذه العظمة: {فلا ينازعنك في الأمر} # PageV13P088 # أي بما يلقيه الشيطان إليهم من الشبه ليجادلوا به، من طعنهم في دينك ~~بالنسخ بقولهم: لو كان من ms3088 عند الله لما أمر اليوم بشيء ونهي عنه غدا. لأنه ~~يلزم منه البدء، فليس الأمر كما زعموا، بل هو دال على العم بالعواقب ~~والاقتدار التام على شرع المذاهب، وغير ذلك من الشبه كما مضت الإشارة إليه، ~~فلا يلتفت إليهم في شيء نازعوا فيه كائنا ما كان، وروي أنها نزلت بسبب جدال ~~الكفار بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما في الذبائح، وقولهم ~~للمؤمنين: تأكلون ما ذبحتم وهو من قتلكم، ولا تأكلون ما قتل الله - يعنون ~~الميتة. # ولما كان النهي عن المنازعة في الحقيقة له صلى الله عليه وسلم إلهابا ~~وتهييجا إلى الإعراض عنهم لأنهم أهل لذلك، لأن كيدهم في تضليل، والإقبال ~~على شأنه، وكان التعبير بما تقدم من تحويله إليهم لتأكيد الأمر مع دلالته ~~على إجلاله صلى الله عليه وسلم عن المواجهة بالنهي، عطف عليه قوله: {وادع} ~~أي أوقع الدعوة لجميع الخلق {إلى ربك} أي المحسن إليك بإرسالك، بالحمل لهم ~~على كل ما أمرك به متى ما أمرك، ولا يهولنك قولهم، فإنهم مغلوبون لا محالة، ~~ولا تتأمل عاقبة من العواقب، بل أقدم على الأمر وإن ظن # PageV13P089 # أن فيه الهلاك، فإنه ليس عليك إلا ذلك. وأما نظم الأمور على نهج السداد ~~في إظهار الدين، وقهر المعاندين، فإلى الذي أمرك بتلك الأوامر، وأحكم الشأن ~~في جميع الزواجر؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنك} مؤكدا له بحسب ما عندهم من ~~الإنكار {لعلى هدى مستقيم*} فإنه تأصيل العليم القدير وإن طرقه التغيير. # PageV13P090 # ولما أمره بالإقبال على ما يهمه، والإعراض عن منازعتهم، في صيغة نهيهم عن ~~منازعته، علمه الجواب إن ارتكبوا منهيه بعد الاحتهاد في دفعهم، لما لهم من ~~اللجاج والعتو، فقال: {وإن جادلوك} أي في شيء من دينك بشيء مما تقدم من ~~أقوالهم السفسافة أو بغيره {فقل} معرضا عن عيب دينهم الذي لا أبين فسادا ~~منه: {الله} أي الملك المحيط بالعز والعلم {أعلم بما تعملون*} مهددا لهم ~~بذلك، مذكرا لنفسك بقدرة ربك، قاطعا بذلك المنازعة من حيث رقب، متوكلا على ~~الذي أمرك بذلك في ms3089 حسن تدبيرك والمدافعة عنك ومجازاتهم بما سبق علمه به مما ~~يستحقونه؛ قال الرازي في اللوامع: وينبغي أن يتأدب بهذا كل أحد، فإن أهل ~~الجدل قوم جاوزوا حد العوام بتحذلقهم، ولم يبلغوا درجة الخواص الذين عرفوا ~~الأشياء على ما هي عليه، فالعوام منقادون للشريعة، والخواص يغرفون أسرارها ~~وحقائقها، وأهل الجدل قوم في قلوبهم اضطراب وانزعاج. # PageV13P090 # ولما أمره بالإعراض عنهم، وكان ذلك شديدا على النفس لتشوفها إلى النصرة، ~~رجاه في ذلك بقوله: مستأنفا مبدلا من مقول الجزاء تحذيرا لهم: {الله} أي ~~الذي لا كفوء له {يحكم بينكم} أي بينك مع أتباعك وبينهم {يوم القيامة} الذي ~~هو يوم التغابن {فيما كنتم} أي بما هو لكم كالجبلة {فيه} أي خاصة ~~{تختلفون*} في أمر الدين، ومن نصر ذلك اليوم لم يبال بما حل به قبله ~~{وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227] قال البغوي: ~~والاختلاف ذهاب كل واحد من الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر. # ولما كان حفظ ما يقع بينهم على كثرتهم في طول الأزمان أمرا هائلا، أتبعه ~~قوله: {ألم تعلم أن الله} بجلال عزه وعظيم سلطانه {يعلم ما في} ولما كان ~~السياق لحفظ أحوال الثقلين للحكم بينهم، وكان أكثر ما يتخيل أن بعض الجن ~~يبلغ استراق السمع من السماء الدنيا، لم تدع حاجة إلى ذكر أكثر منها، فأفرد ~~معبرا بما يشمل لكونه جنسا - الكثير أيضا فقال: {السماء والأرض} مما يتفق # PageV13P091 # منهم ومن غيرهم من جميع الخلائق الحيوانات وغيرها. # ولما كان الإنسان محل النسيان، لا يحفظ الأمور إلا بالكتاب، خاطبه بما ~~يعرف، مع ما فيه من عجيب القدرة، فقال: {إن ذلك} أي الأمرالعظيم {في كتاب} ~~كتب فيه كل شيء حكم بوقوعه قبل وقوعه وكتب جزاءه؛ ولما كان جمع ذلك في كتاب ~~أمرا بالنسبة إلى الإنسان متعذرا، أتبعه التعريف بسهولته عنده فقال: {إن ~~ذلك} أي علم ذلك الأمر العظيم بلا كتاب، وجمعه في كتاب قبل كونه وبعده {على ~~الله} أي الذي لا حد لعظمته، وحده {يسير*} . # ولما أخبر سبحانه أن الشك لا يزال ظرفا ms3090 لهم - لما يلقى الشيطان من شبهه ~~في قلوبهم القابلة لذلك بما لها من المرض وما فيها من الفساد إلى إتيان ~~الساعة، وعقب ذلك بما ذكر من الحكم المفصلة، والأحكام المشرفة المفضلة، إلى ~~أن ختم بأنه وحده الحكم في الساعة، مرهبا من تمام علمه وشمول قدرته، قال ~~معجبا ممن لا ينفعه الموعظة ولا يجوز الواجب وهو يوجب المحال، عاطفا على ~~{ولا يزال} : {ويعبدون} أي على سبيل التجديد والاستمرار {من دون الله} أي ~~من أدنى رتبة من رتب الذي قامت جميع الدلائل على احتوائه على جميع صفات ~~الكمال، وتنزهه عن شوائب النقص {ما لم ينزل به سلطانا} # PageV13P092 # أي حجة واحدة من الحجج. # ولما كان قد يتوهم أن عدم إنزال السلطان لا ينفيه، قال مزيلا لهذا الوهم: ~~{وما ليس لهم به علم} أي أصلا {وما} أي والحال أنهم ما لهم، ولكنه أظهر ~~إشارة إلى الوصف الذي استحقوا به الهلاك فقال: {للظالمين} أي الذين وضعوا ~~التعبد في غير موضعه بارتكابهم لهذا الأمر العظيم الخطر؛ وأكد النفي ~~واستغرق المنفي بإثبات الجار فقال: {من نصير*} أي ينصرهم من الله، لا مما ~~أشركوه به ولا من غيره، لا في مدافعة عنهم ولا في إثبات حجة لمذاهبهم، فنفى ~~أن يكون أحد يمكنه أن يأتي بنصرة تبلغ القصد بأن يغلب المنصور عليه، وأما ~~مطلق نصر لا يفيد بما تقدم من شبه الشيطان فلا. # ولما ذكر اعترافهم بما لا يعرف بنقل ولا عقل، ذكر إنكارهم لما لا يصح أن ~~ينكر فقال: {وإذا تتلى} أي على سبيل التجديد والمتابعة من أي تال كان ~~{عليهم آياتنا} أي المسموعة على ما لها من العظمة والعلو، حال كونها ~~{بينات} لا خفاء بها عند من له بصيرة في شيء مما دعت إليه من الأصول ~~والفروع {تعرف} بالفراسة في وجوههم - هكذا كان الأصل، ولكنه أبدل الضمير ~~بظاهر يدل على عنادهم فقال: {في وجوه الذين كفروا} أي تلبسوا بالكفر ~~{المنكر} أي الإنكار الذي هو منكر في نفسه لما حصل لهم من # PageV13P093 # الغيظ؛ ثم بين ما لاح في ms3091 وجوههم فقال: {يكادون يسطون} أي يوقعون السطوة ~~بالبطش والعنف {بالذين يتلون عليهم آياتنا} أي الدالة على أسمائنا الحسنى، ~~وصفاتنا العلى، القاضية بوحدانيتنا، مع كونها بينات في غاية الوضوح في أنها ~~كلامنا، لما فيها من الحكم والبلاغة التي عجزوا عنها. # ولما استحقوا - بإنكارهم وما أرادوه من الأذى لأولياء الله - النكال، ~~تسبب عنه إعلامهم بما استحقوه، فقال مؤذنا بالغضب بالإعراض عنهم، آمرا له ~~صلى الله عليه وسلم بتهديدهم: {قل أفأنبئكم} أي أتعون فأخبركم خبرا عظيما ~~{بشر من ذلكم} الأمر الكبير من الشر الذي أردتموه بعباد الله التالين عليكم ~~للآيات وما حصل لكم من الضجر من ذلك، فكأنه قيلك ما هو؟ فقيل: {النار} ثم ~~استأنف قوله متهكما بهم بذكر الوعد: {وعدها الله} العظيم الجليل {الذين ~~كفروا} جزاء لهم على همهم هذا، فبئس الموعد هي {وبئس المصير*} . # PageV13P094 # ولما أخبر تعالى عن أنه لا حجة لعابد غيره، وهدد من عاند، أتبعه بأن ~~الحجة قائمة على أن ذلك الغير في غاية الحقارة، ولا قدرة # PageV13P094 # له على دفع ما هدد به عابدوه ولا على غيره، فكيف بالصلاحية لتلك الرتبة ~~الشريفة، والخطة العالية المنيفة، فقال مناديا أهل العقل منبها تنبيها ~~عاما: {يا أيها الناس} . # ولما كان المقصود من المثل تعقله لا قائله، بني للمفعول قوله: {ضرب مثل} ~~حاصله أن من عبدتموه أمثالكم، بل هم أحقر منكم {فاستمعوا} أي أنصتوا ~~متدبرين {له} ثم فسره بقوله: {إن الذين تدعون} أي في حوائجكم، وتجعلونهم ~~آلهة {من دون الله} أي الملك الأعلى من هذه الأصنام التي أنتم بها مغترون، ~~ولما تدعون فيها مفترون، لأن سلب القدرة عنها يبين أنها في أدنى المراتب ~~{لن يخلقوا ذبابا} أي لا قدرة لهم على ذلك الآن، ولا يتجدد لهم هذا الوصف ~~أصلا في شيء من الأزمان، على حال من الأحوال، مع صغره، فكيف بما هو أكبر ~~منه {ولو اجتمعوا} أي الذين زعموهم شركاء {له} أي الخلق، فهم في هذا ~~أمثالكم {وإن} أي وأبلغ من هذا أنهم عاجزون عن مقاومة الذباب فإنه إن ~~{يسلبهم الذباب} أي الذي ms3092 تقدم أنه لا قدرة لهم على خلقه وهو في غاية ~~الحقارة # PageV13P095 # {شيئا} من الأشياء جل أو قل مما تطلونهم به من الطيب أو تضعونه بين ~~أيديهم من الأكل أوغيره {لا يستنقذوه} أي يوجدوا خلاصه أو يطلبوه {منه} فهم ~~في هذا أحقر منكم، وجهة التمثيل به في الاستلاب الوقاحة، ولهذا يجوز عند ~~الإبلاغ في الذب، فلو كانت وقاحته في الأسد لم ينج منه أحد، ولكن اقتضت ~~الحكمة أن تصحب قوة الأسد النفرة، ووقاحة الذباب الضعف، وهو واحد لا جمع، ~~ففي الجمع بين العباب والمحكم أن ابن عبيدة قال: إنه الصواب، ثم قال: وفي ~~«كتاب ما تلحن فيه العامة» لأبي عثمان المازني: ويقال: هذا ذباب واحد، ~~وثلاثة أذبة، لأقل العدد ولأكثره ذباب، وقول الناس: ذبابة - خطأ، فلا تقله ~~-. # ولما كان هذا ربما أفهم قوة الذباب، عرف أن المقصود غير ذلك بقوله، فذلكة ~~للكلام من أوله: {ضعف الطالب} أي للاستنقاذ من الذباب، وهو الأصنام ~~وعابدوها {والمطلوب*} أي الذباب والأصنام، اجتمعوا في الضعف وإن كان ~~الأصنام أضعف بدرجات. # PageV13P096 # ولما أنتج هذا جهلهم بالله، عبر عنه بقوله: {ما قدروا الله} أي الذي له ~~الكمال كله {حق قدره} في وصفهم بصفته غيره كائنا من كان، فكيف وهو أحقر ~~الأشياء. ولما كان كأنه قيل: ما قدره؟ قال: {إن الله} أي الجامع لصفات ~~الكمال {لقوي} على خلق كل ممكن {عزيز*} لا يغلبه شيء، وهو يغلب كل شيء ~~بخلاف أصنامهم وغيرها. # ولما نصب الدليل على أن ما دعوه لا يصلح أن يكون شيء منه إلها بعد أن ~~أخبر أنه لم ينزل إليهم حجة بعبادتهم لهم، وختم بما له سبحانه من وصفي ~~القوة والعزة بعد أن أثبت أن له الملك كله، تلا ذلك بدليله الذي تقتضيه سعة ~~الملك وقوة السلطان من إنزال الحجج على ألسنة الرسل بأوامره ونواهيه الموجب ~~لإخلاص العبادة له المقتضي لتعذيب تاركها، فقال: {الله} أي الملك الأعلى ~~{يصطفي} أي يختار ويخلص {من الملائكة رسلا} إلى ما ينبغي الإرسال فيه من ~~العذاب والرحمة، فلا يقدر أحد على صدهم ms3093 عما أرسلوا له، ولا شك أن قوة ~~الرسول من قوة المرسل {ومن الناس} أيضا رسلا يأتون عن الله بما يشرعونه ~~لعباده، لتقوم عليهم بذلك حجة النقل، مضمومة إلى سلطان العقل، فمن عاداهم ~~خسر وإن طال استدراجه. ولما كان ذلك لا يكون إلا بالعلم، قال: {إن الله} أي ~~الذي له الجلال والجمال # PageV13P097 # {سميع} أي لما يمكن أن يسمع من الرسول وغيره {بصير*} أي مبصر عالم بكل ما ~~يمكن عقلا أن يبصر ويعلم، بخلاف أصنامهم. # ولما كان المتصف بذلك قد يكون وصفه مقصورا على بعض الأشياء، أخبر أن ~~صفاته محيطة فقال: {يعلم ما بين أيديهم} أي الرسل {وما خلفهم} أي علمه محيط ~~بما هم مطلعون عليه وبما غاب عنهم، فلا يفعلون شيئا إلا بإذنه، فإنه يسلك ~~من بين أيديهم ومن خلفهم رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وإن ظن ~~الجاهلون غير ذلك، لاحتجابه سبحانه وتعالى في الأسباب، فلا يقع في فكر أصلا ~~أن المحيط علما بكل شيء الشامل القدرة لكل شيء يكل رسولا من رسله إلى نفسه، ~~فيتكلم بشيء لم يرسله به، ولا أنه يمكن شيطانا أو غيره أن يتكلم على لسانه ~~بشيء، بل كل منهم محفوظ في نفسه {لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ~~[النجم: 3، 4] محفوظ عن تلبيس غيره {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ~~[الحجر: 9] {وإلى الله} أي الذي لا كفوء له، وحده {ترجع} أي بغاية السهولة ~~بوعد فصل لا بد منه {الأمور*} يوم يتجلى لفصل القضاء، فكيون أمره ظاهرا ~~لاخفاء فيه، ولا يصدر # PageV13P098 # شيء من الأشياء إلا على وجه العدل الظاهر لكل أحد أنه منه. ولا يكون لأحد ~~التفات إلى غيره، والذي هو بهذه الصفة له أن يشرع ما يشاء، وينسخ من الشروع ~~ما يشاء، ويحكم بما يريد. # PageV13P099 # ولما أثبت سبحانه أن الملك والأمر له وحده، وأنه قد أحكم شرعه، وحفظ ~~رسله، وأنه يمكن لمن يشاء أي دين شاء، وختم ذلك بما يصلح للترغيب والترهيب، ~~وكانت العادة جارية بأن الملك إذا برزت أوامره وانبثت ms3094 دعاته، أقبل إليه ~~مقبلون، خاطب المقبلين إلى دينه، وهم الخلص من الناس، فقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا} أي قالوا: آمنا {اركعوا} تصديقا لقولكم {واسجدوا} أي صلوا الصلاة ~~التي شرعتها للآدميين، فإنها رأس العبادة، لتكون دليلا على صدقكم في ~~الإقرار بالإيمان، وخص هذين الركنين في التعبير عن الصلاة بهما، لأنهما - ~~لمخالفتهما الهيئات المعتادة - هما الدالان على الخضوع، فحسن التعبير بهما ~~عنها جدا في السورة التي جمعت جميع الفرق الذين فيهم من يستقبح - لما غلب ~~عليه من العتو - بعض الهيئات الدالة على ذل. # ولما خص أشرف العبادة، عم بقوله: {واعبدوا} أي بأنواع # PageV13P099 # العبادة {ربكم} المحسن إليكم بكل نعمة دنيوية ودينية. ولما ذكر عموم ~~العبادة، أتبعها ما قد يكون أعم منها مما صورته صورتها، وقد يكون بلا نية، ~~فقال: {وافعلوا الخير} أي كله من القرب كصلة الأرحام وعيادة المرضى ونحو ~~ذلك، من معالي الأخلاق بنية وبغير نية، حتى يكون ذلك لكم عادة فيخف عليكم ~~عمله لله، وهو قريب من «ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» قال أبو حيان: بدأ ~~بخاص ثم بأعم. {لعلكم تفلحون*} أي ليكون حالكم حال من يرجو الفلاح، وهو ~~الفوز بالمطلوب؛ قال ابن القطاع: أفلح الرجل: فاز بنعيم الآخرة، وفلح أيضا ~~لغة فيه. وفي الجمع بين العباب والمحكم: الفلح والفلاح: الفوز والبقاء وفي ~~التنزيل {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] أي نالوا البقاء الدائم، وفي ~~الخبر: أفلح الرجل: ظفر. ويقال لكل من أصاب خيرا: مفلح. # ولما كان الجهاد أساس العبادة، وهو - مع كونه حقيقة في قتال الكفار - ~~صالح لأن يعم كل أمر بمعروف ونهي عن منكر بالمال والنفس بالقول والفعل ~~بالسيف وغيره، وكل اجتهاد في تهذيب # PageV13P100 # النفس وإخلاص العمل، ختم به فقال: {وجاهدوا في الله} أي الملك الأعظم ~~الذي لا كفوء له في كل ما ينسب إليه سبحانه، لا يخرج منه شيء عنه كما لا ~~يخرج شيء من المظروف عن الظرف {حق جهاده} باستفراغ الطاقة في إيقاع كل ما ~~أمر به من الجهاد العدو والنفس على الوجه الذي أمر به من الحج والغزو ms3095 ~~وغيرهما جهادا يليق بما أفهمته الإضافة إلى ضميره سبحانه من الإخلاص ~~والقوة، فإنه يهلك جميع من يصدكم عن شيء منه. # ولما أمر سبحانه بهذه الأوامر، أتبعها بعض ما يجب به شكره، وهو كالتعليل ~~لما قبله، فقال: {هو اجتباكم} أي اختاركم لجعل الرسالة فيكم والرسول منكم ~~وجعله أشرف الرسل، ودينه أكرم الأديان، وكتابه أعظم الكتب، وجعلكم - لكونكم ~~أتباعه - خير الأمم {وما جعل عليكم في الدين} الذي اختاره لكم {من حرج} أي ~~ضيق يكون به نوع عذر لمن توانى في الجهاد الأصغر والأكبر كما جعل على من ~~كان قبلكم كما تقدم ذكره بعضه في البقرة وغيرها، أعني {ملة} . # PageV13P101 # ولما كان أول مخاطب بهذا قريشا، ثم مضر، وكانوا كلهم أولاد إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام حقيقة، قال: {أبيكم إبراهيم} أي الذي ترك عبادة الأصنام ~~ونهى عنها، ووحد الله وأمر بتوحيده، يا من تقيدوا بتقليد الآباء! فالزموا ~~دينه لكونه ابا، ولكوني أمرت به، وهو أب لبعض المخاطبين من الأمة حقيقة، ~~ولبعضهم مجازا بالاحترام والتعظيم، فيعم الخطاب الجميع، ولذلك حثهم على ~~ملته بالتعليل بقوله: {هو} أي إبراهيم عليه السلام {سماكم المسلمين*} في ~~الأزمان المتقدمة {من قبل} أي قبل إنزال هذا القرآن، فنوه بذكركم والثناء ~~عليكم في سالف الدهر وقديم الزمان فكتب ثناءه في كتب الأنبياء يتلى على ~~الأحبار والرهبان، وسماكم أيضا مسلمين {وفي هذا} الكتاب الذي أنزل عليكم من ~~بعد إنزال تلك الكتب كما أخبرتكم عن دعوته في قوله {ومن ذريتنا أمة مسلمة ~~لك} [البقرة: 128] لأنه بانتفاء الحرج يطابق الاسم المسمى، ويجوز - ولعله ~~أحسن - أن يكون {هو سماكم} تعليلا للأمر بحق الجهاد بعد تعليله بقوله {هو ~~اجتباكم} فيكون الضمير لله تعالى، ويشهد له بالحسن قراءة أبي رضي الله عنه ~~بالجلالة عوضا عن الضمير، أي أن كل أمة تسمت باسم من تلقاء نفسها، والله ~~تعالى خصكم باسم الإسلام مشتقا له من اسمه {السلام} [الحشر: 3] مع ما خصكم ~~به من # PageV13P102 # اسم الإيمان اشتقاقا له من اسمه المؤمن، فأثبت لكم هذا الاسم في كتبه، ~~واجتباكم لاتباع رسوله. # ولما كان ms3096 الاسم إذا كان ناشئا عن الله تعالى سواء كان بواسطة نبي من ~~أنبيائه أو بغير واسطة يكن مخبرا عن كيان المسمى، وكان التقدير: رفع عنكم ~~الحرج وسماكم بالإسلام لتكونوا أشد الأمم انقيادا لتكونوا خيرهم، علل هذا ~~المعنى بقوله: {ليكون الرسول} يوم القيامة {شهيدا عليكم} لأنه خيركم، ~~والشهيد يكون خيرا ولكون السياق لإثبات مطلق وصف الإسلام فقط، لم يقتض ~~الحال تقديم الظرف بخلاف آية البقرة، فإنها لإثبات ما هو أخص منه {وتكونوا} ~~بما في جبلاتكم من الخير {شهداء على الناس} بأن رسلهم بلغتهم رسالات ربهم، ~~لأنكم قدرتم الرسل حق قدرهم، ولم تفرقوا بين أحد منهم، وعلمتم أخبارهم من ~~كتابكم على لسان رسولكم صلى الله عليه وسلم، فبذلك كله صرتم خيرهم، فأهلتم ~~للشهادة وصحت شهادتكم وقبلكم الحكم العدل، وقد دل هذا على أن الشهادة غير ~~المسلم ليست مقبولة. # ولما ندبهم لأن يكونوا خير الناس، تسبب عنه قوله: {فأقيموا} # PageV13P103 # أي فتسبب عن إنعامي عليكم بهذه النعم وإقامتي لكم في هذا المقام الشريف ~~أني أقول لكم: أقيموا {الصلاة} التي هي زكاة قلوبكم، وصلة ما بينكم وبين ~~ربكم {وآتوا الزكاة} التي هي طهرة أبدانكم، وصلة ما بينكم وبين إخوانكم ~~{واعتصموا بالله} أي المحيط بجميع صفات الكمال. # في جميع ما أمركم به، من المناسك التي تقدمت وغيرها لتكونوا متقين، فيذب ~~عنكم من يريد أن يحول بينكم وبين شيء منها ويقيكم هول الساعة؛ ثم علل ~~أهليته لاعتصامهم به بقوله: {هو} أي وحده {مولاكم} أي المتولي لجميع ~~أموركم، فهو ينصركم على كل من يعاديكم، بحيث تتمكنون من إظهار هذا الدين من ~~مناسك الحج وغيرها؛ ثم علل الأمر بالاعتصام وتوحده بالولاية بقوله: {فنعم ~~المولى} أي هو {ونعم النصير*} لأنه إذا تولى أحدا كفاه كل ما أهمه، وإذا ~~نصر أحدا أعلاه على كل من خاصمه «ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه فإذا أحببته» - الحديث، «إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت» وهذا ~~نتيجة التقوى، وما قبله من أفعال الطاعة دليلها. فقد انطبق آخر السورة على ~~أولها. ms3097 ورد مقطعها على مطلعها - والله أعلم بمراده وأسرار كتابه وهو الهادي ~~للصواب. # PageV13P104 # مقصودها اختصاص المؤمنين بالفلاح، وتسمها واضح الدلالة على ذلك) بسم الله ~~(الذي له الأمر كله، فلا راد لأمره) الرحمن (الذي من عموم رحمته الإبلاغ في ~~البيان) الرحيم (الذي خص من أراد بالإيمان. # لما ختمت الحج بناء الذين آمنوا وأمرهم بأمور الدين خاصة وعامة، وختم ~~بالصلاة والزكاة والعصمة به سبحانه موصفا بما ذمر، أوجب ذلك توقع المادين ~~كل خير، فابتدأت هذهه بما يثمر الاعتصام به سبحانه في الصلاة وغيرها من ~~خلال الدين في الدارين، فقال تعالى مفتتحا بحرف التوقع # PageV13P105 # {قد} وهي نقيضة لما تثبت المتوقع وتقرب الماضي من الحال ولما تنفيه ~~{أفلح} أي فاز وظفر الآن بكل ما يريد، ونال البقاء الدائم في الخير { ### | المؤمنون # *} وعبر بالاسم إشارة إلى أن من أقر بالإيمان وعمل بما أمر به في آخر ~~التي قبلها، استحق الوصف الثابت لأنه اتقى وأنفق مما رزق فأفلح {ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] ؛ ثم قيدهم بما يلزم من الصدق في ~~الإيمان فقال: {الذين هم} أي بضمائرهم وظواهرهم {في صلاتهم} أضيفت إليهم ~~ترغيبا لهم في # PageV13P105 # حفظها، لأنها بينهم وبين الله تعالى، وهو غني عنها، فهم المنتفعون بها ~~{خاشعون*} أي أذلاء ساكنون متواضعون مطمئنون قاصرون بواطنهم وظواهرهم على ~~ما هم فيه؛ قال الرازي: خائفون خوفا يملأ القلب حرمة، والأخلاق تهذيبا، ~~والأطراف تأديبا، أي خشية أن ترد عليهم صلاتهم، ومن ذلك خفض البصر إلى موضع ~~السجود، قال الرازي: فالعبد إذا دخل في الصلاة رفع الحجاب، وإذا التفت ~~أرخى، قال: وهو خوف ممزوج بتيقظ واستكانة، ثم قد يكون في المعاملة إيثارا ~~ومجاملة وإنصافا ومعدله، وفي الخدمة حضورا واستكانة. وفي السر تعظيما وحياء ~~وحرمة، والخشوع في الصلاة بجمع الهمة لها، والإعراض عما سواها، وذلك بحضور ~~القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء، وإذا كان هذا حالهم في ~~الصلاة التي هي أقرب القربات. فهم به فيما سواها أولى. قال ابن كثير: ~~والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل ms3098 بها عما عداها، ~~وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين «وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة» رواه أحمد والنسائي عن أنس رضي الله عنه «يا بلال! أرحنا بالصلاة» ~~- رواه أحمد عن رجل من أسلم رضي الله عنه. # PageV13P106 # ولما كان كل من الصلاة والخشوع صادا عن اللغو، أتبعه قوله: {والذين هم} ~~بضمائرهم التي تبعها ظواهرهم {عن اللغو} أي ما لا يعنيهم، وهو كل ما يستحق ~~أن يسقط ويلغى {معرضون*} أي تاركون عمدا، فصاروا جامعين فعل ما يعني وترك ~~ما لا يعني. # ولما جمع بين قاعدتي بناء التكاليف: فعل الخشوع وترك اللغو، وكان الإنسان ~~محل العجز ومركز التقصير، فهو لا يكاد يخلو عما لا يعنيه، وكان المال مكفرا ~~لما قصد من الإيمان فضلا عما ذكر منها على سبيل اللغو، فكان مكفرا للغو في ~~غير اليمين من باب الأولى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} ~~[التوبة: 103] أتبعه قوله: {والذين هم} وأثبت اللام تقوية لاسم الفاعل ~~فقال: {للزكاة} أي التزكية، وهي إخراج الزكاة، أو لأداء الزكاة التي هي ~~أعظم مصدق للإيمان {فاعلون*} ليجمعوا في طهارة الدين بين القلب والقالب ~~والمال؛ قال ابن كثير: هذه مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين ~~من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب، وأن أصل ~~الزكاة كان واجبا بمكة كما قال تعالى في سورة الأنعام # {وآتوا حقه يوم حصاده} [ # PageV13P107 # الأنعام: 141] . # ولما أشار إلى أن بذل المال على وجهه طهرة، وأن حبسه عن ذلك تلفة، أتبعه ~~الإيماء إلى أن بذل الفرج في غير وجهه نجاسة، وحفظه طهرة. فقال: {والذين هم ~~لفروجهم} في الجماع وما داناه بالظاهر والباطن {حافظون*} أي دائما لا ~~يتبعونها شهوتها، بل هم قائمون عليها يذلونها ويضبطونها، وذكرها بعد اللغو ~~الداعي إليها وبذل المال الذي هو من أعظم أسبابها عظيم المناسبة؛ ثم استثنى ~~من ذلك فقال: {إلا على أزواجهم} اللاتي ملكوا أبضاعهن بعقد النكاح، ولعلو ~~الذكر عبر ب «على» {أو ما ملكت أيمانهم} رقابة من السراري، وعبر ب «ما» ~~لقربهن مما ms3099 لا يعقل لنقصهن عن الحرائر الناقصات عن الذكور {فإنهم غير ~~ملومين*} أي على بذل الفرج في ذلك إذا كان على وجهه. # PageV13P108 # ولما كان من لم يكتف بالحلال مكلفا نفسه طلب ما يضره، سبب عن ذلك قوله ~~معبرا بما يفهم العلاج: {فمن ابتغى} أي تطلب متعديا {وراء ذلك} العظيم ~~المنفعة الذي وقع استثناؤه بزنى أو لواط أو استمناء يد أو بهيمة أو غيرها ~~{فأولئك} البعيدون من الفلاح {هم العادون} أي المبالغون في تعدي الحدود، ~~لما يورث ذلك من اختلاط الأنساب، وانتهاك الأعراض، وإتلاف الأموال، وإيقاد ~~الشر بين العباد. # PageV13P108 # ولما كان ذلك من الأمانات العظيمة، أتبعه عمومها فقال: {والذين هم ~~لأماناتهم} أي في الفروج وغيرها، سواء كانت بينهم وبين الله كالصلاة ~~والصيام وغيرهما، أو في المعاني الباطنة كالإخلاص والصدق، أو بينهم وبين ~~خلق كالوادئع والبضائع، فعلى العبد الوفاء بجميعها - قاله الرازي. ولما كان ~~العهد أعظم أمانة، تلاها به تنبيها على عظمه فقال: {وعهدهم راعون*} أي ~~الحافظون بالقيام والرعاية والإصلاح. # ولما كانت الصلاة أجل ما عهد فيه من أمر الدين وآكد، وهي من الأمور ~~الخفية التي وقع الائتمان عليها، لما خفف الله فيها على هذه الأمة بإيساع ~~زمانها ومكانها، قال: {والذين هم على صلواتهم} التي وصفوا بالخشوع فيها ~~{يحافظون*} أي يجددون تعهدها بغاية جدهم، لا يتركون شيئا من مفروضاتها ولا ~~مسنوناتها، ويجتهدون في كمالاتها، وحدت في قراءة حمزة والكسائي للجنس، ~~وجمعت عند الجماعة إشارة إلى أعدادها وأنواعها، ولا يخفى ما في افتتاح هذه ~~الأوصاف واختتامها بالصلاة من التعظيم لها، كما قال صلى الله عليه وسلم: ~~«واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» . # ولما ذكر مجموع هذه الأوصاف العظيمة، فخم جزاءهم فقال: {أولئك} أي ~~البالغون من الإحسان أعلى مكان {هم} خاصة # PageV13P109 # {الوارثون*} أي المستحقون لهذا الوصف المشعر ببقائهم بعد أعدائهم فيرثون ~~دار الله لقربهم منه واختصاصهم به بعد إرثهم أرض الدنيا التي قارعوا عليها ~~على قتلهم وضعفهم أعداءنا الكفار على كثرتهم وقوتهم، فكانت العاقبة فيها ~~لهم كما كتبنا في الزبور {إن الأرض يرثها عبادي الصالحون} {لنهلكن ms3100 الظالمين ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم} [إبراهيم: 13، 14] {الذين يرثون الفردوس} التي ~~هي أعلى الجنة، وهي في الأصل البستان العظيم الواسع، يجمع محاسن النبات ~~والأشجار من العنب وما ضاهاه من كل ما يكون في البساتين والأودية التي تجمع ~~ضروبا من النبت: فيحوزون منها بعد البعث ما أعد الله لهم فيها من المنازل ~~وما كان أعد للكفار لو آمنوا أو لم يخرجوا بخروج أبويهم من الجنة {هم} خاصة ~~{فيها} أي لا في غيرها {خالدون*} وهذه الآيات أجمع ما ذكر في وصف المؤمنين، ~~روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي في التفسير من جامعه عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه قال: «كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ~~يسمع عند وجهه كدوي النحل فنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة # PageV13P110 # ورفع يديه فقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا ~~تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزلت علي ~~عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ {قد أفلح المؤمنون} حتى ختم العشر» # - ورواه النسائي في الصلاة وقال: منكر لا يعرف أحد رواه غير يونس بن سليم ~~ويونس لا نعرفه، وعزى أبو حيان آخر الحديث للحاكم في المستدرك. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: فصل في افتتاحها ما أجمل في قوله تعالى ~~{يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير} [الحج: ~~77] وأعلم بما ينبغي للراكع والساجد التزامه من الخشوع، ولالتحام الكلامين ~~ما ورد الأول أمرا والثاني مدحه وتعريفا بما به كمال الحال، وكأنه لما أمر ~~المؤمنين، وأطمع بالفلاح جزاء لامتثاله، كان مظنة لسؤاله عن تفصيل ما أمر ~~به من العبادة وفعل الخير الذي به يكمل فلاحه فقيل له: المفلح من التزم كذا ~~وكذا، وذكر سبعة أضرب من العبادة هي أصول لما وراءها ومستتبعة سائر ~~التكاليف، وقد بسط حكم كل عبادة منها وما يتعلق بها في الكتاب والسنة؛ ولما ~~كانت المحافظة على الصلاة منافرة إتيان المأثم جملة {إن الصلاة # PageV13P111 # تنهى عن الفحشاء والمنكر} ms3101 [العنكبوت: 45] لذلك ما ختمت بها هذه العبادات ~~بعد التنبيه على محل الصلاة من هذه العبادة بذكر الخشوع فيها أولا، واتبعت ~~هذه الضروب السبعة بذكر أطوار سبعة يتقلب فيها الإنسان قبل خروجه إلى ~~الدنيا فقال تعالى {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} - إلى قوله: {ثم ~~أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} وكأن قد قيل له: إنما كمل ~~خلقك وخروجك إلى الدنيا بعد هذه التقلبات السبعة. وإنما تتخلص من دنياك ~~بالتزام هذه العبادات السبع، وقد وقع عقب هذه الايات قوله تعالى {ولقد ~~خلقنا فوقكم سبع طرائق} ولعل ذلك مما يقرر هذا الاعتبار ووارد لمناسبته - ~~والله أعلم، وكما أن صدر هذه السورة مفسر لما أجمل في الآيات قبلها فكذا ~~الآيات بعد مفصلة لمجمل ما تقدم في قوله تعالى {يا أيها الناس إن كنتم في ~~ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة} [الحج: 5] وهذا كاف في ~~التحام السورتين والله سبحانه المستعان - انتهى. # ولما ذكر سبحانه الجنة المتضمن ذكرها للبعث، استدل على القدرة عليه ~~بابتداء الخلق للإنسان، ثم لما هو أكبر منه من الأكوان، وما فيهما من ~~المنافع، فلما ثبت ذلك شرع يهدد من استكبر عنه بإهلاك الماضين، وابتدأ بقصة ~~نوح عليه الصلاة والسلام لأنه أول، ولأن نجاته كانت في الفلك المختوم به ~~الآية التي قبله، وفي ذلك تذكير بنعمة النجاة # PageV13P112 # فيه لأن الكل من نسله، فلما ثبت بالتهديد بإهلاك الماضين القدرة التامة ~~بالاختيار، خوف العرب مثل ذلك العذاب، فلما تم زاجر الإنذار بالنقم شرع في ~~الاستعطاف إلى الشكر بالنعم، بتمييز الإنسان على سائر الحيوان ونحو ذلك، ثم ~~عاد إلى دلائل القدرة على البعث بالوحدانية والتنزه عن الشريك والولد - إلى ~~آخرها، ثم ذكر في أول التي بعدها على ما ذكر هنا من صون الفروج، فذكر حكم ~~من لم يصن فرجه وأتبعه ما يناسبه من توابعه. # ولما كان التقدير: فلقد حكمنا ببعث جميع العباد بعد الممات، فريقا منهم ~~إلى النعيم، وفريقا إلى الجحيم، فإنا قادرون على الإعادة وإن تمزقتم وصرتم ~~ترابا ms3102 فإنه تراب له أصل في الحياة، كما قدرنا على البداءة فلقد خلقنا أباكم ~~آدم من تراب الأرض قبل أن يكون للتراب أصل في الحياة، عطف عليه قوله، دلالة ~~على هذا المقدر واستدلالا على البعث مظهرا له في مقام العظمة، مؤكدا إقامة ~~لهم بإنكارهم للبعث مقام المنكرين: {ولقد خلقنا الإنسان} أي هذا النوع الذي ~~تشاهدونه آنسا بنفسه مسرورا بفعله وحسه {من سلالة} # PageV13P113 # أي شيء قليل، بما تدل عليه الصيغة كالقلامة والقمامة، انتزعناه ~~واستخلصناه برفق، فكان على نهاية الاعتدال، وهي طينة آدم عليه الصلاة ~~السلام، سلها - بما له من اللطف - {من طين*} أي جنس طين الأرض، روى الإمام ~~أحمد وأبو داود والترميذي عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن الله خلق آدم عن قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على ~~قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ~~ذلك» . # ولما ذكر سبحانه أصل الآدمي الأول الذي هو الطين الذي شرفه به لجمعه ~~الطهورين، وعبر فيه بالخلق لما فيه من الخلط، لأن الخلق - كما مر عن ~~الحرالي في أول البقرة: تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج والتركيب ~~صورة، مع أنه ليس مما يجري على حكمة التسبيب التي نعهدها أن يكون من الطين ~~إنسان، أتبعه سبحانه أصله الثاني الذي هو أطهر الطهورين: الماء الذي منه كل ~~شيء حي، معبرا عنه بالجعل لأنه كما مر أيضا إظهار أمر سبب وتصيير، وما هو ~~من الطين # PageV13P114 # مما يتسبب عنه من الماء ويستجلب منه وهو بسيط لا خلط فيه فلا تخليق له، ~~وعبر بأداة التراخي لأن جعل الطين ماء مستبعد جدا فقال: {ثم جعلناه} أي ~~الطين أو هذا النوع المسلول من المخلوق من الطين بتطوير أفراده ببديع الصنع ~~ولطيف الوضع {نطفة} اي ماء دافقا لا أثر للطين فيه {في قرار} أي من الصلب ~~والترائب ثم الرحم، مصدر جعل اسما للموضع {مكين*} أي مانع من الأشياء ~~المفسدة. # PageV13P115 # ولما كان تصيير الماء دما أمرا بالغا خارجا ms3103 عن التسبيب، وكانت النطفة ~~التي هي مبدأ الآدمي تفسد تارة وتأخذ في التكون أخرى، عبر بالخلق لما ~~يخلطها به مما تكتسبه من الرحم عند التحمير وقرنه بأداة التراخي فقال: {ثم} ~~أي بعد تراخ في الزمان وعلو في الرتبة والعظمة {خلقنا} أي بما لنا من ~~العظمة {النطفة} أي البيضاء جدا {علقة} حمراء دما عبيطا شديد الحمرة جامدا ~~غليظا. # PageV13P115 # ولما كان ما بعد العلقة من الأطوار المتصاعدة مسببا كل واحد منه عما قبله ~~بتقدير العزيز العليم الذي اختص به من غير تراخ، وليس تسببه من العادة التي ~~يقدر عليها غيره سبحانه، عبر بالفاء والخلق فقال: {فخلقنا العلقة مضغة} أي ~~قطعة لحم صغيرة لا شكل فيها ولا تخطيط {فخلقنا المضغة} بتصفيتها وتصليبها ~~بما سببنا لها من الحرارة والأمور اللطيفة الغامضة {عظاما} من رأس ورجلين ~~وما بينهما {فكسونا} بما لنا من قدرة الاختراع، تلك {العظام لحما} بما ~~ولدنا منها ترجيعا لحالها قبل كونها عظما، فسترنا تلك العظام وقويناها ~~وشددناها بالروابط والأعصاب. # ولما كان التصوير ونفخ الروح من الجلالة بمكان أي مكان، أشار إليه بقوله: ~~{ثم أنشأناه} أي هذا المحدث عنه بعظمتنا {خلقا آخر} أي عظيما جليلا متحركا ~~ناطقا خصيما مبينا بعيدا من الطين جدا؛ قال الرازي: وأصل النون والشين ~~والهمزة يدل على ارتفاع شيء وسموه. # ولما كان هذا التفصيل لتطوير الإنسان سببا لتعظيم الخالق: {فتبارك} أي ~~ثبت ثباتا لم يثبته شيء، بأن حاز جميع صفات الكمال، وتنزه عن كل شائبة نقص، ~~فكان قادرا على كل شيء، ولو داناه # PageV13P116 # شيء من عجز لم يكن تام الثبات، ولذلك قال: {الله} فعبر بالاسم العلم ~~الجامع لجميع الأسماء الحسنى؛ وأشار إلى جمال الإنسان بقوله: {أحسن ~~الخالقين*} أي المقدرين، أي قدر هذا الخلق العجيب هذا التقدير، ثم طوره في ~~أطواره ما بين طفل رضيع، ومحتلم شديد، وشاب نشيط، وكهل عظيم، وشيخ هرم - ~~إلى ما بين ذلك من شؤون لا يحيط بها إلا اللطيف الخبير. # ولما كانت إماتة ما صار هكذا - بعد القوة العظيمة والإدراك التام - من ~~الغرائب، وكان وجودها ms3104 فيه وتكرارها عليه في كل وقت قد صيرها أمرا مألوفا، ~~وشيئا ظاهرا مكشوفا، وكان عتو الإنسان على خالقه وتمرده ومخالفته لأمره ~~نسيانا لهذا المألوف كالإنكار له، أشار إلى ذلك بقوله تعالى مسببا مبالغا ~~في التأكيد: {ثم إنكم} ولما كان من الممكن ليس له من ذاته إلا العدم، نزع ~~الجار فقال: {بعد ذلك} أي الأمر العظيم من الوصف بالحياة والمد في العمر في ~~آجال متفاوتة {لميتون*} وأشار بهذا النعت إلى أن الموت أمر ثابت للإنسان حي ~~في حال حياته لازم له، بل ليس لممكن من ذاته إلا العدم. # ولما تقرر بذلك القدرة على البعث تقررا لا يشك فيه عاقل، # PageV13P117 # قال نافيا ما يوهمه إعراء الظرف من الجار: {ثم إنكم} وعين البعث الأكبر ~~التام، الذي هو محط الثواب والعقاب، لأن من أقر بما هو دونه من الحياة في ~~القبر وغيرها، فقال: {يوم القيامة} أي الذي يجمع فيه جميع الخلائق ~~{تبعثون*} فنقصه عن تأكيد الموت تنبيها على ظهوره، ولم يخله عن التأكيد ~~لكونه على خلاف العادة، وليس في ذكر هذا نفي للحياة في القبر عند السؤال. # PageV13P118 # ولما بين لهم أن فكرهم فيهم يكفيهم، ولاعتقاد البعث يعنيهم، أتبعه دليلا ~~آخر بالتذكير بخلق ما هو أكبر منهم، وبتدبيرهم بخلقه وخلق ما فيه من ~~المنافع لاستبقائهم، فقال: {ولقد خلقنا قوقكم} في جميع جهة الفوق في ارتفاع ~~لا تدركونه حق الإدراك {سبع} ولإرادة التعظيم أضاف إلى جمع كثرة فقال: ~~{طرائق} أي سماوات لا تتغير عن حالتها التي دبرناها عليها إلى أن نريد، ~~وبعضها فوق بعض متطابقة، وكل واحدة منها على طريقة تخصها، وفيها طرق ~~لكواكبها؛ قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: سميت طرائق لأنها ~~مطارقة بعضها في أثر بعض - انتهى. وهذا من قولهم: فلان على طريقة - أي حالة ~~- واحدة، وهذا مطراق هذا، أي تلوه ونظيره، وريش طراق - إذا كان بعضه فوق ~~بعض. وقال ابن القطاع: # PageV13P118 # وأطرق جناح الطائر - أي مبنيا للمجهول: ألبس الريش الأعلى الأسفل. وقال ~~أبو عبيد الهروي: وأطرق جناح الطير - إذا وقعت ريشة ms3105 على التي تحتها ~~فألبستها، وفي ريشه طرق - إذا ركب بعضه بعضا. وقال الصغاني في مجمع ~~البحرين: والطرق أيضا بالتحريك في الريش أن يكون بعضها فوق بعض، وقال ابن ~~الأثير في النهاية: طارق النعل - إذا صيرها طاقا فوق طاق وركب بعضها على ~~بعض، وفي القاموس: والطراق - ككتاب: كل خصفة يخصف بها النعل وتكون حذوها ~~سواء وأن يقور جلد على مقدار الترس فيلزق بالترس، وقال القزاز: يقال: ترس ~~مطرق - إذا جعل له ذلك، وقال الصغاني في المجمع: والمجان المطرقة التي يطرق ~~بعضها على بعض كالنعل المطرقة - أي المخصوفة بعضها على بعض، ويقال: أطرقت ~~بالجلد والعصب، أي ألبست، وقال أبو عبيد: طارق النعل - إذا صير خصفا فوق ~~خصف، وقال في الخصف: هو إطباق طاق على طاق، وأصل الخصف: الضم والجمع، وقال ~~القزاز: وطارقت بين النعلين والثوبين: جعلت أحدهما فوق الآخر - انتهى. وأصل ~~الطرق الضرب، ومع كون السماوات مطارقة بعضها فوق بعض فهي طرق للملائكة ~~يتنزلون فيها بأوامره سبحانه وتعالى. # PageV13P119 # ولما كان إهمال الشيء بعد إيجاده غفلة عنه، وكان البعث إحداث تدبير لم ~~يكن كما أن الموت كذلك، بين أن مثل تلك الأفعال الشريفة عادته سبحانه ~~إظهارا للقدرة وتنزها عن العجز والغفلة فقال: {وما كنا} أي على ما لنا من ~~العظمة {عن الخلق} أي الذي خلقناه وفرغنا من إيجاده وعن إحداث ما لم يكن، ~~بقدرتنا التامة وعلمنا الشامل {غافلين*} بل دبرناه تدبيرا محكما ربطناه ~~بأسباب تنشأ عنها مسببات يكون بها صلاحه، وجعلنا في كل سماء ما ينبغي أن ~~يكون فيها من المنافع، وفي كل أرض كذلك، وحفظناه من الفساد إلى الوقت الذي ~~نريد فيه طي هذا العالم وإبراز غيره، ونحن مع ذلك كل يوم في شأن، وإظهار ~~برهان، نعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج ~~فيها، إذا شئنا أنفذنا السبب فنشأ عنه المسبب، وإذا شئنا منعناه مما هيىء ~~له، فلا يكون شيء من ذلك إلا بخلق جديد، فكيف يظن بنا أنا نترك الخلق بعد ~~موتهم سدى، مع ms3106 أن فيهم المطيع الذي لم نوفه ثوابه، والعاصي الذي لم ننزل به ~~عقابه، أم كيف لا نقدر على إعادتهم إلى ما كانوا عليه بعد ما قدرنا على ~~إبداعهم ولم يكونوا شيئا. # ولما ساق سبحانه هذين الدليلين على القدرة على البعث، أتبعهما بما هو من ~~جنسهما ومشاكل للأول منهما، وهو مع ذلك دليل على ختام الثاني من أنه من أجل ~~النعم التي يجب شكرها، فقال: {وأنزلنا} # PageV13P120 # أي بعظمتنا {من السماء} أي من جهتها {ماء بقدر} لعله - والله أعلم - بقدر ~~ما يسقي الزروع والأشجار، ويحيي البراري والقفار، وما تحتاج إليه البحار، ~~مما تصب فيها الأنهار، إذ لو كان فوق ذلك لأغرقت البحار الأقطار، ولو كان ~~دون ذلك لأدى إلى جفاف النبات والأشجار {فأسكناه} بعظمتنا {في الأرض} بعضه ~~على ظهرها وبعضه في بطنها، ولم نعمها بالذي على ظهرها ولم نغور ما في بطنها ~~ليعم نفعه وليسهل الوصول إليه {وإنا} على ما لنا من العظمة {على ذهاب به} ~~أي على إذهابه بأنواع الإذهاب بكل طريق بالإفساد والرفع والتغوير وغير ذلك، ~~مع إذهاب البركة التي تكون لمن كنا معه {لقادرون*} قدرة هي في نهاية ~~العظمة، فإياكم والتعرض لما يسخطنا. # ولما ذكر إنزاله، سبب عنه الدليل القرب على البعث فقال: {فأنشأنا} أي ~~فأخرجنا وأحيينا {لكم} خاصة، لا لنا {به} أي بذلك الماء الذي جعلنا منه كل ~~شيء حي {جنات} أي بساتين تجن - أي تستر - داخلها بما فيها {من نخيل وأعناب} ~~صرح بهذين الصنفين لشرفهما، ولأنهما أكثر ما عند العرب من الثمار، سمي ~~الأول باسم # PageV13P121 # شجرته لكثرة ما فيهما من المنافع المقصودة بخلاف الثاني فإنه المقصود من ~~شجرته؛ وأشار إلى غيرهما بقوله: {لكم} أي خاصة {فيها} أي الجنات {فواكه ~~كثيرة} ولكم فيها غير ذلك. # ولما كان التقدير: منها - وهي طرية - تتفكهون، عطف عليه قوله: {ومنها} أي ~~بعد اليبس والعصر {تأكلون*} أي يتجدد لكم الأكل بالادخار، ولعله قدم الظرف ~~تعظيما للامتنان بها. # PageV13P122 # ولما ذكر سبحانه ما إذا عصر كان ماء لا ينفع للاصطباح، أتبعه ما إذا عصر ~~كان ms3107 دهنا يعم الاصطباح والاصطباغ، وفصله عنه لأنه أدل على القدرة فقال: ~~{وشجرة} أي وأنشأنا به شجرة، أي زيتونة {تخرج من طور} . # ولما كان السياق للإمداد بالنعم، ناسبه المد فقال: {سيناء} قال الحافظ ~~عماد الدين ابن كثير: وهو طور سينين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن ~~عمران عليه السلام وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. وقال صاحب ~~القاموس: والطور: الجبل، وجبل # PageV13P122 # قرب أيلة يضاف إلى سيناء وسينين، وجبل بالشام، وقيل: هو المضاف إلى ~~سيناء، وجبل بالقدس عن يمين المسجد، وآخر عن قبليه، به قبر هارون عليه ~~السلام، مجبل برأس العين، - وآخر مطل على طبرية - انتهى. وهو اسم مركب من ~~الاسمين، وقيل: بل هو مضاف إلى سيناء، ومعنى سيناء الحسن، وقيل: المبارك، ~~وقيل: هو حجارة معروفة، وقيل شجر، ولعله خصه من بين الأطوار لقربه من ~~المخاطبين أولا بهذا القرآن، وهم العرب، ولغرابة نبت الزيتون به لأنه في ~~بلاد الحر والزيتون من نبات الأرض الباردة، ولتمحضه لأن يكون نبته مما أنزل ~~من السماء من الماء لعلوه جدا، وبعد من أن يدعي أن ما فيه من النداوة من ~~الماء من البحر لأن الإمام أبا العباس أحمد ابن القاص من قدماء أصحاب ~~الشافعي حكى في كتابه أدلة القبلة أنه يصعد إلى أعلاه في ستة آلاف مرقاة ~~وستمائة وست وستين مرقاة، قال: وهي مثل الدرج من الصخر، فإذا انتهى إلى ~~مقدار النصف من الطريق يصير إلى مستواه من الأرض فيها أشجار وماء عذب، في ~~هذا الموضع كنيسة على اسم إيليا النبي عليه السلام، وفيه مغار، ويقال: إن ~~إيليا عليه السلام لما هرب من إزقيل الملك اختفى فيه؛ ثم يصعد من هذا ~~الموضع في الدرج حتى ينتهي إلى قلة الجبل، # PageV13P123 # وفي قلبه كنيسة بنيت على اسم موسى عليه السلام بأساطين رخام، أبوابها من ~~الصفر والحديد، وسقفها من خشب الصنوبر، وأعلى سقوفها أطباق رصاص قد أحكمت ~~بغاية الإحكام، وليس فيها إلا رجل راهب يصلي ويدخن ويسرج قناديلها، ولا ~~يمكن أحدا أن ينام فيها البتة، ms3108 وقد اتخذ هذا الراهب لنفسه خارجا من الكنيسة ~~بيتا صغيرا يأوي فيه، وهذه الكنيسة بنيت في المكان الذي كلم الله فيه موسى ~~عليه الصلاة والسلام، وحواليه - أي حوالي الجبل - من أسفله ستة آلاف ما بين ~~دير وصومعة للرهبان والمتعبدين، كان يحمل إليهم خراج مصر في أيام ملك الروم ~~للنفقة على الديارات وغيرها، وليس اليوم بها إلا مقدار سبعين راهبا يأوون ~~في الدير الذي داخل الحصن، وفي أكثرها يأوي أعراب بني رمادة، وعلى الجبل ~~مائة صومعة، وأشجار هذا الجبل اللوز والسرو، وإذا هبطت من الطور أشرفت على ~~عقبة تهبط منها فتسير خطوات فتنتهي إلى دير النصراني: حصين عليه سور من ~~حجارة منحوتة ذات شرف عليه بابان من حديد، وفي جوف هذا الدير عين ماء عذب، ~~وعلى هذه العين درابزين من نحاس لئلا يسقط في العين أحد، وقد هيىء براتج ~~رصاص يجري فيها الماء إلى كروم لهم حول الدير، ويقال: إن هذا الدير هو ~~الموضع الذي رأى موسى عليه السلام فيه النار في الشجرة العليق، وقبلة من ~~بها دبر الكعبة، وفيه # PageV13P124 # يقول القائل: # عجب الطور من ثباتك موسى ... حين ناجاك بالكلام الجليل # والطور من جملة كور مصر، منه إلى بلد قلزم على البر مسيرة أربعة أيام، ~~ومنه إلى فسطاط مصر مسيرة سبعة أيام - انتهى كلام ابن القاص، وسألت أنا من ~~له خبرة بالجبل المذكور: هل به أشجار الزيتون؟ فأخبرني أنه لم ير به شيئا ~~منها، وإنما رآها فيما حوله في قرار الأرض، وهي كثيرة وزيتونها مع كبره ~~أطيب من غيره، فإن كان ذلك كذلك فهو أغرب مما لو كانت به، لأنه لعلوه أبرد ~~مما سفل من الأرض، فهو بها أولى، وظهر لي - والله أعلم - أن حكمة تقدير ~~الله تعالى أن يكون عدد الدرج ما ذكر موافقة زمان الإيجاد الأول لمكان ~~الإبقاء الأول، وذلك أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام وهو ~~الإيجاد الأول، وكلم موسى عليه الصلاة والسلام، وكتب له الألواح في هذا ~~الجبل، ثم أتم له التوراة وهي أعظم ms3109 الكتب بعد القرآن، وبالكتب السماوية ~~والشرائع الربانية انتظام البقاء الأول، كما سلف في الفاتحة والأنعام ~~والكهف. # ولما ذكر سبحانه إنشاء هذه الشجرة بهذا الجبل البعيد عن مياه البحار ~~لعلوه وصلابته أو بما حوله من الأرض الحارة، ذكر تميزها عن # PageV13P125 # عامة الأشجار بوجه آخر عجيب فقال: {تنبت} أي بالماء الذي لا دهن فيه ~~أصلا، نباتا على قراءة الجمهور، أو إنباتا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو ~~وورش عن يعقوب بضم الفوقانية، ملتبسا ثمره {بالدهن} وهو في الأصل مائع لزج ~~خفيف يتقطع ولا يختلط بالماء الذي هو أصله فيسرج ويدهن به، وكأنه عرفه لأنه ~~أجل الأدهان وأكملها. # ولما كان المأكول منها الدهن والزيتون قبل العصر، عطف إشعارا بالتمكن ~~فقال: {وصبغ} أي وتنبت بشيء يصبغ - أي يلون - الخبز إذا غمس فيه أو أكل به ~~{للآكلين*} وكأنه نكره لأن في الإدام ما هو أشرف منه وألذ وإن كانت بركته ~~مشهورة؛ روى الإمام أحمد عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلوا الزيت وادهنوا به ~~فإنه من شجرة مباركة» # وللترمذي وابن ماجه عبد بن حميد في مسنده وتفسيره كما نقله ابن كثير عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ائتدموا ~~بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من # PageV13P126 # شجرة مباركة» وقال أبو حيان: وخص هذه الأنواع الثلاثة من النخل والعنب ~~والزيتون لأنها أكرم الشجر وأجمعها للمنافع. # ولما دل سبحانه وتعالى على قدرته بما أحيا بالماء حياة قاصرة عن الروح، ~~أتبعه ما أفاض عليه به حياة كاملة فقال: {وإن لكم في الأنعام} وهي الإبل ~~والبقر والغنم {لعبرة} تعبرون بها من ظاهر أمرها إلى باطنه مما له سبحانه ~~فيها من القدرة التامة على البعث وغيره؛ ثم استأنف تفصيل ما فيها من العبرة ~~قائلا: {نسقيكم} ولما كان الأنعام مفردا لكونه اسم جمع، ولم يذكر ما يسقى ~~منه، أنث الضمير بحسب المعنى وعلم أن المراد ما يكون منه اللبن خاصة وهو ~~الإناث، ms3110 فهو استخدام لأنه لو أريد جميع ما يقع عليه الاسم لذكر الضمير، ~~فلذلك قال: {مما في بطونها} أي نجعله لكم شرابا نافعا للبدن موافقا للشهوة ~~تلتذون به مع خروجه من بين الفرث والدم كما مضى في النحل {ولكم فيها} أي في ~~جماعة الأنعام، وقدم الجار تعظيما لمنافعها حتى كأن غيرها عدم # PageV13P127 # {منافع كثيرة} باستسلامها لما يراد منها مما لا يتيسر من أصغر منها، ~~وبأولادها وأصوفها وأوبارها، وغير ذلك من آثارها. # ولما كان التقدير: تصرفونها في تلك المنافع، عطف عليه مقدما للجار تعظيما ~~لمأكولها فقال: {ومنها تأكلون*} بسهولة من غير امتناع ما عن شيء من ذلك، ~~ولو شاء لمنعها من ذلك وسلطها عليكم، ولو شاء لجعل لحمها لا ينضج، أو جعله ~~قذرا لا يؤكل، ولكنه بقدرته وعلمه هيأها لما ذكر وذللها له. # ولما كانت المفاوتة بين الحيوانات في القوى وسهولة الانقياد دالة على ~~كمال القدرة، وكان الحمل للنفس والمتاع عليها وعلى غيرها من الحيوان من أجل ~~المنافع بحيث لولا هو تعطلت أكثر المصالح، ذكره فيها مذكرا بغيرها في البر ~~تلويحا، وذاكرا لمحامل البحر تصريحا، فقال مقدما للجار عدا لحمل غيرها ~~بالنسبة إلى حملها لعظيم وقعه عدما: {وعليها} أي الأنعام الصالحة للحمل من ~~الإبل والبقر في البر {وعلى الفلك} في البحر. ولما كان من المعلوم من ~~تذليلها على كبرها وقوتها وامتناع غيرها على صغره وضعفه أنه لا فاعل لذلك # PageV13P128 # إلا الله مع أن الممتن به نفس الحمل لا بالنظر إلى شيء آخر، بني للمفعول ~~قوله: {تحملون*} بإنعامه عليكم بذلك، ولو شاء لمنعه، فتذكروا عظيم قدرته ~~وكمال صنعته، وعظموه حق تعظيمه، واشكروه على ما أولاكم من تلك النعم، ~~وأخلصوا له الدين، لتفلحوا فتكونوا من الوارثين. # ولما كان التقدير: فلقد حملنا نوحا ومن أردنا ممن آمن به من أولاده وأهله ~~وغيرهم على الفلك، وأغرقنا من عانده من أهل الأرض قاطبة بقدرتنا، ونصرناه ~~عليهم بعد ضعفه عنهم بأيدينا وقوتنا، وجعلناه وذريته هم الوارثين، وكنتم ~~ذرية في أصلابهم، وكثرناهم حتى ملأنا منهم الأرض، دلالة على ما ms3111 قدمنا من ~~تفردنا كما أجرينا عادة هذا الكتاب الكريم بذكر عظيم البطش بعد أدلة ~~التوحيد، وأتبعناه بعده الرسل الذين سمعتم بهم، وعرفتم بعض أخبارهم، يا من ~~أنكر الآن رسالة البشر لإنكار رسالة هذا النبي الكريم! عطف عليه يهدد ~~بإهلاك الماضين، للرجوع عن الكفر، ويذكر بنعمة النجاة للإقبال على الشكر، ~~ويسلي هذا النبي الكريم ومن معه من المؤمنين لمن كذب قبله من النبيين وأوذي ~~من أتباعهم، ويدل على أنه يفضل من عباده من يشاء بالرسالة، كما فضل طينة ~~الإنسان على سائر الطين، وعلى أن الفلاح بالإرث والحياة الطيبة في الدارين ~~مخصوص بالمؤمنين كما ذكر أول السورة، فذكر نوحا # PageV13P129 # لأن قصته أشهر القصص، ولأن قومه كانوا ملء الأرض، ولم تغن عنهم كثرتهم ~~ولا نفعتهم قوتهم، ولأنه الأب الثاني بعد الأب الأول المشار إليه بالطين، ~~ولأن نجاته ونجاة المؤمنين معه كانت بالفلك المختوم به الآية قبله، فقال: ~~{ولقد أرسلنا} إشارة بصيغة العظمة إلى زيادة التسلية بأنه «آتاه من الآيات ~~ما مثله آمن عليه البشر» وقام هو صلى الله عليه وسلم بذلك حق القيام {نوحا} ~~أي وهو الأب الثاني بعد آدم عليهما السلام {إلى قومه} وهم جميع أهل الأرض ~~لتواصل ما بينهم لكونهم على لغة واحدة {فقال} أي فتسبب عن ذلك أن قال: {يا ~~قوم} ترفقا بهم {اعبدوا الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له، وحده، لأنه ~~إلهكم وحده لاستحقاقه لجميع خلال الكمال؛ واستأنف على سبيل التعليل قوله: ~~{ما لكم} وأغرق في النفي بما هو حق العبادة فقال: {من إله} أي معبود بحق ~~{غيره} فلا تعبدوا سواه. # ولما كانت أدلة الوحدانية والعظمة بإعطاء الثواب وإحلال العقاب في غاية ~~الظهور لا تحتاج إلى كبير تأمل، تسبب عن ذلك إنكاره لأمنهم من مكره، والخوف ~~من ضره، فقال: {أفلا تتقون*} أي تخافون ما ينبغي الخوف منه فتجعلوا لكم ~~وقاية من عذابه فتعملوا # PageV13P130 # بما تقتضيه التقوى من إفراده بالعبادة خوفا من ضركم ورجاء لنفعكم {فقال} ~~أي فتسبب عن ذلك أن كذبوه فقال: {الملأ} أي الأشراف الذين تملأ ms3112 رؤيتهم ~~الصدور عظمة. ولما كان أهل الإيمان كلهم إذ ذاك قبيلة واحدة لاجتماعهم في ~~لسان واحد قدم قوله: {الذين كفروا} أي بالله لأن التسلية ببيان التكذيب ~~أتم، والصلة هنا قصيرة لا يحصل بها لبس ولا ضعف في النظم بخلاف ما يأتي، ~~وكأن أفخاذهم كانت متمايزة فزاد في الشناعة عليهم بأن عرف أنهم من أقرب ~~الناس إليه بقوله: {من قومه ما هذا} أي نوح عليه الصلاة والسلام {إلا بشر ~~مثلكم} أي فلا يعلم ما لا تعلمون، فأنكروا أن يكون بعض البشر نبيا، ولم ~~ينكروا أن يكون بعض الطين إنسانا، وبعض الماء علقة، وبعض العلقة مضغة - إلى ~~آخره، فكأنه قيل: فما حمله على ذلك؟ فقالوا: {يريد أن يتفضل} أي يتكلف ~~الفضل بادعاء مثل هذا {عليكم} لتكونوا أتباعا له، ولا خصوصية له به دونكم. # ولما كان التقدير: فلم يرسله الله كما ادعى، عطف عليه قولهم: {ولو شاء ~~الله} أي الملك الأعلى الإرسال إليكم وعدم عبادة غيره {لأنزل} لذلك ~~{ملائكة} وما علموا أن القادر على تفضيل بعض الجواهر بجعلها ملائكة قادر ~~على تفضيل ما شاء ومن شاء بما # PageV13P131 # يشاء من الملائكة وغيرها. # ولما كان هذا متضمنا لإنكار رسالة البشر، صرحوا به في قولهم كذبا وبهتانا ~~كما كذب فرعون وآله حين قالوا مثل هذا القول وكذبهم المؤمن برسالة يوسف ~~عليه الصلاة والسلام: {ما سمعنا بهذا} أي بإرسال نبي من البشر يمنع أن يعبد ~~غير الله بقصد التقريب إليه، فجعلوا الإله حجرا، وأحالوا كون النبي بشرا ~~{في آبائنا الأولين*} ولا سمعنا بما دعا إليه من التوحيد. # PageV13P132 # ولما نفوا عنه الرسالة وحصروا أمره في قصد السيادة، وكانت سيادته لهم ~~بمثل هذا عندهم من المحال، قالوا: {إن} أي ما {هو إلا رجل به جنة} أي جنون ~~في قصده التفضل بما يروث بغضه وهضمه ولا نعرف له وجها مخصصا به، فلا نطيع ~~له فيه ابدا {فتربصوا به} أي فتسبب عن الحكم بجنونه أنا نأمركم بالكف عنه ~~لأنه لا حرج على مجنون {حتى} أي إلى {حين*} لعله يفيق أو يموت، ms3113 فكأنه قيل: ~~فما قال؟ فقيل: {قال} عندما أيس من فلاحهم: {رب انصرني} أي أعني عليهم {بما ~~كذبون*} أي بسبب تكذيبهم لي، فإن تكذيب الرسول استخفاف بالمرسل {فأوحينا} # PageV13P132 # أي فتسبب عن دعائه أنا أوحينا {إليه أن اصنع الفلك} أي السفينة. # ولما كان يخاف من أذاهم له في عمله بالإفساد وغيره قال: {بأعيننا} أي إنه ~~لا يغيب عنا شيء من أمرك ولا من أمرهم وأنت تعرف قدرتنا عليهم فثق بحفظنا ~~ولا تخف شيئا من أمرهم. ولما كان لا يعلم تلك الصنعة، قال: {ووحينا} ثم حقق ~~له هلاكهم وقربه بقوله: {فإذا جاء أمرنا} أي بالهلاك عقب فراغك منه {وفار ~~التنور} قال ابن عباس رضي الله عنهما: وجه الأرض. وفي القاموس: التنور: ~~الكانون يخبز فيه، ووجه الأرض، وكل مفجر ماء، وجبل قرب المصيصة - انتهى. ~~والأليق بهذا الأمر صرفه إلى ما يخبز فيه ليكون آية في آية {فاسلك} أي ~~فادخل {فيها} أي السفينة {من كل زوجين} من الحيوان {اثنين} ذكرا وأنثى ~~{وأهلك} من أولادك وغيرهم {إلا من سبق عليه} لا له {القول منهم} بالهلاك ~~لقطع ما بينك وبينه من الوصلة بالكفر. # ولما كان التقدير: فلا تحمله معك ولا تعطف عليه لظلمه، عطف عليه قوله: ~~{ولا تخاطبني} أي بالسؤال في النجاة {في الذين ظلموا} عامة؛ ثم علل ذلك ~~بقوله: {إنهم مغرقون*} أي قد ختم القضاء عليهم، ونحن نكرمك عن سؤال لا ~~يقبل. # PageV13P133 # ولما قدم ذلك، لأن درء المفاسد - بالنهي عما لا يرضي - أولى من جلب ~~المصالح، أتبعه الأمر بالشكر فقال: {فإذا استويت} أي اعتقلت {أنت ومن معك} ~~أي من البشر وغيرهم {على الفلك} ففرغت من امتثال الأمر بالحمل {فقل} لأن ~~علمك بالله ليس كعلم غيرك فالحمد منك أتم، وإذا قلت اتبعك من معك، فإنك ~~قدوتهم وهم في غاية الطاعة لك، ولهذا أفرد في الجزاء بعد العموم في الشرط ~~{الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال في الإيجاد والإعدام {لله} أي الذي لا ~~كفوء له لأنه المختص بصفات المجد {الذي نجانا} بحملنا فيه {من القوم} ~~الأشداء الأعتياء {الظالمين*} الذين ms3114 حالهم - لوضعهم الأشياء في غير مواضعها ~~- حال من يمشي في الظلام، فلك الحمد بعد إفنائهم كما كان لك الحمد في حال ~~إبدائهم وإبقائهم، والحمد في هذه السورة المفتتحة بأعظم شعيرة بها الإبقاء ~~الأول، وهي الصلاة الموصوفة بالخشوع كالحمد في سورة الإيجاد الأول: الأنعام ~~بقوله تعالى # {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} [الأنعام: 45] . # ولما أشار له بهذا القول إلى السلامة بالحمل، أتبعه الإشارة إلى الوعد ~~بإسكان الأرض فقال: {وقل رب أنزلني} في الفلك ثم في الأرض وفي كل منزل ~~تنزلني به وتورثني إياه {منزلا} موضع نزول، أو إنزالا {مباركا} أي أهلا لأن ~~يثبت فيه أو به. ولما كان # PageV13P134 # الثناء أعظم مهيج على إجابة الدعاء، وكان التقدير، فأنت خير الحاملين، ~~عطف عليه قوله: {وأنت خير المنزلين*} لأنك تكفي نزيلك كل ملم، وتعطيه كل ~~مراد. # PageV13P135 # ولما كانت هذه القصة من أغرب القصص، حث على تدبرها بقوله: {إن في ذلك} أي ~~الأمر العظيم الذي ذكر من أمر نوح وقومه وكذا ما هو مهاد له {لآيات} أي ~~علامات دالات على صدق الأنبياء في أن المؤمنين هم المفلحون، وأنهم الوارثون ~~للأرض بعد الظالمين وإن عظمت شوكتهم، واشتدت صولتهم {وإن} أي وإنا بما لنا ~~من العظمة {كنا} بما لنا من الوصف الثابت الدال على تمام القدرة {لمبتلين*} ~~أي فاعلين فعل المختبر لعبادنا بإرسال الرسل ليظهر في عالم الشهادة الصالح ~~منهم من غيره، ثم نبتلي الصالحين منهم بما يزيد حسناتهم، وينقص سيئاتهم، ~~ويعلي درجاتهم، ثم نجعل لهم العاقبة فنبلي بهم الظالمين بما يوجب دمارهم، ~~ويخرب ديارهم، ويمحو آثارهم، هذه عادتنا المستمرة إلى أن نرث الأرض ومن ~~عليها فيكون البلاء المبين. # ولما بين سبحانه وتعالى تكذيبهم وما عذبهم به، وكان القياس موجبا لأن من ~~يأتي يعدهم يخشى مثل مصرعهم، فيسلك غير سبيلهم، # PageV13P135 # ويقول غير قيلهم، بين أنه لم تنفعهم العبرة، فارتكبوا مثل أحوالهم، ~~وزادوا على أقوالهم وأفعالهم، لإرادة ذلك من الفاعل المختار، الواحد ~~القهار، وأيضا فإنه لما كان المقصود - مع التهديد والدلالة على القدرة ~~والاختيار - الدلالة ms3115 على تخصيص المؤمنين بالفلاح والبقاء بعد الأعداء، وكان ~~إهلاك المترفين أدل على ذلك، اقتصر على ذكرهم وأبهمهم ليصح تنزيل قصتهم على ~~كل من ادعى فيهم الإتراف من الكفرة، ويترجح إرادة عاد لما أعطوا مع ذلك من ~~قوة الأبدان وعظم الأجسام، وبذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما، وإرادة ثمود ~~لما في الشعراء والقمر مما يشابه بعض قولهم هنا، وللتعبير عن عذابهم ~~بالصيحة ولموافقتهم لقوم نوح في تعليل ردهم بكونه بشرا، وطوى الإخبار عمن ~~بعدهم بغير التكذيب والإهلاك لعدم الحاجة إلى ذكر شيء غيره، فقال: {ثم ~~أنشأنا} أي أحدثنا وأحيينا وربينا بما لنا من العظمة. ولما لم يستغرقوا ~~زمان البعد، أتى بالجار فقال: {من بعدهم قرنا} أي أمة وجيلا. ولما كان ربما ~~ظن ظان أنهم فرقة من المهلكين نجوا من عذاب سائرهم كما يكون في حروب سائر ~~الملوك، عبر عن # PageV13P136 # إنجائهم بإنشائهم، حقق أنهم أحدثوا بعدهم فقال: {آخرين فأرسلنا} أي فتعقب ~~إنشاءنا لهم وتسبب عنه أن أرسلنا. # ولما كان المقصود الإبلاغ في التسلية، عدي الفعل ب «في» دلالة على أنه ~~عمهم بالإبلاغ كما يعم المظروف الظرف، حتر لم يدع واحدا منهم إلا أبلغ في ~~أمره فقال: {فيهم رسولا منهم} فكان القياس يقتضي مبادرتهم لاتباعه لعلمهم ~~بما حل بمن قبلهم لأجل التكذيب، ولمعرفتهم غاية المعرفة لكون النبي منهم، ~~بما جعلناه عليه المحاسن، وما زيناه به من الفضائل، ولأن عزه عزهم، ولدعائه ~~لهم إلى ما لا يخفى حسنه على عاقل، ولا يأباه منصف؛ ثم بين ما أرسل به ~~بقوله: {أن اعبدوا الله} أي وحده لأنه لا مكافىء له، ولذا حفظ اسمه فكان لا ~~سمي له؛ ثم علل ذلك بقوله: {ما لكم} ودل على الاستغراق بقوله: {من إله ~~غيره} . # ولما كانت المثلات قد دخلت من قبلهم في المكذبين، وأناخت صروفها ~~بالظالمين، فتسبب عن عملهم بذلك إنكار قلة مبالاتهم في عدم تحرزهم من مثل ~~مصارعهم، قال: {أفلا تتقون*} أي تجعلون # PageV13P137 # لكم وقاية مما ينبغي الخوف منه فتجعلوا وقاية تحول بينكم وبين سخط الله. # PageV13P138 # ولما كان ms3116 التقدير: فلم يؤمنوا ولم يتقوا دأب قوم نوح، عطف عليه قوله: ~~{وقال الملأ} أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور، فكأن ما اقترن بالواو ~~أعظم في التسلية مما خلا منها على تقدير سؤال لدلالة هذا على ما عطف عليه. ~~ولما كانت القبائل قد تفرغت بتفرق الألسن، قدم قوله: {من قومه} اهتماما ~~وتخصيصا للإبلاغ في التسلية ولأنه لو أخر لكان بعد تمام الصلة وهي طويلة؛ ~~ثم بين الملأ بقوله: {الذين كفروا} أي غطوا ما يعرفون من أدلة التوحيد ~~والانتقام من المشركين {وكذبوا بلقاء الآخرة} لتكذيبهم بالبعث. # ولما كان من لازم الشرف الترف، صرح به إشارة إلى أنه - لظن كونه سعادة في ~~الدنيا - قاطع في الغالب عن سعادة الآخرة، لكونه حاملا على الأشر والبطر ~~والتكبر حتى على المنعم، فقال: {وأترفناهم} أي والحال أنا - بما لنا وعلى ~~ما لنا من العظمة - نعمناهم {في الحياة الدنيا} أي الدانية الدنيئة، ~~بالأموال والأولاد وكثرة السرور، يخاطبون أتباعهم: {ما هذا} أشاروا إليه ~~تحقيرا له عند المخاطبين {إلا بشر مثلكم} أي في الخلق والحال؛ ثم # PageV13P138 # وصفوه بما يوهم المساواة في كل وصف فقالوا: {يأكل مما تأكلون منه} من ~~طعام الدنيا {ويشرب مما تشربون*} أي منه من شرابها فكيف يكون رسولا دونكم! # ولما كان التقدير: فلئن اتبعتموه إنكم لضالون، عطف عليه: {ولئن أطعتم ~~بشرا مثلكم} في جميع ما ترون {إنكم إذا} أي إذا أطعتموه {لخاسرون*} أي ~~مغبونون لكونكم فضلتم مثلكم عليكم بما يدعيه مما نحن له منكرون؛ ثم بينوا ~~إنكارهم بقولهم: {أيعدكم أنكم إذا متم} ففارقت أرواحكم أجسادكم {وكنتم} أي ~~وكانت أجسادكم {ترابا} باستيلاء التراب على ما دون عظامها {وعظاما} مجردة؛ ~~ثم بين الموعود به بعد أن حرك النفوس إليه، وبعث بما قدمه أتم بعث عليه، ~~فقال مبدلا من {أنكم} الأولى إيضاحا للمعنى: {أنكم مخرجون*} أي من تلك ~~الحالة التي صرتم إليها، فراجعون إلى ما كنتم عليه من الحياة على ما كان ~~لكم من الأجسام؛ ثم استأنفوا التصريح بما دل عليه الكلام من استبعادهم ذلك ~~فقالوا: {هيهات هيهات} أي بعد ms3117 بعد جدا بحيث صار ممتنعا، ولم يرفع ما بعده ~~به بل قطع عنه تفخيما له، فكان كأنه قيل: لأي شيء هذا الاستبعاد؟ فقيل: ~~{لما توعدون*} . # PageV13P139 # ولما كانوا بهذا التأكيد في التبعيد كأنهم قالوا: إنا لا نبعث أصلا، اتصل ~~به: {إن هي} أي الحالة التي لا يمكن لنا سواها {إلا حياتنا الدنيا} # PageV13P139 # أي التي هي أقرب الأشياء إلينا وهي ما نحن فيها، ثم فسروها بقولهم: {نموت ~~ونحيا} أي يموت منا من هو موجود، وينشأ آخرون بعدهم {وما نحن بمبعوثين*} ~~بعد الموت، فكأنه قيل: فما هذا الكلام الذي يقوله؟ فقيل: كذب؛ ثم حصروا ~~أمره في الكذب فقالوا: {إن} أي ما {هو إلا} وألهبوه على ترك مثل ما خاطبهم ~~به بقولهم: {رجل افترى} أي تعمد {على الله} أي الملك الأعلى {كذبا} والرجل ~~لا ينبغي له مثل ذلك، أو هو واحد وحده، أي لا يلتفت إليه {وما نحن له ~~بمؤمنين*} أي بمصدقين فيما يخبرنا به من البعث والرسالة؛ ثم استأنف قوله: ~~{قال رب} أي أيها المحسن إلي بإرسالي إليهم وغيره من أنواع التربية ~~{انصرني} عليهم أي أوقع لي النصر {بما كذبون*} فأجابه ربه بأن {قال عما ~~قليل} أي من الزمن. وأكد قلته بزيادة «ما» {ليصبحن نادمين*} على تخلفهم عن ~~اتباعك. # PageV13P140 # ولما تسبب عن دعائه أن تعقب هلاكهم، وعد الله له بذلك، قال تعالى: ~~{فأخذتهم الصيحة} أي التي كأنها لقوتها لا صحية إلا هي، # PageV13P140 # ويمكن أن تكون على بابها فتكون صيحة جبرئيل عليه الصلاة والسلام ويكون ~~القوم ثمود، ويمكن أنت تكون مجازا عن العذاب الهائل {بالحق} أي بالأمر ~~الثابت من العذاب الذي أوجب لهم الذي لا تمكن مدافعته لهم ولا لأحد غير ~~الله، ولا يكون كذلك إلا وهو عدل {فجعلناهم} بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة، ~~بسبب الصيحة {غثاء} كأنهم أعجاز نخل خاوية، جاثمين أمواتا يطرحون كما يطرح ~~الغثاء، وهو ما يحمله السيل من نبات ونحوه فيسود ويبلى فيصير بحيث لا ينتفع ~~به، ونجينا رسولهم ومن معه من المؤمنين، فخاب الكافرون، وأفلح المؤمنون، ~~وكانوا هم الوارثين ms3118 للأرض من بعدهم. # ولما كان هلاكهم على هذا الوجه سببا لهوانهم، عبر عنه بقوله: {فبعدا} أي ~~هلاكا وطردا. ولما كان كأنه قيل: لمن؟ قيل: لهم! ولكنه أظهر الضمير تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف تحذيرا لكل من تلبس به فقال: {للقوم} أي الأقوياء ~~الذي لا عذر لهم في التخلف عن اتباع الرسل والمدافعة عنهم {الظالمين*} ~~الذين وضعوا قوتهم التي كان يجب عليهم بذلها في نصر الرسل في خذلانهم. # ولما كانت عادة المكذبين أن يقولوا تكذيبا: هذا تعريض لنا بالهلاك، فصرح ~~ولا تدع جهدا في إحلاله بنا والتعجيل به # PageV13P141 # إلينا، فإنا لا ندع ما نحن عليه لشيء، وكان العرب أيضا قد ادعوا أن ~~العادة بموتهم وإنشاء من بعدهم شيئا فشيئا لا تنخرم، قال تعالى رادعا لهم: ~~{ثم أنشأنا} أي بعظمتنا التي لا يضرها تقديم ولا تأخير، وأثبت الجار لما ~~تقدم فقال: {من بعدهم} أي من بعد من قدمنا ذكره من نوح والقرن الذي بعده ~~{قرونا آخرين} ثم أخبر بأنه لم يعجل على أحد منهم قبل الأجل الذي حده له ~~بقوله: {ما تسبق} ولعله عبر بالمضارع إشارة إلى أنه ما كان شيء من ذلك ولا ~~يكون، وأشار إلى الاستغراق بقوله: {من أمة أجلها} أي الذي قدرناه لهلاكها ~~{وما يستأخرون*} عنه، وكلهم أسفرت عاقبته عن خيبة المكذبين وإفلاح ~~المصدقين، وجعلهم بعدهم الوارثين، وعكس هذا الترتيب في غيرها من الآيات ~~فقدم الاستئخار لنه فرض هناك مجيء الأجل فلا يكون حينئذ نظر إلا إلى ~~التأخير. # ولما كان قد أملى لكل قوم حتى طال عليهم الزمن، فلما لم يهدهم عقولهم لما ~~نصب لهم من الأدلة، وأسبغ عليهم من النعم، وأحل بالمكذبين قبلهم من النقم، ~~أرسل فيهم رسولا، دل على ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم أرسلنا} أي بعد إنشاء ~~كل قرن منهم وطول إمهالنا له، # PageV13P142 # ومن هنا يعلم أن بين كل رسولين فترة، وأضاف الرسل إليه لأنه في مقام ~~العظمة وزيادة في التسلية فقال: {رسلنا تترا} أي واحدا بعد واحد؛ قال ~~الرازي: من وتر القوس لاتصاله. # وقال البغوي: واترت ms3119 الخبر: اتبعت بعضه بعضا وبين الخبرين هنيهة. وقال ~~الأصبهاني: والأصل: وترى، فقلبت الواو تاء كما قلبوها في التقوى. فجاء كل ~~رسول إلى أمته قائلا: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. # ولما كان كأنه قيل: فكان ماذا؟ قيل: {كلما جاء أمة} ولما كان في بيان ~~التكذيب، اضاف الرسول إليهم، ذما لهم لأن يخصوا بالكرامة فيأبوها ولقصد ~~التسلية أيضا فقال: {رسولها} أي بما أمرناه به من التوحيد. # ولما كان الأكثر من كل أمة مكذبا، أسند الفعل إلى الكل فقال: {كذبوه} أي ~~كما فعل هؤلاء بك لما أمرتهم بذلك {فأتبعنا} القرون بسبب تكذيبهم {بعضهم ~~بعضا} في الإهلاك، فكنا نهلك الأمة كلها في آن واحد، بعضهم بالصيحة، وبعضهم ~~بالرجفة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بغير ذلك، فدل أخذنا لهم على غير العادة - ~~من إهلاكنا لهم # PageV13P143 # جميعا وإنجاء الرسل ومن صدقهم والمخالفة بينهم في نوع العذاب - أنا نحن ~~الفاعلون بهم ذلك باختيارنا لا الدهر، وأنا ما فعلنا ذلك إلا بسبب التكذيب. # ولما كانوا قد ذهبوا لم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم، جعلوا إياها، ~~فقال: {وجعلناهم أحاديث} أي أخبارا يسمر بها ويتعجب منها ليكونوا عظة ~~للمستبصرين فيعلموا أنه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون، وما أحسن قول ~~القائل: # ولا شيء يدوم فكن حديثا ... جميل الذكر فالدنيا حديث # ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم المقتضي لبعدهم فقال: {فبعدا لقوم} أي ~~أقوياء على ما يطلب منهم {لا يؤمنون*} أي لا يتجدد منهم إيمان وإن جرت ~~عليهم الفصول الأربعة، لأنه لا مزاج لهم معتدل. # PageV13P144 # ولما كان آل فرعون قد أنكروا الإيمان لبشر مثلهم كما قال من تقدم ذكره من ~~قوم نوح والقرن الذي بعدهم، وكانوا أترف أهل زمانهم، وأعظمهم قوة، وأكثرهم ~~عدة، وكانوا يستعبدون بني إسرائيل، وكان قد نقل إلينا من الآيات التي أظهر ~~رسولهم ما لم ينقل إلينا مثله لمن تقدمه، صرح سبحانه بهم، وكأن الرسالة ~~إليهم كانت بعد فترة طويلة، فدل عليها بحرف التراخي فقال: {ثم أرسلنا} أي ~~بما لنا # PageV13P144 # من العظمة {موسى} وزاد في التسلية بقوله: {وأخاه ms3120 هارون} أي عاضدا له ~~وبيانا لأن إهلاك فرعون وآله جميعا مع أنجاء الرسولين معا ومن آمن بهما ~~لإرادة الواحد القهار لإفلاح المؤمنين وخيبة الكافرين {بآياتنا} أي ~~المعجزات، بعظمتنا لمن يباريها {وسلطان مبين*} أي حجة ملزمة عظيمة واضحة، ~~وهي حراسته وهو وحده، وأعلاه على كل من ناواه وهم مع قوتهم ملء الأرض ~~وعجزهم عن كل ما يرومونه من كيده، وهذه وإن كانت من جملة الآيات لكنها ~~أعظمها، وهي وحدها كافية في إيجاب التصديق {إلى فرعون وملئه} أي وقومه. # ولما كان الأطراف لا يخالفون الأشراف، عدهم عدما، ومن الواضح أن التقدير: ~~أن اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره، وأشار بقوله: {فاستكبروا} إلى أنهم ~~أوجدوا الكبر عن الاتباع فيما دعوا إليه عقب الإبلاغ من غير تأمل ولا تثبت ~~وطلبوا أن لا يكونوا تحت أمر من دعاهم، وأشار بالكون إلى فساد جبلتهم فقال: ~~{وكانوا قوما} أي أقوياء {عالين*} على جميع من يناويهم من أمثالهم. # PageV13P145 # ولما تسبب عن استكبارهم وعلوهم إنكارهم للاتباع قال: {فقالوا أنؤمن} أي ~~بالله مصدقين {لبشرين} ولما كان «مثل» و «غير» قد يوصف بهما المذكر والمؤنث ~~والمثنى والجمع دون تغيير، ولم تدع حاجة إلى التثنية قال: {مثلنا} أي في ~~البشرية والمأكل والمشرب وغيرهما مما يعتري البشر كما قال من تقدمهم ~~{وقومهما} أي والحال أن قومهما {لنا عابدون*} أي في غاية الذل والانقياد ~~كالعبيد فنحن أعلى منهما بهذا، ويا ليت شعري ما لهم لما جعلوا هذا شبهة لم ~~يجعلوا عجزهم عن إهلاك الرسل وعما يأتون به من المعجزات فرقانا وما جوابهم ~~عن أن من الناس الجاهل الذي لا يهتدي لشيء والعالم الذي يفوق الوصف من فاوت ~~بينهما؟ وإذا جاز التفاوت بينهما في ذلك فلم لا يجوز في غيره؟ . ولما تسبب ~~عن هذا الإنكار التكذيب، فتسبب عنه الهلاك، قال: {فكذبوهما} أي فرعون وملؤه ~~موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام {فكانوا} أي فرعون وآله، ونبه بصيغة ~~المفعول على عظيم القدرة فقال: {من المهلكين*} بإغراقنا لهم على تكذيبهم ~~إشارة إلى أنهم لم يهلكوا بأنفسهم من غير ms3121 مهلك مختار بدليل إغراقهم كلهم ~~بما كان سبب إنجاء بني إسرائيل كلهم ولم تغن عنهم قوتهم في أنفسهم ثم قوتهم ~~على خصوص بني إسرائيل # PageV13P146 # باستعبادهم إياهم، ولا ضر بني إسرائيل ضعفهم عن دفاعهم، ولا ذلهم لهم ~~وصغارهم في أيديهم. # PageV13P147 # ولما كان ضلال قومهما الذين استنقذناهم من عبودية فرعون وقومه أعجب، وكان ~~السامع متشوفا إلى ما كان من أمرهم بعد نصرهم، ذكر ذلك مبتدئا له بحرف ~~التوقع مشيرا إلى حالهم في ضلالهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~{ولقد آتينا} أي بعظمتنا {موسى الكتاب} أي الناظم لمصالح البقاء الأول بل ~~والثاني. # ولما كان كتابهم لم ينزل إلا بعد هلاك فرعون كما هو واضح لمن تأمل أشتات ~~قصتهم في القرآن، وكان حال هلاك القبط معرفا أن الكتاب لبني إسرائيل، اكتفى ~~بضميرهم فقال: {لعلهم} اي قوم موسى وهارون عليهما السلام {يهتدون*} أي ~~ليكون حالهم عند من لا يعلم العواقب حال من ترجى هدايته، فأفهم جعلهم في ~~ذلك في مقام الترجي أن فيهم من لم يهتد؛ قال ابن كثير: وبعد أن أنزل ~~التوراة لم تهلك أمة بعامة بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين - انتهى. ولا ~~يبعد على هذا أن يكون الضمير في {لعلهم} للقرون الحادثة المدلول عليها ~~بقوله {قرونا} وربما أرشد إلى ذلك قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من ~~بعد # PageV13P147 # ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} [القصص: ~~43] وقد ختم الهلاك العام بالإغراق كما فتح به، والنبيان اللذان وقع ذلك ~~لهما دعا كل منهما على من عصاه، وكلاهما مثله النبي صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة بدر في الشدة على العصاة بعمر رضي الله عنه الذي أطاعه النيل وأطاع ~~جيشه الدجلة. # ولما كان من ذكر كلهم قد ردوا من جاءهم لإشعارهم استبعادهم لأن يكون ~~الرسل بشرا، وكان بنو إسرائيل الذين أعزهم الله ونصرهم على عدوهم وأوضح لهم ~~الطريق بالكتاب قد اتخذوا عيسى - مع كونه بشرا - إلها، اتبع ذلك ذكره ~~تعجيبا من حال المكذبين في هذا الصعود بعد ذلك نزول في ms3122 أمر من أرسلوا ~~إليهم، وجرت على أيديهم الآيات لهدايتهم، فقال: {وجعلنا} أي بعظمتنا {ابن ~~مريم} نسبه إليها تحقيقا لكونه لا أب له، وكونه بشرا محمولا في البطن ~~مولودا لا يصلح لرتبة الإلهية؛ وزاد في حقيق ذلك بقوله: {وأمه} وقال: {آية} ~~إشارة إلى ظهور الخوارق على أيديهما حتى كأنهما نفس الآية، فلا يرى منها ~~شيء إلا وهو آية، ولو قال: آيتين، لكان ربما ظن أنه يراد حقيقة هذا العدد، ~~ولعل في ذلك إشارة إلى أنه تكملت به آية القدرة على إيجاد الإنسان بكل ~~اعتبار من غير ذكر ولا أنثى # PageV13P148 # كآدم عليه السلام، ومن ذكر بلا أنثى كحواء عليها السلام، ومن أنثى بلا ~~ذكر كعيسى عليه السلام، ومن الزوجين كبقية الناس، والمراد أن بني إسرائيل - ~~مع الكتاب الذي هو آية مسموعة والنبي الذي هو آية مرئية - لم يهتد أكثرهم. # ولما كان أهل الغلو في عيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام ربما تشبثوا من ~~هذه العبارة بشيء، حقق بشريتهما واحتياجهما المنافي لرتبة الإلهية فقال: ~~{وآويناهما} أي بعظمتنا لما قصد ملوك البلاد الشامية إهلاكهما {إلى ربوة} ~~أي مكان عال من الأرض، وأحسن ما يكون النبات في الأماكن المرتفعة، والظاهر ~~أن المراد بها عين شمس في بلاد مصر؛ قال ابن كثير: قال عبد الرحمن بن زيد ~~بن أسلم: ليس الربى إلا بمصر والماء حين يرسل تكون الربى عليها القرى، ~~ولولا الربى غرقت القرى، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا - انتهى. {ذات قرار} ~~أي منبسط صالح لأن يستقر فيه لما فيه من المرافق {ومعين} أي ماء ظاهر ~~للعين، ونافع كالماعون، فرع اشتق من أصلين، ولم يقدر من خالفه من الملوك ~~وغيرهم على كثرتهم وقوتهم على قتله لا في حال صغره، ولا في حال كبره، كما ~~مضى نقله عن # PageV13P149 # الإنجيل وصدقة عليه القرآن، مع كونه مظنة لتناهي الضعف بكونه، من أنثى ~~فقط ولا ناصر له إلا الله، ومع ذلك فأنجح الله أمره وأمر من اتبعه، وخيب به ~~الكافرين، ورفعه إليه ليؤيد به هذا الدين في آخر الزمان، ms3123 ويكون للمؤمنين ~~حينئذ فلاح لم يتقدمه مثله، وكان ذلك من إحسان خالقه ونعمته عليه. # ذكر شيء من دلائل كونه آية من الإنجيل: # قال يوحنا أحد المترجمين للإنجيل وأغلب السياق لمتى فإني خلطت كلام ~~المترجمين الأربعة: ولما قرب عيد المظال قال إخوة يسوع أي الاثني عشر ~~تلميذا - له: تحول من ههنا إلى يهوذا ليرى تلاميذك الأعمال التي تعمل لأنه ~~ليس أحد يعمل شيئا سرا فيجب أن يكون علانية إذ كنت تعمل هذه الأشياء فأظهر ~~نفسك للعالم، فقال لهم يسوع: أما وقتي فلم يبلغ، وأما وقتكم فإنه مستعد في ~~كل حين، لم يقدر العالم أن يبغضكم وهم يبغضونني لأني أشهد عليهم أن أعمالهم ~~شريرة، اصعدوا أنتم إلى هذا العيد، فإني لا أصعد الآن، ثم قال: ولما انتصف ~~أيام العيد صعد يسوع إلى الهيكل فبدأ يعلم، وكان اليهود # PageV13P150 # ويتعجبون ويقولون: كيف يحسن هذا الكتاب ولم يعلمه أحد، فقال: تعليمي ليس ~~هو لي، بل للذي أرسلني، فمن أحب أن يعمل مرضاته فهو يعرف تعليمي هو من الله ~~أو من عندي؟ من يتكلم من عنده إنما يطلب المجد لنفسه، وأما الذي يطلب مجد ~~الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم، أليس موسى أعطاكم الناموس وليس فيكم أحد ~~يعمل بالناموس، ثم قال: وفي اليوم العظيم الذي هو آخر العيد كان يسوع قائما ~~ينادي: كل من يؤمن بي كما قالت الكتب تجري من بطنه أنهار ماء الحياة، وإن ~~الجمع الكثير سمعوا كلامه فقالوا: هذا نبي حقا، وآخرون قالوا: هذا هو ~~المسيح، وآخرون قالوا: ألعل المسيح من الجليل يأتي؟ أليس قد قال الكتاب: ~~إنه من نسل داود، من بيت لحم قرية داود خاصة يأتي المسيح، فوقع بين الجموع ~~خوف من أجله، قال متى: حينئذ جاء إلى يسوع من يروشليم كتبة وفريسيون ~~قائلين: لماذا تلاميذك يتعدون وصية المشيخة إذ لا يغسلون أيديهم عند أكلهم؛ ~~وقال مرقس: ثم اجتمع إليه الفريسيون وبعض الذين جاؤوا من يروشليم فنظروا ~~إلى تلاميذه يأكلون الطعام بغير غسل أيديهم، لأن الفريسيين # PageV13P151 # وكل اليهود لا يأكلون ms3124 إلا بغسل أيديهم تمسكا بتعليم شيوخهم والذين ~~يشترونه من الأسواق إن لم يغسلوه لا يأكلونه، وأشياء أخر كثيرة تمسكوا بها ~~من غسل كؤوس وأواني ومصاغ وأسرة، وسأله الكتبة والفريسيون: لم تلاميذك لا ~~يسيرون على ما وصت به المشيخة قال متى: فأجابهم وقال: لماذا أنتم تتعدون ~~وصية الله من أجل سننكم، ألم يقل الله: أكرم أباك وأمك، والذي يقول كلاما ~~رديئا في أبيه وأمه يستأصل بالموت، وأنتم تقولون: من قال لأبيه أو لأمه. # إن القربان شيء ينتفع به، فلا يكرم أباه وأمه، فأبطلتم كلام الله من ~~تلقاء روايتكم؛ قال مرقس: وتفعلون كثيرا مثل هذا - انتهى. يا مراؤون حسنا ~~يثني وقال مرقس: نعما يثني عليكم أشعيا قائلا: إن هذا لاشعب قرب مني ~~ويكرمني بشفتيه، # PageV13P152 # وقلبه بعيد عني، يعبدونني باطلا ويعلمون تعليم وصايا الناس. ودعا الجمع ~~وقال لهم: اسمعوا وافهموا، ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، لكن الذي يخرج ~~من الفم ينجس الإنسان، حينئذ جاء إليه تلاميذه وقالوا: اعلم أن الفريسيين ~~لما سمعوا الكلام شكوا، فأجابهم وقال: كل غرس لا يغرسه أبي السماوي يقلع، ~~دعوهم فإنهم عميان يقودهم عميان، أجابه بطرس وقال: فسر لنا المثل! فقال: ~~حتى أنتم لا تفهمون؟ أما تعلمون أن كل ما يدخل إلى الفم يصل إلى البطن ~~وينطرد إلى المخرج، فأما الذي يخرج من الفم فهو يخرج من القلب، هذا الذي ~~ينجس الإنسان، لأنه يخرج من القلب الفكر الشرير: القتل الزنى الفسق السرقة ~~وشهادة الزور التجديف، هذا هو الذي ينجس الأنسان، وأما الأكل بغير غسل ~~الأيدي وفليس ينجس الإنسان، وقال مرقس: إن كل ما كان خارجا يدخل إلى فم ~~الإنسان لا يقدر أن ينجسه لأنه لا يصل إلى القلب، بل إلى الجوف ويذهب إلى ~~خارج، والذي يخرج من الإنسان هو الذي ينجس الإنسان، لأنه من داخل تخرج ~~أفكار السوء: فجور الزنى قتل سرقة # PageV13P153 # شره شر غش فسق عين شريرة تجديف تعاظم جهل، هذا كله شر من داخل يخرج وينجس ~~الإنسان انتهى. وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا: الأب ms3125 - كما تقدم غير ~~مرة. # ولما بين أن عيسى عليه السلام على منهاج إخوانه من الرسل في الأكل ~~والعبادة، وجميع الأحوال، زاد في تحقيق ذلك بيانا لمن ضل بأن اعتقد فيه ما ~~لا يليق به، فقال مخاطبا لجميعهم بعد إهلاك من عاندهم من قومهم على وجه ~~يشمل ما قبل ذلك ردا لمن جعله موجبا لإنكار الرسالة، وتبكيتا لمن ابتدع ~~الرهبانية من أمة عيسى عليه السلام، إعلاما بأن كل رسول قيل له معنى هذا ~~الكلام فعمل به، فكانوا كأنهم نودوا به في وقت واحد، فعبر بالجمع ليكون ~~أفخم له فيكون أدعى لقبوله: {يا أيها الرسل} من عيسى وغيره {كلوا} أنتم ومن ~~نجيناه معكم بعد إهلاك المكذبين. # ولما علو عن رتبة الناس، فلم يكونوا أرضيين، لم يقل {مما في الأرض} ~~[البقرة: 168] وعن رتبة الذين آمنوا، لم يقل {من طيبات ما رزقناكم} ~~[البقرة: 172] ليكنوا عابدين نظرا إلى النعمة أو حذرا من النقمة، كما مضى ~~بيانه في سورة البقرة، بل قال: {من الطيبات} أي الكاملة التي مننت عليكم ~~بخلقها لكم وإحلالها وإزالة الشبه عنها وجعلها شهية للطبع، نافعة # PageV13P154 # للبدن، منعشة للروح، وذلك ما كان حلا غير مستقذر لقوله تعالى {يحل لهم ~~الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] . ودل سبحانه على أن الحلال ~~عون على الطاعة بقوله: {واعملوا صالحا} أي سرا وجهرا غير خائفين من أحد، ~~فقد أهلكت عدوكم وأورثتكم أرضكم، ولم يقيد عملكم بشكر ولا غيره، إشارة إلى ~~أنه لوجهه ليس غير، فإنهم دائما في مقام الشهود، في حضرة المعبود، والغنى ~~عن كل سوى حتى عن الغنى، ثم حثهم على دوام المراقبة بقوله: {إني بما} أي ~~بكل شيء {تعملون عليم*} أي بالغ العلم. # ولما كان هذا تعليلا لما سبقه من الأمر، عطف على لفظه قوله: {وإن} بالكسر ~~في قراءة الكوفيين، وعلى معناه لما كان يستحقه لو أبرزت لام العلة من الفتح ~~في قراءة غيرهم {هذه} أي دعوتكم أيها الأنبياء المذكورين إجمالا وتفصيلا ~~وملتكم المجتمعة على التوحيد أو الجماعة التي أنجيتها معكم من المؤمنين ~~{أمتكم} أي مقصدكم ms3126 الذي ينبغي أن لا توجهوا هممكم إلى غيره أو جماعة ~~أتباعكم حال كونها {أمة واحدة} لا شتات فيها أصلا، فما دامت متوحدة فهي ~~مرضية {وأنا ربكم} أي المحسن إليكم بالخلق والرزق وحدي، فمن وحدني نجا، ومن ~~كثر الأرباب هلك. # PageV13P155 # ولما كان الخطاب في هذه السورة كلها للخلص من الأنبياء ومن تبعهم من ~~المؤمنين، قال: {فاتقون*} أي اجعلوا بينكم وبين غضبي وقاية من جمع عبادي ~~بالدعاء إلى وحدانيتي بلا فرقة أصلا، بخلاف سورة الأنبياء المصدرة بالناس ~~فإن مطلق العبارة أولى بدعوتها. # PageV13P156 # ولما كان من المعلوم قطعا أن التقدير: فاتقى الأنبياء الله الذي أرسلهم ~~وتجشموا حمل ما أرسلهم به من عظيم الثقل، فدعوا العباد إليه وأرادوا جمعهم ~~عليه، عطف عليه بفاء السبب قوله معبرا بفعل التقطع لأنه يفيد التفرق: ~~{فتقطعوا} أي الأمم، وإنما أضمرهم لوضوح إرادتهم لأن الآية التي قبلها قد ~~صرحت بأن الأنبياء ومن نجا معهم أمة واحدة لا اختلاف بينها، فعلم قطعا أن ~~الضمير للأمم ومن نشأ بعدهم، ولذلك كان النظر إلى الأمر الذي كان واحدا ~~أهم، فقدم قوله: {أمرهم} أي في الدين بعد أن كان مجتمعا متصلا {بينهم} ~~فكانوا شيعا، وهو معنى {زبرا} أي قطعا، كل قطعة منها في غاية القوة ~~والاجتماع والثبات على ما صارت إليه من الهوى والضلال، بكل شيعة طريقة في ~~الضلال عن الطريق الأمم، والمقصد المستقيم، # PageV13P156 # وكتاب زبروه في أهويتهم ولم يرحموا أنفسهم بما دعتهم إليه الهداة من ~~الاجتماع والألفة فأهلكوها بالبغضاء والفرقة، وهو منصوب بأنه مفعول ثان ~~لتقطع على ما مضى تخريجه في الأنبياء، وقد ظهر كما ترى ظهورا بينا أن هذه ~~إشارة إلى الناجين من أمة كل نبي بعد إهلاك أعدائهم، أي إن هذه الجماعة ~~الذين أنجيتهم معكم أمتكم، حال كونهم أمة واحدة متفقين في الدين، لا خلاف ~~بينهم، وكما أن جماعتكم واحدة فأنا ربكم لا رب لكم غيري فاتقون ولا يخالف ~~أحد منكم أمري ولا تختلفوا وتفترقوا لئلا أعذب العاصي منكم كما عذبت ~~أعداءكم. # ولما كان هذا مما لا يرضاه عاقل، أجيب ms3127 من كأنه قال: هل رضوا بذلك مع ~~انكشاف ضرره؟ بقوله: {كل حزب} أي فرقة {بما لديهم} أي من ضلال وهدى ~~{فرحون*} أي مسرورون فضلا عن أنهم راضون غير معرج الضال منهم على ما جاءت ~~به الرسل من الهدى، ولا على الاعتبار بما اتفق لأممهم بسبب تكذيبهم من ~~الردى. # ولما أنتج هذا أن الضلال وإن وضح لا يكشفه إلا ذو الجلال، # PageV13P157 # سبب عنه سبحانه قوله تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم: {فذرهم} أي اتركهم ~~على شر حالاتهم {في غمرتهم} أي الضلاله التي غرقوا فيها {حتى حين*} أي إلى ~~وقت ضربناه لهم من قبل أن نخلقهم ونحن عالمون بكل ما يصدر منهم على أنه وقت ~~يسير. # ولما كان الموجب لغرورهم ظنهم أن حالهم - في بسط الأرزاق من الأموال ~~والأولاد - حال الموعود لا المتوعد، أنكر ذلك عليهم تنبيها لمن سبقت له ~~السعادة، وكتبت له الحسنى وزيادة، فقال: {أيحسبون} أي لضعف عقولهم {أنما} ~~أي الذين {نمدهم} على عظمتنا {به} أي نجعله مددا لهم {من مال} نيسره لهم ~~{وبنين*} نمتعهم بهم، ثم أخبر عن «أن» بدليل قراءة السلمي بالياء التحتية ~~فقال: {نسارع لهم} أي به بإدرارنا له عليهم في سرعة من يباري آخر {في ~~الخيرات} التي لا خيرات إلا هي لأنها محمودة العاقبة، ليس كذلك بل هو وبال ~~عليهم لأنه استدراج إلى الهلاك لأنهم غير عاملين بما يرضي الرحمن {بل} هم ~~يسارعون في أسباب الشرور، ولا يكون عن السبب إلا مسببه، ولكنهم كالبهائم ~~{لا يشعرون*} أنهم في غاية البعد عن الخيرات # {سنستدرجهم من # PageV13P158 # حيث لا يعلمون} [القلم: 44] . # ولما ذكر أهل الافتراق، أتبعهم أهل النفاق، فكان كأنه قيل: فمن الذي يكون ~~له الخيرات؟ فأجيب بأنه الخائف من الله، فقيل معبرا بما يناسب أول السورة ~~من الأوصاف، بادئا بالخشية لأنها الحاملة على تجديد الإيمان: {إن الذين هم} ~~أي ببواطنهم {من خشية ربهم} أي الخوف العظيم من المحسن إليهم المنعم عليهم ~~{مشفقون*} أي دائمو الحذر {والذين هم بآيات ربهم} المسموعة والمرئية، لا ما ~~كان من جهة غيره {يؤمنون*} ms3128 لا يزال إيمانهم بها يتجدد شكرا لإحسانه إليهم. # ولما كان المؤمن قد يعرض له ما تقدم في إيمانه من شرك جلي أو خفي، قال: ~~{والذين هم بربهم} أي الذي لا محسن إليهم غيره وحده {لا يشركون*} أي شيئا ~~من شرك في وقت من الأوقات كما لم يشركه في إحسانه إليهم أحد. # PageV13P159 # ولما أثبت لهم الإيمان الخالص، نفى عنهم العجب بقوله: {والذين يؤتون ما ~~آتوا} أي يعطون ما أعطوا من الطاعات، وكذا قراءة يحيى بن الحارث وغيره: ~~يأتون ما أتوا، أي يفعلون # PageV13P159 # ما فعلوا من أعمال البر لتتفق القراءتان في الإخبار عنهم بالسبق؛ ثم ذكر ~~حالهم فقال: {وقلوبهم وجلة} أي شديدة الخوف، قد ولج في دواخلها وجال في كل ~~جزء منها لأنهم عالمون بأنهم لا يقدرون الله حق قدره وإن اجتهدوا، ثم علل ~~ذلك بقوله: {أنهم إلى ربهم} أي الذي طال إحسانه إليهم {راجعون*} بالبعث ~~فيحاسبهم على النقير والقطمير، ويجزيهم بكل قليل وكثير وهو النافذ البصير، ~~قال الحسن البصري: إن المؤمن حمع إيمانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا. ~~ثم أثبت لهم ما أفهم أن ضده لأضدادهم فقال: {أولئك} أي خاصة {يسارعون} أي ~~يسبقون سبق من يساجل آخر {في الخيرات} فأفهم ذلك ضد ما ذكر لأضدادهم بقوله: ~~{وهم لها} أي إليها خاصة، أي إلى ثمراتها، ولكنه عبر باللام إشارة إلى ~~زيادة القرب منها والوصول إليها مع الأمن لجعل الخيرات ظرفا للمسارعة من ~~أخذها على حقيقتها للتعدية {سابقون*} لجميع الناس، لأنا نحن نسارع لهم في ~~المسببات أعظم من مسارعتهم في الأسباب، ويجوز أن يكون {سابقون} بمعنى: ~~عالين، من وادي «سبقت رحمتي غضبي» # PageV13P160 # أي أنهم مطيقون لها ومعانون عليها {ولا} أي والحال أنا لا نكلفهم ولكنه ~~عم فقال: {نكلف نفسا} أي كافرة ومؤمنة {إلا وسعها} فلا يقدر عاص على أن ~~يقول: كنت غير قادر على الطاعة، ولا يظن بنا مؤمن أنا نؤاخذه بالزلة ~~والهفوة، فإن أحدا لا يستطيع أن يقدرنا حق قدرنا لأن مبنى المخلوق على ~~العجز. # ولما كانت الأعمال إذا تكاثرت وامتد زمنها ms3129 تعسر أو تعذر حصرها إلا ~~بالكتابة عامل العباد سبحانه بما يعرفون مع غناه عن ذلك فقال: {ولدينا} أي ~~عندنا على وجه هو أغرب الغريب {كتاب} وعبر عن كونه سببا للعلم بقوله: ~~{ينطق} بما كتب فيه من أعمال العباد من خير وشر صغير وكبير {بالحق} أي ~~الثابت الذي يطابقه الواقع، قد كتب فيه أعمالهم من قبل خلقهم، لا زيادة ~~فيها ولا نقص، تعرض الحفظة كل يوم عليه ما كتبوه مما شاهدوه بتحقيق القدر ~~له فيجدونه محررا بمقاديره وأوقاته وجميع أحواله قيزدادون به إيمانا، ومن ~~حقيته أنه لا يستطاع إنكار شيء منه. # ولما أفهم ذلك نفي الظلم، صرح به فقال: {وهم} أي الخلق # PageV13P161 # كلهم {لا يظلمون*} من ظالم ما بزيادة ولا نقص في عمل ولا جزاء. # ولما كان التقدير: ولكنهم بذلك لا يعلمون، قال: {بل قلوبهم} أي الكفرة من ~~الخلق؛ ويجوز أن يكون هذا الإضراب بدلا من قوله {بل لا يشعرون} {في غمرة} ~~أي جهالة قد أغرقتها {من هذا} أي الذي أخبرنا به من الكتاب الحفيظ فهم به ~~كافرون {ولهم أعمال} وأثبت الجار إشارة إلى أنه لا عمل لهم يستغرق الدون ~~فقال: {من دون ذلك} أي مبتدئة من أدنى رتبة التكذيب من سائر المعاصي لأجل ~~تكذيبهم بالكتاب المستلزم لتكذيبهم بالبعث المستلزم لعدم الخوف المستلزم ~~للإقدام على كل معضلة {هم لها} أي دائما {عاملون*} لا شيء يكفهم إلا عجزهم ~~عنها. # ولما كانوا كالبهائم لا يخافون من المهلكة إلا عند المشاهدة، غيى عملهم ~~للخبائث بالأخذ فقال: {حتى إذا أخذنا} أي بما لنا من العظمة {مترفيهم} ~~الذين هم الرؤساء القادة {بالعذاب} فبركت عليهم كلاكله، وأناخت بهم أعجازه ~~وأوائله {إذا هم} كلهم المترف ومن تبعه من باب الأولى {يجئرون*} أي يصرخون ~~ذلا وانكسارا وجزعا من غير مراعاة لنخوة، لا استكبارا، وأصل الجأر رفع ~~الصوت # PageV13P162 # بالتضرع - قاله البغوي، فكأنه قيل: فهل يقبل اعتذارهم أو يرحم انكسارهم؟ ~~فقيل: لا بل يقال لهم بلسان الحال أو القال: {لا تجئروا اليوم} بعد تلك ~~الهمم، فإن الرجل من لا يفعل شيئا ms3130 عبثا، ثم علل ذلك بقوله: {إنكم منا} أي ~~خاصة {لا تنصرون*} أي بوجه من الوجوه، ومن عدم نصرنا لم يجد له ناصرا، فلا ~~فائدة لجؤاره إلا إظهار الجزع؛ ثم علل عدم نصره لهم بقوله: {قد كانت آياتي} ~~. # ولما كانت عظمتها التي استحقت بها الإضافة إليه تكفي في الحث على الإيمان ~~بمجرد سماعها، بنى للمفعول قوله: {تتلى عليكم} أي وهي أجلى الأشياء، من ~~أوليائي وهم الهداة النصحاء {فكنتم} أي كونا هو كالجبلة {على أعقابكم} عند ~~تلاوتها {تنكصون*} أي ترجعون القهقرى إما حسا أو معنى، والماشي كذلك لا ~~ينظر ما وراءه، ومضارعه فيه مع الكسر الضم ولم يقرأ به ولو شاذا، دلالة على ~~أنه رجوع كبر وبطر فهو بالهوينا، ولو قرىء بالضم لدل على القوة فأفهم ~~النفرة والهرب، قال في القاموس: نكص على عقبيه ينكص وينكص: رجع عما كان ~~عليه من خير، وفي الشر قليل، وعن الأمر نكصا ونكوصا ونكاصا. # PageV13P163 # أو على ما ذكرت دلالة على ما تقديره: حال كونكم {مستكبرين به} أي بذلك ~~النكوص، لا شيء غير الاستكبار من هرب أو غيره، ذوي سمر في أمرها بالقول ~~الهجر، وهو الفاحش، ولعله إنما قال: {سامرا} بلفظ المفرد لأن كلا منهم ~~يتحدث في أمر الآيات مجتمعا مع غيره ومنفردا مع نفسه حديثا كثيرا كحديث ~~المسامر الذي من شأنه أن لا يمل؛ وقال: {تهجرون*} أي تعرضون عنها وتقولون ~~فيها القول الفاحش، فأسنده إلى الجمع لأن بعضهم كان يستمعها، ولم يكن يفحش ~~القول فيها، أو تعجيبا من أن يجتمع جمع على مثل ذلك لأن الجمع جدير بأن ~~يوجد فيه من يبصر الحق فيأمر به. # PageV13P164 # ولما كانت الآيات - لما فيها من البلاغة المعجزة، والحكم المعجبة داعية ~~إلى تقبلها بعد تأملها، وكانوا يعرضون عنها ويفحشون في وصفتها تارة بالسحر ~~وأخرى بالشعر، وكرة بالكهانة ومرة بغيرها، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم فقال ~~معرضا عنهم إيذانا بالغضب مسندا إلى الجمع الذي هو أولى بإلقاء السمع: ~~{أفلم يدبروا القول} أي المتلو عليهم بأن ينظروا في أدباره وعواقبه ولو لم ~~يبلغوا ms3131 في نظرهم # PageV13P164 # الغاية بما أشار إليه الإدغام، ليعلموا أنه موجب للإقبال والوصال، والوصف ~~بأحسن المقال، لعله عبر بالقول إشارة إلى أن من لم يتقبله ليس بأهل لفهم ~~شيء من القول بل هو في عداد البهائم {أم جاءهم} في هذا القول من الأوامر ~~بالتوحيد الآتي بها الرسول الذي هو من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما ~~السلام وما ترتب على ذلك من الأوامر التي لا يجهل حسم فعلها عاقل، والنواهي ~~التي - كما يشهد بقبح إتيانها العالم - يقطع بها الجاهل، وبالرسالة برسول ~~من البشر {ما لم يأت آباءهم الأولين*} الذين بعد إسماعيل وقبله. # ولما كان الرجل الكامل من عرف الرجال بالحق، بدأ بما أشار إليه ثم أعقبه ~~بمن يعرف الشيء للألف به، ثم بمن يعرف الحق بالرجال فقال: {أم لم يعرفوا ~~رسولهم} أي الذي أتاهم بهذا القول الذي لا قول مثله، ويعرفوا نسبه وصدقه ~~وأمانته، وما فاتهم به من معالي الأخلاق حتى أنهم لا يجدون فيه - إذا حقت ~~الحقائق - نقيصة يذكرونها، ولا صمة يتخيلونها، كما دلت عليه الأحاديث ~~الصحاح منها حديث أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه الذي في أول البخاري في ~~سؤال هرقل ملك الروم له عن شأنه صلى الله عليه وسلم {فهم} أي فتسبب عن ~~جهلهم به أنهم {له} أي نفسه أو للقول الذي أتى به {منكرون*} فيكونوا ممن ~~جهل الحق لجهل حال الآتي به، فلم يحرز # PageV13P165 # شيئا من رتبتي الناس، لا رتبة العلماء الناقدين، ولا رتبة الجهال ~~المتقلدين، وفي هذا غاية التوبيخ لهم بجهلهم وبعنادهم بأنهم يعرفون أنه ~~أصدق الخلق وأعلاهم في كل معنى جميل ثم يكذبونه. # ولما فرغ بما قد يجر إلى الطعن في القول أو القائل، أشار إلى العناد في ~~أمر القائل والقول والرسول بقوله: {أم يقولون} أي بعد تدبر ما أتى به وعدم ~~عثورهم فيه على وجه من وجوه الطعن {به} أي برسولهم {جنة} أي فلا يوثق به ~~لأنه قد يخلط فيأتي بما فيه مطعن وإن خفي وجه الطعن فيه في الحال. # ولما كانت هذه الأقسام ms3132 منتفية ولا سيما الأخير المستلزم عادة للتخليط ~~المستلزم للباطل، فإنهم أعرف الناس بهذا الرسول الكريم وأنه أكملهم خلقا، ~~وأشرفهم خلقا، وأطهرهم شيما، وأعظمهم همما، وأرجحهم عقلا، وأمتنهم رأيا ~~وأرضاهم قولا، وأصوبهم فعلا، اضرب عنها وقال: {بل} أي لم ينكصوا عند سماع ~~الآيات ويسمروا ويهجروا لاعتقاد شيء مما مضى، وإنما فعلوا ذلك لأن هذا ~~الرسول الكريم {جاءهم بالحق} الذي لا تخليط فيه بوجه، ولا شيء أثبت منه ولا ~~أبين مما فيه من التوحيد والأحكام، ولقد أوضح ذلك تحديهم بهذا الكتاب ~~فعجزوا فهو بحيث لا يجهله منصف {وأكثرهم} أي والحال أن أكثرهم {للحق ~~كارهون*} متابعة # PageV13P166 # للأهواء الرديئة والشهوات البهيمية عنادا، وبعضهم، يتركونه جهلا وتقليدا ~~أو خوفا من أن يقال: صبأ، وبعضهم يتبعه توفيقا من الله وتأييدا. # ولما كان ربما قيل: ما له ما كان بحسب أهوائهم فكانوا يتبعونه ويستريح ~~ويستريحون من هذه المخالفات، التي جرت إلى المشاحنات، فأوجبت أعظم ~~المقاطعات، قال مبينا فساد ذلك، ولعله حال من فاعل كاره، فإن جزاءه خبري ~~مسوغ لكونه حالا كما ذكره الشيخ سعد الدين في بحث المسند، أو هو معطوف على ~~ما تقديره: فلو تركوا الكره لأحبوه ولو أحبوه لاتبعوه ولو اتبعوه لانصلحوا ~~وأصلحوا {ولو اتبع الحق} أي في الأصول والفروع والأحوال والأقوال {أهواءهم} ~~أي شهواتهم التي تهوي بهم لكونها أهواء - بما أشار إليه الافتعال {لفسدت ~~السماوات} على علوها وإحكامها {والأرض} على كثافتها وانتظامها {ومن فيهن} ~~على كثرتهم وانتشارهم وقوتهم، بسبب ادعائهم تعدد الآلهة، ولو كان ذلك حقا ~~لأدى ببرهان التمانع إلى الفساد، وبسبب اختلاف أهوائهم واضطرابها المفضي ~~إلى النزاع كما ترى من الفساد عند اتباع بعض الأغراض في بعض الأزمان إلى أن ~~يصلحها الحق بحكمته، ويقمعها بهيبته وسطوته، ولكنا لم نتبع الحق # PageV13P167 # أهواءهم {بل أتيناهم} بعظمتنا {بذكرهم} وهو الكتاب الذي في غاية الحكمة، ~~ففيه صلاح العلم وتمام انتظامه، فإذا تأمله الجاهل صده عن جهله فسعد في ~~أقواله وأفعاله، وبان له الخير في سائر أحواله، وإذا تدبره العالم عرج به ~~إلى نهاية كماله، فحينئذ يأتي السؤال ms3133 عمن أنزله، فتخضع الرقاب، وعمن أنزل ~~عليه فيعظم في الصدور، وعن قومه فتجلهم النفوس، وتنكس لمهابتهم الرؤوس، ~~فيكون لهم أعظم ذكر وأعلى شرف. # ولما جعلوا ما يوجب الإقبال سببا للإدبار، قال معجبا منهم: {فهم عن ~~ذكرهم} أي الذي هو شرفهم {معرضون*} لا يفوتنا بإعراضهم مراد، ولا يلحقنا به ~~ضرر، إنما ضرره عائد إليهم، وراجع في كل حال عليهم. # ولما أبطل تعالى وجوه طعنهم في المرسل به والمرسل من جهة جهلهم مرة، ومن ~~جهة ادعائهم البطلان أخرى، نبههم على وجه آخر هم أعرف الناس ببطلانه ليثبت ~~المدعى من الصحة إذا انتفت وجوه المطاعن فقال منكرا: {أم تسألهم} أي على ما ~~جئتهم به {خرجا} قال # PageV13P168 # البغوي: أجرا وجعلا، وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب والمحكم: والخرج ~~والخراج شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم، والخراج غلة العبد ~~والأمة، وقال الزجاج: الخراج: الفيء، والخرج: الضريبة والجزية، وقال ~~الأصبهاني: سئل أبو عمرو بن العلاء فقال: الخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه، ~~والخرج ما تبرعت به من غير وجوب. # ولما كان الإنكار معناه النفي، حسن موقع فاء السبب في قوله: {فخراج} أي ~~أم تسألهم ذلك ليكون سؤالك سببا لاتهامك وعدم سؤالك، بسبب أن خراج {ربك} ~~الذي لم تقصد غيره قط ولم تخل عن بابه وقتا ما {خير} من خراجهم، لأن خراجه ~~غير مقطوع ولا ممنوع عن أحد من عباده المسيئين فكيف بالمحسنين! وكأنه سماه ~~خراجا إشارة إلى أنه أوجب رزق كل أحد على نفسه بوعد لا خلف فيه {وهو خير ~~الرازقين*} فإنه يعلم ما يصلح كل مرزوق وما يفسده، فيعطيه على حسب ما يعلم ~~منه ولا يحوجه إلى سؤال. # PageV13P169 # ولما كانت عظمة الملك مقتضية لتقبل ما أتى به والتشرف به على أي حال كان، ~~نبه على أنه حق يكسب قبوله الشرف لو لم يكن من عند الملك فكيف إذا كان من ~~عنده، فكيف إذا كان ملك الملوك ومالك الملك فكيف إذا كان الآتي به خالصة ~~العباد وأشرف # PageV13P169 # الخلق، كما قام عليه الدليل ms3134 بنفي هذه المطاعن كلها، فقال عاطفا على ~~{آتيناهم} : {وإنك} أي مع انتفاء هذه المطاعن كلها {لتدعوهم} أي بهذا الذكر ~~مع ما قدمنا من الوجوه الداعية إلى اتباعك بانتفاء جميع المطاعن عنك وعما ~~جئت به {إلى صراط مستقيم*} لا عوج فيه ولا طعن أصلا كما تشهد به العقول ~~الصحيحة، فمن سلكه أوصله إلى الغرض فحاز كل شرف، والحال أنهم، ولكنه عبر ~~بالوصف الحامل لهم على العمى فقال: {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة} فلذلك لا ~~يخشون القصاص فيها {على الصراط} أي الذي لا صراط غيره لأنه لا موصل إلى ~~القصد غيره {لناكبون*} أي عادلون متنحون مائلون منحرفون في سائر أحوالهم ~~سائرون على غير منهج أصلا، بل خبط عشواء لأنه يجوز أن يراد مطلق الصراط وأن ~~يراد النكرة الموصوفة بالاستقامة. # ولما وصفوا بالميل، وكان ربما قال قائل: إن جؤارهم المذكور آنفا سلوك في ~~الصراط، بين أنه لا اعتداد به لعروضه فقال: {ولو رحمناهم} أي عاملناهم ~~معاملة المرحوم في إزالة ضرره وهو معنى {وكشفنا} أي بما لنا من العظمة {ما ~~بهم من ضر} وهو الذي عرض جؤارهم بسببه {للجوا} أي تمادوا تماديا عظيما # PageV13P170 # {في ظغيانهم} الذي كانوا عليه قبل الجؤار وهو إفراطهم في منابذة الحق ~~والاستقامة {يعمهون*} أي يفعلون من التحير والتردد فعل من لا بصيرة له في ~~السير المنحرف عن القصد، والجائر عن الاستقامة، قال ابن كثير: فهذا من باب ~~علمه بما لا يكون لو كان كيف كان يكون، قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: كل ما فيه «لو» فهو مما لا يكون أبدا. ثم أتبع هذا الدليل تأييدا له ~~ما يدل على أنهم لا يسلكون الصراط إلا اضطرارا فقال: {ولقد أخذناهم} أي بما ~~لنا من العظمة {بالعذاب} أي بمطلقه كإظهار حزب الله عليهم في بدر وغيرها ~~{فما استكانوا} أي خضعوا خضوعا هو كالجبلة لهم {لربهم} المحسن إليهم عقب ~~المحنة، وحقيقته ما طلبوا أن يكونوا له ليكرموا مقام العبودية من الذل ~~والخضوع والانقياد لأوامره تاركين حظوظ أنفسهم، والحاصل أنه لما ضربهم ms3135 ~~بالعذاب كان من حقهم أن يكونوا له لا لشركائهم، فما عملوا بمقتضى ذلك ~~إيجادا ولا طلبا {وما يتضرعون*} أي يجددون الدعاء بالخضوع والذل والخشوع في ~~كل وقت بحيث يكون لهم عادة، بل هم على ما جبلوا عليه من الاستكبار والعتو ~~إلا إذا التقت حلقتا البطان، ولم يبق لهم نوع # PageV13P171 # اختيار، بدليل ما أرشد إليه حرف الغاية من أن التقدير: بل استمروا على ~~عتوهم {حتى إذا فتحنا} أي بما لنا من العظمة، ودل على أنه فتح عذاب فقال: ~~{عليهم بابا} من الأبواب التي نقهر بها من شئنا بحيث يعلوه أمرها ولا ~~يستطيع دفعها {ذا عذاب شديد} يعني القتل والأسر يوم بدر - قاله ابن عباس ~~رضي الله عنهما، أو القحط الذي سلطه عليهم إجابة لدعوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: # «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» {إذا هم فيه} أي ذلك الباب مظروفون لا ~~يقدرون منه على نوع خلاص {مبلسون*} أي متحيرون ساكنون على ما في أنفسهم ~~آئسون لا يقدرون أن ينطقوا بكلمة، داخلون في الإبلاس وهو عدم الخير، ~~متأهلون لسكنى «بولس» وهو سجن جهنم، لعدم جعلهم التضرع وصفا لهم لازما غير ~~عارض، والخوف من الله شعارا دائما غير مفارق، استحضارا لقدرته واستكبارا ~~لعظمته؛ ثم التفت إلى خطابهم، استعطافا بعتابهم، لأنه عند التذكير بعذابهم ~~أقرب إلى إيابهم، فقال: {وهو} أي ما استكانوا لربهم والحال أنه هو لا غيره ~~{الذي أنشأ لكم} يا من يكذب بالآخرة، على غير مثال سبق {السمع والأبصار} ~~ولعله جمعها لأن التفاوت فيها # PageV13P172 # أكثر من التفاوت في السمع {والأفئدة} التي هي مراكز العقول، فكنتم بها ~~أعلى من بقية الحيوانات، جمع فؤاد، وهو القلب لتوقده وتحرقه، من التفؤد وهو ~~التحرق، وعبر به هنا لأن السياق للاتعاظ والاعتبار، وجمعه جمع القلة إشارة ~~إلى عزة من هو بهذه الصفة، ولعله جمع الأبصار كذلك لاحتمالها للبصيرة. # ولما صور لهم هذا النعم، وهي بحيث لا يشك غافل في أنه لا مثل لها، وأنه ~~لو تصور أن يعطي شيئا منها آدمي لم يقدر ms3136 على مكافأته، حسن تبكيتهم في كفر ~~المنعم بها فقال: {قليلا ما تشكرون*} لمن أولاكم هذه النعم التي لا مثل ~~لها، ولا يقدر غيره على شيء منها، مع ادعائكم أنكم أشكر الناس لمن أسدى ~~إليكم أقل ما يكون من النعم التي يقدر على مثلها كل أحد، فكنتم بذلك أنزل ~~من الحيوانات العجم صما بكما عميا. # PageV13P173 # ولما ذكرهم بهذه النعم التي هي دالة على خلقهم، صرح به في قوله: {وهو} أي ~~وحده {الذي ذرأكم} أي خلقكم وبثكم {في الأرض} ولما ذكرهم بإبدائهم المتضمن ~~للقدرة على إعادتهم مع ما فيها من الحكمة وفي تركها من الإخلال بها، صرح ~~بها فقال: {وإليه} أي وحده {تحشرون*} يوم النشور. # PageV13P173 # ولما تضمن ذلك إحياءهم وإماتتهم، صرح به على وجه عام فقال: {وهو} أي وحده ~~{الذي} من شأنه أنه {يحيي ويميت} فلا مانع له من البعث ولا غيره مما يريده. ~~ولما كانت حقيقة البعث إيجاد الشيء كما هو بعد إعدامه، ذكرهم بأمر طالما لا ~~بسوه وعالجوه ومارسوه فقال: {وله} أي وحده، لا لغيره {اختلاف الليل ~~والنهار} أي التصرف فيهما على هذا الوجه، يوجد كلا منهما بعد أن أعدمه كما ~~كان سواء، فدل تعاقبهما على تغيرهما، وتغيرهما بذلك وبالزيادة والنقص على ~~أن لهما مغيرا لا يتغير وأنه لا فعل لهما وإنما الفعل له وحده، وأنه قادر ~~على إعادة المعدوم كما قدر على ابتدائه بما دل على قدرته وبهذا الدليل ~~الشهودي للحامدين، ولذلك ختمه بقوله منكرا تسبيب ذلك لعدم عقلهم: {أفلا ~~تعقلون*} أي يكون لكم عقول لتعرفوا ذلك فتعملوا بما تقتضيه من اعتقاد البعث ~~الذي يوجب سلوك الصراط. # ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري النفي، حسن بعده كل الحسن قوله: {بل} ~~وعدل إلى أسلوب الغيبة للإيذان بالغضب بقوله: {قالوا} أي هؤلاء العرب {مثل ~~ما قال الأولون*} من قوم نوح ومن بعده؛ ثم استأنف قوله: {قالوا} أي منكرين ~~للبعث متعجبين # PageV13P174 # من أمره: {أإذا متنا وكنا} أي بالبلى بعد الموت {ترابا وعظاما} نخرة، ثم ~~أكدوا الإنكار بقولهم: {أإنا لمبعوثون*} أي من باعث ما. ms3137 # ولما كان محط العناية في هذه السورة الخلق والإيجاد، والتهديد لأهل ~~العناد، حكى عنهم أنهم قالوا: {لقد وعدنا} مقدما قولهم: {نحن وآباؤنا} على ~~قولهم: {هذا} أي البعث {من قبل} بخلاف النمل، فإن محط العناية فيها الإيمان ~~بالآخرة فلذلك قدم قوله «هذا» ، والمراد وعد آبائهم على ألسنة من أتاهم من ~~الرسل غير أن الإخبار بشموله جعله وعدا للكل على حد سواء، ثم استأنفوا ~~قولهم: {إن} أي ما {هذا إلا أساطير الأولين*} أي كذب لا حقيقة له، لأن ذلك ~~معنى الإنكار المؤكد. # ولما أنكروا البعث هذا الإنكار المؤكد، ونفوه هذا النفي المحتم، أمره أن ~~يقررهم بأشياء هم بها مقرون، ولها عارفون، يلزمهم من تسليمها الإقرار ~~بالبعث قطعا، فقال: {قل} أي مجيبا لإنكارهم # PageV13P175 # البعث ملزما لهم: {لمن الأرض} أي على سعتها وكثرة عجائبها {ومن فيها} على ~~كثرتهم واختلافهم {إن كنتم} أي بما هو كالجبلة لكم {تعلمون*} أي أهلا ~~للعلم، وكأنه تنبيه لهم على أنهم أنكروا شيئا لا ينكره عاقل. # ولما كانوا مقرين بذلك، أخبر عن جوابهم قبل جوابهم، ليكون من دلائل ~~النبوة وأعلام الرسالة بقوله استئنافا: {سيقولون} أي قطعا: ذلك كله {لله} ~~أي المختص بصفات الكمال. ولما كان ذلك دالا على الوحدانية والتفرد بتمام ~~القدرة من وجهين: كون ذلك كله له، وكونه يخبر عن عدوه بشيء فلا يمكنه ~~التخلف عنه، قال: {قل} أي لهم إذا قالوا لك ذلك منكرا عليهم تسبيبه لعدم ~~تذكرهم ولو على أدنى الوجوه بما أشار إليه الإدغام: {أفلا تذكرون*} أي بذلك ~~المركوز في طباعكم المقطوع به عندكم، ما غفلتم عنه من تمام قدرته وباهر ~~عظمته، فتصدقوا ما أخبر به من البعث الذي هو دون ذلك، وتعلموا أنه لا يصلح ~~شيء منها - وهو ملكه - أن يكون شريكا له # PageV13P176 # ولا ولدا، وتعلموا أنه لا يصح في الحكمة أصلا أنه يترك البعث لأن أقلكم ~~لا يرضى بترك حساب عبيده والعدل بينهم. # ولما ذكرهم بالعالم السفلي لقربه، تلاه بالعلوي لأنه أعظم فقال على ذلك ~~المنوال مرقيا لهم إليه: {قل من رب} أي خالق ms3138 ومدبر {السماوات السبع} كما ~~تشاهدون من حركاتها وسير نجومها {ورب العرش العظيم *} الذي أنتم به معترفون ~~{سيقولون لله} أي الذي له كل شيء هو رب ذلك - على قراءة البصريين، والتقدير ~~لغيرهما: ذلك كله لله، لأن معنى من رب الشيء: لمن الشيء، فتفيد اللام الملك ~~صريحا مع إفادة الرب التدبير. # ولما تأكد الأمر وزاد الوضوح، حسن التهديد على التمادي فقال: {قل} منكرا ~~عليهم عدم تسبيبه لهم التقوى: {أفلا تتقون*} أي تجعلون بينكم وبين حلول ~~السخط من هذا الواسع الملك التام القدرة وقاية بالمتاب من إنكار شيء يسير ~~بالنسبة إلى هذا الملك العظيم هين عليه. # PageV13P177 # ولما قررهم بالعالمين: العلوي والسفلي، أمره بأن يقررهم بما هو أعم منهما ~~وأعظم، فقال: {قل من بيده} أي خاصة {ملكوت كل شيء} أي من العالمين وغيرهما، ~~والملكوت # PageV13P177 # الملك البليغ الذي لا نقص فيه بوجه؛ قال ابن كثير: كانت العرب إذا كان ~~السيد فيهم فأجار أحدا لا يخفر في جواره وليس لمن دونه أن يجيرعليه لئلا ~~يفتات عليه. ولو أجار ما أفاد، ولهذا قال الله تعالى: {وهو يجير} أي يمنع ~~ويغيث من يشاء فيكون في حرزه، لا يقدر أحد على الدنو من ساحتة {ولا يجار ~~عليه} أي ولا يمكن أحدا أبدا أن يجير جوارا يكون مستعليا عليه بأن يكون على ~~غير مراده، بل يأخذ من أراد وإن نصره جميع الخلائق، ويعلي من أراد وإن ~~تحاملت عليه كل المصائب، فتبين كالشمس أنه لا شريك يمانعه، ولا ولد يصانعه ~~أو يضارعه؛ وقال ابن كثير: وهو السيد المعظم الذي لا أعظم منه الذي له ~~الخلق والأمر، ولا معقب لحكمه الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان، وما ~~لم يشأ لم يكن. # ولما كان هذا برهانا مع أنه ظاهر لا يخفى على أحد، قد يمجمج فيه من له ~~غرض في اللدد، ألهبهم إلى المبادرة إلى الاعتراف به وهيجهم بقوله: {إن ~~كنتم} أي كونا راسخا {تعلمون*} أي في عداد من يعلم، ولذلك استأنف قوله: ~~{سيقولون لله} أي الذي بيده ذلك، خاصا به، ms3139 والتقدير لغير البصريين: ذلك كله ~~لله، # PageV13P178 # لأن اليد أدل شيء على الملك. # ولما كان جوابهم بذلك يقتضي إنكار توقفهم في الإقرار بالبعث، استأنف ~~قوله: {قل} منكرا عليهم تسبيب ذلك لهم ادعاء أنه سحر، أو صرف عن الحق كما ~~يصرف المسحور {فأنى تسحرون*} أي فكيف بعد إقراركم بهذا كله تدعون أن الوعيد ~~بالبعث سحر في قولكم: أفتأتون السحر وأنتم تبصرون، ومن أين صار لكم هذا ~~الاعتقاد وقد أقررتم بما يلزم منه شمول العلم وتمام القدرة؟ ومن أين ~~تتخيلون الحق باطلا، أو كيف تفعلون فعل المسحور بما تأتون به من التخطيط في ~~الأقوال والأفعال، وتخدعون وتصرفون عن كل ما دعا إليه؟ # ولما كان الإنكار بمعنى النفي، حسن قوله: {بل} أي ليس الأمر كما يقولون، ~~لم نأتهم بسحر بل، أو يكون المعنى: ليس هو أساطير، بل {أتيناهم} فيه على ~~عظمتنا {بالحق} أي الكامل الذي لا حق بعده، كما دلت عليه «ال» فكل ما أخبر ~~به من التوحيد والبعث وغيرهما فهو حق {وإنهم لكاذبون*} في قولهم: إنه سحر ~~لا حقيقة له، وفي كل ما ادعوه من الولد والشريك وغيرهما مما بين القرآن ~~فساده # PageV13P179 # كما لزمهم بما أقروا به في جواب هذه الأسئلة الثلاثة. # ولما كان من أعظم كذبهم ما أشار إليه قوله تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا} [مريم: 88] قال: {ما اتخذ الله} أي الذي لا كفوء له، وأعرق في النفي ~~بقوله: {من ولد} لا من الملائكة ولا من غيرهم، لما قام من الأدلة على غناه، ~~وأنه لا مجانس له، ولما لزمهم بإقرارهم أنه يجير ولا يجار عليه، وأن له ~~السماوات والأرض ومن فيهما. # ولما كان الولد أخص من مطلق الشريك قال: {وما كان} أي بوجه من الوجوه ~~{معه} فأفاد بفعل الكون نفي الصحة لينتفي الوجود بطريق الأولى {من إله} ~~وزاد «من» لتأكيد النفي؛ ولما لزمهم الكذب في دعوى الإلهية بولد أو غيره من ~~إقرارهم هذا، أقام عليه دليلا عقليا ليتطابق الإلزامي والعقلي فقال: {إذا} ~~أي إذ لو كان معه إله آخر {لذهب كل إله ms3140 بما خلق} بالتصرف فيه وحده ليتميز ~~ما له مما لغيره {ولعلا بعضهم} أي بعض الآلهة {على بعض} إذا تخالفت ~~أوامرهم، فلم يرض أحد منهم أن يضاف ما خلقه إلى غيره، ولا أن يمضي فيه أمر ~~على غير مراده، كما هو مقتضى العادة، فلا يكون المغلوب إلها لعجزه، ولا ~~يكون مجيرا غير مجار # PageV13P180 # عليه، بيده وحده ملكوت كل شيء، وفي ذلك إشارة إلى أنه لو لم يكن ذلك ~~الاختلاف لأمكن أن يكون، فكان إمكانه كافيا في إبطال الشركة لما يلزم ذلك ~~من إمكان العجز المنافي للإلهية، كما بين في الأنبياء. # ولما طابق الدليل الإلزام على نفي الشريك، نزه نفسه الشريفة بما هو نتيجة ~~ذلك بقوله: {سبحان الله} أي المتصف بجميع صفات الكمال، المنزه عن كل شائبة ~~نقص {عما يصفون*} من كل ما لا يليق بجنابه المقدس من الشريك والولد وغيره؛ ~~ثم أقام دليلا آخر على كماله بوصفه بقوله: {عالم الغيب} ولما كان العلم ~~بذلك لا يستلزم علم الشهادة كما للنائم قال: {والشهادة} ولا عالم بذلك ~~غيره. # ولما كان من الواضح الجلي أنه لا مدعي لذلك، ومن ادعاه غيره بأن كذبه لا ~~محالة، وأن من تم علمه تمت قدرته، فاتضح تفرده كما بين في طه، تسبب عنه ~~قوله: {فتعالى} أي علا العالم المشار إليه علوا عظيما {عما يشركون*} فإنه ~~لا علم لشيء منه فلا قدرة ولا # PageV13P181 # صلاحية لرتبة الإلهية. # PageV13P182 # ولما أقام الدليل على كذبهم بالأدلة على عظمته، وتعاليه عن كل ما يقول ~~الظالمون، وبين لهم الأمر غاية البيان بعد أن هددهم بمثل قوله وما يشعرون ~~{حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب} ونحوه من مثل ما أنزله بالماضين، وأحله ~~بالمكذبين، وكان من المعلوم أنه ليس بعد الإعذار إلا إيقاع القضاء وإنزال ~~البلاء، وكان من الممكن أن يعم سبحانه الظالم وغيره بعذابه لأنه لا يسأل ~~عما يفعل، أمره أن يتعوذ من ذلك إظهارا لعظمة الربوبية ذل العبودية فقالك ~~{قل رب} أي أيها المحسن إلي، وأكد إظهارا لعظمة المدعو به وإعلاما بما ~~للنبي صلى الله عليه ms3141 وسلم من مزيد الشفقة على أمته مؤمنهم وكافرهم {إما ~~تريني} أي إن كان ولا بد من أن تريني قبل موتي {ما يوعدون*} ثم نبهه على ~~الزيادة في الضراعة بتكرير النداء بصفة الإحسان تعبدا وتخشعا، وتذللا ~~وتخضعا، إشارة إلى أن الله سبحانه له أن يفعل ما يشاء، فينبغي لأقرب خلقه ~~إليه أن يكون على غاية الحذر منه فقال: {رب فلا تجعلني} بإحسانك إلي وفضلك ~~علي فيهم، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف تعميما للدعوة وتعليقا للحكم ~~بالوصف فقال: {في القوم الظالمين*} أي الذين أعمالهم أعمال من يمشي في ~~الظلام، فهي في غير مواضعها، فضلا عن أن أكون منهم فإنه # PageV13P182 # يوشك أن يخصهم العذاب ويعم من جاورهم لوخامة الظلم وسوء عاقبته. # ولما أرشد التعبير بأداة الشك إلى أن التقدير: فإنا على العفو عنهم وعلى ~~الإملاء لهم لقادرون، عطف عليه قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب المتضمن ~~للطعن في القدرة وهم المقصودون بالتهديد: {وإنا} أي بما لنا من العظمة {على ~~أن نريك} أي قبل موتك {ما نعدهم} من العذاب {لقادرون*} ولما لاح من هذا أن ~~أخذهم وتأخيرهم في الإمكان على حد سواء، وكانوا يقولون ويفعلون ما لا صبر ~~عليه إلا بمعونة من الله، كان كأنه قال: فماذا أفعل فيما تعلم من أمرهم؟ ~~فقال آمرا له بمداواته: {ادفع} وفخم الأمر بالموصول لما فيه من الإيهام ~~المشوق للبيان ثم بأفعل التفضيل فقال: {بالتي هي أحسن} أي من الأقوال ~~والأفعال بالصفح والمداراة {السيئة} ثم خفف عنه ما يجد من ثقلها بقوله: ~~{نحن أعلم} أي من كل عالم {بما يصفون*} في حقك وحقنا، فلو شئنا منعناهم منه ~~أو عاجلناهم بالعذاب وليس أحد بأغير منا فاصبر كما صبر أولو العزم من ~~الرسل. # ولما كان الصبر عليه لا يطاق إلا به سبحانه، أمره بالدعاء بذلك فقال: ~~{وقل رب} أيها المحسن إلي {أعوذ بك} أي ألتجىء إليك # PageV13P183 # {من همزات الشياطين*} أي أن يصلوا إلي بوساوسهم التي هي كالنخس بالمهماز ~~في الإقحام في السيئات البعد عن مطلق الحسنات، فكيف بالأحسن منها ms3142 كما ~~سلطتهم على الكافرين تؤزهم إلى القبائح أزا {وأعوذ بك رب} أي أيها المربي ~~لي {أن يحضرون*} أي ولو لم تصل إلي وساوسهم فإن حضورهم هلكة، وبعدهم بركة، ~~لأنهم مطبوعون على الفساد لا ينفكون عنه. # ولما كان أضر أوقات حضورهم ساعة الموت، وحالة الفوت، فإنه وقت كشف ~~الغطاء، عما كتب من القضاء، وآن اللقاء، وتحتم السفول أو الارتقاء، عقب ذلك ~~بذكره تنبيها على بذل الجهد في الدعاء والتضرع للعصمة فيه فقال معلقا بقوله ~~تعالى: {بل لا يشعرون} أو بمبلسون، منبها بحرف الغاية على أنه سبحانه يمد ~~في أزمانهم استدراجا لهم: {حتى} أو يكون التقدير كما يرشد إليه السياق: فلا ~~أكون من الكافرين المطيعين للشياطين حتى {إذا جاء} وقدم المفعول ليذهب ~~الوهم في فاعله كل مذهب فقال: {أحدهم الموت} فكشف له الغطاء، وظهر له الحق، ~~ولاحت له بوارق العذاب، ولم يبق في شيء من ذلك ارتياب {قال} مخاطبا لملائكة ~~العذاب على عادة جهله ووقوفه مع المحسوس # PageV13P184 # دأب البهائم: {رب ارجعون*} أي إلى الدنيا دار العمل؛ ويجوز أن يكون الجمع ~~لله تعالى وللملائكة، أو للتعظيم على عادة في مخاطبات الأكابر لا سيما ~~الملوك، أو لقصد تكرير الفعل للتأكيد. # ولما كان في تلك الحالة على القطع من اليأس من النجاة لليأس من العمل ~~لفوات داره مع وصوله إلى حد الغرغرة قال: {لعلي أعمل} أي لأكون على رجاء من ~~أن أعمل {صالحا فيما تركت} من الإيمان وتوابعه؛ قال البغوي: قال قتادة: ما ~~تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى ~~أن يرجع ليعمل بطاعة الله، فرحم الله امرأ عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى ~~العذاب. وقال ابن كثير: كان العلاء بن زياد يقول: لينزلن أحدكم نفسه أنه قد ~~حضره الموت فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة الله عز وجل. # ولما كان القضاء قد قطع بأنه لا يرجع، ولو رجع لم يعمل قال ردعا له وردا ~~لكلامه: {كلا} أي لا يكون شيء من ذلك، فكأنه # PageV13P185 # قيل: فما حكم ما قال؟ فقال ms3143 معرضا عنه إيذانا بالغضب: {إنها كلمة} أي ~~مقالته {رب ارجعون} - إلى آخره، كلمة {هو قائلها} وقد عرف من الخداع والكذب ~~فهي كما عهد منه لا حقيقة لها. # ولما كان التقدير: فهو لا يجاب إليها، عطف عليه قوله، جامعا معه كل من ~~ماثله لأن عجز الجمع يلزم منه عجز الواحد: {ومن ورائهم} أي من خلفهم ومن ~~أمامهم محيط بهم {برزخ} أي حاجز بين ما هو فيه وبين الدنيا والقيامة مستمر ~~لا يقدر أحد على رفعه {إلى يوم يبعثون*} أي تجدد بعثهم بأيسر أمر وأخفه ~~وأهونه. # PageV13P186 # ولما غيى ذلك بالبعث فتشوفت النفس إلى ما يكون بعده، وكان قد تقدم أن ~~الناس - بعد أن كانوا أمة واحدة في الاجتماع على ربهم - تقطعوا قطعا، ~~وتحزبوا أحزابا، وتعاضدوا بحكم ذلك وتناصروا، قال نافيا لذلك: {فإذا نفخ} ~~أي بأسهل أمر النفخة الثانية وهي نفخة النشور، أو الثالثة للصعق {في الصور} ~~فقاموا من القبور # PageV13P186 # أو من الصعق {فلا أنساب} وهي أعظم الأسباب {بينهم} يذكرونها يتفاخرون بها ~~{يومئذ} لما دهمهم من الأمر وشغلهم من البأس ولحقهم من الدهش ورعبهم من ~~الهول وعلموا من عدم نفعها إلا ما أذن الله فيه، بل يفر الإنسان من أقرب ~~الناس إليه، وإنما أنسابهم الأعمال الصالحة {ولا يتساءلون*} أي في التناصر ~~لأنه انكشف لهم أن لا حكم إلا الله وأنه لا تغني نفس عن نفس شيئا، فتسبب عن ~~ذلك أنه لا نصرة إلا بالأعمال رحم الله بالتيسير لها ثم رحم بقبولها، فلذلك ~~قال: {فمن ثقلت موازينه} أي بالأعمال المقبولة، ولعل الجمع لأن لكل عمل ~~ميزانا يعرف أنه لا يصلح له غيره، وذلك أدل على القدرة {فأولئك} أي خاصة، ~~ولعله جمع للبشارة بكثرة الناجي بعد أن أفرد الدلالة على كثرة الأعمال أو ~~على عموم الوزن لكل فرد {هم المفلحون*} لأنهم المؤمنون الموصوفون {ومن خفت ~~موازينه} لإعراضه عن تلك الأعمال المؤسسة على الإيمان {فأولئك} خاصة {الذين ~~خسروا أنفسهم} لإهلاكهم إياها باتباعها شهواتها في دار الأعمال وشغلها ~~بأهوائها عن مراتب الكمال؛ ثم علل ذلك أو بينه ms3144 بقوله: {في جهنم خالدون*} ~~وهي دار لا ينفك أسيرها، ولا ينطفىء سعيرها؛ # PageV13P187 # ثم استأنف قوله: {تلفح} أي تغشى بشديد حرها وسمومها ووهجها {وجوههم ~~النار} فتحرقها فما ظنك بغيرها {وهم فيها كالحون*} أي متقلصو الشفاه عن ~~الأسنان مع عبوسة الوجوه وتجعدها وتقطبها شغل من هو ممتلىء الباطن كراهية ~~لما دهمه من شدة المعاناة وعظيم المقاساة في دار التجهم، كما ترى الرؤس ~~المشوية، ولا يناقض نفي التساؤل هنا إثباته في غيره لأنه في غير تناصر بل ~~في التلاوم والتعاتب والتخاصم على أن المقامات في ذلك اليوم طويلة وكثيرة، ~~فالمقالات والأحوال لأجل ذلك متباينة وكثيرة، وسيأتي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في سورة الصافات نحو ذلك. # PageV13P188 # ولما جرت العادة بأن المعذب بالفعل يضم إليه القيل، أجيب من قد يسأل عن ~~ذلك بقوله: {ألم} أي يقال لهم في تأنيبهم وتوبيخهم: ألم {تكن آياتي} التي ~~انتهى عظمها إلى أعلى المراتب بإضافتها إلي. ولما كان مجرد ذكرها كافيا في ~~الإيمان، نبه على ذلك بالبناء للمفعول: {تتلى عليكم} أي تتابع لكم قراءتها ~~في الدنيا شيئا فشيئا. ولما كانت سببا للإيمان فجعلوها سببا للكفران، قال: ~~{فكنتم} أي كونا أنتم عريقون فيه {بها تكذبون*} وقدم الظرف # PageV13P188 # للإعلام بمبالغتهم في التكذيب؛ ثم استأنف جوابهم بقوله: {قالوا ربنا} ~~أيها المسبغ علينا نعمه {غلبت علينا شقوتنا} أي أهواؤنا التي قادتنا إلى ~~سوء الأعمال اليت كانت سببا ظاهرا للشقاوة. # ولما كان التقدير: فكنا معها كالمأسورين، تؤزنا إليها الشياطين أزا، عطف ~~عليه قوله {وكنا} أي بما جبلنا عليه {قوما ضالين*} في ذلك عن الهدى، أقوياء ~~في موجبات الشقوة، فكان سببا للضلال عن طريق السعادة. # ولما تضمن هذا الإقرار الاعتذار، وكان ذلك ربما سوغ الخلاص، وصلوا به ~~قولهم: {ربنا} يا من عودنا بالإحسان {أخرجنا منها} أي النار تفضلا منك على ~~عادة فضلك، وردنا إلى دار الدنيا لنعمل ما يرضيك {فإن عدنا} إلى مثل تلك ~~الضلالات {فإنا ظالمون*} فاستؤنف جوابهم بأن {قال} لهم كما يقال للكلب: ~~{اخسئوا} أي انزجروا زجر الكلب وانطردوا عن مخاطبتي ساكتين ms3145 سكوت هوان ~~{فيها} أي النار {ولا تكلمون*} أصلا، فإنكم لستم أهلا لمخاطبتي، لأنكم لم ~~تزالوا متصفين بالظلم، ومنه سؤالكم هذا المفهم لأن اتصافكم به لا يكون إلا ~~على تقدير عودكم بعد إخراجكم. # ولما كانت الشماتة أسر السرور للشامت وأخزى الخزي للمشموت به، # PageV13P189 # علل ذلك بقوله: {إنه كان} أي كونا ثابتا {فريق} أي ناس استضعفتموهم فهان ~~عليكم فراقهم لكم وفراقكم لهم وظننتم أنكم تفرقون شملهم {من عبادي} أي ~~الذين هم أهل للإضافة إلى جنابي لخلوصهم عن الأهواء {يقولون} مع الاستمرار: ~~{ربنا} أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق {آمنا} أي أوقعنا الإيمان بجميع ما ~~جاءتنا به الرسل لوجوب ذلك علينا لأمرك لنا به. # ولما كان عظم المقام موجبا لتقصير العابد، وكان الاعتراف بالتقصير جابرا ~~له قالوا: {فاغفر لنا} أي استر بسبب إيماننا عيوبنا التي كان تقصيرنا بها ~~{وارحمنا} أي افعل بنا فعل الراحم من الخير الذي هو على صورة الحنو والشفقة ~~والعطف. # ولما كان التقدير: فأنت خير الغافرين، فإنك إذا سترت ذنبا أنسيته لكل أحد ~~حتى للحفظة، عطف عليه قوله: {وأنت خير الراحمين*} لأنك تخلص من رحمته من كل ~~شقاء وهوان، بإخلاص الإيمان، والخلاص من كل كفران. # ولما تسبب عن إيمان هؤلاء زيادة كفران أولئك قال: # PageV13P190 # {فاتخذتموهم سخريا} أي موضعا للهزء والتلهي والخدمة لكم، قال الشهاب ~~السمين في إعرابه: والسخرة - بالضم: الاستخدام، وسخريا - بالضم منها والسخر ~~بدون هاء - الهزء والمكسور منه يعني على القراءتين وفي النسبة دلالة على ~~زيادة قوة في الفعل كالخصوصية والعبودية {حتى أنسوكم} أي لأنهم كانوا السبب ~~في ذلك بتشاغلكم بالاستهزاء بهم واستبعادهم {ذكري} أي أن تذكروني فتخافوني ~~بإقبالكم بكليتكم على ذلك منهم. # ولما كان التقدير: فتركتموه فلم تراقبوني في أوليائي، عطف عليه قوله: ~~{وكنتم} أي بأخلاق هي كالجبلة {منهم} أي خاصة {تضحكون*} كأنهم لما صرفوا ~~قواهم إلى الاستهزاء بهم عد ضحكهم من غيرهم عدما. # PageV13P191 # ولما تشوفت النفس بعد العلم بما فعل بأعدائهم إلى جزائهم، قال: {إني ~~جزيتهم} أي مقابلة على عملهم {اليوم بما صبروا} أي على عبادتي، ولم يشغلهم ms3146 ~~عنها تألمهم بأذاكم كما كما شغلكم عنها التذاذكم بإهانتهم، فوزهم دونكم، ~~وهو معنى قوله: {أنهم هم} أي خاصة {الفائزون*} أي # PageV13P191 # الناجون الظافرون بالخير بعد الإشراف على الهلكة، وغير العبارة لإفادة ~~الاختصاص والوضوح والرسوخ، وكسر الهمزة حمزة والكسائي على الاستئناف. # ولما كان الفائز - وهو الظافر - من لم يحصل له بؤس في ذلك الأمر الذي فاز ~~به، وكان قد أشار سبحانه بحرف الغاية وما شاكله إلى أنه مد لأهل الشقاء في ~~الدنيا في الأعمار والأرزاق حتى استهانوا بعبادة السعداء، فكان ربما قيل: ~~إن أعداءهم فازوا بالاستهزاء بهم والرفعة عليهم في حال الدنيا، وكان سبحانه ~~قد أسلف ما يرد ذلك من الإخبار بأنه خلدهم في النار وأعرض عنهم وزجرهم عن ~~كلامه، وكان أنعم أهل الدنيا إذا غمس في النار غمسة ثم سئل عن نعيمه قال: ~~ما رأيت نعيما قط، فكان ذلك محزا لتقريع الأشقياء بسبب تضيع أيامهم ~~وتنديمهم عليها. تشوف السامع إلى أنه هل يسألهم عن تنعيمه لهم في الدنيا ~~الذي كان جديرا منهم بالشكر فقابلوه بالكفر والاستهزاء بأوليائه؟ فأجاب ~~تشوفه ذلك مجهلا لهم ومندما ومنبها على الجواب أن فوزهم في الدنيا - لقلته ~~التي هي أحقر من قطرة في جنب بحر - عدم، بقوله: {قال} تأسيفا على ما أضاعوا ~~من عبادة يسيرة تؤرثهم سعادة لا انقضاء لها # PageV13P192 # وارتكبوا من لذة قليلة أعقبتهم بؤسا لا آخر له - هذا على قراءة الجماعة، ~~وبين سبحانه بقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي أن القول بواسطة بعض عباده ~~الذين أقامهم لتعذيبهم إعراضا عنهم تحقيقا لما أشار إليه {ولا تكلمون} ~~فقال: {قل} أي يا من أقمناه للانتقام ممن أردنا أي لهؤلاء الذين غرتهم ~~الحياة الدنيا على ما يرون من قصر مدتها ولعبها بأهلها فكفروا بنا ~~واستهزؤوا بعبادنا: {كم لبثتم في الأرض} على تلك الحال التي كنتم تعدونها ~~فوزا {عدد سنين*} أنتم فيها ظافرون ولأعدائكم قاهرون، ولعله عبر بما منه ~~الإسنات الذي معناه القحط إشارة إلى أن أيام الدنيا ضيقة حرجة وإن كان فيها ~~سعة، ولا سيما للكفرة بكفرهم وخبثهم ومكرهم الذي ms3147 جرهم إلى أضيق الضيق وأسوأ ~~العيش {قالوا} استقصارا له في جنب ما رأوا من العذاب واستنقاذا لأنفسهم ظنا ~~أن مدة لبثهم في النار تكون بمقدار مكثهم في الدنيا: {لبثنا يوما} ولعلهم ~~ذكروا العامل تلذذا بطول الخطاب، أو تصريحا بالمراد دفعا للبس والارتياب، ~~ثم زادوا في التقليل فقالوا: {أو بعض يوم} . # ولما كان المكرة في الدنيا إذا أرادوا تمشية كذبهم قالوا لمن # PageV13P193 # أخبروه فتوقف في خبرهم: سل فلانا، إيثاقا بإخبارهم، وسترا لعوارهم، جروا ~~على ذلك تماديا منهم في الجهل بالعليم القدير في قولهم: {فاسأل} أي لتعلم ~~صدق خبرنا أو بسبب ترددنا في العلم بحقيقة الحال لتحرير حقيقة المدة ~~{العادين*} ويحتمل أيضا قصد الترقيق عليهم بالإشارة إلى أن ما هم فيه من ~~العذاب شاغل لهم عن أن يتصوروا شيئا حاضرا محسوسا، فضلا عن أن يكون ماضيا، ~~فضلا عن أن يكون فكريا، فكيف إن كان حسابا. # PageV13P194 # ولما كان ذلك على تقدير تسليمه لا ينفعهم لأن الجزاء بالعذاب على عزمهم ~~على التمادي في العناد على مر الآباد، المصدق منهم بالانهماك في الفساد، ~~أجابهم إلى قصدهم في عدهم بعبارة صالحة صادقة على مدة لبثهم طال أو قصر، ~~بقوله على طريق الاستئناف لمن تشوف إلى معرفة جوابهم: {قال} أي الله على ~~قراءة الجماعة، وبينت قراءة حمزة والكسائي أن إسناد القول إليه سبحانه مجاز ~~عن قول بعض عباده العظماء فقال على طريق الأول: {قل} أي لهؤلاء الذين وقع ~~الإعراض عنهم {إن} أي ما {لبثتم} أي في الدنيا # PageV13P194 # {إلا قليلا} أي هو من القلة بحيث لا يسمى بل هو عدم {لو أنكم كنتم} أي ~~كونا هو كالجبلة {تعلمون*} أي في عداد من يعلم في ذلك الوقت، لما آثرثم ~~الفاني على الباقي، ولأقبلتم على ما ينفعكم، وتركتم الخلاعة التي لا يرضاها ~~عاقل، ولا يكون على تقدير الرضا بفعلها إلا بعد الفراغ من المهم، ولكنكم ~~كنتم في عداد البهائم، وفي ذلك تنبيه للمؤمنين الذين هم الوارثون على الشكر ~~على ما منحهم من السرور بإهلاك أعدائهم وإيراثهم أرضهم وديارهم، مع إعزازهم ms3148 ~~والبركة في أعمارهم، بعد إراحتهم منهم في الدنيا، ثم بإدامة سعادتهم في ~~الآخرة وشقاوة أعدائهم. # ولما كان حالهم في ظنهم أن لا بعث، حتى اشتغلوا بالفرح، والبطر والمرح، ~~والاستهزاء بأهل الله، حال من يظن العبث على الله الملك الحق المبين، سبب ~~عن ذلك عطفا على قوله {فاتخذتموهم سخريا} إنكاره عليهم في قوله: {أفحسبتم} ~~ويجوز أن يكون معطوفا على مقدر نحو: أحسبتم أنا نهملكم فلا ننصف مظلومكم من ~~ظالمكم، فحسبتم {أنما خلقناكم} أي على ما لنا من العظمة {عبثا} أي عابثين ~~أو للعبث منا أو منكم، لا لحكمة إظهار العدل والفضل، حتى اشغلتم بظلم ~~أنفسكم وغيركم؛ قال أبو حيان: والعبث: # PageV13P195 # اللب الخالي عن فائدة. {وأنكم} أي وحسبتم أنكم {إلينا} أي خاصة {لا ~~ترجعون*} بوجه من الوجوه لإظهار القدرة والعظمة في الفصل، وأخرج ابن أبي ~~حاتم في تفسيره وأبو يعلى الموصلي في الجزء الرابع والعشرين من مسنده ~~والبغوي في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رقى رجلا مصابا بهذه ~~الآية إلى آخر السورة في أذنيه فبرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«والذي نفسي بيده! لو أن رجلا موقنا قرأ بها على جبل لزال» وفي سندهما ابن ~~لهيعة. قال ابن كثير: وروى أبو نعيم عن محمد ابن إبراهيم بن الحارث عن أبيه ~~رضي الله عنه، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا أن ~~نقول إذا أمسينا وأصبحنا {أفحسبتم} - الآية، قال: فقرأناها فغنمنا وسلمنا. # ولما كان التقدير: ليس الأمر كما حسبتم، علل ذلك بقوله: {فتعالى الله} أي ~~علا الذي له الجلال والجمال علوا كبيرا عن العبث؛ ثم وصفه بما ينافي العبث ~~فقال: {الملك} أي المحيط بأهل مملكته علما وقدرة وسياسة، وحفظا ورعاية. # ولما كان بعض ملوك الدنيا قد يفعل ما ينافي شيم الملوك من العبث بما فيه ~~من الباطل، أتبع ذلك بصفة تنزهه عنه فقال: {الحق} . # PageV13P196 # أي الذي لا تطرق للباطل إليه في شيء من ذاته ولا صفاته، فلا زوال له ولا ~~لملكه فأنى يأتيه العبث. ms3149 # ولما كان الحق من حيث هو قد يكون له ثان. نفى ذلك في حقه تعالى بقوله: ~~{لا إله إلا هو} فلا يوجد له نظير أصلا في ذات ولا صفة، ومن يكون كذلك يكون ~~حائزا لجميع أوصاف الكمال، وخلال الجلال والجمال، متعاليا عن سمات النقص، ~~والعبث من أدنى صفات النقص، لخلوه عن الحكمة التي هي أساس الكمال؛ ثم زاد ~~في التعيين والتأكيد للتفرد بوصفه بصفة لا يدعيها غيره فقال: {رب العرش} أي ~~السرير المحيط بجميع الكائنات، العالي عليها علوا لا يدانيه شيء؛ ثم وصف ~~العرش لأنه في سياق الحكم بالعدل والتنزه عن العبث بخلاف سياق براءة والنمل ~~فإنه للقهر والجبروت بقوله: {الكريم*} أي الذي تنزل منه الخيرات الحاصلة ~~للعباد، مع شرف جوهره، وعلى رتبته، ومدحه أبلغ مدح لصاحبه، والكريم من ستر ~~مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها وتنزه عن كل دناءة؛ قال القزاز: وأصل الكرم ~~في اللغة الفضل والرفعة. ولما كان التقدير: فمن دعا الله وحده فأولئك هم ~~المفلحون الوارثون في الدارين، عطف عليه قوله: {ومن يدع مع الله} أي الملك ~~الذي كفوء له لإحاطته بجميع صفات # PageV13P197 # الكمال {إلها} ولما كانوا لتعنتهم ينسبون الداعي له سبحانه باسمين أو ~~أكثر إلى الشرك، قيد بقوله: {آخر} ثم أيقظ من سنة الغفلة، ونبه على ~~الاجتهاد والنظر في أيام المهلة، بقول لا أعدل منه ولا أنصف فقال: {لا ~~برهان له} ولما كان المراد ما يسمى برهانا ولو على أدنى الوجوه الكافية، ~~عبر بالباء سلوكا لغاية الإنصاف دون «على» المفهمة للاستعلاء بغاية البيان ~~فقال: {به} أي بسبب دعائه فإنه إذا اجتهد في إقامة برهان على ذلك لم يجد، ~~بل وجد البراهين كلها قائمة على نفي ذلك، داعية إلى الفلاح باعتقاد التوحيد ~~والصلاح، هذا المراد، لا أنه يجوز أن يقوم على شيء غيره برهان {فإنما ~~حسابه} أي جزاؤه الذي لا تمكن زيادته ولا نقصه {عند ربه} الذي رباه، ولم ~~يربه أحد سواه، وغمره بالإحسان، ولم يحسن إليه أحد غيره، الذي هو أعلم ~~بسريرته وعلانيته منه نفسه، فلا يخفى عليه ms3150 شيء من أمره. # ولما أفهم كون حسابه عند هذا المحسن أحد أمرين: إما الصفح بدوام الإحسان، ~~وإما الخسران بسبب الكفران، قال على طريق الجواب لمن يسأل عن ذلك: {إنه لا ~~يفلح} ووضع {الكافرون*} موضع ضميره تنبيها على كفره وتعميما للحكم، فصار ~~أول السورة # PageV13P198 # وآخرها مفهما لأن الفلاح مختص به المؤمنون. # ولما كان الأمر كذلك، أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد في ~~إنقاذ عباده حتى بالدعاء لله في إصلاحهم ليكون الختم بالرحمة للمؤمنين، كما ~~كان الافتتاح بفلاحهم، فقال عاطفا على قوله {ادفع بالتي هي أحسن} فإنه لا ~~إحسان أحسن من الغفران، أو على معنى {قال كم لبثتم} الذي بينته قراءة ابن ~~كثير وحمزة والكسائي بالأمر: {وقل} ، أو يكون التقدير: فأخلص العبادة له ~~{وقل} لأجل أن أحدا لا يقدره حق قدره: {رب} أيها المحسن إلي {اغفر وارحم} ~~أي أكثر من تعليق هاتين الصفتين في أمتي لتكثرها، فإن في ذلك شرفا لي ولهم، ~~فأنت خير الغافرين {وأنت خير الراحمين*} فمن رحمته أفلح بما توفقه له من ~~امتثال ما أشرت إليه أول السورة، فكان من المؤمنين، فكان من الوارثين الذين ~~يرثون الفردوس هم فيها خالدون، فقد انطبق على الأول هذا الآخر بفوز كل ~~مؤمن، وخيبة كل كافر، نسأل الله تعالى أن يكون لنا أرحم راحم وخير غافر، ~~إنه المتولي للسرائر، والمرجو لإصلاح الضمائر - آمين. # PageV13P199 # مقصودها مدلول اسمها المودع قلبها المراد منه أنه تعالى شامل العلم، ~~اللازم منه تمام القدرة، اللازم منه إثبات الأمور على غاية الحكمة، اللازم ~~منه تأكيد الشرف للنبي (صلى الله عليه وسلم) ، اللازم منه شرف من اختاره ~~لصحبته على منازل قربهم منه واختصاصهم به، اللازم منه غاية النزاهة والشرف ~~والطهارة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي مات النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) وهو عنها راض، وماتت هي رضي الله عنها صالحة محسنة، وهذا هو المقصود ~~بالذات ولكن إثباته محتاج إلى تلك المقدمات) بسم الله (الذي تمت كلمته ~~فبهرت قدرته) الرحمن (الذي ظهرت الحقائق كلها بشمول رحمته) الرحيم (الذي ms3151 ~~شرف من اختاره بخدمته. # لما تقدم في التي قبلها تحريم الزنى والحث على الصيانة، وختم تلك الآية ~~بذكر الجنة المتضمن للبعث، استدل عليه وذكر ما يتبعه من تهديد وعمل إلى أن ~~فرغت السورة وأخبر في آخرها بتبكيت # PageV13P200 # المعاندين يوم الندم بقوله)) ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ~~() [المؤمنون: 105] وبقوله)) أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا () [المؤمنون: 115] ~~كل ذلك رحمة منه لخلقه ليرجع منهم من قضى بسعادته، ثم ختم بقوله)) وأنت خير ~~الراحمين () [المؤمنون: 118] فابتدأ سبحانه هذه السورة بأنه من على ~~المخاطبين ببيان ما خلقوا له من الأحكام لنهم لم يخلقوا سدى، بل لتكاليف ~~تعبدهم بها ترفع التنازع وتحسم مادة الشر، فتوجب الرحمة والعطف بسلامة ~~الصدر بما فيهم من الجنسية، فقال مخبرا عن مبتدإ تقديره: هذه # PageV13P201 # {سورة} أي عظيمة؛ ثم رغب في امتثال ما فيها مبينا أن تنويها للتعظيم ~~بقوله: {أنزلناها} أي بما لنا من العظمة وتمام العلم والقدرة {وفرضناها} أي ~~قررناها وقدرناها وأكثرنا فيها من الفروض وأكدناها {وأنزلنا فيها} بشمول ~~علمنا {آيات} من الحدود والأحكام والمواعظ والأمثال وغيرها، مبرهنا عليها ~~{بينات} لا إشكال فيها رحمة منا لكم، فمن قبلها دخل في دعوة نبينا صلى الله ~~عليه وسلم التي لقناه إياها في آخر تلك فرحمه خير الراحمين، ومن أباها ضل ~~فدخل في التبكيت بقولنا {ألم تكن آياتي تتلى عليكم} [المؤمنون: 105] ونحوه، ~~وذلك معنى قوله: {لعلكم تذكرون*} أي لتكونوا - إذا تأملتموها مع ما قبلها ~~من الآيات المرققة والقصص # PageV13P201 # المحذرة - على رجاء - عند من لا يعلم العواقب - من أن تتذكروا ولو نوعا ~~من التذكر - كما أشار إليه الإدغام - بما ترون فيها من الحكم أن الذي نصبها ~~لكم وفصلها إلى ما ترون لا يترككم سدى، فتقبلوا على جميع أوامره، وتنتهوا ~~عن زواجره، ليغفر لكم ما قصرتم فيه من طاعته، ويرحمكم بتنويل ما لا وصول ~~لكم إليه إلا برحمته، وتتذكروا أيضا بما يبين لكم من الأمور، ويكشف عنه ~~الغطاء من الأحكام التي اغمت عنها حجب النفوس، وسترتها ظلمات الأهوية - ما ~~جبل عليه الآدميون، فتعلموا أن ms3152 الذي تحبون أن يفعل معكم بحب غيركم أن ~~تفعلوه معه، والذي تكرهونه من ذلك يكرهه غيركم، فيكون ذلك حاملا لكم على ~~النصفة فيثمر الصفاء، والألفة والوفاء، فتكونوا من المؤمنين المفلحين ~~الوارثين الداخلين في دعوة البشير النذير بالرحمة. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما قال تعالى {والذين هم ~~لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] ثم قال تعالى {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون} [المؤمنون: 7] استدعى الكلام بيان حكم العادي في ذلك، ولم يبين ~~فيها فأوضحه في سورة النور فقال تعالى {الزانية والزاني} - الآية، ثم أتبع ~~ذلك بحكم اللعان والقذف وانجر مع ذلك الإخبار # PageV13P202 # بقصة الإفك تحذيرا للمؤمنين من زلل الألسنة رجما بالغيب {وتحسبونه هينا ~~وهو عند الله عظيم} وأتبع ذلك بعد بوعيد محبي شياع الفاحشة، في المؤمنين ~~بقوله تعالى {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور: 23] ~~الآيات، ثم بالتحذيرمن دخول البيوت إلا بعد الاستئذان المشروع، ثم بالأمر ~~بغض الأبصار للرجال والنساء ونهى النساء عن إبداء الزينة إلا لمن سمى الله ~~سبحانه في الآية، وتكررت هذه المقاصد في هذه السورة إلى ذكر حكم العورات ~~الثلاث، ودخول بيوت الأقارب وذوي الأرحام، وكل هذا مما تبرأ ذمة المؤمن ~~بالتزام ما أمر الله فيه من ذلك والوقوف عندما حده تعالى من أن يكون من ~~العادين المذمومين في قوله تعالى # {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] . وما تخلل الآي ~~المذكورات ونسق عليها مما ليس من الحكم المذكور فلاستجرار الآي إياه ~~واستدعائه، ومظنة استيفاء ذلك وبيان ارتباطه التفسير، وليس من شرطنا هنا - ~~والله سبحانه وتعالى يوفقنا لفهم كتابه - انتهى. # ولما كان مبنى هذه الدار على الأنساب في التوارث والإمامة والنكاح وغير ~~ذلك، ومبنى تلك الدار على الأعمال لقوله تعالى # PageV13P203 # {فلا أنساب بينهم يومئذ} [المؤمنون: 101] وكان قد حث في آخر تلك على ~~الستر والرحمة، حذر رحمة منه في أول هذه من لبس الأنساب، وكسب الأعراض وقطع ~~الأسباب، معلما أن الستر والرقة ليسا على عمومهما، بل على ما يحده سبحانه، ~~فقال مخاطبا للأئمة ومن يقيمونه: {الزانية} ms3153 وهي من فعلت الزنى، وهو إيلاج ~~فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا، وقدمها لأن أثر الزنى يبدو عليها من ~~الحبل وزوال البكارة، ولأنها أصل الفتنة بهتك ما أمرت به من حجاب التستر ~~والتصون والتحذر {والزاني} . # ولما كان «ال» بمعنى الاسم الموصول، أدخل الفاء في الخبر فقال: {فاجلدوا} ~~أي فاضربوا وإن كان أصله ضرب الجلد بالسوط الذي هو جلد {كل واحد منهما} إذا ~~لم يكن محصنا، بل كان مكلفا بكرا - بما بينته السنة الشريفة {مائة جلدة} ~~فبدأ بحد الزنى المشار إليه أول تلك بقوله تعالى {فمن ابتغى وراء ذلك ~~فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] وفي التعبير بلفظ الجلد الذي هو ضرب ~~الجلد إشارة إلى أنه يكون مبرحا بحيث يتجاوز الألم إلى اللحم. # ولما كان هذا ظاهرا في ترك الشفقة عليهما، صرح به # PageV13P204 # لأن من شأن كل من يجوز على نفسه الوقوع في مثل ذلك أن يرحمهما فقال: {ولا ~~تأخذكم} أي على حال من الأحوال {بهما رأفة} أي لين، ولعله عبر بها إعلاما ~~بأنه لم ينه عن مطلق الرحمة، لأن الرأفة أشد الرحمة أو أرقها وتكون عن ~~أسباب من المرؤوف به، وكذا قوله: {في دين الله} أي الذي شرعه لكم الملك ~~المحيط بصفات الكمال - إشارة إلى أن الممنوع منه رحمة تؤدي إلى ترك الحد أو ~~شيء منه أو التهاون به أو الرضى عن منتهكه لا رقة القلب المطبوع عليها ~~البشر كما يحكى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه بكى يوم فتحت قبرص وضربت ~~رقاب ناس من أسراها فقيل له: هذا يوم سرور، فقال: هو كذلك، ولكني أبكي رحمة ~~لهؤلاء العباد الذين عصوا الله فخذلهم وأمكن منهم. # ولما علم سبحانه ما طبع عليه عباده من رحمة بعضهم لبعض فحث على هذا الحكم ~~بالأمر والنهي، زاد في التهييج إليه والحض عليه بقوله: {إن كنتم} أي بما هو ~~كالجبلة التي لا تنفك {تؤمنون بالله} أي الملك الأعظم الذي هو أرحم ~~الراحمين، فما شرع ذلك إلا رحمة للناس عموما وللزانيين خصوصا، فمن نقص سوطا ~~فقد ms3154 ادعى أنه أرحم منه، ومن زاد سوطا فقد ظن أنه أحكم وأعظم منه. # PageV13P205 # ولما ذكر بالإيمان الذي من شرطه التزام الأحكام، وكان الرجاء غالبا على ~~الإنسان، أتبعه ما يرهبه فقال: {واليوم الآخر} الذي يحاسب فيه على النقير ~~والقطمير والخفي والجلي. ولما كان الخزي والفضيحة أعظم عند بعض الناس من ~~ضرب السيف فضلا عن ضرب السوط قال: {وليشهد} أي يحضر حضورا تاما {عذابهما ~~طائفة} أي جماعة يمكن إطافتها أي تحلقها وحفوفها بكل منهما {من المؤمنين*} ~~العريقين إشهارا لأمرهما نكالا لهما، وعن نصر بن علقمة أن ذلك ليدعى لهما ~~بالتوبة والرحمة. وفي كل هذا إشارة ظاهرة إلى أن إقامة الحدود والغلظة فيها ~~من رحمته سبحانه المشار إليها بقوله {وأنت خير الراحمين} [المؤمنون: 118] . # PageV13P206 # ولما كان في ذلك من الغلظة على الزاني لما ارتكب من الحرام المتصف بالعار ~~ما يفهم مجانبته، صرح به، مانعا من نكاح المتصف بالزنى من ذكر وأنثى، ~~إعلاما بأن وطء من اتصف به من رجل أو امرأة لا يكون إلا زنى وإن كان بعقد، ~~فقال واصلا له بما قبله: # PageV13P206 # {الزاني لا ينكح} أي لا يتزوج {إلا زانية أو مشركة} أي المعلوم اتصافه ~~بالزنى مقصور نكاحه على زانية أو مشركة، وذلك محرم، فهذا تنفير للمسلمة عن ~~نكاح المتصف بالزنى حيث سويت بالمشركة إن عاشرته، وذلك يرجع إلى أن من نكحت ~~زانيا فهي زانية أو مشركة، أي فهي مثله أو شر منه، ولو اقتصر على ذلك لم ~~يكن منع من أن ينكح العفيف الزانية، فقال تعالى مانعا من ذلك: {والزانية لا ~~ينكحها} أي لا يتزوجها {إلا زان أو مشرك} أي والمعلوم اتصافها بالزنى مقصور ~~نكاحها على زان أو مشرك، وذلك محرم فهو تنفير للمسلم أن يتزوج من اتصفت ~~بالزنى حيث سوى في ذلك بالمشرك، وهو يرجع إلى أن من نكح زانية فهو زان أو ~~مشرك، أي فهو مثلها أو شر منها، وأسند النكاح في الموضعين إلى الرجل تنبيها ~~إلى أن النساء لا حق لهن في مباشرة العقد؛ ثم صرح بما أفهمه صدر ms3155 الاية ~~بقوله مبنيا للمفعول لأن ذلك يكفي المؤمن الذي الخطاب معه: {وحرم ذلك} أي ~~نكاح الزاني والزانية تحريما لا مثنوية فيه {على المؤمنين*} وعلم من هذا أن ~~ذكر المشرك والمشركة لزيادة التنفير، ثم إن هذا الحكم فسخ كما قال إمامنا ~~الشافعي رحمه الله موافقة لابن المسيب بقوله تعالى {وأنكحوا الأيامى منكم} ~~[النور: 32] وهو جمع أيم وهو من لا زوج له من الذكور والإناث، فأحل للزاني # PageV13P207 # أن ينكح من شاء، وللزانية أن تنكح من شاءت، وقراءة من قرأ {لا ينكح} ~~بالنهي راجعة إلى هذا، لأن الطلب قد يجيء للخبر كما يجيء الخبر للطلب - ~~والله أعلم؛ قال الشافعي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه في الأم في جزء ~~مترجم بأحكام القرآن وفي جزء بعد كتاب الحج الكبير والصغير والضحايا: ما ~~جاء في نكاح المحدثين، فذكر الآية وقال: اختلف أهل التفسير في هذه الاية ~~اختلافا متباينا، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن مجاهد أن هذه الآية ~~نزلت في بغايا من بغايا الجاهلية كانت على منازلهن رايات، قال في الجزء ~~الآخر: وكن غير محصنات، فأراد بعض المسلمين نكاحهن فنزلت الآية بتحريم أن ~~ينكحن إلا من أعلن بمثل ما أعلن به أو مشركا، وقيل كن زواني مشركات فنزلت ~~لا ينكحهن إلا زان مثلهم مشرك، أو مشرك وإن لم يكن زانيا، وحرم ذلك على ~~المؤمنين، وقيل: هي عامة ولكنها نسخت، أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن ~~سعيد بن المسيب أنه قال: هي منسوخة نسختها # {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] فهي من أيامي المسلمين، فهذا كما قال ~~ابن المسيب إن شاء الله تعالى، وعليه # PageV13P208 # دلائل من الكتاب والسنة، ثم استدل على فساد غير هذا القول بأن الزانية إن ~~كانت مشركة فهي محرمة على زناة المسلمين وغير زناتهم بقوله تعالى {ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] ولا خلاف في ذلك، وإن كانت مسلمة ~~فهي بالإسلام محرمة على جميع المشركين بكل نكاح بقوله تعالى {فإن علمتموهن ~~مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ms3156 يحلون لهن} [الممتحنة: ~~10] ولا خلاف في ذلك أيضا، وبأنه لا اختلاف بين أحد من أهل العلم أيضا في ~~تحريم الوثنيات عفائف كن أو زواني على من آمن زانيا كان أو عفيفا، وبأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم جلد بكرا في الزنى وجلد امرأة ولم نعلمه قال ~~للزاني: هل لك زوجة فتحرم عليك إذا زنيت، ولا يتزوج هذا الزاني ولا الزانية ~~إلا زانية أو زانيا، بل قد يروى أن رجلا شكا من امرأته فجورا فقال: طلقها، ~~قال: إني أحبها، قال: استمتع بها - يشير إلى ما رواه ابو داود والنسائي ~~وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: «إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال: طلقها، قال: إني لا أصبر ~~عنها، قال: فأمسكها» ورواه البيهقي والطبراني من حديث جابر رضي الله عنه، ~~وقال شيخنا ابن حجر: إنه حديث حسن صحيح - انتهى. قال الشافعي: وقد روي عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه # PageV13P209 # قال لرجل اراد أن ينكح امرأة أحدثت: أنكحها نكاح العفيفة المسلمة - انتهى ~~بالمعنى. وقال في الجزء الذي بعد الحج: فوحدنا الدلالة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في زانية وزان من المسلمين لم نعلمه حرم على واحد منهما أن ~~ينكح غير زانية ولا زان، ولا حرم واحدا منهما على زوجه؛ ثم قال: فالاختيار ~~للرجل أن لا ينكح زانية وللمرأة أن لا تنكح زانيا، فإن فعلا فليس ذلك بحرام ~~على واحد منهما، ليست معصية واحد منهما في نفسه تحرم عليه الحلال إذا أتاه، ~~ثم قال: وسواء حد الزاني منهما أو لم يحد، أو قامت عليه بينة أو اعترف، لا ~~يحرم زنى واحد منهما ولا زناهما ولا معصية من المعاصي الحلال إلا أن يختلف ~~ديناهما بشرك وإيمان - انتهى. وقد علم أنه لم يرد أن هذا الحكم نسخ بآية ~~الأيامى فقط، بل بما انضم إليها من الإجماع وغيره من الآيات والأحاديث بحيث ~~صير ذلك دلالتها على ما تناولته متيقنا كدلالة الخاص على ما ms3157 تناوله، فلا ~~يقال: إن الشافعي رحمه الله خالف أصله في أن الخاص لا ينسخ بالعام، لأن ما ~~تناوله الخاص متيقن، وما تناوله العام ظاهر مظنون، وكان هذا الحكم - وهو ~~الحرمة في أول الإسلام بعد الهجرة - لئلا يغلب حال المفسد على المصلح فيختل ~~بعض الأمر كما أشير إليه في البقرة # {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] وفي # PageV13P210 # المائدة عند {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} [المائدة: 5] وهو من وادي ~~قوله: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل خليل بالمخالل يقتدي # والجنسية علة الضم، والمشاكلة سبب المواصلة، والمخالفة توجب المباعدة ~~وتحرم المؤالفة، وقد روى أبو داود في الأدب والترمذي في الزهد - وقال: حسن ~~غريب - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرجل ~~على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» وروى الإمام أبو يعلى الموصلي في ~~مسنده قال: حدثنا يحيى بن معين حدثنا سعيد بن الحكم حدثنا يحيى بن أيوب ~~حدثني يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: كانت امرأة بمكة مزاحة، ~~يعني فهاجرت إلى المدينة الشريفة، فنزلت على امرأة شبه لها، فبلغ ذلك عائشة ~~رضي الله عنها فقالت صدق حبي! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» قال: ولا ~~أعلم إلا قال في الحديث: ولا نعرف تلك المرأة، وسيأتي {والطيبات للطيبين} ~~تخريج «الأرواح جنود مجندة» وقال الإمام أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري في ~~كتاب المجالسة: حدثنا # PageV13P211 # أحمد بن علي الخزاز حدثنا مصعب بن عبد الله عن أبي غزية الأنصاري قال: ~~قال الشعبي: يقال: إن لله ملكا موكلا بجمع الأشكال بعضها إلى بعض - انتهى. ~~وعزاه شيخنا الحافظ أبو الفضل بن حجر في تخريج أحاديث مسند الفردوس إلى أنس ~~رضي الله عنه وقال: بتأليف الأشكال. ويروى أن أمير المؤمنين علي ابن أبي ~~طالب رضي الله عنه خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من مقدمه عليهم فقال: يا ~~أهل الكوفة، قد علمنا شراركم من خياركم، ms3158 فقالوا: كيف وما لك إلا ثلاثة ~~أيام؟ فقال: كان معنا شرار وخيار، فانضم خيارنا إلى خياركم، وشرارنا إلى ~~شراركم، فلما تقررت الأحكام، وأذعن الخاص والعام، وضرب الدين بجرانه، ولم ~~يخش وهي شيء من بنيانه، نسخت الحرمة، وبقيت الكراهة أو خلاف الأولى - والله ~~الموفق. وهذا كله توطئة لبراءة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كما يأتي ~~إيضاحه عنه {والطيبات للطيبين} لأنها قرينة خير العالمين وأتقاهم وأعفهم، ~~ولأن كلا منها ومن صفوان رضي الله عنهما بعيد عما رمى به شهير بضده، وإليه ~~الإشارة # «بقول النبي صلى الله عليه وسلم: من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي، ~~والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا» # PageV13P212 # وفي رواية «ما علمت عليه من سوء قط، ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر» ~~وبقول عائشة رضي الله عنها عن صفوان رضي الله عنه: إنه قتل شهيدا في سبيل ~~الله. وهذا سوى الآيات المصرحة والأعلام المفصحة، فهو {والطيبون} تلويح قبل ~~بيان، وتصريح وإشارة بعد عبارة وتوضيح، ليجتمع في براءة الصديقة رضي الله ~~عنها دليلان عقليان شهوديان اكتنفا الدليل النقلي فكانا سورا عليه، وحفظا ~~من تصويب طعن إليه، وفي ذلك من فخامة أمرها وعظيم قدرها ما لا يقدره حق ~~قدره إلا الذي خصها به. # PageV13P213 # ولما نفر سبحانه من نكاح من اتصف بالزنى من رجل أو امرأة، وبدأ - لأن ~~نكاح المرأة للزاني مظنة لزناها - بتنفير الإناث بما يوهم جواز إطلاق الزنى ~~عليهن بمجرد نكاح من علم زناه، وذلك بعد أن ابتدأ في حد الزنى بالأنثى أيضا ~~لأن زناها أكبر شرا، وأعظم فضيحة وضرا، عطف على ذلك تحريم القذف بما يوجب ~~تعظيم الرغبة في الستر وصيانة الأعراض وإخفاء الفواحش، فقال ذاكرا الجمع ~~لأن الحكم بإقامة الحد عليه # PageV13P213 # يفهم إقامة الحد على الواحد من باب الأولى ولا إيهام فيه لأن الجمع إذا ~~قوبل بالجمع أفهم التوزيع: {والذين يرمون} أي بالزنى {المحصنات} جمع محصنة، ~~وهي هنا المسلمة الحرة المكلفة العفيفة، والمراد القذف بالزنى بما ms3159 أرشد ~~إليه السياق سابقا ولاحقا، ذكورا كان الرامون أو إناثا بما أفهمه الموصول، ~~وخص الإناث وإن كان الحكم عاما للرجال تنبيها على عظيم حق أم المؤمنين ~~عائشة رضي الله عنها، ولأن الكلام في حقهن أشنع. # ولما كان إقدام المجترىء على القذف مع ما شرطه فيه لدرء الحد إرادة الستر ~~- بعيدا، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم لم يأتوا} أي إلى الحاكم ~~{بأربعة شهداء} ذكور {فاجلدوهم} أيها المؤمنون من الأئمة ونوابهم {ثمانين ~~جلدة} لكل واحد منهم، لكل محصنة، إن لم يكن القاذف أصلا، إن كانوا أحرارا، ~~وحد العبد نصف ذلك لآية النساء {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} ~~[النساء: 25] فهذه الآية مخصوصة بتلك إذ لا فرق بين الذكر والأنثى ولا بين ~~حد الزنى وحد القذف {ولا تقبلوا لهم} أي بعد قذفهم على هذا الوجه {شهادة} # PageV13P214 # أي شهادة كانت {أبدا} للحكم بافترائهم، ومن ثبت افتراؤه سقط الوثوق ~~بكلامه. # ولما كان التقدير: فإنهم قد افتروا، عطف عليه تحذيرا من الإقدام عن غير ~~تثبيت: {وأولئك} أي الذين تقدم ذمهم بالقذف فسفلت رتبتهم جدا {هم ~~الفاسقون*} أي المحكوم بفسقهم الثابت لهم هذا الوصف وإن كان القاذف منهم ~~محقا في نفس الأمر. # ولما كان من أصل الشافعي رحمه الله أن الاستثناء المتعقب للجمل المتواصلة ~~المتعاطفة بالواو عائد إلى الجميع سواء كانت من جنس أو أكثر إلا إذا منعت ~~قرينة، أعاد الاستثناء هنا إلى الفسق ورد الشهادة دون الحكم بالجلد، لأن من ~~تمام التوبة الاستسلام للحد والاستحلال منه، ولقرينة كونه حق آدمي وهو لا ~~يسقط بالتوبة، في قوله تعالى: {إلا الذين تابوا} أي رجعوا عما وقعوا فيه من ~~القذف وغيره وندموا عليه وعزموا على أن لا يعودوا كما بين في البقرة في ~~قوله تعالى {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} [البقرة: 160] وأشار إلى أن ~~الجلد لا يسقط بالتوبة بقوله مشيرا بإدخال الجار إلى أن قبولها لا يتوقف ~~على استغراقها الزمان الآتي: {من بعد ذلك} أي الأمر الذي أوجب إبعادهم وهو ~~الرمي # PageV13P215 # والجلد، فإن التوبة لا تغير حكم ms3160 الرامي في الجلد، وإنما تغيره في رد ~~الشهادة وما تسببت عنه وهو الفسق، وأشار إلى شروط التوبة بقوله: {وأصلحوا} ~~أي بعد التوبة بمضي مدة يظن بها حسن الحال، وهي سنة يعتبر بها حال التائب ~~بالفصول الأربعة التي تكشف الطباع. # ولما كان استثناؤهم من رد الشهادة والفسق، فكان التقدير: فاقبلوا شهادتهم ~~ولا تصفوهم بالفسق، علله بقوله: {فإن الله} أي الذي له صفات الكمال {غفور} ~~أي ستور لهم ما أقدموا عليه لرجوعهم عنه {رحيم*} أي يفعل بهم من الإكرام ~~فعل الراحم بالمرحوم في قبول الشهادة. # ولما كان لفظ المحصنات عاما للزوجات، وكان لهن حكم غير ما تقدم، أخرجهن ~~بقوله: {والذين يرمون} أي بالزنى {أزواجهم} أي من المؤمنات الأحرار والإماء ~~والكافرات {ولم يكن لهم} بذلك {شهداء إلا أنفسهم} وهذا يفهم أن الزوج إذا ~~كان أحد الأربعة كفى، لكن يرد هذا المفهوم كونه حكاية واقعة لا شهود فيها، ~~وقوله في الآية قبلها: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} فإنه يقتضي كون الشهداء ~~غير الرامي، ولعله استثناه من الشهداء لأن لعانه يكون بلفظ الشهادة، ومذهب ~~الشافعي رضي الله عنه أنه لا يقبل في ذلك على زوجته - قال ابن الرفعة في ~~الكفاية: لأمرين: أحدهما أن الزنى تعرض لمحل حق # PageV13P216 # الزوج، فإن الزاني مستمتع بالمنافع المستحقة له، فشهادته في صفتها تتضمن ~~إثبات جناية الغير على ما هو مستحق له فلم تسمع، كما إذا شهد أنه جنى على ~~عبده، والثاني أن من شهد بزنى زوجته فنفس شهادته تدل على إظهار العداوة، ~~لأن زناها يوغر صدره بتلطيخ فراشه وإدخال العار عليه وعلى ولده، وهو أبلغ ~~في العداوة من مؤلم الضرب وفاحش السب، قال القاضي الحسين: وإلى هذه العلة ~~أشار الشافعي رحمه الله وهي التي حكاها القاضي أبو الطيب في باب حد قاطع ~~الطريق عن الشيخ أبي حامد. {فشهادة أحدهم} أي على من رماها {أربع شهادات} ~~من خمس في مقابلة أربعة شهداء {بالله} أي مقرونة بهذا الاسم الكريم الأعظم ~~الموجب لاستحضار جميع صفات الجلال والجمال {إنه لمن الصادقين*} أي فيما ~~قذفها ms3161 به {والخامسة أن لعنت الله} أي الملك الأعظم {عليه} أي هذا القاذف ~~نفسه {إن كان من الكاذبين*} فيما رماها به، ولأجل قطعه بهذه الأيمان ~~الغليظة بصدقه وحكم الله بخلاصه انتفى عنه الولد، فلزم من نفيه الفرقة ~~المؤبدة من غير لفظ لعدم صلاحيتها أن تكون فراشا له، لأن الولد للفراش، ولا ~~يصح # PageV13P217 # اللعان إلا عند حاكم، ولا يخفى ما في هذا من الإبعاد عن القذف بوجوب مزيد ~~الاحتياط، لما في ذلك من التكرير والاقتران بالاسم الأعظم، والجمع بين ~~الإثبات وما يتضمن النفي، والدعاء باللعن المباعد لصفة المؤمن، فإذا فعل ~~الزوج ذلك سقط عنه العذاب بحد القذف وأوجبه على المقذوفة، فلذلك قال تعالى: ~~{ويدرؤا} أي يدفع {عنها} أي المقذوفة {العذاب} أي المعهود، وهو الحد الذي ~~أوجبه عليها ما تقدم من شهادة الزوج {أن تشهد أربع شهادات} من خمس {بالله} ~~الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى كما تقدم في الزوج {إنه لمن ~~الكاذبين*} فيما قاله عنها {والخامسة} من الشهادات {أن غضب الله} الذي له ~~الأمر كله فلا كفوء له {عليها} وهو أبلغ من اللعن الذي هو الطرد، لأنه قد ~~يكون بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يعضد ~~الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو ~~صادق، ولأنها مادة الفساد، وهاتكة الحجاب، وخالطة الأنساب {إن كان} أي كونا ~~راسخا {من الصادقين*} أي فيما رماها به؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ~~ابن عباس وغيره رضي الله عنهم # «أن # PageV13P218 # هلال بن أمية رضي الله عنه قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~بشريك بن سحماء رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم:» البينة وإلا ~~حدا في ظهرك «، قال يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق ~~يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: البينة وإلا حدا في ~~ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق! إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري ~~من الحد، فنزل جبريل عليه السلام وأنزل ms3162 عليه {والذين يرمون أزواجهم} فقرأ ~~حتى بلغ {إن كان من الصادقين} فانصرف النبي صلى الله صلى عليه وسلم فأرسل ~~إليهما، فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:» إن الله يعلم أن ~~أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ «ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة ~~وقفوها وقالوا: إنها موجبة، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا ~~أفضح قومي سائر اليوم. فمضت، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:» أبصروها فإن ~~جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء «، ~~فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله ~~لكان لي ولها شأن» وقد روى البخاري أيضا عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن سبب ~~نزولها قصة مثل هذه لعويمر، وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة ~~عدة أسباب # PageV13P219 # معا أو متفرقة. # ولما حرم الله سبحانه بهذه الجمل الأعراض والأنساب، فصان بذلك الدماء ~~والأموال، علم أن التقدير: فلولا أنه سبحانه خير الغافرين وخير الراحمين، ~~لما فعل بكم ذلك، ولفضح المذنبين، وأظهر سرائر المستخفين، ففسد النظام، ~~وأطبقتم على التهاون بالأحكام، فعطف على هذا الذي علم تقديره قوله: {ولولا ~~فضل الله} أي بما له من الكرم والجمال، والاتصاف بصفات الكمال {عليكم ~~ورحمته} أي بكم {وأن الله} أي الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة {تواب} أي رجاع ~~بالعصاة إليه {حكيم*} يحكم الأمور فيمنعها من الفساد بما يعلم من عواقب ~~الأمور، لفضح كل عاص، ولم يوجب أربعة شهداء سترا لكم، ولأمر بعقوبته بما ~~توجبه معصيته، ففسد نظامكم، واختل نقضكم وإبرامكم، ونحو ذلك مما لا يبلغ ~~وصفه، فتذهب النفس فيه كل مذهب، فهو كما قالوا: رب مسكوت عنه أبلغ من منطوق ~~به، ثم علل ما اقتضته {لولا} من نحو: ولكنه لم يفعل ذلك إفضالا عليكم ورحمة ~~لكم، بقوله على وجه التأكيد لما عرف من حال كثير ممن غضب لله ولرسوله من ~~إرادة العقوبة للآفكين بضرب الأعناق، منبها لهم على أن ذلك يجر إلى ms3163 مفسدة ~~كبيرة: {إن الذين جاءو بالإفك} # PageV13P220 # أي أسوأ الكذب لأنه القول المصروف عن مدلوله إلى ضده، المقلوب عن وجهه ~~إلى قفاه، وعرف زيادة تبشيع له في هذا المقام، حتى كأنه لا إفك إلا هو لأنه ~~في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي من أحق الناس بالمدحة لما كانت ~~عليه من الحصانة والشرف والعفة والكرم، فمن رماها بسوء فقد قلب الأمر عن ~~أحسن وجوهه إلى أقبح أقفائه، وترك تسميتها تنزيها لها عن هذا المقام، ~~إبعادا لمصون جانبها العلي عن هذا المرام {عصبة} أي جماعة أقلهم عشرة ~~وأكثرهم أربعون، فهم لكونهم عصبة يحمى بعضهم لبعض فيشتد أمرهم، لأن مدار ~~مادة «عصب» على الشدة، وهم مع ذلك {منكم} أي ممن يعد عندكم في عداد ~~المسلمين، فلو فضحهم الله في جميع ما أسروه وأعلنوه، وأمركم بأن تعاقبوهم ~~بما يستحقون على ذلك، لفسدت ذات البين، بحمايتهم لأنفسهم وهم كثير، وتعصب ~~أودائهم لهم، إلا بأمر خارق يعصم به من ذلك كما كشفت عنه التجربة حين خطب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال: # «من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي» حين كادوا يقتتلون لولا أن سكنهم # PageV13P221 # النبي صلى الله عليه سلم، فالله سبحانه برحمته بكم يمنع من كيدهم ببيان ~~كذبهم، وبحكمته يستر عليهم ويخيفهم، لتنحسم مادة مكرهم، وتنقطع أسباب ضرهم. # ولما كان هذا مقتضيا للاهتمام بشأنهم، أتبعه قوله، تحقيرا لأمرهم مخاطبا ~~للخلص وخصوصا النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعائشة وأمها وصفوان بن ~~المعطل رضي الله عنهم: {لا تحسبوه} أي الإفك {شرا لكم} أيها المؤمنون بأن ~~يصدقه أحد أو تنشأ عنه فتنة {بل هو خير لكم} بثبوت البراءة الموجبة للفخر ~~الذي لا يلحق، بتلاوتها على مر الدهور بألسنة من لا يحصى من العباد، في ~~أكثر البلاد، وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والصديقين بذلك، مع الثواب ~~الجزيل، بالصبر على مرارة هذا القيل، وثبوت إعجاز القرآن بعد أعجازه ~~بالبلاغة بصدقه في صيانة من أثنى عليها في ذلك الدهر الطويل، الذي عاشته مع ~~رسول الله ms3164 صلى الله عليه وسلم وبعده إلى أن ماتت رضي الله تعالى عنها أتقى ~~الناس ديانة، وأظهرهم صيانة، وأنقاهم عرضا، وأطهرهم نفسا، فهو لسان صدق في ~~الدنيا، ورفعة منازل في الآخرة إلى غير # PageV13P222 # ذلك من الحكم، التي رتبها بارىء النسم، من الفوائد الدينية والأحكام ~~والآداب. # ولما كان لا شفاء لغيظ الإنسان أعظم من انتصار الملك الديان له، علل ذلك ~~بقوله: {لكل امرئ منهم} أي الآفكين {ما} أي جزاء ما {اكتسب} بخوضه فيه {من ~~الإثم} الموجب لشقائه، وصيغة الافتعال من «كسب» تستعمل في الذنب إشارة إلى ~~أن الإثم يرتب على ما حصل فيه تصميم وعزم قوي صدقه العمل بما فيه من الجد ~~والنشاط، وتجرد في الخير إشارة إبى أن الثواب يكتب بمجرد فعل الخير بل ~~ونيته {والذي تولى كبره} أي معظمه بإشاعته والمجاهرة به {منهم له} بما يخصه ~~لإمعانه في الأذى {عذاب عظيم*} أي أعظم من عذاب الباقين، لأنهم لم يقولوا ~~شيئا إلا كان عليه مثل وزره من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا، وقصه الإفك ~~معروفة في الصحيح والسنن وغيرها شهيرة جدا، وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم غزا بني المصطلق بعد ما أنزلت آية الحجاب، وكانت معه الصديقة بنت ~~الصديق زوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تحمل هودج لها، ~~فافتقدت عقدا لها ليلة فرجعت إلى الموضع الذي تخلت # PageV13P223 # فيه فالتمسته، فرحل النبي صلى الله عليه وسلم وحمل جمالوها هودجها وهم ~~يظنونها فيه، فلما رجعت فلم تجد أحدا اضطجعت مكان هودجها رجاء أن يعلموا ~~بها فيرجعوا، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني رضي الله عنه قد عرس ~~من وراء الجيش، فأصبح في مكانهم، فلما رآها وكان يراها قبل الحجاب استرجع ~~وأناخ راحلته فوطىء على يدها، ولم يتكلم بكلمة غير استرجاعه، فركبت أم ~~المؤمنين رضي الله عنها، ثم أقبل بها حتى لحق بالجيش وهم نزول في نصف ~~النهار، فتكلم أهل الإفك فيهما رضي الله عنهما، وكان من سمي منهم عبد الله ~~بن أبي المنافق، وزيد بن رفاعة، ومسطح ms3165 بن أثاثة، وحمنة بنت جحش وحسان بن ~~ثابت، قال عروة بن الزبير: في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما ~~قال تعالى. وهكذا ذكروا حسان منهم وأنا والله لا أظن به أصلا وإن جاءت ~~تسميته في الصحيح فقد يخطىء الثقة لأسباب لا تحصى، كما يعرف ذلك من مارس ~~نقد الأخبار، وكيف يظن به ذلك ولا شغل له إلا مدح النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمدافعة عنه والذم لأعدائه وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~جبريل عليه السلام معه، فأقسم بالله أن الذي أيده بجبريل ما كان # PageV13P224 # ليكله إلى نفسه في مثل هذه الواقعة، وقد سبقني إلى الذب عنه الحافظ عماد ~~الدين بن كثير الدمشقي رحمه الله وكيف لا ينافح عنه وهو القائل: # فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء # وهو القائل يمدح عائشة رضي الله عنها ويكذب من نقل عنه ذلك: # حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبي الهدى والمكرمات الفواضل # عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زائل # مهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل شين وباطل # فإن كان ما بلغت عني قلته ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي # وكيف وودي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل # له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول # وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: وأنكر قوم أن يكون حسان ~~خاض في الإفك وجلد فيه ورووا عن عائشة رضي الله عنها # PageV13P225 # أنها برأته من ذلك - انتهى. واستمر أهل الإفك في هذا أكثر من شهر، والله ~~تعالى عالم بما يقولون، وأن قولهم يكاد يقطع أكباد أحب خلقه إليه، وهو قادر ~~على تكذيبهم عند أول ما خاضوا فيه، ولكنه سبحانه أراد لناس رفعة الدرجات، ~~ولآخرين الهلاك، فيا لله ما لقي النبي صلى عليه وسلم والصديق وآله رضي الله ~~عنهم وكل من أحبهم وهم خير الناس، والله سبحانه وتعالى يملي ms3166 للآفكين ~~ويمهلهم، وكأن الحال لعمري كما قال أبو تمام الطائي في قصيدة: # كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر # وحين سمعت عائشة رضي الله عنها بقول أهل الإفك سقطت مغشيا عليها وأصابتها ~~حمى بنافض، واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إتيان بيت أبيها فأذن ~~لها فسألت أمها عن الخبر، فأخبرتها فاستعبرت وبكت، وكان أبو بكر رضي الله ~~عنه في علية يقرأ فسمع حسها فنزل فسأل أمها فقالت: بلغها الذي ذكر من ~~شأنها، ففاضت عيناه، واستمرت هي رضي الله عنها تبكي حتى ظنت أن البكاء فالق ~~كبدها، وساعدتها على البكاء امرأة من أولي الوفاء والمؤاساة والكرم ~~والإيثار ومعالي الشيم: الأنصار رضي الله عنهم، فكانت تبكي معها، وسأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها جاريتها # PageV13P226 # بريرة رضي الله عنها فاستعظمت أن يظن في عائشة رضي الله عنها مثل ذلك ~~فقالت: سبحان الله! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب ~~الأحمر، وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على المنبر واستعذر ممن ~~تكلم في أهله وما علم عليهم إلا خيرا، وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو الصادق المصدوق بصلاح صفوان بن المعطل رضي الله عنه وأنه ما علم عليه ~~إلا خيرا، فكاد الناس يقتتلون فسكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دخل ~~بعد أن صلى العصر على عائشة رضي الله عنها وهي تبكي والأنصارية معها ~~فوعظها، فأجابت وأجادت، فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~ذلك المجلس فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، قالت عائشة رضي الله عنها: فأما ~~أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فزعت وما باليت، قد عرفت أني ~~بريئة، وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده! ما سري عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي ~~الله بتحقيق ما قاله الناس، قالت: فرفع عنه ms3167 وإني لأتيبن السرور في وجهه وهو ~~يمسح عن جبينه العرق ويقول: # «أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك» ، فكنت اشد ما كنت غضبا، فقال لي ~~أبواي: قومي إليه! فقلت: والله لا أقوم إليه # PageV13P227 # ولا أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه ~~فما أنكرتموه ولا غيرتموه، وأنزل الله تعالى: {إن الذين جاؤوا بالإفك} ~~العشر الآيات كلها، قالت عائشة رضي الله عنها: والله إن الرجل الذي قيل له ~~ما قيل ليقول: سبحان الله! والذي نفسي بيده! ما كشفت كنف أنثى قط. قالت: ثم ~~قتل بعد ذلك شهيدا في سبيل الله. # PageV13P228 # ولما أخبر سبحانه وتعالى بعقابهم، وكان من المؤمنين من سمعه فسكت، وفيهم ~~من سمعه فتحدث به متعجبا من قائله، أو مستثبتا في أمره، ومنهم من كذبه، ~~أتبعه سبحانه بعتابهم، في أسلوب خطابهم، مثنيا على من كذبه، فقال مستأنفا ~~محرضا: {لولا} أي هلا ولم لا {إذ سمعتموه} أيها المدعون للإيمان. ولما كان ~~هذا الإفك قد تمالأ عليه رجال ونساء قال: {ظن المؤمنون} أي منكم ~~{والمؤمنات} وكان الأصل: ظننتم، ولكنه التفت إلى الغيبة تنبيها على ~~التوبيخ، وصرح بالنساء، ونبه على الوصف المقتضي لحسن الظن تخويفا للذي ظن ~~السوء من سوء الخاتمة: {بأنفسهم} حقيقة {خيرا} وهم دون من كذب عليها، ~~فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن بالناس إلا ما هو متصف به أو بإخوانهم، ~~لأن المؤمنين كالجسد الواحد، أو ظنوا # PageV13P228 # ما يظن بالرجل لو خلا بأمه، وبالمرأة إذا خلت بابنها، فإن نساء النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمهات المؤمنين {وقالوا هذا إفك} أي كذب عظيم خلف منكب على ~~وجهه {مبين*} أي واضح في نفسه، موضح لغيره، وبيانه وظهوره أن المرتاب يكاد ~~يقول: خذوني فهو يسعى في التستر جهده، فإتيان صفوان بعائشة رضي الله عنها ~~راكبة على جملة داخلا به الجيش في نحر الظهيرة والناس كلهم يشاهدون ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ينزل عليه الوحي، إدلالا بحسن عمله، ~~غافلا عما يظن به أهل الريب، أدل دليل على البراءة ms3168 وكذب القاذفين، ولو كان ~~هناك أدنى ريبة لجاء كل منهما وحده على وجه من التستر والذعر، تعرف به ~~خيانته، فالأمور تذاق، ولا يظن الإنسان بالناس إلا ما في نفسه، ولقد عمل ~~أبو أيوب الأنصاري وصاحبته رضي الله عنهما بما أشارت إليه هذه الآية؛ قال ~~ابن اسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب ~~خالد بن زيد رضي الله عنه قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب ألا تسمع ما ~~يقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟ قال: بلى وذلك كذب، أكنت يا أم أيوب ~~فاعلة؟ قالت لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك. وروى ~~البغوي أنه قال: سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت الآية على وفق قوله رضي الله ~~عنه. ثم علل سبحانه # PageV13P229 # بيان كذب الآفكين بأن قال موبخا لمن اختلقه وأذاعه ملقنا لمن ندبه إلى ظن ~~الخير: {لولا} أي هلا ولم لا {جاءو} أي المفترون له أولا {عليه} إن كانوا ~~صادقين {بأربعة شهداء} كما تقدم أن القذف لا يباح إلا بها. # ولما تسبب عن كونهم لم يأتوا بالشهداء كذبهم قال: {فإذ} أي فحين {لم ~~يأتوا بالشهداء} أي الموصوفين {فأولئك} أي البعداء من الصواب {عند الله} أي ~~في حكم الملك الأعلى، بل وفي هذه الواقعة بخصوصها في علمه {هم الكاذبون*} ~~أي الكذب العظيم ظاهرا وباطنا. # ولما بين لهم بإقامة الدليل على كذب الخائضين في هذا الكلام أنهم استحقوا ~~الملام، وكان ذلك مرغبا لأهل التقوى، بين أنهم استحقوا بالتقصير في الإنكار ~~عموم الانتقام في سياق مبشر بالعفو، فقال عاطفا على {ولولا} الماضية: ~~{ولولا فضل الله} أي المحيط بصفات الكمال {عليكم ورحمته} أي معاملته لكم ~~بمزيد الإنعام، الناظر إلى الفضل والإكرام، اللازم للرحمة {في الدنيا} ~~بقبول التوبة والمعاملة بالحلم {والآخرة} بالعفو عمن يريد أن يعفو عنه منكم ~~{لمسكم} أي عاجلا عموما {في ما أفضتم} أي اندفعتم على أي وجه كان {فيه} ~~بعضكم حقيقة، وبعضكم مجازا بعدم الإنكار {عذاب عظيم*} أي # PageV13P230 # يحتقر معه اللوم ms3169 والجلد، بأن يهلك فيتصل به عذاب الآخرة؛ ثم بين وقت ~~حلوله وزمان تعجيله بقوله: {إذ} أي مسكم حين {تلقونه} أي تجتهدون في تلقي ~~أي قبول هذا الكلام الفاحش وإلقائه {بألسنتكم} بإشاعة البعض وسؤال آخرين ~~وسكوت آخرين {وتقولون} وقوله: {بأفواهكم} تصوير لمزيد قبحه، وإشارة إلى أنه ~~قول لا حقيقة له، فلا يمكن ارتسامه في القلب بنوع دليل؛ وأكد هذا المعنى ~~بقوله: {ما ليس لكم به علم} أي بوجه من الوجوه، وتنكيره للتحقير {وتحسبونه} ~~بدليل سكوتكم عن إنكاره {هينا وهو} أي والحال أنه {عند الله} أي الذي لا ~~يبلغ أحد مقدار عظمته {عظيم*} أي في حد ذاته ولو كان في غير أم المؤمنين ~~رضي الله عنها، فكيف وهو في جنابها المصون، وهي زوجة خاتم الأنبياء وإمام ~~المرسلين عليه أفضل الصلاة وأفضل التسليم. # ولما بين فحشه وشناعته، وقبحه وفظاعته، عطف على التأديب الأول في قوله ~~{لولا إذ سمعتموه} تأديبا فقال: {ولولا إذ} أي وهلا حين {سمعتموه قلتم} أي ~~حين السماع من غير توقف ولا تلعثم، وفصل بين آلة التحضيض والقول المحضض ~~عليه بالظرف لأن الظروف تنزل من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيها، وأنها لا ~~انفكاك لها # PageV13P231 # عنه، ولأن ذكره منبه على الاهتمام به لوجوب المبادرة إلى المحضض عليه: ~~{ما يكون} أي ما ينبغي وما يصح {لنا أن نتكلم} حقيقة بالنطق ولا مجازا ~~بالسكوت عن الإنكار {بهذا} أي بمثله في حق أدنى الناس فكيف بمن اختارها ~~العليم الحكيم لصحبة أكمل الخلق، ثم دللتم على شدة نفرتكم منه بأن وصلتم ~~بهذا النفي قولكم: {سبحانك} تعجبا من أن يخطر بالبال، في حال من الأحوال. # ولما كان تنزيه الله تعالى في مثل ذلك وإن كان للتعجب إشارة إلى تنزيه ~~المقام الذي وقع فيه التعجب تنزيها عظيما، حسن أن يوصل بذلك قوله تعليلا ~~للتعجب والنفي: {هذا بهتان} أي كذب يبهت من يواجه به، ويحيره لشدة ما يفعل ~~في القوى الباطنة، لأنه في غاية الغفلة عنه لكونه أبعد الناس منه؛ ثم هوله ~~بقوله: {عظيم*} والمراد أن الذي ينبغي للإنسان ms3170 أولا أن لا يظن بإخوانه ~~المؤمنين ولا يسمع فيهم إلا خيرا، فإن غلبه الشيطان وارتسم شيء من ذلك في ~~ذهنه فلا يتكلم به، ويبادر إلى تكذيبه. # PageV13P232 # ولما كان هذا كله وعظا لهم واستصلاحا، ترجمه بقوله: {يعظكم الله} أي يرقق ~~قلوبكم الذي له الكمال كله فيمهل بحمله، ولا يمهل بحكمته وعلمه، بالتحذير ~~على وجه الاستعطاف: {أن} أي كراهة لأن # PageV13P232 # {تعودوا لمثله أبدا} أي ما دمتم أهلا لسماع هذا القول؛ ثم عظم هذا الوعظ، ~~وألهب سامعه بقوله: {إن كنتم مؤمنين*} أي متصفين بالإيمان راسخين فيه فإنكم ~~لا تعودون، فإن عدتم فأنتم غير صادقين في دعواكم الاتصاف به {ويبين الله} ~~أي بما له من الاتصاف بصفات الجلال والإكرام {لكم الآيات} أي العلامات ~~الموضحة للحق والباطل، من كل أمر ديني أو دنيوي {والله} أي المحيط بجميع ~~الكمال {عليم} فثقوا ببيانه {حكيم*} لا يضع شيئا إلا في أحكم مواضعه وإن دق ~~عليكم فهم ذلك، فلا تتوقفوا في أمر من أوامره، واعلموا أنه لم يختر لنبيه ~~عليه الصلاة والسلام إلا الخلص من عباده، على حسب منازلهم عنده، وقربهم من ~~قلبه. # ولما كان من أعظم الوعظ بيان ما يستحق على الذنب من العقاب، أدبهم تأديبا ~~ثالثا أشد من الأولين، فقال واعظا ومقبحا لحال الخائضين في الإفك ومحذرا ~~ومهددا: {إن الذين يحبون} عبر بالحب إشارة إلى أنه لا يرتكب هذا مع شناعته ~~إلا محب له، ولا يحبه إلا بعيد عن الاستقامة {أن تشيع} أي تنتشر بالقول أو ~~بالفعل {الفاحشة} أي الفعلة الكبيرة القبح، ويصير لها شيعة يحامون عليها # PageV13P233 # {في الذين آمنوا} ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان فكيف بمن تسنم ذروته، ~~وتبوأ غايته {لهم عذاب أليم} ردعا لهم عن إرادة إشاعة مثل ذلك لما فيه من ~~عظيم الأذى {في الدنيا} بالحد وغيره مما ينتقم الله منهم به {والآخرة} فإن ~~الله يعلم هل كفر الحد عنهم جميع مرتكبهم أم لا {والله} أي المستجمع لصفات ~~الجلال والجمال {يعلم} أي له العلم التام، فهو يعلم مقادير الأشياء ما ظهر ~~منها وما ms3171 بطن وما الحكمة في ستره أو إظهاره أو غير ذلك من جميع الأمور ~~{وأنتم لا تعلمون*} أي ليس لكم علم من أنفسكم فاعلموا بما علمكم الله، ولا ~~تتجاوزوه تضلوا. # PageV13P234 # ولما ختم بالحكم عليهم بالجهل، وكان التقدير كما أرشد إليه ما يأتي من ~~العطف على غير معطوف: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعجل هلاك المحبين ~~لشيوع ذلك بعذاب الدنيا ليكون موصولا بعذاب الآخرة، عطف عليه قوله مكررا ~~التذكير بالمنة بترك المعاجلة حاذفا الجواب، منبها بالتكرير والحذف على قوة ~~المبالغة وشدة التهويل: {ولولا فضل الله} أي الحائز لجميع الجلال والإكرام ~~{عليكم ورحمته} بكم {وأن} أي ولولا أن {الله} أي الذي له القدرة التامة ~~فسبقت رحمته غضبه {رؤوف} بكم في نصب ما يزيل جهلكم بما يحفظ # PageV13P234 # من سرائركم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الحدود، الزاجرة عن الجهل، ~~الحاملة على التقوى، التي هي ثمرة العلم، فإن الرأفة كما تقدم في الحج ~~وغيرها تقيم المرؤوف به لأنها ألطف الرحمة وأبلغها على أقوم سنن حتى تحفظ ~~بمسراها في سره ظهور ما يستدعي العفو، وتارة يكون هذا الحفظ بالقوة بنصب ~~الأدلة، وتارة يضم إلى ذلك الفعل بخلق الهداية في القلب بما للمرؤوف به من ~~الوصلة بسهولة الانقياد وقوة الاستعداد {رحيم*} بما يثبت لكم من الدرجات ~~على ما منحكم به من ثمرات ذلك الحفظ من الأعمال المرضية، والجواب محذوف ~~تقديره: لترككم في ظلمات الجهل تعمهون، فثارت بينكم الفتن حتى تفانيتم ~~ووصلتم إلى العذاب الدائم بعد الهم اللازم. # ولما أخبرهم بأنه ما أنزل لهم هذا الشرع على لسان هذا الرسول الرؤوف ~~الرحيم إلا رحمة لهم، بعد أن حذرهم موارد الجهل، نهاهم عن التمادي فيه في ~~سياق معلم أن الداعي إليه الشيطان العدو، فقال سارا لهم بالإقبال عليهم ~~بالنداء: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {لا تتبعوا} أي بجهدكم ~~{خطوات} أي طريق {الشيطان} أي لا تقتدوا به ولا تسلكوا مسالكه التي يحمل ~~على سلوكها بتزيينها # PageV13P235 # في شيء من الأشياء، وكأنه أشار بصيغة الافتعال إلى العفو عن الهفوات. # ولما ms3172 كان التقدير: فإنه من يتنكب عن طريقه يأت بالحسنى والمعروف، عطف ~~عليه قوله: {ومن يتبع} أي بعزم ثابت من غير أن يكون مخطئا أو ناسيا؛ وأظهر ~~ولم يضمر لزيادة التنفير فقال: {خطوات الشيطان} أي ويقتد به يقع في مهاوي ~~الجهل الناشىء عنها كل شر {فإنه} أي الشيطان {يأمر بالفحشاء} وهي ما أغرق ~~في القبح {والمنكر} وهو ما لم يجوزه الشرع، فهو أولا يقصد أعلى الضلال، فإن ~~لم يصل تنزل إلى أدناه، وربما درج بغير ذلك، ومن المعلوم أن من اتبع من هذا ~~سبيله عمل بعمله، فصار في غاية السفول، وهذا أشد في التنفير من إعادة ~~الضمير في {فإنه على من} والله الموفق. # ولما كان التقدير: فلولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان مع أمره ~~بالقبائح، عطف عليه قوله: {ولولا فضل الله} أي ذي الجلال والإكرام {عليكم} ~~أي بتطهير نفوسكم ورفعها عما تعشقه # PageV13P236 # من الدنايا إلى المعالي {ورحمته} لكم بإكرامكم ورفعتكم بشرع التوبة ~~المكفرة لما جر إليه الجهل من ناقص الأقوال وسفاف الأفعال {ما زكى} أي طهر ~~ونما {منكم} وأكد الاستغراق بقوله: {من أحد} وعم الزمان بقوله: {أبدا ولكن ~~الله} أي بجلاله وكماله {يزكي} أي يطهر وينمي {من يشاء} من عباده، من جميع ~~أدناس نفسه وأمراض قلبه، وإن كان العباد وأخلاقهم في الانتشار والكثرة بحيث ~~لا يحصيهم غيره، فلذلك زكى منكم من شاء فصانه عن هذا الإفك، وخذل من شاء. # ثم ختم الآية بما لا تصح التزكية بدونه فقال: {والله} أي الذي له جميع ~~صفات الكمال {سميع} أي لجميع أقولهم {عليم*} بكل ما يخطر في بالهم، وينشأ ~~عن أحوالهم وأفعالهم، فهو خبير بمن هو أهل للتزكية ومن ليس بأهل لها، ~~فاشكروا الله على تزكيته لكم من الخوض في مثل ما خاض فيه غيركم ممن خذله ~~نوعا من الخذلان، واصبروا على ذلك منهم، ولا تقطعوا إحسانكم عنهم، فإن ذلك ~~يكون زيادة في زكاتكم، وسببا لإقبال من علم فيه الخير منهم، فقبلت توبته، ~~وغسلت حوبته، وهذا المراد # PageV13P237 # من قوله: {ولا يأتل} أي يحلف ms3173 مبالغا في اليمين {أولوا الفضل منكم} الذين ~~جعلتهم بما آتيتهم من العلم والأخلاق الصالحة أهلا لبر غيرهم {والسعة} أي ~~بما أوسعت عليهم في دنياهم. # ولما كان السياق والسباق واللحاق موضحا للمراد، لم يحتج إلى ذكر أداة ~~النفي فقال: {أن يؤتوا} ثم ذكر الصفات المقتضية للإحسان فقال: {أولي ~~القربى} وعددها بأداة العطف تكثيرا لها وتعظيما لأمرها، وإشارة إلى أن صفة ~~منها كافية في الإحسان، فكيف إذا اجتمعت! فقال سبحانه: {والمساكين} أي ~~الذين لا يجدون ما يغنيهم وإن لم تكن لهم قرابة {والمهاجرين} لأهلهم ~~وديارهم وأموالهم {في سبيل الله} أي الذي عم الخلائق بجوده لما له من ~~الإحاطة بالجلال والإكرام وإن انتفى عنهم الوصفان الأولان، فإن هذه الصفات ~~مؤذنة بأنهم ممن زكى الله، وتعدادها بجعلها علة للعفو - دليل على أن الزاكي ~~من غير المعصومين قد يزل، فتدركه الزكاة بالتوبة فيرجع كما كان، وقد تكون ~~الثلاثة لموصوف واحد لأن سبب نزولها مسطح رضي الله عنه، فالعطف إذن للتمكن ~~في كل وصف منها. # PageV13P238 # ولما كان النهي عن ذلك غير صريح في العفو، وكان التقدير: فلؤتوهم، عطف ~~عليه مصرحا بالمقصود قوله: {وليعفوا} أي عن زللهم بأن يمحوه ويغطوه بما ~~يسلبونه عليه من أستار الحلم حتى لا يبقى له أثر. ولما كان المحو لا ينفي ~~التذكر قال: {وليصفحوا} أي يعرضوا عنه أصلا ورأسا، فلا يخطروه لهم على بال ~~ليثمر ذلك الإحسان، ومنه الصفوح وهو الكريم. # ولما كانت لذة الخطاب تنسي كل عتاب، أقبل سبحانه بفضله ومنه وطوله على ~~أولي الفضل، مرغبا في أن يفعلوا بغيرهم ما يحبون أن يفعل بهم، مرهبا من أن ~~يشدد عليهم إن شددوا فقال: {ألا تحبون} أي يا أولي الفضل {أن يغفر الله} أي ~~الملك الأعظم {لكم} أي ما قصرتم في حقه، وسبب نزولها كما في الصحيح من حديث ~~عائشة رضي الله عنها أن أباها رضي الله تعالى عنه كان حلف ما بعد برأ الله ~~عائشة رضي الله عنها أن لا ينفق على مسطح ابن خالته لكونه خاض من أهل ~~الإفك؛ وفي ms3174 تفسير الأصبهاني عن ابن عباس رضي الله عنهما: أقسم ناس من ~~الصحابة فيهم أبو بكر رضي الله عنهم أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من # PageV13P239 # الإفك ولا ينفعوهم فأنزل الله هذه الآية. # وناهيك بشهادة الله جل جلاله للصديق بأنه من أولي الفضل فيا له من شرف ما ~~أجلاه! ومن سؤدد وفخار ما أعلاه! ولا سيما وقد صدقه رضي الله عنه بالعفو ~~عمن شنع على ثمرة فؤاده ومهجة كبده، وهي الصديقة زوجة خاتم المرسلين، وخير ~~الخلائق أجمعين، والحلف على أنه لا يقطع النفقة عنه أبدا، فيا لله من أخلاق ~~ما أبهاها! وشمائل ما أطهرها وأزكاها! وأشرفها وأسندها. # ولما كان الجواب قطعا كما أجاب الصديق رضي الله عنه: بلى والله! إنا لنحب ~~أن يغفر الله لنا، وكان كأنه قيل: فاغفروا لمن أساء إليكم، فالله حكم عدل، ~~يجازيهم على إساءتهم إليكم إن شاء، والله عليم شكور، يشكر لكم ما صنعتم ~~إليهم، عطف عليه قوله: {والله} أي مع قدرته الكاملة وعلمه الشامل {غفور ~~رحيم*} من صفته ذلك، إن شاء يغفر لكم ذنوبكم بأن يمحوها فلا يدع لها أثرا ~~ويرحمكم بعد محوها بالفضل عليكم كما فعلتم معهم، فإن الجزاء من جنس العمل. # PageV13P240 # ولما كان الختم بهذين الوصفين بعد الأمر بالعفو ربما جرأ على مثل هذه ~~الإساءة، وصل به مرهبا من الوقوع في مثل ذلك قوله معمما للحكم: {إن الذين ~~يرمون} أي بالفاحشة {المحصنات} أي اللائي جعلن # PageV13P240 # أنفسهن من العفة في مثل الحصن. ولما كان الهام بالسيىء والمقدم عليه ~~عالما بما يرمي به منه، جاعلا له نصب عينه، أكد معنى الإحصان بقوله: ~~{الغافلات} أي عن السوء حتى عن مجرد ذكره. ولما كان وصف الإيمان حاملا على ~~كل خير ومانعا ن كل سوء، نبه على أن الحامل على الوصفين المتقدمين إنما هو ~~التقوى، وصرف ما لهن من الفطنة إلى ما لله عليهن من الحقوق فقال: ~~{المؤمنات} . # ولما ثبت بهذه الأوصاف البعد عن السوء، ذكر جزاء القاذف كفا عنه وتحذيرا ~~منه بصيغة المجهول، لأن المحذور اللعن لا ms3175 كونه المعين، وتنبيها على وقوع ~~اللعن من كل من يتأتي منه فقال: {لعنوا} أي أبعدوا عن رحمة الله، وفعل معهم ~~فعل المبعد من الحد وغيره {في الدنيا والآخرة} ثم زاد في تعظيم القذف لمن ~~هذه أوصافها فقال: {ولهم} أي في الآخرة {عذاب عظيم*} وقيد بوصف الإيمان لأن ~~قذف الكافرة وإن كان محرما ليس فيه هذا المجموع، وهذا الحكم وإن كان عاما ~~فهو لأجل الصديقة بالذات وبالقصد الأول وفيما فيه من التشديد الذي قل أن ~~يوجد مثله في القرآن من الإعلام # PageV13P241 # بعلي قدرها، وجلي أمرها، في عظيم فخرها، ما يجل عن الوصف؛ ثم أتبع ذلك ~~ذكر اليوم الذي يكون فيه أثر ذلك على وجه زاد الأمر عظما فقال: {يوم تشهد ~~عليهم} أي يوم القيامة في ذلك المجمع العظيم {ألسنتهم} إن ترفعوا عن الكذب ~~{وأيديهم وأرجلهم} إن أنكرت ألسنتهم كذبا وفجورا ظنا أن الكذب ينفعها {بما ~~كانوا يعملون*} من هذا القذف وغيره؛ ثم زاد في التهويل بقوله: {يومئذ} أي ~~إذ تشهد عليهم هذه الجوارح {يوفيهم الله} أي المحيط بكل شيء علما وقدرة وله ~~الكمال كله {دينهم} أي جزاءهم {الحق} أي الذي يظهر لكل أحد من أهل ذلك ~~المجمع العظيم أنهم يستحقونه، فلا يقدر أحد على نوع طعن فيه {ويعلمون} أي ~~إذ ذاك، لانقطاع الأسباب، ورفع كل حجاب {أن الله} أي الذي له العظمة ~~المطلقة، فلا كفوء له {هو} أي وحده {الحق} أي الثابت أمره فلا أمر لأحد ~~سواه، {المبين*} الذي لا أوضح من شأنه في ألوهيته وعلمه وقدرته وتفرده ~~بجميع صفات الكمال، وتنزهه عن جميع سمات النقص، فيندمون # PageV13P242 # على ما فعلوا في الدنيا مما يقدح في المراقبة وتجري عليه الغفلة؛ قال ابن ~~كثير: وأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة لا سيما التي كانت ~~سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما، وقد أجمع العلماء ~~قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه ~~الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن، ms3176 وفي بقية أمهات المؤمنين رضي الله ~~عنهن قولان أصحهما أنهن كهي، والله أعلم - انتهى. # وقد علم من هذه الآيات وما سبقها من أول السورة وما لحقها إلى آخرها أن ~~الله تعالى ما غلظ في شيء من المعاصي ما غلظ في قصة الإفك، ولا توعد في شيء ~~ما توعد فيها، وأكد وبشع، ووبخ وقرع، كل ذلك إظهارا لشرف رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وغضبا له وإعظاما لحرمته وصونا لحجابه. # PageV13P243 # ولما تضمن ما ذكر من وصفه تعالى علمه بالخفيات، أتبعه ما هو كالعلة لآية ~~{الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} دليلا شهوديا على براءة عائشة رضي ~~الله تعالى عنها فقال: {الخبيثات} أي من النساء وقدم هذا الوصف لأن كلامهم ~~فيه، فإذا انتفى ثبت الطيب # PageV13P243 # {للخبيثين} أي من الرجال. ولما كان ذلك لا يفهم أن الخبيث مقصور على ~~الخبيثة قال: {والخبيثون} أي من الرجال أيضا {للخبيثات} أي من النساء. # ولما أنتج هذا براءتها رضي الله عنها لأنها قرينة أطيب الخلق، أكده ~~بقوله: {والطيبات} أي منهن {للطيبين} أي منهم {والطيبون للطيبات} بذلك قضى ~~العليم الخبير أن كل شكل ينضم إلى شكله، ويفعل أفعال مثله، وهو سبحانه قد ~~اختار لهذا النبي الكريم لكونه أشرف خلقه خلص عباده من الأزواج والأولاد ~~والأصحاب {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] «خيركم قرني» وكلما ~~ازداد الإنسان منهم من قلبه صلى الله عليه وسلم قربا ازداد طهارة، وكفى ~~بهذا البرهان دليلا على براءة الصديقة رضي الله عنها، فكيف وقد أنزل الله ~~العظيم في براءتها صريح كلامه القديم، وحاطه من أوله وآخره بهاتين الآيتين ~~المشيرتين إلى الدليل العادي، وقد تقدم عند آية {الزاني} ذكر لحديث ~~«الأرواح جنود مجندة» وما لاءمه، لكنه لم يستوعب تخريجه، # PageV13P244 # وقد خرجه مسلم في الأدب من صحيحه وأبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأرواح جنود مجندة، فما ~~تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» وفي رواية عنه رفعها: «الناس ~~معادن كمعادن الذهب والفضة، ms3177 خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا ~~فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» ~~وهذا الحديث روي أيضا عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعلي ابن أبي ~~طالب وسلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن ~~عمرو وعمرو بن عبسة رضي الله عنهم، وقد علق البخاري في صحيحه حديث عائشة ~~رضي الله عنها بصيغة الجزم، ووصله في كتاب الأدب المفرد وكذا الإسماعيلي في ~~المستخرج، وأبو الشيخ في كتاب الأمثال، وتقدم عزوه إلى أبي يعلى، ولفظ حديث ~~ابن عمر رضي الله عنهما «فما كان في الله ائتلف، وما كان في غير الله ~~اختلف» أخرجه أبو الشيخ في الأمثال، ولفظ حديث ابن مسعود رضي الله عنه ~~«فإذا التقت تشام كما تشام الخيل، فما تعارف منها ائتلف» - # PageV13P245 # الحديث. وأما حديث علي رضي الله عنه فرواه الطبراني في الأوسط في ترجمة ~~محمد بن الفضل السقطي وأبو عبد الله بن منده في كتاب الروح عن سالم بن عبد ~~الله بن عمر عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعلي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه: يا أبا الحسن! ربما شهدت وغبنا وربما شهدنا وغبت، ثلاث أسألك ~~عنهن هل عندك منهن علم؟ قال علي: وما هن؟ قال: الرجل يحب الرجل ولم ير منه ~~خيرا، والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شرا، فقال علي رضي الله عنه: نعم! سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه السلام يقول: # «إن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» ~~قال عمر: واحدة، قال: والرجل يحدث الحديث إذ نسيه فبينا هو وما نسيه إذ ~~ذكره؟ فقال علي رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ~~من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينما القمر مضيء إذ علته سحابة ~~فأظلم إذ تجلت فأضاء، وبينا القلب يتحدث إذ تجللته سحابة فنسي إذ تجلت عنه ~~فذكر» ، فقال عمر رضي الله عنه: # PageV13P246 # اثنتان، وقال: ms3178 والرجل يرى الرؤيا، فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب؟ قال: ~~نعم! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد أو أمة ينام ~~فيستثقل نوما إلا عرج بروحه إلى العرش، فالتي لا تستيقظ إلا عند العرش فتلك ~~الرؤيا التي تصدق، والتي تستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب» ، فقال ~~عمر رضي الله عنه: ثلاث كنت في طلبهن فالحمد لله الذي أصبتهن قبل الموت ~~وكذا أخرج الطبراني حديث سلمان كحديث أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، ~~وأنشدوا لأبي نواس في المعنى: # إن القلوب لأجناد مجندة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف # فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف # ولما ثبت هذا كانت نتيجته قطعا: {أولئك} أي العالو الأوصاف بالطهارة ~~والطيب {مبرؤون} ببراءة الله وبراءة كل من له تأمل في مثل هذا الدليل {مما ~~يقولون} أي القذفة الأخابث لأنها لا تكون # PageV13P247 # زوجة أطيب الطيبين إلا وهي كذلك. # ولما أثبت لهم البراءة، استأنف الإخبار بجزائهم فقال: {لهم مغفرة} أي لما ~~قصروا فيه إن قصروا، ولما كان في معرض الحث على الإنفاق على بعض الآفكين ~~قال: {ورزق كريم*} أي يحيون به حياة طيبة، ويحسنون له إلى من أساء إليهم، ~~ولا ينقصه ذلك لكرمه في نفسه بسعته وطيبه وغير ذلك من خلال الكرم. # ولما أنهى سبحانه الأمر في براءة عائشة رضي الله عنها على هذا الوجه الذي ~~كساها به من الشرف ما كساها، وحلاها برونقه من مزايا الفضل ما حلاها، وكأن ~~أهل الإفك قد فتحوا بإفكهم هذا الباب الظنون السيئة عدواة من إبليس لأهل ~~هذا الدين بعد أن كانوا في ذلك وفي كثير من سجاياهم - إذ قانعا منهم بداء ~~الشرك - على الفطرة الأولى، أمر تعالى ردا لما أثار بوسواسه من الداء ~~بالتنزه عن مواقع التهم والتلبس بما يحسم الفساد فقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا} أي ألزموا أنفسهم هذا الدين {لا تدخلوا} أي واحد منكم، ولعله # PageV13P248 # خاطب الجمع لأنهم في مظنة أن يطردوا الشيطان بتزين بعضهم بحضرة بعض بلباس ~~التقوى، فمن خان ms3179 منهم منعه إخوانه، فلم يتكمن منه شيطانه، فنهي الواحد من ~~باب الأولى {بيوتا غير بيوتكم} أي التي هي سكنكم {حتى تستأنسوا} أي تطلبوا ~~بالاستئذان أن يأنس بكم من فيها وتأنسوا به، فلو قيل له: من؟ فقال: أنا لم ~~يحصل الاستئناس لعدم معرفته، بل الذي عليه أن يقول: أنا فلان - يسمى نفسه ~~بما يعرف به ليؤنس به فيؤذن له أو ينفر منه فيرد {وتسلموا على أهلها} أي ~~الذين هم سكانها ولو بالعارية منكم فتقولوا: السلام عليكم! أأدخل؟ أو ~~تطرقوا الباب إن كان قد لا يسمع الاستئذان ليؤذن لكم {ذلكم} الأمر العالي ~~الذي أمرتكم به {خير لكم} مما كنتم تفعلونه من الدخول بغير إذن ومن تحية ~~الجاهلية، لأنكم إذا دخلتم بغير إذن ربما رأيتم ما يسوءكم، وإذا استأذنتم ~~لم تدخلوا على ما تكرهون، هذا في الدنيا، وأما في الأخرى فأعظم، وقد روى ~~أبو موسى # PageV13P249 # الأشعري رضي الله عنه: إذا سلم ثلاثا فلم يجبه أحد فليرجع. # وكان هذا إذا ظن أن صاحب البيت سمع. # ولما كان كل إنسان لا ينفك عن أحوال يكره أن يطلع عليها أو تقطع عليه، ~~قال: {لعلكم تذكرون*} أي لتكون حالكم حال من يرجى أن يتذكر برجوعه إلى نفسه ~~عند سماع هذا النهي، فيعرف أن ما يسوءه من غيره يسوء غيره منه، فيفعل ما ~~يحب أن يفعل معه خوفا من المقابلة، لأن الجزاء من جنس العمل، وكل ما يجب ~~عليه في غير بيته يستحب له في بيته بنحو النحنحة ورفع الصوت بالذكر ونحوه ~~على ما أشار إليه حديث النهي عن الطروق لكيلا يرى من أهله ما يكره. # ولما كان السكان قد يكونون غائبين، والإنسان لكونه عورة لا يحب أن يطلع ~~غيره على جميع أموره، قال: {فإن لم تجدوا فيها} أي البيوت التي ليس بها ~~سكناكم {أحدا} قد يمنعكم، فالله يمنعكم منها، تقديما لدرء المفاسد {فلا ~~تدخلوها} أي أبدا # PageV13P250 # {حتى يؤذن لكم} من آذن ما بإذن شرعي من الساكن أو غيره، لأن الدخول تصرف ~~في ملك الغير أو حقه فلا ms3180 يحل بدونه إذنه. ولما كان كأنه قيل: فإن أذن لكم ~~في شيء ما استأذنتم فيه فادخلوا، عطف عليه قوله: {وإن قيل لكم} من قائل ما ~~إذا استأذنتم في بيت فكان خاليا أو فيه أحد: {ارجعوا فارجعوا} أي ولا ~~تستنكفوا من أن تواجهوا بما تكرهون من صريح المنع، فإن الحق أحق أن يتبع، ~~وللناس عورات وأمور لا يحبون اطلاع غيرهم عليها. # ولما كان في المنع نقص يوجب غضاضة ووحرا في الصدر، وعد سبحانه عليه بما ~~يجبر ذلك، فقال على طريق الاستئناف: {هو} أي الرجوع المعين {أزكى} أي أطهر ~~وأنمى {لكم} فإن فيه طهارة من غضاضة الوقوف على باب الغير، ونماء بما يلحق ~~صاحب البيت من الاستحياء عند امتثال أمره في الرجوع مع ما في ذلك عند الله. # ولما كان التقدير: فالله يجازيكم على امتثال أمره، وكان الإنسان قد يفعل ~~في البيوت الخالية وغيرها من الأمور الخفية ما يخالف ما أدب به سبحانه مما ~~صورته مصلحة وهو مفسدة، عطف على ذلك المقدر قوله: {والله} أي الملك الأعلى. ~~ولما كان المراد المبالغة في العلم، قدم الجار ليصير كما إذا سألت شخصا عن ~~علم شيء فقال لك: ما # PageV13P251 # أعلم غيره، فقال: {بما تعملون} أي وإن التبس أمره على أحذق الخلق {عليم*} ~~لا يخفى عليه شيء منه وإن دق، فإياكم ومشتبهات الأمور، فإذا وقفتم ~~للاستئذان فلا تقفوا تجاه الباب، ولكن على يمينه أو يساره، لأن الاستئذان ~~إنما جعل من أجل البصر، وتحاموا النظر إلى الكوى التي قد ينظر منها أحد من ~~أهل البيت ليعرف من على الباب: هل هو ممن يؤنس به فيؤذن له، أو لا فيرد، ~~ونحو هذا من أشكاله مما لا يخفى على متشرع فطن، يطير طائر فكره في فسيح ما ~~أشار إليه مثل قوله صلى الله عليه السلام: «إذا حدث الرجل فالتفت فهي ~~أمانة» وراه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر رضي الله عنه. # PageV13P252 # ولما كان من الأماكن التي قد لا يوجد بها أحد ما يباح الدخول إليه لخلوه ~~أو عدم اختصاص ms3181 النازل به كالخانات والربط، أتبع ما تقدم التعريف بأنه لم ~~يدخل في النهي فقال مستأنفا: {ليس عليكم جناح} أي ميل بلوم أصلا {أن تدخلوا ~~بيوتا} كالخانات والربط {غير مسكونة} ثم وصفها بقوله: {فيها متاع} # PageV13P252 # أي استمتاع بنوع انتفاع كالاستظلال ونحوه {لكم} ويدخل فيه المعد للضيف ~~إذا أذن فيه صاحبه في أول الأمر ووضع الضيف متاعه فيه، لأن الاستئذان لئلا ~~يهجم على ما يراد الاطلاع عليه ويراد طيه عن علم الغير، فإذا لم يخف ذلك ~~فلا معنى للاستئذان. # ولما كان التقدير: فالله لا يمنعكم مما ينفعكم، ولا يضر غيركم، عطف عليه ~~قوله: {والله} أي الملك الأعظم {يعلم} في كل وقت {ما تبدون} وأكد بإعادة ~~الموصول فقال: {وما تكتمون*} تحذيرا من أن تزاحموا أحدا في مباح بما يؤذيه ~~ويضيق عليه، معتلين بأصل الإباحة، أو يؤذن لكم في منزل فتبطنوا فيه الخيانة ~~فإنه وإن وقع الاحتراز من الخونة بالحجاب فلا بد من الخلطة لما بني عليه ~~الإنسان من الحاجة إلى العشرة، ولذلك اتصل به على طريق الاستئناف قوله ~~تعالى؛ مقبلا على أعلى خلقه فهما وأشدهم لنفسه ضبطا دون بقيتهم، إشارة إلى ~~صعوبة الأمر وخطر المقام، مخوفا لهم بالإعراض عنهم، بالتردي برداء الكبر، ~~والاحتجاب في مقام القهر: {قل للمؤمنين} فعبر بالوصف إشارة إلى عدم القدرة ~~على الاحتراز من المخالط بعد الخلطة، وأنه لا يعف فيها إلا من رسخ الإيمان ~~في قلبه # PageV13P253 # لخفاء الخيانة حينئذ بخلاف ما سبق في المنع من الدخول حيث كان التعبير ب ~~«الذين آمنوا» {يغضوا} أي يخفضوا ولا يرفعوا، بل يكفوا عما نهوا عنه. # ولما كان الأمر في غاية العسر، قال: {من أبصارهم} بإثبات من التبعيضية ~~إشارة إلى العفو عن النظرة الأولى، وأن المأخوذ به إنما هو التمادي، ولما ~~كان البصر يريد الزنى قدمه. # ولما كان حفظ الفرج لخطر المواقعة أسهل من حفظ البصر، ولأنه لا يفعل به ~~من غير اختبار، حذف «من» لقصد العموم فقال: {ويحفظوا فروجهم} أي عن كل حرام ~~من كشف وغيره ولم يستثن الزوجة وملك اليمين استغناء ms3182 عنه بما سبق في ~~المؤمنون، ولأن المقام للتهويل في أمر للحفظ والتشديد، ورغب في ذلك بتعليله ~~بقوله: {ذلك} أي الأمر العالي العظيم من كل من الغض والحفظ الذي أمرتهم به ~~{أزكى لهم} أي أقرب إلى أن ينموا ويكثروا ويطهروا حسا ومعنى، ويبارك لهم، ~~أما الحسي فهو أن الزنى مجلبة للموت بالطاعون، ويورث الفقر وغيرهما من ~~البلايا «ما من قوم ظهر فيهم الزنى إلا أخذوا بالسنة» # رواه أحمد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، # PageV13P254 # ورواه عنه أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم في كتاب الفتوح ولفظه «ما ~~من قوم يظهر فيهم الزنى إلا أخذوا بالفنا وما من قوم يظهر فيهم الربا إلا ~~أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب الزنى يورث ~~الفقر» رواه البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما وإذا ظهر الزنى ظهر الفقر ~~والمسكنة وراه ابن ماجة والبزار وهذا لفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما - ~~والبيهقي ولفظه: «الزنى يورث الفقر» وفي رواية له «ما ظهرت الفاحشة في قوم ~~قط يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في ~~أسلافهم» ورواه عنه ابن إسحاق في السيرة في سرية عبد الرحمن بن عوف رضي ~~الله عنه إلى دومة الجندل ولفظه: «إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى ~~يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين ~~مضوا ولم ينقضوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة ~~وجورالسلطان، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ~~فلولا البهائم ما مطروا، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو ~~من غيرهم، فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وما # PageV13P255 # لم يحكم أئمتهم بكتاب الله وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم ~~بينهم» وفي الترغيب للمنذري عن ابن ماجة والبزار والبيهقي عنه رضي الله عنه ~~نحو هذا اللفظ، وفي آخر السيرة عن أبي بكر رضي الله عنه في خطبته عندما ولي ~~الخلافة: لا يدع ms3183 قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع ~~الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء. وفي الموطأ عن مالك عن يحيى بن ~~سعيد أنه بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال «ما ظهر الغلول فب قوم ~~قط إلا ألقى في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم قط إلا كثر فيهم الموت، ~~ولا نقص قوم قط المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير ~~الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو» وروى ~~الطبراني في الأوسط عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إذا كثرت الفاحشة كثر الفساد، وجار السلطان» وفيه: «أمثلهم في ذلك ~~الزمان المداهن. إذا ظهر الربا والزنى في قرية آذن الله في هلاكها» رواه ~~الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما، # PageV13P256 # وأما المعنوي فروى الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: «ما من ~~مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد ~~حلاوتها» # قال ابن كثير: وروي هذا مرفوعا عن ابن عمر وحذيفة وعائشة رضي الله عنهم ~~ولكن في أسانيدها ضعف. وساق له شاهدا من الطبراني عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه بلفظ: «إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته ~~إيمانا يجد حلاوته في قلبه» فعلم من ذلك أن من تخلق بما أمره الله هنا كان ~~قلبه موضعا للحكمة، وفعله أهلا للنجح، وذكره مقرونا بالقبول. # ولما كان الزكاء يتضمن التكثير والتطهير، وكان الكلام هنا في غض البصر، ~~وكان ظاهرا جدا في الطهارة، لم يدع داع إلى التأكيد بالتصريح بالطهارة، ~~وأما آية البقرة فلما كانت في العضل، وكان لا يكون إلا عن ضغائن وإحن فكان ~~الولي رما ظن أن منعها عمن عضلها عنه أطهر له ولها. أكد العبارة بفعل ~~الزكاء بالتصريح بما # PageV13P257 # أفهمه من الطهارة. # ولما كان المقام صعبا لميل النفوس إلى الدنايا واتباعها للشهوات، علل هذا ~~الأمر ms3184 مرغبا ومرهبا بقوله: {إن الله} أي الذي لا يخفى عليه شيء لما له من ~~الإحاطة الكاملة {خبير} ولما كان وازع الحياء مع ذلك مانعا عظيما فلا يخالف ~~إلا بمعالجة وتدرب، عبر بالصنعة فقال: {بما يصنعون*} أي وإن تناهوا في ~~إخفائه، ودققوا في تدبير المكر فيه. # ولما بدأ بالقومة من الرجال، ثنى بالنساء فقال: {وقل للمؤمنات} فرغب أيضا ~~بذكر هذا الوصف الشريف {يغضضن} ولما كان المراد الغض عن بعض المبصرات وهم ~~المحارم قال: {من أبصارهن} فلا يتبعنها النظر إلى منهي عنه رجل أو غيره، ~~وأجابوا عن حديث عائشة رضي الله عنها في النظر إلى لعب الحبشة في المسجد ~~باحتمال أنها كانت دون البلوغ لأنها قالت: فاقدروا قدر الجارية الحديثة ~~السن الحريصة على اللهو. {ويحفظن فروجهن} عما لا يحل لهن من كشف وغيره. # ولما كان النساء حبائل الشيطان، أمرن بزيادة الستر بقوله: # PageV13P258 # ناهيا عن الزينة ليكون النهي عن مواقعها من الجسد أشد وأولى {ولا يبدين ~~زينتهن} أي كالحلي والفاخر من الثياب فكيف بما وراءها {إلا ما ظهر منها} أي ~~كان بحيث يظهر فيشق التحرز في إخفائه فبدا من غير قصد كالسوار والخاتم ~~والكحل فإنها لا بد لها من مزاولة حاجتها بيدها ومن كشف وجهها في الشهادة ~~ونحوها. # ولما كان أكثر الزينة في ألأعناق والأيدي والأرجل، وكان دوام ستر الأعناق ~~أيسر وأمكن، خصها فقال: {وليضربن} من الضرب، وهو وضع الشيء بسرعة وتحامل، ~~يقال: ضرب في عمله: أخذ فيه، وضرب بيده إلى كذا: أهوى، وعلى يده: أمسك، ~~وضرب الليل بأوراقه: أقبل، والضارب: الليل الذي ذهبت ظلمته يمينا وشمالا ~~وملأت الدنيا، والضارب: الطويل من كل شيء والمتحرك. # ولما كان المقصود من هذا الضرب بعض الخمار، وهو ما لا صق الجيب منه، عداه ~~بالباء فقال: {بخمرهن} جمع خمار، وهو منديل يوضع على الرأس، وقال أبو حيان: ~~وهو المقنعة التي تلقي المرأة على رأسها. # {على جيوبهن} جمع جيب، وهو خرق الثوب الذي # PageV13P259 # يحيط بالعنق، فالمعنى حينئذ يهوين بها إلى ما تحت العنق ويسبلنها من جميع ~~الجوانب ويطولنها ms3185 سترا للشعر والصدر وغيرهما مما هنالك، وكأنه اختير لفظ ~~الضرب إشارة إلى قوة القصد للستر وإشارة إلى العفو عما قد يبدو عند تحرك ~~الخمار عند مزاولة شيء من العقل؛ قال أبو حيان: وكان النساء يغطين رؤوسهن ~~بالأخمرة ويسدلنها من وراء الظهور فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر ~~عليهن. وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله ~~نساء المهاجرات الأول لما نزلت {وليضربن بخمرهن} شققن مروطهن - وفي رواية: ~~أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي - فاختمرن بها، يعني تسترن ما قدام، ~~والإزار هنا الملاء. # ولما كان ذكر الجيب ربما أوهم خصوصا في الزينة، عم بقوله: {ولا يبدين} أو ~~كرره لبيان من يحل الإبداء له ومن لا يحل، وللتأكيد {زينتهن} أي الخفية في ~~أي موضع كانت من عنق أو غيره، # PageV13P260 # وهي ما عدا الوجه والكفين، وظهور القدمين، بوضع الجلباب، وهو الثوب الذي ~~يغطي الثياب والخمار قاله ابن عباس رضي الله عنهما. {إلا لبعولتهن} أي ~~أزواجهن، فإن الزينة لهم جعلت. قال أبو حيان: ثم ثنى بالمحارم وسوى بينهم ~~في إبداء الزينة، ولكن تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر ~~فالأب والأخ ليس كابن الزوج - انتهى. فقال تعالى: {أو آبائهن} أي فإن لهم ~~عليهن من الشفقة ما يمنع النظر بالشهوة ومثلهم في هذا المعنى سواء الأعمام ~~والأخوال وكل منهما والد مجازا بدليل {وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل} {أو ~~آباء بعولتهن} فإن رحمتهم لأولادهم مانعة {أو أبنائهن} فإن لهن عليهن من ~~الهيبة ما يبعد عن ذلك {أو أبناء بعولتهن} فإن هيبة آبائهم حائلة {أو ~~إخوانهن} فإن لهم من الرغبة في صيانتهن عن العار ما يحفظ من الريبة {أو ~~بني} عدل به عن جمع التكسير لئلا يتوالى أربع مضمرات من غير فاصل حصين ~~فتنقص عذوبته {إخوانهن أو بني أخواتهن} فإنهم كأبنائهن {أو نسائهن} أي ~~المسلمات، وأما غير المسلمات فحكمهن حكم الرجال؛ # PageV13P261 # روى سعيد بن منصور في سننه عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى عبيدة رضي ~~الله عنه ينهى عن دخول ms3186 الذميات الحمام مع المسلمات، وقال: فإنه لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها، وفي ~~مسند عبد بن حميد نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما. {وأما ما ملكت أيمانهن} ~~أي من الذكور والإناث وإن كن غير مسلمات لما لهن عليهن من الهيبة، وحمل ابن ~~المسيب الآية على الإماء فقط؛ قال أبو حيان: قال الزمخشري: وهذا هو الصحيح، ~~لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها خصيا كان أو فحلا، وعن ميسون بنة بحدل ~~الكلابية أن معاوية رضي الله عنه دخل عليها ومعه خصي فتقنعت منه فقال: هو ~~خصي، فقالت: يا معاوية! أترى المثلة به تحلل ما حرم الله - انتهى. # وقصة مابور ترد هذا، وقوله: الكلابية، قال شيخنا في تخريج الكشاف: صوابه: ~~الكلبية بإسكان اللام. {أو التابعين} أي للخدمة أو غيرها {غير أولي الإربة} ~~أي الحاجة إلى الاستمتاع بالنساء {من الرجال} كالشيوخ الفانين ومن بهم علة ~~منعت شهوتهم، وكذا من كان ممسوحا لقصة مابور {أو} من # PageV13P262 # {الطفل} أي جنسه، والطفل الصغير ما لم يبلغ الحلم أو خمس عشرة سنة، وهو ~~في الأصل: الرخص الناعم من كل شيء، وكأنه سمي بذلك لأنه يخرج ملتبسا ~~بالتراب الذي تأكله الحامل، قال في القاموس: وطفل النبت كفرح وطفل بالضم ~~تطفيلا: أصابه التراب، والطفال، كغراب وسحاب: الطين اليابس. قال القزاز: ~~ويسميه أهل نجد الكلام والعامة تقول لجنس منه: طفل، {الذين لم يظهروا} أي ~~لم يعلوا بالنظر المقصود للاطلاع {على عورات النساء} لعم بلوغ سن الشهوة ~~لذلك. # ولما نهى عن الإظهار، نبه على أمر خفي منه فقال: {ولا يضربن بأرجلهن} أي ~~والخلاخيل وغيرها من الزينة فيها. ولما كان ذلك لمطلق الإعلام، بناه ~~للمفعول فقال: {ليعلم ما يخفين} أي بالساتر الذي أمرن به {من زينتهن} ~~بالصوت الناشىء من الحركة عند الضرب المذكور، وفي معنى ذلك التطيب، والنهي ~~عن ذلك يفهم النهي عن موضعه من الجسد من باب الأولى. # ولما أنهى سبحانه ما أمره صلى الله عليه وسلم بالتقدم فيه إلى الرجال ~~والنساء، وكان ms3187 من المعلوم أن العبد الحقير المجبول على الضعف # PageV13P263 # الموجب للتقصير لن يقدر على أن يقدر المولى العلي الكبير حق قدره وإن ~~أبلغ في الاجتهاد وزاد في التشمير، أتبعه التلطف بالإقبال عليهم في الأمر ~~بإقبالهم إليه إشارة إلى أن الأمر في غاية الصعوبة، وأن الإنسان لكونه محل ~~الزلل والتقصير - وإن اجتهد - لا يسعه إلا إحسان الرحيم الرحمن، فقال: ~~{وتوبوا إلى الله} أي ارجعوا إلى طاعة الملك الأعلى مهما حصل منكم زيغ كما ~~كنتم تفعلونه في الجاهلية {جميعا} رجالكم ونسائكم {أيه المؤمنون} والتعبير ~~بالوصف إشارة إلى علو مقام التوبة بأنه لا يقدر على ملازمتها إلا راسخ ~~القدم في الإيمان، عارف بأنه وإن بالغ في الاجتهاد واقع في النقصان، وهذا ~~الأمر للوجوب، وإذا كان للراسخين في الإيمان فمن دونه من باب الأولى {لعلكم ~~تفلحون*} أي لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطلوب الذي مضى أول سورة ~~المؤمنون تعليقه بتلك الأوصاف التي منها رعاية الأمانة ولا سيما في الفروج؛ ~~قال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء: إن الإنسان من حيث جبل على النقص ~~لا يخلو عما يوجب عليه التوبة، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح ~~فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب، فإن خلا عنه فلا يخلو عن وسواس الشيطان ~~بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله، فإن خلا عنه فلا يخلو عن ~~غفلة # PageV13P264 # وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، وله أسباب، وترك ~~أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع عن طريق إلى ضده، والمراد بالتوبة الرجوع، ~~ولا يتصور الخلو في حق الآدمي عن هذا النقص، وإنما يتفاوتون في المقادير. # PageV13P265 # ولما تقدم سبحانه إلى عباده في الأمور العامة للأحوال والأشخاص في الزنى ~~وأسبابه، فحكم وقرر، ووعظ وحذر، أتبعه أسباب العصمة التي هي نعم العون على ~~التوبة فقال مرشدا: {وأنكحوا الأيامى} مقلوب أيايم جمع أيم، وزن فعيل من ~~آم، عينه ياء، وهو العزب ذكرا كان أو أنثى أو بكرا {منكم} أي من أحراركم، ~~وأغنى لفظ الأيم عن ذكر الصلاح لأنه لا يقال لمن قصر عن ms3188 درجة النكاح ~~{والصالحين} أي للنكاح {من عبادكم وإمائكم} أي أرقائكم الذكور والإناث، ~~احتياطا لمصالحهم وصونا لهم عن الفساد امتثالا لما ندب إليه حديث «تناكحوا ~~تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة» . # ولما كان للزواج كلف يهاب لأجلها، لما طبع الآدمي عليه من الهلع في قلة ~~الوثوق بالرزق، أجاب من كأنه قال: قد يكون الإنسان # PageV13P265 # غير قادر لكونه معدما، بقوله: {إن يكونوا} أي كل من ذكر من حر أو عبد، ~~والتعبير بالمضارع يشعر بأنه قد يكون في النكاح ضيق وسعة {فقراء} أي من ~~المال {يغنهم الله} أي الذي له الكمال كله، إذا تزوجوا {من فضله} لأنه قد ~~كتب لكل نفس رزقها فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم، وعن ابن أبي حاتم عن أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز ~~لكم ما وعدكم من الغنى. وقال البغوي: قال عمر رضي الله عنه: عجبت لمن يبتغي ~~الغنى في بغير النكاح - وقرأ هذه الآية. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ~~قال: التمسوا الغنى في النكاح، وتلا هذه الآية ابن جرير. ولأحمد والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: «ثلاثة حق على الله ~~عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي # PageV13P266 # في سبيل الله» ويؤيده ما في الصحيح من حديث الواهبة نفسها حيث زوجها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لمن لم يجد ولا خاتما من حديد. # ولما كان التقدير: فالله ذو فضل عظيم، عطف عليه قوله: {والله} أي ذو ~~الجلال والإكرام {واسع عليم*} أي فهو بسعة قدرته يسوق ما كتبه للمرأة على ~~يد الزوج، وبشمول علمه يسبب أسبابه. ولما أمر سبحانه بما يعصم من الفتنة من ~~غض البصر ثم بما يحصن من النكاح، وجرا عليه بالوعد بالإغناء، وكان هذا ~~الوعد فيما بعد النكاح، وقدم الكلام فيه ترغيبا للإنسان في التوكل ~~والإحصان، وكان قلبه ما قد يتعذر لأجله إما بعدم وجدان المهر وما يطلب منه ~~تقديمه، أو بعدم رضى العبد وغيره يكون ولده ms3189 رقيقا أو غير ذلك، أتبعه قوله ~~حاثا على قمع النفس الأمارة عند العجز: {وليستعفف} أي يبالغ في طلب العفة ~~وإيجادها عن الحرام {الذين لا يجدون نكاحا} أي قدرة عليه وباعثا إليه {حتى ~~يغنيهم الله} أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال {من فضله} في ذلك الذي # PageV13P267 # تعذر عليهم النكاح بسببه. # ولما كان من جملة الموانع كما تقدم خوف الرق على الولد لمن له من الرقيق ~~همة علية، ونفس أبية، أتبعه قوله: {والذين يبتغون} أي يطلبون طلبا عازما ~~{الكتاب} أي المكاتبة {مما ملكت أيمانكم} ذكرا كان أو أنثى؛ وعبر ب «ما» ~~إشارة إلى ما في الرقيق من النقص {فكاتبوهم} أي ندبا لأنه معاوضة تتضمن ~~الإرفاق على ما يؤدونه إليكم منجما، فإذا أدوه عتقوا {إن علمتم فيهم خيرا} ~~أي تصرفا صالحا في دينهم ودنياهم لئلا يفسد حالهم بعد الاستقلال بأنفسهم؛ ~~قال ابن كثير: وروى أبو داود في كتاب المراسيل عن يحيى ابن أبي كثير قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلا ~~على الناس» انتهى. ولعله عبر بالعلم في موضع الظن لذلك {وءاتوهم} وجوبا إذا ~~أدوا إليكم {من مال الله} أي الذي عم كل شيء بنعمته، لأنه الملك العظم ~~{الذي آتاكم} ولو بحط شيء من مال الكتابة. # ولما أمر سبحانه بالجود في أمر الرقيق تارة بالنفس، وتارة # PageV13P268 # بالمال، نهاهم عما ينافيه فقال: {ولا تكرهوا فتياتكم} أي إماءكم، ولعله ~~عبر بلفظ الفتوة هزا لهم إلى معالي الأخلاق، وتخجيلا من طلب الفتوة من أمة ~~{على البغاء} أي الزنى لتأخذوا منهن مما يأخذنه من ذلك. # ولما كان الإكراه على الزنى لا يصح إلا عند العفة، وكان ذلك نادرا من ~~أمة، قال: {إن} بأداة الشك {أردن تحصنا} وفي ذلك زيادة تقبيح للإكراه على ~~هذا الفعل حيث كانت النساء مطلقا يتعففن عنه مع أنهن مجبولات على حبه، فكيف ~~إذا لم يمنعهن مانع خوف أو حياء كالإماء، فكيف إذا أذن لهن فيه. فكيف إذا ~~ألجئن إليه، وأشار بصيغة التفعل وذكر الإرادة ms3190 إلى أن ذلك لا يكون إلا عن ~~عفة بالغة، وزاد في تصوير التقبيح بذكر علة التزام هذا العار في قوله: ~~{لتبتغوا} أي تطلبوا طلبا حثيثا فيه رغبة قوية بإكراههن على الفعل الفاحش ~~{عرض الحياة الدنيا} فإن العرض متحقق فيه الزوال، والدنيا مشتقة من ~~الدناءة. # ولما نهى سبحانه عن الإكراه، رغب الموالي في التوبة عند المخالفة # PageV13P269 # فيه فقال: {ومن يكرههن} دون أن يقول: وإن أكرهن، وعبر بالمضارع إعلاما ~~بأن يقبل التوبة ممن خالف بعد نزول الآية، وعبر بالاسم العلم في قوله: {فإن ~~الله} إعلاما بأن الجلال غير مؤيس من الرحمة، ولعله عبر بلفظ «بعد» إشارة ~~إلى العفو عن الميل إلى ذلك الفعل عند مواقعته إن رجعت إلى الكراهة بعده، ~~فإن النفس لا تملك بغضه حينئذ، فقال: {من بعد إكراههن غفور} أي لهن ~~وللموالي، يستر ذلك الذنب إن تابوا {رحيم*} بالتوفيق للصنفين إلى ما يرضيه. # PageV13P270 # ولما أتم سبحانه هذه الآيات في براءة عائشة رضي الله عنها ومقدماتها ~~وخواتيمها، قال عاطفا على قوله أولها {وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم ~~تذكرون} : {ولقد أنزلنا} أي بما لنا من العظمة ترغيبا لكم وترهيبا {إليكم} ~~أي لتتعظوا {آيات مبينات} مفصل فيها الحق من الباطل، موضح بالنقل والعقل ~~بحيث صارت لشدة بيانها تبين هي لمن تدبرها طرق الصواب كما أوضحنا ذلك لمن ~~يتدبره # PageV13P270 # في براءة عائشة رضي الله تعالى عنها وما تقدمها وتتبعها مما هو صلاحكم في ~~الدين والدنيا {ومثلا} أي وشبها بأحوالكم {من الذين خلوا من قبلكم} أي من ~~أحوالهم بما أنزل الله إليهم في التوراة في أحوال المخالطة والزنى وقذف ~~الأبرياء كيوسف ومريم عليهما السلام وتبرئتهم كما قدمت كثيرا منه في سورة ~~المائدة وغيرها مما صار في حسن سبكه في هذا الكتاب، وبديع حبكه عند أولي ~~الألباب، كالأمثال السائرة، والأفلاك الدائرة {وموعظة للمتقين*} بما فيه من ~~الأحكام والفواصل المنبئة عن العلل المذكرة بما يقرب من الله زلفى، وينور ~~القلب، ويوجب الحب والألفة، ويذهب وحر الصدر؛ ثم علل إنزاله لذلك على هذا ~~السنن الأقوم، والنظم المحكم، بقوله: ms3191 {الله} أي الذي أحاطت قدرته وعلمه ~~{نور} أي ذو نور {السماوات والأرض} لأنه مظهرهما بإيجادهما وإيجاد أهلهما ~~وهاديهم بالتنوير بالعلم الجاعل صاحبه بهدايته إلى الصراط المستقيم كالماشي ~~في نور الشمس، لا يضع شيئا في غير موضعه كما # PageV13P271 # أن الماشي في النور لا يضع رجلا في غير موضعها اللائق بها، ولا شك أن ~~النور هو ما به تظهر به الأشياء وتنكشف، فهو سبحانه مظهرهما، وهما وما ~~فيهما دال على ظهوره، وأنه تام القدرة شامل العلم حاو لصفات الكمال، منزه ~~عن شوائب النقص، وفي آخر الشورى ما ينفع جدا هنا. # ولما كان من المحال أن يضل عن نور هو ملء الخافقين أحد من سكانهما، بين ~~وجه خفائه مع ظهور ضيائه واتساعه وقوة شعاعه، حتى ضل عنه أكثر الناس، فقال ~~مبينا بإضافة النور إلى ضميره أن الإخبار عنه بالنور مجاز لا حقيقة، منبها ~~على أن آياته الهادية تلوح خلال الشبهات الناشئة عن الأوهام الغالبة على ~~الخلق التي هي كالظلمات {مثل نوره} أي الذي هدى به إلى سبيل الرشاد في ~~خفائه عن بعض الناس مع شدة ظهوره، وهو آياته الدالة عليه من أقواله وأفعاله ~~{كمشكاة} أي مثل كة أي خرق لكن غير نافذ في جدار؛ قال البغوي: فإن كان لها ~~منفذ فهي كوة. # ولما دخل المشكاة في هذا المثل خفيا فقدمها تشويقا إلى شرحه، أتبعه قوله ~~شارحا له: {فيها مصباح} أي سراج ضخم ثاقب. # PageV13P272 # وهو الذبالة - أي الفتيلة - الضخمة المتقدة، من الصباح الذي هو نور ~~الفجر، والمصباح الذي هو الكوكب الكبير؛ قال البغوي: وأصله الضوء - انتهى. # فإذا كان في المشكاة اجتمعت أشعته فكان أشد إنارة، ولو كان في فضاء ~~لافترقت أشعته؛ وأتى ببقية الكلام استئنافا على تقدير سؤال تعظيما له فقال: ~~{المصباح في زجاجة} أي قنديل. # ولما كان من الزجاج ما هو في غاية الصفاء، بين أن هذه منه فقال: {الزجاجة ~~كأنها} أي في شدة الصفاء {كوكب} شبهه بها دون الشمس والقمر لأنهما يعتريهما ~~الخسوف {دري} أي متلألىء بالأنوار فإنه إذا كان في زجاجة ms3192 صافية انعكست ~~الأشعة المنفصلة عنه من بعض جوانب الزجاجة إلى بعض لما فيها من الصفاء ~~والشفيف فيزداد النور ويبلغ النهاية كما أن شعاع الشمس إذا وقع على ماء أو ~~زجاجة صافية تضاعف النور حتى أنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك النور؛ والدري - ~~قال الزجاج: مأخوذ من درأ إذا اندفع منقضا فتضاعف نوره. # PageV13P273 # ولما كان من المصابيح أيضا ما يكون نوره ضعيفا بين أن هذا ليس كذلك فقال: ~~{يوقد} أي المصباح، بأن اشتد وقده. ولما كان هذا الضوء يختلف باختلاف ما ~~يتقد فيه، فإذا كان دهنا صافيا خالصا كان شديد، وكانت الأدهان التي توقد ~~ليس فيها ما يظهر فيه الصفاء كالزيت لأنه ربما بلغ في الصفاء والرقة مبلغ ~~الماء مع زيادة بياض وشعاع يتردد في أجزائه، قال: {من شجرة} أي زيتها ~~{مباركة} أي عظيمة الثبات والخيرات يطيب منبتها {زيتونة} . # ولما كان الزيت يختلف باختلاف شجرته في احتجابها عن الشمس وبروزها لها، ~~لأن الشجر ربما ضعف وخبث ثمره بحائل بينه وبين الشمس، بين أن هذه الشجرة ~~ليست كذلك فقال: {لا شرقية} أي ليست منسوبة إلى الشرق وحده، لكونها بحيث لا ~~يتمكن منها # PageV13P274 # الشمس إلا عند الشروق لكنها في لحف جيل يظلها إذا تضيفت الشمس للغروب ~~{ولا غربية} لأنها في سفح جبل يسترها من الشمس عند الشروق، بل هي بارزة ~~للشمس من حين الشروق إلى وقت الغروب، ليكون ثمرها أنضج فيكون زيته أصفى، ~~قال البغوي: هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة والكلبي ~~والأكثرين. فهي لزكاء عنصرها، وطهارة منبتها، وبروزها للشمس والرياح، بحيث ~~{يكاد زيتها} لشدة صفائه {يضيء ولو لم تمسسه نار} . # ولما علم من هذا أن لهذا الممثل به أنوارا متظاهرة بمعاونة المشكاة ~~والزجاجة والمصباح والزيت، فلم يبق مما يقوي نوره ويزيده إشارقا، ويمده ~~بإضاءة نقية، قال في الممثل له: {نور على نور} أي أن العلم الرباني عظيم ~~الاتساع كلما سرحت فيه النظر، وأطلقت عنان الفكر، أتى بالغرائب ولا يمكن أن ~~يوقف له على حد. # ولما كان الإخبار عن ms3193 مضاعفة هذا النور موجبا لاعتقاد أنه لا يخفى عن أحد، ~~أشار إلى أنه - بشمول علمه وتمام قدرته - يعمى عنه من يريد مع شدة ضيائه، ~~وعظيم لألائه، فقال: {يهدي الله} أي # PageV13P275 # بعظمته المحيطة بكل شيء {لنوره من يشاء} كما هدى الله من هدى من المؤمنين ~~لتبرئة عائشة رضي الله عنها قبل إنزال براءتها. # بكون الله اختارها لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يختار له إلا طيبا ~~طاهرا وما شاكل ذلك، وعلم أن قسيم ذلك «ويضل الله عن نوره من يشاء» وعلم أن ~~وجه كونه ضل عنه أكثر الناس إنما هو ستر القادر له بنقص في حس من يريد ~~سبحانه إضلاله، لا لنقص في النور كما قال الشاعر: # والنجم تستصغر الأبصار صورته ... فالذنب للطرف لا للنجم في الصغر # كما سيأتي إيضاح ذلك عند قوله تعالى {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} ~~[الفرقان: 25] ، ومر آنفا في حديث علي رضي الله عنه في الأرواح ما ينفع ~~ههنا. # ولما كان كأنه قيل: ضرب الله هذا المثل لكم لتدبروه فتنفعوا به، عطف عليه ~~قوله: {ويضرب الله} أي بما له من الإحاطة بكمال القدرة وشمول العلم ~~{الأمثال للناس} لعلمه # PageV13P276 # بها، تقريبا للأفهام، لعلهم يهتدون {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال ~~{بكل شيء} أي منها ومن غيرها {عليم*} يبين كل شيء بما يسهل سبيله فثقوا بما ~~يقول، وإن لم تفهموه أنفسكم وأمعنوا النظر فيه يفتح لكم سبحانه ما انغلق ~~منه. # PageV13P277 # ولما كان كأنه قيل: فأي شيء يكون هذه المشكاة؟ قال شافيا على هذا السؤال: ~~{في بيوت} أي في جدران بيوت، فجمع دلالة على أن المراد بالمشكاة الجنس لا ~~الواحد، وفي وحدتها ووحدة آلات النور إشارة إلى عزته جدا {أذن الله} أي مكن ~~بجلاله فأباح وندب وأوجب {أن ترفع} حسا في البناء، ومعنى بإخلاصها للعمل ~~الصالح، من كل رافع أذن له سبحانه في ذلك، فعلى المرء إذا دخلها أن يتحصن ~~من العدو بما رواه أبو دواد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول ~~الله ms3194 صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، ~~وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» قال عقبة بن مسلم: فإذا ~~قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر يوم. # PageV13P277 # {ويذكر} من كل ذاكر أذن له سبحانه {فيها اسمه} أي ذكرا صافيا عن شوب، ~~وخالصا عن غش {يسبح} أي يصلي وينزه {له} أي خاصة {فيها بالغدو} أي الإبكار، ~~بصلاة الصبح {والآصال*} أي العشيات، ببقية الصلوات، فيفتحون أعمالهم ~~ويختمونها بذكره ليحفظوا فيما بين ذلك ويبارك لهم فيما يتقلبون فيه، وجمع ~~الأصيل لتحقق أن المراد الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ قال البغوي: لأن اسم ~~الأصيل يجمعها. {رجال} أي رجال {لا تلهيهم تجارة} أي ببيع أو شرى أو ~~غيرهما، يظهر لهم فيها ربح. # ولما كان الإنسان قد يضطر إلى الخروج بالبيع عن بعض ما يملك للاقتيات ~~بثمنه أو التبلغ به إلى بعض المهمات التي لا وصول له إليها إلا به، أو ~~بتحصيل ما لا يملك كذلك مع أن البيع في التجارة أيضا هو الطلبة الكلية لأنه ~~موضع تحقق الربح الذي لا صبر عنه، قال: {ولا بيع} أي وإن لم يكن على وجه ~~التجارة، والبيع يطلق بالاشتراك على التحصيل الذي هو الشرى وعلى الإزالة ~~{عن ذكر الله} أي الذي له الجلال والإكرام مطلقا بصلاة وغيرها، فهم # PageV13P278 # كل وقت في شهود ومراقبة لمن تعرف إليهم بصفات الكمال {و} لا يلهيهم ذلك ~~عن {إقام الصلاة} التي هي طهرة الأرواح، أعادها بعد ذكرها بالتسبيح تصريحا ~~بها تأكيدا لها وحثا على حفظ وقتها لأنه من جملة مقوماتها وكذا جميع حدودها ~~ولو بأوجز ما يكون من أدنى الكمال - بما أشار إليه حرف التاء إشعارا بأن ~~هذا المدح لا يتوقف على أنهى الكمال {و} لا عن {إيتاء الزكاة} التي هي زكاء ~~الأشباح ونماؤها، وخص الرجال مع أن حضور النساء المساجد سنة شهيرة، إشارة ~~إلى أن صلاتهن في بيوتهن أفضل لما روى أبو داود في سننه وابن خزيمة في ~~صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن ms3195 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل ~~من صلاتها في بيتها» والمخدع: الخزانة. وللإمام أحمد والطبراني وابن خزيمة ~~والحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير ~~مساجد النساء قعر بيوتهن» ولأحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أم ~~حميدة امرأة أبي حميد الساعدي # PageV13P279 # رضي الله عنهما أنها قالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك، قال: «قد ~~علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك ~~في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، ~~وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي» ، قال: فأمرت فبني لها مسجد في ~~أقصى بيت من بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل. # ولما وصف الرجال المذكورين ما وصفهم به، ذكر علة فعلهم لذلك زيادة في ~~مدحهم فقال: {يخافون يوما} وهو يوم القيامة، هو بحيث {تتقلب فيه} أي لشدة ~~هوله، تقلبا ظاهرا - بما اشار إليه إثبات التاءين {القلوب والأبصار*} أي ~~بين طمع في النجاة، وحذر من الهلاك، ويمكن أن يقال: المشاكي - والله أعلم - ~~هي المساجد، والزجاج هي الرجال، والمصابيح هي القلوب، وتلألؤها ما تشتمل ~~عليه من المعاني الحاملة على الذكر، والشجرة الموصوفة # PageV13P280 # هي مثال الأبدان، التي صفاها الله من الأدران، وطبعها على الاستقامة، ~~والزيت مثال لما وضع سبحانه فيها من جميل الأسرار، وقد ورد في بعض الأخبار ~~أن المساجد لأهل السماوات كالنجوم لأهل الأرض، وفي معجم الطبراني في الأوسط ~~عن ابن عمر رضي الله عنهما: «كمشكاة» قال: جوف محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي في قلبه، والشجرة إبراهيم عليه السلام، ~~{لا شرقية ولا غربية} : لا يهودي ولا نصراني. # ولما بين تعالى أفعال هؤلاء الرجال التي أقبلوا بها عليه، وأعرضوا عما ~~عداه، بين غايتهم فيها فقال: {ليجزيهم} أي يفعلون ذلك ليجزيهم {الله} أي في ms3196 ~~دار كرامته بعد البعث بعظمته وجلاله، وكرمه. وجماله {أحسن ما عملوا} أي ~~جزاءه. ويغفر لهم سيئه {ويزيدهم من فضله} على العدل من الجزاء ما لم ~~يستحقوه - كما هي عادة أهل الكرم. # ولما كان التقدير: فإن الله لجلاله، وعظمته وكماله، لا يرضى أن يقتصر في ~~جزاء المحسن على ما يستحقه فقط، عطف عليه بيانا لأن قدرته وعظمته لا حد لها ~~قوله: {والله} أي # PageV13P281 # الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه {يرزق من يشاء} . ولما كان المعنى: رزقا ~~يفوق الحد، ويفوت العد، عبر عنه بقوله: {بغير حساب*} فهو كناية عن السعة، ~~ويجوز أن يكون مع السعة التوفيق، فيكون بشارة بنفي الحساب في الآخرة أيضا ~~أصلا ورأسا، لأن ذلك المرزوق لم يعمل ما فيه درك عليه فلا يحاسب، أو يحاسب ~~ولا يعاقب؛ فيكون المراد بنفي الحساب نفي عسره وعقابه، ويجوز أن يزاد الرزق ~~كفافا، وقد ورد أنه لا حساب فيه؛ روى ابن كثير من عند ابن أبي حاتم بسنده ~~عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت يسمع ~~الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا ~~بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق» . # ولما أخبر تعالى أن الذين اتبعوا نور الحق سبحانه، وصلوا - من جزائه بسبب ~~ما هداهم إليه النور من الأعمال الصالحة - إلى حقائق هي في نفس الأمر ~~الحقائق، أخبر عن أضدادهم الذين اتبعوا الباطل فحالت # PageV13P282 # جباله الوعرة الشامخة بين أبصار بصائرهم وبين تلك الأنوار بضد حالهم ~~فقال: {والذين كفروا} أي ستروا بما لزموه من الضلال ما انتشر من نور الله ~~{أعمالهم} كائنة في يوم الجزاء {كسراب} وهو ما تراه نصف النهار في البراري ~~لاصقا بالأرض يلمع كأنه ماء، وكلما قربت منه بعد حتى تصل إلى جبل ونحوه ~~فيخفى؛ قال الرازي في اللوامع: والسراب شعاع ينكشف فينسرب ويجري كالماء ~~تخيلا؛ وقال ابن كثير: يرى عن ms3197 بعد كأنه بحر طام، وإنما يكون ذلك بعد نصفف ~~النهار، وأما الآل فإنما يكون أول النهار، يرى كأنه ماء بين السماء والأرض ~~- انتهى. وقال البغوي: والآل ما ارتفع عن الأرض، وهو شعاع يرى بين السماء ~~والأرض بالغدوات شبه الملاءة، يرفع فيه الشخوص، يرى فيه الصغير كبيرا، ~~والقصير طويلا، والرقراق يكون بالعشايا، وهو ما ترقرق من السراب، أي جاء ~~وذهب. {بقيعة} جمع قاع، وهو أرض سهلة مطمئنة فد انفرجت # PageV13P283 # عنها الجبال والآكام - قاله في القاموس. وقال أبو عبد الله القزاز في ~~ديوانه: القيعة والقاع واحد، وهما الأرض المستوية الملساء يحفن فيها ~~التراب، الفراء: القيعة جمع قاع كجار وجيرة. وقال الصغاني في مجمع البحرين: ~~والقاع: المستوي من الأرض، والجمع أقواع وأقوع وقيعان، صارت الواو ياء ~~لكسرة ما قبلها، والقيعة مثل قاع، وهو أيضا من الواو، وبعضهم يقول: هو جمع؛ ~~وقال ابن جرير: والقاع ما انبسط من الأرض واتسع، وفيه يكون السراب. وقال ~~عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: قال الفراء: القاع: مستنقع الماء، ~~والقاع: المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه المطر فيمسكه ويستوي ~~نباته، وجمعه قيعة وقيعان. # {يحسبه الظمآن} أي العطشان الشديد العطش من ضعف العقل {ماء} فيقصده ولا ~~يزال سائرا {حتى إذا جاءه} أي جاء الموضع الذي توهمه به {لم يجده شيئا} من ~~الأشياء، فلم يفده قصده غير زيادة العطش بزيادة التعب، وبعده عن مواطن ~~الرجاء، فيشتد بأسه، وتنقطع حليه فيهلك، # PageV13P284 # وهكذا الكافر يظن أعماله تجديه شيئا فإذا هي قد أهلكته. # ولما كان الله محيطا بعلمه وقدرته بكل مكان قال: {ووجد الله} أي قدرة ~~المحيط بكل شيء {عنده} أي عند ذلك الموضع الذي قصده لما تخيل فيه الخير ~~فخاب ظنه {فوفاه حسابه} أي جزاء عمله على ما تقتضيه أعماله على حكم العدل، ~~فلم يكف هذا الجاهل خيبة وكمدا أنه لم يجد ما قصده شيئا كغيره من السراب ~~حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى نار، لا يفك أسيرها، ولا يخمد سعيرها. # ولما كان سبحانه لا يحتاج إلى كاتب، ولا يدخل ms3198 عليه لبس، ولا يصعب عليه ~~ضبط شيء وإن كثر، ولا يقد أحد أن يتأخر عما يريده به بنوع حيلة، عبر عن ذلك ~~بقوله: {والله} أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل {سريع الحساب*} أي ~~لأنه لا يحتاج إلى حفظ بقلب، ولا عقد بأصابع، ولا شيء غير ذلك، ولكنه عالم ~~بذلك كله قبل أن يعمله العبد وبعد عمله له، لا يعزب عنه منه ولا من غيره ~~شيء. # PageV13P285 # ولما بين سبحانه بهذا المثال أنهم لم يصلوا إلى شيء غير التعب، المثمر ~~للعطب، وكان هذا لا يفعله بنفسه عاقل، ضرب مثالا # PageV13P285 # آخر بين الحامل لهم على الوقوع في ممثول الأول، وهو السير بغير دليل، ~~الموقع في خبط العشواء كالماشي في الظلام، فقال عاطفا على {كسراب} قوله: ~~{أو} للتخيير، أي أعمالهم لكونها لا منفعة لها كسراب، ولكونها خالية عن نور ~~الحق {كظلمات} أو للتنويع، فإنها إن كانت حسنة الظاهر فكالسراب، أو قبيحة ~~فكالظلمات، أو للتقسيم باعتبار وقتين كالظلمات في الدنيا والسراب في الآخرة ~~{في بحر} هو مثال قلب الكافر {لجي} أي ذي لج هو اللج، إشارة إلى أنه عميق ~~لا يدرك له قرار، لأن اللج معظم الماء، ويكون جمع لجة أيضا، والأوفق هنا أن ~~يكون منسوبا إلى الجمع، لأنه أهول، والمقام للتهويل، قال القزاز في ديوانه: ~~ولجة البحر معروفة وهو المرضع الذي لا ترى منه أرضا ولا جبلا، وبحر لجي: ~~واسع اللجة، وجمع اللجة لجج ولج. {يغشاه} أي يغطي هذا البحر ويعلوه، أو ~~يلحق الكائن فيه {موج} وهو مثل ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، كائن ~~{من فوقه} أي هذا الموج {موج} آخر {من فوقه} أي هذا الموج الثاني المركوم ~~على الأول {سحاب} قد غطى النجوم، وهو مثال الرين والختم والطبع # PageV13P286 # على القلب، فلا سماء تبصر ولا أرض. # ولما كان هذا أمرا مهولا، أشار إلى هوله وتصويره بقوله: {ظلمات} أي من ~~البحر والموجين والسحاب {بعضها} . ولما كان المراد استغراق الجهة، لم يثبت ~~الجار فقال: {فوق بعض} متراكمة، فلذلك يبعد كل البعد أن ينفذ ms3199 فيها بصر، ~~ولذلك قال: {إذا أخرج} أي الكائن في هذا البحر بدلالة المعنى وإن لم يجر له ~~ذكر {يده} وهي أقرب شيء إليه {لم يكد} أي الكائن فيه {يراها} أي يقرب من ~~ذلك فضلا عن أن يكون، لأن الله قد ستر عنه كل نور بهذه الظلمات المتكاثفة، ~~وهو مثال لعمله وأنه عدم لما تقدم من أن العدم كله ظلمة، فلا عمل له يكون ~~شيئا ولا يقرب من ذلك لأنه لا أهلية له بوجه {ومن لم يجعل الله} أي الملك ~~الأعظم {له نورا} من الأنوار، وهو قوة الإيجاد والإظهار {فما له من نور*} ~~أصلا، لأنه سبحانه يستر نوره وإن كان ملء السماوات والأرض عمن يشاء بحجب ~~الأهوية، لأنه قادر على ما يريد. # ولما كان قيام الأمور، وظهورها كل ظهور، إنما هو بالنور، حسا # PageV13P287 # بالإيجاد، ومعنى بجعل الموجودات آيات مرئيات تدل على موجدها، قال تعالى ~~دالا على ما أخبر به من أنه وحده نور السماوات والأرض، أي موجدهما بعلمه ~~وقدرته ومن أن من كساه من نوره فإن في يوم البعث الذي يجازي فيه الخلق على ~~ما يقتضيه العلم الذي هو النور في الحقيقة من مقادير أعمالهم، ومن أعراه من ~~النور هلك: {ألم تر} أي تعلم يا رأس الفائزين برتبة الإحسان علما هو في ~~ثباته كما بالمشهادة {أن الله} الحائز لصفات الكمال {يسبح له} أي ينزه عن ~~كل شائبة نقص لأجله خاصة بما له فيه من القدرة الكاملة {من في السماوات} . # ولما كان مبنى السورة على شمول العلم والقدرة لم يؤكد فقال: {والأرض} أي ~~هما وكل ما فيهما بلسان حاله، أو آلة مقاله، وعرف أن المراد العموم بعطفه ~~بعض ما لا يعقل، وعبر ب «من» لأن المخبر به من وظائف العقلاء. # ولما كان أمر الطير أدل لأنه أعجب، قال مخصصا: {والطير صافات} أي باسطات ~~أجنحتها في جو السماء، لا شبهة في أنه لا يمسكهن إلا الله، وإمساكه لها في ~~الجو مع أنها أجرام ثقيلة، وتقديره لها فيه على القبض والبسط حجة قاطعة على ms3200 ~~كمال قدرته. # PageV13P288 # ولما كان العلم يوصف به ما هو سبب كالكتاب المصنف ونحوه، ويشتق للشيء اسم ~~فاعل مما لابسه كما يقال: ليله قائم، ونهاره صائم، {ولا تزال تطلع على ~~خائنة منهم} [المائدة: 13] وكانت أسطر القدرة مجودة على كل كائن، شديدة ~~الوضوح في صفحات كل شيء، فكانت الكائنات بذلك دالة على خالقها وما له من كل ~~صفة كمال، صح إطلاق العلم عليها وإسناده إليها فقال: {كل} أي من المخلوقات ~~{قد علم} أي بما كان سببا له من العلم بما فيه من الآيات الدالة المعلمة ~~بما لموجده من صفات الكمال {صلاته} أي الوجه الذي به وصلته بمولاه ونسبته ~~إليه {وتسبيحه} أي الحال الذي به براءة صانعه من الشين وتعاليه عن النقص، ~~وقد صرحت بذلك ألسن أحوالها، نيابة عن بيان مقالها، هذا بقيامه صامتا ~~جامدا، وهذا بنموه مهتزا رابيا، إلجاء وقهرا، وهذا بحركته بالإرادة، وقصد ~~وجوه منافعه، وبعده عن أحوال مضاره بمجرد فطرته وما أودع في طبيعته، وهذا ~~بنطقه وعقله، ونباهته وفضله، مع أن نسبة كل منهم إلى الأرض والسماء واحدة، ~~ويدل على ذلك دلالة واضحة ما روى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن ~~عمرو رضي الله عنهما عن «النبي صلى الله عليه وسلم أن # PageV13P289 # نوحا عليه السلام أوصى ابنه عند موته بلا إله إلا الله، فإن السماوات ~~السبع والأرضين السبع لو كن حلقة مبهمة قصمتهن، وسبحان الله وبحمده، فإنها ~~صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق وقال الغزالي في الإحياء: وروي» أن رجلا جاء ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تولت عني الدنيا وقلت ذات يدي، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح ~~الخلائق وبها يرزقون» ، قال فقلت: وما هي يا رسول الله؟ قال: «سبحان الله ~~وبحمده سبحان الله العظيم أستغفر الله مائة مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن ~~تصلي الصبح، تأتيك الدنيا راغمة صاغرة، ويخلق الله من كل كلمة ملكا يسبح ~~الله إلى يوم القيامة لك ثوابه» # قال الحافظ زين ms3201 الدين العراقي: رواه المستغفري في الدعوات عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما وقال: غريب من حديث مالك، ولا أعرف له أصلا من حديث مالك «. # ولما كان التقدير: فالله قدير على جميع تلك الشؤون، عطف عليه قوله: ~~{والله} أي المحيط علما وقدرة {عليم بما يفعلون*} بما ثبت مما أخبركم به في ~~هذه السورة دقائق أقوالكم وأحوالكم، وضمائركم وأفعالكم، وقد تقدم في ~~الأعراف عند {أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} [الأعراف: 185] ما ~~ينفع هنا. # PageV13P290 # ولما أخبر عما في الكونين بما يستلزم الملك على أنهى وجوه التمام ~~المستلزم للقدرة على البعث، أخبر عنهما بالتصريح به فقال: {ولله} أي الذي ~~لا ملك سواه {ملك السماوات والأرض} مع كونه مالكا مسخرا مصرفا لجميع ذلك، ~~فهو جامع للملك والملك. # ولما كان التقدير: ومن الله المبدأ للكل بالإيجاد من العدم، عطف عليه ~~قوله: {وإلى الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {المصير*} أي لهم كلهم بعد ~~الفناء، وإنما طوي هذا المقدر لأنه لا خلف فيه. # ولما أخبر بذلك فتقرر ملكه وقدرته على البعث على حسب ما وعد به بعد أن ~~تحرر ملكه، دل عليه بتصرفه في العالم العلوي والسفلي بما يدل على القدرة ~~على الإعادة فقال: {ألم تر أن الله} أي ذا الجلال والجمال {يزجي} أي يسوق ~~بالرياح، وسيأتي الكلام عليها في النمل؛ وقال أبو حيان: إن الإزجاء يستعمل ~~في سوق الثقل برفق. {سحابا} أي بعد أن أنشأه من العدم تارة من السفل، وتارة ~~من العلو، ضعيفا رقيقا متفرقا، قال أبو حيان: وهو اسم جنس واحده # PageV13P291 # سحابة، والمعنى: يسوق سحابة إلى سحابة. وهو معنى {ثم يؤلف بينه} أي بين ~~أجزائه بعد أن كانت قطعا في جهات مختلفة {ثم يجعله ركاما} في غاية العظمة ~~متراكبا بعضه على بعض بعد أن كان في غاية الرقة {فترى} أي في تلك الحالة ~~المستمرة {الودق} أي المطر، قال القزاز: وقيل: هو احتفال المطر. {يخرج من ~~خلاله} أي فتوقه التي حدثت بالتراكم وانعصار بعضه من بعض {وينزل من السماء} ~~أي من جهتها ms3202 مبتدئا من {من جبال فيها} أي في السماء، وهي السحاب الذي صار ~~بعد تراكمه كالجبال؛ وبعض فقال: {من برد} هو ماء منعقد؛ وبين أن ذلك ~~بإرداته واختياره بقوله: {فيصيب به} أي البرد والمطر على وجه النقمة أو ~~الرحمة {من يشاء} من الناس وغيرهم {ويصرفه عمن يشاء} صرفه عنه؛ ثم نبه على ~~ما هو غاية في العجب في ذلك مما في الماء من النار التي ربما نزلت منها ~~صاعقة فأحرقت ما لا تحرق النار فقال: {يكاد سنا} أي ضوء {برقه} وهو اضطراب ~~النور في خلاله {يذهب} أي هو، ملتبسا {بالأبصار*} لشدة لمعه وتلألئه، فتكون ~~قوة البرق دليلا على تكاثف السحاب وبشيرا # PageV13P292 # بقوة المطر، ونذيرا بنزول الصواعق؛ ثم ذكر ما هو أدل على الاختيار، فقال ~~مترجما لما مضى بزيادة: {يقلب الله} أي الذي له الأمر كلهه بتحويل الظلام ~~ضياء والضياء ظلاما، والنقص تارة والزيادة أخرى، مع المطر تارة والصحو أخرى ~~{الليل والنهار} فينشأ عن ذلك التقليب من الحر والبرد والنمو والينوع ~~واليبس ما يبهر العقول؛ ولهذا قال منبها على النتيجة: {إن في ذلك} أي الأمر ~~العظيم الذي ذكر من جميع ما تقدم {لعبرة لأولي الأبصار*} أي النافذة، ~~والقلوب الناقدة، يعبرون منها إلى معرفة ما لمدبر ذلك من القدرة التامة ~~والعلم الشامل الدال قطعا على الوحدانية. # PageV13P293 # ولما ذكر أولا أحوال الخافقين دليلا على وحدانيته، وفصل منها الآثار ~~العلوية، فذكر ما يسقي الأرض، وطوى ذكر ما ينشأ عنه من النبات للعلم به، ~~ذكر أحوال ما يتكون به من الحيوانات دليلا ظاهرا على الإعادة، وبرهانا ~~قاهرا على المنكرين لها فقال: {والله} أي الذي له العلم الكامل والقدرة ~~الشاملة {خلق كل دآبة} أي مما تقدم أنه يسبح له. # ولما ذكر أنواعا من الحيوان، نكر بخلاف ما في الأنبياء فقال: {من ماء} أي ~~دافق هو أعظم أجزاء مادته كما خلق النبات من ماء «هامر» كذلك، وفاوت بينه ~~مع كون الكل من الماء الهامر # PageV13P293 # الذي لا تفاوت فيه {فمنهم} أي الدواب. # ولما كان في سياق التعظيم، وكان قد ms3203 آتى كل نفس من الإدراك ما تعرف به ~~منافعها ومضارها، عبر عن الكل بأداة من يعقل وإن كانوا متفاوتين في التمييز ~~فقال: {من يمشي على بطنه} أي من غير رجل؛ وقدم هذا لكونه أدل على القدرة، ~~وسماه مشيا استعارة ومشاكلة {ومنهم من يمشي على رجلين} أي ليس غير {ومنهم ~~من يمشي على أربع} أي من الأيدي والأرجل، وفي هذا تنبيه على من يمشي على ~~أكثر من ذلك، وإليه الإشارة بقوله: {يخلق الله} وعبر باسم الجلالة إعلاما ~~بتناهي العظمة؛ وقال: {ما يشاء} دلالة على أنه فعله بقدرته واختياره، لا ~~مدخل لشيء غير ذلك فيه إلا بتقدير العزيز العليم. # ولما كانت هذه الأدلة ناظرة إلى البعث أتم نظر، وكانوا منكرين له، أكد ~~قوله: {إن الله} أي الذي الكمال المطلق {على كل شيء} من ذلك وغيره {قدير*} ~~. # ولما اتضح بهذا ما لله تعالى من صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص، ~~وقامت أدلة الوحدانية على ساق، واتسقت براهين الألوهية أي اتساق، قال ~~مترجما لتلك الأدلة: {لقد أنزلنا} أي في # PageV13P294 # هذه السورة وما تقدمها، بما لنا من العظمة {آيات} أي من الحكم والأحكام ~~والأدلة والأمثال {مبينات} لا خفاء في شيء منها عند أحد من الخلق، لأن الله ~~قد أراد هدايتكم، بعضكم بالبيان، وبعضكم بخلق الإذعان {والله} أي الملك ~~الأعظم {يهدي من يشاء} من العابد كلهم {إلى صراط مستقيم*} بالقوة بإنزال ~~الآيات، والفعل بخلق الإيمان والإخبات، فيؤمنون إيمانا ثابتا. # ولما كان إخفاء هذه الآيات عن البعض بعد بيانها أعجب من ابتداء نصبها، ~~فكان السياق ظاهرا في أن التقدير: والله يضل من يشاء فيكفرون بالآيات ~~والذكر الحكيم، وكان الخروج من نورها بعد التلبس بها إلى الظلام أشد غرابة، ~~عطف على ما قدرته مما دل عليه السياق أتم دلالة قوله دليلا شهوديا على ذلك ~~مطوي، معجبا ممن عمي عن دلائل التوحيد التي أقامها تعالى وعددها وأوضحها ~~بحيث صارت كما ذكر تعالى أعظم من نور الشمس: {ويقولون} أي الذين ظهر لهم ~~نور الله، بألسنتهم فقط: {آمنا بالله} الذي ms3204 أوضح لنا جلاله، وعظمته وكماله ~~{وبالرسول} الذي علمنا كمال رسالته وعمومها بما أقام عليها من الأدلة ~~{وأطعنا} أي أوجدنا الطاعة لله وللرسول، وعظم المخالفة بين الفعل والقول ~~بأداة البعد فقال: {ثم يتولى} أي يرتد بإنكار القلب ويعرض عن طاعة الله ~~ورسوله، ضلالا منهم عن الحق {فريق منهم} # PageV13P295 # أي ناس يقصدون الفرقة من هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة. # ولما كان ينبغي أن يكون وقوع الارتداد منهم - كما أشير إليه - في غاية ~~البعد وإن كان في أقل زمن، أشار إليه بأداة التراخي، وأكد ذلك بقوله مثبتا ~~الجار: {من بعد ذلك} أي القول السديد الشديد المؤكد، مع الله الذي هو أكبر ~~من كل شيء، ومع رسوله الذي هو أشرف الخلائق {وما أولئك} أي البعداء البضاء ~~الذين صاروا بتوليهم في محل البعد {بالمؤمنين*} أي بالكاملين في الإيمان ~~قولا وعقدا، وإنما هم من أهل الوصف اللساني، المجرد عن المعنى الإيقاني. # ولما فضحهم بما أخفوه من توليهم، قبح عليهم ما أظهروه، فقال معبرا بأداة ~~التحقيق: {وإذا دعوا} أي الذين ادعوا الإيمان من أي داع كان {إلى الله} أي ~~ما نصب الملك الأعظم من أحكامه {ورسوله ليحكم} أي الرسول {بينهم} بما أراه ~~الله {إذا فريق منهم} أي ناس مجبولون على الأذى المفرق {معرضون*} أي فاجؤوا ~~الإعراض، إذا كان الحق عليهم، لاتباعهم أهواءهم، مفاجأة تؤذن بثباتهم فيه ~~{وإن يكن} أي كونا ثابتا جدا {لهم} أي # PageV13P296 # على سبيل الفرض {الحق} أي بلا شبهة {يأتوا إليه} أي بالرسول {مذعنين*} أي ~~منقادين أتم انقياد لما وافق من أهوائهم لعلمهم أنه دائر مع الحق لهم ~~وعليهم، لا لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. # ولما كان سبب فعلهم هذا بعد إظهارهم الطاعة مشكلا، ناسب أن يسأل عنه، ~~فقال تعالى مبينا له بعد التنبيه على ما يحتمله من الحالات: {أفي قلوبهم ~~مرض} أي نوع فساد من أصل الفطرة يحملهم على الضلال {أم ارتابوا} بأن حدثت ~~لهم شبهة أعمتهم عن الطريق {أم} ليس فيهم خلل لا أصلي ولا طارىء، بل الخلل ~~في الحاكم فهم ms3205 {يخافون أن يحيف} أي يجور {الله} الغني عن كل شيء، لأن له كل ~~شيء {عليهم} بنصب حكم جائر وهو منزه عن الأغراض {ورسوله} الذي لا ينطق عن ~~الهوى، بضرب أمر زائغ وقد ثبتت عصمته عن الأدناس. # ولما لم يكن شيء من ذلك كائنا أضرب عنه فقال: {بل أولئك} أي البعداء ~~البغضاء {هم} أي خاصة {الظالمون} أي الكاملون في الظلم، لأن قلوبهم مطبوعة ~~على المرض والريب، لا أن فيها نوعا واحدا منه، وليسوا يخافون الجور، بل هو ~~مرادهم إذا كان الحق عليهم. # ولما نفى عنهم الإيمان الكامل بما وصفهم به، كان كأنه # PageV13P297 # سئل عن حال المؤمنين فقال: {إنما كان} أي دائما {قول المؤمنين} أي ~~العريقين في ذلك الوصف، وأطبق العشرة على نصب القول ليكون اسم كان أوغل ~~الاسمين في التعريف، وهو «أن» وصلتها لأنه لا سبيل عليه للتنكير، ولشبهه ~~كما قال ابن جني في المحتسب بالمضمر من حيث إنه لا يجوز وصفه كما لا يجوز ~~وصف المضمر، وقرأ على رضي الله عنه بخلاف وابن أبي إسحاق {قول} بارفع {إذا ~~دعوا} أي من أي داع كان {إلى الله} أي ما أنزل الملك الذي لا كفوء له من ~~أحكامه {ورسوله ليحكم} أي الله بما نصب من أحكامه أو الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بما يخاطبهم به من كلامه {بينهم} أي في حكومة من الحكومات لهم أو ~~عليهم {أن يقولوا سمعنا} أي الدعاء {وأطعنا} أي بالإجابة لله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم. ولما كان التقدير: فأولئك هم المؤمنون، عطف عليه قوله: ~~{وأولئك} أي العالو الرتبة {هم} خاصة {المفلحون*} الذين تقدم في أول ~~المؤمنون وصفهم بأنهم يدركون جميع مأمولهم. # PageV13P298 # ولما رتب سبحانه الفلاح على هذا النوع الخاص من الطاعة، # PageV13P298 # أتبعه عموم الطاعة فقال: {ومن يطع الله} أي الذي له الأمر كله {ورسوله} ~~أي في الإذعان للقضاء وغيره فيما ساءه وسره من جميع الأعمال الظاهرة {ويخش ~~الله} أي الذي له الجلال والإكرام، بقلبه لما مضى من ذنوبه ليحمله ذلك على ~~كل خير، كما كان الصحابة رضوان ms3206 الله عليهم إذا وقع أحد منهم في تقصير يأتي ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: طهرني، ويلقن أحدهم الرجوع فلا يرجع، ~~وفي تطهيره الإتيان على نفسه، وقع ذلك لرجالهم ونسائهم - رضي الله عنهم ~~أجمعين وأحيانا على منهاجهم وحشرنا في زمرتهم {ويتقه} أي الله فيما يستقبل ~~بأن يجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية من المباحات فيتركها ورعا. # ولما أفرد الضمائر إشارة إلى قلة المطيع، جمع لئلا يظن أنه واحد فقال: ~~{فأولئك} العالو الرتبة {هم الفائزون*} بالملك الأبدي ولا فوز لغيرهم. # ولما ذكر سبحانه ما رتب على الطاعة الظاهرة التي هي دليل الانقياد ~~الباطن، ذكر حال المنافقين فيه، فقال عاطفا على {ويقولون} لأنه ليس المراد ~~منه إلا مجرد القول من غير إرادة تقييد بزمان معين: {وأقسموا} وكأنه عبر ~~بالماضي إشارة إلى أنهم لم يسمحوا به أكثر من مرة، لما يدل عليه من زيادة ~~الخضوع والذل {بالله} أي الملك الذي له الكمال المطلق؛ واستعار من جهد ~~النفس قوله في موضع الحال: # PageV13P299 # {جهد أيمانهم} أي غاية الإقسام {لئن أمرتهم} أي بأمر من الأمور {ليخرجن} ~~مما هم ملتبسون به من خلافه، كائنا ما كان، إلى ما أمرتهم به، وذلك أنهم ~~كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أينما كنت نكن معك، إن خرجت ~~خرجنا، وإن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا - قاله البغوي. فكأنه ~~قيل: ماذا تفعل في اختبارهم؟ فقيل: الأمر أوضح من ذلك، فإن لكل حق حقيقة، ~~ولكل فعل أدلة {قل} أي لهم: {لا تقسموا} أي لا تحلفوا فإن العلم بما أنتم ~~عليه لا يحتاج إلى الإقسام، ولكن المحرك لكم إلى الخروج محبة الامتثال لا ~~إلزام الإقسام، وفيه إشارة إلى أنهم أهل للاتهام، وكذا قال المتنبي: # وفي يمينك فيما أنت واعده ... ما دل أنك في الميعاد متهم # ثم علل ذلك بقوله: {طاعة} أي هذه الحقيقة {معروفة} أي منكم ومن غيركم، ~~وإرادة الحقيقة هو الذي سوغ الابتداء بها مع تنكير لفظها لأن العموم الذي ~~تصلح له كما قالوا من أعرف المعارف، # PageV13P300 # ولم تعرف ms3207 ب «ال» لئلا يظن أنها لعهد ذكري أو نحوه، والمعنى أن الطاعة وإن ~~اجتهد العبد في إخفائها لا بد أن تظهر مخايلها على شمائله، وكذا المعصية ~~لأنه «ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها» رواه الطبراني عن جندب رضي ~~الله عنه، وروى مسدد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: لو أن رجلا دخل ~~بيتا في جوف بيت فأدمن هناك عملا أوشك الناس أن يتحدثوا به، وما من عامل ~~عمل عملا إلا كساه الله رداء عمله، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر. # ولأبي يعلى والحاكم - وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه عن أبي سعيد رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة ~~صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان» ثم علل إظهاره ~~للخبء بقوله: {إن الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {خبير بما تعملون*} وإن ~~إجتهدتم في إخفائه، فهو ينصب عليه دلائل يعرفه بها عباده، فالحلف غير مغن ~~عن الحالف، والتسليم غير ضار للمسلم. # PageV13P301 # ولما نبه على خداعهم، أشار إلى عدم الاغترار بإيمانهم، وإلى # PageV13P301 # قبول شهادة التوسم فيهم، أمر بترغيبهم وترهيبهم، مشيرا إلى الإعراض عن ~~عقوبتهم فقال: {قل أطيعوا} أيها الذين أقروا بالإيمان {الله} أي الذي لم ~~الكمال المطلق {وأطيعوا الرسول} أي لاذي له الرسالة المطلقة، ظاهرا وباطنا ~~لا كالمنافقين {فإن تولوا} أي توجد منكم التولية عن ذلك عصيانا له ولو على ~~أدنى وجوه التولية - بما أشار إليه حذف التاء، تضلوا فلا تضروا إلا أنفسكم، ~~وهو معنى قوله: {فإنما عليه} أي الرسول {ما حمل} أي من التبليغ ممن إذا حمل ~~أحدا شيئا فلا بد من حمله له أو حمل ما هو أثقل منه {وعليكم ما حملتم} من ~~القبول، وليس عليه أن يقسركم على الهداية؛ وأفهم بقوله: {وإن تطيعوه} أي ~~بالإقبال على كل ما يأمركم به {تهتدوا} أي إلى كل خير أنه لا هداية لهم ~~بدون متابعته؛ روى عبد الله ابن الإمام أحمد ms3208 في زيادات المسند عن النعمان ~~بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال على المنبر: «من لم ~~يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث ~~بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب» قال: فقال أبو ~~أمامة الباهلي رضي الله عنه: عليكم بالسواد الأعظم! قال فقال رجل: ما ~~السواد الأعظم؟ # PageV13P302 # فنادى أبو أمامة هذه الآية في سورة النور {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم} . # ولما كان ما حمله الرسول صلى الله عليه وسلم مبهما، عينه بقوله: {وما على ~~الرسول} أي من جهة غيره {إلا البلاغ المبين*} أي التبليغ الذي يحصل به ~~البلاغ من غير شك، إما بالإيضاح وحده أو مضموما إلى السيف فما دونه من ~~أنواع الزواجر. # ولما لاح بهذا الإذن في الكف عن قتل النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين ~~لئلا يقول الناس: إن محمدا استنصر بقوم، فلما نصره الله بهم أقبل يقتلهم. ~~فيمتنع من يسمع ذلك من الدخول في الإسلام، فتكون مفسدة قتلهم أعظم من مفسدة ~~إبقائهم، لأن الدين لم يكن حينئذ تمكن تمكنا لا يؤثر فيه مثل ذلك، تشوفت ~~النفوس إلى أن هذا الحال هل يستمر؟ فجلى الله عنهما هذا الكرب بقوله: بيانا ~~لأن تمكن الدين غير مفتقر إليهم سواء أقبلوا أو أدبروا: {وعد الله} أي الذي ~~له الإحاطة بكل شيء {الذين آمنوا} وهو مع ذلك كالتعليل لما قبله ترغيبا لمن ~~نظر في الدنيا نوع نظر؛ وقيد بقوله: {منكم} تصريحا بأهل القرن الأول، ليكون ~~ظاهرا فس إخراج المنافقين المتولين # PageV13P303 # بالإعراض، إشارة إلى أنهم لا يزالون في ذل وضعة؛ وقدم هذا القيد اهتماما ~~به لما ذكر بخلاف ما يأتي في سورة الفتح {وعملوا} تصديقا لإيمانهم ~~{الصالحات} من الإذعان للأحكام وغيرها، وأكد غاية التأكيد بلام القسم، لما ~~عند أكثر الناس من الريب في ذلك فقال: {ليستخلفنهم في الأرض} أي أرض العرب ~~والعجم، بأن يمد زمانهم، وينفذ أحكامهم {كما استخلف} أي طلب وأوجد خلافة ~~بإيجادهم {الذين من ms3209 قبلهم} أي من الأمم من بني إسرائيل وغيرهم من كل من ~~حصلت له مكنة، وظفر على الأعداء بعد الضعف الشديد كما كتب في الزبور {أن ~~الأرض يرثها عبادي الصالحون} وكما قال موسى عليه السلام: {إن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} {وليمكنن لهم} أي في الباطن ~~والظاهر {دينهم} أضافة إليهم إشارة إلى رسوخ أقدامهم فيه وأنه أبدي لا ينسخ ~~{الذي ارتضى لهم} حتى يقيموا الحدود فيه من قتل وغيره على الشريف والوضيع ~~سواء كان الواقعون في ذلك عصبة أم لا، لا يراعون أحدا، ولا يخافون لومة ~~لأئم، لأنه لا يضره إذ ذاك إدبارا مدبر كما قال صلى الله عليه وسلم عن ~~الحرورية كافة # «إنه إن أدركهم ليقتلنهم قتل عاد، بعد أن كف # PageV13P304 # عن قتل رأسهم ونهى عن قتله - وهو واحد في غزوة حنين» . # ولما بشرهم بالتمكين، أشار لهم إلى مقداره بقوله: {وليبدلنهم} وأشار إلى ~~عدم استغراق هذا الأمن العام لجميع الزمان بإثبات الجار فقال: {من بعد ~~خوفهم} هذا الذي هم فيه الآن {أمنا} أي عظيما بمقدار هذا الخوف، في زمن ~~النبوة وخلافتها؛ ثم أتبع ذلك نتيجته بقوله تعليلا للتمكين وما معه: ~~{يعبدونني} أي وحدي؛ وصرح بالمراد بيانا لحال العابدة النافعة بقوله: {لا ~~يشركون بي شيئا} ظاهرا ولا باطنا، لأن زمانهم يكون زمن عدل، فلا يتحابون ~~فيه بالرغبة والرهبة، روى الطبراني في الوسط عن أبي بن كعب رضي الله عنه ~~قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم المدينة، ~~وآوتهم الأنصار - رضي الله عنهم أجمعين، رمتهم العرب من قوس واحدة فنزلت ~~{ليستخلفنهم في الأرض} الآية. ولقد صدق الله سبحانه ومن أصدق من الله حديثا ~~- ففتح سبحانه لهم البلاد، ونصرهم على جبابرة العباد، فأذلوا رقاب ~~الأكاسرة، واستعبدوا أبناء القياصرة، ومكنوا شرقا وغربا مكنة لم تحصل قبلهم ~~لأمة من الأمم، كما قال صلى الله عليه وسلم «إن الله زوى لي الأرض فرأيت ~~مشارقها ومغاربها # PageV13P305 # وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» يعرف ذلك من طالع فتوح ms3210 البلاد، وأجمعها ~~وأحسنها النصف الثاني من سيرة الحافظ أبي الربيع بن سالم الكلاعي، وكتاب ~~شيخه ابن حبيش أيضا جامع، ولا أعلم شيئا أنفع في رسوخ الإيمان، بعد حفظ ~~القرآن، من مطالعة السير والفتوح، وسيرة الكلاعي جامعة للأمرين، ونظمي ~~للسيرة في القصيدة التي أولها: # ما بال جفنك هامي الدمع هامره ... وبحر فكرك وافي الهم وافره # أجمع السير - يسر الله إكمال شرحها، آمين. # ولما قتلوا عثمان رضي الله عنه، وخرجوا على علي ثم ابنه الحسن رضي الله ~~عنهما، نزع الله ذلك الأمن كما أشير إليه ب «من» وتنكير «أمنا» وجاء الخوف ~~واستمر يتطاول ويزداد قليلا قليلا إلى أن صار في زماننا هذا إلى أمر عظيم - ~~والله المستعان. # ولما كان التقدير: فمن ثبت على دين الإسلام، وانقاد لأحكامه واستقام، نال ~~هذه البشرى، عطف عليه قوله: {ومن كفر} أي بالإعراض عن الأحكام أو غيرها؛ أو ~~هو عطف على {يعبدونني} # PageV13P306 # لأن معناه: ومن لم يعبدني. # ولما كان الفاسق الكامل إنما هو من مات على كفره فحبط عمله، فكان بذلك ~~كفره مستغرقا لزمانه دون من مات مسلما وإن كان كافرا في جميع ما مضى له قبل ~~ذلك، أسقط الجار فقال: {بعد ذلك} أي الاستخلاف العظيم على الوجه المشروح ~~{فأولئك} البعداء من الخير {هم} خاصة {الفاسقون*} أي الخارجون من الدين ~~خروجا كاملا، لا تقبل معه معذرة، ولا تقال لصاحبه عثرة، بل تقام عليهم ~~الأحكام بالقتل وغيره، ولا يراعى فيهم ملام، ولا تأخذ بهم رأفة عند ~~الانتقام، كما تقدم في أول السورة فيمن لزمه الجلد، ولعل الآية مشيرة إلى ~~أهل الردة. # ولما تمت هذه البشرى، وكان التقدير: فاعملوا واعبدوا، عطف عليه قوله: ~~{وأقيموا الصلاة} أي فإنها قوام ما بينكم وبين ربكم، مع أنه يصح عطفه على ~~قوله «أطيعوا الله» فيكون من مقول {قل} {وآتوا الزكاة} فهي نظام ما بينكم ~~وبين إخوانكم {وأطيعوا الرسول} أي المحيط بالرسالة في كل ما يأمركم به، ~~فإنما هو عن أمر ربكم {لعلكم ترحمون*} أي لتكونوا عند من يجهل العواقب على # PageV13P307 # رجاء من حصول ms3211 الرحمة ممن لا راحم في الحقيقة غيره. # PageV13P308 # ولما كان الكفار من الكثرة والقوة بمكان، كان الحال جديرا بتأكيد معنى ~~التمكين، جوابا لسؤال من كأنه قال: وهل ذلك ممكن فقال: {لا تحسبن} أي أيها ~~المخاطب {الذين كفروا} أي وإن زادت كثرتهم على العد، وتجاوزت عظمتهم الحد، ~~فإن ذلك الحسبان ضعف عقل، لأن الملك لا يعجزه من تحت قهره، ويجوز أن يكون ~~خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم لزيادة تحقيقه، لأنه على قدر عظمة المخاطب ~~يكون إنجاز الوعد {معجزين} لأهل ودنا {في الأرض} فإنهم مأخوذون لا محالة ~~{ومأواهم} أي مسكنهم ومنزلهم بعد الأخذ {النار} . ولما كانت سكنى الشيء لا ~~تكون إلا بعد الصيرورة إليه قال: {ولبئس المصير*} مصيرها! فكيف إذا كان على ~~وجه السكنى. # ولما كان الملل من شيم النفوس، فكان تدريج الكلام في المقاصد لا سيما ~~الأحكام شيئا فشيئا خلال مقاصد أخرى أوقع في القلب، وأشهى إلى الطبع، لا ~~سيما إذا كان على وجوه من المناسبات عجيبة، وضروب من الاتصالات هي مع دقتها ~~غريبة، زين الله تأصيلها بتفصيلها فابتدأ السورة بطائفة منها، وفصلها بدر ~~الوعظ، وجواهر الحكم، # PageV13P308 # والحث على معالي الأخلاق، ومكارم الأعمال، ثم وصلها بالإلهيات التي هي ~~أصولها، وعن علي مقاماتها تفرعت فصولها، فلما ختمها بالتمكين لأهل هذا ~~الدين، وتوهين أمر المعتدين، شرع في إكمالها، بإثبات بقية أحوالها، تأكيدا ~~لما حكم به من التمكين، وما ختمه من ذلك من التوهين، وتحذيرا مما ختمه من ~~العذاب المهين، وتحقيقا لما ألزم به من الطاعة، ولزوم السنة والجماعة، فقال ~~واصلا بما ختم به الأحكام الأولى، من الأمر بإنكاح الأيامى، والكف عن إكراه ~~البغايا، إثر الذين لم يظهروا على عورات النساء: {يا أيها الذين آمنوا} أي ~~من الرجال والنساء، إما للتغليب، وإما لأن النساء أولى بحفظ العورة ~~{ليستأذنكم} تصديقا لدعوى الإيمان {الذين ملكت أيمانكم} من العبيد والإماء ~~البالغين، ومن قاربهم، للدخول عليكم كراهة الاطلاع على عوراتكم والتطرق ~~بذلك إلى مساءتكم {والذين} ظهروا على عورات النساء، ولكنهم {لم يبلغوا ~~الحلم} وقيده بقوله: {منكم} ليخرج الأرقاء ms3212 والكفار {ثلاث مرات} في كل دور، ~~ويمكن أن يراد: ثلاث استئذانات في كل مرة، فإن لم يحصل الإذن رجع المستأذن ~~كما تقدم: المرة الأولى من الأوقات # PageV13P309 # الثلاث {من قبل صلاة الفجر} لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم ~~{و} الثانية {حين تضعون ثيابكم} أي التي للخروج بين الناس {من الظهيرة} ~~للقائلة {و} الثالثة {من بعد صلاة العشاء} لأنه وقت الانفصال من ثياب ~~اليقظة، والاتصال بثياب النوم، وخص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة، ووضع ~~الثياب، وأثبت من في الموضعين دلالة على قرب الزمن من الوقت المذكور لضبطه، ~~وأسقطها في الأوسط دلالة على استغراقه لأنه غير منضبط، ثم علل ذلك بقوله: ~~{ثلاث عورات} أي اختلالات في التستر والتحفظ، وأصل العورة - كما قال ~~البيضاوي: الخلل. # لأنه لما كانت العورة تبدو فيها سميت بها {لكم} لأنها ساعات وضع الثياب ~~والخلوة بالأهل، وبين حكم ما عدا ذلك بقوله مستأنفا: {ليس عليكم} أي في ترك ~~الأمر {ولا عليهم} يعني العبيد والخدم والصبيان، في ترك الاستئذان {جناح} ~~أي إثم، وأصله الميل {بعدهن} أي في جميع ما سوى هذه الأوقات إذا هجموا ~~عليكم؛ ثم علل الإباحة في غيرها، # PageV13P310 # مخرجا لغيرهم، مبينا أن حكمة الاستئذان في كل وقت كما مضى بقوله: {طوافون ~~عليكم} أي لعمل ما تحتاجونه في الخدمة كما أنتم طوافون عليهم لعمل ما ~~يصلحهم ويصلحكم في الاستخدام {بعضكم} طواف {على بعض} لعمل ما يعجز عنه ~~الآخر أو يشق عليه فلو عم الأمر بالاستئذان لأدى إلى الحرج. # ولما أعلى سبحانه البيان في هذه الآيات إلى حد يعجز الإنسان لا سيما وهي ~~في الأحكام، والكلام فيها يعيي أهل البيان، وكان السامع لما جبل عليه من ~~النسيان، يذهل عن أن هذا هو الشأن، في جميع القرآن، قال مشيرا إلى عظم ~~شأنها، في تفريقها وبيانها: {كذلك} أي مثل هذا البيان {يبين الله} بما له ~~من إحاطة العلم والقدرة {لكم} أيتها الأمة الخاصة {الآيات} في الأحكام ~~وغيرها وبعلمه وحكمته {والله} الذي له الإحاطة العامة بكل شيء {عليم} بكل ~~شيء {حكيم*} يتقن ms3213 ما يريده، فلا يقدر أحد على نقضه، وختم الآية بهذا الوصف ~~يدل على أنها محكمة لم تنسخ كما قال الشعبي وغيره - أفاده ابن كثير، وحكي ~~مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير. # PageV13P311 # ولما بين حكم الصبيان والأرقاء الذين هم أطوع للأمر، وأقبل لكل خير، ~~أتبعه حكم البالغين من الأحرار فقال: {وإذا بلغ الأطفال منكم} أي من ~~أحراركم {الحلم} أي السن الذي يكون فيه إنزال المني برؤية الجماع في النوم، ~~هذا أصله، والمراد سن مطلق الإنزال {فليستأذنوا} على غيرهم في جميع الأوقات ~~{كما استأذن الذين من قبلهم} على ما بين في أول الآيات القائلة {لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا} ونقل ابن كثير عن يحيى بن أبي كثير وسعيد ~~بن جبير أن الغلام إذا كان رباعيا فإنه يستأذن في العورات الثلاث على ~~أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال. # ولما كانت آيات الاستئذان أتقن حاسم لمواد الشر، وتركها أعظم فاتح لأبواب ~~الفتن، وكان إخراج الكلام، في أحكام الحلال والحرام، مع التهذيب والبيان، ~~في النهاية من الصعوبة، وكان فطم النفوس عما ألفت في غاية من العسر شديدة، ~~أشار سبحانه إلى ذلك بتكرير آية البيان، إشارة إلى أنها - لما لها من العلو ~~- جديرة بالتأكيد، وإلى أن البلغاء يستبعدون القدرة على البيان كلما أريد ~~على هذا السنن # PageV13P312 # فقال: {كذلك} أي مثل ذلك البيان الذي بينه في آيات الأحكام {يبين الله} ~~بما له من صفات الكمال {لكم} مع ما لكم من خلال النقص {آياته} أي العلامات ~~الدالة عليه من هذه الفرعيات وما رقت إليه الأصليات، فأضافها إليه سبحانه ~~تعظيما لها، إشارة إلى أنها مقدمة للآيات الإلهيات، لأن من لم يتفرغ من ~~مكدرات الأفكار، لم يطر ذلك المطار، وحثا على تدبر ما تقدم منها لاستحضار ~~ما دعت إليه من الحكم، وفصلت به من المواعظ، وتنبيها على ما فيها من العلوم ~~النافعة دينا ودنيا، وزاد في الترغيب في العلم والحكمة إشارة إلى أن ذلك ~~سبب كل سعادة فقال: {والله} أي المحيط بكل ms3214 شيء {عليم حكيم*} روى الطبراني ~~وغيره # «عن # أنس # رضي # الله # عنه # قال: لما كانت صبيحة احتلمت دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~أني قد احتلمت، فقال:» لا تدخل على النساء «، فما أتى علي يوم كان أشد منه» ~~. # ولما ذكر سبحانه اقتبال الشباب، في تغيير حكم الحجاب، أتبعه الحكم عند ~~إدبار الشباب، في إلقاء الظاهر من الثياب، فقال: {والقواعد} وحقق ألمر ~~بقوله: {من النساء} جمع قاعد، وهي # PageV13P313 # التي قعدت عن الولد وعن الحيض كبرا وعن الزوج. ولما كان هذا الأخير قطبها ~~قال: {اللاتي لا يرجون نكاحا} أي لعدم رغبتهن فيه أو لوصولهن إلى حد لا ~~يرغب فيهن معه {فليس عليهن جناح} أي شيء من الحرج في {أن يضعن ثيابهن} أي ~~الظاهرة فوق الثياب الساترة بحضرة الرجال بدليل قراءة ابن مسعود رضي الله ~~عنه {من ثيابهن} قال أبو صالح: تضع الجلباب، وهو ما يغطي ثيابها من فوق ~~كالملحفة، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار {غير متبرجات بزينة} أي ~~متعمدات - بوضع ما أبيح لهن وضعه إظهار وجوههن مع الزينة، أو غير متظاهرات ~~بالزينة، قال في الجمع بين العباب والمحكم: تبرجت المرأة: أظهرت وجهها. وفي ~~القاموس: تبرجت: أظهرت زينتها للرجال - انتهى. ومادة برج تدور على الظهور ~~كما مضى في الحجر؛ وقال البيضاوي: وأصل البرج التكلف في إظهار ما يخفى - ~~انتهى. وكأنه أشير بصيغة التفعل إلى أن ما ظهر منها من وجهها أو زينتها ~~عفوا غير مقصود به الفساد لا حرج فيه. # ولما ذكر الجائز، وكان إبداء الوجه داعيا إلى الريبة، أشار إليه # PageV13P314 # بقوله ذاكرا المستحب، بعثا على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها: {وأن ~~يستعففن} أي يطلبن العفة بدوام الستر وعدم التخفف بإلقاء الجلباب والخمار ~~{خير لهن} من الإلقاء المذكور. # ولما كان ما ذكر من حالهن من الخلطة على ذلك الوصف معلوما أنه لا يخلو عن ~~كلام، كان التقدير: فالله في وضع الحرج عنهن رؤوف بهن رحيم، عطف عليه قوله: ~~{والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {سميع} أي لكلامهن إذا خاطبن الرجال ms3215 ~~هل يخضعن فيه ويتصنعن في ترخيم الصوت به أو يلقينه على الحالة المعروفة غير ~~المنكرة {عليم*} بما يقصدن به وبكل شيء. # PageV13P315 # ولما أتم سبحانه ما ذكر من حرمات البيوت المستلزمة لصيانة الأبضاع على ~~وجه يلزم منه إحراز الأموال، أتبعه ما يباح من ذلك للأكل الذي هو من أجل ~~مقاصد الأموال اجتماعا وانفرادا، فقال في جواب من كأنه سأل: هل هذا التحجير ~~في البيوت سار في الأقارب وغيرهم في جميع الأحوال؟ : {ليس على الأعمى حرج} ~~أي في مؤاكلة غيره وما يأتي من الأحكام، وإن كره غيره أكله لمد يده كيفما ~~اتفق فإنه مرحوم، والاستئذان من أجل # PageV13P315 # البصر {ولا على الأعرج} الذي لايرجى {حرج} وإن تقذر منه بعض المترفين ~~فإنه يجامعه في أنه يرحم لنقصه {ولا على المريض} أي مرضا يرجى بعرج أو غيره ~~{حرج} كذلك لمرضه، وأخره لرجاء برئه {ولا على أنفسكم} أي ولا على غير من ~~ذكر، وعبر بذلك تذكيرا بأن الكل من نفس واحدة {أن تأكلوا من بيوتكم} أي ~~التي فيها عيالكم، وذكرها سبحانه لئلا يحصل من تركها لو تركها ريبة، وليدخل ~~فيها بيوت الأولاد لأنهم من كسب الأب «أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده ~~من كسبه» «أنت ومالك لأبيك» {أو بيوت آبائكم} وإن بعدت أنسابكم - ولعله جمع ~~لذلك - فإنها مرباكم وحرمتها حرمتكم {أو بيوت أمهاتكم} كذلك، وقدم الأب ~~لأنه أجل وهو حاكم بيته دائما والمال له {أو بيوت إخوانكم} من الأبوين أو ~~الأب أو الأم بالنسب أو الرضاع، فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين، ~~لأنهم أشقاؤكم، وهم أولياء بيوتهم {أو بيوت أخواتكم} فإنهن بعدهم، من أجل ~~أن ولي البيت - إذا كن مزوجات - الزوج {أو بيوت أعمامكم} فإنهم شقائق ~~آبائكم سواء كانوا أشقاء أو لأب أو أم، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط ~~فإنه أحق بالاسم {أو بيوت عماتكم} فهن بعد الأعمام لضعفهن، ولأنه ربما # PageV13P316 # كان أولياء بيوتهن الأزواج {أو بيوت أخوالكم} لأنهم شقائق أمهاتكم {أو ~~بيوت خالاتكم} أخرهن لما ذكر {أو ما ملكتم ms3216 مفاتحه} أي التصرف فيه بوجه من ~~الوجوه كالوكالة {أو صديقكم} الذي تعرفون رضاه بذلك ولو بقرينة كما هو ~~الغالب، ولذلك أطلقه، وإن لم يكن أمكنكم من مفتاحه بل كان عياله فيه، كل ~~ذلك من غير إفساد ولا حمل ولا ادخار، وقد عدل الصديق هنا بالقريب، تنبيها ~~على شريف رتبة الصداقة ولطيف سرها، وخفيف أمرها، وأفرده لعزته؛ وعن جعفر بن ~~محمد: من عظم حرمة الصديق أن جعله كالنفس والأب ومن معه. قال الأصبهاني: ~~وقالوا: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وبما ~~سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل. # ولما ذكر معدن الأكل، ذكر حاله فقال: {ليس عليكم جناح} أي شيء من الإثم ~~الذي من شأنه أن يميل بصاحبه عن السواء في {أن تأكلوا جميعا} أي مجتمعين ~~وإن كان بينكم ناقص الخلقة، لأن من كان معرضا للآفات جدير بأن يرحم ~~المبتلى، فلا يستقذره حذرا من انعكاس الحال. # PageV13P317 # ولما رغب في أول الإسلام - لما كان فيه أكثر الناس من الضيق - في ~~المؤاساة، والاجتماع مع الضيوف، ترغيبا ظن به الوجوب، مع ما كانوا عليه من ~~الكرم الباعث على الجود والاجتماع للأنس بالمحتاج، خفف عنهم بقوله: {أو ~~أشتاتا} أي متفرقين لغير قصد الاستقذار، والترفع والإضرار، وإن كان الأكل ~~في جماعة أفضل وأبرك - كما يفهمه تقديمه، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود ~~وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده «أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إنا نأكل ولا نشبع، قال:» فلعلكم تأكلون متفرقين؟ اجتمعوا على ~~طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه «» ولابن ماجه عن عمر رضي الله عنه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلوا جميعا ولا تفرقوا فإن ~~البركة مع الجماعة» . # ولما ذكر موطن الأكل وكيفيته، ذكرالحال التي يكون عليها الداخل إلى تلك ~~المواطن أو غيرها، فقال مسببا عما مضى من الإذن، معبرا بأداة التحقيق، ~~بشارة بأنهم يطيعون بعد أن كانوا تحرجوا من ذلك حين أنزل ms3217 تعالى {لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] : {فإذا دخلتم} أي بسبب ذلك أو غيره ~~{بيوتا} أي مأذونا فيها، أي بيوت كانت مملوكة أو لا، مساجد أو غيرها ~~{فسلموا} عقب الدخول {على أنفسكم} # PageV13P318 # أي أهلها الذين هم منكم دينا وقربا، وعبر بذلك ترغيبا في السلام، ~~والإحسان في الإكرام، ولتصلح العبارة لما إذا لم يكن فيها أحد فيقال حينئذ ~~«السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» فيكون من الاستعمال في الحقيقة ~~والمجاز {تحية} مصدر من المعنى دون اللفظ، أو أوقعوا الدعاء للمحيي بسلامة ~~وحياة وملك بقاء {من عند الله} أي هي جديرة لتمام حسنها أن تضاف إلى من له ~~الكمال كله سبحانه {مباركة} أي ثابتة أعظم ثبات بكونها موافقة لما شرع الله ~~من خالص قلوبكم {طيبة} تلذذ السمع؛ ثم وصف البيان، تنبيها على ما في هذه ~~الآيات من الحسن والإحسان، فقال مستأنفا كما مر غير مرة: {كذلك} أي مثل هذا ~~البيان، العظيم الشأن {يبين الله} أي المحيط بكل شيء {لكم الآيات} التي لا ~~أكمل منها. # ولما كان الله تعالى، بعلمه وحكمته، وعزه وقدرته، ولطفه وخبرته، قد خلق ~~عقلا نيرا يهدي إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، وقسمه بين عباده، وخلق فيهم ~~أنواعا من العوائق لذلك العقل عن النفوذ على سمت الاستقامة، من الهوى ~~والكسل، الفتور والملل، جعلها حجبا تحجبه عن النفوذ، وتستر عنه المدارك، ~~وتمنعه من البلوغ، إلا برياضات # PageV13P319 # ومجاهدات تكل عنها القوى، وتضعف عندها العزائم، فلا يكاد الماهر منهم ~~يرتب قياسا صحيحا، لغلطه في المقدمات، فتكون النتيجة حينئذ فاسدة القاعدة، ~~واهية الأساس، فكانوا لا يزالون لذلك مختلفين، حتى يوصلهم الاختلاف إلى ~~الإحن، والمشاجرة والفتن، فيجرهم إلى السيف وذهاب النفوس تلف الأرواح، ~~فأنزل سبحانه لهم في كل وقت شرعا يليق بذلك الزمان على لسان رسول من رسله ~~عليهم الصلاة والسلام، جعل ذلك الشرع يطابق العقل السوي، والنور الضوي، ~~والمنهل الروي، والسبب القوي، من تمسك به هدي ولم يزغ، حد فيه سبحانه ~~حدودا، وأقام فيه زواجر، لتظهر حكمته، ويتضح علمه وقدرته، فصارت شرائع ~~متفقة الأصول، ms3218 مختلفة الفروع، بحسب الأزمنة، إشارة إلى أن الفاعل في تغيير ~~الأحكام بحسب الأزمان واحد مختار، وامتحانا للعباد، تمييزا لأهل الصلاح ~~منهم من أهل الفساد، وكانت الإغارة على شيء من الأعراض والأموال على غير ما ~~أذن # PageV13P320 # فيه تذهب العقول، وتعمي البصائر، ختم الآية بقوله: {لعلكم تعقلون*} أي ~~لتكونوا على رجاء عند من يصح منه الرجاء من ثبات هذا الوصف لكم، وهو ضبط ~~النفوس وردها عن الأهوية، باتباع آيات الشرع التي أنزلها الذي كرر وصفه هنا ~~بأنه عليم حكيم، فلا تتولوا بعد قولكم # {سمعنا وأطعنا} [المائدة: 7] عن الإذعان للأحكام وأنتم معرضون. # PageV13P321 # ولما كان سبحانه قد نفى عنهم الإيمان بالتولي عن الأحكام، وتلاه بما رأيت ~~أن تظمه أحسن نظام، حتى ختم بما أومأ إلى أن من عمي عن أحكامه بعد هذا ~~البيان مسلوب العقل، وكرر في هذه السورة ذكر البيان، تكريرا أشار إلى لمعان ~~المعاني بأمتن بنان حتى صارت مشخصات للعيان، وبين من حاز وصف الإيمان، بحسن ~~الاستئذان، وكان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أجل موطن تجب الإقامة فيه ~~ويهجر ما عداه من الأوطان، فتصير الأرض برحبها ضيقة لأجله، محظورا سلوكها ~~من جراه، بمنزلة بيت الغير الذي لا يحل دخوله بغير إذن، قال معرفا بذلك على ~~طريق الحصر مقابلا لسلب {وما أولئك بالمؤمنين} [المائدة: 43] مبينا عظيم ~~الجناية في الذهاب عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم المقتضي للجمع من غير ~~إذن: {إنما المؤمنون} أي الكاملون الذين لهم الفلاح # PageV13P321 # {الذين آمنوا بالله} أي الملك الأعلى {ورسوله} ظاهرا وباطنا. # ولما كان الكلام في الراسخين، كان الموضع لأداة التحقيق فقال: {وإذا} أي ~~وصدقوا إيمانهم بأنهم إذا {كانوا معه} أي الرسول صلى الله عليه السلام {على ~~أمر جامع} أي لهم على الله، كالجهاد لأعداء الله، والتشاور في مهم، وصلاة ~~الجمعة، ونحو ذلك {لم يذهبوا} عن ذلك الأمر خطوة إلى موضع من الأرض ولو أنه ~~بيوتهم، لشيء من الأشياء ولو أنه أهم مهماتهم، لأنه أخذ عليهم الميثاق ~~بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره {حتى يستأذنوه} فيأذن لهم، ms3219 لأن ~~المأمور به قد صار منزلهم ومأواهم ومتبوأهم، وصار كل ما سواه من الأماكن ~~والأمور له عليه الصلاة والسلام دونهم، لا حظ لهم فيه، فلا يحل لهم أن ~~يدخلوه حسا أو معنى إلا بإذنه، وهذا من عظيم النتبيه على علي أمره، وشريف ~~قدره، وذلك أنه سبحانه كما أمرهم بالاستئذان عند الدخول عليه وعلى غيره، ~~أفرده بأمرهم باستئذانه عند الانصراف عنه صلى الله عليه وسلم، وجعل رتبة ~~ذلك تالية لرتبة الإيمان بالله والرسول، وجعلهما كالتسبيب له مع تصدير ~~الجملة بأداة الحصر، وإيقاع المؤمنين في مبتدأ مخبرا عنه بموصول أحاطت ~~وصلته بالرتب الثلاث شرحا له. # PageV13P322 # ولما نفى عن المؤمنين الذهاب إلى غاية الاستئذان، فأفهم أن المستأذن ~~مؤمن، صرح بهذا المفهوم ليكون آكد، فقال تشديدا في الإخلال بالأدب بين يديه ~~صلى الله عليه وسلم، وتأكيدا لحفظ حرمته والأدب معه لئلا يتشوش فكره في ~~أسلوب آخر، وبيانا لأن الاستئذان مصداق الإيمان: {إن الذين يستأذنونك} أي ~~يطلبون إذنك لهم إذا أرادوا الانصراف، في شيء من أمورهم التي يحتمل أن تمنع ~~منها {أولئك} العالو الرتبة خاصة {الذين يؤمنون} أي يوجدون الإيمان في كل ~~وقت {بالله} الذي له الأمر كله فلا كفوء له {ورسوله} وذلك ناظم لأشتات خصال ~~الإيمان. # ولما قصرهم على الاستئذان، تسبب عن ذلك إعلامه صلى الله عليه وسلم بما ~~يفعل إذ ذاك فقال: {فإذا استأذنوك} أي هؤلاء الذين صحت دعواهم؛ وشدد عليهم ~~تأكيدا لتعظيم الأدب معه صلى الله عليه وسلم بقوله: {لبعض شأنهم} وهو ما ~~تشتد الحاجة إليه {فأذن لمن شئت منهم} قيل: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة فمن اراد أن يخرج لعذر قام بحياله فيعرف ~~أنه يستأذن فيأذن لمن شاء، قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير ~~بيده، وقيل: كذلك ينبغي أن يكون الناي مع أئمتهم ومقدميهم # PageV13P323 # في الدين والعلم لا يخذلونهم في نازلة من النوازل. # ولما أثبت له بهذا التفويض من الشرف ما لا يبلغ وصفه، أفهمهم أن حال ~~المستأذن قاصرة عن حال المفوض ms3220 الملازم كيفما كانت، فقال: {واستغفر لهم ~~الله} أي الذي له الغنى المطلق، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، أو يكون ~~الكلام شاملا لمن صحت دعواه وغيره؛ ثم علل ذلك ترغيبا في الاستغفار، ~~وتطييبا لقلوب أهل الأوزار، بقوله: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال ~~{غفور} أي له هذا الوصف فهو جدير بأن يغفر لهم ما قصروا فيه {رحيم*} أي فكل ~~ما أمرهم به فهو خير لهم وإن تراءى لهم خلافه. # ولما أظهرت هذه السورة بعمومها، وهذه الآيات بخصوصها، من شرف الرسول ما ~~بهر العقول، لأجل ما وقع للمنافق من التجرؤ على ذلك الجناب الأشم، والمنصب ~~الأتم، وعلم منه أن له صلى الله عليه وسلم في كل أمره وجميع شأنه خصوصية ~~ليست لغيره، صرح بذلك تفخيما للشأن، وتعظيما للمقام، ليتأدب من ناضل عن ~~المنافق، أو توانى في أمره فقصر عن مدى أهل السوابق، فقال منبها على أن ~~المصائب سبب لإظهار المناقب أو إشهار المعايب {لا تجعلوا} أي ايها الذين ~~آمنوا {دعاء الرسول} أي لكم الذي يوقعه {بينكم} # PageV13P324 # ولو على سبيل العموم، في وجوب الامتثال {كدعاء بعضكم بعضا} فإن أمره ~~عظيم، ومخالفته استحلالا كفر، ولا تجعلوا أيضا دعاءكم إياه كدعاء بعضكم ~~لبعض بمجرد الاسم، بل تأدبوا معه بالتفخيم والتبجيل والتعظيم كما سن الله ~~بنحو: يا ايها النبي، ويا أيها الرسول، مع إظهار الأدب في هيئة القول الفعل ~~بخفض الصوت والتواضع. # ولما كان بعضهم يظهر المؤالفة، ويبطن المخالفة، حذر من ذلك بشمول علمه ~~وتمام قدرته، فقال معللا مؤكدا محققا معلما بتجديد تعليق العلم الشهودي ~~كلما جدد أحد خيانة لدوام اتصافه بإحاطة العلم من غير نظر إلى زمان: {قد ~~يعلم الله} أي الحائز لجميع صفات المجد إن ظننتم أن ما تفعلونه من التستر ~~يخفي أمركم على رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو سبحانه يعلم {الذين يتسللون} ~~وعين أهل التوبيخ بقوله: {منكم} أي يتكلفون سل أنفسهم ليجعلوا ذهابهم في ~~غاية الخفاء {لواذا} أي تسللا مستخفين به بتستر بعضهم فيه ببعض؛ يقال: لاذ ~~بالشيء لوذا ولواذا ms3221 وملاوذة: استتر وتحصن، فهو مصدر لتسلل من غير لفظه، ~~ولعله أدخل «قد» على المضارع ليزيد أهل التحقيق تحقيقا، ويفتح لأهل الريب ~~إلى الاحتمال طريقا، فإنه يكفي في الخوف من النكال طروق الاحتمال؛ وسبب عن ~~علمه قوله: # PageV13P325 # {فليحذر} أي يوقع الحذر {الذين يخالفون} أي يوقعون مخالفته بالذهاب ~~مجاوزين معرضين {عن أمره} أي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى خلافه ~~{أن تصيبهم فتنة} أي شيء يخالطهم في الدنيا فيحل أمورهم إلى غير الحالة ~~المحبوبة التي كاونوا عليها {أو يصيبهم عذاب أليم*} في الآخرة، وهذا يدل ~~على أن الأمر للوجوب حتى يصرف عنه صارف، لترتيب العقاب على الإخلال به، لأن ~~التحذير من العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب. # ولما أقام سبحانه الأدلة على أنه نور السماوات والأرض بأنه لا قيام لشيء ~~إلا به سبحانه، وختم بالتحذير لكل مخالف، أنتج ذلك أن له كل شيء فقال: {ألا ~~إن لله} اي الذي له جميع المجد جميع {ما في السماوات} ولثبوت أنه سبحانه ~~محيط العلم والقدرة، لم يقتض المقام التأكيد بإعادة الموصول فقال: {والأرض} ~~أي من جوهر وعرض، وهما له أيضا لأن الأرض في السماء، وكل سماء في التي ~~فوقها حتى ينتهي ذلك إلى العرش الذي صرح في غير آية أنه صاحبه، وهو سماء ~~أيضا لعلوه عما دونه، فكل ما فيه له، وذلك أبلغ - لدلالته بطريق المجاز - ~~مما لو صرح به، فدل ذلك - بعد الدلالة # PageV13P326 # على وجوده - على وحدانيته، وكمال علمه وقدرته. # ولما كانت أحوالهم من جملة ما له، كان من المعلوم أنها لم تقم في أصلها ~~ولا بقاء لها إلا بعلمه ولأنها بخلقه، فلذلك قال محققا مؤكدا مرهبا: {قد ~~يعلم ما أنتم} أيها الناس كلكم {عليه} أي الآن، والمراد بالمضارع هنا وجود ~~الوصف من غير نظر إلى زمان، ولو عبر بالماضي لتوهم الاختصاص به، والكلام في ~~إدخال «قد» عليه كما مضى آنفا باعتبار أولي النفوذ في البصر، وأهل الكلال ~~والكدر {ويوم} أي ويعلم ما هم عليه يوم {يرجعون} أي بقهر قاهر ms3222 لهم على ذلك، ~~لا يقدرون له على دفاع، ولا نوع امتناع {إليه} وكان الأصل: ما أنتم عليه، ~~ولكنه أعرض عنهم تهويلا للأمر، أو يكون ذلك خاصا بالمتولين المعرضين إشارة ~~إلى أنهم يناقشون الحساب، ويكون سر الالتفاف التنبيه على الإعراض عن المكذب ~~بالقيامة، والإقبال على المصدق، صونا لنفيس الكلام، عن الجفاة الأغبياء ~~اللئام {فينبئهم} أي فيتسبب عن ذلك أنه يخبرهم تخبيرا عظيما {بما عملوا} ~~فليعدوا لكل شيء منه جوابا {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {بكل شيء} ~~من ذلك وغيره {عليم*} فلذلك أنزل الآيات # PageV13P327 # البينات، وكان نور الأرض والسماوات، فقد رد الختام على المبدأ، والتحم ~~الآخر بالأول والاثنا - والله الهادي. # PageV13P328 # مقصودها إنذار عامة المكلفين بما له سبحانه من القدرة الشاملة، المستلزم ~~للعلم التام، المدلول عليه بهذا القرآن المبين، المستلزم لأنه لا موجد على ~~الحقيقة سواه، فهو الحق، وما سواه باطل؛ وتسميتها بالقرقان واضح الدلالة ~~على ذلك، فإن الكتاب ما نزل إلا للتفرقة بين الملتبسات، وتمييز الحق من ~~الباطل)) ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة () [الأنفال: 42] فلا ~~يكون لأحد على الله حجة) بسم الله (الذي له الحجة البالغة، لإحاطة عظمته، ~~وشمول علمه وقدرته) الرحمن (الذي عم بنعمه الفرقان، أهل الإيمان والكفران) ~~الرحيم (الذي خص من شاء من عباده بملابس الرضوان. # لما ختم سبحانه تلك بسعة الملك، وشمول العلم، وتعظيم الرسول، # PageV13P329 # والتهديد لمن تجاوز الحد، افتتح هذه بمثل ذلك على وجه - مع كونه أضخم منه ~~- هو برهان عليه فقال # PageV13P330 # {تبارك} أي ثبت ثبوتا مع اليمن والخير الذي به سبقت الرحمة الغضب، ~~والتعالي في الصفات والأفعال، فلا ثبوت يدانيه، ولا يكون ذلك كذلك إلا ~~بتمام قدرته، ولا تتم قدرته إلا بشمول علمه، وهذا الفعل مطاوع «بارك» وهو ~~مختص بالله تعالى لم يستعمل لغيره، ولذلك لم ينصرف لمستقبل ولا اسم فاعل؛ ~~ثم وصف نفسه الشريفة بما يدل على ذلك فقال: {الذي} . # ولما كان تكرار الإنذار - الذي هو مقصود السورة - أنفع، وتفريقه في أوقات ~~متراسلة أصدع للقلوب وأردع، وكان إيضاح المشكلات، في ms3223 الفرق بين الملتبسات، ~~أعون بما يكون علة، عبر بما يدل على الفرق وقدمه فقال: {نزل ### | الفرقان # } أي الكتاب الذي نزل إلى سماء الدنيا فكان كتابا، ثم نزل مفرقا بحسب ~~المصالح، فسمي لذلك فرقانا، ولأنه الفارق بين ملتبس، فلا يدع خفاء إلا ~~بينه، ولاحقا إلا أثبته، ولا باطلا إلا نفاه ومحقه، فيه انتظام الحياة ~~الأولى # PageV13P330 # والأخرى، فكان قاطعا على علم منزله، ومن علمه الباهر إنزاله {على عبده} ~~أي الذي لا أحق منه بإضافته إلى ضميره الشريف، لأنه خالص له، لا شائبة ~~لغيره فيه أصلا، ولم يحز مخلوق ما حاز من طهارة الشيم، وارتفاع الهمم، ولا ~~شك أن الرسول دال على مرسله في مقدار علمه، وكثرة جنده، واتساع ملكه {الله ~~أعلم حيث يجعل رسالاته} [الأنعام: 124] ثم علل إنزاله عليه بقوله: {ليكون} ~~أي العبد أو الفرقان. # ولما كان العالم ما سوى الله، وكان ربما ادعى مدع أن المراد البعض، لأنه ~~قد يطلق اللفظ على جزء معناه بدلالة التضمن، وكان الجمع لا بد أن يفيد ما ~~أفاده المفرد بزيادة، جمع ليعرف أن المراد المدلول المطابقي، مع التصريح ~~باستغراق جميع الأنواع الداخلة تحت مفهوم المفرد، واختار جمع العقلاء ~~تغليبا، إعلاما بأنهم المقصودون بالذات فقال: {للعالمين} أي المكلفين كلهم ~~من الجن والإنس والملائكة. # ولما كان كل من الكتاب والمنزل عليه بالغا في معناه، عبر بما يصح أن يراد ~~به المنذر والإنذار على وجه المبالغة فقال: {نذيرا*} أي وبشيرا، وإنما ~~اقتصر على النذارة للإشارة إلى البشارة بلفظ {تبارك} ولأن المقام لها، لما ~~ختم به تلك من إعراض المتولين عن الأحكام، # PageV13P331 # ونفى الإيمان عنهم بانتفاء الإسلام، وفيه إشارة إلى كثرة المستحقين ~~للنذارة، ولا التفات إلى من قال: إن الرازي والبرهان النسفي نقلا الإجماع ~~على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرسل الملائكة، فإن عبارة الرازي في بعض نسخ ~~تفسيره: لكنا أجمعنا على أنه لم يرسل إلى الملائكة، وفي أكثر النسخ: بينا - ~~بدل: أجمعنا، على أنه لو اتفقت جميع النسخ عليها لم تضر، لأنها غير صريحة ~~في إرادة الإجماع، ms3224 ولأن الإجماع لا يثبت بنقل واحد لا سيما في مثل هذا الذي ~~تظافرت الظواهر على خلافه، ولم يرد مانع منه، وأما البرهان النسفي فمن ~~الرازي أخذ، وعبر بعبارته، فصارا واحدا، وقد بينت ذلك عند قوله تعالى في ~~سورة الأنعام # {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] بيانا شافيا لا ارتياب معه، بل ولو ~~قيل: إن الآية على ظاهرها، لا خصوص فيها بالعقلاء، وتكليف كل شيء بحسبه، ~~لكان وجها، وبذلك صرح الإمام تاج الدين السبكي في أول الترشيح في قوله: ~~«وأصلي على نبيه محمد المصطفى المبعوث إلى كل شيء» وكذلك المحب الطبري في ~~آخر «القرى لقاصدي أم القرى» وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم ما دعا جامدا # PageV13P332 # ولا متحركا غير الإنسان إلا أجابه بما هو مقتضى {إنا عرضنا الأمانة على ~~السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها} [الأحزاب: 72] دعا غير مرة عدة ~~من أغصان الأشجار فأتته تسجد له، ثم أمرها بأن ترجع إلى مكانها ففعلت؛ ودعا ~~الضب وغيره من الحيوانات العجم فأطاعته؛ ودعا الأشجار غير مرة فسمعت وسعت ~~إليه؛ وأمر الجبل لما رجف فأذعن؛ وأرسل إلى نخل وأحجار يأمرهن بالاجتماع ~~ليقضي إليهن حاجة ففعلن، ثم أرسل يأمرهن بالرجوع إلى أماكنهن فأجبن؛ وغمز ~~الأرض فنبع منها الماء؛ وأرسل سهمه إلى البئر فجاشت بالرواء - إلى غير ذلك ~~مما هو مضمن في دلائل النبوة، بل ولا دعا طفلا رضيعا إلا شهد له لكونه على ~~الفطرة الأولى - إلى غير ذلك مما هو دال على ظاهر الآية المقتضي لزيادة ~~شرفه صلى الله عليه وسلم من غير محذور يلزم عليه ولا نص يخالفة - والله ~~الهادي. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما تضمنت سورة # PageV13P333 # النور بيان كثير من الأحكام كحكم الزنى، ورمي الزوجات به، والقذف، ~~والاستئذان، والحجاب، وإسعاف الفقير، والكتابة، وغير ذلك، والكشف عن ~~مغيبات، من تغاير حالات، تبين بمعرفتها والاطلاع عليها الخبيث من الطيب، ~~كاطلاعه سبحانه نبيه والمؤمنين على ما تقوله أهل الإفك، وبيان سوء حالهم، ~~واضمحلال محالهم، في قصة المنافقين في إظهارهم ضد ما يضمرون؛ ثم ms3225 كريم وعده ~~للخلفاء الراشدين {وعد الله الذين آمنوا منكم} [المائدة: 9] ثم ما فضح به ~~تعالى منافقي الخندق {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا} [النور: 63] ~~إلى آخر الآية، فكان مجموع هذا فرقانا يعتضد به الإيمان، ولا ينكره مقر ~~بالرحمن، يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة رسالته، ويوضح مضمن قوله ~~{لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم} [النور: 63] من عظيم قدره صلى الله عليه ~~وسلم وعلي جلالته، أتبعه سبحانه بقوله {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} ~~[الفرقان: 1] وهو القرآن الفارق بين الحق والباطل، والمطلع على ما أخفاه ~~المنافقون وأبطنوه من المكر والكفر {ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] ~~فيحذرهم من مرتكبات المنافقين والتشبه بهم؛ ثم تناسج الكلام، # PageV13P334 # والتحم جليل المعهود من ذلك النظام، وتضمنت هذه السورة من النعي على ~~الكفار والتعريف ببهتهم وسوء مرتكبهم ما لم يتضمن كثير من نظائرها كقولهم # {ما لهذا الرسول يأكل الطعام} [الفرقان: 7] الآيات، وقولهم {لولا أنزل ~~علينا الملائكة أو نرى ربنا} [الفرقان: 21] وقولهم {لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة} [الفرقان: 32] وقولهم {وما الرحمن} [الفرقان: 60] إلى ما عضد ~~هذه وتخللها، ولهذا ختمت بقاطع الوعيد، وأشد التهديد، وهو قوله سبحانه {فقد ~~كذبتم فسوف يكون لزاما} [الفرقان: 77] انتهى. # ولما تقدم ذكر منزل الفرقان سبحانه، وذكر الفرقان والمنزل عليه على طريق ~~الإجمال، أتبع ذلك تفصيله على الترتيب، فبدأ بوصف المنزل سبحانه بما هو أدل ~~دليل على إرادة التعميم في الرسالة لكل من يريد، فقال: {الذي له} أي وحده ~~{ملك السماوات والأرض} فلا إنكار لأن يرسل رسولا إلى كل من فيهما {ولم يتخذ ~~ولدا} ليتكبر على رسوله {ولم يكن له شريك في الملك} ليناقضه في الرسالة أو ~~يقاسمه إياها، فيكون بعض الخلق خارجا عن رسالته، أو مراعيا لأمر غير أمره. # ولما كان وقوف الشيء عند حد - بحيث لا يقدر أن يتعداه إلى حد شيء آخر ~~سواه، فهذا حيوان لا يقدر على جعل نفسه جمادا # PageV13P335 # ولا أعلى من الحيوان، وهذا جماد لا يمكنه جعل نفسه حيوانا ولا أسفل من ~~رتبة الجماد إلى غير ذلك ms3226 مما يعجز الخلق عن شرحه دالا على أنه مخلوق مربوب، ~~قال تعالى: {وخلق} أي أحدث إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية {كل شيء} أي ~~مما ادعى فيه الولدية أو الشرك وغيره. # ولما كان قد سوى كل شيء لما يصلح له وهيأه لذلك، قال شارحا ومحققا لمعنى ~~«خلق» : {فقدره} في إيجاده من غير تفاوت {تقديرا*} أي لا يمكن ذلك الشيء ~~مجاوزته فيما خلق لأجله وهيىء ويسر له إلى غيره بوجه من الوجوه. # ولما ذكرهم بما ركز في فطرهم من العلم، عجب منهم لكل ذي عقل في جملة ~~حالية فيما خالفوا ما لهم من المشاهدة، فقال مضمرا للفاعل إشارة إل استهجان ~~نسبة هذا الفعل إلى فاعل معين توبيخا لهم وإرشادا إلى المبادرة من كل سامع ~~إلى نفيه عنه فقال: {واتخذوا} أي كلف أنفسهم عبدة الأوثان أن أخذوا. # ولما كان علوه لا يحد، فكانت الرتب السافلة لا تحصى، نبه على ذلك بالجار ~~فقال: {من دونه} أي بعد ما قام من الدليل # PageV13P336 # على أنه الإله وحده من الحيثيات التي تقدمت {آلهة} المتحدون مشاهدون ~~لأنهم كما قال تعالى: {لا يخلقون شيئا} أي لا أعجز منهم، لا يكون منهم ~~إيجاد شيء، فيهم دون من عبدهم. # ولما كان المتعنت ربما ادعى أنهم مع ذلك غير مخلوقين قال: {وهم يخلقون} ~~أي بما يشاهد فيهم من التغير والطواعية لمشيئته سبحانه، ومن ذلك أن عبدتهم ~~افتعلوهم بالنحت والتصوير. # ولما قرر أنه أنعم على كل شيء، وكانت النعم أكثر وجودا، وكان أدنى نعمة ~~على الشيء خلقه سبحانه له، أخبر أن ذلك الغير لا يقدر على ضر نفسه ولا ~~بالإعدام، فقال معبرا بأداة العقلاء تهكما بعابديهم حيث أقاموهم في ذلك ~~المقام، أو تغليبا لأنهم عبدوا الملائكة وعزيرا والمسيح عليهم السلام: {ولا ~~يملكون} أي لا يتجدد لهم بوجه من الوجوه أن يملكوا {لأنفسهم ضرا} ولذلك ~~قدمه، ونكره ليعم. # فلما ثبت بذلك أنهم خلقه، ولكن كان ربما قال متعنت: إنهم يملكون ذلك ~~ولكنهم يتركونه عمدا، لأن أحدا لا يريد ضر نفسه، قال: {ولا نفعا} أي ms3227 ولو ~~بالبقاء على حالة واحدة، وعبدتهم يقدرون على ما أراد الله من ذلك على وجه ~~الكسب، فهم أعلى # PageV13P337 # منهم وعبادة الأعلى لمن دونه ليست من أفعال العقلاء. # ولما كان الموت والحياة ما ليس لغيرهما من عظيم الشأن، أعاد العامل فقال: ~~{ولا يملكون} وقدم الموت لأن الحياة أكثر، فقال مبتدئا بما هو من باب الضر ~~على نسق ما قبله: {موتا} أي لأنفسهم ولا لغيرهم {ولا حياة} أي من العدم ~~{ولا نشورا*} أي إعادة لما طوي من الحياة بالموت، وعطفها بالواو وإن كان ~~بعضها مسببا عما قبله إشارة إلى أن كل واحدة منها كافية في سلب الإلهية ~~عنهم بما ثبت من العجز. # PageV13P338 # ولما وصف منزل الفرقان بما لا يحيط به علم أحد غيره من الشؤون، فاتضح ~~بذلك إعجاز المنزل الذي أبان ذلك، وهو هذا القرآن، وأنه وحده الفرقان، عجب ~~من حال المكذبين به فقال موضع {وقالوا} : {وقال الذين كفروا} مظهرا الوصف ~~الذي حملهم على هذا القول، وهو ستر ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في ~~إخفائه: {إن} أي ما {هذا} أي القرآن {إلا إفك} أي كذب مصروف عن ظاهره ووجه ~~هو أسوأ الكذب {افتراه} أي # PageV13P338 # تعمد كذبه هذا النذير، فكان قولهم هذا موضع العجب لكونه ظاهر الخلل. # ولما كان الإنسان مطبوعا على أنه يتكثر بأدنى شيء من المحاسن فيحب أن ~~تظهر عنه ولا ينسب شيء منها إلى غيره، كان أعجب من ذلك وأظهر عوارا قولهم: ~~{وأعانه} أي محمدا {عليه} أي القرآن {قوم} أي ذوو كفاية حبوه بما يتشرف به ~~دونهم؛ وزادوا بعدا بقولهم: {آخرون} أي من غير قومه؛ فقيل: أرادوا اليهود، ~~وقيل: غيرهم ممن في بلدهم من العبيد النصارى وغيرهم، فلذلك تسبب عنه قوله ~~تعالى: {فقد جاءو} أي الكفار في ذلك {ظلما} بوضع الإفك على ما لا أصدق منه ~~ولا أعدل {وزورا*} أي ميلا مع جلافة عظيمة عن السنن المستقيم في نسبة أصدق ~~الناس وأطهرهم خليقة، وأقومهم طريقة، إلى هذه الدنايا التي لا يرضاها لنفسه ~~أسقط الناس، فإنها - مع كنها دنيئة في ms3228 نفسها - مضمونة الفضيحة؛ قال ابن ~~جرير وأصل الزور تحسين الباطل وتأويل الكلام. # ولما تبين تناقضهم أولا في ادعائهم في القرآن ما هو واضح المنافاة لوصفه، ~~وثانيا بأنه أعين عليه بعد ما أشعرت به صيغة الافتعال من الانفراد، أتبعه ~~تعالى تناقضا لهم آخر بقوله معجبا: {وقالوا} # PageV13P339 # أي الكفار {أساطير} جمع إسطارة وأسطورة {الأولين} من نحو أحاديث رستم ~~وإسفنديار، فصرحوا أنه ليس له فيه شيء {اكتتبها} أي تطلب كتابتها له {فهي} ~~أي فتسبب عن تكلفه أنها {تملى} أي تلقى من ملق ما إلقاء جيدا متجددا مستمرا ~~{عليه} من الكتاب الذي اكتتبها فيه في أوقات الفراغ {بكرة} قبل أن ينتشر ~~الناس {وأصيلا*} أي وعشيا حين يأوون إلى مساكنهم، أو دائما ليتكلف حفظها ~~بعد أن تكلف تحصيلها بالانتساخ أنه أمي، وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة ~~في عقل ولا مروءة، فإن من المعلوم الذي لا يخفى على عاقل أن إنسانا لو لازم ~~شيئا عشرة أيام بكرة وعشيا لم يبق ممن يعرفه ويطلع على أحواله أحد حتى عرف ~~ذلك منه، فلو أنكره بعد لافتضح فضيحة لا يغسل عنه عارها أبدا، فكيف والبلد ~~صغير، والرجل عظيم شهير، وقد ادعوا أنه مصر على ذلك إلى حين مقالتهم وبعدها ~~لا ينفك، وعيروه بأنه معدم يحتاج إلى المشي في الأسواق، وهو يدعوهم إلى ~~المعارضة ولو بسورة من مثله، وفيهم الكتاب والشعراء # PageV13P340 # والبلغاء والخطباء، وهو أكثر منه مالا، وأعظم أعوانا، فلا يقدرون. # ولما رموه بهذه الأقوال التي هم فيها في خبط عشواء، وكانت مع كونها ظاهرة ~~العوار، عند من له أدنى استبصار، تروج على بعض العرب بعض الرواج، مع سعة ~~عقولهم، وصحة أفكارهم، لشبه واهية مكنهم فيها التقليد، وشدة الالف لما هم ~~عليه من الزمن المديد، أمره سبحانه بجوابهم مستأنفا فقال: {قل} أي دالا على ~~بطلان ما قالوه مهددا لهم: {أنزله} أي القرآن من خزائن علمه خلافا لجميع ما ~~تقولتموه {الذي يعلم السر} أي كله، لا يخفى عليه منه خافية فكيف بالجهر! ~~{في السماوات والأرض} فهو يجيبكم عن ms3229 كل ما تقولتموه في وفي كتابه وإن ~~أسررتموه، ويبين جميع ما يحتاج إليه العباد في الدارين في كلام معجز لفظا ~~ومعنى على وجه يتحقق كل ذي لب أنه لا يقوله إلا عالم بجميع المعلومات، ولا ~~يحيط بجميع المعلومات سواه، وهذا ظاهر جدا من إخباره بالماضي بما يصدقه ~~العلماء من الماضين، وحكمه على الآتي بما يكون ضربة لازم، وإظهاره الخبء ~~وإحكامه لجميع ما يقوله، وقد جرت عادته سبحانه وتعالى بالانتقام ممن كذب ~~عليه بإظهار كذبه أولا، ثم بأخذه ثانيا، ثم عذابه العذاب الأكبر ثالثا، ~~فستنظرون من يفعل به ذلك، وقد بان لعمري صدقه لما # PageV13P341 # وقع من الأمور الثلاثة. # ولما كان من المعلوم أن العالم بكل شيء قادر على شيء كما مضى تقريره في ~~سورة طه، وكانت العادة جارية بأن من علم استخفاف غيره به وكان قادرا عليه ~~عاجله بالأخذ، أجيب من كأنه قال: فما له لا يهلك المكذبين له؟ بقوله مرغبا ~~لهم في التوبة، مشيرا إلى قدرته بالستر والإنعام، ومبينا لفائدة إنزاله ~~إليهم هذا الذكر من الرجوع عما تمادت عليه أزمانهم من الكفر وأنواع ~~المعاصي: {إنه كان} أزلا وأبدا {غفورا} أي بليغ الستر لما يريد من ذنوب ~~عباده، بأن لا يعاتبهم عليها ولا يؤاخذهم بها {رحيما*} بهم في الإنعام ~~عليهم بعد خلقهم، برزقهم وتركيب العقول فيهم، ونصب الأدلة لهم، وإرسال ~~الرسل وإنزال الكتب فيهم، وأمهالهم في تكذيبهم، أي فليس لإمهالهم ووعظهم ~~بما نزله إليهم سبب إلا رحمته وغفرانه وعلمه بأن كتابه صلاح لأحوالهم في ~~الدارين. # ولما أتم سبحانه ما أراد من ذكر المنزل والمنزل، وأخبر عن طعنهم في ~~المنزل الذي هو المقصود بالذات من الرسالة، وأقام تعالى ذلك الدليل على ~~كذبهم، أتبعه الإخبار عن طعنهم في الرسول الآتي به، فقال معجبا عقولهم التي ~~يعدونها أصفى العقول أفكارا، وأعلاها # PageV13P342 # آثارا، فيما أبدوه من ذلك مما ظنوا أنه دليل على عدم الرسالة، ولا شيء ~~منه يصلح أن يكون شبهة لذي مسكة من أمره، فضلا عن أن يكون دليلا: {وقالوا} ~~أي مستفهمين تهكما بوصفه، ms3230 قادحين فيه بفعله، قول من هو على ثقة من أن وصف ~~الرسالة ينافيه: {مال هذا} والإشارة على هذا الوجه تفهم الاستهانة ~~والتصغير؛ ثم أظهروا السخرية بقولهم: {الرسول} أي الذي يزعم أنه انفرد عن ~~بقية البشر في هذا الزمان بهذا الوصف العالي {يأكل الطعام} أي مثل ما نأكل ~~{ويمشي في الأسواق} أي التي هي مطالب الدنيا، كما نمشي. # ولما كانت ترجمة ما مضى: ما له مثلنا وهو يدعي الاختصاص عنا بالرسالة؟ ~~أتبعوه التعنيف على عدم كونه على واحد من وجوه مغايرة على سبيل التنزل ~~جوابا لمن كأنه قال: فماذا يفعل؟ بقولهم: {لولا} أي هلا، وهي تأتي للتوبيخ، ~~وهو مرادهم {أنزل} أي من السماء، من أي منزل كان، منتهيا {إليه} أي على ~~الهيئة التي هو عليها في السماء {ملك} أي من الملائكة الله على هيئاتهم ~~المباينة لهيئات الآدميين {فيكون} بالنصب جوابا للتحضيض ذلك الملك وإن كان ~~هو إنسانا {معه نذيرا*} فيكون ممتازا بحال # PageV13P343 # ليس لواحد منا، ليكون أهيب في النذارة، لما له من الهيبة والقوة، وكأنهم ~~عبروا بالماضي إعلاما بأن مرادهم كونه في الظهور لهم على غير الهيئة التي ~~يخبركم بها من تجدد نزول الملك عليه في كل حين مستسرا بحيث لا ينظره غيره، ~~أو لأن الملك يمكن أن يكون على حالة المصاحبة له للنذارة، وإنما لا يتحول ~~عنها بصعود إلى السماء ولا غيره، بخلاف الكنز فإنه للنفقة، فإن لم يتعهد كل ~~وقت نفد، وهذا سر التعبير ب «إلى» دون «على» التي هي للتغشي بالوحي، ولذلك ~~عبروا بالمضارع في قولهم، متنزلين عن علو تلك الدرجة: {أو يلقى} أي من أي ~~ملق كان. # ولما كان الإلقاء دالا على العلو، عدلوا عن أداة الاستعلاء التي تقدم ~~التعبير بها في هود عليه السلام من الإنزال إلى حرف النهاية فقالوا: {إليه} ~~أي إن لم تكن له تلك الحالة {كنز} أي يوجد له هذا الأمر ويتجدد له إلقاؤه ~~غير مكترث ولا معبوء به، برفعه عن مماثلتنا العامة من كل وجه، وأيضا ~~التعبير في هذا والذي بعده بالمضارع ms3231 أدل على تكالبهم على الدنيا وأنها أكبر ~~همهم. ثم تنزلوا # PageV13P344 # أيضا في قولهم: {أو تكون له} أي إن لم تكن له شيء مما مضى {جنة} أي بستان ~~أو حديقة كما لبعض أكابرنا {يأكل منها} فتفرغه عما يتعاطاه في بعض الأحايين ~~من طلب المعاش، ويكون غناه أعز له وأجلب للخواطر إليه، وأحث لعكوف الأتباع ~~عليه، وأنجع فيما يريده - هذا على قراءة الجماعة بالياء التحتية، وعلى ~~قراءة حمزة والكسائي بالنون يكون المعنى: أنا إذا أمكنا منها، كان ذلك أجلب ~~لنا إلى اتباعه، وما قالوه كله فاسد إذ لم يدع هو صلى الله عليه وسلم ولا ~~أحد من أتباعه أنه هو ولا أحد من الأنبياء قبله يباين البشر، ولا أن وصفا ~~من أوصاف البشر الذاتية ينافي النبوة والرساله، وأما الاستكثار من الدنيا ~~فهو عائق في الأغلب عن السفر إلى دار الكرامة، وموطن السلامة، وحامل على ~~التجبر، ولا يفرح به إلا أدنياء الهمم، وخفة ذات اليد لا تقدح إلا في ناقص ~~يسأل الناس تصريحا أو تلويحا إرادة لتكميل نقصه بالحطام الفاني، وقد شرف ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم # PageV13P345 # عن ذلك بما له من صفات الكمال، والأخلاق العوال. # ولما كانوا بهذا واضعين الكلام في غير مواضعه، بعيدين عن وجه الصواب، قال ~~معجبا من أمرهم: {وقال الظالمون} فأظهر الوصف الموجب لهم ذلك: {إن} أي ما ~~{تتبعون} إن اتبعتم {إلا رجلا مسحورا*} أي يتكلم بما لا يجديه، فحاله لذلك ~~حال من غلب على عقله بالسحر، أو ساحرا صار السحر له طبعا، فهو يفرق بما جاء ~~به بين المرء وزوجه وولده ونحو ذلك، وعبروا بصيغة المفعول إشارة إلى هذا، ~~وهو أنه لكثرة ما يقع منه من ذلك - صار كأنه ينشأ عنه على غير اختياره. # PageV13P346 # ولما أتم سبحانه ما ذكر من أقوالهم الناشئة عن ضلالهم، التفت سبحانه إلى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم مسليا له فقال: {انظر} ثم أشار إلى التعجب منهم ~~بأن ما قالوه يستحق الاستفهام بقوله: {كيف ضربوا} وقدم ما به العناية فقال: ~~{لك الأمثال} فجعلوك ms3232 تارة مثلهم في الاحتياج إلى الغذاء، وتارة نظيرهم في ~~التوسل إلى التوصل إلىلأرباح والفوائد، بلطيف الحيلة وغريز العقل، وتارة # PageV13P346 # مغلوب العقل مختلط المزاج تأتي بما لا يرضى به عاقل، وتارة ساحرا تأتي ~~بما يعجز عنه قواهم، وتحير فيه أفكارهم {فضلوا} أي عن جميع طرق العدل، ~~وسائر أنحاء البيان بسبب ذلك فلم يجدوا قولا يستقرون عليه وأبعدوا جدا {فلا ~~يستطيعون} في الحال ولا في المآل، بسبب هذا الضلال {سبيلا*} أي سلوك سبيل ~~من السبل الموصلة غلى ما يستحق أن يقصد، بل هم في مجاهل موحشة، وفيافي ~~مهلكة. # ولما ثبت أنه لا وجود لهم لأنهم لا علم لهم ولا قدرة، وأنهم لا يمن لهم ~~ولا بركة، لا على أنفسهم ولا غيرهم، أثيت لنفسه سبحانه ما يستحق من الكمال ~~الذي يفيض به على من يشاء من عباده ما يشاء فقال: {تبارك} أي ثبت ثباتا ~~مقترنا باليمن والبركة، لا ثبات إلا هو {الذي إن شاء} فإنه لا مكره له {جعل ~~لك خيرا من ذلك} أي الذي قالوه على سبيل التهكم؛ ثم أبدل منه قوله: {جنات} ~~فضلا عن جنة واحدة {تجري من تحتها الأنهار} أي تكون أرضها عيونا نابعة، أي ~~موضع أريد منه إجراء نهر جرى، فهي لا تزال ريا تغني صاحبها عن كل حاجة ولا ~~تحوجه في استثمارها إلى سقي. # ولما كان القصر - وهو بيت المشيد - ليس مما يستمر فيه الجعل # PageV13P347 # كالجنة التي هذه صفتها، عبر فيه بالمضارع إيذانا بالتجديد كلما حصل خلل ~~يقدح في مسمى القصر فقال: {ويجعل لك قصورا*} أي بيوتا مشيدة تسكنها بما ~~يليق بها من الحشم والخدم، قال البغوي: والعرب تسمي كل بيت مشيد قصرا. وهذه ~~العبارة الصالحة لأن يجعل له سبحانه ذلك في الدنيا مما فتت في أعضادهم، ~~وخافوا غائلتها فسهلت من قيادهم، لعلمهم بأن مراسله قادر على ما يريد، لكنه ~~سبحانه أغناه عن ذلك بتأييده بالأعوان، من الملائكة والإنس والجان، حتى ~~اضمحل أمرهم، وعيل صبرهم، ولم يشأ سبحانه ما أشار إليه في هذه الآية ~~الشريفة في هذه الدنيا ms3233 الفانية، وأخره إلى الآخرة الباقية، وقد عرض سبحانه ~~عليه ما شاء من ذلك في الدنيا فأباه، روى البغوي من طريق ابن المبارك، ~~والترمذي - وقال: حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # «عرض علي ربي أن يجعل لي # PageV13P348 # بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب! ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت ~~تضرعت إليك ودعوتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» وروي عن طريق أبي الشيخ عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو شئت ~~لسارت معي جبال الذهب جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة فقال: إن ربك يقرأ ~~عليك السلام ويقول لك: إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا، فنظرت إلى ~~جبريل عليه الصلاة والسلام فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبيا عبدا قال: ~~فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا ويقول:» آكل كما ~~يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد «» وسيأتي في سورة سبأ عند {وأرسلنا له ~~عين القطر} [سبأ: 12] ما يتم هذا، ولا يبعد عندي أن يكون أشير بالآية ~~الشريفة - وإن كانت في أسلوب الشرط إلى ما فتح عليه صلى الله عليه وسلم من ~~الحدائق التي لم يكن مثلها في بلاد العرب لما فتح الله عليه خيبر ووادي ~~القرى، وتصرف في ذلك بنفسه الشريفة وأكل منه وإلى ما فتح على أصحابه من ~~بعده من بلاد فارس والروم ذات القصور والجنان التي لا مثل لها ولذلك عبر في ~~الجنات بالماضي، وفي القصور بالمضارع، وأتيحوا كنوز كسرى بن هرمز، فإن ~~اللائق بمقام الملوك أن تكون إشاراتهم أوسع من عباراتهم، فإذا ذكروا شيئا ~~ممكنا على سبيل الفرض كان من إرادتهم # PageV13P349 # إيجاده، ويحبون أن يكتفي منهم بالإيماء، وأن يعتمد على تلويحهم أعظم مما ~~يعتمد على تصريح غيرهم، وأن يعد المفروض منهم بمنزلة المجزوم به من غيرهم، ~~والممكن في كلامهم كالواجب، فما ظنك بملك الملوك القادر على كل شيء! وهو قد ~~صرف سبحانه الخطاب إلى أعلى الناس ms3234 فهما، وأغزرهم علما، وقد أراه سبحانه ما ~~يكون من ذلك من بعده في غزوة الخندق. روى البيهقي في دلال النبوة عن عمرو ~~بن عوف المزني رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق ~~ليحفره جعل على كل عشرة أربعين ذراعا، وكان سلمان الفارسي رضي الله عنه ~~رجلا قويا، فاختلف فيه المهاجرون والأنصار، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم:» سلمان منا أهل البيت «فخرجت لهم صخرة بيضاء مدورة، قال عمرو: فكسرت ~~حديدنا. وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره خبر هذه الصخرة، فأخبر فأخذ صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان ~~فضربها ثلاث ضربات صدع فيها في كل ضربة صدعا، وكسرها في الثالثة، وبرقت مع ~~كل ضربة برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، ~~وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل برقة تكبيرة، ثم أخذ # PageV13P350 # بيد سلمان فرقي فسأله سلمان للقوم: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم! ~~يا رسول الله! بأبينا أنت وأمنا! قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك ~~تكبر، لانرى شيئا غير ذلك، فقال: أضاءت لي من البرقة الأولى قصور الحيرة ~~ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، ومن الثانية القصور الحمر من أرض الروم ~~كأنها أنياب الكلاب، ومن الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني، ~~جبريل عليه الصلاة والسلام أن أمتي ظاهرة عليها. فاستبشر المسلمون وقالوا: ~~الحمد لله! موعود صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب فقال ~~المسلمون {هذا ما وعدنا الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} ~~[الأحزاب: 22] » # وقال المنافقون في ذلك ما أشار إليه الله تعالى في القرآن؛ ثم إن الله ~~تعالى كذب المنافقين وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، فافتتح أصحابه رضي ~~الله عنهم جميع ما ذكر، وغلبوا على سائر مملكة الفرس واليمن وأكثر الروم، ~~وانتثلوا من كنوز كسرى وقيصر ما يفوت الحصر، وقد كان صلى الله عليه وسلم ~~تصرف في ذلك من ذلك الوقت تصرف ms3235 الملوك، لأن وعد الله لا خلف فيه، بل غائبه ~~أعظم من حاضره غيره، وموعودة أوثق من ناجز سواه، فأعطى صلى الله عليه وسلم ~~تميم بن أوس الداري بلد الخليل عليه الصلاة والسلام من أرض الشام من مملكة ~~الروم، وأعطى خريم بن أوس - الذي يقال له: شويل - كرامة بنت عبد المسيح # PageV13P351 # ابن بقيلة من سبي الحيرة من بلاد العراق من مملكة فارس، وكل منهم قبض ما ~~أعطاه عند الفتح كما يعرفه من طالع كتب الفتوح علىأيام الخلفاء الراشدين ~~رضي الله عنهم أجمعين، فعندي أن هذا مما أشارت إليه الاية الشريفة، نزه ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عنه وفتحه على أصحابه، تشريفا لهم ~~بإزالة أهل الشرك عنه، وإنعاما عليهم به تصديقا لوعده، وإكراما لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم بنصر أوليائه وتكثير أمته، وحضر ذلك كثير ممن كان من ~~القائلين {ما لهذا الرسول} [الفرقان: 7] إلى آخره، وقد كان قادرا على أن ~~يقويه بجميع ذلك قبل موته، ولكنه لم يفعل لأن ذلك أوضح في الأمر، لأن نصره ~~على خلاف ما ينصر به أهل الدنيا من غير جنود كثيرة ظاهرة، ولا أموال وافرة، ~~ولا ملوك معينة قاهرة، بل كانت الملوك عليه، ثم صاروا كلهم أهون شيء عليه، ~~بيد أصحابه من بعده وأحبابه. # ولما ثبت بما أثبت لنفسه الشريفة من الكمال أنه لا مانع من إيجاد ما ~~ساقوه مساق التوبيخ إلا عدم المشيئة، لا عجز من الجاعل ولا هوان بالمجعول ~~له، تسلية له صلى الله عليه وسلم في أسلوب مشير بأنه يعطيه ذلك، سلاه أيضا ~~بأن ما نسبوه إليه لا يعتقدون حقيقته، فأضرب عن كلامهم قائلا: {بل} أي لا ~~تظن أنهم كذبوا بما جئت به لأنهم يعتقدون فيك كذبا وافتراء للقرآن، أو ~~نقصانا لأكلك الطعام ومشيك # PageV13P352 # في الأسواق، أو في شيء من أحوالك، أو لا تظن أنهم يكذبون بقدرته تعالى ~~على ما ذكر أنه إن شاء جعله لك بل، أو المعنى: دع التفكر فيما قالوه من هذا ~~فإنهم لم يقتصروا في التكذيب عليه بل ms3236 {كذبوا بالساعة} أي بقدرتنا عليها، ~~واستقر ذلك في أنفسهم دهورا طويلة، وأخذوه خلفا عن سلف، وأشرب قلوبهم حب ~~هذا الحطام الفاني، وتقيدت أوهامهم بهذه الظواهر كالبهائم، فعسر انفكاكهم ~~عن ذلك بما جاءهم من البيان الذي لا يشكون فيه، فاجترؤوا لذلك على العناد ~~لعدم الخوف من أهوال يوم القيامة كما قال تعالى عن أهل الكتاب # {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} [آل عمران: 24] {وأعتدنا} أي والحال ~~أنا أعتدنا أي هيأنا بما لنا من العظمة {لمن كذب} من هؤلاء وغيرهم {بالساعة ~~سعيرا*} أي نارا شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم رضي الله عنهم {إذا رأتهم} أي إذا ~~كانت بحيث يمكن أن يروها وتراهم لو كانت مبصرة {من مكان بعيد} وهو أقصى ما ~~يمكن رؤيتها منه وهم يساقون إليها {سمعوا لها} أي خاصة {تغيظا} أي صوتا في ~~غليانها # PageV13P353 # وفورانها كصوت المتغيظ في تحرقه ونكارته إذا غلا صدره من الغضب {وزفيرا*} ~~أي صوتا يدل على تناهي الغضب، وأصله صوت يسمع من الجوف. # ولما وصف ملاقاتها لهم، وصف إلقاءهم فيها قال: {وإذا ألقوا} أي طرحوا طرح ~~إهانة فجعلوا بأيسر أمر ملاقين {منها} أي النار {مكانا} ووصفه بقوله: ~~{ضيقا} زيادة في فظاعتها {مقرنين} بأيسر أمر، أيديهم إلى أعناقهم في ~~السلاسل، أو حبال المسد، أو مع من أغواهم من الشياطين، والتقرين: جمع شيء ~~إلى شيء في قرن وهو الحبل {دعوا هنالك} أي في ذلك الموضع البغيض البعيد عن ~~الرفق {ثبورا*} أي هلاكا عظيما فيقولون: يا ثبوراه! لأنه لا منادم لهم ~~غيره، وليس بحضرة أحد منهم سواه؛ قال ابن جرير: وأصل الثبر في كلام العرب ~~الانصراف عن الشيء. فالمعنى حينئذ: دعوا انصرافهم عن الجنة إلى النار الذي ~~تسببوا فيه بانصرافهم عن الإيمان إلى الكفر، فلم يكن لهم سمير إلا ~~استحضارهم لذلك تأسفا وتندما، فأجيبوا على طريق الاستئناف بقوله تعالى: {لا ~~تدعوا اليوم} أيها الكفار {ثبورا واحدا} لأنكم # PageV13P354 # لا تموتون إذا حلت بكم أسباب الهلاك {وادعوا ثبورا كثيرا*} لا يحصره ms3237 ~~الإحصاء ولا آخر له، فإنكم وقعتم فيما يوجب ذلك لأن أنواع الهلاك لا ~~تبارحكم أصلا ولكنه لا موت. # PageV13P355 # ولما كانت عادتهم تجويز الممكن من كل ما يحذرون منه من الخلق، اقتضى ~~الحال سؤالهم: هل أعدوا لما هددوا به من الخالق عدة أم لا؟ في سياق ~~الاستفهام عن المفاضلة بينه وبين ما وعده المتقون، تنبيها على أنه أعلى ~~رتبة من الممكن فإنه واقع لا محالة، وتهكما بهم، فقال تعالى: {قل أذلك} أي ~~الأمر العظيم الهول الذي أوعدتموه من السعير الموصوفة. # ولما كانت عادة العرب في بيان فضل الشيء دون غيره الإتيان بصيغة أفعل ~~تنبيها على أن سلب الخير عن مقابله لا يخفى على أحد، أو يكون ذلك على طريق ~~التنزل وإرخاء العنان، تنبيها للعاقل على أنه يكفيه في الرجوع عن الغي طروق ~~احتمال لكون ما هو عليه مفضولا قال: {خير أم جنة الخلد} أي الإقامة الدائمة ~~{التي وعد المتقون} أي وقع الوعد الصادق المحتم بها، ممن وعده هو الوعد، ~~للذين # PageV13P355 # خافوا فصدقوا بالساعة جاعلين بينهم وبين أهوالها وقاية مما أمرتهم به ~~الرسل؛ ثم حقق تعالى أمرها تأكيدا للبشارة بقوله: {كانت} أي تكونت ووجدت ~~بإيجاده سبحانه {لهم جزاء} على تصديقهم وأعمالهم {ومصيرا*} أي مستقرا ~~ومنتهى، وذلك مدح لجزائهم لأنه إذا كان في محل واسع طيب كان أهنأ له وألذ ~~كما أن العقاب إذا كان في موضع ضيق شنيع كان أنكى وأوجع، وهو استفهام تقريع ~~وتوبيخ لمن كان يعقل فيجوز الممكنات. # ولما ذكر تعالى نعيمهم بها ذكر، تنعمهم فيها فقال: {لهم فيها} أي الجنة ~~خاصة لا في غيرها {ما يشاؤون} من كل ما تشتهيه أنفسهم {خالدين} لا يبغون ~~عنه حولا {كان} أي ذلك كله {على ربك} أي المحسن إليك بالإحسان إلى أتباعك ~~{وعدا} . # ولما أشار سبحانه إلى إيجاب ذلك على نفسه العظيمة بالتعبير ب «على» ~~والوعد، وكان الإنسان لا سيما مجبولا على عزة النفس، لا يكاد يسمح بأن يسأل ~~فيما لا يحقق حصوله، قال: {مسئولا*} أي حقيقا بأن يسأل إنجازه، لأن سائله ~~خليق ms3238 بأن يجاب سؤاله، وتحقق ظنونه وآماله، فالمعنى أنه إذا انضاف إلى ~~تحتيمه الشيء على نفسه # PageV13P356 # سؤال الموعود به إياه، أنجز لا محالة، وهو من وادي {أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان} [البقرة: 186] وفيه حث عظيم على الدعاء، وترجية كبيرة للإجابة، كما ~~وعد بذلك سبحانه في {أجيب دعوة الداع} [البقرة: 186] و {ادعوني أستجب لكم} ~~[غافر: 60] وإن لم ير الداعي الإنجاز فإن الأمر على ما رواه الإمام أحمد ~~والبزار وأبو يعلى المنذري: بأسانيد جيدة - والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ~~مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: ~~أما أن يجعل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من ~~السوء مثلها، قالوا: إذن نكثر؟ قال: الله أكثر» # وللحاكم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدعو ~~الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه فيقول: عبدي! إني أمرتك أن ~~تدعوني، ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني؟ فيقول: نعم! يا رب فيقول: أما ~~إنك لم تدعني بدعوة إلا استجيب لك؟ أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن ~~أفرج عنك ففرجت عنك؟ فيقول: نعم! يا رب! فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ~~ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجا؟ قال: نعم! يا رب ~~فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في ~~يوم كذا وكذا فقضيتها؟ فيقول: نعم! يا رب! فيقول: إني عجلتها # PageV13P357 # لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها؟ ~~فيقول: نعم! يارب! فيقول أني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين ~~له إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخر له ms3239 في الآخرة، فيقول ~~المؤمن في ذلك المقام: يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه» ولابن حبان في ~~صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد - عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء ~~أحد» وللترمذي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» وللبخاري ومسلم # PageV13P358 # وأبي داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب ~~لي» وفي رواية لمسلم والترمذي: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو ~~قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد ~~دعوت فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء» قال المنذري: يستحسر أي ~~يمل ويعيى فيترك الدعاء - انتهى. وقد فهم من الآية ومن الحديث في استثناء ~~الإثم وقطيعة الرحم أن ما لا مانع من سؤاله موعود بإجابته ونواله، فليدع ~~الإنسان به موقنا بالإجابة. # ولما ذكر لهم حالهم في الساعة معه سبحانه، أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم ~~من دونه، فقال بالالتفات إلى مظهر العظمة على قراءة الجماعة: {ويوم} أي قل ~~لهم ما أمرتك به، واذكر لهم يوم {يحشرهم} أي المشركين، بما لنا من العظمة ~~التي نبرزها في ذلك اليوم، من القبور؛ وقرأ أبو جعفر وابن كثير ويعقوب وحفص ~~عن عاصم بالياء التحتية # PageV13P359 # فيكون الضمير للرب {وما يعبدون} أي من الملائكة والإنس والجن وغيرهم ممن ~~يعقل وممن لا يعقل؛ ونبه على سفول رتبتهم عن ذلك وعدم أهليتهم بقوله: {من ~~دون الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له، وذكرها بلفظ «ما» إشارة إلى أن ~~ناطقها وصامتها جماد بل عدم بالنسبة إليه سبحانه بما أشار إليه التعبير ~~بالاسم الأعظم الدال على جميع الكمال، مع أن «ما» موضوع على العموم للعقلاء ~~وغيرهم وإن كان أكثر استعماله في غير العقلاء، ms3240 وعبر سبحانه بقوله: {فيقول} ~~بإعادة ضمير الغيبة بعد التعبير بنون العظمة في «نحشر» في قراءة غير ابن ~~عامر لتقدم الجلالة الشريفة، تحقيقا للمراد وتصريحا به، وإعلاما بأن المراد ~~بالنون العظمة لا جمع، وقرأ ابن عامر بالنون موحدا الأسلوب: {أنتم} أي أيها ~~المعبودات! بإيلاء الهمزة الضمير سؤالا عن المضل، لأن ضلال العبدة معروف لا ~~يسأل عنه {أضللتم} بالقهر والخداع والمكر {عبادي هؤلاء} حتى عبدوكم كما في ~~الآية الأخرى # {ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} [سبأ: 40] في أمثالها من ~~الآيات كما في الحديث القدسي: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاحتالهم ~~الشياطين» {أم} . # ولما كان السؤال - كما مضى - عن الفاعل لا عن الفعل، كان لا بد من قوله: ~~{هم} أي باختيار منهم لإهمالهم استعمال ما أعطيتهم # PageV13P360 # من قويم العقل وسديد النظر {ضلوا} وأوصل الفعل بدون «عن» كما في هداة ~~الطريق بدون «إلى» لكثرة الدور، وللإشارة إلى قوة الفعل فقال: {السبيل*} أي ~~الذي نهجته ونصبت عليه الأدلة القاطعة، البراهين الساطعة {قالوا} أي ~~المعبودات الحي منهم والجماد، المطيع والعاصي: {سبحانك} أي تنزهت عن أن ~~ينسب إلى غيرك قدرة على فعل من الأفعال. # ولما أنتج التنزيه أنهم لا فعل لغيره سبحانه، عبروا عنه بقولهم: {ما كان ~~ينبغي} أي يصح ويتصور {لنا أن نتخذ} أي نتكلف أن نأخذ باختيارنا من غير ~~إرادة منك {من دونك} وكل ما سواك فهو دونك {من أولياء} أي ينفعوننا، فإنا ~~مفتقرون إلى من ينفعنا لحاجتنا وفقرنا، فكيف نترك من بيده كل شيء وهو أقرب ~~إلينا في كل معنى من معاني الولاية من كل شيء من العلم والقدرة وغيرهما إلى ~~من لا شيء بيده، وهو أبعد بعيد من كل معنى من معاني الولاية، فلو تكلفنا ~~جعله قريبا لم يكن كذلك، وهذه عبارة صالحة سواء كانت من الصالحين ممن عبد ~~من الأنبياء والملائكة أو غيرهم، # PageV13P361 # فإن كانت من الصالحين فمعناها: ما كان ينبغي لنا ذلك فلم نفعله وأنت ~~أعلم، كما قال تعالى # {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ms3241 للناس} [آل ~~عمران: 79] الآية؛ وإن كانت من الجمادات فالمعنى: ما كنا في حيز من يقدر ~~على شيء من ذلك، ولكن فعلوه بطرا؛ وإن كانت من مثل فرعون فالمعنى: ما كان ~~لنا هذا، ولكن هم أنزلونا هذه المنزلة بمجرد دعائنا لهم كما يقول إبليس - ~~فما كان لنا عليهم من سلطان إلا أن دعوناهم فاستجابوا، وذلك لعدم نظرهم في ~~حقائق الأمور، فألقى الكل إلى الله يومئذ السلم، فثبت أنهم ليسوا في تلك ~~الرتبة التي أنزلوهم إياها، وفائدة السؤال مع شمول علمه تعالى تبكيت ~~المعاندين وزيادة حسراتهم وأسفهم، وتغبيط المؤمنين إذا سمعوا هذا الجواب، ~~هذا مع ما في حكايته لنا من الموعظة البالغة، وقراءة ابي جعفر بالبناء ~~للمفعول بضم النون وفتح الخاء واضحة المعنى، أي يتخذنا أحد آلهة نتولى ~~أموره. # ولما كان المعنى: إنا ما أضللناهم، أما إذا قدر من الملائكة ونحوهم ~~فواضح، وأما من غيرهم فإن المضل في الحقيقة هو الله، وفي الظاهر بطرهم ~~النعمة، واتباعهم الشهوات التي قصرت بهم عن إمعان النظر، وأوقفتهم مع ~~الظواهر، حسن الاستدراك بقوله: {ولكن} أي # PageV13P362 # ما أضللناهم نحن، وإنما هم ضلوا بإرادتك لأنك أنت {متعتهم وآباءهم} في ~~الحياة الدنيا بما تستدرجهم به من لطائف المنن، وأطلت أعمارهم في ذلك {حتى ~~نسوا الذكر} الذي لا ينبغي أن يطلق الذكر على غيره، وهو الإيمان بكل ما ~~أرسلت به سبحانك رسلك برهان ما يعرفه كل عاقل من نفسه بما وهبته من غريزة ~~العقل من أنه لايصح بوجه أن يكون الإله إلا واحدا، ما بين العاقل وبين ذكر ~~ذلك إلا يسير تأمل، مع البراءة من شوائب الحظوظ والحاصل أنك سببت لهم ~~أسبابا لم يقدروا على الهداية معها، فأنت الملك الفعال لما تريد، لا فعل ~~لأحد سواك {وكانوا} في علمك بما قضيت عليهم في الأزل {قوما بورا*} هلكى. # PageV13P363 # ولما كان هذا أمرا واقعا لا محالة، التفت إليهم مبكتا فقال معبرا بالماضي ~~بعد «قد» المقربة المحققة: {فقد كذبوكم} أي المعبودون كذبوا العابدين بسبب ~~إلقائهم السلم المقتضي لأنهم لا يستحقون العبادة وأنهم يشفعون ms3242 لكم مقهورين ~~مربوبين {بما} أي بسبب ما {تقولون} أيها العابدون من أنهم يستحقون العبادة، ~~وأنهم يشفعون لكم، وأنهم أضلوكم، وفي قراءة ابن كثير بالتحتانية المعنى: ~~بما يقول المعبودون من التسبيح لله والإذعان، في ادعائكم أنهم أضلوكم. # PageV13P363 # ولما تسبب عن إلقائهم السلم وتخليهم عمن عبدهم أنه لا نفع في أيديهم ولا ~~ضر، قال: {فما تستطيعون} أي المعبودون {صرفا} أي لشيء من الأشياء عن أحد من ~~الناس، لا أنتم ولا غيركم، من عذاب ولا غيره، بوجه حيلة ولا شفاعة ولا ~~مفاداة {ولا نصرا} بمغالبة، وهو نحو قوله تعالى {فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا} [الإسراء: 56] . # ولما كان التقدير: فمن يعدل منكم لسماع هذا الوعظ بوضع العبادة في موضعها ~~نثبه ثوابا جليلا، عطف عليه ما المقام له فقال: {ومن يظلم منكم} بوضعها في ~~غير موضعها، وباعتقاده في الرسل ما لا ينبغي من أنه لا ينبغي لهم أن يكونوا ~~مثل الناس في أكل ولا طلب معيشة ونحو ذلك {نذقه} في الدنيا والآخرة، بما ~~لنا من العظمة {عذابا كبيرا*} . # ولما أبطل سبحانه ما وصموا به رسوله صلى الله عليه وسلم وذكر ما جزاهم ~~عليه. وما أعد لهم وله ولأتباعه، ونفى ما زعموه في معبوداتهم وختمه بتعذيب ~~الظالم، ذكر ما ظلموا فيه من قولهم {ما لهذا الرسول} ونحوه، فبين أن ما ~~جعلوه من ذلك وصمة في حقه هو سنته سبحانه في الرسل من قبله أسوة لنوعهم ~~البشري، وأتبعه سره فقال زيادة في # PageV13P364 # التسلية والتعزية والتأسية: {وما أرسلنا} بما لنا من العظمة. ولما كان ~~المراد العموم، أعراه من الجار فقال: {قبلك} أي يا محمد أحدا {من المرسلين ~~إلا} وحالهم {إنهم ليأكلون الطعام} ما نأكل ويأكل غيرك من الآدميين {ويمشون ~~في الأسواق} كما تفعل ويفعلون أي إلا وحالهم الأكل والمشي لطلب المعاش كحال ~~سائر الآدميين، وهو يعلمون ذلك لما سمعوا من أخبارهم، وهذا تأكيد من الله ~~تعالى فإنهم لا يكذبونه عليه الصلاة والسلام، ولا يعتقدون فيه نقصا، وإبطال ~~لحجتهم بما قالوه من ذلك، وإقامة للحجة على عنادهم، ms3243 وأنهم إنما يقولونه ~~وأمثاله لمما تقدم من رسوخ التكذيب بالساعة في أنفسهم {وجعلنا} أي بالعطاء ~~والمنع بما لنا من العظمة {بعضكم لبعض فتنة} بأن جعلنا هذا نبيا وخصصناه ~~بالرسالة، وهذا ملكا وخصصناه بالدنيا، وهذا فقيرا وحرمناه الدنيا، ليظهر ما ~~نعلمه من كل من الطاعة والمعصية في عالم الغيب للناس في عالم الشهادة، ~~فنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغني أو جزعه، والملك ومن في ~~معناه من الأشراف بصبرهم على ما أعطيه الرسول من الكرامة والبلوغ بالقرب من ~~الله إلى ما لا يبلغونه مع ما هم فيه من العظمة، فلأجل ذلك لم أعط # PageV13P365 # رسولي الدنيا، وجعلته ممن يختار العبوديه والكفاف بطلب المعاش في ~~الأسواق، لأبتليكم في الطاعة له خالصة، فإني لو أعطيته الدنيا، وجعلته ممن ~~يختار الملك، لسارع الأكثر إلى اتباعه طمعا في الدنيا، وهذا معنى {أتصبرون} ~~فإنه علة ما قبله، أي لنعلم علم شهادة هل تصبرون فيما امتحناكم به أم لا؟ ~~كما كنا نعلمه علم الغيب، لتقوم عليكم بذلك الحجة في مجاري عاداتكم، وفيها ~~مع العلية تهديد بليغ لمن تدبر، ويجوز أن يكون الاستفهام استئنافا للتهديد. # ولما كان الاختبار ربما أوهم نقصا في العلم، وكان إحسانه سبحانه إلى جميع ~~الخلق دون إحسانه إلى سيدهم وعينهم، وخلاصتهم وزينهم: محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وكان أعلمهم بتنزيهه وتعظيمه، وكان امتحانهم بجعله نبيا عبدا مع كونه ~~في غاية الإكرام له ربما ظنوه إهانة، نفى ما لعله يوهمه كل من الاستفهام ~~والامتحان في حق الله سبحانه وحق نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال صارفا وجه ~~الخطاب إليه: {وكان ربك} أي المحسن إليك إحسانا لم يحسنه إلى أحد سواك، لا ~~سيما بجعلك نبيا عبدا {بصيرا*} # PageV13P366 # بكل شيء فهو عالم بالإنسان قبل الامتحان، لم يفده ذلك علما لم يكن، وهو ~~سبحانه يضع الأمور في حاق مواضعها وإن رئي غير ذلك، فينبغي على كل أحد ~~التسليم له في جميع الأمور فإنه يجر إلى خير كبير، والتدبر لأقواله وأفعاله ~~بحسن الانقياد والتلقي فإنه يوصل إلى علم ms3244 غزير، وما أراد بابتلائك بهم ~~وابتلائهم بك في هذا الأذى الكبير إلا إعلاء شأنك وإسفال أمرهم {ولتعلمن ~~نبأه بعد حين} [ص: 88] . # ولما ذكر هذا الابتلاء بعد أن ذكر أول السورة ما هو سبحانه عليه من ~~العظمة من سعة الملك، وكثرة الصنائع، والإحسان إلى جميع الخلق، وكان من حق ~~كل مربوب أن يتعرف إلى ربه، كائنا من كان، لا سيما إذا كان بهذه الصفة، ~~لينال من إحسانه، ويتعزز به على أقرانه، أتبع ذلك أنه كشف الابتلاء عن أنه ~~لا بصر لهم فقال تعالى: {وقال} وأظهر في موضع الإضمار الوصف الذي قدم أنه ~~موجب لعماهم فقال: {الذين لا يرجون} أي ليست لهم عقول لكونهم نسوا {لقاءنا} ~~فهم لا يعملون عملا يطمعون في إثباتنا لهم عليه بعد الموت على ما يعلمون ~~لنا من العظمة التي من رجاها كانت له فسعد، ومن أعرض عنها # PageV13P367 # كانت عليه فهلك، فصارت لذلك عقولهم تبعا لشهواتهم، فصاروا يتعرفون إلى ~~جمادات سموها أربابهم، ويقصدونها ويتمسحون بها رجاء للمحال، والانهماك في ~~الضلال، فذكر الرجاء لهذا الغرض مع أنه يلزمه عدم الخوف: {لولا} أي هلا ولم ~~لا. # ولما كان مرادهم لجهلهم أن يروهم كلهم دفعة واحدة، عبر بالإنزال فقال: ~~{أنزل} أي على أي وجه كان من أي منزل كان {علينا الملائكة} أي كما أنزلت ~~عليه فيما يزعم {أو نرى ربنا} بما له إلينا من الإحسان وما لنا نحن من ~~العظمة بالقوة بالأموال وغيرها، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى واسطة. # ولما كان هذا القول مما لا ينبغي لبشر أن يجترىء عليه، لأن فيه اعتراضا ~~على من لا يحد وصف عظمته، ولا تدرك مقاصد حكمته، قال مصدرا بحرف التوقع لما ~~أرشد إليه السياق جوابا لمن كأنه سأل: ما حالهم في هذا؟ {لقد} أي وعزتنا ~~لقد {استكبروا} أي طلبوا بل أوجدوا الكبر. ولما لم يكن لكبرهم ثمرة في ~~الظاهر، لأنه لا يعود بالضرر على أحد غيرهم، قال: {في أنفسهم} أي بطلب رؤية ~~الملائكة. # PageV13P368 # ولما كان حاصل أمرهم أنهم طلبوا رتبة النبي الذي ms3245 واسطته الملك، وزادوا ~~عليه رؤية جميع الملائكة الآخذين عن الله، وزادوا على ذلك بطلب الرؤية، ~~قال: {وعتو} أي وجاوزوا الحد في الاستكبار بما وراءه من طلبهم رؤية جميع ~~الملائكة ورؤية الملك الجبار، وزاد في تأكيد هذا المعنى لاقتضاء المقام له ~~بقوله: {عتوا كبيرا*} وبيان أنهم ما قالوا هذا إلا عتوا وظلما أن ما جاءهم ~~من الآيات التي أعظمها القرآن دلهم قطعا بعجزهم عن الإتيان بشيء منه على ~~صدقه صلى الله عليه وسلم عن الله في كل ما يقوله، وفي حسن هذا الاستئناف ~~وفحوى هذا السياق دلالة على التعجب من غير لفظ تعجب فالمعنى: ما أشد ~~استكبارهم وأكبر عتوهم! ثم بين لهم حالهم عند بعض ما طلبوا فقال: {يوم} ~~وناصبه ما دل عليه «لا بشرى» {يرون الملائكة} أي يوم القيامة أو قبله في ~~الغزوات أو عند الاحتضار {لا بشرى} أي من البشر أصلا {يومئذ للمجرمين} أي ~~لأحد ممن قطع ما أمر الله # PageV13P369 # به أن يوصل، ولبيان ذلك أظهر موضع الإضمار {ويقولون} أي في ذلك الوقت: ~~{حجرا محجورا*} أي نطلب منعا منكم ممنوعا، أي مبالغا في مانعيته، ويجوز أن ~~يراد بالمفعول الفاعل، والمعنى واحد في أنهم يريدون أن يكون بينهم وبين ~~الملائكة مانع عظيم يمنعهم منهم؛ قال أبو عبيدة: وهذا عوذة العرب، يقوله من ~~خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة وقال سيبويه: يريد ~~البراءة من الأمر ويبعد عن نفسه أمرا، فكأنه قال: أحرم ذلك حراما محرما، ~~ومثل ذلك أن يقول الرجل للرجل: أتفعل كذا وكذا؟ فيقول: حجرا أي سترا وبراءة ~~من هذا، فهذا ينتصب على إضمار الفعل. وعبر بالمضارع إشارة إلى دوام تجديدهم ~~لهذا القول بعد مفاجأتهم به حال رؤيتهم لهم لعظيم روعتهم منهم، بخلاف ما ~~بعده فإنه عبر فيه بالماضي إشارة إلى أنه كائن لا محالة. # PageV13P370 # ولما كان المريد لإبطال الشيء - لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله بغيره، ~~بل يأتيه بنفسه فيبطله، عبر بقوله: {وقدمنا} أي بما لنا من العظمة الباهرة ~~في ذلك اليوم ms3246 الذي يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة {إلى ~~ما عملوا من عمل} أي من مكارم الأخلاق # PageV13P370 # من الجود وصلة الرحم والحلم والنجدة في الخير وإغاثة الملهوف وغيره ~~{فجعلناه} لكونه لم يؤسس على الإيمان، وإنما هو للهوى والشيطان - باطلا لا ~~نفع فيه، وهو معنى {هباء} وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من الكوة مما ~~يشبه الغبار، فهو أشبه شيء بالعدم لأنه لا نفع له أصلا. # ولما كان الهباء يرى مع السكون منتظما، فإذا حركته الريح تناثر وذهب كل ~~مذهب، معظم دخوله في حيز العدم مع أنه محسوس، قال مبلغا في وصف أعمالهم: ~~{منثورا*} وهو صفة، وقيل: مفعول ثالث لجعل، أي جعلنا الأعمال جامعة لحقارة ~~الهباء والتناثر. # ولما علم من هذا أن التقدير: فكاون بحيث إنهم لا قرار لهم إذا كانت النار ~~مقيلهم، تلاه بحال أضدادهم فقال: {أصحاب الجنة يومئذ} أي يوم إذ يرون ~~الملائكة {خير مستقرا} أي مكانا يصلح للاستقرار لطيبه، ويكونون فيه في أكثر ~~أوقاتهم مستقرين على سرر متقابلين يتحادثون، إشارة إلى أن منزل أولئك لا ~~يمكن الاستقرار فيه # PageV13P371 # {وأحسن مقيلا*} أي مكانا يمكن فيه الاستراحة في مثل وقت القيلولة ~~للاسترواح بأزوجهم، والتمتع بما يكون في الخلوات، روي أن وقت الحساب على ~~طوله يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين أول النهار إلى وقت القائلة ~~فيقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ الناس من الحساب. وعبر بأفعل التفضيل تهكما ~~بهم أو أنه عبر بذلك لما كان الكلام عاما لأحوال الدنيا والآخرة، وهو ~~قاطعون بأنهم في الدنيا أحسن حالا من المؤمنين، لما هم فيه من السعة في ~~المال والكثرة والقوة، وبلفظ الحسن إشارة إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن ~~الوجوه وملاحه الصور ونحوه. # ولما كان للكفرة في هذه الدار من العز والقوة والضخامة ما يتعجبون معه من ~~مصير حالهم وحال أخصامهم إلى ما ذكر، بين أن الأمر في ذلك اليوم على غير ما ~~نعهده، فقال عاطفا على {يوم يرون} : {ويوم تشقق} أي تشققا عظيما وإن كان ms3247 ~~فيه خفاء على البعض - بما أشار إليه حذف تائه {السماء بالغمام} أي كما تشقق ~~الأرض بالنبات فيخرج من خلال شقوقها، وأشار إلى جهل من طلبوا نزولهم دفعة ~~واحدة بقوله: {ونزل} أي بالتدريج بأمر حتم لا يمكنهم التخلف عنه، بأمر من ~~لا أمر لغيره {الملائكة} الذين طلبوا أن يروهم في حال واحد # PageV13P372 # {تنزيلا*} في أيديهم صحائف الأعمال؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: تشقق ~~السماء في الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الدنيا من الجن والإنس، ثم ~~تشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا وأهل الأرض ~~جنا وإنسا ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على أهل ~~السماء التي قبلها، ثم ينزل الكروبيون ثم حملة العرش. # ولما كان ذلك اليوم سببا لانكشاف الأمور ومعرفة أنه لا ملك لسواه سبحانه ~~لأنه لا يقضي فيه غيره قال: {الملك يومئذ} أي يوم إذ تشقق السماء بالغمام؛ ~~ثم وصف الملك بقوله: {الحق} أي الثابت معناه ثابتا لا يمكن زواله؛ ثم أخبر ~~عنه بقوله: {للرحمن} أي العام الرحمة في الدارين، ومن عموم رحمته وحقية ~~ملكه أن يسر قلوب أهل ورده بتعذيب أهل عداوته الذين عادوهم فيه لتضييعهم ~~الحق باتباع الباطل، ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل أحد الجنة، ومعنى ~~التركيب أن ملك غيره في ذلك اليوم إنما هو بالاسم الذي تقدم له في الدنيا ~~تسميته به فقط، لا حكم له أصلا ولا ظاهرا كما كان في الدنيا {وكان} أي ذلك ~~ايوم الذي تظهر فيه الملائكة الذين طلب الكفار رؤيتهم # PageV13P373 # {يوما على الكافرين} أي فقط {عسيرا*} شديد العسر والاستعار. # ولما كان حاصل حالهم أنهم جانبوا أشرف الخلق الهادي لهم إلى كل خير، ~~وصاحبوا غيره ممن يقودهم إلى كل شر، بين عسر ذلك اليوم الذي إنما أوجب ~~جرأتهم تكذيبهم به بتناهي ندمهم على فعلهم هذا فقال: {ويوم يعض الظالم} أي ~~لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال {على يديه} أي كلتيهما فيكاد يقطعهما ~~لشدة حسرته وهو لا يشعر، حال كونه مع ms3248 هذا الفعل {يقول} أي يجدد في كل لحظة ~~قوله: {يا ليتني اتخذت} أي أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في الدنيا {مع الرسول ~~سبيلا*} أي عملا واحدا من الأعمال التي دعاني إليها، وأطعته طاعة ما، لما ~~انكشف لي في هذا اليوم من أن كل من أطاعه ولو لحظة حصلت له سعادة بقدرها، ~~وعض اليد والأنامل وحرق الأسنان ونحو ذلك كناية عن الغيظ والحسرة لأنها من ~~روادفهما، فتذكر الرادفه دلالة على المردوف فيرتفع الكلام في طبقة الفصاحة ~~إلى حد يجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ما لا يجده عند ~~المكنى عنه. # PageV13P374 # ولما تأسف على مجانبة الرسول، تندم على مصادقة غيره بقوله: {يا ويلتي} أي ~~يا هلاكي الذي ليس لي منادم غيره لأنه ليس بحضرتي سواه. ولما كان يريد ~~محالا، عبر بأداته فقال: {ليتني لم أتخذ فلانا} يعني الذي أضله - يسميه ~~باسمه، وإنما كنى عنه وهو سبحانه لا يخاف من المناواة، ولا يحتاج إلى ~~المداجاة، إرادة للعموم وإن كانت الآية نزلت في شخص معين {خليلا*} أي صديقا ~~أوافقه في أعماله لما علمت من سوء عاقبتها، ثم استأنف قوله الذي يتوقع كل ~~سامع أن يقوله: {لقد} أي والله لقد {أضلني عن الذكر} أي عمي علي طريق ~~القرآن الذي لاذكر في الحقيقة غيره وصرفني عنه، والجملة في موضع العلة لما ~~قبلها {بعد إذ جاءني} ولم يكن لي منه مانع يظهر غير إضلاله. # ولما كان التقدير: ثم ها هو قد خذلني أحوج ما كنت إلى نصرته، عطف عليه ~~قوله: {وكان الشيطان} أي كل من كان سببا للضلال من عتاة الجن والإنس ~~{للإنسان خذولا*} أي شديد الخذلان يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكره، لا ~~ينصره، ولو أراد لما استطاع، بل هو شر من ذلك، لأن عليه إثمه في نفسه ومثل ~~إثم من أضله. # ولما ذكر سبحانه أقوال الكفار إلى أن ختم بالإضلال عن الذكر، # PageV13P375 # وكانوا مع إظهارهم التكذيب به وأنه مفتعل في غاية الطرب له، والاهتزاز ~~به، والتعجب منه، والمعرفة بأنه يكون له نبأ، ms3249 أشار إلى ذلك بقوله: عاطفا ~~على {وقالوا ما لهذا الرسول} معظما لهذه الشكاية منه صلى الله عليه وسلم، ~~مخوفا لقومه لأن الرسل قبله عليهم الصلاة والسلام كانوا إذا شكوا أنزل ~~بقومهم عذاب الاستئصال: {وقال الرسول} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم: {يا ~~رب} أيها المحسن إلي بأنواع الإحسان الذي أعظمه الرسالة، وعبر بأداة البعد ~~هضما لنفسه مبالغة في التضرع {إن قومي} أي قريشا الذين لهم قوة وقيام ومنعة ~~{اتخذوا} أي يتكليف أنفسهم ضد ما تجده {هذا القرآن} أي المقتضي للاجتماع ~~عليه والمبادرة إليه {مهجورا*} أي متروكا، فأشار بصيغة الافتعال إلى أنهم ~~عالجوا أنفسهم في تركه علاجا كثيرا، لما يرون من حسن نظمه، ويذوقون من لذيذ ~~معانيه، ورائق أسالبيه، ولطيف عجائبه، وبديع غرائبه، كما تعرف به قصة أبي ~~جهل وأبي سفيان بن حرب والأخنس بن شريق حين كانوا يستمعون لقراءته ليلا، كل ~~واحد منهم في مكان لا يعلم به صاحباه، ثم يجمعهم الطريق إذا أصبحوا ~~فيتلاومون ويتعاهدون على أن لا يعودوا، ثم يعودون # PageV13P376 # حتى فعلوا ذلك ثلاث ليال ثم أكدوا على أنفسهم العهود حتى تركوا ذلك كما ~~هو مشهور في السير. # PageV13P377 # ولما كان في هذا الكلام معنى الشكاية وشدة التحرق، وعظيم التحزن كما يشير ~~إليه إثبات يا التي للبعد، على خلاف ما جرت به العادة في نداء الخواص الذين ~~هو أخصهم، والاستفهام عن سبب هجرانهم مع ما لهم إليه من الدواعي، كان كأنه ~~قيل: ذلك بأن من فعله عاداك حسدا لك، وعطف عليه: {وكذلك} أي ومثل ما فعلنا ~~من هذا الفعل العظيم وأنت أعظم الخلق لدنيا {جعلنا} بما لنا من العظمة {لكل ~~نبي} أي من الأنبياء قبلك، رفعة لدرجاتهم {عدوا من المجرمين} الذين طبعناهم ~~على الشغف بقطع ما يقتضي الوصل فأضللناهم بذلك إهانة لهم فاصبر كما صبروا ~~فإني سأهدي بك من شئت، وأنصرك على غيرهم، وأكرم قومك من عذاب الاستئصال ~~تشريفا لك. # ولما كان موطنا تعلق فيه النفوس متشوقة إلى الهداية بعد هذا الطبع، ~~والنصرة بعد ذلك الجعل، كان كأنه قيل: ms3250 لا تحزن فلنجعلن لك وليا ممن نهديه ~~للإيمان، ولننصرنهم على عدوهم كما فعلنا بمن قبلك، # PageV13P377 # بل أعظم حتى نقضي أممهم من ذلك العجب، ولا يسعهم إلا الخضوع لكم والدخول ~~في ظلال عزكم، ولما كان ذلك - لكثرة المعادين - أمرا يحق له الاستبعاد، قال ~~عاطفا على ما تقديره؛ ثم نصر إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على ~~من جعلهم أعداءهم ربك الذي أرسلهم: {وكفى بربك} أي المحسن إليك {هاديا} ~~يهدي بك من قضى بسعادته {ونصيرا*} ينصرك على من حكم بشقاوته. # ولما ذكر سبحانه شكايته من هجرانهم للقرآن، وقرر عداوتهم له ونصرته ~~عليهم، أتبع ذلك بما يدل عليه، فقال عطفا على ما مضى من الأشباه في الشبه، ~~وأظهر موضع الإضمار تنبيها على الوصف الذي حملهم على هذا القول: {وقال ~~الذين كفروا} أي غطوا عدواة وحسدا ما تشهد عقولهم بصحته من أن القرآن كلام ~~لإعجازه لهم متفرقا، فضلا عن كونه مجتمعا، وغطوا ما وضح لهم من آثاره ~~الظاهرة الشاهد بوحدانيته، وغير ذلك من صفاته العلية: {لولا} أي هلا. # ولما كانوا لشدة ضعفهم لا يكادون يسمحون بتسمية القرآن تنزيلا فضلا عن أن ~~يسندوا إنزاله إلى الله سبحانه وتعالى، بنوا للمفعول في هذه الشبهة التي ~~أوردها قولهم: {نزل عليه} ولما عبروا بصيغة التفعيل # PageV13P378 # المشيرة إلى التدريج والتفريق استجلابا للسامع لئلا يعرض عنهم، أشاروا ~~إلى أن ذلك غير مراد فقالوا: {القرآن} أي المقتضي اسمه للجمع؛ ثم صرحوا ~~بالمراد بقولهم: {جملة} وأكدوا بقولهم: {واحدة} أي من أوله إلى آخره بمرة، ~~ليتحقق أنه من عند الله، ويزول عنا ما نتوهمه من أنه هو الذي يرتبه قليلا ~~قليلا، فتعبيرهم بما يدل على التفريق أبلغ في مرادهم، فإنهم أرغبوا السامع ~~في الإقبال على كلامهم بتوطينه على ما يقارب مراده، ثم أزالوا بالتدريج أتم ~~إزالة، فكان في ذلك من المفاجأة بالروعة والإقناط مما أمل من المقاربة ما ~~لم يكن في «أنزل» والله أعلم. # ولما كان التقدير: وما له ينزل عليه مفرقا، وكان للتفريق فوائد جليلة، ~~أشار سبحانه إلى عظمتها بقوله معبرا للإشارة ms3251 إلى ما اشتملت عليه من العظمة ~~بأداة البعد: {كذلك} أي أنزلناه شيئا فشيئا على هذا الوجه العظيم الذي ~~أنكروه {لنثبت به فؤادك} بالإغاثة بتردد الرسل بيننا وبينك، وبتمكينك ~~وتمكين أتباعك من تفهم المعاني، وتخفيفا للأحكام، في تحميلها أهل الإسلام، ~~بالتدريج على حسب المصالح، ولتنافي الحكمة في الناسخ والمنسوخ، لما رتب فيه ~~من المصالح، # PageV13P379 # وتسهيلا للحفظ لا سيما والأمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وتلقينا للأجوبه في ~~أوقاتها، وتعظيما للإعجاز، لأن ما تحدى بنجم منه فعجز عنه علم أن العجز عن ~~أكثر منه أولى، فالحاصل أن التفريق أدخل في باب الإعجاز وفي كل حكمة، فعلم ~~أن هذا الاعتراض فضول ومماراة بما لا طائل تحته من ضيق الفطن، وقلة الحلية، ~~وحرج الخطيرة، دأب المقطوع المبهوت، لأن المدار الإعجاز، وأما كونه جملة أو ~~مفرقا فأمر لا فائدة لهم فيه، وليست الإشارة محتملة لأن تكون للكتب ~~الماضية، لأن نزولها إنما كان منجما كما بينته في سورة النساء عن نص ~~التوراة المشير إليه نص كتابنا، لا كما يتوهمه كثير من الناس، ولا أصل له ~~إلا كذبة من بعض اليهود شبهوا بها على أهل الإسلام فمشت على أكثرهم وشرعوا ~~يتكلفون لها أجوبة، واليهود الآن معترفون بأن التوراة نزلت في نحو عشرين ~~سنة والله الموفق. # ولما كان إنزله مفرقا أحسن، أكده بقوله عطفا على الفعل الذي تعلق به ~~«كذلك» {ورتلناه ترتيلا*} أي فرقناه في الإنزال إليك تفريقا في نيف وعشرين ~~سنة؛ وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله # PageV13P380 # عنهما: بيناه بيانا، والترتيل: التبين في ترسل وتثبت انتهى. وأصله ترتيل ~~الأسنان وهو تفليجها كنور الأقحوان. # ولما كان التقدير: قد بطل ما أتوا به هذا الاعتراض، عطف عليه قوله: {ولا ~~يأتونك} أي المشركون {بمثل} أي باعتراض في إبطال أمرك يخيلون به لعقول ~~الضعفاء بما يجتهدون في تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى يصير عندهم في غاية ~~الحسن والرشاقة لفظا ومعنى {إلا جئناك} أي في جوابه {بالحق} ومن الألف ~~واللام الدالة على الكمال يعرف أن المراد به الثابت الذي لا شيء أثبت ms3252 منه، ~~فيرهق ما أتوا به لبطلانه، ويفتضح بعد ذلك الستر فضيحة تخجل القائل والسامع ~~القابل. # ولما كان التقدير في الأصل: بأحق منه، وإنما عبر بالحق، لئلا يفهم أن لما ~~يأتون به وجها في الحقيقة، عطف عليه قوله: {وأحسن} أي من مثلهم {تفسيرا*} ~~أي كشفا لما غطى الفهم من ذلك الذي خيلوا به وادعوا أنهم أوضحوا به وجها من ~~وجوه المطاعن، فجزم أكثر من السامعين بحسنه. # ولما أنتجت هذه الآيات كلها أنهم معاندون لربهم، وأنهم يريدن بهذه ~~السؤالات أن يضللوا سبيله، ويحتقروا مكانته، ويهدروا منزلته، # PageV13P381 # علم قطعا أنه يعمر بهم دار الشقاء، وكان ذلك أدل على أنهم أعمى الناس عن ~~الطرق المحسوسة، فضلا عن الأمثال المعلومة، والتمثيل للمدارك الغامضة، ~~وأنهم أحقر الناس لأنه لا ينتقص الأفاضل إلا ناقص، ولا يتكلم الإنسان إلا ~~فيمن هو خير منه، قال معادلا لقوله: {أصحاب الجنة يومئذ خير} [الفرقان: 24] ~~واصفا لما تقدم أنه أظهره موضع الإضمار من قوله {الذين كفروا} [الفرقان: ~~32] {الذين يحشرون} أي يجمعون قهرا ماشين مقلوبين {على وجوههم} أو مسحوبين ~~{إلى جهنم} كما أنهم في الدنيا كانوا يعملون ما كأنهم معه لا يبصرون ولا ~~تصرف لهم في أنفسهم، تؤزهم الشياطين أزا، فإن الآخرة مرآة الدنيا، مهما عمل ~~هنا رئي هناك، كما أن الدنيا مزرعة الآخرة، مهما عمل فيها جنيت ثمرته هناك ~~«روى البخاري عن أنس رضي الله عنهما أن رجلا قال: يا نبي الله! كيف يحشر ~~الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال:» أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا ~~قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ قال قتادة: يعني الراوي عن أنس: ~~بلى وعزة ربنا «. # PageV13P382 # ولما وصف المتعنتين في أمر القرآن بهذا الوصف، استأنف الإخبار بأنهم ~~متصفون بما ألزموا به من أن الإتيان بالقرآن مفرقا وضع للشيء في غير موضعه ~~فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {شر} أي شر خلق {مكانا وأضل سبيلا*} حيث ~~عموا عن طريق الجنة التي لا أجلى منها ولا أوسع، وسلكوا طريق النار التب لا ~~أضيق منه ولا أوعر، وعموا ms3253 عن أن إنزال القرآن نجوما أولى لما تقدم من ~~اللطائف وغيرها مما لا يحيط به إلا الله تعالى،» وسبيلا «تمييز محول عن ~~الفاعل أصله: ضل سبيلهم، وإسناد الضلال إليه من الإسناد المجازي. # ولما بين أنهم كذبوه وعادوه، وأشار بآية الحشر إلى جهنم إلى أنه لا ~~يهلكهم بعامة، عطف على عامل» لنثبت «تسلية له وتخويفا لهم قوله: {ولقد ~~آتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى الكتاب} كما أتيناك، بينا فيه الشرائع ~~والسنن والأحكام، وجعلناه هدى ورحمة، وأنزلناه إليه منجما في نحو عشرين سنة ~~يقال: إنها ثمان عشرة كما أنزلنا إليك هذا القرآن في نيف وعشرين سنة، كما ~~بينت ذلك # PageV13P383 # في آخر سورة النساء وغيرها، على أن أحدا ممن طالع التوراة لا يقدر على ~~إنكار ذلك، فإنه بين من نصوصها. وزاد في التسلية بذكر الوزير، لأن الرد ~~للاثنين أبعد، وفيه إشارة إلى أنه لا ينفع في إيمانهم إرسال ملك كما ~~اقترحوا ليكون معه نذيرا، فقال: {وجعلنا} بما لنا من العظمة {معه أخاه} ثم ~~بينه بقوله: {هارون} وبين محط الجعل بقوله: {وزيرا} أي معينا في كل أمر ~~بعثناه به، وهو مع ذلك نبي، ولا تنافي بين الوزارة والنبوة. # ولما كانت الواو لا ترتب، فلم يلزم من هذا أن يكون هذا الجعل بعد إنزال ~~الكتاب كما هو الواقع، رتب عليه قوله: {فقلنا} أي بعد جعلنا له وزيرا. ولما ~~كان المقصود هنا من القصة التسلية والتخويف، ذكر حاشيتها أولها وآخرها، ~~وهما إلزام الحجة والتدمير، فقال: {اذهبا إلى القوم} أي الذين فيهم قوة ~~وقدرة على ما يعانونه وهم القبط {الذين كذبوا بآياتنا} أي المرئية ~~والمسموعة من الأنبياء الماضين قبل إتيانكما في علم الشهادة، والمرئية ~~والمسموعة منكما بعد إتيانكما في علمنا. فذهبا إليهم فكذبوهما فيما أرياهم ~~وأخبراهم به من الآيات، # PageV13P384 # لما طبعناهم عليه من الطبع المهيىء لذلك. # ولما كان السياق للإنذار بالفرقان، طوي أمرهم إلا في عذابهم فقال: ~~{فدمرناهم} أي لذلك {تدميرا*} بإغراقهم أجمعين عل يد موسى عليه السلام في ~~البحر، لم نبق منهم أحدا مع ما ms3254 أصبناهم به قبل ذلك من المصائب، مع اجتهاد ~~موسى عليه السلام في إحيائهم بالإيمان، الموجب لإبقائهم في الدارين، عكس ما ~~فعلناه بموسى عليه السلام من إنجائه من الهلاك بإلقائه في البحر، وإبقائه ~~بمن اجتهد في إعدامه، وجعلنا لكل منهما حظا من بحره {هذا ملح أجاج} هو غطاء ~~جهنم، {وهذا عذب فرات} [الفرقان: 53] عنصره من الجنة، فليحذر هؤلاء الذين ~~تدعوهم من مثل ذلك إن فعلوا مثل فعل أولئك. # PageV13P385 # ولما هدد المكذبين، بإهلاك الأولين، الذين كانوا أقوى منهم وأكثر، وقدم ~~قصة موسى عليه السلام لمناسبة الكتاب في نفسه أولا؛ وفي تنجيمه ثانيا، ~~أتبعه أول الأمم، لأنهم أول، ولما في عذابهم من الهول، ولمناسبة ما بينه ~~وبين عذاب القبط، فقال: {وقوم} أي ودمرنا قوم {نوح لما كذبوا الرسل} ~~بتكذيبهم نوحا؛ لأن من كذب واحدا من الأنبياء بالفعل فقد كذب الكل بالقوة، ~~لأن # PageV13P385 # المعجزات هي البرهان على صدقهم، وهي متساوية الأقدام في كونها خوارق، لا ~~يقدر على معارضتها، فالتكذيب بشيء منها تكذيب بالجميع لأنه لا فرق، ولأنهم ~~كذبوا من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما سمعوه من أخبارهم، ~~ولأنهم عللوا تكذيبهم بأنه من البشر فلزمهم تكذيب كل رسول من البشر. ولما ~~كان كأنه قيل: بأي شيء دمروا؟ قال: {أغرقناهم} كما أغرقنا آل فرعون بأعظم ~~مما أغرقناهم {وجعلناهم} أي قوم نوح في ذلك {للناس آية} أي علامة على ~~قدرتنا على ما نريد من إحداث الماء وغيره وإعدامه والتصرف في ذلك بكل ما ~~نشاء، وإنجاء من نريد بما أهلكنا به عدوه {وأعتدنا} أي هيأنا تهيئة قريبة ~~جدا وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير؛ وكان الأصل: لهم، ولكنه أظهر ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: {للظالمين} أي كلهم في أي زمان كانوا، ~~لأجل ظلمهم بوضعهم الأشياء في غير مواضعها {عذابا أليما*} لاسيما في ~~الآخرة. # ولما ذكر آخر الأمم المهلكة بعامة وأولها، وكان إهلاكهما بالماء، ذكر من ~~بينهما ممن أهلك بغير ذلك، إظهارا للقدرة والاختيار، وطوى # PageV13P386 # خبرهم بغير العذاب لأنه كما مضى في سياق الإنذار فقال: {وعادا} ms3255 أي ودمرنا ~~عادا بالريح {وثمودا} بالصيحة {وأصحاب الرس} أي البئر التي هي غير مطوية؛ ~~قال ابن جرير: والرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك. أي ~~دمرناهم بالخسف {وقرونا بين ذلك} أي الأمر العظيم المذكور، وهو بين كل ~~أمتين من هذه الأمم {كثيرا*} وناهيك بما يقول فيه العلي الكبير: إنه كثير؛ ~~أسند البغوي في تفسير {أمة وسطا} [البقرة: 143] في البقرة عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد ~~العصر، فما ترك شيئا إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت ~~الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان قال: «أما إنه لم يبق من الدنيا فيما ~~مضى إلا كما بقي من يومكم هذا، ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها ~~وأكرمها على الله عز وجل» أخرجه الترمذي في الفتن وأحمد والطبراني وابن ~~ماجه في الفتن أيضا لكن ببعضه وليس عند واحد منهم اللفظ المقصود من السبعين # PageV13P387 # أمة، وفي بعض ألفاظهم وجعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شيء وهذا يدل ~~على أن الذي كان قد بقي من النهار نحو العشر من العشر، وهذا يقتضي إذا ~~اعتبرنا ما مضى لهذه الأمة من الزمان أن يكون الماضي من الدنيا من خلق آدم ~~عليه السلام في يوم الجمعة الذي يلي الستة الأيام التي خلقت فيها السماوات ~~والأرض أكثر من مائة ألف سنة - والله أعلم. # ولما قدم سبحانه أنه يأتي في هذا الكتاب بما هو الحق في جواب أمثالهم، ~~بين أنه فعل بالجميع نحو من هذا، فقال تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~وتأسية وبيانا لتشريفه بالعفو عن أمته: {وكلا} أي من هذه الأمم {ضربنا} بما ~~لنا من العظمة {له الأمثال} حتى وضح له السبيل، وقام - من غير شبهة - ~~الدليل {وكلا تبرنا تتبيرا*} أي جعلناهم فتاتا قطعا بليغة التقطيع، لا يمكن ~~غيرنا أن يصلها ويعيدها إلى ما كانت عليه قبل التفتيت. # PageV13P388 # ولما ذكر الإهلاك بالماء وبغيره، وكان الإهلاك ms3256 بالماء تارة بالبحر، وتارة ~~بالإمطار، وختم بالخسف، ذكر الخسف الناشىء عن الأمطار، بحجارة النار، مع ~~الغمر بالماء، دلالة على تمام القدرة، وباهر العظمة، وتذكيرا بما يرونه كل ~~قليل في سفرهم إلى الأرض المقدسة لمتجرهم، وافتتح القصة باللام المؤذنة ~~بعظيم الاهتمام، مقرونة بحرف التحقيق، إشارة إلى أنهم لعدم الانتفاع ~~بالآيات كالمنكرين للمحسوسات، وغير الأسلوب تنبيها على عظيم الشأن وهزا ~~للسامع فقال: {ولقد أتوا} أي هؤلاء المكذبون من قومك، وقال: {على القرية} - ~~وإن كانت مدائن سبعا أو خمسا كما قيل - تحقيرا لشأنها في جنب قدرته سبحانه، ~~وإهانة لمن يريد عذابه، ودلالة على جمع الفاحشة لهم حتى كانوا كأنهم شيء ~~واحد كما دل عليه التعبير بمادة «قرا» الدالة على الجمع {التي أمطرت} أي ~~وقع إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار سواه بالحجارة، ولذا قال: {مطر السوء} ~~وهي قرى قوم لوط، ثم خسف بها وغمرت بما ليس في الأرض مثله في أنواع الخبث؛ ~~قال البغوي: كانت خمس قرى فأهلك الله أربعا منها ونجت واحدة وهي أصغرها، ~~وكان أهلها # PageV13P389 # لا يعملون العمل الخبيث. # ولما كانوا يمرون عليها في أسفارهم، وكان من حقهم أن أن يتعظوا بحالهم، ~~فيرجعوا عن ضلالهم، تسبب عن ذلك استحقاقهم للإنكار الشديد في قوله: {أفلم ~~يكونوا} أي بما في جبلاتهم من الأخلاق العالية {يرونها} أي في أسفارهم إلى ~~الشام ليعتبروا بما حل بأهلها من عذاب الله فيتوبوا. # ولما كان التقدير: بل رأوها، أضرب عنه بقوله: {بل} أي لم يكن تكذيبهم ~~بسبب عدم رؤيتها وعدم علمهم بما حل بأهلها، بل بسبب أنهم {كانوا} يكذبون ~~بالقيامة كأنه لهم طبع. # ولما كان عود الإنسان إلى ما كان من صحته محبوبا له، كان ينبغي لهم لو ~~عقلوا أن يعلقوا رجاءهم بالبعث لأنه لا رجوع إلى الحياة، فهو كرجوع المريض ~~لا سيما المدنف إلى الصحة، فلذلك قال معبرا بالرجاء تنبيها على هذا: {لا ~~يرجون نشورا*} بعد الموت ليخافوا الله عز وجل فيخلصوا له فيجازيهم على ذلك، ~~لأنه استقر في أنفسهم اعتقادهم التكذيب بالآخرة، واستمروا عليه قرنا بعد ms3257 ~~قرن حتى تمكن تمكنا لا ينفع معه الاعتبار إلا لمن شاء الله. # PageV13P390 # ولما أثبت تكذيبهم بالآخرة، عطف عليه تحقيقا قوله، مبينا أنهم لم يقتصروا ~~على التكذيب بالممكن المحبوب حتى ضموا إليه الاستهزاء بمن لا يمكن أصلا في ~~العادة أن يكون موضعا للهزء: {وإذا رأوك} أي مع ما يعلمون من صدق حديثك ~~وكرم أفعالك لو لم تأتهم بمعجزة، فكيف وقد أتيتهم بما بهر العقول {إن} أي ~~ما {يتخذونك إلا هزوا} عبر بالمصدر إشارة إلى مبالغتهم في الاستهزاء مع شدة ~~بعده صلى الله عليه وسلم عن ذلك، يقولون محتقرين: {أهذا} وتهكموا مع ~~الإنكار في قولهم {الذي بعث الله} أي المستجمع لنعوت العظمة {رسولا*} ~~فإخراجهم الكلام في معرض التسليم والإقرار - وهو في غاية الجحود - بالغ ~~الذروة من الاستهزاء، فصار المراد عندهم أن هذا الذي ادعاه من الرسالة مما ~~لا يجوز أن يعتقد. # ثم استأنفوا معجبين من أنفسهم، مخيلين غيرهم من الالتفات إلى ما يأتي به ~~من المعجزات، قائلين: {إن} أي إنه {كاد} وعرف بأن «إن» مخففة لا نافية ~~باللام فقال: {ليضلنا} أي بما يأتي به من هذه الخوارق التي لا يقدر غيره ~~على مثلها، واجتهاده في إظهار النصح {عن آلهتنا} هذه التي سبق إلى عبادتها ~~من هو أفضل منا رأيا وأكثر للأمور تجربة. ولما كانت هذه العبارة مفهمة ~~لمقاربة الصرف عن الأصنام، نفوه بقولهم: # PageV13P391 # {لولا أن صبرنا} بما لنا من الاجتماع والتعاضد {عليها} أي على التمسك ~~بعبادتها. # ولما لزم قولهم هذا أن الأصنام تغني عنهم، نفاه مهددا مؤكدا التهديد ~~لفظاعة فعلهم بقوله، عطفا على ما تقديره: فسوف يرون - أو من يرى منهم - ~~أكثرهم قد رجع عن اعتقاد أن هذه الأصنام آلالهة: {وسوف يعلمون} أي في حال ~~لا ينفعهم فيه العمل وإن طالت مدة الإمهال والتمكين {حين يرون العذاب} أي ~~في الدنيا والآخرة {من أضل سبيلا*} هم أوالدعي لهم إلى ترك الأصنام الذي ~~ادعوا إضلاله بقولهم {ليضلنا} . # ولما أخبره تعالى بحقيقة حالهم، في ابتدائهم ومآلهم، وكان ذلك مما يحزنه ~~صلى الله عليه وسلم لشدة ms3258 حرصه على رجوعهم، ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما ~~يضرهم، سلاه بقوله معجبا من حالهم: {أرأيت من اتخذ} أي كلف نفسه أن أخذ ~~{إلهه هواه} أي أنهم حقروا الإله بإنزاله إلى رتبة الهوى فهم لا يعبدون إلا ~~الهوى، وهو ميل الشهوة ورمي النفس إلى الشيء، لا شبهة لهم أصلا في عبادة ~~الأصنام يرجعون عنها إذا جلت، فهم لا ينفكون عن عبادتها ما دام # PageV13P392 # هواهم موجودا، فلا يقدر على كفهم عن ذلك إلا القادر على صرف تلك الأهواء، ~~وهو الله وحده وهذا كما تقول: فلان اتخذ سميره كتابه، أي أنه قصر نفسه على ~~مسامرة الكتاب فلا يسامر غير الكتاب، وقد يشاركه في مسامرة الكتاب غيره، ~~ولو قلت: اتخذ كتابه سميره، لانعكس الحال فكان المعنى أنه أنه قصر نفسه على ~~مطالعة السمير ولم ينظر في كتاب في وقت السمر وقد يشاركه غيره في السمير، ~~أو قصر السمير على الكتاب والكتاب على السمير كما قصر الطين على الخزفية في ~~قولك: اتخذت الطين خزفا، فالمعنى أن هذا المذموم قصر نفسه على تأله الهوى ~~فلا صلاح له ولا رشاد وقد يتأله الهوى غيره، ولو قيل: من اتخذ هواه إلهه، ~~لكان المعنى أنه قصر هواه على الإله فلا غي له، لأن هواه تابع لأمر الإله، ~~وقد يشاركه في تأله الإله غيره؛ قال أبو حيان: والمعنى أنه لم يتخذ إلها ~~إلا هواه - انتهى. # فلو عكس لقيل: لم يتخذ هوى إلا إلهه، وهو إذا فعل ذلك فقد سلب نفسه الهوى ~~فلم يعمل به إلا فيما وافق أمر إلهه ومما يوضح لك # PageV13P393 # انعكاس المعنى بالتقديم والتأخير أنك لو قلت: فلان اتخذ عبده أباه، لكان ~~معناه أنه عظم العبد، ولو قيل: إنه اتخذ أباه عبده، لكان معناه أنه أهان ~~الأب، وسواء في ذلك إتيانك به هكذا على وزان ما في القرآن أو نكرت أحدهما، ~~فإنك لا تجد ذوقك فيه يختلف في أنه إذا قدم الحقير شرفه، وإذا قدم الشريف ~~حقره، وكذا لو قلت: إتخذ إصطبله مسجدا أو صديقه أبا أو عكست، ms3259 ولو كان ~~التقديم بمجرد العناية من غير اختلاف في الدلالة قدم في الجاثية الهوى، فإن ~~السياق والسباق له، وحاصل المعنى أنه اضمحل وصف الإله، ولم يبق إلا الهوى، ~~فلو قدم الهوى لكان المعنى أنه زال وغلبت عليه صفة الإله، ولم يكن ينظر إلا ~~إليه، ولا حكم إلا له، كما في الطين بالنسبة إلى الخزف سواء - والله أعلم. # ولما كان لا يقدر على صرف الهوى إلا الله، تسبب عن شدة حرصه على هداهم ~~قوله: {أفأنت تكون} ولما كان مراده صلى الله عليه وسلم حرصا عليهم ورحمة ~~لهم ردهم عن الغي ولا بد، عبر بأداة الاستعلاء في قوله: {عليه وكيلا*} أي ~~من قبل الله بحيث يلزمك أن ترده عن هواه إلى ما أمر به الله قسرا، لست ~~بوكيل، ولكنك # PageV13P394 # رسول، ليس عليك إلا البلاغ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. # ولما انتفى الرد عن الهوى قسرا بالوكالة، نفى الرد طوعا بتقبيح الضلالة، ~~فذكر المانع منه بقوله معادلا لما قبله، منكرا حسبانه، لا كونه هو الحاسب، ~~أو أنكر كونه هو الحاسب، مع ما له من العقل الرزين، والرأي الرصين، ويكون ~~{تحسب} معطوفا على «تكون» : {أم تحسب أن أكثرهم} أي هؤلاء المدعوين ~~{يسمعون} أي سماع من ينزجر ولو كان غير عاقل كالبهائم {أو يعقلون} ما يرون ~~ولو لم يكن لهم سمع حتى يطمع في رجوعهم باختيارهم من غير قسر. # ولما كان هذا الاستفهام مفيدا للنفي، أثبت ما أفهمه بقوله: {إن} أي ما ~~{هم إلا كالأنعام} أي في عدم العقل لعدم الانتفاع به {بل هم أضل} أي منها ~~{سبيلا*} لأنهم لا ينزجرون بما يسمعون وهي تنزجر، ولا يشكرون للمحسن وهو ~~وليهم، لا يجانبون المسيء وهو عدوهم، ولا يرغبون في الثواب، ولا يخافون ~~العقاب، وذلك لأنا حجبنا شموس عقولهم بظلال الجبال الشامخة من ضلالهم، ولو ~~آمنوا لانقشعت تلك الحجب، وأضاءت أنوار الإيمان، فأبصروا غرائب المعاني، ~~وتبدت لهم خفايا الأسرار # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات # PageV13P395 # يهديهم ربهم بإيمانهم} [يونس: 9] فكما أن الإنسان - وإن كان بصيرا - لا ~~يميز بين ms3260 المحسوسات ما لم يشرق عليها نور الشمس، فكذلك الإنسان - وإن كان ~~عاقلا ذا بصيرة - لا تدرك بصيرته المعاني المعلومات على ما هي عليه ما لم ~~يشرق عليها نور الإيمان، لأن البصيرة عين الروح كما أن البصر عين الجسد؛ ~~ولما كان من المعلوم أنهم يسمعون ويعقلون وأن المنفي إنما هو انتفاعهم ~~بذلك، كان موضع عجب من صرفهم عن ذلك، فعبقه سبحانه بتصرفه في الأمور الحسية ~~مثالا للأمور المعنوية، ولأن عمله في الباطن ينيره إذا شاء بشمس المعارف ~~كعمله في الظاهر سواء، دليلا على سلبهم النفع بما أعطاهموه. # PageV13P396 # ولما بين جمود المعترضين على دلائل الصانع، وتناهي جهلهم، وفساد طريقتهم، ~~وكان المراد من العبد في تعرف ذلك أن ينظر في أفعال سيده بعين الحقيقة نظرا ~~تفنى لديه الأغيار، فلا يرى إلا الفاعل المختار، خاطب رأس المخلصين ~~الناظرين هذا النظر، حثا لأهل وده على مثل ذلك، فقال ذاكرا لأنواع من ~~الدلائل الدالة على وجود الصانع، وإحاطة علمه، وشمول قدرته، مشيرا إلى أن ~~الناظر في هذا الدليل - لوضوحه في الدلالة على الخالق - كالناظر إلى ~~الخالق، معبرا بوصف الإحسان # PageV13P396 # تشويقا إلى إدامة النظر إليه والإقبال عليه: {ألم تر} وأشار إلى عظم ~~المقام وعلو الرتبة بحرف الغاية مع أقرب الخلق منزلة وأعلاهم مقاما فقال: ~~{إلى ربك} أي المحسن إليك، والأصل: إلى فعله؛ وأشار إلى زيادة التعجب من ~~أمره بجعله في معرض الاستفهام فقال: {كيف مد الظل} وهو ظلمة ما منع ملاقاة ~~نور الشمس، قال أبو عبيد: وهو ما تنسخه الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ ~~الشمس وهو بعد الزوال. والظل هنا الليل لأنه ظل الأرض الممدود على قريب من ~~نصف وجهها مدة تحجب نور الشمس بما قابل قرصها من الأرض حتى امتد بساطه، ~~وضرب فسطاطه، كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم، وغفلة طباعهم نفوذ أسماعهم ~~{ولو شاء لجعله} أي الظل {ساكنا} بإدامة الليل لا تذهبه الشمس كما في الجنة ~~لقوله {وظل ممدود} [الواقعة: 30] وإن كان بينهما فرق، ولكنه لم يشأ ذلك بل ~~جعله متحركا بسوق الشمس له. ms3261 # ولما كان إيجاد النهار بعد إعدامه، وتبيين الظل به غب إبهامه، أمرا ~~عظيما، وإن كان قد هان بكثرة الإلف، أشار بأداة التراخي ومقام العظمة فقال: ~~{ثم جعلنا} أي بعظمتنا {الشمس عليه دليلا*} أي يدور معها حيثما دارت، فلولا ~~هي ما ظهر أن لشيء ظلا، ولولا النور # PageV13P397 # ما عرف الظلام، والأشياء تعرف بأضدادها. # ولما كانت إزالته شيئا فشيئا بعد مدة كذلك من العظمة بمكان. قال منبها ~~على فضل مدخول «ثم» وترتبه متصاعدا في درج الفضل، فما هنا أفضل مما قبله، ~~وما قبله أجل مما تقدمه، تشبيها لتباعد ما بين المراتب الثلاث في الفضل ~~بتباعد ما بين الحوادث في الوقت: {ثم قبضناه} أي الظل، والقبض: جمع المنبسط ~~{إلينا} أي إلى الجهة التي نريدها، لا يقدر أحد غيرنا أن يحوله إلى جهة ~~غيرها؛ قال الرازي رحمه الله في اللوامع: وهذه الإضافة لأن غاية قصر الظل ~~عند غاية تعالي الشمس، والعلو موضع الملائكة وجهة السماء التي فيها أرزاق ~~العباد، ومنها نزول الغيث والغياث، وإليها ترتفع أيدي الراغبين، وتشخص ~~أبصار الخائفين - انتهى. {قبضا يسيرا*} أي هو - مع كونه في القلة بحيث يعسر ~~إدراكه حق الإدراك - سهل علينا، ولم نزل ننقصه شيئا فشيئا حتى اضمحل كله، ~~أو إلا يسيرا، ثم مددناه أيضا بسير الشمس وحجبها ببساط الأرض قليلا قليلا، ~~أولا فأولا بالجبال والأبنية والأشجار، ثم بالروابي والآكام والظراب وما ~~دون ذلك، حتى تكامل كما كان، وفي تقديره هكذا من المنافع ما لا يحصى، ولو ~~قبض لتعطلت # PageV13P398 # أكثر منافع الناس بالظل والشمس جميعا، فالحاصل أنه يجعل بواطنهم مظلمة ~~بحجبها عن أنوار المعارف فيصيرون كالماشي في الظلام، ويكون نفوذهم في ~~الأمور الدنيوية كالماشي بالليل في طرق قد عرفها ودربها بالتكرار، وحديث ~~علي رضي الله عنه في الروح الذي مضى عند «والطبيات للطيبين» في النور شاهد ~~حسي لهذا المر المعنوي - والله الموفق. # PageV13P399 # ولما تضمنت هذه الآية الليل النهار، قال مصرحا بهما دليلا على الحق، ~~وإظهارا للنعمة على الخلق: {وهو} أي ربك وحده {الذي جعل} ولما كان ما مضى ~~في ms3262 الظل أمرا دقيقا فخص به أهله، وكان أمر الليل والنهار ظاهرا لكل أحد، عم ~~فقال: {لكم الليل} أي الذي تكامل به مد الظل {لباسا} أي ساترا للأشياء عن ~~الأبصار كما يستر اللباس {والنوم سباتا} أي نوما وسكونا وراحة، عبارة عن ~~كونه موتا أصغر طاويا لما كان من الإحساس، قطعا عما كان من الشعور والتقلب، ~~دليلا لأهل البصائر على الموت؛ قال البغوي وغيره: وأصل السبت القطع. وفي ~~جعله سبحانه كذلك من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يعد، وكذا قوله: ~~{وجعل النهار نشورا*} أي # PageV13P399 # حياة وحركة وتقلبا بما أوجد فيه من اليقظة المذكرة بالبعث، المهيئة ~~للتقلب، برد ما أعدمه النوم من جميع الحواس؛ يحكى أن لقمان قال لابنه: كما ~~تنام فتوقظ فكذلك تموت فتنشر. فالآية من الاحتباك: ذكر السبات أولا دليلا ~~على الحركة ثانيا، والنشور ثانيا دليلا على الطي والسكون أولا. # ولما دل على عظمته بتصرفه في المعاني بالإيجاد والإعدام، وختمه بالإماتة ~~والإحياء بأسباب قريبة، أتبعه التصرف في الأعيان بمثل ذلك، دالا على ~~الإماتة والإحياء بأسباب بعيدة، وبدأه بما هو قريب للطافته من المعاني، ~~وفيه النشر الذي ختم به ما قبله، فقال: {وهو} أي وحده {الذي أرسل الرياح} ~~فقراءة ابن كثير بالإفراد لإرادة الجنس، وقراءة غيره بالجمع أدل على ~~الاختيار بكونها تارة صبا وأخرى دبورا، ومرة شمالا وكرة جنوبا وغير ذلك ~~{بشرا} أي تبعث بأرواحها السحاب، كما نشر بالنهار أرواح الأشباح {بين يدي ~~رحمته} لعباده بالمطر. # ولما كان السحاب قريبا من الريح في اللطافة، والماء قريبا منهما # PageV13P400 # ومسببا عما تحمله الريح من السحاب، أتبعهما به، ولما كان في إنزاله من ~~الدلالة على العظمة بإيجاده هنالك وإمساكه ثم إنزاله في الوقت المراد ~~والمكان المختار على حسب الحاجة ما لا يخفى، غير الأسلوب مظهرا للعظمة ~~فقال: {وأنزلنا من السماء} أي حيث لا ممسك للماء فيه غيره سبحانه {ماء} ثم ~~أبدل منه بيانا للنعمة به فقال: {طهورا*} أي طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، ~~اسم آلة كالسحور والسنون لما يتسحر به ويستن به، ونقل أبو حيان ms3263 عن سيبويه ~~أنه مصدر لتطهر المضاعف جرى على غير فعله. وأما جعله مبالغة لطاهر فلا يفيد ~~غير أنه بليغ الطهارة في نفسه لأن فعله قاصر. # ولما كانت هذه الأفعال دالة على البعث لكن بنوع خفاء، أتبعها ثمرة هذا ~~الفعل دليلا واضحا على ذلك، فقال معبرا بالإحياء لذلك، معللا للطهور المراد ~~به البعد عن جميع ما يدنسه من ملوحة أو مرارة أو كبرتة ونحو ذلك مما يمنع ~~كمال الانتفاع به: {لنحيي به} أي بالماء. # ولما كان المقصود بإحياء الأرض بالنبات إحياء البلاد لإحياء أهلها قال: ~~{بلدة} ولو كان ملحا أو مرا أو مكبرتا لم تكن فيه قوة الإحياء. ولما كره أن ~~يفهم تخصيص البلاد، أجري الوصف باعتبار الموضع # PageV13P401 # ليعم كل مكان فقال: {ميتا} أي بما نحدث فيه من النبات بعد أن كان قد صار ~~هشيما ثم ترابا، ليكون ذلك آية بينة على قدرتنا على بعث الموتى بعد كونهم ~~ترابا. # ولما كان في مقام العظمة، بإظهار القدرة، زاد على كونه آية على البعث ~~بإظهار النبات الذي هو منفعة للرعي منفعة أخرى عظيمة الجدوى في الحفظ من ~~الموت بالشرب كما كانت آية الإحياء حافظة بالأكل فقال: {ونسقيه} أي الماء ~~وهو من أسقاه - مزيد سقاه، وهما لغتان. قال ابن القطاع: سقيتك شرابا ~~وأسقيتك، والله تعالى عباده وارضه كذلك. {مما خلقنا} أي بعظمتنا. # ولما كانت النعمة في إنزال الماء على الأنعام وأهل البوادي ونحوهم أكثر، ~~لأن الطير والوحش تبعد في الطلب فلا تعدم ما تشرب، خصها فقال: {أنعاما} ~~وقدم النبات لأن به حياة الأنعام، والأنعام لأن بها كمال حياة الإنسان، ~~فإذا وجد ما يكفيها من السقي تجزأ هو بأيسر شيء، وأتبع ذلك قوله: {وأناسي ~~كثيرا*} أي بحفظنا له في الغدران لأهل البوادي الذين يبعدون عن الأنهار ~~والعيون وغيرهم ممن أردنا، لأنه تعالى لا يسقي جميع الناس على حد سواء، ~~ولكن يصيب # PageV13P402 # بالمطر من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ويسقي بعض الناس من غير ذلك، ولذا نكر ~~المذكورات - كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ms3264 أنه قال: ما من عام ~~بأمطر من عام، ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما يشاء - وتلا هذه الآية. ~~وقال البغوي: وذكر ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل وبلغوا به ابن مسعود رضي ~~الله عنه يرفعه قال: ليس من سنة بأمطر من أخرى، ولكن الله قسم الأرزاق، ~~فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن ~~معلوم، فإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، وإذا عصوا جميعا صرف ~~الله تعالى ذلك إلى الفيافي والبحار - انتهى. وكان السر في ذلك أنه كان من ~~حقهم أن يطهروا ظواهرهم وبواطنهم، ويطهروا غيرهم ليناسبوا حاله في ~~الطهورية، فلما تدنسوا بالقاذورات تسببوا في صرفه عنهم. # ولما ذكر سبحانه أن من ثمرة إنزال القرآن نجوما إحياء القلوب التي هي ~~أرواح الأرواح، وأتبعه ما لاءمه، إلى أن ختم بما جعله سببا لحياة الأشباح، ~~فكان موضعا لتوقع العود إلى ما هو حياة الأرواح، # PageV13P403 # قال عاطفا على متعلق {كذلك لنثبت} [الفرقان: 32] منبها على فائدة أخرى ~~لتنجيمه أيضا: {ولقد صرفناه} أي وجهنا القرآن. # كما قال ابن عباس رضي الله عنهما إنه المراد ههنا، ويؤيده ما بعده - ~~وجوها من البيان، وطرقناه طرقا تعيي أرباب اللسان، في معان كثيرة جدا ~~{بينهم} في كل قطر عند كل قوم {ليذكروا} بالآيات المسموعة ما ركزنا في ~~فطرهم من الأدلة العقلية والمؤيدة بالآيات المرئية ولو على أدنى وجوه ~~التذكر المنجية لهم - بما أشار إليه الإدغام. # ولما كان القرآن قائدا ولا بد لمن أنصف إلى الإيمان، دل على أن المتخلف ~~عنه إنما هو معاند بقوله: {فأبى} أي لم يرد {أكثر الناس} أي بعنادهم {إلا ~~كفورا*} مصدر كفر مبالغا فيه. # PageV13P404 # ولما كان تعنتهم بأن ينزل عليه ملك فيكون معه نذيرا، ربما أثار في النفس ~~طلب إجابتهم إلى مقترحهم حرصا على هدايتهم، فأومأ أولا إلى أنه لا فائدة في ~~ذلك بأن مؤازرة هارون لموسى عليهما السلام لم تغن عن القبط شيئا، وثانيا ~~بأن المدار في وجوب التصديق للنذير الإتيان بما يعجز، وكان ms3265 ذلك موجودا في ~~آيات القرآن، # PageV13P404 # المصرفة في كل زمان ومكان بكل بيان، فكانت كل آية منه قائمة مقام نذير، ~~قال مشيرا إلى أنه إنما ترك ذلك لحكم يعلمها: {ولو شئنا لبعثنا} أي بما لنا ~~من العظمة ونفوذ الكلمة {في كل قرية نذيرا*} أي من البشر أو الملائكة أو ~~غيرهم من عبادنا، كما قسمنا المطر لأن الملك - كما قدمنا أول السورة - كله ~~لنا، ليس لنا شريك يمنع من ذلك بما له من الحق، ولا ولد يمنع بما له من ~~الدلة، ولكنا لم نفعل لما في آيات القرآن من الكفاية في ذلك، ولما في ~~انفرادك بالدعوة من الشرف لك - وغير ذلك من الحكمة {فلا تطع الكافرين} فيما ~~قصدوا من التفتير عن الدعاء به، بما يبدونه من المقترحات أو يظهرون لك من ~~المداهنة، أو من القلق من صادع الإنذار، ويخيلون أنك لو أقللت منه رجوا أن ~~يوافقوك {وجاهدهم} أي بالدعاء {به} أي القرآن الذي تقدم التحديث عنه في ~~{ولقد صرفناه} [الفرقان: 5] بإبلاغ آياته مبشرة كانت أو منذرة، والاحتجاج ~~ببراهينه {جهادا كبيرا*} جامعا لكل المجاهدات الظاهرة والباطنة، لأن في ذلك ~~إقبال كثير من الناس إليك واجتماعهم عليك، فيتقوى أمرك، ويعظم خطبك، وتضعف # PageV13P405 # شوكتهم، وتنكسر سورتهم. # ولما ذكر تصريف الفرقان، ونشره في جميع البلدان، بعد إثارة الرياح ونشر ~~السحاب، وخلط الماء بالتراب، لجمع النبات وتفريقه، أتبعه - تذكيرا بالنعمة، ~~وتحذيرا من إحلال النقمة - الحجز بين أنواع الماء الذي لا أعظم امتزاجا ~~منه، وجمع كل نوع منها على حدته، ومنعه من أن يختلط بالآخر مع اختلاط الكل ~~بالتراب المتصل بعضه ببعض، فقال عائدا إلى أسلوب الغيبة تذكيرا بالإحسان ~~بالعطف على ضمير «الرب» في آية الظل: {وهو} أي وحده {الذي مرج البحرين} أي ~~الماءين الكثيرين الواسعين بأن جعلهما مضطربين كما تشاهدونه من شأن الماء؛ ~~وقال الرازي: خلى بينهما كأنه أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في ~~المرج، وأصل المرج يدل على ذهاب ومجيء واضطراب والتباس. # ولما كان الاضطراب موجبا للاختلاط، وكانت «ال» دائرة بين العهد والجنس، ~~تشوف السامع ms3266 إلى السؤال عن ذلك، فأجيب بأن المراد جنس الماء الحلو والملح، ~~لأن البحر في الأصل الماء الكثير، وبأنه سبحانه منعهما من الاختلاط، مع ~~الموجب له في العادة، بقدرته الباهرة، # PageV13P406 # وعظمته القاهرة، فقال: {هذا عذب} أي حلو سائغ {فرات} أي شديد العذوبة ~~بالغ الغاية فيها حتى يضرب إلى الحلاوة، لا فرق بين ما كان منه على وجه ~~الأرض وما كان في بطنها {وهذا ملح} شديد الملوحة {أجاج} أي مر محرق بملوحته ~~ومرارته، لا يصلح لسقي ولا شرب، ولعله أشار بأداة القرب في الموضعين تنبيها ~~على وجود الموضعين، مع شدة المقاربة، لا يلتبس أحدهما بالآخر حتى أنه إذا ~~حفر على شاطىء البحر الملح بالقرب منه جدا خرج الماء عذبا جدا {وجعل} أي ~~الله سبحانه {بينهما برزخا} أي حاجزا من قدرته مانعا من اختلاطهما. # ولما كانا يلتقيان ولا يختلطان، كان كل منهما بالاختلاط في صورة الباغي ~~على الآخر، فأتم سبحانه تقرير النعمة في منعهما الاختلاط بالكلمة التي جرت ~~عادتهم بقولها عند التعوذ، تشبيها لكل منهما بالمتعوذ، ليكون الكلام - مع ~~أنه خبر - محتملا للتعوذ، فيكون من أحسن الاستعارات وأشهدها على البلاغة ~~فقال: {وحجرا} أي منعا {محجورا*} أي ممنوعا من أن يقبل رفعا، كل هذا ~~التأكيد إشارة إلى جلالة هذه الآية وإن كانت قد صارت لشدة الإلف بها معرضا ~~عنها # PageV13P407 # إلى الغاية، لتعرف بها قدرته، وتشكر نعمته. # ولما ذكر تعالى قدرته في منع الماء من الاختلاط، أتبعه القدرة على خلطه، ~~لئلا يظن أنه ممتنع، تقريرا للفعل بالاختيار، وإبطالا للقول بالطبائع، فقال ~~معبرا بالضمير كما تقدمه حثا على استحضار الأفعال والصفات التي تقدمت، ~~لتعرف الحيثية التي كرر الضمير لأجلها: {وهو} أي وحده {الذي خلق من الماء} ~~بخلطه مع الطين {بشرا} كما تشاهدونه يخلق منه نباتا وشجرا وورقا وثمرا ~~{فجعله} أي بعد ذلك بالتطوير في أطوار الخلقة، والتدوير في أدوار التربية ~~{نسبا} أي ذكرا ينسب إليه {وصهرا} أي أنثى يصاهر - أي يخالط بها إلى الذكر، ~~فقسم هذا الماء بعد التطوير إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء ms3267 قسمين: عذبا ~~وملحا، وخلط ماء الذكر بماء الأنثى متى أراد فصور منه آدميا، ومنعه من ذلك ~~إذا أراد، كما أنه ميز بين العذب والملح ويخلط بينهما إذا أراد بعلمه ~~الشامل وقدرته التامة {وكان ربك} أي المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر ~~إليك {قديرا*} على كل شيء قدرته على ما ذكر من إبداع هذه الأمور المتباعدة ~~من مادة واحدة # PageV13P408 # فهو يوفق من يشاء فيجعله عذب المذاق، سهل الأخلاق، ويخذل من يشاء فيجعله ~~مرير الأخلاق كثير الشقاق، أو ملتبس الأخلاق، عريقا في النفاق، فارغب إلى ~~هذا الرب الشامل القدرة، التام العلم. # ولما أثبت له بهذه الأدلة القدرة على كل شيء، قال معجبا منهم في موضع ~~الحال من «ربك» عودا إلى تهجين سيرتهم في عبادة غيره، معبرا بالمضارع، ~~إشارة إلى أنهم لو فعلوا ذلك مرة لكان في غاية العجب، فكيف وهو على سبيل ~~التجديد والاستمرار؟ ومصورا لحالهم زيادة في تبشيعها: {ويعبدون} أي الكفرة ~~{من دون} أي ممن يعلمون أنه في الرتبة دون {الله} المستجمع لصفات العظمة، ~~بحيث إنه لا ضر ولا نفع إلا وهو بيده. # ولما كان هذا السياق لتعداد نعمه سبحانه، وكان الحامل للإنسان على ~~الإذعان رجاء الإحسان، أو خوف الهوان، وكان رجاء الإحسان مقبلا به إلى ~~المحسن في السر والإعلان، قدم النفع فقال: {ما لا ينفعهم} أي بوجه. # ولما كان الخوف إنما يوجب الإقبال ظاهرا فقط، أتبعه قوله: {ولا يضرهم} أي ~~أصلا في إزالة نعمة من نعم الله عنهم، # PageV13P409 # فلا أسخف عقلا ممن يترك من بيده كل نفع وضر وهو يتقلب في نعمه، في يقظته ~~ونومه، وأمسه ويومه، ويقبل على من لا نفع بيده ولا ضر أصلا؛ وأظهر في موضع ~~الضمير بيانا للوصف الحامل على ما لا يفعله عاقل، وأفرد تحقيرا لهم فقال: ~~{وكان الكافر} مع علمه بضعفه وعجزه. # ولما كان الكافر لا يمكن أن يصافي مسلما ما دام كافرا، وكانت مصافاته ~~لغيره حاصلة إما بالفعل أو بالقوة، عدت مصارمته لغيره عدما، فكانت مصارمته ~~خاصة بأولياء الله، وكان ذلك أشد لذمه، ms3268 دل عليه بتقديم الجار فقال: {على ~~ربه} أي المحسن إليه لا غيره {ظهيرا*} معينا لشياطين الإنس والجن على ~~أولياء الله، والتعبير ب «على» دال على أنه وإن كان مهينا في نفسه حقيرا ~~فاعل فعل العالي على الشيء القوي الغليظ الغالب له، المعين عليه، من قولهم: ~~ظهر الأرض لما علا منها وغلظ، وأمر ظاهر لك، أي غالب، والظاهر: القوي ~~والمعين، وذلك لأنه يجعل لما يعبده من الأوثان نصيبا مما تفرد الله بخلقه، ~~ثم يجعل لها أيضا بعض ما كان سماه لله، ويعاند أولياء الله من الأنبياء ~~وغيرهم، وينصب لهم المكايد والحروب، ويؤذيهم بالقول والفعل، مع علمه بأن ~~الله معهم لما يشاهدونه من خرقه لهم العوائد، فكان هذا فعل من # PageV13P410 # لا يعبأ بالشيء {لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا} [الفرقان: 21] ~~{أن لا تعلوا على الله} [الدخان: 19] وهو في الحقيقة تهكم بالكفار، لأنهم ~~يفعلون ما يلزم عليه هذا اللازم الذي لا يدور في خلد عاقل. # ولما كان التقدير تسلية له صلى الله عليه وسلم: فالزم ما نأمرك به ولا ~~يزد همك بردهم عما هم فيه، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلا، عطف عليه قوله: ~~{وما أرسلناك} أي بما لنا من العظمة. # ولما كان سياق السورة للإنذار، لما ذكر فيها من سوء مقالهم، وقبح ~~أفعالهم، حسن التعبير في البشارة بما يدل على كثرة الفعل، ويفهم كثرة ~~المفعول، بشارة بكثرة المطيع، وفي النذارة بما يقتضي أن يكون صفة لازمة ~~فقال: {إلا مبشرا} أي لكل من يؤمن {ونذيرا*} لكل من يعصي. # PageV13P411 # ولما وقع جوابهم عن قولهم {لولا أنزل إليه ملك} [الفرقان: 7] وكان قد بقي ~~قولهم {أو يلقى إليه كنز} [الفرقان: 8] أشير إلى مزيد الاهتمام بجوابه ~~بإبرازه في صورة الجواب لمن كأنه قال: ماذا يقال لهم إذا تظاهروا وطعنوا في ~~الرسالة بما تقدم وغيره؟ فقال: {قل} أي لهم يا أكرم الخلق حقيقة، وأعدلهم ~~طريقة محتجا عليهم بإزالة ما يكون موضعا للتهمة: # PageV13P411 # {ما أسألكم عليه} أي على الإبلاغ بالبشارة والنذارة {من أجر} لتتهموني ~~أني أدعوكم لأجله، أو تقولوا: ms3269 لولا ألقي إليه كنز ليغتني به عن ذلك، فكأنه ~~يقول: الاقتصار عن التوسع في المال إنما يكره لمن يسأل الناس، وليس هذا من ~~شيمي قبل النبوة فكيف بما بعدها؟ فلا غرض لي حينئذ إلا نفعكم. ثم أكد هذا ~~المعنى بقوله، مستثنيا لأن الاستثناء معيار العموم: {إلا من} أي إلا أجر من ~~{شاء أن يتخذ} أي يكلف نفسه ويخالف هواه ويجعل له {إلى ربه سبيلا*} فإنه ~~إذا اهتدى بهداية ربه كان لي مثل أجره، لا نفع لي من جهتكم إلا هذا، فإن ~~سيتم هذا أجرا فهو مطلوبي، ولا مرية في أنه لا ينقص أحدا شيئا من دنياه، ~~فلا ضرر على أحد في طي الدنيا عني، فأفاد هذا فائدتين: إحداهما أنه لا طمع ~~له أصلا في شيء ينقصهم، والثانية إظهار الشفقة البالغة بأنه يعتد بمنفعتهم ~~الموصلة لهم إلى ربهم ثوابا لنفسه. # ولما كان المقصود ردهم عن عنادهم، وكان ذلك في غاية الصعوبة، وكان هذا ~~الكلام لا يرد متعنتيهم - وهم الأغلب - الذين تخشى غائلتهم، # PageV13P412 # عطف على «قل» قوله: {وتوكل} أي أظهر العجز والضعف واستسلم واعتمد في أمرك ~~كله، ولا سيما في مواجهتهم بالإنذار، وفي ردهم عن عنادهم. # ولما كان الوكيل يحمل عن الموكل ثقل ما أظهر له عجزه فيه ويقوم بأعبائه ~~حتى يصير كمن يحمل عن آخر عينا محسوسة لا يصير له عليه شيء منها أصلا، عبر ~~بحرف الاستعلاء تمثيلا لذلك فقال: {على الحي} ولا يصح التوكل عليه إلا ~~بلزوم طاعته والإعراض عما سواها. # ولما كان الأحياء من الخلق يموتون، بين أن حياته ليست كحياة غيره فقال: ~~{الذي لا يموت} أي فلا ضياع لمن توكل عليه أصلا، بل هو المتولي لمصالحه في ~~حياته وبعد مماته، ولا تلتفت إلى ما سواه بوجه فإنه هالك {وسبح بحمده} أي ~~نزهه عن كل نقص مثبتا له كل كمال. # ولما كان المسلى ربما وقع في فكره أن من سلاه إما غير قادر على نصره، أو ~~غير عالم بذنوب خصمه، وكان السياق للشكاية من إعراض المبلغين عن القرآن، ~~وما ms3270 يتبع ذلك من الأذى، أشار بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فكفى به ~~لك نصيرا، وعطف عليه: # PageV13P413 # {وكفى} وعين الفاعل وحققه بإدخال الجار عليه فقال: {به بذنوب عباده} أي ~~وكل ما سواهم عباده {خبيرا*} لا يخفى عليه شيء منها وإن دق، ثم وصفه بما ~~يقتضي أنه مع ما له من عظيم القدرة بالملك والاختراع - متصف بالأناة وشمول ~~العلم وحسن التدبير ليتأسى به المتوكل عليه فقال: {الذي خلق السماوات ~~والأرض} أي على عظمهما {وما بينهما} من الفضاء والعناصر والعباد وأعمالهم ~~من الذنوب وغيرها # {ألا يعلم من خلق} [الملك: 14] وقوله: {في ستة أيام} تعجيب للغبي الجاهل، ~~تدريب للفطن العالم في الحلم والأناة والصبر على عباد الله في دعوتهم إلى ~~الله، وتذكير بما له من عظيم القدرة وما يلزمها من شمول العلم، والمراد ~~مقدار ستة من أيامنا، فإن الأيام ما حدثت إلا بعد خلق الشمس، والإقرار بأن ~~تخصيص هذا العدد لداعي حكمة عظيمة، وكذا جميع أفعاله وإن كنا لا ندرك ذلك، ~~هو الإيمان، وجعل الله الجمعة عيدا للمسلمين لأن الخلق اجتمع فيه بخلق آدم ~~عليه السلام فيه في آخر ساعة. # ولما كان تدبير هذا الملك أمرا باهرا، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم ~~استوى على العرش} أي شرع في تدبير لهذا الملك # PageV13P414 # الذي اخترعه وأوجده، وهم وذنوبهم من جملته كما يفعل الملوك في ممالكهم، ~~لا غفلة عنده عن شيء أصلا، ولا تحدث فيه ذرة من ذات أو معنى إلا بخلق جديد ~~منه سبحانه، ردا على من يقول من اليهود وغيرهم: إن ذلك إنما هو بما دبر في ~~الأزل من الأسباب، وأنه الآن لا فعل له. # ولما كان المعصى إذا علم بعصيان من يعصيه وهو قادر عليه لم يمهله، أشار ~~إلى أنه على غير ذلك، حاضا على الرفق، بقوله: {الرحمن} أي الذي سبقت رحمته ~~غضبه، وهو يحسن إلى من يكفره، فضلا عن غيره، فأجدر عباده بالتخلق بهذا ~~الخلق رسله، والحاصل أنه أبدع هذا الكون وأخذ في تدبيره بعموم الرحمة في ~~إحسانه لمن يسمعه ms3271 يسبه بالنسبة له إلى الولد، ويكذبه في أنه يعيده كما ~~بدأه، وهو سبحانه قادر على الانتقام منه بخلاف ملوك الدنيا فإنهم لا يرحمون ~~من يعصيهم مع عجزهم. # ولما كان العلم لازما للملك، سبب عن ذلك قوله على طريق التجريد: {فاسأل ~~به} أي بسبب سؤالك إياه {خبيرا} عن # PageV13P415 # هذه الأمور وكل أمر تريده ليخبرك بحقيقة أمره ابتداء وحالا ومآلا، فلا ~~يضيق صدرك بسبب هؤلاء المدعوين، فإنه ما أرسلك إليهم إلا وهو عالبم بهم، ~~فسيعلي كعبك عليهم، ويحسن لك العاقبة. # ولما ذكر إحسانه إليهم، وإنعامه عليهم، ذكر ما أبدوه من كفرهم في موضع ~~شكرهم فقال: {وإذا قيل لهم} أي هؤلاء الذين يتقلبون في نعمه، ويغذوهم بفضله ~~وكرمه، من أي قائل كان: {اسجدوا} أي اخضعوا بالصلاة وغيرها {للرحمن} الذي ~~لا نعمة لكم إلا منه {قالوا} قول عال متكبر كما تقدم في معنى {ظهيرا} : ~~{وما الرحمن} متجاهلين عن معرفته فضلا عن كفر نعمته معبرين بأداة ما لا ~~يعقل، وقال ابن العربي: إنهم إما عبروا بذلك إشارة إلى جهلهم الصفة، دون ~~الموصوف. # ثم عجبوا من أمره بذلك منكرين عليه، بقولهم: {أنسجد لما تأمرنا} فعبروا ~~عنه بعد التجاهل في أمره والإنكار على الداعي إليه أيضا بأداة ما لا يعقل ~~{وزادهم} هذا الأمر الواضح المقتضي للإقبال والسكون شكرا للنعم وطمعا في ~~الزيادة {نفورا*} لما عندهم من الحرارة الشيطانية التي تؤزهم أزا، فلا نفرة ~~توازي هذه النفرة، ولا ذم أبلغ منه. # ولما ذكر حال النذير الذي ابتدأ به السورة في دعائه إلى الرحمن # PageV13P416 # الذي لو لم يدع إلى عبادته إلا رحمانيته لكفى، فكيف بكل جمال وجلال، ~~فأنكروه، اقتضى الحال أن يوصل به إثباته بإثبات ما هم عالمون به من آثار ~~رحمانيته، ففصل ما أجمل بعد ذكر حال النذير، ثم من الملك، مصدرا له بوصف ~~الحق الذي جعله مطلع السورة رادا لما تضمن إنكارهم من نفيه فقال: {تبارك} ~~أي ثبت ثباتا لا نظير له {الذي جعل في السماء} التي قدم أنه اخترعها ~~{بروجا} وهي اثنا عشر برجا، هي للكواكب ms3272 السيارة كالمنازل لأهلها، سميت بذلك ~~لظهورها، وبنى عليها أمر الأرض، دبر بها فصولها، وأحكم بها معايش أهلها. # ولما كانت البروج على ما تعهد لا تصلح إلا بالنور، ذكره معبرا بلفظ ~~السراج فقال: {وجعل فيها} أي البروج {سراجا} أي شمسا، وقرأ حمزة والكسائي ~~بصيغة الجمع للتنبيه على عظمته في ذلك بحيث إنه أعظم من ألوف ألوف من ~~السرج، فهو قائم مقام الوصف كما قال في الذي بعده: {وقمرا منيرا*} أتم - ~~بتنقلهما فيها وبغير ذلك # PageV13P417 # من أحوالهما - التدبير، أي أن العلم بوجوبه لا شك فيه، فكيف يشك عاقل في ~~وجوده أو في رحمانيته بهذا العالم العظيم المتقن الصنع الظاهر فيه أمر ~~الرحمانية. # PageV13P418 # ولما ذكر الآيتين، ذكر ما هما آيتاه فقال: {وهو الذي جعل الليل} أي الذي ~~آيته القمر {والنهار} الذي آيته الشمس {خلفة} أي ذوي حالة معروفة في ~~الاختلاف، فيأتي هذا خلف ذاك، بضد ما له من الأوصاف، ويقوم مقامه في كثير ~~من المرادات، والأشياء المقدرات، ويعلم قد التسامح فيها، ومن فاته شيء من ~~هذا قضاه في ذاك؛ قال ابن جرير: والعرب تقول: خلف هذا من كذا خلفة، وذلك ~~إذا جاء شيء مكان شيء ذهب قبله. وفي القاموس أن الخلف والخلفة - بالكسر: ~~المختلف. فعلى هذا يكون التقدير: جعلهما مختلفين في النور والظلام، والحر ~~والبرد، غير ذلك من الأحكام. وقال الرازي في اللوامع: يقال: الأمر بينهم ~~خلفة، أي نوبة، كل واحد يخلف صاحبه، والقوم خلفة، أي مختلفون. # ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء كالعادم لذلك الشيء، خص الجعل بالمجتني ~~للثمرة فقال: {لمن أراد أن يذكر} أي يحصل له تذكر ولو على أدنى الوجوه - ~~بما دل عليه الإدغام في قراءة الجماهة بفتح الذال # PageV13P418 # والكاف مشددتين، لما يدله عليه عقله من أن التغير على هذه الهيئة العظيمة ~~لا يكون بدون مغير قادر عظيم القدرة مختار، فيؤديه تذكره إلى الإيمان إن ~~كان كفورا، وقراءة حمزة بالتخفيف من الذكر تشير إلى أن ما يدلان عليه من ~~تمام القدرة وشمول العلم الدال قطعا على الوحدانية على غاية من ms3273 الظهور، لا ~~يحتاج إلى فكر، بل تحصل بأدنى التفات {أو أراد شكورا*} أي شكرا بليغا عظيما ~~لنعم الله لتحمله إرادته تلك على الشكر إن كان مؤمنا، بسبب ما أنعم به ربه ~~من الإتيان بكل منهما بعد هجوم الآخر لاجتناء ثمراته، ولو جعل أحدهما دائما ~~لفاتت مصالح الآخرة، ولحصلت السآمة به، والملل منه، والتواني في الأمور ~~المقدرة بالأوقات، الكسل وفتر العزم الذي إنما يثيره لتداركها دخول وقت ~~آخر، وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العلي الكبير. # ولما ذكر عباده الذين خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزب الشيطان، ~~ولم يصفهم إلى اسم من أسمائه، إيذانا بإهانتهم لهوائهم عنده، وهم الذين صرح ~~بهم قوله أول السورة {نذيرا} وختم بالتذكر والشكر إشارة إلى عباده الذين ~~أخلصهم لنفسه، وأشار إليهم سابقا بتخصيص الوصف بالفرقان، فأتبع ذلك ذكرهم، ~~فقال عاطفا على جملة الكلام في قوله {وإذا قيل لهم} لكنه رفعهم بالابتداء # PageV13P419 # تشريفا لهم: {وعباد} ويجوز أن يقال ولعله أحسن: أنه سبحانه لما وصف ~~الكفار في هذه السورة بما وصفهم به من الفظاظة والغلظة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وعداوتهم له، ومظاهرتهم على خالقهم، ونحو ذلك من جلافتهم، وختم ~~بالتذكر والشكر، وكان التقدير: فعباد الشيطان لا يتذكرون ولا يشكرون، لما ~~لهم من القسوة، عطف على هذا المقدر أضدادهم، واصفا لهم بأضداد أوصافهم، ~~مبشرا لهم بضد جزائهم، فقال: وعباد {الرحمن} فأضافهم إليه رفعة لهم وإن كان ~~كل الخلق عباده، وأضافهم إلى صفة وصف الرحمة الأبلغ الذي أنكره أولئك ~~تبشيرا لهم؛ ثم وصفهم بضد ما وصف به المتكبرين عن السجود، إشارة إلى أنهم ~~تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا إليها بأمر كبير، فقال: {الذين يمشون} ~~وقال: {على الأرض} تذكيرا بما هم منه وما يصيرون إليه، وحثا على السعي في ~~معالي الأخلاق للترقي عنه، وعبر عن حالهم بالمصدر مبالغة في اتصافهم ~~بمدلوله حتى كانوا إياه، فقال: {هونا} أي ذوي هون، أي لين ورفق وسكينة ~~ووقار وإخبات وتواضع، لا يؤذون أحدا ولا يفخرون، رحمة لأنفسهم وغيرهم، غير ~~متابعين ما هم ms3274 فيه من الحرارة الشيطانية، فبرؤوا من # PageV13P420 # حظوظ الشيطان، لأن من كان من الأرض وإليها يعود لا يليق به إلا ذلك، ~~والأحسن أن يجعل هذا خبر «العباد» ، ويكون # {أولئك يجزون الغرفة} [الفرقان: 75] استئنافا متشوفا إليه تشوف المستنتج ~~إلى النتيجة. # ولما ذكر ما أثمره العلم من الفعل في أنفسهم، أتبعه ما أنتجه الحلم من ~~القول لغيرهم فقال: {وإذا} دون «إن» لقضاء العادة بتحقق مدخولها، ولم يقل: ~~والذين كبقية المعطوفات، لأن الخصلتين كشيء واحد من حيث رجوعهما إلى ~~التواضع {خاطبهم} خطابا ما، بجهل أو غيره وفي وقت ما {الجاهلون} أي الذين ~~يفعلون ما يخالف العلم والحكمة {قالوا سلاما*} أي ما فيه سلامة من كل سوء، ~~وليس المراد التحية - نقل ذلك سيبويه عن أبي الخطاب، قال: لأن الآية فيما ~~زعم مكية، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على ~~قولك: تسليما لا خير بيننا وبينكم ولا شرا - انتهى. فلا حاجة إلى ادعاء ~~نسخها بآية القتال ولا غيرها، لأن الإغضاء عن السفهاء # PageV13P421 # وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة، وأسلم للعرض والورع، ~~وكأنه أطلق الخطاب إعلاما بأن أكثر قول الجاهل الجهل. # ولما ذكر ما بينهم وبين الخلق من القول والفعل، وكان الغالب على ذلك أن ~~يكون جلوة نهارا، ذكر ما بينهم وبين خالقهم من ذلك خلوة ليلا، وذكر هذه ~~المعطوفات التي هي صفات بالواو، تنبيها على أن كل واحدة منها تستقل بالقصد ~~لعظم خطرها، وكبر أثرها، فقال: {والذين يبيتون} من البيتوتة: أن يدركك ~~الليل نمت أو لم تنم، وهي خلاف الظلول؛ وأفاد الاختصاص بتقديم {لربهم} أي ~~المحسن إليهم برحمانيته، يحيون الليل رحمة لأنفسهم، وشكرا لفضله. # ولما كان السجود أشد أركان الصلاة تقريبا إلى الله، لكونه أنهى الخضوع مع ~~أنه الذي أباه الجاهلون، قدمه لذلك ويعلم بادىء بدء أن القيام في الصلاة ~~فقال: {سجدا} وأتبعه ما هو تلوه في المشقة تحقيقا لأن السجود على حقيقته ~~فيتمحص الفعلان للصلاة، فقال: {وقياما*} أي ولم يفعلوا فعل الجاهلين من ~~التكبر عن السجود، بل كانوا - كما قال الحسن ms3275 رحمه الله: نهارهم في خشوع، ~~وليلهم في خضوع. # ولما ذكر تهذيبهم لأنفسهم للخلق والخالق، أشار إلى أنه لا إعجاب عندهم، ~~بل هم وجلون، وأن الحامل لهم على ذلك الإيمان بالآخرة التي # PageV13P422 # كذب بها الجاهلون {يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} ~~[المؤمنون: 60] وقدموا الدعاء بالنجاة اهتماما بدرء المفسدة، وإشعارا بأنهم ~~مستحقون لذلك وإن اجتهدوا، لتقصيرهم عن أن يقدروه سبحانه حق قدره فقال: ~~{والذين يقولون ربنا} أي أيها المحسن إلينا {اصرف عنا عذاب جهنم} الذي أحاط ~~بنا لا ستحقاقنا إياه إلا أن يتداركنا عفوك ورحمتك، بما توفقنا له من لقاء ~~من يؤذينا بطلاقة الوجه، لا بالتجهم، ثم علل سؤالهم يقولهم: {إن عذابها ~~كان} أي كونا جبلت عليه {غراما*} أي هلاكا وخسرانا ملحا محيط بمن تعلق به ~~مذلا له، دائما بمن غرى به، لازما له لا ينفك عنه ونحن كنا نسير على من ~~آذانا. # ولما ثبت لها هذا الوصف، أنتج قوله: {إنها ساءت} أي تناهت هي في كل ما ~~يحصل منه سوء، وهي في معنى بئست في جميع المذام {مستقرا} أي من جهة موضع ~~استقرار {ومقاما*} أي موضع إقامة. # PageV13P423 # ولما ذكر أفعالهم وأقوالهم فيما بينهم وبين الخلق وقدمه، والخالق وأخره، ~~لأن وجوبه يكون بعد ذلك، ذكر أحوالهم في # PageV13P423 # أموالهم، نظرا إلى قول الكفرة {أو يلقى إليه كنز} [الفرقان: 8] وهداية ~~إلى طريق الغنى لأنه ما عال من اقتصد، فقال: {والذين إذا أنفقوا} أي للخلق ~~أو الخالق في واجب أو مستحب {لم يسرفوا} أي يجاوزوا الحد في النفقة ~~بالتبذير، فيضيعوا الأموال في غير حقها فيكونوا إخوان الشياطين الذين هم من ~~النار ففعلهم فعلها {ولم يقتروا} أي يضيقوا فيضيعو الحقوق؛ ثم بين العدل ~~بقوله: {وكان} أي إنفاقهم {بين ذلك} أي الفعل الذي يجب إبعاده. # ولما علم أن ما بين الطرفين المذمومين يكون عدلا، صرح به في قوله: ~~{قواما*} أي عدلا سواء بين الخلقين المذمومين: الإفراط والتفريط، تخلقا ~~بصفة قوله تعالى {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن نزل بقدر ~~ما يشاء} ms3276 [الشورى: 27] وهذه صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم - ~~كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة، بل ~~كانوا يأكلون ما يسد الجوعة، ويعين على العبادة، ويلبسون ما يستر العورة، ~~ويكن من الحر والقر، # PageV13P424 # قال عمر رضي الله عنه: كفى سرفا أن لا يشتهي الرجل شيئا إلا اشتراه ~~فأكله. # ولما ذكر ما تحلوا به من أصول الطاعات، بما لهم من العدل والإحسان ~~بالأفعال والأقوال، في الأبدان والأموال، أتبعه ما تخلوا عنه من أمهات ~~المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر، فقال: {والذين لا يدعون} رحمة لأنفسهم ~~واستعمالا للعدل {مع الله} أي الذي اختص بصفات الكمال {إلها} وكلمة «مع» ~~وإن أفهمت أنه غير، لكن لما كانوا يتعنتون حتى أنهم يتعرضون بتعديد الأسماء ~~كما مر في آخر سبحان والحجر، قال تعالى قطعا لتعنتهم: {آخر} أي دعاء جليا ~~بالعبادة له، ولا خفيا بالرياء، فيكونوا كمن أرسلت عليهم الشياطين فأزتهم ~~أزا. # ولا نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها، أتبعه قتل غيرهم فقال: ~~{ولا يقتلون} أي بما تدعو إليه الحدة {النفس} أي رحمة للخلق وطاعة للخالق. ~~ولما كان من الأنفس ما لا حرمة له، بين المراد بقوله: {التي حرم الله} أي ~~قتلها، أي منع منعا عظيما الملك الأعلى - الذي لا كفوء له - من قتلها {إلا ~~بالحق} أي بأن تعمل ما يبيح قتلها. # PageV13P425 # ولما ذكر القتل الجلي، أتبعه الخفي بتضييع نسب الولد، فقال: {ولا يزنون} ~~أي رحمة لما قد يحدث من ولد، إبقاء على نسبه، ورحمة للمزني بها ولأقاربها ~~أن تنهتك حرماتهم، مع رحمته لنفسه، على أن الزنى جار أيضا إلى القتل ~~والفتن، وفيه التسبب لإيجاد نفس بالباطل كما أن القتل تسبب إلى إعدامها ~~بذلك، وقد روي في الصحيح # «عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أي الذنب أعظم - وفي رواية: أكبر - عند الله؟ قال: أن تدعو لله ندا ~~هون خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، ms3277 قال: ثم أي؟ ~~قال: أن تزني بحليلة جارك، فأنزل الله تصديق ذلك {والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر} [الفرقان: 68] الآية» وقد استشكل تصديق الآية للخبر من حيث إن ~~الذي فيه قتل خاص وزنى خاص، والتقييد بكونه أكبر، والذي فيها مطلق القتل ~~والزنى من غير تعرض لعظم، ولا إشكال لأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه: ~~الأول: الاعتراض بين المبتدأ الذي هو «وعباد» وما عطف عليه، والخبر الذي هو ~~{أولئك يجزون} [الفرقان: 75] على أحد الرأيين بذكر جزاء هذه الأشياء # PageV13P426 # الثلاثة خاصة، وذلك دال على مزيد الاهتمام الدال على الإعظام. الثاني: ~~الإشارة بأداة البعد - في قوله: {ومن يفعل ذلك} أي الفعل العظيم القبح - مع ~~قرب المذكورات، فدل على أن البعد في رتبها. الثالث: التعبير باللقى مع ~~المصدر المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله: {يلق أثاما*} دون يأثم أو ~~يلق إثما أو جزاء إثمه. # الرابع: التقييد بالمضاعفة في قوله مستأنفا: {يضاعف} أي بأسهل أمر {له ~~العذاب} جزاء ما أتبع نفسه هواها بما فيه من الحرارة الشيطانية - هذا في ~~قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم بالرفع وهو بدل «يلق» في قراءة الجماعة، ~~لأنهما تؤولان إلى معنى واحد، ومضاعفة العذاب - والله أعلم - إتيان بعضه في ~~أثر بعض بلا انقطاع كما كان يضاعف سيئته كذلك، وقراءة ابن كثير وأبي جعفر ~~وابن عامر ويعقوب بالتشديد تفيد مطلق التعظيم للتضعيف، وقراءة الباقين ~~بالمفاعلة تقتضيه بالنسبة إلى من يباري آخر فيه فهو أبلغ. الخامس: التهويل ~~بقوله: {يوم القيامة} الذي هو أهول من غيره بما لا يقايس. السادس: الإخبار ~~بالخلود الذي هو أول درجاته أن يكون مكثا طويلا، فقال عاطفا في القراءتين ~~على يضاعف: {ويخلد فيه} . السابع: التصريح بقوله: {مهانا*} ولعله للاحتراز ~~عما يجوز من أن بعض عصاة هذه الأمة - الذين يريد الله # PageV13P427 # تعذيبهم - يعلمون أنهم ينجون ويدخلون الجنة، فتكون إقامتهم - مع العلم ~~بالمآل - ليست على وجه الإهانة، فلما عظم الأمر من هذه الأوجه، علم أن كلا ~~من هذه الذنوب كبير، وإذا كان الأعم كبيرا، كان الأخص ms3278 المذكور أعظم من مطلق ~~الأعم، لأنه زاد عليه بما صار به خاصا، فثبت بهذا أنها كبائر، وأن قتل ~~الولد والزنى بحليلة الجار أكبر لما ذكر، فوضح وجه تصديق الآية للخبر، ولا ~~يقال: إن الإشارة ترجع إلى المجموع، فالتهويل خاص بمن ارتكب مجموع هذه ~~الذنوب لأنا نقول: السياق يأباه، لأن تكرار «لا» أفاد - كما حققه الرضي - ~~ورود النفي على وقوع الخصال الثلاث حال الاجتماع والانفراد، فالمعنى: لا ~~يوقعون شيئا منها، فكان معنى {ومن يفعل ذلك} : ومن يفعل شيئا من ذلك - ليرد ~~الإثبات على ما ورد عليه النفي، فيحصل التناسب، وأما عدم منافاة الآية ~~للترتيب فمن وجهين: الأول أن الأصل في التقديم الاهتمام بما سبقت له الآية، ~~وهو التنفير المفيد للتغليظ، فيكون كل واحد منها أعلى مما بعده. # الثاني أن الواو لا تنافيه، وقد وقعت الأفعال مرتبة في الذكر كما رتبت في ~~الحديث ب «ثم» فيكون مرادا بها الترتيب - والله الهادي. # ولما أتم سبحانه تهديد الفجار، على هذه الأوزار، أتبعه ترغيب الأبرار، # PageV13P428 # في الإقبال على الله العزيز الغفار، فقال: {إلا من تاب} أي رجع إلى الله ~~عن شيء مما كان فيه من هذه النقائص {وآمن} أي أوجد الأساس الذي لا يثبت عمل ~~بدون وهو الإيمان، أو أكد وجوده {وعمل} . ولما كان الرجوع عنه أغلظ، أكد ~~فقال: {عملا صالحا} أي مؤسسا على أساس الإيمان؛ ثم زاد في الترغيب بالإتيان ~~بالفاء ربطا للجزاء بالشرط دليلا على أنه سببه فقال: {فأولئك} أي العالو ~~المنزلة {يبدل الله} وذكر الاسم الأعظم تعظيما للأمر وإشارة إلى أنه سبحانه ~~لا منازع له {سيئاتهم حسنات} أي بندمهم على تلك السيئات، لكونها ما كانت ~~حسنات فيكتب لهم ثوابها بعزمهم الصادق على فعلها لو استقبلوا من أمرهم ما ~~استدبروا، بحيث إذا رأى أحدهم تبديل سيئاته بالحسنات تمنى لو كانت سيئاته ~~أكثر! وورد أن بعضهم يقول: رب! إن لي سيئات ما رأيتها - رواه مسلم في أواخر ~~الإيمان من صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه رفعه. # ولما كان هذا أمرا لم تجر العادة ms3279 بمثله، أخبر أنه صفته تعالى أزلا وأبدا، ~~فقال مكررا للاسم الأعظم لئلا يقيد غفرانه شيء مما مضى: {وكان الله} أي ~~الذي له الجلال والإكرام على الإطلاع {غفورا} # PageV13P429 # أي ستورا لذنوب كل من تاب بهذا الشرط {رحيما*} له بأن يعامله بالإكرام ~~كما يعامل المرحوم فيعطيه مكان كل سيئة حسنة؛ روى البخاري عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك، لما نزل صدرها قال أهل مكة: ~~فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش، فأنزل الله ~~{إلا من تاب} [الفرقان: 7]- إلى - {رحيما} [الفرقان: 7] ؛ وروي عنه أيضا ~~أنه قال: هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة النساء. أي على تقدير ~~كونها عامة في المشرك وغيره؛ وروي عنه أنه قال في آية النساء: نزلت في آخر ~~ما نزل، ولم ينسخها شيء. # وقد تقدم في سورة النساء الجواب عن هذا، وكذا ما رواه البخاري عنه في ~~التفسير: إن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا، ~~فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو ~~تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} [الفرقان: 68] ونزل {يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] . ولما ~~أشعرت الفاء بالتسبيب، ودل تأكيد الفعل بالمصدر على الاحتياج إلى عمل كثير # PageV13P430 # ربما جل عن طوق البشر، وأشار إلى التطريق له بالوصفين العظيمين، أتبع ذلك ~~بيان الطريق إليه بما أجرى من العادة فقال: {ومن تاب} أي عن المعصية كفرا ~~كانت أو ما دونه {وعمل} تصديقا لادعائه التوبة. # ولما كان في سياق الترغيب، أعراه من التأكيد فقال: {صالحا} ولو كان كل من ~~نيته وعمله ضعيفا؛ ورغب سبحانه في ذلك بقوله معلما أنه يصل إلى الله: {فإنه ~~يتوب} أي يرجع واصلا {إلى الله} أي الذي له صفات الكمال، فهو يقبل التوبة ~~عن عباده، ويعفو عن السيئات {متابا*} أي رجوعا ms3280 عظيما جدا بأن يرغبه الله في ~~الأعمال الصالحة، فلا يزال كل يوم في زيادة في نيته وعمله، فيخف ما كان ~~عليه ثقيلا، ويتيسر له ما كان عسيرا، ويسهل عليه ما كان صعبا، كما تقدم في ~~{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم} [يونس: 9] ولا يزال ~~كذلك حتى يحبه فيكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي ~~يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، بأن يوفقه للخير، فلا يسمع إلا ما يرضيه، ~~وهكذا، ومن أجراه على ظاهره فعليه لعنة الله، لمخالفته إجماع المسلمين. # ولما وصف عباده سبحانه بأنهم تحلوا بأصول الفضائل، وتخلوا # PageV13P431 # عن أمهات الرذائل، ورغب التوبة، لأن الإنسان لعجزه لا ينفك عن النقص، ~~وكان قد مدحهم بعد الأولى من صفاتهم بالحلم عن الجهل مدحهم قبل الأخرى من ~~أمداحهم وعقب تركهم الزنى بالإعراض أصلا عن اللغو الذي هو أعظم مقدمات ~~الزنى فقال: {والذين لا يشهدون} أي يحضرون انحرافا مع الهوى كما تفعل النار ~~التي الشيطان منها {الزور} أي القول المنحرف عن الصدق كذبا كان أو مقاربا ~~له فضلا عن أن يتفوهوا به ويقروا عليه؛ قال ابن جرير: وأصل الزور تحسين ~~الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه أنه بخلاف ما هو به ~~فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، والشرك قد يدخل في ذلك لأنه محسن لأهله ~~حتى ظنوا أنه حق وهو باطل، ويدخل فيه الغنا لأنه أيضا مما يحسن بترجيع ~~الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه، والكذب أيضا يدخل فيه بتحسين صاحبه إياه حتى ~~يظن أنه حق. # وعطف عليه ما هو أعم منه فقال: {وإذا مروا باللغو} أي الذي ينبغي أن يطرح ~~ويبطل سواء كان من وادي الكذب أو العبث الذي لا يجدي؛ قال ابن جرير: وهو في ~~كلام العرب كل كلام # PageV13P432 # أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما يستقبح. {مروا كراما*} أي آمرين ~~بالمعروف، ناهين عن المنكر، إن تعلق بهم أمر أو نهي، بإشارة أو عبارة، على ~~حسب ما يرونه ms3281 نافعا، أو معرضين إن كان لا يصلح شيء من ذلك لإثارة مفسدة ~~أعظم من ذلك أو نحوه، رحمة لأنفسهم وغيرهم، وأما حضورهم لذلك وسكوتهم فلا، ~~لأن النظارة إلى كل ما لم تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الإثم لأن ~~حضورهم ونظرهم دليل الرضا به، وسبب لوجوده والزيادة فيه. # PageV13P433 # ولما ذكر وصفهم الذي فاقوا به، أشار إلى وصف الجهلة الذي سفلوا به، فقال: ~~{والذين إذا ذكروا} أي ذكرهم غيرهم كائنا من كان، لأنهم يعرفون الحق بنفسه ~~لا بقائله {بآيات ربهم} أي الذي وفقهم لتذكر إحسانه إليهم في حسن تربيته ~~لهم بالاعتبار بالآيات المرئية والمسموعة {لم يخروا} أي لم يفعلوا فعل ~~الساقطين المستعلين {عليها} الساترين لها؛ ثم زاد في بيان إعراضهم وصدهم ~~عنها فقال منبها على أن المنفي القيد لا المقيد، وهو الخرور، بل هو موجود ~~غير منفي بصفة السمع والبصر: {صما وعميانا*} أي كما يفعل المنافقون والكفار ~~في الإقبال عليها سماعا واعتبارا، والإعراض عنها تغطية لما عرفوا من ~~حقيتها، وسترا لما رأوا من نورها، فعل من لا يسمع ولا يبصر كما تقدم # PageV13P433 # عن أبي جهل وأبي سفيان والأخنس بن شريق، وذلك وصف لعباد الرحمن بفعل ضد ~~هذا، أي أنهم يسقطون عند سماعها ويبكون عليها، سقوط سامع منتفع بسمعه، بصير ~~منتفع ببصره وبصيرته، سجدا يبكون كما تقدم في أول أوصافهم وإن لم يبلغوا ~~أعلى الدرجات البصيرة - بما أشارت إليه المبالغة بزيادة النون جمع العمى. # ولما ذكر هذه الخصلة المثمرة لما يلي الخلصة الأولى، ختم بما ينتج الصفة ~~الأولى. فقال مؤذنا بأن إمامة الدين ينبغي أن تطلب ويرغب فيها: {والذين ~~يقولون} علما منهم بعد اتصافهم بجميع ما مضى أنهم أهل للإمامة: {ربنا هب ~~لنا من أزواجنا} اللاتي قرنتها بنا كما فعلت لنبيك صلى الله عليه وسلم، ~~فمدحت زوجته في كلامك القديم، وجعلت مدحها يتلى على تعاقب الأزمان والسنين ~~{وذرياتنا قرة} ولما كان المتقون - الذين يفعلون الطاعة ويسرون بها - قليلا ~~في جنب العاصين، أتى بجمع القلة ونكر فقال: {أعين} أي من الأعمال أو من ms3282 ~~العمال يأتمون بنا، لأن الأقربين أولى بالمعروف، ولا شيء أسر للمؤمن ولا ~~أقر لعينه من أن يرى حبيبه يطيع الله، فما طلبوا إلا أن يطاع الله فتقر ~~أعينهم، ف «من» إما تكون مثلها في: رأيت منك أسدا، وإما أن تكون على بابها، ~~وتكون القرة هي الأعمال، أي هب لنا منهم # PageV13P434 # أعمالا صالحة فجعلوا أعمال من يعز عليهم هبة لهم، وأصل القرة البرد لأن ~~العرب تتأذى بالحر وتستروح إلى البرد، فجعل ذلك كناية عن السرور {واجعلنا} ~~أي إيانا وإياهم {للمتقين} أي عامة من الأقارب والأجانب. # ولما كان المطلوب من المسلمين الاجتماع في الطاعة حتى تكون الكلمة في ~~المتابعة واحدة، أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن كان المراد الجنس، ~~فقالوا: {إماما*} أي فنكون علماء مخبتين متواضعين كما هو شأن إمامة التقوى ~~في إفادة التواضع والسكينة، لنحوز الأجر العظيم، إذ الإنسان له أجره وأجر ~~من اهتدى به فعمل بعمله # «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» وعكسه. # ولما وصف سبحانه عباده المؤمنين بضد أوصاف الكافرين من الرفق والسكينة، ~~والتواضع والحلم والطمأنينة والشكر لربهم والرغبة إليه والرهبة منه. وقال ~~الرازي: فوصف مشيهم خطابهم وانتصابهم له ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتهم وتيقظهم ~~وانتباههم وصدقهم ومحبتهم ونصحهم. تشوف السامع إلى ما لهم عنده بعد المعرفة # PageV13P435 # بما للكافرين، فابتدأ الخبر عن ذلك بتعظيم شأنهم فقال: {أولئك} أي العالو ~~الرتبة، العظيمو المنزلة. ولما كان المقصود إنما هو الجزاء، بني للمفعول ~~قوله: {يجزون} أي فضلا من الله على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية، ~~والأحوال الصافية {الغرفة} أي التي هي لعلوها واتساعها وطيبها لا غرفة ~~غيرها، لأنها منتهى الطلب، وغاية الأرب، لا يبغون عنها حولا، ولا يريدون ~~بها بدلا، وهي كل بناء عال مرتفع، والظاهر أن المراد بها الجنس. # ولما كانت الغرب في غابة التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها وطبع ~~البدن، رغب فيها بأن جعلها سببا لهذا الجزاء فقال: {بما صبروا} أي أوقعوا ~~الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم ms3283 وأقوالهم ~~وأحوالهم، وغير ذلك من معاني جلالهم. # ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة، قال: {ويلقون} أي يجعلهم ~~الله لاقين بأيسر أمر؛ وهلى قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف ~~والبناء للفاعل والأمر واضح # PageV13P436 # {فيها تحية} أي دعاء بالحياة من بعضهم لبعض، ومن الملائكة الذين لا يرد ~~دعاؤهم، ولا يمترى في إخبارهم، لأنهم عن الله ينطقون، وذلك على وجه الإكرام ~~والإعظام مكان ما أهانهم عباد الشيطان {وسلاما} أي من الله ومن الملائكة ~~وغيرهم، وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب. # ولما كان هذا ناطقا بدوام حياتهم سالمين بصريحه، وبعظيم شرفهم بلازمه، دل ~~على أنهم لا يبرحون عنه بقوله: {خالدين فيها} أي الغرفة مكان ما أزعجوهم من ~~ديارهم حتى هاجروا؛ ودل على علو أمرها، وعظيم قدرها، بإبراز مدحها في مظهر ~~التعجب فقال: {حسنت} أي ما أحسنها {مستقرا} أي موضع استقرار {ومقاما*} أي ~~موضع إقامة. # ولما ثبت أمر الرحمانية، فظهر أمر الرحمن وما عليه عباده من الدعاء الذي ~~هو الخضوع والإخلاص، وختم أوصافهم الحسنة بالدعاء حقيقة الدال على الإخلاص ~~في الخضوع، وذكر حسن جزائهم وكريم منقلبهم، أمر النذير أن يقول لعباد ~~الشيطان الذين تكبروا عن السجود للرحمن، وعن الاعتراف والإيمان، ليرجعوا عن ~~العصيان، ويزداد المؤمنون في الطاعات والإيمان: إن ربه لا يعتد بمن لا ~~يدعوه، فمن ترك دعاءه فليرتقب العذاب الدائم، فقال: {قل ما يعبأ} أي يعتد # PageV13P437 # ويبالي ويجعلكم ممن يسد به في موضع التعبئة الآن - على أن «ما» نافية ~~{بكم} أي أيها الكافرون {ربي} أي المحسن إلي وإليكم برحمانيته، المخصص لي ~~بالإحسان برحيميته، وإنما خصه بالإضافة لا عترافه دونهم {لولا دعاؤكم} أي ~~نداؤكم له في وقت شدائدكم الذي أنتم تبادرون إليه فيه خضوعا له به لينجيكم، ~~فإذا فعلتم ذلك أنقذكم مما أنتم فيه، معاملة لكم معاملة من يبالي بالإنسان ~~ويعتد به ويراعيه، ولولا دعاؤه إياكم لتعبدوه رحمة لكم لتزكوا أنفسكم ~~وتصفوا أعمالكم ولا تكونوا حطبا للنار {فقد كذبتم} أي فتسبب عن ذلك لسوء ~~طباعكم ضد ما كان ينبغي ms3284 لكم من الشكر والخير بأن عقبتم بالإنجاء وحققتم ~~وقرنتم التكذيب بالرحمن بعد رحمتكم بالبيان مع ضعفكم وعجزكم، وتركتم ذلك ~~الدعاء له وعبدتم الأوثان، وادعيتم له الولد وغيره من البهتان، أو ما يعتد ~~بكم شيئا من الاعتداد لولا دعاؤكم إياه وقت الشدائد، فهو يعتد بكم لأجله ~~نوع اعتداد، وهو المدة التي ضربها لكم في الدنيا لا غيرها، بسب أنكم قد ~~كذبتم، أو ما يصنع بكم لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته، لأنكم قد كذبتم، فكنتم ~~شرا من البهائم، فدعاكم فتسبب عن دعائه إياكم أنكم فاجأتم الداعي بالتكذيب، ~~والحاصل أنه ليس فيكم الآن # PageV13P438 # ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء، لأنكم مكذبون، وإنما قلت: «الآن» ~~لأن «ما» لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال، عكس «لا» {فسوف} أي فتسبب عن ~~تكذيبكم أنه يجازيكم على ذلك، ولكنه مع قوته وقدرته واختياره لا يعاجلكم، ~~بل {يكون} جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال، وكل بعيد ~~عندكم قريب عنده، وكل آت قريب، فتهيؤوا واعتدوا لذلك اليوم {لزاما*} أي ~~لازما لكم لزوما عظيما لا انفكاك له عنكم بحال، وهذا تنبيه على ضعفهم ~~وعجزهم، وذلهم وقهرهم، لأن الملزوم لا يكون إلا كذلك، فأسرهم يوم بدر من ~~أفراد هذا التهديد، فقد انطبق آخر السورة على أولها بالإنذار بالفرقان، لمن ~~أنكر حقيقة الرحمن - والله ولي التوفيق بالإيمان. # PageV13P439 # مقصودها أن هذا الكتاب بين في نفسه بإعجازه أنه من عند الله، مبين لكل ~~ملتبس، ومن ذلك بيان آخر التي قبلها بتفصيلهن وتنزيله على أحوال الأمم ~~وتمثيله، وتسكين أسفه (صلى الله عليه وسلم) خوفا من أن يعم أمته الهوان ~~بعدم الإيمان، وأن يشتد قصدهم لأتباعه بالأذى والعدوان بما تفهمه) سوف (من ~~طول الزمان، بالإشارة غلى إهلاك من علم منه دوام العصيان، ورحمة من أراده ~~للهداية والإحسان، وتسميتها بالشعراء أدل دليل على ذلك بما يفارق به القرآن ~~الشعر من علو مقامه، واستقامة مناهجه وعز مرامه، وصدق وعده ووعيده وعدل ~~تبشيره وتهديده، وكذا تسميتها بالظلة إشارة إلى أنه أعدل # PageV14P001 # في بيانه، ms3285 أو أدل في جميع شأنه، من المقادير التي دلت عليها قصة شعيب ~~عليه السلام بالمكيال والميزان، وأحرق من الظلة لمن يبارزه بالعصيان. # ) بسم الله (الذي دل على علو كلامه، على عظمة شأنه وعز مرامه) الرحمن ~~(الذي لا يعجل على من عصاه) الرحيم (الذي يحيي قلوب أهل وده بالتوفيق لما ~~يرضاه) # PageV14P002 # {طسم*} لعله إشارة إلى الطهارة الواقعة بذي طوى من طور سيناء وطيبة ومكة ~~وطيب ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم مما يجمع ذلك كله - كما روي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما ما يرشد إلى ذلك، وإلى خلاص بني إسرائيل بما سمعه ~~موسى عليه السلام من الكلام القديم، وبإتمام أمرهم بتهيئتهم للملك بإغراق ~~فرعون وجنوده ونصرهم على من ناوأهم في ذلك الزمان بعد تطهيرهم بطول البلاء ~~الذي أوصلهم إلى ذل العبودية، وذلك كله إشارة إلى تهديد قريش بأنهم إن لم ~~يتركوا لددهم فعل بهم ما فعل بفرعون وجنوده من الإذلال بأي وجه أراد. وخلص ~~عباده منهم، وأعزهم على كل من ناوأهم. # ولما فرق سبحانه في تلك بين الدين الحق والمذهب الباطل، وبين ذلك غاية ~~البيان، وفصل الرحمن من عباد الشيطان، وأخبر أنه عم برسالته صلى الله عليه ~~وسلم جميع الخلائق، وختم بشديد الإنذار # PageV14P002 # لأهل الإدبار، بعد أن قال {فقد كذبتم} وكان حين نزولها لم يسلم منهم إلا ~~القليل، وكان ذلك ربما أوهم قرب إهلاكهم وإنزال البطش بهم، كما كان في آخر ~~سوة مريم، وأشارت الأحرف المقطعة إلى مثل ذلك، فأوجب الأسف على فوات ما كان ~~يرجى من رحمتهم بالإيمان، والحفظ عن نوازل الحدثان، وكان ذلك أيضا ربما ~~أوجب أن يظن ظان، أن عدم إسلامهم لنقص في البيان، أزال ذلك سبحانه أول هذه ~~فقال {تلك} أي الآيات العالية المرام، الحائزة أعلى مراتب التمام، المؤلفة ~~من هذه الحروف التي تتناطقون بها وكلمات لسانكم {ءايات الكتاب} أي الجامع ~~لكل فرقان {المبين*} أي الواضح في نفسه أنه معجز، وأنه من عند الله، وأن ~~فيه كل معنى جليل، الفارق لكل مجتمع ملتبس بغاية ms3286 البيان، فصح أنه كما ذكر ~~في التي قبلها، فإن الإبانة هي الفصل والفرق، فصار الإخبار بأنه فرقان ~~مكتنفا الإنذار أول السورة التي قبلها وآخرها - والله الموفق. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب ~~الكفرة المعاندين، وختمت بما ذكر من الوعيد، كان ذلك مظنة لإشفاقه عليه ~~الصلاة والسلام وتأسفه على فوات إيمانهم، لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق، ~~فافتتحت السورة الأخرى بتسليته عليه الصلاة والسلام، # PageV14P003 # وأنه سبحانه لو شاء لأنزل عليهم آية تبهرهم وتذل جبابرتهم فقال سبحانه ~~{لعلك باخع نفسك} - الآيتين، وقد تكرر هذا المعنى عند إرادة تسليته عليه ~~الصلاة والسلام كقوله تعالى: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} [الأنعام: ~~35] ، {ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها} [السجدة: 13] ، {ولو شاء ربك لآمن من ~~في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] ، {ولو شاء الله ما فعلوه} [الأنعام: 137] ~~ثم أعقب سبحانه بالتنبيه والتذكير {أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من ~~كل زوج كريم} ، {وإذ نادى ربك موسى} وقلما تجد في الكتاب العزيز ورود ~~تسليته عليه السلام إلا معقبة بقصص موسى عليه السلام وما كابد من بني ~~إسرائيل وفرعون، وفي كل قصة منها إحراز ما لم تحرزه الأخرى من الفوائد ~~والمعاني والأخبار حتى لا تجد قصة تتكر وإن ظن ذلك من لم يمعن النظر، فما ~~من قصة من القصص المتكررة في الظاهر إلا ولو سقطت أو قدر إزالتها لنقص من ~~الفائدة ما لا يحصل من غيرها، وسيوضح هذا في التفسير بحول الله؛ ثم أتبع جل ~~وتعالى قصة موسى بقصص غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أممهم على ~~الطريقة المذكورة، وتأنيسا له عليه الصلاة والسلام حتى لا يهلك نفسه أسفا ~~على فوت إيمان قومه؛ ثم أتبع سبحانه ذلك بذكر الكتاب # PageV14P004 # وعظيم النعمة به فقال {وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على ~~قلبك لتكون} فيا لها كرامة تقصر الألسن عن شكرها، وتعجز العقول عن تقديرها، ~~ثم أخبر تعالى أنه {بلسان عربي مبين} ، ثم أخبر سبحانه بعلى أمر هذا الكتاب ms3287 ~~وشائع ذكره على ألسنة الرسل والأنبياء فقال: {وإنه لفي زبر الأولين} وأخبر ~~أن علم بني إسرائيل من أعظم آية وأوضح برهان وبينة، وأن تأمل ذلك كاف، ~~واعتباره شاف، فقال: {أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} كعبد ~~الله بن سلام وأشباهه، ثم وبخ تعالى متوقفي العرب فقال: {ولو نزلناه على ~~بعض الأعجمين} - الآية، ثم أتبع ذلك بما يتعظ به المؤمن الخائف من أن ~~الكتاب - مع أنه هدى ونور - قد يكون محنة في حق طائفة كما قال تعالى: # {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} [البقرة: 26] ، {وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 125] فقال تعالى في هذا المعنى {كذلك ~~سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم} الآيات، ثم ~~عاد الكلام إلى تنزيه الكتاب وإجلاله عن أن تتسور الشياطين على شيء منه أو ~~تصل إليه فقال سبحانه {وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون} ~~أي ليسوا أهلا له ولا يقدرون على استراق سمعه، بل هم معزولون عن السمع، ~~مرجومون بالشهب، ثم وصى تعالى # PageV14P005 # نبيه صلى الله عليه وسلم - والمراد المؤمنون - فقال: {فلا تدع مع الله ~~إلها آخر فتكون من المعذبين} ثم أمره بالإنذار ووصاه بالصبر فقال: {وأنذر ~~عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} ثم أعلم تعالى بموقع ~~ما توهموه، وأهلية ما تخيلوه، فقال: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ~~على كل أفاك أثيم} ثم وصفهم، وكل هذا تنزيه لنبيه صلى الله عليه وسلم عما ~~تقولوه، ثم هددكم وتوعدهم فقال: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} - ~~انتهى. # ولما كان قد قدم في تلك أنه عم برسالته جميع الخلائق، وختم بالإنذار على ~~تكذيبهم في تخلفهم، مع إزاحة جميع العلل، نفي كل خلل، وكان ذلك مما يقتضي ~~شدة أسفه صلى الله عليه وسلم على المتخلفين كما هو من مضمون {إن قومي ~~اتخذوا هذا القرآن مهجورا} على ما تقدم. وذلك لما عنده صلى الله عليه سلم ~~من مزيد الشفقة، وعظيم الرحمة، قال ms3288 تعالى يسليه، ويزيل من أسفه ويعزيه، على ~~سبيل الاستئناف، مشيرا إلى أنه لا نقص في إنذاره ولا في كتابه الذي ينذر به ~~يكون سببا لوقوفهم عن الإيمان. وإنما السبب في ذلك محض إرادة الله تعالى: ~~{لعلك باخع نفسك} أي مهلكها غما. وقاتلها أسفا، من بخع الشاة # PageV14P006 # إذا بالغ في ذبحها حتى قطع البخاع، بكسر الموحدة، وهو عرق باطن في الصلب ~~وفي القفا، وذلك أقصى حد الذابح، وهو غير النخاع بتثليث النون فإنه الخيط ~~الأبيض في جوف الفقار {أن} أي لأجل أن {لا يكونوا} أي كونا كأنه جبلة لهم ~~{مؤمنين*} أي راسخين في الإيمان، فكان كأنه قيل: هذا الكتاب في غاية البيان ~~في نفسه والإبانة للغير، وقد تقدم في غير موضع أنه ليس عليك إلا البلاغ، ~~أتخاف وتشفق على نفسك من الهلاك عما تأسفا على عدم إيمانهم والحال أنا لو ~~شئنا لهديناهم طوعا أو كرها، والظاهر أن جملة الإشفاق في موضع حال من اسم ~~الإشارة كما أن الآية التي بعدها في موضع الحال منها، أي نحن نشير إلى ~~الآيات المبينة لمرادنا فيهم والحال أنك - لمزيد حرصك على نفعهم - بحال ~~يشفق فيها عليك من لا يعلم الغيب من أن تقتل نفسك غما لإبائهم الإيمان ~~والحال أنا لو شئنا أتيناهم بما يقهرهم ويذلهم للإيمان وغيره. # ولا كان المحب ميالا إلى ما يريد حبيبه، أعلمهم أن كل ما هم فيه بإرادته ~~فقال: {إن نشأ} وعبر بالمضارع فيه وفي قوله: {ننزل} إعلاما بدوام القدرة. ~~ولما كان ذلك الإنزال من باب القسر، والجبروت # PageV14P007 # إذا بالغ في ذبحها حتى قطع البخاع، بكسر الموحدة، وهو عرق باطن في الصلب ~~وفي القفا، وذلك أقصى حد الذابح، وهو غير النخاع بتثليث النون فإنه الخيط ~~الأبيض في جوف الفقار {أن} أي لأجل أن {لا يكونوا} أي كونا كأنه جبلة لهم ~~{مؤمنين*} أي راسخين في الإيمان، فكان كأنه قيل: هذا الكتاب في غاية البيان ~~في نفسه والإبانة للغير، وقد تقدم في غير موضع أنه ليس عليك إلا البلاغ، ~~أتخاف وتشفق على نفسك ms3289 من الهلاك عما تأسفا على عدم إيمانهم والحال أنا لو ~~شئنا لهديناهم طوعا أو كرها، والظاهر أن جملة الإشفاق في موضع حال من اسم ~~الإشارة كما أن الآية التي بعدها في موضع الحال منها، أي نحن نشير إلى ~~الآيات المبينة لمرادنا فيهم والحال أنك - لمزيد حرصك على نفعهم - بحال ~~يشفق فيها عليك من لا يعلم الغيب من أن تقتل نفسك غما لإبائهم الإيمان ~~والحال أنا لو شئنا أتيناهم بما يقهرهم ويذلهم للإيمان وغيره. # ولا كان المحب ميالا إلى ما يريد حبيبه، أعلمهم أن كل ما هم فيه بإرادته ~~فقال: {إن نشأ} وعبر بالمضارع فيه وفي قوله: {ننزل} إعلاما بدوام القدرة. ~~ولما كان ذلك الإنزال من باب القسر، والجبروت # PageV14P008 # والقهر، قال: {عليهم} وقال محققا للمراد: {من السمآء} أي التي جعلنا فيها ~~بروجا للمنافع، أشار إلى تمام القدرة بتوحيدها فقال: {آية} أي قاهرة كما ~~فعلنا ببعض من قبلهم بنتق الجبل ونحوه؛ وأشار إلى تحقق أثرها بالتعبير ~~بالماضي في قوله عطفا على {ننزل} لأنه في معنى {أنزلنا} : {فظلت} أي عقب ~~الإنزال من غير مهلة {أعناقهم} التي هي موضع الصلابة، وعنها تنشأ حركات ~~الكبر وألإعراض {لها} أي للآية دائما، ولكنه عبر بما يفهم النهار لأنه موضع ~~القوة على جميع ما يراد من التقلب والحيل والمدافعة {خاضعين*} جمعه كذلك ~~لأن الفعل لأهلها ليدل على أن ذلهم لها يكون مع كونهم جميعا، ولا يغني ~~جمعهم وإن زاد شيئا، والأصل: فظلوا، ولكنه ذكر الأعناق لأنها موضع الخضوع ~~فإنه يظهر لينها بعد صلابتها، وانكسارها بعد شماختها، وللإشارة إلى أن ~~الخضوع يكون بالطبع من غير تأمل لما أبهتهم وحيرهم من عظمة الآية، فكأن ~~الفعل للأعناق لا لهم؛ والخضوع: التطامن والسكون واللين ذلا وانكسارا {وما} ~~أي هذه صفتنا والحال أنه ما {يأتيهم} أي الكفار {من ذكر} أي شيء من الوعظ ~~والتذكير والتشريع يذكروننا به، فيكون سبب ذكرهم وشرفهم {من الرحمن} أي ~~الذي أنكروه مع إحاطة نعمه بهم {محدث} أي بالنسبة إلى تنزيله وعلمهم به؛ ~~وأشار إلى دوام كبرهم بقوله: {إلا ms3290 كانوا} أي كونا هو كالخلق لهم؛ وأشار ~~بتقديم الجار والمؤذن بالتخصيص إلى ما لهم من سعة الأفكار وقوة الهمم لكل ~~ما يتوجهون إليه، وإلى أن لإعراضهم عنه من القوة ما يعد الإعراض معه عن ~~غيره عدما فقال: {عنه} أي خاصة {معرضين*} أي إعراضا هو صفة لهم لازمة. # PageV14P009 # ولما كان حال المعرض عن الشيء حال المكذب به قال: {فقد} أي فتسبب عن هذا ~~الفعل منهم أنهم قد {كذبوا} أي حققوا التكذيب وقربوه كما تقدم آخر تلك، ~~واستهزؤوا مع التكذيب بآياتنا. # ولما كان التكذيب بالوعيد سببا في إيقاعه، وكان حالهم في تكذيبهم له صلى ~~الله عليه وسلم حال المستهزىء لأن من كذب بشيء خف عنده قدره، فصار عرضة ~~للهزء، قال مهددا: {فسيأتيهم} سببه بالفاء وحققه بالسين، وقلل التنفيس عما ~~في آخر الفرقان ليعلموا أن ما كذبوا به واقع. وأنه ليس موضعا للتكذيب بوجه ~~{أنباء} أي عظيم أخبار وعواقب {ما} أي العذاب الذي {كانوا} أي كونا كأنهم ~~جبلوا عليه {به} أي خاصة لشدة إمعانهم في حقه وحده {يستهزءون*} أي يهزؤون، # PageV14P009 # ولكنه عبر بالسين إشارة إلى أن حالهم في شدة الرغبة في ذلك الهزء حال ~~الطالب له، وقد ضموا إليه التكذيب، فالآية من الاحتباك: ذكر التكذيب أولا ~~دليلا على حذفه ثانيا، والاستهزاء ثانيا دليلا على حذف مثله أولا. # ولما كانت رؤيتهم للآيات السماوية والأرضية الموجبة للانقياد والخضوع ~~موجبة لإنكار تخلفهم عما تدعو إليه فضلا عن الاستهزاء، وكان قد تقدم آخر ~~تلك الحث على تدبر بروج السماء وما يتبعها من الدلالات فكان التقدير: ألم ~~يروا إلى السماء كم أودعنا في بروجها وغيرها من آيات نافعة وضارة كالأمطار ~~والصواعق، عطف عليه ما ينشأ عن ذلك في الأرض في قوله معجبا منهم: {أولم ~~يروا} . # ولما كانوا في عمى عن تدبر ذلك، عبر للدلالة عليه بحرف الغاية فقال: {إلى ~~الأرض} أي على سعتها واختلاف نواحيها وتربها؛ ونبه على كثرة ما صنع من جميع ~~الأصناف فقال: {كم أنبتنا} أي بما لنا من العظمة {فيها} بعد أن كانت يابسة ~~ميتة ms3291 لا نبات بها {من كل زوج} أي صنف مشاكل بعضه لبعض، فلم يبق صنف يليق ~~بهم في العاجلة إلا أكثرنا من الإنبات منه {كريم*} أي جم المنافع، محمود ~~العواقب، لا خباثة فيه، من الأشجار والزروع وسائر النباتات على اختلاف ~~ألوانها في زهورها وأنوارها، وطعومها وأقدراها، # PageV14P010 # ومنافعها وأرواحها - إلى غير ذلك من أمور لا يحيط بها حدا ولا يحصيها ~~عدا، إلا الذي خلقها، مع كونها تسقى بماء واحد؛ والكريم وصف لكل ما يرضى في ~~بابه ويحمد، وهو ضد اللئيم. # ولما كان ذلك باهرا للعقل منبها له في كل حال على عظيم اقتدار صانعه، ~~وبديع اختياره، وصل به قوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من الإنبات، وما ~~تقدمه من العظات على كثرته {لآية} أي علامة عظيمة جدا لهم على تمام القدرة ~~على البعث وغيره، كافية في الدعاء إلى الإيمان، والزجر عن الطغيان، ولعله ~~وحدها على كثرتها إشارة إلى أن الدوال عليه متساوية الأقدام في الدلالة، ~~فالراسخون تغنيهم واحدة، وغيرهم لا يرجعون لشيء {و} الحال أنه {ما كان} في ~~الشاكلة التي خلقتهم عليها {أكثرهم} أي البشر {مؤمنين*} أي عريقين في ~~الإيمان، لأنه {ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} {وإن} أي والحال أن ~~{ربك} أي الذي أحسن إليك بالإرسال، وسخر لك قلوب الصفياء، وزوى عنك اللد ~~الأشقياء {لهو} . # PageV14P011 # ولما كان المقام لإنزال الآية القاهرة، قدم قوله: {العزيز} أي القادر على ~~كل من قسرهم على الإيمان والانتقام منهم {الرحيم*} في أنه لم يعاجلهم ~~بالنقمة، بل أنزل عليهم الكتاب ترفقا بهم، وبيانا لما يرضاه ليقيم به الحجة ~~على من أريد للهوان، ويقبل بقلوب من يختصه منهم للإيمان، قال أبو حيان: ~~والمعنى أنه عز في نقمته من الكفار، ورحم مؤمني كل أمة - انتهى. ومن هنا ~~شرع سبحانه وتعالى في تمثيل آخر الفرقان في إظهار القدرة بالبطش عند النقمة ~~حيث لم يشكر النعمة بأن أبى المدعو الإجابة لدعوه الرسل، وترك الداعي - عقب ~~الانقياد من الشدائد - التضرع للمرسل، وقص أخبار الأمم على ما هي عليه بحيث ~~لم ms3292 يقدر أحد من أهل الكتاب الذين هم بين ظهرانيهم على إنكار شيء من ذلك، ~~ومن ثم قرع أسماعهم، أول شيء بقصتهم من فرعون، وموسى عليه السلام، فصح قطعا ~~أن هذا الكتاب جلي الأمر، على القدر، ليس بكهانة، ولا شعر، كما سيؤكد ذلك ~~عند إظهار النتيجة في آخرها، بل هو من عند رب العالمين، على لسان سيد ~~المرسلين، وصح أن أكثر الخلق مع ذلك هالك وإن قام الدليل. ووضح السبيل. لأن ~~سلك الذكر في قلوبهم شبيه في الضيق بنظم السهم فيما يرمى به، وصح أنه ~~سبحانه يملي لهم وينعم عليهم بما فيه حياة أديانهم بإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب، وما فيه حياة أبدانهم بالإيتاء من كل ما يحتاجونه إظهارا لصفة ~~الرحمة. # PageV14P012 # ثم ينتقم منهم بعد طول المهلة، وتماديهم في سكرات الغفلة، كشفا لصفة ~~العزة، كل ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم وتخفيفا وإعلاما بأنه لا قصور ~~في بيانه، ولا تقصير لديه. # ولما اقتضى وصف العزة الإهلاك، ووصف الرحمة الإمهال، وكان الأول مقدما، ~~وكانت عادتهم تقديم ما هم به أهم، وهو لهم أعنى، خيفت غائلته، فأتبع ذلك ~~أخبار هذه الأمم، دلالة على الوصفين معا ترغيبا وترهيبا، ودلالة على أن ~~الرحمة سبقت الغضب، وإن قدم الوصف اللائق به، فلا يعذب إلا بعد البيان مع ~~طول الإمهال، وأخلى قصة أبيهم إبراهيم عليه السلام من ذكر الإهلاك إشارة ~~إلى البشارة بالرفق ببنيه العرب في الإمهال كما رفق بهم في الإنزال ~~والإرسال، ولما كان مع ذلك في هذه القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يقاسيه من الأذى والتكذيب، وكانت التسلية بموسى وإبراهيم عليهما ~~السلام أتم، لما لهما من القرب، والمشاركة في الهجرة، والقصد إلى الأرض ~~المقدسة، وكان قد اختص موسى عليه السلام بالكتاب الذي ما بعد القرآن مثله ~~والآيات التي ما أتى بمثلها أجد قبله، وإقرار عينه بهداية قومه، وحفظهم # PageV14P013 # بعده بالكتاب، وسياسة الأنبياء المجددين لشريعته، وعدم استئصالهم بالعذاب ~~والانتقام بأيديهم من جميع أعدائهم، وفتح بلاد الكفرة على أيديهم بعده صلى ~~الله عليه وسلم ms3293 إلى غير ذلك مما شابهوا به هذه الأمة مع مجاورتهم للعرب حتى ~~في دار الهجرة، وموطن النصرة، ليكون في إقرارهم على ما يسمعون من أخبارهم ~~أعظم معجزة، وأتم دلالة، قدمهما مقدما لموسى - عليهما السلام، والتحية ~~والإكرام - فإن كان القصد تسكين ما أورثه آخر تلك من خوف الملازمة بالعذاب ~~نظرا إلى وصف العزة، فالتقدير: اذكر أثر رحمتنا بطول إمهالنا لقومك - وهم ~~على أشد ما يكون من الكفر والضلال في أيام الجاهلية - برحمتنا الشاملة ~~بإرسالك إليهم وأنت أشرف الرسل، وإنزال هذا الكتاب الذي هو أعظم الكتب {هو} ~~اذكر {إذ} وعلى تقدير التسلية يكون العطف على تلك لأن المراد بها التنبيه، ~~فالتقدير: خذ آيات الكتاب واذكر إذ {نادى ربك} أي المحسن إليك بكل ما يمكن ~~الإحسان به في هذه الدار، وعلى تقدير الترهيب يكون التقدير: أو لم يروا إذ ~~نادى ربك، وعدوا رائين لذلك لأن اليهود في بلادهم وفي حد القرب منهم، فإما ~~أن يكونوا عالمين بالقصة بما سمعوه منهم، أو متهيئين # PageV14P014 # لذلك لإمكانهم من سؤالهم؛ ثم ذكر المنادى فقال: {موسى} وأتبعه ما كان له ~~النداء فقال مفسرا لأن النداء في معنى القول: {أن أئت القوم} أي الذين فيهم ~~قوة وأي قوة {الظالمين*} أي بوضعهم قوتهم على النظر الصحيح المؤدي للإيمان ~~في غير موضعها. # PageV14P015 # ولما كان كأنه قيل: أي قوم؟ قال مبدلا إشارة أن العبارتين مؤداهما واحد ~~لأنهم عريقون في الظلم، لظلمهم أنفسهم بالكفرة وغيره، وظلم بني إسرائيل ~~وغيرهم من العباد: {قوم فرعون} . # ولما كان المقصود بالرسالة تخويفهم من الله تعالى، وإعلامهم بجلاله، ~~استأنف قوله معلما بذلك في سياق الإنكار عليهم، والإيذان بشديد الغضب منهم، ~~والتسجيل عليهم بالظلم، والتعجيب من حالهم في عظيم عسفهم فيه، وأنه قد طال ~~إمهاله لهم وهو لا يزدادون إلا عتوا ولزوما للموبقات: {ألا يتقون*} أي يحصل ~~منهم تقوى. # ولما كان من المعلوم أن من أتى الناس بما يخالف أهواءهم. لم يقبل، أخبر ~~من تشوف إلى معرفة جوابه أنه أجاب بما يقتضي الدعاء بالمعونة، لما عرف من ~~خطر هذا ms3294 المقام، بقوله ملتفتا إلى نحو {يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن ~~مهجورا} [الفرقان: 30] {قال رب} أي أيها الرفيق بي # PageV14P015 # {إني أخاف أن يكذبون*} أي فلا يترتب على إتياني إليهم أثر، ويبغون لي ~~الغوائل، فاجعل لي قبولا ومهابة تحرسني بها ممن يريدني بسوء، ويجوز أن يريد ~~ب (أخاف) أعلم أو (أظن) ، فيكون «أن» مخففة، فيكون الفعلان معطوفين على ~~«يكذبون» في قراءة الجمهور بالرفع مع جواز العطف على (أخاف) فيكون التقدير: ~~{و} أخاف أنه، أو قال: إني {يضيق صدري} عند تكذيبهم أو خوفي من تكذيبهم لي ~~انفعالا كما هو شأن أهل المروءات، وأرباب علو الهمم، لما غرز فيهم من الحدة ~~والشدة في العزيمة إذا لم يجدوا مساغا {ولا ينطلق} ونصب يعقوب الفعلين عطفا ~~على {يكذبون} على أن (أن) ناصبة {لساني} أي في التعبير عما ترسلني إليهم ~~به، لما فيه من الحبسة في الأصل بسبب تعقده لتلك الجمرة التي لدغته في حال ~~الطفولية، فإذا وقع التكذيب أو خوفه وضاق القلب، انقبض الروح إلى باطنه ~~فازدادت الحبسة، فمست الحاجة إلى معين يقوي القلب فيعين على إطلاق اللسان ~~عند الحبسة لئلا تختل الدعوة {فأرسل} أي فتسبب عن ذلك الذي اعتذرت به عن ~~المبادرة إلى الذهاب عند الأمر أني أسألك في الإرسال {إلى هارون} أخي، ~~ليكون رسولا من عندك # PageV14P016 # فيكون لي عضدا على ما أمضى له من الرسالة فيعين على ما يحصل من ذلك، وليس ~~اعتذاره بتعلل في الامتثال، وكفى بطلب العون دليلا على التقبل، لا على ~~التعلل. # ولما ذكر ما تؤثره الرسالة، وقدم الإشارة إلى استكشافه لأنه أهم، أتبعه ~~ما يترتب على مطلق التظاهر لهم فضلا عن مواجهتهم بما يكرهون فقال: {ولهم ~~علي} أي بقتلي نفسا منهم؛ وقال: {ذنب} وإن كان المقتول غير معصوم تسمية له ~~بما يزعمونه، ولذلك قيده ب «لهم» وأيضا فلكونه ما كان أتاه فيه من الله ~~تعالى أمر بخصوصه {فأخاف} بسبب ذلك {أن يقتلون} أي بذلك، مع ما أضمه إليه ~~من التعرض لهم، فلا أتمكن من أداء الرسالة، فإذا كان ms3295 هارون معي عاضدني في ~~إبلاغها، وكل ذلك استكشاف واستدفاع للبلاء، واستعلام للعافية، لا توقف في ~~القبول - كما مضى التصريح به في سورة طه. # ولما استشرفت النفس غلى معرفة جوابه عن هذه الأمور المهمة شفى عناءها ~~بقوله، إعلاما بأنه سبحانه استجاب له في كل ما سأل: {قال} قول كامل القدرة ~~شامل العلم كما هو وصفه سبحانه: # PageV14P017 # {كلا} أي ارتدع عن هذا الكلام، فإنه لا يكون شيء مما خفت، لا قتل ولا ~~غيره - وكأنه لما كان التكذيب مع ما قام على الصدق من البراهين، المقوية ~~لصاحبها، الشارحة لصدره، المعلية لأمره، عد عدما - وقد أجبناك إلى الإعانة ~~بأخيك {فاذهبا} أي أنت وهو متعاضدين، إلى ما أمرتك به، مؤيدين {بآياتنا} ~~الدالة على صدقكما على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا؛ ثم علل تأمينه له ~~بقوله: {إنا} بما لنا من العظمة {معكم} أي كائنون عند وصولكما إليهم فيمن ~~اتبعكما من قومكما؛ ثم أخبر خبرا آخر بقوله: {مستمعون*} أي سامعون بما لنا ~~من العظمة في القدرة وغيرها من صفات الكمال، إلى ما تقولان لهم ويقولون ~~لكما، فلا نغيب عنكم ولا تغيبون عنا، فنحن نفعل معكما من المعونة والنصر ~~فعل القادر الحاضر لما يفعل بحبيبه المصغي له بجهده، ولذلك عبر بالاستماع؛ ~~قال أبو حيان: وكان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يرجح أن يكون أريد ~~بصورة الجمع المثنى والخطاب لموسى وهارون فقط، لأن لفظة «مع» تباين من يكون ~~كافرا، فإنه لا يقال: الله معه، وعلى أنه أريد بالجمع التثنية حمله سيبويه ~~كأنهما لشرفهما عند الله تعالى عاملهما في الخطاب معاملة الجمع إذ كان ذلك ~~جائزا أن يعامل به الواحد لشرفه وعظمته - انتهى. وهو كلام نفيس مؤيد # PageV14P018 # بتقديم الظرف، ويكون حينئذ خطابهما مشاكلا لتعظيم المتكلم سبحانه نفسه، ~~لأن المقام للعظمة، وعظمة الرسول من عظمة المرسل، على أنه يجوز أن يكون ذلك ~~إشارة إلى البشارة بمن يتبعهما كما قدرته، ويجوز أن تكون المعية للكل كما ~~في قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} [المجادلة: 7] . # ولما نفى ms3296 سبحانه أن يكون شيء مما خافه موسى عليه السلام على هذا الوجه ~~المؤكد، وكان ظهور ذلك في مقارعة الرأس أدل وأظهر، صرح به في قوله: {فأتيا} ~~أي فتسبب عن ذلك الضمان بالحراسة والحفظ أني أقول لكما: ائتيا {فرعون} ~~نفسه، وإن عظمت مملكته، وجلت جنوده {فقولا} أي ساعة وصولكما له ولمن عنده: ~~{إنا رسول} أفرده مريدا به الجنس الصالح للاثنين، إشارة بالتوحيد إلى أنهما ~~في تعاضدهما واتفاقهما كالنفس الواحدة، ولا تخالف لأنه إما وقع مرتين كل ~~واحدة بلون، أو مرة بما يفيد التثنية والاتفاق، فساغ التعبير بكل منهما، ~~ولم يثن هنا لأن المقام لا اقتضاء له للتنبيه على طلب نبينا صلى الله عليه ~~وسلم المؤازرة بخلاف ما مر في سورة طه {رب العالمين*} أي المحسن إلى جميع ~~الخلق المدبر لهم؛ ثم ذكر له ما قصد من الرسالة إليه فقال معبرا بأداة ~~التفسير لأن الرسول # PageV14P019 # فيه معنى الرسالة التي تتضمن القول: {أن أرسل} أي خل وأطلق؛ وأعاد الضمير ~~على معنى رسول فقال: {معنا بني إسرائيل*} أي قومنا الذين استبعدتهم ظلما، ~~ولا سبيل لك عليهم، نذهب بهم إلى الأرض المقدسة التي وعدنا الله بها على ~~ألسنة الأنبياء من آبائنا عليهم الصلاة والسلام. # ولما كان من المعلوم أنهما امتثلا ما أمرهما الله، فأتياه وقالا له ما ~~أمرا به، تشوفت النفس إلى جوابه لهما، فقال تعالى التفاتا إلى مثل قوله في ~~التي قبلها {وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام} [الفرقان: 7] {وإن يتخذونك ~~إلا هزوا} [الأنبياء: 36] ونحو ذلك تسلية لهذا النبي الكريم وتحقيقا لمعنى ~~قوله تعالى {كلا} و {مستمعون} من أن فرعون وإن بالغ في الإبراق والإرعاد لا ~~يروع موسى عليه السلام شيء منه: {قال} أي فرعون حين أبلغاه الرسالة مخاطبا ~~لموسى عليه السلام علما منه أنه الأصل فيها، وأخوه إنما هو وزير، منكرا ~~عليه مواجهته بمثل هذا ومانا عليه ليكف من جرأته بتصويب مثل هذا الكلام ~~إليه: {ألم نربك} أي بعظمتنا التي شاهدتها {فينا وليدا} أي صغيرا قريب عهد ~~بالولادة {ولبثت فينا} أي لا في ms3297 غيرنا، باعتبار انقطاعك إلينا، وتعززك في ~~الظاهر بنا # PageV14P020 # {من عمرك سنين*} أي كثيرة، فلنا عليك بذلك من الحق ما ينبغي أن يمنعك من ~~مواجهتنا بمثل هذا، وكأنه عبر بما يفهم النكد كناية عن مدة مقامه عنده ~~بأنها كانت نكده لأنه وقع فيما كان يخافه، وفاته ما كان يحتاط به من ذبح ~~الأطفال. # PageV14P021 # ولما ذكره منة تحمله على الحياء منه، ذكره ذنبا هو أهل لأن يخاف من ~~عاقبته فقال مهولا له بالكناية عنه: {وفعلت فعلتك} أي من قتل القطبي، ثم ~~أكد نسبته إلى ذلك مشيرا إلى أنه عامله بالحلم تخجيلا له فقال: {التي فعلت ~~وأنت} أي والحال أنك {من الكافرين*} أي لنعمتي وحق تربيتي بقتل من ينسب ~~إلي، أو عده منهم لسكوته عنهم إذا ذاك، لأنه لم يكن قبل الرسالة مأمورا ~~فيهم بشيء، فكان مجاملا لهم، فكأنه قال: وأنت منا. فما لك الآن تنكر علينا ~~وتنسبنا إلى الكفر؟ {قال} مجيبا له على طريق النشر المشوش، واثقا بوعد الله ~~بالسلامة مقرا بما دندن عليه من القتل لأنه لم يكن متحققا لذلك، وما ترك ~~قتله إلا التماسا للبينة: {فعلتها إذا} أي إذ قتلته {وأنا من الضالين*} # PageV14P021 # أي لا أعرف دينا، فأنا واقف عن كل وجهة حتى يوجهني ربي إلى ما يشاء - قال ~~ابن جرير: والعرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال - انتهى. وقد ~~تقدم في الفاتحة للحرالي في هذا الكلام نفيس - على أن هذه الفعلة كانت مني ~~خطأ {ففررت} أي فتسبب عن فعلها وتعقبه أني فررت {منكم} أي منك لسطوتك ومن ~~قومك لإغرائهم إياك علي {لما خفتكم} على نفسي أن تقتلوني بذلك القتيل الذي ~~قتلته خطأ مع كونه كافرا مهدر الدم {فوهب لي ربي} الذي أحسن إلي بتربيتي ~~عندكم تحت كنف أمي آمنة مما أحدثتم من الظلم خوفا مني {حكما} أي علما أعمل ~~به عمل الحكام الحكماء {وجعلني من المرسلين*} أي فاجهد الآن جهدك فإني لا ~~أخافك لقتل ولا غيره. # ولما اجتمع في كلام فرعون من وتعيير، بدأ بجوابه عن التعيير لأنه ms3298 الأخير ~~فكان أقرب، ولأنه أهم، ثم عطف عليه جوابه عما من به، فقال موبخا له مبكتا ~~منكرا عليه غير أنه حذف حرف الإنكار إجمالا في القول وإحسانا في الخطاب: ~~{وتلك} أي التربية الشنعاء العظيمة في الشناعة التي ذكرتنيها {نعمة تمنها ~~علي} . # PageV14P022 # ولما كان سببها ظلمه لقومه، جعله نفسها فقال مبدلا منها تنبيها على ~~إحباطها، وإعلاما بأنها - بكونها نقمة - أولى منها في عدها نعمة: {أن عبدت} ~~أي تعبيدك وتذليلك على ذلك الوجه البديع المبعد قومي {بني إسرائيل*} أي ~~جعلتهم عبيدا ظلما وعدوانا وهو أبناء الأنبياء، ولسلفهم يوسف عليه السلام ~~عليكم من المنة - بإحياء نفوسكم أولا، وعتق رقابكم ثانيا - ما لا تقدرون له ~~على جزاء أصلا، ثم ما كفاك ذلك حتى فعلت ما لم يفعله مستعبد، فأمرت بقتل ~~أبنائهم، فكان ذلك سبب وقوعي إليك لأسلم من ظلمك - كما مر بيانه ويأتي إن ~~شاء الله تعالى مستوفى في سورة القصص. # ولما كلم اللئيم الذميم الكليم العظيم بما رجا أن يكفه عن مواجهته بما ~~يكره، ويرجعه إلى مداراته. فلم يفعل، وفهم ما في جوابه هذا الأخير من الذم ~~له والتعجيز، وإثبات القدرة التامة والعلم الشامل لله، بما دبر في أمر موسى ~~عليه السلام، وأنه لا ينهض لذلك بجواب ولا يحمد له فيه قول، عدل عنه إلى ~~جوابه عن الرسالة بما يموه به أيضا على قومه لئلا يرجعوا عنه، فأخبر تعالى ~~عن محاورته في ذلك بقوله على طريق الجواب لمن كأنه قال: ما قال له جوابا ~~لهذا الكلام، الذي كأنه السهام؟ : {قال فرعون} حائدا عن جواب # PageV14P023 # موسى عليه السلام لما فيه من تأنيبه وتعجيزه. منكرا لخالقه على سبيل ~~التجاهل، كما أنكر هؤلاء الرحمن متجاهلين وهو أعرف الناس بغالب أفعاله، كما ~~كان فرعون يعرف، لقول موسى عليه السلام {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض} [الإسراء: 102] : {وما رب العالمين*} أي الذي زعمت أنكما ~~رسوله. فسأل ب «ما» عن حقيقته وإنما أراد في الحقيقة إنكاره. # ولما كان تعريف حقيقته سبحانه بنفسها محالا لعدم التركيب، فكان ms3299 تعريفها ~~لا يصح إلا بالخارج اللازم الجلي، تشوف السامع إلى ما يجيب به عنه، فاستأنف ~~قوله إخبارا عنه: {قال} أي موسى معرضا عن التعريف بغير الأفعال إعلاما بأنه ~~لا شبيه له، وأنه مباين وجوده لوجود كل شيء سواه، معرفا له سبحانه بأظهر ~~أفعاله مما لا يقدر أحد على ادعاء المشاركة فيه، مشيرا إلى خطابه في طلب ~~الماهية بأنه لا مماثل له: أقول لك ولمن أردت بطلب الحقيقة التمويه عليهم: ~~هو {رب} أي خالق ومبدع ومدبر {السماوات} كلها {والأرض} وإن تباعدت أجرامها ~~بعضها عن بعض {وما بينهما} وذلك أظهر العالم الذي هو صنعته وأنتم غير ~~مستغنين عنه طرفة عين، فهذه هي المنة، لا منتك علي بالتربية إلى # PageV14P024 # حين استغنيت عنك، وهذا هو الاستبعاد بالإحسان، مع العصيان بالكفران، لا ~~استبعادك لقومي بإهلاكهم وهم في طاعتك، ولسلفهم عليكم من المنة ما لا ~~تجهلونه {إن كنتم} أي كونا راسخا {موقنين*} أي متصفين بما عليه أهل العلم ~~بأصول الدين من الثقة بما تعتقدون اتصافا ثابتا، والجواب: علمتم ذلك، ~~وعلمتم أنه لا جواب أسد منه، لأن المذكور متغير، فله مغير لا يتغير، وهو ~~هذا الذي أرسلناه، أي إن كان لكم يقين فأنتم تعرفونه، لشدة ظهوره، وعموم ~~نوره {قال} أي فرعون {لمن حوله} من أشراف قومه مموها أيضا: {ألا تستمعون*} ~~أي تصغون إليه بجميع جهدكم، وهو كلام ظاهره أنه نبههم عن الإنكار، لأنه سأل ~~عن الماهية، فأجيب بغيرها، ويحتمل غير ذلك لو ضويق فيه، فهو من خفي مكره. # PageV14P025 # ولما وبخ اللعين في جوابه، وكان ربما ادعى أن الخافقين وما بينهما من ~~الفضاء غير مخلوق، فتشوف السامع إلى جواب يلزمه، استأنف الشفاء لعي هذا ~~السؤال بقوله: {قال} أي موسى، مخصصا بعد ما عمم بشيء لا تمكن المنازعة فيه ~~لمشاهدة وجود أفراده بعد أن لم تكن: {ربكم} أي الموجد لكم والمربي والمحسن ~~{ورب آبائكم الأولين*} # PageV14P025 # وفرعون - الذي تقرون بأنه ربكم - كان إذ ذاك عدما محضا، أو ماء صرفا في ~~ظهر أبيه، فبطل كون أحد منهم ربا لمن بعده كما ms3300 بطل كون أحد ممن قبلهم من ~~الهالكين ربا لهم، لأن الكل عدم. # فلما أوضح بذلك بطلان ما حملهم على اعتقاده من ربوبيته لم يتمالك أن {قال ~~إن رسولكم} على طريق التهكم، إشارة إلى أن الرسول ينبغي أن يكون أعقل ~~الناس، ثم زاد الأمر وضوحا بقوله: {الذي أرسل إليكم} أي وأنتم أعقل الناس ~~{لمجنون} حيث لا يفهم أني أساله عن حقيقة مرسله فكف يصلح للرسالة من ~~الملوك. # فلما أساء الأدب، فاشتد تشوف السامع إلى معرفة جوابه عنه، استأنف تعالى ~~الإخبار بذلك، فحكى أنه ذكر له ما لا يمكنه أن يدعي طاعته له، وهو أكثر ~~تغيرا وأعجب تنقلا بأن {قال رب المشرق والمغرب} أي الشروق والغروب ووقتهما ~~وموضعهما {وما بينهما} أي من الناس الذين ليسوا في طاعتكم، والحيوان ~~والجماد، بسبب ما ترون من قدرته على تقليب النيرات من بزوغ الشمس والقمر ~~والنجوم وأفولها وما يظهر عنهما من الليل والنهار على تصاريف مختلفة، ~~وحركات متقاربة # PageV14P026 # لولا هي لما علمتم شيئا من أموركم، ولا تمكنتم من أحوالكم، وهذا الدليل ~~أبين الكل لتكرر الحركة فيه وغير ذلك من معالمه، ولذلك بهت نمرود لما ألقاه ~~عليه الخليل عليه الصلاة والسلام. # ولما دعاه صلى الله عليه وسلم باللين فأساء الأدب عليه في الجواب الماضي، ~~ختم هذا البرهان بقوله: {إن كنتم تعقلون} أي فأنتم تعلمون ذلك، فخيرهم بين ~~الإقرار بالجنون أو العقل، بما أشار إليه من الأدلة في مقابلة ما نسبوه ~~إليه من الجنون بسكوتهم وقول عظيمهم بغير شبهة، ردا لهم عن الضلالة، ~~وإنقاذا من واضح الجهالة، فكان قوله أنكأ مع أنه ألطف، وأوضح مع أنه أستر ~~وأشرف. # فلما علم أنه قد قطعه بما أوضح من الأمر، ووصل معه في الغلظة إلى ما إن ~~سكت عنه أوهن من حاله، وفتر من عزائم رجاله، تكلم بما السكوت أولى منه، ~~فأخبر تعالى بقوله: {قال} عادلا عن الحجاج بعد الخوض فيه إلى المغالبة التي ~~هي أبين علامات الانقطاع: {لئن اتخذت إلها غيري} أي تعمدت أخذه وأفردته ~~بتوجيه جميع قصدك إليه {لأجعلنك ms3301 من المسجونين} أي واحدا ممن هم في سجوني ~~على ما تعلم من حالي في اقتداري، ومن # PageV14P027 # سجوني في فظاعتها، ومن حال من فيها من شدة الحصر، والغلظ في الحجر {قال} ~~مدافعا بالتي هي أحسن إرخاء للعنان، لإرادة البيان، حتى لا يبقى عذر ~~لإنسان، رجاء النزوع عن الطغيان، والرجوع إلى الإيمان، لأن من العادة ~~الجارية السكون إلى الإنصاف، والرجوع إلى الحق والاعتراف {أولو} أي أتسجنني ~~ولو {جئتك بشيء مبين*} أي لرسالتي {قال} طمعا في أن يجد موضعا للتكذيب أو ~~التلبيس: {فأت به} أي تسبب عن قولك هذا أني أقول لك: ائت بذلك الشيء {إن ~~كنت} أي كونا أنت راسخ فيه {من الصادقين*} أي فيما ادعيت من الرسالة ~~والبينة، وهذا إشارة إلى أنه بكلامه المتقدم قد صار عنده في غير عدادهم، ~~ولزم عليه أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق لأنها تصديق من الله للمدعي، ~~وعادته سبحانه وتعالى جارية في أنه لا يصدق الكاذب {فألقى} أي فتسبب عن ذلك ~~وتعقبه أن ألقى. # ولما كان الكلام مع موسى عليه السلام، فكان إضماره غير ملبس، لم يصرح ~~باسمه اكتفاء بضميره فقال: {عصاه} أي التي تقدم في غير سورة أن الله تعالى ~~أراه آياتها {فإذا هي ثعبان} أي حية في غاية الكبر {مبين*} أي ظاهر ~~الثعبانية، لا شك عند رائية فيه، لا كما يكون عند الأمور السحرية من ~~التخييلات والتشبيهات # PageV14P028 # {ونزع يده} أي التي كانت احترقت لما أخذ الجمرة وهو في حجر فرعون، وبذل ~~فرعون جهده في علاجها بجميع من قدر عليه من الأطباء فعجز عن إبرائها، نزعها ~~من جيبه بعد أن أراه إياها على ما يعهده منها ثم أدخلها في جيبه {فإذا هي} ~~بعد النزع {بيضاء للناظرين*} أي بياضا تتوفر الدواعي على نظره لخروجه عن ~~العادة بأن له نورا كنور الشمس يكاد يغشي الأبصار {قال} أي فرعون {للملأ ~~حوله} لما وضح له الأمر، يموه على عقولهم خوفا من إيمانهم: {إن هذا لساحر ~~عليم*} أي شديد المعرفة بالسحر، وخص في هذه السورة إسنادا هذا الكلام إليه ms3302 ~~لأن السياق كله لتخصيصه الخطاب لما تقدم، ونظرا إلى {فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين} لأن خضوعه هو خضوع من دونه، فدلالته على ذلك أظهر، ولا ينفي ذلك أن ~~يكون قومه قالوه إظهارا للطواعية - كما مضى في الأعراف. # PageV14P029 # ولما أوقفهم بما خيلهم به، أحماهم لأنفسهم فقال ملقيا لجلباب الأنفة لما ~~قهره من سلطان المعجزة: {يريد أن يخرجكم من أرضكم} أي هذه التي هي قوامكم ~~{بسحره} أي بسبب ما أتى به منه، فإنه يوجب استتباع الناس فيتمكن مما يريد ~~بهم؛ ثم قال لقومه - الذين كان يزعم أنهم عبيده وأنه إلههم - ما دل على أنه ~~خارت قواه، # PageV14P029 # فحط عن منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه حتى جعل نفسه مأمورا بعد ~~أن كان يدعي كونه آمرا بل إلها قادرا: {فماذا تأمرون*} أي في مدافعته عما ~~يريد بنا {قالوا} أي الملأ الذين كانوا يأتمرون به قبل الهجرة ليقتلوه: ~~{أرجه} أي أخره {وأخاه} ولم يأمروا بقتله ولا بشيء مما يقاربه - فسبحان من ~~يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده فيهابه كل شيء ولا يهاب هو غير ~~خالقه {وابعث في المدائن حاشرين*} أي رجالا يحشرون السحرة، وأصل الحشر ~~الجمع بكرة {يأتوك} وكأنهم فهموا شدة قلقه فسكنوه بالتعبير بأداة الإحاطة ~~وصيغة المبالغة فقالوا: {بكل سحار} أي بليغ السحر {عليم*} أي متناه في ~~العلم به بعد ما تناهى في التجربة؛ وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى عظمة ~~ملكه فقال: {فجمع} أي بأيسر أمر لما له عندهم من العظمة {السحرة} كما تقدم ~~غير مرة {لميقات يوم معلوم*} في زمانه ومكانه، وهو ضحى يوم الزينة كما سلف ~~في طه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه وافق يوم السبت في أول يوم من ~~سنتهم، وهو يوم النيروز. {وقيل} أي بقول من يقبل لكونه عن فرعون {للناس} أي ~~كافة حثا لهم على الإسراع إلى الاجتماع بأمر فرعون، وامتحانا لهم هل رجعوا ~~عن دينه، علما منه بأن ما ظهر من المعجزة - # PageV14P030 # التي منها عجزه عن نوع أذى لمن واجهه بما لا مطمع في مواجهته ms3303 بأدناه - لم ~~يدع لبسا في أنه مربوب مقهور، وأن ذلك موجب لا تباع موسى عليه السلام: {هل ~~أنتم مجتمعون*} أي اجتماعا أنتم راسخون فيه لكونه بالقلوب كما هو بالأبدان، ~~كلكم ليكون أهيب لكم، وزين لهم هذا القائل البقاء على ما كانوا عليه من ~~الباطل بذكر جانب السحرة وإن كان شرط فيه الغلبة، ولم يسمح بذكر جانب موسى ~~عليه السلام فقال: {لعلنا نتبع السحرة} لأن من امتثل أمر الملك كان حاله ~~حال من يرجى منه اتباع حزبه {إن كانوا هم} أي خاصة {الغالبين*} أي غلبة لا ~~يشك في أنها ناشئة عن مكنة نعرض عن أمر موسى الذي الذي تنازع الملك في ~~أمره، وهذا مرادهم في الحقيقة، وعبر بهذا كناية عنه لأنه أدل على عظمة ~~الملك، وعبر بأداة الشك إظهارا للإنصاف، واستجلابا للناس، مع تقديرهم ~~لقطعهم بظفر السحرة. # لما رسخ في أذهانهم في الأزمنة المتطاولة من الضلال الذي لا غفلة لإبليس ~~عن تزيينه مع أن تغيير المألوف أمر في غاية العسر. وقال: {فلما} بالفاء ~~إيذانا بسرعة حشرهم، إشارة إلى ضخامة ملكه. ووفور عظمته {جاء السحرة} أي ~~الذين كانوا في جميع بلاد مصر {قالوا لفرعون} مشترطين الأجر في حال الحاجة ~~إلى الفعل ليكون ذلك أجدر بحسن الوعد، ونجاح القصد {أئن لنا لأجرا} # PageV14P031 # وساقوه مساق الاستفهام أدبا معه، وقالوا: {إن كنا} أي كونا نحن راسخون ~~فيه {نحن} خاصة {الغالبين*} بأداة الشك مع جزمهم بالغلبة تخويفا له بأنه إن ~~لم يحسن في وعدهم لم ينصحوا له؛ ثم قيل في جواب من كأنه سأل عن جوابه: ~~{قال} مجيبا إلى ما سألوه: {نعم} أي لكم ذلك، وزادهم ما لا أحسن منه عند ~~أهل الدنيا مؤكدا له فقال: {وإنكم إذا} أي إذا غلبتم {لمن المقربين*} أي ~~عندي، وزاد {إذا} هنا زيادة في التأكيد لما يتضمن ذلك من إبعاده عن الإيمان ~~من وضوح البرهان، تخفيفا على المخاطب بهذا كله صلى الله عليه وسلم، تسلية ~~له في الحمل على نفسه أن لا يكون من يدعوهم مؤمنين، وما بعد ذلك من ms3304 مسارعة ~~السحرة للإيمان - بعد ما ذكر من إقسامهم بعزته بغاية التأكيد - تحقيق لآية ~~{فظلت أعناقهم لها خاضعين} . # ولما تشوف السامع إلى جواب نبي الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام أجيب ~~بقوله: {قال لهم موسى} عليه السلام، أي مريدا لإبطال سحرهم لأنه لا يتمكن ~~منه إلا بإلقائهم، لا لمجرد إلقائهم، غير مبال بهم في كثرة ولا علم بعد ما ~~خيروه - كما في غير هذه السورة: {ألقوا ما أنتم ملقون*} كائنا ما كان، ~~ازدراء له بالنسبة إلى أمر الله {فألقوا} أي فتسبب عن قول موسى عليه السلام ~~وتعقبه أن ألقوا {حبالهم وعصيهم} التي أعدوها للسحر {وقالوا} مقسمين: # PageV14P032 # {بعزة فرعون} مؤكدين بأنواع التأكيد {إنا لنحن} أي خاصة لا نستثني ~~{الغالبون*} قول واثق من نفسه مزمع على أن لا يدع بابا من السحر يعرفه إلا ~~أتى به، فكل من حلف بغير الله كأن يقول: وحياة فلان، وحق رأسه - ونحو ذلك، ~~فهو تابع لهذه الجاهليه. # PageV14P033 # ولما قدم إضمار اسم موسى عليه السلام في الإلقاء الأول لأن الكلام كان ~~معه، فلم يكن إلباس في أنه الفاعل. وكان الكلام هنا في السحرة، وختموا بذكر ~~فرعون وعزته، صرح باسم موسى عليه الصلاة والسلام لنفي اللبس فقال: {فألقى} ~~أي فتسبب عن صنع السحرة وتعقبه أن ألقى {موسى} وقابل جماعة ما ألقوه بمفرد ~~ما ألقى، لأنه أدل على المعجزة، فقالك {عصاه} أي التي جعلناها آية له، ~~وتسبب عن إلقائه قوله: {فإذا هي تلقف} أي تبتلع في الحال بسرعة ونهمة {ما ~~يأفكون*} أي يصرفونه عن وجهه وحقيقته التي هي الجمادية بحيلهم وتخييلهم إلى ~~ظن أنه حيات تسعى {فألقي} أي عقب فعلها من غير تلبث {السحرة ساجدين*} أي ~~فسجدوا بسرعة عظيمة حتى كأن ملقيا ألقاهم بغير اختيارهم من قوة إسراعهم، ~~علما منهم بأن هذا من عند الله، فأمسوا أتقياء بررة، بعد ما جاؤوا في صبح ~~ذلك اليوم سحرة. # ولما كان كأنه قيل: هذا فعلهم، فما كان قولهم؟ قيل: # PageV14P033 # {قالوا آمنا برب العالمين*} أي الذي دعا إليه موسى عليه السلام أو ما ~~تكلم؛ ms3305 ثم خصوه كشفا لتلبيس فرعون بما لا يحتمل غيره فقالوا بيانا: {رب} ولم ~~يدع داع هنا إلى العدول عن الأصل، فقال عبارة عن كلامهم: {موسى وهارون*} أي ~~اللذين أحسنا إلينا بالتنبيه عليه، والهداية إليه، وصدقهما بما أجرى على ~~أيديهما. # ولما خاف فرعون اتباع الناس لهم، لما يرون مما هالهم من أمرهم، وكان قد ~~تقدم ما يعرف أن المنكر عليهم فرعون نفسه، قال تعالى مخبرا عنه: {قال} من ~~غير ذكر الفاعل - أي فرعون - لعدم اللبس، ومقصود السورة غير مقتض للتصريح ~~كما في الأعراف بل ملائم للإعراض عنه والإراحه منه، منكرا مبادرا موهما ~~لأنه إنما يعاقب على المبادرة بغير إذن، لا على نفس الفعل، وأنه ما غرضه ~~إلا التثبت ليؤخر بهذا التخييل الناس عن المبادرة بالإيمان إلى وقت ما ~~{آمنتم له} أي لموسى عليه السلام، أفرده بالضمير لأنه الأصل في هذه ~~الرساله، وحقيقة الكلام: أوقعتم التصديق بما أخبر به عن الله لأجله إعظاما ~~له بذلك {قبل أن ءاذن لكم} أي في الإيمان؛ ثم علل فعلهم بما يقتضي أنه عن ~~مكر وخداع، لا عن حسن اتباع، فقال: {إنه} أي # PageV14P034 # موسى عليه السلام {لكبيركم} . # ولما كان هذا مشعرا بنسبته له إلى السحر، وأنه أعلم منهم به، فلذلك ~~غلبهم، أوضحه بقوله: {الذي علمكم السحر} فتواعدتم معه على هذا الفعل، ~~لتنزعوا الملك من أربابه، هذا وكل من سمعه يعلم كذبة قطعا، فإن موسى عليه ~~السلام ما ربي إلا في بيته، واستمر حتى فر منهم إلى مدين، لا يعلم سحرا، ~~ولا ألم بساحر، ولا سافر إلا إلى مدين، ثم لم يرجع إلا داعيا إلى الله، ~~ولكن الكذب غالب على قطر مصر، وأهلها اسرع شيء سماعا له وانقيادا به. # ولما أوقف السامعين بما خيلهم به من هذا الباطل المعلوم البطلان لكل ذي ~~بصيرة، أكد المنع بالتهديد فقال: {فلسوف تعلمون*} أي ما أفعل بكم، أي فتسبب ~~عما فعلتم أني أعاقبكم عقوبة محققة عظيمة، وأتى بأداة التنفيس خشية من أن ~~لا يقدر عليهم فيعلم الجميع عجزه فيؤمنوا، مع ما فيها ms3306 في الحقيقة على ~~السحرة من التأكيد في الوعيد الذي لم يؤثر عندهم في جنب ما أشهدهم الله من ~~الآية التي مكنتهم في مقام الخضوع؛ ثم فسر ما أبهم بقوله: {لأقطعن} بصيغة ~~التفعيل لكثرة القطع والمقطوعين {أيديكم وأرجلكم} ثم بين كيفية تقطيعها ~~فقال: {من خلاف} وزاد في التهويل فقال: {ولأصلبنكم أجمعين*} # PageV14P035 # ثم استأنف تعالى حكاية جوابهم بقوله: {قالوا} . # ولما كان قد تقدم هنا أنهم أثبتوا له عزة توجب مزيد الخوف منه، حسن ~~قولهم: {لا ضير} أي لا ضرر أصلا علينا تحصل به المكنة منا فيما هددتنا به، ~~بل لنا في الصبر عليه إن وقع أعظم الجزاء من الله، ورد النفي الشامل في هذه ~~السورة إيذانا بأنه لم يقدر فرعون على عذابهم، تحقيقا لما في أول القصة من ~~الإشارة إلى ذلك ب {كلا} و {مستمعون} فإن الإمكان من تابعي موسى عليه ~~السلام يؤذيه ويضيق صدره، ولما يأتي من القصص من صريح العبارة في قوله ~~{أنتما ومن اتبعكما الغالبون} . ثم عللوا ذلك بقولهم: {إنا} أي بفعلك ذلك ~~فينا إن قدرك الله عليه {إلى ربنا} أي المحسن إلينا وحده {منقلبون*} أي ولا ~~بد لنا من الموت، فلنكن على ما حكم به ربنا من الحالات، وإنما حكمك على هذا ~~الجسد ساعة من نهار، ثم لا حكم على الروح إلا الله الذي هو جدير بأن يثيبنا ~~على ذلك نعيم الأبد. وذلك معنى قولهم معللين ما قبله: {إنا نطمع أن يغفر} ~~اي يستر سترا بليغا {لنا ربنا} الذي أحسن إلينا بالهداية {خطايانا} أي التي ~~قدمناها على كثرتها؛ ثم عللوا طمعهم مع كثرة الخطايا بقولهم: {أن كنا} أي ~~كونا هو لنا كالجبلة {أول المؤمنين*} أي من أهل هذا المشهد، وعبروا بالطمع ~~إشارة إلى أن جميع أسباب السعادة منه تعالى، # PageV14P036 # فكأنه لا سبب منهم أصلا. # PageV14P037 # ولما قص سبحانه من حال الدعاء ما كفى في التسلية من قصد هذين النبيين ~~بالأذى والتهكم بمن دعوا إليه، وجعلهما الأعليين، ولم يضرهما ضعفهما ~~وقلتهما، ولا نفع عدوهما قوته وكثرته، شرع يسلي بما أوقعه ms3307 في حال السير، ~~فقال طاويا ما بقي منه لأن هذا ذكر به، عاطفا على هذه القصة: {وأوحينا} أي ~~بما لنا من العظمة حين أردنا فصل الأمر وإنجاز الموعود {إلى موسى أن أسر} ~~أي سر ليلا، حال اشتغال فرعون وجنوده بموت أبكارهم وتجهيزهم لهم {بعبادي} ~~أي بني إسرائيل الذين كرمتهم مصاحبا لهم إلى ناحية بحر القلزم، غير مبال ~~بفرعون ولا منزعج منه، وتزودوا اللحم والخبز الفطير للإسراع، وألطخوا ~~أعتابكم بالدم، لأني أوصيت الملائكة الذين يقتلون الأبكار أن لا يدخلوا ~~بيتا على بابه دم؛ ثم علل أمر له بالسير في الليل بقوله: {إنكم متبعون*} أي ~~لا تظن أنهم لكثرة ما رأوا من الآيات يكفون عن اتباعكم، فأسرع بالخروج ~~لتبعدوا عنهم إلى الموضع الذي قدرت في الأزل أن يظهر فيه مجدي، والمراد ~~توافيهم عند البحر، # PageV14P037 # ولم يكتم اتباعكم عن موسى عليه السلام لعدم تأثره به لما تحقق عنده من ~~الحفظ لما تقدم به الوعد الشريف بذلك التأكيد. # ولما كان التقدير: فأسرى بهم امتثالا للأمر بعد نصف الليل، عطف عليه ~~قوله: {فأرسل فرعون} أي لما أصبح وأعلم بهم {في المدائن حاشرين*} أي رجالا ~~يجمعون الجنود بقوة وسطوة وإن كرهوا، ويقولون تقوية لقلوبهم وتحريكا ~~لهممهم: {إن هؤلاء} إشارة بأداة القرب تحقيرا لهم إلى أنهم في القبضة وإن ~~بعدوا، لما بهم من العجز، وبآل فرعون من القوة، فليسوا بحيث يخاف قوتهم ولا ~~ممانعتهم {لشرذمة} أي طائفة وقطعة من الناس. # ولما كانت قلتهم إنما هي بالنسبة إلى كثرة آل فرعون وقوتهم وما لهم عليهم ~~من هيبة الاستعباد، وكان التعبير بالشرذمة موهما لأنهم في غاية القلة، أزال ~~هذا الوهم بالتعبير بالجمع دون المفرد ليفيد أنه خبر بعد خبر، لا صفة، وأن ~~التعبير بالشرذمة إنما هو للإشارة إلى تفرق القلوب، والجمع ولا سيما ما ~~للسلامة مع كونه أيضا للقلة أدل على أنهم أوزاع، وفيه أيضا إشارة إلى أنهم ~~مع ضعفهم بقلة العدد آيسون من إسعاف بمدد. وليس لهم أهبة لقتال لعدم العدة # PageV14P038 # لأنهم لم يكونوا قط في عداد من ms3308 يقاتل كما تقول لمن تزدريه: هو أقل من أن ~~يفعل كذا، فقال: {قليلون*} أي بالنسبة إلى ما لنا من الجنود التي لا تحصى ~~وإن كانوا في أنفسهم كثيرين، فلا كثرة لهم تمنعكم أيها المحشورون من ~~اتباعهم؛ قال البغوي عن ابن مسعود رضي الله عنهما: كانوا ستمائة ألف وتسعين ~~ألفا، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون - انتهى. # وكل هذا بيان لأن فرعون مع تناهي عظمته لم يقدر على أثر ما في موسى عليه ~~السلام ولا من اتبعه تحقيقا لما تقدم من الوعد به أول القصة. # ولما ذكر ما يمنع الخوف من اتباعهم، ذكر ما يوجب الحث عليه ويحذر من ~~التقاعس عنه فقال: {وإنهم لنا} ونحن على ما نحن عليه من الكثرة والعظمة ~~{لغائظون*} أي بما فجعونا به من أنفسهم وما استعاروه من الزينة من أواني ~~الذهب والفضة وفاخر الكسوة، فلا رحمة في قلوبكم تحميهم. # ولما كان مدار مادة «شرذم» على التقطع. فكان في التعبير بها إشارة إلى ~~أنهم مع القلة متفرقون ليسوا على قلب واحد، وذكر أن # PageV14P039 # في اتباعهم شفاء الغلل، أتبعه ما ينفي عن المتقاعد العلل، فقال: {وإنا ~~لجميع} أي أنا وأنتم جماعة واحدة مجتمعون بإياله الملك على قلب واحد. # ولما أشار بهذا الخبر إلى ضد ما عليه بنو إسرائيل مع قلتهم مما هو سبب ~~للجرأة عليهم، أخبر بخبر ثان يزيد الجرأة عليهم، وفي مضادة لما أشير إليه ب ~~«قليلون» من الاستضعاف فقال: {حاذرون*} أي ونحن - مع إجماع قلوبنا - من ~~شأننا وطبعنا الحذر، فنحن لا نزال على أهبة القتال، ومقارعة الأبطال، لا ~~عائق لنا عنه بسفر ولا بغيره، أما من جهتي فبإفاضة الأموال عليكم، وإدرار ~~الأرزاق فيكم، ووضع الأشياء في مواضعها في الأرض والرجال، وأما من جهتكم ~~فباستعمال الأمانة من طاعة الملك في وضع كل ما يعطيكم في مواضعه من إعداد ~~السلاح والمراكب والزاد، وجميع ما يحتاج إليه المحارب، مع ما لكم من العزة ~~والقوة وشماخة الأنوف وعظم النفوس مع الجرأة والإقدام والثبات في وقف ~~الحقائق، المحفوظ بالعقل المحوط بالجزم المانع ms3309 من اجتراء الأخصام عليكم، ~~ومكرهم لديكم، فإنه يحكى أنه كان يتصرف في خراج مصر بأن يجزئه أربعة أجزاء: ~~أحدها لوزرائه وكتابه وجنده، # PageV14P040 # والثاني لحفر الأنهار وعمل الجسور، والثالث له ولولده، والرابع يفرق من ~~مدن الكور، فإن لحقهم ظمأ أو استبحار أو فساد علة أو موت عوامل قواهم به؛ ~~وري أنه قصده قوم فقالوا: نحتاج إلى أن نحفر خليجا لنعمر ضياعنا، فإذن في ~~ذلك واستعمل عليهم عاملا فاستكثر ما حمل من خراج تلك الناحية إلى بيت ~~المال، فسأل عن مبلغ ما أنفقوه على خليجهم، فإذا هو مائة ألف دينار، فأمر ~~بحملها إليهم فامتنعوا من قبولها، فقال: اطرحوها عليهم، فإن الملك إذا ~~استغن بمال رعيته افتقر وافتقروا، وأن الرعية إذا استغنت بمال ملكهم استغنى ~~واستغنوا. # ولما كان التقدير: فأطاعوا أمره، ونفوا على كل صعب وذلول، عطف عليه قوله ~~معلما بما آل إليه أمرهم: {فأخرجناهم} أي بما لنا من القدرة، إخراجا حثيثا ~~مما لا يسمح أحد بالخروج منه {من جنات} أي بساتين يحق لها أن تذكر {وعيون*} ~~لا يحتاج معها إلى نيل ولا مطر {وكنوز} من الأموال تعرف بمقدار ما هم فيه ~~من النعم الفاضلة عنهم، مع ما هم فيه من تمام الاستعداد لمثل هذا المراد ~~{ومقام} من المنازل {كريم*} أي على صفة ترضي الرائي له لأنه على النهاية من ~~الحسن لا يقال فيه: ليته كان كذا، أو كان كذا. # PageV14P041 # ولما كان الخروج عن مثل هذا مما يستنكر، أشار إلى عظمة القدرة # PageV14P041 # عليه بقوله: {كذلك} أي مثل ذلك الإخراج العجيب الذي أراده فرعون من قومه ~~في السرعة والكمال الهيبة أخرجناهم نحن بأن يسرنا له ولهم ذلك، ووفرنا لهم ~~الأسباب، لما اقتضته حكمتنا، أو مثل ذلك الخروج الذي قصصناه عليك أخرجناهم، ~~أي كان الواقع من خروجهم مطابقا لما عبرنا به عنه، أو الأمر الذي قصصناه ~~كله كما قلنا وأولها أقعدها وأحسنها وأجودها {وأورثناها} أي تلك النعم ~~السرية بمجرد خروجهم بالقوة وبإهلاكهم بالفعل {بني إسرائيل*} أي جعلناهم ~~بحيث يرثونها لأنا لم نبق لهم مانعا يمنعهم ms3310 منها بعد أن كانوا مستبعدين تحت ~~أيدي أربابها، وأما إرثهم لها بالفعل ففيه نظر لقوله في الدخان {قوما ~~آخرين} . # ولما وصف الإخراج، وصف أثره فقال مرتبا عليه بالفعل وعلى الإيراث بالقوة: ~~{فأتبعوهم} أي جعلوا أنفسهم تابعة لهم {مشرقين*} أي داخلين في وقت شروق ~~الشمس، أي طلوعها من صبيحة الليلة التي سار في نصفها بنو إسرائيل، ولولا ~~تقدير العزيز العليم بخرق ذلك للعادة لم يكن على حكم العادة في أقل من عشرة ~~أيام، فإنه أمر يعجز الملوك مثله، فيا له من حشر ما أسرعه! وجهاز ما أوسعه! ~~واستمروا # PageV14P042 # إلى أن لحقوهم عند بحر القلزم كما تقدم في الأعراف شرح ذلك عن التوراة، ~~وتقدم سر تسييرهم في تلك الطريق {فلما تراءى الجمعان} أي صارا بحيث يرى كل ~~منهما الآخر {قال أصحاب موسى} ضعفا وعجزا استصحابا لما كانوا فيه عندهم من ~~الذل، ولأنهم أقل منهم بكثير بحيث يقال: إن طليعة آل فرعون كانت على عدد ~~بني إسرائيل، وذلك محق لتقليل فرعون لهم، وكأنه عبر عنهم ب «أصحاب» دون ~~«بني إسرائيل» لأنه كان قد آمن كثير من غيرهم: {إنا لمدركون*} أي لأنهم قد ~~وصلوا ولا طريق لنا وقد صرنا بين سدين من حديد وماء، العدو وراءنا والماء ~~أمامنا {قال} أي موسى عليه الصلاة والسلام وثوقا بوعد الله، ناطقا بمثل ما ~~كلمه به ربه في أول القصة من قوله: {كلا} أي لا يدركونكم أصلا؛ ثم علل ذلك ~~تسكينا لهم بقوله: {إن معي ربي} فكأنهم قالوا: وماذا عساه يفعل وقد وصلوا؟ ~~قال: {سيهدين*} أي بوعد مؤكد عن قرب، إلى ما أفعل مما فيه خلاصكم، وتقدم في ~~براءة سر تقديم المعية وخصوصها والتعبير باسم الرب {فأوحينا} أي فتسبب عن ~~كلامه الدال على المراقبة أنا أوحينا؛ ونوه باسمه الكريم جزاء له على ثقته ~~به سبحانه # PageV14P043 # فقال: {إلى موسى} وفسر الوحي الذي فيه معنى القول بقوله: {أن اضرب بعصاك ~~البحر} أي الذي أمامكم، وهو بحر القلزم الذي يتوصل أهل مصر منه إلى الطور ~~وإلى مكة المشرفة وما والاها {فانفلق} ms3311 أي فضربه فانشق بسبب ضربه لما ضربه ~~امتثالا لأمر الله وصار اثني عشر فرقا على عدد أسباطهم {فكان كل فرق} أي ~~جزء وقسم عظيم منه {كالطود} أي الجبل في إشرافه وطوله وصلابته بعدم السيلان ~~{العظيم*} المتطاول في السماء الثابت لا يتزلزل، لأن الماء كان منبسطا في ~~أرض البحر، فلما انفرق وانكشفت فيه الطرق انضم بعضه إلى بعض فاستطال وارتفع ~~في السماء. # ولما كان التقدير: فأدخلنا كل شعب منهم في طريق من تلك الطرق، عطف عليه: ~~{وأزلفنا} أي قربنا بعظمتنا من قوم موسى عليه السلام؛ قال البغوي. قال أبو ~~عبيدة: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة، أي ليلة الجمع. # ولما كان هذا الجمع في غاية العظمة وعلو الرتبة، أشار إلى ذلك بأداة ~~البعد فقال: {ثم} أي هنالك، فإنها ظرف مكان للبعيد {الآخرين*} أي فرعون ~~وجنوده {وأنجينا موسى ومن معه} وهم الذين اتبعوه من قومه وغيرهم {أجمعين*} ~~أي لم نقدر على أحد # PageV14P044 # منهم الهلاك. # ولما كان الإغراق بما به الإنجاء - مع كونه أمرا هائلا - عجيبا وبعيدا ~~عبر بأداة البعد فقال: {ثم أغرقنا} أي إغراقا هو على حسب عظمتنا {الآخرين*} ~~أي فرعون وقومه اجمعين، لم يفلت منهم أحد. # ولما قام عذر موسى عليه السلام فيما استدفعه أول القصة من كيد فرعون بما ~~ثبت له من العظمة والمكنة في كثرة الجند وعظيم الطاعة منهم له في سرعة ~~الاجتماع الدالة على مكنتهم في أنفسهم، وعظمته في قلوبهم، رغبة ورهبة، وظهر ~~مجد الله في تحقيق ما وعد به سبحانه من الحراسة، وزاد ما أقر به العيون، ~~وشرح به الصدرو، وكان ذلك أمرا يهز القوى سماعه، ويروع الأسماع تصوره ~~وذكره، قال منبها على ذلك: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم العالي الرتبة من ~~قصة موسى وفرعون وما فيها من العظات {لآية} أي علامة عظيمة على ما قال ~~الرسول موجبة للإيمان به من أن الصانع واحد فاعل بالاختبار، قادر على كل ~~شيء، وأنه رسوله حقا {وما كان أكثرهم} أي الذين شاهدوها والذي وعظوا ~~بسماعها {مؤمنين} لله أي متصفين بالإيمان الثابت، ms3312 أما القبط فما آمن منهم ~~إلا السحرة ومؤمن آل فرعون وامرأة فرعون # PageV14P045 # والمرأة التي دلتهم على عظام يوسف عليه السلام - على ما يقال، وأما بنو ~~إسرائيل فكان كثير منهم مزلزلا يتعنت كل قليل، ويقول ويفعل ما هو كفر، حتى ~~تداركهم الله تعالى على يدي موسى عليه السلام ومن بعده، وأول ما كان من ذلك ~~سؤالهم إثر مجاوزة البحر أن يجعل لهم إلها الأصنام التي مروا عليها، وأما ~~غيرهم ممن تأخر عنهم فحالهم معروف، وأمرهم مشاهد مكشوف {وإن ربك} أي المحسن ~~إليك بإعلاء أمرك، واستنقاذ الناس من ظلام الجهل على يدك {لهو العزيز} أي ~~القادر على الانتقام من كل فاجر {الرحيم*} أي الفاعل فعل البليغ الرحمة، ~~فهو يمهل ويدر النعم، ويحوط من النقم، ولا يمهل، بل يرسل رسلا، وينزل معهم ~~ما بين به ما يرضيه وما يسخطه، فلا يهلك إلا بعد الإعذار، فلا تستوحش ممن ~~لم يؤمن، ولا يهمنك ذلك. # PageV14P046 # ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة موسى عليه السلام، أتبعه دلالة على ~~رحيميته قصة إبراهيم عليه السلام لما تقدم أنه شاركه فيه مما يسلي عما وقع ~~ذكره عنهم من التعنتات في الفرقان، ولما اختص به من مقارعة أبيه وقومه في ~~الأوثان، وهو أعظم آباء العرب، ليكون ذلك حاملا لهم # PageV14P046 # على تقليده في التوحيد إن كانوا لا ينفكون عن التقليد، وزاجرا عن استعظام ~~تسفيه آبائهم في عبادتها، وتعبيره سبحانه للسياق قبل وبعد، وتعبيره بقوله: ~~{واتل} أي اقرأ قراءة متتابعة - مرجح للتقدير الأول في {وإذ} من جعله ~~«اذكر» وتغييره في التعبير بها لسياق ما تقدم وما تأخر لتنبيه العرب على ~~اتباعه لما لهم به من الخصوصية {عليهم} أي على هؤلاء المغترين بالأوثان، ~~المنكرين لرسالة البشر {نبأ إبراهيم*} أي خبره العظيم في مثل ذلك {إذ} أي ~~حين {قال لأبيه وقومه} منبها لهم على ضلالهم، لا مستعلما لأنه كان عالما ~~بحقيقة حالهم: {ما} أي أي شيء، وصور لهم حالهم تنبيها لهم على قباحتها فعبر ~~بالمضارع فقال: {تعبدون*} أي تواظبون على عبادته {قالوا} مبتهجين بسؤاله، ms3313 ~~مظهرين الافتخار في جوابهم بإطالة الكلام: {نعبد أصناما فنظل} أي فيتسبب عن ~~عبادتنا لها أنا نوفي حق العبادة بأن ندوم {لها عاكفين*} أي مطيفين بها على ~~سبيل الموظبة متراكمين بعضنا خلف بعض حابسين أنفسنا تعظيما # PageV14P047 # لها، فجروا على منوال هؤلاء في داء التقليد الناشىء عن الجهل بنفس ~~العبادة وبظنهم مع ذلك أنهم على طائل كبير، وأمر عظيم، ظفروا به، مع غفلة ~~الخلق عنه - كما دل عليه خطابهم في هذا الكلام الذي كان يغني عنه كلمة ~~واحدة، وهذا هو الذي أوجب تفسير الظلول بمطلق الدوام وإن كان معناه الدوام ~~بقيد النهار، وكأنهم قصدوا بما يدل على النهار - الذي هو موضع الاشتغال ~~والسهرة - الدلالة على الليل من باب الأولى، مع شيوع استعماله أيضا مطلقا ~~نحو {فظلت أعناقهم لها خاضعين} ، وزاد قوم إبراهيم عليه السلام أن استمروا ~~على ضلالهم وأبوه معهم فكانوا حطب النار، ولم يتكمن من إنقاذهم من ذلك، ولم ~~تكن لهم حيلة إلا دعاؤهم، فهو أجدر بشديد الحزن وببخع نفسه عليهم وهو موضع ~~التسلية. # ولما فهم عنهم هذه الرغبة، أخذ يزهدهم فيها بطريق الاستفهام الذي لا أنصف ~~منه عن أوصاف يلجئهم السؤال إلى الاعتراف بسلبها عنهم، مع كل عاقل إذا تعقل ~~أن لا تصح رتبة الإلهية مع فقد واحدة منها، فكيف مع فقدها كلها؟ فقال تعالى ~~مخبرا عنه: {قال} معبرا عنها إنصافا بما يعبر به عن العقلاء لتنزيلهم إياها ~~منزلتهم: # PageV14P048 # {هل يسمعونكم} أي دعاءكم مجرد سماع؛ ثم صور لهم حالهم ليمنعوا الفكر فيه، ~~فقال معبرا بظرف ماض وفعل مضارع تنبيها على استحضار جميع الزمان ليكون ذلك ~~أبلغ في التبكيت: {إذ تدعون*} أي استحضروا أحوالكم معهم من أول عبادتكم لهم ~~وإلى الآن: هل سمعوكم وقتا ما؟ ليكون ذلك مرجيا لكم لحصول نفع منهم في وقت ~~ما. # ولما كان الإنسان قد يعكف على الشيء - وهو غير سامع - لكن لنفعه له في ~~نفسه أو ضره لعدوه كالنار مثلا، وكان محط حال العابد والداعي بالقصد الأول ~~بالذات جلب النفع، قال: {أو ينفعونكم} أي على العبادة ms3314 كما ينفع أقل شيء ~~تقتنونه {أو يضرون*} على الترك: {قالوا} : لا والله! ليس عندهم شيء من ذلك ~~{بل وجدنا آباءنا كذلك} أي مثل فعلنا هذا العالي الشأن، ثم صوروا حالة ~~آبائهم في نفوسهم تعظيما لأمرهم فقالوا: {يفعلون*} أي فنحن نفعل كما فعلوا ~~لأنهم حقيقون منا بأن لا نخالفهم، مع سبقهم لنا إلى الوجود، فهم أرصن منا ~~عقولا، وأعظم تجربة، فلولا أنهم رأوا ذلك حسنا، ما واظبوا عليه، # PageV14P049 # هذا مع أنهم لو سلكوا طريقا حسية حصل لهم منها ضرر حسي ما سلكوها قط، ~~ولكن هذا الدين يهون على الناس فيه التقليد بالباطل قديما وحديثا. # ولما وصلوا إلى التقليد المخض الخالي عن أدنى نظر كما تفعل البهائم ~~والطير في تبعها لأولها {قال} معرضا عن جواب كلامهم بنقص، إشارة إلى أنه ~~ساقط لا يرتضيه من شم رائحة الرجولية: {أفرأيتم} أي فتسبب عن قولكم هذا أني ~~أقول لكم: أرأيتم، اي إن لم تكونوا رأيتموهم رؤية موجبة لتحقق أمرهم ~~فانظروهم نظرا شافيا {ما كنتم} أي كونا هو كالجبلة لكم {تعبدون*} مواظبين ~~على عبادتهم {أنتم} . # ولما أجابوه بالتقليد، قال لهم ما معناه، رقوا تقليدكم هذا إلى أقصى ~~غاياته، فإن التقدم والأولوية لا تكون برهانا على الصحة، والباطل لا ينقلب ~~حقا بالقدم، وذلك مراده من قوله: {وآباؤكم الأقدمون*} أي الذين هم أقدم ما ~~يكونون: هل لهم وصف غير ما أقررتم به # PageV14P050 # من عدم السماع والنفع والضر؟ {فإنهم} أي فتسبب عن رؤيتكم ووصفكم لهم بما ~~ذكرتم أني أخبركم إخبارا مؤكدا أنهم. # ولما كانت صيغة فعول للمبالغة، أغنت في العدو والصديق عن صيغة الجمع ولا ~~سيما وهي شبيهة بالمصادر كالقبول والصهيل، فقال مخبرا عن ضمير الجمع: {عدو ~~لي} أي أناصفهم بالسوء وأعاملهم في إبطالهم ومحقهم معاملة الأعداء وكل من ~~عبدهم كما قال في الآية الأخرى {لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} ~~[الأنبياء: 54] ، {أف لكم ولما تعبدون من دون الله} [الأنبياء: 57] و ~~{تالله لأكيدن أصنامكم} [الأنبياء: 67] . # ولما كانوا هم مشركين، وكان في آبائهم الأقدمين من عبد الله وحده. قال: ms3315 ~~{إلا رب العالمين*} أي مدبر هذه الأكوان كلها - كما قال موسى عليه السلام - ~~لأن ذلك أشهر الأوصاف وأظهرها، فإنه ليس بعدوي، بل هو وليي ومعبودي؛ ثم شرع ~~يصفه بما هم به عالمون من أنه على الضد الأقصى من كل ما عليه أصنامهم فقال: ~~{الذي} ولما لم يكن أحد يدعي الخلق لم يحتج إلى ما يدل على الاختصاص فقال: ~~{خلقني} أي أوجدني على هيئة التقدير والتصوير # PageV14P051 # {فهو} أي فتسبب عن تفرده بخلقي أنه هو لا غيره {يهدين*} أي إلى الرشاد، ~~ولأنه لا يعلم باطن المخلوق ويقدر على كمال التصرف فيه غير خالقه، ولا يكن ~~خالقه إلا سمعيا بصيرا ضارا نافعا، له الكمال كله، ولا شك أن الخلق للجسد، ~~والهداية للروح، وبالخلق والهداية يحصل جميع المنافع، والإنسان له قالب من ~~عالم الخلق، وقالب من عالم الأمر، وتركيب القالب مقدم كما ظهر بهذه الآية، ~~ولقوله # {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي} [الحجر: 29] وأمثال ذلك، وذكر الخلق ~~بالماضي لأنه لا يتجدد في الدنيا، والهداية بالمضارع لتجددها وتكررها دينا ~~ودنيا {والذي هو} أي لا غيره {يطعمني ويسقين} ولو أراد لأعدم ما آكل وما ~~أشرب أو أصابني بآفة لا أستطيع معها أكلا ولا شربا. # PageV14P052 # ولما كان المرض ضررا، نزهه عن نسبته إليه أدبا وإن كانت نسبة الكل إليه ~~سبحانه معلومة، بقوله: {وإذا مرضت} باستيلاء بعض الأخلاط على بعض لما بينها ~~من التنافر الطبيعي {فهو} أي وحده {يشفين*} بسبب تعديل المزاج بتعديل ~~الأخلاط وقسرها على الاجتماع والاعتدال، لا طبيب ولا غيره وإن تسببت أنا في ~~أمراض نفسي ببرد أو حر أو طعام أتناوله أو غير ذلك لأنه قادر على ما يريد. # PageV14P052 # ولما كان الإنسان مطبوعا على الاجتهاد في حفظ حياته وبقاء مهجته، نسب فعل ~~الموت إليه إعظاما للقدرة فقال: {والذي يميتني} أي حسا وإن اجتهدت في دفع ~~الموت، ومعنى وإن اجتهدت في دفع الجهل. # ولما كان الإحياء حسا بالروح ومعنى بالهداية عظيما، أتى بأداة التراخي ~~لذلك ولطول المكث في البرزخ فقال: {ثم يحيين} للمجازاة في الآخرة كما ms3316 شفاني ~~من المرض وإن وصلت إلى حد لا أرجى فيه، ولم يأت هنا بما يدل على الحصر لأنه ~~لا مدعي للإحياء والإماتة إلا ما ذكره سبحانه عن نمرود في سورة البقرة، وأن ~~إبراهيم عليه السلام أبهته ببيان عجزه في إظهار صورة من مكان من الأمكنة ~~بلا شرط من روح ولا غيرها، وإذا عجز عن ذلك كان عجزه عن إيجاد صورة أبين، ~~فكيف إذا انضم إلى ذلك إفادتها روحا أو سلبها منها، فعد ادعاؤه لذلك - مع ~~القاطع المحسوس الذي أبهته - عدما، والله أعلم. # ولما ذكر البعث، ذكر ما يترتب عليه فقال: {والذي أطمع} هضما لنفسه ~~واطراحا لأعماله وإشارة إلى أنه بالنسبة إلى الحضرة الأعظمية غير قادرة لها ~~حق قدرها، فإن الطمع كما قال الحرالي في البقرة # PageV14P053 # تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب - انتهى. فلذلك لم يعد له عملا {أن ~~يغفر} أي يمحو ويستر. # ولما كان الله سبحانه منزها عن الغرض، فكانت المغفرة لحظ العبد ليس غير، ~~قال: {لي} وأسند الخطيئة إليه هضما لنفسه وتواضعا لربه فقال: {خطيئتي} أي ~~تقصيري عن أن أقدره حق قدره، فإن الضعيف العاجز لا يبلغ كل ما ينبغي من ~~خدمة العلي الكبير، وما فعله فهو بإقداره سبحانه فلا صنع له في الحقيقة ~~أصلا {يوم الدين*} أي الجزاء. # ولما أثنى على الله تعالى بما هو أهله، وختم بذكر هذا اليوم العظيم، دعا ~~بما ينحي عن هوله، فدل صنيعه على أن تقديم الثناء على السؤال أمر مهم، وله ~~في الإجابة أثر عظيم، فقال ملتفتا إلى مقام المشاهدة إشارة إلى أن الأمر ~~مهول، وأنه لا ينقذ من خطره إلا عظيم القدرة، لما طبعت عليه النفس من ~~النقائص: {رب} أي أيها المحسن إلي {هب لي حكما} أي عملا متقنا بالعلم، ~~وأصله بناء الشيء على ما توجبه الحكمة، ولما كان الاعتماد إنما هو على محض ~~الكرم، فإن من نوقش الحساب عذب، قال: {وألحقني بالصالحين*} أي الذين جعلتهم ~~أئمة للمتقين في الدنيا والآخرة، وهم من كان قوله # PageV14P054 # وفعله صافيا عن شوب فساد. ms3317 # ولما كان الصالح قد لا يظهر عمله، وكان إظهار الله له مجلبة للدعاء ~~وزيادة في الأجر، قال: {واجعل لي لسان صدق} أي ذكرا جميلا، وقبولا عاما، ~~وثناء حسنا، بما أظهرت مني من خصال الخير {في الآخرين*} أي الناس الذين ~~يوجدون بعدي إلى يوم الدين، لأكون للمتقين إماما، فيكون لي مثل أجورهم، فإن ~~«من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» وقد كان ~~ذلك إجابة من الله تعالى لدعائه، ومن أعظمه أن جعله الله شجرة مباركة فرع ~~منها الأنبياء الذين أحيى بهم عليهم الصلاة والسلام ذكره الذي من أعظمه ما ~~كان على لسان أعظمهم النبي الأمي صلى الله عليه وسلم من قوله: «صل على محمد ~~كما صليت على إبراهيم» إلى آخره. # ولما طلب سعادة الدنيا، وكانت لا نفع لها إلا باتصالها بسعادة الآخرة ~~التي هي الجنة، وكانت الجنة لا تنال إلا بمنه، لا بشيء من ذلك، ولذلك شبه ~~إدخالها بالإرث الذي يحصل بغير اكتساب من الوارث وهو أقوى أسباب الملك، ~~قال: {واجعلني} أي مع ذلك كله # PageV14P055 # بفضلك ورحمتك {من ورثة جنة النعيم*} . # ولما دعا لنفسه، ثنى بأحق الخلق ببره فقال: {واغفر لأبي} ثم علل دعاءه ~~بقوله: {إنه كان} في أيام حياته {من الضالين*} والظاهر أن هذا كان قبل ~~معرفته بتأبيد شقائه، ولذلك قال: {ولا تخزني} أي تهني بموته على ما يوجب ~~دخوله النار ولا بغير ذلك {يوم يبعثون*} أي هؤلاء المنكرون للبعث، وكأن هذا ~~الدعاء كان بحضورهم في الإنكار عليهم في عبادة الأصنام، والظاهر أن تخصيص ~~الدعاء بأبيه لأن أمه كانت آمنت كما ورد عن. . . فقد صح أنه يقول يوم ~~القيامة: يا رب! إنك وعدتني ألا تخزيني، أي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيبدل ~~الله صورة أبيه صورة ذيخ ثم يلقي به في النار - كما رواه البخاري في غير ~~موضع عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأن الله تعالى يقول له: «إني حرمت الجنة ~~على الكافرين» ولو كانت أمة كافرة لسأله فيها. # PageV14P056 # ولما نبه على ms3318 أن المقصود هو الآخرة، صرح بالتزهيد في الدنيا بتحقير أجل ~~ما فيها فقال: {يوم لا ينفع} أي أحدا {مال} أي # PageV14P056 # يفتدي به أو يبذله لشافع أو ناصر مقاهر {ولا بنون*} ينتصر بهم أو يعتضد ~~فكيف بغيرهم {إلا من أتى الله} أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق في ~~هذا الموطن {بقلب سليم*} أي عن مرض غيره عن الفطرة الأولى التي فطره الله ~~عليها، وهي الإسلام الذي رأسه التوحيد، والاستقامة على فعل الخير، وحفظ ~~طريق السنة كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ليس فيها من جدعاء فإن {المال ~~والبنون} ينفعانه بما تصرف فيهما من خير، والاستثناء مفرغ، والظاهر أن قوله ~~{وأزلفت} أي قربت بأيسر وجه حال من واو «يبعثون» {الجنة للمتقين*} وعرف أهل ~~الموقف أنها لهم خاصة تعجيلا لسرورهم وزيادة في شرفهم {وبرزت} أي كشفت كشفا ~~عظيما سهلا {الجحيم} أي النار الشديدة التأجج، وأصلها نار عظيمة في مهواة ~~بعضها فوق بعض {للغاوين*} أي الضالين الهالكين بحيث عرف أهل الموقف أنها ~~لهم {وقيل لهم} تبكيتا وتنديما وتوبيخا، وأبهم القائل ليصلح لكل أحد، ~~تحقيرا لهم، ولأن المنكىء نفس القول لا كونه من معين: {أين ما كنتم} بتسلك ~~الأخلاق التي هي كالجبلات {تعبدون*} أي # PageV14P057 # في الدنيا على سبيل التجديد والاستمرار. وحقر معبوداتهم بقوله: {من دون} ~~أي من أدنى رتبة من رتب {الله} أي الملك الذي لا كفوء له، وكنتم تزعمون ~~أنهم يشفعون لكم ويقونكم شر هذا اليوم {هل ينصرونكم} فيمنعون عنكم ما برز ~~لكم {أو ينتصرون*} أي هم بالدفع عن أنفسهم. # ولما تسبب عن هذا التبريز والقول إظهار قدرته تعالى وعجزهم بقذفهم فيها ~~قال: {فكبكبوا} أي الأصنام ونحوها، قلبوا وصرعوا ورموا، قلبا عظيما مكررا ~~سريعا من كل من أمره الله بقلبهم بعد هذا السؤال، إظهارا لعجزهم بالفعل حتى ~~عن الجواب قبل الجواب {فيها} أي في مهواة الجحيم قلبا عنيفا مضاعفا كثيرا ~~بعضهم في أثر بعض {هم} أي الأصنام وما شابهها مما عبد من الشاطين ونحوهم ~~{والغاوون*} أي الذي ضلوا بهم {وجنود إبليس} من شياطين الإنس ms3319 والجن ~~{أجمعون*} . # ولما علم بهذا أنهم لم يتمكنوا من قول في جواب استفامهم توبيخا، وكان من ~~المعلوم أن الإنسان مطبوع على أن يقول في كل شيء ينوبه ما يثيره له إدراكه ~~مما يرى أنه يبرد من غلته، وينفع من علته، تشوف السامع إلى معرفة قولهم بعد ~~الكبكبة، فأشير إلى ذلك # PageV14P058 # بقوله: {قالوا} أي العبدة {وهم فيها} أي الجحيم {يختصمون} أي مع ~~المعبودات: {تالله} أي الذي له جميع الكمال {إن كنا لفي ضلال مبين*} أي ~~ظاهر جدا لمن كان له قلب {إذ} أي حين {نسويكم} في الرتبة {برب العالمين*} ~~أي الذين فطرهم ودبرهم حتى عبدناكم {وما أضلنا} أي ذلك الضلال المبين عن ~~الطريق البين {إلا المجرمون*} أي العريقون في صفة الإجرام، المقتضي لقطع كل ~~ما ينبغي أن يوصل {فما} أي فتسبب عن ذلك أنه ما {لنا} اليوم؛ وزادوا في ~~تعميم النفي بزيادة الجار فقالوا: {من شافعين*} يكونون سببا لإدخالنا ~~الجنة، لأنا صرفنا ما كان يجب علينا لذي الأمر إلى من لا أمر له؛ ولعله لم ~~يفرد الشافع لأنهم دخلوا في الشفاعة العظمى. # PageV14P059 # ولما كان الصديق قد لا يكون أهلا لأن يشفع، قالوا تأسفا على أقل ما يمكن: ~~{ولا صديق} أي يصدق في ودنا ليفعل ما ينفعنا. ولما كان أصدق الصداقة ما كان ~~من القريب قال: {حميم*} أي قريب، وأصله المصافي الذي يحرقه ما يحرقك، لأنا ~~قاطعنا بذلك كل من له أمر في هذا اليوم؛ وأفرد تعميما للنفي وإشارة إلى ~~قلته في حد ذاته أو عدمه. # PageV14P059 # ولما وقعوا في هذا الهلاك، وانتفى عنهم الخلاص، تسبب عنه تمنيهم المحال ~~فقالوا: {فلو أن لنا كرة} أي رجعة إلى الدنيا {فنكون من المؤمنين*} أي ~~الذين صار الإيمان لهم وصفا لازما، فأزلفت لهم الجنة. # ولما كان في هذه القصة أعظم زاجر عن الشرك، وآمر بالإيمان، نبه على ذلك ~~بقوله: {إن في ذلك} أي هذا الأمر العظيم الذي قصصته ن قول إبراهيم عليه ~~السلام في إقامة البرهان على إبطال الأوثان، ونصب الدليل على أنه لا حق إلا ms3320 ~~الملك الجليل الديان، وترغيبه وترهيبه وإرشاده إلى التزود في أيام المهلة ~~{لآية} أي عظيمة على بطلان الباطل وحقوق الحق {وما} أي والحال أنه ما {كان ~~أكثرهم} أي الذين شهدوا منه هذا الأمر العظيم والذين سمعوه عنه {مؤمنين*} ~~أي بحيث صار الإيمان صفة لهم ثابتة، وفي ذلك أعظم تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بأعظم آبائه عليهم الصلاة والسلام {وإن ربك} أي المحسن إليك ~~بإرسالك وهداية الأمة بك {لهو العزيز} أي القادر على إيقاع النقمة بكل من ~~خالفه حين يخالفه {الرحيم*} أي الفاعل فعل الراحم في إمهاله العصاة مع ~~إدرار النعم، ودفع النقم، وإرسال الرسل، ونصب الشرائع، لبيان ما يرضاه ~~ليتبع، وما يسخطه ليتجنب، # PageV14P060 # فلا يهلك إلا بعد إقامة الحجة بإيضاح المحجة. # ولما أتم سبحانه قصة الأب الأعظم الأقرب، أتبعها - دلالة على وصفي العزة ~~والرحمة - قصة الأب الثاني، مقدما لها على غيرها، لما له من القدم في ~~الزمان، إعلاما بأن البلاء قديم، ولأنها أدل على صفتي الرحمة والنقمة التي ~~هي أثر العزة بطول الإملاء لهم على طول مدتهم، ثم تعميم النقمة مع كونهم ~~جميع أهل الأرض فقال: {كذبت} بإثبات التاء اختيارا للتأنيث - وأن كان تذكير ~~القوم أشهر - للتنبيه على أن فعلهم أخس الأفعال، أو إلى أنهم مع عتوهم ~~وكثرتهم كانوا عليه سبحانه أهون شيء وأضعفه بحيث جعلهم هباء منثورا وكذا من ~~بعدهم {قوم نوح} وهو أهل الأرض كلهم من الآدميين قبل اختلاف الأمم بتفرق ~~اللغات {المرسلين*} أي بتكذيبهم نوحا عليه السلام، لأنه أقام الدليل على ~~نبوته بالمعجزة، ومن كذب بمعجزة واحدة فقد كذب بجميع المعجزات لتساوي ~~أقدامها في الدلالة على صدق الرسول، وقد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى ~~عن ذلك فقال: من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الكل لأن الآخر جاء بما جاء به ~~الأول - حكاه عنه البغوي. # ولقصد التسلية عبر بالتكذيب في كل قصة {إذ} أي حين {قال لهم} لم يتأنوا ~~بطلب دليل، ولا ابتغاء وجه جميل؛ وأشار إلى نسبه فيهم بقوله: {أخوهم} زيادة ~~في تسلية هذا النبي ms3321 الكريم # PageV14P061 # {نوح} وأشار إلى حسن أدبه، واستجلابهم برفقه ولينه، بقوله: {ألا تتقون*} ~~أي تكون لكم تقوى، وهي خوف يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية ~~بطاعته بالتوحيد وترك الالتفات إلى غيره؛ ثم علل أهليته للأمر عليهم بقوله: ~~{إني لكم} أي مع كوني أخاكم يسوءني ما يسوءكم ويسرني ما يسركم {رسول} أي من ~~عند خالقكم، فلا مندوحة لي عند إبلاغ ما أمرت به {أمين*} أي لا غش عندي كما ~~تعلمون ذلك مني على طول خبرتكم بي، ولا خيانة في شيء من الأمانة، فلذلك لا ~~بد لي من إبلاغ جميع الرسالة. # PageV14P062 # ولما عرض عليهم التقوى بالرفق، وعلل ذلك بما ثبت به أمرها، تسبب عنه ~~الجزم بالأمر فقال: {فاتقوا الله} أي أوجدوا الخو والحذر والتحرز من الذي ~~اختص بالجلال والجمال، مبادرين إلى ذلك بتوحيده لتحرزوا أصل السعادة ~~فتكونوا من أهل الجنة {وأطيعون*} أي في كل ما آمركم لتحرزوا رتبة الكمال في ~~ذلك، فلا يمسكم عذاب. # ولما أثبت أمانته، نفى تهمته فقال: {وما أسألكم عليه} أي على هذا الحال ~~الذي أتيتكم به؛ وأشار إلى الإعراق في النفي بقوله: {من أجر} أي ليظن ظان ~~أني جعلت الدعاء سببا له؛ ثم # PageV14P062 # أكد هذا النفي بقوله: {إن} أي ما {أجري} أي في دعائي لكم {إلا على رب ~~العالمين*} أي الذي دبر جميع الخلائق ورباهم. # ولما انتفت التهمة، تسبب عن انتفائها أيضا ما قدمه، فأعاده إعلاما ~~بالاهتمام بذلك زيادة في الشفقة عليهم وتأكيدا له في قلوبهم تنبيها على أن ~~الأمر في غاية العظمة لما يعلم من قلوبهم من شدة الجلافة فقال: {فاتقوا ~~الله} أي الذي حاز جميع صفات العظمة {وأطيعون} . # ولما قام الدليل على نصحه وأمانته، أجابوا بما ينظر إلى محض الدنيا كما ~~أجاب من قال من أشراف العرب {ما لهذا الرسول} الآيات، وقال: لو طردت هؤلاء ~~الضعفاء لرجونا أن نتبعك حتى نزل في ذلك {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} ~~[الأنعام: 52] ونحوها من الآيات، بأن {قالوا} أي قومه، منكرين لاتباعه ~~استنادا إلى داء الكبر الذي ينشأ منه ms3322 بطر الحق وغمط الناس - أي احتقارهم: ~~{أنؤمن لك} أي لأجل قولك هذا وما أثبته أوصافك {و} الحال أنه قد {اتبعك ~~الأرذلون*} أي المؤخرون في الحال والمآل، والأحوال والأفعال، فيكون إيماننا ~~بك سببا لاستوائنا معهم، فلو طردتهم لم يكن لنا عذر في التخلف عنك، ولا ~~مانع من اتباعك، فكان ما متعوا به من العرض الفاني مانعا لهم عن السعادة ~~الباقية، وأما الضعفاء فانكسار قلوبهم وخلوها عن شاغل موجب لإقبالها على ~~الخير # PageV14P063 # وقبولها له، لأن الله تعالى عند المنكسرة قلوبهم، وهكذا قالت قريش في ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وما زالت أتباع الرسل كذلك حتى صارت من ~~سماتهم وأماراتهم كما قال هرقل في سؤاله عن أتباع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فكان مثال المستكبرين مثال شخص كان آخر دونه بدرجة، فأصبح فوقه ~~بدرجة، فأنف من أن يرتقي إلى درجته لئلا يساويه، ورضي لنفسه أن يكون دونه، ~~فما اسخف عقله! وما أكثر جهله! فلا شيء أبين من هذا في أن التقدم في الأمور ~~الدنيوية داء لا دواء له إلا إماتة النفس بالتبرؤ منه والبعد عنه. # ولما كانت الجواهر متساوية في أنها مخلوقات الله، وإنما تتشرف بآثارها، ~~فالآدمي إنما يشرف أو يرذل بحاله من قاله وفعاله، أشار إلى أنه يعتبر ما هم ~~عليه الآن من الأحوال الرفيعة، والأوصاف البديعة، فلذلك {قال} نافيا لعلمه ~~بما قالوه في صورة استفهام إنكاري: {وما} أي وأي شيء {علمي بما كانوا ~~يعملون*} أي قبل أن يتبعوني، أي وما لي وللبحث عن ذلك، إنما لي ظاهرهم الآن ~~وهو # PageV14P064 # خير ظاهر، فهم الأشرفون وإن كانوا أفقر الناس وأخسهم نسبا، فإن الغني غني ~~الدين، والنسب نسب التقوى؛ ثم أكد أنه لا يبحث عن بواطنهم بقوله: {إن} أي ~~ما {حسابهم} أي في الماضي والآتي {إلا على ربي} المحسن إلي باتباعهم لي ~~ليكون لي مثل أجرهم، المخفف عني أن يكلفني بحاسبهم وتعرف بواطنهم، لأنه ~~المختص بضبط جميع الأعمال والحساب عليها {لو تشعرون*} أي لو كان لكم نوع ~~شعور لعلمتم ذلك فلم تقولوا ما ms3323 قلتم مما هو دائر على أمور الدنيا فقط، ولا ~~نظر له إلى يوم الحساب. # ولما أفهم قوله رد ما أفهمه قولهم من طردهم، صرح به في قوله: {وما} أي ~~ولست {أنا بطارد المؤمنين*} أي الذين صار الإيمان لهم وصفا راسخا فلم ~~يرتدوا عنه للطمع في إيمانكم ولا لغيره من اتباع شهواتكم؛ ثم علل ذلك ~~بقوله: {إن} أي ما {أنا إلا نذير} أي محذر، لا وكيل مناقش على البواطن، ولا ~~متعنت على الاتباع {مبين*} أوضح ما أرسلت به فلا أدع فيه لبسا. # ولما أياسهم مما أرادوا من طرد أتباعه لما أوهموا من اتباعه لو طردهم ~~خداعا، أقبلوا على التهديد، فاستأنف سبحانه الإخبار عن ذلك بقوله: {قالوا ~~لئن لم تنته} ثم سموه باسمه جفاء وقلة أدب فقالوا: # PageV14P065 # {يا نوح لتكونن من المرجومين*} أي المقتولين، ولا ينفعك أتباعك هؤلاء ~~الضعفاء. # PageV14P066 # ولما أيس منهم بما سمع من المبالغة بالتأكيد في قولهم، ورأى بما يصدقه من ~~فعلهم، قال تعالى مخبرا عنه جوابا لسؤال من يريد تعرف حاله بعد ذلك: {قال} ~~شاكيا إلى الله تعالى ما هو أعلم به منه توطئة للدعاء عليهم وإلهابا إليه ~~وتهييجا، معرضا عن تهديدهم له صبرا واحتسابا، لأنه من لازم الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، واكتفاء عنه بسببه: {رب} أي أيها المحسن إلي. # ولما كان الحال مقتضيا لأن يصدقوه لما له في نفسه من الأمانة، وبهم من ~~القرابة، ولما أقام على ما دعاهم إليه من الأدلة مع ما له في نفسه من ~~الوضوح، أكد الإخبار بتكذيبهم، إعلاما بوجوده، وبإنه تحققه منهم من غير شك ~~فقال: {إن قومي كذبون*} أي فلا نية لهم في اتباعي {فافتح} أي احكم {بيني ~~وبينهم فتحا} أي حكما يكون لي فيه فرج، وبه من الضيق مخرج، فأهلك المبطلين ~~وأنجز حتفهم {ونجني ومن معي} أي في الدين {من المؤمنين*} مما تعذب به ~~الكافرين. # PageV14P066 # ولما كان في إهلاكهم وإنجائه من بديع الصنع ما يجل عن الوصف، أبرزه في ~~مظهر العظمة فقال: {فأنجيناه ومن معه} أي ممن لا يخالفه في ms3324 الدين على ضعفهم ~~وقتلهم {في الفلك} ولما كانت سلامة المملوء جدا أغرب قال: {المشحون*} أي ~~المملوء بمن حمل فيه من الناس والطير وسائر الحيوان وما حمل من زادهم وما ~~يصلحهم. # ولما كان إغراقهم كلهم من الغرائب عظمه بأداة البعد - ومظهر العظمة فقال: ~~{ثم أغرقنا بعد} أي بعد حمله الذي هو سبب إنجائه {الباقين*} أي من بقي على ~~الأرض ولم يركب معه في السفينة على قوتهم وكثرتهم، وكان ذلك علينا يسيرا. # ولما كان ذلك أمرا باهرا، عظمه بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من ~~الدعاء والإمهال ثم الإنجاء والإهلاك {لآية} أي عظيمة لمن شاهد ذلك أو سمع ~~به، على أنا ننتقم ممن عصانا، وننجي من أطاعنا، وأنه لا أمر لأحد معنا ~~فيهديه إلى الإيمان، ويحمله على الاستسلام والإذعان {وما} أي والحال أنه ما ~~{كان أكثرهم} أي أكثر العالمين بذلك {مؤمنين*} وقد ينبغي لهم إذ فاتهم ~~الإيمان لمحض الدليل أن يبادروا إليه ويركبوا معه حين رأوا أوائل العذاب أو ~~بعد أن ألجمهم الغرق {وإن ربك} المحسن إليك بإرسالك، وتكثير أتباعك، # PageV14P067 # وتعظيم أشياعك {لهو العزيز} أي القادر بعزته على كل من قسرهم على الطاعة، ~~وإهلاكهم في أول أوقات المعصية {الرحيم*} أي الذي يخص من يشاء من عباده ~~بخالص وداده، ويرسل إلى الضالين عن محجة العقل القويمة الرسل لبيان ما يجب ~~وما يكره، فلا يهلك إلا بعد البيان الشافي، والإبلاغ الوافي. # ولما كان كأنه قيل: إن هذا لأمر هائل، في مثله موعظة، فما فعل من جاء ~~بعدهم؟ هل اتعظ؟ أجيب بقوله دلالة على الوصفين معا: {كذبت عاد} أي تلك ~~القبيلة التي مكن الله لها في الأرض بعد قوم نوح {المرسلين*} بالإعراض عن ~~معجزة هود عليه الصلاة والسلام؛ ثم سلى هذا النبي الكريم صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: {إذ} أي حين {قال لهم أخوهم هود} لم يتوقفوا في تكذيبه ولم ~~يتأخروا عن وقت دعائه لتأمل ولا غيره، وقد عرفوا صدق إخائه، وعظيم نصحه ~~ووفائه {ألا} بصيغة العرض تأدبا معهم وتلطفا بهم ولينالهم {تتقون*} أي ms3325 تكون ~~منكم تقوى لربكم الذي خلقكم فتعبدوه وحده ولا تشركوا به ما لا يضر ولا ~~ينفع؛ ثم علل بقوله: {إني لكم رسول} أي فهو الذي حملني على أن أقول لكم ذلك ~~{أمين} أي لا أكتم عنكم شيئا مما أمرت به ولا أخالف شيئا منه {فاتقوا} أي ~~فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: اتقوا {الله} الذي هو أعظم من كل شيء ~~{وأطيعون*} أي في # PageV14P068 # كل ما آمركم به من دوام تعظيمه {وما} أي أنا رسول داع والحال أني ما ~~{أسئلكم عليه} أي الدعاء {من أجر} فتتهموني به {إن} أي ما {أجري إلا على رب ~~العالمين*} . # ولما فرغ من الدعاء إلى الأصل، وهو الإيمان بالرسول والمرسل، أتبعه إنكار ~~بعض ما هم عليه مما أوجبه الكفر، وأوجب الاشتغال به الثبات على الغي، واعظا ~~لهم بما كان لمن قبلهم من الهلاك، مقدمة على زيادة التأكيد في التقوى ~~والطاعة لأن حالهم حال الناسي لذلك الطوفان، الذي أهلك الحيوان، وهدم ~~البنيان فقال: {أتبنون بكل ريع} أي مكان مرتفع؛ قال أبو حيان: وقال أبو ~~عبيدة: الريع الطريق. وقال مجاهد: الفج بين الجبلين، وقيل: السبيل سلك أم ~~لم يسلك. وأصله في اللغة الزيادة {آية} أي علامة على شدتكم لأنه لو كان ~~لهداية أو نحوها لكفى بعض الأرياع دون كلها. # ولما كان إقامة الدليل على قوتهم بمثل ذلك قليل الجدوى عند التأمل، قال: ~~{تعبثون*} والعاقل ينبغي له أن يصون أوقاته النفيسة # PageV14P069 # عن العبث الذي لا يكون سبب نجاته، وكيف يليق ذلك بمن الموت من ورائه. # ولما كان من يموت لا ينبغي له إنكار الموت بفعل ولا قول قال: {وتتخذون ~~مصانع} أي أشياء بأخذ الماء، أو قصورا مشيدة وحصونا تصنعونها، هي في ~~إحكامها بحيث تأكل الدهر قوة وثباتا، فلا يبنيها إلا من حاله حال الراجي ~~للخلود، ولذلك قال: {لعلكم تخلدون*} وهو معنى ما في البخاري عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما من تفسيرها بكأنكم. # PageV14P070 # ولما بين أن عملهم عمل من لا يخاف الموت، أتبعه ما يدل على أنهم لا يظنون ms3326 ~~الجزاء فقال: {وإذا بطشتم} أي بأحد، أخذتموه أخذ سطوة في عقوبة {بطشتم ~~جبارين*} أي غير مبالين بشيء من قتل أو غيره؛ قال البغوي: والجبار الذي ~~يضرب ويقتل على الغضب. # ولما خوفهم لهذا الإنكار عقاب الجبار، تسبب عنه أن قال: {فاتقوا الله} أي ~~الذي له جميع صفات الجلال والإكرام {وأطيعون*} . # ولما كان ادكار الإحسان موجبا للإذعان، قال مرغبا في الزيادة ومرهبا من ~~الحرمان: {واتقوا الذي أمدكم} أي جعل لكم مددا، # PageV14P070 # وهو إتباع الشيء بما يقويه على الانتظام {بما تعلمون*} أي ليس فيه نوع ~~خفاء حتى تعذروا في الغفلة عن تقييده بالشكر. # ولما أجمل، فصل ليكون أكمل، فقال: {أمدكم بأنعام} أي تعينكم على الأعمال ~~وتأكلون منها وتبيعون. ولما قدم ما يقيم الأود، أتبعه قوله: {وبنين*} أي ~~يعينونكم على ما تريدون عند العجز. ثم أتبعه ما يحصل كمال العيش فقال: ~~{وجنات} أي بساتين ملتفة الأشجار بحيث تستر داخلها، وأشار إلى دوام الري ~~بقوله: {وعيون*} . # ولما كانوا في إعراضهم كأنهم يقولون: ما الذي تبقيه منه؟ قال: {إني أخاف ~~عليكم} أي لأنكم قومي يسوءني ما يسوءكم - إن تماديتم على المعصية {عذاب يوم ~~عظيم*} وتعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب {قالوا} راضين بما عندهم من داء ~~الإعجاب، الموقع في كل ما عاب، {سواء علينا أوعظت} أي خوفت وحذرت وكنت ~~علامة زمانك في ذلك بأن تقول منه ما لم يقدر أحد على مثله، دل على ذلك ~~قوله: {أم لم تكن من الواعظين*} أي متأهلا لشيء من رتبة الراسخين في الوعظ، ~~معدودا في عدادهم، مذكورا فيما بينهم، فهو أبلغ من «أم لم تعظ» أو «تكن ~~واعظا، والوعظ - كما قال البغوي: كلام # PageV14P071 # يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. والمعنى أن الأمر مستو في الحالتين في ~~أنا لا نطيعك في شيء؛ ثم عللوا ذلك بقولهم: {إن} أي ما {هذا} أي الذي جئتنا ~~به {إلا خلق} بفتح الخاء وإسكان اللام في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ~~والكسائي {الأولين*} أي كذبهم، أو ما هذا الذي نحن فيه إلا عادة الأولين في ~~حياة ناس ms3327 وموت آخرين، وعافية قوم وبلاء آخرين، وعليه تدل قراءة الباقين بضم ~~الخاء واللام {وما نحن بمعذبين*} لأنا أهل قوة وشجاعة ونجدة وبراعة. # ولما تضمن هذا التكذيب، سبب عنه قوله: {فكذبوه} ثم سبب عنه قوله: ~~{فأهلكناهم} أي بالريح بما لنا من العظمة التي لا تذكر عندها عظمتهم، ~~والقوة التي بها كانت قوتهم {إن في ذلك} أي الإهلاك في كل قرن للعاصين ~~والإنجاء للطائعين {لآية} أي عظيمة لمن بعدهم على أنه سبحانه فاعل ذلك وحده ~~بسبب أنه يحق الحق ويبطل الباطل، وأنه مع أوليائه ومن كان معه لا يذل وعلى ~~أعدائه ومن كان عليه لا يعز {وما كان أكثرهم} أي أكثر من كان بعدهم ~~{مؤمنين*} فلا تحزن أنت على من أعرض عن الإيمان {وإن ربك} أي المحسن إليك ~~بإرسالك وغيره من النعم {لهو العزيز} في انتقامه {الرحيم*} في إنعامه ~~وإكرامه وإحسانه، مع عصيانه وكفرانه، وإرسال المنذرين # PageV14P072 # وتأييدهم بالآيات المعجزة لبيان الطريق الأقوم، والمنهج الأسلم، فلا يهلك ~~إلا بعد الإعذار بأبلغ الإنذار؛ ثم دل على ذلك لمن قد ينسى إذ كان الإنسان ~~مجبولا على النسيان بقوله: {كذبت ثمود} وهو أهل الحجر {المرسلين*} وأشار ~~إلى زيادة التسلية بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تأمل ولا توقف بقوله: {إذ} أي ~~حين {قال لهم أخوهم} أي الذي يعرفون صدقه وأمانته، وشفقته وصيانته {صالح} ~~وأشار إلى تلطفه بهم بقوله على سبيل العرض {ألا تتقون*} ثم علل ذلك بقوله: ~~{إني لكم رسول} أي من الله، فلذلك عرضت عليكم هذا لأني مأمور بذلك، وإلا لم ~~أعرضه عليكم {أمين*} لا شيء من الخيانة عندي، بل أنصح لكم في إبلاغ جميع ما ~~أرسلت به إليكم من خالقكم، الذي لا أحد أرحم بكم منه. # PageV14P073 # ولما قدم ذكر الرسالة فصار له عذر في المواجهة بالأمر، سبب عنه قوله ~~{فاتقوا الله} أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق. ولما ذكر الأمانة ~~قال: {وأطيعون*} . # ولما أثبت ما يوجب الإقبال عليه، نفى ما يستلزم عادة الإدبار عنه فقال: ~~{وما} أي إني لكم كذا والحال أني ما {أسئلكم عليه} ms3328 وأعرق في النفي بقوله: ~~{من أجر} ثم زاد في تأكيد هذا # PageV14P073 # النفي بقوله: {إن} أي ما {أجري} على أحد {إلا على رب العالمين*} أي ~~المحسن إليهم أجمعين، منه أطلب أن يعطيني كما أعطاهم. # ولما ثبتت الأمانة، وانتفى موجب الخيانة، شرع ينكر عليهم أكل خيره وعبادة ~~غيره، فقال مخوفا لهم من سطواته، ومرغبا في المزيد من خيراته. منكرا عليهم ~~إخلادهم إلى شهوة البطن، واستنادهم إلى الرفاهية والرضى بالفاني: {أتتركون} ~~أي من ايدي النوائب التي لا يقدر عليها إلا الله {في ما هاهنا} أي في ~~بلادكم هذه من النعم حال كونكم {آمنين*} أي أنتم تبارزون الملك القهار ~~بالعظائم. # ولما كان للتفسير بعد الإجمال شأن. بين ما أجمل بقوله مذكرا لهم بنعمة ~~الله ليشكروها: {في جنات} أي بساتين تستر الداخل فيها وتخفيه لكثرة أشجارها ~~{وعيون*} تسقيها مع ما لها من البهجة وغير ذلك من المنافع {وزروع} وأشار ~~إلى عظم النخيل ولا سيما ما كان عندهم بتخصيصها بالذكر بعد دخولها في ~~الجنات بقوله: {ونخل طلعها} أي ما يطلع منها من الثمر؛ قال الزمخشري: كنصل ~~السيف في جوفه شماريخ القنو، والقنو اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه ~~وشماريخه. {هضيم*} أي جواد كريم من قولهم: يد هضوم - إذا كانت تجود بما ~~لديها، وتفسيره بذلك يجمع أقوال العلماء، وإليه يرجع ما قال أبو عبد الله # PageV14P074 # القزاز معناه أنه قد هضم - أي ضغط - بعضه بعضا لتراكمه، فإنه لا يكون ~~كذلك إلا وهو كثير متقارب النضد، لا فرج بينه، ولطيف لين هش طيب الرائحة، ~~من الهضم بالتحريك، وهو خمس البطن ولطف الكشح؛ والهاضم وهو ما فيه رخاوة، ~~والهضم: البخور، والمهضومة: طيب يخلط بالمسك واللبان؛ قال الرازي في ~~اللوامع: أو يانع نضيج لين رخو ومتهشم متفتت إذا مس، أو يهضم الطعام، وكل ~~هذا يرجع إلى لطافته. # ولما ذكر اللطيف من أحوالهم، أتبعه الكثيف من أفعالهم، فقال عطفا على ~~{أتتركون} أو مبينا لحال الفاعل في {آمنين} : {وتنحتون} أي والحال أنكم ~~تنحتون إظهارا للقدرة {من الجبال بيوتا فارهين*} أي مظهرين النشاط ms3329 والقوة، ~~تعظيما بذلك وبطرا، لا لحاجتكم إلى شيء من ذلك {فاتقوا} أي فتسبب عن ذلك ~~أني أقول لكم: اتقوا {الله} الذي له جميع العظمة بأن تجعلوا بينكم وبين ~~عذابه وقاية باتباع أوامره؛ واجتناب زواجره {وأطيعون*} أي في كل ما آمركم ~~به وأنهاكم عنه. # فإني لا آمركم إلا بما يصلحكم فيكون سببا لحفظ ما أنتم فيه وتزدادون {ولا ~~تطيعوا} . # PageV14P075 # ولما كان لانقياد للآمر إنما هو بواسطة ما ظهر من أمره قال: {أمر ~~المسرفين*} اي المتجاوزين للحدود الذي صار لهم ذلك خلقا: ثم وصفهم بما بين ~~إسرافهم، وهو ارتكاب الفساد الخالص المصمت الذي لا صلاح معه فقال: {الذين ~~يفسدون في الأرض} أي يعملون ما يؤدي إلى الفساد لكونه غير محكم باستناده ~~إلى الله. # ولما كان ربما ادعى في بعض الفساد أن فيه صلاحا، نفى ذلك بقوله: {ولا ~~يصلحون*} أي لأنهم أسسوا أمرهم على الشرط فصاروا بحيث لا يصلح لهم عمل وإن ~~تراءى غير ذلك، أو أن المعنى أن المسرف من كان عريقا في الإسراف بجمع هذين ~~الأمرين. # ولما دعا إلى الله تعالى بما لا خلل فيه، فعلموا أنهم عاجزون عن الطعن في ~~شيء منه، عدلوا إلى التخييل على عقول الضعفاء بأن {قالوا إنما أنت من ~~المسحرين*} أي الذين بولغ في سحرهم مرة بعد مرة مع كونهم آدميين ذمي سحور، ~~وهي الرئات، فأثر فيك السحر حتى غلب عليك؛ ونقل البغوي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن معناه: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب، يقال: سحره ~~أي علله بالطعام والشراب. ويؤيده تفسيره بقولهم إشارة إلى أنه لا يصلح ~~للرسالة: # PageV14P076 # {ما أنت إلا بشر مثلنا} أي فما وجه خصوصيتك عنا بالرسالة، وهل يكون ~~الرسول من البشر، وإتباعهم الوصف الوصف من غير عطف عليه يدل على أنهم غير ~~جازمين بتكذيبه. فالوصفان عندهم بمنزلة شيء واحد كما إذا قيل: الزمان حلو ~~حامض، أي مر، ويؤيد كونهم في رتبة الشك لم يتجاوزوها إلى الجزم أو الظن ~~بالتكذيب قولهم: {فأت بآية} أي علامة تدلنا على صدقك {إن كنت} أي ms3330 كونا هو ~~غاية الرسوخ {من الصادقين*} أي العريقين في الصدق بخلاف ما يأتي قريبا في ~~قصة شعيب عليه السلام. # PageV14P077 # ولما أسرع الله تعالى في إجابته حين دعا أن يعطيهم ما اقترحوا، أشار إلى ~~ذلك بقوله: {قال} أي جوابا لاقتراحهم: تعالوا نظروا ما آتيكم به آية على ~~صدقي، فأتوا فأخرج الله له من الصخرة ناقة عشراء كما اقترحوا، فقال مشيرا ~~إليها بأداة القرب إشارة إلى سهولة إخراجها وسرعته: {هذه ناقة} أي أخرجها ~~ربي من الصخرة كما اقترحتم؛ ثم أشار إلى أن في هذه الآية آية أخرى بكونها ~~تشرب ماء البئر كله في يوم وردها وتكف عنه في اليوم الثاني لأجلهم، بقوله: ~~{لها شرب} أي نصيب من الماء في يوم معلوم {ولكم شرب يوم} أي نصيب # PageV14P077 # من الماء في يوم {معلوم*} لازحام بينكم وبينها في شيء من ذلك. # ولما أرشد السياق إرشادا بينا إلى أن المعنى: فخذوا شربكم واتركوا لها ~~شربها، عطف عليه قوله: {ولا تمسوها بسوء} أي كائنا ما كان وإن قل، لأن ما ~~كان من عند الله يجب إكرامه، ورعايته واحترامه؛ ثم خوفهم بما يتسبب عن ~~عصيانهم فقال: {فيأخذكم} أي يهلككم {عذاب يوم عظيم*} بسبب ما حل فيه من ~~العذاب، فهو أبلغ من وصف العذاب بالعظم، وأشار إلى سرعة عصيانهم بفاء ~~التعقيب في قوله: {فعقروها} أي قتلوها بضرب ساقها بالسيف. # ولما تسبب عن عقرها حلول مخايل العذاب، أخبر عن ندمهم على قتلها من حيث ~~إنه يفضي إلى الهلاك، لا من حيث إنه معصية لله ورسوله. فقال: {فأصبحوا ~~نادمين*} أي على عقرها لتحقق العذاب؛ وأشار إلى أن ذلك الندم لا على وجه ~~التوبة أو أنه عند رؤية البأس فلم ينفع، أو أن ذلك كناية عن أن حالهم صار ~~حال النادم، لا أنه وجد منهم ندم على شيء ما، فإنه نقل عنهم أنه أتاهم ~~العذاب # PageV14P078 # العذاب وهو يحاولون أن يقتلوا صالحا عليه السلام، بقوله: {فأخذهم العذاب} ~~أي المتوعد به. # ولما كان في الناقة وفي حلول المخايل كما تقدم أعظم دليل على صدق ms3331 الرسول ~~الداعي إلى الله قال: {إن في ذلك لآية} أي دلالة عظيمة على صحة ما أمروا به ~~عن الله، {وما} أي والحال أنه مع ذلك ما {كان أكثرهم مؤمنين*} . # ولما كان ربما توهم أنه سبحانه غير متصف بالعزة لعدم قسرهم على الإيمان، ~~أو بالرحمة لإهلاكهم، قال: {وإن ربك لهو العزيز} أي فلا يخرج شيء من قبضته ~~وإرادته، وهو الذي أراد لهم الكفر {الرحيم*} في كونه لم يهلك أحدا حتى أرسل ~~إليهم رسولا فبين لهم ما يرضاه سبحانه وما يسخطه، وأبلغ في إنذارهم حتى ~~أقام الحجة بذلك، ثم هو سبحانه يضل من يشاء لما تعلم من طبعه على ما يقتضي ~~الشقاوة، ويوفق من علم منه الخير لما يرضيه، فيتسبب عن ذلك سعادته، وفي ~~تكريره سبحانه هذه الآية آخر كل قصة على وجه التأكيد وإتباعها ما دلت عليه ~~من كفر من أتى بعد أصحابها. # من غير اتعاظ بحالهم، ولا نكوب عن مثل ضلالهم، خوفا من نظير نكالهم، أعظم ~~تسلية لهذا النبي الكريم، وتخويف لكل عليم حليم، واستعطاف لكل ذي قلب سيلم، ~~ولذلك # PageV14P079 # قال واصلا بالقصة: {كذبت} أي دأب من تقدم كأنهم تواصوا به {قوم لوط ~~المرسلين*} لأن من كذب رسولا - كما مضى - فقد كذب الكل، لتساوي المعجزات في ~~الدلالة على الصدق. وقد صرحت هذه الآية بكفرهم بالتكذيب. وبين إسراعهم في ~~الضلال بقوله: {إذ} أي حين {قال لهم أخوهم} أي في السكنى في البلد لا في ~~النسب لأنه ابن أخي إبراهيم عليه السلام، وهما من بلاد الشرق من بلاد بابل ~~- وكأنه عبر بالأخوة لاختياره لمجاورتهم، ومناسبتهم بمصاهرتهم، وإقامته ~~بينهم في مدينتهم مدة مديدة، وسنين عديدة، وإتيانه بالأولاد من نسائهم، مع ~~موافقته لهم في أنه قروي، ثم بينه بقوله: {لوط ألا تتقون*} أي تخافون الله ~~فتجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية. # ولما كان مضمون هذا الدعاء لهم والإنكار عليهم في عدم التقوى علل ذلك ~~بقوله: {إني لكم} أي خاصة {رسول أمين*} أي لا شيء من غش ولا خيانة عندي، ~~ولذلك سبب عنه قوله: {فاتقوا الله} ms3332 أي لقدرته على إهلاك من يريد وتعاليه في ~~عظمته {وأطيعون*} أي لأن طاعتي سبب نجاتكم، لأني لا آمركم إلا بما يرتضيه. ~~ولا أنهاكم إلا عما يغضبه. # PageV14P080 # ولما أثبت الداعي إلى طاعته، نفى الناهي عنها فقال: {وما أسئلكم عليه} أي ~~الدعاء إلى الله {من أجر} أي فتتهموني بسببه؛ ونفى سؤاله لغيرهم من الخلائق ~~بتخصيصه بالخالق فقال: {إن} أي ما {أجري إلا على رب العالمين*} أي المحسن ~~إليهم بإيجادهم ثم تربيتهم. فلما وجدوا المقتضى لاتباعه وانتفى المانع، ~~أنكر عليهم ما يوجب عذابهم من إيثارهم شهوة الفرج المخرج لهم إلى ما صاروا ~~به سبة في الخلق فقال موبخا مقرعا بيانا لتفاحش فعلهم وعظمه: {أتأتون} أي ~~إتيان المعصية {الذكران} ولعلهم كانوا يفعلون بالذكور من غير الآدميين ~~توغلا في الشر وتجاهرا بالتهتك لقوله: {من العالمين*} أي كلهم، أو يكون ~~المعنى: من بين الخلائق، أي أنكم اختصصتم بإتيان الذكران، لم يفعل هذا ~~الفعل غيركم من الناكحين من الخلق {وتذرون} أي تتركون لهذا الغرض {ما خلق ~~لكم} أي النكاح {ربكم} المحسن إليكم {من أزواجكم} أي وهن الإناث، على أن ~~«من» للبيان، ويجوز أن تكون مبعضة، ويكون المخلوق كذلك هو القبل. # ولما كانوا كأنهم قالوا: نحن لم نترك أزواجنا، حملا لقوله على # PageV14P081 # الترك أصلا ورأسا وإن كانوا قد فهموا أن مراده تركهن حال الفعل في ~~الذكور، قال مضربا عن مقالهم هذا المعلوم تقديره لما أرادوه به، حيدة عن ~~الحق، وتماديا في الفجور: {بل أنتم قوم عادون*} أي تركتم الأزواج بتعدي ~~الفعل بهن وتجاوزه إلى الفعل بالذكران، وليس ذلك ببدع من أمركم، فإن ~~العدوان - الذي هو مجاوزة الحد في الشر - وصف لكم أنتم عريقون فيه، فلذلك ~~لا تقفون عند حد حده الله تعالى. # فلما اتضح الحق، وعرف المراد، وكان غريبا عندهم، وتشوف السامع إلى ~~جوابهم، استؤنف الإخبار عنه، فقيل إعلاما بانقطاعهم وأنهم عارفون أنه لا ~~وجه لهم في ذلك أصلا لعدولهم إلى الفحش: {قالوا} مقسمين: {لئن لم تنته} ~~وسموه باسمه جفاء وغلظة فقالوا: {يا لوط} عن مثل إنكارك هذا ms3333 علينا. # ولما كان لما له من العظمة بالنبوة والأفعال الشريفة التي توجب إجلاله ~~وإنكار كل من يسمعهم أن يخرج مثله، زادوا في التأكيد فقالوا: {لتكونن من ~~المخرجين} أي ممن أخرجناه من بلدنا على وجه فظيع تصير مشهورا به بينهم. ~~إشارة إلى أنه غريب عندهم، وأن عادتهم المستمرة نفي من اعترض عليهم، وكان ~~قصدهم بذلك أن يكونوا هم # PageV14P082 # المتولين لإخراجه إهانة له للاستراحة منه، فكان إخراجه، لكن إخراج إكرام ~~للاستراحة منهم والنجاة من عذابهم بتولي الملائكة الكرام {قال} أي جوابا ~~لهم: {إني} مؤكدا لمضمون ما يأتي به {لعملكم} ولم يقل: قال بل زاد في ~~التأكيد بقوله: {من القالين*} أي المشهورين ببغض هذا العمل الفاحش، ~~العريقين في هذا الوصف، المذكورين بين الناس بمنابذة من يفعله، لا يردني عن ~~إنكاره تهديدكم لي بإخراج ولا غيره، والقلاء: بغض شديد كأنه يقلي الفؤاد. # ولما بادأهم بمثل هذا الذي من شأنه الإفضاء إلى الشر، أقبل على من يفعل ~~ذلك لأجله، وهو القادر على كل شيء العالم بكل شيء، فقال: {رب نجني وأهلي ~~مما} أي من الجزاء الذي يلحقهم لما {يعملون*} . # ولما قبل سبحانه وتعالى دعاءه، أشار إلى ذلك بقوله: {فنجيناه وأهله} مما ~~عذبناهم به بإخراجنا له من بلدهم حين ستخفافهم له، ولم يؤخره عنهم إلى حين ~~خروجه إلا لأجله، وعين سبحانه المراد مبينا أن أهله كثير بقوله: {أجمعين*} ~~أي أهل بيته والمتبعين له على دينه {إلا عجوزا} وهي امرأته، كائنة {في} حكم ~~{الغابرين*} أي الماكثين الذي تلحقهم الغبرة بما يكون من الداهية فإننا لن ~~ننجها لقضائنا بذلك في الأزل، لكونها لم تتابعه في الدين، وكان هواها مع ~~قومها. # PageV14P083 # ولما ذكر نجاته المفهمة لهلاكهم، صرح به على وجه هوله بأداة التراخي لما ~~علم غير مرة أنه كان عقب خروجه، لم يتخلل بينهما مهلة فقال: {ثم دمرنا} أي ~~أهلكنا هلاكا بغتة صلبا أصم في غاية النكد، وما أحسن التعبير عنهم بلفظ ~~{الآخرين*} لإفهام تأخرهم من كل وجه. # ولما كان معنى {دمرنا} : حكمنا بتدميرهم، عطف عليه قوله: {وأمطرنا} ودل ms3334 ~~على العذاب بتعديته ب «على» فقال: {عليهم مطرا} أي وأي مطر، ولذلك سبب عنه ~~قوله: {فساء مطر المنذرين*} أي ما أسوأ مطر الذين خوفهم لوط عليه السلام ~~بما أشار إليه إنكاره وتعبيره بالتقوى والعدوان. # ولما كان في جري المكذبين والمصدقين على نظام واحد من الهلاك والنجاة ~~أعظم عبرة وأكبر موعظة، أشار إلى ذلك بقوله: {إن في ذلك لآية} أي دلالة ~~عظيمة على صدق الرسل في جميع ترغيبهم وترهيبهم وتبشيرهم وتحذيرهم. # ولما كان من أتى بعد هذه الأمم كقريش ومن تقدمهم قد علموا أخبارهم، وضموا ~~إلى بعض الأخبار نظر الديار، والتوسم في الآثار # PageV14P084 # قال معجبا من حالهم في ضلالهم: {وما} أي والحال أنه ما {كان أكثرهم ~~مؤمنين*} . # ولما كان في ذلك إشارة إلى الإنذار بمثل ما حل بهم من الدمار، أتبعه ~~التصريح بالتخويف والإطماع فقال: {وإن ربك لهو} أي وحده {العزيز} أي في ~~بطشه بأعدائه {الرحيم*} في لطفه بأوليائه، ورفقه بأعدائه بإرسال الرسل، ~~وبيان كل مشكل؛ ثم وصل بذلك دليله، فقال مذكرا الفعل لشدة كفرهم بدليل ما ~~يأتي من إثبات الواو في {وما أنت إلا بشر مثلنا} : {كذب أصحاب لئيكة} أي ~~الغيضة ذات الأرض الجيدة التي تبتلع الماء فتنبت الشجر الكثير الملتف ~~{المرسلين*} لتكذيبهم شعيبا عليه السلام فيما أتى به من المعجزة السماوية ~~في خرق العادة وعجز المتحدين بها عن مقاومتها - لبقية المعجزات الآتي بها ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام {إذ قال لهم} . # ولما كانوا أهل بدو وكان هو عليه السلام قرويا، قال: {شعيب} ولم يقل: ~~أخوهم، إشارة إلى أنه لم يرسل نبيا إلا من أهل القرى، تشريفا لهم لأن ~~البركة والحكمة في الاجتماع، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم # PageV14P085 # عن التعرب بعد الهجرة، وقال: «من يرد الله به خيرا ينقله من البادية إلى ~~الحاضرة» {ألا تتقون*} أي تكونون من أهل التقوى، وهو مخافة من الله سبحانه ~~وتعالى. # ولما كان كأنه قيل: ما لك ولهذا؟ قال: {إني} وأشار إلى تبشيرهم إن أطاعوه ~~بقوله: {لكم رسول} أي من الله، فهو أمرني أن ms3335 أقول لكم ذلك {أمين*} أي لا غش ~~عندي ولا خداع ولا خيانه، فلذلك أبلغ جميع ما أرسلت به، ولذلك سبب عنه ~~قوله: {فاتقوا الله} أي المستحق لجميع العظمة، وهوالمحسن إليكم بهذه الغيضة ~~وغيرها {وأطيعون*} أي لما ثبت من نصحي. # ولا قدم ما هو المقصود بالذات. عطف على خبر {إن} قوله: {وما أسئلكم عليه ~~من أجر} نفيا لما ينفر عنه؛ ثم زاد في البراءة مما يوكس من الطمع في أحد من ~~الخلق فقال: {إن} أي ما {أجري إلا على رب العالمين*} أي المحسن إلى الخلائق ~~كلهم، فأنا لا أرجو أبدا أحدا يحتاج إلى الإحسان إليه، وإنما أعلق أملي ~~بالمحسن الذي لا يحتاج إلى أحد، وكل أحد سائل من رفده، وآخذ من عنده ولقد ~~اتضح أن الرسل متطابقون في الدعوة في الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في ~~العبادة، مع النصح والعفة، والأمانة والخشية والمحسبة. # PageV14P086 # ولما كان كأنه قيل: ما الذي تنعى فيه؟ قال: مبينا أن داءهم # PageV14P086 # حب المال، المفضي لهم إلى سوء الحال، {أوفوا الكيل} أي أتموه إتماما لا ~~شبهة فيه إذا كلتم كما توفونه إذا اكتلتم لأنفسكم. ولما أمرهم بالإيفاء ~~نهاهم عن النقص على وجه أعم فقال: {ولا تكونوا} أي كونا هو كالجبلة، ولعله ~~إشارة إلى ما يعرض من نحو ذلك من الخواطر أو الهيئات التي يغلب الإنسان ~~فيها الطبع ثم يرجع عنها رجوعا يمحوها، ولذلك قال: {من المخسرين*} أي الذين ~~يخسرون - أي ينقصون - أنفسهم أديانها بإخسار الناس دنياهم بنقص الكيل أو ~~غيره من أنواع النقص من كل ما يوجب الغبن، فتكونوا مشهورين بذلك بين من ~~يفعله. # ولما أمر بوفاء الكيل، أتبعه بمثل ذلك في الوزن، ولم يجمعهما لما للتفريق ~~من التعريف بمزيد الاهتمام فقال: {وزنوا} أي لأنفسكم وغيركم {بالقسطاس} أي ~~الميزان الأقوم؛ وأكد معناه بقوله: {المستقيم*} . # ولما أمر بالوفاء في الوزن، أتبعه نهيا عن تركه عاما كما فعل في الكيل ~~ليكون آكد فقال: {ولا تبخسوا} أي تنقصوا {الناس أشياءهم} # PageV14P087 # أي في كيل أو وزن أو غيرهما نقصا يكون كالسبخة لا فائدة ms3336 فيه. ثم أتبع ذلك ~~بما هو أعم منه فقال: {ولا تعثوا} أي تتصرفوا {في الأرض} عن غير تأمل حال ~~كونكم {مفسدين*} أي في المال أو غيره، قاصدين بذلك الإفساد - كما تقدم ~~بيانه في سورة هود عليه السلام. # ولما وعظهم فابلغ في وعظهم بما ختمه بالنهي عن الفساد، خوفهم من سطوات ~~الله تعالى ما أحل بمن هو أعظم منهم فقال: {واتقوا الذي خلقكم} أي فإعدامكم ~~أهون شيء عليه، وأشار إلى ضعفهم وقوة من كان قبلهم بقوله: {والجبلة} أي ~~الجماعة والأمة {الأولين*} الذين كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة كأنها الجبال ~~قوة وصلابة لا سيما قوم هود عليه السلام الذين هم عرب مثلكم، وقد بلغت بهم ~~الشدة في أبدانهم، والصلابة في جميع أركانهم، إلى أن قالوا {من أشد منا ~~قوة} [فصلت: 15] وقد بلغكم ما أنزل بهم سبحانه من بأسه، لأن العرب أعلم ~~الناس بأخبارهم. # ولما كان الحاصل ما مضى الإعلام بالرسالة، والتحذير من المخالفة، # PageV14P088 # لأنها تؤدي إلى الضلالة إلى أن ختم ذلك بالإشارة بالتعبير بالجبلة إلى أن ~~عذابه تعالى عظيم، لا يستعصي عليه صغير ولا كبير، أجابوه بالقدح في الرسالة ~~أولا، وباستصغار الوعيد ثانيا، بأن {قالوا إنما أنت من المسحرين*} أي الذين ~~كرر سحرهم مرة بعد أخرى حتى اختبلوا، فصار كلامهم على غير نظام، أو من ~~المعللين بالطعام والشراب كما مضى في صالح عليه السلام، أي فأنت بعيد من ~~الصلاحية للرسالة: ثم أشاروا إلى عدم صلاحية البشر مطلقا لها ولو كانوا ~~أعقل الناس وأبعدهم عن الآفة بقولهم، عاطفين بالواو إشارة إلى عراقته فيما ~~وصفوه به من جهة السحر والسحر، وأنه لا فرق بينه وبينهم: {وما أنت إلا بشر ~~مثلنا} أي فلا وجه لتخصيصك عنا بذلك، والدليل على أن عطف ذلك أبلغ من ~~إتباعه من غير عطف جزمهم بظن كذبه في قولهم؛ {وإن} أي وإنا {نظنك لمن ~~الكاذبين*} أي العريقين في الكذب - هذا مذهب البصريين في أن {إن} مخففة من ~~الثقيلة، والذي يقتضيه السياق ترجح مذهب الكوفيين هنا في أن {إن} نافية، ~~فإنهم أرادوا ms3337 بإثبات الواو في {وما} المبالغة في نفي إرساله بتعداد ما ~~ينافيه، فيكون مرادهم أنه ليس لنا ظن يتوجه إلى غير الكذب، وهو أبلغ من ~~إثبات الظن به، ويؤيده # PageV14P089 # تسبيبهم عنه سؤاله استهزاء به وتعجيزا له إنزال العذاب بخلاف ما تقدم عن ~~قوم صالح عليه السلام، فقالوا: {فأسقط علينا كسفا} بإسكان السين على قراءة ~~الجماعة وفتحها في رواية حفص، وكلاهما جمع كسفة، أي قطعا {من السماء} أي ~~السحاب، أو الحقيقة، وهذا الطلب لتصميمهم على التكذيب، ولو كان فيهم أدنى ~~ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم فضلا عن طلبه ولا سيما كونه على وجه ~~التهكم، ولذلك قالوا: {إن كنت} أي كونا هو لك كالجبلة {من الصادقين*} أي ~~العريقين في الصدق، المشهورين فيما بين أهله، لنصدقك فيما لزم من أمرك لنا ~~باتخاذ الوقاية من العذاب من التهديد بالعذاب، وما أحسن نظره إلى تهديده ~~لهم بما لله عليهم من القدرة في خلقهم وخلق من كانوا أشد منهم قوة وإهلاكهم ~~بأنواع العذاب لما عصوه بتكذيب رسله. # ولما كان عذاب العاصي يتوقف على العلم المحيط بأعماله، والقدرة على ~~نكاله، استأنف تعالى الحكاية عنه في تنبيهه لهم على ذلك بقوله: {قال} مشيرا ~~إلى أنه لا شيء من ذلك إلا إلى من أرسله، وهو # PageV14P090 # متصف بكلا الوصفين، وأما هو فإنه وإن كان عالما فهو قاصر العلم فهو غير ~~قادر: {ربي أعلم} أي مني {بما تعملون*} لأنه محيط العلم فهو شامل القدرة، ~~فهو يعلم استحقاقكم للعذاب، ومقدار ما تستحقون منه ووقت إنزاله، فإن شاء ~~عذبكم، وأما أنا فليس علي إلا البلاغ وأنا مأمور به، فلم أخوفكم من نفسي ~~ولا ادعيت قدرة على عذابكم، فطلبكم ذلك مني ظلم منكم مضموم إلى ظلمكم ~~بالتكذيب. # ولما كان محط كلامهم كله على تكذيبهم له من غير قدح في قدرة الخالق، سبب ~~العذاب عن تكذيبهم فقال: {فكذبوه} أي استمروا على تكذيبه {فأخذهم} أي أخذ ~~ملاك {عذاب يوم الظلة} وهي سحابة على نحو ما طلبوا من قطع السماء، أتتهم ~~بعد حر شديد نالهم حتى من ms3338 الأسراب في داخل الأرض أشد مما نالهم من خارجها ~~ليعلم أن لا فاعل إلا الله، وأنه يتصرف كيف شاء على مقتضى العادة وغير ~~مقتضاها فوجدوا من تلك الظلة نسيما باردا، وروحا طيبا، فاجتمعوا تحتها ~~استرواحا إليها واستظلالا بها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا بنحو مما ~~اقترحوا وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فنفذت فيهم سهام القدرة. # ولم يجدوا من دونها وقاية ولا سترة من غير أن تدعو حاجة إلى سقوط شيء من ~~جرم السماء، ولا بما دونها من العماء. # PageV14P091 # ولما كان الحال موجبا للسؤال عن يوم الظلة، قال تعالى مهولا لأمره ومعظما ~~لقدره: {إنه كان} فأكد ب «إن» وعظم ب «كان» {عذاب يوم عظيم*} وزاده عظما ~~بنسبته إلى اليوم فصار له من الهول، ببديع هذا القول، ما تجب له القلوب ~~وتعظم الكروب. # PageV14P092 # ولما كان لتوالي الإخبار بإهلاك هذه القرون، وإبادة من ذكر من تلك الأمم، ~~من الرعب ما لا يبلغ وصفه، ولا يمكن لغيره سبحانه شرحه، قال تعالى مشيرا ~~إليه تحذيرا من مثله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من الإنجاء المطرد لكل ~~رسول ومن أطاعه، والأخذ المطرد لمن عصاه في كل عصر بكل قطر، بحث لا يشذ من ~~الفريقين إنسان قاص ولا دان {لآية} أي لدلالة واضحة عظيمة على صدق الرسل ~~وأن يكونوا جديرين بتصديق العباد لهم في جميع ما قالوا من البشائر والنذائر ~~بأن الله تعالى يهلك من عصاه، وينجي من والاه، لأنه الفاعل المختار، لا ~~مانع له، ولا سيما أنت وأنت أعظمهم منزلة، وأكرمهم رتبة، ولا سيما وقد أتيت ~~قومك بما لا يكون معه شك لو لم يكن لهم بك معرفة قبل ذلك، فكيف وهم عارفون ~~بأنك كنت قبل الرسالة أصدقهم # PageV14P092 # لهجة، وأعظمهم أمانة، وأغزرهم عقلا، وأوضحهم نبلا، وأعلاهم همة، وأبعدهم ~~عن كل دنس - وإن قل - ساحة؛ ثم عجب من توقفهم في الإيمان مع ما عرفوا من ~~صدق نبيهم وطهارة أخلاقه، ووفور شفقته عليهم، ولم يخافوا من مثل ما تحقفوه ~~من إهلاك هذه الأمم فقال: {وما كان أكثرهم} ms3339 أي أكثر قومك كما كان من قبلهم ~~مع رؤية هذه الآيات، وإحلال المثلات حتى لكأنهم تواصوا بذلك {مؤمنين*} أي ~~عريقين في الإيمان، بل ما يؤمنون إلا وهو مشركون. # ولما كان هذا كله تأسية للداعي صلى الله عليه وسلم، وتهديدا لمن تمادى ~~على تكذيبه، وترجية لمن رجع عن ذنوبه، أشار إلى ذلك بقوله: {وإن ربك} أي ~~المحسن إليك بكل ما يعلي شأنك، ويوضح برهانك {لهو العزيز} فلا يعجزه أحد، ~~ولا ينسب في إمهال عاص إلى إهمال ولا عجز {الرحيم*} فلا يأخذ إلا بعد تجاوز ~~الحد، واليأس عن الرد، مع البيان الشافي، في الإبلاغ الوافي، والتلطف ~~الكافي، وكرر الختام بهذا الكلام في هذه السورة ثماني مرات فلعل من أسراره ~~الإشارة إلى سبق الرحمة للغضب، لأن من السورة - المفتتحة بالكتاب القيم ~~والعبد الكامل بالإضافة إلى الملك الأعظم اللذين هما رحمة الخالق للخلائق، ~~وذكر فيها مع تقديمها في الترهيب أهل الرحمة من أهل الكهف # PageV14P093 # الذين قالوا {هب لنا من لدنك رحمة} وموسى والخضر عليهما السلام اللذين ~~آتى كلا منهما من لدنه رحمة، وذا القرنين الذي آتاه من كل شيء سببا فأتبع ~~سببا وقال {هذا رحمة من ربي} - إلى سورة الرحمة بإنزال الفرقان على عبده ~~المضاف إليه للإنذار المؤذن بصفة العزة - ثماني سور، فكل منهما ثامنة ~~الأخرى، وافتتحت السورة الوالية للفرقان تفصيلا لما في أول الكهف بقوله: ~~{لعلك باخع نفسك} وبذكر ما على الأرض من زينة {ألم يروا إلى الأرض كم ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم} كل ذلك تذكيرا بما في تلك من الكتاب الجامع ~~بالرحمة، وتحذيرا مما في القرآن من الإنذار الفارق بالعزة، فلما كان ذلك ~~كررت صفتا العز التي أذنت بها الفرقان، والرحمة التي صرحت بها الكهف ثماني ~~مرات بحسب ذلك العدد، تذكيرا بهذا المعنى البديع، وترغيبا وترهيبا وتذكيرا ~~بأبواب الرحمة الثمانية مع ما لختم القصص بذلك من الروعة في النفس، والهيبة ~~في القلب، والأنس البالغ للروح، وقدمت هنا صفة العزة الناظرة للإنذار ~~بالفرقان على طريق النشر المشوش مع ما اقتضى ذلك ms3340 من الحال هنا وجعلت القصص ~~سبعا تحذيرا من أبواب النقمة السبعة - إلى غير ذلك من الأسرار التي لا ~~تسعها الأفكار. # ولما كانت آثار هذه القصص آيات مرئيات، والإخبار بها آيات # PageV14P094 # مسموعات، وكان في اطراد إهلاك العاصي وإنجاء الطائع في كل منهما، على ~~تباعد الأعصار، وتناهي الأقطار، واختلاف الديار، أعظم دليل على صدق الرسل، ~~وتقرير الرسالات لتوافقهم في الدعوة إلى الله، وتواردهم على التوحيد، ~~والعدل مع العزوف عن الدنيا التي هي شر محض، والإقبال على الآخرة التي هي ~~خير صرف، والتحلي بما أطبق العباد على أنه معالي الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ~~والتخلي عن جميع الدنايا، والتنزه عن كل نقص، عطف على قوله أول السورة {وما ~~يأتيهم من ذكر} - الآية الإخبار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، إشارة إلى ~~ما في الإخبار عن آثار هذه القصص بالآيات المسموعات من عظيم الدلالات على ~~رسالته صلى الله عليه وسلم بما فيها من الإعجاز من جهة التركيب والترتيب ~~وغير ذلك من عجيب الأساليب الذي لم تؤته أمة من الأمم السالفات، ومن جهة أن ~~الآتي بتلك القصص الغريبة، والأنباء البديعة العجيبة، أمي لم يخالط عالما ~~مع شدة ملاءمة القرآن لخصوص ما في قصة شعيب عليه السلام من العدل في الكيل ~~والوزن الذي هو مدار القرآن، ومن أنه الظلة الجامعة للخير، والفسطاط الدافع ~~لكل ضير، فقال ردا للمقطع على المطلع: {وإنه} أي الذكر # PageV14P095 # الذي أتاهم بهذه الأخبار وهم عنه معرضون وله تاركون {لتنزيل رب ~~العالمين*} أي الذي رباهم بشمول علمه، وعظيم قدرته، بما يعجز عن أقل شيء ~~منه غيره لكونه أتاهم بالحق منها على لسان من لم يخالط عالما قط، ومع أنه ~~سبحانه غذاهم بنعمته، ودبرهم بحكمته، فاقتضت حكمته أن يكون هذا الذكر جامعا ~~لكونه ختاما، وأن يكون معجزا لكونه تماما، ونزله على حسب التدريج شيئا ~~فشيئا. مكررا فيه ذكر القصص سابقا في كل سورة منها ما يناسب المقصود من تلك ~~السورة، معبرا عما يسوقه منها بما يلائم الغرض من ذلك السياق مع مراعاة ~~الواقع، ومطابقة الكائن. # ولما ms3341 كان الحال مقتضيا لأن يقال: من أتى بهذا المقال، عن ذي الجلال؟ قال: ~~{نزل به} أي نجوما على سبيل التدريج من الأفق الأعلى الذي هو محل البركات، ~~وعبر عن جبرائيل عليه السلام بقوله: {الروح} دلالة على أنه مادة خير، وأن ~~الأرواح تجيء بما ينزله من الهدى، وقال: {الأمين*} إشارة إلى كونه معصوما ~~من كل دنس، فلا يمكن منه خيانة {على قلبك} أي يا محمدا الذي هو أشرف القلوب ~~وأعلاها، وأضبطها وأوعاها، فلا زيغ فيه ولا عوج، # PageV14P096 # حتى صار خلقا له، وفي إسقاط الواسطة إشارة إلى أنه - لشدة إلقائه السمع ~~وإحضاره الحس - يصير في تمكنه منه بحيث يحفظه فلا ينسى، ويفهمه حق فهمه فلا ~~يخفى، فدخوله إلى القلب في غاية السهولة حتى كأنه وصل إليه بغير واسطة ~~السمع عكس ما يأتي عن المجرمين، وهكذا كل من وعى شيئا غاية الوعي حفظه كل ~~الحفظ، انظر إلى قوله تعالى {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ~~وقل رب زدني علما} [طه: 114] {لا تحرك به لسانك لتعجل به} [القيامة: 16] . # ولما كان السياق في هذه السورة للتحذير، قال معللا للجملة التي قبله: ~~{لتكون من المنذرين*} أي المخوفين المحذرين لمن أعرض عن الإيمان، وفعل ما ~~نهى عنه من العصيان. # ولما كان القصد من السورة التسلية عن عدم إيمانهم بأنه لسفول شأنهم، لا ~~لخلل في بيانه، ولا لنقص في شأنه، قال تعالى موضحا لتمكنه من قبله: {بلسان ~~عربي} . ولما كان في العربي ما هو حوشي لفظا أو تركيبا، مشكل على كثير من ~~العرب، قال: {مبين*} أي بين في نفسه كاشف لما يراد منه غير تارك لبسا عند ~~من تدبره # PageV14P097 # حق تدبره على ما يتعارفه العرب في مخاطباتها، من سائر لغاتها، بحقائقها ~~ومجازاتها على اتساع إراداتها، وتباعد مراميها في محاوراتها، وحسن مقاصدها ~~في كناياتها واستعاراتها، ومن يحيط بذلك حق الإحاطة غير العليم الحكيم ~~الخبير البصير، وإنما كانت عربيته وإبانته موضحة لسبقه قلبه، لأن من تكلم ~~بلغته - فكيف بالبين منها - تسبق المعاني الألفاظ إلى قلبه، فلو كان ms3342 أعجميا ~~لكان نازلا على السمع، لأنه يسمع أجراس حروف لا يفهم معانيها؛ قال الكشاف: ~~وقد يكون الرجل عارفا بعدة لغات، فإذا كلم بلغته التي لقنها أولا ونشأ ~~عليها وتطبع بها لم يكن قلبه إلا إلى المعاني، ولا يكاد يفطن للألفاظ، وإن ~~كلم بغيرها وإن كان ماهرا فيها كان نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها - ~~انتهى. ففيه تقريع عظيم لمن يعرف لسان العرب ولا يؤمن به. # ولما كان الاستكثار من الأدلة مما يسكن النفوس، وتطمئن به # PageV14P098 # القلوب، قال تعالى: {وإنه} أي هذا القرآن أصوله وكثير من قصصه وأمهات ~~فروعه {لفي زبر} أي كتب {الأولين*} المضبوطة الظاهرة في كونها أتت من ~~السماء إلى أهلها الذين سكنت النفوس إلى أنه أتتهم رسل، وشرعت لهم شرائع ~~نزلت عليهم بها كتب من غير أن يخالط هذا الذي جاء به أحدا منهم أو من غيرهم ~~في علم ما، وكان ذلك دليلا قاطعا على أنه ما أتاه به إلا الله تعالى. # ولما كان التقدير: ألم يكن لهم أمارة على صدق ذلك أن يطلبوا تلك الزبر ~~فينظروا فيذوقوا ذلك منها ليضلوا إلى حق اليقين؟ عطف عليه قوله: {أولم يكن ~~لهم} . # ولما كان هذا الأسلوب الاستدلال، اقتضى تقديم الخبر على الاسم في قراءة ~~الجمهور بالتذكير والنصب، فقال بعد تقديم لما اقتضاه من الحال: {آية} أي ~~علامة على النسبة إلينا؛ ثم اتبع ذلك الاسم محلولا إلى أن والفعل لأنه أخص ~~وأعرف وأوضح من ذكر المصدر، فقال: {أن يعلمه} أي هذا الذي أتى به نبينا من ~~عندنا؛ وأنث ابن عامر الفعل ورفع {آية} اسما وأخبر عنها بأن والفعل {علماء ~~بني إسرائيل*} فيقروا به ولا ينكروه، ليؤمنوا به ولا يهجروه، فإن قريشا ~~كانوا كثيرا ما يرجعون إليهم ويعولون في # PageV14P099 # الأخبار الإلهية عليهم، فإن كثيرا منهم أسلم وذكر تصديق التوارة والإنجيل ~~والزبور وغيرها من أسفار الأنبياء عليهم السلام للقرآن في صفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وفي ذلك ما يؤيد صدقه، ويحقق أمره، وقد عربت الكتب ~~المذكورة بعد ذلك، وأخرج منها علماء ms3343 الإسلام كثيرا مما أهملوه حجة عليهم، ~~ولا فرق في ذلك بين من أسلم منهم وبين غيرهم، فإنها حين نزول القرآن كان ~~التبديل قد وقع فيها بإخبار الله تعالى، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~أهل مكة بعثوا إلى اليهود يسألونهم عن محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا ~~زمانه، وإنا لنجد في التوراة صفته، فكان ذلك ملزما لهم بإخبار الله تعالى، ~~وكذلك كل ما استخرج من الكتب يكون حجة على أهلها. # ولما كان التقدير: لم يروا شيئا من ذلك آية ولا آمنوا، عطف عليه أو على ~~قوله تعالى أول سورة {فقد كذبوا} الآية: {ولو نزلناه} أي على ما هو عليه من ~~الحكمة والإعجاز بما لنا من العظمة {على بعض الأعجمين*} الذين لا يعرفون ~~شيئا من لسان العرب من # PageV14P100 # البهائم أو الآدميين، جمع أعجم، وهو من لا يفصح وفي لسانه عجمة، والأعجمي ~~مثله بزيادة تأكيد ياء النسبة {فقرأه عليهم} أي ذلك الذي نزلناه عليه على ~~ما هو عليه من الفصاحة والإعجاز مع علمهم القطعي أنه لا يعرف شيئا من ~~اللسان {ما كانوا به مؤمنين*} أي راسخين ولتمحلوا لكفرهم عذرا في تسميته ~~سحرا أو غير ذلك من تعنتهم {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهو مشركون} من فرط ~~عنادهم، وتهيئهم للشر واستعدادهم له، بل لا يسمعونه حق السماع، ولا يعونه ~~حق الوعي، بل سماعا وفهما على غير وجهه. # PageV14P101 # ولما كان ذلك محل عجب، وكان ربما ظن له أن الأمر على غير حقيقته، قرر ~~مضمونه وحققه بقوله: {كذلك} أي مثل هذا السلك العجيب - الذي هو سماع وفهم ~~ظاهري - في صعوبة مدخله وضيق مدرجه. # ولما لم يكن السياق مقتضيا لما اقتضاه سياق الحجر من التأكيد، اكتفى ~~بمجرد الحدوث فقال: {سلكناه} أي كلامنا والحق الذي أرسلنا به رسلنا بما لنا ~~من العظمة، في قلوبهم - هكذا كان الأصل، ولكنه علق الحكم بالوصف، وعم كل ~~زمن وكل من اتصف به فقال: {في قلوب المجرمين*} أي الذين طبعناهم على ~~الإجرام، وهو القطيعة # PageV14P101 # لما ينبغي وصله، كما ينظم السهم ms3344 إذا رمي به، أو الرمح إذا طعن به في ~~القلب، لا يتسع له، ولا ينشرح به، بل تراه ضيقا حرجا. # ولما كان هذا المعنى خفيا، بينه بقوله: {لا يؤمنون به} أي من أجل ما ~~جبلوا عليه من الإجرام، وجعل على قلوبهم من الطبع والختام {حتى يروا العذاب ~~الأليم*} فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان. # ولما كان إتيان الشر فجاءة أشد. وكان أخذه لهم عقب رؤيتهم له من غير مهلة ~~يحصل فيها نوع استعداد أصلا، دل على ذلك مصورا لحاله بقوله دالا بالفاء على ~~الأشدية والتعقيب: {فيأتيهم بغتة} . # ولما كان البغت الإتيان على غفلة، حقق ذلك نافيا للتجوز بقوله: {وهم لا ~~يشعرون*} ودل على تطاوله في محالهم، وجوسه لخلالهم، وتردده في حلالهم، ~~بقوله دالا على ما هو أشد عليهم من المفاجأة بالإهلاك: {فيقولوا} أي تأسفا ~~واستسلاما وتلهفا في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا طاقة به بوجه: {هل نحن ~~منظرون*} أي مفسوح لنا في آجالنا لنسمع ونطيع. # ولما حقق أن حالهم عند الأخذ الجؤار بالذل والصفار به، تسبب عنه ما ~~يستحقون باستعجاله من الإنكار في قوله، منبها على أن قدره يفوق الوصف بنون ~~العظمة: {أفبعذابنا} أي وقد تبين لهم # PageV14P102 # لما ينبغي وصله، كما ينظم السهم إذا رمي به، أو الرمح إذا طعن به في ~~القلب، لا يتسع له، ولا ينشرح به، بل تراه ضيقا حرجا. # ولما كان هذا المعنى خفيا، بينه بقوله: {لا يؤمنون به} أي من أجل ما ~~جبلوا عليه من الإجرام، وجعل على قلوبهم من الطبع والختام {حتى يروا العذاب ~~الأليم*} فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان. # ولما كان إتيان الشر فجاءة أشد. وكان أخذه لهم عقب رؤيتهم له من غير مهلة ~~يحصل فيها نوع استعداد أصلا، دل على ذلك مصورا لحاله بقوله دالا بالفاء على ~~الأشدية والتعقيب: {فيأتيهم بغتة} . # ولما كان البغت الإتيان على غفلة، حقق ذلك نافيا للتجوز بقوله: {وهم لا ~~يشعرون*} ودل على تطاوله في محالهم، وجوسه ms3345 لخلالهم، وتردده في حلالهم، ~~بقوله دالا على ما هو أشد عليهم من المفاجأة بالإهلاك: {فيقولوا} أي تأسفا ~~واستسلاما وتلهفا في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا طاقة به بوجه: {هل نحن ~~منظرون*} أي مفسوح لنا في آجالنا لنسمع ونطيع. # ولما حقق أن حالهم عند الأخذ الجؤار بالذل والصفار به، تسبب عنه ما ~~يستحقون باستعجاله من الإنكار في قوله، منبها على أن قدره يفوق الوصف بنون ~~العظمة: {أفبعذابنا} أي وقد تبين لهم # PageV14P103 # كيف كان أخذه للأمم الماضية، والقرون الخالية، والأقوام العاتية! ~~{يستعجلون*} أي بقولهم: أمطر علينا حجارة من السماء، أسقط السماء علينا ~~كسفا، ائت بالله والملائكة قبيلا، كما قال هؤلاء الذين قصصنا أمرهم، وتلونا ~~ذكرهم {فأسقط علينا كسفا من السماء} ونحو ذلك. # ولما تصورت حالة مآبهم، في أخذهم بعذابهم، وكان استعجالهم به يتضمن ~~الاستخفاف والتكذيب والوثوق بأنهم ممتعون، وتعلق آمالهم بأن تمتيعهم بطول ~~زمانه، وكان من يؤذونه يتمنى لو عجل لهم، سبب عن ذلك سبحانه سؤال داعيهم ~~مسليا ومؤسيا ومعزيا فقال: {أفرأيت} أي هب أن الأمر كما يعتقدون من طول ~~عيشهم في النعيم فأخبرني {إن متعناهم} أي في الدنيا برغد العيش وصافي ~~الحياة. # ولما كانت حياة الكافر في غاية الضيق والنكد وإن كان في أصفى رغد، عبر ~~بما يدل على القحط بصيغة القلة وإن كان السياق يدل على أنها للكثرة فقال: ~~{سنين ثم جاءهم} أي بعد تلك السنين المتطاولة، والدهور المتواصلة {ما كانوا ~~يوعدون*} أي مما طال إنذارك إياهم به وتحذيرك لهم منه على غاية التقريب لهم ~~والتمكين في إسماعهم، أخبرني {ما} أي أي شيء {أغنى عنهم} أي فيما أخذهم من ~~العذاب {ما كانوا} أي كونا هو في غاية المكنة وطول الزمان {يمتعون*} # PageV14P104 # تمتيعا هو في غاية السهولة عندنا، وصوره بصورة الكائن تنديما عليه، ~~والمعنى أنه ما أغنى عنهم شيئا لأن عاقبته الهلاك، وزادهم بعدا من الله ~~وعذابه بزيادة الآثام الموجبة لشديد الانتقام. # ولما كان التقدير: لم يغن عنهم شيئا لأنهم ما أخذوا إلا بعد إنذار ~~المنذرين، لمشافهتك إياهم به، وسماعهم لمثل ms3346 ذلك عمن مضى قبلهم من الرسل، ~~عطف عليه قوله: {وما أهلكنا} أي بعظمتنا، واعلم بالاستغراق بقوله: {من ~~قرية} أي من القرى السالفة، بعذاب الاستئصال {إلا لها منذرون*} رسولهم ومن ~~تبعه من أمته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم مع أممهم من قبل، وأعراها من ~~الواو لأن الحال لم يقتض التأكيد كما في الحجر، لأن المنذرين مشاهدون. وإذا ~~تأملت آيات الموضعين ظهر لك ذلك؛ ثم علل الإنذار بقوله: {ذكرى} أي تنبيها ~~عظيما على ما فيه من النجاة، وتذكيرا بأشياء يعرفونها بما أدت إليه فطر ~~عقولهم، وقادت إليه بصائر قلوبهم، وجعل المنذرين نفس الذكرى كما قال تعالى ~~{قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا} [الطلاق: 10] وذلك إشارة إلى إمعانهم في ~~التذكير حتى صاروا إياه. # ولما كان التقدير: فما أهلكنا قرية منها إلا بالحق، عطف عليه قوله: {وما ~~كنا} أو الواو للحال من نون {أهلكنا} {ظالمين*} أي في إهلاك شيء منها لأنهم ~~كفروا نعمتنا، وعبدوا غيرنا، بعد الإعذار إليهم، ومتابعة الحجج، ومواصلة ~~الوعيد. # ولما أخبر سبحانه أن غاية إنزال هذا القرآن كونه صلى الله عليه وسلم من ~~المنذرين، وأتبع ذلك ما لاءمه حتى ختم بإهلاك من كذب المنذرين، عطف على ~~قوله: {نزل به الروح} قوله إعلاما بأن العناية شديدة في هذا السياق بالقرآن ~~لتقرير أنه من عند الله ونفى اللبس عنه بقوله: {وما تنزلت به} أي القرآن ~~{الشياطين*} أي ليكون سحرا أو كهانة أو شعرا أو أضغاث أحلام كما يقولون. # PageV14P105 # ولما كان لا يلزم من عدم التلبس بالفعل عدم الصلاحية له قال: {وما ينبغي ~~لهم} أي ما يصح وما يتصور منهم النزول بشيء منه لأنه خير كله وبركة، وهم ~~مادة الشر والهلكة، فبينهما تمام التباين، وأنت سكينة ونور، وهم زلزلة ~~وثبور، فلا إقبال لهم عليك، ولا سبيل بوجه إليك. # ولما كان عدم الانتفاء لا يلزم منهم عدم القدرة قال: {وما يستطيعون*} أي ~~النزول به وإن اشتدت معالجتهم على تقدير أن يكون لهم قابلية لذلك؛ ثم علل ~~هذا بقوله: {إنهم عن السمع} أي # PageV14P105 # الكامل الحق، من ms3347 الملأ الأعلى {لمعزولون*} أي بما حفظت به السماء من ~~الشهب وبما باينوا به الملائكة في الحقيقة لأنهم خير صرف، ونور خالص، ~~وهؤلاء شر بحت وظلمة محضة، فلا يسمعون إلا خطفا، فيصير - بما يسبق إلى ~~أفهامهم، ويتصور من باب الخيال في أوهامهم - خلطا لا حقيقة لأكثره، فلا ~~وثوق بأغلبه، ولا يبعد أن يكون ذلك عاما حتى يشمل السماع من المؤمنين لما ~~شاركوا به الملائكة من النور والخير، انظر ما ورد في آية الكرسي من أنها لا ~~تقرأ في بيت فيقربه شيطان، وفي رواية: إلا خرج منه الشيطان، وورد نحوه في ~~الآيتين من آخر سورة البقرة، وكذا ما كان من أشكال ذلك، وأعظم منه قوله ~~عليه الصلاة والسلام لعمر رضي الله عنه: «إنه يا ابن الخطاب والذي نفسي ~~بيده ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك» وترك تعليل الانبغاء ~~لظهوره. # ولما كان تقديره أنهم إلى الطواغيت الباطلة يدعون، والقرآن داع إلى الله ~~الحق المبين، سبب عنه قوله: {فلا تدع} وخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام وهو ~~أكرم الخلق لديه، وأعزهم عليه، ليكون لطفا لغيره فيما يأتيه من الإنذار، ~~فيكون الوعيد أزجر له، ويكون هو له أقبل {مع الله} أي الحائز لكل كمال ~~الداعي إليه هذا القرآن الذي # PageV14P106 # نزل به عليك الروح الأمين، لما بينك وبينهما من تمام النسبة بالنورانية ~~والخير {إلها} وتقدم في آخر الفرقان حكمة الإتيان بقوله: {آخر فتكون} أي ~~فيتسبب عن ذلك أن تكون {من المعذبين*} من القادر على ما يريد بأيسر أمر ~~وأسهله، وهذا الكلام لكل من سمع القرآن في الحث على تدبره معناه، ومقصده ~~ومغزاه، ليعلم أنه في غاية المباينة للشياطين وضلالهم، والملاءمة للمقربين ~~وأحوالهم، لعله خاطب به المعصوم، زيادة في الحث على اتباع الهدى، وتجنب ~~الردى، وليعطف عليه قوله: {وأنذر} أي بهذا القرآن {عشيرتك} أي قبيلتك ~~{الأقربين*} أي الأدنين في النسب، ولا تحاب أحدا، فإن المقصود الأعظم به ~~النذارة لكف الخلائق عما يثمر الهلاك من اتباع الشياطين الذين اجتالوهم عن ~~دينهم بعد أن كانوا حنفاء ms3348 كلهم، وإنذار الأقربين يفهم الإنذار لغيرهم من ~~باب الأولى، ويكسر من أنفة الأبعد للمواجهة بما يكره، لأنه سلك به مسلك ~~الأقرب، ولقد قام صلى الله عليه وسلم بهذه الآية حق القيام؛ روى البخاري # «عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عدي لبطون - قريش حتى اجتمعوا، ~~فجعل الرجل # PageV14P107 # إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: ~~أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ ~~قالوا: نعم! ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب ~~شديد، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت {تبت يدا أبي ~~لهب وتب} » وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر قريش! اشتروا ~~أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يابني عبد مناف! لا أغني عنكم من الله ~~شيئا! يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول ~~الله! لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد! سليني ما شئت من ~~مالي، لا أغني عنك من الله شيئا» وروى القصة أبو يعلى عن الزبير بن العوام ~~رضي الله عنه أن قريشا جاءته فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آيات سليمان في الريح ~~وداود في الجبال وموسى في البحر وعيسى في إحياء الموت، وأن يسير الجبال، ~~ويفجر الأنهار، ويجعل الصخر ذهبا، فأوحى الله إليه وهم عنده، فلما سري عنه ~~أخبرهم أنه أعطي ما سألوه، ولكنه أن أراهم فكفروا عوجلوا. فاختار صلى الله ~~عليه وسلم # PageV14P108 # الصبر عليهم ليدخلهم الله باب الرحمة. # ولما كانت النذارة إنما هي للمتولين، أمر بضدها لأضدادهم فقال: {واخفض ~~جناحك} أي لن غاية اللين، وذلك لأن الطائر إذا أراد أن يرتفع رفع جناحيه، ~~فإذا أراد أن ينحط كسرهما وخفضهما، فجعل ذلك مثلا في التواضع {لمن اتبعك} ~~ولعله احترز بالتعبير بصيغة الافتعال عن مثل أبي ms3349 طالب ممن لم يؤمن أو آمن ~~ظاهرا وكان منافقا أو ضعيفا بالإيمان فاسقا؛ وحقق المراد بقوله: {من ~~المؤمنين*} أي الذين صار الإيمان لهم صفة راسخة سواء كانوا من الأقربين أو ~~الأبعدين. # ولما أفهم ذلك أن هذا الحكم عام في جميع أحوالهم، فصل بقوله: {فإن عصوك} ~~أي هم فغيرهم من باب الأولى {فقل} أي تاركا لما كنت تعاملهم به حال الإيمان ~~من اللين: {إني بريء} أي منفصل غاية الانفصال {مما تعملون*} أي من العصيان ~~الذي أنذر منه القرآن، وخص المؤمنين إعلاء لمقامهم، بالزيادة في إكرامهم، ~~ليؤذن ذلك المزلزل بالعلم بحاله فيحثه ذلك على اللحاق بهم. # ولما أعلمت هذه الآية بمنابذة من عصى كائنا من كان ولو كان ممن ظهر منه ~~الرسوخ في الإيمان، لما يرى منه من عظيم الإذعان، أتبعه قوله: {وتوكل} أي ~~في عصمتك ونجاتك والإقبال # PageV14P109 # بالمنذرين إلى الطاعة، وقراءة أهل المدينة والشام بالفاء السببية أدل على ~~ذلك {على العزيز} أي القادر على الدفع عنكم والانتقام منهم {الرحيم*} أي ~~المرجو لإكرام الجميع برفع المخالفة والشحناء، والإسعاد بالاستعمال فيما ~~يرضيه؛ ثم أتبع الأمر بالتوكل الوصف بما يقتضي الكفاية في كل ما ينوب من ~~دفع الضر وجلب النفع، وذلك هو العلم المحيط المقتضي لجميع أوصاف الكمال، ~~فقال: {الذي يراك} أي بصرا وعلما {حين تقوم*} من نومك من فرشك تاركا لحبك، ~~لأجل رضا ربك {و} يرى {تقلبك} في الصلاة ساجدا وقائما {في الساجدين*} أي ~~المصلين من أتباعك المؤمنين، لكم دوي بالقرآن كدوي النحل، وتضرع من خوف ~~الله، ودعاء وزفرات تصاعد وبكاء، أي فهو جدير لإقبالكم عليه، وخضوعكم بين ~~يديه، بأن يحبوكم بكل ما يسركم. # PageV14P110 # ولما كانت هذه الأحوال مشتملة على الأقوال، وكان قد قدم الرؤية المتضمنة ~~للعلم، علل ذلك بالتصريح به مقرونا بالسمع فقال: {إنه هو} أي وحده {السميع} ~~أي لجميع أقوالكم {العليم*} أي بجميع ما تسرونه وتعلنونه من أعمالكم، وقد ~~تقدم غير مرة أن شمول العلم # PageV14P110 # يستلزم تمام القدرة، فصار كأنه قال: إنه السميع العليم البصير القدير، ~~تثبيتا للمتوكل عليه. # ولما بين ms3350 سبحانه أن القرآن مناف لأقوال الشياطين، وبين أن حال النبي صلى ~~الله عليه وسلم وحال أتباعه منافية لأحوالهم وأحوال من يأتونه من الكهان ~~بما ذكره سبحانه من فعله صلى الله عليه وسلم وفعل أشياعه رضي الله عنهم من ~~الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، فعلم أن بينهم وبينهم بونا بعيدا، ~~وفرقا كبيرا شديدا، وأن حال النبي صلى الله عليه وسلم موافق لحال الروح ~~الأمين، النازل عليه بالذكر الحكيم، تشوفت النفس إلى معرفة أحوال إخوان ~~الشياطين، مقال محركا لمن يريد ذلك، متمما لدفع اللبس عن كون القرآن من عند ~~الله، وفرق بين الآيات المتكلفة بذلك تطرية لذكرها وتنبيها على تأكيد ~~أمرها: {هل أنبئكم} أي أخبركم خبرا جليلا نافعا في الدين، عظيم الجدوى في ~~الفرقان بين أولياء الرحمن وإخوان الشيطان {على من تنزل} وتردد {الشياطين*} ~~حين تسترق السمع على ضرب من الخفاء بما آذن به حذف التاء، ودخل حرف الجر ~~على الاسم المتضمن للاستفهام، # PageV14P111 # لأن معنى التضمن أنه كان أصله: أمن، فحذفت منه الهمزة حذفا مستمرا كما ~~فعل في «هل» لأن أصله «أهل» كما قال: # سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم # فالاستفهام مقدر قبل الجار - أفاده الزمخشري. # ولما كان كأنه قيل: نعم أنبئنا! قال: {تنزل} على سبيل التدريج والتردد ~~{على كل أفاك} أي صراف - على جهة الكثرة والمبالغة - للأمور عن وجوهها ~~بالكذب والبهتان، والخداع والعدوان، من جملة الكهان وأخذان الجان {أثيم*} ~~فعال الآثام بغاية جهده، وهؤلاء الأثمة {يلقون السمع} إلى الشياطين، ويصغون ~~إليهم غاية الإصغاء، لما بينهما من التعاشق بجامع إلقاء الكذب من غير ~~اكتراث ولا تحاش، أو يلقي الشياطين ما يسمعونه مما يسترقون استماعه من ~~الملائكة إلى أوليائهم، فهم بما سمعوا منهم يحدثون، وبما زينت لهم نفوسهم ~~يخلطون {وأكثرهم} أي الفريقين {كاذبون*} فيما ينقلونه عما يسمعونه من ~~الإخبار بما حصل فيما وصل إليهم من التخليط، وما زادوه من الافتراء ~~والتخبيط انهماكا في شهوة علم المغيبات، الموقع # PageV14P112 # في الإفك والضلالات؛ قال الرازي في اللوامع ما معناه أنه حيثما ms3351 كان ~~استقامة في حال الخيال - أي القوة المتخيلة - كانت منزلة الملائكة، وحيثما ~~كان اعوجاج في حال الخيال كان منزل الشياطين، فمن ناسب الروحانيين من ~~الملائكة كان مهبطهم عليه، وظهورهم له، وتأثيرهم فيه، وتمثلهم به، حتى إذا ~~ظهروا عليه تكلم بكلامهم وتكلموا بلسانه، ورأى بأبصارهم وأبصروا بعينيه، ~~فهم ملائكة يمشون على الأرض مطمئنين # {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة} [فصلت: 30] ~~ومن ناسب الشياطين من الأبالسة كان مهبطهم عليه، وظهورهم له، وتأثيرهم فيه، ~~وتمثلهم به، حتى إذا ظهروا عليه تكلم بكلامهم وتكلموا بلسانه، ورأى ~~بأبصارهم وابصروا بعينيه، هم شياطين الإنس يمشون في الأرض مفسدين - انتهى. # ولما بطل - بإبعاده عن دركات الشياطين، وإصعاده إلى درجات الروحانيين، من ~~الملائكة المقربين، الآتين عن رب العالمين - كونه سحرا، وكونه أضغاثا ~~ومفترى، نفى سبحانه كونه شعرا بقوله: {والشعراء يتبعهم} أي بغاية الجهد، في ~~قراءة غير نافع بالتشديد، لاستحسان مقالهم وفعالهم، فيتعلمون منهم وينقلون ~~عنهم {الغاوون*} أي الضالون المائلون عن السنن الأقوم إلى الزنى والفحش وكل ~~فساد يجر إلى الهلاك، وهم كما ترى بعيدون من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم # PageV14P113 # ورضي عنهم الساجدين الباكين الزاهدين. # ولما قرر حال أتباعهم، فعلم منه أنهم هم أغوى منهم، لتهتكهم في شهوة ~~اللقلقة باللسان، حتى حسن لهم الزور والبهتان، دل على ذلك بقوله: {ألم تر ~~أنهم} أي الشعراء. ومثل حالهم بقوله: {في كل واد} أي من أودية القول من ~~المدح والهجو والنسيب والرثاء الحماسة والمجون وغير ذلك {يهيمون*} أي ~~يسيرون سير الهائم حائرين وعن طريق الحق جائرين، كيفما جرهم القول انجروا ~~من القدح في الأنساب، والتشبيب بالحرم، والهجو. ومدح من لا يستحق المدح ~~ونحو ذلك، ولهذا قال: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون*} أي لأنهم لم يقصدوه. ~~وإنما ألجأهم إليه الفن الذي سلكوه فأكثر أقوالهم لا حقائق لها، انظر إلى ~~مقامات الحريري وما اصطنع فيها من الحكايات، وابتدع بها من الأمور ~~المعجبات. التي لا حقائق لها، وقد جعلها أهل الاتحاد أصلا لبدعتهم الكافرة، ~~وقاعدة لصفقتهم الخاسرة، فما أظهر ms3352 حالهم، وأوضح ضلالهم! وهذا بخلاف القرآن ~~فإنه معان جليلة محققة، في ألفاظ متينة جميلة منسقة، وأساليب معجزة مفحمة، ~~ونظوم معجبة محكمة، # PageV14P114 # لا كلفة في شيء منها، فلا رغبة لذي طبع سليم عنها، فأنتج ذلك أنه لا ~~يتبعهم على أمرهم إلا غاو مثلهم، ولا يزهد في هذا القرآن إلا من طبعه جاف، ~~وقلبه مظلم مدلهم. # ولما كان من الشعر - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - حكمة، وكان - ~~كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها - بمنزلة الكلام منه حسن ومنه قبيح، ~~وكان من الشعراء من يمدح الإسلام والمسلمين، ويهجو الشرك والمشركين، ويزهد ~~في الدنيا ويرغب في الآخرة، ويحث على مكارم الأخلاق، وينفر عن مساوئها، ~~وكان الفيصل بين قبيلي حسنة وقبيحة كثرة ذكر الله، قال تعالى: {إلا الذين ~~آمنوا} أي بالله ورسوله {وعملوا} أي تصديقا لإيمانهم {الصالحات} أي التي ~~شرعها الله ورسوله لهم {وذكروا الله} مستحضرين ما له من الكمال {كثيرا} لم ~~يشغلهم الشعر عن الذكر، بل بنوا شعرهم على أمر الدين والانتصار للشرع، فصار ~~لذلك كله ذكر الله، ويكفي مثالا لذلك قصيدة عزيت لأبي بكر الصديق رضي الله ~~تعالى عنه وجوابها لابن الزبعرى، وكان إذ ذاك على شركه، وذلك في أول سرية ~~كانت في الإسلام. وهي سرية عبيدة بن الحارث بم المطلب بن عبد مناف رضي الله ~~تعالى عنه، # PageV14P115 # فإن قصيدة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ليس فيها بيت إلا وفيه ذكر الله ~~إما صريحا وإما بذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو شيء من دينه، وما ~~ليس فيه شيء من ذلك فهو ىيل إليه لبنائه عليه، وأما نقيضها فلا شيء في ذلك ~~فيها؛ قال ابن إسحاق: قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه في غزوة عبيدة بن ~~الحارث. # أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث ... أرقت وأمر في العشيرة حادث # ترى من لؤي فرقة لا يصدها ... عن الكفر تذكير ولا بعث باعث # رسول أتاهم صادق فتكذبوا ... عليه وقالوا لست فينا بماكث # إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا ... وهروا هرير المحجرات ms3353 اللواهث # فكم قد متتنا فيهم بقرابة ... وترك التقى شيء لهم غير كارث # فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم ... فما طيباب الحل مثل الخبائث # وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم ... فليس عذاب الله عنهم بلابث # ونحن أناس من ذؤابة غالب ... لنا العز منها في الفروع الأثائث # فأولى برب الراقصات عشية ... حراجيج تخذي في السريح الرثائث # كأدم ظباء حول مكة عكف ... يردن حياض البئر ذاب النبائث # لئن لم يفيقوا عاجلا عن ضلالهم ... ولست إذا آليت قولا بحانث # PageV14P116 # لتبتدرنهم غارة ذات مصدق ... تحرم أطهار النساء الطوامث # تغادر قتلى تعصب الطير حولهم ... ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث # فأبلغ بني سهم لديك رسالة ... وكل كفور يبتغي الشر باحث # فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم ... فإني من إعراضكم غير شاعث # فأجابه ابن الزبعرى فقال: # أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث ... بكيت بعين دمعها غير لابث # ومن عجب الأيام والدهر كله ... له عجب من سابقات وحادث # لجيش أتانا ذي عرام يقوده ... عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث # لنترك أصناما بمكة عكفا ... مواريث موروث كريم لوارث # فلما لقيناهم بسمر ردينة ... وجرد عتاق في العجاج لواهث # وبيض كأن الملح فوق متونها ... بأيدي كماة كالليوث العوائث # نقيم بها إعصارا ما كان مائلا ... ونشفي الذخول عاجلا غير لابث # فكفوا على خوف شديد وهيبة ... وأعجبهم أمر لهم أمر رائث # PageV14P117 # ولو أنهم لم يفعلوا ناح نسوة ... أيامي لهم من بين نسء وطامث # وقد غودرت قتلى يخبر عنهم ... حفي بهم أو غافل غير باحث # فأبلغ ابابكر لديك رسالة ... فما أنت عن أعراض فهر بماكث # ولما تجب مني يمين غليظة ... تجدد حربا حلفه غير حانث # وروى البغوي بسنده من طريق عبد الرزاق من حديث كعب بن مالك رضي الله ~~تعالى عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أنزل في الشعر ما ~~أنزل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، ~~والذي نفسي بيده! لكأنما ترمونهم به نضح النبل» وقد كان ابن عباس رضي الله ~~عنهما ينشد الشعر ويستنشده في المسجد، وروى ms3354 الإمام أحمد حديث كعب هذا، وروى ~~النسائي برجال احتج بهم مسلم عن أنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» قال البغوي: وروي ~~أنه - أي ابن عباس رضي الله عنهما دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي # PageV14P118 # فاستنشهده القصيدة التي قالها: # أمن آل نعمى أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر # وهي قريب من تسعين بيتا، فلما فرغها أعادها ابن عباس وكان حفظها بمرة ~~واحدة، ويكفي الشاعر في التفصي عن ذم هذه الآية له أن لا يغلب عليه الشعر ~~فيشغله عن الذكر حتى يكون من الغاوين، وليس من شرطه أن لا يكون في شعره هزل ~~أصلا، فقد كان حسان رضي الله تعالى عنه ينشد النبي صلى الله عليه وسلم مثل ~~قوله في قصيدة طويلة مدحه صلى الله عليه وسلم فيها: # كأن سيبئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء # إذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهن لطيب الراح الفداء # نوليها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء # ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء # PageV14P119 # وقد كان تحريم الخمر سنة ثلاث من الهجرة أو سنة أربع، وهذه القصيدة قالها ~~حسان رضي الله تعالى عنه في الفتح سنة ثمان أو في عمرة القضاء سنة سبع، فهي ~~مما يقول الشاعر ما لا يفعل. # ولما عرف سبحانه بحال المستثنين في الذكر الذي هو أساس كل أمر، أتبعه ما ~~حملهم على الشعر من الظلم الذي رجاهم النصر فقال: {وانتصروا} أي كلفوا ~~أنفسهم أسباب النصر بشعرهم فيمن آذاهم {من بعد ما ظلموا} أي وقع ظلم الظالم ~~لهم بهجو ونحوه. # ولما أباح سبحانه الانتصار من الظالم، وكان البادىء - إذا اقتصر المجيب ~~على جوابه - أظلم، كان - إذا تجاوز - جديرا بأن يعتدي فيندم، حذر الله ~~الاثنين مؤكدا للوعيد بالسين في قوله الذي كان السلف الصالح يتواعظون به ~~لأنك لا تجد أهيب منه، ولا أهول ولا أوجع لقلوب المتأملين، ولا أصدع لأكباد ~~المتدبرين: {وسيعلم} وبالتعميم في قوله: {الذين ظلموا} أي كلهم ms3355 من كانوا، ~~وبالتهويل بالإبهام في قوله: {أي منقلب} أي في الدنيا والاخرة {ينقلبون*} ~~وقد انعطف آخرها - كما ترى بوصف الكتاب المبين # PageV14P120 # بما وصف به الجلالة والعظم بأنه من عند الله متنزلا به خير مليكته، على ~~أشرف خليقته، مزيلا لكل لبس، منفيا عنه كل باطل، وبالختام بالوعيد على ~~الظلم - على أولها في تعظيم الكتاب المبين، وتسلية النبي الكريم، صلى الله ~~عليه وسلم ووعيد الكافرين الذين هم أظلم الظالمين، واتصل بعدها في وصف ~~القرآن المبين، وبشرى المؤمنين ووعيد الكافرين، فسبحان من أنزله على النبي ~~الأمي الأمين، هدى للعالمين، وآية بينة بإعجازه للخلائق أجمعين، باقية إلى ~~يوم الدين. # PageV14P121 # مقصودها وصف هذا الكتاب بالكفاية لهداية الخلق أجمعين، بالفصل بين الصراط ~~المستقيم، وطريق الحائرين، والجمع لأصول الدين، لإحاطة علم منزله بالخفي ~~والمبينن وبشارة المؤمنين، ونذارة الكافرين، بيوم احتماع الأولين والآخرين، ~~وكل ذلك يرجع إلى العلم المستلزم للحكمة، فالمقصود الأعظممنها إظهار العلم ~~والحكمة كما كان مقصود التي قبلها إظهار البطش والنقمة، وأدل ما فيها على ~~هذا المقصود ما للنمل من حسن التدبير، وسداد المذاهب في العيش، ولا سيما ما ~~ذكر عنها سبحانه من صحة القصد في السياسة، وحسن التعبير عن ذلك القصد، ~~وبلاغة التأدية) بسم الله (الذي كمل علمه فبهرت حكمته) الرحمن (الذي عم ~~بالهداية بأوضح البيان) الرحيم (الذي من بجنان النعيم. # على من ألزمه الصراط المستقيم) # PageV14P122 # {طس} يشير إلى طهارة الطور وذي طوى منه وطيب طيبه، وسعد بيت المقدس الذي ~~بناه سليمان عليه الصلاة والسلام التي انتشر منها الناهي عن الظلم، وإلى ~~أنه لما طهر سبحانه بني إسرائيل، وطيبهم بالابتلاء فصبروا، خلصهم من فرعون ~~وجنوده بمسموع موسى عليه الصلاة والسلام للوحي المخالف لشعر الشعراء، وإفك ~~الآثمين وزلته من الطور، # PageV14P122 # ولم يذكر تمام أمرهم بإغراق فرعون، لأن مقصودها إظهار العلم والحكمة دون ~~البطش والنقمة، فلم يقتض الحال ذكر الميم. # ولما ختم التي قبلها بتحقيق أمر القرآن، وأنه من عند الله، ونفي الشبه ~~عنه وتزييف ما كانوا يتكلفونه من تفريق القول فيه بالنسبة إلى السحر ~~والأضغاث والافتراء ms3356 والشعر، الناشىء كل ذلك عن أحوال الشياطين، وابتدأ هذه ~~بالإشارة إلى أنه من الكلام القديم المسموع المطهر عن وصمة تلحقه من شيء من ~~ذلك، تلاه بوصفه بأنه كما أنه منظوم مجموع لفظا ومعنى لا فصم فيه ولا خلل، ~~ولا وصم ولا زلل، فهو جامع لأصول الدين ناشر لفروعه، بما أشار إليه الكون ~~من المسلمين فقال: {تلك} أي الآيات العالية المقام البعيدة المرام، البديعة ~~النظام {آيات القرآن} أي الكامل في قرآنيته الجامع للأصول، الناشر للفروع، ~~الذي لا خلل فيه ولا فصم، ولا صدع لولا وصم {و} آيات {كتاب} أي وأي كتاب هو ~~مع كونه جامعا لجميع ما يصلح المعاش والمعاد، قاطع في أحكامه، غالب في ~~أحكامه، في كل من نقضه وإبرامه، وعطفه دون إتباعه للدلالة على أنه كامل في ~~كل من قرآنيته وكتابيته {مبين*} أي بين في نفسه أنه من عند الله كاشف لكل ~~مشكل، موضح لكل ملبس مما كان ومما هو كائن من الأحكام والدلائل في الأصول ~~والفروع، والنكت والإشارات والمعارف، فيا له من جامع فارق واصل فاصل. # PageV14P123 # ولما كانت العناية في هذه السورة بالنشر - الذي هو من لوازم الجمع في ~~مادة «قرا» كما مضى بيانه أول الحجر - أكثر، قدم القرآن، يدل على ذلك ~~انتشارا أمر موسى عليه الصلاة والسلام في أكثر قصته بتفريقه من أمه، وخروجه ~~من وطنه إلى مدين، ورجوعه مما صار إليه إلى ما كان فيه، والتماسه لأهله ~~الهدى والصلى واضطراب العصى وبث الخوف منها، وآية اليد وجميع الآيات التسع، ~~واختيار التعبير بالقوم الذي أصل معناه القيام، وإبصار الآيات، وانتشار ~~الهدهد، وإخراج الخبأ الذي منه تعليم منطق الطير، وتكليم الدابة للناس، ~~وانتشار المرأة وقومها وعرشها بعد تردد الرسل بينها وبين سليمان عليه ~~الصلاة والسلام، وكشف الساق، وافتراق ثمود إلى فريقين، مع الاختصام المشتت، ~~وانتثام قوم لوط عليه السلام إلى ما لا يحل، وتفريق الرياح نشرا، وتقسيم ~~الرزق بين السماء والأرض، ومرور الجبال، ونشر الريح لنفخ الصور الناشىء عنه ~~فزع الخلائق المبعثر للقبور، إلى غير ذلك مما إذا ms3357 تدبرت السورة انفتح لك ~~بابه، وانكشف عنه حجابه، وهذا بخلاف ما في الحجر على ما مضى. # وقال الإمام ابو جعفر بن الزبير: لما أوضح في سورة الشعراء عظيم رحمته ~~بالكتاب، وبيان ما تضمنه مما فضح به الأعداء، ورحم به الأولياء، وبراءته من ~~أن تتسور الشياطين عليه، وباهر آياته الداعية من اهتدى بها إليه، فتميز ~~بعظيم آياته كونه فرقانا قاطعا، ونورا ساطعا، أتبع سبحانه ذلك مدحة وثناء، ~~وذكر من شملته رحمته به تخصيصا واعتناء، فقال {تلك آيات القرآن} أي الحاصل ~~عنها مجموع تلك الأنوار # PageV14P124 # آيات القرآن {وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين} ثم وصفهم ليحصل للتابع قسطه ~~من بركة التبع، وليتقوى رجاؤه في النجاة مما أشار إليه {وسيعلم الذين ~~ظلموا} من عظيم ذلك المطلع؛ ثم أتبع ذلك بالتنبيه على صفة الآهلين لما تقدم ~~من التقول والافتراء تنزيها لعباده المتقين، وأوليائه المخلصين، عن دنس ~~الشكوك والامتراء فقال: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم ~~يعمهون} أي يتحيرون فلا يفرقون بين النور والإظلام، لارتباك الخواطر ~~والأفهام؛ ثم أتبع ذلك بتسليته عليه الصلاة والسلام بالقصص الواقعة بعد ~~تنشيطا له وتعريفا بعلي منصبه، وإطلاعا له على عظيم صنعه تعالى فيمن تقدم، ~~ثم ختمت السورة بذكر أهل القيامة وبعض ما بين يديها، والإشارة إلى الجزاء ~~ونجاة المؤمنين، وتهديد من تنكب عن سبيله عليه الصلاة والسلام - انتهى. # ولما عظم سبحانه آيات الكتاب بما فيها من الجمع من النشر مع الإبانة، ذكر ~~حاله فقال: {هدى} ولما كان الشيء قد يهدي إلى مقصود يكدر حال قاصده. قال ~~نافيا لذلك، وعطف عليه بالواو دلالة على الكمال في كل من الوصفين: {وبشرى} ~~أي عظيمة. # فلما تشوفت النفوس، وارتاحت القلوب، فطم من ليس بأهل عن عظيم هذه الثمرة ~~فقال: {للمؤمنين} أي الذين صار ذلك لهم # PageV14P125 # وصفا لازما بما كان لهم فيل دعاء الداعي من طهارة الأخلاق، وطيب الأعراق، ~~وفي التصريح بهذا الحال تلويح بأنه فتنه وإنذار للكافرين {يضل به كثيرا ~~ويهدي به كثيرا فأما الذين في قلوبهم زيغ} - الآية، {قل هو ms3358 للذين آمنوا هدى ~~وشفاء} [فصلت: 44] ، {والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمي} - إلى ~~غير ذلك من الآيات. # ولما كان وصف الإيمان خفيا، وصفهم بما يصدقه من الأمور الظاهرة فقال: ~~{الذين يقيمون الصلاة} أي بجميع حدودها الظاهرة والباطنة من المواقيت ~~والطهارات والشروط والأركان والخشوع والخضوع والمراقبة والإحسان إصلاحا لما ~~بينهم وبين الخالق. # ولما كان المقصود الأعظم من الزكاة إنما هو التوسعة على الفقراء قال: ~~{ويؤتون الزكاة} أي إحسانا فيما بينهم وبين الخلائق. # ولما كان الإيمان بالبعث هو الجامع لذلك ولغيره من سائر الطاعات، ذكره ~~معظما لتأكيده، فقال معلما بجعله حالا إلا أنه شرط لما قبله: {وهم} أي ~~والحال أنهم. # ولما كان الإيمان بالبعث هو السبب الأعظم للسعادة وهو محط للحكمة، عبر ~~فيه بما يقتضي الاختصاص، لا للاختصاص بل للدلالة على غاية الرسوخ في ~~الإيمان به، فقال: {بالآخرة هم} أي المختصون بأنهم {يوقنون*} أي يوجدون ~~الإيقان حق الإيجاد ويجددونه في كل حين # PageV14P126 # بما يوجد منهم من الإقدام على الطاعة، والإحجام عن المعصية. # ولما أفهم التخصيص أن ثم من يكذب بها وكان أمرها مركوزا في الطباع، لما ~~عليها من الأدلة الباهرة في العقل والسماع، تشوفت نفس السامع على سبيل ~~التعجب إلى حالهم، فقال مجيبا له مؤكدا تعجيبا ممن ينكر ذلك: {إن الذين لا ~~يؤمنون} أي يوجدون الإيمان ويجددونه {بالآخرة زينا} أي بعظمتنا التي لا ~~يمكن دفاعها {لهم أعمالهم} أي القبيحة، حتى أعرضوا عن الخوف من عاقبتها مع ~~ظهور قباحتها، والإسناد إليه سبحانه حقيقي عند أهل السنة لأنه الموجد ~~الحقيقي، وإلى الشيطان مجاز سببي {فهم} أي فتسبب عن ذلك أنهم {يعمهون*} أي ~~يخبطون خبط من لا بصيرة له اصلا ويترددون في أودية الضلال، ويتمادون في ~~ذلك، فهم كل لحظة في خبط جديد، بعمل غير سديد ولا سعيد، فإن العمه التحير ~~والتردد كما هو حال الضال. # PageV14P127 # ولما خص المؤمنين بما علم منه أن لهم حسن الثواب، وأنهم في الآخرة هم ~~الفائزون، ذكر ما يختص به هؤلاء من ضد ذلك فقال: {أولئك} أي البعداء ms3359 ~~البغضاء {الذين لهم} أي خاصة {سوء العذاب} في الدارين: في الدنيا بالأسر ~~والقتل والخوف {وهم في الآخرة هم} # PageV14P127 # المختصون بأنهم {الأخسرون*} أي أشد الناس خسارة لأنهم خسروا ما لا خسارة ~~مثله، وهو أنفسهم التي لا يمكنهم إخلافها. # ولما وصف القرآن من الجمع والفرقان، بما اقتضى بيان أهل الفوز والخسران، ~~وكان حاصل حال الكفرة أنهم يتلقون كفرهم الذي هو في غاية السفه إما عن ~~الشياطين الذين هم في غاية الشر، وإما عن آبائهم الذين هم في غاية الجهل، ~~وصف النبي صلى الله عليه وسلم بضد حالهم، فذكر جلالة المنزل عليه والمنزل ~~ليكون أدعى إلى قبوله. فقال عاطفا على {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة} : ~~{وإنك} أي وأنت أشرف الخلق وأعلمهم وأحلمهم وأحكمهم {لتلقى القرآن} أي تجعل ~~متلقيا له من الملك، وحذف هنا الواسطة وبناه للمفعول إعلاء له. # ولما كانت الأمور التي من عند الله تارة تكون على مقتضى الحكمة فتسند إلى ~~أسبابها، وأخرى خارقة للعادة فتنسب إليه سبحانه، والخارقة تارة تكون في أول ~~رتب الغرابة فيعبر عنها بعند، تارة تكون في أعلاها فيعبر عنها بلدان، نبه ~~سبحانه على أن هذا القرآن في الذروة من الغرابة في أنواع الخوارق فقال: {من ~~لدن} . # ولما مضى في آخر الشعراء ما تقدم من الحكم الجمة في تنزيله بهذا اللسان. ~~وعلى قلب سيد ولد عدنان، بواسطة الروح الأمين، مباينا لأحوال الشياطين، إلى ~~غير ذلك مما مضى إلى أن ختمت بتهديد الظالمين، # PageV14P128 # وكان الظالم إلى الحكمة أحوج منه إلى مطلق العلم، وقدم في هذه أنه هدى، ~~وكان الهادي لا يقتدي به ولا يوثق بهدايته إلا إن كان في علمه حكيما، اقتضى ~~السياق تقديم وصف الحكمة، واقتضى الحال التنكير لمزيد التعظيم فقال: {حكيم} ~~أي بالغ الحكمة، فلا شيء من أفعاله إلا وهو في غاية الإتقان {عليم*} أي ~~عظيم العلم واسعه تامة شاملة، فهو بعيد جدا عما ادعوه فيه من أنه كلام ~~الخلق الذي لا علم لهم ولا حكمة إلا ما آتاهم الله، ومصداق ذل عجز جميع ~~الخلق عن الإتيان ms3360 بشيء من مثله، وإدراك شيء من مغازيه حق إدراكه. # ولما وصفه بتمام الحكمة وشمول العلم، دل على كل من الوصفين، وعلى إبانه ~~القرآن وما له من العظمة التي أشار إليها أول السورة بما يأتي في السورة من ~~القصص وغيرها، واقتصر في هذه السورة على هذه القصص لما بينها من عظيم ~~التناسب المناسب لمقصود السورة، فابتدىء بقصة أطبق فيها الأباعد على ~~الكفران فأهلكوا، والأقارب على الإيمان فأنجوا، وثنى بقصة أجمع فيها ~~الأباعد على الإيمان، لم يتخلف منهم إنسان، وثلث بأخرى حصل بين الأقارب ~~فيها الفرقان، باقتسام الكفر والإيمان، وختم بقصة تمالأ الأباعد فيها على ~~العصيان، وأصروا على الكفران، # PageV14P129 # فابتلعتهم الأرض ثم غطوا بالماء كما بلغ الأولين الماء فكان فيه التواء. # ولما كان تعلق «إذ» باذكر من الوضوح في حد لا يخفى على أحد، قال دالا على ~~حكمته وعلمه: {إذ} طاويا لمتعلقه لوضوح أمره فصار كأنه {قال} : اذكر حكمته ~~وعلمه حين قال: {موسى لأهله} أي زوجة وهو راجع من مدين إلى مصر، قيل: ولم ~~يكن معه غيرها: {إني آنست} أي أبصرت إبصارا حصل لي الأنس، وأزال عني الوحشة ~~والنوس {نارا} فعلم بما في هذه القصة من الأفعال المحكمة المنبئة عن تمام ~~العلم اتصافه بالوصفين علما مشاهدا، وقدم ما الحكمة فيه أظهر لاقتضاء الحال ~~التأمين من نقص ما يؤمر به من الأفعال. # ولما كان كأنه قيل: فماذا تصنع؟ قال آتيا بضمير المذكر المجموع للتعبير ~~عن الزوجة المذكورة بلفظ «الأهل» الصالح للمذكر والجمع صيانة لها وسترا. ~~جازما بالوعد للتعبير بالخير الشامل للهدى وغيره، فكان تعلق الرجاء به أقوى ~~من تعلقه بخصوص كونه هدى، ولأن مقصود السورة يرجع إلى العلم، فكان الأليق ~~به الجزم، ولذا عبر بالشهاب الهادي لأولي الألباب: {سآتيكم} أي بوعد صادق ~~وإن أبطأت # PageV14P130 # {منها بخبر} أي ولعل بعضه يكون مما نهتدي به في هذا الظلام إلى الطريق، ~~وكان قد ضلها {أو آتيكم بشهاب} أي شعلة من نار ساطعة {قبس} أي عود جاف ~~مأخوذ من معظم النار فهو بحيث قد استحكمت فيه النار ms3361 فلا ينطفىء؛ وقال ~~البغوي: وقال بعضهم: الشهاب شيء ذو نور مثل العمود، والعرب تسمي كل أبيض ذي ~~نور شهابا، والقبس: القطعة من النار. فقراءة الكوفيين بالتنوين على البدل ~~أو الوصف، وقراءة غيرهم بالإضافة، لأن القبس أخص. وعلل إتيانه بذلك إفهاما ~~لأنها ليله باردة بقوله: {لعلكم تصطلون*} أي لتكونوا في حال من يرجى أن ~~يستدفىء بذلك أي يجد به الدفء لوصوله معي فيه النار، وآذن بقرب وصوله فقال: ~~{فلما جاءها} أي تلك التي ظنها نارا. # ولما كان البيان بعد الإبهام أعظم، لما فيه من التشويق والتهيئة للفهم، ~~بني للمفعول قوله: {نودي} أي من قبل الله تعالى. # ولما أبهم المنادى فتشوقت النفوس إلى بيانه، وكان البيان بالإشارة أعظم. ~~لما فيه من توجه النفس إلى الاستدلال، نبه سبحانه عليه بجعل الكلام على ~~طريقة كلام القادرين، إعلاما بأنه الملك الأعلى فقال بانيا للمعفول، آتيا ~~بأداة التفسير، لأن النداء بمعنى القول: # PageV14P131 # {أن بورك} أي ثبت تثبيتا يحصل منه من النماء والطهارة وجميع الخيرات ما ~~لا يوصف {من في النار} أي بقعتها، أو طلبها وهو طلب بمعنى الدعاء، والعبارة ~~تدل على أن الشجرة كانت كبيرة وأنها لما دنا منها بعدت منه النار إلى بعض ~~جوانبها فتبعها، فلما توسط الردحة أحاط به النور، وسمي النور نارا على ما ~~كان في ظن موسى عليه الصلاة والسلام، وقال سعيد بن جبير: بل كانت نارا كما ~~رأى موسى عليه السلام، والنار من حجب الله كما في الحديث: # «حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» ~~{ومن حولها} من جميع الملائكة عليهم السلام وتلك الأراضي المقدسة على ما ~~أراد الله في ذلك الوقت وفي غيره وحق لتلك الأراضي أن تكون كذلك لأنها مبعث ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومهبط الوحي عليهم وكفاتهم أحياء وأمواتا. # ولما أتاه النداء - كما ورد - من جميع الجهات، فسمعه بجميع الحواس، أمر ~~بالتنزيه، تحقيقا لأمر من أمره سبحانه، وتثبيتا له، فقال عاطفا على ما أرشد ~~السياق إلى تقديره من مثل: فأبشر بهذه البشرى ms3362 العظيمة: {وسبحان الله} أي ~~ونزه الملك الذي له الكمال المطلق تنزيها # PageV14P132 # يليق بجلاله، ويجوز أن يكون خبرا معطوفا على {بورك} أي وتنزه الله سبحانه ~~تنزها يليق بجلاله عن أن يكون في موضع النداء أو غيره من الأماكن. # ولما كان تعليق ذلك بالاسم العلم دالا على أنه يستحق ذلك لمجرد ذاته ~~المستجمع لجميع صفات الكمال، من الجلال والجمال، وصفه بما يعرف أنه يستحقه ~~أيضا لأفعاله بكل مخلوق التي منها ما يريد أن يربي به موسى عليه الصلاة ~~والسلام كبيرا بعد ما رباه به صغيرا، فقال: {رب العالمين*} . # ولما تشوفت النفس إلى تحقق الأمر تصريحا، قال معظما له تمهيدا لما أراد ~~سبحانه إظهاره على يده من المعجزات الباهرات: {يا موسى إنه} أي الشأن ~~العظيم الجليل الذي لا يبلغ وصفه {أنا الله} أي البالغ من العظمة ما تقصر ~~عنه الأوهام، وتتضاءل دونه نوافذ الأفهام، ثم أفهمه مما تتضمن ذلك وصفين ~~يدلانه على أفعاله معه فقال: {العزيز} أي الذي يصل إلى جميع ما يريد ولا ~~يوصل إلى شيء مما عنده من غير الطريق التي يريد {الحكيم*} أي الذي ينقض كل ~~ما يفعله غيره إذا أراد، # PageV14P133 # ولا يقدر غيره أن ينقض شيئا من فعله. # ولما كان التقدير: فافعل جميع ما آمرك به فإنه لا بد منه، ولا تخف من شيء ~~فإنه لا يوصل إليك بسوء لأنه متقن بقانون الحكمة، محروس بسور العزة، دل ~~عليه بالعطف في قوله: {وألق عصاك} أي لتعلم علما شهوديا عزتي وحكمتي - أو ~~هو معطوف على {أن بورك} - فألقاها كما أمر، فصارت في الحال - بما أذنت به ~~الفاء - حية عظيمة جدا، هي - مع كونها في غاية العظم - في نهاية الخفة ~~والسرعة في اصطرابها عند محاولتها ما يريد {فلما رآها تهتز} أي تضطرب في ~~تحركها مع كونها في غاية الكبر {كأنها جآن} أي حية صغيرة في خفتها وسرعتها، ~~ولا ينافي ذلك كبر جثتها {ولى} أي موسى عليه الصلاة والسلام. # ولما كانت عليه التولية مشتركة بين معان، بين المراد بقوله: {مدبرا} أي ~~التفت هاربا ms3363 منها مسرعا جدا لقوله: {ولم يعقب} أي لم يرجع على عقبه، ولم ~~يتردد في الجد في الهرب، ولم يلتفت إلى ما وراءه بعد توليته، يقال: عقب ~~عليه تعقيبا، أي كر، وعقب في الأمر تعقيبا: تردد في طلبه مجدا - هذا في ~~ترتيب المحكم. وفي القاموس: التعقيب: # PageV14P134 # الالتفات. وقال القزاز في ديوانه: عقب - إذا انصرف راجعا فهو معقب. # ولما تشوفت النفس إلى ما قيل له عند هذه الحالة، أجيبت بأنه قيل له: {يا ~~موسى لا تخف} ثم علل هذا النهي بقوله، مبشرا بالأمن والرسالة: {إني لا يخاف ~~لدي} أي في الموضع الذي هو من غرائب نواقض العادات، وهي وقت الوحي ومكانه ~~{المرسلون*} أي لأنهم معصومون من الظلم، ولا يخاف من الملك العدل إلا ظالم. # PageV14P135 # ولما دل أول الكلام وآخره على أن التقدير ما ذكرته، وعلم منه أن من ظلم ~~خاف، وكان المرسلون بل الأنبياء معصومين عن صدور ظلم، ولكنهم لعلو مقامهم، ~~وعظيم شأنهم، يعد عليهم خلاف الأولى، بل بعض المباحات المستوية، بل أخص من ~~ذلك، كما قالوا «حسنات الأبرار سيئات المقربين» ، استدرك سبحانه من ذلك ~~بأداة الاستثناء ما يرغب المرهبين من عواقب الظلم آخر تلك في التوبة، وينبه ~~موسى عليه السلام على غفران وكزة القبطي له، وأنه لا خوف عليه بسببه وإن ~~كان قتله مباحا لكونه خطأ مع أنه كافر، لكن علو المقام يوجب التوقف عن ~~الإقدام إلا بإذن خاص، ولذلك سماه هو ظلما فقال {رب إني ظلمت نفسي فاغفر ~~لي} وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها # PageV14P135 # فقال: {إلا} أو المعنى: لكن {من ظلم} كائنا من كان، بفعل سوء {ثم بدل} ~~بتوبته {حسنا بعد سوء} وهو الظلم الذي كان عمله، أي جعل الحسن بدل السوء ~~كالسحرة الذين آمنوا بعد ذلك بموسى عليه الصلاة والسلام فإني أغفره له بحيث ~~يكون كأنه لم يعمله أصلا، وأرحمه بما أسبغ عليه من ملابس الكرامة المقارنة ~~للأمن والعز وإن أصابه قبل ذلك نوع خوف. ثم علل ذلك بأن المغفرة والرحمة ~~صفتان له ثابتتان، فقال: {فإني} أي أرحمه ms3364 بسبب أني {غفور} أي من شأني أني ~~أمحو الذنوب محوا يزيل جميع آثارها {رحيم*} أعامل التائب منها معاملة ~~الراحم البليغ الرحمة بما يقتضيه حاله من الكرامة، فايل أثر ما كان وقع فيه ~~من موجب الخوف وهو الظلم. # ولما أراه سبحانه هذه الخارقة فيما كان في يده بقلب جوهرها إلى جوهر شيء ~~آخر حيواني، أراه آية أخرى في يده نفسها بقلب عرضها الذي كانت عليه إلى عرض ~~آخر نوراني، فقال: {وأدخل يدك في جيبك} أي فتحة ثوبك، وهو ما قطع منه ليخيط ~~بعنقك {تخرج} أي إذا أخرجتها {بيضاء} أي بياضا عظيما نيرا # PageV14P136 # جدا، له شعاع كشعاع الشمس. # ولما كان ربما وقع في وهم أن هذه الآفة، قال: {من غير سوء} أي برص ولا ~~غيره من الآفات، آية أخرى كائنة {في} جملة {تسع آيات} كما تقدم شرحها في ~~سورة الإسراء وغيرها، منتهية على يدك برسالتي لك {إلى فرعون وقومه} أي ~~الذين هم أشد أهل هذا الزمان قياما في الجبروت والعدوان؛ ثم علل إرساله ~~إليهم بالخوارق بقوله: {إنهم كانوا} أي كونا كأنه جبلة لهم {قوما فاسقين*} ~~أي خارجين عن طاعتنا لتردهم إلينا. # ولما كان التقدير: فأتاهم كما أمرناهم فعاندوا أمرنا، قال منبها على ذلك، ~~دالا بالفاء على سرعة إتيانه إليهم امتثالا لما أمر به: {فلما جاءتهم ~~آياتنا} أي على يده {مبصرة} أي سبب الإبصار لكونها منيرة ظاهرة جدا، فهي ~~هادية لهم إلى الطريق الأقوم هداية النور لمن يبصر، فهو لا يخطىء شيئا ~~ينبغي أن ينتفع به {قالوا هذا سحر} أي خيال لا حقيقة له {مبين*} أي واضح في ~~أنه خيال {وجحدوا} أي أنكروا عالمين {بها} أي أنكروا كونها آيات موجبات ~~لصدقه مع علمهم بإبطالهم لأن الجحود الإنكار مع العلم. # ولما كان الجحد معناه إنكار الشيء مع العلم به، حقق ذلك بقوله: ~~{واستيقنتها} أي والحال أنهم قد طلبوا الوقوف على حقائق أمرها # PageV14P137 # حتى تيقنتها في كونها حقا {أنفسهم} وتخلل علمها صميم عظامهم، فكانت ~~ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم، ولذلك أسند الاستيقان إلى النفس. ثم ms3365 علل ~~جحدهم ووصفهم لها بخلاف وصفها فقال: {ظلما وعلوا} أي إرادة وضع الشيء في ~~غير حقه، والتكبر على الآتي به، تلبيسا على عباد الله. # ولما كان التقدير: فأغرقناهم أجمعين بأيسر سعي وأهون أمر فلم يبق منهم ~~غير تطرف، ولم يرجع منهم مخبر، على كثرتهم وعظمتهم وقوتهم، عطف عليه تذكيرا ~~به مسببا عنه قوله: {فانظر} ونبه على أن خبرهم مما تتوفر الدواعي على ~~السؤال عنه لعظمته، فقال معبرا بأداة الاستفهام: {كيف كان} وكان الأصل: ~~عاقبتهم، أي آخر أمرهم، ولكنه أظهر فقال: {عاقبة المفسدين*} ليدل على الوصف ~~الذي كان سببا لأخذهم تهديدا لكل من ارتكب مثله. # PageV14P138 # ولما تم بهذه القصة الدليل على حكمته، توقع السامع الدلالة على علمه ~~سبحانه، فقال مبتدئا بحرف التوقع مشيرا إلى أنه لا نكير في فضل الآخر على ~~الأول عاطفا على ما تقديره: فلقد آتينا موسى وأخاه هارون عليهما السلام ~~حكمة وهدى وعلما ونصرا على من # PageV14P138 # خالفهما وعزا: {ولقد آتينا} أي بما لنا من العظمة {داود وسليمان} أي ابن ~~داود، وهما من أتباع موسى عليهم السلام وبعده بأزمان متطاولة {علما} أي ~~جزاء من العلم عظيما من منطق الطير والدواب وغير ذلك لم نؤته لأحد قبلهما. # ولما كان التقدير: فعملا بمقتضاه، عطف عليه قوله: {وقالا} شكرا عليه، ~~دلالة على شرف العلم وتنبيها لأهله على التواضع: {الحمد} أي الإحاطة بجميع ~~أوصاف الكمال {لله} أي الذي لا مثل له وله الجلال والجمال {الذي فضلنا} أي ~~بما آتانا من ذلك {على كثير من عباده المؤمنين*} أي الذين صار الإيمان لهم ~~خلقا. # ولما كان كل منهما عليهما السلام قد أوتي ما ذكر، أشار إلى فضل سليمان ~~عليه السلام بأنه جمع إلى ما آتاه ما كان منح به أباه فقال: {وورث سليمان ~~داود} أي أباه عليهما السلام دون إخوته في النبوة والعلم والملك الذي كان ~~قد خصه الله دون قومه بجمعه له إلى النبوة، فشكر الله على ما أنعم به عليه ~~أولا وثانيا {وقال} أي سليمان عليه السلام محدثا بنعمة ربه ومنبها على ما ms3366 ~~شرفه الله به، ليكون أجدر في قبول الناس ما يدعوهم إليه من الخير: {يا أيها ~~الناس} . # PageV14P139 # ولما كان من المعلوم أنه لا معلم له إلا الله، فإن لا يقدر على ذلك غيره، ~~قال بانيا للمفعول: {علمنا} أي أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله ممن لا يقدر على ~~ما علمنا سواء ولو كان المقصود هو وحده لم يكن من التعاظم في شيء، بل هو ~~كلام الواحد المطاع، تنبيها على تعظيم الله بما عظمه به مما يختص بالقدرة ~~عليه أو بالأمر به كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إذا كان هناك حال ~~يحوج إليه كما قال في الزكاة: إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا عز ~~وجل، وكما كان يكتب لبعض الجبابرة {منطق الطير} أي فهم ما يريد كل طائر إذا ~~صوت، والمنطق ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، لا بدع في ~~أن الذي آتى كل نفس هداها وعلمها تميز منافعها ومضارها يؤتيها قوة تدرك بها ~~تخاطبا بينها يتفاهم كل نوع منها به فيما يريد، ويكون ذلك قاصرا عن إدراك ~~الإنسان لخصوصه بالجزئيات الناشئة عن الحسيات {وأوتينا} ممن له العظمة ~~بأيسر أمر من أمره {من كل شيء} أي يكمل به ذلك من اسباب الملك والنبوة ~~وغيرهما، وعبر بأداة الاستغراق تعظيما للنعمة كما يقال لمن يكثر تردد الناس ~~إليه: فلان يقصده كل أحد. # PageV14P140 # ولما كان هذا أمرا باهرا، دل عليه بقوله مؤكدا بأنواع التأكيد وشاكرا ~~حاثا لنفسه على مزيد الشكر وهازا لها إليه: {إن هذا} أي الذي أوتيناه {لهو ~~الفضل المبين*} أي البين في نفسه لكل من ينظره، الموضح لعلو قدر صاحبه ~~ووحدانية مفيضة مؤتية. # ولما كان هذا مجرد خبر، أتبعه ما يصدقه فقال: {وحشر} أي جمع جمعا حتما ~~بقهر وسطوة وإكراه بأيسر سعي {لسليمان جنوده} . # ولما دل ذلك على عظمه، زاد في الدلالة عليه بقوله: {من الجن} بدأ بهم ~~لعسر جمعهم {والإنس} ثنى بهم لشرفهم ومشاركتهم لهم في ذلك من حيث تباعد ~~أغراضهم وتناءي قصودهم. # ولما ذكر ms3367 ما يعقل وبدأ به لشرفه، أتبعه ما لا يعقل فقال: {والطير} ولما ~~كان الحشر معناه الجمع بكره، فكان لا يخلو عن انتشار، وكان التقدير: وسار ~~بهم في بعض الغزوات، سبب عنه قوله تعظيما للجيش وصاحبه: {فهم يوزعون*} أي ~~يكفون بجيش أولهم على آخرهم بأدنى أمر وأسهله ليتلاحقوا، فيكون ذلك أجدر ~~بالهيبة، وأعون على النصرة، وأقرب إلى السلامة؛ عن قتادة أنه كان على كل ~~صنف من جنوده وزعة ترد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير، قال: ~~والوازع: الحابس وهو النقيب. وأصل الوزع الكف والمنع. # PageV14P141 # ولما كان التقدير: فساروا، لأن الوزع لا يكون إلا عن سير، غياه بقوله: ~~{حتى إذا أتوا} أي أشرفوا. ولما كان على بساطه فوق متن الريح بين السماء ~~والأرض. عبر بأداة الاستعلاء فقال: {على واد النمل} وهو واد بالطائف - كما ~~نقله البغوي عن كعب، وهو الذي تميل إليه النفس فإنه معروف إلى الآن عندهم ~~بهذا الاسم، ويسمى أيضا نخب وزن كتف، وقد رأيته لما قصدت تلك الديار لرؤية ~~مشاهدها، والتطواف في معابدها ومعاهدها. والتبرك بآثار الهادي، في الانتهاء ~~والمبادىء، ووقفت بمسجد فيه قرب سدرة تسمى الصادرة مشهور عندهم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى به، وهذه السدرة مذكورة في غزوة الطائف من السيرة ~~الهشامية واقتصر في تسمية الوادي على نخب، وأنشدت فيه يوم وقوفي ببابه، ~~وتضرعي في أعتابه: # مررت بوادي النمل يا صاح بكرة ... فصحت وأجريت الدموع على خدي # وتممت منه موقف الهاشمي الذي ... ملأ الأرض توحيدا يزيد على العد # وكم موقف أفرشته حر جبهتي ... وأبديت في أرجائه ذلة العبد # PageV14P142 # في قصيدة طويلة. # ولما كانوا في أمر يهول منظره، ويوهي القوى مخالطته ومخبره، فكان ~~التقدير: فتبدت طلائعهم، وتراءت راياتهم ولوامعهم، وأحمالهم ووضائعهم، نظم ~~به قوله: {قالت نملة} أي من النمل الذي بذلك الوادي: {يا أيها النمل} ولما ~~حكى عنهم سبحانه ما هو من شأن العقلاء، عبر بضمائرهم فقال: {ادخلوا} أي قبل ~~وصول ما أرى من الجيش ما {مساكنكم} ثم عللت أمرها معينة لصاحبه إذ كانت ~~أماراته ms3368 لا تخفى فقالت جوابا للأمر أو مبدلا منه: {لا يحطمنكم} أي يكسرنكم ~~ويهشمنكم أي لا تبرزوا فيحطمنكم. # فهو نهي لهم عن البروز في صور نهيه وهو أبلغ من التصريح بنهيهم لأن من ~~نهى كبيرا عن شيء كان لغيره أشد نهيا {سليمان وجنوده} أي فإنهم لكثرتهم إذا ~~صاروا في الوادي استعلوا عليه فطبقوه فلم يدعوا منه موضع شبر خاليا {وهم} ~~أي سليمان عليه السلام وجنوده {لا يشعرون*} أي بحطمهم لكم لاشتغالهم بما هم ~~فيه من أحوال السير، وتعاطي مصالحة، مع صغر أجسامكم، وخفائكم على السائر في ~~حال اضطرابكم ومقامكم، وقولها هذا يدل على # PageV14P143 # علمها بأنهم لو شعروا بهم ما آذوهم لأنهم أتباع نبي فهم رحماء. # ولما كان هذا أمرا معجبا لما فيه من جزالة الألفاظ وجلالة المعاني، تسبب ~~عنه قوله: {فتبسم} ولما دل ذلك على الضحك، وكان ذلك قد يكون للغضب، أكده ~~وحقق معناه بقوله: {ضاحكا من قولها} أي لما أوتيته من الفصاحة والبيان، ~~وسرورا بما وصفته به من العدل في أنه وجنوده لا يؤذون أحدا وهم يعلمون ~~{وقال} متذكرا ما أولاه ربه سبحانه بحسن تربيته من فهم كلامها إلى ما أنعم ~~عليه من غير ذلك: {رب} أي أيها المحسن إلي {أوزعني أن} أي اجعلني مطيقا لأن ~~{أشكر نعمتك} أي وازعا له كافا مرتبطا حتى لا يغلبني. ولا يتفلت مني، ولا ~~يشذ عني وقتا ما. # ولما أفهم ذلك تعلق النعمة به. حققه بقوله: {التي أنعمت علي} وربما أفهم ~~قوله: {وعلى والدي} أن أمه كانت أيضا تعرف منطق الطير. وتحقيق معنى هذه ~~العبارة أن مادة «وزع» - بأي ترتيب كان - يدور على المعوز - لخرقة بالية ~~يلف بها الصبي، ويلزمها التمييز، فإن الملفوف بها يتميز عن غيره، ومنه ~~الأوزاع وهم الجماعات المتفرقة، ويلزمها أيضا الإطاقة فإن أكثر الناس ~~يجدها، ومنه العزون - لعصب من الناس، فإنهم يطيقون ما يريدون ويطيقهم من ~~يريدهم، ومنه الوزع وهو كف ما يراد كفه، والولوع بما يزاد، ومنه الإيعاز - ~~للتقدم بالأمر والنهي، والزوع للجذب، ويلزمها أيضا الحاجة فإنه لا يرضى ms3369 بها ~~دون الجديد إلا محتاج، فمعنى الآية: اجعلني وازعا - أي مطيقا - أن أشكرها ~~كما يطيق الوازع كف ما يريد كفه، ويمكن أن يكون مدار المادة الحاجة لأن ~~الأوزاع - # PageV14P144 # وهم الجماعات - يحتاجون إلى الاجتماع جملة، والكاف محتاج إلى امتثال ما ~~يكفه لأمره، والجاذب محتاج إلى الزوع أي الجذب، والمولع بالشيء فقير إليه، ~~والموعز محتاج إلى قبول وصيته، فالمعنى: اجعلني وازعا أي فقيرا إلى الشكر، ~~أي ملازما له مولعا به، لأن كل فقير إلى شيء مجتهد في تحصيله، ويلزم على ~~هذا التخريج احتقار العمل، فيكون سببا للأمن من الإعجاب، وفي الآية تنبيه ~~على بر الوالدين في سؤال القيام عنهم بما لم يبلغاه من الشكر - والله ~~الموفق. # والشكر في اللغة فعل ينبىء عن تعظيم المنعم لكونه منعما كالثناء على ~~المنعم بما يدل على أن الشاكر قد عرف نعمته واعترف له بها وحسن موقعها ~~عنده، وخضع قلبه له لذلك، وحاصله أنه اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى ~~معرفة المنعم فإنه إذا عرفها تسبب في # PageV14P145 # التعرف إليه، فسلك طريق التعرف وجد في الطلب، ومن جد وجد، ويروى عن داود ~~عليه الصلاة والسلام أنه قال: يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة آخرى منك أحتاج ~~عليها إلى شكر آخر؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود! إذا علمت أن ما بك من ~~نعمة فمني فقد شكرتني. # والشكر ثلاثة أشياء: الأول معرفة النعمة بمعنى إحضارها في الخاطر بحيث ~~يتميز عندك أنها نعمة، فرب جاهل يحسن إليه وينعم عليه وهو لا يدري، فلا جرم ~~أنه لا يصح منه الشكر. والثاني: قبول النعمة بتلقيها من المنعم بإظهار ~~الفقر والفاقة، فإن ذلك شاهد بقبولها حقيقة، والثالث: الثناء بها بأن تصف ~~المنعم بالجود والكرم ونحوه مما يدل على حسن تلقيك لها واعترافك بنزول ~~مقامك في الرتبة عن مقامه، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، وهو على ~~ثلاث درجات: الأولى الشكر على المحاب أي الأشياء المحبوبة، وهذا شكر تشارك ~~فيه المثبتون المسلمون واليهود والنصارى والمجوس، فإن الكل يعتقدون أن ~~الإحسان الواصل من الرحمن ms3370 واجب معرفته على الإنسان، ومن سعة بر البارىء ~~سبحانه وتعالى أن عده شكرا مع كونه واجبا على الشاكر. ووعد عليه الزيادة، ~~وأوجب فيه المثوبة إحسانا ولطفا. الثانية: الشكر في المكاره، وهو إما من ~~رجل لا يميز بين الحالات، بل يستوي عنده المكروه والمحبوب، فإذا نزل به ~~المكروه شكر الله عليه بمعنى أنه أظهر الرضا بنزوله به، وهذا مقام الرضا، ~~وإما من رجل # PageV14P146 # يميز بين الأحوال فهو لا يحب المكروه ولا يرضى بنزوله، فإن نزل به مكروه ~~فشكره عليه إنما هو كظم الغيظ وستر الشكوى وإن كان باطنه شاكيا، والكظم ~~إنما هو لرعاية الأدب بالسلوك في مسلك العلم، فإنه يأمر العبد بالشكر في ~~السراء والضراء والثالثة: أن لا يشهد العبد إلا المنعم باشتغاله بالاستغراق ~~في مشاهدته عن مشاهدة النعمة، وهذا الشهودعلى ثلاثة أقسام: أحدها أن يستغرق ~~فيها عبودة، فيكون مشاهدا له مشاهدة العبد للسيد بأدب العبيد إذا حضروا بين ~~يدي سيدهم، فإنهم ينسون ما هم فيه من الجاه والقرب الذي ما حصل لغيرهم، ~~باستغراقهم في الأدب، وملاحظتهم لسيدهم خوفا من أن يسير إليهم في أمر ~~فيجدهم غافلين، وهذا أمر معروف عند من صحب الملوك. # فصاحب هذا الحال إذا أنعم عليه سيده في هذه الحالة، مع قيامه في حقيقة ~~العبودة، استعظم الإحسان، لأن العبودة توجب عليه أن يستضغر نفسه. ثانيها أن ~~يشهد سيده شهود محبة غالبة، فهو يسبب هذا الاستغراق فيه، يستحلي منه الشدة، ~~وقد قال بعض عشاق حسن الصورة لا صورة الحسن فأحسن: # من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه ... حلوا فقد جهل المحبة وادعى # ثالثها: أن يشهد شهود تفريد يرفع الثنويه ويفني الرسم ويذهب الغيرية، # PageV14P147 # فإذا وردت عليه النعمة أو الشدة كان مستغرقا في الفناء فلم يحس بشيء ~~منهما. # ولما علم من هذا كله أن الشاكر هو المستغرق في الثناء على المنعم بما يجب ~~عليه من العمل من فناء أو غيره بحسب ما يقدر عليه، وكان ذلك عمل مما يجوز ~~أن يكون زين لذلك العبد كونه حسنا وهو ليس كذلك، قال ms3371 صلى الله عليه وسلم ~~مشيرا إلى هذا المعنى: {وأن أعمل صالحا} أي في نفس الأمر. ولما كان العمل ~~الصالح قد لا يرضي المنعم لنقص في العمل كما قيل في معنى ذلك: # إذا كان المحب قليل حظ ... فما حسناته إلا ذنوب # قال: {ترضاه} . # ولما كان العمل الصالح المرضي قد لا يعلى إلى درجة المرضي عنهم، لكون ~~العامل منظورا إليه بعين السخط، لكونه ممن سبق عليه الكتاب بالشقاء، لأن ~~الملك المنعم تام الملك عظيم الملك فهو بحيث لا يسأل عما يفعل، قال معرضا ~~عن عمله معترفا بعجزه، معلما بأن المنعم غني عن العمل وعن غيره، لا تضره ~~معصية ولا ينفعه طاعة: {وأدخلني برحمتك} أي لا بعملي {في عبادك الصالحين*} ~~أي لما أردتهم له من تمام النعمة بالقرب والنظر إليهم بعين العفو # PageV14P148 # والرحمة والرضا. # PageV14P149 # ولما كان التقدير: فوصل إلى المنزل الذي قصده فنزله وتفقد أحوال جنوده ~~كما يقتضيه العناية بأمور الملك، أي تجنب فقدهم بأن تعرف من هو منهم موجود ~~ومن هو منهم مفقود، الذي يلزمه أن لا يغيب أحد منهم: {وتفقد الطير} إذ كانت ~~أحد أركان جنده ففقد الهدهد {فقال ما لي} أي أي شيء حصل لي حال كوني {لا ~~أرى الهدهد} أي أهو حاضر، وستره عني ساتر، وقوله: {أم كان من الغائبين*} ~~كما أنه يدل على ما قدرته يدل على أنه فقد جماعة من الجند، فتحقق غيبتهم ~~وشك في غيبته، وذكره له دونهم يدل على عظيم منزلة الهدهد فيما له عنده من ~~النفع، وأن غيبة غيره كانت بأمره عليه السلام. ثم قال على سبيل الاستئناف ~~إقامة لسياسة الملك ما يدل أيضا على عظمته، قالوا: إنه يرى الماء في الأرض ~~كما يرى الإنسان الماء من داخل الزجاج فينقر الأرض فتأتي الشياطين ~~فتستخرجه: {لأعذبنه} أي بسبب غيبته فيما لم آذن فيه {عذابا شديدا} أي مع ~~إبقاء روحه تأديبا له وردعا لأمثاله {أو لأذبحنه} أي تأديبا لغيره {أو ~~ليأتيني} أي ليكونن أحد هذه الثلاثة الأشياء، أو تكون {أو} الثانية بمعنى ~~إلا أن # PageV14P149 # فيكون المعنى: ms3372 ليكونن أحد الأمرين: التعذيب أو الذبح: إلا أن يأتيني ~~{بسلطان مبين*} أي حجة واضحة في عذره، فكأنه قال: والله ليقيمن عذره أو ~~لأفعلن معه أحد الأمرين {فمكث} أي فترتب على ذلك أنه مكث بعد الحلف ~~بالتهديد زمانا قريبا {غير بعيد} من زمان التهديد، وأتى خوفا من هيبة ~~سليمان عليه السلام، وقياما بما يجب عليه من الخدمة، قرأه عاصم وروح عن ~~يعقوب بفتح الكاف على الأغلب في الأفعال الماضية، وضمه الجماعة إشارة إلى ~~شدة الغيبة عن سليمان عليه السلام ليوافق إفهام حركة الكلمة ما أفهمه تركيب ~~الكلام {فقال} عقب إتيانه مفخما للشأن ومعظما لرتبة العلم ودافعا لما علم ~~أنه أضمر من عقوبته: {أحطت} أي علما {بما لم تحط به} أي أنت من اتساع علمك ~~وامتداد ملكك، والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، وفي هذه المكافحة ~~التنبيه على أن أضعف الخلق قد يؤتي ما لا يصل إليه أقواهم لتتحاقر إلى ~~العلماء علومهم ويردوا العلم في كل شيء إلى الله، وفيه إبطال لقول الرافضة: ~~إن الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه من هو أعلم منه. # ولما أبهمه تشويقا، وأخذ بمجامع القلب إلى تعرفه، ثنى بمدح # PageV14P150 # الخبر مجليا بعض إبهامه، هزا للنفس إلى طلب إتمامه، فقال: {وجئتك} أي ~~الآن {من سبإ} قيل: إنه اسم رجل صار علما لقبيلة، وقيل: أرض في بلاد اليمن، ~~وحكمة تسكين قنبل له بنية الوقف الإشارة إلى تحقير أمرهم بالنسبة إلى نبي ~~الله سليمان عليه السلام بأنهم ليست لهم معه حركة أصلا على ما هم فيه من ~~الفخامة والعز والبأس الشديد {بنبإ} أي خبر عظيم {يقين*} وهو من أبدع ~~الكلام موازنة في اللفظ ومجانسة في الخط مع ما له من الانطباع والرونق، ~~فكأنه قيل: ما هو؟ فقال: {إني وجدت امرأة} وهي بلقيس بنت شراحيل {تملكهم} ~~أي أهل سبأ. # ولما كانت قد أوتيت من كل ما يحتاج إليه الملوك أمرا كبيرا قال: {وأوتيت} ~~بنى الفعل للمفعول إقرارا بأنها مع ملكها مربوبة {من كل شيء} تهويلا لما ~~رأى من ms3373 أمرها. # ولما كان عرشها - أي السرير الذي تجلس عليه للحكم - زائدا في العظمة، خصه ~~بقوله: {ولها عرش} أي سرير تجلس عليه للحكم {عظيم*} أي لم أر لأحد مثله. # ولما كان في الخدمة أقرب أهل ذلك الزمان إلى الله فحصل له من النورانية ~~ما هاله لأجله إعراضهم عن الله، قال مستأنفا تعجيبا: # PageV14P151 # {وجدتها وقومها} أي كلهم على ضلال كبير، وذلك أنهم {يسجدون للشمس} ~~مبتدئين ذلك {من دون الله} أي من أدنى رتبة من رتب الملك الأعظم الذي لا ~~مثل له، وهي الرتبة الأفعال لأنها مصنوع من مصنوعاته تعالى سواء كان ذلك مع ~~الاستقلال أو الشرك {وزين لهم الشيطان أعمالهم} أي هذه القبيحة حتى صاروا ~~يظنونها حسنة. # ولما تسبب عن ذلك أنه أعماهم عن طريق الحق قال: {فصدهم عن السبيل} أي ~~الذي لا سبيل إلى الله غيره، وهو الذي بعث به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة ~~والسلام. # ولما تسبب عن ذلك ضلالهم، قال: {فهم} أي بحيث {لا يهتدون*} أي لا يوجد ~~لهم هدى، بل هم في ضلال صرف، وعمى محض. # PageV14P152 # ولما كان هذا الضلال عجبا في نفسه فضلا عن أن يكون من قوم يجمعهم جامع ~~ملك مبناه السياسة التي محطها العقل الذي هو نور الهداية، ودواء الغواية، ~~علله بانتفاء أعظم مقرب إلى الله: السجود، تعظيما له وتنويها به فقال: ~~{ألا} أي لئن لا {يسجدوا} أي حصل لهم هذا العمى العظيم الذي استولى به ~~عليهم الشيطان لانتفاء سجودهم، ويجوز # PageV14P152 # أن يتعلق بالتزيين، أي زين لهم لئلا يسجدوا {لله} أي يعبدوا الذي له ~~الكمال كله بالسجود الذي هو محل الإنس، ومحط القرب، ودارة المناجاة، وآية ~~المعافاة، فإنهم لو سجدوا له سبحانه لاهتدوا، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر، ففات الشيطان ما يقصده منهم من الضلال، وعلى قراءة الكسائي وأبي ~~جعفر بالتخفيف وإشباع فتح الياء يكون استئنافا، بدىء بأداة الاستفتاح ~~تنبيها لهم على عظم المقام لئلا يفوت الوعظ أحدا منهم بمصادفته غافلا، ثم ~~نادى لمثل ذلك وحذف المنادى إيذانا بالاكتفاء بالإشارة لضيق الحال، خوفا من ~~المبادرة ms3374 بالنكال عن استيفاء العبارة التي كان حقها:: ألا يا هؤلاء اسجدوا ~~لله، أي لتخلصوا من أسر الشيطان، فإن السجود مرضاة للرحمن، ومجلاة للعرفان، ~~ومجناة لتمام الهدى والإيمان. # ولما كانت القصة في بيان علمه سبحانه السابق لعلم الخلائق المستلزم ~~للحكمة، وصفه بما يقتضي ذلك فقال: {الذي يخرج الخبء} وهوالشيء المخبوء ~~بالفعل المخفي في غيره، وهو ما وجد وغيب عن الخلق كالماء الذي في بطن ~~الأرض، أو بالقوة وهو ما لم يوجد أصلا، وخصه بقوله: {في السماوات والأرض} ~~لأن ذلك منتهى مشاهدتنا، # PageV14P153 # فننظر ما يتكون فيهما بعد أن لم يكن من سحاب ومطر ونبات وتوابع ذلك من ~~الرعد والبرق وغيرهما، وما يشرق من الكواكب ويغرب - إلى غير ذلك من الرياح، ~~والبرد والحر، الحركة والسكون، والنطق والسكوت، وما لا يحصيه إلا الله ~~تعالى، والمعنى أنه يخرج ما هو في عالم الغيب فيجعله في عالم الشهادة. # ولما كان ذلك قد يخص بما لم يضمر في القلوب كالماء الذي كان يخرجه الهدهد ~~وكان ذلك قد يعرف بأمارات، وكان ما تضمره القلوب أخفى، قال: {ويعلم ما ~~تخفون} ولما كان هذا مستزما لعلم الجهر، وكان التصريح ما ليس لغيره من ~~المكنة والطمأنينة، مع أن الإعلان ربما كان فيه من اللغط واختلاط الأصوات ~~ما يمنع المستمع من العلم، قال: {وما تعلنون*} أي يظهرون. # ولما كان هذا الوصف موجبا لأن يعبد سبحانه وحده، صرح بما يقتضيه في قوله؛ ~~{الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له؛ ولما كان هذا إشارة إلى أنه لا ~~سمي له، أتبعه التصريح بأنه لا كفوء له فقال: {لا إله إلا هو} ولما كان وصف ~~عرشها بعظم ما، قال: {رب} أي مبدع ومدبر {العرش العظيم*} أي الكامل في # PageV14P154 # العظم الذي لا عظيم يدانيه، وهو محتو على جميع الأكوان، وقد ثبت أن صاحبه ~~أعظم منه ومن كل عظيم بآية الكرسي وبغيرها، فقطع ذلك لسان التعنت عند ذكره ~~مع مزيد اقتضاء السياق له لأنه للانفراد بالإلهية المقتضية للقهر والكبر ~~بخلاف آية المؤمنون، وهذه آية سجدة على كل ms3375 القراءتين، لأن مواضع السجود إما ~~مدح لمن أتى بها، أو ذم لمن تركها، كقراءة التشديد، أو أمر بالسجود كقراءة ~~التخفيف، والكل ناظر إلى العظمة. # ولما صح قوله في كون هذا خبرا عظيما، وخطبا جسيما، حصل التشوق إلى جوابه ~~فقيل: {قال} أي سليمان عليه السلام للهدهد: {سننظر} أي نختبر ما قلته ~~{أصدقت} أي فيه فنعذرك. ولما كان الكذب بين يديه - لما أوتيه من العظمة ~~بالنبوة والملك الذي لم يكن لأحد بعده - يدل على رسوخ القدم فيه، قال: {أم ~~كنت} أي كونا هو كالجبلة {من الكاذبين*} أي معروفا بالانخراط في سلكهم، ~~فإنه لا يجترىء على الكذب عندي إلا من كان عريقا في الكذب دون «أم كذبت» ~~لأن هذا يصدق بمرة واحدة. ثم شرع فيما يختبره به، فكتب له كتابا على الفور ~~في غاية الوجازة قصدا للإسراع في إزالة المنكر على تقدير صدق الهدهد بحسب ~~الاستطاعة، ودل على إسراعه في كتابته بقوله جوابا له: {اذهب بكتابي هذا} ~~قول من # PageV14P155 # كان مهيئا عنده ودفعه إليه. # ولما كان عليه السلام قد زاد قلقه بسجودهم لغير الله، أمره بغاية ~~الإسراع، وكأنه كان أسرع الطير طيرانا وأمده الله زيادة على ذلك بمعونة منه ~~إكراما لنبيه صلى الله عليه وسلم فصار كأنه البرق، فأشار إلى ذلك بالفاء في ~~قوله: {فألقه} ولما لم يخصها في الكتاب دونهم بكلام لتصغر إليهم أنفسهم ~~بخطابه مع ما يدلهم على عظمته، جمع فقال: {إليهم} أي الذين ذكرت أنهم ~~يعبدون الشمس، وذلك للاهتمام بأمر الدين. # ولما كان لو تأخر عنهم بعد إلقائه إلى موضع يأمن فيه على نفسه على ما هو ~~فيه من السرعة لداخلهم شك في أنه هو الملقى له، أمره بأن يمكث بعد إلقائه ~~يرفرف على رؤوسهم حتى يتحققوا أمره، فأشار سبحانه إلى ذلك بأداة التراخي ~~بقوله، {ثم} أي بعد وصولك وإلقائك {تول} أي تنح {عنهم} إلى مكان تسمع فيه ~~كلامهم ولا يصلون معه إليك {فانظر} عقب توليك {ماذا يرجعون*} أي من القول ~~من بعضهم إلى بعض بسبب الكتاب. # ولما كان العلم ms3376 واقعا بأنه يفعل ما أمر به لا محالة، وأنه لا يدفعه # PageV14P156 # إلا إلى الملكة التي بالغ في وصفها، تشوفت النفس إلى قولها عند ذلك، فكان ~~كأنه قيل: فأخذ الكتاب وذهب به، فلما ألقاه إليها وقرأته، وكانت قارئة ~~كاتبة من قوم تبع {قالت} لقومها بعد أن جمعتهم معمظمة لهم، أو لأشرافهم ~~فقط: {يا أيها الملأ} أي الأشراف. # ولما كان من شأن الملوك أن لا يصل إليهم أحد بكتاب ولا غيره إلا على أيدي ~~جماعتهم، عظمت هذا الكتاب بأنه وصل إليها على غير ذلك المنهاج فبنت للمفعول ~~قولها: {إني ألقي إلي} أي بإلقاء ملق على وجه غريب {كتاب} أي صحيفة مكتوب ~~فيها كلام وجيز جامع. # ولما كان الكريم كما تقدم في الرعد - من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار ~~معاليها لأنه ضد اللئيم، وكان هذا الكتاب قد حوى من الشرف أمرا باهرا لم ~~يعهد مثله من جهة المرسل والرسول والافتتاح بالاسم الأعظم إلى ما له من ~~وجازة اللفظ وبلوغ المعنى، قالت: {كريم*} ثم بينت كرمه أو استأنفت جوابا ~~لمن يقول: ممن هو وما هو؟ فقالت: {إنه} أي الكتاب {من سليمان} وفيه دلالة ~~على أن الابتداء باسم صاحب الكتاب لا يقدح في الابتداء بالحمد {وإنه} أي ~~المكتوب فيه {بسم الله الرحمن الرحيم*} فحمد المستحق للحمد وهو الملك ~~الأعلى المحيط عظمه بدائرتي الجلال والإكرام، العام الرحمة # PageV14P157 # بك نعمة، فملك الملوك من فائض ما له من الإنعام الذي يخص بعد العموم من ~~يشاء بما يشاء مما ترضاه ألوهيته من إنعامه العام، بعد التعريف باسمه إشارة ~~إلى أنه المدعو إليه للعبادة بما وجب له لذاته وما استحقه بصفاته، وذلك كله ~~بعد التعريف بصاحب الكتاب ليكون ذلك أجدر بقبوله، لأن أكثر الخلق إنما يعرف ~~الحق بالرجال، ولما في كتابه من الدلالة على نبوته، فسر مراده بأمر قاهر ~~فقال: {ألا تعلوا علي} أي لا تمتنعوا من الإجابة لي، والإذعان لأمري، كما ~~يفعل الملوك، بل اتركوا علوهم، لكوني داعيا إلى الله الذي أعلمت في باء ~~البسملة بأنه لا تكون حركة ولا ms3377 سكون إلا به، فيجب الخضوع له لكونه رب كل ~~شيء {وأتوني مسلمين*} أي منقادين خاضعين بما رأيتم من معجزتي في أمر ~~الكتاب. # ولما تشوفت النفس غلى جوابهم، اعلم سبحانه بأنهم بهتوا فقال: {قالت يا ~~أيها الملأ} ثم بينت ما داخلها من الرعب من صاحب هذا الكتاب بقولها: ~~{أفتوني} أي تكرموا علي بالإبانة عما أفعله {في أمري} هذا الذي أجيب به عن ~~هذا الكتاب، جعلت المشورة فتوى توسعا، لأن الفتوى الجواب في الحادثة، ~~والحكم بما هو صواب مستعار من # PageV14P158 # الفتاء في السن الذي صفرة العمر؛ ثم عللت أمرها لهم بذلك بأنها شأنها ~~دائما مشاورتهم في كل جليل وحقير، فكيف بهذا الأمر الخطير، وفي ذلك ~~استعطافهم بتعظيمهم وإجلالهم وتكريمهم، فقال: {ما كنت} أي كونا ما {قاطعة ~~أمرا} أي فاعلته وفاصلته غير مترددة فيه {حتى تشهدون*} وقد دل على غزارة ~~عقلها وحسن أدبها، ولذلك جنت ثمرة أمثال ذلك طاعتهم لها في المنشط والمكره، ~~فاستأنف تعالى الإخبار عن جوابهم بقوله: {قالوا} أي الملأ مائلين إلى ~~الحرب: {نحن أولوا قوة} أي بالمال والرجال {وأولوا بأس} أي عزم في الحرب ~~{شديد * والأمر} راجع وموكول {إليك} أي كل من المسالمة والمصادمة {فانظري} ~~بسبب أنه لا نزاع معك {ماذا تأمرين*} أي به فإنه مسموع. # PageV14P159 # ولما علمت أن من سخر له الطير على هذا الوجه لا يعجزه شيء يريده، ولا أحد ~~يكيده، مالت إلى المسالمة، فاستأنف سبحانه وتعالى الإخبار عنها بقوله: ~~{قالت} جوابا لما أحست في جوابهم من ميلهم إلى الحرب أن الصواب من غير ~~ارتياب أن نحتال في عدم قصد هذا الملك المطاع؛ ثم عللت هذا الذي أفهمه سياق ~~كلامها بقولها # PageV14P159 # {إن الملوك} أي مطلقا، فكيف بهذا النافذ الأمر، العظيم القدر {إذا دخلوا ~~قرية} أي عنوة بالقهر والغلبة {أفسدوها} أي بالنهب والتخريب {وجعلوا أعزة ~~أهلها أذلة} أي بما يرونهم من البأس، ويحلون بهم من السطوة. ثم أكدت هذا ~~المعنى بقولها: {وكذلك} أي ومثل هذا الفعل العظيم الشأن، الوعر المسلك ~~البعيد الشأو {يفعلون*} دائما، هو خلق لهم مستمر جميعهم ms3378 على هذا، فكيف بمن ~~تطيعه الطيور، ذوات الوكور، فيما يريده من الأمور. # ولما بينت ما في المصادمة من الخطر، أتبعته ما عزمت عليه من المسالمة، ~~فقالت: {وإني مرسلة} وأشار سبحانه إلى عظيم ما ترسل به بالجمع في قولها: ~~{إليهم} أي إليه وإلى جنوده {بهدية} أي تقع منهم موقعا. قال البغوي: وهي ~~العطية على طريق الملاطفة. {فناظرة} عقب ذلك وبسببه {بم} أي بأي شيء {يرجع ~~المرسلون*} بتلك الهدية عنه من المقال أو الحال، فنعمل بعد ذلك على حسب ما ~~نراه من أمره، فنكون قد سلمنا من خطر الإقدام على ما لم نعرف عاقبته، ولم ~~يضرنا ما فعلنا شيئا. # ولما كان التقدير: فأرسلت بالهدية، وهي فيما يقال خمسمائة # PageV14P160 # غلام مرد، زينتهم بزي الجواري، وأمرتهم بتأنيث الكلام، وخمسمائة جارية في ~~زي الغلمان، وأمر لهم بتغليظ الكلام. وجزعه معوجة الثقب، ودرة غير مثقوبة - ~~وغير ذلك، وسألته أن يميز بين الغلمان والجواري، وأن يثقب الدرة، وأن يدخل ~~في الجزعة خيطا، فأمرهم بغسل الوجوه والأيدي، فكانت الجارية تأخذ الماء ~~بإحدى يديها ثم تنقله إلى الأخرى ثم تضرب الوجه وتصب الماء على باطن ساعدها ~~صبا، وكان الغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه ويصب الماء على ظهر الساعد ~~ويحدره على يديه حدرا، وأمر الأرضة فثقبت الدرة، والدودة فأدخلت السلك في ~~الثقب المعوج، رتب عليه قوله مشيرا بالفاء إلى سرعة الإرسال: {فلما جاء} أي ~~الرسول الذي بعثته وأرسلته، والمراد به الجنس؛ قال أبو حيان: وهو يقع على ~~الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث. {سليمان} فدفع إليه ذلك {قال} أي سليمان ~~عليه السلام للرسول ولمن في خدمته استصغارا لما معه: {أتمدونن} أي أنت ومن ~~معك ومن أرسلك {بمال} وإنما قصدي لكم لأجل الدين، تحقيرا لأمر الدنيا ~~وإعلاما بأنه لا التفات # PageV14P161 # له نحوها بوجه، ولا يرضيه شيء دون طاعة الله. # ثم سبب عنه ما أوجب له استصغار ما معه فقال: {فما آتاني الله} أي الملك ~~الأعظم الذي له جميع الكمال من المال والجلال بالنبوة والملك والقرب منه ~~سبحانه، وهو الذي يغني مطيعه ms3379 عن كل ما سواه، فمهما سأله أعطاه، وذلك أنه صف ~~الشياطين والإنس والسباع والوحش والطير والهوام صفوفا فراسخ عدة، وبسط ~~المكان كله بلين الذهب إلى غير ذلك مما يليق به {خير مما آتاكم} أي من ~~الملك الذي لا نبوة فيه، ولا تأييد من الله. # ولما كان التقدير: ولكنكم لا تعلمون أن هديتكم مما يزهد فيه لتقيدكم ~~بظاهر من الحياة الدنيا، نسق عليه قوله: {بل أنتم} أي بجهلكم لذلك تستعظمون ~~ما أنتم فيه، فأنتم {بهديتكم تفرحون*} بتجويزكم أن الدنيا تردني عنكم لأنها ~~غاية قصدي، ويجوز أن يراد أنكم تفرحون بما يهدي إليكم فتتركون من كنتم ~~تريدون غزوه لأجل ما آتاكم منه من الدنيا، فحالي خلاف حالكم، فإنه لا ~~يرضيني إلا الدين. ثم أفرد الرسول إرادة لكبيرهم بقوله: {ارجع} وجمع في ~~قوله: {إليهم} إكراما لنفسه، وصيانه لاسمها عن التصريح بضميرها، وتعميما ~~لكل من يهتم بأمرها ويطيعها {فلنأتينهم بجنود لا قبل} أي طاقة {لهم بها} أي ~~بمقابلتها لمقاومتها وقلبها عن قصدها، أي لا يقدرون أن يقابلوها # PageV14P162 # {ولنخرجنهم منها} أي من بلادهم {أذلة} . # ولما كان الذل قد يكون لمجرد الانقياد، لا على سبيل الهوان، حقق المراد ~~بقوله: {وهم صاغرون*} أي لا يملكون شيئا من المنعة إن لم يقروا بالإسلام. # ولما ذهب الرسل، وعلم صلى الله عليه السلام مما رأى من تصاغرهم لما رأوا ~~من هيبته وجلاله الذي حباه به ربه وعظمته أنهم يأتون بها مذعنة {قال} ~~لجماعته تحقيقا لقوله: {وأوتينا من كل شيء} لإعلامه بأنها استوثقت من ~~عرشها: {يا أيها الملأ} أي الأشراف {أيكم يأتيني بعرشها} لترى بعض ما آتاني ~~الله من الخوارق، فيكون أعون على متابعتها في الدين، ولآخذه قبل أن يحرم ~~أخذه بإسلامها، وأختبر به عقلها {قبل أن يأتوني} أي هي وجماعتها {مسلمين*} ~~أي منقادين لسلطاني، تاركين لعز سلطانهم، منخلعين من عظيم شأنهم، ليكون ذلك ~~أمكن في إقامة الحجة عليها في نبوتي وأعون على رسوخ الإيمان في قلبها ~~وإخلاصها فيه {قال عفريت} . ولما كان هذا اللفظ يطلق على الأسد، وعلى ~~المارد القوي، ms3380 وعلى الرجل النافذ في الأمر المبالغ فيه مع دهاء وقوة - وقال ~~الرازي: # PageV14P163 # مع خبث ومكر - وعلى غيره، بينه بأن قال: {من الجن أنا} الداهية الغليظ ~~الشديد {آتيك به} ولما علم أن غرضه الإسراع قال: {قبل أن تقوم من مقامك} أي ~~مجلسك هذا، ثم أوثق الأمر وأكده بقوله: {وإني عليه} أي الإتيان به سالما ~~{لقوي} لا يخشى عجزي عنه {أمين*} لا يخاف انتقاضي شيئا منه. # ولما كانت القصة لإظهار فضل العلم المستلزم للحكمة، دلالة على أنه تعالى ~~حكيم عليم، ترغيبا في القرآن، وحثا على ما أفاده من البيان، قال حاكيا لذلك ~~استئنافا جوابا لاستشرافه صلى الله عليه وسلم لأقرب من ذلك: {قال الذي ~~عنده} . # ولما كان لكتب الله من العظمة ما لا يحيطه إلا الله، اشار إلى ذلك بتنكير ~~ما لهذا الذي يفعل مثل هذا الخارق العظيم من ذلك فقال: {علم} تنبيها على ~~أنه اقتدر على ذلك بقوة العلم ليفيد ذلك تعظيم العلم والحث على تعلمه، وبين ~~أن هذا الفضل إنما هو للعلم الشرعي فقال: {من الكتاب} أي الذي لا كتاب في ~~الحقيقة غيره، وهو المنسوب إلينا، وكأنه الذي كان شهيرا في ذلك الزمان، ~~ولعله التوراة والزبور، إشارة إلى أن من خدم كتابا حق الخدمة # PageV14P164 # كان الله - تعالى كما ورد في شرعنا - سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر ~~به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، أي إنه يفعل له ما يشاء، ~~وقيل في تعيينه إنه آصف بن برخيا وكان صديقا عالما: {أنا آتيك به} وهذا ~~أظهر في كونه اسم فاعل لأن الفعل قارن الكلام؛ وبين فضله على العفريت ~~بقوله: {قبل أن يرتد} أي يرجع {إليك طرفك} أي بصرك إذا طرفت بأجفانك ~~فأرسلته إلى منتهاه ثم رددته؛ قال القزاز: طرف العين: امتداد بصرها حيث ~~أدرك، ولذلك يقولون: لا أفعل ذلك ما ارتد إلي طرفي، أي ما دمت أبصر، ويقال: ~~طرف الرجل يطرف - إذا حرك جفونه، وقيل: الطرف اسم لجامع البصر لا يثنى ولا ~~يجمع. وبين تصديق فعله لقوله أنه ms3381 استولىعليه قبل أن يتحكم منه العفريت ~~فبادر الطرف إحضاره كما أشار إليه قوله تعالى: {فلما رآه} أي العرش. # ولما كانت الرؤية قد تكون عن بعد ومجازية، وكذلك العندية، بين أنها ~~حقيقية بإظهار العامل في الظرف ومن حقه في غير هذا السياق الحذف فقال: ~~{مستقرا عنده} أي ثابتا ثباتا لا مرية فيه، ما هو بسحر ولا منام لا مثال؛ ~~قال الإمام جمال الدين بن هشام في الباب # PageV14P165 # الثالث من كتابه المغني: زعم ابن عطية أن {مستقرا} هو المتعلق الذي يقدر ~~في أمثاله قد ظهر، والصواب ما قاله أبو البقاء وغيره من أن هذا الاستقرار ~~معناه عدم التحرك لا مطلق الوجود والحصول، فهو كون خاص. {قال} أي سليمان ~~عليه السلام شكرا لما آتاه الله من هذه الخوارق: {هذا} أي الإتيان المحقق ~~{من فضل ربي} أي المحسن إلي، لا بعمل أستحق به شيئا، فإنه أحسن إلي بإخراجي ~~من العدم وتطويقي للعمل، فكل عمل نعمة منه يستوجب علي به الشكر، ولذلك قال: ~~{ليبلوني} أي يفعل معي فعل المبتلي الناظر {ءأشكر} فأعترف بكونه فضلا {أم ~~أكفر} بظن أني أوتيته باستحقاق. ثم زاد في حث نفسه على الشكر بقوله: {ومن ~~شكر} أي أوقع الشكر لربه {فإنما يشكر لنفسه} فإن نفعه لها، وأما الله تعالى ~~فهو أعلى من أن يكون له في شيء نفع أو عليه فيه ضر {ومن كفر فإن ربي} أي ~~المحسن إلي بتوفيقي لما أنا فيه من الشكر {غني} أي عن شكر، لا يضره تركه ~~شيئا {كريم*} يفعل معه بإدرار النعم عليه فعل من أظهر محاسنه وستر مساوئه، ~~ثم هو جدير بأن يقطع إحسانه إن استمر على إجرامه كما # PageV14P166 # يفعل الغني بمن أصر على كفر إحسانه فإذا هو قد هلك. # PageV14P167 # ولما قدم - كما هو دأب الصالحين - الشكر، علم أنه يفعل في العرش ما لأجله ~~أحضره، تشوفت النفس إليه فأجيبت بقوله: {قال} أي سليمان عليه السلام: ~~{نكروا لها عرشها} أي بتغيير بعض معالمه وهيئته اختبارا بعقلها كما ~~اختبرتنا هي بالوصفاء والوصائف والدرة وغير ذلك، وإليه ms3382 الإشارة بقوله: ~~{ننظر أتهتدي} أي إلى معرفته فيكون ذلك سببا لهدايتها في الدين {أم تكون من ~~الذين} شأنهم أنهم {لا يهتدون*} أي بل هم في غاية الغباوة، لا يتجدد لهم ~~اهتداء، بل لو هدوا لوقفوا عند الشبه، وجادلوا بالباطل وما حلوا، وأشار إلى ~~سرعة مجيئها إشارة إلى خضوعها بالتعبير بالفاء في قوله: {فلما جاءت} وكان ~~مجيئها - على ما قيل - في اثنى عشر ألف قيل من وجوه اليمن، تحت يد كل قيل ~~ألوف كثيرة، وكانت قد وضعت عرشها داخل بيت منيع، ووكلت به حراسا أشداء ~~{قيل} أي لها وقد رأت عرشها بعد تنكيره بتقليب نصبه وتغييره، من قائل لا ~~يقدر على السكوت عن جوابه لما نالها من الهيبة وخالطها من الرعب من عظيم ما ~~رأت، فقرعها بكلمة تشمل على أربع كلمات: هاء التنبيه، وكاف التشبيه، واسم ~~الإشارة، # PageV14P167 # مصدرة بهمزة الاستفهام، أي تنبهي {أهكذا} أمثل ذا العرش {عرشك قالت} ~~عادلة عن حق الجواب من «نعم» أو «لا» إشارة إلى أنها غلب على ظنها أنه هو ~~بعينه كما قالوا في «كأن زيدا قائم» : {كأنه هو} وذلك يدل على ثبات كبير، ~~وفكر ثاقب، ونظر ثابت، وطبع منقاد، لتجويز المعجزات والإذعان لها مع دهشة ~~القدوم، واشتغال الفكر بما دهمها من هيبته وعظيم أمره، فعلم سليمان عليه ~~السلام رجاحة عقلها وبطلان ما قال الشياطين من نقصه خوفا من أن يتزوجها ~~فتفشي عليه أسرار الجن لأن أمها كانت جنية - على ما قيل، وقالوا: إن رجلها ~~كحافر الحمار، وإنها كثيرة الشعر جدا. # ولما كانت مع ذلك قد شبه عليها ولم تصل إلى حاق الانكشاف مع أنها غلبت ~~على عرشها مع الاحتفاظ عليه، استحضر صلى الله عليه وسلم ما خصه الله به من ~~العلم زيادة في حثه على الشكر، فقال عاطفا على ما تقديره: فأوتيت من أمر ~~عرشها علما، ولكنه يخالجه شك، فدل على أنها في الجملة من أهل العلم المهيئي ~~للهداية، أو يكون التقدير # PageV14P168 # بما دل عليه ما يلزم من قولها {كأنه} : فجهلت أمر عرشها على كثرة ~~ملابستها ms3383 له: {وأوتينا} معبرا بنون الواحد المطاع، لا سيما والمؤتى سبب ~~لعظمة شرعية، وهو العلم الذي لا يقدر على إيتائه غير الله، ولذلك بني الفعل ~~للمفعول لأن فاعله معلوم {العلم} أي بجميع ما آتانا الله علمه، ومنه أنه ~~يخفى عليها {من قبلها} أي من قبل إتيانها، بأن عرشها يشتبه عليها، أو من ~~قبل علمها بما ظنت من أمر عرشها، أو أنا وأسلافي من قبل وجودها، فنحن ~~عريقون في العلم، فلذلك نحن على حقيقة من جميع أمورنا، وإنما قال: {ننظر ~~أتهتدي} بالنسبة إلى جنوده. # ثم ذكر السبب في وجود العلم واتساعه وثباته فقال: {وكنا} أي مع العلم ~~الذي هيأنا الله له بما جعل في غرائزنا من النورانية {مسلمين*} أي خاضعين ~~لله تعالى عريقين في ذلك مقبلين على جميع أوامره بالفعل على حسب أمره كما ~~أشار إليه قوله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282] ، {يهديهم ~~ربهم بإيمانهم} [يونس: 9] . # ولما كان المعنى: وأما هي فإنها وإن أوتيت علما فلم يكن ثابتا، ولا كان ~~معه دين، ترجمه بقوله: {وصدها} أي هي عن كمال العلم # PageV14P169 # كما صدها عن الدين {ما} أي المعبود الذي {كانت} أي كونا ثابتا في الزمن ~~الماضي {تعبد} أي عبادة مبتدئة {من دون الله} أي غير الملك الأعلى الذي له ~~الكمال كله أو أدنى رتبة من رتبته، وهي عبادة الشمس ليظهر الفرق بين حزب ~~الله الحكيم العليم وحزب إبليس السفيه الجهول. ثم علل ذلك إشارة إلى عظيم ~~نعمة الله عليه بالنعمة على أسلافه بقوله: {إنها} وقرىء بالفتح على البدل ~~من فاعل «صد» {كانت من قوم} أي ذوي بطش وقيام {كافرين*} أي فكان ذلك سببا - ~~وإن كانت في غاية من وفور العقل وصفاء الذهن وقبول العلم كما دل عليه ظنها ~~في عرشها، ما يهتدي له إلا من عنده قابلية الهدي - في اقتفائها لآثارهم في ~~الدين، فصديت مرآة فكرها ونبت صوارم عقلها. # ولما تم ذلك، كان كأنه قيل: هل كان بعد ذلك اختبار؟ فقيل: نعم! {قيل لها} ~~أي من قائل من جنود سليمان عليه السلام، ms3384 فلم تمكنها المخالفة لما هناك من ~~الهيبة بالملك والنبوة والدين: {ادخلي الصرح} وهو قصر بناه قبل قدومها، ~~وجلس في صدره، وجعل صحنه من الزجاج الأبيض الصافي، وأجرى تحته الماء، وجعل ~~فيه دواب البحر، وأصله - كما قال في الجمع بين العباب والمحكم: بيت واحد ~~يبني منفردا # PageV14P170 # ضخما طويلا في السماء، قال: وقيل: كل بناء متسع مرتفع، وقيل: هو القصر، ~~وقيل: كل بناء عال مرتفع، والصرح: الأرض المملسة، وصرحة الدار ساحتها. ودل ~~على مبادرتها لامتثال الأمر وسرعة دخولها بالفاء فقال: {فلما رأته} وعبر ~~بما هو من الحسبان دلالة على أن عقلها وأن كان في غاية الرجاحة ناقص ~~لعبادتها لغير الله فقال: {حسبته} أي لشدة صفاء الزجاج واتصال الماء بسطحه ~~الأسفل {لجة} أي غمرة عظيمة من ماء، فعزمت على خوضها إظهارا لتمام ~~الاستسلام {وكشفت عن ساقيها} أي لئلا تبتل ثيابها فتحتاج إلى تغييرها قبل ~~الوصول إلى سليمان عليه السلام، فرآها أحسن الناس ساقا وقدما غير أنها ~~شعراء. # ولما حصل مراده، استؤنف الإخبار عن أمره بعده فقيل: {قال} مبينا لعظم ~~عقله وعلمه، وحكمته وقدرته، مؤكدا لأنه لشدة اشتباهه بجودة المادة وتناهي ~~حسن الصنعة وإحكامها لا يكاد يصدق أنه حائل دون الماء: {إنه} أي هذا الذي ~~ظننته ماءا {صرح} أي قصر {ممرد} أي مملس، وأصل المرودة: الملامة والاستواء # PageV14P171 # {من} أي كائن من {قوارير*} أي زجاج ليتصف بشفوفة الماء فيظن أنه لا حائل ~~دونه، فلما رأت ما فضله الله به من العلم، المؤيد بالحكمة، المكمل بالوقار ~~والسكينة، المتمم بالخوارق، بادرت إلى طاعته علما بأنه رسول الله، فاستأنف ~~تعالى الإخبار عن ذلك بقوله: {قالت} مقبلة على من آتاه، للاستمطار من فضله، ~~والاستجداء من عظيم وبله: {رب} أي أيها المحسن إلي {إني ظلمت نفسي} أي بما ~~كنت فيه من العمى بعبادة غيرك عن عبادتك {وأسلمت} أي ليظهر علي ثمرات ~~الإسلام. # ولما ذكرت هذا الأساس الذي لا يصح بناء طاعة إلا عليه، أتبعته الداعي ~~الذي لا تتم ثمرات الأعمال المؤسسة عليه إلا بحبه، والإذعان له، والانقياد ~~والاعتراف بالفضل، وبهدايته ms3385 إلى ما يصلح منها وما لا يصلح على الوجوه التي ~~لا تقوم إلا بها من الكميات والكيفيات. فقالت: {مع سليمان} . # ولما ذكر صفة الربوبية الموجبة للعبادة بالإحسان، ذكرت الاسم الأعظم ~~الدال على ذات المستجمع للصفات الموجبة للإلهية للذات # PageV14P172 # فقالت: {لله} أي مقرة له بالألوهية والربوبية على سبيل الوحدانية. ثم ~~رجعت إشارة إلى العجز عن معرفة الذات حق المعرفة إلى الأفعال التي هي بحر ~~المعرفة فقالت: {رب العالمين*} فعمت بعد أن خصت إشارة إلى الترقي من حضيض ~~دركات العمى إلى أوج درجات الهدى، فلله درها ما أعلمها! وأطيب أعراقها ~~وأكرمها! ويقال: أن سليمان عليه السلام تزوجها واصطنع الحمام - وهو أول من ~~اتخذه - وأذهب شعرها بالنورة. # PageV14P173 # ولما أتم سبحانه هذه القصة المؤسسة على العلم المشيد بالحكمة المنبئة عن ~~أن المدعوين فيها أطبقوا على الاستسلام للدخول في الإسلام، مع أبالة الملك ~~ورئاسة العز، والقهر على يد غريب عنهم بعيد منهم، أتبعها قصة انقسم أهلها ~~مع الذل والفقر فريقين مع أن الداعي منهم لا يزول باتباعه شيء من العز ~~عنهم، مع ما فيها من الحكمة، وإظهار دقيق العلم بإبطال المكر، بعد طول ~~الأناة والحلم، فقال تعالى مفتتحا بحرف التوقع والتحقيق لمن ظن أن هذا شأن ~~كل رسول مع يدعوهم، عاطفا على {ولقد آتينا داود} : {ولقد أرسلنا} أي بما ~~لنا من العظمة {إلى ثمود} ثم أشار إلى العجب من توقفهم بقوله: {أخاهم ~~صالحا} فجمع إلى حسن الفعل حسن الاسم وقرب النسب. ثم ذكر المقصود من ~~الرسالة بما لا أعدل منه ولا أحسن، وهو الاعتراف بالحق لأهله، # PageV14P173 # فقال: {أن اعبدوا الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له وحده، ولا ~~تشركوا به شيئا ولا سيما شيئا لا يضر بوجه ولا ينفع، بيانا لأن الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام متفقون على ذلك عربهم وعجمهم. ثم زاد في التعجيب منهم بما ~~أشارت إليه الفاء وأداة المفاجأة من المبادرة إلى الافتراق بما يدعو إلى ~~الاجتماع فقال: {فإذا هم} أي ثمود {فريقان} ثم بين بقوله: {يختصمون*} أنها ~~فرقة افتراق بكفر وإيمان، ms3386 لا فرقة اجتماع في هدى وعرفان، فبعضهم صدق صالحا ~~واتبعه كما مضى في الأعراف. وتأتي هنا الإشارة إليه بقوله «وبمن معك» ~~وبعضهم استمر على شركه وكذبه، وكل فريق يقول: أنا على الحق وخصمي على ~~الباطل. ثم استأنف بما أشار إليه حرف التوقع من شدة التشوف قائلا: {قال} أي ~~صالح مستعطفا في هدايته: {يا قوم} أي يا أولاد عمي ومن فيهم كفاية للقيام ~~بالمصالح {لم تستعجلون} أي تطلبون العجلة بالإتيان {بالسيئة} أي الحالة ~~التي مساءتها ثابتة وهي العقوبة التي أنذرت بها من كفر {قبل} الحالة ~~{الحسنة} من الخيرات التي أبشركم بها في الدنيا والآخرة إن آمنتم، ~~والاستعجال: طلب الإتيان بالأمر قبل الوقت # PageV14P174 # المضروب له. واستعجالهم لذلك للإصرار على سببه وقولهم استهزاء {ائتنا بما ~~تعدنا} {لولا} أي هلا ولم لا {تستغفرون الله} أي تطلبون غفران الذي له صفات ~~الكمال لذنوبكم السالفة بالرجوع إيه بالتوبة بإخلاص العبادة له {لعلكم ~~ترحمون*} أي لتكونوا على رجاء من أن تعاملوا من كل من فيه خير معاملة ~~المرحوم بإعطاء الخير والحماية من الشر، ثم استأنف حكاية جوابهم فقال: ~~{قالوا} فظاظة وغلظة مشيرين بالإدغام إلى أن ما يقولونه إنما يفهمه الحذاق ~~بمعرفة الزجر وإن كان الظاهر خلافه بما أتاهم به من الناقة التي كان في ~~وجودها من البركة أمر عظيم؛ {اطيرنا} أي تشاءمنا {بك وبمن معك} أي وهو ~~الذين آمنوا بك، فإنه وقع بيننا بسببكم الخلاف، وكثر القال والقيل ~~والإرجاف، وحصلت لنا شدائد واعتساف، لأنا جعلناكم مثل الطائر الذي يمر من ~~جهة الشمال - على ما يأتي في الصافات {قال طائركم} أي ما تيمنون به فيثمر ~~ما يسركم، أو تتشاءمون به فينشأ عنه ما يسوءكم وهو عملكم من الخير أو الشر ~~{عند الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة، وليس شيء منه بيد ~~غيره ولا ينسب إليه، فإن شاء جعلنا سببه وإن شاء جعل غيرنا. # PageV14P175 # ولما كان معنى نسبته إلى الله أن هذا الذي بكم الآن من الشر ليس منا، ~~قال: {بل أنتم قوم تفتنون*} أي تختبرون ms3387 من الملك الأعلى بما تنسبونه إلى ~~الطير من الخير والشر، أي تعاملون به معاملة الاختبار هل تصلحون للخير ~~بالرجوع عن الذنب فيخفف عنكم أو لا فتمحنوا. # ولما أخبر عن عامة هذا الفريق بالشر، أخبر عن شرهم بقوله: {وكان في ~~المدينة} أي مدينتهم الحجر من عظماء القرية وأعيانها {تسعة رهط} أي رجال، ~~مقابلة لآيات موسى التسع. # ولما كان الرهط بمعنى القوم والرجال، أضيفت التسعة إليه، فكأنه قيل: تسعة ~~رجال، وإن كان لقوم ورجال مخصوصين، وهم ما بين الثلاثة أو السبعة إلى ~~العشرة، وما دون التسعة فنفر، وقال في القاموس: إن النفر ما دون العشرة غير ~~أنه يفهم التفرق، والرهط يفهم العظمة والشدة والاجتماع {يفسدون} وقال: {في ~~الأرض} إشارة إلى عموم فسادهم ودوامه. # ولما كان الكفرة كلهم مفسدين بالكفر، وكان بعضهم ربما كان يصلح في بعض ~~أفعاله، بين أن هؤلاء ليسوا كذلك، بل هم شر # PageV14P176 # محض فحقق خلوصهم للفساد بقوله مصرحا بما أفهمته صيغة المضارع: {ولا ~~يصلحون*} . # ولما اقتضى السياق السؤال عن بيان بعض حالهم، أجاب بقوله: {قالوا ~~تقاسموا} أمر مما منه القسم، أي أوقعوا المقاسمة والمحالفة بينكم {بالله} ~~أي الذي لا سمى له لما شاع من عظمته، وشمول إحاطته في علمه وقدرته، فليقل ~~كل منكم عن نفسه ومن معه إشارة إلى أنكم كالجسد الواحد: {لنبيتنه} أي صالحا ~~{وأهله} أي لنهلكن الجميع ليلا، فإن البيات مباغتة العدو ليلا. # ولما كانت العادة جارية بأن المبيتين لا بد أن يبقى بعضهم، قالوا: {ثم ~~لنقولن لوليه} أي المطالب بدمه إن بقي منهم أحد: {ما شهدنا} أي حضرنا حضورا ~~تاما {مهلك} أي هلاك {أهله} أي أهل ذلك الولي فضلا عن أن نكون باشرنا، أو ~~أهل صالح عليه السلام فضلا عن أن نكون شهدنا مهلك صالح أو باشرنا قتله ولا ~~موضع إهلاكهم. ولما كانت الفجيعة من وليه بهلاكه - عليه السلام - أكثر من ~~الفجيعة بهلاك أهله وأعظم، كان في السياق بالإسناد إلى الولي - على تقدير ~~كون الضمير لصالح عليه السلام - # PageV14P177 # أتم إرشاد إلى أن التقدير: ولا مهلكه. # ولما ms3388 كانوا قد صمموا على هذا الأمر، وظنوا أنفسهم على المبالغة في الحلف ~~والاجتراء على الكذب فقالو: {وإنا} أي ونقول في جملة القسم تأكيدا للقسم، ~~إيهاما لتحقق الصدق: وإنا {لصادقون*} فيا للعجب من قوم إذا عقدوا اليمين ~~فزعوا إلى الله العظيم، ثم نفروا عنه نفور الظليم، إلى أوثان أنفع منها ~~الهشيم. # PageV14P178 # ولما كان هذا منهم عمل من لا يظن أن الله عالم به، قال تعالى محذرا ~~أمثالهم عن أمثال ذلك: {ومكروا مكرا} أي ستروا سترا عظيما أرادوا به الشر ~~بهذه المساومة على المقاسمة، فكان مكرهم الذي اجتهدوا في ستره لدينا مكشوفا ~~وفي حضرتنا معروفا وموصوفا، فشعرنا بل علمنا به فأبطلناه {ومكرنا مكرا} أي ~~وجزينانهم على فعلهم بما لنا من العظمة شيئا هو المكر في الحقيقة فإنه لا ~~يعلمه أحد من الخليقة، ولذلك قال: {وهم} أي مع اعتنائهم بالفحص عن الأمور. ~~والتحرز من عظائم المقدور {لا يشعرون*} أي لا يتجدد لهم شعور بما قدرناه ~~عليهم بوجه ما، فكيف بغيرهم، وذلك أنا جعلنا تدميرهم في تدبيرهم، فلم ~~يقدروا على إبطاله، فأدخلناهم في خبر كان، لم يفلت منهم إنسان، وأهلكنا ~~جميع الكفرة من قومهم في أماكنهم # PageV14P178 # مساكنهم أو غير مساكنهم، وأما مكرهم فكانوا على اجتهادهم في إتقانه ~~وإحكام شأنه، قد جوزوا فيه سلامة بعض من يقصدونه بالإهلاك، فشتان بين ~~المكرين، وهيهات هيهات لما بين الأمرين، وقد ظهر أن الآية إما احتباك أو ~~شبيهة به: عدم الشعور دال على حذف عدم الإبطال من الثاني، وعلى حذف الشعور ~~والإبطال الذي هو نتيجته من الأول. # ولما علم من هذا الإبهام تهويل الأمر، سبب عنه سبحانه زيادة في تهويله ~~قوله: {فانظر} وزاده عظمة بالإشارة بأداة الاستفهام إلى أنه أهل لأن يسأل ~~عنه فقال: {كيف كان عاقبة مكرهم} فإن ذلك سنتنا في أمثالهم، ثم استأنف ~~لزيادة التهويل قوله بيانا لما أبهم: {إنا} أي بما لنا من العظمة، ومن فتح ~~فهو عنده بدل من {عاقبة} {دمرناهم} أي أهلكناهم، أي التسعة المتقاسمين، ~~بعظمتنا التي لا مثل لها {وقومهم أجمعين*} لم يفلت ms3389 منهم مخبر، ولا كان في ~~ذلك تفاوت بين مقبل ومدبر، وأين يذهب أحد منهم أو من غيرهم من قبضتنا أو ~~يفر من مملكتنا. # ولما كانت يتسبب عن دمارهم زيادة الهول والعرب بالإشارة إلى # PageV14P179 # ديارهم، لاستحضار أحوالهم، واستعظامهم بعظيم أعمالهم، قال: {فتلك} أي ~~المبعدة بالغضب على أهلها {بيوتهم} أي ثمود كلهم {خاوية} أي خالية، متهدمة ~~بالية، مع شدة أركانها، وإحكام بنيانها، فسبحان الفعال لما يريد، القادر ~~على الضعيف كقدرته على الشديد. . # ولم ذكر الهلاك، أتبعه سببه في قوله: {بما ظلموا} أي أوقعوا من الأمور في ~~غير مواقعها فعل الماشي في الظلام، كما عبدوا من الأوثان، ما يستحق الهوان، ~~ولا يستحق شيئا من التعظيم بوجه، معرضين عمن لا عظيم عندهم غيره عند ~~الإقسام، والشدائد والاهتمام، وخراب البيوت - كما قال أبو حيان - وخلوها من ~~أهلها حتى لا يبقى منهم أحد مما يعاقب به الظلمة. # ثم زاد في التهويل بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر الباهر للعقول الذي فعل ~~بثمود {لآية} أي عظيمة، ولكنها {لقوم يعلمون*} أي لهم علم. وأما من لا ~~ينتفع بها نادى على نفسه بأنه في عداد البهائم. # ولما كان ذلك ربما أوهم أن الهلاك عم الفريقين قال: {وأنجينا} بعظمتنا ~~{الذين آمنوا} أو وهم الفريق الذين كانوا مع صالح عليه السلام كلهم {وكانوا ~~يتقون*} أي متصفين بالتقوى اتصافا كأنهم مجبولون عليه، فيجعلون بينهم وبين ~~ما يسخط ربهم وقايه # PageV14P180 # من الأعمال الصالحة، والمتاجر الرابحة. وكذلك نفعل بكل من فعل فعلهم، ~~قيل: كانوا أربعة آلاف، ذهب بهم صالح عليه السلام إلى حضرموت، فلما دخلوها ~~مات صالح عليه السلام، فسميت بذلك. # ولما فرغ من قصة القريب الذي دعا قومه فإذا هم قسمان، بعد الغريب الذي لم ~~يختلف عليه ممن دعاهم اثنان، اتبعها بغريب لم يتبعه ممن دعاهم إنسان، فقال ~~دالا على أنه له سبحانه الاختيار، فتارة يجري الأمور على القياس، وأخرى على ~~خلاف الأساس، الذي تقتضيه عقول الناس، فقال: {ولوطا} أي ولقد أرسلناه؛ ~~وأشار إلى سرعة إبلاغه بقوله: {إذ} أي حين {قال لقومه} أي ms3390 الذين كان سكن ~~فيهم لما فارق عمه إبراهيم الخليل عليه السلام وصاهرهم، وكانوا يأتون ~~الأحداث، منكرا موبخا: {أتأتون} ولما كان للإبهام ثم التعيين من هز النفس ~~وترويعها ما ليس للتعيين من أول الأمر قال: {الفاحشة} أي الفعلة المتناهية ~~في القبح {وأنتم تبصرون*} أي لكم عقول تعرفون بها المحاسن والمقابح، وربما ~~كان بعضهم يفعله بحضرة بعض كما قال {وتأتون في ناديكم المنكر} [العنكبوت: ~~29] فيكون حينئذ من البصر والبصيرة؛ ثم أتبع هذا الأنكار إنكارا آخر لمضمون ~~جملة مؤكدة أتم التأكيد، إشارة إلى أن فعلتهم هذه مما يعي الواصف، # PageV14P181 # ولا يبلغ كنه قبحها ولا يصدق ذو عقل أن أحدا يفعلها، فقال معينا لما ~~أبهم: {أئنكم لتأتون} وقال: {الرجال} تنبيها على بعدهم عما يأتونه إليهم، ~~ثم علله بقوله: {شهوة} إنزالا لهم إلى رتبة البهائم التي ليس فيها قصد ولد ~~ولا عفاف؛ وقال: {من دون} أي إتيانا مبتدئا من غير، أو أدنى رتبة من رتبة ~~{النساء} إشارة إلى أنهم أساؤوا من الطرفين في الفعل والترك. # ولما كان قوله: {شهوة} ربما أوهم أنهم لا غنى بهم عن إتيانهم للشهوة ~~الغالبة لكن النساء لا تكفيهم، لذلك نفى هذا بقوله: {بل} أي إنكم لا ~~تأتونهم لشهوة محوجة بل {أنتم قوم} ولما كان مقصود السورة إظهار العلم ~~والحكمة، وكانوا قد خالفوا ذلك إما بالفعل وإما لكونهم يفعلون من الإسراف ~~وغيره عمل الجهلة، قال: {تجهلون*} أي تفعلون ذلك إظهارا للتزين بالشهوات ~~فعل المبالغين في الجهل الذين ليس لهم نوع علم في التجاهر بالقبائح خبثا ~~وتغليبا لأخلاق البهائم، مع ما رزقكم الله من العقول التي أهملتموها حتى ~~غلبت عليها الشهوة، وأشار إلى تغاليهم في الجهل وافتخارهم به بما سببوا عن ~~ذلك بقوله: {فما كان جواب قومه} أي لهذا الكلام الحسن لما لم يكن لهم حجة ~~في دفعه بل ولا شبهة {إلا أن} صدقوه في نسبته لهم إلى # PageV14P182 # الجهل بأن {قالوا} عدولا إلى المغالبة وتماديا في الخبث {أخرجوا آل لوط} ~~فأظهر ما أضمره في الأعراف لأن الإظهار أليق بسورة العلم والحكمة وإظهار ms3391 ~~الخبء، وقالوا؛ {من قريتكم} منا عليه بإسكانه عندهم؛ وعللوا ذلك بقولهم: ~~{إنهم} ولعلهم عبروا بقولهم: {أناس} مع صحة المعنى بدونه تهكما عليه لما ~~فهموا من أنه أنزلهم إلى رتبة البهائم {يتطهرون*} أي يعدون أفعالنا نجسة ~~ويتنزهون عنها. # فلما وصلوا في الخبث إلى هذا الحد، سبب سبحانه عن قولهم وفعلهم قوله: ~~{فأنجيناه وأهله} أي كلهم، أي من أن يصلوا إليه بأذى أو يلحقه شيء من ~~عذابنا {إلا امرأته} فكأنه قيل: فما كان من أمرها؟ فقيل: {قدرناها} أي ~~جعلناها بعظمتنا وقدرتنا في الحكم وإن كانت خرجت معه {من الغابرين*} أي ~~الباقين في القرية في لحوق وجوههم والداهية الدهياء أنفسهم وديارهم حتى ~~كانوا كأمس الدابر {وأمطرنا} وأشار إلى أنه إمطار عذاب بالحجارة مع تعديته ~~بالهمزة وهو معدى بدونها فصارت كأنها لإزالة الإغاثة بالإتيان بضدها بقوله: ~~{عليهم} وأشار إلى سوء الأثر لاستلزامه سوء الفعل الذي نشأ عنه وغرابته ~~بقوله: {مطرا} أي وأي مطر؛ ولذلك سبب عنه قوله: {فساء مطر المنذرين*} # PageV14P183 # أي الذين وقع إنذارنا لهم الإنذار الذي هو الإنذار. # PageV14P184 # ولما تم بهذه القصص استنتاج ما أراد سبحانه من الدليل على حكمته وعلمه ~~ومباينته للأصنام في قدرته وحلمه، أمر نبيه صلى الله عليه السلام بأن يحمده ~~شكرا على ما علم ويقررهم بعجز أصنامهم ردا لهم عن الجهل بأوضح طريق وأقرب ~~متناول فقال: {قل} ما أنتجه ما تقدم في هذه السورة، وهو {الحمد} أي الإحاطة ~~بأوصاف الكمال {لله} أي مختص بالمستجمع للأسماء الحسنى، والصفات العلى عند ~~الإعدام كما كان عند الإيجاد {وسلام} أي سلامة وعافية وبقاء في هذا الحين ~~وكل حين، كما كان قبل هذا في غابر السنين، وأشار بأنه لا وصول للعطب إليهم ~~بأداة الاستعلاء في قوله: {على} وأشار إلى شرفهم بقوله: {عباده} بإضافتهم ~~إليه؛ وأكد ذلك بقوله: {الذين اصطفى} أي في كل عصر وحين كما أن الحمد ~~لمعبودهم أزلا وأبدا لا بذين، وعطب وغضب على من عصى، وخالف الرسل وأبى كما ~~ترى في أصحاب هذه الأنباء، والمعنى أن هذا الحكم المستمر بنجاة الرسل ~~وأتباعهم، ms3392 وهلاك الكافرين وأشياعهم، دليل قطعي على أن الإحاطة لله في كل ~~أمر؛ قال أبو حيان: وكان هذا صدر خطبة لما # PageV14P184 # يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة، ومما يتنبه له ~~أنه لم يرد في قصة لوط عليه السلام أكثر من نهيه لهم عن هذه الفاحشة، فلا ~~يخلو حالهم من أمرين: إما أنهم كانوا لا يشركون بالله تعالى شيئا، ولكنهم ~~لما ابتكروا هذه المعضلة وجاهروا بها مصرين عليها، أخذوا بالعذاب لذلك ~~ولكفرهم بتكذيبهم رسولهم، كما صرحت به آية الشعراء، وإما أنهم كانوا ~~مشركين، ولكنه عليه السلام لما رآهم قد سفلوا إلى رتبة البهيمية، رتب ~~داعاءهم منها إلى رتبة الإنسانية، ثم إلى رتبة الوحدانية، ويدل على هذا ~~التقدير الثاني قوله مشيرا إلى أن الله تعالى أهلكهم وجميع من كفر من ~~قبلهم، ولم تغن عنهم معبوداتهم شيئا، بقوله: {الله} أي الذي له الجلال ~~والإكرام {خير} أي لعباده الذين اصطفاهم فأنجاهم {أما يشركون*} يا معاشر ~~العرب من الأصنام وغيرها لعباديها ومحبيها فإنهم لا يغنون عنكم شيئا كما لم ~~يغنوا عمن عبدهم من هؤلاء الذين أهلكناهم شيئا، ولا تفزعون عند شدائدهم إلا ~~إلى الله وحده، هذا على على قراءة الخطاب للجماعة، والتقدير على قراءة ~~الغيب للبصريين وعاصم: أما يشرك الكفار عامة قديما وحديثا لمن أشركوا بهم، ~~فلم يقدروا على نفعهم عند إحلال البأس بهم، وأفعل # PageV14P185 # التفضيل لإلزام الخصم والتنبيه على ظهور خطائه المفرط، وجهله المورط إلى ~~حد لا يحتاج فيه إلى كشف لأعلى بابها. # ولما كان مع هذا البيان من الأمر الواضح أن التقدير زيادة في توبيخ ~~المشركين وتقرير المنكرين: من فعل هذه الأفعال البالغة في الحكمة المتناهية ~~في العلم أم من سميتموه إلها، ولا اثر له أصلا، عاد له بقوله: {أمن} وكان ~~الأصل: أم هو، ولكنه عبر باسم موصول أصل وضعه لذي العلم، ووصله بما لا يصح ~~أن يكون لغيره ليكون كالدعوى المقرونة بالدليل فقال: {خلق السماوات والأرض} ~~تنبيها بالقدرة على بدء الخلق على القدرة على إعادته، بل من باب الأولى، ~~دلالة على ms3393 الإيمان بالآخرة تخلقا بأخلاق المؤمنين الذين مضى أول السورة أن ~~هذا القرآن المبين بشرى لهم. # ولما كان الإنبات. من أدل الآيات، على إحياء الأموات، قال: {وأنزل} وزاد ~~في تقريعهم وتبكيتهم وتوبيخهم بقوله: {لكم} أي لأجلكم خاصة وأنتم تكفرون به ~~وتنسبون ما تفرد به من ذلك لغيره: {من السماء ماء} هو للارض كالماء الدافق ~~للأرحام كالماء الذي ينزل آخر الدهور على القبور. # PageV14P186 # في وجوده وقدرته واختياره لفعل المتباينات في الطعم واللون والريح والطبع ~~والشكل بماء واحد في أرض واحدة واختصاصه بفعل ذلك من غير مشاركة شيء له شيء ~~منه أصلا، وهو آيته العظمى على أمر البعث، عدل إلى التكلم وعلى وجه العظمة ~~فقال: {فأنبتنا} أي بما لنا من العظمة {به حدائق} أي بساتين محدقة - أي ~~محيطة - بها أشجارها وجدرانها، والظاهر أن المراد كل ما كان هكذا، فإنه في ~~قوة أن يدار عليه الجدار وإن لم يكن له جدار، وعن الفراء أن البستان إن لم ~~يكن عليه حائط فليس بحديقة. # ولما كان الأولى بجمع الكثرة لما لا يعقل الوصف بالمفرد قال مفيدا أنها ~~كالشيء الواحد في ذلك الوصف: {ذات بهجة} أي بهاء وحسن ورونق، وبشر بها ~~وسرور على تقارب أصولها مع اختلاف أنواعها، وتباين طعومها وأشكالها، ~~ومقاديرها وألوانها. # ولما أثبت الإنبات له، نفاه عن غيره على وجه التأكيد تنبيها على تأكد ~~اختصاصه بفعله، وعلى أنه إن أسند إلى غيره فهو مجاز عن التسبب وأن الحقيقة ~~ليست إلا له فقال: {ما كان} أي ما صح وما تصور بوجه من الوجوه {لكم} وأنتم ~~أحياء فضلا عن شركائكم الذين هم أموات بل موات {أن تنبتوا شجرها} أي شجر # PageV14P187 # تلك الحدائق. # ولما ثبت أنه المتفرد بالألوهية، حسن موقع الإنكار والتقرير في قوله: ~~{أإله} أي كائن {مع الله} أي الملك الأعلى الذي لا مثل له. # ولما كان الجواب عند كل عاقل: لا وعزته! قال معرضا عنهم للإيذان بالغضب: ~~{بل هم} أي في دعائهم معه سبحانه شريكا {قوم يعدلون*} أي عن الحق الذي لا ~~مرية فيه إلى غيره، ms3394 مع العلم بالحق، فيعدلون بالله غيره. # ولما فرغ من آية اشترك فيها الخافقان، ذكر ما تتفرد به الأرض، لأنها اقرب ~~إليهم وهم بحقيقتها وما لابسوه من أحوالها أعلم منهم بالأمور السماوية، ~~تعديدا للبراهين الدالة على تفرده بالفعل الدال على تفرده بالإلهية، فقال ~~مبدلا من {أمن خلق} : {أمن} أي أم فعل ذلك الذي {جعل الأرض قرارا} أي ~~مستقرة في نفسها ليقر عليها غيرها، وكان القياس يقتضي أن تكون هاوية أو ~~مضطربة كما يضطرب ما هو معلق في الهواء. # ولما ذكر قرارها، أتبعه دليله في معرض الامتنان فقال: # PageV14P188 # {وجعل خلالها} أي في الأماكن المنفرجة بين جبالها {أنهارا} أي جارية على ~~حالة واحدة، فلو اضطربت الأرض أدنى اضطراب، لتغيرت مجاري المياه بلا ~~ارتياب. # ولما ذكر الدليل، ذكر سبب القرار فقال: {وجعل لها رواسي} أي كمراسي ~~السفن، كانت أسبابا في ثباتها على ميزان دبره سبحانه في مواضع من أرجائها ~~بحيث اعتدلت جميع جوانبها فامتنعت من الاضطراب. # ولما أثبت القرار وسببه، وكان قد جعل سبحانه للأنهار طرقا تتصرف فيها ولو ~~حبسها عن الجري شيء لأوشك أن تستبحر، فيصير أكثر الأرض لا ينتفع به في سير ~~ولا نبات، أو أن تخرق ذلك الحابس بما لها من قوة الجري وشدة النفوذ بلطافة ~~السريان، لأن من عادة المياه التخلل بين أطباق التراب والتغلغل بما لها من ~~اللطافة والرقة، والثقل في الأعماق ولو قليلا قليلا، وكان سبحانه قد سد ما ~~بين البحرين: الرومي والفارسي، وكان ما بينهما من الأرض إنما هو يسير جدا ~~في بعض المواضع، وكان بعض مياه الأرض عذبا، وبعضه ملحا، مع # PageV14P189 # القرب جدا من ذلك العذب، سألهم - تنبيها لهم على عظيم القدرة - عن الممسك ~~لعدوان أحدهما على آخر، ولعدوان كل من خليجي الملح على ما بينهما لئلا ~~يخرقاه فيتصلا فقال: {وجعل بين البحرين حاجزا} أي يمنع أحدهما أن يصل إلى ~~الآخر. # ولما كان من المعلوم أنه الله وحده. ليس عند عاقل شك في ذلك، كرر الإنكار ~~في قوله: {أإله مع الله} أي المحيط علما وقدرة. ولما ms3395 كان الجواب الحق قطعا: ~~لا، وكان قد أثبت لهم في الإضراب الأول علما من حيث الحكم على المجموع، ~~وكان كل منهم يدعي رجحان العقل، وصفاء الفكر، ورسوخ القدم في العلم بما ~~يدعيه العرب، قال: {بل أكثرهم} أي الخلق الذين ينتفعون بهذه المنافع {لا ~~يعلمون*} أي ليس لهم نوع من العلم، بل هم كالبهائم لإعراضهم عن هذا الدليل ~~الواضح. # ولما دلهم بآيات الآفاق، وكانت كلها من أحوال السراء، وكانت بمعرض الغفلة ~~عن الإله، ذكرهم بما في أنفسهم مما يوجبه تغير الأحوال الدالة بمجردها على ~~الإله، ويقتضي لكل عاقل صدق التوجه إليه، # PageV14P190 # وإخلاص النية لديه، والإقبال عليه، على ذلك ركزت الطباع، وانعقد الإجماع، ~~فلم يقع فيه نزاع، فقال: {أمن يجيب المضطر} أي جنس الملجأ إلى ما لا قبل له ~~به، الصادق على القليل والكثير إذا أراد إجابته كما تشاهدون، وعبر فيه ~~وفيما بعده بالمضارع لأنه مما يتجدد، بخلاف ما مضى من خلق السماوات وما ~~بعده {إذا دعاه} أي حين ينسيكم الضر شركاءكم، ويلجئكم إلى من خلقكم ويذهل ~~المعطل عن مذهبه ويغفله عن سوء أدبه عظيم إقباله على قضاء أربه. # ولما كانت الإجابة ذات شقين، جلب السرور، ودفع الشرور، وكان النظر إلى ~~الثاني أشد، خصه بادئا به فقال: {ويكشف السوء} ثم أتبعه الأول على وجه أعم، ~~فقال مشيرا إلى عظيم المنة عليهم بجعلهم مسلطين عالين على جميع من في الأرض ~~وما في الأرض مشرفين بخلافته سبحانه، ولذلك أقبل عليهم، {ويجعلكم خلفاء ~~الأرض} أي فيما يخلف بعضكم بعضا، لا يزال يجدد ذلك بإهلاك قرن وإنشاء آخر ~~إلى قيام الساعة. ولما كان هذا أبين، كرر الإنكار فيه مبكتا لهم بالنسيان ~~فقال: {أإله} أي كائن أو موجود {مع الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له. # PageV14P191 # ثم استأنف التبكيت تفظيعا له ومواجها به في قراءة الجماعة لما يؤذن به ~~كشف هذه الأزمات من القرب المقتضي للخطاب، ولذلك أكد بزيادة «ما» فقال: ~~{قليلا ما تذكرون*} أي بأن من أنجاكم من ذلك وحده حين أخلصتم له التوجه عند ms3396 ~~اشتداد الأمر هو المالك لجميع أموركم في الرخاء كما كان مالكا له في الشدة، ~~وأن الأصنام لا تملك شيئا بشفاعة ولا غيرها كما لم تملك شيئا في اعتقادكم ~~عند الأزمات، واشتداد الكربات، في الأمور المهمات، فإن هذا قياس ظاهر، ~~ودليل باهر، ولكن من طبع الإنسان نسيان ما كان فيه من الضير، عند مجيء ~~الخير، ومن قرأ بالتحتانية وهم أبو عمرو وهشام وروح، فللإيذان بالغضب ~~الأليق بالكفران، مع عظيم الإحسان. # ولما ذكر آيات الأرض، وختم بالمضطر، وكان المضطر قد لا يهتدي لوجه حيلة، ~~أتبعها آيات السماء ذاكرا ما هو من أعظم صور الاضطرار فقال: {أمن يهديكم} ~~أي إذا سافرتم بما رسم لكم من المعالم العلوية والسفلية {في ظلمات البر} أي ~~بالنجوم والجبال والرياح، وهي وإن كانت أضعفها فقد يضطر إليه حيث لا يبدو # PageV14P192 # شيء من ذينك {والبحر} بالنجوم والرياح. # ولما كانت الرياح كما كانت من أدلة السير، كان بعضها من أدلة المطر، قال: ~~{ومن يرسل الرياح} أي التي هي من دلائل السير {نشرا} أي تنشر السحاب ~~وتجمعها {بين يدي رحمته} أي التي هي المطر تسمية للمسبب باسم السبب؛ ~~والرياح التي يهتدي بها في المقاصد أربع: الصبا، والدبور، والشمال، ~~والجنوب، وهي أضعف الدلائل؛ قال الإمام أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري ~~في كتاب أسماء الأشياء وصفاتها: الرياح أربع: الشمال، وهي التي تجيء عن ~~يمينك إذا استقبلت قبلة العراق - يعني: وذلك ما بين مطالع الشمس الصيفية ~~وبنات نعش، وهي في الصيف حارة، واسمها البارح، والجنوب تقابلها، والصبا من ~~مطلع الشمس وهي القبول، والدبور تقابلها، ويقال الجنوب: النعامى والأرنب - ~~انتهى. # وهذه العبارة أبين العبارات في تعيين هذه الرياح، وقال الإمام أبو العباس ~~أحمد بن أبي أحمد بن القاص # PageV14P193 # الطبري الشافعي في كتابه أدلة القبلة: إن قبلة العراقيين إلى باب الكعبة ~~كله إلى الركن الشامي الذي عند الحجر، وقال: وقد اختلف أهل العلم بهذا ~~الشأن - أي في التعبير عن مواطن الرياح - اختلافا متباينا، وأقرب ذلك - على ~~ما جربته وتعاهدته بمكة - أن الصبا تهب ما ms3397 بين مطالع الشمس في الشتاء إلى ~~مطلع سهيل، وسهيل يمان مسقطه في رأي العين على ظهر الكعبة إذا ارتفع، وقال ~~صاحب القاموس: والصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش، وقال: ~~والقبول كصبور: ريح الصبا، لأنها تقابل الدبور، أو لأنها تقابل باب الكعبة، ~~أو لأن النفس تقلبها. وقال الإمام أبو عبد الله القزاز: الصبا: الريح التي ~~تهب من مطلع الشمس، والقبول: الريح التي تهب من مطلع الشمس، وذلك لأنها ~~تستقبل الدبور، وقيل: لأنها تستقبل باب الكعبة وهي الصبا، فقد اتفقت أقولهم ~~كما ترى على خلاف ابن القاص، وقال ابن القاص: وهي - أي الصبا - ريح معها ~~روح وخفة، ونسيم تهب مما بين مشرق الشتاء ومطلع سهيل، # PageV14P194 # ولها برد يقرص أشد من هبوبها، وتلقح الأشجار، ولا تهب إلا بليل، سلطانها ~~إذا أظلم الليل، إلى أن يسفر النهار وتطلع الشمس، وأشد ما يكون في وقت ~~الأسحار وما بين الفجرين، والجنوب تهب ما بين مطلع سهيل إلى مغارب الشمس في ~~الصيف. وقال في القاموس: والجنوب: ريح تخالف الشمال، مهبها من مطلع سهيل ~~إلى مطلع الثريا، وعن ابن هشام اللخمي أن الجنوب هي الريح القبلية. وفي ~~الجمع بين العباب والمحكم: والجنوب ريح تخالف الشمال تأتي عن يمين القبلة، ~~وقيل: هي من الرياح ما استقبلك عن شمالك إذا وقفت في القبلة، قال ابن ~~الأعرابي: ومهب الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، وقال الأصمعي: إذا ~~جاءت الجنوب جاء معها خير وتلقيح، وإذا جاءت الشمال نشفت، ويقال ~~للمتصافيين: ريحهما جنوب، وإذا تفرقا قيل: شملت ريحهما، وعن ابن الأعرابي: ~~الجنوب في كل موضع حارة # PageV14P195 # إلا بنجد فإنها باردة؛ وقال ابن القاص: وإذا هبت فقوتها في العلو والهواء ~~أكثر لأنها موكلة بالسحاب، وتحرك الأغصان ورؤوس الأشجار، ومع ذلك فتراها ~~تؤلف الغيم في السماء، فتراه متراكما مشحونا، قال: وسمعت من يقول: ما اشتد ~~هبوبها إلا خيف المطر، ولا هبت جنوب قط ثم يتبعها دبور إلا وقع مطر، وهي ~~تهيج البحر وتظهر بكل ندى كامل في الأرض، وهي من ريح ms3398 الجنة. والدبور - قال ~~في القاموس: ريح تقابل الصبا، وقال القزاز: هي التي تأتي من دبر الكعبة وهي ~~التي تقابل مطلع الشمس، وقال ابن القاص: تهب ما بين مغارب الشمس في الصيف ~~إلى مطلع بنات نعش، وقوتها في الأرض أشد من قوتها في الهواء، وهي إذا هبت ~~تثير الغبار. # وتكسح الأرض. وترفع الذيول، وتضرب الأقدام، وأشد ما تثير الغبار إذا ~~تنكبت، تراها كأنها تعلب بالتراب على وجه الأرض، وترى الأشجار في البوادي ~~والرمال لها دوي من ناحية الدبور، وقد اجتمع في أصلها التراب وما يلي ~~الجنوب عاريا مكشوفا متحفزا وقوتها في الأرض - والله أعلم، لأن عادا أو عدت ~~بالتدمير بالرياح، فحفرت الآبار واستكنت فيها، فبعث الله الدبور فدخلت ~~الآبار وقذفتهم متدمرين حتى أهلكتهم. والشمال - قال في القاموس: الريح التي ~~تهب من قبل الحجر، والصحيح أنه ما مهبه ما بين مطله الشمس وبنات نعش، أو من ~~مطلع النعش إلى # PageV14P196 # مسقط النسر الطائر، ولا تكاد تهب ليلا. وقال القزاز: هي الريح التي تأتي ~~عن شمالك إذا استقبلت مطلع الشمس، والعرب تقول: إن الجنوب قالت للشمال: إن ~~لي عليك فضلا، أنا أسري وأنت لا تسرين، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسرين، ~~وقال الصغاني في مجمع البحرين: والشمال: الريح التي تهب من ناحية القطب، ~~وعن أبي حنيفة: هي التي تهب من جهة القطب الشمالي وهي الجربياء وهي الشامية ~~لأنها تأتيهم من شق الشام، وفي الجمع بين العباب والمحكم، والبوارح: شدة ~~الرياح من الشمال في الصيف دون الشتاء كأنه جمع بارحة، وقيل: البوارح: ~~الرياح الشدائد التي تحمل التراب، واحدتها بارح، والجربياء: الريح التي بين ~~الجنوب والصبا، وقيل: هي النكباء التي تجري بين الشمال والدبور، وهي ريح ~~تقشع السحاب، وقيل هي الشمال، وجربياؤها بردها - قاله الأصمعي، وقال الليث: ~~هي الشمال الباردة، وقال ابن القاص: والشمال تهب ما بين مطلع بنات نعش إلى ~~مطلع الشمس في الشتاء، وهي تقطع الغيم وتمحوها، ولذلك سميت الشمال المحوة، ~~قال: وهذا بأرض الحجاز، وأما أرض العراق والمشرق فربما ساق الجنوب غيما ~~واستداره ms3399 ولم يحلبه حتى تهب الشمال فتحلبه، والجنوب والشمال متماثلتان، ~~لأنهما موكلتان بالسحاب، فالجنوب تطردها # PageV14P197 # وهي مشحونة، والشمال تردها وتمحوها إذا أفرغت، قال أبو عبيدة: الشمال عند ~~العرب للروح، والجنوب للأمطار والندى، والدبور للبلاء، وأهونه أن يكون ~~غبارا عاصفا يقذي العيون، والصبا لإلقاح الشجر، وكل ريح من هذه الرياح ~~انحرفت فوقعت بين ريحين فهي نكباء، وسميت لعدولها عن مهب الأربع اللواتي ~~وصفن قبل - انتهى. وقال المسعودي في مروج الذهب في ذكر البوادي من الناس ~~وسبب اختيار البدو: إن شخصا من خطباء العرب وفد على كسرى فسأله عن أشياء ~~منها الرياح فقال: ما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر جنوب، وما بإزائهما مما ~~يستقبلهما من المغرب شمال، وما جاء من وراء الكعبة فهي دبور، وما جاء من ~~قبل ذلك فهي صبا، ونقل ابن كثير في سورة النور عن ابن أبي حاتم وابن جرير ~~عن عبيد بن عمير الليثي أنه قال: يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قما، ثم ~~يبعث الله الناشئة فتنشىء السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه، ثم ~~يبعث الله اللواقح فتلقح السحاب. # ولما انكشف بما مضى من الآيات. ما كانوا في ظلامه من واهي الشبهات، ~~واتضحت الأدلة، ولم تبق لأحد في شيء من ذلك علة. كرر سبحانه الإنكار في ~~قوله: {أإله مع الله} أي الذي كمل علمه فشملت قدرته. # PageV14P198 # ولما ذكر حالة الاضطرار، وأتبعها من صورها ما منه ظلمة البحر، وكانوا في ~~البحر يخلصون له سبحانه ويتركون شركاءهم، نبههم على أن ذلك موجب لاعتقاد ~~كون الإخلاص له واجبا دائما، فأتبعه قوله على سبيل الاستعظام، معرضا عنهم ~~بإجماع العشرة إعراض من بلغ به الغضب: {تعالى الله} أي الفاعل القادر ~~المختار الذي لا كفوء له {عما يشركون} ، أي فإن شيئا منها لا يقدر على شيء ~~من ذلك، وأين رتبة العجز من رتبة القدرة. # ولما رتب سبحانه هذه الأدلة على هذا الوجه ترقيا من أعم إلى أخص، ومن أرض ~~إلى سماء، ختمها بما يعمها وغيرها، إرشادا إلى قياس ما غاب منها على ما ms3400 ~~شوهد، فلزم من ذلك قطعا القدرة على الإعادة، فساقها لذلك سياق المشاهد ~~المسلم، وعد من أنكره في عداد من لا يلتفت إليه فقال: {أمن يبدأ الخلق} أي ~~كله: ما علمتم منه وما لم تعلموا، ثم بيده لأن كل شيء هالك إلا وجهه، له ~~هذا الوصف باعترافكم يتجدد أبدا تعلقه. ولما كان من اللازم البين لهم ~~الإقرار بالإعادة لاعترافهم بأن كل من أبدى شيئا قادر على إعادته، لأن ~~الإعادة أهون، قال: {ثم يعيده} أي بعد ما يبيده. # ولما كان الإمطار والإنبات من أدل ما يكون على الإعادة، قال # PageV14P199 # مشيرا إليهما على وجه عم جميع ما مضى: {ومن يرزقكم من السماء} أي بالمطر ~~والحر والبرد وغيرهما مما له سبب في التكوين أو التلوين {والأرض} أي ~~بالنبات والمعادن والحيوان وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله، وعر عنهما ~~بالرزق لأن به تمام النعمة {أإله مع الله} أي الذي له صفات الجلال ~~والإكرام، كائن، أو يفعل شيئا من ذلك. # ولما كانت هذه كلها براهين ساطعة، ودلائل قاطعة، وأنوارا لامعة، وحججا ~~باهرة، وبينات ظاهرة، وسلاطين قاهرة، على التوحيد المستلزم للقدرة على ~~البعث وغيره من كل ممكن، أمره صلى الله عليه وسلم إعراضا عنهم، إيذانا ~~بالغضب في آخرها بأمرهم بالإتيان ببرهان واحد على صحة معتقدهم فقال: {قل} ~~أي هؤلاء المدعين للعقول {هاتوا برهانكم} أي على نفي شيء من ذلك عن الله ~~تعالى، أو على إثبات شيء منه لغيره، لتثبت دعوى الشركة في الخلق فتسمع دعوى ~~الشركة في الألوهية، وليكن إتيانكم بذلك ناجزا من غير مهلة، لأن من يدعي ~~العقل لا يقدر على شيء إلا ببرهان حاضر {إن كنتم صادقين*} أي في أنكم على ~~حق في أن مع الله غيره. وأضاف البرهان إليهم إضافة ما كأنه عنيد، لا كلام ~~في وجوده وتحققه، وإنما المراد الإتيان به كل ذلك تهكما بهم وتنبيها على ~~أنهم أبعدوا في الضلال، وأعرقوا في # PageV14P200 # المحال، حيث رضوا لأنفسهم بتدين لا يصير إليه عاقل إلا بعد تحقق القطع ~~بصحته، ولا شبهة في أنه لا شبهة ms3401 لهم على شيء منه. # PageV14P201 # ولما كانت مضمونات هذه البراهين متوقفة على علم الغيب، لأنه لا يخرج ~~الخبء باختراع الخلق وكشف الضر وإحكام التدبير إلا به، لأنه لا قدرة أصلا ~~لمن لا علم له ولا تمام لقدرة من لا تمام لعلمه - كما مضى بيانه في طه، ~~وطالبهم سبحانه آخر هذه البراهين بالبرهان على الشرك، وكانوا ربما قالوا: ~~سنأتي به، أمر أن يعلموا أنه لا برهان لهم عليه، بل البرهان قائم على ~~خلافه، فقال: {قل} أي لهم أو لكل من يدعي دعواهم: {لا يعلم} أحد، ولكنه عبر ~~بأداة العقلاء فقال: {من} لئلا يخصها متعنت بما لا يعقل، عبر بالظرف تنبيها ~~على أن المظروف محجوب، وكل ظرف حاجب لمظروفه عن علم ما وراءه، فقال: {في ~~السماوات والأرض الغيب} أي الكامل في الغيبة، وهو الذي لم يخرج إلى عالم ~~الشهادة أصلا، ولا دلت عليه أمارة، ليقدر على شيء مما تقدم في هذه الآيات ~~من الأمور فيعلمه. # ولما كان الله تعالى منزها عن أن يحويه مكان. جعل الاستثناء هنا منقطعا، ~~ومن حق المنقطع النصب كما قرأ به ابن أبي عبلة شاذا، لكنه رفع بإجماع ~~العشرة بدلا على لغة بني تميم، فقيل: # PageV14P201 # {إلا الله} أي المختص بصفات الكمال كما قيل في الشعر: # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس # بمعنى: إن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس، بتا للقول بخلوها من الأنيس، ~~فيكون معنى الآية: إن كان الله جل وعلا ممن في السماوات والأرض ففيهم من ~~يعلم الغيب، يعني إن علم أحدهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله ~~منهم، ويصح كونه متصلا، والظرفية في حقه سبحانه مجاز بالنسبة إلى علمه وإن ~~كان فيه جمع بين الحقيقة والمجاز، وعلى هذا فيرتفع على البدل أو الصفة، ~~والرفع أفصح من النصب، لأنه من منفي، وقد عرف بهذا سر كونه لم يقل «لا يعلم ~~أحد الغيب إلا هو» وهو التنبيه على المظروفية والحاجة، وأن الظرف حجاب، لا ~~يرتاب فيه مرتاب، وجعل ابن مالك متعلق الظرف خاصا تقديره: يذكر، وجعل ms3402 غيره ~~«من» مفعولا والغيب بدل اشتمال، والاستثناء مفرغا، فالتقدير: لا يعلم غيب ~~المذكورين - أي ما غاب عنهم - كلهم غيره. # ولما كان الخبر - الذي لم يطلع عليه أحد من الناس - قد يخبر به الكهان، ~~أو أحد من الجان، من أجواف الأوثان، وكانوا يسمون هذا غبيا وإن كان في ~~الحقيقة ليس به لسماعهم له من السماء بعد ما أبرزه الله إلى عالم # PageV14P202 # الشهادة للملائكة ومن يريد من عباده، وكانوا ربما تعتنوا به عن العبارة، ~~وكانت الساعة قد ثبت أمرها، وشاع في القرآن وعلى لسان الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام وأصحابهم رضي الله تعالى عنهم ذكرها، بحيث صارت بمنزلة ما ~~لا نزاع فيه، وكان علم وقتها من الغيب المحض، قال: {وما يشعرون} أي أحد ممن ~~في السماوات والأرض وإن اجتمعوا وتعاونوا {أيان} أي أي وقت {يبعثون*} فمن ~~أعلم بشيء من ذلك على الحقيقة بأن صدقه، ومن تخرص ظهر كذبه. # ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث والكفر قد عم الأرض، وكانوا قد ~~أكثروا في التكذيب بالساعة والقطع بالإنكار لها بعضهم صريحا، وبعضهم لزوما، ~~لضلاله عن منهاج الرسل وكان الذي ينبغي للعالم الحكيم أن لا يقطع بالشيء ~~إلا بعد إحاطة علمه به، قال متهكما بهم كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك! ~~استهزاء به مستدركا لنفي شعورهم بها بيانا لكذبهم باضطراب قولهم: {بل ~~ادارك} أي بلغ وتناهي {علمهم في الآخرة} أي أمرها مطلقا: علم وقتها ومقدار ~~عظمتها في هو لها وغير ذلك من نعتها لقطعهم بإنكارها وتمالؤهم # PageV14P203 # عليه، وتنويع العبارات فيه، وتفريع القول في أمره - هذا في قراءة ابن ~~كثير وأبي عمرو، وكذا في قراءة الباقين: ادارك بمعنى تدارك يعني تتابع ~~واستحكم. # ولما كانوا مع تصريحهم بالقطع في إنكارها كاذبين في قطعهم، مرتبكين في ~~جهلهم، وقد يعبرون - دليلا على أنه لا علم من ذلك عندهم - بالشك، قال ~~تعالى: {بل هم في شك} ولما كانت لشدة ظهورها لقوة أدلتها كأنها موجودة، عبر ~~بمن، أي مبتدىء {منها} ولما كانوا يجزمون بنفيها تارة ويترددون أخرى، كانت ~~حقيقة ms3403 حال من ينكر الشيء تارة على سبيل القطع وأخرى وجه الشك الوصف بالجهل ~~البالغ به قال: {بل هم} ولما كان الإنسان مطبوعا على نقائص موجبة لطغيانه، ~~ومبالغته في العلو في جميع شأنه، ولا يوهن تلك النقائص منه إلا الخوف من ~~عرضه على ديانه، الموجب لجهله. وتماديه على قبيح فعله، فقال مقدما للجار: ~~{منها عمون*} أي ابتدأ عماهم البالغ الثابت من اضطرابهم في أمرها، فضلوا ~~فأعماهم ضلالهم عن جميع ما ينفعهم، فصاروا لا ينتفعون بعقولهم، بل انعكس ~~نفعها ضرا، وخيرها شرا، ونسب ما ذكر لجميع من في السماوات والأرض، لأن فعل ~~البعض قد يسند إلى الكل لغرض، وهو هنا التنبيه على عظمة هذا الأمر، وتناهي ~~وصفه، وأنه # PageV14P204 # يجب على الكل الاعتناء به، والوقوف على حقه، والتناهي عن باطله، أو لشك ~~البعض وسكوت الباقي لقصد تهويله، أو أن إدراك العلم من حيث التهويل بقيام ~~الأدلة التي هي أوضح من الشمس، فهم بها في قوة من أدرك علمه بالشيء، وهو ~~معرض عنه، فقد فوت على نفسه من الخير ما لا يدري كنهه، ثم نزل درجة أخرى ~~بالشك ثم أهلكها بالكلية، وأنزلها العمى عن رتبة البهائم التي لا هم لها ~~إلا لذة البطن والفرج، وهذا كمن يسمع باختلاف المذاهب وتضليل بعضهم لبعض ~~فيضلل بعضهم من غير نظر في قوله فيصير خابطا خبط عشواء، ويكون أمره على ~~خصمه هينا أو الشك لأجل أن أعمالهم أعمال الشاك، أو أنهم لعدم علم الوقت ~~بعينة كأنهم في شك بل عمى، ولأن العقول والعلوم لا تستقل بإدراك شيء من ~~أمرها، وإنما يؤخذ ذلك عن الله بواسطة رسله من الملك والبشر. # ومن أخذ شيئا من علمها عن غيرهم ضل. # ولما كان التقدير لحكاية كلامهم الذي يشعر ببلوغ العلم، فقالوا مقسمين ~~جهد أيمانهم: لا تأتينا الساعة، عطف عليه ما يدل على الشك والعمى، وكان ~~الأصل: وقالوا، ولكنه قال: {وقال الذين كفروا} أي ستروا دلائل التوحيد ~~والآخرة التي هي أكثر من أن تحصى وأوضح من الضياء، تعليقا للحكم بالوصف، ~~مستفهمين استفهام المستبعد ms3404 المنكر: {أإذا كنا ترابا وآباؤنا} وكرروا ~~الاستفهام # PageV14P205 # إشارة إلى تناهي الاستبعاد والجحود، وعد ما استبعدوه محالا، فقالوا: ~~{أئنا} أي نحن وآباؤنا الذين طال العهد بهم، وتمكن البلى فيهم {لمخرجون*} ~~أي من الحالة التي صرنا إليها من الموت والبلى إلى ما كنا عليه قبل ذلك من ~~الحياة والقوة، ثم أقاموا الدليل في زعمهم على ذلك فقالوا تعليلا ~~لاستبعادهم: {لقد وعدنا} . # ولما كانت العناية في هذه السورة بالإيقان بالآخرة، قدم قوله: {هذا} أي ~~الإخراج من القبور كما كنا أول مرة - على قوله: {نحن وآباؤنا} بخلاف ما سبق ~~في سورة المؤمنون، وقالوا: {من قبل} زيادة في الاستبعاد، أي أنه قد مرت ~~الدهور على هذا الوعد، ولم يقع منه شيء، فلذلك دليل على أنه لا حقيقة له ~~فكأنه قيل: فما المراد به؟ فقالوا: {إن} أي ما {هذا إلا أساطير الأولين*} ~~أي ما سطروه كذبا لأمر لا نعرف مرادهم منه. ولا حقيقة لمعناه، فقد حط ~~كلامهم هذا كما ترى على أنهم تارة في غاية الإنكار دأب المحيط العلم، وتارة ~~يستبعدون دأب الشاك، المركب الجهل، الجدير بالتهكم كما مضى أنه معنى ~~الإضرابات - والله الموفق. # PageV14P206 # ولما لم يبق هذا الذي أقامه من دلائل القدرة على كل شيء عموما، وعلى ~~البعث خصوصا، مقال، يرد عن الغي إلا التهديد بالنكال، وكان كلامهم هذه ~~موجبا للنبي صلى الله عليه وسلم من الغم والكرب ما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى، قال سبحانه ملقنا له ومرشدا لهم في صورة التهديد: {قل سيروا في ~~الأرض} أي أيها المعاندون أو العمي الجاهلون. # ولما كان المراد الاسترشاد للاعتقاد، والرجوع عن الغي والعناد، لكون ~~السياق له، لا مجرد التهديد، قال {فانظروا} بالفاء المقتضية للإسراع، وعظم ~~المأمور بنظره بجعله أهلا للعناية به، والسؤال عنه، فقال: {كيف كان} أي ~~كونا هو في غاية المكنة {عاقبة المجرمين*} أي القاطعين لما أمر الله به أن ~~يوصل من الصلاة التي هي الوصلة بين الله وبين عباده، والزكاة التي هي وصلة ~~بين بعض العباد وبعض، لتكذيبهم الرسل الذين هم الهداة إلى ما ms3405 لا تستقل به ~~العقول، فكذبوا بالآخرة التي ينتج التصديق بها كل هدى، ويورث التكذيب بها ~~كل عمى - كما تقدمت الإشارة إليه في افتتاح السورة، فإنكم إن نظرتم ديارهم، ~~وتأملتم أخبارهم، حق التأمل، أسرع بكم ذلك إلى التصديق فنجوتم وإلا هلكتم، ~~فلم تضروا إلا أنفسكم، وقد تقدم لهذا مزيد بيان # PageV14P207 # في النحل. # ولما دهم النبي صلى الله عليه وسلم من الأسف على جلافتهم في عماهم عن ~~السبيل، الذي هدى إليه الدليل، ما لا يعلمه إلا الله قال: {ولا تحزن عليهم} ~~أي في عدم إيمانهم. # ولما كانوا لا يقتصرون على التكذيب، بل يبغون للمؤمنين الغوائل، وينصبون ~~الحبائل، قال: {ولا تكن} مثبتا للنون لأنه في سياق الإخبار عن عنادهم ~~واستهزائهم مع كفايته سبحانه وتعالى لمكرهم بما أعد لهم من سوء العذاب في ~~الدارين، فلا مقتضى للتناهي في الإيجاز والإبلاغ في نفي الضيق، فيفهم إثبات ~~النون الرسوخ، فلا يكون منهيا عما لا ينفك عنه العسر مما أشار إليه قوله ~~تعالى {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} وإنما ينهى عن التمادي معه في ~~الذكر بخلاف ما مضى في النحل، فإن السياق هناك للعدل في العقوبة لما وقع من ~~المصيبة في غزوة أحد المقتضى لتعظيم التسلية بالحمل على الصبر، ونفي جميع ~~الضيق ليكون ذلك وازعا عن مجاوزة الحد، بل حاملا على العفو {في ضيق} أي في ~~الصدر {مما يمكرون*} فإن الله جاعل تدميرهم في تدبيرهم كطغاة قوم صالح. # PageV14P208 # في النحل. # ولما دهم النبي صلى الله عليه وسلم من الأسف على جلافتهم في عماهم عن ~~السبيل، الذي هدى إليه الدليل، ما لا يعلمه إلا الله قال: {ولا تحزن عليهم} ~~أي في عدم إيمانهم. # ولما كانوا لا يقتصرون على التكذيب، بل يبغون للمؤمنين الغوائل، وينصبون ~~الحبائل، قال: {ولا تكن} مثبتا للنون لأنه في سياق الإخبار عن عنادهم ~~واستهزائهم مع كفايته سبحانه وتعالى لمكرهم بما أعد لهم من سوء العذاب في ~~الدارين، فلا مقتضى للتناهي في الإيجاز والإبلاغ في نفي الضيق، فيفهم إثبات ~~النون الرسوخ، فلا يكون منهيا ms3406 عما لا ينفك عنه العسر مما أشار إليه قوله ~~تعالى {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} وإنما ينهى عن التمادي معه في ~~الذكر بخلاف ما مضى في النحل، فإن السياق هناك للعدل في العقوبة لما وقع من ~~المصيبة في غزوة أحد المقتضى لتعظيم التسلية بالحمل على الصبر، ونفي جميع ~~الضيق ليكون ذلك وازعا عن مجاوزة الحد، بل حاملا على العفو {في ضيق} أي في ~~الصدر {مما يمكرون*} فإن الله جاعل تدميرهم في تدبيرهم كطغاة قوم صالح. # PageV14P209 # ولما أشار إلى أنهم لم يبقوا في المبالغة في التكذيب بالساعة وجها، أشار ~~إلى أنهم بالوعيد بالساعة وغيرها من عذاب الله أشد مبالغة، فقال: {ويقولون} ~~بالمضارع المؤذن بالتجدد كل حين للاستمرار: {متى هذا الوعد} وسموه وعدا ~~إظهارا للمحبة تهكما به، وهو العذاب والبعث والمجازاة {إن كنتم} أي أنت ومن ~~تابعك، كونا هو في غاية الرسوخ، كما تزعمون {صادقين*} فأجابهم على هذا ~~الجواب الغص بجواب الواسع القادر الذي لا يعتريه ضيق، ولا تنويه عجلة، ~~مشيرا إلى الاستعداد للدفاع أو الاستسلام لذي الجلال والإكرام، كما فعلت ~~بلقيس رضي الله عنها، فقال مخاطبا الرأس الذي لا يقدر على هذه التؤده حق ~~القدرة غيره: {قل} يا محمد {عسى} أي يمكن {أن يكون} وجدير وخليق بأن يكون ~~{ردف} أي تبع ردفا حتى صار كالرديف ولحق. # ولما قصر الفعل وضمنه معنى ما يتعدى باللام لأجل الاختصاص قال: {لكم} أي ~~لأجلكم خاصة {بعض الذي تستعجلون*} إتيانه من الوعيد، فتطلبون تعجيله قبل ~~الوقت الذي ضربه الله له، فعلى تقدير وقوعه ماذا أعددتم لدفاعه؟ فإن العاقل ~~من ينظر في عواقب أموره، ويبنيها على أسوأ التقادير، فيعد لما يتوهمه من ~~البلاء ما يكون فيه # PageV14P210 # الخلاص كما فعلت بلقيس رضي الله عنها من الانقياد الموجب للأمان لما غلب ~~على ظنها أن الإباء يوجب الهوان، لا كما فعل قوم صالح من الآبار، التي ~~أعانت على الدمار، وغيرهم من الفراعنة. # ولما كان التقدير قطعا: فأن ربك لا يعجل على أهل المعاصي بالانتقام مع ~~القطع بتمام قدرته، ms3407 عطف عليه قوله: {وإن ربك} أي المحسن إليك بالحلم عن ~~أمتك وترك المعاجلة لهم بالعذاب على المعاصي {لذو فضل} أي تفضل وإنعام {على ~~الناس} أي كافة {ولكن أكثرهم لا يشكرون*} أي لا يوقعون الشكر له بما أنعم ~~عليهم، ويزيدون في الجهل بالاستعجال. # ولما كان الإمهال قد يكون من الجهل بذنوب الأعداء، قال نافيا لذلك: {وإن ~~ربك} أي والحال أنه أشار بصفة الربوبية إلى إمهالهم إحسانا إليه وتشريفا له ~~{ليعلم} أي علما لا يشبه علمكم بل هو في غاية الكشف لديه دقيقه وجليله {ما ~~تكن} أي تضمر وتستر وتخفي {صدورهم} أي الناس كلهم فضلا عن قومك {وما ~~يعلنون*} أي يظهرون من عداوتك فلا تخشهم، وذكر هذا القسم لأن التصريح أقر ~~للنفس والمقام للأطناب، على أنه ربما كان # PageV14P211 # في الإعلان لغط واختلاط أصوات يكون سببا للخفاء. # ولما كان ثبات علة الناس في الغالب مقيدا بالكتاب، قال تقريبا لأفهامهم: ~~{وما من غائبة} أي من هنة من الهنات في غاية الغيبوبة {في السماء والأرض} ~~أي في أي موضع كان منهما، وأفردهما دلالة على إرادة الجنس الشامل لكل فرد ~~{إلا في كتاب} كتبه قبل إيجادها لأنه لا يكون شيء إلا بعلمه وتقديره ~~{مبين*} لا يخفى شيء فيه على من تعرف ذلك منه كيفما كان؛ ثم دل على ذلك ~~بقوله: {إن هذا القرآن} أي الآتي به هذا النبي الأمي الذي لم يعرف قبله ~~علما ولا خالط عالما {يقص} أي يتابع الإخبار ويتلو شيئا فشيئا على سبيل ~~القطع الذي لا تردد فيه، من غير زيادة ولا نقص {على بني إسرائيل} أي الذي ~~أخبارهم مضبوطة في كتبهم لا يعرف بعضها إلا قليل من حذاق أخبارهم {أكثر ~~الذي هم} أي خاصة لكونه من خاص أخبارهم التي لا علم لغيرهم بها {فيه ~~يختلفون*} أي من أمر الدين وإن بالغوا في كتمه، كقصة الزاني المحصن في ~~إخفائهم أن حده الرجم، وقصة عزير والمسيح، وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك من توارتهم، فصح بتحقيقه على لسان من لم يلم بعلم قط ms3408 أنه من عند الله، ~~وصح أن الله تعالى يعلم كل شيء إذ لا خصوصية لهذا دون غيره بالنسبة إلى ~~علمه سبحانه. # PageV14P212 # ولما بان بهذا دليل علمه، أتبعه دليل فضله وحلمه، فقال: {وإنه} أي القرآن ~~{لهدى} أي موصل إلى المقصود لمن وفق {ورحمة} أي نعمة وإكرام {للمؤمنين*} أي ~~الذين طبعتهم على الإيمان، فهو صفة لهم راسخة كما أنه للكافرين وقر في ~~أذانهم وعمى في قلوبهم. # ولما ذكر دليل فضله، أتبعه دليل عدله، فقال مستأنفا لجواب من ظن أن فضله ~~دائم العموم على الفريقين: {إن} وقال: {ربك} أي المحسن إليك بجمعه لكل بين ~~العلم والبلاغة والدين والبراعة والدنيا والعفة والشجاعة تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم {يقضي بينهم} أي بين جميع المخلفين {بحكمه} أي الذي هو أعدل ~~حكم وأتقنه وأنفذه وأحسنه مع كفرهم به واستهزائهم برسله، لا بحكم غيره ولا ~~بنائب يستنيبه {وهو} أي والحال أنه هو {العزيز} فلا يرد له أمر {العليم*} ~~فلا يخفى عليه سر ولا جهر، فلما ثبت له العلم والحكمة، والعظمة والقدرة، ~~تسبب عن ذلك قوله: {فتوكل على الله} أي الذي له جميع العظمة بما ثبت علمه ~~وقدرته التي أثبت بها أنك أعظم عباده الذين اصطفى في استهزاء الأعداء وغيره ~~من مصادمتهم ومسالمتهم لتدع الأمور كلها إليه، وتستريح من تحمل المشاق، ~~وثوقا بنصره، وما أحسن قول قيس بن الخطيم وهو جاهلي: # PageV14P213 # متى ما تقد بالباطل الحق يأبه ... وأن تقد الأطوار بالحق تنقد # ثم علل ذلك حثا على التحري في الأعمال، وفطما لأهل الإبطال، عن تمني ~~المحال، فقال: {إنك على الحق المبين*} أي البين في نفسه الموضح لغيره، فحقك ~~لا يبطل ووضوحه لا يخفى، ونكوصهم ليس عن خلل في دعائك لهم، وإنما الخلل في ~~مداركهم، فثق بالله في تدبير أمرك فيهم؛ ثم علل هذا الذي أرشد السياق إلى ~~تقديره، أو استأنف لمن يسأل متعجبا عن وقوفهم عن الحق الواضح بقوله: {إنك ~~لا تسمع الموتى} أي لا توجد سمعا للذين هم كالموتى في عدم الانتفاع ~~بمشاعرهم التي هي في غاية ms3409 الصحة، وهم إذا سمعوا الآيات أعرضوا عنها. # ولما كان تشبيههم بالموتى مؤيسا، قال مرجيا: {ولا تسمع الصم الدعاء} أي ~~لا تجدد ذلك لهم، فشبههم بما في أصل خلقهم مما جبلوا عليه من الشكاسة وسوء ~~الطبع بالصم. # ولما كانوا قد ضموا إلى ذلك الإعراض والنفرة فصاروا كالأصم المدبر، وكان ~~الأصم إذا أقبل ربما بمساعدة بصره وفهمه، قال: {إذا ولوا مدبرين*} فرجاه في ~~إيجاد الإسماع إذا حصلت لهم حالة من الله تقبل بقلوبهم. # ولما شبههم بالصم في كونهم لا يسمعون إلا مع الإقبال، مثلهم # PageV14P214 # بالعمى في أنهم لا يهتدون في غير عوج أصلا إلا براع لا تشغله عنهم فترة ~~ولا ملال، فقال: {وما أنت بهادي} أي بموجد الهداية على الدوام في قلوب ~~{العمي} أي في أبصارهم وبصائرهم مزيلا لهم وناقلا ومبعدا {عن ضلالتهم} عن ~~الطريق بحيث تحفظهم عن أن يزالوا عنها أصلا، فإن هذا لا يقدر عليه إلا الحي ~~القيوم، والسياق كما ترى يشعر بتنزيل كفرهم في ثلاث رتب: عليا ككفر أبي ~~جهل، ووسطى كعتبة بن ربيعة، ودنيا كأبي طالب وبعض المنافقين، وسيأتي في ~~سورة الروم لهذا مزيد بيان. # ولما كان ربما أوقف عن دعائهم، رجاه في انقيادهم وارعوائهم بقوله: {إن} ~~أي ما {تسمع} أي سماع انتفاع على وجه الكمال، في كل حال {إلا من يؤمن} أي ~~من علمناه أنه يصدق {بآياتنا} بأن جعلنا فيه قابلية السمع. ثم سبب عنه قوله ~~دليلا على إيمانه: {فهم مسلمون*} أي في غاية الطواعية لك في المنشط ~~والمكره، لا خيرة لهم ولا إرادة في شيء من الأشياء. # PageV14P215 # ولما فرغ من عظيم زجرهم بتسليته صلى الله عليه وسلم في أمرهم وختم ~~بالإسلام، عطف عليه ذكر ما يوعدون مما تقدم استعجالهم له استهزاء # PageV14P215 # به، وبدأ منه بالدابة التي تميز المسلم من غيره، فقال محققا بأداة ~~التحقيق: {وإذا وقع القول} أي حان حين وقوع الوعيد الذي هو معنى القول، ~~وكأنه لعظمه لا قول غيره {عليهم} بعضه بالإتيان حقيقة وبعضه بالقرب جدا ~~{أخرجنا} أي بما لنا من العظمة {لهم} من ms3410 أشراط الساعة {دآبة} وأي دابة في ~~هولها وعظمها خلقا وخلقا {من الأرض} أي أرض مكة التي هي أم الأرض، لأنه لم ~~يبق بعد إرسال أكمل الخلق بأعلى الكتب إلا كشف الغطاء. # ولما كان التعبير بالدابة يفهم أنها كالحيوانات العجم لا كلام لها قال: ~~{تكلمهم} أي بكلام يفهمونه، روى البغوي من طريق مسلم عن عبد الله بن عمرو ~~رضي الله عنهما: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ~~الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما ~~كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا» ومن طريق ابن خزيمة عن أبي ~~شريحة الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يكون للدابة ~~ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ذكرها بالبادية، ولا ~~يدخل ذكرها القرية - يعني مكة، ثم تمكن زمانا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى ~~قريبا من مكة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ذكرها القرية، ثم بينما # PageV14P216 # الناس يوما في أعظم المساجد على الله عز وجل حرمة وأكرمها على الله عز ~~وجل - يعني المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو - ~~كذا قال عمرو - يعني ابن محمد العبقري أحد رواة الحديث - ما بين الركن ~~الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط ذلك، فارفض الناس عنها ~~وثبت لها عصابة عرفوا أنهم لن يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من ~~التراب، فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية، ثم ولت ~~في الأرض لا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب، حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها ~~بالصلاة، فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان! الآن تصلي، فيقبل عليها بوجهه ~~فتسمه في وجهه، فيتجاور الناس في ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم، ويشتركون في ~~الأموال، يعرف الكافر من المؤمن، فيقال للمؤمن: يا مؤمن، ويقال للكافر: يا ~~كافر» ؛ ومن طريق الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «تخرج الدابة ومعها عصا موسى، ms3411 وخاتم سليمان عليهما ~~السلام، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى أن أهل ~~الخوان # PageV14P217 # ليجتمعون فيقول هذا: يا مؤمن، وهذا: يا كافر» . # ثم علل سبحانه إخراجه لها بقوله: {أن الناس} أي بما هم ناس لم يصلوا إلى ~~أول أسنان الإيمان، وهو سن {الذين آمنوا} بل هم نائسون مترددون مذبذبون ~~تارة، وتارة {كانوا} أي كونا هو لهم كالجبلة {بآياتنا} أي المرئيات التي ~~كتبناها بعظمتنا في ذوات العالم، والمسموعات المتلوات، التي أتيناهم بها ~~على ألسنة أكمل الخلق: الأنبياء والرسل، حتى ختمناهم بإمامهم الذي هو أكمل ~~العالمين، قطعا لحجاجهم، وردا عن لجاجهم، ولذا عممنا برسالته وأوجبنا على ~~جميع العقل أتباعه {لا يوقنون*} من اليقين، وهو إتقان العلم بنفي الشبه، بل ~~هم فيها مزلزلون، فلم يبق بعده صلى الله عليه وسلم إلا كشف الغطاء عما ليس ~~من جنس البشر بما لا تثبت له عقولهم. # ولما كان من فعل الدابة التمييز بين المؤمن والكافر بما لا يستطيعون ~~دفعه، تلاه بتمييز كل فريق منهما عن صاحبه يجمعهم يوم القيامة في ناحية، ~~وسوقهم من غير اختلاط بالفريق الآخر، فقال عاطفا على العامل في «وإذا وقع ~~القول» : {ويوم نحشر} أي نجمع - بما لنا من العظمة - على وجه الإكراه؛ قال ~~أبو حيان: الحشر: الجمع # PageV14P218 # على عنف {من كل أمة فوجا} أي جماعة كثيرة {ممن يكذب} أي يوقع التكذيب ~~للهداة على الاستمرار، مستهينا {بآياتنا} أي المرئية بعدم الاعتبار بها، ~~والمسموعة بردها والطعن فيه على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا؛ وأشار ~~إلى كثرتهم بقوله متسببا عن العامل في الظرف من نحو: يكونون في ذل عظيم: ~~{فهم يوزعون*} أي يكف بأدنى إشارة منه أولهم على - آخرهم، وأطرافهم على ~~أوساطهم، ليتلاحقوا، ولا يشذ منهم أحد، ولا يزالون كذلك {حتى إذا جاءوا} أي ~~المكان الذي أراده الله لتبكيتهم {قال} لهم ملك الملوك غير مظهر لهم الجزم ~~بما يعلمه من أحوالهم، في عنادهم وضلالهم، بل سائلا لهم إظهارا للعدل ~~بإلزامهم بما يقرون به من أنفسهم، وفيه إنكار وتوبيخ وتبكيت وتقريع: ~~{أكذبتم} أي ms3412 أيها الجاهلون {بآياتي} على ما لها من العظم في أنفسها، ~~وبإتيانها إليكم على أيدي أشرف عبادي {و} الحال أنكم {لم تحيطوا بها علما} ~~أي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى الإحاطة بها في معانيها وما أظهرت لأجله ~~حتى تعلموا ما تستحقه ويليق بها بدليل لا مرية فيه {أماذا كنتم} أي في تلك ~~الأزمان بما هو لكم كالجبلات {تعملون*} فيها هل صدقتم بها أو كذبتم بعد ~~الإحاطة بعلمها؟ أخبروني عن ذلك كله! ما دهاكم حيث لم تشتغلوا بهذا العمل ~~المهم؟ فإن هذا - وعزتي - مقام العدل # PageV14P219 # والتحرير، ولا يترك فيه قطمير ولا نقير، ولا ظلم فيه على أحد في جليل ولا ~~حقير، ولا قليل ولا كثير، والسؤال على هذا الوجه منبه على الاضطرار إلى ~~التصديق أو الاعتراف بالإبطال، لأنهم إن قالوا: كذبنا، فإن قالوا مع عدم ~~الإحاطة كان في غاية الوضوح في الإبطال، وإن قالوا مع الإحاطة كان أكذب ~~الكذب. # PageV14P220 # ولما كان التقدير بما أرشد إليه السياق: فأجابوا بما تبين به أنهم ~~ظالمون، عطف عليه قوله: {ووقع القول} أي مضمون الوعيد الذي هو القول حقا، ~~مستعليا {عليهم بما ظلموا} أي بسبب ما وقع منهم من الظلم من صريح التكذيب ~~وما نشأ عنه من الضلال، في الأقوال والأفعال {فهم لا ينطقون*} أي بسبب ما ~~شغلهم من وقوع العذاب المتوعد به مما أحاط بقواهم، فهد أركانهم، وما انكشف ~~لهم من أنه لا ينجيهم شيء. # ولما ذكر الحشر، استدل عليه بحشرهم كل ليلة إلى المبيت، والختم على ~~مشاعرهم، وبعثهم من المنام، وإظهار الظلام الذي هو كالموت بعد النور، وبعث ~~النور بعد إفنائه بالظلام، فقال: {ألم يروا} مما يدلهم على قدرتنا على ~~بعثهم بعد الموت وعلى كل ما أخبرناهم به {أنا جعلنا} أي بعظمتنا التي لا ~~يصل أحد إلى مماثلة شيء منها # PageV14P221 # الدالة على تفردنا وفعلنا بالاختيار {الليل} أي مظلما {ليسكنوا فيه} عن ~~الانتشار {والنهار مبصرا} أي بإبصار من يلابسه، لينتشروا فيه في معايشهم ~~بعد أن كانوا ماتوا الموتة الصغرى، وكم من شخص منهم بات ms3413 سويا لا قلبة به ~~فمات، ولو شئنا لجعلنا الكل كذلك لم يقم منهم أحد، وعدل عن {ليبصروا فيه} ~~تنبيها على كمال كونه سببا للإبصار، وعلى أنه ليس المقصود كالسكون، بل ~~وسيلة المقصود الذي هو جلب المنافع، فالآية من الاحتباك: ذكر السكون أولا ~~دليل على الانتشار ثانيا، وذكر الإبصار ثانيا دليل على الإظلام أولا، ثم ~~عظم هذه الآية حثا على تأمل ما فيها من القدرة الهادية إلى سواء السبيل ~~فقال: {إن في ذلك} أي الحشر والنشر الأصغرين مع آيتي الليل والنهار {لآيات} ~~أي متعددة، بينة على التوحيد والبعث الآخر والنبوة، لأن من قلب الملوين ~~لمنافع الناس الدنيوية، أرسل الرسل لمنافعهم في الدراين. # ولما كان من مباني السورة تخصيص الهداية بالمؤمنين، خصهم بالآيات ~~لاختصاصهم بالانتفاع بها وأن كان الكل مشتركين في كونها دلالة لهم، فقال: ~~{لقوم يؤمنون*} أي قضيت بأن إيمانهم لا يزال يتجدد، فهم كل يوم في علو ~~وارتفاع. # PageV14P222 # ولما ذكر هذا الحشر الخاص، والدليل على مطلق الحشر والنشر، ذكر الحشر ~~العام، لئلا يظن أنه إنما يحشر الكافر، فقال مشيرا إلى عمومهم بالموت كما ~~عمهم بالنوم، وعمومهم بالإحياء كما عمهم بالإيقاظ: {ويوم ينفخ} أي بأيسر ~~أمر {في الصور} أي القرن الذي جعل صوته لإماتة الكل. # ولما كان ما ينشأ عنه من فزعهم مع كونه محققا مقطوعا به كأنه وجد ومضى، ~~يكون في آن واحد، أشار إلى ذلك وسرعة كونه بالتعبير بالماضي فقال: {ففزع} ~~أي صعق بسسب هذا النفخ {من في السماوات} . # ولما كان الأمر مهولا، كان الإطناب أولى، فقال: {ومن في الأرض} أي كلهم ~~{إلا من شاء الله} أي المحيط علما وقدرة وعزة وعظمة، أن لا يفزع؛ ثم أشار ~~إلى النفخ لإحياء الكل بقوله: {وكل} أي من فزع ومن لم يفزع {أتوه} أي # PageV14P222 # بعد ذلك للحساب بنفخة أخرى يقيمهم بها، دليلا على تمام القدرة في كونه ~~أقامهم بما به أنامهم {داخرين*} أي صاغرين منكسرين؛ واستغنى عن التصريح به ~~بما يعلم بالبديهة من أنه لا يمكن إتيانهم في حال فزعهم الذي هو ms3414 كناية عن ~~بطلان إحساسهم، هذا معنى ما قاله كثير من المفسرين والذي يناسب سياق الآيات ~~الماضية - من كون الكلام في يوم القيامة الذي هو ظرف لما بين البعث ودخول ~~الفريقين إلى داريهما - أن يكون هذا النفخ بعد البعث وبمجرد صعق هو كالغشي ~~كما أن حشر الأفواج كذلك، ويؤيده التعبير بالفزع، ويكون الإتيان بعده بنفخة ~~أخرى تكون بها الإقامة، فهاتان النفختان حينئذ هما المراد من قوله صلى الله ~~عليه وسلم: «يصعق الناس يوم القيامة» - الحديث، وسيأتي الكلام عليه إن شاء ~~الله تعالى لفظا ومعنى، ويحل ما فيه من إشكال في آخر سورة الزمر. # ولما ذكر دخورهم، تلاه بدخور ما هو أعظم منهم خلقا، وأهول أمرا، فقال: ~~عاطفا على ناصب الظرف مما تقديره: كانت أمور محلولة، معبرا بالمضارع لأن ~~ذلك وإن شارك الفزع في # PageV14P223 # التحقق قد فارقه في الحدوث والتجدد شيئا فشيئا: {وترى الجبال} أي عند ~~القيام من القبور، والخطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم ليدل ذلك - لكونه ~~صلى الله عليه وسلم أنفذ الناس بصرا وأنورهم بصيرة - على عظم الأمر، وإما ~~لكل أحد لأن الكل صاروا بعد قيامهم أهلا للخطاب بعد غيبتهم في التراب ~~{تحسبها جامدة} أي قائمة ثابته في مكانها لا تتحرك، لأن كل كبير متباعد ~~الأقطار لا يدرك مشيته إلا تخرصا {وهي تمر} أي تسير حتى تكون كالعهن ~~المنفوش فينسفها الله فتقع حيث شاء كأنها الهباء المنثور، فتستوي الأرض ~~كلها بحيث لا يكون فيها عوج، وأشار إلى أن سيرها خفي وإن كان حثيثا بقوله: ~~{مر السحاب} أي مرا سريعا لا يدرك على ما هو عليه لأنه إذا طبق الجو لا ~~يدرك سيره مع أنه لا شك فيه وإن لم تنكشف الشمس بلا لبس، وكذا كل كبير ~~الجرم أو كثير العد يقصر عن الإحاطة به لبعد ما بين أطرافه بكثرته البصر، ~~يكون سائرا، والناظر الحاذق يظنه واقفا. # ولما كان ذلك أمرا هائلا، أشار إلى عظمته بقوله، مؤكدا # PageV14P224 # لمضمون الجملة المتقدمة: {صنع الله} أي صنع الذي له الأمر كله ذلك الذي ms3415 ~~أخبر أنه كائن في ذلك اليوم صنعا، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقب كلام جاء ~~كالشاهد بصحته، والمنادي على سداده، والصارخ بعلو مقداره، وأنه ما كان ~~ينبغي أن يكون إلا هكذا، ثم زاد في التعظيم بقوله دالا على تمام الإحكام في ~~ذلك الصنع: {الذي أتقن كل شيء} . # ولما ثبت هذا على هذا الوجه المتقن، والنظام الأمكن، أنتج قطعا قوله: ~~{إنه} أي الذي أحكم هذه الأمور كلها {خبير بما يفعلون*} أي لأن الإتقان ~~نتيجة القدرة، وهي نتيجة العلم، فمن لم يكن شامل العلم لم يكن تام القدرة، ~~وعبر بالفعل الذي هو أعم من أن يكون بعلم أو لا، لأنه في سياق البيان ~~لعماهم، ونفي العلم عنهم، وقرىء بالخطاب المؤذن بالقرب المرجي للرضا، ~~المرهب من الإبعاد، المقرون بالسخط، وبالغيبة المؤذنة بالإعراض الموقع في ~~الخيبة، وما أبدع ما لاءم ذلك ولاحمه ما بعده على تقدير الجواب لسؤال من ~~كأنه قال: ماذا يكون حال أهل الحشر مع الدخور عند الناقد البصير؟ فقال: من ~~إتقانه للأشياء أنه رتب الجزاء أحسن ترتيب {من جاء بالحسنة} أي الكاملة وهي ~~الإيمان {فله} وهو من جملة إحكامه للأشياء {خير} أي أفضل {منها} مضاعفا، ~~أقل ما يكون عشرة أضعاف إلى ما لا يعلمه إلا الله، وأكرمت وجوههم عن النار، ~~وهؤلاء أهل القرب # PageV14P225 # الذين سبقت لهم الحسنى {وهم من فزع يومئذ} أي إذا وقعت هذه الأحوال، ~~العظيمة الأهوال {آمنون*} أي حتى لا يحزنهم الفزع الأكبر، فانظر إلى بلاغة ~~هذا الكلام، وحسن نظمه وترتيبه، وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفزع إفزاعا ~~واحدا، ولأمر ما أعجز القوي، وأخرس الشقاشق والادعاء {ومن جاء بالسيئة} أي ~~التي لا سيئة مثلها، وهي الشرك لقوله: {فكبت} أي بأيسر أمر {وجوههم في ~~النار} مع أنه ورد في الصحيح أن مواضع السجود - التي أشرفها الوجوه - لا ~~سبيل للنار عليها، والوجه أشرف ما في الإنسان، فإذا هان كان ما سواه أولى ~~بالهوان، والمكبوب عليه منكوس. # ولما كانوا قد نكسوا أعمالهم وعكسوها بعبادة غير الله، فوضعوا الشيء في ~~غير موضعه، فعظموا ms3416 ما حقه التحقير، واستهانوا أمر العلي الكبير. وكان الوجه ~~محل ظهور الحياء والانكسار، لظهور الحجة، وكانوا قد حدقوا الأعين جلادة ~~وجفاء عند العناد، وأظهروا في الوجوه التجهم والعبوس والارتداد، بدع قوله ~~بناء على ما تقديره بما دل عليه الاحتباك: وهم من فزع يومئذ خائفون، وليس ~~لهم إلا مثل سيئتهم: {هل} أي مقولا لهم: هل {تجزون} أي بغمس الوجوه # PageV14P226 # في النار؛ وبني للمفعول لأن المرغب المرهب الجزاء، لا كونه من معين، ~~وإشارة إلى أنه يكون بأيسر أمر، لأن من المعلوم أن المجازي هو الله لا غيره ~~{إلا ما كنتم} أي بما هو لكم كالجبلة {تعملون*} أي تكررون عمله وأنتم ~~تزعمون أنه مبني على قواعد العلم بحيث يشهد كل من رآه أنه مماثل لأعمالكم ~~سواء بسواء، وهو شامل أيضا لأهل القسم الأول، والآية من الاحتباك: ذكر ~~الخيرية والأمن أولا دليلا على حذف المثل والخوف ثانيا، والكب في النار ~~ثانيا دليلا على الإكرام عنه أولا. # ولما أتم الدين بذكر الأصول الثلاثة: المبدأ والمعاد والنبوة، ومقدمات ~~القيامة وأحوالها، وبعض صفتها وما يكون من أهوالها، وذلك كمال ما يتعلق ~~بأصول الدين على وجوه مرغبة أتم ترغيب، مرهبة أعظم ترهيب، أوجب هذا الترغيب ~~والترهيب لكل سامع أن يقول: فما الذي نعمل ومن نعبد؟ فأجابه المخاطب بهذا ~~الوحي. المأمور بإبلاغ هذه الجوامع، الداعي لمن سمعه، الهادي لم اتبعه، ~~بأنه لا يرضى له ما رضي لنفسه، وهو ما أمره به ربه، فقال: {إنما أمرت} أي ~~بأمر من لا يرد له أمر، ولا يعد أن يكون بدلا من قوله {الحمد لله وسلام على ~~عباده الذين اصصفى} فيكون محله نصبا بقل، # PageV14P227 # وعظم المأمور به بإحلاله محل العمدة فقال: {أن أعبد} أي بجميع ما أمركم ~~به {رب} أي موجب ومدبر وملك؛ وعين المراد وشخصه وقربة تشريفا وتكريما ~~بقوله: {هذه البلدة} أي مكة التي تخرج الدابة منها فيفزع كل من يراها، ثم ~~تؤمن أهل السعادة، أخصه بذلك لا أعبد شيئا مما عدلتموه به سبحانه وادعيتم ~~أنهم شركاء، وهم من جملة ما خلق؛ ms3417 ثم وصف المعبود الذي أمر بعبادة أحد غيره ~~بما يقتضيه وصف الربوبية، وتعين البلدة التي أشار إليها بأداة القرب ~~لحضورها في الأذهان لعظمتها وشدة الإلف بها وإرادتها بالأرض التي تخرج ~~الدابة منها، فصارت لذلك بحيث إذا أطلقت البلدة انصرفت إليها وعرف أنها ~~مكة، فقال: {الذي حرمها} تذكيرا لهم بنعمته سبحانه عليهم وتربيته لهم بأن ~~أسكنهم خير بلاده، وجعلهم بذلك مهابة في قلوب عباده، بما ألقى في القلوب من ~~أنها حرم، لا يسفك بها دم، ولا يظلم أحد، ولا يباح بها صيد، ولا يعضد ~~شجرها، وخصها بذلك من بين سائر بلاده والناس يتخطفون من حولهم وهم آمنون لا ~~ينالهم شيء من فزعهم وهولهم. # PageV14P228 # ولما كانت إضافتها إليه إنما هي لمحض التشريف، قال احتراسا عما لعله ~~يتوهم: {وله كل شيء} أي من غيرها مما أشركتموه به وغيره خلقا وملكا وملكا، ~~وليس هو كالملوك الذين ليس لهم إلا ما حموه على غيرهم. # ولما كانوا ربما قالوا: ونحن نعبده بعبادة من نرجوه يقربنا إليه زلفى، ~~عين الدين الذي تكون به العبادة فقال: {وأمرت} أي مع الأمر بالعبادة له ~~وحده، وعظم المفعول المأمور به بجعله عمدة الكلام بوضعه موضع الفاعل فقال: ~~{أن أكون} أي كونا هو في غاية الرسوخ {من المسلمين*} أي المنقادين لجميع ما ~~يأمر به كتابه أتم انقياد، ثابتا على ذلك غاية الثبات. # PageV14P229 # ولما بين ما أمر به في نفسه، أتبعه ما تعم فائدته غيره فقال: {وأن أتلو ~~القرآن} أي أواظب على تلاوته وتلوه - أي اتباعه - عبادة لربي، وإبلاغا ~~للناس ما أرسلت به إليهم مما لا يلم به ريب في أنه من عنده، ولأكون مستحضرا ~~لأوامره فأعمل بها، ولنواهيه فأجتنبها، وليرجع الناس إيه ويعولوا في كل أمر ~~عليه. لأنه جامع لكل علم. # ولما تسبب عن ذلك أن من انقاد له نجى نفسه، ومن # PageV14P229 # استعصى عليه أهلكها، قال له ربه سبحانه مسليا ومؤسيا ومرغبا ومرهبا: {فمن ~~اهتدى} أي باتباع هذا القرآن الداعي إلى الجنان {فإنما يهتدي لنفسه} لأنه ~~يحييها بحوزة الثواب، ونجاته من العقاب، ms3418 فإنما أنا من المبشرين، أبشره أنه ~~من الناجين {ومن ضل} أي عن الطريق التي نهج وبينها من غير ميل ولا عوج ~~{فقل} له كما تقول لغيره: {إنما أنا من المنذرين*} أي المخوفين له عواقب ~~صنعه، وإنما فسره ورده فلم أومر به الآن {وقل} أي إنذارا لهم وترغيبا ~~وترجية وترهيبا: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي الذي له العظمة ~~كلها سواء اهتدى الكل وضل الكل، أو انقسموا إلى مهتد وضال، لأنه لا يخرج ~~شيء عن مراده. # ولما كانت نتيجة ذلك القدرة على كل شيء قال: {سيريكم} أي في الدنيا ~~والآخرة بوعد محقق لا شك في وقوعه {آياته} أي الرادة لكم عما أنتم فيه يوم ~~يحل لي هذه البلدة الذي حرمها بما أشار إليه جعلي من المنذرين وغير ذلك ما ~~يظهر من وقائعه ويشتهر من أيامه التي صرح أو لوح بها القرآن، فيأتيكم ~~تأويله فترونه عيانا، وهو معنى {فتعرفونها} أي بتذكركم ما أتوعدكم الآن به ~~وأصفه لكم # PageV14P230 # منها، لا تشكون في شيء من ذلك أنه على ما وصفته ولا ترتابون، فتظهر لكم ~~عظمة القرآن، وإبانة آيات الكتاب الذي هو الفرقان، وترون ذلك حق اليقين ~~{ولتعلمن نبأه بعد حين} [ص: 88] ، {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل ~~قد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 53] ، {هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون} [يس: 52] . # ولما كان قد نفس لهم بالسين في الآجال، وكان التقدير تسلية له صلى الله ~~عليه وسلم: وما ربك بتاركهم على هذا الحال من العناد لأن ربك قادر على ما ~~يريد، عطف عليه قوله: {وما ربك} أي المحسن إليك بجميع ما أقامك فيه من هذه ~~الأمور العظيمة والأحوال الجليلة الجسيمة {بغافل عما تعملون*} أي من مخالفة ~~أوامره، ومفارقة زواجره، ويجوز أن تكون الجملة حالا من فاعل {يرى} أي ربكم ~~غير غافل، ومن قرأ بالخطاب كان المعنى: عما تعمل انت وأتباعك من الطاعة. ~~وهو من المعصية، فيجازي كلا منكم بما يستحق فيعلي أمرك، ويشد إزرك، ويوهن ~~أيدهم، ويضعف كيدهم، بما له من الحكمة، ms3419 والعلم ونفوذ الكلمة، فلا يظن ظان ~~أن تركه للمعالجة بعقابهم لغفلة عن شيء من أعمالهم، إنما ذلك لأنه حد لهم ~~حداهم بالغوه لا محالة لأنه لا يبدل القول لديه، فقد رجع آخرها كما ترى ~~بإبانة الكتاب وتفخيم القرآن وتقسيم الناس فيه إلى مهتد وضال إلى أولها، ~~وعانق ختامها ابتداءها بحكمة منزلها، وعلم مجملها ومفصلها، إلى غير ذلك # PageV14P231 # مما يظهر عند تدبرها وتأملها - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع ~~والمآب. # نجز الجزء المبارك من مناسبات البقاعي بحمد الله وعونه ويتلوه القصص إن ~~شاء الله تعالى - اللهم اغفر لنا ذنوبنا وتجاوز عن سيئاتنا. # PageV14P232 # مقصودها التواضع لله، المستلزم لرد الأمر كله إليه، الناشىء عن الإيمان ~~بالآخرة، الناشىء عن الإيمان بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) ، الثابتة ~~بإعجاز القرآن، المظهر للخفايا على لسان من لم يتعلم علما قط من أحد من ~~الخلق، المنتج لعلو المتصف به، وذلك هو المأخوذ من تسميتها بالقصص الذي حكم ~~لأجله شعيب بعلو الكليم عليهما السلام على من ناواه، وقمعه لمن عاداه، فكان ~~المآل وفق ما قال) بسم الله (الذي اختص بالكبرياء والعظمة، فألبس خدامه من ~~ملابي هيبته) الرحمن (الذي عم بنعمة البيان، حتى أهل الكفران الرحيم الذي # PageV14P233 # خص بنعمة ما بعد البعث أهل الإيمان. # لما ختم تلك بالوعد المؤكد بأنه يظهر آياته فتعرف، وأنه ليس بغافل عن ~~شيء، تهديدا للظالم، وتثبيتا للعالم، وكان من الأول ما يوحيه في هذه من ~~الأساليب المعجزة من خفايا علوم أهل الكتاب، فلا يقدرون على رده، ومن ~~الثاني ما صنع بفرعون وآله، قال أول هذه: # PageV14P234 # {طسم*} مشيرا بالطاء المليحة بالطهر والطيب إلى خلاص بني إسرائيل بعد طول ~~ابتلائهم المطهر لهم عظيم، وبالسين الرامزة إلى السمو والسنا والسيادة إلى ~~أن ذلك يكون بمسموع من الوحي في ذي طوى من طور سيناء قديم، وبالميم المهيئة ~~للملك والنعمة إلى قضاء من الملك الأعلى بذلك كله تام عميم. # ولما كانت هذه إشارات عالية، وما بعدها لزوم نظوم لأوضح الدلالات حاوية، ~~قال مشيرا إلى عظمتها: {تلك} أي الآيات العالمية الشأن ms3420 {آيات الكتاب} أي ~~المنزل على قلبك، الجامع لجميع المصالح الدنيوية والأخروية {المبين*} أي ~~الفاصل الكاشف الموضح المظهر، لأنه من عندنا من غير شك، ولكل ما يحتاج إليه ~~من ذلك وغيره، عند من يجعله من شأنه ويتلقاه بقبول، ويلقي إليه السمع وهو ~~شهيد؛ ثم أقام الدليل على إبانته. وأنه يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم ~~يختلفون، بما أورد هنا في قصة موسى عليه الصلاة والسلام # PageV14P234 # من الدقائق التي قل من يعلمها من حذاقهم، على وجه معلم بما انتقم به من ~~فرعون وآله، ومن لحق بهم كقارون، وأنعم به على موسى عليه الصلاة والسلام ~~وأتباعه، ولذلك بسط فيها أمور القصة ما لم يبسط في غيرها فقال: {نتلوا} أي ~~نقص قصا متتابعا متواليا بعضه في أثر بعض {عليك} بواسطة جبريل عليه الصلاة ~~والسلام. # ولما كان المراد إنما هو قص ما هو من الأخبار العظيمة بيانا للآيات بعلم ~~الجليات والخفيات، والمحاسبة والمجازاة، لا جميع الأخبار، قال: {من نبأ ~~موسى وفرعون} أي بعض خبرهما العظيم متلبسا هذا النبأ وكائنا {بالحق} أي ~~الذي يطابقه الواقع، فإنا ما أخبرنا فيه بمستقبل إلا طابقه الكائن عند ~~وقوعه، ونبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولى الإذعان بقوله: ~~{لقوم يؤمنون*} أي يجددون الإيمان في كل وقت عند كل حادثة لثبات إيمانهم، ~~فعلم أن المقصود منها هنا الاستدلال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~الأمي بالاطلاع علىلمغيبات، والتهديد بعلمه المحيط، وقدرته الشاملة، وأنه ~~ما شاء كان ولا مدفع لقضائه، ولا ينفع حذر من قدرة، فصح أنها دليل على قوله ~~تعالى آخر تلك {سيريكم آياته فتعرفونها} الآية، ولذلك لخصت رؤوس أخبار ~~القصة، فذكرت فيها أمهات الأمور الخفية ودقائق أعمال # PageV14P235 # من ذكر فيها من موسى عليه الصلاة والسلام وأمه وفرعون وغيرهم إلى ما تراه ~~من الحكم التي لا يطلع عليها إلا عالم بالتعلم أو بالوحي، ومعلوم لكل مخاطب ~~بذلك انتفاء الأول عن المنزل عليه هذا الذكر صلى الله عليه وسلم، فانحصر ~~الأمر في الثاني، يوضح لك هذا المرام ms3421 مع هذه الآية الأولى التي ذكرتها قوله ~~تعالى في آخر القصة {وما كنت بجانب الغربي} {وما كنت بجانب الطور} واتباع ~~القصة بقوله تعالى: {ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون} فالمراد بهذا ~~السياق منها كما ترى غير ما تقدم من سياقاتها كما مضى، فلا تكرير في شيء من ~~ذلك - والله الهادي. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمن قوله سبحانه {إنما أمرت أن ~~أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها} - إلى آخر السورة من التخويف والترهيب ~~والإنذار والتهديد لما انجر معه الإشعار بأنه عليه الصلاة والسلام سيملك ~~مكة البلدة ويفتحها الله تعالى عليه، ويذل عتاة قريش ومتمرديهم، ويعز أتباع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن استضعفته قريش من المؤمنين، اتبع سبحانه ~~ذلك بما قصه على نبيه من تطهير ما أشار إليه من قصة بني إسرائيل وابتداء ~~امتحانهم بفرعون، واستيلائه عليهم، وفتكه بهم إلى # PageV14P236 # أن أعزهم الله وأظهرهم على عدوهم، وأورثهم أرضهم وديارهم، ولهذا أشار ~~تعالى في كلا القصتين بقوله في الأولى {سيريكم آياته فتعرفونها} وفي ~~الثانية بقوله: {وترى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} ثم قص ~~ابتداء أمر فرعون وحذره واستعصامه بقتل ذكور الأولاد ثم لم يغن ذلك عنه من ~~قدر الله شيئا، ففي حاله عبرة لمن وفق للاعتبار، ودليل على أنه سبحانه ~~المتفرد بملكه، يؤتي ملكه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، لا يزعه وازع، ولا ~~يمنعه عما يشاء مانع، {قل الله مالك الملك} وقد أصح قوله تعالى {وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} - الآية بما أشار ~~إليه مجمل ما أوضحنا اتصاله من خاتمة النمل وفاتحة القصص، ونحن نزيده بيانا ~~بذكر لمع من تفسير ما قصد التحامه فنقول: إن قوله تعالى معلما لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم وآمرا {إنما أمرت أن أعبد} إلى قوله: {سيريكم آياته} لا ~~خفاء بما تضمن ذلك من التهديد، وشديد الوعيد، ثم في قوله: {رب هذه البلدة} ~~إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام سيفتحها ويملكها، لأنه بلد ربه وملكه، ~~وهو عبده ms3422 ورسوله، وقد اختصه برسالته، وله كل شيء، فالعباد والبلاد ملكه، ~~ففي هذا من الإشارة مثل ما في قوله تعالى: # PageV14P237 # {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} وقوله تعالى: {وأن أتلو ~~القرآن} أي ليسمعوه فيتذكروا ويتذكر من سبقت له السعادة، ويلحظ سنة الله في ~~العباد والبلاد، ويسمع ما جرى لمن عاند وعنى وكذب واستكبر، فكيف وقصه الله ~~وأخذه ولم يغن عنه حذره، وأورث مستضعف عباده أرضه ودياره، ومكن لهم في ~~الأرض وأعز رسله وأتباعهم {نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم ~~يؤمنون} أي يصدقون ويعتبرون ويستدلون ويستوضحون، وقوله: {سيريكم آياته} ~~يشير إلى ما حل بهم يوم بدر، وبعد ذلك إلى يوم فتح مكة، وإذعان من لم يكن ~~يظن انقياده، وإهلاك من طال تمرده وعناده، وانقياد العرب بجملتها بعد فتح ~~مكة ودخول الناس في الدين أفواجا، وعزة أقوام وذلة آخرين، بحاكم {إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم} إلى أن فتح الله على الصحابة رضوان الله عليهم ما وعدهم ~~به نبيهم صلى الله عليه وسلم، فكان كما وعد، فلما تضمنت هذه الآية ما أشير ~~إليه، أعقب بما هو في قوة أن لو قيل: ليس عتوكم بأعظم من عتو فرعون وآله، ~~ولا حال مستضعفي المؤمنين بمكة ممن قصدتم فتنته في دينه بدون حال بني ~~إسرائيل حين كان فرعون يمتحنهم بذبح أبنائهم. # فهلا تأملتم عاقبة الفريقين، وسلكتم أنهج الطريقين؟ {أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف # PageV14P238 # كان عاقبة الذين من قبلهم} - إلى قوله: {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} ~~فلو تأملتم ذلك لعلمتم أن العاقبة للتقوى، فقال سبحانه بعد افتتاح السورة ~~إن فرعون علا في الأرض، ثم ذكر من خبره ما فيه عبرة، وذكر سبحانه آياته ~~الباهرة في أمر موسى عليه السلام وحفظه ورعايته وأخذ أم عدوه إياه {عسى أن ~~ينفعنا أو نتخذه ولدا} فلم يزل يذبح الأبناء خيفة من مولود يهتك ملكه حتى ~~إذا كان ذلك المولود تولي بنفسه تربيته وحفظه وخدمته ليعلم لمن التدبير ~~والإمضاء، وكيف نفوذ سابق الحكم والقضاء، فهلا سألت قريش ms3423 وسمعت وفكرت ~~واعتبرت {أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} ثم أتبع سبحانه ذلك بخروج ~~موسى عليه السلام من أرضه فخرج منها خائفا يترقب، وما ناله عليه السلام في ~~ذلك الخروج من عظيم السعادة، وفي ذلك منبهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على خروجه من مكة وتعزية له وإعلام بأنه تعالى سيعيده إلى بلده ويفتحه ~~عليه، وبهذا المستشعر من هنا صرح آخر السورة في قوله تعالى: {إن الذي فرض ~~عليك القرآن لرادك إلى معاد} وهذا كاف فيما قصد - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: ما هذا المقصوص من هذا النبأ؟ قال: {إن فرعون} ملك ~~مصر الذي ادعى الإلهية {علا} أي بادعائه الإلهية وتجبره على عباد الله ~~وقهره لهم {في الأرض} أي لأنا جمعنا عليه الجنود فكانوا معه إلبا واحدا ~~فأنفذنا بذلك كلمته، # PageV14P239 # وهي وأن كان المراد بها أرض مصر ففي إطلاقها ما يدل على تعظيمها وأنها ~~كجميع الأرض في اشتمالها على ما قل أن يشتمل عليه غيرها. # ولما كان التقدير بما دل عليه العاطف: فكفر تلك النعمة، عطف عليه قوله: ~~{وجعل} بما جعلنا له من نفوذ الكلمة {أهلها} أي الأرض المرادة {شيعا} أي ~~فرقا يتبع كل فرقة شيئا وتنصره، والكل تحت قهره وطوع أمره، قد صاروا معه ~~كالشياع، وهو دق الحطب، فرق بينهم لئلا يتمالؤوا عليه، فلا يصل إلى ما ~~يريده منهم، فافترقت كلمتهم فلم يحم بعضهم لبعض فتخاذلوا فسفل أمرهم، ~~فالآية من الاحتباك، ذكر العلو أولا دليلا على السفول ثانيا، والافتراق ~~ثانيا دليلا على الاجتماع أولا، جعلهم كذلك حال كونه {يستضعف} أي يطلب ~~ويوجد أن يضعف، أو هو استئناف {طائفة منهم} وهم بنو إسرائيل الذين كانت ~~حياة جميع أهل مصر على يدي واحد منهم، وهو يوسف عليه السلام. # وفعل معهم من الخير ما لم يفعله والد مع ولده، ومع ذلك كافؤوه في أولاده ~~وإخوته بأن استعبدوهم، ثم ما كفاهم ذلك حتى ساموهم على يدي هذا العنيد سوء ~~العذاب فيا بأبي الغرباء بينهم قديما وحديثا، ثم بين سبحانه الاستضعاف ~~بقوله: ms3424 # PageV14P240 # {يذبح} أي تذبيحا كثيرا {أبناءهم} أي عند الولادة، وكل بذلك أناسا ينظرون ~~كلما ولدت امرأة ذكرا ذبحوه خوفا على ملكه زعم من مولود منهم {ويستحيي ~~نساءهم} أي يريد حياة الإناث فلا يذبحهن. # ولما كان هذا أمرا متناهيا في الشناعة، ليس مأمورا به من جهة شرع ما، ولا ~~له فائدة أصلا، لأن القدر - على تقدير صدق من أخبره - لا يرده الحذر، قال ~~تعالى مبينا لقبحه، شارحا لما أفهمه ذلك من حاله: {إنه كان} أي كونا راسخا ~~{من المفسدين*} أي الذين لهم عراقة في هذا الوصف، فلا يدع أن يقع منه هذا ~~الجزئي المندرج تحت ما هو قائم به من الأمر الكلي. # ولما كان التقدير كما أرشد إليه السياق لمن يسأل عن سبب فعله هذا العجيب: ~~يريد بذلك زعم دوام ملكه بأن لا يسلبه إياه واحد منهم أخبره بعض علمائه أنه ~~يغلبه عليه ويستنقذ شعبه من العبودية، عطف عليه قوله يحكي تلك الحال ~~الماضية: {ونريد} أو هي حالية، أي يستضعفهم والحال أنا نريد في المستقبل أن ~~نقويهم. أي يريد دوام استضعافهم حال إرادتنا ضده من أنا نقطع ذلك بإرادة ~~{أن نمن} أي نعطي بقدرتنا وعلمنا ما يكون جديرا بأن نمتن به # PageV14P241 # {على الذين استضعفوا} أي حصل استضعافهم وهان هذا الفعل الشنيع ولم يراقب ~~فيهم مولاهم {في الأرض} أي أرض مصر فذلوا وأهينوا، ونريهم في أنفسهم ~~وأعدائهم وفق ما يحبون وفوق ما يأملون {ونجعلهم أئمة} أي مقدمين في الدين ~~والدنيا، علماء يدعون إلى الجنة عكس ما يأتي من عاقبة آل فرعون، وذلك مع ~~تصييرنا لهم أيضا بحيث يصلح كل واحد منهم لأن يقصد للملك بعد كونهم ~~مستعبدين في غاية البعد عنه {ونجعلهم} بقوتنا وعظمتنا {الوارثين*} أي لملك ~~مصر لا ينازعهم فيه أحد من القبط، ولكل بلد أمرناهم بقصدها، وهذا إيذان ~~بإهلاك الجميع. # PageV14P242 # ولما بشر بتمليكهم في سياق دال على مكنتهم، صرح بها فقال: {ونمكن} أي ~~نوقع التمكين {لهم في الأرض} أي كلها لا سيما أرض مصر والشام، بإهلاك ~~أعدائهم وتأييدهم بكليم الله، ثم ms3425 بالأنبياء من بعده عليهم الصلاة والسلام ~~بحيث نسلطهم بسببهم على من سواهم بما نؤيدهم به من الملائكة ونظهر لهم من ~~الخوارق. # ولما ذكر التمكين، ذكر أنه مع مغالبة الجبابرة إعلاما بأنه أضخم تمكين ~~فقال عاطفا على نحو: ونريد أن نأخذ الذين علوا في الأرض وهم فرعون وهامان ~~وجنودهما: {ونري} أي بما لنا من العظمة {فرعون} أي الذي كان هذا الاستضعاف ~~منه {وهامان} # PageV14P242 # وزيره {وجنودهما} الذين كانا يتوصلان بهم إلى ما يريدانه من الفساد ~~{منهم} أي المستضعفين {ما كانوا} أي بجد عظيم منهم كأنه غريزة {يحذرون*} أي ~~يجددون حذره في كل حين على الاستمرار بغاية الجد والنشاط من ذهاب ملكهم ~~بمولود منهم وما يتبع ذلك، قال البغوي: والحذر: التوقي من الضرر. والآية من ~~الاحتباك: ذكر الاستضعاف أولا دليلا على القوة ثانيا، وإراءة المحذور ثانيا ~~دليلا على إرادة المحبوب أولا، وسر ذلك أنه ذكر المسلي والمرجي ترغيبا في ~~الصبر وانتظام الفرج. # ولما كان التقدير: فكان ما أردناه، وطاح ما أراد غيرنا، فأولدنا من بني ~~إسرائيل الولد الذي كان يحذره فرعون على ملكه، وكان يذبح أبناء بني إسرائيل ~~لأجله، وقضينا بأن يسمى موسى، بسبب أنه يوجد بين ماء وشجر، ونربيه في بيت ~~الذي يحذره ويحتاط لأجله، عطف على هذا المعلوم التقدير أول نعمة من بها على ~~الذين استضعفوا فقال: {وأوحينا} أي أوصلنا بعظمتنا بطريق خفي، الله أعلم به ~~هل هو ملك أو غيره، إذ لا بدع في تكليم الملائكة الولي من غير نبوة {إلى أم ~~موسى} أي الذي أمضينا في قضائنا أنه يسمى بهذا الاسم، وأن يكون هلاك فرعون # PageV14P243 # وزوال ملكه على يده، بعد أن ولدته وخافت أن يذبحه الذباحون {أن أرضعيه} ~~ما كنت آمنة عليه، وحقق لها طلبهم لذبحه بقوله: {فإذا خفت عليه} أي منهم أن ~~يصيح فيسمع فيذبح {فألقيه} أي بعد أن تضعيه في شيء يحفظه من الماء {في ~~اليم} أي النيل، واتركي رضاعه، وعرفه وسماه يما - واليم: البحر - لعظمته ~~على غيره من الأنهار بكبره وكونه من الجنة، وما يحصل به ms3426 من المنافع، وعدل ~~عن لفظ البحر إلى اليم لأن القصد فيه أظهر من السعة؛ قال الرازي في ~~اللوامع: وهذا إشارة إلى الثقة بالله، والثقة سواد عين التوكل، ونقطة دائرة ~~التفويض، وسويداء قلب التسليم، ولها درجات: الأولى درجة الأياس، وهو أياس ~~العبد من مقاواة الأحكام، ليقعد عن منازعة الإقسام، فيتخلص من صحة الإقدام؛ ~~والثانية درجة الأمن، وهو أمن العبد من فوت المقدور، وانتقاص المسطور، ~~فيظفر بروح الرضى وإلا فبعين اليقين، وإلا فبطلب الصبر؛ والثالثة معاينة ~~أولية الحق جل جلاله، ليتخلص من محن المقصود، وتكاليف الحمايات، والتعريج ~~على مدارج الوسائل. # {ولا تخافي} أي لا يتجدد لك خوف أصلا من أن يغرق أو يموت من ترك الرضاع ~~وإن طال المدى أو يوصل إلى أذاه {ولا تحزني} أي ولا يوجد لك حزن لوقوع ~~فراقه. # PageV14P244 # ولما كان الخوف عما يلحق المتوقع، والحزن عما يلحق الواقع، علل نهيه عن ~~الأمرين، بقوله في جملة اسمية دالة على الثبات والدوام، مؤكدة لاستبعاد ~~مضمونها: {إنا رادوه إليك} فأزال مقتضى الخوف والحزن؛ ثم زادها بشرى لا ~~تقوم لها بشرى بقوله: {وجاعلوه من المرسلين*} أي الذين هم خلاصة المخلوقين، ~~والآية من الاحتباك، ذكر الإرضاع أولا دليلا على تركه ثانيا، والخوف ثانيا ~~دليلا على الأمن أولا، وسره أنه ذكر المحبوب لها تقوية لقلبها وتسكينا ~~لرعبها. # ولما كان الوحي إليها بهذا سببا لإلقائه في البحر. وإلقاؤه سببا ~~لالتقاطه، قال: {فالتقطه} أي فأرضعته فلما خافت عليه صنعت له صندوقا وقيرته ~~لئلا يدخل إليه الماء وأحكمته وأودعته فيه وألقته في بحر النيل، وكأن بيتها ~~كان فوق بيت فرعون، فساقه الماء إلى قرب بيت فرعون، فتعوق بشجر هناك، فتلكف ~~جماعة فرعون التقاطه، قال البغوي: والالتقاط وجود الشيء من غير طلب. {آل ~~فرعون} بأن أخذوا الصندوق، فلما فتحوه وجدوا موسى عليه السلام فأحبوه لما ~~ألقى الله تعالى عليهم ممن محبته فاتخذوه ولدا وسموه موسى، لأنهم وجدوه # PageV14P245 # في ماء وشجر، ومو بلسانهم: الماء، وسا: الشجر. # ولما كانت عاقبة أمره إهلاكهم، وكان العاقل لا سيما المتحذلق، لا ينبغي ~~له ms3427 أن يقدم على شيء حتى يعلم عاقبته فكيف إذا كان يدعي أنه إله، عبر سبحانه ~~بلام العاقبة التي معناها التعليل، تهكما بفرعون - كما مضى بيان مثله غير ~~مرة - في قوله: {ليكون لهم عدوا} أي بطول خوفهم منه بمخالفته لهم في دينهم ~~وحملهم على الحق {وحزنا} أي بزوال ملكهم، لأنه يظهر فيهم الآيات التي يهلك ~~الله بها من يشاء منهم، ثم يهلك جميع أبكارهم فيخلص جميع بني إسرائيل منهم، ~~ثم يظفر بهم كلهم. فيهلكهم الله بالغرق على يده إهلاك نفس واحدة، فيعم ~~الحزن والنواح أهل ذلك الإقليم كله، فهذه اللام للعلة استعيرت لما أنتجته ~~العلة التي قصدوها - وهي التبني وقرة العين - من الهلاك، كما استعير الأسد ~~للشجاع فأطلق عليه، فقيل: زيد أسد. لأن فعله كان فعله، والمعنى على طريق ~~التهكم أنهم ما أخذوه إلا لهذا الغرض، لأنا نحاشيهم من الإقدام على ما ~~يعلمون آخر أمره. # ولما كان لا يفعل هذا الفعل إلا أحمق مهتور أو مغفل مخذول لا يكاد يصيب ~~على ذلك بالأمرين فقال: {إن فرعون وهامان وجنودهما} # PageV14P246 # أي كلهم على طبع واحد {كانوا خاطئين*} أي دأبهم تعمد الذنوب، والضلال عن ~~المقاصد، فلا بدع في خطائهم في أن يربوا من لا يذبحون الأبناء إلا من أجله، ~~مع القرائن الظاهرة في أنه من بني إسرائيل الذين يذبحون أبناءهم؛ قال في ~~الجمع بين العباب والمحكم: قال أبو عبيد: أخطأ وخطأ - لغتان بمعنى واحد، ~~وقال ابن عرفة: يقال: خطأ في دينه وأخطأ - إذا سلك سبيل خطأ عامدا أو غير ~~عامد. # وقال الأموي، المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطىء: من تعمد ~~ما لا ينبغي، وقال ابن ظريف في الأفعال: خطىء الشيء خطأ وأخطأه: لم يصبه. # ولما أخبر تعالى عن آخر أمرهم معه، تخفيفا على السامع بجمع طرفي القصة ~~إجمالا وتشويقا إلى تفصيل ذلك الإجمال، وتعجيلا بالتعريف بخطائهم ليكون ~~جهلهم الذي هو أصل شقائهم مكتنفا لأول الكلام وآخره، أخبر عما قيل عند ~~التقاطه فقال عاطفا على {فالتقطه} : {وقالت امرأة فرعون} أي لفرعون لما ~~أخرجته ms3428 من التابوت، وهي التي قضى الله أن يكون سعادة، وهي آسية بنت مزاحم ~~إحدى نساء بني إسرائيل - نقله البغوي: {قرت عين لي} أي به {ولك} أي يا ~~فرعون. # ولما أثبت له أنه ممن تقر به العيون، أنتج ذلك استبقاءه، ولذلك # PageV14P247 # نهت عن قتله وخافت أن تقول: لا تقتله، فيجيبها حاملا له على الحقيقة ثم ~~يأمر بقتله، ويكون مخلصا له عن الوقوع في إخلاف الوعد، فجمعت قائلة: {لا ~~تقتلوه} أي أنت بنفسك ولا أحد ممن تأمره بذلك، ثم عللت ذلك أو استأنفت ~~فقالت: {عسى} أي يمكن، وهو جدير وخليق {أن ينفعنا} أي لما أتخيل فيه ~~النجابة ولو كان له أبوان معروفان {أو نتخذه ولدا} إن لم يعرف له أبوان، ~~فيكون نفعه أكثر، فإنه أهل لأن يتشرف به الملوك. # ولما كان هذا كله فعل من لا يعلم، فلا يصح كونه إلها، صرح بذلك تسفيها ~~لمن أطاعه في ادعاء ذلك فقال: {وهم} أي تراجعوا هذا القول والحال أنهم {لا ~~يشعرون*} أي لا شعور لهم أصلا، لأن من لا يكون له علم إلا بالاكتساب فهو ~~كذلك، فكيف إذا كان لا يهذب نفسه باكتسابه، فكيف إذا كان مطبوعا على قلبه ~~وإذا كانوا كذلك فلا شعور لهم بما يؤول إليه أمرهم معه من الأمور الهائلة ~~المؤدية إلى هلاك المفسدين ليعلموا لذلك أعماله من الاحتراز منه بما ~~ينجيهم. # PageV14P248 # ولما أخبر عن حال من لقيه، أخبر عن حال من فارقه، فقال: {وأصبح} أي عقب ~~الليلة التي حصل فيها فراقه {فؤاد أم موسى} أي قلبها الذي زاد احتراقه شوقا ~~وخوفا وحزنا، وهذا يدل على أنها ألقته ليلا {فارغا} أي في غاية الذعر لما ~~جلبت عليه من أخلاق البشر، # PageV14P248 # قد ذهب منه كل ما فيه من المعاني المقصودة التي من شأنها أن يربط عليها ~~الجأش؛ ثم وصل بذلك مستأنفا قوله: {إن} أي إنه {كادت} أي قاربت {لتبدي} أي ~~يقع منها الإظهار لكل ما كان من أمره، مصرحة {به} أي بأمر موسى عليه السلام ~~من أنه ولدها ونحو ذلك بسبب فراغ ms3429 فؤادها من الأمور المستكنة، وتوزع فكرها ~~في كل واد {لولا أن ربطنا} بعظمتنا {على قلبها} بعد أن رددنا إليه المعاني ~~الصالحة التي أودعناها فيه، فلم تعلن به لأجل ربطنا عليه حتى صار كالجراب ~~الذي ربط فمه حتى لا يخرج شيء مما فيه؛ ثم علل الربط بقوله: {لتكون} أي ~~كونا هو كالغريزة لها {من المؤمنين*} أي المصدقين بما وعد الله به من نجاته ~~ورسالته، الواثقين بذلك. # ولما أخبر عن كتمها، أتبعه الخبر عن فعلها في تعرف خبره الذي أطار خفاؤه ~~عليها عقلها، فقال عاطفا على {وأصبح} : {وقالت} أي أمه {لأخته} أي بعد أن ~~أصبحت على تلك الحالة، قد خفي عليها أمره: {قصيه} أي اتبعي أثره وتشممي ~~خبره برا وبحرا، # PageV14P249 # ففعلت {فبصرت به عن جنب} أي بعد من غير مواجهة، ولذلك قال: {وهم لا ~~يشعرون*} أي ليس لهم شعور لا بنظرها ولا بأنها أخته، بل هم في صفة الغفلة ~~التي هي في غاية البعد عن رتبة الإلهية. # ولما كان ذلك أحد الأسباب في رده، ذكر في جملة حالية سببا آخر قريبا منه ~~فقال: {وحرمنا} أي منعنا بعظمتنا التي لا يتخلف أمرها، ويتضاءل كل شيء ~~دونها {عليه المراضع} جمع مرضعة، وهي من تكترى للرضاع من الأجانب، أي حكمنا ~~بمنعه من الارتضاع منهن، استعار التحريم للمنع لأنه منع فيه رحمة؛ قال ~~الرازي في اللوامع: تحريم منع لا تحريم شرع. # ولما كان قد ارتضع من أمه من حين ولدته إلى حين إلقائه في اليم، فلم ~~يستغرق التحريم الزمان الماضي، أثبت الجار فقال: {من قبل} أي قبل أن تأمر ~~أمه أخته بما أمرتها به وبعد إلقائها له، ليكون ذلك سببا لرده إليها، فلم ~~يرضع من غيرها فأشفقوا عليه فأتتهم أخته فقالوا لها: هل عندك مرضعة تدلينا ~~عليها لعله يقبل ثديها؟ {فقالت} أي فدنت أخته منه بعد نظرها له فقالت لهم ~~لما رأتهم في غاية الاهتمام برضاعه لما عرضوا عليه المراضع فأبى أن يرتضع ~~من واحدة منهن: {هل} لكم حاجة في أني {أدلكم على أهل بيت} ولم ms3430 يقل: # PageV14P250 # على امرأة، لتوسع دائرة الظن {يكفلونه لكم} أي يأخذونه ويعولونه ويقومون ~~بجميع مصالحه من الرضاع وغيره لأجلكم، وزادتهم رغبة بقولها: {وهم له ~~ناصحون*} أي ثابت نصحهم له، لا يغشونه نوعا من الغش؛ قال البغوي: والنصح ضد ~~الغش، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد فكادت بهذا الكلام تصرح بأن المدلول ~~عليها أمه، فارتابوا من كلامها فاعتذرت بأنهم يعملون ذلك تقربا إلى الملك ~~وتحببا إليه تعززا به، فظنوا ذلك، وهذا وأمثاله بيان من الله تعالى لأنه لا ~~يعلم أحد في السماوات والأرض الغيب إلا هو سبحانه، فلا يصح أن يكون غيره ~~إلها، فلما سكنوا إليها طلبوا أن تدلهم، فأتت بأمها فأحللنا له رضاعها فأخذ ~~ثديها فقالوا: أقيمي عندنا، فقالت: لا أقدر على فراق بيتي. # إن رضيتم أن أكفله في بيتي وإلا فلا حاجة لي، وأظهرت التزهد فيه نفيا ~~للتهمة، فرضوا بذلك فرجعت به إلى بيتها، والآية من الاحتباك: ذكر التحريم ~~أولا دليلا على الإحلال ثانيا، واستفهام أخته ثانيا دليلا على استفهامهم ~~لها أولا، وسره أن ذكر الأغرب من أمره الأدل على القدرة، # PageV14P251 # ولذلك سبب عما مضى قوله: {فرددناه} أي مع هذا الظاهر في الكشف لسره ~~الموجب للريبة في أمره، ومع ما تقدم من القرائن التي يكاد يقطع بها بأنه من ~~بني إسرائيل، منها إلقاؤه في البحر على تلك الصفة، ومنها أن المدلول عليها ~~لإرضاعه من بني إسرائيل، ومنها أنه قبل ثديها دون غيرها من القبط وغيرهم، ~~بأيدنا الذي لا يقاويه أيد، ولا يداني ساحته شيء من مكر ولا كيد، من يد ~~العدو الذي ما ذبح طفلا إلا رجاء الوقوع عليه، والخلاص مما جعل في سابق ~~العلم إليه {إلى أمه} وكان من أمر الله - والله هو غالب على أمره - أنه ~~استخدم لموسى - كما قال الرازي - عدوه في كفالته وهو يقتل العالم لأجله؛ ثم ~~علله بقوله: {كي تقر عينها} أي تبرد وتستقر عن الطرف في تطلبه إلى كل جهة ~~وتنام بإرضاعه وكفالته في بيتها، آمنة لا تخاف، وقرة العين بردها ونومها ~~خلاف سخنتها ms3431 وسهرها بإدامة تقليبها، قرت عينه تقر - بالكسر والفتح - قرة، ~~وتضم، وقرورا: بردت سرورا وانقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوقة إليه، وأقر ~~الله عينه وبعينه، وعين قريرة وقارة، # PageV14P252 # وقرتها ما قرت به، وقر بالمكان يقر - بالفتح والكسر - قرارا وقرورا وقرا ~~وتقرة: ثبت واستكن، وأصل قرة العين من القر وهو البرد، أي بردت فصحت ونامت ~~خلاف سخنة عينه، وقيل: من القرار، أي استقرت عيني، وقالوا: دمعة الفرح ~~باردة، ودمعة الحزن حارة، فمعنى أقر الله عينك من الفرح وأسخنها من الحزن، ~~وهذا قول الأصمعي، وقال أبو عباس: ليس كما ذكر الأصمعي بل كل دمع حار، ~~فمعنى أقر الله عينك: صادفت سرورا فنامت وذهب سهرها، وصادفت ما يرضيك، أي ~~بلغك الله أقصى أملك حتى تقر عينك من النظر إلى غيره استغناء ورضا بما ~~يديك، قالوا: ومعنى قولهم: هو قرة عيني: هو رضى نفسي، فهي تقر وتسكن بقربه ~~فلا تستشرف إلى غيره {ولا} أي وكيلا {تحزن} أي بفراقه {ولتعلم} أي علما هو ~~عين اليقين، كما كانت عالمة به علم اليقين، وعلم شهادة كما كانت عالمة علم ~~الغيب {أن وعد الله} أي الأمر الذي وعدها به الملك الأعظم الذي له الكمال ~~كله في حفظه وإرساله {حق} أي هو في غاية الثبات في مطابقة الواقع إياه. # ولما كان العلم هو النور الذي من فقده لم يصح منه عمل، ولم ينتظم له قصد، ~~قال عاطفا على ما تقديره: فعلمت ذلك برده عين اليقين بعد علم اليقين: {ولكن ~~أكثرهم} أي أكثر آل فرعون وغيرهم {لا يعلمون*} أي لا علم لهم أصلا، فكيف ~~يدعون ما يدعون من الإلهية والكبرياء على من يكون الله معه. # ولما استقر الحال، على هذا المنوال، علم أنه ليس بعده إلا الخير ~~والإقبال، والعز بتبني فرعون له والجلال، فترك ما بينه وبين السن الصالح ~~للإرسال، وقال مخبرا عما بعد ذلك من الأحوال: {ولما بلغ أشده} أي مجامع ~~قواه وكمالاته {واستوى} أي اعتدل في السن وتم استحكامه بانتهاء الشباب، وهو ~~من العمر ما بين إحدى وعشرين ms3432 سنة إلى اثنتين وأربعين، فتم بسبب ذلك في ~~الخلال الصالحة التي طبعناه عليها؛ وقال الرازي: قال الجنيد: لما تكامل ~~عقله، وصحت بصيرته، وصلحت نحيرته، وآن أوان خطابه - أنتهى. أي وصار إلى ~~الحد الذي لا يزاد الإنسان بعده غريزة من الغرائز لم تكن فيه أيام الشباب، ~~بل لا يبقى بعد ذلك إلا الوقوف ثم النقصان {آتيناه} أي خرقا للعادة أسوة ~~إخوانه من الأنبياء ابتداء غرائز منحناه إياها من غير اكتساب أصلا {حكما} ~~أي عملا محكما بالعلم {وعلما} أي # PageV14P253 # مؤيدا بالحكمة، تهيئة لنبوته، وإرهاصا لرسالته، جزيناه بذلك على ما ~~طبعناه عليه من الإحسان، فضلا منا ومنه، واختار الله سبحانه هذا السن ~~للإرسال ليكون - كما أشير إليه - من جملة الخوارق، لأنه يكون به ابتداء ~~الانتكاس الذي قال الله تعالى فيه {ومن نعمره - أي إلى اكتمال سن الشباب - ~~ننكسه في الخلق} أي نوقفه، فلا يزاد بعد ذلك في قواه الظاهرة ولا الباطنة ~~شيء، ولا توجد فيه غريزة لم تكن موجودة أصلا عشر سنين، ثم يأخذ في النقصان ~~- هذه عادة الله في جميع بني آدم إلا الأنبياء، فإنهم في حد الوقوف يؤتون ~~من بحار العلوم ما يقصر عنه الوصف بغير اكتساب، بل غريزة يغرزها الله فيهم ~~حينئذ، ويؤتون من قوة الأبدان أيضا بمقدار ذلك، ففي وقت انتكاس غيرهم يكون ~~نموهم، وكذا من ألحقه الله بهم من صالحي أتباعهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى ~~في سورة يس من تمام هذا المعنى ما يفتح الله به لمن تأمله أبوابا من العلم، ~~ولذلك قال الله تعالى عاطفا على ما تقديره: فعلنا به ذلك وبأمه جزاء لهما ~~على إحسانهما في إخلاصهما فيما يفعلانه اعتمادا على الله وحده من غير أدنى ~~التفات إلى ما سواه: {وكذلك} أي ومثل هذا الجزاء العظيم # PageV14P254 # {نجزي المحسنين*} أي كلهم. # PageV14P255 # ولما أخبر، بتهيئه لنبوته، أخبر بما هو سبب لهجرته، وكأنها سنت بعد ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: {ودخل المدينة} أي مدينة فرعون آتيا من ~~قصره، لأنه كان عنده بمنزلة الولد، قال ابن جرير: وهي مدينة ms3433 منف من مصر، ~~وقال البغوي: وقيل: عين الشمس. وقيل غير ذلك {على حين غفلة} قبل بعيد: وقيل ~~بغير ذلك {من أهلها} أي إحكاما لما جعلناه سببا لنقلته منها طهارة من عشرة ~~القوم الظالمين {فوجد فيها} أي المدينة {رجلين يقتتلان} أي يفعلان مقدمات ~~القتل من الملازمة مع الخنق والضرب، وهما إسرائيلي وقبطي، ولذا قال مجيبا ~~لمن كأنه يسأل عنهما وهو ينظر إليهما: {هذا من شيعته} أي من بني إسرائيل ~~قومه {وهذا من عدوه} أي القبط، وكان قد حصل لبني إسرائيل به عز لكونه ربيب ~~الملك، مع أن مرضعته منهم، لا يظنون أن سبب ذلك الرضاع # PageV14P255 # {فاستغاثه} أي طلب منه {الذي من شيعته} أن يغيثه {على الذي من عدوه ~~فوكزه} أي فأجابه {موسى} فركز أي فطعن ودفع بيده العدو أو ضربه بجميع كفه، ~~وكأنه كالكم، أو دفعه بأطراف أصابعه، وهو رجل أيد لم يعط أحد من أهل ذلك ~~الزمان مثل ما أعطي من القوى الذاتية والمعنوية {فقضى} أي فأوقع القضاء ~~الذي هو القضاء على الحقيقة، وهو الموت الذي لا ينجو منه بشر {عليه} فقتله ~~وفرغ منه وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه وخفي هذا على الناس لما هم ~~فيه من الغفلة، فلم يشعر به أحد منهم. # ولما كان كأنه قيل: إن هذا الأمر عظيم، فما ترتب عليه من قول من أوتي ~~حكما وعلما؟ أجيب بالإخبار عنه بأنه ندم عليه في الحال بقوله: {قال} أي ~~موسى عليه السلام: {هذا} أي الفعل الذي جرك إليه الإسرائيلي {من عمل ~~الشيطان} أي لأني لم أومر به على الخصوص، ولم يكن من قصدي وإن كان المقتول ~~كافرا؛ ثم أخبر عن حال الشيطان بما هو عالم به، مؤكدا له حملا لنفسه على ~~شدة الاحتراس # PageV14P256 # والحذر منه فقال: {إنه عدو} ومع كونه عدوا ينبغي الحذر منه فهو {مضل} لا ~~يقود إلى خير أصلا، ومع ذلك فهو {مبين*} أي عداوته وإضلاله في غاية البيان، ~~ما في شيء منهما خفاء. # ولما كان هذا الكافر ليس فيه شيء غير الندم ms3434 لكونه صلى الله عليه وسلم لم ~~يأته في قتله إذن خاص، وكان قد أخبر عنه بالندم، تشوفت أنفس البصراء إلى ~~الاستغفار عنه، علما منهم بأن عادة الأنبياء وأهل الدرجات العلية استعظام ~~الهفوات، فأجيبوا بالإخبار عن مبادرته إلى ذلك بقوله: {قال} وأسقط أداة ~~النداء، على عادة أهل الاصطفاء، فقال: {رب} أي أيها المحسن إلي. # ولما كان حال المقدم على شيء دالة على إرادته فاستحسانه إياه، أكد قوله ~~إعلاما بأن باطنه على غير ما دل عليه ظاهرة فقال: {إني ظلمت نفسي} أي ~~بالإقدام على ما لم يتقدم إلي فيه إذن بالخصوص وإن كان مباحا. # ولما كان المقرب قد يعد حسنة غيره سيئته، قال مسببا عن ذلك: {فاغفر} أي ~~امح هذه الهفوة عينها وأثرها {لي} أي لأجلي لا تؤاخذني {فغفر} أي أوقع ~~المحو لذلك كما سأل إكراما {له} ثم علل ذلك # PageV14P257 # بقوله مشيرا إلى أن صفة غيره عدم بالنسبة إلى صفته مؤكدا لذلك: {إنه هو} ~~أي وحده {الغفور} أي البالغ في صفة الستر لكل من يريد {الرحيم*} أي العظيم ~~الرحمة بالإحسان بالتوفيق إلى الأفعال المرضية لمقام الإلهية، ولأجل أن هذه ~~صفته، رده إلى فرعون وقومه حين أرسله إليهم فلم يقدروا على مؤاخذته بذلك ~~بقصاص ولا غيره بعد أن نجاه منهم قبل الرسالة على غير قياس. # ولما أنعم عليه سبحانه بالإجابة إلى سؤله، تشوف السامع إلى شكره عليها ~~فأجيب بقوله: {قال رب} أي أيها المحسن إلي بكل جميل. ولما كان جعل الشيء ~~عوضا لشيء أثبت له وأجدر بإمضاء العزم عليه قال: {بما أنعمت علي} أي بسبب ~~إنعامك علي بالمغفرة وغيرها. ولما كان في سياق التعظيم للنعمة، كرر حرف ~~السبب تأكيدا للكلام، وتعريفا أن المقرون به مسبب عن الإنعام، وقرنه بأداة ~~النفي الدالة على التأكيد فقال: {فلن أكون ظهيرا} أي عشيرا أو خليطا أو ~~معينا {للمجرمين*} أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل، أي لا أكون بين ~~ظهراني القبط، فإن فسادهم كثير، وظلمهم لعبادك أبناء أوليائك متواصل وكبير، ~~لا قدرة لي على ترك نصرتهم، ms3435 وذلك يجر إلى أمثال هذه الفعلة، فلا أصلح من ~~المهاجرة لهم، وهذا # PageV14P258 # من قول العرب: جاءنا في ظهرته - بالضم وبالكسر وبالتحريك، وظاهرته، أي ~~عشيرته. # ولما ذكر القتل وأتبعه ما هو الأهم من أمره بالنظر إلى الآخرة، ذكر ما ~~تسبب عنه من أحوال الدنيا فقال: {فأصبح} أي موسى عليه الصلاة والسلام {في ~~المدينة} أي التي قتل القتيل فيها {خائفا} أي بسبب قتله له {يترقب} أي لازم ~~الخوف كثير الالتفات برقبته ذعرا من طارقة تطرقه في ذلك، قال البغوي: ~~والترقب: انتظار المكروه. {فإذا} أي ففجئه {الذي استنصره} أي طلب نصرته من ~~شيعته {بالأمس} أي اليوم الذي يلي يوم الاستصراخ من قبله {يستصرخه} أي يطلب ~~ما يزيل ما يصرخ بسببه من الضر من قبطي آخر كان يظلمه، فكأنه قيل: فما قال ~~له موسى بعدما أوقعه فيما يكره؟ فقيل: {قال له} أي لهذا المستصرخ {موسى} . # ولما كان الحال متقضيا أن ذلك الإسرائيلي يمكث مدة لا يخاصم أحدا خوفا من ~~جريرة ذلك القتيل، أكد قوله: {إنك لغوي} أي صاحب ضلال بالغ {مبين*} أي واضح ~~الضلال غير خفيه، لكون ما وقع بالأمس لم يكفك عن الخصومة لمن لا تطيقه وإن ~~كنت مظلوما؛ ثم دنا منهما لينصره؛ ثم قال مشيرا بالفاء إلى المبادرة إلى ~~إصراخه: {فلما} # PageV14P259 # وأثبت الحرف الذي أصله المصدر تأكيدا لمعنى الإرادة فقال: {أن أراد} أي ~~شاء، وطلب وقصد مصدقا ذلك بالمشي {أن يبطش} أي موسى عليه الصلاة والسلام ~~{بالذي هو عدو لهما} أي من القبط بأخذه بعنف وسطوة لخلاص الإسرائيلي منه ~~{قال} أي الإسرائيلي الغوي لأجل ما رأى من غضبه وكلمه به من الكلام الغص ~~ظانا أنه ما دنا إلا يريد البطش به هو، لما أوقعه فيه لا بعدوه: {يا موسى} ~~ناصا عليه باسمه العلم دفعا لكل لبس منكر الفعلة الذي اعتقده لما رآه من ~~دنوه إليهما غضبان وهو يذمه {أتريد أن تقتلني} أي اليوم وأنا من شيعتك {كما ~~قتلت نفسا بالأمس} أي من شيعة أعدائنا، والذي دل على أن الإسرائيلي هو الذي ~~قال ms3436 له هذا الكلام السياق بكون الكلام معه - بما أشير إليه بدخول المدينة ~~على حين غفلة من أنهم لم يره أحد غير الإسرائيلي، وبقوله {عدو لهما} من ذم ~~الإسرائيلي كما صرح به موسى عليه الصلاة والسلام. # ولما نم عليه وأفشى ما لا يعلمه غيره، خاف غائلته فزاد في # PageV14P260 # الإغراء به. مؤكدا بقوله: {إن} أي ما {تريد إلا أن تكون} أي كونا راسخا ~~{جبارا} أي قاهرا غالبا؛ قال أبو حيان: وشأن الجبار أن يقتل بغير حق. {في ~~الأرض} أي التي تكون بها فلا يكون فوقك أحد {وما تريد} أي يتجدد لك إرادة ~~{أن تكون} أي بما هو لك كالجبلة {من المصلحين*} أي العريقين في الصلاح، فإن ~~المصلح بين الناس لا يصل إلى القتل على هذه الصورة، فلما سمع الفرعوني هذا ~~ترك الإسرائيلي، وكانوا - لما قتل ذلك القبطي - ظنوا في بني إسرائيل، ~~فأغروا فرعون بهم فقال: هل من بينة، فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه لا ~~ينبغي له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت - كما ذكر ذلك في حديث المفتون الذي ~~رواه أبو يعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما، فلما قال هذا الغوي هذه المقالة ~~تحقق الأمر في موسى عليه الصلاة والسلام. # PageV14P261 # ولما كان تقدير الكلام الذي أرشد إليه السياق: فلما سمع الفرعوني قول ~~الإسرائيلي تركه. ثم رقي الكلام إلى أن ببغ فرعون فوقع الكلام في الأمر ~~بقتل موسى عليه الصلاة والسلام، عطف عليه قوله: {وجاء رجل} أي ممن يحب موسى ~~عليه الصلاة والسلام. ولما # PageV14P261 # كان الأمر مهما، يحتاج إلى مزيد عزم وعظم قوة، قدم فاعل المجيء على ~~متعلقه بخلاف ما في سورة يس. # ولما كان في بيان الاقتدار على الأمور الهائلة من الأخذ بالخناق حتى يقول ~~القائل: لا خلاص، ثم الإسعاف بالفرج حتى يقول: لا هلاك، قال واصفا للرجل: ~~{من أقصا المدينة} أي أبعدها مكانا، وبين أنه كان ماشيا بقوله: {يسعى} ~~ولكنه اختصر طريقا وأسرع في مشيه بحيث كان يعدو فسبقهم بإعظامه للسعي ~~وتجديد العزم في كل وقت من أوقات ms3437 سعيه فكأنه قيل: ما فعل؟ فقيل: {قال} ~~مناديا له باسمه تعطفا وإزالة للبس: {يا موسى} وأكد إشارة إلى أن الأمر قد ~~دهم فلا يسع الوقت الاستفصال فقال: {إن الملأ} أي أشراف القبط الذين في ~~أيديهم الحل والعقد، لأن لهم القدرة على الأمر والنهي {يأتمرون بك} أي ~~يتشاورون بسببك، حتى وصل حالهم في تشاورهم إلى أن كلا منهم يأمر الآخر ~~ويأتمر بأمره، فكأنه قيل: لم يفعلون ذلك؟ فقيل: {ليقتلوك} لأنهم سمعوا أنك ~~قتلت صاحبهم {فاخرج} أي من هذه المدينة؛ ثم علل ذلك بقوله على سبيل التأكيد ~~ليزيل ما يطرق من احتمال عدم القتل لكونه عزيزا عند الملك: {إني لك} أي ~~خاصة {من الناصحين*} أي العريقين في نصحك {فخرج} أي موسى عليه الصلاة ~~والسلام مبادرا {منها} أي المدينة لما علم من # PageV14P262 # صدق قوله مما حفه من القرائن، حال كونه {خائفا} على نفسه من آل فرعون ~~{يترقب} أي يكثر الالتفات بإدراة رقبته في الجهات ينظر هل يتبعه أحد؛ ثم ~~وصل به على طريق الاستئناف قوله: {قال} أي موسى عليه الصلاة والسلام: {رب} ~~أي أيها المحسن إلي بالإيجاد والتربية وغير ذلك من وجوه البر {نجني} أي ~~خلصني، مشتق من النجوة، وهو المكان العالي الذي لا يصل إليه كل أحد {من ~~القوم الظالمين*} أي الذين يضعون الأمور في غير مواضعها فيقتلون من لا ~~يستحق القتل مع قوتهم، فاستجاب الله له فوفقه لسلوك الطريق الأعظم نحو ~~مدين، فكان ذلك سبب نجاته، وذلك أن الذين انتدبوا إليه قطعوا بأنه لا يسلك ~~الطريق الأكبر، جريا على عادة الخائفين الهاربين في المشي عسافا، أو سلوك ~~ثنيات الطريق فانثنوا فيما ظنوه يمينا وشمالا ففاتهم. # ولما دعا بهذا الدعاء، أعلم الله تعالى باستجابته منه مخبرا بجهة قصده ~~زيادة في الإفادة فقال: {ولما} أي فاستجاب الله دعاءه فنجاه منهم ووجهه إلى ~~مدين ولما {توجه} أي أقبل بوجهه قاصدا {تلقاء} أي الطريق الذي يلاقي سالكه ~~أرض {مدين} مدينة نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام متوجها بقلبه إلى ربه ~~{قال} أي لكونه # PageV14P263 # لا يعرف ms3438 الطريق: {عسى} أي خليق وجدير وحقيق. # ولما كانت عنايته بالله أتم لما له من عظيم المراقبة، قال مقدما له: ~~{ربي} أي المحسن إلي بعظيم التربية في الأمور المهلكة {أن يهديني سواء} أي ~~عدل ووسط {السبيل*} وهو الطريق الذي يطلعه عليها من غير اعوجاج. # ولما كان التقدير: فوصل إلى المدينة، بنى عليه قوله: {ولما ورد} أي حضر ~~موسى عليه الصلاة والسلام حضور من يشرب {ماء مدين} أي الذي يستقي منها ~~الرعاء {وجد عليه} أي على الماء {أمة} أي جماعة كثيرة هم أهل لأن يقصدوا ~~ويقصدوا، فلذلك هم عالون غالبون على الماء؛ ثم بين نوعهم بقوله: {من الناس} ~~وبين عملهم أيضا بقوله: {يسقون*} أي مواشيهم، وحذف المفعول لأنه غير مراد، ~~والمراد الفعل، وكذا ما بعده فإن رحمته عليه الصلاة والسلام لم تكن لكون ~~المذود والمسقي غنما بل مطلق الذياد وترك السقي {ووجد من دونهم} أي وجدانا ~~مبتدئا من أدنى مكان من مكانهم الآتي إلى الماء {امرأتين} عبر بذلك لما جعل ~~لهما سبحانه من المروءة ومكارم الأخلاق كما يعلمه من أمعن النظر فيما يذكر ~~عنها {تذودان} أي توجدان الذود، وهو الكف والمنع والطرد وارتكاب أخف # PageV14P264 # الضررين، فتكفان أغنامهما إذا نزعت من العطش إلى الملأ لئلا تخلط بغنم ~~الناس. # ولما كان هذا حالا موجبا للسؤال عنه، كان كأنه قيل: فما قال لهما؟ قيل: ~~{قال} أي موسى عليه الصلاة والسلام رحمة لهما: {ما خطبكما} أي خبركما ~~ومخطوبكما أي مطلوبكما، وهوكالتعبير بالشأن عن المشؤون الذي يستحق أن يقع ~~فيه التخاطب لعظمه، في ذيادكما لأغنامكما عن السقي؛ قال أبو حيان: والسؤال ~~بالخطب إنما يكون في مصاب أو مضطهد. # ولما كان من المعلوم أن سؤاله عن العلة {قالتا} أي اعتذارا عن حالهما ~~ذلك؛ وتلويحا باحتياجهما إلى المساعدة: {لا} أي خبرنا أنا لا {نسقي} أي ~~مواشينا، وحذفه للعلم به {حتى يصدر} أي ينصرف ويرجع {الرعاء} أي عن الماء ~~لئلا يخالطهم - هذا على قراءة أبي عمرو وابن عامر بفتح الياء وضم الدال ~~ثلاثيا، والمعنى على قراءة الباقين بالضم والكسر: يوجدوا ms3439 الرد والصرف. # PageV14P265 # ولما كان التقدير: لأنا من النساء، وكان المقام يقتضي لصغر سنهما أن لهما ~~أبا، وأن لا إخوة لهما وإلا لكفوهما ذلك، عطفتا على هذا المقدر قولهما: ~~{وأبونا شيخ كبير*} أي لا يستطيع لكبره أن يسقي، فاضطررنا إلى ما ترى، وهذا ~~اعتذار أيضا عن كون أبيهما أرسلهما لذلك لأنه ليس بمحظور، فلا يأباه الدين، ~~والناس مختلفون في ذلك بحسب المروءة، وعاداتهم فيها متباينة وأحوال العرب ~~والبدو تباين أحوال العجم والحضر، لا سيما إذا دعت إلى ذلك ضرورة {فسقى} أي ~~موسى عليه الصلاة والسلام {لهما} لما علم ضرورتهما، انتهازا لفرصة الأجر ~~وكرم الخلق في مساعدة الضعيف، مع ما به من النصب والجوع {ثم تولى} أي انصرف ~~موسى عليه الصلاة والسلام جاعلا ظهره يلي ما كان يليه وجهه {إلى الظل} أي ~~ليقيل تحته ويستريح، مقبلا على الخالق بعد ما قضى من نصيحة الخلائق، وعرفه ~~لوقوع العلم بأن بقعة لا تكاد تخلو من شيء له ظل ولا سيما أماكن المياه ~~{فقال} لأنه ليس في الشكوى إلى المولى العلي الغني المطلق نقص {رب} . # ولما كان حاله في عظيم صبره حاله من لا يطلب، أكد سؤاله إعلاما بشديد ~~تشوقه لما سأل فيه وزيادة في التضرع والرقة، فقال: # PageV14P266 # {إني} ولأكد الافتقار بالإلصاق باللام دون «إلى» فقال: {لما} أي لأي شيء. ~~ولما كان الرزق الآتي إلى الإنسان مسببا عن القضاء الآتي عن العلي الكبير، ~~عبر بالإنزال وعبر بالماضي تعميما لحالة الافتقار، وتحققا لإنجاز الوعد ~~بالرزق فقال: {أنزلت} ولعله حذف العائد اختصارا لما به من الإعياء {إلي من ~~خير} أي ولو قل {فقير*} أي مضرور، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ~~كان قد بلغ من الضر أن اخضر بطنه من أكل البقل وضعف حتى لصق بطنه بظهره. ~~فانظر إلى هذين النبيين عليهما الصلاة والسلام في حالهما في ذات يدهما، ~~وهما خلاصة ذلك الزمان، ليكون لك في ذلك أسوة، وتجعله إماما وقدوة، وتقول: ~~يا بأبي وأمي! ما لقي الأنبياء والصالحون من الضيق والأهوال في سجن الدنيا، ms3440 ~~صونا لهم منها وإكراما من ربهم عنها، رغعة لدرجاتهم عنده، واستهانة لها وإن ~~ظنه الجاهل المغرور على غير ذلك، وفي القصة ترغيب في الخير، وحث على ~~المعاونة على البر، وبعث على بذل المعروف مع الجهد. # PageV14P267 # ولما كان سماعهما لقوله هذا مع إحسانه إليهما سببا لدعاء شعيب عليه ~~الصلاة والسلام له، قال بانيا على ما تقديره: فذهبت المرأتان إلى أبيهما ~~فحدثتاه بخبرهما وبإحسانه إليهما، فأمر بدعائه ليكافئه: {فجاءته} أي بسبب ~~قول الأب وعلى الفور {إحداهما} أي المرأتين # PageV14P267 # حال كونها {تمشي} ولما كان الحياء كأنه مركب لها وهي متمكنة منه، مالكة ~~لزمامه، عبر بأداة الاستعلاء فقال: {على استحياء} أي حياء موجود منها لأنها ~~كلفت الإتيان إلى رجل أجنبي تكلمه وتماشيه؛ ثم استأنف الإخبار عما تشوف ~~إليه السامع من أمرها فقال: {قالت} وأكدت إعلاما بما لأبيها من الرغبة إلى ~~لقائه في قولها: {إن أبي} وصورت حاله بالمضارع فقالت: {يدعوك ليجزيك} أي ~~يعطيك مكافأة لك، لأن المكافأة من شيم الكرام، وقبولها لا غضاضة فيه {أجر ~~ما سقيت لنا} أي مواشينا، فأسرع الإجابة لما بينهما من الملاءمة، ولذلك ~~قال: {فلما} بالفاء {جاءه} أي موسى شعيبا عليهما الصلاة والسلام {وقص} أي ~~موسى عليه الصلاة والسلام {عليه} أي شعيب عليه الصلاة والسلام {القصص*} أي ~~حدثه حديثه مع فرعون وآله في كفرهم وطغيانهم وإذلالهم لعباد الله، وتتبع له ~~الأمور على ما هي عليه لما توسم فيه بما آتاه اله من الحكم والعلم من ~~النصيحة والشفقة، والعلم والحكمة، والجلال والعظمة. # ولما كان من المعلوم أنه لا عيشة لخائف، فكان أهم ما إلى الإنسان الأمان، ~~قدم له التأمين بأن {قال} أي شعيب له عليهما الصلاة والسلام: {لا تخف} أي ~~فإن فرعون لا سلطان له # PageV14P268 # على ما ههنا، ولأن عادة الله تعالى جرت أن تواضعك هذا ما كان في أحد إلا ~~قضى الله برفعته، ولذلك كانت النتيجة: {نجوت} أي يا موسى {من القوم ~~الظالمين*} أي هو وغيره وإن كانوا في غاية القوة والعراقة في الظلم. # ولما اقتضى هذا القول أنه آواه ms3441 إليه، علمت انتباه مضمونه، وكانتا قد رأتا ~~من كفايته وديانته ما يرغب في عشرته، فتشوفت النفس إلى حالهما حينئذ، فقال ~~مستأنفا لذلك: {قالت إحداهما} أي المرأتين. قيل: وهي التي دعته إلى أبيها ~~مشيرة بالنداء بأداة البعد إلى استصغارها لنفسها وجلالة أبيها: {يا أبت ~~استأجره} ليكفينا ما يهمنا؛ ثم عللت قولها فقالت مؤكدة إظهارا لرغبتها في ~~الخير واغتباطها به: {إن خير من استأجرت} لشيء من الأشياء {القوي} وهو هذا ~~لما رأيناه من قوته في السقي {الأمين*} لما تفرسنا فيه من حيائه، وعفته في ~~نظره ومقاله وفعاله، وسائر أحواله؛ قال أبو حيان: وقولها قول حكيم جامع، ~~لأنه إذا اجتمعت الأمانة والكفاية في القائم بأمر فقد تم المقصود. {قال} أي ~~شعيب عليه الصلاة والسلام، وهو في التوراة يسمى: رعوئيل - بفتح الراء وضم ~~العين # PageV14P269 # المهملة وإسكان الواو ثم همزة مكسورة بعدها تحتانية ساكنة ولام، ويثرو - ~~بفتح التحتانية وإسكان المثلثة وضم الراء المهملة وإسكان الواو {إني أريد} ~~يا موسى، والتأكيد لأجل أن الغريب قل ما يرغب فيه أول ما يقدم لا سيما من ~~الرؤساء أتم الرغبة {أن أنكحك} أي أزوجك زواجا، تكون وصلته كوصلة أحد ~~الحنكين بالآخر {إحدى ابنتي} . # ولما كان يجوز أن يكون المنكح منهما غير المسقي لهما، نفى ذلك بقوله: ~~{هاتين} أي الحاضرتين اللتين سقيت لهما، ليتأملهما فينظر من يقع اختياره ~~عليها منهما ليعقد له عليها {على أن تأجرني} أي تجعل نفسك أجيرا عندي أو ~~تجعل أجري على ذلك وثوابي {ثماني حجج} جمع حجة - بالكسر، أي سنين، أي العمل ~~فيها بأن تكون أجيرا لي أستعملك فيما ينوبني من رعية الغنم وغيرها، وآجره - ~~بالمد والقصر، من الأجر والإيجار، وكذلك أجر الأجير والمملوك وآجره: ~~أعطاهما أجرهما {فإن أتممت} أي الثماني ببلوغ العقد بأن تجعلها {عشرا} أي ~~عشر سنين {فمن} أي فذلك فضل من {عندك} # PageV14P270 # غير واجب عليك، وكان تعيين الثماني لأنها - إذا أسقطت منها مدة الحمل - ~~أقل سن يميز فيه الولد غالبا، والعشر أقل ما يمكن فيه البلوغ، لينظر سبطه ~~إن قدر فيتوسم فيه بما ms3442 يرى من قوله وفعله، والتعبير بما هو من الحج الذي هو ~~القصد تفاؤلا بأنها تكون من طيبها بمتابعة أمر الله وسعة رزقه وإفاضة نعمه ~~ودفع نقمه أهلا لأن تقصد أو يكون فيها الحج في كل واحدة منها إلى بيت الله ~~الحرام. # ولما ذكر له هذا، أراد أن يعلمه أن الأمر بعد الشرط بينهما على المسامحة ~~فقال: {وما أريد أن أشق عليك} أي أدخل عليك مشقة في شيء من ذلك ولا غيره ~~لازم أو غير لازم؛ ثم أكد معنى المساهلة بتأكيد وعد الملاءمة فقال: ~~{ستجدني} ثم استثنى على قاعدة أولياء الله وأنبيائه في المراقبة على سبيل ~~التنزل فقال: {إن شاء الله} أي الذي له جميع الأمر {من الصالحين*} أي في ~~حسن الصحبة والوفاء بما قلت وكل ما تريد من خير {قال} أي موسى عليه السلام ~~{ذلك} أي الذي ذكرت من الخيار وغيره {بيني وبينك} أي كائن بيننا على حكم ~~النصفة والعدل والسواء على ما ألزمتني به لازما، وما أشرت # PageV14P271 # إلى التفضل به إحسانا، وعليك ما ألزمت به نفسك فرضا وفضلا؛ ثم بين وفسر ~~ذلك بقوله: {أيما الأجلين} أي أي أجل منهما: الثماني أو العشر {قضيت} أي ~~عملت العمل المشروط علي فيه خرجت به من العهدة {فلا عدوان} أي اعتداء بسبب ~~ذلك لك ولا لأحد {علي} أي في طلب أكثر منه لأنه كما لا تجب على الزيادة على ~~العشر لا تجب علي الزيادة على الثمان، وكأنه أشار بنفي صيغة المبالغة إلى ~~أنه لا يؤاخذ لسعة صدره وطهارة أخلاقه بمطلق العدو {والله} أي الملك الأعظم ~~{على ما نقول} أي كله في هذا الوقت وغيره {وكيل*} أي شاهد وحفيظ قاهر عليه ~~وملزم به في الدنيا والآخرة، فما الظن بما وقع بيننا من العهد من النكاح ~~والأجر والأجل. # PageV14P272 # ذكر المضمون هذا من التوراة: قال في أول السفر الثاني منها: وهذه أسماء ~~بني إسرائيل الذين دخلوا مصر مع يعقوب عليه السلام، دخل كل امرىء وأهل بيته ~~روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وإيساخار وزيلون وبنيامين ودان ونفتالي وجاد ms3443 ~~وأشير، وكان عدد ولد # PageV14P272 # يعقوب الذين خرجوا من صلبه سبعين نفسا مع يوسف عليه الصلاة والسلام الذي ~~كان بمصر، فتوفي يوسف وجميع إخواته وجميع ذلك الحقب، وبنو إسرائيل نموا ~~وولدوا وكثروا واعتزوا جدا جدا، وامتلأت الأرض منهم، فملك على مصر ملك جديد ~~لم يكن يعرف يوسف فقال لشعبه: هذا شعب بني إسرائيل قد كثر عددهم فهم أكثر ~~وأعز منا، هلموا نحتال لهم قبل أن يكثروا، لعل أعداءنا يأتونا يقاتلونا ~~فيكونوا عونا، لأعدائنا علينا فيخرجونا من الأرض، فولى عليهم ولاة ذوي ~~فظاظة وقساوة ليتعبدوهم، وجعلوا يبنون قرى لأجران فرعون واهرائه وفي نسخة: ~~وبنوا لفرعون مدنا محصنة فيسترم في الفيوم وفي عين شمس، وفي نسخة: فيثوم ~~ورعمسيس، وفي نسخة: وأكوان التي هي مدينة الشمس، واشتد تعبدهم لهم، وذلهم ~~أياهم، وكانوا يزدادون كثرة ويعتزون، فاشتد غمهم وحزنهم بسبب بني إسرائيل، ~~وكان المصريون يتعبدون بني إسرائيل بشدة وقساوة، ويمرون حياتهم بالكد ~~والتعب الصعب الشديد بالطين وعمل اللبن وفي كل عمل الحقل، وكان تعبدهم # PageV14P273 # إياهم في جميع ما استعملوهم بالشدة والفظاظة والقسوة، فقال ملك مصر: ~~وجعلنا لقوابل العبرانيات التي تسمى إحداهما فوعا والأخرى شوفرا، وأمرهما: ~~إذا أنتما قبلتما العبرانيات فانظرا إذا سقط الولد، فإن كان ذكرا فاقتلاه، ~~وإن كانت أنثى فاستبقياها فاتقت القابلتان الله ولم يفعلا ما أمرهما به ملك ~~مصر، وجعلتا تستحييان الغلمان، فدعا ملك مصر القابلتين وقال لهما؟ ما ~~بالكما؟ جاوزتما أمري وأحييتما الغلمان؟ فقالتا لفرعون: إن العبرانيات لسن ~~كالمصريات لأنهن قوابل، ويلدن قبل أن تدخل القابلة عليهن، فأحسن الله إلى ~~القابلتين لصنعهما هذا، فكثر الشعب وعز جدا، فلما اتقت القابلتان الله ~~أنماهما وجعل لهما بنين، وفي نسخة: بيوتا، فأمر فرعون جميع قومه قائلا: كل ~~غلام يولد لهم فألقوه في النهر، وكل جارية تولد فاستبقوها، فانطلق رجل من ~~آل لاوي فتزوج إحدى بنات لاوي، فحبلت المرأة فولدت ابنا فرأته حسنا جدا، ~~فغيبته ثلاثة أشهر ولم تقدر أن تغيبه أكثر من ذلك، فأخذت تابوتا من خشب ~~الصنوبر، وطلته بالقار والزفت # PageV14P274 # ووضعت فيه الغلام ووضعته ms3444 في الضحضاح على شاطىء النهر، وقامت أخته من بعيد ~~لتنظر ما يكون من أمره، فخرجت بنت فرعون تغتسل في النهر، فنظرت إلى التابوت ~~في المخاضة، فأرسلت جواريها فأتوا به ففتحته فرأت الغلام، فإذا هو يبكي ~~فرحمته، وقالت: هذا من بني العبرانيين، فقالت أخته لابنة فرعون: هل لك أن ~~أنطلق أدعو لك ظئرا من العبرانيات فترضع هذا الغلام؟ فقالت لها ابنة فرعون: ~~نعم! انطلقي، فانطلقت الفتاة ودعت أم الغلام، فقالت لها ابنة فرعون: خذي ~~هذا الصبي فأرضعيه وأنا أعطيك أجرتك، فأخذت المرأة الغلام فأرضعته فشب ~~الغلام فأتت به إلى ابنة فرعون فتبنته، وسمته موسى لأنها قالت: إني انتشلته ~~من الماء. # فلما كان بعد تلك الأيام نشأ موسى عليه السلام وخرج إلى إخوته فنظر إلى ~~ذلهم، فرأى رجلا مصريا يضرب رجلا عبرانيا من إخوته من بني إسرائيل، فالتفت ~~يمينا وشمالا فلم ير أحدا فقتل المصري، فمات ودفنه في الرمل، ثم خرج يوما ~~آخر فإذا هو برجلين عبرانيين يصطحبان، فقال للمسيء منهما: ما بالك؟ تضرب ~~أخاك؟ فقال له: من جعلك علينا رئيسا وحاكما؟ لعلك تريد أن تقتلني كما قتلت ~~المصري أمس؟ ففرق موسى وقال: حقا لقد فشا هذا الأمر، فبلغ فرعون الأمر ~~وأراد موسى، فهرب موسى من فرعون وانطلق إلى أرض # PageV14P275 # مدين، وجلس على طوي الماء، وكان لحبر مدين سبع بنات، فكن يأتين فيدلن ~~الماء فيملأن الحياض ليسقين غنم أبيهن، وكان الرعاة يأتون فيطردونهن، فقام ~~موسى فخلصهن وأسقى غنمهن، فأتين إلى رعوئيل أبيهن فقال لهن: ما بالكن؟ ~~أسرعتن السقي اليوم؟ فقلن له: رجل مصري خلصنا من أيدي الرعاة، فاستقى لنا ~~الماء، وسقى غنمنا، فقال لبناته: وأين هو؟ لم تركتن الرجل، انطلقن وادعونه ~~فيأكل عندنا خبزا، ففعلن ذلك، فأعجب موسى أن ينزل على ذلك الرجل فزوجه ~~صفورا ابنته فتزوجها فولدت له ابنا فسماه جرشون، لأنه قال: إني صرت ساكنا ~~في أرض غريبة. وولدت لموسى ابنا آخر، فسماه اليعازار، لأنه قال: إن إله ~~آبائي خلصني من حرب فرعون. وقوله: إن المتخاصمين في اليوم الثاني عبرانيان، ms3445 ~~إن أمكن تنزيل ما في القرآن عليه فذاك، وإلا فهو مما بدلوه، وقوله: إن بنات ~~شعيب سبع لا يخالف ما في القرآن الكريم، بل أيده الزمخشري بتعيينهما بقوله ~~«هاتين» لكن تقدم ما يشير إلى أن ذلك غير لازم. # ولما كان من المعلوم أن التقدير: فلما التزم موسى عليه السلام # PageV14P276 # زوجه ابنته كما شرط، واستمر عنده حتى قضى ما عليه، بنى عليه قوله: {فلما ~~قضى} أي وفى وأتم، ونهى وأنفذ {موسى} صاحبه {الأجل} أي الأوفى وهو العشر، ~~بأن وفى جميع ما شرط عليه من العمل، فإنه ورد أنه قضى من الأجلين أوفاهما، ~~وتزوج من المرأتين صغراهما، وهي التي جاءت فقالت: يا أبت استأجره روى ~~الطبراني في الأوسط معناه عن أبي ذر رضي الله عنه مرفوعا، والظاهر أنه مكث ~~عنده بعد الأجل أيضا مدة، لأنه عطف بالواو قوله: {وسار} ولم يجعله جوابا ~~للما {بأهله} أي امرأة راجعا إلى أقاربه بمصر {آنس} أي أبصر {من جانب الطور ~~نارا} آنسته رؤيتها وشرحته إنارتها، وكان مضرورا إلى الدلالة على الطريق ~~والاصطلاء بالنار. # ولما كان كأنه قيل: ماذا فعل عندما أبصرها قيل: {قال لأهله} ولما كان ~~النساء أعظم ما ينبغي ستره، أطلق عليها ضمير الذكور فقال: {امكثوا} وإن كان ~~معه بنين له فهو على التغليب، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا، لاستبعاد أن يكون في ~~ذلك المكان القفر وفي ذلك # PageV14P277 # الوقت الشديد البرد نار: {إني آنست نارا} فكأنه قيل: فماذا تعمل بها؟ ~~فقال معبرا بالترجي لأنه أليق بالتواضع الذي هو مقصود السورة، وهو الحقيقة ~~في إدراك الآدميين في مثل هذا، ولذا عبر بالجذوة التي مدار مادتها الثبات: ~~{لعلي آتيكم منها} أي من عندها {بخبر} ينفعنا في الدلالة على المقصد {أو ~~جذوة} أي عود غليظ {من النار} أي متمكنة منه هذه الحقيقة أو التي تقدم ~~ذكرها؛ ثم استأنف قوله {لعلكم تصطلون*} أي لتكونوا على رجاء من أن تقربوا ~~من النار فتنعطفوا عليها لتدفؤوا، وهذا دليل على أن الوقت كان شتاء {فلما ~~أتاها} أي النار. # ولما كان آخر الكلام ms3446 دالا دلالة واضحة على أن المنادي هو الله سبحانه، ~~بنى للمفعول قوله دالا على ما في أول الأمر من الخفاء: {نودي} ولما كان ~~نداؤه سبحانه لا يشبه نداء غيره بل يكون من جميع الجوانب، وكان مع ذلك قد ~~يكون لبعض المواضع مزيد تشريف بوصف من الأوصاف، إما بأن يكون أول السماع ~~منه أو غير ذلك أو يكون باعتبار كون موسى عليه الصلاة والسلام فيه قال: ~~{من} أي # PageV14P278 # كائنا موسى عليه السلام بالقرب من {شاطئ} أي جانب {الواد} عن يمين موسى ~~عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال: {الأيمن} وهو صفة للشاطىء الكائن أو كائنا ~~{في البقعة المباركة} كائنا أول أو معظم النداء أو كائنا موسى عليه الصلاة ~~والسلام قريبا {من الشجرة} كما تقول: ناديت فلانا من بيته، ولعل الشجرة ~~كانت كبيرة، فلما وصل إليها دخل النور من طرفها إلى وسطها، فدخلها وراءه ~~بحيث توسطها فسمع - وهو فيها - الكلام من الله تعالى حقيقة، وهو المتكلم ~~سبحانه لا الشجرة، قال القشيري: ومحصل الإجماع أنه عليه الصلاة والسلام سمع ~~تلك الليلة كلام الله، ولو كان ذلك نداء الشجرة لكان المتكلم الشجرة، وقال ~~التفتازاني شرح المقاصد أن اختيار حجة الإسلام أنه سمع كلامه الأزلي بلا ~~صوت ولا حرف كما ترى ذاته في الآخرة، بلا كم ولا كيف، وتقدم في طه أن ~~المراد ما إلى يمين المتوجه من مصر إلى الكعبة المشرفة، والشجرة قال ~~البغوي: قال ابن مسعود رضي الله عنه: كانت سمرة خضراء تبرق، وقال قتادة ~~ومقاتل والكلبي: كانت عوسجة، وقال وهب: من العليق، وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: إنها العناب. ثم ذكر المنادي بقوله: {أن يا موسى} وأكد لأنه سبحانه # PageV14P279 # لعظمه يحتقر كل أحد نفسه لأن يؤهله للكلام لا سيما والأمر في أوله فقال: ~~{إني أنا الله} أي المستجمع للأسماء الحسنى، والصفات العلى. # ولما كان هذا الاسم غيبا، تعرف بصفة هي مجمع الأفعال المشاهدة للإنسان ~~فقال: {رب العالمين*} أي خالق الخلائق أجمعين ومربيهم {وأن ألق عصاك} أي ~~لأريك فيها آية. # ولما كان التقدير: فألقاها ms3447 فصارت في الحال حية عظيمة، وهي مع عظمها في ~~غاية الخفة، بنى عليه قوله: {فلما رآها} أي العصا {تهتز كأنها} أي في ~~سرعتها وخفتها {جان} أي حية صغيرة {ولى مدبرا} خوفا منها ولم يلتفت إلى ~~جهتها، وهو معنى قوله: {ولم يعقب} أي موسى عليه الصلاة والسلام، وذلك كناية ~~عن شدة التصميم على الهرب والإسراع فيه خوفا من الإدراك في الطلب فقيل له: ~~{يا موسى أقبل} أي التفت وتقدم إليها {ولا تخف} ثم أكد له الأمر لما الآدمي ~~مجبول عليه من النفرة وإن اعتقد صحة الخبر بقوله: {إنك من الآمنين*} أي ~~العريقين في الأمن كعادة إخوانك من المرسلين؛ ثم زاد طمأنينته بقوله: ~~{اسلك} أي ادخل على الاستقامة مع الخفة والرشاقة {يدك في جيبك} أي القطع ~~الذي في ثوبك وهو الذي تخرج منه الرأس، أو هو الكم، كما يدخل السلك وهو ~~الخيط الذي ينظم فيه الدرر، تنسلك على لونها وما هي عليه من # PageV14P280 # أثر الحريق الذي عجز فرعون عن مداواته، وأخرجها {تخرج بيضاء} أي بياضا ~~عظيما يكون له شأن خارق للعادات {من غير سوء} أي عيب من حريق أو غيره، ~~فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس، فالآية من الاحتباك. # ولما كان ذلك لا يكون آية محققة لعدم العيب إلا بعودها بعد ذلك إلى لون ~~الجسد قال: {واضمم إليك} أي إلى جسدك. ولما كان السياق للتأمين من الخوف، ~~عبر بالجناح، لأن الطائر يكون آمنا عند ضم جناحه فقال: {جناحك} أي يديك ~~التي صارت بيضاء، والمراد بالجناح في آية طه الإبط والجانب لأنه لفظ مشترك ~~{من الرهب} أي من خشية أن تظنها معيبة تخرج كما كانت قبل بياضها في لون ~~جسدك - هذا على أن المراد بالرهب الخوف الذي بهره فأوجب له الهرب، ويجوز أن ~~يكون المراد بالرهب الكم، فيكون إدخالها في الفتى - التي ليست موضعها بل ~~الرأس - للبياض، وإدخالها في الكم - الذي هو لها - لرجوعها إلى عادتها، وفي ~~البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أمره أن يضم يده إلى صدره ~~فذهب ms3448 عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقال: وما من خائف بعد موسى ~~عليه الصلاة والسلام إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وأظهر بلفظ الجناح ~~من # PageV14P281 # غير إضمار تعظيما للمقام وتنبيها على أن عودها إلى حالها الأول آية ~~مستقلة، وعبر عنها بلفظ الجناح تنبيها على الشكر بتعظيم نفعها. # ولما تم كونا آية بانقلابها إلى البياض ثم رجوعها إلى لونها قال: {فذانك} ~~أي العصي واليد البيضاء، وشدد أبو عمرو وابن كثير ورويس تقوية لها لتعادل ~~الأسماء المتمكنة، وذكر لزيادة التقوية {برهانان} أي سلطانان وحجتان ~~قاهرتان {من ربك} أي المحسن إليك لا يقدر على مثلهما غيره {إلى} أي واصلان، ~~أو أنت مرسل بهما إلى {فرعون وملئه} كلما أردت ذلك وجدته، لا أنهما يكونان ~~لك هنا في هذه الحفرة فقط، ثم علل الإرسال إليهم على وجه إظهار الآيات لهم ~~واستمرارها بقوله مؤكدا تنبيها على ان إقدامه على الرجوع إليهم فعل من يظن ~~أنهم رجعوا عن غيهم، وإعلاما بمنه عليه بالحماية منهم بهذه البراهين: {إنهم ~~كانوا} أي جبلة وطبعا {قوما} أي أقوياء {فاسقين*} أي خارجين عن الطاعة، ~~فإذا رأوا ذلك هابوك، فلم يقدروا على الوصول إليك بسوء، وكنت في مقام أن ~~تردهم عن فسقهم. # PageV14P282 # ولما كان كأنه قيل: ما فعل بعد رؤية هذه الخوارق؟ قيل: ثبت، علما منه ~~بصعوبة المقام وخطر الأمر، فاشترط لنفسه حتى رضي، وتلك كانت عادته ثباتا ~~وحزما، وحلما وعلما، ألا ترى إلى ما فعل معنا عليه السلام والتحية والإكرام ~~من الخير ليلة الإسراء في السؤال في تخفيف الصلاة، ولذلك كله {قال رب} أي ~~أيها المحسن إلي {إني} أكده لأن إرسال الله سبحانه له فعل من لا يعتبر أن ~~لهم عليه ترة، فذكر ذلك ليعلم وجه عدم اعتباره {قتلت منهم} أي آل فرعون ~~{نفسا} وأنت تعلم ما خرجت إلا هاربا منهم من أجلها {فأخاف} إن باديتهم، ~~بمثل ذلك {أن يقتلون*} لذنبي إليهم ووحدتي وغربتي وثقل لساني في إقامة ~~الحجج. # ولما تسبب عن ذلك طلب الإعانة بشخص فيه كفاية ms3449 وله عليه شفقة، وكان أخوه ~~هارون أحق الناس بهذا الوصف، كان التقدير: فأرسل معي أخي هارون - إلى آخره، ~~غير أنه قدم ذكره اهتماما بشأنه فقال: {وأخي هارون} والظاهر أن واوه للحال ~~من ضمير موسى عليه الصلاة والسلام، أو عاطفة على مقول القول، والمعنى أنه ~~يخاف أن يفوت مقصود الرسالة إما بقتله أو لعدم بيانه، فاكتفى بالتلويح في ~~الكفاية # PageV14P283 # من الأول، لأنه لا طاقة لأحد غير الله بها، وصرح بما يكفي من الثاني، ~~فكأن التقدير: إني أخاف أن يقتلون فيفوت المقصود، ولا يحمني من ذلك إلا ~~أنت، وإن لساني فيه عقدة، وأخي - إلى آخره؛ وزاد في تعظيمه بضمير الفصل ~~فقال: {هو أفصح مني لسانا} أي من جهة اللسان للعقدة التي كانت حصلت له من ~~وضع الجمرة في فيه وهو طفل في كفالة فرعون {فأرسله} أي بسبب ذلك {معي ردءا} ~~أي معينا، من ردأت فلانا بكذا، أي جعلته له قوة وعاضدا، وردأت الحائط - إذا ~~دعمته بخشب أو كبش يدفعه أن يسقط؛ وقراءة نافع بغير همز من الزيادة. # ولما كان له عليه من العطف والشفقة ما يقصر الوصف عنه، نبه على ذلك ~~بإجابة السؤال بقوله: {يصدقني} أي بأن يلخص بفصاحته ما قتله وبينته، ويقيم ~~الأدلة عليه حتى يصير كالشمس وضوحا، فيكون - مع تصديقه لي بنفسه - سببا في ~~تصديق غيره لي؛ ورفعه عاصم وحمزة صفة لردءا. ثم علل سؤاله هذا، وبين أنه هو ~~المراد، لا أن يقول له: صدقت، فإن قوله لهذه اللفظة لا تعلق له بالفصاحة ~~حتى يكون سببا للسؤال فيه، بقوله مؤكدا لأجل أن من كان رسولا عن الله لا ~~يظن به أن يخاف: {إني أخاف أن يكذبون*} . # ولما كان ما رأى من الأفعال، وسمع من الأقوال، مقتضيا للأمن # PageV14P284 # من أن يكذبوه، وكان عالما بما هم عليه من القساوة والكبر، أشار إلى ذلك ~~بالتأكيد، أي وإذا كذبوني عسرت علي المحاججة على ما هو عادة أهل الهمم عند ~~تمالؤ الخصوم على العناد، والإرسال موجب لكلام كثير وحجاج طويل، وقريب من ~~هذا قول النبي ms3450 صلى الله عليه وسلم لما أمره الله تعالى بإنذار قومه # «إذن يثلغوا رأسي فيجعلوه خبزة» وكأن مراد السادة القادة عليهم الصلاة ~~والسلام والتحية والإكرام الاستعلام عن الأمر هل يجري على العادة أو لا؟ ~~فإن كان يجري على العادة وطنوا أنفسهم على الموت، وإلا ذكر لهم الأمر ~~الخارق فيكون بشارة لهم، ليمضوا في الأمر على بصيرة، ويسيروا فيه على حسب ~~ما يقتضيه من السيرة. # ولما أكد أمر الطلب بهارون عليهما الصلاة والسلام، أكد له سبحانه أمر ~~الإجابة بقوله مستأنفا: {قال سنشد} وذكر أولى الأعضاء بمزاولة المكاره ~~فقال: {عضدك} أي أمرك {بأخيك} أي سنقويك ونعينك به إجابة لسؤالك صلة منك ~~لأخيك، وعونا منه لك {ونجعل لكما سلطانا} أي ظهورا عظيما عليهم، وغلبة لهم ~~بالحجج # PageV14P285 # والهيبة لأجل ما ذكرت من الخوف {فلا} أي فيتسبب عن ذلك أنهم لا {يصلون ~~إليكما} بنوع من أنواع الغلبة {بآياتنا} أي نجعل ذلك بسبب ما يظهر على ~~أيديكما من الآيات المعظمة بنسبتها إلينا، ولذلك كانت النتيجة {أنتما ومن ~~اتبعكما} أي من قومكما وغيرهم {الغالبون*} أي لا غيرهم، وهذا يدل على أن ~~فرعون لم يصل إلى السحرة بشيء مما هددهم به، لأنهم من أكبر الأتباع ~~الباذلين لأنفسهم في الله، وكأنه حذف أمرهم هنا لأنه في بيان أمر فرعون ~~وجنوده بدليل ما كرر من ذكرهم، وقد كشفت العاقبة عن أن السحرة ليسوا من ~~جنوده، بل من حزب الله وجنده، ومع ذلك فقد أشار إليهم بهذه الآية والتي ~~بعدها، وسيأتي في آخر سورة الحديد عن تاريخ ابن عبد الحكم أنهم خلصوا ورجع ~~بعضهم إلى مصر فكانوا أول من ترهب. # شرح ما مضى من التوراة، قال بعدما تقدم: وكان من بعد # PageV14P286 # أيام كثيرة مات فرعون ملك مصر فاستراح بنو إسرائيل من شدة تعبدهم، فصلوا ~~فسمع الله صلاتهم، وعرف تعبدهم، وسمع ضجتهم، وذكر عهده لإبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب، فأبصر الله بني إسرائيل، وعرف ذلهم، فكان موسى يرعى غنم يثرو ختنه ~~حبر مدين، فساق بالشاء إلى طرف البرية وأتى إلى حوريب جبل الله، فتراءى له ms3451 ~~ملك الله بلهب النار من جوف العوسج، تشتعل فيه النار، ولم يكن العوسج ~~يحترق، فقال موسى: لأعدلن فأنظر إلى هذه الرؤيا العظيمة؛ ما بال هذه ~~العوسجة لم تحترق؟ فرأى الرب أنه قد عدل لينظر، فدعاه الله من جوف العوسج ~~وقال له: يا موسى يا موسى! فقال: هأنذا! قال: لا تدن إلى ههنا، اطرح خفيك ~~عن قدميك، لأن المكان الذي أنت واقف عليه مكان طاهر، وفي نسخة: مقدس، وقال ~~الله: أنا إله أبيك إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب، فغطى موسى وجهه لأنه فرق ~~أن يمد بصره نحو الرب، وقال الرب: إني قد رأيت ذل شعبي بمصر، وسمعت ضجتهم ~~التي ضجوا من تعبدهم، لأني عارف براءتهم، فنزلت لأخلصهم من أيدي المصريين، ~~وأن أصعدهم # PageV14P287 # من تلك الأرض إلى أرض صالحة واسعة، تغل السمن والعسل: أرض الكنعانيين ~~والحاثانيين والأمورانيين والفرزانيين والحاوانيين واليابسانيين، والآن هو ~~ذا ضجيج بني إسرائيل قد ارتفع إلي، ورأيت ضر المصريين لهم، فهبطت الآن حتى ~~أرسلك إلى فرعون. # وأخرج شعبي بني إسرائيل من مصر، فقال موسى لله: من أنا حتى أنطلق إلى ~~فرعون وأخرج بني إسرائيل من مصر، فقال الله: أنا أكون معك وهذه الآية لك ~~أني أرسلتك: إنك إذا أخرجت الشعب من مصر تعبدون الله في هذا الجبل، فقال ~~موسى: ها أنذا منطلق إلى بني إسرائيل وأقول لهم: الرب إله آبائكم أرسلني ~~إليكم، فإن قالوا لي: ما اسمه؟ ما الذي أقول؟ فقال الرب لموسى: قل لهم: ~~الأزلي الذي لم يزل، وفي نسخة: لا يزول، وقال: هكذا قل لبني إسرائيل: أهيا ~~شر أهيا أرسلني إليكم، وقال الرب أيضا لموسى هكذا قل لبني إسرائيل: # PageV14P288 # الله ربكم إله آبائكم إله إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب أرسلني إليكم هذا ~~اسمي إلى الأبد، وهذا ذكري إلى حقب الأحقاب، انطلق فاجمع أشياخ بني إسرائيل ~~وقل لهم: الرب إله آبائكم اعتلن لي، وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لكم: ~~قد ذكرتكم وذكرت ما صنع بكم بمصر، ورأيت إخراجكم من تعبد أهل مصر إلى ارض ~~الكنعانيين - ومن تقدم معهم ms3452 - إلى الأرض التي تعل السمن والعسل، فإذا قبلوا ~~منك فادخل أنت وأشياخ بني إسرائيل إلى ملك مصر فقولوا له: الرب إله ~~العبرانيين ظهر علينا فننطلق الآن مسيرة ثلاثة أيام في البرية ونذبح ~~الذبائح لله ربنا، وأنا أعلم أن ملك مصر لا يدعكم تخرجون، ولا بيد واحدة ~~شديدة، حتى أبعث بآفتي وأضرب المصريين بجميع العجائب التي أحدثها فيهم، ومن ~~بعد ذلك يرسلكم فأجعل للشعب في أعين المصريين رأفة ورحمة، فإذا انطلقتم فلا ~~تنطلقوا عطلا صفرا، بل تستعير المرأة منكم من جاراتها وساكنة بيتها حلي ذهب ~~وفضة وكسوة، وألبسوها بنيكم وبناتكم، وأخربوا أهل مصر، فأجاب موسى وقال: ~~إنهم لا يصدقونني، ولا يقبلون قولي، لأنه يقولون: # PageV14P289 # لم يتراءى لك الرب، فقال له الرب: ما هذه التي في يدك؟ فقال: هي عصاي، ~~فقال: ألقها في الأرض، فألقاها في الأرض، فصارت ثعبانا، فهرب منه موسى، ~~فقال له الرب: يا موسى! مد يدك، فخذ بذنبها، فمد يده فأمسكه فتحول في يده ~~عصا، فقال: لكي يصدقوا أن الله إله آبائهم قد تراءى لك، إله إبراهيم إله ~~إسحاق إله يعقوب، وقال الرب لموسى: اردد يدك في ردنك، وفي نسخة: في كمك، ~~فأدخلها ثم أخرجها فإذ بيده بيضاء كالثلج، فقال له: اردد يدك في حضنك، وفي ~~نسخة: في كمك، فردها ثم أخرجها فإذا هي مثل جسده، فإن هم لم يؤمنوا ولم ~~يسمعوا بالآية الأولى فإنهم يؤمنون ويسمعون بالآية الأخرى، فإن لم يؤمنوا ~~بالآيتين، ولم يسمعوا قولك فخذ ماء من الأرض، وفي نسخة: النيل، فاصببه على ~~الأرض، فإنه ينقلب ويصير دما في اليبس، فقال موسى للرب: أطلب إليك يا رب ~~لست رجلا ناطقا منذ أمس ولا قبله ولا من الوقت الذي كلمت عبدك فيه، لأني ~~ألثغ المنطق عسر # PageV14P290 # اللسان، فقال له الرب: من الذي خلق المنطق للإنسان؟ ومن الذي خلق الأخرس ~~والأصم والمبصر والمكفوف؟ أليس أنا الرب الذي أصنع ذلك؟ فانطلق الآن وأنا ~~أكون معك، وراقبا للسانك وألقنك ما تنطق به، فقال: موسى أطلب إليك يا رب! ~~أرسل في هذه ms3453 الرسالة غيري، فقال: هذا أخوك هارون اللاوي، قد علمت أنه ناطق ~~لسن، وهو أيضا سيلقاك، ويشتد فرحه بك، وأخبره بالأمر، ولقنه كلامي، وأنا ~~أكون راقبا على فيك وفيه وأعلمكما ما تصنعان، وهو يكلم الشعب عنك؛ فيكون لك ~~مترجما، وأنت تكون له إلها، وفي نسخة: أستاذا ومدبرا، وخذ في يديك هذه ~~العصا لتعمل بها الآيات، فرجع موسى منطلقا إلى ثيرو ختنه وقال له: إني راجع ~~إلى إخوتي بمصر، وناظر هل هم أحياء بعد؟ فقال: ثيرو لموسى: انطلق راشدا ~~سالما، وقال الرب لموسى في مدين: انطلق راجعا إلى مصر لأن الرجال الذين ~~كانوا معك يطلبون نفسك قد هلكوا جميعا - إلى آخر ما مضى في الأعراف، وفي ~~هذا الفصل ما لا يسوغ إطلاقه في شرعنا على مخلوق، وهو الإله، وهو في لغة ~~العبرانيين بمعنى العالم والحاكم، وفيه أيضا أن فرعون مات قبل رجوع موسى ~~فإن كان المراد الذي # PageV14P291 # ربى موسى عليه الصلاة والسلام في بيته فهو مما بدلوه. # PageV14P292 # ولما كان التقدير: فأتاهم كما أمر الله، وعاضده أخوه كما أخبر الله، ~~ودعواهم إلى الله تعالى، وأظهرا ما أمرا به من الآيات، بنى قوله مبينا ~~بالفاء سرعة امتثاله: {فلما جاءهم} أي فرعون وقومه. # ولما كانت رسالة هارون عليه الصلاة والسلام إنما هي تأييد لموسى عليه ~~الصلاة والسلام، أشار إلى ذلك بالتصريح باسم الجائي، فقال: {موسى بآياتنا} ~~أي التي أمرناه بها، الدالة على جميع الآيات للتساوي في خرق العادة حال ~~كونها {بينات} أي في غاية الوضوح {قالوا} أي فرعون وجنوده {ما هذا} أي الذي ~~أظهره من الآيات {إلا سحر مفترى} أي هو خيال لا حقيقة له كجميع أنواع ~~السحر، متعمدا التخييل به، لا أنه معجزة من عند الله {وما سمعنا بهذا} أي ~~الذي تقوله من الرسالة عن الله {في آبائنا} وأشاروا إلى البدعة التي قد ~~أضلت أكثر الخلق، وهي تحكيم عوائد التقليد، ولا سيما عند تقادمها على ~~القواطع في قوله: {الأولين*} وقد كذبوا وافتروا لقد سمعوا بذلك في أيام ~~يوسف عليه السلام «وما بالعهد من قدم» ms3454 فقد قال لهم الذي آمن {يا قوم إني ~~أخاف عليكم مثل يوم # PageV14P292 # الأحزاب} [غافر: 34]- إلى قوله: {ولقد جاءكم يوسف من قبله بالبينات} ~~[غافر: 34] . # ولما أخبر تعالى بقولهم عطف عليه الإخبار بقول موسى عليه الصلاة والسلام ~~ليوازن السامع بين الكلامين، ويتبصر بعقله ما الفاسد منهما «فبضدها تتبين ~~الأشياء» هذا على قراءة الجماعة بالواو، واستأنف جوابا لمن كأنه سأل عن ~~جوابه على قراءة ابن كثير بحذفها، فإن الموضع موضع بحث عما أجابهم به عند ~~تسميتهم الآيات الباهرات سحرا، استعظاما لذلك فقال: {وقال موسى} أي لما ~~كذبوه وهم الكاذبون، مشيرا لذي البصر إلى طريق يميزون به الأمرين في سياق ~~مهدد لهم: {ربي} أي المحسن إلي بما ترون من تصديقي في كل ما ادعيته بإظهار ~~ما لا تقدرون عليه على قوتكم من الخوارق، ومنع هذا الظالم العاتي المستكبر ~~من الوصول إلي بسوء {أعلم بمن جاء} بالضلال ظلما وعدوانا، فيكون مخذولا ~~لكونه ساحرا فمحرقا مفتريا على الله، ويكون له سوء الدار، وأعلم بحاله، ~~ولكنه قال «بمن جاء» {بالهدى} أي الذي أذن الله فيه، وهو حق في نفسه {من ~~عنده} ، تصويرا لحاله، وتشويقا إلى أتباعه {ومن تكون له} لكونه منصورا ~~مؤيدا {عاقبة الدار} أي الراحة والسكن والاستقرار مع الأمن والطمأنينة ~~والسرور والظفر # PageV14P293 # بجميع المطالب في الحالة التي تكون آخر الحالات مني ومنكم، فيعلم أنه أتى ~~بما يرضي الله وهي وإن كانت حقيقتها ما يتعقب الشيء من خير أو شر، لكنها لا ~~يراد بها إلا ما يقصد للعاقل حتى تكون له، وأما عاقبة السوء فهي عليه لا ~~له؛ ثم علل ذلك بما أجرى الله به عادته؛ فقال معلما بأن المخذول هو الكاذب، ~~إشارة إلى أنه الغالب لكون الله معه، مؤكدا لما استقر في الأنفس من أن ~~التقوي لا يغلبه الضعيف {إنه لا يفلح} أي يظفر ويفوز {الظالمون*} أي الذين ~~يمشون كما يمشي من هو في الظلام بغير دليل، فهم لا يضعون قدما في موضع ~~يثقون بأنه صالح للمشي فيه، لا تبعة فيه فستنظرون {ولتعلمن نبأه بعد حين} ms3455 ~~{وقال فرعون} جوابا لهذا الترغيب والترهيب بعد الإعذار، ببيان الآيات ~~الكبار، قانعا في مدافعة ما رأى أنه اجتذب قومه الأغمار الأغبياء عن الجهل ~~من ظهور تلك الآيات البينات بأن يوقفهم عن الإيمان إلى وقت ما، وكذا كانت ~~عادته كلما أظهر موسى عليه الصلاة والسلام برهانا، لأن قومه في غاية ~~الغباوة والعراقة في الميل إلى الباطل والنفرة من الحق وترجيح المظنة على ~~المئنة: {يا أيها الملأ} أي الأشراف، معظما لهم استجلابا لقلوبهم {ما علمت ~~لكم} وأعرق في النفي فقال: {من إله غيري} نفى علمه بذلك إظهارا للنصفة، ~~وأنه ما قصد غشهم، وذلك منه واضح في أنه قصد تشكيكهم، # PageV14P294 # إشارة منه إلى أن انتقاء علمه بوجوده ما هو إلا لانتفاء وجوده بعد علمه ~~بأن الحق مع موسى عليه الصلاة والسلام لأنه أنهى ما قدر عليه بعد رؤيتهم ~~لباهر الآيات، وظاهر الدلالات؛ ثم زاد في إيقافهم عن المتابعة بأن سبب عن ~~جهله قوله لوزيره معلما له صنعة الآجر لأنه أول من عمله، مع أنه هذه ~~العبارة أشبه بهمم الجبابرة من أن يقول: اصنع لي آجرا: {فأوقد لي} أضاف ~~الإيقاد إليه إعلاما بأنه لا بد منه {يا هامان} وهو وزيره {على الطين} أي ~~المتخذ لبنا ليصير آجرا؛ ثم سبب عن الإيقاد قوله: {فاجعل لي} أي منه {صرحا} ~~أي بناء عاليا يتاخم السماء، قال الطبري: وكل بناء مسطح فهو صرح كالقصر، ~~وقال الزجاج: كل بناء متسع مرتفع {لعلي أطلع} أي أتكلف الطلوع {إلى إله ~~موسى} أي الذي يدعوا إليه، فإنه ليس في الأرض أحد بهذا الوصف الذي ذكره ~~فأنا أطلبه في السماء موهما لهم أنه مما يمكن الوصول إليه على تقدير صحة ~~الدعوى بأنه موجود، وهو قاطع بخلاف ذلك، ولكنه يقصد المدافعة من وقت إلى ~~وقت، لعلمه أن العادة جرت بأن أكثر # PageV14P295 # الناس يظنون بالملوك القدرة على كل ما يقولونه؛ ثم زادهم شكا بقوله، ~~مؤكدا لأجل دفع ما استقر في الأنفس من صدق موسى عليه الصلاة والسلام: {وإني ~~لأظنه} أي موسى {من الكاذبين*} أي دأبه ms3456 ذلك، وقد كذب هو ولبس لعنة الله ~~ووصف أصدق أهل ذلك الزمان بصفة العريقة في العدوان، وإن كان هذا الكلام منه ~~على حقيقته فلا شيء أثبت شهادة على إفراط جهله وغباوته منه حيث ظن أنه يصل ~~السماء؛ ثم علل على تقدير الوصول يقدر على الارتقاء على ظهرها، ثم على ~~تقدير ذلك يقدر على منازعة بانيها وسامكها ومعليها. # ولما قال هذا مريدا به - كما تقدم - إيقاف قومه عن إتباع الحق، أتبعه ~~تعالى الإشارة إلى أنهم فعلوا ما أراد، وإن كان ذلك هو الكبر عن الحق فقال ~~تعالى: {واستكبر} أي وأوجد الكبر بغاية الرغبة فيه {هو} بقوله هذا الذي ~~صدهم به عن السبيل {وجنوده} بانصدادهم لشدة رغبتهم في الكبر على الحق ~~والاتباع للباطل {في الأرض} أي أرض مصر، ولعله عرفها إشارة إلى أنه لو قدر ~~على ذلك في غيرها فعل {بغير الحق} أي استكبارا مصحوبا بغير هذه الحقيقة، ~~والتعبير # PageV14P296 # بالتعريف يدل على أن التعظيم بنوع من الحق ليس كبرا وإن كانت صورته كذلك، ~~وأما تكبره سبحانه فهو بالحق كله، وعطف على ذلك ما تفرع عنه وعن الغباوة ~~أيضا ولذا لم يعطفه بالفاء، فقال: {وظنوا} أي فرعون وقومه ظنا بنوا عليه ~~اعتقادهم في أصل الدين الذي لا يكون إلا بقاطع {أنهم إلينا} أي إلى حكمنا ~~خاصة الذي يظهر عنده انقطاع الأسباب {لا يرجعون*} أي لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة، فلذلك اجترؤوا على ما ارتكبوه من الفساد. # PageV14P297 # ولما تسبب عن ذلك إهلاكهم قال: {فأخذناه} أي بعظمتنا أخذ قهر ونقمة ~~{وجنوده} أي كلهم، وذلك علينا هين، وأشار إلى احتقارهم بقوله: {فنبذناهم} ~~أي على صغرهم وعظمتنا {في اليم} فكانوا على كثرتهم وقوتهم كحصيات صغار ~~قذفها الرامي الشديد الذراع من يده في البحر، فغابوا في الحال، وما آبوا ~~ولا أحد منهم إلى أهل ولا مال. ولما سببت هذه الآية من العلوم، ما لا يحيط ~~به الفهوم، قال: {فانظر} أي أيها المتعرف للآيات الناظر فيها نظر الاعتبار؛ ~~وزاد في تعظيم ذلك بالتنبيه على أنه مما يحق له ms3457 أن يسأل عنه فقال: {كيف ~~كان} أي كونا هو الكون {عاقبة} أي آخر أمر {الظالمين*} وإن زاد ظلمهم، ~~وأعيى أمرهم، ذهبوا في طرفة عين، كأن لم يكونوا، وغابوا عن العيون كأنهم قط ~~لم يبينوا، وسكتوا بعد ذلك الأمر والنهي # PageV14P297 # فصاروا بحيث لم يبينوا، فليحذر هؤلاء الذين ظلموا إن استمروا على ظلمهم ~~أن ينقطعوا ويبينوا، وهذا إشارة عظيمة بأعظم بشارة بأن كل ظالم يكون عاقبته ~~هكذا إن صابره المظلوم المحق، ورابطه حتى يحكم الله وهو خير الحالكمين. # ولما كان «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ~~ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» وكانوا ~~أول من أصر وأطبق في ذلك الزمان على تكذيب الآيات، وإخفاء الدلالات ~~النيرات، على تواليها وكثرتها، وطول زمانها وعظمتها وكانت منابذة العقل ~~واتباع الضلال في غاية الاستبعاد، لا سيما إن كانت ضامنة للهلاك في الدنيا ~~والعذاب في الآخرة، قال تعالى في مظهر العظمة: {وجعلناهم} أي في الدنيا ~~{أئمة} أي متبوعين في رد ما لا يرده عاقل من هذه الآيات، أي جعلنا أمرهم ~~شهيرا حتى لا يكاد أحد يجهله، فكل من فعل مثل أفعالهم من رد الحق والتجبر ~~على الخلق، فكأنه قد اختار الاقتداء بهم وإن لم يكن قاصدا ذلك، فأطلق ذلك ~~عليه رفعا له عن النسبة إلى أنه يعمل ما يلزمه الاتسام به وهو عاقل عنه كما ~~أنه لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من ~~سن القتل، # PageV14P298 # وأحق الناس باتباعهم في باطن اعتقادهم وظاهر اصطناعهم، وخيبة آمالهم ~~وأطماعهم أهل الإلحاد بمذهب الاتحاد أهلك الله أنصارهم. وعجل دمارهم، وكشف ~~هذا المعنى بقوله: {يدعون} أي يوجدون الدعاء لمن اغتر بحالهم، فضل ضلالهم ~~{إلى النار} أي وجعلنا لهم أعوانا ينصرونهم عكس ما أردنا لبني إسرائيل - ~~كما سلف أول السورة - وجعلناهم موروثين. # ولما كان الغالب من حال الأئمة النصرة، وكان قد أخبر عن خذلانهم في ~~الدنيا، قال: {ويوم ms3458 القيامة} أي الذي هو يوم التغابن {لا ينصرون*} أي لا ~~يكون لهم نوع نصرة أصلا كما كانوا يوم هلاكهم في الدنيا سواء، ولا هم أئمة ~~ولا لهم دعوة، يخلدون في العذاب، ويكون لهم سوء المآب. # ولما أخبر عن هذا الحال، أخبر عن ثمرته؛ فقال في مظهر العظمة، لأن السياق ~~لبيان علو فرعون وآله، وأنهم مع ذلك طوع المشيئة {وأتبعناهم في هذه} ولما ~~كان المراد الإطناب في بيان ملكهم، فسر اسم الإشارة فقال: {الدنيا} ولم ~~يقل: الحياة، لأن السياق لتحقير أمرهم ودناءة شأنهم {لعنة} أي طردا وبعدا ~~عن جنابنا ودفعا لهم بذلك ودعاء عليهم بذلك من كل من سمع خبرهم بلسانه # PageV14P299 # إن خالفهم، أو بفعله الذي يكون عليهم مثل وزره إن والفهم {ويوم القيامة ~~هم} أي خاصة، ومن شاكلهم {من المقبوحين*} أي المبعدين أيضا المخزيين مع قبح ~~الوجوه والأشكال، والشناعة في الأقوال والأفعال والأحوال، من القبح الذي هو ~~ضد الحسن، ومن قولهم: قبحت الشيء - إذا كسرته، وقبح الله العدو: أبعده عن ~~كل خير، فيا ليت شعري أي صراحة بعد هذا في أن فرعون عدو الله، في الآخرة ~~كما كان عدوه في الدنيا، فلعنة الله على من يقول: إنه مات مؤمنا، وإنه لا ~~صريح في القرآن بأنه من أهل النار، وعلى كل من يشك في كفره بعد ما ارتكبه ~~من جلي أمره. # ولما وعد سبحانه بإمامة بني إسرائيل وقص القصص حتى ختم بإمامة آل فرعون ~~في الدعاء إلى النار إعلاما بأن ما كانوا عليه تجب مجانبته ومنابذته ~~ومباعدته، وكان من المعلوم أنه لا بد لكل إمامة من دعامة، تشوفت النفس إلى ~~أساس إمامة بني إسرائيل التي يجب العكوف في ذلك الزمان عليها، والتمسك بها، ~~والمبادرة إليها، فأخبر سبحانه عن ذلك مقسما عليه مع الافتتاح بحرف التوقع، ~~لأن العرب وإن كانوا مصدقين لما وقع من المنة على بني إسرائيل بإنقاذهم من ~~يد فرعون # PageV14P300 # وتمكينهم بعده، وإنزال الكتاب عليهم، فحالهم بإنكار التمكين لأهل الإسلام ~~والتكذيب بكتابهم حال المكذب بأمر بني إسرائيل، لأنه لا فرق ms3459 بين نبي ونبي، ~~وكتاب وكتاب، وناس وناس، لأن رب الكل واحد، فقال: {ولقد آتينا} أي بما لنا ~~من الجلال والجمال والمجد والكمال {موسى الكتاب} أي التوراة الجامعة للهدى ~~والخير في الدارين؛ قال أبو حيان: وهو أول كتاب أنزلت فيه الفرائض ~~والأحكام. # ولما كان حكم التوراة لا يستغرق الزمان الآتي، أدخل الجار فقال: {من بعد ~~ما} إشارة إلى أن إيتاءها إنما هو في مدة من الزمان، ثم ينسخها سبحانه بما ~~يشاء من أمره {أهلكنا} أي بعظمتنا {القرون الأولى} أي من قوم نوح إلى قوم ~~فرعون، ووقتها بالهلاك إشارة إلى أنه لا يعم أمة من الأمم بالهلاك بعد ~~إنزالها تشريفا لها ولمن أنزلت عليه وأوصلت إليه؛ ثم ذكر حالها بقوله: ~~{بصائر} جمع بصيرة، وهي نور القلب، مصابيح وأنوارا {للناس} أي يبصرون بها ~~ما يعقل من أمر معاشهم ومعادهم، وأولاهم وأخراهم، كما أن نور العين # PageV14P301 # يبصر به ما يحسن من أمور الدنيا. # ولما كان المستبصر قد لا يهتدي لمانع قال: {وهدى} أي للعامل بها إلى كل ~~خير. ولما كان المهتدي ربما حمل على من توصل إلى غرضه، وكان ضارا، قال: ~~{ورحمة} أي نعمة هنية شريفة، لأنها قائدة إليها. # ولما ذكر حالها، ذكر حالهم بعد إنزالها فقال: {لعلهم يتذكرون*} أي ليكون ~~حالهم حال من يرجى تذكره، وهذا إشارة إلى أنه ليس في الشرائع ما يخرج عن ~~العقل بل متى تأمله الإنسان تذكر به من عقله ما يرشد إلى مثله. # PageV14P302 # ولما بين سبحانه في هذه السورة من غرائب أمر موسى عليه الصلاة والسلام ~~وخفي أحواله ما بين، وكانت هذه الأخبار لا يقدر أهل الكتاب على إنكارها، ~~نوعا من الإنكار، وكان من المشهور أي اشتهار، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يعرفها ولا سواها من غير الواحد القهار، أشار إلى ذلك سبحانه بقوله حالا ~~من ضمير {آتينا} {وما كنت بجانب الغربي} أي الوادي من الطور الذي رأى موسى ~~عليه السلام فيه النار، وهو مما يلي البحر منه من جهة الغرب على يمين ~~المتوجه إلى ناحية ms3460 مكة المشرفة من ناحية مصر، فناداه منه العزيز # PageV14P302 # الجبار، وهو ذو طوى {إذ} أي حين {قضينا} بكلامنا بما حوى من الجلال، وزاد ~~العظمة في رفيع درجاته بالإشارة بحرف الغاية فقال: {إلى موسى الأمر} أي أمر ~~إرساله إلى فرعون وقومه، وما نريد أن نفعل من ذلك في أوله وأثنائه وآخره ~~مجملا، فكان كل ما أخبرنا به مطابقا تفصيله لإجماله، فأنت بحيث تسمع ذلك ~~الذي قضيناه إليه من الجانب الذي أنت فيه {وما كنت} أي بوجه من الوجوه {من ~~الشاهدين*} لتفاصيل ذلك الأمر الذي أجملناه لموسى في ذلك المكان في أوقاته ~~مع من شهده منه من أهل ذلك العصر من السبعين الذين اختارهم أو غيرهم ممن ~~تبعه أو صد عنه حتى تخبر به كله على هذا الوجه الذي أتيناك به في هذه ~~الأساليب المعجزة، ولا شك أن أمر معرفتك كذلك منحصر في شهودك إياه في وقته ~~أو تعلمك له من الخالق، أو من الخلائق الذين شاهدوه، أو أخبرهم به من ~~شاهده، وانتفاء تعلمه من أحد من الخلائق في الشهرة بمنزلة انتفاء شهوده له ~~في وقته، فلم يبق إلا تلقيه له من الخالق، وهو الحق الذي لا شبهة فيه عند ~~منصف. # ولما كان التقدير: وما كنت من أهل ذلك الزمان الحاضرين # PageV14P303 # لذلك الأمر، وامتد عمرك إلى هذا الزمان حتى أخبرت بما كنت حاضره، استدرك ~~ضد ذلك فقال: {ولكنا} أي بما لنا من العظمة {أنشأنا} أي بعد ما أهلكنا أهل ~~ذلك الزمان الذين علموا هذه الأمور بالمشاهدة والإخبار، كلهم {قرونا} أي ما ~~أخرنا أحدا من أهل ذلك الزمان، ولكنا أهلكناهم وأنشأنا بعدهم أجيالا كثيرة ~~{فتطاول} بمروره وعلوه {عليهم العمر} جدا بتدريج من الزمان شيئا فشيئا ~~فنسيت تلك الأخبار، وحرفت ما بقي منها الرهبان والأحبار، ولا سيما في زمان ~~الفترة، فوجب في حكمتنا إرسالك فأرسلناك لتقوم المحجة، وتقوم بك الحجة، ~~فعلم أن إخبارك بهذا والحال أنك لم تشاهده ولا تعلمته من مخلوق إنما هو عنا ~~وبوحينا. # ولما نفى العلم بذلك بطريق الشهود، نفى سبب العلم ms3461 بذلك فقال: {وما كنت ~~ثاويا} أي مقيما إقامة طويلة مع الملازمة بمدين {في أهل مدين} أي قوم شعيب ~~عليه السلام {تتلوا} أي تقرأ على سبيل القص للآثار والأخبار الحق {عليهم ~~آياتنا} العظيمة، لتكون ممن يهتم بأمور الوحي وتتعرف دقيق أخباره، فيكون ~~خبرهم وخبر موسى عليه الصلاة والسلام معهم وخبره بعد فراقه لهم # PageV14P304 # من شأنك، لتوفر داعيتك حينئذ على تعرفه {ولكنا كنا} أي كونا أزليا أبديا ~~نسبته إلى جميع الأزمنة بما لنا من العظمة، على حد سواء {مرسلين*} أي لنا ~~صفة القدرة على الإرسال، فأرسلنا إلى كل نبي في وقته ثم أرسلنا إليك في هذا ~~الزمان بأخبارهم وأخبار غيرهم لتنشرها في الناس، واضحة البيان سالمة من ~~الإلباس، لأنا شاهدين لذلك كله، لم يغب عنا شيء منه ولا كان إلا بأمرنا. # ولما نفى السبب المبدئي للعلم بذلك الإجمال ثم الفائي للعلم بتفصيل تلك ~~الوقائع والأعمال، نفى السبب الفائي للعم بالأحكام ونصب الشريعة بما فيها ~~من القصص والمواعظ والحلال والحرام والآصار والأغلال بقوله: {وما كنت بجانب ~~الطور إذ} أي حين {نادينا} أي أوقعنا النداء لموسى عليه الصلاة والسلام ~~فأعطيناه التوراة وأخبرناه بما لا يمكن الاطلاع عليه إلا من قبلنا أو قبله، ~~ومن المشهور أنك لم تطلع على شيء من ذلك من قبله، لأنك ما خالطت أحدا ممن ~~حمل تلك الأخبار عن موسى عليه الصلاة والسلام، ولا أحد أحملها عمن حملها ~~عنه، ولكن ذلك كان إليك منا، وهو معنى قوله: {ولكن} أي أنزلنا ما أردنا منه ~~ومن غيره عليك وأوحيناه إليك وأرسلناك به إلى الخلائق {رحمة من ربك} لك ~~خصوصا وللخلق عموما {لتنذر} أي تحذر # PageV14P305 # تحذيرا كبيرا {قوما} أي أهل قوة ونجدة، ليس لهم عائق من أعمال الخير ~~العظيمة، لا الإعراض عنك، وهم العرب، ومن في ذلك الزمان من الخلق {ما ~~آتاهم} وعم المنفي بزيادة الجار في قوله: {من نذير} أي منهم، وهم مقصودون ~~بإرساله إليهم وإلا فقد أتتهم رسل موسى عليه السلام، ثم رسل عيسى عليه ~~الصلاة والسلام، وإن صح أمر خالد بن ms3462 سنان العبسي فيكون نبيا غير رسول، أو ~~يكون رسولا إلى قومه بني عبس خاصة، فدعاؤه لغيرهم إن وقع فمن باب الأمر ~~بالمعروف عموما، لا الإرسال خصوصا، فيكون التقدير: نذير منهم عموما، وزيادة ~~الجار في قوله: {من قبلك} تدل على الزمن القريب، وهو زمن الفترة، وأما ما ~~قبل ذلك فقد كانوا فيه على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام حتى غيره عمرو ~~بن لحي فقد أنذرهم في تلك الأزمان إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم إسماعيل ~~عليه الصلاة والسلام ثم من بعدهم من صالحي ذريتهم إلى زمان عمرو بن لحي، ~~فهم لأجل عدم النذير عمي، عن الهدي، سالكون سبيل الردى، وقال: {لعلهم ~~يتذكرون*} لمثل ما تقدم من أنهم إذا قبلوا ما جئت به وتدبروه أذكرهم إذكارا ~~ظاهرا - بما أشار إليه # PageV14P306 # الإظهار - ما في عقولهم من شواهده وإن كانت لا تستقل بدونه والله الموفق. # ولما كان انتفاء إنذارهم قبله عليه الصلاة والسلام نافيا للحجة في عذابهم ~~بما أوجبه الله - وله الحجة البالغة لا يسأل عما يفعل - على نفسه الشريفة، ~~فضلا منه ورحمة، ذكر أن إرساله مما لا بد منه لذلك فقال: {ولولا} أي ولولا ~~هذا الذي ذكرناه ما أرسلناك لتنذرهم، ولكنه حذف هذا الجواب إجلالا له صلى ~~الله عليه وسلم عن المواجهة به، وذلك الذي ختم الإرسال هو {أن تصيبهم} أي ~~في وقت من الأوقات {مصيبة} أي عظيمة {بما قدمت أيديهم} أي من المعاصي التي ~~قضينا بأنها مما لا يعفى عنه {فيقولوا ربنا} أي أيها المحسن إلينا {لولا} ~~أي هل لا ولم لا {أرسلت إلينا} أي على وجه التشريف لنا، لنكون على علم بأنا ~~ممن يعتني الملك الأعلى به {رسولا} وأجاب التخصيص الذي شبهوه بالأمر لكون ~~كل منهما باعثا على الفعل بقوله: {فنتبع} أي فيتسبب عن إرسال رسولك أن نتبع ~~{آياتك ونكون} أي كونا هو في غاية الرسوخ {من المؤمنين*} أي المصدين بك في ~~كل ما أتى به عنك رسولك صلى الله عليه وسلم تصديقا بليغا، فإذا قالوا # PageV14P307 # ذلك على تقدير عدم الإرسال قامت ms3463 لهم حجة في مجاري عاداتكم وإن كانت لنا ~~الحجة البالغة. # PageV14P308 # ولما كان التقدير: ولكنا أرسلناك بالحق لقطع حجتهم هذه، بنى عليه قوله: ~~{فلما جاءهم} أي أهل مكة {الحق} الذي هو أعم من الكتاب والسنة وما يقاس ~~عليهما، وهو في نفسه جدير بأن يقبل لكونه في الذروة العليا من الثبات، فكيف ~~وهو {من عندنا} على ما لنا من العظمة، وعلى لسانك وأنت أعظم الخلق! {قالوا} ~~أي أهل الدعوة من العرب وغيرهم تعنتا كفرا به: {لولا أوتي} من الآيات، أي ~~هذا الآتي بما يزعم أنه الحق، وبني للمفعول لأن القصد مطلق الإيتاء لأنه ~~الذي يترتب عليه مقصود الرسالة، مع أن المؤتى معلوم {مثل ما أوتي موسى} أي ~~من اليد والعصا وغيرهما من الآيات التي لا يقدر على إتيانها إلا القادر على ~~كل شيء. # ولما كان الإتيان بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام لا يكون موجبا ~~للإيمان على زعمهم إلا بأن يكون أعظم مما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم، ~~أو يكون الناس لم يتوقفوا في الإيمان به، وكان كل من الأمرين منتفيا بأن ~~أهل زمانه كفرو به، وهو لما سألوا # PageV14P308 # اليهود عن محمد صلى الله عليه وسلم وأمروهم أن يمتحنوه بالروح وقصتي أهل ~~ألكهف وذي القرنين وجاء في كل من ذلك بما لزمهم تصديقه، فامتنعوا وأصروا ~~على كفرهم، وكان في ذلك كفرهم به وبموسى عليهما الصلاة والسلام، فعلم أن ~~التقدير: ألم يكفروا بما أتاهم به من الآيات الباهرة مع أنه مثل ما أتى به ~~موسى عليهما الصلاة والسلام، بل أعظم منه {أولم يكفروا} أي العرب ومن ~~بلغتهم الدعوة من بني إسرائيل أو من شاء الله منهم أو أبناء جنسهم ومن كان ~~مثلهم في البشرية والعقل في زمن موسى عليه السلام {بما أوتي موسى} . # ولما كان كل من إتيانه وكفرهم لم يستغرق زمان القبل، أثبت الجار فقال: ~~{من قبل} أي من قبل مجيء الحق على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إليهم. ~~ولما كان كأنه قيل: ما كان كفرهم به؟ ms3464 قيل: {قالوا} أي فرعون وقومه ومن كفر ~~من بني إسرائيل كقارون ومن تبعه. ولما كان قد تقدم هنا قريبا أن المظاهر له ~~أخوه، فكان المراد واضحا، أضمرهما فقال: {ساحران} أي هو وأخوه {تظاهرا} أي ~~أعان كل منهما صاحبه على سحره حتى صار سحرهما معجزا فغلبا جميع السحرة، ~~وتظاهر الساحرين من تظاهر السحرين - على قراءة الكوفيين، ويجوز - وهو أقرب ~~أن يكون الضمير لمحمد وموسى # PageV14P309 # عليهما الصلاة والسلام، وذلك لأنه روي أن قريشا بعثت إلى يهود فسألوهم عن ~~محمد صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أن نعته في كتابهم، فقالوا هذه المقالة، ~~فيكون الكلام استئنافا لجواب من كأنه قال: ما كان كفرهم بهما؟ فقيل: قالوا ~~- أي العرب: الرجلان ساحران، أو الكتابان سحران، ظاهر أحدهما الآخر مع علم ~~كل ذي لب أن هذا القول زيف. # لأنه لو كان شرط إعجاز السحر التظاهر، لكان سحر فرعون أعظم إعجازا، لأنه ~~تظاهر عليه جميع سحرة بلاد مصر وعجزوا عن معارض ما أظهر موسى عليه الصلاة ~~والسلام من آية العصا، وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد دعا أهل الأرض من ~~الجن والإنس إلى معارضة كتابه وأخبرهم أنهم عاجزون ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا فعجزوا. # ولما تضمن قولهم ذلك الكفر، صرحوا به في قولهم: {وقالوا} أي كفار قريش أو ~~المتقدمون من فرعون وأضرابه: {إنا بكل} من الساحرين أو السحرين اللذين ~~تظاهرا بهما، وهما ما أتيا به من عند الله {كافرون*} جرأة على الله وتكبرا ~~على الحق. # ولما قالوا ذلك، كان كأنه قيل: فماذا فعل؟ قال: {قل} # PageV14P310 # إلزاما لهم إن كنتم صادقين في أني ساحر وكتابي سحر وكذلك موسى عليه ~~الصلاة والسلام: {فأتوا بكتاب} وأشار بالتعبير في وصفه بعند دون لدن إلى ~~أنه يقنع منهم بكونه حكيما خارقا للعادة في حكمته وإن لم يبلغ الذروة في ~~الغرابة بأن انفك عن الإعجاز في نظمه كالتوراة فقال: {من عند الله} أي ~~الملك الأعلى، ينطق بأنه نم عنده أحواله وحكمته وجلاله {هو} أي الذي أتيتم ~~به {أهدى منهما} أي مما أتيت به ms3465 ومما أتى به موسى {أتبعه} أي واتركهما. # ولما أمرهم بأمره بالإتيان، ذكر شرطه من باب التنزل، لإظهار النصفة، وهو ~~في الحقيقة تهكم بهم فقال: {إن كنتم} أيها الكفار! كونا راسخا {صادقين*} أي ~~في أنا ساحران، فائتوا ما ألزمتكم به. # ولما كان شرط صدقهم، بين كذبهم على تقدير عدم الجزاء فقال: {فإن لم ~~يستجيبوا} أي الكفار الطالبون للأهدى في الإتيان به. ولما كانت الاستجابة ~~تتعدى بنفسها إلى الدعاء، وباللام إلى الداعي، وكان ذكر الداعي أدل على ~~الاعتناء به والنظر إليه، قال # PageV14P311 # مفردا لضميره صلى الله عليه وسلم لأنه لا يفهم المقايسة في الأهدوية ~~غيره: {لك} أي يطلبوا الإجابة ويوجدوها في الإيمان أوالإتيان بما ذكرته لهم ~~ودعوتهم إليه مما هو أهدى، من القرآن والتوراة ليظهر صدقهم {فاعلم} أنت ~~{أنما يتبعون} أي بغاية جهدهم فيما هم عليه من الكفروالتكذيب {أهواءهم} أي ~~دائما، وأكثر الهوى مخالف للهدى فهم ظالمون غير مهتدين، بل هم أضل الناس، ~~وذلك معنى قوله: {ومن أضل} أي منهم، ولكنه قال: {ممن اتبع} أي بغاية جهده ~~{هواه} تعليقا للحكم بالوصف؛ والتقييد وبقوله: {بغير هدى} أي بيان وإرشاد ~~{من الله} أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال دليل على أن الهوى قد ~~يوافق الهدى، والتعبير بالافتعال دليل على أن التابع وإن كان ظالما قد لا ~~يكون أظلم. # ولما كانت متابعة الهوى على هذا الصورة ظلما، وصل به قوله مظهرا لئلا ~~يدعى التخصيص بهم: {إن الله} أي الملك الأعظم الذي لا راد لأمره {لا يهدي} ~~وأظهر موضع الإضمار للتعميم فقال: {القوم الظالمين*} أي وإن كانوا أقوى ~~الناس لاتباعهم أهوائهم، فالآية من الاحتباك: أثبت أولا اتباع الهوى دليلا ~~على حذفه ثانيا، وثانيا الظلم دليلا على حذفه أولا. # PageV14P312 # ولما أبلغ في هذه الأساليب في إظهار الخفايا، وأكثر من نصب الأدلة على ~~الحق وإقامة على وجوب اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا بإعراضهم عن ~~ذلك كله كأنهم منكرون لأن يكون جاءهم شيء من ذلك، قال ناسقا على ما تقديره: ~~فلقد آتيناك في هذه الآيات ms3466 بأعظم البينات، منبها بحرف التوقع المقترن بأداة ~~القسم على أنه مما يتوقع هنا أن يقال: {ولقد وصلنا} أي على ما لنا من ~~العظمة التي مقتضاها أن يكفي أدنى إشارة منها {لهم} اي خاصة، فكان تخصيصهم ~~بذلك منة عظيمة يجب عليهم شكرها {القول} أي أتبعنا بعض القول - الذي لا قول ~~في الحقيقة سواه - بعضا بالإنزال منجما، قطعا بعضها في أثر بعض، لتكون ~~جوابا لأقولهم، وحلا لإشكالهم، فيكون أقرب إلى الفهم، وأولى بالتدبر، مع ~~تنويعه في وعد ووعيد، وأخبار ومواعظ، وحكم ونصائح، وأحكام ومصالح، وأكثرنا ~~من ذلك حتى كانت آياته المعجزات وبيناته الباهرات كأنها أفراس الرهبان، يوم ~~استباق الأقران، في حومة الميدان، غير أن كلا منهما سابق في العيان. # ولما بكتهم بالتنبيه بهذا التأكيد على مبالغتهم في الكذب بالقول أو ~~بالفعل في أنه ما أتاهم ما يقتضي التذكير أتبع ذلك التوصيل عليه فقال: ~~{لعلهم يتذكرون*} أي ليكون حالهم حال الذين يرجى لهم # PageV14P313 # أن يرجعوا إلى عقولهم فيجدوا فيما طبع فيها ما يذكرهم بالحق تذكيرا، بما ~~أشار إليه الإظهار. # ولما كان من التذكر ما دل عليه مجر العقل، ومنه ما انضم إليه مع ذلك ~~العقل، وكان صاحب هذا القسم أجدر بأن يتبصر، وكان كأنه قيل: هل تذكروا؟ ~~قيل: نعم أهل الكتاب الذين هم أهله حقا تذكروا حقا، وذلك معنى قوله: {الذين ~~آتيناهم} أي بعظمتنا التي حفظناهم بها {الكتاب} أي العلم من التوراة ~~والإنجيل وغيرهما من كتب الأنبياء، وهم يتلون ذلك حق تلاوته، في بعض الزمان ~~الذي كان {من قبله} أي القرآن {هم} أي خاصة {به} أي القرآن، لا بشيء مما ~~يخالفه {يؤمنون*} أي يوقعون الإيمان به في حال وصوله إليهم إيمانا لا يزال ~~يتجدد؛ ثم أكد هذا المعنى بقوله: {وإذا يتلى} أي تتجدد تلاوته {عليهم ~~قالوا} مبادرين: {آمنا به} ثم عللوا ذلك بقولهم الدال على غاية المعرفة، ~~مؤكدين لأن من كان على دين لا يكاد يصدق رجوعه عنه، فكيف إذا كان أصله حقا ~~من عند الله، {إنه الحق} أي الكامل الذي ليس وراءه ms3467 إلا الباطل، مع كونه {من ~~ربنا} المحسن إلينا، # PageV14P314 # وكل من الوصفين موجب للتصديق والإيمان به؛ ثم عللوا مبادرتهم إلى الإذعان ~~منبهين على أنهم في غاية البصيرة من أمره بأنهم يتلون ما عندهم حق تلاوته، ~~لا بألسنتهم فقط، فصح قولهم الذي دل تأكيدهم له على اغتباطهم به الموجب ~~لشكره: {إنا كنا} أي كونا هو في غاية الرسوخ؛ وأشار إلى أن من صح إسلامه ~~ولو في زمن يسير أذعن لهذا الكتاب، بإثبات الجار، فقال: {من قبله مسلمين*} ~~أي منقادين غاية الانقياد لما جاءنا من عند الله من وصفه وغير وصفه وافق ~~هوانا وما ألفناه أو خالفه، لا جرم كانت النتيجة: {أولئك} أي العالو الرتبة ~~{يؤتون} بناه للمفعول لأن القصد الإيتاء، والمؤتى معروف {أجرهم مرتين} ~~لإيمانهم به غيبا وشهادة، أو بالكتاب الأول ثم الكتاب الثاني {بما صبروا} ~~على ما كان من الإيمان قبل العيان، بعدما هزهم إلى النزوع عنه إلف دينهم ~~الذي كان، وغير ذلك من امتحان الملك الديان. # ولما كان الصبر لا يتم إلا بالاتصاف بالمحاسن والانخلاع من المساوىء، قال ~~عاطفا على {يؤمنون} مشيرا إلى تجديد هذه الأفعال كل حين: {ويدرءون بالحسنة} ~~من الأقوال والأفعال {السيئة} أي من ذلك كله فيمحونها بها. # PageV14P315 # ولما كان بعض هذا الدرء لا يتم إلا بالجود قال: {ومما رزقناهم} أي ~~بعظمتنا، لا بحول منهم ولا قوة، قليلا كان أو كثيرا {ينفقون*} معتمدين في ~~الخلق على الذي رزقه؛ قال البغوي: قال سعيد بن جبير: قدم مع جعفر رضي الله ~~تعالى عنه من الحبشة أربعون رجلا، يعني: فأسلموا، فلما رأوا ما بالمسلمين ~~من الخصاصة استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في أموالهم، فأتوا بها ~~فواسوا بها المسلمين. # PageV14P316 # ولما ذكر أن السماح بما تضن النفوس به من فضول الأموال من أمارات ~~الإيمان، أتبعه أن حزن ما تبذله الألسن من فضول الأقوال من علامات العرفان، ~~فقال: {وإذا سمعوا اللغو} أي ما لا ينفع في دين ولا دنيا من شتم وتكذيب ~~وتعبير ونحوه {أعرضوا عنه} تكرما عن الخنا {وقالوا} أي وعظا وتسميعا ms3468 ~~لقائله: {لنا} أي خاصة {أعمالنا} لا تثابون على شيء منها ولا تعاقبون ~~{ولكم} أي خاصة {أعمالكم} لا نطالب بشيء منها، فنحن لا نشتغل بالرد عليكم ~~لأن ذمكم لنا لا ينقصنا شيئا من أجرنا ولا الاشتغال برده ينقصنا. # ولما كان معنى هذا أنهم سالمون منهم، صرحوا لهم به فقالوا: # PageV14P316 # {سلام عليكم} أي منا. ولما جرت العادة بأن مثل هذا يكسر اللاغي، ويرد ~~الباغي، أشاروا لهم إلى قبح حالهم، ردا على ضلالهم، بقولهم تعليلا لما مضى ~~من مقالهم: {لا نبتغي} أي لا نكلف أنفسنا أن نطلب {الجاهلين*} أي نريد شيئا ~~من أحوالهم أو أقوالهم، أو غير ذلك من خلالهم. # ولما كان من المعلوم أن نفس النبي صلى الله عليه وسلم - لما جبلت عليه من ~~الخير والمحبة لنفع جميع العباد، لا سيما العرب، لقربهم منه صلى الله عليه ~~وسلم، لاسيما أقربهم منه صلة للرحم تتأثر بسبق أهل الكتاب لقومه، وكان ربما ~~ظن ظان أن عدم هدايتهم لتقصير في دعائه أو إرادته لذلك، وأنه لو أراد ~~هدايتهم وأحبها، وعلق همته العلية بها لاهتدوا، أجيب عن هذا بقوله تعالى في ~~سياق التأكيد إظهارا لصفة القدرة والكبرياء والعظمة: {إنك لا تهدي من ~~أحببت} أي نفسه أو هدايته بخلق الإيمان في قلبه، وإنما في يدك الهداية التي ~~هي الإرشاد والبيان. # ولما كان ربما ظن من أجل الإخبار بتوصيل القول وتعليله ونحو ذلك من ~~أشباهه أن شيئا من أفعالهم يخرج عن القدرة، قال نافيا لهذا الظن مشيرا إلى ~~الغلط في اعتقاده بقوله: {ولكن الله} المتردي برداء الجلال والكبرياء ~~والكمال وله الأمر كله {يهدي من يشاء} هدايته # PageV14P317 # بالتوفيق إلى ما يرضيه {وهو} أي وحده {أعلم بالمهتدين*} أي الذين هيأهم ~~لتطلب الهدى عند خلقه لهم، فيكونوا عريقين فيه سواء كانوا من أهل الكتاب أو ~~العرب، أقارب كانوا أو أباعد، روى البخاري في التفسير عن سعيد بن المسيب عن ~~أبيه رضي الله عنه: «قال لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد ms3469 الله بن أبي أمية بن المغيره، فقال: أي ~~عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد ~~الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما ~~كلمهم على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله عز وجل ~~{ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} ~~وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم {إنك لا تهدي ~~من # PageV14P318 # أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} - الآية -» # انتهى وقال في كتاب التوحيد: {إنك لا تهدي من أحببت} قال سعيد بن المسيب ~~عن أبيه رضي الله عنه: نزلت في أبي طالب، وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتوحيد فقال: لولا أن تعيرني نساء ~~قريش لأقررت بها عينك فأنزل الله الآية. # ولما عجب من حال قريش في طلبهم من الآيات مثل ما أوتي موسى عليه الصلاة ~~والسلام ثم كفرهم به وبما هو أعظم منه، وختم بأنه أعلم بأهل الخير وأهل ~~الشر، إشارة إلى الإعراض عن الأسف على أحد، والإقبال على عموم الدعاء ~~للقريب والبعيد على حد سواء، قال دليلا على ذلك لأنهم إنما يتبعون أهواءهم، ~~عاطفا على قالوا {لولا أوتي} {وقالوا إن نتبع} أي غاية الاتباع {الهدى} أي ~~الإسلام فنوحد الله من غير إشراك {معك} أي وأنت على ما أنت عليه من مخالفة ~~الناس {نتخطف} أي من أي خاطف أردنا، لأنا نصير قليلا في كثير. من غير نصير ~~{من أرضنا} كما تتخطف العصافير لمخالفة كافة العرب لنا، وليس لنا نسبة إلى ~~كثرتهم ولا قوتهم فيسرعو إلينا فيتخطفونا، أي يتقصدون خطفنا واحدا واحدا، ~~فإنه لا طاقة لنا على إدامة الاجتماع وأن لا يشذ بعضنا ms3470 عن بعض؛ قال البغوي: # PageV14P319 # والاختطاف: الانتزاع بسرعة. # ولما كان التقدير في الرد على هذا الكلام الواهي: ألم نحمك ومن اتبعك ~~منهم وقد جئتموهم من الخلاف بمثل ما يخالفون هم، به العرب أو أشد، ولا نسبة ~~لكم إلى عددهم ولا جلدهم، عطف عليه قوله: {أولم نمكن} أي غاية التمكين ~~{لهم} في أوطانهم ومحل سكناهم بما لنا من القدرة {حرما آمنا} أي ذا أمن ~~يأمن فيه كل خائف حتى الطير من كواسرها والوحش من جوارحها، حتى أن سيل الحل ~~لا يدخل الحرم، بل إذا وصل إليه عدل عنه؛ قال ابن هشام في استيلاء كنانة ~~وخزاعة على البيت: وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا، لا ~~يبغي فيها أحد إلا أخرجته - انتهى. وكان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه فيها ~~فلا يهيجه ولا يعرض له بسوء؛ وروى الأزرقي في تأريخ مكة بسنده عن حويطب بن ~~عبد العزى رضي الله عنه قال: كانت في الكعبة حلق يدخل الخائف يده فيها فلا ~~يريبه أحد، فجاء خائف ليدخل يده فاجتذبه رجل فشلت يده، # PageV14P320 # فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشل، وروي عن ابن جريج قصة العرب من غير ~~قريش في أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا إن أعارتهم قريش ثيابا، فجاءت ~~امرأة فطافت عريانة وكان لها جمال فرآها رجل فأعجبته فدخل فطاف إلى جنبها، ~~فأدنى عضده من عضدها، فالتزقت عضده بعضدها، فخرجا من المسجد هاربين على ~~وجوههما فزعين لما أصابهما من العقوبة، فلقيهما شيخ من قريش فأفتاهما أن ~~يعودا إلى المكان الذي أصابا فيه الذنب، فيدعوان ويخلصان أن لا يعودا، ~~فدعوا وأخلصا النية، فافترقت أعضادهما فذهب كل واحد منهما في ناحية، وبسنده ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أخذ رجل ذود ابن عم له فأصابه في الحرم ~~فقال: ذودي: فقال اللص: كذبت، قال: فاحلف، فحلف عند المقام، فقام رب الذود ~~بين الركن والمقام باسطا يديه يدعو، فما برح مقامه يدعو حتى ذهب عقل اللص ~~وجعل يصيح بمكة: ما لي، وللزود، ما لي، ولفلان - رب ms3471 الزود، فبلغ ذلك عبد ~~المطلب فجمع الزود فدفعه إلى المظلوم، فخرج به وبقي الآخر متولها حتى وقع ~~من جبل فتردى فأكلته السباع. # وعن أيوب بن موسى أن امرأة في الجاهلية كان معها ابن عم لها صغير فقالت ~~له: يا بني: إني # PageV14P321 # أغيب عنك وإني أخاف أن يظلمك أحد، فإن جاءك ظالم بعدي فإن لله بمكة بيتا ~~لا يشبهه شيء من البيوت، وعليه ثياب ولا يقاربه مفسد، فإن ظلمك ظالم يوما ~~فعذبه، فإن له ربا سيمنعك، فجاءه رجل فذهب به فاسترقه، قال: وكان أهل ~~الجاهلية يعمرون أنعامهم فأعمر سيده ظهره، فلما رأى الغلام البيت عرف الصفة ~~فنزل يشتد حتى تعلق بالبيت، وجاءه سيده فمد يده إليه ليأخذه، فيبست يده، ~~فمد الأخرى فيبست، فاستفتى فأفتى أن ينحر عن كل واحدة من يدية بدنة، ففعل ~~فأطلقت يداه، وترك الغلام وخلى سبيله. وعن عبد العزيز بن أبي رواد أن قوما ~~انتهوا إلى ذي طوى، فإذا ظبي قد دنا منهم، فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه ~~فقال له أصحابه: ويحك! أرسله، فجعل يضحك ويأبى أن يرسله، فبعر الظبي وبال؛ ~~ثم أرسله، فناموا في القائلة فانتبهوا، فإذا بحية منطوية على بطن الرجل ~~الذي أخذ الظبي، فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه من الحديث مثل ما كان من ~~الظبي. وعن مجاهد قال: دخل قوم مكة نجارا من الشام في الجاهلية فنزلوا ذا ~~طوى فاختبزوا ملة لهم ولم يكن معهم إدام، فرمى رجل منهم ظبية من ظباء الحرم # PageV14P322 # وهي حولهم ترعى فقاموا إليها فسلخوها وطبخوا لحمها ليأتدموا به، فبينما ~~قدرهم على النار تغلي بلحمة إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة ~~فأحرقت القوم جميعا ولم تحترق ثيابهم ولا أمتعتهم ولا السمرات التي كانوا ~~تحتها. # وفي سيرة أبي ربيع بن سالم الكلاعي أن رجلا من كنانة بن هذيل ظلم ابن عم ~~له فخوفه بالدعاء في الحرم، فقال: هذه ناقتي فلانة اركبها فاذهب إليه ~~فاجتهد في الدعاء، فجاء الحرم في الشهر الحرام، فقال: اللهم إني ادعوك ~~جاهدا ms3472 مضطرا على ابن عمي فلان ترميه بداء لا دواء له، ثم انصرف فوجد ابن ~~عمه قد رمي في بطنه فصار مثل الزق، فما زال ينتفخ حتى انشق، وأن عمر رضي ~~الله عنه سال رجلا من بني سليم عن ذهاب بصره، فقال: يا أمير المؤمنين! كنا ~~بني ضبعاء عشرة، وكان لنا ابن عم فكنا نظلمه فكان يذكرنا بالله، وبالرحم، ~~فلما رأى أنا لا نكف عنه انتهى إلى الحرم في الأشهر الحرم فجعل يرفع يديه ~~يقول: # لا هم أدعوك دعاء جاهدا ... اقتل بني الضبعاء إلا واحدا # PageV14P323 # ثم اضرب الرجل ودعه قاعدا ... أعمى إذا قيد يعيي القائدا # قال: فمات إخوتي التسعة في تسعة أشهر في كل شهر واحد، وبقيت أنا فعميت، ~~ورماني الله عز وجل في رجلي، فليس يلائمني قائد، فقال عمر رضي الله عنه: ~~سبحان الله إن هذا لهو العجب، جعل الله هذا في الجاهلية إذ لا دين حرمة ~~حرمها وشرفها، لينتكب الناس عن انتهاك ما حرم مخافة تعجيل العقوبة، فلما ~~جاء الدين، صار الموعد الساعة، ويستجيب الله لمن يشاء، فاتقوا الله وكونوا ~~مع الصادقين - انتهى. وكأنه لمثل ذلك عبر بالتمكين ويتخطف الناس من حولهم ~~كما يأتي تأكيده في التي بعدها، وقد كان قبل ذلك بقعة من بقاع الأرض لا ~~مزية له على غيره بنوع مزية، فالتقدير: إنما فعلنا ذلك بعد سكنى إسماعيل ~~عليه الصلاة والسلام، توطئة لما أردنا من الحكم والأحكام، أو ليس الذي قدر ~~على ذلك وفعله لمن يعبد غيره بقادر على حماية من يدخل في دينه، وقد صار من ~~حزبه بأنواع الحمايات، وإعلائه على كل من يناويه إلى أعلى الدرجات، كما فعل ~~في حمايتكم منهم ومن غيرهم من سائر المخالفين أعداء الدين. # ولما وصفه بالأمن، أتبعه ما تطلبه النفس بعده فقال: {يجبى} أي يجمع ويجلب ~~مما لا يرجونه ولا قدرة لهم على استجلابه {إليه} # PageV14P324 # أي خاصة، دون غيره من جزيرة العرب {ثمرات كل شيء} من النبات الذي بأرض ~~العرب من ثمر البلاد الحارة كالبسر والرطب والموز والنبق، والباردة كالعنب ms3473 ~~والتفاح والرمان والخوخ، وفي تعبيره بالمضارع وما بعده إشارة إلى الاستمرار ~~وأنه يأتي إليه بعد ذلك من كل ما في الأرض من المال، ما لم يخطر لأحد منهم ~~في بال، وقد صدق الله فيما قال كما تراه - ومن أصدق من الله قيلا. # ولما كان مجموع ما رزقهم في هذا الحرم من الأمن بأسبابه من الإسراع ~~باصابة من آذى فيه بأنواع العقوبات، وجباية هذه الثمرات، في غاية الغرابة ~~في تلك الأراضي اليابسة الشديدة الحر، المحفوفة من الناس بمن لا يدين دينا، ~~ولا يخشى عاقبة، ولا له ملك قاهر من الناس يرده، ولا نظام من سياسة العباد ~~يمنعه، عبر عنه سبحانه مع مظهر العظمة بلدان فقال: {رزقا من لدنا} أي من ~~أبطن ما عندنا وأغربه، لا صنع لأحد فيه كما تعلم ذلك أنت ومن أتبعك ومن فيه ~~قابلية الهداية منهم، وكل ذلك إنما هو لأجلك بحلولك في هذا الحرم مضمرا في ~~الأصلاب، ومظهرا في تلك أشعاب، توطئة لنبوتك، وتمهيدا لرسالتك، ومتى غبت ~~عنهم غاب عنهم ذلك كله وسينظرون. # PageV14P325 # ولما كان هذا الذي أبدوه عذرا عن تخلفهم عن الهدى يظنونه من نفائس العلم، ~~رده تعالى نافيا عمن لم يؤمن منهم جميع العلم الذي بنفيه ينتفي أن يكون هذا ~~الفرد علما، فقال في أسلوب التأكيد لذلك: {ولكن أكثرهم} أي أهل مكة وغيرهم ~~ممن لا هداية له {لا يعلمون*} أي ليس لهم قابلية للعلم حتى يعلموا أنا نحن ~~الفاعلون لذلك بترتيب أسبابه حتى تمكن ذلك وتم فلا قدرة لأحد على تغييره، ~~وإنا قادرون على أن نمنعهم - إذا تابعوا أمرنا - ممن يريدهم، بل نسلطهم على ~~كل من ناواهم، كقدرتنا على ما مكنا لهم وهو خارج عن القياس على ما يقتضيه ~~عقول الناس، وإنا قادرون على سلب ذلك كله عنهم لإصرارهم على الكفر، ولا بد ~~أن نذيقهم ذلك أجمع بعد هجرتك ليعلموا أنه إنما نالهم ذلك ببركتك، ولو ~~علموا ذلك لشكروا، ولكنهم جهلوا فكفروا، ولذلك أنذروا {ولتعلمن نبأه بعد ~~حين} . # ولما أخبر تعالى أنه قادر على التأمين ms3474 والإنجاء والتمكين مع الضعفة، ~~أتبعه الإعلام بقدرته على الإخافة والإهلاك مع القوة، ترغيبا لهم - إن ~~آمنوا - بإهلاك أضدادهم، وترهيبا - إن أصروا - من المعاملة بعكس مرادهم، ~~فقال في مظهر العظمة عاطفا على معنى # PageV14P326 # الكلام: {وكم أهلكنا} ويجوز أن يكون حالا من ضمير نمكن أي فعلنا بهم ما ~~ذكرنا من النعمة مع ضعفهم وعجزهم، والحال أنا كثيرا ما أهلكنا الأقوياء، ~~وأشار إلى تأكيد التكثير مع تمييز المبهم بقوله: {من قرية} ، وأشار إلى سبب ~~الإهلاك بقوله: {بطرت معيشتها} أي وقع منها البطر في زمان عيشها الرخي ~~الواسع، فكان حالهم كحالكم في الأمن وإدرار الرزق، فلما بطروا معيشتهم ~~أهلكناهم، ومعنى بطرهم لها أنهم شقوها بمجاوزة الحد في المرح، والأشر ~~والفرح، إلى أن تعدوها فأفسدوها وكفروها فلم يشكروها، بل فعلوا في تلقيها ~~فعل الحائر المدهوش، فلم يحسنوا رعايتها، وقل احتمالهم لحق النعمة فيها، ~~فطغوا في التقلب عند مصاحبتها وتكبروا بها، وتمادوا في الغي قولا وفعلا، من ~~أجل ما عمهم من الرفاهية عن تقييدها وساء احتمالهم للغنى بها، وطيب العيش ~~فيها، فأبطلوها بهذه الخصائل، وأذهبوها هدرا من غير مقابل، وذلك من قول أهل ~~اللغة: البطر: الأشر، وقلة احتمال النعمة، والدهش والحيرة والطغيان ~~بالنعمة، والفعل من الكل كفرح، وبطر الحق أن يتكبر عنه فلا يقبله، وبطره ~~كنصره وضربه: شقه، والبطور: الصخاب الطويل # PageV14P327 # اللسان، والمتمادي في الغي، وأبطره ذرعه: حمله فوق طاقته، وذهب دمه بطرا ~~- بالكسر، أي هدرا وبطرهم لها أنهم عصوا من خولهم فيها، فخالفوا أمره، ~~وأنساهم الكبر بما أعطاهم ذكره. # ولما تسبب عن هذا الإخبار تشوف النفس إلى آثار هذه الديار، سبب عنه ~~الإشارة بأداة البعد إلى منازلهم، تنبيها على كثرتها وسهولة الوصول إليها ~~في كل مكان، لكونها بحيث يشار إليها وعلى بعد رتبتها في الهلاك دليلا على ~~الجملة التي قبلها فقال: {فتلك مساكنهم} . # ولما كان المعنى أنها خاوية على عروشها وصل به قوله: {لم تسكن} أي من ~~ساكن ما مختار أو مضطر. ولما كان المراد إفهام نفي قليل الزمان وكثيره، ~~أثبت الجار فقال: {من بعدهم} ms3475 بعد أن طال ما تغالوا فيها ونمقوها، وزخرفوها ~~وزوقوها، وزفوا فيها الأبكار، وفرحوا بالأعمال الكبار، {إلا} سكونا {قليلا} ~~بالمارة عليها ساعة من ليل أو من نهار، ثم يصير تبابا موحشة كالقفار، بعد ~~أن كانت متمنعة القبا، ببيض الصفاح وسمر القنا. # ولما صارت هذه الأماكن بعد الخراب لا متصرف فيها ظاهرا إلا الله، ولا ~~حاكم عليها فيما تنظره العيون سواه، وكان هذا أمرا # PageV14P328 # اللسان، والمتمادي في الغي، وأبطره ذرعه: حمله فوق طاقته، وذهب دمه بطرا ~~- بالكسر، أي هدرا وبطرهم لها أنهم عصوا من خولهم فيها، فخالفوا أمره، ~~وأنساهم الكبر بما أعطاهم ذكره. # ولما تسبب عن هذا الإخبار تشوف النفس إلى آثار هذه الديار، سبب عنه ~~الإشارة بأداة البعد إلى منازلهم، تنبيها على كثرتها وسهولة الوصول إليها ~~في كل مكان، لكونها بحيث يشار إليها وعلى بعد رتبتها في الهلاك دليلا على ~~الجملة التي قبلها فقال: {فتلك مساكنهم} . # ولما كان المعنى أنها خاوية على عروشها وصل به قوله: {لم تسكن} أي من ~~ساكن ما مختار أو مضطر. ولما كان المراد إفهام نفي قليل الزمان وكثيره، ~~أثبت الجار فقال: {من بعدهم} بعد أن طال ما تغالوا فيها ونمقوها، وزخرفوها ~~وزوقوها، وزفوا فيها الأبكار، وفرحوا بالأعمال الكبار، {إلا} سكونا {قليلا} ~~بالمارة عليها ساعة من ليل أو من نهار، ثم يصير تبابا موحشة كالقفار، بعد ~~أن كانت متمنعة القبا، ببيض الصفاح وسمر القنا. # ولما صارت هذه الأماكن بعد الخراب لا متصرف فيها ظاهرا إلا الله، ولا ~~حاكم عليها فيما تنظره العيون سواه، وكان هذا أمرا # PageV14P329 # عظيما، وخطبا جسيما، لأنه لا فرق فيه بين جليل وحقير، وصغير وكبير، ~~وسلطان ووزير، دل على ضخامته بقوله مكررا لمظهر العظمة: {وكنا} أي أزلا ~~وأبدا {نحن} لا غيرنا {الوارثين*} لم يستعص علينا أحد وإن عظم، ولا تأخر عن ~~مرادنا لحظة وإن ضخم، فليت شعري! أين أولئك الجبارون وكيف خلا دورهم، وعطل ~~قصورهم؟ المتكبرون أفنتهم والله كؤوس الحمام منوعة أشربة المصائب العظام، ~~وأذلتهم مصارع الأيام، بقوة العزيز العلام، فيا ويح من لم ms3476 يعتبر بأيامهم، ~~ولم يزدجر عن مثل آثامهم. # PageV14P330 # ولما أظهر سبحانه سوط العذاب بيد القدرة، دل على وطأ العدل بثمرة الغنى، ~~ولكونه في سياق الرحمة بالإرسال عبر بالربوبية فقال: {وما كان} أي كونا ما ~~{ربك} أي المحسن إليك بالإحسان بإرسالك إلى الناس {مهلك القرى} أي هذا ~~الجنس كله بجرم وإن عظم {حتى يبعث في أمها} أي أعظمها وأشرفها، لأن غيرها ~~تبع لها، ولم يشترط كونه من أمها فقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام من ~~الناصرة، وبعث في بيت المقدس {رسولا يتلوا عليهم} أي أهل القرى كلهم ~~{آياتنا} الدالة - بما لها من الجري على مناهيج العقول، على ما ينبغي لنا ~~من الحكمة، وبما لها من الإعجاز - على تفرد الكلمة، باهر العظمة، إلزاما ~~للحجة، وقطعا للمعذرة، لئلا يقولوا {ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا} ولذلك ~~لما أردنا عموم الخلق بالرسالة جعلنا الرسول من أم القرى كلها، وهي مكة ~~البلد الحرام، وفيها لأنها مع كونها مدينة تجري فيها الأمور على قانون ~~الحكمة هي في بلاد البوادي تظهر فيها الكلمة، فجمعت الأمرين لأن المرسل ~~إليها جامع، وجازت الأثرين لأن الختام به واقع، وكان السر في جعل المؤيد ~~لدينه عيسى عليهما الصلاة والسلام من البادية كثرة ظهور الكلمة على يديه. # ولما غيى الإهلاك بالإرسال تخويفا، ضرب له غاية أخرى تحريرا للأمر ~~وتعريفا، ولكونه في سياق التجرؤ من أهل الضلال، على مقامه العال، بانتهاك ~~الحرمات، عبر بأداة العظمة فقال: {وما كنا} أي بعظمتنا وغنانا {مهلكي ~~القرى} أي كلها، بعد الإرسال {إلا وأهلها ظالمون*} أي عريقون في الظلم ~~بالعصيان، بترك ثمرات الإيمان. # ولما اعتلوا في الوقوف عن الإيمان بخوف التخطف، فذكرهم نعمته عليهم ~~بإقامة أسباب الأمن وإدرار الرزق، وعرفهم أنه هو وحده الذي تخشى سطواته، ~~ويتقي أخذه لمن خالفه وبطشاته، وكان خوفهم من عواقب المتابعة إما على ~~أنفسهم وإما على ما بأيديهم من المتاع، علم من ذلك كله قطعا أن التقدير بما ~~سبب التخويف من عواقب الظلم بمثل مصارع الأولين: فأنفسكم في خطر من خوف ~~الهلاك من القادر عليكم ms3477 كقدرته على من قبلكم بسبب التوقف عن المتابعة أشد ~~من خطر # PageV14P330 # الخوف من التخطف بسبب المتابعة، أو يكون التقدير: فما خفتم منه التخطف ~~غير ضائركم، وكفكم عن المتابعة لأجله غير مخلدكم، فما إهلاككم على الله بأي ~~وجه كان - بعزيز، فعطف على هذا الذي أرشد السياق إلى تقديره قوله: {وما ~~أوتيتم} أي من أي مؤت كان {من شيء} أي من هذه الأشياء التي بأيدكم وغيرها ~~{فمتاع} أي فهو متاع {الحياة الدنيا} وليس يعود نفعه إلى غيرها، فهو إلى ~~نفاد وإن طال زمن التمتع به {وزينتها} أي وهو زينة الحياة الدنيا التي هي ~~كلها - فضلا عن زينتها - إلى فناء، فليست هي ولا شيء منها بأزلي ولا أبدي ~~{وما عند الله} أي الملك الأعلى مما تثمره لكم المتابعة من الثواب الذي ~~وعدكموه في الدار الآخرة التي دل عليها دلالة واضحة إطباقكم على وصف هذه ~~بالدنيا، ومن أصدق وعدا منه {خير} على تقدير مشاركة ما في الدنيا له في ~~الخيرية في ظنكم، لأن الذي عنده أكثر وأطيب وأظهر، وأحسن وأشهى، وأبهج ~~وأزهى، {و} هو مع ذلك كله {أبقى} لأنه وإن شارك متاع الدنيا في أنه لم يكن ~~أزليا فهو أبدي. # فلما بان أنه لا يقدم على خطر المخالفة المذكور خوفا من خطر المتابعة ~~الموصوف عاقل، توجه الإنكار عليهم في قوله تعالى: {أفلا تعقلون*} . # ولما كان هذا سببا لأن ظهر كالشمس بون عظيم بين حال المخالف والمؤالف، ~~سبب عنه وأنتج قوله، مقررا لما ذكر من الأمرين # PageV14P331 # موضحا لما لهما من المباينة، منكرا على من سوى بينهما، فكيف بمن ظن أن ~~حال المخالف أولى: {أفمن وعدناه} على عظمتنا في الغنى والقدرة والصدق ~~{وعدا} وهو الإثابة والثواب {حسنا} لا شيء أحسن منه في موافقته لأمنيته ~~وبقائه {فهو} بسبب وعدنا الذي لا يخلف {لاقيه} أي مدركه ومصيبه لا محالة ~~{كمن متعناه} أي بعظمتنا {متاع الحياة الدنيا} فلا يقدر أحد غيرنا على سلبه ~~منه بغير إذن منا، ولا يصل أحد إلى جعله باقيا، وهو مع كونه فانيا وإن طال ms3478 ~~زمنه مشوب بالأكدار، مخالط بالأقذار والأوزار {ثم هو} مع ذلك كله {يوم ~~القيامة} الذي هو يوم التغابن، من خسر فيه لا يربح أصلا، ومن هلك لا يمكن ~~عيشه بوجه {من المحضرين*} أي المقهورين على الحضور إلى مكان يود لو افتدى ~~منه بطلاع الأرض ذهبا، فإن كل من يوكل به لحضور أمر يتنكد على حسب مراتب ~~التوكيل كائنا من كان في أي أمر كان. # ولما كان اليوم وإن كان واحدا يتعدد بتعدد أوصافه، بما يقع في أثناءه ~~وأضعافه، على يوم القيامة تهويلا لأمره، وتعظيما لخطره وشره، قوله مقررا ~~لعجز العباد، عن شيء من الإباء في يوم العباد: # PageV14P332 # {ويوم يناديهم} أي ينادي الله هؤلاء الذين يغرون بين الناس ويصدون عن ~~السبيل، ويتعللون في أمر الإيمان، وتوحيد المحسن الديان {فيقول} أي الله: ~~{أين شركاءي} أي من الأوثان وغيرهم؛ ثم بين أنهم لا يستحقون هذا الاسم ~~بقوله: {الذين كنتم} أي كونا أنتم عريقون فيه {تزعمون*} ليدفعوا عنكم أو عن ~~أنفسهم. # ولما كان اسم الشريك يقع على من سواه الإنسان بآخر في شيء من الأشياء، ~~وكان الأتباع قد سووا المتبوعين الذين عبدوهم من الشياطين وغيرهم بالله ~~تعالى في الخضوع لهم، والطواعية في عبادة الأوثان، ومعاندة الهداة ~~ومعاداتهم، والصد عن أتباعهم، فكان اسم الشريك متناولا لهم، وكان بطش من ~~وقع الإشراك به يكون أولا بمن عد نفسه شريكا ثم بمن أنزله تلك المنزلة، ~~فتشوفت النفس إلى مبادرة الرؤساء بالجواب خوفا من حلول العقاب بهم وزيادتهم ~~بقيادتهم عليهم، فقيل: قالوا - هكذا الأصل، ولكنه أظهر إعلاما بالوصف الذي ~~أوجب لهم القول فقال: {قال الذين حق} أي ثبت ووجب {عليهم القول} أي وقع ~~عليهم معنى هذا الاسم وتناولهم، وهو العذاب المتوعد به بأعظم القول، وهم ~~أئمة الكفر، وقادة الجهل، بإنزالهم أنفسهم منزلة الشركاء، وأفهم بإسقاط ~~الأداة كعادة أهل القرب والتعبير بوصف الإحسان # PageV14P333 # أنهم وصلوا بعد السماجة والكبر إلى غاية الترقق والذل، فقال معبرا عن ~~قولهم: {ربنا هؤلاء} إشارة إلى الأتباع {الذين أغوينا} أي أوقعنا الإغواء ~~وهو الإضلال بهم بما ms3479 زينا لهم من الأقوال التي أعاننا على قبولهم أنها منا، ~~مع كونها ظاهرة العوار، واضحة العار، ما خولتنا فيه في الدنيا من الجاه ~~والمال؛ ثم استأنفوا ما يظنون أنه يدفع عنهم فقالوا: {أغويناهم} أي فغووا ~~باختيارهم {كما غوينا} أي نحن لما أغوانا بما زين لنا من فوقنا حتى ~~تبعناهم، لم يكن هناك إكراه منا ولا إجبار، مع ما أتاهم من الرسل ولهم من ~~العقول، كما غوينا نحن باختيارنا، لم يكن ممن فوقنا إجبار لنا كما قال ~~إبليس # {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} [إبراهيم: 22]- ~~فالآية من الاحتباك: حذف أولا {فغووا} لدلالة {غوينا} عليه، وثانيا «لما ~~أغوانا، من قبلنا» لدلالة {أغويناهم} عليه ومرادهم، بقولهم هذا السفساف أنه ~~لا لوم علينا في الحقيقة بسببهم، وهذا معنى قولهم: {تبرأنا إليك} أي من ~~أمرهم، فلا يلزمنا عقوبة بسببهم، فهو تقرير لما قبل وتصريح به. # ولما كان يعلمون أنهم غير مؤمنين من أمرهم، تبرؤوا من انفرادهم # PageV14P334 # بإضلالهم، فقالوا لمن كأنه قال: ما وجه براءتكم وقد أقررتم باغوائهم؟ : ~~{ما كانوا إيانا} أي خاصة {يعبدون*} بل كانوا يعبدون الأوثان بما زينت لهم ~~أهواؤهم وإن كان لنا فيه نوع دعاء لهم إليه وحث عليه، فأقل ما نريد أن يوزع ~~العذاب على كل من كان سببا في ذلك كما في الآية الأخرى {فهل أنتم مغنون عنا ~~من عذاب الله من شيء} وضل عن الجهلة أن هذا لا يغنيهم عن الله شيئا، فإن ~~الكل في العذاب وليس يغني أحد منهم عن أحد شيئا، قال {لكل ضعف ولكن لا ~~تعلمون} . # PageV14P335 # ولما لم يلتفت إلى هذا الكلام منهم بل عد عدما، لأنه لا طائل تحته، أشير ~~إلى الإعراض عنه لأنه لا يستحق جوابا كما قيل «رب قول جوابه في السكوت» ~~بقوله: {وقيل} أي ثانيا للأتباع تهكما بهم وإظهارا لعجزهم الملزوم لتحسرهم ~~وعظم تأسفهم، وعبر بصيغة المجهول، إظهارا للاستهانة بهم، وأنهم من الذل ~~والصغار بحيث يجيبون كل أمر كائنا من كان: {ادعوا} أي كلكم {شركاءكم} أي ~~الذين ادعيتم ms3480 جهلا شركتهم ليدفعوا عنكم. وأضافهم هنا إليهم إشارة إلى أنهم ~~لم يستفيدوا زعمهم أنهم شركاء الله - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - إلا ~~أن # PageV14P335 # أشركوهم فيما صرفوا إليهم من أموالهم وأقوالهم، وأزمانهم وأحوالهم ~~{فدعوهم} تعللا بما لا يغني، وتمسكا بما يتحقق أنه لا يجدي، لفرط الغلبة ~~واستيلاء الحيرة والدهشة {فلم يستجيبوا لهم} كما يحق لهم بما لهم من وصف ~~عدم الإدراك، والعجز والهلاك {ورأوا} أي كلهم {العذاب} عالمين بأنه مواقعهم ~~لا مانع له عنهم، فكان الحال حينئذ مقتضيا لأن يقال من كل من يراهم: {لو ~~أنهم كانوا} أي كونا هو لهم صفة راسخة {يهتدون*} أي يحصل منهم هدى ساعة من ~~الدهر، تأسفا على أمرهم، وتمنيا لخلاصهم، أو لو أن ذلك كان في طبعهم لنجوا ~~من العذاب، أو لما رأوه أصلا، أو لما اتبعوهم. # ولما أشار إلى أنه لا خلاص من ذلك الردى إلا بالهدى، أتبعه الإعلام بأنه ~~لا يمكن أحدا هناك أن يفعل ما قد يروج على سائله كما يفعل في هذه الدار من ~~إظهار ما لم يكن مكررا لتهويل ذلك اليوم وتبشيعه وتعظيمه وتفظيعه، سائلا عن ~~حق رسله عليهم الصلاة والسلام بعد السؤال عن حقه سبحانه، مناديا بعجز ~~الشركاء في الأخرى كما كانوا عاجزين في الأولى {ويوم يناديهم} وهم بحيث ~~يسمعهم # PageV14P336 # الداعي، وينفذهم البصر، قد برزو الله جميعا من كان منهم عاصيا ومن كان ~~مطيعا في صعيد واحد، قد أخذ بأنفاسهم الزحام، وتراكبت الأقدام على الأقدام، ~~وألجمهم العرق، وعمهم الغرق {فيقول ماذا} أي أوضحوا أو عينوا جوابكم الذي ~~{أجبتم المرسلين*} أي به، ولما لم يكن لهم قدم صدق ولا سابق حق بما أتتهم ~~الرسل به من الحجج، وتابعت عليهم من الأدلة، لم يكن لهم جواب إلا السكوت، ~~وهو المراد بقوله: {فعميت} أي خفيت وأظلمت في غواية ولجاج {عليهم الأنباء} ~~أي الأخبار التي هي من العظمة بحيث يحق لها في ذلك اليوم أن تذكر، وهي التي ~~يمكن أن يقع بها الخلاص، وعداه بعلى إشارة إلى أن عماها وقع عليهم، فعم ms3481 ~~الكل العمى فصاروا بحيث لا تهتدي الأنباء لعماها إليهم لتجددها، ولا يهتدون ~~إليها لانتشار عماها إليهم، وهذا كله إشارة إلى أنهم لم يقدموا عملا في ~~إجابة الرسل بحق أن يذكر في ذلك اليوم، بل أسلفوا من التكذيب والإساءة ما ~~يودون لو أن بينهم وبينه أمدا بعيدأ، وقال: {يومئذ} تكريرا لتخويف ذلك ~~اليوم وتهويله، وتقريرا لتعظيمه وتبجيله. # PageV14P337 # ولما تسبب عن هذا السؤال السكوت علما منهم بأنه ليس عند أحد منهم ما يغني ~~في جوابه من حسن القول وصوابه، وأنهم لا يذكرون شيئا من المقال إلا عاد ~~عليهم بالوبال، قال مترجما عن ذلك: {فهم لا يتساءلون*} أي لا يسأل أحد منهم ~~أحدا عن شيء يحصل به خلاص، لعلمهم أنه قد عمهم الهلاك، ولات حين مناص، ولأن ~~كل منهم أبغض الناس في الآخر. # ولما علم بهذه الآيات حال من أصر على كفره وعمل سيئا بطريق العبارة، ~~وأشير إلى حال من تاب فوعد الوعد الحسن ألطف إشارة تسبب عن ذلك التشوف إلى ~~التصريح بحالهم، فقال مفصلا مرتبا على ما تقديره: هذا حال من أصر على كفره ~~{فأما من تاب} أي عن كفره وقال: {وآمن} تصريحا بما علم التزاما، فإن الكفر ~~والإيمان ضدان، لا يمكن ترك أحدهما إلا بأخذ الآخر {وعمل} تصديقا لدعواه ~~باللسان {صالحا} . # ولما كانت النفس نزاعة إلى النقائص، مسرعة إلى الدنايا، أشير إلى صعوبة ~~الاستمرار على طريق الهدى إلا بعظيم المجاهدة بقوله: {فعسى} أي فإنه يتسبب ~~عن حاله هذا الطمع في {أن يكون} أي كونا هو في غاية الثبات {من المفلحين*} ~~أي الناجين من شر ذلك اليوم، الظافرين # PageV14P338 # بجميع المراد، باستمرارهم على طاعتهم إلى الموت، وإنما لم يقطع له ~~بالفلاح وإن كان مثل ذلك في مجاري عادات الملوك قطعا، إعلاما بأنه لا يجب ~~سبحانه شيء ليدوم حذره، ويتقي قضاؤه وقدره، فإن الكل منه. # ولما كان كأنه قيل: ما لأهل القسم الأول لا يتوخون النجا من ضيق ذلك ~~البلا، إلى رحب هذا الرجا، وكان الجواب: ربك منعهم من ذلك، أو ما لم يقطع ms3482 ~~لأهل هذا القسم بالفلاح كما قطع لأهل القسم الأول بالشقاء؟ وكان الجواب: إن ~~ربك لا يجب عليه شيء عطف عليه - إشارة إليه قوله {وربك} أي المحسن إليك، ~~بموافقة من وافقك ومخالفة منخالفك لحكم كبار، دقت عن فهم أكثر الأفكار ~~{يخلق ما يشاء} من الهدى الضلال وغيرهما، لأنه المالك المطلق لا مانع له من ~~شيء من ذلك {ويختار} أي يوقع الاختيار، لما يشاء فيريد الكفر للأشرار، ~~والإيمان للأبرار، لا اعتراض عليه، فربما ارتد أحد ممن أظهر المتاب، لما ~~سبق عليه من الكتاب، فكان من أهل التباب فلا تأس على من فاتك كائنا من كان، ~~واعلم أنه ما ضر إلا نفسه، # PageV14P339 # ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته. # ولما أفهم هذا أن غيره سبحانه إذا أراد شيئا لم يكن إلا أن يوافق مراده ~~تعالى، صرح به بقوله: {ما كان لهم الخيرة} أي أن يفعلوا أو يفعل لهم كل ما ~~يختارونه من إتيان الرسول بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام أو ~~غيره، اسم من الاختيار، يقام مقام المصدر، وهو أيضا اسم المختار، فهو تعبير ~~بالمسبب عن السبب لأنه إذا خلى عنه كان عقيما فكان عدما، قال الرازي في ~~اللوامع: وفيه دليل على أن العبد في اختياره غير مختار، فلهذا أهل الرضى ~~حطوا الرحال بين يدي ربهم، وسلموا الأمور إليه بصفاء التفويض، يعني فإن ~~أمرهم أو نهاهم بادروا، وإن أصابهم بسهام المصائب العظام صابروا، وإن أعزهم ~~أعزوا أنفسهم وأكرموا، وإن أذلهم رضوا وسلموا، فلا يرضيهم إلا ما يرضيه، ~~ولا يريدون إلا ما يريده فيمضيه: # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم # أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم # وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن أكرم # ولما كان إيقاع شيء على غير مراده نقصا، وكان وقوع الشرك # PageV14P340 # سفولا وعجزا، قال تعالى مشيرا إلى نتيجة هذه الآيات في نفي ذلك عنه: ~~{سبحان الله} أي تنزه الجامع لصفات الكمال عن أن يختار أحد شيئا لا يريده ~~فيص إليه ms3483 أو يقع بوجه عليه {وتعالى} أي علا علو المجتهد في ذلك، فعلوه لا ~~تبلغ العقول بوجه كنه هداه {عما يشركون*} لأنه لا إرادة لما ادعوهم شركاء، ~~ولو كانت لهم إرادة لتوقف إنفادها لعجزهم على إيجاد الخالق. # ولما كانت القدرة لا تتم إلا بالعلم، قال: {وربك} أي المحسن إليك المتولي ~~لتربيتك، كما هو بالغ القدرة، فهو شامل العلم {يعلم ما تكن} أي تخفي وتستر ~~{صدورهم} من كونهم يؤمنون على تقدير أن تأتيهم آيات مثل آيات موسى أو لا ~~يؤمنون، ومن كون ما أظهر من أظهر منهم الإيمان بلسانه خالصا أو مشوبا. # ولما كان علم الخفي لا يستلزم علم الجلي إما لبعد أو لغط أو اختلاط أصوات ~~يمنع تمييز بعضه عن بعض أو غير ذلك قال: {وما يعلنون*} أي يظهرون، كل ذلك ~~لديه سواء، فلا يكون لهم مراد إلا بخلقه. # ولما كان علمه بذلك إنما هو لكونه إلها، وكان غيره لا يعلم من علمه إلا ~~ما علمه، عبر عن ذلك بقوله: {وهو الله} أي المستأثر بالإلهية الذي لا سمي ~~له، الذي لا يحيط الوصف من عظمته بأكثر من أنه عظيم على الإجمال، وأما ~~التفاصيل كلها أو أقلها فهيهات هيهات؛ # PageV14P341 # ثم شرح معنى الاسم الأعظم بقوله {لا إله إلا هو} ثم علل ذلك بقوله: {له} ~~أي وحده {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {في الأولى والآخرة} وليس ذلك ~~لشيء سواه إن آمنوا أو كفروا {وله} أي وحده {الحكم} أي إمضاء القضاء على ~~الإطلاق، فلو أراد لقسرهم على الإيمان {وإليه} أي لا إلى غيره {ترجعون*} أي ~~بأيسر أمر يوم النفخ في الصور، لبعثرة القبور، بالبعث والنشور، ومع أنكم ~~الآن أيضا راجعون في جميع أحكامكم إليه ومقصورون عليه، إن شاء أمضاها، وإن ~~أراد ردها ولواها، ففي الايات غاية التقوية لقلوب المطيعين، ونهاية الزجر ~~والردع للمتمردين، بالتنبيه على كونه قادرا على جميع الممكنات، علما بكل ~~المعلومات، منزها عن النقائص والآفات يجزي الطائعين والعاصين بالقسط. # PageV14P342 # ولما قامت على القدرة الشاملة والعلم التام وأنه الإله وحده إن وحدوا أو ms3484 ~~الحدوا هذه الأعلام على هذا النظام، أقام دليلا دالا على ذلك كله بما اجتمع ~~فيه من العلم والحكمة وتمام القدرة، منبها على وجوب حمده مفصلا لبعض ما ~~يحمد عليه، فقال مقدما الليل لأن آيته عدمية، وهي أسبق: {قل} لمن ربما ~~عاندوا في ذلك، منكرا عليهم ملزما لهم، وعبر بالجمع لأنه أدل على الإلزام، ~~أعظم في الإفحام، # PageV14P342 # فقال: {أرءيتم} أي أخبروني {إن جعل الله} أي الملك الأعلى نظرا إلى مقام ~~العظمة والجلال {عليكم الليل} الذي به اعتدال حر النهار {سرمدا} أي دائما، ~~وقال: {إلى يوم القيامة} تنبيها على أنه مما لا يتوجه إليه إنكار {من إله ~~غير الله} العظيم الشأن الذي لا كفوء له. # ولما كان النور نعمة في نفسه، ويعرف به خالقه، صرح به وطوى أثره فقال: ~~{يأتيكم بضياء} أي يولد نهارا تنتشرون فيه، ولقوة إعلامه بالقدرة وتعريفه ~~بالله عبر بهذا دون يؤتيكم ضياء، ولما كان الليل محل السكون ومجمع الحواس، ~~فهو أمكن للسمع وأنفذ للفكر، قال تعالى: {أفلا تسمعون*} أي ما يقال لكم ~~إصغاء وتدبر، كما يكون لمن هو في الليل فينتفع بسمعه من أولي العقل {قل ~~أرءيتم إن جعل الله} أي الذي له الأمر كله بجلاله وباهر كماله {عليكم ~~النهار} الذي توازن حرارته رطوبة الليل فيتم بهما صلاح النبات، وغير ذلك من ~~جميع المقدرات {سرمدا} أي دائما، من السرد، وهو المتابعة بزيادة الميم ~~مبالغة فيه {إلى يوم القيامة} أي الذي لا يسمع عاقلا إنكاره {من إله غير ~~الله} الجليل الذي ليس له مثيل، وهو على كل شيء وكيل. # PageV14P343 # ولما كان الظلام غير مقصود في نفسه، وكان بعد الضياء في غاية التعريف ~~بموحده، عدل عن اسمه فقال معبرا لمثل ما مضى: {يأتيكم بليل} أي ينشأ من ~~ظلام؛ ثم بين بما يدل على ما حذفه من الأول فقال: {تسكنون فيه} فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الضياء أولا دليلا على حذف الظلام ثانيا، والليل والسكون ~~ثانيا دليلا على حذف النهار والانتشار أولا. # ولما كان الضياء مما ينفذ فيه البصر قال: {أفلا تبصرون*} ms3485 أي بالبصر ~~والبصيرة كيف تنقشع جلابيب الظلام، عن وجوه الضياء الغر الكرام، ثم تتقنع ~~بسواد أردية الحياء، وجوه الأنوار والضياء قال ابن هبيرة: قال المبرد: ~~سلطان السمع في الليل وسلطان البصر في النهار. # ولما كان التقدير: فمن حكمته جعل لكم السمع والأبصار، لتتدبروا آياته، ~~وتتبصروا في مصنوعاته، عطف عليه {ومن رحمته} أي التي وسعت كل شيء لا من ~~غيرها من خوف أو رجاء أو تعلق غرض من الأغراض {جعل لكم الليل والنهار} ~~آيتين عظيمتين دبر فيهما وبهما جميع مصالحكم، وادخر معظم رحمته إلى الآخرة، # PageV14P344 # ومحا آية الليل {لتسكنوا فيه} أي فلا تسعوا في معاشكم {و} جعل آية النهار ~~مبصرة {لتبتغوا من فضله} بأن تسعوا في معاشكم بجهدكم، فالآية من الاحتباك: ~~ذكر أولا السكون دليلا على حذف السعي في المعاش ثانيا، والابتغاء ثانيا ~~دليلا على حذف عدم السعي في المعاش أولا. # ولما ذكر هذه النعمة التي أسبغها من هذه الرحمة، وذكر علة جعله لها على ~~الصفة المذكورة، ذكر علة أخرى هي المقصودة بالذات لأنها نتيجة السمع والبصر ~~اللذين، قدم الحث على استعمالهما فقال: {ولعلكم تشكرون*} أي وليكون حالكم ~~حال من يرجى منه الشكر بما يتجدد لكم بتقبلهما من النعم المتوالية المذكورة ~~بالمنعم، وبما دبر لكم رفقا بكم فيما كفلكم به في دار الأسباب من أمر ~~المعاش والمعاد من الراحة بالسكون إثر ما أفادكم من الأرباح والمنح ~~بالانتشار والتقلب، وأما الآخرة فلما كانت غير مبينة على الأسباب، وكان ~~الجنة لا تعب فيها بوجه من الوجوه، كان لا حاجة فيها إلى الليل. # ولما ذكر ما للمفلح من الرجاء في يوم الجزاء، وأتبعه الإعلام بأن الهداية ~~إلى الفلاح إنما هي به، ودل على ذلك إلى أن ذكر ايام الدنيا المشتملة على ~~الليل والنهار على وجه دال على وحدانيته، معلم بالقدرة # PageV14P345 # على البعث بعد الموت بتكرير إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه وتكرير إماتة ~~الناس بالنوم، ثم نشرهم باليقظة، وختم ذلك بالشكر إشارة إلى أنه سبب ~~الفلاح، عاد إلى يوم الجزاء الذي تظهر فيه ثمرة ms3486 ذلك كله، مقرعا على الإشراك ~~مع ظهور هذه الدلائل على التوحيد، وعدم شبهة قائمة على الشرك غير محض ~~التقليد، فقال منبها على عجزهم عن البرهان عند استحقاق البرهان في يوم ~~التناد، لمحضر من الأشهاد، مع ما فيه من التأكيد للتهويل بالتكرير، ~~والتاطيد للتهليل والتقرير: {ويوم يناديهم} أي هؤلاء الذي يظنون أنهم ~~معجزون {فيقول} بلسان الغضب والإخزاء والتوبيخ وقد جمعوا جمعا: {أين ~~شركاءي} وكرر الإشارة إلى أن إشراكهم إنما هو بالاسم لا معنى فيه أصلا ~~فقال: {الذين كنتم} أي بغاية جهدكم حتى صار لكم ذلك لمكة {تزعمون*} بلا ~~شبهة لكم في ذلك عند التحقق أصلا. # ولما ذكر الدليل الأول من الدليل على إبطال الشركة أن الشركاء لم ~~يستجيبوا لهم ولا كانت لهم قدرة على نصرهم ولا نصر أنفسهم، وكان ربما قيل: ~~إن ذلك الشيء عبر العجز، دل هنا على الإشراك لا شبهة دليل فقال صارفا بقول ~~إلى مظهر التكلم بأسلوب العظمة لأنه مجرد فعال {ونزعنا} أي أفردنا بقوة ~~وسطوة {من كل أمة شهيدا} # PageV14P346 # أي وهو رسولهم، فشهد عليهم بأعمالهم وما كانوا فيه من الارتباك في أشراك ~~الإشراك. # ولما تسبب عن ذلك سؤالهم عن سندهم في إشراكهم قال: {فقلنا} أي للأمم: ~~{هاتوا برهانكم} أي دليلكم القطعي الذي فزعتم في الدنيا إليه، وعولتم في ~~شرككم عليه، كما هو شأن ذوي العقول أنهم لا يبنون شيئا على غير أساس ~~{فعلموا} بسبب هذا السؤال لما اضطروا ففتشوا واجتهدوا فلم يجدوا لهم سندا ~~أصلا {أن الحق} أي في الإلهية {لله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ولا ~~مكافىء له، لا شركة لشيء معه {وضل} أي غاب وبطل غيبة الشيء الضائع {عنهم ما ~~كانوا} أي كونا هو كالجبلة لهم {يفترون*} أي يقولونه قول الكاذب المتعمد ~~للكذب لكونه لا دليل عليه ولا شبهة موجبة للغلط فيه. # PageV14P347 # ولما دل على عجزهم في تلك الدار، وعلمهم أن المتصرف في جميع الأقدار، ~~إنما هو الواحد القهار، دل على أن ذلك له أيضا في هذه الدار وقوع العلم به ~~بإهلاك أولي ms3487 البطر، والمرح والأثر، من غير أن يغنوا عمن أضلوا، أو يغني ~~عنهم من أضلهم من ناطق، وما أضلهم من # PageV14P347 # صامت، تطبيقا لعموم {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} على بعض الجزئيات، ~~تخويفا لمن كذب النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما من نسبه إلى السحر، ~~وإعلاما بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقاطعون الأشقياء وإن كانوا ~~أقرب الأقرباء، لأنه سبحانه عذب قارون ومن كان معه بعذاب لم يسبقهم فيه ~~أحد، وهم من بني إسرائيل ومن أقرب بني إسرائيل إلى موسى عليه الصلاة ~~والسلام، فعلم كان من كان اغتر بما أوتيه أن الحق لله في كل ما دعت إليه ~~رسله، ونطقت به كتبه، وضل عنهم ما كانوا يفتقرون، ولم يغن عنهم شيئا ما ~~اعتمدوا عليه، فكان معبودهم في الحقيقة مما جمعوه من حطام الدنيا فاعتدوا ~~أنهم نالوا به السعادة الدائمة والعز الباقي، فكان مثله - كما يأتي في التي ~~بعده - كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وكل ذلك بمرأى من موسى عليه الصلاة ~~والسلام حين كذبه ونسبه إلى السحر وتكبر عليه، فلم يسأل الله تعالى فيه ~~لخروجه باستكباره من الوعد بالمنة على الذين استضعفوا في الأرض، وكان ذلك ~~العذاب الذي عذبوا به من جنس ما عذب به فرعون في الصورة من حيث إنه تغييب ~~وإن كان ذلك في مائع، وهذا صلب جامد، ليعلم أنه قادر على ما يريد، ليدوم # PageV14P348 # منه الحذر، فيما سبق منه القضاء والقدر، ونزع موسى عليه الصلاة والسلام ~~من كل سبط من أسباط بني إسرائيل شهيدا من عصبهم وقال لهم: هاتوا برهانكم ~~فيها، فعلموا بإبراق عصا هاورن عليه الصلاة والسلام دون عصيهم أن الحق لله ~~في أمر الحبورة وفي جميع أمره فقال: {إن قارون} ويسمى في التوراة قورح، ثم ~~بين سبب التأكيد بقوله: {كان} أي كونا متمكنا {من قوم موسى} تنبيها على أنه ~~جدير بأن ينكر كونه كذلك لأنه فعله معهم لا يكاد يفعله أحد مع قومه، وذلك ~~أنه كان من الذين آمنوا به وقلنا فيهم {ونريد أن نمن على الذين} إلى ms3488 آخره، ~~لأنه ابن عم موسى عليه الصلاة والسلام على ما حكاه أبو حيان وغيره عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما {فبغى عليهم} أي تجاوز الحد في احتقارهم بما خولناه ~~فيه من هذا الحطام المتلاشي، والعرض الفاني، فقطع ما بينه وبينهم من ~~الوصلة، ووصل ما بينه وبين فرعون وأضرابه، من الفرقة، فأخرجه ذلك من حوزة ~~المنة والأمانة والوراثة إلى دائرة الهلاك والحقارة والخيانة، كما بغى ~~عليهم فرعون؛ وكان أصل «بغى» هذه: أراد، لكن لما كان العبد لا ينبغي أن ~~يكون # PageV14P349 # له إرادة، بل الإرادة لسيده كما نبه عليه {ما كان لهم الخيرة} ، جعلت ~~إرادته تجاوز الحد، وعديت ب «على» المقتضية للاستعلاء تنبيها على خروجها عن ~~أصلها. # ولما ذكر بغيه، ذكر سببه الحقيقي، فقال: {وآتيناه} أي ومع كوننا أنعمنا ~~عليه بجعله من حزب أصفيائنا آتيناه بعظمتنا {من الكنوز} أي الأموال ~~المدفونة المدخرة، فضلا عن الظاهرة التي هي بصدد الإنفاق منه لما عساه يعرض ~~من المهمات {ما} أي الذي أو شيئا كثيرا لا يدخل تحت حصر حتى {إن مفاتحه} أي ~~مفاتح الأغلاق التي هو مدفون فيما وراء أبوابها {لتنوء} أي تميل بجهد ومشقة ~~لثقلها {بالعصبة} أي الجماعة الكثيرة التي يعصب - أي يقوي - بعضهم بعضا، ~~وفي المبالغة بالتعبير بالكنوز والمفاتيح والنوء والعصبة الموصوفة ما يدل ~~على أنه أوتي من ذلك ما لم يؤته أحد ممن هو في عداده، وكل ذلك مما تستبعده ~~العقول، فلذلك وقع التأكيد {أولي القوة} أي تميلهم من أثقالها إياهم، ~~والنوء: الميل، قال الرازي: والنوء: الكوكب مال عن العين عند الغروب، يقال: ~~ناء بالحمل - إذا نهض به مثقلا، وناء به الحمل - إذا أماله لثقله. # PageV14P350 # ولما ذكر بغيه، ذكر وقته، والوقت قد يكون واسعا كما نقول: جرى كذا عام ~~كذا، وفيه التعرض للسبب فقال: {إذ قال له} وقال: {قومه} إشارة إلى تناهي ~~بغيه بافتخاره وكبره على أقاربه الذين جرت العادة أن لا يغضب كلامهم ولا ~~يؤرث التعزر عليهم ولا يحمل إلا على النصح والشفقة، وساغت نسبة القول للكل ~~وإن كان القائل البعض، ms3489 بدليل ما يأتي، إما عدا للساكت قائلا لرضاه به لأنه ~~مما لا يأباه أحد، وإما لأن أهل الخير هم الناس، ومن عداهم عدم: {لا تفرح} ~~أي لا تسر سرورا يحفر في قلبك فيتغلغل فيه فيحرفك إلى الأشر والمرح، فإن ~~الفرح بالعرض الزائل يدل على الركون إليه، وذلك يدل على نسيان الآخرة، وذلك ~~على غاية الجهل والطيش وقلة التأمل للعواقب، فيجر إلى المرح فيجر إلى ~~الهلاك، قال الرزاي: ومن فرح بغير مفروح به استجلب حزنا لا انقضاء له، ~~وعللوا نهيهم له بما يفهم أشد الشفقة والمحبة فقالوا مؤكدين لاستبعاد من ~~يرى تواصل النعم السارة على أحد أن يكون غير محبوب: {إن الله} أي الذي له ~~صفات الكمال فلا شيء أجل منه، فبه ينبغي أن يفرح {لا يحب} أي لا يعامل ~~معاملة المحبوب {الفرحين*} أي # PageV14P351 # الراسخين في الفرح بما يفنى، فإن فرحهم يدل على سفول الهمم. # ولما كان ترك الفرح سببا للزهد، وهو سبب القرب إلى الله، كان كأن قيل: ~~وازهد فيه إن الله يحب الزاهدين {وابتغ} أي اطلب طلبا تجهد نفسك فيه {فيما ~~آتاك الله} أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله من هذه الأموال حال تمكنك ~~{الدار الآخرة} بإنفاقه فيما يحبه الله بحيث يكون ابتغاؤك ذلك مظروفا له ~~فيكون كالروح والمؤتى كالجسد ليكون حيا بذلك الابتغاء، فلا يكون منه شيء ~~بغير حياة، فإن فعلك لذلك يذكرك أن هذه الدار دار قلعة وارتحال، وكل ما ~~فيها إلى زوال، وذلك يوجب الزهد في جميع ما فيها من الأموال. # ولما كان ذلك شديد المشقة على النفوس مع ما فيه من شائبة الاتهام قالوا: ~~{ولا تنس} أي تترك ترك الناسي {نصيبك من الدنيا} ترك المنسي، بل استعمل ~~المباحات من المآكل والملابس والمناكح والمساكن وما يلائمها، وليكن ~~استعمالك لذلك - كما دل عليه السياق - من غير إسراف ولا مخيلة توجب ترك ~~الاتصاف بالإنصاف؛ وعن # PageV14P352 # علي رضي الله عنه: ولا تنس صحتك وقوتك ونشاطك وغناك أن تطلب به الآخرة. # ولما أطلق له الاقتصاد في التمتع بالزاد، وكانت ms3490 النفس مجبولة على الشره، ~~فإذا أذن لها من الدنيا في نقير جعلته أكبر كبير، أتبعوا ذلك ما لعله يكف ~~من شرهها فقالوا: {وأحسن} أي أوقع الإحسان بدفع المال إلى المحاويج، ~~والإنفاق في جميع الطاعات {كما أحسن الله} أي الجامع لصفات الكمال، المتردي ~~برداء العظمة والجلال {إليك} بأن تعطي عطاء من لا يخاف الفقر كما أوسع ~~عليك. # ولما كانت النفس من شأنها إن لم تزم بزمام الشرع الإسراف والإجحاف، ~~قالوا: {ولا تبغ} أي لا ترد إرادة ما {الفساد في الأرض} بتقتير ولا تبذير، ~~ولا تكبر على عباد الله ولا تحقير، ثم أتبع ذلك علته مؤكدا لأن أكثر ~~المفسدين يبسط لهم في الدنيا، وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير محبوب، ~~فقيل: {إن الله} أي العالم بكل شيء، القدير على كل شيء {لا يحب المفسدين*} ~~أي لا يعاملهم معاملة من يحبه، فلا يكرمهم. # ولما كان مما قالوه أن الذي أعطاه ذلك إنما هو الله، وكان قد # PageV14P353 # أبطرته النعمة حتى على خالقه حتى حصل التشوف إلى جوابه فقيل في أسلوب ~~التأكيد لأن كل أحد يعلم من نفسه العجز، وأن غيره ينكر عليه فيما يدعي أنه ~~حصله بقوته: {قال إنما أوتيته} أي هذا المال {على علم} حاصل {عندي} فأنا ~~مستحق لذلك، وذلك العلم هو السبب في حصوله، لا فضل لأحد علي فيه - بما ~~يفيده التعبير بإنما، وبناء الفعل للمجهول إشارة إلى عدم علمه بالمؤتى من ~~هو، وقد قيل: إن ذلك العلم هو الكيمياء. # ولما كان التقدير: ألا يخاف أن يسلبه الله - عقوبة له على هذا - علمه ~~وماله ونفسه؟ ألم يعلم أن ذلك إنما هو بقدرة الله؟ لا صنع له في الحقيقة في ~~ذلك أصلا، لأن الله قد أفقر من هو أجل منه حيلة وأكثر علما، وأعطى أكثر منه ~~من لا علم له ولا قدرة، فهو قادر على إهلاكه، وسلب ما معه وإفنائه، كما قدر ~~على إيتائه، عطف عليه قوله منكرا عليه: {أولم يعلم أن الله} أي بما به من ~~صفات الجلال والعظمة والكمال {قد ms3491 أهلك} ونبه على أنه لم يتعظ مع مشاهدته ~~للمهلكين الموصوفين مع قرب الزمان بإدخال من في قوله: {من قبله} ولو حذفها ~~لاستغرق الإهلاك على ذلك الوصف جميع ما تقدمه من # PageV14P354 # الزمان {من القرون} أي الذين هم في الصلابة كالقرون {من هو أشد منه} أي ~~قرون {قوة} أي في البدن، والمعاني من العلم وغيره، والأنصار والخدم {وأكثر ~~جمعا} في المال والرجال، آخرهم فرعون الذي شاوره في ملكه، وحقق أمره يوم ~~مهم هلكه، وكان يستعبده أمثالة ويسومهم سوء العذاب، ولم يعاملهم معاملة من ~~يحبه ولا امتنع عليه ذلك لعلم عند أحد منهم ولا جمع، بل أخذهم لبغيهم وقبح ~~تقلبهم وسعيهم. # ولما كانت عادة أهل الدنيا أنهم إذا غضبوا من أحد فأرادوا إهلاكه عاتبوه، ~~فتارة يحلف على نفي الذنب فيقبل منه وإن كان كاذبا، وتارة يكشف الحال عن أن ~~باطن أمره على خلاف ما ظهر من شره، فيكون له عذر خفي، أشار سبحانه إلى أن ~~ذلك لا يفعله إلا جاهل بحقائق الأمور ومقادير ما يستحق على كل ذنب من ~~العقوبة، وأمل المطلع على بواطن الضمائر وخفايا السرائر فغني عن ذلك، فقال ~~تعالى ذاكرا لحال المفعول وهو {من} : {ولا} أي أهلكهم والحال أنهم لا ~~يسألون - هذا الأصل، ولكنه قال: {يسأل} أي من سائل ما {عن ذنوبهم ~~المجرمون*} فأظهر لإفادة أن الموجب للإهلاك الإجرام، وهو قطع ما ينبغي # PageV14P355 # وصله بوصل ما ينبغي قطعه، ولهذا سبب وعقب عن وعظهم الحسن وجوابه الخشن ~~قوله سبحانه دليلا على إجرامه، وطغيانه في آثامه: {فخرج على قومه} أي الذين ~~نصحوه في الإقتصاد في شأنه، والإكثار في الجود على إخوانه، ثم ذكر حاله ~~معظما لها بقوله: {في زينته} أي التي تناسب ما ذكرنا من أمواله، وتعاظمه في ~~كماله من أفعاله وأقوله. # ولما كان كأنه قيل: ما قال قومه؟ قيل: {قال الذين يريدون} أي هم بحيث ~~يتجدد منهم أن يريدوا {الحياة الدنيا} منهم لسفول الهمم وقصور النظر على ~~الفاني، لكونهم أهل جهل وإن كان قولهم من باب الغبطة لا من الحسد الذي ms3492 هو ~~تمني زوال نعمة المحسود: {يا ليت لنا} أي نتمنى تمنيا عظيما أن نؤت من أي ~~مؤت كان وعلى أي وجه كان {مثل ما أوتي قارون} من هذه الزينة وما تسببت عنه ~~من العلم، حتى لا نزال أصحاب أموال، ثم عظموها بقولهم مؤكدين لعلمهم أن من ~~يريد الآخرة ينكر عليهم: {إنه لذو حظ} أي نصيب وبخت في الدنيا {عظيم*} بما ~~أوتيه من العلم الذي كان سببا له إلى جميع هذا المال، ودل على جهلهم وفضل ~~العلم الرباني وحقارة ما # PageV14P356 # أوتي قارون من المال والعلم الظاهر الذي أدى إليه باتباعه قوله: {وقال ~~الذين} وعظم الرغبة في العلم بالبناء للمفعول إشارة إلى أنه نافع بكل ~~اعتبار وباعتبار الزهد، وبالتعبير عن أهل الزهد به فقال: {أوتوا العلم} أي ~~من قومه، فشرفت أنفسهم عن إرادة الدنيا علما بفنائها، زجرا لمن تمنى مثل ~~حاله، وشمرا إلى الآخرة لبقائها: {ويلكم} أي عجبا لكم، أو حل بكم الشر ~~حلولا، وأصل ويل، «وي» قال الفراء: جيء بلام الجر بعدها مفتوحة ما المضمر ~~نحو وي لك، ووي له، أي عجبا لك وله، ثم خلط اللام بوي لكثرة الاستعمال حتى ~~صارت كلام الكلمة فصار معربا بإتمامه ثلاثيا، فجاز أن يدخل بعدها لام أخرى ~~في نحو ويلا لك، لصيرورة الأول لام الكلمة، ثم نقل إلى باب المبتدأ فقيل: ~~ويل لك، وهو باق على ما كان عليه في حال النصب إذ الأصل في ويل لك: هلكت ~~ويلا، أي هلاكا فرفعوه بعد حذف الفعل نفضا لغبار الحدوث، وقيل: أصل ويل ~~الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى كما ~~استعمل لا أبا لك - وأصله الدعاء على الرجل - في الحث على الفعل، فكأنهم ~~قالوا: ما لنا يحل بنا الويل؟ فأخبروهم بما ينبغي معرضين # PageV14P357 # عما استحقوا به الويل من التمني، تحقيرا لما استفزهم حتى قالوه فقالوا: ~~{ثواب الله} أي الجليل العظيم {خير} أي من هذا الحطام، ومن فاته الخير حل ~~به الويل؛ ثم بينوا مستحقه تعظيما له وترغيبا للسامع في ms3493 حاله فقالوا: {لمن ~~آمن وعمل} أي تصديقا لإيمانه {صالحا} ثم بين سبحانه عظمة هذه النصيحة وعلو ~~قدرها بقوله مؤكدا لأن أهل الدنيا ينكرون كونهم غير صابرين: {ولا يلقاها} ~~أي لا يجعل لاقيا لهذا الكلمات أوالنصيحة التي قالها أهل العلم، أي عاملا ~~بها {إلا الصابرون*} أي على قضاء ربهم في السراء والضراء، والحاملون أنفسهم ~~على الطاعات الذين صار الصبر لهم خلقا، وعبر بالجمع ترغيبا في التعاون ~~إشارة إلى أن الدين لصعوبته لا يستقل به الواحد. # PageV14P358 # ولما تسبب عن نظره هذا الذي أوصله إلى الكفر بربه أخذه بالعذاب، أشار إلى ~~ذلك سبحانه بقوله: {فخسفنا} أي بما لنا من العظمة {به وبداره} أي وهي على ~~مقدار ما ذكرنا من عظمته بأمواله وزينته، فهي أمر عظيم، تجمع خلقا كثيرا ~~وأثاثا عظيما، لئلا يقول قائل: إن الخسف به كان للرغبة في أخذ أمواله ~~{الأرض} وهو من قوم موسى عليه الصلاة والسلام وقريب منه جدا - على ما نقله # PageV14P358 # أهل الأخبار - فإياكم يا أمة هذا النبي أن تردوا ما آتاكم من الرحمة ~~برسالته فتهلكوا وإن كنتم أقرب الناس إليه فإن الأنبياء كما أنهم لا يوجدون ~~الهدى في قلوب العدى، فكذلك لا يمنعونهم من الردى ولا يشفعون لهم أبدا، إذا ~~تحققوا أنهم من أهل الشقا {فما} أي فتسبب عن ذلك أنه ما {كان له} أي ~~لقارون، وأكد النفي - لما استقر في الأذهان أن الأكابر منصورون - بزيادة ~~الجار في قوله: {من فئة} أي طائفة من الناس يكرون عليه بعد أن هالهم ما ~~دهمه، وأصل الفئة الجماعة من الطير - كأنها سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعته ~~إلى المكان الذي ذهبت منه {ينصرونه} . # ولما كان الله تعالى أعلى من كل شيء قال: {من دون الله} أي الحائز لصفات ~~الكمال، المتردي بالعظمة والجلال، لأن من كان على مثل رأيه هلك، ومن كان من ~~أولياء الله راقب الله في أمره، فلم يسألوا الله فيه، وعلم هو أن الحق لله، ~~وضل عنه - كما في الآية التي قبلها - ما كان يفتري {وما كان} أي هو {من ms3494 ~~المنتصرين*} لأنفسهم بقوتهم. ولما خسف به فاستبصر الجهال الذين هم كالبهائم ~~لا يرون إلا المحسوسات، عبر عن حالهم بقوله: {وأصبح} أي # PageV14P359 # وصار، ولكنه عبر به لمقابلة الأمس، وإعلاما بأن ما رأوا من حاله ملأ ~~صدورهم فلم يكن لهم هم سواه {الذين تمنوا} أي أرادوا إرادة عظيمة بغاية ~~الشغف أن يكونوا {مكانه} أي يكون حاله ومنزلته في الدنيا لهم {بالأمس} أي ~~الزمان الماضي القريب وإن لم يكن يلي يومهم الذي هم فيه من قبله {يقولون ~~ويكأن} هذه الكلمة والتي بعدها متصلة بإجماع المصاحف، وعن الكسائي أنه يوقف ~~على الياء من وى، وعن أبي عمرو أنه يوقف على الكاف: ويك، قال الرضي في شرح ~~الحاجبية: وي للتندم أو للتعجب، ثم قال: وهو عند الخليل وسيبويه «وي» ~~للتعجب، ركبت مع «كأن» التي للتشبيه، وقال الفراء: كلمة تعجب ألحق بها كاف ~~الخطاب نحو ويك عنتر أقدم، أي من قوله في قصيدته الميمية المشهورة إحدى ~~المعلقات السبع: # ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم # أي ويلك وعجبا منك، وضم إليها «أن» فالمعنى: ألم تر أنه، ونقل ابن الجوزي ~~هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال الفراء: ولما صار معنى ويكأن ألم تر، ~~لم تغير كاف الخطاب للمؤنث والمثنى والمجموع بل لزم حالة واحدة، وقال ~~الجعبري في شرح الشاطبية: وي صوت يقوله المتندم والمتعجب، وويك أصله ويلك، ~~حذفت # PageV14P360 # لامه تخفيفا لكثرة دوره؛ والكاف للخطاب وفتحت «أن» لإضمار العلم؛ وقال ~~قطرب: لتقدير اللام، ونشأ من التركيب معنى: ندمنا على تفريطنا، وتعجبنا من ~~حالنا، وتحققنا خلاف اعتقادنا، ورسمت متصلة تنبيها على التركيب، وقال ~~القزاز في ديوانه الجامع: ويك كلمة ينبه بها الإنسان، وقيل: معناها رحمة، ~~ووي معناها التنبيه والإنكار، وقال الإمام عبد الحق: وي كلمة تقال في ~~التعجب والاستدراك، وقيل: وي حزن، وقال قطرب: وي كلمة تفجع - انتهى. وقال ~~سيبويه في باب ما ينتصب فيه الخبر بعد الأحرف الخمسة: وسألت الخليل عن هذه ~~الآية فزعم أنها وي مفصولة من كأن والمعنى وقع على أن ms3495 القوم انتبهوا ~~فتكلموا على قدر علمهم، أو نبهوا فقيل لهم: أما يشبه أن يكون هذا عندكم ~~هكذا - والله تعالى أعلم، وأما المفسرون: فقالوا: ألم تر أن الله. فالمعنى ~~الذي يجمع الأقوال حينئذ: تعجبا أو ويلا أو تندما على ما قلنا في تبين ~~غلطنا، وتنبيها على الخطأ، أو هلاك لنا، إو إنكار علينا، أو حزن لنا، أو ~~تفجع علينا، أو استدراك علينا، أو رحمة لنا، أو تنبه منا، أو تنبيه لنا، ثم ~~عللوا ذلك بقولهم: أن الله، أو يشبه أن الله، # PageV14P361 # أو ألم تر أيها السامع والناظر أن الله، وقال الرازي: اسم سمي به القول، ~~أي أعجب، ومعناه التنبيه؛ ثم ابتدأ كأن {الله} أي الملك الأعلى الذي له ~~الأمر كله {يبسط الرزق} أي الكامل {لمن يشاء} سواء كان عنده ما يحتال به ~~على الرزق أم لا. # ولما كانت القصة لقارون، وكان له من المكنة في الدنيا ما مضى ذكره، وكانت ~~العادة جارية بأن مثله يبطر وقد يؤدي إلى تألهه، قال منبها بالإيقاع به على ~~الوجه الماضي أنه من جملة عبيده، لا فرق بينه وبين أضعفهم بالنسبة إلى ~~قدرته: {من عباده} . # ولما دل على أن البسط إنما هو منه، أتبعه قوله دليلا آخر على ربوبيته: ~~{ويقدر} أي يضيق على من يشاء سواء كان فطنا أم لا، لا يبسطه لأحد لكرامته ~~عليه، ولا يضيق على أحد لهوانه عنده، ولا يدل البسط والقبض على هوان ولا ~~كرامة، وهذا دليل على أنهم ظنوا صحة قول قارون أنه أوتيه على علم عنده، ~~وأنهم إنما تمنوا علمه الذي يلزم منه على اعتقادهم حصول المال على كل حال. # ولما لاح لهم من واقعته أن الرزق إنما هو بيد الله، أتبعوه ما دل على ~~أنهم اعتقدوا أيضا أن الله قادر على ما يريد من غير الرزق كما # PageV14P362 # هو قادر على الرزق من قولهم: {لولا أن من الله} أي تفضل الملك الأعظم ~~الذي استأثر بصفات الكمال {علينا} بجوده، فلم يعطنا ما تمنيناه من الكون ~~على مثل حاله {لخسف بنا} مثل ms3496 ما خسف به {ويكأنه} أي عجبا أو ندما لأنه، أو ~~يشبه أنه، أو ألم تر أنه، قال الرضي في شرح الحاجبية: كأن المخاطب كان يدعى ~~أنهم يفلحون فقال لهم: عجبا منك، فسئل: لم تتعجب منه؟ فقال: لأنه - إلى ~~آخره، فحذف حرف الجر مع «أن» كما هو القياس. # {لا يفلح} أي يظفر بمراد {الكافرون*} أي العريقون في الكفر لنعمة الله، ~~وقد عرف بهذا تنزيل المعنى على ما قالوه في المراد من ويكأنه، سواء وقف على ~~وي أو يك أو لا. # ذكر شرح هذه القصة: قال البغوي: قال أهل العلم بالأخبار: كان قارون أعلم ~~بني إسرائيل بعد موسى عليه الصلاة والسلام وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم ~~فبغى وطغى، وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه ~~الصلاة والسلام أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة، في كل طرف منها خيطا ~~أخضر بلون السماء يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء ويعلمون أني منزل منها ~~كلامي، # PageV14P363 # فقال موسى: يا رب! ألا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرا، فإن بني ~~إسرائيل تحتقر هذه الخيوط، فقال له ربه: يا موسى! إن الصغير من أمري ليس ~~بصغير، فإذا هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير، ~~فدعاهم موسى يعني فأعلمهم ففعلوا واستكبر قارون، فكان هذا بدء عصيانه ~~وطغيانه وبغيه، فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعل الحبورة لهارون عليه ~~السلام وهي رئاسة المذبح، فكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعه ~~على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله، فقال قارون: يا موسى! لك الرسالة ~~ولهارون الحبورة، ولست في شيء وأنا أقرأ التوراة، لا صبر لي على هذا، فقال ~~له موسى عليه الصلاة والسلام: ما أنا بالذي جعلتها في هارون ولكن الله ~~جعلها له، فقال قارون: والله لا أصدقك حتى أرى بيانه، يعني فجمع موسى عصي ~~الرؤساء فحزمها وألقاها في قبته التي كان يعبد الله فيها وباتوا يحرسونها، ~~فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق أخضر، وكانت من اللوز، فقال قارون: والله ~~ما هذا ms3497 بأعجب مما تصنع من السحر، وذكر أمورا مما كان يتعظم بها وأنه رمى ~~موسى عليه الصلاة والسلام بعظيمة فحينئذ غار الله لموسى عليه الصلاة ~~والسلام فخسف به. # PageV14P364 # والذي رأيته أنا في التوراة في السفر الرابع ما نصه: وكلم الرب موسى وقال ~~له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: اعملوا خيوطا في أطراف أرديتكم في أحقابكم، ~~ولتكن الخيوط التي تعملون في أطراف أرديتكم من حرير، ولتكن هذه الخيوط ~~تذكركم وصايا الله لتعملوا بها ولا تضلوا بما في قلوبكم، ولا تتبعوا ~~آراءكم، بل اذكروا جميع وصاياي واعملوا بها، لتكونوا مقدسين لله ربكم، أنا ~~الله ربكم الذي أخرجتكم من أرض مصر، لا يكون لكم إله غيري، أنا الله ربكم. # ومن بعد هذه الأمور شق قورح - وهو اسم قارون بالعبرانية - بن يصهر بن ~~قاهث بن لاوى، ودائن وأبيروم ابنا أليب، وأون بن قلب ابن روبيل العصي، ~~وقاموا بين يدي موسى، وقم من بني إسرائيل عددهم مائتان وخمسون رجلا من ~~رؤساء الجماعة مذكورون مشهورون بأسمائهم أبطال، هؤلاء أجمعون اجتمعوا إلى ~~موسى وهارون وقالوا لهما: ليس حسبكما أن الجماعة كلها طاهرة وأنتما رئيسان ~~عليها حتى تريدا أن تتعظما على الجماعة كلها - أي يكون هارون هو الكاهن أي ~~متولي # PageV14P365 # أمر القربان والحكم على خدمة قبة الزمان - فسمع موسى ذلك وخر ساجدا على ~~وجهه، وكلم قورح وجماعته كلها فقال لهم: سيظهر الرب ويبين لمن الكهنوت ~~والرئاسة بكرة، ومن كان طاهرا فليتقرب إليه. ومن يختار الرب يتقرب؛ ثم ~~أمرهم أن يقربوا قربانا ثم قال: يا بني لاوي! أما تكتفون بما اختاره الله ~~لكم من كل جماعة بني إسرائيل وقربكم إليه لتعملوا العمل في بيت الرب وقربك ~~أنت وجميع إخوتك معك إلا أن تريدوا الكهنوت أيضا، فلذلك أنت وجماعتك كلها ~~احتشدوا بين يدي الرب غدا، فأما هارون فمن هو حتى صرتم تقعون فيه وتتذمرون ~~عليه، وأرسل موسى ليدعو دائن وأبيروم ابني أليب فقالا: لا تصعد إليك، أما ~~تكتفيان بما صنعتما أنكما أخرجتمانا من الأرض التي تغل السمن والعسل ~~لتقتلانا في هذه ms3498 البرية حتى تعظما علينا وتفخرا، فأما ما وعدتنا به أنك ~~تدخلنا الأرض التي تغل السمن والعسل فما فعلت، ولم تعطنا مواريث المزارع ~~والكروم، فلو عميت أعيننا لم نصعد إليك. فشق ذلك على موسى جدا، وقال أمام ~~الرب: لا تقبل قرابينهم يا رب لأني لم أظلم منهم رجلا ولا أسأت إلى أحد ~~منهم، ثم قال لقورح: اجتمع أنت وأصحابك أمام الرب وهارون معكم بكرة، وليأخذ ~~كل منكم مجمرته، وقام موسى وهارون أمام قبة الزمان وجمع قورح # PageV14P366 # الجماعة كلها، وظهر مجد الرب للجماعة كلها، وكلم الرب موسى وهارون وقال ~~لهما: تنحيا عن هذه الجماعة فإني مهلكها في ساعة واحدة، فخرا ساجدين وقالا: ~~اللهم أنت إله أرواح كل ذي لحم، يجرم رجل واحد فينزل الغضب بالجماعة كلها؟ ~~فكلم الرب موسى وقال له: كلم الجماعة كلها وقل لهم: تنحوا عن خيم دائن ~~وأبيروم وقورح، تنحوا عن خيم هؤلاء الفجار، ولا تقربوا شيئا مما لهم لئلا ~~تعاقبوا، وقال موسى: بهذه الخلة تعلمون أن الرب أرسلني أن أعمل هذه الأعمال ~~كلها، ولم أعملها من تلقاء نفسي، إن مات هؤلاء مثل موت كل إنسان أو نزل بهم ~~الموت مثل ما ينزل بجميع الناس فلم يرسلني الرب، وإن فتحت الأرض فاها ~~وابتلعتهم وابتلعت كل شيء لهم نزلوا هم وكل شيء لهم إلى الجحيم علمتم أن ~~هؤلاء قد أغضبوا الرب. # فلما أكمل موسى قوله هذا انفتحت الأرض من تحتهم، وفغرت فاها فابتلعتهم ~~وابتلعت خيمهم وجميع مواشيهم فنزلوا إلى الجحم أحياء، ثم استوت الأرض ~~فوقهم، وهرب جميع بني إسرائيل حيث سمعوا أصواتهم ورأوا ما قد صنع بهم، ~~وقالوا: لعل الأرض تبتلعنا أيضا، واشتعلت نار من قبل الرب فأحرقت المائتين # PageV14P367 # والخمسين رجلا الذين كانوا يبخرون البخور، وتذمر جماعة بني إسرائيل من ~~بعد ذلك اليوم على موسى وهارون فقالوا لهما: أنتما قتلتما جماعة شعب الرب، ~~فأقبلوا إلى قبة الزمان ورأوا أن السحاب قد تغشى القبة وظهر مجد الرب، وأتى ~~موسى وهارون فقاما في قبة الزمان، وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما: تنحيا ms3499 ~~عن هذه الجماعة لأني مهلكها في ساعة واحدة، فخرا ساجدين على وجوههما، وقال ~~موسى لهارون: خذ مجمرة بيدك واجعل فيها نارا وبخورا، وانطلق مسرعا إلى ~~الجماعة واستغفر لهم لأنه قد نزل غضب الرب بالجماعة كلها، وبدأ موت الفجأة ~~بالشعب، وأخذ هارون كما أمره موسى فأحضر إلى الجماعة ورأى أن الموت قد بدأ ~~بالشعب، وبخر بخورا للرب واستغفر للشعب، وقام فيما بين الأموات والأحياء، ~~فكف موت الفجأة عن الشعب، وكان عدد الذين ماتوا فجأة أربعة عشر ألفا ~~وسبعمائة رجل غير المخسوف بهم، ورجع هارون إلى موسى إلى قبة الزمان فكلم ~~الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل وخذ منهم عصا عصا من كل سبط، واكتب اسم ~~كل رجل على عصاه، واكتب اسم هارون على عصا سبط لاوي، واجعلها في قنة الزمان ~~أمام تابوت الشهادة لأنزل إليكم إلى # PageV14P368 # هناك، فالرجل الذي أحبه تنضر عصاه، وأخلصكما من هتار بني إسرائيل ~~وتذمرهم؛ ثم دخل موسى خبأ الشهادة فرأى عصا هارون قد نضرت وأخرجت أغصانا ~~وأورقت وأثمرت لوزا، وأخرج موسى العصي كلها فنظروا إليها، وقال الرب لموسى: ~~رد قضيب هارون إلى موضع الشهادة واحفظه آية لأبناء المتسخطين ليكف تذمرهم ~~عني ولا يموتوا، ولا يعمل عمل قبة الزمان غير اللاويين - أي سبط لاوي، فأما ~~بنو إسرائيل - أي باقيهم - فلا يقتربوا إلى قبة الزمان لئلا يعاقبوا ~~ويموتوا؛ ثم ذكر وفاة هارون عليه السلام في هور الجبل وولاية إليعازر ابنه ~~مكانه أمر الكهنوت - انتهى. وهو نحو مما فعل الله لنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم في حنين الجذع، وتخيير النبي صلى الله عليه وسلم له أن يعيده ~~تعالى إلى أحسن ما كان وهو حي أو يجعله في الجنة، فاختار أن يكون في الجنة، ~~وكذا أمر سراقة بن مالك بن جعشم حيث لحقه صلى الله عليه وسلم في طريق ~~الهجرة ليرده فخسف بقوائم حصانه حتى نزل إلى بطنه ثلاث مرات غير أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما كان نبي الرحمة لم يكن القاضية، فكفى بذلك شره، ~~وأسلم بعد ms3500 ذلك علم الفتح، # PageV14P369 # وبشره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يلبس سوراى كسرى فكان كذلك، وشر من ~~الخسف الذي يغيب به المخسوف به وأنكأ وأشنع وأخزى قصة الذي ارتد فقصم ودفن ~~فلفظته الأرض - روى البيهقي في آخر الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال: كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، فرفعوه ~~وأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد ~~نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على ~~وجهها فتركوه منبوذا، وقال: رواه مسلم في الصحيح، وعن أنس رضي الله عنه ~~مثله أيضا في رجل نصراني لفظته الأرض ثلاث مرات ثم تركوه. # وقال رواه البخاري في الصحيح. # PageV14P370 # ولما قدم سبحانه أن المفلح من تاب وآمن وعمل صالحا، وهو الذي أشار أهل ~~العلم إلى أن له ثواب الله، وكان ذلك للآخرة # PageV14P370 # سببا ومسببا، ومر فيما لا بد منه حتى ذكر قصة قارون المعرفة - ولا بد - ~~بأن هذه الدار للزوال، لا يغنى فيها رجال ولا مال، وأن الآخرة للدوام، وأمر ~~فيها بأن يحسن الابتغاء في أمر الدنيا، وختم بأن هذا الفلاح مسلوب عن ~~الكافرين، فكان موضع استحضار الآخرة، مع أنه قدم قريبا من ذكرها وذكر ~~موافقتها ما ملأ به الأسماع، فصيرها حاضرة لكل ذي فهم، معظمة عند كل ذي ~~علم، أشار إليها سبحانه لكلا الأمرين: الحضور والعظم، فقال: {تلك} أي الأمر ~~المنظور بكل عين، الحاضر في كل قلب، العظيم الشأن، البعيد الصيت، العلي ~~المرتبة، الذي سمعت أخباره، وطنت على الآذان أوصافه وآثاره {الدار الآخرة} ~~أي التي دلائلها أكثر من أن تحصر، وأوضح من أن تبين وتذكر، من أعظمها تعبير ~~كل أحد عن حياته بالدنيا والتي أمر قارون بابتغائها فأبى إلا علوا وفسادا ~~{نجعلها} بعظمتنا {للذين} يعملون ضد عمله. # ولما كان المقصود الأعظم طهارة القلب الذي عنه ينشأ عمل الجوارح، قال: ~~{لا ms3501 يريدون} ولم يقل يتعاطون - مثلا، # PageV14P371 # تعظيما لضرر الفساد بالتنفير من كل ما كان منه تسبب، إعلاما بأن النفوس ~~ميالة إليه نزاعة له فمهما رتعت قريبا منه اقتحمته لا محالة {علوا} أي شيئا ~~من العلو {في الأرض} فإنه أعظم جار إلى الفساد، وإذا أرادوا شيئا من ذلك ~~فيما يظهر لك عند أمرهم بمعروف أو نهيهم عن منكر، كان مقصودهم به علو كلمة ~~الله للإمامة في الدين لا علوهم {ولا فسادا} بعمل ما يكره الله، بل يكونون ~~على ضد ما كان فيه فرعون وهامان وقارون، من التواضع مع الإمامة لأجل حمل ~~الدين عنهم ليكون لهم مثل أجر من اهتدى بهم، لا لحظ دنيوي، وعلامة العلو ~~لأجل الإمامة لا الفساد ألا يتخذوا عباد الله خولا، ولا مال الله دولا، ~~والضابط العمل بما يرضي الله والتعظيم لأمر الله والعزوف عن الدنيا. # ولما كان هذا شرح حال الخائفين من جلال الله تعالى، أخبر سبحانه أنه ~~دائما يجعل ظفرهم آخرا، فقال معبرا بالاسمية دلالة على الثبات: {والعاقبة} ~~أي الحالة الأخيرة التي تعقب جميع الحالات لهم في الدنيا والآخرة، هكذا ~~الأصل، ولكنه أظهر تعميما وإعلاما بالوصف الذي أثمر لهم ذلك فقال تعالى: ~~{للمتقين*} أي دائما في كلا الدارين، لا عليهم فمن اللام يعرف أنها محمودة، ~~وهذه الآية يعرف # PageV14P372 # أهل الآخرة من أهل الدنيا، فمن كان زاهدا في الأولى مجتهدا في الصلاح، ~~وكان ممتحنا في أول أحواله مظفرا في ماله، فهو من أبناء الآخرة، وإلا فهو ~~للدنيا. # ولما تحرر الفرق بين أهل الدارين، وكان لا بد من إتيان الآخرة، وعلم أن ~~الآخرة إنما هي جزاء الأعمال، وتقرر من كونها للخائفين أنها على الآمنين، ~~فاستؤنف تفصيل ذلك جوابا لمن كأنه قال: ما لمن أحسن ومن أساء عند القدوم؟ ~~بقوله: {من جاء} أي في الآخرة أو الدنيا {بالحسنة} أي الحالة الصالحة {فله} ~~من فضل الله {خير منها} من عشرة أضعاف إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما لا ~~يحيط به إلا الله تعالى {ومن جاء بالسيئة} وهي ما نهى الله عنه، ms3502 ومنه إخافة ~~المؤمنين {فلا يجزى} من جاز ما، وأظهر ما في هذا الفعل من الضمير العائد ~~على من فقال: {الذين عملوا السيئات} تصويرا لحالهم تقبيحا لها وتنفيرا من ~~عملها، ولعله جمع هنا وأفرد أولا إشارة إلى أن المسيء أكثر {إلا} مثله سواء ~~عدلا منه تعالى، هكذا كان الأصل، ولكنه قال: {ما كانوا} أي بجميع هممهم ~~{يعملون*} مبالغة في المثلية، هذا # PageV14P373 # في الآخرة، وزادت الآية الإشارة إلى أنه يفعل في الدنيا مثل ذلك وإن خفي، ~~فسيخافون في حرمهم بما أخافوا المؤمنين فيه وقد جعله الله للأمن، فاعتلوا ~~عن الدخول في دينه بخوف التخطف من أرضهم، فسيصير عدم دخولهم فيه سببا ~~لخوفهم وتخطفهم من أرضهم فيعلمون أن ما كانوا فيه من الأمن إنما هو بسببك، ~~ثم يصيرون يوم الفتح في قبضتك. # ولما قرر ذكر الآخرة التي هي المرجع وكرره، وأثبت الجزاء فيها، وأن ~~العاقبة للمتقين، أتبعه ما هو في بيان ذلك كالعلة، فقال مستأنفا مقررا ~~مؤكدا لما تقرر في أذهانهم من إنكار الآخرة وما يقتضيه حال خروجه صلى الله ~~عليه وسلم من مكة المشرفة من استبعاد رده إليها: {إن الذي فرض} أي أوجب ~~{عليك القرآن} أي الجامع لما تفرق من المحاسن، المفصل لما التبس من جميع ~~المعاني، أي فرض عليك جميع ما في هذا الكتاب المشتمل على الجمع والفرق بما ~~يظهر حسن تلقيه من تلاوة وإبلاغ وتحد وعمل وألزمك فيه وغيرك هذه الملازم، ~~وكلفكم تلك التكاليف التي منها المقارعة بالسيوف {لرآدك} # PageV14P374 # أي بعد الموت لأجل صعوبة ما كلفك به وألزمك من مشقته {إلى معاد} أي مرجع ~~عظيم يا له من مرجع! يجزي فيه كل أحد بما عمل، فيبعثك ربك فيه ثوابا على ~~إحسانك في العمل مقاما محمودا يغبطك فيه الأولون والآخرون، بما عانيت في ~~أمره من هذه المشقات التي لا تحملها الجبال، ولولا الرد إلى إلى هذا المعاد ~~لكانت هذه التكاليف - التي لا يعمل أكثرهم بأكثرها ولا يجازي على المخالفة ~~فيها - من العبث المعلوم أن العاقل من الآدميين متنزه عنه فكيف بأحكم ms3503 ~~الحاكمين! فاجتهد فيما أنت فيه لعز ذلك اليوم فإن العاقبة لك، والآية مثل ~~قوله تعالى # {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] ، {ثم إليه ترجعون} ~~[البقرة: 28] {إلى الله مرجعكم} [المائدة: 48] إلى غير ذلك من الآيات، ~~ويجوز أن يقال: إلى معاد أي معاد، أي مكان هو لعظمته أهل لأن يقصد العود ~~إليه كل من خرج منه وهو مكة المشرفة: وطنك الدنيوي، كما فسرها بذلك ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه عنه البخاري، وعود هو لجلالته أهل لأن ~~يذكر لدخولك إليها في جنود يعز بها الإسلام، ويذل بها الكفر وأهله على ~~الدوام، والجنة المزخرفة: # PageV14P375 # وطنك الخروي، على أكمل الوجوه وأعلاها، وأعزها وأولاها، فلا تظن أنه يسلك ~~بك سبيل أبويك عليهما الصلاة والسلام: إبراهيم في هجرته من حران بلد الكفر ~~إلى الأرض المقدسة فلم يعد إليها، وإسماعيل في العلو به من الأرض المقدسة ~~إلى أقدس منها فلم يعد إليها، بل يسلك لك سبيل أخيك موسى عليه الصلاة ~~والسلام - الذي أنزل عليه الكتاب كما أنزل عليك الكتاب القرآن الفرقان، ~~والذي أشركوك به في قولهم {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} [القصص: 48]- في ~~إعادته إلى البلد الذي ذكر في هذه السورة - توطئة لهذه الآية - أنه خرج منه ~~خائفا يترقب - وهي مصر - إلى مدين في أطراف بلاد العرب، على وجه أهلك فيه ~~أعداءه، أما من كان من غير قومه فبالإغراق في الماء، وأما من كان من قومه ~~فبالخسف في الأرض، وأعز أولياءه من قومه وغيرهم، كما خرجت أنت من بلدك مكة ~~خائفا تترقب إلى المدينة الشريفة غير أن رجوعك - لكونك نبي الرحمة، وكون ~~خروجك لم يكن مسببا عن قتل أحد منهم - لا يكون فيه هلاكهم، بل عزهم وأمنهم ~~وغناهم وثباتهم، واختير لفظ القرآن دون الكتاب لما فيه من الجمع من لازم ~~النشر - كما مضى في الحجر، فناسب السياق الذي هو للنشر والحشر والفصل من ~~بلده ثم الوصل، فإنه روى أن هذه # PageV14P376 # الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في الجحفة وهي في طريق ms3504 الهجرة. # ولما فهم من الإبلاغ في هذا التأكيد أن ثم من يبالغ في النفي والإنكار ~~على حسب هذا التأكيد في الإثبات فيقول: إن الأمر ليس كذلك، ولا يعود إلى ~~مكة المشرفة ومنا عين تطرف، قال مهددا على طريق الاستئناف على لسانه صلى ~~الله عليه وسلم لكون الإنكار تكذيبا له كما كذب موسى صلى الله عليه وسلم ~~حين أجاب بمثل ذلك كما تقدم: {قل} أي لهؤلاء المنكرين لما أخبرتك به: {ربي} ~~أي المحسن إلي {أعلم} أي من كل أحد. # ولما كانت هذه القصة مسلمة لا نزاع فيها لعاقل تثبت الخالق، وكانوا ~~يقولون: من ادعى رجوعه فهو ضال، توجه السؤال عن المهتدي إلى الصواب والضال، ~~بما يشهد به فتح مكة عند الإقبال في أولئك الضراغمة الأبطال، والسادة ~~الأقيال، فقال في أسلوب الاستفهام لإظهار الإنصاف والإبعاد من الاتهام: {من ~~جاء بالهدى} أي الذي لا أبين منه، أنا فيما جئت به من ربي بهذا الكلام الذي ~~يشهد الله لي بإعجازه أنه من عنده أم أنتم فيما تقولون من عند أنفسكم؟ {ومن ~~هو في ضلال} أي أنتم في كلامكم الظاهر العوار العظيم العار أم أنا {مبين*} ~~أي بين # PageV14P377 # في نفسه مظهر لكل أحد ما فيه من خلل وإن اجتهد التابع له في ستره. # ولما كان الجواب لكل من أنصف: هم في ضلال مبين لأنهم ينحتون من عند ~~أنفسهم ما لا دليل عليه، وأنت جئت بالهدى لأنك أتيت به عن الله، بني عليه ~~قوله: {وما} ويجوز أن تكون الجملة حالا من الضمير في {عليك} وما بينهما ~~اعتراض للاهتمام بالرد على المنكر للمعاد، أي فرضه عليك والحال أنك ما، ~~ويجوز أن يقال: لما كان رجوعه إلى مكة غاية البعد لكثرة الكفار وقلة ~~الأنصار، قربه بقوله معلما أن كثيرا من الأمور تكون على غير رجاء، بل وعلى ~~خلاف القياس: وما {كنت ترجوا} أي في سالف الدهر بحال من الأحوال {أن يلقى} ~~أي ينزل على وجه لم يقدر على رده {إليك الكتاب} أي بهذا الاعتقاد ولا بشيء ~~منه؛ ولا ms3505 كان هذا من شأنك، ولا سمعه أحد منك يوما من الأيام، ولا تأهبت ~~لذلك أهبته العادية من تعلم خط أو مجالسة عالم ليتطرق إليك نوع اتهام، كما ~~يشير إليه قوله تعالى في التي بعدها {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب} ~~[العنكبوت: 48] واختير هنا لفظ الكتاب لأن السياق للرحمة التي من ثمراتها ~~الاجتماع # PageV14P378 # المحكم، وذلك مدلول الكتاب؛ ثم قال: {إلا} أي لكن ألقي إليك الكتاب ~~{رحمة} أي لأجل رحمة عظيمة لك ولجميع الخلائق بك، لم تكن ترجوها {من ربك} ~~أي المحسن إليك بجعلك مصطفى لذلك، بالدعاء إليه وقصر الهمم عليه، وعبر ~~بأداة الاستثناء المتصل إشارة إلى أن حاله قبل النبوة من التنزه عن عبادة ~~الأوثان وعن القرب منها والحلف بها وعن والفواحش جميعا، ومن الانقطاع إلى ~~الله بالخلوة معه والتعبد له توفيقا من الله كان حال من يرجو ذلك. # ولما تسبب عما تقدم الاجتهاد في تحريك الهمم إلى العكوف على أمر الله ~~طمعا فيما عنده سبحانه من الثواب، وشكرا على إنزال الكتاب، قال في سياق ~~التأكيد لأن الطبع البشري يقتضي إدراك مظاهرة الكفار لأمر من التوفيق عظيم، ~~لكثرتهم وقوتهم وعزتهم: {فلا تكونن} إذ ذاك بسبب اتصافهم لك لكثرتهم ~~{ظهيرا} أي معينا {للكافرين*} بالمكث بين ظهرانيهم، أو بالفتور عن الاجتهاد ~~في دعائهم، يأسا منهم لما ترى من بعدهم من الإجابة وإن طال إنذارك، لا تمل ~~أنت كما لم نمل نحن، فقد وصلنا لهم القول، وتابعنا لهم الوعظ # PageV14P379 # والقص، ونحن قادرون على إهلاكهم في لحظة، وهدايتهم في أقل لمحة، وكما أن ~~موسى عليه الصلاة والسلام بعد الإنعام عليه لم يكن ظهيرا للمجرمين، وهذا ~~تدريب من الله تعالى لأئمة الأمة في الدعاء إلى الله عند كثرة المخالف، ~~وقلة الناصر المحالف. # ولما كان التواني في النهي عن المنكر إعراضا عن الأوامر وإن كان المتواني ~~مجتهدا في العمل، قال مؤكدا تنبيها على شدة الأمر لكثرة الأعداء وتتابع ~~الإيذاء والاعتداء: {ولا يصدنك} أي الكفار بمبالغتهم في الإعراض وقولهم ~~{لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} ونحوه {عن ms3506 آيات الله} أي عن الصدع بها وهي من ~~المتصف بصفات الكمال، في الأوقات الكائنة {بعد إذ أنزلت} أي وقع إنزالها ~~ممن تعلمه منتهيا {إليك} مما ترى من أوامرها ونواهيها، ولقد بين هذا المعنى ~~قوله: {وادع} أي أوجد الدعاء للناس {إلى ربك} أي المحسن إليك لإحسانه إليك، ~~وإقباله دون الخلق عليك، وأعراه من التأكيد اكتفاء بالمستطاع فإن الفعل ليس ~~للمبالغة فيه جدا، إشارة إلى أن جلب المصالح أيسر خطبا من درء المفاسد، فإن ~~المطلوب فيه النهاية محدود بالاجتناب. # PageV14P380 # ولما كان الساكت عن فاعل المنكر شريكا له، قال مؤكدا تنبيها علىلاهتمام ~~بدرء المفاسد، وأنه لا بد فيه من بلوغ الغاية: {ولا تكونن من المشركين*} أي ~~معدودا في عدادهم بترك نهيهم عن شركهم وما يتسبب عنه ساعة واحدة. # ولما كان الكائن من قوم موصوفا بما اتصف به كل منهم، وكانت مشاركتهم ~~بالفعل أبعد من مشاركتهم بالسكوت، قال من غير تأكيد: {ولا تدع مع الله} أي ~~الجامع لجميع صفات الكمال {إلها} ولما كانت النكرة في سياق النهي تعم كما ~~لو كانت في سياق النفي، وكان المشركون قد تعنتوا لما رأوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم يدعو باسم الله واسم الرحمن كما ذكر آخر الإسراء، قال: {آخر} أي ~~غير الله حقيقة دون أن يغاير في الاسم دون الذات، ومضى في آخر الحجر، ويأتي ~~إن شاء الله تعالى في الذاريات ما يتضح به هذا المعنى، والمراد بهذا كله ~~المبالغة في الإنذار إعلاما بأن تارك النهي عن المنكر مع القدرة شريك ~~للفاعل وإن لم يباشره، والنبي صلى الله عليه وسلم قادر لحراسة الله تعالى ~~له؛ ثم علل ذلك بقوله: {لا إله إلا هو} أي حتى يستحق أن يشتغل به عبد؛ ثم ~~علل وحدانيته بقوله: {كل شيء هالك} أي # PageV14P381 # هو في قوة الهلاك والفناء ومستحق لذلك لأنه ممكن {إلا وجهه} أي هو، فهو ~~الباقي لأنه الواجب الوجود، ووجود كل موجود إنما كان به، ولعله عبر عن ~~الذات بالوجه ليشمل ما قصد به من العمل الصالح مع ما هو ms3507 معروف من تسويغه ~~لذلك بكونه أشرف الجملة، وبكون النظر إليه هو الحامل على الطاعة بالاستحياء ~~وما في معناه؛ ثم علل ذلك بقوله: {له} أي لله وحده فالضمير استخدام {الحكم} ~~أي العمل المحكم بالعلم النافذ على كل شيء، ولا حكم لشيء عليه {وإليه} وحده ~~{ترجعون*} في جميع أحوالكم: في الدنيا بحيث أنه لا ينفذ لأحد مراد إلا ~~بإرادته، وفي الآخرة بالبعث فيجازي المحسن بإحسانه والعاصي بعصيانه، ولا شك ~~أن هذه الأوامر والنواهي وإن كان خطابها متوجها إليه صلى الله عليه وسلم ~~فالمقصود بها أتباعه، ولعلها إنما وجهت إليه صلى الله عليه وسلم عليه لأن ~~أمر الرئيس أدعى لأتباعه إلى القبول، وقد اتضح بهذا البيان، في هذه المعاني ~~الحسان، أن هذا الكتاب مبين، وبإنفاذ إرادته سبحانه وتعالى في تقوية أهل ~~الضعف من بني إسرائيل دون ما أراد فرعون وقارون وأتباعهما من أهل العلو ~~بطاعة الماء والتراب وما جمع العناصر من اليد والعصا أن له وحده الحكم # PageV14P382 # على ما يريد ويختار، فصح أن إليه الرجوع يوم المعاد يوم لا تكلم نفس إلا ~~بإذنه، فقد انطبق آخر السورة على أولها، وانشرح مجملها بمفصلها. # PageV14P383 # مقصودها الحث على الاجتهاد في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء ~~إلى الله تعالى وحمده من غير فترة، كما ختمت به السورة الماضية، من غير ~~تعريج على غيره سبحانه أصلا، لئلايكون مثل الفرج عند المتعوض عوضا منه مثل ~~العنكبوت، فهي سورة ضعف الكافرين وقوة المؤمنين، وقد ظهر سر تسميتها ~~بالعنكبوت وأنه دال على مقصودها) بسم الله (الذي أحاط بجميع القوة فأعز ~~جنده) الرحمن (الذي شمل جميع العباد بنعمة الأمر والنهي) الرحيم (الذي ألزم ~~أهل العرفان ذروة الإحسان. # لما ختم السورة الماضية بالحث على العمل للدار الآخرة، وأن كل أحد من ~~محسن مسيء مجزى بعمله، وبالإخبار بأنه سبحانه عالم بالسر والعلن، بالأمر ~~بالاجتهاد فيالدعاء إليه وقصر الهمم عليه وإن أدى ذلك إلى الملال، وذهاب ~~النفس والأموال، معللا بأن له الحكم سبحانه لأنه الباقي بلا زوال، وكل ~~ماعداه فإلى تلاش واضمحلال، وأنه لا ms3508 يفوته شيء في حال ولا مآل، قال أول ~~هذه: # PageV14P384 # {الم} إشارة بالألف الدال على القائم الأعلى المحيط ولام الوصلة وميم ~~التمام # PageV14P384 # بطريق الرمز إلى أنه سبحانه أرسل جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام ~~ليدعو الناس بالقرآن الذي فرض عليه إلى الله، لتعرف بالدعوة سرائرهم ويتميز ~~بالتكليف محقهم ومماكرهم {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ~~ونبلو أخباركم} [محمد: 31] . # ولما عبر بهذه الإشارة لأهل الفطنة والبصائر، قال منكرا على من ظن أن ~~مدعي الإيمان لا يكلف البيان، ومفصلا لما ختمت به تلك من جميع هذه المعاني، ~~بانيا على ما أشارت إليه الأحرف لأولي العرفان: {أحسب الناس} أي كافة، فإن ~~كلا منهم يدعي أنه مؤمن لمعنى أنه يقول: إنه على الحق، ولعله عبر بالحسبان ~~والنوس إشارة إلى أن فاعل ذلك مضطرب العقل منحرف المزاج. # ولما كان الحسبان، لا يصح تعليقه بالمفردات، وإنما يعلق بمضمون الجملة، ~~وكان المراد إنكار حسبان مطلق الترك، كانت «أن» مصدرية عند جميع القراء، ~~فعبر عن مضمون نحو: تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا، بقوله: {أن يتركوا} أي ~~في وقت ما بوجه من الوجوه، ولو رفع الفعل لأفهم أن المنكر حسبان الترك ~~المؤكد، فلا يفيد إنكار ما عرى عنه، وقد مضى في المائدة ما ينفع هنا {أن} ~~أي في أن # PageV14P385 # {يقولوا} ولو كان ذلك على وجه التجديد والاستمرار: {آمنا وهم} أي والحال ~~أنهم {لا يفتنون*} أي يقع فتنتهم ممن له الأمر كله وله الكبرياء في ~~السماوات والأرض، مرة بعد أخرى بأن يختبر صحة قولهم أولا بإرسال الرسل ~~وإنزال الكتب ونصب الأحكام، وثانيا بالصبر على البأساء والضراء عند ~~الابتلاء بالمدعوين إلىلله في التحمل لأذاهم والتجرع لبلاياهم وغير ذلك من ~~الأفعال، التي يعرف بها مرتبة الأقوال، في الصحة والاختلال. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: افتتحت سورة القصص بذكر امتحان بني ~~إسرائيل بفرعون وابتلائهم بذبح أبنائهم وصبرهم على عظيم تلك المحنة، ثم ذكر ~~تعالى حسن عاقبتهم وثمرة صبرهم، وانجر مع ذلك مما هو منه لكن انفصل عن ~~عمومه بالقضية امتحان أم موسى بفراقه ms3509 حال الطفولية وابتداء الرضاع وصبرها ~~على أليم ذلك المذاق حتى رده تعالى إليها أجمل رد وأحسنه، ثم ذكر ابتلاء ~~موسى عليه الصلاة والسلام بأمر القبطي وخروجه خائفا يترقب وحن عاقبته وعظيم ~~رحمته، وكل هذا ابتلاء أعقب خيرا، وختم برحمة ثم بضرب آخر من الابتلاء أعقب ~~محنة وأورث شرا وسوء فتنة، وهو ابتلاء قارون بماله وافتنانه به، فخسفنا به ~~وبداره الأرض، فحصل بهذا أن الابتلاء في # PageV14P386 # غالب الأمر سنة، وجرت منه سبحانه في عبادة ليميز الخبيث من الطيب، وهو ~~المنزه عن الافتقار إلى تعرف أحوال العباد بما يبتليهم به إذ قد علم كون ~~ذلك منهم قبل كونه إذ هو موجده وخالقه خيرا كان أو شرا، فكيف يغيب عنه أو ~~يفتقر تعالى إلى بيانه بتعرف أحوال العباد أو يتوقف علمه على سبب # {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] ولكن هي سنة في عباده ~~ليظهر لبعضهم من بعض عند الفتنة والابتلاء ما لم يكن ليظهر قبل ذلك حتى ~~يشهدوا على أنفسهم، وتقوم الحجة عليهم باعترافهم، ولا افتقار به تعالى إلى ~~شيء من ذلك، فلما تضمنت سورة القصص هذا الابتلاء في الخير والشر، وبه وقه ~~افتتاحها واختتامها، هذا وقد أنجز بحكم الإشارة أولا خروج نبينا صلى الله ~~عليه وسلم من بلده ومنشأه ليأخذه عليه الصلاة ولاسلام بأوفر حظ مما ابتلي ~~به الرسل والأنبياء من مفارقة الوطن وما يحرز لهم الأجر المناسب لعلي ~~درجاتهم عليهم السلام، ثم بشارته صلى الله عليه وسلم آخرا بالعودة والظفر ~~{إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} [القصص: 85] فأعقب سبحانه هذا ~~بقوله معلما للعباد ومنبها أنها سنته فيهم فقال {أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} أي أحسبوا أن يقع # PageV14P387 # الاكتفاء بمجرد استجابتهم، وظاهر إنابتهم، ولما يقع امتحانهم بالشدائد ~~والمشقات، وضروب الاختبارات {ولنبلونكم بشيء من الجوع والخوف ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات} [البقرة: 155] فإذا وقع الابتلاء فمن فريق ~~يتلقون ذلك تلقي العليم أن ذلك من عند الله ابتلاء واختبارا، فيكون تسخيرا ~~لهم وتخليصا، ومن ms3510 فريق يقابلون ذلك بمرضاة الشيطان، والمسارعة إلى الكفر ~~والخذلان {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} ثم أتبع سبحانه هذا بذكر حال بعض ~~الناس ممن يدعي الإيمان، فإذا أصابه أدنى أذى من الكفار صرفه ذلك عن ~~إيمانه، فكان عنده مقاوما بعذاب الله الصارف لمن ضربه عن الكفر والمخالفة ~~فقال تعالى {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله} فكيف حال هؤلاء في تلقي ما هو أعظم من الفتنة، وأشد في ~~المحنة، ثم أتبع سبحانه ذلك بما به يتأسى الموفق من صبر الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام وطول مكايدتهم من قومهم، فذكر نوحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا ~~عليهم الصلاة والسلام، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم من أعظم الرسل مكابدة وأشدهم ~~ابتلاء، أما نوح عليه السلام فلبث في قومه - كما أخبر الله تعالى - ألف سنة ~~إلا خمسين عاما وما آمن # PageV14P388 # معه إلا قليل، وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام فرمى بالمنجنيق في النار ~~فكانت عليه بردا وسلاما، وقد نطق الكتاب العزيز بخصوص المذكورين عليهم ~~الصلاة والسلام وزبضروب من الابتلاءات حصلوا على ثوابها، وفازوا من عظيم ~~الرتبة النبوية العليا بأسنى نصابها، ثم ذكر تعالى أخذ المكذبين من أممهم ~~فقال {فكلا أخذنا بذنبه} ثم وصى نبيه صلى الله عليه وسلم وأوضح حجته، ~~وتتابع اتساق الكلام إلى آخر السورة - انتهى. # ولما كان التآسي من سنن الآدميين، توقع المخاطب بهذا الأمر الخبر عن ~~حالهم في ذلك، فقال مؤكدا لمن يظن أن الابتلاء لا يكون، لأن الله غني عنه ~~فلا فائدة فيه جاهلا بما فيه من الحكمة بإقامة الحجة على مقتضى عوائد ~~الخلق: {ولقد} أي أحسبوا والحال أنا قد {فتنا} أي عاملنا بما لنا من العظمة ~~معاملة المختبر {الذين} . # ولما كان التآسي بالقريب في الزمان أعظم، أثبت الجار في قوله: {من قبلهم} ~~أي من قبل هؤلاء الذين أرسلناك إليهم من أتباع الأنبياء حتى كان الرجل منهم ~~يمشط لحمه بأمشاط الحديد ما يرده ذلك عن دينه، ومن رؤوسهم صاحب أكثر السورة ~~الماضية موسى عليه الصلاة والسلام، ففي ms3511 قصته حديث طويل عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما يقال له حديث الفتون وهو في مسند أبي يعلى، ومن آخر ما ابتلى به # PageV14P389 # أمر قارون وأتباعه. # ولما كان الامتحان سببا لكشف مخبآت الإنسان بل الحيوان، فيكرم عنده أو ~~يهان، وأرشد السياق إلى أن المعنى: فلنفتننهم، نسق به قوله: {فليعلمن الله} ~~أي الذي له الكمال كله، بفتنة خلقه، علما شهوديا كما كان يعلم ذلك علما ~~غيبيا، ويظهره لعباده ولو بولغ في ستره، وعبر بالاسم الأعظم الدال على جميع ~~صفات الكمال التفاتا عن مظهر العظمة إلى أعظم منه تنبيها للناقصين - وهم ~~أكثر الناس - على أنه منزه عن كل شائبة نقص، وأكد إشارة إلى أن أكثر الناس ~~يظن الثبات عند الابتلاء وأنه إذا أخفى عمله لا يطلع عليه أحد {الذين ~~صدقوا} في دعواهم الإيمان ولو كانوا في أدنى مراتب الصدق، وليعلمن ~~الصادقين، وهم الصابرون الدين يقولون عند البلاء {هذا ما وعدنا الله ورسوله ~~وصدق الله ورسوله} فيكون أحدهم عند الرخاء برا شكورا، وعند البلاء حرا ~~صبورا، وليعلمن الذين كذبوا في دعواهم {وليعلمن الكاذبين*} أي الراسخين في ~~الكذب الذين يعبدون الله على حرف، فإن أصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابتهم ~~فتنة انقلبوا على وجوههم، فظنوا، فيكون لكل من الجزاء على حسب ما كشف # PageV14P390 # منه البلاء، والتعبير بالمضارع لتحقق الاختبار، على تجدد الأعصار، لجمعي ~~الأخيار والأشرار، فمن لم يجاهد نفسه عند الفتنة فيطيع في السراء والضراء ~~كان من الكافرين فكان في جهنم {أليس في جهنم مثوى للكافرين} ومن جاهد كان ~~من المحسنين، والآية من الاحتباك: دل بالذين صدقوا على الذين كذبوا، ~~وبالكاذبين على الصادقين، ذكر الفعل أولا دليلا على تقدير ضده ثانيا، ~~والاسم ثانيا دليلا على حذف ضده أولا. # ولما أثبت سبحانه بهذا علمه الشامل وقدرته التامة في الدنيا، عادله بما ~~يستلزم مثل ذلك في الآخرة، فكان حاصل ما مضى من الاستفهام: أحسب الناس أنا ~~لا نقدر عليهم ولا نعلم أحوالهم في الدنيا أم حسبوا أنم ذلك لا يكون في ~~الأخرى، فيذهب ظلمهم في الدنيا ms3512 وتركهم لأمر الله وتكبرهم على عبادة مجانا، ~~فيكون خلقنا لهم عبثا لا حكمة فيه، بل الحكمة في تركه، وهذا الثاني هو معنى ~~قوله منكرا أم حسب، أو يكون المعنى أنه لما انكر على الناس عموما ظنهم ~~الإهمال، علم أن أهل السيئات أولى بهذا الحكم، فكان الإنكار عليهم أشد، ~~فعادل الهمزة بأم في السياق الإنكار كما عادلها بها في قوله: # {أتخذتم عند الله عهدا} [ # PageV14P391 # البقرة: 80] الآية، فقال: {أم حسب} أي ظن ظنا يمشي له ويستمر عليه، فلا ~~يبين له جهله فيه بأمر يحسبه فلا يشتبه عليه بوجه {الذين يعملون السيئات} ~~أي التي منعناهم بأدلة النقل المؤيدة ببراهين العقل - منها بالنهي عنها، ~~ووضع موضع المفعولين ما اشتمل على مسند ومسند إليه من قوله: {أن يسبقونا} ~~أي يفوتونا فوت السابق لغيره فيعجزونا فلا نقدر عليهم في الدنيا بإمضاء ما ~~قدرناه عليهم من خير وشر في أوقاته التي ضربناها له، وفي الدار الآخرة بأن ~~نحييهم بعد أن نميتهم، ثم نحشرهم إلى محل الجزاء صغرة داخرين، فنجازيهم على ~~ما عملوا ونقتص لمن أساؤوا إليه منهم، ويظهر تحلينا بصفة العدل فيهم. # ولما أنكر هذا، عجب ممن يحوك ذلك في صدره تعظيما لإنكار فقال: {ساء ما ~~يحكمون*} أي ما أسوأ هذا الذي أوقعوا الحكم به لأنفسهم لأن أضعفهم عقلا لا ~~يرضى لعبيده أن يظلم بعضهم بعضا ثم لا ينصف بينهم فكيف يظنون بنا ما لا ~~يرضونه لأنفسهم. # PageV14P392 # ولما خوف عباده المحسنين والمسيئين، وضربهم بسوط القهر أجمعين، أشار إلى ~~التلويح بتهديد الكاذبين في التصريح بتشويق # PageV14P392 # الصادقين فقال على سبيل الاستنتاج مما مضى: {من كان يرجو} عبر به لأن ~~الرجاء كاف عن الخوف منه سبحانه {لقاء الله} أي الجامع لصفات الكمال، فلا ~~يجوز عليه ترك البعث فإنه نقص ومنابذ للحكمة، وشبه البعث باللقاء لانكشاف ~~كثير من الحجب به وحضور الجزاء. # ولما كان المنكر للبعث كثيرا، أكد فقال موضع: فإنه آت فليحذر وليبشر، ~~تفخيما للأمر وتثبيتا وتهويلا: {فإن أجل الله} أي الملك الأعلى الذي له ~~الغنى المطلق وجميع صفات الكمال ms3513 المحتوم لذلك {لآت} لا محيص عنه، فإنه لا ~~يجوز عليه وقوع إخلاف الوعد، ولذلك عبر بالاسم الأعظم، وللإشارة إلى أن ~~أهوال اللقاء لا يحيط لها العد، ولا يحصرها حد، فليتعد لذلك بالمجاهدة ~~والمقاتلة لنفسه من ينصحها، وقال تعالى: {وهو} أي وحده {السميع العليم*} ~~حثا على تطهير الظاهر والباطن في العقد والقول والفعل. # ولما حث على العمل، بين أنه ليس إلا لنفع العامل، لئلا يخطر في خاطر ما ~~يوجب تعب الدنيا وشقاء الآخرة من اعتقاد ما لا يليق بجلاله تعالى، فقال ~~عاطفا على ما تقديره: فمن أراح نفسه في الدنيا فإنما # PageV14P393 # ضر نفسه: {ومن جاهد} أي بذل جهده حتى كأنه يسابق آخر في الأعمال الصالحة ~~{فإنما يجاهد لنفسه} لأن نفع ذلك له فيتعبها ليريحها، ويشقيها ليسعدها، ~~ويميتها ليحييها، وعبر بالنفس لأنها الأمارة بالسوء، وإنما طوى ما أدعى ~~تقديره لأن السياق للمجاهدة، ثم علل هذا الحصر بقوله: {إن الله} أي ~~المتعالي عن كل شائبة نقص {لغني} وأكد لأن كثرة الأوامر ربما أوجبت للجاهل ~~ظن الحاجة، وذلك نكتة الإتيان بالاسم الأعظم، وبين أن غناه الغنى المطلق ~~بقوله موضع «عنه» {عن العالمين*} فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية. # ولما كان التقدير: فالذين كفروا وعملوا السيئات لنجزينهم أجمعين، ولكنه ~~طواه لأن السياق لأهل الرجاء، عطف عليه قوله: {والذين آمنوا وعملوا} تصديقا ~~لإيمانهم {الصالحات} في الشدة والرخاء على حسب طاقتهم، واشار بقوله: ~~{لنكفرن عنهم سيئاتهم} إلى أن الإنسان وإن اجتهد لا بد أن يزل لأنه مجبول ~~على النقص، فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما لم يؤت الكبائر، ~~والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ونحو ذلك مما وردت به الأخبار عن ~~النبي المختار صلى الله عليه وسلم. وزاده فضلا وشرفا لديه؛ قال البغوي: ~~والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة، أو لنغفرن لهم الشرك وما عملوا فيه، # PageV14P394 # وأكد لأن الإنسان مجبول على الانتقام ممن أساء ولو بكلمة ولو بالامتنان ~~بذكر العفو فلا يكاد يحقق غير ما طبع عليه. ولما بشرهم بالعفو عن العقاب، ~~أتم البشرى بالامتنان بالثواب، فقال عاطفا ms3514 على ما تقديره: ولنثبتن لهم ~~حسناتهم {ولنجزينهم} أي في الإسلام {أحسن الذي كانوا} أي كونا يحملهم على ~~أتم رغبة {يعملون*} أي أحسن جزاء ما عملوه في الإسلام وما قبله وفي طبعهم ~~أن يعملوه. # ولما ذكر سبحانه أنه لا بد من الفتنة، وحذر من كفر، وبشر من صبر، قال ~~عاطفا على {ولقد فتنا} مشيرا إلى تعظيم حرمة الوالد حيث جعلها في سياق ~~تعظيم الخالق، وإلى أنها أعظم فتنة: {ووصينا} على ما لنا من العظمة ~~{الإنسان} أي الذي أعناه على ذلك بأن جعلناه على الأنس بأشكاله لا سيما من ~~أحسن إليه، فكيف بأعز الخلق عليه، وذلك فتنة له {بوالديه} . # ولما كان التقدير: فقلنا له: افعل بهما {حسنا} أي فعلا ذا حسن من برهما ~~وعطف عليهما، عطف عليه قوله: {وإن جاهداك} أي فعلا معك فعل المجاهد مع من ~~يجاهده فاستفرغا مجهودهما في معالجتك {لتشرك} وترك مظهر العظمة للنص على ~~المقصود فقال: {بي} ونبهه على طلب البرهان في الأصول إشارة إلى خطر المقام ~~لعظم المرام، فقال استعمالا للعدل، مشيرا بنفي العلم إلى انتفاء العلوم: ~~{ما ليس لك به علم} # PageV14P395 # أصلا بأنه يستحق الشركة فإن من عبد ما لم يعلم استحقاقه للعبادة فهو كافر ~~{فلا تطعهما} فإنه لا طاعة لمخلوق - وإن عظم - في معصية الخالق، وهذا موجب ~~لئلا يقع من أحد شرك أصلا، فإنه لا ريب أصلا في أنه لا شبهة تقوم على أن ~~غيره تعالى يستحق الإلهية، فكيف بدليل يوجب علما، والمقصود من سياق الكلام ~~إظهار النصفة والتنبيه على النصيحة، ليكون أدعى إلى القبول؛ ثم علل ذلك ~~بقوله: {إلي مرجعكم} أي جميعا: من آمن ومن أشرك بالحشر يوم القيامة؛ ثم سبب ~~عنه قوله: {فأنبئكم} أي أخبركم إخبارا عظيما مستقصى بليغا {بما كنتم} أي ~~برغبتكم {تعملون*} أي فقفوا عند حدودي، واتركوا ما تزينه لكم شهواتكم، ~~واحذروا مجازاتي على قليل ذلك وكثيره، عبر سبحانه بالسبب الذي هو الإنباء ~~لأنه لا مثنوية فيه عن المسبب الذي هو الجزاء، مطلقا للعبارة، وتهديدا ~~بليغا على وجه الإشارة، وطوى ذكره ms3515 لأنه قد يدخله العفو، وهذه الآية نزلت في ~~سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أسلم وكان بارا بأمه، فحلفت: لا تأكل ولا ~~تشرب حتى يرجع عن دينه أو تموت فيعير بها ويقال قاتل أمه، فمكثت يومين ~~بلياليهما فقال: ياأماه، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت # PageV14P396 # ديني فكلي، وإن شئت فلا تأكلي! فلما أيست منه أكلت وشربت - وأصل القصة في ~~الترمذي. # ولما كان التقدير: فالذين أشركوا وعملوا السيئات لندخلنهم في المفسدين، ~~ولكنه طواه لدلالة السياق عليه، عطف عليه زيادة في الحث على الإحسان إلى ~~الوالدين قوله: {والذين آمنوا وعملوا} في السراء والضراء {الصالحات} . # ولما كان الصالح في الغالب سيىء الحال في الدنيا ناقص الحظ منها، فكان ~~عدوه ينكر أن يحسن حاله أشد إنكار، أكد قوله: {لندخلنهم} أي بوعد لا خلف ~~فيه {في الصالحين*} وناهيك به من مدخل، فإنه من أبلغ صفات المؤمنين. # PageV14P397 # ولما كانت ترجمة ما مضى من قسم الراجي والمجاهد والعامل للصالح: فمن ~~الناس - كما أشير إليه - من يؤمن بالله، فإذا أوذى في الله صبر واحتسب ~~انتظارا للجزاء من العلي الأعلى، ولكنه حذف من كل جملة ما دل عليه بما ذكر ~~في الأخرى، عطف عليه: {ومن الناس} أي المذبذبين {من يقول} أي بلسانه دون ~~طمأنينة من قلبه: {آمنا بالله} أي الذي اختص بصفات الكمال، وأشار بعد ~~الإيماء # PageV14P397 # إلى كثرة هذا الصنف بالإسناد إلى ضمير الجمع - إلى أن الأذى في هذه الدار ~~ضربة لازب لا بد منه، بقوله بأداة التحقيق: {فإذا أوذي} أي فتنة له ~~واختبارا من أي مؤذ كان {في الله} أي بسبب كونه في سبيل الله الذي لا ~~يدانيه في عظمته وجميع صفاته شيء، ببلاء يسلط به عباده عليه {جعل} أي ذلك ~~الذي ادعى الإيمان {فتنة الناس} أي له بما يصيبه من أذاهم في جسده الذي إذا ~~مات انقطع أذاهم عنه {كعذاب الله} أي المحيط بكل شيء، فلا يرجى الانفكاك ~~منه، فيصرف المعذب بعد الشماخة والكبر إلى الخضوع والذل، لأن لا كفؤ له ولا ms3516 ~~مجير عليه، فلا يطاق عذابه، لأنه على كل من الروح والجسد، لا يمكن مفارقته ~~لهما ولا لواحد منهما بموت ولا بحياة إلا بإرادته حتى يكون عمل هذا المعذب ~~عند عذاب الناس له الطاعة لهم في جميع ما يأمرون به ظاهرا وباطنا، فيتبين ~~حينئذ أنه كان كاذبا في دعوى الإيمان، وقصر الرجاء على الملك الديان، وأشار ~~إلى أن الفتنة ربما استمرت إلى الممات وطال زمنها بالتعبير بأداة الشك، ~~وأكد لاستبعاد كل سامع أن يقع من أحد بهت في قوله: {ولئن جاء نصر} أي لحزب ~~الله الثابتي الإيمان. # ولما كان الإحسان منه إنما هو محض امتنان، فلا يجب عليه لأحد # PageV14P398 # شيء، عبر بما يدل على ذلك مشيرا إلى أنه يفعله لأجله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: {من ربك} أي المحسن إليك بنصر أهل دينك، تصديقا لوعدك لهم، وإدخالا ~~للسرور عليك، # ولما كانت هذه الحالة رخاء، عبر بضمير الجمع إشارة إلى نحو قول الشاعر: # وما أكثر الإخوان حين تعدهم ... ولكنهم في النائبات قليل # فقال: {ليقولن} أي هؤلاء الذين لم يصبروا، خداعا للمؤمنين خوفا ورجاء ~~وعبر في حالة الشدة بالإفراد لئلا يتوهم أن الجمع قيد، وجمع هنا دلالة على ~~أنهم لا يستحيون من الكذب ولو على رؤوس الأشهاد، وأكدوا لعلمهم أن قولهم ~~ينكر لأنهم كاذبون فقالوا: {إنا كنا معكم} أي لم نزايلكم بقلوبنا وإن أطعنا ~~أولئك بآلسنتنا. # ولما كان التقدير: أليس أولياؤنا المتفرسون بأحوالهم عالمين؟ عطف عليه ~~منكرا قوله: {أو ليس الله} المحيط بعلم الباطن كما هو محيط بعلم الظاهر ~~{بأعلم بما في صدور العالمين*} أي كلهم، منهم فلا يخفى عليه شيء من ذلك ~~إخلاصا كان أو نفاقا، بل هو أعلم من أصحاب الصدور بذلك. # ولما أنكر عدم العلم، صرح بالعلم فقال واعدا متوعدا، عاطفا # PageV14P399 # على ما أفهمه السياق من نحو: فقد علم الله جميع ما أخفوا وما أعلنوا: ~~{وليعلمن الله} أي المحيط علما وقدرة في عالم الشهادة حتى ينكشف ذلك لديكم ~~كما هو عالم به في عالم الغيب {الذين آمنوا} أي وقع منهم ms3517 إيمان، وليعلمن ~~المؤمنين إيمانا صادقا بما يواليه عليهم من المحن، وهم لا يزدادون إلا ~~تسليما ورضى، وأكده لما قدم من أن الناس حسبوا أنهم لا يفتنون {وليعلمن} ~~الذي نافقوا وليعلمن {المنافقين*} بمثل ذلك من الزلازل والفتن التي يميلون ~~معها كيفما ميلتهم، حتى يعلم كل من له لب أنه لا إيمان لهم كما أنه لا ~~أيمان لهم، ولا شك أنه يعامل كلا من الفريقين بما يستحق على حسب ما يعلم من ~~قلبه، والآية من الاحتباك كما مضى عند {وليعلمن الله الذين صدقوا} . # ولما كان السياق للفتنة والأذى في الله المحقق أمره بإذا دون «إن» وكان ~~الكفار يفتنون من أسلم في أول الأمر، ذكر سبحانه بعض ما كانوا يقولون لهم ~~عند الفتنة جهلا بالله وغرورا، فقال معجبا منهم، # PageV14P400 # عاطفا على {ومن الناس من يقول} : {وقال الذين كفروا} اغترارا منهم بالله، ~~وجرأة على حماه المنيع {للذين} أي لطائفة من يقول بلسانه: آمنا بالله، وهم ~~الذين {آمنوا} أي حقيقة، جهلا منهم بما خالط قلوبهم من بشاشة الإيمان، ~~وأنوار العرفان: {اتبعوا} أي كلفوا أنفسكم بأن تتبعوا {سبيلنا} أي طريق ~~ديننا، وعطفوا وعدهم في مجازاتهم على ذلك بصيغة الأمر على أمرهم باتباعهم ~~للدلالة على أنه محقق لا شك فيه فقالوا: {ولنحمل خطاياكم} بوعد صادق وأمر ~~محتوم جازم، إن كان ما تقولون حقا إنه لا بد لنا من معاد نؤاخذ فيه ~~بالخطايا، ولو دروا لعمري ما الخبر، يوم يقولون: لا مفر، ما عرضوا أنفسهم ~~لهذا الخطر، يوم يود كل امرىء لو افتدى بماله وبنيه، وعرسه وأخيه، وصديقه ~~وأبيه، ويكون كلامهم - وإن كان أمرا - بمعنى الخبر لأنه وعد كذبه سبحانه ~~لأن معناه: إن كتب عليكم إثم حملناه عنكم بوعد لا خلف فيه {وما هم} أي ~~الكفار {بحاملين} ظاهرا ولا باطنا {من خطاياكم} أي المؤمنين {من شيء} وهم ~~يقدرون أن لا يحملوا، أو حملا يخفف عنهم العذاب، أي إنهم إذا عاينوا تلك ~~الأحوال، وطاشت عقولهم في بحار هاتيك الأهوال، التي لا يقوم لها الجبال، # PageV14P401 # تبرؤوا ممن قالوا له هذا ms3518 المقال، فقد أخبروا بما لا يطابق الواقع، ويجوز ~~أن يكونوا تعمدوا الكذب حال الإخبار إن كانت نيتهم أنهم لا يفون على تقدير ~~تحقق الجزاء. # ولما علم من هذا كذبهم بكل حال سواء تعمدوا أو لا، صرح به تأكيدا لمضمون ~~ما قبله، مؤكدا لأجل ظن من غروه صدقهم في قوله: مستأنفا: {إنهم لكاذبون*} . # ولما كان كل من أسلك أحدا طريقا كان شريكه في عمله فيها، فكان عليه مثل ~~وزره إن كانت طريق ردى، وله مثل أجره إن كانت سبيل هدى، قال تعالى مؤكدا ~~لإنكارهم الآخرة وكل ما فيها: {وليحملن} أي الكفرة {أثقالهم} التي حملوها ~~أنفسهم الضعيفة بما اكتسبوا {وأثقالا} أخرى لغيرهم {مع أثقالهم} بما تسببوا ~~به من إضلال غيرهم، ومن تأصيل السنن الجائرة الجارية بعدهم، فمن سن سنة ~~سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص أحدهم من ~~حمل الآخرة شيئا. # ولما كان للسؤال على طريق الازدراء والإذلال، من الرعب # PageV14P402 # في القلب ما ليس للأفعال قال: {وليسألن} أي من كل من أمره المولى بسؤالهم ~~{يوم القيامة} أي الذي هم به مكذبون، وله مستهينون والتأكيد إما لإنكارهم ~~ذلك اليوم، أو لظن أن العالم لا يسأل عما يعلمه، {عما كانوا} أي بغاية ~~الرغبة {يفترون*} أي يتعمدون كذبه، ويعملون أفكارهم في ارتكابه ويواظبون ~~عليه، والتعبير بصيغة الافتعال يدل على أنهم كانوا يعلمون صدق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ويتعمدون الكذب في وعدهم لمن غروه. # PageV14P403 # ولما كان السياق للبلاء والامتحان، والصبر على الهوان، وإثبات علم الله ~~وقدرته على إنجاء الطائع وتعذيب العاصي، ذكر من الرسل الكرام عليهم الصلاة ~~والسلام من طال صبره على البلاء، ولم يفتر عزمه عن نصيحة العباد على ما ~~يعاملونه به من الأذى، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم ولتابعيه رضي الله ~~تعالى عنهم وتثبيتا لهم وتهديدا لقريش، فقال عاطفا على {ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم} ما هو كالشرح له، وله نظر عظيم إلى {ولقد وصلنا لهم القول} [القصص: ~~51] وأكده دفعا لوهم من يقول: إن القدرة ms3519 على التصرف في القلوب مغنية عن ~~الرسالة في دار التسبب: {ولقد أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة المغنية عن ~~الرسالة إجراء للأمور على ما تقتضيه هذه الدار من حكمة التسبيب # PageV14P403 # {نوحا} أي أول رسل الله الخافقين من العباد، وهو معنى {إلى قومه} فإن ~~الكفر كان قد عم أهل الأرض، وكان صلى الله عليه وسلم أطول الأنبياء بلاء ~~بهم، ولذلك قال مسببا عن ذلك ومعقبا: {فلبث فيهم} أي بعد الرسالة يدعوهم ~~إلى الله، وعظم الأمر بقوله: {ألف} فذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه، ~~وعبر بلفظ {سنة} ذما لأيام الكفر، وقال: {إلا خمسين} فحقق أن ذلك الزمان ~~تسعمائة وخمسون من غير زيادة ولا نقص مع الاختصار والعذوبة، وقال: {عاما} ~~إشارة إلى أن زمان حياته عليه الصلاة والسلام بعد إغراقهم كان رغدا واسعا ~~حسنا يإيمان المؤمنين وخصب الأرض. # ولما كان تكرير الدعاء مع عدم الإجابة أدل على الامتثال وعدم الملال، قال ~~مسببا عن لبثه فيهم ودعائه لهم ومعقبا له: {فأخذهم} أي كلهم بالإغراق أخذ ~~قهر وغلبة {الطوفان} أي من الماء، لأن الطوفان في الأصل لكل فاش طام محيط ~~غالب ممتلىء كثرة وشدة وقوة من سيل أو ظلام أو موت أو غيرها، والمراد هنا ~~الماء {وهم ظالمون*} أي عريقون في هذا الوصف، وهو وضع الأشياء في غير ~~مواضعها فعل من يمشي في أشد الظلام، بتكذيبهم رسولهم، وإصرارهم على كفرهم، ~~وهو ملازم لدعائهم ليلا ونهارا لم يرجع منهم عن الضلال إلا ناس # PageV14P404 # لقلتهم لا يعدون؛ ودل عليهم مسببا عن ذلك بقوله: {فأنجيناه} أي نوحا عليه ~~السلام بما لنا من العظمة التي لا يغلبها شيء {وأصحاب السفينة} من أولاده ~~وأتباعه، من الغرق، وماذا يبلغ مقدار أهل سفينة واحدة في العدة والكثرة ~~{وجعلناها} أي الفعلة أو السفينة أي نفسها وجنسها، بتلك العظمة {آية} أي ~~علامة على قدرة الله وعلمه وإنجائه للطائع وإهلاكه للعاصي {للعالمين*} فإن ~~لم يقع في الدهر حادثة أعظم منها ولا أغرب ولا أشهر في تطبيق الماء جميع ~~الأرض، بطولها والعرض، وإغراق ms3520 جميع من عليها من حيوان: إنسان وغير إنسان، ~~وإنجاء ناس فيهم بما هيأ قبل الفعل من سبب ذلك المستمر نفعه على تكرار ~~الأحقاب وتعاقب الأزمان، وكونها آية أما للآدميين الذين كانوا في ذلك ~~الزمان فالأمر فيهم واضح، وأما غيرهم من الحيوان فقد عرفوا لمعرفتهم ~~بالجزئيات المشاهدة أن ذلك الماء لا ينجى منه في دار الأسباب إلا هذه ~~السفينة، فالهداية إلى فعلها للنجاة قبل وقوع سبب الهلاك دالة على تمام ~~العلم وشمول القدرة، وأن من اهتدى إليه دون أهل ذلك # PageV14P405 # العصر كلهم إنما اهتدى بإعلام الله دون غيره، ونصف الآية الأولى الأول من ~~هذه القصة تسلية وتعزية دليلا على آيتي الفتنة أول السورة، ونصفها الثاني ~~تحذير وتوقية، وفيه دليل على الآية الثالثة، والآية الثالثة، والآية الأخرى ~~تبشير وترجية، وفيه دليل على ما بعد. # ولما كان بلاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام عظيما في قذفه في النار ~~وإخراجه من بلاده، أتبعه به فقال: {وإبراهيم} أي ولقد أرسلنا إبراهيم، ~~ويجوز أن يكون التقدير: واذكر إبراهيم أباك الأعظم لتتأسى به وتتسلى ويتعظ ~~قومك بقصته، لكن قوله {وإلى مدين} يرجح الأول، ودل على مبادرته للامتثال ~~بقوله: {إذ} أي حين، وهو بدل اشتمال على التقدير الثاني لاشتمال الأحيان ~~على ما قبلها {قال لقومه} الذين هو منهم: {اعبدوا الله} أي الملك الأعظم ~~بما يأمركم به من طاعته {واتقوه} أي خافوه في أن تشركوا به شيئا فإنه ~~يعذبكم {ذلكم} أي الأمر العظيم الذي هو إخلاصكم في عبادتكم له وتقواكم {خير ~~لكم} أي من كل شيء {إن كنتم} أي بما لكم من الغرائز الصالحة {تعلمون*} أي ~~إن كنتم في عداد من يتجدد # PageV14P406 # له علم فأنتم تقولون: إنه خير، أي تعتقدون ذلك فتعملون به، وإن لم تعملوا ~~ذلك فأنتم في عداد الحيوانات العجم، بل أضل، فإنها تهتدي لما ينفعها فتقبل ~~عليه، وتسعى بجهدها إليه. # ولما أمرهم بما تقدم، ونفى العلم عمن جهل خيريته، دل عليه بقوله: {إنما ~~تعبدون} ولما كان الله أعلى من كل شيء قال: {من دون الله} أي الذي ms3521 لا شبيه ~~له ولا نظير، ولا ثاني ولا وزير، وقال: {أوثانا} إشارة إلى تفرق الهم بكثرة ~~المعبود، والكثرة يلزمها الفرقة ولا خير في الفرقة. ومادة «وثن» بجميع ~~تقاليبها واوية ويائية مهموزة تدور على الزيادة والكثرة، ويلزمها الفرقة من ~~اختلاف الكلمة، فيلزمها حينئذ الرخاوة فيأتي العجز، وتراكيبها تسعة: في ~~الواوي الثلاثة: وثن ثنو ثون، وفي اليائي ثلاثة: ثنى نثى ثين، وفي المهموز ~~ثلاثة: أنث أثن نأث، فمن الزيادة: الوثن، قال القزاز: قال أبو منصور: الفرق ~~بين الوثن والصنم أن الوثن كل ما كان له جثة من خشب أو حجر أو فضة أو ذهب ~~أو جوهر أو غيره ينحت فينصب فيعبد، # PageV14P407 # والصنم الصورة التي بلا جثة، ومنهم من جعل الوثن صنما - انتهى. # وقال عبد الحق: قال الهروي: قال ابن عرفة: ما كان له صورة من جص أو حجارة ~~أو غير ذلك فهو وثن - انتهى. فقد علم من ذلك أنه لا بد فيه من صورة أو جثة، ~~وعلى كل تقدير فهو ثان لما شابه صورته أو جثته وزائد عليه. وقال أبو حاتم ~~أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: الصنم تمثال من حجارة على صورة ~~الإنسان، فإذا كان من خشب فهو وثن، ويتخذ أيضا من جص، وربما صوروا في ~~الحائط أيضا صورة إنسان فتسمى تلك الصورة أيضا وثنا، والنصارى يفعلون ذلك ~~ويصورون في بيعهم صورة المسيح وصورة مريم ويسجدون لها: واستوثن المال: سمن، ~~فزاد لحمه، واستوثن من المال: استكثر، والنحل: صارت فرقتين صغارا وكبارا، ~~والإبل: نشأت أولادها معها، وأوثن زيدا: أجزل عطيته، والواثن: الشيء الثابت ~~الدائم في مكانه، فالزيادة فيه بالنسبة إلى زمانه، ويمكن أن يكون من ~~الرخاوة، فإنه لا يثبت على # PageV14P408 # هذه الصورة إلا ما لا قدرة له على حركة. ومن الفرقة: نثا الحديث - بتقديم ~~النون - ينثوه وينثيه. يائي وواوي: أشاعه وحدث به، والشيء: فرقه وأذاعه، ~~وأنثى: اغتاب وأنف من الشيء، ولا يؤنف منه إلا على تقدير نشره، والثوينا ~~كالهوينا: الرقيق يفرش تحت الرغيف ليسوى ويعدل لأن يكون ظلمه، والتثاون: ~~الاحتيال والخديعة، ms3522 فإنها لا تكون إلا عن جمع فكر وتنبيه نظر، وهي أيضا لا ~~تكون إلا من عاجز عن الأخذ جهارا، ومن ذلك تثاون للصيد - إذا جاءه مرة عن ~~يمينه وأخرى عن يساره، والثني من كل شيء ما يثنى بعضه على بعض، ومن الوادي: ~~منعطفه، واثنونى: انعطف، والثناء ككتاب: عقال البعير، وهو حبل مثنى يعقل به ~~يد البعير فتثنى، والفناء لأنه يكثر انتيابه والتردد إليه، وأثناء الشيء: ~~قواه وطاقاته، والاثنان: ضعف الواحد، والمؤنث ثنتان، وأصله ثنى، # PageV14P409 # والاثنين والثنى كإلى: يوم في الأسبوع، وثنيته عن وجهه: رددته، فصار له ~~رجوع بعد ذهاب، وثنيث الرجلين: صرت ثانيهما وأنت أحدهما، ولا يقال: ثنيت ~~فلانا، ولكن يقال: صرت له ثانيا، والمثاني: القرآن أو ثني منه مرة بعد مرة، ~~أو الحمد، أو البقرة إلى براءة - هكذا عبر في القاموس، وفي مختصر العين: ~~ويقال: سور أولها البقرة وآخرها براءة، وذكر في القاموس في ذلك أقوالا ~~أخرى، ومن أوتار العود الذي بعد الأول واحدها مثنى، ومثنى الأيادي: إعادة ~~المعروف مرتين فأكثر، والثنية: العقبة أوطريقها أو الجبل أو الطريقة فيه - ~~لأنها بطلوعها ونزولها أو تعاريجها كأنها ثنيت مرتين، والثنايا من الأسنان: ~~الأربع التي في مقدم الفم: ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل، والناقة الطاعنة ~~في السادسة، والبعير ثنى، والفرس الداخلة في الرابعة والشاة في الثالثة ~~كالبقرة، وكأن ذلك كله من عرض # PageV14P410 # يعرض لثنيه الحيوان، والثنية: النخلة المستثناة من المساومة، والثنية ~~والثناء، وصف بمدح أو ذم، أو خاص بالمدح، وذلك لأنه يكرر، والثين بالكسر: ~~من يستخرج الدر من البحر، لأنه يكرر الغوص حتى يجد ويفارق مكانه لذلك ويفرق ~~الدر من مكانه، والثين أيضا: مثقب اللؤلؤ، لأن الثقب يفرق بين أجزائها ولأن ~~المثقب نفسه يحرك فيكثر من حركته إذا فعل به ذلك. # ومن مهموزة؛ نأث عنه: بعد، والمنآث - بالضم، المبعد، والأثين: الأصيل، ~~لأنه ثان لأصله، ومن الرخاوة الأنثى خلاف الذكر، والأنيت من الحديد الرخو ~~وهو ما لم يكن ذكرا، والمؤنث: المخنث، والأنثيان: الخصيتان والأذنان، وأرض ~~أنيثة ومئناث: سهلة، وسيف مئناث: كهام أي ms3523 قليل لا يقطع - فقد تحرر أن ~~المادة كلها دائرة على ما لا ينبغي لرتبة الإلهية من الكثرة والفرقة ~~والرخاوة، ولذلك أتى بصيغة الحصر، وهو قصر قلب لسلب ما اعتقدوه فيها من ~~الإلهية. # ولما أشار لهم إلى عدم صلاحيتها لتلك الرتبة العلية، والغاية الشماء ~~السنية، بكثرتها، أشار لهم إلى قصورها أيضا بتصويرها فقال بصيغة المضارع # PageV14P411 # إشارة إلى ما يرى في كل وقت من تجدد حدوثها: {وتخلقون} أي تصورون بأيديكم ~~{إفكا} أي شيئا مصروفا عن وجهه، فإنه مصنوع وأنتم تسمونه باسم الصانع، ~~ومربوب وأنتم تعدونه ربا، وعبد وأنتم تقيمونه معبودا، أو تقولون في حقها ~~إنها آلهة كذبا. # ولما كان الإنسان محتاجا أبدا، فكان لا يزال متوجها إلى من ينفعه، وكان ~~قد أشار سبحانه إلى نقص معبوداتهم بنفي الخير عنها، صرح بعجزها، وأثبت ~~اختصاصه بالخير، لينتج اسحقاقه للعبادة دونها وأكده ردا لما كانوا يتوهمونه ~~من نفعها وضرها فقال: {إن الذين تعبدون} ضلالا وعدولا عن الحق الواضح {من ~~دون الله} المحيط بصفات الكمال، المنزه عن شوائب الاختلال الذي لا يمكن أن ~~يملأ جميع ما تحت رتبته شيء فكيف برتبته الشماء، وحضرته العلياء {لا يملكون ~~لكم} أي وأنتم تعبدونها فكيف بغيركم {رزقا} أي شيئا من الرزق الذي لا قوام ~~لكم بدونه، فتسبب عن ذلك قوله: {فابتغوا} وأشار بصيغة الافتعال إلى السعي ~~فيه، لأنه أجرى عادته سبحانه أنه في الغالب لا يؤتيه إلا بكد من المرزوق # PageV14P412 # وجهد، إما في العبادة والتوكل، وإما في السعي الظاهر في تحصيله بأسبابه ~~الدنيوية «والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» . # ولما أشار إلى ذلك، أشار إلى الإجمال في الطلب، وأن لا يعتقد أنه لا ~~محالة في السبب، وإنما الأمر مع ذلك بيده، إن شاء أنجح وإن شاء خيب، بقوله: ~~{عند الله} أي الذي له كل صفة كمال {الرزق} أي كله، فإنه لا شيء منه إلا ~~وهو بيده، وقد دخل فيه كل موجود، فإن الكل خلق لذلك، فأحكمت صنعته وربط ~~بعضه ببعض، فلو نقص منه شيء لاختل النظام، فتبطل ms3524 الأحكام {واعبدوه} أي ~~عبادة يقبلها، وهي ما كان خالصا عن الشرك، فإن من يكون كذلك يستحق ذلك ~~ويثيب العابد له، ويعاقب الزاهد فيه، فلا يشغلكم ابتغاء الرزق بالأسباب ~~الظاهرة عن عبادته، فإنها هي الأسباب الحقيقية، فربما حرم العبد الرزق ~~بالذنب يصيبه {واشكروا} أي أوقعوا الشكر {له} خاصة على ما أفاض عليكم من ~~النعم؛ ثم علل ذلك بقوله: {إليه} أي وحده {ترجعون*} أي معنى في الدنيا ~~والآخرة بأنه لا حكم في الحقيقة لأحد سواه، وحسا بالنشر والحشر بعد الموت ~~بأيسر أمر فيثيب الطائع ويعذب العاصي في الدارين. # PageV14P413 # ولما كان التقدير: فإن تصدقوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة، عطف عليه ~~قوله: {وإن تكذبوا} والذي دلنا على هذا المحذوف هذه الواو العاطفة على غير ~~معطوف معروف {فقد} أي فيكفيكم في الوعظ والتهديد معرفتكم بأنه {كذب أمم} في ~~الأزمان الكائنة {من قبلكم} كثيرة، كعاد وثمود وقوم نوح وغيرهم، فجرى الأمر ~~فيهم على سنن واحد لم يختلف قط في نجاة والمطيع للرسول وهلاك العاصي له، ~~ولم يضر ذلك بالرسول شيئا وما ضروا به إلا أنفسهم {وما على الرسول} أن ~~يقهركم على التصديق، بل ما عليه {إلا البلاغ المبين*} الموضح مع - ظهوره في ~~نفسه - للأمر بحيث لا يبقى فيه شك، بإظهار المعجزة وإقامة الأدلة على ~~الوحدانية. # ولما كان التقدير: ألم تروا إلى مصارعهم؟ واتساق الحال في أمرهم؟ فيكفيكم ~~ذلك زاجرا، عطف عليه للدلالة على الرجوع إليه منكرا قوله: {أو لم يروا} ~~بالخطاب في قراءة حمزة والكسائي وفي رواية عن أبي بكر عن عاصم جريا على ~~النسق السابق، وبالغيب للباقين، إعراضا للإيذان بالغضب {كيف يبدئ الله} أي ~~الذي له كل كمال {الخلق} أي يجدد إبداءه في كل لحظة، وهو بالضم من أبدأ، ~~وقرىء بالفتح من بدأ، وهما معا بمعنى الإنشاء من العدم؛ # PageV14P414 # قال القزاز: أبدأت الشيء أبدئه إبداء - إذا أنشأته، والله المبدىء أي ~~الذي بدأ الخلق، يقال: بدأهم وأبدأهم، وفي القاموس: بدأ الله الخلق: خلقهم ~~كأبدأ. ورؤيتهم للإبداء موجودة في الحيوان للإبداء والإعادة في النبات، ولا ~~فرق ms3525 في الإعادة بين شيء وشيء فيكون قوله - {ثم يعيده} أي يجدد إعادته في كل ~~لمحة - معطوفا على {يبدئ} ولو لم يكن كذلك لكان عطفه عليه من حيث إن مشاهدة ~~حال الابتداء جعلت مشاهدة لحال الإعادة من حيث إنه لا فرق، ولا حاجة حينئذ ~~إلى تكلف عطفه على الجملة من أولها. ثم حقر أمره بالنسبة إلى عظيم قدرته، ~~فقال ذاكرا نتيجة الأمر السابق: {إن ذلك} أي الإبداء والإعادة، وأكد لأجل ~~إنكارهم {على الله يسير*} لأنه الجامع لكل كمال، المنزه عن كل شائبة نقص. # ولما ساق العزيزالجليل هذا الدليل، عما حاج به قومه الخليل، انتهزت ~~الفرصة في إرشاد نبيه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام والتحية والإكرام، ~~وذلك أنه لما استدل عليه السلام على الوحدانية المستلزمة للقدرة على المعاد ~~بإبطال إلهية معبوداتهم المستلزم لإبطال كل # PageV14P415 # ما شاكلها، فحصل الاستعداد للتصريح بأمر المعاد، فصرح به، كان ذلك فخرا ~~عظيما، ومفصلا بينا جسيما، لإقامة الحجة على قريش وسائر العرب، فانتهزت ~~فرصته واقتحمت لجته، كما هي عادة البلغاء، ودأب الفصحاء الحكماء، لأن ذلك ~~كله إنما سيق تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعظا لقومه فقيل: {قل} أي يا ~~محمد لهؤلاء الذين تقيدوا بما تقلدوا من مذاهب آبائهم من غير شبهة على صحته ~~أصلا: قد ثبت أن هذا كلام الله لما ثبت من عجزكم عن معارضته، فثبت أن هذا ~~الدليل كلام أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأنتم مصرحون بتقليد الآباء ~~غير متحاشين من معرته ولا أب لكم أعظم من إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ~~فإذا قلدتم من لا يفارقه في عبادة ما لا يضر ولا ينفع من غير شبهة أصلا ~~فقلدوا أباكم الأعظم في عبادة الله وحده لكونه أباكم، ولما أقام على ذلك من ~~الأدلة التي لا مراء فيها قال: أو {سيروا} إن لم تقتدوا بأبيكم إبراهيم ~~عليه السلام، وتتأملوا ما أقام من الدليل القاطع والبرهان الساطع {في ~~الأرض} إن لم يكفكم النظر في أحوال بلادكم. # ولما كان السياق لإثبات الإلهية التي تجب المبادرة إلى تفريغ الفكر ~~وتوجيه كل ms3526 الذهن إلى الاستدلال عليها، عبر بالفاء المعقبة فقال: # PageV14P416 # {فانظروا} أي نظر اعتبار {كيف بدأ} أي ربكم الذي خلقكم ورزقكم {الخلق} من ~~الحيوانات والنبات من الزروع والأشجار، وغيرها مما تضمنته الجبال والسهول ~~والأوعار، وهذا يدل على أن الأول فيما هو أعم من الحيوان، فتقريرهم على ~~الإعادة فيه حسن. # ولما كان المقصود بالذات بيان الإعادة التي هي من أجل مقاصد السورة، ~~لإظهار ما مضى أولها من العدل يوم الفصل، وكانوا بها مكذبين، بين الاهتمام ~~بأمرها بإبراز الاسم الأعظم بعد تكريره في هذا السياق غير مرة، وأضمره في ~~سياق البداءة لإقرارهم له بها، إشارة إلى أنه باطن في هذه الدار، ظاهر ~~بجميع الصفات في تلك، فقال: {ثم الله} أي الحائز لجميع صفات الكمال فلا ~~يفوته شيء، المتردي بالجلال، فاخشوا سطوته، واتقوا عقوبته ونقمته {ينشئ ~~النشأة الآخرة} بعد النشأة الأولى. ثم علل ذلك بقوله مؤكدا تنزيلا لهم ~~منزلة المنكر لإنكارهم البعث: {إن الله} فكرر ذكره تنبيها بعد التيمن به ~~على ما ذكره وعلى أنه في كل أفعاله لا سيما هذا مطلق غير مقيد بجهة من ~~الجهات، ولا مشروط بأمر من الأمور {على كل شيء قدير*} لأن نسبة الأشياء ~~كلها إليه واحدة. # PageV14P417 # ولما ثبت ذلك، أنتج لا محالة قوله: مهددا بعد البيان الذي ليس بعده إلا ~~العناد: {يعذب} بعدله {من يشاء} أي منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة، فلا ~~يقدر أحد بشفاعة ولا غيرها على الحماية منه {ويرحم} بفضله {من يشاء} فلا ~~يقدر أحد على أن يمسه بسوء {وإليه} أي وحده {تقلبون*} أي بعد موتكم بأيسر ~~سعي. # ولما لم يبق للقدرة على إعادتهم مانع يدعي إلا ممانعتهم منها، أبطلها على ~~تقدير ادعائهم لها فقال: {وما أنتم} أي أجمعون العرب وغيرهم {بمعجزين} أي ~~بواقع إعجازهم في بعثكم وتعذيبكم {في الأرض} كيفما تقلبتم في ظاهرها ~~وباطنها. # ولما كان الكلام هنا له أتم نظر إلى ما بعد البعث، وكانت الأحوال هناك ~~خارجة عما يستقل به العقل، وكان أثر القدرة أتم وأكمل، وأهم وأشمل، وكان ~~بعض الأرواح يكون في ms3527 السماء بعد الموت قال: {ولا في السماء} أي لو فرض انكم ~~وصلتم إليها بعد الموت بالحشر أو قبله، لأن الكل بعض ملكه، فكيف يعجزه من ~~في ملكه، ويمكن أن يكون له نظر إلى قصة نمرود في بنائه الصرح الذي أراد به ~~التوصل إلى السماء لا سيما والآيات مكتنفة بقصة إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام من قبلها ومن بعدها. # PageV14P418 # ولما اخبرهم أنهم مقدور عليهم، وكان ربما بقي احتمال أن غيرهم ينصرهم، ~~صرح بنفيه فقال: {وما لكم} أي أجمعين أنتم وغيركم أيها المحشورون، وأشار ~~إلى سفول رتبة كل من سواه بقوله: {من دون الله} أي الذي هو أعظم من كل ~~عظيم؛ وأكد النفي بإثبات الجار فقال: {من ولي} أي قريب يحميكم لأجل القرابة ~~{ولا نصير*} لشيء غير ذلك لأنه لا كفوء له. # ولما كان التقدير: فالذين آمنوا بآيات ربهم ولقائه أولئك يرجون رحمتي ~~وأولئك لهم نعيم مقيم، وكان قد أمرهم بالاستدلال، وهددهم ليرجعوا عن ~~الضلال، بما أبقى للرجال بعض المحال، أتبعه ما قطعه، فقال عاطفا على ذلك ~~المقدر: {والذين كفروا} أي ستروا ما أظهرته لهم أنوار العقول {بآيات الله} ~~أي دلائل الملك الأعظم المرئية والمسموعة التي لا أوضح منها {ولقائه} ~~بالبعث بعد الموت الذي أخبر به وأقام الدليل على قدرته عليه بما لا أجلى ~~منه {أولئك} أي البعداء البغضاء البعيدو الفهم المحطوطون عن رتبة الإنسان، ~~بل رتبة مطلق الحيوان {يئسوا} أي تحقق يأسهم من الآن، بل من الأزل، لأنهم ~~لم يرجوا # PageV14P419 # لقاء الله يوما؛ ولا قال أحد منهم {رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين} . # ولما كان أكثرهم متعنتا، بين أن المتكلم بهذا الكلام، العالي عن متناول ~~الأنام، هو الله المنوه باسمه في هذا النظام، بالالتفات إلى أسلوب التلكم، ~~تنبيها لمفات السامعين بما ملأ الصدور وقصم الظهور فقال: {من رحمتي} أي من ~~أن أفعل بهم من الإكرام بدخول الجنة وغيرها فعل الراحم؛ وكرر الإشارة ~~تفخيما للأمر فقال: {وأولئك} أي الذين ليس بعد بعدهم بعد، وتهكم بهم في ~~التعبير بلام الملك التي يغلب استعمالهما في ms3528 المحبوب فقال: {لهم عذاب ~~أليم*} أي مؤلم بالغ إيلامه في الدنيا والآخرة. # PageV14P420 # ولما ختم سبحانه هذه الجملة الاعتراضية بما ابتدأها به وبما ختم به ما ~~قبلها من كلام الخليل عليه الصلاة والسلام، وزاد هذا ما ترى من التهديد ~~الشديد، شرع في إكمال قصته عليه الصلاة والسلام دالا على أنه لا أحد يعجزه، ~~ولا يقدر على نصر أحد من عذابه الأليم، مشيرا إلى أنهم سببوا عن قوله ضد ما ~~يقتضيه إيذانا بالعناد، والإصرار على سوء الاعتقاد، فقال: {فما كان جواب ~~قومه} أي الذين يرجى قبولهم # PageV14P420 # لنصحه علما منهم بوفور شفقته وعظم أمانته ونصيحته {إلا أن قالوا} بأعظم ~~فظاظة {اقتلوه} أي بالسيف {أو حرقوه} أي بالنار. # ولما استقر رأي الجميع على هذا الثاني، ولم يكن له فيهم نصير، أشار إليه ~~سبحانه بقوله ناسقا له على ما تقديره: فأبى المعظم القتل لأنه عذاب مألوف ~~لمن يستحقه من المجرمين، وهو قد عمل عملة مفردة في الدهر فالذي ينبغي أن ~~يخص العذاب عليها بعذاب لم يعهد مثله وهو الإحراق على هيئة غريبة، فرجعوا ~~عن القتل واستقر رأيهم على الإحراق فجمعوا له حطبا إلى أن ملأ ما بين ~~الجبال، وأضرموا فيه النار حتى أحرقت ما دنا منها بعظيم الاشتعال، وقذفوه ~~فيها بالمنجنيق {فأنجاه الله} بما له من كمال العظمة إنجاء وحيا من غير ~~احتياج إلى تدريج {من النار} أي من إحراقها وأذاها، ونفعته بأن أحرقت ~~وثاقه. # ولما اشتملت قصته بهذا السياق على دلائل واضحات، وأمور معجزات، عظم أمرها ~~سبحانه بقوله مؤكدا لمزيد التنويه بذكرها، وتنزيلا في توقفهم عما دعت إليه ~~الآيات الظاهرة من الإيمان منزلة المنكر لها: {إن في ذلك} أي ما ذكر من ~~أمره وما خللت به قصته من الحكم {لآيات} أي براهين قاطعة في الدلالة على ~~جميع أمر الله من تصرفه في الأعيان والمعاني، لكون النار لم تحرقه وأحرقت ~~وثاقه وكل ما # PageV14P421 # مر عليها من طائر، ومع رؤيته ذلك لم يؤمنوا ولم يقدروا على ضرره بشيء غير ~~ذلك. # ولما كان ما للشيء إنما هو ms3529 في الحقيقة ما ينفعه، وكان قد حجبها سبحانه ~~بالشهوات والحظوظ الشاغلة عن استعمال نور العقل، قال: {لقوم يؤمنون*} أي ~~يقبلون على استعمال نور العقل الذي وهبهموه الله فيصدقون بالغيب حتى صار ~~الإيمان -بكثرة ما صقلوا مرائي قلوبهم بالنظر في أسبابه - لهم خلقا بحيث ~~إنهم في كل لحظة يجددون الترقي في مراتبه، والتنقل في أخبيته ومضاربه. # ولما تقدم سلبه النفع عن هذه الأوثان، أشار هنا إلى نفع يعقب من الضر ما ~~لا نسبة له منه، فليس حينئذ بنفع، فقال تعالى: {وقال} أي إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام غير هائب لتهديدهم بقتل ولا غيره، مؤكدا لأجل ما أشار إليه ~~مما ينكرونه من ضعف شركائهم وعجزها: {إنما اتخذتم} أي أخذتم باصطناع وتكلف، ~~وأشار لى عظمة الخالق وعلو شأنه بقوله: {من دون الله} أي الذي كل شيء تحت ~~قهره، ولا كلفة - في اعتقاد كونه ربا - باحتياج إلى مقدمة جعل وصنعة ولا ~~غير ذلك، وقال: {أوثانا} إشارة إلى تكثرها الذي هو مناف # PageV14P422 # لرتبة الإلهية؛ وأشار إلى ذلك النفع بقوله: {مودة} أي لأجل مودة - عند من ~~نصب سواء ترك التنوين وهم حمزة وخفص عن عاصم وروح عن يعقوب أو نون وهم ~~الباقون {بينكم} من خفضه على الاتساع ورفع «مودة» وهم ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي ورويس عن يعقوب كان المعنى: هي مودة البين الجامع لكم بمعنى ~~مودتكم على وجه أبلغ، لأن المودة إذا كانت لبين جامع الناس كانت لأولئك ~~الناس بطريق الأولى، ومن خفضه ونصبها وهم حمزة وحفص عن عاصم وروح عن يعقوب ~~فالمعنى: لأجل المودة، ومن نصبها ونون وهم نافع وابن عامر وأبو جعفر وشعبة ~~فالبين عنده ظرف {في الحياة الدنيا} بالاجتماع عندها والتواصل في أمرها ~~بالتناصر والتعاضد كما يتفق ناس على مذهب فيكون ذلك سبب تصادقهم، وهذا دال ~~على أن جمع الفسوق لأهل الدنيا هو العادة المستمرة، وأن الحب في الله ~~والاجتماع له عزيز جدا، لما فيه من قطع علائق الدنيا وشهواتها التي زينت ~~للناس، بما فيها من الإلباس، وعظيم البأس. # ولما أشار إلى هذا ms3530 النفع الذي هو في الحقيقة ضر، ذكر ما يعقبه من الضر ~~البالغ، فقال معبرا بأداة البعد إشارة إلى عظيم ذلك اليوم، # PageV14P423 # وإلى أنه جعل لهم في الحياة أمدا يمكنهم فيه السعي للتوقي من شر ذلك ~~اليوم: {ثم يوم القيامة} ساقه مساق ما لا نزاع فيه لما قام عليه من الأدلة ~~{يكفر بعضكم ببعض} فينكر كل منهم محاسن أخيه، ويتبرأ منه بلعن الأتباع ~~القادة، ولعن القادة الأتباع، وتنكرون كلكم عبادة الأوثان تارة إذا تحققتم ~~أنها لا ضر ولا نفع لها، وتقرون بها أخرى طالبين نصرتها راجين منفعتها، ~~وتنكر الأوثان عبادتكم وتجحد منفعتكم {ويلعن بعضكم بعضا} على ما ذكر ~~{ومأواكم} جميعا أنتم والأوثان {النار} لتزيد في عذابكم ويزداد بغضكم لها ~~{وما لكم} وأعرق في النفي فقال: {من ناصرين*} أصلا يحمونكم منها، ويدخل في ~~هذا كل من وافق أصحابه من أهل المعاصي أو البطالة على الرذائل ليعدوه حسن ~~العشرة مهذب الأخلاق لطيف الذات، أو خوفا من أن يصفوه بكثافة الطبع وسوء ~~الصحبة، ولقد عم هذا لعمري أهل الزمان ليوصفوا بموافاة الإخوان ومصافاة ~~الخلان، معرضين عن رضى الملك الديان. # ولما كان في سياق الابتلاء، وذكر من الأنبياء من طال ابتلاؤه، # PageV14P424 # بين أنه لم يكن لهم من أممهم تابع يقدر على نصرهم، وأن الله سبحانه تولى ~~كفايتهم فلم يقدر واحد على إهلاكهم، وأهلك أعدائهم، فلم يكن لهم من ناصرين ~~فقال: {فآمن له} أي لأجل دعائه له مع ما رأى من الآيات {لوط} أي ابن أخيه ~~هاران وحده، وهو أول من صدقه من الرجال {وقال} أي إبراهيم عليهما الصلاة ~~والسلام مؤكدا لما هو جدير بالإنكار من الهجرة لصعوبتها: {إني مهاجر} أي ~~خارج من أرضي وعشيرتي على وجه الهجر لهم فمنتقل ومنحاز {إلى ربي} أي إلى ~~أرض ليس بها أنيس ولا عشير، ولا من ترجى نصرته، ولا من تنفع مودته، فحينئذ ~~يتبين الرضى بالله وحده، والاعتماد عليه دون ما سواه، فهاجر من كوثى من ~~سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى الأرض المقدسة، فكانت له هجرتان، وهو ms3531 أول ~~من هاجر في الله، قال مقاتل: وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة. # ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق أرضه وأهل وده من ذوي رحمه وأنسابه وأولي ~~قربه، فقال مؤكدا تسكينا لمن عساه يتبعه وتهوينا عليه لفراق ما ألفت النفوس ~~من أنه # PageV14P425 # لا عز إلا به من العشائر والأموال والمعارف: {إنه هو} أي وحده {العزيز} ~~أي فهو جدير بإعزاز من انقطع إليه {الحكيم*} فهو إذا أعز أحدا منعته حكمته ~~من التعرض له بإذلال، بفعل أو مقال، كما صنع بي حين أراد إذلالي من كان ~~جديرا بإعزازي من عشيرتي وأهل قربى، وبالغ في أذاي ممن كان حقيقا بنفعي من ~~ذوي رحمي وحبي. # ولما كان التقدير: فأعززناه كما ظن بنا إعزازا أحكمناه حتى استمر في عقبه ~~إلى القيامة، عطف عليه قوله: {ووهبنا له} أي بجليل قدرتنا شكرا على هجرته ~~{إسحاق} من زوجته سارة عليها السلام التي جمعت إلى العقم في شبابها اليأس ~~بكبرها، وعطفه لهبته له بالواو دليل على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ~~الصافات من أن الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام لتعقيبه للهبة هناك على ~~الهجرة بالفاء {ويعقوب} من ولده إسحاق عليهما الصلاة والسلام. # ولما كان السياق في هذه السورة للامتحان، وكان إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام قد ابتلي في إسماعيل عليه الصلاة والسلام بفراقه مع أمه رضي الله ~~عنهما ووضعهما في قضيعة من الأرض لا أنيس بها، لم يذكره تصريحا في سياق ~~الامتنان، وأفرد إسحاق عليه الصلاة والسلام لأنه لم يبتل فيه بشيء من ذلك، ~~ولأن المنة به - لكون أمه عجوزا وعقيما - أكبر وأعظم لأنها أعجب، وذكر ~~إسماعيل عليه الصلاة والسلام # PageV14P426 # تلويحا في قوله: {وجعلنا} أي بعزتنا وحكمتنا {في ذريته} من ولد إسحاق ~~وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام {النبوة} فلم يكن بعده نبي أجنبي عنه، ومتى ~~صحت هذه المناسبة لزم قطعا أن يكون الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام ~~فإنه أعرى ذكر هذه السورة منه، ويكون كأنه قيل: إنا بشرناه بما يسر به من ~~إسحاق بعد أن أمرناه بما ms3532 يضر من إسماعيل عليهما السلام فصبر في محنة ~~الضراء، وشكر في محنة السراء {والكتاب} فلم ينزل كتاب إلا على أولاده، ~~وأفرد ليدل - مع تناوله بالجنسية الكتب الأربعة - على أنه لا شيء يستحق أن ~~يكتب إلا ما أنزل فيها، أو كان راجعا إليه، ولو جمع لم يفد هذا المعنى ~~{وآتيناه أجره} على هجرته {في الدنيا} بما خصصناه به مما لا يقدر عليه ~~غيرنا من سعة الرزق، ورغد العيش، وكثرة الخدم، والولد في الشيخوخة، وكثرة ~~النسل، والثناء الحسن، والمحبة من جميع الخلق، وغير ذلك. # ولما كان الكافر يعتقد - لإنكاره البعث - أنه نكد حياته بالهجرة نكدا لا ~~تدارك له، اقتضى الحال التأكيد في قوله: {وإنه في الآخرة} أي التي هي الدار ~~وموضع الاستقرار {لمن الصالحين*} الذين خصصناهم بالسعادة وجعلنا لهم الحسنى ~~وزيادة. # PageV14P427 # ولما كان - كما مضى - السياق للابتلاء، خص بالبسط في القص # PageV14P427 # من لم يكن له ناصر من قومه، أو كان غريبا منها، ولذلك أتبع الخليل عليه ~~الصلاة والسلام ابن أخيه الذي أرسله الله إلى أهل سدوم: ناس لا قرابة له ~~فيهم ولا عشيرة، فقال: {ولوطا} أي أرسلناه، وأشار إلى إسراعه في الامتثال ~~بقوله: {إذ} أي وأرسلناه حين {قال لقومه} أهل سدوم الذين سكن فيهم وصاهرهم ~~وانقطع إليهم فصاروا قومه، حين فارق عمه إبراهيم الخليل عليهما الصلاة ~~والسلام، منكرا ما رأى من حالهم، وقبيح فعالهم، مؤكدا له إشارة إلى أنه - ~~مع كونه يرونه من أعرف المعارف - جدير بأن ينكر: {إنكم لتأتون الفاحشة} أي ~~المجاوزة للحد في القبح، فكأنها لذلك لا فاحشة غيرها. ثم علل كونها فاحشة ~~استئنافا بقوله: {ما سبقكم} أو هي حال مبينة لعظيم جرأتهم على المنكر، أي ~~غير مسبوقين {بها} وأعرق في النفي بقوله: {من أحد} وزاد بقوله: {من ~~العالمين*} أي كلهم فضلا عن خصوص الناس؛ ثم كرر الإنكار تأكيدا لتجاوز ~~قبحها الذي ينكرونه فقال: {أئنكم لتأتون الرجال} إتيان الشهوة، وعطف عليها ~~ما ضموه إليها من المناكر، بيانا لاستحقاق الذم من وجوه، فأوجب حالهم ظن ~~أنهم وصلوا من الخبث إلى حد ms3533 لا مطمع في الرجوع عنه مع # PageV14P428 # ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر، فقال {وتقطعون السبيل*} أي بأذى ~~الجلابين والمارة. # ولما خص هذين الفسادين، عم دالا على المجاهرة فقال: {وتأتون في ناديكم} ~~أي المكان الذي تجلسون فيه للتحدث بحيث يسمع بعضكم نداء بعض من مجلس ~~المؤانسة، وهو ناد ما دام القوم فيه، فإذا قاموا عنه لم يسم بذلك {المنكر} ~~أي هذا الجنس، وهو ما تنكره الشرائع والمروءات والعقول، ولا تتحاشون عن شيء ~~منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من فعل خلاف الأولى، من غير أن ~~يستحي بعضكم من بعض؛ ودل على عنادهم بقوله مسببا عن هذه النصائح بالنهي عن ~~تلك الفضائح: {فما كان جواب قومه} أي الذين فيهم قوة ونجدة بحيث يخشى شرهم، ~~ويتقي أذاهم وضرهم، لما أنكر عليهم ما أنكر {إلا أن قالوا} عنادا وجهلا ~~واستهزاء: {ائتنا بعذاب الله} وعبروا بالاسم الأعظم زيادة في الجرأة. ولما ~~كان الإنكار ملزوما للوعيد بأمر ضار قالوا: {إن كنت} أي كونا متمكنا {من ~~الصادقين*} أي في وعيدك وإرسالك، إلهابا وتهييجا. # ولما كان كأنه قيل: بم أجابهم؟ قيل: {قال} أي لوط عليه الصلاة والسلام ~~معرضا عنهم، مقبلا بكليته على المحسن إليه: {رب} # PageV14P429 # أي أيها المحسن إلي {انصرني على القوم} أي الذين فيهم من القوة ما لا ~~طاقة لي بهم معه {المفسدين*} بإتيان ما تعلم من القبائح. # ولما كان التقدير: فاستجبنا له فأرسلنا رسلنا بشرى لعمه إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام، ولإهلاك قوم لوط عليه الصلاة والسلام، تحقيقا لانتقامنا من ~~المجرمين، وإنعامنا على الصالحين، ولابتلائنا لمن نريد من عبادنا حيث جعلنا ~~النذارة مقارنة للبشارة، عطف عليه قوله: {ولما جاءت} وأسقط «أن» لأنه لم ~~يتصل المقول بأول المجيء بل كان قبله السلام والإضافة؛ وعظم الرسل بقولهك ~~{رسلنا} أي من الملائكة تعظيما لهم في أنفسهم ولما جاؤوا به {إبراهيم ~~بالبشرى} أي بإسحاق ولدا له، ويعقوب ولدا لإسحاق عليهما الصلاة والسلام. # ولما كان المقام للابتلاء والامتحان، أجمل البشرى، وفصل النذري، فقال: ~~{قالوا} أي الرسل عليهم الصلاة والسلام لإبراهيم ms3534 عليه الصلاة والسلام بعد ~~أن بشروه وتوجهوا نحو سدوم، جوابا لسؤاله عن خطبهم، تحقيقا لأن أهل السيئات ~~مأخوذون، وأكدوا لعلمهم أن الخليل عليه الصلاة والسلام يود أن يهديهم الله ~~على يد ابن أخيه ولا يهلكهم، فقالوا: {إنا مهلكو} وأضافوا تحقيقا لأن الأمر ~~قد حق وفرغ منه فقالوا: {أهل هذه القرية} ثم عللوا ذلك بقولهم: {إن أهلها} ~~مظهرين غير مضمرين إفهاما لأن المراد أهلها الأضلاء في ذلك، إخراجا للوط ~~عليه السلام: {كانوا ظالمين*} أي عريقين في هذا الوصف، فلا حيلة في رجوعهم ~~عنه. # ولما كان السامع بحيث يتشوف إلى معرفة ما كان بعد ذلك، كان كأنه قيل: لم ~~يقنع الخليل عليه السلام لخطر المقام بهذا التلويح، بل {قال} مؤكدا تنبيها ~~على جلالة ابن أخيه، وإعلاما بشدة اهتمامه به، وأنه ليس ممن يستحق الهلاك، ~~ليعلم ما يقولون في حقه، لأن الحال جد، فهو جدير بالاختصار: {إن} وأفهم ~~بقوله: {فيها لوطا} دون، منهم، أنه نزيل تدرجا إلى التصريح بالسؤال فيه، ~~وسؤالا في الدفع عنهم بكونه فيهم، لأنه بعيد عما عللوا به الإهلاك من ~~الظلم، {قالوا} أي الرسل لإبراهيم عليه الصلاة والسلام: {نحن أعلم} أي منك ~~{بمن فيها} أي من لوط وغيره. # ولما كان كلامهم محتملا للأنجاء والإرداء، صرحوا بقولهم على سبيل ~~التأكيد، لأن إنجاءه من بينهم جدير بالاستبعاد: {لننجينه} أي إنجاءا عظيما ~~{وأهله} ولما أفهم هذا امرأته استثنوها ليكون ذلك أنص على إنجاء غيرها من ~~جميع أهله فقالوا: {إلا امرأته} فكأنه قيل: فما حالها؟ فقيل: {كانت} أي ~~جبلة وطبعا {من الغابرين*} أي الباقين في الأرض المدمرة والجماعة الفجرة، ~~ليعم وجهها معهم الغبرة. # PageV14P429 # ولما لم يبق بعد هذا إلا خبر الرسل مع لوط عليه الصلاة والسلام، قال ~~عاطفا على ما تقديره: ثم فارقوه ومضوا إلى المدينة التي فيها لوط عليه ~~السلام، مفهما بالعدول عن الفاء إلى الواو أن بين المكانين بعدا: {ولما} ~~وأثبت ما صورته صورة الحرف المصدري لما اقتضاه مقصود السورة، وأكثر ~~سياقاتها بين التسليك في مقام الامتحان والاجتهاد في النهي عن المنكر، ms3535 ولذا ~~ذكر هنا في قصة إبراهيم عليه السلام القتل والإحراق، وأتبعت بشراء بإهلاك ~~القرية الظالمة، فقال: {أن جاءت رسلنا} أي المعظمون بنا {لوطا} بيانا لأنه ~~{سيء} أي حصلت له المساءة {بهم} أول أوقات مجيئهم إليه وحين قدومهم عليه، ~~فاجأته المساءة من غير ريب لما رأى من حسن أشكالهم، وخاف من تعرض قومه لهم، ~~وهو يظن أنهم من الناس، وذلك أن أن في مثل هذا صلة وإن كان أصلها المصدر ~~لتؤكد وجود الفعلين مرتبا وجود أحدهما على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل ~~بينهما # PageV14P432 # فإنها وجدا في جزء واحد من الزمان، قال ابن هشام في المغني ما معناه أن ~~علة ذلك أن الزائد يؤكد معنى ما جيء به لتأكيده، ولما تقيد وقوع الفعل ~~الثاني عقيب الأول وترتبه عليه فالحرف الزائد يؤكد ذلك. {وضاق بهم} أي ~~بأعمال الحيلة في الدفع عنهم {ذرعا} أي ذرعة طاقتهم كما بين وأشبع القول ~~فيه في سورة هود عليه السلام، والأصل في ذلك أن من طالت ذراعه نال ما لا ~~يناله قصيرها، فضرب مثلا في العجز والقدرة، وذلك أنهم أتوه في صورة مردان ~~ملاح جدا، وقد علم أمر أهل القرية في مثل ذلك ولم يعلم أنهم رسل الله. # ولما كان التقدير: فقالوا له: يا لوط! إنا رسل ربك، فخفض عليك من هذا ~~الضيق الذي نراه بك فإنا ما أرسلنا إلا لإهلاكهم، عطف عليه قوله: {وقالوا} ~~أي لما رأوا ما لقي في أمرهم: {لا تخف} أي من أن يصلوا إلينا أو من أن تهلك ~~أنت أو أحد من أهل طاعتك ولا تحزن أي على أحد ممن نهلكه فإنه ليس في أحد ~~منهم خير يؤسف عليهم بسببه؛ ثم عللوا ذلك بقولهم مبالغين في التأكيد ~~للإغناء به عن جمل طوال، إشارة إلى أن الوقت أرق فهو لا يحتمل التطويل: ~~{إنا منجوك} أي مبالغون في إنجائك {وأهلك} أي ومهلكوا أهل هذه القرية، فلا ~~يقع ضميرك أنهم يصلون # PageV14P433 # إلينا، وقالوا: {إلا امرأتك} تنصيصا على كل فرد منهم سواها؛ ثم دلوا على ~~هلاكها ms3536 بقولهم جوابا لمن كأنه قال: ما لها؟ فقيل: {كانت من الغابرين*} أي ~~كأن هذا الحكم في أصل خلقتها. # ولما أفهمت العبارة كما مضى إهلاكهم، صرحوا به فقالوا معينين لنوعه، ~~معللين لما أخبروه به، مؤكدين إعلاما بأن الأمر قد فرغ منه قطعا لأن يشفع ~~فيهم، جريا على عادة الأنبياء في الشفقة على أممهم: {إنا منزلون} أي لا ~~محالة {على أهل هذه القرية رجزا} أي عذابا يكون فيه اضطراب شديد يضطرب منه ~~من أصابه كائنا من كان {من السماء} فهو عظيم وقعه، شديد صدعه {بما كانوا} ~~أي كونا راسخا {يفسقون*} أي يخرجون في كل وقت من دائرة العقل والحياء. # ولما كان التقدير: ففعلت رسلنا ما وعدوه به من إنجائه وإهلاك جميع قراهم، ~~فتركناها، كأن لم يسكن بها أحد قط، عطف عليه قوله مؤكدا إشارة إلى فضيلة ~~المخاطبين بهذه القصة من العرب وغيرهم، وأنه ليس بينهم وبين الهدى إلا ~~تفكرهم في أمرهم مع # PageV14P434 # الإنخلاع من الهوى: {ولقد تركنا} بما لنا من العظمة {منها} أي من تلك ~~القرية {آية} علامة على قدرتنا على كل ما نريد {بينة} وهو الماء الأسود ~~المنتن الذي غمر قراهم كلها بعد الخسف بها وهو مباين لجميع مياه الأرض ~~لكونه ماء السخط لمن باينوا بفعلهم الخلق مع اشتهار كونه على الخسف. # ولما كان سبحانه قد حجب عن الأبصار كثيرا من الناس قال: {لقوم يعقلون*} ~~فعد من لم يستبصر به عير عاقل ولا شاعر بأنها آية ولا فيه أهلية القيام بما ~~يريد. # ولما كان السياق لإثبات يوم الدين وإهلاك المفسدين، ولمن طال ابتلاؤه من ~~الصالحين ولم يجد له ناصرا من قومه، إما لغربته عنهم، وإما لقلة عشيرته ~~لتسميتهم وعدم أتباعه، وكان شعيب عليه السلام ممن استضعفه قومه واستقلوا ~~عشيرته لتسميتهم لهم رهطا، والرهط ما دون العشرة أو من سبعة إلى عشرة، وما ~~دون السبعة إلى الثلاثة نفر، فكان عليه السلام كذلك في هذا العداد، عقب قصة ~~لوط بقصته عليه الصلاة والسلام فقال: {وإلى} أي ولقد أرسلنا إلى # PageV14P435 # {مدين أخاهم} أي من ms3537 النسب والبلد {شعيبا} . # ولما كان مقصود السورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير فترة، عبر ~~بالفاء فقال: {فقال} أي فتسبب عن إرساله وتعقبه أن قال: {يا قوم اعبدوا ~~الله} أي الملك الأعلى وحده، ولا تشركوا به شيئا، فإن العبادة التي فيها ~~شرك عدم، لأن الله تعالى أغنى الشركاء فهو لا يقبل إلا ما كان له خالصا. # ولما كان السياق لإقامة الأدلة على البعث الذي هو من مقاصد السورة قال: ~~{وارجوا اليوم الآخر} أي حسن الجزاء فيه لتفعلوا ما يليق بذلك {ولا تعثوا ~~في الأرض} حال كونكم {مفسدين*} أي متعمدين الفساد. # ولما تسبب عن هذا النصح وتعقبه تكذيبهم فتسبب عنه وتعقبه إهلاكهم، تحقيقا ~~لأن أهل السيئات لا يسبقون قال: {فكذبوه فأخذتهم} أي لذلك أخذ قهر وغلبة ~~{الرجفة} أي الصيحة التي زلزلت بهم فأهلكتهم {فأصبحوا في دارهم} أي محالهم ~~التي كانت دائرة بهم وكانوا يدورون فيها {جاثمين*} أي واقعين على صدورهم، ~~لازمين مكانا واحدا، لا يقدرون على حركة أصلا، لأنه لا أرواح لهم. # ولما كان من المقاصد العظيمة الدلالة على اتباع بعض هذه الأمم بعضا في ~~الخير والشر على نسق، والجري بهم في إهلاك المكذبين # PageV14P436 # وإنجاء المصدقين طبقا عن طبق، وكان إهلاك عاد وثمود - لما اشتهروا به من ~~قوة الأبدان، ومتانة الأركان - في غاية الغرابة، وكان معنى ختام قصة مدين: ~~فأهلكناهم، عطف عليه على ذلك المعنى قوله: {وعادا} أي وأهلكنا أيضا عادا ~~{وثمودا} مع ما كانوا فيه من العتو، والتكبر والعلو {وقد تبين لكم} أي ظهر ~~بنفسه غاية الظهور أيها العرب أمرهم {من مساكنهم} أي ما وصف من هلاكهم وما ~~كانوا فيه من شدة الأجسام، وسعة الأحلام، وعلو الاهتمام، وثقوب الأذهان، ~~وعظيم الشأن، عند مروركم بتلك المساكن، ونظركم إليها في ضربكم في التجارة ~~إلى الشام، فصرفوا أفكارهم في الإقبال على الاستمتاع بالعرض الفاني من هذه ~~الدنيا، فأملوا بعيدا، وبنوا شديدا، ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئا من أمر ~~الله {وزين لهم} في غاية التزيين {الشيطان} أي بعيد من الرحمة، المحترق ms3538 ~~باللعنة، بقوة احتياله، ومحبوب ضلاله ومحاله {أعمالهم} أي الفاسدة، فأقبلوا ~~بكليتهم عليها مع العدو المبين، وأعرضوا عن الهداة الناصحين. # ولما تسبب عن هذا التزيين منعهم لعماهم عن الصراط المستقيم قال: {فصدهم ~~عن السبيل} أي منعهم عن سلوك الطريق الذي لا طريق إلا هو، لكونه يوصل إلى ~~النجاة، وغيره يوصل إلى الهلاك، # PageV14P437 # فهو عدم بل العدم خير منه. ولما كان ذلك ربما ظن أنه لفرط غباوتهم قال: ~~{وكانوا} أي فعل بهم الشيطان ما فعل من الإغواء والحال أنهم كانوا كونا هم ~~فيه في غاية التمكن {مستبصرين*} أي معدودين بين الناس من البصراء العقلاء ~~جدا لما فاقوهم به مما يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا، ولم يسبقونا، بل ~~أوقعناهم بعملهم السيئات فيما أردنا من أنواع الهلكات، فاحذروا مثل مصارعهم ~~فإنكم لا تشابهونهم في القوة، ولا تقاربونهم في العقول. # PageV14P438 # ولما كان لفرعون ومن ذكر معه من العتو بمكان لا يخفى، لما أتوا من القوة ~~بالأموال والرجال قال: {وقارون} أي أهلكناه وقومه لأن وقوعه في أسباب ~~الهلاك أعجب، لكونه من بني إسرائيل، ولأنه ابتلى بالمال والعلم، فكان ذلك ~~سبب إعجابه، فتكبر على موسى وهاورن عليهما السلام فكان ذلك سبب هلاكه ~~{وفرعون وهامان} وزيره الذي أوقد له على الطين، فلا هو نجا ولا كان رأسا في ~~الكفر، بل باع سعادته بكونه ذنبا لغيره. # ولما كان هلاكهم مع رؤية الآيات أعجب، فكان جديرا بالإنكار، إشارة إلى أن ~~رؤية الآيات جديرة بأن يلزم عنها الإيمان قال: # PageV14P438 # {ولقد جاءهم موسى بالبينات} أي التي لم تدع لبسا فتسببوا عما يقتضيه من ~~الاستبصار الاستكبار {فاستكبروا} أي طلبوا أن يكونوا أكبر من كل كبير بأن ~~كانت أفعالهم أفعال من يطلب ذلك {في الأرض} بعد مجيء موسى عليه الصلاة ~~والسلام إليهم أكثر مما كانوا قبله. # ولما كان من يتكبر - وهو عالم بأنه مأخوذ - أشد لوما ممن يجهل ذلك قال: ~~{وما كانوا} أي الذين ذكروا هذا كلهم، كونا ما {سابقين*} أي فائتين ما ~~نريدهم، بأن يخرجوا من قبضتنا، بل هم في القبضة كما ذكرنا ms3539 أول السورة وهم ~~عالمون بذلك {فكلا} أي فتسبب عن تكذيبهم وعصيانهم أن كلا منهم {أخذنا} أي ~~بما لنا من العظمة {بذنبه} أخذ عقوبة ليعلم أنه لا أحد يعجزنا {فمنهم من ~~أرسلنا عليه} إرسال عذاب يا له من عذاب! {حاصبا} أي ريحا ترمى لقوة عصفها ~~وشدة قصفها بالحجارة كعاد وقوم لوط {ومنهم من أخذته} أخذ هلاك وغضب وعذاب، ~~وعدل عن أسلوب العظمة لئلا يوهم الإسناد في هذه إليه صوتا ليوقع في مصيبة ~~التشبيه {الصيحة} التي تظهر شدتها الريح الحاملة لها الموافقة # PageV14P439 # لقصدها فترجف لعظمتها الأرض كمدين وثمود {ومنهم من} وأعاد أسلوب العظمة ~~الماضي لسلامة من الإيهام المذكور في الصيحة وللتنبيه على أنه لا يقدر عليه ~~غير الله سبحانه ففيه من الدلالة على عظمته ما يقصر عنه الوصف فقال: {خسفنا ~~به الأرض} بأن غيبناه فيها كقارون وجماعته {ومنهم من أغرقنا} بالغمر في ~~الماء كقوم نوح وفرعون وجنوده، وعذاب قوم لوط صالح للعد في الإغراق والعد ~~في الخسف، فتارة نهلك بريح تقذف بالحجارة من السماء كقوم لوط، أو من الأرض ~~كعاد، وأخرى بريح تقرع بالصرخة الأسماع فتزلزل القلوب والبقاع، ومرة نبيد ~~بالغمس في الكثيف وكرة بالغمر في اللطيف - فلله در الناظرين في هذه الأوامر ~~النافذة، والمتفكرين في هذه الأقضية الماضية، ليعلموا حقيقة قوله {وما أنتم ~~بمعجزين في الأرض ولا في السماء} - الآية. # ولما كان ذلك ربما جر لأهل التعنت شيئا مما اعتادوه في عنادهم قال: {وما ~~كان الله} أي الذي لا شيء من الجلال والكمال إلا هو وله {ليظلمهم} أي مريدا ~~ليعاملهم معاملة الظالم الذي يعاقب من لا جرم له، أو من أجرم ولم يتقدم ~~إليه بالنهي عن إجرامه ليكف # PageV14P440 # فيسلم، أو يتمادى فيهلك لأنه لا نفع يصل إليه سبحانه من إهلاكهم، ولا ضرر ~~يلحقه عز شأنه من إبقائهم {ولكن كانوا} أي هم لا غيرهم {أنفسهم} لا غيرها ~~{يظلمون*} بارتكابهم ما أخبرناهم غير مرة أنه يغضبنا وأنا نأخذ من يفعله، ~~فلم يقبلوا النصح مع عجزهم، ولا خافوا العقوبة على ضعفهم، وأما ما عبدوه ms3540 ~~ورجوا نصره لهم وأملوه فأضعف منهم، ولكون شيء منه لم يغن عن أحد منم شيئا ~~فلم تختل سنة الله في أوليائه وأعدائه في قرن من القرون ولا عصر من العصور، ~~بل جرت على أقوم نظام، واتقن إحكام، وصل بذلك قوله تعالى على وجه ~~الاستنساج: {مثل الذين} . # ولما كان دعاء غير الله مخالفا لقويم العقل، وصريح النقل، وسليم الفطرة ~~وصحيح الفكرة فكان ذلك يحتاج إلى تدرب إلى الجلافة، وتطبع في الكثافة، قال: ~~{اتخذوا} أي تكلفوا أن أخذوا. # ولما كانت الرتب تحت رتبته سبحانه لا تحصى، وكل الرتب دون رتبته، قال ~~منبها على ذلك بالجار: {من دون الله} أي الذي لا كفوء له، فرضوا بالدون، ~~عوضا عمن لا تكفيه الأوهام والظنون {أولياء} # PageV14P441 # ينصرونهم بزعمهم من معبودات وغيرها، في الضعف والوهي {كمثل العنكبوت} ~~الدابة المعروفة ذات الأرجل الكثيرة الطوال؛ ثم استأنف ذكر وجه الشبه وعبر ~~عنها بالتأنيث وإن كانت تقال بالتذكير تعظيما لضعفها، لأن المقام لضعف ما ~~تبنيه فقال: {اتخذت بيتا} أي تكلفت أخذه في صنعتها له ليقيها الردى، ~~ويحميها البلا، كما تكلف هؤلاء اصطناع أربابهم لينفعوهم، ويحفظوهم بزعمهم ~~ويرفعوهم، فكان ذلك البيت مع تكلفها في أمره، وتعبها الشديد في شأنه، في ~~غاية الوهن. # ولما كان حالها في صنعها حال من ينكر وهنه، قال مؤكدا: {وإن} وواوه للحال ~~من ضمير - {اتخذت} أي والحال أنه أوهن - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر ~~للتعميم فقال: {أوهن البيوت} أي أضعفها {لبيت العنكبوت} التي عانت في حوكه ~~ما عانت وقاست في نسجه ما قاست، لأنه لا يكن من حر، ولا يصون من برد، ولا ~~يحصن عن طالب، كذلك ما اتخذ هؤلاء من هذه الأوثان، وهذا الدين الذي لا أصل ~~له فهو أوهن # PageV14P442 # الأديان وأهونها {لو كانوا يعلمون*} أي لو كان لهم نوع ما من العلم ~~لانتفعوا به فعلموا أن هذا مثلهم، فأبعدوا عن اعتقاد ما هذا مثله. # PageV14P443 # ولما انتفى نفعهم بعلمهم، صح نفيه، فكانوا وإياها على حد سواء، ليس لفريق ~~منهما شيء مما نوى، فيا لها من صفقة ms3541 خاسرة، وتجارة كاسدة بائرة. ولما كان ~~ضرب المثل للشيء لا يصح إلا من العالم بذلك الشيء، وكان النصير على شيء لا ~~يمكن أن يتوجه إلى معارضته إلا أن يعلمه ويعلم مقدار قدرته، وعدة جنوده، ~~وصل بذلك أن هذا شأنه سبحانه وأن شركاءهم في غاية البعد عن ذلك، فكيف ~~يعلقون بنصرهم آمالهم، وزاد ذلك ذاك حسنا تعقيبه لنفي العلم عنهم، فقال ~~إشارة إلى جهلهم في إنكارهم أن يقدر أحد على إهلاك آلهتهم التي هي أو هي ~~الأشياء: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {يعلم} بما له من تلك الصفات ~~{ما} أي الذي {يدعون} أي الذين ضرب لهم المثل، أو أنتم - في قراءة ~~الفوقانية التفاتا إلى أسلوب الخطاب إيذانا بالغضب {من دونه} إشارة إلى ~~سفول رتبتهم، وأكد العموم بقوله: {من شيء} أي سواء كان نجما أو صنما أو ~~ملكا أو جنينا أو غيره، وهم لا يعلمونه ولا يعلمون شيئا مما يتوصلون إليه، ~~فكيف يشفعون عنده أو ينصرون # PageV14P443 # منه، وإليه الإشارة بقوله: {وهو العزيز} أي عن أن يعلمه شركاؤهم أو يحيط ~~به أحدا علما، أو يمتنع عليه شيء يريده؛ وجوزوا أن تكون ما نفية، أي شيء ~~يعتد به. ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لا يعلم أصلا قال: {الحكيم*} أي ~~البالغ العلم، الواضع كل شيء يريده في أكمل مواضعه، فأبطن نفسه بكبريائه ~~وجلاله حتى لا باطن سواه، وأظهرها بأفعاله وما كشف من جماله حتى لا ظاهر في ~~الحقيقة غيره، وهو يغلب من شاء بعزته، ويمهله إن شاء بحكمته، فلا يغتر أحد ~~بإمهاله فيظن أنه لإهماله. # ولما فرغ من مثلهم ومما تتوقف صحته عليه، كان كأنه قيل على وجه التعظيم ~~لهذا المثل: هذا مثلهم فعطف عليه قوله إشارة إلى أمثال القرآن كلها تعظيما ~~لها وتنبيها على جليل قدرها وعلي شأنها: {وتلك الأمثال} أي العالية عن أن ~~تنال بنوع احتيال؛ ثم استأنف قوله: {نضربها} بما لنا من العظمة، بيانا ~~{للناس} تصويرا للمعاني المعقولات بصور المحسوسات، لعلها تقرب من عقولهم ~~فينتفعوا بها، وهكذا حال التشبيهات ms3542 كلها في طرق للأفهام إلى المعاني ~~المحتجبة في الأستار، تبرزها وتكشف عنها وتصورها. # PageV14P444 # ولما كانوا يتهكمون بما رأوه من الأمثال مذكورا به الذباب والبعوض ~~ونحوهما قال مجملا لهم: {وما يعقلها} أي حق عقلها فينتفع بها {إلا ~~العالمون*} أي الذين هيئوا للعلم وجعل طبعا بما بث في قلوبهم من أنواره، ~~وأشرق في صدورهم من أسراره، فهم يضعون الأشياء مواضعها؛ روى الحارث بن أبي ~~أسامة عن جابر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه» قال البغوي: والمثل ~~كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول. # ولما قدم أنه لا معجز له سبحانه، ولا ناصر لمن أخذ، وصحح ذلك بالمشاهدة ~~في القرون البائدة، وقربه إلى الأذهان بالمثل المستولي على غاية البيان، ~~وختم ذلك أنه حجب فهمه عن أكثر خلقه، دل على ذلك كله بقوله مظهرا لقوته ~~وسائر صفات كماله، بعد ما حقق أن أولياءهم في أنزل مراتب الضعف {خلق الله} ~~أي الذي لا يداني في عظمة ولا جلال، ولا جمال ولا كمال {السماوات والأرض ~~بالحق} أي الأمر الذي يطابقه الواقع، أو بسبب إظهار أن الواقع يطابق ~~إخباره، أو بسبب إثبات الحق وإبطال الباطل، فلا تجد أحدا يفهم عنه # PageV14P445 # حق الفهم مع تساويهم في الإنسانية إلا وهو من أهل السكينة، والإخبات ~~والطمأنينة، ولا يعجزه أحد يريد أخذه، ولا يفلح أحد عصى أنبياءه، فبانت ~~عزته، وظهرت حكمته، فطابق الواقع ما أخبر به، وأيضا فالأمثال إنما تكون ~~بالمحسوسات، وهي إما سماوية أو أرضية، فإيجاد هذه الموجودات إنما هو لأجل ~~العلم بالله تعالى. # ولما كان المراد بالعالم قد يخفي، بينه بقوله مشيرا بالتأكيد إلى أن ~~حالهم في عدم الانتفاع بالنظر فيها حال من ينكر أن يكون فيها دلالة: {إن في ~~ذلك} أي الأمر العظيم من تأملهم لمطابقة الواقع لإخباره سبحانه، فلا يخبر ~~بشيء إلا كان الواقع منهما أو مما فيهما يطابقه سواء بسواء {لآية} أي دلالة ~~مسعدة {للمؤمنين*} أي الذين هم العالمون في الحقيقة، حداهم علمهم ms3543 بما في ~~الكونين من المنافع المترتبة على النظام المعروف مع ما في خلقهما أنفسهما ~~مع كبر الأجرام وبديع الإحكام، على الإيمان بجميع ما أخبر به حتى لم يكن ~~عندهم نوع شك، وصار لهم صفة لا تنفك. # ولما أفاد هذا الخبر كله القرآن الذي لا حق أحق منه، ودل على أن فهم ~~أمثاله يحتاج إلى مزيد علم، وأن مفتاح العلم به سبحانه رسوخ الإيمان، خاطب ~~رأس أهل الإيمان لأنه أعظم الفاهمين له ليقتدي به الأتباع فقال: # PageV14P446 # {اتل ما} أي تابع قراءته؛ ودل على شرفه لا ختصاصه به بقوله: {أوحي إليك} ~~إذ الوحي الإلقاء سرا {من الكتاب} أي الجامع لكل خير، فإنه المفيد للإيمان، ~~مع أنه أحق الحق الذي خلقت السماوات والأرض لأجله، والإكثار في تلاوته يزيد ~~بصيرة في أمره، ويفتح كنوز الدقائق من علمه، وهو أكرم من أن ينيل قارئه ~~فائده وأجل من أن يعطي قياد فوائده ويرفع الحجاب عن جواهره وفرائده في أول ~~مرة، بل كلما ردده القارىء بالتدبر حباه بكنز من أسراره، ومهما زاد زاده من ~~لوامع أنواره، إلى أن يقطع بأن عجائبه لا تعد، وغرائبه لا تحد. # ولما أرشد إلى مفتاح العلم، دل قانون العمل الذي لايصح إلا بالقرآن، وهو ~~ما يجمع الهم، فيحضر القلب، فينشرح الصدر، فينبعث الفكر في رياض علومه، ~~فقال: {وأقم الصلاة} أي التي هي أحق العبادات، ثم علل ذلك بقوله دالا ~~بالتأكيد على فخامة أمرها، وأنه مما يخفى على غالب الناس: {إن الصلاة تنهى} ~~أي توجد النهي وتجدده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها {عن الفحشاء} أي ~~الخصال ألتي بلغ قبحها {والمنكر} أي الذي فيه نوع قبح وإن دق، وأقل ما فيها ~~من النهي النهي عن تركها الذي هو كفر، ومن انتهى # PageV14P447 # عن ذلك انشرح صدره، واتسع فكره، فعلم من أسرار القرآن ما لا يعلمه غير ~~{واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282] . # ولما كان الناهي في الحقيقة إنما هو ذكر الله، أتبع ذلك الحث على روح ~~الصلاة والمقصد الأعظم منها، وهو المراقبة لمن يصلي له حتى ms3544 كأنه يراه ليكون ~~بذلك في أعظم الذكر بقوله: {ولذكر الله} أي ولأن ذكر المستحق لكل صفة كمال ~~{أكبر} أي من كل شيء، فمن استحضر ذلك بقلبه هان عنده كل شيء سواه «إن عبدي ~~كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه» أو يكون المراد أن من واظب على الصلاة ~~ذكر الله، ومن ذكره أوشك أن يرق قلبه، ومن رق قلبه استنار لبه، فأوشك أن ~~ينهاه هذا الذكر المثمر لهذه الثمرة عن المعصية، فكان ذكر الذاكر له سبحانه ~~أكبر نهيا له عن المنكر من نهي الصلاة له، وكان ذكره له سبحانه كبيرا، كما ~~قال تعالى {فاذكروني أذكركم} وإذا كان هذا شأن ذكر العبد لمولاه، فما ظنك ~~بذكر مولاه له كلما أقبل عليه بصلاة فإنه جدير بأن يرفعه إلى حد لا يوصف، ~~ويلبسه من أنواره ملابس لا تحصر. # PageV14P448 # ولما كان ذلك يحتاج إلى علاج لمعوج الطباع ومنحرف المزاج، وتمرن على شاق ~~الكلف، ورياضة لجماح النفوس، وكان صلى الله عليه وسلم قد نزه عن ذلك كله ~~بما جبل عليه من أصل الفطرة، ثم بما غسل به قلبه من ماء الحكمة، وغير ذلك ~~من جليل النعمة، عدل إلى خطاب الأتباع يحثهم على المجاهدة فقال: {والله} أي ~~المحيط علما وقدرة {يعلم} أي في كل وقت {ما تصنعون*} من الخير والشر، معبرا ~~بلفظ الصنعة الدال على ملازمة العمل تنبيها على أن إقامة ما ذكر تحتاج إلى ~~تمرن عليه وتدرب، حتى يصير طبعا صحيحا، ومقصودا صريحا. # ولما انتهى الكلام إلى روح الدين وسر اليقين مما لا يعلمه حق علمه إلا ~~العلماء بالكتب السماوية والأخبار الإلهية، وكان العالم يقدر على إيراد ~~الشكوك وترويج الشبه، فربما أضل بالشبهة الواحدة النيام من الناس، بما له ~~عندهم من القبول، وبما للنفوس من النزوع إلى الأباطيل، وبما للشيطان في ذلك ~~من التزيين، وكان الجدال يورث الإحن، ويفتح أبواب المحن، فيحمل على الضلال، ~~قال تعالى عاطفا على {اتل} مخاطبا لمن ختم الآية بخطابهم تنزيها لمقامه صلى ~~الله عليه وسلم عن المواجهة بمثل ذلك تنبيها ms3545 على أنه لا يصوب همته الشريفة ~~إلى مثل ذلك، لأنه ليس # PageV14P449 # في طبعه المجادلة، والمماراة والمغالبة: {ولا تجادلوا أهل الكتاب} أي ~~اليهود والنصارى ظنا منكم أن الجدال ينفع الدين، أو يزيد في اليقين، أو يرد ~~أحدا عن ضلال مبين {إلا بالتي} أي بالمجادلة التي {هي أحسن} أي بتلاوة ~~الوحي الذي أمرنا راس العابدين بإدامة تلاوته فقط، وهذا كما تقدم عند قوله ~~تعالى في سبحان # {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} [الإسراء: 53] . # ولما كان كل من جادل منهم في القرآن ظالما، كان من الواضح أن المراد بمن ~~استثنى في قوله تعالى: {إلا الذين ظلموا منهم} أي تجاوزوا في الظلم بنفي ~~صحة القرآن وإنكار إعجازه مثلا وأن يكون على أساليب الكتب المتقدمة، أو ~~مصدقا لشيء منها، أو بقولهم {ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] ~~ونحو هذا من افترائهم، فإن هؤلاء يباح جدالهم ولو أدى إلى جلادهم بالسيف، ~~فإن الدين يعلو ولا يعلى عليه. # ولما نهى عن موجب الخلاف، أمر بالاستعطاف، فقال: {وقولوا آمنا} أي أوقعنا ~~الإيمان {بالذي أنزل إلينا} أي من هذا الكتاب المعجز {وأنزل إليكم} من ~~كتبكم، يعني في أن أصله حق وإن كان قد نسخ منه ما نسخ، وما حدثوكم به من ~~شيء ليس عندكم # PageV14P450 # ما يصدقه ولا ما يكذبه فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإن هذا أدعى إلى ~~الإنصاف، وأنفى للخلاف. # ولما لم يكن هذا جامعا للفريقين، أتبعه بما يجمعهما فقال: {وإلهنا ~~وإلهكم} ولما كان من المعلوم قطعا أن المراد به الله، لأن المسلمين لا ~~يعبدون غيره، وكان جميع الفرق مقرين بالإلهية ولو بنوع إقرار لم تدع حاجة ~~إلى أن يقول {إله} كما في بقية الآيات فقال: {واحد} إلى لا إله لنا غيره ~~وإن ادعى بعضكم عزيرا والمسيح {ونحن له} خاصة {مسلمون*} أي خاضعون منقادون ~~أتم انقياد فيما يأمرنا به بعد الأصول من الفروع سواء كانت موافقة لفروعكم ~~كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس، أو ناسخة كالتوجه إلى الكعبة، ولا نتخذ ~~الأحبار والرهبان أربابا من دون الله لنأخذ ما ms3546 يشرعونه لنا مخالفا لكتابه ~~وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فنكون حينئذ قد خضعنا لهم وتكبرنا عليه ~~فأوقعنا الإسلام في غير موضعه ظلما. # PageV14P451 # ولما كان التقدير تعليلا للأمر بهذا القول: إنا أنزلنا كتبهم إلى رسلهم، ~~عطف عليه قوله مخاطبا للرأس تخصيصا له لئلا يتطرق لمتعنت طعن # PageV14P451 # عموم أو اتهام في المنزل عليه: {وكذلك} أي ومثل ذلك الإنزال الذي أنزلناه ~~إلى أنبيائهم {أنزلنا إليك الكتاب} أي هذا القرآن الذي هو الكتاب في ~~الحقيقة، لا كتاب غيره في علو كماله، في نظمه ومقاله، مصدقا لما بين يديه: ~~{فالذين} أي فتسبب عن إنزالنا له على هذا المنهاج أن الذين {آتيناهم} أي ~~إيتاءا يليق بعظمتنا، فصاروا يعرفون الحق من الباطل {الكتاب} أي من قبل ~~{يؤمنون به} أي بهذا الكتاب حقيقة كعبد الله بن سلام ومخيريق رضي الله ~~عنهما، أو مجازا بالمعرفة به مع الكفر كحيي بن أخطب وخلق كثير منهم {ومن ~~هؤلاء} أي العرب {من يؤمن به} أس كذلك في الحقيقة والمجاز في المعرفة ~~بالباطن بأنه حق لما أقامه من البرهان على ذلك بعجزهم عن معارضته مع الكفر ~~به، وأدل دليل على ما أردته من الحقيقة والمجاز قوله: {وما يجحد} أي ينكر ~~من الفريقين بعد المعرفة، قال البغوي: قال قتادة: الجحود إنما يكون بعد ~~المعرفة. {بآياتنا} التي حازت أقصى غايات العظمة حتى استحقت الإضافة إلينا ~~{إلا الكافرون*} أي العريقون في ستر المعارف بعد ظهورها طمعا في إطفاء ~~نورها. # PageV14P452 # ولما أشار إلى أن المنكر لأصل الوحي متوغل في الكفر، دل على ذلك بحال ~~المنزل إليه صلى الله عليه وسلم فقال مسليا له: {وما} أي أنزلناه إليك ~~والحال أنك ما {كنت تتلوا} أي تقرأ مواصلا مواظبا في وقت ما. # ولما كان المراد نفي التلاوة عن كثير الزمن الماضي وقليله، أدخل الجار ~~فقال {من قبله} أي هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك؛ وأكد استغراق الكتب فقال: ~~{من كتاب} أصلا {ولا تخطه} أي تجدد وتلازم خطه؛ وصور الخط وأكده بقوله: ~~{بيمينك} أي التي هي أقوى الجارحتين، وعبر بذلك إشارة ms3547 إلى أنه لا تحدث ~~الريبة في أمره لعاقل إلا بالمواظبة لمثل ذلك مواظبة قوية ينشأ عنها ملكة، ~~فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل، ولذلك قال: {إذا} أي إذ لو كان شيء من هذه ~~المواظبة في التلاوة أو الخط التي يحصل بها الدربة المورثة للملكة {لارتاب} ~~أي لساغ أن تكلف أنفسهم لدخول في الريب أي الشك {المبطلون*} أي هؤلاء الذين ~~ينكرون الوحي إليك من أهل الكتاب ومن العرب، ويقولون: هو سجع وكهانة وشعر ~~وأساطير الأولين، العريقون في وصف الإبطال، أي الدخول # PageV14P453 # في الباطل، فكانوا يجدون مطعنا، فتقول العرب: لعله أخذه من كتب الأقدمين، ~~ويقول الكتابيون: المبشر به عندنا أمي. ولكنه لم يكن شيء من قراءة ولا خط ~~كما هو معروف من حالك فضلا عن المواظبة لشيء منهما، فلا ريبة في صدقك في ~~نسبته إلى الله تعالى، وإذا انتفت الريبة من أصلها صح نفي ما عندهم منها، ~~لأنه لما لم يكن لهم في الواقع شبهة، عدت ريبتهم عدما، وسموا مبطلين على ~~تقدير هذه الشبهة، لقيام بقية المعجزات القاطعة بالرسالة، القاضية بالصدق، ~~كما قضت بصدق أنبيائهم مع أنهم يكتبون ويقرؤون، وكتبهم لم تنزل للإعجاز، ~~فصح أنهم يلزمهم الاتصاف بالإبطال بالارتياب على كل تقدير من تقديري ~~الكتابة والقرءة وعدمهما، لأن العمدة على المعجزات. # ولما كان التقدير: ولكنهم لا ريبة لهم أصلا ولا شبهة، لقولهم: إنه باطل، ~~قال: {بل هو} أي القرآن الذي جئت به وارتابوا فيه فكانوا مبطلين لذلك على ~~كل تقدير {آيات} أي دلالات {بينات} أي واضحات جدا في الدلالة على صدقك {في ~~صدور الذين} ولما كان المقصود المبالغة في تعظيم العلم، بني للمفعول، أظهر ~~ما كان أصله الإضمار فقال: {أوتوا العلم} دلالة على أنه العلم الكامل ~~النافع، فلا يقدر أحد على تحريف شيء منه لبيان الحق لديهم، وفي ذلك إشارة ~~إلى أن خفاءه عن غيرهم لا أثر له، ولما كان المراد بالعلم النافع، قال # PageV14P454 # إشارة إلى أنه في صدور غيرهم عريا عن النفع: {وما يجحد} وكان الأصل: به، ~~ولكنه أشار إلى عظمته ms3548 فقال: {بآياتنا} أي ينكرها بعد المعرفة على ما لها من ~~العظمة بإضافتها إلينا والبيان الذي لا يجحده أحد {إلا الظالمون*} أي ~~الراسخون في الظلم الذي لا ينتفعون بنورهم في وضع كل شيء في محله، بل هم في ~~وضع الأشياء في غير محلها كالماشي في الظلام الذي تأثر عن وصفهم أولا ~~بالكفر الذي هو تغطية أنوار العقول. # ولما كان التقدير: فجحدوها بما لهم من الرسوخ في الظلم أصلا ورأسا، ولم ~~يعدوها آيات فضلا عن كونها بينات، عطف عليه قوله: {وقالوا} موهمين مكرا ~~وإظهار النصفة بالاكتفاء بأدنى ما يدل على الصدق: {لولا} أي هلا {أنزل ~~عليه} أي على أي وجه كان من وجوه الإنزال {آية} أي واحدة تكون بحيث تدل ~~قطعا على صدق الآتي بها {من ربه} أي الذي يدعي إحسانه إليه كما أنزل على ~~الأنبياء قبله من نحو ناقة صالح عصا موسى ونحوهما، لنستدل به على صدق ~~مقاله، وصحة ما يدعيه من حاله هذا على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وأبي ~~بكر بالإفراد، وجمع غيرهم دلالة على أن فريقا آخر قالوا: إن مثل هذا المهم ~~العظيم لا يثبت إلا بآيات متعددة، وأوهموا # PageV14P455 # مكابرة وعنادا أن ذلك لم يقع، وإن وقع ما يسمى آية. # ولما كان هذا إنكارا للشمس بعد شروقها، ومكابرة فيما تحدى به من المعجزات ~~بعد حقوقها، أشار إليه بقوله: {قل} أي لهم إرخاء للعنان حتى كأنك ما أتيتهم ~~بشيء: {إنما الآيات عند الله} أي الذي له الأمر كله فلا يقدر على إنزال شيء ~~منها غيره، فإنما الإله هو لا سواه {وإنما أنا نذير} أقوم لكم بما حملني ~~وكلفني من النذارة، دالا عليه بما أعطيت من الآيات، ونواقض المطردات وليس ~~لي أن أقترح عليه الآيات، على أن المقصود من الآية الدلالة على الصدق، وهي ~~كلها في حكم آية واحدة في ذلك، ولم يذكر البشارة لأنه ليس أسلوبها {مبين*} ~~أي أوضح ما آتى به من ذلك بعد أن أوضح صحة كوني نذيرا، فليس إلي إنزال ~~الآيات ولا طلبها اقتراحا على الله، ms3549 فهو قصر قلب فيهما، خوطب به من لزمه ~~ادعاء أن إنزال الآيات إليه صلى الله عليه وسلم وأن أمره الإتيان بما يريد ~~أو يطلب منه. # PageV14P456 # ولما أفرحهم بما كأنه تسليم لمدعاهم، وكان من البين أن لسان الحال يقول: ~~ألم يكفهم ما جئتهم به من الآيات المرئيات والمسموعات، وعجزوا عن الإتيان ~~بشيء منها، عطف على ذلك قوله منكرا على جهلهم # PageV14P456 # وعنادهم: {أولم يكفهم} أي إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين آية بينة ~~مغنية عن كل آية {أنا أنزلنا} بعظمتنا {عليك الكتاب} أي الجامع لسعادة ~~الدارين بحيث صار خلقا لك غالبا على حركاتك وسكناتك {يتلى عليهم} أي يتجدد ~~متابعة قراءته عليهم شيئا بعد شيء في كل مكان وكل زمان من كل تال مصدقا لما ~~في الكتب القديمة من نعتك وغيره من الآيات الدالة على صدقك، يتحدون بكل شيء ~~نزل منه مع تحديهم بما قبله من آياته صباح مساء، يصفعون بذلك مدى الدهر في ~~أقفائهم ويدفعون، فكلما أرادوا التقدم ردوا عجزا إلى ورائهم، فأعظم به آية ~~باقية، إذ كل آية سواه منقضية ماضية، وقال الشيخ أبو العباس المرسي: خشع ~~بعض الصحابة رضي الله عنهم من سماع اليهود بقراءة التوراة فعتبوا إذ تخشعوا ~~من غير القرآن، وهم إنما تخشعوا من التوراة وفي كلام الله فما ظنك بمن أعرض ~~عن كتاب الله وتخشع بالملاهي والغناء. # ولما كان هذا أعظم من كل آية يقترحونها ولو توالى عليهم إتيانها كل يوم ~~لدوام هذا على مر الأيام والشهور، حتى تفنى # PageV14P457 # الأزمان والدهور، أشار تعالى إلى هذا العظمة، مع ما فيها من النعمة، ~~بقوله مؤكدا على جهلهم فيما لزم من كلامهم الأول من إنكار أن يكون في ~~القرآن آيه تدلهم على الصدق: {إن في ذلك} أي إنزال الكتاب على هذا الوجه ~~البعيد المنال البديع المثال {لرحمة} لهم لصقله صدأ القلوب في كل لحظة، ~~وتطهيره خبث النفوس في كل لمحة {وذكرى} أي عظيمة مستمرا تذكرها. # ولما عم بالقول، خص من حيث النفع فقال: {لقوم يؤمنون*} أي يمكن أن يتجدد ~~لهم ms3550 إيمان، ليس من همهم التعنت، قال الحرالي في كتاب له في أصول الدين: ~~ولما كان القرآن لسان إحاطة لم يف بالقيام به خلق من خلق الله، لأنه ببناء ~~على كليه أمر الله حتى أن السورة الواحدة منه لما كان موقع الخطاب بها من ~~مدد بنائه على إحاطة أمر الله لا يستطيعها أحد من الخلق، وإذا كان الأقل من ~~كلام العالم لا يستطيعه من دون رتبته، فعجز الخلق عن كلام الله أحق وأولى، ~~ثم كل ناظر فيه - من أي وجه نظره - أدرك بمقتضى علوه على رتبته وجها من ~~العجز فيه، إن كان فصيحا بليغا فمن جهة البلاغة، ومعناها بلوغ الكلام في ~~مطابقة أنبائه ويسمى الفصاحة، وحسن نظم # PageV14P458 # حروف كلماته ويسمى الجزالة، وكمال انتظام كلماته وآياته، ويسمى حسن النظم ~~- إلى أنهى غاياته وأتم نهاياته، وإن كان عالما بأخبار الأولين فبصحة ~~مقتضاها فيه، وإن كان حكيما فبالإعلام الأتم بوجه تقاضي المترتبات، ~~وبالجملة فما يكون لأحد أصل من عقل وحظ من علم - أي علم كان - إلا ويجد له ~~موقعا في القرآن، يفي له بحظ بيان علو مرتبة أنبائه على نهاية مدركة منه ~~بمقدار لا يرتاب في وقوعه فوق طور الخلق، فكان آية باقية دائمة لم يتفاوت ~~في تلقيه أول سامع له من آخر سامع في وجه سماعه، فكل نبي فقدت آيته بفقده ~~أو بفقد وقت ظهورها على يديه، وآية محمد صلى الله عليه وسلم باقية ببقاء ~~الله، فجهات ظهور إعجازه تأتي على حظوظ أصناف الخلق من وجوه الإدراك، لا ~~يتعين لظهور الإعجاز فيه جهة، ولا يفقد ناظر فيه حظا يتطرق بمقدار إدراكه ~~منه إلى يقين وجه إعجازه، وذلك لما كان محيطا بكل تفصيل وكل إجمال، ولم ~~يفرط فيه من شيء، وكان تفصيلا لكل شيء ولإحاطته بإثبات كل رتبة من رتب حكمة ~~الله تعالى لم يقدر أحد من الخلق في التوقف عن الإيمان به من الجن والإنس ~~والأحمر والأسود وجميع خلق الله، من يعرفه الناس منهم ومن لا يعرفونهم ممن ~~أحاط بهم علم العالمين بإعلام ms3551 الله، ومن # PageV14P459 # حكم إحاطة كتابة كان ممكنا من عالية كل آية جاء بها نبي قبله ممن شاهد ~~ذلك منه حاضروه، ونقله نقل التواتر والاستفاضة حملة العلم خلفا عن سلف؛ ثم ~~رتب قياسا على إثبات النبوة فقال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ذو آية هذا ~~القرآن المشهود، وهذا القرآن المشهود معجز كل ذي إدراك، وبشرى من كل جهة من ~~جهات معانيه وبلاغته، فذو آية هذا القرآن نبي، فمحمد صلى الله عليه وسلم ~~نبي، أما أن محمدا صلى الله عليه وسلم ذو آيته فبالتجربة السمعية المتيقنة ~~المسماة بالتواتر، وأما أن هذا القرآن معجز فيما يجده كل ناظر في معناه ~~المشتمل على تمام الحكمة فيما هو كائن ونبأ ما كان من قبل وخبر ما يكون بعد ~~المتيقن بوقوع أوائله وقوع جملته وصحة خبره، وبذلك يتضح أن ذا آيته نبي، ثم ~~بما تضمنه من شهادته لذي آيته وتصريحه بذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم، فصح ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم ذو ايته، وإنه نبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمستعمل في ذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم تحدى بهذا القرآن العرب ~~الفصحاء واللد البلغاء، فلما لجؤوا للحرب وضح أنهم فروا لذلك المكان ما ~~وجدوه في أنفسهم من العجز، وإذا عجز أولئك فمن بعدهم أحق بالعجز، فلما شمل ~~العجز الكل من الخلق، # PageV14P460 # وجب العلم بأن هذا القرآن حق، والمتحدي به نبي جاء بالصدق، وحاصله: لو لم ~~تعجز العرب لم تحارب ثقل الحرب وخفة المعارضة لو استاطاعوها، ولم يعارضوا ~~وحاربوا فقد عجزوا، فثبت بذلك أنه نبي صلى الله عليه وسلم انتهى. # ولما كان من المعلوم أنهم يقولون: نحن لا نصدق أن هذا الكتاب من عند الله ~~فضلا عن أن نكتفي به، قال: {قل} أي جوابا لما قد يقولونه من نحو هذا: {كفى ~~بالله} أي الحائز لجميع العظمة وسائر الكمالات، الذي شهد لي بالرسالة في ~~كتابة الذي أثبت أنه كلامه عجز الخلق عن معارضته. # ولما كانت العناية في هذه السورة بذكر الناس، وتفصيل أحوالهم، ابتدأ ms3552 ~~بقوله: {بيني وبينكم} قبل قوله: {شهيدا} بخلاف الرعد والأنعام، ثم وصف ~~الشهيد أو علل كفايته بقوله: {يعلم ما في السماوات} أي كلها. ولما لم يكن ~~للارض غير هذه التي يشاهدونها ذكر في إتيان الوحي والقرآن منها، أفرد فقال: ~~{والأرض} أي لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو عليم بما ينسبونه إلي من التقول ~~عليه وبما أنسبه أنا إليه # PageV14P461 # من هذا القرآن الذي شهد لي به عجزكم عنه فهو شاهد لي، والله في الحقيقة ~~هو الشاهد لي، بما فيه من الثناء علي، والشهادة لي بالصدق، لأنه قد ثبت ~~بالعجز عنه أنه كلامه وسيتحقق بالعقل إبطال المبطل منا. # ولما كان التقدير: وأنتم تعلمون أنه قد شهد لي بأني على الحق، وأن كل ما ~~خالف ما جئت به فهو باطل، فالذين آمنوا بالحق وكفروا بالباطل فأولئك هم ~~الفائزون، عطف عليه قوله: {والذين آمنوا بالباطل} أي الذي لا يجوز الإيمان ~~به من كل معبود سوى الله {وكفروا بالله} الذي يجب الإيمان به والشكر له، ~~لأنه له الكمال كله وكل ما سواه هالك ليس له من ذاته إلا العدم {أولئك} ~~البعداء البغضاء {هم} أي خاصة {الخاسرون*} أي العريقون في الخسارة، فإنهم ~~خسروا أنفسهم أبدا. # ولما كان قولهم مرة واحدة «لولا أنزل عليه آية» عجبا، أتى بعد إخباره ~~بخسارتهم بأعجب منه، وهو استمرار استعجالهم بما لا قدرة لهم على شيء منه من ~~عذاب الله فقال: {ويستعجلونك} أي يطلبون تعجيلك في كل وقت {بالعذاب} ~~ويجعلون تأخره عنهم شبهة لهم فيما يزعمون من التكذيب {ولولا أجل مسمى} قد ~~ضرب لوقت عذابهم لا تقدم فيه ولا تأخر {لجاءهم العذاب} وقت استعجالهم، لأن ~~القدرة تامة والعلم محيط. # PageV14P462 # ولما أفهم هذا أنه لا بد من إتيانه، صرح به في قوله مؤكدا ردا على ~~استهزائهم المتضمن للإنكار: {وليأتينهم} ثم هوله بقوله: {بغتة} وأكد معناها ~~بقوله: {وهم لا يشعرون*} بل هم في غاية الغفلة عنه والاشتغال بما ينسيه، ثم ~~زاد في التعجب من جهلهم بقوله مبدلا: {يستعجلونك بالعذاب} أي يطلبون منك ~~إيقاعه بهم ms3553 ناجزا ولو كان في غير وقته الأليق به، فلو علموا ما هم سائرون ~~إليه لتمنوا أنهم لم يخلقوا فضلا عن أن يستعجلوا، ولأعملوا جميع جهدهم في ~~الخلاص منه. # ولما كان دخولهم النار لا بد منه لإحاطة القدرة بهم، قال مؤكدا لإنكارهم ~~الآخرة بإثبات أخص منها: {وإن جهنم} التي هي من عذاب الآخرة {لمحيطة} أي ~~بما هي مهيأة له، لأنه لا يفوتها شيء منه، لأن الذي أعدها عليم قدير، وقال: ~~{بالكافرين*} موضع «بهم» تنبيها على ما استحقوا به عذابها، وتعميما لكل من ~~اتصف به. # ولما كان هذا كله دليلا على إنكارهم قال: {يوم} أي يعلمون ذلك اليوم ~~{يغشاهم العذاب} أي يلحقهم ويلصق بهم ما لا يدع لهم شيئا يستعذبونه، ولا ~~أمرا يستلذونه ونبه على عدم استغراق # PageV14P463 # جهة الفوق مع استعلائه عليهم بإثبات الجار فقال: {من فوقهم} ولما أفهم ~~ذلك الإحاطة بما هو أدنى من جهة الفوق، صرح به فقال: {ومن تحت أرجلهم} فعلم ~~بذلك إحاطته بجميع الجواتب، وصرح بالرجل تحقيقا للآدمي {ويقول} أي الله في ~~قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي بالتحتانية جريا على الأسلوب الماضي، أو ~~نحن بعظمتنا في قراءة الباقين ترويعا بالالتفات إلى مظهر العظمة: {ذوقوا} ~~ما سببه لكم {ما كنتم} بغاية الرغبة {تعملون*} أي في ذلك اليوم تعملون ذلك ~~حق اليقين بعد علمكم له عين اليقين بسبب تكذيبكم بعلم اليقين. # PageV14P464 # ولما أبلغ في الإنذار، وحذر من الأمور الكبار، ولم يهمل الإشارة إلى ~~الصغار، وكانت هذه الآيات في المتعنتين من الكفار، وكان قد كرر أن هذه ~~المواعظ إنما هي للمؤمنين، قال مخاطبا لهم معرضا عن سواهم إذا كانت أسماعهم ~~لبليغ هذه المواعظ قد أصغت، وقلوبهم لجليل هذه الإنذارات قد استيقظت، ~~التفاتا على قراءة الجمهور إلى # PageV14P464 # التلذيذ في المناجاة بالإفراد والإبعاد من مداخل التعنت: {يا عبادي} ~~فشرفهم بالإضافة، ولكنه لما أشار بأداة البعد إلى أن فيهم من لم يرسخ، حقق ~~ذلك بقوله: {الذين آمنوا} أي وإن كان الإيمان باللسان مع أدنى شعبة من ~~القلب. # ولما كان نزول هذه السورة بمكة، وكانوا ms3554 بها مستخفين بالعبادة خوفا من ~~الكفار، وكانت الهجرة الأهل والأوطان شديدة، قال مؤكدا تنبيها على أن حال ~~من ترك الهجرة حال من يظن أن الأرض ضيقة: {إن أرضي واسعة} أي في الذات ~~والرزق وكل ما تريدون من الرفق، فإن لم تتمكنوا بسبب هؤلاء المعاندين الذين ~~يفتنونكم في دينكم ويمنعونكم من الإخلاص إلي في أرضكم والاجتهاد في عبادتي ~~حتى يصير الإيمان لكم وصفا، فهاجروا إلى أرض تتمكنون فيها من ذلك. # ولما كانت الإقامة بها قبل الفتح مؤدية إلى الفتنة، وكان المفتون ربما ~~طاوع بلسانه، وكان ذلك وإن كان القلب مطمئنا بالإيمان في صورة الشرك قال: ~~{فإياي} أي خاصة بالهجرة إلى أرض تأمنون فيها اعبدوا وتنبهوا {فاعبدون*} ~~بسبب ما دبرت لكم من المصالح من توسيع الأرض وغيره، عبادة لا شرك فيها، لا ~~باللسان ولا بغيره ولا استخفافا بها ولا مراعاة لمخلوق في معصيته، ولا شيء ~~يجر إليها بالهرب ممن يمنعكم من ذلك إلى من يعينكم عليه. # PageV14P465 # ولما كانت الهجرة شديدة المرارة لأنها مرت في المعنى من حيث كونها مفارقة ~~المألوف المحبوب من العشير والبلد والمال، وكان في الموت ذلك كله بزيادة، ~~قال مؤكدا بذلك مذكرا به مرهبا من ترك الهجرة: {كل نفس ذائقة الموت} أي ~~مفارقة كل ما ألفت حتى بدنا طالما لابسته، وآنسها وآنسته، فإن أطاعت ربها ~~أنجت نفسها ولم تنقصها الطاعة في الأجل شيئا، وإلا أوبقت نفسها ولم تزدها ~~المعصية في الأجل شيئا، فإذا قدر الإنسان أنه مات سهلت عليه الهجرة، فإنه ~~إن لم يفارق بعض مألوفه بها فارق كل مألوفه بالموت، وما ذكر الموت في عسير ~~إلا يسره، ولا يسير إلا عسره وكدره. # ولما هون أمر الهجرة، حذر من رضي في دينه بنوع نقص لشيء من الأشياء حثا ~~على الاستعداد بغاية الجهد في التزود للمعاد فقال: {ثم إلينا} على عظمتنا، ~~لا إلى غيرنا {ترجعون*} على أيسر وجه، فيجازي كلا منكم بما عمل. # ولما كان التقدير: فالذين آمنوا فلبسوا إيمانهم بنوع نقص لننقصنهم في ~~جزائهم، والذين كفروا لنركسنهم في جهنم ms3555 دركات تحت دركات # PageV14P466 # فبئس مثوى الظالمين، ولكنه لما تقدم ذكر العذاب قريبا، وكان القصد هنا ~~الترغيب في الإيمان كيفما كان، طواه ودل عليه بأن عطف عليه قوله: {والذين ~~آمنوا وعملوا} أي تصديقا لإيمانهم {الصالحات} أي كلها. # ولما كان الكفار ينكرون البعث، فكيف ما بعده، أكد قوله: {لنبوئنهم} أي ~~لنسكننهم في مكان هو جدير بأن يرجع إليه من حسنه وطيبه من خرج منه لبعض ~~أغراضه، وهو معنى {من الجنة غرفا} أي بيوتا عالية تحتها قاعات واسعة بهية ~~عالية، وقريب من هذا المعنى قراءة حمزة والكسائي بالثاء المثلثة من ثوى ~~بالمكان - إذا أقام به. # ولما كانت العلالي لا تروض إلا بالرياض قال: {تجري} ولما كان عموم الماء ~~لجهة التحت بالعذاب أشبه، بعضه فقال: {من تحتها الأنهار} ومن المعلوم أنه ~~لا يكون في موضع أنهار، إلا كان به بساتين كبار، وزروع ورياض وأزهار - ~~فيشرفون عليها من تلك العلالي. # ولما كانت بحالة لا نكد فيها يوجب هجره في لحظة ما، كنى عنه بقوله: ~~{خالدين فيها} أي لا يبغون عنها حولا؛ ثم عظم أمرها، شرف قدرها، بقوله: ~~{نعم أجر العاملين} ثم وصفهم بما يرغب في الهجرة، فقال معرفا بجماع الخير ~~كله الصبر وكونه على جهة التفويض لله، # PageV14P467 # منبها على أن الإنسان لا ينفك عن أمر شاق ينبغي الصبر عليه: {الذين ~~صبروا} أي أوجدوا هذه الحقيقة حتى استقرت عندهم فكانت سجية لهم، فأوقعوها ~~على كل شاق من التكاليف من هجرة وغيرها. # ولما كان الإنسان إلى المحسن إليه أميل، قال مرغبا في الاستراحة بالتفويض ~~إليه: {وعلى ربهم} أي وحده لا على أهل ولا وطن {يتوكلون*} أي يوجدون التوكل ~~إيجادا مستمر التجديد عند كل مهم يعرض لهم إرزاقهم بعد الهجرة وغيرها وجهاد ~~أعدائهم وغير ذلك من أمورهم. # PageV14P468 # ولما أشار بالتوكل إلى أنه الكافي في أمر الرزق في الوطن والغربة، لا مال ~~ولا أهل، قال عاطفا على ما تقديره: فكأي من متوكل عليه كفاه، ولم يحوجه إلى ~~أحد سواه، فليبادر من أنقذه من الكفر وهداه إلى الهجرة طالبا لرضاه: ms3556 {وكأين ~~من دابة} أي كثير من الدواب العاقلة وغيرها {لا تحمل} أي لا تطيق أن تحمل ~~{رزقها} ولا تدخر شيئا لساعة أخرى، لأنها قد لا تدرك نفع ذلك، وقد تدركه ~~وتتوكل، أو لا تجد. # ولما كان موضع أن يقال: فمن يرزقها؟ قال جوابا له: {الله} أي المحيط علما ~~وقدرة، المتصف بكل كمال {يرزقها} وهي لا تدخر {وإياكم} وأنتم تدخرون، لا ~~فرق بين ترزيقه لها على ضعفها وترزيقه لكم # PageV14P468 # على قوتكم وادخاركم، فإن الفريقين تارة يجدون وتارة لا يجدون، فصار ~~الادخار وعدمه غير معتد به ولا منظور إليه. # ولما كان أهم ما للحيوان الرزق، فهو لا يزال في تدبيره بما يهجس في ضميره ~~وينطق به إن كان ناطقا ويهمهم به إن كان صامتا، أما العاقل فبأمور كلية، ~~وأما غيره فبأشياء جزئية وحدانية، وكان العاقل ربما قال: إني لا أقدر على ~~قطع العلائق من ذلك، قال تعالى: {وهو السميع} أي لما يمكن أن يسمع في أمره ~~وغير أمره {العليم*} أي بما يعلم من ذلك، وبما يصير إليه أمركم وأمر عدوكم، ~~فهو لم يأمركم بما أمركم به إلا وقد أعد له أسبابه، وهو قادر على أن يسبب ~~لما اعتمد عليه الإنسان من الأسباب المنتجة عنده ولا بد ما يعطله، وعلى أن ~~يسبب للمتوكل القاطع للعلائق ما يغنيه، ومن طالع كتب التصوف وتراجم القوم ~~وسير السلف - نفعنا الله بهم - وجد كثيرا من ذلك بما يبصره ويسليه سبحانه ~~ويصبره. # ولما هون سبحانه أمر الرزق بخطابه مع المؤمنين بعد أن كان قد أبلغ في ~~تنبيه الكافرين بإيضاح المقال، وضرب الأمثال، ولين المحاورة في الجدال، ~~ولما كان الملك لا يتمكن غاية التمكن من ترزيق من في غير مملكته، قال عاطفا ~~على نحو: فلئن سألتهم عن ذلك ليصدقنك # PageV14P469 # عائدا إلى استعطاف المعرضين، واللطف بالغافلين، ناهجا في تفنين الوعظ ~~أعني طرق الحكمة، فإن السيد إذا كان له عبدان: مصلح ومفسد، ينصح المفسد، ~~فإن لم يسمع التفت إلى المصلح، إعراضا عنه قائلا: هذا لا يستحق الخطاب، ~~فاسمع أنت ولا تكن ms3557 مثله، فكان قوله متضمنا نصح المصلح وزجر المفسد، ثم إذا ~~سمع وعظ أخيه كان ذلك محركا منه بعد التحريك بالإعراض والذم بسوء النظر ~~لنفسه وقلة الفطنة، فإذا خاطبه بعد هذا وجده متهيئا للقبول، نازعا إلى ~~الوفاق، مستهجنا للخلاف: {ولئن سألتهم} أي المؤمن وغيره، وأغلب القصد له: ~~{من خلق السماوات والأرض} وسواهما على هذا النظام العظيم {وسخر الشمس ~~والقمر} لإصلاح الأقوات، ومعرفة الأوقات، وغير ذلك من المنافع. # ولما كان حالهم في إنكار البعث حال من ينكر أن يكون سبحانه خلق هذا ~~الوجود، أكد تنبيها على أن الاعتراف بذلك يلزم منه الاعتراف بالبعث فقال: ~~{ليقولن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال لما قد تقرر في فطرهم من ذلك ~~وتلقفوه عن أبائهم موافقة للحق في نفس الأمر. # ولما كان حال من صرف الهمة عنه عجبا يستحق أن يسأل عنه # PageV14P470 # وجه التعجب منه إشارة إلى أنه لا وجه له، قال {فأنى} أي فكيف ومن أي وجه ~~{يؤفكون*} أي يصرف من صارف ما من لم يتوكل عليه أو لم يخلص له العبادة في ~~كل أحواله، وجميع أقواله وأفعاله، عن الإخلاص له مع إقرارهم بأنه لا شريك ~~له في الخلق فيكون وجهه إلى قفاه فينظر الأشياء على خلاف ما هي عليه فيقع ~~في خبط العشواء وحيرة العجباء. # ولما كان قد يشكل على ذلك التفاوت في الرزق عند كل من لم يتأمل حق التأمل ~~فيقال: بكل الخلق والرزق له، فما بالهم متفاوتين في الرزق؟ قال: {الله} أي ~~بما له من العظمة والإحاطة بصفات الكمال {يبسط الرزق} بقدرته التامة {لمن ~~يشاء من عباده} على حسب ما يعلم من بواطنهم {ويقدر} أي يضيق. # ولما كان ذلك إنما هو لمصالح العباد وإن لم يظهر لهم وجه حكمته قال: {له} ~~أي لتظهر من ذلك قدرته وحكمته، وأنت ترى الملوك وغيرهم من الأقوياء يفاوتون ~~في الرزق بين عمالهم بحسب ما يعلمون من علمهم الناقص بأحوالهم، فما ظنك ~~بملك الملوك العالم علما لا تدنو من ساحته ظنون ولا شكوك، وهذه الآية نتيجة ms3558 ~~ما قبلها. # ولما كان سبحانه يرزق الناس، ويمكن لهم بحسب ما يعلم من # PageV14P471 # ضمائرهم أنه لا صلاح إلا فيه، قال معللا لذلك ومؤكدا ردا على من يعتقد أن ~~ذلك إنما هو من تقصير بعض العباد وتشمير بعضهم، معلما بأنه محيط العلم فهو ~~محيط القدرة فهو الذي سبب عجز بعضهم وطاقة الآخرين لملازمة القدرة العلم: ~~{إن الله} أي الذي له صفات الكمال {بكل شيء} أي من المرزوقين ومن الأرزاق ~~وكيف تمنع او تساق وغير ذلك {عليم*} فهو على ذلك كله قدير، يعلم ما يصلح ~~العباد من ذلك وما يفسدهم، ويعطيهم بحسب ذلك إن شاء وكم رام بعض الأقوياء ~~إغناء فقير وإفقار غني، فكشف الحال عن فساد ما راموا من الانتقال. # ولما ثبت بهذا شمول علمه، لزم تمام قدرته كما برهن عليه في طه، فقال ~~مشيرا إلى ذلك ذاكرا السبب القريب في الترزيق بعد ما ذكر البعيد، فإن ~~الاعتراف بأن هذا السبب منه يستلزم الاعتراف بأن المسبب أيضا منه: {ولئن ~~سألتهم من نزل} بحسب التدريج على حسب ما فعل في الترزيق، ولما كان ربما ~~ادعى مدع أنه استنبط ماء فأنزله من جبل ونحوه، ذكر ما يختص به سبحانه سالما ~~عن دعوى المدعين فقال: {من السماء ماء} بعد أن كان مضبوطا في جهة العلو # PageV14P472 # {فأحيا} ولما كان أكثر الأرض يحيى بماء المطر من غير حاجة إلى سقي، قدم ~~الجار فقال {به الأرض} الغبراء، وأشار بإثبات الجار إلى قرب الإنبات من ~~زمان الممات، وإلى أنهم لا يعلمون إلى الجزئيات الموجودة المحسوسة، ولا ~~تنفذ عقولهم إلى الكليات المعقولة نفوذ أهل الإيمان ليعلموا أن ما أوجده ~~سبحانه بالفعل في وقت فهو موجود إما بإيجاده إذا أراد، فالأرض حية بإحيائه ~~سبحانه بسبب المطر في جميع الزمن الذي هو بعد الموت بالقوة كما أنها حية في ~~بعضها بالفعل فقال: {من بعد موتها} فصارت خضراء تهتز بعد أن لم يكن بها شيء ~~من ذلك، وأكد لمثل ما تقدم من التنبيه على أن حالهم في إنكار البعث حال من ~~أن ms3559 ينكر أن يكون الله صانع ذلك، لملازمة القدرة عليه القدرة على البعث ~~بقوله: {ليقولن الله} وهو الذي الكمال كله، فلزمهم توحيده. # فلما ثبت أنه الخالق بدءا وإعادة كما يشاهد في كل زمان، قال منبها على ~~عظمة صفاته اللازم من إثباتها صدق رسوله صلى الله عليه وسلم: {قل} معجبا ~~منهم في جمودهم حيث يقرون بما يلزمهم التوحيد ثم لا يوحدون: {الحمد} أي ~~الإحاطة بأوصاف الكمال كلها {لله} الذي لا سمي له وليس لأحد غيره إحاطة ~~بشيء من الأشياء، فلزمهم الحجة بما # PageV14P473 # أقروا به من إحاطته، وهم لا يثبتون ذلك بإعراضهم عنه {بل أكثرهم لا ~~يعقلون*} أي لا يتجدد لهم عقل، بعضهم مطلقا لأنه مات كافرا حيث هم مقرون ~~بمعنى الحمد من أنه الخالق لكل شيء بدءا وإعادة ثم يفعلون ما ينافي ذلك ~~فيشركون به غيره مما هم معترفون بأنه خلقه ولا يتوكلون في جميع الأمور برا ~~وبحرا عليه ويوجهون العبادة خالصة إليه، فهم لا يعرفون معنى الحمد حيث لم ~~يعملوا به، ومنهم من آمن بعد ذلك فكان في الذروة من كمال العقل في التوحيد ~~الذي يتبعه سائر الفروع، ومنهم من كان دون ذلك، فكان نفي العلم عنه مقيدا ~~بالكمال. # PageV14P474 # ولما تبين بهذا الآيات أن الدنيا مبنية على الفناء والزوال، والقلعة ~~والارتحال، وصح أن السرور بها في غير موضعه فلذلك قال تعالى مشيرا بعد سلب ~~العقل عنهم إلى أنهم فيها كالبهائم يتهارجون: {وما هذه الحياة الدنيا} ~~فحقرها بالإشارة ولفظ الدناءة مع الإشارة إلى أن الاعتراف بهذا الاسم كاف ~~في الإلزام بالاعتراف بالأخرى. # ولما كان مقصود السورة الحث على الجهاد والنهي عن المنكر، وكان في معرض ~~سلب العقل عنهم، قدم اللهو لأن الإعراض عنه يحسم مادة الشر فإنه الباعث ~~عليه فقال: {إلا لهو} أي شيء يلهي عما ينفع # PageV14P474 # {ولعب} يشتغل به صبيان العقول، وكل غافل وجهول، فإن اللهو كل شيء من شأنه ~~أن يعجب النفس كالغناء والزينة من المال والنساء وغيره، فيحصل به فرح ~~وزيادة سرور، فيكون سببا للغفلة والذهول والنسيان والشغل عن ms3560 استعمال العقل ~~في اتباع ما ينجي في الآخرة فينشأ عنه ضلال - على ما أشارت إليه آية لقمان ~~{ليشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله} [آية: 6] ومنه اللعب، وهو فعل ما ~~يزيد النفس في دنياها سرورا كالرقص بعد السماع وينقضي بسرعة لأنه ضد الجد ~~ومثل الهزل، وهو كل شيء سافل، وكل باطل يقصد به زيادة البسط والترويح ~~والتمادي في قطع الزمان فيما يشتهي من غير تعب، واللعبة - بالضم: التمثال، ~~وما يلعب به كالشطرنج، والأحمق يسخر به، ولعب لعبا: مرح، وفي الأمر والدين: ~~استخف به. # ولما كانوا ينكرون الحياة بعد الموت، أخبر على سبيل التأكيد أنه لا حياة ~~غيرها فقال: {وإن الدار الآخرة لهي} أي خاصة {الحيوان} أي الحياة التامة ~~الباقية العامة الوافية نفسها من حيث أنه لا موت فيها ولا فناء لشيء من ~~الأشياء، ولذلك اختير هذا البناء الدال على المبالغة، وحركته مشعرة بما في ~~الحياة من مطلق الحركة والاضطراب، فلا انقضاء لشيء من لعبها ولا لهواها ~~الذي لا يوافق ما في الدنيا إلا في الصورة فقط # PageV14P475 # لا في المعنى، لأنه ليس فيها شيء سافل لا في الباعث ولا في المبعوث إليه، ~~بل كان ذلك بالتسبيح والتقديس وما يترتب عليه من المعارف والبسط والترويح، ~~والانشراح والأنس والتفريح. # ولما كانوا قد غلطوا في الدارين كلتيهما فأنزلوا كل واحدة منهما غير ~~منزلتها، فعدوا الدنيا وجودا دائما على هذا الحالة والآخرة عدما، لا وجود ~~لها بوجه، قال: {لو كانوا} أي كونا هو كالجبلة {يعلمون*} أي لهم علم ما لم ~~يغلطوا في واحدة منهما فلم يركبوا مع إيثارهم للحياة وشدة نفرتهم من الموت، ~~لا عتقادهم أن لا قيام بعده إلى الدنيا، مع أن أصلها عدم الحياة الذي هو ~~الموتان. # ولما ختم هذه الآية بما أفهم أنهم لا يعلمون، والتي قبلها بأن أكثرهم لا ~~يعقلون، سبب عن ذلك قوله: {فإذا} أي فتسبب عن عدم عقلهم المستلزم لعدم ~~علمهم أنهم إذا {ركبوا} أي البحر {في الفلك} أي السفن {دعوا الله} أي الملك ~~الأعلى المحيط بكل شيء إذا ms3561 أصابتهم مصيبة خافوا منها الهلاك {مخلصين} ~~بالتوحيد {له الدين*} بالإعراض عن شركائهم بالقلب واللسان، لما هم له ~~محققون أنه لا منجى عند تلك الشدائد غيره {فلما نجاهم} أي الله سبحانه، ~~موصلا لهم {إلى البر إذا هم} أي حين الوصول إلى البر # PageV14P476 # {يشركون*} فصح أنهم لا يعلمون، لأنهم لا يعقلون، حيث يقرون بعجز آلهتهم ~~ويشركونها معه، ففي ذلك أعظم التهكم بهم؛ قال البغوي: قال عكرمة: كانوا إذا ~~ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر ~~وقالوا يا رب! يا رب. # وقال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان، ~~وأنهم إن غفلوا في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء - انتهى. ~~فعلم أن الاشتغال بالدنيا هو الصاد عن كل خير وأن الانقطاع عنها معين ~~للفطرة الأولى المستقيمة، ولهذا نجد الفقراء أقرب إلى كل خير. # ولما كانوا مع هذا الفعل - الذي لا يفعله إلا مسلوب العقل - يدعون أنهم ~~أعقل الناس وأبصرهم بلوازم الأفعال وما يشين الرجال، وكان فعلهم هذا كفرا ~~للنعمة، مع ادعائهم أنهم أشكرالناس للمعروف، قال مبينا أن عادتهم مخالفة ~~لعادة المؤمنين في جعلهم نعمة النجاة سببا لزيادة طاعاتهم، فعلم أنه ما كان ~~إخلاصهم في البحر إلا صورة لا حقيقة لها: {ليكفروا بما آتيناهم} على عظمتنا ~~من هذه النعمة التي يكفي في عظمتها أنه لا يمكن غيرنا أن يفعلها ما أشركوا ~~إلا لأجل هذا الكفر، وإلا لكانوا فاعلين لشيء من غير قصد، فيكون ذلك فعل من ~~لا عقل له أصلا وهم يحاشون عن مثل ذلك {وليتمتعوا} بما يجتمعون # PageV14P477 # عليه في الإشراك من التواصل والتعاون، وعند من سكن اللام - وهم ابن كثير ~~وحمزة والكسائي وقالون عن نافع - يكون معطوفا تهديدا على مقدر هو ~~«فليكفروا» أو على {ليكفروا} السابق، على أن لامه للأمر، وسيأتي في الروم ~~إن شاء الله تعالى ما يؤيده {فسوف يعلمون*} بوعد لا خلف فيه ما يحل بهم ~~بهذا الفعل الذي هو دائر بين كفر وجنون. # ولما كان قد ms3562 فعل بهم سبحانه من الأمن الشديد المديد في البر دون سائر ~~العرب عكس ما ذكر من حال خوفهم الشديد في البحر، وكان قادرا على إخافتهم في ~~البر كما قدر على إخافتهم في البحر ليدوم إخلاصهم، وكان كفرهم عند الأمن ~~بعد الإخلاص عند الخوف - مع أنه أعظم النقائص - هزلا لا يفعله إلا من أمن ~~مثل تلك المصيبة في البر، توجه الإنكار في نحو أن يقال: ألم يروا أنا ~~قادرون على إخافتهم وإهلاكهم في البر كما نحن قادرون على ذلك في البحر كما ~~فعلنا بغيرهم، فعطف عليه قوله: {أولم يروا} أي بعيون بصائرهم {أنا جعلنا} ~~أي بعظمتنا لهم {حرما} وقال تعالى: {آمنا} لأنه لا خوف على من دخله، فلما ~~أمن كل حال به كان كأنه هو نفس الأمن، # PageV14P478 # وهو حرم مكة المشرفة، وأمنه موجب للتوحيد والإخلاص، رغبة في دوامه، وخوفا ~~من انصرامه، كما كان الخوف في البحر موجبا للإخلاص خوفا من دوامه، ورغبة في ~~انصرامه {و} الحال أنه {يتخطف} وبناه للمفعول لأن المقصود الفعل لا فاعل ~~معين. # ولما كان التخطف غير خاص بناس دون آخرين، بل كان جميع العرب يغزو بعضهم ~~بعضا، ويغير بعضهم على بعض بالقتل والأسر والنهب وغير ذلك من أنواع الأذى، ~~قال: {الناس من حولهم} أي من حول من فيه من كل جهة تخطف الطيور مع قلة من ~~بمكة وكثر من حولهم، فالذي خرق العادة في فعل ذلك حتى صار على هذا السنن ~~قادر على أن يعكس الحال فيجعل من بالحرم متخطفا ومن حوله آمنا، أو يجعل ~~الكل في الخوف على منهاج واحد. # ولما تبين أنه لا وجه لشركهم ولا لكفرهم هذه النعمة الظاهرة المكشوفة، ~~تسبب الإنكار في قوله: {أفبالباطل} أي خاصة من الأوثان وغيرها {يؤمنون} ~~والحال أنه لا يشك عاقل في بطلانه، وجاء الحصر من حيث إن من كفر بالله تبعه ~~الكفر بكل حق والتصديق بكل باطل {وبنعمة الله} التي أحدثها لهم من الإنجاء ~~وغيره # PageV14P479 # {يكفرون*} حيث جعلوا موضع شكرهم له على النجاه شركهم بعبادة غيره. # PageV14P480 # ولما كان ms3563 الظلم وضع الشيء في غير محله، وكان وضع الشيء في موضع لا يمكن ~~أن يقبله أظلم الظلم، كان فعلهم هذا الذي هو إنزال ما لا يعلم شيئا ولا ~~يقدر على شيء في منزلة من يعلم كل شيء ويقدر على كل مقدور أظلم الظلم، فكان ~~التقدير: فمن أظلم منهم في ذلك، عطف عليه قوله: {ومن أظلم} أي أشد وضعا ~~للأشياء في غير مواضعها، لأنه لانور له بل هو في ظلام الجهل يخبط {ممن ~~افترى} أي تعمد {على الله كذبا} أي أي كذب كان من الشرك وغيره كما كانوا ~~يقولون إذا فعلوا فاحشة: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها {أو كذب ~~بالحق} من هذا القرآن المعجز المبين، على لسان هذا الرسول الأمين الذي ما ~~أخبر خبرا إلا طابقه الواقع {لما} أي حين {جاءه} من غير إمهال إلى أن ينظر ~~ويتأمل فيما جاءه من الأمر الشديد الخطر. # ولما كان التقدير: لا أحد أظلم منه، بل هو أظلم الظالمين، فهو كافر ~~ومأواه جهنم، وكان من المعلوم أنهم يقولون عنادا: ليس الأمر كذلك، قال ~~إنكارا عليهم، ولأن فعلهم فعل المنكر، وتقريرا لهم لأن همزة الإنكار إذا ~~دخلت على النفي كانت للتقرير، عدا به بمنزلة ما # PageV14P480 # لا نزاع فيه أصلا: {أليس في جنهم مثوى} أي منزل وموضع إقامة وحبس له وقد ~~ارتكب هذا الكفر العظيم - هكذا كان الأصل، ولكنه لقصد التعميم وتعليق الفعل ~~بالوصف قال: {للكافرين*} أي الذين يغطون أنوار الحق الواضح، أو ليس هو من ~~الكافرين؟ أي إن كلا من المقدمتين صحيح لا إنكار فيه، ولا ينتظم إنكارهم ~~إلا بإفساد إحديهما، أما كفره للمنعم بعد إنجائه من الهلاك حيث عبد غيره ~~فلا يسع عاقلا إنكاره، وأما كون جهنم تسعة بعد إخبار القادر به فلا يسع ~~مقرا بالقدرة إنكاره، فالمقدمتان مما لا مطعن فيه عندهم، فأنتجتا أن مثواه ~~جهنم، وصار القياس هكذا: عابد غير من أنجاه كافر، وكل كافر مثواه جهنم، ~~فعابد غير من أنجاه مثواه جهنم. # ولما كان هذا كله في الذين فتنوا فلم يجاهدوا ms3564 أنفسهم، كان المعنى: فالذين ~~فتناهم فوجدوا كاذبين ضلوا فصاروا لا يعقلون ولا يعلمون، لكونهم لم يكونوا ~~من المجاهدين، فعطف عليه قوله: {والذين جاهدوا} أي أوقعوا الجهاد بغاية ~~جهدهم على ما دل عليه بالمفاعلة {فينا} أي بسبب حقنا ومراقبتنا خاصة بلزوم ~~الطاعات من جهاد الكفار وغيرهم # PageV14P481 # من كل ما ينبغي الجهاد فيه بالقول والفعل في الشدة والرخاء، ومخالفة ~~الهوى عند هجوم الفتن، وشدائد المحن، مستحضرين لعظمتنا. # ولما كان الكفار ينكرون فلاحهم وكان المفلح والظافر في كل شيء هو ~~المهتدي، قال معبرا بالسبب عن المسبب: {لنهدينهم} بما نجعل لهم من النور ~~الذي لا يضل من صحبه، هداية يليق بعظمتنا {سبلنا} أي لا سبل غيرها، علما ~~وعملا، ونكون معهم بلطفنا ومعونتنا، لأنهم أحسنوا المجاهدة فهنيئا لمن قاتل ~~في سبيل الله ولو فواق ناقة لهذه الآية وقوله تعالى # {والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم} ~~[محمد: 4] ، ولهذا كان سفيان بن عيينة يقول: إذا اختلف الناس فانظروا ما ~~عليه أهل الغزو. # ولما كان المحسن كلما توفر حظه في مقام الإحسان نقص حظه من الدنيا، فظن ~~الأغبياء أنه ليس لله به عناية، عظم التأكيد في قوله، لافتا الكلام عن ~~أسلوب الجلال إلى أجل عنه بما زاد من الجمال {وإن الله} أي بعظمته وجلاله ~~وكبريائه وجميع كماله لمعهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أراد الإعلام بإحسابهم ~~وتعليق الحكم # PageV14P482 # بالوصف والتعميم فأظهر قائلا: {لمع المحسنين*} أي كلهم بالنصر والمعونة ~~في دنياهم، والثواب والمغفرة في عقباهم، بسبب جهادهم لأنه شكر يقتضي ~~الزيادة، ومن كان معه سبحانه فاز بكل مطلوب، وإن رأى الجاهل خلاف ذلك، فإنه ~~يجعل عزهم من وراء ذل ويستر غناهم بساتر فقر، حماية لهم مما يجر إليه دائم ~~العز من الكبر، ويحمل عليه عظيم الغنى من الطغيان، وما أحسن ما نقل الأستاذ ~~أبو القاسم القشيري في الرسالة عن الحارث المحاسبي أنه قال: من صحح باطنه ~~بالمراقبة والإخلاص زين الله ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة، والآية من ~~الاحتباك: أثبت أولا الجهاد دليلا على حذفه ثانيا، وثانيا ms3565 أنه مع المحسنين ~~دليلا على حذف المعية والإحسان أولا، فقد عانق أول السورة هذا الآخر، وكان ~~إليه أعظم ناظر، فنسأل الله العافية من الفتن، والمجاهدة إن كان لا بد من ~~المحن، وإليه المآب. # PageV14P483 # مقصودها إثبات الأمر كله، فتأتي الوحدانية والقدرة على كل شيء، فيأتي ~~البعث ونصر أوليائه، وخذلان أعدائه، وهذا هو المقصود بالذات، واسم السورة ~~واضح الدلالة عليه بما كان من السبب في نصر الروم من الوعد الصادق والسر ~~المكتوم) بسم الله (الذي يملك الأمر كله) الرحمن (الذي رحم الخلق كلهم بنصب ~~الأدلة) الرحيم (الذي لطف بأوليائه فأنجاهم من كل ضار، وحياهم كل نافع سار. # PageV15P001 # لما ختم سبحانه التي قبلها بأنه مع المحسنين قال: {الاما*} مشيرا بألف ~~القيام والعلو ولام الوصلة وميم التمام إلى أن الملك الأعلى القيوم أرسل ~~جبرائيل عليه الصلاة والسلام - الذي هو وصلة بينه وبين أنبيائه عليهم ~~الصلاة والسلام - إلى أشرف خلقه محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث لإتمام ~~مكارم الأخلاق، يوحي إليه وحيا معلما بالشاهد والغائب، فيأتي الأمر على ما ~~أخبر به دليلا على صحة رسالته، # PageV15P001 # وكمال علم مرسله، وشمول قدرته، ووجوب وحدانيته. # ولما أشير في آخر تلك بأمر الحرم إلى أنه سبحانه يعز من يشاء ويذل من ~~يشاء، وختم بمدح المجاهدين فيه، وأنه سبحانه لا يزال مع المحسنين، وكانت قد ~~افتتحت بأمر المفتونين، فكان كأنه قيل: لنفتننكم ولنعمين المفتين ولنهدين ~~المجاهدين، وكان أهل فارس قد انتصروا على الروم، ففرح المشركون وقالوا ~~للمسلمين: قد انتصر إخواننا الأميون على إخوانكم أهل الكتاب، فلننصرن ~~عليكم، فأخبر الله تعالى بأن الأمر يكون على خلاف ما زعموا، فصدق مصدق وكذب ~~مكذب، فكان في كل من ذلك من نصر أهل فارس وإخبار الله تعالى بإدالة الروم ~~فتنة يعرف بها الثابت من المزلزل، وكان من له كتاب أحسن حالا في الجملة ممن ~~لا كتاب له، افتتحت هذه بتفصيل ذلك تصريحا بعد أن أشار إليه بالأحرف ~~المقطعة تلويحا غيبا وشهادة، دلالة على وحدانيته وإبطال الشرك، فأثبت ~~سبحانه أن له جميع الأمر وأنه يسر ms3566 المؤمنين بنصرة من له دين صحيح الأصل، ~~وخذلان أهل العراقة في الباطل والجهل، وجعل ذلك على وجه يفيد نصر المؤمنين ~~على المشركين، فقال مبتدئا بما أفهمه كونه مع المحسنين مع أنه ليس مع ~~المسيئين: {غلبت الروم*} أي لتبديلهم دينهم غلبهم - الفرس في زمن أنوشروان ~~أو بعده # PageV15P002 # {في أدنى الأرض} أي أقرب أرضهم إلى أرضكم أيها العرب، وهي في أطراف ~~الشام، وفي تعيين مكان الغلب - على هذا الوجه - بشارة للعرب بأنهم يغلبونهم ~~إذا وافقوهم، فإن موافقتهم لهم تكون في مثل ذلك المكان. وقد كان كذلك بما ~~كشف عنه الزمان، فكأنه تعالى يقول لمن فرح من العرب بنصر أهل فارس على ~~الروم لنكاية المسلمين: اتركوا هذا السرور الذي لا يصوب نحوه من له همة ~~الرجال، وأجمعوا أمركم وأجمعوا شملكم، لتواقعوهم في مثل هذا الوضع فتنصروا ~~عليهم، ثم لا يقاومونكم بعدها أبدا، فتغلبوا على بلادهم ومدنهم وحصونهم ~~وأموالهم ونسائهم وأبنائهم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أعتب سبحانه أهل مكة، ونفى عليهم ~~قبح صنيعهم في التغافل عن الاعتبار بحالهم، وكونهم - مع قلة عددهم - قد منع ~~الله بلدهم عن قاصد نهبه، وكف أيدي العتاة والمتمردين عنهم مع (تعاور) أيدى ~~المنتهين على من حولهم، وتكرر ذلك واطراده صونا منه تعالى لحرمه وبيته، ~~فقال تعالى: # {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت: 67] ~~أي ولم يكفهم هذا في الاعتبار، وتبينوا أن ذلك ليس عن قوة منهم ولا حسن ~~دفاع، وإنما هو بصون الله # PageV15P003 # إياهم بمجاورة بيته وملازمة أمنه مع أنهم أقل العرب، أفلا يرون هذه ~~النعمة ويقابلونها بالشكر والاستجابة قبل أن يحل بهم نقمة، ويسلبهم نعمه، ~~فلما قدم تذكارهم بهذا، أعقب بذكر طائفة هم أكثر منهم وأشد قوة وأوسع ~~بلادا، وقد أيد عليهم غيرهم، ولم يغن عنهم انتشارهم وكثرتهم، فقالت: {الم ~~غلبت الروم في أدنى الأرض} الآيات، فذكر تعالى غلبة غيرهم لهم، وأنهم ستكون ~~لهم كرة، ثم يغلبون، وما ذلك إلا بنصر الله من شاء من عبيده {ينصر من يشاء} ~~فلو كشف ms3567 عن إبصار من كان بمكة من الكفار لرأوا أن اعتصام بلادهم وسلامة ~~ذرياتهم وأولادهم مما سلط على من حولهم من الانتهاب والقتل وسبي الذراري ~~والحرم إنما هو بمنع الله وكرم صونه لمن جاور حرمه وبيته، وإلا فالروم أكثر ~~عددا وأطول مددا، ومع ذلك تتكرر عليهم الفتكات والغارات، وتتوالى عليهم ~~الغلبات، أفلا يشكر أهل مكة من أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؟ وأيضا فإنه ~~سبحانه لما قال: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان} [العنكبوت: 64] أتبع ذلك سبحانه بذكر تقلب حالها، وتبين ~~اضمحلالها، وأنها لا تصفو ولا تتم، وإنما حالها أبدا التقلب وعدم الثبات، ~~فأخبر بأمر هذه الطائفة التي هي من أكثر أهل الأرض وأمكنهم وهم الروم، # PageV15P004 # وأنهم لا يزالون مرة عليهم وأخرى لهم، فأشبهت حالهم هذه حال اللهو ~~واللعب، فوجب اعتبار العاقل بذلك وطلبه الحصول على تنعم دار لا ينقلب ~~حالها، ولا يتوقع انقلابها وزوالها، {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} ومما ~~يقوي هذا المأخذ قوله تعالى «يعلمون» ظاهرا من الحياة الدنيا أي لو علموا ~~باطنها لتحققوا أنها لهو ولعب ولعرفوا أمر الآخرة «من عرف نفسه عرف ربه» ~~ومما يشهد لكل من المقصدين ويعضد كلا الأمرين قوله سبحانه: {أولم يسيروا في ~~الأرض} الآيات، أي لو فعلوا هذا وتأملوا لشاهدوا من تقلب أحوال الأمم وتغير ~~الأزمنة والقرون ما بين لهم عدم إبقائها على أحد فتحققوا لهوها ولعبها ~~وعلموا أن حالهم سيؤول إلى حال من ارتكب مرتكبهم في العناد والتكذيب وسوء ~~البياد والهلاك - انتهى. # ولما ابتدأ سبحانه بما أوجبه للروم من القهر بتبديلهم، معبرا عنهم بأداة ~~التأنيث مناسبة لسفولهم، أتبعه ما صنعه معهم لتفريج المحسنين من عباده ~~الذين ختم بهم الأمم ونسخ بملتهم الملل، وأدالهم على جميع الدول، فقال ~~معبرا بما يقتضي الاستعلاء من ضمير الذكور # PageV15P005 # العقلاء: {وهم} أي الروم، ودل على التبعيض وقرب الزمان بإثبات الجار ~~فقال، معبرا بالجار إشارة إلى أن استعلاءهم إنما يكون في بعض زمان البعد ~~ولا يدوم: {من بعد غلبهم} الذي تم عليهم ms3568 من غلبة فارس إياهم، وهو من إضافة ~~المصدر إلى المفعول {سيغلبون*} فارسا، فأكد وعده بالسين - وهو غني عن ~~التأكيد - جريا على مناهيج القوم لما وقع في ذلك من إنكارهم {في بعض سنين*} ~~وذلك من أدنى العدد لأنه في المرتبة الأولى، وهي مرتبة الآحاد، وعبر بالبضع ~~ولم يعين إبقاء للعباد في ربقة نوع من الجهل، تعجيزا لهم، وتحديا لمن عاند ~~بنفي ما أخبر به أو يعلم ما ستر منه، وتشريعا للتعمية إذا قادت إليها ~~مصلحة، وشرح ذلك أنه كان بين فارس والروم حروب متواصلة، وزحوف متكاثرة، في ~~دهور متطاولة، إلى أن التقوا في السنة الثامنة من نبوة نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم في زمن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، فظفرت فارس على الروم، أخرج ~~سنيد بن داود في تفسيره والواحدي في أسباب النزول والترمذي في تفسير سورة ~~الروم من جامعه وغيرهم، وقد جمعت ما ذكروه، وربما أدخلت حديث بعضهم في بعض. # قال سنيد عن عكرمة: كانت في فارس امرأة لا تلد # PageV15P006 # إلا الأبطال، فدعاها كسرى فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشا، ~~وأستعمل عليهم رجلا من بنيك، فأشيري علي أيهم أستعمل، فأشارت عليه بولد ~~يدعى شهربراز، فاستعمله على جيش أهل فارس وقال الأستاذ أبو علي أحمد بن ~~محمد بن مسكوية في كتابه تجارب الأمم وعواقب الهمم، فقالت تصف بنيها: هذا ~~فرحان أنفذ من سنان، هذا شهربراز أحكم من كذا، هذا فلان أروغ من كذا، ~~فاستعمل أيهم شئت. فاستعمل شهربراز - انتهى. وبعث قيصر رجلا يدعى قطمير ~~بجيش من الروم، فالتقى مع شهربراز بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض ~~العرب فغلبت فارس الروم وظهروا عليهم فقتلوهم وخربوا مدائنهم وقطعوا ~~زيتونهم، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وهم ~~بمكة فشق ذلك عليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون ~~من المجوس على أهل الكتاب من الروم، لأن فارس لم يكن لهم كتاب، وكانوا ~~يجحدون البعث، ويعبدون النار والأصنام، وفرح كفار مكة وشمتوا. قال ms3569 الترمذي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما: وكان # PageV15P007 # المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، وكان المسلمون يحبون أن يظهر ~~الروم على فارس لأنهم أهل كتاب - انتهى. فلقي المشركون أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وأهل ~~فارس أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم، فإن ~~قاتلتمونا لنظهرن عليكم. فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ~~الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: «أما إنهم سيغلبون في بضع سنين» . # قال الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: فذكره أبو بكر رضي الله عنه لهم ~~فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان ~~لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «ألا جعلته إلى دون» يعني دون العشرة، فإن البضع ما بين ~~ثلاث إلى تسع، ثم ظهرت الروم بعد ذلك، وروى الترمذي أيضا عن نيار بن مكرم ~~الأسلمي رضي الله تعالى عنه وقال: حديث حسن صحيح غريب، قال: لما نزلت: {الم ~~غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} وكانت ~~فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم وكان # PageV15P008 # المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل الكتاب، وفي ذلك قول ~~الله تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز ~~الرحيم} وكانت قريش «تحب» ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل الكتاب ولا ~~إيمان ببعث، فلما نزلت هذه الآية خرج أبو بكر رضي الله عنه يصيح في نواحي ~~مكة {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} ~~! قال ناس من قريش لأبي بكر رضي الله عنه: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن ~~الروم ستغلب فارسا في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل ~~تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر ~~رضي ms3570 الله عنه: كم تجعل البضع من ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك ~~وسطا تنتهي إليه، فسموا بينهم ست سنين، فمضت الست سنون قبل أن يظهروا، فأخذ ~~المشركون رهن أبي بكر رضي الله عنه، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم ~~على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر رضي الله عنه تسمية ست سنين، لأن الله # PageV15P009 # تعالى قال: {في بضع سنين} . قال ابن الجوزي في زاد المسير: وقالوا: هلا ~~أقررتها على ما أقرها الله، لو شاء أن يقول: ستا، لقال. قال الترمذي في ~~روايته: وأسلم عند ذلك ناس كثير. وروى الترمذي أيضا والواحدي في أسباب ~~النزول عن أبي سعيد رضي الله عنه أن ظهور الروم عليهم كان يوم بدر. وقال ~~الزمخشري فيما ذكره من عند سنيد أنه كان يوم الحديبية فإنه قال بعد أن ساق ~~نحو ما مضى: فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه - يعني للمشركين: لا يقرن الله ~~أعينكم! فوالله لتظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: ~~كذبت يا أبا فضيل! اجعل بيننا وبينك أجلا أناحبك عليه. # - والمناحبة: المراهنة - فناحبه على عشر قلائص - من كل واحدة منهما، وجعل ~~الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر وماده في الأجل، ~~فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين، # PageV15P010 # ومات أبي من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الذي جرحه به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أحد، فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك ~~عند رأس سبع سنين. وقيل: كان النصر يوم بدر للفريقين، فأخذ ابو بكر رضي ~~الله عنه الخطر من ذرية أبي، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «تصدق به» - انتهى. وربما أيد القول بأنه سنة الحديبية سنة ست ما في ~~الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي سفيان رضي الله عنهم في كتاب ~~النبي صلى الله عليه ms3571 وسلم إلى هرقل وسؤال هرقل لأبي سفيان رضي الله عنه، ~~وفيه أن ذلك لما كشف الله عن قيصر جنود فارس ومشى من حمص إلى إيلياء شكرا ~~لما أبلاه الله، ومن المعلوم أن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إليه وإلى ~~غيره من الملوك كان بعد الرجوع من الحديبية، وهذه الآية من الآيات البينة ~~الشاهدة الصادقة على صحة النبوة، وأن القرآن من عند الله نزل بالحق المبين، ~~لأنها إنباء عن علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى فطابقه الواقع. ~~وقال ابن الجوزي: وفي الذي تولى # PageV15P011 # وضع الرهان من المشركين قولان: أحدهما أبي بن خلف - قاله قتادة، والثاني ~~أبو سفيان بن حرب - قاله السدي - انتهى. وذكر القصة أبو حيان في تفسيره ~~البحر وزاد عن مجاهد أن التقاءهم لما ظهرت فارس كان في الجزيرة، وعن السدي ~~أنه كان بأرض الأردن وفلسطين، وأن أبا بكر رضي الله عنه لما أراد الهجرة ~~طلب منه أبي بن خلف كفيلا بالخطر الذي كان بينهما في ذلك، فكفل به ابنه عبد ~~الرحمن رضي الله عنه، فلما أراد أبي الخروج إلى أحد طلبه عبد الرحمن ~~بالكفيل، فأعطاه كفيلا وهلك أبي من جرح جرحه النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقال ابن الفرات في تأريخه: كان بين كسرى أنوشروان وبين ملك الروم هدنة، ~~فوقع بين رجلين من أصحابهما فبغى الرومي على الفارسي، فأرسل كسرى إلى ملك ~~الروم بسببه، فلم يحفل برسالته، فغزاه كسرى في بضع وسبعين ألف مقاتل فأخذ ~~مدينة دارا والرها ومنبج وقنسرين وحلب وأنطاكية - وكانت أفضل مدينة بالشام ~~- وفامية وحمص ومدنا كثيرة، واحتوى على ما كان فيها. وسبى أهل أنطاكية ~~ونقلهم إلى أرض السواد، وكان ملك الروم يؤدي إليه الخراج، ولم يزل مظفرا ~~منصورا، تهابه الأمم، ويحضر بابه من وفودهم عدد كثير من الترك # PageV15P012 # والصين والخزر ونظائرهم، وقال أيضا في ملك أبرويز بن هرمز بن أنوشروان: ~~وكان شديد الفطنة، قوي الذكاء، بعث الأصبهبذ - يعني شهربراز - مرة إلى ~~الروم فأخذ خزائن الروم، وبعث بها إلى كسرى، فخاف كسرى أن ms3572 يتغير عليه ~~الأصبهبذ، لما قد نال من الظفر فبعث بقتله، فجاء الرجل إليه فرأى من عقله ~~وتدبيره ما منعه من قتله وقال: مثل هذا لا يقتل، وأخبره ما جاء لأجله، فبعث ~~إلى قيصر ملك الروم: إني أريد أن ألقاك، فالتقيا فقال له: إن الخبيث قد هم ~~بقتلي، وإني أريد إهلاكه، فاجعل لي من نفسك ما أطمئن إليه، وأعطيك من بيوت ~~أمواله مثل ما أصبت منك. # فأعطاه المواثيق، وسار قيصر في أربعين ألف مقاتل، فنزل بكسرى، فعلم كسرى ~~كيف جرى الحال، فدعا قسا نصرانيا، يعني وكتب معه كتابا. وقال ابن مسكويه: ~~وكان أبرويز وجه رجلا من جلة أصحابه في جيش جرار إلى بلاد الروم، فأنكى ~~فيهم وبلغ منهم، وفتح الشامات وبلغ الدروب في آثارهم، فعظم أمره وخافه ~~أبرويز فكاتبه بكتابين يأمره في أحدهما أن يستخلف على جيشه من يثق به ويقبل ~~إليه، ويأمره في الآخر أن يقيم بموضعه، فإنه لما # PageV15P013 # تدبر أمره وأجال الرأي لم يجد من يسد مسده، ولم يأمن الخلل إن غاب عن ~~موضعه، وأرسل بالكتابين رسولا من ثقاته وقال له: أوصل الكتاب الأول بالأمر ~~بالقدوم فإن خف لذلك فهو ما أردت، وإن كره وتثاقل عن الطاعة فاسكت عليه ~~أياما ثم أعلمه الكتاب الثاني ورد عليك وأوصله إليه ليقيم بموضعه. فخرج ~~رسول كسرى حتى ورد على صاحب الجيش ببلاد الشام، فأوصل الكتاب الأول إليه، ~~فلما قرأه قال: إما أن يكون كسرى قد تغير لي وكره موضعي، أو يكون قد اختلط ~~عقله بصرف مثلي وأنا في نحر العدو، فدعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب فأنكروه، ~~فلما كان بعد ثلاثة أيام أوصل إليه الكتاب الثاني بالمقام، وأوهمه أن رسولا ~~ورد به، فلما قرأه قال: هذا تخليط ولم يقع منه موقعا، ودس إلى ملك الروم من ~~ناظره في إيقاع صلح بينهما على أن يخلي الطريق لملك الروم حتى يدخل بلاد ~~العراق على غرة من كسرى، وعلى أن لملك الروم ما يغلب عليه من دون العراق، ~~وللفارسي ما وراء ذلك إلى بلاد فارس، فأجابه ms3573 ملك الروم إلى ذلك وتنحى ~~الفارسي عنه في ناحية من الجزيرة، وأخذ أفواه الطرق، فلم يعلم كسرى حتى ورد ~~خبر ملك الروم عليه من ناحية قرقيسيا وكسرى غير معد وجنده متفرق في أعماله، ~~فوثب # PageV15P014 # من سريره مع قراءة الخبر وقال: هذا وقت حيلة، لا وقت شدة، وجعل ينكت في ~~الأرض مليا، ثم دعا برق وكتب فيه كتابا صغيرا بخط دقيق إلى صاحبه بالجزيرة ~~يقول فيه: قد علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب الروم وإطماعه في نفسك ~~وتخلية الطريق له حتى إذا تولج في بلادنا أخذته من أمامه، وأخذته أنت ومن ~~ندبناه لذلك من خلفه، فيكون ذلك بواره، وقد تم في هذا الوقت ما دبرناه، ~~وميعادك في الإيقاع به يوم كذا وكذا، ثم دعا راهبا كان في دير بجانب مدينته ~~وقال: أي جار كنت لك؟ قال: أفضل جار، قال: فقد بدت لنا إليك حاجة، فقال ~~الراهب: الملك أجل من أن يكون له حاجة إلى مثلي، ولكن عندي بذل نفسي في ~~الذي يأمر به الملك، قال كسرى: تحمل لي كتابا إلى فلان صاحبي - وقال ابن ~~الفرات: إلى الأصبهبذ - ولا تطلعن على ذلك أحدا. # وأعطاه ألف دينار، قال: نعم! قال كسرى: فإنك تجتاز بإخوانك النصارى ~~فأخفه، قال: نعم، فلما ولى عنه الراهب قال له كسرى: أعلمت ما في الكتاب؟ ~~قال: لا، قال: فلا تحمله حتى تعلم ما فيه، فلما قرآه أدخله في جيبه ثم مضى، ~~فلما صار في عسكر الروم نظر إلى الصلبان والقسيسين # PageV15P015 # وضجيجهم بالتقديس والصلوات فاحترق قلبه لهم وأشفق مما خاف أن يقع بهم ~~وقال في نفسه: أنا شر الناس إن حملت بيدي حتف النصرانية وهلاك هؤلاء القوم، ~~فصاح: أنا لم يحملني كسرى رسالة ولا معي له كتاب، فأخذوه فوجدوا الكتاب ~~معه، وقد كان كسرى وجه رسولا قبل ذلك اختصر الطريق حتى مر بعسكر الروم كأنه ~~رسول إلى كسرى من صاحبه الذي طابق ملك الروم ومعه كتاب فيه أن الملك قد كان ~~أمرني بمقاربة ملك الروم وأن أختدعه وأخلي ms3574 له الطريق فيأخذه الملك من أمامه ~~وآخذه أنا من خلفه، وقد فعلت ذلك، فرأى الملك في إعلامي وقت خروجه إليه، ~~فأخذ ملك الروم الرسول وقرأ الكتاب وقال: عجبت أن يكون هذا الفارسي أدهن ~~على كسرى، ووافاه أبرويز فيمن أمكنه من جنده، فوجد ملك الروم قد ولى هاربا، ~~فأتبعه يقتل وياسر من أدرك، وبلغ الأصبهبذ هزيمة الروم فأحب أن يخلي نفسه ~~ويستر ذنبه لما فاته ما دبر، فخرج خلف الروم الهاربين فلم يسلم منهم إلا ~~قليل. وقال ابن الفرات: وخرج القس بالكتاب وأوصله إلى قيصر فقال: ما أراد ~~إلا هلاكنا، وانهزم # PageV15P016 # فاتبعه كسرى فنجا في شرذمة يسيرة، وافتتح كسرى أبرويز عدة من بلاد ~~أعدائه، وبلغت خيله القسطنطينية وإفريقية. وقد ذكر ابن مسكويه أيضا ما يمكن ~~أن يكون المراد بالآية، وشرح أسباب ذلك فذكر أن هرمز بن أنوشروان لما بعث ~~بهرام بن بهرام الملقب جوبين إلى ملك الترك وظفر به ثم بابنه، أساء السيرة ~~فيه ولم يأذن له في الرجوع، بل أمره بالتقدم فيما لم يره بهرام صوابا وخاف ~~مخالفته، وقد كان هرمز حسن السيرة جدا أديبا أريبا، داهيا إلا عرقا قد نزعه ~~أخواله من الترك، فكان لذلك مقصيا للأشراف وأهل البيوتات والعلماء، ولم يكن ~~له رأي إلا في تألف السفلة واستصلاحهم ففسدت عليه نيات الكبراء من جنده، ~~فلما خافه بهرام جمع وجوه عسكره، وخرج عليهم في زي النساء وبيده مغزل وقطن ~~ثم جلس في موضعه ووضع بين يدي كل واحد منهم مغزلا وقطنا، فامتعضوا لذلك، ~~فقال: إن كتاب الملك ورد علي بذلك، فلا بد من امتثال أمره إن كنتم طائعين، ~~فأبوا وخلعوا هرمز، وأظهروا أن ابنه أبرويز أصلح للملك منه، فلما سمع ~~أبرويز بذلك خاف أباه على نفسه، فهرب إلى أذربيجان، ولما بلغ # PageV15P017 # الجند الذين بحضرة هرمز خلعه أعجبهم، فضعف أمره، ثم أجمعوا على خلعه ~~فخلعوه وسلموه، فكوتب أبرويز بذلك فبادر بهراما فسبقه وجلس على سرير الملك، ~~فأطاعه الناس ودخل على أبيه، وأعلمه أنه نائبه، واعتذر إليه بأن ما حصل له ms3575 ~~لم يكن عن رأيه ولا برضاه ولا كان حاضره حتى يذب عنه، فعذره، وقصده بهرام ~~فجرت بينهما أمور طويلة، وحروب هائلة، ضعف فيها أبرويز، وأحس من أصحابه ~~فتورا، وتبين فيهم فشلا، فسار إلى أبيه وشاوره فرأى له المصير إلى ملك ~~الروم، فنهض إلى ذلك في عدة يسيرة فيهم بندويه وبسطام خالاه، وكردي أخو ~~بهرام، وكان ماقتا لأخيه بهرام ومناصحا لأبرويز، فقطعوا الفرات وصاروا إلى ~~دير في أطراف العمارة، فلحقتهم خيل بهرام فقال بندويه لأبرويز: أعطني بزتك ~~وزينتك لأحتال لك وأبذل نفسي دونك، ففعل فأمره بالنجاة بمن معه، وأقام هو ~~في الدير، فلما أحيط به اطلع بندويه من فوق الدير فأوهمهم أنه أبرويز بما ~~عليه من البزة والزينة، فظنوه وسألهم الإمهال إلى غد ليسلمهم نفسه فأمسكوا، ~~وحفظ الدير بالحرس، فلما أصبحوا اطلع عليهم وقال: إن علي وعلى أصحابي بقية ~~شغل من استعداد لصلوات وعبادات فأمهلونا، ولم يزل يدافع حتى # PageV15P018 # مضى عامة النهار وعلم أن أبرويز قد فاتهم، ففتح حينئذ وأعلم قائدهم ~~بأمرهم، فانصرف به إلى بهرام جوبين فحبسه. # ولما وصل أبرويز إلى أنطاكية كاتب ملك الروم وسأله نصرته، فأجابه وتوادا ~~إلى أن زوجة ابنته مريم وحملها إليه، وبعث إليه ستين ألف مقاتل فيهم أخوه ~~تياذوس وسأله ترك الأتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوك الروم إذ هو ملك، ~~فاغتبط به أبرويز وسار بهم، فلما وصل إلى أداني أرضهم انضم إليه كثير من ~~أهل فارس فاستظهر على بهرام، فقصد بهرام بلاد الترك فأكرمه ملكها، ولم يزل ~~أبرويز يلاطف ملك الروم الذي نصره حتى وثبت الروم عليه في شيء أنكروه منه ~~فقتلوه وملكوا غيره، ولجأ ابنه إلى أبرويز فملكه على الروم وأرسل معه جنودا ~~كثيفة عليهم شهربراز، فدوخ عليهم البلاد، وملك صاحب كسرى بيت المقدس وقصد ~~قسطنطينية، فأناجوا على ضفة الخليج القريب منها، ولم يخضع لابن الملك الذي ~~توجه كسرى أحد من الروم، وكانوا قد قتلوا الذي ملكوه بعد أبيه لما ظهر من ~~فجوره وسوء تدبيره، وملكوا عليهم رجلا يقال له هرقل. # وقال ابن ms3576 الفرات: إن أبرويز بعث مع ابن الملك الذي كان نصره ثلاثة من ~~قواده في جنود كثيرة كثيفة، أما أحدهم فإنه كان # PageV15P019 # يقال له زميرزان وجهه إلى بلاد الشلام فدوخها حتى انتهى إلى بلاد فلسطين، ~~وورد مدينة بيت المقدس، وأخذ أسقفها ومن كان فيها من القسيسين وسائر ~~النصارى بخشبة الصليب، وكانت قد دفنت في بستان في تابوت من ذهب وزرع فوقها ~~مبقلة فدلوه عليها فحفر واستخرجها وبعث بها إلى كسرى في سنة أربع وعشرين من ~~ملكه، وأما القائد الثاني - وكان يقال له: شاهير - فسار حتى احتوى على مصر ~~والإسكندرية وبلاد النوبة وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة الإسكندرية في سنة ~~ثمان وعشرين من ملكه، وأما القائد الثالث - وكان يقال له: فرهان - فإنه قصد ~~قسطنطينية حتى أناخ قريبا من ماء وخيم هنالك فأمره كسرى فخرب بلاد الروم ~~غضبا مما انتهكوا من موريق - يعني الملك الذي كان نصره، وفعل هذا لأجل ~~ابنه، وانتقاما له منهم، ولم ينقد لابن الملك الذي فعل هذا لأجله أحد من ~~الروم، لأنهم لما قتلوا الملك قوفا ملكوا عليهم رجلا يقال له هرقل، ثم اتفق ~~ابن الفرات # PageV15P020 # وابن فتحون فقالا: فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلاد الروم من تخريب جنود ~~فارس إياها وقتلهم مقاتلتهم، وسبيهم ذراريهم، واستباحتهم أموالهم، تضرع إلى ~~الله تعالى، وأكثر الدعاء والابتهال فيقال: إنه رأى في منامه رجلا ضخم ~~الجثة رفيع المجلس عليه، فدخل عليهما داخل، فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال ~~لهرقل: إني قد سلمته في يدك، فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته حتى توالت عليه ~~أمثالها، فرأى في بعض لياليه كأن رجلا دخل عليهما وبيده سلسلة طويلة ~~فألقاها في عنق صاحب المجلس الرفيع عليه ثم دفعه إليه وقال له: ها قد دفعت ~~إليك كسرى برمته، وقال ابن الفرات: فاغزه فإنك مدال عليه، ونائل أمنيتك في ~~غزاتك، فلما تتابعت عليه هذه الأحلام قصها على عظماء الروم وذوي العلم ~~منهم، فأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعد هرقل واستخلف ابنه على مدينة ~~قسطنطينية، وأخذ غير الطريق الذي فيه ms3577 شهربراز صاحب كسرى، وسار حتى دخل في ~~بلاد أرمينية ونزل بنصيبين بعد سنة، وقد كان صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى ~~استدعى لموجدة كانت من كسرى عليه، وأما شهربراز # PageV15P021 # فكانت كتب كسرى ترد عليه في الجثوم على الموضع الذي هو به، وترك البراح، ~~ثم بلغ كسرى تساقط هرقل في جنوده إلى نصيبين فوجه لمحاربة هرقل رجلا من ~~قواده يقال له: راهزاد في اثني عشر ألفا من الأنجاد، وأمره أن يقيم بنينوى ~~وهي التي تدعى الآن الموصل - على شاطىء دجلة، ويمنع الروم أن يجوزوها، وكان ~~كسرى بلغه خبر هرقل وأنه مغذ وهو يومئذ مقيم بدسكرة الملك، فتعذر راهزاد ~~لأمر كسرى وعسكر حيث أمره فقطع هرقل دجلة من موضع آخر إلى الناحية التي كان ~~فيها جند فارس، فأذكى راهزاد العيون عليه فانصرفوا إليه فأخبروه أنه في ~~سبعين ألف مقاتل، فأيقن راهزاد أنه ومن معه من الجند عاجزون عن مناهضته، ~~فكتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم، لكثرتهم ~~وحسن عدته، قال ابن الفرات: فكتب كسرى إنكم إن عجزتم عن الروم لم تعجزوا عن ~~بذل دمائكم في طاعتي، فلما تتابعت على راهزاد جوابات كسرى بذلك عبى جنده، ~~وناهض الروم بهم، # PageV15P022 # فقتل الروم راهزاد وسته آلاف رجل، وانهزمت بقيتهم، وهربوا على وجوههم، ~~وبلغ كسرى قتل الروم راهزاد وستة آلاف وما نال هرقل من الظفر فهده ذلك ~~وانحاز من دسكرة الملك إلى المدائن، وتحصن به لعجزه كان عن محاربة هرقل، ~~وسار هرقل حتى كان قريبا من المدائن. # قال ابن الفرات: فاستعد كسرى لقتاله ثم خالف كسرى ملك الروم فرجع إلى ~~بلاده فحمل خزائنه في البحر. فعصفتا الريح فألقتها بالإسكندرية، فظفر بها ~~أصحابه من الروم، وذكر المسعودي هذا فخالف بعض المخالفة: فقال: وثب بطريق ~~من بطارقة الروم يقال له قوقاس فيمن اتبعه على تموريقس ملك الروم حمو ~~أبرويز ومنجده، فقتلوه وملكوا قوقاس، ونمى ذلك إلى أبرويز فغضب لحموه وسير ~~إلى الروم جيوش وكانت له في ذلك أخبار يطول ذكرها، ms3578 وسير شهريار مرزبان ~~المغرب إلى حرب الروم فنزل أنطاكية وكانت له مع ملك الروم وأبرويز أخبار ~~ومكاتبات وحيل إلى أن خرج ملك الروم إلى حرب شهريار، وقدم خزائنه في البحر ~~في ألف مركب، # PageV15P023 # فألقتها الريح إلى ساحل أنطاكية فغنمها شهريار فحملها إلى أبرويز فسميت ~~خزائن الريح، ثم فسدت الحال بين أبرويز وشهريار، ومايل شهريار ملك الروم ~~فسيره شهريار نحو العراق إلى أن انتهى إلى النهروان فاحتال أبرويز في كتب ~~كتبها مع بعض أساقفة النصرانية ممن كان في ذمته حتى رده إلى القسطنطينية، ~~وأفسد الحال بينه وبين شهريار. وقال أبو حيان: وسبب ظهور الروم أن كسرى بعث ~~إلى شهربراز وهو الذي ولاه على محاربة الروم أن اقتل أخاك فرخان - انتهى. ~~وهذا هو تتمة ما تقدم في خبر المرأة التي كانت لا تلد إلا الأبطال، وأن ~~كسرى بعث ابنها شهربراز إلى حرب الروم فظهر عليهم. # قال ابن مسكوية: فلما ظهرت فارس علىلروم جلس فرخان يشرب فقال لأصحابه: ~~لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت مقالته كسرى فكتب إلى شهربراز: ~~إذا أتاك كتابي هذا فابعث إلي برأس فرخان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لن ~~تجد مثل فرخان، فإن له نكاية في العدو وصوتا فلا تفعل، فكتب إليه: إن في ~~رجال فارس خلفا منه # PageV15P024 # فعجل إلي برأسه، فراجعه فغضب كسرى وبعث بريدا إلى أهل فارس: إني قد نزعت ~~عنكم شهربراز واستعملت فرخان، ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة وقال: إذا ولى ~~الفرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطه، فلما قرأ شهربراز الكتاب قال: سمعا ~~وطاعة، ونزل عن سريره، وجلس فرخان ودفع البريد الصحيفة إليه فقال: ائتوني ~~بشهربراز، فقدمه ليضرب عنقه فقال: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: افعل. فدعا ~~بسفط وأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني ~~بكتاب واحد، فرد الملك على أخيه، فكتب شهربراز إلى قيصر ملك الروم: إن لي ~~إليك حاجة لا تحملها البرد ولا تبلغها الصحف فالقني، ولا تلقني إلا في ~~خمسين روميا، فإني أيضا ms3579 ألقاك في خمسين فارسا، فأقبل قيصر في خمسائة رومي، ~~وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به حتى أتاه ~~عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلا، ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت ~~لهما، واجتمعا ومع كل واحد منهما سكين، ودعوا ترجمانا بينهما، فقال ~~شهربراز: إن الذين خربوا مدائنك، وبلغوا منك ومن جندك ما بلغوا أنا وأخي ~~بشجاعتنا وكيدنا، وأن # PageV15P025 # كسرى حسدنا فأراد أن أقتل اخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني فقد خلعناه ~~جميعا فنحن نقاتله معك، فقال: قد أصبتما ووفقتما ثم أشار أحدهما إلى صاحبه ~~أن السر إنما يكون بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا، قال صاحبه: أجل، فقاما ~~جميعا إلى الترجمان بسكينيهما فقتلاه، واتفقا على قتال كسرى، فتعاون ~~شهربراز وهرقل على كسرى، فغلبت الروم فارس. وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن ~~عبد الله بن عبد الحكم في أوائل فتوح مصر نحو هذا الحديث من حديث ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه سمع ابن عمر رضي الله عنه يسأل الهرمزان عن سبب ظهور ~~الروم على كسرى فأخبره به، وكان مما تمكن الخلاف عليه أيضا أنه كان طلب ~~الذين هربوا بعد قتل قائدهم راهزاد، وأمر بأن يعاقبوا على انهزامهم، ~~فأحوجهم بهذا إلى الخلاف عليه وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه، فإن كانت ~~الوقعة التي غلبت الروم فيها بأذرعات أو الأردن فهي أدنى أرض الروم - أي ~~أقربها - إلى مكة المشرفة، وإن كانت بالجزيرة فهي أدنى بالنظر إلى كسرى - ~~هذا ما حقت فيه الآية في ظاهر العبارة وصريحها مع ما انضم إلى ذلك من إداله ~~العرب على الفرس أيضا في هذا الوقت في وقعة ذي قار - كما بينته في شرحي ~~لنظمي للسيرة النبوية المسمى «نظم الجواهر من سيرة سيد الأوائل والأواخر» # PageV15P026 # وسيأتي ملخصه قريبا - حتى يقال: إن نصرة الروم والعرب ونصرة المسلمين في ~~بدر كانت في آن واحد. # ومن أعاجيب ما دخل تحت مفهوم الآية من لطائف المعجزات في باطن الإشارة ~~وتلويحها أن زماننا هذا كان ms3580 قد غلب فيه على ملك مصر جندها الغرباء من الترك ~~وغيرهم ثم اختص به الشراكسة منهم من نحو مائة سنة، وهم ممن ليس له كتاب في ~~الأصل وإن كان إسلامهم قد جب ما كانوا عليه من قبل وكانوا إذا مات أحدهم ~~وله ابن ولوا ابنه لأجل مماليكه واتباع ابيه إلى أن يعملوا الحيلة في خلعه، ~~وكان أكثر أولادهم يكون صغيرا أو في حكمه حتى كانت سنة خمس وستين ~~وثمانمائة، فصادف أن المتولي بها من أولادهم المؤيد أحمد بن الأشرف إينال ~~العلائي، وكان قد ناهز الأربعين، وكان عنده حزم ودهاء، وزادت مدة ولايته ~~بعد أبيه على أربعة أشهر فثقل عليهم جدا، وكان الأمير الكبير خشقدم أحد ~~مماليك المؤيد شيخ وهو رومي، وكانت عادتهم أنهم إذا خلعوا أحدا من أبناء ~~الملوك ولو الملك من كان في الإمرة الكبرى، فاختار # PageV15P027 # الشراكسة ولايته وإن كان من غيرهم على ولاية من ولد في الإسلام في بلاد ~~العرب، فأعملوا الحيلة في أمره إلى أن أجمع أمرهم ورأيهم كلهم على خلعه حتى ~~مماليكه ومماليك أبيه، فقاموا في ذلك قومة رجل واحد في أواخر شهر رمضان من ~~السنة المذكورة، فلما لم يجد له ناصرا أسلم نفسه في اليوم الثاني من وثوبهم ~~عليه، فعرضوا الولاية على شخص منهم فلم ير التقدم على أكبر منه في الرتبة ~~فأشار إلى الأمير الكبير فولوه، ثم اجتهد بعضهم في نزعه فلم يقدرهم الله ~~على ذلك ولم يجمع كلمتهم على أحد، وقام هو في الأمر بجد عظيم وحزم، ولين في ~~شدة وعزم، حتى استحكم أمره، وعظم قدره، وحسب عدد «بضع» بالجمل فإذا هو ~~اثنان وسبعون وثمانمائة، وهو مقدار ما مضى من السنين من حين نزول الآية إلى ~~حين ولايته، وذلك أن نصر أهل فارس على الروم كما مضى كان في السنة الثامنة ~~من النبوة، وحينئذ نزلت الآية، فإذا قلنا: إن نزولها كان في شهر رمضان من ~~تلك السنة، كان قبل الهجرة بست سنين إذا جعلنا كسر الثامنة سنة، وقد كانت ~~وقعة بدر في سابع ms3581 عشر شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة في الشهر ~~السابع، فيكون نصر الروم إذا صححنا كما هو الذي ينبغي أن # PageV15P028 # لا يعتقد غيره لدلالة القرآن العظيم عليه كما تأتي الإشارة إليه أنه في ~~سنة غزوة بدر في آخر السنة السابعة من حين نزوال الآية، ويكون ولاية ~~السلطان خشقدم لكونها في أواخر شهر رمضان في ابتداء سنة ست وستين من ~~الهجرة، فإذا ضممت إليها الست التي كانت قبل الهجرة كانت الجملة ثمانمائة ~~واثنين وسبعين على عدد «بضع» المنظوم في الآية سواء، وإن صححنا كما أيده ما ~~في الصحيح عن أبي سفيان أن نصر الروم كان وقت الحديبية وذلك في ذي القعدة ~~سنة ست من الهجرة، وكما قلنا: كان نزول الآية قبل الهجرة بشهرين ونحوهما، ~~صح أن نصر الروم كان عند دخول السنة السابعة من نزول الآية كما في رواية ~~الترمذي عن نيار رضي الله عنه، وكان الموافق لعدد البضع سنة اثنتين وسبعين ~~وثمانمائة من الهجرة، وفيها غلب شخص من الروم، وذلك أن الظاهر خشقدم مات في ~~ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة من الهجرة، فولى بعده الأمير ~~الكبير يلبية وهو من الشراكسة، فلم ينتظم له الأمر، فخلع في جمادى الأولى ~~منها، وولى الأمير الكبير تمربغا ولقب الظاهر وهو رومي، فكان ذلك من الآيات ~~الباهرات إن وافق هذا الأمر العدد المذكور على كلتا الروايتين: رواية من ~~قال: # PageV15P029 # إن التصر كان يوم بدر، ورواية من قال: كان يوم الحديبية، ولولا ولاية ~~يلبية ما صح إلا أحدهما، إن في ذلك لعبرة، هذا إن عددنا آحاد السنين، وإن ~~عددناها مئات فهو في بضع منها، فإنه في المائة التاسعة كما أشار إليه ~~الأستاذ أبو الحكم عبد السلام بن برجان في تفسيره فقال: حكمة الله جل ذكره ~~في دوائر التقدير أن يرجع فيها أواخر الكلم عن أوائلها، ومن الدوائر مقدرة، ~~ومنها موسعة على مقدار مشيئة الله فيها وبها، ولما أخبر الله تعالى عن ~~الروم أنهم غلبوا في أدنى الأرض وهي بلد الشام، كان إخبارا منه عما ms3582 يكون - ~~والله أعلم - وبشارة بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن ~~ذلك سيكون، يعني أن معنى «غلبت» مبنيا للمفعول إن كان بالنسبة إلى فارس كان ~~المعنى وقع غلبها، وإن كان بالنسبة للمسلمين كان المعنى: قرب زمان غلبها ~~على أيدي المسلمين، ثم قال: فكان ذلك في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~غلبهم في بلاد الشام، واستخرج بيت المقدس عن أيديهم. # والبضع من الثلاث إلى التسع، وكان نزول هذه السورة بمكة فكان ذلك داخل ~~بضع أسابيع سنين على رأس عشرين إلى ثمان # PageV15P030 # وعشرين سنة، ثم لم يزل الفتح بعد ذلك يتصل ويتسع إلى نهاية سبقت في ~~التقدير، ثم ذكر عود التقدير باستيلاء الروم على بعض أطراف الشام ثم ~~باستنقاذ المسلمين ذلك منهم، ونظر إلى ذلك تارة بحسب الأسابيع وتارة بحسب ~~آحاد المئات، وتارة بغير ذلك، وصحح وقوعه في البضع بالغالبية والمغلوبية ~~مرة بعد أخرى، وهو من بدائع الأنظار، ودقائق الأسرار الكبار. # ولما كان تغليب ملك على ملك من الأمور الهائلة، وكان الإخبار به قبل كونه ~~أهول، ذكر علة ذلك فقال: {لله} أي وحده {الأمر} ولما أفهم السياق العناية ~~بالروم، فكان ربما توهم أن غلب فارس لهم في تلك الواقعة وتأخير نصرهم إلى ~~البضع ربما كان لمانع لم يقدر على إزالته، نفى ذلك بإثبات الجار المفيد لأن ~~أمره تعالى مبتدىء من الزمن الذي كان قبل غلبهم حتى لم تغلبهم فارس إلا به، ~~وهو مبتدىء من الزمن الذي بعده، فالتأخير به لا بغيره، لحكمة دبرها سبحانه ~~فقال: {من قبل} أي قبل دولة أهل فارس على الروم ثم دولة الروم على فارس، لا ~~إلى غاية تكون مبدأ لاختصاصه بالأمور فيه سبحانه غلبوهم {ومن بعد} أي بعد ~~دولة الروم عليهم ودولتهم على الروم لا إلى غاية فيه أيضا غلبهم الروم، ~~فحذف المضاف إليه # PageV15P031 # هو الذي أفهم أن زمن غلبة فارس لهم وما بعده من البضع مذكور دخوله في ~~أمره مرتين. # ولما أخبر بهذه المعجزة، تلاها بمعجزة أخرى، وهو أن أهل الإسلام ms3583 لا يكون ~~لهم ما يهمهم فيسرون بنصره فقال: {ويومئذ} أي إذ تغلب الروم على فارس {يفرح ~~المؤمنون} أي العريقون في هذا الوصف من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ~~{بنصر الله} أي الذي لا راد لأمره، لأهل الكتاب عامة، نصرهم على المشركين ~~في غزوة بدر وهو المقصود بالذات، ونصر الروم على فارس لتصديق موعود الله ~~ونصر من سيصير من أهل الكتاب الخاتم من مشركي العرب على الفرس في وقعة ذي ~~قار، فقد وقع الفرح بالنصر الذي ينبغي إضافته إلى الله تعالى وهو نصر أهل ~~الدين الصحيح أصلا وحالا ومالا، وسوق الكلام على هذا الوجه الذي يحتمل ~~الثلاثة من بدائع الإعجاز، وسبب وقعة ذي قار أنه كان أبرويز هذا - الذي غلب ~~الروم ثم غلبته الروم - قد غضب على النعمان بن المنذر ملك العرب، فأتى ~~النعمان هذا هانىء بن مسعود بن عامر الشيباني، فاستودعه ماله وأهله وولده - ~~وألف شكة، أو أربعة آلاف شكة - والشكة # PageV15P032 # بكسر المعجمة وتشديد الكاف: السلاح كله - ووضع وضائع عند أحياء العرب ثم ~~هرب فأتى طيئا لصهره فيهم، وكانت عنده فرعة بنت سعيد بن حارثة بن لأم وزينب ~~بنت أوس بن حارثة بن لأم، فأبوا أن يدخلوه حبلهم وأتته بنو رواحة بن ربيعة ~~بن عبس فقالوا له: أبيت اللعن! أقم عندنا فإنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا، ~~فقال: ما أحب أن تهلكوا بسبب فجزيتم خيرا، ثم خرج حتى وضع يده في يد كسرى ~~فحبسه بساباط، وقال ابن مسكويه: بخانقين، فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون ~~فمات فيه، قال: والناس يظنون أنه مات بساباط، والصحيح ما حكيناه. # فلما مات النعمان جعلت بكر بن وائل تغير في السواد، فغضب من ذلك كسرى، ثم ~~بعث إلى هانىء بن مسعود يقول له: إن النعمان إنما كان عاملي، وقد استودعك ~~ماله وأهله وحلقته فابعث إلي بها ولا تكلفني أن أبعث إليك وإلى قومك ~~بالجنود فتقتل المقاتلة وتسبي الذراري، فبعث إليه هانىء أن الذي بلغك باطل، ~~وما عندي شيء، وإن يكن الأمر كما قيل ms3584 فإنما أنا أحد الرجلين: إما # PageV15P033 # رجل استودع أمانة فهو حقيق أن يردها على من استودعها ولن يسلم الحر ~~أمانته، أو رجل مكذوب عليه وليس ينبغي للملك أن يأخذه بقول عدو أو حاسد. ~~وكانت الأعاجم لهم قوة وحلم، وكانوا قد سمعوا ببعض حلم العرب، وأن الملك ~~كائن فيهم، فلما ورد عليه كتاب هانىء بهذا حملته الشفقة أن يكون ذلك قد ~~اقترب على أن خرج بنفسه، فأقبل حتى قطع الفرات فنزل غمر بني مقاتل، وقد ~~أحنقه ما صنعت بكر بن وائل في السواد ومنع هانىء إياه ما منعه، ودعا كسرى ~~إياس بن قبيصة الطائي وكان عامله على عين التمر وما والاها، فاستشاره في ~~الغارة على بكر بن وائل فقال له إياس: إن الملك لا يصلح أن يعصيه أحد من ~~رعيته، وإن تطعني لم يعلم أحد لأي شيء عبرت وقطعت الفرات، فيرون أن أمر ~~العرب قد كربك، ولكن ترجع وتضرب عنهم وتبعث عليهم العيون حتى ترى منهم غرة ~~ثم ترسل حينئذ كتيبة من العجم فيها بعض القبائل التي تليهم فيوقعون بهم ~~وقعة الدهر، ويأتونك بطلبك، فقال له كسرى: أنت رجل من العرب وبكر بن وائل ~~أخوالك، فأنت تتعصب لهم لا تألوهم نصحا، فقال إياس: الملك أفضل رأيا، فقام ~~عمر بن عدي بن زيد العبادي # PageV15P034 # وكان كاتبه وترجمانه بالعربية في أمور العرب فقال: قم أيها الملك وابعث ~~إليهم بالجنود يكفوك! وقام إليه النعمان بن زرعة من ولد السفاح الثعلبي ~~فقال له: أيها الملك! إن هذا الحي من بكر بن وائل إذا قاظوا تهافتوا على ~~ماء لهم يقال له: ذو قار، تهافت الفراش في النار، فعقد لنعمان بن زرعة على ~~تغلب والنمر، وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وأياد وعقد لإياس بن ~~قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه الشهباء والدوسر، فكانت العرب ثلاثة ~~آلاف، وعقد للهامرز على ألف من الأساورة، وعقد لخيارزين على ألف، وبعث معهم ~~باللطيمة وهي عير كانت تخرج من العراق فيها البن والعطر والألطاف، توصل ذلك ~~إلى باذان عامل كسرى على ms3585 اليمن، وقال: إذا فرغتم من عدوكم فسيروا بها إلى ~~اليمين، وأمر عمرو بن عدي أن يسير بها، وكانت العرب تحقرهم حتى تبلغ ~~اللطيمة اليمن، وعهد كسرى إليهم إذا شارفوا بلاد بكر بن وائل أن يبعثوا ~~إليهم النعمان بن زرعة، فإن أتوكم بالحلقة ومائة غلام منهم يكونون رهنا بما ~~أحدث سفهاؤهم فاقبلوا منهم وإلا فقاتلوهم. # فلما بلغ الخبر بكر بن # PageV15P035 # وائل سار هانىء بن مسعود حتى نزل بذي قار، وأقبل النعمان بن زرعة حتى نزل ~~على ابن أخته مرة بن عبد الله العجلي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنكم ~~أخوالي وأحد طرفي، وإن الرائد لا يكذب أهله، وقد أتاكم ما لا قبل لكم به من ~~أحرار فارس وفرسان العرب والكتيبتان الشهباء والدوسر، وإن الشر خيارا، ولأن ~~يفدي بعضكم بعضا خير من أن تصطلموا، انظروا هذه الحلقة فادفعوها وادفعوا ~~معها رهنا من أبنائكم إليه بما أحدث سفهاؤكم، فقال له القوم: ننظر في ~~أمورنا، وبعثوا إلى من يليهم من بكر بن وائل وبرزوا ببطحاء ذي قار بين ~~الجلهتين - وجلهة الوادي: مقدمه، مثل جلهة الرأس إذا ذهب شعره - وجعلت بكر ~~بن وائل حين بعثوا إلى من حولهم من قبائل بكر لا ترفع لهم جماعة إلا قالوا: ~~سيدنا في هذه الجماعة، إلى أن رفعت لهم جماعة فيها حنظلة بن ثعلبة بن سنان ~~العجلي فقالوا: يا أبا معدان فقد طال انتظارنا وقد كرهنا أن نقطع أمرا ~~دونك، وهذا ابن أختك النعمان بن زرعة قد جاء والرائد لا يكذب أهله، قال: ~~فما الذي أجمع رأيكم عليه؟ قالوا: قلنا اللحي أهون من الوهي، وإن في الشر ~~خيارا، ولأن نفدي بعضنا بعضا خير من أن نصطلم جميعا، فقال حنظلة: # PageV15P036 # قبح الله هذا رأيا، لا تجر أحرار فارس غزلها ببطحاء ذي قار وأنا أسمع ~~صوتا، ثم أمر بقبته فضربت بوادي ذي قار ونزل الناس فأطافوا به ثم قال ~~لهانىء بن مسعود: يا أبا أمامة! إن ذمتكم ذمتنا عامة، وأنه لن يوصل إليك ~~حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ففرقها ms3586 بين قومك، فإن تظفر فسترد عليك، ~~وإن تهلك فأهون مفقود، فأمر بها فأخرجت ففرقها بينهم، ثم قال حنظلة ~~للنعمان: لولا أنك رسول لما أبت إلى أهلك سالما، فرجع النعمان إلى أصحابه، ~~فأخبرهم فباتوا ليلتهم يستعدون للقتال، وبات بكر بن وائل يستعدون للحرب، ~~فلما أصبحوا أقبلت الأعاجم نحوهم وأمر حنظلة بالظعن جميعا فوقفها خلف الناس ~~ثم قال: يا معشر بني بكر بن وائل! قاتلوا عن ظعتنكم أو دعوا، وأقبلت ~~الأعاجم يسيرون إلى تعبئة، وكان ربيعة بن غزالة السكوتي ثم التجيبي يومئذ ~~هو وقومه نزولا في بني شيبان فقال: يا بني شيبان! أما إني لو كنت منكم ~~لأشرت عليكم برأي مثل عروة العلم قالوا: وأنت والله من أوسطنا، أشر علينا، ~~قال: لا تستهدفوا هذه الأعاجم فتهلككم بنشابها، ولكن تكردسوا لهم كراديس ~~فيشد عليهم كردوس، فإذا أقبلوا عليه شد الآخر، قالوا: فإنك قد رأيت رأيا، ~~ففعلوا، فلما التقى الزحفان وتقارب # PageV15P037 # القوم قام حنظلة بن ثعلبة فقال: يا معشر بكر بن وائل! إن النشاب الذي مع ~~الأعاجم يعرفكم، فإذا أرسلوه لم يخطكم، فعاجلوهم اللقاء وابدأوهم، ثم قام ~~هانىء بن مسعود فقال: يا قوم! مهلك معذور خير من منجى مفرور، إن الحذر لا ~~يدفع القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، واستقبال الموت ~~خير من استدباره، ياقوم: جدوا، فما من القوم بد فتح لو كان رجال أجد، أسمع ~~صوتا ولا أرى فوتا، يا لبكر! شدوا واستعدوا، فإن لا تشدوا تردوا، ثم قام ~~شريك بن عمرو بن شراحيل فقال: ياقوم! إنما تهابونهم أنكم ترونهم عند الحفاظ ~~أكثر منكم، وكذلك أنتم في عيونهم فعليكم بالصبر، فإن الأسنة تردي الأعنة، ~~يا لبكر! قدما قدما، ثم قام عمرو بن جبلة اليشكري فقال: # يا قوم لا تغرركم هذي الخرق ... ولا وميض البيض في شمس برق # من لم يقاتل منكم هذي العنق ... فجنبوه اللحم واسقوه المرق # ثم قام حنظلة بن ثعلبة إلى (وضين) امرأته فقطعه ثم تتبع الظعن بقيع ~~وضنهن، لئلا يفر عنهن الرجال، والوضين: بطان الناقة فسمي # PageV15P038 # يومئذ: ms3587 مقطع الوضن. وقال ابن مسكوية: إنه لما قطع الوضن وقع النساء إلى ~~الأرض وإن بنت القرين الشيبانية نادت: # ويها بني شيبان صفا بعد صف ... إن تهزموا يصبغوا فينا القلف ... فقطع ~~سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من قبل مناكبهم لتخف أيديهم بالضرب، ~~وتقدمت عجل فأبلت يومئذ بلاء حسنا، واضطمت عليهم جنود العجم فقال الناس: ~~هلكت عجل، ثم حملت بكر فوجدت عجلا ثابتة تقاتل وامرأة منهم تقول: # إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل ... فدى لكم نفسي فدى بني عجل # وتقول أيضا: # إن تقدموا نعانق ... ونفرش النمارق # أو تهربوا نفارق ... فراق غير وامق # فكانت بنو عجل في الميمنة بإزاء خيارزين وبنو شيبان في الميسرة # PageV15P039 # بإزاء كتيبة الهامرز، وأفناء بكر بن وائل في القلب فخرج أسوار من الأعاجم ~~مسور مشنف في أذنيه درتان، من كتيبة الهامرز يتحدى الناس للبراز، فنادى في ~~بني شيبان فلم يبارزه أحد حتى إذا دنا من بني يشكر برز له برد بن حارثة أخو ~~بني ثعلبة فشد عليه بالرمح فطعنه فدق صلبه وأخذ حليته وسلاحه، وقال ابن ~~مسكويه: ونادى الهامرز لما رأى جد القوم وثباتهم للحرب وصبرهم للموت مرد ~~ومرد، فقال برد بن حارثة اليشكري: ما يقول؟ قيل: يدعو إلى البراز! يقول: ~~رجل ورجل! فقال: وأبيكم لقد أنصف، وبرز له فلم يلبث برد أن تمكن من الهامرز ~~فقتله. وقال ابن مكرم في اختصاره للأغاني: ثم اقتتلوا صدر نهارهم أشد قتال ~~رآه الناس إلى أن زالت الشمس، فشد الحوقران واسمه الحارث ابن شريك على ~~الهامرز فقتله وقتلت بنو عجل خيارزين، وضرب الله وجوالفرس فانهزموا، ~~وتبعتهم بكر بن وائل يقتلونهم بقية يومهم حتى أصبحوا من الغد وقد شارفوا ~~السواد ودخلوه فلم يلفت منهم كبير أحد، وأقبلت بكر بن وائل على الغنائم ~~فقسموها بينهم، # PageV15P040 # وقسموا تلك اللطائم بين نسائهم، وكان أول من انصرف إلى كسرى بالهزيمة ~~إياس بن قبيصة، وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلا نزع كتفيه، فلما أتاه ~~إياس سأله عن الخبر فقال: هزمنا بكر بن وائل، وأتيناك بنسائهم، فأعجب ذلك ms3588 ~~كسرى، وأمر له بكسوه، ثم إن إياسا استأذنه عند ذلك فقال: إن أخي مريض بعين ~~التمر، فأردت أن آتيه، وإنما أراد أن ينتحي عنه، فإذن له، ثم أتى رجل من ~~أهل الحيرة فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ فقالوا: نعم! إياس، فقال: ثكلت ~~إياسا أمه! وظن أنه قد حدثه بالخبر، فدخل عليه فحدثه بهزيمة القوم وقتلهم، ~~فأمر به فنزعت كتفاه؛ وكانت وقعة ذي قار بعد وقعة بدر بأشهر ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة، فلما بلغه ذلك قال: «هذا أول يوم انتصفت فيه ~~العرب من العجم وبي نصروا» . # روى ذلك الطبراني في المعجم الكبير، وقيل: إن الوقعة مثلت لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو بالمدينة فرفع يده، فدعا لبني شيبان أو لجماعة ربيعة ~~بالنصر، ولم يزل يدعو لهم حتى أرى هزيمة الفرس، وروي أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: «أيها بني ربيعة اللهم انصرهم» فهم إلى الآن إذا حاربوا نادوا ~~بشعار النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، وقال قائلهم: يارسول الله! دعوتك، ~~فإذا دعوا بذلك نصروا. وروى ذلك الطبراني الكبير - قال # PageV15P041 # الهيثمي: ورجاله الصحيح غير خلاد بن عيسى وهو ثقة - عن خالد ابن سعيد بن ~~العاص عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: «قدمت بكر بن وائل مكة فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه:» ائتهم فاعرض عليهم! ~~«فأتاهم فقال: من القوم؟ ثم عاد إليهم ثانية فقال: من القوم؟ فقالوا: بنو ~~ذهل بن شيبان، فعرض عليهم الإسلام، قالوا: حتى يجيء شيخنا فلان - قال خلاد: ~~أحسبه قال: المثنى بن خارجة - فلما جاء شيخهم عرض عليهم أبو بكر رضي الله ~~عنه، قال: إن بيننا وبين الفرس حربا، فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم عدنا ~~فنظرنا، فقال له أبو بكر: أرأيت إن غلبتموهم أتتبعنا على أمرنا؟ قال: لا ~~نشترط لك هذا علينا ولكن إذا فرغنا فيما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فيما ~~نقول، فلما التقوا يوم ذي قار هم والفرس قال شيخهم: ما اسم الرجل الذي ~~دعاكم ms3589 إلى الله؟ قالوا: محمد، قال: فهو شعاركم! فنصروا على القوم، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:» بي نصروا « # انتهى. ومن الأشعار في وقعة ذي قار قول أبي كلبة التميمي: # PageV15P042 # لولا فوارس لا ميل ولا عزل ... من اللهازم ما قظتم بذي قار # إن الفوارس من عجل هم أنفوا ... بأن يخلوا لكسرى عرصة الدار # قد أحسنت ذهل شيبان وما عدلت ... في يوم ذي قار فرسان ابن سيار # هم الذين أتوهم عن شمائلهم ... كما تلبس وراد بصدار # وقال الأعشى: # فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... وصاحبها يوم اللقاء وفلت # هم ضربوا بالحنو حنو قراقر ... مقدمة الهامرز حتى تولت # ولما أخبر بإدالة الروم بعد الإدالة عليهم مع ما دخل تحت مفهوم الآية، ~~وكان ربما قيل: ما له لم يدم نصر أهل الكتاب؟ علل ذلك كله بقوله: {ينصر من ~~يشاء} من ضعيف وقوي، لأنه لا مانع له ولا يسأل عما يفعل {وهو العزيز} فلا ~~يعز من عادى، ولا يذل من والى، ولما كان هذا السياق لبشارة المؤمنين قال: ~~{الرحيم} أي يخص حزبه بما ينيلهم قربه من الأخلاق الزكية، والأعمال ~~المرضية. # PageV15P043 # ولما نزل هذا على قوم أكثرهم له منكر، أكده سبحانه بما يقوي # PageV15P043 # قلوب أصفيائه بتبيين المراد، ويرد ألسنة أعدائه عن كثير من الناد، ~~ويعرفهم أنه كما صدق في هذا الوعد لأجل تفريح أوليائه فهو يصدق في وعد ~~الآخرة ليحكم بالعدل، ويأخذ لهم حقهم ممن عاداهم، ويفضل عليهم بعد ذلك بما ~~يريد، فقال: {وعد الله} أي الذي له جميع صفات الكمال، وهو متعال عن كل ~~شائبة نقص، فلذلك {لا يخلف} وأعاد ذكر الجلالة تنبيها على عظم الأمر فقال: ~~{الله} أي الذي له الأمر كله. ولما كان لا يخلف شيئا من الوعد، لا هذا الذي ~~في أمر الروم ولا غيره، أظهر فقال: {وعده} كما يعلم ذلك أولياؤه {ولكن أكثر ~~الناس} وهو أهل الاضطراب والنوس {لا يعلمون*} أي ليس لهم علم أصلا، ولذلك ~~لا نظر لهم يؤدي إلى أنه وعد وأنه لا بد من وقوع ما وعد ms3590 به في الحال التي ~~ذكرها لأنه قادر وحكيم. # ولما كان من المشاهدة أن لهم عقولا راجحة وأفكار صافية، وأنظار صائبة، ~~فكانوا بصدد أن يقولوا: إن علمنا أكبر من علمكم، كان كأنه قيل بيانا لأنه ~~يصح سلب ما ينفع من العلم بتأديته إلى السعادة الباقية، وتنبيها على أنه لا ~~فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا: ~~نعم {يعلمون} ولكن {ظاهرا} أي واحدا {من} التقلب في {الحياة الدنيا} وهو ما ~~أدتهم إليه # PageV15P044 # حواسهم وتجاربهم إلى ما يكون سببا للتمتع بزخارفها والتنعم بملاذها، قال ~~الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطىء وهو لا يحسن ~~يصلي - انتهى. وأمثال هذا لهم كثير، وهو وإن كان عند أهل الدنيا عظيما فهو ~~عند الله حقير، فلذلك حقره لأنهم ما زادوا فيه على أن ساووا البهائم في ~~إدراكها ما ينفعها فتستجلبه بضروب من الحيل، وما يضرها فتدفعه بأنواع من ~~الخداع، وأما علم باطنها وهو أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها بالطاعة، فهو ~~ممدوح منبه عليه بوصفها بما يفهم الأخرى. # ولما ذكر حالهم في الدنيا، أتبعه ذكر اعتقادهم في الآخرة، مؤكدا إشارة ~~إلى أن الحال يقتضي إنكار أن يغفل أحد عنها، لما لها من واضح الدلائل أقربه ~~أن اسم ضدها يدل عليها، لأنه لا تكون إلا في مقابلة قصيا، ولا أولى إلا ~~بالنسبة إلى أخرى، فقال: {وهم} أي هؤلاء الموصوفون خاصة {عن الآخرة} التي ~~هي المقصود بالذات وما خلقت الدنيا إلا للتوصل بها إليها ليظهر الحكم ~~بالقسط وجميع صفات العز والكبر والجلال والإكرام {هم غافلون*} أي في غاية ~~الاستغراق والإضراب عنها بحيث لا يخطر في خواطرهم، فصاروا لاستيلاء الغفلة ~~عليهم إذا ذكرت لهم كذبوا بها، واستهزؤوا بالمخبر، ولم يجوزوها # PageV15P045 # نوع تجير مع أن دلائلها تفوت الحصر، وتزيد على العد، فصاروا كأنهم ~~مخصوصون بالغفلة عنها من بين سائر الناس ومخصصون لها بالغفلة من بين سائر ~~الممكنات، فلذلك لا يصدقون الوعد بإدالة الروم لما رسخ في نفوسهم من أن ~~الأمور ms3591 تجري بين العباد على غير قانون الحكمة، لأنهم كثيرا ما يرون الظالم ~~يموت ولم يقتص منه، وهم في غفلة عن أنه أخر جزاؤه إلى يوم الدين، يوم يكشف ~~الجبار حجاب الغفلة ويظهر عدله وفضله، وتوضع الموازين القسط، فتطيش بمثاقيل ~~الذر، ويقتص للمظلومين من الظالمين، ومن أريد القصاص منه عاجلا فعل، وقضية ~~الروم هذه من ذلك، وهذا السياق يدل على أنه لا حجاب عن العلم أعظم من ~~التكذيب بالآخرة، ولا شيء أعون عليه من التصديق بها والاهتمام بشأنها، لأن ~~ذلك حامل على طلب الخلاص في ذلك اليوم، وهو لا يكون على أتم الوجوه إلا لمن ~~وصل إلى حالة المراقبة، وذلك لا يكون إلا لمن علم إما بالكشف أو الكسب كل ~~علم فلم يتحرك حركة إلا بدليل يبيحها له ويحمله عليها، وبهذا التقرير يظهر ~~أن هاتين الجملتين بكمالهما علة لنفي العلم عنهم، والمعنى أن العلم منفي ~~عنهم لما # PageV15P046 # شغل قلوبهم من هذا الظاهر في حال غفلتهم عن الآخرة، فانسد عليهم باب ~~العلم - والله الموفق. # ولما كان التقدير: أفلم يتدبروا القرآن وما كشف لهم عنه من الحكم والأمور ~~التي وعد الله بها على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيه أو في السنة، ~~فكانت على حسب ما وعد، أو لم يتأملوا مصنوعات الله عموما فتدلهم عقولهم ~~منها على أنه لا يصلح للإلهية إلا من كان حكيما، ولا يكون حكيما إلا من صدق ~~في وعده، وأنه لا تتم الحكمة إلا بإيجاد الآخرة، عطف عليه قوله منكرا عليهم ~~موبخا لهم: {أولم يتفكروا} أي يجتهدوا في إعمال الفكر، ثم ذكر آلة الفكر ~~زيادة في تصوير حال المتفكرين والتذكير بهيئة المعتبرين فقال: {في أنفسهم} ~~ويجوز أن تكون هي المتفكر فيه فيكون المعنى: يتفكروا في أحوالها خصوصا ~~فيعلموا أن من كان منهم قادرا كاملا لا يخلف وعده وهو إنسان ناقص، فكيف ~~بالإله الحق، ويعلموا أن الذي ساوى بينهم في الإيجاد من العدم وطورهم في ~~أطوار الصور، وفاوت بينهم في القوى والقدر، وبين آجالهم في الطول والقصر، ~~وسلط ms3592 بعضهم على بعض بأنواع الضرر، وأمات أكثرهم مظلوما قبل القصاص والظفر، ~~لا بد في حكمته البالغة من جمعهم للعدل بينهم في جزاء من وفى أو غدر، أو ~~شكر أو كفر، ثم ذكر نتيجة ذلك وعلله بقوله في أسلوب التأكيد لأجل إنكارهم، ~~وعلى التقدير # PageV15P047 # الأول يكون هذا هو المتفكر فيه {ما خلق الله} أي بعز جلاله، وعلوه في ~~كماله {السماوات والأرض} على ما هما عليه من النظام المحكم، والقانون ~~المتقن، وأفرد الأرض لعدم دليل حسي أو عقلي يدلهم على تعددها بخلاف السماء ~~{وما بينهما} من المعاني التي بها كمال منافعهما {إلا} خلقا متلبسا {بالحق} ~~أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، فإذا ذكر البعث الذي هو مبدأه الآخرة ~~التي هذا أسلوبها وجد الواقع في تصوير النطف ونفخ الروح وتمييز الصالح منها ~~للتصوير من الفاسد يطابق ذلك، وإذا تدبر النبات بعد أن كان هشيما قد نزل ~~عليه الماء فزها واهتز وربا وجده مطابقا للأمر البعث، وإذا ذكر القدرة فرأى ~~اختلاف الليل والنهار، وسير الكواكب الصغار والكبار، وإمطار الأمطار، ~~وإجراء الأنهار، ونحو ذلك من الأسرار، رآه مطابقا لكل ما يخطر في باله من ~~الأقدار، وإذا خطر له العلم، فتبصر في جري هذه الأمور وغيرها على منهاج ~~مستقيم، ونظام واضح قويم، وسير متقن حكيم، علم أن ذلك في غاية المطابقة ~~للخبر بالعلم الشامل والقدرة التامة على البعث وغيره، أو إلا بالأمر الثابت ~~والقضاء النافذ الذي لا يتخلف عنه المراد، ولا يستعصي عليه حيوان ولا جماد، ~~وخلقكم من هذا الخلق الكبير الذي قام بأمره من # PageV15P048 # بعض ترابه. # ثم جعلكم من سلالة من ماء مهين، فالقدرة التي خلق بها ذلك كله وابتدأكم ~~ثم يبيدكم، بها بعينها يحييكم ويعيدكم، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا ~~أنتم تخرجون، أو إلا بسبب إحقاق الحق وإبطال الباطل، فلا بد من تصديق وعده ~~بإدالة الروم لأخذ حقهم من الفرس، ولا بد من أن يقيمكم بعد أن ينيمكم ويثبت ~~كل حق رأيتموه قد أبطل، ويبطل كل باطل رأيتموه قد أعمل، لأنه أحكم ms3593 ~~الحاكمين، فلو أقر على إماتة حق أو إحياء باطل لما كان كذلك. # ولما كان عندهم أن هذا الوجود حياة وموت لا إلى نفاد، قال: {وأجل} لا بد ~~أن ينتهي إليه {مسمى} أي في العلم من الأزل، وذلك الأجل هو وقت قيام ~~الساعة، وذلك أنه كما جعل لهم آجالا لأصلهم وفرعهم لم يشذ عنها أحد منهم ~~فكذلك لا بد من أجل مسمى لما خلقوا منه، فإذا جاء ذلك الأجل انحل هذا ~~النظام، واختل هذا الإحكام، وزالت هذه الأحكام، فتساقطت هذه الأجرام، وصارت ~~إلى ما كانت عليه من الإعدام، وإلا كان الخلق عبثا يتعالى عنه الملك ~~العلام. # PageV15P049 # ولما كانوا ينكرون أنهم على كفر، أكد قوله: {وإن كثيرا من الناس} مع ذلك ~~على وضوحه {بلقاء ربهم} الذي ملأهم إحسانا برجوعهم في الآخرة إلى العرض ~~عليه للثواب والعقاب {لكافرون} أي لساترون ما في عقولهم من دلائل وحدانيته ~~وحجج قدرته وحكمته سترا عظيما، كأنه غريزة لهم، فهم لذلك يكذبون بما وعدكم ~~سبحانه من إدالة الروم على الفرس، فلا يهولنكم ذلك لأنهم قد كذبوا بما هو ~~أكبر منه، وهو الآخرة على ما لها من الدلائل التي تفوت الحصر، وإذا راجعت ~~ما تقدم في آية الأنعام {وهو الذي خلقكم من طين} [آية: 2] ازددت في هذا ~~بصيرة. # PageV15P050 # ولما أقام عليهم الدليل، أتبعه التهديد والتهويل، فقال عاطفا على «أولم ~~يتفكروا» {أولم يسيروا} ولما أحاطت آثار المكذبين بمكة المشرفة شرقا وغربا، ~~وجنوبا وشمالا، بديار ثمود وقوم فرعون وعاد وسبأ وقوم ولوط، عرف وأطلق ~~فقال: {في الأرض} أي سير اعتبار وتأمل وادكار من أي جهة أرادوا، وفيه إشارة ~~إلى أنهم واقفون عند النظر في ظاهر الملك بأبصارهم، قاصرون عن الاعتبار في ~~باطن الملكوت بأفكارهم، وفيه هز لهم إلى امتطاء هذه الدرجة العلية، بهذه ~~العبارة الجلية {فينظروا} . # ولما كان ما حل بالماضين أمرا عظيما، نبه على عظمه بأنه أهل لأن يسأل عنه ~~فقال: {كيف كان} أي كونا لا قدرة على الانفكاك عنه، # PageV15P050 # وتذكير العمل يشير إلى عظم الأمر {عاقبة} أي آخر أمر ms3594 {الذين} ولا كان حال ~~من قرب من زمان الإنسان أوعظ له، أثبت الجار فقال: {من قبلهم} في إهلاك ~~العاصي وإنجاء الطائع، ولما كان علم العاقبة مشروطا بمعرفة البادئة قال ~~مستأنفا: {كانوا} أي كونا هو في غاية المكنة. # ولما كان السياق للظهور والغلبة التي إنما مدارها على الشدة المقتضية ~~للثبات، لا الكثرة العارية عنها، أعرض عنها وقال مسقطا ضمير الفصل لأن هذا ~~السياق لا يظهر فيه ادعاء العرب لعلوهم على فارس ولا الروم: {أشد منهم} أي ~~من العرب {قوة} أي في أبدانهم وعقولهم، ولما كان التقدير: فنقبوا الجبال، ~~وعلوا من متقن الصنائع التي ترونها من الأعمال ما لم يدانيه أحد من ~~الأجيال، عطف عليه قوله: {وأثاروا} بالحرث وغيره {الأرض} فأخرجوا ما فيها ~~من المنافع من المياه والمعادن والزروع وغير ذلك من المعادن {وعمروها} أي ~~أولئك السالفون {أكثر مما عمروها} أي هؤلاء الذين أرسلت إليهم، بل ليس لهم ~~من إثارة الأرض وعمارتها كبير أمر، فإن بلاد العرب إنما هي جبال سود وفيافي ~~غبر، فما هو إلا تهكم بهم، وبيان لضعف حالهم في دنياهم التي لا فخر لهم ~~بغيرها. # PageV15P051 # ولما كانوا قد وقفوا مثل هؤلاء مع السبب الأدنى، ولم يرتقوا بعقولهم إلى ~~المطلوب الأعلى، أخبر أنه أرسل إليهم الدعاة ينبهونهم من رقدتهم، وينقذونهم ~~من غفلتهم، فكان التقدير: فضلوا عن المنهج الواضح، وعموا عن السبيل الرحب، ~~وزاغوا عن طريق الرب، فأرسلنا إليهم الرسل، فعطف عليه قوله مشيرا بتأنيث ~~الفعل إلى ضعف عقولهم بتكذيبهم الرسل كما تقدم إيضاحه عند {تلك الرسل} ~~[البقرة: 253] : {وجاءتهم رسلهم} أي عنا {بالبينات} من المعجزات مثل ما ~~أتاكم به رسولنا من وعودنا السابقة، وأمورنا الخارقة، كأمر الإسراء وما ~~أظهر فيه من الغرائب كالإخبار بأن العير تقدم في يوم كذا يقدمها جمل صفته ~~كذا وغرائره كذا، فظهر كذلك، وما آمنتم كما لم يؤمن من كان أشد منكم قوة ~~{فما} أي بسبب أنه ما {كان الله} على ما له من أوصاف الكمال مريدا ~~{ليظلمهم} بأن يفعل معهم فعل من تعدونه أنتم ظالما بأن ms3595 يهلكهم في الدنيا ثم ~~يقتص منهم في القيامة قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل بالبينات {ولكن ~~كانوا} بغاية جهدهم {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون} أي يجددون الظلم لها بإيقاع ~~الضر موقع جلب النفع، لأنهم لا يعتبرون بعقولهم التي ركبناها فيهم ليستضيؤا ~~بها فيعلموا الحق من الباطل، ولا يقبلون من الهداة إذا كشفوا لهم ما عليها ~~من الغطاء، ولا يرجعون # PageV15P052 # عن الغي إذا اضطروهم بالآيات الباهرات، بل ينتقلون من الغفلة إلى العناد. # PageV15P053 # ولما كان انتكاسهم بعد هذا الأسباب المسعدة بعيدا، أشار إليه بأداة ~~التراخي، أو هي إشارة إلى تطاول دعار الرسل لهم واحتمالهم إياهم فقال: {ثم ~~كان} أي كونا تعذر الانفكاك عنه، وهو في غاية الهول كما اشار إليه تذكير ~~الفعل {عاقبة} أي آخر أمر {الذين أساءوا} أظهر موضع الإضمار تعميما ودلالة ~~على السبب {السوأى} أي الحالة التي هي أسوأ ما يكون، وهي خسارة الأنفس ~~بالدمار في الدنيا والخلود في العذاب في الأخرى، جزاء لهم بجنس عملهم، فنهم ~~كما أساؤوا الرسل ساءهم الملك؛ ثم ذكر العلة بقوله: {أن كذبوا} أي لأجل ~~تكذيبهم الرسل، مستهينين {بآيات الله} أي الدلالات المنسوبة إلى الملك ~~الأعلى الذي له الكمال كله الدالة عليه على عظمها بعظمه {وكانوا} أي كونا ~~كأنه جبلة لهم {بها} مع كونها أبعد شيء عن الهزء {يستهزءون} أي يستمرون على ~~ذلك بتجديده في كل حين مع تعظيمه حتى كان استهزاؤهم بغيرها كأن عدم، كما ~~أنكم أنتم تكذبون بما وقع من الوعد في أمر الروم وتستهزئون به فاحذروا أن ~~يحل بكم ما حل بالأولين، ثم تردون إليه سبحانه فيعذبكم العذاب الأكبر، ~~ويجوز أن يكون هذا بدلا من «السوأى» أو بيانا لها بمعنى أنهم لما أساؤوا ~~زادتهم # PageV15P053 # إساءتهم عماوة حتى ارتكسوا في العمى فوصلوا إلى التكذيب والاستهزاء الذي ~~هو أقبح الحالات، عكس ما يجازي به المؤمن من أنه يزداد بإيمانه هدى. # ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه وتعالى قادر على الإعادة كما قدر على ~~الابتداء، وكان للتصريح مع النفس حالة ليست لغيره، قال ذاكرا نتيجة ms3596 ما مضى ~~ومحصله تصريحا بالمقصود وتلخيصا للدليل: {الله} أي المحيط علما وقدرة {يبدأ ~~الخلق} أي بدا منه ما رأيتم وهو يجدد في كل حين ما يريد من ذلك كما تشاهدون ~~{ثم يعيده} بعد ما يبيده، وترك توكيده إشارة إلى أنه غني عنه لأنه من ~~القضايا المسلمة أن من اخترع شيئا كان لا محالة قادرا على إعادته. # ولما كان الجزاء أمرا مهولا، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم إليه} أي ~~لا إلى غيره {ترجعون*} معنى في أموركم كلها في الدنيا وإن كنتم لقصور النظر ~~تنسبونها إلى الأسباب، وحسا بعد قيام الساعة، وقراءة الجماعة بالالتفات إلى ~~الخطاب أبلغ لأنها أنص على المقصود، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وروح ~~عن يعقوب بالياء التحتانية على النسق الماضي. # ولما ذكر الرجوع، أتبعه بعض أحواله فقال: {ويوم تقوم الساعة} # PageV15P054 # سميت بذلك إشارة إلى عظيم القدرة عليها مع كثرة الخلائق على ما فيهم من ~~العظماء والكبراء والرؤساء {يبلس} أي يسكت ويسكن يأسا وتحيرا على غاية الذل ~~- بما أشار إليه تذكير الفعل مع التجدد والاستمرار بما أومأ إليه المضارع ~~{المجرمون*} الذين وصلوا من الدنيا ما من حقه أن يقطع لفنائه، وقطعوا من ~~أسباب الآخرة ما من حقه أن يوصل لبقائه، وكانوا في غاية اللبس في الجدل ~~ومعرفة كل ما يغيظ الخصم من القول والفعل والتمايل والتضاحك عند سكوت الخصم ~~تعجبا من جريانهم في هذيانهم سرورا منهم بإسكاته ليظن بعض من رآه أنه انقطع ~~وأن الحجة لهم. # ولما كان الساكت ربما أغناه عن الكلام غيره، نفى ذلك بقوله محققا له ~~بجعله ماضيا: {ولم يكن} ولما كان المقام لتحقيرهم بتحقير شركائهم رتب نفي ~~النفع الموجع لهم هذا الترتيب، ويجوز أن يراد بترتيبه مع ذلك التخصيص ~~فيقال: {لهم} أي خاصة في ذلك الوقت ولا بعده، ولا كان في عداد ذلك من قبل ~~لو كانوا يعقلون، وأما غيرهم ممن يصح وصفه بالإجرام لكونه من أهل الشرك ~~الخفي فقد يشفع فيه من رباه من الشهداء والعلماء وعامة المؤمنين {من ~~شركائهم} الذي ms3597 زعموهم خاصة ليتبين لهم خلطهم وجهلهم المفرط في قولهم: ~~{هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [ # PageV15P055 # يونس: 18] وأما غيرهم فيقع منهم ما يسمى شفاعة تارة تصريحا وأخرى تلويحا ~~كالشفاعة العامة من نبينا صلى الله عليه وسلم في الخلق عامة لفصل القضاء، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم في ناس بأعيانهم: «أصحابي إلي إلي، فيقال: إنك لا ~~تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: فسحقا سحقا» وقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~{ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] {شفعاء} ينقذونهم مما هم فيه وما ~~يستقبلونه وإتيانه بصيغة جمع الكثرة يمكن أن يكون لا مفهوم له، لأن مورده ~~رد اعتقادهم في قولهم السالف، ويمكن أن يفهم أنه قد يقع من بعض من عبدوه ~~شفاعة، أو تلويح بها كقول عيسى عليه السلام {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم} [المائدة: 118] . # ولما ذكر حال الشفعاء معهم، ذكر حالهم مع الشفعاء فقال: {وكانوا} أي كونا ~~هو في غاية الرسوخ {بشركائهم} أي خاصة {كافرين*} أي متبرئين منهم ساترين ~~لأن يكونوا اعتقدوهم آلهة وعبدوهم جريا على عادتهم فيما لا يغنيهم من ~~العناد والبهت. # PageV15P056 # ولما كانت النفس ربما تشوفت إلى أنه هل يكون بعد إبلاسهم # PageV15P056 # شيء آخر، قال مفيدا له مهولا بإعادة ما مضى: {ويوم تقوم الساعة} أي ويا ~~له من يوم، ثم زاد في تهويله يقوله: {يومئذ يتفرقون} أي المؤمنون الذين ~~يفرحون بنصر الله والكافرون فرقة لا اجتماع بعدها، هؤلاء في عليين، وهؤلاء ~~في أسفل سافلين. حكى لي بعض القضاة من أصحابي - عفا الله عنه - وهو يبكي ~~أنه رأى مناما مهولا، وذلك أنه رأى القيامة قد قامت، والناس يحشرون - على ~~ما وصف في الأحاديث - في صعيد واحد عرايا خائفين حائرين، يموج بعضهم في ~~بعض، فإذا شخص مما له أمر قد أشار بسوط معه وخط به في الأرض فقسمهم قسمين ~~فقال: هؤلاء مطيعون، وهؤلاء عصاة، قال: فكنت في العصاة، وفي الحال غاب عنا ~~الطائعون، فلم تر منهم أحدا ثم خط بذلك السوط مرة أخرى فقسمنا قسمين فقال: ~~هؤلاء عصاة الأقوال، وهؤلاء عصاة الأفعال، قال: فكنت ms3598 في عصاة الأفعال، ثم ~~غاب في الحال عنا عصاة الأقوال، فلم نر منهم أحدا وبقينا نحن منا الجالس ~~ومنا المضطجع، ونحن قليل بالنسبة إلى عصاة الأقوال، فبينا نحن كذلك إذ جاء ~~آت إلى شخص إلى جانبي فأخذه من كعبه ثم نشطه فأخرج جلده بمرة واحدة كأنه ~~جراب نزع عن شيء فيه يابس، فحصل لي من ذلك # PageV15P057 # ذعر شديد فبينا أنا كذلك إذ آت جاءني من ورائي، فألقى علي جوخة فجعلها ~~على أكتافي وأدارها على أفخاذي فسترني بها ولكن على غير هيئة لبس المخيط، ~~قال: واستيقظت وأنا على ذلك فقصصته على بعض الصالحين فقال: أحمد الله على ~~كونك من عصاة الأفعال، وأخذ من ستري بالجوخة على تلك الهيئة أني أحج، ~~فبشرني بذلك فحججت في ذلك العام - والله تعالى المسؤول في التوبة، فإنه ~~الفعال لما يريد {فأما الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم {وعملوا} ~~تصديقا لإقرارهم {الصالحات} أي كلها. # ولما تقدم هنا ذكر عمارة الأرض وإصلاحها للنبات ووعظ من جعلها أكبر همه ~~بأنها لم تدم له ولا أغنت عنه شيئا، ذكر أنه جزى من أعرض عنها بقلبه لاتباع ~~أمره سبحانه أعظم ما يرى من زهرتها ونضرتها وبهجتها على سبيل الدوام فقال: ~~{فهم} أي خاصة {في روضة} أي لا أقل منها وهي أرض عظيمة جدا منبسطة واسعة ~~ذات ماء غدق ونبات معجب بهج - هذا أصلها في اللغة وقال الطبري: ولا تجد ~~أحسن منظرا ولا أطيب نشرا من الرياض. {يحبرون*} أي يسرون على سبيل التجدد ~~كل وقت سرورا تشرق له الوجوه، وتبسم الأفواه، وتزهو العيون، فيظهر حسنها ~~وبهجتها، فتظهر # PageV15P058 # النعمة بظهور آثارها على أسهل الوجوه وأيسرها. # قال الرازي في اللوامع: وأصله - أي الحبرة - في اللغة أثر في حسن، وقال ~~غيره: حبره - إذا سره سرورا تهلل له وجهه، وظهر فيه أثره. {وأما الذين ~~كفروا} أي غطوا ما كشفته أنوار العقول، {وكذبوا} عنادا {بآياتنا} التي لا ~~تصدق منها ولا أضوأ من أنوارها، بما لها من عظمتنا {ولقآء الآخرة} الذي لم ~~يدع لبسا في بيانه {فأولئك} أي ms3599 البعداء البغضاء {في العذاب} أي الكامل لا ~~غيره {محضرون*} من أي محضر كان، بالسوق الحثيث، والزجر العنيف، فإذا وصلوا ~~إلى مقره وكل بهم من يديم كونهم كذلك - لإفادة الجملة الاسمية الدوام، فلا ~~يغيبون عنه ولا يخفف عنهم. # ولما بين سبحانه المبدأ بخلق السماوات والأرض، والمعاد بالجنة والنار، ~~وأنهم كذبوا به، وكان تكذيبهم به مستلزما لاعتقاد نقائص كثيرة منها العجز ~~وإخلاف الوعد وترك الحكمة، كان ذلك سببا لأن ينزه سبحانه نفسه المقدسة ~~ويأمر بتنزيهها، لأن ذلك يدفع عن المنزه مضار الوعيد، ويرفعه إلى مسار ~~الوعد، فقال ذاكرا من أفعاله العالية التي لا مطمع لغيره في القدرة على شيء ~~منها ما يدل على خلاف ذلك الذي يلزم اعتقادهم، لافتا الكلام عن صيغة العظمة ~~إلى أعظم منها بذكر الاسم الأعظم. {فسبحان الله} أي سبحوا الذي له جميع ~~العظمة بمجامع التسبيح بأن تقولوا هذا القول الذي هو علمه، فهو # PageV15P059 # منزه عن كل نقص؛ ثم ذكر أوقات التسبيح إشارة إلى ما فيها من التغير الذي ~~هو منزه عنه وإلى ما يتجدد فيها من النعم ووجود الأحوال الدالة على القدرة ~~على الإبداع الدال على البعث، فقال دالا على الاستغراق بنزع الخافض مقدما ~~المحو لأنه أدل على البعث الذي النزاع فيه وهو الأصل، لافتا الكلام إلى ~~الخطاب لأنه أشد تنبيها: {حين تمسون} أي أول دخول الليل بإذهاب النهار ~~وتفريق النور، فيعتريكم الملل، ويداخلكم الفتور والكسل، على سبيل التجدد ~~والاستمرار، وأكد الندب إلى التسبيح بإعادة المضاف فقال: {وحين تصبحون*} ~~بتحويل الأمر فتقومون أحياء بعد أن كنتم أمواتا فتجدون نهارا قد أضاء بعد ~~ليل كان دجى، فتفعلون ما هو سبحانه منزه عنه من الحركة والسعي في جلب النفع ~~ودفع الضرر، وأرشد السياق إلى أن التقدير: وله الحمد في هذين الجنسين. # ولما ذكر ما يدل على خصوص التنزيه، اتبعه ما يعرف بعموم الكمال، فقال ~~ذاكرا لوقت كمال النهار وكمال الظلام، وتذكيرا بما يحدث عندهما للآدمي من ~~النقص بالفتور والنوم اعتراضا بين الأوقات للاهتمام بضم التحميد إلى ~~التسبيح: {وله} أي وحده ms3600 مع النزاهة عن شوائب النقص {الحمد} أي الإحاطة ~~بأوصاف الكمال. # ولما قدم سبحانه أن تنزهه ملأ الأزمان، وكان ذلك مستلزما # PageV15P060 # لملء الأكوان، وكان إثبات الكمال أبين شرفا من التنزيه عن النقص، صرح فيه ~~بالقبيلين فقال: {في السماوات} أي الأجرام العالية كلها التي تحريكها - مع ~~أنها من الكبر في حد لا يحيط به إلا هو سبحانه - سبب للإمساء والإصباح ~~وغيرهما من المنافع {والأرض} التي فيها من المنافع ما يجل عن إحاطتكم به مع ~~أنها بالنسبة إلى السماء كحلقة ملقاة في فلاة، ولولا ذلك لظهر لكم ذلك ~~برؤية ما وراءها هو شأن كل مظل مع كل مقل كما تشاهدون السحاب ونحوه. # ولما خص الإمساء والإصباح، عم فقال معبرا بما يدل على الدوام، لأن وقت ~~النوم الدال على النقص أولى بإثبات الكمال فيه: {وعشيا} أي من الزوال إلى ~~الصباح {وحين تظهرون*} أي تدخلون في شدة الحر، وسبحانه الله في ذلك كله، ~~فالآية من الاحتباك: ذكر التسبيح أولا دليلا على إرادته ثانيا، والحمد ~~ثانيا دليلا على إرادته أولا، ولعل المراد بالإظهار هنا ما هو أعم من وقت ~~الظهر ليكون المراد به من حين يزول اسم الصباح من وقت ارتفاع الشمس إلى أن ~~يحدث اسم المساء، وهو من الظهر إلى الغروب - قاله ابن طريف # PageV15P061 # في كتابه الأفعال ونقله عن الإمام عبد الحق في كتابه الواعي، وذلك حين ~~استبداد النهار فيكون كماله فيما دون ذلك من باب الأولى، وهذا مع هذه ~~الدقائق إشارة إلى الصلوات الخمس، أي سبحوه بالخضوع له بالصلاة في وقت ~~المساء بصلاة العصر والمغرب، وفي وقت الصباح بالصبح، وفي العشى بالعشاء، ~~وفي الإظهار بالظهر، وفي هذا التخريج من الحسن بيان الاهتمام بالصلاة ~~الوسطى، فابتدأ سبحانه بالعصر التي قولها أصح الأقوال، ودخول المغرب في ~~حيزها بطريق التبعية والقصد الثاني، وثنى بالصبح وهي تليها في الأصحية وهما ~~القريبتان، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى البردين دخل الجنة» - رواه ~~الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه، «من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~وجبت له ms3601 الجنة» - أسنده صاحب الفردوس عن عمارة بن روبية رضي الله عنه ورواه ~~مسلم وغيره عنه بلفظ: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» - ~~يعني الفجر والعصر «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة ~~البدر فقال:» إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن ~~استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا لا ~~تفوتنكم «، ثم قرأ {فسبح بحمد ربك # PageV15P062 # قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} رواه البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله ~~عنه، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح» يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل ~~وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر «يدخل هنا. # ولما ذكر دلالة على البعث المستلزم للوحدانية مطلق التحويل الذي هو إحياء ~~في المعنى بعد إماتة، أتبعه الإحياء والإماتة حقيقة، صاعدا من ذكر البعث ~~تصريحا بما كان ألقاه تلويحا فقال: {يخرج الحي} كالإنسان والطائر {من ~~الميت} كالنطفة والبيضة {ويخرج الميت} كالبيضة والنطفة {من الحي} عكس ذلك ~~{ويحيي الأرض} باخضرار النبات. # ولما كان من الأراضي ما لا ينبت إلا بعد مدة إنزال المطر، ومنها ما ينبت ~~من حين إنزال المطر عقب تحطم ما كان بها من النبات سواء، أسقط الجار هنا ~~تنبيها على الأمر الثاني لأنه أدل على القدرة، فهو أنسب لهذا السياق ~~ولمقصود السورة، ولأنه جعل فيه قوة إحيائها على الدوام فقال: {بعد موتها} ~~بيبسه وتهشمه. ولما كان التقدير: كذلك يفعل على سبيل التكرر وأنتم تنظرون، ~~عطف عليه قوله: # PageV15P063 # {وكذلك} أي ومثل فعله هذا الفعل البديع من إخراجه لهذا الحي حسا ومعنى من ~~الميت {تخرجون} بأيسر أمر من الأرض بعد تفرق أجسامكم فيها من التراب الذي ~~كان حيا بحياتكم - هذا على قراءة الجماعة البناء للمفعول. وبناه حمزة ~~والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه للفاعل إشارة إلى أنهم لقوة تهيئهم لقبول ~~البعث صاروا كأنهم يخرجون بأنفسهم - روى عبد الله ابن الإمام أحمد في ~~زيادات المسند عن لقيط بن عامر رضي الله عنه ms3602 أنه خرج وافدا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق ~~رضي الله عنه، قال: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لانسلاخ رجب، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من ~~صلاة الغداة فقام في الغداة خطيبا إلى أن قال: «ألا اسمعوا تعيشوا ألا ~~اجلسوا ألا اجلسوا، قال: فجلس الناس فقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده ~~وبصره قلت: يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب، فضحك لعمر الله وهز رأسه ~~فقال: ضن ربك بمفاتيح الخمس من الغيب فذكره حتى ذكر البعث قال: فقلت: يا ~~رسول الله، كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا الرياح # PageV15P064 # والبلى والسباع؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، الأرض أشرفت عليها ~~وهي مدرة بالية فقلت: لا تحيا أبدا، ثم أرسل ربك عز وجل عليها السماء فلم ~~تلبث عليك إلا أياما حتى أشرقت عليها وهي شرفة واحدة، ولعمر إلهك لهو أقدر ~~على أن يجمعكم من الماء كما أنه يجمع نبات الأرض فتخرجون» . ولما كان ~~التقدير: هذا من آيات الله التي تشاهدونها كل حين دلالة على بعثكم، عطف ~~عليه التذكير بما هو أصعب منه في مجاري العادات فقال: {ومن آياته} أي على ~~قدرته على بعثكم. ولما كان المراد إثبات قدرته سبحانه على بعثهم بعد أن ~~صاروا ترابا بإيجاده لأصلهم من تراب يزيد على البعث في الإعجاب بأنه لم يكن ~~له أصل في الحياة، وكان فعله لذلك إنما مكان مرة واحدة، قال معبرا بالماضي: ~~{أن خلقكم} بخلق أبيكم آدم {من تراب} لم يكن له أصل اتصاف ما بحياة. # ولما كان ابتداء الإنسان من التراب في غاية العجب، أشار إلى ذلك بأداة ~~البعد فقال: {ثم} أي بعد إخراجكم منه {إذا أنتم بشر} أي فاجأتم كونكم لكم ~~بشرة هي في غاية التماسك والاتصال مع اللين # PageV15P065 # عكس ما كان لكم من الوصف إذا كنتم ترابا، وأسند الانتشار إلى المبتدأ ~~المخاطب لا ms3603 إلى الخبر لأن الخطاب أدل على المراد فقال: {تنتشرون} أي تبلغون ~~بالنشر كل مبلغ بالانتقال من مكان إلى مكان مع العقل والنطق، ولم يختم هذه ~~الآية بما ختم به ما بعدها دلالة على أنها جامعة لجميع الآيات، ودلالة على ~~جميع الكمالات، وختم ما بعدها بذلك تنبيها على أن الناس أهملوا النظر فيها ~~على وضوحها، وكان من حقهم أن يجعلوها نصب أعينهم، دلالة على كل ما نزلت به ~~الكتب، وأخبرت به الرسل، وكذلك أكد في الإخبار إعلاما بأنهم صاروا لإهمالها ~~في حيز الإنكار. # PageV15P066 # ولما كان أعجب من ذلك أن هذا الذي خلقه التراب ذكرا خلق منه أنثى، ~~وجعلهما شبهي السماء والأرض ماء ونبتا وطهارة وفضلا، قال: {ومن آياته} أي ~~على ذلك؛ ولما كان إيجاد الأنثى من الذكر خاص لم يكن إلا مرة واحدة كالخلق ~~من التراب، عبر بالماضي فقال: {أن خلق لكم} أي لأجلكم ليبقى نوعكم ~~بالتوالد، وفي تقديم الجار دلالة على حرمة التزوج من غير النوع، والتعبير ~~بالنفس أظهر في كونها من بدن الرجل في قوله: {من أنفسكم} أي جنسكم بعد ~~إيجادها من # PageV15P066 # ذات أبيكم آدم عليه السلام {أزواجا} إناثا هن شفع لكم {لتسكنوا} مائلين ~~{إليها} بالشهوة والألفة، من قولهم: سكن إليه - إذا مال وانقطع واطمأن ~~إليه، ولم يجعلها من غير جنسكم لئلا تنفروا منها. # ولما كان المقصود بالسكن لا ينتظم إلا بدوام الألفة قال: {وجعل} أي صير ~~بسبب الخلق على هذه الصفة {بينكم مودة} أي معنى من المعاني يوجب أن لا يحب ~~واحد من الزوجين أن يصل إلى صاحبه شيء يكرهه مع ما طبع عليه الإنسان من ~~محبة الأذى، وإنما كان هذا معناه لأن مادة «ودد» مستويا ومقلوبا تدور على ~~الاتساع والخلو من الدو والدوية بتشديد الواو وهي الفلاة، والود والوداد ~~قال في القاموس: الحب، وقال أبو عبد الله القزاز ونقله عنه الإمام عبد الحق ~~في واعيه: الأمنية، تقول وددت أن ذاك كان، وذاك لاتساع مذاهب الأماني، ~~وتشعب أودية الحب، وفي القاموس: ودان: قرية قرب الأبواء وجبل طويل قرب ms3604 فيد، ~~والمودة: الكتاب - لاتساع الكلام فيه. وقال الإمام أبو الحسن الحرالي في ~~شرح الأسماء الحسنى: الود خلو عن إرادة المكروه، فإذا حصل إرادة الخير ~~وإيثاره # PageV15P067 # كان حيا، من لم يرد سواه فقد ود ومن أراد خيرا فقد أحب، والود أول التخلص ~~من داء أثر الدنيا بما يتولد لطلابها من الازدحام عليها من الغل والشحناء، ~~وذلك ظهور لما يتهيا له من طيب الحب، فمن ود لا يقاطع، ومن أحب واصل وآثر، ~~والودود هو المبرأ من جميع جهات مداخل السور ظاهره وباطنه. # ولما كان هذا المعنى الحسن لا يتم إلا بإرادة الخير قال: {ورحمة} أي معنى ~~يحمل كلا على أن يجتهد للآخر في جلب الخير، ودفع الضير، لكن لما كانت إرادة ~~الخير قد تكون بالمن ببعض ما يكره جمع بين الوصفين، وهما من الله، والفرك - ~~وهو البغض - من الشيطان. # ولما كان ذلك من العظمة بمكان يجل عن الوصف، أشار إليه بقوله مؤكدا ~~لمعاملتهم له بالإعراض عما يهدي إليه معاملة من يدعي أنه جعل سدى من غير ~~حكمة، مقدما الجار إشارة إلى أن دلالته في العظم بحيث تتلاشى عندها كل آية، ~~وكذا غيره مما ان هكذا على نحو # {وما نريهم من آية إلا وهي أكبر من أختها} [الزخرف: 48] : {إن في ذلك} أي ~~الذي تقدم من خلق الأزواج على الحال المذكور وما يتبعه من المنافع {لآيات} ~~أي دلالات واضحات على قدرة فاعله وحكمته. # PageV15P068 # ولما كان هذا المعنى مع كونه دقيقا يدرك بالتأمل قال: {لقوم} أي رجال أو ~~في حكمهم، لهم قوة وجد ونشاط في القيام بما يجعل إليهم {يتفكرون*} أي ~~يستعملون أفكارهم على القوانين المحررة ويجتهدون في ذلك. # ولما ذكر سبحانه الذكر والأنثى، المخلوقين من الأرض، وكانت السماء كالذكر ~~للأرض التي خلق منها الإنسان، وكان خلقهما مع كونهما مخلوقين من غير شيء ~~أعجب من خلقه فهو أدل على القدرة، وكان خلق الأرض التي هي كالأنثى متقدما ~~على عكس ما كان في الإنسان، أتبعه ذكرهما بادئا بما هو كالذكر فقال مشيرا - ~~بعد ما ذكر من ms3605 آيات الأنفس - إلى آيات الآفاق: {من آياته} أي الدالة على ~~ذلك، ولما كان من العجب إيجاد الخافقين من العدم إيجادا مستمرا على حالة ~~واحدة، عبر بالمصدر فقال: {خلق السماوات} على علوها وإحكامها {والأرض} على ~~اتساعها وإتقانها. # ولما كان من الناس من ينسب الخلق إلى الطبيعة، قال تعالى ذاكرا من صفات ~~الأنفس ما يبطل تأثير الآفاق بأنفسها من غير خلقه وتقديره، وتكوينه ~~وتدبيره: {واختلاف ألسنتكم} أي لغاتكم ونغماتكم وهيئاتها، فلا تكاد تسمع ~~منطقين متفقين في همس ولا جهارة، لا حد ولا رخاوة، # PageV15P069 # ولا لكنة ولا فصاحة، ولا إسهاب ولا وجازة، وغير ذلك من صفات النطق ~~وأحواله، ونعوته وأشكاله، وأنتم من نفس واحدة، فلو كان الحكم للطبيعة لم ~~يختلف لأنه لا اختيار لها مع أن نسبة الكل إليها واحدة. # ولما كان لون السماء واحدا، وألوان الأراضي يمكن حصرها، قال: {وألوانكم} ~~أي اختلافا مع تفاوته وتقاربه لا ضبط له مع وحدة النسبة، ولولا هذا ~~الاختلاف ما وقع التعارف، ولضاعت المصالح، وفاتت المنافع، وطوي سبحانه ذكر ~~الصور لاختلاف صور النجوم باختلاف أشكالها، والأراضي بمقادير الجبال ~~والروابي وأحوالها، فلو كان الاختلاف لأجل الطبيعة فإما أن يكون بالنظر إلى ~~السماء أو إلى الأرض، فإن كان للسماء فلونها واحد، وإن كان للأرض فلون أهل ~~كل قطر غير مناسب للون أرضهم. وأما الألسنة فأمرها أظهر. # ولما كان هذا مع كونه في غاية الوضوح لا يختص بجنس من الخلق دون غيره ~~قال: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم العالي الرتبة في بيانه وظهور برهانه ~~{لآيات} أي دلالات عدة واضحة جدا على وحدانيته تعالى وفعله بالاختيار ~~وبطلان ما يقوله أصحاب الطبائع من تلك الاحتمالات التي هي مع خفائها واهية، ~~ومع بعدها مضمحلة متلاشية # PageV15P070 # {للعالمين*} كلهم لا يختص به صنف منهم دون آخر من جن ولا إنس ولا غيرهم، ~~وفي رواية حفص عن عاصم بكسر اللام حث للمخاطبين على النظر ليكونوا من أهل ~~العلم، وفي قراءة الباقين بالفتح إيماء إلى أن ذلك من الوضوح بحيث لو نطق ~~الجماد لأخبر بمعرفته، ففيه ms3606 إشارة إلى أنهم عدم، فلا تبكيت أوجع منه. # ولما ذكر المقلة والمظلة ومن فيهما، وبعض صفاتهم اللازمة، ذكر ما ينشأ عن ~~كل من ذلك من الصفات المفارقة فقال: {ومن آياته} أي على ذلك وغيره من أنواع ~~القدرة والعلم {منامكم} أي نومكم ومكانه وزمانه الذي يغلبكم بحيث لا ~~تستطيعون له دفعا. # ولما كان الليل محل السكن والراحة والنوم، ذكر ما جعل من نوم النهار أيضا ~~لأن ذلك أدل على الفعل بالاختبار فقال: {باليل والنهار} أي الناشئين عن ~~السماوات والأرض باختلاف الحركات التي تنشأ إلا عن فاعل مختار وانقطاعكم ~~بالنوم عن معاشكم وكل ما يهمكم وقيامكم بعد منامكم أمرا قهريا لا تقدرون ~~على الانفكاك عن واحد منهما أصلا {وابتغاؤكم} أي طلبكم بالجد والاجتهاد {من ~~فضله} بالمعاش فيهما، فالآية من الاحتباك: دل ذكر النوم على القيام منه، ~~ودل # PageV15P071 # الابتغاء على الانقطاع عنه، حذف نهاية الأول وبداية الثاني {إن في ذلك} ~~أي الأمر العظيم العالي الرتبة من إيجاد النوم بعد النشاط، والنشاط بعد ~~النوم الذي هو الموت الأصغر، وإيجاد كل من الملوين بعد إعدامهما، والجد في ~~الابتغاء مع المفاوتة في التحصيل {لآيات} أي عديدة على القدرة والحكمة لا ~~سيما البعث. # ولما كانت هذه الآيات في دلالتها على ما تشير إليه من البعث والفعل ~~بالاختيار دقيقة لا يستقل العقل بها دون توقيف من الدعاة لأنه قد يسند ~~النوم والابتغاء إلى العباد والا يتجاوز عن ذلك إلى الخالق إلا الأفراد من ~~خلص العباد، وكان النائم يقوم صافي الذهن فارغ السر نشيط البدن. قال: {لقوم ~~يسمعون*} أي من الدعاة النصحاء سماع من انتبه من نومه فجسمه مستريح نشيط ~~وقلبه فارغ عن مكدر للنصح مانع من قبوله، أو المعنى: لقوم هم أهل للسمع بأن ~~يكونوا قد تنبهوا من رقادهم، فرجعوا عن عنادهم، إشارة إلى أن من لم يتأمل ~~في هذه الآيات فهو نائم لا مستيقظ. فهو غير متأهل لأن يسمع. # PageV15P072 # ولما ختم بالسمع آية جمعت آيات الأنفس والآفاق لكونها نشأت من أحوال ~~البشر والخافقين، افتتح بالرؤية آية أخرى ms3607 جامعة لهما لكونها ناشئة عنهما مع ~~كونها أدل على المقصود جامعة بين # PageV15P072 # الترغيب والترهيب فقال: {ومن آياته} ولما كان لمعان البرق جديرا بالتماع ~~البصر عند أول رؤية، وكان يتجدد في حين دون حين، عبر بالمضارع حاذفا الدال ~~على إرادة المصدر للدلالة على التجدد المعجب منه فقال: {يريكم البرق} أي ~~على هيئات وكيفيات طالما شاهدتموها تارة تأتي يما يضر وتارة بما يسر، ولذلك ~~قال معبرا بغاية الإخافة والإطماع لأن الغايات هي المقصودة بالذات: {خوفا} ~~أي للإخافة من الصواعق المحرقة {وطمعا} أي وللاطماع في المياه الغدقة، وعبر ~~بالطمع لعدم الأسباب الموصلة إليه. # ولما كان البرق غالبا من المبشرات بالمطر، وكان ما ينشأ عن الماء أدل شيء ~~على البعث، أتبعه شرح ما أشار إليه به من الطمع فقال: {وينزل} ولما كان ~~إمساك الماء في جهة العلو في غاية الغرابة، قال محققا للمراد بالإنزال من ~~الموضع الذي لا يمكن لأحد غيره دعواه {من السماء ماء} . # ولما جعل سبحانه ذلك سببا لتعقب الحياة قال: {فيحيي به} أي الماء النازل ~~من السماء خاصة لأن أكثر الأرض لا تسقى بغيره {الأرض} أي بالنبات الذي هو ~~لها كالروح لجسد الإنسان، ولما كانت الأرض ليس لها من ذاتها في الإنبات إلا ~~العدم، وكان إحياؤها # PageV15P073 # به متكررا، فكان كأنه دائم، وكان ذلك أنسب لمقصود السورة حذف الجار ~~قائلا: {بعد موتها} أي بيبسه وتهشمه {إن في ذلك} أي الأمر العظيم العالي ~~القدر {لآيات} لا سيما على القدرة على البعث. ولما كان ذلك ظاهرا كونه من ~~الله الفاعل بالاختيار لوقوعه في سحاب دون سحاب وفي وقت دون آخر وفي بلد ~~دون آخر، وعلى هيئات من القوة والضعف والبرد والحر وغير ذلك من الأمر، وكان ~~من الوضوح في الدلالة على البعث بمكان لا يخفى على عاقل قال: {لقوم ~~يعقلون*} . # ولما كان جميع ما مضى من الآيات المرئيات ناشئا عن هذين الخلقين العظيمين ~~المحيطين بمن أنزلت عليهم هذه الآيات المسموعات بيانا لمن أشكل عليه أمر ~~الآيات المرئيات، ذكر أمرا جامعا للكل وهو من الوضوح ms3608 بحيث لا يحتاج إلى ~~أكثر من العقل المختوم به ما قبل فقال: {ومن آياته} أي على تمام القدرة ~~وكمال الحكمة. # ولما كانت هذه الآية في الثبات لا في التجدد، أتى بالحرف الدال على ~~المصرف ليسلخ الفعل عن الاستقبال، وعبر بالمضارع لأنه لا بد من إخراجهما عن ~~هذا الوضع فقال: {أن تقوم} أي تبقى على ما تشاهدون من الأمر العظيم بلا عمد ~~{السماء} أفرد لأن السماء الأولى # PageV15P074 # لا تقبل النزاع لأنها مشاهدة مع صلاحية اللفظ للكل لأنه جنس {والأرض} على ~~ما لهما من الجسامة والثقل المقتضي للهبوط {بأمره} لا بشيء سواه. # ولما لم يبق في كمال علمه وتمام قدرته شبهة، قال معبرا بأداة التراخي ~~لتدل - مع دلالتها على ما هي له - على العظمة، فقال دالا على أن قدرته على ~~الأشياء كلها مع تباعدها على حد سواء، وأنه لا فرق عنده في شمول أمره بين ~~قيام الأحياء وقيام الأرض والسماء {ثم إذا دعاكم} وأشار إلى هوان ذلك الأمر ~~عنده بقوله: {دعوة من الأرض} على بعد ما بينها وبين السماء فضلا عن العرش، ~~وأكد ذلك بكونه مثل لمح البصر أو هو أقرب فقال معبرا بأداة الفجاءة: {إذا ~~أنتم تخرجون*} أي يتجدد لكم هذا الوصف بعد اضمحلالكم بالموت والبلى، ويتكرر ~~باعتبار آحادكم من غير تلبث ولا مهلة أصلا، إلا أن يترتب على الأفضل ~~فالأفضل لقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول من تنشق عنه الأرض» كما دعاكم ~~منها أولا إذا خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، وأعرى هذه مما ختم ~~به الآيات السالفة تنبيها على أنها مثل الأولى قد انتهت في الظهور، ولا ~~سيما بانضمامها إلى الأولى التي هي أعظم دال عليها إلى حد هو أضوأ من ~~النور، كما تأتي الإشارة إليه في آية «وهو أهون عليه» . # PageV15P075 # ولما ذكر تصرفه في الظرف وبعض المظروف من الإنس والجن، ذكر قهره للكل ~~فقال: {وله} أي وحده بالملك الأتم {من في السماوات والأرض} أي كلهم، وأشار ~~إلى الملك بقوله: {كل له} أي وحده. ولما كان ms3609 انقياد الجمع مستلزما لانقياد ~~الفرد دون عكسه جمع في قوله: {قانتون*} أي مخلصون في الانقياد ليس لأنفسهم ~~ولا لمن سواه في الحقيقة والواقع تصرف بوجه ما إلا بإذنه، وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: مطيعون طاعة الإرادة وإن عصوا أمره في العبادة - نقله عنه ~~البغوي وغيره ورجحه الطبري وهو معنى ما قلت. # ولما كان هذا معنى يشاهده كل أحد في نفسه مع ما جلى سبحانه من عرائس ~~الآيات الماضيات، فوصل الأمر في الوضوح إلى حد عظيم قال: {وهو} أي لا غيره ~~{الذي يبدأ الخلق} أي على سبيل التجديد كما تشاهدون، وأشار إلى تعظيم ~~الإعادة بأداة التراخي فقال: {ثم يعيده} أي بعد أن يبيده. # ولما كان من المركوز في فطر جميع البشر أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه ~~قال: {وهو} أي وذلك الذي ينكرونه من الإعادة {أهون عليه} خطابا لهم بما ~~الفوه وعقلوه ولذلك أخر الصلة # PageV15P076 # لأنه لا معنى هنا للاختصاص الذي يفيده تقديمها. # ولما كان هذا إثما هو على طريق التمثيل لما يخفى عليهم بما هو جلي عندهم، ~~وكل من الأمرين بالنسبة إلى قدرته على حد سواء لا شيء في علمه أجلى من آخر، ~~ولا في قدرته أولى من الآخر، قال مشيرا إلى تنزيه نفسه المقدسة عما قد ~~يتوهمه بعض الأغبياء من ذلك: {وله} أي وحده {المثل الأعلى} أي الذي تنزه عن ~~كل شائبة نقص، واستولى على كل رتبة كمال، وهو أمره الذي أحاط بكل مقدور، ~~فعلم به إحاطته هو سبحانه بكل معلوم، كما تقدم في البقرة في شرح المثل # {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] . # ولما كان الخلق لقصورهم مقيدين بما لهم به نوع مشاهدة قال: {في السماوات ~~والأرض} اللتين خلقهما ولم تستعصيا عليه، فكيف يستعصي عليه شيء فيهما، وقد ~~قالوا: إن المراد بالمثل هنا الصفة، وعندي أنه يمكن أن يكون على حقيقته ~~تقريبا لعقولنا، فإذا أردنا تعرفه سبحانه في الملك مثلنا بأعلى ما نعلم من ~~ملوكنا فنقول: الاستواء على العرش مثل للتدبير والتفرد بالملك كما يقال في ~~ملوكنا: فلان ms3610 جلس على سرير الملك، بمعنى: استقل بالأمر وتفرد بالتدبير وإن ~~لم يكن هنا سرير ولا جلوس، وإذا ذكر بطشه سبحانه وأخذه لأعدائه في نحو قوله ~~تعالى: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] {إن بطش ربك لشديد} [البروج: 12] ~~مثلناه بما لو قهر # PageV15P077 # سلطان أعدائه بحزمه وصحة تدبيره وكثرة جنوده فقلنا «محق سيفه أعداءه» ~~فأطلقنا سيفه على ما ذكر من قوته، وإذا قيل: تجري بأعيننا، ونحو ذلك علمنا ~~أنه مثل ما نقول إذا رأينا ملكا حسن التدبير لا يغفل عن شيء من أحوال رعيته ~~فقلنا «هو في غاية اليقظة» فأطلقنا اليقظة التي هي ضد النوم على حسن النظر ~~وعظيم التدبير وشمول العلم، وهذه تفاصيل مما قدمت أنه مثله، وهو أمره ~~المحيط الذي انجلى لنا به غيب ذاته سبحانه، وهكذا ما جاء من أمثاله نأخذ من ~~العبارة روحها فنعلم أنه المراد، وأن ذلك الظاهر ما ذكر إلا تقريبا للأفهام ~~النقيسة على ما نعرف من أعلى الأمثال، والأمر بعد ذلك أعلى مما نعلم، ولذلك ~~قال تعالى: {وهو} أي وحده {العزيز} أي الذي إذا أراد شيئا كان له في غاية ~~الانقياد كائنا ما كان {الحكيم*} أي الذي إذا أراد شيئا أتقنه فلم يقدر ~~غيره على التوصل إلى نقص شيء منه، ولا تتم حكمة هذا الكون على هذه الصورة ~~إلا بالبعث، بل هو محط الحكمة الأعظم ليصل كل ذي حق إلى حقه بأقصى التحرير ~~على ما نتعارفه وإلا لكان الباطل أحق من الحق وأكثر، فكان عدم هذا الموجود ~~خيرا # PageV15P078 # من وجوده وأحكم. # PageV15P079 # ولما بان من هذا أنه المتفرد في الملك بشمول العلم وتمام القدرة وكمال ~~الحكمة، اتصل بحسن أمثاله وإحكام مقاله وفعاله قوله: {ضرب لكم} أي بحكمته ~~في أمر الأصنام وبيان إبطال من يشرك بها وفساد قوله بأجلى ما يكون من ~~التقرير: {مثلا} مبتدئا {من أنفسكم} التي هي أقرب الأشياء إليكم، فأنتم لما ~~تذكرون به أجدر بأن تفهموه. # ولما كان حاصل المثل أنه لا يكون مملوك كمالك، وكان التقرير أقرب إلى ~~التذكير وأبعد عن التنفير، قال منكرا ms3611 موبخا مقررا: {هل لكم} أي يا من عبدوا ~~مع الله بعض عبيده {من ما} أي من بعض ما {ملكت أيمانكم} أي من العبيد أو ~~الإماء الذين هم بشر مثلكم، وعم في النفي الذي هو المراد بالاستفهام بزيادة ~~الجار بقوله: {من شركاء} أي في حالة من الحالات يسوغ لكم بذلك أن تجعلوا ~~لله شركاء، ونبه على ما في إيجاد الرزق ثم قسمته بين الخلق وغير ذلك من ~~شؤونه بقوله: التفاتا بعد طول التعبير بالغيبة التي قد يتوهم معها بعد - ~~إلى التلكم بالنون الدال مع القرب على العظمة ولذة الإقبال بالمخاطبة: # PageV15P079 # {فيما رزقناكم} أي لما لنا من العظمة من مال أو جاه مع ضعف ملككم فيه. # ولما كانت الشركة سببا لتساوي الشريكين في الأمر المشترك قال: {فأنتم} أي ~~معاشر الأحرار والعبيد. ولما كان ربما توهم أن «من شركاء» صفة لأولاد من ~~سراريهم، قدم الصلة دفعا لذلك فقال: {فيه} أي الشيء الذي وقعت فيه الشركة ~~من ذلك الرزق خاصة لا غيره من نسب أو حسب ونحوهما أو خفة في بدن أو قلب أو ~~طول في عمر ونحوها، وأما أولادهم من السراري فربما ساووهم في ذلك وغيره من ~~النسب ونحوه، والعبيد ربما ساووهم في قوة البدن وطول العمر أو زادوا {سواء} ~~ثم بين المساواة التي هي أن يكون حكم أحد القبيلين في المشترك على السواء ~~كحكم الآخر لا يستبد أحدهما عن الآخر بشيء بقوله: {تخافونهم} أي معاشر ~~السادة في التصرف في ذلك الشيء المشترك. # ولما كانت أداة التشبيه أدل، أثبتها فقال: {كخيفتكم أنفسكم} أي كما ~~تخافون بعض من تشاركونه ممن يساويكم في الحرية والعظمة أن تتصرفوا في الأمر ~~المشترك بشيء لا يرضيه وبدون إذنه، فظهر أن حالكم في عبيدكم مثل له فيمن ~~أشركتموهم به موضح لبطلانه، فإذا لم ترضوا هذا لأنفسكم وهو أن يستوي عبيدكم ~~معكم في # PageV15P080 # الملك فكيف ترضونه بخالقكم في هذه الشركاء التي زعمتموها فتسوونها به وهي ~~من أضعف خلقه أفلا تستحيون؟ . # ولما كان هذا المثال، في الذروة من الكمال، كان السامع ms3612 جديرا بأن يقول: ~~جل ألله! ما أعلى شأن هذا البيان! هل يبين كل شيء هكذا؟ فقال: {كذلك} أي ~~مثل هذا البيان العالي {نفصل} أي نبين، لأن الفصل هو الميز وهو البيان، ~~وذلك على وجه عظيم - بما أشار إليه التضعيف مع التجديد والاستمرار: ~~{الآيات} أي الدلالات الواضحات. # ولما كان البيان لا ينفع المسلوب قال: {لقوم يعقلون*} إشارة إلى أنهم إن ~~لم يعملوا بمقتضى ذلك كانوا مجانين، لأن التمثيل يكشف المعاني بالتصوير ~~والتشكيل كشفا لا يدع لبسا، فمن خفي عليه لم يكن له تمييز. # ولما كان جوابهم قطعا: ليس لنا شركاء بهذا الوصف، كان التقدير، فلم ~~تتبعوا في الإشراك بالله دليلا، فنسق عليه: {بل} وكان الأصل: اتبعتم، ولكنه ~~أعرض عنهم، إيذانا بتناهي الغضب للعناد بعد البيان، وأظهر الوصف الحامل لهم ~~على ذلك تعميما وتعليقا للحكم به # PageV15P081 # فقال: {اتبع} أي بتكليف أنفسهم خلاف الفطرة الأولى {الذين ظلموا} أي ~~وضعوا الشيء في غير موضعه فعل الماشي في الظلام {أهواءهم} وهو ما يميل إليه ~~نفوسهم. # ولما كان اتباع الهوى قد يصادف الدليل، وإذا لم يصادف وكان من عالم رده ~~عنه علمه قال: {بغير علم} إشارة إلى بعدهم في الضلال لأن الجاهل يهيم على ~~وجهه بلا مرجح غير الميل كالبهيمة لا يرده شيء، وأما العالم فربما رده ~~علمه. # ولما كان هذا ربما أوقع في بعض الأوهام أن هذا يغير إرادته سبحانه، دل ~~بفاء السبب على أن التقدير: وهذا ضلال منهم بإرادة الله، فلما أساؤوا ~~بإعراقهم فيه كانت عاقبتهم السوء والخذلان، لأنهم أبعدوا أنفسهم عن أسباب ~~الهدى: {فمن يهدي} أي بغير إرادة الله، ولفت الكلام من مظهر العظمة إلى ~~أعظم منه بذكر الاسم الأعظم لاقتضاء الحال له فقال: {من أضل الله} الذي له ~~الأمر كله، ودل بواو العطف على أن التقدير: ليس أحد يهديهم لأنهم أبعدوا ~~أنفسهم عن أسباب الهدى فبعدوا عن أسباب النصر لأنهم صاروا على جرف هار في ~~كل أمورهم، فلذا حسن موضع تعقيبه بقوله: {وما لهم} وأعرق في النفي فقال: ~~{من ناصرين*} أي من ms3613 الأصنام ولا غيرها يخلصونهم مما هم فيه من # PageV15P082 # الخذلان وأسر الشيطان، ومما يسببه من النيران، ونفى الجميع دون الواحد ~~لأن العقل ناصر لهم بما هو مهيأ له من الفهم واتباع دليل السمع لو ~~استعملوه، أو لأنه ورد جوابا لنحو {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم ~~عزا لعلهم ينصرون} [مريم: 81] أو للإشارة إلى أن تتبع الهوى لا ينفع في ~~تلافي أمره إلا أعوان كثيرون ودل على نفي الواحد {لا تجزي نفس عن نفس} ~~[البقرة: 123] ، و {أن الكافرين لا مولى لهم} [محمد: 11] و {فما له من قوة ~~ولا ناصر} [الطارق: 10] في أمثالها. # ولما تحررت الأدلة، وانتصبت الأعلام، واتضحت الخفايا، وصرحت الإشارات، ~~وأفصحت ألسن العبارات، أقبل على خلاصة الخلق، إيذانا بأنه لا يفهم ذلك حق ~~فهمه غيره، فقال مسببا عن ذلك ممثلا لإقباله واستقامته وثباته: {فأقم وجهك} ~~أي قصدك كله {للدين} أي نصبا بحيث تغيب عما سواه، فلا تلتفت عنه أصلا فلا ~~تنفك عن المراقبة، فإن من اهتم بشيء سدد إليه نظره، وقوم له وجهه. # ثم عرض بجلافة أهل الضلال وغشاوتهم، وكثافتهم وغباوتهم، وجمودهم ~~وقساوتهم، بقوله: {حنيفا} أي حال كونك ميالا مع الدليل هينا لينا نافذ ~~الصبر نير البصيرة ساري الفكر سريع الانتقال طائر الخاطر، # PageV15P083 # ثم بين أن هذا الأمر في طبع كل أحد وإن كانوا فيه متفاوتين كما تراهم إذا ~~كانوا صغارا أسهل شيء انقيادا، ولكنه لما يكشف لهم الحال في كثير من ~~الأشياء عن أن انقيادهم كان خطأ يصيرون يدربون أنفسهم على المخالفة دائما ~~حتى تصير لبعضهم طبعا تجريبيا فيصير أقسى شيء وأجمده بعد أن كان أسهل شيء ~~وأطوعه، وأكثر ما يكون هذا من قرناء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، ~~ولهذا نهى أن يوعد الطفل بما لا حقيقة له: روى أحمد وابن أبي الدنيا من ~~طريق الزهري عن أبي هريرة رضي الله عنه - قال المنذري: ولم يسمع منه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لصبي: تعال هاك! ثم لم يعطه فهي ~~كذبة» ، ولأبي داود والبيهقي وابن ms3614 أبي الدنيا عن مولى عبد الله بن عامر - ~~قال ابن أبي الدنيا: زياد عن عبد الله بن عامر - أن أمه رضي الله عنها قالت ~~له: تعال أعطيك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أردت أن ~~تعطيه؟ قالت: تمرا، فقال: أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة» ، فقال ~~مبينا لهم صحة دينه بأمر هو في # PageV15P084 # أنفسهم، كما بين بطلان دينهم بأمر هو في أنفسهم: {فطرت الله} أي الزم ~~فطرة الملك الذي لا راد لأمره، وهي الخلقة الأولى التي خلق عليها البشر ~~والطبع الأول، وقال الغزالي في آخر كتاب العلم من الإحياء في بيان العقل في ~~هذه الآية: أي كل آدمي فطر على الإيمان بالله تعالى بل على معرفة الأشياء ~~على ما هي عليه، أعني أنها كالمتضمنة فيه لقرب استعداده للإدراك - انتهى، ~~ثم أكد ذلك بقوله: {التي فطر الناس} أي كل من له أهلية التحرك {عليها} كلهم ~~الأشقياء والسعداء، وهي سهولة الانقياد وكرم الخلق الذي هو في الصورة فطرة ~~الإسلام، وتحقيق ذلك أن المشاهد من جميع الأطفال سلامة الطباع وسلاسة ~~الانقياد لظاهر الدليل، ليس منهم في ذلك عسر كما في الكبار إن تفاوتوا في ~~ذلك، فالمراد بالفطرة قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه، كما تجد الأخرس يدرك ~~أمر المعاد إدراكا بينا، وله فيه ملكة راسخة، وهذا المعنى هو الذي أشار ~~إليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين وحديث ابن عباس رضي الله ~~عنهما عند أحمد بن منيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # PageV15P085 # «كل مولود يولد على الفطرة» - وفي رواية للبخاري: «ما من مولود إلا يولد ~~على الفطرة - فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة ~~جمعاء، هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها» فلذلك الجدع ~~والوسم وشق الأذن ونحو ذلك مثال للأخلاق التي يتعلمها الطفل ممن يعامله بها ~~من الغش والكذب وغير ذلك، وكذا حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه في ~~مسلم في صفة النار والنسائي في فضائل ms3615 القرآن وأبي داؤد الطالسي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي» حنفاء ~~كلهم «وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، ~~وآمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانه» ولكن الشيطان لا يتمكن إلا ~~بإقدار الله له في الحال بما يخلق في باطن المخذول من الباعث وفي الماضي من ~~الطبائع التي هيأه بها لمثل ذلك كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم ~~المتفق عليه في الصحيح عن علي رضي الله تعالى عنه: « # PageV15P086 # اعملوا فكل ميسر لما خلق له» وآية سبحان {كل يعمل على شاكلته} [الإسراء: ~~84] وذلك أنه لما أخبرهم صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قد كتب أهل ~~الجنة وأهل النار، فلا يزاد فيهم ولا ينقص، قالوا: أفلا نتكل على كتابنا ~~وندع العمل؟ فالكتاب حجة عليهم، لأن مبناه على أن فلانا من أهل النار لكونه ~~لم يعمل كذا وكذا، فأرادوا أن يجعلوه حجة لهم فاعلموا أن في ذلك أمرين لا ~~يبطل أحدهما الآخر: باطن هو العلة الموجبة في حكم الربوبية وهو العلم، ~~وظاهر هو السمة اللازمة في حق العبودية وهو العمل، وهو أمارة مخيلة غير ~~مفيدة حقيقة العلم، عولموا بذلك ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم، ورجاؤهم ~~بالظاهر البادي لهم، والخوف والرجاء مدرجتا العبودية ليستكملوا بذلك صفة ~~الإيمان، ونظير ذلك أمران: الرزق المقسوم مع الأمر بالمكسب، والأجل المحتوم ~~مع المعالجة بالطب، فالمغيب فيهما علة موجبة والظاهر سبب مخيل، وقد اصطلح ~~خواصهم وعوامهم على أن الظاهر منهما لا يترك بالباطن - ذكر معناه الرازي في ~~اللوامع عن الخطابي. # ولما كانت سلامة الفطرة الأولى أمرا مستمرا، قال: {لا تبديل} # PageV15P087 # ولعظم المقام كرر الاسم الأعظم فقال: {لخلق الله} أي الملك الأعلى الذي ~~لا كفوء له، لا يقدر أحد أن يجعل طفلا في أول أمره خبيث الفطرة لا ينقاد ~~لما يقاد إليه ولا يستسلم لمن يريبه، وكلما كبر وطعن في السن رجع لما طبع ~~عليه من كفر أو إيمان، أو طاعة أو ms3616 عصيان، أو نكر أو عرفان، قليلا قليلا، ~~حتى ينساق إلى ذلك عند البلوغ أو بعده، فإن مات قبل ذلك الجوزي بما كان ~~الله يعلمه منه أنه يعمله طبعيا ويموت عليه كالغلام الذي قتله الخضر عليه ~~السلام صح الخبر بأنه طبع على الكفر، ولا يعذب بما يكون عارضا منه ويعلم ~~أنه سيكون لو كان كأبوي الغلام لما وقع التصريح به من أنه لو عاش لأرهقهما ~~ظغيانا وكفرا، فقد علم منهما الكفر حينئذ فلم يؤاخذا به لأنه عارض لا طبعي، ~~فالعبرة بالموت، ومن طبع على شيء لم يمت على غيره، فحقق هذا تعلم أنه لا ~~تنافي بين شيء من النصوص لا من الكتاب ولا من السنة - والله الهادي. # ولما كان الميل مع الدليل كيفما مال أمرا لا يكتنه قدره ولا ينال إلا ~~بتوفيق من الله، أشار إلى عظمته بقوله: {ذلك} أي الأمر العظيم وهو الاهتزاز ~~للدليل واتباع ما يشير إليه ويحث عليه # PageV15P088 # {الدين القيم} الذي لا عوج فيه {ولكن أكثر الناس} قد تدربوا في اتباع ~~الأهوية لما تقدم من الشبه فصاروا بحيث {لا يعلمون} أي لا علم لهم أصلا حتى ~~يميزوا الحق من الباطل لما غلب عليهم من الجفاء. # PageV15P089 # ولما كان من الناس من من الله عليه بأن كان في هذا الميدان، وسمت همته ~~إلى مسابقة الفرسان، فلما رأى أنه لم يلتفت إليه، ولم يعول أصلا عليه، كادت ~~نفسه تطير، وكانت عادة القوم أن يخاطبوا القوم لمخاطبة رئيسهم تعظيما له ~~وحثا لهم على التحلي بما خص به، جبرت قلوبهم وشرحت صدورهم فبينت لهم حال من ~~ضمير «أقم» أو من العامل في «فطرت» إعلاما بأنهم مرادون بالخطاب، مشار ~~إليهم بالصواب، فقال: {منيبين} أي راجعين مرة بعد مرة بمجاذبة النفس ~~والفطرة الأولى {إليه} تعالى بالنزوع عما اكتسبتموه من رديء الأخلاق إلى ~~تلك الفطرة السليمة المنقادة للدليل، الميالة إلى سواء السبيل. # ولما لم يكن بعد الرجوع إلى المحبة إلا الأمر بلزومها خوفا من الزيغ عنها ~~دأب المرة الأولى. قال عاطفا على {فأقم} : {واتقوه} أي خافوا ms3617 أن تزيغوا عن ~~سبيله يسلمكم في أيدي أولئك المضلين، فإذا # PageV15P089 # خفتموه فلزمتموها كنتم ممن تخلى عن الرذائل {وأقيموا الصلاة} تصيروا ممن ~~تحلى بالفضائل - هكذا دأب الدين أبدا تخلية ثم تحلية: أول الدخول إلى ~~الإسلام التنزيه، وأول الدخول في القرآن الاستعاذة، وهو أمر ظاهر معقول، ~~مثاله من أراد أن يكتب في شيء إن مسح ما فيه من الكتابة انتفع بما كتب، ~~وإلا أفسد الأول ولم يقرأ الثاني - والله الموفق. # ولما كان الشرك من الشر بمكان ليس هو لغيره، أكد النهي عنه بقوله: {ولا ~~تكونوا} أي كونا ما {من المشركين} أي لا تكونوا ممن يدخل في عدادهم بمواددة ~~أو معاشرة أو عمل تشابهونهم فيه فإنه «من تشبه بقوم فهو منهم» وهو عام في ~~كل شرك سواء كان بعبادة صنم أو نار أوغيرهما، أو بالتدين بما يخالف النصوص ~~من أقوال الأحبار والرهبان وغير ذلك. # ولما كانوا يظنون أنهم على صواب، نصب لهم دليلا على بطلانه بما لا أوضح ~~منه، ولا يمكن أحدا التوقف فيه، وذلك أنه لا يمكن أن يكون الشيء متصفا بنفي ~~شيء وإثباته في حالة واحدة فقال مبدلا: {من الذين فرقوا} لما فارقوا ~~{دينهم} الذي هو الفطرة الأولى، فعبد كل قوم منهم شيئا ودانوا دينا غير دين ~~من سواهم، وهو معنى {وكانوا} أي بجهدهم وجدهم في تلك المفارقة المفرقة ~~{شيعا} # PageV15P090 # أي فرقا متحالفين، كل واحدة منهم تشايع من دان بدينها على من خالفهم حتى ~~كفر بعضهم بعضا واستباحوا الدماء والأموال، فعلم قطعا أنهم كلهم ليسوا على ~~الحق. # ولما كان هذا أمرا يتعجب من وقوعه، زاده عجبا بقوله استئنافا: {كل حزب} ~~أي منهم {بما لديهم} أي خاصة من خاص ما عندهم من الضلال الذي انتحلوه ~~{فرحون*} طنا منهم أنهم صادفوا الحق وفازوا به دون غيرهم. # ولما حصل من هذا القطع من كل عاقل أن أكثر الخلق ضال، فكان الحال جديرا ~~بالسؤال، عن وجه الخلاص من هذا الضلال، أشير إليه أنه لزوم الاجتماع، وبين ~~ذلك في جملة حالية من فاعل «فرحون» فقال تعالى: ms3618 {وإذا} وكان الأصل: مسهم، ~~ولكنه قيل لأنه أنسب بمقصود السورة من قصر ذلك على الإنسان كما هي العادة ~~في أكثر السور أو غير ذلك من أنواع العالم: {مس الناس} تقوية لإرادة العموم ~~إشارة إلى كل من فيه أهلية النوس وهو التحرك، من الحيوانات العجم والجمادات ~~لو نطقت ثم اضطربت لتوجهت إليه سبحانه ولم تعدل عنه كما أنها الآن كذلك ~~بألسنة أحوالها، فهذا هو الإجماع الذي لا يتصور معه نزاع # PageV15P091 # {ضر دعوا ربهم} أي الذي لم يشاركه في الإحسان إليهم أحد في جميع مدة مسهم ~~بذلك الضر - بما أشار إليه الظرف حال كونهم {منيبين} أي راجعين من جميع ~~ضلالاتهم التي فرقتهم عنه {إليه} علما منهم بأنه لا فرج لهم عند شيء غيره، ~~هذا ديدن الكل لا يخرم عنه أحد منهم في وقت من الأوقات، ولا في أزمة من ~~الأزمات، قال الرازي في اللوامع في أواخر العنكبوت: وهذا دليل على أن معرفة ~~الرب في فطرة كل إنسان، وأنهم إن غفلوا في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه ~~في حال الضراء. # ولما كان كل واقع في شدة مستبعدا كل استبعاد الخلاص منها قال: {ثم} بأداة ~~العبد {إذا أذاقهم} مسندا الرحمة إليه تعظيما للأدب وإن كان الكل منه. ولما ~~كان السياق كله للتوحيد، فكانت العناية باستحضار المعبود باسمه وضميره أتم ~~قال: {منه} مقدما ضميره دالا بتقديم الجار على الاختصاص وأن ذلك لا يقدر ~~عليه غيره، وقال: {رحمة} أي خلاصا من ذلك الضر، إشارة إلى أنه لو أخذهم ~~بذنوبهم أهلكهم، فلا سبب لإنعامه سوى كرمه، ودل على شدة إسراعهم في كفران ~~الإحسان بقوله معبرا بأداة المفاجأة: {إذا فريق منهم} أي طائفة هي أهل ~~لمفارقة الحق {بربهم} أي المحسن إليهم دائما، المجدد لهم # PageV15P092 # هذا الإحسان من هذا الضر {يشركون*} بدل ما لزمهم من أنهم يشكرون فعلم أن ~~الحق الذي لا معدل عنه الإنابة في كل حال إليه كما أجمعوا في وقت الشدائد ~~عليه، وأن غيره مما فرقهم ضلال، لا يعدله قبالا ولا ما يعدله قبال. # ولما ms3619 كان هذا الفعل مما لا يفعله إلا شديد الغباوة أو العناد، وكانوا ~~يدعون أنهم أعقل الناس، ربا بهم عن منزلة البله إلى ما الجنون خير منه ~~تهكما بهم فقال: {ليكفروا بما} ولفت الكلام إلى مظهر العظمة فقال: ~~{آتيناهم} أي من الرحمة التي من عظمتها أنه لا يقدر عليها غيرنا أمنا من أن ~~يقعوا في شدة اخرى فنهلكهم بما أغضبونا، أو توسلا بذلك إلى أن نخلصهم متى ~~وقعوا في أمثالها، فلما أضل عقولهم وأسفه آراءهم! . # ولما كان فعلهم هذا سببا لغاية الغضب، دل عليه بتهديده ملتفتا إلى ~~المخاطبة بقوله: {فتمتعوا} أي بما أردتم فيه بالشرك من اجتماعكم عند ~~الأصنام وتواصلكم بها وتعاطفكم، وسبب عن هذا التمتع قوله: {فسوف تعلمون*} ~~أي يكون لكم بوعد لا خلف فيه علم فتعرفون إذا حل بكم البلاء وأحاط بكم ~~جميعا المكروه هل ينفعكم شيء # PageV15P093 # من الأصنام أو من اتخذتم عنده يدا بعبادتها ووافقتموه في التقرب إليها. # ولما بكتهم بقوله: {هل لكم مما ملكت أيمانكم} ووصل به ما تقدم أنه في ~~غاية التواصل، عاد له ملتفتا إيذانا بالتهاون بهم إلى مقام الغيبة إبعادا ~~لهم عن جنابه حيث جلى لهم هذه الأدلة واستمروا في خطر إغضابه بقوله: {أم ~~أنزلنا} بما لنا من العظمة {عليهم سلطانا} أي دليلا واضحا قاهرا {فهو} أي ~~ذلك السلطان لظهور بيانه {يتكلم} كلاما مجازيا بدلالته وإفهامه، ويشهد ~~{بما} أي بصحة الذي {كانوا} أي كونا راسخا {به} أي خاصة {يشركون *} بحيث لم ~~يجدوا بدا من متابعته لتزول عنهم الملامة، وهذه العبارة تدل على أنهم ~~لازموا الشرك ملازمة صيرته لهم خلقا لا ينفك. # PageV15P094 # ولما بان بهذين المتعادلين أنه لم يضطرهم إلى الإشراك عرف في أنفسهم ~~مستمر دائم، ولا دليل عقلي ظاهر، ولا أمر من الله قاهر، فبان أنهم لم ~~يتبعوا عقلا ولا نقلا، بل هم أسرى الهوى المبني على محض الجهل، وكان قد صرح ~~بذلك عقب العديل الأول، لمح هنا، وترك التصريح به لإغناء الأول عنه، واستدل ~~عليه بدليل خالفوا فيه العادة المستمرة، والدلالة الشهودية المستقرة، ms3620 فقال ~~عاطفا على {وإذا مس} دالا على خفة أحلامهم من وجه آخر غير الأول: {وإذا} ~~معبرا # PageV15P094 # بأداة التحقيق إشارة إلى أن الرحمة أكثر من النقمة، وأسند الفعل إليه في ~~مقام العظمة إشارة إلى سعة جوده فقال: {أذقنا} وجرى الكلام على النمط ~~الماضي في العموم لمناسبة مقصود السورة في أن الأمر كله له في كل شيء فقال: ~~{الناس رحمة} أي نعمة من غنى ونحوه لا سبب لها إلا رحمتنا {فرحوا بها} أي ~~فرح مطمئن بطر آمن من زوالها، ناسين شكر من أنعم بها، وقال: {وإن} بأداة ~~الشك دلالة على أن المصائب أقل وجودا، وقال: {تصبهم} غير مسند لها إليه ~~تأديبا لعباده وإعلاما بغزير كرمه {سيئة} أي شدة تسوءهم من قحط ونحوه. # ولما كانت المصائب مسببة عن الذنوب، قال منبها لهم على ذلك منكرا قنوطهم ~~وهم لا يرجعون عن المعاصي التي عوقبوا بسببها: {بما قدمت أيديهم} أي من ~~المخالفات، مسندا له إلى اليد لأن أكثر العمل بها {إذا هم} أي بعد ما ساءهم ~~وجودها مساءة نسوا بها ما خولوا فيه من النعم وجملوا له من ملابس الكرم ~~{يقنطون*} أي فاجاؤوا البأس، مجددين له في كل حين من أحيان نزولها وإن ~~كانوا يدعون ربهم في كشفها ويستعينونه لصرفها مع مشاهدتهم لضد ذلك في كلا ~~الشقين في أنفسهم وغيرهم متكررا، ولذلك أنكر عليه عدم # PageV15P095 # الرؤية دالا بواو العطف أن التقدير: ألم يروا في أنفسهم تبدل الأحوال، ~~قائلا: {أولم يروا} أي بالمشاهدة والإخبار رؤية متكررة، فيعلموا علما هو في ~~ثباته كالمشاهد المحسوس، وعبر بالرؤية الصالحة للبصر والبصيرة لأن مقصود ~~السورة إثبات الأمر كله لله، ولا يكفي فيه إلا بذل الجهد وإمعان النظر، ~~والسياق لذم القنوط الذي يكفي في بقية المشاهدة لاختلاف الأحوال، بخلاف ~~الزمر التي مقصودها الدلالة على صدق الوعد الكافي فيه مطلق العلم. # ولما كان في البسط والقبض جمع بين جلال وجمال، لفت الكلام بذكر الاسم ~~الجامع فقال: {أن الله} بجلاله وعظمته {يبسط الرزق} أي يكثره {لمن يشاء} أي ~~من عباده منهم ومن غيرهم ms3621 {ويقدر} أي يضيق، وإن هذا شأنه دائما مع الشخص ~~الواحد في أوقات متعاقبة متباعدة ومتقاربة، ومع الأشخاص ولو في الوقت ~~الواحد، فلو اعتبروا حال قبضه سبحانه لم يبطروا، ولو اعتبروا حال بسطه لم ~~يقنطوا، بل كان حالهم الصبر في البلاء، والشكر في الرخاء، والإقلاع عن ~~السيئة التي نزل بسببها القضاء، فقد عرف من حالهم أنهم متقيدون دائما ~~بالحالة الراهنة. # يغلطون في الأمور المتكررة المشاهدة، فلا عجب في تقيدهم في إنكار البعث ~~بهذه الحياة الدنيا. # PageV15P096 # ولما لم يغن أحد منهم في استجلاب الرزق قوته وغزارة عقله ودقة مكره وكثرة ~~حيله، ولا ضره ضعفه وقلة عقله وعجز حيلته، وكان ذلك أمرا عظيما ومنزعا مع ~~شدة ظهوره وجلالته خفيا دقيقا كما قال بعضهم: # كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا # أشار سبحانه إلى عظمته بقوله، مؤكدا لأن عملهم في شدة اهتمامهم بالسعي في ~~الدنيا عمل من يظن تحصيلها إنما هو على قدر الاجتهاد في الأسباب: {إن في ~~ذلك} أي الأمر العظيم من الإقتار في وقت والإغناء في آخر والتوسيع على شخص ~~والتقتير على آخر، والأمن من زوال الحاضر من النعم مع تكرر المشاهدة للزوال ~~في النفس والغير، واليأس من حصولها عند المحنة مع كثرة وجدان الفرج وغير ~~ذلك من أسرار الآية {لآيات} أي دلالات واضحات على الوحدانية لله تعالى ~~وتمام العلم وكمال القدرة، وأنه لا فاعل في الحقيقة إلا هو لكن {لقوم} أي ~~ذوي همم وكفاية للقيام بما يحق لهم أن يقوموا فيه {يؤمنون} أي يوجدون هذا ~~الوصف ويديمون تجديده كل وقت لما يتواصل عندهم # PageV15P097 # من قيام الأدلة، بإدامة التأمل والإمعان في التفكر، والاعتماد في الرزق ~~على من قال {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} [القمر: 17] أي من طالب ~~علم فيعان عليه فلا يفرحون بالنعم إذا حصلت خوفا من زوالها إذا أراد ~~القادر، ولا يغتمون بها إذا زالت رجاء في إقبالها فضلا من الرازق، لأن ~~«أفضل العبادة انتظار الفرج» بل هم بما عليهم من وظائف العبادة واجبها ~~ومندوبها معرضون عما ms3622 سوى ذلك، وقد وكلوا أمر الرزق إلى من تولى أمره وفرغ ~~من قسمه وقام بضمانه، وهو القدير العليم. # ولما أفهم ذلك عدم الاكتراث بالدنيا لأن الاكتراث بها لا يزيدها، ~~والتهاون بها لا ينقصها، فصار ذلك لا يفيد إلا تعجيل النكد بالكد والنصب، ~~وكان مما تقدم أن السيئة من أسباب المحق، سبب عنه الإقبال على إنفاقها في ~~حقوقها إعراضا عنها وإيذانا بإهانتها وإيقانا بأن ذلك هو استيفاؤها ~~واستثمارها واستنماؤها، فقال خاصا بالخطاب أعظم المتأهلين لتنفيذ أوامره ~~لأن ذلك أوقع في نفوس الأتباع، وأجدر بحسن القبول منهم والسماع: {فآت} يا ~~خير الخلق! {ذا القربى حقه} بادئا به لأنه أحق الناس بالبر، صلة للرحم ~~وجودا وكرما # PageV15P098 # {والمسكين} سواء كان ذا القربى أو لا {وابن السبيل} وهو المسافر كذلك، ~~والحق الذي ذكر لهما الظاهر أنه يراد به النفل لا الواجب، لعدم ذكر بقية ~~الأصناف، ودخل الفقير من باب الأولى. # ولما أمر بالإيتاء، رغب فيه فقال: {ذلك} أي الإيتاء العالي الرتبة {خير} ~~ولما كان سبحانه أغنى الأغنياء فهو لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه لا رياء ~~فيه، قال معرفا أن ذلك ليس قاصرا على من خص بالخطاب بل كل من تأسى به نالته ~~بركته {للذين يريدون} بصيغة الجمع، ولما كان الخروج عن المال في غاية ~~الصعوبة، رغب فيه بذكر الوجه الذي هو أشرف ما في الشيء المعبر به هنا عن ~~الذات وبتكرير الاسم الأعظم المألوف لجميع الخلق فقال: {وجه الله} أي عظمة ~~الملك الأعلى، فيعرفون من حقه ما يتلاشى عندهم على كل ما سواه فيخلصون له ~~{وأولئك} العالو الرتبة لغناهم عن كل فان {هم} خاصة {المفلحون*} أي الذين ~~لا يشوف فلاحهم شيء من الخيبة، وأما غيرهم فخائب، أما إذا لم ينفق فواضح، ~~وأما من أنفق على وجه الرياء بالسمعة والرياء فإنه خسر ماله، وأبقى عليه ~~وباله، وأما من أنفق على وجه الرياء الحقيقي فقد صرح به تعريفا بعظيم فحشه # PageV15P099 # صارفا الخطاب عن المقام الشريف الذي كان مقبلا عليه، تعريفا بتنزه جنابه ~~عنه، وبعد تلك ms3623 الهمة العلية والسجايا الطاهرة النقية منه، إلى جهة من يمكن ~~ذلك منهم فقال: {وما آتيتم} أي جئتم أي فعلتم - في قراءة ابن كثير بالقصر ~~ليعم المعطي والآخذ والمتسبب، أو أعطيتم - في قراءة غيره بالمد {من ربا} أي ~~مال على وجه الربا المحرم أو المكروه، وهو أن يعطي عطية ليأخذ في ثوابها ~~أكثر منها، وكان هذا مما حرم على النبي صلى الله عليه وسلم تشريفا له، وكره ~~لعامة الناس. وعلى قراءة ابن كثير بالقصر المعنى: وما جئتم به من إعطاء ~~بقصد الربا {ليربوا} أي يزيد ويكثر ذلك الذي أعطيتموه أو فعلتوه، أو ~~لتزيدوا أنتم ذلك - على قراءة المدنيين ويعقوب بالفوقانية المضمومة، من: ~~أربى {في أموال الناس} أي تحصل فيه زيادة تكون أموال الناس ظرفا لها، فهو ~~كناية عن أن الزيادة التي يأخذها المربي من أموالهم لا يملكها أصلا {فلا ~~يربوا} أي يزكوا وينمو {عند الله} أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق ~~وكل صفات الكمال، وكل ما لا يربو عند الله فهو غير مبارك بل ممحوق لا وجود ~~له، فإنه إلى فناء وإن كثر {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} [ # PageV15P100 # البقرة: 276] . # ولما ذكر ما زيادته نقص، أتبعه ما نقصه زيادة فقال: {وما آتيتم} أي ~~أعطيتم للإجماع على مدة لئلا يوهم الترغيب في أخذ الزكاة {من زكاة} أي ~~صدقة، وعبر عنها بذلك ليفيد الطهارة والزيادة، أي تطهرون بها أموالكم من ~~الشبه، وأبدانكم من مواد الخبث، وأخلاقكم من الغل والدنس. ولما كان الإخلاص ~~عزيزا، أشار إلى عظمته بتكريره فقال: {تريدون} أي بها {وجه الله} خالصا ~~مستحضرين لجلاله وعظمته وكماله، وعبر عن الذات بالوجه لأنه الذي يجل صاحبه ~~ويستحي منه عند رؤيته وهو أشرف ما في الذات. # ولما كان الأصل: فأنتم، عدل به إلى صيغة تدل على تعظيمه بالالتفات إلى ~~خطاب من بحضرته من أهل قربه وملائكته، لأن العامل يجب أن يكون له بعمله ~~لسان صدق في الخلائق فكيف إذا كان من الخالق، وبالإشارة إليه بأداة البعد ~~إعلاما بعلو رتبته، وأن المخاطب بالإيتاء كثير، والعامل ms3624 قليل وجليل، فقال: ~~{فأولئك} ولعل إفراد المخاطب هنا للترغيب في الإيتاء بأنه لا يفهم ما لأهله ~~حق فهمه سوى المنزل عليه هذا الوحي صلى الله عليه وسلم {هم} أي خاصة ~~{المضعفون*} أي الذين ضاعفوا أموالهم في الدنيا بسبب ذلك الحفظ والبركة، ~~وفي الآخرة بكثرة الثواب عند الله من عشرة أمثال إلى ما # PageV15P101 # لا حصر له كما يقال: مقو وموسر ومسمن ومعطش - لمن له قوة ويسار وسمن في ~~إبله وعطش ونحو ذلك. # PageV15P102 # ولما وضح بهذا أنه لا زيادة إلا فيما يزيده الله، ولا خير إلا فيما ~~يختاره الله، فكان ذلك مزهدا في زيادة الاعتناء بطلب الدنيا، بين ذلك بطريق ~~لا أوضح منه فقال: {الله} أي بعظيم جلاله لا غيره {الذي خلقكم} أي أوجدكم ~~على ما أنتم عليه من التقدير لا تملكون شيئا. # ولما كان الرزق موزعا بين الناس بل هو ضيق على كثرته عن كثير منهم، فكان ~~رزق من تجدد - لا سيما إن كان ابنا لفقير - مستبعدا، أشار إليه بأداة البعد ~~فقال: {ثم رزقكم} ولما كانت إماتة المتمكن من بدنه وعقله وقوته وأسباب نبله ~~عجيبة، نبه عليها بقوله: {ثم يميتكم} ولما كان كل ذلك في الحقيقة عليه ~~هينا، وكان الإحياء بعد الإماتة إن لم يكن أهون من الإحياء أول مرة كان ~~مثله وإن استبعدوه قال: {ثم يحييكم} . # ولما استغرق بما ذكر جميع ذواتهم وأحوالهم، وكان الشريك # PageV15P102 # من قام بشيء من العمل أو المعمول فيه، وكان من المعلوم أنه ليس لشركائهم ~~في شيء من ذلك نوع صنع، قال منكرا عليهم: {هل من} ولما كان إشراكهم بما ~~أشركوا لم تظهر له ثمرة إلا في أنهم جعلوا لهم جزءا من أموالهم، عبر بقوله: ~~{شركائكم} أي الذين تزعمونهم شركاء {من يفعل من ذلكم} مشيرا إلى علو رتبته ~~بأداة البعد وخطاب الكل. ولما كان الاستفهام الإنكاري التوبيخي في معنى ~~النفي، قال مؤكدا له مستغرقا لكل ما يمكن منه ولو قل جدا: {من شيء} أي ~~يستحق هذا الوصف الذي تطلقونه عليه. # ولما لزمهم قطعا أن يقولوا: لا ms3625 وعزتك! ما لهم ولا لأحد منهم في شيء من ~~ذلك من فعل، أشار إلى عظيم ما ارتكبوه بما أنتجه هذا الدليل، فقال معرضا ~~عنهم زيادة في التعظيم والعظمة، منزها لنفسه الشريفة منها على التنزيه ببعد ~~رتبته الشماء من حالهم: {سبحانه} أي تنزه تنزها لا يحيط به الوصف من أن ~~يكون محتاجا إلى شريك، فإن ذلك نقص عظيم. ولما كان من أخبر بأنه فعل شيئا ~~أو يفعله كالإماتة والإحياء بالبعث وغيره لا يحول بينه وبينه المقاوم من ~~شريك ونحوه، قال: {وتعالى} أي علوا لا تصل إليه العقول، كما دلت عليه صيغة ~~التفاعل، وجرت قراءة حمزة والكسائي بالخطاب على الأسلوب الماضي، وأذنت # PageV15P103 # قراءة الباقين بالغيب بالإعراض للغضب في قوله معبرا بالمضارع إشارة إلى ~~أن العاقل من شأنه أنه لا يقع منه شرك أصلا، فكيف إذا كان على سبيل التجدد ~~والاستمرار: {عما يشركون*} في أن يفعلوا شيئا من ذلك أو يقدروا بنوع من ~~أنواع القدرة على أن يحولوا بينه وبين شيء مما يريد ليستحقوا بذلك أن ~~يعظموا نوع تعظيم، فنزهوه وعظموه بالبراءة من كل معبود سواه. # ولما بين لهم سبحانه من حقارة شركائهم ما كان حقهم به أن يرجعوا، فلم ~~يفعلوا، أتبعه ما أصابهم به على غير ما كان في أسلافهم عقوبة لهم على قبيح ~~ما ارتكبوا، استعطافا للتوبة فقال: {ظهر الفساد} أي النقص في جميع ما ينفع ~~الخلق {في البر} بالقحط والخوف ونحوهما {والبحر} بالغرق وقلة الفوائد من ~~الصيد ونحوه من كل ما كان يحصل منه قبل. وقال البغوي: البر البوادي ~~والمفاوز، والبحر المدائن والقرى التي على المياه الجارية، قال عكرمة: ~~العرب تسمي المصر بحرا. ثم بين سببه بقوله: {بما} ولما أغنى السياق بدلالته ~~على السيئات عن الافتعال قال: {كسبت} أي عملت # PageV15P104 # من الشر عملا هو من شدة تراميهم إليه وإن كان على أدنى الوجوه بما أشار ~~إليه تجريد الفعل كأنه مسكوب من علو، ومن شدة إتقان شره كأنه مسبوك. # ولما كان أكثر الأفعال باليد، أسند إليها ما يراد به الجملة مصرحا ms3626 بعموم ~~كل ما له أهلية التحرك فقال: {أيدي الناس} أي عقوبة لهم على فعلهم. ولما ~~ذكر علته البدائية، ثنى بالجزائية فقال: {لنذيقهم} أي بما لنا من العظمة في ~~رواية قنبل عن ابن كثير بالنون لإظهار العظمة في الإذاقة للبعض والعفو عن ~~البعض، وقراءة الباقين بالتحتانية على سنن الجلالة الماضي؛ وأشار إلى كرمه ~~سبحانه بقوله: {بعض الذي عملوا} أي وباله وحره وحرقته، ويعفو عن كثير إما ~~أصلا ورأسا، وإما المعاجلة به ويؤخره إلى وقت ما في الدنيا، أو إلى الآخرة، ~~والمراد الجزاء بمثل أعمالهم جزاء لها تعبيرا عن المسبب بالسبب الذي أتوه ~~إلى الناس فيعرفوا إذا سلبوا المال مقدار ما ذاق منهم ذلك الذي سلبوه، وإذا ~~قتل لهم حميم حرارة ما قاسى حميم ما قتلوه، ونحو ذلك مما استهانوه لما أتوه ~~إلى غيرهم من الأذى البالغ وهم يتضاحكون ويعجبون # PageV15P105 # من جزعه ويستهزؤون غافلين عن شدة ما يعاني من أنواع الحرق هو ومن يعز ~~عليه أمره، ويهمه شأنه، ويده قد غلها عن المساعدة العجز، وقصرها الضعف ~~والقهر؛ ثم ثلث بالعلة الغائية فقال: {لعلهم يرجعون*} أي ليكون حالهم عند ~~من ينظرهم حال من يرجى رجوعه عن فعل مثل ذلك خوفا من أن يعاد لهم بمثل ذلك ~~من الجزاء. # ولما كان الإنسان - لنقصه في تقيده بالجزئيات - شديد الوقوف مع العقل ~~التجربي، وكان علمهم بأيام الماضين ووقائع الأولين كافيا لهم في العظة ~~للرجوع عن اعتقادهم، والتبري من عنادهم، وكانوا - لما لم يروا آثارهم رؤية ~~اعتبار، وتأمل وادكار، عدوا ممن لم يرها، فنبه سبحانه على ذلك بالاحتجاب ~~عنهم بحجاب العزة، أمرا له صلى الله عليه وسلم بأن يأمرهم بالسير للنظر، ~~فقال تأكيدا لمعنى الكلام السابق نصحا لهم ورفقا بهم: {قل} أي لهؤلاء الذي ~~لا هم لهم إلا الدنيا، فلا يعبرون فيما ينظرون من ظاهر إلى باطن: {سيروا} ~~وأشار إلى استغراق ديار المهلكين كل حد ما حولهم من الجهات كما سلف فقال: ~~{في الأرض} فإن سيركم الماضي لكونه لم يصحبه عبرة عدم. # ولما كان المراد الانقياد إلى ms3627 التوحيد، وكان قد ذكرهم بما أصابهم # PageV15P106 # على نحو ما أصاب به الماضين قال: {فانظروا} بفاء التعقيب، ولما كان ما ~~أحله بهم في غاية الشدة، عرفهم بذلك، فساق مساق الاستفهام تخويفا لهم من ~~إصابتهم بمثله فقال: {كيف} ولما كان عذابهم مهولا، وأمرهم شديدا وبيلا، دل ~~عليه بتذكير الفعل فقال: {كان عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولما كان المراد ~~طوائف المعذبين، وكانوا بعض من مضى، فلم يستغرقوا الزمان، بعض فقال: {من ~~قبل} أي من قبل أيامكم أذاقهم الله وبال أمرهم، وأوقعهم في حفائر مكرهم. # ولما كان هذا التنبيه كافيا في الاعتبار، فكان سامعه جديرا بأن يقول: قد ~~تأملت فرأيت آثارهم عظيمة، وصنائعهم مكينة، ومع ذلك فمدنهم خاليه وبيوتهم ~~خاوية، قد ضربوا بسوط العذاب، فعمهم الخسار والثياب، فما لهم عذبوا، فأجيب ~~بقوله: {كان أكثرهم مشركين*} فلذلك أهلكناهم ولم تغن عنهم كثرتهم، وأنجينا ~~المؤمنين وما ضرتهم قلتهم. # ولما كانوا مع كثرة مرورهم على ديارهم، ونظرهم لآثارهم، وسماعهم ~~لأخبارهم، لم يتعظوا، أشير إلى أنهم عدم، بصرف الخطاب عنهم، وتوجيهه إلى ~~السامع المطيع، فقال مسببا عما مضى من إقامة الأدلة # PageV15P107 # والوعظ والتخويف: {فأقم} أي يا من لا يفهم عنا حق الفهم سواه، لأنا ~~فضلناه على جميع الخلق {وجهك} أي لا تلفته أصلا {للدين القيم} الذي لا عوج ~~فيه بوجه، بل هو عدل كله، من التبري من الأوثان إلى التلبس بمقام الإحسان، ~~فالزمه واجعله بنصب عينك لا تغفل عنه ولا طرفة عين، لكونه سهلا فيما تسبب ~~الإعانه عليه في الظاهر بالبيان الذي ليس معه خفاء، وفي الباطن بالجبل عليه ~~حتى أنه ليقبله الأعمى والأصم والأخرس، ويصير فيه كالجبل رسوخا. # ولما كان حفظ الاستقامة عزيزا، أعاد التخويف لحفظ أهلها، فقال ميسرا ~~الأمر بعدم استغراق الزمان بإثبات الجار، إشارة إلى الرضا باليسير من العمل ~~ولو كان ساعة من نهار، بشرط الاتصال بالموت: {من قبل} وفك المصدر للتصريح ~~فقال: {أن يأتي يوم} أي عظيم، وهو يوم القيامة، أو الموت، وأشار إلى تفرده ~~سبحانه في الملك بقوله: {لا مرد له} ولفت ms3628 الكلام في رواية قنبل من مظهر ~~العظمة إلى أعظم منه لاقتضاء المقام ذلك وأظهر في رواية الباقين لئلا يتوهم ~~عود الضمير إلى الدين فقال: {من الله} وإذا لم يرده هو لوعده بالإتيان به، ~~وهو ذو الجلال # PageV15P108 # والإكرام، فمن الذي يرده. # ولما حقق إتيانه، فصل أمره مرغبا مرهبا، فقال: {يومئذ} أي إذ يأتي ~~{يصدعون*} أي تتفرق الخلائق كلهم فرقة قد تخفى على بعضهم - بما أشار إليه ~~الإدغام، فيقولون: ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار. # ولما كان المعنى أنهم فريق في الجنة وفريق في السعير، بين ذلك ببيان ~~عاقبة سببه في جواب من كأنه قال: إلى أين يتفرقون؟ قائلا: {من كفر} أي منهم ~~فعلم شيئا {فعليه} أي لا على غيره {كفره} أي وباله، وعلى أنفسهم يعتدون ~~ولها يهدمون فيصيرون في ذلك اليوم إلى النار التي هم بها مكذبون، ومن كان ~~عليه كفره الذي أوبقه إلى الموت، فلا خلاص له فيما بعد الفوت، ووحد الضمير ~~ردا له على لفظ من نصا على أن كل واحد مجزي بعمله لا المجموع من حيث هو ~~مجموع، وإفهاما لأن الكفرة قليل وإن كانوا أكثر من المؤمنين، لأنهم لا مولى ~~لهم، ولتفرق كلمتهم {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى} [الحشر: 14] ولأنه لا ~~اجتماع بين أهل النار ليتأسى بعضهم ببعض، بل كل منهم في شغل شاغل عن معرفة ~~ما # PageV15P109 # يتفق لغيره {ومن عمل صالحا} أي بالإيمان وما يترتب عليه، وأظهر ولم يضمر ~~لئلا يتوهم عود الضمير على {من كفر} وبشارة بأن أهل الجنة كثير وإن كانوا ~~قليلا، لأن الله مولاهم فهو يزكيهم ويؤيدهم، وفي جمع الجزاء مع إفراد الشرط ~~ترغيب في العمل من غير نظر إلى مساعد بأنه ينفع نفسه وغيره، لأن المؤمن ~~للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وأقل ماينفع والديه وشيخه في ذلك العمل، ~~وعبر بالنفس ليدل - بعد الدلالة على إرادة العامل ومن شايعه حتى كان بحكم ~~اتحاد القصد إياه - على أن العمل الصالح يزكي النفوس ويطهرها من رذائل ~~الأخلاق، فقال: {فلأنفسهم} أي خاصة أعمالهم ولهم خاصة ms3629 عملهم الصالح ~~ولأنفسهم {يمهدون} أي يسوون ويوطئون منازل في القبور والجنة، بل وفي الدنيا ~~فإن الله يعزهم بعز طاعته، والآية من الاحتباك: حذف أولا عدوانهم على ~~أنفسهم لما دل عليه من المهد، وثانيا كون العمل خاصا بهم لما دل عليه من ~~كون الكفر على صاحبه خاصة، وأحسن من هذا أن # PageV15P110 # يقال: ذكر الكفر الذي هو السبب دليلا على الإيمان ثانيا، والعمل الصالح ~~الذي هو الثمرة ثانيا دليلا على العمل السيء أولا. # PageV15P111 # ولما فرغ من بيان تصدعهم، ذكر علته فقال: {ليجزي} أي الله سبحانه الذي ~~أنزل هذه السورة لبيان أنه ينصر أولياءه لإحسانهم لأنه مع المحسنين، ولذلك ~~اقتصر هنا على ذكرهم فقال: {الذين آمنوا} أي ولو على أدنى الوجوه {وعملوا} ~~أي تصديقا لإيمانهم {الصالحات} ولما كانت الأعمال نعمة منه، فكان الجزاء ~~محض إحسان، قال: {من فضله} . # ولما كان تنعيمهم من أعظم عذاب الكافرين الذين كانوا يهزؤون بهم ويضحكون ~~منهم، علله بقوله على سبيل التأكيد لدعوى من يظن أن إقبال الدنيا على ~~العصاة لمحبة الله لهم: {إنه لا يحب الكافرين*} أي لا يفعل مع العريقين في ~~الكفر فعل المحب، فلا يسويهم بالمؤمنين، وعلم من ذلك ما طوى من جزائهم، ~~فالآية من وادي الاحتباك، وهو أن يؤتي بكلامين يحذف من كل منهما شيء ويكون ~~نظمهما بحيث يدل ما أثبت في كل على ما حذف من الآخر، فالتقدير هنا بعد ما ~~ذكر من جزاء الذين آمنوا أنه يحب المؤمنين ويجزي الذين كفروا وعملوا # PageV15P111 # السيئات بعدله لأنه لا يحب الكافرين، فغير النظم ليدل مع دلالته كما ترى ~~على ما حذف على أن إكرام المؤمنين هو المقصود بالذات، وهو بعينه إرغام ~~الكافرين، وعبر في شق المؤمنين بالمنتهى الذي هو المراد من محبة الله لأنه ~~أسر. وفي جانب الكافرين بالمبدأ الذي هو مجاز لأنه أنكأ وأضر. # ولما ختم في أول السورة الآيات الدالة على الوحدانية المستلزمة للبعث لأن ~~به تمام ظهور الحكمة، وانكشاف غطاء القلوب عن صفات العظمة، بأن قيام السماء ~~والأرض بأمره وأتبع ذلك ما اشتد ms3630 التحامه به، وختمه ببعض الكافرين بعد ذكر ~~يوم البعث، أتبعه ذكر ما حفظ به قيام الوجود، وهو الرياح، يجعلها سببا في ~~إدرار النعم التي منها ما هو أعظم أدلة البعث وهو النبات، وهي بجملتها دليل ~~ذلك وسبب القرار في البر والسير في البحر الموصل لمنافع بعض البلاد إلى ~~بعض، وبذلك انتظم الأمر لأهل الأرض، فاستعمل المؤمن منهم ما رزقه سبحانه من ~~العقل في النظر في ذلك حتى أداه إلى شكره فأحبه، واقتصر الكافر على الدأب ~~فيما يستجلب به تلك النعم ويستكثرها، فأبطره ذلك فأوصله إلى كفره فأبغضه، ~~والرياح أيضا أشبه شيء # PageV15P112 # بالناس، منها النافع نفعا كبيرا، ومنها الضار ضرا كثيرا، فقال: {ومن ~~آياته} أي الدلالات الواضحة الدالة علم كمال قدرته وتمام علمه الدال على ~~أنه هو وحده الذي أقام هذا الوجود، وكما أنه أقامه فهو يقيم وجودا آخر هو ~~زبدة الأمر، ومحط الحكمة، وهو أبدع من هذا الوجود، يبعث فيه الخلق بعد ~~فنائهم، ويتجلى لفصل القضاء بينهم، فيأخذ بالحق لمظلومهم من ظالمهم، ثم ~~يصدعهم فيجعل فريقا منهم في الجنة دار الإعانة والكرامة، وفريقا في السعير ~~غار الإهانة والملامة {أن يرسل الرياح} على سبيل التجدد والاستمرار، وهي ما ~~عدا الدبور المشار في الحديث الشريف إلى الاستعاذة منها # «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» وقد تقدم من شرحي لها عند {من يرسل ~~الرياح بشرا} في [النمل: 63] ما فيه كفاية، وفي جمعها المجمع عليه هنا ~~لوصفها بالجمع إشارة إلى باهر القدرة، فإن تحويل الريح الواحدة من جهة إلى ~~أخرى أمر عظيم لا قدرة لغيره عليه في الفضاء الواسع، وكذا إسكانه، فكيف إذا ~~كانت رياح متعاكسة، ففي إثارتها كذلك ثم إسكانها من باهر القدرة ما لا ~~يعلمه إلا أولو البصائر {مبشرات} أي لكم بكل ما فيه نفعكم من المطر والروح ~~وبرد الأكباد # PageV15P113 # ولذة العيش. # ولما كان التقدير: ليهلك بها من يشاء من عباده، أو ليدفع عنكم ما يحصل ~~بفقدها من نقمته من الحر، وما يتبعه من انتشار المفسدات، واضمحلال ~~المصلحات، وطواه لأن السياق لذكر ms3631 النعم، عطف عليه قوله مثبتا اللام إيضاحا ~~للمعطوف عليه: {وليذيقكم} وأشار إلى عظمة نعمة بالتبعيض في قوله: {من ~~رحمته} أي نعمه من المياه العذبة والأشجار الرطبة، وصحة الأبدان، وخصب ~~الزمان، وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا خالقها، ولا يتصورها حق تصورها ~~إلا من فقد الرياح، من وجود الروح وزكاء الأرض وإزالة العفونة من الهواء ~~والإعانة على تذرية الحبوب وغير ذلك، وأشار إلى عظمة هذه النعمة وإلى أنها ~~صارت لكثرة الإلف مغفولا عنها بإعادة اللام فقال: {ولتجري الفلك} أي السفن ~~في جميع البحار وما جرى مجراها عند هبوبها. # ولما أسند الجري إلى الفلك نزعه منها بقوله: {بأمره} أي بما يلائم من ~~الرياح اللينة، وإذا أراد أعصفها فأغرقت، أو جعلها متعاكسة فحيرت ورددت، ~~حتى يحتال الملاحون بكل حيلة على إيقاف # PageV15P114 # السفن لئلا تتلف. # ولما كان كل من مجرد السير في البحر والتوصل به من بلد إلى بلد نعمة في ~~نفسه، عطف على {لتجري} قوله، منبها بإعادة اللام إيضاحا للمعطوف عليه على ~~تعظيم النعمة: {ولتبتغوا} أي تطلبوا طلبا ماضيا بذلك السير، وعظم ما عنده ~~بالتبعيض في قوله: {من فضله} مما يسخر لكم من الريح بالسفر للمتجر من بلد ~~إلى بلد والجهاد وغيره {ولعلكم} أي ولتكونوا إذا فعل بكم ذلك على رجاء من ~~أنكم {تشكرون*} ما أفاض عليكم سبحانه من نعمه، ودفع عنكم من نقمه. # ولما كان التقدير: فمن أذاقه من رحمته، ومن كفر أنزل عليه من نقمته، وكان ~~السياق كله لنصر أوليائه وقهر أعدائه، وكانت الرياح مبشرات ومنذرات كالرسل، ~~وكانت موصوفة بالخير كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها «فلرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح ~~المرسلة» وكانت في كثرة منافعها وعمومها إن كانت نافعة، ومضارها إن كانت ~~ضارة، أشبه شيء بالرسل في إنعاش قوم وإهلاك آخرين، وما ينشأ عنها كما # PageV15P115 # ينشأ عنهم. # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن أبي موسى رضي ~~الله عنه: البخاري في العلم، ms3632 ومسلم في المناقب «مثل ما بعثني الله به من ~~الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكانت طائفة منها طيبة فقبلت ~~الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أجادب أمسكت الماء، ~~فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أجادب أمسكت ~~الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى ~~إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاء، فذلك مثل من فقه في دين الله ~~ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى ~~الله الذي أرسلت به» ولما كان الأمر كذلك، عطف على قوله: «ينصر من يشاء» ~~وقوله: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى} أو على ما تقديره تسبيبا عن ~~قوله: {فأقم وجهك للدين القيم} : فلقد أرسلناك بشيرا لمن أطاع بالخير، ~~ونذيرا لمن عصى بالشر، قوله مسليا لهذا النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة ~~والتسليم، وأتباعه، ولفت الكلام إلى مقام العظمة لاقتضاء سياق الانتقام ~~لها، وأكد إشارة إلى أن الحال باشتداده # PageV15P116 # وصل إلى حالة اليأس، أو لإنكار كثير من الناس إرسال البشر: {ولقد أرسلنا} ~~بما لنا من العزة. # ولما كانت العناية بالإخبار بأن عادته ما زالت قديما وحديثا على نصر ~~أوليائه، قال معلما بإثبات الجار أن الإرسال بالفعل لم يستغرق زمان القبل، ~~أو أن الكلام في خصوص الأمم المهلكة: {من قبلك} مقدما له على {رسلا} ~~أوللتنبيه على أنه خاتم النبيين بتخصيص إرسال غيره بما قبل زمانه، وقال: ~~{إلى قومهم} إعلاما بأن بأس الله إذا جاء لا ينفع فيه قريب ولا بعيد، وزاد ~~في التسلية بالتذكير إشارة إلى شدة أذى القوم لأنبيائهم حيث لم يقل «إلى ~~قومها» . # ولما كان إرسال الله سببا لا محالة للبيان الذي لا لبس معه قال: {فجاءوهم ~~بالبينات} فانقسم قومهم إلى مسلمين ومجرمين {فانتقمنا} أي فكانت معاداة ~~المسلمين للمجرمين فينا سببا لأنا انتقمنا بما لنا من العظمة {من الذين ~~أجرموا} لأجرامهم، وهو قطع ما أمرناهم بوصله اللازم منه وصل ما أمروا ~~بقطعه، فوصلوا ms3633 الكفر وقطعوا الإيمان، فخذلناهم وكان حقا علينا قهر ~~المجرمين، إكراما لمن عادوهم فينا، وأنعمنا على الذين آمنوا فنصرناهم. # ولما كان محط الفائدة إلزامه سبحانه لنفسه بما تفضل به، قدمه # PageV15P117 # تعجيلا للسرور وتطييبا للنفوس فقال: {وكان} أي على سبيل الثبات والدوام ~~{حقا علينا} أي بما أوجبناه لوعدنا الذي لا خلق فيه {نصر المؤمنين*} أي ~~العريقين في ذلك الوصف في الدنيا والآخرة، فلم يزل هذا دأبنا في كل ملة على ~~مدى الدهر، فإن هذا من الحكمة التي لا ينبغي إهمالها، فليعتد هؤلاء لمثل ~~هذا، وليأخذوا لذلك أهبته لينظروا من المغلوب وهل ينفعهم شيء؟ والآية من ~~الاحتباك: حذف أولا الإهلاك الذي هو أثر الخذلان لدلالة النصر عليه، وثانيا ~~الإنعام لدلالة الانتقام عليه. # PageV15P118 # ولما أقام سبحانه الدليل على البعث وإقامة الوجود بتصريفه الرياح كيف ~~يشاء وأتبعه آية التسلية والتهديد، وكان عذاب المذكورين فيها بالريح أو ما ~~هي سببه أو لها مدخل فيه، أتبع ذلك الإعلام بأنه مختص بذلك سبحانه تنبيها ~~على عظيم آية الرياح للخص على تدبرها، مؤكدا لأمر البعث ومصرحا به، فقال ~~ثانيا الكلام عن مقام العظمة الذي اقتضته النقمة إلى الاسم الأعظم الجامع ~~الذي نظره إلى النعمة أكثر من نظره إلى النقمة: {الله} أي وحده {الذي يرسل} ~~مرة بعد أخرى لأنه المتفرد بالكمال فلا كفوء له: {الرياح} مضطربة # PageV15P118 # هائجة بعد أن كانت ساكنة، وفي قراءة الجمهور بالجمع خلافا لابن كثير ~~وحمزة والكسائي تنبيه على عظيم الصنع في كونه يفعل ما ذكره بأي ريح أراد ~~{فتثير سحابا} لم يكن له وجود. # ولما أسند الإثارة إلى الرياح، نزع الإسناد إليها في البسط والتقطيع فإنه ~~لم يجعل فيه قوة شيء من ذلك ليعلم أن الكل فعله فقال: {فيبسطه} بعد اجتماعه ~~{في السماء} أي جهة العلو. # ولما كان أمر السحاب في غاية الإعجاب في وجوده بعد أن لم يكن وأشكاله ~~وألوانه وجميع أحواله في اجتماعه وافتراقه وكثافته وما فيه من مطر ورعد ~~وبرق وغير ذلك مما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى، أشار سبحانه إلى ms3634 ذلك ~~بأداة الاستفهام وإن كانوا قد عدوها هنا شرطية فقال: {كيف} أي كما {يشاء} ~~أي في ناحية شاء قليلا تارة كمسيرة ساعة أو يوم، وكثيرا أخرى كمسيرة أيام ~~على أوضاع مختلفة تدلك قطعا على أنه فعله وحده باختياره لا مدخل فيه لطبيعة ~~ولا غيرها. # ولما كان المراد بذلك كونه على هيئة الاتصال، دل عليه بقوله: {ويجعله} أي ~~إذا أراد {كسفا} أي قطعا غير متصل بعضها ببعض # PageV15P119 # اتصالا يمنع نزول الماء {فترى} أي بسبب إرسال الله له أو بسبب جعله ذا ~~مسام وفرج يا من أهلية الرؤية، أو يا أشرف خلقنا الذي لا يعرف هذا حق ~~معرفته سواه {الودق} أي المطر المتقاطر القريب الواسع {يخرج من خلاله} أي ~~السحاب الذي هو اسم جنس في حالتي الاتصال والانفصال. # ولما كان سبحانه قد سبب عن ذلك سرور عباده لما يرجون من أثره وإن كانوا ~~كثيرا ما يشاهدون تخلف الأثر لعوارض ينتجها سبحانه، قال مسببا عن ذلك مشيرا ~~بأداة التحقق إلى عظيم فضله وتحقق إنعامه: {فإذا أصاب} أي الله {به من} أي ~~أرض من {يشاء} ونبه على أن ذلك فضل منه لا يجب عليه لأحد أصلا شيء بقوله: ~~{من عباده} أي الذين لم تزل عبادته واجبة عليهم، وهم جديرون بملازمة شكره، ~~والخضوع لأمره، خاصا لهم بقدرته واختياره، وبين خفتهم بإسراعهم إلى ~~الاستبشار مع احتمال العاهات، جامعا ردا على معنى «من» أو على «العباد» لأن ~~الخفة من الجماعة أفحش فقال: {إذا هم يستبشرون*} أي يظهر عليهم البشر، وهو ~~السرور الذي تشرق له البشرة حال الإصابة ظهورا بالغا عظيما بما يرجونه مما ~~يحدث عنه من الأثر النافع من الخصب والرطوبة واللين؛ # PageV15P120 # ثم بين طيشهم وعجزهم بقوله: {وإن} أي والحال أنهم {كانوا} في الزمن ~~الماضي كونا متمكنا في نفوسهم، وبين رب يأسهم من استبشارهم دلالة على سرعة ~~انفعالهم وكثرة تقلبهم بالجار، فقال: {من قبل أن ينزل} أي المطر بأيسر ما ~~يكون عليه سبحانه {عليهم} ثم أكد عظم خفتهم وعدم قدرتهم بقوله: {من قبله} ~~أي الاستبشار سواه من ms3635 غير تخلل زمان يمكن أن يدعي لهم فيه تسبب في المطر ~~{لمبلسين*} أي ساكتين على ما في أنفسهم تحيرا ويأسا وانقطاعا، فلم يكن لهم ~~على الإتيان بشيء من ذلك حيلة، ولا لمعبوداتهم صلاحية له باستقلال ولا ~~وسيلة. # ولما انكشف بذلك الغطاء، وزاحت الشبه، أعرض سبحانه عنهم على تقدير أن ~~يكون «ترى» لمن فيه أهلية الرؤية إيذانا بأنه لا فهم لهم ملتفتا إلى خلاصة ~~الخلق الصالح للتلقي عنه قائلا مسببا عن ذلك: {فانظر} ولما كان المراد ~~تعظيم النعمة، وأن الرزق أكثر من الخلق، عبر بحرف الغاية إشارة إلى تأمل ~~الأقصى بعد تأمل الأدنى فقال: {إلى آثار} ولما لم يكن لذلك سبب سوى سبق ~~رحمته لغضبه قال: {رحمت الله} للجامع لمجامع العظة، وأظهر ولم يضمر تنبيها ~~على # PageV15P121 # ما في ذلك من تناهي العظمة في تنوع الزروع بعد سقيا الأرض واهتزازها ~~بالنبات واخضرار الأشجار واختلاف الثمار، وتكون الكل من ذلك الماء. # ولما كان هذا من الخوارق العظيمة، ولكنه قد تكرر حتى صار مألوفا، نبه على ~~عظمته بأنه أهل لأن يسأل عنه فقال: {كيف يحيي} أي هذا الأثر أو الله مرة ~~بعد أخرى {الأرض} بإخراج ما ذكر منها. # ولما كانت قدرته على تجديد إحيائها دائة - على ما أشار إليه المضارع ودعا ~~إليه مقصود السورة، أشار إلى ذلك أيضا بترك الجار فقال: {بعد موتها} ~~بانعدام ذلك. # ولما كان هذا دالا على القدرة على إعادة الموتى ولا بد لأنه مثله سواء، ~~فإن جميع ما لا ينبته الآدميون يتفرق في الأرض بعد كونه هشيما تذروه ~~الرياح، ويتفتت بحيث يصير ترابا، فإذا نزل عليه الماء عاد كما كان أو أحسن ~~قال: {إن ذلك} أي العظيم الشأن الذي قدر على هذا {لمحيي الموتى} كلها من ~~الحيوانات والنباتات، أي ما زال قادرا على ذلك ثابتا له هذا الوصف ولا يزال ~~{وهو} مع ذلك # PageV15P122 # {على كل شيء} من ذلك وغيره {قدير*} لأن نسبة القدرة منه سبحانه إلى كل ~~ممكن على حد سواء. # ولما كان تكرار مشاهدتهم لمثل هذا الاقتدار لا يفيدهم ms3636 علما بالله تعالى، ~~دل على ذلك بقوله، لافتا الكلام إلى سياق العظمة تنبيها على عظيم عفوه ~~سبحانه مع تمام القدرة، مؤكدا له غاية التأكيد، تنبيها على أنه ليس من شأن ~~العقلاء عدم الاستفادة بالمواعظ، معبرا بأداة الشك، تنبيها على أن إنعامه ~~أكثر من انتقامه، مؤكدا بالقسم لإنكارهم الكفر: {ولئن أرسلنا} بعد وجود هذا ~~الأثر الحسن {ريحا} عقيما {فرأوه} أي الأثر، ويجوز أن يكون الضمير للريح من ~~التعبير بالسبب عن المسبب {مصفرا} قد ذبل وأخذ في التلف من شدة يبس الريح ~~إما بالحر أو البرد {لظلوا} أي لداموا وعزتنا لها يجددون الكفر أبدا وإن ~~كان «ظل» معناه: دام نهارا، وعبر بالماضي موضع المستقبل نحو «ليظللن والله» ~~تأكيدا لتحقيقه، ولعله عبر بالظلول لأن مدة النوم لا تجديد فيها للكفر، ~~ولذلك أتى فيها بحرف التبعيض حيث قال: {من بعده} أي بعد اصفراره {يكفرون*} ~~بيأسهم من روح الله وجحودهم لما أسلف إليهم من النعم بعد ما تكرر من تعرفه ~~سبحانه # PageV15P123 # إليهم بالإحسان، بعد ما التقت حلقتا البطان، وكان وكان فلا هم عند السراء ~~بالرحمة شكروا، ولاعند الضراء بالنقمة صبروا، بل لم يزيدوا هناك على ~~الاستبشار، ولا نقصوا هنا شيئا من تجديد الكفر والإصرار، فلم يزالوا لعدم ~~استبصارهم على الحالة المذمومة، ولم يسبقوا في إزاله النقم، ولا إنالة ~~النعم، فكانوا أضل من النعم. # PageV15P124 # ولما كان هذا كله من حالهم في سرعة الحزن والفرح في حالتي الشدة والرخاء ~~وإصرارهم على تجديد الكفر دليلا على خفة أحلامهم، وسوء تدبرهم، فإنهم لا ~~للآيات المرئية يعون، ولا للمتلوة عليهم يسمعون، سبب عن ذلك التعريف بأن ~~أمرهم ليس لأحد غيره سبحانه وهو قد جعلهم أموات المعاني، فقال ممثلا لهم ~~بثلاثة أصناف من الناس، وأكده لأنهم ينكرون أن يكون حالهم كذلك والنبي صلى ~~الله عليه وسلم شديد السعي في إسماعهم والجهد في ذلك: {فإنك} أي استدامتهم ~~لكفرهم هذا تارة في الرخاء وتارة في الشدة وقوفا مع الأثر من غير نظر ما ~~إلى المؤثر وأنت تتلو عليهم آياته، وتنبههم على بدائع بيناته ms3637 بسبب أنك {لا ~~تسمع الموتى} أي ليس في قدرتك إسماع الذين لا حياة لهم، فلا نظر ولا سمع، ~~أو موتى القلوب، إسماعا # PageV15P124 # ينفعهم، لأنه مما اختص به سبحانه، وهؤلاء منهم من هم مثل الأموات لأن ~~الله تعالى قد ختم على مشاعرهم {ولا تسمع} أي أنت في قراءة الجماعة غير ابن ~~كثير {الصم} أي الذين لا سمع لهم أصلا، وذكر ابن كثير الفعل من سمع ورفع ~~الصم على أنه فاعل، فكان التقدير: فإن من مات أو مات قلبه ولا يسمع ولا ~~يسمع الصم {الدعاء} إذا دعوتهم، ثم لما كان الأصم قد يحس بدعائك إذا كان ~~مقبلا بحاسة بصره قال: {إذا ولوا} وذكر الفعل ولم يقل: ولت، إشارة إلى قوة ~~التولي لئلا يظن أنه أطلق على المجانبة مثلا، ولذا بنى من فاعله حالا هي ~~قوله: {مدبرين*} . # ولما بدأ بفاقد حاسة السمع لأنها أنفع من حيث إن الإنسان إنما يفارق غيره ~~من البهائم بالكلام، أتبعها حاسة البصر مشيرا بتقديم الضمير إلى أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في هدايتهم اجتهاد من كأنه يفعله بنفسه ~~تدريبا لغيره في الاقتصاد في الأمور فقال: {وما أنت بهاد العمي} أي بموجد ~~لهم هداية وإن كانوا يسمعون، # PageV15P125 # هذا في قراءة الجماعة غير حمزة، وجعله حمزة فعلا مضارعا مسندا إلى ~~المخاطب من هدى، فالتقدير: وما أنت تجدد هداية العمي {عن ضلالتهم} إذا ضلوا ~~عن الطريق فأبعدوا وإن كان أدنى ضلال - بما أشار إليه التأنيث، وإن أتعبت ~~نفسك في نصيحتهم، فإنهم لا يسلكون السبيل إلا وأيديهم في يدك ومتى غفلت ~~عنهم وأنت لست بقيوم رجعوا إلى ضلالهم، فالمنفي في هذه الجملة في قراءة ~~الجمهور ما تقتضيه الاسمية من دوام الهداية مؤكدا، وقراءة حمزة ما يقتضيه ~~المضارع من التجدد وفي التي قبلها ما تقتضيه الفعليه المضارعة من التجدد ما ~~دام مشروطا بالإدبار، وفي الأولى تجدد السماع مطلقا فهي أبلغ ثم التي ~~بعدها، فممثول الصنف الأول من لا يقبل الخير بوجه ما مثل أبي جهل وأبي بن ~~خلف، والثاني من ms3638 قد يقارب مقاربة ما مثل عتبة بن ربيعة حين كان يقول لهم: ~~خلو بين هذا الرجل وبين الناس، فإن أصابوه فهو ما أردتم وإلا فعزه عزكم، ~~والثالث المنافقون، وعبر في الكل بالجمع لأنه أنكأ - والله الموفق. # ولما كان ذلك كناية عن إيغالهم في الكفر، بينه ببيان أن المراد موت القلب ~~وصممه وعماه لا الحقيقي بقوله: {إن} أي ما # PageV15P126 # {تسمع إلا من يؤمن} أي يجدد إيمانه مع الاستمرار مصدقا {بآياتنا} أي فيه ~~قابلية ذلك دائما، فهو يذعن للآيات المسموعة، ويعتبر بالآيات المصنوعة، ~~وأشار بالإفراد في الشرط إلى أن لفت الواحد عن رأيه أقرب من لفته وهو مع ~~غيره، وأشار بالجمع في الجزاء إلى أن هذه الطريقة إن سلكت كثر التابع فقال: ~~{فهم} أي فتسبب عن قبولهم لذلك أنهم {مسلمون} أي منقادون للدليل غاية ~~الانقياد غير جامدين مع التقليد. # ولما دل سبحانه على قدرته على البعث بوجوه من الدلالات، تارة في الأجسام، ~~وتارة في القوى، وأكثر على ذلك في هذه السورة من الحجج البينات، وختم لأنه ~~لا يبصر هذه البراهين إلا من حسنت طويته، فلانت للأدلة عريكته، وطارت في ~~فيافي المقادير بأجنحة العلوم فكرته ورويته، وصل بذلك دليلا جامعا بين ~~القدرة على الأعيان والمعاني إبداء وإعادة، ولذلك لفت الكلام إلى الاسم ~~الجامع ولفته إلى الخطاب للتعميم والاستعطاف بالتشريف، فقال مؤكدا إشارة ~~إلى أن ذلك دال على قدرته على البعث ولا وهم ينكرونها، فكأنهم ينكرونه، ~~فإنه لا انفكاك لأحدهما عن الآخر: {الله} أي الجامع لصفات # PageV15P127 # الكمال وحده. # ولما كان تعريف الموصول ظاهرا غير ملبس، عبر به دون اسم الفاعل فقال: ~~{الذي خلقكم} أي من العدم. ولما كان محط حال الإنسان وما عليه أساسه وجبلته ~~الضعف، وأضعف ما يكون في أوله قال: {من ضعف} أي مطلق - بما أشارت إليه ~~قراءة حمزة وعاصم بخلاف عن حفص بفتح الضاد، وقوى بما أشارت إليه قراءة ~~الباقين بالضم، أو من الماء المهين إلى ما شاء الله من الأطوار، ثم ما شاء ~~الله من سن الصبي. # ولما كانت تقوية ms3639 المعنى الضعيف مثا إحياء الجسد الميت قال: {ثم جعل} عن ~~سبب وتصيير بالتطوير في أطوار الخلق بما يقيمه من الأسباب، ولما كان ليس ~~المراد الاستغراق عبر بالجار فقال: {من بعد} ولما كان الضعف الذي تكون عنه ~~القوة غير الأول، أظهر ولم يضمر فقال: {ضعف قوة} بكبر العين والأثر من حال ~~الترعرع إلى القوة بالبلوغ إلى التمام في أحد وعشرين عاما، وهو ابتداء سن ~~الشباب إلى سن الاكتمال ببلوغ الأشد في اثنين وأربعين عاما فلولا تكرر ~~مشاهدة ذلك لكان خرق العادة في إيجاده بعد عدمه مثل إعادة الشيخ شابا بعد ~~هرمه {ثم جعل من بعد قوة} في # PageV15P128 # شباب تقوى به القلوب، وتحمى له الأنوف، وتشمخ من جرائه النفوس {ضعفا} ردا ~~لما لكم إلى أصل حالكم. # ولما كان بياض الشعر يكون غالبا من ضعف المزاج قال: {وشيبة} وهي بياض في ~~الشعر ناشىء من برد في المزاج ويبس يذبل بهما الجسم، وينقص الهمة والعلم، ~~وذلك بالوقوف من الثالثة والأربعين، وهو أول سن الاكتهال وبالأخذ في النقص ~~بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين، وهو أول سن ~~الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى. # ولما كانت هذه هي العادة الغالبة وكان الناس متفاوتين فيها، وكان من ~~الناس من يطعن في السن وهو قوي، أنتج ذلك كله - ولا بد - التصرف بالاختيار ~~مع شمول العلم وتمام القدرة فقال: {يخلق ما يشاء} أي من هذا وغيره {وهو ~~العليم} أي البالغ العلم فهو يسبب ما أراد من الأسباب لما يريد إيجاده أو ~~إعدامه {القدير*} فلا يقدر أحد على إبطال شيء من أسبابه، فلذلك لا يتخلف ~~شيء أراده عن الوقت الذي يريده فيه أصلا، وقدم صفة العلم لاستتباعها للقدرة ~~التي المقام لها، فذكرها إذن تصريح بعد تلويح، وعبارة بعد إشارة. # PageV15P129 # ولما ثبتت قدرته على البعث وغيره، عطف على قوله أول السورة {ويوم تقوم ~~الساعة يبلس المجرمون} أو على ما تقديره: فيوم يريد موتكم تموتون، لا ~~تستأخرون عن لحظة الأجل ولا تستقدمون، قوله: {ويوم تقوم الساعة} ms3640 أي القيامة ~~التي هي إعادة الخلائق الذين كانوا بالتدريج في ألوف من السنين لا يعلم ~~مقدارها إلا الله تعالى في أقل من لمح البصر، ولذا سميت بالساعة إعلاما ~~بيسرها عليه سبحانه {يقسم المجرمون} أي العريقون في الإجرام جريا منهم على ~~ديدن الجهل في الجزم بما لم يحيطوا به علما: {ما} أي إنهم ما {لبثوا} في ~~الدنيا والبرزخ {غير ساعة} أي قدر يسير من ليل أو نهار. # ولما كان هذا أمرا معجبا لأنه كلام كذب بحيث يؤرث أشد الفضيحة والخزي في ~~ذلك الجمع الأعظم مع أنه غير مغن شيئا، استأنف قوله تنبيها على أنه الفاعل ~~له: فلا عجب {كذلك} أي مثل ذلك الصرف عن حقائق الأمور إلى شكوكها {كانوا} ~~في الدنيا كونا هو كالجبلة {يؤفكون*} أي يصرفون عن الصواب الذي منشأه تحري ~~الصدق والإذعان للحق إلى الباطل الذي منشأه تحري المغالبة بصرفنا لهم، # PageV15P130 # فإنه لا فرق في قدرتنا وعلمنا بين حياة وحياة، ودار ودار، ولعله بنى ~~الفعل للمجهول إشارة إلى سهولة انقيادهم إلى الباطل مع أي صارف كان. # PageV15P131 # ولما وصف الجاهلين، أتبعه صفة العلماء فقال: {وقال الذين} وعبر بقوله: ~~{أوتوا العلم} تنبيها على شكر من آتاهموه، وبناه للمجهول إشارة إلى تسهيل ~~أخذه عليهم من الجليل والحقير، وأتبعه ما لا يشرق أنواره ويبرز ثماره غيره، ~~فقال: {والإيمان} إشارة إلى تفكرهم في جميع الآيات الواضحة والغامضة مقسمين ~~كما أقسم أولئك محققين مقالهم مواجهين للمجرمين تبكيتا وتوبيخا مؤكدين ما ~~أنكر أولئك: {لقد لبثتم في كتاب الله} أي في إخبار قضاء الذي له جميع ~~الكمال الذي كتبه في كتابه الذي كان يخبر به الدنيا {إلى يوم البعث} كما ~~قال تعالى: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [المؤمنون: 100] وأما تعيين ~~مدة اللبث فأخفاه عن عباده، ولما أعلم القرآن أن غاية البرزخ البعث، وصدق ~~في إخباره، سببوا عن ذلك قوله: {فهذا} أي فتسبب ما كنا نقوله وتكذبوننا ~~فيه، نقول لكم الآن حيث لا تقدرون على تكذيب: هذا {يوم البعث} أي الذي آمنا ~~به وكنتم # PageV15P131 # تنكرونه، قد كان ms3641 طبق ما كنا نقوله لكم، فقد تبين بطلان قولكم، وكنتم ~~تدعون الخلاص فيه بأنواع من التكاذيب قصدا للمغالبة، فما كنتم صانعين عند ~~حضوره فاصنعوه الآن، تنبيها لهم على أنه لا فائدة في تحرير مقدار اللبث في ~~الدنيا ولا في البرزخ، وإنما الفائدة في التصديق بما أخبر به الكتاب حيث ~~كان التصديق نافعا. ولما كان التقدير: قد أتى كما كنا به عالمين، فلو كان ~~لكم نوع من العلم لصدقتمونا في إخبارنا به فنفعكم ذلك الآن، عطف عليه قوله: ~~{ولكنكم كنتم} أي كونا هو كالجبلة لكم في إنكاركم له {لا تعلمون*} أي ليس ~~لكم علم أصلا، لتفريطكم في طلب العلم من أبوابه، والتوصل إليه بأسبابه، ~~فلذلك كذبتم به فاستوجبتم جزاء ذلك اليوم. # ولما كان قوله تعالى: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [النساء: 173] ~~في أشكالها من الآيات دالا على أن هذه الدنيا دار العمل، وأن دار الآخرة ~~دار الجزاء، وأن البرزخ هو حائل بينهما، فلا يكون في واحدة منهما ما ~~للأخرى، سبب عن ذلك قوله: {فيومئذ} أي إذ تقوم الساعة، وتقع هذه المقاولة ~~{لا ينفع} أي نفعا ما {الذين ظلموا} أي وضعوا الأمور في غير مواضعها ~~{معذرتهم} وهي ما تثبت عذرهم، وهو إيساغ الحلية في وجه يزيل ما ظهر من # PageV15P132 # التقصير لأنهم لا عذر لهم وإن بالغوا في إثباته، والعبارة شديدة جدا من ~~حيث كانت تعطي أن من وقع منه ظلم ما يوما ما كان هذا حاله، وهي تدل على أنه ~~تكون منهم معاذير، وترقق كثير، وتذلل كبير، فلا يقبل منه شيء - هذا على ~~قراءة الجماعة بتأنيث الفعل وهي أبلغ من قراءة الكوفيين بتذكيره بتأويل ~~العذر، لأنه إذا لم ينفع الاعتذار الكثير لم ينفع القليل الذي دل عليه ~~المجرد ولا عكس، ويمكن أن يكون قراءة الجمهور متوجهة للكفرة وقراءة ~~الكوفيين للعصاة من المؤمنين، فإن منهم من ينفعه الاعتذار فيعفى عنه، ويشهد ~~لهذا ما ورد في آخر أهل النار خروجا منها أنه يسأل في صرف وجهه عنها ويعاهد ~~ربه سبحانه أنه لا يسأله غير ms3642 ذلك، فإذا صرفه عن ذلك رأى شجرة عظيمة فيسأل ~~أن يقدمه إلى ظلها فيقول الله: ألست أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسال؟ ~~فيقول: بلى! يارب! ولكن لا أكون أشقى خلقك - الحديث، وفيه «وربه يعذره» ~~فهذا قد قبل عذره # PageV15P133 # في الجملة، ولا يطلب منه أن يزيل العتب لأن ذلك لا يمكن إلا بالعمل، وقد ~~فات محله، فأتت المغفرة من وراء ذلك كله. # ولما كان العتاب من سنة الأحباب قال: {ولا هم} أي الذين وضعوا الأشياء في ~~غير مواضعها {يستعتبون*} أي يطلب منهم ظاهرا أوباطنا بتلويح أو تصريح أن ~~يزيلوا ما وقعوا فيه مما يوجب العتب، وهو الموجدة عن تقصير يقع فيه ~~المعتوب، لأن ذلك لا يكون إلا بالطاعة وقد فات محلها بكشف الغطاء لفوات ~~الدار التي تنفع فيها الطاعات لكونها إيمانا بالغيب، والعبارة تدل على أن ~~المؤمنين يعاتبون عتابا يلذذهم. # ولما أبانت هذه السورة طرق الإيمان أي بيان، وألقت على وجوه أهل الطغيان ~~غاية الخزي والهوان، وكان التقدير: لقد أتينا في هذه السورة خاصة بعد عموم ~~ما في سائر القرآن بكل حجة لا تقوم لها الأمثال، ولم نبق لأحد عذرا ولا ~~شيئا من إشكال، لكونها ليس لها في وضوحها مثال، عطف عليه قوله صارفا الكلام ~~إلى مقام العظمة تقبيحا لمخالفتهم لما يأتي من قبله وترهيبا من الأخذ مؤكدا ~~لأنهم # PageV15P134 # ينكرون أن يكون في القرآن دلالة، ومن أقر منهم مع الكفر فكفره قائم مقام ~~إنكاره: {ولقد ضربنا} . # ولما كانت العناية فيها بالناس أكثر، قال: {للناس} فقدمهم في الذكر {في ~~هذا القرآن} أي عامة هذه السورة وغيرها {من كل مثل} أي معنى غريب هو أوضح ~~وأثبت من أعلام الجبال، في عبارة هي أرشق من سائر الأمثال. # ولما كان المختوم على مشاعرهم منهم لا يؤمنون بشيء. وكان ذلك من أدل دليل ~~على علمه تعالى وقدرته، قال مقسما تكذيبا لقولهم في الاقتراحات خاصا من أهل ~~العلم والإيمان رأسهم، دلالة على أن التصرف في القلوب من العظم بمكانة تجل ~~عن الوصف، معبرا بالشرط إعلاما بأنه سبحانه ms3643 لا يجب عليه شيء، عاطفا على ~~نحو: فلم ينفعهم شيء من ذلك: {ولئن جئتهم} أي الناس عامة {بآية} أي دلالة ~~واضحة على صدقك معجزة، غير ما جئتهم به مما اقترحوه ووعدوا الإيمان به ~~مرئية كانت أو مسموعة {ليقولن الذين كفروا} أي حكمنا بكفرهم غلظة وجفاء، ~~ودل على فرط عنادهم بقوله: {إن} أي ما ولما كان التخصيص بالغلظة أشد على ~~النفس، ضم إليه أتباعه تسلية وبيانا لعظيم شقاقهم فقال: {أنتم} أي أيها ~~الآتي بالآية وأتباعه # PageV15P135 # {إلا مبطلون*} أي من أهل العرافة في الباطل بالإتيان بما لا حقيقة له في ~~صورة ما له حقيقة، وأما الذين آمنوا فيقولون: نحن بهذه الآية مؤمنون. # ولما كان من أعجب العجب أن من يدعي العقل يصر على التكذيب بالحق، ولا ~~يصغي لدليل، ولا يهتدي لسبيل، قال مستأنفا في جواب من سأله: هل يكون مثل ~~هذا الطبع؟ ومرغبا في العلم: {كذلك} أي مثل هذا الطبع العظيم جدا، ولما كان ~~كون الشيء الواحد لناس هداية ولناس ضلالة جامعا إلى العظمة تمام العلم ~~والحكمة، صرف الخطاب عنها إلى الاسم الأعظم الجامع فقال: {يطبع الله} أي ~~الذي لا كفوء له، فمهما أراد كان، عادة مستمرة، ونبه على كثرة المطبوع ~~عليهم بجمع الكثرة فقال: {على قلوب الذين لا يعلمون*} أي لا يجددون - أي ~~لعدم القابلية - العلم بأن لا يطلبوا علم ما يجهلونه مما حققه هذا الكتاب ~~من علوم الدنيا والآخرة رضى منهم بما عندهم من جهالات سموها دلالات، ~~وضلالات ظنوها هدايات وكمالات. # ولما كان هذا مذكرا بعظيم قدرته بعد الإياس من إيمانهم، سبب عنه قوله: ~~{فاصبر} أي على إنذارهم مع هذا الجفاء والرد بالباطل # PageV15P136 # والأذى، فإن الكل فعلنا لم يخرج منه شيء عن إرادتنا. # ولما كان قد تقدم إليه بأنه لا بد أن يظهر أمره على كل أمر، علله بقوله ~~مؤكدا لأن إنفاذ مثل ذلك في محل الإنكار لعظم المخالفين وكثرتهم مظهرا غير ~~مضمر لئلا يظن التقييد بحيثية الطبع: {إن وعد الله} أي الذي له الكمال كله ~~في كل ما وعدك ms3644 به الذي منه نصرك وإظهار دينك على الدين كله ونصر من قارب ~~أتباعك في التمسك بكتاب من كتب الله وإن كان قد نسخ على من لا كتاب له {حق} ~~أي ثابت جدا يطابقه الواقع كما يكشف عنه الزمان، وتأتي به مطايا الحدثان. # ولما كان التقدير: فلا تعجل، عطف عليه قوله: {ولا يستخفنك} أي يحملنك على ~~الخفة ويطلب أن تخف باستعجال النصر خوفا من عواقب تأخيره أو بتفتيرك عن ~~التبليغ، بل كن بعيدا منهم بالغلظة والجفاء والصدع بمر الحق من غير محاباة ~~ما، بعدا لا يطمعون معه أن يحتالوا في خفتك في ذلك بنوع احتيال، وقراءة ~~«يستحقنك» من الحق # PageV15P137 # معناها: أي لا يطلب منك الحق الذي هوالفصل العدل بينك وبينهم أي لا تطلبه ~~أنت، فهو مثل: لا أرينك ههنا تنهى نفسك وأنت تريد نهيه عن الكون بحيث تراه، ~~والنهي في قراءة الجماعة بالثقيلة أشد منه في رواية رويس عن يعقوب ~~بالخفيفة، فقراءة الجماعة مصوبة إلى أصل الدين، أي لا تفعل معهم فعلا ~~يطمعهم في أن تميل إليهم فيه، وقراءة رويس إلى نحو الأموال فإنه كان ~~يتألفهم بالإيثار بها، ولا شك أنه إذا آثرهم على أكابر المسلمين أطمعهم ذلك ~~في أن يطلبوا أن يميل معهم، وما أفاد هذا إلا تحويل النهي، ولو قيل: لا ~~تخفن معهم، لم يفد ذلك، ولا يقال عكس هذا من أن النهي في الثقيلة أخف لأنه ~~نهي عن الفعل المؤكد فيبقى أصل الفعل. # وكذا ما صحبه تأكيد خفيف، وفي الخفيفة غير المؤكد تأكيدا خفيفا فلا يبقى ~~غير أصل الفعل فهو أبلغ، لأن النون لم تدخل إلا بعد دخول الناهي فلم تفد ~~إلا قوة النهي لا قوة المنهي عنه - والله أعلم. {الذين لا يوقنون} أي أذى ~~الذين لا يصدقون بوعودنا تصديقا ثابتا في القلب بل هم إما شاكون فأدنى شيء ~~يزلزلهم كمن يعبد الله على حرف، أو مكذبون بنصر الله لأوليائه المؤمنين ~~ولمن قاربهم في التمسك بكتاب أصله صحيح، فهم يبالغون في العداوة والتكذيب ~~حتى أنهم ليخاطرون في وعد ms3645 الله بنصر الروم على فارس، # PageV15P138 # كأنهم على ثقة وبصيرة من أمرهم في أن ذلك لا يكون، فإذا صدق الله وعده في ~~ذلك بإظهار عن قريب علموا كذبهم عيانا، وعلموا - إن كان لهم علم - أن الوعد ~~بالساعة لإقامة العدل على الظالم والعود بالفضل على المحسن كذلك يأتي وهو ~~صاغرون، ويحشرون وهو داخرون، {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} ~~[الشعراء: 227] ، فقد انعطف آخرها على أولها عطف الحبيب على الحبيب، واتصل ~~به اتصال القريب بالقريب، والتحم التحام النسيب بالنسيب. # PageV15P139 # مقصودها إثبات الحكمة للكتاب اللازم منه حكمة منولة سبحانه في أقواله ~~وأفعاله، وقصة لقمان المسمى به السورة دليل واضح على ذلك كأنه سبحانه لما ~~أكمل ما أ) اد من أول القرآن إلى آخره براءة الني هي سورة عزو الروم، وكان ~~سبحانه قد ابتدأ القرآن أم القرآن بنفي الريب عن هذا الكتاب، وأنه هدى ~~للمتقين، واستدل على ذلك فيما تبعها من السور، ثن ابتدأ سورة يونس بعد سورة ~~عزو الروم بإثبات حكمته، وأتبع ذلك دليله إلى أن ختم سورة الروم، ابتدأ ~~دورا جديدا على وجه أضخم من الأول، فوصفه في أول هذه التالية للروم بما ~~وصفه به في يونس التالية لغزو الروم، وذلك الوصف هو الحكمة وزاد أنه هدى ~~وهداية للمحسنين، فهؤلاء أصحاب النهايات، والمتقون أصحاب البدايات. # PageV15P140 # ولما أثبت في آل عمران أنه أنزل بالحق، أثبتت في السجدة تنزيله ونفي ~~الريب عن أنه من عنده، وأثبت أنه الحق، واستمر فيما بعد هذا من السور ~~مناظرا في الأغلب لما مضى كما يعرف ذلك بالإمعان في التذكر والتأمل ~~والتدبر: {بسم الله} الذي وسع رحمة وعلما # PageV15P140 # {الرحمن} الذي بث بعموم حكمته شامل نعمته في سائر بريته {الرحيم *} الذي ~~أنار لخاصته طريق جنته، فداموا وهاموا في محبته. # لما ختمت الروم بالحث على العلم، وهو ما تضمنه هذا الكتاب العظيم، والأمر ~~بالصبر والتمسك بما فيه من وعد، والنهي عن الإطماع لأهل الاستخفاف في ~~المقاربة لهم في شيء من الأوصاف، وكان ذلك هو الحكمة، قال أول هذه: {آلم} ~~مشيرا بها إلى ms3646 أن الله الملك الأعلى القيوم أرسل - لأنه ظاهر مع أن الباطن ~~- جبرائيل عليه السلام إلا محمد عليه الصلاة والسلام بوحي ناطق من الحكم ~~والأحكام بما لم ينطق به من قبله إمام، ولا يلحقه في ذلك شيء مدى الأيام، ~~فهو المبدأ وهو الختام، وإلى ذلك أو ما تعبيره بإداة البعد في قوله: {تلك} ~~أي الآيات التي هي من العلو والعظمة بمكان لا يناله إلا من جاهد نفسه حتى ~~هذبها بالتخلي عن جميع الرذائل، والتحلي بسائر الفضائل {آيات الكتاب} ~~الجامع لجميع أنواع الخير {الحكيم} بوضع الأشياء في حواق مراتبها فلا ~~يستطاع نقض شيء من إبرامه، ولا معارضة شيء ومن كلامه، الدال ذلك على تمام ~~علم منزله وخبرته، وشمول عظمته وقدرته، ودقيق صنائعه # PageV15P141 # في بديع حكمته، فلا بد من نصر المؤمنين ومن داناهم في التمسك بكتاب له ~~أصل من عند الله. # وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما تكرر الأمر بالاعتبار والحض عليه ~~والتنبيه بعجائب المخلوقات في سورة الروم كقوله سبحانه: {أو لم يتفكروا في ~~أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} [الروم: 8] ~~وقوله: {أو لم يسيروا في الأرض} [الروم: 9] وقوله: {الله يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده} [الروم: 11] وقوله: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} ~~[الروم: 19] إلى قوله: {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} [الروم: 28] وهي عشر ~~آيات تحملت من جليل الاعتبار والتنبيه ما لا يبقى معه شبهة ولا توقف لمن ~~وفق إلى ما بعد هذا من آيات التنبيه وبسط الدلائل وذكر ما فطر عليه العباد ~~وضرب الأمثال الموضحة سواء السبيل لمن عقل معانيها وتدبر حكمها إلى قوله: ~~{ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} [الروم: 58] وهي إشارة إلى ما ~~أودع الله كتابه المبين من مختلف الأمثال وشتى العظات وما تحملت هذه السورة ~~من ذلك، أتبع سبحانه ذلك بقوله الحق: {الم تلك آيات الكتاب الحكيم} أي ~~دلائله وبراهينه لمن وفق وسبقت له الحسنى وهو المحسنون الذين ذكرهم بعد، ~~ووصف الكتاب بالحكيم يشهد لما مهدناه، ثم أشار سبحانه إلى ms3647 من حرم منفعته ~~والاعتبار به، واستبدل الضلالة بالهدى، وتنكب عن سنن # PageV15P142 # فطرة الله التي فطر الناس عليها فقال: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} - ~~الآيات، ثم أتبع ذلك بما يبكت كل معاند، ويقطع بكل جاحد، فذكر خلق السماوات ~~بغير عمد مرئية مشاهدة لا يمكن في أمرها امتراء، ثم ذكر خلق الأرض وما أودع ~~فيها، ثم قال سبحانه {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} ثم اتبع ~~ذلك بذكر من هداه سبيل الفطرة فلم تزغ به الشبه ولا تنكب سواء السبيل فقال: ~~{ولقد آتينا لقمان الحكمة} - الآية، لتأسيس من اتبع فطرة الله التي تقدم ~~ذكرها في سورة الروم، ثم تناسق الكلام وتناسج - انتهى. # ولما كان الإحسان ما دعت إليه سورة الروم من الإيمان بلقاء الله، منزها ~~عن شوائب النقص، موصوفا بأوصاف الكمال، معبودا بما شرعه على وجه الإخلاص، ~~والانقياد مع الدليل كيفما توجه، والدوران معه كيفما دار، وكان ذلك هو عين ~~الحكمة، قال تعالى: {هدى} أي حال كونها أو كونه بيانا متقنا {ورحمة} أي ~~حاملا على القيام بكل ما دعا إليه، والتقدير على قراءة حمزة بالرفع: هي أو # PageV15P143 # هو، وقال: {للمحسنين} إشارة إلى أن من حكمته أنه خاص في هذا الكمال وضعا ~~للشيء في محله بهذا الصنف، وهم الذين لزموا التقوى فأدتهم إلى الإحسان، وهو ~~عبادته تعالى على المكاشفة والمراقبة فهي له أو هو لها آخر، ثم وصفهم في ~~سياق الرحمة والحكمة والبيان بالعدل بيانا لهم بما دعت إليه سورة الروم من ~~كمال الإحسان في معاملة الحق والخلق اعتقادا وعملا فقال: {الذين يقيمون ~~الصلاة} أي يجعلونها كأنها قائمة بفعلها بسبب إتقان جميع ما آمر بعد فيها ~~وندب إليه، وتوقفت بوجه عليه، على سبيل التجديد في الأوقات المناسبة لها ~~والاستمرار، ولم يدع إلى التعبير بالوصف كالمقيمين داع ليدل على الرسوخ لأن ~~المحسن هو الراسخ في الدين رسوخا جعله كأنه يرى المعبود ودخل فيها الحج ~~لأنه لا يعظم البيت في كل يوم خمس رات إلا معظم له بالحج فعلا او قوة ms3648 ~~{ويؤتون الزكاة} أي كلها فدخل فيها الصوم لأنه لا يؤدي زكاة الفطر إلا من ~~صامه قوة أو فعلا. # ولما كان الإيمان أساس هذه الأركان، وكان الإيمان بالبعث جامعا لجميع ~~أنواعه، وحاملا على سائر وجوه الإحسان، وكان قد ختم الروم بالإعراض أصلا ~~عمن ليس فيه أهلية الإيقان، قال: {وهم} أي خاصة # PageV15P144 # لكمالهم فيما دخلوا فيه من هذه المعاني {بالآخرة} التي تقدم أن المجرمين ~~عنها غافلون {هم يوقنون} أي مؤمنون بها إيمان موقن فهم لا يفعل شيئا ~~الإيمان بها، ولا يغفل عنها طرفة عين، فهو في الذروة العليا من ذلك، فهو ~~يعبد الله كأنه يراه، فآية البقرة بداية. وهذه نهاية. # PageV15P145 # ولما كانت هذه الخلال أمهات الأفعال، الموجبة للكمال، وكانت مساوية من ~~وجه لآية البقرة ختمها بختامها، بعد أن زمها بزمامها، فقال: {أولئك} أي ~~العالوا الرتبة الحائزون منازل القربة أعظم رتبة {على هدى} أي عظيم هم ~~متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء، وقال: {من ربهم} تذكيرا لهم بأنه ~~لولا إحسانه ما وصلوا إلى شيء. ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب، خوفا من ~~الإعجاب {وأولئك هم} أي خاصة {المفلحون *} أي الظافرون بكل مراد. # ولما كان فطم النفس عن الشهوات. أعظم هدى قائد إلى حصول المرادات، وكان ~~اتباعها الشهوات أعظم قاطع عن الكمالات، وكان في ختام الروم أن من وقف مع ~~الموهومات عن طلب # PageV15P145 # المعلومات مطبوع على قلبه، وكان ما دعا إليه الكتاب هو الحكمة التي ~~نتيجتها الفوز، وما دعا إليه اللهو هو السفه المضاد للحكمة، بوضع الأشياء ~~في غير مواضعها، المثمر للعطب، قال تعالى معجبا ممن يترك الجد إلى اللهو، ~~ويعدل عن جوهر العلم إلى صدق السهو، عاطفا على ما تقديره: فمن الناس من ~~يتحلى بهذا الحال فيرقى إلى حلبة أهل الكمال: {ومن} ويمكن أن يكون حالا من ~~فاعل الإشارة. أي أشير إلى آيات الكتاب الحكيم حال كونه هدى لمن ذكر والحال ~~أن من {الناس} الذين هم في أدنى رتبة الإحساس، لم يصلوا إلى رتبة أهل ~~الإيمان، فضلا عن مقام أولي الإحسان. # ولما كان التقدير: ms3649 من يسير بغير هذا السير، فيقطع نفسه عن كل خير، عبر ~~عنه بقوله: {من يشتري} أي غير مهتد بالكتاب ولا مرحوم به {لهو الحديث} أي ~~ما يلهي من الأشياء المتجددة التي تستلذ فيقطع بها الزمان من الغناء ~~والمضحكات وكل شيء لا اعتبار فيه، فيوصل النفس بما أوصلها إليه من اللذة ~~إلى مجرد الطبع # PageV15P146 # البهيمي فيدعوها إلى العبث من اللعب كالرقص ونحوه مجتهدا في ذلك معملا ~~الخيل في تحصيله باشتراء سببه، معرضا عن اقتناص العلوم وتهذيب النفس بها عن ~~الهموم والغموم، فينزل إلى أسفل سافلين كما علا الذي قبله بالحكمة إلى أعلى ~~عليين - قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في رجل اشترى جارية تغنيه ليلا ~~ونهارا، وقال مجاهد: في شرى القيان والمغنين والمغنيات، وقال ابن مسعود: ~~اللهو الغناء، وكذا قال ابن عباس وغيره. # ولما كان من المعلوم أن عاقبة هذه الملاهي الضلال، بانهماك النفس في ذلك، ~~لما طبعت عليه من الشهوة لمطلق البطالة، فكيف مع ما يثير ذلك ويدعو إليه من ~~اللذاذة، فتصير أسيرة الغفلة عن الذكر، وقبيلة الإعراض عن الفكر، وكان ~~المخاطب بهذا الكتاب قوما يدعون العقول الفائقة، والأذهان الصافية الرائقة ~~قال تعالى: {ليضل} من الضلال والإضلال على القراءتين، ضد ما كان عليه ~~المحسنون من الهدى # PageV15P147 # {عن سبيل الله} أي الطريق الواضح الواسع الموصل إلى رضى الملك الأعلى ~~المستجمع لصفات الكمال والجلال والجمال التي هم مقرون بكثير منها، منبها ~~لهم على أن هذا مضل عن السبيل ولا بد، وأن ذلك بحيث لا يخفى عليهم، فإن كان ~~مقصودا لهم فهو ما لا يقصده من له عداد البشر، وإلا كانوا من الغفلة سوء ~~النظر وعمى البصيرة بمنزلة هي دون ذلك بمراحل. # ولما كان المراد: من قصد الضلال عن الشيء، ترك ذلك الشيء، وكان العاقل لا ~~يقدم على ترك شيء إلا وهو عالم بأنه لا خير فيه قال: {بغير علم} ونكره ~~ليفيد السلب العام لكل نوع من أنواع العلم، أي لأنهم لا علم لهم بشيء من ~~حال السبيل ولا حال غيرها، علما ms3650 يستحق إطلاق العلم عليه بكونه يفيد ربحا أو ~~يبقى على رأس مال من دين أو دنيا، فإن هذا حال من استبدل الباطل بالحق ~~والضلال بالهدى. # ولما كان المستهزئ بالشيء المحتقر له لا يتمكن من ذلك إلا بعد الخبرة ~~التامة بحال ذلك الشيء وأنه لا يصلح لصالحه ولا يروج له حال بحال قال معجبا ~~تعجيبا آخر أشد من الأول بالنصب عطفا على «يضل» # PageV15P148 # في قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وبالرفع للباقين عطفا على {يشتري} ~~: {ويتخذها} أي يكلف نفسه ضد ما تدعوه إليه فطرته الأولى أن يأخذ السبيل ~~التي لا أشرف منها مع ما ثبت له من الجهل الطلق {هزوا} . # ولما أنتج له هذا الفعل الشقاء الدائم. بينه بقوله، جامعا حملا على معنى ~~«من» بعد أن أفرد حملا على لفظها، لأن الجمع في مقام الجزاء أهول، والتعجيب ~~من الواحد أبلغ {أولئك} أي الأغبياء البعيدون عن رتبة الإنسان، وتهكم بهم ~~التعبير باللام الموضوعة لما يلائم فقال: {لهم عذاب مهين *} أي يثبت لهم ~~الخزي الدائم ضد ما كان للمحسنين من الرحمة. # ولما كان الإنسان قد يكون غافلا، فإذا نبه انتبه، دل سبحانه على أن هذا ~~الإنسان المنهمك في أسباب الخسران لا يزداد على مر الزمان إلا مفاجأة لكل ~~ما يرد عليه من البيان بالبغي والطغيان، فقال مفردا للضمير حملا على اللفظ ~~أيضا لئلا يتعلق متمحل بأن المذموم إنما هو الجمع صارفا الكلام إلى مظهر ~~العظمة لما اقتضاه الحال من الترهيب: # PageV15P149 # {وإذا تتلى عليه آياتنا} أي يتجدد عليه تلاوة ذلك مع ما له من العظمة من ~~أي تال كان وإن عظم {ولى} أي بعد السماع، مطلق التولي سواء كان على حالة ~~المجانبة أو مدبرا {مستكبرا} أي حال كونه طالبا موجدا له بالإعراض عن ~~الطاعة تصديقا لقولنا آخر تلك {ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم ~~إلا مبطلون} [الروم: 58] . # ولما كان السامع لآياته سبحانه جديرا بأن تكسبه رقة وتواضعا، قال تعالى ~~دالا على أن هذا الشقي كان حاله عند سماعه وبعده كما كان قبل: ms3651 {كأن} أي ~~كأنه، أي مشبها حالة بعد السماع حاله حين {لم يسمعها} فدل ذلك على أنه لم ~~يزل على حالة الكبر لآنه شبه حاله مع السماع بحاله مع عدم السماع، وقد بين ~~أن حاله مع السماع الاستكبار فكان حاله قبل السماع كذلك. # ولما كان من لم يسمع الشيء قد يكون قابلا للسمع، فإذا كلم من قد جرت ~~العادة بأن يسمع منه سمع، بين أن حال هذا كما كان مساويا لما قبل التلاوة ~~فهو مساو لما بعدها، لأن سمعه مشابه لمن به صم، فالمضارع في «يتلى» مفهم ~~لأن الحال في الاستقبال كهي في الحال فقال تعالى: {كأن في أذنيه وقرا} أي ~~صمما يستوي معه تكليم غيره له وسكوته. # PageV15P150 # ولما تسبب عن ذلك استحقاقه لما يزيل نخوته وكبره وعظمته، وكان استمرار ~~الألم أعظم كاسر لذوي الشمم، وكان من طبع الإنسان الاهتزاز لوعد الإحسان ~~كائنا من كان نوع اهتزاز قال: {فبشره} فلما كان جديرا بأن يقبل - لا يولي ~~لظنه البشري - على حقيقتها لأن من يعلم أنه أهل للعذاب بأفعاله الصعاب لا ~~يزال يتوالى عليه النعم مرة بعد مرة حتى يظن أو يكاد يقطع بأن المعاصي سبب ~~لذلك وأنه - لما كان عند الله من عظيم المنزلة - لا يكره منه عمل من ~~الأعمال، قرعة بقوله: {بعذاب} أي عقاب مستمر {أليم *} . # ولما كانت معرفة ما لأحد الجزءين باعثة على السؤال عما للحزب الآخر، ~~وكانت إجابة السؤال عن ذلك من أتم الحكمة، استأنف تعالى قوله مؤكدا لأجل ~~إنكار الكفرة: {إن الذين آمنوا} أو اوجدوا الإيمان {وعملوا} أي تصديقا له ~~{الصالحات} وضعا للشيء في محله عملا بالحكمة {لهم جنات} أي بساتين {النعيم} ~~فأفاد سبحانه بإضافتها إليه أنه لا كدر فيها أصلا ولا شيء غير النعيم. ولما ~~كان ذلك قد لا يكون دائما. وكان لا سرور بشيء منقطع قال: {خالدين فيها} أي ~~دائما. # ولما كانت الثقة بالوعد على قدر الثقة بالواعد، وكان إنجاز الوعد # PageV15P151 # من الحكمة، قال مؤكدا لمضمون الوعد بالجنات: {وعد الله} الذي لا شيء أجل ~~منه؛ فلا ms3652 وعد أصدق من وعده، ثم أكده بقوله: {حقا} أي ثابتا ثباتا لا شيء ~~مثله، لأنه وعد من لا شيء مثله ولا كفوء له. # ولما كان النفس الغريب جديرا بالتأكيد، أتى بصفتين مما أفهمه الإتيان ~~بالجلالة تصريحا بهما تأكيدا لأن هذا لا بد منه فقال: {وهو} أي وعد بذلك ~~والحال أنه {العزيز} فلا يغلبه شيء {الحكيم*} أي المحكم لما يقوله ويفعله، ~~فلا يستطاع نقضه ولا نقصه. # ولما ختم بصفتي العزة - وهي غاية القدرة - والحكمة - وهي ثمرة العلم - دل ~~عليها باتقان أفعاله وإحكامها فقال: {خلق السماوات} أي على علوها وكبرها ~~وضخامتها {بغير عمد} وقوله: {ترونها} دال على الحكمة، إن قلنا إنه صفة لعمد ~~أو استئناف، إما أن قلنا بالثاني فلكون مثل هذا الخلق الكبير الواسع يحمل ~~بمحض القدرة، وإن قلنا بالأول فتركيب مثله على عمد تكون في العادة حاملة له ~~وهي مع ذلك بحيث لا ترى أدخل في الحكمة وأدق في اللطافة والعظمة، لأنه # PageV15P152 # يحتاج إلى عملين: تخفيف الكثيف وتقوية اللطيف. # ولما ذكر العمد المقلة، اتبعه الأوتاد المقرة فقال: {وألقى في الأرض} أي ~~التي أنتم عليها، جبالا {رواسي} والعجب من فوقها وجميع الرواسي التي ~~تعرفونها تكون من تحت، تثبتها عن {أن تميد} أي تتمايل مضطربة {بكم} كما هو ~~شأن ما على ظهر الماء. # ولا ذكر إيجادها وإصلاحها للاستقرار. ذكر ما خلقت له من الحيوان فقال: ~~{وبث فيها} أي فرق {من كل دابة} ولما ذكر ذلك ذكر ما يعيش به، فقال منبها ~~لمظهر العظمة على أن ذلك وإن كان لهم في بعضه تسبب لا يقدر عليه إلا هو ~~سبحانه: {وأنزلنا} أي بما لنا من العزة اللازمة للقدرة، وقدم ما لا قدرة ~~لمخلوق عليه بوجه فقال: {من السماء ماء} ولما تسبب عن ذلك تدبير الأقوات، ~~وكان من آثار الحكمة التابعة للعمل، دل عليه بقوله: {فأنبتنا} أي بما لنا ~~من العلو في الحكمة {فيها} أي الأرض بخلط الماء بترابها {من كل زوج} أي صنف ~~من النبات متشابه {كريم*} بما له من البهجة والنضرة الجالبة للسرور ms3653 ~~والمنفعة والكثرة الحافظة لتلك الدواب. # PageV15P153 # ولما ثبت بهذا الخلق العظيم على هذا الوجه المحكم عزته وحكمته، ثبتت ~~ألوهيته فألزمهم وجوب توحيده في العبادة كما توحد بالخلق، # PageV15P153 # لأن ذلك عين الحكمة، كما كان خلقه لهذا الخلق على هذا النظام ليدل عليه ~~سبحانه سر الحكمة، فقال ملقنا للمحسنين من حزبه ما ينبهون به المخالفين ~~موبخا لهم مقبحا لحالهم في عدو لهم عنه مع علمهم بما له من التفرد بهذه ~~الصنائع: {هذا} أي الذي تشاهدونه كله {خلق الله} أي الذي له جميع العظمة ~~فلا كفوء له. # ولما كان العاقل بل وغيره لا ينقاد لشيء إلا أن رأى له فعلا يوجب ~~الانقياد له، نبه على ذلك بقوله جوابا لما تقديره: فإن ادعيتم لما دونه مما ~~عبدتموه من دونه خلقا عبدتموه لأجله: {فأروني ماذا خلق الذين} زاد اسم ~~الإشارة زيادة في التقريع بتأكيد النفي المقصود من الكلام، ونبه على سفول ~~رتبتهم بقوله مضمرا لأنه ليس فيما أسند إلى الاسم الأعظم حيثية يخشى من ~~التقييد بها نقص: {من دونه} فسأله في رؤية ما خلقوا غبنه أحد أصلا بأن ~~انقدتم لما لا ينقاد له حيوان فضلا عن إنسان بكونه لا فعل له أصلا، فكان من ~~حقكم - إن كانت لكم عقول - أن تبحثوا اولا هل لهم أفعال أم لا؟ ثم إذا ثبت ~~فهل هي محكمة أم لا، ثم إذا ثبت فهل شاركهم غيرهم أم لا، وإذا # PageV15P154 # ثبت أن غيرهم شاركهم فأيهما أحكم وأما أنكم تنقادون لهم ولا فعل لهم أصلا ~~ثم تقدرون أن لهم أفعالا ترجونهم بها وتخشونهم، فهذا ما لا يتصوره حيوان ~~أصلا، ولذلك قال تعالى: {بل} منبها على أن الجواب: ليس لهم خلق، بل عبدتهم ~~أو أنتم في جعلهم شركاء، هكذا كان الأصل، ولكنه قال: {الظالمون} أي ~~العريقون في الظلم، تعميما وتنبيها على الوصف الذي أوجب لهم كونهم {في ~~ضلال} عظيم جدا محيط بهم {مبين} أي في غاية الوضوح، وهو كونهم يضعون ~~الأشياء عنهم بجبال الهوى فلا حكمة لهم. # ولما ثبتت حكمته سبحانه وأنه أبعدهم عنها ms3654 بما قضى عليهم من الجهل وغباوة ~~العقل وآتاها من تاب، واعتصم بآيات الكتاب، توقع السامع الإخبار عن بعض من ~~آتاه الحكمة من المتقدمين الذين كانوا من المحسنين، فوضعوا الأشياء في ~~مواضعها بأن آمنوا على قوله: «وهو العزيز الحكيم» أو على مقدر تقديره: لأنا ~~أضللناهم بحكمتنا وآتينا الحكمة الذين قبلوا آياتنا وأحسنوا التعبد لنا فما ~~عبدوا صمنا ولا مالوا إلى لهو، لأن ذلك عين الحكمة لكونه وضعا للشيء في ~~محله، فهو # PageV15P155 # تقدير لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم. # بالرسالة: {ولقد آتينا} بما لنا من العظمة والحكمة {لقمان} وهو عبد من ~~عبيدنا {الحكمة} وهو العلم المؤيد بالعمل والعمل المحكم بالعلم، وقال ~~الحرالي: هي العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم، والحكم الحمل على جميع ~~أنواع الصبر والمصابرة ظاهرا بالإيالة العالية، ولا يتم الحكم وتستوي ~~الحكمة إلا بحسب سعة العلم، وقال ابن ميلق: إن مدارها على إصابة الحق ~~والصواب في القول والعمل، ولهذا قال ابن قتيبة: لا يقال لشخص حكيما حتى ~~تجتمع له الحكمة في القول والفعل، قال: ولا يسمى المتكلم بالحكمة حكيما حتى ~~يكون عاملا بها - انتهى. # ومن بليغ حكمته ما أسنده صاحب الفردوس عن ابن عمر رضي الله عنهما ان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حقا أقول! لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان ~~عبدا ضمضامة كثير التفكر حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمن عليه بالحكمة، ~~كان نائما نصف النهار إذ جاءه نداء، قيل: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله ~~خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق، فأجاب: إن خيرني ربي قبلت العافية ~~ولم أقبل البلاء، وإن عزم علي فسمعا وطاعة، فإني أعلم أنه أن فعل ذلك ربي ~~عصمني وأعانني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: # PageV15P156 # لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل ~~مكان، إذ يعدل فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في ~~الدنيا ذليلا خير من أن يكون شريفا، ومن تخير الدنيا على الآخرة تفتنه ~~الدنيا ولا يصيب الآخرة، فعجبت الملائكة ms3655 من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي ~~الحكمة فانتبه يتكلم بها» وفي الفردوس عن مكارم الأخلاق لأبي بكر بن لال عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحكمة عشرة ~~أجزاء تسعة منها في العزلة وواحد في الصمت» ، وقال لقمان: لا مال كصحة ولا ~~نعيم كطيب نفس، وقال: ضرب الوالد لولده كالسماء للزرع، وقيل له: أي الناس ~~شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا، وقيل له: ما أقبح وجهك! فقال: ~~تعيب النقش أو النقاش، وقال البغوي: إنه قيل له: لم بلغت ما بلغت؟ قال: ~~بصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني - انتهى. فهو سبحانه من حكمته ~~وحكمه أن يرفع ما يشاء بما يعلمه منه سلامة الطبع وإن كان عبدا فلا يدع أن ~~يختص # PageV15P157 # محمدا صلى الله عليه وسلم ذا النسب العالي والمنصب المنيف في كل خلق شريف ~~بالرسالة من بين قريش وإن لم يكن من أهل الدنيا المتعظمين بها، قال ابن ~~ميلق: من حكمته سبحانه أن يجمع بين أثرى عدله وفضله، وأن يعاقب بينهما في ~~الظهور فيذل ويعز ويفقر ويغني ويسقم ويشفي ويفني ويبقي إلى غير ذلك، فما من ~~سابق عدل إلا له لاحق فضل، ولا سابق فضل إلا له لاحق عدل، غير أن أثر العدل ~~والفضل قد يتعلق بالبواطن خاصة، وقد يتعلق أحدهما بالظاهر والآخر بالباطن، ~~وقد يكون اختلاف تعلقمها في حالة واحدة، وقد يكون على البدل، وعلى قدر تعلق ~~الأثر السابق يكون تعلق الأثر اللاحق. # ولما كانت الحكمة قاضية بذلك، أجرى الله سبحانه آثار عدله على ظواهر ~~أصفيائه دون بواطنهم، ثم عقبت ذلك بإيراد آثار فضله على بواطنهم وظواهرهم ~~حتى صار من قاعدة الحكمة الإلهية تفويض ممالك الأرض للمستضعفين فيها ~~كالنجاشي حيث بيع في صغره، وذلك كثير موجود بالاستقراء، فمن كمال تربية ~~الحكيم لمن يريد إعلاء شأنه أن يجري على ظاهره من أثر العدل ما فيه تكميل ~~لهم وتنوير لمداركهم وتطهير لوجودهم وتهذيب وتأديب - إلى غير ذلك من فؤائد ~~التربية، ومن ms3656 تتبع أحوال الأكابر من آدم عليه السلام وهلم جرا رأى من حسن # PageV15P158 # بلاء الله سبحانه وتعالى لهم ما يشهد لما قررته بالصحة إن شاء الله تعالى ~~- انتهى. # ولما كانت الحكمة هي الإقبال على الله قال: {أن اشكر} وهو وإن كان ~~تقديره: قلنا له كذا، يؤول إلى «آتيناه الشكر» وصرف الكلام إلى الاسم ~~الأعظم الذي لم يتسم به غيره سبحانه دفعا للتعنت، ونقلا عن مظهر العظمة إلى ~~أعظم منها فقال: {لله} بأن وفقناه له بما سببناه له من الأمر به لأن الحكمة ~~في الحقيقة هي القيام بالشكر لا الإيصاء به، ويمكن أن تكون «أن» مصدرية، ~~ويكون التقدير: آتيناه إياها بسبب الشكر، وعبر بفعل الأمر إعلاما بأن شكره ~~كان لامتثال الأمر ليكون أعلى. # ولما كان التقدير: فبادر وشكر، فما نفع إلا نفسه، كما أنه لو كفر ما ضر ~~إلا نفسه، عطف عليه معرفا أنه غني عن شكر الشاكرين قوله معبرا بالمضارع ~~الدال على أن من أقبل عليه - في أي زمان كان - يلقاه ويكون معروفه له دائما ~~بدوام العمل: {ومن يشكر} أي يجدد الشكر ويتعاهد به نفسه كائنا من كان ~~{فإنما يشكر} أي يفعل ذلك {لنفسه} أي فإنما ينفع نفسه، فإن الله يزيده من ~~فضله فإن الله # PageV15P159 # شكور مجيد {ومن كفر} فإنما يضر نفسه، وعبر بالماضي إشارة إلى أن من وقع ~~منه كفر ولو مرة جوزي بالإعراض عنه {فإن الله} عبر بالاسم الأعظم لأنه في ~~سياق الحكمة، والحكيم من أدام استحضار صفات الجلال والجمال فغلب خوفه رجاءه ~~ما دام في دار الأكدار {غني} عن الشكر وغيره {حميد *} أي له جميع المحامد ~~وإن كفره جميع الخلائق، فإن تقدير الكفر عليهم بحيث لا يقدرون على الانفكاك ~~عنه من جملة محامدة بالقدرة والعزة والفهم والعظمة. ويجوز - وهو أقرب - أن ~~يعود «غني» إلى الكافر و «حميد» إلى الشاكر، فيكون اسم فاعل، فيكون ~~التقدير: ومن كفر فإنما يكفر على نفسه، ثم سبب عن الجملتين وهما كون عمل كل ~~من الشاكر والكافر لا يتعداه قوله «فإن الله غني» أي ms3657 عن شكر الكافر «حميد» ~~للشاكر، والآية على الأول من الاحتباك: تخصيص الشكر بالنفس أولا يدل على ~~حذف مثله من الكفر ثانيا، وإثبات الصفتين يدل على حذف مثلهما أولا. # PageV15P160 # ولما كان الإنسان لا يعرف حكمة الحكيم إلا بأقواله وأفعاله، ولا صدق ~~الكلام وحكمته إلا بمطابقته للواقع، فكان التقدير: اذكر ما وصفنا به لقمان ~~لتنزل عليه ما تسمع من أحواله وأفعاله في توفية حق الله وحق الخلق الذي هو ~~مدار الحكمة، عطف عليه قوله: {وإذ} # PageV15P160 # أي واذكر بقلبك لتتعظ وبلسانك لتعظ غيرك - بما أنك رسول - ما كان حين ~~{قال لقمان لابنه} ما يدل على شكره في نفسه وامره به لغيره فإنه لا شكر ~~يعدل البراءة من الشرك، وفيه حث على التخلق بما مدح به لقمان بما يحمل على ~~الصبر والشكر والمداومة على كل خير، وعلى تأديب الولد، بسوق الكلام على وجه ~~يدل على تكرير وعظه فقال: {وهو يعظه} أي يوصيه بما ينفعه ويرقق قلبه ويهذب ~~نفسه، ويوجب له الخشية والعدل. # ولما كان أصل توفية حق الحق تصحيح الاعتقاد وإصلاح العمل، وكان الأول ~~أهم، قدمه فقال: {يا بني} فخاطبه بأحب ما يخاطب به، مع إظهار الترحم ~~والتحنن والشفقة، ليكون ذلك أدعى لقبول النصح {لا تشرك} أي لا توقع الشرك ~~لا جليا ولا خفيا، ولما كان في تصغيره الإشفاق عليه، زاد ذلك بإبراز الاسم ~~الأعظم الموجب لاستحضار جميع الجلال، تحقيقا لمزيد الإشفاق. فقال: {بالله} ~~أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له، ثم علل هذا النهي بقوله: {إن الشرك} اي ~~بنوعيه {لظلم عظيم*} أي فهو ضد الحكمة، لأنه وضع الشيء في غير محله، فظلمه ~~ظاهر من جهات عديدة جدا، أظهرها أنه تسوية المملوك الذي ليس له من ذاته إلا ~~العدم نعمة منه أصلا بالمالك الذي له وجوب # PageV15P161 # الوجود، فلا خير ولا نعمة إلا منه، وفي هذا تنبيه لقريش وكل سامع على أن ~~هذه وصية لا يعدل عنها، لأنها من أب حكيم لابن محنو عليه محبوب، وأن آباءهم ~~لو كانوا حكماء ما فعلوا إلا ذلك، لأنه ms3658 يترتب عليها ما عليه مدار النعم ~~الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية، العاجلة والآجلة، وهو الأمن والهداية ~~{الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} ~~[الأنعام: 82] فإنه لما نزلت تلك الآية كما هو صحيح البخاري في غير موضع عن ~~عبد الله بن مسعود رضي الله عنه شق ذلك على الصحابة رضي الله تعالى عنهم ~~فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إنه ليس بذاك، ألم تسمع إلى قول لقمان {إن الشر لظلم عظيم} » . # ولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوصى به ولده من شكر المنعم الأول الذي لم ~~يشركه في إيجاده أحد، وذكر ما عليه الشرك من الفظاعة والشناعة والبشاعة، ~~أتبعه سبحانه وصيته للولد بالوالد لكونه المنعم الثاني المتفرد سبحانه ~~بكونه جعله سبب وجود الولد اعترافا بالحق # PageV15P162 # وإن صغر لأهله وإيذانا بأنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس، وتفخيما لحق ~~الوالدين، لكونه قرن عقوقهما بالشرك، وإعلاما بأن الوفاء شيء واحد متى نقص ~~شيء منه تداعى سائره كما في الفردوس عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # «لو أن العبد لقي الله بكمال ما افترض عليه ما خلا بر الوالدين ما دخل ~~الجنة، وإن بر الوالدين لنظام التوحيد والصلاة والذكر» ولذلك لفت الكلام ~~إلى مظهر العظمة ترهيبا من العقوق ورفعا لما لعله يتوهم من أن الانفصال عن ~~الشرك لا يكون إلا بالإعراض عن جميع الخلق. # ولما قد يخيله الشيطان من أن التقيد بطاعة الوالد شرك، مضمنا تلك الوصية ~~إجادة لقمان عليه السلام في تحسين الشرك وتقبيح الشرك لموافقته لأمر رب ~~العالمين، وإيجاب امتثال ابنه لأمره، فقال مبينا حقه وحق كل والد غيره، ~~ومعرفا قباحة من أمر ابنه بالشرك لكونه منافيا للحكمة التي أبانها لقمان ~~عليه السلام، وتحريم امتثال الابن لذلك ووجوب مخالفته لأبيه فيه تقديما ~~لأعظم الحقين، وارتكابا لأخف الضررين: {ووصينا} أي قال لقمان ذلك لولده ~~نصحا له والحال # PageV15P163 # أنا بعظمتنا وصينا ولده به بنحو ما أوصاه به ms3659 في حقنا - هكذا كان الأصل، ~~ولكنه عبر بما يشمل غيره فقال: {الإنسان} أي هذا النوع على لسان أول نبي ~~أرسلنا وهلم جرا وبما ركزناه في كل فطرة من أنه ما جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان {بوالديه} فكأنه قال: إن لقمان عرف نعمتنا عليه وعلى أبناء نوعه ~~لوصيتنا لأولادهم بهم فشكرنا ولقن عنا نهيهم بذلك عن الشرك لأنه كفران ~~لنعمة المنعم، فانتهى في نفسه ونهى ولده، فكان بذلك حكيما. # ولما كانت الأم في مقام الاحتقار لما للأب من العظمة بالقوة والعقل والكد ~~عليها وعلى ولدها، نوه بها ونبه على ما يختص به من أسباب وجود الولد وبقائه ~~عن الأب مما حصل لها من المشقة بسببه وما لها إليه من التربية. فقال معللا ~~أو مستأنفا: {حملته أمه وهنا} أي حال كونها ذات وهن تحمله في أحشائها، ~~وبالغ بجعلها نفس الفعل دلالة على شدة ذلك الضعف بتضاعفه كلما أثقلت {على ~~وهن} أي هو قائم بها من نفس خلقها وتركيبها إلى ما يزيدها التمادي بالحمل، ~~ثم أشار إلى ما لها عليه من المنة بالشفقة وحسن الكفالة وهو لا يملك # PageV15P164 # لنفسه شيئا بقوله: {وفصاله} أي فطامه من الرضاعة بعد وضعه. # ولما كان الوالدان يعدان وجدان الولد من أعظم أسباب الخير والسرور، عبر ~~في أمره بالعام الذي تدور مادته على السعة لذلك وترجية لهما بالعول عليه ~~وتعظيما لحقهما بالتعبير بما يشير إلى صعوبة ما قاسيا فيه باتساع زمنه ~~فقال: {في عامين} تقاسي فيهما في منامه وقيامه ما لا يعلمه حق علمه إلا لله ~~تعالى، وفي التعبير بالعام أيضا إشارة إلى تعظيم منتهاه بكونها تعد أيام ~~رضاعه - مع كونها أضعف ما يكون في تربيته - أيام سعة وسرور، والتعبير ب ~~«في» مشيرا إلى أن الوالدين لهما أن يفطماه قبل تمامهما على حسب ما يحتمله ~~حاله، وتدعو إليه المصلحة من أمره. # ولما ذكر الوصية وأشار إلى أمهات أسبابها، ذكر الموصى به فقال مفسرا ل ~~«وصينا» : {أن اشكر} ولما كان الشكر منظورا إليه أتم نظر، قصر فعله، أي ~~أوجد هذه الحقيقة ms3660 ولتكن من همك. ولما كان لا بد له من متعلق، كان كأنه قال: ~~لمن؟ فقال مقدما ما هو أساس الموصى به في الوالدين ليكون معتدا به، لافتا ~~القول إلى ضمير الواحد من غير تعظيم # PageV15P165 # تنصيصا على المراد: {لي} أي لأني المنعم بالحقيقة {ولوالديك} لكوني ~~جعلتهما سببا لوجودك والإحسان بتربيتك، وذكر الإنسان بهذا الذكر في سورة ~~الحكمة إشارة إلى أنه أتم الموجودات حكمة قال الرازي في آخر سورة الأحزاب ~~من لوامعه: الموجودات كلها كالشجرة، والإنسان ثمرتها، وهي كالقشور والإنسان ~~لبابها، وكالمبادئ والإنسان كمالها، ومن أين للعالم ما للإنسان؟ بل العالم ~~العلوي فيه، ليس في العالم العلوي ما فيه، فقد جمع ما بين العالمين بنفسه ~~وجسده، واستجمع الكونين بعقله وحسه، وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر ~~الأعلى به وحيا قوليا، وسلم لمن له الخلق والأمر تسليما اختياريا طوعيا. ثم ~~علل الأمر بالشكر محذرا فقال: {إلي} لا إلى غيري {المصير*} أي فأسألك عن ~~ذلك كما كانت منهما البداءة ظاهرا بما جعلت لهما من التسبب في ذلك، ~~فيسألانك عن القيام بحقوقهما وإن قصرت فيها شكواك إلى الناس وأقاما عليك ~~الحجة وأخذا بحقهما. # ولما ذكر سبحانه وصيته بهما وأكد حقهما، أتبعه الدليل على ما ذكر لقمان ~~عليه السلام من قباحة الشرك فقال: {وإن جاهداك} أي مع ما أمرتك به من ~~طاعتهما، وأشار بصيغة المفاعلة إلى مخالفتهما وإن بالغا في الحمل على ذلك ~~{على أن تشرك بي} وأشار بأداة # PageV15P166 # الاستعلاء إلى أنه لا مطمع لمن أطاعهما في ذلك ولو باللفظ فقط أن يكون في ~~عداد المحسنين وإن كان الوالدان في غاية العلو والتمكن من الأسباب الفاتنة ~~له بخلاف سورة العنكبوت فإنها لمطلق الفتنة، وليست لقوة الكفار، فعبر فيها ~~بلام العلة، إشارة إلى مطلق الجهاد الصادق بقويه وضعيفه، ففي الموضعين نوع ~~رمز إلى أنه إن ضعف عنهما أطاع باللسان، ولم يخرجه ذلك عن الإيمان، كما ~~أخرجه هنا عن الوصف بالإحسان، ولذلك حذر في الأية التي بعد تلك من النفاق ~~لأجل الفتنة، وأحال سبحانه على اتباع الأدلة على حكم ms3661 ما وهب من العقل عدلا ~~وإنصافا فقال: {ما ليس لك به علم} إشارة إلى أنه لا يمكن أن يدل علم من ~~أنواع العلوم على شيء من الشرك بنوع من أنواع الدلالات بل العلوم كلها دالة ~~على الوحدانية على الوجه الذي تطابقت عليه العقول، وتظافرت عليه من ~~الأنبياء والرسل النقول، وأما الوجه الذي سماه أهل الإلحاد بمذهب الاتحاد ~~توحيدا فقد كفى في أنه ليس به علم إطباقهم على أنه خارج عن طور العقل، ~~مخالف لكل ما ورد عن الأنبياء من نقل، وإن لبسوا بإدعاء متابعة بعض الآيات ~~كما بينه كتابي الفارض، فلا يمكن أن يتمذهب به أحد إلا بعد الانسلاخ من # PageV15P167 # العقل والتكذيب بالنقل، فلم يناد أحد على نفسه بالإبطال ما نادوا به على ~~أنفسهم ولكن من يضلل الله فما له من هاد. # فلما قرر ذلك على هذا المنوال البديع، قال مسببا عنه: {فلا تطعهما} أي في ~~ذلك ولو اجتمعا على المجاهدة لك عليه، بل خالفهما، وإن أدى الأمر إلى السيف ~~فجاهدهما به، لأن أمرهما بذلك مناف للحكمة حامل على محض الجور والسفه، ففيه ~~تنبيه لقريش على محض الغلط في التقليد لآبائهم في ذلك. # ولما كان هذا قد يفهم الإعراض عنهما رأسا في كل أمر إذا خالفا في الدين، ~~أشار إلى أنه ليس مطلقا فقال: {وصاحبهما في الدنيا} أي في أمورها التي لا ~~تتعلق بالدين ما دامت حياتهما. # ولما كان المبنى على النقصان عاجزا عن الوفاء بجميع الحقوق، خفف عليه ~~بالتنكير في قوله: {معروفا} أي ببرهما إن كانا على دين يقران عليه ~~ومعاملتهما بالحلم والاحتمال وما يقتضيه مكارم الأخلاق ومعالي الشيم، قال ~~ابن ميلق: ويلوح من هذه المشكاة تعظيم الأشياخ الذين كانوا في العادة سببا ~~لإيجاد القلوب في دوائر التوحيد العلمية والعملية - # PageV15P168 # يعني ففي سوق هذه الوصية هذا المساق أعظم تنبيه على أن تعظيم الوسائط من ~~الخلق ليس مانعا من الإخلاص في التوحيد، قال ابن ميلق: ومن هنا زلت أقدام ~~أقوام تعمقوا في دعوى التوحيد حتى أعرضوا عن جانب الوسائط فوقعوا ms3662 في الكفر ~~من حيث زعموا التوحيد فإن تعظيم المعظم في الشرع تعظيم لحرمات الله، ~~وامتثال لأمر الله، ولعمري إن هذه المزلة ليتعثر بها أتباع إبليس حيث أبى ~~أن يسجد لغير الله، ثم قال ما معناه: وهؤلاء قوم أعرضوا عن تعظيم الوسائط ~~زاعمين الغيرة على مقام التوحيد، وقابلهم قوم أسقطوا الوسائط جملة وقالوا: ~~إنه ليس في الكون إلا هو، وهم أهل الوحدة المطلقة، والكل على ضلال، والحق ~~الاقتصاد والعدل في إثبات الخالق وتوحيده، وتعظيم من أمر بتعظيمه من عبيده. # ولما كان ذلك قد يجر إلى نوع وهن في الدين ببعض محاباة، نفى ذلك بقوله: ~~{واتبع} أي بالغ في أن تتبع {سبيل} أي دين وطريق {من أناب} أي أقبل خاضعا ~~{إلي} لم يلتفت إلى عبادة غيري، وهم المخلصون من أبويك وغيرهما، فإن ذلك لا ~~يخرجك عن برهما ولا عن توحيد الله والإخلاص له، وفي هذا حث على معرفة ~~الرجال بالحق، وأمر بحك المشايخ وغيرهم على محك الكتاب والسنة، فمن # PageV15P169 # كان عمله موافقا لها اتبع، ومن كان عمله مخالفا لهما اجتنب. # ولما كان التقدير: فإن مرجع أموركم كلها في الدنيا إلي، عطف عليه قوله: ~~{ثم إلي} أي في الآخرة، لا إلى غيري مرجعك - هكذا كان الأصل، ولكنه جميع ~~لإرادة التعميم فقال معبرا بالمصدر الميمي الدال على الحدث وزمانه ومكانه: ~~{مرجعكم} حسا ومعنى، فأكشف الحجاب {فأنبئكم} أي أفعل فعل من يبالغ في ~~التنقيب والإخبار عقب ذلك وبسببه، لأن ذلك أنسب شيء للحكمة وإن كان تعقيب ~~كل شيء بحسب ما يليق به {بما كنتم} بما هو لكم كالجبلة {تعملون*} أي تجددون ~~عمله من صغير وكبير، وجليل وحقير، وما كان في جبلاتكم مما لم يبرز إلى ~~الخارج، فأجازي من أريد وأغفر لمن أريد، فأعد لذلك عدته، ولا تعمل عمل من ~~ليس له مرجع يحاسب فيه ويجازي على مثاقيل الذر من أعماله، ولعله عبر عن ~~الحساب بالتنبئة لأن العلم بالعمل سبب للمجازاة عليه أو لأنه جمع القسمين، ~~ومحاسبة السعيد العرض فقط بدلالة التضمن ومحاسبة الشقي بالمطابقية. # PageV15P170 # ولما ms3663 فرغ من تأكيد ما قاله لقمان عليه السلام في الشكر والشرك فعلم ما ~~أوتي من الحكمة، وختمه بعد الوصية بطاعة الوالد بذكر دقيق الأعمال وجليلها، ~~وأنها في علم الله سواء، حسن جدا الرجوع إلى تمام بيان حكمته، فقال بادئا ~~بما يناسب ذلك من دقيق العلم ومحيطه المكمل لمقام التوحيد، وعبر بمثقال ~~الحبة لأنه أقل ما يخطر غالبا بالبال، وهي من أعظم حاث على التوحيد الذي ~~مضى تأسيسه: {يا بني} متحببا مستعطفا، مصغرا له بالنسبة إلى حمل شيء من غضب ~~الله تعالى مستضعفا: {إنها} أي العمل، وأنث لأنه في مقام التقليل والتحقير، ~~والتأنيث أولى بذلك، ولأنه يؤول بالطاعة والمعصية والحسنة والسيئة {إن تك} ~~وأسقط النون لغرض الإيجار في الإيصاء بما ينيل المفاز، والدلالة على أقل ~~الكون وأصغره {مثقال} أي وزن، ثم حقرها بقوله: {حبة} وزاد في ذلك بقوله: ~~{من خردل} هذا على قراءة الجمهور بالنصب، ورفع المدنيان على معنى أن الشأن ~~والقصة العظيمة أن توجد في وقت من الأوقات هنة هي أصغر شيء وأحقره - بما ~~أشار إليه التأنيث. # ولما كان قد عرف أن السياق لماذا أثبت النون في قوله مسببا عن صغرها: ~~{فتكن} إشارة إلى ثباتها في مكانها. وليزداد تشوف النفس إلى محط الفائدة ~~ويذهب الوهم كل مذهب لما علم من # PageV15P171 # أن المقصد عظيم بحذف النون وإثبات هذه، وعسرها بعد أن حقرها بقوله معبرا ~~عن أعظم الخفاء وأتم الإحراز: {في صخرة} أي أي صخرة كانت ولو أنها أشد ~~الصخور وأقواها وأصغرها وأخفاها. # ولما أخفى وضيق، أظهر ووسع، ورفع وخفض، ليكون أعظم لضياعها لحقارتها ~~فقال: {أو في السماوات} أي في أي مكان كان منها على سعة أرجائها وتباعد ~~أنحائها، وأعاد «أو» نصا على إرادة كل منهما على حدته، والجار تأكيدا ~~للمعنى فقال: {أو في الأرض} أي كذلك، وهذا كما ترى لا ينفي أن تكون الصخرة ~~فيهما أو في إحداهما، وعبر له بالاسم الأعظم لعلو المقام فقال: {يأت بها ~~الله} بعظم جلاله، وباهر كبريائه وكماله، بعينها لا يخفى عليه ولا يذهب شيء ~~منها، ms3664 فيحاسب عليها، ثم علل ذلك من علمه وقدرته بقوله مؤكدا إشارة إلى أن ~~إنكار ذلك لما له من باهر العظمة من دأب النفوس إن لم يصحبها التوفيق: {إن ~~الله} فأعاد الاسم الأعظم تنبيها على استحضار العظمة وتعميما للحكم {لطيف} ~~أي عظيم المت # PageV15P172 # بالوجوه الخفية الدقيقة الغامضة في بلوغه إلى أمر أراده حتى بضد الطريق ~~الموصل فيهما يظهر للخلق {خبير *} بالغ العلم بأخفى الأشياء فلا يخفى عليه ~~شيء، ولا يفوته أمر. # ولما نبهه على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب، أمره مما يدخره لذلك ~~توسلا إليه، وتخضعا لديه، وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه، ~~فقال: {يا بني} مكررا للمناداة على هذا الوجه تنبيها على فرط النصيحة لفرط ~~الشفقة {أقم الصلاة} أي بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها، سعيا في نجاة ~~نفسك وتصفية سرك، فإن إقامتها - وهي الإيتان بها على النحو المرضي - مانعة ~~من الخلل في العمل {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} لأنها الإقبال على ~~من وحدته فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق ~~عدم، ولهذا الإقبال والإعراض كانت ثانية التوحيد، وترك ذكر الزكاة تنبيها ~~على أن من حكمته تخليه وتخلي ولده من الدنيا حتى مما يكفيهم لقوتهم. # ولما أمر بتكميله في نفسه بتكميل نفسه توفية لحق الحق، عطف على ذلك ~~تكميله لنفسه بتكميل غيره توفية لحق الخلق، وذلك أنه لما # PageV15P173 # كان الناس في هذه الدار سفرا، وكان المسافر إن أهمل رفيقه حتى أخذ أوشك ~~أن يؤخذ هو، أمره بما يكمل نجاته بتكميل رفيقه، وقدمه - وإن كان من جلب ~~المصالح - لأنه يستلزم ترك المنكر، وأما ترك المنكر فلا يستلزم فعل الخير، ~~فإنك إذا قلت: لا تأت منكرا، لم يتناول ذلك في العرف إلا الكف عن فعل ~~المعصية، لا فعل الطاعة، فقال: {وأمر بالمعروف} أي كل من تقدر على أمره ~~تهذيبا لغيرك شفقة على نفسك بتخليص أبناء جنسك. # ولما كانت هذه الدار سفينة لسفر من فيها إلى ربهم، وكانت المعاصي مفسدة ~~لها، وكان فساد السفينة ms3665 مغرقا لكل من فيها: من أفسدها ومن أهمل المفسد ولم ~~يأخذ على يده، وكان الأمر بالمعروف نهيا عن المنكر، صرح به فقال: {وانه} أي ~~كل من قدرت على نهيه {عن المنكر} حبا لأخيك ما تحب لنفسك، تحقيقا لنصيحتك، ~~وتكميلا لعبادتك، لأنه ما عبد الله أحد ترك غيره يتعبد لغيره، ومن هذا ~~الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى: # ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم # لأنه أمره أولا بالمعروف، وهو الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، فإذا ~~أمر نفسه ونهاها، ناسب أن يأمر غيره ينهاه، وهذا وإن كان # PageV15P174 # من قول لقمان عليه السلام إلا أنه لما كان في سياق المدح له كنا مخاطبين ~~به. # ولما كان القابض على دينه في غالب الأزمان كالقابض على الجمر، لأنه يخالف ~~المعظم فيرمونه عن قوس واحدة لا سيما أن أمرهم ونهاهم، قال تعالى: {واصبر} ~~صبرا عظيما بحيث يكون مستعليا {على ما} أي الذي، وحقق بالماضي أنه لا بد من ~~المصيبة ليكون الإنسان على بصيرة، فقال: {أصابك} أي في عبادتك من الأمر ~~بالمعروف وغيره سواء كان بواسطة العباد أو لا كالمرض ونحوه، وقد بدأ هذه ~~الوصية بالصلاة وختمها بالصبر لأنها ملاك الاستعانة # {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] واختلاف المخاطب في الموضعين ~~أوجب اختلاف الترتيبين، المخاطب هنا مؤمن متقلل، وهناك كافر متكثر. # ولما كان ما أحكمه له عظيم الجدوى، وجعل ختامه الصبر الذي هو ملاك ~~الأعمال والتروك كلها، نبهه على ذلك بقوله على سبيل التعليل والاستئناف ~~إيماء إلى التبجيل: {إن ذلك} أي الأمر العظيم الذي أوصيتك به لا سيما الصبر ~~على المصائب: {من عزم الأمور} أي # PageV15P175 # معزوماتها، تسمية لاسم المفعول أو الفاعل بالمصدر، أي الأمور المقطوع بها ~~المفروضة أو القاطعة الجازمة بجزم فاعلها، أي التي هي أهل لأن يعزم عليها ~~العازم، وينحو إليها بكليته الجازم، فلا مندوحة في تركها بوجه من الوجوه في ~~ملة من الملل. # ولما كان من آفات العبادة لا سيما الأمر والنهي - لتصورهما بصورة ~~الاستعلاء - الإعجاب إلى الكبر، قال محذرا من ذلك ms3666 معبرا عن الكبر بلازمه، ~~لأن النفي الأعم نفي للأخص، منبها على أن المطلوب في الأمر والنهي اللين لا ~~الفظاظة والغلظة الحاملان على النفور: {ولا تصعر خدك} أي لا تمله معتمدا ~~إمالته بإمالة العنق متكلفا لها صرفا عن الحالة القاصدة، وأصل الصعر داء ~~يصيب البعير يلوي منه عنقه، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: تصاعر، ~~والمراد بالمفاعلة والتفعيل تعمد فعل ذلك لأجل الكبر حتى يصير خلقا، ~~والمراد النهي عما يفعله المصعر من الكبر - والله أعلم. # ولما كان ذلك قد يكون لغرض من الأغراض التي لا تذم، أشار إلى المقصود ~~بقوله تعالى: {للناس} بلام العلة، أي لا تفعل ذلك # PageV15P176 # لأجل الإمالة عنهم، وذلك لا يكون إلا تهاونا بهم من الكبر، بل أقبل عليهم ~~بوجهك كله مستبشرا منبسطا من غير كبر ولا علو، وأتبع ذلك ما يلزمه فقال: ~~{ولا تمش} ولما كان في أسلوب التواضع وذم الكبر، ذكره بأن أصله تراب، وهو ~~لا يقدر أن يعدوه فقال: {في الأرض} وأوقع المصدر موقع الحال أو العلة فقال: ~~{مرحا} أي اختيالا وتبخترا، أي لا تكن منك هذه الحقيقة لأن ذلك مشي أشر ~~وبطر وتكبر، فهو جدير بأن يظلم صاحبه ويفحش ويبغي، بل امش هونا فأن ذلك ~~يفضي بك إلى التواضع، فتصل إلى كل خير، فترفق بك الأرض إذا صرت فيها حقيقة ~~بالكون في بطنها. # ولما كانت غاية ذلك الرياء للناس والفخر عليهم المثمر لبغضتهم الناشئة عن ~~بغضة الله تعالى، علله بقوله مؤكدا لأن كثيرا من الناس يظن أن أسباغ النعم ~~الدنيوية من محبة الله: {إن الله} أي الذي لا ينبغي الكبر إلا له لما له من ~~العظمة المطلقة. ولما كان حب الله الذي يلزمه حب الناس محبوبا للنفوس، وكان ~~فوات المحبوب أشق على النفوس من وقوع المحذور، وكانت «لا» لا تدخل إلا على ~~المضارع المستقبل قال: {لا يحب} أي فيما يستقبل من الزمان، ولو قال «يبغض» ~~لاحتمال التقييد بالحال، ولما كان النشر المشوش أفصح لقرب الرجوع # PageV15P177 # تدليا فيما ترقى فيه المقبل قال: {كل مختال} أي ms3667 مراء للناس في مشيه ~~تبخترا يرى له فضلا على الناس فيشمخ بأنفه، وذلك فعل المرح {فخور} يعدد ~~مناقبه، وذلك فعل المصعر، لأن ذلك من الكبر الذي تردى به سبحانه وتعالى فمن ~~نازعه إياه قصمه. # PageV15P178 # ولما كان النهي عن ذلك امرا بأضداده، وكان الأمر بإطلاق الوجه يلزم منه ~~الإنصاف في الكلام، وكان الإنصاف في الكلام والمشي لا على طريق المرح ~~والفخر ربما دعا إلى الاستماتة في المشي والحديث أو الإسراع في المشي والسر ~~والجهر بالصوت فوق الحد، قال محترسا في الأمر بالخلق الكريم عما يقارب ~~الحال الذميم: {واقصد} أي اعدل وتوسط {في مشيك} لا إفراط ولا تفريط مجانبا ~~لوثب الشطار ودبيب المتماوتين، وعن ابن مسعود: كانوا ينهون عن خبب اليهود ~~ودبيب النصارى، والقصد في الأفعال كالقسط في الأوزان - قال الرازي في ~~اللوامع، وهو المشي الهون الذب ليس فيه تصنع للخلق لا بتواضع ولا بتكبر ~~{واغضض} أي انقص، ولأجل ما # PageV15P178 # ذكر قال: {من صوتك} بإثبات «من» أي لئلا يكون صوتك منكرا، وتكون برفع ~~الصوت فوق الحاجة حمارا، وأما مع الحاجة كالأذان فهو مأمور به. # ولما كان رفع الصوت فوق العادة منكرا كما كان خفضه دونها تماوتا أو دلالا ~~وتكبرا، وكان قد أشار إلى النهي عن هذا ب «من» فأفهم أن الطرفين مذمومان، ~~علل النهي عن الأول دالا بصيغة «أفعل» على اشتراك الرفع كله في النكارة ~~ذاكرا أعلاها تصويرا له بأقبح صورة تنفيرا عنه فقال: {إن أنكر} أي أفظع ~~وأبشع وأوحش {الأصوات} أي كلها المشتركة في النكارة برفعها فوق الحاجة، ~~وأخلى الكلام عن لفظ التشبيه فأخرجه مخرج الاستعارة تصويرا لصوت الرافع ~~صوته فوق الحاجة بصورة النهاق وجعل المصوت كذلك حمارا، مبالغة في التهجين، ~~وتنبيها على أنه من كراهة الله له بمكان فقال: {لصوت الحمير} أي هذا الجنس، ~~لما له من الغلو # PageV15P179 # المفرط من غير حاجة، وأوله زفير وآخره شهيق، وهما فعل أهل النار، وأفرده ~~ليكون نصا على إرادة الجنس لئلا يظن أن الاجتماع شرط في ذلك ولذكر الحمار ~~مع ذلك من بلاغة الذم ms3668 والشتم ما ليس لغيره ولذلك يستهجن التصريح باسمه، ~~وهذا يفهم أن الرفع مع الحاجة غير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع، ولقد ~~دعت هذه الآيات إلى معالي الأخلاق، وهي أمهات الفضائل الثلاث: الحكمة ~~والعفة والشجاعة، وأمرت بالعدل فيها، وهي وظيفة التقسيط الذي هو الوسط الذي ~~هو مجمع الفضائل، ونهت عن مساؤى الأخلاق، وهي الأطراف التي هي مبدأ الرذائل ~~الحاصل بالإفراط والتفريط، فإقامة الصلاة التي هي روح العبادة المبنية على ~~العلم هي سر الحكمة والنهي، أمر بالشجاعة ونهى عن الجبن، وفي النهي عن ~~التصعير وما معه نهي عن التهور، والقصد في المشي والغض في الصوت أمر بالعفة ~~ونهي عن الاستماتة والجمود والخلاعة والفجور، وفي النهي عن الاستماتة نهي ~~عما قد يلزمها من الجربزة، وهي الفكر بالمكر المؤدي إلى اللعنة، وعن ~~الانحطاط إلى البله والغفلة، والكافل بشرح هذا ما قاله الشيخ سعد الدين ~~التفتازاني في الكلام على الإجماع من تلويحه، قال: إن الخالق تعالى وتقدس ~~قد ركب في الإنسان ثلاث قوى: إحداها # PageV15P180 # مبدأ إدراك الحقائق، والشوق إلى النظر في العواقب، والتمييز بين المصالح ~~والمفاسد، ويعبر عنها بالقوة النطقية والعقلية والنفس المطمئنة الملكية، ~~والثانية مبدأ جذب المنافع وطلب الملاذ من المآكل والمشارب وغير ذلك، وتسمى ~~القوة الشهوية والبهيمية والنفس الأمارة، والثالثة مبدأ الإقدام على ~~الأهوال والشوق إلى التسلط والترفع، وهي القوة الغضبية والسبعية والنفس ~~اللوامة، ويحدث من اعتدال الحركة الأولى الحكمة، والثانية العفة، والثالثة ~~الشجاعة، فأمهات الفضائل هي هذه الثلاث، وما سوى ذلك إنما هو من تفريعاتها ~~وتركيباتها، وكل منها وكل منها محتوش بطر في إفراط وتفريط هما رذيلتان، أما ~~الحكمة فهي معرفة الحقائق على ما هي بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع ~~المعبر عنه بمعرفة النفس ما لها وما عليها المشار إليه بقوله تعالى: # {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} [البقرة: 269] وإفراطها الجربزة، ~~وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي كالمتشابهات، وعلى وجه لا ينبغي، كمخالفة ~~الشرائع - نعوذ بالله من علم لا ينفع قلت: وهي بجيم ثم مهملة ثم موحدة ثم ~~زاي مأخوذة ms3669 من الجربز - بالضم، وهو الخب، أي الخداع الخبيث - # PageV15P181 # والله أعلم، وتفريطها الغباوة التي هي تعطيل القوة الفكرية بالإرداة ~~والوقوف عن اكتساب العلوم النافعة، وأما الشجاعة فهي انقياد السبعية ~~للناطقة ليكون إقدامها على حسب الروية من غير اضطراب في الأمور الماثلة، ~~حتى يكون فعلها جميلا، وصبرها محمودا، وإفراطها التهور، أي الإقدام على ما ~~لا ينبغي، وتفريطها الجبن، أي الحذر عما لا ينبغي، وأما العفة فهي انقياد ~~البهيمة للناطقة، لتكون تصرفاتها بحسب اقتضاء الناطقة، لتسلم عن استعباد ~~الهوى إياها، واستخدام اللذات، وإفراطها الخلاعة والفجور، أي الوقوع في ~~ازدياد اللذات على ما يجب، وتفريطها الجمود، أي السكوت عن طلب الذات بقدر ~~ما رخص فيه العقل والشرع إيثارا لا خلقة، فالأوساط فضائل، والأطراف رذائل، ~~وإذا امتزجت الفضائل الثلاث حصلت من اجتماعها حالة متشابهة هي العدالة، ~~فبهذا الاعتبار عبر عن العدالة بالوساطة، أي في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا} [البقرة: 143] وإليه أشير بقوله عليه الصلاة والسلام «خير الأمور ~~أوساطها» والحكمة في النفس البهيمية بقاء البدن الذي هو مركب النفس الناطقة ~~ليصل إلى كمالها اللائق بها، ومقصدها المتوجه إليه، وفي السبعية كسر ~~البهيمية وقهرها ودفع الفساد المتوقع من استيلائها، واشترط التوسط في ~~أفعالها لئلا تستعبد الناطقة هواهما وتصرفاها # PageV15P182 # عن كمالها ومقصدها - انتهى. # ولما انقضت هذه الجمل، رافعة أعناقها على المشتري وزحل، قابلة لمن يريد ~~عملها مع الكسل، والضجر في الفكر والملل، وأين الثريا من يد المتناول، وكان ~~قد أخبر سبحانه وتعالى في أول السورة أن الآيات المسموعة هدى لقوم وضلال ~~لآخرين، وكان من الغرائب أن شيئا واحدا يؤثر شيئين متضادين، وأتبع ذلك ما ~~دل على أنه من بالغ الحكمة بوجوه مرضية مشرقة مضيئة، لكنها بمسالك دقيقة ~~وإشارات خفية، إلى أن ختم بالنهي عن التكبر، ورفع الصوت فوق الحاجة، إشارة ~~إلى أن فاعل ما لا حاجة إليه غير حكيم، وكان التكبر على الناس والتعالي ~~عليهم من آثار الفضل في النعمة، وكانت العادة جارية بأن اللك يخضع له تارة ~~لمجرد عظمته، وتارة خوفا من سطوته، وتارة رجاء ms3670 لنعمته، أبرز سبحانه وتعالى ~~غيب ما وصف به الآيات المسموعة من تأثير الضدين في حالة واحدة في شاهد ~~الآيات المرئية على وجه يدل على استحقاقه، لما أمر به لقمان عليه السلام من ~~العبادة والتذلل، وأن إليه المرجع، وهو عالم على استحقاقه، لما أمر به ~~لقمان شيء، وأن كل ما ترى خلقه مذكرا بأن النعمة إنما هي منه، فلا ينبغي ~~لأحد أن يفخر بما آتاه غيره، ولو كل فيه إلى نفسه لم يقدر على شيء منه، ~~محذرا من سلبها # PageV15P183 # عن المتكبر وإعطائها للذليل المحتقر، فقال: {ألم تروا} اي تعلموا علما هو ~~في ظهوره كالمشاهدة أيها المشترون لهو الحديث، المتكبرون علي المقبلين على ~~الله، المتخلين عن الدنيا، الذين قلنا لهم ردا عن الشرك وإبعادا عن الهوى ~~والإفك {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} {أن الله} أي الحائز ~~لكل كمال {سخر لكم} أي خاصة {ما في السماوات} بالإنارة والإظلام، والحر ~~والبرد وغير ذلك من الإنعام، وأكده بإعادة الموصول والجار، لأن المقام حقيق ~~به فقال: {وما في الأرض} بكل ما يصلحكم فتعلموا أن الكل خلقه، ما لأحد ممن ~~دونه فيه شيء، وأنه محيط بكل شيء قدرة وعلما، فهو قادر على تعسيره فينبئكم ~~بما كنتم تعملون ويحضره لكم وإن كان في أخفى الأماكن {وأسبغ} أي أطال وأوسع ~~وأتم وأفضل عن قدر الحاجة وأكمل {عليكم} أيها المكلفون {نعمه} أي # PageV15P184 # واحدة تليق بالدنيا - في قراءة الجماعة بإسكان العين وتاء تأنيث منصوبة ~~منونة تنوين تعظيم، مشيرا إلى أنها ذات أنواع كثيرة جدا، بما دلت عليه ~~قراءة المدنيين وأبي عمرو وحفص عن عاصم بجعل تاء التأنيث ضميرا له سبحانه ~~مع فتح العين ليكون جمعا {ظاهرة} وهي ما تشاهدونها متذكرين لها {وباطنة} ~~وهي ما غابت عنكم فلا يحسونها، أو تحسونها وهي خفية عنكم، لا تذكرونها إلا ~~بالتذكير، وكل منكم يعرف ذلك على الإجمال، فاعبدوه لما دعت إليه مجلة لقمان ~~عليه السلام لتكونوا من المحسنين، حذرا من سلب نعمه، وإيجاب نقمه، ويجوز أن ~~تكون الآية دليلا على قوله ms3671 تعالى: {خلق السماوات بغير عمد ترونها} . # ولما كان التقدير: ومع كون كل منكم أيها الخلق يعرف أن ذلك نعمة منه ~~سبحانه تعالى وحده فمن الناس من أذعن وأناب وسلم لكل ما دعا إليه كتابه ~~الحكيم على لسان رسوله النبي الكريم فكان من الحكماء الحسنين فاهتدى عطف ~~عليه قوله مظهرا موضع ضمير المخاطبين مما يشير إليه النوس: {ومن الناس} أي ~~الذين هم أهل للاضطراب، ويمكن أن يكون حالا من {ألم تروا} ويكون # PageV15P185 # {ألم تروا} دليلا على أول السورة، أي أشير إلى الآيات حال كونها هدى لمن ~~ذكر والحال أن من الناس من يشتري اللهو، ألم تروا دليلا على أن من الناس ~~المعاند بعد وضوح الدليل أن الله سخر لكم جميع العالم وأنعم عليكم بما أنعم ~~والحال أن من الناس {من يجادل} فلا لهو أعظم من جداله، ولا كبر مثل كبره، ~~ولا ضلال مثل ضلاله، وأظهر لزيادة التشنيع على هذا المجادل، وإشارة إلى قبح ~~المجادلة من غير نظر إلى النعم فقال تعالى: {في الله} المحيط بكل شيء علما ~~وقدرة. # ولما كان سبحانه في ظهور وجوده وأوصافه بحيث لا يخفى بوجه، وكان المجادل ~~قد يكون فهما، قال: {بغير} أي بكلام متصف بأنه غير {علم} أي بل بألفاظ هي ~~في ركاكة معانيها لعدم استنادها إلى حس ولا عقل ملحقة بأصوات الحيوانات ~~العحم، فكان بذلك حمارا تابعا للهوى. # ولما كان المعنى قد يظهر لبعض القاصرين، لوروده على لسان من لا يعتبر، ~~فإذا أضيف إلى كبير، تؤمل ولم يبادر إلى رده لاستعظامه، فظهر على طول حسه، ~~قال معبرا بأداة النفي الحقيقة به، لأن الموضع لها، وعدل عنها اولا لئلا ~~يظن أن المذموم إنما هو المجادل إذا كان غير متصف بالعلم # PageV15P186 # وإن كان جداله متصفا بالعلم: {ولا هدى} أي وارد عمن عهد منه سداد الأقوال ~~والأفعال بما أبدى من المعجزات والآيات البينات، فوجب أخذ اقواله مسلمة وإن ~~لم يظهر معناها. # ولما كان القول قد يكون مقبولا لاستناده إلى الله تعالى وإن لم يكن اصلا ~~معقولا، قال: {ولا ms3672 كتاب} أي من الله؛ ووصفه بما هو لازمه لا ينفك عنه فقال: ~~{منير*} أي بين غاية البيان، مبين لغيره على عادة بيان الله سبحانه وتعالى، ~~أو يكون أريد بالوصف الإعجاز لإظهاره قطعا أنه من الله، فإنه ليس كل كتاب ~~الله كذلك. # PageV15P187 # ولما كان المجادل بغير واحد من هذه الثلاثة تابعا هواه مقلدا مثله قطعا، ~~وكان حال المجادلين هذا لظهور أدلة الوحدانية عجبا، عجب منهم تعجيبا آخر ~~بإقامتهم على الضلال مع إيضاح الادلة فقال: {وإذا قيل} أي من أي قائل كان. ~~ولما كان ضلال الجمع أعجب من ضلال الواحد، وكان التعجيب من جدال الواحد ~~تعجيبا من جدال الاثنين فأكثر من باب الأولى، أفرد أولا وجمع هنا فقال: ~~{لهم} أي للمجادلين هذا الجدال: {اتبعوا ما} أي ابذلوا جهدكم في تبع الذي، ~~وأظهر لزيادة التشنيع أيضا فقال: {أنزل الله} الذي خلقكم وخلق آباءكم ~~الأولين، وهو الذي لا عظيم إلا هو {قالوا} # PageV15P187 # جمودا: لا نفعل {بل نتبع} وإن جاهدنا بالأنفس والأموال {ما وجدنا عليه ~~آباءنا} لأنهم أثبت منا عقولا، وأقوم قيلا، وأهدى سبيلا. # ولما كانوا لا يسلكون طريقا حسيا بغير دليل، كان التقدير: أتتبعونهم لو ~~كان الهوى يدعوهم فيما وجدتموهم عليه إلى ما يظن فيه الهلاك، لكونه بغير ~~دليل، فعطف عليه قوله: {أو لو كان الشيطان} أي البعيد من الرحمة المحترق ~~باللعنة، وهو أعدى اعدائهم، دليللهم فهو {يدعوهم} إلى الضلال فيوقعهم فيما ~~يسخط الرحمن فيؤديهم ذلك {إلى عذاب السعير*} وعبر بالمضارع تصويرا لحالهم ~~في ضلالهم وأنه مستمر، وأطلق العذاب على سببه. # ولما كان التقدير: فمن جادل في الله فلا متمسك له، عطف عليه قوله في شرح ~~حال أضدادهم: {ومن يسلم} أي في الحال أو الاستقبال {وجهه} أي قصده وتوجهه ~~وذاته كلها. ولما كان مقصود السورة إثبات الحكمة، عدى الفعل ب «إلى» تنبيها ~~على إتقان الطريق بالوسائط من النبي أو الشيخ وحسن الاسترشاد في ذلك، فقال ~~معلقا بما تقديره: ساترا وواصلا {إلى الله} الذي له صفات الكمال، # PageV15P188 # فلم يبق لنفسه أمر أصلا، فهو لا يتحرك ms3673 إلا بأمر من أوامره سبحانه {وهو} ~~أي والحال أنه {محسن} أي مخلص بباطنه كما أخلص بظاهره فهو دائما في حال ~~الشهود {فقد استمسك} أي أوجد الإمساك بغاية ما يقدر عليه من القوة في بادئه ~~الأمور لترقية نفسه من حضيضها إلى أوج الروح على أيدي المسلكين الذين ~~اختارهم لدينه، العارفين بأخطار السير وعوائق الطريق {بالعروة الوثقى} التي ~~هي أوثق ما يتمسك به فلا سقوط له أصلا، فليسررك شكره فإن ربه يعليه إلى كل ~~مراد ما دام متمسكا بها تمثيلا لحال هذا السائر بحال من سقط في بئر، أو ~~أراد أن يرقى جبلا، فادعى له صاحبه حبلا ذا عرى فأخذ بأوثقها، فهو يعلو به ~~إذا جره صديقه. وهو قادر على جره لا محالة من غير انفصام، لأن متمسكه في ~~غاية الإحكام. # ولما كان الكل صائرين إليه، رافدين عليه: من استمسك بالأوثق، ومن استمسك ~~بالأوهى، ومن لم يتمسك بشيء، إلا أن الأول صائر مع السلامة، وغيره مع ~~العطب، قال مظهرا تعظيما للأمر ولئلا يقيد بحيثية عاطفا على ما تقديره: ~~فيصير إلى الله سالما، فإلى الله عاقبته لا محال: {وإلى الله} أي الملك ~~الأعظم وحده تصير {عاقبة الأمور *} أي كما أنه كانت منه بادئتها، وإنما خص ~~العاقبة لأنهم مقرون بالبادئة. # PageV15P189 # ولا ذكر المسلم ذكر الكافر فقال: {ومن كفر} أي ستر ما أداه إليه عقله من ~~أن الله لا شريك له، وأنه لا قدرة لأحد سواه، ولم يسلم وجهه إليه، فتكبر ~~على الدعاة وأبى أن ينقاد لهم، اتباعا لما قاده إليه الهوى. بأن جعل لنفسه ~~اختيارا وعملا فعل القوي القادر، فقد ألقى نفسه في كل هلكة لكونه لم يتمسك ~~شيء {فلا يحزنك} أي يهمك ويوجعك، وأفرد الضمير باعتبار لفظ من لإرادة ~~التنصيص على كل فرد فقال: {كفره} كائنا من كان فإنه لم يفتك شيء فيه خير ~~ولا معجز لنا ليحزنك، ولا تبعة عليك بسببه، وفي التعبير هنا بالماضي وفي ~~الأول بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين، وأنهم لا يرتدون بعد ~~إسلامهم، وترغيب في الإسلام ms3674 لكل من كان خارجا عنه، فالآية من الاحتباك: ذكر ~~الحزن ثانيا دليلا على حذف ضده أولا، وذكر الاستسماك أولا دليلا على حذف ~~ضده ثانيا. # ولما كان الحزن بمعنى الهم، حسن التعليل بقوله التفاتا إلى مظهر العظمة ~~التي هذا من أخفى مواضعها، وجمع لأن الإحاطة بالجمع أدل على العظمة: ~~{إلينا} أي خاصة بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال # PageV15P190 # {مرجعهم} أي رجوعهم وزمانه ومكانه أي معنى في الدنيا وحسا يوم الحساب، لا ~~إلى غيرنا، ولما بين أنهم في قبضته، وأنه لا بد من بعثهم، بين أن السبب في ~~ذلك حسابهم لتظهر الحكمة فقال: {فننبئهم} بسبب إحاطتنا بأمرهم وعقب رجوعهم ~~{بما عملوا} أي ونجازيهم عليه إن أردنا. # ولما كان معنى التضعيف: نفعل معهم فعل منقب عن الأمور مفتش على جليها ~~وخفيها، جليلها ودقيقها، فلا نذر شيئا منها، علله بقوله معبرا بالاسم ~~الأعظم المفهم للعظمة وغيرها من صفات الكمال التي من أعظمها العلم، لفتا ~~للكلام عن العظمة التي لا تدل على غيرها إلا باللزوم، مؤكدا لإنكارهم شمول ~~علمه {إن الله عليم} أي محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال {بذات ~~الصدور*} أي بالأعمال التي هي صاحبتها، ومضمرة ومودعة فيها، فناشئة عنها ~~ومن قبل أن تبرز إلى الوجود، فكيف بذلك بعد عملها. # PageV15P191 # ولما تشوف المسلم إلى إهلاك من هذا شأنه وإلى العلم بمدة ذلك، وكان من ~~طبع الإنسان العجلة، أجاب من يستعجل بقوله عائدا إلى مظهر العظمة التي ~~يتقاضاها إذلال العدو وإعزاز الولي: {نمتعهم قليلا} # PageV15P191 # أي من الزمان ومن الحظوظ وإن جل ذلك عند من لا علم له، فلا تشغلوا أنفسكم ~~بالاستعجال عليهم فإن كل آت قريب. # ولما كان إلجاء المتجبرين إلى العذاب امرا مستبعدا، أشار بأداة البعد إلى ~~ما يحصل عنده من صفات الجلال، التي تذل الرجال، وتدك الجبال، وفيه أيضا ~~إشارة إلى استطالة المحسنين من تمتيعهم وإن كان قليلا في الواقع، أو عند ~~الله فقال: {ثم نضطرهم} أي نأخذهم اخذا لا يقدرون على الانفكاك عنه بنوع ~~حيلة، وأشار إلى ms3675 طول إذلالهم في مدة السوق بحرف الغاية، فكان المعنى: ~~فنصيرهم بذلك الأخذ {إلى عذاب غليظ *} أي شديد ثقيل، لا ينقطع عنهم أصلا ~~ولا يجدون لهم منه مخلصا من جهة من جهاته، فكأنه في شدته وثقله جرم غليظ ~~جدا إذا برك على شيء لا يقدر على الخلاص منه. # ولما كان من أعجب العجب مجادلتهم مع إقرارهم بما يلزمهم به # PageV15P192 # قطعا التسليم في أنه الواحد لا شريك له وأن له جميع صفات الكمال فله ~~الحمد كله، قال: {ولئن} أي يجادلون أو يقولون: بل نتبع آباءنا والحال أنهم ~~أن {سألتهم من خلق السماوات} بأسرها {والأرض} وجميع ما فيها {ليقولن} ولما ~~كان الأنسب للحكمة التي هي مطلع السورة الاقتصار على محل الحاجة، لم يزد ~~هنا على المسند إليه بخلاف الزخرف التي مبناها الإبانة، فقال لافتا القول ~~عن العظمة إلى أعظم منها فقال: {الله} أي «المسمى بهذا الاسم الذي جمع ~~مسماه بين الجلال والإكرام» فقد أقروا بأن كل ما أشركوا به بعض خلقه ومصنوع ~~من مصنوعاته. # ولما كانوا يعتقدون أن شركائهم تفعل لهم بعض الأفعال، فلذلك كانوا ~~يرجونهم ويخافونهم، كما أن ذلك واضح في قصة عم أنس الصم وغيرها، أمره صلى ~~الله عليه وسلم بأن يعلمهم أنه لا خلق لغيره ولا أمر، بل هو مبدع كل شيء في ~~السماوات والأرض كما أبدعهما، وأن من # PageV15P193 # جملة ذلك مما يستحق به الحمد سبحانه قهرهم على تصديقه صلى الله عليه ~~السلام بمثل هذا الإقرار وهم في غاية التكذيب، فقال مستأنفا: {قل الحمد} أي ~~الإحاطة بجميع أوصاف الكمال {لله} أي الذي له الإحاطة الشاملة الكاملة من ~~غير تقييد بخلق الخافقين ولا غيره «الأمر أعظم من مقالة قائل» كما أحاط بما ~~تعلمونه من خلق السماوات والأرض، فهو فاعل الإفعال كلها، كما أنه خالق ~~الذوات كلها، ولا شريك له في شيء من الأمر، كما أنه لا شريك له في شيء من ~~الخلق. # ولما كانوا يظنون أن أصنامهم تصنع شيئا كما قالت امرأة ذي النور الدوسي ~~رضي الله عنه: هل يخشى على ms3676 الصبية من ذي الشرى، وكما قال قوم ضمام بن ثعلبة ~~رضي الله عنه لما سب آلهتهم: اتق الجذام اتق البرص، وكما قال سادن العزى، ~~وكما قالت ثقيف في طاغيتهم، حتى أنهم قالوا عندما سويت بالأرض، والله ~~ليغضبن الأساس، حتى حمل ذلك المغيرة بن شعبة رضي الله عنه على أن حفر ~~الأساس، وكانوا إذا مستهم الضراء لا سيما في البحر تبرؤوا منها، وأسندوا ~~الأمر إلى من هو له كما هو مضمون التوحيد، فكان ربما قال قائل استنادا إلى ~~ذلك: # PageV15P194 # إنهم ليعلمون ما أثبت بالتحميد، قال: {بل أكثرهم لا يعلمون *} أي إن الله ~~هو المنفرد بكل شيء كما أنه تفرد بخلق السماوات والأرض، وأنه لا يكون شيء، ~~إلا بإذنه لأنهم لا يعملون بما يعلمون من ذلك، وعلم لا يعمل به عدم، بل ~~العدم خير منه، وكان القليل هم المقتصدون عند النجاة من الشدة كما سيأتي ~~آنفا، أو يكون المعنى أنه لا علم لهم أصلا إذ لو كان لهم علم لنفعهم في ~~علمهم بالله، أو في أنهم لا يقرون بتفرده سبحانه بالخلق والرزق، فيكون ذلك ~~موجبا لتناقضهم وملزما لهم بالإقرار بصدقك غي الحكم بوحدانيته على الإطلاق. ~~ولما أثبت لنفسه سبحانه الإحاطة بأوصاف الكمال، شرع يستدل على ذلك، فقال ~~مبينا أن ما أخبر أنه صنعه فهو له: {لله} أي الملك الأعظم المحيط بجميع ~~أوصاف الكمال خاصة دون غيره {ما في السماوات} كلها. ولما تحرر بما تقدم ~~أنهم عالمون مقرون بما يلزم عنه وحدانيته، لم يؤكد بإعادة {ما} والجار، بل ~~قال: {والأرض} أي كلها كما كانتا مما صنعه، فلا يصح أن يكون شيء من ذلك له ~~شريكا. # ولما ثبت ذلك أنتج قطعا قوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {هو} أو وحده، ~~وأكد لأن ادعائهم الشريك يتضمن إنكار غناه، # PageV15P195 # ولذلك أظهر موضع الإضمار إشارة إلى أن كل ما وصف به فهو ثابت له مطلقا من ~~غير تقييد بحيثيته {الغني} مطلقا، لأن جميع الأشياء له ومحتاجة إليه، وليس ~~محتاجا إلى شيء أصلا. ولما كان الغني قد لا ms3677 يوجب الحمد لله: {الحميد *} أي ~~المستحق لجميع المحامد، لأنه المنعم على الإطلاق، المحمود بكل لسان ألسنة ~~الأحوال والأقوال، ولو كان نطقها ذما فهو حمد من حيث إنه هو الذي أنطقها، ~~ومن قيد الخرس أطلقها. # ولما كان الغني قد يكون ماله محصورا كما في السماوات والأرض الذي قدم أنه ~~له، والمحمود قد يكون ما يحمد عليه مضبوطا مقصورا أثبتت أنه على غير ذلك، ~~بل لا حد لغناه، ولا ضبط لمعلوماته ومقدوراته الموجبة لحمده ولا تناه، ~~فقال: {ولو} أي له الصفتان المذكورتان والحال أنه لو {أن ما في الأرض} أي ~~كلها، ودل على الاستغراق وتقصى كل فرد فرد من الجنس بقوله: {من شجرة} حيث ~~وحدها {أقلام} أي والشجرة يمدها من بعدها على سبيل المبالغة سبع شجرات، وأن ~~ما في الأرض من بحر مداد لتلك الأقلام {والبحر} أي والحال أن البحر، وعلى ~~قراءة البصريين بالنصب التقدير: ولو أن البحر {يمده} أي يكون مددا وزيادة ~~فيه {من بعده} أي # PageV15P196 # من ورائه {سبعة أبحر} فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد الذي الأرض كلها له ~~دواة كلمات الله {ما نفدت} وكرر الاسم الأعظم تعظيما للمقام فقال مظهرا ~~للإشارة مع التبرك إلى عدم التقيد بشيء وإن جل: {كلمات الله} وفنيت الأقلام ~~والمداد، وأشار بجمع القلة مع الإضافة إلى اسم الذات إلى زيادة العظمة ~~بالعجز عن ذلك القليل فيفهم العجز عن الكلم من باب الأولى، ويتبع الكلمات ~~الإبداع، فلا تكون كلمة إلا الأحداث شأن من الشؤون # {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] وعلم من ذلك ~~نفاد الأبحر كلها لأنها محصورة، فهي لا تفي بما ليس بمحصور، فيا لها من ~~عظمة لا تتناهى! ومن كبرياء لا تجارى، ولا تضاهى، لا جرم كان نتيجة ذلك ~~قوله مؤكدا لأن ادعاءهم الشريك إنكار للعزة، وعدم البعث إنكار للحكمة: {إن ~~الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما من غير قيد أصلا {عزيز} أي يعجز كل شيء ~~ولا يعجزه شيء {حكيم *} يحكم ما أراده، فلا يقدر أحد على نقضه، ولا ms3678 علم ~~لأحد من خلقه إلا ما علمه، ولا حكمة لأحد منهم إلا بمقدار ما أورثه، وقد ~~علم أن الآية من الاحتباك: ذكر الأقلام دليلا على # PageV15P197 # حذف مدادها، وذكر السبعة في مبالغة الأبحر دليلا على حذفها في الأشجار، ~~وهو من عظيم هذا الفن، وعلم أيضا من السياق أن المراد بالسبعة المبالغة في ~~الكثرة لا حقيقتها، وأن المراد بجمع القلة في «أبحر» الكثرة، لقرينة ~~المبالغة، وبجمع القلة في {كلمات} حقيقتها لينتظم المعنى، وكل ذلك سائغ ~~شائع في لغة العرب. # PageV15P198 # ولما ختم بهاتين الصفتين بعد إثبات القدرة على الإبداع من غير انتهاء، ~~ذكر بعض آثارهما في البعث الذي تقدم أول السورة وأثناءها ذكره إلى حذرهم به ~~في قوله «إلينا مرجعهم» فقال: {ما خلقكم} أي كلكم في عزته وحكمته إلا كخلق ~~نفس واحدة، وأعاد النافي نصا على كل واحد من الخلق والبعث على حدته فقال: ~~{ولا بعثكم} كلكم {إلا كنفس} أي كبعث نفس، وبين الأفراد تحقيقا للمراد، ~~وتأكيدا للسهولة فقال: {واحدة} فإن كلماته مع كونها غير نافدة نافذة، ~~وقدرته مع كونها باقية بالغة، فنسبه القليل والكثير إلى قدرته على حد سواء، ~~لأنه لا يشغله شأن عن شأن، ثم دل على ذلك بقوله مؤكدا لأن تكذيبهم لرسوله ~~وردهم لما شرفهم به يتضمن الإنكار لأن يكونوا بمرأى منه # PageV15P198 # ومسمع: {إن الله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الشاملة {سميع} أي ~~بالغ السمع يسمع كل ما يمكن سمعه من المعاني في آن واحد لا يشغله شيء منها ~~عن غيره {بصير*} بليغ البصر يبصر كذلك كل ما يمكن أن يرى من الأعيان ~~والمعاني، ومن كان كذلك كان المحيط العلم بالغه شامل القدرة تامها، فهو ~~يبصر جميع الأجزاء من كل ميت، ويسمع كل ما يسمع من معانيه، فهو بإحاطة علمه ~~وشمول قدرته يجمع تلك الأجزاء، ويميز بعضها من بعض، ويودعها تلك المعاني، ~~فإذا هي أنفس قائمة كما كانت أول مرة في أسرع من لمح البصر. # ولما قرر هذه الآية الخارقة، دل عليها بأمر محسوس يشاهد كل يوم مرتين، مع ms3679 ~~دلالته على تسخير ما في السماوات والأرض، وإبطال قولهم: {ما يهلكنا إلا ~~الدهر} [الجاثية: 24] بأنه، هو الذي أوجد الزمان بتحريك الأفلاك، خاصا ~~بالخطاب من لا يفهم ذلك حق فهمه غيره، أو عاما كل عاقل، إشارة إلى أنه في ~~دلالته على البعث في غاية الوضوح فقال: {ألم تر} أي يا من يصلح لمثل هذا ~~الخطاب، ويمكن أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم ذلك من ~~المخلوقين حق علمه غيره. # ولما كان كان البعث مثل إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه، فكان إنكاره ~~إنكار لهذا، نبه على ذلك بالتأكيد فقال: {أن الله} أي # PageV15P199 # بجلاله وعز كماله {يولج} أي يدخل إدخالا لا مرية فيه {الليل في النهار} ~~فيغيب فيه بحيث لا يرى شيء منه، فإذا النهار قد عم الأرض كلها أسرع من ~~اللمح {ويولج النهار} أي يدخله كذلك {في الليل} فيخفي حتى لا يبقى له أثر، ~~فإذا الليل قد طبق الآفاق: مشارقها ومغاربها في مثل الظرف، فيميز سبحانه ~~كلا منهما - وهو معنى من المعاني - من الآخر بعد إضمحلاله، فكذلك الخلق ~~والبعث في قدرته بعزته وحكمته لبلوغ سمعه ونفوذ بصره، ولما كان هذا معنى من ~~المعاني يتجدد في كل يوم وليلة، عبر فيه بالمضارع. # ولما كان النيران جرمين عظيمين قد صرفنا على طريق معلوم بقدر لا يختلف، ~~عبر فيهما بالماضي عقب ما هما آيتاه فقال: {وسخر الشمس} آية للنهار بدخول ~~الليل فيه {والقمر} آية لليل كذلك! ثم استأنف ما سخرا فيه فقال: {كل} أي ~~منهما {يجري} أي في فلكه سائرا متماديا وبالغا ومنتهيا. # ولما كان محط مقصود السورة الحكمة، وكانت هذه الدار مرتبطة بحكمة الأسباب ~~والتطوير، والمد في الإبداع والتسيير، كان الموضع لحرف الغاية فقال: {إلى ~~أجل مسمى} لا يتعداه في منازل معروفة في جميع الفلك لا يزيد ولا ينقص، هذا ~~يقطعها في الشهر مرة وتلك # PageV15P200 # في السنة مرة، لا يقدر منهما أن يتعدى طوره، ولا أن ينقص دوره، ولا أن ~~يغير سيره. # ولما بان بهذا التدبير المحكم، في هذا الأعظم، ms3680 شمول علمه وتمام قدرته، ~~عطف على «أن الله» قوله مؤكدا لأجل أن أفعالهم أفعال من ينكر علمه بها: ~~{وأن الله} أي بما له من صفات الكمال المذكورة وغيرها، وقدم الجار إشارة ~~إلى تمام علمه بالأعمال كما مضت الإشارة إليه غير مرة، وعم الخطاب بيانا ~~لما قبله وترغيبا وترهيبا فقال: {بما تعملون} أي في كل وقت على سبيل التجدد ~~{خبير *} لا يعجزه شيء منه ولا يخفى عنه، لأنه الخالق له كله دقه وجله، ~~وليس للعبد في إيجاده غير الكسب لأنه لا يعلم مقدار الحركات والسكنات في ~~شيء منه، ولو كان هو الموجد له لعلم ذلك لأنه لا يقدر على الإيجاد ناقص ~~العلم أصلا، وكم أخبر سبحانه في كتبه وعلى لسان أنبيائه بأشياء مستقبلية من ~~أمور العباد، فكان ما قاله كما قاله، لم يقدر أحد منهم أن يخالف في شيء مما ~~قاله، فتمت كلماته، وصدقت إشاراته وعباراته، وهذا دليل آخر على تمام القدرة ~~على البعث وغيره باعتبار أن الخلائق في جميع الأرض يفوتون الحصر، وكل منهم # PageV15P201 # لا ينفك في كل لحظة عن عمل من حركة وسكون، وهو سبحانه الموجد لذلك كله في ~~كل أن دائما ما تعاقب الملوان، وبقي الزمان، لا يشغله شأن منه على شأن، وقد ~~كان الصحابة رضي الله عنهم لما خوطبوا بهذا في غاية العلم به. لما ذكر من ~~دليله، ولما شاهدوا من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن مغيبات تتعلق ~~بأناس غائبين وأناس حاضرين، منهم البعيد جدا والمتوسط والقريب، وغير ذلك من ~~أحوال توجب القطع لهم بذلك، هذا علمهم فكيف يكون عالم المخصوص في هذه الآية ~~بالخطاب صلى الله عليه وسلم، مع ما يشاهد من آثاره سبحانه وتعالى، ويطلع ~~عليه من إبداعه في ملكوت السماوات والأرض وغير ذلك مما أطلعه عليه سبحانه ~~وتعالى من عالم الغيب والشهادة. # ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العلى أنه لا موجد بالحقيقة إلا ~~الله قال: {ذلك} أي ذكره لما من الأفعال الهائلة والأوصاف الباهرة {بأن} أي ~~بسبب أن {الله} أي الذي ms3681 لا عظيم سواه {هو} وحده {الحق} أي الثابت بالحقيقة ~~وثبوت غيره في الواقع عدم، لأنه مستفاد من الغير، وليس له الثبوت من ذاته، ~~ومنه ما أشركوا به، ولذلك أفرده بالنص، فقال صارفا للخطاب # PageV15P202 # الماضي إلى الغيبة على قراءة البصريين وحمزة وحفص عن عاصم إيذانا بالغضب، ~~وقراءة الباقين على الأسلوب الماضي {وأن ما يدعون} أي هؤلاء المختوم على ~~مداركهم، وأشار إلى سفول رتبتهم بقوله: {من دونه} . # ولما تقدمت الأدلة الكثيرة على بطلان آلهتهم بما لا مزيد عليه، كقوله ~~{هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} وأكثر هنا من إظهار الجلالة ~~موضع الإضمار تنبيها على عظيم المقام لم تدع حاجة إلى التأكيد بضمير الفصل ~~فقال: {الباطل} أي العدم حقا، لا يستحق أن تضاف إليه الإلهية بوجه من ~~الوجوه، وإلا لمنع من شيء من هذه الأفعال مرة من المرات، فلما وجدت على هذا ~~النظام علم أنه الواحد الذي لا مكافئ له. # ولما كانوا يعلونها عن مراتبها ويكبرونها بغير حق، قال: {وأن الله} أي ~~الملك الأعظم وحده، ولما كان النيران مما عبد من دون الله، وكانا قد جمعا ~~علوا وكبرا، وكان ليس لهما من ذاتهما إلا العدم فضلا عن السفول والصغر، ختم ~~بقوله: {هو العلي الكبير} أي عن أن يداينه في عليائه ضد، أو يباريه في ~~كبريائه ند. # PageV15P203 # ولما تضمنت الآية ثلاثة أشياء، أتبعها دليلها، فقال منبها على أن سيرنا ~~في الفلك مثل سير النجوم في الفلك، وسير أعمارنا في فلك الأيام حتى يولجنا ~~في بحر الموت مثل سير كل من الليل والنهار في فلك الشمس حتى يولجه في الآخر ~~فيذهب حتى كأنه ما كان، ولولا تفرده بالحقية والعلو والكبر ما استقام ذلك، ~~خاصا بالخطاب أعلى الناس، تنبيها على أن هذه لكثرة الألف لها أعرض عن ~~تأملها، فهو في الحقيقة حث على تدبرها، ويؤيده الإقبال على الكل عند ~~تعليلها: {ألم تر أن الفلك} أي السفن كبارا وصغارا {تجري} أي بكم حاملة ما ~~تعجزون عن نقل مثله في البر، وعبر بالظرفية إشارة إلى ms3682 أنه ليس لها من ذاتها ~~إلا الرسوب في الماء لكثافتها ولطافته فقال: {في البحر} أي على وجه الماء، ~~وعبر عن الفعل بأثره لأنه أحب فقال: {بنعمت الله} أي برحمة الملك الأعلى ~~المحيط علما وقدرة وإحسانه، مجددا ذلك على مدى الزمان عليكم في تعليمكم ~~صنعها حتى تهيأت لذلك على يدي أبيكم نوح العبد الشكور عليه السلام {ليريكم ~~من آياته} أي عجائب قدرته ودلائله التي تدلكم على # PageV15P204 # أنه الحق الذي أثبت بوجوب وجوده ما ترون من الأحمال الثقال على وجه الماء ~~الذي ترسب فيه الإبرة فما دونها، وهي مساوية لغيرها في أن الكل من التراب، ~~فما فاوت بينها إلا هو بتمام قدرته وفعله بالاختيار. # ولما كان هذا أمرا إذا جرد النظر فيه عن كونه قد صار مألوفا بهر العقول ~~وحير الفهوم، أشار إليه بقوله مؤكدا تنبيها مما هم فيه من الغفلة عنه، ~~لافتا الخطاب بعد الجمع إلى الإفراد تنبيها على دقة الأمر وأنه - وإن كان ~~يظن أنه ظاهر - لا يفهمه حق فهمه غيره صلى الله عليه وسلم: {إن في ذلك} أي ~~الأمر الهائل البديع الرفيع {لآيات} أي دلالات واضحات على ما له من صفات ~~الكمال في عدم غرقه وفي سيرة إلى البلاد الشاسعة، والأقطار البعيدة، وفي ~~كون سيره ذهابا وإيابا تارة بريحين، وأخرى بريح واحدة، وفي إنجاء أبيكم نوح ~~عليه السلام ومن أراد الله من خلقه به وإغراق غيرهم من جميع أهل الأرض، وفي ~~غير ذلك من شؤونه، وأموره وفنونه، ونعمه وفتونه وإن كان أكثر ذلك قد صار ~~مألوفا لكم فجهلتم أنه من خوارق العادات، ونواقض المطردات، وعلم من ختام ~~التي قبلها أن # PageV15P205 # المراد - بقوله جامعا لجميع الإيمان الذي هو نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، ~~وذلك تمام صفة المؤمن مظهرا موضع لك أو لكم - ما أفاد الحكم بكل من شاركه ~~صلى الله عليه وسلم في الوصفين المذكورين: {لكل صبار} إدامة الفكر في هذه ~~النعم واستحضارها في الشدة والرخاء، وأنها من عند الله، وأنه لا يقدر عليها ~~سواه، والإذعان له في جميع ذلك، ms3683 حفظا لما دل عليه العقل من أخذ الميثاق ~~بالشكر، وأن لا يصرف الحق إلى غير أهله، فيلزم عليه الإساءة إلى المحسن ~~{شكور *} عليه مبالغ في كل من الصبر والشكر، وعلم من صيغة المبالغة في كل ~~منهما أنه لا يعرف في الرخاء من عظمة الله ما كان يعرفه في الشدة إلا من ~~طبعهم الله على ذلك ووفقهم له وأعانهم عليه بحفظ العهد وترك النقض جريا مع ~~ما تدعو إليه الفطرة الأولى السليمة، وقليل ما هم، وقال الرازي في اللوامع: ~~وكيفما كان فالصبر هو الثبات في مراكز العبودية، والشكر رؤية النعمة من ~~المنعم الحق وصرف نعمه إلى محابه. # ولما كانوا يسارعون إلى الكفر بعد انفصالهم من هذه الآية العظمية، ~~وإلباسهم ههذ النعمة الجسيمة، التي عرفتهم ما تضمنته الآية السالفة من ~~حقيته وحده وعلوه وكبره وبطلان شركائهم، أعرض عنهم # PageV15P206 # وجه الخطاب لأنهم لم يرجعوا بعد الوضوح إيذانا باستحقاق شديد الغضب ~~والعذاب، فقال معجبا عاطفا على ما تقديره: وأما غير الصبار الشكور فلا يرون ~~ما في ذلك من الآيات في حال رخائهم: {وإذا غشيهم} أي علاهم وهم فيها حتى ~~صار كالمغطى لهم، لأنه منعهم من أن تمتد أبصارهم كما كانت {موج} أي هذا ~~الجنس، ولعله أفرده لأنه لشدة اضطرابه وإيتانه شيئا في أثر شيء متتابعا ~~بركب بعضه كأنه شيء واحد، وأصله من الحركة والازدحام {كالظلل} أي حتى كان ~~كأطراف الجبال المظلمة لمن يكون إلى جانبها، وللإشارة إلى خضوعهم غاية ~~الخضوع كرر الأسم الأعظم فقال: {دعوا الله} أي مستحضرين لما يقدر عليه ~~الإنسان من كماله بجلاله وجماله، عالمين بجميع مضمون الآية السالفة من ~~حقيته وعلوه وكبره وبطلان ما يدعون من دونه {مخلصين له الدين} لا يدعون ~~شيئا سواه بألسنتهم ولا قلوبهم لما اضطرهم إلى ذلك من آيات الجلال، وقسرهم ~~عليه من العظمة والكمال، واقتضى الحال في سورة الحكمة حذف ما دعوا به ~~لتعظيم الأمر فيه لما اقتضاه من الشدائد لتذهب النفس فيه كل مذهب. # ولما كان القتل بالسيف أسهل عندهم من أن يقال عنهم: إنهم ms3684 # PageV15P207 # أقروا بشيء هم له منكرون لأجل الخوف خوف السبة بذلك والعار حتى قال من ~~قال: لولا أن يقال إني ما أسلمت إلا جزعا من الموت فيسب بذلك بني من بعدي ~~لأسلمت. بين لهم سبحانه أنهم وقعوا بما فعلوا عند خوف الغرق في ذلك، وأعجب ~~منه رجوعهم إلى الكفر عند الإنجاء، لما فيه مع ذلك من كفران الإحسان الذي ~~هو عندهم من أعظم الشنع، فقال دالا بالفاء على قرب استحالتهم وطيشهم ~~وجهالتهم: {فلما نجاهم} أي خلصهم رافعا لهم، تنجية لهم عظيمة بالتدريج من ~~تلك الأهوال {إلى البر} نزلوا عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين، ~~وتنكبوا سبيل المفسدين وانقسموا قسمين {فمنهم} أي تسبب عن نعمة الإنجاء ~~وربط بها إشارة إلى أن المؤثر لهذا الانقسام إنما هو الاضطرار إلى الإخلاص ~~في البحر والنجاة منهم أنه كان منهم {مقتصد} متكلف للتوسط والميل للإقامة ~~على الطريق المستقيم، وهو الإخلاص في التوحيد الذي ألجأه إليه الاضطرار، ~~وهم قليل - بما دل عليه التصريح بالتبعيض، ومنهم جاحد للنعمة ملق لجلباب ~~الحياة في التصريح بذلك، # PageV15P208 # وهو الأكثر - كما مضت الإشارة إليه ودل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض، ~~وما يقتصد إلا كل صبار شكور، إما حالا وإما مالا {وما يجحد} وخوف الجاحد ~~بمظهر العظمة التي من شأنها الانتقام، فقال صارفا القول إليه: {بآياتنا} أي ~~ينكرها مع عظمها ولا سيما بعد الاعتراف بها {إلا كل ختار} أي شديد الغدر ~~عظيمه لما نقض من العهد الهادي إليه العقل والداعي إليه الخوف {كفور *} أي ~~عظيم الكفر لإحسان من هو متقلب في نعمه، في سره وعلنه، وحركاته وسكناته، ~~ولا نعمة إلا وهي منه، ومن هنا جاءت المبالغة في الصفتين، وعلم أنهما طباق ~~ومقابلة لختام التي قبلها، وأن الآية من الاحتباك: دل ذكر المقتصد أولا على ~~«ومنهم جاحد» ثانيا، وحصر الجحود في الكفور ثانيا على حصر الاقتصاد في ~~الشكور أولا، قال البغوي: قيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين هرب رضي الله ~~عنه عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح عاصف - يعني: فقال الركاب ms3685 على عادتهم: ~~أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ههنا شيئا - فقال عكرمة رضي الله عنه: لئن ~~أنجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد ولأضعن يدي في يده فسكنت الريح، فرجع ~~عكرمة رضي الله عنه إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه، وقال # PageV15P209 # مجاهد: مقتصد في القول مضمر للكفر، وقال الكلبي: مقتصد في القول أي من ~~الكفار، لأن بعضهم كان أشد قولا وأعلى في الافتراء من بعض. # PageV15P210 # ولما ظهرت بما ذكر في هذه السورة دقائق الحكمة، وانتشرت في الخافقين ~~ألوية العظمة ونفوذ الكلمة، وأعربت ألسن القدرة عن دلائل الوحدانية، فلم ~~تدع شيئا من العجمة، فظهر كالشمس أنه لا بد من الصيرورة إلى يوم الفصل وختم ~~بالمكذب، أمر سبحانه عباده عامة عاصيهم ومطيعهم بالإقبال عليه، وخوفهم ما ~~هم صائرون إليه، مناديا لهم بأدنى أوصافهم لما لهم من الذبذبة كما عرف به ~~الحال الذي شرح آنفا فقال: {يأ أيها الناس} أي عامة، ولفت الكلام إلى الوصف ~~المذكر بالإحسان ترغيبا وترهيبا فقال: {اتقوا ربكم} أي والذي لا إله لكم ~~غيره، لأنه لا محسن إليكم غيره، اتقاء يدوم وأنتم في غاية الاجتهاد فيه، لا ~~كما فعلتم عند ما رأيتم من أهوال البحر. # ولما كانت وحدة الأله الملك توجب الخوف منه، لأنه لا مكافئ له، وكان أن ~~عهد منه أنه لا يستعرض عبادة لمجازاتهم على # PageV15P210 # أعمالهم لا يخشى كما يخشى إذا علم منه أن يستعرضهم قال: {واخشوا يوما} لا ~~يشبه الأيام، ولا يعد هول البحر ولا غيره عند أدنى هول من أهواله شيئا ~~بوجه. # ولما كان المجرم إذا علم أن له عند الملك من يدفع عنه فتر ذلك من خوفه، ~~وكان ما بين الوالد والولد من الحنو والشفقة والعطف والرحمة الداعية إلى ~~المحاماة والنصرة والفداء بالنفس والمال أعظم مما بين غيرهما، فإذا انتفى ~~إغناء أحدهما عن الآخر انتفى غيرهما بطريق الأولى قال: {لا يجزي} أي يغني ~~فيه، ولعله حذف الصلة إشارة إلى أن هذا الحال لهم دائما إلا أنه سبحانه ~~أقام في هذه الدار أسبابا ستر قدرته بها، ms3686 فصار الجاهل يحيل الأمر ويسنده ~~إليها، وأما هناك فتزول الأسباب، وينجلي غمام الارتياب، ويظهر اختصاص ~~العظمة برب الأرباب. # ولما كانت شفقة الوالد - مع شمولها لجميع أيام حياته - أعظم فهو يؤثر ~~حياة ولده على حياته ويؤثر أن يحمل بنفسه الآلام والأموال بدأ به فقال: ~~{والد} كائنا من كان {عن ولده} أي لا يوجد منه ولا يتجدد في وقت من الأوقات ~~نوع من أنواع الجزاء # PageV15P211 # وإن تحقق أن الولد منه، والتعبير بالمضارع إشارة إلى أن الوالد لا يزال ~~تدعوه الوالدية إلى الشفقة على الولد، وتجدد عنده العطف والرقة، والمفعول ~~إما محذوف لأنه أشد في النفي وآكد، وإما مدلول عليه بما في الشق الذي بعده. # ولما كان الولد لا يتوقع منه الإغناء عن والده في الهزاهز إلا بعد بلوغه، ~~أخره في عبارة دالة على ثبات السلب العام فقال: {ولا مولود} أي مولود كان ~~{هو جاز عن والده} وإن علم أنه بعضه {شيئا} من الجزاء، وفي التعبير ب «هو» ~~إشعار بأن المنفي نفعه بنفسه، ففيه ترجية بأن الله قد يأذن له في نفعه إذا ~~وجد الشرط، وعبر هنا بالاسم الفاعل لأن الولد من شأنه أن يكون ذلك له ديدنا ~~لما لأبيه عليه من الحقوق، والفعل يطلق على من ليس من شأنه الاتصاف بمأخذ ~~اشتقاقه، فعبر به في الأب لأنه لاحق للولد عليه يوجب عليه ملازمة الدفع ~~عنه، ويكون ذلك من شأنه ومما يتصف به فلا ينفك عنه، وذلك كما أن الملك لو ~~خاط صح أن يقول في تلك الحال: أنه يخيط، ولا يصح «خياط» لأن ذلك ليس من ~~صنعته، ولا من شأنه. # ولما كان من المعلوم أن لسان حالهم يقول: هل هذا اليوم كائن # PageV15P212 # حقا؟ أجيب هذا السؤال بقوله مؤكدا لمكان إنكارهم، لأفتا القول إلى الاسم ~~الأعظم لاقتضاء الوفاء له: {إن وعد الله} الذي له جميع معاقد العز والجلال ~~{حق} يعني أنه سبحانه قد وعد به على جلال جلاله، وعظيم قدرته وكماله، فكيف ~~يجوز أن يقع في وهم فضلا عن أوهامكم أن يخلفه مع ms3687 أن أدناكم - أيها العرب ~~كافة - لا يرى أن يخلف وعده وإن ارتكب في ذلك الأخطار، وعانى فيه الشدائد ~~الكبار، فلما ثبت أمره، وكان حبهم لسجن هذا الكون المشهود ينسيهم ذلك ~~اليوم، لما جعل سبحانه في هذا الكون من المستلذات، تسبب عنه قوله: {فلا ~~تغرنكم} مؤكدا لعظم الخطب {الحياة الدنيا} أي بزخرفها، ولا ما يبهج من لا ~~تأمل له من فاني رونقها، وكرر الفعل والتأكيد إشارة إلى أن ما لهم من الألف ~~بالحاضر معم لهم عما فيه من الزور، والخداع الظاهر والغرور، فقال مظهرا غير ~~مضمر لأجل زيادة التنبيه والتحذير: {ولا يغرنكم بالله} الذي لا أعظم منه ~~ولا مكافئ له مع ولايته لكم {الغرور *} أي الكثير الغرور # PageV15P213 # المبالغ فيه، وهو الشيطان الذي لا أحقر منه، لما جمع من البعد والطرد ~~والاحتراق مع عداوته بما يزين لكم من أمرها، ويلهيكم به من تعظيم قدرها، ~~وينسيكموه من كيدها وغدرها، وتعبها وشرها، وأذاها وضرها، فيوجب ذلك لكم ~~الإعراض عن ذلك اليوم، فلا تعدونه معادا، فلا تتخذون له زادا، لما اقترن ~~بغروره من حلم الله وإمهاله، قال سعيد بن جبير رضي الله عنه: الغرة أن يعمل ~~المعصية ويتمنى المغفرة. # ولما كان من الأمر الواضح أن لسان حالهم بعد السؤال عن تحقق ذلك اليوم ~~يسأل عن وقته كما مضى في غير آية، ويأتي في آخر التي بعدها، إنا تعنتا ~~واستهزاء وإما حقيقة، أجاب عن ذلك ضاما إليه أخواته من مفاتيح الغيب ~~المذكورة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الآتي، لما في ذلك من الحكمة التي ~~سقيت لها السورة، مرتبا لها على الأبعد فالأبعد عن علم الخلق، فقال مؤكدا ~~لما يعتقدون في كهانهم مظهرا الاسم الأعظم غير مضمر لشدة اقتضاء المقام له: ~~{إن الله} أي بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال {عنده} أي خاصة، ولو قيل ~~له مثلا ما أفاد الحضور، ولو قيل «لديه» لأوهم التعبير بلدي # PageV15P214 # التي هي للحضور أن ذلك كناية عن قربها جدا، وأوهم أن علمه تعالى يتفاوت ~~تعلقه بالأشياء بخصوص أو ms3688 عموم لأجل أن «لدى» أخص من عند فكانت عند أوفق ~~للمراد، فإنها أفادت التمكن من العلم مع احتمال تأخرها وسلمت من تطرق ~~احتمال فاسد إليها {علم الساعة} أي وقت قيامها، لا علم لغيره بذلك أصلا. # ولما كان سبحانه قد نصب عليها أمارات توجب ظنونا في قربها، وكشف بعض ~~أمرها، عبر تعالى بالعلم، ولما كانوا قد ألحوا في السؤال عن وقتها، وكانت ~~أبعد الخمس عن علم الخلق، وكانت شيئا واحدا لا يتجزى {فإنما هي زجرة واحدة ~~فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 13] أبرزها سبحانه في جملة اسمية دالة على ~~الدوام والثبوت على طريق الحصر، وهذا هو المفتاح الأول من مفاتيح الغيب ~~ينفتح به من العلوم ما يجل عن الحصر عن قيام الأنفس بأبدانها، ماثلة على ~~مذاقها بجميع أركانها، وأشكالها وألوانها، وسائر شأنها، وطيران الأرواح ~~بالنفخ إليها واحتوائها عليها على اختلاف أنواعهم، وتغاير صورهم وأطوالهم، ~~وتباين ألسنتهم وأعمالهم، إلى غير ذلك من الأمور، وعجائب المقدور، ثم سعيهم ~~إلى الموقف ثم وقوفهم، ثم حسابهم إلى استقرار الفريقين في الدارين، هذا إلى ~~موجهم # PageV15P215 # من شدة الزحام، والكروب العظام بعضا في بعض. يطلبون من يشفع لهم في ~~الحساب حتى يقوم المصطفى صلى الله عليه وسلم المقام المحمود الذي يغبطه به ~~الأولون والآخرون إلى انتقاض السماوات، وانكدار ما فيها من النيرات، ونزول ~~الملائكة بعد قيامهم من منامهم، وهم من لا يحصى أهل سماء منهم، كثرة، كيف ~~وقد أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم يصلي ~~هذا إلى تبدل الأراضي وزوال الجبال، ونسف الأبنية والروابي والتلال، وغير ~~ذلك مما لا يعلمه حق علمه إلا هو سبحانه. # {المفتاح الثاني} : آية الله في خلقه على قيام الساعة، وأدل الأدلة عليه ~~وهو إنزال المطر الذي يكشف عن الاختلاط في أعماق الأراضي بالتراب الذي كان ~~نباتا ثم إعادته نبتا كما كان من قبل على اختلاف ألوانه، ومقاديره وأشكاله، ~~وأغصانه وأفنانه، وروائحه وطعومه، ومنافعه وطبائعه - إلى غير ذلك من شؤونه، ~~وأحواله وفنونه، التي لا يحيط بها علما ms3689 إلا خالقها ومبدعها وصانعها. # ولما كانوا ينسبون الغيث إلى الأنواء أسند الإنزال إليه سبحانه ليفيد ~~الامتنان، وعبر بالجملة الفعلية للدلالة على التجدد فقال: {وينزل الغيث} ~~بلام الاستغراق القائمة مقام التسوير ب «كل» # PageV15P216 # وقد أفاد ذلك الاختصاص بالعلم بوقته ومكانه ومقداره وغير ذلك من شؤونه، ~~فإن من فعل شيئا حقيقة لم يعلم أحد وقت فعله وقوعه إلا من قبله. # {المفتاح الثالث} : علم الأجنة وهو الرتبة الثانية في الدلالة على البعث ~~الكاشف عن تخطيطها وتصويرها، وتشكيلها وتقديرها، على وصفي الذكورة ~~والأنوثة، مع الوضوح أو الإشكال، والوحدة أو الكثرة، والتمام أو النقص - ~~إلى ما هناك من اختلاف المقادير والطبائع، والأخلاق والشمائل، والأكساب ~~والصنائع، والتقلبات في مقدار العمر والرزق في الأوقات والأماكن - وغير ذلك ~~من الأحوال التي لا يحصيها إلا بارئ النسم، ومحيي الرمم. ولما كانت للخلق ~~في ذلك لكثرة الملابسات والمعالجات ظنون في وجود الحمل أولا، ثم في كونه ~~ذكرا أو أنثى ثانيا، ونحو ذلك بما ضرب عليه من الأمارات الناشئة عن طول ~~التجارب، وكثرة الممارسة، عبر العلم فقال: {ويعلم ما في الأرحام} من ذكر أو ~~أنثى حي أو ميت وغير ذلك، وصيغة المضارع لتجدد الأجنحة شيئا فشيئا وقتا بعد ~~وقت، والكلام في اللام والاختصاص # PageV15P217 # بالعلم كالذي قبله سواء. # {المفتاح الرابع} : الكسب الناشئ عما في الأرحام الفاتح لكنوز السعادة ~~وآفات الشقاوة والمسفر عن حقائق الضمائر في صدقها عند البلاء وكذبها، وعن ~~مقادير العزائم ورتب الغرائز، وعن أحوال الناس عند ذلك في الصداقة والعداوة ~~والذكاء والغباوة والصفاء والكدر والسلامة والحيل، وغير ذلك من الصحة ~~والعلل، في اختلاف الأمور، وعجائب المقدور، في الخيور والشرور، مما لا يحيط ~~به إلا مبدعه، وغارزه في عباده وودعه، ولكون الإنسان - مع أنه ألصق الأشياء ~~وألزمه له - لا يعلمه مع إيساعه الحيلة في معرفته، عبر فيه بالدراية لأنها ~~تدل على الحيلة بتصريف الفكر وإجالة الرأي - كما تقدم في سورة يوسف عليه ~~السلام - أن مادة «درى» تدور على الدوران، ومن لوازمه إعمال الحيلة وإمعان ~~النظر، فهي أخص من مطلق العلم فقال: ms3690 {وما تدري نفس} أي من الأنفس البشرية ~~وغيرها {ما} وأكد المعنى ب «ذا» وتجريد الفعل فقال: {ذا تكسب غدا} أي في ~~المستقبل من خير أو شر بوجه من الوجوه، وفي نفي علم ذلك من العبد مع كونه ~~ألصق الأشياء به دليل ظاهر على نفي علم ما قبله عنه لأنه أخفى منه، وقد ~~تقدم إثبات علمه له سبحانه وتعالى، فصار على طريق الحصر، # PageV15P218 # وعلم أيضا أنه لا يسند إلى العبد الأعلى طريق الكسب لأنه لو كان مخلوقا ~~له لعلمه قطعا، فثبت أنه سبحانه وتعالى خالقه، فعلم اختصاصه بعلمه من هذا ~~الوجه أيضا. # {المفتاح الخامس} : مكان الموت الذي هو ختام الأمر الدنيوي وطي سجل الأثر ~~الشهودي، وابتداء الأمر الأخروي الظهر لأحوال البرزخ في النزول مع ~~المنتظرين لبقية السفر إلى دائرة البعث وحالة الحشر إلى ما هنالك من ربح ~~وخسران، وعز وهوان، وما للروح من الاتصال بالجسد والرتبة في العلو والسفول، ~~والصعود والنزول، إلى ما وراء ذلك إلى ما لا آخر مما لا يعلم تفاصيله وجمله ~~وكلياته وجزئياته إلا مخترعه وبارئه ومصطنعه. # ولما كان لا يعلمه الإنسان بنوع حيلة من شدة حذره منه وحبه لو أنفق جميع ~~ما يمكله لكي يعلمه، عبر عنه عن الذي قبله فقال مؤكدا بإعادة النافي ~~والمسند: {وما تدري} وأظهر لأنه أوضح وأليق بالتعميم فقال: {نفس} أي من ~~البشر وغيره {بأي أرض تموت} ولم يقل: بأي وقت، لعدم القدرة على الانفكاك عن ~~الوقت مع القدرة على الانفكاك عن مكان معين، وإحاطة العلم بكراهة كل أحد ~~للموت، فكان ذلك أدل دليل على جهله بموضوع # PageV15P219 # موته إذ علم به لبعد عنه ولم يقرب منه، وقد روى البخاري حديث المفاتيح عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتيح الغيب ~~خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ {إن الله عنده علم الساعة} الآية» ، وله عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه في حديث سؤال جبرئيل عليه السلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن أشراط الساعة فأخبره ببعضها وقال: ms3691 «خمس لا يعلمهن إلا الله ~~{إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيب} » - إلى آخر السورة، فقد دل الحديث ~~قطعا على أن الآية فيما ينفرد سبحانه وتعالى بعلمه، وقد رتبها سبحانه هذا ~~الترتيب لما تقدم من الحكمة وعلم سر إتيانه بها تارة في جملة اسمية وتارة ~~في فعلية، وتارة ليس فيها ذكر للعلم، وأخرى يذكر فيها، ويسند إليه سبحانه، ~~ولكن لا على وجه الحصر، وتارة بنفي العلم من غيره فقط من غير إسناد للفعل ~~إليه، وعلم سر قوله «بأي أرض» دون أي وقت، كما في بعض طرق الحديث. # ولما كان قد أثبت سبحانه لنفسه اختصاص العلم عن الخلق بهذه الأشياء، أثبت ~~بعدها ما هو أعلم لتدخل فيه ضمنا فيصير مخبرا # PageV15P220 # بعلمه لها مرتين، فقال على وجه التأكيد لأنهم ينكرون بعض ما يخبر به، ~~وذلك يستلزم إنكارهم لبعض علمه: {إن الله} أي المختص بأوصاف الكمال والعظمة ~~والكبرياء والجلال {عليم} أي شامل العلم للأمور كلها، كلياتها وجزئياتها، ~~فأثبت العلم المطلق لنفسه سبحانه بعد أن نفاه على الغير في هذه الخمس تارة ~~نصا وأخرى بطريق الأولى أو باللازم، فانطبق الدليل على الدعوى - والله ~~الموفق. # ولما أثبت العلم على هذا الوجه، أكده لأجل ما سيقت له السورة بقوله: ~~{خبير} أي يعلم خبايا الأمور، وخفايا الصدور، كما يعلم ظواهرها وجلاياها، ~~كل عنده على حد سواء، فهو الحكيم في ذاته وصفاته، ولذلك أخفى هذه المفاتيح ~~عن عباده، لأنه لو أطلعهم عليها لفات كثير من الحكم، باختلاف هذا النظام، ~~على ما فيه من الإحكام، فقد انطبق آخر السورة - بإثباته الحكمة بإثبات ~~العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح الدار الآخرة - على أولها ~~المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها، وتخلق بما دعت إليه وحضت عليه ~~لا سيما الإيقان بالآخرة، كان حكيما خبيرا عليما مهذبا مهديا مقربا عليا، ~~فسبحانه من هذا كلامه، وتعالى كبرياؤه وعز مرامه، ولا إله غيره وهو اللطيف. # PageV15P221 # مقصودها إنذار الكفار بهذا الكتاب السار للأبرار بدخول الجنة والنجاة من ~~النار، واسمها السجدة منطبق ms3692 على ذلك بما دعغت إليه آيتها من الإخبات وترك ~~الاستكبار، وكذا تسميتها بآلم تنزيل فإنه مشير إلى تأمل جميع السورة، فهو ~~في غاية الوضوح في هذا المقصود) بسم الله (ذي الجلال والإكرام العزيز ~~الغفار) الرحمن (بعموم الشارة والنذارة) الرحيم (الذي أسكن في قلوب أحبابه ~~الشوق إليه والخشوع بين يديه) آلم (تقدم في البقرة وغيرها شيء من أسرار هذه ~~الأحرف، ومما لم يسبق أنها إشارة إلى أن اله المحيط في علمهه وقدرته وكل ~~شأنه أرسل جبريل عليه السلام إلى محمد الفاتح الخاتم (صلى الله عليه وسلم) ~~بكتاب معجز دال بإعجازه على صحة رسالته، ووحدانية من أرسله، وعدله في ~~العاصين، وفضله على المطيعين، وسرد سبحانه هذه الأحرف في أوائل أربع من هذه ~~السور، فزادت على الطواسين بواحدة، وذلك بقدر العدد الذي يؤكد به، وزيادة ~~مبدأ العدد إشارة إلى أن التكرير لم يرد به مطلق التأكيد، بل دوام التكرير، # PageV15P222 # إشارة إلى أن هذه المعاني يفي غاية الثبات لا انقطاع لها - والله الهادي. # ولما كانت المقصود في التي قبلها إثبات الحكمة لمنزل هذا الكتاب الذي هو ~~بيان كل شيء الملزوم لتمام العلم وكمال الخبرة الذي ختمت به بعد أن أخبر ~~أنه سبحانه مختص بعلم المفاتيح بعد أن أنذر بأمر الساعة، فثبت بذلك وما ~~قبله أنه ما أثبت شيئا فقدر غيره من أهل الكتاب ولاغيرهم على نفيه، ولا نفي ~~شيئا فقدر غيره على إثباته ولا إثبات شيء منه، كانت نتيجة ذلك أنه لا يكون ~~شيء من الأشياء دقيقها وجليلها إلا يعلمه سبحانه وتعالى، وأجل ذلك إنزالا ~~هذا الذكر الحكيم الذي فيه إثبات هذه العلوم مع شهادة العجز عن معارضته له ~~بأنه من عند الله، فلذلك قال) تنزيل الكتاب (أيالجامع لكل هدى على ما ترون ~~من التدريج من السماء) ولا ريب فيه) أي يفي كونه من السماء لأن نافي الريب ~~وممطيه وهو الإعجاز معه لا ينفك عنه، فكل ما يقولونه مما يخالف ذلك تعنت أو ~~جهل من غير ريب، حال كونه) من رب العالمين) أي الخالق ms3693 لهم اللمدبر ~~لمصالحهم، فلا يجوز في عقل ولا يخطر يفي بال ولا يقع يفي وهم ولا يتصور يفي ~~خيال أنه يترك خلقه - وهو المدبر الحكيم - # PageV15P223 # من غير كتاب يكون سبب إبقائهم أو أن يصل شيء من كتابه إلى هذا النبي ~~الكريم بغير أمره، فلا يتخيل أن شيئا من ليس بقول الله أن ثم لا يتخيل أنه ~~كلامه تعالى ولكنه أخذه من بعض أهل الكتاب، لأن هذا يفعل مع ملك فكيف بملك ~~الملوك، فكيف بمن هو عالم بالسر والجهر، محيط علمه بالخفي والجلي، فلو ادعى ~~عليه أحد ما لم يأذن فيه لما أيده بالمعجزات. # ولما أقره على ذلك المدد المتطاولات، ولا سيما إعجاز، كل ما ينسبه إليه ~~بالمعجزات، ويدعيه عليه، ما في آل عمران كمات كان أول لقمان غاية أول ~~القرآن المطلق. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما انطوت سورة الروم على ~~ما قد أشير إليه من التنبيه بعجائب ما أودعه سبحانه وتعالى في عالم ~~السماوات والأرض، وعلى ذكر الفطرة، ثم اتبعت بسورة لقمان تعريفا بأن مجموع ~~تلك الشواهد من آيات الكتاب وشواهده ودلائله، وأنه قد هدى من شاء إلى سبيل ~~الفطرة وإن لم يمتحنه بما امتحن به كثيرا ممن ذكر، فلم يغن عنه ودعى فلم ~~يجب، وتكررت عليه الإنذارات فلم يصغ لها، لأن كل ذلك من الهدى والضلال واقع ~~بمشيئته وسابق إرادته، واتبع سبحانه # PageV15P224 # ذلك بما ينبه المعغتبر على صحته فقلا: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى) [لقمان: 11] فأعلم سبحانه أن الخلاص والسعادة ~~يفي الاستسلام له ولما يقع من أحكامه، وعزى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ~~وصبره بقوله: (ومن كفر فلا يحزنك كفره) [لقمان: 23] ثم ذكر تعالى لجأ الكل ~~قهرا ورجوعا يحاكم اضطرارهم لوضوح الأمر إليه تعالى فقال: (وائن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله (ثو وعظ تعالى الكل بقوله) ما خلقكم ولا ~~بعثكم إلا كنفس واحدة) أي إن ذلك لا يشق عليه سبحانه وتعالى ولا يصعب، ~~والقليل والكثير سواء، ثم نبه بما ms3694 يبين ذلك من إيلاج الليل يفي النهار ~~والنهار قي الليل وجريان الفلك بنعمته) ذلك بأن الله هو الحق (، ثم أكد ما ~~تقدم من رجوعهم يفي الشدائد إليه فقال: (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله ~~مخلصبن له الدين (فإذا خلصهم سبحانه وتعالة ونجاهم عادوا إلى سيئ أحوالهم، ~~هذا وقد عاينوا رفقه بهم وأخذه عند الشدائد بأيديهم وقد اعترفوا بأنه خالق ~~السماوات والأرض ومسخر الشمس والقمر، وذلك شاهد من حالهم بجريانهم على ما ~~قدر لهم ووقوفهم عند حدود، السوابق) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى (ثم عطف سبحانه على الجميع فدعاهم إلى تقواه، وحذرهم ~~يوم المعاد وشدته، وحذرهم من الاغترار، وأعلمهم أنه المتفرد بعلم الساعة، # PageV15P225 # وإنزال الغيث، وعلم ما في الأرحام، وما يقع من المكتسبات، وحيث يموت كل ~~من الخلوقات، فلما كانت سورة لقمان - بما بين من مضمنها - محتوية من ~~التنبيه والتحريك على ما ذكر، ومعلمة بانفراده سبحانه بخلق الكل وملكهم ن ~~اتبعها تعالى بما يحكم بتسجيل صحة الكتاب، وأنه من عنده وأن ما انطوى عليه ~~من الدلائل والبراهين يرفع كل ريب، ويزيل كل شك، # PageV15P226 # {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو ~~الحق من ربك} أي أيقع منهم هذا بعد وضوحه وجلاء وشواهده، ثم أتبع ذلك ~~بقوله: {مالكم من دونه من ولي ولا شفيع} وهو تمام لقوله: {ومن يسلم وجهه ~~إلى الله} ولقوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ~~ولقوله: {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين} ولقوله: {اتقوا ~~ربكم ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} بما ذكرتم، ألا ترون ~~أمر لقمان وهدايته بمجرد دليل فطرته، فما لكم بعد التذكير وتقريع الزواجر ~~وترادف الدلائل وتعاقب الآيات تتوقفون عن السلوك إلى ربكم وقد أقررتم بأنه ~~خالقكم، ولجأتم إليه عند احتياجكم؟ ثم أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم برجوع ~~من عاند وإجابته حين لا ينفعه رجوع، ولا تغني عنه إجابة، # PageV15P226 # ثم اعلم سبحانة ان ms3695 الواقع منهم انما هو بارادتة وسابق من حكمة لياخذ ~~الموفق الموقن نفسة بالتسليم فقال: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} كما ~~فعلنا بلقمان ومن أردنا توفيقه، ثم ذكر انقسامهم بحسب السوابق فقال: {أفمن ~~كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} ثم ذكر مصير الفريقين ومآل الحزبين، ثم ~~أتبع ذلك بسوء حال من ذكر فأعرض فقال: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض ~~عنها} وتعلق الكلام إلى آخر السورة - انتهى. # ولما كان هذا الذي قدمه أول السورة على هذا الوجه برهانا ساطعا ودليلا ~~قاطعا على أن هذا الكتاب من عند الله، كان - كما حكاه البغوي والرازي في ~~اللوامع - كأنه قيل: هل آمنوا به؟ {أم يقولون} مع ذلك الذي لا يمترئ فيه ~~عاقل {افتراه} أي تعمد كذبه. # ولما كان الجواب: إنهم ليقولون: افتراه، وكان جوابه: ليس هو مفتري لما هو ~~مقارن له من الإعجاز، ترتب عليه قوله: {بل هو الحق} أي الثابت ثباتا لا ~~يضاهيه ثبات شيء من الكتب قبله، كائنا {من ربك} المحسن إليك بإنزاله ~~وإحكامه، وخصه بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم # PageV15P227 # حقيقته حق الفهم سواه. # ولما ذكر سبحانه إحسانه إليه صلى الله عليه وسلم صريحا، أشار بتعليله إلى ~~إحسانه به أيضا إلى كافة العرب، فقال مفردا النذارة لأن المقام له بمقتضى ~~ختم لقمان: {لتنذر قوما} أي ذوي قوة جلد ومنعة وصلاحية للقيام بما أمرهم به ~~{ما أتاهم من نذير} أي رسول في هذه الإزمان القريبة لقول ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن المراد الفترة، ويؤيده إثبات الجار في قوله: {من قبلك} أي بالفعل ~~شاهدوه أو شاهده آباؤهم. وإما بالمعنى والقوة فقد كان فيهم دين إبراهيم ~~عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي، وكلهم كان يعرف ذلك وأن إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام لم يعبد صنما ولا استقسم بالأزلام، وذلك كما قال تعالى: # {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] أي شريعته ودينه، والنذير ليس ~~مخصوصا بمن باشر - نبه على ذلك أبو حيان. ويمكن أن يقال: ما أتاهم ms3696 من ~~ينذرهم على خصوص ما غيروا من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأما ~~إسماعيل ابنه عليه السلام فكان بشيرا لا نذيرا، لأنهم ما خالفوه، وأحسن من ~~ذلك كله ما نقله البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل أن ذلك # PageV15P228 # في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، فإنه قد نقل ~~عيسى عليه السلام لما أرسل رسله إلى الآفاق أرسل إلى العرب رسولا. # ولما ذكر علة الإنزال، أتبعها علة الإنذار فقال: {لعلهم يهتدون*} أي ~~ليكون حالهم في مجاري العادات حال من ترجى هدايته إلى كمال الشريعة، وأما ~~التوحيد فلا عذر لأحد فيه بما أقامه الله من حجة العقل مع ما أبقته الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام آدم فمن بعده من واضح النقل بآثار دعواتهم وبقايا ~~دلالاتهم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن أبيه: «أبي ~~وأبوك في النار» وقال: «لا تفتخروا بآبائكم الذين مضوا في الجاهلية فوالذي ~~نفسي بيده لما تدحرج الجعل خير منهم» في غير هذا من الأخبار القاضية بأن كل ~~من مات قبل دعوته على الشرك فهو للنار. # PageV15P229 # ولما تقرر بما سبق في التي قبلها من اتصافه تعالى بكمال العلم أنه من ~~عنده وبعلمه لا محالة، وكان هذا أمرا يهتم بشأنه ويعتني بأمره، لأنه عين ~~المقصود الذي ينبني عليه أمر الدين، وختم ما ذكره من أمره ههنا بإقامة ~~اهتدائهم مقام الترجي بإنذاره صلى الله عليه وسلم، # PageV15P229 # أتبعه بيان ذلك بإيجاد عالم الأشباح والخلق ثم عالم الأرواح والأمر، ~~وإحاطة العلم بذلك كله على وجه يقود تأمله إلى الهدى، فقال مستأنفا شارحا ~~لأمر يندرج فيه إنزاله معبرا بالاسم الأعظم لاقتضاء الإيجاد والتدبير على ~~وجه الانفراد له: {الله} أي الحاوي لجميع صفات الكمال وحده: {الذي خلق ~~السماوات} كلها {والأرض} بأسرها {وما بينهما} من المنافع العينية ~~والمعنوية. # ولما كانت هذه الدار مبنية على حكمة الأسباب كما أشير إليه في لقمان، ~~وكان الشيء إذا عمل بالتدرج كان أتقن، قال: {في ستة أيام} كما يأتي تفصيله ~~في فصلت، وقد ms3697 كان قادرا على فعل ذلك في أقل من لمح البصر، ويأتي في فصلت سر ~~كون المدة ستة. # ولما كان تدبير هذه وحفظه وتعهد مصالحه والقيام بأمره أمرا - بعد أمر ~~إيجاده - باهرا، أشار إلى عظمته بأداة التراخي والتعبير بالافتعال فقال: ~~{ثم استوى على العرش} أي استواء لم يعهدوا مثله وهو أنه أخذ في تدبيره ~~وتدبير ما حواه بنفسه، لا شريك له ولا نائب عنه ولا وزير، كما تعهدون من ~~ملوك الدنيا إذا اتسعت ممالكهم، وتباعدت أطرافها، وتناءت أقطارها، وهو معنى ~~قوله تعالى استئنافا جوابا لمن كأنه قال: العرش بعيد عنا جدا فمن استنابه ~~في أمرنا، ولذلك لفت الكلام إلى الخطاب لأنه اقعد # PageV15P230 # في التنبيه: {مالكم من دونه} لأنه كل ما سواء من دونه وتحت قهره، ودل على ~~عموم النفي بقوله: {من ولي} أي يلي أموركم ويقوم بمصالحكم وينصركم إذا حل ~~بكم شيء مما تنذرون به {ولا شفيع} يشفع عنده في تدبيركم أو في أحد منكم ~~بغير إذنه، وهو كناية عن قربه من كل شيء وإحاطته به، وأن إحاطته بجميع خلقه ~~على حد سواء لا مسافة بينه وبين شيء أصلا. # ولما كانوا مقرين بأن الخلق خلقه والأمر أمره، عارفين بأنه لا يلي وال من ~~قبل ملك من الملوك إلا بحجة منه يقيمها على أهل البلدة التي أرسل إليها أو ~~ناب فيها، ولا يشفع شفيع فيهم إلا وله إليه وسيلة، تسبب عن ذلك الإنكار ~~عليهم في قوله: {أفلا تتذكرون} أي تذكرا عظيما بما أشار إليه الإظهار ما ~~تعلمونه من أنه الخالق وحده، ومن أنه لا حجة لشيء مما أشركتموه بشيء مما ~~أهلتموه له ولا وسيلة لشيء منهم إليه يؤهل بها في الشفاعة فيكم ولا أخبركم ~~أحد منهم بشيء من ذلك، فكيف تخالفون في هذه الأمور التي هي أهم المهم، لأن ~~عاقبتها خسارة الإنسان نفسه، فضلا عما دونها عقولكم وما جرت به عوائدكم، ~~وتتعللون فيها المحال، وتقنعون بقيل وقال، # PageV15P231 # وتخاطرون فيه بالأنفس والأولاد والأموال. # ولما نفى أن يكون له شريك أو وزير في الخلق، ms3698 ذكر كيف يفعل في هذا الملك ~~العظيم الذي أبدعه في ستة أيام من عالم الأرواح والأمر، فقال مستأنفا مفسرا ~~للمراد بالاستواء: {يدبر الأمر} أي كل أمر هذا العالم بأن يفعل في ذلك فعل ~~الناظر في أدباره لإتقان خواتمه ولوازمه، كما نظر في إقباله لإحكام فواتحه ~~وعوازمه، لا يكل شيئا منه إلى شيء من خلقه، قال الرازي في اللوامع: وهذا ~~دليل على أن استواءه على العرش بمعنى إظهار القدرة، والعرش مظهر التدبير لا ~~قعر المدبر. # ولما كان المقصود للعرب إنما هو تدبير ما تمكن مشاهدتهم له من العالم قال ~~مفردا: {من السماء} أي فينزل ذلك الأمر الذي أتقنه كما يتقن من ينظر في ~~أدبار ما يعلمه {إلى الأرض} غير متعرض إلى ما فوق ذلك، على أن السماء تشمل ~~كل عال فيدخل جميع العالم. # ولما كان الصعود أشق من النزول على ما جرت به العوائد، فكان بذلك ~~مستبعدا، أشار إلى ذلك بقوله: {ثم يعرج} أي يصعد # PageV15P232 # الأمر الواحد - وهو من الاستخدام الحسن - إليه، أي بصعود الملك إلى الله، ~~أي إلى المواضع الذي شرفه أو أمره بالكون فيه كقوله تعالى: {إني ذاهب إلى ~~ربي} [الصافات: 99] {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} [النساء: ~~100] ونحو ذلك، أو إلى الموضع الذي ابتدأ منه نزول التدبير وهو السماء ~~وكأنه صاعد في معارج، وهي الدرج على ما تتعارفون بينكم، في أسرع من لمح ~~البصر {في يوم} من أيام الدنيا {كان مقداره} لو كان الصاعدين واحدا منكم ~~على ما تعهدون {ألف سنة مما تعدون} من سنيكم التي تعهدون، والذي دل على هذا ~~التقدير شيء من العرف وشيء من اللفظ، أما اللفظ فالتعبير ب «كان» مع انتظام ~~الكلام بدونها لو أريد غير ذلك، وأما العرف فهو أن الإنسان المتمكن يبني ~~البيت العظيم العالي في سنة مثلا، فإذا فرغه صعد إليه خادمه إلى أعلاه في ~~أقل من درجتين من درج الرمل، فلا تكون نسبة ذلك من زمن بنائه إلا جزءا لا ~~يعد، هذا وهو خلق محتاج فما ظنك بمن ms3699 خلق الخلق في ستة أيام وهو غني عن كل ~~شيء قادر على كل شيء وظاهر العبارة أن هذا التقدير بالألف لما بين السماء ~~والأرض بناء على أن البداية والغاية لا يدخلان، فإذا أردنا تنزيل هذه الآية ~~على أية سأل أخذنا # PageV15P233 # هذا بالنسبة إلى صعود أحدنا مستويا لو أمكن، وجعلت الأرض واحدة في العدد، ~~وأول تعددها كما قيل باعتبار الأقاليم، وزيد عليه مقدار ثخن السماوات وما ~~بينهما، وزيد على المجموع مثل نصفه لمسافة الانحناء في بناء الدرج والتعريج ~~الذي هو مثل محيط الدائرة بالوتر الذي قسمها بنصفين ليمكن الصعود منا، وهو ~~مقدار نصف مسافة الاستواء وشيء يسير، لأنك إذا قسمت دائرة بوتر كان ما بين ~~رأسي الوتر من محيط نصف الدائرة بمقدار ذلك الوتر مرة ونصفا سواء يزاد عليه ~~يسير لأجل تعاريج الدرج، فإذا فعلنا ذلك كان ما بين أحد سطحي الكرسي المحدب ~~وما يقابله من السطح الآخر بحسب اختراقه من جانبيه واختراق أطباق السماوات ~~السبع: الأربعة عشر، اثنين وثلاثين ألف سنة، لأنه يخص كل سماء ألفان، لأنه ~~فهم من هذا السياق أن من مقعر السماء إلى سطح الأرض الذي نحن عليه سيرة ألف ~~سنة وبعد ما بين كل سمائين كبعد ما بين السماء والأرض، وثخن كل سماء كذلك، ~~فيكون بعد ما بين أحد سطحي الأرض إلى سطح الكرسي الأعلى ستة عشر ألف سنة، ~~وبعد ما بين سطح الأرض إلى أعلى سطح الكرسي # PageV15P234 # من الجانب الآخر كذلك، ثم يزاد على المجموع وهو اثنان وثلاثون ألف سنة ~~مسافة ثخن الأرض وهي ألف سنة ليكون المجموع ثلاثة وثلاثين ألف سنة يزاد ~~عليه ما للتعريج، وهو نصف تلك المسافة وشيء يكون سبعة عشر ألف سنة، فذلك ~~خمسون ألف سنة، وإنما جعلت سطح الكرسي الأعلى النهاية، لأن العادة جرت أن ~~لا يصعد إلى عرش الملك غيره، وأن الأطماع تنقطع دونه، بل ولا يصعد إلى ~~كرسيه، وسيأتي اعتبار ذلك في الوجه الأخير، وإن قلنا: إن الأراضي سبع على ~~أنها كرات مترتبة متعالية غير متداخلة، وأدخلنا العرش ms3700 في العدد فنقول: إنه ~~مع الكرسي والسماوات تسعة، فجانباها الحيطان بالأرض ثماني عشرة طبقة، ~~والأراضي سبع، فتلك خمس وعشرون طبقة، فكل واحدة - مع ما بينها وبين الأخرى ~~على ما هو ظاهر الآية - ألفان، فضعف هذا العدد، فيكون خمسين ألفا، وهذا ~~الوجه أوضح الوجوه وأقربها إلى مفهوم الآية، ولا يحتاج معه إلى زيادة لأجل ~~انعطاف الدرج، ويجوز أن نقول: إن السر - والله أعلم - # PageV15P235 # في جعل ما مسيرته خمسمائة سنة - كما في الحديث - ألف سنة لأجل التعريج، ~~والحديث ليس نصا في سير معين حتى يتحامى تأويله بل قد ورد بألفاظ متغايرة ~~منها خسمائة ومنها اثنتان وسبعون سنة ومنها إحدى وسبعون إلى غير ذلك فلا بد ~~أن يحمل كل لفظ على سير فنقول: الخمسمائة للصاعد في درج مستقيم كدرج الدقل ~~مثلا، والاثنان وسبعون لسير الطائر والألف كما في الآية لدرج منعطف، ويدل ~~عليه ما رواه الترمذي - وقال: إسناده حسن - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - أرسلت من السماء إلى ~~الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت ~~السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها» ، ~~أو تقول: إن الألف لجملة التدبير بالنزول والعروج - والله أعلم، وإن جعلنا ~~البداية داخلة فتكون الألف من سطح الأرض الذي نحن عليه إلى محدب السماء ~~لتتفق الآية مع الحديث القائل بأن بين الأرض والمساء خمسمائة سنة، وثخن ~~السماء كذلك، # PageV15P236 # وكذا بقية السماوات والعرش، أدخلنا العرش في العدد وقلنا: إن الأراضي سبع ~~متداخلة كالسماوات، كل واحدة منها في التي تليها، فالتي نحن فيها أعلاها ~~محيطة بها كلها، فهي بمنزلة العرش للسماوات، فتكون السماوات السبع من ~~جانبيها بأربعة عشر ألفا والأراضي كذلك فذلك ثمانية وعشرون ألفا والعرش ~~والكرسي من جانبيها بأربعة فذلك اثنان وثلاثون ألفا يضاف إليها ما يزيد ~~انحناء المعارج الذي يمكن لنا معه العروج، وهو نصف مسافة الجملة وشيء، ms3701 ~~فالنصف ستة عشر ألفا، ونجعل الشيء الذي لم يتحرر لنا ألفين، فذلك ثمانية ~~عشر ألفا إلى اثنين وثلاثين، فالجملة خمسون ألفا ويمكن أن يكون ذلك بالنسبة ~~إلى السماوات مع الأراضي، والكل متطابقة متداخلة، فتلك ثمان وعشرون طبقة من ~~سطح السماء السابعة الأعلى إلى سطحها الأعلى من الجانب الآخر، فذلك ثمانية ~~وعشرون - ألف سنة، لكل جرم خمسمائة، ولما بينه وبين الجرم الآخر كذلك فذلك ~~ألف فضعفه بالنسبة إلى الهبوط والصعود فيكون ستة وخمسين ألفا حسب منه خمسون ~~ألفا والغى الكسر، لكن هذا الوجه مخالف لظاهر الآية التي في سورة سأل، وهي ~~قوله تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه في # PageV15P237 # يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} [المعارج: 5] فإنه ليس فيها ذكر الهبوط ~~والله أعلم. وكل من هذه الوجوه أقعد مما قاله البيضاوي في سورته سأل، وأقرب ~~للفهم العرف، فإن كان ظاهر حاله أنه جعل الثمانية عشر ألفا من أعلى سرادقات ~~العرش إلى أعلى سرادقاته من الجانب الآخر ولا دليل على هذا ولا عرف يساعد ~~في صعود الخدم إلى أعلى السرادق، وهو الأعلى منه، والعلم عند الله تعالى، ~~وروى إسحاق بن راهويه عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ما بين سماء الدنيا إلى الأرض خمسمائة سنة، وما بين كل سماء إلى التي ~~تليها خمسمائة سنة إلى السماء السابعة، والأرض مثل ذلك، وما بين السماء ~~السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك» واعلم أن القول بأن الأراضي سبع هو الظاهر ~~لظاهر قوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} # [الطلاق: 12] ويعضده ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ظلم قدر شبر من الأرض طوقه الله من # PageV15P238 # سبع أرضين» ، وفي رواية للبغوي: خسف به إلى سبع أرضين، وروى ابن حبان في ~~صحيحه عن ابن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إن المؤمن إذا حضره الموت - فذكره إلى أن قال: وأما ms3702 الكافر إذا قبضت نفسه ~~ذهب به إلى الأرض فتقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحا أنتن من هذه، فيبلغ بها ~~إلى الأرض السفلى» - قال المنذري: وهو عند ابن ماجه بسند صحيح، ويؤيد من ~~قال: إنها متطابقة متداخلة كالكرات وبين كل أرضين فضاء كالسماوات ما روى ~~الحاكم وصححه عند عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الأرضين بين كل أرض إلى التي تليها مسيرة خمسمائة سنة، ~~فالعليا منها على ظهر حوت» إلى آخره، وهو في آخر الترغيب للحافظ المنذري في ~~آخر أهوال القيامة في سلاسلها وأغلالها، وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في ~~غريب الحديث عن مجاهد رحمه الله أنه قال: إن الحرم حرم مناه من السماوات ~~السبع والأرضين السبع، وأنه رابع أربعة عشر بيتا، في كل سماء بيت وفي كل ~~أرض بيت لو سقطت لسقط بعضها على بعض - مناه يعني قصده وحذاءه، # PageV15P239 # وفي مجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي أن الإمام أحمد روى من طريق ~~الحكم بن عبد الملك وهو ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن عند ~~رسول الله صلى الله عليه إذا مرت سحابة فقال: هل تدرون ما هذه؟ قلنا: الله ~~ورسوله أعلم! قال: العنان وزوايا الأرض يسوقه الله إلى من لا يشكره، ولا ~~يدعوه، أتدرون ما هذه فوقكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: الرفيع موج ~~مكفوف، وسقف محفوظ، أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: ~~مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: أتدرون ما الذي فوقها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! ~~قال: سماء أخرى، أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: ~~مسيرة خمسمائة عام - حتى عد سبع سماوات ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قلنا: ~~الله ورسوله أعلم! قال: والعرش، قال: أتدرون كم بينه وبين السماء السابعة؟ ~~قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال: مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: ما هذه تحتكم؟ ~~قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال: # PageV15P240 # أرض قال: أتدرون ما تحتها؟ قلنا الله ورسوله أعلم! ms3703 قال: أرض أخرى، أتدرون ~~كم بينهما؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: مسيرة سبعمائة عام حتى عد سبعين ~~أرضين، ثم قال: وأيم الله لو دليتم بحبل لهبط، ثم قرأ: # {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] قال: ~~رواه الترمذي غير أنه ذكر أن بين كل أرض والأرض الأخرى خمسمائة عام، وهنا ~~سبعمائة، وقال في آخره: «لو دليتم بحبل لهبط على الله» ولعله أراد: على عرش ~~الله أو على حكمه وعلمه وقدرته، يعني أنه في ملكه وقبضته ليس خارجا عن شيء ~~من أمره - والله أعلم، ورأيت في جامع الأصول لابن الأثير بعد إيراده هذا ~~الحديث ما نصه قال أبو عيسى قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية تدل ~~على أنه أراد: لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه ويكون مؤيدا للقول بأنها ~~كرات متطابقة متداخلة - والله أعلم - ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في العرش إلا كحلقة ملقاة في فلاه» ~~ولم يقل: كدرهم - مثلا، وكذا # PageV15P241 # ما روى محمد بن أبي عمر وإسحاق بن راهويه وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن ~~حنبل وابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه حديثا طويلا فيه ذكر الأنبياء، وفيه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تدري ما مثل السماوات والأرض في الكرسي؟ ~~قلت: لا إلا أن تعلمني مما علمك الله عز وجل، قال: مثل السماوات والأرض في ~~الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، وإن فضل الكرسي على السماوات والأرض كفضل ~~الفلاة على تلك الحلقة» وأصله عند النسائي والطيالسي وأبي يعلى، وكذا ما ~~روى صاحب الفردوس عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«ما السماوات السبع في عظمة الله إلا كجوزة معلقة» ، وقوله تعالى: {وسع ~~كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: 255] يدل على أن الكرسي محيط بالكل من ~~جميع الجوانب وقوله تعالى: {إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ~~فانفذوا} [الرحمن: 33] صريح في ذلك، فإن النفوذ يستعمل في الخرق لا سيما ms3704 مع ~~التعبير ب «من» دون «في» ، وكذا قوله في السماء {ومالها من فروج} والله ~~الموفق. # PageV15P242 # ولما تقرر هذا من عالم الأشباح والخلق، ثم عالم الأرواح والأمر، فدل ذلك ~~على شمول القدرة، وكان شامل القدرة لا بد وأن يكون # PageV15P242 # محيط العلم، كانت نتيجته لا محالة: {ذلك} أي الإله العالي المقدار، ~~الواضح المنار {عالم الغيب} الذي تقدمت مفاتيحه آخر التي قبلها من الأرواح ~~والأمر والخلق. # ولما قدم علم الغيب لكونه، أعلى وكان العالم به قد لا يعلم المشهود لكونه ~~لا يبصر قال: {والشهادة} من ذلك كله التي منها تنزيل القرآن عليك ووصوله ~~إليك {العزيز} الذي يعجز كل شيء ولا يعجزه شيء. ولما كان ربما قدح متعنت في ~~عزته بإهمال العصاة قال: {الرحيم} أي الذي خص أهل التكليف من عباده بالرحمة ~~في إنزال الكتب على السنة الرسل، وأبان لهم ما ترضاه الإلهية، بعد أن عم ~~جميع الخلائق بصفة الرحمانية بعد الإيجاد من الإعدام بالبر والإنعام. # ولما ذكر صفة الرحيمية صريحا لأقتضاء المقام إياها، أشار إلى صفة ~~الرحمانية فقال: {الذي أحسن كل شيء} ولما كان هذا الإحسان عاما، خصه بأن ~~وصفه - على قراءة المدني والكوفي - بقوله: {خلقه} فبين أن ذلك بالإتقان ~~والإحكام، كما فسر ابن عباس رضي الله عنهما من حيث التشكيل والتصوير، وشق ~~المشاعر، وتهيئة المدارك، وإفاضة # PageV15P243 # المعاني، مع المفاوتة في جميع ذلك، وإلى هذا أشار الإبدال في قراءة ~~الباقين، وعبر بالحسن لأن ما كان على وجه الحكمة كان حسنا وإن رآه الجاهل ~~القاصر قبيحا. # ولما كان الحيوان أشرف الأجناس، وكان الإنسان أشرفه، خصه بالذكر ليقوم ~~دليل الوحدانية بالأنفس كما قام قبل بالآفاق، فقال دالا على البعث: {وبدأ ~~خلق الإنسان} أي الذي هو المقصود بالخطاب بهذا القرآن {من طين} أي مما ليس ~~له أصل في الحياة بخلق آدم عليه السلام منه. # ولما كان قلب الطين إلى هذا الهيكل على هذه الصورة بهذه المعاني أمرا ~~هائلا، أشار إليه بأداة البعد في قوله: {ثم جعل نسله} أي ولده الذي ينسل أي ~~يخرج {من سلالة} أي ms3705 من شيء مسلول، أي منتزع منه {من ماء مهين} أي حقير ~~وضعيف وقليل مراق مبذول، فعيل بمعنى مفعول، وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من ~~خلقه وتطويره بقوله: {ثم سواه} أي عدله لما يراد منه بالتخطيط والتصوير ~~وإبداع المعاني {ونفخ فيه من روحه} الروح ما يمتاز به الحي من # PageV15P244 # الميت، والإضافة للتشريف، فيا له من شرف ما أعلاه إضافته إلى الله. # ولما ألقى السامعون لهذا الحديث أسماعهم، فكانوا جديرين بأن يزيد المحدث ~~لهم إقبالهم وانتفاعهم، لفت إليهم الخطاب قائلا: {وجعل} أي بما ركب في ~~البدن من الأسباب {لكم السمع} أي تدركون به المعاني المصوتة، ووحده لقلة ~~التفاوت فيه إذا كان سالما {والأبصار} تدركون بها المعاني والأعيان ~~القابلة، ولعله قدمها لأنه ينتفع بهما حال الولادة، وقدم السمع لأنه يكون ~~إذ ذاك أمتن من البصر. # ولذا تربط القوابل العين لئلا يضعفها النور، وأما العقل فإنما يحصل ~~بالتدريج فلذا أخر محله فقال: {والأفئدة} أي المضغ الحارة المتوقدة ~~المتحرفة، وهي القلوب المودعة غرائز العقول المتباينة فيها أي تباين؛ قال ~~الرازي في اللوامع: جعله - أي الإنسان - مركبا من روحاني وجسماني، وعلوي ~~وسفلي، جمع فيه بين العالمين بنفسه وجسده، واستجمع الكونين بعقله وحسه، ~~وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحيا قوليا، وسلم الأمر لمن له ~~الخلق والأمر # PageV15P245 # تسليما اختياريا طوعيا. ولما لم يتبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه ~~النعم الجسام قال: {قليلا ما تشكرون *} أي وكثيرا ما تكفرون. # ولما كانوا قد قالوا: محمد ليس برسول، والإله ليس بواحد، والبعث ليس ~~بممكن، فدل على صحة الرسالة بنفي الريب عن الكتاب، ثم على الوحدانية بشمول ~~القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على وجه هو نعمة لهم، وختم بالتعجيب من ~~كفرهم، وكان استبعادهم للبعث - الذي هو الأصل الثالث - من أعظم كفرهم، قال ~~معجبا منهم في إنكاره بعد التعجيب في قوله: {أم يقولون افتراه} ، لافتا ~~عنهم الخطاب إيذانا بالغضب من قولهم: {وقالوا} منكرين لما ركز في الفطر ~~الأول، ونبهت عليه الرسل، فصار بحيث لا يكره عاقل ألم بشيء من الحكمة: ms3706 ~~{أإذا} أي أنبعث إذا {ضللنا} أي ذهبنا وبطلنا وغبنا {في الأرض} بصيرورتنا ~~ترابا مثل ترابها، لا يتميز بعضه من بعض: قال أبو حيان تبعا للبغوي ~~والزمخشري وابن جرير الطبري وغيرهم: وأصله من ضل الماء في اللبن - إذا ذهب. ~~ثم كرروا # PageV15P246 # الاستفهام الإنكاري زيادة في الاستبعاد فقالوا: {إنا لفي خلق جديد} هو ~~محيط بنا ونحن مظروفون له. # ولما كان قولهم هذا يتضمن إنكارهم القدرة، وكانوا يقرون بما يلزمهم منه ~~الإقرار بالقدرة على البعث من خلق الخلق والإنجاء من كل كرب ونحو ذلك، أشار ~~إليه بقوله: {بل} أي ليسوا بمنكرين لقدرته سبحانه، بل {هم بلقاء ربهم} ~~المحسن بالإيجاد والإبقاء مسخرا لهم كل ما ينفعهم في الآخرة للحساب أحياء ~~سويين كما كانوا في الدنيا، والإشارة بهذه الصفة إلى أنه لا يحسن بالمحسن ~~أن ينغص إحسانه بترك القصاص من الظالم الكائن في القيامة {كافرون *} أي ~~منكرون للبعث عنادا، ساترون لما في طباعهم من أدلته، لما غلب عليهم من ~~الهوى القائد لهم إلى أفعال منعهم من الرجوع عنها الكبر عن قبول الحق ~~والأنفة من الإقرار بما يلزم منه نقص العقل. # PageV15P247 # ولما ذكر استبعادهم، وأتبعه عنادهم، وكان إنكارهم إنما هو بسبب اختلاط ~~الأجزاء بالتراب بعد إنقلابها ترابا، فكان عندهم من المحال تمييزها من بقية ~~التراب. دل على أن ذلك عليه هين بأن نبههم على ما هو مقرون به مما هو مثل ~~ذلك بل أدق. فقال مستأنفا: {قل} أي # PageV15P248 # جوابا لهم عن شبهتهم: {يتوفاكم} أي يقبض أرواحكم كاملة من أجسادكم بعد أن ~~كانت مختلطة بجميع أجزاء البدن، لا تميز لأحدهما عن الآخر بوجه تعرفونه ~~بنوع حيلة {ملك الموت} ثم أشار إلى أن فعله بقدرته، وأن ذلك عليه في غاية ~~السهولة، ببناء الفعل لما لم يسم فاعله فقال: {الذي وكل بكم} أي وكله ~~الخالق لكم بذلك، وهو عبد من عبيده، ففعل ما أمر به، فإذا البدن ملقى لا ~~روح في شيء منه وهو على حاله كاملا لا نقص في شيء منه يدعي الخلل بسببه، ~~فإذا كان هذا فعل ms3707 عبد من عبيده صرفه في ذلك فقام به على ما ترونه مع أن ~~ممازجة الروح للبدن أشد من ممازجة تراب البدن لبقية التراب لأنه ربما يستدل ~~بعض الحذاق على بعض ذلك بنوع دليل من شم ونحوه، فكيف يستبعد شيء من الأشياء ~~على رب العالمين، ومدير الخلائق أجمعين؟ . # فلما قام هذا البرهان القطعي الظاهر مع دقته لكل أحد على قدرته التامة ~~على تمييز ترابهم من تراب الأرض، وتمييز بعض تربهم من بعض، وتمييز تراب كل ~~جزء من اجزائهم جل أو دق عن بعض. علم أن التقدير: ثم يعيدكم خلقا جديدا كما ~~كنتم أول مرة، فحذفه كما هو # PageV15P249 # عادة القرآن في حذف كل ما دل عليه السياق ولم يدع داع إلى ذكره فعطف عليه ~~قوله: {ثم إلى ربكم} أي الذي ابتدأ خلقكم وتربيتكم وأحسن إليكم غاية ~~الإحسان ابتداء، لا إلى غيره، بعد إعادتكم {ترجعون} بأن يبعثكم كنفس واحدة ~~فإذا أنتم بين يديه، فيتم إحسانه وربوبيته بأن يجازي كلا بما فعل، كما هو ~~دأب الملوك مع عبيدهم، لا يدع أحد منهم الظالم من عبيده مهملا. # ولما تقرر دليل البعث بما لا خفاء فيه ولا لبس، شرع يقص بعض أحوالهم عند ~~ذلك، فقال عادلا عن خطابهم استهانة بهم وإيذانا بالغضب، وخطابا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم تسلية له، أو لكل من يصح خطابه، عاطفا على ما تقديره: فلو ~~رأيتهم وقد بعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، وهناك أمور أي أمور، موقعا ~~المضارع في حيز ما من شأنه الدخول على الماضي، لأنه لتحقق وقوعه كأنه قد ~~كان، واختير التعبير به لترويح النفس بترقب رؤيته حال سماعه، تعجيلا للسرور ~~بترقب المحذور لأهل الشرور: {ولو ترى} أي تكون أيها الرائي من أهل الرؤية ~~لترى حال المجرمين {إذ المجرمون} أي القاطعون لما أمر الله # PageV15P250 # به أن يوصل بعد أن وقفوا بين يدي ربهم {ناكسوا رؤوسهم} أي مطأطئوها خجلا ~~وخوفا وخزيا وذلا في محل المناقشة {عند ربهم} المحسن إليهم المتوحد ~~بتدبيرهم، قائلين بغاية الذل والرقة: {ربنا} أي أيها المحسن ms3708 إلينا {أبصرنا} ~~ما كنا نكذب به {وسمعنا} أي منك ومن ملائكتك ومن أصوات النيران وغير ذلك ما ~~كنا نستبعده، فصرنا على غاية العلم بتمام قدرتك وصدق وعودك {فارجعنا} بما ~~لك من هذه الصفة المقتضية للإحسان، إلى دار الأعمال {نعمل صالحا} ثم حققوا ~~هذا الوعد بقولهم على سبيل التعليل مؤكدين لأن حالهم كان حال الشاك الذي ~~يتوقف المخاطب في إيقانه: {إنا موقنون *} أي ثابت الآن لنا الإيقان بجميع ~~ما أخبرنا به عنك مما كشف عنه العيان أي لو رأيت ذلك لرأيت أمرا لا يحتمله ~~من هوله وعظمه عقل، ولا يحيط به وصف. # ولما لم يذكر لهم جوابا، علم أنه لهوانهم، لأنه ما جرأهم على العصيان إلا ~~صفة الإحسان، فلا يصلح لهم إلا الخزي والهوان، ولأن الإيمان لا يصح إلا ~~بالغيب قبل العيان. # ولما كان ربما وقع في وهم أن ضلالهم مع الإمعان في البيان، لعجز عن ~~هدايتهم أو توان، قال عاطفا على ما تقديره: إني لا أردكم لأني لم أضلكم في ~~الدنيا للعجز عن هدايتكم فيها، بل لأني لم أرد إسعادكم، ولو شئت لهديتكم، ~~صارفا القول إلى مظهر العظمة لاقتضاء المقام لها: {ولو شئنا} أي بما لنا من ~~العظمة التي تأبى أن يكون لغيرنا شيء يستقل به أو يكون في ملكنا ما لا نريد ~~{لأتينا كل نفس} أي مكلفة لأن الكلام فيها {هداها} أي جعلنا هدايتها ورشدها ~~وتوفيقها للإيمان وجميع ما يتبعه من صالح الأعمال في يدها متمكنة منها. # ولما استوفى الأمر حده من العظمة، لفت الكلام إلى الإفراد، دفعا للتعنت ~~وتحقيقا لأن المراد بالأول العظمة فقال: {ولكن} أي لم أشأ ذلك لأنه {حق ~~القول مني} وأنا من لا يخلف الميعاد، لأن الإخلاف إما لعجز أو نسيان أو ~~حاجة ولا شيء من ذلك يليق بجنابي، أو يحل بساحتي، وأكد لأجل إنكارهم فقال ~~مقسما: {لأملان جهنم} # PageV15P251 # التي هي محل إهانتي وتجهم أعدائي بما تجهموا أوليائي {من الجنة} أي الجن ~~طائفة إبليس، وكأنه أنثهم تحقيرا لهم عند من يستعظم أمرهم لما دعا إلى ms3709 ~~تحقيرهم من مقام الغضب وبدأ بهم لاستعظامهم لهم ولأنهم الذين أضلوهم ~~{والناس أجمعين *} حيث قلت لإبليس: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين} [ص: 85] فلذلك شئت كفر الكافر وعصيان العاصي بعد أن جعلت لهم ~~اختيارا، وغيبت العاقبة عنهم، فصار الكسب ينسب إليهم ظاهرا، والخلق في ~~الحقيقة والمشيئة لي. # PageV15P252 # ولما تسبب عن هذا القول الصادق أنه لا محيص عن عذابهم، قال مجيبا لترققهم ~~إذ ذاك نافيا لما قد يفهمه كلامهم من أنه محتاج إلى العبادة: {فذوقوا} أي ~~ما كنتم تكذبون به منه بسبب ما حق معي من القول {بما} أي بسبب ما {نسيتم ~~لقاء يومكم} وأكده وبين لهم بقوله: {هذا} أي عملتم - في الإعراض عن ~~الاستعداد لهذا الموقف الذي تحاسبون فيه ويظهر فيه العدل - عمل الناسي له ~~مع أنه مركوز في طباعكم أنه لا يسوغ لذي علم وحكمة أن يدع عبيده # PageV15P252 # يمرحون في أرضه ويتقلبون في رزقه، ثم لا يحاسبهم على ذلك وينصف مظلومهم، ~~فكان الإعراض عنه مستحقا لأن يسمى نسيانا من هذا الوجه أيضا ومن جهة أنه ~~لما ظهر له من البراهين، ما ملأ الأكوان صار كأنه ظهر، وروي ثم نسي. ثم علل ~~ذوقهم لذلك أو استانف لبيان المجازاة به مؤكدا في مظهر العظمة قطعا ~~لأطماعهم في الخلاص، ولذا عاد إلى مظهر العظمة فقال: {إنا نسيناكم} أي ~~عاملناكم بما لنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة الناسي، فأوردنا النار ~~كما أقسمنا أنه ليس أحد إلا يردها، ثم أخرجنا أهل ودنا وتركناكم فيها ترك ~~المنسي. # ولما كان ما تقدم من أمرهم بالذوق مجملا، بينه بقوله مؤكدا له: {وذوقوا ~~عذاب الخلد} أي المختص بأنه لا آخر له. ولما كان قد خص السبب فيما مضى، عم ~~هنا فقال: {بما كنتم} أي جبلة وطبعا {تعملون *} من أعمال من لم يخف أمر ~~البعث ناوين أنكم لا تنفكون عن ذلك. # ولما كان قوله تعالى: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} قد أشار إلى أن الحامل ~~لهم على الكفر الكبر، وذكر سبحانه أنه قسم الناس قسمين # PageV15P253 # لأجل الدارين، ms3710 تشوفت النفس إلى ذكر علامة أهل الإيمان كما ذكرت علامة أهل ~~الكفران، فقال معرفا أن المجرمين لا سبيل إلى إيمانهم {ولو ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه} [الأنعام: 28] : {إنما يؤمن بآياتنا} الدالة على عظمتنا {الذين ~~إذا ذكروا بها} من أي مذكر كان، في أي وقت كان، قبل كشف الغطاء وبعده {خروا ~~سجدا} أي بادروا إلى السجود مبادرة من كأنه سقط من غير قصد، خضعا لله من ~~شدة تواضعهم وخشيتهم وإخباتهم له خضوعا ثابتا دائما {وسبحوا} أي أوقعوا ~~التنزيه عن كل شائبة نقص من ترك البعث المؤدي إلى تضييع الحكمة ومن غيره ~~متلبسين {بحمد} ولفت الكلام إلى الصفة المقتضية لتنزيههم وحمدهم تنبيها لهم ~~فقال: {ربهم} أي بإثباتهم له الإحاطة بصفات الكمال، ولما تضمن هذا تواضعهم، ~~صرح به في قوله: {وهم لا يستكبرون} أي لا يجددون طلب الكبر عن شيء مما ~~دعاهم إليه الهادي ولا يوجدونه خلقا لهم راسخا في ضمائرهم. # ولما كان المتواضع ربما نسب إلى الكسل، نفى ذلك عنهم بقوله مبينا بما ~~تضمنته الآية السالفة من خوفهم: {تتجافى} أي ترتفع ارتفاع مبالغ في الجفاء ~~- بما أشار إليه الإظهار، وبشر بكثرتهم بالتعبير # PageV15P254 # بجمع الكثرة فقال: {جنوبهم} بعد النوم {عن المضاجع} أي الفرش الموطأة ~~الممهدة التي هي محل الراحة والسكون والنوم، فيكونون عليها كالملسوعين، لا ~~يقدرون على الاستقرار عليها، في الليل الذي هو موضع الخلوة ومحط اللذة ~~والسرور بما تهواه النفوس، قال الإمام السهروردي في الباب السادس والأربعين ~~من عوارفه عن المحبين: قيل: نومهم نوم الفرقى، وأكلهم أكل المرضى، وكلامهم ~~ضرورة، فمن نام عن غلبة بهم مجتمع متعلق بقيام الليل وفق لقيام الليل، ~~وإنما النفس إذا طعمت ووطنت على النوم استرسلت فيه، وإذا أزعجت بصدق ~~العزيمة لا تسترسل في الاستقرار، وهذا الانزعاج في النفس بصدق العزيمة هو ~~التجافي الذي قال الله، لأن الهم بقيام الليل وصدق العزيمة يجعل بين الجنس ~~والمضجع سواء وتجافيا. # ولما كان هجران المضجع قد يكون لغير العبادة، بين أنه لها، فقال مبينا ~~لحالهم: {يدعون} أي على سبيل الاستمرار، وأظهر ms3711 الوصف الذي جرأهم على السؤال ~~فقال: {ربهم} أي الذي عودهم بإحسانه: ثم علل دعاءهم بقوله: {خوفا} أي من ~~سخطه وعقابه، فإن أسباب الخوف من نقائضهم كثيرة سواء عرفوا سببا يوجب خوفا ~~أو لا، فهم # PageV15P255 # لا يأمنون مكره لأن له أن يفعل ما يشاء {وطمعا} أي في رضاه الموجب ~~لثوابه، وعبر به دون الرجاء إشارة إلى أنهم لشدة معرفتهم بنقائصهم لا يعدون ~~أعمالهم شيئا بل يطلبون فضله بغير سبب، وإذا كانوا يرجون رحمته بغير سبب ~~فهم مع السبب أرجى، فهم لا ييأسون من روحه. # ولما كانت العبادة تقطع عن التوسع في الدنيا، فربما دعت نفس العابد إلى ~~التسمك بما في يده خوفا من نقص العبادة عن الحاجة لتشوش الفكر والحركة لطلب ~~الرزق، حث على الإنفاق منه اعتمادا على الخلاق الرزاق الذي ضمن الخلف ~~ليكونوا بما ضمن لهم أوثق منهم بما عندهم، وإيذانا بأن الصلاة سبب للبركة ~~في الرزق {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك} [طه: ~~132] ، فقال لفتا إلى مظهر العظمة تنبيها على أن الرزق منه وحده: {ومما ~~رزقناهم} أي بعظمتنا، لا حول منهم ولا قوة {ينفقون *} من غير إسراف ولا ~~تقتير في جميع وجوه القرب التي شرعناها لهم. # ولما ذكر جزاء المستكبرين، فتشوفت النفس إلى جزاء المتواضعين، أشار إلى ~~جزائهم بفاء السبب، إشارة إلى أنه هو الذي وفقهم لهذه الأعمال برحمته، ~~وجعلها سببا إلى دخول جنته، ولو شاء لكان # PageV15P256 # غير ذلك فقال: {فلا تعلم نفس} أي من جميع النفوس مقربة ولا غيرها {ما ~~أخفي لهم} أي لهؤلاء المتذكرين من العالم بمفاتيح الغيوب وخزائنها كما ~~كانوا يخفون أعمالهم بالصلاة في جوف الليل وغير ذلك ولا يراؤون بها، ولعله ~~بني للمفعول في قراءة الجماعة تعظيما له بذهاب الفكر في المخفي كل مذهب أو ~~للعلم بأنه الله تعالى الذي أخفوا نوافل أعمالهم لأجله، وسكن حمزة الياء ~~على أنه للمتكلم سبحانه لفتا لأسلوب العظمة إلى أسلوب الملاطفة، والسر ~~مناسبته لحال الأعمال. # ولما كانت العين لا تقر فتهجع إلا عند الأمن والسرور ms3712 قال: {من قرة أعين} ~~أي من شيء نفيس سار تقر به أعينهم لأجل ما أقلعوها عن قرارها بالنوم؛ ثم ~~صرح بما أفهمته فاء السبب فقال: {جزاء} أي أخفاها لهم لجزائهم {بما كانوا} ~~أي بما هو لهم كالجبلة {يعملون *} روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: أعددت لعبادي ~~الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» ، قال أبو ~~هريرة: اقرؤوا إن شئتم {افلا تعلم نفس} - الآية. # PageV15P257 # ولما كانوا أهل بلاغة ولسن، وبراعة: وجدل، فكان ربما قال متعنتهم: ما له ~~إذا كان ما تزعمون من أنه لا يبالي بشيء ولا ينقص من خزائنه شيء وهو العزيز ~~الرحيم، لا يسوي بين الكل في إدخال الجنة، والمن بالنعيم فيعمهم بالرحمة ~~الظاهرة كما عمهم بها في الدينا كما هو دأب المحسنين؟ تسبب عن ذلك أن قال ~~منكرا لذلك مشيرا إلى أن المانع منه خروجه عن الحكمة، فإن تلك دار الجزاء، ~~وهذه دار العمل، فبينهما بون: {أفمن كان} أي كونا كأنه من رسوخه جبلي ~~{مؤمنا} أي راسخا في التصديق العظيم بجميع ما أخبرت به الرسل {كمن كان} ~~ولما كان السياق منسوقا على دليل {مالكم من دونه من ولي ولا شفيع} - الآية، ~~فكان الكافر خارجا عن محيط ذلك الدليل الذي لا يخفي بوجه على أحد له سمع ~~وبصر وفؤاد، اقتضى الحال التعبير بالفسق الذي هو الخروج عن محيط فقال: ~~{فاسقا} أي راسخا في الفسق خارجا عن دائرة الإذعان. # ولما توجه الاستفهام إلى كل من اتصف بهذا الصف، وكان الاستفهام إنكاريا، ~~عبر عن معناه مصرحا بقوله: {لا يستوون} إشارة - بالحمل على لفظ «من» مرة ~~ومعناها أخرى - إلى أنه لا يستوي جمع من هؤلاء يجمع من أولئك ولا فرد بفرد. # PageV15P258 # ولما نفى استواءهم، أتبعه حال كل على سبيل التفصيل معبرا بالجمع لأن ~~الحكم بإرضائه وإسخاطه بفهم الحكم على الواحد منه من باب الأولى فقال: {أما ~~الذين آمنوا وعملوا} أي تصديقا ms3713 لإيمانهم {الصالحات فلهم جنات المأوى} أي ~~الجنات المختصة دون الدنيا التي هي دار ممر، دون النار التي هي دار مفر لا ~~مقر، بتأهلها للمأوى الكامل في هذا الوصف بما أشار إليه ب «ال» ثابتون فيها ~~لا يبغون عنها حولا، كما تبؤوا الإيمان الذي هو أهل للإقامة فلم يبغوا به ~~بدلا {نزلا} أي عدادا لهم أول قدومهم في قول الحسن وعطاء، وهو أوفق للمقام ~~كما يعد للضيف على ما لاح {بما كانوا} جبلة وطبعا {يعملون *} دائما على وجه ~~التجديد، فإن أعمالهم من رحمة ربهم، فإذا كانت هذه الجنات نزلا فما ظنك بما ~~بعد ذلك! وهو لعمري ما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم: «ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» وهم كل لحظة في زيادة لأن قدرة الله لا ~~نهاية لها، فإياك أن يخدعك خادع أو يغرك ملحد {وأما الذين فسقوا} أي خرجوا ~~عن دائرة الإيمان الذي هو معدن التواضع وأهل للمصاحبة والملازمة {فمأواهم ~~النار} أي التي لا صلاحية فيها للإيواء بوجه # PageV15P259 # من الوجوه أصلا. # ولما كان السامع جديرا بالعلم بأنهم مجتهدون في الخلاص منها، قال مستأنفا ~~لشرح حالهم: {كلما أرادوا} أي وهم مجتهدون فكيف إذا أراد بعضهم {أن يخرجوا ~~منها} وهذا يدل على أنه يزاد في عذابهم بأن يخيل إليهم ما يظنون به القدرة ~~على الخروج منها كما كانوا يخرجون بفسوقهم من محيط الأدلة من دائرة الطاعات ~~إلى بيداء المعاصي والزلات، فيعالجون الخروج فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم ~~بعد في غمراتها {أعيدوا} بأيسر أمر وأسهله من أي من أمر بذلك {فيها} إلى ~~المكان الذي كانوا فيه أولا، ولا يزال هذا دأبهم أبدا {وقيل} أي من أي قائل ~~وكل بهم {لهم} أي عند الإعادة إهانة له: {ذوقوا عذاب النار} . # ولما وصف عذابهم في النار كان أحق بالوصف عند بيان سبب الإهانة بالأمر ~~بالذوق مع أنه أحق من حيث كونه مضافا محدثا عنه فقال: {الذي كنتم} أي كونا ~~هو لكم كالجبلات، وأشار إلى أن تكذيبهم ms3714 به يتلاشى عنده كل تكذيب، فكأنه ~~مختص فقال: {به تكذبون *} فإن الإعادة بعد معالجة الخروج أمكن في التصديق ~~باعتبار التجدد في كل آن. # PageV15P260 # ولما كان المؤمنون الآن يتمنون إصابتهم بشيء من الهوان في هذه الدار، لأن ~~نفوس البشر مطبوعة على العجلة، بشرهم بذلك على وجه يشمل عذاب القبر، فقال ~~مؤكدا له لما عندهم من الإنكار لعذاب ما بعد الموت وللإصابة في الدنيا بما ~~هم من الكثرة والقوة: {ولنذيقنهم} أي أجمعين بالمباشرة والتسبيب، بما لنا ~~من العظمة التي تتلاشى عندها كثرتهم وقوتهم {من العذاب الأدنى} أي قبل يوم ~~القيامة، بأيديكم وغيرها، وقد صدق الله قوله، وقد كانوا عند نزول هذه ~~السورة بمكة المشرفة في غاية الكثرة والنعمة، فأذاقهم الجدب سنين متوالية، ~~وفرق شملهم وقتلهم وأسرهم بأيدي المؤمنين إلى غير ذلك بما أراد سبحانه؛ ثم ~~أكد الإرادة لما قبل الآخرة وحققها بقوله، معبرا بما يصلح للغيرية والسفول: ~~{دون العذاب الأكبر} أي الذي مر ذكره في الآخرة {لعلهم يرجعون*} أي ليكون ~~حالهم حال من يرجى رجوعه عن فسقه عند من ينظره، وقد كان ذلك، رجع كثير منهم ~~خوفا من السيف، فلما رأوا محاسن الإسلام كانوا من أشد الناس فيه رغبة وله ~~حبا. # PageV15P261 # ولما كان التقدير: يرجعون عن ظلمهم فإنهم ظالمون، عطف عليه قوله: {ومن ~~أظلم} منهم هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي صاروا أظلم فقال: {ممن ~~ذكر} أي من أي مذكر كان وصرف القول إلى صفة الإحسان استعطافا وتنبيها على ~~وجوب الشكر فقال: {بآيات ربه} أي الذي لا نعمة عنده إلا منه. # ولما بلغت هذه الآيات من الوضوح أقصى الغايات، فكان الإعراض عنها مستبعدا ~~بعده، عبر عنه بأداة البعد لذلك فقال: {ثم أعرض عنها} ضد ما عمله الذين لم ~~يتمالكوا أن خروا سجدا، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون «ثم» على بابها ~~للتراخي، ليكون المعنى أن من وقع له التذكير بها في وقت ما، فأخذ يتأمل ~~فيها ثم أعرض عنها بعد ذلك ولو بألف عام فهو أظلم الظالمين، ويدخل فيه ما ~~دون ذلك ms3715 عن باب الأولى لأنه أجدر بعدم النسيان، فهي أبلغ من التعبير بالفاء ~~كما في سورة الكهف، ويكون عدل إلى الفاء هناك شرحا لما يكون من حالهم، عند ~~بيان سؤالهم، الذي جعلوا بأنه آية الصدق، والعجز عن آية الكذب. # ولما كان الحال مقتضيا للسؤال عن جزائهم، وكان قد فرد الضمير باعتبار لفظ ~~«من» تنبيها على قباحة الظلم من كل فرد، # PageV15P262 # قال جامعا لأن إهانة الجمع دالة على إهانة الواحد من باب الأولى، مؤكدا ~~لإن إقدامهم على التكذيب كالإنكار لأن تجاوزوا عليه، صارفا وجه الكلام عن ~~صفة الإحسان إيذانا بالغضب: {إنا} منهم، هكذا كان الأصلي، ولكنه أظهر الوصف ~~نصفا في التعميم وتعليقا للحكم به معينا لنوع ظلمهم تبشيعا له فقال: {من ~~المجرمين} أي القاطعين لما يستحق الوصل خاصة {منتقمون} وعبر بصيغة العظمة ~~تنبيها على أن الذي يحصل لهم من العذاب لا يدخل تحت الوصف على جرد العداد ~~في الظالمين، فكيف وقد كانوا أظلم الظالمين؟ والجملة الاسمية تدل على دوام ~~ذلك عليهم في الدنيا إما باطنا بالاستدراج بالنعم، وإما ظاهرا بإحلال ~~النقم، وفي الآخرة بدوام العذاب على مر الآباد. # ولما كان مقصود السورة نفي الريب عن تنزيل هذا الكتاب المبين في أنه من ~~عند رب العالمين، ودل على أن الإعراض عنه إنما هو ظلم وعناد بما ختمه ~~بالتهديد على الإعراض عن الآيات بالانتقام، وكان قد انتقم سبحانه ممن استخف ~~بموسى عليه السلام قبل إنزال الكتاب عليه وبعد إنزاله، وكان أول من أنزل ~~عليه كتاب # PageV15P263 # من بني إسرائيل بعد فترة كبيرة من الأنبياء بينه وبين يوسف عليهما السلام ~~وآمن به جميعهم وألفهم الله به وأنقذهم من أسر القبط على يده، ذكر بحالة ~~تسلية وتأسية لمن أقبل وتهديدا لمن أعرض، وبشارة بإيمان العرب كلهم ~~وتأليفهم به وخلاص أهل اليمن منهم من أسر الفرس بسببه، فقال مؤكدا تنبيها ~~لمن يظن أن العظيم لا يرد شيء من أمره: {ولقد آتينا} على ما لنا من العظمة ~~{موسى الكتاب} أي الجامع للأحكام وهو التوارة. # ولما كان ذلك مما لا ms3716 ريب فيه أيضا، وكان قومه قد تركوا اتباع كثير منه لا ~~سيما فيما قص من صفات نبينا صلى الله عليه وسلم وفيما أمر فيه باتباعه، ~~وكان هذا إعراضا منهم مثل إعراض الشاك في الشيء، وكانوا في زمن موسى عليه ~~السلام أيضا يخالفون أوامره وقتا بعد وقت وحينا إثر حين، تسبب عن الإيتاء ~~المذكور قوله تعريضا بهم وإعلاما بأن العظيم قد يرد رد بعض أوامره لحكمة ~~دبرها: {فلا تكن} أي كونا راسخا - بما أشار إليه فعل الكون وإثبات نونه، # PageV15P264 # فيفهم العفو عن حديث النفس الواقع من الأمة على ما بينه صلى الله عليه ~~وسلم {في مرية} أي شك {من لقائه} أي لا تفعل في ذلك فعل الشاك في لقاء موسى ~~عليه السلام للكتاب منا وتلقيه له بالرضا والقبول والتسليم، كما فعل ~~المدعون لاتباعه والعمل بكتابه في الإعراض عما دعاهم إليه من دين الإسلام، ~~أو لا تفعل فعل الشاك في لقائك الكتاب منا وإن نسبوك إلى الإفتراء وإن تأخر ~~بعض ما يخبر به فسيكون هدى لمن بقي منهم، وعذابا للماضين، ولا يبقى خبر ما ~~أخبر به أنه كائن إلا كان طبق ما أخبر به، فإنك لتلقاه من لدن حكيم عليم، ~~وقد صبر موسى عليه السلام في تلقي كتابه ودعائه حتى مات على أحسن الأحوال، ~~أو يكون المعنى: ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف عليه فيه فما شك أحد من ~~الثابتين في إيتائنا إياه الكتاب لأجل إعراض من أعرض، ولا زلزلة أدبار من ~~أدبر، وانتقمنا ممن أعرض عنه فلا يكن أحد ممن آمن بك في شك من إيتائنا ~~الكتاب لك لإعراض من أعرض، فسنهلك من حكمنا بشقائه انتقاما منه، ونسعد ~~الباقين به. # ولما أشار إلى إعراضهم عنه وإعراض العرب عن كتابهم، ذكر أن الكل فعلوا ~~بذلك الضلال ضد ما أنزل له الكتاب، فقال ممتنا على # PageV15P265 # بني إسرائيل ومبشرا للعرب: {وجعلناه} أي كتاب موسى عليه السلام جعلا يليق ~~بعظمتنا {هدى} أي بيانا عظيما {لبني إسرائيل} وأشار إلى اختلافهم فيه ~~بقوله: {وجعلنا منهم} أي من أنبيائهم ms3717 وأحبارهم بعظمتنا، مع ما في طبع ~~الإنسان من اتباع الهوى {أئمة يهدون} أي يوقعون البيان ويعملون على حسبه ~~{بأمرنا} أي بما أنزلنا فيه من الأوامر؛ ثم ذكر علة جعله ذلك لهم بقوله: ~~{لما صبروا} أي بسبب صبرهم ولأجله - على قراءة حمزة والكسائي بالكسر ~~والتخفيف - أو حين صبرهم على قبول أوامرنا على قراءة الباقين بالفتح ~~والتشديد، وإن كان الصبر أيضا إنما هو بتوفيق الله لهم {وكانوا بآياتنا} ~~لما لها من العظمة {يوقنون *} لا يرتابون في شيء منها ولا يفعلون فعل الشاك ~~فيه الإعراض، وكان ذلك لهم جبلة جبلناهم عليها. # PageV15P266 # ولما أفهم قوله «منهم» أنه كان منهم من يضل عن أمر الله ويصد عنه، جاء ~~قوله تسلية للمؤمنين وتوعدا للكافرين، استئنافا مؤكدا تنبيها لمن يظن أنه ~~لا بعث، ولفت القول إلى صفة الإحسان إشارة إلى ما يظهر من شرفه صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك اليوم من المقام المحمود وغيره: {إن ربك} أي المحسن إليك ~~بإرسالك ليعظم # PageV15P266 # ثوابك ويعلي ما بك {هو} أي وحده {يفصل بينهم} أي من الهادين والمضلين ~~والضالين {يوم القيامة} بالقضاء الحق، فيعلى أمر المظلوم ويردي كيد الظالم ~~{فيما كانوا} جبلة، طبعا {فيه} أي خاصة {يختلفون*} أي يجددون الاختلاف فيه ~~على سبيل الاستمرار حسب ما طبعوا عيله، لا يخفى عليه شيء منه، وأما غير ما ~~اختلفوا فيه فالحكم فيه لهم أو عليهم لا بينهم، وما اختلفوا فيه لا على وجه ~~القصد فيقع في محل العفو. # ولما كان قد تقدم عن الكفار في هذه السورة قولان: أحدهما في التكذيب ~~بالقرآن، والثاني في إنكار البعث، ودل سبحانه على فسادهما إلى أن ختم بذكر ~~الآيات والبعث والفصل بين المحق والمبطل، أتبعه استفهامين إنكاريين منشورين ~~على القولين وختمت آية كل منهما بآخر، فتصير الاستفهامات أربعة، وفي مدخول ~~الأول الفصل بين الفريقين في الدنيا، فقال مهددا: {أو لم} أي أيقولون عنادا ~~لرسولنا: أفتراه ولم {يهد} أي يبين - كما رواه البخاري عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما {لهم كم أهلكنا} أي كثرة من أهلكناه. # PageV15P267 # ولما ms3718 كان قرب شيء في الزمان أو المكان أدل، بين قربهم بإدخال الجار فقال: ~~{من قبلهم} أي لأجل معاندة الرسل {من القرون} الماضين من المعرضين عن ~~الآيات، ونجينا من آمن بها، وربما كان قرب المكان منزلا قرب الزمان لكثرة ~~التذكير بالآثار، والتردد خلال الديار. # ولما كان انهماكهم في الدنيا الزائلة قد شغلهم عن التفكر فيما ينفعهم عن ~~المواعظ بالأفعال والأقوال، أشار إلى ذلك بتصوير اطلاعهم على ما لهم من ~~الأحوال، بقوله: {يمشون} أي أنهم ليسوا بأهل للتفكر إلا حال المشي {في ~~مساكنهم} لشدة ارتباطهم مع المحسوسات، وذلك كمساكن عاد وثمود وقوم لوط ~~ونحوهم. ولما كان في هذا أتم عبرة وأعظم عظة، قال منبها عليه مؤكدا تنبيها ~~على أن من لم يعتبر منكر لما فيه من العبر: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم ~~{لآيات} أي دلالات ظاهرات جدا، مرئيات في الديار وغيرها من الآثار، ~~ومسموعات في الأخبار. # ولما كان السماع هو الركن الأعظم، وكان إهلاك القرون إنما وصل إليهم ~~بالسماع، قال منكرا: {أفلا يسمعون *} أي إن أحوالهم لا يحتاج من ذكرت له في ~~الرجوع عن الغي إلى غير سماعها، # PageV15P268 # فإن لم يرجع فهو ممن لا سمع له {أو لم} أي أيقولون في إنكار البعث: إذا ~~ضللنا في الأرض، ولم {يروا أنا} بما لنا من العظمة {نسوق الماء} من السماء ~~أو الأرض {إلى الأرض الجرز} أي التي جرز نباتها أي قطع باليبس والتهشم، أي ~~بأيدي الناس فصارت ملساء لا نبت فيها، وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: إنها التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا، قالوا: ولا يقال ~~للتي لا تنبت كالسباخ: جزر، ويدل عليه قوله: {فنخرج به} من أعماق الأرض ~~{زرعا} أي نبتا لا ساق له باختلاط الماء بالتراب الذي كان زرعا قبل هذا، ~~وأشار إلى أنه حقيقة، لا مرية فيه، وليس هو بتخييل كما تفعل السحرة، بقوله ~~مذكرا بنعمة الإبقاء بعد الإيجاد: {تأكل منه} أي من حبه وورقه وتبنه وحشيشه ~~{أنعامهم} وقدمها لموقع الامتنان بها لأن بها ms3719 قوامهم في معايشهم وأبدانهم، ~~ولأن السياق لمطلق إخراج الرزع، وأول صلاحه إنما هو لأكل الأنعام بخلاف ما ~~في سورة عبس، فإن السياق لطعام الإنسان الذي هو نهاية الزرع حيث قال: # {فلينظر الإنسان إلى طعامه} [عبس: 24] ثم قال {فأنبتنا فيها حبا} [عبس: ~~27] وذكر من طعامه من العنب وغيره ما لا يصلح # PageV15P269 # للأنعام {وأنفسهم} أي من حبه، وأصله إذا كان بقلا. # ولما كانت هذه الآية مبصرة، وكانت في وضوحها في الدلالة على البعث لا ~~يحتاج الجاهل به في الإقرار سوى رؤيتها قل: {أفلا يبصرون} إشارة إلى أن من ~~رآها وتبه على ما فيها من الدلالة وأصر على الإنكار لا بصر له ولا بصيرة. # PageV15P270 # ولما كانت هذه الآية أدل دليل - كما مضى - على البعث، وكان يوما يظهر فيه ~~عز الأولياء وذل الأعداء، أتبعها قوله تعجيبا منهم عطفا على «يقولون ~~أفتراه» ونحوها: {ويقولون} أي مع هذا البيان الذي لا لبس معه استهزاء: {متى ~~هذا الفتح} أي النصر والقضاء والفصل الذي يفتح المنغلق يوم الحشر {إن كنتم} ~~أي كونا راسخا {صادقين} أي عريقين في الصدق بالإخبار بأنه لا بد من كونه ~~لنؤمن إذا رأيناه. # ولما أسفر حالهم بهذا السؤال الذي محصله الاستعجال على وجه الاستهزاء عن ~~أنهم لا يزدادون مع البيان إلا عنادا، أمرهم بجواب فيه أبلغ تهديد، فقال ~~فاعلا فعل القادر في الإعراض عن إجابتهم عن تعيين اليوم إلى ذكر حاله: {قل} ~~أي لهؤلاء اللد الجهلة: {يوم الفتح} أي الذي يستهزئون به، وهو يوم القيامة ~~- تبادرون إلى الإيمان بعد الانسلاخ مما أنتم فيه من الشماخة والكبر، فلا ~~ينفعكم بعد العيان # PageV15P270 # وهو معنى {لا} ينفعكم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الوصف تعميما وتعليقا ~~للحكم به فقال: {ينفع الذين كفروا} أي غطوا آيات ربهم التي لا خفاء بها ~~سواء في ذلك أنتم وغيركم ممن اتصف بهذا الوصف {إيمانهم} لأنه ليس إيمانا ~~بالغيب، ولكنه ساقه هكذا سوق ما هو معلوم {ولا هم ينظرون *} أي يمهلون في ~~إيقاع العذاب بهم لحظة ما من منظر ما. # ولما كانت نتيجة ms3720 سماعهم لهذه الأدلة استهزاءهم حتى بسؤالهم عن يوم الفتح، ~~وأجابهم سبحانه عن تعيينه بذكر حاله، وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه ~~على نفعهم ربما أحب إعلامهم بما طلبوا وإن كان يعلم أن ذلك منهم استهزاء ~~رجاء أن ينفعهم نفعا ما، سبب سبحانه عن إعراضه عن إجابتهم، أمره لهذا ~~الداعي الرفيق والهادي الشفيق بالإعراض عنهم أيضا، فقال مسليا له مهددا ~~لهم: {فأعرض عنهم} أي غير مبال بهم وإن اشتد أذاهم {وانتظر} أي ما نفعل بهم ~~مما فيه إظهار أمرك وإعلاء دينك، ولما كان الحال مقتضيا لتردد السامع في ~~حالهم هل هو الانتظار، أجيب على سبيل التأكيد بقوله: {إنهم منتظرون *} أي ~~ما يفعل بك وما يكون من عاقبة أمرك فيما تتوعدهم به وفي غيره، وقد انطبق ~~آخرها على أولها بالإنذار بهذا # PageV15P271 # الكتاب، وأعلم بجلالته وجزالته وشدته وشجاعته أنه ليس فيه نوع ارتياب، ~~وأيضا فأولها في التذكيب بتنزيله، وآخرها في الاستهزاء بتأويله، {يوم يأتي ~~تأويله يقول الذين نسوه من قبل} [الأعراف: 53]- الآية، وأيضا فالأول في ~~التكذيب بإنزال الروح المعنوي، والآخر في التكذيب بإعادة الروح العيني ~~الحسي الذي ابتدأه أول مرة والله الهادي إلى الصواب. # PageV15P272 # مقصودها الحث على الصدق في الإخلاص في التوجه إلى الخالق من غير مراعاة ~~بوجه ما للخلائق، لأنه عليم بما يصلحهم، حكيم فيما يفعله فهو يعلي من يشاء ~~وإن كان ضعيفا، ويردي من يريد وإن كان قويا، فلا يهتمن الماضي لأمره برجاء ~~لأحد منهم في بره ولا خوف منه في عظيم شره وخفي مكره، واسمها واضح في ذلك ~~بتأمل القصة التي أشار إليها ودل عليها) بسم الله (الذي مهما أراد كان) ~~الرحمن (الذي سرت رحمته خلال الوجود، فشملت كل موجود، بالكرم والجود) ~~الرحيم (لمن توكل عليه بالعطف إليه. # لما ختمت التي قبلها بالإعراض عن الكافرين، وانتظار ما يحكم به فيهم رب ~~العالمين، بعد تحقيق أن تنزيل الكتاب من عند المدبر لهذا الخلق كله، والنهي ~~عن الشك في لقائهع، افتتح هذه بالأمر بأسا ذلك، والنهي عن طاعة المخالفين ~~مجاهرين كانوا ms3721 أو متساترين، والأمر بإتباع الوحي الذي أعظمه الكتاب تنبيها ~~على أن الإعراض إنما يكون # PageV15P273 # طاعة لله مع مراعاة تقواه # PageV15P274 # فقال: {يا أيها النبي} عبر بأداة التوسط إيماء إلى أن وقت نزول السورة - ~~وهو آخر سنة خمس، غب وقعة ### | الأحزاب # - أوسط مدة ما بعد الهجرة إلاحة إلى أنه لم يبق من أمد كمال النصرة التي ~~اقتضاها وصف النبوة الدال على الرفعة إلا القليل وعبر به لاقتضاء مقصود ~~السورة مقام النبوة الذي هو بين الرب وعبده في تقريبه وإعلائه إلى جنابه ~~إذا قرئ بغير همز، وإن قرئ به كان اللحظ إلى إنبائه بالخفي وتفصيله للجلي، ~~وقال الحرالي في كتاب له في أصول الدين: حقيقة النبوة ورود غيب ظاهر أي من ~~الحق بالوحي لخاص من الخلق، خفي عن العامة منهم، ثم قد يختص مقصد ذلك ~~الوارد المقيم لذلك الواحد بذاته، فيكون نبيا غير رسول، وقد يرد عليه عند ~~تمام أمره في ذاته موارد إقامة غيره فيصير رسولا. والرتبة الأولى كثيرة ~~الوقوع في الخلق، وهي النبوة، والثانية قليلة الوقوع، فالرسل معشار معشار ~~الأنبياء، وللنبوة اشتقاقان: أحدهما من النبأ وهو الخبر، وذلك لمن اصطفي من ~~البشر لرتبة السماع والإنباء فنبئ ونبأ غيره من غير أن يكون عنده حقيقة ما ~~نبيء به ولا ما نبأ # PageV15P274 # فيكون حامل علم، والاشتقاق الثاني من النبوة وهي الارتفاع والعلو، وذلك ~~لمن أعلى عن رتبة النبأ إلى رتبة العلم. فكان مطلعا على علم ما ورد عليه من ~~الغيب على حقيقته وكماله، فمن علا عن الحظ المتنزل العقلي إلى رتبة سماع، ~~كان نبيئا بالهمز، ومن علا عن ذلك إلى رتبة علم بحقيقة ذلك كان نبيا غير ~~مهموز، فآدم عليه السلام مثلا في علم الأسماء نبي بغير همز، وفي ما وراءه ~~نبيء بهمز، وكذلك إبراهيم عليه السلام فيما أرى من الملكوت نبي غير مهموز ~~وفيما وراءه نبئ بهمز - انتهى - ولم يناده سبحانه باسمه تشريفا لقدره، ~~وإعلاء لمحله، وحيث سماه باسمه في الأخبار فللتشريف من جهة أخرى، وهي ~~تعيينه وتخصيصه إزالة للبس عنه، وقطعا ms3722 لشبه التعنت. # ولما ناداه سبحانه بهذا الاسم الشريف المقتضي للانبساط، أمره بالخوف ~~فقال: {اتق الله} أي زد من التقوى يا أعلى الخلائق بمقدار ما تقدر عليه لذي ~~الجلال كله والإكرام، لئلا تلتفت إلى شيء سواه، فإنه أهل لأن يرهب لما له ~~من خلال الجلال، والعظمة والكمال. # ولما وجه إليه الأمر بخشية الولي الودود، أتبعه النهي عن الالتفات # PageV15P275 # نحو العدو والحسود. فقال: {ولا تطع الكافرين} أي الممانعين {والمنافقين} ~~أي المصانعين في شيء من الأشياء لم يتقدم إليك الخالق فيه بأمر وإن لاح ~~لائح خوف أو برق بارق رجاء، ولا سيما سؤالنا في شيء مما يقترحونه رجاء ~~إيمانهم مثل أن تعين لهم وقت الساعة التي يكون فيها الفتح، فإنهم إنما ~~يطلبون ذلك استهزاء، قال أبو حيان: وسبب نزولها أنه روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قدم المدينة كان يحب إسلام اليهود، فتابعه ناس منهم على ~~النفاق، وكان يلين لهم جانبه، وكانوا يظهرون النصائح من طرق المخادعة، ~~فنزلت تحذيرا له منهم، وتنبيها على عداوتهم - انتهى ثم علل الأمر والنهي ~~بما يزيل الهموم ويوجب الإقبال عليهما واللزوم، فقال ملوحا إلى أن لهم ~~أغوارا في مكرهم ربما خفيت عليه صلى الله عليه وسلم، وأكد ترغيبا في ~~الإقبال على معلوله بغاية الاهتمام: {إن الله} أي بعظيم كماله وعز جلاله ~~{كان} أزلا وأبدا {عليما} شامل العلم {حكيما} بالغ الحكمة فهو لم يأمرك ~~بأمر إلا وقد علم ما يترتب عليه، وأحكم إصلاح الحال فيه. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: افتتحها سبحانه بأمر # PageV15P276 # نبيه باتقائه، ونهيه عن الصغو إلى الكافرين والمنافقين، واتباعه ما يوحي ~~إليه، تنزيها لقدره عن محنة من سبق له الامتحان ممن قدم ذكره في سورة ~~السجدة، وأمرا له بالتسليم لخالقه والتوكل عليه {والله يقول الحق وهو يهدي ~~السبيل} ولما تحصل من السورتين من الإشارة إلى السوابق {ولو شئنا لأتينا كل ~~نفس هداها} [السجدة: 13] كان ذلك مظنة لتأنيس نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~وصالحي أتباعه، ولهذا أعقب سورة السجدة بهذه السورة ms3723 المضمنة من التأنيس ~~والبشارة ما يجري على المعهود من لطفه تعالى وسعة رحمته، فافتتح سبحانه ~~السورة بخطاب نبيه صلى الله عليه وسلم بالتقوى، وإعلامه بما قد أعطاه قبل ~~من سلوك سبيل النجاة وإن ورد على طريقة الأمر ليشعره باستقامة سبيله، ~~وإيضاح دليله، وخاطبه بلفظ النبوة لأنه أمر عقب تخويف وإنذار وإن كان عليه ~~السلام قد نزه الله قدره على أن يكون منه خلاف التقوى، وعصمه من كل ما ~~ينافر نزاهة حاله وعلي منصبه، ولكن طريقة خطابه تعالى للعباد أنه تعالى متى ~~جرد ذكرهم للمدح من غير أمر ولا نهي # PageV15P277 # فهو موضع ذكرهم بالأخص الأمدح عن محمود صفاتهم، ومنه {محمد رسول الله ~~والذين معه} [الفتح: 29]- الآيات، فذكر صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة، ~~ومهما كان الأمر والنهي، عدل في الغالب إلى الأعم، ومنه {يا أيها النبي اتق ~~الله} {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} [الأنفال: 65] {يا أيها ~~النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1] {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله ~~لك} [التحريم: 1] {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} [التوبة: 73] {يا ~~أيها النبي إذا جاءك المؤمنات} [الممتحنة: 12] وقد تبين في غير هذا، وأن ما ~~ورد على خلاف هذا القانون فلسبب خاص استدعى العدول عن المطرد كقوله: {يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] فوجه هذا أن قوله ~~سبحانه {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} موقعه شديد، فعودل بذكره صلى الله ~~عليه وسلم باسم الرسالة لضرب من التلطف، فهو من باب # {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] وفيه بعض غموض، وأيضا فإنه لما ~~قيل له «بلغ» طابق هذا ذكره بالرسالة، فإن المبلغ رسول، والرسول مبلغ، ولا ~~يلزم النبي أن يبلغ إلا أن يرسل، وأما قوله تعالى: {يا أيها الرسول لا ~~يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] فأمره وإن كان نهيا أوضح من ~~الأول، لأنه تسلية له عليه السلام وتأنيس وأمر بالصبر والرفق بنفسه، فبابه # PageV15P278 # راجع إلى ما يرد مدحا مجردا عن الطلب، وعلى ما أشير إليه يخرج ما ms3724 ورد من ~~هذا. ولما افتتحت هذه السورة بما حاصله ما قدمناه من إعلامه عليه السلام من ~~هذا الأمر بعلي حاله ومزية قدره، ناسب ذلك ما احتوت عليه السورة من باب ~~التنزيه في مواضع منها إعلامه تعالى بأن أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أمهات للمؤمنين فنزهن عن أن يكون حكمهن حكم غيرهن من النساء مزية لهن ~~وتخصيصا وإجلالا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله تعالى: {ولما رأى ~~المؤمنون الأحزاب} - الآية، فنزههم عن تطرق سوء أو دخول ارتياب على مصون ~~معتقداتهم وجليل إيمانهم {قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} والآية بعد ذلك، وهي قوله تعالى: ~~{من المؤمنين رجال صدقوا} - الآية، ومنها {يا نساء النبي لستن كأحد من ~~النساء إن اتقيتن} فنزههن سبحانه وبين شرفهن على من عداهن، ومنها تنزيه أهل ~~البيت وتكرمتهم {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} الآية، ومنها ~~الأمر بالحجاب {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن} فنزه المؤمنات عن حالة الجاهلية من التبرج وعدم الحجاب، ~~وصانهن عن التبذل والامتهان، ومنها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تكونوا # PageV15P279 # كالذين آذوا موسى} فوصاهم جل وتعالى ونزههم بما نهاهم عنه أن يتشبهوا بمن ~~استحق اللعن والغضب في سوء أدبهم وعظيم مرتكبهم، إلى ما تضمنت السورة من ~~هذا القبيل، ثم أتبع سبحانه ما تقدم بالبشارة العامة واللطف الشامل كقوله ~~تعالى: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا} ثم قال تعالى: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا} وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} - إلى ~~قوله تعالى: {أجرا كريما} وقوله تعالى {إن الله وملائكته يصلون على النبي ~~يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} وقوله تعالى: {إن المسلمين ~~والمسلمات} - إلى قوله: {وأجرا عظيما} وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} - إلى قوله: {عظيما} وقوله تعالى: {ويتوب ~~الله على المؤمنين ms3725 والمؤمنات} إلى قوله: {وكان الله غفورا رحيما} وقوله ~~تعالى مثنيا على المؤمنين بوفائهم وصدقهم {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا ~~هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} - إلى قوله: {وما بدلوا ~~تبديلا} وقوله: {وإثما مبينا} وفي # PageV15P280 # هذه الآيات من تأنيس المؤمنين وبشارتهم وتعظيم حرمتهم ما يكسر سورة الخوف ~~الحاصل من سورتي لقمان والسجدة ويسكن روعهم تأنيسا لا رفعا ومن هذا القبيل ~~أيضا ما تضمنت السورة من تعداد نعمه تعالى عليهم وتحسين خلاصهم كقوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ~~فأرسلنا عليهم} - إلى قوله: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} ~~وقوله تعالى: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله ~~المؤمنين القتال} إلى قوله: {وكان الله على كل شيء قديرا} وختم السورة بذكر ~~التوبة والمغفرة أوضح شاهد لما تمهد من دليل قصدها وبيانها على ما وضح ~~الحمد لله ولما كان حاصلها رحمة ولطفا ونعمة، لا يقدر عظيم قدرها، وينقطع ~~العالم دون الوفاء بشكرها، أعقب بما ينبغي من الحمد يعني أول سبأ - انتهى. # ولما كان ذلك مفهما لمخالفة كل ما يدعو إليه كافر. وكان الكافر ربما دعا ~~إلى شيء من مكارم الأخلاق، قيده بقوله: {واتبع} أي بغاية جهدك. # ولما اشتدت العناية هنا بالوحي، وكان الموحي معلوما من آيات كثيرة، بني ~~للمفعول قوله: {ما يوحى} أي يلقى إلقاء خفيا كما يفعل المحب مع حبيبه ~~{إليك} وأتى موضع الضمير بظاهر يدل على الإحسان # PageV15P281 # في التربية لينوي على امتثال ما أمرت به الآية السالفة فقال: {من ربك} أي ~~المحسن إليك بصلاح جميع أمرك، فمهما أمرك به فافعله لربك لا لهم، ومهما ~~نهاك عنه فكذلك، سواء كان إقبالا عليهم أو إعراضا عنهم أو غير ذلك. # ولما أمره باتباع الوحي، رغبة فيه بالتعليل بأوضح من التعليل الأول في أن ~~مكرهم خفي، فقال مذكرا بالاسم الأعظم بجميع ما يدل عليه من الأسماء الحسنى ~~زيادة في التقوية على الامتثال، مؤكدا للترغيب كما تقدم، وإشارة إلى أنه ~~مما يستبعده بعض المخاطبين في ms3726 قراءة الخطاب لغير أبي عمرو: {إن الله} أي ~~بعظمته وكماله {كان} دائما {بما تعملون} أي الفريقان من المكايد وإن دق ~~{خبيرا} فلا تهتم بشأنهم، فإنه سبحانه كافيكه وإن تعاظم، وعلى قراءة أبي ~~عمرو بالغيب يكون هذا التعليل حثا على الإخلاص، وتحقيقا لأنه قادر على ~~الإصلاح وإن أعيى الخلاص، ونفيا لما قد يعتري النفوس من الزلزال، في أوقات ~~الاختلال. # PageV15P282 # ولما كان الآدمي موضع الحاجة إلى تعظيم الترجية قال: {وتوكل} أي دع ~~الاعتماد على التدبير في أمورك واعتمد فيها {على الله} المحيط علما وقدرة، ~~ولتكرير هذا الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء في هذا المقام شأن لا يخفى ~~كما أشير إليه. # ولما كان التقدير: فإنه يكفيك في جميع ذلك، عطف عليه قوله: {وكفى بالله} ~~أي الذي له الأمر كله على الإطلاق {وكيلا *} أي إنه لا أكفى منه لكل من ~~وكله في أمره، فلا تلتفت في شيء من أمرك إلى شيء لأنه ليس لك قلبان تصرف ~~كلا منهما إلى واحد. # ولما كان النازع إلى جهتين والمعالج لأمرين متباينين كأنه يتصرف بقلبين، ~~أكد أمر الإخلاص في جعل الهم هما واحدا فيما يكون من أمور الدين والدنيا، ~~وفي المظاهرة والتبني وكل ما شابهها بضرب المثل بالقلبين - كما قال الزهري، ~~فقال معللا لما قبله بما فيه من الإشارة إلى أن الآدمي مع قطع النظر عن ~~رتبة النبوة موضع لخفاء الأمور عليه: {ما جعل الله} أي الذي له الحكمة ~~البالغة، والعظمة الباهرة، وليس الجعل إلا له ولا أمر لغيره {لرجل} أي لأحد ~~من بني آدم الذين هم أشرف الخلائق من نبي ولا غيره، وعبر بالرجل لأنه أقوى ~~جسما وفهما فيفهم غيره من باب الأولى؛ وأشار إلى التأكيد # PageV15P283 # بقوله: {من قلبين} وأكد الحقيقة وقررها، وجلاها وصورها لما قد يظن ~~الإنسان من أنه يقدر على صرف النفس إلى الأمور المتخالفة كما يفعل المنافق، ~~بقوله: {في جوفه} أي حتى يتمكن من أن ينزع بكل قلب إلى جهة غير الجهة التي ~~نزع إليها القلب الآخر لأن ذلك مود إلى خراب البدن لأن ms3727 القلب مدبره بإذن ~~الله تعالى، واستقلال كل بالتدبير يؤدي إلى الفساد كما مضى في دليل التمانع ~~سواء؛ قال الرازي في اللوامع: القلب كالمرآة مهما حوذي به جانب القدس أعرض ~~عن جانب الحس، ومهما حوذى به جانب الحس أعرض عن جانب القدس، فلا يجتمع ~~الإقبال على الله وعلى ما سواه - انتهى. وحاصل ذلك أنه تمهيد لأن التوزع ~~والشرك لا خير فيه، وأن مدبر الملك واحد كما أن البدن قلب واحد، فلا التفاف ~~إلى غيره، وأن الدين ليس بالتشهي وجعل الجاعلين، وإنما هو بجعله سبحانه، ~~فإنه العالم بالأمور على ما هي عليه. # ولما كان كل من المظاهرة والتبني نازعا إلى جهتين متنافيتين، وكان أهل ~~الجاهلية يعدون الظهار طلاقا مؤبدا لا رجعة فيه - كما نقله ابن الملقن في ~~عمدة المنهاج عن صاحب الحاوي، وكان المخاطبون قد أعلاهم الوعظ السابق إلى ~~التأهل للخطاب، لفت سبحانه القول إليه على قراءة الغيب في «يعلمون» لأبي ~~عمرو فقال: {وما جعل أزواجكم} # PageV15P284 # أي بما أباح لكم من الاستمتاع بهن من جهة الزوجية؛ ثم أشار إلى الجهة ~~الأخرى بقوله: {اللائي تظاهرون منهن} أي كما يقول الإنسان للواحدة منهن: ~~أنت علي كظهر أمي {أمهاتكم} بما حرم عليكم من الاستمتاع بهن حتى تجعلوا ذلك ~~على التأييد وترتبوا على ذلك أحكام الأمهات كلها، لأنه لا يكون لرجل أمان، ~~ولو جعل ذلك لضاق الأمر، واتسع الخرق، وامتنع الرتق {وما جعل أدعياءكم} بما ~~جعل لهم من النسبة والانتساب إلى غيركم {أبناءكم} بما جعلتم لهم من ~~الانتساب إليكم ليحل لهم إرثكم، وتحرم عليكم حلائلهم وغير ذلك من أحكام ~~الأبناء، ولا يكون لابن أبوان، ولو جعل ذلك لضاعت الأنساب، وعم الارتياب، ~~وانقلب كثير من الحقائق أي انقلاب، فانفتح بذلك من الفساد أبواب أي أبواب، ~~فليس زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي الذي تبنيته ابنا لك أيها النبي بتبنيك ~~له جزاء له باختياره لك على أبيه وأهله، وهذا توطئة لما يأتي من قصة زواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم لزينب بنت جحش مطلقة زيد مولى رسول الله ms3728 صلى الله ~~عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قال المنافقون كما حكاه ~~البغوي وغيره: تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله هذه ~~الآية، وبين أن التبني إنما هو مجاز، وأن المحرم إنما هو زوجة الابن ~~الحقيقي وما ألحق به من الرضاع، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تبنى ~~زيدا بن حارثة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV15P285 # ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن {ادعوهم لآبائهم} . # لما أبطل سبحانه، استأنف الإخبار عما مضى من عملهم فيه فقال: {ذلكم} أي ~~القول البعيد عن الحقيقة، وأكد هذا بقوله: {قولكم بأفواهكم} أي لا حقيقة له ~~وراء القول وتحريك الفم من غير مطابقة قلوبكم، فإن كل من يقول ذلك لا ~~يعتقده، لأن من كان له فم كان محتاجا، ومن كان محتاجا كان معرضا للنقائص ~~كان معرضا للأوهام، ومن غلبت، عليه الأوهام كان في كلامه الباطل {والله} أي ~~المحيط علمه وقدرته وله جميع صفات الكمال {يقول الحق} أي الكامل # PageV15P286 # في حقيته، الثابت الذي يوافق ظاهره باطنه، فلا قدرة لأحد على نقضه فإن ~~أخبر عن شيء فهو كما قال، ليس بين الخبر والواقع من ذلك المخبر عنه شيء من ~~المخالفة، وإن أتى بقياس فرع على أصل لم يستطع أحد إبداء فرق، فإن أقواله ~~سبحانه سابقة على الواقع لأنها مصدرة فيها بكون، فإذا قال قولا وجد مضمونه ~~مطابقا لذلك القول، فإذا طبقت بينهما كانا سواء، فكان ذلك المضمون ثابتا ~~كما كان ذلك الواقع ثابتا، فكان حقا، هكذا أقواله على الدوام، لأنه منزه ~~سبحانه عن النقائص فلا جارحة ثم ليكون بينها وبين معد القول مخالفة من فم ~~أو غيره وعن كل ما يقتضي حاجة، فالآية من الاحتباك: ذكر الفم أولا دليلا ~~على نفيه ثانيا والحق ثانيا دليلا على ضده الباطل أولا، وسر ذلك أنه ذكر ما ~~يدل على النقص في حقنا، وعلى الكمال في حقه، ودل على التنزيه بالإشارة ~~ليبين فهم الفهماء ms3729 وعلم العلماء {وهو} أي وحده من حيث قوله الحق {يهدي ~~السبيل *} أي الكامل الذي من شأنه أن يوصل إلى المطلوب إن ضل أحد في فعل أو ~~قول، فلا تعولوا على سواء ولا تلتفتوا أصلا إلى غيره. # ولما كان كأنه قيل: فما تقول؟ اهدنا إلى سبيل الحق في ذلك، أرشد إلى أمر ~~التبني إشارة إلى أنه هو المقصود في هذه السورة لما يأتي بعد من آثاره التي ~~هي المقصودة بالذات بقوله: {ادعوهم} أي الأدعياء # PageV15P287 # {لآبائهم} أي إن علموا ولدا قالوا: زيد بن حارثة؛ ثم علله بقوله: {هو} أي ~~هذا الدعاء {أقسط} أي أقرب إلى العدل من التبني وإن كان إنما هو لمزيد ~~الشفقة على المتبني والإحسان إليه {عند الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال، ~~فلا ينبغي أن يفعل في ملكه إلا ما هو أقرب إلى الكمال، وفي هذا النسبة إلى ~~ما مضى بعض التنفيس عنهم، وإشارة إلى أن ذلك التغليظ بالنسبة إلى مجموع ~~القولين المتقدمين. # ولما كانوا قد يكونون مجهولين، تسبب عنه قوله: {فإن لم تعلموا آباءهم} ~~لجهل أصلي أو طارئ {فإخوانكم في الدين} إن كانوا دخلوا في دينكم {ومواليكم} ~~أي أرقاؤكم مع بقاء الرق أو مع العتق على كلتا الحالتين، ولذا قالوا: سالم ~~مولى أبي حذيفة. ولما نزل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ادعى إلى ~~غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام» - أخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص ~~وأبي بكرة رضي الله عنهما. # ولما كانت عادتهم الخوف مما سبق من أحوالهم على النهي لشدة ورعهم، أخبرهم ~~أنه تعالى أسقط عنهم ذلك لكونه خطأ، وساقه على وجه يعم ما بعد النهي أيضا ~~فقال: {وليس عليكم جناح} أي # PageV15P288 # إثم وميل واعوجاج، وعبر بالظرف ليعيد أن الخطأ لا إثم فيه بوجه، ولو عبر ~~بالباء لظن أن فيه إثما، ولكنه عفا عنه فقال: {فيما أخطأتم به} أي من ~~الدعاء بالنبوة والمظاهر أو في شيء قبل النهي أو بعده، ودل قوله: {ولكن ما} ~~أي الإثم فيما {تعمدت قلوبكم} على زوال الحرج ms3730 أيضا فيما وقع بعد النهي على ~~سبيل النسيان أو سبق اللسان، ودل تأنيث الفعل على أنه لا يعتمده بعد البيان ~~الشافي إلا قلب فيه رخاوة الأنوثة، ودل جمع الكثرة على عموم الإثم إن لم ~~ينه المعتمد. # ولما كان هذا الكرم خاصا بما تقدمه، عم سبحانه بقوله: {وكان الله} أي ~~لكونه لا أعظم منه ولا أكرم منه {غفورا رحيما *} أي من صفته الستر البليغ ~~على المذنب النائب، والهداية العظمية للضال الآئب، والإكرام بإيتاء ~~الرغائب. # PageV15P289 # ولما نهى سبحانه عن التبني، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد ~~بن حارثة مولاه لما اختاره على أبيه وأمه، علل سبحانه النهي فيه بالخصوص ~~بقوله دالا على أن الأمر أعظم من ذلك: {النبي} أي الذي ينبئه الله بدقائق ~~الأحوال في بدائع الأقوال، ويرفعه دائما في مراقي الكمال، ولا يريد أن ~~يشغله بولد ولا مال {أولى بالمؤمنين} أي الراسخين في الإيمان، فغيرهم أولى ~~في كل شيء من أمور الدين # PageV15P289 # والدنيا لما حازه من الحضرة الربانية {من أنفسهم} فضلا عن آبائهم في نفوذ ~~حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم، لأنه لا يدعوهم إلا إلى العقل والحكمة، ولا ~~يأمرهم إلا بما ينجيهم، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما ~~يرديهم، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل الملوك بل أعظم بهذا السبب الرباني، ~~فأي حاجة له إلى السبب الجسماني {وأزواجه} أي اللاتي دخل بهن لما لهن من ~~حرمته {أمهاتهم} أي المؤمنين من الرجال خاصة دون النساء، لأنه لا محذور من ~~جهة النساء، وذلك في الحرمة والإكرام، والتعظيم والاحترام، وتحريم النكاح ~~دون جواز الخلوة والنظر وغيرهما من الإحكام، والتعظيم بينهن وبين الأمهات ~~في ذلك أصلا، فلا يحل انتهاك حرمتهن بوجه ولا الدنو من جنابهن بنوع نقص، ~~لأن حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أعظم من حق الوالد على ولده، وهو ~~حي في قبره وهذا أمر جعله الله وهو إذا جعل شيئا كان، لأن الأمر أمره ~~والخلق خلقه، وهو العالم بما يصلحهم وما يفسدهم {ألا يعلم من خلق ms3731 وهو ~~اللطيف الخبير} [الملك: 14] روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه # PageV15P290 # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس ~~به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ~~فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتي ~~وأنا مولاه» . # ولما رد الله سبحانه الأشياء إلى أصولها، ونهى عن التشتت والتشعب، وكان ~~من ذلك أمر التبني، وكان من المتفرع عليه الميراث بما كان قديما من الهجرة ~~والنصرة والأخوة التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم لما كان الأمر محتاجا ~~إليها، وكان ذلك قد نسخ بالآية التي في آخر الأنفال، وهي قبل هذه السورة ~~ترتيبا ونزولا، وكان ما ذكر هنا فردا داخلا في عموم العبارة في تلك الآية، ~~أعادها منا تأكيدا وتنصيصا على هذا الفرد للاهتمام به مع ما فيها من تفصيل ~~وزيادة فقال: {وأولوا الأرحام} أي القرابات بأنواع النسب من النبوة وغيرها ~~{بعضهم أولى} بحق القرابة {ببعض} في جميع المنافع العامة للدعوة والإرث ~~والنصرة والصلة {في كتاب الله} أي قضاء الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد ~~معه، وحكمه كما تقدم في كتابكم هذا، وكما أشار # PageV15P291 # إليه الحديث الماضي آنفا. # ولما بين أنهم أولى بسبب القرابة، بين المفصل عليه فقال: {من} أي هم أولى ~~بسبب القرابة من {المؤمنين} الأنصار من غير قرابة مرجحة {والمهاجرين} ~~المؤمنين من غير قرابة كذلك، ولما كان المعنى: أولى في كل نفع، استثنى منه ~~على القاعدة الاستثناء من أعم العام قوله، لافتا النظم إلى أسلوب الخطاب ~~ليأخذ المخاطبون منه أنهم متصفون بالرسوخ في الإيمان الذي مضى ما دل عليه ~~في آية الأولوية من التعبير بالوصف، فيحثهم ذلك على فعل المعروف: {إلا أن ~~تفعلوا} أي حال كونكم موصلين ومسندين {إلى أوليائكم} بالرق أو التبني أو ~~الحلف في الصحة مطلقا وفي المرض من الثلث تنجيرا أو وصية {معروفا} تنفعونهم ~~به، فيكون حينئذ ذلك الولي مستحقا لذلك، ولا يكون ذو الرحم أولى منه، بل ms3732 لا ~~وصية لوارث. # ولما أخبر أن هذا الحكم في كتاب الله، أعاد التنبيه على ذلك تأكيدا قلعا ~~لهذا الحكم الذي تقرر في الأذهان بتقريره سبحانه فيما مضى فقال مستأنفا: ~~{كان ذلك} أي الحكم العظيم {في الكتاب} # PageV15P292 # أي القرآن في آخر سورة الأنفال {مسطورا *} بعبارة تعمه، قال الأصبهاني: ~~وقيل: في التوارة، لأن في التوراة: إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن ~~يكرموه ويواسوه، وميراثه لذوي قرابته، فالآية من الاحتباك: أثبت وصف ~~الإيمان أولا دليلا على حذفه ثانيا ووصف الهجرة ثانيا دليلا على حذف النصرة ~~أولا. # ولما كان نقض العوائد وتغيير المألوفات مما يشق كثيرا على النفوس، ويفرق ~~المجتمعين، ويقطع بين المتواصلين، ويباعد بين المتقاربين، قال مذكرا له صلى ~~الله عليه وسلم بما أخذ على من قبله من نسخ أديانهم بدينه، وتغيير ~~مألوفاتهم بإلفه، ومن نصيحة قومهم بإبلاغهم كل ما أرسلوا به، صارفا القول ~~إلى مظهر العظمة لأنه أدعى إلى قبول الأوامر: {وإذا} فعلم أن التقدير: اذكر ~~ذلك - أي ما سطرناه لك قبل هذا في كتابك، واذكر إذ {أخذنا} بعظمتنا {من ~~النبيين ميثاقهم} في تبليغ الرسالة في المنشط والمكره، وفي تصديق بعضهم ~~لبعض، وفي اتباعك فيما أخبرناك به في قولنا {لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} [آل عمران: 81] وقولهم: ~~أقررنا. # ولما ذكره ما أخذ على جميع الأنبياء من العهد في تغيير مألوفاتهم إلى ما ~~يأمرهم سبحانه به من إبلاغ ما يوحى إليهم والعمل بمقتضاه، # PageV15P293 # ذكره ما أخذ عليه من العهد في التبليغ فقال: {ومنك} أي في قولنا في هذه ~~السورة {اتق الله واتبع ما يوحى إليك} وفي المائدة {يا أيها الرسول بلغ ما ~~أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} # [المائدة: 67] فلا تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ولا جليل، ولما أتم ~~المراد إجمالا وعموما، وخصه صلى الله عليه وسلم من ذلك العموم مبتدئا به ~~بيانا لتشريفه ولأنه المقصود بالذات بالأمر بالتقوى واتباع الوحي لأجل ms3733 ~~التبني وغيره، أتبعه بقية أولي العزم الذين هم أصحاب الكتب ومشاهير أرباب ~~الشرائع تأكيدا للأمر وتعظيما للمقام، لأن من علم له شركا في أمر اجتهد في ~~سبقه فيه ورتبهم على ترتيبهم في الزمان لأنه لم يقصد المفاضلة بينهم، بل ~~التآسية بالمتقدمين والمتأخرين فقال: {ومن نوح} أول الرسل إلى المخالفين ~~{وإبراهيم} أبي الأنبياء {وموسى} أول أصحاب الكتب من أنبياء بني إسرائيل ~~{وعيسى ابن مريم} ختامهم، نسبه إلى أمه مناداة على من ضل فيه بالتوبيخ ~~والتسجيل بالفضيحة؛ ثم زاد في تأكيد الأمر وتعظيمه تعظيما للموثق فيه، ~~وإشارة إلى مشقته، فقال مؤكدا بإعادة العامل ومظهر العظمة لصعوبة الرجوع عن ~~المالوف: {وأخذنا منهم} أي بعظمتنا في ذلك {ميثاقا غليظا} استعارة من وصف ~~الأجرام العظام # PageV15P294 # كناية عن أنه لا يمكن قطعه لمن أراد الوصلة بنا. # ولما كان الأخذ على النبيين في ذلك اخذا على أممهم، وكان الكفر معذبا ~~عليه من غير شرط، والطاعة مثابا عليها بشرط الإخلاص علله، معبرا بما هو ~~مقصود السورة فقال ملتفتا إلى مقام الغيبة لتعظيم الهيبة لأن الخطاب إذا ~~طال استأنس المخاطب: {ليسأل} أي يوم القيامة {الصادقين} أي في الوفاء ~~بالعهد {عن صدقهم} هل هو لله خالصا أو لا، تشريفا لهم وإهانة وتبكيتا ~~للكاذبين، ويسأل الكافرين عن كفرهم ما الذي حملهم عليه، والحال أنه أعد ~~للصادقين ثوابا عظيم {وأعد للكافرين} أي الساترين لإشراق أنوار الميثاق ~~{عذابا أليما} فالآية، من محاسن رياض الاحتباك، وإنما صرح بسؤال الصادق ~~بشارة له بتشريفه في ذلك الموقف العظيم، وطوى سؤال الكفار إشارة إلى ~~استهانتهم بفضيحة الكذب {ويحلفون على الكذب وهو يعلمون} [المجادلة: 14] ~~{فيحلفون له كما يحلفون لكم} [المجادلة: 18] وذكر ما هو أنكى لهم. # PageV15P295 # ولما أكد سبحانه وجوب الصدع بكل أمره وإن عظمت مشقته وزادت حرقته من غير ~~ركون إلى مؤالف موافق، ولا اهتمام بمخالف # PageV15P295 # مشاقق، اعتمادا على تدبيره، وعظيم أمره في تقديره، ذكرهم بدليل شهودي هو ~~أعظم وقائعهم في حروبهم، وأشد ما دهمتهم من كروبهم، فقال معلما أن المقصود ~~بالذات بما مضى من الأوامر الأمة - وإنما ms3734 وجه الأمر إلى الإمام ليكون أدعى ~~لهم إلى الامتثال فإن الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم تكويني بمنزلة ما ~~يقول الله تعالى له {كن} فحقيقة الإرادة لا الأمر، والأمر للذين آمنوا ~~تكفيلي. وقد يراد منهم ما يؤمرون به وقد لا يراد، وللناس احتجاجي أي تقام ~~به عليهم الحجة، ومن المحقق أن بعضهم يراد منه خلاف المأمور به: {يا أيها ~~الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان، عبر به ليعم المنافقين {اذكروا} ورغبهم في ~~الشكر بذكر الإحسان والتصريح بالاسم الأعظم فقال: {نعمة الله} عبر بها ~~لأنها المقصودة بالذات والمراد إنعام الملك الأعلى الذي لا كفوء له {عليكم} ~~أي لتشكروه عليها بالنفوذ لأمره غير ملتفتين إلى خلاف أحد كائنا من كان، ~~فإن الله كافيكم كل ما تخافون ثم ذكر لهم وقت تلك النعمة زيادة في تصويرها ~~ليذكر لهم ما كان فيه منها فقال: {إذ} أي حين {جاءتكم} أي في غزوة الخندق # PageV15P296 # حين اجتمعت عليكم الأحزاب وكان النبي صلى الله عليه وسلم ضربه حين سمع ~~بهم بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه على جانبي سلع من شماليه، وخطه وقطع ~~لكل عشرة رجال أربعين ذراعا، وكانوا ثلاثة آلاف، فكان الخندق اثني عشر ألف ~~ذراع {جنود} وهم الأحزاب من قريش ومن انضم إليه من الأحابيش في أربعة آلاف ~~يقودهم أبو سفيان ابن حرب، ومن انضم من قبائل العرب من بني سليم يقودهم أبو ~~الأعور، ومن بني عامر يقودهم عامر بن الطفيل، ومن غطفان يقودهم عيينة بن ~~حصن، ومن بني أسد يقودهم طليحة بن خويلد، ومن أسباط بني إسرائيل من اليهود ~~ومن بني النضير ورؤساهم حيي بن أخطب وابنا أبي الحقيق، وهم الذين جمعوا ~~الأحزاب بسبب إجلاء النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير من المدينة ~~الشريفة، وأفسدوا أيضا بني قريظة، وكانوا بالمدينة الشريفة وسيدهم كعب بن ~~أسد، فكان الجميع اثني عشر الفا، وكانوا واثقين في زعمهم بأنهم لا يرجعون ~~وقد بقي للإسلام باقية، ولا يكون لأحد من أهله منهم واقية. # ولما كان مجيء الجنود مرهبا، سبب عنه ms3735 عوده إلى مظهر العظمة فقال: ~~{فأرسلنا} أي تسبب عن ذلك أنا لما رأينا عجزكم عن مقابلتهم ومقاومتهم في ~~مقاتلتهم ألهمناكم عمل الخندق ليمنعهم من سهولة الوصول # PageV15P297 # إليكم، ثم لما طال مقامهم أرسلنا بما لنا من العظمة {عليهم} أي خاصة ~~{ريحا} وهي ربح الصبا، فأطفأت نيرانهم. # وأكفأت قدورهم وجفانهم، وسفت التراب في وجوههم، ورمتهم بالحجارة وهدت ~~خيامهم، وأوهنت ببردها عظامهم، وأجالت خيلهم {وجنودا لم تروها} يصح أن تكون ~~الرؤية بصرية وقلبية، منها من البشر نعيم بن مسعود الغطفاني رضي الله عنه ~~هداه الله للإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنه لم يعلم أحد ~~بإسلامي، فمرني يا رسول الله بأمرك! فقال: «إنما أنت فينا رجل واحد والحرب ~~خدعة، فخذل عنا مهما استطعت» فأخلف بين اليهود وبين العرب بأن قال لليهود ~~وكانوا أصحابه: إن هؤلاء - يعني العرب - إن رأوا فرصة انتهزوها وإلا ~~انشمروا إلى بلادهم راجعين. وليس حالكم كحالهم، البلد بلدكم وبه أموالكم ~~ونساؤكم وأبناؤكم، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ~~ليكونوا عندكم حتى تناجزوا الرجل، فإنه ليس لكم بعد طاقة إذا انفرد بكم، ~~فقالوا: أشرت بالرأي، فقال: فاكتموا عني، وقال لقريش: قد علمتم صحبتي لكم ~~وفراقي لمحمد، وقد سمعت أمرا ما أظن أنكم تتهمونني فيه، فقالوا: ما أنت ~~عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، قال: إن اليهود # PageV15P298 # قد ندموا على نقض ما بينهم وبين محمد وأرسلوا إليه: إنا قد ندمنا فهل ~~ينفعنا عندك أن نأخذ لك من القوم جماعة من أشرافهم تضرب أعناقهم، ونكون معك ~~على بقيتهم، حتى تفرغ منهم لتكف عنا. وتعيد لنا الأمان، قال: نعم، فإن ~~أرسلوا إليكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا، ثم أتى غطفان فقال: إنكم أصلي ~~وعشيرتي وأحب الناس إلي، قالوا: صدقت، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش ~~واستكتمهم، فأرسلت إليهم قريظة يطلبون منهم رهنا فقالوا: صدق نعيم، وأبوا ~~أن يدفعوا إليهم أحدا، فقالت قريظة: صدق نعيم، فتخاذلوا واختلفت كلمتهم، ~~فانكسرت شوكتهم، وبردت حدتهم، ومنها من الملائكة جبرائيل عليه السلام ms3736 ومن ~~أراد الله منهم - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام، والتحية والإكرام، ~~فكبروا في نواحي عسكرهم، وزلزلوا بهم، وبثوا الرعب في قلوبهم، فماجت ~~خيولهم، واضمحل قالهم وقيلهم، فكان في ذلك رحيلهم، بعد نحو أربعين يوما أو ~~بضع وعشرين - على ما قيل. # ولما أجمل سبحانه القصة على طولها في بعض هذه الآية، فصلها فقال ذاكرا ~~الاسم الأعظم إشارة إلى أن ما وقع فيها كان معتنى به # PageV15P299 # اعتناء من بذل جميع الجهد وإن كان الكل عليه سبحانه يسيرا: {وكان الله} ~~الذي له جميع صفات الكمال والجلال والجمال {بما يعملون} أي الأحزاب من ~~التحزب والتجمع والتألب والمكر والقصد السيىء - على قراءة البصري، وأنتم ~~أيها المسلمون من حفر الخندق وغيره من الصدق في الإيمان وغيره - على قراءة ~~الباقين {بصيرا} بالغ الإبصار والعلم، فدبر في هذه الحرب ما كان المسلمون ~~به الأعلين ولم ينفع أهل الشرك قوتهم، ولا أغنت عنهم كثرتهم، ولا ضر ~~المؤمنين قلتهم، وجعلنا ذلك سببا لإغنائهم بأموال بني قريظة ونسائهم ~~وأبنائهم وشفاء لأدواتهم بإراقة دمائهم - كما سيأتي؛ ثم ذكرهم الشدة التي ~~حصلت بتمالئهم فقال مبدلا من {إذ} الأولى: {إذ جاؤوكم} أي الجنود المذكورون ~~بادئا بالأقرب إليهم، لأن الأقرب أبصر بالعورة وأخبر بالمضرة. # ولما كان من المعلوم أنهم لم يطبقوا ما علا وما سفل، أدخل أداة التبعيض ~~فقال: {من فوقكم} يعني بني قريظة وأسد وغطفان من ناحية مصب السيول من ~~المشرق، وأضاف الفوق إلى ضميرهم لأن العيال كانوا في الآكام، وهي بين بني ~~قريظة وبين من في الخندق، فصاروا # PageV15P300 # فوق العيال والرجال. # ولما كان المراد الفوقية من جهة علو الأرض، أوضحها بقوله: {ومن أسفل ~~منكم} دون أن يقول: أسفلكم، وأفاد ذلك أيضا من في أسفل إنما أحاطوا ببعض ~~جهة الرجال فقط، ولم يقل «ومن تحتكم» لئلا يظن أنه فوق الرؤوس وتحت الأرجل، ~~ولم يقل في الأول «من أعلى منكم» لئلا يكون فيه وصف للكفرة بالعلو، وأسفل ~~الأرض المدينة من ناحية المغرب يعني قريشا، ومن لافها من كنانة فإن طريقهم ~~من تلك الجهة. # ولما ذكرهم ms3737 بالمجيء الذي هو سبب الخوف، ذكرهم بالخوف بذكر ظرفه أيضا ~~مفخما لأمره بالغطف فقال: {وإذ} أي واذكروا حين، وأنث الفعل وما عطف عليه ~~لأن التذكير الذي يدور معناه على القوة والعلو والصلابة ينافي الزيغ فقال: ~~{زاغت الأبصار} أي مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل من الغفلة ~~الناشئة عن الدهشة الحاصلة من الرعب، وقطع ذلك عن الإضافة إلى كاف الخطاب ~~إبقاء عليهم وتعليما للأدب في المخاطبة، وكذا {وبلغت القلوب} كناية عن شدة ~~الرعب والخفقان، ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون ذلك # PageV15P301 # حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر، ومنه ~~قولهم للجبان: انتفخ منخره أي رئته {الحناجر} جمع حنجرة، وهي منتهى ~~الحلقوم، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه «شر ما في الإنسان جبن خالع» أي يخلع القلب من ~~مكانه، وجمع الكثرة إشارة إلى أن ذلك عمهم أو كاد. # ولما كانت هذه حالة عرضت، ثم كان من أمرها أنها إما زالت وثبتت إلى ~~انقضاء الأمر، عبر عنها بالماضي لذلك وتحقيقا لها ولما نشأ عنها تقلب ~~القلوب وتجدد ذهاب الأفكار كل مذهب، عبر بالمضارع الدال على دوام التجدد ~~فقال: {وتظنون بالله} الذي له صفات الكمال فلا يلم نقص ما بساحة عظمته، ولا ~~يدنو شيء من شين إلى جناب عزته {الظنونا *} أي أنواع الظن إما بالنسبة إلى ~~الأشخاص فواضح، وذلك بحسب قوة الإيمان وضعفه، وأما بالنسبة إلى الشخص ~~الواحد فحسب تغير الأحوال، فتارة يظن الهلاك للضعف، وتارة النجاة لأن الله ~~قادر على ذلك، ويظن المنافقون ومن قاربهم من ضعفاء القلوب ما حكى الله ~~عنهم؛ قال الرازي في اللوامع: ويروى أن المسلمين قالوا: بلغت القلوب ~~الحناجر، فهل من شيء نقول؟ # PageV15P302 # فقال عليه الصلاة والسلام: # «اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا» وزيادة الألف في قراءة من أثبتها في ~~الحالين وهم المدنيان وابن عامر وشعبة إشارة إلى اتساع هذه الأفكار، وتشعب ~~تلك الخواطر، وعند من أثبتها في الوقت دون الوصل ms3738 وهم ابن كثير والكسائي ~~وحفص إشارة إلى اختلاف الحال تارة بالقوة وتارة بالضعف. # PageV15P303 # ولما كانت الشدة في الحقيقة إنما هي للثابت لأنه ما عنده إلا الهلاك أو ~~النصرة، وأما المنافق فيلقي السلم ويدخل داره الذل بالموافقة على جميع ما ~~يراد منه، ترجم حال المؤمنين قاصرا الخطاب على الرأس لئلا يدخل في مضمون ~~الخبر إعلاما بأن منصبه الشريف أجل من أن يبتلى فقال تعالى: {هنالك} أي في ~~ذلك الوقت العظيم البعيد الرتبة {ابتلي المؤمنون} أي خولط الراسخون في ~~الإيمان بما شأنه أن يحيل ما خالطه ويميله، وبناه للمجهول لما كان المقصود ~~إنما هو معرفة المخلص من غيره، مع لعلم بأن فاعل ذلك هو الذي له الأمر كله، ~~ولم يؤكد الابتلاء بالشدة لدلالة الافتعال عليها، وصرف الكلام عن الخطاب مع ~~ما تقدم من فوائده، وعبر بالوصف ليخص الراسخين فقال: {وزلزلوا} أي حركوا ~~ودفعوا وأقلقوا وأزعجوا بما يرون من الأهوال بتظافر الأعداء مع الكثرة، ~~وتطاير الأراجيف {زلزالا شديدا *} فثبتوا # PageV15P303 # بتثبيت الله لهم على عهدهم. # ولما علم بهذا أن الحال المزلزل لهم كان في غاية الهول، أشار إلى أنهم لم ~~يزلزلهم بأن حكى أقوال المزلزلين، ولم يذكر أقوالهم وسيذكرها بعد ليكون ~~الثناء عليهم بالثبات مع عظيم الزلزال مذكورا مرتين إشارة وعبارة، فقال: ~~{وإذ} وأشار إلى تكريرهم لدليل النفاق بالمضارع فقال: {يقول} أي مرة بعد ~~أخرى {المنافقون} أي الراسخون في النفاق، لأن قلوبهم مريضة ملائ مرضا ~~{والذين في قلوبهم مرض} أي من أمراض الاعتقاد بحيث أضعفها في الاعتقاد ~~والثبات في مواطن اللقاء وفي كل معنى جليل، فهم بحيث لم يصلوا إلى الجزم ~~بالنفاق ولا الإخلاص في الإيمان، بل هم على حرف فعندهم نوع النفاق، فالآية ~~من الاحتباك: ذكر النفاق أولا دال عليه ثانيا، وذكر المرض ثانيا دليل عليه ~~أولا، وهذا الذي قلته في القلوب موافق لما ذكره الإمام السهروردي في الباب ~~السادس والخمسين من عوارفه عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهو، فذلك ms3739 قلب المؤمن، وقلب ~~أسود منكوس، فذلك قلب الكافر، وقلب مربوط على غلاف، فذلك قلب المنافق، وقلب ~~مصفح فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء # PageV15P304 # الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد، فأي المدتين ~~غلبت عليه حكم له بها» وروى هذا الحديث الغزالي في أواخر كتاب قواعد ~~العقائد من الإحياء عن أبي سعيد الخدري، وق الشيخ زين الدين العراقي: أخرجه ~~أحمد. # ولما كان المكذب لهم بتصديق وعد الله - ولله الحمد - كثيرا، أكدوا قولهم ~~وذكروا الاسم الأعظم وأضافوا الرسول إليه فقالوا: {ما وعدنا الله} الذي ذكر ~~لنا أنه محيط الجلال والجمال {ورسوله} أي الذي قال من قال من قومنا: إنه ~~رسول، استهزاء منهم، وإقامة للدليل في زعمهم لهذا البلاء على بطلان تلك ~~الدعوى {إلا غرورا *} أي باطلا استدرجنا به إلى الانسلاخ عما كنا عليه من ~~دين آبائنا وإلى الثبات على ما صرنا إليه بعد ذلك الانسلاخ بما وعدنا به من ~~ظهور هذا الدين على الدين كله، والتمكين في البلاد حتى في حفر الخندق، فإنه ~~قال: إنه أبصر بما برق له في ضربه لصخرة سلمان مدينة صنعاء من اليمن وقصور ~~وكسرى بالحيرة من أرض فارس، وقصور الشام من أرض الروم، وإن تابعيه سيظهرون ~~على ذلك كله وقد صدق الله وعده في جميع ذلك حتى في لبس سراقة بن مالك ابن # PageV15P305 # جعشم سوارى كسرى بن هرمز كما هو مذكور مستوفى في دلائل النبوة للبيهقي، ~~وكذبوا في شكهم. # ففاز المصدقون، وخاب الذين هم في ريبهم يترددون. # ولما ذكر ما هو الأصل في نفاقهم وهو التكذيب، أتبعه ما تفرع عليه، ولما ~~كان تخذيلهم بالترجيع مرة، عبر عنه بالماضي فقال: {وإذ قالت} أنث الفعل ~~إشارة إلى رخاوتهم وتأنثهم في الأقوال والأفعال {طائفة منهم} أي قوم كثير ~~من موتى القلوب ومرضاها يطوف بعضهم ببعض: {يا أهل يثرب} عدلوا عن الاسم - ~~الذي وسمها به النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وطيبة مع حسنه - إلى ~~الاسم الذي كانت تدعى به قديما مع احتمال قبحه ms3740 باشتقاقه من الثرب الذي هو ~~اللوم والتعنيف إظهارا للعدول عن الإسلام قال في الجمع بين العباب والمحكم: ~~ثرب عليه ثربا وأثرب، بمعنى ثرب تثريبا - إذا لامه وعيره بذنبه وذكره به. ~~وأكدوا بنفي الجنس لكثرة مخالفتهم في ذلك فقالوا: {لا مقام لكم} أي قياما ~~أو موضع قيام تقومون به - على قراءة الجماعة بالفتح، وعلى قراءة حفص بالضم ~~المعنى: لا إقامة أو موضع إقامة في مكان القتال ومقارعة الأبطال {فارجعوا} ~~إلى منازلكم هرابا، وكونوا # PageV15P306 # مع نسائكم أذنابا، أو إلى دينكم الأول على وجه المصارحة لتكون لكم عند ~~هذه الجنود يد. # ولما ذكر هؤلاء الذين هتكوا الستر، وبينوا ما هم فيه من سفول الأمر، ~~أتبعهم آخرين تستروا بعض التستر تمسكا بأذيال النفاق، خوفا من أهوال ~~الشقاق، فقال: {ويستأذن} أي يجدد كل وقت طلب الإذن لأجل الرجوع إلى البيوت ~~والكون مع النساء {فريق منهم} أي طائفة شأنها الفرقة {النبي} وقد رأوا ما ~~حواه من علو المقدار بما له من حسن الخلق، والخلق، وما لديه من جلاله ~~الشمائل وكريم الخصائل، ولم يخشوا من إنبائنا له بالأخبار، وإظهارنا له ~~الخبء، من مكنون الضمائر وخفي الأسرار، حال كونهم {يقولون} أي في كل قليل، ~~مؤكدين لعلمهم بكذبهم وتكذيب المؤمنين لهم قولهم: {إن بيوتنا} أتوا بجمع ~~الكثرة إشارة إلى كثرة أصحابهم المنافقين {عورة} أي بها خلل كثير يمكن من ~~أراد من الأحزاب أن يدخلها منه، فإذا ذهبنا إليها حفظناها منهم وكفينا من ~~يأتي إلينا من مفسديهم حماية للدين، وذبا عن الأهلين. # ولما قالوا ذلك مؤكدين له، رده الله تعالى موكدا لرده مبينا لما # PageV15P307 # أرادوا فقال: {وما} أي والحال أنها ما {هي} في ذلك الوقت الذي قالوا هذا ~~فيه، وأكد النفي فقال: {بعورة} ولا يريدون بذهابهم حمايتها {إن} أي ما ~~{يريدون} باستئذانهم {إلا فرارا *} ولما كانت عنايتهم مشتدة بملازمة دورهم. ~~فأظهروا اشتداد العناية بحمايتها زورا بين الله ذلك ودل عليه بالإسناد إلى ~~الدور تنبيها على أنها ربة الحماية والعمدة فقال: {ولو دخلت} أي بيوتهم من ~~أي داخل كان من هؤلاء ms3741 الأحزاب أو غيرهم، وأنث الفعل نصا على المراد وإشارة ~~إلى أن ما ينسب إليهم جدير بالضعف، وعبر بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم} ~~إشارة إلى أنه دخول غلبة {من أقطارها} أي جوانبها كلها بحيث لا يكون لهم ~~مكان للهرب. # ولما كان قصد الفرار مع الإحاطة بالدار، من جميع الأقطار، دون الاستقتال ~~للدفع عن الأهل والمال، بعيدا عن أفعال الرجال؛ عبر بأداة التراخي فقال: ~~{ثم سئلوا} أي من أي سائل كان {الفتنة} أي الخروج منها فارين، وكأنه سماه ~~بها لأنه لما كان أشد الفتنة # PageV15P308 # من حيث أنه لا يخرج الإنسان من بيته إلا الموت أو ما يقاربه كان كأنه لا ~~فتنة سواه {لأتوها} أي الفتنة بالخروج فرارا، إجابة لسؤال من سألهم مع غلبة ~~الظن بالدخول على صفة الإحاطة أن لا نجاة، فهم أبدا يعولون على الفرار من ~~غير قتال حماية لذمار او دفعا لعار، أو ذبا عن أهل أو جار، وهذا المعنى ~~ينتظم قراءة أهل الحجاز بالقصر وغيرهم بالمد، فإن من أجاب إلى الفرار فقد ~~أعطى ما كأنه كان في يده منه غلبة وجبنا وقد جأءه وفعله. # ولما كان هذا عند العرب - مع ما لهم من النجدة والخوف من السبة - لا يكاد ~~يصدق، أشار إلى ذلك بتأكيده في زيادة تصويره فقال: {وما تلبثوا بها} أي ~~البيوت {إلا يسيرا *} فصح بهذا أنهم لا يقصدون إلا الفرار، لا حفظ البيوت ~~من المضار، ويدلك على هذا المعنى إتباعه بقوله مؤكدا لأجل ما لهم من ~~الإنكار والحلف بالكذب: {ولقد كانوا} أي هؤلاء الذين أسرعوا الإجابة إلى ~~الفرار مع الدخول عليهم على تلك الصفة من سبي حريمهم واجتياح بيضتهم ~~{عاهدوا الله} أي الذي لا أجل منه. # PageV15P309 # ولما كان العهد ربما طال زمنه فنسي، فكان ذلك عذرا لصاحبه، بين قرب زمنه ~~بعد بيان عظمة المعاهد اللازم منه ذكره، فقال مثبتا الجار: {من قبل} أي قبل ~~هذه الحالة وهذه الغزوة حين أعجبتهم المواعيد الصادقة بالفتوحات التي سموها ~~الآن عندما جد الجد مما هي مشروطة به من الجهاد غرورا {لا يولون} ms3742 أي يقربون ~~عدوهم {الأدبار} أي أدبارهم أبدا لشيء من الأشياء، ولا يكون لهم عمل إذا ~~حمى الياس، وتخالط الناس، واحمرت الحدق وتداعس الرجال، وتعانق الحماة ~~الأبطال إلى الظفر أو الموت. # ولما كان الإنسان قد يتهاون بالعهد لإعراض المعاهد عنه قال: {وكان عهد ~~الله} أي الوفاء بعهد من هو محيط بصفات الكمال. ولما كان العهد فضلة في ~~الكلام لكونه مفعولا، واشتدت العناية به هنا، بين ذلك بتقديمه أولا ثم ~~يجعله العمدة، وإسناد الفعل إليه ثانيا فقال: {مسؤولا *} ، أي في أن يوفي ~~به ذلك الذي وقع منه. # PageV15P310 # ولما أتم سبحانه ما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم كما دل عليه ~~التعبير بالنبي، استأنف أمره بجوابهم جوابا لمن كأنه قال: ماذا يقال لهم؟ ~~وإجراء للنصحية على لسانه لما هو مجبول عليه من الشفقة، {قل} أي لهم، وأكد ~~لظنهم نفع الفرار: {لن ينفعكم} أي في # PageV15P310 # تأخير آجالكم في وقت من الأوقات {الفرار} أي الذي ما كان استئذانكم إلا ~~بسببه {إن فررتم من الموت} أي بغير عدو {أو القتل} لأن الأجل إن كان قد ~~حضر، لم يتأخر بالفرار وإلا لم يقصره الثبات كما كان علي رضي الله عنه ~~يقول: إذا دهم الأمر، وتوقد الجمر، واشتد من الحرب الحر، أي يومي من الموت ~~أفر؟ يوم لا يقدر أو يوم قدر، وذلك أن أجل الله الذي أجله محيط بالإنسان لا ~~يقدر أن يتعداه أصلا {وإذا} أي وإذ فررتم. # ولما كانوا لا يقصدون بالعيش إلا التمتع، بين ذلك بالبناء للمجهول فقال: ~~{لا تمتعون} أي تمتعا مبالغا فيه كما تريدون بما بقي من أعماركم إن كان بقي ~~منها شيء {إلا قليلا *} بل يتمكن العدو منكم بأدباركم، ومن أموالكم ~~وأحسابكم ودياركم، فيفسد مهما قدر عليه من ذلك فلا تقدرون على تداركه إلا ~~بعد زمان طويل وتعب كبير، بخلاف ما إذا ثبتم وفاء بالعهد وحفظا للثناء ~~فلاقيتم الأقرن، وقارعتم الفرسان، اعتمادا على ربكم وطاعة لنبيكم، فإن كان ~~الأجل قد أتى لم ينقصكم ذلك شيئا، ومتم أعزة كراما، وإلا فزتم بالنصر، ms3743 ~~وحزتم الأجر، وعشتم بأتم نعمة إلى تمام العمر، فالثبات أبقى للمهج، وأحفظ ~~للعيش البهج. # PageV15P311 # ولما كانوا لما عندهم من التقيد بالوهم، والدوران مع الحس دأب البهم، ~~جديرين بأن يقولوا: بلى ينفعنا لأنا طالما رأينا من هرب فسلم، ومن ثبت ~~فاصطلم، أمره بالجواب عن هذا بقوله: {قل} أي لهم منكرا عليهم: {من ذا الذي ~~يعصمكم} أي يمنعكم {من الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلما قبل الفرار وفي حال ~~الفرار وبعده {إن أراد بكم سوءا} فأناخ بكم نقمه فيرد ذلك السوء عنكم {أو} ~~يهينكم ويقبح جانبكم ويمتهنه بأن يصيبكم بسوء إن {أراد بكم رحمة} فأفادكم ~~نعمه، والرحمة النفع سماه بها لأنه أثرها، قيسوا هذا المعنى على مقاييس ~~عقولكم معتبرين له بما وجدتم من الشقين في جميع أعماركم، هل احترزتم عن سوء ~~إرادة فنفعكم الاحتراز، أو اجتهد غيره في منعكم رحمة منه فتم له أمره أو ~~أوقع الله بكم شيئا من ذلك فقدر أحد مع بذل الجهد على كشفه بدون إذنه؟ ~~ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك: ذكر السوء أولا دليلا على حذف ضده ثانيا، ~~وذكر الرحمة ثانيا دليلا على حذف ضدها أولا. # ولما كانوا أجمد الناس، أشار سبحانه بكونهم لم يبادروهم بأنفسهم # PageV15P312 # الجواب بما يدل على المناب إلى جمودهم بالعطف على ما علم أن تقديره جوابا ~~من كل ذي بصيرة: لا يعصمهم أحد من دونه من شيء من ذلك، ولا يصيبهم بشيء ~~منه، فقال: {ولا يجدون} أي في وقت من الأوقات {لهم} ونبه على أنه لا شيء ~~إلا وهو في مثبتا الجار: {من دون الله} وعبر بالاسم العلم إشارة إلى إحاطته ~~بكل وصف جميل، فمن أين يكون لغيره الإلمام بشيء منها إلا بإذنه {وليا} ~~يواليهم فينفعهم بنوع نفع {ولا نصيرا *} ينصرهم من أمره فيرد ما أراده من ~~السوء عنهم. # ولما أخبرهم سبحانه بما علم مما أوقعوه من أسرارهم، وأمره صلى الله عليه ~~وسلم بوعظهم، حذرهم بدوام علمه لمن يخون منهم، فقال محققا مقربا من الماضي ~~ومؤذنا بدوام هذا الوصف له: {قد يعلم} ms3744 ولعله عبر ب «قد» التي ربما أفهمت في ~~هذه العبارة التقليل، إشارة إلى أنه يكفي من له أدنى عقل في الخوف من سطوة ~~المتهدد احتمال علمه، وعبر بالاسم الأعظم فقال: {الله} إشارة إلى إحاطة ~~الجلال # PageV15P313 # والجمال {المعوقين} أي المثبطين تثبيط تكرية وعقوق، يسرعون فيه إسراع ~~الواقع بغير اختياره {منكم} أي أيها الذين أقروا بالإيمان للناس قاطبة عن ~~إتيان حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم {والقائلين لإخوانهم هلم} أي ائتوا ~~وأقبلوا {إلينا} موهمين أن ناحيتهم مما يقام فيه القتال، ويواظب على صالح ~~الأعمال {ولا} أي والحال أنهم لا {يأتون البأس} أي الحرب أو مكانها {إلا ~~قليلا} للرياء والسمعة بقدر ما يراهم المخلصون، فإذا اشتغلوا بالمعاركة ~~وكفى كل منهم ما إليه تسللوا عنهم لواذا، وعاذوا بمن لا ينفعهم من الخلق ~~عياذا. # ولما كانوا يوجهون لكل من أفعالهم هذه وجها صالحا، بين فساد قصدهم بقوله ~~ذاما غاية الذم بالتعبير الشح الذي هو التناهي في البخل، فهو بخل بما في ~~اليد وأمر للغيب بالبخل فهو بخل إلى بخل خبيث قذر متمادى فيه مسارع إليه ~~{أشحة} أي يفعلون ما تقدم والحال أن كلا منهم شحيح {عليكم} أي بحصول نفع ~~منهم أو من غيرهم بنفس أو مال. # ولما كان التقدير: في حال الأمن، أتبعه بيان حالهم في الخوف فقال: {فإذا ~~جاء الخوف} أي لمجيء أسبابه من الحرب ومقدماتها {رأيتهم} أي أيها المخاطب ~~{وينظرون} وبين بعدهم حسا ومعنى بحرف الغاية فقال: {إليك} أي حال كونهم ~~{تدور} يمينا وشمالا # PageV15P314 # بإدارة الطرف {أعينهم} أي زائغة رعبا وخورا، تم شبهها في سرعة تقلبها ~~لغير قصد صحيح فقال: {كالذي} أي كدوران عين الذي، وبين شدة العناية بتصوير ~~ذلك بجعل المفعول عمدة ببناء الفعل له فقال: {يغشى عليه} مبتدئا غشيانه {من ~~الموت} سنة الله في أن كل من عامل الناس بالخداع، كان قليل الثبات عند ~~القراع؛ ثم ذكر خاصة أخرى لبيان جبنهم فقال: {فإذا ذهب الخوف} أي بذهاب ~~أسبابه {سلقوكم} أي تناولوكم تناولا صعبا جرأة ووقاحة، ناسين ما وقع منهم ~~عن قرب ms3745 من الجبن والخور {بألسنة حداد} ذربة قاطعة فصيحة بعد أن كانت عند ~~الخوف في غاية اللجلجة لا تقدر على الحركة من قلة الريق ويبس الشفاه، وهذا ~~لطلب العرض الفاني من الغنيمة أو غيرها؛ ثم بين المراد بقوله: {أشحة} أي ~~شحا مستعليا {على الخير} أي المال الذي عندهم، وفي اعتقادهم أنه لا خير ~~غيره، شحا لا يريدون أن يصل شيء منه إليكم ولا يفوتهم شيء منه، وهذه سنة ~~أخرى في أن من كان صلبا في الرخاء كان رخوا حال الشدة وعند اللقاء، وإنما ~~فسرت الشح بهذا لأن مادته بترتيبها تدور على الجمع الذي انتهى # PageV15P315 # فأشرف على الفساد، من الحشيش والمحشة، وهي الدبر، فهو جمع يتبعه في ~~الأغلب نكد وأذى، ومن لوازم مطلق الجمع القوة فتتبعها الصلابة، فربما نشأت ~~القساوة، وربما نشأت عن الجمع الفرقة فلزمها الرخاوة، فمن الجمع النكد الشح ~~وهو البخل والحرص، وشح النفس حرصها على ما ملكت، قال القزاز: وجمع الشحيح ~~في أقل العدد أشحة، ولم أسمع غيره، وحكى أبو يوسف: أشحاء - بالمد في ~~الكثير، والرجلان يتشاحان عن الأمر - إذا كان كل منهما يريد أن لا يفوته، ~~وزند شحاح: لا يورى، وماء شحاح: نكد غير غمر - لأنه اشتد اجتماعه في مكانه، ~~واشتدت أرضه باجتماع أجزائها فصلبت جدا فضنت به. # وأرض شحاح: صلبة، قال القزاز: وبه شبه الزند، والشحشاح: الحاد والسيىء ~~الخلق والماضي في كلام أو سير، والمواظب على الشيء، لأن ذلك من لوازم الحدة ~~الناشئة عن القوة الناشئة عن الجمع، ومن هنا قيل للخطيب البليغ والشجاع ~~والغيور: شحشح وشحشاح، والشحشح من الغربان: الكثير الصوت، ومن الحمير: ~~الخفيف، ومن القطا: السريعة، والشحشاح: الطويل - كأنه جمع طولين، وشحشح ~~البعير # PageV15P316 # في الهدير - إذا لم يخلصه، كأنه جمع إلى الهدير ما ليس بهدير، والشحشحة: ~~صوت الصرد - لكثرة اتصالها، فهي ترجع إلى الحدة التي ترجع إلى القوة ~~الناشئة عن الجمع، وترديد البعير في الهدير والطيران السريع والحذر، فإنه ~~يدل على اجتماع القلب وثقوب الذهن، وامرأة شحشاح - كأنه رجل في قوتها، ~~والمشحشح - كالمسلسل: القليل الخير، ms3746 وإبل شحائح: قليلة الدر، وذلك من الجمع ~~والصلابة الناشئة عن القساوة والنكد، والشحيح من الأرض ما يسيل من أدنى ~~مطر، لصلابتها وشدة اجتماع بعضها إلى بعض، والشحشح أيضا من الأرض ما لا ~~يسيل إلا من مطر كثير ضد الأول، وذلك ناظر إلى جمعها للنظر لغوره فيها لما ~~في أجزائها من التفرق الذي تقدم أنه من لوازم الجمع، ومن مطلق الجمع: ~~الفلاة الواسعة - لأنها جامعة لما يراد جمعه، والشحاح: شعاب صغار تدفع ~~الماء إلى الوادي، فهي بمدها جامعة، وبكونها صغارا نكدة ومجتمعة في نفسها، ~~ومن الجمع: الحشيش، وهو اليابس من العشب، وأصله ما جمع منه. # والمحش: الموضع الكثير الحشيش والخير، لأن الجمع ربما نشأ عنه رفق، وكثرة ~~الحشيش يلزمها الرفق بعلفه للدواب، ويكون أرضه طيبة، ومن حش الحشيش: قطعه، # PageV15P317 # وفلانا: أصلح من حاله، والمال: كثره، وزيدا بعيرا أو ببعير: أعطاه إياه، ~~والحش - بالفتح: المخرج، والمحشة: الدبر، والحش: البستان ذو النخل المجتمع، ~~سمى الخلاء به لأن العرب كانت تقضي الحاجة فيه، وحش طلحة وحش كوكب: موضعان ~~بالمدينة، وحش الولد في البطن: يبس، وأحشت المرأة فهي محش - إذا يبس الولد ~~في جوفها، والحش - بالضم: الولد الهالك في البطن، وحششت الفرس: جمعت له ~~الحشيش، وأحششت الرجل: أعنته على جمع الحشيش، والحشاش: الجوالق فيه الحشيش، ~~وأحش الكلأ: أمكن لأن يحش، والمستحشة من النوق التي دقت أوظفتها، أي ما فوق ~~رسغها إلى ساقها، وذلك من من عظمها وكثرة شحمها، واستحش الغصن: طال - كأنه ~~جمع طولين، أو صار بحيث يجمع ورقا كثيرا، الشيء بالشيء، وحش الودي من ~~النخل: يبس، ومن الجمع: حش الصيد: جمعه من جانبيه، والفرس: ألقى له حشيشا، ~~قال القزاز: وهو يبس الكلأ، وأصله ما جمع، ومنه: أحشك وتروثني - يضرب لمن ~~أساء إلى من أحسن إليه، # PageV15P318 # ومرت الإبل تحش الأرض. أي تجمع الحشيش، وقيل: هو من سرعة مرها، وفيه مع ~~كثرة الجمع للخطى بتقاربها معنى الحدة، ومنه حش الفرس: أسرع، ومن الإشراف ~~على الفساد: الحش - بالفتح وهو النخل الناقص القصير ليس بمسقي ولا معمور، ~~والحشاشة: ms3747 رمق النفس، يقال: ما بقي من فلان إلا حشاشة أي رمق يسير يحيي به، ~~وعبارة القاموس، والحشاش والحشاشة، بقية الروح في المريض والجريح فهذا بين ~~في الإشراف على الفساد كما تقدم وهو أيضا من الفرقة التي قد تلزم الجمع ~~ومنه تحشحشوا أي تفرقوا، ومنه قلة الاستحشاش، وهو قلة القوم، ومن الحدة ~~الناشئة عن القوة الناشئة: عن الجمع حششت النار أي أوقدتها وجمعت الحطب ~~إليها، وكل ما قوي بشيء فقد حش به، والمحش: حديدة يوقد بها النار أي تحرك، ~~والشجاع، قال القزاز، وهو محش حرب - إذا كان يسعرها بشجاعته، وحش فلان ~~الحرب - إذا هيجها، ومنه تحشحشوا أي تحركوا، ومن مطلق الحدة: أحششته عن ~~حاجته: أعجلته عنها، ومن الجمع والقوة: حش سهمه بالقذذ - إذا راشه فألزقها ~~من نواحيه، وحشاشاك أن تفعل كذا أي قصاراك أي نهاية جمعك لكل ما تقوى به، ~~وحشاشا كل شيء: جانباه، والحشة - بالضم: القبة العظيمة، لكثرة # PageV15P319 # جمعها وقوة تراصها. # ولما وصفهم سبحانه بهذه الدنايا. # أخبر بأن أساسها وأصلها الذي نشأت عنه عدم الوثوق بالله لعدم الإيمان ~~فقال: {أولئك} أي البغضاء البعداء الذين محط أمرهم الدنيا {ولم يؤمنوا} أي ~~لم يوجد منهم إيمان بقلوبهم وإن أقرت به ألسنتهم. # ولما كان العمل لا يصح بدون الإيمان، سبب عن ذلك قوله: {فأحبط الله} أي ~~بجلاله وتفرده في كبريائه وكماله {أعمالهم} أي أبطل أرواحها، فصارت أجسادا ~~لا أرواح لها، فلا نفع لهم بشيء منها لأنها كانت في الدنيا صورا مجردة عن ~~الأرواح التي هي القصود الصالحة، فإنهم لا قصد لهم بها إلا التوصل إلى ~~الأعراض الدنيوية، وهذا إعلام بأن من كانت الدنيا أكبر همه فهو غير مؤمن، ~~وأنه يكون خوارا عند الهزاهز، ميالا إلى دنايا الشجايا والغرائز. # ولما كان من عمل عملا لم يقدر غيره وإن كان أعظم منه أن يبطل نفعه به إلا ~~بسعر شديد، قال تعالى: {وكان ذلك} أي الإحباط العظيم مع ما لهم من الجرأة ~~في الطلب والإلحاف عند السؤال وقلة الأدب {على الله} بما له من صفات العظمة ms3748 ~~التي تخشع لها الأصوات، وتخرس الألسن الذربات {يسيرا *} لأنه لا نفع إلا ~~منه # PageV15P320 # وهو الواحد القهار، وأما غيره فإنما عسر عليه ذلك، لأن النفع من غيره - ~~وإن كان منه حقيقة - قهره غيره بالشفاعات ووجود النكد أو غيرها عليه، ~~وكأنهم لما ذهب استمرو خاضعين لم يطلقوا ألسنتهم ولا أعلو كلمتهم، فأخبر ~~تعالى تحقيقا لقوله الماضي في جبنهم أن المانع الذي ذكره لم يزل من عندهم ~~لفرط جبنهم، فقال تحقيقا لذلك وجوابا لمن ربما قال: قد ذهب الخوف فما لهم ~~ما سلقوا؟ : {يحسبون} أي يظنون لضعف عقولهم في هذا الحال، وقد ذهب الخوف، ~~لشدة جبنهم وما رسخ عندهم من الخوف {الأحزاب} وقد علمتم أنهم ذهبوا {لم ~~يذهبوا} بل غابوا خداعا، وعبر بالحسبان لأنه - كما مضى عن الحرالي في ~~البقرة - ما تقع غلبته فيما هو من نوع ما فطر الإنسان عليه واستقر عادة له، ~~والظن فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم، قال: فكان ضعف علم ~~العالم ظن، وضعف عقل العاقل حسبان. # ولما أخبر عن حالهم في ذهابهم، أخبر عن حالهم لو وقع ما يتخوفونه من ~~رجوعهم، فقال معبرا بأداة الشك بشارة لأهل البصائر أنه في عداد المحال: ~~{وإن يأت الأحزاب} أي بعد ما ذهبوا {يودوا} أي يتجدد لهم غاية الرغبة من ~~الجبن وشدة الخوف {لو أنهم بادون} أي فاعلون للبدو وهو الإقامة في البادية ~~على حالة الحل والارتحال # PageV15P321 # {في الأعراب} الذين هم عندهم في محل النقص، وممن تكره مخالطته ولو كان ~~تمنيهم في ذلك الحين محالا؛ ثم ذكر حال فاعل «بادون» فقال: {يسألون} كل وقت ~~{عن أنبائكم} العظيمة معهم جريا على ما هم عليه من النفاق ليبقوا لهم عندكم ~~وجها، كأنهم مهتمون بكم، يظهرون بذلك تحرقا على غيبتهم عن هذه الحرب أو ~~ليخفوا غيبتهم ويظهروا أنهم كانوا بينكم في الحرب بأمارة أنه وقع لكم في ~~وقت كذا أو مكان كذا كذا، ويكابروا على ذلك من غير استحياء لأن النفاق صار ~~لهم خلقا لا يقدرون على الانفكاك عنه، ويرشد إلى هذا المعنى قراءة ms3749 يعقوب ~~«يسالون» بالتشديد {ولو} أي والحال أنهم لو {كانوا فيكم} أي حاضرين لحربهم ~~{ما قاتلوا} أي معكم {إلا قليلا} نفاقا كما فعلوا قبل ذهاب الأحزاب من ~~حضورهم معكم تارة واستئذانهم في الرجوع إلى منازلهم أخرى، والتعويق لغيرهم ~~بالفعل كرة، والتصريح بالقول أخرى. # PageV15P322 # ولما أخبر تعالى عنهم بهذه الأحوال التي هي غاية في الدناءة، أقبل عليهم ~~إقبالا يدلهم على تناهي الغضب، فقال مؤكدا محققا لأجل إنكارهم: {لقد كان ~~لكم} أيها الناس كافة الذين المنافقون في غمارهم {في رسول الله} الذي جاء ~~عنه لإنقاذكم من كل ما يسوءكم، # PageV15P322 # وجلاله من جلاله المحيط بكل جلال، وكماله من كماله العالي على كل كمال، ~~وهو أشرف الخلائق، فرضيتم مخالطة الأجلاف بدل الكون معه {أسوة} أي قدوة ~~عظيمة - على قراءة عاصم بضم الهمزة، وفي أدنى المراتب - على قراءة الباقين ~~بالكسر، تساوون أنفسكم به وهو أعلى الناس قدرا يجب على كل أحد أن يفدي ظفره ~~الشريف ولو بعينه فضلا عن أن يسوي نفسه بنفسه، فيكون معه في كل أمر يكون ~~فيه، لا يختلف عنه أصلا {حسنة} على قراءة الجماعة بمطلق الصبر في البأساء ~~وأحسنية - على قراءة عاصم بالصبر على الجراح في نفسه والإصابة في عمه وأعز ~~أهله وجميع ما كان يفعل في مقاساة الشدائد، ولقاء الأقران، والنصيحة لله ~~ولنفسه وللمؤمنين، وعبر عنه بوصف الرسالة لأنه حظ الخلق منه ليقتدوا ~~بأفعاله وأقواله، ويتخلفوا بأخلاقه وأحواله، ونبه على أن الذي يحمل على ~~التآسي به صلى الله عليه وسلم إنما هو الصدق في الإيمان ولا سيما الإيمان ~~بالقيامة، وأن الموجب للرضا جبلة له {يرجوا الله} أي في جبلته أنه يجدد ~~الرجاء مستمرا للذي لا عظيم في الحقيقة سواه فيأمل إسعاده ويخشى إبعاده # PageV15P323 # {واليوم الآخر} الذي لا بد من إيجاده ومجازاة الخلائق فيه بإعمالهم، فمن ~~كان كذلك حمله رجاؤه على كل خير، ومنعه من كل شر، فإنه يوم التغابن، لأن ~~الحياة فيه دائمة، والكسر فيه لا يجبر. # ولما عبر بالمضارع المقتضي لدوام التجدد اللازم منه دوام الاتصاف الناشئ ~~عن المراقبة لأنه ms3750 في جبلته، أنتج ان يقال: فأسى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في كل شيء تصديقا لما في جبلته من الرجاء، فعطف عليه، أو على «كان» ~~المقتضيه للرسوخ قوله: {وذكر الله} الذي له صفات الكمال، وقيده بقوله: ~~{كثيرا} تحقيقا لما ذكر من معنى الرجاء الذي به الفلاح، وأن المراد منه ~~الدائم في حالي السراء والضراء. # ولما أخبر عما حصل في هذه الوقعة من الشدائد الناشئة عن الرعب لعامة ~~الناس، وخص من بينهم المنافقين بما ختمه بالملامة في ترك التآسي بمن أعطاء ~~الله قيادهم، وأعلاه عليهم في الثبات والذكر، وختم هذا الختم بما يثمر ~~الرسوخ في الدين، ذكر حال الراسخين في أوصاف الكمال المتأسين بالداعي، ~~المقتفين للهادي، فقال عاطفا على {هنالك ابتلي المؤمنون} : {ولما رأى ~~المؤمنون} أي الكاملون في الإيمان {الأحزاب} الذين # PageV15P324 # أدهشت رؤيتهم القلوب {قالوا} أي مع ما حصل لهم من الزلزال وتعاظم ~~الأحوال: {هذا} أي الذي نراه من الهول {ما وعدنا} من تصديق دعوانا الإيمان ~~بالبلاء والامتحان {الله} الذي له الأمر كله {ورسوله} المبلغ عنه في نحو ~~قوله: # {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} [البقرة: ~~214] {أحسب الناس أن يتركوا} [العنكبوت: 2] {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم} [التوبة: 16] وأمثال ذلك، فسموا المس بالبأساء ~~والضراء، والابتلاء بالزلزال والأعداء، وعدا لعلمهم بما لهم عليه عند الله، ~~ولا سيما في يوم الجزاء، وما يعقبه من النصر، عند اشتداد الأمر. # ولما كان هذا معناه التصديق، أزالوا عنه احتمال أن يكون أمرا اتفاقيا، ~~وصرحوا به على وجه يفهم الدعاء بالنصر الموعود به في قولهم عطفا على هذا: ~~{وصدق} مطلقا لا بالنسبة إلى مفعول معين {الله} الذي له صفات الكمال ~~{ورسوله} الذي كماله من كماله، أي ظهر صدقهما في عالم الشهادة في كل ما ~~وعدا به من السراء والضراء مما رأيناه. وهما صادقان فيما غاب عنا مما وعدا ~~به من نصر وغيره، وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما. # ولما كان هذا قولا يمكن أن يكون لسانيا فقط ms3751 كقول المنافقين، # PageV15P325 # أكده لظن المنافقين ذلك، فقال سبحانه شاهدا لهم: {وما زادهم} أي ما رأوه ~~من أمرهم المرعب {إلا إيمانا} أي بالله ورسوله بقلوبهم، وأبلغ سبحانه في ~~وصفهم بالإسلام، فعبر بصيغة التفعيل فقال: {وتسليما} أي لهما بجميع جوارحهم ~~في جميع القضاء والقدر، وقد تقدم في قوله تعالى في سورة الفرقان {ويجعل لك ~~قصورا} [الفرقان: 10] ما هو من شرح هذا. ولما كان كل من آمن بائعا نفسه ~~وماله لله، لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وكان بعض الراسخين ~~في الإيمان لم يعط الإيمان حقه في القتال في نفسه وماله كما فعل أبو بكر ~~رضي الله عنه، أما في ماله فبالخروج عنه كله، وأما في نفسه فيما يقحمها من ~~الأهوال، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له في بعض المواطن: «الزم ~~مكانك وأمتعنا بنفسك» ، «ويقول له ولعمر رضي الله عنهما أنهما من الدين ~~بمنزلة السمع والبصر» وكان أبو بكر رضي الله عنه في ليلة الغار يذكر الطلب ~~فيتأخر، والرصد فيتقدم، وما عن الجوانب فيصير إليها، ومنهم من وفى هذه ~~الغزوة وما قبلها فأراد الله التنويه بذكرهم والثناء عليهم توفية لما يفضل ~~به في حقهم، وترغيبا لغيرهم فأظهر ولم يضمر لئلا يتقيد بالمذكورين سابقا ~~فيخص # PageV15P326 # هذه الغزوة فقال: {من المؤمنين} أي الكمل {رجال} أي في غاية العظمة ~~عندنا، ثم وصفهم بقوله: {صدقوا} . # ولما كان العهد عند ذوي الهمم العلية، والأخلاق الزكية، لشدة ذكرهم له ~~ومحافظتهم على الوفاء به، وتصوره لهم حتى كأنه رجل عظيم قائم تجاههم، ~~يتقاضاهم الصدق، عدى الفعل إليه فقال: {ما عاهدوا الله} المحيط علما وقدرة ~~وجلالا وعظمة {عليه} أي من بيع أنفسهم وأموالهم له بدخولهم في هذا الدين ~~الذي بنى على ذلك فوفوا به أتم وفاء، وفي هذا إشارة إلى أبي لبابة بن ~~المنذر رضي الله عنه، وكان من أكابر المؤمنين الراسخين في صفة الإيمان حيث ~~زل في إشارته إلى بني قريظة بأن المراد بهم الذبح، كما تقدم في الأنفال في ~~قوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا ms3752 لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم} ~~[الأنفال: 27] فذهب من حينه وربط نفسه تصديقا لصدقه في سارية من سواري ~~المسجد حتى تاب الله عليه وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة. # ولما ذكر الصادقين، وكان ربما فهم أن الصدق لا يكون إلا بالقتل، قسمهم ~~قسمين مشيرا إلى خلاف ذلك بقوله: {فمنهم من قضى} أي أعطى {نحبه} أي نذره في ~~معاهدته، أنه ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويموت دونه، وفرغ من # PageV15P327 # ذلك وخرج من عهدته بأن قتل شهيدا، فلم يبق عليه نذر كحمزة بن عبد المطلب ~~ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وسعد بن الربيع وأنس بن النضر الذي غاب عن ~~غزوة بدر فقال: غبت عن أول قتال قاتل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، لئن ~~أشهدني الله قتالا ليرين الله ما أصنع، فلما انهزم من انهزم في غزوة أحد ~~قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ومما صنع ~~هؤلاء - يعني المنهزمين من المسلمين. وقاتل حتى قتل بعد بضع وثمانين جراحة ~~من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال: «نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر {من المؤمنين رجال} » ~~- انتهى، وغير هؤلاء ممن قتل قبل هذا في غزوة أحد وغيرها، وسعد بن معاذ ممن ~~جرح في هذه الغزوة وحكم في بني قريظة بالقتل والسبي، ولم يرع لهم حلفهم ~~لقومه، ولا أطاع قومه في الإشارة عليه باستبقائهم كما استبقى عبد الله بن ~~أبي المنافق بني قينقاع ولا أخذته بهم رأفة غضبا لله ولرسوله رضي الله عنه، ~~وممن لم يقتل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله أحد ~~العشرة # PageV15P328 # رضي الله عنهم ثبت في أحد وفعل ما لم يفعله غيره، لزم النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلم يفارقه، وذب عنه ووقاه بيده حتى شلت إصبعه النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه ممن قضى نحبه، فالمراد بالنحب هنا العهد الذي هو كالنذر ms3753 ~~المفضي إلى الموت، وأصل النحب الاجتهاد في العمل، ومن هنا استعمل في النذر ~~لأنه الحامل على ذلك {ومنهم} أي الصادقين {من ينتظر} قضاء النحب إما ~~بالنصرة، أو الموت على الشهادة، أو مطلق المتابعة الكاملة. # ولما كان المنافقون ينكرون أن يكون أحد صادقا فيما يظهر من الإيمان، أكد ~~قوله تعريضا بهم: {وما بدلوا تبديلا} أي وما أوقعوا شيئا من تبديل بفترة أو ~~توان، فهذا تصريح بمدح أهل الصدق، وتلويح بذم أهل النفاق عكس ما تقدم، روى ~~البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما نسخنا الصحف بالمصاحف فقدت ~~آية من سورة الأحزاب كنت كثيرا أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها، لم ~~أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري - رضي الله عنه - الذي جعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين {من المؤمنين رجال صدقوا # PageV15P329 # ما عاهدوا الله عليه} . وقوله: «نسخنا الصحف» التي كانت عند حفصة رضي ~~الله عنها بعد موت عمر رضي الله عنه «في المصاحف» التي أمر بها عثمان رضي ~~الله عنه، وقوله: «لم أجدها» أي مكتوبة بدليل حفظه لها، وهذا يدل على أنه ~~لما نسخ المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه لم يقتنعوا بالصحف. بل ضموا ~~إليها ما هو مفرق عند الناس مما كتب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبحضرته كما فعلوا حين جمعوا الصحف على عهد أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين. # ولما كان كأنه قيل: قد فهم من سياق هذه القصة أن القصد الإقبال عليه ~~سبحانه، وقطع جميع العلائق من غيره، لأنه قادر على كل شيء، فهو يكفي من ~~أقبل عليه كل مهم وإن كان في غاية العجز عنه، تارة بسبب ظاهر وتارة بغيره ~~فما له لم يحكم بالاتفاق على كلمة السلام، لتحصل الراحة من هذا العناء كله، ~~فأجيب بأن هذا لتظهر صفة العز والعظمة والعدل وغيرها ظهورا تاما إلى غير ~~ذلك من حكم ينكشف عنها الحجاب، وترفع لتجليها غاية التجلي ستور الأسباب، ~~فقال تعالى معلقا بقوله: {جاءتكم جنود} ms3754 : {ليجزي الله} أي الذي يريد إظهار ~~جميع صفاته يوم البعث للخاص والعام ظهورا تاما {الصادقين} في ادعاء أنهم ~~آمنوا به {بصدقهم} فيعلي أمرهم في # PageV15P330 # الدنيا وينعمهم في الأخرى، فالصدق سبب وإن كان فضلا منه لأنه الموفق له ~~{ويعذب المنافقين} في الدارين بكذبهم في دعواهم الإيمان المقتضي لبيع النفس ~~والمال {إن شاء} يعذبهم على النفاق {أو يتوب عليهم} أي بما يرون من صدقه ~~سبحانه في إعزاز أوليائه وإذلال أعدائه بقدرته التامة حيث كانوا قاطعين ~~بخلاف ذلك. # ولما كانت توبة المنافقين مستعبدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث ~~سرائرهم، قال معللا ذلك كله على وجه التأكيد: {إن الله} أي بما له من ~~الجلال والجمال {كان} أزلا وأبدا {غفورا رحيما} يستر الذنب وينعم على صاحبه ~~بالكرامة، أما في الإثابة لكل فالرحمة عامة، وأما في تعذيب المنافق فيخص ~~الصادقين، لأن عذاب أعدائهم من أعظم نعيمهم، وفي حكمه بالعدل عموم الرحمة ~~أيضا، فهو لا يعذب أحدا فوق ما يستحق. # PageV15P331 # ولما ذكرهم سبحانه نعمته بما أرسل على أعدائهم من جنوده، وبين أحوال ~~المنافقين والصادقين وما له في ذلك من الأسرار، وختم بهاتين الصفتين، قال ~~مذكرا بأثرهما فيما خرقه من العادة بصرف الأعداء على كثرتهم وقوتهم على ~~حالة لا يرضاها لنفسه عاقل، عاطفا على قوله في أول السورة والقصة {فأرسلنا} ~~: {ورد الله} أي بما له من # PageV15P331 # صفات الكمال {الذين كفروا} أي ستروا ما دلت عليه شموس عقولهم من أدلة ~~الوحدانية وحقية الرسالة، وهم من تحزب من العرب وغيرهم على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى بلادهم عن المدينة ومضايقة المؤمنين، حال كونهم ~~{بغيظهم} الذي أوجب لهم التحزب ثم الذي أوجب لهم التفرق من غير طائل حال ~~كونهم {لم ينالوا خيرا} لا من الدين ولا من الدنيا، بل خذلهم بكل اعتبار. # ولما كان الرد قد يكون بسبب من عدوهم، بين أن الأمر ليس كذلك فقال: {وكفى ~~الله} أي العظيم بقوته وعزته عباده، ودل على أنه ما فعل ذلك إلا لأجل أهل ~~الإخلاص فقال: {المؤمنين القتال} بما ms3755 ألقى في قلوبهم من الداعية للانصراف ~~بالريح والجنود من الملائكة وغيرهم منهم نعيم بن مسعود كما تقدم. # ولما كان هذا أمرا باهرا، أتبعه ما يدل على أنه عنده يسير فقال: {وكان ~~الله} أي الذي له كل صفة كمال دائما أزلا وأبدا {قويا} لا يعجزه شيء ~~{عزيزا} يغلب كل شيء. # ولما أتم أمر الأحزاب، أتبعه حال الذين ألبوهم، وكانوا سببا # PageV15P332 # في إيتانهم كحيي بن أخطب والذين مالأوهم على ذلك، ونقضوا ما كان لهم من ~~عهد، فقال: {وأنزل الذين ظاهروهم} أي عاونوا الأحزاب، ثم بينهم بقوله ~~مبغضا: {من أهل الكتاب} وهم بنو قريظة ومن دخل معهم في حصنهم من بني النضير ~~كحيي، وكان ذلك بعد إخراج بني قنيقاع وبني النضير {من صياصيهم} أي حصونهم ~~العالمية، جمع صيصية وهي كل ما يتمنع به من قرون البقر وغيرها مما شبه بها ~~من الحصون. # ولما كان الإنزال من محل التمنع عجبا، وكان على وجوه شتى، فلم يكن صريحا ~~في الإذلال، فتشوفت النفس إلى بيان حاله، بين أنه الذل فقال عاطفا بالواو ~~ليصلح لما قبل ولما بعد: {وقذف في قلوبهم الرعب} أي بعد الإنزال كما كان ~~قذفه قبل الإنزال، فلو قدم القذف على الإنزال لما أفاد هذه الفؤائد، ولا ~~اشتدت ملاءمة ما بعده للإنزال. # ولما ذكر ما أذلهم به، ذكر ما تأثر عنه مقسما له فقال: {فريقا} فذكره ~~بلفظ الفرقة ونصبه ليدل بادئ بدء على أنه طوع لأيدي الفاعلين: {تقتلون} وهم ~~الرجال، وكان نحو سبعمائة. ولما بدأ بما يدل على التقسيم مما منه الفرقة، ~~وقد أعظم الأثرين الناشئين عن الرعب، أولاه الأثر الآخر ليصير الأثران ~~المحبوبان محتوشين بما يدل على الفرقة # PageV15P333 # فقال: {وتأسرون فريقا} وهم الذراري والنساء، ولعله أخر الفريق هنا ليفيد ~~التخيير في أمرهم، وقدم في الرجال لتحتم القتل فيهم. # ولما ذكر الناطق بقسميه، ذكر الصامت فقال: {وأورثكم أرضهم} من الحدائق ~~وغيرها؛ ولما هم خص بقوله: {وديارهم} لأنه يحامي عليها ما لا يحامي على ~~غيرها؛ ثم عم بقوله: {وأموالهم} مما تقدم ومن غيره من النقد ms3756 والماشية ~~والسلاح والأثاث وغيرها، فقسم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للفارس ~~ثلاثة أسهم: للفرس سهمان ولفارسه سهم كما للراجل ممن ليس له فرس وأخرج منها ~~الخمس فعلى سنتها وقعت المقاسم ومضت السنة في المغازي، واصطفى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من سباياهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة. إحدى نساء بني ~~عمرو بن قريظة، فتلبثت قليلا، ثم أسلمت، فأراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت: يا رسول الله! بل تتركني في ~~ملكك فهو أخف علي وعليك، فتركها حتى توفي عنها في ملكه رضي الله عنها. # ولما كانت هذه غزوة طار رعبها في الآفاق، وأذلت أهل الشرك من الأميين ~~وغيرهم على الإطلاق، ونشرت ألوية النصر فخفقت أعلامها في جميع الآفاق، ~~وأغمدت سيف الكفر وسلت صارم الإيمان # PageV15P334 # للرؤوس والأعناق، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو أبصر الناس ~~بالحروب، وأنفذهم رأيا لما له من الثبات عند اشتداد الكروب: «الآن نغزوهم ~~ولا يغزونا» ، قال تعالى: {وأرضا لم تطؤها} أي تغلبوا عليها بتهيئتكم ~~للغلبة عليها وإعطائكم القوة القريبة من فتحها، وهي أرض خيبر أولا، ثم أرض ~~مكة ثانيا ثم أرض فارس والروم وغيرهما مما فتحه الله بعد ذلك، وكان قد حكم ~~به في هذه الغزوة حين أبرق تلك البرقات للنبي صلى الله عليه وسلم في حفر ~~الخندق، فأراه في الأولى اليمن، وفي الأخرى فارس، وفي الأخرى الروم. # ولما كان ذلك أمرا باهرا سهله بقوله: {وكان الله} أي أزلا وأبدا بما له ~~من صفات الكمال {على كل شيء} هذا وغيره {قديرا} أي شامل القدرة. # PageV15P335 # ولما تقرر بهذه الوقائع - التي نصر فيها سبحانه وحده بأسباب باطنه سببها، ~~وأمور خفية رتبها، تعجز عنها الجيوش المتخيرة المستكثرة، والملوك المتجبرة ~~المستكبرة - ما قدم من أنه كافي من توكل عليه، وأقبل بكليته إليه، وختم ~~بصفة القدرة العامة الدائمة، تحرر أنه قادر على # PageV15P335 # كل ما يريده، وأنه لو شاء أجرى مع وليه كنوز الأرض، وأنه لا يجوز لأحد أن ~~يراعي غيره ولا ms3757 أن يرمق بوجه ما سواه، وعلم أن من أقبل إلى هذا الدين فإنما ~~نفع نفسه والفضل لصاحب الدين عليه، ومن أعرض عنه فإنما وبال إعراضه على ~~نفسه، ولا ضرر على الدين بإعراض هذا المعرض، كما أنه لا نفع له بإقبال ذلك ~~المقبل، وكان قد قضى سبحانه أن من انقطع إليه حماه من الدنيا إكراما له ~~ورفعا لمنزلته عن خسيسها إلى نفيس ما عنده، لأن كل أمرها إلى زوال وتلاش ~~واضمحلال، ولا يعلق همته بذلك إلا قاصر ضال، فأخذ سبحانه يأمر أحب الخلق ~~إليه، وأعزهم منزلة لديه، المعلوم امتثالا للأمر بالتوكل والإعراض عن كل ما ~~سواه سبحانه وأنه لا يختار من الدنيا غير الكفاف، والقناعة والعفاف، بتخيير ~~ألصق الناس به تأديبا لكافة الناس، فقال على طريق الاستنتاج مما تقدم: {يا ~~أيها النبي} ذاكرا صفة رفعته واتصاله به سبحانه والإعلام بأسرار القلوب، ~~وخفايا الغيوب، المقتضية لأن يفرغ فكره لما يتلقاه من المعارف، ولا يعلق عن ~~شيء من ذلك بشيء من أذى: {قل لأزواجك} أي نسائك: {إن كنتن} أي كونا راسخا ~~{تردن} أي اختيارا علي {الحياة} # PageV15P336 # ووصفها بما يزهد فيها ذوي الهمم ويذكر من له عقل بالآخرة فقال: {الدنيا} ~~أي ما فيها من السعة والرفاهية والنعمة {وزينتها} أي المنافية لما أمرني به ~~ربي من الإعراض عنه واحتقاره من أمرها لأنها أبغض خلقه إليه، لأنها قاطعة ~~عنه {فتعالين} أصله أن الأمر يكون أعلى من المأمور، فيدعوه أن يرفع نفسه ~~إليه ثم كثر حتى صار معناه: أقبل، وهو هنا كناية عن الإخبار والإراداة ~~بعلاقة أن المخبر يدنو إلى من يخبره {أمتعكن} أي بما أحسن به إليكن ~~{وأسرحكن} أي من حباله عصمتي {سراحا جميلا *} أي ليس فيه مضارة، ولا نوع ~~حقد ولا مقاهرة {وإن كنتن} بما لكن من الجبلة {تردن الله} أي الآمر ~~بالإعراض عن الدنيا للإعلاء إلى ما له من رتب الكمال {ورسوله} المؤتمر بما ~~أمره به من الانسلاخ عنها المبلغ للعباد جميع ما أرسله به من أمر الدنيا ~~والدين لا يدع منه شيئا، لما ms3758 له عليكن وعلى سائر الناس من الحق بما يبلغهم ~~عن الله {والدار الآخرة} التي هي الحيوان بما لها من البقاء، والعلو ~~والارتقاء. # ولما كان ما كل من أظهر شيئا كان عالي الرتبة فيه، قال مؤكدا تنبيها على ~~أن ما يقوله مما يقطع به وينبغي تأكيده دفعا لظن من يغلب عليه حال البشر ~~فيظن فيه الظنون من أهل النفاق وغيرهم، أو يعمل عمل من يظن ذلك أو يستبعد ~~وقوعه في الدنيا أو الآخرة: {فإن الله} # PageV15P337 # أي بما له من جميع صفات الكمال {أعد} في الدنيا والآخرة {للمحسنات منكن} ~~أي اللاتي يفعلن ذلك وهن في مقام المشاهدة وهو يعلم المحسن من غيره {أجرا ~~عظيما *} أي تحتقر له الدنيا وكل ما فيها من زينة ونعمة. # ولما أتى سبحانه بهذه العبارة الحكيمة الصالحة مع البيان للتبعيض ترهيبا ~~في ترغيب، أحسن كلهن وحققن بما تخلقن به أن من للبيان، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم عرض عليهن رضي الله عنهن ذلك، وبدأ بعائشة رضي الله عنها رأس ~~المحسنات إذ ذاك رضي الله عنها وعن أبيها وقال لها: «إني قائل لك أمرا فلا ~~عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أوبويك» ، فلما تلاها عليها قالت منكرة ~~لتوقفها في الخبر: أفي هذا أستأمر أبوي، فإني أختار الله ورسوله والدار ~~الآخرة، ثم عرض ذلك على جميع أزواجه فاقتدين كلهن بعائشة رضي الله عنهن ~~فكانت لهن إماما فنالت إلى أجرها مثل أجورهن - روى ذلك البخاري وغيره عن ~~عائشة رضي الله عنها، وسبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم وجد على نسائه رضي ~~الله عنهن فآلى منهن شهرا، فلما انقضى الشهر نزل # PageV15P338 # إليهن من غرفة كان اعتزل فيها وقد أنزل الله عليه الآيات. فخيرهن فاخترنه ~~رضي الله عنهن، وسبب ذلك أن منهن من سأل التوسع في النفقة، وقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يحب التوسع في الدنيا، روى الشيخان رضي الله عنهما ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم، من خبز ~~شعير ms3759 يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى الحديث ~~البيهقي ولفظه: قالت: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ~~متوالية ولو شئنا لشبعنا، ولكنه كان يؤثر على نفسه، وروى الطبراني في ~~الأوسط عنها أيضا رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«من سأل عني أو سره أن ينظر إلي فلينظر إلي أشعث شاحب لم يضع لبنة على لبنة ~~ولا قصبة على قصبة، رفع له علم فشمر إليه، اليوم المضمار وغدا السباق، ~~والغاية الجنة أو النار» . # ولما كان الله سبحانه قد أمضى حكمته في هذه الدار في أنه لا يقبل قول إلا ~~ببيان، قال سبحانه متهددا على ما قد أعاذهن الله منه، فالمراد منه بيان أنه ~~رفع مقاديرهن، ولذلك ذكر الأفعال المسندة إليهن اعتبارا # PageV15P339 # بلفظ «من» والتنبيه على غلط من جعل صحبه الأشراف دافعة للعقاب على ~~الإسراف، ومعلمة بأنها إنما تكون سببا للإضعاف: {يا نساء النبي} أي ~~المختارات له لما بينه وبين الله مما يظهر شرفه {من يأت} قراءة يعقوب على ~~ما نقله البغوي بالمثناة الفوقانية على معنى من دون لفظها وهي قراءة شاذة ~~نقلها الأهوازي في كتاب الشواذ عن ابن مسلم عنه: وقرأ الجماعة بالتحتانية ~~على اللفظ وكذا «يقنت» {منكن بفاحشة} أي من قول أو فعل كالنشوز وسوء الخلق ~~باختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله ورسوله أو غير ذلك {مبينة} أي ~~واضحة ظاهرة في نفسها تكاد تنادي بذلك من سوء خلق ونشوز أو غير ذلك {يضاعف ~~لها العذاب} أي بسبب ذلك، ولما هول الأمر بالمفاعلة في قراءة نافع المفهمة ~~لأكثر من اثنين كما مضى في البقرة، سهله بقوله: {ضعفين} أي بالنسبة إلى ما ~~لغيرها لأن مقدارها لا يعشره مقدار غيرها كما جعل حد الحر ضعفي ما للعبد، ~~وكما جعل أجرهن مرتين. # واشتد العتاب فيما بين الأحباب، وعلى قدر علو المقام يكون الملام، # PageV15P340 # وبقدر النعمة تكون النقمة، وكل من بناء يضاعف للمجهول من باب المفاعلة أو ~~التفعيل لأبي جعفر والبصريين أو ms3760 للفاعل بالنون عند ابن وكثير وابن عامر يدل ~~على عظمته سبحانه، والبناء للمجهول يدل على العناية بالتهويل بالعذاب بجعله ~~عمدة الكلام وصاحب الجملة بإسناد الفعل إليه، وذلك كله إشارة إلى أن الأمور ~~الكبار صغيرة عنده سبحانه لأنه لا يضره شيء ولا ينفعه، ولا يوجب شيء من ~~الأشياء له حدوث شيء لم يكن، ولذلك قال: {وكان ذلك} أي مع كونه عظيما عندكم ~~{على الله يسيرا *} فهذا ناظر إلى مقام الجلال والكبرياء والعظمة. # ولما قدم درء المفاسد الذي هو من باب التخلي، أتبعه جلب المصالح الذي هو ~~من طراز التحلي فقال: {ومن يقنت} أي يخلص الطاعة، وتقدم توجيه قراءة يعقوب ~~بالفوقانية على ما حكاه البغوي والأهوازي في الشواذ عن ابن مسلم {منكن لله} ~~الذي هو أهل لئلا يلتفت إلى غيره لأنه لا أعظم منه بإدامة الطاعة فلا يخرج ~~عن مراقبته أصلا {ورسوله} فلا تغاضبه ولا تطلب منه شيئا، # PageV15P341 # ولا تختار عيشا غير عيشه، فإنه يجب على كل أحد تصفية فكره، وتهدئه باله ~~وسره، ليتمكن غاية التمكن من إنقاذ أوامرنا والقيام بما أرسلناه بسببه من ~~رحمة العباد، بإنقاذهم مما هم فيه من الأنكاد. # ولما كان ذلك قد يفهم الاقتصار على عمل القلب قال: {وتعمل} قرأها حمزة ~~والكسائي بالتحتانية ردا على لفظ «من» حثا لهن على منازل الرجال، وقراءة ~~الجماعة بالفوقانية على معناها على الأصل مشيرة إلى الرفق بهن في عمل ~~الجوارح والرضى بالمستطاع كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: # «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» وأما عمل القلب فلا رضى فيه بدون ~~الغاية، فلذا كان «يقنت» مذكرا لا على شذوذ {صالحا} أي في جميع ما أمر به ~~سبحانه أو نهى عنه {نؤتها} أي بما لنا من العظمة على قراءة الجماعة بالنون، ~~وقراءة حمزة والكسائي بالتحتانية على أن الضمير لله {أجرها مرتين} أي ~~بالنسبة إلى أجر غيرها من نساء بقية الناس {وأعتدنا} أي هيأنا بما لنا من ~~العظمة وأحضرنا {لها} بسبب قناعتها مع النبي صلى الله عليه وسلم المريد ~~للتخلي من الدنيا التي ms3761 يبغضها الله مع ما في ذلك # PageV15P342 # من توفير الحظ في الآخرة {رزقا كريما *} أي في الدنيا والآخرة، فلا شيء ~~أكرم منه لأن ما في الدنيا منه يوفق لصرفه على وجه يكون فيه أعظم الثواب، ~~ولا يخشى من أجله نوع عتاب فضلا عن عقاب، وما في الآخرة منه لا يوصف ولا ~~يحد، ولا نكد فيه بوجه أصلا ولا كد. # PageV15P343 # ولما كان لكل حق حقيقة، ولكل قول صادق بيان، قال مؤذنا بفضلهن: {يا نساء ~~النبي} أي الذي أنتن من أعلم الناس بما بينه وبين الله من الإنباء بدقائق ~~الأمور وخفايا الأسرار وما له من الزلفى لديه {لستن كأحد من النساء} قال ~~البغوي: ولم يقل: كواحدة، لأن الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع ~~والمذكر والمؤنث - انتهى، فالمعنى كجماعات من جماعات النساء إذا تقصيت أمة ~~النساء جماعة جماعة لم توجد فيهن جماعة تساويكن في الفضل لما خصكن الله به ~~من قربة بقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزول الوحي الذي بينه وبين ~~الله في بيوتكن. # ولما كان المعنى: بل أنتن أعلى النساء، ذكر شرط ذلك فقال: # PageV15P343 # {إن اتقيتن} أي جعلتن بينكن وبين غضب الله وغضب رسوله وقاية، ثم سبب عن ~~هذا النفي قوله: {فلا تخضعن} أي إذا تكلمتن بحضرة أجنبي {بالقول} أي بأن ~~يكون لينا عذبا رخما، والخضوع التطامن والتواضع واللين والدعوة إلى السواء؛ ~~ثم سبب عن الخضوع: قوله: {فيطمع} أي في الخيانة {الذي في قلبه مرض} أي فساد ~~وريبة والتعبير بالطمع للدلالة على أن أمنيته لا سبب لها في الحقيقة، لأن ~~اللين في كلام النساء خلق لهن لا تكلف فيه، فأريد من نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم التكلف للإتيان بضده. # ولما نهاهن عن الاسترسال مع سجية النساء في رخامة الصوت، أمرهن بضده ~~فقال: {وقلن قولا معروفا} أي يعرف أنه بعيد عن محل الطمع. # ولما تقدم إليهن في القول وقدمه لعمومه، أتبعه الفعل فقال: {وقرن} أي ~~اسكن وامكثن دائما {في بيوتكن} فمن كسر القاف وهم غير المدنيين وعاصم جعل ~~الماضي قرر بفتح ms3762 العين، ومن فتحه فهو عنده قرر بكسرها، وهما لغتان. # ولما أمرهن بالقرار، نهاهن عن ضده مبشعا له، فقال: {ولا تبرجن} # PageV15P344 # أي تظاهرن من البيوت بغير حاجة محوجة، فهو من وادي أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم لهن بعد حجة الوداع بلزوم ظهور الحصر {تبرج الجاهلية الأولى} أي ~~المتقدمة على الإسلام وعلى ما قبل الأمر بالحجاب، بالخروج من بيت والدخول ~~في آخر، والأولى لا تقتضي أخرى كما ذكره البغوي، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنها ما بين نوح وإدريس عليهما السلام، تبرج فيها نساء السهول - وكن ~~صباحا وفي رجالهن دمامة - لرجال الجبال وكانوا صباحا وفي نسائهن دمامة، ~~فكثر الفساد، وعلى هذا فلها ثانية. # ولما أمرهن بلزوم البيوت للتخلية عن الشوائب، أرشدهن إلى التحلية ~~بالرغائب، فقال: {وأقمن الصلاة} أي فرضا ونفلا، صلة لما بينكن وبين الخالق ~~لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر {وآتين الزكاة} إحسانا إلى الخلائق، ~~وفي هذا بشارة بالفتوح وتوسيع الدنيا عليهن، فإن العيش وقت نزولها كان ضيقا ~~عن القوت فضلا عن الزكاة. # ولما أمرهن بخصوص ما تقدم لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية، ومن ~~اعتنى بهما حق الاعتناء جرتاه إلى ما وراءهما، عم وجمع في قوله: {وأطعن ~~الله} أي ذاكرات ما له من صفات الكمال {ورسوله} # PageV15P345 # في جميع ما يأمران به فإنه لم يرسل إلا للأمر والنهي تخليصا للخلائق من ~~أسر الهوى. # ولما كانت هذه الآيات قد نهت عن الرذائل فكانت عنها أشرف الفضائل قال ~~مبينا أن ذلك إنما هو لتشريف أهل النبي صلى الله عليه وسلم لتزيد الرغبة في ~~ذلك مؤكدا دفعا لوهم من يتوهم أن ذلك لهوان أو غير ذلك من نقصان وحرمان: ~~{إنما يريد الله} أي وهو ذو الجلال والجمال بما أمركم به ونهاكم عنه من ~~الإعراض عن الزينة وما تبعها، والإقبال عليه، عزوفكم عن الدنيا وكل ما تكون ~~سببا له {ليذهب} أي لأجل أن يذهب {عنكم الرجس} أي الأمر الذي يلزمه دائما ~~الاستقذار والاضطراب من مذام الأخلاق كلها {أهل} يا أهل {البيت} أي من كل ms3763 ~~من تكون من إلزام النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء من الأزواج ~~والإماء والأقارب، وكلما كان الإنسان منهم أقرب وبالنبي صلى الله عليه وسلم ~~أخص وألزم، كان بالإرادة أحق وأجدر. # ولما استعار للمعصية الرجس، استعار للطاعة الطهر، ترغيبا لأصحاب الطباع ~~السليمة والعقول المستقيمة، في الطاعة، وتنفيرا لهم عن المعصية فقال: ~~{ويطهركم} أي يفعل في طهركم بالصيانة عن جميع القاذورات # PageV15P346 # الحسية والمعنوية فعل المبالغ فيه، وزاد ذلك عظما بالمصدر فقال: {تطهيرا} ~~. # ولما ذكر ذلك إلى أن ختم بالتطهير، أتبعه التذكير بما أنعم سبحانه به مما ~~أثره التطهير من التأهيل لمشاهدة ما يتكرر من تردد الملائكة بنزول الوحي ~~الذي هو السبب في كل طهر ظاهر وباطن، فقال مخصصا من السياق لأجلهن رضي الله ~~عنهن، منبها لهن على أن بيوتهن مهابط الوحي ومعادن الأسرار: {واذكرن} أي في ~~أنفسكن ذكرا دائما، واذكرنه لغيركن على جهة الوعظ والتعليم. # ولما كانت العناية بالمتلو، بينها بإسناد الفعل إليه لبيان أنه عمدة ~~الجملة فقال بانيا للمفعول: {ما يتلى} أي يتابع ويوالي ذكره والتخلق به، ~~وأشار لهن إلى ما خصهن منه من الشرف فقال: {في بيوتكن} أي بواسطة النبي صلى ~~الله عليه وسلم الذي خيركن {من آيات الله} الذي لا أعظم منه. # ولما كان المراد بذلك القرآن، عطف عليه ما هو أعم منه، فقال مبينا لشدة ~~الاهتمام به بإدخاله في جملة المتلو اعتمادا على أن العامل فيه معروف لأن ~~التلاوة لا يقال في غير الكتاب: {والحكمة} # PageV15P347 # أي ويبث وينشر من العلم المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم، ولا تنسين ~~شيئا من ذلك. # ولما كان السياق للإعراض عن الدنيا، وكانت الحكمة منفرة عنها، أشار بختام ~~الآية إلى أنها مع كونها محصلة لفوز الأخرى جالبة لخير الدنيا، فقال مؤكدا ~~ردعا لمن يشك في أن الرفعة يوصل إليها بضدها ونحو ذلك مما تضمنه الخبر من ~~جليل العبر: {إن الله} أي والذي له جميع العظمة {كان} أي لم يزل {لطيفا} أي ~~يوصل إلى المقاصد بوسائل الأضداد {خبيرا} أي يدق علمه عن إدراك ms3764 الأفكار، ~~فهو يجعل الإعراض عن الدنيا جالبا لها على أجمل الطرائق وأكمل الخلائق وإن ~~رغمت أنوف جميع الخلائق، ويعلم من يصلح لبيت النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~لا يصلح، وما يصلح الناس دنيا ودينا وما لا يصلحهم، والطرق الموصلة إلى كل ~~ما قضاه وقدره وإن كانت على غير ما يألفه الناس «من انقطع إلى الله كفاه كل ~~مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب» رواه الطبراني في الصغير وابن أبي الدنيا ~~والبيهقي في الشعب عن عمران بن حصين رضي الله عنه «من توكل على الله كفاه، ~~ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها» - رواه صاحب الفردوس وأبو الشيخ ابن ~~حيان في كتاب الثواب عن عمران رضي الله عنه أيضا، ولقد صدق الله سبحانه ~~وعده في لطفه وحقق بره في خبره بأن فتح # PageV15P348 # على نبيه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك خيبر، فأفاض بها ما شاء من رزقه ~~الواسع، ثم لما توفي نبيه صلى الله عليه وسلم ليحيمه من زهرة الحياة الدنيا ~~فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من اليمن، فعم الفتح ~~جميع الأقطار: الشرق والغرب والجنوب والشمال، ومكن أصحاب نبيه صلى الله ~~عليه وسلم من كنوز جميع تلك البلاد وذخائر أولئك الملوك حتى صار الصحابة ~~رضوان الله عليهم يكيلون المال كيلا، وزاد الأمر حتى دون عمر الدواوين وفرض ~~للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء، وكان أولا لا يفرض للمولود حتى يفطم، ~~فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه: لا تعجلوا أولادكم بالفطام فإنا ~~نفرض لكل مولود في الإسلام، وفاوت بين الناس في العطاء بحسب القرب من النبي ~~صلى الله عليه وسلم والبعد منه وبحسب السابقة في الإسلام والهجرة ونزل ~~الناس منازلهم بحيث أرضى جميع الناس حتى قدم عليه خالد بن عرفطة فسأله عما ~~وراءه فقال: تركتهم يسألون الله لك أن يزيد في عمرك من أعمارهم، فقال عمر ~~رضي الله عنه: إنما هو حقهم وأنا أسعد بأدائه إليهم، لو كان من مال الخطاب ~~ما أعطيتموه، ولكن قد علمت أن فيه ms3765 فضلا، فلو أنه إذا خرج عطاء أحدهم ابتاع ~~منه # PageV15P349 # غنما، فجعلها بسوادكم، فإذا خرج عطاؤه ثانية ابتاع الرأس والرأسين فجعله ~~فيها، فإن بقي أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه، فإني لا أدري ما يكون ~~بعدي، وإني لأعم بنصيحتي كل من طوقني الله أمره، فإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # «من مات غاشا لرعيته لم يرح ريح الجنة» ، فكان فرضه لأزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم اثني عشر ألفا لكل واحدة وهي نحو ألف دينار في كل سنة، ~~وأعطى عائشة رضي الله عنها خمسة وعشرين ألفا لحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إياها، فأبت أن تأخذ إلا ما يأخذه صواحباتها، وروى عن برزة بنت رافع ~~قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر رضي الله عنه إلى زينب بنت جحش رضي الله ~~عنها بالذي لها فلما أدخل إليها قالت: غفر الله لعمر! غيري من أخواتي أقوى ~~على قسم هذا مني، قالوا: هذا كله لك يا أم المؤمنين، قالت: سبحان الله! ~~واستترت منه بثوب، ثم قالت: صبوه واطرحوا عليه ثوبا، ثم قالت لي: ادخلي ~~يديك واقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان من ذوي رحمها ~~وأيتام لها، فقسمته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب، قالت برزة بنت رافع: ~~فقلت: غفر الله له يا أم المؤمنين، والله لقد كان لنا في هذا المال حق، ~~قالت: فلكم ما تحت الثوب، # PageV15P350 # فوجدنا تحته خمسمائة وثمانين درهما، ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت: ~~اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت - ذكر ذلك البلاذري في كتاب ~~فتوح البلاد. # ولما حث سبحانه على المكارم والأخلاق الزاكية، وختم بالتذكير بالآيات ~~والحكمة، أتبعه ما لمن تلبس من أهل البيت بما يدعو إليه ذلك من صفات ~~الكمال، ولكنه ذكره على وجه يعم غيرهم من ذكر وأنثى مشاكلة لعموم الدعوة ~~وشمول الرسالة، فقال جوابا لقول النساء: يا رسول الله! ذكر الله الرجال ولم ~~يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن ms3766 لا يقبل منا طاعة، ~~بادئا الوصف الأول الأعم الأشهر من أوصاف أهل هذا الدين مؤكدا لأجل كثرة ~~المنافقين المكذبين بمضمون هذا الخبر وغيرهم من المصارحين: {إن المسلمين} ~~ولما كان اختلاف النوع موجبا للعطف، قال معلما بالتشريك في الحكم: ~~{والمسلمات} . # ولما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن يكون بالظاهر ~~فقط، أتبعه المحقق له وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية الإذعان، فقال ~~عاطفا له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو للدلالة على ~~تمكين الجامعين لهذه الأوصاف من كل وصف منها: {والمؤمنين والمؤمنات} ولما ~~كان المؤمن المسلم قد لا يكون في أعماله مخلصا قال: {والقانتين} أي ~~المخلصين في إيمانهم # PageV15P351 # وإسلامهم {والقانتات} ولما كان القنوت كما يطلق على الإخلاص المقتضي ~~للمداولة قد يطلق على مطلق الطاعة قال: {والصادقين} في ذلك كله {والصادقات} ~~أي في إخلاصهم في الطاعة، وذلك يقتضي الدوام. # ولما كان الصدق - وهو إخلاص القول والعمل عن شوب يلحقه أو شيء يدنسه - قد ~~لا يكون دائما، قال مسيرا إلى أن ما لا يكون دائما لا يكون صدقا في الواقع: ~~{والصابرين والصابرات} ولما كان الصبر قد يكون سجية، دل على صرفه إلى الله ~~بقوله: {والخاشعين والخاشعات} ولما كان الخشوع - وهو الخضوع والإخبات ~~والسكون - لا يصح مع توفير المال فإنه سيكون إليه، قال معلما أنه إذ ذاك لا ~~يكون على حقيقته: {والمتصدقين} أي المنفقين أموالهم في رضى الله بغاية ~~الجهد من نفوسهم بما أشار إليه إظهار التاء فرضا وتطوعا سرا وعلانية بما ~~أرشد إليه الإظهار أيضا تصديقا لخشوعهم {والمتصدقات} . # ولما كان بذل المال قد لا يكون مع الإيثار، أتبعه ما يعين عليه فقال: ~~{والصائمين} أي تطوعا للإيثار بالقوت وغير ذلك {والصائمات} ولما كان الصوم ~~يكسر شهوة الفرج وقد يثيرها، قال: {والحافظين فروجهم} أي عما لا يحل لهم ~~بالصوم وما أثاره الصوم {والحافظات} ولما كان حفظ الفروج وسائر الأعمال لا ~~تكاد توجد # PageV15P352 # إلا بالذكر. وهو الذي فيه المراقبة الموصلة إلى المحاضرة المحققة ~~للمشاهدة المحيية بالفناء قال: {والذاكرين الله} أي مع استحضار ms3767 ما له من ~~الكمال بصفات الجلال والجمال {كثيرا} بالقلب واللسان في كل حالة ~~{والذاكرات} ومن علامات الإكثار من الذكر اللهج به عند الاستيقاظ من النوم. # ولما كان المطيع وإن جاوز الحد في الاجتهاد مقتصرا عن بلوغ ما يحق له، ~~أشار إلى ذلك سبحانه بقوله مكررا الاسم الأعظم إشارة إلى ذلك وإلى صغر ~~الذنوب إذا نسبت إلى عفوه: {أعد الله} أي الذي لا يقدر أحد أن يقدره حق ~~قدره مع أنه لا يتعاظمه شيء {لهم مغفرة} أي لهفواتهم وما أتوه من سيئاتهم ~~بحيث يمحو عينه وأثره، فلا عتاب ولا عقاب، ولا ذكر له سبب من الأسباب. # ولما ذكر الفضل بالتجاوز، أتبعه التفضل بالكرم والرحمة فقال: {وأجرا ~~عظيما *} وإعداد الأجر يدل على أن المراد بهذه الأوصاف اجتماعها لأن مظهر ~~الإسلام نفاقا كافر، وتارك شيء من الأوصاف متصف بضده وحينئذ يكون مخلا ~~بالباقي وأن المراد بالعطف التمكن والرسوخ في كل وصف منها زيادة على التمكن ~~الذي أفاده التعبير بالوصف دون الفعل، وحينئذ تعدم الكبائر فيتأتى تكفير ~~الصغائر، فتأتي المغفرة والأجر، وأما آية التحريم فلم تعطف لئلا يظن أنهن # PageV15P353 # أنواع كل نوع يتفرد بوصف، وإفادة الرسوخ هنا في الأوصاف من سياق الامتنان ~~والمدح بكونهن خيرا. # PageV15P354 # ولما كان الله سبحانه قد قدم قوله: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} - ~~الآية، فعلم قطعا أنه تسبب عنها ما تقديره: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة لأن ~~يكون له ولي غير النبي صلى الله عليه وسلم، فطوى ذلك للعلم به، واستدل على ~~مضمون الآية وما قبلها بقصة الأحزاب، وأتبعها نتيجة ذلك مما ذكر تأديب ~~الأزواج له صلى الله عليه وسلم وتهذبيهن لأجله وتطهير أهل بيته وتكريمهم ~~حتى ختم سبحانه بالصفات العشر التي بدأها بالإسلام الذي ليس معه شيء من ~~الإباء، وختمها بأن ذكر الله يكون ملء القلب والفم وهو داع إلى مثل ذلك ~~لأنه سبب الإسلام، عطف على مسبب آية الولاية ما يقتضيه كثرة الذكر من قوله: ~~{وما كان} . # ولما كان الإيمان قد يدعى كذبا لخفاء به، قال: {لمؤمن} أي ms3768 من عبد الله بن ~~جحش وزيد وغيرهما {ولا مؤمنة} أي من زينب وغيرها، فعلق الأمر بالإيمان ~~إعلاما بأن من اعترض غير مؤمن وإن أظهر الإيمان بلسانه {إذا قضى الله} أي ~~الملك الأعظم الذي لا ينبغي # PageV15P354 # لعاقل التوقف في أمره {ورسوله} الذي لا يعرف قضاؤه إلا به {أمرا} أي أي ~~أمر كان. # ولما كان المراد كل مؤمن، والعبارة صالحة له، وكان النفي عن المجموع كله ~~نفيا عما قل عنه من باب الأولى، قال: {أن تكون} أي كونا راسخا على قراءة ~~الجماعة بالفوقانية، وفي غاية الرسوخ على قراءة الكوفيين بالتحتانية {لهم} ~~أي خاصة {الخيرة} مصدر من تخير كالطيرة من تطير على غير قياس {من أمرهم} أي ~~الخاص بهم باستخارة لله ولا بغيرها ليفعلوا خلاف ذلك القضاء، فإن المراد ~~بالاستخارة ظن ما اختاره الله، وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم قطعي ~~الدلالة على ما اختاره الله تعالى، وفي هذا عتاب لزينب رضي الله عنها على ~~تعليق الإجابة للنبي صلى الله عليه وسلم عند ما خطبها لنفسه الشريفة على ~~الاستخارة، وعلى كراهتها عند ما خطبها لزيد مولاه، ولكنها لما قدمت بعد ~~نزول الآية خيرته صلى الله عليه وسلم في تزويجها من زيد رضي الله عنهما على ~~خيرتها، عوضها الله أن صيرها لنبيه صلى الله عليه وسلم ومعه في الجنة في ~~أعلى الدرجات، فالخيرة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا ينطق عن الهوى، ~~فمن فعل غير ذلك فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم، # PageV15P355 # ومن عصاه عصى الله لأنه لا ينطق إلا عنه {ومن يعص الله} أي الذي لا أمر ~~لأحد معه {ورسوله} أي الذي معصيته معصيته لكونه بينه وبين الخلق في بيان ما ~~أرسل به إليهم {فقد ضل} وأكده المصدر فقال: {ضلالا} وزاده بقوله: {مبينا} ~~أي لا خفاء به، فالواجب على كل أحد أن يكون معه صلى الله عليه وسلم في كل ~~ما يختاره وإن كان فيه أعظم المشقات عليه تخلفا بقول الشاعر حيث قال: # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر ms3769 عنه ولا متقدم # وأهنتني فأهنت نفسي عامدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم # ولما كان قد أخبره سبحانه - كما رواه البغوي وغيره عن سفيان بن عيينة عن ~~علي ابن جدعان عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - أن زينب ~~رضي الله عنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها، وأخفى في نفسه ذلك تكرما ~~وخشية من قاله الناس أنه يريد نكاح زوجة ابنه، وكان في إظهار ذلك أعلام من ~~أعلام النبوة، وكان مبنى أمر الرسالة على إبلاغ الناس ما أعلم الله به ~~أحبوه # PageV15P356 # أو كرهوه، وأن لا يراعي غيره، ولا يلتفت إلى سواه وإن كان في ذلك خوف ~~ذهاب النفس، فإنه كاف من أراد بعزته، ومتقن من أراد بحكمته، كما أخذ الله ~~الميثاق به من النبيين كلهم ومن محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ~~صلى الله عليه وسلم فكان من المعلوم أن التقدير: اذكر ما أخذنا منك ومن ~~النبيين من الميثاق على إبلاغ كل شيء أخبرناكم به ولم ننهكم من إفشائه وما ~~أخذنا على الخلق في كل من طاعتك ومعصيتك، عطف عليه قوله: {وإذ تقول} وذلك ~~لأن الأكمل يعاتب على بعض الكمالات لعلو درجته عنها وتحليه بأكمل منها من ~~باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» ، وبين شرفه بقوله: {للذي أنعم الله} ~~أي الملك الذي له كل كمال {عليه} أي بالإسلام وتولى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم إياه بعد الإيجاد والتربية، وبين منزلته من النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: {وأنعمت عليه} أي بالعتق والتبني حين استشارك في فراق زوجه الذي ~~أخبرك الله أنه يفارقها وتصير زوجتك: {أمسك عليك زوجك} أي زينب {واتق الله} ~~أي الذي له جميع العظمة في جميع أمرك لا سيما ما يتعلق بحقوقها ولا تغبنها ~~بقولك: إنها تترفع علي - ونحو ذلك {وتخفي} أي والحال أنك تخفي، أي تقول له ~~مخفيا {في نفسك} أي مما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك عن # PageV15P357 # طلاق زيد {ما الله مبديه} أي بحمل زيد على تطليقها وإن أمرته ms3770 أنت ~~بإمساكها وتزويجك بها وأمرك بالدخول عليها، وهو دليل على أنه ما أخفى غير ~~ما أعلمه الله تعالى من أنها ستصير زوجته عن طلاق زيد لأن الله تعالى ما ~~أبدى غير ذلك ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه لأنه لا يبدل القول لديه، روى ~~البخارى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن هذه الآيات نزلت في شأن زينب بنت ~~جحش وزيد بن حارثة رضي الله عنهما. # ولما ذكر إخفاءه ذلك، ذكر علته فقال عاطفا على «تخفي» : {وتخشى الناس} أي ~~من أن تخبر بما أخبرك الله به فيصوبوا إليك مرجمات الظنون لا سيما اليهود ~~والمنافقون {والله} أي والحال أن الذي لا شيء أعظم منه {أحق أن تخشاه} أي ~~وحده ولا تجمع خشية الناس مع خشيته في أن تؤخر شيئا أخبرك به لشيء يشق عليك ~~حتى يفرق لك فيه أمر، قالت عائشة رضي الله عنها: لو كتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم شيئا مما أوحي إليه لكتم هذه الآية. # ولما علم من هذا أنه سبحانه أخبره بأن زيدا سيطلقها وأنها ستصير زوجا له ~~من طلاق زيد إياها، سبب عنه قوله عاطفا عليه: {فلما قضى زيد منها وطرا} أي ~~حاجة من زواجها والدخول بها، # PageV15P358 # وذلك بانقضاء عدتها منه لأنه به يعرف أنه لا حاجة له فيها، وأنه قد ~~تقاصرت عنها همته، وطابت عنها نفسها، وإلا لراجعها {زوجناكها} ولم نحوجك ~~إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها، تشريفا لك ولها، بما لنا من العظمة التي ~~خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن لذلك كل من علم به، وسرت به جميع النفوس، ~~ولم يقدر منافق ولا غيره على الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه، ~~روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب رضي الله ~~عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: اذهب فاذكرها علي، فانطلق زيد ~~رضي الله عنه حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري ~~حتى ما أستطيع أن انظر ms3771 إليها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، ~~فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب! إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها ~~ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن قال: ~~ولقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم حتى امتد ~~النهار فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون فذكره، سيأتي. وقال البغوي: # PageV15P359 # قال الشعبي: كانت زينب رضي الله عنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني ~~لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد، وأني أنكحينك ~~الله في السماء، وأن السفير لجبريل عليه السلام. # ولما ذكر سبحانه التزويج على ما له من العظمة، ذكر علته دالا على أن ~~الأصل مشاركة الأمة للنبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام وأن لا خصوصية إلا ~~بدليل فقال: {لكي لا يكون على المؤمنين} أي الذين أزالت عراقتهم في الإيمان ~~حظوظهم {حرج} أي ضيق {في أزواج أدعيائهم} أي الذين تبنوا بهم وأجروهم في ~~تحريم أزواجهم مجرى أزواج البنين على الحقيقة {إذا قضوا منهن وطرا} أي حاجة ~~بالدخول بهن ثم الطلاق وانقضاء العدة. # ولما علم سبحانه أن ناسا يقولون في هذه الواقعة أقوالا شتى، دل على ما ~~قاله زين العابدين بقوله: {وكان أمر الله} أي من الحكم بتزوجيها وإن كرهت ~~وتركت إظهار ما أخبرك الله به كراهية لسوء القالة واستحياء من ذلك، وكذا كل ~~أمر يريده سبحانه {مفعولا *} لأنه سبحانه له الأمر كله لا راد لأمره ولا ~~معقب لحكمه. # PageV15P360 # ولما أنتج هذا التسهيل لما كان استصعبه صلى الله عليه وسلم والتأمين مما ~~كان خافه، عبر عن ذلك بقوله مؤكدا ردا على من يظن خلاف ذلك: {ما كان على ~~النبي} أي الذي منزلته من الله الاطلاع على ما لم يطلع عليه غيره من الخلق ~~{من حرج فيما فرض} أي قدر {الله} بما له من صفات الكمال وأوجبه {له} لأنه ~~لم يكن ms3772 على المؤمنين مطلقا حرج في ذلك، فكيف برأس المؤمنين، فصار منفيا عنه ~~الحرج مرتين خصوصا بعد عموم تشريفا له وتنويها بشأنه. # ولما كان مما يهون الأمور الصعاب المشاركة فيها فكيف إذا كانت المشاركة ~~من الأكابر، قال واضعا الأسم موضع مصدره: {سنة الله} أي سن الملك الذي إذا ~~سن شيئا أتقنه بما له من العزة والحكمة فلم يقدر أحد أن يغير شيئا منه {في ~~الذين خلوا} وكأنه أراد أن يكون أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام أولى مراد ~~بهذا، تبكيتا لملبسي أتباعهم فأدخل الجار فقال: {من قبل} أي من الأنبياء ~~الأقدمين في إباحة التوسيع في النكاح لهم، وهو تكذيب لليهود الذين أنكروا ~~ذلك، وإظهار لتلبيسهم. # ولما كان المراد بالنسبة الطريق التي قضاها وشرعها قال معلما # PageV15P361 # بأن هذا الزواج كان أمرا لا بد من وقوعه لإرادته له في الأزل فلا يعترض ~~فيه معترض ببنت شفة يحل به ما يحل بمن اعترض على أوامر الملك، ولأجل ~~الاهتمام بهذا الإعلام اعترض به بين الصفة الموصوف فقال: {وكان أمر الله} ~~أي قضاء الملك الأعظم في ذلك وغيره من كل ما يستحق أن يأمر به ويهدي إليه ~~ويحث عليه، وعبر عن السنة بالأمر تأكيدا لأنه لا بد منه {قدرا} وأكده ~~بقوله: {مقدورا} أي لا خلف فيه، ولا بد من وقوعه في حينه الذي حكم بكونه ~~فيه، وهو مؤيد أيضا لقول زين العابدين وكذا قوله تعالى واصفا للذين خلوا: ~~{الذين يبلغون} أي إلى أمهم {رسالات الله} أي الملك الأعظم سواء كانت في ~~نكاح أو غيره شقت أو لا {ويخشونه} أي فيخبرون بكل ما أخبرهم به ولم يمنعهم ~~من إفشائه، ولوح بعد التصريح في قوله {وتخشى الناس} : {ولا يخشون أحدا} قل ~~أو جل {إلا الله} لأنه ذو الجلال والإكرام. # ولما كان الخوف من الملك العدل إنما هو من حسابه كان التقدير: فيخافون ~~حسابه، أتبعه قوله: {وكفى بالله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {حسيبا *} أي ~~مجازيا لكل أحد بما عمل وبالغا في حسابه الغاية القصوى، وكافيا من أراد ~~كفايته كل ms3773 من أراده بسوء. # PageV15P362 # ولما أفاد هذا كله أن الدعي ليس ابنا، وكانوا قد قالوا لما تزوج زينب كما ~~رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: تزوج حليلة ابنه، أخبر به سبحانه على ~~وجه هو من أعلام النبوة وأعظم دلائل الرسالة فقال: {ما كان} أي بوجه من ~~الوجوه مطلق كون {محمد} أي على كثرة نسائه وأولاده {أبا أحد من رجالكم} لا ~~مجازا بالتبني ولا حقيقة بالولادة، ليثبت بذلك أن تحرم عليه زوجة الابن، ~~ولم يقل: من بينكم، وإن لم يكن له في ذلك الوقت وهو سنة خمس وما داناها - ~~ابن، ذكر لعلمه سبحانه أنه سيولد له ابنه إبراهيم عليه السلام، ومع ما كان ~~قبله من البنين الذين لم يبلغ أحد منهم الحلم - على جميعهم الصلاة والسلام. # ولما كان بين كونه صلى الله عليه وسلم أبا لأحد من الرجال حقيقة وبين ~~كونه خاتما منافاة قال: {ولكن} كان في علم الله غيبا وشهادة أنه {رسول ~~الله} الملك الأعظم الذي كل من سواه عبده، فبينكم وبين رسوله من جهة مطلق ~~الرسالة أبوة وبنوة مجازية، أما من جهته فبالرأفة والرحمة والتربية ~~والنصيحة من غير أن تحرم # PageV15P363 # عليه تلك البنوة شيئا من نسائكم وإلا لم يكن لمنصب النبوة مزية، وأما من ~~جهتكم فبوجوب التعظيم والتوفير والطاعة وحرمة الأزواج، وأما كون الرسالة عن ~~الله الذي لا أعظم منه فهو مقتض لأن يبلغ الناس عنه جميع ما أمره به، وقد ~~بلغكم قوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} ووظيفة الشريفة مقتضية لأن يكون أول ~~مؤتمر بهذا الأمر، فهو لا يدعو أحدا من رجالكم بعد هذا ابنه. # ولما لم يكن مطلق النبوة ولا مطلق الرسالة منافيا لأبوه الرجال قال: ~~{وخاتم النبيين} أي لأن رسالته عامة ونبوته معها إعجاز القرآن، فلا حاجة مع ~~ذلك إلى استنباء ولا إرسال، فلا يولد بعده من يكون نبيا، وذلك مقتض لئلا ~~يبلغ له ولد يولد منه مبلغ الرجال، ولو قضي أن يكون بعده نبي لما كان إلا ~~من نسله إكراما له لأنه أعلى النبيين رتبة وأعظم شرفا، ms3774 وليس لأحد من ~~الأنبياء كرامة إلا وله مثلها أو أعظم منها، ولو صار أحد من ولده رجلا لكان ~~نبيا بعد ظهور نبوته، وقد قضى الله ألا يكون بعده نبي إكراما له، روى أحمد ~~وابن ماجه عن أنس وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال في ابنه إبراهيم: «لو عاش لكان صديقا نبيا» ، وللبخاري نحوه عن # PageV15P364 # البراء بن عازب رضي الله عنه، وللبخاري من حديث ابن أبي أوفى رضي الله ~~عنه: لو قضى أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي لعاش ابنه، ولكن لا ~~نبي بعده. # والحاصل أنه لا يأتي بعده نبي بشرع جديد مطلقا ولا يتجدد بعده أيضا ~~استنباء نبي مطلقا، فقد آل الأمر إلى أن التقدير: ما كان محمد بحيث يتجدد ~~بعده نبوة برسالة ولا غيرها ولكنه كان - مع أنه رسول الله - ختاما للنبوة ~~غير أنه سيق على الوجه المعجز لما تقدم من النكت وغيرها، وهذه الآية مثبتة ~~لكونه خاتما على أبلغ وجه وأعظمه، وذلك أنها في سياق الإنكار لأن يكون بنيه ~~أحد من رجالهم بنوة حقيقية أو مجازية بغير جهة الإدلاء بأنثى أو كونه رسولا ~~وخاتما، صونا لمقام النبوة أن يتجدد بعده لأحد لأنه لو كان ذلك بشر لم يكن ~~إلا ولدا له، وإنما أوثرت إماتة أولاده عليه الصلاة والسلام وتأثير قلبه ~~الشريف بها إعلاء لمقامه أن يتسنمه أحد كائنا من كان، وذلك لأن فائدة إتيان ~~النبي تتميم شيء لم يأت به من قبله، وقد حصل به صلى الله عليه وسلم التمام ~~فلم يبق بعد ذلك مرام «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وأما # PageV15P365 # تجديد ما وهى بما أحدثه بعض الفسقة فالعلماء كافون فيه لوجود ما خص به ~~صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن المعجز الذي من سمعه فكأنما سمعه من ~~الله، لوقوع التحقق والقطع بأنه لا يقدر غيره أن يقول شيئا منه، فمهما حصل ~~ذهول عن ذلك قروه من يريد الله من العلماء، فيعود الاستبصار كما روي في بعض ~~الآثار ms3775 «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» وأما إتيان عيسى عليه الصلاة ~~والسلام بعد تجديد المهدي رضي الله عنه لجميع ما وهن من أركان المكارم ~~فلأجل فتنة الدجال ثم طامة ياجوج وماجوج ونحو ذلك مما لا يستقل بأعبائه غير ~~نبي، وما أحسن ما نقل عن حسان بن ثابت رضي الله عنه في مرثيته لإبراهيم ابن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: # مضى ابنك محمود العواقب لم يشب ... بعيب ولم يذمم بقول ولا فعل # رأى أنه إن عاش ساواك في العلا ... فآثر أن يبقى وحيدا بلا مثل # وقال الغزالي رحمه الله في آخر كتابة الاقتصاد: إن الأمة فهمت من هذا ~~اللفظ - أي لفظ هذه الآية - ومن قرائن أحواله صلى الله عليه وسلم أنه أفهم ~~عدم نبي بعده أبدا، وعدم رسول بعده أبدا، وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص، ~~وقال: أن من أوله بتخصيص النبيين # PageV15P366 # بأولي العزم من الرسل ونحو هذا فكلامه، من أنواع الهذيان، لا يمنع الحكم ~~بتكفيره، لأنه مكذب بهذا النص الذي أجمع الأمة على أنه غير مؤول ولا مخصوص ~~هذا كلامه في كتاب الاقتصاد، نقلته منه بغير واسطة ولا تقليد، فإياك أن ~~تصغي إلى من نقل عنه غير هذا، فإنه تحريف يحاشي حجة الإسلام عنه: # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم # وقد بان بهذا أن إتيان عيسى عليه الصلاة والسلام غير قادح في هذا النص، ~~فإنه من أمته صلى الله عليه وسلم المقررين لشريعته، وهو قد كان نبيا قبله ~~لم يستجد له شيء لم يكن، فلم يكن ذلك قادحا في الختم وهو مثبت لشرف نبينا ~~صلى الله عليه وسلم، ولولا هو لما وجد، وذلك أنه لم يكن لنبي من الأنبياء ~~شرف إلا وله صلى الله عليه وسلم مثله أو أعلى منه، وقد كانت الأنبياء تأتي ~~مقرره لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام مجددة لها، فكان المقرر لشريعة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم المتبع لملته من كان ناسخا لشريعة موسى عليه ~~الصلاة والسلام. # ولما كان المقام في هذا البت ms3776 بأنه لا يكون له ولد يصير رجلا مقام إحاطة ~~العلم، كان التقدير: لأنه سبحانه أحاط علما بأنه على كثرة نسائه وتعدد ~~أولاده لا يولد له ولد ذكر فيصير رجلا {وكان الله} أي الذي له كل صفة كمال ~~أزلا وأبدا {بكل شيء} # PageV15P367 # من ذلك وغيره {عليما} فيعلم من يليق بالختم ومن يليق بالبدء، قال الأستاذ ~~ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس في سؤال القبر: واختصاصه صلى الله ~~عليه وسلم بالأحمدية والمحمدية علما وصفة برهان جلي على ختمه إذ الحمد ~~مقرون بانقضاء الأمور مشروع عنده وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، ~~وقد بين السهيلي هذا في سورة الحواريين من كتاب الإعلام - انتهى. وقد بينت ~~في سورة النحل أن مدار مادة الحمد على بلوغ الغاية وامتطاء النهاية. # ولما كان ما أثبته لنفسه سبحانه من إحاطة العلم مستلزما للإحاطة بأوصاف ~~الكمال، وكان قد وعد من توكل عليه بأن يكفيه كل مهم، ودل على ذلك بقصة ~~الأحزاب وغيرها وأمر بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم وتقدم بالوصية التامة ~~في تعظيمه إلى أن أنهى الأمر في إجلاله، وكانت طاعة العبد لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من كل وجه حتى يكون مسلوب الاختبار معه، فيكون بذلك مسلما ~~لا يحمل عليها إلا طاعة الله، وكانت طاعة الله كذلك لا يحمل عليها إلا دوام ~~ذكره، قال بعد تأكيد زواجه صلى الله عليه وسلم لزينب # PageV15P368 # رضي الله عنها بأنه هو سبحانه زوجه إياها لأنه قضى أن لا بنوة بينه وبين ~~أحد من رجال أمته توجب حرمة زوج الولد: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك ~~بألسنتهم {اذكروا} أي تصديقا لدعواكم ذلك {الله} الذي هو أعظم من كل شيء ~~{ذكرا كثيرا} أي بأن تعقدوا له سبحانه صفات الكمال وتثنوا عليه بها ~~بألسنتكم، فلا تنسوه في حال من الأحوال ليحملكم ذلك على تعظيم رسوله صلى ~~الله عليه وسلم حق تعظيمه، واعتقاد كماله في كل حال، وأنه لا ينطق عن ~~الهوى، لتحوزوا مغفرة وأجرا عظيما، كما تقدم الوعد به. # ولما ms3777 كان ثبوت النبوة بينه وبين أحد من الرجال خارما لإحاطة العلم، وجب ~~تنزيهه سبحانه عن ذلك فقال: {وسبحوه} أي عن أن يكون شيء على خلاف ما أخبر ~~به، وعن كل صفة نقص بعد ما أثبتم له كل صفة كمال {بكرة وأصيلا *} أي في أول ~~النهار وآخره أي دائما لأن هذين الوقتين إما للشغل الشاغل ابتداء أو انتهاء ~~أو للراحة، فوجوب الذكر فيهما وجوب له في غيرهما من باب الأولى، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدا ~~معلوما، تم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإنه تعالى لم يجعل له حدا ~~ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا # PageV15P369 # على عقله. وهما أيضا مشهودان بالملائكة ودالان على الساعة: الثاني قربها ~~بزوال الدنيا كلها، والأول على البعث بعد الموت، ويجوز أن يكون ذلك إشارة ~~إلى صلاتي الصبح والعصر، لأن المواظبة عليهما - لما أشير إليه من صعوبتهما ~~بما يعتري في وقتيهما من الشغل بالراحة وغيرها - دالة على غاية المحبة ~~للمثول بالحضرات الربانية حاملة على المواظبة على غيرهما من الصلوات وجميع ~~الطاعات بطريق الأولى، ويؤكد هذا الثاني تعبيره بلفظ الصلاة في تعليل ذلك ~~بدوتم ذكره لنا سبحانه بقوله: {هو الذي يصلي عليكم} أي بصفة الرحمانية ~~متحننا، لأن المصلي منا يتعطف في الأركان {وملائكته} أي كلهم بالاستغفار ~~لكم وحفظكم من كثير من المعاصي والآفات ويتردد بعضهم بينه سبحانه وبين ~~الأنبياء بما ينزل إليهم من الذكر الحافظ من كل سوء فقد اشتركت الصلاتان في ~~إظهار شرف المخاطبين. # ولما كان فعل الملائكة منسوبا إليه لأنه مع كونه الخالق له الآمر به قال: ~~{ليخرجكم} أي بذلك {من الظلمات} أي الكائنة من الجهل الموجب للضلال {إلى ~~النور} أي الناشىء من العلم المثمر للهدى، فيخرج بعضكم بالفعل من ظلمات ~~المعاصي المقتضية للرين على القلب إلى نور الطاعات، فتكونوا بذلك مؤمنين ~~{وكان} أي ازلا وأبدا {بالمؤمنين} أي الذين صار الإيمان لهم ثابتا # PageV15P370 # خاصة {رحيما *} أي بليغ الرحمة يتوفيقهم لفعل ما ms3778 ترضاه الإلهية، فإنهم ~~أهل خاصته فيحملهم على الإخلاص في الطاعات، فيرفع لهم الدرجات في روضات ~~الجنات. # ولما كان أظهر الأوقات في تمرة هذا الوصف ما بعد الموت، قال تعالى مبينا ~~لرحمتهم: {تحيتهم يوم يلقونه} أي بالموت أو البعث {سلام} أي يقولون له ذلك، ~~«أنت السلام ومنك السلام فجئنا ربنا بالسلام» كما يقوله المحرم المشبه لحال ~~من هو في الحشر فيجابون بالسلام الذي فيه إظهار شرفهم ويأمنون معه من كل ~~عطب {وأعد} أي والحال أنه أعد {لهم} أي بعد السلامة الدائمة {أجرا كريما *} ~~أي غدقا دائما لا كدر في شيء منه. # ولما وعظ المؤمنين فيه صلى الله عليه وسلم له بما أقبل بأسماعهم وقلوبهم ~~إليه، وختم بما يوجب لهم الفوز بما عنده سبحانه، وكان معظم ذلك له صلى الله ~~عليه وسلم فإنه رأس المؤمنين، أقبل بالخطاب عليه ووجهه إليه فقال منوها من ~~ذكره ومشيدا من قدره بما ينتظم بقوله {الذين يبلغون رسالات الله} الآية وما ~~جرها من العتاب: {يا أيها النبي} أي الذي مخبره بما لا يطلع عليه غيره. # PageV15P371 # ولما كان الكافرون - المجاهرون منهم والمساترون - ينكرون الرسالة وما ~~تبعها، أكد قوله في أمرها وفخمه فقال: {إنا أرسلناك} أي بعظمتنا بما ننبئك ~~به إلى سائر خلقنا {شاهدا} أي عليهم ولهم مطلق شهادة، لأنه لا يعلم ~~بالبواطن إلا الله، وأنت مقبول الشهادة، فأبلغهم جميع الرسالة سرهم ذلك أو ~~ساءهم سرك فعلهم أو ساءك. # ولما كان المراد الإعلام برسوخ قدمه في كل من هذه الأوصاف، عطفها بالواو ~~فقال: {ومبشرا} أي لمن شهدت لهم بخير بما يسرهم، وأشار إلى المبالغة في ~~البشارة بالتضعيف لما لها من حسن الأثر في إقبال المدعو وللتضعيف من ~~الدلالة على كثرة الفعل والمفعول بشارة بكثرة التابع وهو السبب لمقصود ~~السورة، وكانت المبالغة في النذارة أزيد لأنها أبلغ في رد المخالف وهي ~~المقصود بالذات من الرسالة لصعوبة الاجتراء عليها فقال: {ونذيرا} أي لمن ~~شهدت عليهم بشر بما يسوءهم {داعيا} أي للفريقين {إلى الله} أي إلى ما يرضي ~~الذي لا أعظم منه ms3779 بالقول والفعل، وأعرى الدعاء عن المبالغة لأنه شامل ~~للبشارة والنذارة والإخبار بالقصص والأمثال ونصب الأحكام والحدود، والمأمور ~~به في كل ذلك الإبلاغ بقدر الحاجة بمبالغة أو غيرها # PageV15P372 # فمن لم ترده عن غيه النذارة، وتقبل به إلى رشده البشارة، حمل على ذلك ~~بالسيف. # ولما كان ذلك في غاية الصعوبة، لا يقوم به أحد إلا بمعونة من الله عظيمة، ~~أشار إلى ذلك بقوله: {بإذنه} أي بتمكينه لك من الدعاء بتيسير أسبابه، وتحمل ~~أعبائه، وللمدعو من الإقبال والإتباع إن أراد له الخير. # ولما كان الداعي إلى الله يلزمه النور لظهور الأدلة قال: {وسراجا} يمد ~~البصائر فيجلي ظلمات الجهل بالعلم المبصر لمواقع الزلل كما يمد النور الحسي ~~نور الأبصار. ولما كان المقام مرشدا إلى إنارته، وكان من السرج ما لا يضيء، ~~وكان للتصريح والتأكيد شأن عظيم قال: {منيرا *} أي ينير على من أتبعه ليسير ~~في أعظم ضياء، ومن تخلف عنه كان في أشد ظلام، فعرف من التقييد بالنور أنه ~~محط الشبه، وعبر به دون الشمس لأنه يقتبس منه ولا ينقص مع أنه من أسماء ~~الشمس. # PageV15P373 # ولما تقدمت هذه الأوصاف الحسنى، وكان تطبيق ثمراتها عليها في الذروة، من ~~العلو، وكان الشاهد هو البينة، فكان كأنه قيل: فأقم الأدلة النيرة، وادع ~~وأنذر كل من خالف أمرك، وكان المقام لخطاب المقبلين، طوى هذا المقدر لأنه ~~للمعرضين، ودل عليه بقوله عاطفا # PageV15P373 # عليه: {وبشر المؤمنين} أي الذين صح لهم هذا الوصف. فإنك مبشر {بأن لهم} ~~وبين عظمة هذه البشرى بقوله: {من الله} أي الذي له جميع صفات العظمة {فضلا ~~كبيرا *} أي من جهة النفاسة ومن جهة التضعيف من عشرة أمثال الحسنة إلى ما ~~لا يعلمه إلا الله. # ولما أمره سبحانه بما يسر نهاه عما يضر، فقال ذاكرا ثمرة النذارة: {ولا ~~تطع الكافرين} أي المشاققين {والمنافقين} أي لا تترك إبلاغ شيء مما أنزلته ~~إليك من الإنزال، وغيره كراهة شيء من مقالهم أو فعالهم في أمر زينب أو ~~غيرها، فإنك نذير لهم، وزاد على ما في أول السورة محط الفائدة في ms3780 قوله ~~مصرحا بما اقتضاه ما قبله: {ودع} أي اترك على حالة حسنة بك وأمر جميل لك ~~{أذاهم} فلا تراقبه في شيء، ولا تحسب له حسابا أصلا، واصبر عليه فإنه غير ~~ضائرك لأن الله دافع عنك لأنك داع بإذنه. # ولما كان ترك المؤذي، والإعراض عنه استسلاما في غاية المشقة، ذكره ~~بالدواء فقال: {وتوكل على الله} أي الملك الأعلى في الانتصار لك منهم ~~وإبلاغ جميع ما يأمرك به وفي جميع أمرك لأن الله متم نورك ومظهر دينك ~~والاكتفاء به من ثمرات إنارته لك بجعلك سراجا، ولما كان الوكيل قد لا ينهض ~~بجميع الأمور، قال معلما بأن كفايته محيطه: {وكفى} وأكد أمر الكفاية بإيجاد ~~الباء في الفاعل # PageV15P374 # تحقيقا لكونه فاعلا كما مضى في آخر سورة الرعد فقال: {بالله} أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة، وميز النسبة بالفاعل في الأصل لزيادة التأكيد في تحقيق ~~معنى الفاعل فقال: {وكيلا *} فمن اكتفى به أنار له جميع أمره. # ولما أمر سبحانه بإبلاغ أوامره من غير التفات إلى أحد غيره، وكان من ~~المعلوم أنه لا بد في ذلك من محاولات ومنازعات، لا يقوم بها إلا من أعرض عن ~~الخلائق، لما هو مشاهد له من عظمة الخالق، أمر سبحانه بالتوكل عليه، وأقام ~~الدليل الشهودي بقصة الأحزاب وقريظة على كفاية لمن أخلص له، فلما تم الدليل ~~رجع إلى بيان ما افتتح به السورة من الأحكام بعد إعادة الأمر بالتوكل، فذكر ~~أقرب الطلاق إلى معنى المظاهرة المذكورة أول السورة بعد الأمر بالتوكل التي ~~محط قصدها عدم قربان المظاهر عنها بعد أن كان أبطل المظاهرة. فقال ناهيا ~~لمن هو في أدنى أسنان الإيمان بعد بشارة المؤمنين قاطعا لهم عما كانوا ~~يشتدون به في التحجر على المرأة المطلقة لقصد مضاجرتها أو تمام التمكن من ~~التحكم فيه: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك {إذا نكحتم} أي عاقدتم، ~~أطلق اسم المسبب على السبب فقد صار فيه حقيقة شرعية {المؤمنات} أي ~~الموصوفات بهذا الوصف الشريف المقتضي لغاية الرغبة فيهن وأتم الوصلة بينكم ~~وبينهن. # PageV15P375 # ولما كان طول ms3781 مدة الحبس بالعقد من غير جماع لا يغير الحكم في العدة وإن ~~غيرها في النسب بمجرد إمكان الوطىء، وكان الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح ~~وبعد حل الوطىء بالنكاح، أشار إليه بحرف التراخي فقال: {ثم طلقتموهن} أي ~~بحكم التوزيع، وقيل لابن عباس: إن ابن مسعود رضي الله عنهم يقول بصحة تعليق ~~الطلاق قبل النكاح فقال: زلة علم - وتلا هذه الآية. # ولما كان المقصود نفي المسيس في هذا النكاح لا مطلقا، وكانت العبرة في ~~إيجاب المهر بنفس الوطىء لا بإمكانه وإن حصلت الخلوة، أدخل الجار فقال: {من ~~قبل أن تسموهن} أي تجامعوهن، أطلق المس على الجماع لأنه طريق له كما سمي ~~الخمر إثما لأنها سببه. ولما كانت العدة حقا للرجال قال: {فما لكم} ولما ~~كانت العدة واجبة، عبر بأداة الاستعلاء فقال: {عليهن} وأكد النفي بإثبات ~~الجار في قوله: {من عدة} ودل على اعتيادهم ذلك ومبالغتهم فيه والمضاجرة به ~~كما في الظهار بالافتعال فقال: {تعتدونها} أي تتكلفون عدها وتراعونه، وروي ~~عن ابن كثير من طريق البزي شاذا بتخفيف الدال بمعنى تتكلفون الاعتداء بها ~~على المطلقة. # ولما كان هذا الحكم - الذي معناه الانفصال - للمؤمنات اللاتي # PageV15P376 # لهن صفات تقتضي دوام العشرة وتمام الاتصال، كان ذلك للكتابيات من باب ~~الأولى، وفائدة التقييد الإرشاد إلى أنه لا ينبغي العدول عن المؤمنات بل ~~ولا عن الصالحات من المؤمنات. ولما كان الكلام كما أشير إليه في امرأة ~~قريبة من المظاهر عنها، وكان ما خلا من الفرض للصداق أقرب إلى ذلك، سبب عما ~~مضى قوله: {فمتعوهن} ولم يصرح بأن ذلك لغير من سمى لها لتدخل المسمى لها في ~~الكلام على طريق الندب مع ما لها من نصف المسمى كما دخلت الأولى وجوبا ~~{وسرحوهن} أي أطلقوهن ليخرجن من منازلكم ولا تعتلوا عليهن بعلة {سراحا ~~جميلا *} بالإحسان قولا وفعلا من غير ضرار بوجه أصلا ليتزوجهن من شاء. # ولما كان النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكان المراد الأعظم في هذه ~~الآيات بيان ما شرفه الله به من ذلك، أتبع ما بين أنه ms3782 لا عدة فيه من نكاح ~~المؤمنين وما حرمه عليهم من التضييق على الزوجات المطلقات بعض ما شرفه الله ~~تعالى به وخصه من أمر التوسعة في # PageV15P377 # النكاح، وختمه بأن أزواجه لا تحل بعده، فهن كمن عدتهن ثابتة لا تنقضي ~~أبدا، أو كمن زوجها غائب عنها وهو حي، لأنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره: ~~{يا أيها النبي} ذاكرا سبحانه الوصف الذي هو مبدأ القرب ومقصوده ومنبع ~~الكمال ومداره. # ولما كان الذين في قلوبهم مرض ينكرون خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أكد ~~قوله: {إنا أحللنا لك أزواجك} أي نكاحهن، قال الحرالي في كتابه في أصول ~~الفقه: تعليق الحكم بالأعيان مختص بخاص مدلولها نحو حرمت أو حللت المرأة أي ~~نكاحها، والفرس أي ركوبه، والخمر أي شربها، ولحم الخنزير أي أكله، والبحر ~~أي ركوبه، والثور أي الحرث به، وكذلك كل شيء يختص بخاص مدلوله، ولا يصرف ~~عنه إلا بمشعر، ولا إجمال فيه لترجح الاختصاص - انتهى. # ولما كان المقصود من هذه السورة بيان مناقبه صلى الله عليه وسلم وما خصه ~~الله به مما قد يطعن فيه المنافقون من كونه أولى من كل أحد بنفسه وماله، ~~بين أنه مع ذلك لا يرضى إلا بالأكمل، فبين أنه كان يعجل المهور، ويوفي ~~الأجور، فقال: {اللاتي آتيت} أي بالإعطاء الذي هو الحقيقة، وهي به صلى الله ~~عليه وسلم أولى أو بالتسمية # PageV15P378 # في العقد قال الكشاف: وكان التعجيل ديدن السلف وسنتهم وما لا يعرف بينهم ~~غيره {أجورهن} أي مهورهن لأنها عوض عن منفعة البضع، وأصل الأجر الجزاء على ~~العمل {وما ملكت يمينك} . # ولما كان حوز الإنسان لما سباه أطيب لنفسه وأعلى لقدره وأحل مما اشتراه ~~قال: {مما أفاء} أي رد {الله} الذي له الأمر كله {عليك} مثل صفية بنت حيي ~~النضرية وريحانة القرظية وجويرية بنت الحارث الخزاعية رضي الله عنهن مما ~~كان في أيدي الكفار، أسنده إليه سبحانه إفهاما لأنه فيء على وجهه الذي أحله ~~الله لا خيانة فيه، وعبر بالفيء الذي معناه الرجوع إفهاما لأن ما في ms3783 يد ~~الكافر ليس له وإنما هو لمن يستلبه منه من المؤمنين بيد القهر أو لمن يعطيه ~~الكافر منهم عن طيب نفس، ومن هنا كان يعطي النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يطلب منه من بلاد الكفار أو نسائهم، وما أعطى أحدا شيئا إلا وصل إليه كتميم ~~الداري وشويل رضي الله عنهما، وقيد بذلك تنبيها على فضله صلى الله عليه ~~وسلم ووقوعه من كل شيء على أفضله كما تقدمت الإشارة إليه، وإشارة إلى أنه ~~سبق في علم الله أنه لا يصل إليه من ملك اليمين إلا ما كان هذا سبيله، ودخل ~~فيه ما أهدى له من الكفار مثل مارية # PageV15P379 # القبطية أم ولده إبراهيم عليه السلام، وفي ذلك أيضا إشارة إلى ما خصه به ~~من تحليل ما كان خطره على من كان قبله من الغنائم {وبنات عمك} الشقيق وغيره ~~من باب الأولى، فإن النسب كلما بعد كان أجدر بالحل. # ولما كان قد أفرد العم لأن واحد الذكور يجمع من غيره لشرفه وقوته وكونه ~~الأصل الذي تفرع منه هذا النوع، عرف بجميع الإناث أن المراد به الجنس لئلا ~~يتوهم أن المراد إباحة الأخوات مجتمعات فقال: {وبنات عماتك} من نساء بني ~~عبد المطلب. # ولما بدأ بالعمومة لشرفها، أتبعها قوله: {وبنات خالك} جاريا أيضا في ~~الإفراد والجمع على ذلك النحو {وبنات خالاتك} أي من نساء بني زهرة ويمكن أن ~~يكون في ذلك احتباك عجيب وهو: بنات عمك وبنات أعمامك، وبنات عماتك وبنات ~~عمتك، وبنات خالك وبنات أخوالك، وبنات خالاتك وبنات خالتك، وسره ما أشير ~~إليه. # ولما بين شرف أزواجه من جهة النسب لما علم واشتهر أن نسبه صلى الله عليه ~~وسلم من جهة الرجال والنساء أشرف الأنساب بحيث لم يختلف في ذلك اثنان من ~~العرب، بين شرفهن من جهة الإعمال فقال: # PageV15P380 # {اللاتي هاجرن} وأشار بقوله: {معك} إلى أن الهجرة قبل الفتح {أولئك أعظم ~~درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} [الحديد: 10] ولم يرد بذلك التقييد ~~بل التنبيه على الشرف، وإشارة إلى أنه سبق في عمله ms3784 سبحانه أنه لا يقع له أن ~~يتزوج من هي خارجة عن هذه الأوصاف، وقد ورد أن هذا على سبيل التقييد؛ روى ~~الترمذي والحاكم وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه والطبراني والطبري وابن ~~أبي حاتم كلهم من رواية السدي عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي ~~الله عنها قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني ~~ثم أنزل الله تعالى {إنا أحللنا لك أزواجك} - الآية، فلم أكن لأحل له لأني ~~لم أهاجر. كنت من الطلقاء قال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه ~~من حديث السدي. # ولما بين ما هو الأشرف من النكاح لكونه الأصل، وأتبعه سبحانه ما خص به ~~شرعه صلى الله عليه وسلم من المغنم الذي تولى سبحانه إباحته، أتبعه ما جاءت ~~إباحته من جهة المبيح إعلاما بأنه ليس من نوع الصدقة التي نزه عنها قدره ~~فقال: {وامرأة} أي وأحللنا لك امرأة {مؤمنة} أي هذا الصنف حرة كانت أو ~~رقيقة {إن وهبت نفسها للنبي} . # ولما ذكر وصف النبوة لأنه مدار الإكرام من الخالق والمحبة من # PageV15P381 # الخلائق تشريفا له به وتعليقا للحكم بالوصف، لأنه لو قال «لك» كان ربما ~~وقع في بعض الأوهام - كما قال الزجاج - أنه غير خاص به صلى الله عليه وسلم، ~~كرره بيانا لمزيد شرفه في سياق رافع لما ربما يتوهم من أنه يجب عليه القبول ~~فقال: {إن أراد النبي} أي الذي أعلينا قدره بما اختصصناه به من الإنباء ~~بالأمور العظمية من عالم الغيب والشهادة {أن يستنكحها} أي يوجد نكاحه لها ~~يجعلها من منكوحاته بعقد أو ملك يمين، فتصير له مجرد ذلك بلا مهر ولا ولي ~~ولا شهود. # ولما كان ربما فهم أن غيره يشاركه في هذا المعنى، قال مبينا لخصوصيته ~~واصفا لمصدر {أحللنا} مفخما للأمر بهاء المبالغة ملتفتا إلى الخطاب لأنه ~~معين للمراد رافع للارتياب: {خالصة لك} وزاد المعنى بيانا بقوله: {من دون ~~المؤمنين} أي من الأنبياء وغيرهم، وأطلق الوصف المفهم للرسوخ فشمل من قيد ~~بالإحسان والإيقان، وغير ms3785 ذلك من الألوان، دخل من نزل عن رتبتهم من الذين ~~يؤمنون والذين آمنوا وسائر الناس من باب الأولى مفهوم موافقة، وقد كان ~~الواهبات عدة ولم يكن عنده منهن شيء. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها ~~أنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV15P382 # وأقول: أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها، فلما نزلت {ترجى من تشاء منهن} ~~قلت: يا رسول الله، ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. # ولما كان التخصيص لا يصح ولا يتصور إلا من محيط العلم بأن هذا الأمر ما ~~كان لغير المخصوص تام القدرة، ليمنع غيره من ذلك، علله بقوله: {قد} أي ~~أخبرناك بأن هذا أمر يخصك دونهم لأنا قد {علمنا ما فرضنا} أي قدرنا ~~بعظمتنا. # ولما كان ما قدره للإنسان عطاء ومنعنا لا بد له منه، عبر فيه بأداة ~~الاستعلاء فقال: {عليهم} أي المؤمنين {في أزواجهم} أي من أنه لا تحل لهم ~~امرأة بلفظ الهبة منها ولا بدون مهر ولا بدون ولي وشهود، وهذا عام لجميع ~~المؤمنين المتقدمين والمتأخرين. ولما كان هذا عاما للحرة والرقيقة قال: ~~{وما ملكت أيمانهم} أي من أن أحدا غيرك لا يملك رقيقة بهبتها لنفسها منه، ~~فيكون أحق من سيدها. # ولما فرغ من تعليل الدونية، علل التخصيص لفا ونشرا مشوشا بقوله: {لكيلا ~~يكون عليك حرج} أي ضيق في شيء من أمر النساء حيث أحللنا لك أنواع المنكوحات ~~وزدناك الواهبة. ولما ذكر سبحانه ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل ~~في عشرتهن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلى الناس فهما وأشدهم لله ~~خشية، # PageV15P383 # وكان يعدل بينهن، ويعتذر مع ذلك من ميل القلب الذي هو خارج عن طوق البشر ~~بقوله «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك» خفف عنه سبحانه ~~بقوله: {وكان الله} أي المتصف بصفات الكمال من الحلم والأناة والقدرة ~~وغيرها أزلا وأبدا {غفورا رحيما *} أي بليغ الستر فهو أن شاء يترك المؤاخذة ~~فيما له أن يؤاخذ به، ويجعل مكان المؤاخذة الإكرام ms3786 العظيم متصفا بذلك أزلا ~~وأبدا. # PageV15P384 # ولما ذكر هاتين الصفتين، أتبعهما ما خففه عنه من أمرهن إكراما له صلى ~~الله عليه وسلم مما كان من شأنه أن يتحمل فيه ويتخرج عن فعله، فقال في موضع ~~الاستئناف، أو الحال من معنى التخفيف في الجمل السابقة: {ترجي} بالهمز على ~~قراءة الجماعة أي تؤخر {من تشاء منهن} أي من الواهبات فلا تقبل هبتها أو من ~~نسائك بالطلاق أو غيره مع ما يؤنسها من أن تؤويها، وبغير همز عند حمزة ~~والكسائي وحفص من الرجاء أي تؤخرها مع أفعال يكون بها راجية لعطفك {وتؤي} ~~أي تضم وتقرب بقبول الهبة أو بالإبقاء في العصمة بقسم وبغير قسم بجماع ~~وبغير جماع تخصيصا له بذلك عن سائر الرجال {إليك من تشاء} # PageV15P384 # وسيب نزول هذه الآية أنه لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن فقلن: يا ~~نبي الله! اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت. ودعنا على حالنا، فنزلت. # ولما كانت ربما مال إلى من فارقها، بين تعالى حكمها فقال: {ومن ابتغيت} ~~أي مالت نفسك إلى طلبها {ممن عزلت} أي أوقعت عزلها بطلاق أو رد هبة {فلا ~~جناح عليك} أي في إيوائها بعد ذلك بقبول هبتها أو بردها إلى ما كانت عليه ~~من المنزلة عندك من قيد النكاح أو القسم. # ولما كانت المفارقة من حيث هي - ولا سيما إن كان فراقها لما فهم منها من ~~كراهية يظن بها - أنها تكره الرجعة، أخبر سبحانه أن نساءه صلى الله عليه ~~وسلم على غير ذلك فقال: {ذلك} أي الإذن لك من الله والإيواء العظيم الرتبة، ~~لما لك من الشرف {أدنى} أي أقرب من الإرجاء ومن عدم التصريح بالإذن في ~~القرآن المعجز، إلى {أن تقر أعينهن} أي بما حصل لهن من عشرتك الكريمة، وهو ~~كناية عن السرور والطمأنينة ببلوغ المراد، لأن من كان كذلك كانت عينه قارة، ~~ومن كان مهموما كانت عينه كثيرة التقلب لما يخشاه - هذا إن كان من القرار ~~بمعنى السكون، ويجوز أن يكون من القر الذي هو # PageV15P385 # ضد الحر، لأن المسرور ms3787 تكون عينه باردة، والمهموم تكون عينه حارة، فلذلك ~~يقال للصديق: أقر الله عينك، وللعدو: أسخن الله عينك {ولا يحزن} أي بالفراق ~~وغيره مما يحزن من ذلك {ويرضين} لعلمهن أن ذلك من الله لما للكلام من ~~الإعجاز {بما آتيتهن} أي من الأجور وغيرها من نفقة وقسم وإيثار وغيرها. # ولما كان التأكيد أوقع في النفس وأنفى للبس، وكان هذا أمرا غريبا لبعده ~~عن الطباع أكد فقال: {كلهن} أي ليس منهن واحدة إلا هي كذلك راغبة فيك راضية ~~بصحبتك إن آويتها أو أرجأتها لما لك من حسن العشرة وكرم الأخلاق ومحاسن ~~الشمائل وجميل الصحبة، وإن اخترت فراقها علمت أن هذا أمر من الله جازم، ~~فكان ذلك أقل لحزنها فهو أقرب إلى قرار عينها بهذا الاعتبار، وزاد ذلك ~~تأكيدا لما له من الغرابة التي لا تكاد تصدق بقوله عطفا على نحو {فالله ~~يعلم ما في قلوبهم} : {والله} أي بما له من الإحاطة بصفات الكمال {يعلم} أي ~~علما مستمرا لتعلق {ما في قلوبكم} أي أيها الخلائق كلكم، فلا بد إن علم ما ~~في قلوب هؤلاء. # ولما رغبه سبحانه في الإحسان إليهن بإدامة الصحبة بما أخبره من # PageV15P386 # ودهن ذلك، لكونه صلى الله عليه وسلم شديد المحبة لإدخال السرور على ~~القلوب، زاده ترغيبا بقوله: {وكان الله} أي أزلا وأبدا {عليما} أي بكل شيء ~~ممن يطيعه ومن يعصيه {حليما *} لا يعاجل من عصاه، يل يديم إحسانه إليه في ~~الدنيا فيجب أن يتقي لعلمه وحلمه، فعلمه موجب للخوف منه، وحلمه مقتض ~~للاستحياء منه، وأخذ الحليم شديد، فينبغي لعبده المحب له أن يحلم عمن يعلم ~~تقصيره في حقه، فإنه سبحانه يأجره على ذلك بأن يحلم عنه فيما علمه منه، وأن ~~يرفع قدره ويعلي ذكره، روى البخاري في التفسير عن معاذة عن عائشة رضي الله ~~عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن ~~أنزلت هذه الآية {ترجي من تشاء منهن} الآية، قلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت: ~~كنت أقول له: إن كان ذاك ms3788 إلي فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا. # ولما أمره بما يشق من تغير العوائد في أمر العدة، ثم بما قد يشق عليه صلى ~~الله عليه وسلم من تخصيصه بما ذكر خشية من طعن بعض من لم يرسخ إيمانه، وختم ~~بما يسر أزواجه، وصل به ما يزيد سرورهن من تحريم غيرهن عليه شكرا لهن على ~~إعراضهن عن الدنيا # PageV15P387 # واختيارهن الله ورسوله فقال: {لا يحل لك النساء} ولما كان تعالى شديد ~~العناية به صلى الله عليه وسلم لوح له في آية التحريم إلى أنه ينسخه عنه، ~~فأثبت الجار فقال: {من بعد} أي من بعد من معك من هؤلاء التسع - كما قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما في رواية عنه، شكرا من الله لهن لكونهن لما نزلت آية ~~التخيير اخترن الله ورسوله، فتكون الآية منسوخة بمت تقدم عليها في النظم ~~وتأخر عنها في الإنزال من آية {إنا أحللنا لك أزواجك} وفي رواية أخرى من ~~بعد {اللاتي أحللنا لك} بالصفة المتقدمة من بنات العم وما معهن، ويؤيدها ما ~~تقدمت روايته عن أم هانئ رضي الله عنها. # ولما كان ربما فهم أن المراد الحصر في عدد التسع، لا بقيد المعينات، قال: ~~{ولا أن تبدل بهن} أي هؤلاء التسع، وأعرق في النفي بقوله: {من} أي شيئا من ~~{أزواج} أي بأن تطلق بعض هؤلاء المعينات وتأخذ بدلها من غيرهن بعقد النكاح ~~بحيث لا يزيد العدد على تسع، فعلم بهذا أن الممنوع منه نكاح غيرهن مع طلاق ~~واحدة منهن أولا، وهو يؤيد الرواية الأولى عن ابن عباس رضي الله عنهما لأن ~~المتبدل بها لا تكون إلا معلومة العين، والجواب عن قول أم هانئ # PageV15P388 # رضي الله عنها أنه فهم منها، لا رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ~~عند موت واحدة منهن فلا حرج في نكاح واحدة بدلها. # ولما علم من هذا المنع من كل زوجة بأي صفة كانت، أكد معنى وحققه، وصرح به ~~في قوله حالا من فاعل «تبدل» : {ولو أعجبك حسنهن} أي ms3789 النساء المغايرات لمن ~~معك، وفي هذا إباحة النظر إلى من يراد نكاحها لأن النظرة الأولى لا تكاد ~~تثبت ما عليه المرئي من حاق الوصف؛ ولما كان لفظ النساء شاملا للأزواج ~~والإماء، بين أن المراد الأزواج فقط بقوله: {إلا ما ملكت يمينك} أي فيحل لك ~~منهن ما شئت، وقد ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة رضي الله عنها ~~من سبي بني قريظة، واستمرت في ملكه مدة لا يقربها حتى أسلمت، ثم ملك بعد ~~عام الحديبية مارية رضي الله عنها أو ولده إبراهيم عليه السلام. # ولما تقدم سبحانه في هذه الآيات فأمر ونهى وحد حدودا، حذر من التهاون ~~بشيء منها ولو بنوع تأويل فقال: {وكان الله} أي الذي لا شيء أعظم منه، وهو ~~المحيط بجميع صفات الكمال {على كل شيء رقيبا} أي يفعل فعل المراعي لما ~~يتوقع منه من خلل على أقرب قرب منه بحيث لا يفوت مع رعايته فائت من أمر ~~المرعى، # PageV15P389 # ولا يكون الرقيب إلا قريبا، ولا أقرب من قرب الحق سبحانه، فلا أرعى من ~~رقبته، وهو من أشد الأسماء وعيدا. # PageV15P390 # ولما كان القرب والإحاطة لله، كان بالحقيقة لا رقيب إلا هو، والآية على ~~كل حال منسوخة إن قلنا بالاحتمال الأول أو الثاني، فقد روى الترمذي في ~~التفسير عن عائشة رضي الله عنها وناهيك بها ولا سيما في هذا الباب أنها ~~قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء، وقال: هذا ~~حديث حسن صحيح - انتهى. ونقل ابن الجوزي عنها رضي الله عنها أن الناسخ آية ~~{أنا أحللنا لك أزواجك} وكذا عن جماعة منهم علي وابن عباس وأم سلمة رضي ~~الله عنهم، ولكن صلى الله عليه وسلم ترك ذلك أدبا مع الله تعالى حيث عبر في ~~المنع بصيغة الخبر والفعل المضارع، ورعاية أشار الله إليه من رعاية حقهن في ~~اختيارهن من الدار الآخرة. # ولما قصره صلى الله عليه وسلم عليهن، وكان قد تقدم إليهن بلزوم البيوت ~~وترك ما كان عليه الجاهلية من التبرج، أرخى ms3790 عليهن الحجاب في البيوت ومنع ~~غيره صلى الله عليه وسلم مما كانت العرب عليه من الدخول على النساء لما ~~عندهم من الأمانة في ذلك، فقال # PageV15P390 # مخاطبا لأدنى أسنان أهل هذا الدين لما ذكر في سبب نزولها، ولأن المؤمنين ~~كانوا منتهين عن ذلك بغير ناه كما يدل عليه ما يأتي من قول عمر رضي الله ~~عنه في الحجاب: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا الإيمان صدقوا دعواكم فيه ~~بأن {لا تدخلوا} مع الاجتماع، فالواحد من باب الأولى. # ولما كان تشويش الفكر ربما كان شاغلا عن شيء مما يبنئ الله به كما أشار ~~إليه قوله صلى الله عليه وسلم «بينت لي ليلة القدر فتلاحى فلان وفلان ~~فأنسيتها» - أو كما قال صلى الله عليه وسلم، عبر بصفة النبوة في قوله: ~~{بيوت النبي} أي الذي يأتيه الإنباء من علام الغيوب بما فيه غاية رفعته، في ~~حال من الأحوال أصلا {إلا} في حال {أن يؤذن لكم} أي ممن له الإذن في بيوته ~~صلى الله عليه وسلم منه أو ممن يأذن له في ذلك، منتهين {إلى طعام} أي أكله، ~~حال كونكم {غير ناظرين إناه} أي وقت ذلك الطعام وبلوغه واستواءه للأكل، ~~فمنع بهذا من كان يتحين طعام النبي صلى الله عليه وسلم، لأن في ذلك تكليفا ~~له صلى الله عليه وسلم بما يشق عليه جدا، فإنه ربما كان ثم من هو أحوج إلى ~~ذلك الطعام من المتحين أو غير ذلك من الأعذار، فلا يتوجه # PageV15P391 # الخطاب إلى غير أهل السن السافل، ومن وقعت له فلتة ممن فوق رتبتهم دخل في ~~خطابهم بما أنزل من رتبته، والتعبير باسم الفاعل المجرد في «ناظرين» أبلغ ~~في النهي. # ولما كان هذا الدخول بالإذن مطلقا، وكان يراد تقييده، وكان الأصل في ذلك: ~~فإذا دعيتم - إلى آخره، ولكن لما كان المقام للختم بالجزم فيما يذكر، وكان ~~للاستدراك أمر عظيم من روعة النفس وهزها للعلم بأن ما بعده مضاد لما قبله ~~قال: {ولكن إذا دعيتم} أي ممن له الدعوة {فادخلوا} أي لأجل ما دعاكم ms3791 له؛ ثم ~~سبب عنه قوله: {فإذا طعمتم} أي أكلتم طعاما أو شربتم شرابا {فانتشروا} أي ~~اذهبوا حيث شئتم في الحال، ولا تمكثوا بعد الأكل لا مستريحين لقرار الطعام ~~في بطونكم {ولا مستأنسين لحديث} أي طالبين الأنس لأجله، قال حمزة بن نضر ~~الكرماني في كتابه جوامع التفسير: قال الحسن: حسبك في الثقلاء أن الله لم ~~يتجوز في أمرهم - انتهى، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: حسبك بالثقلاء ~~أن الله لم يحتملهم، ثم علل ذلك بقوله مصوبا الخطاب إلى جميعه، معظما له ~~بأداة البعد: {إن ذلكم} أي الأمر الشديد # PageV15P392 # وهو المكث بعد الفراغ من الأكل والشرب {كان يؤذي النبي} أي الذي هيأناه ~~لسماع ما ننبئه به مما يكون سبب شرفكم وعلوكم في الدارين، فاحذروا أن ~~تشغلوه عن شيء منه فننبئه بشيء تهلكون فيه. ثم سبب عن ذلك المانع له من ~~مواجهتهم بما يزيل أذاه فقال: {فيستحيي} أي يوجد الحياء، وأصله إيجاد ~~الحياة. كأن من لا حياء له جماد لا حياة له {منكم} أي أن يأمركم بالانصراف ~~{والله} أي الذي له جميع الأمر {لا يستحيي من الحق} أي لا يفعل فعل ~~المستحيي فيؤديه ذلك إلى ترك الأمر به. # ولما كان البيت يطلق على المرأة لملازمتها له عادة، أعاد الضمير عليه ~~مرادا به النساء استخداما فقال: {وإذا سألتموهن} أي الأزواج {متاعا} أي ~~شيئا من آلات البيت {فسئلوهن} أي ذلك المتاع، كائنين وكائنات {من وراء ~~حجاب} أي ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم {ذلكم} أي الأمر العالي الرتبة الذي ~~أنبئكم جميعكم به من السؤال من وراء حجاب وغيره {أطهر لقلوبكم وقلوبهن} أي ~~من وساوس الشيطان التي كان يوسوس بها في أيام الجاهلية قناعة منه بما كانوا ~~في حبالته من الشرك {وما كان لكم} أي وما صح وما استقام في حال من الأحوال ~~{أن تؤذوا} وذكرهم بالوصف الذي هو سبب # PageV15P393 # لسعادتهم واستحق به عليهم من الحق ما لا يقدرون على القيام بشكره فقال: ~~{رسول الله} صلى الله عليه وسلم، أي الذي له جميع الكمال فله إليكم ms3792 من ~~الإحسان ما يستوجب منكم به غاية الإكرام والإجلال، فضلا عن الكف عن الأذى، ~~فلا تؤذوه بالدخول إلى شيء من بيوته بغير إذنه أو المكث بعد فراغ الحاجة ~~ولا بغير ذلك. # ولما كان قد قصره صلى الله عليه وسلم عليهن، ولزم ذلك بعد أن أحل له ~~غيرهن قصرهن عليه بعد الموت زيادة لشرفه وإظهارا لمزيته فقال: {ولا أن ~~تنكحوا} أي فيما يستقبل من الزمان، {أزواجه من بعده} أي بعد فراقه لمن دخل ~~منهن بموت أو طلاق لما تقدم أنه حي لم يمت {أبدا} فإن العدة منه ينبغي أن ~~لا تنقضي لما له من الجلال والعظمة والكمال، وهو حي في قبره لا يزال، وثم ~~علة أعم من هذه لمسها في الميراث، وهي قطع الأطماع عن امتدادها إلى شيء من ~~الدنيا بعده لئلا يتمنى أحد موته صلى الله عليه وسلم ليأخذ ذلك فيكفر لأنه ~~لا إيمان لمن لا يقدمه على نفسه، وأما العالية بنت ظبيان التي طلقها النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وتزوجت غيره فكان أمرها قبل نزول هذه الآية - ذكره البغوي عن معمر عن ~~الزهري. ثم علل ذلك بقوله: {إن ذلكم} أي الإيذاء بالنكاح وغيره الذي ينبغي ~~أن يكون # PageV15P394 # على غاية البعد {كان عند الله} أي القادر على كل شيء {عظيما *} وقد ورد ~~في سبب نزول هذه الآية أشياء، روى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أنس رضي ~~الله عنه قال: بعثتني أم سليم رضي الله عنها برطب إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على طبق في أول ما أينع ثمر النخل قال: فدخلت عليه فوضعته بين ~~يديه فأصاب منه ثم أخذ بيدي فخرجنا وكان حديث عهد بعرس زينب بنت جحش رضي ~~الله عنها، قال: فمر بنساء من نسائه وعندهن رجال يتحدثون فهنأنه وهنأه ~~الناس فقالوا: الحمد لله الذي أقر بعينك يا رسول الله، فمضى حتى أتى عائشة ~~رضي الله عنها، فإذا عندها رجال، قال: فكره ذلك، وكان إذا كره الشيء عرف في ~~وجهه، قال: فأتيت أم سليم فأخبرتها، فقال ms3793 أبو طلحة رضي الله عنه: لئن كان ~~ما قال ابنك حقا ليحدثن أمر، قال: فلما كان من العشي خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فصعد المنبر ثم تلا هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} الآية، قال: وأمر بالحجاب وأصله في ~~التفسير من جامع الترمذي، وروى البخاري وغيره عنه رضي الله عنه قال: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم عروسا بزينب رضي الله عنها، فقالت لي أم سليم: لو ~~أهدينا للنبي صلى الله عليه وسلم # PageV15P395 # هدية! فقلت لها: افعلي، فعمدت إلى تمر وأقط وسمن، فاتخذت حيسة في برمة، ~~فأرسلت بها معي إليه، فقال لي: ضعها، ثم أمرني فقال لي: ادع لي رجالا - ~~سماهم - وادع لي من لقيت، ففعلت الذي أمرني، فرجعت فإذا البيت غاص بأهله - ~~وفي رواية الترمذي ان الراوي قال: قلت لأنس: كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة ~~- فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء ~~الله ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه، ويقول لهم: اذكروا اسم الله، ~~وليأكل كل رجل مما يليه، حتى تصدعوا كلهم عنها، قال الترمذي: فقال لي: يا ~~أنس، ارفع، فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أو حين رفعت - فخرج منهم من ~~خرج وبقي نفر يتحدثون، قال: وجعلت أغتم - قال الترمذي: ورسول الله جالس ~~وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ~~وقال عبد الرزاق في تفسيره: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحي منهم ~~أن يقول لهم شيئا - ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم نحو الحجرات وخرجت في ~~أثره، فقلت: إنهم قد ذهبوا، فرجع فدخل البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة ~~وهو # PageV15P396 # يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلو بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} الآية، ~~وفي رواية الترمذي: ثم رجع، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع ~~ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، فابتدروا الباب، فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله ms3794 صلى ~~الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا ~~يسيرا حتى خرج علي وأنزلت هذه الآيات، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقرأهن على الناس {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} الآية، وروى ~~الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه - وهذا لفظ البخاري - في روايات قال: ~~بنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على ~~الطعام داعيا، فيجيء قوم يأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ~~فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعو، فقلت: يا نبي الله! ما أجد أحدا أدعو، قال: ~~ارفعوا طعامكم، فجلسوا يتحدثون في البيت فإذا هو كأنه يتهيأ للقيام، فلم ~~يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، وفي ~~رواية، ثلاثة رهط، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة ~~رضي الله عنها فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله. # فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، # PageV15P397 # كيف وجدت أهلك، بارك الله لك! فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول ~~لعائشة رضي الله عنها. ويقلن له كما قالت عائشة - رضي الله عنهن، ثم رجع ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإذا القوم جلوس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~شديد الحياء فخرج منطلقا، نحو حجرة عائشة رضي الله عنها، وفي رواية: أولم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بنى بزينب بنت جحش رضي الله عنها فأشبع ~~الناس خبزا ولحما، ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة ~~بنائه، فيسلم عليهن ويدعو لهن، ويسلمن عليه ويدعون له، فلما رجع إلى بيته ~~رأى رجلين جرى بهما الحديث، فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم رجع عن بيته وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته ~~بخروجهما أو أخبر أن القوم خرجوا، فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب ~~داخلة وأخرى خارجة أرخى الستر، وفي رواية: فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني ms3795 ~~وبينه، وأنزلت آية الحجاب {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} ~~الآية، وللبخاري عن عائشة رضي الله عنها # PageV15P398 # قالت: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: احجب نساءك قالت: فلم يفعل، وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخرجن ليلا إلى ليل قبل المناصع، خرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة رضي ~~الله عنها، فرآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في المجلس فقال: عرفتك يا ~~سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل الله عز وجل الحجاب وللبخاري ~~عن أنس رضي الله عنه ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما كلاهما عن عمر رضي ~~الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو ~~أمرتهن أن يتحجبن، فنزلت آية الحجاب، وروي في السبب أشياء غير هذه، وقد ~~تقدم أنه ليس ببدع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب مستوية الدرجة، أو ~~بعضها أقرب من بعض، على أنه قد روى البخاري في التفسير في سياق هذه الآية ~~ما هو صريح في أن قصة سودة بعد الحجاب عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجت ~~سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، ~~فرآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا سودة! أما والله ما تخفين ~~علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بيتي وإنه يتعشى وفي يده عرق فدخلت فقالت: يا رسول الله! إني # PageV15P399 # خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع ~~عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن وهؤلاء ~~الذين جلسوا - والنبي صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه من الكراهة ~~لجلوسهم بما ذكر من هيئته في حيائه وتهيئه للقيام ونحو ذلك - لم يستثمروا ~~الفقه من أحواله، بل كانوا واقفين عندما يسمعونه من مقاله، وطريقة الكمل ~~الاستبصار برسمه وحاله كما ms3796 يستبصرون من قاله وفعاله، قال الحرالي: الحال كل ~~هيئة تظهر عن انفعال باطن، ويختص بتفهمها المشاهد المتوسم، وذلك كضحكه صلى ~~الله عليه وسلم للذي رآه يوم خيبر وقد أخذ جراب شحم من فيء يهود وهو يقول: ~~لا أعطي اليوم من هذا أحدا شيئا، وكتغير وجهه لعمر رضي الله عنه لما أخذ ~~يقرأ عليه صحيفة من حكم الأولين حتى نبه عمر رضي الله عنه من توسم في وجهه ~~صلى الله عليه وسلم الكراهة لفعل عمر، وإنباء كل حال منها يحسب ما يفيده ~~الانفعال من الانبساط والانقباض والإعراض ونحو ذلك مما يتوسمه المتفطن، ~~ويقطع بمقتضاه المتفهم، وأما الرسم فهو كل ما # PageV15P400 # شأنه البقاء بعد غيبته ووفاته، فيتفهم منه المعتبر حكم وضعه ومقصد رسمه، ~~كالذي يشاهد من هيئة بنائه مسجده على حال اجتزاء بأيسر ممكن وكبنائه بيوته ~~على هيئة لا تكلف فيها، ولا مزيد علة مقدار الحاجة، وكمثل الكساء الملبد ~~الذي تركه، وفراشه ونحو ذلك من متاع بيوته، وكما يتفهم من احتفاله في أداة ~~سلاحه مثل كون سيفه محلى بالفضة وقبضته فضة، ومثل احتفاله بالتطيب حتى كان ~~يرى في ثوبه وزره، فيتعرف من رسومه أحكامه، كما يتعرف من أحواله وأفعاله ~~وأقواله، وذلك لأن جميع هذه الإبانات كلها هي حقيقة ما هو الكلام - انتهى. # وبرهان ذلك أن الأصل في الكل الكلام النفسي الذي هو المنشأ، والقول ~~والفعل والحال والرسم مترجمة عنه، وليس بعضها أحق بالترجمة من بعض، نعم ~~بعضها أدل من بعض وأنص وأصرح، فتهيؤ النبي صلى الله عليه وسلم للقيام من ~~بيته مثل لو قال: أريد أن تذهبوا، فإنه يلزم من قيام الرجل من بيته الذي هو ~~محل ما يستره عن غيره أن يريد ذهاب، غيره منه لئلا يطلع على ما لا يحب أن ~~يطلع عليه أحد، وإتيانه ليدخل فإذا رآهم رجع مثل لو قال: إنما يمنعني من ~~الدخول إلى محل راحتي جلوسكم # PageV15P401 # فيه لثقل جلوسكم علي، وكذا الأحوال والرسول - والله الهادي. # PageV15P402 # ولما كان بعض الدال على الكلام - كما مر - أصرح من بعض، ms3797 فكان الإنسان قد ~~يضمر أن يفعل ما يؤذي إذا تمكن، وقد يؤذي بفعل يفعله، ويدعي أنه قصد شيئا ~~آخر مما لا يؤدي، قال تعالى حاملا لهم على التفطن والتنبه في الأقوال ~~وغيرها والمقاصد الحسنة ظاهرا وباطنا، على طريق الاستئناف في جواب من ربما ~~انتهى بظاهره، وهو عازم على أن يفعل الأذى عند التمكن: {إن تبدوا} أي ~~بألسنتكم أو غيرها {شيئا} أي من ذلك وغيره {أو تخفوه} أي في صدروكم. # ولما كان فعل من يخفي أمرا عن الناس فعل من يظن أنه يخفى على ربه، قال ~~مؤكدا تنبيها لفاعل ذلك على هذا اللازم لفعله ترهيبا له: {فإن الله} أي ~~الذي له جميع صفات الكمال {كان} أزلا وأبدا به، هكذا كان الأصل ولكنه أتى ~~بما يعمه وغيره فقال: {بكل شيء} أي من ذلك وغيره {عليما *} فهم يعلم ما ~~أسررتم وما أعلنتم وإن بالغتم في كتمه، فيجازي عليه من ثواب أو عقاب. # ولما كان المقصود كما تقدم تغليظ الحجاب على ذوات الخدور، وكان قد ذكر في ~~هذه السورة خصائص وتغيير أحكام للنبي صلى الله عليه وسلم # PageV15P402 # ولأزواجه رضي الله عنهن ولغيرهم، كان ربما ظن أن الحجاب تغير أو شيء منه ~~بالنسبة إلى الدخول أو غيره، فاستثنى من عمه النهي السابق عن الدخول على ~~وجه يعم جميع النساء على نحو ما تقدم في سورة النور فقال: {لا جناح} أي إثم ~~{عليهن في آبائهن} دخولا وخلوة من غير حجاب، والعم والخال وأبو الزوج بمصير ~~الزوجين كالشيء الواحد بمنزلة الوالد {ولا أبنائهن} أي من البطن أو ~~الرضاعة، وابن الزوج بمنزلة الولد، وترك ذكرهم يفهم أن الورع الحجاب عنهم ~~{ولا إخوانهن} لأن عارهن عارهم {ولا أبناء إخوانهن} فإنهن بمنزلة آبائهم ~~{ولا أبناء أخواتهن} فإنهن بمنزلة أمهاتهم {ولا نسائهن} أي المسلمات القربى ~~منهن والبعدى بمنزلة واحدة، وأما الكافرات فهن بمنزلة الأجانب من الرجال ~~{ولا ما ملكت أيمانهن} لأنهم لما لهن عليهم من السلطان تبعد منهم الريبة ~~هيبة لهن مع مشقة الاحتجاب عنهم. # ولما كانت الريبة ليست مقطوعا بنفيها، ms3798 وكانت من جهة النساء أكثر، لأنه لا ~~يكاد رجل يتعرض إلا لمن ظن بها الإجابة لما يرى من # PageV15P403 # مخايلها أو مخايل أشكالها، أقبل عليهن بالخطاب لأنه أوقع في النفس، فقال ~~آمرا عاطفا على ما تقديره: فأظهرن على من شئتن من هؤلاء: {واتقين الله} أي ~~الذي لا أعظم منه، فلا تقربن شيئا مما يكرهه، وطوى ما عطف عليه الأمر ~~بالتقوى بعد أن ساق نفي الجناح في أسلوب الغيبة، وأبرز الأمر بها وجعله في ~~أسلوب الخطاب إيذانا بأن الورع ترك الظهور على أحد غير من يملك التمتع، فإن ~~دعت حاجة كان مع الظهور حجاب كثيف من الاحتشام والأدب التام. # ولما كان الخوف لا يعظم إلا ممن كان حاضرا مطلقا، قال معللا مؤكدا تنبيها ~~على أن فعل من يتهاون في شيء من أوامره فعل من لا يتقي، ومن لا يتقي كمن ~~يظن أنه سبحانه غير مطلع عليه: {إن الله} أي العظيم الشأن {كان} أزلا وأبدا ~~{على كل شيء} من أفعالكن وغيرها، ولمزيد الاحتياط والورع في ذلك عبر بقوله: ~~{شهيدا *} أي لا يغيب عنه شيء وإن دق، فهو مطلع عليكن حال الخلوة ممن ذكر، ~~كما هو مطلع على غير ذلك فليحذره كل أحد في حال الخلوة كما يحذره في حال ~~الجلوة، فيا لها من عظمة باهرة، سطوة ظاهرة قاهرة، يحق لكل أحد أن يبكي ~~منها الدماء فضلا عن الدموع، وأن تمنعه مريح القرار ولذيذ الهجوع، روى ~~البخاري # PageV15P404 # عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أستأذن علي أفلح أخو أبي القعيس رضي الله ~~عنه بعد ما أنزل الحجاب، فقلت: لا آذن له حتى استأذن فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي ~~القعيس، فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! إن أفلح ~~أخا أبي القعيس استأذن فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: وما يمنعك؟ قلت: يا رسول الله! إن الرجل ليس هو أرضعني، ~~ولكن أرضعتني امرأة ms3799 أبي القعيس، فقال: ائذني له فإنه عمك تربت يمينك، قال ~~عروة: فلذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقول: حرموا من الرضاعة ما تحرموا من ~~النسب» . # ولما كانت هذه الآيات وما قبلها وما بعدها في إظهار شرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم وبيان مناقبه، علل الأوامر فيها والنواهي وغيرها بقوله، مؤكدا ~~لاقتضاء الحال ذلك أما ممن آذاه بالجلوس في غير حينه فواضح، وأما غيره فكان ~~من حقهم أن لا يفارقوا المجلس حتى يعلموا من لا يعرف الأدب، فكان تهاونهم ~~في ذلك فعل من لا يريد إظهار شرفه صلى الله عليه وسلم فهو تأديب وترهيب: ~~{إن الله} # PageV15P405 # أي وعملكم محيط بأن له مجامع الكبر والعظمة والعز {وملائكته} أي وهم أهل ~~النزاهة والقرب والعصمة. # ولما كان سبحانه قد قدم قوله: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} فأفرد كلا ~~بخبر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلى المخاطبين حظا فإنه رأس ~~المؤمنين، أفرده هنا بهذه الصلاة التي جمع فيها الملائكة الكرام معه سبحانه ~~وجعل الخبر عنهم خبرا واحدا ليكون أتم، فإن قولك: فلان وفلان ينصران فلانا، ~~أضخم من قولك: فلان ينصره وفلان، فقال تعالى: {يصلون على النبي} أي يظهرون ~~شرفه وما له من الوصلة بالملك الأعظم بما يوحيه الله إليه من عجائب الخلق ~~والأمر من عالم الغيب والشهادة، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما كما ~~رواه البخاري: «يبركون» . # ولما كانت ثمرة المراد بهذا الإعلام التأسي، علم بآخر الكلام أن المعنى: ~~ويسلمون عليه لأن ذلك من تمام الوصلة التي يدور عليها معنى الصلاة فأنتج ~~ذلك قطعا تفسير المراد بيصلون: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك ~~بألسنتهم {صلوا عليه} بعدم الغفلة عن المبادرة إلى إظهار # PageV15P406 # شرفه في حين من الأحيان تصديقا لدعواكم، ولأن الكبير إذا فعل شيئا بادر ~~كل محب له معتقد لعظمته إلى فعله {وسلموا} . # ولما كان المراد بكل من الصلاة والسلام إظهار الشرف، وكان السلام أظهر ~~معنى في ذلك، وكان تحيته عن اللقاء واجبا في التشهد بلا خلاف، ودالا على ~~الإذعان لجميع ms3800 أوامره الذي لا يحصل الإيمان إلا به، وهو من المسلم نفسه، ~~وأما الصلاة فأنها يطلبها المصلي من الله، أكدهما به فقال: {تسليما *} أي ~~فأظهورا شرفه بكل ما تصل قدرتكم إليه من حسن متابعته وكثرة الثناء الحسن ~~عليه والانقياد لأمره في كل ما يأمر به، ومنه الصلاة والسلام عليه بألسنتكم ~~على نحو ما علمكم في التشهد وغيره مما ورد في الأحاديث عن أبي سعيد الخدري ~~وكعب بن عجرة وغيرهما رضي الله عنهم بيان التقاء الصلاة والسلام في إظهار ~~الشرف فإن الصلاة - كما قال في القاموس - الدعاء والرحمة والاستغفار وحسن ~~الثناء من الله عز وجل وعبادة فيها ركوع وسجود - انتهى. والسلام هو التحية ~~والتحية - كما قال البيضاوي في تفسير سورة النساء - في الأصل مصدر حياك ~~الله على الإخبار من الحياة، ثم استعمل للحكم والدعاء بذلك، ثم قيل لكل ~~دعاء، فغلب في السلام، وفي القاموس: التحية: السلام والبقاء والملك، وحياك ~~الله: # PageV15P407 # أبقاك أو ملكلك، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في جامعه: السلام اسم ~~من أسماء الله، والسلام ههنا بمعنى السلامة، كما يقال الرضاع والرضاعة، ~~واللذاذ واللذاذة، قالوا: ومعنى قول القائل لصاحبه: سلام عليك أي قد سلمت ~~مني لا أنالك بيد ولا لسان، وقيل: معناه السلامة من الله عليكم، وقيل: هو ~~الرحمة، وقيل: الأمان، والسلامة هي النجاة من الآفات - انتهى. فقد ظهر أن ~~معنى الكل كما ترى ينظر إلى إظهار الشرف نظر الملزوم إلى اللازم، ولذلك فسر ~~البيضاوي يصلون بقوله: يعنتون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه، وسلموا بقوله: ~~قولوا السلام عليك، أو انقادوا لأوامره، فلما تآخيا في هذا المعنى، وكان هو ~~المراد أكد بلفظ السلام تحصيلا لتمام المقصود بدلالته على الانقياد فهو ~~مؤكد لصلوا بمعناه ولسلموا بلفظه، استعمالا للشيء في حقيقته ومجازه كما هو ~~مذهب إمامنا الشافعي رضي الله عنه، ومثل بآية النساء # {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] وبقوله: {أو لامستم النساء} ~~[النساء: 43، المائدة: 6] وغير ذلك، وقد بينت في سورة الرعد أن مادة «صلوا» ~~بجميع تراكيبها تدور على الوصلة وهي لازمة لكل ما ms3801 ذكر من تفسيرها، هذا ولك ~~أن تجعله من # PageV15P408 # الاحتباك فتقول: حذف التأكيد أولا لفعل الصلاة لما دل عليه من التأكيد ~~بمصدر السلام، ويرجح إظهار مصدر السلام بما تقدم ذكره، وحذف متعلق السلام ~~لدلالة متعلق الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وليصلح أن يكون عليه وأن يكون ~~له، فيصلح أن يجعل التسليم بمعنى الإذعان - والله هو الموفق للصواب. # PageV15P409 # ولما نهى سبحانه عن أذاه صلى الله عليه وسلم، وحض على إدخال السرور عليه، ~~توعد على أذاه، فقال على طريق الاستئناف أو التعليل، إشارة إلى أن التهاون ~~بشيء من الصلاة والسلام من الأذى، وأكد ذلك إظهارا لأنه مما يحق له أن ~~يؤكد، وأن يكون لكل من يتكلم به غاية الرغبة في تقريره: {إن الذين يؤذون} ~~أي يفعلون فعل المؤذي بارتكاب ما يدل على التهاون من كل ما يخالف {الله} أي ~~الذي لا أعظم منه ولا نعمة عندهم إلا من فضله {ورسوله} أي الذي استحق عليهم ~~بما يخبرهم به عن الله مما ينقذهم به من شقاوة الدارين ويوجب لهم سعادتهما ~~ما لا يقدرون على القيام بشكره بأي أذى كان حتى في التقصير بالصلاة عليه ~~باللسان {لعنهم} أي أبعدهم وطردهم وأبغضهم {الله} أي الذي لا عظيم غيره {في ~~الدنيا} بالحمل على ما يوجب السخط # PageV15P409 # {والآخرة} بإدخال دار الإهانة. # ولما كان الحامل على الأذى الاستهانة قال: {وأعد لهم عذابا مهينا *} . # ولما كان من أعظم أذاه صلى الله عليه وسلم أذى من تابعه، وكان الأتباع ~~لكونهم غير معصومين يتصور أن يؤذوا بالحق، قال مقيدا للكلام بما يفهم: ~~{والذين يؤذون المؤمنين} أي الراسخين في صفة الإيمان {والمؤمنات} كذلك. ~~ولما كان الأذى بالكذب أشد في الفساد وأعظم في الأذى قال: {بغير ما ~~اكتسبوا} أي بغير شيء واقعوه متعمدين له حتى أباح أذاهم {فقد احتملوا} أي ~~كلفهم أنفسهم أن حملوا {بهتانا} أي كذبا وفجورا زائدا على الحد موجبا للخزي ~~في الدنيا، ولما كان من الناس من لا يؤثر فيه العار، وكان الأذى قد يكون ~~بغير القول، قال: {وإثما مبينا} أي ms3802 ذنبا ظاهرا جدا موجبا للعذاب في الأخرى. # ولما نهى سبحانه عن أذى المؤمنات، وكانت الحرائر بعيدات عن طمع المفسدين ~~لما لهن في أنفسهن من الصيانة وللرجال بهن من العناية، وكان جماعة من أهل ~~الريبة يتبعون الإماء إذا خرجن يتعرضون لهن للفساد، وكان الحرائر يخرجن ~~لحاجتهن ليلا، فكان ربما تبع المرأة منهن # PageV15P410 # أحد من أهل الريب يظنها أمه أو يعرف أنه حرة ويعتل بأنه ظنها أمه فيتعرض ~~لها، وربما رجع فقال لأصحابه: فعلت بها - وهو كاذب، وفي القوم من يعرف أنها ~~فلانة، فيحصل بذلك من الأذى ما يقصر عنه الوصف، ولم يكن إذ ذاك كما نقل عن ~~مقاتل فرق بين الحرة والأمة كن يخرجن في درع وخمار وكان اتسام الحرائر ~~بأمارة يعرفن بها ليهبن ويتحشمن يخفف هذا الشر، قال تعالى: {يا أيها النبي} ~~فذكره بالوصف الذي هو منبع المعرفة والحكمة، لأن السياق لحكمة يذب بها عن ~~الحريم لئلا يشتغل فكره صلى الله عليه وسلم بما يحصل لهن من الأذى عن تلقي ~~شيء من الواردات الربانية {قل لأزواجك} بدأ بهن لما لهن به من الوصلة ~~بالنكاح {وبناتك} ثنى بهن لما لهن من الوصلة ولهن في أنفسهن من الشرف، ~~وأخرهن عن الأزواج لأن أزواجه يكفونه أمرهن {ونساء المؤمنين يدنين} أي ~~يقربن {عليهن} أي على وجوهن وجميع أبدانهن فلا يدعن شيئا منها مكشوفا {من ~~جلابيبهن} ولا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ~~ونحوها ظنا أن ذلك أخفى لهن وأستر، والجلباب القميص، وثوب واسع دون الملحفة ~~تلبسه المرأة، # PageV15P411 # والملحفة ما ستر اللباس، أو الخمار وهو كل ما غطى الرأس، وقال البغوي: ~~الجلباب: الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقال حمزة ~~الكرماني: قال الخليل: كل ما تستتر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب، ~~والكل يصح إرادته هنا، فإن كان المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي ~~يديها ورجليها، وإن كان ما يغطي الرأس فادناؤه ستر وجهها وعنقها، وإن كان ~~المراد ما يغطي الثياب فادناؤه تطويله وتوسيعه بحيث يستر جميع بدنها ~~وثيابها، ms3803 وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين. # ولما أمر بذلك علله بقوله: {ذلك} أي الستر {أدنى} أي أقرب من تركه في {أن ~~يعرفن} أنهن حرائر بما يميزهن عن الإماء {فلا} أي فيتسبب عن معرفتهن أن لا ~~{يؤذين} ممن يتعرض للإماء. فلا يشتغل قلبك عن تلقي ما يرد عليك من الأنباء ~~الإلهية. ولما رقاهم سبحانه بهذا الأمر في حضرات الرضوان، خافوا عاقبة ما ~~كانوا فيه من الغلط بالتشبه بالإماء، فأخبرهم سبحانه أنه في محل الجود ~~والإحسان، فقال: {وكان الله} أي الذي له الكمال المطلق، أزلا وأبدا {غفورا} ~~أي محاء للذنوب عينا وأثرا {رحيما *} مكرما لمن يقبل عليه ويمتثل أوامره ~~ويحتنب مناهيه، قال البغوي: قال أنس رضي الله عنه: مرت # PageV15P412 # بعمر بن الخطاب رضي الله عنه جارية متقنعة فعلاها بالدرة وقال: يا لكاع! ~~أتتشبهين بالحرائر؟ ألقي القناع. # ولما كان المؤذون بما مضى وغيره أهل النفاق ومن داناهم، حذرهم بقوله ~~مؤكدا دفعا لظنهم الحلم عنهم: {لئن لم ينته} أي عن الأذى {المنافقون} أي ~~الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام {والذين في قلوبهم مرض} أي مقرب من ~~النفاق حامل على المعاصي {والمرجفون في المدينة} وهم الذين يشيعون الأخبار ~~المخيفة لأهل الإسلام التي تضطرب لها القلوب سواء كانوا من القسمين الأولين ~~أم لا {لنغرينك بهم} بأن نحملك على أن تولع بهم بأن نأمرك بإهانتهم ونزيل ~~الموانع من ذلك، ونثبت الأسباب الموصلة إليه حتى تصير لاصقا بجميع أموالهم ~~لصوق الشيء الذي يلحم بالغراء فلا يقدروا على الانفكاك عن شيء مما تفعله ~~بهم إلا بالبعد من المدينة بالموت أو الرحيل إلى غيرها، وهذا معنى قول ابن ~~عباس رضي الله عنهما كما رواه عنه البخاري: لنسلطنك. # ولما كان نزوحهم عن المدينة مستبعدا عنهم جدا، وكان أعظم رتبة في أذاهم ~~من غيره، لأن الإخراج من الأوطان من أعظم الهوان، # PageV15P413 # أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم لا يجاورونك فيها} أي بعد محاولتك لهم ~~{إلا قليلا *} أي من الزمان بقدر ما يمكن لك المضارب فتعظم عليهم المصائب. # ولما كان ms3804 معنى الكلام أنهم ينفون لأنه صلى الله عليه وسلم يؤمر بنفيهم ~~وإبعادهم وقتلهم، بين حالهم في نفيهم أو نصبه على الشتم فقال: {ملعونين} أي ~~ينفون نفي بعد من الرحمة وطرد عن أبواب القبول. # ولما كان المطرود قد يترك وبعده، بين أنهم على غير ذلك فقال مستأنفا: ~~{أينما ثقفوا} أي وجدوا وواجدهم أحذق منهم وأفطن وأكيس وأصنع {أخذوا} أي ~~أخذهم ذلك الواجد لهم {وقتلوا} أي أكثر قتلهم وبولغ فيه؛ ثم أكده بالمصدر ~~بغضا فيهم وإرهابا لهم فقال: {تقتيلا *} ولما سن لهم هذا العذاب الهائل في ~~الدنيا، بين أن تلك عادته في أوليائه وأعدائه، فقال مؤكدا بالإقامة في موضع ~~المصدر، لما لهم من استبعاد ذلك لكونهم لم يعهدوا مثله مع ما لهم من ~~الاشتباك بالأهل والعشائر فقال: {سنة الله} أي طرق لك المحيط بجميع العظمة ~~هذه الطريقة كطريقته {في الذين خلوا} أي مضت أيامهم وأخبارهم، وانقضت ~~وقائعهم وأعمارهم، من الذين كانوا ينافقون على الأنبياء كقارون وأشياعه، ~~وبين قتلهم بكونهم في بعض # PageV15P414 # الأزمنة فقال: {من قبل} وأعظم التأكيد لما لهم من الاستبعاد الذي جرأهم ~~على النفاق فقال: {ولن تجد} أي أزلا وأبدا {لسنة الله} أي طريقة الملك ~~الأعظم {تبديلا *} كما تبدل سنن الملوك، لأنه لا يبدلها، ولا مداني له في ~~العظمة ليقدر على تبديلها. # PageV15P415 # ولما بين تعالى ما أعد لأعداء دينه في الدنيا، وبين أن طريقته جادة لا ~~تنخرم، لما لها من قوانين الحكمة وأفانين الإتقان والعظمة، وكان من أعظم ~~الطرق الحكمية والمغيبات العلمية الساعة، وكان قد قام ما يحرك إلى السؤال ~~عنها في قوله: {لعنهم الله في الدنيا والآخرة} وكان قد مضى آخر السجدة أنهم ~~سألوا استهزاء وتكذيبا عن تعيين وقتها، وهددهم سبحانه على هذا السؤال، قال ~~تعالى مهددا أيضا على ذلك مبينا ما لأعداء الدين المستهزئين في الآخرة: ~~{يسئلك الناس} أي المشركون استهزاء منهم، وعبر بذلك إشارة إلى أنهم بعد في ~~نوسهم لم يصلوا إلى أدنى أسنان أهل الإيمان، فكان المترددون في آرائهم لا ~~يكادون ينفكون عن النوس وهو الاضطراب {عن ms3805 الساعة} أي في تعيين وقتها. # PageV15P415 # ولما كانت إدامتهم السؤال عنها فعل من يظن أن غيره سبحانه يعلمها، أكد ~~فقال: {قل} أي في جوابهم: {إنما علمها عند الله} أي الذي أحاط علما بجميع ~~الخلال، وله جميع أوصاف الجمال والجلال، فهو يعلم ما عند كل أحد ولا يعلم ~~أحد شيئا مما عنده إلا بإذنه. # ولما كان من فؤائد العلم بوقت الشيء التحرز عنه أو مدافعته، قال مشيرا ~~إلى شدة خفائها بإخفائها عن أكمل خلقه مرجيا تقريبها تهديدا لهم: {وما ~~يدريك} أي أي شيء يعلمك بوقتها؟ ثم استأنف قوله: {لعل الساعة} أي التي لا ~~ساعة في الحقيقة غيرها لما لها من العجائب {تكون} أي توجد وتحدث على وجه ~~مهول عجيب {قريبا *} أي في زمن قريب، ويجوز أن يكون التذكير لأجل الوقت لأن ~~السؤال عنها إنما هو سؤال عن تعيين وقتها، قال البخاري في الصحيح: إذا وصفت ~~صفة المؤنث قلت: قريبة، وإذا جعلته ظرفا وبدلا ولم ترد الصفة نزعت الهاء من ~~المؤنث، وكذلك لفظها في الواحد والاثنين والجمع للذكر والأنثى. والمراد ~~بالتعبير بلعل أنها بحيث يرجو قربها من يرجوه ويخشاه من يخشاه، فهل أعد من ~~يخشاها شيئا للمدافعة إذا جاءت أو النجاة منها إذا أقبلت؟ ثم استأنف ~~الإخبار بحال السائلين عنها بقوله مؤكدا في مقابلة إنكار الكفار أن يكون في ~~حالهم شي من نقص: {إن الله} # PageV15P416 # أي الملك الأعظم الذي لا أعظم منه {لعن} أي أبعد إبعادا عظيما عن رحمته ~~{الكافرين} أي الساترين لما من شأنه أن يظهر مما دلت عليه العقول السليمة ~~من أمرها سواء كانوا مشاققين أو منافقين {وأعد لهم} أي أوجد وهيأ من الآن ~~لتكذيبهم بها وبغيرها مما أوضح لهم أدلته {سعيرا *} أي نارا شديدة الاضطرام ~~والتوقد. # ولما كان العذاب ربما استهانه بعض الناس إذا كان ينقطع ولو كان شديدا، ~~قال مبينا لحالهم: {خالدين فيها} ولما كان الشيء قد يطلق على ما شابهه بوجه ~~مجازا وعلى سبيل المبالغة، قال مؤكدا لإرادة الحقيقة: {أبدا} ولما كان ~~الشيء قد يراد ثم يمنع منه ms3806 مانع، قال مبينا لحالهم في هذه الحال: {لا يجدون ~~وليا} أي يتولى أمرا مما يهمهم بشفاعة أو غيرها {ولا نصيرا *} ينصرهم. # ولما ذكر حاليهم هذين، أتبعه حالا لهم قوليا على وجه بين حالا فعليا ~~فقال: {يوم} أي مقدار خلودهم فيها على تلك الحال بوم {تقلب} أي تقليبا ~~كثيرا شديدا {وجوهم} كما يقلب اللحم المشوي وكما ترى البضعة في القدر ~~يتراقى بها الغليان من جهة إلى جهة، من حال إلى حال، وذكر ذلك وإن كانت تلك ~~النار غنية عنه لإحاطتها لأن ذكره أهول لما فيه من التصوير، وخص الوجوه ~~لأنها أشرف، والحدث # PageV15P417 # فيها أنكأ. # ولما كان للإظهار مزيد بيان وهول مع إفادته استقلال ما هو فيه من الكلام ~~بنفسه، قال: {في النار} أي المسعرة حال كونهم {يقولون} وهم في محل الجزاء ~~وقد فات المحل القابل للعمل، متمنين لما لا يدركون تلافيه لأنهم لا يجدون ~~ما يقدرون أنه يبرد غلتهم من ولي ولا نصير ولا غيرهما سوى هذا التمني: {يا ~~ليتنا أطعنا} أي في الدنيا {الله} أي الذي علمنا الآن أنه الملك الذي لا ~~أمر لأحد معه. # ولما كان المقام للمبالغة في الإذعان والخضوع، أعادوا العامل فقالوا: ~~{وأطعنا الرسولا *} أي الذي بلغنا حتى نعاذ من هذا العذاب، وزيادة الألف في ~~قراءة من أثبتها إشارة إلى إيذانهم بأنهم يتلذذون بذكره ويعتقدون أن عظمته ~~لا تنحصر {وقالوا} لما لم ينفعهم شيء متبردين من الدعاء على من أضلهم بما ~~لا يبرىء عليلا ولا يشفي غليلا: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا، وأسقطوا أداة ~~النداء على عادة أهل الخصوص بالحضرة زياة في الترقق بإظهار أنه لا واسطة ~~لهم # PageV15P418 # إلا ذلهم وانكسارهم الذي عهد في الدنيا أنه الموجب الأعظم لإقبال الله ~~على عبده كما أن المثبت لأداة البعد بقوله: «يا الله» مشير إلى سفول منزلته ~~وبعده بكثرة ذنوبه وغفلته تواضعا منه لربه لعله يرفع ذلك البعد عنه. # ولما كانوا يظنون أن أتباعهم للكبراء غير ضلال، فبان لهم خلاف ذلك، أكدوا ~~قولهم لذلك وللإعلام بأنهم بذلوا ما كان عندهم ms3807 من الجهل فصاروا الآن على ~~بصيرة من أمرهم: {إنا أطعنا سادتنا} وقرئ بالجمع بالألف والتاء جمعا سالما ~~للجمع المكسر {وكبراءنا فأضلونا} أي فتسبب عن ذلك، أنهم أضلونا بما كان لهم ~~من نفوذ الكلمة {السبيلا *} كما هي عادة المخطىء في الإجالة على غيره بما ~~لا ينفعه، وقراءة من أثبت الألف مشيرة إلى أنه سبيل واسع جدا واضح، وأنه ~~مما يتلذذ ويجب تفخيمه. # ولما كان كأنه قيل: فما تريدون لهم؟ قالوا مبالغين في الرقة وللأستعطاف ~~بإعادة الرب: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {آتهم ضعفين} أي مثلي عذابنا من ~~وهن قوتنا وشدة المؤثر لذلك مضاعفا أضعافا # PageV15P419 # كثيرة {من العذاب} ضعفا بضلالهم، وآخر بإضلالهم، وإذا راجعت ما في آواخر ~~سبحان من معنى الضعف وضح لك هذا، ويؤيده قوله: {والعنهم لعنا كثيرا *} أي ~~اطردهم عن محال الرحمة طردا متناهيا في العدد، والمعنى على قراءة عاصم ~~بالموحدة: عظيما شديدا غليظا. # ولما كان السبب في هذا التهديد كله ما كانوا يتعمدونه من أذى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بقولهم: تزوج امرأة ابنه، وغير ذلك إلى أن ختمه بما ~~يكون سببا لتمنيهم طاعته، وكان سماع هذا لطفا لمن صدق به، أتبعه ما هو ~~كالنتيجة له فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي صدقوا بما تلي عليهم {لا ~~تكونوا} بأذاكم للرسول صلى الله عليه وسلم بأمر زينب رضي الله عنها أو ~~غيره. كونا هو كالطبع لكم {كالذين آذوا موسى} من قومه بني إسرائيل آذوه ~~بأنواع الأذى كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم حين قسم قسما فتكلم فيه ~~بعضهم فقال: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر وأنسب الأشياء للإرادة هنا ~~أذى قارون له بالزانية التي استأجرها لتقذفه بنفسها فبرأة الله من ذلك، ~~وكان سبب الخسف بقارون ومن معه {فبرأه} أي فتسبب عن أذاهم له أن برأة ~~{الله} أي الذي له صفات الجلال والجمال والقدرة # PageV15P420 # على كل شيء والكمال، وأفهم التعبير بالتفعيل أن البراءة كانت بالتدريج ~~بالخسف وموت الفجاءة وإبراق عصا هارون كما مضى في آخر القصص. ولما نهى ms3808 عن ~~التشبه بالمؤذين أعم من أن يكون أذاهم قوليا أو فعليا، أشار إلى أن الأذى ~~المراد هنا قولي مثله في أمر زينب رضي الله عنها فقال: {مما قالوا} دون أن ~~يقول: مما آذوا، وذلك بما أظهره من البرهان على صدقه فخسف بمن آذاه كما مضى ~~في القصص فإياكم ثم إياكم. # ولما كان قصدهم بهذا الأذى إسقاط وجاهته قال: {وكان} أي موسى عليه ~~السلام، كونا راسخا {عند الله} أي الذي لا يذل من والى {وجيها *} أي معظما ~~رفيع القدر إذا سأله أعطاه، وإذا كان عند الله بهذه المنزلة كان عند الناس ~~بها، لما يرون من إكرام الله له، والجملة كالتعليل للتبرئة لأنه لا يبرئ ~~الشخص إلا من كان وجيها عنده. # ولما نهاهم عن الأذى، أمر بالنفع ليصيروا وجهاء عنده سبحانه مكررا للنداء ~~استعطافا وإظهارا للاهتمام فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك. ولما ~~كان قد خص النبي صلى الله عليه وسلم في أول السورة بالأمر بالتقوى، عم في ~~آخرها بالأمر بها مردفا لنهيهم بأمر يتضمن الوعيد ليقوى الصارف عن الأذى ~~والداعي إلى تركه فقال: {اتقوا الله} أي صدقوا دعواكم بمخافة من له جميع ~~العظمة فاجعلوا لكم وقاية من # PageV15P421 # سخطه بأن تبذلوا له جميع ما أودعكم من الأمانة {وقولوا} في حق النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أمر زينب رضي الله عنها وغيرها وفي حق بناته ونسائه رضي ~~الله عنهن وفي حق المؤمنين ونسائهم وغير ذلك {قولا سديدا *} أي قاصدا إلى ~~الحق ذا صواب له {يصلح لكم أعمالكم} أي بأن يدخلكم في العمل الصالح وأنتم ~~لا تعلمون ما ينبغي من كيفيته فيبصركم بها شيئا فشيئا ويوفقكم للعمل بما ~~جلاه لكم حتى تكونوا على أتم وجه وأعظمه وأرضاه وأقومه ببركة قلولكم الحق ~~على الوجه الحسن الجميل. # ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصرا، قال مشيرا إلى ذلك حتى لا يزال معترفا ~~بالعجز: {ويغفر لكم ذنوبكم} أي يمحوها عينا وأثرا فلا يعاقب عليها ولا ~~يعاتب، ولما كان ربما توهم أن هذا خاص بمن آمن، ms3809 وأن تجديد الإيمان غير ~~نافع، أزال هذا الوهم بقوله: {ومن يطع الله} أي الذي لا أعظم منه {ورسوله} ~~أي الذي عظمته من عظمته بأن يجدد لها الطاعة بالإيمان وثمراته في كل وقت، ~~فيكون مؤديا للأمانة إلى أهلها {فقد فاز} وأكد ذلك بقوله: {فوزا عظيما *} ~~أي ظفرا بجميع مراداته في الدنيا والآخرة. # PageV15P422 # ولما كان التقدير: ومن لم يطع فقد خسر خسرانا مبينا، وكان كل شيء عرض على ~~شيء فالمعروض عليه متمكن من المعروض قادر عليه، # PageV15P422 # وكان كل شيء أودعه الله شيئا فحفظه ورعاه وبذله لأهله وآتاه باذلا ~~للأمانة غير حامل لها. وكل من أودعه شيئا فضيعه وضمن به عن أهله ومنعه عن ~~مستحقه خائن فيه حامل له، وكان الله تعالى قد أودع الناس من العقول ما ~~يميزون به بين الصحيح والفاسد، ومن القوى الظاهرة ما يصرفونه فيما أرادوا ~~من المعصية والطاعة، فمنهم من استدل بعقله على كل من المحق والمبطل فبذل له ~~من قواه ما يستحقه، فكان باذلا للأمانة غير حامل لها، ومنهم من عكس ذلك وهم ~~الأكثر فكان حاملا لها خائنا فيها أمر به من بذلها، وأودع سبحانه الأكوان ~~ما فيها من المنافع من المياه والمعادن والنباتات فبذلته ولم تمنعه من أحد ~~طلبه مع أن منعها له في حيز الإمكان، قال تعالى معللا للأمر بالتقوى، أو ~~مستأنفا مؤكدا تنبيها على أن هذا الأمر مما يحق أن يؤكد تنبيها على دقته، ~~وأنه مما لا يكاد أن يفطن له كثير من الناس فضلا عن أن يصدقوه لافتا القول ~~إلى مظهر العظمة دلالة على عظيم جرأة الإنسان: {إنا عرضنا الأمانة} أي ~~أداءها أو حملها أو منعها أهلها، وهي طاعته سبحانه فيما أمر به العاقل، ~~وفيما أراده من غيره، ولم يذكر المياه والرياح لأنهما من جملة ما في ~~الكونين من الأمانات اللاتي يؤديانها على حسب الأمر {على السماوات} بما ~~فيها من المنافع # PageV15P423 # {والأرض} بما فيها من المرافق والمعادن. ولما أريد التصريح بالتعميم قال: ~~{والجبال} ولأن أكثر المنافع فيها {فأبين} على عظم أجرامها وقوة أركانها ms3810 ~~وسعة أرجائها {أن يحملنها} فيمنعها ويحبسنها عن أهلها، قال الزمخشري: من ~~قولك: فلان حامل للأمانة ومحتمل لها، أي لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ~~ذمته ويخرج عن عهدتها، لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها، ~~ألا تراهم يقولون: ركبته الديون ولي عليه حق، فإذا أداها لم تبق راكبة له ~~ولا هو حاملا لها {وأشفقن منها} فبدل كل منهن ما أودعه الله فيه في وقته ~~كما أراده الله، وهو معنى: أتينا طائعين، والحاصل أنه جعلت الإرادة وهي ~~الأمر التكويني في حق الأكوان لكونها لا تعقل كالأمر التكليفي التكويني في ~~حقنا لأنا نعقل تمييزا بين من يعقل ومن لا يعقل في الحكم، كما ميز بينهما ~~في الفهم إعطاء لكل منهما ما يستحقه رتبته - وهذا هو معنى ما نقله البغوي ~~عن الزجاج وغيره من أهل المعاني، وما أحسن ما قاله النابغة زياد بن معاوية ~~الذبياني حيث قال: # PageV15P424 # أتيتك عاريا خلقا ثيابي ... على خوف تظن بي الظنون # فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون # قال ابن الفرات: إن عمر رضي الله عنه قال لما قيل له إن النابغة قائلهما: ~~هو أشعر شعرائكم. # ولما كان الخائن أكثر من الأمين أضعافا مضاعفة، وكانت النفس بما أودع ~~فيها من الشهوات والحظوظ محل النقائص، قال تعالى: {وحملها الإنسان} أي أكثر ~~الناس والجن، فإن الإنسان الأنس، والإنس والأناس الناس، وقد تقدم في {ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم} [الأعراف: 85] في الأعراف أن الناس يكون من الإنس ~~ومن الجن، وأنه جمع إنس وأصله أناس، والإسناد إلى الجنس لا يلزم منه أن ~~يكون كل فرد منه كذلك، فهو هنا باعتبار الأغلب، وفي التعبير به إشارة إلى ~~أنه لا يخون إلا من هو في أسفل الرتب لم يصل إلى حد النوس. # ولما كان الإنسان - لما له بنفسه من الأنس وفي صفاته من العشق، وله من ~~العقل والفهم - يظن أنه لا نقص فيه، علل ذلك بقوله مؤكدا: {إنه} على ضعف ~~قوته وقلة حيلته {كان} # PageV15P425 # أي في جبلته إلا من عصم الله ms3811 {ظلوما} يضع الشيء في غير محله كالذي في ~~الظلام لما غطى من شهواته على عقله، ولذلك قال: {جهولا *} أي فجهله يغلب ~~على حلمه فيوقعه في الظلم، فجعل كل من ظهور ما أودعه الله في الأكوان وكونه ~~في حيز الإمكان كأنه عرض عليها كل من حمله وبذله كما أنه جعل تمكين الإنسان ~~من كل من إبداء ما اؤتمن عليه وإخفائه كذلك. # ولما كان الحكم في الظاهر على جميع الإنسان، وفي الحقيقة - لكون القضية ~~الخالية عن السور في قوة الجزئية - على بعضه، لكنه لما أطلق إطلاق الكلي ~~فهم أن المراد الأكثر، قال مبينا أن «ال» ليست سورا معللا لحمله لها مقدما ~~التعذيب إشارة إلى أن الخونة أكثر، لافتا العبارة إلى الاسم الأعظم لتنويع ~~المقال إلى جلال وجمال: {ليعذب الله} أي الملك الأعظم بسبب الخيانة في ~~الأمانة، وقدم من الخونة أجدرهم بذلك فقال: {المنافقين والمنافقات} أي ~~الذين يظهرون بذل الأمانة كذبا وزورا وهم حاملون لها عريقون في النفاق ~~{والمشركين والمشركات} أي الذين يصارحون بحملها ومنعها عن أهلها وهم عريقون ~~في الشرك فلا يتوبون منه. # ولما كان تقديم التعذيب مفهما أن الخونة أكثر، أشار إلى أن # PageV15P426 # المخلص نادر جدا بقوله: {ويتوب الله} أي بما له من العظمة {على المؤمنين} ~~أي العريقين في وصف الإيمان وهو الثابون عليه إلى الموت {والمؤمنات} العصاة ~~وغيرهم فيرفقهم لبذلها بعد حملها فالآية من الاحتباك: ذكر العذاب أولا ~~دليلا على النعيم ثانيا، والتوبة ثانيا دليلا على منعها أولا أي عرض هذا ~~العرض وحكم هذا الحكم ليعذب وينعم بحجة يتعارفها الناس فيما بينهم. # ولما كان هذا مؤذنا بأنه ما من أحد إلا وقد حملها وقتا ما، فكان مرغبا ~~للقلوب مرهبا للنفوس، قال مؤنسا لها مرغبا: {وكان الله} أي على ما له من ~~الكبر والعظمة والانتقام والملك والسطوة {غفورا} أي محاء لذنوب التائبين ~~الفعلية والإمكانية عينا وأثرا {رحيما} أي مكرما لهم بأنواع الإكرام بعد ~~الرجوع عن الإجرام، ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مطلعها بالتقوى ~~أمر في مقطعها بذلك على ms3812 وجه عام، وتوعد المشاققين والمنافقين الذين نهى في ~~أولها عن طاعتهم، وختم بصفتي المغفرة والرحمة كما ختم في أولها بهما آية ~~الخطأ والتعمد، فقد تلاقيا وتعانقا وتوافقا وتطابقا - والله يقول الحق وهو ~~يهدي السبيل، وهو أعلم بالصواب. # PageV15P427 # مقصودها أن الدار الآخرة - التي أشار إليها آخر تلك بالعذاب والمغفرة بعد ~~أن أعلم أن الناس يسألون عنها - كائنة لا ريب فيها، لما في ذلك من الحكمة، ~~وله عليه من القدرة، وفي تركها من عدم الحكمة والتصوير بصورة الظلم، ولقصة ~~سبأ التي سميت بها السورة مناسبة كبيرة لهذا المقصد كما ياتي بيانه لذلك ~~سميت بها) بسم الله (الذي من شمول قدرته إقامة الحساب) الرحمن (الذي من ~~عموم رحمته ترتيب الثواب والعقاب) الرحيم (الذي يمن على أهل كرامته بطاعته ~~حتى لا عقاب يلحقهم ولا عتاب. # لما ختمت سورة الأحزاب بأنه سبحانه عرض أداء الأمانة وحملها - وهي جميع ~~ما في الوجود من المنافع - على السماوات والأرض والجبال، فأشفقن منها ~~وحملها الإنسان الذي هو الإنس والجان، وأن نتجية العرض والأداء والحمل ~~العذاب والثواب، فعلم أن الكل ملكه وفي ملكه، خائفون من عظمته مشفقون من ~~قهر سطوته وقاهر جبروته، وأنه المالك التام الملك والملك المطاع المتصرف في ~~كل شيء # PageV15P428 # من غير دفاع، وختم ذلك بصفتي المغفرة والرحمة، دل على ذلك كله بأن ابتدأ ~~هذه # PageV15P429 # بقوله {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال من الخلق والأمر كله مطلقا في ~~الأولى الأخرى وغيرهما مما يمكن أن يكون ويحيط به علمه سبحانه {لله} ذي ~~الجلال والجمال. # ولما كان هذا هو المراد، وصفه بما يفيد ذلك، فقال منبها على نعمة الإبداء ~~والإبقاء أولا: {الذي له} أي وحده ملكا وملكا وإن نسبتم إلى غيره ملكا ~~وملكا ظاهريا {ما في السموات} أي بأسرها {وما في الأرض} أي كما ترون أنه لا ~~متصرف في شيء من ذلك كمال التصرف غيره، وقد علم في غير موضع وتقرر في كل ~~فطرة أنه ذو العرش العظيم، فأنتج ذلك أن له ما يحويه عرشه من السماوات ~~والأراضي وما فيها، لأن ms3813 من المعلوم أن العرش محيط بالكل، فالكل فيه، وكل ~~سماء في التي فوقها، وكذا الأراضي، وقد تقرر أن له ما في الكل، فأنتج ذلك ~~أن له الكل بهذا البرهان الصحيح، وهو أبلغ مما لو عبر عن ذلك على وجه ~~التصريح، وإذ قد كان له ذلك كله فلا نعمة على شيء إلا منه، فكل شيء يحمده ~~لما له عليه من نعمه بلسان قال، فإن لم يكن فبلسان حاله. # PageV15P429 # ولما أفاد ذلك أن له الدنيا وما فيها، وقد علم في آخر الأحزاب أن نتيجة ~~الوجود العذاب والمغفرة، ونحن نرى أكثر الظلمة والمنافقين يموتون من غير ~~عذاب، وأكثر المؤمنين يموتون لم يوفوا ما وعدوه من الثواب، ونعلم قطعا أنه ~~لا يجوز على حكيم أن يترك عبيده سدى يبغي بعضهم على بعض وهو لا يغير عليهم، ~~فأفاد ذلك أن له دارا أخرى يظهر فيها العدل وينشر الكرم والفضل، فلذلك قال ~~عاطفا على ما يسببه الكلام الأول من نحو: فله الحمد في الأولى، وطواه لأجل ~~خفائه على أكثر الخلق، وأظهر ما في الآخرة لظهوره لأنها دار كشف الغطاء، ~~فقال منبها على نعمة الإعادة والإبقاء ثانيا: {وله} أي وحده {الحمد} أي ~~الإحاطة بالكمال {في الآخرة} ظاهرا لكل من يجمعه الحشر، وله كل ما فيها، لا ~~يدعي ذلك أحد في شيء منه لا ظاهرا ولا باطنا، فكل شيء فيها لظهور الحمد إذ ~~ذاك بحمده كما ينبغي لجلاله بما له عليه من نعمة أقلها نعمة الإيجاد حتى ~~أهل النار فإنهم يحمدونه بما يحبب إليهم في الدنيا من إسباغ نعمه ظاهرة ~~وباطنة، ومنها إنزال الكتب وإرسال الرسل على وجه ما أبقى فيه للتحبب موضعا ~~في دعائهم إليه وإقبالهم عليه، وبذل النصيحة على وجوه من اللطف كما هو ~~معروف عند من عاناه، فعلموا أنهم هم المفرطون حيث أبوا في الأولى حيث ينفع # PageV15P430 # الإيمان، واعترفوا في الآخرة حيث فات الأوان {وقالوا آمنا به وأنى لهم ~~التناوش} - الآيات، وأيضا فهم يحمدونه في الآخرة لعلمهم أنه لا يعذب أحدا ~~منهم فوق ما يستحق ms3814 وهو قادر على ذلك، ولذلك جعل النار طبقات، ورتبها دركات، ~~فكانوا في الأولى حامدين على غير وجهه، فلم ينفعهم حمدهم لبنائه على غير ~~أساس، وحمدوا في الآخرة على وجهه فما أغنى عنهم لكونها ليست دار العمل ~~لفوات شرطه، وهو الإيمان بالغيب، والآية من الاحتباك: حذف أولا «له الحمد ~~في الأولى» لما دل عليه ثانيا، وثانيا «وله كل ما في الآخرة» لما دل عليه ~~أولا، وقد علم بهذا وبما قدمته في النحل والفاتحة أن الحمد تارة يكون ~~بالنظر إلى الحامد، وتارة بالنظر إلى المحمود، فالثاني اتصاف المحمود ~~بالجميل، والأول وصف الحامد له بالجميل، فحمد الله تعالى اتصافه بكل وصف ~~جميل، وحمد الحامد له وصفه بذلك، فكل الأكوان ناطقة بألسن أحوالها بحمده ~~سواء أنطق لسان القال بذلك أم لا، وهو محمود قبل تكوينها، وذلك هو معنى ~~قولي الإحاطة بأوصاف الكمال، وحمد غيره له تارة # PageV15P431 # يطلق بالمدلول اللغوي، وتارة بالمدلول العرفي، وتحقيق ما قال العلماء في ~~ذلك في نفسه وبالنسبة بينه وبين الشكر أن الحمد في اللغة هو الوصف بالجميل ~~الاختياري على جهة التعظيم، ومورده اللسان وحده فهو مختص بالظاهر ومتعلقه ~~النعمة وغيرها، فمورده خاص ومتعلقه عام، والشكر لغة على العكس من ذلك ~~متعلقه خاص ومورده عام، لأنه فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب إنعامه فمورده ~~الظاهر والباطن لأنه يعم اللسان والجنان والأركان، ومتعلقه النعمة الواصلة ~~إلى الشاكر، ومن موارده القلب وهو أشرف الموارد كلها، لأنه فعله وإن كان ~~خفيا يستقل بكونه شكرا من غير أن ينضم إليه فعل غيره بخلاف الموردين ~~الآخرين، إذ لا يكون فعل شيء منهما حمدا ولا شكرا حقيقة ما لم ينضم إليه ~~فعل القلب. # ولما كان تعاكس الموردين والمتعلقين ظاهر الدلالة على النسبة بين الحمد ~~والشكر اللغويين، علم أن بينهما عموما وخصوصا وجهيا، لأن الحمد قد يترتب ~~على الفضائل المجردة، والشكر قد يختص بالفواضل، فينفرد الحمد من هذه الجهة، ~~وينفرد الشكر بالفعل الظاهر والاعتقاد الباطن على الفواضل من غير قول، ~~ويجتمعان في الوصف الجناني واللساني على الفواضل، ففعل القلب ms3815 اعتقاد اتصاف ~~المشكور بصفات # PageV15P432 # الكمال من الجلال والجمال، وفعل اللسان ذكر ما يدل على ذلك، وفعل الأركان ~~الإتيان بأفعال دالة على ذلك. # ولما كان هذا حقيقة الحمد والشكر لغة لا عرفا، وكانت الأوهام تسبق إلى أن ~~الحمد ما يشتمل على لفظ ح م د، قال القطب الرازي في شرح المطالع: وليس ~~الحمد عبارة عن خصوص قول القائل «الحمد لله» وإن كان هذا القول فردا من ~~أفراد الماهية، وكذا ليس ماهية الشكر عبارة عن خصوص قول القائل «الشكر لله» ~~ولا القول المطلق الدال على تعظيم الله وإن كان الثاني جزءا منه والأول فرد ~~من هذا الجزء، وحقيقة الحمد في العرف ما يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه ~~منعما، وحقيقة الشكر العرفي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من القوى ~~إلى ما خلق له كصرف النظر إلى مطالعة مصنوعاته للاعتبار إلى علي حضراته، ~~وإلقاء السمع إلى تلقي ما ينبىء عن مرضاته، والاجتناب عن منهياته، فذكر ~~الوصف في اللغوي يفهم الكلام سواء كان نفسائيا أو لسانيا فيشمل حمد الله ~~تعالى نفسه وحمدنا له، والجميل متناول للأنعام وغيره من مكارم الأخلاق ~~ومحاسن الأعمال، وعدم تقييد الوصف بكونه في مقابلة نعمه مظهر لأن الحمد قد ~~يكون واقعا بإزاء النعمة وقد لا يكون، واشتراط التعظيم يفهم تطابق الظاهر ~~والباطن، فإن عرى قول اللسان # PageV15P433 # عن مطابقة الاعتقاد أو خالفه فعل الجوارح لم يكن حمدا حقيقة، بل استهزاء ~~وسخرية، ومطابقة الجنان والأركان شرط في الحمد لا شطر، فلا يتداخل ~~التعريفان، ولا يخرج بالاختيار صفات الله القديمة، فإنها من حيث قدرته على ~~تعليقها بالأشياء تكون داخلة فيكون الحمد على الوصف الاختياري، وكذا إذا ~~مدح الشجاع بشجاعته والقدرة على تعليق الوصف بما يتحقق به كانت الشجاعة ~~خاصة لم يكن هناك محمود عليه، فقد علم من هذا أنه إذا كان هناك اختيار في ~~الآثار كان الحمد عليه وإلا فلا، فلا يسمى وصف اللؤلؤة بصفاء الجوهر وبهجة ~~المنظر حمدا بل مدحا، ويسمى الوصف بالشجاعة للاختيار في إظهار آثارها حمدا، ~~فاختص الحمد ms3816 بالفاعل المختار دون المدح، وعلم أيضا أن القول المخصوص وهو ~~«الحمد لله» ليس حمدا لخصوصه، بل لأند دال على صفة الكمال ومظهر لها، ~~فيشاركه في التسمية كل ما دل على ذلك من الوصف، ولذلك قال بعض المحققين من ~~الصوفية: حقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية، وذلك قد يكون بالقول كما عرف، ~~وقد يكون بالفعل وهو أقوى، لأن الأفعال التي هي آثار الأوصاف تدل عليها ~~دلالة عقلية قطعية، لا يتصور فيها خلف بخلاف الأقوال، فإن دلالتها عليها ~~وضعية، وقد يتخلف عنها مدلولها، وقد حمد الله تعالى نفسه بما يقطع به من # PageV15P434 # القول والفعل، ما الفعل فإنه بسط بساط الوجود على ممكنات لا تحصى ووضع ~~عليه موائد كرمه التي لا تتناهى، فكشف ذلك عن صفات كماله وأظهرها بدلالات ~~قطعية تفصيلية غير متناهية، فإن كل ذرة من ذرات الوجود تدل عليها، ولا ~~يتصور في عبارات المخلوق مثل هذه الدلالات، ومن ثمة قال صلى الله عليه وسلم # «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» ولا بد للتنبه لما قاله ~~الأستاذ أبو الحسن التجيبي المغربي الحرالي في تفسيره بأن حمدلة الفاتحة ~~تتضمن من حيث ظاهرها المدح التام الكامل ممن يرى المدحة سارية في كل ما ~~أبدعه الله وما أحكمه من الأسباب التي احتواها الكون كله، وعلم أن كلتا يدى ~~ربه يمين مباركة، وهو معنى ما يظهره إحاطة العلم بإبداء الله حكمته على وجه ~~لا نكرة فيه منه، ولا ممن هو في أمره خليفته، وليس من معنى ما بين العبد ~~وربه من وجه إسداء النعم وهو أمر يجده القلب علما، لا أمر يوافق النفس ~~غرضا، فمن لم يكمل بعلم ذلك تاليا على أثر من علمه، واجدا بركة تلاوته - ~~انتهى. # وأما القول فإنه سبحانه لما علم أن لسان الحال إنما يرمز رمزا خفيا لا ~~يفهمه إلا الأفراد وإن كان بعد التحقيق جليا، أنزل عليما كتابا مفصحا ~~بالمراد أثنى فيه على نفسه، وبين صفات كماله # PageV15P435 # بالبيان الذي يعجز عنه القوى، ثم جعل الإعجاز دلالة قطعية على كماله، ms3817 ~~وعلى كل ما له من جلاله وجماله، وقد علم من هذه التعاريف أن بين الحمد ~~والشكر اللغويين عموما وخصوصا من وجه، لأن الحمد قد يترتب على الفضائل وهي ~~الصفات الجميلة التي لا يتجاوز منها أثر ومنفعة إلى غير الممدوح كالشجاعة، ~~والشكر يختص بالفواضل وهي النعم وهي الصفات والمزايا المتعدية التي يحصل ~~منها منفعة لغير الممدوح كالإحسان والمواهب والعطايا كما مضى، وبين الحمد ~~والشكر العرفيين عموما وخصوصا مطلقا، فالحمد أعم مطلقا لعموم النعم الواصلة ~~إلى الحامد وغيره، واختصاص الشكر بما يصل إلى الشاكر، وذلك لأن المنعم ~~المذكور في التعريف مطلق لم يقيد بكونه منعما على الحامد أو على غيره، ~~فمتناولهما بخلاف الشكر وقد اعتبر فيه منعم مخصوص وهو الله تعالى، ونعم ~~واصلة منه إلى الشاكر، ولعموم هذا الحمد مطلقا وخصوص هذا الشكر مطلقا وجه ~~ثان، وهو أن فعل القلب واللسان مثلا قد يكون حمدا وليس شكرا أصلا، إذ قد ~~اعتبر فيه شمول الآلات، ووجه ثالث وهو أن الشكر بهذا المعنى لا يتعلق بغيره ~~تعالى بخلاف الحمد، # PageV15P436 # وما يقال من أن النسبة بالعموم المطلق، بين العرفيين إنما تصح بحسب ~~الوجود دون الحمل الذي كلامنا فيه، لأن الحمد بصرف القلب مثلا فيما خلق ~~لأجله جزء من صرف الجميع غير محمول عليه لامتيازه في الوجود عن سائر أجزائه ~~وأما في الحمل فلا يمتاز المحمول عن الموضوع في الوجود الخارجي، فغلظ من ~~باب اشتباه الشيء بما صدق هو عليه، فإن ما ليس محمولا على ذلك الصرف هو ما ~~صدق عليه الحمد، أعني صرف القلب وحده لا مفهومه المذكور، وهو فعل يشعر ~~بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما، وهذا المفهوم يحمل على صرف الجميع، وما ~~يقال إن صرف الجميع أفعال متعددة، فلا يصدق عليه أنه فعل واحد، وما يقال إن ~~صرف الجميع أفعال متعددة، فلا يصدق عليه أنه فعل واحد، جوابه أنه فعل واحد ~~تعدد متعلقه، فلا ينافي وصفه بالوحدة كما يقال: صدر عن زيد فعل واحد إكرام ~~جميع القوم مثلا، وتحقيقه أن المركب قد يوصف بالوحدة ms3818 الحقيقية كبدن واحد، ~~والاعتبارية كعسكر واحد، وصدق الجميع من قبيل الثاني كما لا يرتاب فيه ذو ~~مسكة، والنسبة بين الحمدين اللغوي والعرفي عموم وخصوص من وجه، لأن الحمد ~~العرفي هو الشكر اللغوي، وقد مضى بيان ذلك فيهما. # وبين الشكر العرفي # PageV15P437 # واللغوي عموم مطلق لأن الشكر اللغوي يعم النعمة إلى الغير دون العرفي فهو ~~أعم، والعرفي أخص مطلقا، وكذا بين الشكر العرفي والحمد اللغوي لأن الأول ~~مخصوص بالنعمة على الشاكر سواء كان باللسان أو لا، والثاني وإن خص باللسان ~~فهو مشترط فيه مطابقة الأركان والجنان، ليكون على وجهة التبجيل، وقد لا ~~يكون في مقابلة نعمة فهو أعم مطلقا فكل شكر عرفي حمد لغوي، ولا ينعكس وهذا ~~بحسب الوجود، وكذا بين الحمد العرفي والشكر اللغوي عموم مطلق أيضا إذا قيدت ~~النعمة في اللغوي بوصولها إلى الشاكر كما مر، وأما إذا لم تقيد فهما ~~متحدان، وأما الشكر المطلق فهو على قياس ما مضى تعظيم المنعم بصرف نعمته ~~إلى ما يرضيه، ولا يخفى أنه إذا كان نفس الحمد والشكر من النعم لم يمكن ~~أحدا الإتيان بهما على التمام والكمال لاستلزامه تسلسل الأفعال إلى ما لا ~~يتناهى، وهذا التحقيق منقول عن إمام الحرمين والإمام الرازي - هذا حاصل ما ~~في شرح المطالع للقطب الرازي وحاشيته للشريف الجرجاني بزيادات، وقد علم صحة ~~ما أسلفته في شرح الحمد بالنظر إلى الحامد وبالنظر إلى المحمود، وإذا جمعت ~~أطراف ما تقدم في سورة النحل # PageV15P438 # والفاتحة وغيرهما من أن المادة تدور على الإحاطة علم أنه بالنظر إلى ~~الحامد وصفة المحمود بالإحاطة بأوصاف الكمال، وبالنظر إلى المحمود اتصافه ~~بالإحاطة بأوصاف الكمال، فإن الوصف يشترط أن يكون مطابقا وإلا كان مدحا لا ~~حمدا، كما حققه العلامة قاضي دمشق شمس الدين أحمد بن خليل الخويي في كتابه ~~أقاليم التعاليم. # ولما تقرر أن الحكمة لا تتم إلا بإيجاد الآخرة قال: {وهو الحكيم} أي الذي ~~بلغت حكمته النهاية التي لا مزيد عليها، والحكمة هي العلم بالأمور على وجه ~~الصواب متصلا بالعمل على وفقه. # ولما كانت الحكمة ms3819 لا تتهيأ إلا بدقيق العلم وصافيه ولبابه وهو الخبرة ~~قال: {الخبير} أي البليغ الخبر وهو العلم بظواهر الأمور وبواطنها حالا ~~ومالا، فلا يجوز في عقل انه - وهو المتصف بهاتين الصفتين كما هو مشاهد في ~~إتقان أفعاله وإحكام كل شيء سمعناه من أقواله - يخلق الخلق سدى من غير ~~إعادة لدار الجزاء، وقد مضى في الفاتحة وغيرها عن العلامة سعد الدين ~~التفتازاني أنه قال: التصدير بالحمد إشارة إلى إمهات النعم الأربع، وهي ~~الإيجاد الأول، والإيجاد الثاني، والإبقاء الأول، والإبقاء الثاني، وأن ~~الفاتحة لكونها أم الكتاب أشير فيها # PageV15P439 # إلى الكل، ثم أشير في كل سورة صدرت بعدها بالحمد إلى نعمة منها على ~~الترتيب، وأنه أشير في الأنعام إلى الإيجاد الأول وهو ظاهر وفي الكهف إلى ~~الإبقاء الأول، لأن انتظام البقاء الأول والانتفاع بالإيجاد لا يكون إلا ~~بالكتاب والرسول، وأنه أشير في هذه السورة إلى الإيجاد الثاني لانسياق ~~الكلام إلى إثبات الحشر والرد على منكري الساعة حيث قال سبحانه {وقال الذين ~~كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي} انتهى، وقد علم مما قررته أنها من ~~أولها مشيرة إلى ذلك على طريق البرهان. # وقال أبو جعفر بن الزبير: افتتحت بالحمد لله لما أعقب بها ما انطوت عليه ~~سورة الأحزاب من عظيم الآلاء وجليل النعماء حس ما أبين - آنفا - يعني في ~~آخر كلامه على سورة الأحزاب - فكان مظنة الحمد على ما منح عباده المؤمنين ~~وأعطاهم فقال تعالى {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} ملكا ~~واختراعا، وقد أشار هذا إلى إرغام من توقف منقطعا عن فهم تصرفه سبحانه في ~~عباده بما تقدم وتفريقهم بحسب ما شاء فكأن قد قيل: إذا كانوا له ملكا ~~وعبيدا، فلا يتوقف في فعله بهم ما فعل من تيسير للحسنى # PageV15P440 # أو لغير ذلك مما شاءه بهم على فهم علته واستطلاع سببه، بل يفعل بهم ما ~~شاء وأراد من غير حجر ولا منع {وهو الحكيم الخبير} وجه الحكمة في ذلك التي ~~خفيت عنكم، وأشار قوله {وله الحمد في الآخرة} إلى ms3820 أنه سيطلع عباده المؤمنين ~~- من موجبات حمده ما يمنحهم أو يضاعف لهم من الجزاء أو عظيم الثواب في ~~الآخرة - على ما لم تبلغه عقولهم في الدنيا ولا وفت به أفكارهم {فلا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] ثم أتبع سبحانه ما تقدم من حمده ~~على ما هو أهله ببسط شواهد حكمته وعلمه فقال تعالى {يعلم ما يلج في الأرض ~~وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها} إلى قوله {وهو الرحيم} ~~فبرحمته وغفرانه أنال عباده المؤمنين ما خصهم به وأعطاهم، فله الحمد الذي ~~هو أهله، ثم أتبع هذا بذكر إمهاله من كذب وكفر مع عظيم اجترائهم لتتبين سعة ~~رحمته ومغفرته فقال تعالى {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة} إلى قوله: ~~{إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} أي إن في إمهاله سبحانه لهؤلاء بعد عتوهم ~~واستهزائهم في قولهم {لا تأتينا الساعة} وقوله: {هل ندلكم على رجل ينبئكم ~~إذا مزقتم كل ممزق أنكم لفي خلق جديد} وإغضائهم عن الاعتبار بما بين أيديهم ~~من السماء والأرض وأمنهم أخذهم من أي الجهات وفي إمهالهم وإدرار أرزاقهم مع ~~عظيم مرتكبهم آيات لمن أناب واعتبر، ثم بسط لعباده المؤمنين من ذكر الآية ~~ونعمه # PageV15P441 # وتصريفه في مخلوقاته ما يوضح استيلاء قهره وملكه، ويشير إلى عظيم ملكه ~~كما أعلم في قوله سبحانه {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} ~~فقال سبحانه {ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له ~~الحديد} ثم قال {ولسليمان الريح} إلى قوله: {اعملوا آل داود شكرا} ثم أتبع ~~ذلك بذكر حال من لم يشكر فذكر قصة سبأ إلى آخرها، ثم وبخ تعالى من عبد غيره ~~معه بعد وضوح الأمر وبيانه فقال {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله} إلى ~~وصفه حالهم الأخروي ومراجعة متكبريهم ضعفاءهم وضعفائهم متكبريهم {وأسروا ~~الندامة لما رأوا العذاب} ثم التحمت الآي جارية على ما تقدم من لدن افتتاح ~~السورة إلى ختمها - انتهى. # ولما ختم بصفة الخبر، أتبع ms3821 ذلك ما يدل عليه فقال: {يعلم ما يلج في الأرض} ~~أي هذا الجنس من المياه والأموال، والأموات، وقدم هذا لأن الشيء يغيب في ~~التراب أولا ثم يسقى فيخرج {وما يخرج منها} من المياه والمعادن والنبات ~~{وما ينزل من السماء} أي هذا الجنس من حرارة وبرودة وماء وملك وغير ذلك ~~{وما يعرج} ولما كانت السماوات أجساما كثيفة متراقية، لم يعبر # PageV15P442 # بحرف الغاية كما في قوله تعالى {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] بل ~~قال: {فيها} أي من الأعمال والملائكة وكل ما يتصاعد من الأرض في جهة العلو ~~وأنتم كما ترونه يميز كل شيء عن مشابهه، فيميز ما له أهلية التولد من الماء ~~والتراب في الأرض من النباتات عن بقية الماء والتراب على اختلاف أنواعه ~~مميزا بعضه من بعض، ومن المعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص إلى ~~غير ذلك، مع أن الكل ما يخالط الزاب، فكيف يستبعد عليه أن يحيي الموتى لعسر ~~تمييز تراب كل ميت بعد التمزق والاختلاط من تراب آخر. # ولما كان الحاصل من هذا المتقدم أنه رب كل شيء، وكان الرب لا تنتظم ~~ربوبيته إلا بالرفق والإصلاح، وكان ربما ظن جاهل انه لا يعلم أعمال الخلائق ~~لأنه لو علمها ما أقر عليها، اعلم أن رحمته سبقت غضبه، ولذلك قدم صفة ~~الرحمة، ولأنه في سياق الحمد، فناسب تقديم الوصف الناظر إلى التكميل على ~~الوصف النافي للنقص فقال: {وهو} أي والحال أنه وحده مع كثرة نعمه المقيمة ~~للأبدان {الرحيم} أي المنعم بما ترضاه الإلهية من إنزال الكتب وإرسال الرسل ~~لإقامة الأديان {الغفور *} أي المحاء للذنوب أما من اتبع ما أنزل من ذلك ~~كما بلغته الرسل فبالمحو عينا وأثرا حتى لا يعاقبهم على ما سلف منها # PageV15P443 # ولا يعاتبهم، وأما غيره فالتكفير بأنواع المحن أو التأخير إلى يوم الحشر. # PageV15P444 # ولما ثبتت حكمته بما نشاهد من محكم الأفعال وصائب الأقوال، فثبت بذلك ~~علمه لأن الحكمة لا تكون إلا بالعلم، وكان الرب الرحيم العليم لا تكمل ~~ربوبيته إلا بالملك الظاهر والأيالة القاهرة التي لا شوب فيها، ms3822 ثبت البعث ~~الذي هو محط الحكمة وموضع ظهور العدل، فكانت نتيجة ذلك: فالله يأتي بالساعة ~~لما ثبت من برهانها كما ترون، فعطف عليه قوله: {وقال الذين كفروا} أي ستروا ~~ما دلتهم عليه عقولهم من براهينها الظاهرة: {لا تأتينا الساعة} والإخبار ~~عنها باطل. # ولما تقدم من الأدلة ما لا يرتاب معه، أمره أن يجيبهم برد كلامهم مؤكدا ~~بالقسم على أنه لم يخله من دليل ظاهر فقال: {قل بلى وربي} أي المحسن إلي ~~بما عمني به معكم من النعم، وبما خصني به من تنبئتي وإرسالي إليكم - إلى ~~غير ذلك من أمور لا يحصيها إلا هو سبحانه، فهو أكرم من أن يدعكم من غير أن ~~يحشركم لينتقم لي منكم، ويقر عيني بما يجازيكم به من أذاكم لي ولمن اتبعني، ~~فإنه لا يكون سيد قط يرضى أن يبغي بعض عصاة عبيده على بعض، ويدعهم سدى من ~~غير تأديب، فكيف إذا كان المبغي عليه مطيعا له، والباغي عاصيا عليه، هذا ما ~~لا يرضاه عاقل فكيف بحاكم فكيف بأحكام الحاكمين؟ {لتأتينكم} أي # PageV15P444 # الساعة لتظهر فيها ظهورا تاما الحكمة بالعدل والفضل، وغير ذلك من عجائب ~~الحكم والفصل. # ولما كان الحاكم لا يهمل رعيته إلا إذا غابوا من علمه، ولا يهمل شيئا من ~~أحوالهم إلا إذا غاب عنه ذلك الشيء، وكانت الساعة من عالم الغيب، وكان ما ~~تقدم من إثبات العلم ربما خصه متعنت بعالم الشهادة، وصف ذاته الأقدس سبحانه ~~بما بين أنه لا فرق عنده بين الغيب الذي الساعة منه والشهادة، بل الكل عنده ~~شهادة، وللعناية بهذا المعنى يقدم الغيب إذا جمعا في الذكر، فقال مبينا ~~عظمة المقسم به ليفيد حقية المقسم عليه لأن القسم بمنزلة الاستشهاد على ~~الأمر، وكلما كان المستشهد به أعلى كعبا وأبين فضلا وأرفع منزلة كان في ~~الشهادة أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ، واصفا له على قراءة الجماعة ~~ومستأنفا، - وهو أبلغ - على قراءة المدنيين وابن عامر ورويس عن يعقوب ~~بالرفع: {عالم الغيب} وقراءة حمزة والكسائي «علام» بصيغة المبالغة كما هو ~~أليق بالموضع. ms3823 # ولما كنا القصور علمنا متقيدين بما في هذا الكون مع أن الكلام فيه، # PageV15P445 # قال مصرحا بالمقصود على أتم وجه: {لا يعزب} - أي يغيب ويبعد عزوبا قويا - ~~على قراءة الجماعة بالضم، ولا ضعيفا - على قراءة الكسائي بالكسر {عنه مثقال ~~ذرة} أي من ذات ولا معنى، والذرة نملة حمراء صغيرة جدا صارت مثلا في أقل ~~القليل فهي كناية عنه. # ولما كان في هذه السورة السباق للحمد، وهو الكمال وجهة العلو به أوفق ~~ولأمر الساعة ومبدأه منها بدأ بها. # ولما كان قد بين علمه بأمور السماء، وكان المراد بها الجنس، جمع هنا ~~تصريحا بذلك المراد فقال: {في السماوات} وأكد النفي بتكرير «لا» فقال: {ولا ~~في الأرض} ولما كنا مقيدين بالكتاب، ابتدأ الخبر بما يبهر العقل من أن كل ~~شيء مسطور من قبل كونه ثم يكون على وفق ما سطر، فإذا كشف للملائكة عن ذلك ~~ازدادوا إيمانا وتسبيحا وتحميدا وتقديسا، فقال - عند حميع القراء عاطفا على ~~الجملة من أصلها لا على المثقال لأن الاستثناء يمنعه: {ولا أصغر} أي ولا ~~يكون شيء أصغر {من ذلك} أي المثقال {ولا أكبر} أي من المثقال فما فوقه {إلا ~~في كتاب} وإخبارنا به لما جرت به عوائدنا من تقييد العلم بالكتاب، وأما هو ~~سبحانه فغني عن ذلك. # ولما كان الإنسان قد يكتب الشيء ثم يغيب عنه وينسى مكانه # PageV15P446 # فيعجز في استخراجه أخبر أن كتابه على خلاف ذلك، بل هو حيث لا يكشف من ~~يريد اطلاعه عليه شيئا إلا وجده في الحال فقال: {مبين *} ويجوز - ولعله ~~أحسن - إذا تأملت هذه مع آية يونس أن يعطف على مثقال، ويكون الاستثناء ~~منقطعا، ولكن على بابها في كونها بين متنافيين، فإن المعنى أنه لا يغيب ولا ~~يبعد عنه شيء من ذلك لكنه محفوظ أتم حفظ في كتاب لا يراد منه كشف عن شي إلا ~~كان له في غاية الإبانة، ولعله عبر بأداة المتصل إشارة إلى أنه إن كان هناك ~~عزوب فهو على هذه الصفة التي هي في غاية البعد عن العزوب، ثم بين ms3824 علة ذلك ~~كله دليلا على صدق القسم بما ختمت به الأحزاب من حكمة عرض الأمانة مما لا ~~يمتري ذو عقل ولو قل في صحته، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يفعل غيره فقال: ~~{ليجزي الذين آمنوا} أي فإنه ما خلق الأكوان إلا لأجل الإنسان، فلا يجوز ان ~~يدعه بغير جزاء: {وعملوا} أي تصديقا لإيمانهم {الصالحات} . # ولما التفت السامع إلى معرفة جزائهم، أوردة تعظيما لشأنه، جوابا للسؤال ~~مشيرا إليه بما دل على علو رتبته بعلو رتبة أهله: {أولئك} # PageV15P447 # أي العالو الرتبة {لهم مغفرة} أي لزلاتهم أو هفواتهم لأن الإنسان المبني ~~على النقصان لا يقدر العظيم السلطان حق قدره {ورزق كريم *} أي جليل عزيز ~~دائم لذيذ نافع شهي، لا كدر فيه بوجه. # ولما كانت أدلة الساعة قد اتضحت حتى لم يبق مانع من التصديق بها إلا ~~العناد، وكان السياق لتهديد من جحدها، قال معبرا بالماضي: {والذين سعوا} أي ~~فعلوا فعل الساعي {في آياتنا} أي على ما لها من العظمة {معجزين} أي مبالغين ~~في قصد تعجيزها بتخلفها عما نزيده من إنفاذها، وهكذا معنى قراءة المفاعلة، ~~ولما كان ذنبهم عظيما، أشار بابتداء آخر فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء ~~الحقيرون عن أن يبلغوا مرادا بمعاجزتهم {لهم عذاب} وأي عذاب {من رجز} أي ~~شيء كله اضطراب، فهو موجب لعظيم النكد والانزعاج، فهو أسوأ العذاب {أليم *} ~~أي بليغ الألم - جره الجماعة نعتا لرجز، ورفعه ابن كثير وحفص عن عاصم نعتا ~~لعذاب. # ولما ذم الكفرة، وعجب منهم في إنكارهم الساعة في قوله: {وقال الذين # PageV15P448 # كفروا لا تأتينا الساعة} وأقام الدليل على إتيانها، وبين أنه لا يجوز في ~~الحكمة غيره ليحصل العدل والفضل في جزاء أهل الشر وأولي الفضل، عطف على ذلك ~~مدح المؤمنين فقال واصفا لهم بالعلم، إعلاما بأن الذي أورث الكفرة التكذيب ~~الجهل: {ويرى الذين} معبرا بالرؤية والمضارع إشارة إلى أنهم في عملهم غير ~~شاكين، بل هم كالشاهدين لكل ما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وبالمضارع إلى تجدد عملهم مترقين في رتبه على الدوام مقابلة ms3825 لجلافة أولئك ~~في ثباتهم على الباطل الذي أشار إليه الماضي، وأشار إلى أن علمهم لدني ~~بقوله: {أوتوا العلم} أي قذفه الله في قلوبهم فصاروا مشاهدين لمضامينه لو ~~كشف الغطاء ما ازدادوا يقينا سواء كانوا ممن أسلم من العرب أو من أهل ~~الكتاب {الذي أنزل إليك} أي كله من أمر الساعة وغيره {من ربك} أي المحسن ~~إليك بإنزاله، وأتي بضمير الفصل تفخيما للأمر وتنصيصا على أن ما بعده مفعول ~~«أوتوا» الثاني فقال: {هو الحق} أي لا غيره من الكلام {ويهدي} أي يجدد على ~~مدى الزمان هداية من اتبعه {إلى صراط} أي طريق واضح واسع. # ولما كانت هذه السورة مكية، وكان الكفار فيها مستظهرين # PageV15P449 # والمؤمنون قليلين خائفين، والعرب يذمونهم بمخالفة قومهم ودين آبائهم ونحو ~~ذلك من الخرافات التي حاصلها الاستدلال على الحق المزعوم بالرجال قال: ~~{العزيز الحميد *} أي الذي من سلك طريقه - وهو الإسلام - عز وحمده ربه ~~فحمده كل شيء وأن تمالأ عليه الخلق أجمعون، فإنه سبحانه لا بد أن يتجلى ~~للفصل بين العباد، بالإشقاء والإسعاد على قدر الاستعداد. # PageV15P450 # ولما عجب سبحانه من الذين كفروا في قولهم {لا تأتينا الساعة} المتضمن ~~لتكذيبهم، وختم بتصديق الذين أوتوا العلم مشيرا إلى أن سبب تكذيب الكفرة ~~الجهل الذي سببه الكبر، عجب منهم تعجيبا آخر أشد من الأول لتصريحهم ~~بالتكذيب على وجه عجيب فقال: {وقال الذين كفروا} أي الذين تحققوا أمره صلى ~~الله عليه وسلم وأجمعوا خلافه وعتوا على العناد، لمن يرد عليهم ممن لا يعرف ~~حقيقة حاله معجبين ومنفرين: {هل ندلكم} أي أيها المعتقدون أن لا حشر. ولما ~~أخرجوا الكلام مخرج الغرائب المضحكة لم يذكروا اسمه مع أنه أشهر الأسماء، ~~بل قالوا: {على رجل} أي ليس هو صبيا ولا امرأة حتى تعذوره {ينبئكم} أي ~~يخبركم # PageV15P450 # متى شئتم أخبارا لا أعظم منه بما حواه من العجب الخارج عما نعقله مجددا ~~لذلك متى شاء المستخبر له. # ولما كان القصد ذكر ما يدل عندهم على استبعاد البعث، قدموا المعمول ~~فقالوا: {إذا} أي إنكم إذا {مزقتم} أي قطعتم وفرقتم ms3826 بعد موتكم من كل من ~~شأنه أن يمزق من التراب والرياح وطول الزمان ونحو ذلك تمزيقا عظيما، بحيث ~~صرتم ترابا، وذلك معنى {كل ممزق} أي كل تمزيق، فلم يبق شيء من أجسادكم مع ~~شيء، بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب الأرض، وذهبت به السيول كل ~~مذهب، فصار مع اختلاطه بتراب الأرض والتباسه متباعدا بعضه عن بعض، وكسر ~~معمول «ينبئكم» لأجل اللام فقال: {إنكم لفي} أي لتقومون كما كنتم قبل الموت ~~قياما لا شك فيه، والإخبار يه مستحق لغاية التأكيد {خلق جديد *} وهذا عامل ~~إذا الظرفية. # ولما نفروا عنه بهذا الإخبار المحير في الحامل له عليه، خيلوا بتقسيم ~~القول فيه في استفهام مردد بين الاستعجام تعجيبا والإنكار، فقالوا جوابا ~~لمن سأل عن سبب إخباره بإسقاط همزة الوصل، لعدم الإلباس # PageV15P451 # هنا بخلاف ما يصحب لام التعريف فإنها لفتحها تلبس بالخبر: {افترى} أي ~~تعمد {على الله} أي الذي لا أعظم منه {كذبا} بالإخبار بخلاف الواقع وهو ~~عاقل يصح منه القصد. ولما كان يلزم من التعمد العقل، قالوا: {أم به جنة} أي ~~جنون، فهو يقول الكذب، وهو ما لا حقيقة له من غير تعمد، لأنه ليس من أهل ~~القصد، فالآية من الاحتباك: ذكر الافتراء أولا يدل على ضده ثانيا، وذكر ~~الجنون ثانيا يدل على ذكر ضده أولا. # ولما كان الجواب: ليس به شيء من ذلك، عطف عليه مخبرا عن بعض الذين كفروا ~~بما يوجب ردع البعض الآخر قوله: {بل الذين لا يؤمنون} أي لا يجددون الإيمان ~~لأنهم طبعوا على الكفر {بالآخرة} أي الفطرة الآخرة التي أدل شيء عليها ~~الفطرة الأولى. # ولما كان هذا القول مسببا عن ضلالهم، وكان ضلالهم سببا لعذابهم، قدم ~~العذاب لأنه المحط وليرتدع من أراد الله إيمانه فقال: {في العذاب} أي في ~~الدنيا بمحاولة إبطال ما أراد الله إتمامه، وفي الآخرة لما فيه من المعصية، ~~وأتبعه سببه فقال: {والضلال} أي عما يلزم من وجوب وحدانيته وشمول قدرته ~~بسبب أن له ما في السماوات وما في الأرض. # ولما كان ms3827 قولهم بعيدا من الحق لوصفهم أهدى الناس بالضلال، # PageV15P452 # وكان الضلال يبعد ببعد صاحبه عن الجادة وتوغله في المهامه الوعرة ~~الشاسعة، قال واصفا له بوصف الضال: {البعيد *} فبين الوصف أنه لا يمكن ~~الانفكاك عنه، وعلم أن من الذين كفروا قسما لم يطبعوا على الكفر، فضلوا ~~ضلالا قريبا يمكن انفكاكهم عنه، وهم الذين آمنوا منهم بعد، وهو من بديع ~~القول حيث عبر بها الظاهر الذي أفهم هذا التقسيم موضع الإضمار الذي كان ~~حقه: بل هم في كذا. # ولما كانوا قد أنكروا الساعة لقطعهم بأن من مزق كل ممزق لا يمكن إعادته، ~~فقطعوا جهلا بأن الله تعالى لا يقول ذلك، فنسبوا الصادق صلى الله عليه وسلم ~~في الإخبار بذلك إلى أحد أمرين: تعمد الكذب أو الجنون. شرع سبحانه يدل على ~~صدقه في جميع ما أخبر به، فبدأ بإثبات قدرته على ذلك مستند إلى ضلالهم بسبب ~~غفلتهم عن تدبر الآيات، فكان المعنى: ضلوا فلم يروا، فدل عليه منكرا عليهم ~~مهددا لهم مقررا لذوي العقول من السامعين بقوله: {أفلم يروا} ونبه على أنهم ~~في محل بعد عن الإبصار النافع بحرف النهاية فقال: {إلى ما بين أيديهم} أي ~~أمامهم {وما خلفهم} وذلك إشارة إلى جميع الجوانب من كل من الخافقين # PageV15P453 # وأنهما قد أحاطا بهم كغيرهم. ولما لم تدع حاجة إلى الجمع أفرد فقال: {من ~~السماء والأرض} أي الذين جعلنا مطلع السورة أن لنا كل ما فيهما. # ولما كان الإنكار لائقا بمقام العظمة، فكان المعنى: إنا نفعل بهما وفيهما ~~ما نشاء، عبر بقوله: {إن نشأ} بما لنا من العظمة - على قراءة الجمهور ~~{نخسف} أي تغور {بهم} وأدغم الكسائي إلى أنه سبحانه قد يفعل ذلك في أسرع من ~~اللمح بحيث يدرك لأكثر الناس وقد يفعله على وجه الوضوح وهو أكثر - بما ~~أشارت إليه قراءة الإظهار للجمهور. ولما كان الخسف قد يكون لسطح أو سفينة ~~ونحوهما، خص الأمر بقوله: {الأرض} أي كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ ~~بعض أفعالنا فيها بأولى من غيره {أو تسقط عليهم كسفا} بفتح ms3828 السين على قراءة ~~حفص وبإسكانه على قراءة غيره أي قاطعا {من السماء} كذلك ليكون شديد الوقع ~~لبعد الموقع المدى عن السحاب ونحوه لأن من المعلوم أنا نحن خلقناهما، ومن ~~أوجد شيئا قدر على هذه وهذا ما أراد منه، ومن جعل السياق # PageV15P454 # للغيب - وهو حمزة والكسائي - رد الضمير على الاسم الأعظم الذي جعله مطلع ~~السورة. # ولما كان هذا أمرا ظاهرا، أنتج قوله مؤكدا لما لهم من إنكار البعث: {إن ~~في ذلك} أي في قدرتنا على ما نشاء من كل منهما والتأمل في فنون تصاريفهما ~~{لآية} أي علامة بينة على أنا نعامل من شئنا فيهما بالعدل بأي عذاب أردنا، ~~ومن شئنا بالفضل بأي ثواب أردنا، وذلك دال على أنا قادرون على كل ما نشاء ~~من الإماتة والإحياء وغيرهما، فقد خسفنا بقارون وآله وبقوم لوط وأشياعهم، ~~وأسقطنا من السماء على أصحاب الأيكة يوم الظلة قطعا من النار، وعلى قوم لوط ~~حجارة، فأهلكناهم بذلك أجمعين. ولما كانت الآيات لا تنفع من طبع على العناد ~~قال تعالى: {لكل عبد} أي متحقق أنه مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه {منيب *} ~~أي فيه قابلية الرجوع عما أبان له الدليل عن أنه زل فيه. # ولما أشار سبحانه بهذا الكلام الذي دل فيه على نفوذ الأمر إلى أنه تارة ~~يعدل وتارة يفضل، وكان الفضل أكثر استجلابا لذوي الهمم العلية والأنفس ~~الأبية، بدأ به في عبد من رؤوس المنيبين على وجه دال # PageV15P455 # على البعث بكمال التصرف في الخافقين وما فيهما بأمور شوهدت لبعض عبيدة ~~تارة بالعيان وتارة بالآذان، أما عند أهل الكتاب فواضح، وأما عند العرب ~~فبتمكينهم من سؤالهم فقد كانوا يسألونهم عنه صلى الله عليه وسلم وقال أبو ~~حيان: إن بعض ذلك طفحت به أخبارهم ونطقت به أشعارهم، فقال تعالى مقسما ~~تنبيها على أن إنكارهم للبعث إنكار لما يخبر به من المعجزات، عاطفا على ما ~~تقديره: فلقد آتينا هذا الرجل الذي نسبتموه إلى الكذب أو الجنون منا فضلا ~~بهذه الأخبار المدلول عليها بمعجز القرآن فيا بعد ما بينه ما ms3829 نسبتموه إليه: ~~{ولقد} أي وعزتنا وما ثبت لنا من الإحاطة بصفات الكمال بالاتصاف بالحمد لقد ~~{آتينا} أي أعطينا إعطاء عظيما دالا على نهاية المكنة بما لنا من العظمة ~~{داود} . # ولما كان المؤتى قد تكون واسطة لمن منه الإيتاء، بين أن الأمر ليس إلا ~~منه فقال: {منا فضلا} ودل على أن التنوين للتعظيم وأنه لا يتوقف تكوين شيء ~~على غير إرادته بقوله، منزلا الجبال منزلة العقلاء الذين يبادرون إلى ~~امتثال أوامره، تنبيها على كمال قدرته وبديع تصرفه في الأشياء كلها جوابا ~~لمن كأنه قال: ما ذلك الفضل؟ مبدلا # PageV15P456 # من {أتينا} {يا} أي قلنا لأشد الأرض: يا {جبال أوبي} أي رجعي التسبيح ~~وقراءة الزبور وغيرهما من ذكر الله {معه} أي كلما سبح، فهذه آية أرضية مما ~~هو أشد الأرض بما هو وظيفة العقلاء، ولذلك عبر فيه بالأمر دلالة على عظيم ~~القدرة. # ولما كانت الجبال أغلظ الأرض وأثقلها، وكان المعنى: دعونا الجبال للتأويب ~~معه، فبادرت الإجابة لدعائنا، لما تقدم من أنها من جملة من أبى أن يحمل ~~الأمانة، عطف على ذلك أخف الحيوان وألطفه، ليكون آية سماوية، على أنه يفعل ~~في السماء ما يشاء، فإنه لو أمات الطائر في جو السماء لسقط، ولا فرق في ذلك ~~بين عال وعال، فقال: {والطير} أي دعوناها أيضا، فكانت ترجع معه الذكر فدل ~~قرانها بالطير على ذكرها حقيقة كذكر الطير دفعا لتوهم من يظنه رجع الصدا، ~~وقراءة يعقوب بالرفع عطف على لفظ «جبال» وقراءة غيره عطف على موضعه، أو ~~تكون الواو بمعنى مع أو بتقدير فعل من معنى ما مضى كسخرنا، قال وهب بن ~~منبه: كان يقول للجبال: سبحي، وللطير: أجيبي، ثم يأخذ وهو في تلاوة الزبور ~~بين ذلك بصوته الحسن، فلا يرى الناس منظرا أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئا ~~أطيب منه، وذلك كما كان الحصى يسبح في كف النبي صلى الله عليه وسلم وكف أبي ~~بكر # PageV15P457 # وعمر رضي الله عنهما، وكما كان الطعام يسبح في حضرته الشريفة وهو يؤكل، ~~وكما كان الحجر يسلم عليه، وأسكفة ms3830 الباب وحوائط البيت تؤمن على دعائه، ~~وحنين الجذع مشهور، وكما كان الضب يشهد له والجمل يشكو إليه ويسجد بين يديه ~~ونحو ذلك وكما جاء الطائر الذي يسمى الحمرة تشكو الذي أخذ بيضها، فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم برده رحمة لها. # ولما ذكر طاعة أكثف الأرض وألطف الحيوان الذي أنشأه الله منها. ذكر ما ~~أنشأه سبحانه من ذلك الأكثف، وهو أصلب الأشياء فقال: {وألنا له الحديد} أي ~~الذي ولدناه من الجبال جعلناه في يده كالشمع يعمل منه ما يريد بلا نار ولا ~~مطرقة، ثم ذكر علة الإلانة بصيغة الأمر إشارة إلى أن عمله كان لله فقال: ~~{أن أعمل سابغات} أي دروعا طوالا واسعة. # ولما كان السرد الخرز في الأديم وإدخال الخيط في موضع الخرز شبه إدخال ~~الحلقة في الأخرى بلحمة لا طرف لها بمواضع الخرز فقال: {وقدر في السرد} أي ~~النسج بأن يكون كل حلقة مساوية لأختها مع كونها ضيقة لئلا ينفذ منها سهم ~~ولتكن في تحتها بحيث # PageV15P458 # لا يقلعها سيف ولا تثقل على الدارع فتمنعه خفة التصرف وسرعة الانتقال في ~~الكر والفر والطعن والضرب في البرد والحر، والظاهر أنه لم يكن في حلقها ~~مسامير لعدم الحاجة بإلانة الحديد إليها، وإلا لم يكن بينه وبين غيره فرق، ~~ولا كان للإلانة فائدة، وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه بغير مسامير، قال ~~الزجاج: السرد في اللغة: تقدير الشيء إلى الشيء ليتأتى متسقا بعضه في أثر ~~بعض متتابعا، ومنه قولهم: سرد فلان الحديث. وهذا كما ألان الله تعالى للنبي ~~صلى الله عليه وسلم في الخندق تلك الكدية وفي رواية: الكذانة وذلك بعد أن ~~لم تكن المعاول تعمل فيها وبلغت غاية الجهد منهم فضربها صلى الله عليه وسلم ~~ضربة واحدة، وفي رواية رش عليها ماء فعادت كثيبا أهيل لا ترد فأسا وتلك ~~الصخرة التي أخبره سلمان رضي الله عنها أنها كسرت فؤوسهم ومعاولهم وعجزوا ~~عنها فضربها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث ضربات كسر في ضربه ثلاثا منها ~~وبرقت مع كل ضربة ms3831 برقة كبر معها تكبيرة، وأضاءت للصحابة رضي الله عنهم ما ~~بين # PageV15P459 # لابتي المدينة بحيث كانت في النهار كأنها مصباح في جوف بيت مظلم، فسألوه ~~عن ذلك فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن إحدى الضربات أضاءت له صنعاء من أرض ~~اليمن حتى رأى أبوابها من مكانه ذلك، وأخبره جبرائيل عيله السلام أنها ~~ستفتح على أمته، وأضاءت له الأخرى قصور الحيرة البيض كأنها أنياب الكلاب، ~~وأخبر أنها مفتوحة لهم، وأضاءت له الأخرى قصور الشام الحمر كأنها أنياب ~~الكلاب، وأخبر بفتحها عليهم، فصدقه الله تعالى في جميع ما قال، وأعظم من ~~ذلك تصليب الخشب له حتى يصير سيفا قوي المتن جيد الحديدة، وذلك أن سيف عبد ~~الله بن جحش رضي الله عنه انقطع يوم أحد، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عرجونا فعاد في يده سيفا قائمة منه فقاتل به، فكان يسمى العون، ولم ~~يزل بعد يتوارث حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار ذكره الكلاعي في السيرة ~~عن الزبير بن أبي بكر والبيهقي، وقاتل عكاشة بن محصن يوم بدر فانقطع سيفه، ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا من حطب، فلما أخذه هزه فعاد ~~في يده سيفا طويل القامة شديد المتن أبيض الحديد فقاتل به حتى وفتح الله ~~على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده حتى قتل في الردة # PageV15P460 # وهو عنده، وعن الواقدي أنه انكسر سيف سلمة بن أسلم بن الحريش يوم بدر ~~فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب ~~فقال: اضرب به فإذا هو سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد، ~~وإلحامه للحديد ليس بأعجب من إلحام النبي صلى الله عليه وسلم ليد معوذ بن ~~عفراء لما قطعها أو جهل يوم بدر فأتى بها يحملها في يده الأخرى فبصق عليها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقها فلصقت وصحت مثل أختها ms3832 كما نقله ~~البيهقي وغيره. # ولما أتم سبحانه ما يختص به من الكرامات، عطف عليها ما جمع فيه الضمير ~~لأنه يعم غيره فقال: {واعملوا} أي أنت ومن أطاعك {صالحا} أي بما تفضلنا به ~~عليكم من العلم والتوفيق للطاعة، ثم علل هذا الأمر ترغيبا وترهيبا بقوله ~~مؤكدا إشارة إلى أن إنكارهم للقدرة على البعث إنكار لغيرها من الصفات وإلى ~~أن المتهاون في العمل في عداد من ينكر أنه يعين الله: {إني بما تعملون} أي ~~كله {بصير *} أي مبصر وعالم بكل ظاهر له وباطن. # PageV15P461 # ولما أتم سبحانه ما أراد من آيات داود عليه السلام وختمها بالحديد، اتبعه ~~ابنه سليمان عليه السلام لمشاركته له في الإنابة، وبدأ من آياته بما هو من ~~أسباب تكوينه سبحانه للحديد فقال: {ولسليمان} أي عوضا من الخيل التي عقرها ~~لله {الريح} أي مسخرة على قراءة شعبة، والتقدير على قراءة الجماعة: سخرناها ~~له حال كونها {غدوها شهر} أي تحمله وتذهب به وبجميع عسكره بالغداة وهي من ~~الصباح إلى نصف النهار مسيرة شهر كان يغدو من إيليا فيقبل بإصطخر {ورواحها} ~~أي من الظهر إلى آخر النهار {شهر} أي مسيرته، فهذه آية سماوية دالة على أنه ~~كما رفع بساط سليمان عليه السلام بما حصل من جنوده وآلاتهم ثم وضعه قادر ~~على أن يضع ما يشاء من السماء فيهلك من تقع عليه، وهذا كما سخر الله الريح ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب فكانت تهد خيامهم وتكفأ طعامهم ~~وتضرب وجوههم بالحجارة والتراب وهي لا تجاوز عسكرهم إلى أن هزمهم الله بها، ~~وكما حملت شخصين من أصحابة رضي الله # PageV15P462 # تعالى عنهم في غزوة تبوك فألقتهما في جبلي طي، وتحمل من أراد الله من ~~أولياء أمته كما هو في غاية الشهرة ونهاية الكثرة، وأما أمر الإسراء ~~والمعراج فهو من الجلالة والعظم بحيث لا يعلمه إلا الله مع أن الله تعالى ~~صرفه في آيات السماء بحبس المطر تارة وإرساله أخرى. # ولما ذكر الريح، أتبعها ما هي من أسباب تكوينه فقال: {وأسلنا له} أي ~~بعظمتنا ms3833 {عين القطر} أي النحاس أذبناه له حتى صار كأنه عين ماء، وذلك دال ~~على أنه تعالى يفعل في الأرض ما يشاء، فلو أراد لأسالها كلها فهلك من ~~عليها، ولو أراد لجعل بدل الإسالة الخسف والإزالة. # ولما ذكر الريح والنحاس الذي لا يذاب عادة إلا بالنار، ذكر ما أغلب ~~عناصرة النار، وهو في الخفة والإقدار على الطيران كالريح فقال: {ومن} أي ~~وسخرنا له من {الجن} أي الذين سترناهم عن العيون من الشياطين وغيرهم {من ~~يعمل} ولما كان قد أمكنه الله منهم غاية الإمكان في غيبته وحضوره قال: {بين ~~يديه} ولما كان ظن ظان أن لهم استبدادا بأعمالهم نفاه بقوله: {بإذن ربه} أي ~~بتمكين المحسن إليه له ولهم بما يريد فعله. # PageV15P463 # ولما قرر سبحانه أن ذلك بإرادته فهو في الحقيقة بأمره، زاد ذلك تقريرا ~~بقوله عاطفا على ما تقديره: فمن عمل بأمرنا أثبناه جنات النعيم: {ومن يزغ} ~~أي يمل، من زاغ يزيغ ويزوغ {منهم} مجاوزا وعادلا {عن أمرنا} أي عن الذي ~~أمرناه به من طاعة سليمان أي أمره الذي هو من أمرنا {نذقه} أي بما لنا من ~~العظمة التي أمكنا سليمان عليه السلام بها مما أمكناه فيه من ذلك {من عذاب ~~السعير *} أي في الدنيا مجازا وفي الآخؤة حقيقة، وهذا كما أمكن الله نبينا ~~صلى الله عليه وسلم من ذلك العفريت فخنقه وهو بربطه حتى يتلعب به صبيان ~~المدينة، ثم تركه تأدبا مع أخيه سليمان عليهما الصلاة والسلام فيما سأل ~~الله تعالى فيه، وأما الأعمال التي تدور عليها إقامة الدين فأغناه الله ~~فيها عن الجن بالملائكة الكرام، وسلط جمعا من صحابته رضي الله عنهم على ~~جماعة من مردة الجان منهم أبو هريرة رضي الله عنه لما وكله النبي صلى الله ~~عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ومنهم أبي بن كعب رضي الله عنه قبض على شخص منهم ~~كان يسرق من تمره وقال: لقد علمت الجن ما فيهم من هو أشد مني ومنهم معاذ بن ~~جبل رضي الله عنه لما جعله النبي صلى الله ms3834 عليه وسلم على صدقة المسلمين ~~فأتاه شيطان منهم يسرق وتصور له بصور منها صورة فيل فضبطه به فالتفت يداه # PageV15P464 # عليه وقال له: يا عدو الله، فشكا إليه الفقر وأخبره أنه من جن نصيبين ~~وأنهم كانت لهم المدينة، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أخرجهم منها ~~وسأله أن يخلي عنه على أن لا يعود ومنهم بريدة رضي الله عنه، ومنهم أبو ~~أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ومنهم زيد بن ثابت رضي الله عنه، ومنهم عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه وعنهم أجمعين صارع الشيطان فصرعه عمر، ومنهم عمار بن ~~ياسر رضي الله عنه قاتل الشيطان فصرعه عمار، وأدمى أنف الشيطان بحجر، ولذلك ~~وغيره كان يقول أبو هريرة: عمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ذكرها كلها البهيقي في الدلائل، وذكرت تخريج أكثرها في ~~كتابي مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور، وأما عين القطر فهي ما تضمنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم # «أعطيت مفاتيح خزائن الأرض والملك في الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فاخترت ~~أن أكون نبيا عبدا أجوع يوما وأشبع يوما» الحديث، فشمل ذلك من روضة اللؤلؤ ~~الرطب إلى عين الذهب المصفى إلى ما دون ذلك، وروى الترمذي وقال: حسن عن أبي ~~أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه قال: «عرض علي ربي ليجعل لي ~~بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يارب! ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، أو قال ثلاثا أو ~~نحو # PageV15P465 # ذلك، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» وللطبراني ~~بإسناد حسن والبيهقي في الزهد وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن ~~إسرافيل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمفاتيح خزائن الأرض ~~وقال: إن الله أمرني أن أعرض عليك أن أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا ~~وذهبا وفضة، فإن شئت نبيا ملكا وإن شئت نبيا عبدا، فأومأ إليه جبرائيل عليه ~~السلام أن تواضع، فقال نبيا عبدا» # رواه ابن حبان في صحيحه مختصرا من حديث أبي هريرة ms3835 رضي الله عنه، وله في ~~الصحيح أيضا عن جابر بن عبد الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «أوتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق على قطيفة من سندس» وفي البخاري ~~في غزوة أحد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح» الأرض هذا ما يتعلق بالأرض، وقد ~~زيد صلى الله عليه وسلم على ذلك بأن أيده ربه سبحانه بالتصرف في خزائن ~~السماء # PageV15P466 # تارة بشق القمر، وتارة برجم النجوم، وتارة باختراق السماوات، وتارة بحبس ~~المطر وتارة بإرساله - إلى غير ذلك مما أكرمه الله به. # ولما أخبر تعالى أنه سخر له الجن، ذكر حالهم في أعمالهم، دلالة على أنه ~~سبحانه يتصرف في السماء والأرض وما فيهما بما يشاء فقال تعالى: {يعملون له} ~~أي في أي وقت شاء {ما يشاء} أي عمله {عن محاريب} أي أبنية شريفة من قصور ~~ومساكن وغيرها هي أهل لأن يحارب عليها أو مساجد، والمحراب مقدم كل مسجد ~~ومجلس وبيت، وكان مما عملوه له بين المقدس جدرانه بالحجارة العجيبة البديعة ~~والرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمدة بأساطين المها الأبيض الصافي مرصعا ~~سقوفه وجدرانه بالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر وسائر الطيب، ~~وبسط أرضه بألواح الفيروزج حتى كان أبهى بيت على وجه الأرض {وتماثيل} أي ~~صورا حسانا على تلك الأبنية فيها أسرار غريبة كما ذكروا أنهم صنعوا له ~~أسدين في أسفل كرسيه ونسرين في أعلاه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان ~~ذراعين، وإذا قعد أظله النسران، ولم تكن التصاوير ممنوعة. # PageV15P467 # ولما ذكر القصور وزينتها، ذكر آلات المأكل لأنها أول ما تطلب بعد ~~الاستقرار في المسكن فقال: {وجفان} أي صحاف وقصاع يؤكل فيها {كالجواب} جمع ~~جابية، وهي الحوض الكبير الذي يجبى إليه الماء، أي يجمع قيل: كان يجلس على ~~الجفنة الواحدة ألف رجل. # ولما ذكر الصحاف على وجه يعجب منه ويستعظم، ذكر ما يطبخ فيه طعامها فقال: ~~{وقدور راسيات} أي ثابتات ثباتا عظيما بأن لا ينزع عن ms3836 أثافيها لأنها لكبرها ~~كالجبال. ولما ذكر المساكن وما تبعها، أتبعها الأمر بالعمل إشارة إلى أنه ~~صلى الله عليه وسلم ومن تبعه لا يلهيهم ذلك عن العبادة فقال: {اعملوا} أي ~~وقلنا لهم: تمتعوا واعملوا، دل على مزيد قربهم بحذف أداة النداء وعلى شرفهم ~~بالتعبير بالآل فقال: {آل داود} أي كل ما يقرب إلى الله {شكرا} أي لأجل ~~الشكر له سبحانه، وهو تعظيمه في مقابلة نعمه ليزيدكم من فضله أو النصب على ~~الحال أي شاكرين، أو على تقدير: اشكروا شكرا، لأن «اعملوا» فيه معنى ~~«اشكروا» من حيث أن العمل للمنعم شكر له، ويجوز أن تنتصب باعملوا مفعولا ~~بهم معناه أنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكرا - على ~~طريق المشاكلة {وقليل} # PageV15P468 # أي قلنا ذلك والحال أنه قليل. # ولما لم يقتض الحال العظمة لأنها مبالغة في الشكر أليق، اسقط مظهرها ~~فقال: {من عبادي الشكور *} أي المتوفر الدواعي بظاهره وباطنه من قلبه ~~ولسانه وبدنه على الشكر بأن يصرف جميع ما أنعم الله عليه فيما يرضيه، وعبر ~~بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه يطلق الشكر كثير، وأقل ذلك حال ~~الاضطرار. # PageV15P469 # ولما كان ربما استبعد موت من هو على هذه الصفة من ضخامة الملك بنفوذ ~~الأمر وسعة الحال وكثرة الجنود، أشار إلى سهولته بقرب زمنه وسرعة إيقاعه ~~على وجه دال على بطلان تعظيمهم للجن بالإخبار بالمغيبات بعد تنبيههم على ~~مثل ذلك باستخدامه لهم بقوله: {فلما} بالفاء، ولذلك عاد إلى مظهر الجلال ~~فقال: {قضينا} وحقق صفة القدرة بأداة الاستعلاء فقال: {عليه} أي سليمان ~~عيله السلام {الموت ما دلهم} أي جنوده وكل من في ملكه من الجن والإنس ~~وغيرهم من كل قريب وبعيد {على موته} لأنا جعلنا له من سعة العلم ووفور ~~الهيبة ونفوذ الأمر ما تمكن به من إخفاء موته عنهم {إلا دآبة الأرض} فخمها ~~بهذه الإضافة التي من معناها أنه لا دابة للأرض غيرها لما أفادته من العلم ~~ولأنها لكونها تأكل من كل شيء # PageV15P469 # من أجزاء الأرض من الخشب والحجر والتراب ms3837 والثياب وغير ذلك أحق الدواب ~~بهذا الاسم، ويزيد ذلك حسنا ان مصدر فعلها أرض بالفتح والإسكان فيصير من ~~قبيل التورية ليشتد التشوف إلى تفسيرها ثم بين أنها الأرضة بقوله مستأنفا ~~في جواب من كأنه قال: أي دابة هي وبما دلت: {تأكل منسأته} أي عصاه التي مات ~~وهو متكىء عليها قائما في بيت من زجاج، وليس له باب، صنعته له الجن لما ~~أعلمه الله بأن أجله قد حضر، وكان قد بقي في المسجد بقية ليخفي موته على ~~الجن الذين كانوا يعملون في البيت المقدس حتى يتم؛ قال في القاموس في باب ~~الهمز: نسأه: زجره وساقه وأخره ودفعه عن الحوض، والمنسأة كمكنسة مرتبة، ~~ويترك الهمز فيهما: العصا - لأن الدابة تنسأ بها أي تساق، والبدل فيها ~~لازم، حكاه سيبويه - انتهى. فالمعنى أن الجن كانوا يزجرون ويساقون بها، ~~وقرأها المدنيان وأبو عمرو بالإبدال، وابن عامر من رواية ابن ذكوان ~~والداجوني عن هشام # PageV15P470 # بإسكان الهمزة، والباقون بهمزة مفتوحة {فلما خر} أي سقط على الأرض بعد أن ~~قصمت الأرضة عصاه {تبينت الجن} أي علمت علما بينا لا يقدرون معه على تدبيج ~~وتدليس، وانفضح أمرهم وظهر ظهورا تاما {أن} أي أنهم {لو كانوا} أي الجن ~~{يعلمون الغيب} أي علمه {ما لبثوا} أي أقاموا حولا مجرما {في العذاب المهين ~~*} من ذلك العمل الذي كانوا مسخرين فيه، والمراد إبطال ما كانوا يدعونه من ~~علم الغيب على وجه الصفة، لأن المعنى أن دعواهم ذلك إما كذب أو جهل، فأحسن ~~الأحوال لهم أن يكون جهلا منهم، وقد تبين لهم الآن جهلهم بيانا لا يقدرون ~~على إنكاره، ويجوز أن تكون «أن» تعليلية، ويكون التقدير: تبين حال الجن ~~فيما يظن بهم من أنهم يعلمون الغيب، لأنهم إلى آخره، وسبب علمهم مدة كونه ~~ميتا قبل ذلك أنهم وضعوا الأرضة على موضع من العصا فأكلت منها يوما وليلة، ~~وحسبوا على ذلك النحو فوجدوا المدة سنة، وفي هذا توبيخ للعرب أنهم يصدقون ~~من ثبت بهذا الأمر أنهم لا يعلمون الغيب في الخرافات اللاتي تأتيهم بها ~~الكهان ms3838 وغيرهم مما يفتنهم والحال أنهم يشاهدون منه كذبا كبيرا، فكانوا بذلك ~~مساوين لمن يخبر من الآدميين عن بعض المغيبات بظن يظنه او منام يراه أو غير ~~ذلك، فيكون كما قال - هذا مع # PageV15P471 # إعراضهم عمن يخبرهم بالآخرة شفقة عليهم ونصيحة لهم، وما أخبرهم بشيء قط ~~إلا ظهر صدقه قبل ادعائه للنبوة وبعده، وأظهر لهم من المعجزات ما بهر ~~العقول، وقد تقرر أن كل شيء ثبت لمن قبل نبينا صلى الله عليه وسلم من ~~الأنبياء من الخوارق ثبت له مثله أو أعظم منه إما له نفسه أو لأحد من أمته، ~~وهذا الذي ذكر لسليمان عليه السلام من حفظه بعد موته سنة لا يميل قد ثبت ~~مثله لشخص من هذه الأمة من غير شيء يعتمد عليه، قال الأستاذ أبو القاسم ~~القشيري في رسالته في باب البادية قائما ميتا لا يمسكه شيء - انتهى. # وقد ثبت مثل ذلك الشخص في بلاد شروان من بلاد فارس بالقرب من شماخى، اسم ~~ذلك الولي محمد، ولقبه دمدمكي، مات من نحو أربعمائة سنة في المائة الخامسة ~~من الهجرة، وهو قاعد في مكان من مقامه الذي كان البسطامية، أخبرني من شاهده ~~ممن كذلك لا أتهمه من طلبة العلم العجم، وهو أمر مشهور متواتر في بلادهم ~~غني عن مشاهدة شخص # PageV15P472 # معين، قال: زرته غير مرة وله هيبة تمنع المعتقد من الدنو منه دنوا يرى به ~~وجهه كما أشار تعالى إلى مثل ذلك بقوله تعالى {لوليت منهم فرارا ولملئت ~~منهم رعبا} [الكهف: 18] قال: وكان معنا في بعض المرات شخص من طلبة العلم من ~~أهل كيلان غير معتقد يقول: إنما هذا نوع شعبدة يخيل به على عقول الرعاع، ~~قال: فتقدم إليه بجرأة ولمس صدره ونظر في وجهه، فأصيب في الحال فلم يرجع ~~إلا محمولا، فأقام في المدرسة التي كان يشتغل بها في مدينة شماخي مدة، ~~وأخبرنا أن الشيخ دمدمكي قال له لما لمسه: لولا أنك من أهل العلم هلكت، ~~وأنه شيخ خفيف اللحية، قال: وقد تبت إلى الله تعالى وصرت من المعتقدين لما ms3839 ~~هوعليه أنه حق، ولا أكذب بشيء من كرامات الأولياء، قال الحاكي: وقد دفن ~~ثلاث مرات إحداها بأمر تمرلنك فيصبح جالسا على ما هو عليه الآن - والله ~~الموفق للصواب. # ولما دل سبحانه بقوله {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم} الآية، ~~على قدرته على ما يريد من السماء والأرض لمعاملة من يريد ممن فيهما بما ~~يشاء من فضل على من شكر، وعدل فيمن كفر، ودل # PageV15P473 # على ذلك بما قصه من أخبار بعض أولي الشكر، وختم بموت نبيه سليمان بن داود ~~الشاكر ابن الشاكر عليهما السلام، وما كان فيه من الآية الدالة على أنه لا ~~يعلم الغيب غيره لينتج ذلك أنه لا يقدر على كل ما يريد غيره، وكان موت ~~الأنبياء المتقدمين موجبا لاختلال من بعدهم لفوات آياتهم بفواتهم بخلاف آية ~~القرآن، فإنها باقية على مر الدهور والأزمان، لكل إنس وملك وجان، ينادي ~~مناديها على رؤوس الأشهاد: هل من مبار أو مضاد؟ فلذلك حفظت هذه الأمة، وضاع ~~غيرها في أودية مدلهمة، أتبعه دليلا آخر شهوديا على آية {إن نشأ نخسف بهم ~~الأرض} في قوم كان تمام صلاحهم بسليمان عليه الصلاة والسلام، فاختل بعده ~~أمرهم، وصار من عجائب الكون ذكرهم، حين ضاع شكرهم، فكان من ترجمة اتباع ~~قصتهم لما قبلها أن آل داود عليه السلام شكروا، فسخر لهم من الجبال والطير ~~والمعادن وغيرها ما لم يكن غيرهم يطمع فيه، وهو أضاعوا الشكر فأعصى عليهم ~~وأضاع منهم ما لم يكونوا يخافون فواته من مياههم وأشجارهم وغيرها، فقال ~~تعالى مشيرا بتأكيده إلى تعظيم ما كانوا فيه، وأنه في غاية الدلالة على ~~القدرة، وسائر صفات الكمال، وأن عمل قريش عمل من ينكر ما تدل عليه قصتهم # PageV15P474 # من ذلك: {لقد كان لسبأ} أي القيلة المشهورة التي كانت تسجد للشمس، فهداهم ~~الله تعالى على يد سليمان عليه السلام، وحكمة تسكين قنبل همزتها الإشارة ~~إلى ما كانوا فيه من الخفض والدعة ورفاهة العيش المثمرة للراحة والطمأنينة ~~والهدوء والسكينة، ولعل قراءة الجمهور لها بالصرف تشير إلى مثل ذلك، وقراءة ms3840 ~~أبي عمرو والبزي عن ابن كثير بالمنع تشير إلى رجوعهم بما صاروا إليه من سوء ~~الحال إلى غالب أحوال تلك البلاد في الإقفار وقلة النبت والعطش {في مسكنهم} ~~أي التي هي في غاية الكثرة، ووحد حمزة والكسائي وحفص عن عاصم إشارة إلى ~~أنها لشدة اتصال المنافع والمرافق كالمسكن الواحد، وكسر الكسائي الكاف ~~إشارة إلى أنها في غاية الملاءمة لهم واللين، وفتحه الآخران إشارة إلى ما ~~فيها من الروح والراحة، وكانت بأرض مأرب من بلاد اليمن، قال حمزة الكرماني: ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: على ثلاث فراسخ من صنعاء، وكانت أخصب البلاد ~~وأطيبها وأكثرها ثمارا حتى كانت المرأة تضع على رأسها المكتل وتطوف في ما ~~بين الأشجار فيمتلىء المكتل من غير أن تمس شيئا بيدها، # PageV15P475 # وكانت مياههم تخرج من جبل فبنوا فيه سدا وجعلوا له ثلاثة أبواب فكانوا ~~يسرحون الماء إلى كرومهم من الباب الأعلى والأوسط والأسفل، قال الرازي: ~~كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها وعلى رأسها مكتلها فتمتهن مغزلتها، فلا تأتي ~~بيتها حتى يمتلىء مكتلها من الثمار، وقال أبو حيان في النهر: ولما ملكت ~~بلقيس اقتتل قومها على ماء واديهم فتركت ملكها، وسكنت قصرها وراودوها على ~~أن ترجع فأبت فقالوا: لترجعن أو لنقتلنك، فقالت لهم: لا عقول لكم، ولا ~~تطيعوني، فقالوا نطيعك، فرجعت إلى واديهم، وكانوا إذا مطروا أتاهم السيل من ~~مسيرة ثلاثة أيام، فأمرت به فسد ما بين الجبلين بمسناة بالصخر والقار، ~~وحبست الماء من وراء السد، وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض، وبنت من دونه ~~بركة فيها اثنا عشر مخرجا على عدة أنهارهم، وكان الماء يخرج لهم بالسوية، ~~وقال المسعودي في مقدمات مروج الذهب قبل السيرة النبوية بيسير في الكلام ~~على الكهان، كانت من أخصب أرض اليمن وأثراها، وأعذابها وأغداها، وأكثرها ~~جنانا، # PageV15P476 # وكانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجد على هذه الحال في العرض مثل ذلك، ~~يسير الراكب من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها، لا تواجهه الشمس ولا يفارقها ~~الظل، لاستتار الأرض بالأشحار واستيلائها عليها وإحاطتها بها، ms3841 فكان أهلها ~~في أطيب عيش وأرفعه وأهنأ حال وأرغده، في نهاية الخصب وطيب الهواء وصفاء ~~الفضاء وتدفق الماء، وقوة الشوكة واجتماع الكلمة، ثم ذكر خبرا طويلا في ~~أخبارهم وخراب ما كان من آثارهم وتفرقهم في البلاد وشتاتهم بين العباد ~~{آية} أي علامة ظاهرة على قدرتنا على ما نريد، ثم فسر الآية بقوله: {جنتان} ~~مجاورتان للطريق {عن يمين وشمال} أي بساتين متصلة وحدائق مشتبكة، ورياض ~~محتبكة، حتى كان الكل من كل جانب جنة واحدة لشدة اتصال بعضه ببعض عن يمين ~~كل سالك وشماله في أي مكان سلك من بلادهم ليس فيها موضع معطل، وقال البغوي: ~~عن يمين واديهم وشماله، قد أحاط الجنتان بذلك الوادي. # وأشار الى كرم تلك الجنان وسعة ما بها من الخير بقوله: {كلوا} أي لا ~~تحتاج بلادهم إلى غير أن يقال لهم: كلوا {من رزق ربكم} أي المحسن إليكم ~~الذي أخرج لكم منها كل ما تشتهون {واشكروا له} أي خصوه بالشكر بالعمل بما ~~أنعم به في ما يرضيه ليديم لكم النعمة، ثم استأنف تعظيم # PageV15P477 # ذلك بقوله: {بلدة طيبة} أي كريمة التربة حسنة الهواء سليمة من الهوام ~~والمضمار لا يحتاج ساكنها إلى ما يتبعه فيعوقه عن الشكر، قال ابن زيد: لا ~~يوجد فيها برغوث ولا بعوض ولا عقرب ولا حية، ولا تقمل ثيابهم، ولا تعيا ~~دوابهم. وأشار إلى أنه لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره بقوله: {ورب غفور ~~*} أي لذنب من شكره وتقصيره بمحو عين ما قصر فيه وأثره فلا يعاقب عليه ولا ~~يعاتب، ولولا ذلك ما أنعم عليكم بما أنتم فيه ولأهلككم بذنوبكم، وأخبرني ~~بعض أهل اليمن أنها اليوم مفازة قرب صنعاء اليمن - قال: في بعضها عنب يعمل ~~منه زبيب كبار جدا في مقدار در - تلي بلاد الشام، وهو في غاية الصفاء كأنه ~~قطع المصطكا وليس له نوى أصلا. # ولما تسبب عن هذا الإنعام بطرهم الموجب لإعراضهم عن الشكر، دل على ذلك ~~بقوله: {فأعرضوا} ولما تسبب عن إعراضهم مقتهم، بينه بقوله: {فأرسلنا} ودل ~~على أنه إرسال ms3842 عذاب بعد مظهر العظمة بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم سيل ~~العرم} أي سيح المطر الغالب المؤذي الشديد الكثير الحاد الفعل المتناهي في ~~الأذى الذي لا يرده شيء ولا تمنعه حيلة بسد ولا غيره من العرامة، وهي الشدة ~~والقوة، فأفسد عليهم جميع ما ينتفعون به، قال أبو حيان: سلط الله عليهم ~~الجرذ # PageV15P478 # فارا أعمى توالد فيه، ويسمى الخلد، فخرفه شيئا بعد شيء، فأرسل الله سيلا ~~في ذلك الوادي، فحمل ذلك السد فروي أنه كان من العظم وكثرة الماء بحيث ملأ ~~ما بين الجبلين، وحمل الجنان وكثيرا من الناس ممن لم يمكنه الفرار. ولما ~~غرق من غرق منهم ونجا من نجا، تفرقوا وتمزقوا حتى ضربت العرب المثل بهم ~~فقالوا: تفرقوا أيدي سبا وأيادي سبا، والأوس والخزرج منهم، وكان ذلك في ~~الفترة التي بين عيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم {وبدلناهم بجنتيهم} ~~أي جعلنا لهم بدلهما {جنتين} هما في غاية ما يكون من مضادة جنتيهم، ولذلك ~~فسرهما بقوله إعلاما بإن إطلاق الجنتين عليهما مشاكلة لفظية للتهكم بهم: ~~{ذواتي أكل} أي ثمر {خمط} وقراءة الجماعة بتنوين {أكل} أقعد في التهكم من ~~قراءة أبي عمرو ويعقوب بالإضافة. # ولما كان الخمط مشتركا بين البهائم والإنسان في الأكل والتجنب، والله ~~أعلم بما أراد منه، لأنه ضرب من الإراك، له ثمر يؤكل، وكل شجرة مرة ذات ~~شوك، والحامض أو المر من كل شيء، وكل نبت # PageV15P479 # أخذ طعما من مرارة حتى لا يؤكل، ولا يمكن أكله، وثمر يقال له فسوة الضبع ~~على صورة الخشخاش ينفرك ولا ينتفع به، والحمل القليل من كل شجر، ذكر ما يخص ~~البهائم التي بها قوام الإنسان فقال: {وأثل} أي وذواتي أثل، وهو شجر لا ثمر ~~له، نوع من الطرفاء، ثم ذكر ما يخص الإنسان فقال: {وشيء من سدر} أي نبق ~~{قليل *} وهذا يدل على أن غير السدر وهو ما لا منفعة فيه أو منفعته مشوبة ~~بكدر أكثر من السدر؛ وقال أبو حيان: إن الفراء فسر هذا السدر بالسمر، قال: ~~وقال الأزهري: السدر سدران: سدر ms3843 لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول، وله ~~ثمرة عفصة لا تؤكل، وهذا الذي يسمى الضال وسدر ينبت على الماء وثمره النبق ~~وورقة الغسول يشبه العناب. وقد سبق الوعد في البقرة ببيان مطلب ما يفيده ~~دخول الجار مع مادة «بدل» فإن الحال يفترق فيها بين الإبدال والتبديل ~~والاستبدال والتبدل وغير ذلك، وهي كثرة الدور مشتبهة الأمر، وقد حققها ~~شيخنا محقق زمانه قاضي الشافعية بالديار المصرية # PageV15P480 # شمس الدين محمد بن علي القاياتي رحمه الله فقال فيما علقته عند وذكر ~~أكثره في شرحه لخطبة المنهاج للنووي رحمه الله: اعلم أن هذه المادة - أعني ~~الباء والدال واللام - مع هذا الترتيب قد يذكر معها المتقابلان فقط وقد ~~يذكر معهما غيرهما وقد لا يكون كذلك فإن اقتصر عليهما فقد يذكران مع التبدل ~~والاستبدال مصحوبا أحدهما بالباء كما في قوله تعالى: # {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} [البقرة: 61] وفي قوله تعالى: ~~{ومن يتبدل الكفر بالإيمان} [البقرة: 108] الآية، فتكون الباء داخلة على ~~المتروك ويتعدى الفعل بنفسه للمقابل المتخذ، وقد يذكران مع التبديل ~~والإبدال وأحدهما مقرون بالباء، فالباء داخلة على الحاصل، ويتعدى الفعل ~~بنفسه إلى المتروك، نقل الأزهري عن ثعلب: بدلت الخاتم بالحلقة - إذا أذبته ~~وسويته حلقة، وبدلت الحلقة بالخاتم - إذا أذبتها وجعلتها خاتما، وأبدلت ~~الخاتم بالحلقة - إذا نحيت هذا وجعلت هذه مكانه، وحكى الهروي في الغريبين ~~عن ابن عرفة يعني نفطويه أنه قال: التبديل: تغيير الشيء عن حاله والإبدال: ~~جعل الشيء مكان آخر وتحقيقه أن معنى التبديل التغيير وإن لم يؤت ببدل كما ~~ذكر في الصحاح # PageV15P481 # وكما هو مقتضى كلام ابن عرفة، فحيث ذكر المتقابلان وقيل: «بدلت هذا بذاك» ~~رجع حاصل ذلك أنك أخذت ذاك وأعطيت هذا، فإذا قيل: بدل الشيء بغيره، فمعناه ~~غير الشيء بغيره، أي ترك الأول وأخذ الثاني، فكانت الباء داخلة على المأخوذ ~~لا المنحى، ومعنى إبدال الشيء بغيره يرجع إلى تنحية الشيء وجعل غيره مكانه، ~~فكانت الباء داخلة على المتخذ مكان المنحى، وللتبديل ولو مع الاقتصار على ~~المتقابلين استعمال آخر، يتعدى إلى ms3844 المفعولين بنفسه كقوله تعالى {أولئك ~~يبدل الله سيآتهم حسنات} [الكهف: 81] {فأردنا أن يبدلها ربهما خيرا منه ~~زكاة} [الفرقان: 70] الآية بمعنى يجعل الحسنات بدل السيئات ويعطيهما بدل ما ~~كان لهما خيرا وقد لا يذكر المذهوب كما في قوله تعالى: {بدلناهم جلودا ~~غيرها} [النساء: 56] ومعنى التبدل والاستبدال أخذ الشيء مكان غيره، فإذا ~~قلت: استبدلت هذا بذاك، أو تبدلت هذا بذاك، رجع حاصل ذلك أنك أخذت هذا ~~وتركت ذاك، وإن لم يقتصر عليهما بل ذكر معهما غيرهما وأحدهما مصحوب بالجار ~~وذكر التبديل كما في قوله تعالى {وبدلناهم بجنتيهم جنتين} # PageV15P482 # تعدى الفعل بنفسه إلى المفعولين يعين إلى المفعول ذلك لأجله وإلى المأخوذ ~~بنفسه، وإلى المذهوب المبدل منه بالباء كما في «بدله بخوفه أمنا» ومعناه: ~~أزال خوفه إلى الأمن وقد يتعدى إلى المذهوب والحالة هذه - بمن كما في «بدله ~~من خوفه أمنا» وللتبديل أيضا استعمال آخر يتعدى إلى مفعول واحد مثل: بدلت ~~الشيء أي غيرته، قال تعالى {فمن بدله بعد ما سمعه} [البقرة: 181] على أن ~~ههنا ما يجب التنبه له وهو أن الشيء يكون مأخوذا بالقياس والإضافة إلى شيء، ~~متروكا بالقياس والإضافة إلى آخر، كما إذا أعطى شخص شخصا شيئا وأخذ بدله ~~منه، فالشيء الأول مأخوذ للشخص الثاني ومتروك للأول، والمقابل بالعكس فيصح ~~أن يعبر بالتبدل والتبديل، ويعتبر في كل منهما ما يناسبه، والإشكال المقام ~~قصدنا بعض الإطناب - انتهى والله أعلم. # PageV15P483 # ولما أخبر عن هذا المحق والتقتير بعد ما كانوا فيه من ذلك الملك الكبير، ~~هول أمره مقدما للمفعول دلالة على أنه مما يهتم غاية الاهتمام بتعرفه فقال: ~~{ذلك} أي الجزاء العظيم العالي الرتبة في أمر المسخ {جزيناهم} بما لنا من ~~العظمة {بما كفروا} أي غطوا # PageV15P483 # الدليل الواضح. # ولما كان من العادة المستقرة عند ذوي الهمم العوال، العريقين في مقارعة ~~الأبطال، المبالغة في جزاء من أساء بعد الإحسان، وقابل الإنعام بالكفران، ~~لما أثر في القلوب من الحريق مرة بعد مرة، وكرة في أثر كرة، أجرى الأمر ~~سبحانه على هذا العرف، فقال مشيرا إلى ذلك بصيغة ms3845 المفاعلة عادا لغير جزائهم ~~بالنسبة إليه عدما، تهديدا يصدع القلوب ويردع النفوس، ويدع الأعناق خاضعة ~~والرؤوس: {وهل يجازى} أي هذا الجزاء الذي هو على وجه العقاب من مجاز ما على ~~سبيل المبالغة {إلا الكفور *} أي المبالغ في الكفر، وقراءة حمزة والكسائي ~~وحفص عن عاصم «نجازي» بالنون على أسلوب ما قبله من العظمة ونصب «الكفور» ~~وقال الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازى - كأنه يشير إلى أن عقاب المسيء لأجل ~~عمله فهو مفاعلة، وأما ثواب المطيع فهو فضل من الله لا لأجل عمله، فإن عمله ~~نعمة من الله، وذلك لا ينافي المضاعفة، قال القشيري: كذلك من الناس من يكون ~~في رغد من الحال # PageV15P484 # واتصال من التوفيق وطيب من القلب ومساعدة من الوقت فيرتكب زلة أو يسيء ~~أدبا أو يتبع شهوة، ولا يعرف قدر ما هو فيه فيغير عليه الحال، فلا وقت ولا ~~حال، ولا طرب ولا وصال، يظلم عليه النهار، وكانت لياليه مضيئة ببدائع ~~الأنوار. # ولما أتم الخبر عن الجنان التي بها القوام نعمة ونقمة، أتبعه مواضعه ~~السكان فقال: {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة، ونبه بنزع الجار على عمارة ~~جميع تلك الأراضي بالبناء والانتفاع فقال: {بينهم} أي بين قرى أهل سبأ ~~{وبين القرى} اي مدنا كانت أو دونها {التي باركنا} أي بركة اعتنينا بها ~~اعتناء من يناظر آخر بغاية العظمة {فيها} أي بأن جعلناها محال العلم والرزق ~~بالأنبياء وأصفياء الأولياء وهي بلاد الشام {قرى ظاهرة} أي من أرض الشام في ~~أشراف الأرض وما صلب منها وعلا، لأن البناء فيها أثبت، والمشي بها أسهل، ~~والابتهاج برؤية جميع الجنان وما فيها من النضرة منها أمكن. فهي ظاهرة ~~للعيون بين تلك الجنان، كأنها الكواكب الحسان، مع تقاربها بحيث يرى بعضها ~~من بعض وكثرة المال بها والمفاخر والنفع والمعونة للمارة؛ قال البغوي: كانت ~~أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ # PageV15P485 # إلى الشام. # ولما كانت مع هذا الوصف ربما كان فيها عسر على المسافر لعدم الموافقة في ~~المقيل والمبيت، أزال هذا بقوله: {وقدرنا فيها السير} أي جعلناه ms3846 على مقادير ~~هي في غاية الرفق بالمسافر في نزوله متى أراد من ليل أو نهار على ما جرت به ~~عوائد السفار، فهي لذلك حقيقة بأن يقال لأهلها والنازلين بها على سبيل ~~الامتنان: {سيروا} والدليل على تقاربها جدا قوله: {فيها} ودل على كثرتها ~~وطول مسافتها وصلاحيتها للسير أي وقت أريد، مقدما لما هو أدل على الأمن ~~وأعدل للسير في البلاد الحارة بقوله: {ليالي} وأشار إلى كثرة الظلال ~~والرطوبة والاعتدال الذي يمكن معه السير في جميع النهار بقوله: {وأياما} أي ~~في أي وقت شئتم، ودل على عظيم أمانها في كل وقت بالنسبة إلى كل ملم بقوله: ~~{آمنين *} أي من خوف وتعب، أو ضيعة أو عطش أو سغب. # ولما انقضى الخبر عن هذه الأوصاف التي تستدعي غاية الشكر لما فيها من ~~الألطاف، دل على بطرهم للنعمة بها بأنهم جعلوها سببا للتضجر والملال بقوله: ~~{فقالوا} على وجه الدعاء: {ربنا} أي أيها المربي لنا {باعد} أي أعظم البعد ~~وشدده - على قراءة ابن كثير وأبي عمرو # PageV15P486 # وهشام عن ابن عامر بتشديد العين وإسكان الدال، وهذا بمعنى قراءة الباقين ~~غير يعقوب {باعد} المقتضية لمده وتطويله {بين أسفارنا} أي قرانا التي نسافر ~~فيها، أي ليقل الناس فيكون ما يخص كل إنسان من هذه الجنان أضعاف ما يخصه ~~الآن ونحمل الزاد ونسير على النجائب ونتعلق السلاح ونستجيد المراكب، وكان ~~بعضهم كأن على الضد من غرض هؤلاء فاستكثر مسافة ما بين كل قريتين فقال كما ~~قرأ يعقوب «ربنا» بالرفع على أنه مبتدأ «باعد» فعلا ماضيا على أنه خبر ~~فازدرى تلك النعمة الواردة على قانون الحكمة واشتهى أن تكون تلك القرى ~~متواصلة {وظلموا} حيث عدوا النعمة نقمة، والإحسان إساءة {أنفسهم} تارة ~~باستقلال الديار، وتارة باستقلال الثمار، فسبب ذلك تبديل ما هم فيه بحال هو ~~في الوحشة بقدر ما كانوا فيه من الأنس وهو معنى {فجعلناهم} أي بما لنا من ~~العظمة {أحاديث} أي يتواصفها الناس جيلا بعد جيل لما لها من الهول ~~{ومزقناهم} أي تمزيقا يناسب العظمة، فما كان لهم دأب إلا ms3847 المطاوعة فمزقوا ~~{كل ممزق} أي تمزيق كما يمزق الثوب، بحيث صاروا مثلا مضروبا إلى هذا ~~الزمان، # PageV15P487 # يقال لمن شئت أمرهم: تفرقوا أيدي سبا. # ولما كان كل من أمريهم هذين في العمارة والخراب أمرا باهرا دالا على أمور ~~كثيرة، منها القدرة على الساعة التي هي مقصود السورة بالنقلة من النعيم إلى ~~الجحيم والحشر إلا ما لا يريد الإنسان كما حشر أهل سبأ إلى كثير من أقطار ~~البلاد كما هو مشهور في قصتهم، قال منبها على ذلك مستأنفا على طريق ~~الاستنتاج، مؤكدا تنبيها على إنعام النظر فيه، لما له من الدلالة على صفات ~~الكمال: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم {لآيات} أي دلالات بينة جدا على قدرة ~~الله تعالى على التصرف فيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ~~بالإيجاد والإعدام للذوات والصفات بالخسف والمسخ، فإنه لا فرق بين خارق ~~وخارق، وعلى أن بطرهم لتلك النعمة حتى ملوها ودعوا بإزالتها دليل على أن ~~الإنسان ما دام حيا فهو في نعمة يجب عليه شكرها كائنة ما كانت وإن كان ~~يراها بلية، لأنه لما طبع عليه من القلق كثيرا ما يرى النعم نقما، واللذة ~~ألما، ولذلك ختم الآية بالصبر بصيغة المبالغة. # ولما كان الصبر حبس النفس عن أغراضها الفاسدة وأهويتها المعمية، وكانت ~~مخالفة الهوى أشد ما يكون على النفس وأشق، وكانت النعم تبطر وتطغي، وتفسد ~~وتلهي، فكان عطف النفوس إلى الشكر # PageV15P488 # بعد جماحها بطغيان النعم صعبا، وكانت قريش قد شاركت سبأ فيما ذكر وزادت ~~عليهم برغد العيش وسهولة إتيان الرزق بما حببهم به وبلدهم إلى العباد بدعوة ~~أبيهم إبراهيم عليه السلام مع آمن البلد وجلالة النسب وعظيم المنصب كما ~~أشار إليه قوله تعالى {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة} [النحل: 112] ~~قال تعالى محذرا لهم مثل عقوبتهم: {لكل صبار شكور *} أي من جميع بني آدم، ~~مشيرا بصيغة المبالغة إلى ذلك كله، وأن من لم يكن في طبعه الصبر والشكر لا ~~يقدر على ذلك، وأن من ليس في طبعه الصبر فاته الشكر. # ولما كان المعنى: ms3848 آيات في أن تخالفوا إبليس فلا تصدقوا ظنه في احتناكهم ~~حيث قال: {لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا} [الإسراء: ~~62] قال مؤكدا لإنكار كل أحد أن يكون صدق ظن إبليس فيه: {ولقد} أي كان في ~~ذلك آيات مانعة من اتباع الشيطان والحال أنه قد {صدق} . ولما كان في ~~استغوائهم غالبا لهم في إركابهم ما تشهد عقولهم بأنه ضلال، أشار إلى ذلك ~~بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم} أي على ذرية آدم عليه السلام. # PageV15P489 # ولما كان في سياق الإثبات لعظمة الله وما عنده من الخير وما له من التصرف ~~التام الداعي ذلك إلى الإقبال إليه وقصر الهمم عليه، عبر بقوله تعالى ~~{إبليس} الذي هو من البلس وهو ما لا خير عنده - والإبلاس - وهو اليأس من كل ~~خير - ليكون ذلك أعظم في التبكيت والتوبيخ {ظنه} أي في قوله: {لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا} [الإسراء: 62] {ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك} [الحجر: 39] ~~{ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 17] فكأنه لما قال ذلك على سبيل الظن ~~تقاضاه ظنه الصدق فصدقه في إعمال الحيلة حتى كان ذلك الظن - هذا على قراءة ~~الجماعة بالتخفيف، وأما على قراءة الكوفيين بالتشديد فالمعنى أنه جعل ظنه ~~الذي كان يمكن تكذيبه فيه قبل التحقق صادقا، بحيث لا يمكن أحدا تكذيبه فيه، ~~ولذلك سبب سبحانه عنه قوله: {فاتبعوه} أي بغاية الجهد بميل الطبع ~~والاستلذاذ الموجب للنزوع والترامي بعضهم في الكفران وبعضهم في مطلق ~~العصيان. # ولما كان المحدث عنهم جمعي الناس، عرف به الاستثناء المعرف لقلة الناجين ~~فقال: {إلا فريقا} أي ناسا لهم القدرة على تفريق كلمة أهل الكفر وفض جمعهم ~~وإن كانوا بالنسبة إليهم كالشعرة البيضاء # PageV15P490 # في جلد الثور الأسود {من المؤمنين *} أي العريقين في الإيمان، فكانوا ~~خالصين لله مخلصين في عبادته، وأما غيرهم فمالوا معه، وكان منهم المقل ~~ومنهم المكثر بالهفوات والزلات الصغائر والكبائر. # PageV15P491 # ولما كان ذلك ربما أوهم أن لإبليس أمرا بنفسه، نفاه بقوله: {وما} أي ~~والحال أنه ما {كان} أصلا {له عليهم} أي الذين اتبعوه ولا غيرهم، وأعرق ~~فيما هو الحق من ms3849 النفي بقوله: {من سلطان} أي تسلط قاهر لشيء من الأشياء ~~بوجه لأنه مثلهم في كونه عبدا عاجزا مقهورا، ذليلا خائفا مدحورا، قال ~~القشيري: هو مسلط، ولو أمكنه أن يضل غيره أمكنه أن يمسك على الهداية نفسه ~~{إلا} أي لكن نحن سلطناه عليهم بسلطاننا وملكناه قيادهم بقهرنا؛ وعبر عن ~~التمييز الذي هو سبب العلم بالعلم فقال: {لنعلم} أي بما لنا من العظمة {من ~~يؤمن} أي يوجد الإيمان لله {بالآخرة} أي ليتعلق علمنا بذلك في عالم الشهادة ~~في حال تميزه تعلقا تقوم به الحجة في مجاري عادات البشر كما كان متعلقا به ~~في عالم الغيب {ممن هو منها} أي من الآخرة {في شك} فهو لا يتجدد له بها ~~إيمان أصلا، لأن الشك ظرف له محيط به، وإنما استعار «إلا» موضع «لكن» إشارة ~~إلى # PageV15P491 # أنه مكنه تمكينا تاما صار به كمن له سلطان حقيقي. # ولما كان هذا ربما أوقع في وهم نقصا في العلم أو في القدرة، قال مشيرا ~~إلى أنه سبحانه يسره صلى الله عليه وسلم بتكثير هذا الفريق المخلص وجعل ~~أكثره من أمته فقال: {وربك} أي المحسن إليك بإخزاء الشيطان بنبوتك وإخسائه ~~عن أمتك {على كل شيء} من المكلفين وغيرهم {حفيظ *} أي حافظ أتم حفظ محيط به ~~مدبر له على وجه العلو بعلمه الكامل وقدرته الشاملة، فلا يفعل الشيطان ولا ~~غيره شيئا إلا بعلمه وإذنه. # ولما أثبت سبحانه لنفسه ولذاته الأقدس من الملك في السماوات والأرض ~~وغيرهما ما رأيت، واستدل عليه من الأدلة التي لا يمكن التصويب إليها بطعن ~~بما سمعت، وكان المقصود الأعظم التوحيد فإنه أصل ينبني عليه كل خير قال: ~~{قل} أي يا أعلم الخلق! بإقامة الأدلة لهؤلاء الذين أشركوا ما لا يشك في ~~حقارته من له أدنى مسكة: {ادعوا الذين زعمتم} أي أنهم آلهة كما تدعون الله ~~لا سيما في وقت الشدائد، وحذف مفعولي «زعم» وهما ضميرهم وتألههم تنبيها على ~~استهجان ذلك واستبشاعه، وليس المذكور في الآية مفعولا ولا قائما # PageV15P492 # مقام المفعول لفساد المعنى؛ وبين حقارتهم بقوله: {من ms3850 دون الله} أي الذي ~~حاز جميع العظمة لشيء مما أثبته سبحانه لنفسه فليفعلوا شيئا مثله أو يبطلو ~~شيئا مما فعله سبحانه. # ولما كان جوابهم في ذلك السكوت عجزا وحيرة، تولى سبحانه الجواب عنهم، ~~إشارة إلى أن جواب كل من له تأمل لا وقفة فيه بقوله، معبرا عنهم بعبارة من ~~له علم بإقامتهم في ذلك المقام، أو لأن بعض من ادعيت إلهيته ممن له علم: ~~{لا يمكلون} أي الآن ولا يتجدد لهم شيء من ذلك أصلا. # ولما كان المراد المبالغة في الحقارة بما تعرف العرب قال: {مثقال ذرة} ~~ولما أريد العموم عبر بقوله: {في السماوات} وأكد فقال: {ولا في الأرض} لأن ~~السماء ما علا، والأرض ما سفل، والسماوات في العرش، والأرض في السماء، ~~فاستغرق ذلك النفي عنهما وعن كل ما فيهما من ذات ومعنى إلى العرش، وهو ذو ~~العرش العظيم. # ولما كان هذا ظاهرا في نفي الملك الخالص عن شوب المشاركة، نفى المشاركة ~~أيضا بقوله مؤكدا تكذيبا لهم فيما يدعونه: {وما لهم فيهما} أي السماوات ~~والأرض ولا فيما فيهما، وأعرق في النفي فقال: # PageV15P493 # {من شرك} أي في خلق ولا ملك ولا ملك، وأكد النفي بإثبات الجار. ولما كان ~~مما في السماوات والأرض نفوس هذه الأصنام وقد انتفى ملكهم لشيء من أنفسهم ~~أو ما أسكن فيها سبحانه من قوة أو منفعة، فانتفى أن يقدروا على إعانة ~~غيرهم، وكان للتصريح مزيد روعة للنفوس وهزة للقلوب وقطع للأطماع، حتى لا ~~يكون هناك متشبت قوي ولا واه قال: {وما له} أي الله {منهم} وأكد النفي ~~بإثبات الجار فقال: {من ظهير *} أي معين على شيء مما يريده، فكيف يصح مع ~~هذا العجز الكلي أن يدعوا كما يدعى ويرجوا كما يرجى ويعبدوا كما يعبد. # ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة، وكان المقصود منها أثرها لا ~~عينها، نفاه بقوله: {ولا تنفع} أي في أي وقت من الأوقات {الشفاعة عنده} أي ~~بوجه من الوجوه بشيء من الأشياء {إلا لمن} ولما كانت كثافة الحجاب أعظم في ~~الهيبة، وكان ms3851 البناء للمجهول أدل على كثافة الحجاب، قال في قراءة أبي عمرو ~~وحمزة والكسائي بجعل المصدر عمدة الكلام وإسناد الفعل إليه: {أذن له} أي ~~وقع منه # PageV15P494 # إذن له على لسان من شاء من جنوده بواسطة واحدة أو أكثر في أن يشفع في ~~غيره أو في أن يشفع فيه غيره، وقراءة الباقين بالبناء للفاعل تدل على ~~العظمة من وجه آخر، وهو أنه لا افتيات عليه بوجه من أحد ما، بل لا أن ينص ~~هو سبحانه على الإذن، وإلا فلا استطاعة عليه أصلا. # ولما كان من المعلوم أن الموقوفين في محل خطر للعرض على ملك مرهوب متى ~~نودي باسم أحد منهم فقيل أين فلان ينخلع قلبه وربما أغمي عليه، فلذلك كان ~~من المعلوم مما مضى أنه متى برز النداء من قبله تعالى في ذلك المقام الذي ~~ترى فيه كل أمة جاثية يغشى على الشافعين والمشفوع لهم، فلذلك حسن كل الحسن ~~قوله تعالى: {حتى} وهو غاية لنحو أن يقال: فإذا أذن له وقع الصعق لجلاله ~~وكبريائه وكماله حتى {إذا فزع} أي أزيل الفزع بأيسر أمر وأهون سعي من أمره ~~سبحانه - هذا في قراءة الجماعة بالبناء للمجهول، وأزال هو سبحانه الفزع في ~~قراءة ابن عامر ويعقوب، إشارة إلى أنه لا يخرج عن أمره شيء {عن قلوبهم} أي ~~الشافعين والمشفوع لهم، فإن «فعل» # PageV15P495 # يأتي للإزالة كقذيت عينه - إذا أزلت عنها القذى {قالوا} أي قال بعضهم ~~لبعض: {ماذا قال ربكم} ذاكرين صفة الإحسان ليرجع إليهم رجاؤهم فتسكن لذلك ~~قلوبهم. # ولما كان ملوك الدنيا ربما قال بعضهم قولا ثم بدا له فرجع عنه، أو عارضه ~~فيه شخص من أعيان جنده فينتقض، أخبر أن الملك الديان ليس كذلك فقال: {قالوا ~~الحق} أي الثابت الذي لا يمكن أن يبدل، بل يطابقه الواقع فلا يكون شيء ~~يخالفه {وهو العلي} أي فلا رتبة إلا دون رتبته سبحانه وتعالى، فلا يقول غير ~~الحق من نقص علم {الكبير *} أي الذي لا كبير غيره فيعارضه في شيء من حكم؛ ~~روى البخاري في التفسير عن أبي ms3852 هريرة رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها ~~خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان {فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ~~ربكم قالوا} - للذي قال - {الحق وهو العلي الكبير} فيسمعها مسترق السمع، ~~ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه ~~- فيسمع # PageV15P496 # الكلمة ويلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على ~~لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها ~~قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا ~~كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» وقال في التوحيد: وقال ~~مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنهما: «وإذا تكلم الله بالوحي سمع أهل ~~السماوات فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق» وروى هذا الحديث العيني في جزئه عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما موقوفا عليه قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يسمعون فيه ~~الوحي، وفيه: فلا ينزل على سماء إلا صفقوا، وفي آخره: ثم يقال: يكون العام ~~كذا ويكون العام كذا، فتسمع الجن ذلك فتخبر به الكهنة الناس فيجدونه كما ~~قالوا، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم دحروا، فقالت العرب: هلك من ~~في السماء، فذكر ذبح العرب لأموالهم من الإبل وغيرها، حتى نهتهم ثقيف، ~~واستدلوا بثبات معلم النجوم، ثم أمر إبليس جنده بإحضار التراب وشمه حتى عرف ~~أن الحدث من مكة. # PageV15P497 # ولما سلب عن شركائهم أن يملكوا شيئا من الأكوان، # PageV15P497 # وأثبت جميع الملك له وحده، أمره صلى الله عليه وسلم بأن يقررهم بما يلزم ~~منه ذلك فقال: {قل من يرزقكم} ولما كان كل شيء من الرزق متوقفا على ~~الكونين، وكان في معرض الامتنان والتوبيخ جمع لئلا يدعي أن لشيء من العالم ~~العلوي مدبرا غيره سبحانه فقال: {من السماوات} وقال: {والأرض} بالإفراد ~~لأنهم لا يعلمون ms3853 غيرها. # ولما كان من المعلوم أنهم مقرون بأن ذلك لله وحده كما تقدم التصريح به ~~غير مرة، وكان من المحقق أن إقرارهم بذلك ملزم لهم الإخلاص في العبادة عند ~~كل من له أدنى مسكة من عقله، أشار إلى ذلك بالإشارة بأمره صلى الله عليه ~~وسلم بالإجابة إلى أنهم كالمنكرين لهذا، لأن إقرارهم به لم ينفعهم فقال: ~~{قل الله} أي الملك الأعلى وحده، وأمره بعد إقامة هذا الدليل البين بأن ~~يتبعه ما هو أشد عليهم من وقع النبل بطريق لا أنصف منه، ولا يستطيع أحد أن ~~يصوب إليه نوع طعن بأن يقول مؤكدا تنبيها على وجوب إنعام النظر في تمييز ~~المحق من المبطل بالانخلاع من الهوى، فإن الأمر في غاية الخطر: {وإنا} أي ~~أهل التوحيد في العبادة لمن تفرد بالرزق {أو إياكم} أي أهل الإشراك به من ~~لا يملك شيئا # PageV15P498 # من الأشياء و «أو» على بأنها لا بمعنى الواو، أي إن أحد فريقينا على إحدى ~~الحالتين مبهمة غير معينة فهو على خطر عظيم لكونه في شك من أمره غير مقطوع ~~له بالهدى، فانظروا بعقولكم في تعيينه هل هو الذي عرف الحق لأهله أو الذي ~~بذل الحق لغير أهله، قال ابن الجوزي: وهذا كما تقول للرجل تكذبه: والله إن ~~أحدنا لكاذب، وأنت تعنيه تكذيبا غير مكشوف ويقول الرجل: والله لقد قدم ~~فلان، فيقول له من يعلم كذبه: قل إن شاء الله، فيكذبه بأحسن من تصريح ~~التكذيب، يعني ولا سيما بعد إقامة الدليل على المراد ثم مثل المهتدين بمن ~~هو على متن جواد يوجهه حيث شاء من الجواد بقوله: {لعلى هدى} أي في متابعة ~~ما ينبغي أن يعمل مستعلين عليه ناظرين لكل ما يمكن أن يعرض فيه مما قد يجر ~~إلى ضلال فتنكبه {أو في ضلال} أي عن الحق في الاعتقاد المناسب فيه منغمسين ~~فيه وهو محيط بالمبتلى به لا يتمكن معه من وجه صواب: {مبين *} أي واضح في ~~نفسه داع لكل أحد إلى معرفة أنه ضلال إلا من كان منغمسا فيه مظروفا ms3854 له، ~~فإنه لا يحس بنفسه وما بينه وبين أن يستبصر إلا أن يخرج منه وقتا ما فيعلم ~~أنه كان في حاله ذلك فاعلا ما لا يفعله # PageV15P499 # من له نوع من العقل، ففي هذا حث على النظر الذي كانوا يأبونه بقوله: # {قلوبنا في أكنة} [فصلت: 5] ونحوه في الأدلة التي يتميز بها الحق من ~~الباطل على أحسن وجه بأنصف دعاء وألطف نداء حيث شرك الداعي نفسه معهم فيما ~~دعاهم إلى النظر فيه، فالمعنى أنه يتعين على كل منا - إذا كان على إحدى ~~الطريقين مبهمة - أن ينظر في أمر ليسلم فإن الأمر في غاية الوضوح مع أن ~~الضال في نهاية الخطر، ولقد كان الفضلاء من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ~~وذوو الأحلام والنهى منهم يقولون ذلك بعد الإسلام كخالد بن الوليد وعمرو بن ~~العاص، وناهيك بهما جلالا، ونباهة وذكاء وكمالا، قالوا: والله كنا نعجب ~~غاية العجب ممن يدخل في الإسلام واليوم نحن نعجب غاية العجب ممن يتوقف عنه. # ولما كانوا بين أمرين: إما أن يسكتوا فيعلم كل سامع أن الحجة لزمتهم، ~~وإما أن يقولوا بوقاحة ومكابرة: أنتم في الضلال ونحن على الهدى، وكان الضال ~~لا يزال يقطع ما ينبغي وصله بوصل ما يجب قطعه، # PageV15P500 # أمره أن يجيبهم على هذا التقدير بما هو أبلغ في الإنصاف من الأول بقوله: ~~{قل لا تسئلون} أي من سائل ما {عما أجرمنا} أي قطعنا فيه ما ينبغي أن يوصل ~~مما أوجبه لنا الضلال {ولا نسئل} أي أصلا في وقت من الأوقات من سائل ما ~~{عما تعملون *} أي مما بنيتموه على العلم الذي أورثكموه الهدى أي فاتركونا ~~والناس غيركم كما أنا نحن تاركوكم، فمن وضح له شيء من الطريقين سلكه. # ولما كانوا إما أن يجيبوا إلى المتاركة فيحصلوا بها المقصود عن قريب، ~~وإما أن يقولوا: لا نترككم، وكان هذا الاحتمال أرجح، أمره أن يجيبهم على ~~تقديره بقوله: {قل يجمع بيننا ربنا} أي في قضائه المرتب على قدره في الدنيا ~~أو في الأخرة، قال القشيري: والشيوخ ينتظرون في الاجتماع زوائد ms3855 ويستروحون ~~إلى هذا الآية، وللاجتماع أمر كبير في الشريعة. # ولما كان إنصافهم منهم في غاية البعد عندهم، وكان ذلك في نفسه في غاية ~~العظمة، أشار إليه بأداة البعد فقال: {ثم يفتح} أي يحكم {بيننا} حكما يسهل ~~به الطريق {بالحق} أي الأمر الثابت الذي # PageV15P501 # لا يقدر أحد منا ولا منكم على التخلف عنه، وهو العدل أو الفضل من غير ظلم ~~ولا ميل. ولما كان التقدير: فهو الجامع القدير، عطف عليه قوله: {وهو ~~الفتاح} أي البليغ الفتح لما انغلق، فلم يقدر أحد على فتحه {العليم *} أي ~~البالغ العمل بكل دقيق وجليل مما يمكن فيه الحكومات، فهو القدير على فصل ~~جميع الخصومات. # ولما كانوا قد أنكروا البعث على ذلك الوجه الذي تقدم، ودل على قدرته عليه ~~بما نصب من الأدلة التي شاهدوها من أفعاله بالبصر أو البصيرة إيجادا ~~وإعداما، وأقام الحجة على صحة الدعوة وبطلان ما هم عليه، ثم تهددهم بالفصل ~~يوم الجمع، وختم بصفة العلم المحيط المستلزم للقدرة الشاملة، وكانت القدرة ~~لا تكون شاملة إلا عند الوحدانية، أمره بما يوجب لهم القطع بوحدانيته وشمول ~~قدرته بقوله: {قل} أي لهؤلاء المشركين. # ولما كانت آلهتهم تسهل رؤيتها، وكان كل ما هو كذلك سافل المقدار عن هذه ~~الرتبة، وكانت آلهتهم بالخصوص أدنى الأشياء عن ذلك بكونها من أخس الجمادات، ~~نبه على ذلك وعلى أنها نكرة لا تعرف بقلب ولا تدل عليها فطرة زيادة في ~~تبكيتهم بقوله: {أروني الذين} ولما لزم مما ثبت له سبحانه من صفات الكمال ~~العلو الذي لا يداينه # PageV15P502 # أحد بوجه قال: {ألحقتم به} ولما كان الإلحاق يقتضي ولا بد قصور الملحق عن ~~الملحق به، أشار إلى فرط جهلهم بتسويتهم به بقوله: {شركاء} ثم نبه بعد ~~إبطال قياسهم على أنهم في غاية الجلافة والجمود فهم كالأنعام بما قرعهم به ~~من الرجز في قوله مؤكدا تكذيبا لهم في دعوى الشرك: {كلا} أي ارتدعوا ~~وانزجروا فليس والله الأمر كما ذكرتم ولا قريب منه {بل هو} أي المعبود ~~بالحق الذي لا يستحق أن يسمى هو غيره ms3856 {الله} أي الذي اختص بالحمد في الأولى ~~والآخرة {العزيز} أي الذي لا مثل له، وكل شيء محتاج إليه، وهو غالب على كل ~~شيء غلبة لا يجد معها ذلك الشيء وجه مدافعة ولا انقلاب، ولا وصول لشيء إليه ~~إلا بإذنه {الحكيم *} أي المحكم لكل ما يفعله فلا يستطيع أحد نقض شيء منه ~~فكيف يكون له شريك وأنتم ترون له من هاتين الصفتين المنافيتين لذلك وتعلمون ~~عجز من أشركتموه به عن أن يساويكم مع ما تعلمون من عجزكم. # ولما ختم بوصف الحكمة فتم برهان القدرة التي كان أوجب اعتقادهم لعدم ~~البعث ما يقتضي نقصا فيها، ولزم عن ذلك التوحيد وبطل الشرك، لم يبق إلا ~~إثبات الرسالة التي أوجب ترديدهم # PageV15P503 # أخباره صلى الله عليه وسلم بين الكذب والجنون الطعن فيها، فعلم أن ~~التقدير: أرسل إليكم رسوله بعزته مؤيدا له بإعجاز هذا القرآن بحكمته دليلا ~~على صدقه وكماله في جبلته وتأهله لبدائع نعمته ومعالي رحمته، وكان في ذلك ~~دليل الصدق في الرسالة؛ فنسق به قوله معليا لشأنه بالخطاب في مظهر العظمة، ~~إشارة إلى أنه ينبغي أن يتدرع جلابيب الصبر على جميع المكارة الصادرة من ~~أنواع الخلق في أداء الرسالة بقوله عاطفا على {ولقد آتينا داود منا فضلا} ~~مؤكدا تكذيبا لمن يدعي الخصوص: {وما أرسلناك} أي بعظمتنا {إلا كآفة} أي ~~إرسالا عاما شاملا لكل ما شمله إيجادنا، تكفهم عما لعلهم أن ينتشروا إليه ~~من متابعة الأهوية، وتمنعهم عن أن يخرج عنها منهم أحد، فالتاء في «كافة» ~~للمبالغة، وعبارة ابن الجوزي: أي عامة لجميع الخلائق {للناس} أي كل من فيه ~~قابلية لأن ينوس من الجن والإنس وغيرهم من جميع ما سوى الله وإن آذوك بكل ~~أذى من النسبة إلى الافتراء أو الجنون أو غيرهما، فحال الإرسال محصور في ~~العموم للغرض الذي ذكر من التدرع لحمل المشاق، لا في الناس، فإنه لو أريد ~~ذلك لقدموا فقيل: إلا للناس كافة، # PageV15P504 # وقد مضى في أوائل الأنعام عن السبكي ما ينفع هنا، والمعنى أن داود عليه ~~السلام فضل بطاعة الجبال ms3857 له والطير والحديد، وسليمان عليه السلام بما ذكر ~~له، ففضيلتك أنت بالإرسال إلى كل من يمكن نوسه، فالحصا سبحت في كفك، ~~والجبال أمرت بالسير معك ذهبا وفضة، والحمرة شكت إليك أخذ فراخها أو بيضها، ~~والضب شهد لك، والجمل شكا إليك وسجد لك، والأشجار أطاعتك، والأحجار سلمت ~~عليك وائتمرت بأمرك إلى غير ذلك من كل من ينوس بالفعل أو القابلية - والله ~~أعلم، وأما الجن فحالهم مشهور، وأما الملائكة فالدلائل على الإرسال إليهم ~~في غاية الظهور، وفي دلائل النبوة في باب التحدث بالنعمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن هذه الآية دليل على فضل النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الأنبياء بعموم الرسالة للإنس والجن. # ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار، وكان في ذكرها رد قولهم ~~في الكذب والجنون، قال: {بشيرا ونذيرا} أي لمن أهل للبشارة أو النذارة. ~~ولما كان هذا الإرسال مقرونا بدليله من الإتيان بالمعجز من نفسه من جهة ~~البلاغة في نظمه وبالمعاني المحكمة في البشارة والنذارة وغير ذلك، قلب ~~عليهم قولهم الذي لا دليل عليه # PageV15P505 # ولا شبهة تصوب إليه في حقه صلى الله عليه وسلم بقوله الذي هو أوضح من ~~الشمس دليلا، وأقوم كل قيل قيلا: {ولكن} ولما كان الناس الأولين كل من ديه ~~قابلية النوس وهم جميع الخلائق وأكثرهم غير عاص، أظهر مريدا الثقلين من ~~الجن والإنس فقال: فأكثر الناس لا يعلمون أي ليس لهم قابلية العلم فيعلموا ~~أنك رسول الله فضلا عن أن إرسالك عام، بل هم كالأنعام، فهم لذلك لا يتأملون ~~فيقولون «افترى أم به جنة» ونحو هذا من غير تدبر لما في هذا الكتاب من ~~الحكمة والصواب مع الإعجاز في حالي الإطناب والإيجاز، والإضمار والإبراز، ~~فيحملهم جهلهم على المخالفة والإعراض. # ولما سلب عنهم العلم، أتبعه دليله، فقال معبرا بصيغة المضارعة الدال على ~~ملازمة التكرير للإعلام بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد: {ويقولون} ~~أي ما أرسلناك إلا على هذا الحال والحال أن المنذرين يقولون جهلا منهم ~~بعاقبة ما يوعدونه غير مفكرين به في ms3858 وجه الخلاص منه والتفصي عنه في كل حين ~~استهزاء منهم: {متى هذا الوعد} أي بالبشارة والنذارة في يوم الجمع وغيره ~~فسموه وعدا زيادة في الاستهزاء. ولما كان قول الجماعة أجدر بالقبول، وأبعد ~~عن الرد من # PageV15P506 # قول الواحد، أشار إلى زيادة جهلهم بقوله: {إن كنتم} أي أيها النبي ~~وأتباعه! كونا أنتم عريقون فيه {صادقين *} أي متمكنين في الصدق. # PageV15P507 # ولما تبين من سؤالهم أنه لم يكن للاسترشاد وإن هم بالغوا به في التكذيب ~~والاستهزاء بعد الإبلاغ في إقامة الأدلة، أمره بأن يجيبهم بما يصلح للمعاند ~~من صادع التهديد بقوله: {قل لكم} أي أيها الجامدون الأجلاف الذين لا يجوزون ~~الممكنات، ولا يتدبرون ما أوضحها من الدلالات، مع ضعفهم عن الدفاع، ~~والمبالغة والامتناع {ميعاد يوم} أي لا تحتمل العقول وصف عظمه لما يأتي فيه ~~من العقاب سواء كان يوم الموت أو البعث. ولما كان تعلق النفوس بالمهلة ~~عظيما، قال: {لا تستأخرون} أي لا يوجد تأخركم ولا يمكن أن يطلب لحثيث الطلب ~~وتعذر الهرب {عند ساعة} لأن الآتي به عظيم القدرة محيط العلم، ولذلك قال: ~~{ولا تستقدمون} أي لا يوجد تقدمكم لحظة فما دونها ولا تتمكنون من طلب ذلك. # ولما دل سبحانه بملازمتهم للاستهزاء بهذا الإنذار على أنهم غير # PageV15P507 # منفكين عن مذاهب الكفار، ذكر تصريحهم بذلك وحالهم في بعض الأوقات ~~المنطبقة عليها الآية السالفة في قوله: {وقال الذين كفروا} حيث عبر ~~بالموصول وصلته في موضع الضمير، قطعا للأطماع عن دعائهم: {لن نؤمن} أي نصدق ~~أبدا، وصرحوا بالمنزل عليه صلى الله عليه وسلم بالإشارة فقالوا: {بهذا ~~القرآن} أي وإن جمع جميع الحكم والمقاصد المضمنة لبقية الكتب {ولا بالذي ~~بين يديه} أي قبله من الكتب: التوراة والإنجيل وغيرهما. بل نحن قانعون بما ~~أدبنا به آباؤنا، وذلك أن بعض أهل الكتاب أخبروهم أن صفة هذا النبي عندهم ~~في كتبهم، فأغضبهم ذلك فقالوه: {ولو} أي والحال أنك {ترى} أي يوجد منك رؤية ~~لحالهم {إذ} هم - هكذا كان الأصل، ولكن أظهر الوصف تعميما وتعليقا للحكم به ~~فقال: {الظالمون} أي الذين ms3859 يضعون الأشياء في غير محالها فيصدقون آباءهم ~~لإحسان يسير مكدر بغير دليل، ولا يصدقون ربهم الذي لا نعمة عندهم ولا عند ~~آبائهم إلا منه، وقد أقام لهم أدلة العقل بما ضرب لهم من الأمثال في الآفاق ~~وفي أنفسهم، والنقل بهذا القرآن # PageV15P508 # المدلول على صدقه بعد إظهار المعجزات المحسوسات بعجزهم عنه، فكأنهم سمعوه ~~من الله المنعم الحق {موقوفون} أي بعد البعث بما يوقفهم من قدرته بأيدي ~~جنوده أو بغيرها بأيسر أمر منه سبحانه قهرا لهم وكرها منهم: {عند ربهم} أي ~~الذي أحسن إليهم فطال إحسانه فكفروا كلما أحسن به إليهم {يرجع بعضهم} أي ~~على وجه الخصام عداوة. وكان سببها مواددتهم في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في ~~معاصي الله، قال القشيري: ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه كل من هو أطوع ~~له، ولكنهم لا يعلمون ذلك، ولو علموا لاعتبروا، ولو اعتبروا لتابوا ~~وتوافقوا، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا {إلى بعض القول} أي بالملاومة ~~والمباكتة والمخاصمة، لرأيت أمرا فظيعا منكرا هائلا شنيعا مقلقا وجيعا يسرك ~~منظره، ويعجبك منهم أثره ومخبره، من ذلهم وتحاورهم وتخاذلهم حيث لا ينفعهم ~~شيء من ذلك. # ولما كان هذا مجملا، فسره بقوله على سبيل الاستئناف: {يقول الذين ~~استضعفوا} أي وقع استضعافهم ممن هو فوقهم في الدنيا وهم الأتباع في تلك ~~الحالة على سبيل اللوم والتأنيب {للذين استكبروا} أي أوجدوا الكبر وطلبوه ~~بما وجدوا من أسبابه التي أدت إلى استضعافهم # PageV15P509 # للأولين وهم الرؤوس المتبوعون: {لولا أنتم} أي مما وجد من استتباعكم لنا ~~على الكفر وغيره من أموركم {لكنا مؤمنين *} أي عريقين في الإيمان لأنه لم ~~يكن عندنا كبر من أنفسنا يحملنا على العناد للرسل. # ولما لم يتضمن كلامهم سوى قضية واحدة، ذكر الجواب بقوله تعالى: {قال ~~الذين استكبروا} على طريق الاستئناف {للذين استضعفوا} ردا عليهم وإنكارا ~~لقولهم أنهم هم الذين صدوهم: {أنحن} خاصة {صددناكم} أي منعناكم وصرفناكم ~~{عن الهدى} ولما كانوا لا يؤاخذون بإهمال دليل العقل قبل إتيان الرسل، ~~أشاروا إلى ذلك بقولهم: {بعد إذ جاءكم} أي على ألسنة ms3860 الرسل. # ولما كان المعنى: إنا لم نفعل ذلك، حسن أن يقال: إنهم هم الذين ضلوا ~~بأنفسهم لا بإضلالهم، فقالوا: {بل كنتم} أي جبلة وخلقا {مجرمين *} أي ~~عريقين في قطع ما ينبغي وصله بعد إتيان الهدى مختارين لذلك كما كنتم قبله ~~أتباعا لنا ما ردتم ولا ردنا، ولما تضمن قولهم أمرين: ادعاء عراقتهم في ~~الإجرام، وإنكار كونهم سببا فيه، أشار إلى ردهم للثاني بالعاطف على غير ~~معطوف عليه إعلاما بأن التقدير: قال الذين استضعفوا: كذبتم فيما ادعيتم من ~~عراقتنا في الإجرام: {وقال الذين استضعفوا} عطفا على هذا المقدر {للذين ~~استكبروا} # PageV15P510 # ردا لإنكارهم صدهم: {بل} الصاد لنا {مكر الليل والنهار} أي الواقع فيهما ~~من مكركم بنا، أو استعير إسناد المكر إليهما لطول السلامة فيهما، وذلك ~~للاتساع في الظرف في إجرائه مجرى المفعول به {إذ تأمروننا} على الاستمرار ~~{أن نكفر بالله} أي الملك الأعظم بالاستمرار على ما كنا عليه قبل إتيان ~~الرسل {ونجعل له أندادا} أي أمثالا نعبدهم من دونه {وأسروا} أي يرجعون ~~والحال أن الفريقين أسروا {والندامة لما} أي حين {رأوا العذاب} لأنهم بينما ~~هم في تلك المقاولة وهم يظنون أنها تغني عنهم شيئا وإذا بهم قد بدا لهم ما ~~لم يكونوا يحتسبون فأبهتهم فلم يقدروا لفوات المقاصد وخسران النفوس أن ~~نسبوا بكلمة، ولأجل أن العذاب عم الشريف منهم والوضيع. قال تعالى: {وجعلنا ~~الأغلال} أي الجوامع التي تغل اليد إلى العنق {في أعناق الذين كفروا} فأظهر ~~موضع الإضمار تصريحا بالمقصود وتنبيها على الوصف الذي أوجب لهم ذلك. # ولما كانت أعمالهم لقبحها ينبغي البراءة منها، فكانت بملازمتهم لها كأنها ~~قد قهرتهم على ملازمتها وتقلدها طوق الحمامة فهم يعاندون الحق من غير ~~التفات إلى دليل قال منبها على ذلك جوابا لمن كأنه # PageV15P511 # قال: لم خصت أعناقهم وأيديهم بهذا العذاب؟ : {هل يجزون} أي بهذه الأغلال ~~{إلا ما كانوا} أي كونا هم عريقون فيه {يعملون *} أي على سبيل التجديد ~~والاستمرار مما يدعون أنهم بنوه على العلم، وذلك الجزاء - والله أعلم - هو ~~ما يوجب قهرهم وإذلالهم وإخزاءهم ms3861 وإنكاءهم وإيلامهم كما كانوا يفعلون مع ~~المؤمنين ويتمنون لهم. # PageV15P512 # ولما كان في هذا تسلية أخروية، أتبعه التسلية الدنيوية، فقال عطفا على ما ~~تقديره: وما أرسلنا غيرك إلا إرسالا خاصا لأمته، عطفا على {ما أرسلناك إلا ~~كافة} وساقه مؤكدا لأنه مضمونه - لكونه في غاية الغرابة - مما لا يكاد ~~يصدق: {وما أرسلنا} أي بعظمتنا ولما كان المقصود التعميم، لأنه لم يتقدم ~~قول قريش ليخص التسلية بمن قبلهم، أسقط القبلية بخلاف ما في سورة الزخرف ~~فقال: {في قرية} وأكد النفي بقوله: {من نذير} أي ينذرهم وخامة ما أمامهم من ~~عوقب أفعالهم، ودل بإفراده عن البشارة أن غالب الأمم الماضية من أهل ~~النذارة لنظهر مزية هذه الأمة، ولعله عبر به إشارة إلى الناسخين للشرائع ~~التي قبلهم دون المجددين من أنبياء بني إسرائيل فإن بعضهم # PageV15P512 # لم يكذب {إلا قال مترفوها} أي العظماء الذين لا شغل لهم إلا التنعم ~~بالفاني حتى أكسبهم البغي والطغيان: {إنا بما أرسلتم به} أي أيها المنذرون ~~{كافرون} أي وإذا قال المنعمون ذلك تبعهم المستضعفون فإذا وقفوا عندنا ~~تقاولوا بما تقدم ثم لم ينفعهم ذلك {وقالوا} مفاخرين ودالين على أنهم ~~فائزون كما قال لك هؤلاء كأنهم تواصلوا به: {نحن أكثر} . # ولما كانت الأموال في الأغلب سببا لكثرة الأولاد بالاستكثار من النساء ~~الحرائر والإماء، قدمها فقال: {أموالا وأولادا} أي في هذه الدنيا، ولو لم ~~يرض منا ما نحن عليه ما رزقنا ذلك {وما نحن} أي الآن {بمعذبين *} أي بثابت ~~عذابنا، وإنما تعرض لنا أحوال خفيفة من مرض وشدائد هي أخف من أحوالكم، ~~وحاليا الآن دليل على حالنا فيما يستقبل من الزمان كائنا ما كان، فإن الحال ~~نموذج المآل، والأول دليل الآخر، فإن كان ثم آخرة كما تقولون فنحن أسعد ~~منكم فيها كما نحن أسعد منكم الآن، ولم تنفعهم قصة سبأ في ذلك فإنهم لو ~~تأملوا لكفتهم، وأنارت أبصار بصائرهم، وصححت أمراض قلوبهم وشفتهم، فإنهم ~~كانوا أحسن الناس حالا، فصاروا أقبحهم مآلا. # PageV15P513 # ولما كانت لشبهتهم هذه شعبتان تتعلق إحداهما بالذات والأخرى بالثمرات، ~~بدأ بالأولى ms3862 لأنها أهم، فقال مؤكدا تكذيبا لمن يظن أن سعيه يفيد في الرزق ~~شيئا لولا السعي ما كان: {قل} يا أكرم الخلق على الله! مؤكدا لأجل إنكارهم ~~لأن يوسع في الدنيا على من لا يرضى فعله: {إن ربي} أي المحسن إلي بالإنعام ~~بالسعادة الباقية {يبسط الرزق} أي يجدده في كل وقت أراده بالأموال والأولاد ~~وغيرها {لمن يشاء ويقدر} أي يضيق على من يشاء منكم أن يكون جميع الموسع ~~عليهم على ما هو حق عنده ومرضى له، لاختلافهم في الأصول وتكفير بعضهم لبعض، ~~فإن الله معذب بعضهم لا محالة، فبطلت شبهتهم، وثبت أنه يفعل ما يشاء ابتلاء ~~وامتحانا، فلا يدل البسط على الرضى ولا القبض على السخط - على ما عرف من ~~سنته في هذه الدار {ولكن أكثر الناس} أي الذين لم يرتفعوا عن حد النوس ~~والاضطراب {لا يعلمون *} أي ليس لهم # PageV15P514 # علم ليتدبروا به ما ذكرنا من الأمر فيعلموا أنه ليس كل موسع عليه في ~~دنياه سعيدا في عقباه. # ولما هدم ما بالذات، أتبعه ما بالثمرات، فقال مؤكدا تكذيبا لدعواهم: {وما ~~أموالكم} أي أيها الخلق الذين أنتم من جملتهم وإن كثرت، وكرر النافي تصريحا ~~بإبطال كل على حياله فقال: {ولا أولادكم} كذلك، وأثبت الجار تاكيدا للنفي ~~فقال واصفا الجمع المكسر بما هو حقه من التأنيث: {بالتي} أي بالأموال ~~والأولاد التي {تقربكم عندنا} أي على ما لنا من العظمة بتصرفاتكم فيها بما ~~يكسب المعالي {زلفى} أي درجة علية وقربة مكينة قال البغوي: قال الأخفش: هي ~~اسم مصدر كأنه قال: تقريبا، ثم استثنى من ضمير الجمع الذي هو قائم مقام ~~أحد، فكأنه قيل: لا تقرب أحدا {إلا من} أو يكون المعنى على حذف مضاف أي إلا ~~أموال وأولاد من {آمن} أي منكم {وعمل} تصديقا لإيمانه على ذلك الأساس ~~{صالحا} أي في ماله بإنفاقه في سبيل الله وفي ولده بتعليمه الخير. # ولما من على المصلحين من المؤمنين في أموالهم وأولادهم بأن جعلها سببا ~~لمزيد قربهم، دل على ذلك بالفاء في قوله: {فأولئك} # PageV15P515 # أي العالو الرتبة ms3863 {لهم جزاء الضعف} أي بأن يأخذوا جزاءهم مضاعفا في نفسه ~~من عشرة أمثال إلى ما لا نهاية له، ومضاعفا بالنسبة إلى جزاء من تقدمهم من ~~الأمم، والضعف: الزيادة {بما عملوا} فإن أعمالهم ثابتة محفوظة بأساس ~~الإيمان {وهم في الغرفات} أي العلالي المبنية فوق البيوت في الجنان، زيادة ~~على ذلك {آمنون *} أي ثابت أمنهم دائما، لا خوف عليهم من شيء من الأشياء ~~أصلا، وأما غيرهم وهم المرادون بما بعده فأموالهم وأولادهم وبال عليهم. # ولما كان في سياق الترغيب في الإيمان بعد الإخبار بأنه بشير ونذير قال ~~معبرا بالمضارع بيانا لحال من يبعده ماله وولده من الله: {والذين يسعون} أي ~~يجددون السعي من غير توبة بأموالهم وأولادهم {في آياتنا} على ما لها من ~~عظمة الانتساب إلينا {معاجزين} أي طالبين تعجيزها أي تعجيز الآتين بها عن ~~إنفاذ مراداتهم بها بما يلقونه من الشبه فيضلون غيرهم بما أوسعنا عليهم ~~وأعززناهم به من الأموال والأولاد. # ولما كان سبحانه قد بت الحكم بشقاوتهم، وأنفذ القضاء بخسارتهم، أسقط فاء ~~السبب إعراضا عن أعمالهم وقال: {أولئك} أي البعداء # PageV15P516 # البغضاء {في العذاب} أي المزيل للعدوية {محضرون *} أي يحضرهم فيه ~~الموكلون بهم من جندنا على أهون وجه وأسهله وهم داخرون، قال القشيري: إن ~~هؤلاء هم الذين لا يحترمون الأولياء ولا يراعون حق الله في السر، فهم في ~~عذاب الاعتراض على أولياء الله وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله ~~ثم في عذاب السقوط من عين الله. # PageV15P517 # ولما أبطل شبهتهم بشعبيتها بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة، قرب ذلك بدليل ~~واحد في شخص واحد فقال: {قل} يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة الذين يظنون أن ~~الرزق بحسب حسن السعي وقبحه أو حسن حال الشخص عند الله وقبحها: {إن ربي} أي ~~المحسن إلي بهذا البيان المعجز {يبسط الرزق} أي متى شاء {لمن يشاء من ~~عباده} أي على سبيل التجدد المستمر من أي طائفة كان {ويقدر له} أي يضيق ~~عليه نفسه في حالتين متعاقبتين، وهو بصفة واحدة على عمل واحد، فلو أن ~~الإكرام والإنعام يوجب ms3864 الدوام لما تغيرت حاله من السعة إلى الضيق، ولو أن ~~في يده نفع نفسه لما اختلف حاله. # ولما بين هذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه ~~سبب للسلامة من النار. دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله: {وما أنفقتم من ~~شيء} أي أنتم وأخصامكم وغيرهم {فهو يخلفه} # PageV15P517 # أي لا غيره بدليل أن المنفق قد يجتهد كل الاجتهاد في الإخلاف فلا ينفق، ~~فدل ذلك على أنه المختص بالإخلاف، ولأن هذا هو المعنى لا أنه ضمن الإخلاف ~~لكل من ينفق على أي وجه كان، قال مجاهد كما نقله الرازي في اللوامع: «إذا ~~كان في يد أحدكم شيء فليقتصد ولا يتأول الآية، فإن الرزق مقسوم، وما عال من ~~اقتصد» كما رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا، والمعنى أنه ~~قد دل الإخلاف على جميع الأشكال والأضداد على أن الأمر فيه على غير ما ~~ظننتم من الإسعاف به في وقت موجب للإكرام على الدوام، وأن ذلك إنما هو ~~لضمانه الرزق لكل أحد بحسب ما قسمه له من سبق به عمله وقدرته حكمته، وتارة ~~يكون إخلافه حسا وبالفعل، وتارة يكون معنى وبالقوة، بالترضية بتلك الحالة ~~التي أدت إلى العدم، قال القشيري: وهو أتم من السرور بالموجود، ومن ذلك ~~الأنس بالله في الخلوة، ولا يكون ذلك إلا مع التجريد - انتهى. والمنفق ~~بالاقتصاد داخل أن شاء الله تعالى تحت قول صلى الله عليه وسلم فيما رواه ~~الشيخان: البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الله تعالى: «أنفق ~~أنفق عليك» وما روى الشيخان وابن حبان في صحيحه أيضا «ما من يوم يصبح ~~العباد فيه إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول # PageV15P518 # الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» فهو خير الموسعين {وهو خير الرازقين *} أي ~~الذين تعدونهم هذا العداد ممن يقيمهم هو سبحانه لكم فتضيفون الرزق إليهم، ~~فإنهم وسائط لا يقدرون إلا على ما قدرهم، وأما هو سبحانه فهو يوجد المعدوم، ~~ويرزق من يطيعه ومن يعصيه، ولا يضيق ms3865 ترزيقه بأحد، ولا يشغله فيه أحد عن ~~أحد، بل يبعث في كل يوم لكل أحد رزقه في آن واحد كما ينشر عليهم نوره ~~بالشمس في آن واحد من غير توقيف لذلك على شيء من الأشياء غير سبق به العلم ~~في الأزل. # ولما أبطل شبهتهم فعلم بذلك أن الأمر كله له، وأنهم في محل الخطر، وكان ~~قد بقي من شبههم أنهم يقولون: نحن نعبد الملائكة فهم يشفعون لنا، وكان ~~الأنبياء عليهم السلام لا ينكرون أن الملائكة مقربون أبطل ما يتعلقون به ~~منهم، وبين أنه لا أمر لهم وأنهم بريئون منهم، فقال عاطفا على {إذ ~~الظالمون} : {ويوم نحشرهم} أي نجمعهم جمعا بكره بعد البعث، وعم التابع ~~والمتبرع بقوله: {جميعا} . # ولما كانت مواقف الحشر طويلة وزلازله مهولة قال: {ثم نقول للملائكة} أي ~~توبيخا للمشركين وإقناطا مما يرجون منهم من الشفاعة. ولما كانت العبادة لا ~~تنفع إلا إذا كان المعبود راضيا بها وكانت خالصة، قال مبكتا للمشركين ~~وموبخا ليكون هناك سؤال وجواب # PageV15P519 # فيكون التقريع أشد والخجل به أعظم، والخوف والهوان أتم وألزم ويكون ~~اقتصاص ذلك عظة للسامعين، وزجرا للجاهلين، وتنبيها للغافلين، على طريق ~~{أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] الآيات: ~~{أهؤلاء} أي الضالون؛ وأشار إلى أنه لا ينفع من العبادة إلا ما كان خالصا ~~فقال: {إياكم} أي خاصة {كانوا يعبدون *} بأفعالهم الاختيارية والقسرية ~~ليعلم أنهم عبيد لكم تستحقون عبادتهم، وفي التعبير بما يدل على الاختصاص ~~تنبيه لقريش على أنه لا يعتد من العبادة إلا بالخالص {قالوا} أي الملائكة ~~متبرئين منهم مفتتحين بالتنزيه تخضعا بين يدي البراءة خوفا من حلول السطوة ~~{سبحانك} أي ننزهك تنزيها يليق بجلالك عن أن يستحق أحد غيرك أن يعبد. # ولما كانوا كارهين جدا لعبادتهم، وكانت فائدة العبادة الوصلة بين العابد ~~والمعبود قالوا: {أنت ولينا} أي معبودنا الذي لا وصلة بيننا وبين أحد إلا ~~بأمره {من دونهم} أي من أقرب منزلة لك من منازلهم منا، فأنت أقرب شيء إلينا ~~في كل معاني الولاية من العلم والقدرة وغيرهما، ms3866 فكيف نترك الأقرب والأقوى ~~ونتولى الأبعد العاجز، ليس بيننا وبينهم من ولاية، بل عداوة، وكذا كل # PageV15P520 # من تقرب إلى شخص بمعصية الله يقسي الله قلبه عليه ويبغضه فيه فيجافيه ~~ويعاديه. # ولما كان من يعمل لأحد عملا لم يأمر به ولم يرضه إنما عمل في الحقيقة ~~للذي دعاه إلى ذلك العمل قالوا: {بل كانوا} بأفعالهم الاختيارية الموجبة ~~للشرك {يعبدون الجن} أي إبليس وذريته الذين زينوا لهم عبادتنا من غير رضانا ~~بذلك، وكانوا يدخلون في أجواف الأصنام ويخاطبونهم ويستجيرون بهم في الأماكن ~~المخوفة، ومن هذا تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة؛ ثم استأنفوا ~~قولهم: {أكثرهم} أي الإنس {بهم} أي الجن {مؤمنون *} أي راسخون في الإشراك ~~لا يقصدون بعبادتهم غيرهم، وقليل منهم من يقصد بعبادته بتزيين الجن وغيرهم ~~وهو راض بها، فهي في الحقيقة لمن زينها لهم من الجن، وهم مع ذلك يصدقون ما ~~يرد عليهم من إخبارات الجن على ألسنة الكهان وغيرهم مع ما يرون فيها من ~~الكذب في كثير من الأوقات. # ولما بطلت تمسكاتهم، وتقطعت تعلقاتهم، تسبب عن ذلك تقريعهم الناشئ عنه ~~تنديمهم بقوله بلسان العظمة: {فاليوم} أي يوم مخاطبتهم # PageV15P521 # بهذا التبكيت وهو يوم الحشر {لا يملك} أي شيئا من الملك {بعضكم لبعض} أي ~~من المقربين والمبعدين. ولما كان المدار على الخلاص والسياق للشفاعة، قدم ~~النفع فقال: {نفعا} وأكمل الأمر بقوله: {ولا ضرا} تحقيقا لقطع جميع الأسباب ~~التي كانت في دار التكليف من دار الجزاء التي المقصود فيها تمام إظهار ~~العظمة لله وحده على أتم الوجوه. # ولما كان المعنى: فاليوم نسلب الخلائق ما كنا مكناهم منه في الدنيا من ~~التنافع والتضارر. وتلاشى بذلك كل شيء سواه، أثبت لنفسه المقدس ما ينبغي، ~~فقال عاطفا على هذا الذي قدرته: {ونقول} أي في ذلك الحال من غير إمهال ولا ~~إهمال {للذين ظلموا} أي بوضع العبادة في غير موضعها ولا سيما من ضم إلى ذلك ~~إنكار المعاد عند إدخالنا لهم النار: {ذوقوا عذاب النار} ولما لم يتقدم ~~للعذاب وصف بترديد - كما تقدم في السجدة ms3867 - ولا غيره، كان المضاف إليه أحق ~~بالوصف لأنه المصوب إليه بالتكذيب فقال: {التي كنتم} أي جبلة وطبعا {بها ~~تذكبون *} . # PageV15P522 # ولما أخبر أنهم أبوا الإيمان بالقرآن، المخبر بالغيب من أمر الرحمن # PageV15P522 # الذي هدت إليه العقول، وشاهدت آثاره العيون، في هذا الكلام المعجز، ~~فتظافرت على ما أخبرت به أدلة السمع والبصر والعقل، وختم بأنهم آمنوا بالجن ~~غيبا وعبدوهم من دون الله بما لم يدع إليه عقل ولا نفل، وصدقوهم من الإخبار ~~بما إن صدقوا في شيء منه خلطوا معه أكثر من مائة كذبة، وسلب أعظم من ادعوا ~~أنهم استندوا إليه النفع والضر، وأسند تعذيبهم إلى تكذيبهم، أتبعه الإخبار ~~بأنهم لازموا الإصرار على ذلك الكفر والتكذيب بما كله صدق وحكم فقال: {وإذا ~~تتلى} أي في وقت من الأوقات من أي تال كان {عليهم} أي خاصة لم يشركهم غيرهم ~~ليقولوا: إنه المقصود بالتلاوة، فلا يلزمهم الاستماع {آياتنا} حال كونها ~~{بينات} ما قالت شيئا إلا ظهرت حقيته {قالوا} أي على الفور من غير تأمل لما ~~حملهم على ذلك من حظ النفس. # ولما كان المستكبرون يرون ما للرسالة من الظهور، وللرسول من القبول، وأن ~~أتباعهم قد ظهر لهم ذلك، فمالوا إليه بكلياتهم، أكده قولهم: {ما هذا} أي ~~التالي لها على ما فيه من السمت المعلم بأنه أصدق الخلق وأعلاهم همة ~~وأبينهم نصيحة {إلا رجل} أي مع كونه واحدا هو مثل واحد من رجالكم، وتزيدون ~~عليه أنتم بالكثرة، # PageV15P523 # ولم يسندوا الفعل إليهم نفيا للغرض عن أنفسهم وإلهابا للمخاطبين فقالوا: ~~{يريد أن يصدكم} أي بهذا الذي يتلوه {عما كان} دائما {يعبد آباؤكم} أي لا ~~قصد له إلا ذلك لتكونوا له أتباعا، وألهبوا السامعين بتصوير آبائهم بذكر ~~«كان» والفعل المضارع ملازمين للعبادة ليثبتوا على كفرهم بما لا دليل عليه ~~ولا شبهة ولا داع سوى التقليد. # ولما كانت أدلة الكتاب واضحة، خافوا عاقبتها في قبول الاتباع لها، فجزموا ~~بأنها كذب ليوقفوهم بذلك، فحكى ذلك عنهم سبحانه بقوله: {وقالوا ما هذا} أي ~~القرآن {إلا إفك} أي كذب مصروف عن وجهه {مفترى} ms3868 أي متعمد ما فيه من الصرف. # ولما كان فيه ما لا يشك أحد في حقيته، لبسوا عليهم بأنه خيال يوشك أن ~~ينكشف إيقافا لهم إلى وقت ما، فقال تعالى إخبارا عنهم: {وقال} ولما كان ~~الحق قد يخفى، ولم يقيده بالبيان كما فعل في الآيات، أظهر موضع الإضمار ~~بيانا للوصف الحامل لهم على ذلك القول وهو التدليس، فقال: {الذين كفروا} أي ~~ستروا ما دلت عليه العقول من حقية القرآن، {للحق} أي الذي لا أثبت منه ~~باعتبار كمال الحقية فيه {لما جاءهم} أي من غير أن يمهلوا النظر ولا تدبر ~~ليقال إن الداعي لهم إلى ما قالوا نوه شبهة عرضت لهم، بل أظهروا بالمسارعة ~~إلى الطعن أنه مما لا يتوقف فيه، وأكدوا لما تقدم من خوفهم على أتباعهم # PageV15P524 # ليخيلوهم فقالوا: {إن} أي ما {هذا} أي الثابت الذي لا يكون شيء أثبت منه ~~{إلا سحر} أي خيال لا حقيقة له {مبين *} أي ظاهر العوار جدا، فهو ينادي على ~~نفسه بذلك، فلا تغتروا بما فيه مما تميل النفوس ويؤثر في القلوب، ولقد انصد ~~لعمري بهذا التلبيس - مع أن في نسبتهم له إلى السحر الاعتراف بالعجز - بشر ~~كثير برهة حتى هدى الله بعضهم، وتمادى بالآخرين الأمر حتى ماتوا على ~~ضلالهم، مع أنه كان ينبغي لكل من رأى مبادرتهم وتحرقهم أن يعرف أنهم ~~متغرضون، لم يحملهم على ذلك إلا الحظوظ النفسانية، والعلق الشهوانية، قال ~~الطفيل ابن عمرو الدوسي ذو النور رضي الله عنه: لقد اكثروا علي في أمره حتى ~~حشوت في أذني الكرسف خوفا من أن يخلص إلى شيء من كلامه فيفتنني، ثم أراد ~~الله بي الخير فقلت: واثكل أمي إني والله لبيب عاقل شاعر، ولي معرفة بتمييز ~~غث الكلام من سمينه، فما لي لا أسمع منه، فإن كان حقا تبعته، وإن كان # PageV15P525 # باطلا كنت منه على بصيرة - أو كما قال، قال: فقصدت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقلت: اعرض علي ما جئت به، فلما عرضه علي بأبي هو وأمي ما سمعت قولا ~~قط أحسن منه ms3869 ولا أمرا أعدل منه فما توقفت في أن أسلمت، ثم سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يدعو الله له أن يعطيه آية تعينه على قومه، فلما أشرف ~~على حاضر قومه كان له نور في جبهته، فخشي أن يظنوا أنها مثلة، فدعا ~~بتحويله، فتحول في طرف سوطه، فأعانه الله على قومه فأسلموا. # ولما بارزوا بهذا القول من غير أثارة من علم ولا خبر من سمع، بين ذلك ~~معجبا من شأنهم، موضحا لعنادهم، بقوله مؤكدا إشارة إلى أن ما يجترئون عليه ~~من الأقوال التي لا سند لها إلا التقليد لا يكون إلا عن كتاب أو رسول: ~~{وما} أي قالوا ذلك والحال أنا ما {آتيناهم} أي هؤلاء العرب أصلا لأنه لم ~~ينزل عليهم قط قبل القرآن كتاب، وعبر بمظهر العظمة إشارة إلى أن هذا مقام ~~خطر وموطن وعر جدا لأنه أصل الدين، فلا يقنع فيه إلا بأمر عظيم، وأكد هذا ~~المعنى بقوله: {من كتب} بصيغة الجمع مع تأكيد النفي بالجار قبل كتابك ~~الجامع {يدرسونها} أي يجددون # PageV15P526 # دراستها في كل حين، فهي متظاهرة الدلالة باجتماعها على معنى واحد متواترة ~~عندهم لا شبهة في أمرها ليكون ذلك سببا للطعن في القرآن إذا خالف تلك الكتب ~~{وما أرسلنا} أي إرسالا لا شبهة فيه لمناسبته لما لنا من العظمة {إليهم} أي ~~خاصة، بمعنى أن ذلك الرسول مأمور بهم باعيانهم، فهم مقصودون بالذات، لا ~~أنهم داخلون في عموم، أو مصقودون من باب الأمر بالمعروف في جميع الزمان ~~الذي {قبلك} أي من قبل رسالتك الجامعة لكل رسالة ليخرج إبراهيم وإسماعيل ~~عليهما السلام فإنهما كانا في بعض الزمان الماضي، أو أن المراد في الفترة ~~بعد عيسى عليه السلام كما تقدم في السجدة نقله عن ابن عباس ومقاتل، ويجوز ~~أن يراد بعد إسماعيل عليه السلام لأن عيسى عليه السلام - وإن أرسل إلى ~~العرب رسله - لم يكن مرسلا إلا إلى قومه، وإرساله إلى غيرهم إنما هو من باب ~~الأمر بالمعروف، وشعيب عليه السلام إنما كانت رسالته إلى طائفة أو أثنتين ~~منهم ms3870 وقد يقال: الذي يدل عليه استغراق جميع الزمان الماضي بالتجريد عن ~~الخافض أن المراد إنما هو نفي الإرسال بهذا الباطل الذي إدعوه لا مطلق ~~الإرسال، وأكد النفي بقوله: {من نذير *} أي ليكون عندهم قول منه يغبر في ~~وجه القرآن، فيكون حاملا لهم على الطعن. # ولما نفى موجب الطعن، ذكر المانع الموجب للإذعان فقال: # PageV15P527 # {وكذب} أي فعلوا ما فعلوا، الحال أنه قد كذب {الذين من قبلهم} أي من قوم ~~نوح ومن بعدهم بادروا إلى ما بادر إليه هؤلاء، لأن التكذيب كان في طباعهم ~~لما عندهم من الجلافة والكبر {وما بلغوا} أي هؤلاء {معشار ما آتيناهم} أي ~~عشرا صغيرا مما آتينا أولئك من القوة في الأبدان والأموال والمكنة في كل ~~شيء من العقول وطول الأعمار والخلو من الشواغل {فكذبوا} أي بسبب ما طبعوا ~~عليه من العناد، وأفرد الضمير كما هو حقه ونصا على أن النون فيما مضى ~~للعظمة لا للجمع دفعا لتعنت متعنت فقال: {رسلي} . # ولما كان اجتراؤهم على الرسل سبب إهلاكهم على أوجه عجيبة، صارت مثلا ~~مضروبا باقيا إلى يوم القيامة ولم يغن عنهم في دفع النقم ما بسط لهم من ~~النعم، كان موضع أن يقال لرائيه أو لسامعه: {فكيف كان نكير *} أي فيما كان ~~له من الشدة التي هي كالجبلة أي إنكاري على المكذبين لرسلي، ليكون السؤال ~~تنبيها لهذا المسؤول وداعيا له إلى الإذعان خوفا من أن يحل به ما حل بهم أن ~~فعل مثل ما فعلهم سواء كان الإنكار في أدنى الوجوه كما أوقعناه سببا من ~~تعطيل الأسباب، أو أعلاها كما أنزلنا بقوم نوح عليه السلام ومن شاكلهم # PageV15P528 # وصب العذاب والاستئصال الوحي بالمصاب على ما أشارت إليه قراءتا حذف الياء ~~وإثباتها. # PageV15P529 # ولما أبطل شبههم كلها، ولين من عريكتهم بالتنبيه على التحذير، فصاروا ~~جديرين بقبول الوعظ، وكان مما رموه به - وحاشاه - الجنون وتعمد الكذب، أمره ~~بالإقبال عليهم به مخففا له لئلا ينفروا من طوله فقال: {قل} وأكده زيادة في ~~استجلابهم إلى الإقبال عليه فقال: {إنما أعظكم بواحدة} أي فاسمعوا ولا ms3871 ~~تنفروا خوفا من أن أملكم؛ ثم استأنف قوله بيانا لها: {أن تقوموا} أي توجهوا ~~نفوسكم إلى تعرف الحق، وعبر بالقيام إشارة إلى الاجتهاد {لله} أي الذي لا ~~أعظم منه على وجه الإخلاص واستحضار ما له من العظمة بما له لديكم من ~~الإحسان لا لإرادة المغالبة حال كونكم {مثنى} أي اثنين اثنين، وقدمه إشارة ~~ألى أن أغلب الناس ناقص العقل {وفرادى} أي واحدا واحدا، من وثق بنفسه في ~~رصانه عقله وأصالة رأيه قام وحده ليكون أصفى لسره، وأعون على خلوص فكره، ~~ومن خاف عليها ضم إليه آخر ليذكره إن نسي. ويقومه إن زاغ. ولما كان هذا ~~القسم أكثر وجودا في الناس قدمه ولم يذكر غيرهما من الأقسام، إشارة إلى ~~أنهم إذا كانوا على هاتين الحالتين كان أجدر لهم # PageV15P529 # بأن يعرفوا الحق من غير شائبة حظ مما يكون في الجمع الكثير من الجدال ~~واللفظ المانع من تهذيب الرأي وتثقيف الفكر وتنقية المعاني. # ولما كان ما طلب منهم هذا لأجله عظيما جديرا بأن يهتم له هذا الاهتمام، ~~أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم تتفكروا} أي تجتهدوا بعد التأني وطول ~~التروي في الفكر فيما وسمتم به صاحبكم من أمر الجنون. ولما كان بعده صلى ~~الله عليه وسلم من هذا آمرا لا يتمارى فيه، استأنف قوله معينا بالتعبير ~~بالصاحب مؤكدا تكذيبا لهم وتنبيها على ظهور مضمون هذا النفي: {ما بصاحبكم} ~~أي الذي دعاكم إلى الله وقد بلوتموه صغيرا ويافعا وشابا وكهلا، وأعرق في ~~النفي بقوله: {من جنة} وخصها لأنها مما يمكن طروءه، ولم يعرج على الكذب ~~لأنه مما لا يمكن فيمن عاش بين أناس عمرا طويلا ودهرا دهيرا يصحبهم ليلا ~~ونهارا صباحا ومساء سرا وعلنا في السراء والضراء، وهو أعلاهم همة وأوفاهم ~~مروءة، وأزكاهم خلائق وأظهرهم شمائل، وأبعدهم عن الأدناس ساحة في مطلق ~~الكذب، فكيف بما يخالف أهواءهم فكيف بما ينسب إلى الله فكيف وكلامه الذي ~~ينسب فيه إلى الكذب معجز بما فيه # PageV15P530 # من الحكم والأحكام، والبلاغة والمعاني التي أعيت الأفهام. # ولما ثبت بهذا إعلاما ms3872 وإفهاما براءته مما قذفوه به كله، حصر أمره في ~~النصيحة من الهلاك، فقال منبها على أن هذا الذي أتاهم به لا يدعيه إلا أحد ~~رجلين: إما مجنون أو صادق هو أكمل الرجال، وقد انتفى الأول فثبت الثاني: ~~{إن} أي ما {هو} أي المحدث عنه بعينه {إلا نذير لكم} أي خاصا إنذاره وقصده ~~الخلاص بكم، وهول أمر العذاب بتصويره صورة من له آلة بطش محيطة بمن تقصده ~~فقال: {بين يدي} أي قبل حلول {عذاب شديد *} قاهر لا خلاص منه، إن لم ترجعوا ~~إليه حل بكم سريعا، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # «صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال: يا صباحاه! فاجتمعت ~~إليه قريش فقالوا: ما لك، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو ~~يمسيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، فقال: إني نذير لكم بين يدي عذاب ~~شديد، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله عز وجل {تبت يدا أبي ~~لهب وتب} » . # ولما انتفى عنه بهذا ما خيلوا به، بقي إمكان أن يكون لغرض أمر دنيوي ~~فنفاه بأمره بقوله: {قل} أي للكفرة: {ما} # PageV15P531 # أي مهما {سألتكم من أجر} أي على دعائي لكم {فهو لكم} لا أريد منه شيئا، ~~وهو كناية عن أني لا أسألكم على دعائي لكم إلى الله أجرا أصلا بوجه من ~~الوجوه، فإذا ثبت أن الدعاء ليس لغرض دنيوي، وأن الداعي أرجح الناس عقلا، ~~ثبت أن الذي حمله على تعريض نفسه لتلك الأخطار العظيمة إنما هو أمر الله ~~الذي له الأمر كله. ولما كانوا يظنون به في بعض ظنونهم أنه يريد أمرا ~~دنيويا، أكد قوله: {إن} أي ما {أجري إلا على الله} أي الذي لا أعظم منه، ~~فلا ينبغي لذي همة أن يبتغي شيئا إلا من عنده {وهو} أي والحال أنه {على كل ~~شيء شهيد *} أي بالغ العلم بأحواله، فهو جدير بأن يهلك الظالم ويعلي كعب ~~المطيع. # ولما لم يبق شيء يخدش في أمر المبلغ، أتبعه تصحيح النقل جوابا لمن ms3873 كأنه ~~يقول: برئت ساحتك، فمن لنا بصحة مضامين ما تخبر؟ فقال مؤكدا لإنكارهم أن ~~يكون ما يأتي به حق معيدا الأمر بالقول، إشارة إلى أن كل كلام صدر دليل كاف ~~مستقل بالدلالة على ما سبق له: {قل} لمن أنكر التوحيد والرسالة والحشر ~~معبرا بما يقتضي العناية الموجبة لنصره على كل معاند، {إن ربي} أي المحسن ~~إلي بأنواع الإحسان، المبيض لوجهي عند الامتحان {يقذف بالحق} أي يرمي به في ~~إثبات جميع ذلك وغيره مما يريد رميا وحيا جدا لأنه غني عن # PageV15P532 # تدبر أو ترو أو تفكر في تصحيح المعنى أو إصلاح اللوازم لأنه علام الغيوب، ~~فيفضح من يريد إطفاء نوره فضيحة شديدة، ويرهق باطله كما فعل فيما وسمتموني ~~به وفي التوحيد وغيره لا كما فعلتم أنتم في مبادرتكم إلى نصر الشرك وإلى ما ~~وصفتموني به ووصفتم ما جئت به، فلزمكم على ذلك أمور شنيعة منها الكذب ~~الصريح، ولم تقدروا أن تأتوا في أمري ولا في شيء من ذلك بشيء يقبله ذو عقل ~~أصلا. # ولما وصفه بنهاية العلم، أتبعه بعض آثاره فقال: {قل جاء الحق} أي الأمر ~~الثابت الذي لا يقدر شيء أن يزيله؛ وأكد تكذيبا لهم في ظنهم أنهم يغلبون ~~فقال: {وما} أي والحال أنه ما {يبدئ الباطل} أي الذي أنتم عليه وغيره في كل ~~حال حصل فيه تفريعه على مر الأيام {وما يعيد *} بل هو كالجماد لا حركة به ~~أصلا، لأنه مهما نطق به صاحبه في أمره بعد هذا البيان افتضح، فإن لم ترجعوا ~~عنه طوعا رجعتم وأنتم صغره كرها، والحاصل أن هذا كناية عن هلاكه بما يهز # PageV15P533 # النفس ويرفض الفكر بتمثيله بمن انقطعت حركته، وذهبت قوته، حتى لا يرجى ~~بوجه. # PageV15P534 # ولما لم يبق بعد هذ إلا أن يقولوا عنادا: أنت ضال، ليس بك جنون ولا كذب، ~~ولكنك قد عرض لك ما أضلك عن المحجة، قال: {قل} أي لهؤلاء المعاندين على ~~سبيل الاستعطاف بما في قولك من الانصاف وتعليم الأدب: {إن ضللت} أي عن ~~الطريق على سبيل الفرض {فإنما أضل} ms3874 ولما كان الله تعالى قد جعل العقل عقلا ~~يمنع من الخطأ وينهى عن الهوى، وكان الغلط لا يأتي إلا من شواغل النفس ~~بشهواتها وحظوظها، فكان التقدير: بما في نفسي من الشواغل العاقلة للعقل، ~~قال مشيرا إلى ذلك: {على نفسي} أي لأن الضلال إذا استعلى على شيء ظهر أمره ~~فيتبين عواره فيلزم عاره، ويصير صاحبه بحيث لا يدري شيئا ينفع ولا يعيد، ~~ولذلك يصير يفزع إلى السفه والمشاتمة كما وقع في مذاهبكم كلها، لأن الله ~~تعالى جعل العقول الصحيحة معيارا على ذلك، فمهما ذكرت طرق الحق وحررت ظهر ~~أمر الباطل وافتضح. ولما كانت النفس منقادة بل مترامية نحو الباطل، عبر في ~~الضلال بالمجرد، وفي الهدى بالافتعال إشارة إلى أنه لا بد # PageV15P534 # فيه من هاد وعلاج، وعبر بأداة الشك استعمالا للأنصاف فقال: {وإن اهتديت ~~فبما} أي فاهتدائي إنما هو بما {يوحي إلي ربي} أي المحسن إلي لا بغيره، فلا ~~يمكن فيه ضلال لأنه لا حظ فيه للنفس أصلا، فلا يقدر أحد على شيء من طعن في ~~شيء منه، وهداي لنفسي، فالآية ظاهرها التنزل منه وباطنها إرشادهم إلى ~~تسديدهم النظر وتقويمه وتهذيب الفكر وتثقيفه، وهي من الاحتباك: حذف أولا ~~كون الضلال من نفسه بما دل عليه ثانيا من أن الهدى من الوحي وثانيا كون ~~الهدى له بما دل عليه من كون الضلال عليه ثم علل الضلال والهدى بقوله: ~~{إنه} أي ربي {سميع قريب *} أي لا يغيب عنه شيء من حال من يكذب عليه، فهو ~~جدير بأنه يفضحه كما فضحكم في جميع ما تدعونه ولا يبعد عليه شيء ليحتاج في ~~إدراكه إلى تأخير لقطع مسافة أو نحوها، بل هو مدرك لكل ما أراد كلما أراد، ~~والآية إرشاد من الله تعالى إلى أنه وإن كان خلق للآدمي عقلا لا يضل ولا ~~يزيغ، لكنه حفه بقواطع من الشهوات والحظوظ والكسل والفتور فلا يكاد يسلم ~~منها إلا من عصمه الله، فلما كان كذلك أنزل سبحانه كتبا هي العقل الخالص، ~~وأرسل رسلا جردهم من تلك القواطع، فجعل أخلاقهم ms3875 # PageV15P535 # شرائعهم، فعلى كل أحد أن يتبع رسله المتخلفين بكتبه متهما عقله منابذا ~~رأيه كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ليكون مؤمنا بالغيب حق الإيمان ~~فيدخل في قوله تعالى في سورة فاطر {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} # [فاطر: 18] ولا يكون متناوشا بعد كشف الغطاء من مكان بعيد. # ولما أبطل شبههم وختم من صفاته بما يقتضي البطش بمن خالفه، قال عاطفا على ~~{ولو ترى إذ الظالمون} : {ولو ترى} أي تكون منك رؤية {إذ فزعوا} أي يفزعون ~~بأخذنا في الدنيا والآخرة، ولكنه عبر بالماضي وكذا في الأفعال الآتية بعد ~~هذا لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه {فلا} أي ~~فتسبب عن ذلك الفزع أنه لا {فوت} أي لهم منا لأنهم في قبضتنا، لرأيت أمرا ~~مهولا وشأنا فظيعا، وحقر أمرهم بالبناء للمفعول فقال: {وأخذوا} أي عند ~~الفزع من كل من نأمره بأخذهم سواء كان قبل الموت أو بعده. ولما كان القرب ~~يسهل أخذ ما يراد أخذه قال: {من مكان قريب *} أي أخذا لا شيء أسهل منه فإن ~~الآخذ سبحانه قادر وليس بينه وبين شيء، مسافة، بل هو أقرب إليه منا الإيمان ~~به # PageV15P536 # وأبيناه، والأقرب أن يكون القرآن الذي قالوا إنه إفك مفترى {وأنى} أي ~~وكيف ومن أين {لهم التناوش} أي تناول الإيمان أو شيء من ثمراته، وكأنه عبر ~~به لأنه يطلق على الرجوع، فكان المعنى أن ذلك بعد عليهم من جهة أنه لا يمكن ~~إلا برجوعهم إلى الدنيا التي هي دار العمل، وأنى لهم ذلك؟ وهو تمثيل لحالهم ~~- في طلبهم أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في ~~الدنيا - بحال من يريد أن يتناول شيئا من علوه كما يتناوله الآخر من قدر ~~ذراع تناولا سهلا، لا نصب فيه، ومده أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم لهمزهم إياه فقيل: إن الهمز على الواو المضمونة كما همزت في وجوه ~~ووقتت فيكون لفظه موافقا لمعناه، والصحيح أنه ليس من هذا، لأن شرط همز ~~الواو المضمونة ms3876 ضمة لازمة أن لا ويكون مدغما فيها إذا كانت وسطا كالتعود، ~~وأن لا يصح في الفعل نحو تناول وتعاون، وقد حكى عن أبي عمرو أن معناه ~~بالهمز التناول من بعد، من قولهم نأش - بالهمز - إذا أبطل وتأخر، والنيش ~~حركة في إبطاء، والنأش أيضا: الأخذ، فيكون الهمز أصليا، وقرأه الباقون ~~بالواو مثل التناول لفظا ومعنى، فقراءة الواو المحضة تشير إلى أنهم يريدون ~~تناولا سهلا مع بعد المتناول في المكان، # PageV15P537 # وقراءة الهمز إلى أن إرادتهم تأخرت وأبطأت حتى فات وقتها، فجمعت إلى بعد ~~المكان بعد الزمان. # ولما كان البعيد لا يمكن الإنسان تناوله مع بعده قال: {من مكان بعيد *} ~~فإنه بعد كشف الغطاء عند مجيء البأس لا ينفع الإيمان {وقد} أي كيف لهم ذلك ~~والحال أنهم قد {كفروا به} أي بالذي طلب منهم أن يؤمنوا به أملا وجزاء {من ~~قبل} أي في دار العمل {و} الحال أنهم حين كفرهم {يقذفون} في أمر ما دعوا ~~إليه بما يرمون به من الكلام رميا سريعا جدا من غير تمهل ولا تدبر {بالغيب} ~~أي من مرجمات الظنون، وهي الشبهة التي تقدم إبطالها في هذه السورة وغيرها ~~من استبعادهم البعث وغيره مما أخبر الله به. # ولما كان الشيء لا يمكن أن يصيب ما يقذفه وهو غائب عنه ولا سيما مع البعد ~~قال معلما ببعدهم عن علم ما يقولون مع بعده جدا من حال من تكلموا فيه سواء ~~كان القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الحشر والجنة والنار: {من مكان ~~بعيد *} وذلك على الضد من قذف علام الغيوب فإنه من مكان قريب فهو معلوم ~~لازم للحق. # PageV15P538 # ولما أشار إلى بعد الإيمان منهم عند إرادتهم تناوله عند فوات أمره وعلوه ~~عنهم عند طعنهم فيه في دار العمل، ترجم حالتيهم في # PageV15P538 # ذلك على وجه يعم ثمرات الإيمان من دخول الجنان ورضى الرحمن بقوله: {وحيل} ~~معبرا بصيغة المجهول مشيرا إلى أن حصول الحيلولة بأسهل ما يكون ولأن المنكي ~~لهم نفس الحيلولة لا كونها من شخص معين: {بينهم وبين ما ms3877 يشتهون} أي يميلون ~~إليه ميلا عظيما من تأثير طعنهم وقبول إيمانهم عند رؤية، البأس ومن حصول ~~شيء من ثمراته لهم من حسن الثواب كما يرى الإنسان منهم - وهو في غمرات ~~النار - مقعده في الجنة، الذي كان يكون له لو آمن ولا يقدر على الوصول إليه ~~بوجه، وإن خيل إليه الوصول فقصده فمنع منه كان أنكى {كما فعل} أي بأيسر وجه ~~{بأشياعهم} أي الذين كفروا مثلهم {من قبل} أي قبل زمانهم فإن حالهم كان ~~كحالهم في الكفران والإيمان، والسعادة والخسران، ولم يختل أمرنا في أمة من ~~الأمم، بل كان كلما كذبت أمة رسولها أخذناها، فإن أذقناهم بأسنا أذعنوا ~~وخضعوا، فلم نقبل منهم ذلك، ولا نفعهم شيئا لا بالكف عن إهلاكهم ولا ~~بإدراكهم لشيء من الخير بعد إهلاكهم {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد} [ق: 37] . ثم علل عدم الوصول إلى قصد في كل من ~~الحالتين بقوله مؤكدا لإنكارهم أن يكون عندهم شيء من شك في شيء من أمرهم: ~~{إنهم كانوا} أي # PageV15P539 # في دار القبول كونا هو كالجبلة لهم {في شك} أي في جميع ما يخبرهم به ~~رسلنا عنا من الجزاء أو غير ذلك {مريب *} أي موقع في الريبة، فهو بليغ في ~~بابه كما يقال: عجب عجيب، أو هو واقع في الريب كما يقال: شعر شاعر، أي - ذو ~~شعر، فكيف يقبلون أو ينفذ طعنهم أو تحصل لهم تمرة طيبة وهو على غير بصيرة ~~في شيء من أمرهم بل كانوا يشكون في قدرتنا وعظمتنا، فاللائق بالحكمة أن ~~نبين لهم العظمة بالعذاب لهم والثواب لأحبابنا الذين عادوهم فينا فتبين ~~أنهم يؤمنون به عند ظهور الحمد أتم الظهور إما في الآخرة أو في مقدماتها، ~~فظهر سر الإفصاح بقوله «وله الحمد في الآخرة» وأنه حال سبحانه بينهم وبين ~~ما يريدون فتبين أنه مالك كل شيء فصح أن له الحمد في الأولى وفي كل حالة - ~~وقد تعانق آخرها مع أولها، والتحم مقطعها بموصلها - والله سبحانه وتعالى هو ~~المستعان إليه والمرجع والمآب. ms3878 # PageV15P540 # هي ختام السور المفتتحة باسم الحمد، التي تقدم عن الشيخ سعد الدين ~~التفتازاني أنه فصلت فيها النعم الأربع التي هي أمهات النعم المجموعة في ~~الفاتحة، وهي الإيجاد الأول، ثم الإبقاء الأول؛ ثم الإيجاد الثاني المشار ~~إليه بسورة سبأ، ثم الإبقاء الثاني الذي هو أنهاها وأحكمها، المفصل أمره ~~فيها في فريقي السعادة المفتتحة بالابتداء الدال عليه بأنهى القدرة ~~وأحكمها، المفصل أمره فيها في فريقي السعادة والشقاوة تفصيلا شافيا على أنه ~~استوفى في هذه السورة النعم الأربع كما يأتي بيانه في محاله، فمقصودها ~~إثبات القدرة الكاملة لله تعالى اللازم منها تمام القدرة على البعث الذي ~~عنه يكون أتم الإبقاءين الإبقاء بالفعل دائما أبدا بلا انقطاع ولا زوال ولا ~~اندفاع في دار المقامة التي أذهب عنها الحزن والنصب واللغوب، ودار الشقاوة ~~الجامعة لجميع الأنكاد والهموم، # PageV16P001 # ولاسم السورة أتم مناسبة لمقصودها لأنه لا شيء يعدل ما في الجنة من تجدد ~~الخلق فإنه لا يؤكل منها شيء إلا عاد كما كان في الحال، ولا يراد شيء إلا ~~وجد في أسرع وقت، فهي دار الإبداع والاختراع بالحقيقة وكذا النار)) كلما ~~نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها () [النساء: 56] ؛ وكذا تسميتها بالملائكة ~~فإنهم يبدعون خلقا جديدا كل واحد منهم على صورته التي أراد الله المطابقة ~~لقدرته سبحانه وعز شأنه، وهم من الكفرة على وجه لا يحاط به)) وما يعلم جنود ~~ربك إلا هو () [المدثر: 31] ) بسم الله (الذي أحاطدائرة قدرته بالممكنات) ~~الرحمن (الذي أتم بالبعث عموم الرحمة) الرحيم (الذي شرف أهل الكرامة بدوام ~~الإقامة في دار المقامة. # PageV16P002 # ولما أثبت سبحانه في التي قبلها الحشر الذي هو الإيجاد الثاني، ودل عليه ~~بجزئيات من القدرة على أشياء في الكون، إلى أن ختم بأخذ الكفار أخذا اضطرهم ~~إلى الإيمان بظهور الحمد لهم أتم الظهور، وبالحيلولة بينهم وبين جميع ما ~~يشتهون كما كانوا متعوا في الدنيا بأغلب ما يشتهون من كثرة الأموال ~~والأولاد، وما مع ذلك من الراحة من أكثر الأنكاد، وكان الحمد يكون بالمنع ~~والإعدام، كما يكون بالإعطاء والإنعام، قال تعالى ما هو ms3879 نتيجة ذلك: {الحمد} ~~أي الإحاطة بأوصاف # PageV16P002 # الكمال إعداما وإيجادا {لله} أي وحده. # ولما كان الإيجاد من العدم أدل على ذلك، قال دالا على استحقاقه للمحامد: ~~{فاطر} أي مبتدئ ومبتدع {السماوات والأرض} أي المتقدم أن له ما فيهما بأن ~~شق العدم بإخراجهما منه ابتداء على غير مثال سبق كما تشاهدون ولما كانت ~~الملائكة إفردا وجمعا مثل الخافقين في أن كلا منهم مبدع من العدم على غير ~~مثال سبق من غير مادة، وكان قد تقدم أنهم يتبرؤون من عبادة الكفرة يوم ~~القيامة، وكان لا طريق لعامة الناس إلى معرفتهم إلا الخبر، أخبر عنهم بعد ~~ما أخبر عما طريقه المشاهدة بما هو الحق من شأنهم، فقال مبينا بتفاوتهم في ~~الهيئات تمام قدرته وأنها بالاختيار: {جاعل الملائكة رسلا} أي لما شاء من ~~مراده وإلى ما شاء من عباده ظاهرين للأنبياء منهم ومن لحق بهم وغير ظاهرين ~~{أولي أجنحة} أي تهيؤهم لما يراد منهم؛ ثم وصف فيه إلى أكثر من ذلك، ولعل ~~ذكره للتنبيه على أن ذلك أقل ما يكون بمنزلة اليدين. ولما كان ذلك زوجا نبه ~~على أنه لا يتقيد بالزوج فقال: {وثلاث} أي ثلاثة ثلاثة لآخرين منهم. ولما ~~كان لو اقتصر على ذلك لظن الحصر فيه، نبه # PageV16P003 # بذكر زوج الزوج على أن الزيادة لا تنحصر فقال: {ورباع} أي أربعة لكل واحد ~~من صنف آخر منهم. # ولما ثبت بهذا أنه فاعل بالاختيار دون الطبيعة وغيرها، وإلا لوجب كون ~~الأشياء غير مختلفة مع اتحاد النسبة إلى الفاعل، كانت نتيجة ذلك: {يزيد في ~~الخلق} أي المخلوقات من أشياء مستقلة ومن هيئات للملائكة وخفة الروح ~~واللطافة والثقالة والكثافة وحسن الصوت والصيت والفصاحة والسذاجة والمكر ~~والسخارة والبخل وعلو الهمة وسفولها - وغير ذلك مما يرجع إلى الكم والكيف ~~مما لا يقدر على الإحاطة به غيره سبحانه، فبطل قول من قال: أنه فرغ من ~~الخلق في اليوم السابع عند ما أتم خلق آدم فلم يبق هناك زيادة، كاليهود ~~وغيرهم على أن لهذا المذهب من الضعف والوهي ما لا يخفى غير ms3880 أنه سبحانه أوضح ~~جميع السبل ولم يدع بشيء منها لبسا: {ما يشاء} فلا بدع في أن يوجد دارا ~~أخرى تكون لدينونة العباد، ثم علل ذلك كله بقوله مؤكدا لأجل إنكارهم البعث: ~~{إن الله} أي الجامع لجميع أوصاف الكمال {على كل شيء قدير *} فهو قادر على ~~البعث فاعل له لا محالة. # PageV16P004 # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أوضحت سورة سبأ أنه سبحانه مالك ~~السماوات والأرض، ومستحق الحمد في الدنيا والآخرة، أوضحت هذه السورة أن ذلك ~~خلقه كما هو ملكه، وأنه الأهل للحمد والمستحق، إذ الكل خلقه وملكه، ولأن ~~السورة الأولى تجردت لتعريف العباد بأن الكل ملكه وخلقه دارت آيها على ~~تعريف عظيم ملكه، فقد أعطي داود وسليمان عليهما السلام ما هو كالنقطة من ~~البحار الزاخرة، فلان الحديد وانقادت الرياح والوحوش والطير والجن والإنس ~~مذللة خاضعة {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} [سبأ: ~~22] تعالى ربنا عن الظهير والشريك والند، وتقدس ملكه عن أن تحصره العقول أو ~~تحيط به الأفهام فتجردت سورة سبأ لتعريف العباد بعظيم ملكه سبحانه، وتجردت ~~هذه الأخرى للتعريف بالاختراع والخلق، ويشهد لهذا استمرار آي سورة فاطر على ~~هذا الغرض من التعريف وتنبيهها على الابتداءات كقوله تعالى {جاعل الملائكة ~~رسلا أولي أجنحة مثنى} الآية، وقوله {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك ~~لها هل من خالق غير الله يرزقكم} وقوله: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} ~~الآية، وقوله: {الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا} # PageV16P005 # الآية {والله خلقكم من تراب يولج اليل في النهار ويولج النهار في اليل} ~~{ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها} {هو ~~الذي جعلكم خلائف في الأرض} {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتا} فهذه عدة آيات معرفة بابتداء الخلق، والاختراع أو مشيرة ولم يقع من ~~ذلك في سورة سبأ آية واحدة، ثم إن سورة سبأ ms3881 جرت آيها على نهج تعريف الملك ~~والتصرف فيه والاستبداد بذلك والإبداد، وتأمل افتتاحها وقصة داود وسليمان ~~عليهما السلام، وقوله سبحانه {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثال ذرة} الآيات يتضح لك ما ذكرناه وما انجر في السورتين مما ظاهره الخروج ~~من هاذين الغرضين فملتحم ومستدعى بحكم الانجرار بحسب استدعاء مقاصد الآي - ~~رزقنا الله الفهم عنه بمنه وكرمه - انتهى. # ولما وصف سبحانه نفسه المقدس بالقدرة الكاملة، دل على ذلك بما يشاهده كل ~~أحد في نفسه من السعة والضيق مع العجز عن دفع شيء من ذلك أو اقتناصه، فقال ~~مستأنفا أو معللا مستنتجا: {ما} أي مهما {يفتح الله} أي الذي لا يكافئه ~~شيء. ولما كان كل شيء من الوجود لأجل الناس قال: {للناس} ولما كان الإنعام ~~مقصودا # PageV16P006 # بالذات محبوبا، وكانت رحمته سبحانه قد غلبت غضبه، صرح به فقال مبينا ~~للشرط في موضع الحال من ضميره أي يفتحه كائنا: {من رحمة} أي من الأرزاق ~~الحسية والمعنوية من اللطائف والمعارف التي لا تدخل تحت حصر دقت أو جلت ~~فيرسلها {فلا ممسك لها} أي الرحمة بعد فتحه كما يعلمه كل أحد في نفسه أنه ~~إذا حصل له خير لا يعدم من يود أنه لم يحصل، ولو قدر على إزالته لأزاله، ~~ولا يقدر على تأثير ما فيه. # ولما كان حبس النعمة مكروها لم يصرح به، وترك الشرط على عمومه بعد أن فسر ~~الشرط الأول بالرحمة دلالة على مزيد الاعتناء بها إيذانا بأن رحمته سبقت ~~غضبه فقال: {وما يمسك} أي من رحمة أو نعمة بإغلاق باب الخلق عنه {فلا مرسل ~~له} أي الذي أمسكه بمثل البرهان الماضي في الرحمة. # ولما كان ربما ادعى فجورا حال إمساك الرحمة أو النقمة أنه هو الممسك قال: ~~{من بعده} أي بعد إمساكه، فمن كان في يده شيء فليمسك ما أتى به الله حال ~~إيجاده بأن يعدمه. ولما كان هذا ظاهرا في العزة في أمر الناس والحكمة في ~~تدبيرهم عمم فقال: {وهو} أي هو فاعل ذلك والحال أنه وحده ms3882 {العزيز} أي ~~القادر على # PageV16P007 # الإمساك والإرسال الغالب لكل شيء ولا غالب له {الحكيم *} الذي يفعل في كل ~~من الإمساك والإرسال وغيرهما ما يقتضيه علمه به ويتقن ما أراد على قوانين ~~الحكمة، فلا يستطاع نفض شيء منه. # ولما بين بما يشاهده كل أحد في نفسه أنه المنعم وحده. أمر بذكر نعمته ~~بالاعتراف أنها منه، فإن الذكر يقود إلى الشكر، وهو قيد الموجود وصيد ~~المعدوم المفقود، فقال: {يا أيها الناس} أي الذين فيهم أهلية الاضطراب عامة ~~{اذكروا} بالقلب واللسان {نعمت الله} أي الذي لا منعم في الحقيقة سواه، ~~ولما كانت نعمة عامة غامرة من كل جانب قال: {عليكم} أي في دفع ما دفع من ~~المحن، وصنع ما صنع من المنن، على ما تقدم في الفتح والإمساك لتشكروه ولا ~~تكفروه، والذي يخص أهل مكة بعد ما شاركوا به الناس - إسكانهم الحرم، وحفظهم ~~من جميع الأمم، وتشريفهم بالبيت، وذلك موجب لأن يكونوا أشكر الناس. # ولما أمر بذكر نعمته، أكد التعريف بأنها منه وحده على وجه بين عزته ~~وحكمته، فقال منبها لمن غفل، وموبخا لمن جحد، ورادا على أهل القدر الذين ~~ادعوا أنهم يخلقون أفعالهم، ومنبها على نعمة الإيجاد الأول: {هل} ولما كان ~~الاستفهام بمعنى النفي أكده ب {من} فقال: {من خالق} أي للنعم وغيرها، ولما ~~كانت {من} # PageV16P008 # للتأكيد، فكان {خالق} في موضع رفع، قرأ الجمهور قوله: {غير الله} بالرفع، ~~وجره حمزة والكسائي على اللفظ، وعبر بالجلالة إشارة إلى أنه المختص بصفات ~~الكمال. # ولما كان الجواب قطعا: لا، بل هو الخالق وحده، قال منبها على نعمة ~~الإبقاء الأول: {يرزقكم} أي وحده. ولما كانت كثرة الرزق كما هو مشاهد مع ~~وحدة المنبع أدل على العظمة قال: {من السماء والأرض} بالمطر والنبات ~~وغيرهما. ولما بين أنه الرزاق وحده انقطع أمل كل أحد من غيره حتى من نفسه ~~فحصل الإخلاص فتعين أنه سبحانه الإله وحده فقال: {لا إله إلا هو} فتسبب ~~الإنكار على من عبد غيره ظاهرا أو باطنا فقال: {فأنى} أي فمن أي وجه وكيف ~~{تؤفكون *} أي ms3883 تصرفون وتقلبون عن وجه السداد في التوحيد بهذه الوجوه ~~الظاهرة إلى الشرك الذي لا وجه له. # PageV16P009 # ولما قررهم على ما تقدم وختم بالتوحيد الذي هو الأصل الأول من أصول ~~الدين، نبه على أنه المقصود بالذات بذكر ما يعقبه في الأصل الثاني، وهو ~~الرسالة من تصديق وتكذيب، فقال ناعيا على قريش سوء تلقيهم لآياته، وطعنهم ~~في بيناته، مسليا له صلى الله عليه وسلم، # PageV16P009 # عاطفا على ما تقديره: فإن يصدقوك فهم جديرون بالتصديق لما قام على ذلك من ~~الدلائل، وشهد به من المقاصد والوسائل: {وإن يكذبوك} أي عنادا وقلة اكتراث ~~بالعواقب فتأس بإخوانك {فقد} أي بسبب أنه قد {كذبت رسل} أي يا لهم من رسل! ~~وبني الفعل للمجهول لأن التسلية محطها، وقوع التكذيب لا تعيين المكذب، ونفى ~~أن يرسل غيره بعد وجوده بقوله: {من قبلك} وأفرد التكذيب بالذكر اهتاما ~~بالتسلية تنبيها على أن الأكثر يكذب، قال القشيري: وفي هذا إشارة للحكماء ~~وأرباب القلوب مع العوام والأجانب من هذه الطريقة فإنهم لا يقبلون منهم إلا ~~القليل، وأهل الحقائق أبدا منهم في مقاساة الأذية، والعوام أقرب إلى هذه ~~الطريقة من القراء المتقشفين. # ولما كان التقدير نفيا للتعجب من التكذيب الجاري على غير قياس صحيح: فمن ~~الله الذي لا أمر لأحد معه تصدر الأمور، عطف عليه قوله مهددا لمن خالف ~~أمره: {وإلى الله} أي وحده له الأمور كلها {ترجع الأمور *} أي حسا ومعنى، ~~فاصبر ورد الأمر إلينا بترك الأسباب إلا ما نأمرك به كما فعل إخوانك من ~~الرسل. # ولما أشعر هذا الختام باليوم الموعود، وهو الأصل الثابت قال مهددا به ~~محذرا منه: {يا أيها الناس} أي الذين عندهم أهليه # PageV16P010 # للتحرك إلى النظر. ولما كانوا ينكرون البعث أكد قوله: {إن وعد الله} أي ~~الذي له صفات الكمال وهو منزه عن كل شائبة نقص، فهو لا يجوز عليه في مجاري ~~العادات للغنى المطلق أن يخلف الميعاد {حق} أي بكل ما وعد به من البعث ~~وغيره وقد وعد أنه يردكم إليه في يوم تنقطع فيه الأسباب، ويعرض عن ms3884 الأحساب ~~والأنساب، ليحكم بينكم بالعدل، ثم سبب عن كونه حقا قوله على وجه التأكيد ~~لأجل الإنكار أيضا: {فلا تغرنكم} أي بأنواع الخدع من اللهو والزينة غرورا ~~مستمر التجدد {الحياة الدنيا} فإنه لا يليق بذي همه عليه اتباع الدنيء، ~~والرضى بالدون الزائل عن العالي الدائم {ولا يغرنكم بالله} أي الذي لا يخلف ~~الميعاد وهو الكبير المتعالي {الغرور *} أي الذي لا يصدق في شيء وهو ~~الشيطان العدو، ولذلك استأنف قوله مظهرا في موضع الإضمار للتنفير بمدلول ~~الوصف قبل التذكير بالعداوة ووخامة العاقبة فيما يدعو إليه مؤكدا لأن أفعال ~~المشايعين له بما يمنيهم به من نحو: إن ربكم حليم، لا يتعاظمه ذنب، مع ~~الإصرار على المعصية أفعال المتعقدين لمصادقته: {إن الشيطان} أي المحترق ~~بالغضب البعيد من الخير {لكم} أي خاصة فهو في غاية الفراغ لأذاكم، فاجتهدوا ~~في الهرب منه {عدو} بتصويب مكايده كلها إليكم وبما سبق له مع أبيكم آدم ~~عليه السلام بما وصل أذاه إليكم وأيضا «من عادى أباك فقد عاداك» . # PageV16P011 # ولما كانت عداوته تحتاج إلى مجاهدة لأنه يأتي الإنسان من قبل الشهوات، ~~عبر بصيغة الافتعال فقال: {فاتخذوا} اي بغاية جهدكم {عدوا} والله لكم ولي ~~فاتخذوه وليا بأن تتحروا ما يغيظ الشيطان بأن تخالفوه في كل ما يريده ويأمر ~~به، وتتعمدوا ما يرضاه الرحمن ونهجه لكم وأمركم به فتلتزموه، قال القشيري: ~~ولا يقوى على عداوته إلا بدوام الاستعانة بالرب فإنه لا يغفل عن عداوتك، ~~فلا تغفل أنت عن مولاك لحظة. ثم علل ذلك بقوله: {إنما يدعو حزبه} أي الذين ~~يوسوس لهم فيعرضهم لاتباعه والإعراض عن الله {ليكونوا} باتباعه كونا راسخا ~~{من أصحاب السعير *} هذا غرضه لا غرض له سواه، ولكنه يجتهد في تعمية ذلك ~~عنهم بأن يقرر في نفوسهم جانب الرجاء وينسيهم جانب الخوف، ويريهم أن التوبة ~~في أيديهم ويسوف لهم بها بالفسحة في الأمل، والإبعاد في الأجل، للإفساد في ~~العمل، والرحمن سبحانه إنما يدعو عباده ليكونوا من أهل النعيم {والله يدعو ~~إلى دار السلام} [يونس: 25] . # PageV16P012 # ولما أنهى البيان في غرض الشيطان ms3885 إلى منتهاه، نبه على ما حكم به هو ~~سبحانه في أشياعه بقوله مستأنفا: {الذين كفروا} أي غطو # PageV16P012 # بالاتباع له بالهوى ما دلتهم عليه عقولهم وكشفه لهم غاية الكشف هذا ~~البيان العزيز {لهم عذاب شديد} أي في الدنيا بفوات غالب ما يؤملون مع تفرقة ~~قلوبهم وانسداد بصائرهم وسفالة هممهم حتى أنهم رضوا أن يكون إلههم حجرا، ~~وانحجاب المعارف التي لا لذاذة في الحقيقة غيرها عنهم، وفي الآخرة بالسعير ~~التي دعاهم إلى صحبتها. # ولما ذكر جزاء حزبه، اتبعه حزب الله الذين عادوا عدوهم فقال: {والذين ~~آمنوا وعملوا} أي تصديقا لإيمانهم {الصالحات} ولما كان من أعظم مصايد ~~الشيطان ما يعرض للإنسان خطأ وجهلا من العصيان، لما له من النقصان ليجره ~~بذلك إلى العمد والعدوان، قال تعالى داعيا له إلى طاعته وإزالة لخجلته: ~~{لهم مغفرة} أي ستر لذنوبهم بحيث لا عقاب ولا عتاب، وذلك معجل في هذه ~~الدار، ولولا ذلك لافتضحوا وغدا، ولولا ذلك لهلكوا. ولما محاها عينا وأثرا، ~~أثبت الإنعام فقال: {وأجر كبير *} أي يجل عن الوصف بغير هذا الإجمال، فمنه ~~عاجل بسهولة العبادة ودوام المعرفة وما يرونه في القلوب من وراء اليقين، ~~وآجل بتحقيق المسؤول من عظيم المنة، ونيل ما فوق المأمول في الجنة. # PageV16P013 # ولما أبان هذا الكلام تفاوت الحزبين في المآل بالهلاك والفوز، وكان لا ~~يقدم على الهلاك أحد في حس، وكان الكفار يدعون أنهم الفائزون قناعة بالنظر ~~إلى ما هم فيه، ويدعون أنهم أبصر الناس وأحسنهم أعمالا وكذا كل عاص ومبتدع، ~~كان ذلك سببا في إنكار تساويهما، فأنكره مبينا السبب في ضلالهم بما فيه ~~تسلية للمحسنين وندب إلى الشكر وحث على ملازمة الافتقار والذل وسؤال ~~العافية من الزلل والزيغ فقال: {أفمن} ولما كان الضار هو التزيين من غير ~~نظر إلى فاعل معين بني للمفعول قوله: {زين له سوء عمله} أي قبحه الذي من ~~شأنه أن يسوء صاحبه حالا أو مآلا بجمع مال ذاهب أو مذهوب عنه من غير خلة ~~وبيع راحة الجنة المؤبدة بمتابعة شهوة منقية وإيثار مخلوق فإن على ms3886 ربه ~~الغني الباقي؛ ثم سبب عنه ما أنهى إليه من الغاية فقال: {فرآه} أي السيىء ~~بسبب التزيين، {حسنا} أي فركبه، بما أشار إليه إضافة العمل إليه، وطوى ~~المشبه به وهو كمن أبصر الأمور على حقائقها فاتبع الحسن واجتنب السيىء، لأن ~~المقام يهدي إليه، وتعجيلا بكشف ما أشكل على السامع من السبب الحامل على ~~رؤية القبيح، مليحا بقوله مؤكدا ردا على من ينسب إلى غير الله فعلا من خير ~~أو شر: # PageV16P014 # {فإن} أي السبب في رؤية الأشياء على غير ما هي عليه إن {الله} أي الذي له ~~الأمر كله {يضل من يشاء} فلا يرى شيئا على ما هو به، فيقدم على الهلاك ~~البين وهو يراه عين النجاة {ويهدي من يشاء} فلا يشكل عليه أمر ولا يفعل إلإ ~~حسنا. # ولما كان المحب من يرضى بفعل حبيبه، سبب عن ذلك النهي لأكمل خلقه عن الغم ~~بسبب ضلالهم في قوله: {فلا} والأحسن أن يقدر المشبه به هنا فيكون المعنى: ~~أفمن غير فعل القبيح فاعتقده حسنا لأن الله أضله بسبب أن الله هو المتصرف ~~في القلوب كمن بصره الله بالحقائق؟ # ولما كان الجواب: لا، ليس هما سواء سبب عنه قولا: فلا {تذهب} أي بالموت ~~أو ما يقرب منه {نفسك عليهم} أي بسبب ما هو فيه من العمى عن الجليات ~~{حسرات} أي لأجل حسراتك المترادفة لأجل إعراضهم، جمع حسرة وهي شدة الحزن ~~على ما فات من الأمر. # ولما كان كأنه قيل: إنهم يؤذون أولياءك فيشتد أذاهم، وكان علم الولي ~~القادر بما يعمل عدوه كافيا في النصرة، قال: {إن الله} أي المحيط بجميع ~~أوصاف الكمال {عليم} أي بالغ العلم، وأكده تنبيها على أن المقام صعب، ومن ~~لم يثبت نفسه بغاية جهده زل لطول إملائه تعالى لهم وحلمه عنهم {بما يصنعون ~~*} أي مما مرنوا عليه وانطبعوا فيه من ذلك حتى صار لهم خلقا يبعد كل البعد ~~انفكاكهم عنه. # PageV16P015 # ولما أخبر تعالى أنه لا بد من إيجاد ما وعد به من البعث وغيره، وحذر كل ~~التحذير من التهاون بأمره، ms3887 وأنكر التسوية بين المصدق به والمكذب، وكان ~~السبب في الضلال المميت للقلوب الهوى الذي يغشى سماء العقل ويعلوه بسحابه ~~المظلم فيحول بينه وبين النفوذ، وكان السبب في السحاب المغطي لسماء الأرض ~~المحيي لميت الحبوب الهوى، وكان الإتيان به في وقت دون آخر دالا على القدرة ~~بالاختيار، قال عاطفا على جملة {إن وعد الله حق} المبني على النظر، وهو ~~الإخراج من العدم مبينا لقدرته على ما وعد به: {والله} أي الذي له صفات ~~الكمال لا شيء غيره من طبيعة ولا غيرها {الذي} ولما كان المراد الإيجاد من ~~العدم، عبر بالماضي مسندا إليه لأنه الفاعل الحقيقي فقال: {أرسل الرياح} أي ~~أوجدها من العدم مضطربة فيها، أهلية الاضطراب والسير ليصرفها كيف شاء لا ~~ثابتة كالأرض، وأسكنها ما بين الخافقين لصلاح مكان الأرض. # ولما كانت إثارتها تتجدد كلما أراد أن يسقي أرضا، قال مسندا إلى الرياح ~~لأنها السبب، معبرا بالمضارع حكاية للحال لتستحضر تلك الصورة البديعة ~~الدالة على تمام القدرة، وهكذا تفعل العرب فيما فيه # PageV16P016 # غرابة تنبيها للسامع على ذلك وحثا له على تدبره وتصوره: {فتثير} أي ~~بتحريكه لها إذا أراد {سحابا} أي أنه أجرى سبحانه سنته أن تظهر حكمته ~~بالتدريج. # ولما كان المراد الاستدلال على القدرة على البعث، وكان التعبير بالمضارع ~~يرد التعنت، عبر بالمضارع. ولما كان سوق السحاب إلى بلد دون آخر وسقيه ~~لمكان دون مكان من العظمة بمكان، التفت على الغيبة وجعله في مظهر العظمة ~~فقال: {فسقناه} أي السحاب معبرا بالماضي تنبيها على أن كل سوق كان بعد ~~إثارتها في الماضي والمستقبل منه وحده أو بواسطة من أقامة لذلك من جنده من ~~الملائكة أو غيرهم، لا من غيره، ودل على أنه فرق بين البعد والقرب بحرف ~~الغاية فقال: {إلى بلد ميت} . # ولما كان السبب في الحياة هو السحاب بما ينشأ عنه من الماء قال: {فأحيينا ~~به الأرض} ولما كان المراد إرشادهم إلى القدرة على البعث الذي هم به ~~مكذبون، قال رافعا للمجاز بكل تقدير وموضحا كل الإيضاح للتصوير: {بعد ~~موتها} ولما ms3888 أوصل الأمر إلى غايته، زاد في التنبيه على نعمة الإيجاد الثاني ~~بقوله: {كذلك} أي مثل الإحياء لميت النبات {النشور *} حسا للأموات، ومعنى ~~للقلوب والنبات، قال القشيري: # PageV16P017 # إذا أراد إحياء قلب يرسل أولا رياح الرجاء، ويزعج بها كوامن الإرادة، ثم ~~ينشىء فيه سحاب الاهتياج، ولوعة الانزعاج، ثم يأتي مطر الحق فينبت في القلب ~~أزهار البسط وأنوار الروح، ويطيب لصاحبه العيش إلى أن تتم لطائف الإنس. # PageV16P018 # ولما قرر بهذا كله ما أثبته سابقا من عزته وحكمته وثبت أنه قادر على ~~النشور فثبت أن له العزة في الآخرة كما شوهد ذلك في الدنيا، وكانت منافسه ~~الناس لا سيما الكفرة في العزة فوق منافستهم في الحكمة، ومن نافس في الحكمة ~~فإنما ينافس فيها لاكتساب العزة، وكان الكفرة إنما عبدوا الأوثان ليعتزوا ~~بها كما قال: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا} [مريم: 81] قال ~~مستنتجا من ذلك: {من كان} أي في وقت من الأوقات {يريد العزة} أي أن يكون ~~محتاجا إليه غيره وهو غني عن غيره غالبا غير مغلوب {فلله} أي وحده {العزة ~~جميعا} أي فليطلبها منه ولا يطلبها من غيره، فإنه لا شيء لغيره فيها ومن ~~طلب الشيء من غير صاحب خاب؛ قال ابن الجوزي: وقد روي عن أنس رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ربكم يقول كل يوم: أنا العزيز ~~فمن أرادة عزة الدارين فليطع العزيز» . # PageV16P018 # ولما رغب في اقتناص العزة بعد أن أخبر أنه لا شيء فيها لغيره، دل على ~~اختصاصه بها بشمول علمه وقدرته، وبين أنها إنما تنال بالحكمة فقال: {إليه} ~~أي لا إلى غيره {يصعد الكلم الطيب} أي الجاري على قوانين الشرع عن نية حسنة ~~وعقيدة صحيحة سواء كان سرا علنا لأنه عين الحكمة، فيعز صاحبه ويثيبه. # ولما أعلى رتبة القول الحكيم، بين أن الفعل أعلى منه لأنه المقصود ~~بالذات، والقول وسيلة إليه، فقال دالا على علوه بتغيير السياق: {والعمل ~~الصالح يرفعه} هو سبحانه يتولى رفعه ولصاحبه عنده عز منيع ونعيم مقيم، ~~وعمله ms3889 يفوز، قال الرازي في اللوامع: العلم إنما يتم العمل كما قيل: العلم ~~يهتف بالعمل، فإن أجاب وإلا ارتحل - انتهى، وقد قيل: # لا ترض من رجل حلاوة قوله ... حتى يصدق ما يقول فعال # فإذا وزنت مقاله بفعاله ... فتوازنا فإخاء ذاك جمال # ولما بين ما يحصل العزة من الحكمة، بين ما يكسب الذلة ويوجب النقمة من ~~رديء الهمة فقال: {والذين يمكرون} أي يعملون على وجه # PageV16P019 # الستر المكرات {السيئات} أي يسترون قصودهم بها ليوقعوها بغتة {لهم عذاب ~~شديد} كما أرادوا بغيرهم ذلك، ولا يصعد مكرهم إليه بنفسه ولا يرفعه هو، ~~لأنه ليس فيه أهلية ذلك لمنافاته الحكمة. ولما كان ما ذكر من مكرهم موجبا ~~لتعرف حاله هل أفادهم شيئا؟ أخبر أنه أهلكه بعزته ودمره بحكمته فقال: {ومكر ~~أولئك} أي البعداء من الفلاح {هو} أي وحده دون مكر من يريد بمكره الخير فإن ~~الله ينفذه ويعلي أمره ويجعل له العاقبة تحقيقا لقوله تعالى: {ويمكرون ~~ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30] كما أخرجكم أيها الأولياء من ~~بيوتكم لأجل العير فأخرج الأعداد من بيوتهم فوضعهم في قليب بدر {يبور *} أي ~~يكسد ويفسد ويهلك، فدل ذلك على شمول علمه للخير والشر من القول والفعل ~~الخفي والجلي وتمام قدرته، وذلك معنى العزة، والآية من الاحتباك: حذف ما ~~لصاحب العمل الصالح ودل عليه بذكر ما لعامل السيىء وحذف وضعه المكر السيىء ~~ودل عليه برفعه للعمل الصالح. # ولما ذكر سبحانه ما صيرهم إليه من المفاوتة في الأخلاق، أتبعه # PageV16P020 # ما كانوا عليه من الوحدة في جنس الأصل، وأصله التراب المسلول منه الماء ~~بعد تخميره فيه وإن اختلفت أصنافه فقال مبينا لبعض آيات الأنفس عاطفا على ~~ما عطف عليه {والله الذي أرسل الرياح} الذي هو من آيات الآفاق، منبها على ~~أنه قادر على التمييز بعد شديد المزج وأنه قدر كل شيء من الأرزاق والآجال ~~والمصائب والأفراح، فلا ثمرة للمكر إلا ما يلحق الماكر من الحرج والعقوبة ~~من الله والضرر: {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال؛ ولما لم يدع حاجة ~~إلى الحصر ms3890 قال: {خلقكم من تراب} أي مثلي وإن اختلفت أصنافه بتكوين أبيكم ~~منه فمزجه مزجا لا يمكن لغيره تمييزه، ثم أحاله عن ذلك الجوهر أصلا ورأسا، ~~وإليه الإشارة بقوله: {ثم} أي بعد ذلك من الزمان والرتبة خلقكم {من نطفة} ~~أي جعلها أصلا ثانيا مثليا من ذلك الأصل الترابي أشد امتزاجا منه ثم بعد ~~إنهاء التدبير زمانا ورتبة إلى النطفة التي لا مناسبة بينها وبين التراب ~~دلالة على كمال القدرة والفعل بالاختيار {ثم جعلكم أزواجا} بين ذكور وإناث، ~~دلالة هي أظهر مما قبلها على الاختيار وكذب أهل # PageV16P021 # الطبائع، وعلى البعث بتمييز ما يصلح من التراب للذكورة والأنوثة. # ولما كان الحمل أيضا مكذبا لأهل الطبائع بأنه لا يكون من كل جماع، أشار ~~إليه بقوله مؤكدا ردا عليهم إعلاما بأن ذلك إنما هو بقدرته: {وما تحمل} أي ~~في البطن بالحبل {من أنثى} دالا بالجار على كمال الاستغراق. ولما كان الوضع ~~أيضا كذلك بأنه لا يتم كلما حمل به قال: {ولا تضع} أي حملا {إلا} مصحوبا ~~{بعلمه} في وقته ونوعه وشكله وغير ذلك من شأنه مختصا بذلك كله حتى عن أمه ~~التي هي أقرب إليه، فلا يكون إلا بقدرته، فما شاء أتمه، وما شاء أخرجه. # ولما كان ما بعد الولادة أيضا دالا على الاختيار لتفاضلهم في الأعمار مع ~~تماثلهم في الحقيقة، دل عليه بقوله دالا بالبناء للمفعول على سهولة الأمر ~~عليه سبحانه، وأن التعمير والنقص هو المقصود بالإسناد: {وما يعمر من معمر} ~~أي يزاد في عمر من طال عمره أي صار إلى طول العمر بالفعل حسا، قال قتادة: ~~ستين، أو معنى بزيادة الفاعل المختار زيادة لولاها لكان عمره أقصر مما وصل ~~إليه {ولا بنقص من عمره} أي المعمر بالقوة وهو الذي كان قابلا في العادة ~~لطول العمر فلم يعمر بنقص الفاعل المختار نقصا لولاه لطال عمره، فالمعمر ~~المذكور المراد به الفعل، # PageV16P022 # والذي عاد إليه الضمير المعمر بالقوة فهو من بديع الاستخدام، ولو كان ~~التعبير بأحد لما صح هذا المعنى، وقراءة يعقوب بخلاف عن رويس بفتح ms3891 الياء ~~وضم القاف بالبناء للفاعل تشير إلى أن قصر العمر أكثر. # ولما كان في سياق العلم وكان أضبطه في مجاري عاداتنا ما كتب قال: {إلا في ~~كتاب} مكتوب فيه «عمر فلان كذا وعمر فلان كذا وكذا، عمر فلان كذا إن عمل ~~كذا وعمره كذا أزيد أو أنقص إن لم يعمله» . # ولما كان ذلك أمرا لا يحيط به العد، ولا يحصره الحد، فكان في عداد ما ~~ينكره الجهلة، قال مؤكدا لسهولته: {إن ذلك} أي الأمر العظيم من كتب الآجال ~~كلها وتقديرها والإحاطة بها على التفصيل {على الله} أي الذي له جميع العزة ~~فهو يغلب كل ما يريده، خاصة {يسير *} # ولما ذكر سبحانه أحد أصليهم: التراب المختلف الأصناف، ذكر الأصل الآخر: ~~الماء الذي هو أشد امتزاجا من التراب، ذاكرا اختلاف صنفية اللذين يتفرعان ~~إلى أصناف كثيرة، منبها على فعله بالاختيار ومنكرا على من سوى بينه سبحانه ~~وبين شيء حتى أشركه به مع المباعدة التي # PageV16P023 # لا شيء بعدها والحال أنه يفرق بين هذه الأشياء المحسوسة لمباعدة ما فقال: ~~{وما يستوي البحران} ولما كانت الألف واللام للعهد، بينه بقوله مشيرا إلى ~~الحلو: {هذا عذب} أي طيب حلو لذيذ ملائم للطبع {فرات} أي بالغ العذوبة ~~{سائغ شرابه} أي هنيء مريء بحيث إذا شرب جاز في الحلق ولم يتوقف بل يسهل ~~إدخاله فيه وابتلاعه لما له من اللذة والملاءمة للطبع {وهذا ملح أجاج} أي ~~جمع إلى الملوحة المرارة، فلا يسوغ شرابه، بل لو شرب لآلم الحلق وأجج في ~~البطن ما هو كالنار، والمراد أمه ميزهما سبحانه بعد جمعهما في ظاهر الأرض ~~وباطنها، ولم يدع أحدهما يبغي على الآخر، بل إذا حفر عل جانب البحر الملح ~~ظهر الماء عذبا فراتا على مقدار صلاح الأرض وفسادها. # ولما كان الملح متعذرا على الآدمي شربه، ذكر أنه خلق فيه ما حياته به ~~مساويا في ذلك للعذب فقال: {ومن كل} أي من الملح والعذب {تأكلون} من السمك ~~المنوع إلى أنواع تفوت الحصر وغير السمك {لحما طريا} أي شهي المطعم، ولم ~~يضر ms3892 ما بالملح ما تعرفون من أصله ولا زلد في لذة ما بالحلو ملاءمته لكم. ~~ولما ذكر # PageV16P024 # من متاعه ما هو غاية في اللين، أتبعه من ذلك ما هو غاية في الصلابة فقال: ~~{وتستخرجون} أي تطلبون أن تخرجوا من الملح دون العذب وتوجدون ذلك للإخراج، ~~قال البغوي: وقيل: نسب اللؤلؤ إليهما لأنه قد يكون في البحر الملح عيون ~~عذبة تمتزج به فيكون اللؤلؤ من ذلك. # {حلية تلبسونها} أي نساؤكم من الجواهر: الدر والمرجان وغيرهما، فما قضى ~~برخاوة ذلك وصلابة هذا مع تولدهما منه إلا الفاعل المختار. # ولما كان الأكل والاستخراج من المنافع العامة عم بالخطاب، ولما كان ~~استقرار شيء في البحر دون غرق أمرا غريبا، لكنه صار لشدة إلفه لا يقوم ~~بإدراك أنه من أكبر الايات دلالة على القادر المختار إلا أهل البصائر، خص ~~بالخطاب فقال: {وترى الفلك} أي السفن تسمى فلكا لدورانه وسفينة لقشره ~~الماء، وقدم الظرف لأنه أشد دلالة على ذلك فقال: {فيه} أي كل منهما غاطسة ~~إلا قليلا منها. # ولما تم الكلام، ذكر حالها المعلل بالابتغاء فقال: {مواخر} # PageV16P025 # أي جواري مستدبرة الريح شاقة للماء خارقة للهواء بصدرها هذه مقبلة وهذه ~~مدبرة وجهها إلى ظهر هذه بريح واحدة؛ قال البخاري في باب التجارة في البحر: ~~وقال مجاهد: تمخر السفن الريح، ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام؛ ~~وقال صاحب القاموس: مخرت السفينة كمنع مخرا ومخورا: جرت أو استقبلت الريح ~~في جريتها، والفلك المواخر التي يسمع صوت جريها أو تشق الماء بجآجئها أو ~~المقبلة والمدبرة بريح واحدة، وفي الحديث: إذ أراد أحدكم البول فليتمخر ~~الريح، وفي لفظ: استمخروا الريح، أي اجعلو ظهوركم إلى الريح فإنه إذا ولاها ~~شقها بظهره فأخذت عن يمينه ويساره، وقد يكون استقبالها تمخرا غير أنه في ~~الحديث استدبار - انتهى كلام القاموس. ثم علق بالمخر معللا قوله: {لتبتغوا} ~~أي تطلبوا طلبا شديدا. ولما تقدم الاسم الأعظم في الآية قبلها، أعاد الضمير ~~عليه ليعلم شدة ارتباط هذه الآية بالتي قبلها فقال: {من فضله} أي الله ~~بالتوصل بذلك ms3893 إلى البلاد الشاسعة للمتاجر وغيرها ولو جعلها ساكنة لم يترتب ~~عليها ذلك، وفي سورة الجاثية ما ينفع هنا {ولعلكم تشكرون *} أي ولتكون ~~حالكم بهذه # PageV16P026 # النعم الدالة على عظيم قدرة الله ولطفه حال من يرجى شكره. # PageV16P027 # ولما ذكر سبحانه اختلاف الذوات الدال على بديع صنعه، أتبعه تغييره ~~المعاني آية على بليغ قدرته، فقال في موضع الحال من فاعل «خلقكم» إشارة إلى ~~أن الله تعالى صور آدم حين خلق الأرض قبل أن يكون ليل أو نهار ثم نفخ فيه ~~الروح آخر يوم الجمعة بعد أن خلق النور يوم الأربعاء، فلم يأت على الإنسان ~~حين من الدهر وهو مقدار حركة الفلك إلا وهو شيء مذكور: {يولج} أي يدخل على ~~سبيل الجولان {اليل في النهار} فيصير الظلام ضياء. # ولما كان هذا الفعل في غاية الإعجاب، وكان لكثرة تكراره قد صار مألوفا ~~فغفل عما فيه من الدلالة على تمام القدرة: نبه عليه بإعادة الفعل فقال: ~~{ويولج النهار في اليل} فيصير ما كان ضياء ظلاما، وتارة يكون التوالج بقصر ~~هذا وطول هذا، فدل كل ذلك على أنه تعالى فاعل بالاختيار. # ولما ذكر الملوين ذكر ما ينشأ عنهما فقال: {وسخر الشمس والقمر} ثم استأنف ~~قوله: {كل} أي منهم {يجري} ولما كان مقصود السورة تمام القدرة، والسياق هنا ~~لقسر المتنافرات على ما يزيد، # PageV16P027 # ولذلك ختم الآية بالملك الناظر إلى القسر والقهر لم يصلح لهذا الموضع حرف ~~الغاية فقال: {لأجل} أي لأجل أجل {مسمى} مضروب له لا يقدر أن يتعداه، فإذا ~~جاء ذلك الأجل غرب، هكذا كل يوم إلى أن يأتي الأجل الأعظم، فيختل جميع هذا ~~النظام بأمر الملك العلام، ويقيم الناس ليوم الزحام، وتكون الأمور العظام. # ولما دل سبحانه على أنه الفاعل المختار القادر على كل ما يريد بما يشاهده ~~كل أحد في نفسه وفي غيره، وختم بما تتكرر مشاهدته في كل يوم مرتين، أنتج ~~ذلك قطعا قوله معظما بأداة البعد وميم الجمع: {ذلكم} أي العالي المقدار ~~الذي فعل هذه الأفعال كلها {الله} أي الذي له صفة كمال؛ ms3894 ثم نبههم على أنه ~~لا مدبر لهو سواه بخبر آخر بقوله: {ربكم} أي الموجد لكم من العدم المربي ~~بجميع النعم لا رب لكم سواه؛ ثم استأنف قوله: {له} أي وحده {الملك} أي كله ~~وهو مالك كل شيء {والذين تدعون} أي دعاء عبادة، ثم بين منزلتهم بقوله: {من ~~دونه} أي من الأصنام وغيرها وكل شيء فهو دونه سبحانه {ما يملكون} أي في هذا ~~الحال الذي تدعونهم فيه وكل حال يصح أن يقال فيه لكم هذا الكلام؛ وأغرق في ~~النفي فقال: {من قطمير *} وهو كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: # PageV16P028 # لفافة النواة، وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها، كناية عن أدنى الأشياء، ~~فكيف بما فوقه وليس لهم شيء من الملك، فالآية من الاحتباك: ذكر الملك أولا ~~دليلا على حذفه ثانيا، والملك ثانيا دليلا على حذفه أولا؛ ثم بين ذلك ~~بقوله: {إن تدعوهم} أي المعبودات من دونه دعاء عبادة او استغاثة {لا ~~يسمعوا} أي بحس السمع في وقت من الأوقات {دعاءكم} لأنهم جماد {ولو سمعوا} ~~في المستقبل {ما استجابوا لكم} لأنهم إذ ذاك يعلمون أن إجابتكم لا ترضي ~~الله، وهم مما أبى أن يحمل الأمانة ويخون فيها بالعمل بغير ما يرضي الله ~~سبحانه، أو يكون المعنى: ولو فرض أنه يوجد لهم سمع، أو ولو كانوا سامعين - ~~ليدخل فيه من عبد من الأحياء - ما لزم من السماع إجابة، لأنه لا ملازمة بين ~~السمع والنطق، ولا بين السمع والنطق مع القدرة على ما يراد من السامع، فإن ~~البهائم تسمع وتجيب، والمجيبون غيره يجيبون ولا قدرة لهم على أكثر ما يطلب ~~منهم. # ولما ذكر ما هو على سبيل الفرض، ذكر ما يصير إليه بينهم وبينهم الأمر ~~فقال: {ويوم القيامة} أي حين ينطقهم الله # PageV16P029 # {يكفرون بشرككم} أي ينكرونه ويتبرؤون منه. ولما كان التقدير: قد أنبأكم ~~بذلك الخبير، وكانوا لا يقرون بذلك ولا يفهمونه حق فهمه ولا يعملون به، صرف ~~الخطاب عنهم إلى من له الفهم التام والطاعة الكاملة، فقال عاطفا على هذا ~~الذي هدى إلى تقديره ms3895 السياق: {ولا ينبئك} أي إنباء بليغا عظيما على هذا ~~الوجه بشيء من الأشياء، {مثل خبير *} أي بالغ الخبر، فلا يمكن الطعن في شيء ~~مما أخبر به، وأما غيره فلا يخبر خبرا إلا يوجه إليه نقص. # ولما اختص سبحانه بالملك ونفى عن شركائهم النفع، أنتج ذلك قوله: {يا أيها ~~الناس} أي كافة {أنتم} أي خاصة {الفقراء} أي لأنكم لاتساع معارفكم وسريان ~~أفكاركم وانتشار عقولكم تكثر نوازغكم وتتفرق دواعيكم فيعظم احتياجكم لشدة ~~ضعفكم وعجزكم عظما يعد معه احتياج غيركم عدما، ولو نكر الخبر لم يفد هذا ~~المعنى {إلى الله} أي الذي له جميع الملك؛ قال القشيري: والفقر على ضربين: ~~فقر خلقة، وفقر صفة، فالأول عام فكل حادث مفتقر إلى خالقه في أول حال وجوده ~~ليبديه وينشيه، وفي ثانية ليديمه ويبقيه، وأما فقر الصفة فهو التجرد، ففقر ~~العوام التجرد من المال، وفقر الخواص التجرد من # PageV16P030 # الإعلال، فحقيقة الفقر المحمود تجرد السر عن المعلولات. # ولما ذكر العبد بوصفه الحقيقي، أتبعه ذكر الخالق باسمه الأعظم على قرب ~~العهد بذكر الإشارة إلى الجهة التي بها وصف بما يذكر، وهي الإحاطة بأوصاف ~~الكمال فقال: {والله هو} أي وحده {الغني} أي الذي لا يتصور أن يحتاج لا ~~إليكم ولا إلى عبادتكم ولا إلى شيء أصلا. ولما كان الغنى من الخلق لا يسع ~~غناه من يقصده، وإن وسعهم لم يسعهم عطاؤه لخوف الفقر أو لغير ذلك من ~~العوارض، ولا يمكنه عموم النعمة في شيء من الأشياء فلا ينفعك من نوع ذم، ~~وكان الحمد كما قال الحرالي في شرح الأسماء: حسن الكلية بانتهاء كل أمر ~~وجزء، وبعض منها إلى غاية تمامه، فمتى نقص جزء من كل عن غاية تمامه لم يكن ~~ذلك الكل محمودا، ولم يكن قائمه حميدا، وكان الله قد خلق كل شيء كما ينبغي، ~~لم يعجل شيئا عن إناه وقدره، وكان الذم استنقاضا يلحق بعض الأجزاء عند من ~~لم يرها في كلها ولا رأى كلها، فكان الذم لذلك لا يقع إلا متقيدا متى أخذ ~~مقتطعا من كل، والحمد ms3896 لا يقع إلا في كل لم يخرج عنه شيء فلا حمد في بعض ولا ~~ذم في كل ولا حمد إلا في كل، ولذلك قال الغزالي: الحميد من العباد من حمدت ~~عوائده وأخلاقه وأعماله كلها من غير مثنوية. # وكان سبحانه # PageV16P031 # قد أفاض نعمه على خلقه، وأسبغها ظاهرة وباطنة، وجعل لهم قدرة على ~~تناولها. لا يعوق عنه إلا قدرته {وما كان عطاء ربك محظورا} وكان لا ينقص ما ~~عنده، كان إعطاؤه حمدا ومنعه حمدا، لأنه لا يكون مانعا لغرض بل لحكمة تدق ~~عن الأفكار فقال: {الحميد *} أي كل شيء بنعمته عنده والمستحق للحمد بذاته، ~~فأنتج ذلك قطعا تهديدا لمن عصاه وتحذيرا شديدا: {إن يشأ يذهبكم} أي جميعا ~~{ويأت بخلق جديد *} أي غيركم لأنه على كل شيء قدير {وما ذلك} أي الأمر ~~العظيم من الإذهاب والإتيان {على الله} المحيط بجميع صفات الكمال خاصة ~~{بعزيز *} أي بممتنع ولا شاق، وهو محمود عند الإعدام كما هو محمود عند ~~الإيجاد. # PageV16P032 # ولما أنهى سبحانه بيان الحق بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة بالتهديد ~~بالأخذ، وكان الأخذ على وجه التهديد عقابا، وكان العقاب لا يكون حكمه إلا ~~عند الذنب، قال دالا على أنه لا ينفك أحد عما يستحق به العقاب: {ولا} أي ~~يذهبكم عقوبة لكم بأوزاركم وقدرة عليكم والحال أنه لا {تزر} أي تحمل يوم ~~القيامة أو عند الإذهاب، ولما لم تكن نفس متأهلة للحمل تخلو من وزر تحمله، ~~والمعصوم # PageV16P032 # من عصم الله، قال: {وازرة} دون نفس، أي لا تحمل حاملة من جهة الإثم {وزر} ~~أي حمل وثقل {أخرى} لتعذب به، بل كان واحد منكم له مما كسبت يداه ما ثقوم ~~به عليه الحجة في الأخذ مباشرة وتسببا مع تفاوتكم في الوزر، ولا يحمل أحد ~~إلا ما اقترفه هو، لا تؤخذ نفس بذنب أخرى الذي يخصها كما تفعل جبابرة ~~الدنيا. # ولما أثبت أنه لا يؤخذ أحد إلا بوزر، ونفى أن يحمل أحد وزر غيره، وكان ~~ربما أوهم أن ذلك خاص ببعض الأحوال أو الأشخاص، وكان عظم الوزر يوجب عظم ~~الأخذ، ms3897 نفى ذلك الإيهام ودل القدرة على المفاوتة بينهم في الأجر وإن كان ~~أخذهم في آن واحد بقوله: {وإن تدع} أي نفس {مثقلة} أي بالذنوب سواء كانت ~~كفرا أو غيره، أحدا {إلى حملها} أي الخاص بها من الذنوب التي ليست على ~~غيرها بمباشرة ولا تسبب ليخفف عنها فيخفف العذاب بسبب خفته {لا يحمل} أي من ~~حامل ما {منه شيء} أي لا طواعية ولا كرها. بل لكل امرئ شأن يغنيه أصلا ~~وتسببا {ولو كان} ذلك الداعي أو المدعو للحمل {ذا قربى} لمن دعاه، وحاصل ~~الأولى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره بل بذنب نفسه، والثانية أنه لا يحط عن ~~أحد ذنبه ليسلم. # PageV16P033 # ولما كان هذا أمرا - مع كونه جليا - خالعا للقلوب، فكان بحيث يشتد تعجب ~~السامع ممن يسمعه ولا يخشى، فقال مزيلا لهذا العجب على سبيل النتيجة: {إنما ~~تنذر} أي إنذارا يفيد الرجوع عن الغي، فلاختصاصهم بالنفع كانوا كأنهم ~~مختصون بالإنذار، وهو كما قال القشيري: الإعلام بموضع المخافة. {الذين ~~يخشون} أي يوقعون هذا الفعل في الحال ويواظبون عليه في الاستقبال. ولما كان ~~أعقل الناس من خاف المحسن لان أقل عقابة قطع إحسانه قال: {ربهم} . # ولما كان أوفى الناس عقلا وأعلاهم همة وأكرمهم عنصرا من كانت غيبته مثل ~~حضوره، وكان لا يحتاج - مع قول الداعي وما يظهر له من سمته وحسن قوله وفعله ~~- إلى آية يظهرها ولا خارقة يبرزها، وإنما إيمانه تصديقا للداعي في إخباره ~~بالأمر المغيب من غير كشف غطاء قال: {بالغيب} أي حال كونهم غائبين عما دعوا ~~إليه وخوفوا به، أو حال كونه غائبا عنهم أو غائبين عمن يمكن مراءاته، فهم ~~مخلصون في خشيتهم سواء بحيث لا يطلع عليهم إلا الله، ولا نعلم أحدا وازى ~~خديجة والصديق رضي الله عنهما في ذلك. # ولما كانت # PageV16P034 # الصلاة جامعة لخضوع الظاهر والباطن، فكانت أشرف العبادات، وكانت إقامتها ~~بمعنى حفظ جميع حدودها في كل حال أدل الطاعات على الإخلاص، قال معبرا ~~بالماضي لأن مواقيت الصلاة مضبوطة: {وأقاموا} أي دليلا على خشيتهم {الصلاة} ~~في أوقاتها الخمسة ms3898 وما يتبع ذلك من السنن. # ولما كان التقدير: فمن كان على غير ذلك تدسى، ومن كان على هذا فقد تزكى، ~~ومن تدسى فإنما يتدسى على نفسه، عطف عليه قوله، مشيرا بأداة التفعل إلى أن ~~النفس أميل شيء إلى الدنس، فلا تنقاد إلى أحسن تقويم إلا باجتهاد عظيم. ~~{ومن تزكى} أي تطهر وتكثر بهذه المحاسن. ولما كان الإنسان ليفيده بالأسباب ~~القريبة قد يغفل عن أن هذا نفع له وخاص به أكده فقال: {فإنما يتزكى لنفسه} ~~فإنه لا يضر ولا ينفع في الحقيقة غيرها {وإلى الله} الذي يكشف عن جميع ~~صفاته أتم كشف تحتمله العقول يوم البعث لا إلى غيره {المصير *} كما كان منه ~~المبدأ فيجازي كلا على فعله فينصف بينك وبين من خشي ربه بإنذارك ومن أعرض ~~عن ذلك. # ولما كان التقدير: فما يستوي في الطبع والعقل المتدسي الذي هو أعمى ~~بعصيانه في الظلمات ولا المتزكي الذي هو بطاعاته بصير في # PageV16P035 # النور وإن استويا في الإنسانية، عطف عليه ما يصلح أمثلة للمتدسي والمتزكي ~~وما يكون به التدسية والتزكية، دلالة على تمام قدرته الذي السياق له من أول ~~السورة، وتقريرا لأن الخشية والقسوة بيده إبطالا لقول من يسند الأمور إلى ~~الطبائع قوله: {وما يستوي} أي في حالة من الأحوال. ولما كان المقام لوعظ ~~المشركين، وكان المتدسي قبل المتزكي على ما قرر قبله، ناسب أن ينظم على هذا ~~الترتيب قوله مثالا للكافر والمؤمن والجاهل والعالم، وقدم مثال الجاهل لأن ~~الأصل عن الإرسال الجهل: {الأعمى والبصير *} أي لا الصنفان ولا أفرادهما ~~ولا أفراد صنف منهما، وأغنى عن إعادة النافي ظهور المفاوتة بين أفراد كل ~~صنف من الصنفين، فالمعنى أن الناس غير مستوين في العمى والبصر بل بعضهم ~~أعمى وبعضهم بصير، لأن افتعل هنا لمعنى تفاعل، ولعله عبر به دلالة على ~~النفي ولو وقع اجتهاد في أن لا يقع، أو دلالة على أن المنفي إنما هو ~~التساوي من كل جهة، لا في أصل المعنى ولو كان ذلك مستندا إلى الطبع لكانوا ~~على منهاج واحد بل ms3899 وأفراد كل متفاوتون فتجد بعض العمى يمشي بلا قائد في ~~الأزقة المشكلة، وآخر لا يقدر على المشي في بيته إلا بقائد، وآخر يدرك من ~~الكتاب إذا جسه كم مسطرته من سطر، وهل خطه حسن أو لا، # PageV16P036 # وآخر يدرك الدرهم الزيف من غيره، ويميز ضرب كل بلد من غيره، وربما نازعه ~~أحد مغالطة فلا يقبل التشكيك، وآخر في غاية البعد عن ذلك، وأما البصراء ~~فالأمر فيهم واضح في المفاوتة في أبصارهم وبصائرهم، وكل ذلك دليل واضح على ~~أن الفاعل قادر مختار يزيد في الخلق ما يشاء، وإلا لتساوت الأفراد فكانوا ~~على منهاج واحد. # ولما كان هذا من أغرب الأمور وإن غفل عنه لكثرة إلفه، نبه على غرابته ~~ومزيد ظهور القدرة فيه بتكرير النافي في أشباهه وعلى أن الصبر لا ينفذ إلا ~~في الظلمة، تنبيها على أن المعاصي تظلم قلب المؤمن وإن كان بصيرا، وقدم ~~الظلمة لأنها أشد إظهارا لتفاوت البصر مع المناسبة للسياق على ما قرر، فقال ~~في عطف الزوج على الزوج وعطف الفرد على الفرد جامعا تنبيها على أن طرق ~~الضلال يتعذر حصرها: {ولا الظلمات} التي هي مثال للأباطيل؛ وأكد بتكرير ~~النافي كالذي قبله لأن المفاوتة بين أفراد الظلمة وأفراد النور خفية، فقال ~~منبها على أن طريق الحق واحدة تكذيبا لمن قال من الزنادقة: الطرق إلى الله ~~بعدد أنفاس الخلائق: {ولا النور *} الذي هو مثال للحق، فما أبدعهما على هذا ~~التضاد إلا الله تعالى الفاعل المختار، وفاوت بين أفراد النور # PageV16P037 # وأفراد الظلمة، فما يشبه نور الشمس نور القمر ولا شيء منهما نور غيرهما ~~من النجوم ولا شيء من ذلك نور السراج - إلى غير ذلك من الأنوار، وإذا ~~اعتبرت أفراد الظلمات وجدتها كذلك، فإن الظلمات إنما هي ظلال، وبعض الظلال ~~أكثف من بعض. # PageV16P038 # ولما كان الظلام ينشأ عن الظلال، وهو نسخ النور، قدمه فقال مقدما مثال ~~الخير لأن الرحمة سبقت الغضب: {ولا الظل} أي ببرده الذي هو مرجع المؤمن في ~~الآخرة {ولا الحرور *} أي بوهجها، وهي مرجع الكافر، قال البغوي: قال ms3900 ابن ~~عباس رضي الله عنهما: هي الريح الحارة بالليل، وكذا قال في القاموس وزاد: ~~وقد يكون بالنهار وحر الشمس والحر الدائم والنار، فانتفى حكم الطبائع قطعا. # ولما كان المظهر لذلك كله الحياة، قدمها فقال مثالا آخر للمؤمنين، ولذلك ~~أعاد الفعل وهو فوق التمثيل بالأعمى والبصير، لأن الأعمى يشارك البصير في ~~بعض الإدراكات، وصار للمؤمن والكافر مثالان ليفيد الأول نفي استواء الجنس ~~بالجنس مع القبول للحكم على الأفراد، والثاني بالعكس وهو للنفي في الأفراد ~~مع القبول للجنس: {وما يستوي الأحياء} أي لأنه منهم الناطق والأعجم، والذكي ~~والغبي، والسهل والصعب، # PageV16P038 # فلا يكاد يتساوى حيان في جميع الخلال {ولا الأموات} أي الذين هم مثال ~~للكافرين في صعوبة الموت وسهولته والبلى وغيره مما يخفى ولا يقر به الكفار ~~من الشقاوة والسعادة. # ولما كان ما ذكر على هذا الوجه - من وضوح الدلالة على الفعل بالاختيار ~~وعلى ضلال من أشرك به شيئا لأنه لا يشابهه شيء - بمكان ليس معه خفاء، ومن ~~الإحكام بحيث لا يدانيه كلام يعجب السامع ممن يأباه، فقال مزيلا عجبه مقررا ~~أن الخشية والقسوة إنما هما بيده، وأن الإنذار إنما هو لمن قضى بانتفاعه، ~~مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم، مؤكدا ردا على من يرى لغيره سبحانه فعلا ~~من خير أو شر: {إن الله} أي القادر على المفاوتة بين هذه الأشياء وعلى كل ~~شيء بما له من الإحاطة بصفات الكمال، وعبر بالفعل إشارة إلى القدرة على ذلك ~~في كل وقت أراده سبحانه فقال: {يسمع من يشاء} أي فيهديه ولو لم يكن له ~~قابلية في العادة كالجمادات، ويصم ومن يشاء فيعميه وينكسه ويرديه من أحياء ~~القلوب والأرواح، وأموات المعاني والأشباح، والمعنى أن إسماعهم لو كان ~~مستندا إلى الطبائع لاستووا إما بالإجابة # PageV16P039 # أو الإعراض لأن نسبة الدعوة وإظهار المعجزة إليهم على حد سواء، فالآية ~~تقرير آية {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} . # ولما كان المعرض قد ساوى الميت في حاله التي هي عدم الانتفاع بما يرى ~~ويسمع من الخوارق، فكان كأنه ميت، قال معبرا بالأسمية ms3901 تنبيها على عدم إثبات ~~ذلك له صلى الله عليه وسلم: {وما أنت} أي بنفسك من غير إقدار الله لك، ~~وأعرق في النفي فقال: {بمسمع} أي بوجه من الوجوه {من في القبور *} أي ~~الحسية والمعنوية، إسماعا ينفعهم بل الله يسمعهم إن شاء فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات، والآية دليل على البعث. # ولما كان هذا خاصة الإله، أشار إلى نفيه عنه مقتصرا على وصف النذارة، ~~إشارة إلى أن أغلب الخلق موتى القلوب، فقال مؤكدا للرد على من يظن أن ~~النذير يقدر على هداية أو غيرها إلا بإقداره {إن} أي ما {أنت إلا نذير *} ~~أي تنبه القلوب الميتة بقوارع الإنذار، ولست بوكيل يقهرهم على الإيمان. # ولما كان صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، وكان الاقتصار على هذا الوصف ~~ربما أوهم غير ذلك، أتبعه قوله بيانا لعظمته صلى الله عليه وسلم # PageV16P040 # بالالتفات إلى مظهر العظمة لأن عظمة الرسول من عظمة المرسل فنذارته رحمة: ~~{إنا} أي بما لنا من العظمة {أرسلناك} أي إلى هذه الأمة إرسالا مصحوبا ~~{بالحق} أي الأمر الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع، فإن من نظر إلى ~~كثرة ما أوتيته من الدلائل علم مطابقة الواقع لما تأمر به، والتقدير ~~بالمصدر يفهم أن الرسالة حق، وكلا من المرسل والرسول محق {بشيرا} أي لمن ~~أطاع {ونذيرا} أي لمن عصى، والعطف بالواو للدلالة على العراقة في كل من ~~الصفتين. # ولما كان مما يسهل القياد ويضعف الجماح التأسية، قال مؤكدا دفعا لاستبعاد ~~الإرسال إلى جميع الأمم: {وإن} أي والحال أنه ما {من أمة} من الأمم الماضية ~~{إلا خلا فيها نذير *} أرسلناه إليهم بشيرا ونذيرا إما بنفسه وإما بما أبقى ~~في أعقابهم من شرائعه من أقواله وأفعاله ورسومه مع ما لهم من العقول ~~الشاهدة بذلك، والنذارة دالة على البشارة، واقتصر عليها لأنها هي التي تقع ~~بها التسلية لما فيها من المشقة، ولأن من الأنبياء الماضين عليهم السلام من ~~تمحضت دعوته للنذارة لأنه لم ينتفع أحد ببشارته لعدم اتباع أحد منهم له. # PageV16P041 # ولما كان صلى الله عليه وسلم ms3902 شديد الأسف على إبائهم رحمة لهم وخوفا من أن ~~يكون ذلك لتقصير في حاله، وكان التقدير: فإن يصدقوك فهو حظهم في الدنيا ~~والآخرة، عطف عليه تأسية له وتسلية قوله: {وإن يكذبوك فقد} أي فتسل لأنه قد ~~{كذب الذين} ولما كان المكذبون بعض الناس، فلزم لذلك أن يكونوا في بعض ~~الزمان، دل على ذلك بالجار فقال: {من قبلهم} أي ما أتتهم به رسلهم عن الله. # ولما كان قبول الرسل لما جاءهم عن الله ونفى التقصير في الإبلاغ عنهم ~~دالا على علو شأنهم وسفول أمر المكذبين من الأمم، وكل ذلك دالا على تمام ~~قدرة الله تعالى في المفاوتة بين الخلق، قال دالا على أمري العلو والسفول ~~استئنافا جوابا لمن كأنه قال: هل كان تكذيبهم عنادا او لنقص في البيان: ~~{جاءتهم} أي الأمم الخالية {رسلهم بالبينات} أي الآيات الواضحات في الدلالة ~~على صحة الرسالة. ولما كان التصديق بالكتاب لازما لكل من بلغه أمره، وكانت ~~نسبة التكذيب إلى جميع الأمم أمرا معجبا، كان الأمر حريا بالتأكيد لئلا يظن ~~أنهم ما كذبوا إلا لعدم الكتاب، فأكد بإعادة الجار # PageV16P042 # فقال: {وبالزبر} أي الأمور المكتوبة من الصحف ونحوها من السنن والأسرار ~~{وبالكتاب} أي جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل {المنير *} أي الواضح في نفسه ~~الموضح لطريق الخير والشر كما أنك أتيت قومك بمثل ذلك وإن كان طريقك أوضح ~~وأظهر، وكتابك أنور وأبهر وأظهر وأشهر. # ولما سلاه، هدد من خالفه وعصاه بما فعل في تلك الأمم فقال، صارفا القول ~~إلى الإفراد دفعا لكل لبس، مشيرا بأداة التراخي إلى أن طول الإمهال ينبغي ~~أن يكون سببا للإنابة لا للاغترار بظن الإهمال: {ثم أخذت} أي بأنواع الأخذ ~~{الذين كفروا} أي ستروا تلك الآيات المنيرة بعد طول صبر الرسل عليهم ~~ودعائهم لهم. ولما كان أخذ من قص أخباره منهم عند العرب شهيرا، وكان على ~~وجوه من النكال معجبة، سبب عنه السؤال بقوله: {فكيف كان نكير *} أي إنكاري ~~عليهم، أي أنه إنكار يجب السؤال عن كيفية لهوله وعظمه، كما قال القشيري: ~~ولئن أصروا على ms3903 سنتهم في الغي فلن تجد لسنتنا تبديلا في الانتقام والخزي. # PageV16P043 # ولما كان من من أغرب الأشياء الدالة على تمام القدرة الدال على الوحدانية ~~أن يكون شيء واحد سببا لسعادة قوم وهداهم، وشقاوة قوم وضلالهم وعماهم وكان ~~ذلك، امرا دقيقا وخطبا جليلا، لا يفهمه # PageV16P043 # حق فهمه إلا أعلى الخلائق، ذكر المخاطب بهذا الذكر ما يشاهد من آيته، ~~فقال على طريق الإستخبار لوصول المخاطب إلى رتبة أولي الفهم بما ساق من ذلك ~~سبحانه على طريق الإخبار في قوله: {الله الذي أرسل الرياح} ولفت القول إلى ~~الاسم الأعظم دلالة على عظمة ما في حيزه: {ألم تر أن الله} أي الذي له جميع ~~صفات الكمال {أنزل من السماء} أي التي لا يصعد إليها الماء ولا يستمسك عن ~~الهبوط منها في غير أوقاته إلا بقدرة باهرة لا يعجزها شيء {ماء} أي لا شيء ~~يشابهه في مماثلة بعضه لبعض، فلا قدرة لغيره سبحانه على تمييز شيء منه إلى ~~ما يصلح لشيء دون آخر. # ولما كان أمرا فائتا لقوى العقول، نبه عليه بالالتفات إلى مظهر العظمة ~~فقال: {فأخرجنا} أي بما لنا من العظمة {به} أي الماء من الأرض {ثمرات} أي ~~متعددة الأنواع {مختلفا ألوانها} أي ألوان أنواعها وأصنافها وهيئاتها ~~وطبائعها، فالذي قدر على المفاوتة بينها وهي من ماء واحد لا يستبعد عليه أن ~~يجعل الدلائل بالكتاب وغيره نورا لشخص وعمى لآخر. # PageV16P044 # ولما ذكر تنوع ما عن الماء وقدمه لأنه الأصل في التلوين كما أنه الأصل في ~~التكوين، أتبعه التلوين عن التراب الذي هو أيضا شيء واحد، فقال ذاكرا ما هو ~~أصلب الأرض وأبعدها عن قابلية التأثر وقطعه عن الأول لأن الماء لا تأثير له ~~فيه: {ومن} أي ومما خلقنا من {الجبال جدد} أي طرائق وعلامات وخطوط متقاطعة ~~{بيض وحمر} ولعله عبر عنها بذلك دون طرق إشارة إلى أن من غرابتها أنها لا ~~تخلق ولا تضمحل ألوانها على طول الأزمان كما هو العادة في غالب ما يتقادم ~~عهده، والجد بالفتح، والجدة بالكسر، والجدد بالتحريك: وجه الأرض، وجمعه جدد ms3904 ~~بالكسر، والجدة بالضم: الطريقة والعلامة والخط في ظهر الحمار يخالف لونه ~~وجمعه جدد كغدة وغدد وعدة وعدد ومدة ومدد والجدد محركة: ما أشرف من الرمل ~~وشبه السلعة بعنق البعير والأرض الغليظة المستوية، والجدجد بالفتح: الأرض ~~المستوية. # ولما كان أبلغ من ذلك أن تلك الطرق في أنفسها غير متساوية المواضع في ذلك ~~اللون الذي تلونت به، قال تعالى دالا على أن كلا من هذين اللونين لم يبلغ ~~الغاية في الخلوص: {مختلف ألوانها} وهي # PageV16P045 # من الأرض وهي واحدة. ولما قدم ما كان مستغربا في ألوان الأرض لأنه على ~~غير لونها الأصلي أتبعه ما هو أقرب إلى الغبرة التي هي أصل لونها. # ولما كانت مادة {غرب} تدور على الخفاء الذي يلزمه الغموض أخذا من غروب ~~الشمس، ويلزم منه السواد، ولذلك يؤكد الأسود بغربيب مبالغة الغرب كفرح أي ~~الأسود للمبالغة في سواده، وكان المقصود الوصف بغاية السواد مخالفة لغيره، ~~قال تعالى عاطفا على بيض: {وغرابيب} أي من الجدد أيضا {سود *} فقدم التأكيد ~~لدلالة السياق على أن أصل العبارة «وسود غرابيب سود» فأضمر الأول ليتقدم ~~على المؤكد لأنه تابع، ودل عليه بالثاني ليكون مبالغا في تأكيده غاية ~~المبالغة بالإظهار بعد الإضمار، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما: أشد ~~سواد الغرابيب - رواه عنه البخاري، لأن السواد الخالص في الأرض، مستغرب، ~~ومنه ما يصبغ به الثياب ليس معه غيره، فتصير في غاية السواد، وذلك في مدينة ~~فوة ومسير وغيرهما مما داناهما من بلاد مصر. # ولما أكد هذا بما دل على خلوصه، قدم ذكر الاختلاف عليه، # PageV16P046 # ولما ذكر تعالى ما الأغلب فيه الماء مما استحال إلى آخر بعيد من الماء، ~~وأتبعه التراب الصرف، ختم بما الأغلب فيه التراب مما استحال إلى ما هو في ~~غاية البعد من التراب فقال: {ومن الناس} أي المتحركين بالفعل والاختيار ~~{والدواب} ولما كانت الدابة في الأصل لما دب على الأرض، ثم غلب إطلاقه على ~~ما يركب قال: {والأنعام} ليعم الكل صريحا {مختلف ألوانه} أي ألوان ذلك ~~البعض الذي أفهمته «من» {كذلك} ms3905 أي مثل الثمار والأراضي فمنه ما هو ذو لون ~~واحد، ومنه ما هو ذو ألوان مع أن كل ما ذكر فهو من الأراضي متجانس الأعيان ~~مختلف الأوصاف، ونسبته إليها وإلى السماء واحدة فأين حكم الطبائع. # ولما ثبت بهذا البرهان أنه سبحانه فاعل بالاختيار، فهو يفعل فيما يشاء ~~ومن يشاء، ما يشاء فيجعل الشيء الواحد لقوم نورا ولقوم عمى، وكان ذلك مرغبا ~~في خدمته مرهبا من سطوته سبحانه وتعالى وتقدس لكل ذي لب، وكان السياق ~~لإنذار من يخشى بالغيب، فثبت أن الإنذار بهذا القرآن يكون لقوم أراد الله ~~خشيتهم خشية، ولقوم أراد الله قسوتهم # PageV16P047 # قسوة، التفت النفس إلى طلب قانون يعرف به من يخشى ومن لا يخشى، فقال على ~~سبيل الاستنتاج من ذلك، دفعا لظن من يحسب أنه يمكن أن يكون ولي جاهلا: ~~{إنما يخشى الله} أي الذي له جميع الكمال، ولا كمال لغيره إلا منه، ودل على ~~أن كل من سواه في قبضته وتحت قهره بقوله: {من عباده} ثم ذكر محط الفائدة ~~وهو من ينفع إنذاره فقال: {العلماء} أي لا سواهم وإن كانوا عبادا وإن بلغت ~~عبادتهم ما عسى أن تبلغ، لأنه لا يخشى أحد أحدا إلا مع معرفته، ولا يعرفه ~~جاهل، فصار المعنى كأنه قيل: إنما ينفع الإنذار أهل الخشية، وإنما يخشى ~~العلماء، والعالم هو الفقيه العامل بعلمه، قال السهروردي في الباب الثالث ~~من عوارفه: فينتفي العلم عمن لا يخشى الله، كما إذا قال: إنما يدخل الدار ~~بغدادي، فينتفي دخول البغدادي الدار هذا معنى القراءة المشهورة. # ولما كان سبب الخشية التعظيم والإجلال، وكان كل أحد لا يجل إلا من أجله، ~~وكان قد ثبت أن العلماء يجلون الله، وكان سبب إجلالهم له إجلاله لهم، كان ~~هذا معنى القراءة الأخرى، فكان كأنه قيل: إنما ينفع الإنذار من يجهل الله ~~فالله يجله لعلمه، وسئل شيخنا محقق زمانه قاضي الشافعية بمصر محمد بن علي ~~القاياتي عن توجيه هذه القراءة فأطرق يسيرا ثم رفع رأسه فقال: # أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علي ولكن مليء ms3906 عين حبيبها # PageV16P048 # ولما ثبت بهذا السياق أنه سبحانه فاعل هذه الأشياء المتضادة، علل ذلك ~~ليفيد أن قدرته على كل ما يريد كقدرته عليه بقوله على سبيل التأكيد تنبيها ~~على أنه سبحانه لا يعسر عليه شيء وأنه أهل لأن يخشى ولذلك أظهر الاسم ~~الأعظم: {إن الله} أي المحيط بالجلال والإكرام {عزيز} أي غالب على جميع ~~أمره. ولما كان هذا مرهبا من سطوته موجبا لخشيته لإفهامه أنه يمنع الذين لا ~~يخشون من رحمته، رغبهم بقوله: {غفور *} في أنه يمحو ذنوب من يريد منهم ~~فيقبل بقلبه إليه وهو أيضا من معاني العزة. # ولما تقرر هذا، تشوف السامع إلى معرفة العلماء فكان كأنه قيل: هم الذين ~~يحافظون على كتاب الله علما وعملا، فقيل: فما لهم؟ فقال مؤكدا تكذيبا لمن ~~يظن من الكفار وغيرهم من العصاة أنهم من الخاسرين بما ضيعوا من عاجل ~~دنياهم: {إن الذين يتلون} أي يجددون التلاوة كل وقت مستمرين على ذلك ~~محافظين عليه كلما نزل من القرآن شيء وبعد كمال نزوله حتى يكون ذلك ديدنهم ~~وشأنهم بفهم وبغير فهم {كتاب الله} أي الذي لا ينبغي لعاقل أن يقبل على ~~غيره لما له من صفات الجمال والجلال، ولما ذكر السبب الذي لا سبب يعادله، # PageV16P049 # ذكر أحسن ما يربط به، فقال دالا على المداومة بالتعبير بالإقامة وعلى ~~تحقيق الفعل بالتعبير بالماضي: {وأقاموا الصلاة} أي وهي الناهية عن الفحشاء ~~والمنكر فناجوا الله فيها بكلامه. ولما ذكر الوصلة بينهم وبين الخالق، ذكر ~~إحسانهم إلى الخلائق، فقال دالا على إيقاع الفعل بالتعبير بالماضي، وعلى ~~الدوام بالسر والعلن لافتا القول إلى مظهر العظمة تنبيها على أن الرزق منه ~~وحده، لا بحول أحد غيره ولا غيره: {وأنفقوا مما رزقناهم} أي بحولنا وقوتنا ~~لا بشيء من أمرهم في جميع ما يرضينا، ودل على مواظبتهم على الإنفاق وإن أدى ~~إلى نفاد المال بقوله: {سرا وعلانية} وعبر في الأول بالمضارع لأن إنزالها ~~كان قبل التمام وتصريحا بتكرار التلاوة تعبدا ودراسة لأن القرأن كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # «أشد تفلتا ms3907 من الإبل في عقلها» أخرجه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله ~~عنه، وفي الثاني والثالث بالماضي حثا على المبادرة إلى الفعل، وقد تحصل من ~~هذا أنه جعل لفعل القلب الذي هو الخشية دليلا باللسان وآخر بالأركان وثالثا ~~بالأموال. # ولما أحلهم بالمحل الأعلى معرفا أنهم أهل العلم الذي يخشون الله، وكان ~~العبد لا يجب له على سيده شيء، قال منبها على نعمة الإبقاء الثاني التي هي ~~أم النعم والنتيجة العظمى المقصودة بالذات: {يرجون} أي # PageV16P050 # في الدنيا والآخرة {تجارة} أي بما عملوا {لن تبور *} أي تكسد وتهلك بل هي ~~باقية، لأنها دفعت إلى من لا تضيع لديه الودائع وهي رائجة رابحة، لكونه تام ~~القدرة شامل العلم له الغنى المطلق. # PageV16P051 # ولما كان المراد بعدم هلاكها حفظها وبقاءها إلى يوم لقائه، علله بقوله، ~~مقتصرا على الضمير لأن السياق للمؤمنين، ولذا لفته إلى ضمير الغيبة لأن ~~إيمانهم بالغيب {ليوفيهم} : أي لنفاقها عنده سبحانه في الدنيا إن أراد أو ~~في الآخرة أو فيهما {اجورهم} أي على تلك الأعمال {ويزيدهم} أي على ما جعله ~~بمنه وبيمنه حقا لهم عليها {من فضله} أي زيادة ليس لهم فيها تسبب أصلا، بل ~~سيء بعد ما من عليهم بما قابل أعمالهم به مما يعرفون أنه جزاءها مضاعفا ~~للواحد عشرة إلى ما فوق. ولما كانت أعمالهم لا تنفك عن شائبة ما، وإن خلصت ~~فلم يكن ثوابها لأنها من منه سبحانه مستحقا، علل توفيتهم لها بقوله مؤكدا ~~إعلاما بأنه لا يسع الناس إلا عفوه لأنه لن يقدر الله أحد حق قدره وإن ~~اجتهد، ولو واخذ أعبد العباد بما يقع من تقصيره أهلكه {إنه غفور} أي بمحو ~~النقص عن العمل {شكور *} أي # PageV16P051 # يقبله ويزيد عليه. # ولما كانت ترجمة الآية أن العلماء هم حملة الكتاب، وبدأ سبحانه بأدنى ~~درجاتهم، وكان ذلك مما يرغب في الكتاب، أتبعه ترغيبا هو أعلى منه، فقال ~~عاطفا على قوله في تقرير الأصل الثاني الذي هو الرسالة {إنا أرسلناك بالحق} ~~[البقرة: 119] وأكده دفعا لتكذيب المكذبين به: {والذي أوحينا} أي بما ms3908 لنا ~~من العظمة {إليك} وبين قدره بمظهر العظمة وقال مبينا للوحي: {من الكتاب} أي ~~الجامع لخيري الدارين. ولما كان الكتاب لا يطرقه نوع من أنواع التغير لأنه ~~صفة من لا يتغير قال: {هو الحق} أي الكامل في الثبات ومطابقة الواقع له لا ~~غيره من الكلام؛ وأكد حقيته بقوله: {مصدقا لما بين يديه} أي من الكتب ~~الماضية الآتي لها الرسل الداعون إلى الله المؤيدون بالبراهين الساطعة ~~والأدلة القاطعة. # ولما دل سبحانه على أن العلم هو الحقيقة الثابتة، وما عداه فهو محو ~~وباطل، ودل على أن التالين لكتابه الذي هو العلم هم العلماء، وغيرهم وإن ~~كانوا موجودين فهم بالمعدومين أشبه، ودل على أن الكتب الماضية وإن كانت حقا ~~لكنها ليست في كمال القرآن، لأن الأمر # PageV16P052 # ما دام لم يختم فالزيادة متوقعة فيه بخلاف ما إذا وقع الختم فإنه لا يكون ~~بعده زيادة ترتقب، وكان ربما تراءى لأحد في بعض المتصفين بذلك غير ذلك، قال ~~تعالى إعلاما بأن العبرة بما عنده لا بما يظهر للعباد، وأكده تنبيها على أن ~~هذا المعنى مما تعقد عليه الخناصر وإن تراءى لأكثر الناس خلافه، أظهر الاسم ~~الأعظم لحاجة المخبرين هنا إليه لأنهم البر والفاجر: {إن الله} أي الذي له ~~جميع صفات الكمال. ولما كان الإنسان أعلم بمن يربيه ولا سيما إن كان مالكا ~~له قال: {بعباده لخبير} أي عالم أدق العلم وأتقنه ببواطن أحوالهم {بصير *} ~~أي بظواهر أمورهم وبواطنها أي فهو يسكن الخشية والعلم القلوب على ما أوتوا ~~من الكتاب في علمه وتلاوته وإن تراءى لهم خلاف ذلك، فأنت أحقهم بالكمال ~~لأنك أخشاهم وأتقاهم، فلذلك آتيناك هذا الكتاب، فأخشاهم بعدك أحقهم بعلمه. # ولما كان معنى الوصفين: فنحن نيسر لتلاوة كتابنا من يكون قابلا للعلم ~~الذي هو عمود الخشية بما تعلمه منه بخبرنا وبصرنا، وكان الذي ضم إلى ~~التلاوة الفهم في الذروة العليا من العلم، قال عطفا على هذا الذي # PageV16P053 # أرشد السياق إلى تقديره مشيرا بأداة العبد إلى علو رتبة أهل هذا القسم، ~~وهم هذه الأمة الأمية على ms3909 اختلاف مراتب إرثهم مع تراخي إرثهم عمن قبلهم، ~~صارفا القول إلى مظهر العظمة لاقتضاء الحال لها في نزع شيء من قوم وإثباته ~~لآخرين: {ثم أورثنا} أي ملكنا بعظمتنا ملكا تاما وأعطينا عطاء لا رجوع فيه، ~~وعبر في غير هذه الأمة {ورثوا الكتاب} [الأعراف: 169] فانظر فوق ما بين ~~العبارتين تعرف الفرق بين المقامين، ويجوز أن يكون التقدير بعد ما أوحينا ~~إليك: وأورثناكه ثم أورثناه، ولكنه أظهر دلالة على الوصف تنبيها على تناهي ~~جمعه للكتب الماضية وإعلاما بأن «من» في {أوحينا إليك من} للبيان فقال: ~~{الكتاب} أي القرآن باتفاق المفسرين، قال الأصفهاني - الجامع لكل كتاب ~~أنزلنا، فهو أم لكل خير، وقال ابن عباس كما نقله ابن الجوزي: إن الله أورث ~~أمة محمد كل كتاب أنزله {الذين اصطفينا} أي فعلنا في اختيارهم فعل من يجتهد ~~في ذلك {من عبادنا} أي أخلصناهم لنا وهم بنو إسماعيل ومن تبعهم، يعني أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم - نقله البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، ونقل ~~عن ابن جرير أنه قال: الإرث: انتقال شيء من قوم إلى قوم، فثم هنا للترتيب، ~~لأن إيتاء هذه الأمة متراخ عن إيتاء # PageV16P054 # الأمم ونقله إليهم بعد إبطال تلك الأديان، ونسخ تلك الكتب إلا ما وافق ~~القرآن فمعنى الإيراث أنه نزع تلك الكتب من الأمم السالفة وأعطاها لهذه ~~الأمة على الوجه الذي رضيه لها وهذا الإيراث للمجموع لا يقتضي الاختصاص بمن ~~يحفظ جميع القرآن بل يشمل من يحفظ منه جزءا ولو أنه الفاتحة فقط، فإن ~~الصحابة رضوان الله تعالى أجمعين لم يكن كل واحد منهم يحفظ جميع القرآن ~~ونحن على القطع بأنهم مصطفون. # ولما كان اكثر الناس لا ينفك عن تقصير كثير لما جبل الإنسان عليه من ~~النقصان، فكان من فيه ذلك يخرج نفسه من هذا القسم، قال معرفا له بمقداره ~~مؤنسا له بما فتح له من أنواره مستجلبا له إلى حضرة قدسه ومعدن أسراره ~~مقسما أهل هذا القسم وهم أهل الفهم إلى ثلاثة أقسام مقدما الأدنى لأنهم ~~الأكثر ولئلا يحصل ms3910 اليأس، ويصدع القلوب خوف البأس: {فمنهم} أي فتسبب عن ~~إيراثنا لهم أن كان منهم كما هو مشاهد {ظالم لنفسه} أي بالتفريط والتهاون ~~في توفية الحق لما يقتضيه حاله من العمل غير متوق للكبائر، وهذا القسم هم ~~أكثر الوارث وهم المرجئون لأمر الله. # ولما كان ترك الإنسان للظلم في غاية الصعوبة، نبه على ذلك بصيغة الافتعال ~~فقال: {ومنهم مقتصد} أي متوسط في العمل غير باذل # PageV16P055 # لجميع الجهد إلا أنه مجتنب للكبائر فهو مكفر عنه الصغائر، وهم الذين ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا {ومنهم سابق بالخيرات} أي العبادات وجميع أنواع ~~القربات، موف للمقام الذي أقيم به حقه كلما ازداد قربا ازداد عملا، لا يكون ~~سابقا إلا وهو هكذا، وهم السابقون الأولون من المهاجرون والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان، ويؤيد هذا قول الحسن: السابق من رجحت حسناته، والمقتصد من ~~استوت حسناته وسيئاته، والظالم من رجحت سيئاته. وختم بالسابقين لأنهم ~~الخلاصة وليكونوا أقرب إلى الجنات كما قدم الصوامع في سورة الحج لتكون أقرب ~~إلى الهدم وآخر المساجد لتقارب الذكر وقدم في التوبة السابقين عقيب أهل ~~القربات من الإعراب وأخر المرجئين وعقبهم بأهل مسجد الضرار، وقدم سبحانه في ~~الأحزاب المسلمين ورقى الخطاب درجة درجة إلى الذاكرين الله كثيرا، فهو ~~سبحانه تارة يبدأ بالأدنى وتارة بالأعلى بحسب ما يقتضيه الحال كما هو مذكور ~~في هذا الكتاب في محاله، وهذا على تقدير عود الضمير في {منهم} على {الذين} ~~لا على {العباد} وهو مع تأيده بالمشاهدة وإن السياق لأن أهل العلم # PageV16P056 # هو التالون لكتاب الله مؤيد بأحاديث لا تقصر - وإن كانت ضعيفة - عن ~~الصلاحية لتقوية ذلك، فمنها ما رواه البغوي بسنده عن ابن الخطاب رضي الله ~~عنه أنه قرأ هذه الآية على المنبر وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» وبسنده عن أبي الدرداء رضي ~~الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: «أما السابق ~~بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما ms3911 ~~الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل الجنة» - ثم قرأ ~~{الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} . وروي بغير إسناد عن أسامة بن زيد رضي ~~الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلهم من هذه الأمة» ~~وقال ابن الجوزي بعد أن ذكر حديث عمر رضي الله عنه بغير سند: وروى الترمذي ~~عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الآية قال: «كلهم في الجنة» # وروى حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الحافظ ابن عساكر في الكنى من تأريخ ~~دمشق في ترجمة أخي زياد أو أبي زياد. وأما على عود الضمير على العباد # PageV16P057 # فقال ابن عباس رضي الله عنهما: السابق المؤمن المخلص، والمقتصد المرائي، ~~والظالم الكافر نعمة الله غير الجاحد لها، وقال قتادة: الظالم أصحاب ~~المشأمة، والمقتصد أصحاب الميمنة، والسابقون المقربون. # ولما كان هذا ليس في قوة العبد في مجاري العادات، ولا يؤخذ بالكسب ~~والاجتهادات، أشار إلى عظمته بقوله: {بإذن الله} أي بتمكين من له القدرة ~~التامة والعظمة العامة والفعل بالاختيار وجميع صفات الكمال وتسهيله وتيسره ~~لئلا يأمن أحد مكره تعالى، قال الرازي في اللوامع: ثم من السابقين من يبلغ ~~محل القربة فيستغرق في وحدانيته، وهو الفرد الذي اهتز في ذكره - انتهى. ثم ~~زاد عظمة هذا الأمر بيانا، فقال مؤكدا تكذيبا لظنون الجاهلين لأن السابق ~~كلما علا مقامه في السبق قل حظه من الدنيا، فرأى الجاهلون أنه مضيع لنفسه: ~~{ذلك} أي السبق أو إيراث الكتاب {هو} مشيرا بأداة البعد مخصصا بضمير الفصل ~~{الفضل الكبير *} . # PageV16P058 # ولما ذكر تعالى أحوالهم، بين جزاءهم ومآلهم، فقال مستأنفا جوابا لمن سأل ~~عن ذلك: {جنات} أي هي مسببة عن سبب السبق الذي هو الفضل، ويصح كونها بدلا ~~من الفضل لأنه سببها، # PageV16P058 # فكان كأنه هو الثواب {عدن} أي إقامة بلا رحيل لأنه لا سبب للرحيل عنها ~~{يدخلونها} أي الثلاثة أصناف، ومن دخلها لم يخرج منها لأنه لا شيء يخرجه ~~ولا هو يريد الخروج على أن ms3912 الضمير ل «الذين» ومن قال ل «عبادنا» خص الدخول ~~بالمقتصد والسابق - هذا على قراءة الجماعة بفتح الياء وضم الخاء، وعلى ~~قراءة أبي عمرو بالبناء للمفعول يكون الضمير للسابق فقط، لأنهم يكونون في ~~وقت الحساب على كثبان المسك ومنابر النور فيستطيبون مكانهم، فإذا دعوا إلى ~~الجنة أبطؤوا فيساقون إليها كما في آخر الزمر. # ولما كان الداخل إلى مكان أول ما ينظر إلى ما فيه من النفائس قال: {يحلون ~~فيها} أي يلبسون على سبيل التزين والتحلي {من أساور} ولما كان للإبهام ثم ~~البيان مزيد روعة النفس، وكان مقصود السورة إثبات القدرة الكاملة لإثبات ~~اتم الإبقاءين، شوق إلى الطاعة الموصلة إليه بأفضل ما نعرف من الحلية، فقال ~~مبينا لنوع الأساور: {من ذهب ولؤلؤا} ولما كانت لا تليق إلى على اللباس ~~الفاخر، قال معرفا أنهم حين الدخول يكونون لابسين: {ولباسهم فيها حرير *} . # ولما كان المقتصد والسابق يحزنون لكمالهم وشدة شفقتهم على الظالم إذا ~~قوصص، جمع فقال معبرا بالماضي تحقيقا له: {وقالوا} أي # PageV16P059 # عند دخولهم: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي الذي لم تمام ~~القدرة {الذي أذهب} أي بدخولنا هذا {عنا الحزن} أي هذا النوع بكماله، فلا ~~نحزن على شيء كان فاتنا، ولا يكون لنا حزن أبدا لأنا صرنا في دار لا يفوت ~~فيها شيء أصلا ولا ينفى. # ولما كانوا عالمين بما اجترحوه من الزلات أو الهفوات أو الغفلات التي ~~لولا الكرم لأدتهم إلى النار، عللوا ما صاروا إليه معها بقولهم، مؤكدين ~~إعلاما بما عندهم من السرور بالعفو عن ذنوبهم، وأن ما أكدوه حقيق بأن ~~يتغالى في تأكيده لما رأوا من صحته وجنوا من حلو ثمرته: {إن ربنا} أي ~~المحسن إلينا مع إساءتنا {لغفور} أي محاء للذنوب عينا وأثرا للصنفين ~~الأولين {شكور *} أي على ما وهبه للعبد من حسن طاعته ووفقه له من الأعمال ~~الحسنة فجعله به سابقا، ثم وصفوه بما هو شكر له فقالوا: {الذي أحلنا دار ~~المقامة} أي الإقامة ومكانها وزمانها التي لا يريد النازل بها على كثرة ~~النازلين بها - ارتحالا منها، ms3913 ولا يراد به ذلك، ولا شيء فيها يزول فيؤسف ~~عليه. # وكان المالك المطلق لا يجب عليه شيء ولا استحقاق لمملوكه عليه بوجه قال: ~~{من فضله} أي بلا عمل منا فإن حسناتنا إنما كانت منا منه سبحانه، لو لم ~~يبعثنا عليها وييسرها لنا لما كانت. # PageV16P060 # ولما تذكروا ما شاهدوه في عرصات القيامة من تلك الكروب والأهوال، ~~والأنكاد والأثقال، التي أشار إليها قوله تعالى: {وإن تدع مثقلة إلى حملها} ~~الآية، استأنفوا قولهم في وصف دار القرار: {لا يمسنا} أي في وقت من الأوقات ~~{فيها نصيب} أي نصب بدن ولا وجع ولا شيء {ولا يمسنا فيها لغوب *} أي كلال ~~وتعب وإعياء وفتور نفس من شيء من الأشياء، قال أبو حيان: هو لازم من تعب ~~البدن. فهي الجديرة لعمري بأن يقال فيها: # علينا لا تنزل الأحزان شاحتها ... لو مسها حجر مسته سراء # ولما بين ما هم فيه من النعمة، بين ما لأعدائهم من النقمة، زيادة في ~~سرورهم بما قاسوه في الدنيا من تكبرهم عليهم وفجورهم فقال: {والذين كفروا} ~~أي ستروا ما دلت عليه عقولهم من شموس الآيات وأنوار الدلالات {لهم نار ~~جهنم} أي بما تجهموا أولياء الله الدعاء إليهم. ولما كانت عادة النار إهلاك ~~من دخلها بسرعة، بين أن حالها على غير ذلك زيادة في نكالهم وسوء مآلهم فقال ~~مستأنفا: {لا يقضى} أي لا يحكم وينفذ ويثبت من حاكم ما {عليهم} أي بموت ~~{فيموتوا} أي فيتسبب عن القضاء موتهم، وإذا راجعت ما مضى في سورة سبحان من # PageV16P061 # قوله {فلا يملكون كشف الضر عنكم} [الإسراء: 56] وما يأتي إن شاء الله ~~تعالى في المرسلات من قوله: {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: 36] علمت ~~سر وجوب النصب هنا لأنه لو رفع لكان المعنى أن موتهم ينبغي إن قضي عليهم أو ~~لم يقض وذلك محال. # ولما كانت الشدائد في الدنيا تنفرج وإن طال أمدها قال: {ولا يخفف عنهم} ~~وأعرق في النفي بقوله: {من عذابها} أي جهنم. ولما كان ربما توهم متوهم أن ~~هذا العذاب خاص بالذين كانوا في عصره ms3914 صلى الله عليه وسلم من الكفار قال: ~~{كذلك} أي مثل هذا الجزاء العظيم {نجزي} أي بما لنا من العظمة - على قراءة ~~الجماعة بالنون {كل كفور *} أي به صلى الله عليه وسلم أو بغيره من الأنبياء ~~عليهم السلام وإن لم نره لأن ثبوت المعجزة يستوي فيها المسع والبصر، وبنى ~~أبو عمرو الفعل للمفعول إشارة إلى سهولته وتيسره ورفع {كل} . # ولما بين عذابهم بين اكتئابهم فقال: {وهم} أي فعل ذلك بهم والحال أنهم ~~{يصطرخون فيها} أي يوجدون الصراخ فيها بغاية ما يقدرون عليه من الجهد في ~~الصياح بالبكاء والنواح. ولما بين ذلك بين قولهم في اصطراخهم بقوله: {ربنا} ~~أي يقولون: أيها المحسن إلينا {أخرجنا} أي من النار {نعمل صالحا} ثم أكدوه ~~وفسروه # PageV16P062 # وبينوه بقولهم على سبيل التحسر والاعتراف بالخطأ أو لأنهم كانوا يظنون ~~عملهم صالحا {غير الذي كنا} أي بغاية جهدنا {نعمل} فتركوا الترقق والعمل ~~على حسبه في وقت نفعه واستعملوه عند فواته فلم ينفعهم، بل قيل في جوابهم ~~تقريرا لهم وتوبيخا وتقريعا: {أو لم} أي ألم تكونوا في دار العمل متمكنين ~~من ذلك بالعقول والقوى؟ أو لم {نعمركم} أي نطل أعماركم مع إعطائنا لكم ~~العقول ولم نعاجلكم بالأخذ {ما} أي زمانا {يتذكر فيه} وما يشمل كل عمر ~~يتمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه غير أن التوبيخ في الطويل أعظم، وأشار ~~بمظهر العظمة إلى أنه لا مطمع بغيره سبحانه في مد العمر. # ولما كان التفكر بعد البعث غير نافع لأنه بعد كشف الغطاء، عبر بالماضي ~~فقال: {من تذكر} إعلاما بأنه قد ختم على ديوان المتذكرين، فلا يزاد فيهم ~~أحد، والزمان المشار إليه قيل: إنه ستون سنة - قاله ابن عباس رضي الله ~~عنهم، وبوب له البخاري في أوائل الرقاق من غير عزو إلى أحد، وروى أحمد بن ~~منيع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عمره ~~الله # PageV16P063 # ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر» وروى الترمذي وابن ماجه وأبو يعلى ~~عن أبي هريرة أيضا رضي ms3915 الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين. وأقلهم من يجوز ذلك» . # ولما أشار إلى دليل العقل ابتداء ودواما، أشار إلى أدلة النقل المنبه على ~~ما قصر عنه العقل، فقال معبرا بالماضي تصريحا بالمقصود عطفا على معنى: أو ~~لم نعمركم الذي هو قد عمرناكم: {وجاءكم النذير} أي عنى من الرسل والكتب ~~تأييدا للعقول بالدليل المعقول. # ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال: {فذقوا} أي ما أعددناه لكم من ~~العذاب دائما أبدا، ولما كانت العادة جارية بأن من أيس من خصمه فزع إلى ~~الاستغاثة عليه، تسبب عن ذلك قوله: {فما} وكان الأصل: لكم، ولكنه أظهر ~~تعليقا للحكم بالوصف للتعميم فقال: {للظالمين} أي الواضعين الأشياء في غير ~~مواضعها {من نصير *} أي يعينهم ويقوي أيديهم، فلا براح لكم عن هذا الذواق، ~~وهذا عام في كل ظالم، فإن من ثبت له نصر عليه لأن ظلمه في كل يوم يضعف ويهن ~~والحق في كل حين يقوى ويضخم. # PageV16P064 # ولما كان سبحانه عالما بما نفى وما أثبت، علل ذلك مقررا سبب دوام عذابهم ~~وأنه بقدر كفرانهم كما قال تعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] ~~بقوله مؤكدا إشارة إلى أنه لا يجب تمرين النفس عليه لما له من الصعوبة ~~لوقوف النفس مع المحسوسات: {إن الله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما ~~{عالم غيب} ولما كانت جهة العلو أعرق في الغيب قال: {السماوات والأرض} ~~فأنتج ذلك قوله مؤكدا لأنه من أعجب الغيب لأنه كثيرا ما يخفى على الإنسان ~~ما في نفسه والله تعالى عالم به، أو هو تعليل لما قبله: {إنه عليم} أي بالغ ~~العلم {بذات الصدور *} أي قبل أن يعلمها أربابها حين تكون غيبا محضا، فهو ~~يعلم أنكم لو مدت أعماركم لم ترجعوا عن الكفر أبدا، ولو رددتم لعدتم لما ~~نهيتم عنه وأنه لا مطمع في صلاحكم، ولذلك يأمر الملك أن يكتب عند نفخ الروح ~~في الولد أنه ما شقي أو سعيد قبل أن يكون له ms3916 خاطر أصلا، وربما كان في غاية ~~ما يكون من الإقبال على الخير فعلا ونية، ثم يختم له بشر، وربما كان على ~~خلاف ذلك في غاية الفساد، لا يدع شركا ولا غيره من المعاصي حتى يرتكبها وهو ~~عند الله سعيد لما يعلم من نيته بعد ذلك حين يقبل بقلبه عليه فيختم له بخير # PageV16P065 # فيكون من أهل الجنة، وأما الخواطر بعد وجودها في القلوب فقد يطلع عليها ~~الملك والشيطان. # PageV16P066 # ولما كان من أنشأ شيئا كان أعلم به، وإتقان صنعه يدل على تمام قدرة ~~صانعه، وتمام قدرته ملزوم لتمام علمه، قال: {هو} أي وحده لا شركاؤكم ولا ~~غيرهم {الذي جعلكم} أي أيها الناس {خلائف} جمع خليفة، وهو الذي يقوم بعد ~~الإنسان بما كان قائما به، والخلفاء جمع خليف - قال الأصبهاني، وقال ~~القشيري: أهل كل عصر خليفة عمن تقدمهم، فمن قوم هم لسلفهم جمال، ومن قوم هم ~~أراذل وأندال، الأفاضل زمانهم لهم محنة، والأراذل هم لزمانهم محنة. # ولما كان المراد توهية أمر شركائهم، وكانت تحصل بسلب قدرتهم على ما مكن ~~فيه سبحانه العابدين من الأرض، أدخل الجار دلالة على أنهم على كثرتهم ~~وامتداد أزمنتهم لا يملؤون مسكنهم بتدبيره لإماتة كل قرن واستخلاف من بعدهم ~~عنهم، ولو لم يمتهم لم تسعهم الأرض مع التوالد على طول الزمان، وهم في ~~الأصل قطعة يسيرة # PageV16P066 # من ترابها فقال: {في الأرض} أي فيما أنتم فيه منها لا غيره تتصرفون فيه ~~بما قدرتم عليه، ولو شاء لم يصرفكم فيه، فمن حقه أن تشكروه ولا تكفروه. # ولما ثبت أن ذلك نعمة منه، عمرهم فيه مدة يتذكر فيه من تذكر، تسبب عنه ~~قوله: {فمن كفر} أي بعد علمه بأن الله هو الذي مكنه لا غيره، واحتقر هذه ~~النعمة السنية {فعليه} أي خاصة {كفره} أي ضرره. ولما كان كون الشيء على ~~الشيء محتملا لأمور، بين حاله بقوله مؤكدا لأجل من يتوهم أن بسط الدنيا على ~~الفاجر ربح وإكرام من الله له {ولا} أي والحال لأنه لا {يزيد الكافرين} أي ~~المغطين للحق {كفرهم} أي ms3917 الذي هم متلبسون به ظانون أنه يسعدهم وهو راسخون ~~فيه غير متمكنين عنه، ولذا لم يقل: لا يزيد من كفر قد يكون كفره غير راسخ ~~فيسلم {عند ربهم} أي المحسن إليهم {إلا مقتا} أي لأنه يعاملهم معاملة من ~~يبغض ويحتقر أشد بغض واحتقار. # ولما كان المراد من هذه الصفات في حق الله تعالى غاياتها، وكان ذكرها ~~إنما هو تصوير له بأفظع صورها لزيادة التنفير من أسبابها، وكانوا ينكحون ~~نساء الآباء مع أنهم يسمونه نكاح المقت، نبه على أنهم لا يبالون بالتمقت ~~إلى المحسن، فقال ذاكرا للغاية مبينا أن محط نظرهم # PageV16P067 # الخسارة المالية تسفيلا لهممهم زيادة في توبيخهم: {ولا يزيد الكافرين} أي ~~العريقين في صفة التغطية للحق {كفرهم إلا خسارا *} أي في الدنيا والآخرة في ~~المال والنفس وهو نهاية ما يفعله الماقت بالممقوت. # ولما بين أنه سبحانه هو الذي استخلفهم، أكد بيان ذلك عندهم بأمره صلى ~~الله عليه وسلم بما يضطرهم إلى الإعتراف به فقال: {قل أرءيتم} أي أخبروني ~~{شركاءكم} أضافهم إليهم لأنهم وإن كانوا جعلوهم شركاءه لم ينالوا شيئا من ~~شركته لأنهم ما نقصوه شيئا من ملكه، وإنما شاركوا العابدين في أموالهم ~~بالشوائب وغيرها وفي أعمالهم فهم شركاؤهم بالحقيقة لا شركاؤه، ثم بين ~~المراد من عدهم لهم شركاء بقوله: {الذين تدعون} أي تدعونهم شركاء {من دون ~~الله} أي الذي له جميع صفات الكمال. # ولما كان التقدير: بأي شيء جعلتموهم شركاء في العبادة، ألهم شرك في ~~الأرض، بنى عليه قوله مكررا لإشهادهم عجز شركائهم ونقص من عبدوه من دونه: ~~{أروني ماذا} أي الذي أو أي شيء {خلقوا من الأرض} أي لتصح لكم دعوى الشركة ~~فيهم، وإلا فادعاؤكم ذلك فيهم كذب محض وأنتم تدعون أنكم أبعد الناس منه في # PageV16P068 # الأمور الهينة فكيف بمثل هذا، ولعل استفهامهم عن رؤية شركائهم تنبيه على ~~أنهم من الامتهان والحقارة بحيث يراهم كل من يقصد رؤيتهم ويعلم أنه لا خلق ~~لهم، والله تعالى، بخلاف ذلك في كل من الأمرين، مترد برداء الكبر محتجب ~~بحجاب الجلال والعز، وكل ms3918 أحد يعلم أنه خالق لكل مخلوق، فكيف يكون من لا ~~يخلق كمن يخلق. # ولما نبههم بهذا الأمر الذي ساقه المعلم بأنه لا ينبغي لعاقل أن يدعي ~~شركة لشيء حتى يعلم الشركة وإن جهل عين المشارك فيه، قال مؤكدا لذلك موسعا ~~لهم في المحال، زيادة في تبكيتهم على ما هم فيه من الضلال: {أم لهم شرك} أي ~~وإن كان قليلا {في السماوات} أي أروني ما خلقوا في السماوات، فالآية من ~~الاحتباك: حذف أولا الاستفهام عن الشركة في الأرض لدلالة مثله في السماء ~~ثانيا عليه، وحذف الأمر بالإراءة ثانيا مثله أولا عليه. # ولما أتم التبكيت بالاستفهام عن المرئي، أتبعه التوبيخ بالاستفهام عن ~~المسموع، مؤذنا بالالتفات إلى التكلم بمظهر العظمة بشديد الغضب فقال: {أم ~~آتيناهم} أي الشركاء أو المشركين بهم بما لنا من العظمة {كتابا} أي دالا ~~على انه من عندنا بإعجازه أو غير ذلك من البراهين # PageV16P069 # القاطعة ثبتت لهم شركة {فهم} أي المشركون {على بينة} أي حجة ظاهرة، ~~وبينات - على القراءة الأخرى، أي دلائل واضحات بما في ذلك الكتاب من ضروب ~~البيان {منه} أي ذلك الكتاب على أنا أشركناهم في الأمر حتى يشهدوا لهم هذه ~~الشهادة التي لا يسوغون مثلها في إثبات الشركة لعبد من عبيدهم في أحقر ~~الأشياء فكيف يسوغونها في انتقاص الملك الذي لا خير عندهم إلا منه غير ~~هائبين له ولا مستحين منه. # ولما كان التقدير: لم يكن شيء من ذلك فليسوا على بيان، بل على غرور، قال ~~منبها لهم على ذميم أحوالهم وسفه آرائهم وخسة هممهم ونقصان عقولهم مخبرا ~~أنهم لا يقدرون على الإتيان بشيء مما به يطالبون وأنه ليس لهم جواب عما عنه ~~يسألون، وأكده لأجل ظنهم أن أمورهم في غاية الإحكام، {بل أن} أي ما {يعد ~~الظالمون} أي الواضعون للأشياء في غير مواضعها {بعضهم بعضا} أي الأتباع ~~للمتبوعين بأن شركاءهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تشفع وتضر ولا تنفع {إلا ~~غرورا *} . # ولما بين حقارة الأصنام وكل ما أشركوا به النسبة إلى جلال عظمته، وكانوا ~~لا يقدرون ms3919 على ادعاء الشركة في الخلق في شيء من ذلك، # PageV16P070 # وكان ربما أقدم على ادعائه معاند منهم أو من غيرهم، وكان الناس قد توصلوا ~~إلى معرفة شيء من التغيرات الفلكية كالشروق والغروب والخسوف، وكانوا لا علم ~~لهم بشيء من الزلازل والزوال، قال مبينا عظمته سبحانه بعد تحقير أمر ~~شركائهم معجزا مهددا لهم على إقدامهم على هذا الافتراء العظيم مبينا للنعمة ~~بعدم المعاجلة بالهلاك، وأكده لأن من الناس المكذوب به وهم المعطلة، ومنهم ~~من عمله - وإن كان مقرا - عمل المكذب وهو من ينكر شيئا من قدرته كالبعث: ~~{إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {يمسك السماوات} أي على كبرها ~~وعلوها {والأرض} أي على سعتها وبعدها عن التماسك على ما يشاهدون إمساكا ~~مانعا من {أن تزولا *} أي بوجه عظيمة وزلزلة كبيرة، أو زوالا لا تماسك معه ~~لأن ثباتهما على ما هما عليه على غير القياس لولا شامخ قدرته وباهر عزته ~~وعظمته، فإن ادعيتم عنادا أن شركاءكم لا يقدرون على الخلق لعلة من العلل ~~فادعوهم لإزالة ما خلق سبحانه. # ولما كان هذا دليل على أنهما حادثتان زائلتان، أتبعه ما هو أبين منه، ~~فقال معبرا بأداة الإمكان: {ولئن زالتا} أي بزلزلة أو خراب {إن} أي ما ~~{أمسكهما} وأكد استغراق النفي بقوله: {من أحد} ولما كان المراد أن غيره ~~سبحانه لا يقدر على إمساكهما في زمن من # PageV16P071 # الأزمان وإن قل، أثبت الجار فقال: {من بعده} أي بعد إزالته لهما، بل وإذا ~~زلزلت الأرض اضطرب كل شيء عليها والأصنام من جملته، فدل ذلك قطعا على أن ~~الشركاء مفعولة لا فاعلة. # ولما كان السياق إلى الترغيب في الإقبال عليه وحده أميل منه إلى الترهيب، ~~وكان كأنه قيل: هو جدير بأن يزيلهما لعظيم ما يرتكبه أهلهما من الآثام ~~وشديد الإجرام، قال جوابا لذلك وأكده لأن الحكم عما يركبه المبطلون على ~~عظمه وكثرتهم مما لا تسعه العقول: {إنه كان} أي أزلا وأبدا {حليما} أي ليس ~~من شأنه المعاجلة بالعقوبة للعصاة لأنه لا يستعجل إلا من يخاف الفوت فينتهز ~~الفرص، ms3920 ورغب في الإقلاع مشيرا إلى أنه ليس عنده ما عند حلماء البشر من ~~الضيق الحامل لهم على أنهم إذا غضبوا بعد طول الأناة لا يغفرون بقوله: ~~{غفورا *} أي محاء لذنوب من رجع إليه، وأقبل بالاعتراف عليه، فلا يعاقبه ~~ولا يعاتبه. # PageV16P072 # ولما كان التقدير: فقالوا: إنا لا ندعي أنهم خلقوا شيئا من # PageV16P072 # السماوات ولا من الأرض ونحن مقرون بأنه لا يمسك السماوات والأرض إلا ~~الله، وإنما نعبدهم لقربونا إلى الله زلفى، كما كان يفعل آباؤنا، ولولا أنه ~~لهم على ذلك دليلا ما فعلوه، عطف عليه قوله مبينا ضلالهم في تكذيبهم الرسل ~~بعد ما ظهر من ضلالهم في إشراكهم بالمرسل وهو يمهلهم ويرزقهم دليلا على ~~حلمه مع علمه: {وأقسموا} أي كفار مكة {بالله} أي الذي لا عظيم غيره {جهد ~~أيمانهم} أي بغاية ما يقدرون عليه من الأيمان، قال البغوي: لما بلغهم - ~~يعني كفار مكة - أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود ~~والنصارى! أتتهم رسلهم فكذبوهم، لو أتانا رسول لنكونن أهدى دينا منهم. # ولما أخبر عن قسمهم، حكى معنى ما أقسموا عليه دون لفظه بقوله: {لئن ~~جاءهم} وعبر بالسبب الأعظم للرسالة فقال: {نذير} أي من عند الله {ليكونن} ~~أي الكفار {أهدى} أي أعظم في الهدى {من إحدى} أي واحدة من {الأمم} أي ~~السالفة أو من الأمة التي لم تكن في الأمم التي جاءتها النذر أهدى منها، ~~قال أبو حيان: كما قالوا هو أحد الأحدين، وهي إحدى الأحد، يريدون التفضيل # PageV16P073 # في الدهاء والعقل. لأنهم أحد أذهانا وأقوم لسانا وأعظم عقولا، وألزم لما ~~يدعو إليه العقل، وأطلب لما يشهد بالفضل، وأكدوا بالقسم لأن الناظر لتكذيب ~~أهل العلم بالكتاب يكذبهم في دعوى التصديق قياسا أخرويا، ودل على إسراعهم ~~في الكذب بالفاء فقال: {فلما جاءهم نذير} أي على ما شرطوا وزيادة، وهو محمد ~~صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يشهدون أنه خيرهم مع كونه خيرهم نفسا ~~وأشرفهم نسبا وأكرمهم في كل خلق أما وأبا، وأمتنهم في كل مأثرة سببا {ما ~~زادهم} أي مجيئه شيئا مما ms3921 هم عليه من الأحوال {إلا نفورا *} أي لأنه كان ~~سببا في زيادتهم في الكفر كالإبل التي كانت نفرت من ربها فضلت عن الطريق ~~فدعاها فازدادت بسبب دعائه نفرة فأعرقت في الضلال فصارت بحيث يتعذر أو ~~يتعسر ردها فتبين أنه لا عهد لهم مع ادعائهم أنهم أوفى الناس، ولا صدق ~~عندهم مع جزمهم بأنهم أصدق الخلق. ولما كانوا قد جبلوا على الضلال، وكان ~~النفور قد يكون لأمر محمود أو مباح، علله بقوله: {استكبارا} أي طلبا لإيجاد ~~الكبر لأنفسهم {في الأرض} أي التي من شأنها السفول # PageV16P074 # والتواضع والخمول {ومكر السيىء} أي ولأجل مكرهم المكر الذي من شأنه أن ~~يسوء صاحبه وغيره، وهو إرادتهم لإيهان أمر النبي صلى الله عليه وسلم وإطفاء ~~نور الله، وقراءة عبد الله {ومكرا سيئا} يدل على أنه من إضافة الشيء إلى ~~صفته، وقراءة حمزة بإسكان الهمزة بنية الوقف إشارة إلى تدقيقهم المكر ~~وإتقانه وإخفائه جهدهم {ولا} أي والحال أنه لا {يحيق} أي يحيط إحاطة لازمة ~~ضارة {المكر السيىء} أي الذي هو عريق في السوء {إلا بأهله} وإن آذى غير ~~أهله، لكنه لا يحيط بذلك الغير، وعن الزهري أنه قال: بلغنا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # «لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله يقول هذه الآية، ولا تبغوا ولا ~~تعينوا باغيا يقول الله {إنما بغيكم على أنفسكم} ولا تنكثوا ولا تعينوا ~~ناكثا قال الله: {ومن نكث فإنما ينكث على نفسه} » . # ولما كان هذا سنة الله التي لا تبديل لها، قال مسببا عن ذلك: {فهل ~~ينظرون} أي ينتظرون، ولعله جرد الفعل إشارة إلى سرعة الانتقام من الماكر ~~المتكبر، ويمكن أن يكون من النظر بالعين لأنه شبه العلم بالانتقام من ~~الأولين مع العلم بأن عادته مستمرة، لأنه لا مانع له منها لعظيم تحققه وشدة ~~استيقانه وقوة استحضاره بشيء محسوس حاضر لا ينظر شيء غيره في ماض ولا آت ~~لأن غيره بالنسبة إليه عدم. ولما جعل استقبالهم لذلك انتظارا منهم له، وكان ~~الاستفهام # PageV16P075 # إنكاريا، فكان بمعنى النفي قال: {إلا سنت ms3922 الأولين} أي طريقتهم في سرعة ~~أخذ الله لهم وإنزال العذاب بهم. # ولما كان هذا النظر يحتاج إلى صفاء في اللب وذكاء في النفس، عدل عن ~~ضميرهم إلى خطاب أعلى الخلق، تنبيها على أن هذا مقام لا يذوقه حق ذوقه ~~غيره، فسبب عن حصر النظر أو الانتظار في ذلك قوله، مؤكدا لأجل اعتقاد ~~الكفرة الجازم بأنهم لا يتغيرون عن حالهم وأن المؤمنين لا يظهرون عليهم: ~~{فلن تجد} أي أصلا في وقت من الأوقات {لسنت الله} أي طريقة الملك الأعظم ~~التي شرعها وحكم بها، وهي إهلاك العاصين وإنجاء الطائعين {تبديلا} أي من ~~أحد يأتي بسنة أخرى غيرها تكون بدلا لها لأنه لا مكافئ له {ولن تجد لسنت ~~الله} أي الذي لا أمر لأحد معه {تحويلا *} أي من حالة إلى أخفى منها لأنه ~~لا مرد لقضائه، لأنه لا كفوء له، وفي الآية أن أكثر حديث النفس الكذب، فلا ~~ينبغي لأحد أن يظن بنفسه خيرا ولا أن يقضي على غائب إلا أن يعلقه بالمشيئة ~~تبرؤا من الحول والقوة لعل الله يسلمه في عاقبته. # PageV16P076 # ولما بين أن حالهم موجب ولا بد للإيقاع بهم لما ثبت من أيام الله، وأنكر ~~ذلك عليهم، وكان التقدير: ألم ### | يس # معوا أخبار الأولين المرة وأحوالهم المستمرة من غير تخلف اصلا في أن من ~~كذب # PageV16P076 # رسولا أخذ، فقال عاطفا عليه استشهادا على الخبر عن سنته في الأولين بما ~~يذكر من آثارهم: {أولم يسيروا} أي فيما مضى من الزمان {في الأرض} أي التي ~~ضربوا في المتاجر بالسير إليها في الشام واليمن والعراق {فينظروا} أي ~~فيتسبب لهم عن ذلك السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوما من الأيام، فإن ~~العاقل من إذا رأى شيئا تفكر فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عنه ~~ما جرى من مقاله، وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن ~~أمثاله فاستحق السؤال عن حاله {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولما كان ~~عواقب الدمار في بعض ما مضى من الزمان، أثبت ms3923 الجار فقال: {من قبلهم} أي على ~~أي حالة كان أخذهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل فيخافوا أن ~~يفعلوا مثل أفعالهم فيكون حالهم كحالهم، وهذا معنى يس {أنهم إليهم لا ~~يرجعون} [يس: 31] سواء كما يأتي أن شاء الله تعالى بيانه. ولما كان السياق ~~لاتصافهم بقوتي الظاهر من الاستكبار والباطن من المكر الضار مكن قوة الذين ~~خوفهم بمثل مآلهم بوصفهم بالأشدية في جملة حالية فقال: {وكانوا} أي ~~أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا والحال أنهم كانوا {أشد منهم} أي من هؤلاء {قوة} ~~في قوتي الاستكبار والمكر الجار بعد العار إلى النار. # ولما كان التقدير: فما أعجز الله أمر أمة منهم، ولا أمر أحد من أمة حين ~~كذبوا رسولهم، وما خاب له ولي ولا ربح ولا عدو، عطف عليه قوله، مؤكدا إشارة ~~إلى تكذيب الكفرة في قطعهم بأن دينهم لا يتغير، وأنهم لا يغلبون أبدا لما ~~لهم من الكثرة والمكنة وما للمسلمين من القلة والضعف: {وما كان الله} أي ~~الذي له جميع العظمة؛ وأكد الاستغراق في النفي بقوله: {ليعجزه} أي مريدا ~~لأن يعجزه، ولما انتفت إرادة العجز فيه انتفى العجز بطريق الأولى! وأبلغ في ~~التأكيد بقوله: {من شيء} أي قل أو جل! وعم بما يصل إليه إدراكنا بقوله: {في ~~السماوات} أي جهة العلو، وأكد بإعادة النافي فقال: {ولا في الأرض} أي جهة ~~السفل. ولما كان منشأ العجز الجهل، علل بقوله مؤكدا لما ذكر في أول الآية: ~~{إنه كان} أي أزلا وأبدا {عليما} أي شامل العلم {قديرا *} أي كامل القدرة، ~~فلا يريد شيئا إلا كان. # ولما كانوا يستعجلون بالتوعد استهزاء فيقولون: ما له لا يهلكنا، علم أن ~~التقدير: لو عاملكم الله معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم، فعطف عليه قوله ~~إظهارا للحكم مع العلم: {ولن يؤاخذ الله} أي بما له من صفات العلو {الناس} ~~أي من فيه نوس أي حركة واضطراب من المكلفين عامة. # ولما كان السياق هنا لأفعال الجوارح لأن المكر والكبر إنما تكره آثارهما ~~لا الاتصاف بهما، بخلاف الذي هو سياق النحل فإنه ممنوع من ms3924 الاتصاف وإن لم ~~يظهر به أثر من آثار الجوارح، عبر هنا بالكسب # PageV16P076 # وفك المصدر ليخص ما وجد منه بالفعل فقال: {بما كسبوا} أي من جميع أعمالهم ~~سواء كان حراما أو لا {ما ترك على ظهرها} أي الأرض {من دآبة} أي بل كان ~~يهلك الكل، أما المكلفون فلأنه ليس في أعمالهم شيء يقدره سبحانه حق قدره، ~~لما لهم من النقص ولما له سبحانه من العلو والارتقاء والكمال، وأما غيرهم ~~فإنما خلقوا لهم، والمعاصي تزيل النعم وتحل النقم، وذلك كما فعل في زمان ~~نوح عليه السلام، لم ينج ممن كان على الأرض غير من كان في السفينة {ولكن} ~~لم يعاملهم معاملة المؤاخذ المناقش، بل يحلم عنهم فهو {يؤخرهم} أي في ~~الحياة الدنيا ثم في البرزخ {إلى أجل مسمى} أي سماه في الأزل لانقضاء ~~أعمارهم ثم لبعثهم من قبورهم، وهو لا يبدل القول لديه لما له من الصفات ~~التي هي أغرب الغريب عندكم لكونكم لا تدركونها حق الإدراك {فإذا جاء أجلهم} ~~أي الفنائي الإعدامي قبض كل واحد منهم عند أجله، أو الإيجابي الإبقائي بعث ~~كلا منهم فجازاه بعمله من غير وهم ولا عجز. # ولما كانوا ينكرون ما يفمهه ذلك من البعث، أكد فقال: {فإن الله} أي الذي ~~له صفات الكمال الموجد بتمام القدرة وكمال # PageV16P079 # الاختيار {كان} ولم يزل. ولما كان السياق للكسب الذي هو أعم من الظلم ~~قال: {بعباده} الذين أوجدهم ولا شريك له في إيجاد أحد منهم بجميع ذواتهم ~~واحوالهم {بصيرا *} أي بالغ البصر والعلم بمن يستحق العذاب منهم بالكسب ومن ~~يستحق الثواب، فقد انطبق آخرها كما ترى على أولها باستجماع صفات الكمال ~~وتمام القدرة على كل من الإيجاد والإعدام للحيوان والجماد مهما أراد ~~بالاختيار، لما شوهد له سبحانه من الآثار، كما وقع الإرشاد إليه بالأمر ~~بالسير وبغيره وبما ختمت به السورة من صفة العلم على وجه أبلغ من ذكره ~~بلفظه، لما مضى في سورة طه من أن إحاطة العلم تستلزم شمول القدرة، ولا تكون ~~القدرة شاملة إلا إذا كانت عن اختيار، ms3925 فثبت حينئذ استحقاقه تعالى لجميع ~~المحامد، فكانت عنه سبحانه الرسالات الهائلة الجامعة للعزة والحكمة ~~بالملائكة المجردين عن الشهوات وكل حظ إلى من ناسبهم من البشر بما غلب من ~~جيش عقله على عساكر شهواته ونفسه، حتى صار عقلا مجردا صافيا، حاكما على ~~الشهوات والحظوظ قاهرا كافيا. # PageV16P080 # (سورة يس) # وتسمى القلب والدافعة والقاضية والمعمة. مقصودها إثبات الرسالة التي هي ~~روح الوجود وقلب جميع الحقائق وبها قوامه وصلاحها للملارسل بها الذي هو ~~خالصة المرسلين الذين هم قلب الموجودات كلها ذوات ومعاني إلى أهل مكة أم ~~القرى وقلب الأرض وهم قريش قلب العرب الذين هم فلب الناس، بصلاحهم صلاحهم ~~كلهم وبفسادهم فسادهم، فلذلك كان من حولهم جميع أهل الأرض، وجل فائدة ~~الرسالة إثبات اللوحدانية التي هي قلب الإعتقاد وخالصه وعموده للعزيز ~~الرحيم ذي الجلال والإكرام، وإنذار يوم الحجمع الذي به - مع ستره عن العيان ~~الذي هو من خواص القلب - صلاح الخلق، فهو قلب الأكوان، وبه الصلاح أو ~~الفساد للإنسان، وعلى ذلك تنطبق معاني أسمائها: يس والقلب والدافعة ~~والقاضية # PageV16P081 # والمعمة، وأما يس فسيأتي بيانه من جهة إشارته إلى سر كونها قلبا المشير ~~إلى البعث الذي هو من أجل مقاصدها الذي به يكون صلاح القلب الذي به يكون ~~قبول ما ذكر، وأما الباقي فإن من اعتقد الرسالة كفته ودفعت عنه جميع مهمه، ~~وقضت له بكل خير، وأعطته كل مراد، وكل منها له أتم نظر إلى القلب كما لا ~~يخفى، والمعمة: الشاملة بالخير والبركة، قال في القاموس: يقال: عمهم ~~بالعطية وهو معم خير من خيره، فقد لاج أن هذه السورة الشريعة لما كانت قلبا ~~كان كل شيء فيها له نظر عميق إلى القلبية) بسم الله (الذي جل ملكه عن أن ~~يحاط بمقداره) الرحمن (الذي جعل الإنذار بيوم الجمع رحمة عامة) الرحيم ~~(الذي أنار قلوب أوليائه بالاجتهاد ليوم لقائه. # لما كان قلب كل شيء أبطن ما فيه وأنفس، وكان قلب الإنسان غائبا عن ~~الإحساس، وكان مودعا من المعاني الجليلة والإدراكات الحفية والجلية ما يكون ~~للبدن سببا في إصلاحه ms3926 أو إفساده من إشقائه أن إبقائه، وكان الساعة من عالم ~~الغيب، وفيها # يكون انكشاف الأمور، والوقوف على حقائق المقدور، وبملاحقتها # PageV16P082 # في إصلاح أسبابها تكون السعادة الأبدية، وبالإعراض عنها وإفساد أسبابها ~~تكون الشقاوة السرمدية، وكانت قد بينت في هذه السورة بيانا لم يكن في غيرها ~~بما وقع من التصريح في قلبها الذي هزو وسطها بنفختها المميتة لكل من على ~~الأرض) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (الباعثة) فإذا ه من ~~الأجداث إلى ربهم ينسلون (والتصريح بالمعاد الجسماني والاستدلال عليه ~~بالدليل الذي نقل أبا نصر الفارابي - الذي وسم بأنه المعلم الثاني - كان ~~يقول: وددت أن هذا العالم الرباني - يشير إلأى المعلم الأول أرسطو وقف على ~~هذا القياس أن يقال: الله أنشأ العظام وأحياها أول مرة، وكل من أنشأ أو ~~لمرة، وكل من أنشأ شيئا وأحياه أول مرة فهو قادلا على إنشائه وإحيائه ثاني ~~مرة، ينتج أن الله قادر عل إنشاء العظام وإحيائها بعد فنائها، فاختصت بذلكط ~~عن باقي القرآن كانت قلبا له، كما قالا النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما ~~رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه: " لكل شيء قلب وقلب القرآن يس " ورواه ~~أبو يعلى الموصلي - وهذا لفظه والإمام أحمدفي مسنديهما عن معقل بن يسار رضي ~~الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال " يس قلب القرآن لا يقرأها ~~رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، اقرؤوها على موتاكم " قال شيخنا ~~الحافظ شهاب الدين البوصيري: وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه ~~البزار في مسنده - هذا ما هداني الله إليه، وله الحمد من بيان السر في ~~كونها قلبا، ثم رأيت البرهان النسفي قال في تفسيره الذي هو مختصر التفسير ~~الكبير للإمام الرازي في آخر السورة بعد أن ذكر الحديث: قال العزالي فيه: ~~إن ذلك - أي كونها قلبا - لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر، والحشر مقرر ~~في هذه السورة بأبلغ وجه، فجعلت قلب القرآن لذلك، واستسحنه الإمام المدقق ~~المحقق فخر الدين الرازي، ويمكن أن يقال: إن ms3927 هذه السورة ليس فيها إلا تقرير ~~الأصول الثلاثة: الوحدانية والرسالة والحشر، بأقوى البراهين فابتدأها ببيان ~~الرسالة بقوله) إنك لمن المرسلين (ودليله ما قدمه عليها بقوله) والقرآن ~~الحكيم (وما أخبره عنها بقوله) لتنذر قوما (وأنهاها ببيان الوحدانية والحشر ~~بقوله) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء (إشارة إلى التوحيد، وقوله) وإليه ~~ترجعون (إشارة إلى الحشر، # PageV16P082 # وليس في هذه السورة إلا هذه الأصول الثلاثة ودلائلها، ومن حصل من القرآن ~~أن هذا القدرلا فقد حصل نصيب فلبه، وهو التصديق الذي بالجنان، وأما الذي ~~باللسان والذي بالأركان ففي غير هذه السورة، فلما كان فيها أعمال القلب ~~لاغير سماها قلبا ولهذا ورد عنه (صلى الله عليه وسلم) قراءتها عند رأس من ~~دنا منه الموت، لأن في ذلك الوقت يكون اللسان ضعيف القوة والأعضاء الظاهرة ~~ساقطة المنة، لكن القلب يكون قد أقبل على الله، ورجع عن كل ما سواه، فيقرأ ~~عند رأسه ما يزداد به قوة في قلبه ويشتد تصديقه بالأصول الثلاثة - انتهى. ~~وفيه بعض تصرف، وقوله " إن وظيفة اللسان والأركان ليس في هذه السورة منها ~~شيء " ربما بعكر عليه قوله تعالى) وما لي لا أعبد الذي فطرني () وإذا قيل ~~لهم أنفقوا مما رزقكم الله () وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (والحديث الذي ~~ذكره رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن معقل بن ~~يسار رضي الله عنه رفعه " اقرؤوا يس على موتاكم " وأ " له ابن القطان وضعفه ~~الدارقطني، وأسند صاحب الفردوس عن أبي الدرداء وأبي ذر وحده رضي الله عنه، # PageV16P085 # والإمام أحمد في مسنده عن صفوان بن عمرو قال: كانت المشيخة يقولون: إذا ~~قرئت يس عند الميت خفف عنه بها. قال ابن حبان: المراد المحتضر. واستمد من ~~هذا التصريح بالحشر كل ما انبث في القرآن من ذكر الآخرة الذي بمراعاته ~~وإتقانه يكون صلاح جميع الأحوال في الدارين، وبإهماله ونسيانه يكون فسادها ~~فيهما - هذا مع ما شاركت به غيرها مما جمعتهمن جميع معانيه المجموعة يفي ~~الفاتحة من الأسماء الحسنى: الله والرب والرحمن والرحيم وملك يوم ms3928 الدين ~~الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون، والأمر بالعبادة بسلوك الصراط ~~المستقيم، وتفضيل أهل النعيم وأهل الجحيم، وإثبات الأصول الثلاثة التي يصير ~~بها المكلف مؤمنا: الوحدانية والحشر والرسالة التي هي قلب الوجود، وبها ~~صلاحه، وهي ممدة لكل روح # يكون به جياة هنيئة، وهي مبدأ الصلاح كما أ، البعث غايته، وأن الخاتم لها ~~إنسان عين الموجودات وقلبها، فأثبت له ذلك على أصرح وجه وآكده، # PageV16P086 # ومع جمع ما افتتحت به السورة من الحروف المقطعة المنثورة أول السورة ~~عمادا للقرآن وسحذا للأذهان لصنفي المنقوطة والعاطلة ووصفي المجهورة ~~والمهموسة. # PageV16P087 # ولما كان القلب من الإنسان المقصود بالذات من الأكوان في نحو ثلث بدنه من ~~جهة رأسه، وكانت الياء في نحو ذلك من حروف «أبجد» فإنها العاشرة منها ~~والسين بذلك المحل من حروف أب ت ث فإنها الثانية عشرة منها، وعلا هذان ~~الحرفان - بما فيهما من الجهر - عن غاية الضعف ونزلا بما لهما من الهمس عن ~~نهاية الشدة، إشارة إلى أن القلب الصحيح هو الزجاجي الشفاف الجامع بين ~~الصلابة والرقة الذي علا بصلابته عن رقة الماء الذي لا يثبت فيه صورة، ونزل ~~بلطافته عن قساوة الحجر الذي لا يكاد ينطبع فيه شيء إلا بغاية الجهد، فكان ~~جامعا بين الصلابة والرقة متهيئا لأن تنطبع فيه الصور وتثبت ليكون قابلا ~~مفيدا، فيكون متخلفا من صفات موجدة بالقدرة والاختيار اللذين دلت عليهما ~~سورة الملائكة، وبمعرفة الخير فيجتلبه والشر فيجتنبه فيكون فيه شاهد من ~~نفسه على الاعتقاد الحق في صانعه، وكانت المجهورة # PageV16P087 # أقوى فقدمت الياء لجهرها، وكانتا - بعد اختلاف بالجهر والهمس - قد اتفقتا ~~في الانفتاح والرخاوة والاستفال إشارة إلى أن القلب لا يصلح - كما تقدم - ~~مع الصلابة التي هي في معنى الجهر إلا بالإخبات الذي هو في معنى الهمس، ~~وبالنزول عن غاية الصلابة إلى حد الرخاوة لئلا يكون حجريا قاسيا بأن يكون ~~فيه انفتاح ليكون مفيدا وقابلا ويكون مستفلا ليكون إلى ربه بتواضعه واصلا ~~وزادت السين بالصفير الذي فيه شدة وانتشار وقوة لضعفها عن الياء بالهمس ~~فتعادلتا، ودل صفيرها ms3929 على النفخ في الصور الذي صرحت به هذه السورة ودل جهر ~~الياء على قوته ودل كونها من حروف النداء على خروجه عن الحد في الشده حتى ~~تبدو عنه تلك الآثار المخلية للديار، المنفية للصغار والكبار، ثم الباغتة ~~لهم من جميع الأقطار، امتثالا لأمر الواحد القهار، وكان مخرجهما من اللسان ~~الذي هو قلب المخارج الثلاثة لتوسطه وكثرة منافعه في ذلك، وكانت الياء من ~~وسطه والسين من طرفه، وكان هذان المخرجان، مع كونهما وسطا، مدارا لأكثر ~~الحروف، هذا مع ما لهما من الأسرار التي تدق عن تصور الأفكار، قال تعالى: ~~{يس *} وإن كان المعنى: يا إنسان، فهو قلب الموجودات المخلوقات كلها # PageV16P088 # وخالصها وسرها ولبابها، وإن أريد: يا سيد، فهو خلاصة من سادهم، وإن أريد: ~~يا رجل، فهو خلاصة البشر، وإن أريد: يا محمد، فهو خالصة الرجال الذين هم ~~لباب البشر الذين هم سر الأحياء الذين هم عين الموجودات فهو خلاصة الخلاصة ~~وخيار وعين القلب، وكأن من قال معناه محمد نظر إلى الإتحاد في عدد اسمه صلى ~~الله عليه وسلم بالجمل بالنظر إلى اليمين في المشددة وعدد {قلب} وعدد اسمي ~~الحرفين، ولا يخفى أن الهمزة في اسم الياء ألف ثانية، فمبلغ عدده اثنا عشر. # ولما تقدم في الملائكة إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وتهديد قومه ~~على النفرة عنه، وأن مرسله تعالى بصير بعباده، عالم بما يصلحهم ومن يصلح ~~منهم للرسالة وغيرها، وكان مدار مادة «قرأ» - كما مضى في سورة الحجر - ~~الجمع مع الفرق، وكان ذلك أعلى مقامات السائرين إلى الله وهو وظيفة القلب، ~~عبر في القسم بقوله: {والقرآن} ووصفه بصفة القلب العازف فقال: {الحكيم *} ~~أي الجامع من الدلالة على العلم المزين بالعمل والإرشاد إلى العمل المحكم ~~بالعلم. # ولما كان قد ثبت في سورة الملائكة أنه سبحانه الملك الأعلى، لما ثبت له ~~من تمام القدرة وشمول العلم، وكان من أجل ثمرات # PageV16P089 # الملك إرسال الرسل إلى الرعايا بأوامر الملك وردهم عما هم عليه مما دعتهم ~~إليه النفوس، وقادتهم إليه الشهوات والحظوظ، إلى ما ms3930 يفتحه لهم من الكرم، ~~ويبصرهم به من الحكم، وكانت الرسالة أحد الأصول الثلاثة التي تنقل الإنسان ~~من الكفر إلى الإيمان، وكانت هي المنظور إليها أولا لأنها السبب في الأصلين ~~الآخرين، وكانوا قد ردوا رسالته نفورا واستكبارا، قال مقدما لها تقديم ~~السببعلى مسببه على وجه التأكيد البليغ مع ضمير الخطاب الذي لا يحتمل لبسا: ~~{إنك لمن المرسلين *} أي الذين حكمت عقولهم على دواعي نفوسهم، فصاروا - بما ~~وهبهم الله القوة النورانية - كالملائكة الذين قدم في السورة الماضية أنهم ~~رسله وفي عدادهم بما تخلقوا به من أوامره ونواهيه وجميع ما يرتضيه. # ولما كان الأنبياء عليهم السلام من نوره صلى الله عليه وسلم، لأنه أولهم ~~خلقا وآخرهم بعثا، فكانوا في الحقيقة إنما هم ممهدون لشرعه، وكان سبحانه ~~إنما أرسله ليتمم مكارم الأخلاق، وكان قد جعل سبحانه من المكارم أن لا يكلم ~~الناس إلا بما تسع عقولهم، وكانت عدة المرسلين كما في حديث أبي أمامة ~~الباهلي عن أبي ذر رضي الله عنهما عند أحمد في المسند ثلاثمائة وخمسة عشر، ~~وفيه أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، وهو في الطبراني الكبير عن ~~أبي أمامة رضي الله عنه # PageV16P090 # أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر عدد الرسل فقط، وكانت عقول ~~العرب لا تسع بوجه قبل الإيمان أنهم منه، أقسم سبحانه ظاهرا أنه منهم ورمزا ~~للأصفياء باطنا إلى أنهم منه، بجعلهم عدد أسماء حروف اسمه محمد صلى الله ~~عليه وسلم الذي رمز إليه بالحرفين أول السورة، فكأنه قال: إنك يا ياسين ~~الذي تأويله محمد الذي عدد أسماء حروفه بعددهم لأصلهم، فصار رمزا في رمز، ~~وكنزا نفيسا داخل كنز، وسرا من سر، وبرا إلى بر، وهو أحلى في منادمة ~~الأحباب من صريح الخطاب، ثم علق باسم المفعول قوله: {على صراط} أي طريق ~~واسع واضح {مستقيم *} أي أنت من هؤلاء الذين قد ثبت لهم أنهم عليه، وهو ~~الصراط المستقيم الأكمل المتقدم في الفاتحة لأنه لخواص المنعم عليهم ولقوله ~~تعالى في حق موسى وهارون عليه السلام {وهديناهما الصراط ms3931 المستقيم} فيكون ~~تنوينه - بما أرشد إليه القسم والتأكيد - للتعظيم، والمعنى أنهم قد ثبت لهم ~~هذا الوصف العظيم وأنت منهم بما شاركتهم فيه من الأدلة، فليس لأحد أن يخصك ~~من بينهم بالتكذيب. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أوضحت سورة سبأ وسورة # PageV16P091 # فاطر من عظيم ملكه تعالى وتوحده بذلك وانفراده بذلك بالملك والخلق ~~والاختراع ما تنقطع العقول دون تصور أدناه، ولا تحيط من ذلك إلا بما شاء، ~~وأشارت من البراهين والآيات إلى ما يرفع الشكوك ويوضح السلوك مما كانت ~~الأفكار قد خمدت عن إدركها، واستولت عليها الغفلة فكانت قد جمدت عن معهود ~~حراكها، ذكر سبحانه بنعمة التحريك إلى اعتبارها بثنائه على من اختاره لبيان ~~تلك الآيات، واصطفاه لإيضاح تلك البينات، فقال تعالى {يس والقرآن الحكيم ~~إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم} ثم قال {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهو ~~غافلون} فأشار سبحانه إلى ما تثمر نعمة الإنذار، ويبعثه التيقظ بالتذكار؛ ~~ثم ذكر علة من عمي بعد تحريكه وإن كان مسببا عن الطبع وشر السابقة {لقد حق ~~القول على أكثرهم} الآيات؛ ثم أشار بعد إلى بعض من عمي عن عظيم تلك ~~البراهين لأول وهلة قد يهتز عند تحريكه لسابق سعادته فقال تعالى: # PageV16P092 # {إنا نحن نحيي الموتى} فكذلك نفعل بهؤلاء إذا شئنا هدايتهم {أو من كان ~~ميتا فأحييناه} ثم ذكر دأب المعاندين وسبيل المكذبين مع بيان الأمر فقال ~~{واضرب لهم مثلا أصحاب القرية} - الآيات، واتبع ذلك سبحانه بما أودع في ~~الوجود من الدلائل الواضحة والبراهين فقال {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون} الآية، ثم قال {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها} إلى قوله: {أفلا ~~تشكرون} ثم قال {وآية لهم اليل نسلخ منه النهار} {وكل في فلك يسبحون} ثم ~~قال {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم} إلى قوله: {إلى حين} ثم ذكر إعراضهم مع ~~عظيم هذه البراهين وتكذيبهم وسوء حالهم عند بعثتهم وندمهم وتوبيخهم وشهادة ~~اعضائهم بأعمالهم، ثم تناسجت الآية جارية على ما يلائم ما تقدم إلى آخر ~~السورة - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: ms3932 ما هذا الذي أرسل به؟ كان كأنه قيل جوبا لمن سأل: هو ~~القرآن الذي وقع الإقسام به وهو {تنزيل} أو حاله كونه تنزيل {العزيز} أي ~~المتصف بجميع صفات الكمال. ولما كانت هذه الصفة للقهر والغلبة، وكان ذلك لا ~~يكون صفة كمال إلا بالرحمة قال: {الرحيم *} أي الحاوي لجميع صفات الإكرام ~~الذي ينعم على من يشاء من عباده بعد الإنعام بإيجادهم بما يقيمهم على # PageV16P093 # المنهاج الذي يرضاه لهم، فهو الواحد الذي لا مثل له أصلا لما قهر به من ~~عزته، وجبر به من رحمته. # نزل إليك وهو في جلالة النظم وجزالة القول وحلاوة السبك وقوة التركيب ~~ورصانة الوضع وحكيم المعاني وإحكام المباني في أعلى ذرى الإعجاز، وجعل ~~إنزاله تدريجا بحسب المصالح مطابقا مطابقة أعجزت الخلائق عن أن يأتوا ~~بمثلها، ثم نظمه على غير ترتيب النزول نظما أعجز الخلق عن أن يدركوا جميع ~~المراد من بحور معانيه وحكيم مبانيه، فكله إعجاز على ما له من إطناب ~~وإيجاز. # ولما ذكر المرسل والمرسل به والمرسل؛ ذكر المرسل له فقال: {لتنذر قوما} ~~أي ذوي بأس وقوة وذكاء وفطنة {ما أنذر} أي لم ينذر أصلا {آباؤهم} أي الذين ~~غيروا دين أعظم آبائهم إبراهيم عليه السلام ومن أتى بعدهم عند فترة الرسل. ~~ولما كان عدم الإنذار موجبا لاستيلاء الحظوظ والشهوات على العقل فيحصل عن ~~ذلك الغفلة عن طريق النجاة قال: {فهم} أي بسبب زمان الفترة {غافلون *} أي ~~المعنى على ان «ما» مفعول ثان لتنذر: أي لتنذرهم الذي أنذره آباؤهم الذين ~~كانوا قبل التغيير، فإن هؤلاء غافلون عن ذلك لطول الزمان وحدوث النسيان. # PageV16P094 # ولما كان تطاول الإقامة على شيء موجبا للإلف له، والإلف قتال لما يوجب من ~~الإصرار على المألوف لمحبته «وحبك للشيء يعمي ويصم» قال جوابا لمن يتوقع ~~الجواب عما أثمرته حالهم: {لقد حق القول} أي الكامل في بابه وهو إيجاب ~~العذاب بملازمة الغفلة {على أكثرهم فهم} أي بسبب ذلك {لا يؤمنون *} أي بما ~~يلقى إليهم من الإنذار بل يزيدهم عمى استكبارا في الأرض ومكر السيىء. # ولما ms3933 كان المعنى أنه لا يتجدد منهم إيمان بعد البيان الواضح والحكمة ~~الباهرة، وكان ذلك أمرا عجبا، علله بما يوجبه من تمثيل حالهم تصويرا لعزته ~~سبحانه وباهر عظمته الذي لفت الكلام إليه لإفهامه - وهذا الذي ذكر هو اليوم ~~معنى ومثال وفي الآخرة ذات ظاهر - وأنه ما انفك عنهم أصلا وما زال، فقال: ~~{إنا جعلنا} أي بما لنا من العظمة، وأكده لما لهم من التكذيب {في أعناقهم ~~أغلالا} أي من ظلمات الضلالات كل عنق غل، وأشار بالظرف إلى أنها من ضيقها ~~لزت اللحم حتى تثنى على الحديد فكاد يغطيه فصار - والعنق فيه - كأنه فيها ~~وهي محيطة به. # ولما كان من المعلوم أن الحديد إذا وضع في العنق أنزله ثقله # PageV16P095 # إلى المنكب، لم يذكر جهة السفل وذكر جهة العلو فقال: {فهي} أي الأغلال ~~بعرضها واصلة بسبب هذا الجعل {إلى الأذقان} جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين، فهي ~~لذلك مانعة من مطاطأة الرأس. ولما كان هذا من رفع الرأس فعل المتكبر، وكان ~~تكبرهم في غير موضعه، بين تعالى أنهم ملجؤون إليه فهو ذل في الباطن وإن كان ~~كبرا في الظاهر فقال: {فهم} أي بسبب هذا الوصول {مقمحون *} من أقمح الرجل - ~~إذا أقمحه غيره أي جعله قامحا أي رافعا رأسه غاضا بصره لا ينظر إلا ببعض ~~بصره هيئة المتكبر، وأصله من قولهم: قمح البعير - إذا رفع رأسه عند الشرب ~~ولم يشرب الماء، قال في الجمع بين العباب والمحكم: قال بشر بن أبي حازم يصف ~~سفينة، قال أبو حيان: ميتة أحدهم ليدفنها: # ونحن على جوانبها قعود ... نغض الطرف كالإبل القماح # وقال الرازي في اللوامع: والمقمح: الذي يضرب رأسه إلى ظهره هيئة البعير، ~~وقال القزاز: والمقمح: الشاخص بعيينه الرافع رأسه. أبو عمرو: والقامح من ~~الإبل هو الذي لا يشرب وهو عطشان # PageV16P096 # عطشا شديدا ولا تقبل نفسه الماء، والقمح مصدر قمحت الشيء والاقتماح: أخذك ~~الشيء في راحتك ثم تقمحه في فيك أي تبتلعه، والاسم القمحة كاللقمة والأكلة ~~- انتهى. وكأن المقمح من هذا لأن هيئته عند هذا الابتلاع رفع الرأس ms3934 وغض ~~الطرف أو شخوصه إذا عسر عليه الابتلاع - والله أعلم فهذا تمثيل لرفعهم ~~رؤوسهم عن النظر إلى الداعي تكبرا وشماخة بحيث لو أمكنهم أن يسكنوا الجو لم ~~يتأخروا صلافة وتيها، أو لأنهم يتركون هذا الأمر العظيم الحسن الجدير بأن ~~يقبل عليه ويتروى منه وهم في غاية الحاجة إليه، فهم ذلك كالبعير القامح، ~~إنما منعه من الماء مع شدة عطشه مانع عظيم أقمحه، ولكنه خفي أمره فلم يعلم ~~ما هو، ولذلك بنى الاسم للمفعول إشارة إلى أنهم مقهورون على تفويت حظهم من ~~هذا الأمر الجليل. # ولما كان الرافع رأسه غير ممنوع من النظر أمامه قال: {وجعلنا} أي ~~بعظمتنا. ولما كان المقصود حجبهم عن خير مخصوص، وهو المؤدي إلى السعادة ~~الكاملة لا عن كل ما ينفعهم، أدخل الجار فقال: {من بين أيديهم} أي الوجه ~~الذي يمكنهم علمه {سدا} . ولما كان الإنسان إذا انسدت عليه جهة مال إلى ~~أخرى قال: {ومن خلفهم} # PageV16P097 # أي الوجه الذي هو خفي عنهم، وأعاد السد تأكيدا لإنكارهم ذلك وتحقيقا ~~لجعله فقال: {سدا} أي فصارت كل جهة يلتفت إليها منسدة، فصاروا لذلك لا ~~يمكنهم النظر إلى الحق ولا الخلوص إليه، فلذلك قال: {فأغشيناهم} أي جعلنا ~~على أبصارهم بما لنا من العظمة غشاوة {فهم} أي بسبب ذلك {لا يبصرون *} أي ~~لا يتجدد لهم هذا الوصف من إبصار الحق وما ينفعهم ببصر ظاهر وبصيرة باطنة ~~أصلا. ولما منعوا بذلك حس البصر، أخبر عن حس السمع فقال: {وسواء} أي مستو ~~ومعتدل غاية الاعتدال من غير نوع فرق؛ وزاد في الدلالة على عدم عقولهم ~~بالتعبير بأداة الاستعلاء إيذانا بأنهم إذا امتنعوا مع المستعلي كانوا مع ~~غيره أشد امتناعا فقال: {عليهم ءأنذرتهم} أي ما أخبرناك به من الزواجر ~~المانعة من الكفر {أم لم تنذرهم} ثم بين أن الذي استوى حالهم فيه بما سببه ~~الإغشاء عدم الإيمان، فقال مستانفا: {لا يؤمنون *} . # ولما بين ما كان السبب المانع لهم من الإبصار، علم أن السبب المانع من ~~السمع مثله، لأن المخبر عزيز، فهو إذا فعل شيئا كان ms3935 على وجه لا يمكن فيه ~~حيلة. ولما أخبر أن الأكثر بهذه الصفة، استشرف # PageV16P098 # السامع إلى أمارة يعرف بها الأقل الناجي لأنه المقصود بالذات فقال جوابا ~~له: {إنما تنذر} أي إنذارا ينتفع به المنذر فيتأثر عنه النجاة، فالمعنى: ~~إنما يؤمن بإنذارك {من اتبع الذكر} أي أجهد نفسه في اتباع كل ما يذكر بالله ~~من القرآن وغيره ويذكر به صاحبه ويشرف {وخشي الرحمن} أي خاف العام الرحمة ~~خوفا عظيما، ودل لفت الكلام عن مظهر العظمة إلى الوصف بالرحمانية على أن ~~أهل الخشية يكفيهم في الاتعاظ التذكير بالإحسان {بالغيب} أي بسبب ما يخبر ~~به من مقدوراته الغائبة لا سيما البعث الذي كان اختصاصها بغاية بيانه بسبب ~~كونها قلبا من غير طلب آية كاشفة للحجاب بحيث يصير الأمر عن شهادة لا غيب ~~فيه، بل تجويزا لما يجوز من انتقامه ولو بقطع إحسانه، لما ثبت له في سورة ~~فاطر من القدرة والاختيار، ويخشاه أيضا خشية خالصة في حال غيبته عمن يرائيه ~~من الناس، فهؤلاء هم الذين ينفعهم الإنذار، وهو المتقون الذين ثبت في ~~البقرة أن الكتاب هدى لهم، وغيرهم لا سبيل إلى استقامته، فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات، فإنه # PageV16P099 # ليس عليك إلا الإنذار، إن الله عليم بما يصنعون، فمن علم منه هذه الخشية ~~أقبل به، ومن علم منه القساوة رده على عقبه بما حال دونه من الغشاوة - ~~والله الموفق. # ولما دل السياق على أن هذا نفع نفسه، تشوف السامع إلى معرفة جزائه، فقال ~~مفردا الضمير على النسق الماضي في مراعاة لفظ «من» دلالة على قلة هذا الصنف ~~من الناس بأجمعهم في هذه السورة الجامعة بكونها قلبا لما تفرق في غيرها: ~~{فبشره} أي بسبب خشيته بالغيب {بمغفرة} أي لذنوبه وإن عظمت وإن تكررت ~~مواقعته لها وتوبته منها، فإن ذلك لا يمنع الاتصاف بالخشية. ولما حصل العلم ~~بمحو الذنوب عينها وأثرها قال: {وأجر كريم *} أي دار عظيم هنيء لذيذ ~~متواصل، لا كدر فيه بوجه. # PageV16P100 # ولما بين الأصل الثاني هو الرسالة وأتبعها ثمرتها المختومة بالبشارة، ~~وكان الأصل الثالث ms3936 في الإيمان - وهو البعث - سببا عظيما في الترقية إلى ~~اعتقاد الوحدانية التي هي الأصل الأول، وكان أكثر الخائفين منه سبحانه ~~مقترا عليهم في دنياهم منغضة عليهم حياتهم، علل # PageV16P100 # هذه البشارة إعلاما بأن هذا الأجر في هذه الدار بالملابس الباطنة الفاخرة ~~من المعارف والسكينة والبركات والطمأنينة، وبعد البعث بالملابس الطاهرة ~~الزاهرة المسببة عن الملابس الدنيوية الباطنة الخفية من غير أهلها، بشارة ~~لهم ونذارة للقسم الذي قبلهم بقوله، مقدما للبعث لما ذكر من فائدته، لافتا ~~القول إلى مظهر العظمة إيذانا بعظمة هذه المقاصد وبأنه لا يحمي لهؤلاء ~~الخلص مع قلتهم ومباينتهم للأولين مع كثرتهم إلا من له العظمة الباهرة: ~~{إنا نحن} أي بما لنا من العظمة التي لا تضاهى {نحيي} أي بحسب التدريج الآن ~~وجملة في الساعة {الموتى} أي كلهم حسا بالبعث ومعنى بالإنقاذ إذا أردنا من ~~ظلم الجهل {ونكتب} أي من صالح وغيره شيئا فشيئا بعده فلا يتعدى التفصيل ~~شيئا في ذلك الإجمال {ما قدموا} من جميع أفعالهم وأحوالهم وأقوالهم جملة ~~عند نفخ الروح {وآثارهم} أي سننهم التي تبقى من بعدهم صالحة كانت أو غير ~~صالحة، ونجازي كلا بما يستحق في الدار الآخرة التي الجزاء فيها لا ينقطع، ~~فلا أكرم منه إذا كان كريما. # PageV16P101 # ولما كان ذلك ربما أوهم الاقتصار على كتابة ما ذكر من أحوال الآدميين أو ~~الحاجة إلى الكتابة، دل على قدرته على ما لا تمكن القدرة عليه لأحد غيره في ~~أقل قليل مما ذكر، فكيف بما فوقه، فقال ناصبا عطفا لفعليه وهي «تكتب» : ~~{وكل شيء} أي من أمر الأحياء وغيرهم {أحصيناه} أي قبل إيجاده بعلمنا القديم ~~إحصاء وكتبناه {في إمام} أي كتاب هو أهل لأن يقصد {مبين *} أي لا يخفى فيه ~~شيء من جميع الأحوال على أحد أراد علمه منه، فلله هذه القدرة الباهرة ~~والعظمة الظاهرة والعزة القاهرة، فالآية من الاحتباك: دل فعل الإحصاء على ~~مصدره وذكر الإمام على فعل الكتابة. # ولما انتهى الكلام إلى هنا، وكان مقصود السورة كما سلف إثبات الرسالة ~~لإنذار يوم الجمع، وكان الإنذار ms3937 غاية، وكانت الغايات هي المقاصد بالذات، ~~وكانت غاية الإنذار اتباع الذكر، فكان ذلك غاية الغاية، كان الكلام على ~~المتبعين أولى بالتقديم على أنه يلزم من الكلام فيهم الكلام في أضدادهم وهم ~~المعرضون الذين حق عليهم القول والكلام على اليوم المنذر به، فلذلك ضرب ~~المثل الجامع لذلك كله، ومر إلى # PageV16P102 # أن صور البعث تصويرا لم يتقدم مثله، ثم عطف بآية الطمس وما بعدها على ~~القسم المعرض، ثم رجع إلى الكلام على الرسول والكتاب. # ولما دل سبحانه على ما له من القدرة الكاملة بالأفعال الهائلة من كل من ~~الإماتة والإحياء الحسيين والمعنويين إبداء وإعادة، وكان ضرب الأمثال ~~بالمشاهدات ألصق شيء بالبال، وأقطع للمراء والجدال، وأكتشف لما يراد من ~~الأحوال، قال عاطفا على {فبشره} مبينا للأصل الثالث الذي هو الأول بالأصالة ~~المقصود بالذات، وهو التوحيد، ضاما إليه الأصلين الاخرين، ليكون المثل ~~جامعا، والبرهان به واضحا ساطعا: {واضرب لهم} أي لأجلهم بشارة بما يرجى لهم ~~عند إقبالهم، ونذارة لما يخشى عليهم عند إعراضهم وإدبارهم {مثلا} أي مشاهدا ~~في إصرارهم على مخالفة الرسول وصبره عليهم ولطفه بهم، لأنا ختمنا على ~~قلوبهم على الكفران مع قربهم منك في النسب والدار، وفوز غيرهم لأنا نورنا ~~قلوبهم مع البعد في النسب والدار بالإيمان وثمراته الحسان، لأنهم يخشون ~~الرحمن بالغيب، ولا يثبتون على الغباوة والريب. # ولما ذكر المثل، أبدل منه قوله: {أصحاب القرية} التي هي محل الحكمة ~~واجتماع الكلمة وانتشار العلم ومعدن الرحمة. ولما كان الممثل به في الحقيقة ~~إنما هو إخبارها بأحوال أهلها لأنها وجه # PageV16P103 # الشبه، وكانت أخبارها كثيرة في أزمنة مديدة، وعين المراد بقوله: {إذ} وهي ~~بدل اشتمال من القرية مسلوخة من الظرفية. ولما كان الآتي ناحية من بلد وإن ~~عظم يعد في العرف آتيا لذلك البلد، أعاد الضمير على موضع الرسالة تحقيقا له ~~وإبلاغا في التعريف بمقدار بعد الأقصى فقال: {جاءها} أي القرية لإنذار ~~أهلها {المرسلون *} أي عن الله لكونهم عن رسوله عيسى عليه السلام أرسلهم ~~بأمره لإثبات ما يرضيه سبحانه ونفي ما يكرهه الذين هم ms3938 من جملة من قيل في ~~فاطر إنهم جاؤوا بالبينات وبالزبر، والتعريف إما لكونهم يعرفون القرية ~~ويعرفون أمرها، وإما لأنه شهير جدا فهم بحيث لو سألوا أحدا من أهل الكتاب ~~الذين يعتنون بها أخبرهم به، لأنه قد عهد منهم الرجوع إليهم بالسؤال ~~ليبينوا لهم - كما زعموا - مواضع الإشكال. # ولما كان أعظم مقاصد السياق تسلية النبي صلى الله عليه وسلم في توقفهم عن ~~المبادرة إلى الإيمان به مع دعائه بالكتاب الحكيم إلى صراط المستقيم، وكان ~~في المشاركة في المصائب أعظم تسلية، أبدل من قوله {إذ جاءها} تفصيلا لذلك ~~المجيء قوله، مسندا إلى نفسه # PageV16P104 # المقدس لكونه أعظم في التسلية: {إذ أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة. ~~ولما كان المقصود بالرسالة أصحابها قال: {إليهم اثنين} أي ليعضد أحدهما ~~الآخر فيكون أشد لأمرهما فأخبراهم بإرسالهما إليهم كأن قالا: نحن رسولان ~~إليكم لتؤمنوا بالله {فكذبوهما} أي مع ما لهما من الآيات، لأنه من المعلوم ~~أنا ما أرسلنا رسولا إلا كان معه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، سواء ~~كان عنا من غير واسطة أو كان بواسطة رسولنا، كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ~~ذي النور لما ذهب إلى قومه وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون آية ~~فكانت نورا في جبهته، ثم سأل أن تكون في غير وجهه فكانت في سوطه. # ولما كان التضافر على الشيء أقوى لشأنه، وأعون على ما يراد منه، سبب عن ~~ذلك قوله حاذفا المفعول لفهمه من السياق، ولأن المقصود إظهار الاقتدار على ~~إيقاع الفعل وتصريفه في كل ما أريد له: {فعززنا} أي فأوقعنا العزة، وهي ~~القوة والشدة والغلبة، لأمرنا أو لرسولنا بسبب ما وقع لهما من الوهن ~~بالتكذيب فحصل ما أردنا من العزة - بما أشارت إليه قراءة أبي بكر عن عاصم ~~بالتخفيف {بثالث} # PageV16P105 # أرسلناه بما أرسلناهما به {فقالوا} أي الثلاثة بعد أن أتوهم وظهر لهم ~~إصرارهم على التكذيب، مؤكدين بحسب ما رأوا من تكذيبهم: {إنا إليكم} أي لا ~~إلى غيركم {مرسلون * قالوا} أي أهل القرية: {ما أنتم} أي ms3939 وإن زاد عددكم ~~{إلا} ولما نقض الاستثناء النفي زال شبهة ما تلبس فزال عملها فارتفع قوله: ~~{بشر مثلنا} أي فما وجه الخصوصية لكم في كونكم رسلا دوننا، ولما كان ~~التقدير: فما أرسلتم إلينا بشيء، عطفوا عليه قوله: {وما أنزل الرحمن} أي ~~العام الرحمة، فعموم رحمته مع استوائنا في عبوديته تقتضي أن يسوي بيننا في ~~الرحمة فلا يخصكم بشيء دوننا، وأعرقوا في النفي بقولهم: {من شيء} . # ولما كان الإتيان على ما ذكر محتملا للغلط ونحوه، قالوا دافعين لذلك: ~~{إن} أي ما {أنتم إلا تكذبون *} أي حالا ومآلا {قالوا} أي الرسل: {ربنا} أي ~~الذي لو لم يكن لنا وازع عن الكذب عليه إلا إحسانه إلينا لكان كافيا {يعلم} ~~أي ولذلك يظهر على أيدينا الآيات، ويحمينا ممن يكيدنا، وهذه العبارة تجري ~~مجرى القسم، وكذا نحو {شهد الله} . ولما واجهوهم بهذا التكذيب المبالغ في ~~تأكيده زادوا في تأكيد جوابه فقالوا: {إنا إليكم} أي خاصة {لمرسلون *} ما ~~أتيناكم غلطا ولا كذبا، فالأول ابتداء أخبار، وهذان جوابا إنكار، فأعطى كلا ~~ما يستحق. # PageV16P106 # ولما قرروا ذلك عندهم، اتبعوه بدليله وبالإعلام بأن وبال التكذيب لا ~~يلحقهم منه ضرر، إشارة لهم إلى الإنذار من عذاب الملك الجبار فقالوا: {وما ~~علينا} أي وجوبا من قبل من أرسلنا، وهو الله تعالى الذي له الأمر كله {إلا ~~البلاغ المبين *} أي المؤيد بالأدلة القطعية من الحجج القولية والفعلية ~~بالمعجزات وغيرها، فلولا أنه يعلم لما أمكننا شيء من ذلك كما أن آلهتكم لما ~~لم يكن لها علم لم يقدروا على بيان في أمرها بشيء، وإذ قد ثبت علم مرسلنا ~~برسالتنا فهو الشاهد لنا بما يظهر على أيدينا وكفى به شهيدا. # ولما كان حلول الصالحين بين الناس يكون تارة نعمة وأخرى نقمة باعتبار ~~التصديق والتكذيب والإساءة والإحسان، فكان قد حصل لهؤلاء الذين كذبوا هؤلاء ~~الرسل بلاء لتكذيبهم لهم من جدب الأرض وصعوبة الزمان، ونحو ذلك من ~~الامتحان، ذكر ما أثره ذلك عند أهل القرية فقال: {قالوا} ولما كانوا لما ~~يرون عليهم من الآيات وظاهر الكرامات ms3940 مما يشهد ببركتهم ويمن نقيبتهم بحيث ~~إذا ذموهم توقعوا تكذيب الناس لهم، أكدوا قولهم: {إنا تطيرنا} أي حملنا ~~أنفسنا على الطيرة والتشاوم تطيرا ظاهرا - بما أشار إليه الإظهار # PageV16P107 # بخلاف ما في النمل والأعراف {بكم} بنسبة ما حل بنا من البلاء إلى شومكم، ~~لأن عادة الجهال التيمن بما مالوا إليه ويسندون ما حل بهم من نعمة إلى يمنة ~~والتشاوم بما كرهوه، ويسندون ما أصابهم من نقمة إلى شومه؛ ثم إنهم استأنفوا ~~استئناف النتائج قولهم على سبيل التأكيد إعلاما بأن ما أخبروا به لا فترة ~~لهم عنه وإن كان مثلهم مستبعدا عند العقلاء: {لئن لم تنتهوا} أي عن دعائكم ~~هذا {لنرجمنكم} أي لنشتمنكم أو لنرمينكم بالحجارة حتى تنتهوا أو لنقتلنكم ~~شر قتلة. ولما كان الإنسان قد يفعل ما لا يؤخذ أثره فقالوا معبرين بالمس ~~دون الإمساس: {وليمسنكم منا} أي عاجلا لا من غيرنا كما تقولون أنتم في ~~تهديدكم إيانا بما يحل بنا ممن أرسلكم {عذاب أليم *} حتى تنتهوا عنا لنكف ~~عن إيلامكم {قالوا} أي الرسل: {طائركم} أي شومكم الذي أحل بكم البلاء ~~{معكم} وهو أعمالكم القبيحة التي منها تكذيبكم. # ولما كان لم يبد منهم غير ما يقتضي عند النظر الصحيح التيمن والبركة، وهو ~~التذكير بالله الذي بيده الخير كله، أنكروا عليهم تطيرهم منهم على وجه مبين ~~أنه لا سبب لذلك غيره فقالوا: {أئن ذكرتم} # PageV16P108 # أي الأجل إن حصل لكم تذكير بالله تطيرتم بنا؟ ولما كان ذلك لا يصح أن ~~يكون سببا للتطير بوجه، أضربوا عنه منبهين لهم على أن موضع الشوم إسرافهم ~~لا غير فقالوا: {بل} أي ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير سبب للتطير بل ~~{أنتم قوم} أي غركم ما آتاكم الله من القوة على القيام فيما تريدون {مسرفون ~~*} أي عادتكم الخروج عن الحدود والطغيان فعوقبتم لذلك. # ولما كان السياق لأن الأمر بيد الله، فلا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى، ~~فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد، ويضل القريب فيهما إن شاء، ~~وكان بعد الدار ملزوما في ms3941 الغالب لبعد النسب، قدم مكان المجيء على فاعله ~~بيانا لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال: {وجاء من أقصا} أي أبعد ~~- بخلاف ما مر في سورة القصص؛ ولأجل هذا الغرض عدل عن التعبير بالقرية كما ~~تقدم وقال: {المدينة} لأنها أدل على الكبر المستلزم لبعد الأطراف وجمع ~~الأخلاط. ولما بين الفاعل بقوله: {رجل} بين اهتمامه بالنهي عن المنكر ~~ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله: {يسعى} أي يسرع في مشيه فوق ~~المشي ودون العدو حرصا على نصيحة قومه. # ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه، بينه قوله: {قال} # PageV16P109 # واستعطفهم بقوله: {يا قوم} وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله: {اتبعوا ~~المرسلين *} أي في عبادة الله وحده وكل ما يأمرونكم به؛ ثم نبههم على ~~الداعي إلى اتباعهم والمانع من الإعراض عنهم بقوله، معدا الفعل دلالة على ~~شدة اهتمامه به: {اتبعوا} أي بغاية جهدكم {من لا يسئلكم} أي في حال من ~~الأحوال {أجرا} ولما كان أفرد الضمير نظرا إلى لفظ «من» دلالة على وجوب ~~الاتباع لمن اتصف بهذا الأمر الدال على الرسالة وإن كان واحدا، جمع بيانا ~~للأولوية بالتظافر والتعاضد والاتفاق في الصيانة والبعد عن الدنس، الدال ~~على اتحاد القصد الدال على تحتم الصدق فقال: {وهم مهتدون *} أي ثابت لهم ~~الاهتداء لا يزايلهم، ما قصدوا شيئا إلا أصابوا وجه صوابه، فتفوزوا بالدين ~~الموجب للفوز بالآخرة، ولا يفوتكم شيء من الدنيا، فأتى بمجامع الترغيب في ~~هذا الكلام الوجيز. # ولما أفهم السياق أنه قال: فإني اتبعتهم في عبادة الله، بنى عليه قوله ~~جوابا لمن يلومه على ذلك وترغيبا فيما اختاره لنفسه وتوبيخا لمن يأباه: # PageV16P110 # {وما} أي وأي شيء {لي} في أني {لا أعبد الذي فطرني} أي وإليه أرجع، فله ~~مبدئي ومعادي، وما لكم لا تعبدون الذي فطركم {وإليه} أي لا إلى غيره ~~{ترجعون *} كذلك فهو يستحق العبادة شكرا لما أنعم به في الابتداء وخوفا من ~~عاقبته في الانتهاء فالآية من الاحتباك: حذف «وإليه أرجع» أولا لما دل عليه ~~ثانيا، وإنكاره عليهم ثانيا بما دل عليه أولا من ms3942 إنكاره على نفسه استجلابا ~~لهم بإظهار الإنصاف، والبعد عن التصريح بالخلاف، وفيه تنبيه لهم على موجب ~~الشكر، وتهديد على ارتكاب الكفر. # ولما أمر صريحا ونهى تلويحا، ورغب ورهب، ووبخ وقرع، وبين جلالة من آمن به ~~ومن كانوا سببا في ذلك، أنكر على من يفعل غيره بالإنكار على نفسه، محقرا ~~لمن عبدوه من دون الله وهو غارقون في نعمه، فقال مشيرا بصيغة الافتعال إلى ~~أن في ذلك مخالفة للفطرة الأولى: {ءأتخذ} وبين علو رتبته سبحانه بقوله: {من ~~دونه} أي سواء مع دنو المنزلة؛ وبين عجز ما عبدوه بتعدده فقال: {آلهة} ثم ~~حقق ذلك بقوله مبينا بأداة الشك أن النفع أكثر من الضر ترغيبا فيه سبحانه: ~~{إن يردن} إرادة خفيفة بما أشار إليه حذف الياء، أو شديدة بما أشار إليه ~~إثباتها، ظاهرة بما دل عليه تحريكها، أو خفية بما نبه عليه إسكانها. # PageV16P111 # ولما ذكرهم بإبداعه سبحانه له إرشادا إلى أنهم كذلك، صرح بما يعمهم فقال: ~~{الرحمن} أي العام النعمة على كل مخلوق من العابد والمعبود، وحذرهم بقوله: ~~{بضر} وأبطل أنهى ما يعتقدونه فيها بقوله: {لا تغن عني} أي وكل أحد مثلي في ~~هذا {شفاعتهم} أي لو فرض أنهم شفعوا ولكن شفاعتهم لا توجد {شيئا} من إغناء. # ولما دل بإفراد الشفاعة على عدهم عدما ولو اتحدت شفاعتهم وتعاونهم في آن ~~واحد، دل بضمير الجمع على أنهم كذلك سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين فقال: ~~{ولا ينقذون *} أي من مصيبته إن دعا الأمر إلى المشاققة بما أراده فإنه ~~بمجرد إرادته يكون مراده، إنفاذا ضعيفا - بما أشار إليه من حذف الياء، ولا ~~شديدا - بما دل عليه من أثبتها ظاهرا خفيا، ثم استأنف ما يبين بعد ذلك عن ~~فعل العقلاء الناصحين لأنفسهم بقوله مؤكدا له بأنواع التأكيد لأجل إنكارهم ~~له بعدم رجوعهم عن معبوداتهم: {إني إذا} أي إذا فعلت ذلك الاتخاذ {لفي ~~ضلال} أي محيط بي لا أقدر معه على نوع اهتداء {مبين *} أي واضح في نفسه لمن ~~لم يكن مظروفا له، موضح لكل ناظر ما هو ms3943 فيه من الظلام. # PageV16P112 # ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه علة، صرح بما لوح # PageV16P112 # إليه من إيمانه، فقال مظهرا لسروره بالتأكيد وقاطعا لما يظنونه من أنه لا ~~يجترئ على مقاطعتهم كلهم بمخالفتهم في أصل الدين: {إني آمنت} أي أوقعت ~~التصديق الذي لا تصديق في الحقيقة غيره بالرسل مؤمنا لهم من أن أدخل عليهم ~~نوع تشويش من تكذيب أو غيره. ولما أرشدهم بعموم الرحمانية تلويحا، صرح لهم ~~بما يلزمهم شكره من خصوص الربوبية فقال: {بربكم} أي بسبب الذي لا إحسان ~~عندكم إلا منه قد نسيتم ما له لديكم من الربوبية والرحمانية والإبداع، وزاد ~~في مصارحتكم إظهارا لعدم المبالاة بهم بقوله: {فاسمعون} أي سماعا إن شئتم ~~أشعتموه، وإن شئتم كتمتموه - بما دل عليه حذف الياء وإثباتها، فلا تقولوا ~~بعد ذلك: ما سمعناه، ولو سمعناه لفعلنا به. فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ~~فقتلوه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مثل صاحب يس هذا في هذه ~~الأمة عروة بن مسعود الثقفي حيث بادى قومة الإسلام، ونادى على عليته ~~بالأذان، فرموه بالسهام فقتلوه. # ولما كان من المعلوم - بما دل عليه من صلابتهم في تكذيبهم الرسل وتهديدهم ~~مع ما لهم من الآيات - أنهم لا يبقون هذا الذي هو من مدينتهم وقد صارحهم ~~بما إن أغضوا عنه فيه انتقض عليهم أكثر أمرهم، لم يذكره تعالى عدا له عداد ~~ما لا يحتاج إلى ذكره، وقال # PageV16P113 # جوابا لمن تشوف إلى علم حاله بعد ذلك بقوله إيجازا في البيان ترغيبا لأهل ~~الإيمان: {قيل} أي له بعد قتلهم إياه، فبناه للمفعول وحذفه لأن المقصود ~~القول لا قائله والمقول له معلوم: {ادخل الجنة} لأنه شهيد، والشهداء يسرحون ~~في الجنة حيث شاؤوا من حين الموت. # ولما كان الطبع البشري داعيا إلى محبة الانتقام ممن وقع منه الأذى بين ~~سبحانه أن الأصفياء على غير ذلك الحال، فقال مستأنفا: {قال يا ليت قومي} أي ~~الذين فيهم قوة لما يراد منهم، فلو كانت قوتهم على الكفار لكانت حسنة ~~{يعلمون *} ولما أريد التصريح بوقوع ms3944 الإحسان إليه، حل المصدر إلى قوله: ~~{بما غفر لي} أي أوقع الستر لما كنت مرتكبا له طول عمري من الكفر به بإيمان ~~في مدة يسيرة {ربي} أي الذي أحسن إلي في الأخرى بعد إحسانه في الدنيا ~~{وجعلني} ولما كان الأنس أعظم فوز، عدل عن أن يقول «مكرما» إلى قوله: {من ~~المكرمين *} أي الذين أعطاهم الدرجات العلى بقطعهم جميع أعمارهم في ~~العبادة، فنصح لقومه حيا وميتا يتمنى علمهم بإكرامه تعالى له ليعملوا مثل ~~عمله فينالوا ما ناله، وفي قصته حث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع ~~الأخيار، والحلم عن أهل الحهل وكظم الغيظ والتلطف في خلاص الظالم من ظلمه ~~وأنه لا يدخل # PageV16P114 # أحد الجنة إلا برحمة الله وإن كان محسنا، وهذا كما وقع للأنصار رضي الله ~~عنهم في المبادرة إلى الإيمان مع بعد الدار والنسب، وفي قول من استشهد منهم ~~في بئر معونة - كما رواه البخاري في المغازي عن أنس رضي الله عنه: بلغوا ~~قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، وفي غزوة أحد كما في السيرة وغيرها ~~لما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع ~~الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال تبارك وتعالى: ~~فأنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم {ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} الآيات في سورة آل عمران، وفي ~~التمثيل بهذه القصة إشارة إلى أن في قريش من ختم بموته على الكفر ولم ينقص ~~ما ضرب له من الأجل فهو سبحانه يؤيد هذا الدين بغيرهم لتظهر قدرته وليستوفي ~~الآجال أولئك، ثم يقبل بقلوب غيرهم، فتظهر مع ذلك حكمته - إلى غير ذلك من ~~ينابيع المعاني، وثابت المباني. # ولما كان سبحانه قد جعل أكثر جند هذا النبي الكريم من الملائكة فأيده بهم ~~في حالتي المسمالمة والمصادمة وحرسه ممن أراده في مكة المشرفة وبعدها بهم، ~~ذكره ذلك بقوله عاطفا على ما # PageV16P115 # تقديره: وما أنزلنا على قومه قبل قتلهم له من جند من السماء ms3945 يحول بينهم ~~وبين ذلك كما فعلنا بك إذ أراد أبو جهل قتلك بالصخرة وأنت ساجد عند البيت ~~وغيره بغير ذلك مما هو مفصل في السير، وأما بعد الهجرة ففي غزوة الأحزاب إذ ~~أرسلنا عليهم ريحا وجنودا ردتهم خائبين، وفي غزوة أحد وبدر وحنين وغير ذلك: ~~{وما أنزلنا} بما لنا من العظمة {على قومه} أي صاحب يس {من بعده} أي بعد ~~قتله، وأعرق في النفي بقوله: {من جند} وحقق المراد بقوله: {من السماء} أي ~~لإهلاكهم، وحقق أن إرسال الجنود السماوية أمر خص به صلى الله عليه وسلم ~~لأنه لحكم ترجع إلى النصرة بغير الاستئصال فإنهم يتبدون في صور الآدميين ~~ويفعلون أفعالهم، وأما عذاب الاستئصال فإن السنة الإلهية جرت بأنه لا يكون ~~بأكثر من واحد من الملائكة لأنه أدل على الاقتدار، فلذلك قال تعالى: {وما ~~كنا منزلين *} أي ما كان ذلك من سنتنا، وما صح في حكمتنا أن يكون عذاب ~~الاستئصال بجند كثير {إن} أي ما {كانت} أي الواقعة التي عذبوا بها {إلا ~~صيحة} صاحها بهم جبريل عليه السلام فماتوا عن آخرهم؟ وأكد أمرها وحقق ~~وحدتها بقوله: {واحدة} أي لحقارة أمرهم عندنا، ثم زاد في تحقيرهم ببيان ~~الإسراع في الإهلاك بقوله: {فإذا هم خامدون *} أي ثابت لهم الخمود ما كأنهم ~~كانت لهم # PageV16P116 # حركة يوما من الدهر، ومن المستجاد في هذا قول أبي العلاء أحمد ابن سليمان ~~المعري: # وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان # PageV16P117 # ولما أخبر عنهم سبحانه بما هو الحق من أمرهم، ورغبهم بما ضرب لهم من ~~المثل ورهبهم ولم ينفعهم ذلك، أنتج التأسيف عليهم وعلى الممثل بهم ومن ~~شابههم فقال تعالى: {يا حسرة} أي هذا الحال مستحق لملازمة حسرة عظيمة {على ~~العباد} فكأنه قيل لها: تعالى فهذا من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها، فإن ~~هؤلاء أحقاء بأن يتحسر عليهم، والحسرة: شدة الندم على ما فات، فأحرق فقده ~~وأعيى أمره، فلا حيلة في رده، ويجوز أن يكون المعنى أن العباد - لكثرة ما ~~يعكسون من أعمالهم - لا تفارقهم أسباب الحسرة ولا ms3946 حاضر معهم غيرها، فلا ~~نديم لهم إلا هي، ولا مستعلي عليهم وغالب لهم سواها. # ولما كان كأنه قيل: أي حال؟ قال مبينا له ومعللا للتحسر بذكر سببه: {ما ~~يأتيهم} وأعرق في النفي والتعميم بقوله: {من رسول} أي رسول كان في أي وقت ~~كان {إلا كانوا به} أي بذلك الرسول {يستهزءون *} أي يوجدون الهزء، والرسل ~~أبعد الخلق من الهزء حالا ومقالا وفعالا، ومن الواضح أن المستهزئ بمن هذا ~~حاله هالك # PageV16P117 # فهو جدير بملازمة الحسرة وأن يتحسر عليه. # ولما أتم سبحانه الخبر عن أول أمر الممثل بهم وأول أمر المؤمن بهم وآخره، ~~وأذن هذا التحسر بأن هلاك المكذبين أمر لا بد منه، دل عليه معجبا عن عدم ~~نظرهم لأنفسهم ومهددا للسامعين منهم، ومحذرا من آخر أمر الممثل بهم على وجه ~~اندرج فيه جميع الأمم الماضية والطوائف الخالية بقوله: {ألم يروا} أي يعلم ~~هؤلاء الذين تدعوهم علما هو كالرؤية بما صح عندهم من الأخبار وما شاهدوه من ~~الآثار: {كم أهلكنا} على ما لنا من العظمة، ودل قوله: {قبلهم} - بكونه ظرفا ~~لم يذكر فيه الجار - على أن المراد جميع الزمان الذي تقدمهم من آدم إلى ~~زمانهم، وإدخال الجار على المهلكين يدل على أن المراد بعضهم، فرجع حاصل ذلك ~~إلى أن المراد: انظروا جميع ما مضى من الزمان هل عذب فيه قوم عذاب ~~الاستئصال إلا بسبب عصيان الرسل فقال: {من القرون} أي الكثيرة الشديدة ~~الضخمة، والقرن - قال البغوي: أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود ~~{أنهم} أي لأن القرون. # ولما كان المراد من رسول ليس واحدا بعينه، وكانت صيغة # PageV16P118 # فعول كفعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع، أعاد الضمير ~~للجميع فقال: {إليهم} أي إلى الرسل خاصة من حيث كونهم رسلا {لا يرجعون *} ~~أي عن مذاهبهم الخبيثة، ويخصون الرسل بالاتباع فلا يتبعون غيرهم أصلا في ~~شيء من الأشياء الدينية او الدنيوية فاطردت سنتنا ولن تجد لسنتنا تبديلا في ~~أنه كلما كذب قوم رسولهم أهلكناهم ونجينا رسولهم ومن تبعه، أفلا يخاف هؤلاء ~~أن نجريهم على تلك ms3947 السنة القديمة القويمة ف «إن» تعليلية على إرادة حذف لام ~~العلة كما هو معروف في غير موضع، وضمير {أنهم} للمرسل إليهم، وضمير {إليهم} ~~للرسل، لا يشك في هذا من له ذوق سليم وطبع مستقيم، والتعبير بالمضارع ~~للدلالة على إمهالهم والتأني بهم والحلم عنهم مع تماديهم في العناد بتجديد ~~عدم الرجوع، و {يرجعون} هنا نحو قوله تعالى # {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} [السجدة: ~~21] أي عن طرقهم الفاسدة - وهذا معنى الآية بغير شك، وليس بشيء قول من قال: ~~المعنى أن المهلكين لا يرجعون إلى الدنيا ليفيد الرد على من يقول بالرجعة ~~لأن العرب ليست ممن يعتقد ذلك، ولو سلم لم يحسن، لأن السياق ليس له، لم ~~يتقدم عنهم غير الاستهزاء، فأنكر عليهم استهزاءهم # PageV16P119 # مع علمهم بأن الله تعالى أجرى سنته أن من استهزأ بالرسل وخالف قولهم فلم ~~يرجع إليه أهلكه، أطرد ذلك من سنته ولم يتخلف في أمة من الأمم كما وقع لقوم ~~نوح وهود ومن بعدهم، لم يتخلف في واحدة منهم، وكلهم تعرف العرب أخبارهم، ~~وينظرون آثارهم، وكذا يعرفون قصة موسى عليه السلام مع فرعون فالسياق ~~للتهديد فصار المعنى: ألم ير هؤلاء كثرة من أهلكنا ممن قبلهم لمخالفتهم ~~للرسل، أفلا يخشون مثل ذلك في مخالفتهم لرسولهم؟ وذلك موافق لقراءة الكسر ~~التي نقلها البرهان السفاقسي عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره عن الحسن، ~~وقالوا: إنها استئنافية، فهي على تقدير سؤال من كأنه قال: لم أهلكهم؟ وهذا ~~كما إذا شاع أن الوادي الفلاني ما سلكه أحد إلا أصيب، يكون ذلك مانعا عن ~~سلوكه، وإن أراد ذلك أحد صح أن يقال له: ألم تر أنه ما سلكه أحد إلا هلك، ~~فيكون ذلك زاجرا له ورادا عن التمادي فيه، لكون العلة في الهلاك سلوكه فقط، ~~وذلك أكف له من أن يقال له: ألم تر أن الناس يموتون وكثرة من مات منهم ولم ~~يرجع أحد منهم، غير معلل ذلك بشيء من سلوك الوادي ولا غيره، فإن هذا أمر ~~معلوم له، غير ms3948 مجدد فائدة، وزيادة عدم الرجوع إلى الدنيا لا دخل لها في ~~العلية أيضا لأن ذلك معلوم عند المخاطبين بل # PageV16P120 # هم قائلون بأعظم منه من أنه لا حياة بعد الموت لا إلى الدنيا ولا إلى ~~غيرها، وعلى تقدير التسليم فربما كان ذكر الرجوع للأموات أولى بأن يكون ~~تهديدا، فإن كل إنسان منهم يرجع حينئذ إلى ما في يد غيره مما كان مات عليه ~~ويصير المتبوع بذلك تابعا أو يقع الحرب وتحصل الفتن، فأفاد ذلك أنه لا يصلح ~~التهديد بعدم الرجوع - والله الموفق للصواب. # ولما كان كثير من أهل الجهل وذوي الحمية والأنفة لا يبالون بالهلاك في ~~متابعة الهوى اعتمادا على أن موتة واحدة في لحظة يسيرة أهون من حمل النفس ~~على ما لا تريد، فيكون لهم في كل حين موتات، أخبر تعالى أن الأمر غير منقض ~~بالهلاك الدنيوي، بل هناك من الخزي والذل والهوان والعقوبة والإيلام ما لا ~~ينقضي أبدا فقال: {وإن كل} أي وإنهم كلهم، لا يشذ منهم أحد، وزاد في ~~التأكيد لمزيد تكذيبهم بقوله: {لما} ومن شدد {لما} فالمعنى عنده «وما كل ~~منهم إلا» وأشار إلى أنهم يأتون صاغرين راغمين في حالة اجتماعهم كلهم في ~~الموقف لا تناصر عندهم ولا تمانع وليس أحد منهم غائب بحال التخلف عن # PageV16P121 # الانتصار عليه فقال: {جميع} وأشار إلى غرابة الهيئة التي يجتمعون عليها ~~بقوله: {لدينا} وزاد في العظمة بإبرازه في مظهرها، وعبر باسم الفاعل ~~المأخوذ من المبني للمفعول جامعا نظرا إلى معنى {كل} لأنه أدل على الجمع في ~~آن واحد وهو أدل على العظمة: {محضرون *} أي في يوم القيامة بعد بعثهم ~~بأعيانهم كما كانوا في الدنيا سواء، إشارة إلى أن هذا الجمع على كراهة منهم ~~وإلى أنه أمر ثابت لازم دائم، كأنه لعظيم ثباته لم يزل، وأنه لا بد منه، ~~ولا حيلة في التفصي عنه، وأنه يسير لا توقف له غير الإذن، فإذا أذن فعله كل ~~من يؤمر به من الجنود كائنا من كان، وما أحسن ما قال القائل: # ولو أنا متنا تركنا ms3949 ... لكان الموت راحة كل حي # ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعدها عن كل شي # ولما أتم ضرب المثل المفيد لتمام قدرته على الأفعال الهائلة ببشارة ~~ونذارة حتى أن من طبع على قلبه فهو لا يؤمن وإن كان قريبا في النسب والدار، ~~ومن أسكن قلبه الخشية يؤمن وإن شط به النسب والمزار، فتم التعريف بالقسم ~~المقصود بالذات وهو من يتبع الذكر، # PageV16P122 # وختم بالبعث وكانوا له منكرين، وكان قد جعله في صدر الكلام من تمام بشارة ~~من اتبع الذكر، دل عليه بقوله مبتدئا بنكرة تنويها دال على تعظيمها: {وآية} ~~أي علامة عظيمة {لهم} على قدرتنا على البعث وإيجادنا له {الأرض} أي هذا ~~الجنس الذي هم منه؛ ثم وصفها بما حقق وجه الشبه فقال: {الميتة} التي لا روح ~~لها لأنه لا نبات بها أعم من أن يكون بها نبات وفني فتفتت وصار ترابا أو لم ~~يكن بها شيء أصلا. ثم استأنف بيان كونها آية بقوله: {أحييناها} أي باختراع ~~النبات فيها أو بإعادته بسبب المطر كما كان بعد اضمحلاله. # ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى قال: {وأخرجنا منها حبا} ونبه تعالى ~~على عظيم القدرة فيها وعلى عموم نفعها بمظهر العظمة، وزاد في التنبيه ~~بالتذكير بأن الحب معظم ما يقيم الحيوان فقال مقدما للجار إشارة إلى عد ~~غيره بالنسبة إليه عدما لعظيم وقعه وعموم نفعه # PageV16P123 # بدليل أنه متى قل جاء القحط ووقع الضرر: {فمنه} أي بسبب هذا الإخراج ~~{يأكلون *} أي فهو حب حقيقة يعلمون ذلك علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين ~~لا يقدرون على أن يدعوا أن ذلك خيال سحري بوجه، وفي هذه الأية وأمثالهم حث ~~عظيم على تدبر القرآن واستخراج ما فيه من المعاني الدالة على جلال الله ~~وكماله، وقد أنشد هنا الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله في تفسيره في ~~عيب من أهمل ذلك فقال: # يا من تصدر في دست الإمامة في ... مسائل الفقه إملاء وتدريسا # غفلت عن حجج التوحيد تحكمها ... شيدت فرعا وما مهدت تأسيسا # PageV16P124 # ولما ذكر سبحانه ما في الزروع وما ms3950 لا ساق له من النعمة والقدرة، ودل ~~السياق فيه على الحصر، أتبعه ما بين المراد التعظيم لا الحصر الحقيقي ~~بإظهار المنة في غيره من الأشجار الكبار والصغار ذات الأقوات والفواكه، ~~فقال دالا على عظمه بمظهر العظمة: {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة {فيها} أي ~~الأرض {جنات} أي بساتين تستر داخلها بما فيها من الأشجار الملتفة. ولما كان ~~النخل - مع ما فيه من النفع - زينة دائما بكونه لا يسقط ورقه، قدمه وسماه ~~باسمه فقال: # PageV16P124 # {من نخيل} وفيه أيضا إشارة إلى أنه نفع كله خشبه وليفه وشعبه وخوصه ~~وعراجينه وثمره طلعا وجمارا وبسرا ورطبا وتمرا، ولذلك - والله أعلم - أتى ~~فيه بصيغة جمع الكثرة كالعيون، ولما كان الكرم لا تكون له زينة بأوراق تجن ~~إلا ما كان العنب قائما قال: {وأعناب} ودل بالجمع فيهما دون الحب على كثرة ~~اختلاف الأصناف في النوع الواحد الموجب للتفاوت الظاهر في القدر والطعم ~~وغير ذلك. # ولما كانت الجنات لا تصلح إلا بالماء، وكان من طبع الماء الغور في التراب ~~والرسوب بشدة السريان إلى أسفل، فكان فورانه إلى جهة العلو أمرا باهرا ~~للعقل لا يكون إلا بقسر قاسر حكيم قال: {وفجرنا} أي فتحنا تفتيحا عظيما ~~{فيها} ودل على تناهي عظمته وتعاليها عن أن يحاط بشيء منها بالتبعيض بقوله: ~~{من العيون *} والتعريف هنا يدل على أن الأرض مركبة على الماء، فكل موضع ~~منها صالح لأن ينفجر منه الماء، ولكن الله يمنعه عن بعض المواضع بخلاف ~~الأشجار ليس منها شيء غالبا على الأرض، ففي ذلك تذكير بالنعمة في حبس الماء ~~عن بعض الأرض لتكون موضعا للسكن، ولو شاء لفجر الأرض عيونا كما فعل بقوم ~~نوح عليه السلام فأغرق الأرض كلها. # PageV16P125 # ولما كانت حياة كل شيء إنما هي بالماء، أشار إلى ذلك بقوله: {ليأكلوا من} ~~وأشارت قراءة حمزة والكسائي بصيغة الجمع مع إفراد الضمير إلى أن الشجرة ~~الواحدة تجمع بالتطعيم أصنافا من الثمر {ثمره} أي من ثمر ما تقدم، ولولا ~~الماء لما طلع، ولولا أنه بكثرة لما أثمر بعد الطلوع. # ولما ms3951 كان الإنسان قد يتسبب في تربية بعض الأشياء، أبطل سبحانه الأسباب ~~فيما يمكن أن يدعو فيه تسببا، ونبه على أن الكل بخلقه فقال: {وما عملته} أي ~~ولم تعمل شيئا من ذلك {أيديهم} أي عملا ضعيفا - بما أشار إليه تأنيث الفعل ~~فكيف بما فوقه وإن تظافروا على ذلك بما أشار إليه جمع اليد. ولما كان ~~السياق ظاهرا في هذا جاءت قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بحذف الضمير ~~غير منوي قصرا للفعل تعميما للمفعول ردا لجميع الأمور إلى بارئها سواء كانت ~~بسبب أو بغير سبب، أي ولم يكن لأيديهم عمل لشيء من الأشياء لا لهذا ولا ~~لغيره مما له مدخل في عيشهم ومن غيره، ولذلك حسن كل الحسن إنكاره عليهم عدم ~~الشكر بقوله: {أفلا يشكرون *} أي يدأبون دائما في إيقاع الشكر والدوام على ~~تجديده في كل حين بسبب هذه النعم الكبار. # PageV16P126 # ولما كان السياق لإثبات الوحدانية والإعلام بأن ما عبد من دونه لا ~~استحقاق له في ذلك بوجه، ولا نفع بيده ولا ضر، وأنتج هذا السياق بما دل ~~عليه من تفرده بكل كمال وأنه لا أمر لأحد معه بوجه من الوجوه - تنزهه عما ~~ادعوه من الشرك غاية التنزه، قال لافتا للكلام عن مظهر العظمة لأن إثباتها ~~بالرحمة الدال عليها أدخل في التعظيم: {سبحان الذي} ووصفه بما أكد ما مضى ~~من إسناد الأمور كلها إليه ونفى كل شيء منها عمن سواه فقال: {خلق الأزواج} ~~أي الأنواع المتشاكلة المتباينة في الأوصاف وفي الطعوم والأرابيح والأشكال ~~والهيئات والطبائع وغير ذلك من أمور لا يحصيها إلا الله تدل أعظم دلالة على ~~كمال القدرة وعظيم الحكمة والاختيار في الإرادة، وأكد بقوله: {كلها} لإفادة ~~التعميم؛ ثم زاد الأمر تصريحا بالبيان بقوله: {مما تنبت الأرض} فدخل فيه من ~~كل نجم وشجر ومعدن وغيره من كل ما يتولد منها، وأشار - لكونه في سياق ~~تكذيبهم - إلى تأديبهم بتحقيرهم بجمع القلة والتعبير بالنفس التي تطلق في ~~الغالب على ما يذم به فقال: {ومن أنفسهم} وبين أن وراء ذلك أمورا لا يعلمها ms3952 ~~إلا هو سبحانه فقال: {ومما لا يعلمون *} أي ومما لا يحتاجون إليه # PageV16P127 # في دينهم ولا دنياهم، ولا توقف لشيء من إصلاح المعاش والمعاد عليه، ولو ~~كان ذلك لأعلم به كما أعلم بأحوال الآخرة وغيرها مما لم نكن نعلمه. # ولما دربهم على النظر بآيات الأعيان الحسية الدالة على القدرة الباهرة لا ~~سيما على البعث، رقاهم إلى المعاني على ذلك النحو، فإن إيجاد كل من الملوين ~~بعد إعدامه أدل دليل على البعث، فقال ناقلا لهم من المكان الكلي إلى الزمان ~~الكلي الجامعين للجواهر والأعراض: {وآية لهم} أي على إعادة الشيء بعد ~~إفنائه {اليل} أي الذي يشاهدونه لا شك عندهم فيه ولا حيلة بوجه في رفعه؛ ثم ~~استأنف قوله: {نسلخ} عائدا إلى مظهر العظمة دلالة على جلالة هذا الفعل ~~بخصوصه. # ولما كان الأصل في هذا الوجود الظلام، والضياء حادث، وكان ضياؤه ليس ~~خالصا، عبر ب «من» التي تصلح للملابسة مع التخلل في الأجزاء فقال: {منه ~~النهار} أي الذي كان مختلطا به بإزالة الضوء وكشفه عن حقيقة الليل {فإذا ~~هم} بعد إزالتنا للنهار الذي سلخناه من الليل {مظلمون *} أي داخلون في ~~الظلام بظهور الليل الذي كان الضياء ساترا كما يستر الجلد الشاة، قال ~~الماوردي: وذلك أن ضوء # PageV16P128 # النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم - نقله ابن الجوزي عنه، ~~وقد أرشد السياق حتما إلى أن التقدير: والنهار نسلخ منه الليل الذي كان ~~ساتره وغالبا عليه فإذا هم مبصرون. # ولما ذكر الوقتين، ذكر آيتيهما فقال: {والشمس} أي التي سلخ النهار من ~~الليل بغيبوبتها {تجري} ولما كان غيابها بالليل مثل سكون الإنسان في مبيته، ~~وجعلها على خط قدر لسيرها كل يوم بتقدير لا زيع فيه ومنهاج لا يعوج، قال: ~~{لمستقر} أي عظيم {لها} وهو السير الذي لا تعدوه جنوبا ولا شمالا ذاهبة ~~وآئبة، وهي فيه مسرعة - بدليل التعبير باللام في موضع «إلى» ويدل على هذا ~~قراءة «لا مستقر لها» بل هي جارية ابدا إلى انقراض الدنيا في موضع مكين ~~محكم هو أهل للقرار، وعبر به ms3953 مع أنها لا تستقر ما دام هذا الكون لئلا يتوهم ~~أن دوام حركتها لأجل أن موضع جريها لا يمكن الاستقرار عليه، ولا ينافي هذا ~~ما في صحيح البخاري وفي كتاب الإيمان من صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مستقرها تحت العرش، وأنها تذهب فتستأذن ~~في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من ~~مغربها» - هذا لفظ مسلم، # PageV16P129 # وسيأتي لفظ البخاري، ويمكن أن يكون المستقر آخر جريها عند إبادة هذا ~~الوجود. # ولما كان هذا الجري على نظام لا يختل على مر السنين وتعاقب الأحقاب تكل ~~الأوهام عن استخراجه، وتتحير الأفهام في استنباطه، عظمه بقوله: {ذلك} أي ~~الأمر الباهر للعقول؛ وزاد في عظمه بصيغة التفعيل في قوله: {تقدير} وأكد ~~ذلك لافتا القول عن مطلق مظهر العظمة إلى تخصيصه بصفتي العزة والعلم تعظيما ~~لهذه الآية تنبيها على أنها أكبر آيات السماء فقال: {العزيز} أي الذي لا ~~يقدر أحد في شيء من أمره على نوع مغالبة، وهو غالب على كل شيء {العليم *} ~~أي المحيط علما بكل شيء الذي يدبر الأمر، فيطرد على نظام عجيب ونهج بديع لا ~~يعتريه وهن ولا يلحقه يوما نوع خلل إلى أن يريد سبحانه إبادة هذا الكون ~~فتسكن حركاته وتفنى موجوداته، روى البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ~~«كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال: يا أبا ~~ذر! أتدري أين تذهب؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد # PageV16P130 # تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا ~~يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فذلك قوله تعالى: {والشمس تجري ~~لمستقر لها} » . # PageV16P131 # ولما ذكر آية النهار، أتبعها آية الليل فقال: {والقمر} ومعناه في قراءة ~~ابن كثير ونافع وأبي عمرو وروح عن يعقوب بالرفع: يجري لمستقر له، ونصبه ~~الباقون دلالة على عظمة هذا الجري لسرعته بقطعه في شهر ما تقطعه الشمس في ms3954 ~~سنة، ولذلك ضعف الفعل المفسر للناصب وأعمله في ضمير القمر ليكون مذكورا ~~مرتين فيدل على شدة العناية تنبيها على تعظيم الفعل فيه، وأعاد مظهر العظمة ~~فقال مستانفا في قراءة الرفع: {قدرناه} أي قسناه قياسا عظيما أي قسنا لسيره ~~{منازل} ثمانية وعشرين، ثم يستسر ليلتين: عند التمام وليلة للنقصان لا يقدر ~~يوما أن يتعداه قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: يبعد عن الشمس ولا يزال ~~يتباعد حتى يعود بدرا ثم يدنو فكلما ازداد من الشمس دنوا ازداد في نفسه ~~نقصانا إلى أن يتلاشى. {حتى عاد} أي بعد أن كان بدرا عظيما {كالعرجون} من ~~النخل وهو عود العذق ما بين شماريخه إلى منتهاه وهو منبته من النخلة # PageV16P131 # دقيقا منحنيا، وهو فعلول ذكره أهل اللغة في النون وقالوا: عرجن الثوب: ~~صور فيه صور العراجين، وقال المفسرون: إنه من عرج، أي أعوج. ولما كانت ~~حمرته آخذة إلى صفرة قال: {القديم *} أي المحول، فإن العرجون إذا طال مكثه ~~صار كذلك، فدق وانحنى واصفر. # ولما تقرر أن لكل منهما منازل لا يعدوها، فلا يغلب ما هو آيته ما هو آية ~~الآخر، بل إذا جاء سلطان هذا ذهب ذاك، وإذا جاء ذاك ذهب هذا، فإذا اجتمعا ~~قامت الساعة، تحرر أن نتيجة هذه القضايا: {لا الشمس} أي التي هي آية النهار ~~{ينبغي لها} أي ما دام هذا الكون موجودا على هذا الترتيب {أن تدرك} أي لأن ~~حركتها بطيئة {القمر} أي فتطمسه بالكلية، فما النهار سابق الليل {ولا اليل ~~سابق النهار} أي حتى ينبغي للقمر مع سرعة سيره أن يدرك الشمس ويغلبها فلا ~~يوجد نهار أصلا، ولو قيل: يستبق لاختل المعنى لإيهامه أنه لا يتقدمه أصلا ~~فالآية من الاحتباك: نفى أولا إدراك الشمس لقوتها دليلا على ما حذف من ~~الثانية من نفي إدراك القمر للشمس، وذكر ثانيا سبق الليل النهار لما له من ~~القوة # PageV16P132 # بما يعرض من النهار فيغشيه دليلا على حذف سبق النهار الليل أولا {وكل} أي ~~من المذكورات حقيقة ومجازا {في فلك} محيط به، ولما ذكر لها فعل ms3955 العقلاء، ~~وكان على نظام محرر لا يختل، وسير مقدر لا يعوج ولا ينحل، فكان منزها عن ~~آفة تلحقه، أو ملل يطرقه، عبر بما تدور مادته على القدرة والشدة والاتساع ~~فقال: آتيا بضمير العقلاء جامعا لأنه أدل على تسخيرهم دائما: {يسبحون *} ~~حثا على تدبر ما فيها من الآيات التي غفل عنها - لشدة الإلف لها - ~~الجاهلون. # ولما ذكر ما حد له حدودا في السباحة في وجه الفلك لو تعداها لاختل ~~النظام، ذكر ما هيأه من الفلك للسباحة على وجه الماء الذي طبق الأرض في زمن ~~نوح عليه السلام حتى كانت كالسماء، ولو تعدت السفينة ما حد لها سبحانه من ~~المنازل فنفذت إلى بحر الظلمات لفسد الشأن، وكانوا فيها كأنهم في الأرض، ~~وبسيرها كأنهم يخترقون الجبال والفيافي والقفار - كل ذلك تذكيرا بأيام ~~الله، وتنبيها على استدرار نعمه، وتحذيرا من سطواته ونقمه، ومنا عليهم بما ~~يسر لهم من سلوك البحر والتوصل به إلى جليل المنافع فقال: {وآية لهم} أي # PageV16P133 # على قدرتنا التامة الشامل {أنا} أي على ما لنا من العظمة {حملنا} . # ولما كان من قبل نوح عليه السلام من أصول البشر لم يحملوا في الفلك، عدل ~~عن التعبير بالضمير والآباء إلى قوله: {ذريتهم} أي ذرية البشر التي ذرأناها ~~وذروناها وذررناها حتى ملأنا بها الأرض من ذلك الوقت إلى آخر الدهر، ولهذا ~~التكثير المفهوم من هذا الاشتقاق البليغ اغتنى ابن كثير وأبو عمرو ~~والكوفيون فقرؤوا بالإفراد، وزادت في الإيضاح قراءة الباقين بالجمع، بعضهم ~~ظاهرا وبعضهم في ظهر أبيه {في الفلك} عرفه لشهرته بين جميع الناس {المشحون ~~*} أي الموقر المملوء حيوانا وزادا، وهو يتقلب في تلك المياه التي لم ير قط ~~مثلها ولا يرى أبدا، ومع ذلك فسلمه الله. # ولما كانت هذه الآية لم تنقطع بل عم سبحانه بنفعها: {وخلقنا} أي بعظمتنا ~~الباهرة {لهم من مثله} أي من مثل ذلك الفلك من الإبل والفلك {ما يركبون *} ~~أي مستمرين على ذلك على سبيل التجدد ليقصدوا منافعهم، ولو شئنا لمنعنا ذلك. # ولما كان قد أنجى سبحانه آباءنا حين ms3956 حمله في ذلك الماء الذي لم يكن مثله ~~قط، وكان ربما ظن أن الإنجاء لسر من الأسرار غير # PageV16P134 # إرادته، جعل أمر ما خلق من مثله تارة وتارة ليعرف أن ذلك هو بصنعه فتشكر ~~نعمته أولا وآخرا فقال: {وإن نشأ} أي لأجل ما لنا من القوة الشاملة ~~{نغرقهم} أي مع أن هذا الماء الذي يركبونه لا يعشر ذلك الذي حملنا فيه ~~آباءهم {فلا صريخ لهم} أي مغيث ينجيهم مما نريد بهم من الغرق {ولا هم} أي ~~بأنفسهم من غير صريخ {ينقذون *} أي يكون لهم إنقاذ أي خلاص بأنفسهم أو ~~غيرها. # ولما كان هو سبحانه يصرخ من يشاء فينجيه وكانت «لا» نافية نفيا مستغرقا، ~~استثنى ما كان منه سبحانه فقال: {إلا رحمة} أي إلا نحن فننقذهم إن شئنا ~~رحمة {منا} أي لهم، لا وجوبا علينا، ولا لمنفعة تعود منهم إلينا {ومتاعا} ~~أي لهم {إلى حين *} أي وهو حين انقضاء آجالهم. # ولما كان هذا الحال معلوما لهم لا ينازعون فيه بوجه، بل إذا وقعوا فيه ~~أخلصوا الدعاء وأمروا به وخلعوا الأنداد، وكان علم ذلك موجبا لصاحبه أن لا ~~يغفل عن القادر عليه وقتا ما، بل لا يفتر عن شكره خوفا من مكره، وكان ~~العاقل إذا ذكر بأمر فعلمه يقينا كان جديرا بأن يقبله، فإذا لم يقبله وخوف ~~عاقبته بأمر محتمل جد في الاحتراز منه، عجب منهم في إعراضهم عنه سبحانه مع ~~قيام الأدلة القاطعة على # PageV16P135 # وحدانيته وأنه قادر على ما يريد من عذاب وثواب، وإقبالهم على ما لا ~~ينفعهم بوجه، فقال: {وإذا قيل} أي من أي قائل كان {لهم اتقوا} أي خافوا ~~خوفا عظيما تعالجون فيه أنفسكم {ما بين أيديكم} أي بما يمكن أن تقعوا فيه ~~من العثرات المهلكة في الدارين {وما خلفكم} أي ما فرطتم فيه ولم تجاروا به ~~ولا بد من المحاسبة عليه لأن الله الذي خلقكم أحكم الحاكمين {لعلكم ترحمون ~~*} أي تعاملون معاملة المرحوم بالإكرام. # PageV16P136 # ولما كان التقدير: أعرضوا لأن الإعراض قد صار لهم خلقا لا يقدرون على ~~الانفكاك من ms3957 أسره، عطف عليه قوله إشارة إليه: {وما تأتيهم} وعمم بقوله: {من ~~آية} وبين قوله: {من آيات} ولفت الكلام للتذكير بالإنعام تكذيبا لهم في ~~أنهم أشكر الناس للمنعم فقال: {ربهم} أي المحسن إليهم {إلا كانوا عنها} أي ~~مع كونها من عند من غمرهم إحسانه وعمهم فضله وامتنانه {معرضين *} أي دائما ~~إعراضهم. # ولما كانت الرحمة بالرزق والنصر إنما تنال بالرحمة للضعفاء «هل ترزقون ~~وتنصرون إلا بضعفائكم» «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» # PageV16P136 # وكان الإنفاق خلق المؤمنين، قال مبينا أنهم انسلخوا عن الإنسانية جملة ~~فلا يخافون ما يجوز وقوعه من العذاب، ولا يرجون ما يجوز حلوله من الثواب: ~~{وإذا قيل لهم} أي من أي قائل كان: {أنفقوا} أي على من لا شيء، شكرا لله ~~على ما أنجاكم منه ونفعكم به بنفع خلقه الذين هم عياله، وبين أنهم يبخلون ~~بما لا صنع لهم فيه ولم تعمله أيديهم بل ببعضه فقال: {مما رزقكم} وأظهر ولم ~~يضمر إشارة إلى جلالة الرزق بجلالة معطيه، وزاد في تقريعهم بجعل ذلك الظاهر ~~اسم الذات لأنه لا ينبغي أن يكون عطاء العبد على قدر سيده فقال: {الله} أي ~~الذي له جميع صفات الكمال {قال} وأظهر تبكيتا لهم بالوصف الحامل لهم على ~~البخل فقال: {الذين كفورا} أي ستروا وغطوا ما دلتهم عليه أنوار عقولهم من ~~الخيرات {للذين آمنوا} أي القائلين بذلك المعتقدين له سواء كانوا هم ~~القائلين لهم أو غيرهم منكرين عليهم استهزاء بهم عادلين عما اقتضى السؤال ~~عن ذكر الإنفاق إلى ما يفيد التقريع بالفقر والحاجة إلى الأكل: {أنطعم} ~~وعدلوا عن التعبير بالماضي لئلا يقال لهم: قد تولى سبحانه إطعامه من حين ~~خلقه إلى الآن، فقالوا: {من لو يشاء} وأظهروا حدا له ومساعيه فقالوا: # PageV16P137 # {الله} أي الذي له جميع العظمة كما زعمتم في كل وقت يريده {أطعمه} أي ~~لكنا ننظره لا يشاء ذلك فإنه لم يطعمهم لما نرى من فقرهم فنحن أيضا لا نشاء ~~ذلك بموافقة لمراد الله فيه فتركوا التأدب مع الأمر وأظهروا التأدب مع بعض ~~الإرادة المنهي عن ms3958 الجري معها والاستسلام لها، وما كفاهم حتى قالوا لمن ~~أرشدهم إلى الخير على طريق النتيجة لما تقدم: {إن} أي ما {أنتم إلا في ~~ضلال} أي محيط بكم {مبين *} أي في غاية الظهور، وما دروا أن الضلال إنما هو ~~لهم لأنه سبحانه إنما جعل إطعام بعض خلقه بلا واسطة وبعضهم بواسطة امتحانا ~~منه للمطيع والعاصي والشاكر والكافر والجزع والصابر - وغير ذلك من حكمه. # ولما ذكر قلة خيرهم المستندة إلى تهكمهم باليوم الذي ذكروا به بالأمر ~~بالاتقاء والتعليل بترجي الرحمة، أتبعه حكاية استهزاء آخر منهم دال على ~~عظيم جهلهم بتكذيبهم بما يوعدون على وجه التصريح بذلك اليوم والتصوير له ~~بما لا يسع من له أدنى مسكة غير الانقياد له فقال: {ويقولون} أي عادة ~~مستمرة مضمونة إلى ما تقدم مما يستلزم تكذيبهم، وزادوا بالتعبير بأداة ~~القرب في تقريعهم إشارة إلى أنكم زدتم علينا # PageV16P138 # في التهديد به والتقريب له حتى ظن أنه مصبحنا أو ممسينا ولم نحس منه عينا ~~ولا أثرا: {متى هذا} وزادوا في الاستهزاء بتسميته وعدا فقالوا: {الوعد} أي ~~الذي تهددوننا به تارة تلويحا وتارة تصريحا، عجلوه لنا. وألهبوا وهيجوا ~~زيادة في التكذيب بقولهم: {إن كنتم صادقين *} ولما كان الحازم من لا يتهكم ~~بشيء إلا إذا استعد له بما هو محقق الدفع، بين سفههم بإتيانها بغتة وبأنه ~~لا بد من وقوعها، وأنها بحيث تملأ السماوات والأرض، فكأنه لا شيء فيهما ~~غيرها بقوله: {ما ينظرون} أي مما يوعدون ويجوز أن يكون بمعنى «ينتظرون» لأن ~~استبطاءهم لها في صورة الانتظار وإن أرادوا به الاستهزاء وجرد الفعل تقريبا ~~لها لتحقق وقوعه {إلا صيحة} وبين حقارة شأنهم وتمام قدرته بقوله: {واحدة} ~~وهي النفخة الأولى المميتة، واقتصر في تأكيد الوحدة على هذا بخلاف ما يأتي ~~في المحيية لأنهم لا ينكرون أصل الموت {تأخذهم} أي تهلكهم؛ وبين غرورهم ~~بقوله: {وهم يخصمون *} أي يختصمون أي يتخاصمون في معاملاتهم على غاية من ~~الغفلة، ولعله عبر بذلك إشارة بالإدغام اللازم عنه التشديد إلى تناهي ~~الخصام بإقامة أسبابه أعلاها وأدناها # PageV16P139 # إلى حد ms3959 لا مزيد عليه لأن التاء معناه عند أهل الله انتهاء التسبيب إلى ~~أدناه وكل ذلك إشارة إلى أنهم في وقت الصعق يكونون في أعظم الأمان منها لأن ~~إعراضهم عنها بلغ إلى غاية لا مزيد عليها، ويشير الإدغام أيضا إلى أن ~~خصومتهم في غاية الخفاء بالنسبة إلى الصيحة، وأن بلغت الخصومة النهاية في ~~الشدة، ولم يقرأ أحد «يختصمون» بالإظهار إشارة إلى أنه لا يقع في ذلك الوقت ~~خصومه كاملة حتى تكون ظاهرة بل تهلكهم الصيحة قبل استيفاء الحجج وإظهار ~~الدلائل، فمنها ما كان ابتدأ فيه اصحابه فأوجزوا - بما أشارت إليه قراءة ~~حمزة بإسكان الخاء وكسر الصاد مخففا، ومنها ما كان متوسطا وفيه خفاء وعلو - ~~بما أشار إليه تشديد الصاد مع اختلاس فتحة الخاء، ومنها ما هو كذلك وهو إلى ~~الجلاء أقرب - بما أشار إليه إخلاص فتحة الخاء مع تشديد الصاد، وأشار من ~~قرأه كذلك مع كسر الخاء إلى التوسط مع الخفاء والسفول، والله أعلم. # ولما كانت هذه النفخة المميتة، سبب عنها قوله: {فلا يستطيعون توصية} أي ~~أن يوجدوا الوصية في شيء من # PageV16P140 # الأشياء، والاستفعال والتفعيل يدلان على أن الموت ليس حين سماع أول الصوت ~~بل عقبه من غير مهلة لتمام أمر ما. # ولما كان ذلك ليس نصا في نفي المشي قال: {ولا إلى أهلهم} أي فضلا عن ~~غيرهم {يرجعون *} بل يموت كل واحد في مكانه حيث تفجأه الصيحة، وربنا أفهم ~~التعبير ب «إلى» أنهم يريدون الرجوع فيخطون خطوة أو نحوها، وفي الحديث ~~«ليقومن من الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يبيعانه ولا يطويانه، ~~ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها» . # ولما دل ذلك على الموت قطعا، عقبه بالبعث، ولذلك عبر فيه بالنفخ فإنه ~~معروف في إفاضة الروح فقال: {ونفخ في الصور} أي الذي أخذتهم صيحته، وجهله ~~إشارة إلى أنه لا توقف له في نفس الأمر على نافخ معين ليكون عنه ما يريد ~~سبحانه من الأثر، بل من أذن له الله كائنا من كان تأثر عن نفخه ما ms3960 ذكر، وإن ~~كنا # PageV16P141 # نعلم أن المأذون له إسرافيل عليه السلام. # ولما كان هذا النفخ سببا لقيامهم عنده سواء من غير تخلف، عبر سبحانه بما ~~يدل على التعقب والتسبب والفجاءة فقال: {فإذا هم} أي في حين النفخ {من ~~الأجداث} أي القبور المهيأة هي ومن فيها لسماع ذلك النفخ {إلى ربهم} أي ~~الذي أحسن إليهم بالتربية والتهيئة لهذا البعث فكفروا إحسانه، لا إلى غيره ~~{ينسلون *} أي يسرعون المشي مع تقارب الخطى بقوة ونشاط، فيا لها من قدرة ~~شاملة وحكمة كاملة، حيث كان صوت واحد يحيي تارة ويميت أخرى، كأنه ركب فيه ~~من الأسرار أنه يكسب كل شيء ضد ما هو عليه من حياة أو موت أو غشي أو إفاقة. # PageV16P142 # ولما تشوفت النفس إلى سماع ما يقولون إذا عاينوا ما كانوا ينكرون، استأنف ~~قوله: {قالوا} أي الذين هم من أهل الويل من عموم الذين الذين قاموا بالنفخة ~~وهم جميع من كان قد مات قبل ذلك. ولما كانوا عالمين بأن جزاء ما أسلفوا كل ~~خزي، اتبعوه قولهم حاكيا سبحانه عبارتهم إذ ذاك لأنه أنكى لهم: {يا ويلنا} ~~أي ليس # PageV16P142 # بحضرتنا اليوم شيء ينادمنا إلا الويل، ثم استفهموا جربا على عادتهم في ~~الغباوة فقالوا مظهرين لضميرهم تخصيصا للويل بهم لأنهم في معرض الشك: {من ~~بعثنا من مرقدنا} عدوا مكانهم الذين كانوا به - مع ما كانوا فيه من عذاب ~~البرزخ - مرقدا هنيئا بالنسبة إلى ما انكشف لهم أنهم لا قوة من العذاب ~~الأكبر، ووحدوه إشارة إلى أنهم على تكاثرهم وتباعدهم كانوا في القيام كنفس ~~واحدة ثم تذكروا ما كانوا يحذرونه من أن الله هو يبعثهم للجزاء الذي هو ~~رحمة الملك لأهل مملكته، فقالوا مجيبين لأنفسهم استئنافا: {هذا ما} أي ~~الوعد الذي {وعد} أي به، وحذفوا المفعول تعميما لأنهم الآن في حيز التصديق ~~{الرحمن} أي العام الرحمة الذي رحمانيته مقتضية ولا بد للبعث لينصف المظلوم ~~من ظالمه، ويجازي كلا بعمله من غير حيف، وقد رحمنا بإرسال الرسل إلينا ~~بذلك، وطال ما أنذرونا حلوله، وحذرونا صعوبته وطوله. ولما ms3961 كان التقدير: ~~فصدق الرحمن، عطف عليه قوله: {وصدق} أي في أمره {المرسلون *} أي الذين ~~أتونا بوعده ووعيده، فالله الذي تقدم وعده به وأرسل به ورسله هو الذي بعثنا ~~تصديقا لوعده ورسله. # PageV16P143 # ولما كان الإخبار بالنفخ لا ينفي التعدد، قال محقرا لأمر البعث بالنسبة ~~إلى قدرته مظهرا للعناية بتأكيد كونها واحدة بجعل الخبر عنه أصلا مستقلا ~~بفضله عن النفخ والإتيان فيه بفعل الكون و «إن» النافية لأدنى مظاهر ~~مدخولها فكيف بما وراءه دون «ما» التي إنما تنفي التمام: {إن} أي ما {كانت} ~~أي النفخة التي وقع الإحياء بها مطلق كون {إلا صيحة واحدة} أي كما كانت ~~نفخة الإماتة واحدة {فإذا هم} أي فجأة من غير توقف أصلا {جميع} أي على حالة ~~الاجتماع، لم يتأخر منهم أحد، يتعللون به في ترك الانتصار، ودوام الخضوع ~~والذل والصغار، ولما كان ذلك على هيئات غريبة لا يبلغ كنهها العقول، قال ~~لافتا القول إلى مظهر العظمة معبرا بما للأمور الخاصة: {لدينا} ولما كان ~~ذلك أمرا لا بد منه، ولا يمكن التخلف عنه، عبر بصيغة المفعول وأكد معنى ~~الاجتماع بالجمع نظرا إلى معنى جميع ولم يفرد اعتبارا للفظها لما ذكر من ~~المعنى فقال: {محضرون *} أي بغاية الكراهة منهم لذلك بقادة تزجرهم وساقة ~~تقهرهم. # ولما كان هذا الإحضار بسبب العدل وإظهار جميع صفات الكمال قال: {فاليوم} ~~ولما كان نفي الظلم مطلقا أبلغ من نفيه عن أحد بعينه، وأدل على المراد ~~وأوجز، قال لافتا القول عن الإظهار أو الإضمار بمظهر العظمة أو غيره! {لا ~~تظلم} ولما كان التعبير # PageV16P144 # بما كثر جعله محط الرذائل والحظوظ والنقائص أدل على عموم نفي الظلم قال: ~~{نفس} أي أي نفس كانت مكروهة أو محبوبة {شيئا} أي لا يقع لها ظلم ما من أحد ~~ما في شي ما. ولما كانت المجازاة بالجنس أدل على القدرة وأدخل في العدل، ~~قال محققا بالخطاب والجمع أن المنفي ظلمه كل من يصلح للخطاب لئلا يقع في ~~وهم أن المنفي ظلمه نفوس مخصوصة أو نفس واحد: {ولا تجزون} أي على ms3962 عمل من ~~الأعمال شيئا من الجزاء من أحد ما {إلا ما كنتم تعملون *} ديدنا لكم بما ~~ركز في جبلاتكم. # ولما قرر أن الجزاء من جنس العمل، شرع في تفصيله، وبدأ بأشرف الحزبين في ~~جواب من سأل عن هذا الجزاء فقال مؤسفا لأهل الشقاء بالتذكير بالتأكيد بما ~~كان لهم من الإنكار في الدنيا وإظهار للرغبة في هذا القول والتبجح به لما ~~له من عظيم الثمرة: {إن اصحاب الجنة} أي الذين لا حظ للنار فيهم، وكرر ~~التعبير باليوم تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره على إثر نفختيه المميتة ~~والمقيمة بذكر بعض ثمراته، وجمل من عظائم تأثيراته، فقال: {اليوم} أي يوم ~~البعث، وهذا يدل على أنه يعجل دخولهم أو دخول بعضهم إليها ووقوف الباقين ~~للشفاعة ونحوها من الكرامات عن دخول أهل النار النار، وعبر بما يدل على ~~أنهم # PageV16P145 # بكلياتهم مقبلون عليه ومظروفون له مع توجههم إليه فقال: {في شغل} أي عظيم ~~جدا لا تبلغ وصفه العقول كما كانوا في الدنيا في أشغل الشغل بالمجاهدات في ~~الطاعات. ولما تاقت النفوس إلى تفسير هذا الشغل قال: {فاكهون *} أي لهم عيش ~~المتفكة، وهو الأمن والنعمة والبسط واللذة وتمام الراحة كما كانوا يرضوننا ~~بإجهاد أنفسهم وإتعابها وإشقائها وإرهابها، وقراءة أبي جعفر بحذف الالف ~~أبلغ لأنها تدور على دوام ذلك لهم وعلى أنهم في أنفسهم في غاية ما يكون من ~~خفة الروح وحسن الحديث. # ولما كانت النفس لا يتم سرورها إلا بالقرين الملائم قال: {هم} أي ~~بظواهرهم وبواطنهم {وأزواجهم} أي أشكالهم الذين هم في غاية الملاءمة كما ~~كانوا يتركونهم في المضاجع على ألذ ما يكون، ويصفون أقدامهم في خدمتنا وهم ~~يبكون {في ظلال} أي يجدون فيها برد الأكباد وغاية المراد، كما كانوا يشوون ~~أكبادهم في دار العمل بحر الصيام، وتجرع مرارات الأوام، والصبر في مرضاتنا ~~على الآلام، ويقرون أيديهم وقلوبهم عن الأموال، ببذل الصدقات في سبلنا على ~~مر الأيام وكر الليال، وقراءة حمزة والكسائي بضم الظاء وحذف # PageV16P146 # الألف على أنه أشد امتدادا، ويدل اتفاقهما في الجمع على أن الظل فيها ms3963 ~~مختلف باختلاف الأعمال. # ولما كان التمتع لا يكمل إلا مع العلو الممكن من زيادة العلم الموجب ~~لارتياح النفس وبهجة العين بانفساح البصر عند مد النظر، قال: {على الأرائك} ~~أي السرر المزينة العالية التي هي داخل الحجل، قال البغوي: قال ثعلب: لا ~~يكون أريكة حتى يكون عليها حجلة، وقال ابن جرير: الأرائك: الحجال فيها ~~السرر، وروى أبو عبيد في كتاب الفضائل عن الحسن قال: كنا لا ندري ما ~~الأرائك حتى لقينا رجلا من أهل اليمن فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحجلة فيها ~~السرير. وهذا جزاء لما كانوا يلزمون المساجد ويغضون الأبصار ويضعون نفوسهم ~~لأجلنا {متكئون *} كما كانوا يدأبون في الأعمال قائمين بين أيدينا في أغلب ~~الأحوال، والاتكاء: الميل على شق مع الاعتماد على ما يريح الاعتماد عليه، ~~أو الجلوس مع التكمن على هيئة المتربع، وقراءته بضم # PageV16P147 # الكاف وحذف الهمزة أدل على التربع وما قاربه، وقراءة كسر الكاف وضم ~~الهمزة أدل على القرب من التمدد لما فيها من الكسرة، فإنه يقال كما نقله ~~أبو عبد الله القزاز: اتكأت الرجل اتكاء - إذا وسدته أي جعلت له وسادة، أي ~~محذة يستريح عليها. # PageV16P148 # ولما قدم المعاني التي توجب أكل الفاكهة، أتى بها فقال: {لهم} أي خاصة ~~بهم {فيها فاكهة} أي لا تنقطع أبدا، فلا مانع لهم من تناولها، ولا يوقف ذلك ~~على غير الإرادة. ولما كانت الفاكهة قد تطلق على ما يلذذ، صرح بأن ذلك هو ~~المراد، فقال معبرا بالعطف لتكون الفاكهة مذكورة مرتين خصوصا وعموما: ~~{ولهم} ولما كان السياق لأصحاب الجنة الذين تفهم الصيحة أنهم فيها دائما ~~وإن كانوا في الدنيا، أعري الكلام من الظرف ليفهم إجابة دعائهم في الدنيا ~~وإنالتهم جميع مرادهم في الدارين فقال: {ما يدعون} أي الذي يطلبون طلبا أما ~~إخراجا لما قد يهجس في النفس من غير عزم عليه إن كان المراد في الجنة من ~~غير كلام الله كالمآكل والمشارب ونحوها، وإما إظهارا للاهتمام إن كان ~~المراد أنه كلامه سبحانه، وذلك # PageV16P148 # لأجل ما كانوا في الدنيا يفطمون أنفسهم عن الشهوات عزوفا ms3964 عما يفنى، ~~وطموحا إلى ما عندنا من الباقيات الصالحات، ثم فسر الذي يدعونه - أي ~~يطلبونه - بغاية الاشتياق إليه أو استأنف الإخبار عنه بقوله: {سلام} أي ~~عظيم جدا لا يكتنه وصفه، عليكم يا أهل الجنة، كائن هو أو مقول هو، والسلام ~~يجمع جميع النعم، ثم بين حال هذا السلام بما أظهر من عظمه بقوله: {قولا من ~~رب} أي دائم الإحسان {رحيم *} أي عظيم الإكرام بما ترضاه الألهية، كما ~~كانوا في الدنيا يفعلون كل ما فيه الرضا، فيرحمهم في حال السلام وسماع ~~الكلام بلذة الرؤية مع التقوية عن الدهش والصعق لعظيم الأمر وبالتأهيل لهذا ~~المقام الأكرم مع قصورهم عنه، وقد أوضح هذا السياق أنه من الله تعالى بلا ~~واسطة، فإنه أكده بالقول وحرف الابتداء، وذكر صفات الإحسان كما قال الأستاذ ~~أبو القاسم القشيري: ولا ارتياب في أنه لا شيء يعدل هذا في النعيم وقرة ~~العين والشرف وعلو القدر، ولا شك أن هذا هو المقصود بالحقيقة، فهو قلب ~~النعيم في ذلك اليوم الذي هو قلب الوجود حقا خفاء وصلاحا وفسادا، فصح أن ~~هذه # PageV16P149 # الآية قلب هذه السورة كما كانت هذه السورة قلب القرآن، وقد ورد حديث في ~~تفسير البغوي وكتاب المائتين للأستاذ أبي عثمان الصابوني أنه من الله تعالى ~~بلا واسطة عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى ~~قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم با أهل الجنة، وذلك قوله تعالى ~~{سلام قولا من رب رحيم} فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من ~~النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته في ديارهم» # قال الأستاذ أبو عثمان: هذا حديث غريب الإسناد والمتن لا أعلم إني كتبته ~~إلا من هذا الوجه. # ولما كان التقدير: فانظروا وازدادوا حسرة أيها المجرمون، عطف عليه قوله: ~~{وامتازوا} أي انفردوا انفرادا هو بغاية القصد، وجرى على النمط الماضي من ~~زيادة التهويل لذلك الموقف ms3965 بإعادة قوله: {اليوم} أي عن عبادي الصالحين أو ~~عمن بقي منهم معكم في الموقف ليظهروا من أوضارهم، ويشفوا من مضارهم، لأن ~~غيبة الرقيب أتم النعيم، وإبعاد العدو أعلى السرور، وحذف أداة النداء لا ~~لقرب الكرامة بل للدلالة # PageV16P150 # على أنهم في القبضة لا مانع من غاية التصرف فيهم لكل ما يراد لأنه لا ~~حائل دونهم {أيها المجرمون *} أي العريقون في الإجرام، فلا يقع في أوهامكم ~~أنكم تخالطونهم اليوم أصلا، وهذا ما كنتم تمتازون عنهم في الدنيا ~~وتقاطعونهم ترفعا واستكبارا، فهذا قوله للمجرمين وذلك قوله للمؤمنين، فصح ~~أنه قلب لأنه به صلاح بعض المكلفين وفساد الآخرين الذي هو تمام صلاح ~~الأولين، وقد تقدم في أوائل سورة الروم منام ينفع استحضاره هنا. # ولما أمرهم بالامتياز أمرا إراديا حكميا، فامتازوا في الحال، وأسروا ~~الندامة وسقط في أيديهم فعضوا الأنامل، وصروا بالأسنان، وشخصت منهم ~~الأبصار، وكلحت الوجوه، وتقلصت الشفاه، ونكست الرؤوس وشحبت الألوان، وسحبوا ~~على الوجوه، وكان من فنون المساءة وشؤون الحسرة ما تعجز عنه العقول، وتذوب ~~من ذكره النفوس، وتنخلع القلوب، قال سبحانه موبخا لهم في تلك الحال بهذا ~~المقال معللا حكمه عليهم بذلك بأنه لم يتركهم هملا بل ركب فيهم من العقول ~~ونصب لهم من الدلائل على كماله ما هو كاف لهم في النجاة ثم ما وكلهم # PageV16P151 # إلى ذلك، بل أرسل إليهم رسلا وأنزل عليهم كتبا: {ألم أعهد} أي أوصيكم ~~إيصاء عظيما بما نصبت من الأدلة، ومنحت من العقول، وبعثت من الرسل، وأنزلت ~~من الكتب، في بيان الطريق الموصل إلى النجاة، لافتا القول عن مظهر الإحسان ~~إلى ما هو أولى به من مظهر التكلم بالوحدة دفعا للبس، ثم أشار إلى علوه ~~وجلاله، وعظمه وسمو كماله فقال: {إليكم} . # ولما كان المقصود بهذا الخطاب تقريعهم وتوبيخهم وتبكيتهم، وكانت هذه ~~السورة القلب، وكان القلب أشرف الأعضاء، وكان الإنسان أشرف الموجودات، خصه ~~بالخطاب لأنه خطابه خطاب للجن فقال مؤكدا ما أفهمه حرف الغاية من علو ~~رتبته، وعظيم منزلته بما أشارت إليه أداة البعد: {يا بني آدم} أي ms3966 فلم أخصكم ~~بذلك عن أبناء غير نوعكم ليكون ذلك التخصيص حاملا لكم على العصيان بل ليكون ~~موجبا للطاعات والعرفان: {أن لا تعبدوا الشيطان} أي البعيد المحترق بطاعتكم ~~له فيما يوسوس لكم به، ثم علل النهي عن عبادته بما يقتضي # PageV16P152 # شدة النفرة منه بعد أن لوح إلى ذلك بوصفه فقال: {إنه لكم} والتأكيد لأن ~~أفعالهم أفعال من يعتقد صداقته {عدو مبين *} أي ظاهر العداوة جدا من جهة ~~عداوته لأبيكم العداوة التي أخرجتكم من الجنة التي لا منزل أشف منها، ومن ~~جهة أمره لكم بما يبغض الدنيا من التخالف والتخاصم، ومن جهة تزيينه للفاني ~~الذي لا يرغب فيه عاقل لو لم يكن فيه عيب غير فنائه، فكيف إذا كان أكثره ~~أكدارا وأدناسا وأوضارا، فكيف إذا كان شاغلا عن الباقي، فكيف إذا كان عائقا ~~عن المولى، فكيف إذا كان مغضبا له حاجبا عنه. # ولما بكتهم بالتذكير بما ارتكبوا مع النهي عن عبادة العدو تقديما لدرء ~~المفاسد، وبخهم بالتذكير بما ضيعوا مع أخذ العهود من واجب الأمر بعبادة ~~الولي فقال عاطفا على «أن لا» : {وأن اعبدوني} ولما ذكر سبحانه بالأمر ~~بعبادته، عرف بحسنها حثا على لزومها قبل ذلك اليوم قائلا: {هذا} أي الأمر ~~بعبادتي {صراط مستقيم *} أي بليغ القوم، وعبادة الشيطان صراط ضيق معوج غاية ~~الضيق والعوج. # ولما كان التقدير: فاتبعتموه وسلكتم سبيله مع اعوجاجه، وتركتم سبيلي مع ~~ظهور استقامته، عطف عليه قوله: {ولقد أضل منكم} أي عن الطريق الواضح السوي ~~بما سلطته به من الوسوسة، وأكده # PageV16P153 # إشارة إلى أنه أمر لا يكاد أن يصدق به لما يبعد ارتكابه في العادة من ~~اتضاح أمره وظهور فساده وضره. ولما كان الآدمي شديد الشكيمة عالي الهمة إذا ~~أراد، عبر بقوله: {جبلا} أي أمما كبارا عظاما كانوا كالجبال في قوة العزائم ~~وصعوبة الانقياد، ومع ذلك فكان يتلعب بهم تلعبا، فسبحان من أقدره على ذلك ~~وإلا فهو أضعف كيدا وأحقر أمرا، قال في القاموس: الجبل - بالضم: الشجر ~~اليابس والجماعة منا كالجبل كعنق وعدل وعتل وطمر وطمرة وأمير، ثم ms3967 قال: ~~وبالكسر وبالضم وكطمرة: الأمة والجماعة، ثم قال: والجبلة مثلثة ومحركة ~~وكطمرة: الخلقة والطبيعة. ودلت قراءة أبي عمرو وابن عامر بضم الجيم وإسكان ~~الباء وتخفيف اللام على الذين هم في أول مراتب الشدة والقوة، وقراءة ابن ~~كثير وحمزة والكسائي ورويس عن يعقوب بضمتين وتخفيف على ما فوق ذلك مما يقرب ~~من الوسط مع الظهور والعلو للضم من القوة، وقراءة روح كذلك مع # PageV16P154 # تشديد على ما فوق الوسط - بما أشارت إليه الحركات والتشديد، ولكنه مع ~~خفاء، وكأنه بالمكر بما أشار إليه كون الحركتين بالكسر، وعظم سبحانه الأمر ~~بقوله: {كثيرا} ثم زاد في التوبيخ والإنكار بما أنتجه المقام وسببه إضلاله ~~لهم مع ما أوتوا من العقول من قوله: {أفلم} ولما كان سبحانه قد آتاهم عقولا ~~وأي عقول، عبر بالكون فقال: {تكونوا تعقلون *} أي لتدلكم على ما فيه النجاة ~~عقولكم بما نصبت من الأدلة، ومع ما نبهت عليه الرسل، وحذرت منه من إهلاك ~~الماضين، بسبب اتباع الشياطين، وغير ذلك من كل أمر واضح مبين. # ولما أنكر عليهم أن يفعلوا فعل من لا عقل له، قال متمما للخزي: {هذه} ~~إشارة لحاضر أما حال الوقوف على شفيرها أو الدع فيها {جهنم} أي التي ~~تستقبلكم بالعبوسة والتجهم كما كنتم تفعلون بعبادي الصالحين: {التي كنتم} ~~أي كونا هيأتكم به لقبول ما يمكن كونه بما غرزته فيكم من العقول. ولما كان ~~المحذور الإيعاد بها، لا كونه من معين، قال بانيا للمفعول: {توعدون *} أي ~~إن لم ترجعوا عن غيكم {اصلوها} أي قاسوا حرها وتوقدها واضطرامها، # PageV16P155 # وهول أمر ذلك اليوم بإعادة ذكره على حد ما مضى فقال: {اليوم} لتكونوا في ~~شغل شاغل كما كان أصحاب الجنة، وشتان ما بين الشغلين {بما} أي بسبب ما. ~~ولما كانوا قد تجلدوا على الطغيان تجلد من هو مجبول عيله، بين ذلك بذكر ~~الكون فقال: {كنتم تكفرون *} أي تسترون ما هو ظاهر جدا بعقولكم من آياتي ~~مجددين ذلك مستمرين عليه. # PageV16P156 # ولما كان كأنه قيل: هل يحكم فيهم بعلمه أو يجري الأمر على قاعدة الدنيا ~~في ms3968 العمل بالبينة، بين أنه على أظهر من قواعد الدنيا، فقال مهولا لليوم على ~~النسق الماضي في مظهر العظمة لأنه أليق بالتهويل: {اليوم نختم} أي بما لنا ~~من عجيب القدرة المنشعبة من العظمة، ولفت القول إلى الغيبة إيذانا بالإعراض ~~لتناهي الغضب فقال: {على أفواههم} أي لاجترائهم على الكذب في الأخرى كما ~~كان ديدنهم في الدنيا، وكان الروغان والكذب والفساد إنما يكون باللسان ~~المعرب عن القلب، وأما بقية الجوارح فمهما خرق العادة بإقدارها على الكلام ~~لم تنطق إلا بالحق فلذلك قال: {وتكلمنا أيديهم} أي بما عملوا إقرارا هو ~~أعظم شهادة {وتشهد أرجلهم} # PageV16P156 # أي عليهم بكلام بين هو مع كونه شهادة إقرار {بما كانوا} أي في الدنيا ~~بجبلاتهم {يكسبون *} فالآية من الاحتباك: أثبت الكلام للأيدي أولا لأنها ~~كانت مباشرة دليلا على حذفه من حيز الأرجل ثانيا، وأثبت الشهادة للأرجل ~~ثانيا لأنها كانت حاضرة دليلا على حذفها من حيز الأيدي أولا، وبقرينه أن ~~قول المباشر إقرار وقول الحاضر شهادة، روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله ~~عنه قال: «يقول العبد: يا رب! ألم تجرني من الظلم، قال: فيقول: بلى، فيقول: ~~فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، ~~وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق ~~بأعماله، ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل» ~~وبالظاهر أن السر في الختم على فيه منعه من أن يلغط حال شهادتها عليه لئلا ~~يسمع قولها، وكما هو دأب أهل العناد عند الخصام. # ولما أتم بضرب المثل وما بعده الدلالة على مضمون {إنما تنذر من اتبع ~~الذكر} وما عللت به من إحياء الموتى، ودل على ذلك بما تركه كالشمس ليس فيه ~~لبس، وزاد من بحو الفوائد وجميل العوائد ما ملأ الأكوان من موجبات الإيمان، ~~وذكر ما في فريقي # PageV16P157 # المتبعين والممتنعين يوم البعث، وختم بالحتم على الأفواه بعد البعث، ~~أتبعه آية الختم بالطمس والمسخ قبل الموت تهديدا عطفا على ما رجع إليه ~~المعنى مما قبل أول ms3969 ذلك الخطاب من قوله {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} ~~الآية، دفعا لما ربما وقع في وهم أحد أن القدرة لا تتوجه إلى غير الطمس في ~~المعاني بضرب السد وما في معناه، فأخبر أنه كما أعمى البصائر قادر على ~~إذهاب الأبصار، فقال مؤكا لما لهم من الإنكار أو الأفعال التي هي فعل ~~المنكر: {ولو} وعبر بالمضارع في قوله: {نشآء} ليتوقع في كل حين، فيكون أبلغ ~~في التهديد {لطمسنا} وقصر الفعل إشارة إلى أن المعنى: لو نريد لأوقعنا ~~الطمس الذي جعلناه على بصائرهم {على أعينهم} فأذهبنا عينها وأثرها، ~~وجعلناها مساوية للوجه بحيث تصير كأنها لم تكن أصلا، وقد تقدم في النساء ~~نقل معنى هذا عن ابن هشام. # ولما كان الجالس مع شخص في مجلس التنازع وهو يهدده إن لم يرجع عن غيه ~~بقارعة يصيبه بها يبادر الهرب إذا فاجأته منه مصيبة كبيرة خوفا من غيرها ~~جريا مع الطبع لما ناله من الدهش، ومسه من # PageV16P158 # عظيم الانزعاج والوجل، كما اتفق لقوم لوط عليه السلام لما مسح جبريل عليه ~~السلام أعينهم فأغشاها حين بادروا الباب هرابا يقولون: عند لوط أسحر الناس، ~~سبب عن ذلك قوله: {فاستبقوا} أي كلفوا أنفسهم ذلك وأوجدوه. ولما كان ~~المقصود بيان إسراعهم في الهرب، عدى الفعل مضمنا له معنى {ابتدروا} كما قال ~~تعالى: {واستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] فقال: {الصراط} أي الطريق الواضح ~~الذي ألفوه واعتادوه، ولهم به غاية المعرفة. ولما كان الأعمى لا يمكنه في ~~مثل هذه الحالة المشي بلا قائد فضلا عن المسابقة، سبب عن ذلك قوله منكرا: ~~{فأنى} أي كيف ومن أين {يبصرون *} أي فلم يهتدوا للصراط لعدم إبصارهم بل ~~تصادموا فتساقطوا في المهالك وتهافتوا. # ولما كان هذا كله مع القدرة على الحركة قال: {ولو نشاء} أي أن نمسخهم ~~{لمسخناهم} أي حولناهم إلى الجمادية فأبطلنا منهم الحركة الإرادية. ولما ~~كان المقصود المفاجأة بهذه المصائب بيانا لأنه سبحانه لا كلفة عليه في شي ~~من ذلك قال: {على مكانتهم} أي المكان الذي كان قبل المسخ كل شخص منه شاغلا ~~له بجلوس ms3970 أو قيام أو غيره في ذلك الموضع خاصة قبل أن يتحرك منه، وهو معنى ~~قراءة شعبة عن عاصم «مكانتهم» ودل على أن المراد التحويل إلى أحوال ~~الجمادية بما سبب عن ذلك من قوله: {فما استطاعوا} أي بأنفسهم # PageV16P159 # بنوع معالجة {مضيا} أي حركة إلى جهة من الجهات؛ ثم عطف على جملة الشرط ~~قوله: {ولا يرجعون *} أي يتجدد لهم بوجه من الوجوه رجوع إلى حالتهم التي ~~كانت قبل المسخ دلالة على أن هذه الأمور حق لا كما يقولون من أنها خيال ~~وسحر، بل ثباتها لا يمكن أحدا من الخلق رفعه ولا تغيره بنوع تغيير هذا ~~المراد إن شاء الله، ولو قيل: ولا رجوعا - كما قال بعضهم إنه المراد، لم ~~يفد هذا المعنى النفيس. # ولما كانت هذه أمورا فرضية يتأتى لبعض المعاندين اللد الطعن فيها مكابرة، ~~وكان كونه صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة مانعا من المفأجاة بالتعذيب بعذاب ~~الاستئصال بها، دل عليها بما يشاهدونه من باهر قدرته وغريب حكمته في صنعته، ~~فقال دالا بالعاطف على غير معطوف عليه ظاهر على أن التقدير: فقد خلقناهم ~~نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم أولدناهم لا يعلمون شيئا ولا يقدرون على شيء، ثم ~~درجناهم في أطوار الأسنان معلين لهم في معارج القوى الظاهرة والباطنة إلى ~~أن صاروا إلى حد الأشد - وهو استكمال القوى البشرية - فأوقفنا قواهم ~~الظاهرة والباطنة، فلم نجر العادة بأن نحدث فيهم إذ ذاك قوة لم تكن أيام # PageV16P160 # الشباب: {ومن نعمره} أي نطل عمره إطالة كبيرة منهم بعد ذلك {ننكسه} ~~وقراءة عاصم وحمزة بضم أوله وفتح ثانيه وكسر الكاف مشددة دالة على تفاوت ~~الناس في النكس، ولم يقل «في خلقه» لئلا يظن أن المراد أن المعمر له خلق ~~أنشأه وأبدعه {في الخلق} أي فيما أبدعناه من تقدير بدنه وروحه أي نرده على ~~عقبه نازلا في المدارج التي أصعدناه فيها إلى أن تضمحل قواه الحسية فيكون ~~كالطفل فلا يقدر على شيء والمعنوية فلا يعلم شيئا، ومن قدر على مثل هذا ~~التحويل من حالة إلى أخرى ms3971 لم تكن طردا وعكسا قدر على مثل ما مضى من التحويل ~~بلا فرق، غير أنهم لكثرة إلفهم لذلك صيره عندهم هينا، ولقلة وجود الأول ~~صيره عندهم بعيدا، ولذلك سبب عن الكلام قوله: على الأسلوب الماضي في قراءة ~~الجماعة ولفتا إلى الخطاب عند المدنيين ويعقوب لأنه أقرب إلى الاستعطاف ~~وإعلاما بأن الوعظ عام لكل صالح للخطاب: {أفلا يعقلون *} وقال بعض ~~العارفين: قيد بالخلق احترازا عن الأمر، فإن المؤتمر كلما زاد سنا ازداد ~~لربه طاعة وبه علما، يعني أن النكس في البدن أمر لا بد منه، وأما في ~~المعارف فتارة وتارة. # ولما أتم سبحانه الدليل على آية {لقد حق القول على أكثرهم} # PageV16P161 # بأن التكذيب بالأصلين التوحيد والحشر، وبينهما غاية البيان، رجع إلى ~~تثبيت الأصل الثالث وهو أمر الرسول والتنزيل، ولما كان من المعلوم أن الله ~~تعالى أجرى العادة في النوع الآدمي أن من استوفى سن الصبا والشباب اثنين ~~وأربعين سنة حسمت غرائزه فلم يزد فيه غريزة، ووقفت قواه كلها فلم يزد فيها ~~شيء، أما المعاني الحسية فمطلقا، وأما المعنوية فلا تزيد إلا بالتجربة ~~والكسب، ولذلك قالوا: # إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد # وكان من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام تظهر عليهم غرائز العلوم ~~والحكم وغير ذلك مما يجريه الله على أيديهم، ولا ينقص شيء من قواهم بل تزاد ~~كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي غير مكترث، وأن الصحابة رضي ~~الله عنهم ليجهدون أنفسهم، فيكون جهدهم أن يدركوا مشية الهوينا، وأنه صارع ~~ركانة الذي كان يضرب بقوته المثل، وكان واثقا من نفسه بأنه يصرع من صارعه، ~~فلم يملكه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وعاد إلى ذلك ثلاث مرات، كل ذلك ~~لا يستمسك في يده حتى شرع يقول: أن هذا لعجب يا محمد! أتصرعني، وحتى أنه ~~دار على نسائه - وهن تسع - كل واحدة منهن تسع مرات في طلق # PageV16P162 # واحد إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس، ولم يحك عن نبي ~~من الأنبياء ms3972 ممن عاش منهم ألفا ومن عاش دون ذلك أنه نقص شيء من قواه، بل قد ~~ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه # «أن ملك الموت عليه السلام أرسل إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه فلما ~~جاءه صكه ففقأ عينه فقال لربه: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: ارجع ~~إليه فقل له: يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي ~~رب! ثم ماذا؟ قال: الموت، قال فالآن» وفي آخر التوراة: وقضى عبد الله موسى ~~بأرض موآب بأمر الرب، فدفن حذاء بيت فاغورا، ولم يعرف أحد أين قضى إلى ~~يومنا هذا، وكان موسى يوم قضي ابن مائة وعشرين سنة، لم يضعف سني الوقوف في ~~الغرائز والضعف في القوى خرقا للعادة إكراما لهم وتنبيها للناس على صدقهم، ~~علم من العطف على غير معطوف عليه ظاهر ومن الإتيان بضميره صلى الله عليه ~~وسلم من غير تقدم ذكر له أن التقدير: لكن نبينا صلى الله عليه وسلم عمرناه ~~وما # PageV16P163 # نكسناه بل منحناه غرائز من الفضائل عجز عنها الأولون والآخرون، فأتى ~~بقرآن أعجز الإنس والجن، وعلوم وبركات فاتت القوى، ومعلوم قطعا أن الذي أتى ~~به ليس بشعر خلافا لما رموه به بغيا وعدوانا، وكذبا على جنابه وافتراء ~~وتجاوزا في البهت وطغيانا، لأنه قد مضى عليه سن الصبا والشباب جميعا ولم ~~يقل بيت شعر مع ما يرى لكم ولأمثالكم فيه من المفاخرة، وبه من المكاثرة، ~~وقد وصل إلى سن الوقوف المعلوم قطعا أنه لا يحدث للإنسان فيه غريزة لم تكن ~~أيام شبابه لا شعرية ولا غيرها: {وما علمناه} أي نحن {الشعر} فيما علمناه ~~وهو أن يتكلف التقيد بوزن معلوم وروي مقصود وقافيه يلتزمها، ويدير المعاني ~~عليها ويجتلب الألفاظ تكلفا إليها كما كان زهير في قصائده الحوليات وغيره ~~من أصحاب التكلفات {وما أنا من المتكلفين} [ص: 86] لأن ذلك وإن كنتم أنتم ~~تعدونه فخرا لا يليق بجنابنا لأنه لا يفرح به إلا من يريد ترويج كلامه ~~وتحليته بصوغه على ms3973 وزن معروف مقصود وقافيه ملتزمة لكونه لا يقدر على ~~الإتيان بأحسن منه بما لا يقايس من غير التزام وزن ولا قافية على أن فيه ~~نقيصة أخرى، وهي أعظم ما يوجب النفرة منه، وهي أنه لا بد أن يوهي التزامه ~~بعض المعاني، ولما لم نعلمه # PageV16P164 # هذه الدناءة طبعناه على جميع فنون البلاغة، ومكناه من سائر وجوه الفصاحة، ~~ثم أسكنا قلبه ينابيع الحكمة، ودربناه على إلقاء المعاني الجليلة وإن دقت ~~في الألفاظ الجزلة العذبة السهلة موزونة كانت أو لا، وذلك بما ألهمناه إياه ~~ثم بما ألقاه إليه جبريل عليه السلام مما أمرنا له به من جوامع الكلم ~~والكلام، فلا تكلف عنده أصلا، ما خير بين الأمرين إلا اختار أيسرهما ما لم ~~يكن إثما أو قطيعة رحم، وهذا البيت الذي أوردته عزاه في الحماسة في أوائل ~~باب الأدب إلى رجل من بني قريع لم يسمه وقبله: # متى ما يرى الناس الغني وجاره ... فقير يقولوا عاجز وجليد # وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسمت وجدود # إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد # وكائن رأينا من غنى مذمم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد # والمعنى أن كثرة المال وقلته ليست من غريزة من الغرائز، وإنما هي أمر ~~رباني لا مدخل للغرائز من جلاده ولا غيرها فيه، بدليل أنا كثيرا ما رأينا ~~من فاته الغنى شابا جلدا وناله شيخا ضعيفا، وما رأينا # PageV16P165 # من أخطأته المروءة شابا نالها شيخا، وبدليل أنه كم من غني كانت غرائزه ~~ذميمة، وكم من فقير كانت خلائقه محمودة، والمروءة هي الإنسانية، وهي كل أمر ~~هنيء حميد المغبة جميل العاقبة، وهذا هو السيادة، يعني أن من كانت المروءة ~~في غريزته حمله طبعه على تعاطيها في شبابه غنيا كان أو فقيرا، ومن لم يكن ~~عنده لم يقدر على تكلفها في سن الاكتهال، فلله درهم! ما كان أحكمهم وأدراهم ~~بالدقائق وأعلمهم، ولذلك جعل هذا النبي الأمي منهم، فملأت معارفه الأكوان، ~~وسمت في رتب المعاني صاعدة فأين منها كيوان. # ولما كان الشعر مع ms3974 ما بني عليه من التكلف الذي هو بعيدا جدا عن سجايا ~~الأنبياء فكيف بأشرفهم مما يكتسب به مدحا وهجوا، فيكون أكثره كذبا - إلى ~~غير ذلك من معايبه، قال سبحانه وتعالى: {وما ينبغي له} أي وما يصح ولا ~~ينطلب ولا يتأتى أصلا، لأن منصبه أجل، وهمته أعلى من أن يكون مداحا أو ~~عيابا، أو أن يتقيد بما قد يجر إلى نقيصة في المعنى، وجبلته منافية لذلك ~~غاية المنافاة. # PageV16P166 # ولما تمت الدلالة على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وتضمنت أن الشعر - ~~وهو تعمد صوغ الكلام على وزن معلوم وقافية ملتزمة - نقيصة لما ذكر ولما ~~يلزمه التقيد بالوزن والروي والقافية من التقديم والتأخير والتحويم على ~~المعاني من غير إفصاح ولا تبيين فيصير عسر الفهم مستعصي البيان، ونفى عنه ~~صلى الله عليه وسلم تلك النقيصة، فتضمن ذلك تنزيه ما أنزل عليه عنها - كما ~~أشارت إليه نون العظمة في «علمنا» - أثبت له ما ينبغي له فقال كالتعليل لما ~~قبله: {إن} أي ما {هو} أي هذا الذي أتاكم به {إلا ذكر} أي شرف وموعظة ~~{وقرآن} أي جامع للحكم كلها دنيا وأخرى يتلى في المحاريب ويكرر في ~~المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين مع الفصل بين الملبسات ~~{مبين *} أي ظاهر في ذلك مطلق لكل ما فيه لمن يرومه حق رومه، ويسومه بأغلى ~~سومه، بعد أن يشترط في مطلق فهمه ومجرد اللذة به الذكي والغبي والحديد ~~والبليد، وليس هو بشعر متكلف يتقدم فيه - بحكم التزام الوزن والروي ~~والقافية - الشيء عن حاق موضعه تارة ويتأخر أخرى، ويبدل بما لا يساويه ~~فتنقص معانيه وتنعقد فتشكل فلا يفهمه إلا ذاك وذاك # PageV16P167 # مع أنه من همزات الشياطين فيا بعد ما بينهما، ويبين هذا المعنى غاية ~~البيان آخر «ص» {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} {إن هو ~~إلا ذكر للعالمين} أي كلهم ذكيهم وغبيهم بخلاف الشعر فإنه مع نزوله عن ~~بلاغته جدا إنما هو ذكر للأذكياء جدا. # PageV16P168 # ولما ذكر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيما آتاه ms3975 من غرائز الشرف في سن ~~النكس لغيره، ذكر علة ذلك فقال: {لينذر} أي الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بدليل ما دل عليه السياق من التقدير، ويؤيده لفت الكلام في قراءة نافع وابن ~~عامر ويعقوب بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهمه حق فهمه غيره صلى الله عليه ~~وسلم. # ولما كان هذا القرآن مبينا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم متخلقا به، ~~فهو مظهره وصورة وسورته، فكان حاله مقتضيا لئلا يتخلف عن الإيمان حي، قال ~~مظهرا لما كان حقه في بادي الرأي الإضمار إفادة للتعميم مبينا لأن حكمه ~~سبحانه منع من ذلك، فانقسم المنذورن إلى قسمين: {من كان} كونا متمكنا {حيا} ~~أي حياة # PageV16P168 # كاملة معنوية تكون سببا للحياة الدائمة، فإنه لا يتوقف حينئذ عن الإيمان ~~به خوفا مما يخوف به من الأمور التي لا يتوجه إليها ريب بوجه، فيرجى له ~~الخير، فهو مؤمن في الحقيقة وإن ظهر عليه في أول أمره خلاف ذلك، وأفرد ~~الضمير هنا على اللفظ إشارة إلى قلة السعداء، وجمع في الثاني على المعنى ~~إعلاما بكثرة الأشقياء {ويحق} أي يجب ويثبت {القول} أي بالعذاب {على ~~الكافرين *} أي العريقين في الكفر فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم ~~أحياء، فالآية من الاحتباك: حذف الإيمان أولا لما دل عليه من ضده ثانيا، ~~وحذف الموت ثانيا لما دل عليه من ضده أولا، فتحقق بهذا أن أعظم منافاة ~~القرآن للشعر وكذا السجع من أجل أنه جد كله، فمحط أساليبه بالقصد الأول ~~المعاني والألفاظ تابعة، والشاعر والساجع محط نظرهما بالقصد الأول الروي ~~والقافية والفاصلة حتى أن ذلك ليؤدي إلى ركة المعنى والكلام بغير الواقع ~~ولا بد، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه وحاله معروف في البلاغة والتفنن ~~في أساليب الكلام وصدق اللهجة وحسن الإسلام في غزوة الغابة وكان أميرها سعد ~~بن زيد الأشهلي رضي الله عنه: # أسر أولاد اللقيطة أننا ... سلم غداة فوارس المقداد # PageV16P169 # فغضب سعد على حسان رضي الله عنهما وحلف: لا يكلمه أبدا، وقال: انطلق إلى ~~خيلي وفوارسي، فجعلها للمقداد، فاعتذر ms3976 إليه حسان رضي الله عنهما ومدحه ~~بأبيات وقال: والله ما أردت ذلك ولكن الروي وافق اسم المقداد، لأن القصيدة ~~دالية، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يدور في فكره أبدا قصد اللفظ، فإنه من ~~باب الترويق، وهو صلى الله عليه وسلم جد كله، فهو لا يعدل عنه لأنه موزون، ~~بل لأنه لا يؤدي المعنى كما أن العرب تعدل عن اللحن ولا تحسن النطق به ولا ~~تطوع ألسنتها له لكونه لحنا، لا لكونه حركة، فإن وافق شيء من الموزون ما ~~أريد من المعنى لأجل أداء المعنى قاله، كما يقع لكثير من المصنفين الكلام ~~الموزون وما قصده، وكما وقع كثير من الكلام الموزون من جميع أبحر الشعر في ~~القرآن وإن لم يوافق المعنى لم يقله، وعلى هذا يتخرج قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب # لو تظاهر الإنس والجن على أن يأتوا بما أداه من المعنى في ألفاظه أو ~~مثلها على غير هذا النظم لم يقدروا، وإذا تأملت كل بيت تمثل به فكسره لا ~~تجده كسره إلا لمعنى جليل، لا يتأتى مع الوزن أو يكون لا فرق بين أدائه ~~موزونا ومكسورا، وهكذا السجع سواء، ومن هنا علم أنه ليس المعنى أنه لا يحسن ~~الوزن، بل المعنى أن تعمد الوزن # PageV16P170 # والسجع نقيصة لا تليق بمنصبه العالي لأن الشاعر مقيد بوزن وروي وقافية، ~~فإن إطاعه المعنى مع ما هو مقيد به كان وإلا احتال في إتمام ما هو مقيد به ~~وإن نقص المعنى، والساجع قريب من ذلك، فهذا هو الذي لم يعلمه الله له، لأنه ~~صلى الله عليه وسلم تابع للمعاني والحقائق والحكم التي تفيد الحياة ~~الدائمة، لأنه مهيأ بالطبع المستقيم لذلك غير مهيأ لغيره من التكلف، وإذا ~~أنعمت النظر في آخر الآية الذي هو تعليل لما قبله تحققت أن هذا هو المراد، ~~فوضح أي وضوح بهذا أن كلا منهما نقيصة، فلا يتحرك شيء من أخلاقه الشريفة ~~نحوها، ولا يكون له بذلك شيء من الاعتناء، وقد أشبعت الكلام ms3977 في هذا وأتقنته ~~في كتابي «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» وهو كالمدخل إلى هذا ~~الكتاب - والله الموفق للصواب. # ولما أخبر سبحانه بإعماء أفكارهم، وهدد بطمس أبصارهم، ومسخهم على مقاعدهم ~~وقرارهم، وأعلم بأن كتابه خاتم بإنذارهم، ذكرهم بقدرته وقررهم تثبيتا لذلك ~~ببدائع صنعته، فقال عاطفا على ما تقديره: ألم يروا ما قدمناه وأفهمته آية ~~{ومن نعمره} وما بعدها من بدائع صنعنا تلويحا وتصريحا الدال على علمنا ~~الشامل وقدرتنا التامة، فمهما # PageV16P171 # صوبنا كلامنا إليه حق القول عليه ولم يمنعه مانع، ولا يتصور له دافع ~~{أولم يروا} أي يعلموا علما هو كالرؤية ما هو أظهر عندهم دلالة من ذلك في ~~أجل أموالهم، ولا يبعد عندي - وإن طال المدى - أن يكون معطوفا على قوله: ~~{ألم يروا كما أهلكنا قبلهم من القرون} فذاك استعطاف إلى توحيده بالتحذير ~~من النقم، وهذا بالتذكير بالنعم، ونبههم على ما في ذلك من العظمة بسوق ~~الكلام في مظهرها كما فعل في آية إهلاك القرون فقال: {أنا خلقنا لهم} وخصها ~~بنفسه الشريفة محوا للأسباب وإظهارا لتشريفهم بتشريفها في قوله: {مما عملت} ~~. # ولما كان الإنسان مقيدا بالوهم لا ينفك عنه، ولذلك يرة الأرواح في المنام ~~في صور أجسادنا، وكانت يده محل قدرته وموضع اختصاصه، عبر له بما يفهمه ~~فقال: {أيدينا} لأي بغير واسطة على علم منا بقواها ومقاديرها ومنافعها ~~وطبائعها وغير ذلك من أمورها {أنعاما} ثم بين كونها لهم بما سبب عن خلقها ~~من قوله: {فهم لها مالكون *} أي ضابطون قاهرون من غير قدرة لهم على ذلك ~~لولا قدرتنا بنوع التسبب. # PageV16P172 # ولما كان الملك لا يستلزم الطواعية، قال تعالى: {وذللناها لهم} أي يسرنا ~~قيادها، ولو شئنا لجعلناها وحشية كما جعلنا أصغر منها وأضعف، فمن قدر على ~~تذليل الأشياء الصعبة جدا لغيره فهو قادر على تطويع الأشياء لنفسه، ثم سبب ~~عن ذلك قوله: {فمنها ركوبهم} أي ما يركبون، وهي الإبل لأنها أعظم مركوباتهم ~~لعموم منافعها في ذلك وكثرتها، ولمثل ذلك في التذكير بعظيم النعمة والنفع ~~واستقلال كل من النعمتين بنفسه أعاد الجار، ms3978 وعبر بالمضارع للتجدد بتجدد ~~الذبح بخلاف المركوب فإن صلاحه لذلك ثابت دائم فقال: {ومنها يأكلون *} . # ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار، وكانت منافعها من ~~غير ذلك كثيرة، قال: {ولهم فيها منافع} أي بالأصواف والأوبار والأشعار ~~والجلود والبيع وغير ذلك، وخص المشرب من عموم المنافع لعموم نفعه، فقال ~~جامعا له لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة، وكأنه عبر بمنتهى الجموع ~~لاختلاف طعوم أفراد النوع الواحد لمن تأمل {ومشارب} أي من الألبان، ~~أخرجناها مميزة عن الفرث والدم خالصة لذيذة، وكل ذلك لا سبب له إلا أن ~~كلمتنا حقت به، فلم يكن بد من كونه على وفق ما أردنا، فليحذر من هو أضعف ~~حالا منها من حقوق أمرنا ومضي حكمنا بما يسوءه. # PageV16P173 # ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان، لو فقده الإنسان لتكدرت معيشته، ~~سبب عن ذلك استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله: {أفلا يشكرون ~~*} أي يوقعون الشكر، وهو تعظيم المنعم لما أنعم وهو استفهام بمعنى الأمر. # PageV16P174 # ولما ذكرهم نعمه، وحذرهم نقمه، عجب منهم في سفول نظرهم وقبح أثرهم، فقال ~~موبخا ومقرعا ومبكتا ومعجبا من زيادة ضلالهم عادلا عن مظهر العظمة إلى أعظم ~~منه: {واتخذوا} أي فعلنا لهم ذلك والحال أنهم كلفوا أنفسهم على غير ما تهدي ~~إليه الفطرة الأولى أن أخذوا، أو يكون معطوفا على «كانوا» من قوله: {إلا ~~كانوا به يستهزءون} فيكون التقدير: إلا كانوا يجددون الاستهزاء، واتخذوا ~~قبل إرساله إليهم مع ما رأوا من قدرتنا وتقبلوا فيه من نعمتنا: {من دون ~~الله} أي الذي له جميع العظمة، فكل شيء دونه، وما كان دونه كان مقهورا ~~مربوبا {آلهة} أي لا شيء لها من القدرة ولا من صلاحية الإلهية. ولما تقرر ~~أنها غير صالحة لها أهلوها له، تشوف السامع إلى السؤال عن # PageV16P174 # سبب ذلك، فقال جوابا له تعجيبا من حالهم: {لعلهم} أي العابدين. ولما كان ~~مقصودهم حصول النصر من أي ناصر كان، بني للمفعول قوله: {ينصرون *} أي ليكون ~~حالهم بزعمهم في اجتماعهم عليها والتئامهم بها حال من ينصر ms3979 على من يعاديه ~~ويعانده ويناويه. # ولما كان للنصر سببان: ظاهري وهو الاجتماع، وأصلي باطني وهو الإله ~~المجتمع عليه، بين غلطهم بتضييع الأمل، فقال مستأنفا في جواب من كأنه قال: ~~فهل بلغوا ما أرادوا؟ : {لا يستطيعون} أي الألهة المتخذة {نصرهم} أي ~~العابدين {وهم} أي العابدون {لهم} أي الآلهة {جند} ولما كان الجند مشتركا ~~بين العسكر والأعوان والمدينة، عين المراد بضمير الجمع ولأنه أدل على عجزهم ~~وحقارتهم فقال: {محضرون *} أي يفعلون في الاجتماع إليها والمحاماة عنها فعل ~~من يجمعه كرها إيالة الملك وسياسة العظمة، فصارت العبرة بهم خاصة في حيازة ~~السبب الظاهري مع تعبدهم للعاجز وذلهم للضعيف الدون مع ما يدعون من الشهامة ~~والأنفة والضخامة، فلو جمعوا أنفسهم على الله لكان لهم ذلك، وحازوا معه ~~السبب الأعظم. # PageV16P175 # ولما بين ما بين من قدرته الباهرة، وعظمته الظاهرة، ووهي أمرهم في الدنيا ~~والآخرة، وكان قد تقدم ما لوح إلى أنهم نسبوه صلى الله عليه وسلم إلى ~~الشعر، وصرح باستهزائهم بالوعد مع ما قبل ذلك من تكذيبهم وإجابتهم للمؤمنين ~~من تسفيههم وتضليلهم، سبب عن ذلك بعد ما نفى عنهم النصرة قوله تسلية له صلى ~~الله عليه وسلم: {فلا يحزنك} قراءة الجماعة بفتح الياء وضم الزاي، ومعناه: ~~يجعل فيك، وقراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي تدل على أن المنهي عنه إنما هو ~~كثرة الحزن والاستغراق فيه، لا ما يعرض من طبع البشر من أصله، فإن معنى ~~أحزن فلانا كذا، أي جعله حزينا {قولهم} أي الذي قدمناه تلويحا وتصريحا وغير ~~ذلك فيك وفينا ولما كان علم القادر بما يعمل عدوه سببا لأخذه، علل ذلك ~~بقوله مهددا بمظهر العظمة: {إنا نعلم ما} أي كل ما {يسرون} أي يجددون ~~إسراره {وما يعلنون *} أي فنحن نجعل ما يسببونه لأذاك سببا لأذاهم ونفعك ~~إلى أن يصيروا في قبضتك وتحت قهرك وقدرتك. # PageV16P176 # ولما أثبت سبحانه بهذا الدليل قدرته على ما هدد به أولا من التحويل من ~~حال إلى أخرى، فثبتت بذلك قدرته على البعث، # PageV16P176 # وختم بإحاطة العلم الملزوم لتمام القدرة، أتبع ذلك ms3980 دليلا أبين من الأول ~~فقال عاطفا على {ألم يروا} : {أولم ير} أي يعلم علما هو في ظهوره كالمحسوس ~~بالبصر. # ولما كان هذا المثل الذي قاله هذا الكافر لا يرضاه حمار لو نطق، أشار إلى ~~غباوته بالتعبير بالإنسان الذي هو - وإن كان أفطن المخلوقات لما ركب فيه ~~سبحانه من العقل - تغلب عليه الإنس بنفسه حتى يصير مثلا فقال: {الإنسان} أي ~~جنسه منهم ومن غيرهم وإن كان الذي نزلت فيه واحدا {أنا خلقناه} بما لنا من ~~العظمة {من نطفة} أي شيء يسير حقير من ماء لا انتفاع به بعد إبداعنا أباه ~~من تراب وأمه من لحم وعظام {فإذا هو} أي فتسبب عن خلقنا له من ذلك المفاجأة ~~لحالة هي أبعد شيء من حالة المطفة وهي أنه {خصيم} أي بالغ الخصومة {مبين *} ~~أي في غاية البيان عما يريده حتى أنه ليجادل من أعطاء العقل والقدرة في ~~قدرته، أنشد الأستاذ أبو القاسم القشيري في ذلك: # أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني # PageV16P177 # ولما كان التقدير: فبعد - مع أنا تفردنا بالإنعام عليه - عيرنا وخاصم - ~~بما خلقناه له من اللسان وآتيناه من البيان - رسلنا وجميع أهل ودنا، عطف ~~عليه قوله مقبحا إنكارهم البعث تقبيحا لا يرى أعجب منه، ولا أبلغ ولا أدل ~~على التمادي، في الضلال والإفراط في الجحود وعقوق الأيادي: {وضرب} أي هذا ~~الإنسان؛ وسبب النزول أبي بن خلف الجمحي الذي قتله النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأحد مبارزة، فهو المراد بهذا التبكيت بالذات وبالقصد الأول {لنا} أي ~~على ما يعلم من عظمتنا {مثلا} أي آلهته التي عبدها لكونها لا تقدر على شيء ~~مكابرا لعقله في أنه لا شيء يشبهنا {ونسي} أي هذا الذي تصدى على نهاية أصله ~~لمخاصمة الجبار، وأبرز صفحته لمجادلته، والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى ~~الذهول، وأن بكون بمعنى الترك {خلقه} أي خلقنا لهذا المخاصم الدال على كمال ~~قدرتنا، وأن آلهته التي أشرك بها لا تقدر على شيء فافترق الحال الذي جمعه ~~بالمثل أي افتراق وصارا مقولا له: يا قليل ms3981 الفطنة! أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ ~~أفلا تذكرون؟ ثم استأنف الإخبار عن هذا المثل بالإخبار عن استحالته # PageV16P178 # لأن يقدر أحد على إحياء الميت كما أن معبوداته لا تقدر على ذلك فقال: ~~{قال} أي على سبيل الإنكار: {من يحيي} . # ولما كانت العظام أصلب شيء وأبعده عن قبول الحياة لا سيما إذا بليت ~~وأرفتت قال: {العظام وهي} ولما أخبر عن المؤنث باسم لما بلي من العظام غير ~~صفة، لم يثبت تاء التأنيث فقال: {رميم *} أي صارت ترابا يمر مع الرياح. # PageV16P179 # ولما كان موطنا يتشوف فيه السامع لهذا الكلام إلى جوابه، استأنف قوله ~~مخاطبا من لا يفهم هذه المجادلة حق فهمها غيره: {قل} أي لهذا الذي ضرب هذا ~~المثل جهلا منه في قياسه من يقدر على كل شيء على من لا يقدر على شيء، وأعاد ~~فعل الإحياء نصا على المراد دفعا للتعنت ودلالة على الاهتمام فقال: ~~{يحييها} أي من بعد أن بليت ثاني مرة، ولفت القول إلى وصف يدل على الحكم ~~فقال: {الذي أنشأها} أي من العدم ثم أحياها {أول مرة} # PageV16P179 # أي فإن كل من قدر على إيجاد شيء أول مرة فهو قادر على إعادته ثاني مرة، ~~وهي شاهدة بأن الحياة تحل العظم فيتنجس بالموت مما يحكم بنجاسة ميتته {وهو ~~بكل خلق} أي صنع وتقدير ممكن أن يخلق من ذلك ومن غيره ابتداء وإعادة {عليم ~~*} أي بالغ العلم، فلا يخفى عليه أجراء ميت أصلا وإن تفرقت في البر والبحر، ~~ولا شيء غير ذلك، فالآية من بديع الاحتباك: الإحياء أولا دال على مثله ~~ثانيا، والإنشاء ثانيا دال على مثله أولا، و {أول مرة} في الثاني دال على ~~«ثاني مرة» في الأول، فهو على كل شيء قدير كما برهن عليه في سورة طه، فهو ~~يوجد المقتضيات لكل ممكن يريده، ويرفع الموانع فيوجد في الحال من غير تخلف ~~أصلا، فقد بلغ هذا البيان في الدلالة على البعث الجسماني والروحاني معا ~~النهاية التي ليس وراءها بيان، بعد أن وطأ له في هذه السورة نفسها بما لا ~~يحتمل ms3982 طعنا بقوله: {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} {من بعثنا من ~~مرقدنا} {فإذا هم جميع لدينا محضرون} {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} ~~{وامتازوا اليوم أيها المجرمون} {اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون} {اليوم ~~نختم # PageV16P180 # على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} . # ولما كان مآل هذا المثل الذي علق الإنكار فيه بالرميم استبعاد تمييز ~~الشيء - إذا صار ترابا واختلط بالتراب - عن غيره من التراب، وصف نفسه ~~المقدس بإخراج الشيء الذي هو أخفى ما يكون من ضده، وذلك بتمييز النار من ~~الخشب الذي فيه الماء ظاهر بأيدي العجزة من خلقه، فقال معيدا للوصول تنبيها ~~على التذكير بالموصوف ليستحضر ما له من صفات الكمال فيبادر إلى الخضوع له ~~من كان حيا: {الذي جعل لكم} أي متاعا واستبصارا {من الشجر الأخضر} الذي ~~تشاهدون فيه الماء {نارا} بأن يأخذ أحدكم غصنين كالسواكين وهما أخضران يقطر ~~منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر - على العفار - وهو أنثى - فتخرج النار! ~~قال أبو حيان: وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس شجر إلا وفيه نار إلا ~~العناب - انتهى. # ولذلك قالوا في المثل المشهور: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار ~~{فإذا أنتم} أي فيتسبب عن ذلك مفاجأتكم لأنكم {منه} أي الشجر الموصوف ~~بالخضرة # PageV16P181 # بعينه {توقدون *} أي توجدون الإيقاد ويتجدد لكم ذلك مرة بعد أخرى، ما هو ~~بخيال ولا سحر بل حقيقة ثابتة بينة، وكأنه قدم الجار لكثرة إيقادهم منه، ~~إيقادهم من غيره لذلك ولعظمته عدما. # ولما كان ذلك من غير كلفة عليهم، قدم الجار تخصيصا له وعدا لغيره ~~كالمعدوم، فالذي قدر على تمييز النار من الماء والخشب وخبء النار فيهما لا ~~النار تعدو على الخشب فتحرقه ولا الماء يعدو على النار فيطفئها قادر على ~~تمييز تراب العظام من تراب غيرها، ونفخ الروح كما نفخ روح النار في الحطب ~~المضاد له بالمائية. # ولما كان التقدير: أليس الذي قدر على ذلك بقادر على ما يريد من إحياء ~~العظام وغيرها، عطف عليه ما هو أعظم شأنا منه تقديرا ms3983 على الأدنى بالأعلى ~~فقال: {أوليس الذي خلق} أي أوجد من العدم وقدر {السماوات والأرض} أي على ~~كبرهما وعظمتهما وعظيم ما فيهما من المنافع والمصانع والعجائب والبدائع، ~~وأثبت الجار تحقيقا للأمر وتأكيدا للتقرير فقال: {بقادر} أي بثابت له قدرة ~~لا يساويها قدرة، ومعنى قراءة رويس عن يعقوب بتحتانية مفتوحة # PageV16P182 # وإسكان القاف من غير ألف ورفع الراء أنه يجدد تعليق القدرة على سبيل ~~الاستمرار {على أن يخلق} ولفت الكلام إلى الغيبة إيذابنا بأنهم صاروا بهذا ~~الجدل أهلا لغاية الغضب فقال: {مثلهم} أي مثل هؤلاء الأناسي أي يعيدهم ~~بأعيانهم كما تقول: مثلك كذا أي أنت، وعبر به إفهاما لتحقيرهم وأن إحياء ~~العظام الميتة أكثر ما يكون خلقا جديدا، بل ينقص عن الاختراع بأن له مادة ~~موجودة، وعبر بضمير الجمع لأنه أدل على القدرة، قال الرازي: والقدرة عبارة ~~عن المعنى الذي به يوجد الشيء مقدرا بتقدير الإرادة والعلم واقعا على ~~وفقهما وإن كانت صفات الله تعالى أعلى من أن يطمحها نظر عقل، وتلحقها ~~العبارات اللغوية، ولكن غاية القدرة البشرية واللغة العربية هذا. # ولما كان الجواب بعد ما مضى من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة ~~الاعتراف، قال سبحانه مقررا لما بعد النفي إشارة إلى أنه تجب المبادرة ~~إليه، ولا يجوز التوقف فيه ومن توقف فهو معاند: {بلى} أي هو قادر على ذلك ~~{وهو} مع ذلك أي كونه عالما بالخلق {الخلاق} البالغ في هذه الصفة مطلقا في ~~تكثير الخلق وتكريره بالنسبة إلى كل # PageV16P183 # شيء ما لا تحيط به الأوهام، ولا تدركه العقول والأفهام، ولم ينازع أحد في ~~العلم بالجزئيات بعد كونها، كما نازعوا في القدرة على إيجاد بعض الجزئيات، ~~فاكتفى فيه بصيغة فعيل فقيل: {العليم *} أي البالغ في العلم الذي هو منشأ ~~القدرة، فلا يخفى عليه كلي ولا جزئي في ماض ولا حال ولا مستقبل شاهد أو ~~غائب. # ولما تقرر ذلك، أنتج قوله مؤكدا لأجل إنكارهم القدرة على البعث: {إنما ~~أمره} أي شأنه ووصفه {إذا أراد شيئا} أي إيجاد شيء من جوهر أو عرض أي شيء ~~كان ms3984 {أن يقول له كن} أي أن يريده؛ ثم عطف على جواب الشرط على قراءة ابن ~~عامر والكسائي بالنصب، واستأنف على قراءة غيره بالرفع بقوله: {فيكون *} أي ~~من غير مهلة أصلا على وفق ما أراد. # ولما كان ذلك، تسبب عنه المبادرة إلى تنزيهه تعالى عما ضربوه له من ~~الأمثال فلذلك قال: {فسبحان} أي تنزه عن كل شائبة نقص تبزها لا تبلغ ~~أفهامكم كنهه، وعدل عن الضمير إلى وصف يدل على غاية العظمة فقال: {الذي ~~بيده} أي بقدرته وتصرفه خاصة لا بيد غيره {ملكوت كل شيء} أي ملكه التام ~~وملكه ظاهرا وباطنا. # PageV16P184 # ولما كان التقدير: فمنه تبدؤون، عطف عليه قوله: {وإليه} أي لا إلى غيره ~~من التراب أو غيره، ولفت القول إلى خطابهم استصغارا لهم وإحتقارا فقال: ~~{ترجعون *} أي معنى في جميع أموركم وحسا بالبعث لينصف بينكم، فيدخل بعضا ~~النار وبعضا الجنة، ونبهت قراءة الجماعة بالبناء للمفعول على غاية صغارهم ~~بكون الرجوع قهرا وبأسهل أمر، وزادت قراءة يعقوب بالبناء للفاعل بأن ~~انقيادهم في الرجوع من شدة سهولته عليه كأنه ناشئ عن فعلهم بأنفسهم اختيارا ~~منهم، فثبت أنه سبحانه على كل شيء قدير، فثبت قطعا أنه حكيم، فثبت قطعا أنه ~~لا إله إلا هو، وأن كلامه حكيم، وثبت بتمام قدرته أنه حليم لا يعجل على أحد ~~بالعقاب، فثبت أنه أرسل الرسل للبشارة بثوابه والنذارة من عقابه، فثبت أنه ~~أرسل هذا النبي الكريم لما أيده به من المعجزات، وأظهره على يده من الأدلة ~~الباهرات، فرجع آخر السورة بكل من الرسالة وإحياء الموتى إلى أولها، واتصل ~~في كلا الأمرين مفصلها بموصلها، والله الهادي إلى الصواب وإليه المرجع ~~والمآب. # PageV16P185 # مقصودها الاستدلال على آخر يس من التنزه عن النقائص اللازم منه رد العباد ~~للفصل بينهم بالعدل اللازم منه الوحدانية، وذلك هو المعنى ذلك أشار إليه ~~وسمها بالصافات) وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون () بسم الله) أي ~~الذي له الكمال المطلق فلا يدنو من جنابه نقص) الرحمن (الذي من برحمة العدل ~~في الدارين) الرحيم (الذي يمن على من ms3985 يريد بالطاعة بالثواب والمتاب لإسقاط ~~العقاب. # لما كان الإنفراد بالملكوت لا يكون إلا مع الوحدانية بالذات، وفي ذلك ~~استحقاق الاختصاص بالإلهية، وكان ذلك - مع أنه بحيث لا يخفى على ذي لب - ~~عندهم في غاية البعد، ولذلك لا يسلمون ما يتعلق بالملكوت وينكرونه غاية ~~الإنكار، ناسب أن يقسم عليه. # ولما كان من البلاغة أن يناسب بين القسم والمقسم عليه، وكان الاصطفاف ~~دالا على اتحاد القصد كما في صفوف القتال والصلاة، وكان الملائكة لا قصد ~~لهم إلا الله من غير عائق عن ذلك فكانوا أحق الخلق بالاصطفاف، تارة للصلاة، ~~وتارة للتسبيح والتقديس، وتارة # PageV16P186 # لتدبير الأرزاق، وتارة لتعذيب أهل الشقاق - إلى غير ذلك من الأمور التي ~~لا تسعها الصدور، وكانوا بعد زجرة الإحياء المصرح بهما في السورة الماضية ~~ثم زجرتي الصعق والإفاقة الآتيتين في الزمر حين تشقق السماء بالغمام وتكون ~~وردة كالدهان، وتنفطر بسطوة المليك الديان، ويتكرر ما فيها من أجرام ومعان، ~~تنزل ملائكة كل سماء فتصير صفا مستديرا، ملائكة الأولى حول أهل الأرض، ~~وملائكة الثانية حول ملائكة الأولى وهكذا، ثم يصيرون إذا قيل)) يا معشر ~~الجن والإنس إناستطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا} ~~[الرحمن: 33] فماج العباد بعضهم في بعض من شدة الزحام، وطول القيام، كلما ~~مالوا على جهة من جهاتهم زجروهم زجرا ردوهم به عن النفوذ، مع أن انتظام ~~المدبرات الناشئ عن اصطفافهم في التدبير في طاعة الملك القدير دال على ~~الوحدانية، # PageV16P187 # قال تعالى: {و ### | الصافات # } أي الجماعات من الملائكة والمصلين والمجاهدين المكملين أنفسهم ~~بالاصطفاف في الطاعة، فهو صفة لموصوف محذوف مؤنث اللفظ، وعدل عن أن يقول: ~~«الصافين» القاصر على الذكور العقلاء ليشمل # PageV16P187 # الجماعات من الملائكة والجن والإنس والطير والوحش وغيرها، إشارة إلى أنه ~~لا يؤلف بين شيء منها ليتحد قصده إلا واحد قهار، وأنه ما اتحد قصد شيء منها ~~إلا استوى صفة، ولا اعتدل صفة إلا اتحد زجره وهو صياحه، ولا اتحد زجره إلا ~~اتحد ما يذكره بصوته، ولا اتحد منه ذلك إلا نجح قصده واتضح رشده بدليل ~~المشاهدة، ms3986 وأدلها أن الصحابة رضي الله عنهم لما اتحد قصدهم في إعلاء الدين ~~وهم أضعف الأمم وأقلها عددا لم يقم لهم جمع من الناس الذين لا نسبة لهم ~~إليهم في قوة ولا كثرة، ولم ينقص صفهم، وجرح القلوب وأبارها زجرهم، وشرح ~~الصدور وأنارها ذكرهم، كما أشار إليه تعالى آخر هذه السورة بقوله {وإن ~~جندنا لهم الغالبون} وكذا غير الآدميين من الحيوانات كما يرى من الفار ~~والجراد إذا أراد الله تعالى اتحاد # PageV16P188 # قصده في شيء فإنه يغلب فيه من يغالبه، ويقهر من يقاويه أو يقالبه، فبان ~~أن الخير كله ما أريد بالقسم، واتحد جدا بالمقسم عليه والتأم والتحم به أي ~~التحام، وانتظم معناهما كل الانتظام. # ولما كان التأكيد بالمصدر أدل على الوحدة المرادة قال: {صفا *} وهو ترتيب ~~الجمع على خط. ولما كان توحد القصد موجبا للقوة المهيئة للزجر، وكان تكميل ~~الغير مسببا عن تكميل النفس، ومرتبا عليه، وأشرف منه لو تجرد عن التكميل، ~~وكان التكميل إنما يتم أمره ويعظم أثره مع الهيبة «فأخذني فغطني حتى بلغ ~~مني الجهد» قال عاطفا بالفاء: {فالزاجرات} أي المنتهرات عقب الصف كل من خرج ~~عن أمر الله {زجرا} أي انتهارا بالمواعظ وغيرها تكميلا لغيرهم. # ولما كانت الإفاضة مسببة عن حسن التلقي المسبب عن تفريغ البال المسبب عن ~~هيبة المفيد، وكان فيض التلاوة أعظم الفيض قال: {فالتاليات} أي التابعات ~~استدلالا على قولهم وفعلهم وتمهيدا لعذرهم # PageV16P189 # وتشريفا لقدرهم، وتكميلا لغيرهم: {ذكرا} أي موعظة وتشريفا وتذكيرا من ذكر ~~ربهم إفاضة على غيرهم من روح العلم وإدغام التاء في الصاد والزاي والذال ~~إشارة إلى أن ذلك مع هوله وعظمه قد يخفى عن غير من يريد الله إطلاعه عليه، ~~فقد قطعت الصيحة قلوب الكفرة من ثمود وغيرهم، ولم تؤثر فيمن آمن منهم، وقد ~~كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ما يأتي به من ~~القرآن والصحابة رضي الله عنهم حوله لا يستمعون شيئا منه - والله الموفق ~~{إن إلهكم} أي الذي اتخذتم من دونه آلهة {لواحد *} أي فإن التفرق ms3987 لا يأتي ~~بخير، لما يصحبه من العجز البعيد جدا عن الكمال الذي لا تكون الإلهية أصلا ~~إلا معه، فإليه لا إلى غيره ترجعون ليفصل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون، وهو ~~الذي أنزل هذا الكتاب بعزته ورحمته وحرسه من اللبس وغيره بما سيذكر من ~~كبريائه وعظمته ولو لم يكن واحدا لاختل أمر هذا الاصطفاف والزجر والتلاوة، ~~وما يترتب عليها، فاختل نظام هذا الوجود الذي نشاهده كما نشاهد في أحوال ~~الممالك # PageV16P190 # عند اختلاف الملوك في تغيير العوائد ونسخ الشرائع التي كان من قبلها ~~أطدها وجميع ما له من الآثار والخصائص، ونحن نشاهد هذا الوجود على ما أحكمه ~~سبحانه وتعالى لا يتغير شيء منه عن حاله الذي حده له، فعلمنا أنه واحد لا ~~محالة متفرد بالعظمة، لا كفوء له من غير شك. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة يس من جليل التنبيه ~~وعظيم الإرشاد وما يهتدي الموفق باعتبار بعضه، ويشتغل المعتبر به في تحصيل ~~مطلوبه وفرضه، ويشهد بأن الملك بجملته لواحد، وإن رغم أنف المعاند والجاحد، ~~أتبعها تعالى بالقسم علة وحدانيته فقال تعالى {والصافات} - الآية إلى قوله ~~تعالى {إن إلهكم لواحد} إلى قوله {ورب المشارق} ثم عاد الكلام إلى التنبيه ~~لعجيب مصنوعاته فقال تعالى {إنا رأينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} إلى ~~قوله {شهاب ثاقب} ثم أتبع بذكر عناد من جحد مع بيان الأمر ووضوحه وضعف ما ~~خلقوا منه {إنا خلقناهم من طين لازب} ثم ذكر استبعادهم العودة الأخروية ~~وعظيم حيرتهم وندمهم إذا شاهدوا ما به كذبوا، # PageV16P191 # والتحمت الآي إلى ذكر الرسل مع أممهم وجريهم في العناد والتوقف والتكذيب ~~على سنن متقارب، وأخذ كل بذنبه، وتخليص رسل الله وحزبه، وإبقاء جميل ذكرهم ~~باصطفائهم وقربه، ثم عاد الكلام إلى تعنيف المشركين وبيان إفك المعتدين إلى ~~ختم السورة - انتهى. # ولما ثبت أنه واحد، أنتج وصفه بقوله: {رب} أي موجد ومالك وملك ومدبر ~~{السماوات} أي الأجرام العالية {والأرض} أي الأجرام السافلة {وما بينهما} ~~أي من الفضاء المشحون من المرافق والمعاون بما تعجز عن عدة ms3988 القوى، وهذا - ~~مع كونه نتيجة ما مضى - يصلح أن يكون دليلا عليه لما أشار إليه من انتظام ~~التدبير الذي لا يتهيأ مع التعدد كما أن المقسم به هنا إشارة إلى دليل ~~الوحدانية أيضا بكونه على نظام واحد دائما في الطاعة التي أشير إليها بالصف ~~والزجر والتلاوة، فسبحان من جعل هذا القرآن معجز النظام، بديع الشأن بعيد ~~المرام. # ولما كان السياق للإفاضة بالتلاوة وغيرها، وكانت جهة الشروق جهة الإفاضة ~~بالتجلي الموجد للخفايا الموجب للتنزه عن النقائص، # PageV16P192 # وكان الجميع أليق بالاصطاف الناظر إلى القهر بالأئتلاف قال: {ورب المشارق ~~*} أي الثلاثمائة والستين التي تجلى عليكم كل يوم فيها الشمس والقمر وسائر ~~الكواكب السيارة على كر الدهور والأعوام، والشهور والأيام، على نظام لا ~~ينحل، ومسير لا يتغير ولا يختل، وذكرها يدل قطعا على المغارب لأنها تختلف ~~بها، وأعاد الصفة معها تنبيها على وضوح دلاتها بما فيها مما السياق من ~~الاصطفاف الدال على حسن الائتلاف، وللدلالة على البعث بالآيات بعد الغياب. # ولما كانت المشارق تقتضي الفيض والإظهار، أتبع ذلك نتيجته بما من شأنه ~~الشروق والغروب ولو بمجرد الخفاء والظهور، فقال مؤكدا مع لفت الكلام إلى ~~التكلم في مظهر العظمة تنبيها على أن فعلهم فعل من ينكر ما للنجوم من ~~الزينة وما تدل عليه من عظمته سبحانه وتعالى، وفخم التعبير عن الزينة ~~بتضعيف الفعل لمثل ذلك: {إنا زينا} أي بعظمتنا التي لا تدانى {السماء} ولما ~~كانوا لا يرون إلا ما يليهم من السماوات، وكانت زينة النجوم ظاهرة فيها ~~قال: {الدنيا} أي التي هي أدنى السماوات إليكم. # PageV16P193 # ولما أشير إلى أن الصف زينة في الباطن باتحاد القصد كما أنه زينة في ~~الظاهر بحسن الشكل وبديع الرصف، زيد في التنبيه على ذلك بإعادة ما فهم من ~~«زينا» في قوله: {بزينة الكواكب *} أي بالزينة التي للنجوم النيرة البراقة ~~المتوقدة الثابتة في محالها - قارة أو مارة - المرصعة في السماء ترصيع ~~المسامير الزاهرة كزهر النور المبثوث في خضرة الرياض الناضرة، فهي مع عدم ~~التنوين والخفض إضافة بيانية كثوب خز، ومن نون ms3989 الزينة فإن خفض الكواكب فعلى ~~البدل، أي بالكواكب التي هي زينة، وإن نصب فعلى المدح بتقدير أعني، أو على ~~أنه بدل اشتمال من السماء، أي كواكبها، إما بكونها فيما دونها من الجو فبظن ~~أنها فيها، أو يكونها فيها من جانبها الذي يلينا، أو بكونها تشف عنها وإن ~~كان بعضها فيما هو أعلى منها، وزينتها انتظامها وارتسامها على هذا النظم ~~البديع في أشكال متنوعة وصور مستبدعة ما بين صغار وكبار، منها ثوابت ومنا ~~سيارة وشوارق # PageV16P194 # وغوارب - إلى غير ذلك من الهيئات التي لا تحصى، ولا حد لها عند العباد ~~العجزة فيستقصى. # ولما كان كون الشيء الواحد لأشياء متعددة أدل على القدرة وأظهر في ~~العظمة، قال دالا بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر على مقدر يدل على أن ~~الزينة بالنجوم أمر مقصود لا اتفاقي: {وحفظا} أي زيناها بها للزينة وللحفظ ~~{من كل شيطان} أي بعيد عن الخير محترق. ولما كان القصد التعميم في الحفظ من ~~كل عات سواء كان بالغا في العتو أو لا قال: {مارد *} أي مجرد عن الخير عات ~~في كل شر سواء كان بالغا في ذلك أقصى الغايات أو كان في أدنى الدرجات كضارب ~~وضراب. # PageV16P195 # ولما كان المراد في سورتي النساء والحج ذم الكفرة بفعل ما ليس في كونه ~~شرا لبس، وبوضع النفس باتباع ما لا شك في دناءته ببعده عن الخير بعد ~~الإخفاء به، عبر بالمريد للمبالغة، وكما أنه حرس السماء المحسوسة بما ذكره ~~سبحانه وتعالى فكذلك زين عز وجل قلوب الأولياء التي هي كالسماء لأراضي ~~أجسامهم بنجوم المعارف، فإذا مسهم طيف # PageV16P195 # من الشيطان تذكروا فرشقته شهب أحوالهم ومعارفهم وأقوالهم. ولما تشوف ~~السامع إلى معرفة هذا الحفظ وثمرته وبيان كيفيته، استأنف قولا: {لا يسمعون} ~~أي الشياطين المفهومون من كل شيطان، لا يتجدد لهم سمع أصلا، قال ابن ~~الجوزي: قال الفراء: {لا} هنا كقوله «كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا ~~يؤمنون به» ويصلح في {لا} على هذا المعنى الجزم، والعرب تقول: ربطت في شيء ~~لا ينفلت - انتهى. ويؤخذ من ms3990 التسوير بكل ثم الجمع نظرا إلى المعنى، ~~والإفراد لضمير الخاطف وللخطفة أنهم معزولون عن السمع جمعهم ومفردهم من ~~الجمع، وأن الخطف يكون - إن اتفق - في الواحد لا الجمع ومن الواحد لا ~~الجمع، وللكلمة وما حكمها لا أكثر، وإليه يشير حديث الصحيح «تلك الكلمة من ~~الحق يخطفها الجني» وأكد بعدهم بإثبات حرف الغاية، فقال مضمنا {سمع} بعد ~~قصره معنى «انتهى» أو «أصغى» ليكون المعنى: لا ينتهي سمعهم أو تسمعهم أو ~~إصغاؤهم {إلى الملإ} أي الجمع العظيم الشريف، وأوضحت هذا المعنى قراءة # PageV16P196 # من شدد السين والميم بمعنى يتسمعون، أي بنوع حيلة، تسمعا منتهيا إلى ذلك، ~~وهو يفهم أنهم يتسمعون، ولكن لا ينتهي تسمعهم إلى ما ذكر، بما أشار إليه ~~الإدغام، ويشير أيضا إلى أنهم يجتهدون في إخفاء أمرهم، وأفرد الوصف دلالة ~~أيضا على أن العطف يكون من واحد لا من جمع فقال: {الأعلى} أي مكانا ومكانة ~~بحيث يلمؤون العيون بهجة والصدور هيبة. # ولما كان التقدير: لأنهم يطردون طردا قويا، دل عليه بالعاطف في قوله: ~~{ويقذفون} أي الشياطين يرمون رميا وحيا شديدا يطردون به، وبني للمفعول لأن ~~النافع قذفهم لا تعيين قاذفهم، مع أنه أدل على القدرة الإلهية عزت وجلت {من ~~كل جانب *} أي من جوانب السماوات بالشهب إذا قصدوا السماع بالاستراق ~~{دحورا} أي قذفا يردهم مطرودين صاغرين مبعدين، فهو تأكيد للقذف بالمعنى أو ~~مفعول له أو حال. # ولما كان هذا ربما سببا لأن يظن ظان أنهم غير مقدور # PageV16P197 # عليهم في غير هذه الحالة بغير هذا النوع أخبر أنهم في قبضته، وإنما جعل ~~حالهم هذا فتنة لمن أراد من عباده، فقال معبرا باللام التي يعبر بها غالبا ~~عن النافع تهكما بهم: {ولهم عذاب} أي في الدنيا بهذا وبغيره، وفي الآخرة ~~يوم الجمع الأكبر {واصب *} أي دائم ممرض موجع كثير الإيجاع مواظب على ذلك ~~ثابت عليه وإن افترق الدوامان في الاتصال والعظم والشدة والألم. # ولما ثبت بهذا حراسة القرآن بقدرة الملك الديان عن لبس الجان، وكان بعضهم ~~مع هذا يسمع في بعض الأحايين ما ms3991 أراد الله أن يسمعه ليجعله فتنة لمن أراد ~~من عباده مع تميز القرآن بالإعجاز، استثنى من فاعل {يسمعون} قوله: {إلا من ~~خطف} ودل على قلة ذلك بعد إفراد الضمير بقوله: {الخطفة} أي اختلس الكلمة أو ~~أكثر، مرة من المرات منهم، ودل على قوة انقضاض الكواكب في أثره بالهمزة في ~~قوله: {فأتبعه} مع تعديه بدونها، أي تبعه بغاية ما يكون من السرعة حتى كأنه ~~يسوق نفسه ويتبعها له كأن الله سبحانه وعز شأنه هيأها لئلا تنقض إلا في أثر ~~من سمع منهم حين سماعه سواء لا يتخلف {شهاب} أي شعلة النار من الكوكب أو ~~غيره {ثاقب *} # PageV16P198 # أي يثقب ما صادفه من جني وغيره وإن كان الجني من نار فإنه ليس نارا ~~خالصة، وعلى التنزل فربما كان الشيء الواحد أنواعا بعضها أقوى من بعض، ~~فيؤثر أقواه في أضعفه كالحديد، وتارة يخطئ الجني وتارة يصيبه، وإذا أصابه ~~فتارة يحرقه فيتلفه وتارة يضعفه. # ولما كان المقصود من هذا الكتاب الأعظم بيان الأصول الأربعة: التوحيد ~~والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر، ودل سبحانه بهذه المذكورات على ~~وجوده وكمال علمه وتمام قدرته على الأفعال الهائلة وبديع حكمته اللازم منه ~~إثبات وحدانيته تفصيلا لبعض إجمال {أو ليس الذي خلق السماوات والأرض} فكان ~~ما دونها من الأفعال أولى، سبب عن ذلك لإثبات الحشر الذي أخبر به هذا ~~القرآن الذي حرسه عن تلبيس الجان بزينة الكواكب التي أنشأ منها الشهب ~~الثواقب قوله تهكما بهم: {فاستفتهم} أي سلهم أن يتفتوا بأن يبينوا لك ما ~~تسألهم عنه من إنكارهم البعث، وأصله من الفتوة وهي الكرم: {أهم أشد} أي ~~أقوى وأشق وأصعب {خلقا} أي من جهة إحكام الصنعة وقوتها وعظمها {أم من} ولما ~~كان المراد الإعلام بأنه لا شيء من الموجودات إلا وهو خلقه سبحانه، عبر بما ~~يدل على ذلك دون ذكرنا، وليكون أعم، وحذف المفعول لأنه مفهوم، ولئلا يلبس ~~إذا ذكر ضمير المستفتين، # PageV16P199 # فقال: {خلقنا} أي من هذه الأشياء التي عددناها من الحي وغيره من الجن ~~الذين أعطيناهم قدرة التوصل إلى الفلك ms3992 وغيرهم، وعبر ب «من» تغليبا للعاقل ~~من الملائكة وغيرهم مما بين السماوات والأرض. # ولما كان الجواب قطعا أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم وأنهم هم من أضعف ~~الخلائق خلقا، قال دالا على إرادة التهكم بهم في السؤال، مؤكدا إشارة إلى ~~أن إنكارهم البعث لاستبعادهم تمييز التراب من التراب يلزم منه إنكار ابتداء ~~الخلق على هذا الوجه: {إنا خلقناهم} أي على عظمتنا {من طين} أي تراب رخو ~~مهين {لازب *} أي شديد اختلاط بعضه ببعض فالتصق وضمر وتضايق وتلازم بعضه ~~لبعض، وقل واشتد ودخل بعض التراب المنتثر من بعض، قال ابن الجوزي: قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: هو الطين الحر الجيد اللزق. # وإنما كانوا من طين لأن أباهم آدم كان منه من غير أب ولا أم، فصاروا بهذا ~~التقدير بعض الطين الذي هو بعض خلقه الذي عدده قبل ذلك سبحانه الذاتية التي ~~لا يمتنع عليها مقدور، ولا يعجزها مأمور، فدل ابتداء خلقهم وخلق ما هو أشد ~~منهم وأعظم # PageV16P200 # على القدرة على إعادتهم قطعا بل بطريق الأولى من غير وجه، وحسن هذا ~~الاستقتاء كل الحسن ختم الكلام قبله بمن بلغوا السماء تكبرا وعلوا، وهموا ~~بما لم ينالوا تجبرا وعلوا، وسلط عليهم ما يردهم مقهورين مبعدين مدحورين، ~~واستثنى منهم من {خطف} ليعلم أنه غير محال ما تعلقت به منهم الآمال، هذا مع ~~ذكره في خلقهم من الطين اللازب الذي من شأنه الرسوب لثقله والسفول كما أن ~~من شأن من ختم بهم ما قبله العلو لخفتهم والصعود. # ولما كان من المعلوم قطعا أن المراد بهذا الأمر بالاستفتاء إنما هو ~~التبكيت لأن من المعلوم قطعا أن الجواب: ليسوا أشد خلقا من ذلك، فليس بعثهم ~~ممتنعا، وليست غلبتهم لرسول الواحد القهار - الذي حكمه في هذا الوحي ~~بإظهاره على الدين كله - بجائزة أصلا، نقلا ولا عقلا، بوجه من الوجوه، فلا ~~شبهة لهم في إنكاره ولا في ظنهم أنهم يغلبون رسولنا، بل هم في محل عجب شديد ~~في إنكاره وظنهم أنهم غالبون في الدنيا، عبر عن ذلك بقوله، ms3993 مسندا العجب إلى # PageV16P201 # أجل الموجودات أو أجل المخلوقات تعظيما لم بمعنى أنه قول يستحق أن يقال ~~فيه: أنه لا يدري ما الذي أوقع فيه وكان سببا لارتكابه، فقال: {بل عجبت} ~~بضم التاء على قراءة حمزة والكسائي لفتا للقول من مظهر العظمة للتصريح ~~بإسناد التعجب إليه سبحانه إشارة إلى تناهي هذا العجب إلى حد لا يوصف ~~لإسناده إلى من هو منزه عنه، وبفتحها عند الباقين أي من جرأتهم في إنكارهم ~~البعث ولا سيما وقد دل عليه القرآن في هذه الأساليب الغريبة والوجوه ~~البديعة العجيبة التي لا يشك فيها من له أدنى تصور، وقد كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم ظن كما هو اللائق أنه لا يسمع القرآن أحد إلا آمن به، قال ~~القشيري: وحقيقة التعجب تغير النفس بما خفي فيه السبب مما لم تجر العادة ~~بحدوث مثله، ومثل هذا حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال لأم سليم وأبي طلحة رضي الله عنهما: # «ضحك - وفي رواية: عجب - الله من فعالكما الليلة» ، وحديث البخاري رحمه ~~الله # PageV16P202 # عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا: «عجب ربنا من أقوام يقادون إلى الجنة في ~~السلاسل» ومثله كثير، والمعنى في الكل التنبيه على عظم الفعل وأنه خارق ~~للعادة، ويجوز أن يكون المعنى أنهم لم ينكروه لقلة الدلائل عليه، بل قد أتى ~~من دلائله ما يعجب إعجابا عظيما من كثرته وطول الأناة في مواترته {ويسخرون ~~*} أي حصل لك العجب والحال أنهم يجددون السخرية كلما جئتهم بحجة {وإذا ~~ذكروا} أي وعظوا من أي واعظ كان بشيء هم به عارفون جدا يدلهم على البعث مثل ~~ما يذكرون به من القدرة، مع أنه لا يجوز في عقل عاقل منهم أن أحدا يدع من ~~تحت يده بلا محاسبة {لا يذكرون *} أي لا يعملون بموجب التذكير. # PageV16P203 # ولما ذكر إعراضهم عن المسموع، أتبعه إعراضهم عن المرئي فقال: {وإذا رأوا ~~آية} أي علامة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره {يستسخرون *} أي ~~يطلبون السخرية بها بأن ms3994 يدعو بعضهم بعضا لذلك من شدة استهزائهم. # ولما كان إنكارهم للبعث ولو صدر مرة واحدة في الشناعة والعظم والقباحة ~~مثل تجديدهم للسخرية كلما سمعوا آية والمبالغة فيها # PageV16P203 # لأن دلائله من الظهور والوضوح بمكان هو في غاية البعد عن الشكوك، دل على ~~ذلك بالتعبير بالماضي فقال: {وقالوا} أي ما هو غاية في العجب: {إن} أي ما ~~{هذا} أي الذي أتانا به من أمر البعث وغيره مما شاهدناه أو أخبرنا به {إلا ~~سحر} أي خيال وأمور مموهة لا حقائق لها {مبين *} أي ظاهر في نفسه ومظهر ~~لسخريته ثم خصوا البعث بالإنكار: {أإذ متنا} وعطفوا عليه ما هو موجب عندهم ~~لشدة الإنكار فقالوا: {وكنا} أي كونا هو في غاية التمكن {ترابا} قدموه لأنه ~~أدل على مرادهم لأنه أبعد عن الحياة {وعظاما} كأنهم جعلوا كل واحد من الموت ~~والكون إلى الترابية المحضة والعظامية المحضة أو المختلطة منهما مانعا من ~~البعث، وهذا بعد اعترافهم أن ابتداء خلقهم كان من التراب مع أن هذا ظاهر ~~جدا «ولكن عقول ضلها باريها» ثم كرروا الاستفهام الإنكاري على قراءة من قرأ ~~به زيادة في الإنكار فقالوا: {أإنا لمبعوثون *} . # ولما كان المعنى: أيثبت بعثنا، عطفوا عليه قولهم مكررين للاستفهام # PageV16P204 # الإنكاري تأكيدا لزيادة استبعادهم حتى أنهم قاطعون بأنه محال فقالوا قولا ~~واهيا: {أو آباؤنا} أي يثبت بعثنا وكذا آباؤنا وزادوا في الاستبعاد بقولهم: ~~{الأولون *} اي الذين طال مكثهم في الأرض تحت أطباق الثرى وانمحقت أجزاؤهم ~~بحيث لم يبق لهم أثر ما، ومرت الدهور ولم يبعث أحد منهم يوما من الأيام، ~~يدلنا بعثه على ما يدعي من ذلك. # ولما بالغوا هذه المبالغات في إنكاره بعد قيام البراهين في هذه السورة ~~وغيرها على جوازه بل وجوبه عادة، أمره بأن يجيبهم بما يقابل ذلك فقال ~~تعالى: {قل نعم} أي تبعثون على كل تقدير قدرتموه، وذكر حالهم بقوله: {وأنتم ~~داخرون *} أي مكرهون عليه صاغرون ذليلون حقيرون. ثم سبب عن الوعد بتحتم ~~كونه ما يدل على أنه غاية في الهوان فقال: {فإنما} أي يكون ذلك بسبب ms3995 أنكم ~~تزجرون فتقومون، والزجرة التي يقومون بها إنما {هي زجرة} أي صيحة، وأكد ما ~~يفهمه من الوحدة لأجل إنكارهم تصريحا بذلك وتحقيرا لأمر البعث في جنب قدرته ~~سبحانه وتعالى فقال: {واحدة} وهي الثانية التي كانت الإماتة لجميع الأحياء ~~في # PageV16P205 # آن واحد بمثلها، وأصل الزجر الانتهار ويكون لحث أو منع، وإنما يكون ذلك ~~للمقدور عليه فعل ما يغضب الزاجر، فلذلك سمى الصيحة زجرة. # ولما كان هذا الكلام مؤذنا بالغضب، حققه بصرف الكلام عن خطابهم جعلا لهم ~~بمحل البعد وتعميما لغيرهم، فقال معبرا بالفاء المسببة المعقبة وأداة ~~المفأجأة: {فإذا هم} أي جميع الأموات بضمائرهم وظواهرهم القديم منهم ~~والحديث أحياء {ينظرون *} أي في الحال من غير مهلة أصلا، ولا فرق بين من ~~صار كله ترابا ومن لم يتغير أصلا، ومن هو بين ذلك، ولعله خص النظر بالذكر ~~لأنه لا يكون إلا مع كمال الحياة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قبض ~~الروح تبعه البصر» وأما السمع فقد يكون لغير الحي لأنه صلى الله عليه وسلم ~~قال في الكفار من قتلى بدر: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وشاهدت أنا في ~~بلاد العرقوب المجاروة لبانياس من بلاد الشام شجرة شوك يقال لها الغبيراء ~~متى قيل عندها «هات لي المنجل لأقطع هذه الشجرة» أخذ ورقها في الحال في ~~الذبول - فالله أعلم ما سبب ذلك. # PageV16P206 # ولما حصل الغرض من تصوير حالهم بهذا الفعل المضارع، عطف # PageV16P206 # عليه بصيغة المضي التي معناها الاستقبال إعلاما بتحقق الأمر تحقق ما مضى ~~وكان، وتحققه مع القيام سواء من غير تخلف ولا تخلل زمان أصلا فقال: ~~{وقالوا} أي كل من جمعه البعث من الكفرة معلمين بما انكشف لهم من أنه لا ~~ملازم لهم غير الويل: {يا ويلنا} اي يا من ليس لنا نديم غيره {هذا يوم ~~الدين *} أي الجزاء لكل عامل. # ولما كان قولهم هذا إنما هو للتحسر على ما فاتهم من التصديق النافع به، ~~زادوا في ذلك بقولهم يخاطب بعضهم بعضا بدلا أو وصفا بعد وصف دالين بإعادة ~~اسم الإشارة ms3996 على ما داخلهم من الهول: {هذا يوم الفصل} أي الذي يفصل فيه بين ~~الخصوم، ثو زادوا تأسفا وتغمما وتلهفا بقولهم، لافتين القول عن التكلم إلى ~~الخطاب لأنه أدل على ذم بعضهم لبعض وأبعد عن الإنصاف بالاعتراف: {الذي ~~كنتم} أي يا دعاة الويل جبلة وطبعا {به تكذبون *} وقدموا الجار إشارة إلى ~~عظيم تكذيبهم به، فبينما هم في هذا التأسف إذ برز النداء بما يهدىء قواهم، ~~ويقر قلوبهم وكلاهم، لمن لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من ~~الملائكة الشداد الغلاظ بإذلالهم وإصغارهم، ولبيان السرعة لذلك من غير ~~تنفيس أسقط ما يدل على النداء من نحو قوله: # PageV16P207 # فقيل الملائكة، أو فقلنا، أو فبرز النداء من جانب سلطاننا - ونحو هذا: ~~{احشروا} أي اجمعوا بكره وصغار وذل أيها الموكلون بالعباد من الأجناد، ~~وأظهر تعريفا بوصفهم الموجب لحتفهم فقال: {الذين ظلموا} أي بما كانوا فيه ~~في الدنيا بوضع الأشياء في غير محالها من الخبط الذي لا يفعله إلا من هو في ~~أشد الظلام {وأزواجهم} أي أتباعهم الذين استنوا بهم في ذلك الضرب من الظلم ~~وأشباههم فيه من الجن وغيرهم ومن أعانهم ولو بشطر كلمة أو رضى فعلهم لتصير ~~كل طائفة على حدة فيصير بعضهم يبكت بعضا وبعضهم يشتم بعضا {وما كانوا} أي ~~بما دعتهم إليه طباعاتهم المعوجة {يعبدون *} أي مواظبين على عبادته رجاء ~~منفعته تحقيقا لخسارتهم بتحقق اعتمادهم على غير معتمد، وهو يعم المعبود ~~حقيقة أو مجازا بالتزيين «ومن سبقت له الحسنى» مستثنى بآية الأنبياء، وأشار ~~إلى سفول رتبة معبوداتهم وتسفيه آرائهم بانتحال الأذى بقوله صارفا الأسلوب ~~من المتكلم ولو بمظهر العظمة إلى أعظم منه: {من دون الله} أي الذي تفرد ~~بنعوت العظمة وصفات الكمال، والمراد الذين رضوا بعبادتهم لهم ولم ينكروا ~~عليهم ذلك ويأمروهم بتوحيد الله. # PageV16P208 # ولما كانوا قد سلكوا في الدنيا طريق الشقاء المعنوية استحقوا أن يلزموا ~~في القيامة سلوك طريقه الحسية، فلذلك سبب عن الأمر بحشرهم قوله تهكما بهم ~~وتحسيرا لهم: {فاهدوهم} أي دلوهم دلالة لا يرتابون معها ليعرفوا - مع ما ms3997 هم ~~فيه من الإكراه على سلوكها - مآلهم، فيكون ذلك أعظم في نكدهم؛ قال الرازي: ~~وأصل الهداية التقدم، والعرب تسمي السابق هاديا، يقال: أقبلت هوادي الخيل ~~أي أعناقها، والهادية: العصى - لأنها تتقدم ممسكها، ونظر فلان هدى أمره أي ~~جهته. # ثم أشار إلى طول وقوفهم وسوء مقامهم بقوله بأداة الانتهاء: {إلى صراط ~~الجحيم *} أي طريق النار الشديدة التوقد الواضح الذي لا لبس عندهم بأنه ~~يشترطهم فيؤديهم إليها، وخص هذا الاسم إعلاما بشديد توقدها وعظيم تأججها، ~~وبعد قعرها وضخامة غمرتها، بتراكم بعضها فوق بعض وقوة اضطرامها، وعلو شأنها ~~واصطلاحها، وصلابة اضطرابها وتحرقها واشتمالها على داخليها وتضايقها، وفيه ~~تهكم بهم في كونهم على غير ما كانوا عليه في الدنيا من التناصر والتعاضد. # ولما كان المقصود من تعريفهم طريق النار أولا ازدياد الحسرة، صرح بما ~~أفهمه حرف الغاية من طول الحبس فقال: {وقفوهم} أي احبسوهم واقفين بعد ~~ترويعهم بتلك الهداية التي سببها الضلال، فكانت # PageV16P209 # ثمرتها الشقاوة، وإيقافهم يكون عند الصراط - نقله البغوي عن المفسرين، ~~قال: لأن السؤال عند الصراط. ثم علل ذلك بقوله: {إنهم مسؤولون *} وجمع ~~عليهم الهموم بهذه الكلمة لتذهب أوهامهم كل مذهب، فلا تبقى حسرة إلا ~~حضرتهم، ولا مصيبة إلا علت قلوبهم فقهرتهم، فإن المكلف كله ضعف وعورة، ~~فموقف السؤال عليه أعظم حسرة. # ولما أوقفوا هذا الموقف الذليل، قد شغلهم ما دهمهم من الأسف عن القال ~~والقيل، نودوا من مقام السطوة، وحجاب الجبروت والعزة، زيادة في تأسيفهم ~~وتوبيخهم وتعنيفهم لفتا عن سياق الغيبة إلى الخطاب دلالة على أعظم خيبة: ~~{ما لكم} أي أي شيء حصل لكم فشغلكم وألهاكم حال كونكم {لا تناصرون *} أي ~~ينصر بعضكم بعضا، ويتسابقون في ذلك تسابق المتناظرين فيه أولي الجد ~~والشكيمة والنخوة والحمية ولو بأدنى التناصر - بما يفهمه إسقاط التاء، أو ~~بعد تمكث وإعمال حيلة - بما أشارت إليه قراءة البزي عن ابن كثير بالمد ~~والإدغام: أين قولكم في بدر {نحن جميع منتصر} معبرين بما دل على ثبات ~~المناصرة. # ولما كان قد دهمهم من الأمر ما أوجب إبلاسهم، وأحد # PageV16P210 # إدراكهم ms3998 وإحساسهم، أشار إلى ذلك بإحلالهم في محل الغيبة المؤذنة بالإبعاد ~~بأن قال مضربا عما تقديره: إنهم لا يتناصرون: {بل هم} وزاد في تعظيم ذلك ~~الوقت والتذكير به فقال: {اليوم مستسلمون *} أي ثابت لهم استسلامهم ثباتا ~~لا زوال له، قد خذل بعضهم بعضا موجدين الإسلام أي الانقياد إيجاد من كأنه ~~يطلبه ويعظم فيه رغبته رجاء أن يخفف ذلك عنهم. # ولما أخبر بأنهم سئلوا فلم يجيبوا، كان ربما ظن أنهم أخرسوا فنبه على ~~أنهم يتكلمون بما يزيد نكدهم، فقال عاطفا على قوله {وقالوا يا ويلنا هذا ~~يوم الدين} إشارة إلى إقبالهم على الخصام، حين تمام القيام، والأخذ في ~~تحريك الأقدام، بالسير على هيئة الاجتماع والازدحام، إلى مواطن النكد ~~والاغتمام، ولم يعطفه بالفاء لأنه ليس مسببا عن القيام، ولا عن الإيقاف ~~للسؤال، بخلاف ما يأتي عن أهل الجنة: {وأقبل بعضهم} أي الذين ظلموا {على ~~بعض} أي بعد إيقافهم وتوبيخهم، وعبر عن خصامهم تهكما بهم بقوله: {يتساءلون ~~*} أي سؤال خصومة. # ولما كان كأنه قيل: عما ذا؟ أجيب بقوله: {قالوا} أي الأتباع لرؤسائهم ~~مشيرين بأداة الكون إلى المداومة على إضلالهم مؤكدين لأجل تكذيب الرؤساء ~~لهم: {إنكم كنتم} ولما كانوا يستغوونهم ويغرونهم # PageV16P211 # بما تقبله عقولهم على ما جرت به عوائدهم بحيث يقطعون بذلك قطع من كان ~~يريد الذهاب إلى أمر فتطير بالسانح والبارح، فرأى ما يحب فأقدم عليه وهو ~~قاطع بحصوله، أشاروا إلى ذلك بقوله: {تأتوننا} مجاوزين لنا {عن اليمين *} ~~أي عن القوة والقهر والغلبة والسلطان في حملكم لنا على الضلال، ففعلنا في ~~طاعتكم فعل من خرج لحاجة، فرأى ما أوجب إقدامه عليها، فهذا كان سبب كفرنا، ~~وكان هذا التفاؤل مما نسيت العرب كيفيته لما نسخه الشرع كما وقع في الميسر ~~فاضطرب كلام أهل اللغة في تفسيره، قال صاحب القاموس: البارح من الصيد ما مر ~~من ميامنك إلى مياسرك، وسنح الظبي سنوحا ضد برح. وقال ابن القطاع في كتاب ~~الأفعال: وسنح الشيء سنوحا: تيسر، والطائر والظبي: جرى عن يمينك إلى يسارك ~~وهو يتيمن به، وقال في ms3999 مادة «برح» : وبرح الطائر والظبي وغيرهما ضد سنح، ~~وهو ما أراك ميامنه، وأهل الحجاز يتشاءمون به، وغيرهم يتيمنون به ويتشاءمون ~~بالسانح، وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب والمحكم في مادة «برح» : ~~والبارح خلاف السانح، وقد برح الظبي - إذا والاك مياسره يمر من ميامنك إلى ~~مياسرك، والعرب يتطير بالبارح وفي # PageV16P212 # مادة «سنح» : والسانح ما أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غير ذلك ~~والبارح: ما أتاك من ذلك عن يسارك وقيل: السانح ما والاك ميامنه والبارح ما ~~والاك مياسره وقيل السانح ما يجيء عن يمينك فتلي مياسره مياسرك والعرب ~~تختلف في عيافة ذلك، فمنهم من يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارح، وعلى هذا ~~المثل: من لي بالسانح بعد البارح، قال في القاموس: أي بالمبارك بعد ~~المشؤوم، ومنهم من يتشاءم بالسانح، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ~~مادة «سنح» : والسانح من الطير والظباء وغيرهما هو الذي يأتيك عن يمينك ~~أخذا على يسارك فيوليك مياسره فيمكنك رميه وأكثر العرب يتيمن به وقال في ~~مادة «برح» : والبارح من الطير والظبي هو خلاف السانح وهو الذي يلقاك ~~وشمائله عن شمائلك، وهو مما يتيمن به أهل العالية، ويتشاءمون بالسانح، ~~والسانح هو الذي يلقاك وميامنه عن ميامنك، وهو مما يتيمن به أهل نجد ~~ويتشاءمون بالبارح، والبارح أبين في التشاؤم من السانح، لأن البارح هو الذي ~~يأخذ عن يسارك إلى يمينك فلا يمكنك طعنه، فيتشاءم به لتعذره على الطاعن أو ~~الرامي، ولذلك قال أبو داود: قلت: لما برز أمن فيه كذب العير وإن كان برح، ~~يقول: كذب إذ طمع أن ينجو، وإن كان قد برح وصعب # PageV16P213 # على إمكان طعنه، وتطير ومن تيمن به بسلامته وخلاصة من الطاعن، وتطير من ~~تيمن بالسانح بأنه يأتي من ميامنك إلى مياسرك، فيمكنك من طعنه، ومن تشاءم ~~به تطير بقلة سلامته ووقوعه فيما يكره، ومن الطير الجابه وهو الذي يلقاك ~~مواجهة، ومنه الناطح أيضا ومنه القعيد، وهو الذي يأتيك من خلفك - انتهى ما ~~وقفت عليه من كلام أهل اللغة في ذلك فافهم، ms4000 والظاهر كما تفهمه الآية أن ~~العرب مطبقة على أن ما أتى عن اليمين كان مباركا سواء كان أتى من قدام ~~مواجها لك ومر إلى جهة الخلف فوليتك ميامته، أو أتى من الجانب الأيمن سواء ~~كان ابتداء إتيانه من خلف أو لا فمر من قدامك عرضا إلى جهة اليسار، فوليتك ~~في الحالتين مياسره، وما أتى من جهة اليسار على ضد ذلك كان مشؤوما، وكأنهم ~~اختلفوا في التسيمة فأكثرهم سمى الأول سانحا من السنح بالضم وهو اليمن ~~والبركة، وهو من قولهم: سنح لي رأي: تيسر - لشهرة معنى اليمن عندهم في ذلك، ~~والثاني بارحا من البرح، وهو الشدة والشر لشهرة هذا المعنى عندهم في مادة ~~برح، وبعهضم عكس فسمى الأول بارحا من البرحة، وهي الناقة تكون من خيار ~~الإبل لشهرة ذلك عندهم، وسمى الثاني سانحا من قولهم: سنحه عما أراد: صرفه، ~~وسنح بالرجل وعليه: أخرجه # PageV16P214 # أو أصابه بشر، فمن الاختلاف في التسمية أتى الخلاف، ولذلك عبر سبحانه ~~وتعالى بالمعنى دون الاسم، لأن كلامه سبحانه لا يخص قوما دون غيرهم، وأما ~~التعليل بإمكان الطعن والرمي فلا معنى له لأن الإنسان ينفتل عن هيئة وقوفه ~~بأدنى حركة فينعكس بالنسبة إليه أمر المياسر والميامن، ويتغير حال الطعن ~~والرمي، هذا إذا سلم أن الطعن والرمي يعسر من جهة المياسر على أنه غير ~~مسلم، ولو كان المعنى دائرا عليه لما اختلف فيه إلا بالنسبة إلى الأعسر ~~وغيره، لا بالنسبة إلى أهل العالية وغيرهم، وأما البيت الذي استدل به فيمكن ~~حمله على أن قائله كان في حاجة له لا بد له منها، فرأى البارح فلم يتطير ~~منه ولج في أمره ذلك تكذيبا له فيما دل عليه عند العرب، وأما الجابه وغيره ~~فأسماء أخر لبعض أنواع كل من السانح والبارح - والله أعلم، وقال أبو حاتم ~~أحمد بن حمدان الرازي في كتابه الزينة: العيافة والقيافة والزجر نوع من ~~الكهانة إلا أنه أخف في الكراهة وذلك أن الكاهن كان بمنزلة الحاكم وكان من ~~الكهان من يعبد كما يعبد الصنم، وكانوا سدنة الأصنام، ms4001 قلت: والكاهن في ~~اللغة من يقضي بالغيب وذلك هو غاية العلم، فهو وصف يدل على التوغل في العلم ~~- انتهى، قال أبو حاتم: وسمعت بعض أهل الأدب قال: الكاهن بالعبرانية ~~العالم، وكانوا يسمون هارون عليه السلام كهنا ربا، معناه عالم الرب، ثم ~~قال: # PageV16P215 # إن الكهانة والسحر كان عند المتقدمين نوعا من العلم، فكان الساحر والكاهن ~~اسمين محمودين، فلما جاء الله بالإسلام صار هذان الاسمان مذمومين عند ~~المسلمين لما كشف لهم ما في ذلك من الشر، ثم قال: فأما العائف والقائف ~~والزاجر فلم يكن سبيلهم كذلك - يعني كالكاهن في أنه ربما عبد، قال: وإنما ~~كره لأنه كان يخبر بشيء غائب فكره كما كره أمر النجوم توقيا أن يكون مثل ~~الدعوى في علم الغيب، والعائف هو الذي يعيف الطير ويزجرها ويعتبر بأسمائها ~~وأصواتها ومساقطها ومجاريها، فإذا سمع صوت طائر أو جرى من يمينه إلى شماله ~~أو من شماله إلى يمينه قضى في ذلك بخير أو بشر في الأمر الذي يريد أن ~~يفعله، فإذا قضى فيه بشر تجنب ذلك الأمر، يقال: عاف يعيف - إذا فعل ذلك، ~~ومعنى عاف أي امتنع وتجنب، يقال: عافت الإبل الماء - إذا لم تشرب، وكذلك ~~يقال في غير الإبل الزاجر أيضا: هو مثل العائف، يقال: يزجر أيضا زجرا، وذلك ~~أنه ينظر إلى الطير فيقضي فيها مثل العائف، فإذا رأى شيئا كرهه رجع عن أمر ~~يريد أن يشرع فيه أو حاجة يريد قضاءها، والزاجر معناه الناهي، فكأن الطير ~~قد زجره عن ذلك الفعل، أو أن من عاف له زجره عن ذلك، ويكون المعنى الزجر ~~أيضا أنه إذا رأى منها شيئا # PageV16P216 # صاح بها وطردها، فكان طرده إياها زجرا لها، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # «أقروا الطير على مكناتها» ، قلت: إنهم كانوا إذا لم يروا سانحا ولا ~~بارحا نفروا الطير لينظروا إلى أي جهة تطير - والله أعلم، وقال أبو حاتم: ~~والأصل في هذا انهم كانوا يزجرون الطير ثم كانوا يزجرون الظبي والثعلب، ~~وبصوت الإنسان يستدلون بلفظه وبغير ذلك، ثم نسبت كلها إلى ms4002 الطير فقيل: ~~يتطير، أي يستدل بالطير، وروي عن الأصعمي قال: سألت ابن عون: ما الفال؟ ~~فقال: هو أن تكون مريضا فتسمع: يا سالم، وتكون باغيا فتسمع يا واجد، قال: ~~وكان ابن سيرين يكره الطيرة ويحب الفال، وفي الحديث: # «أصدق الطير الفال» والفال مأخوذ من الفيال، وهي لعبة يتقامرون بها، ~~كانوا يأخذون الدراهم فيخلطونها بالتراب ثم يجمعونه طويلا ثم يقسمونه ~~بنصفين ويتقارعون عليه، فمن أصابه القرعة اختار من القسمين واحدا، فلما كان ~~المفايل يختار منهما ما أحب سمي الفال، لأنه يتفاءل بما يحبه، وكان هذا في ~~العرب كثيرا، وأكثره في بني أسد، قال الأصمعي: # PageV16P217 # أخبرني سعد بن نصر أن نفرا من الجن تذاكروا عيافة بني أسد فأتوهم فقالوا: ~~ضلت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا من يعيف، فقالوا لغليم لهم: انطلق معهم، ~~فاستردفه أحدهم، ثم ساروا فلقيتهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها، فاقشعر الغليم ~~فبكى فقالوا له: ما لك؟ فقال: كسرت جناحا، ورفعت جناحا، وحلفت بالله صراحا، ~~ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحا. وكانوا يسمون الذي يجيء عن يمينك فيأخذ إلى ~~شمالك سانحا، والذي يجيء عن يسارك فيأخذ غلى يمينك بارحا، والذي يستقبلك ~~ناطحا وكافحا، والذي يجيء من خلفك قعيدا، والذي يعرض في كل وجه متيحا، ~~فمنهم من كان يتشاءم بالبارح ويتيمن بالسانح، ومنهم من كان يتيمن بالبارح ~~ويتشاءم بالسانح، قال زهير: # جرت سنحا فقلت لها أجيزي ... نوى مشمولة فمتى اللقاء # وقال الكميت: # ولا السانحات البارحات عشية ... أمر سليم القرن أم مر أعضب # وكانوا يزجرون بعضب القرن وصحته، والأعضب الذي له قرن واحد، وأما القائف ~~فهو الذي يتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل في # PageV16P218 # ولده، ويروى عن عوسجة ابن معقب القائف: قال: كنا تسرق نخلنا فنعرف ~~آثارهم، فركبوا الحمر فعرفنا بمس أيديهم والعذوق، فكان القائف سمي قائفا ~~لأنه يقفو الأثر، يقال: قفا الأثر وقاف الأثر أي تبعه، قال الأصمعي عن أبي ~~طرفة الهذلي قال: رأى قائفان أثر بعير وهما منصرفان من عرفة بعد الناس بيوم ~~أو يومين فقال أحدهما: ناقة، وقال الآخر: جمل، ms4003 فاتبعاه فإذا هما به، فاطافا ~~به فإذا هو خنثى، ويقال للرجل إذا كان فطنا عارفا بالأمور: هو عائف وقائف، ~~وكان قوم من العرب لا يتطيرون ولا يتهيبون الطيرة ويفتخرون بتركه ويعدون ~~تركه شجاعة وإقداما، قال بعض شعرائهم: # ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم # فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم # وقال آخر: # ولست بهياب إذا اشتد رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم # ولكنه يمضي على ذاك مقدما ... إذا صد عن تلك الهناة الخثارم # PageV16P219 # الخثارم: المطير، وقيل: العيافة والقيافة، الطرق والخط، وهو أيضا نوع من ~~الكهانة، وهو أن يخط في الأرض خططا في الطول، ثم يخط عليها خططا في العرض، ~~ثم يطرق بالحصى او بالشعير أو بخشبات، ولا يزال يخط ويمحو ويعيد ثم يتكهن ~~عليه، ومن هذا الباب أيضا علم الكتف وهو أن ينظر في كتف شاة فيحدث بأشياء ~~تكون في العالم مثل الحروب والأمطار والرياح والجدب والخصب وغير ذلك، وهذا ~~يقال له: الكتاف، كأنه أشتق له اسم من الكتف مثل العراف لأن العراف من جنس ~~العيافة، والعيافة والعرافة، سواء، فهذه الأشياء كلها من السحر والكهانة ~~والقيافة والعيافة والخط والطرق والكتف وما أشبهها، قد جاءت فيها الأخبار ~~والروايات، ويطول الخطب بها، وهي كلها مكروهة حرام، فمنها ما جاء فيها ~~التشديد مثل السحر، والكهانة، ومنها ما جاء في القليل منها الرخص والتخفيف ~~مثل القيافة والعيافة والكتف - انتهى. # وهو مسلم له في القيافة، وأما غيرها فمنازع فيه، ثم قال: فأكثر هذه ~~الأشياء أصولها من الأنبياء عليهم السلام، فإذا استعملت بعد النسخ وبعد ما ~~جاء فيها النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت حراما تدعو إلى الكفر ~~والتعطيل وغير ذلك من أنواع الفساد، ثم قال: وما كان من أمر مشركي العرب ~~فقد درس دروسا لا يعرف ولا يحتاج إلى ذكر كيفيته إذ كان متلاشيا لا أثر له، # PageV16P220 # ولكن لا يستغني الفقهاء والعلماء عن معرفته إذ كان له في القرآن ذكر، وإذ ~~كان واجبا على العلماء تعلم ما في القرآن على حسب طاقتهم، ms4004 والجهل به نقص ~~عليهم - والله أعلم بالصواب. # PageV16P221 # ولما أشار سبحانه بتسمية كلامهم هذا سؤالا إلى أن مرادهم: فهل أنتم مغنون ~~عنا شيئا أو حاملون عنا جزءا من العذاب؟ وكان كأنه قيل: بم أجاب الرؤساء ~~بعد هذا القول من الأتباع؟ قيل: {قالوا بل} أي لم يكن كفرهم سببا بل: {لم ~~تكونوا مؤمنين *} أي عريقين في هذا الوصف بجبلاتكم فلذلك تابعتمونا فيما ~~أمرناكم به لأنه كان في طبعكم، وهذا دليل على أن من لم يكن راسخا في ~~الإيمان كان منهم، ثم أكدوا هذا المعنى بقوله نافين لما أشاروا باليمين ~~إليه: {وما كان} أي كونا ثابتا {لنا عليكم} وأعرقوا في النفي بقولهم: {من ~~سلطان} أي فأكرهنا بذلك السلطان، إنما تبعتمونا باختياركم وهو معنى {بل ~~كنتم} أي جبلة وطبعا {قوما} أي ذوي قوة وكفاية لما تحاولونه من الأمور ~~{طاغين *} أي مجاوزين لمقاديركم غالين في الكفر مسرفين في المعاصي والظلم، ~~ولذلك أنكم خلق # PageV16P221 # لا تحتاجون فيه إلى كبير تحرك {فحق علينا} أي كلنا نحن وأنتم بسبب ذلك، ~~وعبروا بما يدل على ندمهم فقالوا: {قول ربنا} أي الذي قابلنا إحسانه إلينا ~~وتربيته لنا بالكفران، وقوله هو الحكم بالضلال لما في قلوبنا من القابلية ~~له والإباء للإيمان، فالحكم بالعذاب. # ولما تصوروا ما صاروا إليه من الخطأ الفاحش عن الطريق الواضح، وعلموا أن ~~مثل ذلك لا يتركه أحد إلا بقهر قاهر فتصوروا أنه ما قسرهم عليه إلا حقوق ~~الكلمة العليا علموا أنهم مثل ما صاروا إلى حكمها في الكفر يصيرون إلى ~~حكمها في العذاب، فقالوا لما دهمهم من التحسر مريدين بالتأكيد قطع أطماع ~~الأتباع عما أفهمه كلامهم من أن الرؤساء يغنون عنهم شيئا: {إنا} أي جميعا ~~{لذائقون *} أي ما وقع لنا به الوعيد من سوء العذاب. # ولما قضوا علالة التحسر والتأسف والتضجر، رجعوا إلى إتمام ذلك الكلام ~~فقالوا: {فأغويناكم} أي أضللناهم وأوقعناكم في الغي بسبب حقوق ذلك القول ~~علينا، ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكدين أيضا لرد ما ادعاه الأتباع من أنه ما ~~كان سبب إغوائهم إلا الرؤساء: {إنا} ms4005 أي جميعا {كنا غاوين *} أي في طبعنا ~~الغواية، وهي العدول عن الطريق المثلى إلى المهالك. # PageV16P222 # ولما قال لهم الرؤساء ما هو الحق من أمرهم مما أوجب الحكم باشتراكهم، سبب ~~عنه قوله تعالى مؤكدا دفعا لمن يتوهم اختصاص العذاب بالسبب: {فإنهم} أي ~~الفريقين بسبب ما ذكروا عن أنفسهم {يومئذ} أي يوم إذ كان هذا التقاول بينهم ~~{في العذاب} أي الأكبر {مشتركون *} أي في أصله، وهم مع ذلك متفاوتون في ~~وصفه على مقادير كفرهم كما كانوا متشاركين في السبب متفاوتين في شدتهم فيه ~~ولينهم - هذا وقد قال البخاري في صحيحه في تفسير حم السجدة: وقال المنهال ~~عن سعيد: قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: إني أجد في القرآن أشياء تختلف ~~علي قال {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} {وأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون} {ولا يكتمون الله حديثا} {والله ربنا ما كنا مشركين} فقد كتموا ~~في هذه الآية، وقال: {السماء بناها} إلى قوله: {دحاها} فذكر خلق السماء قبل ~~خلق الأرض، ثم قال {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} إلى {طائعين} ~~فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء، وقال: {وكان الله غفورا رحيما} ~~{عزيزا حكيما} {سميعا بصيرا} فكأنه كان ثم مضى، فقال: {فلا أنساب بينهم} في ~~النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور # PageV16P223 # فصعق من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء الله فلا أنساب عند ذلك ~~ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وأما قوله ~~{ما كنا مشركين} {ولا يكتمون الله حديثا} فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ~~ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فنختم على أفواههم ~~فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا، وعنده يود الذين كفروا ~~- الآية، وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في ~~يومين آخرين ثم دحا الأرض، و {دحاها} أي أخرج منها الماء والمرعى، وخلق ~~الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله {دحاها} وقوله: خلق ~~الأرض في يومين، فجعلت الأرض ms4006 وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السماوات ~~في يومين، وكان الله غفورا رحيما، سمى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي لم يزل ~~كذلك، فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن ~~فإن كلا من عند الله. # وقال في سورة المرسلات: وسئل ابن عباس رضي الله عنهما {هذا يوم لا ~~ينطقون} {والله ربنا ما كنا مشركين} {اليوم نختم على أفواههم} فقال: إنه ذو ~~ألوان، مرة ينطقون ومرة يختم عليهم. # PageV16P224 # ولما أخبر سبحانه باشتراكهم، استأنف الإخبار بما يهول أمر عذابهم ويشير ~~إلى عمومه في الدارين لكل من شاركهم في الإجرام، فقال مؤكدا دفعا لظن من ~~ينكر القيامة وظن من يرى الإملاء للمجرم في الدنيا نعمة وينفي كونه نقمة، ~~أو يفعل في التمادي في الإجرام فعل المنكر؛ {إنا} أي بما لنا من العظمة ~~التي لا يفوتها شيء {كذلك} أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن {نفعل} بهم - ~~هكذا كان الأصل، ولكنه علق بالوصف تعميما وتعليلا فقال: {بالمجرمين *} أي ~~كل قاطع لما أمر الله به أن يوصل في الدنيا والآخرة، نمهل ثم نأخذ أخذا ~~عنيفا يصير به المشتركون في الظلم أعداء يتخاصمون، ويحيل بعضهم على بعض ثم ~~لا ينفعهم ذلك، بل نشارك بينهم في العقوبة، ثم علل تعذيبه لهم بقوله مؤكدا ~~للتعجب منهم لأن فعلهم هذا أهل لأن ينكر لأن هذه الكلمة لا يصدق عاقل أن ~~أحدا يستكبر عليها لأنه لا شيء أعدل منها: {إنهم كانوا} أي دائما {إذ قيل ~~لهم} أي من أي قائل كان: {لا إله} أي يمكن، وإذا نفي الممكن كان الموجود ~~أولى فإنه لا يوجد إلا ما يمكن وجوده وإن كان واجبا {إلا الله} أي الملك ~~الأعلى المباين لجميع الموجودات في ذاته وصفاته وافعاله كما # PageV16P225 # هو الحق ليفردوه بالإلهية كما تفرد بالخالقية كما لا يخفى على من له أدنى ~~مسكة بصفات الكمال، وقدم النفي لأن التحلية لا تكون إلا بعد التخلية ~~{يستكبرون *} أي يوجدون الكبر عن الإقرار بهذا الحق الذي لا أعدل منه وعن ms4007 ~~متابعة الداعي إليه، استكبار من هو طالب للكبر من نفسه ومن غيره لما فيه من ~~العراقة والعتو، فلم يكن لهم مانع من أبواب جهنم السبعة التي جعلت كل كلمة ~~من هذه الكلمة مع قرينتها الشاهدة بإرساله مانعة من باب منها وإلا كان في ~~شيء من ساعات أيامهم - التي هي بعدد حروفهما أربعة وعشرون - خير ينجيهم من ~~المكارة. # ولما أخبر أنهم استكبروا على توحيد الإله، أتبعه الإخبار بأنهم تكلموا في ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بما لا يرضاه: فقال: {ويقولون} أي كل حين ما دلوا ~~به على بعدهم عن الإيمان كل البعد بسوقهم لقولهم ذلك في استفهام إنكاري ~~مؤكدا: {إئنا لتاركوا آلهتنا} أي عبادتها، وكان تأكيد أصل الكلام للإشارة ~~إلى أن تكذيبهم صادر منهم مع علمهم بأن كل عالم بحالهم يراهم جديرين بترك ~~ما هم عليه لما جاء به صلى الله عليه وسلم، ولذلك أعلم بأن ما هم عليه عناد ~~بسوق تكذيبهم على وجه معلوم التناقض بالبديهة بقوله: {لشاعر مجنون *} فإن ~~الجنون # PageV16P226 # لا نظام معه، والشعر يحتاج إلى عقل رصين وقصد قويم، وطبع في الوزن سليم، ~~أو للإشارة إلى أن إنكار المؤكد إنكار لغيره بطريق الأولى. # ولما كان مرادهم بذلك أن كلامه باطل، فإن أكثر كلام الشاعر غلو وكذب ~~وكلام المجنون تخليط، كان كأنه قال في جوابهم: إنه لم يجىء بشرع ولا بجنون: ~~{بل جاء بالحق} أي الكامل في الحقية. # ولما كان ما جاء به أهلا لكونه حقا لأن يقبل وإن خالف جميع أهل الأرض، ~~وكان موافقا مع ذلك لمن تقرر صدقهم واشتهر اتباع الناس لهم، فكان أهلا لأن ~~يقبله هؤلاء الذين أنزلوا أنفسهم عن أوج معرفة الرجال بالحق إلى حضيض معرفة ~~الحق على زعمهم بالرجال، فكان مآل أمرهم التقليد قال: {وصدق المرسلين *} أي ~~الذين علم كل ذي لب أنهم أكمل بدور أضاء الله بهم الإكوان في كل أوان، ~~وتقدم في آخر سورة فاطر أنهم عابوا من كذبهم {وأقسموا بالله جهد أيمانهم ~~لئن جاءهم أحد منهم ليؤمنن به فكذبوا} بأن كذبوا ms4008 سيدهم بهذا الكلام ~~المتناقض. # PageV16P227 # ولما وصلوا إلى هذا الحد من الطغيان، والزور الظاهر والبهتان، تشوف ~~السامع إلى جزائهم فاستأنف الإخبار بذلك مظهرا له في أسلوب الخطاب إيذانا ~~بتناهي الغضب، فقال في قالب التأكيد نفيا لما يترجمونه # PageV16P227 # من العفو بشفاعة من ادعوا أنهم يقربونهم زلفى، ووعظا لهم ولأمثالهم في ~~الدنيا فيما ينكرونه حقيقة أو مجازا: {إنكم} أي أيها المخاطبون على وجه ~~التحقير المجرمين {لذائقوا} أي بما كنتم تضيقون أولياء الله {العذاب الأليم ~~*} . # ولما كان سبحانه الحكم العدل فلا يظلم أحدا مثقال ذرة فلا يزيد في جزائه ~~شيئا على ما يستحق مع أن له أن يفعل ما يشاء ولا يكون فعله - كيفما كان - ~~إلا عدلا قال: {وما} أي والحال أنكم ما {تجزون} أي جزءا من الجزاء {إلا ما} ~~أي مثل ما. ولما كانوا مطبوعين على تلك الخلال السيئة، بين أنها كانت خلقا ~~لهم لا يقدرون على الانفكاك عنها بالتعبير بأداة الكون فقال: {كنتم تعملون ~~*} نفيا لوهم من قد يظن أنهم فعلوا شيئا بغير تقديره سبحانه. ولما كان في ~~المخاطبين بهذا من علم الله أنه سيؤمن، واستثنى من واو «ذائقوا» قوله مرغبا ~~لهم في الإيمان مشيرا إلى أنهم لا يحملهم على الثبات على ما هم عليه من ~~الضلال إلا غش الضمائر بالرياء وغيره، فهو استثناء متصل بهذا الاعتبار ~~الدقيق: {إلا عباد الله} فرغبهم بوصف العبودية الذي لا أعز منه، وأضافهم ~~زيادة في الاستعطاف إلى الاسم # PageV16P228 # الأعظم الدال على جميع صفات الكمال، وزاد رغبا بالوصف الذي لا وصف أجل ~~منه فقال: {المخلصين *} . # ولما خلصهم منهم، ذكر ما لهم فقال معظما لهم بأداة البعد: {أولئك} أي ~~العالو القدر بما صفوا أنفسهم عن أكدار الأهوية {لهم رزق معلوم} أي يعلمون ~~غائبه وكائنه وآتيه وطعمه ونفعه وقدره وغبه وجميع ما يمكن علمه من أموره، ~~وليسوا مثل ما هم عليه في هذه الدار من كدر الأخطار {لا تدري نفس ماذا تكسب ~~غدا} لأن النفس إلى المعلوم أسكن، وبالأنس إليه أمكن. # ولما كان أهل الجنة لا يأكلون تقوتأ واحتياجا، ms4009 بل تنعما والتذاذا ~~وابتهاجا، لأن أجسامهم محكمة مخلوقة للأبد، فهي غير محتاجة إلى حفظ الصحة ~~قال: {فواكه} أي يتنعمون بها بما كدروا من عيشهم في الدنيا. ولما كان الذي ~~هو نعيم الجسم لا يحمد غاية الحمد إلا مع العز الذي هو غذاء الروح قال: ~~{وهم مكرمون *} بناه للمفعول إشارة إلى أن وجود إكرامهم من كل شيء أمر حتم ~~لا يكون غيره أصلا. # ولما كان الإكرام لا يتم إلا مع طيب المقام قال: {في جنات النعيم *} أي ~~التي لا يتصور فيها غيره. # ولما كان التلذذ لا يكمل إلا مع الأحباب، وكانت عادة الملوك الاختصاص ~~بالمحل الأعلى، بين أنهم كلهم ملوك فقال: {على سرر متقابلين *} أي ليس فيهم ~~أحد وجهه إلى غير وجه # PageV16P229 # الآخر على كثرة العدد. ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالشراب، وكان المقصود ~~الطواف فيه، لا كونه من معين، قال: {يطاف} بالبناء للمفعول وكأنها يدلى ~~إليهم من جهة العلو ليكون أشرف لها وأصون، فنبه على ذلك بأداة الاستعلاء ~~فقال: {عليهم} أي وهم فوق أسرتهم كالملوك {بكأس} أي إناء فيه خمر، قالوا: ~~وإن لم يكن في الزجاجة خمر فهي قدح، ولا تسمى كأسا إلا والخمر فيها {من ~~معين *} أي من خمر جارية في أنهارها، ظاهرة للعيون تنبع كما تنبع الماء لا ~~يعالجونها بعصير، ولا يحملهم على الرفق بها والتقصير فيها نوع تقصير، قال ~~الرازي: إنما سميت به إما من ظهروها للعين أو لشدة جريها من الإمعان في ~~السير أو لكثرتها من المعن، وهو الكثير، وسمي الماعون لكثرة الانتفاع به، ~~ويقال: مشرب ممعون: لا يكاد ينقطع. # PageV16P230 # ولما كان أول ما يختار في الشراب لونه ثم طعمه، قال واصفا ما في الكأس من ~~الخمر استخداما: {بيضاء} أي مشرقة صافية هي في غاية اللطافة تتلألأ نورا، ~~وأعرق في وصفها بالطيب بجعلها تفسيرا للمعنى في قوله: {لذة للشاربين *} بما ~~كانوا يتجرعون من كأسات الأحزان والأنكاد، وأظهر موضع الإضمار تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف، # PageV16P230 # وجمع إشارة إلى أنهم لا يعلونها إلا كذلك بما فيه من مزيد ms4010 اللذة. # ولما كان قد أثبت لها الكمال، نفى عنها النقص فقال: {لا فيها غول} أي ~~فساد من تصديع رأس أو إرخاء مفصل أو إخماء كبد أو غير ذلك مما يغتال أي ~~يهلك، أو يكون سببا للهلاك {ولا هم عنها} أي عادة بعد شربها {ينزفون *} أي ~~يذهب شيء من عقولهم وإن طال شربهم وكثر لئلا ينقص نعيمهم ولا ينفذ شرابهم ~~أو ما عندهم من الجدة لكل ما يسر به - على قراءة حمزة والكسائي بكسر الزاي ~~من أنزف - مبنيا للفاعل مثل أقل وأعسر - إذا صار قليل المال، أو ذهب عقله، ~~وقراءة الجماعة بالبناء للمفعول يحتمل أن تكون من نزف، وحينئذ يحتمل أن ~~تكون من نفاذ الشراب من قولهم: نزفت الركية، اي ذهب ماؤها، وأن تكون من ~~ذهاب العقل من قولهم: نزف الرجل بالبناء للفاعل ونزف بالبناء للمفعول ~~بمعنى: ذهب عقله بالسكر ويحتمل أن تكون من أنزف وحينئذ يحتمل أن تكون من ~~ذهاب العقل من أنزف الرجل - إذا ذهب عقله بالسكر، وأن تكون من عدم الشراب ~~من قولهم: نزف الرجل الخمرة - سواء # PageV16P231 # كان مبنيا للفاعل أو للمفعول - إذا أفناها. # ولما كان ذلك كله لا يكمل إلا بالجماع، والخمر أدعى شيء إليه، وهو لا ~~يكمل النعيم به إلا بالاختصاص قال: {وعندهم} نساء من أهل الدنيا وغيرها ~~{قاصرات الطرف} أي لا تطرف واحدة منهن إلى غير زوجها ولا يدعه تناهي حسنها ~~وفرط جمالها طرفها يطرف إلى غيرها {عين *} أي نجل العيون، جمع عيناء، كسرت ~~عينه لمناسبة الياء. # ولما كان أحسن الألوان لا سيما عند العرب الأبيض الأحمر المشرب صفرة ~~أكتسبته صفاء وإشراقا وبهاء، قال: {كأنهن بيض} أي بيض نعام {مكنون *} أي ~~مصون من دنس يلحقه، وغبار يرهقه، ولمحبة العرب لهذا اللون كانت تقول عن ~~النساء بيضات الخدور لأنه لونه أبيض مشربا صفرة صافية، وقد صرح امرؤ القيس ~~بهذا في لاميته المشهورة فقال: # كبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل # PageV16P232 # أي مخالطة البياض المائل إلى الحمرة بصفرة، وهو أصفى الألوان واعدلها، ~~يشابه لون نور ms4011 القمر. # ولما كان ذلك الاجتماع إنما هو للسرور، وكان السرور لا يتم إلا ~~بالمنادمة، وكان أحلى المنادمة ما يذكر بحلول نعمة أو انحلال نقمة، تسبب عن ~~ذلك ولا بد قوله إشارة إلى فراغ البال وصحة العقل بالإصابة في المقال: ~~{فأقبل بعضهم} أي أهل الجنة بالكلام، وأشار إلى أن مجرد الإقبال بالقصد ~~يلفت القلوب إلى سماعه بأداة الاستعلاء فقال: {على بعض} أي لأجل الكلام ~~الذي هو روح ذلك المقام، وأما المواجهة فقد تقدم أنها دائمة، وبين حال هذا ~~الإقبال فقال: {يتساءلون *} أي يتحدثون حديثا بينا لا خفاء بشيء منه بما ~~أشار إليه الإظهار بما حقه أن يهتم به ويسأل عنه من أحوالهم التي خلصوا ~~منها بعد أن كادت ترديهم، وسماه سؤالا لأنه مع كونه أهلا لأن يسأل عنه - لا ~~يخلو عن سؤال أدناه سؤال المحادث أن يصغي إلى الحديث، وعبر عنه بالماضي ~~إعلاما بتحققه تحقق ما وقع. # ولما تشوف السامع إلى سماع شيء منها يكون نموذجا للباقي، أشار إلى ذلك ~~بقوله مستأنفا: {قال قائل منهم} أي في هذا التساؤل، وشتان ما بينه وبين ما ~~مضى خبره من تساؤل أهل النار. # PageV16P233 # ولما كان ظنه أنه لا يخلص من شر ذلك القرين الذي يحدث عنه فنجاه الله منه ~~على خلاف الظاهر، فكان ذلك إحدى النعم الكبرى، نبه عليه بالتأكيد فقال: ~~{إني كان لي قرين *} أي جليس من الناس كأنه شيطان مبين {يقول} أي مكذبا ~~بالبعث مستبعدا له غاية الاستبعاد مجددا لقوله في كل وقت، يريد أن يختدعني ~~بلطافة قياده إلى سوء اعتقاده: {أإنك لمن المصدقين *} أي بالبعث - يوبخني ~~بذلك ويستقصر باعي في النظر استثارة لهمتي وإلهابا لنخوتي وحميتي، ويكرر ~~الإنكار بقوله: {أإذ متنا} أي فذهبت أوراحنا {وكنا} أي كونا راسخا {ترابا ~~وعظاما} أي فانمحقت أجسامنا التي هي مراكب الأرواح {أإنا لمدينون *} أي ~~لمجزيون بعد ذلك بما عملنا بأن نبعث ونجازى، وكان تأكيده للإشارة منه إلى ~~كل عاقل جدير بأن يكذب بما أقررت به لبعده، أو إلى أنه مكذب به ولو كان ~~مؤكدا. # ولما ms4012 كان هذا المقال سببا لعظيم تشوف السامع إلى ما يكون بعده، وكان أهل ~~الجنة من علو المكان والمكانة وصحة الأجسام وقوة التركيب ونفوذ الأبصار ~~بحيث ينظرون ما شاؤوا من النار وغيرها مما دونهم متى شاؤوا، استانف قوله ~~مشيرا إلى أن حاله هذت معلم أنه من أهل النار: {قال} أي هذا القائل لشربه ~~هؤلاء الذين هم كما قال # PageV16P234 # بعضهم في موشح: # رب شرب كالعقد قد نظموا ... في ثياب طرازها الكرم # فاغتنمت الهنا كما اغتنموا ... وظننت الكؤوس بينهمو # أنجما في سما الهناء ترى ... كل نجم يغيب في بدر # {هل أنتم مطلعون *} أي شافون قلبي بأن تتركوا ما أنتم فيه من تمام اللذة ~~وتكلفوا أنفسكم النظر معي في النار لتسروني بذلك. # PageV16P235 # ولما كان المحدث عنه المخلصين، وهم أهل الجنة كلهم أو جلهم، وكان الضمير ~~يعود لما سبقه بعينه، وكان مخاطبو هذا القائل إنما هم شربه، وكان من ~~المعلوم مما مضى من التقابل والتواد والتواصل بالمنادمة والتساؤل أنهم ~~ينتدبون ندبهم إليه ويقبلون قطعا عليه، وكان النافع لنا إنما هو قوله فقط ~~في توبيخ عدوه وتغبيط نفسه ووليه، لم يجمع الضمير لئلا يلبس فيوهم أنه ~~للجميع، وأعاده عليه وحده لنعتبر بمقاله، ونتعظ بما قص علينا من حاله فقال: ~~{فاطلع} أي بسبب ما رأى لنفسه في ذلك من عظيم اللذة إلى أهل النار {فرآه} ~~أي ذلك القرين السوء {في سواء الجحيم *} أي في وسطها وغمرتها تضطرم عليه ~~أشد اضطرام بما كان يضرم في قلبه في الدنيا من الحر كلما قال له ذلك ~~المقال، # PageV16P235 # وسمي الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى الجوانب كمركز الدائرة، ثم ~~استأنف الإخبار عن مكافأته له بما كان من تقريعه وتوبيخه على التصديق ~~بالآخرة بقوله: {قال} أي لقرينه ذلك. # ولما كان لا يقع في فكر أنه كان يتلفت إلى قوله هذا نوع التفاف لأنه ظاهر ~~البطلان، ولأن هذا القائل محكوم بأنه من أهل الجنة، أكد قوله إشارة إلى أنه ~~كان يؤثر فيه قوله في كثير من الأوقات بما يزينه به الشيطان وتحسنه النفوس ms4013 ~~بالشهوات، والراحة من كلف الطاعات، وساقه في أسلوب القسم تنبيها على التعجب ~~من سلامته منه فقال: {تالله} وزاد التأكيد بعم ما علقه بالاسم الأعظم ~~بالمخففة من المثقلة فقال: {إن كدت لتردين} أي إنك قاربت أن تهلكني وتجعلني ~~في أردأ ما يكون من الأماكن، وفي هذا التأكيد غاية الترغيب في الثبات لمن ~~كان قريبا من التزلزل وفي المباعدة لقرناء السوء. # ولما ذكر سوء ما كان يأتي إليه، ذكر حسن أثر الله سبحانه عنده، فقال ~~لافتا الكلام إلى صفة الإحسان لأنه مقامه: {ولولا نعمة ربي} أي المحسن إلي ~~بما رباني به من تثبيتي عن أتباعك والتجاوز عني في مخالطتك {لكنت} كونا ~~ثابتا {من المحضرين *} # PageV16P236 # أي المكرهين على حضور هذا الموطن الضنك الذي أنت فيه، فيالله ما أعظم ~~إحسان هذه الآية في التنفير من العشرة لقرناء السوء لأنها شديدة الخطر ~~قبيحة الأثر، ولقد أبان نظره هذا عن أنه لم يكن أعلى لذة مما كان فيه فليس ~~بأدنى منه، فإنه لا شيء ألذ من رؤية العدو الماكر الذي طالما أحرق الأكباد ~~وشوش الأفكار، في مثل دلك من الإنكار، وعظائم الأكدار، من غمرات النار. # ولما رأى ذاك فيما هو فيه من الجحيم، ورأى نفسه فيما هي فيه من النعيم، ~~ما ملك نفسه أن قال كما يعرض لمن يكون في شدة فيأتيه الفرج فجأة فيصير كأنه ~~في منام أو أضغاث أحلام، لا يصدق ما صار إليه سرورا: {أفما} أي أنحن يا ~~إخواني منعمون مخلدون فيتسبب عن ذلك أنا ما {نحن بميتين *} أي بعد حالتنا ~~هذه، وأكده لأن مثله لأجل نفاسته لا يكاد يصدق، ثم أعرق في العموم بما هو ~~معياره فقال: {إلا موتتنا الأولى} أي التي كانت في الدنيا. # ولما ذكر نعمة الخلاص من الموت، ذكر نعمة الإنقاذ من الأكدار فقال: {وما} ~~{نحن} وأكد النفي فقال: {بمعذبين *} . # ولما تذكر هذا فاستفزه السرور، وازدهته الغبطة والحبور، # PageV16P237 # لم يملك نفسه أن قال في أسلوب التأكيد لما له في ذلك من النشاط لما له من ~~خرق العادة منبها على ms4014 عظمته لتعظيم الغبطة: {إن هذا} أي الملك الذي نحن فيه ~~{لهو} أي وحده {الفوز العظيم *} أي الذي لا شيء يعدله. ولما دل هذا السياق ~~على عظيم ما نالوه، زاد في تعظيمه بقوله: {لمثل هذا} أي الجزاء {فليعمل ~~العاملون *} أي لينالوه فإنهم يغتنون غنى لا فقر بعده بخلاف ما يتنافسون ~~فيه ويتدالجون عليه من أمور الدنيا، فإنه مع سرعة زواله منغض بكدره وملاله. # ولما فات الوصف هذا التشويق إلى هذا النعيم، رمى في نعته رمية أخرى سبقت ~~العقول وتجاوزت حد الإدراك وعلت عن تخيل الوهم في استفهام منفر من ضده ~~بمقدار الترغيب فيه لمن كان له لب فقال: {أذلك} الجزاء البعيد المنال ~~البديع المثال {خير نزلا} فأشار بذلك إلى أنه إنما هو شيء يسير كما يقدم ~~للضيف عند نزوله على ما لاح في جنب ما لهم وراء ذلك مما لا تسعه العقول ولا ~~تضبطه الفهوم: {أم شجرة الزقوم *} أي التي تعرفها بأنها في غاية النتن ~~والمرارة، من قولهم: تزقم الطعام - إذا تناوله على كره ومشقة شديدة، وعادل ~~بين ما لا معادلة بينهما بوجه تنبيها على ذلك، ولأنهم كانوا يرون # PageV16P238 # ما سبب ذلك من الأعمال خيرا من أعمال المؤمنين التي سببت لهم النعيم، ~~فكأنهم كانوا يقولون: إن هذا العذاب خير من النعيم، فسيق ذلك كذلك توبيخا ~~لهم على سوء اختيارهم. # PageV16P239 # ولما كان قد أخبر أن نباتها في النار، فكان ذلك سببا لزيادة تكذيبهم لأن ~~عدم إيمانهم كان سببا لضيق عقولهم، قال مؤكدا ردا على من يظن أن سبحانه لا ~~يفتن عباده لأنه غني عن ذلك: {إنا جعلناها} أي الشجرة بما لنا من العظمة ~~{فتنة للظالمين *} أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها كمن هو في الظلام ~~بكونها عذابا لهم في الأخرى وسببا لزيادة ضلالهم في الدنيا، ولو وضعوها ~~مواضعها لعلموا أن من جعل في الشجر الأخضر نارا لا تحرقه يستخرجونها هم متى ~~شاؤوا فيحرقون بها ما شاؤوا من حطب وغيره قادر على أن ينبت في النار شجرا ~~أخضر لا تحرقه النار، ثم ms4015 نبه على أن محل الفتنة جعلها فيما ينكرونه، فقال ~~تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم معللا لجعلها فتنة تخالطهم فتحيلهم في الدنيا ~~بحرها وفي الأخرى بأثرها: {إنها} وحقق أمر نباتها بقوله: {شجرة} وزاد الأمر ~~بيانا بقوله: {تخرج} وأكده بالظرف فقال: {في أصل} أي ثابت وقعر ومعظم وقرار ~~{الجحيم} أي النار الشديدة الاضطرام وفروعها ترتفع إلى دركاتها، ثم زاد ذلك ~~وضوحا # PageV16P239 # وتصويرا بقوله: {طلعها} أي الذي هو مثل طلع النخل في نموه ثم تشققه عن ~~ثمرة {كأنه رءوس الشياطين *} فيما هو مثل عند المخاطبين فيه، وهو القباحة ~~التي بلغت النهاية، وهذا المثل واقع في أتم مواقعه سواء كان الشيطان عندهم ~~أسما للحية أو لغيرها، لأن قبح الشياطين وما يتصل بهم في أنهم شر مخص لا ~~يخلطه خير مقرر في النفوس، ولهذا كان كل من استقبح منظر إنسان أو فعله ~~يقول: كأنه شيطان، كما انطبع في النفوس حسن الملائكة وجلالتهم فشبهوا لهم ~~الصور الحسان، ولذلك سمت العرب ثمر شجر يقال له الأستن بهذا الاسم، وهو شجر ~~خشن مر منتن منكر الصورة. # ولما أثبت أمرها بما هو في غاية الفتنة لها واللطف للمؤمنين، سبب عن ~~الفتنة بها قوله: رادا لإنكارهم أن يأكلوا مما لا يشتهونه ومكذبا لما كانوا ~~يدعون من المدافعة: {فإنهم} أي بسبب كفرانهم بها وبغيرها مما أمرهم الله ~~{لآكلون منها} أي من هذه الشجرة من شوكها وطلعها وما يريد الله بما يؤلم ~~منها. ولما كانوا قد زادوا في باب التهكم في أمرها، زاد التأكيد في مقابلة ~~ذلك بقوله: {فمالئون منها} ومن غيرها في ذلك الوقت الذي يريد الله أكلهم ~~منها {البطون *} # PageV16P240 # قهرا على ذلك وإجبارا. ولما أحرق أكبادهم من شديد الجوع زيادة في العذاب، ~~ولما جرت العادة بأن الآكل المتنعم يتفكه بعد أكله بما يبرد غلة كبده، قال ~~مشيرا إلى تناهي شناعة متفكههم، وطويل تلهبهم من عطشهم، بأداة التراخي وآلة ~~التأكيد لما لهم في ذلك من عظيم الإنكار: {ثم إن لهم عليها} أي على أكلهم ~~منها {لشوبا} أي خلطا عظيم الإحراق {من حميم ms4016 *} أي ماء حار كأنه مجمع من ~~مياه من عصارات شتى من قيح وصديد ونحوهما - نسأل الله العافية. # ولما كان ما ذكر للفريقين إنما هو النزل الذي مدلوله ما يكون في أول ~~القدوم على حين غفلة، وكانوا يريدون الحميم كما يورد الإبل الماء، وكان ~~قوله تعالى {يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن: 44] يدل على أن ذلك ~~خارجها أو خارج غمرتها، كما تكون الأحواض في الحيشان خارج الأماكن المعدة ~~للإبل، قال مبينا أن لهم ما هو أشد شناعة من ذلك ملوحا إليه بأداة التراخي: ~~{ثم إن مرجعهم} أي بعد خروجهم من دار ضيافتهم الزقومية {لإلى الجحيم *} أي ~~ذات الاضطرام الشديد، والزفير والبكاء والاغتمام الطويل المديد، كما أن حزب ~~الله يتقلبون من جنات النعيم إلى جنات المأوى مثلا إلى جنات عدن إلى # PageV16P241 # الفردوس التي لا يبغون عنها حولا كما ينقل أهل السعة والأكابر من أهل ~~الدنيا ضيوفهم في البساتين المتواصلة والمناظر، وينزهونهم في القصور ~~العالية والدساكر. # ولما أخبر عن عذابهم هذا، وكان سببه الجمود مع العادة الجارية على غير ~~الحق، والتقيد بما ألفته النفس ومال إليه الطباع، مما أصله من يعتقدون أنه ~~أكبر منهم وأتم عقلا، علل ذلك تحذيرا من مثله لأنه كان سبب هلاك أكثر ~~الخلق، وأكده لأنهم ينكرون ضلال من أصل لهم، فتلك العوائد من آبائهم وغيرهم ~~فقال: {إنهم ألفوا} أي وجدوا وجدانا ألفوه {آباءهم ضالين *} أي عريقين في ~~الضلال، فما هم فيه لا يخفى على أحد أنه ضلال يتسبب عنه النفرة عن صاحبه ~~{فهم} أي البعداء البغضاء {على آثارهم} أي التي لا تكاد تبين لأحد لخفاء ~~مذاهبها لوهيها وشدة ضعفها وانطماس معالمها، لا على غيرها {يهرعون *} أي ~~كأنهم يلجئهم ملجئ إلى الإسراع، فهم في غاية المبادرة إلى ذلك من غير توقف ~~على دليل ولا استضاءة بحجة # PageV16P242 # بحيث يلحق صاحب هذا الإسراع من شدة تكالبه عليه شيء هو كالرعدة، وذلك ضد ~~توقفهم وجمودهم فيما أتاهم به رسولنا صلى الله عليه وسلم من شجرة الزقوم ~~وغيرها مما هو في غاية الوضوح والجلاء، ms4017 فأمعنوا في التكذيب به والاستهزاء، ~~وأصروا بعد قيام الدلائل، فكانوا كالجبال ثباتا على ضلالهم، والحجارة ~~الصلاب الثقال رسوخا في لازب أوحالهم. # PageV16P243 # ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد المحبة لهداهم والحزن على ~~ضلالهم، والأسف على غيهم ومحالهم، وكان الضلال مع العقل أولا، ثم مع وجود ~~الرسل الذين هم من الصدق والمعجزات والأمور الملجئة إلى الهدى ثانيا ~~كالمحال، سلاه سبحانه بقوله على سبيل التأكيد لزيادة التحقيق: {ولقد ضل ~~قبلهم} أي قبل من يدعوهم في جميع الزمان الذي تقدمهم {أكثر الأولين *} بحيث ~~إنه لم يمض قرن بعد آدم عليه السلام إلا وكله أو جله ضلال. # ولما كان ربما ظن أنه لعدم الرسل، نفى ذلك بقوله مؤكدا لنحو ذلك: {ولقد ~~أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة التي توجب الإتيان بما لا ريب فيه من ~~البيان {فيهم منذرين *} أي فأنذروهم بأس الله وبينوا لهم أحسن البيان، ومع ~~ذلك فغلب عليهم الضلال، وعناد أهل الحق بالمحال، حتى أهلكهم الله بما له من ~~شديد المجال، وهو معنى قوله: # PageV16P243 # {فانظر} أي فتسبب عن الإرسال أنا فعلنا في إهلاكهم من العجائب ما يستحق ~~التعجيب به والتحذير من مثله بأن يقال لمن تخلف عنهم: انظر {كيف} ولما كان ~~ذلك عادة مستمرة لم تختلف أصلا قال: {كان عاقبة} أي آخر امر {المنذرين} أي ~~في إنا أهلكناهم لتكذيبهم، فاصبر على الشدائد كما صبروا، واستمر على الدعاء ~~بالبشارة والنذارة حتى يأتيك أمر الله. # ولما أفهم الحكم على الأكثر بالضلال أن الأقل على غير حالهم، نبه على حال ~~الطائعين بقوله مستثنيا من ضمير المنذرين: {إلا عباد الله} أي الذين ~~استخلصهم سبحانه بما له من صفات الكمال، فاستحقوا الإضافة إلى اسمه الأعظم ~~{المخلصين *} أي الذين أخلصهم له فأخلصوا هم أعمالهم فلم يجعلوا فيها شوبا ~~لغيره. # ولما كان مقصود السورة التنزيه الذي هو الإبعاد عن النقائص، ولذلك كان ~~أنسب الأشياء الإقسام أولها بالملائكة هم أنزه الخلق، وكان أعلى الخلق من ~~جرد نفسه عن الحظوظ بما يؤتيه الله من المجاهدات والمنازلات والمعالجات حتى ~~يلحق ms4018 بهم فيجوز مع فضلهم معالي الجهاد، فكان أحق الأنبياء بالذكر من كان ~~أكثر تجريدا لنفسه من الشواغل سيرا إلى مولاه وتعريجا عن كل ما سواه، وكان ~~الأب # PageV16P244 # الثاني من أحقهم بذلك لأنه تجرد في الجهاد بالدعاء إلى الله ألف عام ثم ~~تجرد عن كل شيء على ظهر الماء بين الأرض والسماء، فقال تعالى مؤكدا لما ~~تقدم من أنه دعا إلى التأكيد من أن مكثه في قومه المدة الطويلة مبعد لأن ~~يكونوا وافقوه ومالوا معه وتابعوه، ولأن فعل العرب في التكذيب مع ترادف ~~المعجزات وتواتر العظات عمل من هو مكذب بوقوع النصرة للمرسلين، والعذاب ~~للمكذبين، عطفا على تقديره: فقاسى الرسل من الشدائد ما لا تسعه الأوراق، ~~وجاهدوهم بأنفسهم والتضرع إلى الله تعالى في أمرهم: {ولقد نادانا} لما لنا ~~من العظمة {نوح} بقوله # {رب إني مغلوب فانتصر} [القمر: 10] ونحوه مما أخبر الله عنه به بعد أمور ~~عظيمة لقيها منهم من الكروب، والشدائد والخطوب، لنكشف عنه ما أعياه من ~~أمرهم. # ولما أغنت هذه الجملة عن شرح القصة وتطويلها، وكان قد تسبب عن دعائه ~~إجابته، قال بالتأكيد بالاسمية والإشارة إلى القسم والأداة الجامعة لكل مدح ~~وصيغة العظمة إلى أن هول عذابهم وعظم مصابهم بلغ إلى أنه مع شهرته لا يكاد ~~يصدق، فهو يحتاج إلى اجتهاد كبير وشدة اعتناء، فكانت الإجابة إجابة من يفعل ~~ذلك وإن # PageV16P245 # كانت الإفعال بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء، لا تحتاج إلى غير مطلق ~~الإرادة: {فلنعم المجيبون *} أي كنا بما لنا من العظمة له ولغيره ممن كان ~~نعم المجيب لنا، هذه صفتنا لا تغير لها. # PageV16P246 # ولما كان معنى هذا: فأجبناه إجابة هي النهاية في استحقاق على الممادح من ~~إيصاله إلى مراده من حمله وحمل من آمن به والانتقام ممن كذبه كما هي عادتنا ~~دائما، عطف عليه قوله: {ونجيناه} أي بما لنا من العظمة {وأهله} أي الذين ~~وافقوه في الدين {من الكرب العظيم *} وهو الأذى من الغرق {وجعلنا ذريته هم} ~~أي خاصة {الباقين *} لأن جميع أهل الأرض غرقوا فلم يبق منهم ms4019 أحد أصلا، وأهل ~~السفينة لم يعقب منهم أحد غير أولاده، فأثبناه على نزاهته إن كان هو الأب ~~الثاني، فالعرب والعجم أولاد سام، والسودان أولاد حام، والترك والصقالبة ~~ويأجوج ومأجوج أولاد يافث، فكل من تبع سنته في الخير كان له مثل أجره. # ولما ذكر لأنه بارك في نسله، أعلم أنه أدام ذكره بالخير في أهله فقال: ~~{وتركنا عليه} أي ثناء حسنا، لكنه حذف المفعول # PageV16P246 # وجعله لازما، فصار المعنى: أوقعنا عليه الترك بشيء هو من عظمته وحسن ذكره ~~بحيث يعز وصفه {في الآخرين *} أي كل من تأخر عن زمانه إلى يوم الدين. ولما ~~كان قد كتب الله في القدم سلامته من كل سوء على كثرة الأعداء وطول الإقامة ~~فيهم وشدة الخلاف قال تعالى مستأنفا مادحا: {سلام} أي عظيم {على نوح} من كل ~~حي من الجن والأنس والملائكة لسلام الله عليه. ولما كان لسان جميع أهل ~~الأرض في زمانه عليه السلام واحدا، فكانوا كلهم قومه، ولم يكن في زمانه ~~نبي، فكانت نبوته قطب دائرة ذلك الوقت، فكان رسالته عامة لأهله، وكان غير ~~الناس من الخلق لهم تبعا، خصه في السلام بأن قال: {في العالمين} أي مذكور ~~فيهم كلهم لفظا ومعنى يسلم عليه دائما إلى أن تقوم الساعة، وخصوصية نبينا ~~صلى الله عليه وسلم بأنه أرسل إلى جميع الخلق مع اختلاف الألسنة ومع ~~استمرار الرسالة أبد الآباد، وكون شريعته ناسخة غير منسوخة، وكون جميع ~~الخلق في القيامة تحت لوائه، فهناك يظهر تمام ما أوتيه من عموم البعثة إلى ~~ما ظهر منه في الدنيا. # ولما كان التقدير: فعلنا به ذلك لإحسانه، وكان الضالون ينكرون أن تنجو ~~الدعاء إلى الله وأتباعهم منهم، أخبر في سياق التأكيد أنه يفعل بكل محسن ما ~~فعل به فقال {إنا} أي على عظمتنا {كذلك} # PageV16P247 # أي مثل ذلك الجزاء بالذكر الحسن والنجاة من كل سوء {نجزي المحسنين *} أي ~~الذين يتجردون من الظلمات النفسانية إلى الأنوار الملكية بحيث لا يغفلون عن ~~المعبود، ولا ينفكون لحظة عن الشهود. # ولما أفهمت هذه الجملة - ولا بد ms4020 - إحسانه إلى المحسن، علل ما أفهمته ~~بقوله: مؤكدا إظهارا للإقبال عليه بأن ذكره مما يرغب فيه، وتكذيبا لمن ~~كذبه: {إنه من عبادنا} أي الذين هم أهل لأن نضيفهم إلى مقام عظمتنا ~~{المؤمنين *} أي الراسخين في هذا الوصف، المتمكنين فيه، فعلم أن الإيمان هو ~~المراد الأقصى من الإنسان لأنه علل الإنجاء بالإحسان والإحسان بالبيان، ~~ولما أفهم تخصيص ذريته بالبقاء إهلاك غيرهم، وقدم ما هو أهل له من مدحه ~~اهتماما به وترغيبا في مثله، أخبر عن أعدائه بأنه أوقع بهم لأنهم لم يتحلوا ~~بما كان سبب سعادته من الإيمان بقوله: مشيرا إلى العظمة التي أوجدها سبحانه ~~في إغراقهم بأداة التراخي: {ثم أغرقنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يقوم ~~لها شيء {الآخرين *} أي الذي غايروه في الأقوال والأفعال فاستحقوا أضداد ~~أفعالنا معه وهو أهل الأرض كلهم غير أهل السفينة وكلهم # PageV16P248 # قومه كما هو ظاهر الآيات إذا تؤمل تعبيرها عن الدعوة والإغراق ودعائه ~~عليه السلام عليهم، وظاهر ما رواه الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه في ~~حديث الشفاعة أن الناس يقولون: # «ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض» ، وإنما كانوا قوما لا ~~أكثر، لأنهم كانوا على لسان واحد قبل بلبلة الألسن باتفاق أهل التأريخ، ~~وذلك كما أن العرب يطلق عليهم كلهم على انتشارهم واتساع بلادهم أنهم قوم، ~~لاجتماعهم في اللسان مع أنهم قبائل لا يحصيهم العد، ولا يجمعهم نسب واحد ~~إلا في إسماعيل عليه السلام، وقيل فيما فوقه، فإن النسابين أجمعوا على أن ~~عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام، قالوا: هو من ولد عدنان، واختلفوا في ~~قحطان أبي اليمن وكذا ثقيف، فقيل: هما من ولد إسماعيل عليه السلام، وقيل ~~لا، ثم من قال: إن ثقيفا من ولد إسماعيل عليه السلام، قالوا: هو من ولد ~~عدنان، وقال بعضهم: لا، ثم إن من ولد عدنان ربيعة ومضر، ومن دون مضر كنانة ~~وهذيل والقارة وخزاعة وأسد وتميم ومزينة والرباب وضبة وقيس، ودون ذلك باهله ~~وأشجع وفزارة وكنانة وقريش وخلائق، ومن دون ربيعة ms4021 بكر بن وائل وغيرهم، ومن ~~دون ذلك شيبان وعبد القيس والنمر وخلائق، ودون قحطان أبي اليمن لخم وجذام ~~وعائلة وغسان وكندة وهمدان والأزد، ومنهم الأنصار وخلائق غير ذلك، # PageV16P249 # فهؤلاء كلهم - على هذا التشعب والانتشار والاختلاف في الأديان، بل وفي ~~بعض اللغة - يسمون أمة واحدة وقوما لجمع اللسان لهم في أصل العربية، وبنو ~~إسحاق ليسوا منهم بلا خلاف، مع أنهم أولاد عمهم لمخالفتهم لهم في اللسان ~~على أنهم أقرب من قحطان وثقيف في النسب عند من قال إنهم ليسوا من ولد ~~إسماعيل عليه السلام، وكذا بنو إسحاق عليه السلام افترقوا بافتراق اللسان ~~فبنوا إسماعيل قوم وبنو العيص - وهم الروم - قوم وكذا سائر الأمم إنما يفرق ~~بينهم اللسان وعموم دعوته لبني آدم عليه السلام على هذا الوجه لا يقدح في ~~خصوصية نبينا صلى الله عليه وسلم بعموم الدعوة والأرسال إلى غير قومه، أما ~~العموم فإنه أرسل إلى كل من ينوس من الإنس والملائكة والجن، وأما دعاء ~~الأقوام فالمراد أنه أرسل إلى الموافق في اللسان والمخالف فيه، وأما غيره ~~فما أرسل إلى من خالفه في اللسان ولا إلى غير جنسه وإن كان يندب له أنه ~~يأمر بالمخالفين في اللسان وينهاهم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~من غير وجوب، ولو سلمنا في نوح عليه السلام أنه لم يبعث إلى جميع أهل الأرض ~~انتقض بآدم عليه السلام فإنه نبي مرسل، كما روى ذلك الإمام أحمد وأبو داود ~~الطيالسي ومحمد بن يحيى بن أبي عمر وأبو بكر بن أبي شيبة والحارث # PageV16P250 # بن أبي أسامة وأبو يعلى الموصلي وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم والطبراني ~~في معجمه الأوسط عن أبي أمامة الباهلي وأبي ذر رضي الله عنهما وفي بعض طرق ~~أبي ذر التصريح بالإرسال ولا يشك أحد أنه كان رسولا إلى جميع من أدركه من ~~أولاده، وهم جميع أهل الأرض، وكذلك نوح عليه السلام، لا يشك أحد أنه كان ~~بعد الغرق رسولا إلى جميع أهل السفينة كما كان قبل ذلك: وهم جميع أهل ~~الأرض، فما قدمت ms4022 من أن الخصوصية بالإرسال إلى ذوي الألسن المختلفة من جميع ~~بني آدم، وإلى المخالف في الجنس من كل من ينوس هو المزيل للإشكال - والله ~~الموفق. # PageV16P251 # ولما كان لإبراهيم عليه السلام من التجرد عن النعوت البشرية والعلائق ~~النفسانية إلى الأحوال الملكية ما لم يكن لمن بينهما من النبيين من ~~المصارحة بالمعارضة لقومه، والإبلاغ فيها بكسر الأوثان، وتوهية مذهب ~~الكفران، والانفراد عما سوى الله في غمرات النيران، حتى عن الدعاء بقلب أو ~~لسان فناء عن جميع الأكوان، ثم الهجرة عن الأوطان، ثم بالخروج عن الأحباب ~~والأخوان، بوضع ابنه بكره وسريته في ذلك المكان، الذي ليس به إنس ولا جان، ~~ثم بمعالجة ذبحه بأتم قوة وأقوى جنان، ثم ببناء البيت ذوي الأركان، قبلة ~~للمتجردين من أهل الإيمان في كل أوان، عما سوى الملك الديان، يصفون عند كل # PageV16P251 # صلاة مثل صفوف الملائكة الكرام، وكان موافقا لنوح عليه السلام مع ما تقدم ~~في البركة في نسله بحيث إنهم قريب نصف أهل الأرض الآن، وكان أشهر أمره في ~~النار التي هي ضد أشهر أمر نوح عليه السلام في الماء، تلاه به فقال مؤكدا ~~إظهارا أيضا لما له من الكرامة والمنزلة العالية في الإمامة، المقتضية ~~للنشاط في الثناء عليه، المنبهة على ما ينبغي من إتمام العزم في متابعته، ~~وتكذيبا لمن ادعى أنه ابتدع وخالف من كان قبله: {وإن من شيعته} أي الذين ~~خالط سره سرهم ووافق أمره أمرهم، في التصلب في الدين والمصابرة للمفسدين ~~{لإبراهيم *} ثم علق بمعنى المشايعة بيانا لما كانت به المتابعة قوله على ~~تقدير سؤال من قال: متى شايعه؟ {إذا} أي حين {جاء ربه} أي المحسن في تربيته ~~{بقلب سليم *} أي بالغ السلامة عن حب غيره، والمجيء مجاز عن الإخلاص الذي ~~لا شائبة فيه كما أن الآتي إليك لا يكون شيء من بدنه عند غيرك، ثم أبدل من ~~ذلك ما هو دليل عليه فقال: {إذ قال لأبيه} أي الذي هو أعظم الناس عنده ~~وأجلهم في غينه وأعزهم لديه {وقومه} أي الذين لهم من القوة ms4023 والجدود ما ~~تهابهم به الأسود: {ماذا} أي ما الذي {تعبدون *} تحقيرا لأمرهم وأمر ~~معبوداتهم منبها على أنه لا علة لهم في الحقيقة تحمل على عبادتها غير # PageV16P252 # مكترث بكثرتهم ولا هائب لقوتهم ولامراع لميل الطبع البشري إلى مودتهم. # ولما لوح لهم بالإنكار، صرح فقال مقدما للمفعول تخصيصا: {أئفكا} أي صرفا ~~للحق عن وجهه إلى قفاه. ولما جعل معبوداتهم نفس الإفك، أبدل منه قوله: ~~{آلهة} ثم حقر شأنهم بقوله: {دون الله} أي الذي لا كفوء له {تريدون *} ولما ~~كان قد غلب عليه الشهود عند تحقيره لهم، سبب عن ذلك تهديدا على فعلهم ~~عظيما، فقال مشيرا إلى أنه يكفي العاقل في النهي ظن العطب: {فما ظنكم} ولما ~~كان كفران الإحسان شديدا، ذكرهم بإحسانه حافظا لسياق التهديد بالإشارة إلى ~~أنه يكفي في ذلك الخوف من قطع الإحسان فقال: {برب العالمين *} اي الذي توحد ~~بخلق جميع الجواهر والأعراض وتربيتهم فهو مستحق لتوحيدهم إياه في عبادتهم، ~~أتظنون أنه لا يعذبكم وقد صرفتم ما أنعم به عليكم إلى عبادة غيره، إشارة ~~إلى إنكار تجويز مثل هذا، وأن المقطوع به أن محسنا لا يرضى بدوام إدرار ~~إحسانه إلى من ينسبه إلى غيره. # PageV16P253 # ولما أفهم السياق شدة عداوته صلى الله عليه وسلم، وكان الله تعالى قد ~~أجرى عادته بأن جعل في النجوم أدلة على بعض المسائل الظنية لا سيما ~~البحرانات في أنواع الأسقام، وكان أهل تلك البلاد # PageV16P253 # وهم الكسدانيون كما تقدم في الأنعام وكما قاله ابن عباس رضي الله عنهما ~~وكما دلت عليه كتب الفتوحات - من أشد الناس نظرا في النجوم والاستدلال بها ~~على أحوال هذا العالم في بعض ما كان وبعض ما يكون، وكان صلى الله عليه وسلم ~~يريد أن يتخلف عن الذهاب معهم إلى المحل الذي يجتمعون فيه للعيد ليكسر ~~الأصنام ويريد إخفاء وقت الكسر عليهم ليتمكن من ذلك، قال تعالى حاكيا عنه ~~مشيرا إلى ذلك بالتسبب عما مضى: {فنظر نظرة} أي واحدة {في النجوم *} حين ~~طلبوا منه أن يخرج معهم إلى عيدهم لئلا ينكروا تخلفه عنهم ms4024 موهما لهم أنه ~~استدل بتلك النظرة على مرض باطني يحصل له، لأنهم ربما أنكروا كونه مريضا ~~إذا أخبرهم بغير النظر في النجوم لأن الصحة ظاهرة عليه {فقال} أي عقب هذه ~~النظرة موهما أنها سببه. # ولما كان بدنه صحيحا فكان بصدد أن يتوقف في خبره، أكد فقال: {إني سقيم *} ~~فأوهم أن مراده أنه مريض الجسد وأراد أنه مريض القلب يسبب آلهتهم، مقسم ~~الفكر في أمرهم لأنه يريد أمرا عظيما وهو كسرها، ومادة «سقم» بتقاليبها ~~الخمسة: سقم سمق قسم قمس مقس، تدور على القسم، فالسقام كسحاب وجبل وقفل: ~~المرض، أي # PageV16P254 # لأنه يقسم القوة والفكر، وقال ابن القطاع: سقم: طاولة المرض. وقسمه جزأه، ~~والدهر القوم: فرقهم، والقسم - بالكسر: النصيب والقسم أي بالفتح: العطاء، ~~ولا يجمع، والرأي والشك والعيب والماء والقدر والخلق والعادة، ويكسر فيهما، ~~والتفريق ظاهر في ذلك كله، أما العطاء فيفرق المال ويقسمه، والرأي يقسم ~~الفكر والشك كذلك والعيب يقسم العرض والماء في غاية ما يكون من سهولة ~~القسم، والقدر يفصل صاحبه من غيره، وكذا الخلق والعادة، والمقسم كمعظم: ~~المهموم - لتوزع فكره، والجميل - لأنه يقسم القول في وصفه، والقسم محركة: ~~اليمين بالله، وقد أقسم، أي أزال تقسيم الفكر، والقسامة: الحسن - لأنه يوزع ~~فكر الناظر وجونة العطار - كذلك لطيب ريحها والقسام - كسحاب: شدة الحر - ~~لأنها تزعج الفكر فتقسمه، أو هو أول وقت الهاجرة أو وقت ذرور الشمس، وهي ~~حينئذ أحسن ما تكون مرآة - فينقسم الفكر فيها لحسنها إذ ذاك وما يطرأ عليها ~~بعده. والقمس: الغوص - لأن الغائص قسم الماء بغوصه، والقمس أيضا اضطراب ~~الولد في البطن لأنه يقسم الفكر، ويكاد أن يقسم البطن باضطرابه، والقاموس: ~~معظم البحر - لأن البحر قسم الأرض، ومعظمه # PageV16P255 # أحق بهذا الاسم، والقوامس: الدواهي - لتقسيمها الفكر، وانقمس النجم: غرب، ~~أي أخذ قسمه من الغروب كما أخذه من الشروق، أو أزال التقسيم بالسير، ومقسه ~~في الماء: غطه - فانقسم الماء بغمسه فيه، والقربة: ملأها، فصير فيها من ~~الماء ما يسهل قسمه، وأخذه الماء الذي وضعه فيها تقسيم للماء المأخوذ منه، ~~ومقس الشيء: ms4025 كسره، والماء: جرى - فانقسم وقسم الأرض، وهو يمقس الشعر كيف ~~شاء، أي بقوله فيقسمه من باقي الكلام، والتقميس في الماء: الإكثار من صبه، ~~فإن ذلك تقسيم له، وسمق سموقا: علا وطال فصار بطوله يقبل من القسمة ما لا ~~يقبله ما هو دونه. # ولما فهموا عنه ظاهر قوله، وظنوا فيه ما يظهر من حاله، ولكنهم لم يسعهم ~~لعظمته فيهم إلا التسليم، تركوه فقال تعالى مسببا عن قوله مشيرا إلى ~~استبعادهم مرضه بصيغة التفعل: {فتولوا} أي عالجوا أنفسهم وكلفوها أن ~~انصرفوا {عنه} إلى محل اجتماعهم وإقامة عيدهم وأكد المعنى ونص عليه بقوله: ~~{مدبرين *} أي إلى معبدهم فخلا له الوقت من رقيب {فراغ} أي ذهب في خفية ~~برشاقة وخفة، ونشاط وهمة، قال البيضاوي: وأصله الميل بحيلة {إلى آلهتهم} أي ~~أصنامهم التي زعموها آلهة، وقد وضعوا عندها طعاما، فخاطبها مخاطبة من يعقل ~~لجعلهم إياها بذلك في عداد من يعقل {فقال} منكرا عليها # PageV16P256 # متهكما بها ظاهرا وموبخا لقومه حقيقة: {ألا تأكلون *} ثم زاد في إظهار ~~الحق والاستهزاء بانحطاطها عن رتبة عابديها فقال: {ما} أي أي شيء حصل {لكم} ~~في أنكم {لا تنطقون *} . # ولما أخبر تعالى أنه أظهر ما يعرفه باطنا من الحجة فقال: {فراغ} أي سبب ~~عن إقامته الحجة أنه أقبل مستعليا {عليهم} بغاية النشاط والخفة والرشاقة ~~يضربهم {ضربا باليمين *} أي بغاية القوة، وجعل السياق للمصدر إشارة إلى قوة ~~الهمة بحيث صار كله ضربا. ولما تسبب عن ذلك أنهم لما علموا بكسرها ظنوا فيه ~~لما كانوا يسمعونه منه من ذمها وحلفه بأنه ليكيدنها فأتوه، أخبر عن ذلك ~~بقوله مسببا: {فأقبلوا} ودل على أنه من مكان بعيد بقوله: {إليه يزفون *} أي ~~يسرعون، وقراءة حمزة بالبناء للمفعول أدل على شدة الإسراع لدلاتها على أنهم ~~جاؤوا على حالة كان حاملا يحملهم فيها على الإسراع وقاهرا يقهرهم عليه من ~~شدة ما في نفوسهم من الوجد. # ولما كان من المعلوم أنهم كلموه في ذلك فطال كلامهم، وكان تشوف النفس إلى ~~جوابه أكثر، استأنف الخبر عنه في قوله: {قال} غير هائب ms4026 لهم ولا مكترث بهم ~~لرؤيته لهم فانين منكرا عليهم: {أتعبدون} وندبهم بالمضارع إلى التوبة ~~والرجوع إلى الله، وعبر بأداة ما لا يعقل # PageV16P257 # كما هو الحق فقال: {ما تنحتون *} أي إن كانت العبادة تحق لأحد غير الله ~~فهم أحق أن يعبدوكم لأنكم صنعتموهم ولم يصنعوكم. # ولما كان المتفرد بالنعمة وهو المستحق للعبادة، وكان الإيجاد من أعظم ~~النعم، وكان قد بين أنهم إنما عبدوها لأجل عملهم الذي عملوه فيها فصيرها ~~إلى ما صارت إليه من الشكل، قال تعالى مبينا أنه هو وحده خالقهم وخالق ~~أعمالهم التي ما عبدوا في الحقيقة إلا هي، وأنه لا مدخل لمنحوتاتهم في ~~الخلق فلا مدخل لها في العبادة: {والله} أي والحال أن الملك الأعظم الذي لا ~~كفوء له {خلقكم} أي أوجدكم على هذه الأشكال {وما تعملون *} أي وخلق عملكم ~~ومعمولكم، فهو المتفرد بجميع الخلق من الذوات والمعاني، ومعلوم أنه لا يعبد ~~إلا من كان كذلك لأنه لا يجوز لعاقل أن يشكر على النعمة إلا ربها. # PageV16P258 # ولما كان السامع يعلم أنهم لا بد وأن لا يجيبوه بشيء، فتشوف إلى ذلك، ~~أجيب بقوله: {قالوا ابنوا له} أي لأجله {بنيانا} أي من الأحطاب حتى تصير ~~كالجبل العظيم، فاحرقوها حتى يشتد لهبها جدا فيصير جحيما {فألقوه في} ذلك ~~{الجحيم *} أي معظم النار، وهي على أشد ما يكون إيقادا. # ولما كان هذا مسببا عن إرادتهم لإهانته قال: {فأرادوا به} أي إبراهيم ~~عليه السلام بسبب هذا الذي عملوه {كيدا} أي تدبيرا # PageV16P258 # يبطل أمره ليعلوا أمرهم ولا يبطل بما أظهر عن عجزهم دينهم {فجعلناهم} أي ~~بعظمتنا بسبب عملهم {الأسفلين *} المقهورين بما أبطلنا من نارهم وجعلناها ~~عليه بردا وسلاما بضد عادتها في العمل، فنفذ عملنا وهو خارق للعادة وبطل ~~عملهم الذي هو على مقتضى العادة، فظهر عجزهم في فعلهم كما ظهر عجزهم في ~~قولهم، بما أظهرناه من الحجة على لسان خليلنا عليه السلام، وظهرت قدرتنا ~~واختيارنا، وإنما فسرت الكيد بما ذكرت لأنه المكر والخبث والاحتيال ~~والخديعة والتدبير بحق أو باطل والحرب والخوف، فكل هذه المعاني ms4027 - كما ترى - ~~تدور على التدبير وإعمال الفكر وإدارة الرأي. # ولما كان التقدير: فأجمع النزوح عن بلادهم لأنهم عدلوا عن الحجة إلى ~~العناد، عطف عليه قوله: {وقال} أي إبراهيم عليه السلام لمن يتوسم فيه أن ~~كلامه يحييه من موت الجهل مؤكدا لأن فراق الإنسان لوطنه لا يكاد يصدق به: ~~{إني ذاهب} أي مهاجر من غير تردد، قالوا: وهو أول من هاجر من الخلق {إلى ~~ربي} أي إلى الموضع الذي أمرني المحسن إلي بالهجرة إليه، فلا يحجر علي أحد ~~في عبادته فيه. # PageV16P259 # ولما كان حال سامعه جديرا بأن يقول: من لك بالمعرفة بما يحصل قصدك هذا من ~~التعريف بالموضوع وبما تفعل فيه مما يكون به الصلاح، وما تفعل في التوصل ~~إليه؟ قال: {سيهدين *} أي إلى جميع ذلك بوعد لا خلف فيه إلى كل ما فيه ~~تربية لي في أمر الهجرة لأنه أمرني بها، وهو لا يأمر بشيء إلا نصب عليه ~~دليلا يهدي إليه، ويسهل لقاصدة المجتهد في أمره سبيله، وقد اختلفت العبارات ~~عن سير الأصفياء إلى الحضرات القدسية، فهذه العبارة عن أمر الخليل عليه ~~السلام، وعبر عن أمر الكليم عليه السلام بقوله {ولما جاء موسى لميقاتنا} ~~[الأعراف: 143] وعن أمر الحبيب عليه السلام بقوله {سبحان الذي أسرى بعبده} ~~[الأسراء: 1] قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وفصل بين هذه المقامات: ~~إبراهيم عيله السلام كان بعين الفرق - يعني أنه بعدما كان فيه من الجمع حين ~~كسر الأصنام من الفناء عما سوى الله رجع إلى حال الفرق لأنه لا بد من ذلك - ~~وموسى عيله السلام بعين الجمع لأنه أخبر عن فعله من غير أن ينسب إليه قولا، ~~ثم أخبر أنه قال {رب أرني} فلم ير غيره سبحانه فطلب أن يريه وهذا هو ~~الفناء، ونبينا صلى الله عليه وسلم بعين جمع الجمع - لأن لم ينسب إليه قول ~~ولا فعل، بل هو المراد إلى أن قال {لنريه من آياتنا} فهذا هو الفناء حتى عن ~~الفناء، ثم قال: {أنه هو # PageV16P260 # السميع البصير} فأثبت له مع ذلك الكمال. # ولما لم يجد ms4028 له معينا على الهجرة غير لوط ابن أخيه عليهما السلام، قال ~~مناديا مناداة الخواص بإسقاط الأداة: {رب} أي أيها المحسن إلي {هب لي من} ~~أي ولدا من {الصالحين *} وأسقط الموصوف لأن لفظ الهبة غلب في الولد، فتسبب ~~عن دعوته أنا استجبناها له {فبشرناه بغلام} أي بذكر في غاية القوة التي ~~ينشأ عنها الغلمة. # ولما كان هذا الوصف ربما أفهم الطيش، وصفه بما أبقى صفاءه ونفى كدره ~~فقال: {حليم *} أي لا يعجل بالعقوبة مع القدرة، لأنه في غاية الرزانة ~~والثبات، فيكون ذلك إشارة إلى حصول بلاء ما يتبين به أنه سر أبيه أن ~~إبراهيم لحليم، والحلم لا يكون إلا بعد العلم، ورسوخ العلم سبب لوجود ~~الحلم، وهو اتساع الصدر لمساوىء الخلق ومدانىء أخلاقهم، وهذا الولد هو ~~إسماعيل عليه السلام بلا شك لوجوه: منها وصفه بالحليم، ووصف إسحاق عليه ~~السلام في سورة الحجر بالعليم، ومنها أن هذا الدعاء عند الهجرة حيث كان ~~شابا يرجو الولد، وهو بكره الذي ولد له بهذه البشرى، وهو الذي كان بمكة ~~موضع الذبح، فجعلت # PageV16P261 # أفعاله في ذبحه مناسك للحج في منى كما جعلت أفعال أمه في مكة المشرفة أول ~~أمره عندما أشرف على الموت من العطش مناسك ومعالم هناك، وأما إسحاق عليه ~~السلام فأتته البشرى فجأة وهو لا يرجو الولد لكبره ويأس أمرأته، ولذلك راجع ~~في أمره ولم ينقل أنه فارق أمه من بيت المقدس، ولو كان هو الذبيح لذكره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه حين سئل عن الأكرم فقال: «يوسف نبي الله ~~ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله» ، والرواية التي وردت بالإشارة ~~إلى أنه الذبيح ضعيفة، بل صرح شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف بأن في ~~سندها وضاعا، ولأن هذه السورة سورة التنزيه، فأحق الناس بالذكر فيها - كما ~~سلف - أعرق الناس في قدم التجريد، وهو أولى الناس بذلك من حين كان حملا إلى ~~أن عولج ذبحه، ولم يذكر ظاهرا، فلو لم يكن المراد بهذا الكلام لكان ترك في ~~هذه السورة - التي ms4029 حالها هذا - من هو أرسخ الناس في الوصف المقصود بها، ~~وذلك خارج عن نهج البلاغة التي هي مطابقة المقال لمقتضى الحال، بل هذا ~~الحال لا يقتضي ذكر إسحاق عليه السلام، لأنه لم يعلم له تجرد متفق عليه، ~~وما كان ذكره إلا لبيان جزاء إبراهيم عليه السلام لما اقتضاه مقامه في ~~الاجسان في باب التجريد والفناء - والله الموفق. # PageV16P262 # ولما كانت البشرى من الله لا تتخلف، كان التقدير: فولد له غلام كما قلنا ~~{فلما بلغ} أن يسعى كائنا {معه} أي مع أبيه خاصة ومصاحبا له {السعي} الذي ~~يرضى به الأب ويوطن نفسه عنده على الولد ويثق به، ولا يتعلق مع مبلغ ~~لاقتضائه بلوغهما معا حد السعي، ولا معنى لذلك في حق إبراهيم عليه السلام ~~ولا بالسعي، لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، ولو أخر عنه لم يفد الاختصاص ~~المفهم لصغر سنه المفيد للإعلام بأن يبلغ في ذلك معه ما لا يبلغه مع غيره ~~لعظيم شفقة الأب، واستحكام ميل الابن الموجب لطاعته، واختلف العلماء في ~~تقدير ذلك بالسن فقال بعضهم: ثلاث عشرة سنة، وبعضهم: سبع سنين، ولذلك قيده ~~بالأب لأن غيره لا يشفق على الولد فيكلفه ما ليس في وسعه، وهو لم يبلغ كمال ~~السعي {قال} أي إبراهيم عليه السلام: {يا بني} مناديا له بصيغة التعطف ~~والشفقة والتحبب، ذاكرا له بالمضارع الحال الذي رآه عليه ومصورا له، لا ~~لتكرار الرؤيا فإنه غير محتاج إلى التكرار ولا إلى التروي، فإن الله تعالى ~~أراه ملكوت السماوات والأرض، وأكد لما في طباع البشر من إحالة أن يقال ذلك ~~على حقيقته، وإعلاما بأنه منام وحي لا أضغاث أحلام: # PageV16P263 # {إني أرى في المنام} أي وأنت تعلم أن رؤيا الأنبياء وحي {أني أذبحك} أي ~~أعالج ذبحك في اليقظة بأمر من الله تعالى ولذلك كان كما قال، ولو عبر ~~بالماضي لمضى وتم، وإنما كان في المنام في هذا الأمر الخطر جدا ليعلم وثوق ~~الأنبياء عليهم السلام بما يأتيهم عن الله في كل حال. # ولما كان الأنبياء عليهم السلام أشفق الناس ms4030 وأنصحهم، أحب أن يرى ما عنده، ~~فإن كان على ما يحب سر وثبته وإلا سعى في جعله على ما يحب فيلقى البلاء وهو ~~أهون عليه، ويكون ذلك أعظم لأجره لتمام انقياده، ولتكون المشاورة سنة، فإنه ~~«ما ندم من استشار» سبب عن ذلك قوله: {فانظر} بعين بصيرتك {ماذا} أي ما ~~الذي {ترى} أي في هذه الرؤيا، فهو اختبار لصبره، لا مؤامرة له {قال} تصديقا ~~لثناء الله عليه بالحلم: {يا أبت} تأدبا معه بما دل على التعظيم والتوفير ~~{افعل ما تؤمر} أي كل شيء وقع لك به أمر من الله تعالى ويتجدد لك به أمر ~~منه سبحانه لأني لا أتهمك في شفقتك وحسن نظرك، ولا أتهم الله في قضائه، ~~والقصة دليل على وقوع الأمر بالممتنع لغيره ولأكثر الأوامر منه، وقد تقدم ~~ذلك في البقرة عند {ءأنذرتهم أم لم تنذرهم} [ # PageV16P264 # البقرة: 6] . # ولما علم طاعته، تشوف السامع إلى استسلامه وصبره، فاستأنف قوله: {ستجدني} ~~أي بوعد جازم لا تردد فيه صادق كما أخبر الله تعالى عنه، لا خلف فيه، وكان ~~صادق الوعد. # ولما كان من أخلاق الكمل عدم القطع في المستقبلات لما يعلمون من قدرة ~~الله تعالى على نقض العزائم بالحيلولة بين المرء وقلبه قال: {إن شاء الله} ~~أي الذي اختص بالإحاطة بصفات الكمال؛ وأكد وعده بهذا الأمر الذي لا يكاد ~~يصدق مثله بقوله: {من الصابرين} أي العريقين في الصبر البالغين فيه حد ~~النهاية، وهو من أعظم ما أريد بقوله {وكان صادق الوعد} [مريم: 54] . # ولو بيد الحبيب سقيت سما ... لكان السم من يده يطيب # وجعل هذا الأمر العظيم في المنام دلالة على صدق أحوال الأنبياء نوما ~~ويقظة، وصدق عزائمهم وانقيادهم لجميع الأوامر في جميع الأحوال، وروي أن ~~الشيطان وسوس له في ذبحه فعرفه فرماه بسبع حصيات فصار ذلك شريعة في الجمار، ~~ومن ألطف ما في ذلك أنهم لما كانوا في نهاية التجرد عن علائق الشواغل جعلت ~~أفعالهم شعائر وشرائع لعبادة الحج التي روحها التجرد للوفود إلى الله ~~تعالى. # ولما وثق منه، بادر إلى ما أمر ms4031 به، ودل على قرب زمنه من زمن هذا القول ~~بالفاء فقال: {فلما أسلما} أي ألقيا بالفعل على غاية الإخلاص حين المباشرة ~~بجميع قواهما في يد الأمر، ولم يكن عند أحد منهما شيء من إباء ولا امتناع ~~ولا حديث نفس في شيء من ذلك # PageV16P265 # {وتله} أي صرعه إبراهيم عليهما السلام صرعا جيدا سريعا مع غاية الرضا منه ~~والمطاوعة من إسماعيل عليه السلام، ودل على السرعة باللام الواقعة موقع ~~«على» فقال: {للجبين *} أي أحد شقي الجبهة، وهي هيئة إضجاع ما يذبح، وهذا ~~من قولهم: تله - إذا صرعه، وبه سمي التل من التراب، وتلك فلانا في يدك أي ~~دفعته سلما، والجبين - قال في الصحاح: فوق الصدغ، وهما جبينان عن يمين ~~الجبهة وشمالها. # ولما كان من الواضح أن التقدير جوابا لما عالج ذبحه بعزم أمضى من السنان، ~~وجنان في ثباته أيما جنان، فمنعناه من التأثير بقدرتنا، ورددنا شفرته ~~الماضية عن عنقه اللينة بأيدينا وقوتنا، عطف عليه قوله: {وناديناه} وفخم ~~هذا النداء بحرف التفسير فقال: {إن يا إبراهيم*} ولما كان محل التوقع ~~الثناء عليه قال: {قد صدقت} أي تصديقا عظيما {الرؤيا} في أنك تذبحه، فإنك ~~قد عالجت ذلك، وبدلت الوسع فيه، وفعلت ما رأيته في المنام، فما انذبح لأنك ~~لم تر أنك ذبحته، فاكفف عن معالجة الذبح بأزيد من هذا. ولما كان التقدير: ~~فجزيناك على ذلك لإحسانك فوق ما تحب، وجعلناك إماما للمتقين، ووهبناك لسان ~~صدق في الآخرين، وجعلنا آلك هم المصطفين، وملأنا منهم الخافقين، علله بأن ~~ذلك سنته دائما قديما وحديثا فقال ما يأتي. # PageV16P266 # ولما كان صلى الله عليه وسلم في همة الذبح وعزمه، فكانت تلك الهمة التي ~~تقصر عنها رتبها السها والسماك، والعزمة التي تتضاءل دون علي مكانتها وسني ~~عظمتها عوالي الأفلاك، لا تسكن عن ثورانها، ولا تبرد عن غليانها وفورانها، ~~إلا بأمر شديد، وقول جازم أكيد، قال مؤكدا تنبيها على أن همته قد وصلت إلى ~~هذا حده، وأن امتثال الأمر أيسر من الكف بعد المباشرة بالنهي: {إنا كذلك} ~~أي مثل هذا الجزاء ms4032 العظيم {نجزي المحسنين *} . # ولما كان جزاءه عظيما جدا، دل على عظمه بأن علل إكرامه به بقوله معجبا ~~ومعظما مؤكدا تنبيها على أنه خارق للعادة: {إن هذا} أي الأمر والطاعة فيه ~~{لهو البلاؤا} أي الاختبار الذي يحيل ما خولط به كائنا ما كان {المبين *} ~~أي الظاهر في بابه جدا المظهر لرائيه انه بلاء. # ولما قدم ما هو الأهم من نهيه عن علاجه، ومن البشارة بالجزاء، ذكر فداءه ~~بما جعله سنة باقية يذكر بها الذكر الجميل على مر الأيام وتعاقب السنين، ~~ولما كان المفتدى منه من كان الأسير في يده، وكان إسماعيل في يد إبراهيم ~~عليهما السلام، وهو يعالج إتلافه، جعل تعالى نفسه المقدس فاديا لأن الفادي ~~من أعطى الفداء، وهو ما يدفع لفكاك # PageV16P267 # الأسير، وجعل إبراهيم عليه السلام مفتدى منه تشريفا له وإن كان في ~~الحقيقة كالآلة التي لا فعل لها، والله تعالى هو المفتدى منه حقيقة فقال: ~~{وفديناه} أي الذبيح عن إنفاذ ذبحه وإتمامه تشريفا له {بذبح} أي بما ينبغي ~~أن يذبح ويكون موضعا للذبح، وهو كبش من الجنة، قيل: إنه الذي قربه هابيل ~~فتقبله الله منه {عظيم *} أي في الجثة والقدر والرتبة لأنه مقبول ومستن به ~~ومجعول دينا إلى آخر الدهر. # PageV16P268 # ولما كان سبحانه إذا من بشيء علم أنه عظيم، فإذا ذكر الفعل وترك المفعول ~~أراد فخامته وعظمته، قال: {وتركنا عليه} أي على الذبيح شيئا هو في الحسن ~~بحيث يطول وصفه. ولما كان بحيث لا ينسى قال: {في الآخرين *} ومن هذا الترك ~~ما تقدم من وصفه بصدق الوعد، لأنه وعد بالصبر على الذبح فصدق. # ولما عظم الغلام، استأنف تعظيم والده بما يدل مع تشريفه على سلامته ~~بقوله: {سلام على إبراهيم *} أي سلامة له ولولده وتسليم وتحية وتكريم في ~~الدارين ولما كان هذا خطابا لمن بعده عليه السلام وهم كلهم محبون مجلون ~~معظمون مبجلون لم يكن هناك حال يحوج إلى تأكيد فقال: {كذلك} أي مثل هذا ~~الجزاء العظيم {نجزي المحسنين *} # PageV16P268 # من غير أن يذكر «أن» المؤكدة، ولما كانت أهل الملل ms4033 كلها متفقة على حبه، ~~وكان كلهم يدعي اتباعه ورتبة قربه، قال معللا لجزائه بهذا المدح في سياق ~~التأكيد استعطافا لهم إلى اتباعه في الإيمان وتكذيبا لمن ينكر أن يكون ~~الإيمان موجبا للإحسان: {إنه من عبادنا} أي الذين يستحقون الإضافة في ~~العبودية والعبادة إلينا {المؤمنين *} فلا يطمع أحد عري عن الإيمان في رتبة ~~أتباعه، قال الرازي: الإيمان المطلق الحقيقي شهود جلال الله ووحدانيته ~~والطمأنينة إليه في كل محبوب ومكروه، وترك المشيئة لمشيئته والانقياد لأمره ~~في جميع أحواله. ولما أتم قصته في أمر الذبيح، وشرع في ذكر ما جازاه به على ~~ذلك، جعل منه أمر إسحاق عليه السلام فقال: {وبشرناه} أي جزاء على صبره في ~~المبادرة إلى امتثال الأمر في إعدام إسماعيل عليه السلام {بإسحاق} مولودا ~~زيادة له بعد ما سلمنا إسماعيل عليه السلام حال كونه {نبيا} أي في قضائنا ~~أو بوجوده مقدرة نبوته. ولما كان هذا اللفظ قد يطلق على المتنبىء، أزال ~~إشكال هذا الاحتمال وإن كان واهيا بقوله: {من الصالحين *} أي العريقين في ~~رتبة الصلاح ليصلح لأكثر الأوصاف الصالحة. ولما أثنى على إبراهيم عيله ~~السلام بما عالج مما لم يحصل لغيره مثله، وكان من أعظم جزاء الإنسان البركة ~~في ذريته قال: {وباركنا عليه} أي على الغلام الحليم وهو الذبيح المحدث عنه ~~الذي جر هذا الكلام كله الحديث عنه، وكان آخر ضمير محقق عاد عليه # PageV16P269 # الهاء في «وفديناه» ثم في «وتركنا عليه في الآخرين» وهذا عندي أولى من ~~إعادة الضمير على إبراهيم عليه السلام لأنه استوفى مدحه، ثم رأيت حمزة ~~الكرماني صنع هكذا وقال: حتى كان محمد صلى الله عليه وسلم والعرب من صلبه. ~~{وعلى إسحاق} أي أخيه، قال حمزة الكرماني: حتى كان إسرائيل الله والأسباط ~~من صلبه، وقال غيره: خرج من صلبه ألف نبي أولهم يعقوب وآخرهم عيسى عليه ~~السلام. # {ومن ذريتهما} أي الأخوين ولا شك أن هذا أقرب وأقعد من أن يكون الضمير ~~للأب والابن لأن قران الأخوين في الإخبار عن ذريتهما أولى من قران الابن مع ~~أبيه في ms4034 ذلك، فيكون الابن حينئذ من جملة المخبر عنه بذرية الأب {محسن وظالم ~~لنفسه} حيث وضعها بما سبب عن المعاصي في غير موضعها الذي يحبه، وهذا مما ~~يهدم أمر الطبائع حيث كان البر يوجد من الفاجر والفاجر يوجد من البر. # ولما كان الإنسان، وإن اجتهد في الإحسان، لا بد أن يحتاج إلى الغفران، ~~لما له من النقصان، لأن رتبة الإلهية لا تصل إلى القيام بحقها العوائق ~~البشرية، بين أن الظلم المراد هنا إنما هو التجاوز في الحدود بغاية الشهوة ~~فقال: {مبين *} وأما غير ذلك فمغفور كما قرر في نحو {لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت} «ومن هم بسيئة ولم # PageV16P270 # يعملها كتبت له حسنة» {وأن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم} [النساء: 31] . # قصة ذبح إبراهيم لولده عليهما السلام من التوارة وبيان أنهم بدلوها، قال ~~مترجمهم: فغرس إبراهيم ببئر سبع غرسا، وبنى هنالك باسم الرب إله العالمين، ~~وسكن إبراهيم أرض فلسطين - يعني عند تلك البئر - أياما كثيرة. ولما كان من ~~بعد هذه الخطوب امتحن الله إبراهيم، وقال له: يا إبراهيم! فقال: لبيك، فقال ~~له: انطلق بابنك الوحيد إسحاق الذي تحبه إلى أرض الأمورانيين - وفي نسخة: ~~إلى بلدة العبادة - وأصعده إلي قربانا على أحد تلك الجبال الذي أقول لك، ~~فأدلج إبراهيم باكرا فأسرج حماره وانطلق بغلاميه وإسحاق ابنه، وشق حطبا ~~للقربان ونهض وانطلق إلى الموضع الذي قال الله له، وفي اليوم الثالث رفع ~~إبراهيم بصره ونظر إلى ذلك الموضع من بعيد فقال لغلاميه: امكثا هاهنا عند ~~الحمار، وأنا والغلام ننطلق إلى هاهنا نصل ونرجع إليكما، فأخذ إبراهيم حطب ~~القربان، وحمله إسحاق ابنه، وأخذ معه نارا وسكينا، وانطلقا كلاهما جميعا، ~~وقال إسحاق لأبيه إبراهيم: يا أبة، فقال له: لبيك، فقال له: هذه النار ~~والحطب، # PageV16P271 # أين حمل القربان، فقال إبراهيم: الله يعد لنا حملا للقربان يا بني، ~~فانطلقا جميعا حتى انتهيا الى الموضع الذي قال الله، فبنى هنالك إبراهيم ~~مذبحا ونضد عليه الحطب وكتف إسحاق فوضعه في أعلى المذبح على الحطب، ومد يده ~~إبراهيم ms4035 فأخذ السكين ليذبح ابنه، فدعاه ملاك الرب من السماء وقال: يا ~~إبراهيم يا إبراهيم، فقال: لبيك! فقال: لا تبسط يدك على الغلام ولا تصنع به ~~شيئا لأنك قد أظهرت الآن أنك تتقي الله إذا لم تمنعني ابنك الوحيد، فمد ~~إبراهيم بصره فإذا كبش معلق في شجرة بقرنيه، فانطلق إبراهيم فأخذ الكبش ~~فأصعده قربانا بدل ابنه اسحاق، فسمى إبراهيم ذلك الموضع «الله يتجلى» كما ~~يقال: الله في هذا الجبل، الله يتجلى، فدعا ملاك الرب إبراهيم ثانية من ~~السماء وقال: بي أقسمت، يقول الرب: بدل ما صنعت هذا الصنيع ولم تمنعني ابنك ~~الوحيد لأباركنك بركة تامة ولأكثرن نسلك مثل كواكب السماء، ومثل الرمل الذي ~~على شاطئ البحر ويرث زرعك أراضي أعدائي وفي نسخة: أعداءه - ويتبارك بنسلك ~~جميع الشعوب لأنك أطعتني، فرجع إبراهيم إلى غلاميه وانصرفوا جميعا إلى بئر ~~السبع وأقام ثم - وفي نسخة: وسكن إبراهيم # PageV16P272 # بئر السبع - انتهى ما عندهم بلفظه فانظر إليه واجمع بينه وبين ما تقدم في ~~البقرة من قصة إسماعيل وإسحاق عليهما السلام تجدهم قد بدلوها بلا شك، لأن ~~الكلام ينقض بعضه بعضا، وذلك أنه قال في هذه القصة «انطلق بابنك الوحيد» ~~وكرر وصفه بالوحيد في غير موضع، وهذا الوصف إنما يكون حقيقة لإسماعيل عليه ~~السلام وهو دون البلوغ، وأما إسحاق عليه السلام فلم يكن وحيدا ساعة من ~~الدهر، بل ولد وإسماعيل عليه السلام ابن ثلاث عشرة سنة ونيف بشهادة ما ~~عندهم من التوراة، وقوله في آخر القصة «ويتبارك بنسلك جميع الشعوب» لا يكون ~~في غاية الملاءمة إلا لإسماعيل عليه السلام، وأما إسحاق عليه السلام فإنما ~~بورك بنسله الأراضي المقدسة فقط، ولم يتبعهم من غيرهم إلا قليل، بل كانوا ~~هم في كل قليل يتبعون غيرهم على عبادة أوثانهم بشهادة توراتهم وأسفار ~~أنبيائهم يوشع بن نون ومن بعده عليهم السلام، وأما نسل إسماعيل عليه السلام ~~فتبعهم على الدين الحق من جميع الأمم ما لا يحصى عدده ولم يتبعوا هم بعد ~~محمد صلى الله عليه وسلم أحدا من الأمم على عبادة ms4036 غير الله - هذا وفي ~~المتقدم في سورة البقرة أن هبة سارة أمتها هاجر رضي الله عنها لإبراهيم ~~عليه السلام كان بعد أن سكن كنعان # PageV16P273 # بعشر سنين، وأن إسماعيل عليه السلام ولد لإبراهيم عليه السلام وهو ابن ست ~~وثمانين سنة، وأن الله تعالى أمره بالختان وهو ابن تسع وتسعين سنة، وأنه في ~~ذلك الوقت بشر بإسحاق عليه السلام، فختن إسماعيل عليه السلام وهو ابن ثلاث ~~عشرة سنة، وثم ولد له إسحاق عليه السلام وقد أتى عليه مائة سنة، ثم قال ما ~~نصه: وصنع إبراهيم يوم فطم إسحاق ابنه مأدبة عظيمة فأبصرت سارة ابن هاجر ~~المصرية المولود لإبراهيم عليه السلام لاعبا، فقالت لإبراهيم عليه السلام: ~~أخرج هذه الأمة عني، لأن ابن الأمة لا يرث مع إسحاق ابني، فشق هذا الأمر ~~على إبراهيم لمكان ابنه، فقال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام: لا يشقن ~~عليك حال الصبي وأمتك، أطع سارة في جميع ما تقول لأن نسلك إنما يذكر ~~بإسحاق، وابن الأمة أجعله لشعب كثير لأنه من ذريتك، فغدا إبراهيم عليه ~~السلام باكرا وأخذ خبزا وإداوة من ماء، فأعطاها هاجر وحملها الصبي والطعام ~~- إلى آخر ما في البقرة فقوله «إن هاجر طردت بعد فطام إسحاق وابنها تحمل» ~~لا يصح، وقد تقدم أن عمره يوم فطام إسحاق خمس عشرة سنة، وتقدم أيضا أن سارة ~~أمرته بطردها وهي حبلى، وأنه سلمها لها فطردتها، وان الملك لقيها فبشرها ~~بإسماعيل # PageV16P274 # ولم يذكر في نسختي - وهي قديمة جدا - شيئا يدل على رجوعها، وأما في نسخة ~~عندهم فقال: إن الملك قال لها: ارجعي إلى سيدتك واستكدي تحت يدها - ولم ~~يذكر أنها رجعت، وقد صح الخبر عندنا بقول نبينا صلى الله عليه وسلم أن ~~إبراهيم عليه السلام وضع هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام، عند البيت ~~الحرام وهو يرضع، واستمرا هناك إلى أن ماتت هاجر رضي الله عنها، وتزوج ~~إسماعيل عليه السلام وبنى البيت مع أبيه عليهما السلام، وقوله «لأن نسلك ~~إنما يذكر بإسحاق عليه السلام» غير مطابق للواقع، فإن شهرة العرب بإبراهيم ms4037 ~~عليه السلام أن لم تكم أن أكثر من شهرة بني إسحاق بذلك فهي مثلها، وخبر ~~الله لا يتخلف، فدل هذا كله أنهم بدلوا القصة وحرفوها، فلا متمسك فيها لهم، ~~ودلالتها على أن الذبيح إسماعيل عليه السلام أولى من دلالتها على غير ذلك ~~لوصفه بالوحيد - والله أعلم كيف كانت القصة قبل التبديل؟ ومما يدل على ما ~~فهمت من تبديلهم لها ما قال البغوي: قال القرظي يعني محمد بن كعب -: سأل ~~عمر بن عبد العزيز رجلا كان من علماء اليهود أسلم وحسن إسلامه: أي ابني ~~إبراهيم عليه السلام أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل يا أمير المؤمنين! إن اليهود ~~لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر ~~الله # PageV16P275 # بذبحه ما كان، ويزعمون أنه أبوهم، ومن الدليل على أنه إسماعيل عليه ~~السلام أن الله تعالى لما بشر بإسحاق بشر بأنه يولد له يعقوب، فلا يليق ~~الامتحان به بعد علمه بأنه لا يموت حتى يولد له، ومن الدليل على ذلك أن ~~قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل عيله السلام إلى أن ~~احترق البيت واحترق القرنان في زمان ابن الزبير والحجاج، قال الشعبي: رأيت ~~قرني الكبش منوطين بالكعبة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: والذين نفسي ~~بيده! لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة، ~~وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح: إسحاق كان أو إسماعيل؟ ~~فقال: يا أصيمع! أين ذهب عقلك؟ متى كان إسحاق بمكة؟ إنما كان إسماعيل بمكة ~~وهو الذي بني البيت مع أبيه - انتهى ما قال البغوي. # وفي كتاب الحج من سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان - ~~وهو الحجبي رضي الله عنه: «إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين فإنه لا ينبغي ~~أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي» ورواه عبد الرزاق في جامعه ولفظه أن ~~عثمان بن شيبة رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV16P276 # قال له: «إني رأيت ms4038 قرني الكبش فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فإنه لا ينبغي أن ~~يكون في البيت شيء يشغل مصليا» - هكذا قال: عثمان بن شيبة، ولعله ابن طلحة، ~~فيكون المتقدم ويكون تسمية أبيه شيبة وهما، أو يكون شيبة بن عثمان وهو ابن ~~عم الذي عند أبي داود فأنقلب - والله أعلم، وروى عبد الرزاق أيضا عن ابن ~~جريح قال: أخبرنا عبد الله بن شيبة بن عثمان، وسألته هل كان في البيت قرنا ~~كبش؟ قال: نعم، كانا فيه، قلت: أرأيتهما؟ قال: حسبت، ولكن أخبرني عبد الله ~~بن بابيه أن قد رآهما، قال: وغيره قد رآهما فيه، قال: ويقولون: إنهما قرنا ~~الكبش الذي ذبح إبراهيم عليه السلام، قال ابن جريج وقالت صفية ابنة شيبة: ~~كان فيه قرنا الكبش، قال ابن جريح: وحدثت أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~كانا فيه. قال: وحدثت عن عجوز قلت: رأيتهما فيه، ومما يؤيد القول بأنه ~~إسماعيل عليه السلام وصف الله تعالى له بأنه صادق الوعد، ولا صدق في وعد ~~أعظم من صدقه في وعده بالصبر على الذبح، وممن قال من بني إسرائيل أنه ~~إسماعيل عليه السلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه - حكاه عن ابن الجوزي، ~~وعد القائلين بكل من القولين من الصحابة وغيرهم فقال: # PageV16P277 # إن القائلين بأنه إسحاق: عمر وعلي والعباس وابن مسعود وأبو موسى وأبو ~~هريرة وأنس رضي الله عنهم، وبأنه إسماعيل: ابن عمر، وأن الرواية اختلفت عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما، فروى عنه عكرمة أنه إسحاق، وعطاء ومجاهد والشعبي ~~وأبو الجوزاء ويوسف بن مهران أنه إسماعيل، فعلم من هذا رجحان القول بأنه ~~إسماعيل، لأن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما تأخرا بعد من ذكر من أكابر ~~الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فلولا أنه رجح عندهما ما خالفا أبويهما، ~~ونقل عكرمة عن ابن عباس بموافقة أبيه لا يقدح في ذلك بل يؤيده لأن الأكثر ~~كما ترى رووا عنه الثاني، فلولا أنه صح عنده ما رجع عن الأول الذي هو موافق ~~لرأي أبيه، ولأجل ثباته ms4039 عليه اشتهر عنه - والله أعلم. # PageV16P278 # ولما ذكر هؤلاء السادة الذين لهم من رتبة التجرد والنزاهة ما تقدم بيانه، ~~وختمهم بأخوين ما اجتمعا قط، وكان من أعظم المقاصد بذكرهم المنة على من ~~اتصف بمثل صفاتهم بالقرب والنصرة تسلية وترجية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ولمن اتبعه من المؤمنين ممن قارب - من شدة البلاء والقهر - اليأس من النصر، ~~أتبعهم بأمثالهم في التجرد وابتدأهما بأخوين افترقا حين ولادة الثاني على ~~حالة لا يمكن الاجتماع # PageV16P278 # معها عادة، ثم اجتمعا في الباطن مع الافتراق في الظاهر ثم افترقا على ~~حالة يبعد الاجتماع معها عادة ثم اجتمعا اجتماعا لم يفترقا منه إلا بالموت ~~وبدأهما بأول من تجرد منهما من حين ولادته إلى أوان هجرته، ثم من حين رجعته ~~إلى أن جرد آله - وهم بعض ذرية إبراهيم عليه السلام - وأنقذهم من علائق ~~الكفرة، ثم تجرد معهم هو وأخوه عن المدن والقرى وأكثر علائق البشر، ملازمين ~~البراري والفلوات حيث يكثر ظهور الكلمة مع إرسال الله إليهما بمعادن الحكمة ~~إلى أن ماتا عليهما الصلاة والسلام والتحية والإكرام، فقال مؤكدا تنبيها ~~لمن يعد نصر المؤمنين محالا، عاطفا على ما تقديره: فلقد أنشأنا منهما من ~~الأمم ما يعجز الوصف ويفوت الحصر، ومننا على كثير منهم بالإحسان من ولد ~~إسماعيل عليه السلام إلى أن غير دينه عمرو بن لحي، ومن ولد إسحاق يعقوب ~~والأسباط عليهم السلام ومن شاء الله من أولادهم: {ولقد مننا} أي أنعمنا ~~إنعاما مقطوعا به بما لنا من العظمة، على أول من أظهر لسان الصدق لإبراهيم ~~عليه السلام وذريته اظهارا تاما. وبدأهما بأعرقهما - كما تقدم - في التجرد ~~وأحقها بالتقدم فقال: {على موسى} أحد أعيان المتجردين، ومن له القدم الراسخ ~~في ذلك {وهارون*} أي عين من تجرد مع أخيه ووافقه أتم موافقة، ووازره أعظم ~~موازرة، بما أتيا به من # PageV16P279 # النبوة والكتاب وغير ذلك من أنواع الخطاب. # ولما كان جل المقصود - كما مضى - مقام التجرد، والإعلام بنصر المستضعفين ~~من المؤمنين، قال: {ونجيناهما وقومهما} أي بني إسرائيل وقد كانوا مرت لهم ~~دهور ms4040 في ذل لا يقاربه ذل المؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أول ~~أمرهم {من الكرب العظيم *} أي الاستبعاد، وما يتبعه من عظائم الأنكاد، وكان ~~ذلك بهلاك القبط الذين استمروا على الضلال، وهم أضعاف أضعاف بني إسرائيل، ~~إلى أن أهلكناهم فلم يفلت منهم إنسان، فصح لبني إسرائيل حينئذ التجرد وزال ~~عنهم ذل التجبر والتمرد. # ولما بين نعمة النجاة من الأسر، أتبعها نعمة الالتذاذ بالنصر، فقال: ~~{ونصرناهم} أي موسى وهارون عليهما السلام وقومهما على كل من نازعهم في ذلك ~~الزمان من فرعون وغيره {فكانوا هم} أي خاصة {الغالبين *} أي على كل من ~~يسومهم سوء العذاب، وهو فرعون وآله وعلى جميع من ناووه أو ناواهم، فاحذروا ~~يا معشر قريش # PageV16P280 # والعرب من مثل ذلك، ولقد كان ما حذرهم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أعظم ما يمكن أن يكون إلا نبينا صلى الله عليه وسلم لما كان نبي الرحمة ~~لين الله قلوبهم حتى ردهم إلى ما اغتبطوا به من متابعته، فصاروا به ملوك ~~الدنيا والآخرة. # ولما كانت فائدة النصرة التمكن من إقامة الدين قال: {وآتيناهما} أي ~~بعظمتنا بعد إهلاك عدوهم {الكتاب المستبين *} أي الجامع البين الذي هو لشدة ~~بيانه طالب لأن يكون بينا وهو كذلك فإنه ليس شيء من الكتب مثل التوراة في ~~سهولة مأخذها، وجمع هارون عليه السلام معه في الضمير لأنه مثله في تقبل ~~الكتاب والعمل بجميع ما فيه والثبات على ما يدعو إليه وإن كان نزوله خاصا ~~بموسى عليه السلام: {وهديناهما الصراط} أي الطريق الواضح في الإيصال إلى ~~المقصود {المستقيم *} أي الذي هو لعظيم تقومه كأنه طالب لأن يكون قويما، ~~فهو في غاية المحافظة على القوم فلا يزيغ أصلا، ولذلك هو شرائع الدين ~~القيم. # ولما كان الذكر الجميل عند ذوي الهمم العالية والعزائم الوافية هو الشرف ~~قال: {وتركنا عليهما} أي ما تعرفون من الثناء الحسن # PageV16P281 # {في الآخرين *} أي كل من يجيء بعدهما إلى يوم الدين. ولما ظهر بهذا أن ~~لهما من الشرف والسؤدد أمرا عظيما كانت ms4041 نتيجته: {سلام} أي عظيم {على موسى} ~~صاحب الشريعة العريق في الاتصاف بمقصود السورة {وهارون *} وزيره وأخيه. ~~ولما كان نصر النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من الضعفاء على قريش وسائر ~~العرب عند قريش في غاية البعد، وكان التقدير: فعلنا معهما ذلك لإحسانهما، ~~علله بما يقطع قلوب قريش في مظهر التأكيد فقال: {إنا كذلك} أي مثل هذا ~~الجزاء {نجزي} أي دائما في كل عصر {المحسنين *} أي العريقين في هذا الوصف؛ ~~ثم علل إحسانهما وبينه وأكده ترغيبا في مضمونه، وتكذيبا لمن يقول: إن ~~المؤمنين لا ينصرون، بقوله: {إنهما من عبادنا} أي الذين محضوا العبودية ~~والخضوع لنا {المؤمنين *} أي الثابتين في وصف الإيمان. # PageV16P282 # ولما كان إلياس أعظم المتجردين من أتباعهما المجددين لما درس من أحكام ~~التوراة، وكان ترك أحكامها مع ما وصفت به من البيان وما دعت إليه من ~~الاستقامة في غاية من الضلال تكاد أن لا يصدق # PageV16P282 # مثلها أشار إلى الزيغ عنه بيانا لأن القلوب بيده سبحانه فقال مؤكدا: {وإن ~~إلياس} أي الذي كان أحد بني إسرائيل عند جميع المفسرين إلا ابن مسعود ~~وعكرمة، وهو من سبط لاوي، ومن أولاد هارون عليه السلام، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هو عم اليسع عليهم السلام، وأرسلناه إلى من كان منهم في أرض ~~بعلبك ونواحيها، فلما لم يرجعوا إليه نزعنا عنه الشهوات الإنسانية وخلقناه ~~بالأوصاف الملكية، ولا يبعد أن يكون الداعي إلى تسميته بهذا الاسم ما سبق ~~في علم الله أنه ييأس ممن يدعوهم إلى الله فيكون ممن يأتي يوم القيامة وما ~~معه إلا الواحد أو الاثنان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ~~الشيخان: البخاري في الرقاق والطب، ومسلم في الإيمان عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: «عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه رهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان، ~~والنبي ليس معه أحد» ، فجعل سبحانه اسمه مناسبا لأمره في قومه بيأسه منهم ~~حين فر إلى الجبال من شرهم، ويأسهم من القدرة على قتله، فإنهم اجتهدوا في ~~ذلك حتى أعياهم، وأدل دليل ms4042 على هذا المعنى قراءة ابن عامر بخلاف عنه بوصل ~~الهمزة في الدرج وفتحها في الابتداء، وإن قال العلماء كما حكاه السمين في ~~إعرابه: إن ذلك من تلاعب # PageV16P283 # العرب بالأسماء العجمية، قطعوا همزته تارة ووصلوها أخرى، يعني فخاطبهم ~~سبحانه بما ألفوه من لسانهم {لمن المرسلين} أي إلى من بدل أمر التوارة ~~ونابذ ما دعت إليه {إذ قال لقومه} منكرا عليهم ما من حقه الإنكار بقوله: ~~{ألا تتقون *} أي يوجد منكم تقوى وخوف، فإن ما أنتم عليه يقتضي شرا طويلا، ~~وعذابا وبيلا، وما أنتم عليه من السكون والدعة يقتضي أنه لا خوف عندكم ~~أصلا، وذلك غاية الجهل والاغترار بمن تعلمون أنه لا خالق لكم ولا رازق ~~غيره. # ولما كان هذا الإنكار سببا للإصغاء، كرره مفصحا بسببه فقال: {أتدعون ~~بعلا} أي إلها وربا، وهم صنم كان لهم في مدينة بعلبك كان من ذهب طوله عشرين ~~ذراعا وله أربعة أوجه، فكان الشيطان يدخل في جوفه ويتكلم بشريعة الضلالة، ~~والسدنة يحفظونها، وهم أربعمائة ويعلمونها الناس، ويحتمل أن يكون علما على ~~الصنم المذكور فيكون المفعول الثاني منويا، وحذف ليفهم الدعاء الذي لا دعاة ~~يشبهه وهو الدعاء بالإلهية، ومن قرأ شاذا «بعلاء» بوزن «حمراء» فهو إشارة ~~إلى كثرة حث امرأة الملك على عبادة بعل وقتل إلياس عليه السلام، وطاعة ~~زوجها لها في ذلك - كما حكاه البغوي، فاستحق التأنيث لذلك، # PageV16P284 # فأنث لكثرة ملابستها له، والجنسية علة الصنم. # ولما كان دعاؤهم إياه للعبادة بينه بقوله: {وتذرون} ومادة «وذر» تدور على ~~ما يكره، فالمعنى: وتتركون ترك المهمل الذي من شأنه أن يزهد فيه، ولو قيل: ~~وتدعون - تهافتا على الجناس لم يفد هذا وانقلب المراد. ولما كان الداعي لا ~~يدعو إلا بكشف ضر أو إلباس نفع، فكان لا يجوز أن يدعو إلا من يقدر على ~~إعدام ما يشاء وإيجاد ما يريد، قال منبها لهم على غلطهم في الفعل والترك: ~~{أحسن الخالقين *} أي وهو من لا يحتاج في الإيجاد والإعدام إلى أسباب فلا ~~تعبدونه. # ولما كان الإنسان يعلم يقينا أنه لم يرب ms4043 نفسه إلا بالإنشاء من العدم ولا ~~بما بعده، وكان الإحسان أعظم عاطف للإنسان، قال مبينا لمن أراد مذكرا لهم ~~بإحسانه إليهم وإلى من يحامون عنهم، ويوادون من كان يوادهم بالتربية بعد ~~الإنشاء من العدم الذي هو أعظم تربية مفخما للأمر ومعظما بالإبدال في قراءة ~~الجماعة بالرفع: {الله} فذكر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات تنبيها على ~~أنه الأول المطلق الذي لم يكن شيء إلا به {ربكم} أي المحسن إليكم وحده. ~~ولما كانوا ربما أسندوا إيجادهم إلى من قبلهم غباوة منهم أو عنادا قال: # PageV16P285 # {ورب آبائكم الأولين *} أي الذين هم أول لكم، فشمل ذلك آباءهم الأقربين، ~~ومن قبلهم إلى آدم عليه السلام. # ولما كان من أعظم المقاصد - كما مضى - التسلية والترجية، سبب عن دعائه ~~قوله: {فكذبوه} ولما كانت الترجية مستبعدة، سبب عن التكذيب قوله مؤكدا لأجل ~~تكذيبهم: {فإنهم لمحضرون *} أي مقهورون على إقحامنا إياهم فيما نريد من ~~العذاب الأدنى والأكبر، وذكرهم بالسوء واللعن على مر الآباد وإن كرهوا {إلا ~~عباد الله} أي الذين علموا ما لهم من مجامع العظمة فعملوا بما علموا فلم ~~يدعوا غيره فإنهم لم يكذبوا؛ ثم وصفهم بما أشار إليه من الوصف بالعبودية ~~والإضافة إلى الاسم الأعظم فقال: {المخلصين *} أي لعبادته فلم يشركوا به ~~شيئا جليا ولا خفيا، فإنهم ناجون من العذاب. # ولما جاهد في الله تعالى وقام بما يجب عليه من حسن الثناء، جازاه سبحانه ~~فقال: عاطفا على «فإنهم لمحضرون» {وتركنا عليه} أي من الثناء الجميل وجميع ~~ما يسره: {في الآخرين *} أي كل من كان بعده إلى يوم الدين. ولما كان السلام ~~اسما جامعا لكل خير لأنه إظهار الشرف والإقبال على المسلم عليه بكل ما ~~يريد، أنتج ذلك قوله: {سلام} ولما كان في اسمه على حسب تخفيف العرب له لغات ~~إحداهما توافق الفواصل، فكان لا فرق في تأدية المعنى بين # PageV16P286 # الإتيان بما اتفق منها، وكان ما كثرت حروفه منها أضخم وأجل وأفخم، وكان ~~السياق بعد كثير من مناقبه لنهاية المدحة، كان الأحسن التعبير بما هو أكثر ~~حروفا وهو ms4044 موافق للفواصل ليفيد ذلك تمكينه في الفضائل ولتحقق أنه اسم أعجمي ~~لا عربي مشتق من الياس وإن أوهمت ذلك قراءة ابن عامر بوصل همزته فقال: {على ~~آل ياسين *} ومن قرأ آل يس فيجوز أن يكون المراد في قراءته ما أريد من ~~القراءة الأخرى لأن أهل اللغة قالوا: أن الآل هو الشخص نفسه، ويس إما لغة ~~في إلياس أو اختصرت اللغة الثانية التي هي إلياسين فحذف منها الهمزة ~~المكسورة مع اللام، ويجوز أن يكون المراد بآله أتباعه، ويكون ذلك أضخم في ~~حقه لما تقدم مما يدعو إليه السياق، ويجوز أن يقصد بهذه القراءة جميع ~~الأنبياء المذكورين في هذه السورة الذين هو أحدهم، أي على الأنبياء ~~المذكورين عقب سورة يس دلالة على ما دعت إليه معانيها من الوحدانية ~~والرسالة والبعث وإذلال العاصي وإعزاز الطائع المجرد لنفسه في حب مولاه عن ~~جميع العوائق، القاطع للطيران إليه أقوى العلائق، وخص بهذا هذه القصة لأنها ~~ختام القصص المسلم فيها على أهلها. # PageV16P287 # ولما أظهر سبحانه شرف إلياس عليه السلام أو الأنبياء الذين هو أحدهم، ~~علله مؤكدا له تنبيها على أنه لا بد من إعلاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأتباعه على كل من يناويهم وإن كذبت بذلك قريش فقال: {إنا كذلك} أي مثل هذا ~~الجزاء العظيم {نجزي المحسنين *} أي الذين هو من أعيانهم؛ ثم علل الحكم ~~بإحسانه مؤكدا لما مضى في مثله بقوله: {إنه من عبادنا} أي الجديرين ~~بالإضافة إلينا {المؤمنين *} ويستفاد من التأكيد أيضا التنبيه على رسوخ ~~قدمه في الإيمان وأنه بحيث تشتد الرغبة ويقوى النشاط في الإخبار به على ذلك ~~الوجه. # ولما أتم ما أراد سبحانه من أمور المحسنين من ذرية إبراهيم عليه السلام ~~المرسلين إلى ذريته في التسلية، والترجية وقدمهم لأن المنة عليهم منه عليه، ~~والإنسان بابنه أسر منه بقريبه، وهم الذين أظهر الله بهم وما ترك عليه، من ~~لسان الصدق في الآخرين. أتبعهم قصة ابن أخيه مع أهل بلاد الأردن من غير ~~قومهم، فقال مؤكدا للتنبيه على نصر المؤمنين وإن كانوا في ms4045 القلة والذلة على ~~حال لا يظن انجباره وتكذيبا لليهود المكذبين برسالته أو الشاكين فيها: {وإن ~~لوطا} أي الذي جرد نفسه من مألوفها من بلاده وعشائره بالهجرة مع عمه ~~إبراهيم # PageV16P288 # عليهما السلام {لمن المرسلين *} ولما كان جل المقصود تبشير المؤمنين ~~وتحذير الكافرين، وكان مخالفه كثيرا، وكان هو غريبا بينهم، قال في مظهر ~~العظمة: {إذ نجيناه} أي على ما لمخالفيه من الكثرة والقوة، ولم يذكرهم ~~لأنهم أكثر الناس انغماسا في العلائق البشرية والقاذورات البهيمية التي لا ~~تناسب مراد هذه السورة المنبني على الصفات الملكية {وأهله أجمعين *} ولما ~~كان الكفر قاطعا للسبب القريب كما أن الإيمان واصلا للسبب البعيد قال: {إلا ~~عجوزا} أي وهي امرأته فإن كفرها قطعها عن الدخول في حكم أهله فجردوا عنها، ~~كائنة {في الغابرين *} أي الباقين في غبرة العذاب ومساءة الانقلاب. # PageV16P289 # ولما ذكر نجاته وابتدأ بها اهتماما بالترجية قال مخوفا معبرا بأداة البعد ~~إفادة مع الترتيب لعظيم رتبة ما دخلت عليه: {ثم دمرنا} أي أهلكنا بما لنا ~~من العظمة {الآخرين *} أي فجردنا الأرض من قاذوراتهم ونزهنا البلاد المقدسة ~~منهم ومن أرجاس فعلاتهم، فلم نبق منهم أحدا ولا احتجنا في إهلاكهم إلى ~~استئذان أحد. ولما كان المقصود من مثل هذا تحذير المخالفين، وكان تجار قريش ~~يرون البقعة التي كانت فيها أماكن قوم لوط، وهي البحيرة المعروفة، ولا ~~يعتبرون بهم، عدوا # PageV16P289 # منكرين للمرور عليهم فأبرز لهم الكلام في سياق التأكيد فقيل: {وإنكم} أي ~~فعلنا بهم هذا والحال أنكم يا معشر قريش {لتمرون عليهم} أي مواضع ديارهم في ~~تجاراتكم إلى الشام {مصبحين *} أي داخلين في الصباح الوقت الذي قلبنا ~~مدائنهم عليهم فيه، ونص عليه للتذكير بحالهم فيه. # ولما كان لليل منظر في الهول غير منظر النهار قال: {وبالليل} ولما كان ~~أمرهم كافيا للعاقل في التقوى، أنكر عليهم تماديهم فيما كان سبب أخذهم من ~~تكذيب الناصح فقال: {أفلا تعقلون *} أي يكون لكم عقول فتعتبروا بحالهم، ~~فتخافوا مثل مآلهم، قتصدقوا رسولكم فإنكم أجدر منهم بالأخذ لأنه منكم وأنتم ~~تعرفون من شرف أصله وكريم قوله ms4046 وفعله ما لا يعرفه أولئك من رسولهم. # ولما أكمل سبحانه ما أراد من أمور من كان على أيديهم هلاك في الدنيا أو ~~في الآخرة، ختم بمن آل أمر قومه إلى سلامة وإيمان ونعمة وإحسان تغليبا ~~للترجية على التأسية والتعزية فقال مؤكدا لأن ما يأتي من ذكر الاباق وبما ~~أوهم شيئا في أمره: {وإن يونس} أي أحد أنبياء بني إسرائيل وهو يونس بن متى ~~عليه السلام، حكى البغوي في قصة إلياس عليه السلام أنه لما أرسله الله ~~تعالى إلى سبطه من بني إسرائيل الذين كانوا في مدينة بعلبك، فكذبوه وأراد ~~ملكهم قتله # PageV16P290 # فاختفى في تلك الجبال، اشتاق إلى الناس فنزل فمكث عند امرأة من بني ~~إسرائيل وهي أم يونس بن متى عليه السلام، وكان يونس إذ ذاك رضيعا ثم رجع ~~إلى الجبال فمات يونس عليه السلام، فأتت أمه إلى تلك الجبال، فما زالت تطوف ~~حتى ظفرت بإلياس عليه السلام، فسألته أن يدعو لابنها فيحييه الله، فقال ~~لها: إني لم أومر بهذا، وإنما أنا عبد مأمور، فجزعت فزاد جزعها وتضرعها ~~إليه، فرق لها ورحمها وسار معها فوصل إلى بيتها بعد أربعة عشر يوما من حين ~~مات، وهو مسجى في ناحية البيت، فدعا الله فأحياه لها، وعاد إلياس عليه ~~السلام إلى جبله {لمن المرسلين *} . # ولما كان من أعظم المقاصد التسلية على استكبارهم عن كلمة التوحيد وقولهم: ~~أنه شاعر مجنون، ذكر من أمر يونس عيله السلام ما يعرف منه صعوبة أمر ~~الرسالة وشدة خطبها وثقل أمرها وشدة عنايته سبحانه بالرسل عليهم السلام ~~وأنه ما اختارهم إلا عن علم فهو لا يقولهم وإن اجتهدوا في دفع الرسالة ~~ليزدادوا ثباتا لأعبائها وقوة في القيام بشأنها فقال: {إذ أبق} أي هرب حين ~~أرسل من سيده الذي تشرفه الله بالرسالة ضعفا عن حملها لأن الاباق الهرب من ~~السيد إلى حيث يظن أنه يخفى عليه {إلى الفلك} أي البيت الذي # PageV16P291 # يسافر فيه على ظهر البحر. # ولما كان فعله على صورة فعل المشاحن وكان قصده الإيغال في البعد والإسراع ~~في ms4047 النقلة قال: {المشحون *} أي الموقر ملأ، فلا سعة فيه لشيء آخر يكون فيه، ~~فليس لأهله حاجة في الإقامة لحظة واحدة لانتظار شيء من الأشياء فحين وضع ~~رجله فيه ساروا، فاضطرب عليهم الأمر وعظم الزلزال حتى أشرف مركبهم على ~~الغرق على هيئة عرفوا بها أن ذلك لعبد أبق من سيده، فإن عند أهل البحر أن ~~السفينة لا يستقيم سيرها وفيها آبق - نقله الكرماني وغيره عن ابن عباس رضي ~~الله الله عنهما، فسبب لهم ذلك المساهمة أي المقارعة كما هو رسمهم في مثل ~~ذلك الأمر فاستهموا فساهم، أي قارع يونس عليه السلام معهم؛ قال البغوي: ~~والمساهمة إلقاء السهام على جهة القرعة. ولما آل وقوع القرعة عليه إلى رميه ~~من السفينة من محل علو إلى أسفل، عبر عن ذلك بما يدل على الزلق الذي يكون ~~من علو إلى سفل فقال مسببا عن المساهمة: {فكان من المدحضين *} أي الموقعين ~~في الدحض، وهو الزلق، فنزل عن مكان الظفر بأن وقعت القرعة فرموه في البحر ~~{فالتقمه} أي ابتلعه كما تبتلع اللقمة {الحوت} أي المعروف من جهة أنه لا ~~حوت أكبر منه، فكأنه لا حوت غيره # PageV16P292 # {وهو} أي والحال أن يونس عليه السلام {مليم *} أي داخل في الملامة. # PageV16P293 # ولما وقع ما وقع فتجرد عن نفسه وغيرها تجردا لم يكن لأحد مثل مجموعه لا ~~جرم، زاد في التجرد بالفناء في مقام الوحدانية فلازم التنزيه حتى أنجاه ~~الله تعالى، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {فلولا أنه كان} أي خلقا وخلقا ~~{من المسبحين *} أي العريقين في هذا المقام، وهو ما يصح إطلاق التسبيح في ~~اللغة عليه من التنزيه بالقلب واللسان والأركان بالصلاة وغيرها لأن خلقه ~~مطابق لما هيىء له من خلقه، فهو لازم لذلك في وقت الرخاء والدعة والخفض ~~والسعة، فكيف به في حال الشدة، وحمله ابن عباس رضي الله عنهما على الصلاة ~~{للبث في بطنه} أي حيا أو بأن يكون غذاء له فتختلط أجزاؤه باجزائه {إلى يوم ~~يبعثون *} أي هو والحوت وغيرهما من الخلائق، وعبر بالجمع لإفادة عموم ~~البعث، ms4048 ولو أفرد لم يفد بعث الحيوانات العجم، ولو ثنى لظن أن ذلك له وللحوت ~~خاصة لمعنى يخصها فلا يفيد بعث غيرهما، وقيل: للبث حيا في بطنه، وفي الآية ~~إشارة إلى حديث «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» وحث على الذكر # PageV16P293 # وتعظيم لشأنه. # ولما كان التقدير: ولكنه لما كان ذكارا لله في حال الرخاء ذكرناه في حال ~~الشدة، فأنجيناه من بطنه، وأخرجناه منه سالما، وكان ذلك أمرا باهرا للعقل، ~~أبرزه في مظهر العظمة فقال: {فنبذناه} أي ألقيناه من بطن الحوت إلقاء لم ~~يكن لأحد غيره. وكان ذلك علينا يسيرا {بالعراء} أي المكان القفر الواسع ~~الخالي عن ساتر عن نبت أو غيره، وذلك بساحل الموصل، وقال أبو حيان: قذفه في ~~نصيبين من ناحية الموصل: {وهو سقيم *} أي عليل جدا مما ناله من جوف الحوت ~~بحيث أنه كان كالطفل ساعة يولد وهو إذ ذاك محمود غير مذموم بنعمة الله التي ~~تدراكته، فكان مجتبى ومن الصالحين {وأنبتنا} أي بعظمتنا في ذلك المكان لا ~~مقتضى للنبات مطلقا فيه فضلا عما لا ينبت إلا بالماء الكثير. # ولما كان سقمه متناهيا بالغا إلى حد يجل عن الوصف، نبه عليه بأداة ~~الاستعلاء فقال: {عليه} أي ورفعناها حال إنباتنا إياها فوقه لتظله كما يظل ~~البيت الإنسان. ولما كان الدباء عن النجم، وكان قد أعظمها سبحانه لأجله، ~~عبر عنها بما له ساق فقال: {شجرة} ولما كانت هذه العبارة مفهمة لأنها مما ~~له ساق، نص على خرق العادة بقوله: # PageV16P294 # {من يقطين *} أي من الأشجار التي تلزم الأرض وتقطن فيها وتصلح لأن يأوي ~~إليها ويقطن عندها حتى يصلح حاله، فإنه تعالى عظمها وأخرجها عن عادة ~~أمثالها حتى صارت عليه كالعريش، واليقطين: كل ما يمتد وينبسط على وجه الأرض ~~ولا يبقى على الشتاء ولا يقوم على ساق كالبطيخ والقثاء، والمراد به هنا - ~~كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما شجرة القرع لعظم ورقها وبرد ظلها ونعومة ~~ملمسها وأن الذباب لا يقربها، قال أبو حيان: وماء ورقه إذا رش به مكان لا ms4049 ~~يقربه ذباب أصلا، وقال غيره: فيه ملاءمة لجسد الإنسان حتى لو ذهبت عظمة من ~~رأسه فوضع مكانها قطعة من جلد القرع نبت عليها اللحم وسد مسده، وهو من قطن ~~بالمكان - إذا أقام به إقامة زائل لا ثابت. # ولما كان النظر إلى الترجية أعظم، ختم بها إشارة إلى أنه لا يميته صلى ~~الله عليه وسلم حتى يقر عينه بأمته كثرة طواعية ونعمة فقال: {وأرسلناه} أي ~~بعظمتنا التي لا يقوم لها شيء. ولما لم يتعلق الغرض # PageV16P295 # بتعيين المرسل إليهم، وهل هم الذين أبق عنهم أولا؟ قال: {إلى مائة ألف} ~~والجمهور على أنهم الذين أرسل إليهم أولا - قال أبو حيان. ولما كان العدد ~~الكثير لا يمكن ناظره الوقوع فيه على حقيقة عدده، بل يصير - وإن أثبت الناس ~~نظرا - يقول: هم كذا يزيدون قليلا أو ينقصونه، وتارة يجزم بأنهم لا ينقصون ~~عن كذا، وأما الزيادة فممكنة، وتارة يغلب على ظنه الزيادة، وهو المراد هنا، ~~قال: {أو يزيدون *} لأن الترجية في كثرة الأتباع أقر للعين وأسر للقلب، ~~وإفهاما لأن الزيادة واقعة، وهؤلاء المرسل إليهم هم أهل نينوى وهم من غير ~~قومه، فإن حدود أرض بني إسرائيل الفرات، ونينوى من شرقي الفرات بعيدة عنه ~~جدا. # ولما تسبب عن إتيانه إليهم انشراح صدره بعد ما كان حصل له من الضيق الذي ~~أوجب له ما تقدم قال: {فآمنوا} أي تجريدا لأنفسهم من الحظوظ النفسانية ~~ولحوقا بالصفات الملكية. ولما كان إيمانهم سبب رفع العذاب الذي كان أوجبه ~~لهم كفرهم قال: {فمتعناهم} أي ونحن على ما نحن عليه من العظمة لم ينقص ذلك ~~من عظمتنا شيئا ولا زاد فيها {إلى حين *} أي إلى انقضاء آجالهم التي ~~ضربناها لهم في الأزل. # PageV16P296 # ذكر قصة يونس عليه السلام من سفر الأنبياء قال مترجمه: نبدأ بمعونة الله ~~وقوته بكتب نبوة يونان بن متى النبي: كانت كلمة الرب على يونان بن متى، ~~يقول له: قم فانطلق إلى نينوى المدينة العظيمة وناد فيها بأن شرارتكم قد ~~صعدت قدامي، وقام يونان ليفر إلى ترسيس من قدام الرب، ms4050 وهبط إلى يافا ووجد ~~سفينة تريد تدخل إلى ترسيس فأعطى الملاح أجرة ونزلها ليدخل معهم إلى ترسيس ~~هاربا من قدام الرب، والرب طرح ريحا عظيمة في البحر، فكان في البحر موج ~~عظيم، والسفينة كانت تتمايل لتنكسر وفرق الملاحون وجأر كل إنسان إلى إلهه، ~~وطرحوا متاع السفينة في البحر ليخففوا عنهم، بحق هبط يونان إلى أسفل ~~السفينة ونام فدنا منه سيد الملاحين وقال له: لماذا أنت نائم؟ قم فادع إلهك ~~لعل الله يخلصنا ولا نهلك، وقال الرجل لصاحبه: تعالوا نقترع ونعلم هذا الشر ~~من قبل من جاء علينا؟ فاقترعوا فجاءت القرعة على يونان، فقالوا له: أخبرنا ~~ما هذا الشر؟ وماذا هو عملك، ومن أين أنت، ومن # PageV16P297 # أي شعب أنت، وأيتها أرضك؟ فقال لهم يونان: أنا عبراني ولله رب السماء ~~أخشى الذي خلق البر والبحر، ففرق أولئك القوم فرقا شديدا، فقالوا له: ماذا ~~صنعت؟ لأن أولئك الناس علموا أنه من قدام إلهه هرب، فلما أخبرهم قالوا: ما ~~نصنع بك حتى يسكن عنا البحر لأن البحر هو ذا منطلق يزخر علينا؟ قال لهم ~~يونان: خذوني فاطرحوني في البحر فيسكن عنكم البحر لأني أعلم أن هذا الموج ~~العظيم من أجلي هاج عليكم، فجهد أولئك الناس أن يرجعوا إلى الساحل، فلم ~~يجدوا إلى ذلك سبيلا، لأن البحر كان ذاهبا يزخر عليهم، ودعوا إلى الرب ~~وقالوا: أيها الرب لا يحسب علينا دم زكي، ولا نهلك بنفس هذا الرجل من أجل ~~أنك أنت الرب، وكل ما شئت تصنع، فأخذوا يونان وطرحوه في البحر، فاستقر ~~البحر من أمواجه، وفرق أولئك الناس من قدام الرب فرقا شديدا، وذبحوا ذبائح ~~للرب ونذروا له النذور، وهيأ الرب سمكة عظيمة فابتلعت يونان، وكان يونان في ~~أمعاء السمكة ثلاثة أيام وثلاث ليالي وقال: دعوت الرب في حزني فأجابني، ومن ~~بطن الجحيم تضرعت إليه، وسمع صوتي وطرحني في الغوط في قلب البحر، والأنهار ~~أحاطت بي، وكل أمواجك واهياجك علي جازت، # PageV16P298 # أنا بحق قلت: إني قد تباعدت من قدام عينيك، من الآن أترى أعود فأنظر ms4051 إلى ~~هيكلك المقدس، وقد أحاطت بي المياه حتى نفسي والأهوال أحاطت بي، وفي أسفل ~~البحر احتبس رأسي، وإلى أسفل الجبال هبطت، والأرض أطبقت أغلاقها في وجهي ~~إلى الدهر، إذا اغتمت نفسي للرب ذكرت ودخلت صلاتي قدامك إلى هيكلك المقدس، ~~فكل الذين يحفظون الأنساك البطالة رحمتهم فتركوا، أنا بحق بصوت الشكر أقرب ~~لك وأذبح، والذي نذرته أوفيه للرب! فأمر الرب السمكة فقذفت يونان في اليبس، ~~وأتى الكلام الرب إليه المرة الثانية، وقال له: قم يا يونان فانطلق إلى ~~نينوى المدينة العظمية وناد فيها بالنداء الذي أقوله لك، فقام يونان وانطلق ~~إلى نينوى مثل كلمة الرب، ونينوى كانت مدينة عظيمة للرب مسيرة ثلاثة أيام، ~~وتبدأ يونان أن يدخل إلى نينوى مسيرة يوم واحد ونادى وقلال: من الآن وإلى ~~أربعين يوما نينوى تنقلب، فآمن أهل نينوى لله وفرضوا الصوم ولبسوا المسوح ~~من عظمائهم حتى صغائرهم، وانتهت الكلمة إلى ملك نينوى فقام عن كرسيه # PageV16P299 # ونزع تاجه، واكتسى مسح شعر، وجلس على الرماد، ونادى في نينوى وقال الملك ~~وأشرافه: وكل الناس والغدائر والثيران والغنم فلا يذوقون شيئا من الطعام ~~ولا يرعون، وماء فلا يشربون، ولكن فليلبس الناس والغدائر ويدعو الله ~~بالتضرع، ويرجع كل إنسان عن طريقة السوء، وعن الاختطاف الذي في يده، ~~وقالوا: من ذا الذي يعلم أن الله يقبل منا ويترحم علينا ويرد عنا غصبه ~~ورجزه لكيلا نهلك، ونظر الله إلى أعمالهم أنهم قد تابوا عن طرقهم السوء فرد ~~عنهم غضب رجزه ولم يبدهم، وحزن يونان حزنا شديدا، وتكره من ذلك جدا، وصلى ~~قدام الرب وقال: أيها الرب! ألم تكن هذه كلمتي، وأنا بعد في بلادي ولذلك ~~سبقت وفررت إلى ترسيس، قد عرفت بحق أنك الرحمن الإله الرؤوف، طويل صبرك ~~وكثيرة نعمتك، وترد السوء الآن يا رب! انزع نفسي مني لأن الموت أنفع لي من ~~الحياة، فقال له: جدا حزنت يا يونان، وخرج يونان من المدينة واتخذ له ثمة ~~مظلة وجلس تحتها في الظل لينظر ما الذي يعرض للمدينة، وأمر الله الرب أصل ~~القرع، ms4052 ونبت وارتفع على رأس يونان، فكان ظل على رأسه فتفرج من شدته وفرح ~~فرحا كثيرا يونان بأصل القرع. # PageV16P300 # وفي اليوم الآخر أمر الله الرب دودة في مطلع الصبح فضربت أصل القرع ~~وقرضته، فلما طلعت الشمس أمر الله ريح السموم فيبست أصل القرع، وحميت الشمس ~~في رأس يونان، واغتم وسال الموت لنفسه وقال: إنك يا رب تقدر تنزع نفسي مني، ~~لأني لم أكن أخبر من إياي، وقال الرب ليونان: جدا حزنت على أصل القرع، فقال ~~يونان: جدا أحزن حتى الموت، قال له الرب: أنت أشفقت على أصل القرع الذي لم ~~تعن به ولم تربه، الذي في ليلة نبت، وفي ليلة يبس، فكيف لا أشفق أنا على ~~نينوى المدينة العظيمة التي فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين ~~لا يدرون ما بين يمينهم من شمالهم وكثرة من الغدائر - انتهى. ولعل أصل ~~القرع المذكور هنا كان نبت عليه حين خرج من بطن الحوت، فلما اتفق له ما ذكر ~~هنا رجع إليه وقد زاد عظمه فبنى تحته عريشا وجلس تحته، فكان منه ما كان، ~~فلا يكون حينئذ ما هنا مخالفا لما ذكر أهل الأخبار في هذه القصة - والله ~~الموفق. # PageV16P301 # ولما كان الذي سبق ادعاؤه أمرين أحدهما أن هؤلاء المنذرين # PageV16P301 # يسارعون في اقتفاء آثار آبائهم في الضلال، والثاني أن أكثر الأولين ضلوا، ~~وسيقت دليلا شهوديا على الثاني هذه القصص الست التي ما اهتدى من أهلها أمة ~~بكمالها إلا قوم يونس عليه السلام، كان ذلك سببا للأمر بإقامة الدليل على ~~ضلال هؤلاء تبعا لآبائهم بأمر ليس في بيان الضلال أوضح منه، فقال متهكما ~~بهم مخصصا الأمر به صلى الله عليه وسلم إشارة إلى عظم هذه النتيجة وأنه لا ~~يفهمها حق فهمها سواه صلى الله عليه وسلم: {فاستفتهم} أي فاطلب من هؤلاء ~~الذين يعرضون عن دعوتك إلى أباطيلهم أن يجيبوك فتوة منهم وكرما: بأي دليل ~~وبأي حجة حكموا بما يقولونه تبعا لآبائهم في الملائكة الذين تقدم في فاطر ~~أنهم رسل الله، وفي يس أنهم في ms4053 غاية الشدة بحيث إن عذاب الأمة الكثيرة يكفي ~~فيه واحد منهم، وبحيث إن صيحة واحده من أحدهم يميت الأحياء كلهم، وصيحة ~~أخرى يحي الأموات كلهم، هذا إلى ما أفادته هذه السورة لهم من الصف والزجر ~~والتلاوة حين ابتدأت بالإقسام بهم لأن لمقصودها نظرا عظيما إلى أحوالهم في ~~تجرديهم وتقديسهم، ويلزم من هذا الاستفتاء تنزيههم وتنزيه الذي خلقهم وذلك # PageV16P302 # مقصود السورة، ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى ما هو دليل عليها فإن ~~الرسول دال على قدر من أرسله فقال: {ألربك} أي خاصة وهو الملك الأعلى الذي ~~رباك وأحسن إليك بهدايتك والهداية بك وغير ذلك من أمرك حتى كنت أكمل الخلق ~~وأعلاهم في كل أمر يكون به الكمال والقرب من الله فاصطفاك لرسالته، ففي ~~إفراد الضمير إشارة إلى أنه لا يختار إلا الأكمل الأشرف الأفضل. # ولما كان المراد تبكيتهم بكونهم جعلوا الأخس لله، وكانت الإناث أضعف من ~~الذكور، ولكنها قد تطلق الأنوثة على غير الحيوان، وكانت الإناث في بعض ~~الأجناس كالأسحار أشرف، عدل عن التعبير بالإناث وعبر بما ينص على المراد ~~فقال: {البنات} أي دون البنين، وهم - مع أنهم مربون مقهورون - يأنفون منهم ~~غاية الأنفة {ولهم} أي دونه {البنون *} مع أن الرب الذي خصوه بأدنى ~~القبيلين تارة يخلق الذكر من تراب ويربيه أحسن تربية، وأخرى من غيره أو ~~يخرجه من بطن حوت أو غمرات نار أو غير ذلك، فبأي وسيلة ادعوا له ولدا ~~والولد لا يكون إلا بالتدريج في أطوار الخلق من النطفة إلى ما فوقها، ولا ~~يرضى بذلك إلا عاجز فكيف بادعاء أدنى الصنفين من الولد، سبحان ربك رب ~~العزة. # ولما كان دعواهم لأنوثة الملائكة متضمنة لادعاء العلم باختصاصه عند دعوى ~~الولدية بأدنى القبيلتين أو ادعاء العلم بأنه خلقهم إناثا بمشاهدة # PageV16P303 # منهم أو كتاب منه إليهم، وأما العقل فإنه لا مدخل له في ذلك، قال معلما ~~بأنهم أهل لأن يبكتوا ويستهزأ بهم لأنه لا علم عندهم بإحدى الطريقين، ولا ~~يقدرون أن يدعوا ذلك لئلا يفتضحوا فضيحة لا تنجبر أصلا، عائدا إلى ms4054 التصريح ~~بمظهر العظمة التي إن لم يقتض اختيار الأكمل لم يقتض الاختصاص بالأدون ~~لأنها منافية بكل اعتبار للدناءة {الملائكة} أي الذين حكموا عليهم ~~بالأنوثة، وهم من أعظم رسلنا وأجل خواصنا ولم يروا منهم أحدا ولا سبيل لهم ~~إلى العلم بأحوالهم باعترافهم بذلك، ولما تعين أن المراد بالأنوثة الخساسة، ~~وكان في بعض الإناث قوة الذكور، عبر بالأنوثة إلزاما لهم في حكمهم ذلك ~~بخساستين فقال: {إناثا وهم} أي والحال أن هؤلاء الذين ينسبون إلى الله ما ~~لا يليق به {شاهدون *} أي ثابت لهم شهود ذلك لا يغيبون عنه، فإنا كل يوم ~~نجدد منهم من شئنا، قال الرازي: وكل واحد من الملائكة نوع برأسه، أما ~~الآدميون فكلهم نوع واحد، وهو ناقص في ابتداء الفطرة، مستكمل، وله درجات في ~~الترقي إلى أن يبلغ مقام المشاهدة، وهو أن تتجلى له حلية الحق الأول من ~~ذاته وصفاته وترتيب أفعاله علما لا ينفصل عنه ولا يغيب فيترقى في إدراكه عن ~~المحسوسات والخيالات، ويترقى فعله عن أن # PageV16P304 # يكون لمقتضى الغضب أو الشهوة، وبهذا يقرب من الله تعالى - انتهى. # ولما اشتد تشوف السامع إلى أن يعلم حقيقة قولهم الذي تسبب عنها هذا ~~الاستفتاء أعلم سبحانه بذلك في قوله مؤكدا إشارة إلى أنه قول لا يكاد أن لا ~~يقر أحد أنه قاله، معجبا منهم فيه مناديا عليهم بما أبان من فضيحتهم بما ~~قدم من استفتائهم: {إلا أنهم من إفكهم} أي من أجل أن صرفهم الأمور عن وجوها ~~عادتهم {ليقولون *} أي قولا هم مستمرون عليه وإن كانوا لا يقدرون على ~~إبرازه في مقام المناظرة، وعدل عن مظهر العظمة إلى إسم الجلالة العلم على ~~الذات الجامعة لجميع الصفات إشارة إلى أن كل صفة من صفاته ونعت من نعوته ~~يأبى الولدية فقال: {ولد الله} أي وجد له - وهو المحيط بصفات الكمال - ولد ~~وهم على صفة الأنوثة أي أتى بالولد، فولد فعل ماض والجلالة فاعل، وقرىء ~~شاذا برفع «ولد» على أنه خبر مبتدأ محذوف، وجر الجلالة بالإضافة، والولد ~~فعل بمعنى مفعول كالقبض، فلذلك يخبر ms4055 به عن المفرد وغيره والمؤنث وغيره. # ولما أتى سبحانه بالاسم الأعظم إشارة إلى عظيم تعاليه عن ذلك، صرح به في ~~قوله دالا على الثبوت مؤكدا لأجل دعواهم أنهم صادقون: {وإنهم لكاذبون *} ~~ودل على كذبهم أيضا بإنكاره موبخا لهم في أسلوب الخطاب زيادة في الإغضاب في ~~قوله: {اصطفى} بهمزة الاستفهام # PageV16P305 # الإنكاري، ومن أسقطها فهي عنده مقدرة مرادة، أي أخبروني هل اختار هذا ~~السيد الذي أنتم مقرون بتمام علمه وشمول قدرته وعلو سؤدده ما تسترذلونه. # ولما كان التعبير بالبنت أكره إليهم من التعبير بالأنثى، والتعبير بالابن ~~أحب إليهم من التعبير بالذكور وأنص على المراد لأن الذكر مشترك بين معان، ~~قال: {البنات} اللاتي تستنكفون أنتم من لحوقهن بكم، وتستحيون من نسبتهن ~~إليكم، حتى أن بعضكم ليصل في إبعادهن إلى الوأد {على البنين *} فكان حينئذ ~~نظره لنفسه دون نظر أقلكم فضلا عن أجلكم، ولذلك عظم حسنا وتناهى بلاغة ~~قوله: {ما} أي يا معاشر العرب المدعين لصحة العقول وسداد الأنظار والفهوم! ~~أي شيء {لكم} من الخير في هذا المقال؟ ثم زاد في التقريع عليه بقوله معجبا ~~منهم: {كيف تحكمون *} أي في كل سألناكم عنه بمثل هذه الأحكام التي لا تصدر ~~عمن له أدنى مسكة من عقله، وعبر بالحكم لاشتهاره فيما يبت فيأبى النقص، ~~فكان التعبير به أعظم في تقريعهم حيث أطلقوه على ما لا أوهى منه. # ولما كان هذا شديد المنافاة للعقول، عظيم البعد عن الطباع، حسن جدا قوله ~~أيضا مبكتا: {أفلا تذكرون *} أي أدنى تذكر بما أشارت إليه قراءة من خفف بما ~~جمعت من التخفيف والحذف، فإن الأمر في غاية الظهور # PageV16P306 # لما في عقولكم وطباعكم من أنكم لا ترضون لأنفسكم أخس المنازل، فكيف ~~يختاره لنفسه ربكم الذي بيده كل شيء؟ وإنه لا يكون الولد مطلقا إلا ممن له ~~جنس، فيكون محتاجا إلى جنسه، والمحتاج لا يكون إلها بوجه، وأشارت قراءة ~~الجماعة بالتشديد والإدغام إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد تذكر بما أشار إليه ~~التشديد مع دقة بما أشار إليه الإدغام لأجل حل شبهة من ms4056 يرى أفعال من يحيي ~~الموءودة فيظن أن ذلك رغبة منهم في الإناث، وليس ذلك إلا رغبة في دفع فساد ~~القتل ورحمة للضعيف، ولم يقرأ بالفك إشارة إلى أن الأمر غني عن الدرجة ~~العليا في التأمل. # ولما قررهم على شهود ذلك بما تضمن إبطاله عقلا، فلم يبق من طرق الأدلة ~~إلا السمع، عادل به قوله: {أم لكم} أي على ادعاء ذلك {سلطان} أي دليل سمعي ~~بخبر سماوي قاهر، وأشار إلى أنه لا يتكلم في أحوال الملوك إلا بأمر واضح ~~بقوله: {مبين *} . # ولما كان المراد بهذا - ولا بد - البرهان السمعي، بينه بما سبب عنه من ~~قوله: {فأتوا بكتابكم} أي الذي أتاكم بذلك السلطان من الملك في أنه اختار ~~لنفسه ذلك، ودل على كذبهم تلويحا بعد أن أتى به تصريحا وهو أنكى ما يكون ~~بالإتيان بأداة الشك في قوله: # PageV16P307 # {إن كنتم صادقين *} وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم وإنكار فظيع، ~~والأساليب التي وردت عليها ناطقة بتسفيه أحلام المدعي لذلك وبجهل نفوسهم، ~~واستركاك عقولهم، مع استهزاء وتهكم وتعجيب من أن يخطر مثل ذلك على بال فضلا ~~عن أن يتخذ معتقدا، ويتظاهر به مذهبا. # PageV16P308 # ولما تم إظهار ضلالهم، بكتهم في أسلوب آخر معرضا عن خطابهم تخويفا من ~~إحلال عذابهم فقال: {وجعلوا} أي بعض العرب منابذين لما مضى بيانه من الأدلة ~~{بينه وبين الجنة} أي الجن الذين هم شر الطوائف، وأنثهم إشارة إلى تحقيرهم ~~عن هذا الأمر الذي أهلوهم له {نسبا} بأن قالوا: إنه - جلت سبحات وجهه وعظم ~~تعالى جده - تزوج بنات سروات الجن، فأولد منهم الملائكة، ومن المعلوم أن ~~أحدا لا يتزوج إلا من يجانسه، فأبعدوا غاية البعد لأنه لا مجانس له. ولما ~~كان النسيب يكرم ولا يهان قال مؤنثا لضميرهم زيادة في تحقيرهم: {ولقد علمت ~~الجنة} أي مطلقا السروات منهم والأسافل {إنهم} أي الجن كلهم {لمحضرون *} أي ~~إليه بالبعث كرها ليعاملوا بالعدل مع بقية الخلائق يوم فصل القضاء، والتجلي ~~في مظاهر العز والعظمة والكبرياء، فهم أقل من أن يدعى لهم ذلك. # PageV16P308 # ولما ذكر اليوم ms4057 الأعظم الذي يظهر فيه لكل أحد معاقد الصفات، وتتلاشى عند ~~تلك المظاهر أعيان الكائنات، وتنمحي لدى تلك النعوت آثار الفانيات، وكان ~~ذكره على وجه مبين بعد الجن عن المناسبة، كان مجزأ للتنزيه وموضعا بعد تلك ~~الضلالات للتقديس نتيجة لذلك فقال مصرحا باسم التسبيح الجامع لجميع أنواعه، ~~والجلالة إشارة إلى عظم المقام: {سبحان الله} أي تنزه الذي له جميع العظمة ~~تنزها يفوت الحصر {عما يصفون *} أي عما يصفه به جميع الخلائق الذين يجمعهم ~~الإحضار ذلك اليوم، أو الكفار الذين ادعوا له الولد وجعلوا الملائكة من ~~الولد {إلا عباد الله} أي الذين يصلحون للإضافة إلى الاسم الأعظم من حيث ~~إطلاقه على الذات الأعظم ولذلك أظهر ولم يضمر، لأن الضمير يعود على عين ~~الماضي، فربما أوهم تقييده بما ذكر في الأول فيفهم تقييد تشريفهم بالتسبيح، ~~{المخلصين *} من جميع الخلائق أو من العرب وهم من أسلم منهم بعد نزول هذه ~~السورة فإنهم لا يصفونه إلا بما أذن لهم فيه ولأجل أن هذه السورة سورة ~~المتجردين عن علائق العوائق عن السير إليه، كرر وصف الإخلاص فيها كثيرا. # ولما نزه نفسه المقدس سبحانه عن كل نقص، دل على ذلك بأنهم # PageV16P309 # وجميع ما يعبدونه من دونه لا يقدرون على شيء لم يقدره، فقال مسببا عن ~~التنزيه مؤكدا تكذيبا لمن يظن أن غير الله يملك شيئا مواجها لهم بالخطاب ~~لأنه أنكى وأجدر بالإغضاب: {فإنكم وما تعبدون *} أي من الأصنام وغيرها من ~~كل من زعمتموه إلها. وابتدأ الخبر عن «أن» فصدره بالنافي فقال: {ما} وغلب ~~المخاطبين المعبر عنهم بكاف الخطاب على من عطف عليهم وهم معبوادتهم تنبيها ~~على أنهم عدم كما حقرهم بالتعبير عنهم بما دون «من» فقال مخاطبا: {أنتم ~~عليه} أي على الله خاصة {بفاتنين *} أي بمغيرين أحدا من الناس بالإضلال ~~{إلا من هو} أي في حكمه وتقديره {صال الجحيم *} أي معذب بعذابه لحكمه عليه ~~بالشقاوة فعلم أنكم لا تقدرون أن تغيروا عليه إلا من غيره هو فبحكمه ضل لا ~~بكم، نعوذ بك منك، لا مهرب منك إلا ms4058 إليك، والمراد بتقديم الجار أن غيره قد ~~يقدر على أن يفسد عليه من لا يريد فساده ويعجز عن رد المفسد، فالتعبير ~~بأداة الاستعلاء تهكم بهم بمعنى أنه ليس في أيديكم من الإضلال إلا هذا الذي ~~جعله لكم من التسبب، فإن كان عندكم غلبة فسموه بها، وتوحيد الضمير على لفظ ~~«من» في الموضعين للإشارة إلى أن الميت على الشرك بعد بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم من العرب قليل، وقرئ شاذا «صالوا» دفعا لظن أنه واحد. # PageV16P310 # ولما كان من المعلوم أن هذا الاستفتاء من النبي صلى الله عليه وسلم وقع ~~امتثالا للأمر المصدر به، وبطل بهذه الجملة قدرتهم وقدرة معبوداتهم التي ~~يدعون لها بعض القدرة، قال مؤكدا لذلك ومبطلا لقدرة المخلصين أيضا عطفا على ~~{فإنكم وما تعبدون} : {وما منا} أي نحن وأنتم ومعبوادتكم وغير ذلك، أحد ~~{إلا له مقام معلوم *} قد قدره الله تعالى في الأزل، ثم أعلم الملائكة بما ~~أراد منه فلا يقدر أحد من الخلق على أن يتجاوز ما أقامه فيه سبحانه نوع ~~مجاوزة، فلكل من الملائكة مقام معروف لا يتعداه، والأولياء لهم مقام مستور ~~بينهم وبين الله لا يطلع عليه أحد، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ~~مقام مشهور مؤيد بالمعجزات الظاهرة، لأنهم للخلق قدوة، فأمرهم على # PageV16P311 # الشهرة، وأمر الأولياء على السترة - قاله القشيري، وغير المذكورين من أهل ~~السعادة لهم مقام في الشقاوة معلوم عند الله تعالى وعند من أطلعه عليه من ~~عباده. # PageV16P312 # ولما سلب عن الكل كل شيء من القدرة إلا ما وهبهم، وكان الكفار يدعون أنهم ~~يعبدون الله تعالى وينزهونه وأن الإشراك لا يقدح في ذلك، بين أن المخلصين ~~خصوا دونهم بمواقف الصفاء، ومقامات الصدق والوفاء، لأن طاعتهم أبطلها ~~إشراكهم، فقال مؤكدا ومخصصا: {وإنا} أي يا معشر المخلصين {لنحن} أي دونكم ~~{الصافون *} أي أنفسنا في الصلاة والجهاد وأجنحتنا في الهواء فيما أرسلنا ~~به وغير ذلك لاجتماع قلوبنا على الطاعة {وإنا لنحن المسبحون *} أي المنزهون ~~له سبحانه عن كل نقص مما ادعيتموه من البنات وبجوز أن يكون المعنى: ms4059 لنا هذا ~~الفعل، وهو الصف والتسبيح، ولا ينوي له مفعول البتة. # ولما بين ضلالهم وهداه صلى الله عليه وسلم وهدى من اتبعه - بما أشار إليه ~~بصفة الربوبية التي أضافها إليه في قوله «ألربك» أعلم بأنهم زادوا على عيب ~~الضلال في نفسه عيب الإخلاف للوعد والنقض لما # PageV16P312 # أكدوه من العهد، فقال مؤكدا إشارة إلى أنه لا يكاد يصدق أن عاقلا يؤكد ~~على نفسه في أمر ثم يخلفه جوابا لمن يقول: هل نزهوه كما نزهه المخلصون: ~~{وإن} أي فعلوا ذلك من الضلال بالشبه التي افتضحت بما كشفناه من ستورها ولم ~~ينزهوا كما نزه المخلصون والحال أنهم {كانوا} قبل هذا {ليقولون} أي قولا لا ~~يزالون يجددونه مع ما فيه من التأكيد {لو أن عندنا ذكرا} أي على أي حال كان ~~من أحواله من كتاب أو غيره {من الأولين} أي من الرسل الماضين {لكنا عباد ~~الله} أي بحيث أنا نصير أهلا للإضافة إلى المحيط بصفات الكمال {المخلصين *} ~~أي في العبادة له بلا شائبة من شرك أصلا. # ولما كان هذا الذكر - الذي أتاهم مع كونه أعظم ذكر أتى مصدقا لكتب ~~الأولين وكان الرسول الآتي به أعظم الرسل، فكان لذلك هو عين ما عقدوا عليه ~~مع زيادة الشرف - سببا لكفرهم قال: {فكفروا به} أي فتسبب عما عاهدوا عليه ~~أنهم كفروا بذلك الذكر مع زيادته في الشرف على ما طلبوا بالإعجاز وغيره ~~فتسبب عن ذلك تهديدهم ممن أخلفوا وعده، ونقضوا مع التأكيد عهده، فقال: ~~{فسوف يعلمون *} أي بوعيد ليس هو من جنس كلامهم، بل هو مما لا خلف فيه ~~بوجه. # PageV16P313 # ولما كان التقدير كما أرشد إليه سياق التهديد: فلقد سبقت كلمتنا على من ~~خالف رسلنا بالخذلان المهين، عطف عليه قوله: {ولقد سبقت} أي في الأزل ~~{كلمتنا} أي على ما لنا من العظمة {لعبادنا} أي الذين أخلصوا لنا العبادة ~~في كل حركة وسكون {المرسلين *} الذين زدناهم على شرف الإخلاص في العبودية ~~شرف الرسالة. # PageV16P314 # ولما آذنت اللام بعلوهم، أوضح ذلك ببيان ما سماه كلمة لانتظامه في معنى ~~واحد بقوله: ms4060 {إنهم} وزاد في تأكيده في نظير ما عند الكفرة على ما تدل ~~أعمالهم أنه في غاية البعد فقال: {لهم} أي خاصة {المنصورون *} أي الثابت ~~نصرهم في الجدال والجلاد وإن وقع للكفار عليهم في الثاني ظهور ما. ولما خص ~~بذلك المرسلين، عم فقال: {وإن جندنا} أي من المرسلين وأتباعهم، ولما كان ~~مدلول الجند في اللغة العسكر والأعوان والمدينة وصنفا من الخلق على حدة، ~~قال جامعا على المعنى دون اللفظ نصا على المراد: {لهم} أي لا غيرهم ~~{الغالبون *} أي وإن رئي أنهم مغلوبون لأن العاقبة لهم إن لم يكن في هذه ~~الدار فهو في دار القرار، وقد جمع لهذا النبي الكريم فيهما، وسمى هذا كله ~~كلمة لانتظامه معنى واحدا، ولا يضر انهزام في بعض المواطن من بعضهم ولا وهن ~~قد يقع، وكفى دليلا على هذا # PageV16P314 # سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الثلاثة بعده رضي الله عنهم. # ولما ثبت لا محالة بهذا أنه صلى الله عليه وسلم هو المنصور لأنه من ~~المرسلين ومن جند الله، بل هو أعلاهم، سبب عن ذلك قوله: {فتول} أي فكلف ~~نفسك الإعراض {عنهم} أي عن ردهم عن الضلال قسرا {حتى حين *} أي مبهم، وهو ~~الوقت الذي عيناه لنصرك في الأزل {وأبصرهم} أي ببصرك وبصيرتك عند الحين ~~الذي ضربناه لك وقبله: كيف تؤديهم أحوالهم وتقلباتهم كلما تقلبوا إلى سفول. # ولما كانوا قبل الإسلام عميا صما لأنهم لا يصدقون وعدا ولا وعيدا، ولا ~~يفكرون في عاقبة، حذف المفعول من فعلهم فقال متوعدا محققا بالتوسيف لا ~~مبعدا: {فسوف يبصرون *} أي يحصل لهم الإبصار الذي لا غلط فيه بالعين والقلب ~~بعد ما هم فيه من العمى، وهذا الحين واضح في يوم بدر وما كان من أمثاله قبل ~~الفتح، فإنهم كان لهم في تلك الأوقات نوع من القوة، فلذلك أثبتهم نوع إثبات ~~في أبصرهم. # ولما كانت عادتهم الاستعجال بما يهددون به استهزاء، كلما ورد عليهم ~~تهديد، سبب عن ذلك الإنكار عليهم على وجه تهديد آخر لهم فقال: {أفبعذابنا} ~~أي على ما علم ms4061 له من العظمة بإضافته إلينا # PageV16P315 # {يستعجلون} أي يطلبون أن يعجل لهم فيأتيهم قبل أوانه الذي ضربناه له. ~~ولما علم من هذا أنه لا بشرى لهم يوم حلوله، ولا قرار عند نزوله، صرح بذلك ~~في قوله: {فإذا} أي هددناهم وأنكرنا عليهم بسبب أنه إذا {نزل بساحتهم} أي ~~غلب عليها لأن ذلك شأن النازل بالشيء من غير إذن صاحبه ولا يغلب عليها إلا ~~وقد غلب على أهلها فبرك عليهم بروكا لا يقدرون معه على البروز إلى تلك ~~الساحة وهي الفناء الخالي عن الأبنية كأنه متحدث القوم وموضع راحتهم في أي ~~وقت كان بروكه من ليل أو نهار، ولكن لما كانت عادتهم الإغارة صباحا، قال ~~على سبيل التمثيل مشيرا بالفاء إلى أنه السبب لا غيره {فساء صباح المنذرين ~~*} أي الذين هم أهل للتخويف من هؤلاء وغيرهم وهذا التهديد لا يصلح لأن ~~ينطبق على يوم الفتح ولقد صار من لم يتأهل لغير الإنذار فيه في غاية السوء، ~~وهم الذين قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، ومنهم من تعلق ~~بأستار الكعبة فلم يفده ذلك، ولكنهم كانوا قليلا، والباقون إن كان ذلك ~~الصباح على ما ساءهم منظره فلقد سرهم لعمر الله مخبره. # PageV16P316 # ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة لا يستأصل قومه بعذاب، قال ~~دالا على ذلك بتكرير الأمر تأكيدا للتسلية، ووعد النصرة مع ما فيه من زيادة ~~المعنى على الأول، عاطفا على «تول» الأولى: {وتول} أي كلف نفسك الصبر عليهم ~~في ذلك اليوم الذي ينزل بهم العذاب الثاني والإعراض {عنهم حتى حين *} وكذا ~~فعل صلى الله عليه وسلم فإنه حل بساحتهم يوم الفتح صباحا، فلم يقدروا على ~~مدافعة. # PageV16P317 # ولما كابر بعضهم ودافع، لم يكن بأسرع من أن ولوا وطلبوا السلامة بالدخول ~~فيما جعله ### | ص # لى الله عليه وسلم علما على التأمين، وقال حماس بن قيس أخو بني بكر لما ~~دخل بيته لامرأته: أغلقي علي الباب، فعيرته بالهزيمة بعن أن كانت تنهاه عن ~~منابذة المسلمين فلا ينتهي ويقول لها: لا بد، ms4062 أن أخدمك بعضهم: # إنك لو شهدت يوم الحندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه # PageV16P317 # واستقبلتنا بالسيوف المسلمة ... يقطعن كل ساعد وجمجمه # ضربا فلا يسمع إلا غمغمه ... لهم نهيت خلقنا وهمهمه ... لم تنطقي في ~~اللوم أدنى كلمه # ولما كان هذا منطبقا على يوم الفتح، وكان ذلك اليوم قد أحل الكفار محلا ~~صاروا به بحيث لا اعتبار لهم قال: {وأبصر} مسقطا ضميرهم، أي أبصر ما تريد ~~من شؤونك التي يهمك النظر فيها، وأما هم فصاروا بحيث لا يبالي بهم ولا يفكر ~~في أمرهم ولا يلتفت إليهم، فإنا أبدلنا من عزتهم ذلا، ومن كثرتهم قلا، ~~وجردنا تلك الأراضي من قاذورات الشرك، وأحللنا بها طهارة التنزيه وأقداس ~~التحميد، وكذا كان، فإنه صلى الله عليه وسلم قال لهم وهو على درج الكعبة ~~وهم تحته كالغنم المجموعة في اليوم المطير بعد أن قال «» لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده «: ما ~~تظنون أني فاعل بكم يا معاشر قريش؟ قالوا: # PageV16P318 # خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وقال له صفوان ~~بن أمية: اجعلني بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار أربعة أشهر» ، ولم يكلف ~~أحدا منهم الإسلام حتى أسلموا بعد ذلك طوعا من عند آخرهم. ولما حاصر الطائف ~~فعسرت عليه انصرف عنها، فما لبثوا أن أرسلوا إليه رسلهم وأسلموا فحسن ~~إسلامهم ولم يرتد أحد منهم في الردة، وهذا من معنى {فسوف يبصرون *} . # ولما تقرر له سبحانه من العظمة ما ذكر، فكان الأمر أمره والخلق خلقه، ثبت ~~تنزهه عن كل نقص واتصافه بكل كمال، فلذلك كانت نتيجة ذلك الختم بمجامع ~~التنزيه والتحميد فقال: {سبحان ربك} أي المحسن إليك بإرسالك وإقامة الدليل ~~الظاهر المحرر على صدقك بكل ما يكون من أحوال أعدائك من كلام أو سكوت، ~~وتأييدك بكل قوة وإلباسك كل هيبة {رب العزة} أي التي هو مختص بها بما ~~أفهمته الإضافة وأفاد شاهد الوجود وحاكم العقل، وقد علم بما ذكر في هذه ~~السورة أنها تغلب كل شيء ولا ms4063 يغلبها شيء، وفي إضافة الرب إليه وإلى العزة ~~إشارة إلى اختصاصه صلى الله عليه وسلم وكل من وافقه في أمره عن جميع الخلق ~~بالعزة وإن رئي في ظاهر الأمر غير ذلك {عما يصفون *} مما يقتضي النقائص لما ~~ثبت # PageV16P319 # من ضلالهم وبعدهم عن الحق. # ولما قدم السلام على من شاء تخصيصه في هذه السورة من رسله عمهم فقال ~~عاطفا على {سبحان} : {وسلام} أي تنزه له وسلامة وشرف وفخر وعلا {على ~~المرسلين *} أي الواصفين له بما هو له أهل، الذين اصطفاهم، الصافين صفا، ~~الزاجرين زجرا، التالين ذكرا، من البشر والملائكة المذكورين في هذه السورة ~~وغيرهم لأجل ما حكم لهم من سبحانه في الأزل من العز والنصر {والحمد} أي ~~الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي الجامع لجميع الأسماء الحسنى التي دل عليها ~~مجموع خلقه، وإلى ذلك أشار بقوله: {رب العالمين *} فهو حينئذ الواحد ~~المعتال، الذي تنزه عن الأكفاء والأمثال، والنظراء والأشكال، في كل شيء من ~~الأقوال والأفعال، والشؤون والأحوال، ولقد ترافق آخرها - كما ترى - وأولها، ~~وتعانق مفصلها وموصلها - والله الهادي إلى الصواب. # PageV16P320 # (سورة ص) # المقصود منها بيان ما ذكر في آخر الصافات من أن جند الله هم الغالبون - ~~وإن رئي أنهم ضعفاء، وإن تأخر نصرهم - غلبة آخرها سلامة للفريقين، لأنه ~~سبحانه واحد لكونه محيطا بصفات الكمال كما أفهمه آخر الصافات من التنزيه ~~والحمد وما معهما، وعلى ذلك دلت تسميتها بحرف " ص " لأن مخرجه من طرف ~~اللسان، وبين أصول الثنيتين السفليتين، ولهمن الصفات الهمس والرخاوة ~~والإطباق والاستعلاء والصفير، فكان دالا على ذلك لأن مخرجه أمكن مخارج ~~الحروف وأوسعها وأخفها وأرشقها وأغلبها، ولأن ما له من الصفات العالية أكثر ~~من ضدها وأفخم وأعلى وأضخم، ولذلك ذكر من فيها من الأنبياء الذين لم يكن ~~على أيديهم إهلاك، بل ابتلوا وعرفوا وسلمهم الله من أعدائهم من الجن ~~والإنس، وإلى ذلك الإشارة بما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غيره من ~~أن معناه: الله صادق فيما وعد، أو صدق محمد (صلى الله عليه وسلم) ، أو صاد ~~محمد ms4064 (صلى الله عليه وسلم) ، قلوب الخلق واستمالها، وبه قرأ أبو عمرو في ~~رواية شاذة على أنه فعل ماض من # PageV16P321 # الصيد، وقرأ الحسن وغيره بكسر الصاد على أنه أمر من المصاداة وهي ~~المعارضة أي عارض بما أنزلناه إليك الخلائق وجادلهم به فإنك تغلبهم لأن ~~الصدق سيف الله في أرضه، ما وضعه على شيء إلا قطعه، وقد انبسط هذا الصدق ~~الذي أشار إليه الصاد على كل صدق في الوجود فاستمال كل من فيه نوع من ~~الصدق، ولهذا قال في السورة التي بعدها) والذي جاء بالصدق وصدق به) [الزمر: ~~33] فذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام شاهد وجودي على ما هو معنى الصاد عند ~~العلماء الربانيين من أنه مطابقة ما بين الخلق والأمر، وتسمى سورة داود ~~عليه السلام - كما قاله ابن الجوزي رحمه الله - وحاله (صلى الله عليه وسلم) ~~أدل أحوال من فيها من الأنبياء على هذا المقصود، لما كان فيه من الضعف أولا ~~والملك آخرا) بسن الله (الذي يعز من انتمى إليه وإن كان ضعيفا لأن ه ~~العزيز) الرحمن (الذي له القدرة التامة على أن يرحم بالضراء كما يرحم ~~بالسراء) الرحيم (الذي أكرم أهل وده، بالإعانة على لزوم شكره وحمده. # PageV16P322 # ولما نزه ربنا سبحانه نفسه الأقدس في ختام تلك عن كل شائبة # PageV16P322 # نقص، وأثبت له كل كمال ناصا على العزة، وأوجب للمرسلين السلامة، افتتح ~~هذه بالإشارة إلى دليل ذلك بخذلان من ينازع فيه فقال: {ص} أي إن أمرك - يا ~~من أمرناه باستفتاء العصاة آخر الصافات وبشرناه بالنصر - مهيأ مع الضعف ~~الذي أنتم به الآن والرخاوة والإطباق، وعلو وانتشار يملأ الآفاق {والقرآن} ~~أي الجامع - مع البيان لكل خير - لأتباع لا يحصيهم العد، ولا يحيط بهم ~~الحد. ولما كان القسم لا يليق ولا يحسن إلا بما يعتقد المقسم له شرفه قال: ~~{ذي الذكر *} أي الموعظة والتذكير بما يعرف، والعلو والشرف والصدق الذي لا ~~ريب فيه عند كل أحد، فكل من سمعه اعتقد شرفه وصدق الآتي به ليملأن شرفه ~~المنزل عليه الأقطار، وليزيدن على كل مقدار، كما ms4065 تقدمت الدلالة عليه بالحرف ~~الأول، والذين كفروا وإن أظهروا الشك في ذلك وانتقصوه قولا فإنهم لا ~~ينتقصونه علما {بل الذين كفروا} بما يظهرون من تكذيبه {في عزة} أي عسر ~~وصعوبة ومغالبة بحمية الجاهلية مظروفون لها، فهي معمية لهم عن الحق ~~لإحاطتهم بهم، وأنثها إشارة إلى ضعفها، وبشارة بسرعة زوالها وانقلابها إلى ~~ذل {وشقاق *} أي إعراض وامتناع واستكبار على قبول الصدق من لساني الحال ~~الذي أفصح به الوجود، والقال الذي # PageV16P323 # صرح به الذكر فهداهم إلى ما هو في فطرهم وجبلاتهم بأرشق عبارة وأوضح ~~إشارة لو كانوا يعقلون، فأعرضوا عن تدبره عنادا منهم لا اعتقادا فإنهم لا ~~يكذبوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون، وتنكيرهما للتعظيم، قال الرازي: ~~حذف الجواب ليذهب فيه القلب كل مذهب ليكون أغزر وبحوره أزخر - انتهى. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما ذكر تعالى حال الأمم السالفة مع ~~أنبيائهم في العتو والتكذيب، وأن ذلك أعقبهم الأخذ الوبيل والطويل، كان هذا ~~مظنة لتذكير حال مشركي العرب وبيان سوء مرتكبهم وأنهم قد سبقوا إلى ذلك ~~الارتكاب، فحل بالمعاند سوء العذاب، فبسط حال هؤلاء وسوء مقالهم ليعلم أنه ~~لا فرق بينهم وبين مكذبي الأمم السالفة في استحقاق العذاب وسوء الانقلاب، ~~وقد وقع التصريح بذلك في قوله تعالى {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو ~~الأوتاد} إلى قوله: {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} ولما أتبع سبحانه هذا ~~بذكر استعجالهم في قوله {عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب} أتبع ذلك بأمر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بالصبر فقال {اصبر على ما يقولون} ثم آنسه بذكر ~~الأنبياء وحال المقربين الأصفياء {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به ~~فؤادك} - انتهى. # PageV16P324 # ولما كان للعلم الذي أراد الله إظهاره في هذا الوجود طريقان: حال ومقال، ~~فأما الحال فهو ما تنطق به أحوال الموجودات التي أبدعها سبحانه في هذا ~~الكون من علوم يدرك منها من أراد الله ما أراد، وأما المقال فهو هذا الذكر ~~الذي هو ترجمة عن جميع الوجود، وكان سبحانه قد قدم ms4066 الذكر لأنه أبين وأظهر، ~~وأخبر أنهم أعرضوا عنه وشاققوه، وكان من شاقق الملك استحق الهلاك، وكان ما ~~أبدوه من المغالبة أمرا غائظا للمؤمنين، أتبعه ما يصلح لتخويف الكافرين ~~وترجية المؤمنين مما أفصح به لسان الحال من إهلاك المنذرين، وهو أبين ما ~~يكون من دلالاته، وأظهر ما يوجد من آياته، فقال استئنافا: {كم أهلكنا} وكأن ~~المنادين بما يذكر كانوا بعض المهلكين، وكانوا أقرب المهلكين إليهم في ~~الزمان، فأدخل الجار لذلك، فقال دالا على ابتداء الإهلاك: {من قبلهم} وأكد ~~كثرتهم بقوله مميزا: {من قرن} أي كانوا في شقاق مثل شقاقهم، لأنهم كانوا في ~~نهاية الصلابة والحدة والمنعة - بما دل عليه «قرن» . # ولما تسبب عن مسهم بالعذاب دلهم قال جامعا على معنى «قرن» لأنه أدل على ~~عظمة الإهلاك: {فنادوا} أي بما كان يقال لهم: إنه سبب للنجاة من الإيمان ~~والتوبة، واستعانوا بمن ينقذهم، أو فعلوا النداء # PageV16P325 # ذعرا ودهشة من غير قصد منادي، فيكون الفعل لازما، وقال الكلبي: كانوا إذا ~~قاتلوا فاضطروا تنادوا «مناص» أي عليكم بالفرار، فأجيبوا بأنه لا فرار لهم. # ولما قرر سبحانه في غير موضع أن التوبة لا تنفع إلا عند التمكن والاختيار ~~لا عند الغلبة والاضطراب، قال تعالى مؤكدا لهذا المعنى في جملة حالية ~~بزيادة التاء التي أصلها هاء في «لا» أو في «حين» كما أكدوا بزيادتها في رب ~~وثم، والهاء في أراق والتاء في مثال والان فقالوا: ربت وثمت وأهراق وتمثال ~~وتالان {ولات} أي وليس الحين {حين مناص *} أي فرارا بتحرك بتقدم ولا تأخر، ~~بحركة قوية ولا ضعيفة، فضلا عن نجاة، قال ابن برجان: والنوص يعبر به تارة ~~عن التقدم وتارة عن التأخر وهو كالجماح والنفار من الفرس، ونوص حمار رفعه ~~رأسه كأنه نافر جامح. # ولما كان جعل المنذر منهم ليس محلا للعجب فعدوه عجبا لما ظهر # PageV16P326 # من تقسيمهم القول فيه، عجب منهم في قوله: {وعجبوا أن} أي لأجل أن {جاءهم} ~~ولما كان تعجبهم من مطلق نذارته لا مبالغته فيها أتى باسم الفاعل دون فعيل ~~فقال: {منذر منهم} أي ms4067 من البشر ثم من العرب ثم من قريش ولم يكن من الملائكة ~~مثلا وكان ينبغي لهم أن لا يعجبوا من ذلك فإن كون النذير بما يحل من ~~المصائب من القوم المنذرين - مع كونه أشرف لهم - أقعد في النذارة لأنهم ~~أعرف به وبما هو منطو عليه من صدق وشفقة وغير ذلك، وهو الذي جرت به العوائد ~~في القديم والحديث لكونهم إليه أميل، فهم لكلامه أقبل. # ولما كانوا أعرف الناس بهذا النذير صلى الله عليه وسلم في أنه أصدقهم ~~لهجة وأعلاهم همة وأنه منفي عنه كل نقيصة ووصمة، زاد في التعجيب بأن قال ~~معبرا بالواو دون الفاء لأن وصفهم له بالسحر ليس شبيه هذا العجب: {وقال} ~~ولما كانوا يسترون الحق مع معرفتهم إياه فهم جاحدون لا جاهلون، ومعاندون لا ~~غافلون، أظهر موضع الإضمار # PageV16P327 # إشارة إلى ذلك وإيذانا بشديد غضبه في قوله: {الكافرون هذا} أي النذير. # ولما كان ما يبديه من الخوارق إعجازا فعلا وقولا يجذب القلوب، وكان أقرب ~~ما يقدحون به فيه السحر قذفوه به ولم يعبروا بصيغة مبالغة لئلا يكون ذلك ~~إيضاحا جاذبا للقلوب إليه فقالوا: {ساحر} أي لأنه يفرق بما أتى به بين ~~المرء وزوجه، فاعترفوا - مع نسبتهم له إلى السحر وهم يعلمون أنهم كاذبون في ~~ذلك - أن ما أتى به فوق ما لهم من القوى {كذاب *} أي في ادعائه أن ما سحر ~~به حق ليس هو كسحر السحرة، وأتوا بوقاحة بصيغة المبالغة وقد كانوا قبل ذلك ~~يسمونه الأمين وهم يعلمون أنه لم يتجدد له شيء إلا إتيانه بأصدق الصدق وأحق ~~مع ترقيه في معارج الكمال من غير خفاء على أحد له أدنى تأمل. # PageV16P328 # ولما ذكر قولهم الناشىء عن عجبهم، ذكر سببه ليعلم أن حالهم هو الذي يعجب ~~منه لا حال من أنذرهم بقوله حاكيا قولهم إنكارا لمضمون ما دخل عليه: {أجعل} ~~أي صير بسبب ما يزعم أنه يوحى إليه {الآلهة} أي التي نعبدها {إلها واحدا} ~~ولما كان الكلام في الإلهية التي هي أعظم أصول الدين، وكان هو صلى الله ms4068 ~~عليه وسلم وكل من تبعه بل وكل منصف ينكرون أن يكون هذا عجبا، # PageV16P328 # بل العجب كل العجب ممن يقبل عقله أن يكون الإله أكثر من واحد، أكدوا ~~قولهم لذلك وإعلاما لضعفائهم تثبيا لهم بأنهم على غاية الثقة والاعتقاد لما ~~يقولون، لم يزلزلهم ما رأوا من منذرهم من الأحوال الغريبة الدالة ولا بد ~~على صدقه، فسموها سحرا لعجزهم عنها: {إن هذا} أي القول بالوحدانية {لشيء ~~عجاب *} أي في غاية العجب - بما دلت عليه الضمة والصيغة، ولذلك قرئ شاذا ~~بتشديد الجيم، وهي أبلغ قال الاستاذ أبو القاسم القشيري: فلا هم عرفوا ~~الإله ولا معنى الإلهية فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع، وتقدير ~~القادرين على الاختراع غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، ~~وذلك يمنع من كمالهما، ولو لم يكونا كاملي الوصف لم يكونا إلهين، وكل أمر ~~جر ثبوته سقوطه فهو باطل مطرح - انتهى. وستأتي الإشارة إلى الرد عليهم ~~بقوله: {العزيز الوهاب} ثم بقوله: {وما من إله إلا الله الواحد القهار} . # ولما كان العجب فكيف بالعجاب جديرا بأن يلزم صاحبه ليزداد الناظر عجبا، ~~بين أنهم فعلوا خلاف ذلك تصديقا لمن نسبهم إليه من الشقاق فقال: {وانطلق} ~~ولما كان ما فعلوه لا يفعله عاقل فربما ظن السامع أن المنطلق منهم أسقاط من ~~الناس من غيرهم قال: {الملأ} # PageV16P329 # أي الأشراف، وقال: {منهم} أي لا من غيرهم فكيف بالأسقاط منهم وكيف ~~بغيرهم، ثم حقق الانطلاق مضمنا له القول لأنه من لوازمه بقوله: {أن امشوا} ~~أي قائلا كل منهم لذلك آمرا لنفسه ولصاحبه بالجد في المفارقة حالا ومقالا، ~~وإذا وقف على «أن» ابتدئ بكسر الهمزة لأن أصله: امشيوا فالثالث مكسور كما ~~أنه لو قيل لأمرأة: اغزي يبتدأ بالضم لأن الأصل: اغزوي كاخرجي {واصبروا على ~~آلهتكم} أي لزوم عبادتها وعدم الالتفات إلى ما سواها، قال القشيري: وإذا ~~تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم فالمؤمنون أولى بالصبر على ~~عبادة معبودهم والاستقامة في دينهم. # ولما كان كل منهم قد أخذ ما سمعه من النبي صلى الله عليه ms4069 وسلم قلب وسلب ~~لبه، على ما أشار إليه «ذي الذكر بل» فهو خائف من صاحبه أن يكون قد استحال ~~عن اعتقاد التعدد بما يعرف من تزحزحه في نفسه، أكدوا قولهم: {إن هذا} أي ~~الصبر على عبادة الآلهة {لشيء يراد *} أي هو أهل للإرادة فهو أهل لئلا ينفك ~~عنه، # PageV16P330 # أو الذي يدعو إليه شيء يريده هو ولا نعلم نحن ما هو على ما نحن عليه من ~~الحذق، فهو شيء لا يعلم في نفسه. # ولما كان كأنه قيل: فما حال ما يقوله؟ قالوا جوابا واقفا مع التقليد ~~والعادة التي وجدوا عليها أسلافهم: {ما سمعنا بهذا} أي الذي تذكره من ~~الوحداينة {في الملة الآخرة} وتقييدهم لها يدل على أنهم عالمون به في الملة ~~الأولى، وأنهم عارفون بأن إبراهيم عليه السلام ومن وجد من أولاده الذين هم ~~آباؤهم إلى عمرو بن لحي كانوا بعيدين من الشرك ملازمين للتوحيد وأنه لا ~~شبهة لهم إلا كونه سبحانه لم يغير عليهم في هذه المدد الطوال، وكانوا أيضا ~~يعرفون البعث ولكنهم تناسوه، ذكر ابن الفرات في تأريخه يوم حليمة من أيام ~~العرب وقال: إن حجر بن عمرو آكل المرار سار إلى بني أسد فقتلهم وسيرهم إلى ~~تهامة فقال عبيد بن الأبرص من أبيات: # ومنعتهم نجدا فقد حلوا على وحل تهامه ... أنت المليك عليهم وهم العبيد ~~إلى القيامه ... وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV16P331 # قال: «إن أول من سيب السوايب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وأني ~~رأيته يجر أمعاءه في النار» وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول من غير دين إبراهيم عليه السلام عمرو ~~بن لحي بن قميئة» وروى البخاري في فتح مكة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخرج من البيت صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما ~~السلام في أيديهما الأزلام فقال: «قاتلهم الله! لقد علموا ما استقسما بها ~~قط» فبطل ms4070 ما يقال من أن أهل الفترة جهلوا جهلا أسقط عنهم اللوم، ويؤيده ما ~~في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: ~~«في النار، فلما قفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار» أخرجه مسلم في آخر ~~كتاب الإيمان، وقد مر في سبحان في قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا} ما ينفع هنا، والقاطع للنزاع في هذا قوله {ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدو الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه ~~الضلالة} [النحل: 36] فما تركت هذه الآية أحدا حتى شملته وحكمت عليه بالجنة ~~أو النار. # PageV16P332 # ولما كان قوله صلى الله عليه وسلم وحده جديرا بأن يزلزلهم فكيف إذا انضم ~~إليه علمهم بأن أسلافهم لا سيما إسماعيل وأبوه إبراهيم عليهما السلام كانوا ~~عليه، أكدوا قولهم: {إن} أي ما {هذا} أي الذي يقوله {إلا اختلاق *} أي تعمد ~~الكذب مع أنه لا ملازمة بين عدم سماعهم فيها وبين كونه اختلاقا، بل هو قول ~~يعرف معانيه بأدنى تأمل، روى الترمذي - وقال: حسن صحيح - والنسائي وابن ~~حبان في صحيحه وأحمد وإسحاق وأبو يعلى والطبري وابن أبي حاتم وغيرهم عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعند أبي طالب مجلس رجل فقام أبو جهل كي يمنعه، قال: وشكوه ألى ~~أبي طالب - زاد النسائي في الكبير وأبو يعلى: وقالوا: يقع في آلهتنا # PageV16P333 # فقال: يا ابن أخي! ما تريد من قومك؟ قال: # «أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم العجم الجزية، ~~قال: كلمة واحدة، قال: كلمة واحدة، فقال: وما هي؟ فقال: يا عم، قولوا» لا ~~إله إلا الله «فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا ما سمعنا بهذا في الملة ~~الآخرة إن إلا اختلاق، قال: فنزل فيهم القرآن» {ص والقرآن ذي الذكر بل ~~الذين كفورا في عزة وشقاق} إلى قوله: {اختلاق} وفي التفاسير أنهم قالوا: ~~كيف يسع الخلق كلهم إله واحد. ms4071 # ولما كان مرادهم بهذه التأكيدات الدلالة على أنهم في غاية الثبات على ما ~~كانوا عليه قبل دعائه، وأبى الله أن يبقى باطلا بغير إمارة يقرنه بها ~~تفضحه، وسلطان يبطله ويهتكه، أتبع ذلك حكاية قولهم الذي جعلوه دليلا على ~~حرمهم، فكان دالا على عدم صدقهم في هذا الحكم الجازم غاية الجزم بالاختلاق ~~المنادى عليهم بأن أصل دائهم والحامل لهم على تكذيبهم إنما هو الحسد، فقال ~~دالا بتعبيرهم بالإنزال على أنه صلى الله عليه وسلم كان جديرا بأن يتوهم ~~فيه النبوة بما كان له قبل الوحي من التعبد والأحوال الشريفة # PageV16P334 # وقدموا ما يدل على اختصاصه عنادا لما يعلمون من أحواله المقتضية للخصوصية ~~بخلاف ما يذكر في القمر، وعبروا بحرف الاستعلاء إشارة إلى أن مثل هذا الذي ~~يذكره لا يقوله إلا من غلب على عقله فقالوا: {أءنزل عليه} أي خاصة {الذكر} ~~أي الذي خالف ما نحن عليه وصار يذكر به، وزادوا ما دلوا به على الاختصاص ~~تصريحا فقالوا: {من بيننا} ونحن أكبر سنا وأكثر شيئا، وهذا كله كما ترى مع ~~مناداته عليهم بالحسد العظيم ينادي عليهم غاية المناداة بالفضيحة، لأنه إن ~~كان المدار على رعاية حق الآباء حتى لا يسوغ لأحد تغيير دينهم والطعن عليهم ~~بدين محدث وإن قامت عليه الأدلة وتعاضدت على حقيته البراهين فما لآبائهم ~~غيروا دين آبائهم لأجل ما أحدثه عمرو بن لحي - شخص ليس من قبيلتهم، وشهدوا ~~على آبائهم بالضلال وهم عالمون بأن ما غيروه دين إسماعيل ومن قبله إبراهيم ~~ومن تبعهما من صالحي أولادهما عليهم السلام، وإن كان المدار على المحدث حتى ~~ساغ تغيير دين الأنبياء ومن تبعهم بإحسان عليهم السلام بما أحدثه عمرو بن ~~لحي فما لهم لا يغيرون ما ابتدع من الضلال بما أتاهم به النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسموه محدثا، وإن كان المدار على الحق فما لهم لا ينظرون الأدلة ~~ويتبعون الحجج. # ولما كان هذا دالا على أنهم ليسوا على ثقة مما جزموا به قال: # PageV16P335 # {بل} أي إنهم ليسوا جازمين بما قالوا وإن أكدوه ms4072 غاية التأكيد، بل {هم في ~~شك} أي تردد محيط بهم مبتدئ لهم {من ذكري} أي فلهذا لا يثبتون فيه على قول ~~واحد، أي إن أحوالهم في أقوالهم وأفعالهم أحوال الشاك. وعدل عن مظهر العظمة ~~إلى الإفراد لأن هذا السياق للتوحيد فإلافراد أولى به وليكون نصا على ~~المراد بعد ذكر آلهتهم قطعا لشبه متعنتيهم. # ولما كانوا في الحقيقة على ثقة من حقيقته وإن كان قولهم وفعلهم قول الشاك ~~قال: {بل} أي ليسوا في شك منه في نفس الأمر وإن كان قولهم قول من هو في شك. ~~ولما كانوا قد جرت لهم مصايب ومحن، وشدائد وفتن، ربما: ظنوا أنه لا يكون ~~شيء من العذاب فوقها، نفى أن يكونوا ذاقوا شيئا من عذابه الذي يرسله عند ~~إرادة الانتقام، فعبر بما يفيد استغراق النفي في جميع الزمن الماضي فقال: ~~{لما يذوقوا} من أول أمرهم إلى الآن {عذاب *} أي الذي أعددته للمكذبين فهم ~~في عزة وشقاق، ولو ذاقوه لانحلت عرى عزائمهم، وصاروا أذل شيء وأحقره أدناه ~~وأصغره! وإطباق # PageV16P336 # أهل الرسم وأكثر القراء على حذف يائه رسما وقراءة إشارة إلى أنه العذاب ~~الأدنى المذهب لحمية الجاهلية، وإثبات يعقوب وحده لها في الحالين إشارة إلى ~~أنه العذاب المعد لإهلاك الأمم الطاغية لا مطلق العذاب. # PageV16P337 # ولما أرشد إنكارهم خصوصيته بالذكر بنفي شكهم اللازم منه إثبات أنهم على ~~علم بأنه مرسل، وأنه أحقهم بالرسالة إلى أن التقدير: أفيهم غيره من هو أهل ~~لتلقي هذا الذكر حتى ينزله الله عليه ويترك هذا البشير النذير صلى الله ~~عليه وسلم، عادل به قوله: {أم عندهم} أي خاصة دون غيرهم {خزائن رحمة} ولما ~~كان إنزال الوحي إحسانا إلى المنزل عليه، عدل عن إفراد الضمير إلى صفة ~~الإحسان المفيدة للتربية، فقال مخاطبا له صلى الله عليه وسلم لأنه أضخم ~~لشأنه، وأفخم لمقداره ومكانه: {ربك} أي المحسن إليك بإنزاله ليخصوا به من ~~شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا {أهم يقسمون رحمة ربك} [الزخرف: 32] ولما كان لا ~~يصلح للربوبية إلا الغالب لكل ما سواه، المفيض على من يشاء، ms4073 ما يشاء، قال: ~~{العزيز الوهاب *} أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، ويفيض على جهة ~~التفضل ما يشاء على من يريد، وله صفة الإفاضة # PageV16P337 # متكررة الآثار على الدوام، فلا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى. # ولما سلب عنهم التصرف في الخزائن، أتبعه نفي الملك عما شاهدوا منها وهو ~~جزء يسير جدا فقال: {أم لهم} أي خاصة {ملك السماوات والأرض} ولما كان الحكم ~~على ذلك لا يستلزم الحكم على الفضاء قال: {وما بينهما} أي لتكون كلمتهم في ~~هذا الكون هي النافذة ويتكلموا في الأمور الإلهية ويسندوا ما شاؤوا من ~~الأمور الجليلة إلى من شاؤوا، ثم بين عجزهم وبكتهم وقرعهم ووبخهم بما سبب ~~عن ذلك من قوله: {فليرتقوا *} أي يتكلفوا الرقي إن كان لهم ذلك {في الأسباب ~~*} أي الطرق الموصلة إلى السماء ليستووا على العرش الذي هو أمارة الملك ~~فيدبروا العالم فيخصوا من شاؤوا بالرسالة ليعلم أن لهم ذلك وأنه لا يسوغ ~~لأحد أن يختص دونهم بشيء. # ولما انتفى عنهم بما مضى وعن كل من يدعون ممالأته ومناصرته عن آلهتهم ~~وغيرها خصائص الإلهية، أنتج ذلك أنهم من جملة عباده سبحانه، فعبر عن حالهم ~~بأعلى ما يصلون إليه من التجمع والتعاضد الذي دل عليه ما تقدم الإخبار عنه ~~من عزتهم وشقاقهم، ونفرتهم عن القبول وانطلاقهم، فقال مخبرا عن مبتدأ حذف ~~لوضوح العلم به: # PageV16P338 # {جند ما} أي ليسوا في شيء مما مضى وإنما هم جند حقيرون من بعض جنودنا ~~متعاونون في نجدة بعضهم لبعض، قال أبو حيان: ويجوز أن تكون «ما» صفة أريد ~~بها التعظيم على سبيل الهزء بهم أو التحقير لأن «ما» الصفة تستعمل لهذين ~~المعنيين. وبين بعدهم من غير ما أقامهم فيه واستعملهم له من الرتب التي ~~فرضها لهم وسفولهم عنها بقوله واصفا لجند: {هنالك} أي في الحضيض عن هذه ~~المرامي العالية، وبين أنه كثيرا ما تحزب أمثالهم على الرسل فما ضروا إلا ~~أنفسهم بقوله واصفا بعد وصف مفردا تحقيرا: {مهزوم} أي له الانهزام صفة ~~راسخة ثابتة {من الأحزاب *} أي ms4074 الذين جرت عادتهم عزة وشقاقا بالتحزب على ~~الأنبياء ثم تكون عليهم الدائرة، وللرسل عليهم السلام العاقبة، فلا تكترث ~~بهم أصلا قال ابن برجان: فكان أول جند مهزوم منهم جند غزوة بدر، ثم انبسط # PageV16P339 # صدق الحديث على جنود كثيرة في وقائع مختلفة. # ولما أوجب ذلك التشوف إلى بيان الأحزاب الماضية، وكانوا أحقر شيء بالنسبة ~~إليه سبحانه مع شدتهم في أنفسهم، بين ذلك بالتاء الدالة على الرتبة الثانية ~~المؤخرة، وهي رتبة التأنيث اللازم منه الضعف فقال: {كذبت} ولما كانت نيتهم ~~التكذيب لا إلى آخر، عدوا مستغرقين للزمان فنزع الجار وقيل: {قبلهم} أي مثل ~~تكذيبهم. ولما كان لأول المكذبين من الكثرة والقوة والاجتماع على طول ~~الأزمان ما لم يكن لمن بعدهم، كانوا مع تقدمهم في الزمان أحق بالتقديم في ~~هذا السياق فقال: {قوم نوح} واستمروا في عزتهم وشقاقهم إلى أن رأوا الماء ~~قد أخذهم، ولم يسمحوا بالإذعان ولا بالتضرع إلى نوح عليه السلام في أن ~~يركبوا معه أو يدعو لهم فينجوا. # ولما كان لقوم هود عليه السلام بعدهم من الضخامة والعز ما ليس لغيرهم مع ~~قوة الأبدان وعلوا الهمم واتساع الملك حتى بنوا جنة في الأرض، أتبعهم بهم، ~~ومن مناسبتهم لهم في أن عذابهم بالريح التي هي سبب السحاب الحامل للماء ~~فقال: {وعاد} مسميا لهم بالاسم المنبه على ما كان لهم من المكنة بالملك، ~~واستمروا في شقاقهم إلى أن خرجت عليهم الريح، ورأوها تحمل الإبل فيما بين ~~السماء والأرض، وهجم # PageV16P340 # عليهم أوائلها وهم يرون هودا عليه السلام ومن معه من المؤمنين رضي الله ~~عنهم في عافية منها، ولم يدعهم الشقاق يسألونه في الدعاء لهم ولا يذعنون ~~لما دعاهم إليه. # ولما كان لهم من القوة والملك في جميع الأرض وبناء إرم ذات العماد ما ~~يتضاءل معه ملك كل ملك، أتبعهم ملكا ضخما قهر غيره بعز سلطانه وكثرة ~~أعوانه، حتى ادعى الألهية في زمانه، وتكبر بسعة ملكه والأنهار الجارية من ~~تحته مع ما له من الوفاق لهم بأن عذابه كان بالريح باطنا وإن كان بالماء ms4075 ~~ظاهرا وذلك أن موسى عليه السلام لما ضرب البحر أرسل الله الريح ففرقته طرقا ~~وأيبست تلك الطرق، ولما خلص بنو إسرائيل أمرها الله تعالى فسكنت، فانطبق ~~البحر على فرعون وآله، فقال تعالى: {وفرعون} ذكره باسمه نصا على حقيقة أمره ~~وتصريحا بكفره إبطالا لما أظهره الأخابث من شره طعنا في الدين وتشكيكا ~~لضعفاء المسلمين. # ولما نص على كفره، وصفه بما يدل مع الدلالة على مشاركة عاد في ضخامة ~~الأمر وعلى كفر قومه فقال: {ذو الأوتاد *} أي الأسباب الموجبة لثبات الملك ~~وتقويته من علو السلطان بكثرة الأعوان والتفرد # PageV16P341 # بالأوامر وسعة العقل ودقة المكر وكثرة الحيل بالسحر وغيره وجودة التدبير ~~بالعدل فيما يزعم وصولة القهر، قال أبو حيان: وأصله من البيت المطنب ~~بأوتاده - قال الأفوه الأودي: # والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد # واستمروا في عزة وشقاق وهم يضربون تارة بالطوفان وتارة بالجراد وتارة ~~بالقمل، وأخرى بالضفادع وبغير ذلك، إلى أن رأوا آية البحر التي هي الغاية ~~ولم يردهم شيء من ذلك عن شقاقهم إلى أن غرقوا على كفرهم عن بكرة أبيهم كما ~~صرحت به هذه الآية. # PageV16P342 # ولما كانت ثمود أضخم الناس بعدهم بما لهم من إتقان الأبنية في الجبال ~~والسهول والتوسع بعمارة الحدائق وإنباط العيون وغير ذلك من الأمور، مع ~~مناسبتهم لهم في رؤية الآيات المحسوسة الظاهرة العظيمة أتبعهم بهم فقال: ~~{وثمود} واستمروا فيما هم فيه إلى أن رأوا علامات العذاب من صفرة الوجوه ثم ~~حمرتها ثم سوادها، ولم يكن لهم في ذلك زاجر يردهم عن عزتهم وشقاقهم. # ولما كان الحامل لثمود على المعصية الموجبة العذاب النساء لأن عاقر ~~الناقة ما اجترأ على عقرها إلا لامرأة منهم جعلت له على عقرها # PageV16P342 # زواجها، وكان الموجب لعذاب قوم لوط إتيان الذكور، فالجامع بينهم الشهوة ~~الفرج مع الطباق بالذكور والإناث، مع أن عذاب ثمود برجف ديارهم، وعذاب قوم ~~لوط بقلع مدائنهم وحملها ثم قلبها، أتبعهم بهم فقال معبرا بما يدل على ~~قوتهم مضيفا لهم إلى نبيهم عليه السلام لأنهم عدة ms4076 مداين ليس لهم اسم جامع ~~كقوم نوح عليه السلام: {وقوم لوط} أي الذين لهم قوة القيام بما يحاولونه ~~واستمروا في عزتهم وشقاقهم حتى ضربوا بالعشا وطمس الأعين، ولم يقدروا على ~~الوصول إلى ما أرادوا من الدخول إلى بيت لوط عليه السلام ولا التمكن مما ~~أرادوا ولم يردهم ذلك عن عزتهم وشقاقهم، بل توعدوه بطلوع النهار. # ولما ذكر أهل المدر، أتبعهم طائفة من أهل الوبر يقاربونهم في الاستعصاء ~~بالشجر، مع أن عذابهم بظلة النار كما كان لقوم لوط عليه السلام حجارة من ~~نار فقال: {وأصحاب لئيكة} ثم عظم أمرهم تهوينا لأمر قريش وردعا لهم بالحث ~~على استحضار عذابهم فقال: {أولئك} أي العظماء في التجند والاجتماع على من ~~يناوونه {الأحزاب *} أي الذين أقصى رتب هؤلاء في المخالفة أن يكونوا مثل ~~حزب منهم. # PageV16P343 # ولما كان في معرض المعارضة لتألبهم وشقاقهم، وتجمعهم على المناواة باطلا ~~واتفاقهم، ولما كانوا لما عندهم من العناد وحمية الجاهلية ربما أنكروا أن ~~يكون هلاك هؤلاء الأحزاب لأجل التكذيب، وقالوا: هو عادة الدهر في الإهلاك ~~والتخالف في أسباب الهلاك، قال مؤكدا بأنواع التأكيد: {إن} أي ما {كل} من ~~هذه الفرق كان لهلاكه سبب من الأسباب {إلا} أنه {كذب الرسل} أي كلهم بتكذيب ~~رسوله، فإن من كذب رسولا واحدا مع ثبوت رسالته فقد استهان بمن أرسله، وذلك ~~ملزوم لتكذيب جميع من يرسله لتساوي أقدام المعجزات التي ثبتت رسالتهم بها ~~في إيجاب التصديق {فحق} أي فتسبب عن ذلك التكذيب أنه حق {عقاب *} أي ثبت ~~عليه فلم يقدر على التخلص منه بوجه من الوجوه والعدول إلى إفراد الضمير مع ~~أسلوب التكلم لأن المقام للتوحيد كما مضى وهو أنص على المراد، وتقدم السر ~~في حذف الياء رسما في جميع المصاحف، وقراءة عند أكثر القراء وفي إثباتها في ~~الحالين ليعقوب وحده. # ولما كان السياق للشقاق والإذعان للذكر الذي هو الموعظة ذات الشرف: # ولا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # كان الحال مقتضيا للعقوبة بخلاف ما في «ق» فإن السياق لإنكارهم البعث ms4077 # PageV16P344 # وصحة النذارة وإثبات المجد، فكان الوعيد في ذلك كافيا. # ولما كان التقدير: فلقد أعقبنا كلا من أولئك الأحزاب لما حق عليهم العقاب ~~بنوع من الأنواع لا شك فيه عند أحد ولا ارتياب، عطف عليه قوله: {وما} ولما ~~كانت قريش في شدة العناد والتصميم على الكفر والاستكبار عن الإذعان للحق ~~وتعاطي جميع أسباب العذاب كأنهم ينتظرونه ويستعجلونه، عبر بما يدل على ~~الانتظار. ولما كانوا لمعرفتهم بصدق الآتي إليهم والقطع بصحة ما يقول كأنهم ~~يرون العذاب ولا يرجعون، جرد فعل الانتظار فقال: {ينظر} وحقرهم بقوله: ~~{هؤلاء} أي الذين أدبروا عنك في عزة وشقاق، وغاية جهدهم أن يكونوا من ~~الأحزاب الذين تحزبوا على جندنا فأخذناهم بما هو مشهور من وقائعنا ومعروف ~~من أيامنا بأصناف العذاب، ولم تغن عنهم كثرتهم ولا قوتهم شيئا ولم يضر ~~جندنا ضعفهم ولا قلتهم {إلا صيحة} وحقر أمرهم بالإشارة إلى أن أقل شيء من ~~عذابه كاف في إهلاكهم فقال {واحدة} ولما كان السياق للتهديد فعلم به أن ~~الوصف بالوحدة للتعظيم، بينه بقوله: {ما لها} أي الصيحة {من فواق *} أي ~~مزيد أي شيء من جنسها يكون فوقها، يقال: فاق أصحابه فوقا وفواقا، علاهم، ~~وقرأه # PageV16P345 # حمزة بالضم فيكون كناية عن سرعة الهلاك بها من غير تأخر أصلا، فإن الفواق ~~كغراب ما يأخذ المحتضر عند النزاع، والمعنى أنه لا يحتاج في إهلاكهم إلى ~~زيادة على الصيحة الموصوفة لأنه لا صيحة فوقها، ففي ذلك تعظيم أقل شيء من ~~عذابه وتحقير أعلى شيء من أمرهم ويجوز أن تكون القرءاتان من فواق الحلب، ~~قال الصغائي: والفواق والفواق أي بالضم والفتح: ما بين الحلبتين من الوقت ~~لأنها تحلب ثم تترك سريعة يرضعها الفصيل لتدر قال في القاموس: أو ما بين ~~فتح يدك وقبضها على الضرع، فالمعنى: ما لها من رجوع كما يرجع اللبن في ~~الضرع عن الفواق وكما يرجع المريض بالإفاقة من المرض إلى الصحة، أو ما لها ~~من انفصال وافتراق بقدر ما يتنفس فيه أحد أقل تنفس وأقصره زمنا كما هي عادة ~~الأصوات المألوفة يكون ms4078 فيها ترجيع يوجب في الصوت تقطعا يصير به وقعه ضعيفا ~~فاترا، واعتماده على مخرجه رخوا، بل هي صماء على نمط واحد لا تفجأ أحدا إلا ~~مات إلا من ثبته الله تعالى، ويجوز أن يكون من فواق المحتضر، أي أنه ليس ~~فيها مقدمة للموت غير قرع الصوت، وهذا موافق لقولهم: ما لها # PageV16P346 # من نظرة وراحة - والله أعلم. # ولما عجب منهم بما مضى، وأبطل شبههم وعرفهم أنهم قد عرضوا أنفسهم للهلاك ~~تعريضا قريبا، أتبع ذلك تعجيبا أشد من الأول فقال: {وقالوا} أي استهزاء غير ~~هائبين ما هددناهم به ولا ناظرين في عاقبته: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا ~~{عجل لنا} أي إحسانا إلينا {قطنا} أي نصيبا من العذاب الذي توعدنا به ~~وكتابنا الذي كتبت فيه ذلك وأحصيت فيه أعمالنا، وأصله من قط الشيء - إذا ~~قطعه، ومنه قط القلم، وأكثر استعماله في الكتاب. # ولما كان المراد بهذا المبالغة في الاستهزاء بطلب العذاب في جميع الأزمان ~~التي بينهم وبين القيامة، أسقطوا حرف الجر وقالوا: {قبل يوم الحساب *} ~~فجعلوا جميع الزمان الذي بينهم وبينه ظرفا لذلك، وجعلوا تعجيله من الإحسان ~~إليهم دلالة على الإعراق في الاستهزاء، وعبر بالقط زيادة في التنبيه على ~~ركوب الهوى من غير دليل فإن مادته دائرة في الأغلب على ما يكره، واشتقاقه ~~من القط وهو القطع، فالقط النصيب والصك وكتاب المحاسبة لأنه قطعه من الورق، # PageV16P347 # والحساب قطعة من الأمور وهو يقطع فيه بما هو له والساعة - لأنها قطعة من ~~الزمان وتقطقط الرجل: ركب رأسه أي تبع هواه الذي هو قطعة من أمره، وجاءت ~~الخيل قطاقط أي قطعا وجماعات في تفرقة، والقط: القطع، والقطط: القصير ~~الجعد، والطقطقة: حكاية صوت الحجارة، فكأنهم قالوا: عجل من ذلك ما يكون ~~مقطوعا به لا شك فيه ويسمع صوته على غاية الشدة فيهلك ويفرق بين الأحباب ~~ويكتب في كل صك، ويتلى خبره في سائر الأحقاب، فإن ذلك هو أنا لا نرجع عنه ~~لشيء أصلا، فسبحان الحليم الذي أكرمنا ورحمنا بنبي الرحمة، فلم يعجل لنا ~~النقمة، وأقبل بقلوبنا إليه، ms4079 وقصر هممنا بعد أن كانت في أشد بعد عليه. ولما ~~بلغ السيل في ركوبهم الباطل عنادا - الزبى، وتجاوز في طغيانه رؤوس الربى، ~~وكان سؤالهم في تعجيل العذاب استهزاء مع ما قدموا من الإكذاب، والكلام ~~البعيد عن الصواب، ربما اقتضى أن يسأل في تعجيل ما طلبوا، وربما أوقع في ظن ~~أن إعراضهم والابتلاء بهم ربما كان لشيء في البلاء أو المبلغ، بين تعالى أن ~~عادته الابتلاء للصالحين رفعة لدرجاتهم، فقال تعالى مسليا ومعزيا ومؤسيا ~~لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بمن تقدمه من إخوانه الأنبياء # PageV16P348 # والمرسلين، مذكرا له بما قاسوا من الشدائد وما لاقوا من المحن، وحاثا على ~~العمل بأعمالهم آمرا بالتأني والتؤدة والحلم، ومحذرا من العجلة والتبرم ~~والضجر، وبدأ بأهل الشرف لأن السياق لشرف القرآن الذي يلزم منه شرف صاحبه ~~تعريفا بأنه لا يلزم من الشرف الراحة في الدنيا، ومنبها على أن شرفه محوج ~~عن قرب بكثرة الأتباع إلى الحكم بين ذوي الخصومات والنزاع الذي لا قوام له ~~إلا بالحلم والأناة والصبر، وبدأ من أهل الشرف بمن كان أول أمره مثل أول ~~أمر هذا النبي الكريم في استضعاف قومه له وآخر أمره ملكا ثابت الأركان مهيب ~~السلطان، ليكون حاله مثلا له فيحصل به تمام التسلية: {اصبر} وأشار بحرف ~~الاستعلاء إلى عظيم الصبر فقال: {على ما} وزاد في الحث عليه بالمضارع فقال: ~~{يقولون} أي يجددون قوله في كل حين من الأقوال المنكية الموجعة المبكية، ~~فإنه ليس لنقص فيك، ولكنه لحكم تجل عن الوصف، مدارها زيادة شرفك ورفعة ~~درجاتك، وصرف الكلام إلى مقام العظمة لاقتضاء ما يذكر من التسخير لذلك: ~~{واذكر عبدنا} أي الذي أخلصناه لنا وأخلص نفسه للنظر إلى عظمتنا والقيام في ~~خدمتنا، وأبدل منه أو بقوله: {داود ذا الأيد} أي القوى العظيمة في تخليص ~~نفسه من علائق الأجسام، فكانت قوته # PageV16P349 # في ذلك سببا لعروجه إلى المراتب العظام. # ولما كان أعظم الجهاد الإنقاذ من حفائر الهفوات وأوامر الشهوات، بالإصعاد ~~في مدارج الكمالات، ومعارج الإقبال، وكان ذلك لا يكاد يوجد في ms4080 الآدميين لما ~~حفوا به من الشهوات وركز في طباعهم من الغفلات، علل قوته بقوله مؤكدا: {إنه ~~أواب *} أي رجاع إلى الله تعالى ليصير إلى ما خلقه عليه من أحسن تقويم ~~بالعقل المحض أطلق العلو درجة درجة على الرجوع، لأن ذلك دون الرتبة التي ~~تكون نهاية عند الموت، فكان المقضي له بها أنزل نفسه عنها، ثم صار يرجع ~~إليها كل لحظة بما يكابد من المجاهدات والمنازلات والمحاولات حتى وصل إليها ~~بعد التجرد عن الهوى كله. ولما كان الإنسان لا يزال يتقرب إلى الله تعالى ~~حتى يحبه فإذا أحبه صار يفعل به سبحانه، وظهرت على يديه الخوارق، قال ~~مستأنفا جوابا لمن سأل عن جزائه على ذلك الجهاد، مؤكدا له لما طبع عليه ~~البشر من إنكار الخوارق لتقيده بالمألوفات: {إنا} أي على ما لنا من العظمة ~~التي لا يعجزها شيء {سخرنا الجبال} أي التي هي أقسى من قلوب قومك فإنها ~~أعظم الأراضي صلابة وقوة وعلوا ورفعة، بأن جعلناها منقادة ذلولا كالجمل ~~الأنف، ثم قيد ذلك بقوله: {معه} أي مصاحبة له فلم يوجد ذلك التسخير # PageV16P350 # ظاهرا لأحد بعده ولا قبله، ولما كان وجود التسبيح من الجبال شيئا فشيئا ~~أعجب لأنها جماد، عبر بالفعل المضارع، فقال مصورا لتلك الحال معبرا بضمير ~~الإناث إشارة إلى أنها بعد ما لها من الصلابة صارت في غاية اللين والرخاوة، ~~يسبح كل جبل منها بصوت غير مشبه بصوت الآخر، لأن ذلك أقرب إلى التمييز ~~والعلم بتسبيح كل على انفراده: {يسبحن} ولم يقل: «مسبحة» أو «تسبح» لئلا ~~يظن أن تسبيحها بصوت واحد ليشكل الأمر في بعضها، وهو يمكن أن يكون استئنافا ~~وأن يكون حالا بمعنى أنهن ينقدن له بالتسبيح قالا وحالا انقياد المختار ~~المطيع لله. # ولما كان في سياق الأوبة، وكان آخر النهار وقت الرجوع لكل ذي إلف إلى ~~مألفه مع أنه وقت الفتور والاستراحة من المتاعب قال: {بالعشي} أي تقوية ~~للعامل وتذكيرا للغافل. ولما كان في سياق الفيض والتشريف بالقرآن قال: ~~{والإشراق *} أي في وقت ارتفاع الشمس عن انتشاب الناس ms4081 في الأشغال، ~~واشتغالهم بالمآكل والملاذ من الأقوال والأفعال، تذكيرا لهم وترجيعا عن ~~مألوفاتهم إلى تقديس ربهم سبحانه، وليس الإشراق طلوع الشمس، إنما هو صفاؤها # PageV16P351 # وضوءها، وشروقها طلوعها، وروت أم هانىء رضي الله عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلى في بيتها الضحى وقال لها: «هذه صلاة الإشراق» وفي الجامع ~~لعبد الرزاق أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلاة الضحى في القرآن، ولكن ~~لا يغوص عليها إلا غائص، ثم قرأ هذه الآية. وإليها الإشارة أيضا - والله ~~أعلم - بصلاة الأوابين {واذكر عبدنا داود ذا الأيد أنه أواب} {ووهبنا لداود ~~سليمان نعم العبد أنه أواب} {يا جبال أوبي معه} {والطير محشورة كل له أواب} ~~روى مسلم في صحيحه وعبد بن حميد في مسنده والدارمي في جامعه المسمى بالمسند ~~عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة ~~الأوابين حين ترمض الفصال» ، ولفظ الدارمي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ~~عليهم وهو يصلون بعد طلوع الشمس فقال: «صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال» ، ~~ولفظ عبد أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فرآهم يصلون ~~الضحى فقال: «هذه صلاة الأوابين وكانوا يصلونها إذا رمضت الفصال» أي بركت ~~من شدة الحر وإحراقه أخفافها، من الرمض - بالتحريك، وهو شدة الشمس على ~~الرمل وغيره، والرمضاء: الشديدة الحر. # PageV16P352 # ولما أخبر سبحانه عن تسخير أثقل الأشياء وأثبتها له، أتبعها أخفها ~~وأكثرها انتقالا، وعبر فيها بالاسم الدال على الاجتماع جملة والثبات لأنه ~~أدل على القدرة فقال معبرا باسم الجمع دون الجمع إشارة إلى أنها في شدة ~~الاجتماع كأنها شي واحد، ذكر حالها في وصف صالح للواحد، وجعله مؤنثا إشارة ~~إلى ما تقدم من الرخاوة اللازمة للإناث المقتضية لغاية الطواعية والقبول ~~لتصرف الأحكام: {والطير} أي سخرناها له حال كونها {محشورة} أي مجموعة إليه ~~كرها من كل جانب دفعة واحدة - بما دل التعبير بالاسم دون الفعل وهو أدل على ~~القدرة وهي أشد نفرة من قومك وأعسر ضبطا وهذا كما كان الحصى يسبح ms4082 في يد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يد بعض أصحابه، وكما تحرك الجبل فضربه ~~برجله وقال: «اسكن أحد» فسكن، وكما حشر الدبر على رأس عاصم بن ثابت بن أبي ~~الأفلح رضي الله عنه فمنع من أخذه ليتلعب به، فلما جاء الليل أرسل الله ~~سيلا فاحتمله إلى حيث لم يعرف له خبر ولا وقف له على أثر {كل} أي كل واحد ~~من الجبال والطير {له أواب *} أي رجاع لأجل داود عليه السلام خاصة # PageV16P353 # عن مألوفه لا بمعنى آخر مما ألفته، فكلما رجع هو عن حكمه وما هو فيه من ~~الشغل بالخلق إلى تسبيح الحق رجعت معه بذلك الجبال والطير، وجعل الخبر ~~مفردا إشارة إلى إلى شدة زجلها بالتأديب وعظمته، والإفراد أيضا يفيد الحكم ~~على كل فرد، ولو جمع لطرقه احتمال أن الحكم على المجموع يقيد الجمع، فكأن ~~داود عليه السلام يفهم تسبيح الجبال والطير، وينقاد له كل منهما إذا أمره ~~بالتسبيح، وكل من تحقق بحاله ساعده كل شيء - قاله القشيري، ففي هذا إشارة ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنا متى شئنا جعلنا قومك معك في التسخير ~~هكذا، فلا تيأس منهم على شدة نفرتهم وقوة سماجتهم وغرتهم، فإنا جعلناهم ~~كذلك لتروض نفسك بهم وتزداد بالصبر عليهم جلالا، وعلوا ورفعة وكمالا - إلى ~~غير ذلك من الحكم التي لا تسعها العقول، ولا تيأس من لينهم لك ورجوعهم إليك ~~فإنهم لا يعدون أن يكونوا كالجبال قوة وصلابة، أو الطير نفرة وطيشا وخفة، ~~فمتى شئنا جعلناهم لك مثل ما جعلنا الجبال والطير مع داود عليه السلام، بل ~~أمرهم أيسر وشأنهم أهون. # ولما كان هذا دالا على الملك من حيث أنه التصرف في الأشياء العظيمة قسرا، ~~فكان كأنه قيل: كل ذلك إثباتا لنبوته وتعظيما لملكه، # PageV16P354 # قال: {وشددنا} أي بما لنا من العظمة {ملكه} بغير ذلك مما يحتاج إليه ~~الملك، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان أشد ملوك الأرض سلطانا. # ولما كان أعظم المثبتات للملك المعرفة قال: {وآتيناه} أي بعظمتنا ~~{الحكمة} أي النبوة التي ms4083 ينشأ عنها العلم بالأشياء على ما هي عليه، ووضع ~~الأشياء في أحكم مواضعها، فالحكمة العمل بالعلم. ولما كان تمامه بقطع ~~النزاع قال: {وفصل الخطاب *} أي ومعرفة الفرق بين ما يلتبس في كلام ~~المخاطبين له من غير كبير روية في ذلك، بل يفرق بديهة بين المتشابهات بحيث ~~لا يدع لبسا يمكن أن يكون معه نزاع لغير معاند وكسوناه عزا وهيبة ووقارا ~~يمنع أن يجترىء أحد على العناد في شيء من أمره بعد ذلك البيان الذي فصل بين ~~المتشابهات، وميز بين المشكلات الغامضات، وإذا تكلم وقف على المفاصل، فيبين ~~من سرده للحديث معانيه، ويضع الشيء في أحكم مبانيه. # ولما كان السياق للتدريب على الصبر والتثبيت الشافي والتدبر التام ~~والابتلاء لأهل القرب، وكان المظنون بمن أوتي فصل الخطاب # PageV16P355 # أن لا يقع له لبس في حكم ولا عجلة في أمر، وكان التقدير: هل أتتك هذه ~~الأنباء، عطف عليه - مبينا عواقب العجلة معلما أن على من أعطى المعارف أن ~~لا يزال ناظرا إلى من أعطاه ذلك سائلا له التفهيم، استعجازا لنفسه متصورا ~~لمقام العبودية التي كرر التنبيه عليها في هذه السورة بنحو قوله: «نعم ~~العبد» قوله في سياق ظاهره الاستفهام وباطنه التنبيه على ما في ذلك من ~~الغرابة خبره العظيم جدا، وأفرده وإن كان المراد الجمع دلالة على أنهم على ~~كلمة واحدة في إظهار الخصومة لا يظهر لأحد منهم أنه متوسط مثلا ونحو ذلك. # ولما كان الخصم مصدرا يقع على الواحد فما فوقه ذكرا كان أو أنثى، وكان ~~يصح تسمية ربقة المتخاصمين خصما لأنهم في صورة الخصم قال: {إذا} أي خبر ~~تخاصمهم حين {تسوروا} أي صعدوا السور ونزلوا من هم ومن معهم، آخذا من السور ~~وهو الوثوب {المحراب *} أي أشرف ما في موضع العبادة الذي كان داود عليه ~~السلام به، وهو كناية عن أنهم جاؤوه في يوم العبادة ومن غير الباب، فخالفوا ~~عادة الناس في الأمرين، وكأن المحراب الذي تسوروه كان فيه باب من داخل باب ~~آخر، فنبه على ذلك بأن أبدل # PageV16P356 # من «إذ» الأول ms4084 قوله: {إذ} أي حين {دخلوا} وصرح باسمه رفعا للبس وإشعارا ~~بما له من قرب المنزلة وعظيم الود فقال: {على داود} ابتلاء منا له مع ما له ~~من ضخامة الملك وعظم القرب منا، وبين أن ذلك كان على وجه يهول أمره إما ~~لكونه في موضع لا يقدر عليه أحد أو غير ذلك بقوله: {ففزع} أي ذعر وفرق وخاف ~~{منهم} أي مع ما هو فيه من ضخامة الملك وشجاعة القلب وعلم الحكمة وعز ~~السلطان. # ولما كان كأنه قيل: فما قالوا له؟ قال: {قالوا لا تخف} ولما كان ذلك ~~موجبا لذهاب الفكر في شأنهم كل مذهب، عينوا أمرهم بقولهم: {خصمان} أي نحن ~~فريقان في خصومة، ثم بينوا ذلك بقولهم: {بغى بعضنا} أي طلب طلبة علو ~~واستطالة {على بعض} فأبهم أولا ليفصل ثانيا فيكون أوقع في النفس، ولما تسبب ~~عن هذا سؤاله في الحكم قالوا: {فاحكم بيننا بالحق} أي الأمر الثابت الذي ~~يطابقه الواقع، وإنما سألاه ذلك مع العلم بأنه لا يحكم إلا بالعدل ليكون ~~أجدر بالمعاتبة عند أدنى هفوة {ولا تشطط} أي لا توقع البعد ومجاوزة الحد لا ~~في العبارة عن ذلك بحيث يلتبس علينا المراد ولا في غير ذلك، # PageV16P357 # أو ولا تمعن في تتبع مداق الأمور فإني أرضى بالحق على أدنى الوجوه، ولذا ~~أتى به من الرباعي والثلاثي بمعناه، قال أبو عبيد: شط في الحكم وأشط - إذا ~~جار، ولذا أيضا فك الإدغام إشارة إلى أن النهي إنما هو عن الشطط الواضح ~~جدا. ولما كان الحق له أعلى وأدنى وأوسط، طلبوا التعريف بالأوسط فقالوا ~~{واهدنا} أي أرشدنا {إلى سواء} أي وسط {الصراط *} أي الطريق الواضح، فلا ~~يكون بسبب التوسط ميل إلى أحد الجانبين: الإفراط في تتبع مداق الأمر ~~والتفريط في إهمال ذلك. # PageV16P358 # ولما كانت هذه الدعوى بأمر مستغرب يكاد أن لا يسمعه أحد إلا أنكره ساق ~~الكلام مؤكدا فقال: {إن هذا} يشير إلى شخص من الداخلين، ثم أبدل منه قوله: ~~{أخي} أي في الدين والصحبة، ثم أخبر عنه بقوله: {له تسع وتسعون نعجة} ms4085 ويجوز ~~أن يكون {أخي} هو الخبر والتأكيد حينئذ لأجل استبعاد مخاصمة الأخ وعدوانه ~~على أخيه ويكون ما بعده استئنافا {ولي} أي أنا أيها المدعي {نعجة} ولما كان ~~ذلك محتملا لأن يكون جنسا أكده بقوله: {واحدة} ثم سبب عنه قوله: {فقال} أي ~~الذي له الأكثر: {أكفلنيها} أي أعطنيها لأكون كافلا لها {وعزني} أي غلبني ~~وقوى علي واشتد وأغلظ بي {في الخطاب *} أي الكلام الذي له شأن من جدال # PageV16P358 # وغيره بأن حاورني إلى أن أملني فسكت عجزا عن التمادي معه، ولم يقنع مني ~~بشيء دون مراده. # ولما تمت الدعوى، حصل التشوف إلى الجواب فاستؤنف قوله: {قال} أي على ~~تقدير صحة ما قلت، وذلك أنه لما رأى الخصم قد سكت ولم ينكر مما قال المدعي ~~شيئا، وربما أظهر هيئة تدل على تصديقه قال ذلك فعوتب وإن كان له مخرج، كل ~~ذلك تدريبا على التثبت في القضاء وأن لا ينحي نحو القرآئن، وأن لا يقنع فيه ~~إلا بمثل الشمس، وأكد قوله في سياق القسم ردعا للظالم على تقدير صحة الدعوى ~~بالمبالغة في إنكار فعله لأن حال من فعل شيئا مؤذن بإنكار كونه ظالما وكون ~~فعله ظلما. مفتتحا لقوله بحرف التوقع لاقتضاء حال الدعوى له: {لقد ظلمك} أي ~~والله قد أوقع ما فعله معك في غير موقعه على تقدير صحة دعواك {بسؤال نعجتك} ~~أي بأن سألك أن يضمها، وأفاد أن ذلك على وجه الاختصاص بقوله: {إلى نعاجه} ~~بنفسه أو بغيره نيابة عنه ولذا لم يقل: بسؤاله ثم عطف على ذلك أمرا كليا ~~جامعا لهم ولغيرهم واعظا ومرغبا ومرهبا ولما كانت الخلطة موجبة لظن الألفة ~~لوجود العدل والنصفة واستبعاد وجود البغي معها، أكد قوله واعظا للباغي إن ~~كان وملوحا بالإغضاء والصلح # PageV16P359 # للمظلوم: {وإن كثيرا من الخلطاء} أي مطلقا منكم ومن غيركم {ليبغي} أي ~~يتعدى ويستطيل {بعضهم} عاليا {على بعض} فيريدون غير الحق {إلا الذين آمنوا} ~~من الخلطاء {وعملوا} أي تصديقا لما ادعوه من الإيمان {الصالحات} أي كلها ~~فإنهم لا يقع منهم بغي {وقليل} وأكد قلتهم وعجب ms4086 منها بما أبهم في قوله: ~~{ما} مثل نعما ولأمرها {هم} وأخر هذا المبتدأ وقدم الخبر اهتماما به لأن ~~المراد التعريف بشدة الأسف على أن العدل في غاية القلة، أي فتأس بهم أيها ~~المدعي وكن منهم أيها المدعى عليه. # ولما أتم ذلك ذهب الداخلون عليه فلم ير منهم أحدا فوقع في نفسه أنه لا ~~خصومة، وأنهم إنما أرادوا أن يجربوه في الحكم ويدربوه عليه، وأنه يجوز ~~للشخص أن يقول ما لم يقع إذا انبنى عليه فائدة عظيمة تعين ذلك الكلام طريقا ~~للوصول إليها أو كان أحسن الطرق مع خلو الأمر عن فساد، وحاصله أنه تذكر ~~كلام، والمراد به بعض لوازمه، فهو مثل دلالة التضمن في المفردات، وهذا مثل ~~قول سليمان عليه السلام «ائتوني بالسكين أشقه بينهما» وليس مراده إلا ما ~~يلزم عن ذلك من # PageV16P360 # معرفة الصادقة والكاذبة بإباء الأم لذلك وتسليم المدعية كذبا، وتحقيقه ~~أنه لا ملازمة بين الكلام وإرادة المعنى المطابقي لمفردات ألفاظه بدليل لغو ~~اليمين، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لصفية رضي الله عنها # «عقرى حلقى» ولأم سلمة رضي الله عنها «تربت يمينك» وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد» مشير إلى أن الكلام قد لا يراد به معناه، ~~ومن هنا كان الحكم في ألفاظ الكنايات أنه لا يقع بها شيء إلا إن اقترن بقصد ~~المعنى، ولما كان هذا القدر معلوما عطف عليه قوله: {وظن داود} أي بذهابهم ~~قبل فصل الأمر وقد دهمه من ذلك أمر عظيم من عظمة الله لا عهد له بمثله ~~{أنما فتناه} أي اختبرناه بهذه الحكومة في الأحكام التي يلزم الملوك مثلها ~~ليتبين أمرهم فيها. وعلم أنه بادر إلى نسبة المدعى عليه إلى أنه ظلم من قبل ~~أن يسمع كلامه ويسأله المدعي الحكم، فعاتبه الله على ذلك، والأنبياء عليهم ~~السلام لعلو مقاماتهم يعاتبون على مثل هذا، وهو من قصر الموصوف على الصفة ~~قلبا، أي هذه القصة مقصورة على الفتنة لا تعلق لها بالخصوصة، ولو كان ~~المراد ما قيل من قصة المرأة ms4087 التي على كل مسلم تنزيهه وسائر إخوانه عليهم ~~السلام عن مثلها لقيل «وعلم داود» ولم يقل: وظن - # PageV16P361 # كما يشهد بذلك كل من له أدنى ذوق في المحاورات - والله الموفق، وقال ~~الزمخشري: وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور أن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين، وهو ~~حد الفرية على الأنبياء عليهم السلام، وروي أنه حدث بذلك عمر بن عبد ~~العزيز، وعنده رجل من أهل الحق، فكذب المحدث به وقال: إن كانت القصة على ما ~~في كتاب الله عز وجل فما ينبغي أن يلتمس خلافها، وأعظم بأن يقال غير ذلك، ~~وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها سترا على نبيه صلى الله عليه وسلم فما ~~ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر بن عبد العزيز: لسماعي هذا الكلام أحب إلي ~~مما طلعت عليه الشمس. # وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود، وأخبرني بعض من أسلم منهم أنهم ~~يتعمدون ذلك في حق داود عليه السلام لأن عيسى عليه السلام من ذريته ليجدوا ~~السبيل إلى الطعن فيه. # ولما ظن هذا، سبب له تحقيق ما وصفه الله من الأوبة فعبر عن ذلك بقوله: ~~{فاستغفر} ولما استغرقته العظمة التي هذا مخرها، رجع إلى ذكر الإحسان ~~واللطف فقال: {ربه} أي طلب الغفران # PageV16P362 # من مولاه الذي أحسن إليه بإحلاله ذلك المحل العظيم من أن يعود للحكم ~~للأول بدون أن يسمع الآخر {وخر} أي سقط من قيامه توبة لربه عن ذلك، ولما ~~كان الخرور قد يكون لغير العبادة قال: {راكعا} أي ساجدا لأن الخرور لا يكون ~~إلا للسقوط على الأرض، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فسره بالسجود فيما ~~روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد ~~في «ص» وقال: «سجدها داود توبة ونسجدها شكرا» وعبر بالركوع عن السجود ليفهم ~~أنه كان عن قيام وأنه في غاية السرعة لقوة الاهتمام به وتوفر الداعي إليه ~~بحيث إنه وصل إلى السجود في مقدار ms4088 ما يصل غيره إلى الركوع، قال ابن التياني ~~في كتابه الموعب: وكل شيء يكب لوجهه فتمس ركبته الأرض بعد أن يطأطىء رأسه ~~فهو راكع. ابن دريد: الراكع الذي يكبو على وجهه - انتهى. والركعة - بالضم: ~~الهوة من الأرض، كأنها سميت بذلك لأنها تسقط فيها على الوجه، وكأنها هي أصل ~~المادة، وقال في القاموس: ركع أي صلى، فحينئذ # PageV16P363 # يكون المعنى: سقط مصليا، ومعلوم أن صلاتهم لا ركوع فيها وقد تقدم ذلك في ~~آل عمران والبقرة {وأناب *} أي تاب أي رجع عن أن يعود لمثلها. ولما كان ~~الحال قد يشكل في الإخبار عن المغفرة لو عبر بضمير الغائب لإيهام أن ربه ~~غير المتكلم، وكان الغفران لا يحسن إلا مع القدرة، عاد إلى مظهر العظمة ~~إثباتا للكمال ونفيا للنقص: فقال: {فغفرنا} أي بسبب ذلك وفي أثره على ~~عظمتنا وتمام قدرتنا غفرا يناسب مقداره ما لنا من العظمة {له ذلك} أي ~~الوقوع في الحديث عن إسناد الظلم إلى أحد بدون سماع لكلامه، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم اشترط على ربه سبحانه لأجل هذه القصة أن كل من سبه أو دعا ~~عليه وليس أهلا لذلك أن يكون ذلك له صلاة وبركة ورحمة، والحاصل أن هذه ~~القضية لتدريب النبي صلى الله عليه وسلم على الصبر على قومه، والثاني فإن ~~هذه السورة على ما روي عن جابر بن زيد من أوائل ما أنزل بمكة، وعلى هذا دل ~~الحديث السابق عن ابن عباس رضي الله عنهما في شكوى المشركين منه صلى الله ~~عليه وسلم إلى عمه أبي طالب الوقوع في آلهتهم فإنه كان في أوائل الأمر، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أول ما دعاهم لم يؤمر بذكر آلهتهم فلم يجيبوه ولم ~~يبعدوا عن كل البعد، ثم أمره الله بذكر ألهتهم فناكروه حينئذ # PageV16P364 # وباعدوه، وتقدموا ذلك بالشكوى إلى أبي طالب مرة بعد أخرى ليرده عنه، ~~فكانت هذه الدعوى تدريبا لداود عليه السلام في الأحكام، وذكرها للنبي صلى ~~الله عليه وسلم تدريبا له على الأناة في جميع أموره على ms4089 الداوم. # ولما كان ذكر هذا ربما أوهم شيئا في مقامه صلى الله عليه وسلم، سيق في ~~أسلوب التأكيد قوله: {وإن له} أي مع الغفران، وعظم ذلك بمظهر العظمة لأن ما ~~ينسب إلى العظيم لا يكون إلا عظيما فقال: {عندنا} وزاد في إظهار الاهتمام ~~بذلك نفيا لذلك الذي ربما توهم فأكد قوله: {لزلفى} أي قربة عظيمة ثابتة بعد ~~المغفرة {وحسن مآب *} أي مرجع في كل ما يؤمل من الخير، وفوق ذلك فهذا معلم ~~ولا بد بأن هذه القضية لم يجر إلى ذكرها إلا الترقية في رتب الكمال لا غير ~~ذلك، وأدل دليل على ما ذكرته - أن هذه الفتنة إنما هي بالتدريب في الحكم لا ~~بامرأة ولا غيرها وأن ما ذكروه من قصة المرأة باطل وإن اشتهر فكم من باطل ~~مشهور ومذكور هو عين الزور - قوله تعالى عقبها على هيئة الاستثمار منها ~~صارفا القول عن مظهر # PageV16P365 # العظمة إلى المواجهة بلذيذ الخطاب، على نحو ما يجري بين الأحباب {يا ~~داود} . # ولما كان مضمون الخبر لزيادة عظمة مما من شأنه أن تستنكره نفوس البشر، ~~أكده لذلك وإظهارا لأنه مما يرغب فيه لحسنه وجميل أثره وينشط غاية النشاط ~~لذكره فقال: {إنا} أي على ما لنا من العظمة {جعلناك} فلا تحسب لشيء من ~~أسبابه حسابا ولا تخش له عاقبة {خليفة} أي من قبلنا تنفذ أوامرنا في عبادنا ~~فحكمك حكمنا، وحذف ما يعلم أنه مراد من نحو {قلنا} إشارة إلى أنه استقبل ~~بهذا الكلام الألذ عند فراغه من السجود إعلاما بصدق ظنه، وقال: {في الأرض} ~~أي كلها إشارة إلى إطلاق أمره في جميعها، فلا جناح عليه فيما فعل في أي بلد ~~أرادها، ولم يذكر المخلوف تعظيما له بالإشارة إلى أن كل ما جوزه العقل فيه ~~فهو كذلك فهو كان خليفة في بيت المقدس بالفعل على ما اقتضاه صريح الكلام ~~بالتعبير بفي، وأشار الإطلاق والتعبير بآل إلى أنها الأرض الكاملة لانبساط ~~الحق منها بإبراهيم عليه السلام وذريته على سائر الأرض وهو خليفة في جميع ~~الأرض بالقوة بمعنى أنه ms4090 مهما حكم فيها صح، وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يرسل إلى قومه خاصة فيكون # PageV16P366 # ما يؤديه إليه واجبا عليه، وأما بقية الناس فأمره معهم من باب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، مهما فعله منه صح ومضى، ثم كان خليفة في جميع ~~الأرض حقيقة بالفعل بابنه سليمان عليه السلام فاستوفى الإطلاق {وآل} ~~المكملة أقصى ما يراد منه، إعلاما بأن كلام القدير كله كذلك وإن لم يظهر في ~~الحالة الراهنة، وذلك كما أن المنزل عليه هذا الذكر وبسببه محمد صلى الله ~~عليه وسلم كان خليفة بالفعل في أرض العرب التي هي الأرض كلها لأن الأرض ~~دحيت منها وبيتها لأول بيت وضع للناس وهو قيام لهم، ومن انبسط القيام ~~بالنور والعدل على جميع الأرض وفي جميع الأرض بالقوة بمعنى أنه مهما حكم به ~~فيها مضى، فقد أعطى تميما الداري رضي الله عنه أرض بلد الخليل من بلاد ~~الشام قبل أن يفتح وصح ونفذ، وأعطى شويلا رضي الله عنه بنت بقيلة من أهل ~~الحيرة وصح ذلك ونفذ وقبض كل منهما عند الفتح ما أعطاه صلى الله عليه وسلم ~~الذي هو من ذرية داود عليه السلام ثم في جميع الوجود يوم القيامة يوم ~~الشفاعة العظمى يوم يكون الأنبياء كلهم تحت لوائه، ويغبطه الأولون والاخرون ~~بذلك المقام المحمود. # PageV16P367 # ولما تمت النعمة، سبب عنها قوله: {فاحكم بين الناس} أي الذين يتحاكمون ~~إليك من أي قوم كانوا {بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع. ولما ~~كان أعدى عدو للإنسان نفسه التي بين جنبيه لما لها من الشهوات، وأعظم ~~جناياته وأقبح خطاياه ما تأثر عنها من غير استناد إلى أمر الله، مشيرا ~~بصيغة الافتعال إلى أنه سبحانه عفا الخطرات، وما بادر الإنسان الرجوع عنه ~~والخلاص منه توبة إلى الله تعالى: {ولا تتبع الهوى} أي ما يهوى بصاحبه ~~فيسقطه من أوج الرضوان إلى حضيض الشيطان، ثم سبب عنه قوله: {فيضلك} أي ذلك ~~الاتباع أو الهوى لأن النفس إذا ضربت على ذلك صار لها خلقا فغلب صاحبها عن ms4091 ~~ردها عنه، ولفت القول عن مظهر العظمة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى تعظيما لأمر سبيله، وحثا على لزومه والتشرف ~~بحلوله، فقال: {عن سبيل الله} أي طريقه التي شرعها للوصول إليه بما أنزل من ~~النقل المؤيد بأدلة ما خلق من العقل، ولا يوصل إليه بدونها لأن اتباعه يوجب ~~الانهماك في اللذات الجسمانية، والإهمال لتكميل القوى الروحانية، الموصلة ~~إلى السعادة الأبدية، فإن دواعي البدن والروح متضادتان فبقدر زيادة إحداهما ~~تنقص الأخرى. # PageV16P368 # ولما كانت النفس نزاعة إلى الهوى، ميالة عن السوى، قال معللا للنهي مؤكدا ~~لما للنفس من التعللات عند المخالفة بالكرم والمغفرة الدافع للعذاب: {إن ~~الذين يضلون} أي يوجدون الضلال بإهمالهم التقوى الموجب لاتباع الهوى ~~المقتضي لأن يكون متبعه ضالا {عن سبيل الله} إعادة تفخيما لأمره وتيمنا ~~بذكره وإيذانا بأن سبيله مأمور به مطلقا من غير تقييد بداود عليه السلام ~~ولا غيره فيه {لهم عذاب شديد} أي بسبب ضلالهم. # ولما أمر سبحانه ونهى، وذكر أن السبب في النهي كراهة الضلال وعلم منه أن ~~سبب الضلال الهوى، ذكر سبب هذا السبب فقال معبرا بالنسيان إشارة إلى أنه من ~~شدة ظهوره كما كان محفوظا فنسي، وفك المصدر لأنه أصرح لأنه لو عبر بالمصدر ~~لأمكن إضافته إلى المفعول، واختيرت {ما} دون {إن} لأن صورتها صورة الموصول ~~الاسمي، وهو أبلغ مما هو حرف صورة ومعنى: {بما نسبوا يوم الحساب} أي عاملوه ~~معاملة المنسي بعضهم بالإنكار وبعضهم بخبث الأعمال، فإنهم لو ذكروه حقيقة ~~لما تابعوا الهوى المقتضي للضلال على أنه مما لا يجهله من له أدنى مسكة من ~~عقل فإنه لا يخطر في عقل عاقل أصلا أن أقل الناس وأجهلهم يرسل أحدا إلى ~~مزرعة له يعملها، ثم لا يحاسبه عليها # PageV16P369 # فكيف إذا كان حكيما فكيف إذا كان ملكا فكيف وهو ملك الملوك، وقال الغزالي ~~في آخر كتاب العلم من الإحياء في الكلام على العقل: ثم لما كان الإيمان ~~مركوزا في النفوس بالفطرة انقسم الناس إلى من أعرض فنسي، وهم الكفار، وإلى ~~من جال ms4092 فكره فتذكر، وكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ثم تذكرها، ولذلك قال ~~تعالى {لعلهم يتذكرون} {وليتذكر أولوا الألباب} {واذكروا نعمة الله عليكم ~~وميثاقه الذي واثقكم به} [المائدة: 7] {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر} [القمر: 17] وتسمية هذا النمط تذكرا ليس ببعيد، وكأن التذكر ضربان: ~~أحدهما أن يذكر صورة كانت حاضرة الوجود في قلبه، لكن غابت بعد الوجود، ~~والآخر أن يكون عن صورة كانت متضمنة فيه الفطرة، وهذه حقائق ظاهرة لناظر ~~بنور البصيرة ثقيلة على من يستروح إلى السماع والتقليد دون الكشف والعيان - ~~انتهى. وقد علم من هذه القصة وما قبلها أن المعنى: اصبر على ما يقولون ~~الآن، فلننصرك فيما يأتي من الزمان، ولنؤيدنك كما أيدنا داود العظيم الشأن. # PageV16P370 # ولما كان التقدير: فما قضيناه في الأزل بيوم الحساب وتوعدنا به سدى، عطف ~~عليه قوله صارفا الكلام عن الغيبة إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن العظيم ~~تأبى له عظمته غير الجد العظيم: # PageV16P370 # {وما خلقنا} أي على ما لنا من العظمة، ويجوز أن تكون الجملة حالية. ولما ~~كان السياق لما وقع من الشقاق عنادا لا جهلا، ذكر من السماوات ما لا يمكن ~~النزاع فيه مع أن اللفظ للجنس فيشمل الكل فقال: {السماء} أي التي ترونها ~~{والأرض وما بينهما} مما تحسونه من الرياح وغيرها خلقا {باطلا} أي لغير ~~غاية أردناها بذلك من حساب من فيهما كما يحاسب أقل من فيكم إجزاء، ومجازاة ~~من فيهما بالثواب لمن أطاع والعقاب لمن عصى كما يفعل أقل ملوككم فإن أدنى ~~الناس عقلا لا يبني بناء ضخما إلا لغاية أرادها، وتلك الغاية هي الفصل بين ~~الناس الذين أعطيناهم القوى والقدر في هذه الدار، وبثثنا بينهم الأسباب ~~الموجبة لانتشار الصفاء فيهم والأكدار، وأعطيناهم العقول تنبيها على ما ~~يراد، وأرسلنا فيهم الرسل، وأنزلنا إليهم الكتب، بالتعريف بما يرضينا ~~ويسخطنا، فنابذوا كل ذلك فلو تركناهم بلا جمع لهم ولا إنصاف بينها لكان هذا ~~الخلق كله باطلا لا حكمة فيه أصلا، لأن خلقه للضر أو النفع أو لا لواحد ~~منهما، والأول باطل لأنه ms4093 غير لائق بالرحيم الكريم، والثالث باطل لأنه كان ~~في حال العدم كذلك، فلم يبق للإيجاد مرجح، فتعين الوسط وهو النفع، وهو لا ~~يكون بالدنيا لأن ضرها أكثر من نفعها، وتحمل ضر كثير لنفع # PageV16P371 # غير لائق بالحكيم الكريم، فتعين ما وقع الوعد الصادق به من نفع الآخرة ~~المطابق لما ذكر من عقل العقلاء وسير النبلاء. # ولما كان هذا - وهو منابذة الحكمة - عظيما جدا، عظمه بقوله: {ذلك} أي ~~الأمر البعيد عن الصواب {ظن الذين كفروا} أي من أوقع هذا الظن في وقت ما، ~~فقد أوجد الكفر لأنه جحد الحكمة التي هي البعث لإظهار صفات الكمال ~~والمجازاة بالثواب والعقاب، ومن جحد الحكمة فقد سفه الخالق، فكان إقراره ~~بأنه خالق كلا إقرار فكان كافرا به، ثم سبب عن هذا الظن قوله: {فويل} أي ~~هلاك عظيم بسبب هذا الظن، وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف فقال: {للذين كفروا} أي مطلقا بهذا الظن وبغيره {من} أي مبتدأ من ~~{النار *} أي الحكم عليهم بها. # ولما كان التقدير: أفنحن نخلق ذلك باطلا؟ فلا يكون له مآل يظهر فيه حكمته ~~ونحن منزهون عن العبث، عطف عليه قوله إنكارا لما يلزم من ترك البعث من ~~التسوية بين ما حقه المفاوتة فيه، وذلك أشد من العبث وإن كان له أن يفعل ~~ذلك لأنه لا يقبح منه شيء: {أم نجعل} أي على عظمتنا {الذين آمنوا} أي ~~امتثالا # PageV16P372 # لأوامرنا {وعملوا} أي تصديقا لدعواهم الإيمان {الصالحات} من الأعمال ~~كالذين أفسدوا وعملوا السيئات أم نجعل المصلحين في الأرض {كالمفسدين} أي ~~المطبوعين على الفساد الراسخين فيه {في الأرض} أي بالكفر وغيره، والتسوية ~~بينهم لا يشك عاقل في أنها سفه {أم نجعل} على ما لنا من العز والمنعة الذين ~~اتقوا كالذين فجروا أم نصير {المتقين} أي الراسخين من المؤمنين في التقوى ~~الموجبة للتوقف عن كل ما لم يدل عليه دليل {كالفجار *} أي الخارجين من غير ~~توقف عن دائرة التقوى من هؤلاء الذين كفروا أو من غيرهم في أن كلا من ~~المذكورين يعيش على ما أدى ms4094 إليه الحال في الدنيا، وفي الأغلب يكون عيش ~~الطالح أرفع من عيش الصالح، ثم يموت ولا يكون شيء بعد ذلك، ولا شك أن ~~المساواة بين المصلح والمفسد والمتقي والمارق لا يراها حكيم ولا غيره من ~~سائر أنواع العقلاء فهو لا يفعلها سبحانه وإن كان له أن يفعل ذلك، فإنه لا ~~يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء، وقد علم أن الآية من الاحتباك، وأنه مشير ~~إلى احتباك آخر، فإنه ذكر {الذين أمنوا} أولا دليلا على {الذين أفسدوا} ~~ثانيا، وذكر {المفسدين} ثانيا دليلا {على المؤمنين} أولا، وأفهم ذلك ذكر ~~{الذين اتقوا} وأضدادهم وسر ما ذكر وما حذف أنه ذكر أدنى أسنان الإيمان ~~تنبيها على شرفه وأنه سبب السعادة وإن كان على # PageV16P373 # أدنى الوجوه وذكر أعلى أحوال الفساد، إشارة إلى أنه يغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء وذكر أعلى أحوال التقوى إيماء إلى أنه لا يوصف بها ويستحق جزاءها إلا ~~الراسخ فيها ترغيبا للمؤمن في أن يترقى إلى أوجها. # ولما ثبت بما ذكر من أول السورة إلى هنا ما ذكر في هذا الذكر من البراهين ~~التي لا يأباها إلا مدخول الفكر مخالط العقل، ثبت أنه ذو الذكر والشرف ~~الأعظم فقال تعالى منبها على ذلك تنبيها على أنه القانون الذي يعرف به ~~الصلاح ليتبع والفساد ليجتنب مخبرا على مبتدأ تقديره هو: {كتاب} أي له من ~~العظمة ما لا يحاط به، ووصفه بقوله: {أنزلناه} أي بما من العظمة {إليك} ~~وذلك من عظمته لأنك اعظم الخلق، ثم أخبر عن مبتدأ آخر مبين لما قبله على ~~طريق الاستئناف فقال: {مبارك} أي دائم الخير كثير النفع ثابت كل ما فيه ~~ثباتا لا يزول أبدا ولا ينسخه كتاب ولا شيء. # ولما ذكر ما له من العظمة إشارة وعبارة، ذكر غاية إنزاله المأمور بها ~~فقال: {ليدبروا} بالفوقانية وتخفيف الدال بالخطاب # PageV16P374 # في قراءة أبي جعفر مشرفا للأمة بضمهم بالخطاب إلى حضرته الشماء صلى الله ~~عليه وسلم، ولافتا للقول في قراءة الجماعة بالغيب وتشديد الدال إلى من ~~يحتاج إلى التنبيه على ms4095 العلل، لما له من الشواغل الموقعة في الخلل، وأما هو ~~صلى الله عليه وسلم ففي غاية الإتعام للنظر، والتدبر بأجلى الفكر، من حين ~~الإنزال، لعلمه بعلة الإنزال بحيث إنه من شدة إتعابه لنفسه الشريفة ~~بالتخفيف وضمن له تعالى جمعه وقرآنه {آياته} أي لينظروا في عواقب كل آية ~~وما تؤدي إليه وتوصل إليه من المعاني الباطنة التي أشعر بها طول التأمل في ~~الظاهر، فمن رضي بالاقتصار على حفظ حروفه كان كمن له لقحة درور لا يحلبها، ~~ومهرة نتوج لا يستولدها، وكان جديرا بأن يضيع حدوده فيخسر خسرانا مبينا. # ولما كان كل أحد مأمورا بأن ينتبه بكل ما يرى ويسمع على ما وراءه ولم يكن ~~في وسع كل أحد الوصول إلى النهاية في ذلك، قنع منهم بما دونها فأدغمت تاء ~~التفعل في فاء الكلمة إشارة إلى ذلك كما تشير إليه قراءة أبي جعفر، وربما ~~كانت قراءة الجماعة إشارة إلى الاجتهاد في فهم # PageV16P375 # خفاياه - والله أعلم. # ولما كان السياق للذكر، وأسند إلى خلاصة الخلق، وكان استحضار ما كان عند ~~الإنسان وغفل عنه لا يشق لظهوره، أظهر التاء حثا على بذل الجهد في إعمال ~~الفكر والمداومة على ذلك فإنه يفضي بعد المقدمات الظنية إلى أمور يقينية ~~قطعية إما محسوسة أولها شاهد في الحس فقال: {وليتذكر} أي بعد التدبر تذكرا ~~عظيما جليا - بما أشار إليه الإظهار {أولوا الألباب *} أي كل ما أرشد إليه ~~مما عرفه الله لهم في أنفسهم وفي الآفاق فإنهم يجدون ذلك معلوما لهم بحس أو ~~غيره في أنفسهم أو غيرها، لا يخرج شيء مما في القرآن عن النظر إلى شيء ~~معلوم للإنسان لا نزاع له فيه أصلا، ولكن الله تعالى يبديه لمن يشاء ويخفيه ~~عمن يشاء {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} [فصلت: 53] وأظهره يوم ~~القيامة فإنه مركوز في طبع كل أحد أن الرئيس لا يدع من تحت يده بغير حساب ~~أصلا. # ولما كان الإنسان وإن أطال التدبر وأقبل بكليته على التذكر لا بد له من ~~نسيان وغفلة وذهول، ولما كان الممدوح ms4096 إنما هو الرجاع «لو لم تذنبوا لجاء ~~الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» وكان الله تعالى هو الملك الذي لا ~~شريك له والمالك الذي له الملك كله فهو يرفع # PageV16P376 # من يشاء ممن لا يخطر في وهم أن يرتفع، ويخفض من يشاء ممن علا في الملك ~~حتى لا يقع في خاطر أنه يحصل له خلل ولا سيما إن كان على أعلى خلال الطاعة ~~ليبين لكل ذي لب أن الفاعل لذلك هو الفاعل المختار، فلا يزال خيره مرجوا، ~~وانتقامه مرهوبا مخشيا، قال تعالى: {ووهبنا} أي بما لنا من الحكمة والعظمة ~~{لدواد سليمان} فجاء عديم النظير في ذلك الزمان دينا ودنيا وعلما وحكمة ~~وحلما وعظمة ورحمة، ولذلك نبه على أمثال هذه المعاني باستئناف الإخبار عما ~~حرك النفس إلى السؤال عنها من إسناد الهبة إلى نون العظمة فقال: {نعم ~~العبد} ولما كان السياق لسرعة الانتباه من الغفلات، والتفضي من الهفوات، ~~والتوبة من الزلات، وبيان أن الابتلاء ليس منحصرا في العقوبات، بل قد يكون ~~لرفعة الدرجات، وكان هذا بعيدا من العادات، علل مدحه مؤكدا له بقوله: {إنه ~~أواب *} أي رجاع إلى الازدياد من الاجتهاد في المبالغة في الشكر والصبر على ~~الضر كلما علا من مقام بالاستغفار منه وعده مع ما له من الكمال مما يرغب ~~عنه. # PageV16P377 # ولما كانت الخيل من أعظم ما زين للناس من حب الشهوات، # PageV16P377 # وكان السياق للعزة والشقاق الدالين على عظيم الاحتياج إلى ما يكف ذلك مما ~~أعظمه الخيل، ذكر فيها آمرا له صلى الله عليه وسلم، دل على أنه مع ما له من ~~عظمة الملك كثير الأوبة عظيمها لأن من لم يكن ذلك له طبعا لم يقدر على ما ~~فعل فقال: {إذ} أي اذكر لتقف على شاهد ما أخبرناك به حين {عرض عليه بالعشي} ~~أي فيما بعد زوال الشمس {الصافنات} أي الخيول العربية الخالصة التي لا تكاد ~~تتمالك بجميع قوائمها الاعتماد على الأرض اختيالا بأنفسها وقربا من الطيران ~~بلطافتها وهمتها وإظهارا لقوتها ورشاقتها وخفتها، قال في القاموس: صفن ~~الفرس يصفن صفونا: ms4097 قام على ثلاث قوائم وطرف حافز الرابعة، وقال القزاز: قام ~~على ثلاث قوائم وقائمة يرفعها عن الأرض أو ينال سنبكها الأرض ليستريح بذلك، ~~وأكثر ما تصفن الخيل العتاق، قال: وقالوا: كل ذي حافز يفعله ولكنه من ~~الجياد أكثر، لا يكاد يكون إلا في العراب الخلص، وقيل: الصافن الذي يجمع ~~يديه ويثني طرف سنبك إحدى رجليه، وقيل: الصافن الذي يرفع سنبك إحدى يديه ~~فإذا رفع طرف سنبك إحدى رجليه فهو مخيم، وقد أخام - إذا فعل ذلك. # ولما تحرر أنه يجوز أن يجمل الصافن على غير العتيق وإن كان قليلا، حقق أن ~~المراد الوصف بالجودة واقفة وجارية فقال: {الجياد *} أي التي تجود في جريها ~~بأعظم ما تقدر عليه، جمع جواد، # PageV16P378 # فلم تزل تعرض عليه حتى فاتته صلاة آخر النهار، وكان المفروض على من ~~تقدمنا ركعتين أول النهار وركعتين آخره، فانتبه في الحال. # ولما كان بيان ضخامة ملكه وكثرة هيبته وعزته مع زيادة أوبته لتحصل ~~التأسية به في حسن ائتماره وانتهائه والتسلية بابتلائه مع ذلك من شرفه ~~وبهائه، أشار إلى كثرة الخيل جدا وزيادة محبته له وسرعة أوبته بقوله: ~~{فقال} ولما كان اللائق بحاله والمعروف من فعاله أنه لا يؤثر على ذكر الله ~~شيئا فلا يكاد أحد ممن شاهد ذلك يظن به ذلك بل يوجهون له في ذلك وجوها ~~ويحملونه على محامل تليق بما يعرفونه من حال من الإقبال على الله والغنا ~~عما سواه، أكد قوله تواضعا لله تعالى ليعتقدوا أنه بشر يجوز عليه ما يجوز ~~عليهم لولا عصمة الله: {إني} ولما كان الحب أمرا باطنا لا يظهر في شيء إلا ~~بكثرة الاشتغال به، وكان الاشتغال قد يكون لغير الحب فهو غير دال عليه إلا ~~بقرائن قال اعترافا: {أحببت} أي أوجدت وأظهرت بما ظهر مني من الاشتغال ~~بالخيل مقرونا ذلك بأدلة الود {حب الخير} # PageV16P379 # وهو المال بل خلاصة المال وسبب كل خير دنيوي وأخروي # «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» أظهرت ذلك بغاية الرغبة ~~غافلا {عن ذكر ربي} المحسن إلي بهذه ms4098 الخيل التي شغلتني وغيرها، فلم أذكره ~~بالصلاة التي كانت وظيفة الوقت وإن كان غرضي لها لكونه في طاعته ذكرا له. ~~ولم يزل ذلك بي {حتى توارت} أي الشمس المفهومة من «العشي» {بالحجاب *} وهي ~~الأرض التي حالت بيننا وبينها فصارت وراءها حقيقة. # ولما اشتد تشوف السامع إلى الفعل الذي أوجب له الوصف بأواب بعد سماع قوله ~~في لومه نفسه ليجمع بين معرفة القول والفعل، أجيب بقوله: {ردوها} أي قال ~~سليمان عليه السلام: ردوا {علي} الخيول التي شغلتني. ولما كان التقدير: ~~فردوها عليه، نسق به قوله: {فطفق} أي أخذ يفعل ظافرا بمراده لازما له مصمما ~~عليه واصلا له معتمدا على الله في التقوية على العدو لا على الأسباب التي ~~من أعظمها الخيل مفارقا ما كان سبب ذهوله عن الذكر معرضا عما يمكن أن يتعلق ~~به القلب متقربا به إلى الله تعالى كما يتقرب في هذه الملة # PageV16P380 # بالضحايا {مسحا} أي يوقع المسح - أي القطع - فيها بالسيف إيقاعا عظيما. ~~ولما كان السيف إنما يقع في جزء يسير من العضوين أدخل الباء فقال: {بالسوق} ~~أي منها {والأعناق *} يضربها ضربا بسيف ماض وساعد شديد وصنع سديد يمضي فيها ~~من غير وقفة أصلا حتى كأنه يمسحه مسحا على ظاهر جلودها كما يقال: مسح ~~علاوته، أي ضرب عنقه - والله أعلم. # ولما ظهر بهذا ما له من ضخامة الملك وعز السلطان، وكانت الأوبة عظيمة ~~جدا، وكان الثبات على مقام الشهود مع حفظه من جميع جهاته أعظم، نبه عليه ~~بقوله مؤكدا لما طبعت عليه النفوس من ظن أن الأواب لا ينبغي أن يواجه ~~بالعتاب: {ولقد فتنا} أي بما لنا من العظمة {سليمان} أي مع إسراعه بالرجوع ~~إلى الله والتنبه لما فيه رضاه نوعا من الفتنة، الله أعلم بحقيقتها، فأسفرت ~~تلك الفتنة عن رسوخه في مقام الأوبة فتنبه لما أردنا بها من تدريبه على ما ~~أقمناه فيه كما فعلنا بأبيه داود عليهما السلام فاقتد بهما في الاستبصار ~~بالبلاء، فإنا نريد بك أمرا عظيما جليلا شريفا كريما {وألقينا} أي بما لنا ~~من ms4099 العظمة {على كرسيه} الذي كانت تهابه أسود الفيل. # PageV16P381 # ولما كانت العبرة إنما هي بالمعاني، فمن كان معناه ناقصا كان كأنه جسد لا ~~روح فيه، له صورة بلا معنى، قال: {جسدا} فغلب على ذلك المكان الشريف مع ما ~~كنا شرفناه به من هيبة النبوة المقرونة بالملك بحيث لم يكن أحد يظن أن أحدا ~~يقدر على أن يدنو إليه فضلا عن أن يغلب عليه، فمكنا هذا الجسد منه تمكينا ~~لا كلفة عليه فيه، بل كان ذلك بحيث كأنه ألقى عليه بغير اختياره ليعلم أن ~~الملك إنما هو لنا، نفعل ما نشاء بمن نشاء، فالسعادة لمن رجانا والويل لمن ~~يأمن مكرنا فلا يخشانا، فعما قليل تصير هذه البلدة في قبضتك، وأهلها مع ~~العزة والشقاق طوع مشيئتك ويكون لك بذلك أمر لا يكون لأحد بعدك كما أنه ما ~~كان لأحد كان قبلك من نفوذ الأمر وضخامة العز وإحلال الساحة الحرام بقدر ~~الحاجة وسعة الملك وبقاء الذكر، والذي أنت فيه الآن ابتلاء واختبار وتدريب ~~على ما يأتي من الأمور الكبار. # ولما كان المراد بإطلاق الجسد عليه التعريف بأنه لا معنى له، لا أنه لا ~~روح فيه، أطلقه ولم يتبعه ما يبين أنه جماد كما فعل في # PageV16P382 # العجل حيث قال «له خوار» فبين بذلك أنه لا روح له، وإن صح أن هذا الجسد ~~هو صخر الجني وأن سببه سجود الجرادة امرأة سليمان عليه السلام لصورة أبيها ~~بغير علم نبي الله سليمان عليه السلام ولا إرادته، فالإشارة بذلك في ~~التسلية أنا سلبنا الملك من صفينا لصورة رفع سجود بعض من ينسب إليه لها في ~~بيته أمره ولا إرادته ولا علمه، فكيف بمن يسجد لهذه الأوثان في البيت ~~الحرام فعما قليل نزيل أمرهم ونخمد شرهم ونمحو ذكرهم. # ولما كانت الإنابة رجوعا إلى ما كان، فهي استرجاع لما فات قال: {ثم أناب ~~*} وفسر الإنابة ليعلم أنه تعالى فتنه مع أنه عبد عظيم المنزلة مجاب الدعوة ~~بقوله جوبا لمن سأل عنها: {قال رب} أي أيها المحسن إلي {اغفر لي} أي ms4100 الأمر ~~الذي كانت الإنابة بسببه. ولما قدم أمر الآخرة، أتبعه قوله: {وهب لي} أي ~~بخصوصي {ملكا لا ينبغي} أي لا يوجد طلبه وجودا تحصل معه المطاوعة والتسهل ~~{لأحد} في زمان ما طال أو قصر سواء كان كاملا في الصورة والمعنى أو جسدا ~~خاليا عن العز كما حصلت به الفتنة من قبل، وبعض الزمان بذكر الجار فقال: ~~{من بعدي} حتى أتمكن من كل ما أريد من التقرب # PageV16P383 # إليك وجهاد من عاداك، ويكون ذلك إمارة لي على قبول توبتي ولا تحصل لي ~~فتنة بإلقاء شيء على مكان حكمي ولا غيره وهذا يشعر بأن الفتنة كانت في ~~الملك وكذا ذكر الإلقاء على الكرسي مضافا إليه من غير أن ينسب إليه هو صلى ~~الله عليه وسلم شيء، وهو مناسب لعقر الخيل الذي هو إذهاب ما به العز - ~~والله أعلم، وبهذا التقدير علم أنه لو ذكر الظرف من غير حرف لأوهم تقيد ~~الدعوة بملك يستغرق الزمان الذي بعده، ثم علل ما طلبه من الإعطاء والمنع ~~بقوله على سبيل التأكيد إسقاطا لما غلب على النفوس من رؤية الأسباب: {إنك ~~أنت} أي وحدك {الوهاب *} أي العظيم المواهب مع التكرار كلما أردت، فتعطي ~~بسبب وبغير سبب من تشاء وتمنع من تشاء. # ولما تسبب عن دعائه الإجابة، أعلم به سبحانه بقوله: {فسخرنا} أي ذللنا ~~بما لنا من العظمة {له الريح} لإرهاب العدو وبلوغ المقاصد عوضا عن الخيل ~~التي خرج عنها لأجلنا؛ ثم بين التسخير بقوله مستأنفا: {تجري بأمره رخاء} أي ~~حال كونها لينة غاية اللين منقادة يدرك بها ما لا يدرك بالخيل {غدوها شهر ~~ورواحها شهر} وكل من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، وهو هنا مبالغة من ~~الرخاوة. ولما كانت إصابته لما يشاء ملازمة لإرادته، عبر بها عنها لأنها ~~المقصود بالذات فقال: {حيث أصاب *} أي أراد إصابة شيء من الأشياء، وقد جعل ~~الله # PageV16P384 # لنبينا صلى الله عليه وسلم أعظم من ذلك وهو أن العدو يرعب منه إلى مسيرة ~~شهر من جوانبه الأربعة فيه أربعة أشهر {والشياطين} أي ms4101 الذين عندهم خفة ~~الريح مع الاقتران بالروح سخرناهم له؛ ثم نبه على منفعتهم بالإبدال منهم ~~فقال: {كل} وعبر ببناء المبالغة في سياق الامتنان فقال: {بناء وغواص *} أي ~~عظيم في البناء صاعدا في جو السماء والغوص نازلا في أعماق الماء، يستخرج ~~الدر وغيره من منافع البحر. # PageV16P385 # ولما دل على مطلق تسخيرهم، دل على أنه قهر وغلبة كما هو شأن أيالة الملك ~~وصولة العز فقال: {وآخرين} أي سخرناهم له من الشياطين حال كونهم {مقرنين} ~~بأمره إلى من يشاكلهم أو مقرونة أيديهم بأرجلهم أو بأعناقهم، وعبر به مثقلا ~~دون «مقرونين» مثلا إشارة إلى شدة وثاقهم وعظيم تقرينهم. ولما كانت مانعة ~~لهم من التصرف في أنفسهم، جعلوا كأنهم بأجمعهم فيها وإن لم يكن فيها إلا ~~بعض أعضائهم مثل {جعلوا أصابعهم في آذانهم} [نوح: 7] فقال: {في الأصفاد *} ~~أي القيود التي يوثق بها الأسرى من حديد أو قيد أو غير ذلك، جمع صفد - ~~بالتحريك، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # PageV16P385 # قال: «إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله ~~منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه ~~كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان {هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي} فرددته ~~خاسئا» ، وقد حكمه الله في بعض الجن، فحمي من الذين يطعنون دار مولده ودار ~~هجرته، روى أحمد في مسنده بسند حسن إن شاء الله عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، ~~على كل نقب منهما ملك، فلا يدخلهما الدجال ولا الطاعون» هذا في البلدين، ~~وأما المدينة خاصة ففيها أحاديث عدة عن عدة من الصحابة في الصحيحين ~~وغيرهما، وقد عوض الله نبينا صلى الله عليه وسلم عن الشياطين التأييد بجيوش ~~الملائكة في غزواته، وقد كان نبينا عبدا كما اختار فلم يكن له حاجة بغير ~~ذلك. # ولما كان ذلك ملكا عظيما، نبه على عظمته بكثرته ودوامه وعظمة مؤتيه ms4102 فقال ~~مستأنفا بتقدير: قلنا له ونحوه: {هذا} أي الأمر الكبير {عطاؤنا} أي على ما ~~لنا من العظمة؛ ثم سبب عن ذلك # PageV16P386 # إطلاق التصرف الذي هو أعظم المقاصد، فكم من مالك لشيء وهو مغلول اليد عن ~~التصرف فيه، فقال بادئا بما يوجب الحب ويقبل بالقلوب دالا على عظمته وظهور ~~أمره بفك الإدغام: {فامنن} أي أعط من شئت عطاء مبتدئا من غير تسبب من ~~المعطي: {أو أمسك} أي عمن شئت. # ولما كان هذا عطاء يفوت الوصف عظمه، زاده تعظيما بكثرته وتسهيله وسلامة ~~العاقبة فيه فقال: {بغير} أي كائنا كل ذلك من العطاء والمن خاليا عن {حساب ~~*} لأنك لا تخشى من نقصه وربك هو المعطي والآمر، ولا من كونه مما يسأل عنه ~~في الآخرة لأنه قد أذن لك، فنفي الحساب عنه يفيد شيئين الكثرة وعدم الدرك ~~في إعطاء أو منع، وجعله مصدرا مزيدا يفهم أنه إنما ينفي عنه حساب يعتد به ~~لا مطلق حسب بالتخمين كما يكون في الأشياء التي تعيي الحاصر فيقرب أمرها ~~بنوع حدس. # ولما رفع الحرج عنه في الدارين، أثبت المزيد فقال عاطفا على ما تقديره: ~~هذا له في الدنيا، مؤكدا زيادة في الطمأنية لكونه خارقا لما حكم به من ~~العادة في أنه كل ما زاد عن الكفاف في الدنيا كان ناقصا # PageV16P387 # للحظ في الآخرة: {وإن له} أي خاصا به {عندنا} أي في الآخرة {لزلفى} أي ~~قربى عظيمة {وحسن مآب *} أي مرجع. # ولما انقضى الخبر عن الملك الأواب الذي ملك الدنيا بالفعل قهرا وغلبة ~~شرقا وغربا، وكان أيوب عليه السلام في ثروة الملوك وإن لم يكن ملكا بالفعل، ~~وكان تكذيب من كذب بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما هو بتسليط الله الشياطين ~~بوسوسته عليهم، وأمره سبحانه بالصبر على ذلك وقص عليه من أخبار الأوابين ~~تعليما لحسن الأوبة إن وهن الصبر، أتبعه الإخبار عن الصابر الأواب الذي لم ~~يتأوه إلا من وسوسة الشيطان لزوجه بما كان يفتنها ليزداد النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذكر هذه الأخبار صبرا ويتضاعف إقباله على الله ms4103 تعالى وتضرعه له ~~اقتداء بإخوانه الذين لم تشغلهم عنه منحة السراء ولا محنة الضراء، وتذكيرا ~~لقدرة الله على كل ما يريده تنبيها على أنه قادر على رد قريش عما هم فيه ~~ونصر المستضعفين من عباده عليهم بأيسر سعي فقال: {واذكر عبدنا} أي الذي هو ~~أهل للإضافة إلى عظيم جنابنا، وبينه بقوله: {أيوب} وهو من الروم من أولاد ~~عيص بن إسحاق عليهم السلام لتتأسى بحاله فنصبر على قومك وإن رأيت ما لا # PageV16P388 # صبر لك عليه دعوت الله في إصلاحه. # ولما أمره بذكره، بين أن معظم المراد بعض أحواله الشريفة ليتأسى به فقال ~~مبدلا منه بدل اشتمال: {إذ} أي اذكر حاله الذي كان حين: {نادى} وصرف القول ~~عن مظهر العظمة إلى صفة الإحسان لأنه موطنه لاقتضاء حاله ذلك فقال: {ربه} : ~~أي المحسن إليه الذي عرف إحسانه إليه في تربيته ببلائه كما عرف امتنانه ~~بظاهر نعمائه وآلائه، ثم ذكر المنادى به حاكيا له بلفظه فقال مشيرا ~~بالتأكيد إلى أنه - وإن كان حاله فيما عهد من شدة صبره مقتضيا عدم الشكوى - ~~أتاه ما لا صبر عليه: {إني} أي رب أدعوك بسبب أني. ولما كان هنا في سياق ~~التصبير عظم الأمر بإسناد الضر إلى أعدى الأعداء إلهابا إلى الإجابة وأدبا ~~مع الله فقال: {مسني} أي وأنا من أوليائك {الشيطان} أي المحترق باللعنة ~~البعيد من الرحمة بتسليطك له {بنصب} أي ضر ومشقة وهم داء ووجع وبلاء يثقل ~~صاحبه فيتبعه ويعيده ويكده ويجهده ويصل به إلى الغاية من كل ذلك، وقرئ بضم ~~الصاد أيضا وقرئ بالتحريك كالرشد والرشد، وكان ذلك إشارة إلى أحوال الضر في ~~الشدة والخفة فالمسكن أدناه، والمحرك أوسطه، والمثقل بالضم أعلاه {وعذاب *} ~~أي نكد قوي جدا دائم مانع من # PageV16P389 # كل ما يلذ، ويمكن أن يساغ ويستطعم أجمله، ونكره تنكير لتعظيم استغنائه ~~على وجازته عن جمل طوال ودعاء عريض إعلاما بأن السيل قد بلغ الزبى، وأوهن ~~البلاء القوي، ولم يذكره بلفظ إبليس الذي هو من معنى اليأس وانقطاع الرجاء ~~دلالة على أنه هو راج فضل ms4104 الله غير آيس من روحه، وذلك أن الله تعالى سلطه ~~على إهلاك أهله وولده وماله فصبر ثم سلطه على بدنه إلى أن سقط لحمه واستمر ~~على ذلك مددا طوالا، فلذلك ثم تراءى لزوجته رضي الله عنها في زي طبيب وقال ~~لها: أنا أداويه ولا أريد أن يقول لي، إذا عوفي أنت شفيتني، وقيل: قال لها: ~~لو سجد لي سجدة واحدة شفيته، فأتته وحدثته بذلك فأخبرها وعرفها أنه ~~الشيطان، وحذرها منه وخاف غائلته عليها، فدعا الله بما تقدم وشدد النكير ~~والتعظيم لما وسوس لها به بأن حلف ليضربنها مائة ضربة، ردعا لها عن الإصغاء ~~إلى شيء من ذلك، وتهوينا لما يلقاه من بلائه في جنبه. # PageV16P390 # ولما تشوف السامع إلى جوابه عن ذلك، استأنف قوله: {اركض} أي قلنا له: ~~اضرب الأرض وأوجد الركض وهو # PageV16P390 # المشي والتحريك والإسراع والاستحثاث {برجلك} يخرج منها ماء نافع حسن ~~لتغتسل فيه وتشرب منه ففعل فأنبعنا له عينا، فقيل له: {هذا} بإشارة القريب ~~إشارة إلى تسهله {مغتسل} أي ماء يغتسل به وموضعه وزمانه {بارد} أي يبرد حر ~~الظاهر {وشراب *} يبرد حر الباطن. # ولما كان التقدير: ففعل اغتسل فبرأ ظاهره وسر باطنه، عطف عليه قوله صارفا ~~القول إلى مظهر الجلال تنبيها على عظمة الفعل: {ووهبنا} أي بما لنا من ~~العظمة {له أهله} أي الذين كان الشيطان سلط عليهم بأن أحييناهم، وجمع ~~اعتبارا بالمعنى لأنه أفخم وأقرب إلى فهم المراد فقال: {ومثلهم} وأعلم ~~باجتماع الكل في آن واحد فقال: {معهم} جددناهم له وليعلم من يسمع ذلك أنه ~~لا عبرة بشيء من الدنيا وأنها وكل ما فيها عرض زائل لا ثبات له أصلا إلا ما ~~كان لنا، فإنه من الباقيات الصالحات، فلا يغير أحد بشيء منها ولا يشتغل عنا ~~أصلا، ويعلم من هذا من صدقه القدروة على البعث بمجرد تصديقه له ومن توقف ~~فيه سأل أهل الكتاب فعلم ذلك بتصديقهم له، ثم علل سبحانه فعله ذلك بقوله: ~~{رحمة} ولما كان في مقام الحث على الصبر عظم الأمر بقوله: {منا} فإنه أعظم ms4105 ~~من التعبير في سورة الأنبياء بعندنا، ليكون ذلك أحث على لزوم الصبر، وإذا ~~نظرت إلى ختام الآيتين عرفت تفاوت العبارتين ولاح لك أن مقام الصبر لا ~~يساويه # PageV16P391 # شيء، لأن الطريق إليه سبحانه لا ينفك شيء منه عن صبر وقهر للنفس وجبر، ~~لأنها بالإجماع خلاف ما تدعو إليه الطبائع {وذكرى} أي إكراما وتذكيرا عظيما ~~{لأولي الألباب *} أي الأفهام الصافية، جعلنا ذلك لرحمته ولتذكير غيره من ~~الموصوفين على طول الزمان ليتأسى به كل مبتلى ويرجو مثل ما رجا، فإن رحمة ~~الله واسعة، وهو عند القلوب المنكسرة، فما بينه وبين الإجابة إلا حسن ~~الإنابة، فمن دام إقباله عليه أغناه عن غيره: # لكل شيء إذا فارقته عوض ... وليس لله إن فارقت من عوض # ولما أجمل العذاب الصالح لألم الظاهر، وذكر المخلص منه، أتبعه التنبيه ~~على أعظمه وهو ألم الباطن، بل أبطن الباطن التعلق بالاعتقاد فيما وسوس ~~لزوجه رضي الله عنها بما كاد يزلها فحلف ليضربنها مائة لئلا تعود إلى شيء ~~من ذلك فيزلها عن مقامها كما أزل غيرها فأرشده سبحانه وتعالى إلى المخلص من ~~ذلك الحلف على أخف وجه لأنها كانت صابرة محسنة، فشكر الله لها ذلك، وجعل ~~هذا المخلص بعدها سنة باقية لعباده تعظيما لأجرها وتطييبا لذكرها فقال ~~عاطفا على # PageV16P392 # {اركض} {وخذ بيدك} أي التي قد صارت في غاية الصحة {ضغثا} أي حزمة صغيرة ~~من حشيش فيها مائة عود كشمراخ النخلة، قال الفراء: هو كل ما جمعته من شيء ~~مثل الحزمة الرطبة، وقال السمين: وأصل المادة يدل على جميع المختلطات ~~{فأضرب به} أي مطلق ضرب ضربة واحدة {ولا تحنث} في يمينك أي تأثم بترك ما ~~حلفت على فعله، فهذا تخفيف على كل منهما لصبره، ولعل الكفارة لم تكن فيهم ~~وخصنا الله بها مع شرعه فينا ما أرخصه له تشريفا لنا، وكل هذا إعلاما بأن ~~الله تعالى ابتلاه صلى الله عليه وسلم في بدنه وولده وماله، ولم يبق له إلا ~~زوجة فوسوس لها الشيطان طمعا في إيذائهما كما آذى آدم وحواء عليهما السلام، ~~إلى ms4106 أن قارب منها بعض ما يريد، والمراد بالإعلام به تذكير النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأنه إن كان مكن الشيطان من الوسوسة لأقاربه والإغواء والإضلال ~~فقد من عليه بزوجه أعظم وزراء الصدق وكثير من أقاربه الأعمام وبني الأعمام ~~وغيرهم، وحفظ له بدنه وماله ليزداد شكره لله تعالى، وفي القصة إشارة إلى ~~أنه قادر على أن يطيع له من يشاء، فإنه قادر على التصرف في المعاني كقدرته ~~على التصرف في الذوات، وأنه سبحانه يهب لهذا النبي الكريم قومه العرب الذين ~~هم الآن أشد الناس # PageV16P393 # عليه وغيرهم فيطيعه الكل. # ولما كان الصبر والأفعال المرضية عزيزة في العباد لا تكاد توجد فلا يكاد ~~يصدق بها، علل سبحانه هذا الإكرام له صلى الله عليه وسلم وأكده، فقال على ~~سبيل الاستنتاج مما تقدم ردا على من يظن أن الشكوى إليه تنافي الصبر، ~~وإشارة إلى أن السر في التذكير به التأسي في الصبر: {إنا} أي على ما لنا من ~~العظمة {وجدناه} أي في عالم الشهادة طبق ما كان لنا في عالم الغيب ليتجدد ~~للناس من العلم بذلك ما كنا به عالمين، ولما كان السياق للحث على مطلق ~~الصبر في قوله تعالى {واصبر على ما يقولون} [المزمل: 10] أتى باسم الفاعل ~~مجردا على مبالغة فقال: {صابرا} ثم استأنف قوله: {نعم العبد} ثم علل بقوله ~~مؤكدا لئلا يظن أن بلاءه قادح في ذلك: {إنه أواب *} أي رجاع بكليته إلى ~~الله سبحانه على خلاف ما يدعو إليه طبع البشر، قال الرازي في اللوامع: قال ~~ابن عطاء: واقف معنا بحسن الأدب لا يغيره دوام النعمة، ولا يزعجه تواتر ~~البلاء والمحنة، روى عبد بن حميد في مسنده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: ~~وضع رجل يده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما أطيق أن أضع يدي ~~عليك من شدة حماك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا معشر الأنبياء ~~يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا # PageV16P394 # الأجر، إن كان النبي من الأنبياء ليبتلي بالقمل حتى يقتله وإن كان النبي ms4107 ~~من الأنبياء ليبتلي بالفقر حتى يأخذ العباة فيحويها وإن كانوا ليفرحون ~~بالبلاء كما يفرحون بالرخاء» . # ولما ذكر سبحانه من ابتلاه في بدنه وماله وولده ثم جعل له الماء بردا ~~وسلاما وعافية ونظاما وشفاء وقواما، عطف عليه من ابتلاه بالنار على أيدي ~~الجبابرة فجعلها عليه بردا وسلاما باعتماده عليه وصبره لديه، ونجاه من ~~كيدهم، وجعل أيده بمفرده فوق أيدهم، ثم ابتلاه بالهجرة لوطنه وأهله وعشيرته ~~وسكنه، ثم بذبح ابنه، فصبر على ذلك كله، اعتمادا على فضل الله ومنة فقال: ~~{واذكر عبدنا} بالتوحيد في رواية ابن كثير للجنس أو لإبراهيم وحده عليه ~~السلام لأنه أصل من عطف عليه دينا وأبوة، فبين الله أساس عطفه عليه في ~~المدح بالعبودية أيضا، ثم بين المراد بقوله: {إبراهيم} وعطف على العبد لا ~~على مبينه لئلا يلزم بيان واحد بجماعة إذا أريد به إبراهيم وحده لا الجنس ~~ابنه لصبره على دينه في الغربة بين عباد الأوثان ومباعدي الإيمان، فلم يلفت ~~لفتهم ولا داناهم، بل أرسل إلى أقاربه في # PageV16P395 # بلاد الشرق، فتزوج منه من وافقته على دينه الحق، واستمر على إخلاص ~~العبادة لا يأخذه في الله لومة لائم إلى أن مضى لسبيله فقال: {وإسحاق} ثم ~~أتبعه ولده الذي قفا أثره، وصبر صبره، وابتلى بفقد ولده، وبهجة كبده، فصبر ~~أتم الصبر في ذلك الضر، وأبلغ في الحمد والشكر، فقال تعالى: {ويعقوب} ~~وألحقهما سبحانه بأبيها بعد أن بينت قراءة الإفراد إصالته في المدح ~~بالعبودية فعطفهما عليه نفسه في قراءة غير ابن كثير {عبادنا} بالجمع كما ~~قال تعالى {والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم} ~~[الطور: 21] . # ولما اجتعموا بالعطف أو البدل وصفهم بقوله: {أولي الأيدي} أي القوة ~~الشديدة والأعمال السديدة لأن الأيدي أعظم آلات ذلك {والأبصار *} أي الحواس ~~الظاهرة والباطنة التي هي حقيقة بأن تذكر وتمدح بها لقوة إدراكها وعظمة ~~نفوذها فيما هو جدير بأن يراعى من جلال الله ومراقبته في الحركات والسكنات ~~سرا وعلنا، وعبر عن ذلك بالأبصار لأنها أقوى مبادئه، ومن لم يكن مثلهم كان ~~مسلوب القوة والعقل، ms4108 فلم يكن له عقل فكان عدما، فهو أعظم توبيخ لمن رزقه ~~الله قوة وعقلا، ثم لا يصرفه في عبادة الله والمجاهدة فيه سبحانه. # PageV16P396 # ولما اشتد تشوف السامع لما استحقوا به هذا الذكر، قال مؤكدا إشارة إلى ~~محبته سبحانه لمدحهم وردا على من ينسب إليهم أو إلى أحد منهم ما لا يليق ~~كما كذبه اليهود فيما بدلوه من التوراة في حق إسحاق عليه السلام في بعض ~~المواضع معديا للفعل بالهمزة إشارة إلى أنه جذبهم من العوائق إليه جذبة ~~واحدة هي في غاية السرعة: {إنا أخلصناهم} أي لنا إخلاصا يليق بعظمتنا التي ~~لا تدانيها عظمة {بخالصة} أي أعمال وأحوال ومقامات وبلايا ومحن هي سالمة عن ~~شوب ما، فصاروا بالصبر عليها في غاية الخلوص. # ولما كان سبب الإخلاص تذكر يوم الدين وما يبرز فيه من صفات الجلال ~~والجمال وينكشف فيه من الأمور التي لا توصف عظمتها، بينها بقوله: {ذكرى ~~الدار} أي تذكرهم تلك الخالصة تذكيرا عظيما لا يغيب عنهم أصلا الدار التي ~~لا يستحق غيرها أن يسمى دارا بوجه بحيث نسوا بذكر هذا الغائب ذكر ما ~~يشاهدونه من دار الدنيا فهم لا ينظرون إليه أصلا بغضا فيها فقد أنساهم هذا ~~الغائب الثابت الشاهد الزائل عكس ما عليه العامة، وإضافة نافع وأبي جعفر ~~وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه لخالصة مؤيد لما قلت من أن ذكرى بيان لأنها ~~إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى أنهم لا يعملون شيئا إلا وهو # PageV16P397 # مقرب للآخرة، فالمعنى أن ذكرهم لها خالص عن سواه لا يشاركه فيه شيء ولا ~~يشوبه شوب أصلا. # ولما دلت هذه الجملة على هذا المدح البليغ، عطف عليه ما يلازم الإخلاص ~~فقال مؤكدا لمثل ما تقدم من التنبيه على أنهم ممن يغتبط بمدحهم، وردا على ~~من ربما ظن خلاف ذلك بكثرة مصائبهم في الدنيا: {وإنهم عندنا} أي على ما لنا ~~من العظمة والخبرة {لمن المصطفين} المبالغ في تصفيتهم مبالغة كأنها بعلاج ~~{الأخيار *} الذين كل واحد منهم بخير بليغ في الخير، وإصابتنا إياهم ~~بالمصائب دليل ذلك لا ms4109 دليل عكسه كما يظنه من طمس قلبه، والآية من الاحتباك: ~~ذكر {أخلصناهم} أولا دليل على {اصطفيناهم} ثانيا، و {المصطفين} دليلا على ~~{المخلصين} أولا، وسر ذلك أن الإخلاص يلزم منه الاصطفاء، لا سيما إذا أسنده ~~إليه بخلاف العكس بدليل {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ~~ظالم لنفسه} [فاطر: 32] . # ولما أتم الأمر بذكر الخليل وابنه عليهما السلام الذي لم يخرج من كنفه قط ~~ونافلته المبشر به للتأسي بهم في صبرهم الدين وإن خالفهم من خالفهم، أتبعه ~~ولده الذي أمر بالتجرد عنه مرة بالإسكان عند البيت الحرام ليصير أصلا برأسه ~~في أشرف البقاع، ومرة بالأمر بذبحه في تلك المشاعر الكرام، فصار ما أضيف ~~إليه من الأحوال # PageV16P398 # والأفعال من المناسك العظام عليه الصلاة والسلام، وأفرده بالذكر دلالة ~~على أنه أصل عظيم برأسه من أصول الأئمة الأعلام، فقال: {واذكر إسماعيل} أي ~~أباك وما صبر عليه من البلاء بالغربة والانفراد والوحدة والإشراف على الموت ~~في الله غير مرة وما صار إليه بعد ذلك البلاء من الفرج والرئاسة والذكر في ~~هذه البلدة {واليسع} أي الذي استخلفه إلياس عليه السلام على بني إسرائيل ~~فجمعهم الله عليه بعد ذلك الخلاف الشديد الذي كان منهم لإلياس عليه السلام ~~{وذا الكفل} أي النصيب العظيم بالوفاء بما يكفله من كل أمر علي، وعمل صالح ~~زكي. # ولما تقدم وصف من قبل إبراهيم عليه السلام بالأوبة وخصوا بالتصريح، لما ~~كان لهم من الشواغل عنها بكل من محنة السراء ومحنة الضراء وكذلك بالعبودية ~~سواء، وكان الأمر بالذكر مع حذف الوصف المذكور لأجله والإشارة إليه ~~بالتلويح ولا مانع من ذكره - دالا على غاية المدح له لذهاب الوهم في تطلبه ~~كل مذهب، قال معمما للوصف بالعبودية والأوبة بها جميع المذكورين، عاطفا بما ~~أرشد إليه العطف على غير مذكور على ما تقديره: إنهم أوابون، ليكون تعليلا ~~لذكرهم بما علل به ذكر أول مذكور فيهم: # PageV16P399 # {وكل} أي من هؤلاء المذكورين في هذه السورة من الأنبياء قائمون بحق ~~العبودية فهم من خيار عبادنا من هؤلاء الثلاثة ومن قبلهم ms4110 {من الأخيار *} أي ~~كما أن كلا منهم أواب بالعراقة في وصف الصبر - كما مضى في الأنبياء، وبغير ~~ذلك من كل خير على أن الصبر - جامع لجميع الطريق، فهم الذين يجب الاقتداء ~~بهم في الصبر على الدين ولزوم طريق المتقين. # ولما أتم سبحانه ما أراد من ذكر هؤلاء الأصفياء عليهم السلام الذين ~~عافاهم بصبرهم وعافى من دعوهم، فجعلهم سبحانه سبب الفلاح ولم يجعلهم سببا ~~للهلاك، قال مؤكدا لشرفهم وشرف ما ذكروا به، حاثا على إدامة تذكره وتأمله ~~وتدبره للعمل به، مبينا ما لهم في الآخرة على ما ذكر من أعمالهم وما لمن ~~نكب عن طريقهم على سبيل التفصيل: {وهذا} أي ما تلوناه عليك من أمورهم وأمور ~~غيرهم {ذكر} أي شرف في الدنيا وموعظة من ذكر القرآن ذي الذكر، ثم عطف على ~~قوله {إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد} ما لأضدادهم، فقال مؤكدا ~~ردا على من ينكر ذلك من كفار العرب # PageV16P400 # وغيرهم: {وإن} ويجوز - وهو أحسن - أن يكون معطوفا على «هذا» وتقديره: هذا ~~ذكر للصابرين. # ولما أداهم إليه صبرهم في الدنيا وأن لهم على ما وهبناهم من الأعمال ~~الصالحة التي مجمعها الصبر لمرجعا حسنا، ولكنه أظهر الوصف الذي أداهم إلى ~~هذا المآب تعميما لكل من اقتدى بهم حثا على الاقتداء فقال: {للمتقين} أي ~~جميع العريقين في وصف التقوى الذين يلزمون لتقواهم الصراط المستقيم {لحسن ~~مآب *} أي مصير ومرجع ولما شوق سبحانه إلى هذا الجزاء أبدل منه أو بينه ~~بقوله: {جنات عدن} أي إقامة في استمراء وطيب عيش ونمو وامتلاء وشرف أصل. # ولما كانت من الأعلام الغالبة، نصب عنها على الحال قوله: {مفتحة} أي ~~تفتيحا كثيرا وبليغا من غير أن يعانوا في فتحها شيئا من نصب أو طلب أو تعب، ~~وأشار جعل هذا الوصف مفردا أن تفتحيها على كثرتها كان لهم في آن واحد حتى ~~كأنها باب واحد {لهم} أي لا لغيرهم {الأبواب} التي لها والتي فيها فلا ~~يلحقهم في دخولها ذل الحجاب ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة # PageV16P401 # بالتبجيل والإكرام. ms4111 # PageV16P402 # ولما ذكر إقامتهم ويسر دخولهم، وصف حالهم إذ ذاك فقال: {متكئين فيها} أي ~~ليس لهم شغل سوى النعيم ولا عليهم كلفة أصلا. ولما كان المتكىء لا يتم ~~نعيمه إلا إن كان مخدوما، دل على سؤددهم بقوله: {يدعون فيها} اي كلما ~~أرادوا من غير مانع أصلا ولا حاجة إلى قيام ولا قعود يترك به الاتكاء. ولما ~~كان أكلهم إنما هو للتفكه لا لحفظ الجسد من آفة قال: {بفاكهة كثيرة} فسمى ~~جميع مآكلهم فاكهة، ولما كانت الفاكهة لا يمل منها، والشراب لا يؤخذ إلا ~~بقدر الكفاية، وصفها دونه فقال: {وشراب *} . # ولما كان الأكل والشرب داعيين إلى النساء لا سيما مع الراحة قال: ~~{وعندهم} أي لهم من غير مفارقة أصلا. ولما كان سياق الامتنان مفهما كثرة ~~الممتن به لا سيما إذا كان من العظيم، أتى بجمع القلة مريدا به الكثرة لأنه ~~أشهر وأوضح وأرشق من «قواصر» المشترك بين جمع قاصر وقوصرة - بالتشديد ~~والتخفيف - لوعاء التمر فقال: {قاصرات} ولما كن على خلق واحد في العفة ~~وكمال الجمال وحد فقال: # PageV16P402 # {الطرف} أي طرفهن لعفتهن وطرف أزواجهن لحسنهن، ولما لم تنقص صيغة جمع ~~القلة المعنى، لكونه في سياق المدح والامتنان، وكان يستعار للكثرة، أتى على ~~نمط الفواصل بقوله: {أتراب *} أي على سن واحد مع أزواجهن وهو الشباب، سمي ~~القرين تربا لمس التراب جلده وجلد قرينه في وقت واحد، قال البغوي: بنات ~~ثلاث وثلاثين سنة، لأن ذلك ادعى للتآلف فإن التحاب بين الأقران أشد وأثبت. # ولما ذكر هذا النعيم لأهل الطاعة، وقدم ذلك العذاب لأهل المعصية قال: ~~{هذا} أي الذي ذكر هنا والذي مضى {ما} وبني للمفعول اختصارا وتحقيقا للتحتم ~~قوله: {توعدون} من الوعد والإيعاد، وقراءة الغيب على الأسلوب الماضي، ومن ~~خاطب لفت الكلام للتلذيذ بالخطاب تنشيطا لهممهم وإيقاظا لقلوبهم {ليوم ~~الحساب *} أي ليكون في ذلك اليوم. # ولما كان هذا يصدق بأن يوجد ثم ينقطع كما هو المعهود من حال الدنيا، أخبر ~~أنه على غير هذا المنوال فقال: {إن هذا} أي المشار إليه إشارة الحاضر الذي ~~لا ms4112 يغيب {لرزقنا} أي للرزق الذي # PageV16P403 # يستحق الإضافة إلينا في مظهر العظمة، فلذلك كانت النتيجة: {ما له من نفاد ~~*} أي فناء وانقطاع، بل هو كالماء المتواصل في نبعه، كلما أخذ منه شيء أخلف ~~في الحال بحيث إنه لا يميز المأخوذ من الموجود بوجه من الوجوه، فيكون في ~~ذلك تلذيذ وتنعيم لأهل الجنة بكثرة ما عنده، وبمشاهدة ما كانوا يعتقدونه ~~ويثبتونه لله تعالى من القدرة على الإعادة في كل وقت، جزاء وفاقا عكس ما ~~يأتي لأهل النار. # ولما كانت النفوس نزاعة للهوى ميالة إلى الردى، فكانت محتاجة إلى مزيد ~~تخويف وشديد تهويل، قال تعالى متوعدا لمن ترك التأسي بهؤلاء السادة في ~~أحوال العبادة، مؤكدا لما مضى من إيعاد العصاة وتخويف العتاة: {هذا} أي ~~الأمر العظيم الذي هو جدير بأن يجعل نصب العين وهو أنه لكل من الفريقين ما ~~ذكر وإن أنكره الكفرة، وحذف الخبر بعد إثباته في الأول أهول ليذهب الوهم ~~فيه كل مذهب {وإن للطاغين} أي الذين لم يصبروا على تنزيلهم أنفسهم في ~~منازلها بالصبر على ما أمروا به فرفعوا أنفسهم فوق قدرها، وتجاوزوا الحد ~~وعلوا في الكفر به وأسرفوا في المعاصي والظلم وتجبروا وتكبروا فكانوا أحمق ~~الناس {لشر مآب *} أي مصير ومرجع، # PageV16P404 # وأبدل منه أو بينه بقوله: {جهنم} أي الشديدة الاضطرام الملاقية لمن ~~يدخلها بغاية العبوسة والتجهم. # ولما كان اختصاصهم بها ليس بصريح في عذابهم، استأنف التصريح به في قوله: ~~{يصلونها} أي يدخلونها فيباشرون شدائدها. ولما أفهم هذا غاية الكراهة لها ~~وأنه لا فراش لهم غير جمرها، فكان التقدير: فيكون مهادا لهم لتحيط بهم ~~فيعمهم صليها، سبب عنه قوله: {فبئس المهاد *} أي الفراش هي، فإن فائدة ~~الفراش تنعيم الجسد، وهذه تذيب الجلد واللحم ثم يعود في الحال كلما ذاب عاد ~~عقوبة لهم ليريهم الله ما كانوا يكذبون به من الإعادة في كل وقت دائما ~~أبدا، كما كانوا يعتقدون ذلك دائما أبدا جزاء وفاقا عكس ما لأهل الجنة من ~~التنعيم والتلذيذ بإعادة كل ما قطعوا من فاكهتها وأكلوا من طيرها، لأنهم ms4113 ~~يعتقدون الإعادة فنالوا هذه السعادة. # ولما قدم أن لأهل الطاعة فاكهة وشرابا، وكان ما وصف به مأوى العصاة لا ~~يكون إلا عذابا، وكان مفهما لا محالة أن الحرارة تسيل من أهل النار عصارة ~~من صديد وغيره قال: {هذا} أي العذاب للطاغين {فليذوقوه} ثم فسره بقوله: ~~{حميم} أي ماء حار، وأشار بالعطف بالواو إلى تمكنه في كل من الوصفين فقال: ~~{وغساق *} # PageV16P405 # أي سيل منتن عظيم جدا بارد أسود مظلم شديد في جميع هذه الصفات من صديد ~~ونحوه وهو في قراءة الجماعة بالتخفيف اسم كالعذاب والنكال من غسقت عينه، أي ~~سالت، وغسق الشيء، أي امتلأ، ومنه الغاسق للقمر لامتلائه وكماله، وفي قراءة ~~حمزة والكسائي وحفص بالتشديد صفة كالخباز والضراب، تشير إلى شدة أمره في ~~جميع ما استعمل فيه من السيلان والبرد والسواد. # ولما كان في النار - أجارنا الله منها بعفوه ورحمته - ما لا يعد من أنواع ~~العقاب، قال عاطفا على هذا، {وآخر} أي من أنواع المذوقات - على قراءة ~~البصريين بالجمع لأخرى، ومذوق على قراءة غيرهما بالإفراد، وهو حينئذ للجنس، ~~وأخبر عن المبتدأ بقوله: {من شكلة} أي شكل هذا المذوق ولما كان المراد ~~الكثرة في المعذبين وهم الطاغون وفي عذابهم مع افتراقه بالأنواع وإن اتحد ~~في جنس العذاب، صرح بها في قوله: {أزواج *} أي هم أو هي أو هو، أي جنس ~~عذابهم أنواع كثيرة. # ولما كان مما أفهمه الكتاب في هذا الخطاب أن الطاغين الداخلين إلى جهنم ~~أصناف كثيرة، وكانت العادة جارية بأن الأصناف إذا اجتمعوا # PageV16P406 # كانت محاورات ولا سيما إن كانوا من الطغاة العتاة، تحرك السامع إلى تعرف ~~ذلك فقال تعالى مستأنفا جوابه بما يدل على تقاولهم بأقبح المقاولة وهو ~~التخاصم الناشىء عن التباغض والتدابر الذي من شأنه أن يقع بين الذين دبروا ~~أمرا فعاد عليهم بالوبال في أن كلا منهم يحيل ما وقع به العكس على صاحبه، ~~وذلك أشد لعذابهم: {هذا} أي قال أطغى الطغاة لما دخلوها أولا كما هم أهل له ~~لأنهم ضالون مضلون ورأوا جمعا من الأتباع داخلا عليهم: ms4114 هذا {فوج} أي جماعة ~~كثيفة مشاة مسرعون. ولما كانوا يدخلونها من شدة ما تدفعهم الزبانية على ~~هيئة الواثب قال مشيرا بالتعبير بالوصف مفردا إلى أنهم في الموافقة فيه ~~والتسابق كأنهم نفس واحدة: {مقتحم} أي رام بنفسه في الشدة بشدة فجاءة بلا ~~روية كائنا {معكم} . # ولما كان أهل النار يؤذي بعضهم بعضا بالشهيق والزفير والزحام والدفاع ~~والبكاء والعويل وما يسيل من بعضهم على بعض من القيح والصديد وغير ذلك من ~~أنواع النكد، ولا سيما إن كانوا أتباعا لهم في الدنيا، فصاروا مثلهم في ذلك ~~الدخول في الرتبة، لا يتحاشون عن دفاعهم وخصامهم ونزاعهم، قالوا استئنافا: ~~{لا مرحبا} ثم بينوا المدعو عليه فقالوا: {بهم} وهي كلمة واقعة في أتم ~~مواقعها لأنها دالة على # PageV16P407 # التضجر والبغضة مع الصدق في أهل مدلولها الذي هو مصادقة الضيق، مفعل من ~~الرحب مصدر ميمي وهو السعة، أي لا كان بهم سعة أصلا ولا اتسعت بهم هذه ~~الأماكن ولا هذه الأزمان ولا حصلت لهم ولا بهم راحة، ولذلك عللوا استحقاقهم ~~لهذا الدعاء بقولهم مؤكدين لما كان استقر في نفوسهم وتطاول عليه الزمان من ~~إنكارهم له: {إنهم صالوا النار *} أي ومن صليها صادف من الضيق ما لم يصادفه ~~أحد وآذى كل من جاوره. # PageV16P408 # ولما كان من المعلوم على ما جرت به العوائد أنهم يتأثرون من هذا القول ~~فيحصل التشوق إلى ما يكون من أمرهم هل يجيبونهم أم تمنعهم هيبتهم على ما ~~كانوا في الدنيا، اعلم بما يعلم منه انقطاع الأسباب هناك، فلا يكون من أحد ~~منهم خوف من آخر، فقال مستأنفا: {قالوا} أي الأتباع المعبر عنهم بالفوج ~~لسفولهم وبطون أمرهم: {بل أنتم} أي خاصة أيها الرؤساء {لا مرحبا} وبينوا ~~بقولهم: {بكم} أي هذا الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به منا، ثم عللوا قولهم ~~بما أفهم أنهم شاركوهم في الضلال وزادوا عليهم بالإضلال # PageV16P408 # فقالوا: {أنتم} أي خاصة {قدمتموه} أي الاقتحام في العذاب بما أقحمتمونا ~~فيه من أسبابه وقدمتم في دار الغرور من تزيينه {لنا} ولما كان الاقتحام وهو ~~الوثوب ms4115 أو الدخول على شيء بسرعة كأنها الوثوب ينتهي منه إلى استقرار، وكان ~~الفريقان قد استقروا في مقاعدهم في النار، سببوا عن ذلك قولهم: {فبئس ~~القرار *} أي قراركم. # ولما كان قول الأتباع هذا مفهما لأنهم علموا أن سبب ما وصلوا إليه من ~~الشقاء هو الرؤساء، وكان هذا موجبا لنهاية غيظهم منهم، تشوف السامع لما ~~يكون من أمرهم معهم؟ هل يكتفون بما أجابوهم به أو يكون أمنهم شيء آخر؟ ~~فاستأنف قوله إعلاما بأنهم لم يكتفوا بذلك وعلموا أنهم لا يقدرون على ~~الانتقام منهم: {قالوا} أي الأتباع: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا الذي ~~منعنا هؤلاء عن الشكر له {من قدم لنا هذا} أي العذاب بما قدم لنا من ~~الأسباب التي اقتحمناه، وقدموا ذلك اهتماما به وأجابوا الشرط بقولهم: ~~{فزده} أي على العذاب الذي استحقه بما استحققنا به نحن وهو الضلال {عذابا ~~ضعفا} أي زائدا على ذلك مثله مرة أخرى بالإضلال، وقيدوه طلبا لفخامته ~~بقولهم معبرين بالظرف لإفهام الضيق الذي تقدم الدعاء # PageV16P409 # المجاب فيه به ليكون عذابا آخر فهو أبلغ مما في الأعراف لأن السياق هنا ~~للطاغين وهناك لمطلق الكافرين {في النار *} أي كائنا فيها، وهذا مثل الآية ~~الأخرى ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا أي مثل عذابنا مرتين. # ولما ذكر من اقتحامهم في العذاب وتقاولهم بما دل على خزيهم وحسرتهم ~~وحزنهم، أعلم بما دل على زيادة خسرانهم وحسرتهم وهوانهم بمعرفتهم بنجاة ~~المؤمنين الذين كانوا يهزؤون بهم ويذلونهم فقال: {وقالوا} أي الفريقان: ~~الرؤساء والأتباع بعد أن قضوا وطرهم مما لم يغن عنهم شيئا من تخاصمهم: {ما} ~~أي أي شيء حصل {لنا} مانعا في أنا {لا نرى} أي في المحل الذي أدخلناه ~~{رجالا} يعنون فقراء المؤمنين {كنا نعدهم} أي في دار الدنيا {من الأشرار *} ~~أي الأراذل الذين لا خير فيهم بأنهم قد قطعوا الرحم، وفرقوا بين العشيرة ~~وأفسدوا ذات البين، وغيروا الدين بكونهم لا يزالون يخالفون الناس في ~~أقوالهم وأفعالهم، مع ما كانوا فيه من الضعف والذل والهوان وسوء الحال في ~~الدنيا، فيظن ms4116 أهلها نقص حظهم منه وكثرة مصائبهم فيها لسوء حالهم عند الله ~~وما دروا أنه تعالى يحمي أحباءه منها كما # PageV16P410 # يحمي الإنسان عليله الطعام والشراب ومن يرد به خيرا يصب منه. # ولما كانوا يسخرون من المؤمنين ويستهزئون بهم، وهم ليسوا موضعا لذلك، بل ~~حالهم في جدهم وجدهم في غاية البعد عن ذلك، قالوا مستفهمين، أما على قراءة ~~الحرميين وابن عامر وعاصم فتحقيقا، وأما على قراءة غيرهم فتقديرا: ~~{اتخذناهم} أي كلفنا أنفسنا وعالجناها في أخذهم {سخريا} أي نسخر منهم ~~ونستهزئ بهم - على قراءة الكسر، ونسخرهم أي نستخدمهم على قراءة الضم، وهم ~~ليسوا أهلا لذلك، بل كانوا خيرا منا فلم يدخلوا هنا لعدم شرارتهم، وكأنهم ~~إلى تجويز كونهم في النار معهم ومنعهم من رؤيتهم أميل، فدلوا على ذلك ~~بتأنيث الفعل ناسبين خفاءهم عنهم إلى رخاوة في أبصارهم على قوتها في ذلك ~~الحين فقالوا: {أم زاغت} أي مالت متجاوزة {عنهم} . # ولما كان تعالى يعيد الخلق في القيامة على غاية الإحكام في أبدانهم ~~ومعانيها فتكون أبصارهم أحد ما يمكن أن تكون وأنفذه «اسمع بهم وابصر يوم ~~يأتوننا فبصرك اليوم حديد» عدوا أبصارهم في الدنيا بالنسبة إليها عدما، ~~فلذلك عرفوا قولهم: {الأبصار *} أي منا التي لا أبصار في الحقيقة سواها فلم ~~نرها وهم فينا ومعنا في النار ولكن حجبهم عنا بعض أوديتها وجبالها ولهبها. ~~ف {أم} معادلة لجملة السخرية، وقد # PageV16P411 # علم بهاذ التقدير أن معنى الآية إلى إنفصال حقيقي معناه: أهم معنا أم لا؟ ~~فهي من الاحتباك: أثبت الاتخاذ المذكور الذي يلزمه بحكم العناد بين ~~الجملتين عدم كون المستسخر بهم معهم في النار أولا دليلا على ضده ثانيا، ~~وهو كونهم معهم فيها، وأثبت زيغ الأبصار ثانيا اللازم منه بمثل ذلك كونهم ~~معهم في النار دليلا على ضده أولا وهو كونهم ليسوا معهم، وسر ذلك أن الموضع ~~لتسحرهم ولومهم لأنفسهم، في غلطهم والذي ذكر عنهم أقعد في ذلك. # ولما كان هذا أمرا رائعا جدا زاجرا لمن له عقل فتأمله مجردا لنفسه من ~~الهوى، وكانت الجدود تمنعهم عن ms4117 التصديق به، كان موضعا لتأكيد الخبر عنه ~~فقال: {إن ذلك} أي الأمر العظيم الذي تقدم الإخبار به {لحق} أي ثابت لا بد ~~من وقوعه إذا وقع مضمونة وافق الواقع منه هذا الإخبار عنه، ولما كان أشق ما ~~فيه عليهم وأنكأ تخاصمهم جعله هو المخبر به وحده، فقال مبينا له مخبرا عن ~~مبتدإ استئنافا تقديره: هو {تخاصم أهل النار *} لأنه ما أناره لهم إلا الشر ~~والنكد فسمي تخاصما. # PageV16P412 # ولما كانت قد جرت عادتهم عند التخويف أن يقولوا: عجل لنا هذا إن كنت ~~صادقا فينا ادعيت، ومن المقطوع به أنه لا يقدر على ذلك إلا الإله فصاروا ~~كأنهم نسبوه إلى أنه ادعى الإلهية، قال تعالى منبها على ذلك آمرا له ~~بالجواب: {قل} أي لمن يقول لك ذلك: {إنما أنا منذر} أي مخوف لمن عصى، ولم ~~أدع أني إله، ليطلب مني ذلك فإنه لا يقدر على مثله إلا الإله، فهو قصر قلب ~~للموصوف على الصفة، وأفرد قاصرا للصفة في قوله: {وما} وأعرق في النفي ~~بقوله: {من إله} أي معبود بحق لكونه محيطا بصفات الكمال. ولما كان السياق ~~للتوحيد الذي هو أصل الدين، لفت القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه وأبين ~~فقال: {إلا الله} وللإحاطة عبر بالاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى ~~ولو شاركه شيء لم يكن محيطا وللتفرد قال مبرهنا على ذلك: {الواحد} أي بكل ~~اعتبار فلا يمكن أن يكون له جزء أو يكون له شبيه محتاجا مكافئا {القهار *} ~~أي الذي يقهر غيره على ما يريد، وهذا برهان على أنه الإله وحده وأن آلهتهم ~~بعيدة عن استحقاق الإلهية لتعددها وتكافئها بالمشابهة واحتياجها. # ولما وصف نفسه سبحانه بذلك، دل عليه بقوله: {رب السماوات} أي مبدعها ~~وحافظها على علوها وسعتها وإحكامها بما لها من الزينة والمنافع، وجمع لأن ~~المقام للقدرة، وإقامة الدليل على تعددها سهل # PageV16P413 # {والأرض} على سعتها وضخامتها وكثافتها وما فيها من العجائب. # ولما كان القائل مخيرا كما قال ابن مالك في الكافية الشافية عند اختلاط ~~العقلاء بغيرهم في إطلاق ما شاء من ms4118 «من» التي أغلب إطلاقها على العقلاء و ~~«ما» التي هي بعكس ذلك، وكان ربما وقع في وهم أن تمكنه تعالى من العقلاء ~~دون تمكنه من غيرهم لما لهم من الحيل التي يحترزون بها عن المحذور، وينظرون ~~بها في عواقب الأمور، أشار إلى أن حكمه فيهم كحكمه في غيرهم من غير فرق ~~بالتعبير عنهم ب «ما» التي أصلها وأغلب استعمالها لمن لا يعقل، وسياق ~~العظمة بالوحدانية وآثارها دال على دخولها في العبادة قطعا فقال: {وما ~~بينهما} أي الخافقين من الفضاء والهواء وغيرهما من العناصر والنبات ~~والحيوانات العقلاء وغيرها، ربي كل شيء من ذلك إيجادا وإبقاء على ما يريد ~~وإن كره ذلك المربوب، فدل ذلك على قهره، وتفرده في جميع أمره. # ولما كان السياق للإنذار، كرر ما يدل على القهر فقال: {العزيز} أي الذي ~~يعز الوصول إليه ويغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، ولما ثبت أنه يغلب كل شيء ولا ~~يغلبه شيء، وكانت دلالة الوصفين العظيمين على الوعيد أظهر من إشعارها ~~بالوعد، كان موضع قولهم، # PageV16P414 # فما له لا يعجل بالهلاك لمن يخالفه فقال: {الغفار *} أي المكرر ستره لما ~~يشاء من الذنوب حلما إلى وقت الماحي لها بالكلية بالنسبة إلى من يشاء من ~~العباد كما فعل مع أكثر الصحابة رضي الله عنهم حيث غفر لهم ما اقترفوه قبل ~~الإسلام. # ولما ثبت بهذا وحدانيته وقدرته ولم يزعهم ذلك عن ضلالهم، ولا ردهم عن ~~عتوهم ومحالهم، مع كونه موجبا لأن يقبل كل أحد عليه ولا يعدل أبدا عنه، قال ~~آمرا له بما ينبههم على عظيم خطئهم: {قل هو} أي هذا الأمر الذي تلوته عليكم ~~من الأخبار عن الماضي والآتي من القيامة المشتملة على التخاصم المذكور ~~وغيرها والأحكام والمواعظ، فثبت بمضمونه الوحدانية، وتحقق بإعجازه مع ثبوت ~~الوحدانية وتمام القدرة وجميع صفات الكمال أنه كلام الله: {نبؤا عظيم *} أي ~~خبر يفوت الوصف في الجلال والعظم بدلالة العبارة والصفة لا يعرض عن مثله ~~إلا غافل لا وعي له ولا شيء من رأى. # ولما كانوا يدعون أنهم أعظم الناس ms4119 إقبالا على الغرائب، وتنقيبا عن ~~الدقائق والجلائل من المناقب، بكتهم بقوله واصفا له: {أنتم عنه} # PageV16P415 # أي خاصة لا عن غيره والحال أن غيره من المهملات ولما كان أكثرهم متهيئا ~~للإسلام والرجوع عن الكفران لم يقل: مدبرون، ولا «يعرضون» بل قال: {معرضون ~~*} أي ثابت لكم الإعراض في هذا الحين، وقد كان ينبغي لكم الإقبال عليه خاصة ~~والإعراض عن كل ما عداه لأن في ذلك السعادة الكاملة، ولو أقبلتم عليه ~~بالتدبر لعلمتم قطعا صدقي وأني ما أريد بكم إلا السعادة في الدنيا والآخرة، ~~فبادرتم الإقبال إلي والقبول لما أقول. # ولما قصر نفسه الشريفة على الإنذار، وكانوا ينازعون فيه وينسبونه إلى ~~الكذب، دل على صدقه وعلى عظيم هذا النبأ بقوله: {ما كان لي} وأعرق في النفي ~~بالتأكيد في قوله: {من علم} أي من جهة أحد من الناس كما تعرفون ذلك من حالي ~~له إحاطة ما {بالملإ} أي الفريق المتصف بالشرف {الأعلى} وهم الملائكة أهل ~~السماوات العلى وآدم وإبليس، وكأن مخاطبة الله لهم كانت بواسطة ملك كما هو ~~أليق بالكبرياء والجلال، فصح أن المقاولة بين الملأ {إذ} أي حين، ولما أفرد ~~وصف الملأ إيذانا بأنهم في الاتفاق في علو رتبة الطاعة كأنهم شيء واحد، جمع ~~لئلا يظن حقيقة الوحدة فقال: {يختصمون *} أي في شأن آدم عليه السلام، أول ~~خليفة في الأرض # PageV16P416 # بل الخليفة المطلق، لأن خلافه أولاده من خلافته، وفي الكفارات الواقعة من ~~بينه، كما أنه ما كان لي من علم بأهل النار إذ يختصمون، ولا بالخصم الذين ~~دخلوا على داود عليه السلام الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض إذ ~~يختصمون، وقد علمت ذلك علما مطابقا للحق بشهادة الكتب القديمة وأنتم تعلمون ~~أني لم أخالط عالما قط، فهذا علم من أعلام النبوة واضح في أني لم أعلم ذلك ~~إلا بالوحي لكوني رسول الله وعبر هنا بالمضارع - وإن كان قد وقع ومضى من ~~أول الدهر - تذكيرا بذلك الحال وإعلاما بما هم فيه الآن من مثله في ~~الدرجات، كما سيأتي قريبا في الحديث القدسي، وعبر ms4120 في تخاصم أهل النار - وهو ~~لم يأت - بالماضي تنبيها على أن وقوعه مما لا ريب فيه، فكأنه وقع وفرغ منه ~~لأنه قد فرغ من قضائه من لا يرد له قضاء، لأنه الواحد فلا شريك له ولا ~~منازع. # ولما كانوا ربما قالوا في تعنتهم: فلعله مثل ما أوحي إليك بعلم ما لم تكن ~~تعلم، يوحي إليك بالقدرة على ما لم تكن تقدر عليه، فتعجل لنا الموت ثم ~~البعث لنرى ما أخبرتنا به من التخاصم مصورا، لعلنا نصدقك فيما أتيت به، قال ~~مجيبا لهم قاصرا للوحي على قصره على النذارة وهي إبلاغ ما أنزل إليه، لا ~~تعجيل شيء مما توعدوا به: {إن} أي ما {يوحى} أي في وقت من الأوقات، وبناه ~~للمفعول لأن # PageV16P417 # ذلك كاف في تنبيههم على موضع الإشارة في أن دعواه إنما هي النبوة لا ~~الإلهية {إلي إلا} ولما كان الوحي قولا قرأ أبو جعفر بكسر {إنما أنا نذير} ~~أي قصري على النذارة لا أني أنجز ما يتوعد به الله؛ فإنما مفعول يوحى ~~القائم مقام الفاعل في القراءتين وإن اختلف التوجيهان فالتقدير على قراءة ~~الجماعة بالفتح: إلا الإنذار أو إلا كوني نذيرا، وعلى قراءة الكسر: إلا هذا ~~القول وهو أني أقول لكم كذا {مبين *} أي لا أدع لبسا فيما ابلغه بوجه من ~~الوجوه. # PageV16P418 # ولما دل على أنه نذير، وأزال ما ربما أوردوه عليه، أتبعه ظرف اختصام ~~الملأ الأعلى، أو بدل «إذ» الأولى فقال: {إذ} أي حين {قال} ودل على أنه هذا ~~كله إحسان إليه وإنعام عليه بذكر الوصف الدال على ذلك، ولفت القول عن ~~التكلم إلى الخطاب لأنه أقعد في المدح وأدل على أنه كلام الله كما في قوله: ~~{قل من كان عدوا لجبريل} [البقرة: 97] دليلا يوهم أنه ظرف ليوحى أو لنذير ~~فقال: {ربك} أي المحسن إليك بجعلك خير المخلوقين وأكرمهم عليه فإنه أعطاك ~~الكوثر، وهو كل ما يمكن أن تحتاج إليه {للملائكة} وهم الملأ الأعلى وإبليس ~~منهم # PageV16P418 # لأنه كان إذ ذاك معهم وفي عدادهم. ولما كانوا عالمين بما دلهم ms4121 عليه دليل ~~من الله كما تقدم في سورة البقرة أن البشر يقع منه الفساد، فكانوا يبعدون ~~أن يخلق سبحانه من فيه فساد لأنه الحكيم الذي لا حكيم سواه، أكد لهم سبحانه ~~قوله: {إني خالق بشرا} أي شخصا ظاهر البشرة لا ساتر له من ريش ولا شعر ولا ~~غيرهما ليكون التأكيد دليلا على ما مضى من مراجعتهم لله تعالى التي أشار ~~إليها بالاختصام، وبين أصله بقوله معلقا بخالق أو بوصف بشر: {من طين *} ~~اجعله خليفتي في الأرض وإن كان في ذلك فساد لأني أريد أن أظهر حلمي ورحمتي ~~وعفوي وغير ذلك من صفاتي التي لا يحسن في الحكمة إظهارها إلا مع الذنوب «لو ~~لم تذنبوا فتستغفروا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» قال ~~القشيري: وإخباره للملائكة بذلك يدل على تفخيم شأن آدم عليه السلام لأنه ~~خلق ما خلق من الكونين والجنة والنار والعرش والكرسي والملائكة، ولم يقل في ~~صفة شيء منها ما قاله في صفة آدم عليه السلام وأولاده، ولم يأمر بالسجود ~~لشيء غيره. # ولما أخبرهم سبحانه بما يريد أن يفعل، سبب عنه قوله: {فإذا سويته} أي ~~هيأنه بإتمام خلقه لما يراد منه من قبول الروح وما يترتب عليه {ونفخت فيه ~~من روحي} فصار حساسا متنفسا، سبه سبحانه إفاضته الروح بما يتأثر عن نفخ ~~الإنسان من لهب النيران، وغير ذلك من التحريك والإسكان، والزيادة والنقصان، ~~وأضافه سبحانه إليه تشريفا له، # PageV16P419 # {فقعوا له} أي خاصة {ساجدين *} أي اسجدوا له للتكرمة امتثالا لأمري سجودا ~~هو بغاية ما يكون من الطواعية والاختيار والمحبة لتكونوا كأنكم وقعتم بغير ~~اختيار، ففعلوا ما أمرهم به سبحانه من غير توقف، ولذلك ذكر فعلهم مع جواز ~~تأنيثه فقال: {فسجد} أي عند ما نفخ فيه الروح {الملائكة} على ما أمرهم ~~الله، ولما كان إسناد الخبر إلى الجميع قد يراد به أكثرهم، أكد بقوله: ~~{كلهم} إرادة لرفع المجاز. # ولما كان لا يقدح في ذلك واحد مثلا أو قليل لا يعبأ بهم لضعف أو نحوه، ~~رفع ذلك بقوله: {أجمعون*} مع إفادة ms4122 أن السجود كان في آن واحد إعلاما بشدة ~~انقيادهم، وحسن تأهبهم للطاعة واستعدادهم، ثم زاد في إيضاح العموم ~~بالاستثناء الذي هو معياره فقال: {إلا إبليس} عبر عنه بهذا الاسم لكونه من ~~الإبلاس وهو انقطاع الرجاء إشارة إلى أنه في أول خطاب الله له بالإنكار ~~عليه على كيفية علم منها تأبد الغضب عليه وتحتم العقوبة له. # ولما عرف بالاستثناء أنه لم يسجد، وكان مبنى السورة على استكبار الكفرة ~~بكونهم في عزة وشقاق، بين أن المانع له من السجود # PageV16P420 # الكبر تنفيرا عنه مقتصرا في شرح الاختصام عليه وعلى ما يتصل به فقال: ~~{استكبر} أي طلب أن يكون أكبر من أن يؤمر بالسجود له وأوجد الكبر على أمر ~~الله، وكان من المستكبرين العريقين في هذا الوصف كما استكبرتم أيها الكفرة ~~على رسولنا، وسنرفع رسولنا صلى الله عليه وسلم كما رفعنا آدم صفينا عليه ~~السلام على من استكبر عن السجود له، ونجعله خليفة هذا الوجود كما جعلنا آدم ~~عليه السلام، وأشرنا إلى ذلك في هذه السورة بافتتاحها بخليفة واختتامها ~~بخليفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر كل من أحوالهما. # ولما كان الفعل الماضي ربما أوهم أنه حدث فيه وصف لم يكن، وكان التقدير: ~~فكفر بذلك، عطفا عليه بيانا لأنه جبل على الكفر ولم يحدث منه إلا ظهور ذلك ~~للخلق قوله: {وكان} أي جبلة وطبعا {من الكافرين *} أي عريقا في وصف الكفر ~~الذي منشؤه الكبر على الحق المستلزم للذل للباطل، فالآية من الاحتباك: ذكر ~~فعل الاستكبار أولا، دليلا على فعل الكفر ثانيا ووصف الكفر ثانيا دليلا على ~~وصف الاستكبار أولا، وسر ذلك أن ما ذكره أقعد في التحذير بأن من وقع منه ~~كبر جره إلى الكفر. # PageV16P421 # ولما كان من خالف أمر الملك جديرا بأن يحدث إليه أمر ينتقم به منه، فتشوف ~~السامع لما كان من الملك إليه، استأنف البيان لذلك بقوله: {قال} وبين أنه ~~بمحل البعد بقوله: {يا} وبين يأسه من # PageV16P421 # الرحمة، وأنه لا جواب له اصلا بتعبيره بقوله: {إبليس ما} أي، أي ms4123 شيء ~~{منعك أن تسجد} وبين ما يوجب طاعته ولو أمر بتعظيم ما لا يعقل بقوله معبرا ~~بأداة ما لا يعقل عمن كان عند السجود له عاقلا كامل العقل: {لما خلقت} فأنا ~~العالم به وبما يستحقه دون غيري، وما أمرت بالسجود له إلا لحكمة في الأمر ~~وابتلاء للغير، وأكد بيان ذلك بذكر اليد وتثنيتها فقال: {بيدي} أي من غير ~~توسط سبب من بين هذا النوع وما ذاك إلا لمزيد اختصاص، والمراد باليد هنا ~~صفة شريفة غير النعمة والقدرة معلومة له سبحانه ولمن تبحر في علمي اللغة ~~والسنة، خص بها خلق آدم عليه السلام تشريفا له وفي تثنية اليد إشارة إلى ~~أنه ربما أظهر فيه معاني الشمال وإن كان كل من يديه مباركا، ثم قسم المانع ~~إلى طلب العلو ووجود العلو مع الإنكار عليه في الاستناد إلى شيء منهما، ~~فقال في صيغة استفهام التقرير مع الإنكار والتقريع، بيانا لأنه يلزمه لا ~~محالة زيادة على ما كفر به أن يكون على أحد هذين الأمرين: {أستكبرت} أي ~~طلبت أن تكون أعلى منه وأنت تعلم أنك دونه فأنت بذلك ظالم، فكنت من ~~المستكبرين العريقين في وصف الظلم، فإن من اجترأ على أدناه أوشك أن يصل إلى ~~أعلاه {أم كنت} أي مما لك من الجبلة الراسخة {من العالين *} أي الكبراء ~~المستحقين للكبر وأنا لا أعلم ذلك فنقصتك من منزلتك فكنت جائرا في أمري # PageV16P422 # لك بما أمرتك به، فلذلك علوت بنفسك فلم تسجد له، هذا المراد لا ما يقوله ~~بعض الملاحدة من أن العالين جماعة من الملائكة لم يسجدوا لأنهم لم يؤمروا ~~لأن ذلك قدح في العموم المؤكد هذا التأكيد العظيم، وفي تفسير العلماء له من ~~غير شبهة، والآية من الاحتباك؛ دل فعل الاستكبار أولا على فعل العلو ثانيا، ~~ووصف العلو ثانيا على وصف الاستكبار أولا، وسر ذلك ان إنكار الفعل المطلق ~~مستلزم لإنكار المقيد لأنه المطلق بزيادة، وإنكار الوصف مستلزم لإنكار ~~الفعل لأنه جزوه مع أن إنكار الفعل من هذا مستلزم لإنكار الفعل من ذاك، ~~فيكون ms4124 كل من الفعلين مدلولا على إنكاره مرتين: تارة بإنكار فعل عديله وأخرى ~~بإنكار وصفه نفسه والوصفان كذلك وفعل الكبر أجدر بالإنكار من فعل العلو و ~~«أم» معادلة لهمزة الاستفهام وإن حذفت من قراءة بعضهم لدلالة «أم» عليها ~~وإن اختلف الفعل، قال أبو حيان: قال سيبويه: تقول: أضربت زيدا أم قتلته، ~~فالبدء هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان، ولا ~~تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت: أي ذلك كان - انتهى. # PageV16P423 # ولما صدعه سبحانه بهذا الإنكار، دل على إبلاسه بقوله مستأنفا: {قال} ~~مدعيا لأنه من العالين: {أنا خير منه} أي فلا حكمة في أمري بالسجود له، ثم ~~بين ما ادعاه بقوله: {خلقتني من نار} أي وهي في غاية القوة والإشراق ~~{وخلقته من طين *} أي وهو في غاية الكدورة والضعف، واستؤنف بيان ما حصل ~~التشوف إليه من علم جوابه بقوله معرضا عن القدح في جوابه لظهور سقوطه بأن ~~المخلوق المربوب لا اعتراض له على ربه بوجه: {قال فاخرج} أي بسبب تكبرك ~~ونسبتك الحكيم الذي لا اعتراض عليه إلى الجور {منها} أي من الجنة محل الطهر ~~عن الأدواء الظاهرة والباطنة، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لأجل ادعاء أنه أهل ~~لأقرب القرب: {فإنك رجيم *} أي مستحق للطرد والرجم وهو الرمي بالحجارة الذي ~~هو للمبالغة في الطرد. # ولما كان الطرد قد يكون في وقت يسير، بين أنه دائم بقوله، مؤكدا إشارة ~~إلى الإعلام بما في نفسه من مزيد الكبر: {وإن عليك} أي خاصة. ولما كان ~~السياق هنا للتكلم في غير مظهر العظمة لم يأت بلام الكلام بخلاف الحجر ~~فقال: {لعنتي} أي إبعادي مع الطرد والخزي والهوان والذل مستعل ذلك عليك ~~دائما قاهرا لك لا تقدر على الانفكاك # PageV16P424 # عنه بوجه، وأما غيرك فلا يتعين للعن بل يكون بين الرجاء والخوف لا علم ~~للخلائق بأنه مقطوع بلعنة ما دام حيا إلا من أخبر عنه نبي من الأنبياء ~~بذلك، ثم غيى هذا اللعن بقوله: {إلى يوم الدين *} أي فإذا جاء ذلك اليوم ~~أخذ في ms4125 المجازاة لكل عامل بما عمل ولم يبق لمذنب وقت يتدارك فيه ما فاته، ~~وحينئذ يعلم أهل الاستحقاق للعن كلهم، ولم يبق علم ذلك خاصا بإبليس، بل يقع ~~العلم بجميع أهل اللعنة، فالغاية لعلم الاختصاص باللعن لا للعن. # ولما كان ذلك، تشوف السامع إلى ما كان منه فأخبر سبحانه به في سياق معلم ~~أنه منعه التوفيق فلم يسأل التخفيف ولا عطف نحو التوبة، بل أدركه الخذلان ~~بالتمادي في الطغيان، فطلب ما يزداد به لعنة من الإضلال والإعراق في الضلال ~~ضد ما أنعم به على آدم عليه السلام، فقال ذاكرا صفة الإحسان والتسبيب لسؤال ~~الإنظار لما جرأه عليهما من ظاهر العبارة في أن اللعنة مغباة بيوم الدين: ~~{قال رب} أي أيها المحسن إلي بإيجادي وجعلي في عداد الملائكة الكرام ~~{فأنظرني} أي بسبب ما عذبتني به من الطرد {إلى يوم يبعثون *} أي آدم وذريته ~~الذين تبعثهم ببعث جميع الخلائق: {قال} مؤكدا لأن # PageV16P425 # مثل ذلك في خرقه للعادة لا يكاد يتصور: {فإنك} أي بسبب هذا السؤال {من ~~المنظرين *} وهذا يدل أن مثل هذا الإنظار لغيره أيضا. # PageV16P426 # ولما دبج في عبارته بما يقتضي السؤال في أن لا يموت، فإن يوم البعث ظرف ~~لفيض الحياة لا لغيضها ولبسطها لا لقبضها، منعه ذلك بقوله: {إلى يوم الوقت} ~~ولما كان تدبيجه في السؤال قد أفهم تجاهله بما هو أعلم الخلق به من تحتم ~~الموت لكل من لم يكن في دار الخلد الذي أبلغ الله تعالى في الإعلام به، ~~قال: {المعلوم *} وهو الصعقة الأولى وما يتبعها. # ولما كانت هذه الإجابة سببا لأن يخضع وينيب شكرا عليها، وأن يطغى ويتمرد ~~ويخيب لأنها تسليط، وتهيئة للشر، فاستشرف السامع إلى معرفة ما يكون من هذين ~~المسببين، عرف أنه منعه الخذلان من اختيار الإحسان بقوله: {قال فبعزتك} أي ~~التي أبت أن يكون لغيرك فعل لا بغير ذلك، ويجوز أن تكون الباء للقسم ~~{لأغوينهم} أي ذرية آدم عليه السلام {أجمعين *} قال القشيري: ولو عرف عزته ~~لما # PageV16P426 # أقسم بها على مخالفته. # ولما كان عالما بأن ms4126 القادر ما خلق آدم عليه السلام وشرفه بما شرفه به ~~ليشقي ذريته كلهم قال: {إلا عبادك} فأضافهم إليه سبحانه تنبيها على أن ~~غيرهم قد انسلخوا من التشرف بعبوديته بالنسبة إلى من أطاعوه. ولما كان يمكن ~~أن يكون المستثنى، من غير البشر قيد بقوله: {منهم المخلصين *} أي الذين ~~أخلصهم الله تعالى لطاعته فأخلصوا قصدهم لها، وعرف من الاستثناء أنهم قليل ~~وأن الغواة هم الأصل. # ولما حصل التشوف إلى جوابه، دل عليه بقوله: {قال فالحق} أي فبسبب إغوائك ~~وغوايتهم أقول الحق {والحق} أي لا غيره أبدا {أقول *} أي لا أقول إلا الحق، ~~فإن كل شيء قلته ثبت، فلم يقدر أحد على نقضه ولا نقصه. ولما كانت إجابته ~~بالإنظار ربما كانت سببا لطمعه في الخلاص، قطع رجاءه بما أبرزه في أسلوب ~~التأكيد من قوله جوابا لقسم مقدر وبيانا للحق، وفي قراءة عاصم وحمزة برفع ~~{فالحق} يكون هو المقسم به أي فالحق قسمي، والجواب {لأملأن} وما بينهما ~~اعتراض مبين أن هذا مما لا يخلف اصلا {جهنم} أي النار العظيمة التي من ~~شأنها تجهم من حكم بدخوله إياها {منك} أي نفسك وكل من كان على شاكلتك من ~~جنسك من # PageV16P427 # جميع الجن {وممن} . # ولما كان الأغلب على سياقات هذه السورة سلامة العاقبة، كان توحيد الضمير ~~في {تبع} أولى، وليفهم الحكم على كل فرد ثم الحكم على المجموع فقال: {تبعك} ~~ولما كان ربما قال متعنت: إن المالىء لجهنم من غير البشر قال: {منهم} أي ~~الناس الذين طلبت الإمهال لأجلهم، وأكد ضمير {منك} والموصول في {ممن} ~~بقوله: {أجمعين *} لا تفاوت في ذلك بين أحد منكم، وهذا الخصام الذي بين ~~سبحانه أنه كان بين الملأ الأعلى كان سببا لهم إلى انكشاف علوم كثيرة منها ~~أن السجود والتحيات والاستغفار والكفارات سبب الوصول إلى الله والقربات، ~~فصاروا بعد ذلك يختصمون فيها، فكانت هذه القضية سببا لاطلاع النبي صلى الله ~~عليه وسلم على أسرار الملك والملكوت، وإلى ذلك الإشارة بالحديث الذي رواه ~~أحمد والترمذي - وقال: حسن غريب - والدارمي والبغوي في تفسير عن ms4127 ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «إني نعست فاستثقلت # PageV16P428 # نوما فأتاني ربي» - وفي رواية؛ «آت من ربي - في أحسن صورة، فقال لي يا ~~محمد، قلت: لبيك ربي وسعديك، قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، فقلت لا ~~يا رب» - وفي رواية: «قلت: أنت أعلم أي رب مرتين - قال: فوضع يده بين كتفي ~~حتى وجدت بردها بين ثديي - أو قال: نحري - فعلمت ما في السماوات وما في ~~الأرض» - وفي رواية: «ما بين المشرق والمغرب» - وفي رواية الدارمي والبغوي: ~~«ثم تلا هذه الآية {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين} قال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: نعم، في ~~الدرجات والكفارات، قال: وما هن؟ قلت: المكث في المساجد بعد الصلوات، ~~والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره» - وفي رواية: ~~«في السبرات - وانتظار الصلاة بعد الصلاة قال: من فعل ذك عاش بخير ومات ~~بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد، قلت: لبيك وسعديك، ~~قال: إذا صليت فقل» اللهم إني أسالك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب ~~المساكين وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك # PageV16P429 # غير مفتون «قال:» والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل ~~والناس نيام «، قال المنذري: الملأ الأعلى: الملائكة المقربون، والسبرات - ~~بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة: جمع سبرة، وهي شدة البرد، وعزاه ~~شيخنا في تخريج أحاديث الفردوس إلى أحمد والترمذي عن معاذ رضي الله عنه ~~أيضا وقال: وفي الباب عن ثوبان رضي الله عنه عند أحمد بن منيع وعن أبي ~~هريرة وأبي سعيد الخدري، وأبي رافع وأبي أمامة وأبي عبيدة وأسامة وجابر بن ~~سمرة وجبير بن مطعم وأسامة بن عمير وأنس رضي الله عنهم عند أحمد، فهذا ~~اختصام سبب العلم بتفاصيله الاختصام الأول وهو ما في شأن آدم عليه السلام ~~وذريته، والعلم الموهوب لمحمد صلى الله عليه وسلم بسبب السؤال عن هذا ~~الاختصام كالعلم الموهوب لأبيه آدم عليه عليه السلام بسبب ذلك ms4128 الاختصام، ~~وهذا الاختصام - والله أعلم - هو اختلافهم في مقادير جزاء العاملين من ~~الثواب المشار إليه بالدرجات الحامل عليها العقل الداعي إلى أحسن تقويم، ~~والعقاب المشار إليه بالكفارات الداعي إلى أسبابها الوساوس الشيطانية ~~الرادة إلى أسفل سافلين التي سأل إبليس الإنظار لأجلها، وسبب اختلافهم في # PageV16P430 # مقادير الجزاء اختلاف مقادير الأعمال الباطنة من صحة النيات وقوة العزائم ~~وشدة المجاهدات ولينها على حسب دواعي الحظوظ والشهوات التي كان سبب علمهم ~~بهذا الاختصام في أمر آدم عليه السلام وما نشأ عنه تفصيله بأمور دقيقة ~~المأخذ المظهرة لأن الفضل ليس بالأمور الظاهرة وإنما هو بما يهبه الله من ~~الأمور الباطنة وسمي تقاولهم في ذلك اختصاما دلالة على عظمة ما تقاولوا ~~فيه، لأن الخصومة لا تكون إلا بسبب أمر نفيس، فالمعنى أن الملائكة كل واحد ~~منهم مشغول بما أقيم فيه من الخدمة، فليس بينهم تقاول يكون بغاية الجد ~~والرغبة كما هو شأن الخصام إلا في هذا لشدة عجبهم منه لما يعملون من صعوبة ~~هذه الأمور على الآدمي لما عنده من الشواغل والصوارف عنها بما وهبهم الله ~~من العلم جزاء لانقيادهم للطاعة بالسجود بعد ذلك الخصام فنزوع الآدمي عن ~~صوارفه وحظوظه إلى ما للملائكة من الصفوف في الطاعة والإعراض أصلا عن ~~المعصية غاية في العجب، وعلمه صلى الله عليه وسلم لما في السماوات وما في ~~الأرض علم عام لما كان في حين الرؤيا ظهر له به ملكوتهما، ونسبة ذلك كله ~~إلى علم الله تعالى كالنسبة التي ذكرها الخضر لموسى عليهما السلام في نفرة ~~العصفور من البحر، والذي ذكره العلماء في ذلك أنه تقريب للإفهام فإنه لا ~~نسبة في الحقيقة لعلم أحد من علمه تعالى ولا بنقص علمه أصلا سبحانه عما يلم ~~بنقص أو يدني إلى وهن # {قل # PageV16P431 # لو كان البحر مدادا} [الكهف: 109] {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} ~~[لقمان: 27] {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} ~~[المائدة: 109] ويقال للنبي صلى الله عليه وسلم في ناس اختلجوا دونه عن ~~حوضه «إنك لا ms4129 تدري ما أحدثوا بعدك؟ فيقول: فسحقا سحقا» . # ولما تم ما أراد من الدليل على أن ما ذكره لهم نبأ عظيم هم عنه معرضون ~~بما أخبر به من الغيب مع ما له من الإعجاز، فثبت بذلك ما اقتضى أنه صادق في ~~نسبته إلى الله تعالى، وختم بالتحذير من اتباع إبليس، أمره بالبراءة من ~~طريقه وأن ينفي عن نفسه ما قد يحمل على التقول بقوله: {قل} أي لأمتك: {ما ~~أسئلكم} سؤالا مستعليا، وعلق به لا «بأجر» قوله: {عليه} أي على التبليغ ~~والإنذار مما أنتم متعرضون له من الهلاك بالإعراض، فأداة الاستعلاء ~~للاحتراز عن سؤال المودة في القربى وحسن الاتباع فإنهما مسؤولان وهما روح ~~الدين، ولكن سؤالهما ليس مستعليا على الإبلاغ بحيث إنهما لو انتفيا انتفى، ~~وأعرق في النفي بقوله: {من أجر} أي فيكون لكم في الرد شبهة {وما أنا من ~~المتكلفين *} أي المتحلين بما ليسوا من أهله من قول # PageV16P432 # ولا فعل، الذين يكلفون أنفسهم تزوير الكلام والتصنع فيه وترتيبه على طريق ~~من الطرق بنظم أو نثر سجع أو خطب أو غير ذلك، أو وضع أنفسهم في غير ~~مواضعها، كما فعل إبليس، لست منهم بسبيل ولا أعد في عدادهم بوجه، لا أفعل ~~أفعالهم ولا أحبهم ولا أتعصب لهم، فهو أبلغ من «وما أنا متكلفا» قد ~~عرفتموني طول عمري كذلك، ومن المعلوم أن ذلك لو كان في غريزتي لما كففت عنه ~~طول زماني النمو من الصبي والشباب اللذين توجد فيهما الغرائز ولا توجد ~~بعدهما، فإذا ثبت أن ذلك لم يكن لي إذ ذاك ثبت أنه متعذر بعده، لما تقرر من ~~أنه لا توجد غريزة بعد الوقوف عن النمو في سن الثلاث والأربعين، فإذا علم ~~أني لست كذلك علم أني مأمور بما أنا فيه من القول والفعل، فأنا من المكلفين ~~لا المتكلفين، فكل من قال أو فعل ما لم يؤمر به فهو متكلف، وروى الثعلبي ~~بسنده من حديث سلمة بن نفيل رضي الله عنه مرفوعا والبيهقي في الشعب من قول ~~علي بن أرطاة وأبو نعيم ms4130 في الحلية من قول وهب: علامة المتكلف ثلاث: ينازع ~~من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم. # ولما أثبت المقتضيات لأنه من عند الله وأزال الموانع، بين حقيقته التي لا ~~يتعداها إلى ما نسبوه إليه بقوله: {إن} أي ما {هو إلا ذكر} # PageV16P433 # أي عظة وشرف {للعالمين *} أي كلهم يفهم كل فرد ما تحتمله قواه ذكيا كان ~~أو غبيا على ما هو عليه من العلو الذي لا يدانيه فيه كلام بخلاف الشعر ~~والكهانة التي محطها السجع والكذب في الإختبار ببعض المغيبات، فإنهما مع ~~سفول رتبتهما لا يفهمهما من العالمين إلا ذاك وذاك. # ولما كان التقدير: أنا عالم بذلك، عطف عليه قوله جوابا لقسم: {ولتعلمن} ~~أي أنتم أيضا {نبأه} أي صدقي في جميع ما أنبأتكم به فيه وعنه من الأخبار ~~العظيمة وفيما أشار إليه افتتاح هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه السورة ~~بخليفة وختامهم بخليفة من أن عزتكم تصير إلى ذل وشقاقكم يصير إلى مسالمة ~~وألفة، وكثرتكم تصير إلى قل، وأن ما أنا فيه الآن يفضي بي إلى خلافة الله ~~في أرضه، وأن أوسط أمري يصير إلى مثل خلافة الأول في جميع جزيرة العرب التي ~~هي أرض المسجد الأعظم الذي هو قبل المسجد الأقصى الذي هو محل خلافته، ثم ~~يزاد أمر خلافتي في سائر البلاد ولا يزال حتى يعم الأرض بطولها والعرض على ~~يد ابنه عيسى عليه السلام خاتمة أكابر أتباعي # PageV16P434 # وأنصاري وأشياعي، وترك الجار إعلاما باستغراق العلم لزمان البعد فقال: ~~{بعد حين *} أي مبهم عندكم معلوم لي في الدنيا إذا ظهر عبادي عليكم وفي ~~الآخرة مطلقا، وإنما أخروا إلى هذا الحين ليبلغ في الإعذار إليهم فتنقطع ~~حججهم وتتناهى ذنوبهم التي يستحقون الأخذ بها، ولقد والله علموا ذلك ثم ~~ندموا من مات منهم ومن عاش قبل مضي عشرين سنة من إعلاء كلمته وإظهار رسالته ~~وإتمام دينه، واستمر العلم لهم ولمن بعدهم بما بث فيه من العلوم، وجمع فيه ~~من شريف الرسوم، وأظهر مما تقدم الوعد به فيه إلى هذا الزمان، وإلى ms4131 أن يفنى ~~كل فان، ثم يبعثوا إلى الجنان أو النيران، فقد أثبتت هذه الآية من كون ~~القرآن ذكرا ما أثبتته أول آية فيها على أتم وجه مع زيادة الوعيد، فانعطف ~~الآخر على الأول، واتصل به أحسن اتصال وأجمل، ونظر إلى أول الزمر أعظم نظر ~~وأكمل، فلله در هذا الانتظام، فهو لعمري أضوأ من شمس الضحى وأتم من بدر ~~التمام، فسبحان من أنزله وأجمله وفصله، وفضله وشرفه وكرمه - والله أعلم. # PageV16P435 # سورة الزمر # مقصودها الدلالة على أنه سبحانه وتعالى صادق الوعد،، أنه غالب لكل شيء، ~~فلا يعجل لأنه لا يفوته شيء، ويضع الأشياء في أوفق محالها يعرف ذلك أولو ~~الألباب المميزون بين القشر واللباب، وعلى ذلك دلت تسميتها الزمر لأنها ~~إشارة إلى أنه أنزل كلا من المحشورين داره المعدة له بعد الإعذار في ~~الإنذار، والحكم بينهم بما استحقته أعمالهم، عدلا منه سبحانه في أهل النار، ~~وفضلا على المتقين الأبرار، وكذا تسميتها) تنزيل (لمن تأمل آيتها، وحقق ~~عبارتها وإشارتها، وكذا) الغرف (، لأنها إشارة إلى حكمه سبحانه في الفريقين ~~أهل الظلل النارية والغرف النورية، تسمية للشيء بأشرف جزئيه، فالقول فيها ~~كالقول في الزمر سواء، ويزيد أهل الغرف ختام آيتهم) وعد الله لا يخاف الله ~~الميعاد () بسم الله (الذي تمت كلمته فع أمره) الرحمن (الذي وضع، رحمته ~~العامة أحكم وضع فدق لذي الأفهام سره) الرحيم (الذي خص أولياءه بالتوفيق ~~لطاعته فعمهم بره. # PageV16P436 # لما تبين من التهديد في ص أنه سبحانه قادر على ما يريد، ثم ختمها بأن ~~القرآن ذكر للعالمين، وأن كل ما فيه لا بد أن يرى لأنه واقع لا محالة لكن ~~من غير عجلة، فكانوا ربما قال متعنتهم: ما له إذا كان قادرا لا يعجل ما ~~يريده بعد حين، علل ذلك بأنه {تنزيل} أي بحسب التدريج لموافقة المصالح في ~~أوقاتها وتقريبه للأفهام على ما له من العلو حتى صار ذكرا للعالمين، ووضع ~~موضع الضمير قوله: {الكتاب} للدلالة على جمعه لكل صلاح، أي لا بد أن يرى ~~جميع ما فيه لأن الشأن العظيم إنزاله ms4132 على سبيل التنجيم للتقريب في فهمه ~~وإيقاع كل شيء منه في أحسن أوقاته من غير عجلة ولا توان، ثم أخبر عن هذا ~~التنزيل بقوله: {من الله} أي المتصف بجميع صفات الكمال {العزيز} فلا يغلبه ~~شيء وهو يغلب كل شيء {الحكيم *} الذي يضع الأشياء في محالها التي هي أوفق ~~لها، فلكونه منه لا من غيره كان ذكرا للعالمين، صادقا في كل ما يخبر به، ~~حكيما في جميع أموره. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بنيت سورة ص على ذكر المشركين ~~وعنادهم وسوء ارتكابهم واتخاذهم الأنداد والشركاء، ناسب ذلك ما افتتحت به ~~سورة ### | الزمر # من الأمر بالإخلاص الذي هو نقيض # PageV16P437 # حال من تقدم، وذكر ما عنه يكون وهو الكتاب، فقال تعالى {تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم} {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له ~~الدين} {ألا لله الدين الخالص} وجاء قوله تعالى {والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء} - الآية في معرض أن لو قيل: عليك بالإخلاص ودع من أشرك ولم يخلص، ~~فسترى حاله، وهل ينفعهم اعتذارهم بقولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى} وهؤلاء هم الذين بنيت سورة ص على ذكرهم، ثم وبخهم الله تعالى وقرعهم ~~فقال {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى} - الآية، فنزه نفسه عن عظيم ~~مرتكبهم بقوله سبحانه {هو الله الواحد القهار} ثم ذكر بما فيه أعظم شاهد من ~~خلق السماوات والأرض وتكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل وذكر ~~آيتي النهار والليل ثم خلق الكل من البشر من نفس واحدة، وهي نفس آدم عليه ~~السلام، ولما حرك تعالى إلى الاعتبار بعظيم هذه الآيات وكانت أوضح شيء وأدل ~~شاهد، عقب ذلك بما يشير إلى معنى التعجب من توقفهم بعد وضوح الدلائل، ثم ~~بين تعالى أنه غني من الكل بقوله {إن تكفروا فإن الله غني عنكم} ثم قال # PageV16P438 # {ولا يرضة لعباده الكفر} فبين أن من اصطفاه وقربه واجتباه من العباد لا ~~يرضى له بالكفر، وحصل من ذلك مفهوم الكلام أن الواقع من الكفر إنما وقع ms4133 ~~بإرادته ورضاه لمن ابتلاه به ثم أنس من آمن ولم يتبع سبيل الشيطان وقبيلته ~~من المشار إليهم في السورة قبل فقال تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} # {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} [الأسراء: 7] {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} ثم ~~تناسجت الآي والتحمت الجمل إلى خاتمة السورة - انتهى. # ولما أخبر أنه من عنده، علل ذلك بما ثبت به جميع ما مضى من الخير، فقال ~~صارفا القول عن الغيبة منبها على زيادة عظمته بذكر إنزاله ثانيا، مبرزا له ~~في أسلوب العظمة مختبرا أنه خص به أعظم خلقه، معبرا بالإنزال الظاهر في ~~الكل تجوزا عن الحكم الجازم الذي لا مرد له: {إنا} أي على ما لنا من العظمة ~~{أنزلنا} أي بما لنا من العظمة، وقرن هذه العظمة بحرف الغاية المقتضي ~~للواسطة إشارة إلى أن هذا كان في البداية بدلالة اتباعه بالأمر بالعبادة، ~~بخلاف ما يأتي في هذه السورة فإنه للنهاية بصيرورته خلقا له صلى الله عليه ~~وسلم، فكان بحرف الاستعلاء أنسب دلالة على أن ثقله الموجب لتفطر القدم وسبب ~~اللمم خاص به صلى الله عليه وسلم، ومن قرب منه # PageV16P439 # ويسره وسهولته لأمته فقال: {إليك} أي خاصة بواسطة الملك، لا يقدر أحد من ~~الخلق أن يدعي مشاركتك في شيء من ذلك، فتكون دعواه موجبة لنوع من اللبس، ~~وأظهر موضع الإضمار تفخيما بالتنبيه على ما فيه من جمع الأصول والفروع ~~واللطائف والمعارف {الكتاب} أي الجامع لكل خير مع البيان القاطع والحكم ~~الجازم بالماضي والآتي، والكائن، متلبسا {بالحق} وهو مطابقة الواقع لجميع ~~أخباره، فالواقع تابع لأخباره، لا يرى له خبر إلا طابقه مطابقة لاخفاء بشيء ~~منها، لا حلية له ولا لباس إلا الحق، فلا دليل على كونه من عنده من ذلك، ~~فليتبعوا خبره، ولينظروا عينه وأثره. # ولما ثبت بهذا أنه خصه سبحانه بشيء عجز عنه كل أحد، ثبت أنه سبحانه الإله ~~وحده، فتسبب عن ذلك قوله لفتا للقول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه بلحظ جميع ~~صفات الكمال لأجل العبادة تعظيما لقدرها لأنها المقصود بالذات: {فاعبد ms4134 ~~الله} أي الحائز لجميع صفات الكمال حال كونك {مخلصا} والإخلاص هو القصد إلى ~~الله بالنية بلا علة {له} أي وحده {الدين *} بمعانقة الأمر على غاية الخضوع ~~لأنه خصك بهذا الأمر العظيم فهو أهل منك لذلك وخسأ عنك الأعداء، فلا أحد ~~منهم يقدر على الوصول إليك بما يوهن شيئا من أمرك فأخلص لتكون رأس المخلصين ~~الذين تقدم آخر سورة ص أنه لا سبيل للشيطان # PageV16P440 # عليهم وتقدم ذكر كثير من رؤوسهم، ووقع الحث على الاقتداء بهم بما ذكر من ~~أمداحهم لأجل صبرهم في إخلاصهم، قال الرازي: قال الجنيد: الإخلاص أصل كل ~~عمل وهو مربوط بأول الأعمال، وهو تصفية النية ومنوط بأواخر الأعمال بأن لا ~~يلتفت إليها ولا يتحدث بها ويضمر في جميع الأحوال، وهو إفراد الله بالعمل، ~~وفي الخبر «أنا أغنى الشركاء عن الشرك» . # ولما أمره سبحانه بهذا الأمر، نادى باستحقاقه لذلك وأنه لم يطلب غير حقه، ~~وأن ذلك لا يتصور أن يكون لغيره، فقال في جواب من كأنه قال: لم منعه من ~~الالتفات إلى غيره؟ مناديا إشارة إلى أنه لا مكافئ له فلا يسع أحدا يبلغه ~~هذا النداء إلا الخضوع طائعا أو كارها: {ألا لله} أي الملك الأعلى وحده ~~{الدين الخالص} لأنه له الأمر والخلق لا يشركه فيه أحد، فكما تفرد بأن خلقك ~~وخلق كل ما لك من شيء فكذلك ينبغي أن تفرده بالطاعة، ولأنه إذا عبده أحد ~~مخلصا كفاه كل شيء، وأما غيره فلو أخلص له أحد لم يمكن أن يكفيه شيئا من ~~الأشياء فضلا عن كل شيء والدين الذي هو أهل للإخلاص هو الإسلام الذي كان في ~~كل ملة المنبني على القواعد # PageV16P441 # الخمس المثبتة بالإخلاص المحض الناشئ من المراقبة في الأوامر والنواهي ~~وجميع ما يرضي الشارع للدين أو يسخطه، فتكون جملته لله من غير شهوة ظاهرة ~~أو باطنة في شهرة ولا غيرها، وإنما استحقه سبحانه دون غيره لأنه هو الذي ~~شرعه ولا أمر لأحد معه فكيف يشركه من لا أمر له بوجه من الوجوه، وأما ما ~~كان فيه أدنى ms4135 شرك فهو رد على عامله والله غني حميد، وهذه كما ترى مناداة ~~لعمري تخضع لها الأعناق فتنكس الرؤوس ولا يوجد لها جواب إلا بنعم وعزته وأي ~~وكبريائه وعظمته، قال القشيري: وما للعبد فيه نصيب فهو عن الإخلاص بعيد ~~اللهم إلا أن يكون بأمره فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر على طاعته ~~فأطاعه لا يخرج عن الاحتساب باحتسابه أمره فيه، ولولا هذا لما صح أن يكون ~~في العالم مخلص، قال ابن برجان: وذلك - أي ترك الإخلاص - كله مولد عن حب ~~البقاء في الدنيا ونسيان لقاء الله تعالى، ثم قال ما معناه: إن ذلك من ~~الشرك، وهو ثلاثة أنواع: شرك في الإلهية وهو أن يرى مع الله إلها آخر، وهو ~~شرك المجوس والمجسمة: والوثنية، ويضاهيه غلط القدرية، الثاني شرك في ~~العبادة بالرياء وإضافة العمل إلى النفس، والثالث الشرك الخفي وهو الشهوة ~~الخفية، وهو أن يخفي العمل ويخاف من إظهار ويحب لو اطلع عليه ومدح بأسراره، ~~ومن أحسن العون على الإخلاص الحياء من الله # PageV16P442 # أن تتزين لغيره بعمل ألهمك إياه وقواك عليه وخلت فيه وزعمت تطلب التقرب ~~إليه فأتاك عدوه إبليس الذي عاداه فيك فتطيعه فيما يضرك ولا ينفعك، فاستعن ~~على عبادتك بالستر فاستر حسناتك كما تستر سيئاتك، فإن عمل السر يزيد على ~~عمل العلانية سبعين ضعفا، وذلك كالشجرة إذا ظهرت عروقها ضعف شربها، وأضر ~~بها حرارة الهواء وبرده، وتعرضت للآفات من قطع ويبس وغير ذلك ولم تحسن ~~فروعها وخف ورقها فقل نفعها، وإذا غاصت عروقها غابت عن الآفات وأمنت القطع ~~من أيدي الناس، فكثر شربها فجرى ماؤها فيها، فتزايدت لذلك فروعها واخضر ~~ورقها وكثر خيرها وطاب ثمرها لجانيها، فكذلك العمل إذا كانت له أصول في ~~القلب مستورة زكا في نفسه وطهر من الأدناس وكثر خيره وطاب ثوابه لعامله، ~~وإذا بدا لم يؤمن عليه من أبصار الناظرين، وإذا خفي لم يبق ما يخاف منه إلا ~~العجب ومحبة أن يطلع عليه، وهي الشهوة الخفية، ومن قولهم «من عرف الله بعد ~~الضلالة وعرف الإخلاص ms4136 بعد الرياء وأنزل الموت حق منزلته لم يغفل عن الموت ~~والاستعداد له بما أمكنه» انتهى. # ولما أخبر سبحانه عما له وحده، وكان محط أمر الإنسان بل جميع الحيوان على ~~الهداية إلى مصالحه ليفعلها ومفاسدة ليتركها، وأرشد # PageV16P443 # السياق إلى أن التقدير: فمن أخلص له الدين هداه في جميع أموره، وإن اشتد ~~الإشكال، وتراكمت وجوه الضلال، عطف عليه الإخبار عمن لزم الضلال، والغي ~~والمحال، فقال محذرا من مثل حاله، بما حكم عليه في مآله: {والذين} ولما كان ~~الإنسان مفطورا على الخضوع للملك الديان، ولا يلتفت إلى غيره إلا بمعالجة ~~النفس بما لها من الهوى والطغيان، عبر بصيغة الافتعال فقال: {اتخذوا} أي ~~عالجوا عقولهم حتى صرفوها عن الله فأخذوا، ونبههم على خطئهم في رضاهم ~~بالأدنى على الأعلى بقوله: {من دونه} ومعلوم أن كل شيء دونه {أولياء} أي ~~يكلون إليهم أمورهم، ويدخل فيهم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله مع اعترافهم بأن الله تفرد بخلقهم ورزقهم. # ولما كان من العجب العجيب فعلهم، هذا بين ما وجهوا به فعلهم ليكون آية ~~بينة في أنه لا هدى لهم فقال: {ما} أي قائلين لمن أخلصوا له الدين إذا ~~أنكروا عليهم أن يتخذوا من دونه وليا: ما {نعبدهم} لشيء من الأشياء {إلا ~~ليقربونا} ونبه سبحانه على بعدهم عن الصواب بالتعبير بالاسم الأعظم مع حرف ~~الغاية فقال: {إلى الله} الذي له معاقد العز ومجامع العظمة، تقريبا عظيما ~~على وجه التدريج ويزلفونا إليه {زلفى} أي تقريبا حسنا سهلا بهجا زائدا ~~ناميا متعاليا، قال القشيري: ولم يقولوا هذا من قبل الله ولا بإذنه، وإنما ~~حكموا بذلك من ذات أنفسهم، فرد الله عليهم، وفي هذا إشارة إلى ما يفعله ~~العبد # PageV16P444 # من القرب بنشاط نفسه من غير أن يقتضيه حكم الوقت، فكل ذلك اتباع هوى - ~~انتهى - والآية من الاحتباك: ذكر فعل التقريب أولا دليلا على فعل الزلف ~~ثانيا، واسم الزلف ثانيا دليلا على الاسم من التقريب أولا، وسره أنهم ~~أرادوا بهذا الاعتذار المسكت عن قبيح صنيعهم، فأتى سبحانه في حكايته عنهم ms4137 ~~بالتأكيد على أبلغ وجه لأن الدلالة على المعنى بلفظين أجدر في ثباته ~~وتكثيره من لفظ واحد وبدأ بأرشق الفعلين وأشهرهما وأخفهما وأوضحهما، وقد ~~خسر لعمري غاية الخسارة قوم تمذهبوا بأقبح المذاهب وجعلوا عذرهم هذه الآية ~~التي ذم الله المعتذر بها، وعلى ذلك فقد راج اعتذارهم بها على كثير من ~~العقول، وهم أهل الاتحاد الذين لا أسخف من عقولهم ولا أجمد من أذهانهم. # ولما كان إنما محط دينهم الهوى، وكان كل من تبع الهوى لا ينفك عن ~~الاضطراب في نفسه، فكيف إذا كان معه غيره فكيف إذا كانوا كثيرا فيكثر ~~الخلاف والنزاع وإن لم يحصل ذلك بالفعل كان بالقوة، ولذلك كلن لكل قبيلة ~~ممن يعبد الأصنام صنم غير صنم الأخرى وكان بعض القبائل يعبد الشعرى، وبعضهم ~~يعبد الملائكة وبعضهم غير ذلك # PageV16P445 # {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون: 53] نبه على ذلك مهددا لهم بقوله ~~مخبرا مؤكدا لأجل إنكارهم: {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال. ولما لم ~~يقيد الحكم بالقيامة وكانوا معترفين بأن المصائب في الدنيا منه قال: {يحكم ~~بينهم} من غير تأكيد آخر أي بين جميع المخالفين في الأديان وغيرها من ~~المتخذين للأولياء من دونه ومن المخلصين وغيرهم فلا بد أن ينصر أهل الحق ~~على جميع أهل الباطل. # ولما كانوا أوزاعا أكثر قبائلهم على خلاف ما يعتقده غيرها، قال: {في ما} ~~أي في الدين الذي والأمر الذي. ولما كان تحكيمهم للهوى موفرا لدواعيهم على ~~الاختلاف، وكان الاتخاذ الذي يبنى الكلام عليه له نظر عظيم إلى علاج الباطن ~~بخلاف سورة يونس اثبت الضمير هنا فقال: {هم} أي بضمائرهم {فيه يختلفون *} ~~أي ليس لهم أصل يضبطهم، فهو لا يرجعون إلا إلى الخلف كيف ما تقلبوا لأنهم ~~مظروفون لذلك العمل الذي مبناه الهوى هو منشأ الاختلاف، فكيف إذا انضم إلى ~~ذلك خلاف المخلصين وإنكارهم عليهم الذي أرشد إليه اعتذارهم، فظهر من هذا أن ~~اختلاف الأئمة في فهم كتاب الله ms4138 وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لقواعد ~~استنبطوها من ذلك لا يخرجون # PageV16P446 # عنها ليس خلافا بل وفاق لوحدة ما يرجعون إليه من الأصل الصحيح الثابت عن ~~الله، ومن هذا إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عمر وأبي وغيرهما رضي ~~الله عنهم لما أنكر كل منهم على من خالفه في القراءة وقال: «إن هذا القرآن ~~أنزل على سبعة أحرف فلا تختلفوا» ، فلا فرق بين أن يستند كل من الأمرين إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم نقلا أو اجتهادا لأنه في قوة الاتفاق لوحدة مرجعه ~~- والله الموفق، ويجوز أن يكون الضمير في «بينهم» لهم ولمعبوداتهم فإنهم ~~ليس منهم معبود صامت ولا ناطق إلا وهو صارخ بلسان حاله إن لم ينطق لسان ~~قاله بأنه مقهور مربوب عابد لا معبود، فهم مع من يعبدهم في غاية الخلاف. # PageV16P447 # ولما كان من الأمر الواضح أن الدين لا يكون صالحا إلا أن انتظم بنظام غير ~~مختل، وكان الدين إذا كان معوجا داعيا إلى التفرق مناديا على نفسه ~~بالانخلاع عنه والبعد منه فكان الحال مقتضيا للتعجب ممن تدين به، فضلا عمن ~~يدوم عليه، فضلا عمن لا ينتبه عند التنبيه، فضلا عمن يقاتل دون ذلك، أجاب ~~من كأنه قال: سبب عكوفهم على هذا الضلال الذي أوجب لهم قطعا الاختلاف ~~بالفعل أو بالقوة، فقال مؤكدا تكذيبا لمن ينكر ما تضمنه هذا الإخبار وإن # PageV16P448 # ظهر لبعض العمى غير ذلك مما يبدو من الكذبة والكفرة من أعمال مزينة ~~وأفكار دقيقة فتظن هدى وإنما هي استدراج. ولما أرشد السياق إلى أن المعنى: ~~لأنهم غير مهتدين لأن الله لم يخلق الهداية في قلوبهم، نسق به قوله: {إن ~~الله} أي الملك القادر القاهر الحكيم. ولما كان الأصل: لا يهديهم وأراد ~~سبحانه التعميم وتعليق الحكم بالوصف تنفيرا عنه قال: {لا يهدي} أي لا يخلق ~~الهداية في قلب {من هو} أي لضميره {كاذب} أي مرتكب الكذب عريق فيه حتى أداه ~~كذبه إلى أن يقول على ملك الملوك أن شيئا يقرب إليه بغير إذنه، ويخضع ~~بالعبادة التي ms4139 هي نهاية التعظيم، فهي لا تليق بغير من ينعم غاية الإنعام ~~لمن لا يملك ضرا ولا نفعا، ولم يعبر في الكذب بصيغة مبالغة لأن الذين ~~السياق لهم لم يقع منهم كذب إلا في ادعائهم أنهم يقربونهم. # ولما كان من كفر في حين من الدهر قد ضاعف كفره لكثرة ما على الوحدانية من ~~الدلائل وما لله عليه من الإحسان، وكان هؤلاء الذين لهم السياق قد كفروا ~~بتأهيلهم لشركائهم للعبادة ولعبادتهم بالفعل ولادعائهم فيهم التقريب قال ~~{كفار} بصيغة المبالغة، والأحسن أن يقال: إن المبالغة لإفهام أن الذي لا ~~يهديه إنما هو من ختم عليه سبحانه الموت على ذلك، قال القشيري: والإشارة ~~إلى تهديد من يتعرض لغير مقامه ويدعي شيئا ليس بصادق فيه فالله لا يهديه قط ~~إلى ما فيه سداده ورشده، وعقوبته أن يحرمه ذلك الشيء الذي تصدى له بدعواه ~~قبل تحققه بوجوده وذوقه. # PageV16P449 # ولما أخبر سبحانه بالحكم بينهم، فكان ذلك مع تضمنه التهديد وافيا بنفي ~~الشريك، كافيا في ذلك لأن المحكوم فيه لا يجوز أن يكون قسيما للحاكم، فلم ~~يبق في شيء من ذلك شبهة إلا عند ادعاء الولدية، قال نافيا لها على سبيل ~~الاستئناف جوابا لمن يقول: فما حال من يتولى الولد؟ - قال القشيري: والمحال ~~يذكر على جهة الإبعاد أن لو كان كيف حكمه -: {لو أراد الله} أي الذي له ~~الإحاطة بصفات الكمال {أن يتخذ} أي يتكلف كما هو دأبكم، ولا يسوغ في عقل أن ~~الإله يكون متكلفا {ولدا} أي كما زعم من زعم ذلك، ولما كان الولد لا يراد ~~إلا أن يكون خيارا، وكان الله قادرا على كل شيء، عدل عن أن يقول {لاتخذ} ~~إلى قوله: {لاصطفى} أي اختار على سبيل التبني {مما يخلق} أي يبدعه في أسرع ~~من الطرف، وعبر بالأداة التي أكثر استعمالها فيما لا يعقل إشارة إلى أنه ~~قادر على جعل أقل الأشياء # PageV16P449 # أجلها على سبيل التكرار والاستمرار - كما أشار إليه التعبير بالمضارع ~~فقال: {ما يشاء} أي مما يقوم مقام الولد فإنه لا يحتاج إلى التطوير ms4140 في ~~إتيان الولد إلا من لا يقدر على الإبداع بغير ذلك. # ولما كان لا يرضى إلا بأكمل الأولاد وهم الأبناء، لكنه لم يرد ذلك فلم ~~يكن، فهذا أقصى ما يمكن أن يجوز خلقا شريفا ويسميه ولدا إشارة إلى شدة ~~إكرامه له وتشريفه إياه، أو يقربه غاية التقريب كما فعل بالملائكة وعيسى ~~عليهم السلام، فكان ذلك سببا لغلطكم فيهم حتى دعيتم أنهم أولاد ثم زعمتم ~~أنهم بنات، فكنتم كاذبين من جهتين، هذا غاية الإمكان، وأما أنه يجوز عليه ~~التوليد فلا، بل هو مما يحيله العقل، لأن ذلك لا يكون إلا لمحتاج، والإله ~~لا يتصور في عقل أن يكون محتاجا أصلا، قال ابن برجان ما معناه: كان معهود ~~الولادة على وجهين، فولد منسوب إلى والده بنوة وولادة ورحما، فهذا ليس له ~~في الوجود العلي وجود، ولا في الإمكان تمكن، ولا في الفعل مساغ بوجه من ~~الوجوه، وولد بمعنى التبني والاتخاذ، وقد كانت العرب وغيرها من الأمم ~~يفعلونه حتى نسخة القرآن، فلا يبعد أن تكون هذه العبارة كانت جائزة في ~~الكتب قبلنا، فلما أعضل # PageV16P450 # بهم الداء وألحدوا في ذلك عن سواء القصد الذي هو الاصطفاء إلى بنوة ~~الولادة أضلهم الله وأعمى أبصارهم وسد السبيل عن العبادة عن ذلك، وكشف معنى ~~الاصطفاء، وأظهر معنى الولاية، ونسخ ذلك بهذا، لأن هذا لا يداخله لبس، وذلك ~~كله لبيان كمال هذه الأمة وعلوها في كل أمر. # ولما كانت نسبة الولد إليه كنسبة الشريك أو أشنع، وانتفى الأمران بما ~~تقدم من الدليل بالحكم باعترافهم بأن حكمه سبحانه نافذ في كل شيء لشهادة ~~الوجود، ولقيام الأدلة على عدم الحاجة إلى شيء أصلا فضلا عن الولد، نزه ~~نفسه بما يليق بجلاله من التنزيه في هذا المقام، فقال: {سبحانه} أي له ~~التنزيه التام عن كل نقيصة، ثم أقام الدليل على هذا التنزيه المقتضي لتفرده ~~فقال: {هو} أي الفاعل لهذا الفعال، والقائل لهذه الأقوال، ظاهرا وباطنا ~~{الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال، ثم ذكر من الأوصاف ما هو كالعلة لذلك ~~فقال: {الواحد} ms4141 أي الذي لا ينقسم أصلا، ولا يكون له مثل فلا يكون له صاحبة ~~ولا ولد، لأنه لو كان شيء من ذلك لما كان لا مجانسا ولا جنس له ولا شبه ~~بوجه من الوجوه {القهار *} أي الذي له هذه الصفة، فكل شيء تحت قهره آلهتهم ~~وغيرها على سبيل التكرار والاستمرار، # PageV16P451 # فصح من غير شك أنه لا يحتاج إلى شيء أصلا، وجعل ما لا حاجة إليه ولا داعي ~~يبعث عليه عبث ينزه عنه العاقل فكيف من له الكمال كله. # ولما أثبت هذه الصفات التي نفت أن يكون له شريك أو ولد، وأثبتت له الكمال ~~المطلق، دل عليها بقوله: {خلق السماوات والأرض} أي أبدعهما من العدم ~~{بالحق} أي خلقا متلبسا بالأمر الثابت الذي ليس بخيال ولا سحر، على وجه لا ~~نقص فيه بوجه، ولا تفاوت ولا خلل يقول أحد فيه أنه مناف للحكمة ولما كان من ~~أدل الأشياء على صفتي الوحدانية والقهر، وتمام القدرة وكمال الأمر، بعد ~~إيجاد الخافقين اختلاف الملوين، وكان التكوير - وهو إدارة الشيء على الشيء ~~بسرعة وإحاطته به بحيث يعلو عليه ويغلبه ويغطيه - أدل على صفة القهر من ~~الإيلاج، قال مبينا لوقت إيجاد الملوين: {يكور} أي خلقهما أي صورهما في حال ~~كونه يلف ويلوي ويدير فيغطي مع السرعة والعلو والغلة تكويرا كثيرا متجددا ~~مستمرا إلى أجله {اليل على النهار} بأن يستره به فلا يدع له أثرا، ولعظمة ~~هذا الصنع أعاد العامل فقال: {ويكور النهار} عاليا تكويره وتغطيته {على ~~اليل} فيذهبه كذلك # PageV16P452 # ويدخل في هذا الزيادة في كل منهما بما ينقص من الآخر لأنه إذا ذهب أحدهما ~~وأتى الآخر مكانه، فكأن الآتي لف على الذاهب وألبسه كما يلف اللباس على ~~اللابس، أو أنه شبه الذاهب في خفائه بالآتي بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن ~~مطامع الأبصار، أو أن كلا منهما لما كان يكر على الآخر كرورا متتابعا شبه ~~ذلك بتتابع أكوار بعضها على بعض، فتغيب ما تحتها. # ولما كانت الظلمة سابقة على الضياء، وكان الليل إنما هو ظلمة يسبقها ضياء ms4142 ~~بطلوع الشمس، رتب سبحانه هذا الترتيب على حسب الإيجاد، ولذلك قدم آية ~~النهار فقال معبرا بالماضي بخلقه الآيتين مسخرتين على منهاج معلوم لكل منها ~~لا يتعداه، وحد محدود لا يتخطاه {وسخر} أي ذلل وأكره وقهر وكلف لما يريد من ~~غير نفع للمسخر {الشمس} أي التي محت ما كان من الظلام فأوجبت اسم النهار ~~{والقمر} أي آية الليل. # ولما أخبر بقهرهما، بين ما صرفهما فيه، فقال بيانا لهذا # PageV16P453 # التسخير: {كل} أي منهما {يجري} أي بقضائنا الذي لا مرد له، وهذا آية ~~لاختلاف أحوال العبد لأن خلقه جامع، فيختلف في القبض والبسط والجمع والفرق ~~والأخذ والرد والصحو والسكر، وفي نجوم العقل، وأقمار العلم، وشموس المعرفة، ~~ونهار التوحيد، وليل الشك والجحد، ونهار الوصل وليالي الهجر والفراق، ~~وكيفية اختلافها وزيادتها ونقصانها - قاله القشيري. # ولما كان مقصود السورة العزة التي محطها الغلبة، وكان السياق للقهر، وكان ~~القضاء لعلة لا يتخلف عنها المعلول أدل على القهر من ذكر الغاية مجردة عن ~~العلة قال: {لأجل مسمى} أي لمنتهى الدور ومنقطع الحركة. ولما ثبت بهذا ~~قهره، قال مناديا رشقا في قلوب المنكرين: {ألا هو} أي وحده {العزيز} ولما ~~كان ربما قال متعنت: فما له لا يأخذ من يخالفه؟ وكانت صفة القهر والعزة ~~ربما أقنطت العصاة فأخرتهم عن الإقبال، قال مبينا لسبب التأخير ومستعطفا: ~~{الغفار *} أي الذي له صفة الستر على الذنوب متكررة فيمحو ذنوب من يشاء ~~عينا، وأثرا بمغفرته ويأخذ من يشاء بعزته. # ولما كان خلق الحيوان أدل على الوحدانية والقهر بما خالف به الجمادات من ~~الحياة التي لا يقدر على الانفكاك عنها قبل أجله، # PageV16P454 # وبما له من أمور اضطرارية لا محيص له عنها، وأمور اختيارية موكولة في ~~الظاهر إلى مشيئته، وكان أعجبه خلقا الإنسان بما له من قوة النطق، قال دالا ~~على ما دل عليه بخلق الخافقين لافتا القول إلى خطاب النوع كله إيذانا ~~بتأهلهم للخطاب، وترقيهم في علا الأسباب، من غير عطف إيذانا بأن كلا من ~~خلقهم وخلق ما قبلهم مستقل بالدلالة على ما سيق له: ms4143 {خلقكم} أي أيها الناس ~~المدعون لإلهية غيره {من نفس واحدة} هي آدم عليه السلام. # ولما كان إيجادنا منها بعد شق الأنثى منها، قال عاطفا على ما تقديره: ~~أوجدها من تراب، مبينا بلفظ الجعل أن الذكر هو سببها ومادتها منبها بأداة ~~التراخي على القهر الذي السياق له بالتراخي في الزمان بتأخير المسبب عن ~~سببه المقتضي له إلى حين مشيئته لأن إيجادها منه كان بعد مدة من إيجاده، ~~والأصل في الأسباب ترتب المسببات عليها من غير مهلة وعلى التراخي في الرتبة ~~أيضا بأن ذلك - لكونه شديد المباينة لأصله - من أعجب العجب: {ثم} أي بعد ~~حين، وعبر بالجعل لأنه كاف في نفي الشركة التي هذا أسلوبها وليبين أنه ما ~~خلق آدم عليه السلام إلا ليكون سببا لما يحدث عنه من الذرية ليترتب على ذلك ~~إظهار ما له # PageV16P455 # سبحانه من صفات الكمال فقال: {جعل منها} أي تلك النفس {زوجها} أي ونقلكم ~~بعد خلقكم منه إليها ثم أبرزكم إلى الوجود الخارجي منها، ويجوز - وهو أحسن ~~- أن يكون المعنى لأن السياق لإحاطة العلم المدلول عليه بإنزال الكتاب وما ~~تبعه: قدر خلقكم على ما أنتم عليه من العدد والألوان وجميع الهيئات حين خلق ~~آدم بأن هيأه لأن تفيضوا منه، فلا تزيدون على ما قدره شيئا ولا تنقصون وأن ~~تفيض منه زوجه، وذلك قبل خلق حواء منه، ثم أوجدها فكان الفيض منها فيضا منه ~~فالكل منه، ولهذا ورد الحديث في مسند أحمد بن منيع عن أبي الدرداء رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «خلق الله آدم يوم خلقه وضرب على كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم ~~الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: ~~إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في يساره: إلى النار ولا أبالي» . # ولما كان تنويع الحيوان إلى أنواع متباينة أدل على القدرة التي هي منشأ ~~القهر، وكان سبحانه موصوفا بالعلو، وكان أكثر الأنعام أشد من الإنسان، فكان ~~تسخيره له وتذليله إنزالا عن قوته # PageV16P456 # وإيهانا لشدته، ms4144 قال دالا على ذلك الإنشاء والجعل بلفظ الإنزال: {وأنزل ~~لكم} أي خاصة {من الأنعام} أي الإبل بنوعيها، والبقر كذلك، والضأن والمعز. ~~ولما لم يكن عند العرب البخاتي والجواميس لم يذكرها سبحانه، واقتصر على ما ~~عندهم، وقال: {ثمانية أزواج} أي من كل نوع زوجين ذكرا وأنثى، والزوج اسم ~~لواحد معه آخر لا يكمل نفعه إلا به، وإذا نظرت هذه العبارة مع العبارة عن ~~خلق الإنسان فهمت أن الأنعام خلق كل ذكرها وأنثاها على انفراده، لا أن أحدا ~~منها من صاحبه، وذلك أدل على إطلاق التصرف وتنويعه مما لو جعل خلقها مثل ~~خلق الآدمي. # ولما كان تكوينهم في تطويرهم عجبا قال مستأنفا بيانا لما أجمل قبل: ~~{يخلقكم} أي يقدر إيجادكم أنتم والأنعام على ما أنتم عليه من أخلاط العناصر ~~{في بطون أمهاتكم} ولما كان تطوير الخلق داخل البطن حيث لا تصل إليه يد ~~مخلوق ولا بصره، قال دالا على عظمته ودلالته على تمام القدرة والقهر: ~~{خلقا} ودل على تكوينه شيئا بعد شيء بإثبات الحرف فقال: {من بعد خلق} أي في ~~تنقلات الأطوار وتقلبات الأدوار. ولما كان الحيوان لا يعرف ما هو إلا # PageV16P457 # في التطوير الرابع، وكان الجهل ظلمة قال: {في ظلمات ثلاث} ظلمة النطفة ثم ~~العلقة ثم المضغة، فإذا صار عظاما مكسوة لحما عرف هل هو ذكر أو أنثى فزالت ~~عنه ظلمات الجهل، وصار خلقا آخر، وقيل؛ ظلمة البطن والرحم والمشيمة - نقل ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما وعزاه ابن أبي الدنيا في كتاب القناعة إلى عيسى ~~ابن مريم عليه السلام. # ولما ثبت له سبحانه كمال العظمة والقهر، قال مستأنفا ما أنتجه الكلام ~~السابق معظما باداة البعد رميم الجمع: {ذلكم} أي العالي المراتب شهادتكم ~~أيها الخلق كلكم، بعضكم بلسان قاله، وبعضكم بناطق حاله، الذي جميع ما ذكر ~~من أول السورة إلى هنا أفعاله، ولما أشار إلى عظمته بأداة البعد، أخبر عن ~~اسم الإشارة فقال: {الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال، ونبه على جهلهم مما ~~يعلمون من ربوبيته لعملهم بالشرك عمل جاهل بذلك ms4145 فقال واصفا: {ربكم} أي ~~المالك والمربي لكم بالخلق والرزق. ولما كان المربي قد لا يكون ملكا قال ~~نتيجة لما سبق: {له} أي وحده {الملك} ولما كان المختص بالملك قد لا يكون ~~إلها، قال مثبتا له الإلهية على ما يقتضيه من الوحدانية وهو # PageV16P458 # بمنزلة نتيجة النتيجة: {لا إله إلا هو} . # ولما تكفل هذا السياق بوجوب الإخلاص في الإقبال عليه والإعراض عما سواه، ~~لأن الكل تحت قهره، وشمول نهيه وأمره، سبب عنه قوله: {فأنى} أي فكيف ومن أي ~~وجه {تصرفون *} أي قهرا عن الإخلاص له إلى الإشراك به بصارف ما وإن كان ~~عظيما، ونبه بالبناء للمفعول مع هذا على أنهم مقهورون في فعل ما هم عليه ~~لأنهم تابعون للهلاك المحض، تاركون للأدلة التي لا خفاء في شيء منها، ~~ومعلوم أنه لا يترك أحد الدليل في الفيافي العطشة الذي إن تركه هلك إلا ~~قهرا؛ وأن الناس هيئوا لطريق الهدى بما خلقوا عليه من أحسن تقويم بسلامة ~~الفطر واستقامة العقول، وأشار إلى هذا لأنهم يأنفون من النسبة إلى القهر ~~وأن يفعلوا شيئا بغير اختيار لما عندهم من الأنفة وعلو الهمم والعظمة. # PageV16P459 # ولما ظهرت الأدلة وبهرت الحجج، بين ما على من غطاها بالإصرار، وما لمن ~~تاب ورجع التذكار، فقال مستأنفا لما هو نتيجة ما مضى، معرفا لهم نعمته ~~عليهم بأنه ما تعبد لشيء يخصه من نفع أو ضر، وإنما هو لمصالحهم خاصة بادئا ~~بما هو من درء المفاسد: {إن تكفروا} # PageV16P459 # أي تستروا الأدلة فتصروا على الانصراف عنه بالإشراك {فإن الله} لأنه جامع ~~لصفات الكمال {غني عنكم} أي فلا يضره كفركم ولا تنفعه طاعتكم، وأما أنتم ~~فلا غنى لكم عنه بوجه، ولا بد أن يحكم بينكم فلم تضروا إلا أنفسكم {ولا ~~يرضى} لكم - هكذا كان الأصل بدليل ما سبقه ولحقه، وإنما أظهر ليعم وليذكرهم ~~بما يجدونه في أنفسهم من أن أحدا منهم لا يرضى لعبده أن يؤدي خرجه إلى غيره ~~بغير إذنه فقال: {لعباده} أي الذين تفرد بإيجادهم وتربيتهم {الكفر} ~~بالإقبال على سواه وأنتم لا ترضون ms4146 ذلك لعبيدكم مع أن ملككم لهم في غاية ~~الضعف، ومعنى عدم الرضى أنه لا يفعل فعل الراضي بأن يأذن فيه ويقر عليه أو ~~يثيب فاعله ويمدحه، بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه ويذم عليه ويعاقب ~~مرتكبه {وإن تشكروا} أي بالعبادة والإخلاص فيها {يرضه} أي الشكر الدال عليه ~~فعله {لكم} أي الرضى اللائق بجنابه سبحانه بأن يقركم عليه أو يأمركم به ~~ويثيبكم على فعله، والقسمان بإرادته، واختلاف القراء في هائه دال على مراتب ~~الشكر - والله أعلم، فالوصل للواصلين إلى النهاية على اختلاف مراتبهم في # PageV16P460 # الوصول والاختلاس للمتوسطين والإسكان لمن في الدرجة الأولى منه. # ولما كان في سياق الحكم والقهر، وكانت عادة القهارين أن يكلفوا بعض الناس ~~ببعض ويأخذوهم بجوائرهم لينتظم لهم العلو على الكل لعدم إحاطة علمهم بكل ~~مخالف لأمرهم، بين أنه سبحانه على غير ذلك فقال: {ولا تزر وازرة} أي وازرة ~~كانت {وزر أخرى} بل وزر كل نفس عليها لا يتعداها يحفظ عليها مدة كونها في ~~دار العمل، والإثم الذي يكتب على الإنسان بترك الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ليس وزر غيره، وإنما هو وزر نفسه، فوزر الفاعل على الفعل، ووزر ~~الساكت على الترك لما لزمه من الأمر والنهي {ثم إلى ربكم} أي وحده لا إلى ~~أحد ممن أشركتموه به {مرجعكم} أي بالبعث بعد الموت إلى دار الجزاء. ولما ~~كان الجزاء تابعا للعلم، قال معبرا عنه به: {فينبئكم} أي فيتسبب عن البعث ~~أنه يخبركم إخبارا عظيما {بما كنتم تعملون} أي بما كان في طبعكم العمل به ~~سواء عملتموه بالفعل أم لا ثم يجازيكم عليه إن شاء. # ولما كان المراد - كما أشار إليه بكان - الإخبار بجميع الأعمال الكائنة ~~بالفعل أو القوة، حسن التعليل بقوله: {إنه عليم} أي بالغ العلم {بذات ~~الصدور *} أي بصاحبتها من الخواطر والعزوم، وذلك بما دلت عليه الصحبة - كل ~~ما لم يبرز إلى الخارج، فهو بما برز أعلم. # PageV16P461 # ولما ذكر سبحانه أنه المختص بالملك وحده، وأتبعه بما يرضيه وما يسخطه، ~~أقام الدليل على ذلك الاختصاص مع أنه ms4147 أوضح من الشمس بدليل وجداني لكل أحد ~~على وجه ذمهم فيه بالتناقض الذي هم أعظم البأس ذما له ونفرة منه وذما به ~~فقال: {وإذا} وهي - والله أعلم - حالية من واو {تصرفون} وكان الأصل: مسكم، ~~ولكنه عمم ودل بلفت القول عن الخطاب على الوصف الموجب للنسيان فقال: {مس ~~الإنسان} أي هذا النوع الآنس بنفسه مؤمنه وكافره {ضر} أي ضر كان من جهة ~~يتوقعها - بما أشار إليه الظرف بمطابقة المقصود السورة مع تهديد آخر التي ~~قبلها {دعا ربه} أي الحسن إليه الذي تقدم تنبيهكم من غفلتكم عليه بقوله ~~«ذلكم الله ربكم» ذاكرا صفة إحسانه {منيبا} أي راجعا رجوعا عظيما {إليه} ~~بباطنه مخلصا في ذلك عالما أنه لا يكفيه أمره غيره ضرورة يجدها في نفسه لأن ~~الضر أزال عنه الأموية والحظوظ، معرضا عما كان يزعم من الشركاء معرفا لسان ~~حاله أنه لا شريك له سبحانه كما هو الحق فتطابق في حال الضراء الحق ~~والاعتقاد. # ولما كان الإنسان لما جبل عليه من الجزع واليأس إذا كان في # PageV16P462 # ضر استبعد كل البعد أن يكشف عنه، لتقيده بالجزئيات وقصوره على التعلق ~~بالأسباب، أشار إلى ذلك مع الإشارة إلى الوعد بتحقيق الفرج فقال: {ثم} أي ~~بعد استبعاده جدا. ولما كان الرخاء محققا، وهو أكثر من الشدة، عبر بأداة ~~التحقق، فقال منبها بالتعبير ب «خول» على أن غطاءه ابتداء فضل منه لا يستحق ~~أحد عليه شيئا لأن التخويل لا يكون جزاء بل ابتداء: {إذا خوله} أي أعطاه ~~عطاء متمكنا ابتداء، وجعله حسن القيام عليه قادرا على إجادة تعهده {نعمة ~~منه} ومكنه فيها {نسي} أي مع دعائه أن يشكر على الإحسان، فكانت مدة تخويله ~~ظرف نسيانه، فعلم أن صلاحه بالضراء {ما} أي الأمر الذي {كان يدعوا} ربه على ~~وجه الإخلاص {إليه} إلى كشفه من ذلك الضر الذي كان، وأعلم بتقارب وقتي ~~النسيان والإنابة بإثبات الجار فقال: {من قبل} أي قبل حال التخويل {وجعل} ~~زيادة على الكفران بنسيان الإحسان {لله} أي الذي لا مكافئ له بشهادة الفطرة ~~والعقل والسمع {أندادا} ms4148 أي لكونه يتأهلهم، فينزلهم بذلك منزلة من يكون ~~قادرا على المعارضة والمعاندة، فقد علم من التعبير بالنسيان أنه عالم بربه، ~~ولذلك دعاه في كشف ضره وأنه جعل علمه عند الإحسان إليه جهلا، فكان كمن لا ~~يعلم من سائر الحيوانات العجم. # PageV16P463 # ولما كان ذلك في غاية الضلال، لكونه - مع أنه خطأ - موجبا لقطع الإحسان ~~وعدم الإجابة في كشف الضر مرة أخرى وكانوا يدعون أنهم أعقل الناس، وكان هذا ~~الضلال في غاية الظهور، وكان العاقل لا يفعل شيئا إلا لعلة، عظمهم تهكما ~~بهم عن أن يكونوا ضلوا هذا الضلال الظاهر من غير قصد إليه، فقال مشيرا إلى ~~ذلك كله: {ليضل} أي بنفسه عند فتح الياء، ويضل غيره عند من ضمها {عن سبليه} ~~أي الطريق الموصل إلى رضوانه، الموجب للفوز بإحسانه. # ولما كان من المعلوم المحقق المقطوع به المركوز في الفطر الأولى المستمر ~~فيما بعدها أن الملك لا يدع من يعصيه بغير عقاب، وكان قد ثبت بقضية الإجماع ~~وقت الاضطرار أنه لا يلتفت إلى أحد سوى الله وكان من التفت - بعد أن أنجاه ~~الله من ضرره وأسبغ عليه من نعمه - كافرا من غير شك عند ذي عقل، وكان من ~~كان بهذه المثابة في هذه الدار هم أهل النعم الكبار، والتمتع الصافي عن ~~الأكدار، كان من المعلوم أنه لا بد من عقوبته في دار القرار، فقال تعالى ~~مبينا # PageV16P464 # لأن هذا التمتع إنما هو سبب هذا الكفران استدراجا مع الإعراض المؤذن ~~بالغضب {قل} أي يا أحب خلقنا إلينا المستحق للإقبال عليه بالخطاب، لهذا ~~الذي قد حكم بكفره مهددا له بما يقوته بلذيذ عيشه في الدنيا من الفيض من ~~الجناب الأقدس ويؤول إليه أمره من العذاب الأكبر: {تمتع} أي في هذه الدنيا ~~التي هي وكل ما فيها - مع كونه زائلا - يفيض إلى الله، فهو من جملة المقت ~~إلا لمن صرفه في طاعة الله. # ولما ذكر تمتيعه بالخسيس، ذكر سببه الخسيس تعظيما لأجور المؤمنين ~~لانصرافهم عن الكفر مع علمهم بأنه من أسباب التمنيع وبيانا لذوي الهمم ~~العوال ms4149 من غيرهم فقال: {بكفرك} ثم أشار إلى قلة زمن الدنيا وما فيها في جنب ~~الآخرة فقال: {قليلا} ثم علل ذلك بما إذا غمس في عذابه أنعم أهل الدنيا ~~غمسة واحدة قال: ما رأيت نعيما قط، فقال مؤكدا لأجل تكذيبهم بالنار، ودفعا ~~لما استقر في نفوسهم أن تنعيمهم في الدنيا إنما هو لقربهم من الله ومحبته ~~لهم، وأن ذلك يتصل بنعيم الآخرة على تقدير كونها: {إنك} وهذا الأمر هنا ~~يراد به الزجر، تقديره: إن تمتعت هكذا كنت {من أصحاب النار *} أي الذين لم ~~يخلفوا إلا لها {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # PageV16P465 # لهم قلوب لا يفقهون بها} [الأعراف: 179] . # ولما أرشدت «أم» قطعا في قراءة من شدد إدغاما لإحدى الميمين في الأخرى أن ~~التقدير شرحا لأحوال المؤمنين بعد أحوال المشركين: أهذا - الذي يدعو الله ~~مرة، وغيره ممن يجعله له ندا أخرى - أسد طريقة وأقوم قيلا: {أمن هو} ~~والتقدير في قراءة نافع وابن كثير وحمزة بالتخفيف: أمن هو بهذه الصفة خير ~~أم ذلك الكافر الناسي لمن أحسن إليه، ويرجح التقدير بالاستفهام دون النداء ~~إنكار التسوية بين العالم الذي حداه علمه على القنوت والذي لا يعلم حقيقة ~~أو مجازا لعدم الانتفاع بعلمه {قانت} أي مخلص في عبادته الله تعالى دائما ~~{آناء اليل} أي جميع ساعاته. # ولما كان المقام للإخلاص، وكان الإخلاص أقرب مقرب إلى الله لأنه التجرد ~~عن جميع الأغيار، وكان السجود أليق الأشياء بهذا الحال، ولذلك كان أقرب ~~مقرب للعبد من ربه، لأنه خاص بالله تعالى، قال: {ساجدا} أي وراكعا ودل على ~~تمكنه من الوصفين بالعطف فقال: {وقائما} أي وقاعدا، وعبر بالاسم تنبيها على ~~دوام إخلاصه في حال سجوده وقيامه، والآية من الاحتباك: ذكر السجود دليلا ~~على الركوع والقيام دليلا على القعود، والسر في ذكر ما ذكر وترك ما ترك أن # PageV16P466 # السجود يدل على العبادة، وقرن القيام به دال على أنه قيام منه فهو عبادة، ~~وذلك مع الإيذان بأنهما أعظم الأركان، فهو ندب إلى تطويلهما على الركنين ~~الآخرين لأن القعود إنما هو ms4150 للرفق بالاستراحة والركوع إنما أريد به إخلاص ~~الأركان للعبادة، لأنه لا يمكن عادة أن يكون لغيرها، وأما السجود فيطرقه ~~احتمال السقوط والقيام والقعود مما جرت به العوائد، فلما ضم إليهما الركوع ~~تمحضا للخضوع بين يدي الملك العليم العزيز الرحيم. # ولما كان الإنسان محل الفتور والغفلة والنسيان، وكان ذلك في محل الغفران، ~~وكان لا يمكن صلاحه إلا بالخوف من الملك الديان، قال معللا أو مستأنفا ~~جوابا لمن كأنه يقول: ما له يتعب نفسه هذا التعب ويكدها هذا الكد: {يحذر ~~الآخرة} أي عذاب الله فيها، فهو دائم التجدد لذلك كلما غفل عنه. ولما ذكر ~~الخوف، أتبعه قرينه الذي لا يصح بدونه فقال: {ويرجوا رحمة ربه} أي الذي لم ~~يزل ينقلب في إنعامه. # ولما كان الحامل على الخوف والرجاء والعمل إنما هو العلم النافع، وكان ~~العلم الذي لا ينفع كالجهل أو الجهل خير، كان جواب ما تقدم من الاستفهام: ~~لا يستويان، لأن المخلص عالم والمشرك جاهل. فأمره بالجواب بقوله: {قل} أي ~~لا يستويان، لأن الحامل على الإخلاص العلم وعلى الإشراك الجهل وقلة العقل، ~~ثم أنكر على من يشك في ذلك فقل # PageV16P467 # له: {هل يستوي} أي في الرتبة {الذين يعلمون} أي فيعملون على مقتضى العلم، ~~فأداهم علمهم إلى التوحيد والإخلاص في الدين {والذين لا يعلمون} فليست ~~أعمالهم على مقتضى العلم إما لجهل وإما لإعراض عن مقتضى العلم فصاروا لا ~~علم لهم لأنه لا انتفاع لهم به لأنهم لو تأملوا أدنى تأمل مع تجريد الأنفس ~~من الهوى لرجعوا إليه من أنه لا يرضى أحد أصلا لعبده أن يخالف أمره، وإلى ~~أنه لا يطلق العلم إلا على العامل أرشد قول ابن هشام في السيرة # {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} [آل عمران: 188] أن يقول الناس: علماء، ~~وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى ولا حق. # ولما كان مدار السداد التذكر. وكان مدار التذكر الذي به الصلاح والفساد ~~هو القلب لأنه مركز العقل الذي هو آلة العلم، وكان القلب الذي لا يحمل على ~~الصلاح عدما، بل العدم ms4151 خير منه، قال: {إنما يتذكر} أي تذكرا عظيما بما ~~أفهمه إظهار التاء فيعلم أن المحسن لا يرضى بالإحسان إلى من يأكل خيره ~~ويعبد غيره {أولوا الألباب *} أي العقول الصافية والقلوب النيرة وهم ~~الموصوفون آخر آل عمران بقوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم} [آل عمران: 191] إلى # PageV16P468 # آخرها، وما أحسن التعبير هنا باللب الذي هو خلاصة الشيء لأن السياق ~~للإخلاص، قال الرازي في اللوامع: قال الإمام محمد بن علي الترمذي: خلق الله ~~تعالى الأشياء مسخرة للآدمي، وخلق الآدمي للخدمة، ووضع فيه أنواره ليخرج ~~الخدمة لله تعالى من باطنه بالحاجة، فالآدمي مندوب إلى العلم بالله تعالى ~~وبأوامره حسب ما خلق له، والخدمة والقنوت بقلبك بين يديه ماثلا منتصبا محقا ~~مبادرا مسارعا سائقا مركبك في جميع أمورك بالحب له، وعلم الخدمة علم ~~البساطين: بساط القدرة وبساط العبودة فإذا طالعت بساط القدرة بعقل وافر وهو ~~أن تعرف نفسك وتركيبك من روحاني وجسماني، وطالعت بساط العبودة بكياسة تامة ~~أدركت تدبيره في العبودة وباطن أمره ونهيه وعلل التحريم والتحليل، وبسط ~~الله بساط الربوبية من باب القدرة، وبسط بساط العبودة من باب العظمة، ثم ~~كان آخر خلقه سبحانه هذا الإنسان الذي بسط له هذين البساطين، وجمع فيه ~~العالمين، وزاد على ما فيهما من قبول الأمر اختيارا وطوعا، وكل شيء أعطاك ~~إنما أعطاك لتبرزه إلى جوارحك، وتستعمله فيما خلق له، فلو لم يعطك منك لم ~~يطلب منك، فلا تطلب الزكاة ممن لا مال له، ولا الصلاة قياما ممن لا رجل له. # PageV16P469 # ولما ثبت أن القانت خير، وكان المخالف له كثيرا، وكان أعظم # PageV16P469 # حامل له على القنوت التقوى، وكانت كثرة المخالف أعظم مزلزل، وكان الإنسان ~~- لما له من النقصان - أحوج شيء إلى التثبيت، وكان التثبيت من المجانس، ~~والتأنيس من المشاكل أسكن للقلب وأشرح للصدر، أمر أكمل الخلق وأحسنهم ~~ملاطفة بتثبيتهم فقال: {قل} ولما كان الثبات لا يرسخ مع كثرة المخالف، ~~وتوالي الزلزال والمتالف، إلا إذ كان عن الملك، جعل ذلك عنه سبحانه ليجتمع ~~عليه الخالق والأقرب إليه ms4152 من الخلائق، فقال: {يا عباد} دون أن يقول: يا ~~عباد الله، مثلا تذكيرا لهم تسكينا لقلوبهم بما علم من أن التقدير. قال ~~الله، وتشريفا لهم بالإضافة إليه بالضمير الدال على اللطف وشدة الخصوصية، ~~وإعلاما لهم بأنه حاضر لا يغيب عنهم بوجه: {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذه ~~الحقيقة ولو على أدنى حالاتها. # ولما كان الإحسان ربما جرا على المحسن، أشار سبحانه إلى سداد قول ~~العارفين «اجلس على البساط وإياك والانبساط» ونبه بلفت القول عن مظهر ~~التكلم إلى الوصف بما يدل على أن العاقل من # PageV16P470 # أوجب له الإحسان إجلالا وإكبارا، وأثمر له العطف والتقريب ذلا في نفسه ~~وصغارا، وخوفا وانكسارا، مما أقله قطع الإحسان فقال: {اتقوا ربكم} أي ~~اجعلوا بينكم وبين غضب المحسن إليكم وقاية بأن تترقوا في درجات طاعته ~~مخلصين له كما خلقكم لكم لا لغرض له ليرسخ إيمانكم ويقوي إحسانكم، وهذا أدل ~~دليل على أن الإيمان يكون مع عدم التقوى. # ولما أرشدهم بالاسم الناظر إلى الإحسان إلى أن يقولوا: فما لنا إن فعلنا؟ ~~قال مجيبا معللا: {للذين أحسنوا} أي لكم، ولكنه أظهر الوصف الدال على سبب ~~جزائهم تشويقا إلى الازدياد منه، ولما كان العمل لا ينفع إلا في دار ~~التكليف قال: {في هذه} باسم الإشارة زيادة في التعيين {الدنيا} أي الدنية ~~الوضرة التي لا تطهر الحياة فيها إلا بالتقديس بعبادة الخالق والتخلق ~~بأوصافه {حسنة} أي عظيمة في الدنيا بالنصر والمعونة مع كثرة المخالف وفي ~~الآخرة بالثواب، ويجوز أن يكون معنى {أحسنوا} أوقعوا الإحسان، ومعلوم أنه ~~في هذه الدنيا، فيكون ما بعده مبتدأ وخبرا، لكنه يصير خاصا بثواب الدنيا، ~~فالأول حسن. # ولما كان ربما عرض للإنسان في أرض من يمنعه الإحسان، ويحمله على العصيان، ~~حث سبحانه على الهجرة إلى حيث يزول عنه # PageV16P471 # ذلك المانع، تنبيها على أن مثل هذا ليس عذرا في التقصير كما قيل: # وإذا نبا بك منزل فتحول ... فقال: {وأرض الله} أي الذي له الملك كله ~~والعظمة الشاملة {واسعة} ووجوده بعلمه وقدرته في كل أرض على حد سواء، ~~فالمتقيد ms4153 بمكان منها ضعيف العزم واهن اليقين، فلا عذر للمفرط في الإحسان ~~بعدم الهجرة. # ولما كان الصبر على هجرة الوطن ولا سيما إن كان ثم أهل وعشيرة شديدا جدا، ~~ذكر ما للصابر على ذلك لمن تشوف إلى السؤال عنه فقال: {إنما يوفى} أي ~~التوفية العظمية {الصابرون} أي على ما تكرهه النفوس في مخالفة الهوى واتباع ~~أوامر الملك الأعلى من الهجرة وغيرها {أجرهم بغير حساب *} أي على وجه من ~~الكثرة لا يمكن في العادة حسبانه، وذلك لأن الجزاء من جنس العمل، وكل عمل ~~يمكن عده وحصره إلا الصبر فإنه دائم مع الأنفاس، وهو معنى من المعاني ~~الباطنة لا يطلع خلق على مقداره في قوته وضعفه وشدته ولينه لأنه مع خفائه ~~يتفاوت مقداره، وتتعاظم آثاره، بحسب الهمم في علوها وسفولها، وسموها ~~ونزولها، ويجوز أن يكون المعنى أن من كمل صبره بما أشارت إليه لام الكمال - ~~لم يكن عليه حساب، لما رواه البزار وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: جاءت امرأة # PageV16P472 # بها لمم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ادع الله ~~لي، قال: «إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت صبرت ولا حساب عليك» ، قالت: بل ~~أصبر ولا حساب علي. # ولما كانت الأعين ناظرة إلى الأمر هل يفعل ما يأمر به ومقيده بالرئيس ~~لتأتسي به، وكان أعظم الصابرين من جاهد نفسه حتى خلص أعمالها من الشوائب ~~وحماها من الحظوظ والعوائق، وصانها من الفتور والشواغل، أمره بما يرغبهم في ~~المجاهدة، ويكشف لهم عن حلاوة الصبر، بقوله: {قل} ولما كان الرئيس لقربه من ~~الملك بحيث يظن أنه يسامحه في كثير مما يكلف به غيره أكد قوله: {إني أمرت} ~~وبني الفعل لما لم يسم فاعله تعظيما للأمر بأنه قطع ومضى بحيث لم يبق فيه ~~مشوبة، وأقام مقام الفاعل دليلا على أنه العمدة للحث على لزومه قوله: {أن ~~أعبد الله} أي الذي الخلق كلهم سواء بالنسبة إلى قبضته وعلوه وعظمته لأنه ~~غني عن كل شيء {مخلصا له الدين ms4154 *} أي العبادة التي يرجى منه الجزاء عليها. # ولما كان الرئيس إذا سابق إلى شيء شوق النفوس إليه، وأوجب عليها العكوف ~~عليه قال: {وأمرت} أي، وقع الأمر لي وانبرم بأوامر عظيمة وراء ما أمرتم به ~~لا تطيقونها {لأن} أي لأجل # PageV16P473 # أن {أكون} في وقتي وفي شرعي {أول} أي أعظم {المسلمين *} أي المنقادين في ~~الرتبة الحائزين قصب السبق بكل اعتبار لأوامر الإله الذي لا فوز إلا ~~بامتثال أوامره أو أسبق الكائنين منهم في زماني، فجهة هذا الفعل غير جهة ~~الأول، فلذلك عطف عليه لأنه لإحراز قصب السبق، والأول لمطلق الإخلاص في ~~العبادة. # ولما كان ما أمر به مفهما لأن يكون مع ترغيب ومع ترهيب، وكان ربما ظن أن ~~الرئيس لا يرهب الملك لأمور ترجى منه أو تخشى، وكان تكرير الأمر بإبلاغ ~~المأمورين أوقع في قلوبهم وأشد إقبالا بنفوسهم قال تعالى: {قل} أي لأمتك، ~~وأكد - لما في الأوهام أن الرئيس لا يخاف - قوله {إني أخاف} أي مع تأمينه ~~لي بغفران ما تقدم وما تأخر إخلاصا في إجلاله وإعظامه وفعلا لما على العبد ~~لمولاه الذي له جميع الكبرياء والعظمة، ولما كان وصف الإحسان ربما جرا على ~~العصيان، يبن أنه لا يكون ذلك إلا لعدم العرفان فقال: {إن عصيت ربي} أي ~~المحسن إلي المربي لي بكل جميل فتركت الإخلاص له {عذاب يوم عظيم *} وإذا ~~كان اليوم عظيما، فكيف يكون عذابه. # PageV16P474 # ولما بين ما أمر به، وأعلم أنه يخاف من مخالفة الأمر له بذلك فأفهم أنه ~~ممتثل لما أمر به، أمره سبحانه بأن يصرح بذلك لأن التصريح # PageV16P474 # من المزية ما لا يخفى فقال: {قل الله} أي المحيط بصفات الكمال وحده ~~{أعبد} تخصيصا له بذلك، لا أنحو أصلا بالعبادة نحو غيره أبدا {مخلصا له} ~~وحده {ديني *} أي امتثالا لما أمرت به فلا أشينه بشائبة أصلا لا طلبا لجنة ~~ولا خوفا من نار فإنه قد غفر لي ما تقدم وما تأخر، فصارت عبادتي لآجل وجهه ~~وكونه مستحقا للعبادة خاصة شوقا إليه وحبا له وحياء منه وأما الرغبة فيما ms4155 ~~عنده سبحانه والخوف من سطواته التي جماعها قطع الإحسان الذي هو عند ~~الأغبياء أدنى ما يخاف فإنما خوفي لأجل إعطاء المقام حقه من ذل العبودية ~~وعز الربوبية. # ولما علم من هذا غاية الامتثال بغاية الرغبة والرهبة وهم يعلمون أنه صلى ~~الله عليه وسلم أقواهم قلبا وأصفاهم لبا، وأجرأهم نفسا وأصدقهم وأشجعهم ~~عشيرة وحزبا، كان خوف غيره من باب الأولى، فسبب عنهد تهديدهم أعظم تهديد ~~بقوله: {فاعبدوا} أي أنتم أيها الداعون له في وقت الضراء المعرضون عنه في ~~وقت الرخاء {ما شئتم} أي من جماد أو غيره. ونبه على سفول رتبة كل شيء ~~بالنسبة إليه سبحانه تسفيها لمن يلتفت إلى سواه بقوله: {من دونه} فإن عبادة ~~ما دونه تؤدي إلى قطع إحسانه، ولا إحسان إلا إحسانه، فإذا انقطع حصل كل ~~سوء، وفي ذلك جميع الخسارة. # ولما كانوا يدعون الذكاء، ويفعلون ما لا يفعله عاقل، أمره أن يقول لهم ما ~~ينبههم على غباوتهم بما يصيرون إليه من شقاوتهم فقال: # PageV16P475 # {قل إن الخاسرين} أي الذين خسارتهم هي الخسارة لكونها النهاية في العطب ~~{الذين خسروا أنفسهم} أي بدخولهم النار التي هي معدن الهلاك لعبادتهم غير ~~الله من كل ما يوجب الطغيان. ولما كان أعز ما على الإنسان بعد نفسه أهله ~~الذين عزه بهم قال: {وأهليهم} أي لأنهم إن كانوا مثلهم فحالهم في الخسارة ~~كحالهم، ولا يمكن أحدا منهم أن يواسي صاحبه بوجه فإنه لكل منهم شأن يغنيه، ~~وإن كانوا ناجين فلا اجتماع بينهم. # ولما كانت العاقبة هي المقصودة بالذات، قال: {يوم القيامة} لأن ذلك اليوم ~~هو الفيصل لا يمكن لما فات فيه تدارك أصلا ولما كان في ذلك غاية الهول. كرر ~~التعريف بغباوتهم تنبيها على رسخوهم في ذلك الوصف على طريق النتيجة لما ~~أفهمه ما قبله فقال مناديا لأنه أهول مبالغا بالاستئناف وحرف التنبيه وضمير ~~الفصل وتعريف الخبر ووصفه: {ألا ذلك} أي الأمر العظيم البعيد الرتبة في ~~الخسارة جدا {هو} أي وحده {الخسران} أتى بصيغة الفعلان المفهم مطلقا ~~للمبالغة فكيف إذا بنيت على الضم ms4156 الذي هو أثقل الحركات، وزاد في تقريعهم ~~بالغباوة بقوله: {المبين *} . # ولما علم بهذا أنه البين في نفسه المنادي بما فيه من القباحة بأنه لا ~~خسران غيره، فصله بقوله على طريق التهكم بهم: {لهم} فإن عادة # PageV16P476 # اللام عند مصاحبة المجرور ولا سيما الضمير إفهام المحبوب للضمير لا سيما ~~مع ذكر الظلل وأشار إلى قربها منهم بإثبات الجار فقال: {من فوقهم ظلل} ولما ~~أوهمهم ذلك الراحة، أزال ذلك بقوله: {من النار} وذلك أنكأ مما لو أفهمهم ~~الشر من أول الأمر. ولما كان في القرار - كائنا ما كان على أي حال كان نوع ~~من الراحة بالسكون، بين أنهم معلقون في غمرات الاضطراب، يصعدهم اللهيب ~~تارة، ويهبطهم انعكاسه عليهم برجوعه إليهم أخرى، فلا قرار لهم أصلا كما ~~يكون الحب في الماء على النار، يغلي به صاعدا وسافلا، لا يقر في أسفل القدر ~~أصلا لقوله: {ومن تحتهم} . # ولما كان كون الظلة المأخوذة من الظل من تحت في غاية الغرابة، أعادها ولم ~~يكتف بالأولى، ولم يعد ذكر النار لفهمها في التحت من باب الأولى فقال: ~~{ظلل} ومما يدل على ما فهمته من عدم القرار ما رواه البخاري في صحيحه عن ~~سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة ~~أقبل علينا بوجهه فقال: «من رأى منكم الليلة رؤيا، فسألنا يوما قلنا: لا، ~~قال: لكني رأيت # PageV16P477 # رجلين أتياني فأخذا بيدي وأخرجاني إلى الأرض المقدسة» - فذكره بطوله حتى ~~قال: «فانطلقنا إلى نقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، توقد تحته نار، ~~فإذا فيه رجال ونساء عراة فيأتيهم اللهيب من تحتهم فإذا اقترب ارتفعوا حتى ~~كادوا يخرجون فإذا خمدت رجعوا» فذكره وهو طويل عظيم، ثم فسرهم بالزناة. # لما كان هذا أمرا مهولا، وهو لا يرهبونه ولا يرجعون عن غيهم به، ذكر ~~فائدته مع الزيادة في تعظيمه فقال: {ذلك} أي الأمر العظيم الشأن {يخوف ~~الله} أي الملك الأعظم الذي صفاته الجبروت والكبر {به عباده} أي الذين لهم ~~أقلية الإقبال عليه ليزدادوا إيمانا مع ms4157 إيمانهم فيعيذهم منه. ولما أهلهم ~~للإضافة إليه وخوفهم سطواته، أقبل عليهم عند تهيئتهم للاستماع منبها على ~~أنه تخويف استعطاف فقال: {يا عباد فاتقون *} أي سببوا عن ذلك أن تجعلوا ~~بينكم وبين ما يسخطني وقاية مما يرضيني لأرضى عنكم. # ولما ذكر ما لمن عبد الطاغوت، عطف عليه أضدادهم ليقترن الوعد بالوعيد، ~~فيحصل كمال الترغيب والترهيب فقال: {والذين اجتنبوا} أي كلفوا أنفسهم ذلك ~~لما لها في الانسياق إليه من الهوى مع تزيين الشيطان «حفت النار بالشهوات» ~~ولما كان للإجمال ثم البيان موقع عظيم، قال: {الطاغوت} وهو كل ما عبد من ~~دون الله، فلغوت من # PageV16P478 # الطغيان وهو صيغة مبالغة، وفيه مبالغة أخرى بجعل الذات عين المعنى، ودل ~~على عكس من تبعها بتعكيس حروفها، ولما ذكر اجتنابها مطلقا ترغيبا فيه، بين ~~خلاصة ما يجتنب لأجله مع التنفير منها بتأنيثها الذي أبصره المنيبون بتقوية ~~الله لهم عليها حتى كانوا ذكرانا وهم إناثا عكس ما تقدم للكفار في البقرة، ~~فقال مبدلا منها بدل اشتمال: {أن يعبدوها} . # ولما ذكر اجتناب الشرك، أتبعه التزام التوحيد فقال: {وأنابوا} أي رجعوا ~~رجوعا عظيما أزالوا فيه النوبة وجعلوها إقبالة واحدة لا صرف فيها {إلى ~~الله} أي المحيط بصفات الكمال فلا معدل عنه {لهم البشرى} في الدنيا على ~~ألسنة الرسل وعند الموت تتلقاهم الملائكة فقد ربحوا ربحا لا خسارة معه ~~لأنهم انتفعوا بكلام الله فأخلصوا دينهم له فبشرهم - هكذا كان الأصل، ولكنه ~~أظهر تعميما وتعليقا بالوصف فقال مسببا عن عملهم، صارفا القول إلى التكلم ~~بالإفراد تشريفا للمبشرين الموصوفين: {فبشر عباد *} أي الذين أهلوا أنفسهم ~~بقصر هممهم علي للإضافة إلي {الذين يستمعون} أي بجميع قلوبهم {القول} أي ~~هذا الجنس من كل قائل ليسوا جفاة عساة إذا أقبلوا على # PageV16P479 # شيء أعرضوا عن غيره بغير دليل {فيتبعون} أي بكل عزائمهم بعد انتقاده: ~~{أحسنه} بما دلتهم عليه عقولهم من غير عدول إلى أدنى هوى، ويدخل في هذه ~~الآية دخولا بينا حث أهل الكتاب على اتباع هذا القرآن العظيم، فإن كتب الله ~~كلها حسنة، وهذا القرآن أحسنها ms4158 كلاما، ومعاني ونظاما، لا يشك في هذا أحد له ~~أدنى ذوق. # ولما بين عملهم، أنتج ذلك مدحهم فقال مظهرا زيادة المحبة لهم والاهتمام ~~بشأنهم بالتأكيد: {أولئك} أي العالو الهمة والرتبة خاصة {الذين} ولما كان ~~في هؤلاء المجتبين العالو الرتبة جدا وغيره، أبرز المفعول فقال محولا ~~الأسلوب إلى الاسم الأعظم إشارة إلى عظيم هدايتهم، {هداهم الله} بما له من ~~صفات الكمال فبين سبحانه أن لا وصول إليه إلا به، وهذا بخلاف آية الأنعام ~~حيث ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال {أولئك الذين هدى الله} فحذف ~~المفعول لتصير هدايتهم مكررة بوجوب تسليط العامل على الموصول الذي أعاد ~~عليه الضمير في هذه الآية، وكرر الإشارة زيادة في تعظيمهم فقال: {وأولئك ~~هم} أي خاصة {أولوا الألباب *} أي العقول الصافية عن شوب كدر. # ولما خص سبحانه البشارة بالمحسنين، علم أن غيرهم قد حكم بشقاوته، # PageV16P480 # وكان صلى الله عليه وسلم لما جبل عليه من عظيم الرحمة ومزيد الشفقة جديرا ~~بالأسف على من أعرض، سبب عن أسفه عليهم قوله: {أفمن حق} وأسقط تاء التأنيث ~~الدالة على اللين تأكيدا للنهي عن الأسف عليهم {عليه كلمة العذاب} بإبائه ~~وتوليه، فكان لذلك منغمسا في النار التي أبرمنا القضاء بأنها جزاء الفجار ~~لا يمكن إنقاذه منها، أفأنت تنقذه من إعراضه الذي غمسه في النار؟ ثم دل على ~~هذا الذي قدرته بقوله مؤكدا بإعادة حرف الاستفهام لأجل طول الكلام ولتهويل ~~الأمر وتفخيمه للنهي عن تعليق الهم بهم لما عنده صلى الله عليه وسلم من ~~جبلة العطف والرقة على عباد الله: {أفأنت تنقذ} أي تخلص وتمنع وتنجي، ووضع ~~موضع ضميره قوله شهادة عليه بما هو مستحقه ولا يمكن غير الله فكه منه {من ~~في النار *} متمكنا فيها شديد الانغماس في طبقاتها، والرسوخ بحيث إنها قد ~~أحاطت به من كل جانب، وكان الأصل: أنت تنقذ من حق عليه العذاب، فقدم ~~المفعول وجعله عمدة الكلام ليقرع السمع ويترقب الخبر عنه، ثم حذف خبره ~~ليكون أهول فتذهب النفس فيه كل مذهب، ثم أنكر أن يكون أعلى ms4159 الخلق ينقذه، ~~فغيره من باب الأولى، فصار الكلام بذلك من الرونق والبهجة والهول والإرهاب ~~ما لا يقدر البشر على مثله. # PageV16P481 # ولما بين أن من عبد الأنداد هالك لخروجه عن دائرة العقل بجرأة # PageV16P481 # وعدم تدبير، بين ما لأضدادهم، فقال صارفا القول عن الاسم الأعظم إلى وصف ~~الإحسان إشارة إلى كرم المتقين بما لهم من إصالة الرأي التي أوجبت خوفهم مع ~~تذكر الإحسان ليدل على أن خوفهم عند تذكر الانتقام أولى: {لكن الذين اتقوا ~~ربهم} أي جعلوا بينهم وبين سخط المحسن إليهم وقاية في كل حركة وسكنة، فلم ~~يفعلوا شيئا من ذلك إلا بنظر يدلهم على رضاه {لهم غرف} أي علالي من الجنة ~~يسكنونها في نظير ظلل الكفار. ولما كانت الغرف في قرار تقر به العيون لم ~~يقل «من فوقهم» كما قال في أهل النار وقال: {من فوقها غرف} أي شديدة العلو. ~~ولما كان ربما ظن أن الطبقة الثانية السماء، لأن الغرفة أصلها العالي، ~~ولذلك سميت السماء السابعة غرفة، وأن تكون الغرفة مثل ظلل النار ليس لها ~~قرار، قال تحقيقا للحقيقة مفردا كما هو المطرد في وصف جمع الكثرة لما يعقل: ~~{مبنية} . ولما كانت المنازل لا تطيب إلا بالماء، وكان الجاري أشرف وأحسن ~~قال: {تجري من تحتها} أي الغرف من الطبقة السفلى والطبقة العليا من غير ~~تفاوت بين العلو والسفل، لأن القدرة صالحة لأكثر من ذلك {الأنهار} . # ولما ذكر يوم القيامة وما يكون فيه، بين أنه أمر لا بد منه بقوله، رادا ~~السياق إلى الاسم الأعظم الذي لا يتصور مع استحضار ما له من الجلال إخلاف: ~~{وعد الله} مؤكدا لمضمون الجملة بصيغة المصدر # PageV16P482 # الدال على الفعل الناصب له، وهو واجب الإضمار والإضافة إلى الاسم الأعظم ~~الجامع لجميع الصفات، ثم أتبع ذلك بيان ما يلزم من كونه وعده بقوله على ~~سبيل النتيجة: {لا يخلف الله} أي الملك الذي لا شريك له يمنعه من شيء ~~يريده. ولما كان الرعي لزمان الوعد ومكانه إنما يكون للمحافظة عليه فهو ~~أبلغ من رعيه نفسه، عبر بالمفعال فقال: ms4160 {الميعاد *} لأنه لا سبب أصلا يحمله ~~على الإخلاف. # ولما أخبر سبحانه بقدرته على البعث، دل عليها بما يتكرر مشاهدته من ~~مثلها، وخص المصطفى صلى الله عليه وسلم بالخطاب حثا على تأمل هذا الدليل ~~تنبيها على عظمته فقال مقدرا: {ألم تر} أي مما يدلك على قدرته سبحانه على ~~إعادة ما اضمحل وتمزق، وأرفت وتفرق: {أن الله} أي الذي له كل صفة كمال ~~{أنزل من السماء} أي التي لا يستمسك الماء فيها إلا بقدرة باهرة تقهره على ~~ذلك {ماء} كما تشاهدونه في كل عام {فسلكه} أي في خلال التراب حال كونه ~~{ينابيع} أي عيونا فائرة {في الأرض} فقهره على الصعود بعد أن غيبه في ~~أعماقها بالفيض والصوب بعد أن كان قسره على الانضباط في العلو ثم أكرهه على ~~النزول على مقدار معلوم وكيفية مدبرة وأمر مقسوم، قال الشعبي والضحاك: كل ~~ماء في # PageV16P483 # الأرض من السماء ينزل إلى الصخرة ثم يقسم منها العيون والركايا. # ولما كان إخراج النبات متراخيا عن نزول المطر، عبر بثم، وفيها أيضا تنبيه ~~على تعظيم الأمر فيما تلاها بأنه محل الشاهد فقال: {ثم يخرج} أي والله {به} ~~أي الماء {زرعا} ولما كان اختلاف المسبب مع اتحاد السبب أعجب في الصنعة ~~وأدل على بديع القدرة، قال: {مختلفا ألوانه} أي في الأصناف والكيفيات ~~والطبائع والطعوم وغير ذلك مع اتحاد الماء الذي جمعه من أعماق الأرض بعد أن ~~تفتت فيها وصار ترابا. # ولما كان الإيقاف بعد قوة الإشراف دالا على القهر ونفوذ الأمر، قال إشارة ~~إلى أن الخروج عن الحد غير محمود في شيء من الأشياء فإنه يعود عليه النقص ~~{ثم يهيج} وزاد في تعظيم هذا المعنى للحث على تدبره بإسناده إلى خير الخلق ~~صلى الله عليه وسلم فقال: {فتراه} أي فيتسبب عن هيجه وهو شدة ثورانه في ~~نموه بعد التمام بتوقيع الانصرام أنك تراه {مصفرا} آخذا في الجفاف بعد تلك ~~الزهرة والبهجة والنضرة. ولما كان السياق لإظهار القدرة التامة، عبر بالجعل ~~مسندا إليه سبحانه بخلاف آية الحديد التي عبر فيها بالكون ms4161 لأن السياق ثم ~~لأن الدنيا عدم فقال: {ثم يجعله حطاما} أي مكسرا مفتتا باليا. # ولما تم هذا المنوال البديع الدال بلا شك لكل من رآه على أن فاعله قادر ~~على الإعادة لما يريد بعد الإبادة، كما قدر على الإيجاد # PageV16P484 # من العدم والإفادة لكل ما لم يكن، قال على سبيل التأكيد للتنبيه على أن ~~إنكارهم غاية في الحمق والجمود: {إن في ذلك} أي التدبير على هذا الوجه ~~{لذكرى} أي تذكيرا عظيما واضحا على البعث وما يكون بعده، فإن النبات ~~كالإنسان سواء، يكون ماء، ثم ينعقد بشرا، ثم يخرج طفلا، ثم يكون شابا، ثم ~~يكون كهلا، ثم شيخا ثم هرما، ثم ترابا مفتتا في الأرض، ثم يجمعه فيخرجه كما ~~أخرج الماء النبات: {لأولي الألباب *} أي العقول الصافية جدا كما نبه عليه ~~بخصوص الخطاب في أول هذا الباب للمنزل عليه هذا الكتاب، وأما غيره وغير من ~~تبعه بإحسان فهم كبهائم الحيوان. # ولما كان الذي قرر به أمرا فيما يظنه السامع ظاهرا كما كان جديرا بأن ~~ينكر بعض الواقفين مع الظواهر تخصيص الألباء به، سبب عن ذلك الإنكار في ~~قوله: {أفمن شرح الله} أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل {صدره ~~للإسلام} أي للانقياد للدليل، فكان قلبه لينا فانقاد للإيمان فاهتدى لباطن ~~هذا الدليل {فهو} أي فيتسبب عن إسلام ظاهره وباطنه للداعي أن كان {على نور} ~~أي بيان عظيم بكتاب، به يأخذ، وبه يعطي، وإليه في كل أمر ينتهي قد استعلى ~~عليه فهو كأنه راكبه، يصرفه حيث يشاء، وزاد في بيان عظيم هدايته بلفت # PageV16P485 # القول إلى مظهر الإحسان فقال: {من ربه} أي المحسن إليه إحسانه في ~~انقياده، فبشرى له فهو على صراط مستقيم، كمن جعل صدره ضيقا حرجا فكان قلبه ~~قاسيا، فكان في الظلام خابطا، فويل له - هكذا كان الأصل ولكن قيل: {فويل ~~للقاسية قلوبهم} أي لضيق صدورهم، وزاد في بيان ما بلاهم به من عظيم القسوة ~~بلفت القول إلى الاسم الدال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى فقال: ~~{من ذكر الله} فإن من ms4162 تبتدئ قسوته مما تطمئن به القلوب وتلين له الجلود، من ~~مدح الجامع لصفات الكمال فهو أقسى من الجلمود. # ولما كان من رسم بهذا الخزي أخسر الناس صفقة أنتج وصفه قوله تعالى: ~~{أولئك} أي الأباعد الأباغض {في ضلال مبين *} أي واضح في نفسه موضح أمره ~~لكل أحد، فالآية من الاحتباك: ذكر أولا الشرح والنور دليلا على حذف ضده ~~ثانيا، وثانيا الويل للقاسي والضلال دليلا على حذف ضده أولا - روى البيهقي ~~في الشعب والبغوي من طريق الثعلبي والحكيم الترمذي من وجه آخر عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، قال: فقلنا: يا ~~رسول الله! كيف انشراح صدورهم؟ قال: إذا دخل النور القلب # PageV16P486 # انشرح وانفسح قلنا: يا رسول الله؟ فما علاقة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار ~~الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت» وقال الأستاذ ~~أبو القاسم القشيري: والنور الذي من قبله سبحانه نور اللوائح بنجوم العلم، ~~ثم نور اللوامع ببيان الفهم، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور ~~المكاشفة بتجلي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصمدية ~~بحقائق التوحيد، فعند ذلك لا وجد ولا قصد، ولا قرب ولا بعد، كلا بل هو الله ~~الواحد القهار، وذلك كما قيل: المؤمن بقوة عقله يوجب استقلاله بعلمه إلى أن ~~يبدو ومنه كمال تمكنه من وقادة بصيرته، ثم إذا بدا له لائحة من سلطان ~~المعارف تصير تلك الأنوار مقمرة، فإذا بدت أنوار التوحيد استهلكت تلك ~~الجملة، فلما استبان الصبح أدرج ضوءه بأنواره أنوار تلك الكواكب. # ولما كان من المستبعد جدا أن يقسو قلب من ذكر الله، بينه الله وصوره في ~~أعظم الذكر فإنه كان للذين آمنوا هدى وشفاء، وللذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر وفي أبصارهم عمى، فقال مفخما للمنزل بجعل الاسم الأعظم مبتدأ وبناء ~~الكلام عليه: {الله} أي الفعال # PageV16P487 # لما يريد الذي له مجامع العظمة والإحاطة بصفات الكمال {نزل} أي بالتدريج ~~للتدريب وللجواب عن كل شبهة {أحسن الحديث} وأعظم الذكر، ولولا أنه ms4163 هو الذي ~~نزله لما كان الأحسن، ولقدر - ولو يوما واحدا - على الإتيان بشيء من مثله، ~~وأبدل من «أحسن» قوله: {كتابا} أي جامعا لكل خير {متشابها} أي في البلاغة ~~المعجزة والموعظة الحسنة، لا تفاوت فيه أصلا في لفظ ولا معنى، مع كونه نزل ~~مفرقا في نيف وعشرين سنة، وأما كلام الناس فلا بد فيه من التفاوت وإن طال ~~الزمان في التهذيب سواء اتحد زمانه أو لا، والاختلاف في المختلف في الزمان ~~أكثر، ولم يقل: مشتبها، لئلا يظن أنه كله غير واضح الدلالة لا يمدح به. # ولما كان مفصلا إلى سور وآيات وجمل، وصفه بالجمع في قوله: {مثاني} جمع ~~مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير أي تثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام ~~والحكم، مختلفة البيان في وجوه من الحكم، متفاوتة الطرق في وضوح الدلالات، ~~من غير اختلاف أصلا في أصل المعنى، ولا يمل من تكراره، وترداد قراءته ~~وتأمله واعتباره، مع أن جميع ما فيه أزواج من الشيء وضده: المؤمن والكافر، ~~والمطيع والعاصي، والرحمة العامة والرحمة الخاصة، والجنة والنار، والنعيم # PageV16P488 # والشقاء والضلال والهدى، والسراء والضراء، والبشارة والنذارة، فلا ترتب ~~على شيء من ذلك جزاء صريحا إلا ثني بإفهام ما لضده تلويحا، فكان مذكورا ~~مرتين، ومرغبا فيه أو مرهبا منه كرتين، ويجوز أن يكون التقدير: متشابهة ~~مثانيه، فيكون نصبه على التمييز، وفائدة التكرير أن النفوس أنفر شيء عن ~~حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عودا على بدء لم يرسخ عندها ولم ~~يعمل عمله، ومن ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر قوله ثلاث مرات ~~فأكثر. # ولما كان التكرار يمل، ذكر أن من خصائص هذا الكتاب أنه يطرب مع التكرار، ~~ويزداد حلاوة ولو ثنى آناء الليل وأطراف النهار، فقال: {تقشعر} أي تهتز ~~وتتجمع وتتقبض تقبضا شديدا، من القشع وهو الأديم اليابس، وزيد حرفا لزيادة ~~المعنى، واختير حرف التكرير إشارة إلى المبالغة فيه، وكونه حرف التطوير أشد ~~للمناسبة {منه جلود} أي ظواهر أجسام {الذين يخشون} أي يخافون خوفا شديدا ~~ويلتذون لذة توجب إجلالا وهيبة، فيكون ms4164 ذلك سبب ذلك، وزاد في مدحهم بأنهم ~~يخافون المحسن، فهم عند ذكر أوصاف الجلال أشد خوفا، فلذلك لفت القول إلى ~~وصف الإحسان فقال: # PageV16P489 # {ربهم} أي المربي لهم والمحسن إليهم لاهتزاز قلوبهم، روى الطبراني عن ~~العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اقشعر جلد ~~العبد من خشية الله تحاتت خطاياه» ، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه مر ~~برجل من أهل العراق ساقط، قال: فما بال هذا؟ قال: إنه إذا قرئ عليه القرآن ~~وسمع ذكر الله سقط، قال ابن عمر رضي الله عنهما: إنا لنخشى الله وما نسقط ~~وإن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، {ثم تلين} أي تمتد وتنعم، وقدم ما صرح فيه بالاقشعرار الذي ~~يلزمه اليبس، وأخر القلوب إبعادا لها عما قد يفهم يبسا فيوهم قسوة فقال: ~~{جلودهم} لتراجعهم بعد برهة إلى الرجاء وإن اشتدت صلابتها {وقلوبهم} وذكره ~~لتجدد لين القلوب مع الجلود دال على تقدير اقشعرارها معها من شدة الخشية ~~فإن الخشية لا تكون إلا في القلب، وكان سر حذف التصريح بذلك تنزيهها عن ذكر ~~ما قد يفهم القسوة. # ولما كان القلب شديد الاضطراب والتقلب، دل على حفظه له بنافذ أمره وباهر ~~عظمته بالتعدية ب «إلى» ليكون المعنى: ساكنة مطمئنة # PageV16P490 # {إلى ذكر الله} أي ذي الجلال والإكرام، فإن الأصل في ذكره الرجاء لأن ~~رحمته سبقت غضبه، وأظهر موضع الإضمار لأحسن الحديث لئلا يوهم أن الضمير ~~للرب، فيكون شبهة لأهل الاتحاد أو غيرهم من أرباب البدع، ولم يقل: إلى ~~الحديث أو الكتاب - مثلا، بل عدل إلى ما عرف أنه ذكره سبحانه ليكون أفخم ~~لشأنه، وزاده فخامة بصرف القول عن الوصف المقتضي للإحسان إلى الاسم الجامع ~~للجلال والإكرام. # ولما كان ما ذكر من الآثار عجبا، دل على عظمته بقوله على طريق الاستنتاج: ~~{ذلك} أي الأمر العظيم الغريب من الحديث المنزل والقبض والبسط {هدى الله} ~~أي الذي لا يتمنع عليه شيء {يهدي به من يشاء} ms4165 ومن هداه الله فما له من مضل، ~~ويضل به من يشاء فلا تتأثر جلودهم لقساوة قلوبهم، فيكون هدى لناس ضلالا ~~لآخرين {ومن يضلل الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء إضلالا راسخا في ~~قلبه بما أشعر به الفك ليخرج الضلال العارض {فما له من هاد *} لأنه لا راد ~~لأمره ولا معقب لحكمه، لأنه الواحد في ملكه، فلا شريك له، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر أولا إطلاق أمره في الهداية دليلا على حذف مثله في الضلال، ~~وثانيا انسداد باب الهداية على من أضله دليلا على وحذف مثله فيمن هداه وهي ~~دامغة للقدرية. # PageV16P491 # ولما أتم الإنكار على من سوى، بين من شرح صدره ومن ضيق، وما تبعه وختم ~~بأن الأول مهتد، والثاني ضال، شرع في بيان ما لكل منهما نشرا مشوشا في ~~أسلوب الإنكار أيضا، فقال مشيرا إلى أن الضلال سبب العذاب، والهدى سبب ~~النعيم، وحذف هنا المنعم الذي سبب له النعيم لين قلبه كما حذف القاسي القلب ~~في آية الشرح الذي سببت له قسوته العذاب، لتتقابل الآيتان، وتتعادل ~~العبارتان: {أفمن} وأفرد على لفظ {من} لئلا يظن أن الوجوه الأكابر فقال: ~~{يتقي} ودل على أن يده التي جرت العادة بأنه يتقي بها المخاوف مغلولة ~~بقوله: {بوجهه} الذي كان يقيه المخاوف ويحميه منها بجعله وهو أشرف أعضائه ~~وقاية يقي به غيره من بدنه {سوء العذاب} أي شدته ومكروهه لأنه تابع نفسه ~~على هواها حتى قسا قلبه وفسد لبه {يوم القيامة} لأنه يرمي به في النار ~~منكوسا وهو مكبل، لا شيء له من أعضائه مطلق يرد به عن وجهه في عنقه صخرة من ~~الكبريت مثل الجبل العظيم، ويسحب في النار على وجهه، كمن أمن العذاب فهو ~~يتلقى النعيم بقلبه وقالبه. # ولما كان مطلق التوبيخ والتقريع متكئا، بني للمفعول قوله: {وقيل} له - ~~هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم به وجمع تنبيها على أن ~~كثرتهم لم تغن عنهم شيئا # PageV16P492 # فقال: {للظالمين} أي الذين تركوا طريق الهدى واتبعوا الهوى فضلوا وأضلوا: ~~{ذوقوا ما} أي جزاء ما ms4166 {كنتم تكسبون *} أي تعدونه فائدة وثمرة لأعمالكم ~~وتصرفاتكم، وقيل لأهل النعيم: طيبوا نفسا وقروا عينا جزاء بما كنتم تعلمون، ~~فالآية من الاحتباك: ذكر الاستفهام أولا دليلا على حذف متعلقه ثانيا، وما ~~يقال للظالم ثانيا دليلا على ما يقال للعدل أولا. # ولما ذكر ما أعد لهم من الآخرة، وكانوا في مدة كفرهم كالحيوانات العجم لا ~~ينظرون إلا الجزئيات الحاضرة، خوفهم بما يعملونه في الدنيا، فقال على طريق ~~الاستئناف في جواب من يقول: فهل يعذبون في الدنيا: {كذب الذين} وأشار إلى ~~قرب زمان المعذبين من زمانهم بإدخال الجار فقال: {من قبلهم} أي مثل سبأ ~~وقوم تبع وأنظارهم: {فأتاهم العذاب} وكان أمرهم علينا يسيرا، وأشار إلى أنه ~~لم يغنهم حذرهم بقوله: {من حيث} أي من جهة {لا يشعرون *} أنه يأتي منها ~~عذاب، جعل إتيانه من مأمنهم ليكون ذلك أوجع للمعذب، وأدل على القدرة بأنه ~~سواء عنده تعالى الإتيان بالعذاب من جهة يتوقع منها ومن جهة لا يتوقع أن ~~يأتي منها شر ما، فضلا عما أخذوا به، بل لا يتوقع إلا الخير. # PageV16P493 # لما بين سفههم وشدة حمقهم باستعجالهم بالعذاب استهزاء، سبب عنه تبكيت من ~~لم يتعظ بحالهم فقال: {فأذاقهم الله} أي الذي لا راد لأمره {الخزي} أي الذل ~~الناشئ عن الفضيحة والعذاب الكبير بما رادوه من إخزاء الرسل بتكذبيهم {في ~~الحياة الدنيا} أي العاجلة الدنية. # ولما كان انتظار الفرج مما يسلي، قال معلما أن عذابهم دائم على سبيل ~~الترقي إلى ما هو أشد، وأكده إنكارهم إياه: {ولعذاب الآخرة} أي الذي ~~انتقلوا إليه بالموت ويصيرون إليه البعث: {أكبر} من العذاب الذي أهلكهم في ~~الدنيا، وأشدهم إخزاء، فالآية من الاحتباك: ذكر الخزي أولا دليلا على ~~إرادته ثانيا، والأكبر ثانيا دليلا على الكبير أولا، وسره تغليظ الأمر ~~عليهم بالجمع بين الخزي والعذاب بما فعلوا برسله عليهم الصلاة والسلام ~~بخلاف ما يأتي في فصلت. فإن سيافه للطعن في الوحدانية، وهي لكثرة أدلتها ~~وبعدها عن الشكوك وعظيم المتصف بها وعدم تأثيره بشيء يكفي في نكال الكافر ~~به مطلق العذاب. ms4167 # ولما كان من علم أن فعله يورث نكالا كف عنه ولا يكفون ولا يتعظون قال: ~~{لو كانوا يعلمون *} أي لو كان لهم علم ما لعلموا أنه أكبر فاتعظوا وآمنوا، ~~ولكنه لا علم لهم أصلا، بل هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا، لأن الجزئيات لا ~~تنفعهم كما تنفع سائر الحيوانات، فإن الشاة ترى الذئب فتنفر منه إدراكا لأن ~~بينها وبينه عداوة بما خلق # PageV16P494 # الله في طبعه من أكل أمثالها، وهؤلاء يرون ما حل بأمثالهم من العذاب ~~لتكذيبهم الرسل فلا يفرون منه إلى التصديق. # ولما ذكر سبحانه حال الأولين موعظة للعرب، فكان كأنه قيل صرفا للقول إلى ~~مظهر العظمة تذكيرا بما في الأناة من المنة لأن حالها يقتضي المعاجلة ~~بالأخذ والمبادرة بإحلال السطوة، ضربنا لكم حالهم مثلا لحالكم لتعتبروا به، ~~فإن الأمثال يفهم بها المعاني الغائبة، وتصير كأنها محسوسة مشاهدة، عطف ~~عليه قوله مؤكدا لإنكارهم أن يكون في القرآن بيان شاف وادعائهم أنه إنما هو ~~شعر وكهانة وسحر: {ولقد ضربنا} على ما لنا من العظمة. ولما كان في سياق ~~المفاضلة بين المتقي وغيره من أوائل السورة حين قال {أمن هو قانت} إلى أن ~~ختم بقوله {أفمن يتقي بوجهه} وأسس ذلك كله على ابتداء الخلق من نفس واحدة، ~~كانت العناية في هذا السياق بالمخاطبين أكثر، فقدم قوله: {للناس} أي عامة ~~لأن رسالة رسولكم عامة. # ولما كان المتعنت كثيرا، عين المحدث عنه بالإشارة التي هي أعرف المعارف، ~~وجعلها ما يعبر به عن القرب، إشارة إلى أنه لما أتى به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم خلع القلوب وملأها، فلا حاضر فيها سواه وإن كان المعاند يقول غير ~~ذلك فقوله زور وبهتان وإثم وعدوان، فقال: {في هذا القرآن} أي الجامع لكل ~~علم. ولما كانت كلماته سبحانه لا تنفد وعجائبه لا تعد ولا تحد، وكان في # PageV16P495 # سياق التعجيب من توقفهم قال {من كل مثل} أي يكفي ضربه في البيان لإقامة ~~الحجة البالغة، ثم بين علة الضرب بقوله: {لعلهم يتذكرون *} أي ليكون حالهم ~~بعد ضربه حال من يرجى ms4168 تذكره بما ضرب له ما يعرفه في الكون في نفسه أو في ~~الآفاق تذكرا واضحا مكشوفا - بما أرشد إليه الإظهار، فيتعظ لما في تلك ~~الامثال المسوقة في أحسن المقال المنسوقة بما يلائمها من الأوضاع والأشكال ~~من البيان وأوضح البرهان. # ولما كان ذلك غاية في الشرف، دل على زيادة شرفه بحال مؤكدة دالة على شدة ~~عنادهم، تسمى موطئه لأن الحال في الحقيقة ما بعدها بقوله: {قرآنا} أي حال ~~كون ذلك المضروب جامعا لكن ما يحتاج إليه، ويجوز أن يكون النصب على المدح ~~{عربيا} جاريا على قوانين لسانهم في جمعه باتساعه ووضوحه واحتمال اللفظ ~~الواحد منه لمعان كثيرة، فكيف إذا انضم إلى غيره فصار كلاما. ولما كان ~~الشيء قد يكون مستقيما بالفعل وهو معوج بالقوة، قال تعالى: {غير ذي عوج} أي ~~ليس بمنسوب إلى شيء من العوج ولا من # PageV16P496 # شأنه العوج، فلا يصح أن يكون معوجا أصلا في شيء من نظمه ولا معناه ~~باختلاف ولا غيره كما في آية الكهف سواء، وفي الإتيان بعوج الذي هو مختص ~~بالمعاني بيان أن الوصف له حقيقة، فهو أبلغ من غير معوج، لأنه يحتمل إرادة ~~أهله على المجاز. # ولما كان التذكر بالتذكير لكونه أبلغ للوعظ حاملا، ولا بد للعاقل على ~~الخوف المسبب للنجاة قال: {لعلهم يتقون *} أي ليكون حالهم بعد التذكير ~~الناشىء عن التذكير حال من يرجى له أن يجعل بينه وبين غضب الله وقاية. # PageV16P497 # ولما أقام سبحانه الدليل المنير على التفاوت العظيم، بين من هو قانت آناء ~~الليل ساجدا وقائما يدعو الله مخلصا له الدين وبين من يدعو لله أندادا، ~~وختم بضرب الأمثال، وكان الأمثال أبين فيما يراد من الأحوال، قال منبها على ~~عظمتها بلفت القول عن مظهر العظمة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات ~~الكمال: {ضرب الله} أي الملك الأعظم المتفرد بصفات الكمال {مثلا} لهذين ~~الرجلين مع أنه لا يشك ذو عقل أن المشرك لا يداني المخلص فضلا عن أن يقول: ~~إن المشرك أعظم كما يقوله المشركون. ولما كان الذكر أقوى من الأنثى، وأعرف ms4169 ~~بمواقع النفع والضر، وكان كونه بالغا أعظم لقوته وأشد لشكيمته، فيكون أنفى ~~للعار عن نفسه وأدفع للظلم عن جانبه وأذب عن حماه، قال مبينا للمثل مشيرا ~~إلى تبكيت الكفار ورضاهم لأنفسهم بما لا يرضاه لنفسه # PageV16P497 # أدنى الأرقاء {رجلا فيه} أي خاصة. ولما كانت معبوداتهم - لكونها من جملة ~~المخلوقات - كثيرة الأشباه والنظائر، عبر عنها بجمع الكثرة فقال: {شركاء} ~~في الظاهر من الأصنام وفي الباطن من الحظوظ والشهوات، ووصف الشركاء بقوله: ~~{متشاكسون} أي مختلفون عسرون يتجاذبون مع سوء الأخلاق وضيقها وقباحة ~~الشركة، فليس أحد منهم يرضى بالإنصاف، فهو لا يقدر أن يرضيهم أصلا {ورجلا ~~سلما} أي من نزاع {لرجل} فليس فيه لغيره شركة ولا علاقة أصلا، فهو أجدر بأن ~~يقدر على رضاه مع راحته من تجاذب الشركاء - هذا على قراءة المكي والبصري، ~~وعلى قراءة الباقين بحذف الألف وفتح اللام وهو وصف بالمصدر على المبالغة. # ولما انكشف الحال فيها جدا قال: {هل يستويان} أي الرجلان يكون أحدهما ~~مساويا للآخر بوجه من الوجوه ولو بغاية الجهد والعناية. ولما كان الاستواء ~~مبهما قال: {مثلا} أي من جهة المثل، أي هل يستوي مثلهما أي يجمعهما مثل ~~واحد حتى أن يكونا هما متساويين فهو تمييز محول في الأصل عن الفاعل، ~~والجواب في هذا الاستفهام الإنكاري قطعا: لا سواء، بل مثل الرجل السالم في ~~غاية الحسن فكذا ممثوله وهو القانت المخلص، ومثل الرجل الذي وقع فيه ~~التشاكس في غاية القبح فكذا ممثوله وهو الداعي للأنداد. # PageV16P498 # ولما علم بهذا المثل المضروب للرجلين سفول المشترك وهو الداعي للأنداد، ~~وعلو السالم وهو القانت، ظهر بذلك بلا ريب حقارة المتشاركين وجلالة المتفرد ~~وهو الله، فأنتج قطعا قوله: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} الذي ~~لا مكافئ له، يعلم ذلك كل أحد لما له من الظهور لما عليه من الدلائل، فلا ~~يصح أن يكون له شريك {بل أكثرهم} أي الناس {لا يعلمون *} لأنهم يعملون لما ~~لا يليق بهذا العلم فيشركون به إما جليا وإما خفيا، ويجوز أن يقال: له ~~الكمال كله، فليس الملتفتون ms4170 إلى غيره أدنى التفات علماء، بل لا علم لهم ~~أصلا، وهم المشركون شركا جليا، وأما أصحاب الشرك الخفي فهم، وإن كان لهم ~~علم - فليس بكامل. # ولما كان السالم مثلا له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه، والآخر للمخالفين، ~~وكان سبحانه قد أثبت جهلهم، وكان الجاهل ذا حمية وإباء لما يدعى إليه من ~~الحق وعصبيته: # والجاهلون لأهل العلم اعداء ... فكان لذلك التفكير في أمرهم وما يؤدي ~~إليه من التقاعد من الأتباع والتصويب بالأذى ولا سيما وهم أكثر من أهل ~~العلم مؤديا # PageV16P499 # إلى الأسف وشديد القلق فكان موضع أن يقال: فما يعمل؟ وكان لا ينبغي في ~~الحقيقة أن يقلق إلا من ظن دوام النكد، قال تعالى مسليا ومعزيا وموسيا في ~~سياق التأكيد، تنبيها على أن من قلق كان حاله مقتضيا لإنكار انقطاع ~~التأكيد: {إنك} فخصه صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب إذا كان للرأس كان أصدع ~~لأتباعه، فكل موضع كان للأتباع وخص فيه صلى الله عليه وسلم بالخطاب دونهم ~~فهم المخاطبون في الحقيقة على وجه أبلغ. # ولما لم يكن لممكن من نفسه إلا العدم قال: {ميت} أي الآن لأن هذه صفة ~~لازمة بخلاف «مايت» يعني: فكن كالميت بين يدي الغاسل فإنك مستريح قريبا عما ~~تقاسي من أنكادهم، وراجع إلى ربك ليجازيك على طاعتك له {وإنهم} أي العباد ~~كلهم أتباعك وغيرهم {ميتون} فمنقطع ما هم فيه من اللدد والعيش والرغد. # ولما كان الشفاء الكامل إنما يكون بأخذ الثار، وإذلال الظالم، قال مشيرا ~~بأداة التراخي إلى مدة البرزخ مؤكدا لأجل إنكارهم البعث فضلا عن القصاص ~~صادعا لهم بالخطاب بعد الغيبة: {ثم إنكم} أي أيها العباد كلكم، فإن كل أحد ~~مسؤول عن نفسه وعن غيره # PageV16P500 # هل راعى حق الله فيه، أو أنت وهم من باب تغليب المخاطب وإن كان واحدا ~~لعظمته على الغائبين، وزاد في إثبات المعنى بقوله: {يوم القيامة} فساقه ~~مساق ما خلاف فيه، وبين أن ذلك الحال مخالف لهذا الحال لانقطاع الأسباب ~~بقوله، صارفا القول إلى وصف التربية الذي يحق له الفضل على الطائع ms4171 والعدل ~~في العاصي {عند ربكم} أي المربي لكم بالخلق والرزق فلا يجوز في الحكمة أن ~~يدعكم يبغي بعضكم على بعض كما هو مشاهد من غير حساب كما أن أقلكم عقلا لا ~~يرضى بذلك في عبيده الذين ملكه الله إياهم ملكا ضعيفا، أو ولاه عليهم ولاية ~~مزلزلة، فكيف بمن فوقه فكيف بالحكماء {تختصمون *} أي تبالغون في الخصومة ~~ليأخذ بيد المظلوم وينتقم له من الظالم، ويجازي كلا بما عمل، أما في الشر ~~فسوءا بسوء، لا يظلم مثقال ذرة ولا ما دونه، وأما في الخير فالحسنة بعشرة ~~أمثالها - إلى ما فوق ذلك مما لا يعلمه غيره، فلا ينبغي أبدا لمظلوم أن ~~يتوهم دوام نكده وعدم الأخذ بيده فيقتصر في العمل ويجنح إلى شيء من الخوف ~~والوجل، بل عليه أن يفرح بما يجزل ثوابه، ويسر بما ييسر حسابه، ويشتغل بما ~~يخلص به نفسه في يوم التلاق الذي الناس فيه فريقان، ولا يشتغل بما لا يكون # PageV16P501 # من تصفية دار الكدر عن الأكدار، وقرارة الدنس عن الأقذاء والأقذار، فإن ~~الدوام فيها محال على حال من الأحوال، قال القشيري: نعاه صلى الله عليه ~~وسلم ونعى المسلمين إليهم ففرغوا بأنفسهم عن مأتمهم، ولا تعزية في العادة ~~بعد ثلاث، ومن لم يتفرغ عن مأتم نفسه وأنواع غمومه وهمومه، فليس له من هذا ~~الحديث شمة، وإذا فرغ قلب عن حديث نفسه وعن الكون بجملته، فحينئذ يجد الخير ~~من ربه وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم، وأنشد بعضهم يعني في لسان ~~الحال بما قدمنا: # كتبت إليكم بعد موتي بليلة ... ولم أدر أني بعد موتي أكتب # انتهى. ومن المعلوم أنهم إذا أماتوا نفوسهم حييت أرواحهم فانفسحت صدورهم ~~وانتعشت قوى قلوبهم فاتسعت علومهم واستنارت فهومهم وتجلت لهم حقائق الأمور ~~فحدثوا عن مشاهدة {الناس نيام} فإذا ماتوا انتبهوا. # ولما أخبر سبحانه بأنهم جعلوا لله أندادا، وأعلم بأنهم كذبة في ذلك ~~كافرون ساترون للحق، وأنه لا يهدي من هو كاذب كفار، وأخبر أنه لا بد من ~~خصام الداعي لهم بين يديه سبحانه، لآنه لا ms4172 يجوز # PageV16P502 # في الحكمة تركهم هملا كما هو مقرر في العقول وموجود في الفطر الأولى، ~~ومعلوم بالمشاهدة من أحوالهم فينعم على المظلوم، وينتقم من الظالم، وكان ~~الكاذب في أقل الأشياء ظالما، وأظلم منه الكاذب على الأكابر، وأظلم ~~الظالمين الكاذب على الله، قال تعالى مسببا عما مضى: {فمن أظلم} أي منهم - ~~هكذ كان الأصل ولكنه قال: {ممن كذب} تعميما وتعليقا بالوصف، فكفر بستر ~~الصدق الثابت وإظهار ما لا حقيقة له. # ولما كان الكذب عظيم القباحة في نفسه فكيف إذا كان كما مضى على الأكابر ~~فكيف إذا كانوا ملوكا، فكيف إذا كان على ملك الملوك، لفت القول إلى مظهر ~~الاسم الأعظم تنبيها على ذلك فقال: {على الله} أي الذي الكبرياء رداؤه ~~والعظمة إزاره، فمن نازعه واحدة منهما قصمه، فزعم فب كذبه أن له سبحانه ~~أندادا، وشركاء وأولادا. # ولما كان وقوع الحساب يوم القيامة حقا لكونه واقعا لا محالة وقوعا يطابق ~~الخبر عنه، لما علم من أنه لا يليق في الحكمة غيره لما علم من أن أقل الخلق ~~لا يرضى أن يترك عبيده سدى، فكيف بالخالق؟ فكان الخبر به صدقا لوقوع العلم ~~القطعي بأنه يطابق ذلك الواقع قال: {وكذب} أي أوقع التكذيب لكل من أخبره ~~{بالصدق} أي الإخبار بأن الله واحد وأنه يبعث الخلائق للجزاء المطابق # PageV16P503 # كل منهما للواقع لما دل على ذلك من الدلائل المشاهدة {إذ جاءه} أي من غير ~~توقف ولا نظر في دليل، كما هو دأب المعاندين، أولئك هم الكافرون لهم ما ~~يضرهم من عذاب جهنم، ذلك جزاء المسيئين. # ولما كان قد تقرر كالشمس أنه لا يسوغ في عقل العاقل ترك الخلق سدى، فكان ~~يوم الدين معلوما قطعا، وكان معنى هذا الاستفهام الإنكاري نفي مدخوله ~~فترجمته: ليس أحد أكذب منهم، وكان عرف اللغة في تسليط هذا النفي على صيغة ~~أفعل إثبات مدلول أفعل ليكون المعنى أنهم أكذب الخلق، فكان التقدير: أليس ~~هذا الكاذب المكذب عاقلا يخشى أن يحاسبه الله الذي خلقه؟ أليس الله المتصف ~~بجميع صفات الكمال يحاسب عباده كما يحاسب ms4173 كل من الخلائق من تحت يده؟ أليس ~~يحبس الظالم منهم في دار انتقامه كما يفعل أدنى الحكام؟ أليس دار انتقامه ~~جهنم التي تلقى داخلها بعبوسة وتجهم؟ نسق به قوله: {أليس في جهنم} أي النار ~~التي تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى الحق وأهله {مثوى} أي منزل ~~مهيأ للإقامة فيه على وجه اللزوم لهم هكذا كان الأصل، ولكنه قال تعميما ~~وتعليلا بالوصف مبينا أن الكذب كفر أي ستر للصدق وغظهار لما لا حقيقة له، ~~والتكذيب بالصدق كذلك {للكافرين *} أي الذين ستروا كذبهم فألبسوه ملابس ~~الصدق وستروا الصدق الذي كذبوا به، # PageV16P504 # ذلك جزاء المسيئين لأنهم ليسوا بمتقين، فأقام سبحانه هذه المقدمة دليلا ~~على تلك المقدمات كلها. # ولما ذكر سبحانه الظالمين بالكذب ذكر أضدادهم الذين يخاصمونهم عند ربهم ~~وهم المحسنون بالصدق فقال: {والذي} أي الفريق الذي {جاء بالصدق} أي الخبر ~~المطابق للواقع، فصدق على الله، وتعريفه يدل على كماله، فيشير إلى أن ~~الإتيان به ديدنه لا يتعمد كذبا {وصدق به} أي بكل صدق سمعه وقام عليه ~~الدليل، وليس هو بجموده عدو ما لم يعلم، فهو يكذب بكل ما لم يسمع، فمن أعدل ~~منه لكونه صدق على الله وصدق بالصدق إذ جاءه واستمر عليه، ولعله أفرد ~~الضمير إشارة إلى قلة الموصوف بهذا الوصف من الصدق، وهذا الفريق هو الرسل ~~وأتباعهم، ولذلك حصر التقوى فيهم، فقال مشيرا بالجمع إلى عظمتهم وإن كانوا ~~قليلا: {أولئك} أي العالو الترتبة {هم} أي خاصة {المتقون *} الذين جانبوا ~~الظلم، فليس لجهنم عليهم سبيل، ولا لهم فيها منزل ولا مقيل، بل الجنة ~~منزلهم، أليس في الجنة منزل للمتقين؟ فالآية من الاحتباك: ذكر أولا المثوى ~~في # PageV16P505 # جهنم دليلا على حذف ضده ثانيا، والاتقاء ثانيا دليلا على حذف ضده أولا، ~~وسره أنه ذكر أنكأ ما للمجرم من الكفر وسوء الجزاء. وأسر ما للمسلم من قصر ~~التقوى عليه، وذكر أحب جزائه إليه، والإشارة إلى عراقته في الإحسان وفي ~~الآيات احتباك آخر وهو أنه ذكر الكذب والتكذيب أولا دليلا على الصدق ~~والتصديق ثانيا، والاتقاء ms4174 وجزاءه وما يتبعه ثانيا دليلا على ضده أولا، وسره ~~أنه ذكر في شق المسيء أنكأ ما يكون من الكذب والتكذيب في أقبح مواضعه، ولا ~~سيما عند العرب، وأسر ما يكون في شق المحسن من استقامة الطبع وحسن الجزاء. # PageV16P506 # ولما مدحهم على تقواهم، قال في جواب من سأل عن ثوابهم، فقال لافتا القول ~~إلى صفة الإحسان تعريفا بمزيد إكرامهم: {لهم ما يشآءون} أي يتجدد لهم ~~إرادته متى أرادوه {عند ربهم} أي المحسن إليهم اللطيف بهم في الدنيا ~~والآخرة لأنهم سلموا له في الأولى ما يشاء، فسلم لهم في الأخرى ما يشاؤون. ~~ولما كان أعظم الجزاء، مدحه على وجه بين علته وأوجب عمومه فقال: {ذلك} أي ~~الثواب الكبير {جزاء المحسنين *} أي كل من اتصف بالإحسان كما اتصفوا به ~~بالتقوى، فأحبه الله سبحانه كما أحبهم، فكان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي # PageV16P506 # يمشي بها. # ولما كان العاقل من قدم في كل أمر الأهم فالأهم فميز بين خير الخيرين ~~فأتبعه، وشر الشرين فاجتنبه، كان المحسن من جعل أكبر ذنوبه نصب عينيه وعمل ~~على هدمه، فلذلك علل الإحسان بقوله: {ليكفر} أي يستر سترا عظيما كأنه قال: ~~المحسنين الذين أحسنوا لهذا الغرض، ويجوز أن يكون التعليل للجزاء، وعبر ~~بالاسم الأعظم لفتا عن صفة الإحسان إشارة إلى عظيم الاجتهاد في العمل ~~والإيذان بأنه لا يقدر على الغفران لمن يريد إلا مطلق التصرف فقال: {الله} ~~أي الذي نصب المحسن جلاله وجماله بين عينيه، فاستغرق في صفاته ابتغاء ~~مرضاته، فعبده كأنه يراه، وحقق باعترافهم بالخطأ وقصدهم التكفير لما أهمهم ~~فعلهم له بقوله: {عنهم أسوأ} العمل {الذي عملوا} وتابوا عنه بالندم ~~والإقلاع والعزم على عدم العود وقد علم أنه إذا محي الأكبر انمحى الأصغر ~~لأن الحسنات يذهبن السيئات، فلله در أهل البصائر والإخلاص في الإعلان ~~والسرائر ولما أخبر بالتطهير من اوضار السيىء، أتبعه الإخبار بالتنوير ~~بأنوار الحسن فقال: {ويجزيهم أجرهم} # PageV16P507 # أي الذي تفضل عليهم بالوعد به. # ولما كان تعالى يزيد العمل الصالح ms4175 ويربيه، زاد الجار في الجزاء إعلاما ~~بأنه يجعل الأعمال الصالحة كلها مثل أعلاها فقال: {بأحسن} ولما كان مقصود ~~هذه السورة أخص من مقصود سورة النحل، وكانت «الذي» و «من» أقل إبهاما من ~~«ما» قال: {الذي} أي العمل الذي، وهو كالأول من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه ~~كخاتم فضة، وأشار إلى مداومتهم على الخير بالتعبير بالكون والمضارع فقال: ~~{كانوا يعملون *} مجددين له وقتا بعد وقت لأنه في طبائعهم فهم عريقون في ~~تعاطيه، فمن كان في هذه الدار محسنا في وقت ما يعبد الله كأنه يراه فهو في ~~الآخرة كل حين يراه، قال القشيري، ثم يجب أن يكون على أحسن الأعمال أحسن ~~الثواب، وأحسن الثواب الرؤية، فيجب أن يكون على الدوام. وهذا استدلال قوي. # ولما فهم من قوله: «وكذب بالصدق إذ جاءه» أن المشركين يكذبونه، وكان من ~~طبع الآدمي الاهتمام بمثل ذلك ولا سيما إذا كان المكذب كثيرا وقويا، وتقرر ~~أنه سبحانه الحكم العدل بين المتخاصمين وغيرهم في الدنيا والآخرة، ولزم كل ~~سامع الإقرار بالآخرة، وبشر المحسنين وحذر المسيئين، وكان من المعلوم أنهم ~~يحذرونه آلهتهم كما يحذرهم إلهه، حسن كل الحسن قوله مقرا للكفاية غاية ~~الإقرار، ومنكرا # PageV16P508 # لنفيها كل الإنكار: {أليس الله} أي الجامع لصفات العظمة كلها المنعوت ~~بنعوت الكمال من الجلال والجمال، وأكد المراد بزيادة الجار لما عندهم من ~~الجزم بأنهم غالبون فقال: {بكاف} وحقق المناط بالإضافة في قوله: {عبده} أي ~~الخالص له الذي لم يشرك به أصلا كما تقدم في المثل ممن كذبه وقصد مساءته ~~فينصره عليهم حتى يظهر دينه ويعلي أمره ويغنيه عن أن يحتاج إلى غيره أو ~~يجنح إلى سواه، باعتقاد أن في يده شيئا يستقل به، وهاذ لا ينافي السعي في ~~الأسباب مع اعتقاد أنها بيد الله، فإن شاء ربط بها المسببات، وإن شاء ~~أعقمها، بل السعي أكمل، لأن ترتيب الأسباب بوضع الحكيم، فالسعي في طرحها ~~ينافي وضع الحكمة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر: عباده - بالجمع بمعنى ~~الرسول وأتباعه. # ولما كان الجواب قطعا: بلى، إنه ليكفي ms4176 من يشاء، والأصنام الممثلون ~~بالشركاء المتشاكسين لا يكفون من تولاهم، بني على ذلك حالا عجيبا من ~~أحوالهم، فقال معجبا منهم ومتهكما بهم: {ويخوفونك} أي عباد الأصنام يعلمون ~~أن الله يكفي من أراد وأن الأصنام لا كفاية عندها بوجه والحال أنهم ~~يخوفونك. ولما كان الخوف ممن له اختيار، فإن كان عاقلا كان أقوى لمخالفته، ~~وكان من المعلوم بديهة أنه لا اختيار لهم # PageV16P509 # فضلا عن العقل، قال تهكما بهم بالتعبير بما يعبر به عن الذكور العقلاء ~~لكونهم ينزلونهم بالعبادة وغيرها منزلة العقلاء مع اعترافهم بأنهم لا عقل ~~لهم، فصاروا بذلك ضحكة وشهرة بين الناس: {بالذين} وبين حقارتهم بقوله: {من ~~دونه} وهم معبوداتهم ضلالا عن المحجة فيقولون: إنا نخشى عليك أن يخبلك ~~آلهتنا كما قالت عاد لهود عليه السلام {أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا ~~بسوء} [هود: 54] وسيأتي التعبير عنهم بالتانيث زيادة في توبيخهم. # ولما كان من الحق الواضح كالشمس أن ما قالوه لا يقوله عاقل، وكان ~~التقدير: فقد أظلهم الله إهانة لهم وهداك إكراما لك، بين أنه سبحانه قسرهم ~~على ذلك ليكون إضلاله لهم آية كما أن هداه لمن هداه آية، فقال مخففا عنه ~~صلى الله عليه وسلم في إذهاب نفسه عليهم حسرات دامغا للقدرية: {ومن يضلل ~~الله} أي الذي له الأمر كله فلا يرد أمره {فما له} لأجل أنه هو الذي أضله ~~{من هاد} أي فخفض من حزنك عليهم {ومن يهد الله} أي الذي لا يعجزه شيء أبدا ~~{فما له من مضل} فهو سبحانه يهدي من شاء منهم إن أراد. # ولما لم تبق شبهة ولا شيء من شك أن الهادي المضل إنما هو الله وحده وأنه ~~جعل شيئا واحدا سببا لضلال قوم ليكون ضلالهم # PageV16P510 # في الظاهر علة للنقمة، وهدى لآخرين فيكون هداهم سببا للنعمة، بلغ النهاية ~~في الحسن قوله: {أليس الله} أي الذي بيده كل شيء {بعزيز} أي غالب لما يريد ~~في إضلاله قوما يدعون أنهم النهاية في كمال العقول لما هدى به غيرهم {ذي ~~انتقام *} أي له هذا الوصف، فمن ms4177 أراد النقمة منه سلط عليه ما يريد مما ~~يحزنه ويذله كما أنه إذا أراد يعميه عن أنور النور ويضله. # PageV16P511 # ولما علم بهذه البراهين أنه سبحانه المتصرف في المعاني بتصرفه في القلوب ~~بالهداية والإضلال، وكان التقدير: فلئن قررتم بهذا الاستفهام الإنكاري ~~ليقولن: بلى! عطف عليه بيان أن الخالق للذات كما أنه المالك للمعاني ~~والصفات، فقال مفسدا لدينهم باعترافهم بأصلين: القدرة التامة له والعجز ~~الكامل لمعبوداتهم: {ولئن سألتهم} أي فقلت لمن شئت منهم فرادى أو مجتمعين: ~~{من خلق السماوات} أي على ما لها من الاتساع والعظمة والارتفاع {والأرض} ~~على ما لها من العجائب وفيها من الانتفاع {ليقولن} بعد تخويفهم لك بشركائهم ~~الذين هم من جملة خلق من أرسلك بما أنت فيه: الذي خلقها {الله} أي وحده ~~الذي لا سمي له وإلباس بوجه في أمره، ولا يصدهم عن ذلك الحياء من التناقض ~~ولا الخوف من التهافت بالتعارض. # PageV16P511 # ولما كان هذا مخيرا لأن بين ولا بد أنهم لا يقبلون ولا يعرضون كان كأنه ~~قيل: فماذا أصنع؟ فقال: {قل} مسببا عن اعترافهم له سبحانه بجميع الأمر قوله ~~مقررا بالفرع بعد إقرارهم بالأصل ومقرعا بتخويفهم ممن ليس له أمر بعقد ولا ~~حل: {أفرءيتم} . # ولما كان السائل النصوح ينبغي له أنه ينبه الخصم على محل النكتة لينتبه ~~من غفلته فيرجع عن غلطته عبر بأداة ما لا يعقل عن معبوداتهم بعد التعبير ~~عنها سابقا بأداة الذكور العقلاء بيانا لغلطهم، فقال معبرا عن مفعول {رأيت} ~~الأول والثاني جملة الاستفهام، {ما تدعون} أي دعاء عبادة، وقرر بعدهم عن ~~التخويف بهم بادعاء إلهيتهم بقوله: {من دون الله} أي الذي هو ذو الجلال ~~والإكرام فلا شيء إلا وهو من دونه وتحت قهره، ولما كانت العافية أكثر من ~~البلوى، أشار إليها بأداة الشك ونبه على مزيد عظمته سبحانه بإعادة الاسم ~~الأعظم فقال: {إن أرادني الله} أي الذي لا راد لأمره ولما كان درأ المفاسد ~~مقدما قال: {بضر} أي إن أطعتكم في الجنوح إليها خوفا منها، وبالغ في ~~تنبيههم نصحا لهم ليرجعوا عن ظاهر ms4178 غيهم بما ذكر من دناءتها وسفولها ~~بالتأنيث بعد سفولها بعدم العقل مع دناءتها وبعد التهكم بهم بالتعبير عنها ~~بأداة الذكور العقلاء فقال: # PageV16P512 # {هل هن} أي هذه الأوثان التي تعبدونها {كاشفات} أي عني مع اعترافكم بأنه ~~لا خلق لها وأنها مخلوقة لله تعالى {ضره} أي الذي أصابني به نوعا من الكشف، ~~لأرجوها في وقت شدتي {أو أرادني برحمة} لطاعتي إياه في توحيده، وخلع ما ~~سواه من عبيده {هل هن ممسكات} أي عني {رحمته} أي لأجل عصياني لهن نوع ~~إمساك، لأطيعكم في الخوف منهن - هذه قراءة أبي عمرو بالتنوين وإعمال اسم ~~الفاعل بنصب ما بعده، وهو الأصل في اسم الفاعل، والباقون بالإضافة، ولا ~~فائدة غير التخفيف، وقد يتخيل منها أن الأوثان مختصة بهذا المعنى معروفة. # ولما كان من المعلوم أنهم يسكتون عند هذا السؤال لما يعلمون من لزوم ~~التناقض أن أجابوا بالباطل، ومن بطلان دينهم أن أجابوا بالحق، وكان الجواب ~~قطعا عن هذا: لا سوء نطقوا أو اسكتوا، تحرر أنه لا متصرف بوجه إلا الله، ~~فكانت النتيجة قوله: {قل} إذا ألقمتهم الحجر: {حسبي} أي كافي {الله} الذي ~~أفردته بالعبادة لأنه له الأمر كله مما يخوفونني به ومن غيره {عليه} وحده ~~لأن له الكمال كله {يتوكل المتوكلون *} أي الذين يريدون أن يعلو أمرهم كل ~~أمر، وأمره بالقول إعلاما بأن حالهم عند هذا السؤال التناقض # PageV16P513 # الظاهر جدا. # ولما كانوا مع هذه الحجج القاطعة، والأدلة القامعة والبراهين الساطعة، ~~التي لا دافع لها بوجه، كالبهائم لا يبصرون إلا الجزئيات حال وقوعها، قال ~~مهددا مع الاستعطاف: {قل يا قوم} أي يا أقاربي الذين أرتجيهم عند الملمات ~~وفيهم كفاية في القيام بما يحاولونه {اعملوا} أي افعلوا افعالا مبنية على ~~العلم {على مكانتكم} أي حالتكم التي ترتبتم فيها وجمدتم عليها لأنه جبلة ~~لكم من الكون والمكنة لتبصروا حقائق الأمور، فتنتقلوا عن أحوالكم السافلة ~~إلى المنازل العالية، فكأنه يشير إلى أنهم كالحيوانات العجم، لا اختيار لهم ~~ويعرض بالعمل الذي مبناه العلم والمكانة التي محطها الجمود بأن أفعالهم ليس ~~فيها ما ms4179 ينبني على العلم، وإنما هي جزاف لا اعتبار لها ولا وزن لها. ثم ~~أجاب من عساه أن يقول له منهم: فماذا تعمل أنت؟ بقوله: {إني عامل} على ~~كفاية الله لي، ليس لي نظر إلى سواه، ولا أخشى غيره، وليس لي مكانة ألتزم ~~الجمود عليها، بل أنا واقف على ما يرد من عند الله، إن نقلني انتقلت وإن ~~أمرني بغير ذلك امتثلت وأنا مرتقب كل وقت للزيادة، ثم سبب عن قول من لعله ~~يقول منهم: وماذا عساه يكون قوله؟ إيذانا بأنه على ثقة من أمره، لأن المخبر ~~له به الله: {فسوف تعلمون *} أي بوعد لا خلف فيه # PageV16P514 # {من يأتيه} أي منا ومنكم {عذاب يخزيه} بأن يزيل عنه كل شيء يمكنه أن ~~يستعذبه {ويحل عليه} أي يجب في وقته، من حل عليه الحق يحل بالكسر أي وجب، ~~والدين: صار حالا بحضور أجله {عذاب مقيم *} لإقامته على حالته وجموده على ~~ضلالته، ومن يؤتيه الله انتصارا يعليه وينقله إلى نعيم عظيم، لانتقاله ~~بارتقائه في مدارج الكمال، بأوامر ذي الجلال والجمال، ولقد علموا ذلك في ~~قصة المستهزئين ثم في وقعة بدر فإن من أهلكه الله منهم جعل إهلاكه أول ~~عذابه ونقله به إلى عذاب البرزخ ثم عذاب النار، فلا انفكاك له من العذاب، ~~ولا رجاء لحسن المآب. # ولما تجلت عرائس هذه المعاني آخذة بالألباب، ولمعت سيوف تلك المباني من ~~المثاني قاطعة الرقاب، وختمها بما ختم من صادع الإرهاب، أنتجت ولا بد قوله ~~معللا لإتيان ما توعدهم به مؤكدا لما لهم من الإنكار لمضمون هذا الإخبار: ~~{إنا أنزلنا} أي بما لنا من باهر العظمة ونافذ الكلمة. # ولما كان توسط الملك خفيا. لم يعده فأسقط حرف الغاية إفهاما لأنه في ~~الحقيقة بلا واسطة بعد أن أثبت وساطته أول السورة فقال مقرونا بالأمر ~~بالعبادة إشارة إلى بداية الحال، فلما حصل التمكن فصار الكتاب خلقا له صلى ~~الله عليه وسلم وصار ظهوره فيه هاديا لغيره، نبه على ذلك بأداة الاستعلاء ~~فقال: {عليك} أي خاصة # PageV16P515 # لا على غيرك من أهل ms4180 هذا الزمان، لأنك عندنا الخالص لنا دون أهل القريتين ~~ودون أهل الأرض كلهم، لم يكن لشيء دوننا فيك حظ {الكتاب} الجامع لكل خير ~~لكونه في غاية الكمال بما دل عليه «ال» {للناس} عامة لأن رسالتك عامة ~~{بالحق} مصاحبا له، لا يقدر الخلق على أن يزيحوا معنى من معانيه عن قصده، ~~ولا لفظا من ألفاظه عن سبيله وحده، بل هو معجز في معانيه - حاضرة كانت أو ~~غائبه - ونظومه، وألفاظه وأسماء سوره وآياته وجميع رسومه، فلا بد من إتيان ~~ما فيه من وعد ووعيد. # ولما تسبب عن علم ذلك وجوب المبادرة إلى الإذعان له لفوز الدارين، حسن ~~جدا قوله تعالى تسلية له صلى الله عليه وسلم لعظيم ما له من الشفقة عليهم ~~وتهديدا لهم: {فمن اهتدى} أي طاوع الهادي {فلنفسه} أي فاهتداؤه خاص نفعه ~~بها ليس له فيه إلا أجر التسبب {ومن ضل} أي وقع منه ضلال بمخالفته لداعي ~~الفطرة ثم داعي الرسالة عن علم وتعمد، أو إهمال للنظر وتهاون. ولما كان ~~ربما وقع في وهم أنه يحلق الداعي بعد البيان ومن إثم الضال، وكان السياق ~~لتهديد الضالين. زاد في التأكيد فقال: {فإنما يضل عليها} أي ليس عليك شيء ~~من ضلاله، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. # ولما هدى السياق إلى أن التقدير: فما أنت عليهم بجبار لتقهرهم # PageV16P516 # على الهدى، عطف عليه قوله: {وما أنت} أي في هذا الحال، ولمزيد العناية ~~بنفي القهر أداة الاستعلاء فقال: {عليهم بوكيل *} لتحفظهم عن الضلال، فإن ~~الرسالة إليهم لإقامة الحجة لا لقدرة الرسول على هدايتهم ولا لعجز المرسل ~~عن ذلك. # PageV16P517 # ولما كان الوكيل في الشيء لا تصلح وكالته فيه إلا إن كان قادرا عليه ~~بطريق من الطرق، وكان حفظهم على الهدى وعن الضلال لا يكون عليه إلا لحاضر ~~لا يغيب ولا يعتريه نوم ولا يطرقه موت، لم تصح وكالة أحد من الخلق فيه، ~~وكان كأنه قيل: لأنه لو وكل إليك أمرهم لضاعوا عند نومك وموتك، فدل عليه ~~بما أدى معناه وزاد عليه من الفوائد ما يعرف بالتأمل ms4181 من تشبيه الهداية ~~بالحياة واليقظة والضلال بالموت والنوم، فكما أنه لا يقدر على الإماتة ~~والإنامة إلا الله فكذلك لا يقدر على الهداية والإضلال إلا الله، فمن عرف ~~هذه الدقيقة عرف سر الله في القدرة، ومن عرف السر فيه هانت عليه المصائب، ~~فهي تسلية له صلى الله عليه وسلم، لفت القول إلى التعبير بالاسم الأعظم ~~لاقتضاء الحال له، وأسند التوفي إليه سبحانه لأنه في بيان أنه لا يصلح ~~للوكالة غيره أصلا، فقال: {الله} أي الذي له مجامع الكمال، وليس لشائبة نقص ~~إليه سبيل {يتوفى الأنفس} التي ماتت عند انقضاء # PageV16P517 # آجالها، أي يفعل في وفاتها فعل من يجتهد في ذلك بأن يقبضها وافية لا يدع ~~شيئا منها في شيء من الجسد، وعبر عن جمع الكثرة بجمع القلة إشارة إلى أنها ~~وإن تجاوزت الحصر فهي كنفس واحدة، ولعله لم يوحده لئلا يظن أن الوحدة على ~~حقيقتها {حين موتها} أي منعها من التصرف في أجسادها في هذه الحياة الدنيا ~~كائنة في مماتها محبوسة فيه مظروفة له، وعطف على الأنفس قوله: {والتي} أي ~~ويتوفى الأنفس التي {لم تمت} لأنها لم تنقض آجالها حين نومها كائنة {في ~~منامها} بمنعها من التصرف بالحس والإدراك ما دام النوم موجودا مظروفة له لا ~~شيء منها في الجسد على حال اليقظة، فالجامع بينهما عدم الإدراك والشعور ~~والتصرف، ولو قيل: بموتها وبمنامها، لم يفد أن كلا من الموت والوفاة آية ~~مغايرة للأخرى. # ولما كان النوم منقضيا، دلنا بقرانه بالموت على أن الموت أيضا منقض، ولا ~~بد لأن الفاعل لكل منهما واحد، فسبب عن ذلك قوله: {فيمسك} أي فيتسبب عن ~~الوفاتين أنه يمسك عنده {التي قضى} أي ختم وحكم وبت بتا مقدرا مفروغا منه، ~~وقراءة البناء للمفعول موضحة لهذا المعنى بزيادة اليسر والسهولة {عليها ~~الموت} مظروفة لمماتها، لا تقدر على تصريف جسدها ما دام الموت محيطا بها ~~كما أن النائمة كذلك ما دام النوم محيطا بها {ويرسل الأخرى} أي التي أخر ~~موتها، وجعلها مظروفة للمنام لأنها لم ينقض أجلها # PageV16P518 # الذي ضربه لها ms4182 بأن يفنى بالمنام فيوقظها لتصريف أبدانها، ويجعل ذلك ~~الإمساك للميتة، والإرسال للنائمة {إلى أجل مسمى} لبعث الميتة ولموت ~~النائمة، لا يعلمه غيره، فإذا جاء ذلك الأجل أمات النائمة وبعث الميتة، وقد ~~ظهر من التقدير الذي هدى إليه قطعا السياق أن النفس التي تنام هي التي تموت ~~وهي الروح، قال ابن الصلاح في فتاويه: وهو الأشبه بظاهر الكتاب والسنة - ~~انتهى. # روى الطبراني في الأوسط - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - عن ابن عباس ~~رضي الله الله عنهما قال: تلتقي أرواح الأحياء والأموات، فيتساءلون بينهم، ~~فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وروى البخاري عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أوى أحدكم ~~إلى فراشه فليقل» باسمك ربي وضعت جنبي اللهم إن أمسكت نفسي فارحمها وإن ~~أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين «» وظهر أيضا أن الآية من ~~الاحتباك: ذكر الحين أولا دليلا على تقدير مثله في النوم ثانيا، والمنام ~~ثانيا دليلا على حذف الممات أولا. # ولما تم هذا على الأسلوب الرفيع، والنظم المنيع، نبه على عظمته وما فيه ~~من الأسرار بقوله مؤكدا قرعا بمن يرميه بالأساطير وغيرها من الأباطيل: {إن ~~في ذلك} أي الأمر العظيم من الوفاة # PageV16P519 # والنوم على هذه الكيفية والعبارة عنه على هذا الوجه {لآيات} أي على أنه ~~لا يقدر على الإحياء والحفظ غيره، وأنه قادر على البعث وغيره من كل ما ~~يريده {لقوم} أي ذوي قوة في مزاولة الأمور. ولما كان هذا الأمر لا يحتاج ~~إلى غير تجريد النفس من الشواغل والتدبر قال: {يتفكرون *} أي في عظمة هذا ~~التدبير ليعلم به عظمة الله، وذلك أن النفس جوهر روحاني له في التعلق ~~بالبدن ثلاث حالات: إحداهما أن يقع ضوء النفس على البدن ظاهرا وباطنا، وذلك ~~هو الحياة مع اليقظة، وثانيتها انقطاع ضوء النفس عن البدن ظاهرا لا باطنا، ~~وذلك بالنوم، وثالثها انقطاع ذلك ظاهرا وباطنا وهو بالموت، فالموت والنوم ~~من جنس واحد إلا أن الموت انقطاع تام، والنوم انقطاع ناقص، فلا ms4183 يقدر على ~~إيجاد شيء واحد على نوعين، ثم يجعلهما في شيء واحد على التعاقب ويفصل كلا ~~منهما من الآخر إلا هو سبحانه، وكلما قدر على إنهاء الموتة الصغرى بحد جعله ~~لها فهو قادر على إنهاء الكبرى بمثل ذلك. # ولما أنتج هذا ولا بد نحو أن يقال توعدا لهم: هل علموا أنه لا يقوم شيء ~~مقامه، ولا يكون شيء إلا بإذنه، ولا يقرب أحد من القدرة على شيء من فعله، ~~فكيف بالقرب من رتبته فضلا عن # PageV16P520 # مماثلته، فرجعوا عن ضلالهم، عادله بقوله: {أم اتخذوا} أي كلفوا أنفسهم ~~بعد وضوح الدلائل عندها أن أخذوا {من دون الله} أي الذي لا مكافئ له مداني ~~{شفعاء} أي تقربهم إليه زلفى في الدنيا وفي الآخرة على تقدير كونها مع قيام ~~الأدلة الشهودية عندهم على أنه لا يشفع أحد إلا عند من يصح أن يكافئه بوجه ~~من الوجوه، ولذلك نبه على المعنى بقوله معرضا عنهم إشارة إلى سفولهم عن ~~الفهم: {قل أولو} أي أيتخذونهم لذلك ولو {كانوا لا يملكون شيئا} أي لا ~~تتجدد لهم هذه الصفة {ولا يعقلون *} كما يشاهد من حال أصنامكم. # ولما نفى صلاحية أصنامهم لهذا الأمر، أشار إلى نفيه عما سواه بقصر الأمر ~~عليه فقال: {قل لله} أي المحتوي على صفات الكمال وحده {الشفاعة} أي هذا ~~الجنس {جميعا} فلا يملك أحد سواه منها شيئا لكنه يأذن إن شاء فيما يريد ~~منها لمن لمن يشاء من عباده. ولما كان كل ما سواه ملكا له، وكان من المقرر ~~أن المملوك لا يصح أن يملك شيئا يملكه سيده، لأن الملكين لا يتواردان على ~~شيء واحد من جهة واحدة، علل ذلك بقوله: {له} أي وحده {ملك السماوات والأرض} ~~أي التي لا تشاهدون من ملكه سواهما والشفاعة من ملكهما. # PageV16P521 # ولما كان المملوك ملكا ضعيفا قد يتغلب على مالكه فيناظره فيتأهل للشفاعة ~~عنده، نفى ذلك في حقه سبحانه بقوله دالا على عظمة القهر بأداة التراخي ~~فقال: {ثم إليه} أي لا إلى غيره {ترجعون *} معنى في الدنيا بأن ينفذ فيكم ms4184 ~~جميع أمره وحسا ظاهرا ومعنى في الآخرة. # PageV16P522 # ولما دل على أن شفعاءهم ليست بأهل للشفاعة، وعلى أن الأمر كله مقصور ~~عليه، وختم بأنه لا بد من الرجوع إليه المقتضي لأن تصرف الهمم كلها نحوه، ~~وتوجه العزائم جميعها تلقاءه، ولأنه لا يخشى سواه ولا يرجى غيره، ذكر حالا ~~من أحوالهم فقال: {وإذا} أي الحال ما ذكرناه وإذا {ذكر} وأعاد الاسم الأعظم ~~ولم يضمره تعظيما لأمره زيادة في تقبيح حالهم فقال: {الله} أي الذي لا عظيم ~~غيره ولا أمر لسواه {وحده} أي دون شفعائهم التي قد وضح أنه لا شفاعة لهم: ~~{اشمأزت} أي نفرت كراهية وذعرا واستكبارا مع تمعر الوجه وتقبضه قلوبهم - ~~هكذا كان الأصل، ولكنه قال: {قلوب الذين لا يؤمنون} أي لا يجددون إيمانا ~~{بالآخرة} بيانا لأن الحامل لهم على ذلك إضاعة اعتقاد ما ختم به الآية من ~~الرجوع # PageV16P522 # إليه الذي أتمه وأظهره رجوع الآخرة {وإذا ذكر الذين} وبكت بهم في رضاهم ~~بالأدنى فقال: {من دونه} أي الأوثان، وأكد فرط جهلهم في اتباعهم الباطل ~~وجمودهم عليه دون تلبث لنظر في دليل، أو سماع لقال أو قيل، بقوله: {إذا هم} ~~أي بضمائرهم المفيضة على ظواهرهم {يستبشرون *} أي فاجؤوا طلب البشر وإيقاعه ~~وتجديده على سبيل الثبات في ذلك كله سواء ذكر معهم الله أو لا، فالاستبشار ~~حينئذ إنما هو بالانداد، والاشمئزاز والاستبشار متقابلان لأن الاشمئزاز: ~~امتلاء القلب غما وغيظا فيظهر أثره، وهو الانقباض في أديم الوجه، ~~والاستبشار: امتلاء القلب سرورا حتى يظهر أثره، وهو الانبساط والتهلل في ~~الوجه - قال الزمخشري، والعمل في «إذا» الأولى هو العامل في الفجائية، أي ~~فاجؤوا الاستبشار وقت هذا الذكر، وعبر بالفعل أولا وبالاسمية ثانيا، ليفيد ~~ذمهم على مطلق الاشمئزاز ولو كان على أدنى الأحوال، وعلى ثبات الاستبشار ~~تقبيحا لمطلق الكفر، ثم الثبات عليه فتحا لباب التوبة. # ولما نفى صلاحية الوكالة على الناس في الهدى والضلال لغيره ودل على ذلك ~~بملكه وملكه وأخبر بتعمدهم الباطل، أنتج ذلك وجب اللجاء إليه والإعراض عما ~~سواه وقصر العزم عليه فقال # PageV16P523 # معلما بذلك ms4185 ومعلما لما يقال عند مخالفة الداعي باتباع الهوى: {قل} أي يا ~~من نزل عليه الكتاب فلا يفهم عنا حق الفهم غيره راغبا إلى ربك في أن ينصرك ~~عليهم في الدنيا والآخرة: {اللهم} أي يا الله، وهذا نداء محض ويستعمل أيضا ~~على نحوين آخرين - ذكرهما ابن الخشاب الموصلي في كتابه النهاية شرح الكفاية ~~- أحدهما أن تذكر لتمكين الجواب في نفس السائل كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لضمام بن ثعلبة رضي الله عنه حيث قال: «الله أمرك أن تصلي الصلوات ~~الخمس، فقال: اللهم نعم» # - إلى آخر ما قاله له، وسره أن المسؤول إذا ذكر الله في جوابه. كان ذكره ~~إياه أبعث للسائل على تصديقه لأنه أوقر في صدره إن لم يتصد لذكر الله ولم ~~يكن بصدده، وهو ممن يدين باستعمال الكذب، والثاني أن يدل به على الندرة ~~وقلة وقوع المذكور كقول المصنفين: لا يكون كذا اللهم إلا إذ كان كذا - كأنه ~~استغفر الله من جزمه أو لا يسد الباب في أنه لا يكون غير ما ذكره فقال: ~~اللهم اغفر لي فإنه يمكن أن يكون كذا - انتهى. ثم أبدل عند سيبويه ووصف عند ~~غيره فقال: {فاطر} أي مبدع من العدم {السماوات} أي كلهم {والأرض} أي جنسها. ~~ولما كانت القدرة # PageV16P524 # لا تتم إلا بتمام العلم قال: {عالم الغيب والشهادة} أي ما لا يصح علمه ~~للخلق وما يصح. # ولما كان غيره سبحانه لا يمكن له ذلك، حسن التخصيص في قوله: {أنت} أي ~~وحدك {تحكم بين عبادك} أي أنا وهم وغيرنا في الدنيا والآخرة لا محيص عن ذلك ~~ولا يصح في الحكمة سواه كما أن كل أحد يحكم بين عبيده ومن تحت أمره لا يسوغ ~~في رأيه غير ذلك {في ما كانوا} أي دائما بما اقتضته جبلاتهم التي جبلتهم ~~عليها {فيه يختلفون *} وأما غيرك فإنه لا يعلم جميع ما يفعلون، فلا يقدر ~~على الحكم بينهم، وأما غير ما هم عريقون في الاختلاف فيه فلا يحكم بينهم ~~فيه لأنه أما ما هيؤوا بفطرهم السليمة وعقولهم ms4186 القويمة للاتفاق عليه فهو ~~الحق وأما ما يعرض لهم الاختلاف فيه لا على سبيل القصد أو بقصد غير ثابت ~~فهو مما تذهبه الحسنات فعرف أن تقديم الظرف إنما وهو للاختصاص لا الفاصلة. # ولما كان التقدير: فيعذب الظالمين فلو علموا ذلك لما ظنوا بادعائهم له ~~سبحانه ولدا وشركاء يقربونهم إليه زلفى منهم بجلاله ونزاهته عما ادعوه له ~~وكماله، عطف عليه تهويلا للأمر قوله: {ولو أن} وكان الأصل: لهم - ولكنه قال ~~تعميما وتعليقا بالوصف: {للذين ظلموا} أي وقعوا # PageV16P525 # في الظلم في شيء من الأشياء ولو قال {ما في الأرض} ولما كان الأمر عظيما ~~أكد ذلك بقوله: {جميعا} وزاد في تعظيمه بقوله: {ومثله} وقال: {معه} ليفهم ~~بدل الكل جملة لا على سبيل التقطيع {لافتدوا} أي لاجتهدوا في طلب أن يفدوا ~~{به} أنفسهم {من سوء العذاب} وبين الوقت تعظيما له وزيادة في هوله فقال: ~~{يوم القيامة} روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «يقول الله عز وجل لأهون أهل النار عذابا: لو أن لك ما على الأرض ~~من شيء أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت ~~صلب آدم عليه السلام أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي» # قوله: أردت أي فعلت معك بالأمر فعل المريد وهو معنى قوله في رواية: قد ~~سألتك. # ولما كان التقدير: ولو كان لهم ذلك وافتدوا به ما قبل منهم ولا نفعهم، ~~ولأن ذلك الوقت وقت الجزاء لا وقت العمل، واليوم وقت العمل لا وقت الجزاء، ~~فلو أنفقوا فيه أيسر شيء على وجهه قبل منهم، عطف عليه من أصله لا على جزائه ~~قوله معظما الأمر بصرف القول إلى الاسم الأعظم: {وبدا} أي ظهر ظهورا تاما ~~{لهم} في ذلك اليوم {من الله} أي الملك الأعظم، وهول أمره بإبهامه ليكون ضد ~~{فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] فقال: {ما لم يكونوا} ~~بحسب # PageV16P526 # جبلاتهم وما فطروا عليه من الإهمال والتهاون {يحتسبون *} أي لم ms4187 يكن في ~~طبائعهم أن يتعمدوا أن يحسبوه وتجوزه عقولهم من العذاب، وما كان كذلك كان ~~أشق على النفس وأروع للقلب {وبدا لهم} أي ظهر ظهورا تاما كأنه في البادية ~~لا مانع منه {سيئات ما} ولما كان في سياق الافتداء، وكان الإنسان يبذل عند ~~الافتداء في فكاك نفسه الرغائب والنفائس، عبر هنا بالكسب الذي من مدلوله ~~الخلاصة والعصارة التي هي سر الشيء فهو أخص من العمل، ولذا جعله الأشعري ~~مناط الجزاء، فقال مبينا أن خالص عملهم ساقط فكيف بغيره، وهذا بخلاف ما في ~~الجاثية {كسبوا} أي الشيء الذي عملوه برغبة مجتهدين فيه لظنهم نفعه وأنه ~~خاص أعمالهم وأجلها وأنفعها {وحاق} أي أحاط على جهة اللزوم والأذى {بهم ما} ~~أي جزاء الشيء الذي {كانوا به} أي دائما كأنهم جبلوا عليه {يستهزئون *} أي ~~يطلبون ويوجدون الهزء والسخرية به من النار وجميع ما كانوا يتوعدون به. # ولما أخبر عن ظهور هذا لهم، علله بأنهم كانوا يفعلون ما لم يكن في العادة ~~يتوقع منهم، وهو مجازاة الإحسان بالإساءة وقد كانوا جديرين # PageV16P527 # بضده فقال: {فإذا} أي وقع لهم ذلك بسبب أنهم إذا مسهم، ولكنه أخبر عن ~~النوع الذي هم منه بما هو مطبوع عليه فقال: {مس الإنسان ضر} أي ضر كان من ~~جهة يتوقعها كما تقدم في التي في أول السورة، ويجوز أن يكون مسببا عن ~~الإخبار بافتدائهم بما يقدرون عليه وأن يكون مسببا عن اشمئزازهم من توحيد ~~الله تعجيبا من حالهم في تعكيسهم وضلالهم، وتقدم في الآية التي في أول ~~السورة سر كونها بالواو، ولفت القول إلى مظهر العظمة دالا على أن أغلب ~~الناس لا يرجى اعترافه بالحق وإذعانه لأهل الإحسان إلا إذا مس بأضرار فقال: ~~{دعانا} عالما بعظمتنا دون آلهته مع اشمئزازه من ذكرنا واستبشاره بذكرها. # ولما كان ذلك الضر عظيما يبعد الخلاص عنه من جهة أنه لا حيلة لمخلوق في ~~دفعه، أشار إلى عظمته وطول زمنه بأداة التراخي فقال مقبحا عليه نسيانه للضر ~~مع عظمه في نفسه ومع طول زمنه: {ثم إذا خولناه} ms4188 أي أعطيناه على عظمتنا ~~متفضلين عليه محسنين القيام بأمره وجعلناه خليقا بحاله جديرا بتدبيره على ~~غير عمل عمله محققين لظنه الخير فينا وأحسنا تربيتنا له والقيام عليه مع ما ~~فرط # PageV16P528 # في حقنا {نعمة منا} ليس لأحد غيرنا فيها شائبة من ولولا عظمتنا ما كانت ~~{قال} ناسيا لما كان فيه من الضر وإن كان قد طال أمده، قاصرا لها على نفسه ~~غير متخلق بما نبهناه على التخلق به من إحساننا إليه وإقبالنا عليه عند ~~إذعانه، مذكرا لضميرها تفخيما لها، وبنى الفعل للمجهول إشارة إلى أنه لا ~~نظر له في تعرف المعطي من هو يشكره، وإنما نظره في عظمة النعمة وعظمة نفسه، ~~وإنها على مقدار ما: {إنما أوتيته} أي هذا المنعم به علي الذي هو كبير ~~وعظيم لأني عظيم فأنا أعطي على مقداري، و «ما» هي الزائدة الكافة لأن ~~للدلالة على الحصر، ويجوز أن تكون موصولة هي اسم إن وخبرها قوله: {على} إي ~~إيتاء مستعليا متمكنا على {علم} أي عظيم، وجد مني بطريق الكسب والاجتهاد ~~ووجوده الطلب والاحتيال، فكان ذلك سببا لمجيئه إلي أو علم من الله ~~باستحقاقه له. # ولما كان التقدير: ليس كذلك ولا هي نعمة، قال دالا على شؤم ذلك المعطي ~~وحقارته لأنه من أسباب إضلاله بالتأنيث # PageV16P529 # {بل هي} أي العطية والنعمة {فتنة} لاختباره هل يشكر أم يكفر لتقام عليه ~~الحجة. فإن أدت إلى النار كانت استدراجا، وأنث الضمير تحقيرا لها بالنسبة ~~إلى قدرته سبحانه وتعالى ولأنها أدت إلى الغرور بعد أن ذكر ضميرها أولا ~~تعظيما لها لإيجاب شكرها. # ولما كان من المفتونين من ينتبه وهم الأقل، قال جامعا تنبيها على إرادة ~~الجنس وأن تعبيره أولا بإفراد الضمير إشارة إلى أن أكثر الناس كأنهم في ذلك ~~الخلق النحس نفس واحدة: {ولكن أكثرهم} أي أكثر هؤلاء القائلين لهذا الكلام ~~{لا يعلمون *} أي لا يتجدد لهم علم أصلا لأنهم طبعوا على الجلافة والجهل ~~والغباوة، فلو أنهم إذا دعونا وهم في جهنم أجبناهم وأنعمنا عليهم نعمتنا ~~ونسبوها إلى غيرنا كما كانوا يفعلون في ms4189 الدنيا سواء. # PageV16P530 # ولما كان كفار قريش مقصودين بهذا قصدا عظيما وإن كان شاملا بإطلاقه غيرهم ~~من الأولين والآخرين قال موضحا لذلك: {قد قالها} أي مقالتهم {إنما أوتيته ~~على علم} {الذين من قبلهم} أي ممن هو أشد منهم قوة وأكثر جمعا كما قال ~~قارون ومن رضي حاله فتمنى ماله {فما أغنى عنهم} أي أولئك الماضين {ما ~~كانوا} بما اقتضته # PageV16P530 # جبلاتهم {يكسبون *} أي يجددون على الاستمرار كسبه من المال والجاه وإن ~~كان مليء السهل والجبل: {فأصابهم} أي إصابة شديدة بما دل عليه تذكير الفعل ~~- أي تسبب عن عدم الإغناء أنه أصابهم {سيئات ما كسبوا} أي وبال ذلك وما ~~يسوء من آثاره {والذين ظلموا} أي أوقعوا الأشياء في غير محالها {من هؤلاء} ~~أي قومك الذين لا يتدبرون القرآن فإنهم لو تدبروا آياته عرفوا ولكن سبق ~~عليهم العمى {سيصيبهم} أي إصابة شديدة جدا بوعد لا خلف فيه كما أصاب من ~~قبلهم {سيئات ما كسبوا} أي عملوا من الأشر والبطر فيه أعمال من يظن أنه لا ~~تناله مصيبة في الدنيا وأنه لا يبعث إلى ما أعددنا له من الأهوال في ~~الآخرة، ولقد أصابهم ذلك، فأول ما أصابهم ما كشف عنه الزمان من وقعة بدر ثم ~~ما تبعه إلى ما لا آخر له. # ولما ثبت أن الضار النافع إنما هو الله، من شاء أعطاه، ومن شاء منعه، ومن ~~شاء استلبه ووضعه بعد ما رفعه، وكان التقدير: ألم # PageV16P531 # يعلموا أن ما جمعه من قبلهم لم يدفع عنهم أمر الله، عطف قوله: {أولم} ~~ولما كان السياق لنفي العلم عن الأكثر، وكان مقصود السورة بيان أنه صادق ~~الوعد ومطلق العلم كاف فيه، عبر بالعلم بخلاف ما مضى في الروم فقال: ~~{يعلموا} أي بما رأوا في أعمارهم من التجارب. ولفت الكلام إلى الاسم الأعظم ~~تعظيما للمقام ودفعا للبس والتعنت بغاية الإفهام: {أن الله} أي الذي له ~~الجلال والجمال {يبسط} أي هو وحده {الرزق} غاية البسط {لمن يشاء} وإن كان ~~لا حيلة له ولا قوة {يقدر} أي يضيق مع النكد بأمر ms4190 قاهر على من هو أوسع ~~الناس باعا في الحيل وأمكنهم في الدول، ومن المعلوم أنه لولا أن ذلك كله ~~منه وحده لما كان أحد ممن له قوة في الجسم وتمكن في العلم فقيرا أصلا. # ولما كان هذا أمرا لا ينكره أحد، عده مسلما وقال: {إن في ذلك} أي الأمر ~~العظيم، وأكده لأن أفعالهم أفعال من ينكر أن يكون فيه عبرة {لآيات لقوم} ~~ذوي قوة وهمم عليه {يؤمنون *} أي هيئوا لأن يوجد منهم الإيمان فيجددوا ~~التصديق في كل وقت تجديدا مستمرا بأن الأمور كلها من الله فيخافوه ويرجوه ~~ويشكروه ولا يكفروه، وأما غيرهم فقد حقت عليه الكلمة بما هيىء له من عمل ~~النار، فلا يمكنه الإيمان فليس له في ذلك آيات لأنها لا تنفعه. # PageV16P532 # ولما حذر سبحانه في هذه السورة ولا سيما في هذه الآيات فطال التحذير، ~~وأودعها من التهديد وصادع الإنذار والوعيد العظيم الكثير، وختم بالحث على ~~الإيمان، والنظر السديد في العرفان، وكانت كثرة الوعيد ربما أيأست ونفرت ~~وأوحشت، وصدت عن العطف وأبعدت، قال تعالى مستعطفا مترفقا بالشاردين عن بابه ~~متلطفا جامعا بين العاطفين، كلام ذوي النعمة على لسان نبي الرحمة صارفا ~~القول إلى خطابه بعد أسلوب الغيبة: {قل} أي يا أكرم الخلق وأرحمهم بالعباد، ~~ولفت عما تقتضيه «قل» من الغيبة إلى معنى الخطاب زيادة في الاستعطاف، وزاد ~~في الترفق بذكر العبودية والإضافة إلى ضميره عريا عن التعظيم فقال: {يا} أي ~~ربكم المحسن إليكم يقول: يا {عبادي} فلذذهم بعد تلك المرارات بحلاوة ~~الإضافة إلى جنابه تقريبا من بابه. ولما أضاف، طمع المطيعون أن يكونوا هم ~~المقصودين، فرفعوا رؤوسهم، ونكس العاصون وقالوا: من نحن حتى يصوب نحونا هذا ~~المقال؟ فقال تعالى جابرا لهم: {الذين أسرفوا} أي تجاوزوا الحد في وضع ~~الأشياء في غير مواضعها حتى صارت لهم أحمال ثقال {على أنفسهم} فأبعدوها عن ~~الحضرات الربانية، وأركسوها في الدنايا الشيطانية، فانقلب الحال، فهؤلاء ~~الذين نكسوا رؤوسهم انتعشوا وزالت ذلتهم والذين رفعوا # PageV16P533 # رؤوسهم أطرقوا وزالت صولتهم - قاله القشيري، وأفهم تقييد الإسراف أن ~~الإسراف ms4191 على الغير لا يغفر إلا بالخروج عن عهدة ذلك الغير {لا تقنطوا} أي ~~ينقطع رجاؤكم وتيأسوا وتمتنعوا - وعظم الترجية بصرف القول عن التكلم وإضافة ~~الرحمة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الجلال والإكرام فقال: {من رحمة ~~الله} أي إكرام المحيط بكل صفات الكمال، فيمنعكم ذلك القنوط من التوبة التي ~~هي باب الرحمة، ولعظم المقام أضاف إلى الاسم الأعظم، ثم علل ذلك بقوله على ~~سبيل التأكيد لظنهم أن كثرة الوعيد منعت الغفران، وحتمت الجزاء بالانتقام، ~~وكرر الاسم الأعظم تعظيما للحال، وتأكيدا بما فيه من معنى الإحاطة والجمع ~~لإرادة العموم: {إن الله} أي الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال والإكرام، ~~فكما أنه متصف بالانتقام وهو متصف بالعفو والغفران {يغفر} إن شاء {الذنوب} ~~ولما أفهمت اللام الاستغراق أكده فقال: {جميعا} ولا يبالي، لكنه سبق منه ~~القول أنه إنما يغفر الشرك بالتوبة عنه، وأما غيره فيغفره إن شاء بتوبة وإن ~~شاء بلا توبة، ولا يقدر أحد أن يمنعه من شيء من ذلك. # ولما كان لا يعهد في الناس مثل هذا بل لو أراد ملك من ملوك الدنيا العفو ~~عن أهل الجرائم، قام عليه جنده فانحل عقده وانثلم حده، # PageV16P534 # علل هذه العلة بما يخصه، فقال مؤكدا لاستبعاد ذلك بالقياس على ما يعهدون: ~~{إنه هو} أي وحده {الغفور} أي البليغ المغفرة بحيث يمحو الذنوب مهما شاء ~~عينا وأثرا، فلا يعاقب ولا يعاتب {الرحيم *} أي المكرم بعد المغفرة ولا ~~يقدر أحد أصلا على نوع اعتراض عليه، ولا توجيه طعن إليه. # PageV16P535 # ولما كان التقدير: فأقلعوا عن ذنوبكم، فإنها قاطعة عن الخير، مبعدة عن ~~الكمال، عطف عليه استعطافا قوله دالا على أن الغفران المتقدم إنما هو إذا ~~شاء التفضل سبحانه بتوبة وبغير توبة: {وأنيبوا} أي ارجعوا بكلياتكم وكلوا ~~حوائجكم وأسندوا أموركم واجعلوا طريقكم {إلى} ولفت الكلام إلى صفة الإحسان ~~زيادة في الاستعطاف فقال: {ربكم} أي الذي لم تروا إحسانا إلا وهو منه ~~{وأسلموا له} أي أوجدوا إسلام جميع ما ملكه لكم من الأعيان والمعاني ~~متبرئين عنه لأجله فإنه لو شاء ms4192 سلبكموه، فإذا لم تكونوا مالكيه ملكا تاما ~~فعدوا أنفسكم عارية عنه غير مالكة له ولا قادرة، وكان الذي لكم بالإصالة ما ~~كان. # ولما كان ذلك شديدا لأن الكف عما أشرفت النفس على بلوغ الوطر منه في غاية ~~المرارة، قال مهددا لهم دالا بحرف الابتداء على # PageV16P535 # رضاه منهم بإيقاع ما أقر به في اليسير من الزمان لأنه لا يقدر أحد أن ~~يقدر الله حق قدره الله حق قدره باستغراق الزمان في الطاعة وإن كان إبهام ~~الأجل يحدو العاقل على استغراقه فيها: {من قبل أن يأتيكم} أي وأنتم صاغرون ~~{العذاب} أي القاطع لكل العذوبة المجرع لكل مرارة وصعوبة. ولما كان الإنسان ~~ربما توقع ضررا في إقدامه على ما له فيه لذة، وحاول دفعه، قال معظما لهذا ~~العذاب مشيرا بأداة التراخي إلى أنه لا يمكن دفعه ولو طال المدى: {ثم لا ~~تنصرون *} أي لا يتجدد لكم نوع نصر أبدا. # ولما أمر برؤية الأمور كلها من الله وإسلام القياد كله إليه، أمر بما هو ~~أعلى من ذلك، وهو المجاهدة بقتل النفس فقال: {واتبعوا} أي عالجوا أنفسكم ~~وكلفوها أن تتبع {أحسن ما أنزل} واصلا {إليكم} على سبيل العدل كالإحسان ~~الذي هو أعلى من العفو الذي هو فرق الانتقام باتباع هذا القرآن الذي هو ~~أحسن ما نزل من كتب الله وباتباع أحاسن ما فيه، فتصل من قطعك وتعطي من حرمك ~~وتحسن إلى من ظلمك، هذا في حق الخلائق ومثله في عبادة الخالق بأن تكون ~~«كأنك تراه» الذي هو أعلى من استحضار «إنه يراك» الذي هو أعلى من أدائها مع ~~الغفلة عن ذلك. # PageV16P536 # ولما كان هذا شديدا على النفس، رغب فيه بقوله مظهرا صفة الإحسان موضع ~~الإضمار: {من ربكم} أي الذي لم يزل يحسن إليكم وأنتم تبارزونه بالعظائم. ~~ولما كان من النفوس ما هو كالبهائم لا ينقاد إلا بالضرب، قال منبها أيضا ~~علة رفقه بإثبات الجار: {من قبل أن يأتيكم} أي على ما بكم من العجز عن ~~الدفاع {العذاب} أي الأمر الذي يزيل ما يعذب ويحلو لكم ms4193 في الدنيا أو في ~~الآخرة. # ولما كان الأخذ على غرة أصعب على النفوس قال: {بغتة} ولما كان الإنسان قد ~~يشعر بالشيء مرة ثم ينساه فيباغته، نفى ذلك بقوله: {وأنتم لا تشعرون *} أي ~~ليس عندكم شعور بإتيانه لا في حال إتيانه ولا قبله بوجه من الوجوه لفرط ~~غفلتكم، ليكون افظع ما يكون على النفس لشدة مخالفته لما هو مستقر فيها وهي ~~متوطنة عليه من ضده. # ولما كان للإنسان عند وقوع الخسران أقوال وأحوال لو تخيلها قبل هجومه ~~لحسب حسابه فباعد أسبابه. علل الإقبال على الاتباع بغاية الجهد والنزاع ~~فقال: {أن} أي كراهة أن {تقول} ولما كان الموقع للإنسان في النقصان إنما هو ~~حظوظه وشهواته المخالفة لعقله، عبر بقوله: {نفس} أي عند وقوع العذاب لها، ~~وإفرادها وتنكيرها كاف في الوعيد لأن كل أحد يجوز أن يكون هو المراد {يا ~~حسرتى} والتحسر: الاغتمام على ما فات والتندم عليه، وألحق الألف بدلا من ~~الياء # PageV16P537 # تعظيما له، أي يا طول غماه لانكشاف ما فيه صلاحي عني وبعده مني فلا وصول ~~لي إليه لاستدراك ما فات منه، وذلك عند انكشاف أحوالها، وحلول أوجالها ~~وأهوالها ودل على تجاوز هذا التحسر الحد قراءة أبي جعفر «حسرتاي» بالجميع ~~بين العوض وهو الألف والمعوض عنه وهو الياء، وحل المصدر لأن ما حل إليه ~~أصرح في الإسناد وأفخم، وأدل على المراد وأعظم، فقال: {على ما فرطت} أي بما ~~ضيعت فانفرط مني نظامه، وتعذر انضمامه والتئامه. # ولما كان حق كل أحد قريبا منه حسا أو معنى حنى كأنه إلى جنبه، وكان ~~بالجنب قوام الشيء ولكنه قد يفرط فيه لكونه منحرفا عن الوجاه والعيان، فيدل ~~التفريط فيه على نسبة المفرط لصاحبه إلى الغفلة عنه، وذلك أمر لا يغفر، ~~قال: {في جنب} وصرف القول إلى الاسم الأعظم لزيادة التهويل بقوله: {الله} ~~أي حق الملك الأعظم الذي هو غير مغفول عنه ولا متهاون به. # ولما كان المضرور المعذب المقهور يبالغ في الاعتراف، رجاء # PageV16P538 # القبول والانصراف، قال مؤكدا مبالغة في الإعلام بالإقلاع عما كان يقتضيه ~~حاله، ms4194 ويصرح به مقاله، من أنه على الحق واجد الجد: {وإن} أي والحال أني ~~{كنت} أي كان ذلك في طبعي {لمن الساخرين *} أي المستهزئين المتكبرين ~~المنزلين أنفسهم في غير منزلتها، وذلك أنه ما كفاني المعصية حتى كنت أسخر ~~من أهل الطاعة، أي تقول: هذا لعله يقيل منها ويعفي عنها على عادة المترققين ~~في وقت الشدائد، لعلهم يعادون إلى أجمل العوائد. # ولما كانت النفس إذا وقعت في ورطة لا تدع وجها محتملا حتى تتعلق بأذياله، ~~وتمت بحباله وتفتر بمحاله، قال حاكيا كذبها حيث لا يغني إلا الصدق: {أو ~~تقول} أي عند نزول ما لا قبل لها به {لو أن} وأظهر ولم يضمر إظهارا للتعظيم ~~وتلذذا بذكر الاسم الشريف فقال: {الله} أي الذي له القدرة الكاملة والعلم ~~الشامل {هداني} أي ببيان الطريق {لكنت} أي ملازما ملازمة المطبوع على كوني ~~{من المتقين *} أي الذي لا يقدمون على فعل ما لم يدلهم عليه دليل. # PageV16P539 # ولما ذكر حالها في الاعتراف بالبطلان، ثم الفزع إلى الزور # PageV16P539 # والبهتان، أتبعه التمني الذي لا يفيد غير الخسران، فقال: {أو تقول} أي ~~تلك النفس المفرطة {حين ترى العذاب} أي الذي هاجمها للرحمة أو النقمة: {لو ~~أن} أي يا ليت {لي كرة} أي رجعة إلى دار العمل لأتمكن منه {فأكون} أي ~~فيتسبب عن رجوعي إليها أن أكون {من المحسنين *} أي العاملين بالإحسان الذي ~~دعا إليه القرآن، هذا الإعراب - وهو عطفه على الجواب - أوفق لبقية الآيات ~~التي من سلكه. # ولما حذر سبحانه بما يكون للمأخوذ من سيىء الأحوال وفظيع الأهوال، وكان ~~معنى ما تقدم من كذبه وتمنيه أنه ما جاءني بيان ولا كان لي وقت أتمكن فيه ~~من العمل، قال تعالى مكذبا له: {بلى} أي قد كان لك الأمران كلاهما {قد ~~جاءتك} ولفت القول إلى التكلم مع تجريد الضمير عن مظهر العظمة لما تقدم من ~~موجبات استحضارها إعلاما بتناهي الغضب بعد لفته إلى تذكير النفس المخاطبة ~~المشير إلى أنها فعلت في العصيان فعل الأقوياء الشداد من التكذيب والكبر مع ~~القدرة في الظاهر على ms4195 تأمل الآيات، واستيضاح الدلالات، والمشي على طرق ~~الهدايات بعد ما أشار تأنيثها إلى ضعفها عن حمل العذاب وغلبة النقائص لها ~~فقال: {آياتي} على عظمتها في البيان الذي ليس مثله بيان في وقت كنت فيه ~~متمكنا من العمل بالجنان واللسان والأركان # PageV16P540 # {فكذبت بها} جرأة على الله وقلة مبالاة بالعواقب {واستكبرت} أي عددت نفسك ~~كبيرا عن قبولها {وكنت} أي كونا كأنه جبلة لك لشدة توغلك فيه وحرصك عليه ~~{من الكافرين *} أي العريقين في ستر ما ظهر من أنوار الهداية للتكذيب تكبرا ~~لم يكن لك مانع من الإحسان إلا ذلك لا عدم البيان ولا عدم الزمان القابل ~~للعمل. # ولما كان قد تعمد الكذب عند مس العذاب في عدم البيان والوقت القابل، قال ~~تعالى محذرا من حاله وحال أمثاله، ولفت القول إلى من لا يفهمه حق فهمه غيره ~~تسلية له وزيادة في التخويف لغيره: {ويوم القيامة} أي الذي لا يصح في ~~الحكمة تركه {ترى} أي يا محسن {الذين كذبوا} وزاد في تقبيح حالهم في ~~اجترائهم بلفت القول إلى الاسم الأعظم فقال: {على الله} أي الحائز لجميع ~~صفات الكمال بأن وصفوه بما لا يليق به وهو منزه عنه من أنه فعل ما لا يليق ~~بالحكمة من التكليف مع عدم البيان، ومن خلق الخلق يعدو بعضكم على بعض من ~~غير حساب يقع فيه الإنصاف بين الظالم والمظلوم، أو ادعوا له شريكا أو نحو ~~ذلك، قال ابن الجوزي: وقال الحسن: هم الذين يقولون: إن شئنا فعلنا، وإن ~~شئنا لم نفعل - انتهى، وكأنه عنى المعتزلة الذين اعتزلوا مجلسه وابتدعوا ~~قولهم: إنهم يخلقون أفعالهم، ويدخل فيه كل من تكلم في الدين بجهل، وكل من ~~كذب وهو # PageV16P541 # يعلم أنه كاذب في أي شيء كان، فإنه من حيث إن فعله فعل من يظن أن الله لا ~~يعلم كذبه أو لا يقدر على جزائه كأنه كذب على الله - تراهم بالعين حال ~~كونهم {وجوههم مسودة} مبتدأ وخبر، وهو حال الموصول أي ثابت سوادها زائد ~~البشاعة والمعظم في الشناعة بجعل ذلك إمارة عليهم ليعرفهم ms4196 من يراهم بما ~~كذبوا في الدنيا فإنهم لم يستحيوا من الكذب المخزي، أليس ذلك زاجرا عن مطلق ~~الكذب فكيف بالكذب على الله الذي جهنم سجنه فكيف بالمتكبرين عليه {أليس في ~~جهنم} أي التي تلقى فيها بالتجهم والعبوسة {مثوى} أي منزل {للمتكبرين *} ~~الذي تكبروا على اتباع أمر الله. # ولما ذكر حال الذين أشقاهم، أتبعهم حال الذين أسعدهم، فقال عاطفا لجملة ~~على جملة لا على «ترى» المظروف ليوم القيامة، إشارة إلى أن هذا فعله معهم ~~في الدارين وإشارة إلى كثرة التنجية لكثرة الأهوال كثرة تفوت الحصر: ~~{وينجي} أي مطلق إنجاء لبعض من اتقى بما أشارت إليه قراءة يعقوب بالتخفيف، ~~وتنجية عظمية لبعضهم بما أفادته قراءة الباقين بالتشديد، وأظهر ولم يضمر ~~زيادة على تعظيم حالهم وتسكين قلوبهم {الله} أي يفعل بما له من صفات الكمال ~~في نجاتهم فعل المبالغ في ذلك {الذين اتقوا} # PageV16P542 # أي بالغوا في وقاية أنفسهم من غضبه فكما وقاهم في الدنيا من المخالفات ~~حماهم هناك من العقوبات {بمفازتهم} أي بسبب أنهم عدوا أنفسهم في مفازة ~~بعيدة مخوفة فوقفوا فيها عن كل عمل إلا بدليل لئلا يمشوا بغير دليل ~~فيهلكوا، فأدتهم تقواهم إلى الفوز، وهو الظفر بالمراد وزمانه ومكانه الذي ~~سميت المفازة به تفاؤلا، ولذلك فسر ابن عباس رضي الله عنهما المفازة ~~بالأعمال الحسنة لأنها سبب الفوز، وقرئ بالجمع باعتبار أنواع المصدر، وذلك ~~كله بعناية الله بهم في الدارين، فمفازة كل أحد في الأخرى على قدر مفازته ~~بالطاعات في الدنيا. # ولما كان كأنه قيل: ما فعل في تنجيتهم؟ قال ذاكرا نتيجة التنجية {لا ~~يمسهم السوء} أي هذا النوع فلا يخافون {ولا هم يحزنون *} أي ولا يطرق ~~بواطنهم حزن على فائت لأنهم لا يفوت لهم شيء أصلا. # ولما كان المخوف منه والمحزون عليه جامعين لكل ما في الكون فكان لا يقدر ~~على دفعهما إلا المبدع القيوم، قال مستأنفا أو معللا مظهرا الاسم الأعظم ~~تعظيما للمقام: {الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما # PageV16P543 # الذي نجاهم {خالق كل شيء} فلا يكون شيء أصلا إلا ms4197 بخلقه، وهو لا يخلق ما ~~يتوقعون منه خوفا، ولا يقع لهم عليه حزن. ولما دل هذا على القدرة الشاملة، ~~كان ولا بد معها من العلم الكامل قال: {وهو} وعبر بأداة الاستعلاء لأنه من ~~أحسن مجزأتها {على كل شيء} أي مع القهر والغلبة {وكيل *} أي حفيظ لجميع ما ~~يريد منه، قيوم لا عجز يلم بساحته ولا غفلة. # PageV16P544 # ولما كان الخافقان خزائن الكائنات، وكان لا يتصرف في الخزائن إلا ذو ~~المفاتيح، قال دالا على وكالته: {له} أي وحده {مقاليد} واحدها مقلاد مثل ~~مفتاح، ومقليد مثل قنديل، وهي المفاتيح والأمور الجامعة القوية وهي استعارة ~~لشدة التمكن من {السماوات} أي جميع أعدادها {والأرض} أي جنسها خزائنهما ~~وأمورهما ومفاتيحهما الجامعة لكل ما فيهما، فلا يمكن أن يكون فيهما شيء ولا ~~أن يتصرف فيه شيء منهما ولا فيهما أحد إلا بإذنه فلا بدع في تنجيته الذين ~~اتقوا. # ولما كان التقدير: فالذين آمنوا بالله وتقبلوا آياته أولئك هم الفائزون، ~~عطف عليه قوله الذي اقتضاه سياق التهديد: {والذين كفروا} أي لبسوا ما اتضح ~~لهم من الدلالات، وجحدوا أن تكون الأمور كلها بيده {بآيات الله} أي الذي لا ~~ظاهر غيرها، فإنه # PageV16P544 # ليس في الوجود إلا ذاته سبحانه وهي غيب لا يمكن المخلوق دركها، وأفعاله ~~وهي أظهر الأشياء، وصفاته وهي غيب من جهة شهادة من جهة أخرى {أولئك} ~~البعداء البغضاء {هم} خاصة {الخاسرون *} فإنهم خسروا نفوسهم وكل شيء يتصل ~~بها على وجع النفع لأن كفرهم أقبح الكفر من حيث إنه متعلق بأظهر الأشياء. # ولما قامت هذه الدلائل كما ترى قيام الأعلام، فانجابت دياجير الظلام، ~~وكان الجهلة قد دعوه صلى الله عليه وسلم كما قال المفسرون في أول سورة ص - ~~إلى أن يكف عن آلهتهم، وكان الإقرار عليها عبادة لها، تسبب عن ذلك أمره صلى ~~الله عليه وسلم بما يصدعهم به بقوله: {قل} ولما كان مقام الغيرة يقتضي محو ~~الأغيار، وكان الغير إذا انمحى تبعه جميع أعراضه، قدم الغير المفعول لأعبد ~~المفعول - على تقدير «أن» - لتأمر فقال: {أفغير الله} أي الملك ms4198 الأعظم الذي ~~لا يقر على فساد أصلا. # ولما كان تقديم الإنكار على فعلهم لهم أرجع، وتأخير ما سبق من الكلام ~~لإنكاره أروع، وكان مد الصوت أوكد في معنى الكلام وأفزع وأهول وأفظع، قال ~~صارفا الكلام إلى خطابهم، لأنه # PageV16P545 # أقعد في إرهابهم وأشد في اكتئابهم {تأمروني} بالإدغام المقتضي للمد في ~~قراءة أكثر القراء. ولعل الإدغام إشارة إلى أنهم حالوه صلى الله عليه وسلم ~~في أمر آلهتهم على سبيل المكر والخداع. ولما قرر الإنكار لإثبات إلإغيار، ~~أتم تقرير ذكر العامل في {غير} قال حاذفا «أن» المصدرية لتصير صلتها في حيز ~~الإنكار: {أعبد} وهو مرفوع لأن «أن» لما حذفت بطل عملها، ولم يراع أيضا ~~حكمها ليقال: إنه يمتنع نصب «غير» بها لأن معمول الصلة لا يتقدم على ~~الموصول. # ولما كانت عبادة غير الله أجهل الجهل، وكان الجهل محط كل سفول، قال: ~~{أيها الجاهلون *} أي العريقون في الجهل، وهو التقدم في الأمور المنبهمة ~~بغير علم - قاله الحرالي في سورة البقرة. # ولما كان التقديم يدل على الاختصاص، وكانوا لم يدعوه للتخصيص، بل للكف ~~المقتضي للشرك، بين أنه تخصيص من حيث إن الإله غني عن كل شيء فهو لا يقبل ~~عملا فيه شرك، ومتى حصل أدنى شرك كان في ذلك العمل كله للذي أشرك، فكان ~~التقدير بيانا لسبب أمره بأن يقول لهم ما تقدم منكرا عليهم: قل كذا، فلقد ~~أوحي إليك وإلى الذين من قبلك وجوب التوحيد، فعطف عليه قوله مؤكدا لأجل ما ~~استقر في النفوس من أن من عمل لأحد شيئا قبل # PageV16P546 # سواء كان على وجه الشركة أولا: {ولقد} ولما كان الموحي معلوما له صلى ~~الله عليه وسلم، بني للمفعول قوله: {أوحي إليك} ولما كان التعميم أدعى إلى ~~التقبل قال: {وإلى الذين} ولما كان الإرسال إنما هو في بعض الزمان لبعض ~~الناس قال: {من قبلك} ولما كان الحكم على قوم ربما كان حكما على المجموع مع ~~قيد الجمع خص بيانا لأنه مع كونه حكما على المجموع حكم على كل فرد، ولأن ~~خطاب الرئيس خطاب لأتباعه ms4199 لأنه مقتداهم. # ولما كان الموحى إليهم أنه من أشرك حبط عمله سواء كان هو أو غيره، صح ~~قوله بالإفراد موضع نحو أن الإشراك محبط للعمل وقائم مقام الفاعل، وعدل عنه ~~إلى ما ذكر لأنه أعظم في النهي وأقعد في الزجر لمن يتأهل له من الأمة، وأكد ~~لأن المشركين ينكرون معناه غاية الإنكار: {لئن} أي أوحى إلى كل منكم هذا ~~اللفظ وهو وعزتي لئن {أشركت} أي شيئا من الأشياء في شيء من عملك بالله وهو ~~من فرض المحال، ذكره هكذا ليكون أروع للأتباع، والفعل بعد إن الشرطية ~~للاستقبال، فعدل هنا عن التعبير بالمضارع للمطابقة بين اللفظ والمعنى لأن ~~الآية سبقت للتعريض بالكفار فكان التعبير بالماضي أنسب ليدل بلفظه على أن ~~من وقع منه شرك # PageV16P547 # فقد خسر، وبمعناه على أن الذي يقنع منه ذلك فهو كذلك. # ولما تقرر الترهيب أجاب الشرط والقسم بقوله: {ليحبطن} أي ليفسدن فيبطلن ~~عملك فلا يبقى له أثرا ما من جهة القادر فلأنه أشرك به فيه وهو غني لا يقبل ~~إلا الخالص، لأنه لا حاجة إلى شيء، وأما من جهة غيره فلأنه لا يقدر على ~~شيء. ولما كان السياق للتهديد، وكانت العبادة شاملة لمت تقدم على الشرك من ~~الأعمال وما تأخر عنه، لم يقيده بالاتصال بالموت اكتفاء بتقييده في آية ~~البقرة وقال: {ولتكونن} أي لأجل حبوطه {من الخاسرين *} فإنه من ذهب جميع ~~عمله لا شك في خسارته، والخطاب للرؤساء على هذا النحو - وإن كان المراد به ~~في الحقيقة أتباعهم - أزجر للأتباع، وأهز للقلوب منهم والأسماع. # ولما كان التقدير قطعا: فلا تشرك، بنى عليه قوله: {بل الله} أي المتصف ~~بجميع صفات الكمال وحده بسبب هذا النهي العظيم والتهديد الفظيع مهما وقعت ~~منك عبادة ما {فاعبد} أي مخلصا له العبادة، فحذف الشرط، عوض عنه بتقديم ~~المفعول. ولما كانت عبادته لا يمكن أن تقع إلا شكرا لما له من عموم النعم ~~سابقا ولاحقا، وشكر المنعم واجب، نبه على ذلك قوله: {وكن من الشاكرين *} أي ~~العريقين في هذا الوصف لأنه جعلك خير ms4200 الخلائق. # ولما كان التقدير: فما أحسن هؤلاء ولا أجملوا حين دعوك # PageV16P548 # للإشراك بالله، وما عبدوه حق عبادته إذ أشركوا به، عطف عليه قوله: {وما ~~قدروا} وأظهر الاسم الأعظم في أحسن مواطنه فقال: {الله} أي الملك الأعظم ~~{حق قدره} أي ما عظموه كما يجب له فإنه لو استغرق الزمان في عبادته وخالص ~~طاعته بحيث لم يخل شيء منه عنها لما كان ذلك حق قدره فكيف إذا خلا بعضه ~~عنها فكيف إذا عدل به غيره. # ولما ذكر تعظيم كل شيء ينسب إليه، دل على باهر قدرته الذي هو لازم القبض ~~والطي بما يكون من الحال في طي هذا الكون، فقال كناية عن العظمة بذلك: ~~{والأرض} أي والحال أنها، وقدمها لمباشرتهم لها ومعرفتهم بحقيقتها. ولما ~~كان ما يدركون منها من السعة والكبر كافيا في العظمة وأن لم يدركوا أنه ~~سبع، أكد بما يصلح لجميع طبقاتها تنبيها للبصراء على أنها سبع من غير تصريح ~~به فقال: {جميعا} ولما كان أحقر ما عند الإنسان وأخفه عليه ما يحويه في ~~قبضته، مثل بذلك في قوله مخبرا عن المبتدأ مفردا بفتح القاف لأنه أقعد في ~~تحقير الأشياء العظيمة بالنسبة إلى جليل عظمته: {قبضته} . # PageV16P549 # ولما كان في الدنيا من يدعي الملك والقهر والعظمة والقدرة، وكان الأمر في ~~الآخرة بخلاف هذا لانقطاع الأسباب قال: {يوم القيامة} ولا قبضة هناك حقيقية ~~ولا مجازا، وكذا الطي واليمين، وإنما تمثيل وتخييل لتمام القدرة. ولما ~~كانوا يعلمون أن السماوات سبع متطابقة بما يشاهدون من سير النجوم، جمع ~~ليكون مع {جميعا} كالتصريح في جميع الأرض أيضا في قوله: {والسماوات مطويات} ~~ولما كان العالم العلوي أشرف، شرفه عند التمثيل باليمين فقال: {بيمينه} ~~ولما كان هذا إنما هو تمثيل بما نعهد والمراد به الغاية في القدرة، نزه ~~نفسه المقدس عما ربما تشبث به المجسم والمشبه فقال: {سبحانه} أي تنزه من ~~هذه القدرة قدرته عن كل شائبة نقص وما يؤدي إلى النقص من الشرك والتجسيم ~~وما شاكله {وتعالى} علوا لا يحاط به {عما يشركون *} أي إن علوه ms4201 عن ذلك علو ~~من يبالغ فيه، فهو في غاية من العلو لا يكون وراءها غاية لأنه لو كان له ~~شريك لنازعه هذه القدرة أو بعضها فمنعه شيئا منها، وهذه معبوداتهم لا قدرة ~~لها على شيء، روى البخاري في صحيحه في التوحيد وغيره من عبد الله رضي عنه ~~قال: # «جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا # PageV16P550 # كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع والماء ~~والثرى على إصبع والخلائق على إصبع ثم يميزهن ثم يقول: أنا الملك، فلقد ~~رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه - تعجيبا وتصديقا لقوله ~~- ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم {وما قدروا الله حق قدره} - إلى: - ~~{يشركون} [الأنعام: 91] » وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن ~~بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك اين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي ~~الأرضين ثم يأخذهن بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون» ~~، وللبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك ~~أين ملوك الأرض» . # PageV16P551 # ولما دل على عظيم قدره بعض ما يكون يوم القيامة، أتبعه ما لا يحتمله ~~القوي من أحوال ذلك اليوم دليلا آخر، فقال دالا على عظيم قدرته وعزه وعظمته ~~بالبناء للمفعول: {ونفخ في الصور} أي القرن العاطف للأشياء المقبل بها نحو ~~صوته المميل لها عن أحوالها العالي عليها # PageV16P551 # في ذلك اليوم بعد بعث الخلائق وهي النفخة الأولى بعد البعث التي هي بعد ~~نفختي الموت والبعث المذكورتين في سورة يس، والمراد بها - والله أعلم - ~~إلقاء الرعب والمخافة والهول في القلوب إظهارا للعظمة وترديا بالكبرياء ~~والعز في عزة يوم المحشر ليكون أول ما يفجأهم يوم الدين ما لا يحتمله ~~القوي، ولا تطيقه الأحلام والنهى، كما كان آخر ما فجأهم في يوم الدنيا وإن ~~افترقا ms4202 في التأثير، فإن تلك أثرت الموت، وهذه أثرت الغشي لأنه لا موت بعد ~~البعث، وهي الثالثة من النفخات {فصعق} أي مغشيا عليه {من في السماوات} ولما ~~كان المقام التهويل، وكان التصريح أهول، أعاد الفاعل بلفظه فقال: {ومن في ~~الأرض} . # ولما كان منهم من لا يصعق ليعرف دائما أنه في كل فعل من أفعاله مختار ~~قادر جبار، استثناه فقال: {إلا من شاء الله} أي الذي له مجامع العظمة ~~ومعاقد العز، فيجعل الشيء الواحد هلاكا لقوم دون قوم، وصعقا لقوم دون قوم، ~~يجعل ذلك الذي كان به الهلاك به الحياة وذلك الذي كان به الغشي به الإفاقة ~~وإن كان بالنسبة إليهم على حد سواء، إعلاما بأن الفاعل لما يريد لا الأثر، ~~قيل: المستثنون الشهداء وقيل: غيرهم {ثم نفخ فيه أخرى} # PageV16P552 # أي نفخة ثانية من هذه، وهي رابعة من النفخة المميتة، ودل على سرعة ~~تأثيرها بالفجاءة في قوله: {فإذا هم قيام} أي قائمون كلهم {ينظرون *} أي ~~يقبلون أبصارهم أو ينتظرون ما يأتي بعد ذلك من أمثاله من دلائل العظمة، ~~وهاتان النفختان هما المرادتان في حديث تخاصم اليهود مع المسلم الذي لطم ~~وجهه، وفي آخره: «يصعق الناس يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش ~~بجانب العرش فلا أدري أفاق قبلي أو جوزي بصعقة الطور» - وقد رواه البخاري ~~في الخصومات في موضعين، وفي أحاديث الأنبياء في موضعين، وفي الرقاق وفي ~~التوحيد ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، والنسائي في التفسير ~~والنعوت، وبتفصيل رواياته وجمع ألفاظها يعلم أن ما ذكرته هو المراد روى ~~البخاري ومسلم في أحاديث الأنبياء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينما ~~يهودي يعرض سلعة له - وقال البخاري: سلعته - أعطى بها شيئا كرهه أو لم ~~يرضه، قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر! فسمعه رجل من الأنصار فلطم - ~~وقال البخاري: فقام فلطم وجهه، # PageV16P553 # قال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين أظهرنا، فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ms4203 أبا ~~القاسم إن لي ذمة وعهدا، وقال: فلان لطم وجهي، - وقال البخاري: فما بال ~~فلان لطم وجهي؟ - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم لطمت وجهه؟ قال: ~~قال يا رسول الله» والذي اصطفى موسى على البشر «وأنت بين أظهرنا، فغضب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين ~~أنبياء الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من ~~شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث» # - وفي رواية مسلم: «أو في أول من بعث - فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري ~~أحوسب بصعقة يوم الطور أو بعث قبلي ولا أقول: إن أحدا أفضل من يونس بن متى» ~~وفي رواية للبخاري في تفسير الزمر: «إني من أول من يرفع رأسه بعد النفخة ~~الآخرة فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة» وفي ~~رواية للبخاري في الخصومات والرقاق وأحاديث الأنبياء وهي لمسلم أيضا قالا: ~~استب رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود - وفي رواية لمسلم: رجل من ~~اليهود ورجل من المسلمين - فقال المسلم: والذي اصفطى محمدا صلى الله عليه ~~وسلم # PageV16P554 # على العالمين، قال البخاري في كتاب التوحيد وأحاديث الأنبياء: في قسم ~~يقسم به، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، قال البخاري: فغضب ~~المسلم عند ذلك فلطم وجه اليهودي، وقال مسلم وكذلك البخاري في التوحيد ~~والخصومات وأحاديث الأنبياء: فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، ~~فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان من أمره ~~وأمر المسلم، قال البخاري في الخصومات: فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~المسلم فسأله عن ذلك فأخبره - ثم اتفقا: فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون» قال البخاري في الرقاق ~~والخصومات وأحاديث الأنبياء ونسخة في التوحيد: «يوم القيامة فأكون في أول ~~من يفيق» ، وفي رواية له في الخصومات؛ «فأصعق معهم» ، وفي رواية له في ~~الرقاق وفي ms4204 رواية في التوحيد وهي رواية لمسلم وأبي داود: «فأكون أول من ~~يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش» ، وقال أبو داود: «في جانب العرش، فلا ~~أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله» ، وفي رواية: «فلا ~~أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أو اكتفى بصعقة الطور» # ، وفي رواية للبخاري في أحاديث الأنبياء: «فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق ~~أو كان ممن استثنى الله» - ولم يذكر قبلي وروى الحديث الترمذي في تفسير ~~سورة الزمر وابن ماجه في الزهد: # PageV16P555 # قال: قال اليهودي، وقال ابن ماجه: رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي ~~اصطفى وموسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يدا فصك بها وجهه - وقال ابن ~~ماجه: فلطمه - قال: تقول هذا وفينا نبي الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «ونفخ في الصور» - وقال ابن ماجه: تقول هذا وفينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «قال الله تعالى: ونفخ في الصور - فصعق من في السماوات ومن في الأرض ~~إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فأكون أول من رفع ~~رأسه فإذا موسى آخذ» - وقال ابن ماجه: «فإذا أنا بموسى آخذ - بقائمة من ~~قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي أم كان ممن استثنى الله، ومن قال: ~~أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي ~~رواية للبخاري في الرقاق: «يصعق الناس حين يصعقون، فأكون أول من قام، فإذا ~~موسى آخذ بالعرش، فما أدري أكان فيمن صعق» ، قال: ورواه أبو سعيد رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه، وللبخاري في الخصومات عن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس جاء يهودي فقال: يا ~~أبا القاسم! ضرب وجهي رجل من أصحابك، قال: من؟ قال: رجل من الأنصار، قال: ~~ادعوه، قال: ضربته؟ قال: سمعته بالسوق يحلف» والذي اصطفى موسى على ms4205 البشر ~~«قلت: أي # PageV16P556 # خبيث على محمد، فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق ~~عنه الأرض» - وفي رواية في أحاديث الأنبياء: «فأكون أول من يفيق - فإذا أنا ~~بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقته ~~الأولى» ، وفي رواية في أحاديث الأنبياء: «فلا أدري أفاق قبلي أو حوسب ~~بصعقة الطور» والله أعلم - هذا ما رأيته من ألفاظ الحديث في الكتب الستة، ~~وأما معنى صعق فإنه صاح ومات فجأة أو غشي عليه، قال في القاموس: الصاعقة ~~الموت وكل عذاب مهلك وصيحة العذاب، وصعق كسمع صعقا ويحرك وصعقة وتصعاقا: ~~غشي عليه. والصعق محركة: شدة الصوت، وككتف: الشديد الصوت، وقال عبد الحق في ~~الواعي: الأزهري: الصاعقة - يعني بالفتح - وأصعقتهم - إذا أصابتهم فصعقوا ~~وصعقوا، ومنه حديث الحسن: ينتظر بالمصعوق ثلاثا ما لم يخافوا عليه نتنا - ~~يعني الذي مات فجأة، قال: والصاعقة مصدر جاء على فاعلة، تقول: سمعت صاعقة ~~الرعد وثاغية الشاء، وقوله: # PageV16P557 # {وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143] أي مغشيا عليه، دل على ذلك قوله سبحانه ~~{فلما أفاق} إنما يقال: أفاق من العلة والغشية وبعث من الموت، قال: وجملة ~~الصاعقة الصوت مع النار، وقال أبو عبد الله يعني القزاز: الصعق هو أن يسمع ~~الإنسان صوت الهدة الشديدة فيصعق لذلك عقله، واشتقاق الصاعقة من هذا، سميت ~~صاعقة لشدة صوتها وتقول: إنه لصعق، أي شديد الصوت، وكذا هو صعاق - انتهى. # فتحرر من هذا أن الصعق يطلق على الموت فجأة، وعلى الغشي كذلك، وأن ~~الإفاقة لا تكون إلا عن غشي لا عن موت، فعلم أن الصعقة في هذه الآية إنما ~~هي غشي لأن الثانية عنها إفاقة، وأيضا فمن الأمر المحقق أنه لا يموت أحد من ~~أهل البرزخ فكيف بالأنبياء عليهم السلام، فالصواب حمل الصعقة المذكورة في ~~الحديث على الغشي أو ما يشبهه، ويؤيده التجويز لأن تكون صعقة الطور جزاء ~~عنها، وعلى تقدير أن تكون غشيا إن قلنا إنه يكون ms4206 بنفخة الإماتة يلزم عليه ~~أن لا يكون للغشي ولا لعدمه مدخل في الشك في أن موسى عليه السلام أفاق قبل ~~أو لم يحصل له غشي أصلا، لأن الذي يكون به بطشه بالعرش - وهو بروحه وجسه - ~~إنما هو البعث من الموت لا الإفاقة من الغشي ولا عدم الغشي قبل البعث، ~~فالذي يوضح الأمر ولا يدع فيه لبسا أن يكون ذلك بعد البعث، وتكون حينئذ ~~النفخات أربعا: الأولى لإماتة الأحياء، الثانية لإحياء جميع الموتى، وهاتان ~~هما المذكورتان في سورة يس، # PageV16P558 # ولذلك لما ذكرهما صرح في أمرهما بما لا يحتمل غيره {ما ينظرون إلا صيحة ~~واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في ~~الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} الثالثة لابتدائهم بعد البعث ~~بالهول الشديد، والحال يقتضيه لأن ذلك اليوم يوم الأهوال والارعاب ~~والارهاب، وإظهار العظمة والجلال لتقطيع الأسباب، والذي يدل عليه في هذا ~~الحديث قوله صلى الله عليه وسلم في كثير من رواياته: «فإن الناس يصعقون يوم ~~القيامة» فإن يوم القيامة اسم للوقت الذي أوله البعث وآخره تكامل دخول كل ~~فريق إلى داره ومحل استقراره، وأما صعقة الموت فإنها في دار الدنيا وهي ~~للإنامة لا للإقامة، ويضعف حمله على ما قبل البعث الروايات الصحيحة الجازمة ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض، وما حكاه الكرماني من ~~الإجماع على ذلك ولا فخر فيه إلا بحصول البعث لا بإظهار الجسد من غير بعث، ~~فهذا الجزم ينافي ذلك الشك، فإذا كان المراد بما في الحديث الغشي كانت نفخة ~~أخرى للإيقاظ منه، وهاتان المرادتان بما في هذه السورة كما في رواية السورة ~~كما في رواية الترمذي وما في النمل، ولذلك عبر عنها بالفزع، ويؤيد ذلك ~~التعبير في رواية البخاري في التفسير بالنفخة الآخرة، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم قد أوتي # PageV16P559 # جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصارا، ولو أنهما نفختان فقط كان ~~التعبير بالآخرة قاصرا عما تفيده الثانية مع المساواة في عدة الحروف، وهو ~~مما لا ms4207 يظن ببليغ، فكيف بأبلغ الخلق المؤيد بروح القدس صلى الله عليه وسلم ~~فكان العدول عن الثانية إلى الآخرة مفيدا أنها أربع، ولعل ذلك معنى # {أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين} [غافر: 11] وسميت إماتة لشدة الغشي بها ~~لعظم أمرها ومعنى زلزلة الساعة التي تسكر، ويؤيده التعبير عن القيام منها ~~بالإفاقة لا بالبعث، ولا يعكر على هذا شيء إلا رواية البخاري في الخصومات: ~~«فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا أنا بموسى» - إلى آخره، فالظاهر أن ~~راويها وهم، أو روي بالمعنى فما وفى بالغرض، والراجح روايات من قالوا: ~~«فأكون أول من يفيق» - بالكثرة وبزوال الإشكال، هذا ما كان ظهر لي في النظر ~~في المعنى وتطبيق الآيات والأحاديث عليه، ثم رأيت شيخنا حافظ عصره أحمد بن ~~علي بن حجر الكناني العسقلاني المصري رحمه الله نقل ما جمعت به بين ~~الروايات في كتاب الأنبياء من شرحه للبخاري عن القاضي عياض فقال: وقال ~~عياض: يحتمل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض. ~~وأقره على ذلك ثم نقل عن ابن حزم عين ما قلته في النفخات فقال ما نصه: ~~تكميل: زعم ابن حزم أن النفخات يوم القيامة أربع: الأولى نفخة إماتة يموت ~~فيها من بقي في الأرض، # PageV16P560 # حيا، ثانيها نفخة إحياء فيقوم كل ميت، والثالثة نفخة فزع وصعق يفيقون ~~منها كالمغشي عليهم، لا يموت منها أحد، والرابعة إفاقة من ذلك الغشي، ثم ~~رده شيخنا بأن الصعقات أربع، ولا يستلزم كون النفخات أكثر من اثنتين، وذلك ~~أنه ينفخ في الصور النفخة الأولى فيموت من كان حيا ويغشى على من كان ميتا، ~~فهاتان صعقتان في النفخة الأولى، وينفخ النفخة الثانية فيفيق من كان مغشيا ~~عليه ويحيى من كان ميتا، فهاتان اثنتان في النفخة الثانية، وهذا الرد مردود ~~لمن حقق ما قلته بأدنى تأمل، ويلزم عليه أن يكون أصفياء الله أشد حالا ~~وفزعا ممن تقوم عليهم الساعة وهم شر عباد الله، والعجب أن الذي رده على ابن ~~حزم سلمه لعياض - والله الموفق. # PageV16P561 # ولما ذكر إقامتهم بالحياة التي ms4208 هي نور البدن، أتبعه إقامتهم بنور جميع ~~الكون ظاهرا بالضياء الحسي، وباطنا بالحكم على طريق العدل الذي هو نور ~~الوجود الظاهري والباطني على الحقيقة كما أن ظلم ظلامة كذلك فقال: {وأشرقت} ~~أي أضاءت إضاءة عظيمة مالت بها إلى الحمرة {الأرض} أي التي أوجدت لحشرهم، ~~وعدل الكلام عن الاسم الأعظم إلى صفة الإحسان لغلبة الرحمة لا سيما في ذلك ~~اليوم فإنه لا يدخل أحد الجنة إلا بها فقال: {بنور ربها} أي الذي رباها ~~بالإحسان إليها بجعلها محلا للعدل والفضل، لا يكون فيها شيء غير ذلك أصلا، # PageV16P561 # وذلك النور الذي هو شيء واحد يبصر به قوم دون آخرين كما كانت النفخة تارة ~~للهلاك وتارة للحياة. # ولما كان العلم هو النور في الحقيقة، وكان الكتاب أساس العلم وكان لذلك ~~اليوم من العظمة ما يفوت الوصف ولذلك كذب به الكفار أتى فيما يكون فيه ~~بإذنه بصيغة المجهول على طريقة كلام القادرين إشارة إلى هوانه وأنه طوع ~~أمره لا كلفة عليه في شيء من ذلك وكذا ما بعده من الأفعال زيادة في تصوير ~~عظمة اليوم بعظمة الأمر فيه فقال: {ووضع الكتاب} أي الذي أنزل إلى كل أمة ~~لتعمل به. # ولما كان الأنبياء أعم من المرسلين، وكان للنبي وهو المبعوث ليعمل من ~~أمره أن يأمر بالمعروف، وقد يتبعه من أراد الله به الخير، وكان عدتهم مائة ~~ألف وأربعة وعشرين ألفا، وهي قليلة جدا بالنسبة إلى جميع الناس، عبر بهم ~~دون المرسلين وبجمع القلة فقال: {وجاء بالنبيين} للشهادة على أممهم ~~بالبلاغ. ولما كان أقل ما يكون الشهود ضعف المكلفين، عبر بجمع الكثرة فقال: ~~{والشهداء} أي الذين وكلوا بالمكلفين فشاهدوا أعمالهم فشهدوا بها وضبطوها ~~فأصلت الأصول وصورت الدعاوى وأقيمت البينات على حسبها من # PageV16P562 # طاعة أو معصية، ووقع الجزاء على حسب ذلك، فظهر العدل رحمة للكفار، وبان ~~الفضل رحمة للمسلمين {وقضى بينهم} أي بين العباد الذين فعل ذلك كله لأجلهم، ~~ولما كان السياق ظاهرا في عموم الفضل عدلا وفضلا كما يأتي التنبيه عليه ~~قال: {بالحق} بأن يطابق الواقع من ms4209 المثوبات والعقوبات ما وقع الخبر به في ~~الكتب على ألسنة الرسل. # ولما كان المراد كمال الحق باعتبار عمومه لجميع الأشخاص والأعمال وكان ~~ربما طرقه احتمال تخصيص ما، أزال ذلك بقوله: {وهم} أي باطنا وظاهرا {لا ~~يظلمون *} أي لا يتجدد لهم ظلم في وقت أصلا، فلا يزادون في جزاء السيئة على ~~المثل شيئا ولا ينقصون في جزاء الحسنة عن العشر شيئا. # ولما كان ذلك ربما كان بالنسبة إلى ما وقع فيه الحكم، وليس نصا في شمول ~~الحكم لكل عمل، نص عليه بقوله، ذاكرا الوفاء والعمل لاقتضاء السياق ذلك ~~بذكر الكتاب وما في حيزه من النبيين والشهداء والقضاء الحق، وذلك كله أليق ~~بذكر العمل المؤسس على العلم، والوفاء الذي هو الركن الأعظم في الحق ومساق ~~العلم، والعلم والوفاء أوفق لجعل العمل نفسه هو الجزاء بأن يصور بما يستحقه ~~من الصور المليحة إن كان ثوابا والقبيحة إن كان عقابا، والفرق بينه وبين ~~العقل المؤسس # PageV16P563 # على الشهوة وقوة الداعية: {ووفيت كل نفس} ولما كانت التوفية في الجزاء ~~على غاية التحرير والمبالغة في الوفاء والمشاكلة في الصورة والمعنى، جعل ~~الموفي نفس العمل فقال: {ما عملت} أي من الحسنات، لذلك عبر بالعمل الذي لا ~~يكون إلا مع العلم وأفهم الختام تقدير «والله أعلم بما يعملون» . # ولما كان المراد بالشهداء إقامة الحقوق على ما يتعارفه العباد وكان ذلك ~~ربما أوهم نقصا في العلم قال: {وهو أعلم} أي من العاملين والشهداء عليهم ~~{بما يفعلون *} أي مما عمل به بداعية من النفس سواء كان مع مراعاة العلم أو ~~لا. فالآية من الاحتباك: ذكر ما عملت أولا يدل على ما فعلت ثانيا، وذكر ما ~~يفعلون ثانيا يدل عليه ما يفعلون أولا، وسره أن ما ذكر أوفق للمراد من نفي ~~الظلم على حكم الوعد بالعدل والفضل لأن فيه الجزاء على كل ما بني على علم، ~~وأما المشتهي فما ذكر أنه يجازى عليه بل الله يعلمه. # ولما كان الأغلب على هذه المقامات التحذير، قدم في هذه التوفية حال أهل ~~الغضب فقال: {وسبق} ms4210 أي بأمر يسير من قبلنا بعد إقامة الحساب سوقا عنيفا ~~{الذين كفروا} أي غطوا أنوار عقولهم، فالتبست عليهم الأمور فضلوا {إلى ~~جهنم} أي الدركة التي تلقاهم بالعبوسة كما تلقوا الأوامر والنواهي ~~والقائمين بها بمثل ذلك، فإن ذلك لازم لتغطية العقل {زمرا} أي جماعات في ~~تفرقة # PageV16P564 # بعضهم على إثر بعض - قاله أبو عبيد - أصنافا مصنفين، كل شخص مع من يلائمه ~~في الطريقة والزمرة، مأخوذة من الزمر وهو صوت فيه التباس كالزمر المعروف ~~لأن ذلك الصوت من لازم الجمع. # ولما كان إغلاق الباب المقصود عن قاصده دالا على صغاره، دل على أن أمرهم ~~كذلك بقوله ذاكرا غاية السوق: {حتى إذ جاءوها} أي على صفة الذل والصغار، ~~وأجاب «إذا» بقوله: {فتحت أبوابها} أي بولغ كما يفعل في أبواب السجن لأهل ~~الجرائم بعد تكاملهم عندها في الإسراع في فتحها ليخرج إليهم ما كان محبوسا ~~بإغلاقها من الحرارة التي يلقاهم ذكاؤها وشرارها على حالة هي أمر من لقاء ~~البهام التي اختاروها في الدنيا على تقبل ما خالف أهويتهم من حسن الكلام. # ولما كان المصاب ربما رجا الرحمة، فإذا وجد من يبكته كان تبكيته أشد عليه ~~مما هو فيه قال: {وقال لهم خزنتها} إنكارا عليهم وتقريعا وتوبيخا: {ألم ~~يأتكم رسل} ولما كان قيام الحجة بالمجانس أقوى قال واصفا لرسل: {منكم} أي ~~لتسهل عليكم مراجعتهم. # ولما كانت المتابعة بالتذكير أوقع في النفس قال آتيا بصفة أخرى معبرا ~~بالتلاوة التي هي أنسب لما يدور عليه مقصد السورة من العبادة لما للنفوس من ~~النقائص الفقيرة إلى متابعة التذكير: {يتلون} أي يوالون {عليكم آيات} ولما ~~كان أمر المحسن أخف على النفس # PageV16P565 # فيكون أدعى إلى القبول قالوا: {ربكم} أي بالبشارة إن تابعتم. ولما كان ~~الإنذار أبلغ في الزجر قالوا: {وينذرونكم لقاء يومكم} ولما كانت الإشارة ~~أعلى في التشخيص قالوا: {هذا} إشارة إلى يوم البعث كله، أي من الملك الجبار ~~إن نازعتم، فالآية من الاحتباك: ذكر الرب أولا دلالة على حذف الجبروت ثانيا ~~والإنذار ثانيا دليلا على البشارة أولا {قالوا بلى} أي ms4211 قد أتونا وتلوا ~~علينا وحذرونا. # ولما كان عدم إقبالهم على الخلاص مما وقعوا فيه مع كونه يسيرا من أعجب ~~العجب، بينوا موجبه بقولهم: {ولكن حقت} أي وجبت وجوبا يطابقه الواقع، لا ~~يقدر معه على الانفكاك عنه {كلمة العذاب} أي التي سبقت في الأزل علينا - ~~هكذا كان الأصل، ولكنهم قالوا: {على الكافرين *} تخصيصا بأهل هذا الوصف ~~وبيانا لأنه موجب دخولهم وهو تغطيتهم للأنوار التي أتتهم بها الرسل. # ولما فرغوا من إهانتهم بتبكيتهم، أنكوهم بالأمر بالدخول، وعبر بالمبني ~~للمفعول إشارة ألى أنهم وصلوا إلى أقصى ما يكون من الذل بحيث إنهم يمتثلون ~~قول كل قائل جل أو قل، فقيل في جواب من كأنه قال: ماذا وقع بعد هذا ~~التقريع؟ : {قيل} أي لهم جوابا لكلامهم: {ادخلوا أبواب جهنم} أي طبقاتها ~~المتجهمة لداخليها. ولما كان الإخبار بالخلود حين الدخول أوجع لهم قالوا: ~~{خالدين} أي # PageV16P566 # مقدرين الخلود {فيها} ولما كان سبب كفرهم بالأدلة هو التكبر، سبب عن ~~الأمر بالدخول قوله معرى عن التأكيد لأنه يقال في الآخرة ولا تكذيب فيها ~~يقتضي التأكيد ولم يتقدم منهم هنا كذب كالنحل بل اعتراف وتندم {فبئس مثوى} ~~أي منزل ومقام {المتكبرين *} أي الذين أوجب تكبرهم حقوق كلمة العذاب عليهم، ~~فلذلك تعاطوا أسبابها. # PageV16P567 # ولما ذكر أحوال الكافرين، أتبعه أحوال أضدادهم فقال: {وسيق} وسوقهم إلى ~~المكان الطيب يدل على أن موقفهم كان طيبا لأن من كان في أدنى نكد فهيئ له ~~مكان هنيء لا يحتاج في الذهاب إليه إلى سوق، فشتان ما بين السوقين! هذا سوق ~~إكرام، وذاك سوق إهانة وانتقام، وهذا لعمري من بدائع أنواع البديع، وهو أن ~~يأتي سبحانه بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم بعقابهم، ويأتي بتلك ~~الكلمة بعينها وعلى هيئتها في حق الأبرار فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم، ~~فسبحان من أنزله معجز المباني، متمكن المعاني، عذب الموارد والمثاني. # ولما كان هذا ليس لجميع السعداء بل للخلص منهم، دل على ذلك بقوله: {الذين ~~اتقوا} أي لا جميع المؤمنين {ربهم} أي الذين كلما زادهم إحسانا زادوا له ~~هيبة، ms4212 روى أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه # PageV16P567 # عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«يوما كان مقداره خمسين ألف سنة، فقيل: ما أطول هذا اليوم؟ قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون عليه أخف ~~من صلاة مكتوبة» وروى الطبراني وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي ~~الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تجتمعون يوم القيامة» - فذكر ~~الحديث حتى قال: «قالوا: فأين المؤمنون يومئذ؟ قال: توضع لهم كراسي من نور ~~ويظلل عليهم الغمام يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار» ~~ويمكن أن يكون السوق إشارة إلى قسر المقادير للفريقين على الأفعال التي هي ~~أسباب الدارين {إلى الجنة زمرا} أهل الصلاة المنقطعين إليها المستكثرين ~~منها على حدة، وأهل الصوم كذلك - إلى غير من الأعمال التي تظهر آثارها على ~~الوجوه. # ولما ذكر السوق، ذكر غايته بقوله: {حتى إذا جاءوها} ولما كان إغلاق الباب ~~عن الآتي يدل على تهاون به، وفي وقوفه إلى أن يفتح له نوع هوان قال: ~~{وفتحت} أي والحال أنها قد فتحت {أبوابها} أي إكراما لهم قبل وصولهم إليها ~~بنفس الفتح وبما يخرج إليهم # PageV16P568 # من رائحتها، ويرون من زهرتها وبهجتها، ليكون ذلك لهم سائقا ثانيا إلى ما ~~لم يروا مثله ولا رأوا عنه ثانيا. # ولما ذكر إكرامهم بأحوال الدار، ذكر إكرامهم بالخزنة الأبرار، فقال عطفا ~~على جواب «إذا» بما تقديره: تلقتهم خزنتها بكل ما يسرهم: {وقال لهم خزنتها} ~~أي حين الوصول: {سلام عليكم} تعجيلا للمسرة لهم بالبشارة بالسلامة التي لا ~~عطب فيها. ولما كانت دارا لا تصلح إلا للمطهرين قالوا: {طبتم} أي صلحتم ~~لسكناها، فلا تحول لكم عنها أصلا، ثم سببوا عن ذلك تنبيها على أنها دار ~~الطيب، فلا يدخلها إلا مناسب لها، قولهم: {فادخلوها} فأنتج ذلك {خالدين *} ~~ولعل فائدة الحذف لجواب «إذا» أن تذهب النفس فيه من الإكرام كل مذهب وتعلم ~~أنه لا محيط ms4213 به الوصف، ومن أنسب الأشياء أن يكون دخولهم من غير مانع من ~~إغلاق باب أو منع بواب، بل مأذونا لهم مرحبا بهم إلى ملك الأبد. # ولما كان التقدير: فدخلوها، عطف عليه قوله: {وقالوا} أي جميع الداخلين: ~~{الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال، وعدلوا إلى الاسم الأعظم حثا لأنفسهم ~~على استحضار جميع ما تمكنهم معرفته من الصفات فقالوا: {لله} أي الملك ~~الأعظم {الذي صدقنا وعده} في قوله تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان ~~تقيا فطابق قوله الواقع # PageV16P569 # الذي وجدناه في هذه الساعة {وأورثنا} كما وعدنا {الأرض} التي لا أرض في ~~الحقيقة غيرها وهي أرض الجنة التي لا كدر فيها بوجه وفيها كل ما تشتهي ~~الأنفس وتلذ الأعين، بأن جعل حالنا فيها في تمام الملك وعدم التسبب في ~~الحقيقة فيه حال الوارث الذي هو بعد موروثه ولا شيء بعده ولا منازع له حال ~~كوننا {نتبوأ} أي نتخذ منازل هي أهل لمن خرج منها أن يشتهي العود إليها، ~~وبينوا الأرض بقولهم في موضع الضمير: {من الجنة} أي كلها {حيث نشاء} ~~لاتساعها فلا حاجة لأحد فيها أن ينازع أحدا في مكان أصلا، ولا يشتهي إلا ~~مكانه. ولما كانت بهذا الوصف الجليل، تسبب عنه مدحها بقوله: {فنعم} أجرنا - ~~هكذا كان الأصل، ولكنه قال: {أجر العاملين *} ترغيبا في الأعمال وحثا على ~~عدم الاتكال. # ولما ذكر سبحانه الذين ركب فيهم الشهوات، وما وصلوا إليه من المقامات، ~~أتبعهم أهل الكرامات الذين لا شاغل لهم عن العبادات، فقال صارفا الخطاب ~~لعلو الخبر إلى أعلى الخلق أنه لا يقوم بحق هذه الرؤية غيره: {وترى} معبرا ~~بأخص من الإبصار الأخص من النظر كما بين في البقرة في قوله تعالى {وإن ~~القوة لله جميعا} [البقرة: 165] {الملائكة} القائمين بجميع ما عليهم من ~~الحقوق {حافين} أي محدقين ومستديرين وطائفين في جموع لا يحصيها إلا الله. ~~من الخف وهو الجمع، والحفة # PageV16P570 # وهو جماعة الناس، والأعداد الكثيرة، وهو جمع حاف، وهو الواحد من الجماعة ~~المحدقة. # ولما كان عظيم الشيء من عظم صاحبه، وكان لا يحيط ms4214 بعظمة العرش حق الإحاطة ~~إلا الله تعالى، أشار إلى ذلك بإدخال الجاز فقال: {من حول العرش} أي الموضع ~~الذي يدار فيه به ويحاط به منه، من الحول وهو الإحاطة والانعطاف والإدارة. ~~محدقين ببعض أحفته أي جوانبه التي يمكن الحفوف بها بالقرب منها يسمع ~~لحفوفهم صوت بالتسبيح والتحميد والتقديس والاهتزاز خوفا من ربهم، فإدخال ~~{من} يفهم أنهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله، لا يملؤون ما حوله، ~~حال كونهم {يسبحون بحمد} وصرف القول إلى وصف الإحسان مدحا لهم بالتشمير ~~لشكر المنعم وتدريبا لغيرهم فقال: {ربهم} أي يبالغون في التنزيه عن النقص ~~بأن يتوهم متوهم أنه محتاج إلى عرش أو غيره، وأن يحويه مكان متلبسين بإثبات ~~الكمال للمحسن إليهم بإلزامهم بالعبادة من غير شاغل يشغلهم، ولا منازع من ~~شهوة أو حظ يغفلهم، تلذذا بذكره وتشرفا بتقديسه، ولأن حقه إظهار تعظميه على ~~الدوام كما أنه متصل الإنعام. # ولما تقدم ذكر الحكم بين أهل الشهوات بما برز عليهم من الشهادات، # PageV16P571 # ذكر هنا الحكم بينهم وبين الملائكة الذين فاضوا في أصل خلقهم بقولهم ~~{أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} الآية فقال: {وقضى بينهم} أي بين ~~أهل الشهوات وأهل العصمة والثبات. ولما كان السياق عاما في الترغيب ~~والترهيب عدلا وفضلا، بخلاف سياق سورة يونس عليه السلام، قال: {بالحق} بأن ~~طوبق بما أنزلنا فيهم في الكتب التي وضعناها لحسابهم الواقع، فمن طغى منهم ~~أسكناه لظى بعدلنا، ومن اتقى نعمناه في جنة المأوى بفضلنا، لجهادهم ما فيهم ~~من الشهوات حتى ثبتوا على الطاعات، مع ما ينزعهم من الطبائع إلى الجهالات، ~~وأما الملائكة فأبقيناهم على حالهم في العبادات: {وقيل} أي من كل قائل: آخر ~~الأمور كلها {الحمد} أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال، وعدل بالقول إلى ما هو ~~حق بهذا المقام فقال: {لله} ذي الجلال والإكرام، علمنا ذلك في هذا اليوم ~~عمل اليقين كما كنا في الدنيا نعلمه علم اليقين. # ولما كان ذلك اليوم أحق الأيام بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق ~~وانفتاح البصائر وسعة الضمائر، قال واصفا ms4215 له سبحانه بأقرب الصفات إلى الاسم ~~الأعظم: {رب العالمين *} أي الذي ابتدأهم، # PageV16P572 # أولا من العدم وأقامهم ثانيا بما رباهم به من التدبير، وأعادهم ثالثا بعد ~~إفنائهم بأكمل قضاء وتقدير، وأبقاهم رابعا لا إلى خير، فقد حقق وعده كما ~~أنزل في كتابه وصدق وعيده لأعدائه كما قال في كتابه، فتحقق أنه تنزيله، فقد ~~ختم الأمر بإثبات الكمال باسم الحمد عند دخول الجنان والنيران كما ابتدأ به ~~عند ابتداء الخلق في أول الإنعام، فله الإحاطة بالكمال في أن الأمر كما قال ~~كتابه على كل حال، فقد انطبق آخرها على أولها بأن الكتاب تنزيله لمطابقة كل ~~ما فيه للواقع عندما يأتي تأويله، وبأن الكتاب الحامل على التقوى المسببة ~~للجنة أنزل للإبقاء الأول، فمن أتبعه كان له سببا للإبقاء الثاني، وهذا ~~الآخر هو عين أول سورة غافر فسبحان من أنزله معجزا نظامه، فائتا القوى أول ~~كل شيء منه وختامه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأهل بيته الطيبين ~~الطاهرين وصحابته أجمعين. # PageV16P573 # مقصودها الاستدلال على آخر التي قبلها من تصنيف الناس في الآخرة إلى ~~صنفين، وتوفية كل ما يستحقه على سبيل العدل، بأن الفاعل ذلك له العزة ~~الكاملة والعلم الشامل، وقد بين ما يغضبه وما يرضيه غاية البيان على وجه ~~الحكمة، فمن لم يسلم أمره كله إليه وجادل في آياته الدالة على القيامة أو ~~غيرها بقوله أو فعله فإنه يخزيه فيعذبه ويرديه، وعلى ذلك دلت تسميتها ~~بغافر، فإنه لا يقدر على غفران ما يشاء لمن يشاء إلا كامل العزة، ولا يعلم ~~جميع الذنوب ليسمى غافرا لها إلا بالغ العلم، # PageV17P001 # وكذا في جميع الأوصاف التي في الآية من المثاب والعقاب، وكذا الطول فإنه ~~لا يقدر على التطول المطلق إلا من كان كذلك، فإن من كان ناقص العزة فهو ~~قابل لأنه يمنعه من بعض التطولات مانع، ولن يكون ذلك إلا بنقصان العلم، ~~وكذا الدلالة بتسميتها بالمؤمن فإن قصته تدل على هذا المقصد ولا سيما أمر ~~القيامة الذي هو جل المقصود والمدار الأعظم لمعرفة المعبود) بسم الله ms4216 ~~(الملك الأعظم الذي يعطي كلا من عباده ما يستحقه، فلا يقدر أحد أن يناقض في ~~شيء من ذلك لا يعارض) الرحمن (الذي عمهم برحمته في الدنيا بالخلق والرزق ~~والبيان لا خفاء معه) الرحيم (الذي يخص برحمته من يشاء من عباده فيجعله ~~حكيما، وفي تلك الأرض وملكوت السماء عظيما) # PageV17P002 # {حم*} أي هذه حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي خصه بها الرحمن الرحيم ~~الحميد المجيد مما له من صفة الكمال. # لما كان ختام التي قبلها إثبات الكمال لله بصدقه في وعده ووعيده بإنزال ~~كل فريق في داره التي أعدها له، ثبت أن الكتاب الذي فيه ذلك منه، وأنه تام ~~العزة كامل العلم جامع لجميع صفات الكمال فقال: {تنزيل الكتاب} أي الجامع ~~من الحدود والأحكام والمعارف والاكرام لكل ما يحتاج إليه بإنزاله بالتدريج ~~على حسب المصالح والتقريب للأفهام الجامدة القاصرة، والتدريب للألباب ~~السائرة # PageV17P002 # في جو المعاني والطائرة {من الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال. ولما كان ~~النظر هنا من بين جميع الصفات إلى العزة والعلم أكثر، لأجل أن المقام ~~لإثبات الصدق وعدا ووعيدا قال: {العزيز العليم *} . # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما افتتح سبحانه سورة الزمر بالإخلاص ~~وذكر سببه والحامل بإذن الله عليه وهو الكتاب، وأعقب ذلك بالتعويض بذكر من ~~بنيت على وصفهم سورة ص وتتابعت الآي في ذلك الغرض إلى توبيخهم بما ضربه ~~سبحانه من المثل الموضح في قوله {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل} ووصف الشركاء بالمشاكسة إذ بذلك الغرض يتضح عدم استمرار ~~مراد لأحدهم، وذكر قبح اعتذار لهم بقولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى} [الزمر: 3] ثم أعقب تعالى بالإعلام بقهره وعزته حتى لا يتخبل مخذول ~~شذوذ أمر عن يده وقهره، فقال الله تعالى {أليس الله بكاف عبده} - إلى قوله: ~~{أليس الله بعزيز ذي انتقام} [الزمر: 37] ثم أتبع ذلك بحال أندادهم من أنها ~~لا تضر ولا تنفع فقال {قل أفرءيتم ما تدعون من دون الله أن أرادني الله بضر ~~هل هن كاشفات ضره ms4217 أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته} [الزمر: 38] ثم أتبع ~~هذا بما يناسبه من شواهد عزته فقال {قل لله الشفاعة جميعا} [الزمر: 44] {قل ~~اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة} {أو لم يعلموا # PageV17P003 # أن الله يبسط الرزق لما يشاء ويقدر} {الله خالق كل شيء} {له مقاليد ~~السماوات والأرض} ثم عنفهم وقرعهم بجهلهم فقال تعالى {أفغير الله تأمروني ~~أعبد أيها الجاهلون} ثم قال تعالى {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} ثم اتبع تعالى - ذلك بذكر آثار ~~العزة والقهر فذكر النفخ في الصور للصعق ثم نفخة القيام والجزاء ومصير ~~الفريقين، فتبارك المتفرد بالعزة والقهر، فلما انطوت هذه الآي من آثار عزته ~~وقهره على ما أشير إلى بعضه، أعقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى: {حمتنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم} فذكر من أسمائه سبحانه هذين الاسمين ~~العظيمين تنبيها على انفراده بموجبهما وأنه العزيز الحق القاهر للخلق لعلمه ~~تعالى بأوجه الحكمة التي خفيت عن الخلق ما أخر الجزاء الحتم للدار الآخرة، ~~وجعل الدنيا دار ابتلاء واختبار، مع قهره للكل في الدارين معا، وكونهم غير ~~خارجين عن ملكه وقهره، ثم قال تعالى {غافر الذنب وقابل التوب} تأنيسا لمن ~~استجاب بحمده، وأناب بلطفه، وجريا على حكم الرحمة وتغليبها، ثم قال {شديد ~~العقاب ذي الطول} ليأخذ المؤمن بلازم عبوديته من الخوف والرجاء، واكتنف ~~قوله {شديد العقاب} بقوله {غافر الذنب وقابل التوب} وقوله {ذي الطول} وأشار ~~سبحانه بقوله - {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} - إلى قوله قبل {وأورثنا ~~الأرض} وكأنه في تقدير: إذا # PageV17P004 # كانت العاقبة لك ولأتباعك فلا عليك من تقلبهم في البلاد، ثم بين تعالى أن ~~حالهم في هذا كحال الأمم قبلهم، وجدالهم في الآيات كجدالهم، وأن ذلك لما حق ~~عليهم من كلمة العذاب، وسبق لهم في أم الكتاب - انتهى. # ولما تقدم آخر تلك أن كلمة العذاب حقت على الكافرين، فكان ذلك ربما أيأس ~~من تلبس بكفر من الفلاح، وأوهمه أن انسلاخه من الكفر غير ممكن، وكان ~~الغفران - وهو محو الذنب عينا ms4218 وأثرا - مترتبا على العلم به، والتمكن من ~~الغفران وما رتب عليه من الأوصاف نتيجة العزة، دل عليهما مستعطفا لكل عاص ~~ومقصر بقوله: {غافر الذنب} أي بتوبة وغير توبة إن شاء، وهذا الوصف له دائما ~~فهو معرفة. قال السمين: نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير محضة جاز أن ~~تجعل محضة وتوصف بها المعارف إلا الصفة المشبهة، ولم يستثن الكوفيون شيئا. # ولما أفهم تقديمه على التوبة أنه غير متوقف عليها فيما عدا الشرك، وكان ~~المشركون يقولون: قد أشركنا وقتلنا وبالغنا في المعاصي فلا يقبل رجوعنا فلا ~~فائدة لنا في إسلامنا، رغبهم في التوبة بذكرها وبالعطف # PageV17P005 # بالواو الدالة على تمكن الوصف إعلاما بأنه سبحانه لا يتعاظمه ذنب فقال: ~~{وقابل التوب} وجرد المصدر ليفهم أن أدنى ما يطلق عليه الاسم كاف وجعله اسم ~~جنس كأخواته أنسب من جعله بينها جمعا كتمر وتمرة. ولما كان الاقتصار على ~~الترغيب بما أطمع عذر المتمادي من سطوته، فقال معريا عن الواو لئلا يؤنس ما ~~يشعر به كل من العطف والصفة المشبهة من التمكن، وذلك إعلاما بخفي لطفه في ~~أن رحمته سبقت غضبه، وأنه لو أبدى كل ما عنده من العزة لأهلك كل من عليها ~~كما أشير إليه بالمفاعلة في {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} [النحل: 61] فإن ~~الفعل إذا كان بين اثنين كان أبلغ: {شديد العقاب *} على أن تنكيره وإبهامه ~~- كما قال الزمخشري - للدلالة على فرط الشدة وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر، ~~لزيادة الإنذار وهي أخفى من دلالة الواو لو أوتي بها. # ولما أتم الترغيب بالعفو والترهيب من الأخذ، أتبعه التشويق إلى الفضل، ~~فقال معريا عن الواو لأن التمام لا يقتضي المبالغة، والحذف غير مخل بالغرض ~~فإن دليل العقل قائم على كمال صفاته سبحانه: {ذي الطول} أي سعة الفضل ~~والإنعام والقدرة والغنى والسعة والمنة، لا يماثله في شيء من ذلك أحد ولا ~~يدانيه، ثم علل تمكنه في كل شيء من ذلك بوحدانيته فقال: {لا إله إلا هو} ~~ولما أنتج # PageV17P006 # هذا كله تفرده، أنتج قطعا قوله: ms4219 {إليه} أي وحده {المصير *} أي في المعنى ~~في الدنيا، وفي الحس والمعنى في الآخرة، ليظهر كل من هذه الصفات ظهورا ~~تاما، بحيث لا يبقى في شيء من ذلك لبس، فإنه لا يصح في الحكمة أن يبغي أحد ~~على العباد ثم يموت في عزة من غير نقمة فيضيع ذلك المبغي عليه، لأن هذا أمر ~~لا يرضى أقل الناس أن يكون بين عبيده. # ولما تبين ما للقرآن من البيان الجامع بحسب نزوله جوابا لما يعرض لهم من ~~الشبه، فدل بإزاحته كل علة عى ما وصف سبحانه به نفسه المقدس من العزة ~~والعلم بيانا لا خفاء في شيء منه، أنتج قول ذما لمن يريد إبطاله وإخفاءه: ~~{ما يجادل} أي يخاصم ويماري ويريد أن يفتل الأمور إلى مراده {في آيات} ~~وأظهر موضع الإضمار تعظيما للآيات فقال: {الله} أي في إبطال أنوار الملك ~~الأعظم المحيط بصفات الكمال الدالة كالشمس على أنه إليه المصير، بأن يغش ~~نفسه بالشك في ذلك لشبه يميل معها، أو غيره بالتشكيك له، أو في شيء غير ذلك ~~مما أخبر به تعالى {إلا الذين كفروا} أي غطوا مرائي عقولهم وأنوار بصائرهم ~~لبسا على أنفسهم وتلبيسا على غيرهم. # ولما ثبت أن الحشر لا بد منه، وأن الله تعالى قادر كل قدرة # PageV17P007 # لأنه لا شريك له وهو محيط بجميع أوصاف الكمال، تسبب عن ذلك قوله: {فلا ~~يغررك تقلبهم} أي تنقلهم بالتجارات والفوائد والجيوش والعساكر وإقبال ~~الدنيا عليهم {في البلاد *} فإنه لا يكون التفعل بالقلب إلا عن قهر وغلبة، ~~فتظن لإمهالنا إياهم أنهم على حق، أو أن أحدا يحميهم علينا، فلا بد من ~~صيرورتهم عن قريب إلينا صاغرين داخرين، وتأخيرهم إنما هو ليبلغ الكتاب ~~أجله. # PageV17P008 # ولما نهى عن الاغترار بما لا قوة لاحد على صرفه من نفسه إلا بتأييد من ~~الله، علله بما يحقق معنى النهي من أن التقلب وما يثمره لا يصح أن يكون ~~معتمدا ليزهد فيه كل من سمع هاتين الآيتين، فقال مشيرا بتأنيث الفعل إلى ~~ضعفهم عن المقاومة، وتلاشيهم عند المصادمة، وإن ms4220 كانوا في غاية القوة ~~بالنسبة إلى أبناء جنسهم: {كذبت} ولما كان تكذيبهم عظيما وكان زمانه قديما ~~وما قبله من الزمان قليلا بالنسبة إلى ما بعده وطال البلاء بهم، جعل ~~مستغرقا بجميع الزمان، فقال من غير خافض: {قبلهم} ولما كان الناس على زمن ~~نوح عليه السلام حزبا واحدا مجتمعين على أمر واحد ولسان جامع، وحدهم فقال: ~~{قوم نوح} أي وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام # PageV17P008 # بما يحاولونه وكانوا حزبا واحدا لم يفرقهم شيء. ولما كان الناس من بعدهم ~~قد كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان، وكان للاجمال من الروع في بعض ~~المواطن ما ليس للتفصيل قال: {والأحزاب} أي الأمم المتفرقة الذين لا يحصون ~~عددا، ودل على قرب زمان الكفر من الإنجاء من الغرق بقوله: {من بعدهم} . # ولما كان التذكيب وحده كافيا في الأذى، دل على أنهم زادوا عليه بالمبالغة ~~في المناصبة بالمعاندة، وقدم قصد الإهلاك لأنه أول ما يريده العدو فإن عجز ~~عنه نزل إلى ما دونه فقال: {وهمت كل أمة} أي من الأحزاب المذكورين ~~{برسولهم} أي الذي أرسلناه إليهم. ولما كان الأخذ يعبر عنه عن الغلبة ~~والقهر والاستصغار مع الغضب قال: {ليأخذوه} ولما كان سوق الكلام هكذا دالا ~~على أنهم عجزوا عن الأخذ، ذكر أنهم بذلوا جهدهم في المغالبة بغيره، فقال ~~حاذفا للمفعول تعميما: {وجادلوا بالباطل} أي الأمر الذي لا حقيقة له، وليس ~~له من ذاته إلا الزوال، كما تفعل قريش ومن انضوى إليهم من العرب، ثم بين ~~علة مجادلتهم فقال: {ليدحضوا} أي ليزلقوا فيزيلوا {به الحق} أي الثابت ~~ثباتا لا حيلة في إزالته. # ولما كان من المعلوم لكل ذي لب أن فاعل ذلك مغلوب، وأن # PageV17P009 # فعله مسبب لغضب المرسل عليه، قال صارفا القول إلى المتكلم دفعا للالباس، ~~وإشارة إلى شدة الغضب وجرده عن مظهر العظمة استصغارا لهم: {فأخذتهم} أي ~~أهلكتهم وهم صاغرون غضبا عليهم وإهانة لهم. ولما كان أخذه عظيما، دل على ~~عظمته بأنه أهل لأن يسأل عن حاله لزيادة عظمتها في قوة بطشها وسرعة إهلاكها ~~وخرقها للعوائد ms4221 فقال: {فكيف كان عقاب *} ومن نظر ديارهم وتقرى آثارهم وقف ~~على بعض ما أشرنا إليه ونبهنا عليه، وحذف ياء المتكلم إشارة إلى أن أدنى من ~~عذابه بأدنى نسبة كاف في المراد وإن كان المعذب جميع العباد. # ولما كان التقدير: فحقت عليهم كلمة الله لأخذهم على هذا الجدال إنهم ~~أصحاب النار التي جادلوا فيها، عطف عليه قوله: {وكذلك} أي ومثل ما حقت ~~عليهم كلمتنا بالأخذ، فلم يقدروا على التفصي من حقوقها {حقت} بالأخذ ~~والنكال {كلمت} وصرف الكلام إلى صفة الإحسان تلطفا به صلى الله عليه وسلم ~~وبشارة له بالرفق بقومه فقال: {ربك} أي المحسن إليك بجميع أنواع الإحسان ~~فهو لا يدع أعداءك. # ولما كان السياق للمجادلة بالباطل وهي فتل الخصم من اعتقاده الحق، # PageV17P010 # وذلك تغطية للدليل الحق وتلبيس، كان الحال أحق بالتعبير بالكفر الذي ~~معناه التغطية فلذا قال تعالى: {على الذين كفروا} أي أوقعوا الكفر وقتا ما ~~كلهم سواء هؤلاء العرب وغيرهم، لأن علة الإهلاك واحدة، وهي التكذيب الدال ~~على أن من تلبس به مخلوق للنار، ثم أبدل من «الكلمة» فقال: {أنهم أصحاب ~~النار *} أي من كفر في حين من الأحيان فهو مستحق للنار في الأخرى كما أنه ~~مستحق للأخذ في الدنيا لا يبالي الله به بالة، فمن تداركته الرحمة بالتوبة، ~~ومن أوبقته اللعنة بالإصرار هلك. # ولما بين عداوة الكفار للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم رضي الله ~~عنهم بقوله: {وما يجادل في آيات الله} ما بعده، وكان ذلك أمرا غائظا محزنا ~~موجعا، وختم ذلك ببيان حقوق كلمة العذاب عليهم تسلية لمن عادوهم فيه ~~سبحانه، زاد في تسليتهم شرحا لصدورهم وتثبيتا لقلوبهم ببيان ولاية الملائكة ~~المقربين لهم مع كونهم أخص الخلق بحضرته سبحانه وأقربهم من محل أنسه وموطن ~~قدسه وبيان حقوق رحمته للذين آمنوا بدعاء أهل حضرته لهم فقال، أو يقال: إنه ~~لما بين حقوق كلمة العذاب، كان كأنه قيل: فكيف النجاة؟ قيل: بايقاع الإيمان ~~بالتوبة عن الكفران ليكون موقعه أهلا للشفاعة فيه من أهل الحضرة العلية، # PageV17P011 # فيغفر له إن تاب ما ms4222 قدم من الكفر، فقال مظهرا لشرف الإيمان وفضله: {الذين ~~يحملون العرش} وهم المقربون وهم أربعة كما يذكر إن شاء الله تعالى في ~~الحاقه، فإذا كانت القيامة كانوا ثمانية، وهل هم أشخاص أو صفوف فيه كلام ~~يذكر إن شاء الله تعالى {ومن حوله} وهم جميع الملائكة وغيرهم ممن ربما أراد ~~الله كونه محيطا به كما تقدم في التي قبلها {وترى الملائكة حافين من حول ~~العرش} أي طائفين به، فأفادت هذه العبارة النص على الجميع مع تصوير العظمة. # ولما كان ربما وقع في وهم أنه سبحانه محتاج إلى حملهم لعرشه أو إلى عرشه ~~أو إلى شيء، نبه بالتسبيح على أنه غني عن كل شيء وأن المراد بالعرش والحملة ~~ونحو ذلك إظهار عظته لنا في مثل محسوسة لطفا منه بنا تنزلا إلى ما تسعه ~~عقولنا وتحمله أفهامنا، فقال مخبرا عن المبتدأ وما عطف عليه: {يسبحون} أي ~~ينزهون أي يوقعون تنزيهه سبحانه عن كل شائبة نقص ملتبسين {بحمد} وصرف القول ~~إلى ضميرهم إعلاما بأن الكل عبيده من العلويين والسفليين القريب والبعيد، ~~وكائنون تحت تصرفه وقهره، وإحسانه وجبره، فقال: {ربهم} أي باحاطة المحسن ~~إليهم بأوصاف الكمال. # ولما كان تعالى باطنا لا يحيط أحد به علما، أشار إلى أنهم مع أنهم أهل ~~الحضرة هم من وراء حجاب الكبر وأردية العظمة، لا فرق بينهم # PageV17P012 # في ذلك وبين ما هو في الأرض السفلى بقوله: {ويؤمنون به} لأن الإيمان إنما ~~يكون بالغيب. ولما كانوا لقربهم أشد الخلق خوفا لأنه على قدر القرب من تلك ~~الحضرات يكون الخوف، فهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء ~~السابعة أشد خوفا من أهل السماء السادسة وهكذا، وكانوا قد علموا من تعظيم ~~الله تعالى للنوع الإنساني ما لم يعلمه غيرهم لأمره سبحانه لهم بتعظيمه بما ~~اختص به سبحانه من السجود، وكان من أقرب ما يقترب به إلى الملك التقرب إلى ~~أهل وده، نبه سبحانه على ذلك كله بقوله: {ويستغفرون} أي يطلبون محو الذنوب ~~أعيانا وآثارا. # ولما كان الاشتراك في الإيمان أشد من ms4223 الاتحاد في النسب، قال دالا على أن ~~الاتصاف بذلك يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة وأبعثه على إمحاض الشفقة: ~~{للذين آمنوا} أي أوقعوا هذه الحقيقة لما بينهم من أخوة الإيمان ومجانسته ~~وإن اختلف جنسهم في حقيقة التركيب وإن وقع منهم بعد ذلك خلل يحق عليهم ~~الكلمة لولا العفو {وما قدروا الله حق قدره} {ويعفو عن كثير} «لن يدخل أحد ~~الجنة بعمله» . ولما ذكر استغفارهم بين عبارتهم عنه بقوله: {ربنا} أي أيها ~~المحسن إلينا بالإيمان وغيره. ولما كان المراد بيان اتساع رحمته # PageV17P013 # سبحانه وعلمه، وكان ذلك أمرا لا يحتمله العقول، عدل إلى أسلوب التمييز ~~تنبيها على ذلك مع ما فيه من هز السامع وتشويقه بالإبهام إلى الإعلام فقال: ~~{وسعت كل شيء} ثم بين جهة التوسع بقوله تميزا محولا عن الفاعل: {رحمة} أي ~~رحمتك أي بإيجاده من العدم فما فوق ذلك {وعلما} أي وأحاط بهم علمك، فمن ~~أكرمته فعن علم بما جلبته عليه مما يقتضي إهانة أو إكراما. # ولما كان له سبحانه أن يفعل ما يشاء من تعذيب الطائع وتنعيم العاصي وغير ~~ذلك، قالوا منبهين على ذلك: {فاغفر للذين تابوا} أي رجعوا إليك عن ذنوبهم ~~برحمتك لهم بأن تمحوا أعيانها وآثارها، فلا عقاب ولا عتاب ولا ذكر لها ~~{واتبعوا} أي كلفوا أنفسهم على ما لها من العوج أن لزموا {سبيلك} المستقيم ~~الذي لا لبس فيه. ولما كان الغفران قد يكون لبعض الذنوب، وكان سبحانه له أن ~~يعذب من لا ذنب له، وأن يعذب من غفر ذنبه قالوا: {وقهم عذاب الجحيم *} أي ~~اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة وتتم نعمتك عليهم، فإنك وعدت ~~من كان كذلك بذلك، ولا يبدل القول لديك، وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء. # PageV17P014 # ولما كانت النجاة من العذاب لا تستلزم الثواب، قالوا مكررين صفة # PageV17P014 # الإحسان زيادة في الرقة في طلب الامتنان: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا ~~بتوفيق أحبابنا الذين لذذونا بالمشاركة في عبادك بالجنان واللسان والأركان ~~{وأدخلهم جنات عدن} أي إقامة لا عناد فيها. ولما كانوا ms4224 عالمين بأن سبحانه ~~لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقبح منه شيء، نبهوا على ذلك بقولهم: {التي ~~وعدتهم} مع الزيادة في التملق واللطافة في الحث وإدخالهم لأجل استعمالك ~~إياهم الصالحات. # ولما كان الإنسان لا يطيب له نعيم دون أن يشاركه فيه أحبابه الذين كانوا ~~يشاركونه في العبادة قالوا مقدمين أحق الناس بالإجلال: {ومن صلح من آبائهم} ~~ثم أتبعوهم ألصقهم بالبال فقالوا: {وأزواجهم وذرياتهم} . ولما كان فاعل هذا ~~منا ربما نسب إلى ذل أو سفه، وربما عجز عن الغفران لشخص لكثرة المعارضين، ~~عللوا بقولهم مؤكدين لأجل نسبة الكفار العز إلى غيره، ومن ذلك تسميتهم ~~العزى: {إنك أنت} أي وحدك {العزيز} فأنت تغفر لمن شئت غير منسوب إلى وهن ~~{الحكيم *} فكل فعل لك في أتم مواضعه فلذلك لا يتهيأ لأحد نقضه ولا نقصه. # ولما كان الإنسان قد يغفر له ويكرم، وفيه من الأخلاق ما ربما # PageV17P015 # حمله على بعض الأفعال الناقصة دعوا لهم بالكمال فقالوا: {وقهم السيئات} ~~أي بأن تجعل بينهم وبينها وقاية بأن تطهرهم من الأخلاق الحاملة عليها ~~بتطهير القلوب بنزع كل ما يكره منها أو بأن يغفرها لهم ولا يجازيهم عليها، ~~وعظموا هذه الطهارة ترغيبا في حمل النفس في هذه الدار على لزومها بقمع ~~النفوس وإماتة الحظوظ بقولهم: {ومن تق السيئات} أي جزاءها كلها {يومئذ} أي ~~يوم إذ تدخل فريقا الجنة وفريقا النار المسببة عن السيئات أو إذ تزلف الجنة ~~للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين: {فقد رحمته} أي الرحمة الكاملة التي لا ~~يستحق غيرها أن يسمى معها رحمة، فإن تمام النعيم لا يكون إلا بها لزوال ~~التحاسد والتباغض والنجاة من النار باجتناب السيئات ولذلك قالوا: {وذلك} أي ~~الأمر العظيم جدا {هو} أي وحده {الفوز العظيم *} فالآية من الاحتباك: ذكر ~~إدخال الجنات أولا دليلا على حذف النجاة من النار ثانيا، ووقاية السيئات ~~ثانيا دليلا على التوفيق للصالحات أولا، وسر ذلك التشويق إلى المحبوب - وهو ~~الجنان - بعمل المحبوب - وهو الصالح - والتنفير من النيران باجتناب الممقوت ~~من الأعمال، وهو السيء فذكر المسبب أولا وحذف السبب ms4225 لأنه لا سبب في الحقيقة ~~إلا الرحمة، وذكر السبب ثانيا # PageV17P016 # في إدخال النار وحذف المسبب. # ولما أتم الذين آمنوا، فتشوفت النفس إلى معرفة ما لأضدادهم، قال مستأنفا ~~مؤكدا لإنكارهم هذه المناداة بانكار يومها: {إن الذين كفروا} أي أوقعوا ~~الكفر ولو لحظة {ينادون} أي يوم القيامة بنداء يناديهم به من أراد الله من ~~جنوده أو في الدار أرفع نعما - أنهم آثر عند الله من فقراء المؤمنين، أكد ~~قوله: {لمقت الله} أي الملك الأعظم إياكم بخذلانكم {أكبر من مقتكم} وقوله: ~~{أنفسكم} مثل قوله تعالى: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} جاز على سبيل ~~الإشارة إلى تنزه الحضرة المقدسة عما لزم فعلهم من المقت، فإن من دعا إلى ~~أحد فأعرض عنه إلى غيره كان إعراضه مقتا للمعرض عنه، وهذا المقت منهم ~~الموجب لمقت الله لهم موصل لهم إلى عذاب يمقتون به أنفسهم، والمقت أشد ~~البغض؛ ثم ذكر ظرف مقتهم العائد وباله عليهم بقوله: {إذا} أي حين، وأشار ~~إلى أن الإيمان لظهور دلائله ينبغي أن يقبل من أي داع كان، فبنى الفعل لما ~~لم يسم فاعله فقال: {تدعون إلى الإيمان} أي بالله وما جاء من عنده {فتكفرون ~~*} أي فتوقعون الكفر الذي هو تغطية الآيات موضع إظهارها والإذعان بها، # PageV17P017 # وهذا أعظم العقاب عند أولي الألباب، لأن من علم أن مولاه عليه غضبان علم ~~أنه لا ينفعه بكاء ولا يغني عنه شفاعة ولا حيلة في خلاصه بوجه. # ولما كان من أعظم ذنوبهم إنكار البعث، وكانوا قد استقروا العوائد، وسبروا ~~ما جرت به الأقدار في الدهور والمدائد، من أن كل ثان لا بد له من ثالث، ~~وكان الإحياء لا يطلق عرفا إلا من كان عن موت، حكى سبحانه جوابهم بقوله ~~الذي محطه الإقرار بالبعث والترفق بالاعتراف بالذنب حيث لا ينفع لفوات شرطه ~~وهو الغيب: {قالوا ربنا} أي أيها المحسن إلينا بما تقدم في دار الدنيا ~~{أمتنا اثنتين} قيل: واحدة عند انقضاء الآجال في الحياة الدنيا وأخرى ~~بالصعق بعد البعث أو الإرقاد بعد سؤال القبر، والصحيح أن تفسيرها آية ms4226 ~~البقرة {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} [آية: ~~28] وأما الصعق فليس بموت، وما في القبر فليس بحياة حتى يكون عنه موت، ~~وإنما هو إقدار على الكلام كما أقدر سبحانه الحصى على التسبيح والحجر على ~~التسليم، والضب على الشهادتين، والفرس حين قال لها # PageV17P018 # فارسها ثبي إطلال على قولها وثبا وسورة البقرة {وأحييتنا اثنين} واحدة في ~~البطن، وأخرى بالبعث بعد الموت، أو واحدة بالبعث وأخرى بالإقامة من الصعق، ~~أو الإقامة في القبر، فشاهدنا قدرتك على البعث {فاعترفنا} أي فتسبب عن ذلك ~~أنا اعترفنا بعد تكرر الإحياء {بذنوبنا} الحاصلة بسبب إنكار البعث لأن من ~~لم يخش العاقبة بالغ في متابعة الهوى، فذلك توبة لنا {فهل إلى خروج} أي من ~~النار ولو على أدنى أنواع الخروج بالرجوع إلى الدنيا فنعمل صالحا {من سبيل} ~~فنسلكه فنخرج ثم تكون لنا موتة ثالثة وإحياءة ثالثة إلى الجنة التي جعلتها ~~جزاء من أقر بالبعث. # ولما كان الجواب قطعا: لا سبيل إلى ذلك، علله بقوله: {ذلكم} أي القضاء ~~النافذ العظيم العالي بتخليدكم في النار مقتا منه لكم {بأنه} أي كان بسبب ~~أنه {إذا دعي الله} أي وجدت ولو مرة واحدة دعوة الملك الأعظم من أي داع كان ~~{وحده} أي محكوما له بالوحدة أو منفردا من غير شريك {كفرتم} أي هذا طبعكم ~~دائما رجعتم إلى الدنيا أولا {وإن يشرك به} أي يوقع الإشراك به ويجدد ولو ~~بعدد الأنفاس من أي مشرك كان {تؤمنوا} أي بالشركاء وتجددوا ذلك غير متحاشين ~~ومن تجديد الكفر وهذا مفهم لأن # PageV17P019 # حب الله للإنسان أكبر من حبه له الدال عليه توفيقه له في أنه إذا ذكر ~~الله وحده آمن، وإن ذكر معه غيره على طريقة تؤل إلى الشركة كفر بذلك الغير ~~وجعل الأمر لله وحده {فالحكم} أي فتسبب عن القطع بأن لا رجعة، وأن الكفار ~~ما ضروا إلا أنفسهم مع ادعائهم العقول الراجحة ونفوذ ذلك أن كل حكم {لله} ~~أي المحيط بصفات الكمال خاص به لا دخل للعوائد في أحكامه بل مهما ms4227 شاء فعل ~~إجراء على العوائد او خرقا لها {العلي} أي وحده عن أن يكون له شريك، فكذب ~~قول أبي سفيان يوم أحد «اعل هبل» وقول ابن عربي أحد أتباع فرعون أكذب وأقبح ~~وأبطل حيث قال: العلي علا عن من وما ثم إلا هو، فعليه الخزي واللعنة وعلى ~~من قال بقوله وعلى من توقف في لعنه. # ولما كانت النفوس لا تنقاد غاية الانقياد للحاكم إلا مع العظمة الزائدة ~~والقدم في المجد، قال معبرا بما يجمع العظمة والقدم: {الكبير *} الذي لا ~~يليق الكبر إلا له، وكبر كل متكبر وكبر كل كبير متضائل تحت دائرة كبره ~~وكبره، وعذابه مناسب لكبريائه فما أسفه من شقي بالكبراء فإنهم يلجئون ~~أنفسهم إلى أن يقولوا ما لا يجديهم {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} : ~~ولما قصر الحكم عليه دل على ذلك # PageV17P020 # بقوله ذاكرا من آيات الآفاق العلوية ما يرد الموفق عن غيه: {هو} أي وحده ~~{الذي يريكم} أي بالبصر والبصيرة {آياته} أي علاماته الدالة على تفرده ~~بصفات الكمال تكميلا لنفوسكم، فينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بإعادة ~~ما تحطم فيها من الحبوب فتفتتت بعد موتها بصيرورة ذلك الحب ترابا لا تميز ~~له عن ترابها فيتذكر به البعث لمن انمحق فصار ترابا وضل في تراب الأرض حتى ~~لا تميز له عنه من طبعه الإنابة، وهو الرجوع عما هو عليه من الجهل إلى ~~الدليل بما ركز في فطرته من العلم، وذلك هو معنى قوله: {وينزل لكم} أي خاصا ~~بنفعكم أو ضركم {من السماء} أي جهة العلو الدالة على قهر ما نزل منها ~~بإمساكه إلى حين الحكم بنزوله {رزقا} لإقامة أبدانكم من الثمار والأقوات ~~بانزال الماء فهو سبحانه يدلكم عليه ويتحبب إليكم لتنفعوا أنفسكم وأنتم ~~تتبغضون إليه وتتعامون عنه لتضروها {وما يتذكر} ذلك تذكرا تاما - بما أشار ~~إليه الإظهار - فيقيس عليه بعث من أكلته الهوام، وانمحق باقيه في الأرض ~~{إلا من ينيب *} أي له أهلية التجديد في كل وقت للرجوع إلى # PageV17P021 # الدليل بأن يكون حنيفا ميالا للطافته مع الدليل حيثما ms4228 مال. ما هو بحلف ~~جامد ما الفه، ولا يحول عنه أصلا، لا يصغي إلي قال ولا قيل، ولو قام على ~~خطابه كل دليل. # PageV17P022 # ولما كان كل من الناس يدعي أنه لا يعدل عن الدليل، وكان كل أحد مأمورا ~~بالنظر في الدليل مأمورا بالإنابة لما دل عليه من التوجه إلى الله وحده، ~~كان ذلك سببا في معرفة الكل التوحيد الموجب لاعتقاده القدرة التامة الموجب ~~لاعتقاد البعث، فكان سببا لإخلاصهم، فقال تعالى مسببا عنه: {فادعوا} وصرح ~~بالاسم الأعظم تدريبا للمخلصين على كيفية الإخلاص فقال: {الله} أي المتوحد ~~بصفات الكمال دعاء خضوع وتعبد بعد الإنابة بعد النظر في الدليل {مخلصين له ~~الدين} أي الأفعال التي يقع الجزاء عليها، فمن كان يصدق بالجزاء وبأن ربه ~~غني لا يقبل إلا خالصا اجتهد في تصفية أعماله، فيأتي بها في غاية الخلوص عن ~~كل ما يمكن أن يكدر من غير شائبة شرك جلي أو خفي كما أن معبوده واحد من غير ~~شائبة نقص. # ولما كانت مخالفة الجنس شديدة لما تدعو إليه من المخاصمة الموجبة ~~للمشاققة الموجبة لاستطابة الموت قال تعالى: {ولو كره} أي الدعاء منكم ~~{الكافرون *} أي الساترون لأنوار عقولهم، والإخلاص أن # PageV17P022 # يفعل العباد لربهم مثل ما فعل لهم فلا يفعلوا فعلا من أمر أو نهي إلا ~~لوجهه خاصة من غير غرض لأنفسهم بجلب شيء من نفع أو ضر، وذلك لأنه سبحانه ~~فعل لهم كل إحسان من الخلق والرزق ولأنفسهم خاصة لا لغرض يعود عليه - ~~سبحانه وما أعز شأنه - بنفع ولا ضر، فلا يكون شكرهم له إلا بما تقدم، لكنه ~~لما علم سبحانه بأن أباح لهم العمل لأجل الرجاء في ثوابه والخوف من عقابه، ~~ولم يجعل ذلك قادحا في الإخلاص، قال الاستاذ أبو القاسم القشيري: ولولا ~~إذنه في ذلك لما كان في العالم مخلص. # ولما كان الإخلاص لا يتأتى إلا ممن رفعه إشراق الروح عن كدورات الأجسام، ~~وطارت به أنوارها عن حضيض ظلمات الجهل إلى عرش العرفان، فصار إذ كان الملك ~~الديان سمعه الذي يسمع به، بمعنى ms4229 أنه لا يفعل بشيء من هذه الجوارح إلا ما ~~أمره به سبحانه يتصرف في الأكوان بإذن الفتاح العليم تكسب القلوب من ضياء ~~أنواره ويحيى ميت الهمم بصافي أسراره، نبه سبحانه على ذلك حثا عليه # PageV17P023 # وتشويقا إليه بقوله ممثلا بما يفهمه العباد مخبرا عن مبتدأ محذوف تقديره: ~~هو {رفيع الدرجات} أي فلا يصل إلى حضرته الشماء إلا من علا في معارج ~~العبادات ومدارج الكمالات. # ولما كنا لا نعرف ملكا إلا بغلبته على سرير الملك، وكانت درج كل ملك ما ~~يتوصل بها إلى عرشه، أشار سبحانه بجميع القلة إلى السماوات التي هي دون ~~عرشه سبحانه، ثم أشار إلى أن الدرج إليه لا تحصى بوجه، لأنا لو أنفقنا عمر ~~الدنيا في اصطناع درج للتوصل إلى السماء الدنيا ما وصلنا، فكيف بما فوقها ~~فكيف وعلوه سبحانه، ليس هو بمسافة بل علو عظمة ونفوذ كلمة تنقطع دونها ~~الآمال وتفنى الأيام والليال، والكاشف لذلك أتم كشف تعبيره في {سأل} بصيغة ~~منتهى الجموع {المعارج} - ثم قال ممثلا لنا بما نعرف: {ذو العرش} أي الكامل ~~الذي لا عرش في الحقيقة إلا هو، فهو محيط لجميع الأكوان ومادة لكل جماد ~~وحيوان، وعال بجلاله وعظمه عن كل ما يخطر في الأذهان. # ولما كان الملوك يلقون أوامرهم من مراتب عظمائهم إلى من أخلصوا في ودادهم ~~قال: {يلقي الروح} أي الذي تحيى به الأرواح # PageV17P024 # حياة الأشباح بالأرواح {من أمره} أي من كلامه، ولا شك أن الذي يلقي ليس ~~الكلام النفسي وإنما هو ما يدل عليه، وهو الذي يقبل النزول والتلاوة ~~والكتابة ونحو ذلك. ولما كان أمره عاليا على كل أمر، أشار إلى ذلك بأداة ~~الاستعلاء فقال: {على من يشاء} ولما كان ما رأوه من الملوك لا يتمكنون من ~~رفع كل من أرادوا من رقيقهم، نبه على عظمته بقوله: {من عباده} وأشار بذلك ~~مع الإشارة إلى أنه مطلق الأمر لا يسوغ لأحد الاعتراض عليه، ولو اعترض كان ~~اعتراضه أقل من أن يلتفت إليه أو يعول بحال عليه إلى توهية قولهم {أو أنزل ~~عليه ms4230 الذكر من بيننا} [ص: 8] بأنه عليه السلام المخلص في عباده لم يمل إلى ~~شيء من أوثانهم ساعة ما ولا صرف لحظة عن الإله الحق طرفة عين، فلذلك اختصه ~~من بينهم بهذا الروح الذي لا روح في الوجود سواه، فمن أقبل عليه وأخلص في ~~تلاوته والعمل بما يدعو إليه والبعد عما ينهى عنه صار ذا روح موات يحيي ~~الأموات ويزري بالنيرات. قال الرازي: قال ابن عطاء: حياة القلب على حسب ما ~~ألقي إليه من الروح، فمنهم من ألقي إليه روح الرسالة، ومنهم من ألقي إليه ~~روح النبوة، ومنهم من ألقي إليه روح الصديقية والكشف والمشاهدة، ومنهم من ~~ألقي إليه روح العلم والمعرفة، ومنهم من ألقي إليه روح العبادة # PageV17P025 # والخدمة، ومنهم من ألقي إليه روح الحياة فقط، ليس له علم بالله ولا مقام ~~مع الله، فهو ميت في الباطن، وله الحياة البهيمية التي يهتدي بها إلى ~~المعاش دون المعاد - انتهى. وبالجملة فكل من هذه الأرواح منطق لمن ألقي ~~عليه مطلق للسانه ببديع بيانه وإن اختلف نطقهم في بيانهم، وتصرفهم في عظيم ~~شأنهم. # ولما بين سر اختصاصه بالإرسال لهذا النبي الكريم، أتبع ذلك بما يزيده ~~بيانا من ثمرة الإرسال فقال: {لينذر} أي الذي اختصه سبحانه بروحه، وعبر بما ~~يقتضيه تصنيف الناس الذي هو مقصود السورة من الاجتماع، وأزال وهم من قد ~~يستحيل لقاء سبحانه لرفعه درجاته وسفول درجات غيره {يوم التلاق *} أي الذي ~~لا يستحق أن يوصف بالتلاقي على الحقيقة غيره لكونه يلتقي فيه الأولون ~~والآخرون وأهل السماوات والأرض ولا حيلة لأحد منهم في فراق غريمه بغير فصل ~~على وجه العدل، وإلى هذا المعنى أشارت قراءة ابن كثير باثبات الياء في ~~الحالين وهو واضح جدا في إفراد حزبي الأسعدين والأخسرين فإنه تلاق لا آخر ~~له، وأشارت قراءة الجمهور بالحذف في الحالين إلى تلاقي هذين الجزئين: ~~أحدهما بالآخر # PageV17P026 # فإنه - والله أعلم - قل ما يكون حتى يفترقا بالأمر بكل إلى داره: ~~الأسعدين بغير حساب، والأخسرين لا يقام لهم وزن، وأشار الإثبات في الموقف ~~دون الوصل ms4231 إلى الأمر الوسط وهي لمن بقي لقاءهم يمتد إلى حين القصاص لبعضهم ~~من بعض. # ولما أفهم ذلك عدم الحجاب من بيوت أو جبال، أو أشجار أو تلال، أو غير ذلك ~~من سائر ذوات الظلال، نبه عليه في قوله معيدا ذكر اليوم لأنه أهول له: {يوم ~~هم} أي بظواهرهم وبواطنهم {بارزون} أي برزوا لا ساتر فيه أصلا. # ولما كان من المعلوم عندهم إنما لا ساتر له معلوم، أجرهم على ما يعهدون، ~~وعبر بعبارة تعم ذلك فقال مستأنفا في جواب من ظن أنه قد يخفي عليه شيء عن ~~الساتر معظما الأمر بإظهار الاسم الأعظم: {لا يخفى على الله} أي المحيط ~~علما وقدرة {منهم شيء} أي من ذواتهم ولا معانيهم سواء ظهروا أو استتروا في ~~هذا اليوم وفي غيره. # ولما كان من العادة المستمرة أن الملك العظيم إذا أرسل جيشه إلى من طال ~~تمردهم عليه وعنادهم له فظفروا بهم وأحضروهم إليه أن يناديهم مناديه وهم ~~وقوف بين يديه قد أخرستهم هيبته وأذلتهم عظمته # PageV17P027 # بلسان قاله أو لسان حاله بما يبكهم به ويوبخهم ويؤسفهم على ما مضى من ~~عصيانهم ويندمهم قال: {لمن الملك اليوم} أي يا من كانوا يعملون أعمال من ~~يظن أنه لا يقدر عليه أحد، فيجيبون بلسان الحال أو المقال كما قال بعض من ~~قال: # سكت الدهر طويلا عنهم ... قد أبكاهم دما حين نطق # {لله} أي الذي له جميع صفات الكمال، ثم دل على ذلك بقوله: {الواحد} أي ~~الذي لا يمكن أن يكون له ثان بشركة ولا قسمة ولا غيرها {القهار *} أي الذي ~~يقهر من يشاء متكررا وصفه بذلك دائما أبدا لما ثبت من غناه المطلق ~~بوحدانيته الحقيقة. # ولما أخبر عن إذعان كل نفس بانقطاع الأسباب، أخبرهم بما يزيد رعبهم، ~~ويبعث رغبهم ورهبهم، وهو نتيجة تفدره بالملك قال: {اليوم تجزى} أي تقضى ~~وتكافأ، بناه للمفعول لأن المرغب المرهب نفس الجزاء ولبيان سهولته عليه ~~سبحانه {كل نفس} لا تترك نفس واحدة لأن العلم قد شملهم والقدرة قد أحاطت ~~بهم وعمتهم، والحكمة قد منعت ms4232 من إهمال أحد منهم. # PageV17P028 # ولما كان السياق للملك والقهر يقتضي الجزاء واعتماد الكسب الذي هو محط ~~التكليف بالأمر والنهي ويقتضي النظر في الأسباب، لأن ذلك شأن الملك، قال ~~معبرا بالباء والكسب: {بما} أي بسبب ما {كسبت} أي عملت، وهي تظن أنه يفيدها ~~سواء بسواء بالكيل الذي كالت يكال لها. # ولما كانت السببية مفهمة للعدل، فإن الزيادة تكون بغير سبب، قال معللا ~~نافيا مثل ما كانوا يتعاطونه من ظلم بعضهم لبعض في الدنيا: {لا ظلم} أي ~~بوجه من الوجوه {اليوم} ولما كان استيفاء الخلائق بالمجازاة أمرا لا يمكن ~~في العادة ضبطه، ولا يتأنى حفظه وربطه، فكيف إذا قصدت المساواة في مثاقيل ~~الدر فما دونها: # بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل # ضافت النفوس من خوف الطول، فخفف عنها بقوله معلما أن أموره على غير ما ~~يعهدونه، ولذلك أكد وعظم باظهار الاسم الأعظم: {إن الله} أي التام القدرة ~~الشامل العلم {سريع الحساب *} أي بليغ السرعة فيه، لا يشغله حساب أحد عن ~~حساب غيره في وقت حساب ذلك الغير، ولا يشغله شأن عن شأن لأنه لا يحتاج إلى ~~تكلف عد، ولا يفتقر إلى مراجعة كتاب، ولا شيء، فكان في ذلك ترجية للفريقين # PageV17P029 # وتخويف، لأن الظالم يخشى إسراع الأخذ بالعذاب، والمؤمن يرجو إسراع البسط ~~بالثواب. # PageV17P030 # ولما تم هذا على هذا الوجه المهول، وكان يوم القيامة له أسماء تدل على ~~أهواله باعتبار مواقفه وأحواله، منها يوم البعث وهو ظاهر، ومنها يوم التلاق ~~لما تقدم، ومنها يوم التغابن لغبن أكثر من فيه خسارته، ومنها يوم الآزفة ~~لقربه وسرعة أخذه، وكان كأنه قيل خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم: وأمن ممن ~~ألقينا هذا الروح الأعظم من أمرنا فأنذرهم ما مضى من يوم التلاقي وما ~~عقبناه به، عطف عليه قوله زيادة في بيان هوله إعلاما بأنه مع ثبوته وثبوت ~~التلاقي فيه قريب تحذيرا من تزيين إبليس للشهوات وتقريره بالتسويف بالتوبة: ~~{وأنذرهم} أي هؤلاء المعرضين إعراض من لا يجوز الممكن {يوم الآزفة} أي ~~الحالة الدائبة ms4233 العاجلة السريعة جدا مع الضيق في الوقت وسوء العيش لأكثر ~~الناس، وهي القيامة، كرر ذكرها الإنذار منها تصريحا وتلويحا تهويلا لها ~~وتعظيما لشأنها. # ولما ذكر اليوم، هول أمره بما يحصل فيه من المشاق فقال: # PageV17P030 # {إذ القلوب} أي من كل من حضره. ولما كان هذا الرعب على وجه غريب باطن، ~~عبر ب «لدى» فقال: {لدى الحناجر} أي حناجر المجموعين فيه إلا من شاء الله، ~~وهي جمع حنجور وهي الحلقوم وزنا ومعنى، يعني أنها زالت عن أمكانها صاعدة من ~~كثرة الرعب حتى كادت تخرج وصارت مواضعها من الأفئدة هواء، وكانت الأفئدة ~~معترضة كالشجا لا هي ترجع إلى مقارها فيستريحوا ولا تخرج فيموتوا. # ولما كان الحديث - وإن كان في الظاهر عن القلوب - إنما هو عن أصحابها، ~~جمع على طريقة جمع العقلاء، وزاده حسنا أن القلوب محل الكظم، وبها صلاح ~~الجملة وفسادها، وقد أسند إليها ما يسند للعقلاء فقال: {كاظمين} أي ممتلئين ~~خوفا ورعبا وحزنا، ساكتين مكروبين، قد انسدت مجاري أنفاسهم وأخذ بجميع ~~إحساسهم. ولما كان من المعلوم أن ذلك الكرب إنما هو للخوف من ديان ذلك ~~اليوم، وكان من المعهود أن الصداقات تنفع في مثل ذلك اليوم والشفاعات، قال ~~مستأنفا: {ما للظالمين} أي العريقين في الظلم منهم {من حميم} أي قريب صادق ~~في مودتهم مهتم بأمورهم # PageV17P031 # مزيل لكروبهم، قال ابن برجان: والحميم: الماء الحار الناهي في الحرارة، ~~سمي القريب به لأنه يحمي لقريبه غضبا، والغضب حرارة تعرض في القلب تخرج إلى ~~الوجه فيحمر وتنتفخ الأوداج فيستشيط غيظا {ولا شفيع يطاع *} أي ليس لهم ~~شفيع أصلا لأن الشفيع يعلم أنه لو شفع ما أطيع فهو لا ينفع، وقد يشفع في ~~بعضهم بعض المقربين لعلامة فيهم يحصل بها اشتباه يظن بهم أنهم ممن يستحق ~~الشفاعة فينبه على أنهم ليسوا بذلك، فيبرأ منهم. # ولما كانت الشفاعة إنما تقع وتنفع بشرط براءة المشفوع له من الذنب إما ~~بالاعتراف بما نسب إليه والإقلاع عنه، وإما بالاعتذار عنه، وكان ذلك إنما ~~يجري عند المخلوقين على الظاهر، ولذلك كانوا ربما ms4234 وقع لهم الغلط فيمن لو ~~علموا باطنه لما قبلوا الشفاعة فيه، علل تعالى ما تقدم بعلمه أن المشفوع له ~~ليس بأهل لقبول الشفاعة فيه لإحاطة علمه فقال: {يعلم خائنة} ولما كان ~~السياق هنا للابلاغ في أن علمه تعالى محيط بكل كلي وجزئي، فكان من المعلوم ~~أن الحال يقتضي جمع الكثرة، وأنه ما عدل عنه إلى جمع القلة إلا للاشارة إلى ~~أن علمه تعالى بالكثير كعلمه بالقليل الكل، عليه هين، فالكثير عنده في ذلك ~~قليل فلذا قال: {الأعين} أي خيانتها التي هي أخفى ما يقع من أفعال الظاهر، ~~جعل الخيانة مبالغة في الوصف وهي الإشارة بالعين، # PageV17P032 # قال أبو حيان: من كسر وغمز ونظر يفهم منه ما يراد - انتهى. # وذلك يفعل بفعل ما يخالف الظاهر، ولما ذكر أخفى أفعال الظاهر، أتبعه أخفى ~~ما في الباطن فقال: {وما تخفي الصدور *} أي عن المشفوع عنده وغير ذلك. # ولما كان العفو عن الظالم الذي لا يرجع عن ظلمه نقصا، لكونه لا حكمة فيه، ~~عبر بالاسم الأعظم في جملة حالية فقال: {والله} أي والحال أن المتصف بجميع ~~صفات الكمال {يقضي بالحق} أي الثابت الذي لا يصح أصلا نفيه، فلو قضى فيمن ~~يعلم أنه ليس بأهل للشفاعة فيه بقبول الشفاعة لنفى الحق وأثبت الباطل فخالف ~~ذلك الكمال {والذين يدعون} أي الظالمون - على قراءة الجماعة، وأيها ~~الظالمون - على قراءة نافع وابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان بالخطاب للمواجهة ~~بالإزراء. ولما كانت المراتب دون عظمته سبحانه لا تنحصر ولا يحتوي عليها ~~كلها شيء، أثبت الجار فقال: {من دونه} أي سواه، ومن المعلوم أنهم خلقه فهم ~~دون رتبته لأنهم في قهره {لا يقضون بشيء} من الأشياء أصلا، فضلا عن أن ~~يقضوا بما يعارض حكمه، فلا مانع له من القضاء بالحق، فلا مقتضى لقبول ~~الشفاعة فيمن يعلم عراقته في # PageV17P033 # الظلم أنه لا ينفك عنه. # ولما أخبر أنه لا فعل لشركائهم، وأن الأمر له وحده، علل ذلك بقوله مرهبا ~~من الخيانة وغيرها من الشر، مرغبا في كل خير، مؤكدا لأجل أن أفعالهم ms4235 تقتضي ~~إنكارا ذلك: {إن الله} عبر به لأن السياق لتحقير شركائهم وبيان أنها في ~~غاية النقصان {هو} أي وحده. ولما ذكر ما هو غيب، وصفه بأظهر ظاهر فقال: ~~{السميع} أي لكل ما يمكن أن يسمع {البصير *} أي بالبصر والعلم لكل ما يمكن ~~أن يبصر ويعلم، فلا إدراك لشركائهم أصلا ولا لشيء غيره بالحقيقة، ومن لا ~~إدراك له ولا قضاء له، فثبت أن الأمر له وحده، فما تنفعهم شفاعة الشافعين ~~ولا تقبل فيهم من أحد شفاعة بعد الشفاعة العامة التي هي خاصة بنبينا صلى ~~الله عليه وسلم، وهي المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فإن ~~كل أحد يحجم عنها حتى يصل الأمر إليه صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها ~~أنا لها، ثم يذهب إلى المكان الذي أذن له فيشفع، فيشفعه الله تعالى فيفصل ~~سبحانه بين الخلائق ليذهب كل أحد إلى داره: جنته أو ناره، روى الشيخان: ~~البخاري ومسلم عن أبي هريرة # PageV17P034 # رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوة فرفع ~~إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة، فقال: # «أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذاك، يجمع الله الأولين ~~والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، ~~فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحملون، فيقول الناس: ألا ~~ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم، ~~فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فذكر سؤالهم أكابر الأنبياء، وكل واحد ~~منهم يحيل على الذي بعده إلى أن يقول عيسى عليه السلام: اذهبوا إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم حين يأتونه: أنا لها، ~~فينطلق فيسجد تحت العرش» - وهو مروي عن غير أبي هريرة عن أنس وغيره من ~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولكن لم أر فيه التصريح بالشفاعة العامة بعد ~~رفع رأسه صلى الله عليه وسلم من السجود إلا فيما رواه البخاري في الزكاة من ~~صحيحه ms4236 في باب «من سأل الناس تكثرا» عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن ~~فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضي # PageV17P035 # بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا ~~يحمده أهل الجمع كلهم» ، وكذا فيما رواه أيو يعلى في مسنده فقال: حدثنا ~~عمرو بن الضحاك بن مخلد ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ثنا أبو رافع إسماعيل ~~بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طائفة ~~من أصحابه فقال: «إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق ~~الصور فذكر النفخ فيه للموت ثم للبعث ثم ذكر الحشر» - وهو حديث طويل جدا ~~إلى أن قال: «ثم يقفون موقفا واحدا مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا ~~يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دما وتعرقون إلى أن يبلغ ~~ذلك منكم أن يلجمكم أو يبلغ الأذقان، فتضجون وتقولون: من يشفع لنا إلى ربنا ~~يقضى بيننا، فتقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه ~~من روحه، وكلمه قبلا، فتأتون آدم فتطلبون ذلك إليه فيأبى فيقول: ما أنا ~~بصاحب ذلك، ثم يستقربون الأنبياء نبيا نبيا كلما جاؤوا نبيا أبى عليهم، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى تأتوني، فأنطلق حتى آتي الفحص فأخر ~~ساجدا # PageV17P036 # فقال أبو هريرة: يا رسول الله! ما الفحص؟ قال: قدام العرش - حتى يبعث ~~الله إلي ملكا فيأخذ بعضدي فيرفعني فيقول لي: يا محمد! فأقول: نعم يا رب! ~~فيقول: ما شأنك - وهو أعلم فأقول: يا رب وعدتني فشفعني في خلقك فاقض بينهم، ~~قال: قد شفعتك أنا آتيكم فأقضي بينكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~فأرجع فأقف مع الناس فبينما نحن وقوف سمعنا حسا من ms4237 السماء شديدا فنزل أهل ~~السماء الدنيا مثل من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت ~~الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا، وهو آت ثم ~~ينزل أهل السماء الثانية بمثل من نزل من الملائكة، ومثل الجن والإنس، حتى ~~إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم وقلنا لهم: أفيكم ~~ربنا؟ قالوا: لا، وهو آت، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزل ~~الجبار تبارك وتعالى في ظلل من الغمام، والملائكة تحمل عرشه يومئذ ثمانية، ~~وهو اليوم على أربعة - إلى أن قال: فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثم ~~يهتف بصوته فيقول: يا معشر الجن والإنس! إني قد أنصت لكم من يوم خلقتكم إلى ~~يوم يومكم هذا أسمع قولكم، وأبصر أعمالكم، فانصتوا لي فإنما هي أعمالكم # PageV17P037 # وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن ~~إلا نفسه، ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم، ثم يقول الله عز ~~وجل {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن ~~اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون هذه ~~جهنم التي كنتم توعدون} [يس: 60-63]- أو بها تكذبون - شك أبو عاصم، ~~{وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس: 59] فتسمى النار وتجثو الأمم وترى كل ~~أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها فيقضي بين خلقه» # - فذكره وهو طويل جدا، ثم ذكر الصراط وبعض الشفاعات الخاصة في أهل الجنة، ~~فذكر دخولهم الجنة ثم أنهم يشفعون في بعض أهل النار إلى أن قال: «ثم يأذن ~~الله في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع» # إلى أن قال: «ثم يقول الله عز وجل: بقيت أنا وأنا أرحم الراحمين. فيدخل ~~الله يده في جهنم فيخرج منها لا يحصيه غيره» وروى ابن حبان في صحيحه - قال ~~المنذري: ولا أعلم في إسناده مطعنا - عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: ms4238 «يقول إبراهيم عليه السلام يوم القيامة. يا رباه، ~~فيقول الرب جل وعلا: يا لبيكاه، فيقول إبراهيم: يا رب حرقت بني - فيقول ~~الله: أخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة أو شعيرة من الإيمان» وروى ~~الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وأحمد بن منيع: «يلقى رجل # PageV17P038 # أباه يوم القيامة فيقول: يا أبة! أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن، فيقول: ~~هل أنت مطيعي اليوم، فيقول: نعم، فيقول خذ بازرتي، فيأخذ بازرته، ثم ينطلق ~~حتى يأتي الله وهو يعرض بعض الخلق، فيقول: يا عبدي! ادخل من أي أبواب الجنة ~~شئت، فيقول: أي ربي، وأبي معي فإنك وعدتني أن لن تخزيني، فيعرض عنه ويقضي ~~بين الخلق ويعرضهم ثم ينظر إليه فيقول: يا ابن آدم ادخل من أي أبواب الجنة ~~شئت فيقول: أي ربي وأبي معي فإنك قد وعدتني أن لن تخزيني قال: فيمسخ الله ~~أباه ضبعا أمذر أو أمجر» - شك أبو جعفر أحد رواة ابن منيع - «فيأخذ بأنفه ~~فيقول: أبوك هو، فيقول: ما هو بأبي، فيهوي في النار» وهو في البخاري في ~~أحاديث الأنبياء وتفسير الشعراء بلفظ: «يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر ~~يوم القيامة وعلى وجه آذر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم عليه السلام: ألم ~~أقل لك: لا تعصني، فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب ~~إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى عن أبي الأبعد، فيقول ~~الله تعالى: # PageV17P039 # إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال لإبراهيم عليه السلام: انظر ما تحت ~~رجلك فينظر فإذا هو بذيخ - وهو ذكر الضبعان - متلطخ فيؤخذ بقوامه فيلقى في ~~النار» ، وروى أبو يعلى الموصلي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين عن أبي ~~سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليأخذن رجل بيد ~~أبيه يوم القيامة فتقطعه النار يريد أن يدخله الجنة، قال: فينادى أن الجنة ~~لا يدخلها مشرك، ألا إن الله قد حرم الجنة على كل مشرك قال: فيقول: أي رب! ~~أبي، فيحول في ms4239 صورة قبيحة وريح منتنة فيتركه، فكان أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يرون أنه إبراهيم عليه السلام» ، وروى الشيخان وغيرهما عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على ~~المنبر يقول: # «إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيدة وعدا علينا إنا ~~كنا فاعلين، ألا وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء ~~برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب! أصحابي، فيقول: إنك لا ~~تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح {وكنت عليهم # PageV17P040 # شهيدا ما دمت فيهم} - إلى قوله: {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} ~~[المائدة: 118] » ورواه الترمذي والنسائي بنحوه، ومن نحو ما قال عيسى عليه ~~السلام قول إبراهيم عيله السلام كما حكاه الله عنه {فمن تبعني فانه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم} وروى مسلم في الإيمان من صحيحه والنسائي في التفسير ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تلا قول الله عز وجل في إبراهيم عليه السلام» {رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس فمن تبعني فأنه مني} الآية - وقال عيسى عليه السلام {إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فرفع يديه وقال: اللهم أمتي ~~اللهم أمتي اللهم أمتي - وبكى «، فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى ~~محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله: ~~فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا ~~جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» ، وللشيخين في ~~الحوض والفتن ومسلم في فضل النبي صلى الله عليه وسلم عن سهل بن سعد وأبي ~~سعيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا فرطكم على ~~الحوض، من مر على شرب، ومن شرب لم يظمأ # PageV17P041 # أبدا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم» - زاد أبو ~~سعيد ms4240 رضي الله عنه: فأقول: «إنهم مني - فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، ~~فأقول: سحقا سحقا لمن غير بعدي» ولمسلم وابن ماجه - وهذا لفظه - عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر خطبته في ~~الحج ثم قال: «ألا وإني فرطكم على الحوض وأكاثر بكم الأمم، ولا تسودوا ~~وجهي، ألا وإني مستنقذ أناسا ومستنقذ مني أناس فأقول: يا رب: أصحابي ~~أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ولفظ مسلم: «أنا فرطكم على ~~الحوض ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم فأقول: يا رب! أصحابي فيقال: إنك لا ~~تدري ما أحدثوا بعدك» ولمسلم عن عائشة رضي الله عنهما قالت: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول وهو بين ظهراني أصحابه: # «إني على الحوض أنظر من يرد علي منكم، فوالله ليقطعن دوني رجال فلأقولن: ~~أي رب! مني ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، ما زالوا # PageV17P042 # يرجعون على أعقابهم» وللشيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «ترد علي أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود ~~الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا: يا نبي الله! تعرفنا؟ قال: نعم، لكم سيما ~~ليست لغيركم تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء، ولتصدن عني طائفة منكم ~~فلا يصلون، فأقول يا رب هؤلاء أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما ~~أحدثوا بعدك؟ وفي رواية: بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم ~~خرج من بيني وبينهم رجل، فقال: هلم؛ فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، ~~فقلت: ما شأنهم، فقال: إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلا مثل ~~همل النعم. أي ضوالها - أي الناجي قليل، وفي رواية لمسلم في الوضوء: ألا ~~ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم، فيقال: إنهم ~~قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا» قال المنذري: # PageV17P043 # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا. # PageV17P044 # ولما وعظهم سبحانه بصادق الأخبار عن قوم نوح ms4241 ومن تبعهم من الكفار، وختمه ~~بالإنذار بما يقع في دار القرار للظالمين الأشرار، أتبعه الوعظ والتخويف ~~بالمشاهدة من تتبع الديار والاعتبار، بما كان لهم فيها من عجائب الآثار، من ~~الحصون والقصور وسائر الأبنية الصغار والكبار، فقال موبخا ومقررا عاطفا على ~~ما تقديره ألم يتعظوا بما أخبرناهم به من الظالمين الأولين من تبعهم من ~~الإهلاك في الدنيا المتصل بالشقاء في الأخرى: {أو لم يسيروا} ولما كان ~~المتقدمون من الكثرة والشدة والمكنة بحيث لا يعلمه إلا الله ولا يقدر آدمي ~~على الإحاطة بمساكنهم، نبه عليه بقوله: {في الأرض} أي أي أرض ساروا فيها ~~وعظتهم بما حوت من الأعلام. # ولما كان السير سببا للنظر قال: {فينظروا} أي نظر اعتبار كما هو شأن ~~أرباب البصائر الذين يزعمون أنهم أعلاهم. ولما كانت الأحوال المنظور فيها ~~المعتبر بها شديدة الغرابة، نبه عليها بقوله: {كيف} أي أنها أهل لأن يسأل ~~عنها، ونبه على أن التصاقها بهم في غاية العراقة بحيث لا انفكاك لها بقوله: ~~{كان عاقبة} أي آخر # PageV17P044 # أمر {الذين كانوا} أي سكانا للأرض عريقين في عمارتها. ولما كان المنتفع ~~بالوعظ يكفيه أدنى شيء منه، نبه على ذلك بالجار فقال: {من قبلهم} أي قبل ~~زمانهم {كانوا} ولما كان السياق لمجادلة قريش لإدحاض الحق مع سماعهم لأخبار ~~الأولين، كانوا كأنهم ادعوا أنهم أشد الناس، فاقتضى الحال تأكيد الخبر بأن ~~الأولين أشد منهم، فأكدر أمرهم فيما نسبه إليهم معبرا بضمير الفصل بقوله: ~~{هم} أي المتقدمون، لما لهم من القوى الظاهرة والباطنة. # ولما كان مرجع المجادلة القوة لا الكثرة، وقال استئنافا في جواب من لعله ~~يقول: ما كان أمرهم؟ : {أشد منهم} أي هؤلاء - قرأه ابن عامر {منكم} بالكاف ~~كما هو في مصحف أهل الشام على الالتفات للتنصيص على المراد {قوة} أي ذواتا ~~ومعاني {و} أشد {آثارا في الأرض} لأن آثارهم لم يندرس بعضها إلى هذا الزمان ~~وقد مضى عليها ألوف من السنين، وأما المتأخرون فتنطمس آثارهم في أقل من ~~قرن. # ولما كانت قوتهم ومكنتهم سببا لإعجابهم وتكبرهم على أمر ربهم ms4242 ومخالفة ~~رسله، فكان ذلك سبب هلاكهم قال: {فأخذهم الله} أي # PageV17P045 # الذي له صفات الكمال أخذ غلبة وقهر وسطوة، ولما لم يتقدم شيء يسند إليه ~~أخذهم، قال مبينا ما أخذوا به: {بذنوبهم} أي التي سببت لهم الأخذ ولم يغن ~~عنهم شيء من ذلك الذي أبطرهم حتى عتوا به على ربهم ولا شفع فيهم شافع {وما ~~كان لهم} أي من شركائهم الذين ضلوا بهم كهؤلاء ومن غيرهم {من الله} أي عوض ~~المتصف بجميع صفات الكمال، أو كونا مبتدئا من جهة عظمته وجلاله، وأكد النفي ~~بزيادة الجار فقال: {من واق *} أي يقيهم مراده سبحانه فيهم، لا من شركائهم ~~ولا من غيرهم، فعلم أن الذين من دونه لا يقضون بشيء، ويجوز أن تكون «من» ~~الأولى ابتدائية على بابها تنبيها على أن الأخذ في غاية العنف لأنه إذا لم ~~يبتدئ من جهته سبحانه لهم وقاية لم تكن لهم باقية بخلاف من عاقبه الله ~~عقوبة تأديب، فإن عذابه يكون سبب بقائه لما يحصل له منه سبحانه من الوقاية. # ولما ذكر سبحانه أخذهم ذكر سببه بما حاصله أن الاستهانة بالرسول استهانة ~~بمن أرسله في قوله: {ذلك} أي الأخذ العظيم ولما كان مقصود السورة تصنيف ~~الناس في الآخرة صنفين، فكانوا إحدى عمدتي الكلام، أتى بضميرهم فقال: ~~{بأنهم} أي الذين كانوا من قبل {كانت تأتيهم} أي شيئا فشيئا في الزمان ~~الماضي على وجه قضاه سبحانه فأنفذه {رسلهم} أي الذين هم منهم {بالبينات} # PageV17P046 # أي الآيات الدالة على صدقهم دلالة هي من وضوح الأمر بحيث لا يسع منصفا ~~إنكارها. # ولما كان مطلق الكفر كافيا في العذاب، عبر بالماضي فقال: {فكفروا} أي ~~سببوا عن إتيان الرسل عليهم الصلاة والسلام الكفر موضع ما كان إتيانهم سببا ~~له من الإيمان. # ولما سبب لهم كفرهم الهلاك قال: {فأخذهم} أي أخذ غضب {الله} أي الملك ~~الأعظم. ولما كان قوله {فكفروا} معلما بسبب أخذهم لم يقل: بكفرهم، كما قال ~~سابقا: بذنوبهم، لإرشاد السباق إليه. ولما كان اجتراؤهم على العظائم فعل ~~منكر للقدرة، قال مؤكدا لعملهم عمل من ms4243 لا يخافه: {إنه قوي} لا يغلبه شيء ~~وهو يغلب كل شيء {شديد العقاب *} . # ولما كان ذلك عجبا لأن البينات تمنع من الكفر، فكان تقدير لمن ينكر ~~الإرسال على هذه الصفة: فلقد أرسلناهم كذلك، وكان موسى عليه السلام من أجل ~~المرسلين آيات، عطف على ذلك تسلية ونذارة لمن أدبر، وإشارة لمن استبصر ~~قوله: {ولقد} ولفت القول إلى مظهر العظمة كما في الآيات التي أظهرها بحضرة ~~هذا # PageV17P047 # الملك المتعاظم من الهول والعظم الذي تصاغرت به نفسه وتحاقرت عنده همته ~~وانطمس حسه، فقال: {أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة {موسى بآياتنا} أي ~~الدالة على جلالنا {وسلطان} أي أمر قاهر عظيم جدا، لا حيلة لهم في مدافعة ~~شيء منه {مبين *} أي بين في نفسه مناد لكل من يمكن إطلاعه عليه أنه ظاهر ~~جدا، وذلك الأمر هو الذي كان يمنع فرعون من الوصول ألى أذاه مع ما له من ~~القوة والسلطان {إلى فرعون} أي ملك مصر. ولما كان الأكابر أول من يتوجه ~~إليه الأمر لأن بانقيادهم ينقاد غيرهم قال: {وهامان} أي وزيره. ولما كان من ~~أعجب العجب أن يكذب الرسول من جاء لنصرته واستنقاذه من شدته قال: {وقارون} ~~أي قريب موسى عليه السلام {فقالوا} أي هؤلاء ومن تبعهم، أما من عدا قارون ~~فأولا وآخرا بالقوة والفعل، وأما قارون ففعله آخرا بين أنه مطبوع على الكفر ~~وإن آمن أولا، وإن هذا كان قوله وإن لم يقله بالفعل في ذلك الزمان فقد قاله ~~في التيه، فدل ذلك على أنه # PageV17P048 # لم يزل قائلا به، لأنه لم يتب منه {ساحر} لعجزهم عن مقاهرته، ولم يقل، ~~«سحار» لئلا يتوهم أحد أنه يمدحه بالبراعة في علم السحر فتتحرك الهمم ~~للإقبال عليه للاستفادة منه وهو خبر مبتدأ محذوف، ثم وصفوه بقولهم: {كذاب ~~*} لخوفهم من تصديق الناس له، فبعث أخص عباده به إلى أخس عباده عنده ليقيم ~~الحجة عليه، وأمهله عندما قابل بالتكذيب وحلم عنه حتى أعذر إليه غاية ~~الإعذار. # ولما أجمل أمره كله في هاتين الآيتين، شرع في تفصيله فقال مشيرا ms4244 إلى ~~مباردتهم إلى العناد من غير توقف أصلا التي أشار إليها حذف المبتدأ ~~والاقتصار على الخبر الذي هو محط الفائدة: {فلما جاءهم} أي موسى عليه ~~السلام {بالحق} أي بالأمر الثابت الذي لا طاقة لأحد بتغيير شيء منه كائنا ~~{من عندنا} على ما لنا من القهر، فآمن معه طائفة من قومه {قالوا} أي فرعون ~~وأتباعه {اقتلوا} أي قتلا حقيقيا بإزالة الروح {أبناء الذين آمنوا} أي به ~~فكانوا {معه} أي # PageV17P049 # خصوهم بذلك واتركوا من عداهم لعلهم يكذبونه {واستحيوا نساءهم} أي اطلبوا ~~حياتهن بأن لا تقتلوهن. # ولما كان هذا أمرا صادا في العادة لمن يؤمن عن الإيمان ورادا لمن آمن إلى ~~الكفران، أشار إلى أنه سبحان خرق العادة بإبطاله فقال: {وما} أي والحال أنه ~~ما كيدهم - هكذا كان الأصل ولكنه قال: {كيد الكافرين} تعميما وتعليقا ~~بالوصف {إلا في ضلال} أي مجانبة للسدد الموصل إلى الظفر والفوز لأنه ما ~~أفادهم أولا في الحذر من موسى عليه السلام ولا آخرا في صد من آمن به ~~مرادهم، بل كان فيه تبارهم وهلاكهم، وكذا أفعال الفجرة مع أولياء الله، ما ~~حفر أحد منهم لأحدم منهم حفرة مكر إلا أركبه الله فيها. # ولما أخبر تعالى بفعله بمن تابع موسى عليه السلام، أخبر عن فعله معه بما ~~علم به أنه عاجز فقال: {وقال فرعون} أي أعظم الكفرة في ذلك الوقت لرؤساء ~~أتباعه عندما علم أنه عاجز عن قتله وملاه ما رأى منه خوفا وذعرا، دافعا عن ~~نفسه ما يقال من أنه ما ترك موسى عليه السلام مع استهانته به إلا عجزا عنه، ~~موهما أن آله هم الذين يردونه عنه، وأنه لولا ذلك قتله: {ذروني} أي اتركوني # PageV17P050 # على أي حالة كانت {أقتل موسى} وزاد في إيهام الأغبياء والمناداة على نفسه ~~عند البصراء بالفضيحة بقوله: {وليدع ربه} أي الذي يدعوه ويدعي إحسانه إليه ~~بما يظهر على يديه من هذه الخوارق، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا إعلاما بأنه ~~الأمر صعب جدا لأنه كان منهم من يوهي أمره بأنه لا يؤثر ما هو ms4245 فيه شيئا ~~أصلا تقربا إلى فرعون، وإظهارا للثبات على متابعته {إني أخاف} أي إن تركته ~~{أن يبدل دينكم} أي الذي أنتم عليه من نسبة الفعل إلى الطبيعة بما يدعو ~~إليه من عبادة إلهه. # ولما ألهبهم بهذا الكلام إلى ممالأتهم له على موسى عليه السلام، زاد في ~~ذلك بقوله: {وأن يظهر} أي بسببه - على قراءة الجماعة بفتح حرف المضارعة {في ~~الأرض} أي كلها {الفساد *} وقرأ المدنيان والبصريان وحفص بالضم إسنادا إلى ~~ضمير موسى عليه السلام وبنصب الفساد أي بفساد المعائش فإنه إذا غلب علينا ~~قوي على من سوانا، فسفك الدماء وسبى الذرية، وانتهب الأموال، ففسدت الدنيا ~~مع فساد الدين، فسمى اللعين الصلاح - لمخالفته لطريقته الفاسدة - فسادا كما ~~هو # PageV17P051 # شأن كل مفسد مع المصلحين، وقرأ الكوفيون ويعقوب «أو أن» بمعنى أنه يخاف ~~وقوع أحد الأمرين: التبديل أو ظهور ما هو عليه مما سماه فسادا، وإن لم يحصل ~~التبديل عاجلا فإنه يحصل به الوهن. # PageV17P052 # ولما أعلم بمقالة العدو، أتبعه الإعلام بقول الولي فقال: {وقال موسى} ~~إبطالا لهذا القول وإزالة لآثاره مؤكدا لما استقر في النفوس من قدرة فرعون: ~~{إني عذت} أي اعتصمت عند ابتداء الرسالة {بربي} ورغبهم في الاعتصام به ~~وثبتهم بقوله: {وربكم} أي المحسن إلينا أجمعين، فأرسلني لاستنقاذكم من ~~أعداء الدين والدنيا {من كل متكبر} أي عات طاغ متعظم على الحق هذا وغيره ~~{لا يؤمن} أي لا يتجدد له تصديق {بيوم الحساب *} من ربه له وهو يعلم أنه لا ~~بد من حسابه هو لمن تحت يده من رعاياه وعبيده فيحكم على ربه بما لا يحكم به ~~على نفسه، ومعنى العوذ أنه لا وصول لأحد منهم إلى قتلي بسبب عوذي، هذا أمر ~~قد فرغ منه مرسلي لخلاصكم، القادر على كل شيء. # ولما انقضى كلام الرأسين، وكانت عادة من لم يكن لهم نظام من الله رابط أن ~~قلوبهم لا تكاد تجتمع وأنه لا بد أن يجاهر بعضهم بما عنده ولو عظم شأن ~~الملك القائم بأمرهم، واجتهد في جمع مفترق # PageV17P052 # علنهم وسرهم، قال تعالى مخبرا ms4246 عن كلام بعض الأتباع في بعض ذلك: {وقال ~~رجل} أي كامل في رجوليته {مؤمن} أي راسخ الإيمان فيما جاء به موسى عليه ~~السلام. ولما كان للإنسان، إذا عم الطغيان، أن يسكن بين أهل العدوان، إذا ~~نصح بحسب الإمكان، أفاد ذلك بقوله: {من آل فرعون} أي وجوههم ورؤسائهم {يكتم ~~إيمانه} أي يخفيه إخفاء شديدا خوفا على نفسه لأن الواحد إذا شذ عن قبيلة ~~يطمع فيه ما لا يطمع إذا كان واحدا من جماعة مختلفة، مخيلا لهم بما يوقفهم ~~عن الإقدام على قتله من غير تصريح بالإيمان. # ولما رآهم قد عزموا على القتل عزما قويا أوقع عليه اسم القتل، فقال منكرا ~~له غاية الإنكار: {أتقتلون رجلا} أي هو عظيم في الرجال حسا ومعنى، ثم علل ~~قتلهم له بما ينافيه فقال: {أن} أي لأجل أن {يقول} ولو على سبيل التكرير: ~~{ربي} أي المربي لي والمحسن إلي {الله} أي الجامع لصفات الكمال {وقد} أي ~~والحال أنه قد {جاءكم بالبينات} أي الآيات الظاهرات من غير لبس {من ربكم} ~~أي الذي لا إحسان عندكم إلا منه، وكما أن ربوبيته له اقتضت عنه الاعتراف له ~~بها فكذلك ينبغي أن تكون ربوبيته لكم داعية لكم إلى # PageV17P053 # اعترافكم له بها. # ولما كان كلامه هذا يكاد أن يصرح بإيمانه، وصله بما يشككهم في أمره ~~ويوقفهم عن ضره، فقال مشيرا إلى أنه لا يخلو حاله من أن يكون صادقا أو ~~كاذبا، مقدما القسم الذي هو أنفى للتهمة عنه وأدعى للقبول منه: {وإن} أي ~~والحال أنه إن. # ولما كان المقام لضيقه غاية الضيق بالكون بين شرور ثلاثة عظيمة: قتلهم ~~خير الناس إذ ذاك، وإتيانهم بالعذاب، واطلاعهم على إيمانه، فأقل ما يدعوهم ~~ذلك إلى اتهامه إن لم يحملهم على إعدامه داعية للإيجاز في الوعظ والمسارعة ~~إلى الإتيان بأقل ما يمكن، حذف النون فقال: {يك كاذبا فعليه} أي خاصة ~~{كذبه} يضره ذلك وليس عليكم منه ضرر، ولم يقل: أو صادقا، وإن كان الحال ~~مقتضيا لغاية الإيجاز لئلا يكون قد نقص الجانب المقصود بالذات حقه، ms4247 فيكون ~~قد أخل ببعض الأدب، فقال مظهرا لفعل الكون عادلا عما له إلى ما عليهم ~~معادلا لما ذكره عليه ونقصه عنه إظهارا للنصفة ودفعا للتهمة عن نفسه: {وإن ~~يك} حذف نونه لمثل ما مضى {صادقا يصبكم} أي على وجه العقوبة من الله وله ~~صدقه # PageV17P054 # ينفعه ولا ينفعكم شيئا. # ولما كان العاقل من نظر لنفسه فلم يرد كلام خصمه من غير حجة، وكان أقل ما ~~يكون من توعد من بانت مخايل صدقه البعض، قال ملزما الحجة بالبعض، غير ناف ~~لما فوقه إظهارا للانصاف وأنه لم يوصله حقه فضلا عن التعصب له نفيا للتهمة ~~عن نفسه: {بعض الذي} وقال: {يعدكم} دون «يوعدكم» إشارة إلى أنهم إن وافوه ~~أصابهم جميع ما وعدهموه من الخير، وإلا دهاهم ما توعدهم من الشر، والآية من ~~الاحتباك: ذكر اختصاصه بضر الكذب أولا دليلا على ضده وهو اختصاصه بنفع ~~الصدق ثانيا، وإصابتهم ثانيا دليلا على إصابته أولا، وسره أنه ذكر الضار في ~~الموضعين، لأنه أنفع في الوعظ لأن من شأن النفس الإسراع في الهرب منه، ولقد ~~قام أعظم من هذا المقام - كما في الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله ~~عنهما - أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو مظهر إيمانه وقد جد الجد بتحقق ~~الشروع في الفعل حيث اخذ المشركون بمجامع ثوب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~يطوف بالبيت فالتزمه أبو بكر رضي الله عنه وهو يقول هذه الآية، ودموعه # PageV17P055 # تجري على لحيته حتى فرج الله وقد مزقوا كثيرا من شعر رأسه - رضي الله ~~عنه. # ولما كان فرعون قد نسب موسى عليه الصلاة والسلام بما زعمه من إرادته ~~إظهار الفساد إلى الإسراف بعد ما نسبه إليه من الكذب، علل هذا المؤمن قوله ~~هذا الحسن في شقي التقسيم بما ينطبق إلى فرعون منفرا منه مع صلاحيته لإرادة ~~موسى عليه الصلاة والسلام على ما زعمه فيه فرعون فقال: {إن الله} أي الذي ~~له مجامع العظمة ومعاقد العز {لا يهدي} أي إلى ارتكاب ما ينفع واجتناب ما ~~يضر {من ms4248 هو مسرف} أي بإظهار الفساد متجاوز للحد، وكأنه رضي الله عنه جوز أن ~~يتأخر شيء مما توعد به فيسموه كذبا، ولذا قال {يصبكم بعض الذي يعدكم} فعلق ~~الأمر بالمبالغة فقال: {كذاب *} لأن أول خذلانه وضلاله تعمقه في الكذب، ~~ويهدي من هو مقتصد صادق، فإن كان كاذبا كما زعمتم ضره كذبه، ولم يهتد لوجه ~~يخلصه، وإن كان صادقا أصابتكم العقوبة ولم تهتدوا لما ينجيكم، لاتصافكم # PageV17P056 # بالوصفين. # ولما خيلهم بهذا الكلام الذي يمكنه توجيهه، شرع في وعظهم إظهارا للنصيحة ~~لهم والتحسر عليهم فقال مذكرا لهم بنعمة الله عليهم محذرا لهم من سلبها ~~مستعطفا بذكر أنه منهم: {يا قوم} وعبر بأسلوب الخطاب دون التكلم تصريحا ~~بالمقصود فقال: {لكم الملك} ونبه على ما يعرفونه من تقلبات الدهر بقوله: ~~{اليوم} وأشار إلى ما عهدوه من الخذلان في بعض الأزمان بقوله: {ظاهرين} أي ~~غالبين على بني إسرائيل وغيرهم، وما زال أهل البلاء يتوقعون الرخاء، وأهل ~~الرخاء يتوقعون البلاء، ونبه على الإله الواحد القهار الذي له ملك السماوات ~~فملك الأرض من باب الأولى، بقوله معبرا بأداة الظرف الدالة على الاحتياج ~~ترهيبا لهم: {في الأرض} أي أرض مصر التي هي لحسنها وجمعها المنافع كالأرض ~~كلها، قد غلبتم الناس عليها. # ولما علم من هذا أنهم لا يملكون جميع الكون، تسبب عنه أن المالك للكل هو ~~الإله الحق والملك المطلق الذي لا مانع لما يريد، فلا ينبغي لأحد من عبيده ~~أن يتعرض إلى ما لا قبل له به من سخطه، فلذلك قال: {فمن ينصرنا} أي أنا ~~وأنتم، أدرج نفسه فيهم عن ذكر الشر بعد إفراده لهم بالملك إبعادا للتهمة ~~وحثا على قبول النصيحة: {من بأس الله} أي الذي له الملك كله، ونبه بأداة ~~الشك على أن عذابه لهم أمر ممكن، والعاقل من يجوز الجائز ويسعى # PageV17P057 # في التدرع منه فقال: {إن جاءنا} أي غضبا لهذا الذي يدعي أنه أرسله، ويجوز ~~أن يكون صادقا، بل يجب اعتقاد ذلك لما أظهره من الدلائل، وفي قوله هذا ~~تسجيل عليهم بأنهم يعرفون أن الله ملك ms4249 الملوك ورب الأرباب، وكذا قول موسى ~~عليه السلام {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض} [الاسراء: ~~102] وأن ادعاء فرعون الإلهية إنما هو محض عناد. # ولما سمع فرعون ما لا طعن له فيه، فكان بحيث يخاف من بقية قومه إن أفحش ~~في أمر هذا المؤمن، فتشوف السامع لجوابه، أخبر تعالى أنه رد ردا دون رد ~~بقوله: {قال فرعون} أي لقومه جوابا لما قاله هذا المؤمن دالا بالحيدة عن ~~حاق جوابه على الانقطاع بالعجز عن نقض شيء من كلامه: {ما أريكم} أي من ~~الآراء {إلا ما أرى} أي إنه الصواب على قدر مبلغ علمي، أي إن ما أظهرته لكم ~~هو الذي أبطنه. ولما كان في كلام المؤمن تعريض في أمر الهداية، وكان ~~الإنسان ربما يتوافق قلبه ولسانه، ويكون تطابقهما على ضلال، قال: {وما ~~أهديكم} أي بما أشرت به من قتل موسى عليه السلام وغيره {إلا سبيل الرشاد *} ~~أي الذي أرى أنه صواب، لا أبطن شيئا وأظهر غيره، وربما يكون في هذا تنبيه ~~لهم على ما يلوح # PageV17P058 # من كلام المؤمن لأنه ارتاب في أمره، وفي هذا أنه في غاية الرعب من أمر ~~موسى عليه السلام لاستشارته لقومه في أمره واحتمال هذه المراجعات التي يلوح ~~منها أنه يكاد ينفطر غيظا منه ولكنه يتجلد. # ولما ظهر لهذا المؤمن رضي الله عنه أن فرعون ذل لكلامه، ولم يستطع ~~مصارحته، ارتفع إلى أصرح من الأسلوب الأول فأخبرنا تعالى عنه بقوله مكتفيا ~~في وصفه بالفعل الماضي لأنه في مقام الوعظ الذي ينبغي أن يكون من أدنى متصف ~~بالإيمان بعد أن ذكر عراقته في الوصف لأجل أنه كان في مقام المجاهدة ~~والمدافعة عن الرسول عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام الذي لا يقدم ~~عليه إلا راسخ القدم في الدين: {وقال الذي آمن} أي بعد قول فرعون هذا ~~الكلام الذي هو أبرد من الثلج الذي دل على جهله وعجزه وذله {يا قوم} وأكد ~~لما رأى عندهم من إنكار أمره وخاف منهم من اتهامه فقال: {إني أخاف عليكم} ~~أي ms4250 من المكابرة في أمر موسى عليه الصلاة والسلام. ولما كان أقل ما يخشى ~~يكفي العاقل، وكانت قدرة الله سبحانه عليهم كلهم على حد سواء لا تفاوت فيها ~~فكان هلاكهم كلهم كهلاك نفس واحدة، أفرد فقال: {مثل يوم الأحزاب *} مع أن ~~إفراده أروع وأقوى في التخويف وأفظع للاشارة إلى قوة الله تعالى وأنه قادر ~~على # PageV17P059 # إهلاكهم في أقل زمان. # PageV17P060 # ولما أجمل فصل وبين أو بدل بعد أن هول، فقال بادئا بمن كان عذابهم مثل ~~عذابهم، ودأبهم شبيها بدأبهم: {مثل دأب} أي عادة {قوم نوح} أي فيما دهمهم ~~من الهلاك الذي محقهم فلم يطيقوه مع ما كان فيهم من قوة المحاولة والمقاومة ~~لما يريدونه {وعاد وثمود} مع ما بلغكم من جبروتكم. ولما كان هؤلاء أقوى ~~الأمم، اكتفى بهم وأجمل من بعدهم فقال: {والذين} وأشار بالجار إلى التخصيص ~~بالعذاب لئلا يقال: هذه عادة الدهر، فقال: {من بعدهم} أي بالقرب من زمانهم ~~لا جميع من جاء بعدهم. # ولما كان التقدير: أهلكهم الله وما ظلمهم، عبر عنه تعميما مقرونا بما ~~تضمنه من الخبر بدليله فقال: {وما الله} أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال. ~~ولما كان في مقام الوعظ لهم ومراده ردهم عن غيهم بكل حال، علق الأمر ~~بالإرادة لأنها متى ارتفعت انتفى الظلم، ونكر تعميما فقال: {يريد ظلما} أي ~~يتجدد منه أن يعلق إرادته وقتا ما بنوع ظلم {للعباد *} لأن أحد لا يتوجه ~~أبدا إلى أنه يظلم عبيده الذين هم تحت قهره، وطوع مشيئته وأمره، ومتى لم ~~يعرفوا حقه وأرادوا البغي على من يعرف حقه عاقبهم ولا بد، وإلا كان كفه ~~ظلما # PageV17P060 # للمبغي عليهم. # ولما أشرق من آفاق هذا الوعظ شمس البعث ونور الحشر، لأنه لا يسوغ أصلا أن ~~ملكا يدع عبيده يبغي بعضهم على بعض من غير إنصاف بينهم ونحن نرى أكثر الخلق ~~يموت مقهورا من ظالمه، ومكسورا من حاكمه، فعلم قطعا أن الموت الذي لم يقدر ~~ولا يقدر أحد أصلا أن يسلم منه إنما هو سوق إلى دار العرض وساحة الجزاء ~~للقرض - كما ms4251 جرت به عادة الملوك إذا وكلوا بمن يأمرون باحضاره إليهم لعرضه ~~عليهم ليظهر التجلي في صفات الجبروت والعدل، ومظاهر الكرم الفضل قال: {ويا ~~قوم} ولما كانوا منكرين للبعث أكد فقال: {إني أخاف} وعبر بأداة الاستعلاء ~~زيادة في التخويف فقال: {عليكم} ولما كان قد سماه فيما مضى بالتلاقي ~~والآزفة لما ذكر، عرف هنا أن الخلق فيه وجلون خائفون وأنهم لكثرة الجمع ~~ينادون وينادون للرفعة أو الضعة وغير ذلك من الأمور المتنوعة التي مجموعها ~~يدل على ظهور الجبروت وذل الخلق لما يظهر لهم من الكبرياء والعظموت فقال: ~~{يوم التناد *} أي أهواله وما يقع فيه، فينادي الجبار سبحانه بقوله {ألم ~~أعهد إليكم # PageV17P061 # يا بني آدم أن لا تعبدو الشيطان} وينادونه «بلى يا ربنا» وتنادي الملائكة ~~بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب «يا فلان ابن فلان أقبل لفصل النزاع» ~~وينادي ذلك العبد «ألا سمعا وطاعة» وينادي الفائز «ألا نعم أجر العاملين» ~~وينادي الخائب «ألا بئس منقلب الظالمين» وينادي أصحاب الأعراف وأهل الجنة ~~أهل النار وأهل النار أهل الجنة وينادي الكل حين يذبح الموت، ويدعى كل أناس ~~بإمامهم، وتتنادى الملائكة وقد أحاطوا بالثقلين صفوفا مترتبة ترتب السماوات ~~التي كانوا بها بالتسبيح والتقديس، وترتفع الأصوات بالضجيج، بعضهم بالسرور ~~وبعضهم بالويل والثبور، وتنادي ألسن النيران: أي الجبارون أين المتكبرون، ~~وتنادي الجنة، أين المشمرون في مرضاة الله والصابرون، فيا له يوما يذل فيه ~~العصاة العتاة ويعز المنكسرة قلوبهم من أجل الله وقرأ ابن عباس رضي الله ~~عنهما في آخرين بتشديد الدال من التناد على أنه مصدر تناد من ند البعير - ~~إذا هرب ونفر، وهو كقوله يوم # {يفر المرء من أخيه} [عبس: 34] وتقدم في حذف ياء التلاق وإثباتها ما يمكن ~~الفطن تنزيله هنا. ولما كانت عادة المتنادين الإقبال، وصف ذلك اليوم بضد ~~ذلك لشدة الأهوال فقال مبدلا أو مبينا: # PageV17P062 # {يوم تولون مدبرين} أي حين تخرج ألسنة النيران فتخطف أهل الكفران، وتزفر ~~زفرات يخر أهل الموقف من خشيتها، فترى كل أمة جاثية ويفرون فلا يقصدون ~~مكانا إلا وجدوا ms4252 به الملائكة صافين كما قال تعالى {والملك على أرجائها} ~~[الحاقة: 17] وينادي المنادي {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} [الرحمن: 33] . # ولما كان المدبر إنما يقصد في إدباره معقلا يمنعه ويستره أو فئة تحميه ~~وتنصره، قال مبينا حالهم: {ما لكم من الله} أي الملك الجبار الذي لا ند له، ~~وأعرق في النفي فقال: {من عاصم} أي مانع يمنعكم مما يراد فما لكم من عاصم ~~أصلا، فإنه سبحانه يجير ولا يجار عليه. # ولما كان التقدير: لضلالكم في الدنيا فإن حالكم في ذلك اليوم مكتسب من ~~احوالكم في هذا اليوم، عطف عليه قوله معمما: {ومن يضلل الله} أي الملك ~~المحيط بكل شيء الباطن في اردية الجلال الظاهر في مظاهر القهر والجمال، ~~إضلالا جبله عليه فهو في غاية البيان - بما أشار إليه الفلك {فما له من هاد ~~*} أي إلى شيء ينفعه بوجه من الوجوه، وأما الضلال العارض فيزيله الله لمن ~~يشاء من عباده، وهذا لا يعرف إلا بالخاتمة كما قاله الإمام أبو الحسن ~~الأشعري: فمن مات على شيء فهو مجبول عليه. # PageV17P063 # ولما كان حاصل ما مضى من حالهم في أمر موسى عليه السلام أنه جاءهم ~~بالبينات فشكوا فيها، وختم بتحذيرهم من عذاب الدنيا والآخرة، عطف عليه شك ~~آبائهم في مثل ذلك، فقال مبينا أنهم مستحقون لما حذر منه العذاب ليشكروا ~~نعمة الله في إمهاله إياهم ويحذروا نقمته إن تمادوا وأكد لأجل إنكارهم أن ~~يكونوا أتو ببينة، وافتتح بحرف التوقع لأن حالهم اقتضت توقع ذلك ودعت إليه: ~~{ولقد جاءكم} أي جاء آباءكم يا معشر القبط، ولكنه عبر بذلك دلالة على أنهم ~~على مذهب الآباء كما جرت به العادة من التقليد، ومن أنهم على طبائعهم لا ~~سيما إن كانوا لم يفارقوا مساكنهم: {يوسف} أي نبي الله ابن نبي الله يعقوب ~~ابن نبي الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة ~~وأتم التسليم. # ولما لم يكن مجيئه مستغرقا لما تقدم موسى عليه السلام من ms4253 الزمان أدخل ~~الجار فقال: {من قبل} أي قبل زمن موسى عليه السلام: {بالبينات} أي الآيات ~~الظاهرات ولا سيما في أمر يوم التناد {فما زلتم} بكسر الزاي من زال يزال أي ~~ما برحتم أنتم تبعا لآبائكم {في شك} أي محيط بكم لم تصلوا إلى رتبة الظن ~~{مما جاءكم به} من التوحيد وما يتبعه، ودل على تمادي شكهم بقوله: {حتى إذا ~~هلك} وكأنه عبر بالهلاك إيهاما لهم أنه غير معظم له، وأنه إنما يقول ما ~~يشعر بالتعظيم لأجل محض النصيحة والنظر في العاقبة {قلتم} أي # PageV17P064 # من عند أنفسكم بغير دليل كراهة لما جاء به وتضجرا منه جهلا بالله تعالى: ~~{لن يبعث الله} أي الذي له صفات الكمال. # ولما كان مرادهم استغراق النفي حتى لا يقع البعث في زمن من الأزمان وإن ~~قل، أدخل الجار فقال: {من بعده} أي يوسف عليه السلام {رسولا} وهذا ليس ~~إقرارا منهم برسالته، بل هو ضم منهم إلى الشك في رسالته التكذيب برسالة من ~~بعده، والحجر على الملك الأعظم في عباده وبلاده والإخبار عنه بما ينافي ~~كماله. # ولما كان كأنه قيل: هذا ضلال عظيم هل ضل أحد مثله؟ أجيب بقوله: {كذلك} أي ~~مثل هذا الضلال العظيم الشأن {يضل} وأبرز الاسم ولم يضمره لئلا يخص الإضلال ~~بالحيثية الماضية، وجعله الجلالة تعظيما للأمر لصلاحية الحال لذلك وكذا ما ~~يأتي بعده {الله} أي بما له من صفات القهر {من هو مسرف} أي متعال في الأمور ~~خارج عن الحدود طالب للارتفاع عن طور البشر. # ولما كان السياق للشك في الرسالة والقول بالظن الذي يلزم منه اتهام ~~القادر سبحانه بالعجز أو مجانبة الحكمة قال: {مرتاب *} # PageV17P065 # أي يشك فيما لا يقبل الشك ويتهم غيره بما لا حظ للتهمة فيه، أي ديدنه ~~التذبذب في الأمور الدينية، فلا يكاد يحقق أمرا من الأمور، ولا إسراف ولا ~~ارتياب أعظم من حال المشرك فإنه منع الحق أهله وبذله لمن لا يستحقه بوجه، ~~وهذه الآية دليل على أن القبط طول الدهر على ما نشاهده من أنه لا ثقة ~~بدخولهم ms4254 في الدين الحق، ولا ثبات لهم في الأعمال الصالحة. # PageV17P066 # ولما ظهر ظهورا لا يحتمل شكا بما أتى به موسى عليه السلام من البينات أن ~~شكهم في رسالة الماضي وجزمهم في الحكم بنفي رسالة الآتي أعظم ضلال وأنه من ~~الجدال الذي لا معنى له إلا فتل المحق عما هو عليه من الحق إلى ما عليه ~~المجادل من الضلال، وصل بذلك قوله على سبيل الاستنتاج ذما لهم بعبارة تعم ~~غيرهم: {الذين} أي جدال من {يجادلون} أي يقاتلون ويخاصمون خصاما شديدا {في ~~آيات الله} أي المحيطة بأوصاف الكمال لا سيما الآيات الدالة على يوم ~~التناد، فإنها أظهر الآيات على وجوده سبحانه وعلى ما هو عليه من الصفات ~~والأفعال وما يجوز عليه أو يستحيل. # ولما كان الجدال بالتي هي أحسن مشروعا، وهو بما أمر به # PageV17P066 # قال: {بغير سلطان} أي تسليط ودليل {أتاهم} أي من عند من له الأمر كله ~~{كبر} أي عظم هو، أي الجدال المقدر مضافا قبل {الذين} وبين ما أبهم من هذا ~~العظم بتمييز محول عن الفاعل فقال: {مقتا عند الله} أي الملك الأعظم {وعند ~~الذين آمنوا} أي الذين هم خاصته. # ولما كان فاعل هذا لا يكون إلا مظلم القلب، فكان التقدير: أولئك طبع الله ~~على قلوبهم، وصل به استنئافا قوله: {كذلك} أي مثل هذا الطبع العظيم {يطبع} ~~أي يختم ختما فيه العطب {الله} أي الذي له جميع العظمة {على كل قلب} ولما ~~كان فعل كل ذي روح إنما هو بقلبه، نسب الفعل إليه في قراءة أبي عمرو وابن ~~عامر في إحدى الروايتين عنه بالتنوين فوصفه بقوله: {متكبر} أي متكلف ما ليس ~~له وليس لأحد غير الله {جبار *} أي ظاهر الكبر قويه قهار وقراءة الباقين ~~بالإضافة مثلها سراء في أن السور داخل القلب ليعم جميع أفراده غير أن الوصف ~~بالكبر والجبروت للشخص لا للقلب، وهي أبين من القراءة الشاذة بتقديم القلب ~~على كل لأن # PageV17P067 # تقديم كل نص في استغراق أفراد القلوب ممن اتصف بهذا الوصف، ومن المقطوع ~~به أن آحاد القلوب موزعة ms4255 على آحاد الأشخاص لأنه لا يكون لشخص أكثر من قلب ~~بخلاف ما إذا قدم القلب فإنه قد يدعي أن الشخص الواحد، وأن السور لأجل جمعه ~~لأنواع الكبر والجبروت فيكون المعنى: على قلب شخص جامع لكل فرد من أفراد ~~التكبر والتجبر - والله الموفق. # ولما ذكر الطبع المذكور، دل عليه بما ذكر من قول فرعون وفعله عطفا على ما ~~مضى من قوله وقول المؤمن، فإنه قصد ما لا مطمع في نيله تيها وحماقة تكبرا ~~وتجبرا لكثافة قلبه وفساد لبه، فصار به ضحكة لكل من سمعه هذا إن كان ظن أنه ~~يصل إلى ما أراد وإن كان قصد بذلك التلبيس على قومه للمدافعة عن اتباع موسى ~~عليه السلام إلى وقت ما فقد نادى عليهم بالجهل، والإغراق في قلة الحزم ~~والشهامة والعقل، فقال تعال: {وقال فرعون} أي بعد قول المؤمن هذا، معرضا عن ~~جوابه لأنه لم يجد فيه مطعنا: {يا هامان} وهو وزيره {ابن} وعرفه بشدة ~~اهتمامه به بالإضافة إليه في قوله: {لي صرحا} أي بناء ظاهرا يعلوه لكل أحد. # قال البغوي: لا يخفى على الناظر وإن بعد. وأصله من التصريح وهو الإظهار، ~~وتعليله بالترجي الذي لا يكون إلا في الممكن دليل على أنه كان يلبس على ~~قومه وهو يعرف الحق، # PageV17P068 # فإن عاقلا لا يعد ما رامه في عداد الممكن العادي فقال: {لعلي أبلغ ~~الأسباب *} أي التي لا أسباب غيرها لعظمها. # ولما كان بلوغها أمرا عجيبا، أورده على نمط مشوق عليه ليعطيه السامع حقه ~~من الاهتمام تفخيما لشأنها، ليتشوف السامع إلى بيانها، بقوله: {أسباب ~~السماوات} أي الأمور الموصلة إليها، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه. # ولما ذكر هذا السبب، ذكر المسبب عنه فقال: {فاطلع} أي فلعله يتسبب عن ذلك ~~ويتعقبه أني أتكلف الطلوع {إلى إله موسى} فيكون كما ترى عطفا على {أبلغ} ، ~~ونصبه حفص عن عاصم على الجواب تنبيها على أن ما أبرزه الخبيث في عداد ~~الممكن إنما هو تمني محال غير ممكن في العادة. # ولما كان من جملة إرادته بذلك مع ms4256 إيقاف قومه إلى وقت ما عن المتابعة أن ~~يخيلهم بأن يقول: طلعت فبحثت عما قال موسى فلم أقف له على صحة، قدم لهم ~~قوله مبينا لحاله إذ ذاك لما ظن من ميل قلوبهم إلى تصديق موسى عليه السلام: ~~{وإني لأظنه} أي موسى {كاذبا} فترك الكلام على احتمال أن يريد في الرسالة ~~أو في الإلهية. ولما كان # PageV17P069 # هذا أمرا عجيبا، وهو كون أحد يظن أنه يخيل للعقول أنه يصعد إلى السماء، ~~وأن الإله الذي هو غني عن كل شيء وقد كان ولا شيء معه يكون في السماء، أو ~~في محل من المحال، فإن كل حال في شيء يحتاج إلى محله، وكل محتاج عاجز ولا ~~يصلح العاجز للإلهية لو لم يجئ عن الله لما كان أهلا لأن يصدق، فكان ~~التقدير: عمله فرعون لأنا زيناه له، عطف عليه زيادة في التعجيب: {وكذلك} أي ~~ومثل ذلك التزيين العظيم الشأن اللاعب بالألباب. ولما كان الضار هو التزيين ~~لا المزين الخاص، بناه للمفعول فقال: {زين} أي زين المزين النافذ الأمر، ~~وهو لله تعالى حقيقة بخلقه وإلزامه لأن كل ما دخل في الوجود من المحدثات ~~فهو خلقه، والشيطان مجازا بالتسبب بالوسوسة التي هي خلق الله تعالى {لفرعون ~~سوء عمله} في جميع أمره، فاقبل عليه راغبا فيه مع بعده من عقل أقل ذوي ~~العقول فضلا عن ذوي الهمم منهم فضلا عن الملوك، وأطاعه فيه وقومه {وصد} ~~بنفسه ومنع غيره على قراءة الفتح، ومنعه الله - على قراءة الكوفيين ويعقوب ~~بالضم {عن السبيل} أي التي لا سبيل في الحقيقة غيرها، وهو الموصلة # PageV17P070 # إلى الله تعالى. # ولما كان هذا السياق بحيث يظن منه الظان أن لفرعون نوع تصرف، نفى ذلك ~~بقوله: {وما كيد} واعاد الاسم ولم يضمره لئلا يخص بخيثية من الحيثيات فقال: ~~{فرعون} أي في إبطال أمر موسى عليه السلام {إلا في تباب *} أي خسار وهلاك ~~عظيم محيط به لا يقدر على الخروج منه، وما تعطاه إلا لأنه محمول عليه ~~ومقهور فيه، كما كشف عنه الحال، فدل ذلك قطعا على ms4257 أنه لو كان له أدنى تصرف ~~يستقل به لما أنتج فعله الخسار. # ولما كان فساد ما قاله فرعون أظهر من أن يحتاج إلى بيان، أعرض المؤمن عنه ~~تصريحا، ولوح إلى ما حكاه الله عنه من أنه محيط به الهلاك تلويحا في قوله ~~مناديا قومه ومستعطفا لهم ثلاث مرات: الأولى على سبيل الإجمال في الدعوة، ~~والأخريان على سبيل التفصيل، فقال تعالى عنه: {وقال الذي آمن} أي مشيرا إلى ~~وهي قول فرعون بالإعراض عنه، وعبر بالفعل إشارة إلى أنه ينبغي لأدنى أهل ~~الإيمان أن لا يحقر نفسه عن الوعظ: {يا قوم} أي يا من لا قيام لي إلا بهم ~~فأنا غير متهم في نصيحتهم {اتبعون} أي كلفوا أنفسكم اتباعي لأن السعادة ~~غالبا تكون فيما يكره الإنسان {أهدكم سبيل} # PageV17P071 # أي طريق {الرشاد *} أي الهدى لأنه مع سهولته واتساعه موصل ولا بد إلى ~~المقصود، وأما ما قال فرعون مدعيا أنه سبيل الرشاد لا يوصل إلا إلى الخسار، ~~فهو تعريض به شبيه بالتصريح. # ولما كان هذا دعاء على سبيل الإجمال، وكان الداء كله في الإقبال على ~~الفاني، والدواء كله في الإقدام على الباقي، قال استئنافا في جواب من سأل ~~عن تفصيل هذه السبيل مبينا أنها العدول عما يفنى إلى ما يبقى محقرا للدنيا ~~مصغرا لشأنها لأن الإخلاد إليها أصل الشر كله، ومنه يتشعب ما يؤدي إلى سخط ~~الله {يا قوم} كرر ذلك زيادة في استعطافهم بكونهم أهله فهو غير متهم في ~~نصحهم لأنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه. ولما كانت الأنفس لكونها مطبوعة ~~على الوهم لا تعد الحاصل إلا الحاضر أكد فقال: {إنما هذه الحياة} وحقرها ~~بقوله: {الدنيا} إشارة إلى دناءتها وبقوله: {متاع} إشارة إلى أنها جيفة ~~لأنها في اللغة من جملة مدلولات المتاع، فلا يتناول منها إلا كما يتناول ~~المضطر من الجيفة لأنها دار القلعة والزوال والتزود والارتحال. # ولما افتتح بذم الدنيا، ثنى بمدح الآخرة فقال: {وإن الآخرة} لكونها ~~المقصودة بالذات {هي دار القرار *} التي لا تحول منها أصلا # PageV17P072 # دائم كل شيء ms4258 من ثوابها وعقابها، فهي للتلذذ والانتفاع والترفه والاتساع ~~لمن توسل إلى ذلك بحسن الاتباع أو للشقاوة والهلاك، لمن اجترأ على المحارم ~~واستخف الانتهاك قال الأصفهاني: قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهبا ~~فانيا والآخرة خزفا باقيا، لكانت الآخرة خيرا من الدنيا فكيف والدنيا خزف ~~فان، والآخرة ذهب باق بل أشرف وأحسن. # وكما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب، فكان الترغيب في نعيم الجنان، ~~والترهيب من عذاب النيران، من أعظم وجوه الترغيب والترهيب، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر المتاع أولا دليلا على حذف التوسع ثانيا، والقرار ثانيا ~~دليلا على حذف الارتحال أولا. # PageV17P073 # ولما حرك الهمم بهذا الوعظ إلى الإعراض عن دار الأنكاد والأمراض، ~~والإقبال على دار الجلال والجمال بخدمة ذي العز والكمال، قال في جواب من ~~سأل عن كيفية ذلك ما حاصله أنه بالإقبال على محاسن الأعمال، وترك السيء من ~~الخلال، واصلا بذلك على طريق البيان للبيان، ذاكرا عاقبة كل ليثبط عما ~~يتلف، وينشط لما يزلف، مشيرا إلى جانب الرحمة أغلب، مقدما لما هم عليه من ~~السوء محذرا منه ليرجعوا {من عمل سيئة} أي ما يسوء من أي صنف كان: الذكور ~~والإناث # PageV17P073 # والمؤمنين والكافرين {فلا يجزى} أي من الملك الذي لا ملك سواه {إلا ~~مثلها} عدلا لا يزاد عليها مقدار ذرة ولا أصغر منها ويدخل النار إن لم يكن ~~له ما يكفرها، فهذا هو الملك الذي ينبغي الإقبال على خدمته لكونه الحكم ~~العدل القادر على الجزاء والمساواة في الجزاء، فالكافر لما كان على عزم ~~إدامه الكفر كان عذابه دائما والفاسق لما كان على نية التوبة لاعتقاده أنه ~~في معصية وشر كان عذابه منقطعا، والآية على عمومها، وما خرج منها بدليل كان ~~مخصوصا فيخرج عليها جميع باب الجنايات وغيره، ومن قال: إنها في شيء معين، ~~لزمه أن تكون مجملة، لأن ذاك المعين غير مذكور، والتخصيص أولى من الإجمال ~~كما قال أهل الأصول. # ولما بين العدل في العقاب، بين الفضل في الثواب، تنبيها على أن الرحمة ~~سبقت الغضب فقال: {ومن عمل صالحا} أي ولو ms4259 قل. ولما كان من يعهدون من الملوك ~~إنما يستعملون الأقوياء لاحتياجهم، بين أنه على غير ذلك لأنه لا حاجة به ~~أصلا فقال: {من ذكر أو أنثى} ولما كان العمل لا يصح بدون الإيمان قال مبينا ~~شرطه: {وهو} أي عمل والحال أنه {مؤمن} ولما كان في مقام الترغيب في عدله ~~وجوده وفضله، جعل الجزاء مسببا عن الأعمال فقال: {فأولئك} # PageV17P074 # أي العالو الهمة والمقدار {يدخلون الجنة} أي بأمر من له الأمر كله بعد أن ~~ضاعف لهم أعمالهم فضلا، والآية من الاحتباك: ذكر المساواة أولا عدلا يدل ~~على المضاعفة ثانيا فضلا، وذكر إدخال الجنة ثانيا يدل على إدخال النار ~~أولا، وسره أنه ذكر فضله في كل من الشقين {يرزقون فيها} أي من غير احتياج ~~إلى تحول أصلا ولا إلى أسباب، ولعل ذلك من أسرار البناء للمفعول {بغير حساب ~~*} لخروج ما فيها بكثرته عن الحصر، فإن أدنى أهلها منزلة لو أضاف كل أهل ~~الأرض لكفاهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، وهذا من باب الفضل، وفضل الله لا ~~حد له، ورحمته غلبت غضبه، وأما جزاء السيئة فمن باب العدل، فلذلك وقع ~~الحساب فيها لئلا يقع الظلم، قال الأصبهاني: فإذا عارضنا عمومات الوعيد ~~بعمومات الوعد ترجح الوعد لسبق الرحمة الغضب، فأنهدمت قواعد المعتزلة. # ولما بلغ النهاية في نصحهم، وختم بإعلامهم بأن الناس قسمان: هالك وناج، ~~وكان حاصل إرادتهم لأن يكون على ما هم عليه الهلاك بالنار، قال مبكتا لهم ~~بسوء مكافأتهم مناديا لهم مكررا للنداء لزيادة التنبيه # PageV17P075 # والإيقاظ من الغفلة. والتذكير بأنهم قومه واعضاده، وعاطفا على ندائه ~~السابق لأنه غير مفصل له ولا داخل في حكمه: {ويا قوم ما} أي أي شيء من ~~الحظوظ والمصالح {لي} في أني {أدعوكم إلى النجاة} والجنة بالإيمان شفقة ~~عليكم ورحمة لكم واعترافا بحقكم {و} مالكم من ذلك في كونكم {تدعونني إلى ~~النار *} والهلاك بالكفران، فالآية من الاحتباك: ذكر النجاة الملازمة ~~للايمان أولا دليلا على حذف الجنة أولا، ومراده هزهم وإثارة عزائمهم إلى ~~الحياة منه بتذكيرهم أن ما يفعلونه ms4260 معه ليس من شيم أهل المروءة يجازونه على ~~إحسانه إليهم بالإساءة. # ولما أخبر بقلة إنصافهم إجمالا، بينه بقوله: {تدعونني} أي توقعون دعائي ~~إلى معبوداتكم {لأكفر} أي لأجل أن أكفر {بالله} أي أستر ما يجب إظهاره بسبب ~~الذي أناله لأن له كل شيء وله مجامع القهر والعز والعظمة والكبر {وأشرك} أي ~~أوقع الشرك {به} أي أجعل له شريكا. ولما كان كل ما عداه سبحانه ليس له من ~~ذاته إلا العدم، أشار إلى حقارته بالتعبير بأداة ما لا يعقل فقال: # PageV17P076 # {ما ليس لي به علم} أي نوع من العلم بصلاحيته لشيء من الشركة، فهو دعاء ~~إلى الكذب في شيء لا يحل الإقدام عليه إلا بالدليل القطعي الذي لا يحتمل ~~نوعا من الشرك، وإذا لم يكن به علم لم يكن له عزة ولا مغفرة، فلم يكن له ~~وجود لأن الملك لازم الإلهية وهو أشهر الأشياء، فما ادعى له أشهر الأشياء، ~~فكان بحيث لا يعرف بوجه من الوجوه، كان عدما محضا. # ولما بين أنهم دعوه إلى ما هو عدم فضلا عن أن يكون له نفع أو ضر في جملة ~~فعليه إشارة إلى بطلان دعوتهم وعدم ثبوتها، بين لهم أنه دعاهم إلا إلى ما ~~له الكمال كله، ولا نفع ولا ضر إلا بيده، فقال مشيرا بالجملة الاسمية إلى ~~ثبوت دعوته وقوتها: {وأنا ادعوكم} أي أوقع دعاءكم الآن وقبله وبعده {إلى ~~العزيز} أي البالغ العزة الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء. ولما وصفه بهذا ~~الوصف ترهيبا، صح قطعا وصفه ترغيبا بقوله: {الغفار *} أي الذي يتكرر له ~~دائما محو الذنب عينا وأثرا ولا يقدر على ذلك غير من هو بصفة العزة، ومن صح ~~وصفه بهذين الوصفين فهو الذي لا يجهل ما عليه، من صفات الكمال أحد، فالآية ~~من الاحتباك: ذكرا أولا عدم العلم دليلا على العلم ثانيا، وثانيا العزة ~~والمغفرة دليلا على حذفهما أولا. # ولما كان انتفاء العلم بالشيء من أهل العلم انتفاء ذلك الشيء في # PageV17P077 # أصول الدين، كان ما دعوه إليه باطلا، وكان ما دعاهم ms4261 إليه هو الحق، فلذلك ~~أنتج قطعا قوله: {لا جرم} وهي وإن كانت بمعنى: لا ظن ولا اضطراب أصلا - كما ~~مضى في سورة هود عليه السلام فيها معنى العلة، أي فلأجل ذلك لا شك في ~~{أنما} أي الذي {تدعونني إليه} من هذه الأنداد {ليس له دعوة} بوجه من ~~الوجوه، فإنه لا يقوم عليها دليل بل ولا شبهة موهمة {في الدنيا} التي هي ~~محل الأسباب، الظاهرة لأن شيئا منه ليس له واحد من الوصفين {ولا في الآخرة} ~~لأن ما لا تعلم إلهيته كذلك يكون {وإن} أي ولا اضطراب في أن {مردنا} أي ~~ردنا العظيم بالموت وموضع ردنا ووقته منته {إلى الله} أي الذي له الإحاطة ~~بصفات الكمال لما اقتضته عزته، فيجازي كل أحد بما يستحقه {وأن} أي ولا شك ~~في أن {المسرفين} أي المجاوزين للحدود العريقين في هذا الوصف {هم} أي خاصة ~~لأجل حكم الله بذلك عليهم {أصحاب النار *} أي الذين يخلدون فيها لا ~~يفارقونها كما يقتضيه معنى الصحبة لأن إسرافهم اقتضى # PageV17P078 # إسراف ملازمتهم للنار التي طبعها الإسراف، وقد علم أن ربها لا يجزي ~~بالسيئة إلا مثلها. # ولما تقرر أنه لا أمر لغير الله وأنه لا بد من المعاد، تسبب عنه بقوله: ~~{فستذكرون} أي قطعا بوعد لا خلف فيه مع القرب {ما أقول لكم} حين لا ينفعكم ~~الذكر في يوم الجمع الأعظم والزحام الذي يكون فيه القدم على القدم إذا ~~رأيتم الأهوال والنكال والزلزال إن قبلتم نصحي وإن لم تقبلوه. ولما ذكر ~~خوفهم الذي لا يحميهم منه شيء ذكر خوفه الذي هو معتمد فيه على الله ليحيمه ~~منه فقال عاطفا على «ستذكرون» غير مراعى فيها معنى السين: {وأفوض} أي أنا ~~الآن بسبب أنه لا دعوة لغير الله {أمري} فيما تمكرونه بي {إلى الله} أي ~~الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة فهو يحميني منكم: إن شاء، قال صاحب المنازل: ~~التفويض ألطف إشارة وأوسع من التوكل بعد وقوع السبب، والتفويض قبل وقوعه ~~وبعده، وهو عين الاستسلام، والتوكل شعبة منه، وهو على ثلاث درجات: الأولى ms4262 ~~أن تعلم أن العبد لا يملك قبل علمه استطاعة، فلا يأمن من مكر، ولا ييأس من ~~معونة، ولا يعول على نية، والثانية معاينة الاضطرار # PageV17P079 # فلا ترى عملا منجيا ولا ذنبا مهلكا ولا سببا حاملا، والثالثة شهود انفراد ~~الحق بملك الحركة والسكون والقبض والبسط والتفريق والجمع. # ولما علق تفويضه بالاسم العلم الجامع المقتضي للإحاطة، على ذلك بيانا ~~لمراده بقوله مؤكدا لأن عملهم في مكرهم به عمل من يظن أن سبحانه لا يبصرهم ~~ولا ينصره {إن الله} وكرر الاسم الأعظم بيانا لمراده بأنه {بصير} أي بالغ ~~البصر {بالعباد *} ظاهرا وباطنا، فيعلم من يستحق النصرة لاتصافه بأوصاف ~~الكمال ويعلم من يمكر فيرد مكره عليه بما له من الإحاطة. # PageV17P080 # ولما تسبب عن نصحه هذا لهم والتجائه إلى ملك الملوك حفظه منهم على عظم ~~الخطر، قال تعالى مخبرا أنه صدق ظنه {فوقاه الله} أي جعل له وقاية تجنه ~~منهم بما له سبحانه من الجلال والعظمة والكمال جزاء على تفويضه {سيئات} أي ~~شدائد {ما مكروا} دينا ودنيا، فنجاه مع موسى عليه السلام تصديقا لوعده ~~سبحانه بقوله {أنتما ومن اتبعكما الغالبون} [القصص: 35] ولما كان المكر ~~السيء لا يحيق إلا بأهله قال: {وحاق} أي نزل محيطا بعد إحاطة الإغراق {بآل ~~فرعون} أي كلهم فرعون وأتباعه لأجل إصرارهم على الكفر ومكرهم، فالإحاطة # PageV17P080 # بفرعون من باب الأولى وإن لم نقل: أن الآل مشترك بين الشخص والأتباع، لأن ~~العادة جرت أنه لا يوصل إلى جميع أتباع الإنسان إلا بعد إذلاله وأخذه فهو ~~مفهوم موافقة {سوء العذاب *} أي العقوبة المانعة من كل مستعذب، ثم بين ذلك ~~بقوله: {النار} أي حال كونهم {يعرضون عليها} أي في البرزخ {غدوا وعشيا} أي ~~غادين ورائحين في وقت استرواحهم بالأكل واستلذاذهم به - هذا دأبهم طول أيام ~~البرزخ، وكان عليهم في هذا العرض زيادة نكد فوق ما ورد عاما مما روى مالك ~~والشيخان وغيرهم عن أن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، ms4263 إن كان من أهل ~~الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا ~~مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» ولعل زيادة النكد أنهم هم ~~المعروضون، فيذهب بهم في الأغلال يساقون لينظروا ما أعد الله لهم، وعامة ~~الناس يقتصر في ذلك على أن يكشف لهم - وهو في محالهم - عن مقاعدهم، # PageV17P081 # ففي ذلك زيادة إهانة لهم، وهو مثل: عرض الأمير فلانا على السيف إذا أراد ~~قتله، هذا دأبهم إلى أن تقوم الساعة {ويوم تقوم الساعة} يقال لهم: {ادخلوا ~~آل} أي يا آل {فرعون} هو نفسه وأتباعه لأجل اتباعهم له فيما أضلهم به، ~~وجعله نافع وحمزة والكسائي ويعقوب وحفص فعل أمر من الإدخال، فالتقدير: نقول ~~لبعض جنودنا: أدخلوا آله لأجل ضلالهم به اليوم {أشد العذاب} وإذا كان هذا ~~لآله لأجله كان له أعظم منه من باب الأولى، وهذه الآية نص في عذاب القبر ~~كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب. # ولما كان هذا من خبر موسى عليه السلام وفرعون أمرا غريبا جدا، قل من ~~يعرفه على ما هو عليه، لأنه من خفي العلم، أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: ~~{وإذ} أي اذكر لهم هذا الذي أنبأناك به مما كان في الزمن الأقدم، ولا وصول ~~له إليك إلا من جهتنا، لأنهم يعلمون قطعا أنك ما جالست عالما قط، واذكر لهم ~~ما يكون في الزمن الآتي حين {يتحاجون} أي هؤلاء الذين نعذبهم {في النار} أي ~~يتخاصمون فيما أتباعهم ورؤساؤهم بما لا يغنيهم: {فيقول الضعفاء} أي الأتباع # PageV17P082 # {للذين استكبروا} أي طلبوا أن يكونوا كبراء. # ولما كانوا لشدة ما هم فيه يتبرأ كل منهم من صاحبه. أكدوا قولهم: {إنا ~~كنا لكم} أي دون غيركم {تبعا} أي أتباعا، فتكبرتم على الناس بنا، وهو عند ~~البصريين يكون واحدا كجمل ويكون جمعا كخدم جمع خادم، ولعله عبر به إشارة ~~إلى أنهم كانوا في عظيم الطواعية لهم على قلب رجل واحد ولما كان الكبير ~~يحمي تابعه، سببوا عن ذلك سؤالهم فقالوا: {فهل أنتم} أي أيها الكبراء ms4264 ~~{مغنون} أي كافون ومجزون وحاملون {عنا نصيبا من النار *} . # ولما أتى بكلام الضعفاء مضارعا على الأصل، وإشارة مع تصوير الحال لأنه ~~أقطع إلى طول خصامهم لأنه أشد في إيلامهم، فتشوف السامع إلى جوابهم، استأنف ~~الخبر عنه بصيغة الماضي تأكيدا لتحقيق وقوعه ردا قد يتوهمه الضعيف من أن ~~المستكبر له قوة المدافعة وإباء الأنفة فقال: {قال الذين استكبروا} أي من ~~شدة ما هم فيه. ولما كان الأتباع قد ظنوا أن المتبوعين يغنون عنهم، أكدوا ~~إخبارهم لهم بما ينافي ذلك فقالوا: {إنا كل} أي كلنا كائنون {فيها} أي ~~النار، كل يناله من العذاب بقدر ما يستحقه سواء إن # PageV17P083 # جادلتمونا أو تركتم جدالنا ولا يظلم بك أحدا، فلة قدرنا على شيء لأغنينا ~~عن أنفسنا، ولو سألنا أن نزاد أو ننقص لما أجبنا. فإن هذه دار العدل ~~فاتركونا وما نحن فيه. # ولما كان حكم الله تعالى مانعا مما كان يفعل في الدنيا من فك المجرم ~~وإيثاق غيره به، وكان سؤالهم في الإغناء سؤال من يجوز أن يكون حكمه على ما ~~عليه الأحكام من حكام أهل الدنيا، عللوا جوابهم مؤكدين فقالوا: {إن الله} ~~أي المحيط بأوصاف الكمال {قد حكم بين العباد *} أي بالعدل، فأدخل أهل الجنة ~~دارهم، وأهل النار نارهم، فلا يغني أحد عن أحد شيئا. # ولما دل على أنه لا يغني أحد عن أحد شيئا، أخبر انهم لما رأوا بعدهم من ~~الله وأنهم ليسوا بأهل لدعائه سبحانه، علقوا آمالهم بتوسط الملائكة، فأخبر ~~عن ذلك منهم بقوله: {وقال الذين في النار} أي جميعا الأتباع والمتبوعون ~~{لخزنة} ووضع موضع الضمير قوله: {جهنم} للدلالة على أن سؤالهم لأهل الطبقة ~~التي من شأنها وشأن خزنتها تجهم داخليها ليدل على أنهم لسوء ما هم فيه لا ~~يعقلون، فهم لا يضعون شيئا في محله كما كانوا في الدنيا: # PageV17P084 # {ادعوا ربكم} أي المحسن إليكم بأنكم لا تجدون ألما من النار {يخفف عنه ~~يوما} أي مقداره {من العذاب *} أي بعضه. # ولما سألوهم، استأنفوا جوابهم إشارة إلى ما حصل من تشوف السامع إليه، ms4265 ~~معرفين لهم بسياقه بالسبب، الجاعل لهم في محل الاطراح والسفول عن التأهل ~~لأن يسمع لهم كلام، فقال تعالى مخبرا عنهم: {قالوا} أي الخزنة. ولما كان ~~التقدير: ألم تكن لكم عقول تهديكم إلى الاعتقاد الحق، عطف عليه قوله ~~إلزامنا لهم الحجة وتوبيخا وتنديما بتفويت أوقات الدعاء المجاب: {أولم} ~~ولما كان المقام خطرا، والمرام وعرا عسرا، فكانوا محتاجين إلى الإيجاز، ~~قالوا مشيرين بذكر فعل الكون مع اقتضاء الحال للإيجاز إلى عراقة الرسل ~~عليهم السلام في النصح المنجي من المخاوف بالمعجزات والرفق والتلطف وطول ~~الأناة والحلم والصبر مع شرف النسب وطهارة الشيم وحسن الأخلاق وبداعة ~~الهيئات والمناظر ولطافة العشرة وجلالة المناصب: {تك} بإسقاط النون مع ~~التصوير للحال بالمضارع {تأتيكم} على سبيل التجدد شئيا في أثر شيء {رسلكم} ~~أي الذين هم منكم فأنتم جديرون بالإصغاء إليهم والإقبال عليهم، لأن الجنس ~~إلى الجنس أمثل، والإنسان من مثله أقبل {بالبينات} أي التي لا شيء أوضح ~~منها {قالوا} أي الكفار: {بلى} أي أتونا كذلك، ثم استأنفوا جوابهم لما حصل ~~من التشوف إليه بما حاصله # PageV17P085 # عدم إجابتهم فسببوا عن إخبارهم بعدم إجابتهم للرسل عدم إجابة دعائهم فقال ~~تعالى مخبرا عنهم: {قالوا} أي الخزنة: {فادعوا} أي أنتم الآن الله أو أهل ~~الله من رسل البشر أو الملائكة أو غيرهم، أو لا تدعوا فإنه لا يسمع لكم. # ولما كان أمرهم بالدعاء موجبا لأن يظنوا نفعه، أتبعوه بما أيأسهم لأن ذلك ~~أنكأ وأوجع وأشد عليهم وأفظع بقولهم: {وما} دعاؤكم - هكذا كان الأصل، ولكنه ~~أتى بالوصف تعليقا للحكم به فقال: {دعاء الكافرين} أي الساترين لمرائي ~~عقولهم عن أنوار العقل المؤيد بصحيح النقل {إلا في ضلال *} أي ذهاب في غير ~~طريق موصل كما كانوا هم في الدنيا كذلك فإن الدنيا مزرعة الآخرة، من زرع ~~شيئا في الدنيا حصده في الآخرة، والآخرة ثمرة الدنيا لا تثمر إلا من جنس ما ~~غرس في الدنيا. # PageV17P086 # ولما كان حاصل ما مضى من هذا القص الذي هو أحلى من الشراب، وأغلى من ~~الجوهر المنظم في أعناق الكواعب الأتراب، ms4266 لأنه سبحانه نصر الرسل على أممهم ~~حين هموا بأخذهم، فلم يصلوا إليهم ثم أهلكهم الله هذا في الدنيا، وأما في ~~الآخرة فعذبهم أشد العذاب، وكذلك نصر موسى عليه السلام والمؤمن الذي دافع ~~عنه، وكان نصر # PageV17P086 # اهل الله قاطبة خفيا، لأنهم يبتلون ثم يكون لهم العاقبة، فكان أكثر ~~الجامدين وهم أكثر الناس يظن أنه لا نصره لهم، قال الله تعالى لافتا القول ~~إلى مظهر العظمة، لأن النصرة عنها تكون على سبيل الاستنتاج مما مضى مؤكدا ~~تنبيها للأغبياء على ما يخفى عليهم: {إنا} أي بما لنا من العظمة {لننصر ~~رسلنا} أي على من ناوأهم {والذين آمنوا} أي اتسموا بهذا الوصف وإن كانوا في ~~أدنى رتبة. # ولما كانت الحياة تروق وتحلو بالنصرة وتتكدر بضدها، ذكرها لذلك ولئلا ~~يتوهم لو سقطت أن نصرتهم تكون رتبتها دنية فقال: {في الحياة الدنيا} ~~بالزامهم طريق الهدى الكفيلة بكل فوز وبالحجة والغلبة، وإن غلبوا في بعض ~~الأحيان فإن العاقبة تكون لهم، ولو بأن يقيض سبحانه لأعدائهم من يقتض ولو ~~بعد حين، وأقل ذلك أن لا يتمكن أعداؤهم من كل ما يرون منهم {ويوم يقوم ~~الأشهاد *} أي في الدار الآخرة من الملائكة والنبيين وسائر المقربين، جمع ~~شهيد كشريف وأشراف، إشارة إلى أن شهادتهم بليغة في بابها، لما لهم من ~~الحضور التام، وإلى ذلك يشير تذكير الفعل والتعبير بجمع القلة، ولكن الجياد ~~قليل مع أنهم بالنسبة إلى أهل الموقف كالشعرة # PageV17P087 # البيضاء في جلد الثور الأسود، وإنما عبر بذلك إشارة إلى أهل الحكم بصفات ~~الجبروت للقسط، فيرفع أولياءه بكل اعتبار، ويهين أعداءهم كل إهانة. # ولما وصف اليوم الآخر بما لا يفهمه كثير من الناس، أتبعه ما أوضحه على ~~وجه بين نصره لهم غاية البيان، فقال مبدلا مما قبله: {يوم لا ينفع ~~الظالمين} الذين كانوا عريقين في وضع الأشياء في غير مواضعها {معذرتهم} أي ~~اعتذارهم وزمانه ومكانه - بما أشار إليه كون المصدر ميميا ولو جل - بما ~~أشار إليه قراءة التذكير للفعل فعلم بذلك أنهم لا يجدون دفاعا بغير ~~الاعتذار وأنه غير نافعهم ms4267 لأنهم لا يعتذرون إلا بالكذب {والله ربنا ما كنا ~~مشركين} [الأنعام: 23] أو بالقدر {ربنا غلبت علينا شقوتنا} [المؤمون: 106] ~~{ولهم} أي خاصة {اللعنة} أي البعد عن كل خير، مع الإهانة بكل ضير {ولهم} أي ~~خاصة {سوء الدار *} وهي النار الحاوية لكل سوء - هذا مع ما يتقدمها من ~~المواقف الصعبة، وإذا كان هذا لهم فما ظنك بما هو عليهم، وقد علم من هذا أن ~~لأعدائهم - وهم الرسل وأتباعهم - الكرامة والرحمة ولهم قبول الاعتذار وحسن ~~الدار، فظهرت بذلك أعلام النصرة، وصح ما أخبر به من تمام القدرة. # PageV17P088 # ولما كان التقدير: فلقد نصرنا موسى رسولنا مع إبراق فرعون وإرعاده، عطف ~~عليه قوله دالا على الكرامة والرحمة، مؤكدا لإزالة ما استقر في النفوس من ~~أن ملوك الدنيا لا يغلبهم الضعفاء: {ولقد آتينا} أي بما لنا من العزة {موسى ~~الهدى} أي في الدين اللازم منه أن يكون له العاقبة وإن تناهت ضخامة من ~~يعانده، لأنه ضال عن الهدى، والضال هالك وإن طال المدى، وذلك بما آتيناه من ~~النبوة والكتاب. # ولما كانت النبوة خاصة والكتاب عاما قال: {وأورثنا} أي بعظمتنا {بني ~~إسرائيل} بعد ما كانوا فيه من الذل {الكتاب *} أي الذي أنزلنا عليه وآتيناه ~~الهدى به - وهو التوراة - إيتاء هو كالإرث لا ينازعهم فيه أحد، ولا أهل له ~~في ذلك الزمان غيرهم، حال كونه {هدى} أي بيانا عاما لكل من تبعه {وذكرى} أي ~~عظة عظيمة {لأولي الألباب *} أي القلوب الصافية والعقول الوافية الشافية، ~~فذكر إيتاء موسى الثمرة وذكر إيراثهم السبب إشارة إلى أنهم من جنى ثمرته ~~فاهتدي، ومنهم من ضل، وذلك تحذير للاتباع، وتشريف للأنبياء بما نالوه من ~~مراتب الارتفاع. # ولما كان التقدير بعد أن تقدم الوعد المؤكد بنصرة الرسل وأتباعهم: ولقد ~~آتيناك الهدى والكتاب كما آتينا موسى، ولننصرنك مثل # PageV17P089 # ما نصرناه وإن زاد إبراق قومك وإرعادهم، فإنهم لا يعشرون فرعون فيما كان ~~فيه من الجبروت والقهر والعز والسلطان والمكر ولم ينفعه شيء منه، سبب عنه ~~قوله: {فاصبر} أي على أذاهم فإنا نوقع الأشياء في أتم محالها ms4268 على ما بنينا ~~عليه أحوال هذه الدار من إجراء المسببات على أسبابها، ثم علل ذلك بقوله ~~صارفا القول عن مظهر العظمة الذي هو مدار النصرة إلى اسم الذات الجامع ~~لجميع الكمالات التي من أعظمها إنفاذ الأمر وصدق الوعد: {إن وعد الله} أي ~~الذي له الكمال كله {حق} أي في إظهار دينك وإعزاز أمرك، فقد رأيت ما اتفق ~~لموسى عليه السلام مع أجبر أهل ذلك الزمان وما كان له من العاقبة، قال ~~القشيري: الصبر في انتظار الموعود من الحق على حسب الإيمان والتصديق، فمن ~~كان تصديقه ويقينه أتم وأقوى كان صبره أكمل وأوفى. # ولما تكفل هذا الكلام من التثبيت بانجاز المرام، وكان من الأمر المحتوم ~~أن لزوم القربات يعلى الدرجات فيوصل إلى قوة التصرفات، أمر بالإعراض عن ~~ارتقاب النصر والاشتغال بتهذيب الأحوال لتحصيل الكلام، موجها الخطاب إلى ~~أعلى الخلق ليكون من دونه من باب الأولى فقال: {واستغفر لذنبك} أي وهو كل ~~عمل كامل ترتقى منة الى اكمل وحال فاضل فيكون ذلك شكرا، # PageV17P090 # منك لأن اللة غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فتستن بك أمتك، وسماه ذنبا ~~من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» . # ولما أمره بالاستغفار عند الترقية في درجات الكمال، المطلع على بحور ~~العظمة ومفاوز الجلال، أمره بالتنزيه عن شائبة نقص والإثبات لكل رتبة كمال، ~~لافتا القول إلى صفة التربية والأحسان لأنه من أعظم مواقعها فقال: {وسبح} ~~أي نزه ربك عن شائبة نقص كلما علمت بالصعود في مدارج الكمال نقص المخلوق في ~~الذات والأعمال ملتبسا {بحمد ربك} أي إثبات الإحاطة باوصاف الكمال للمحسن ~~إليك المربي لك، ولا تشتغل عنه بشيء فإن الأعمال من أسباب الظفر. ولما كان ~~المقام لإثبات قيام الساعة، وكان العشي أدل عليها، قدمه فقال: {بالعشي ~~والإبكار *} فإن تقلبهما دائما دل على كمال مقلبهما وقدرته على إيجاد ~~المعدوم الممحوق كما كان وتسويته، ومن مدلول الآية الحث على صلاتي الصبح ~~والعصر، وهما الوسطى لأنهما تشهدهما ملائكة الليل وملائكة النهار، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: بل على الصلوات ms4269 الخمس - نقله البغوي. وذلك لأن العشى ~~من زوال الشمس، والأبكار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. # PageV17P091 # ولما كان الأمر بشغل هذين الوقتين أمرا بشغل غيرهما من باب الأولى، لأن ~~أول النهار وقت الاشتغال بالأعمال والاهتمام بالابتداء والتمام، وآخره وقت ~~التهيؤ للراحة والمقيل بالأكل والشرب وما يتبعهما، وكان ذلك موجبا للاشتغال ~~عن أعداء الدين رأسا، وكان ذلك أمرا على النفوس شاقا علله بما يقتضي ~~المداومة على الأعمال والإعراض عنهم لأن خذلانهم أمر قد فرغ منه فقال معللا ~~للمداومة على الطاعة: {إن الذين يجادلون} أي يناصبون بالعداوة لنقل أهل هذا ~~الدين عنه إلى ما هم عليه من الباطل، ولفت القول إلى الجلالة الدالة على ~~نهاية العظمة تهوينا لشأنهم فقال: {في آيات الله} أي الملك الأعظم الدالة ~~على تمام قدرته اللازم منه قدرته على البعث الذي في تذكره صلاح الدين ~~والدنيا {بغير سلطان} أي أمر مسلط ودليل مسلك {أتاهم إن} أي ما {في صدورهم} ~~بصدودهم عن سواء السبيل، وآذن ذكر الصدور دون القلوب لعظم الكبر جدا بأنه ~~قد ملأ القلوب وفاض منها حتى شغل الصدور التي هي مساكنها {إلا كبر} أي عن ~~اتباع الحق مع إشراق ضيائه واعتلاء لألائه # PageV17P092 # إرادة إطفائه أو إخفائه، والكبر إرادة التقدم والتعظم والرئاسة، وأن يكون ~~مريد ذلك فوق كل أحد {ما هم ببالغيه} أي ببالغي مقتضاه من إبطال الدين ~~تكبرا عن أن يكونوا تحت أوامره، لا يبلغون ذلك بوجه من الوجوه، ولا بد أن ~~يظهر الدين بنصر الرسول ومن تبعه من المؤمنين على أهل الكتاب والمشركين ~~وغيرهم من أنواع الكافرين، ثم يبعثون فيكون أعداؤهم أسفل سافلين صغرة ~~داخرين. # ولما ظهر من أول هذا الكلام وآخره تصريحا وتلويحا بما أفاده أسلوب كلام ~~القادرين المصوغ لأعم من يمكن أن يخطر في البال أنه تعالى وصف نفسه في مطلع ~~السورة بأنه غالب لكل شيء ولا يغلبه شيء وأن الذي بهم إنما هو إرادة أن ~~يكونوا عالين غالبين، عنه قوله تعالى: {فاستعذ} أي اطلب العوذ {بالله} ~~المحيط بكل شيء من شر كبرهم ms4270 كما عاذ به موسى عليه السلام لينجز لك ما وعدك ~~كما أنجز له، ثم علل ذلك بقوله: {إنه} أي على ما له من البطون {هو} أي وحده ~~{السميع} لكل ما يمكن أن يسمع. ولما كان السياق للعياذ من شياطين الإنس ~~الذين لهم المكر الظاهر والباطن، ختم بقوله: {البصير *} الصالح للبصر ~~والبصيرة فيعم المحسوس والمعلوم، وختم آيتي الأعراف وفصلت المسبوقتين لنزغ ~~الشيطان الذي هو وساوس وخطرات باطنة بالعليم. # PageV17P093 # ولما كان أعظم النظر في آية المجادلة المكررة من أول السورة إلى هنا إلى ~~البعث وصيرورة العباد إلى الله بالحشر ليقع فيه الحكم الفصل، وتتحقق نصرة ~~الأنبياء وأتباعهم يوم يقوم الأشهاد، دل على قدرته عليه بما هو كالتعليل ~~لما نفى في آية المجادلة من بلوغهم لما قصدوا من الكبر، فقال مؤكدا تنزيلا ~~للمقر العالم منزلة الجاهل المعاند لمخالفة فعله لاعتقاده: {لخلق السماوات} ~~أي خلق الله لها على عظمها وارتفاعها وكثرة منافعها واتساعها {والأرض} على ~~ما ترون من عجائبها وكثرة متاعها {أكبر} عند كل من يعقل من الخلق في الخلق ~~{من خلق الناس} أي خلق الله لهم لأنهم شعبة يسيرة من خلقهما، فعلم قطعا أن ~~الذي قدر على ابتدائه على عظمه قادر على إعادة الناس على حقارتهم {ولكن ~~أكثر الناس} وهم الذين ينكرون البعث وغيره مما يمكن أن تتعلق به القدرة وصح ~~به السمع {لا يعلمون *} أي لا علم لهم أصلا، بل هم كالبهائم لغلبة الغفلة ~~عليهم واتباعهم أهواءهم، فهم لا يستدلون بذلك على القدرة على البعث كما أن ~~البهائم ترى الظاهر فلا تدرك به الباطن، بل هم أنزل رتبة من البهائم، لأن ~~هذا النحو من العلم في غاية الظهور فهو كالمحسوس، فمن توقف فيه كان جمادا. # PageV17P094 # ولما ثبت بهذا القياس الذي لا خفاء به لا دافع له ولا مطعن فيه أن القادر ~~على خلق الكبير ابتداء قادر على تسوية الصغير إعادة، وثبت به أيضا أن خلق ~~الناس ليس مستندا إلى طبائع السماوات والأرض وإلا لتساووا في العلم والجهل، ~~والقدر والهيئة والشكل، لأن اقتضاء ms4271 الطبائع لذلك على حد سواء لا تفاوت فيه، ~~وهي لا اختيار لها، وكان من الناس من يقول: إن هذا الإيجاد إنما هو ~~للطبائع، ومن هؤلاء فرعون الذي مضى في هذه السورة كثير من كشف عواره وإظهار ~~عاره، دل على إبطاله بأن ذلك قول يلزمه التساوي فيما نشأ عن ذي الطبع لأن ~~لا اختيار له ونحن نشاهد الأشياء مختلفة، فدل ذلك قطعا على أنها غير مستندة ~~إلى طبيعة بل إلى فاعل مختار، فكان التقدير بما أرشد إليه سياق الآية قطعا ~~مع ختمها بنفي العلم وعطف ما بعدها على غير مذكور: وأقلهم يعلمون، فثبت أن ~~خالقهم الذي فاوت بينهم قادر مختار لا شريك له، فإنه ما يستوي العالم ~~والجاهل: {وما يستوي} أي بوجه من الوجوه من حيث البصر {الأعمى والبصير *} ~~وذلك موجب للعلم بأن استناد المتخالفين ليس إلى الطبيعة، بل إلى فاعل ~~مختار. # ولما ذكر الظلام والنور الحسيين، أتبعه المعنويين نشرا مشوشا # PageV17P095 # ليكشف قسما الظلام قسمي النور إشارة إلى أن المهتدي عزيز الوجود، كالذهب ~~الإبريز بين النقود، فقال: {والذين آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة ثبتت أو ~~لا {وعملوا الصالحات} كذلك فكانوا محسنين {ولا المسيء} أي الثابت الإساءة ~~الذي كفر وعمل الصالحات، ووقع التغاير في العطف لأن المراد - والله أعلم - ~~نفس التساوي بين أفراد الأعمى وأفراد البصير والمحسن والمسيء، ولكنه لما ~~كان في المخاطبين الغبي والذكي، عطف البصير بغير «لا» ليكون ظاهر ذلك نفي ~~المساواة بين نوعي الأعمى والبصير، لأن نفي المساواة بين أفراد الأنواع ~~دقيق، واقتصر على الواو في عطف {الذين آمنو} لأنه لا ينتظم أن يراد جعل ~~الأعمى والبصير فريقا والمؤمن الموصوف فريقا، وينتفي التساوي بينهما لأنه ~~لا لبس في أن المؤمنين الموصوفين كالبصير، وليس فيهم من يتوهم مساواته ~~للأعمى، فكان من الجلي معرفة أن المراد نفي مساواة الأعمى للبصير ونفي ~~مساواة المؤمن الموصوف للمسيء، وزيدت « # PageV17P096 # لا» في المسيء وعبر فيه بالإفراد إشارة للفطن إلى أن المراد نفي التساوي ~~بين أفراد كل نوع لأن ذلك أدل على القدرة، وأنها بالاختيار، وهذا ms4272 بخلاف ~~الظلمات في سورة فاطر لأنه لو تركت «لا» هناك لتوهم متوهم أن المنفي ~~المساواة بين الأعمى والبصير وبين الظلمات، فيوجد حينئذ الطعن بأن الظلمات ~~مساوية لهما باعتبار أن الظلمة منها كثيف جدا لا يمكن نفوذ البصر فيه، ~~ومنها خفيف جدا يكون تسميته ظلاما بالنسبة إلى النور الساطع، والآية من ~~الاحتباك: ذكر عمل الصالحات أولا دليلا على ضدها ثانيا، والمسيء ثانيا ~~دليلا على المحسنين أولا، وسره أنه ذكر الصلاح ترغيبا والإساءة ترهيبا. # ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ~~ورسوخه في علمه إلا عدم تذكره لحسه حتى في نفسه قال تعالى: {قليلا ما ~~يتذكرون} أي المجادلون أو أيها المجادلون أو الناس لأن المتذكر غاية التذكر ~~- بما دل عليه الإظهار - منكم قليل - على قراءة الكوفيين بالخطاب لأنه أقوى ~~في التبكيت، وأدل على الغضب. # ولما ثبت بهذا كله تمام القدرة وانتفى ما توهمه من لا بصر له # PageV17P097 # من الطبائع ثبت قطعا قوله: {إن الساعة} أي القيامة التي يجادله فيها ~~المجادلون {لآتية} وعزتي! للحكم بالعدل في المقارنة بين المسيء والمحسن ~~لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن يساوي أحد بين محسن عبيده ~~ومسيئهم، فكيف يظن ذلك بأحكم الحاكمين الذي نشاهده يميت المسيء وهو في غاية ~~النعمة والمعصية، والمحسن وهو في غاية البلاء والطاعة، والمظلوم قبل أن ~~ينتصف من الظالم، ولهذا الأمر الظاهر قال: {لا ريب فيها} أي لا شك في ~~إتيانها بوجه من الوجوه، لأفضي فيها بالعدل فأدخل فيها ناسا دار رحمتي، ~~وآخرين نقمتي. # ولما وصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلا، نفى الإيمان دون العلم ~~فقال تعالى: {ولكن أكثر الناس} أي بما فيهم من النوس وهو الاضطراب، وراعى ~~معنى الأكثر فجمع لأن الجمع أدل على المراد وأقعد في التبكيت: {لا يؤمنون ~~*} أي لا يجعلون المخبر لهم بإتيانها آمنا من التكذيب مع وضوح علمها لديهم، ~~وما ذاك إلا لعناد بعضهم وقصور نظر الباقين على الحس. # ولما كان التقدير: فعل ذلك ms4273 ربكم ليقضي بين عباده بالعدل فيدخل المحسن ~~الجنة نصرة له، والمسيء النار خذلانا وإهانة له، لما برز به وعده من أنه ~~ينصر رسله وأتباعهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، # PageV17P098 # وقال لعباده كلهم: آمنوا لأسلمكم من غوائل تلك الدار، عطف عليه قوله: ~~{وقال ربكم} أي المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة: {ادعوني} أي استجيبوا ~~لي بأن تعبدوني وحدي فتسألوني ما وعدتكم به من النصرة على وجه العبادة، ~~وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم «الدعاء هو العبادة» فقد حصر الدعاء في ~~العبادة سواء كانت بدعاء أو صلاة أو غيرهما، فمن كان عابدا خاضعا لله تعالى ~~بسؤال أو غيره كانت عبادته دعاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما: وحدوني اغفر ~~لكم. وعن الثوري أنه قيل له: ادع، فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء: {أستجب} ~~أي أوجد الإجابة إيجادا عظيما كأنه ممن يطلب ذلك بغاية الرغبة فيه {لكم} في ~~الدنيا أي بإيجاد ما دعوتم به، أو كشف مثله من الضر، أو إدخاره في الآخرة، ~~ليظهر الفرق بين من له الدعوة ومن ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، ~~ولا تتكلوا على ما سبق به الوعد فتتركوا الدعاء فتتركوا العبادة التي ~~الدعاء مخها، فكل ميسر # PageV17P099 # لما خلق له، قال القشيري، وقيل: الدعاء مفتاح الإجابة، وأسنانه لقمة ~~الحلال - انتهى - والآية بمعنى آية البقرة {أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي} [آية: 186] . # ولما كان السبب في ترك الدعاء في العادة الكبر، فكان كأنه قيل: ولا ~~تتركوا دعائي تكونوا مستكبرين، علله ترهيبا في طيه ترغيب بقوله: {إن الذين ~~يستكبرون} أي يوجدون الكبر، ودل على أن المراد بالدعاء العبادة بقوله: {عن ~~عبادتي} أي عن الاستجابة لي فيما دعوت من العبادة بالمجادلة في آياتي ~~والإعراض عن دعائي في جميع ما ينوبهم في الشدة والرخاء {سيدخلون} بوعد لا ~~خلف فيه {جهنم} فتلقاهم جزاء على كبرهم بالتجهم والعبوسة والكراهة {داخرين ~~*} أي صاغرين حقيرين ذليلين، فالآية من الاحتباك: ذكر الدعاء أولا دليلا ~~على حذفه ثانيا، والعبادة ثانيا دليلا على حذفها أولا. ولما ms4274 ختم ذلك أيضا ~~بأمر الساعة، زاد في الدلالة عليه وعلى الفعل بالاختيار والحكمة التي لا ~~يسوغ معها إهمال الخلق من غير حساب، في دار ثواب وعقاب، بعد الإتقان لدار ~~العمل بالخطإ والصواب، فقال معللا مفتتحا بالاسم الأعظم الذي لا يتخيل أن ~~المسمى به # PageV17P100 # يهمل المتكبرين عليه مع الإبلاغ في الإحسان إليهم {الله} أي المحيط بصفات ~~الكمال {الذي جعل لكم} لا غيره {اليل} أي مظلما {لتسكنوا فيه} راحة ظاهرية ~~بالنوم الذي هو الموت الأصغر، وراحة حقيقية بالعبادة التي هي الحياة ~~الدائمة {والنهار مبصرا} لتنتشروا فيه باليقظة التي هي إحياء في المعنى، ~~فالآية من الاحتباك: حذف الظلام أولا لكونه ليس من النعم المقصودة في ~~أنفسها لما دل عليه من الإبصار الذي هو المقصود من نعمة الضياء المقصود في ~~نفسه، وحذف الانتشار لأنه بعض ما ينشأ عن نعمة الإبصار لما دل عليه من ~~السكون الذي هو المقصود الأعظم من الليل: للراحة لمن أرادها، والعبادة لمن ~~اعتمدها واستزادها. # ولما كان بعض الكفرة ينسب الأفعال كما مضى للطبائع ويجعلها بغير اختيار، ~~قال مستأنفا أو معللا مؤكدا: {إن الله} أي ذا الجلال والإكرام {لذو الفضل} ~~أي عظيم جدا باختياره {على الناس} أي كافة باختلاف الليل والنهار وما ~~يحتويان عليه من المنافع. ولما بلغت هذه الآيات من الدلالة على الوحدانية ~~والبعث ونفى أمر الطبائع حدا قل أن يوجد في غيرها، فكان المخالف مذموما ~~لذلك غاية الذم، فكان # PageV17P101 # التعميم بالذم للمخالفين واقعا في أوفق محاله، وكان الاسم قد يراد بعض ~~مدلومه، وكان المراد هنا التعميم، أظهر للإفهام إرادة ذلك، ولم يضمر ليتعلق ~~الحكم بالوصف المفهم للنوس المشير إلى أن صاحبه قاصر عن درجة أول أسنان ~~المؤمنين فيعلم أن هذا النوع مطبوع على ذلك فقال: {ولكن أكثر الناس} أي بما ~~لهم من الاضطراب وعدم الثبات في لزوم الصواب {لا يشكرون *} فينسبون أفعاله ~~سبحانه إلى غيره جهلا، أو يعملون بما يسلب عنهم اسم الشكر من الشرك وغيره، ~~ويجوز أن يكون المراد بالناس أولا كل من يتأتى منه النوس، وهو كل ms4275 من برز من ~~الوجود، وبهم ثانيا الجن والإنس - والله أعلم. # PageV17P102 # ولما ثبت بآية الخافقين وآية الملوين ثبوتا لا شك فيه أصلا شمول القدرة ~~بالاختيار، قال معظما بأداة البعد وميم الجمع: {ذلكم} أي أيها المخاطبون! - ~~الواحد القهار العظيم الشأن الذي علم بما ذكر من أفعاله أنه لا يشاركه أحد ~~{الله} أي الملك الأعظم المعلوم لكل أحد المتميز عن كل شيء بالأفعال التي ~~لا يشاركه أحد ولذلك قال: {ربكم} أي المربى لكم والمحسن إليكم بقدرته ~~واختياره المتفرد بربوبيتكم لا رب لكم سواه. ولما كان في سياق الامتنان ~~بالنعم للدلالة # PageV17P102 # على الساعة التي ينكرونها ويجادلون في أمرها، قدم الخلق على التهليل ~~فقال: {خالق كل شيء} أي بما ثبت من تمام قدرته بإبداع الخافقين ثائبين ~~والملوين متعاقبين دائبين، ولا مانع له من إعادة الثقلين لأنه {لا إله إلا ~~الله} بل كان ذلك واجبا في الحكمة، لأن المنعم عليهم انقسموا إلى شاكر ~~وكافر، فوجب في الحكمة إقامة الساعة للفصل بينهم، وجاء ذلك على ترتيب مطلع ~~السورة، فإن العزيز ناظر إلى كمال القدرة على الإيجاد والإعدام، والعليم هو ~~المتوحد بكمال الذات، فإن إحاطة العلم تستلزم كل كمال، والقدرة قد لا ~~تستلزم العلم كما للحيوانات العجم، وهذا بخلاف ما مضى في آية الأنعام، فإن ~~السياق هناك لإنكار الشرك وإثبات الوحدانية بما دل عليها من عموم الخلق طبق ~~ما مضى أيضا في مطلعها. # ولما أنتجت هذه الأخبار - التي كل منها مقرر لما قبله بكونه كالعلة له - ~~الوحدانية المطلقة اللازم منها كل كمال، سبب عنها قوله منكرا مبكتا: {فأنى} ~~أي فكيف ومن أي وجه {تؤفكون *} أي تقلبون عن وجوه الأدلة إلى أقفائها ~~فتعبدون الأوثان وتجادلون في الساعة التي يلزم من الطعن فيها الطعن في ~~الحكمة التي الطعن فيها طعن في الإلهية التي الطعن فيها طعن في وجود هذا ~~الوجود ومكابرة فيه، وذلك مؤد إلى سقوط المتكلم به بكل اعتبار لمكابرته في ~~المشاهد # PageV17P103 # المحسوس، وفي المعقول المركوز في جميع النفوس. # ولما كشف هذا السياق عن أن هذا الصرف أمر لا ms4276 يقدم عليه عاقل، كان كأنه ~~قيل: هل وقع لأحد غير هؤلاء مثل هذا؟ فأجيب بقوله: {كذلك} أي مثل هذا الصرف ~~الغريب البعيد عن مناهيج العقلاء {يؤفك} أي يصرف صرف سيئا - بناه للمفعول ~~إشارة إلى تمام قدرته عليه بكل سبب كان، ولأنه المتعجب منه {الذين كانوا} ~~مطبوعين على أنهم {بآيات الله} أي ذي الجلال والجمال {يجحدون *} أي ينكرون ~~عنادا ومكابرة، فدل هذا على أن كل من تكبر عن حق فأنكره مع علمه به عوقب ~~بمسخ القلب وعكس الفهم، فصار له الصرف عن وجوه الدلائل إلى أقفائها ديدنا ~~بحيث يموت كافرا إن لم يتداركه الله برحمة منه. # ولما تقرر أنه سبحانه ربنا وحده، وأن مدعي ربوبية ما سواه معاند، لأنه ~~سبحانه متميز بأفعاله التي لا يشاركه فيها أحد، دل على ذلك بوجه مركوز في ~~الطبائع صحته، واضح في العقول معرفته، كالمعلل لتسمية هذا الإنكار جحودا، ~~فقال دالا بالخافقين بعد الدلالة بما نشأ عنهما من الملوين، وأخر هذا لأنه ~~مع كونه أجلى سبب بقرارية الأرض وفلكية السماء لذاك، بما حصل فيه من ~~الاختلاف، فقال: {الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء {الذي جعل} أي ~~وحده {لكم الأرض} أي مع كونها فراشا ممهدا {قرارا} مع كونها في # PageV17P104 # غاية الثقل، ولا ممسك لها سوى قدرته {والسماء} على علوها وسعتها مع كونها ~~افلاكا دائرة بنجوم طول الزمان سائرة، ينشأ عنها الليل والنهار والإظلام ~~والإبصار {بناء} مظلة كالقبة من غير عماد حامل، ومن المعلوم لكل ذي عقل أن ~~الأجسام الثقيلة تقتضي بطبعها تراص بعضها على بعض، فلا يمنع بعضها من ~~السقوط على بعض إلا بقوة وقسر، فالآية من الاحتباك: ذكر القرار أولا دليلا ~~على الدوران ثانيا، والبناء ثانيا دليلا على الفراش أولا. # ولما ذكر المسكين ذكر الساكن دالا على أنه الفاعل في الكل باختياره وتمام ~~قدرته بتصويره الإنسان بصورة لا يشبهها صورة شيء من الحيوانات، وفاوت بين ~~أفراده في هيئة تلك الصورة على أنحاء لا تكاد تنضبط في نفسها، ولا تشبه ~~واحدة منها الأخرى، ولا في ms4277 الخافقين شيء يشبهها محال تصويرها عليه فقال: ~~{وصوركم} والتصوير على غير نظام واحد لا يكون بقدرة قادر تام القدرة مختار ~~لا كما يقول أهل الطبائع {فأحسن صوركم} على أشكال وأحوال مع أنها أحسن ~~الصور ليس في الوجود ما يشبهها، وليس فيها صورة تشبه الأخرى لتسدوا انطباع ~~تصويرها إليه، فثبت قطعا أنه هو المصور سبحانه على غير مثال كما أنه الذي ~~أبدع الموجود كله كذلك. # ولما ذكر المسكن والساكن، ذكر ما يحتاج إليه في مدة السكن # PageV17P105 # فقال: {ورزقكم من الطيبات} الشهية الملائمة للطبائع النافعة على وجه لا ~~احتياج معه بوجه، فلا دليل أدل على تمام العلم وشمول القدرة ووجود الاختيار ~~من هذا التدبير في حفظ المسكن والسقف وتدبير ما به البقاء على وجه يكفي ~~الساكن من جميع الوجوه على مر السنين وتعاقب الأزمان، وبث من الساكن - مع ~~أنه قطعة يسيرة جدا من أديم الأرض - أنسالا شعبهم شعبا فرعها إلى فروع لا ~~تسعها الأرض، فدبر بحكمته وسعة علمه وقدرته تدبيرا وسع لهم به الأرض، وعمهم ~~به الرزق، كما روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن الحسن أنه قال: لما خلق ~~الله آدم عليه الصلاة والسلام وذريته قالت الملائكة عليهم السلام: إن الأرض ~~لا تسعهم، قال: فإني جاعل موتا، قالوا: إذا لا يهنأهم العيش، قال: فإني ~~جاعل أملا. # ولما دل هذا قطعا على التفرد، قال على وجه الإنتاج: {ذلكم} أي الرفيع ~~الدرجات {الله} أي المالك لجميع الملك، ودلهم على ما مضى بتربيتهم وما فيها ~~من بديع الصنائع فقال: {ربكم} أي لا غيره، ولما أفاد هذا الدليل تربية لا ~~مثل لها، دالة على إحاطة العلم وتمام القدرة على وجه لا حاجة معه مع حسنه ~~وثباته # PageV17P106 # تسبب عنه ولا بد قوله: {فتبارك} أي ثبت ثباتا عظيما مع اليمن والخير وحسن ~~المدد والفيض {الله} أي المختص بالكمال، ورقى الخطاب وعظم إيضاحا للدلالة ~~فقال: {رب العالمين *} كلهم أنتم وغيركم، ثم دل على ما أفاده الدليل معللا ~~بقوله: {هو} أي وحده {الحي} وكل ما عداه لا حياة له، ms4278 لأنه ليس له من ذاته ~~إلا العدم، فأنتج ذلك قطعا قوله: {لا إله إلا هو} فتسبب عنه قوله: {فادعوه} ~~أي وحده بالقول والفعل على وجه العبادة، وذلك معنى {مخلصين له الدين} أي من ~~كل شرك جلي أو خفي. # ولما أمر بقصر الهمم عليه، علله بقوله: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف ~~الكمال، وأظهر موضع الإضمار إشارة إلى أن له من الصفات العلي ما لا ينحصر: ~~{لله} أي المسمى بهذا الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى لذاته. ولما ~~كان هذا الوجود على ما هو عليه من النظام، وبديع الارتسام، دالا دلالة ~~قطعية على الحمد، قال واصفا بما هو كالعلة للعلم بمضمون الخبر: {رب ~~العالمين *} أي الذي رباهم هذه التربية فإنه لا يكون إلا كذلك، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما # PageV17P107 # قال: من قال {لا إله إلا الله} فليقل على أثرها {الحمد لله رب العالمين} ~~. # ولما # أمر # سبحانه # بما # دل # على # استحقاقه # إياه # ، أنتج # قطعا # قوله # : {قل # } أي # لهؤلاء # الذين # يجادلونك # في # التوحيد # والبعث # مقابلا # لإنكارهم # بالتأكيد # : {إني # نهيت # } أي # ممن # لا # ناهي # غيره # ، نهيا # عاما # ببراهين # العقل # ، ونهيا # خاصا # بأدلة # النقل # {أن # أعبد # } ولما # أهلوهم # لأعلى # المقامات # ، عبر # عنهم # إرخاء # للعنان # بقوله # : {الذين # تدعون # } أي # يؤهلونهم # لأن # تدعوهم # ، ودل # على # سفولهم # بقوله # تعالى # : {من # دون # الله # } أي # الذي # له # الكمال # كله # ، ودل # على # أنه # ما # كان # متعبدا # قبل # البعث # بشرع # أحد # بقوله # : {لما # جاءني # البينات # } أي # الحجج # الواضحة # جدا # من # أدلة # العقل # والنقل # ظاهرة # ، ولفت # القول # إلى # صفة # الإحسان # تنبيها # على # أنه # كما # يستحق # الإفراد # بالعبادة # لذاته # يستحقها # شكرا # لإحسانه # فقال # : {من # ربي # } أي # المربي # لي # تربية # خاصة # هي # أعلى # من # تربية # كل # مخلوق # سواي # ، فلذلك # أنا # أعبده # عبادة # تفوق # عبادة # كل # عابد. # ولما # أخبر # بما # يتخلى # عنه # ، أتبعه # الأمر # بما # يتحلى # به # فقال # : {وأمرت # أن # أسلم # } أي # بأن # أجدد # إسلام # كليتي # في # كل # وقت # على # سبيل # الدوام # {لرب # العالمين # *} لأن # كل # ما # سواه # مربوب # فالإقبال # عليه # خسار # ، وإذا # نهى # هو # صلى الله ms4279 عليه وسلم عن # ذلك # وأمر # بهذا # لكون # الآمر # والناهي # ربه # لأنه # رب # كل # شيء # ، كان # غيره # مشاركا # له # في # ذلك # لا # محالة. # ولما # قامت # الأدلة # وسطعت # الحجج # على # أنه # سبحانه # رب # العالمين # الذين # من # جملتهم # المخاطبون # ، ولا # حكم # للطبيعة # ولا # غيرها # ، أتبع # ذلك # آية # أخرى # في # أنفسهم # هي # أظهر # مما # مضى # ، فوصل # به # على # طريق # العلة # لمشاركتهم # له # صلى الله عليه وسلم في # الأمر # والنهي # في # التي # قبلها # قوله # تعالى # : {هو # } لا # غيره # {الذي # } ولما # كان # الوصف # بالتربية # ماضيا # ، عبر # عنه # به # فقال # : {خلقكم # من # تراب # } أي # أصلكم # وأكلكم # التي # تربى # به # أجسادكم # {ثم # من # نطفة # } من # مني # يمنى # {ثم # من # علقة # } مباعدا # حالها # لحال # النطفة # كما # كان # النطفة # مباعدا # لحال # التراب # ، {ثم # } بعد # أن # جرت # شؤون # أخرى # {يخرجكم # } أي # يجدد # إخراجكم # شيئا # بعد # شيء # {طفلا # } لا # تملكون # شيئا # ولا # تعلمون # شيئا # ، ثم # يدرجكم # في # مدارج # التربية # صاعدين # بالقوة # في # أوج # الكمال # طورا # بعد # طور # وحالا # بعد # حال # {لتبلغوا # أشدكم # ثم # } يهبطكم # بالضعف # والوهن # في # مهاوي # السفول # {لتكونوا # شيوخا # } ضعفاء # غرباء # ، قد # مات # أقرانكم # ، ووهت # أركانكم # ، فصرتم # تخشون # كل # أحد. # ولما # كان # هذا # مفهما # لأنه # حال # الكل # ، بين # أنه # ما # أريد # به # إلا # البعض # لأن # المخاطب # الجنس # ، وهو # يتناول # البعض # كما # يتناول # الكل # فقال # : {ومنكم # من # يتوفى # } بقبض # روحه # وجميع # معانيه # . ولما # كان # الموت # ليس # مستغرقا # للزمن # الذي # بين # السنين # وإنما # هو # في # لحظة # يسيرة # مما # بينهما # ، أدخل # الجار # على # الظرف # فقال # : {من # قبل # } أي # قبل # حال # الشيخوخة # أو # قبل # حال # الأشدية. # PageV17P108 # قال: من قال {لا إله إلا الله} فليقل على أثرها {الحمد لله رب العالمين} ~~. # ولما # أمر # سبحانه # بما # دل # على # استحقاقه # إياه # ، أنتج # قطعا # قوله # : {قل # } أي # لهؤلاء # الذين # يجادلونك # في # التوحيد # والبعث # مقابلا # لإنكارهم # بالتأكيد # : {إني # نهيت # } أي # ممن # لا # ناهي # غيره # ، نهيا # عاما # ببراهين # العقل # ، ونهيا # خاصا # بأدلة # النقل # {أن # أعبد # } ولما # أهلوهم # لأعلى # المقامات # ، عبر # عنهم # إرخاء # للعنان # بقوله # : {الذين # تدعون # } أي # يؤهلونهم # لأن # تدعوهم ms4280 # ، ودل # على # سفولهم # بقوله # تعالى # : {من # دون # الله # } أي # الذي # له # الكمال # كله # ، ودل # على # أنه # ما # كان # متعبدا # قبل # البعث # بشرع # أحد # بقوله # : {لما # جاءني # البينات # } أي # الحجج # الواضحة # جدا # من # أدلة # العقل # والنقل # ظاهرة # ، ولفت # القول # إلى # صفة # الإحسان # تنبيها # على # أنه # كما # يستحق # الإفراد # بالعبادة # لذاته # يستحقها # شكرا # لإحسانه # فقال # : {من # ربي # } أي # المربي # لي # تربية # خاصة # هي # أعلى # من # تربية # كل # مخلوق # سواي # ، فلذلك # أنا # أعبده # عبادة # تفوق # عبادة # كل # عابد. # ولما # أخبر # بما # يتخلى # عنه # ، أتبعه # الأمر # بما # يتحلى # به # فقال # : {وأمرت # أن # أسلم # } أي # بأن # أجدد # إسلام # كليتي # في # كل # وقت # على # سبيل # الدوام # {لرب # العالمين # *} لأن # كل # ما # سواه # مربوب # فالإقبال # عليه # خسار # ، وإذا # نهى # هو # صلى الله عليه وسلم عن # ذلك # وأمر # بهذا # لكون # الآمر # والناهي # ربه # لأنه # رب # كل # شيء # ، كان # غيره # مشاركا # له # في # ذلك # لا # محالة. # ولما # قامت # الأدلة # وسطعت # الحجج # على # أنه # سبحانه # رب # العالمين # الذين # من # جملتهم # المخاطبون # ، ولا # حكم # للطبيعة # ولا # غيرها # ، أتبع # ذلك # آية # أخرى # في # أنفسهم # هي # أظهر # مما # مضى # ، فوصل # به # على # طريق # العلة # لمشاركتهم # له # صلى الله عليه وسلم في # الأمر # والنهي # في # التي # قبلها # قوله # تعالى # : {هو # } لا # غيره # {الذي # } ولما # كان # الوصف # بالتربية # ماضيا # ، عبر # عنه # به # فقال # : {خلقكم # من # تراب # } أي # أصلكم # وأكلكم # التي # تربى # به # أجسادكم # {ثم # من # نطفة # } من # مني # يمنى # {ثم # من # علقة # } مباعدا # حالها # لحال # النطفة # كما # كان # النطفة # مباعدا # لحال # التراب # ، {ثم # } بعد # أن # جرت # شؤون # أخرى # {يخرجكم # } أي # يجدد # إخراجكم # شيئا # بعد # شيء # {طفلا # } لا # تملكون # شيئا # ولا # تعلمون # شيئا # ، ثم # يدرجكم # في # مدارج # التربية # صاعدين # بالقوة # في # أوج # الكمال # طورا # بعد # طور # وحالا # بعد # حال # {لتبلغوا # أشدكم # ثم # } يهبطكم # بالضعف # والوهن # في # مهاوي # السفول # {لتكونوا # شيوخا # } ضعفاء # غرباء # ، قد # مات # أقرانكم # ، ووهت # أركانكم # ، فصرتم # تخشون # كل # أحد. # ولما # كان # هذا # مفهما # لأنه # حال # الكل # ، بين # أنه # ما # أريد # به # إلا # البعض # لأن ms4281 # المخاطب # الجنس # ، وهو # يتناول # البعض # كما # يتناول # الكل # فقال # : {ومنكم # من # يتوفى # } بقبض # روحه # وجميع # معانيه # . ولما # كان # الموت # ليس # مستغرقا # للزمن # الذي # بين # السنين # وإنما # هو # في # لحظة # يسيرة # مما # بينهما # ، أدخل # الجار # على # الظرف # فقال # : {من # قبل # } أي # قبل # حال # الشيخوخة # أو # قبل # حال # الأشدية. # PageV17P109 # ولما كان المعنى: لتتفاوت أعماركم وأحوالكم وأعمالكم، عطف عليه قوله: ~~{ولتبلغوا} أي كل واحد منكم {أجلا مسمى} أي له سماه الملك الذي وكل به في ~~بطن أمه عن إذننا وبأمرنا الذي قدرناه في الأزل، فلا يتعداه مرة، ولا ~~بمقدار ذرة فيتجدد للملائكة إيمان في كل زمان. # ولما كانت هذه الأمور مقطوعا بها عند من يعلمها، وغير مترجاة عند من ~~يجهلها، فإنه لا وصول للآدمي بحيلة ولا فكر إلى شيء منها، فعبر فيها اللام، ~~وكان التوصل بالتفكر فيها والتدبر إلى معرفة أن الإله واحد في موضع الرجاء ~~للعاقل قال: {ولعلكم تعقلون *} أي فتعلموا بالمفاوتة بين الناس فيها ~~ببراهين المشاهدة بالتقليب في أطوار الخلقة # PageV17P110 # وأدوار الأسنان، وإرجاع أواخر الأحكام على أوائلها أن فاعل ذلك قادر ~~مختار حكيم قهار، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء. # ولما نظم سبحانه هذا الدليل في صنع الآدمي من التراب، وختمه بأن دلالته ~~على البعث - بإجراء سنته في إرجاع أواخر الأمور على أوائلها وغير ذلك - لا ~~يحتاج إلى غير العقل، أنتج عنه قوله: {هو} لا غيره {الذي يحيي ويميت} كما ~~تشاهدونه في أنفسكم وكما مضى لكم الإشارة إليه بخلق السماوات والأرض، فإن ~~من خلقهما خلق ما بينهما من الآجال المضروبة باختلاف الليل والنهار والشهور ~~والأعوام لبلوغ الأفلاك مواضعها، ثم رجوعها عودا على بدء مثل تطوير الإنسان ~~بعد الترابية من النطفة إلى العلقة إلى ما فوقها، ثم رجوعه في مدارك هبوطه ~~إلى أن تصير ترابا كما كان، فليست النهاية بأبعد من البداية. # ولما كانت إرادته لا تكون إلا تامة نافذة، سبب عن ذلك قوله معبرا ~~بالقضاء: {فإذا قضى أمرا} أي أراد أي أمر كان من القيامة أو غيرها {فإنما ~~يقول له كن} ms4282 ولما كانت {إذا} شرطية أجابها في قراءة ابن عامر بقوله: {فيكون ~~*} وعطفها في قراءة غيره على {كن} بالنظر إلى معناه، أو يكون خبرا لمبتدأ ~~أي فهو يكون، وعبر بالمضارع تصويرا للحال وإعلاما بالتجدد عند كل قضاء، وقد ~~مضى في سورة البقرة إشباع الكلام في توجيه قراءة ابن عامر بما تبين به أنها # PageV17P111 # أشد من قراءة غيره. # ولما علم من هذا أنه لا كلفة عليه في شيء من الأشياء بهذه الأمور ~~المشاهدة في أنفسهم وفي الآفاق، أنتج التعجب من حالهم لمن له الفهم الثاقب ~~والبصيرة الوقادة، وجعل ذلك آياته الباهرة وقدرته القاهرة الظاهرة، فلذلك ~~قال لافتا الخطاب إلى أعلى الخلق لأن ذم الجدال بالباطل من أجل مقصود هذه ~~السورة: {ألم تر} أي يا أنور الناس قلبا وأصفاهم لبا، وبين بعدهم بأداة ~~النهاية فقال: {إلى الذين يجادلون} أي بالباطل، ونبه على ما في هذه الآيات ~~من عظمته التي لا نهاية لها بإعادة الاسم الجامع فقال: {في آيات الله} أي ~~الملك الأعظم {أنى} أي وكيف ومن أي وجه {يصرفون *} عن الآيات الحقة الواضحة ~~التي سبقت بالفطرة الأولى إلى جذور قلوبهم، فلا حجة يوردون ولا عذاب عن ~~أنفسهم يردون، لأنه سبحانه استاقهم - كما قال ابن برجان - بسلاسل قهره ~~المصوغة من خالص عزماتهم وعزائهم إرادتهم من حقيقة ذواتهم إلى خزي الدنيا ~~وعذاب الآخرة - فصل ما جادلوا فيه واصفا لهم بما يزيد في التعجيب من شدة ~~جهلهم وتعاظم عماهم فقال: {الذين كذبوا} وحذف المفعول إشارة إلى عموم ~~التكذيب: {بالكتاب} أي بسببه في جميع ما له من الشؤون التي # PageV17P112 # تفوت الحصر والعظمة في كل أمر كان أشير بأداة الكمال إلى أنه لكماله كأنه ~~لا كتاب غيره لأن من سمعه فكأنما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ~~لإعجازه، فمن كذب بحرف منه فقد كذب بكل كتاب الله. # ولما كان التذكيب به تكذيبا بجميع الرسالات الإلهية، أكد عظمته بذلك ~~وبالإضافة إلى مظهر العظمة، تحذيرا للمكذبين من سطواته، وتذكيرا لهم بأن ~~العمل مع الرسول عمل مع من أرسله، فلذا ms4283 لفت الكلام على الاسم الجامع لصفتي ~~الجلال والإكرام فقال تعال: {وبما أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة {به ~~رسلنا} من جميع الملل والشرائع بكتاب كان أو بغيره، وهو بحيث لا يحاط بكنه ~~جلاله وعظمه حاله، ولذا تسبب عنه تهديدهم في قوله تعالى: {فسوف يعلمون *} ~~أي بوعيد صادق لا خلف فيه، ما يحل بهم من سطوتنا. # PageV17P113 # ولما كانوا في الدنيا قد جمعت أيديهم إلى أذقانهم بجوامع السطوة، ثم وصلت ~~بسلاسل القهر يساقون بها عن مقام الظفر بالنجاح إلى أهويات الكفر بالجدال ~~بالباطل ومهامه الضلال المبين كما قال تعالى {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} ~~[يس: 8] الآية، فجعل باطن تلك السلاسل الدنيوية # PageV17P113 # والأغلال ظاهرا في ذلك المجمع قال: {إذ} أي حين تكون {الأغلال} جمع غل، ~~قال في ديوان الأدب، هو الذي يعذب به الإنسان. وقال القزاز: الغل من الحديد ~~معروف، ويكون من القد، وقال في النهاية: هو الحديدة التي تجمع يد الأسير ~~إلى عنقه، ويقال لها جامعة أيضا - انتهى. وأصله الإدخال، يدخل فيه العنق ~~واليد فتجمعان به، وذلك معنى قول الصغاني في مجمع البحرين: في رقبته غل من ~~حديد، وقد غلت يده إلى عنقه {في أعناقهم} أي جامعة لأيديهم إلى تراقيهم، ~~وعبر بإذ ومعناها المضي مع سوف ومعناها الاستقبال، لأن التعبير بالمضي إنما ~~هو إشارة إلى تحقق الأمر مع كونه مستقبلا {والسلاسل} أي في أعناقهم أيضا ~~يقيدهم ذلك عن كل تصرف لكونهم لم يتقيدوا بكتاب ولا رسول، والسلسلة من: ~~تسلسل الشيء: اضطرب، قال الراغب: كأنه تصور منه تسلسل متردد، فردد لفظه ~~تنبيها على تردد معناه، وما سلسل متردد في مقره حتى صفا، حال كونهم {يسحبون ~~*} أي بها، والسحب: الجر بعنف {في الحميم *} أي الماء الحار الحاضر الذي ~~يكسب الوجوه سوادا، والأعراض عارا، والأرواح # PageV17P114 # عذابا والأجسام نارا، والقلوب هما واللحوم ذوبانا واعتصارا، وذلك عوض ~~ترفيعهم لأنفسهم عن سحبها بأسباب الأدلة الواضحات في كلف العبادات ومرارات ~~المجاهدات وحرارات المنازلات. # ولما أخبر عن تعذيبهم بالماء الحار الذي من شأنه أن يضيق الأنفاس، ويضعف ~~القوى، ويخفف ms4284 القلوب، أخبر بما هو فوق ذلك فقال: {ثم في النار} أي عذابها ~~خاصة {يسجرون *} أي يلقون فيها وتوقد بهم مكردسين مركوبين كما يسجر التنور ~~بالحطب - أي يملأ - وتهيج ناره، وكما يسجر - أي يصب - الماء في الحلق، ~~فيملؤونها فتحمى بهم ويشتد اضطرامها لكونهم كانوا في الدنيا وقود المعاصي، ~~والفتن بهم يشب وقودها ويقوى عودها، ويثبت عمودها، لأنهم لم يلقوا أنفسهم ~~في نيران الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومخالفات الشهوات في أبواب ~~الأوامر والنواهي، التي هي في الظاهر نيران، وفي الحقيقة جنان. # ولما كان المدعو إنما يدخر لأوقات الشدائد، قال موبخا لهم مندما مقبحا ~~لقاصر نظرهم لأنفسهم بانيا للمفعول لأن المنكىء هذا القول # PageV17P115 # مطلقا لا لكونه من قائل معين: {ثم قيل لهم} أي بعد أن طال عذابهم، وبلغ ~~منهم كل مبلغ، ولم يجدوا ناصرا يخلصهم ولا شافعا يخصصهم: {أين} والتعبير ~~عنهم بأداة ما لا يعقل في أحكم مواضعه في قوله: {ما كنتم} أي دائما {تشركون ~~*} أي بدعائكم لهم في مهماتكم دعاء عبادة مع تجديده في كل وقت؛ ثم بين ~~سفولهم بقوله لافتا القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه فقال: {من دون الله} ~~أي المحيط بجميع العز وكل العظمة، لتطلبوا منهم تخليصكم مما أنتم فيه أو ~~تخفيفه: {قالوا} أي مسترسلين مع الفطرة وهي الفطرة الأولى على الصدق: {ضلوا ~~عنا} فلا نراهم كما ضللنا نحن في الدنيا عما ينفعنا. # ولما رأوا أن صدقهم قد أوجب اعترافهم بالشرك، دعتهم رداءة المكر ورذالة ~~الطباع إلى الكذب، فاسترسلوا معها فبادروا أن أظهروا الغلظ فقالوا ملبسين ~~على من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ظانين أن ذلك ينفعهم كما كان ~~ينفعهم عند المؤمنين في دار الدنيا: {بل لم نكن ندعو} أي لم يكن ذلك في ~~طباعنا. ولما كان مرادهم نفي دعائهم أصلا ورأسا في لحظة فما فوقها، لا ~~النفي المقيد بالاستغراق، فإنه لا ينفي ما دونه، أثبتوا الجار فقالوا: {من ~~قبل} أي قبل هذه # PageV17P116 # الإعادة {شيئا} لنكون قد أشركنا به، فلا يقدرهم الله إلا على ما يزيد ms4285 في ~~ضرهم ويضاعف ندمهم ويوجب لعن أنفسهم ولعن بعضهم بعضا بحيث لا يزالون في ندم ~~كما كان حالهم في الدنيا {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون} [الأنعام: 24] فالآية من الاحتباك: ذكر الإشراك أولا دليلا على ~~نفيهم له ثانيا، والدعاء ثانيا دليلا على تقديره أولا. # ولما كان في غاية الإعجاب من ضلالهم، كان كأنه قيل: هل يضل أحد من الخلق ~~ضلال هؤلاء، فأجيب بقوله: {كذلك} أي نعم مثل هذا الضلال البعيد عن الصواب ~~{يضل الله} أي المحيط علما وقدرة، عن القصد النافع من حجة وغيرها {الكافرين ~~*} أي الذين ستروا مرائي بصائرهم لئلا يتجلى فيها ثم صار لهم ذلك ديدنا. # ولما تم جواب السؤال عن التعجب من هذا الضلال، رجع إلى خطاب الضلال فقال ~~معظما لما ذكر من جزائهم بأداة البعد وميم الجمع نصا على تقريع كل منهم: ~~{ذلكم} أي الجزاء العظيم المراتب، الصعب المراكب الضخم المواكب {بما كنتم} ~~أي دائما {تفرحون} أي تبالغون في السرور وتستغرقون فيه وتضعفون عن حمله ~~للإعراض عن العواقب. ولما كانت الأرض سجنا، فهي في الحقيقة # PageV17P117 # دار الأحزان، حسن قوله: {في الأرض} أي ففعلتم فيها ضد ما وضعت له، وزاد ~~ذلك حسنا قوله: {بغير الحق} فأشعر أن السرور لا ينبغي إلا إذا كان مع كمال ~~هذه الحقيقة، وهي الثبات دائما للمفروح به، وذلك لا يكون إلا في الجنة ~~{وبما} أي وبسبب ما {كنتم تمرحون *} أي تبالغون في الفرح مع الأشر والبطر ~~والنشاط الموجب الاختيال والتبختر والخفة بعدم احتمال الفرح. # ولما كان السياق لذم الجدال، وكان الجدال إنما يكون عن الكبر، وكان الفرح ~~غير ملازم للكبر، لم يسبب دخول النار عنه، بل جعله كالنتيجة لجميع ما مضى ~~فقال: {ادخلوا} أي أيها المكذبون. # ولما كان في النار أنواع من العذاب، دل على تعذيبهم بكل نوع بذكر الأبواب ~~جزاء على ما كانوا يخوضون بجدالهم في كل نوع من أنواع الأباطيل فقال: ~~{أبواب جهنم} أي الدركة التي تلقي صاحبها بتكبر وعبوسة وتجهم {خالدين فيها} ~~أي لازمين لما ms4286 شرعتم فيه بالدخول من الإقامة لزوما لا براح منها أصلا. # ولما كانت نهاية في البشاعة والخزي والسوء، وكان دخولهم فيها مقرونا ~~بخلودهم سببا لنحو أن يقال: فهي مثواكم، تسبب عنه قوله: {فبئس مثوى} دون أن ~~يقال: مدخل {المتكبرين *} أي موضع # PageV17P118 # إقامتهم المحكوم بلزومهم إياه لكونهم تعاطوا ما ليس لهم، ولا ينبغي أن ~~يكون إلا الله يقول الله تعالى: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن ~~نازعنيهما قصمته» ولم يؤكد جملة {بئس} هنا لأن مقاولتهم هذه بنيت على تجدد ~~علمهم في الآخرة بأحوال النار، وأحوال ما سببها، والتأكيد يكون للمنكر ومن ~~في عداده، وحال كل منهما مناف للعلم، وزاد ذلك حسنا أن أصل الكلام مع ~~الأعلم للسر الذي تقدم - صلى الله عليه وسلم فبعد جدا من التأكيد. ولما كان ~~هذا في الجزاء أعظم الشماتة بهم، فكان فيهم أعظم التسلية لمن جادلوه ~~وتكبروا عليه، سبب عنه قوله: {فاصبر} أي ارتقابا لهذه النصرة، ثم علل بقوله ~~مؤكدا لأجل تكذيبهم بالوعد: {إن وعد الله} أي الجامع لصفات الكمال {حق} أي ~~في نصرتك في الدارين فلا بد من وقوعه، وفيه أعظم تأسية لك ولذلك سبب عنه مع ~~صرف القول إلى ما يأتي الاعتراض إشارة إلى أنه لا يسأل عما يفعل، قوله ~~تعالى: {فإما نرينك} وأكده ب «ما» والنون ومظهر العظمة لأنكارهم لنصرته ~~عليهم ولبعثهم {بعض الذي نعدهم} أي بما لنا من العظمة مما يسرك فيهم من ~~عذاب أو متاب قبل وفاتك، فذاك إلينا وهو علينا هين. # ولما ذكر فعل الشرط وحذف جوابه للعلم به، عطف عليه قوله: # PageV17P119 # {أو نتوفينك} أي قبل أن ترى ذلك فيهم وأجاب هذا المعطوف بقوله: {فإلينا} ~~أي بما لنا من العظمة {يرجعون *} أي معي في الدنيا فتريهم بعد وفاتك من نصر ~~أصحابك عليهم بما تسرك به في برزخك فإنه لا بقاء لجولة باطلهم، وحسا في ~~القيامة فنريك فيهم فوق ما تؤمل من النصرة المتضمنة لتصديقك وتكذيبهم، ~~وإكرامك وإهانتهم، والآية من الاحتباك: ذكر الوفاة ثانيا دليلا على حذفها ~~أولا، والرؤية أولا دليلا على حذفها ms4287 ثانيا. # ولما قسم له الله سبحانه الحال إلى إصابتهم أو وفاته (صلى الله عليه ~~وسلم) ، وكان قد بقي مما هو أقر لعينه وأشفى لصدره أن يريهم في حياته آية ~~تلجئهم إلى الإيمان، وتحملهم على الموافقة والإذعان، فيزول النزاع بحسن ~~الاتباع، كما وقع لقوم يونس عليه الصلاة والسلام، قال عاطفا على ما تقديره ~~في تعليل الأمر بالصبر، فلقد أرسالناك إليهم ولننفذن أمرنا فيهم، وأما أنت ~~فما عليك إلا البلاغ: (ولقد أرسلنا) أي على ما لنا من العظمة) رسلا) أي ~~بكثرة. # ولما كان الإرسال إنما هو في بعض الزمان الماضي وإن كان بلوغ رسالة كل ~~لمن بعده موجبة لانسحاب حكم رسالته إلى مجيء الرسول الذي يقفوه، أثبت الجار ~~لإرادة الحقيقة فقال: (من قبلك) أي إلى أممهم ليبلغوا عنا ما أمرناهم به: # PageV17P120 # (منهم من قصصنا) أي بما لنا من الإحاطة) عليك) أي أخبارهم وأخبار أممهم) ~~ومنهم من لم نقصص (وإن كان لنا العلم التام والقدرة الكاملة) عليك (لا ~~أخبارهم ولا أخبار أممهم ولا ذكرناهم لك بأسمائهم) وما) أي أرسلناهم والحال ~~أنه ما) كان لرسول (أصلا) أن يأتي بآية) أي ملجئة أو غير ذلك مما يجادل فيه ~~قومه أو يسلمون استعجالا لاتباع قومه له، أو اقتراحا من قومه عليه أو غير ~~ذلك مما يجادل فيه قومه أو يسلمون له أو ينقادون، وصرف الكلام عن المظهر ~~المشير إلى القهر إلى ما فيه - مع الإهانة - الإكرام فقال: (إلا بإذن الله) ~~أي بأمره وتمكينه، فإن له الإحاطة بكل شيء، فلا يخرج شيء عن أمره، فإن لم ~~يأذن في ذلك رضوا وسلموا وصبروا واحتبسوا، وإن أذن في شيء من ذلك من عذاب ~~أو آية ملجئة أو غير ذلك جاءهم ما أذن فيه) فإذا جاء (وزادالأمر عظما لمزيد ~~الخوف والرجاء بالإظهار دون الإضمار فقال: (أمر الله) أي المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما، وأمره ما توعد به من العذاب عند العناد بعد الإجابة إلى ~~المقترح، ومن القيامة وما فيها، وتكرير الاسم الأعظم لتعظيم المقام ~~باستحضار ما له من صفات الجلال ms4288 والإكرام، ولثبات ما أراد ولزومه عبر عنه # PageV17P121 # بالقضاء، فقال مشعرا بصيغة المفعول بغاية السهولة: (قضي) أي بأمره على ~~أيسر وجه وأسلهه) بالحق) أي الأمر الثابت الذي تقدم الوعد به وحكم بثبوته ~~من إهلاك ناس وإنجاء آخرين أو إيمان قوم وكفر آخرين - وهذا كله هو الذي ~~أجرى سبحانه سنته القديمة بثبوته، واما الفضل من الإمهال والتطول بالنعم ~~فإنما هو قبل الإجابة إلى المقترحات، والدليل على أن هذا من مراد الآية ما ~~يأتي من قوله: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا (وما أشبهه) وخسر) أي ~~هلك أو تحقق وتبين بالمشاهدة أنه خسر) هنالك) أي في ذلك الوقت العظيم بعظمة ~~ما أنزلنا فيه، ظرف مكان استعير للزمان إيذانا بغاية الثبات والتمكن في ~~الخسارة تمكن الجالس) المبطلون) أي المنسوبون إلى إيثار الباطل على الحق، ~~إما باقتراح الآيات مع إيتانهم بما يغنيهم عنها وتسميتهم له سحرا أو بغير ~~ذلك، إما بتيسرهم على الرجوع عما هم فيه من العناد من غير إذعان وإما ~~الهلاك، وإما بإدحاض الحجج والحكم عليهم بالغلب ثم النار ولو بعد حين، ومن ~~هذه الآية أخذ سبحانه في رد مقطع السورة على مطلعها، فهذه الآية ناظرة إلى ~~قوله تعالى) وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه () وما كان لرسول أن يأتي بآية ~~(إلى) وجادلوا بالباطل # PageV17P122 # (و) أفلم يسيروا في الأرض (إلى) فأخذتهم فكيف كان عقاب (وهذا وما بعده ~~مما اشتمل عليه من الحكمة والقدرة إلى الثلاث الآيات الأول. # ولما كان المبطلون ليسوا أشد ولا أقوى من بعض الحيوانات العجم، دل على ما ~~أخبر به من نافذ نصرته فيهم بقوله مذكرا لهم نعمته مستعطفا إلى طاعته دالا ~~على التوحيد بعد تليينهم بالوعيد مظهرا الاسم الجامع إشارة إلى أن هذه ~~الآية من الدلالات لا يحصى: (الله) أي الملك الأعظم) الذي جعل لكم (لا ~~غيره) الأنعام) أي الأزواج الثمانية بالتذليل والتسخير) لتركبوا منها (وهي ~~الإبل مع قوتها ونفرتها، والتعبير باللام في الركوب مطلقا ثم فيه مقيدا ~~ببلوغ الأماكن الشاسعة إشارة إلى أن ذلك هو المقصود منها بالذات، ms4289 وهو الذي ~~اقتضى تركيبها على ما هي عليه، فنشأ منه بقية المنافع فكانت تابعة. # ولما كان الاقتيات منها - في عظيم نفعه وكثرته وشهوته - بحيث لا يناسبه ~~غيره، عد الغير عدما فقال تعالى: (منها) أي من الأنعام كلها) تأكلون ~~(بتقديم الجار. # ولما كان التصرف فيها غير منضبط، أجمله بقوله: (ولكم فيها) أي كلها) ~~منافع) أي كثيرة بغير ذلك في الدر والوبر والصوف وغيرها. # ولما كان سوقها وبلوغ الأماكن الشاسعة عليها في أقرب مدة لنيل الأمور ~~الهائلة عظيم الجدوى جدا، نبه على عظمته بقطعه # PageV17P123 # عما قبله بإجمال المنافع ثم تفصيله منه فقال: (ولتبلغوا) أي مستعلين) ~~عليها (وهي في غاية الذل والطواعية، ونبههم على نقصهم وعظيم نعمته عليهم ~~بقوله: (حاجة) أي جنس الحاجة. # ولما كان في مقام التعظيم لنعمه لأن من سياق الامتنان وإظهار القدرة ~~وحدها وجمع ما تضمر فيه فقال: (في صدوركم (إشارة إلى أن حاجة واحدة ضاقت ~~عنها قلوب الجميع حنى فاضت منها فملأت مساكنها. # ولما كان الحمل يكون مع مطلق الاستعلاء سواء كان على أعلى الشيء أولا ~~بخلاف الركوب، قال معبرا بأداة الاستعلاء فيها وفي الفلك غير سفينة نوح ~~عليه الصلاة والسلام، فإنهاكانت مغطاة كما حكي فكانوا في بطنها لا على ~~ظهرها: (وعيلها) أي في البر) وعلى الفلك) أي في البحر) تحملون) أي تحمل لكم ~~أمتعتكم فإن حمل الإنسان نفسه تقدم بالركوب. # وأشار بالنباء للمفعول أنه سخر ذلك تسخيرا عظيما لا يحتاج معه إلى علاج ~~في نفس الحمل. # ولما كانت هذه آية عظيمة جعلها سبحانه مشتملة على آيات كثيرة، عبر فيها ~~بالماضي وعطف بالمضارع تنبيها على ما تقديره: فأراكم هذه الآيات البينات ~~منها، قوله: (ويريكم) أي في لحظة) آياته) أي الكثيرة الكبيرة فيها وفي ~~غيرها من أنفكسم ومن الآفاق، ودل على كثرة الآيات وعظمتها بإسقاط تاء ~~التأنيث كما هو المستفيض # PageV17P124 # في غير النداء بإظهار الاسم الأعظم في قوله: (فأي آيات الله) أي المحيط ~~بصفات الكمال) تنكرون (حتى تتوجه لكم المجادلة في آياته التي من أوضحها ~~البعث. # ولما وصل الأمر إلى ms4290 حد من الوضوح لا يخفى على أحد، تسبب عنه لفت الخطاب ~~عنهم دلالة على الغضب الموجب للعقاب المقتضي للرهيب فقال: (أفلم # سيروا) أي هؤلاء الذين هم أضل من الأنعام) في الأرض (أي أرض كانت، سير ~~اعتبار) فينظروا (نظر ادكار فيما سلكوه من سلبها ونواحيها، ونبه زيادة ~~العظمة فيما حثهم على النظر فيه بسوقه مساق الاستفهام تنبيها على خروجه عن ~~أمثاله، ومباينته لأشكاله، بقوله: (كيف كان عاقبة) أي آخر أمر) الذين (ولما ~~كانوا لا يقدرون على استغراق نظر جميع الأرض وآثار جميع أهلها، نبه بالجار ~~على ما تيسر فقال تعالى: (من قبلهم) أي مع قرب الزمان والمكان، لوما كانوا ~~معتمدين في مغالبة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومجادلته بالباطل في الآيات ~~الظاهرة على كثرتهم وقوتهم وقلة أصحابه مع ضعفهم، وكان قد تقدم الإنكار ~~عليهم في المجادلة لإدحاض الحق، وعظيم النكيرعليهم بعدم النظر عن المسير في # PageV17P125 # الأرض بأعين الاعتبار في الآثار، من المساكن والديار، لمن مضى من ~~الأشرار، وأثبت لهم الأشدية وأنها لم تغن عنهم، وذكر فرعون وما كان له من ~~المكنة بالمال والرجال، وأنه أخذه أخذة صارت مثلا من الأمثال، وكان قد بقي ~~مما قد يتعلل به في المبالغة الكثرة، ذكرها مضمومة إلى الشدة تأكيدا لمضمون ~~الخبر في أنه لا أمر لأحد مع أمره، فقال مستانفا جوابا لمن يقول: ما كانت ~~عاقبتهم؟ فقال: (كانوا أكثر منهم) أي عددا أضعافا مضاعفة ولا سيما قوم نوح ~~عليه الصلاة والسلام: (وأرشد قوة (في الأبدان كقوم هود عليه الصلاة والسلام ~~الذين قالزا كما يأتي في التي بعدها # {من أشد منا قوة} [فصلت: 15] ) وآثارا في الأرض (بنحت البيوت في الجبال، # PageV17P126 # بقوة أبدانهم وعظم عقولهم واحتيالهم وما تبوا من المصانع لنجاتهم حين ~~جاءهم أمرنا بل كانوا كأمس الذاهب. # ولما أخبر عن كثرتهم وقوتهم وآثارهم الدالة على مكنتهم، سبب عنه شرح ~~حالهم، الذي أدى إلى هلاكهم واغتيالهم، فقال مبينا لما أغنى: (فلما جاءتهم ~~رسلهم) أي الذين أرسلناهم إليهم وهم منهم يعرفون صدقهم وأمانتهم) بالبينات) ~~أي الدالة على صدقهم ms4291 لا محالة) فرحوا) أي القوم الموصوفون) بما عندهم من ~~العلم (الذي أثروا به تلك الآثار في الأرض من إنباط المياه وجر الأثقال ~~وهندسة الأبنية ومعرفة الأقاليم وإرصاد الكواكب لأجل معرفة أحوال المعاش، ~~وغير ذلك من ظواهر العلوم المؤدية إلى التفاخر والتعاظم والتكاثر وقوفا مع ~~الوهم، وتقييدا بالحاضر من الرسم من علم ظاهر الحياة الدنيا وقناعة بالفاني ~~كما قال التي قبلها {ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم} ~~[الزمر: 49] وكما قال قارون لما قيل له) وأحسن كما أحسن الله إليك (: (قال) ~~: (إنما أوتيته على علم عندي (وفرحهم به # PageV17P127 # لأداهم إلى التوسع في الدنيا والتلذذ بما واستهزوا بما اتتهم به الرسل من ~~علم الباطن الداعي إلى الإعراض عن الفاني والإقبال على الباقي والخوف مما ~~بعد الموت من الأمور الغائبة والأهوال الآتية والكوائن العظيمة المستورة ~~بحجاب هذه الحياة الدنيا الواهي، على ما فيها من الذوات والمعاني والأحوال ~~والأوجال والدواهي، والذي حركهم إلى الفرح بما عندهم هو ما هم فيه من ~~الزهرة مع ما يرون من تقلل الرسل وأتباعهم من الدنيا، وإسراع المصائب ~~إليهم، وكثرة ما يعانونه من الهموم والأنكاد، ويكابدونه من الأنداد ~~والأضداد، فاشتد استهزاؤهم بهم وبما أتوا به من بعدهم ذلك محالا وباطلا ~~وضلالا، وكانوا لا ينفكون من فعل الفرح الأشر البطر بالتضاحك والتمايل كما ~~قال الله تعالى) فلما جاءهم إذا هم منها يضحكون (ونصبوا للرسل واتباعهم ~~المكايد، وأحاطوا بهم المكر والغوايل، وهموا بأخذهم فأنجينا رسلنا ومن آمن ~~بهم منهم وأتيناهم بما أزال فرحهم، وأطال غمهم وترحهم) وحاق) أي أحاط على ~~وجه الشدة) بهم بما كانوا) أي عادة مستمرة. # ولما كان استهزائهم بالحق عظيما جدا، عد استهزائهم بغيرة عدما، وأشار إلى ~~ذلك بتقديم الجال فقال: (به يستهزؤون (من الوعيد الذي # PageV17P128 # كانوا قاطعين ببطلانه فعلم قطعا أنه إنما يفرح من العلم بما تضمن النجاة ~~والسعادة الأبدية على أن سوق الكلام هكذا مليء بالاستهزاء بهم والتهكم ~~عليهم لأنهم نصبوا العالم المطيق المنطيق الذي إذا غلب خصمه فأسكته وألقمه ~~الحجر فأخرسه وأفحمه ms4292 بواضح الحجة وقويم المحجة ظهر عليه السرور وغلبه الفرح ~~فإن عاند خصمه ووقف مع وهمه استهزأ به وتضاحك منه - هذا مع ما عنده من ~~عمايات الجهل التي لا يكفرون على إنكارها بدليل اعتراف هؤلاء الذين أرسل ~~إليهم هذا النبي الكريم أن أهل الكتاب أعلم منهم، فكانوا يوجهون ركابهم إلى ~~اليهود يسألونهم عن أمرهم وأمره على أنه قد أتاهم بما يعلي به قدرهم على ~~أهل الكتاب، ويجعلهم المخصوصين بالسيادة على مر الأحقاب، وهم يأبون ~~بمجادلتهم بالباطل إلا سفولا وإعراضا عن الصواب، وعدولا ونكوصا ونكولا، ~~والآية مرشدة إلى أنه لا يتعلم إلا من ظن من نفسه القصور، ولهذا كل أقبل ~~شيء للعلم الصغار، والآية من الاحتباك: إثبات الفرح أولا دليل عل حذف # PageV17P129 # ضده ثانيا، وإثبات الاستهزاء ثانيا دليل على حذف مثله أولا. # ولما كانت هذه السورة في بيان العزة التي هي نتيجة كمال العلم وشمول ~~القدرة، # وكان عظم العزة بحسب عظمة المأخوذ بها المعاند لها، كرر ذكر المجادلة في ~~هذه السورة تكريرا أذن بذلك فقال في أولها) ما يجادل في آيات الله إلا ~~الذين كفروا (ثم دل على أنهم مأخوذون من غير أن يغني عنهم جدالهم الذي ~~أنتجه ضلالهم، وعلى توابع ذلك ترغيبا وترهيبا إلى أن قال) هو الذي يريكم ~~آياته (وذكر بعض ما اشتد إلفهم له حتى سقطت غرابته عندهم، فنبههم على ما ~~فيه ليكفهم عن الجدال ويغتنوا به على اقتراح غيره، ثم ذكر قصة موسى عليه ~~الصلاة والسلام مذكرا لهم ما حصل من تعذيب المكذبين المجادلين بعد وقوع ما ~~اقترحوا من الآيات بقولهم) فائت بآية إن كنت من الصادقين (ومضى يذكر وينذر ~~ويحذر في تلك الأساليب التي هي أمضى من السيوف، وأجلى من الشموس في الصحو ~~دون الكسوف، حتى قال) الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر ~~مقتا عند الله وعند الذين آمنوا (ثم شرع في إتمام قصة موسى عليه السلام إلى ~~ان قال) إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم لشدة الإلف وضوحها ~~جدال المجادل، ms4293 وضلال المماحك المماحل، لولا أنه قد # PageV17P130 # أخرجتها شدة الألف لها من حيز الغرابة من خلق الخافقين وتكوير الملوين، ~~وبسط الأرض ورفع السماء وتصوير الإنسان وما فيه من عظيم الشأن، فكشفت ~~ستورها، وبين دلالتها وظهورها، ولفت الكلام إلى تهديد المجادلين بقوله ~~منكرا عليهم) ألم تر إلى الذين يجادلون خصمه بما هو من حججه كالشمس نورا ~~وطلعة وظهورا أنكر بالاستفهام الذي هو أمر من وقع السهام. # فلما ثبت بذلك عنادهم وغلظتهم وقوتهم في لددهم واشتدادهم، بين جهلهم ~~بذلهم عند ما أحكموا عقده من شرهم، فقال مبينا لما أجمل من الحيق مسببا عنه ~~لافتا القول إلى مظهر العظمة ترهيبا: (فلما رأوا) أي عاينوا) بأسنا) أي ~~عذابنا الشديد على ما له مجامع العظمة، ومعاقد العز ونفوذ الكلمة، كما ظهر ~~لنا في هذا البأس من غير إشكال ولا إلباس، وأكدوا ذلك نافين لما كانوا فيه ~~من الشرك: بقولهم) وحده (ودل على إنحلال عراهم ووهي قواهم بزيادة التصريح ~~في قولهم: (وكفرنا بما كنا) أي جبلة وطبعا) به مشركين (لأنا علمنا أنه لا ~~يغني من دون الله شيء. # PageV17P131 # ولما كان الكفر بالغيب سببا لعدم قبول الإيمان عند الشهادة قال: (فلم يك) ~~أي لم يصح ولم يقبل بوجه من الوجوه لأنهع لا كون يساعد على ذلك ولا بأدنى ~~درجات الكون، فأشار بكان إلى أن هذا أمر مستقر وشأن مستمر لكل أمة ليس خاصا ~~بالمحدث عنهم ومن مضى قبلهم وبحذف لام الكلمة إلى أنهم أمعنوا في الترقق ~~بتقرير الإيمان وتكريره وتسريحه، والوقت ضيق والمجال حصير، وقد أزفت ~~الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة، فلم يكونوا لفوات الوقت موفين بما طلب ~~منهم) ينفعهم إيمانهم) أي يتجد لهم نفعة بعد ذلك لأنه إيمان إلجاء واضطرار ~~لا إيمان طواعية واختيار) لما رأوا (وأظهر موضع الإضمار زيادة في الترهيب، ~~فقال: (بأسنا (لأن الإيمان لا يتحقق ولا يتصور إلا مع الغيب، وأما عند ~~الشهادة فقد كشفت سريرته على أنه قد فاتت حقيقته وصثورته، فلو ردوا لعادوا، ~~ولو أتاهم بعد ذلك العذاب لانقادوا، ولهذا ms4294 السر قال تعالى صارفا القول إلى ~~الاسم المقتضي لمزج الحكمة بالعظمة: (سنت الله) أي سن الملك الأعظم المحيط ~~علما وقدرة ذلك ف يكل دهر سنة، ولذا قال) التي قد خلت في عباده (أن الإيمان ~~بعد كشف الغطاء لا يقبل، وكل أمة كذبت الرسل أهلكت، وكل من أجيب إلى ~~الإيمان المقترحة فلم يؤمن عذب، سنها سنة وأمضاها عزمة، فلا غير لها، فربح # PageV17P132 # إذ ذاك المؤمنون) وخسر) أي هلك أو تحقق وتبين أنه خسر. ولما كان المكان ~~لا ينفك عن الزمان، استعير ظرفه له وليدل على غاية التمكن فقيل: (هنالك) أي ~~في ذلك الوقت العظيم الشأن بما كان فيه وكان) الكافرون) أي العريفون في هذا ~~الوصف فلا انفكاك بينهم وبينه، وقد التف آخرها بما بين من كمال العزة وتمام ~~القدرة وشمول العلم مما رتب من أسباب الهداية والإضلال ووالإشقاء والإسعاد ~~والنجاة والإهلاك بأولها أي التفاف، واكتنفت البداية والنهاية بيان ذلك مع ~~ما اشتمل عليه الوسط أيضا منه أعظم اكتناف، فسبحان من هذا إنزاله، وتبارك ~~اسمه وجل جلاله، ولا إله سواه ولا حوةل ولا قوة إلا بالله، رب سهل كريم. # PageV17P133 # مقصودها الإعلام بأن العلم إنما هو ما اختاره المحيط بكل شيء قدره وعلما ~~من علمه لعباده فشرعه، لهم، فجاءتهم به عنه رسله، وذلك العلم هو الحامل على ~~الإيمان بالله والاستقامة على طاعته المقترن بهما - كما تقدم في الزمر في ~~قوله)) هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون () [آية: 9] فتكون عاقبته ~~الكشف الكلي حين يكون سبحانه سمع العالم الذي يسمع به، (بصره الذي يبصر به، ~~ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) - إلى آخر الحديث القدسي الذي ~~معناه أنه يوفقه سبحانه فلا يفعل إلا ما يرضيه، وعلى ذلك دل اسمها) فصلت ~~(بالإشارة إلى ما في الآية المذكورة فيها هذه الكلمة من الكتاب المفصل لقوم ~~يعلمون. # والسجدة بالإشارة إلى ما في آيتها من الطاعة له بالسجود الذي هو أقرب ~~مقرب من الملك الديان، والتسبيح الذي هو المدخل الأول للإيمان) بسم الله ~~(الذي لم يرض ms4295 لإحاطته بأوصاف الكمال من جلال الكتاب إلا ما اقترن بجمال ~~العمل) الرحمن (الذي وسع كل شيء رحمة وعلما ففصل الكتاب تفصيلا وبينه غاية ~~البيان) الرحيم (الذي خص العلماء العاملين بسماع الدعوة ونفوذ الكلمة) حم) ~~أي حكمة محمد التي # PageV17P134 # أعجزت الخلائق. # ولما ختمت غافر الكفرة جادلوا في آيات الله بالباطل، وفرحوا بما عندهم من ~~علم ظاهر الحياة الدنيا، وأنهم عند البأس انسلخوا عنه وتبرؤوا منه ورجعوا ~~إلى ما جاءت به الرسل فلم يقبل منهم، فعلم أن كل علم لم ينفع عند الشدة ~~والبأس فليس بعلم، بل الجهل خير منه، وكان ذلك شاقا على النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) خوفا من أن يكون آخر أمر أمته الهلاك، مع الإصرار على الكفر إلى ~~مجيء البأس، وأن يكون أغلب أحواله (صلى الله عليه وسلم) النذارة، افتتح ~~سبحانه هذه السورة بأن هذا القرآن رحمة لمن كان له علم وله قوة توجب له ~~القيام فيما ينفعه، وكرر الوصف بالرحمة في صفة العموم وصفة الخصوص إشارة ~~إلى أن أكثر الأمة مرحوم، وأعلم أن الكتاب فصل تفصيلا وبين تبيينا لا يضره ~~جدال مجال، وكيد مماحك مماحل، وأنه مغن بعجز الخلق عنه عن اقتراح الآيات ~~فقال مخبرا عن مبتدأ: (تنزيل) أي بحسب التدريج عظيم) من الرحمن) أي الذي له ~~الرحمة العامة للكافر والمؤمن بإنزال الكتب وإرسال الرسل) الرحيم) أي الذي ~~يخص رحمته بالمؤمنين بإلزامهم ما يرضيه عنهم. # ولما تشوف السامع إلى بيان هذا التنزيل المفرق بالتدريج، بين # PageV17P135 # أنه مع ذلك حاو لكل خير فقال مبدلا من تنزيل: (كتاب) أي جامع قاطع غالب. # ولما كان الجمع ربما أدى إلى اللبس قال: (فصلت) أي تفصيل الجوهر) آياته) ~~أي بينت بيانا شافيا في اللفظ والمعنى مع كونها مفصلة إلى أنواع من ~~المعاني، وإلى مقاطع وغايات ترقى جلائل المعاني إلى أعلى النهايات، حال ~~كونه) قرآنا) أي جامعا مع التفصيل، وهو مع الجمع محفوظ بما تؤديه مادة ~~(قرا) من معنى الإمساك، وهو مع جمع اللفظ وضبطه وحفظه وربطه منشور اللواء ~~منتشر المعاني لا إلى ms4296 حد، ولا نهاية وعد، بل كلما دقق النظر جل المفهوم، ~~ولذلك قال تعالى: (عربيا (لأن لسان العرب أوسع الألسن ساحة، وأعمقها عمقا ~~وأغمرها باحة، وأرفعها بناء وأفصحها لفظا، وأبينها معنى وأجلها في النفوس ~~وقعا، قال الحرالي: وهو قرأن لجمعه، فرقان لتفصيله، ذكر لتنبيهه على ما في ~~الفطر والجبلات، وجوده حكيم لإنبائه الاقتضاءات الحكمية، مجيد لإقامته ~~قسطاس العدل، عربي لبيانه عم كل شيء، كما قال تعالى في سوره أحسن القصص، ~~وتفصيل كل شيء مبين لمحوه الكفر بما أبان من إحاطة أمر الله، محفوظ لإحاطته ~~حيث لم يختص # فيقبل العدول عن سنن. # ولما كان لا يظهر إلا لمن له قابلية ذلك، وأدمن اللزوم ذلا # PageV17P136 # للأعتاب، والقرع خضوعا وحبا للأبواب، قال معلقا ب (فصلت أو تنزيل) أو ~~(الرحمن الرحيم) : (لقوم) أي ناس فيهم قوة الإدراك لما يحاولونه) يعملون) ~~أي فيهم قابلية العلم وتجدد الفهم بما فيهم من سلامة الطبع وسلاسة الانقياد ~~لبراهين العقل والسمع وحدة الأذهان وفصاحة اللسان وصحة الأفكار وبعد ~~الأغوار، وفي هذا تبكيت لهم في كونهم لا ينظرون محاسنه فيهتدوا بها كما ~~يعتنون بالنظر في القصائد حتى يقضوا لبعضها على بعض حتى أنهم ليعلقون بعضها ~~على الكعبة المشرفة تشريفا له، وفيه حث لهم - وهم أولو العزائم الكبار - ~~على العلم بع ليغتنوا عن سؤال اليهود، وفيه بشرى بأنه تعالى يهب العرب بعد ~~هذا الجهل علما كثيرا، وعن هذا الكفر إيمانا عظيما كبيرا، وفي الآية إشارة ~~إلى ذم المقترحين المشار إليهم آخر التي قبلها بأنهم قد أتاهم ما أغناهم ~~عنه من آيات هذا الكتاب الذي عجزوا عن مباراته، ومناظرته ومجاراته وذلك في ~~غاية الغرابة، لأنه كلام من جنس كلامهم في كونه عربيا، وقد خالفت كلامهم ~~وأسجاعهم، مع كونه ليس شعرا ولا سجعا أصلا ولا هم من أنواع نثرهم، ولا من ~~ضروب خطبهم، فعجزوا عن الإيتان بشيء # PageV17P137 # من مثله في مر الأحقاب وكر الدهور والأعضار، وكفى بذلك معجزة شديدة ~~الغرابة بمن ينيب. # وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما تضمنت سورة غافر بيان حال ms4297 ~~المعاندين وجاحدي الآيات، وأن ذلك ثمرة تكذيبهم وجدلهم، وكان بناء السورة ~~على هذا الغرض بدليل افتتاحها وختمها، ألا ترى قوله تعالى # {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} [غافر: 4] وتأنيس نبيه عليه ~~أفضل الصلاة والسلام بقوله # {فلا يغررك تقبلهم في البلاد} [غافر: 4] فقد تقدم ذلك من غيرهم فأعقبهم ~~سوء العاقبة والأخذ الوبيل) كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل ~~أمة برسولهم ليأخذوه (فعصمتهم واقية # {أنا لننصر رسلنا} [غافر: 51] وقال تعالى: # {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب} [غافر: 5] أي ~~رأيت ما حل بهم وقد بلغك خبرهم، فلا اعتبر هؤلاء بهم # {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا هم ~~أشد منهم قوة وإثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من ~~واق} [غافر: 21] وإنما أخذهم بتكذيبهم الآيات) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات فكفروا فأخذهم الله (ثم ذكر تعالى من حزب المكذبين فرعون وهامان ~~وقارون، وبسط القصة تنبيها على سوء عاقبة من عتند وجادل بالباطل وكذب ~~الآيات، ثم قال تعالى بعد آيات) إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ~~أتاهم إن في # PageV17P138 # صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه (إذ الحول والقوة ليست لهم # {فاستعذ بالله} [الأعراف: 300] من شرهم، فخلق غيرهم لة استبصروا أعظم من ~~خلقهم # {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلقالناس} [غافر: 57 [وهو غير آمنين من ~~الأخذ من كلا الخلقين # {إنما نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء} [سبأ: 9] ثم قال ~~تعالى بعد هذا) ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (إن ~~أمرهم لعجيب في صرفهم عن استيضاح الآيات بعد بيانها، ثم ذكر تعالى سوء ~~حالهم في العذاب الأخروي وواهي اعتذارهم بقولهم # {ضلوا عنا بل لمن نكن ندعو من قبل شيئا} [غافر: 74] ثم صبر تعالى نبيه ~~(صلى الله عليه وسلم) بقوله: # {فاصبر إن وعد الله حق} [الروم: 60] ثم أعاد تنبيههم فقال تعالى: (أفلم ~~يسيروا في الأرض (إلى ختم السورة، ولم ms4298 يقع من هذا التنبيه الذي دارت عليه ~~آي هذه السورة في سورة الزمر شيء ولا من تكرار التحذير من تكذيب الآيات، ~~فلما بينت على هذا الغرض أعقبت بذكر الآية العظيمة التي تحديت بها العرب، ~~وقامت بها حجة الله سبحانه على الخلق، وكان قيله لهم: احذروا ما قدم لكم، ~~فقد جاءكم محمد (صلى الله عليه وسلم) بأوضح آية وأعظم برهان) تنزيل من ~~الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا ~~(وتضمنت هذه السورة العظيمة من بيان عظيم الكتاب وجلالة قدره وكبير الرحمة ~~به ما لا يوجد في غيرها من أقرانها كما أنها في الفصاحة # PageV17P139 # تبهر العقول بأول وهلة، فلا يمكن العربي الفصيح في شاهد برهان أدنى توقف، ~~ولا يجول في وهمه إلى معارضة بعض آيها أدنى تشوف، وأنه لكتاب عزيز) لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد () ولو جعلناه ~~قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أعجمي وعربي (فوبخهم سبحانه وتعالى ~~وأدحض حجتهم وأرغم باطلهم وبكت دعاويهم ثم قال) قل هو للذين آمنوا هدى ~~وشفاء والذين لا يؤمنون في اذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان ~~بعيد () إنما يستجيب الذين يسمعون (وقرعهم تعالى في ركيك جوابهم عن واضح ~~حجته بقولهم) قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر (وقولهم) لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه (وهذه شهادة منهم على أنفسهم بالانقطاع عن ~~معارضته، وتسجيلهم بقوة عارضته، ثم فضحهم بقوله) قل أرأيتم إن كان من عند ~~الله ثم كفرتم به (- الآية، وتحملت السورة مع هذا بيان هلاك من عاند وكذب ~~ممن كان قبلهم وأشد قوة منهم، وهم الذين قدم ذكرهم مجملا في سورة غافر في ~~آيتي) أو لم يسيروا في الأرض () أفلم يسيروا (فقال تعالى مفصلا # PageV17P140 # لبعض ذلك الإجمال) فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (ثم ~~قال) فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة (ثم قال ~~تعالى) فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا (الاية، ثم ms4299 قال) وأما ثمود (فبين تعالى ~~حالهم وأخذهم، فاعتضد التحام السورتين، واتصال المقصدين - والله أعلم - ~~انتهى. # ولما كان حال الإنسان إن مال إلى جانب الخوف الهلع أو إلى جانب الرجاء ~~البطر، فكان لا يصلحه إلا الاعتدال، بالتوسط الموصل إلى الكمال، بما يكون ~~لطبعه بمنزلة حفظ الصحة ودفع المرض لبدنه، قال واصفا ل (قرآنا)) بشيرا) أي ~~لمن اتبع) ونذيرا) أي لمن امتنع فانقطع. # روى أبو نعيم في الحلية في تلاجمة إمامنا الشافعي رضي الله عنه وأرضاه ~~أنه روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجه أنه قال في خطبة له: وأعجب ما في ~~الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها إن سنح له الرجاء ~~ادلهمه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، ~~وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضى نسي التحفظ، وإن ناله ~~الخوف شغله الحزن، وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع، وإن أفاد مالا أطغاه ~~الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، # PageV17P141 # فكل تقصير به مضر وكل إفراط به مفسد. # ولما كانت عادتهم دوام الاحتياط في كل بشارة ونذارة بأمر دنيوي، سبب عن ~~هذا مخالفتهم لعادتهم في ترك الحزم بالجزم بالإعراض فقال: (فأعرض أكثرهم) ~~أي عن تجويز شيء من بشائره أو نذائره) فهم (لذلك) لا يسمعون) أي يفعلون فعل ~~من لا يسمع فهم لا يقبلون شيئا مما دعا إليه وحث عليه. # ولما أخبر عن إعراضهم، أخبر عن مباعدتهم فيه فقال: (وقالوا) أي عند ~~إعراضهم ممثلين لمباعدتهم في عدم قبولهم: (قلوبنا في أكنة) أي أغشية محيطة ~~بها، ولما كان السياق في الكهف للعظمة كان الأنسب له أداة الاستعلاء فقال) ~~إنا جعلنا على قلوبهم أكنة (وعبروا هنا بالظرف إبعادا لأن يسمعوا) مما) أي ~~مبتدئة تلك الأغشية وناشئة من الأمر الذي) تدعونا (أيها المخبر بأنه نبي) ~~إليه (فلا سبيل له إلى الوصول إليها لنفيه أصلا. # ولما كان القلب أفهم لما يرد إليه من جهة السمع قالوا: (وفي آذاننا (التي ms4300 ~~هي أحد الطرق الموصلة إلى القلوب) وقر) أي ثقل قد أصمها عن سماعه) ومن ~~بيننا وبينك) أي # PageV17P142 # مبتدئ من الحد الذي فصلك منا والحد الذي فصلنا منك في منتصف المسافة قي ~~ذلك) حجاب (ساتر كثيف، فنحن لا نراك لنفهم عنك بالإشارة، فانسدت طرق الفهم ~~لما نقول) فاعمل) أي بما تدين به. # ولما كان تكرار الوعظ موضعا للرجاء في رجوع الموعوظ قطعوا ذلك الرجاء ~~بالتأكيد بأداته، وزادوه بالنون الثالثة والتعبير بالاسمية فقالوا: (إننا ~~عاملون) أي بما ندين به فلا مواصلة بيينا بوجه ليستحي أحد منا من الآخر في ~~عمله أو يرجع إليه، ولو قال) وبيينا (من غير) من (لأفهم أن البينين بأسرهما ~~حجاب، فكان كل من الفريقين ملاصقا لبينه، وهو نصف الفراغ الحاصل بينه # وبين خصمه، فيكون حينئذ كل فريق محبوسا بحجابة لا يقدر على عمل فينا في ~~ما بعده أو يكون بينهما اتصال أقله بالإعلام بطرق من أراد من المتباينين ~~الحجاب، فأفادت (من) التبعيض مع إفادة الابتداء، فإنهم لا يثبتون الحجاب في ~~غير أمور الدين. # ولما أخبروا باعراضهم وعللوا بعدم فهمهم بما يدعو إليه، أمره سبحانه ~~بجواب يبين أنهم على محض العناد فقال: (قل) أي لهؤلاء الذين عجزوا عن رد ~~شيء من أمرك بشيء يقبله ذو عقل فادعوا ما ينادي # PageV17P143 # عليهم بالعجز: (إنما أنا بشر مثلكم (لا غير بشر مما لا يرى، والبشر يرى ~~بعضه بعضا ويسمعه ويبصره فقولكم أنه لا وصول لكم إلى رؤيتي ولا إدراك شيء ~~مما أقول مما لا وجه له أصلا. # ولما كان ادعاؤهم لعدم المواصلة بينهم قد تضمن شيئين: أحدهما فيه، والآخر ~~فيما يدعو إليه، ونقض الأول، قال في الثاني: (يوحى إلي) أي بطريق يخفى ~~عليكم) إنما إلهكم) أي الذي يستحق العبادة) إله واحد (لا غير واحد، وهذا ~~مما دلت عليه الطرق النقلية، وانعقد عليه الإجماع في أوقات الضرورات ~~النفسانية، أي لست مغايرا للبشر ممن يخفى عليكم شخصه كالملك، ولا يعجم ~~عليهم مراده بصوته كسائر الحيوانات، ومع كوني بشرا فلست بمغاير لكم في ~~الصنف بكوني ms4301 أعجميا، بل أنا مثلكم سواء في كوني عربيا، ومع ذلك كله فأصل ما ~~أوحي إلي ليس معبرا عنه بجمل طوال تمل أو تنسى، أو يشكل فهمها، وإنما هو ~~حرف واحد وهو التوحيد، فلا عذر لكم أصلا في عدم فهمه ولا سماعه ولا رؤية ~~قائله. # ولما قطع حجتهم وأزال علتهم، سبب عن ذلك قوله: # PageV17P144 # (فاستقيموا) أي اطلبوا واقصدوا وأوجدوا القوام متوجهين وإن كان في غاية ~~البعد عنكم) إليه (غير معرجين أصلا على نوع شرك بشفيع ولا غيره. # ولما كان أعظم المراد من الوحي العلم والعمل، وكان رأس العلم التوحيد ~~فعرفه وأمر بالاستقامة فيه، أتبعه رأس العمل وهو ما أنبأ عن الاعتراف ~~بالعجز مع الاجتهاد فقال: (واستغفروه) أي اطلبوا منه غفران ذنوبكم، وهو ~~محوها عينا وأثرا حتى لا تعاقبوا عليها ولا تعاتبوا بالندم عليها، والإقلاع ~~عنها حالا ومآلا. # واما أمر بالخير، رغب فيه ووهب من ضده، فكان التقدير للترغيب: فالفلاح ~~والفوز لمن فعل ذلك، فعطف عليه ما السياق له فقال: (وويل) أي وسواة وهلاك) ~~للمشركين ولما كانت العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادة في أمرين: ~~التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، وكان أفضل أبواب التعظيم لأمر ~~الله الإقرار بوحدانيته، فكان أخس الأعمال التي بين العبد وربه الإخلال ~~بذلك، وكان اخس الأعمال التي بين العبد وربه الإخلال بذلك، وكان أخس ~~الأعمال التي بين العبد وبين الخلق منع ما أوجه الله في الزكاة، وكان معنى ~~الشرك الحكم بأن ما لا شيء له أصلا وما لا يمكن أن يكون له ملك تام على شيء ~~أصلا قد شارك من له الكل خلقا وتصرفا فيما هو عليه من الملك التام الذي # PageV17P145 # لا شوب فيه، وكانت الزكاة إشراك من له ملك غير تام لمثله في جزء يسير من ~~ماله. # قال ذاما لمن أبى أن يشارك الخلائق وأشرك بالخالق: (الذين لا يؤتون) أي ~~أمثالهم من أولاد آدم) الزكاة (من المال الذي لا صنع لهم في خلقه، فهو مخلف ~~عن أبيهم آدم، فالقياس يقتضي اشتراكهم كلهم فيه على حد ms4302 سواء، ولكنا رحمناهم ~~بتخصيص كل واحد منهم بما ملكت يمينه منه بطريقة، فقد حكموا في أمر ربهم بما ~~لا يرضونه لأنفسهم، فإنهم أبوا أن يشركوا ببذل الزكاة بعض أخوانهم في بعض ~~مالهم الذي ملكهم له ضعيف، وأشركوا ما لا يملك شيئا أصلا بما لا نفع مع ~~المالك المطلق. # ولما كان مما تضمنه إشراكهم وإنكارهم البعث أنهم أداهم شحهم إلى ~~استغراقهم في الدنيا والأقبال بكلياتهم على لذاتها، فأنكروا الآخرة، فصار ~~محط حالهم أنهم أثبتوا لمن لا فعل أصلا فعلا لا يمكنه تعاطيه بوجه، ونفوا ~~عن الفاعل المختار الذي هم لأفعاله الهائلة في كل وقت يشاهدون، وإليه في ~~منافعهم ومضارهم يقصدون، ما أثبت لنفسه من فعله، فقال مؤكدا تنبيها على أن ~~إنكارهم هذا مما لا يكاد يصدق: (وهم بالآخرة) أي الحياة التي بعد هذه ولا ~~بعد لها) هم) أي بخاصة من بين أهل الملل) كافرون (فاختصموا بإنكار شيء لم ~~يوافقهم عليه # PageV17P146 # أحد في حق من يشاهدون في كل وقت من أفعاله أكثر من ذلك، وأثبتوا لمن لم ~~يشاهددوا له فعلا قط ما لا يمكنه فعله أصلا، وهم يدعون العقول الصحيحة ~~والآراء المتينة ورضوا لأنفسهم بالدناءة في منع الزكاة وحكموا بأعظم منها ~~على الله وهم يدعون مكارم الأخلاق ومعالي الهمم، فأقبح بهذه عقولا وأسفل ~~بها همما فقد تضمنت الآية أن الويل لمن اتصف بصفات ثلاثة: الشرك الذي هو ضد ~~التعليم لأمر الله، والامتناع من الزكاة الذي هو ضد الشفقة علىخلق الله ~~وإنكار القيامة المؤدي إلى الاستغراق فيما أبغض الله في طلب الدنيا ولذاتها ~~وهو من الاستهانة بأمر الله، قال الأصبهاني: وتمام الكلام في أنه لا زيادة ~~على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام: أمس واليوم والغد، ~~فمعرفة كيف ينبغي وقوع الأحوال في الاليوم الحاضر هو بالإحسان إلى أهل ~~العلم بقدر الطاقة، ومعرفة الأحوال في اليوم المستقبل بالإقرار بالبعث ~~والقيامة، فإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في ~~نهاية الجهل والضلال. # ولما ذكر ما للجاهلين وعيدا وتحذيرا، ذكر ms4303 ما لأضدادهم وعدا وتبشيرا، فقال ~~مجيبا لمن تشوف لذلك مؤكدا لإنكار من ينكره: # PageV17P147 # (إن الذين آمنوا) أي بما آتاهم الله من العلم النافع) وعملوا الصالحات ~~(من الزكاة وغيرها ليكون عملهم شرعيا نافعا، ولما كان افتتاح السورة ~~بالرحمن الرحيم مشعرا بأن الأسباب الظاهرية انمحت عند السبب الحقيقي الذي ~~هو رحمته، أعرى الخبر عن الفاء، فقال إيذانا بعظم الجزاء لأن سببه رحمة ~~الرحيم، ولو كان بالفاء لآذنت أنه على مقدار العمل الذي هو سببه: (لهم أجر) ~~أي عظيم) غير ممنون) أي مقطوع - جزاء على سماحهم بالفاني اليسير من أموالهم ~~في الزكاة وغيرها وما أمر الله به من أقوالهم في الآخرة والدنيا، والممنون: ~~المقطوع من مننت الحبل أي قطعته بقطع مننه ومنه قولهم: قد منه السفر أي ~~قطعه وأذهب منته. # ولما ذكر سبحانه سفههم في كفرهم بالآخرة، شرع في ذكر الأدلة على قدرته ~~عليها وعلى كل ما يريد بخلق الأكوان وما فيها الشامل لهم ولمعبوداتهم من ~~الجمادات وغيرها الدال على أنه واحد لا شريك له، فقال منكرا عليهم ومقررا ~~بالوصف لأنهم كانوا عالمين بأصل الخلق: (قل) أي لمن أنكر الآخرة منكرا عليه ~~بقولك: (أئنكم (وأكد لإنكارهم التصريح بما يلزمهم من الكفر) لتكفرون) أي ~~توجدون حقيقة الستر لأنوار العقول الظاهرة) بالذي خلق الأرض) # PageV17P148 # أي على سعتها وعظمتها من العدم) في يومين (فتنكرون قدرته على إعادة ما ~~خلقه منها ابتداء مع اعترافكم بأنه ابتدأ خلقها وخلق ذلك منها، وهذا ~~اليومان الأحد والاثنين - نقل هذا عن ابن عباس رضي الله عنه ما وعبد الله ~~بن سلام رضي الله عنه - قال ابن الجوزي: والأكثرين، وحديث مسلم الذي تقدم ~~في سورة البقرة # {خلق الله التربة يوم السبت} يخالف هذا، فإن البداءة فيهبيوم السبت وهو ~~مصرح بأن خلق الأرض وما فيها في ستة أيام كما هو ظاهر هذه الآية، ويجاب بأن ~~المراد بالخلق فيه إخراج أقواتها بالفعل، والمراد هنا تهيئتها لقبول ذلك، ~~ويشكل أيضا بأن الأيام إنما كانت بدوران الأفلاك، وإنما كان ذلك بعد تمام ~~الخلق بالفعل، فالظاهر أن ms4304 المراد باليوم ما قاله الحرالي: مقدار ما يتم فيه ~~أمر ظاهر أو مقدار يومين تعرفونها من أيام الدنيا. # ولما ذكر كفرهم بالبعث وغيره، عطف على) تكفرون (قوله: (وتجعلون) أي مع ~~هذا الكفر) له أندادا (مما خلقه، فتثبتون له أفعالا وأقوالا مع أنكم لم ~~تروا شيئا من ذلك، فأنكرتم ما تعملون مثله وأكبر منه، وأثبتم ما لم تعملوه ~~أصلا، هذا هو الضلال المبين. # ولما بكتهم على قبيح معتقدهم، عظم ذلك بتعظيم شأنه سبحانه فقال: (ذلك) أي # PageV17P149 # الإله العظيم) رب العالمين) أي موجدهم ومربيهم، وذلك يدل قطعا على جميع ~~ما له من صفات الكمال. # ولما ذكر ما هم به مقرون من إبداعها، أتبعه ما جعل فيها من الغرائب، فقال ~~عاطفا على ما تقديره: أبدع الأرض على ما ذكر: (وجعل (ولا يجوز عطفه على صلة ~~الموصول للفصل بأجنبي) فيها رواسي (هي أشدها وهي الجبال، ونبه على أنها ~~مخالفة للرواسي في كونها تحت ما يراد إرساؤه فقال: (من فوقها (فمنعتها من ~~الميد، فعل ذلك لكونه أدل على القدرة، فإنها لو كانت من تحت لظن أنها، ~~أساطين حاملة، ولتظهر منافع الجبال بها أنفسها وبما فيها، ويشاهد أنها ~~أثقال مفتقرة إلى حامل. # ولما هيأها لما يراد منها، ذكر ما أودعها فقال: (وبارك فيها) أي جعلها ~~قابلة ميسرة للسير إليه والإقبال عليه، ودالة على جميع صفاته الحسنى ~~وأسمائه العلى وغير ذلك من المعارف والقدر والقوى) وقدر فيها أقواتها) أي ~~جعلها مع البركة على مقدار لا تتعداه، منهاج بديع دبره في الأزل وارتضاه، ~~وقدره فأمضاه، ومن ذلك أنه خص بعض البلاد بشيء لا يوجد في غيرها لتنظيم ~~عمارة الأرض كلها باحتياج بعضهم إلى بعض، فكان # PageV17P150 # جميع ما تقدم من إيداعها وإيداعها ما ذكر من متاعها، دفعة واحدة لا ينقص ~~عن حاجة المحتاجين أصلا، وإنما ينقص توصلهم أو توصل بعضهم إليه فلا يجد له ~~حينئذ ما يكفيه، وفي الأرض أضعاف كفايته، ثم ذكر فذلكة خلق الأرض وما فيها ~~فقال: (في أربعة أيام (وهذا العدد عن ضم اليومين الماضيين إلى ms4305 يومي الأقوات ~~وهما الثلاثاء والأربعاء، أو يكون المعنى في تتمته أربعة أيام، ولا يحمل ~~على الظاهر ليكون ستة لأنه سيأتي للسماوات يومان فكانت تكون ثمانية، فتعارض ~~آية) ألم السجدة () لله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~(وفصل مقدار ما خلقها فيه ومقدار ما خصالأقوات والمنافع لأحاطة العلم بأنه ~~يخص كل أمر من الأمرين يومان، ونص على الأولين ليكون ذلك أدل على القدرة ~~فيحسن موقع النعي عليهم بما فصل به الآيتين من اتخاذ الأنداد، وإنما كان ~~أدل على القدرة، لأنه إيجاد ذوات محسوسة من العدم قائمة بأنفسها بخلاف ~~البركة، وتقدير الأقوات فإنه أملا لا يقوم بنفسه، فلم يفرد يوميه بالذكر، ~~بل جعلهما تابعين كما أن ما قدر فيهما تابع، ولم يفعل ذلك في أقل من لمح ~~البصر مع تمام القدرة عليه، لأن هذا أدل على الاختيار وأدخل في الابتلاء ~~والاختيار، ليضل به كثيرا ويهدي # PageV17P151 # به كثيرا، فيكون أعظم لأجورهم لأنه أدل على تسليمهم، وجعل مدة خلقها ضعف ~~مدة السماء مع كونها أصغر من السماء دلالة على أنها هي المقصودة بالذات لما ~~فيها من الثقلين، فزادت بما فيها من كثرة المنافع وتباين أصناف الأعراض ~~والجواهر لأن ذلك أدخل في المنة على سكانها، والاعتناء بشأنهم وشأنها، ~~وزادت أيضا بما فيها من الابتلاء بالتهيئة للمعاصي والمجاهدات والمعالجات ~~التي يتنافس فيها الملأ الأعلى ويتخاصم - كل ذلك دلالة على أن المدة ما هي ~~لأجل القدرة بل لأجل التنبيه على ما في المقدر من المقدور وعجائب الأمور، ~~وليعلم أيضا بخلق السماء التي هي أكبر جرما وأتقن جسما وأعظم زينة وأكثر ~~منافع بما لا يقايس في أقل من مدة خلق الأرض أن خلقها في تلك المدة ليس ~~للعجز عن إيجادها في أقل من اللمح، بل لحكم تعجز عن حملها العقول، ولعل ~~تخصيص السماء بقصر المدة دون العكس لإجراء أمرها على ما نتعارفه من أن بناء ~~السقف أخف من بناء البيت تنبيها على أنه بنى أمر دارنا هذه على الأسباب ~~تعليما للتأني وتدريبا على السكينة والبعد ms4306 من العجلة. # PageV17P152 # ولما كان لفظ) سواء (الذي هو بمعنى العدل الذي لا يزيد عن النصف ولا ينقص ~~يطلب اثنين، تقول: سواء زيد وعمرو) إلى كلمة سواء بيننا وبينكم (قال تعالى ~~مزيلا لما أوهمه قوله: (أربعة أيام (من أنها للأقوات والبركة ليكون مع ~~يومين من الأرض ستة، ناصبا على المصدر: (سواء) أي التوزيع إلى يومين ويومين ~~على السواء) للسائلين) أي لمن سأل أو كان بحيث يسأل ويشتد بحثه بسؤال أو ~~نظر عن التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين غيرها، لا بد في كل يوم منها من ~~زيادة عن الذي قبله أو نقص، ومجموع الأربعة كأربعة من أيام الدنيا لا تزيد ~~عليها ولا تنقص، وقراءة يعقوب بجر (سواء) معينة لأن تكون نعتا ل (أربعة) ~~وقراءة أبي جعفر بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، وعن خلقها وتتميمها في أربعة ~~أيام كانت فصولها أربعة، قال ابن برجان: ألاترى الأمر إلى السماء أولا في ~~إنزال الماء فيخلقه فيما هنالك ثم ينزله إلى الأرض والنبات # PageV17P153 # والحيوان عن الماء الذي ينزل من السماء إلى الأرض بمنزلة النسل بين الذكر ~~والأنثى وبمنزلة تسخير السماء والأرض وما بينهما لما وجدنا له فافهم - أمر ~~قويم وحكمة شائعة آية قضاؤه بركات الأرض في أربعة أيام بواسطة ما قدر في ~~السماء من أمر وهي الأربعة الفصول من السنة. # الشتاء الربيع الصيف والخريف، فهذه الأيام معلومة بالمشاهدة، فيهن يتم ~~زرع الأرض وبركات الدنيا وجميع ما يخرجه منها من فؤائد وعجائب، قال: وقوله ~~(السائلين) تعجيب وإغراب وتعظيم للمراد المعنى بالخطاب، وقد يكون معنى ~~السواء زائدا إلى ما تقدم أن بهذه الأربعة الأيام استوت السنة مطالعها ~~ومغاربها وقربها وبعدها وارتفاعها ونزولها في شمالي بروجها وجنوبيها باحكام ~~ذلك كله وتوابعه - انتهى. # ولما كانت السماوات أعظم من الأرض في ذاتها بنور أبنيتها واتساعها ~~وزينتها ودوران أفلاكها وارتفاعها، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي، ~~ولفظ الاستواء وحب الغاية الدال على عظيم العناية فقال: (ثم استوى) أي قصد ~~قصدا هو القصد منتهيا قصده) إلى السماء وهي) أي والحال أنها) دخان (بعد ms4307 ما ~~فتقها من # PageV17P154 # الأرض، قالوا: كان ذلك الدخان بخار الماء فهو مستعار من المرتفع من ~~النار، وهو تشبيه صوري، فالسماء متقدمة في الدخانية على الأرض، تقدم الذكر ~~على الأنثى ثم خلقت ذات الرض وبعد تصوير السماء أولا إيجادا وتتميما لتسوية ~~السماء بعد أن كانت دخانا، ويومان لتتميم المنافع فتداخلت الأعداد لتداخل ~~الأفعال،) فقال لها) أي عقب مقارنتين لما قدرته فيكما وأردته منكما من ~~إخراج المنافع من المياه والنبات والمعادن وغيرها، ووضع المصدر موضع الحال ~~مبالغة فقال: (طوعا أو كرها) أي طائعين أو كارهتين في إخراج ما أودعتكما من ~~الأمانة في أوقاتها وعلى ما ينبغي من مقاديرها وهيآتها طوع تسخير لا تكليف) # PageV17P155 # قالتا أتينا) أي نحن وما فينا ما بيننا. # ولما جعلهما موضع المخاطبة للتي هي للعقلاء والتكلم، قال جامعا لهما ~~باعتبار أفرادهما وما فيهما جمع من يعقل: (طائعين) أي في كل ما رسمته فينا ~~لا نحمل من ذلك شيئا بل نبذله على ما أمرت به لا نغير ولا نبدل، وذلك هو ~~بذلهما للأمانة، وعدم حملها، وجمع الأمر لهما في الإخبار لا يدل على جمعه ~~في الزمان، بل قد يكون القول لهما متعاقبا) فقضاهن) أي خلقهن وصنعهن حال ~~كونهن معدودات) سبع سماوات (صنعا نافذا هو كالقضاء لا تخلف فيه) في يومين) ~~أي الخميس والجمعة إذا حسب مقدار ما يخصهن من التكوين في الستة الأيام التي ~~كان فيها جحميع الخافقين، وما بينهما كان بمقدار ما خص واحدا من الأرض ومن ~~أقواتها لا يزيد على مدة منهما ولا ينقص، فيكون الذي خصهما ثلث المجموع، ~~قال ابن جرير: وإنما سمي يوم الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق السماوات ~~والأرض. # يعني فرغ من ذلك وأتمه) وأوحى) أي ألقى بطريق خفي وحكم مبتوت قوي) # PageV17P156 # في كل سماء أمرها) أي الأمر الذي دبرها ودبر منافعها به على نظام محكم لا ~~يختل، وزمام مبرم لا ينحل. # ولما عم، خص ما للتي تلينا إشارة إلى تشريفنا، فقال صارفا القول إلى مظهر ~~العظمة تنبيها على ما في هذه الآية ms4308 من العظم: (وزينا) أي بما لنا من ~~العظمة) السماء الدنيا) أي القربى إليكم لأجلكم) بمصابيح (من زواهر النجوم، ~~وشفوفها عنها لا ينافي أن تكون في غيرها مما هو أعلى منها، ودل السياق على ~~أن المراد: زينة) و (حفظناها بها) حفظا (من الشياطين، فالآية من الاحتباك: ~~حذف فعل الحفظ بدلالة المصدر، ومصدر الزينة بما دل عليه من فعلها. # ولما كان هذا أمرا باهرا، نبه على عظمته بقوله صارفا الخطاب إلى صفتي ~~العز والعلم إعلاما بأنهما أساس العظمة ومدارها: (ذلك) أي الأمر الرفيع ~~والشأن البديع) تقدير العزيز (الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء) العليم ~~(المحيط علما بكل شيء وكما قدر سبحانه ذلك بعزته وعلمه قضى أنه لا يفيد ~~العز الدائم إلا ما شرعه من العلم، وفي ختمه بالوصفين بشارة للأمة التي ~~خوطبت بهما أنه يوتيها من عزه وعلمه لا سيما بالهبة وما شاكلها من الطبائع ~~وغيرها ما لم يؤت # PageV17P157 # أمه من الأمم قبلها، وسر خلقه سبحانه العالم في مدة ولم يكن قي لمحة ~~وجعلها ستة لا أقل ولا أكثر أنه لو خلقه في لمحة لكان ذلك شبهة لمن يقول: ~~إنه فاعل بالذات لا بالاختيار، فاقتضى الحال عددا، ثم اقتضى الحال أن يكون ~~ستة لأنها أول عدد يدل على الكمال لأنها عدد تام كسورها لا تزيد عنها ولا ~~تنقص، فآذن ذلك بأن للفاعل نعوت الكمال وأوصاف التمام والتعال، ولم يخلقه ~~فيما دون ذلك من العدد لأنه ناقص، وخلق الأرض في يومين مكررين باعتبار ~~الذات والمنافع إيذانا بما يقع فيها من المعصية بالشرك الذي هو تثنية وإفك، ~~ولم يكرر في السماء لأن آياتها أدل على التوحيد ولم يحصل من أهلها ما يدل ~~على الوعيد، وليكون إيجادها في أقل من مدة الأرض - مع أنها أكبر جرما وأعجب ~~صنعا وأتقن جسما - أدل على الفعل بالاختيار بعجائب الحكم وغرائب الأسرار ~~الكبار. # PageV17P158 # ولما كان هذا القدر من العلم موجبا للانقياد لكل خير من الوحدانية ~~وغيرها، والإقبال على الحق في كل أمر، فكان المتمادي على إعراضه قبل ms4309 الوعظ ~~به كأنه جدد إعراضا غير إعراضه الأول، قال مفصلا بعض قوله {فأعرض أكثرهم} : ~~{فإن أعرضوا} أي استمروا على إعراضهم، أو أعرض غيرهم عن قبول ما جئتهم به # PageV17P158 # من الذكر بعد هذا البيان الواضح في هذه الآيات التي دلت على الوحدانية ~~والعلم والقدرة وغيرها من صفات الكمال أتم دلالة {فقل} أي لهم: إن لكم سلفا ~~سلكتم طريقهم في العناد، فإن أبيتم إلا الإصرار ألحقناكم بهم كأمثالهم وهو ~~معنى {أنذرتكم صاعقة} ، أي حلول صاعقة مهيأة لمن كشف له الأمر فعاند، فإن ~~وظيفة الحجة قد تمت على أكمل الوجوه، قال البغوي وابن الجوزي: والصاعقة ~~المهلكة من كل شيء - انتهى. والحاصل أنه عذاب شديد الوقع كأنه في شدة وقعه ~~صاعقة. # ولما كان التخويف بما تسهل مشاهدة مثله أوقع في النفس قال: {مثل صاعقة ~~عاد وثمود *} أي الذين تنظرون ديارهم وتستعظمون آثارهم، وعلل إيقاع ذلك بهم ~~بقوله: {إذا} ويجوز أن يكون ظرفا لصاعقة وظرفيته لا تنافي عليته أي حين ~~{جاءتهم الرسل} لأن الزمان الطويل يجوز نسبة ما وقع في جزء منه إليه، ولما ~~كانت الرسل إنما أتت بالفعل في بعض الزمان أدخل الجار فقال: {من بين ~~أيديهم} أي من قبلهم لأن النذير الأول نذير لكل من أتى بعده بأنه إن واقع ~~ما واقعه أتاه ما عذب به {ومن خلفهم} وهم من أتى إليهم لأنهم # PageV17P159 # لم يكونوا يعلمون إتيانهم، فالخلف كناية عن الخفاء، والقدام عن الجلاء، ~~ولا شك أن الإنسان لما انقاد له من قبله فسمعه منه أقبل مما رآه بعينه، لأن ~~النفس لا تنقاد لما خالفها إلا بعد جدال وجهاد، فإذا تطاول الزمن وانقاد له ~~الغير، سهل عليها الأمر، وخف عليها الخطب، وأيضا الآتي إلى ناس إنما يأتيهم ~~بعد وجودهم وبلوغهم حد التكليف، فهو بهذا آت إليهم من ورائهم أي بعد وجودهم ~~أو يكون ما بين الأيدي هو من جاءهم لأنهم علموا بمجيئه علم من ينظر من ~~قدامه، وما خلفهم ما غاب عنهم ممن تقدمهم، فلم تنقل إليهم أخبارهم إلا على ~~وجوه تحتمل الطعن، ms4310 أو المعنى: أتاهم رسولهم الذي هو بإظهار المعجزة كجميع ~~الرسل بالوعظ من كل جانب يخفى عليهم أو يتضح لهم وأعمل فيهم كل حيلة بكل ~~حجة حتى لم يدع لهم شبهة، ثم بين أن مجيء الرسل ينفي عبادة غير الله وقصر ~~العبادة عليه، فقال مظهرا مع العبادة الاسم الذي هو أولى بها: {أن} أي بأن ~~قولوا لهم {لا تعبدوا إلا الله} أي الذي له جميع صفات الكمال. # PageV17P160 # ولما كان هذا موضعا لتشوف السامع إلى خبرهم عند ذلك إجابة بقولهم: ~~{قالوا} أي كل منهم: {لو شاء ربنا} أي والذي ربانا أحسن تربية وجعلنا من ~~خواصه بما حبانا به من النعم أن يرسل إلينا رسولا {ملائكة} فأرسلهم إلينا ~~بما يريده منا لكنه لم ينزل ملائكة فلم يشأ أن يرسل رسولا، فتسبب عما قالوه ~~من القياس الاستثنائي الذي استنتجوا فيه من نقيض تاليه نقيض مقدمه، لما ~~جعلوا بين المقدم والتالي من الملازمة بزعمهم قولهم: {فإنا بما} أي بسبب ~~الذي ولما كانوا لم ينكروا مطلق رسالتهم، إنما أنكروا كونها من الله، بنوا ~~للمجهول قولهم مغلبا تعالى في الترجمة عنهم للخطاب على الغيبة لأنه أدخل في ~~بيان قلة أدبهم: {أرسلتم} أي أيها الرسل ومن كان على مثل حالهم من البشر ~~{به} أي على ما تزعمون خاصة لا بغير ما أرسلتم به مما أنزل به ملائكة مثلا ~~{كافرون *} لأن قياسنا قد دل على أنه تعالى لم يشأ الإرسال، فأنتم لستم ~~بمرسل عنه لأنكم بشر لا ملائكة وقد كذبوا في قياسهم الذي لم يأخذوه عن عقل ~~ولا نقل لأنه لا ملازمة بين مشيئة الإرسال إلى الناس كافة أو إلى أمة منهم ~~وبين أن يكون المرسل إليهم كلهم ملائكة. # PageV17P161 # ولما جمعهم فيما اجتمعوا فيه حتى كأنهم تواصوا به، فصل ما اختلفوا فيه ~~فقال مسببا عما مضى من مقالهم: {فأما عاد} أي قوم هود عليه الصلاة والسلام ~~{فاستكبروا} أي طلبوا الكبر وأوجدوه {في الأرض} أي كلها التي كانوا فيها ~~بالفعل وبقيتها بالقوة، أو في الكل بالفعل لكونهم ملكوها كلها. ولما ms4311 كان ~~الكبر قد يكون بالحق كما على من خالف أمر الله قال: {بغير الحق} أي الأمر ~~الذي يطابقه الواقع، وهو إنكار رسالة البشر، فإن الواقع إرسالهم {وقالوا} ~~أي وضموا إلى استكبارهم على قبول ما جاءهم من الحق أن قالوا متعاظمين على ~~أمر الله بما أتاهم الله من فضله: {من أشد منا قوة} فنحن نقدر على دفع ما ~~يأتي من العذاب الذي يهددنا به هود عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا أشد ~~الناس قوى وأعظمهم أجساما. # ولما كان التقدير أن يقال إنكارا عليهم: ألم يروا أن الله لو شاء لجعلهم ~~كغيرهم، عطف عليه قوله: {أو لم يروا} أي يعلموا علما كما هو كالمشاهدة لأنه ~~غريزة في الفطرة الأولى فهو علم ضروري {أن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما {الذي خلقهم} ولم يكونوا شيئا {هو أشد منهم قوة} ومن علم أن غيره ~~أقوى منه وكان عاقلا # PageV17P162 # انقاد له فيما ينفعه ولا يضره، واجتماع قوتهم التي هي شدة البنية وقوته ~~سبحانه التي هي كمال القدرة وهي صفة قائمة بذاته سبحانه إنما هو في الآثار ~~الناشئة عن القوة، فلذلك جمعا بأشد. # ولما بين أنهم أوجدوا الكبر، عطف عليه من غرائزهم ما هو أصل لكل سوء، ~~فقال مبينا قرط جهلهم باجترائهم على العظمة التي شأنها قصم الظالم وأخذ ~~الآثم: {وكانوا} أي طبعا لهم {بآياتنا} على ما لها من العظمة بنسبتها إلينا ~~{يجحدون *} أي ينكرون إنكارا يضمحل عنده كل إنكار عنادا مع علمهم بأنها من ~~عندنا {فأرسلنا} بسبب ذلك على ما لنا من العظمة، ودل على صغارهم وحقارتهم ~~بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم} وزاد في تحقيرهم بأن أخبر أنه أهلكهم لأجل ~~ما تعززوا به من قوة أبدانهم ووثاقة خلقهم بما هو من ألطف الأشياء جسما وهو ~~الهواء فقال: {ريحا} أي عظيمة {صرصرا} أي شديدة البرد والصوت والعصوف حتى ~~كانت تجمد البدن ببردها فتكون كأنها تصره - أي تجمعه - في موضع واحد فتمنعه ~~التصرف بقوته، وتقطع القلب بصوتها، فتقهر شجاعته، وتحرق بشدة بردها كل ما ~~مرت عليه. # ولما تقدم ms4312 في هذا السياق استكبارهم على الوجه المذكور وادعاؤهم # PageV17P163 # أنهم أشد الناس قوة اقتضى الحال تحقيرهم في إهلاكهم، فذكر الأيام دون ~~الليالي وإن تضمنتها فقال تعالى: {في أيام} ولما كان جمع القلة قد يستعار ~~للكثرة حقق أن المراد القلة بوصفه بجمع السلامة فقال: {نحسات} وكان ذلك أدل ~~على هذا المراد من إفراد اليوم كما في القمر لأنه قد يراد به زمان يتم فيه ~~أمر ظاهر ولو طالت مدته، ويصح للجنس فيشمل مع القليل ما يصلح له جمع ~~الكثرة. وفيه - مع أنه نذارة - رمز للمنزل عليه هذا الوحي صلى الله عليه ~~وسلم بأعظم بشارة لما أومأ إليه افتتاح السورة باسمي الرحمة، وقوله تعالى ~~{بشيرا ونذيرا} ومن جعل أيام هذا العذاب ثمانية، أشار إلى الحلم والتأني ~~كما أشار إليه ما تقدم من خلق هذا الوجود في ستة أيام، وقد كان قادرا على ~~كل من التعذيب والإيجاد في لحظة واحدة، فأشار ذلك إلى أنه في السنة السادسة ~~من الهجرة يكون الفتح السببي بعمرة الحديبية التي كانت سبب نزول سورة ~~الفتح، وفي السابعة يكون الاعتمار الذي كان عليهم أشد من وقوع الصارم ~~البتار، حتى ذهب عمرو بن العاص من أجل ذلك إلى الحبشة لئلا يرى من دخول ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ما لا صبر له # PageV17P164 # عليه، وفي الثامنة يكون الفتح الحقيقي بعشرة آلاف مقاتل أكثرهم دارع لا ~~يرى منهم إلا الحدق، حتى خالوا بياض لأمهم السراب، فظنوا بهم غاية العذاب، ~~فكانوا رحمة، وعاد رأوا السحاب فظنوه رحمة فكان عذابا ونقمة، ووصفها بالنحس ~~مبالغة مثل رجل عدل ليدل على أنها كانت قابلة لانفعال الجسد وما كان فيه من ~~القوى بهذه الريح، وهو مصدر جمع لاختلاف أنواع النحس فيها - هذا على قراءة ~~الجماعة بسكون الحاء، وأما قراءة ابن عامر والكوفيين بكسر الحاء فهي صفة من ~~فعل بالكسر مثل: فرح فهو فرح، وأول هذه الأيام الأربعاء في قول يحيى بن ~~سلام، وقال غيره: وما عذب قوم إلا يوم الأربعاء {لنذيقهم} وأضاف الموصوف ~~إلى ms4313 صفته على المبالغة من وادي رجل عدل فقال: {عذاب الخزي} أي الذي يهيئهم ~~ويفضحهم ويذلهم بما تعظموا وافتخروا على كلمة الله التي أتتهم بها رسله، ~~وصف العذاب بالخزي الذي هو للمعذب به مبالغة في إخزائه له {في الحياة ~~الدنيا} ليذلوا عند # PageV17P165 # من تعظموا عليهم في الدار التي اغتروا بها فتعظموا فيها فإن ذلك أدل على ~~القدرة عند من تقيد بالوهم {ولعذاب الآخرة} الذي أعد للمتكبرين {أخزى} أي ~~أشد إخزاء كما قالوا: هو أعطاهم للدراهم وأولادهم للمعروف، وأكد لإنكارهم ~~له. # ولما انتفت مدافعتهم عن أنفسهم، نفى دفع غيرهم فقال: {وهم} أي أصابهم هذا ~~العذاب وسيصيبهم عذاب الآخرة والحال أنهم {لا ينصرون *} أي لا يوجد ولا ~~يتجدد لهم نصر أبدا بوجه من الوجوه. # PageV17P166 # ولما أنهى أمر صاعقتهم، شرع في بيان صاعقة ثمود فقال: {وأما ثمود} وهم ~~قوم صالح عليه الصلاة والسلام {فهديناهم} أي بينا لهم طريق الهدى من أنا ~~قادرون على البعث وعلى كل شيء فلا شريك لنا، وكان بيان ذلك بالناقة غاية ~~البيان فأبصروا ذلك بأبصارهم التي هي سبب أبصار بصائرهم غايه الإبصار، ~~فكرهوا ذلك لما يلزمه من تنكب طريق آبائهم وأقبلوا على لزوم طريق آبائهم: ~~{فاستحبوا العمى} اي الضلال الناشئ عن عمى اليصر أو البصيرة أو هما معا ~~{على الهدى} أي أوجدوا من الأفعال والأقوال ما يدل # PageV17P166 # على حب ذلك وعلى طلب حبه فعموا فضلوا، وقال القشيري: قيل: إنهم آمنوا ~~وصدقوا ثم ارتدوا وكذبوا، فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستئصال. {فأخذتهم} أي ~~بسبب ذلك أخذ قسر وهوان {صاعقة العذاب} وأبلغ في وصفه بجعله نفس الهون ~~فقال: {الهون} أي ذي الهون، قامت ضمته مقام ما في الهوان من الصيغة فعلم أن ~~المراد أنه المهين المخزي {بما كانوا} أي دائما {يكسبون *} أي يتجدد ~~تحصيلهم له وعدهم له فائدة، فالآية من الاحتباك: ذكر الهداية أولا دليلا ~~على حذف الضلال ثانيا والعمى ثانيا دليلا على حذف الإبصار أولا، وسره أنه ~~نسب إليه أشرف فعليه، وأسند إليهم ما لا يرضاه ذو الروح. # ولما أتم الخبر عن ms4314 الكافرين من الفريقين، أتبعه الخبر عن مؤمنيهم بشارة ~~لمن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم ونذارة لمن صد عنه فقال: {ونجينا} أي ~~تنجية عظيمة {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى وجوهه من ~~الفريقين {وكانوا} أي كونا عظيما {يتقون *} أي يتجدد لهم هذا الوصف في كل ~~حركة وسكون فلا يقدمون على شيء بلا دليل. # PageV17P167 # ولما ذكر حالهم في الدنيا، وأشار إلى حال الآخرة، أتبعه تفصيل ذلك فقال: ~~{ويوم} أي اذكر أيام أعداء الله في الدنيا في إنزال عذابه بهم وإحلال ~~مثلاته بساحاتهم، واذكر يوم يحشرون - هكذا كان الأصل، ولكنه بين ما عذبوا ~~به ليعم كل من اتصف به من الأولين والآخرين فقال: {يحشر} أي يجمع بكثرة ~~بأمر قاهر لا كلفة علينا فيه - هذا على قراءة الجماعة بالبناء للمفعول، ~~وعلى قراءة ناقع ويعقوب بالنون مبنيا للفاعل يكون ناظرا إلى سياق «ونجينا» ~~وفي كلتا القراءتين معنى العظمة، فلذلك ناسبهما الاسم الأعظم الذي هو أعظم ~~من مظهر العظمة الذي وقع الصرف عنه لما في ذكره من زيادة التوبيخ لهم ~~والتهجين لفعلهم والتخسيس لعقولهم في قولهم: {أعداء الله} أي الملك الأعظم ~~ولا يخفى إعرابه بحسب كل قراءة {إلى النار} دار الأشقياء {فهم} بسبب حشرهم ~~{يوزعون *} أي يدفعون ويرد بأيسر أمر أولهم على آخرهم، ومن يريد أن يعرج ~~منهم يمينا أو شمالا ظنا منه أنه قد يخفى بسبب كثرتهم ويزجرون زجر إهانة، ~~ويجمع إليهم من شذ منهم، ة فإن كل شيء من ذلك نوع من العذاب. # ولما بين إهانتهم بالوزع، بين غاياتها فقال: {حتى إذا} وأكد # PageV17P168 # الكلام لإنكارهم مضمونه بزيادة النافي ليكون اجتماعه مع الإثبات نفيا ~~للضد فيفيد غاية القوة بمضمون الخبر في تحقيقه وثباته واتصاله بالشهادة على ~~الفور فقال: {ما جاؤوها} أي النار التي كانوا بها يكذبون {شهد عليهم} حين ~~التكوير فيها مركومين بعضهم على بعض. ولما كان في مقام الترهيب، وكان ~~التفصيل أهول قال: {سمعهم} أفرده لتقارب الناس فيه {وأبصارهم} جمع لعظم ~~التفاوت فيها {وجلودهم بما} وأثبت الكون بيانا لأنهم كانوا ms4315 مطبوعين على ما ~~أوجب لهم النار من الأوزار فقال: {كانوا يعملون *} أي يجددون عمله مستمرين ~~عليه، فكأن هذه الأعضاء تقول في ذلك الحين إقامة للحجة البالغة: أيها ~~الأكوان والحاضرون من الإنس والملائكة والجان، اعلموا أن صاحبي كان يعمل بي ~~كذا وكذا مع الإصرار، فاستحق بذلك النار، وغضب الجبار - ثم يقذف به. # ولما أخبر بهذا الذي يفتت الحجارة لو علقت ساعة ما، أخبر أنه لم يفدهم ~~الرجوع عن طبعهم الجافي وبلادتهم الكثيفة، فقال عاطفا على ما تقديره: فلم ~~تفدهم هذه الشهادة خجلا من الله ولا خضوعا في أنفسهم ولا رجوعا عن الجدال ~~والعناد كما لم يفدهم ذلك مجرد علم الله # PageV17P169 # فيهم: {وقالوا لجلودهم} ودخل فيها ما صرح به من منافعها بها لفقد ما يدعو ~~إلى التفصيل. ولما فعلت فعل العقلاء خاطبوها مخاطبتهم فقالوا: {لم شهدتم ~~علينا} . # ولما كان هذا محل عجب منهم، وكان متضمنا لجهلهم بظنهم أنه كان لها قدرة ~~على السكوت، وكان سؤالهم عن العلة ليس على حقيقته وإنما المراد به اللوم، ~~أجيب من تشوف إلى الجواب بقوله معبرا لنطقها بصيغة ما يعقل: {قالوا} ~~معتذرين: {أنطقنا} قهرا {الله} الذي له مجامع العز على وجه لم نقدر على ~~التخلف عنه. ولما كان حال الكفار دائما دائرا بين غباوة وعناد، أقاموا لهم ~~على ذلك دليلين شهوديين فقالوا: {الذي أنطق كل شيء} أي فعلا أو قوة أو حالا ~~ومقالا. # ولما كانت الأشياء كلها متساوية الأقدام في الإنطاق والإخراس وغيرهما من ~~كل ما يمكن بالنسبة إلى قدرته سبحانه، نبهوهم على ذلك بقولهم: {وهو خلقكم ~~أول مرة} والعلم القطعي حاصل عندكم بأنكم كنتم عدما ثم نطفا لا تقبل النطق ~~في مجاري العادات بوجه، ثم طوركم في أدوار الأطوار كذلك إلى أن أوصلكم إلى ~~حيز الإدراك، فقسركم # PageV17P170 # على النطق بحيث لو أردتم سلبه عن أنفسكم ما قدرتم. ولما كان الخلق شيئا ~~واحدا فعبر عنه بالماضي وكان الرجوع تارة بالحس وتارة بالمعنى وكان الذي ~~بالمعنى كثير التعدد بكثرة التجدد قال: {وإليه} أي إلى غيره {ترجعون *} أي ~~في ms4316 كل حين بقسركم بأيسر أمر على كل ما يريد من أول ما خلقتم إلى ما لا ~~نهاية له، فلو كان لكم نوع علم لكفاكم ذلك واعظا في الدنيا تعلمون به أنكم ~~في غاية العجز، وأن له العظمة والكبر والقدرة والقهر، روى مسلم في صحيحه عن ~~أنس رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # «هل تدرون مم أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، ~~يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، اقل: فيقول: فإني لا أجيز ~~إلا شاهدا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم شهيدا وبالكرام الكاتبين ~~شهودا، قال: فيختم على فيه فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى ~~بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن وسحقا فعنكن كنا أناضل» . # PageV17P171 # ولما اعتذروا بما إخبارهم به في هذه الدنيا وعظ وتنبيه، وفي الآخرة توبيخ ~~وتنديم، قالوا مكررين للوعظ محذرين من جميع الكون: # PageV17P171 # {وما كنتم} أي بما هو لكم كالجبلة {تستترون} أي تتكفلون الستر عند ~~المعاصي وأنتم تتوهمون، وهو مراد قتادة بقوله؛ تظنون. {أن يشهد عليكم} بتلك ~~المعاصي. ولما كان المقصود الإبلاغ في الزجر، أعاد التفصيل فقال: {سمعكم} ~~وأكد بتكرير النافي فقال: {ولا أبصاركم} جمع وأفرد لما مضى {ولا جلودكم ~~ولكن} إنما كان استتاركم لأنكم {ظننتم} بسبب إنكاركم البعث جهلا منكم {أن ~~الله} الذي له جميع الكمال {لا يعلم} أي في وقت من الأوقات {كثيرا مما ~~تعملون *} أي تجددون عمله مستمرين عليه، وهو ما كنتم تعدونه خفيا فهذا هو ~~الذي جرأكم على ما فعلتم، فإن كان هذا ظنكم فهو كفر، وإلا كان عملكم عمل من ~~يظنه فهو قريب من الكفر والمؤمن حقا من علم أن الله مطلع على سره وجهره، ~~فلم يزل مراقبا خائفا هائبا، روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ للبخاري في ~~كتاب التوحيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اجتمع عند البيت ~~ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم، فقال ~~أحدهم: أترون أن الله ms4317 يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن ~~أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فأنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل ~~الله {وما كنتم} - الآية، قال # PageV17P172 # البغوي؛ قيل: الثقفي عبد ياليل وختناه، والقرشيان: ربيعة وصفوان بن أمية. # ولما كان ذكر المعصية وما جرأ عليها يقتضي انتقاصا يقدح في الإلهية، بين ~~أنه الموجب للغضب فقال: {وذلكم} أي الأمر العظيم في القباحة، ثم بينه ~~بقوله: {ظنكم} أي الفاسد، ووصفه بقوله: {الذي ظننتم بربكم} أي الذي طال ~~إحسانه إليكم من أنه لا يعلم حالكم، ثم أخبر عنه بقوله: {أردناكم} أي تسبب ~~عنه خاصة أنه أهلككم. وأما معاصي الجوارح مع التوحيد والتنزيه فأمرها أسهل، ~~والحاصل أن كل ظن كان غير مأذون فيه من الشارع فهو يردي صاحبه. # ولما كان الصباح محل رجاء الأفراح، فكان شر الأتراح ما كان فيه، قال: ~~{فأصبحتم} أي بسبب أن ما أعطيتموه من النعم لتستنقذوا به أنفسكم من الهلاك ~~كان سبب هلاككم {من الخاسرين *} أي العريقين في الخسارة، المحكوم بخسارتهم ~~في جميع ذلك اليوم، وصوره بأقبح صورة وهو الصباح، فالمعنى أنه إذا صار ~~حالكم حال من أصبح كذلك لم يكن للربح وقت يتدارك فيه بخلاف ما لو وجد ذلك ~~عن المساء فإنه # PageV17P173 # كان ينتظر الصباح للسعي في الربح، ويوم القيامة لا يوم بعده يسعى فيه ~~للربح، فينبغي للمؤمن أن يكون حال خلوته أشد ما يكون هيبة لله. # ولما كان ذلك، تسبب عنه قوله لافتا القول عن خطابهم إيذانا بشدة الغضب ~~وإشارة ألى أنهم لما وصلوا إلى ما ذكر من الحال أعيا عليهم المقال، فلم ~~يقدروا على نطق بلسان، ولا إشارة برأس ولا بنان: {فإن يصبروا} أي على ما ~~جوزوا به فليس صبرهم بنافعهم، وهو معنى قوله: {فالنار مثوى} أي منزلا {لهم ~~وإن يستعتبوا} أي يطلبوا الرضى بزوال العتب وهو المؤاخذة بالذنب {فما هم من ~~المعتبين *} أي المرضيين الذين العتب عليهم ليعفي عنهم ويترك عذابهم. # ولما ذكر وعيدهم في الدنيا والآخرة، أتبعه كفرهم الذي هو سبب الوعيد، ~~وعطفه ms4318 على ما تقديره: فإنا طبعناهم طبيعة سوء تقتضي أنهم لا ينفكون عما ~~يوجب العتب، فأعرضوا ولم تنفعهم النذرى بصاعقة عاد وثمود، فقال صارفا القول ~~إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن التصرف في القلوب أمر عظيم جدا: {وقيضنا} أي ~~جئنا وأتحنا وبعثنا وسببنا ووكلنا وهيأنا، من القيض الذي هو المثل، وقشر ~~البيضة الأعلى اليابس {لهم قرناء} أي أشخاصا أمثالهم في الأخلاق والأوصاف # PageV17P174 # أقوياء وهم مع كونهم شديدي الالتصاق بهم والإحاطة في غاية النحس والشدة ~~في اللؤم والخبث واللجاجة فيما يكون به ضيق الخير واتساع الشر من غواة الجن ~~والإنس {فزينوا لهم} أي من القبائح {ما} وعم الأشياء كلها فلم يأت بالجار ~~فقال: {بين أيديهم} أي يعلمون قباحته حتى حسنوه لهم فارتكبوه ورغبوا فيه ~~{وما خلفهم} أي ما يجهلون أمره ولا يزالون في كل شيء يزينونه ويلحون فيه ~~ويكررونه حتى يقبل، فإن التكرير مقرون بالتأثير، قال القشيري: إذا أراد ~~الله بعبد سوءا قيض له إخوان سوء وقرناء سوء يحملونه على المخالفات ويدعونه ~~إليها، وإذا أراد الله بعبد خيرا قيض له قرناء خير يعينونه على الطاعات ~~ويحملونه عليها ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان، وشر منه النفس وبئس ~~القرين، تدعو اليوم إلى ما فيه الهلاك وتشهد غدا عليه. # ولما كان التقدير: فلم يدعوا قبيحة حتى ارتكبوها، عطف عليه قوله: {وحق} ~~أي وجب وثبت {عليهم القول} أي بدوام الغضب. # ولما كان هذا مما يوجب شدة أسفه صلى الله عليه وسلم، خفف منه بقوله: {في} ~~أي كائنين في جملة {أمم} أي # PageV17P175 # كثيرة. ولما عبر عنهم بما يقتضي تعظيمهم بأنهم مقصودون، حقرهم بمضير ~~التأنيث فقال: {قد خلت} أي لم تتعظ أمه منهم بالأخرى. ولما كان الخلو قد ~~يكون بالموت في زمانهم، بين أنه مما مضى وفات. # ولما كان بعض من مضى غير مستغرق لجميع الزمان، عبر ب «من» فقال: {من ~~قبلهم} أي في الزمان، وقدم الأقوى لتفهم القدرة عليه القدرة على ما دونه من ~~باب الأولى، فإن الإنس كانوا يعدون أنفسهم دون الجن فيعوذون بهم فقال: {من ms4319 ~~الجن والأنس} ثم علل حقوق الشقاء عليهم بقوله منبها بالتأكيد على أنهم ~~ينكرون أن تكون القبائح موجبة للخسر {إنهم} أي جميع المذكورين منهم وممن ~~قبلهم: {كانوا} أي طبعا وفعلا {خاسرين *} فعلى العاقل أن يجتهد في اختيار ~~أصحابه وأخدانه وأحبابه، فإن العاقبة فيهم حسنة جسيمة أو قبيحة وخيمة، روى ~~صاحب الفردوس عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # «إذا أراد الله بعبد شرا قيض له قبل موته # PageV17P176 # شيطانا فلا يرى حسنا إلا قبحه ولا قبيحا إلا حسنه عنده» . ولأحمد وأبي ~~داود والنسائي وأبي يعلى وابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بوالي خيرا جعل له وزير صدق، ~~إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي ~~لم يذكره وإن ذكر لم يعنه» . وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ~~رضي الله عنهما والنسائي عن أبي هريرة وحده رضي الله عنه والبخاري أيضا عن ~~أبي أيوب رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما بعث الله من ~~نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، ~~وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله تعالى» . وفي رواية ~~النسائي: «ما من وال إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن ~~المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا، فمن وقي شرها فقد وقي، وهو إلى من يغلب ~~عليه منهما» ، ورواية البخاري عن أبي أيوب نحوها. # ولما أخبر بخسرانهم، دل عليه بما عطف على ما أرشد # PageV17P177 # إليه السياق من تقديره من وقولي: فأعرضوا - أي هؤلاء العرب - وقالوا - ~~هكذا كان ألأصل ولكنه قال تنبيها على الوصف الذي أوجب إعراضهم: {وقال الذين ~~كفروا} أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من الحق {لا تسمعوا} أي شيئا من مطلق ~~السماع {لهذا القرآن} تعيينا بالإشارة احترازا من غيره من الكتب القديمة ~~كالتوارة، قال القشيري: لأنه يغلب ms4320 القلوب ويسلب العقول، وكل من استمع له ~~صبا إليه {وألغوا} أي أهذوا من لغي - بالكسر يلغى - بالفتح - إذا تكلم بما ~~لا فائدة فيه {فيه} أي اجعلوه ظرفا للغو بأن تكثروا من الخرافات والهذيانات ~~واللغو بالمكاء والتصدية أي الصفير والتصفيق وغيرهما في حال تلاوته ليقع ~~تاليه في السهو والغلط، قال القشيري: قالوا ذلك ولم يعلموا أن من نور قلبه ~~بالإيمان وأيد بالفهم وأمد بالبصيرة وكوشف بسماع السر من الغيب، فهو الذي ~~يسمع ويؤمن، والذي هو في ظلمات جهله لا يدخل الإيمان قلبه، ولا يباشر ~~السماع سره. # {لعلكم تغلبون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى له أن يغلب ويظفر بمراده في ~~أن يميل إليه أحد، أو يسكت # PageV17P178 # أو ينسى ما كان يقول، وهذا يدل على أنهم عارفون بأن من سمعه ولا هوى عنده ~~مال إليه وأقبل بكليته عليه، وقد فضحوا أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها، وذلك ~~لأنهم تحدوا به في أن يأتوا بشيء من مثله ليعدوا غالبين فلم يجدوا شيئا ~~يترجون به الغلب إلا الصفير والتصفيق ونحوه من اللغو في معارضة ما علا من ~~أعلى ذرى الكلام إلى حيث لا مطمع ولا مرام، فلا يفيد ما أتوا به معنى غير ~~أنهم عاجزون عن المعارضة قاطعون بأنهم متى أتوا بشيء منها افتضحوا، وقطع كل ~~من سمعه بأنهم مغلوبون. # PageV17P179 # ولما استحقوا بهذا العقوبة، سبب عن ذلك مؤكدا لإنكارهم قوله تعالى: ~~{فلنذيقن} وأظهر في موضع الإضمار تعميما بالوصف فقال: {الذين كفروا} أي ~~هؤلاء وغيرهم {عذابا شديدا} في الدنيا بالحرمان وما يتبعه من فنون الهوان ~~وفي الآخرة بالنيران {ولنجزينهم} أي بأعمالهم. ولما كان من قدر على الأغلظ، ~~قدر على ما دونه قال: {أسوأ} أي جزاء أسوأ العمل {الذين كانوا} بما هو لهم ~~كالغرائز {يعملون *} مواظبين عليه. # ولما أبلغ سبحانه في الترهيب من عقابهم، زاد في تعظيمه وفضله لطفا لمن ~~أراد هدايته من عباده وإقامة الحجة على غيرهم فقال: # PageV17P179 # {ذلك} أي الجزاء الأسوأ العظيم جدا {جزاء} ولما كانت عداوة من لا يطاق ~~آمرا زائد العظمة، نبه ms4321 على ذلك بصرف الكلام عن مظهرها إلى أعظم منه فقال: ~~{أعداء الله} أي الملك الأعظم، لأنهم ما كانوا يفعلون ما دون الأسوأ إلا ~~عجزا عنه لأن جبلتهم تقتضي ذلك، وبينه بقوله: {النار} وفصل بعض ما فيها ~~بقوله: {لهم فيها} أي النار {دار الخلد} أي المحل المحيط بهم الدائر من غير ~~علم من زاوية أو غيرها يعرف به خصوص موضع منه، مع إيذانه بالدوام واللزوم ~~وعدم الانفكاك، أو هو على التجريد بمعنى: هي لهم دار خلود كما كان لهم في ~~الدنيا دار سرور بمعنى أنها كانت لهم نفسها دار لهو وغرور. # ولما كانوا على أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب مصرين إصرارا يمتنع ~~انفكاكهم عنه، زاد حسنا قوله: {جزاء} أي وفاقا {بما كانوا} أي جبلة وطبعا، ~~ورد الكلام إلى مظهر العظمة المقتضي للنكال فقال: {بآياتنا} أي على ما لها ~~من العظمة {يجحدون *} أي ينكرون عنادا من غير مراعاة لعلوها في نفسها ولا ~~علوها بنسبتها إلينا، فلأجل جحودهم كانوا يقدمون على ما لا يرضاه عاقل من ~~اللهو وغيره. # ولما تراءى لهم أن الذي أوجب لهم هذا السوء جلودهم # PageV17P180 # بالشهادة عليهم وقرناؤهم بإضلالهم لهم وكان التباغض والعداوة قد وقع بين ~~الجميع، فصار تمني كل للآخر السوء زيادة في عذابهم، وكانت مساءة جلودهم ~~مساءتهم، خصوا القرناء بإرادة الانتقام منهم، فحكى سبحانه قولهم بقوله عطفا ~~على {وقالوا لجلودهم} أو على ما تقديره: فعلموا حينئذ أنهم كانوا على ضلال ~~لتقصيرهم في النظر وتقليدهم لغيرهم: {وقال الذين كفروا} أي غطوا أنوار ~~عقولهم داعين بما لو يسمع لهم، فهو زيادة في عقوبتهم، وحكايته لنا وعظ ~~وتحذير: {ربنا} أي أيها الذي لم يقطع قط إحسانه عنا {أرنا} الصنفين {اللذين ~~أضلانا} عن المنهج الموصل إلى محل الرضوان {من الجن والإنس} المزينين لنا ~~ارتكاب السوء خفية وجهرا، قرأ الجماعة بكسر الراء من أرنا، وقرأ ابن كثير ~~وابن عامر ويعقوب والسوسي عن أبي عمرو وأبو بكر عن عاصم بإسكان الراء هنا ~~خاصة. # قال الأصبهاني: يحكى عن الخليل أنك إذا قلت: أرني ثوبك ms4322 - بالكسر فالمعنى ~~بصرنيه، وإذا قلته بالسكون فهو استعطاء، ومعناه أعطني ثوبك، ونظيره اشتهار ~~الإيتاء في معنى الإعطاء، وأصله الإحضار - انتهى. {نجعلهما تحت أقدامنا} # PageV17P181 # في النار إذلالا لهما كما جعلانا تحت أمرهما {ليكونا من الأسفلين *} أي ~~من أهل الدرك الأسفل وممن هو دوننا كما جعلانا كذلك في الدنيا في حقيقة ~~الحال بإتباعنا لهما فيما أراد بنا، وفي الآخرة بهذا المال، والظاهر أن ~~المراد أن كل أحد يتمنى أن يعرف من أضله من القبيلتين ليفعل بهم ذلك إن قدر ~~عليه. # ولما ذكر الأعداء وقرناءهم نذارة، أتبعه ذكر الأولياء وأوداءهم بشارة، ~~فقال مبينا لحالهم القابل للإعراض وثمراته جوابا لمن يسأل عنهم مؤكدا لأجل ~~إنكار المعاندين: {إن الذين} قال أبو حيان: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~نزلت في الصديق رضي الله عنه وأرضاه. {قالوا} أي قولا حقيقيا مذعنين به ~~بالجنان وناطقين باللسان تصديقا لداعي الله في دار الدنيا متذللين حيث ينفع ~~الذل جامعين بين الأس الذي هو المعرفة والاعتقاد، والبناء الذي هو العمل ~~الصالح بالقول والفعل على السداد، فإن أصل الكمالات النفسانية يقين مصلح ~~وعمل صالح، تعرف الحق لذاته والخير لتعمل له ورأس المعارف اليقينية ورئيسها ~~معرفة الله، ورأس الأعمال الصالحة الاستقامة على حد الاعتدال من غير ميل ~~إلى طرف إفراط أو تفريط: {ربنا} أي المحسن إلينا {الله} المختص بالجلال ~~والإكرام وحده لا شريك له. # PageV17P182 # ولما كان الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أمرا في علو رتبته لا ~~يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم ~~استقاموا} طلبوا وأوجدوا القوام بالإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب ولم ~~يشركوا به صنما ولا ثنا ولا آدميا ولا ملكا ولا كوكبا ولا غير بعبادة ولا ~~رياء، وعملوا بما يرضيه وتجنبوا كل ما يسخطه وإن طال الزمان، امتثالا لما ~~أمر به أول السورة في قوله {إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه} فمن كان ~~له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن كان له كمال ~~الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد {تتنزل} على ms4323 سبيل التدريج المتصل ~~{عليهم} من حين نفخ الروح فيهم إلى أن يموتوا ثم إلى أن يدخلوا الجنة باطنا ~~فظاهرا {الملائكة} بالتأييد في جميع ما ينوبهم فتستعلي الأحوال الملكية على ~~صفاتهم البشرية وشهواتهم الحيوانية فتضمحل عندها، وتشرق مرائيهم، ثم شرح ما ~~يؤيدونهم به وفسره فقال: {ألا تخافوا} أي من شي مثله يخيف، وكأنهم يثبتون ~~ذلك في قلوبهم {ولا تحزنوا} أي على شيء فاتكم، فإن ما حصل لكم أفضل منه، ~~فأوقاتكم الأخراوية # PageV17P183 # فيها بل هي كلها روح وراحة، فلا يفوتهم لذلك محبوب ولا يلحقهم مكروه ~~{وابشروا} أي املأوا صدوركم سرورا يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ونعمة ~~سائر الجسد {بالجنة التي كنتم} أي كونا عظيما على ألسنة الرسل {توعدون *} ~~أي يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل، وقال الرازي في اللوامع: يبشرون في ~~ثلاثة مواضع: عند الموت، وفي القبر، ويوم البعث - انتهى. وهذا محول على ~~الكلام الحقيقي وما قبله على أنهم يفعلون معه ما ترجمته ذلك. # PageV17P184 # ولما أثبتوا لهم الخير، ونفوا عنهم الضير، عللوه بقولهم: {نحن أولياؤكم} ~~أي أقرب الأقرباء إليكم، فنحن نفعل معكم كل ما يمكن أن يفعله القريب {في ~~الحياة الدنيا} نجتلب لكم المسرات ونبعد عنكم المضرات ونحملكم على جميع ~~الخيرات بحيث يكون لكم فيها ما تؤثره العقول بالامتناع مما تهواه النفوس ~~وإن تراءى للرائين في الدنيا أن الأمر بخلاف ذلك، فنوقظكم من المنام، ~~ونحملكم على الصلاة والصيام، ونبعدكم عن الآثام، ضد ما تفعله الشياطين مع ~~أوليائهم {وفي الآخرة} كذلك حيث يتعادى الأخلاء إلا الأتقياء {ولكم فيها} ~~أي الآخرة في الجنة وقبل دخولها في جميع أوقات الحشر {ما تشتهي} # PageV17P184 # ولو على أدنى وجوه الشهوة بما يرشد إليه حذف المفعول {أنفسكم} لأجل ما ~~منعتموها من الشهوات في الدنيا {ولكم} . # ولما كان السياق للذين استقاموا العام للسابقين وأصحاب اليمين على ما ~~أشير إليه الختم بصفة المغفرة وتقديمها، قيد بالظرف بخلاف ما في يس فقال: ~~{فيها} أي الآخرة {ما تدعون *} أي ما تؤثرون دعاءه وطلبه وتسألونه وتمنونه ~~بشهوة نفوسكم ورغبة قلوبكم. # ولما كان ms4324 هذا كله بالنسبة إلى ما يعطون شيئا يسيرا، نبه عليه بقوله: ~~{نزلا} أي هذا كله يكون لكم كما يقدم إلى الضيف عند قدومه إلى أن يتهيأ ما ~~يضاف به. ولما كان من حوسب عذب، فلا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة، أشار إلى ~~ذلك بقوله: {من} أي كائنا النزل من {غفور} له صفة المحو للذنوب عينا وأثرا ~~على غاية لا يمكن وصفها {رحيم *} أي بالغ الرحمة بما ترضاه الإلهية، ~~فالحاصل أن المفسد يقيض الله له قرناء السوء من الجن والإنس يزيدونه فسادا ~~والمصلح ييسر الله له أولياء الخير من الإنس والملائكة يعينونه ويحببونه في ~~جميع الخيرات ويبعدونه ويكرهونه في جميع المضرات - والله يتولى الصالحين. # PageV17P185 # ولما كان هذا لمن كمل نفسه، أتبعه بمن أكمل غيره إشارة إلى أن السعادة ~~التامة أن يكتسب الإنسان من الصفات الفاضلة مما يصير بها كاملا في نفسه، ~~فإذا فرغ اشتغل بتكميل الناقص عاطفا على ما تقديره: ما أحسن هذا الذي كمل ~~نفسه، وقاله تنويها بعلو قدر النفع المتعدي وحثا على مداومة الدعاء وإن ~~أبوا وقالوا {قلوبنا في أكنة} ثم قالوا {لا تسمعوا لهذا القرآن} فإنهم لم ~~يقولوا من ذلك شيئا إلا ذكرت أجوبته الشافية الكافية فاندفعت جميع الشبهات ~~وزالت غياهب الضلالات، فصار تحذير الدعاء موضعا للقبول {ومن أحسن قولا} أي ~~من جهة القول {ممن دعا} وحد الضمير دلالة على قلة هذا الصنف {إلى الله} أي ~~الذي عم بصفات كماله جميع الخلق فهو يستعطف كل أحد بما تعرف إليه سبحانه به ~~من صفاته {وعمل} أي والحال أنه قد عمل {صالحا} في نفسه ليكون ذلك أمكن ~~لدعائه أعم من أن يكون ذلك لصالح نية أو قولا أو عملا للجوارح الظاهرة سرا ~~كان أو علنا، ولذا حذف الموصوف لئلا يوهم تقيده بالأعمال الظاهرة وللاغناء ~~عنها بقوله «دعا» بخلاف ما كان سياقه للتوبة كآية الفرقان أو اعتقاد الحشر ~~كآية الكهف، فإنه لا بد فيه من إظهار العمل ليكون شاهدا على صحة الاعتقاد ~~وكمال التوبة، والدعاء هنا مغن عن ذلك {وقال} مؤكدا ms4325 # PageV17P186 # عند المخالف والمؤالف قاطعا لطمع المفسد فيه: {إنني من المسلمين *} أي ~~الراسخين في صفة الإسلام متظاهرا بذلك لا يخاف في الله لومة لائم وإن سماه ~~أبناء زمانه كذا جافيا وغليظا عاسيا لتصلبه في مخالفته إياهم فيما هم عليه ~~بتسهله في انقياده لكل ما أمره به ربه سبحانه. # PageV17P187 # ولما كان التقدير: لا أحد أحسن قولا منه، بل هو المحسن وحده، فلا يستوي ~~هذا المحسن وغيره أصلا، ردا عليهم أن حالهم أحسن من حال الدعاة إلى الله، ~~وكان القيام بتكميل الخلق يحتاج إلى جهاد للنفس عظيم من تحمل المشاق والصبر ~~على الأذى، وغير ذلك من جميع الأخلاق، عطف عليه التفرقة بين عمليهما ترغيبا ~~في الحسنات فقال: {ولا تستوي} أي وإن اجتهدت في التحرير والاعتبار {الحسنة} ~~أي لا بالنسبة إلى أفراد جنسها ولا بالنسبة إلى عامليها عند وحدتها، لتفاوت ~~الحسنات في أنفسها، والحسنة الواحدة باعتبار نيات العاملين لها واجتهادهم ~~فيها ولا بالنسبة إلى غيرها، وإلى ذلك إشارة بالتأكيد في قوله: {ولا ~~السيئة} أي في نفسها ولا بالنسبة إلى جنس آخر. # PageV17P187 # ولما أنتج هذا الحث على الإقبال على الحسن والإعراض عن السيء، وأفهم أن ~~كلا من القسمين متفاوت الجزئيات متعالي الدرجات، وكان الإنسان لا ينفك عن ~~عوارض تحصل له من الناس ومن نفسه يحتاج إلى دفع بعضها، أنتج عند قصد الأعلى ~~فقال: {ادفع} أي كل ما يمكن أن يضرك من نفسك ومن الناس {بالتي} أي الخصال ~~والأحوال التي {هي أحسن} على قدر الإمكان من الأعمال الصالحات فالعفو عن ~~المسيء حسن، والإحسان أحسن منه {فإذا الذي بينك وبينه عداوة} عظيمة قد ملأت ~~ما بين البينين فاجأته حال كونه {كأنه ولي} أي قريب ما يفعل القريب {حميم ~~*} أي في غاية القرب لا يدع مهما إلا قضاه وسهله ويسره، وشفا علله، وقرب ~~بعيده، وأزال درنه، كما يزيل الماء الحار الوسخ. # ولما كانت هذه الخصلة أما جامعا لجميع مصالح الدين والدنيا قال منبها على ~~عظيم فضلها وبديع نبلها حاثا على الاستظلال بجميع ظلها مشيرا بالبناء ~~للمفعول إلى أنها ms4326 هي العمدة المقصودة بالذات على وجه منبه على أنها مخالفة ~~لجبلة الإنسان حثا على الرغبة في طلبها من # PageV17P188 # واهبها {وما يلقاها} أي يجعل لاقيا لهذه الخصلة التي هي مقابلة الإساءة ~~بأحسن الحسن وهو الإحسان الذي هو أحسن من العفو والحلم والصبر والاحتمال ~~بأن يعلق الله تعالى إرادته على وجه الشدة والمبالغة بإلقائها إليه {إلا ~~الذين صبروا} أي وجدت منهم هذه الحقيقة وركزت في طباعهم، فصاروا يكظمون ~~الغيظ ويحتملون المكاره، وكرر إظهار البناء للمفعول للتنبيه على أنه لا ~~قدرة عليها أصلا إلا بتوفيق الخالق بأمر وطني يقذفه الله في القلب قذفا ~~وحيا تظهر ثمرته على سائر البدن، فقال دالا باعادة النافي على زيادة العظم ~~وعلى أن أصحاب هذه الخصلة على رتبتين كل رتبة منهما مقصودة في نفسها {وما ~~يلقاها} على ما هي عليه من العظمة {إلا} وأفرد هنا بعد جمع الصابر دلالة ~~على ندرة المستقيم على هذه لخصلة {ذو حظ} أي نصيب وقسم وبخت {عظيم *} أي ~~جليل في الدنيا والآخرة عند الله وعند الناس. # ولما كان التقدير: فإن لقيت ذلك وأعاذك الله من الشيطان فأنت أنت، عطف ~~عليه قوله معبرا بأداة الشك المفهمة لجواز وقوع ذلك في الجملة، مع العلم ~~بأنه صلى الله عليه وسلم معصوم إشارة إلى رتبة الإنسان من حيث هو إنسان ~~وإلى أن الشيطان يتوهم مع علمه بالعصمة أنه يقدر على ذلك فيعلق أمله به، ~~وكأنه لذلك أكد لأن نزغه له في محل الإنكار {وإما} ولما كانت وسوسة الشيطان ~~تبعث على ما # PageV17P189 # لا ينبغي، وكان العاقل لا يفعل ما لا ينبغي إلا بالالجاء، شبه المتعاطي ~~له بالمنخوس الذي حمله النخس على ارتكاب ما يضر فقال: {ينزغنك} أي ينخسنك ~~ويطعننك طعنا مفسدا فيحصل لك تألم {من الشيطان} البعيد من الرحمة المحترق ~~باللعنة. ولما كان المقام خطرا لأن الطبع مساعد للوسواس، جعل النزغ نفسه ~~نازغا إشارة إلى ذلك فقال: {نزغ} أي وسوسة تحرك نحو الموسوس من أجله وتبعث ~~إليه بعث المنخوس إلى الجهة التي يوجه إليها، فإن ينبعث إلى تلك ms4327 الجهة بعزم ~~عظيم {فاستعذ بالله} أي استجر بالملك الأعلى واطلب منه الدخول في عصمته ~~مبادرا إلى ذلك حين نخس بالنزغة فإنه لا يقدر على الإعاذة منه غيره ولا تذر ~~النزغة تتكرر بل ارجع إلى المحيط علما وقدرة في أول الخطرة، فإنك إن لم ~~تخالف أول الخطرة صارت فكرة فيحصل العزم فتقع الزلة فتصير قسوة فيحصل ~~التمادي - نبه عليه القشيري. # ولما كانت الاستعاذة هنا من الشيطان، وكان نزغه مما يعلم لا مما يرى ~~وكانت صفة السمع نعم ما يرى وما لا يرى، قال مؤكدا لوقوف الجامدين مع ~~الظواهر: {إنه هو} أي وحده {السميع} وختم بقوله: {العليم *} الذي يسمع كل ~~مسموع من استعاذتك وغيرها، # PageV17P190 # ويعلم كل معلوم من نزغه وغيره، فهو القادر على رد كيده، وتوهين أمره ~~وأيده، وليس هو كما جعلتموه له من الأنداد الصم البكم التي لا قدرة لها على ~~شيء أصلا. # ولما ذكر أنهم جعلوا له أندادا مع أنه خلق الأرض في يومين، وختم ذلك بأن ~~أحسن الحسن الدعاء إلى الله، وختم الأمر بالدعاء بصفة العلم، أتبعه دلائل ~~التوحيد إعلاما بأن التوحيد أحسن الحسن يطرد كل شيء، وتنبيها على أن الدعوة ~~إلى الله تعالى عبارة عن تنوير الدلائل الدالة على الذات والصفات، وذلك ~~ببيان الأفعال وآثارها وهو العالم بجميع ما فيه من الأجزاء والأبعاض جوهرا ~~وعرضا، وبدأ بذكر الفلكيات لأنها أدل، فقال عاطفا على ما تقديره: فمن آياته ~~الناشئة عن شمول علمه المستلزم لشمول قدرته المنتجة لإعادته لمن يريد ونفوذ ~~تصرفه في كل ما يشاء المستلزم لتفرده بالإلهية أنه خلق الخافقين كما مضى في ~~ستة أيام: {ومن آياته} الدالة على وحدانيته: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد # ولما كانت الظلمة عدما والنور وجودا والعدم مقدم قال: {الليل والنهار} أي ~~الدالان باختلافهما وهيئتهما على قدرته على # PageV17P191 # البعث وعلى كل مقدور {والشمس والقمر} اللذان هما الليل والنهار كالروح ~~لذوي الأجساد، وهذه الموجوات - مع ما مضى من خلق الخافقين - كتاب الملك ~~الديان، إلى الإنس والجان، المشهود لهم بالعيان كما ms4328 قيل يا إنسان: # تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل # وقد خط فيها لو تأملت خطة ... إلا كل شيء ما خلا الله باطل # ولما ثبت له سبحانه التفرد بالخلق والأمر، وكان باطنا إلا عند من نور ~~الله أو كانت الشمس والقمر من آياته المعرفة المشيرة في وجود الدنيا ~~والآخرة إليه، وكانا مشاهدين، وكان الإنسان قاصر العقل مقيد الوهم ~~بالمشاهدات لما عنده من الشواغل إلا من عصم الله، أنتج قوله محذرا من ~~عبادتهما لما يرى لهما من البهاء وفيهما من المنافع: {لا تسجدوا للشمس} ~~التي هي أعظم أوثانكم فإنها من جملة مبدعاته، وأعاد النافي تأكيدا للنفي ~~وإفادة لأن النهي عن كل منهما على حدته ولذلك أظهر موضع الإضمار فقال: {ولا ~~للقمر} كذلك. # ولما نهى عن السجود لهما، أمر بالسجود بما يبين استحقاقه لذلك # PageV17P192 # وعدم استحقاقهما أو استحقاق شيء غيرهما له فقال: {واسجدوا} ونبه على مزيد ~~عظمته بالإظهار موضع الإضمار فقال: {لله} أي الذي له كل كمال من غير شائبة ~~نقص من أقول أو تجدد حلول {الذي خلقهن} أي الأربعة لأجلكم فهو الذي يستحق ~~الإلهية، وأنث لأن ما لا يعقل حكمه حكم المؤنث في الضمير وهي أيضا آيات، ~~وفيه إشارة إلى تناهي سفولها عما أهلوها له وذم عابديها بالإفراط في ~~الغباوة، ويمكن أن يكون عد القمر أقمارا لأنه يكون تارة هلالا وأخرى بدرا ~~وأخرى محوا، فلذلك جمع إشارة إلى قهرهما بالتغيير له في الجرم ولمهما ~~بالتسيير، ولذلك عبر بضمير المؤنث الذي يكون لجمع الكثرة مما لا يعقل. # ولما ظهر أن الكل عبيده، وكان السيد لا يرضى بإشراك عبده عبدا آخر في ~~عبادة سيده قال: {إن كنتم إياه} أي خاصة بغاية الرسوخ {تعبدون *} كما هو ~~صريح قولكم في الدعاء في وقت الشدائد لا سيما في البحر، ومحصل قولكم {ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} فإن أشركتم به شيئا بسجود أو غيره فما ~~خصصتموه بالعبادة لأن السجود # PageV17P193 # من العبادة وفعله ولو في وقت واحد لغيره إشراك في الجملة، ومن أشرك به ms4329 لم ~~يعبده وحده، ومن لم يعبده وحده لم يعبده أصلا، لأنه أغنى الأغنياء، لا يقبل ~~إلا الخالص وهو أقرب إلى عباده من كل شيء فيوشك أن ينتقم بإشراككم، وفي ~~الآية إشارة إلى الحث على صيانة الآدميين عن أن يقع منهم سجود لغيره رفعا ~~لمقامهم عن أن يكونوا ساجدين لمخلوق بعد أن كانوا مسجودا لهم، فإنه سبحانه ~~أمر الملائكة الذين هم أشرف خلقه بعدهم بالسجود آدم وهم في ظهره فتكبر ~~اللعين إبليس، فابد لعنه، فشتان ما بين المقامين. # PageV17P194 # ولما كانوا في هذا الأمر بين طاعة ومعصية، وكان درء المفاسد مقدما، سبب ~~عن ذلك قوله معبرا بأداة الشك تنبيها لهم على أن استكبارهم بعد إقامة هذه ~~الأدلة ينبغي أن لا يتوهم، وصرف القول إلى الغيبة تحقيرا لهم وإبعادا على ~~تقدير وقوع ذلك منهم {فإن استكبروا} أي أوجدوا الكبر عن اتباعك فيما أمرتهم ~~به من التوحيد فلم يوحدوا الله ولم ينزهوه تعالى عن الشريك {فالذين عند} ~~وأظهر موضع الإصخار معبرا بوصف الإحسان بشارة له ونذارة لهم {ربك} خاصة لا ~~عندهم لكونهم مقربين لديه في درجة الرضاء والكرامة ولكونهم مما يستغرق # PageV17P194 # به الآدميون ولكون الكفار لا قدرة لهم على الوصول إليهم بوجه: {يسبحون ~~له} أي يوقعون التنزيه عن النقائص ويبعدون عن الشركة لأجل علوه الأقدس وعزه ~~الأكبر لا لشيء غيره إخلاصا في عبادته وهم لا يستكبرون. # ولما كان حال الكفار في الإخلاص مختلفا في الشدة والرخاء، أشار إلى تقبيح ~~ذلك منهم بتعميم خواصه عليهم الصلاة والسلام بالإخلاص حالتي الإثبات الذي ~~هو حالة بسط في الجملة، والمحو الذي هو حالة قبض كذلك يجددون هذا التنزيه ~~مستمرين عليه في كل وقت فقال: {بالليل والنهار} أي على مر الملوين وكر ~~الجديدين لا يفترون. ولما كان في سياق الفرص لاستكبارهم المقتضي لإنكارهم، ~~أكد بالعاطف والضمير فقال مؤذنا بأن هذا ديدنهم لا ينفكون عنه: {وهم} أي ~~والحال أنهم على هذا الدوام {لا يسئمون *} أي لا يكاد لهم في وقت من ~~الأوقات فتور ولا ملل، فهو غني عن عبادة هؤلاء ms4330 بل وعن عبادة كل عابد، والحظ ~~الأوفر لمن عنده وأما هو سبحانه فلا يزيده شيئا ولا ينقصه شيء فدع هؤلاء أن ~~استكبروا وشأنهم، فيعلمون من الخاسر، فالآية # PageV17P195 # من الاحتباك: ذكر الاستكبار أولا دليلا على حذفه ثانيا والتسبيح ثانيا ~~دليلا على حذفه أولا، وسر ذلك أنه ذكر أقبح ما لأعدائه وأحسن ما لأوليائه. # ولما ذكر بعض آيات السماء لشرفها، ولأن بعضها عبد، ومن آثار الإلهية، ~~فذكر دلالتها على وحدانيته اللازم منه إبطال عبادتها، أتبعه بعض آيات الأرض ~~بخلاف ما في يس، فإن السياق هناك للبعث وآيات الأرض أدل فقال: {ومن آياته} ~~أي الدالة على عظم شأنه وعلو سلطانه {أنك ترى الأرض} أي بعضها بحاسة البصر ~~وبعضها بعين البصيرة قياسا على ما أبصرته، لأن الكل بالنسبة إلى القدرة على ~~حد سواء. # ولما كان السياق للوحدانية، عبر بما هو أقرب إلى حال العابد بخلاف ما مضى ~~في الحج فقال: {خاشعة} أي يابسة لا نبات فيها فهي بصورة الذليل الذي لا ~~منعة عنده لأنه لا مانع من المشي فيها لكونها متطأمنة بعد الساتر لوجهها ~~بخلاف ما إذا كانت مهتزة رابية متزخرفة تختال بالنبات. # PageV17P196 # ولما كان إنزال الماء مما استأثر به سبحانه، فهو من أعظم الأدلة على عظمة ~~الواحد، صرف القول إلى مظهر العظمة فقال: {فإذا أنزلنا} بما لنا من القدرة ~~التامة والعظمة {عليها الماء} من الغمام أو سقناه إليها من الأماكن العالية ~~وجلبنا به إليه من الطين ما تصلح به للانبات وإن كانت سبخة كأرض مصر ~~{اهتزت} أي تحركت حركة عظيمة كثيرة سريعة، فكانت كمن يعالج ذلك بنفسه ~~{وربت} أي تشققت فارتفع ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطيا ~~لوجهها، وتشعبت عروقه، وغلظت سوقه، فصار يمنع سلوكها على ما كان فيه من ~~السهولة، وصار بحسن زيه بمنزلة المختال في أثواب ثرية بعد أن كان عاريا ~~ذليلا في أطمار رثة وحل زرىء وكذلك القلوب إذا خشعت لاستشعارها بما ألمت به ~~من الذنوب أقبل الحق سبحانه عليها فطهرها بمياه المعارف فظهرت فيها بركات ~~الندم وعفا ms4331 عن أربابها ما قصروا في صدق القدم وأشرقت بحلى الطاعات وزهت ~~بملابس القربات، وزكت بأنواع التجليات. # ولما كان هذا دليلا مشاهدا على القدرة على إيجاد المعدوم، وإعادة البالي ~~المحطوم، أنتج ولا بد قوله مؤكدا لأجل ما هم فيه من الإنكار صارفا القول عن ~~مظهر العظمة إلى ما ينبه على القدرة على البعث ولا بد: # PageV17P197 # {إن الذي أحياها} بما أخرج من نباتها الذي كان بلي وتحطم وصار ترابا ~~{لمحيي الموتى} كما فعل بالنبات من غير فرق. ولما كانوا مع إقرارهم بتمام ~~قدرته كأنهم ينكرون قدرته لإنكارهم البعث قال معللا مؤكدا: {أنه على كل شيء ~~قدير *} لأن الممكنات متساوية الأقدام بالنسبة إلى القدرة، فالقادر قدرة ~~تامة على شيء منها قادر على غيره. # ولما بين أن الدعوة إلى الله أعظم المناصب، وأشرف المراتب، وبين أنها ~~إنما تحصل ببيان دلائل التوحيد التي من اعظمها البعث، وبينه إلى أن كان ~~بهذا الحد من الوضوح، كان مجز التهديد من أعرض عن قبوله: فقال في عبارة ~~عامة له ولغيره، مؤكدا تنبيها على أن فعلهم فعل من يظن أنه سبحانه لا يطلع ~~على أعماله: {إن الذين يلحدون *} أي يميلون بصرف المعاني عن القصد وسنن ~~العدل بنحو قولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ، أو يماحلون ~~باللغو بالمكاء والتصدية وغير ذلك من أنواع اللغط وكل ما يشمله معنى الميل ~~عما تصح إرادته. # ولما كان الاجتراء على الإلحاد قادحا في الاعتراف بالعظمة، أعاد مظهرها ~~فقال: {في آياتنا} على ما لها من العظمة الدالة على ما لنا # PageV17P198 # من الوحدانية وشمول العلم وتمام القدرة: ولما كان العلم بالإساءة مع ~~القدرة سببا للأخذ، قال مقررا للعلم بعد تقرير القدرة: {لا يخفون علينا} أي ~~في وقت من الأوقات ولا وجه من الوجوه، ونحن قادرون على أخذهم، فمتى شئنا ~~أخذنا، ولا يعجل إلا ناقص يخشى الفوت. # ولما كان الإلحاد سببا لإلقاء صاحبه في النار، وكان التقدير: ونحن نحلم ~~عن العصاة فمن رجع إلينا أمن كل مخوف، ومن أعرض إلى الممات ألقيناه في ~~النار، سبب ms4332 عنه قوله تعالى: {أفمن يلقى في النار} أي على وجهه بأيسر أمر ~~بسبب إلحاده في الآيات وإعراضه عن الدلالات الواضحات، فيكون خائفا يوم ~~القيامة لما يرى من مقدمات ذلك حتى يدهمه ما خاف منه {خير أم من يأتي} ~~إلينا {آمنا يوم القيامة} حين نجمع عبادنا للعرض علينا للحكم بينهم بالعدل ~~فيدخل الجنة دار السلام فيدوم أمنه، والآية من الاحتباك: ذكر الإلقاء في ~~النار أولا دليلا على دخول الجنة ثانيا، والأمن ثانيا دليلا على الخوف ~~أولا، وسره أنه ذكر المقصود بالذات، وهو ما وقع الخوف لأجله أولا، والأمن ~~الذي هو العيش في الحقيقة ثانيا. # PageV17P199 # ولما كان هذا رادا ولا بد للعاقل عن سوء أعماله إلى الإحسان رجاء إنعام ~~الله وإفضاله، أنتج قوله مهددا ومخوفا ومتوعدا صارفا القول عن الغيبة إلى ~~الخطاب لأنه أدل على الغضب على التمادي بعد هذا البيان: {اعملوا ما شئتم} ~~أي فقد علمتم مصير المسيء والمحسن، فمن أراد شيئا من الجزاءين فليعمل ~~أعماله، فإنه ملاقيه. ولما كان العامل لا يطمع في الإهمال إلى على تقدير ~~خفاء الأعمال، والمعمول له لا يترك الجزاء إلا لجهل أو عجز، بين أنه سبحانه ~~محيط العلم عالم بمثاقيل الذر فقال مرغبا مرهبا مؤكدا لأنهم يعملون عمل من ~~يظن أن أعماله تخفى، عادلا عن مظهر العظمة إلى ما هو أدل شيء على ~~الفردانية، لئلا يظن ان مزيد العلم بواسطة كثيرة: {إنه} وقدم أعمالهم ~~تنبيها على الاهتمام بشأنها جدا فقال: {بما تعملون} أي في كل وقت {بصير *} ~~بصرا وعلما، فهو على كل شيء منكم قدير. # ولما جعل إليهم الاختيار في العمل تهديدا، أتبعه الإخبار بما لمن خالفه، ~~فقال مؤكدا لإنكارهم مضامين ما دخل عليه التأكيد: {إن الذين كفروا} أي ~~ستروا مرائي العقول الدالة على الحق مكذبين # PageV17P200 # {بالذكر} الذي لا ذكر في الحقيقة غيره {لما جاءهم} من غير توقف أصلا فدل ~~ذلك منهم على غاية العناد {وإنه} أي والحال أنه {لكتاب} أي جامع لكل خير ~~{عزيز *} أي لا يوجد مثله فهو يغلب كل ذكر ولا يغلبه ms4333 ذكر ولا يقرب من ذلك، ~~ويعجز كل معارض ولا يعجز أصلا عن إقعاد مناهض. # PageV17P201 # ولما كان من معاني العزة أنه ممتنع بمتانة رصفه وجزالة نظمه وجلالة ~~معانيه من أن يلحقه تغيير ما، بين ذلك بقوله: {لا يأتيه الباطل} أي البين ~~البطلان إتيان غلبة فيصير أو شيء منه باطلا بينا، ولما كان المراد تعميم ~~النفي، لا نفي العموم، أدخل الجار فقال: {من بين يديه} أي من جهة الظاهر ~~مثل ما أمر أخبر به عما كان قبله {ولا من خلفه} من جهة العلم الباطن مثل ~~علم ما لم يشتهر من الكائن والآتي سواء كان حكما أو خبرا لأنه في غاية ~~الحقية والصدق، والحاصل أنه لا يأتيه من جهة من الجهات، لأن ما قدام اوضح ~~ما يكون، وما خلف أخفى ما يكون، فما بين ذلك من باب الأولى، فالعبارة كناية ~~عن ذلك لأن صفة الله لا وراء لها ولا أمام على الحقيقة، ومثل ذلك ليس وراء ~~الله مرمى، ولا دون الله منتهى، ونحوه مما تفهم العرب ومن علم لسانها # PageV17P201 # المراد به دون لبس، ثم علل ذلك بقوله: {تنزيل} أي بحسب التدريج لأجل ~~المصالح {من حكيم} بالغ الحكمة فهو يضع كل شيء منه في أتم محاله في وقت ~~النزول وسياق النظم {حميد *} أي بالغ الإحاطة بأوصاف الكمال من الحكمة ~~وغيرها والتنزه والتطهر والتقدس عن كل شائبة نقص، يحمده كل خلق بلسان حاله ~~إن لم يحمده بلسان قاله، بما ظهر عليه من نقصه أو كماله، والخبر محذوف ~~تقديره: خاسرون لا محالة لأنهم لا يقدرون على شيء مما يوجهونه إليه من ~~الطعن لأنهم عجزة ضعفاء صغرة كما قال المعري: # أرى الجوزاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا # وحذف الخبر أهول لتذهب النفس كل مذهب. # ولما وصف الذكر بأنه لا يصح ولا يتصور أن يلحقه نقص، فبطل قولهم {لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} ونحوه مما مضى وحصل الأمن منه، أتبعه ~~التسلية مما يلحق به من الغم ليقع الصبر على جميع أقوالهم فقال: {ما يقال ms4334 ~~لك} أي يبرز إلى الوجود قوله سواء كان في ماضي الزمان أو حاضره آو آتيه من ~~شيء من الكفار أو غيرهم يحصل به ضيق صدر أو تشويش فكر من قولهم {قلوبنا في ~~أكنة مما تدعونا إليه} إلى آخره. وغير ذلك مما تقدم أنهم قالوه له # PageV17P202 # متعنتين به {إلا ما} أي شيء {قد قيل} أي حصل قوله على ذلك الوجه {للرسل} ~~وأن لم يقل لكل واحد منهم فإنه قيل للمجموع، ونبه على أن ذلك ليس لمستغرق ~~للزمان بل تارة وتارة بإدخال الجار في قوله: {من قبلك} ولما حصل بهذا ~~الكلام ما أريد من التأسية، فكان موضع التوقع لهم أن يحل بهم ما حل بالأمم ~~قبلهم من عذاب الاستئصال، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الشفقة عليهم ~~والمحبة لصلاحهم، سكن سبحانه روعه بالإعلام بأن رحمته سبقت غضبه فقال مخوفا ~~مرجيا لأجل إنكار المنكرين: {إن} وأشار إلى مزيد رفعته بذكر صفة الإحسان ~~وإفراد الضمير فقال: {ربك} أي المحسن إليك بارسالك وإنزال كتابه إليك، ومن ~~أكرم بمثل هذا لا ينبغي له أن يحزن لشيء يعرض {لذو مغفرة} أي عظيمة جدا في ~~نفسها وزمانها ومكانها لمن يشاء منهم، فلا يقطع لأحد بشقاء. # ولما رغبهم باتصافه بالمغفرة، رهبهم باتصافه بالانتقام، وأكد باعادة «ذو» ~~والواو فقال: {وذو عقاب} والختم بما رويه الميم مع تقديم الاسم الميمي في ~~التي قبلها دال للأشعري الذي قال بأن الفواصل غير مراعية في الكتاب العزيز، ~~وإنما المعول عليه المعاني لا غير، والمعنى هنا على إيلام من كانوا يؤلمون ~~أولياءه باللغو عند # PageV17P203 # التلاوة الدالة على غاية العناد، فلذلك قدم حكيم، ولم يقل شديد، وقال: ~~{أليم *} أي كذلك، فلا يقطع لأحد نجاة إلا من أخبر هو سبحانه بإشقائه أو ~~إنجائه، وقد تقدم فعله لكل من الأمرين أنجى ناسا وغفر لهم كقوم يونس عليه ~~الصلاة والسلام، وعاقب آخرين، وسيفعل في قومك من كل من الأمرين ما هو ~~الأليق بالرحمة بإرسالك، كما أشار إليه ابتداؤه بالمغفرة، فالآية نحو: إن ~~ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، ولعله ms4335 لم يصرح هنا تعظيما للقرآن الذي ~~الكلام بسببه. # ولما افتتحت السورة بأنه أنزل على أحسن الوجوه وأجملها وأعلاها وأبينها ~~وأكملها من التفصيل، والجمع والبيان بهذا اللسان العظيم الشأن، فقالوا فيه ~~ما وقعت هذه التسلية لأجله من قولهم {فلوبنا في أكنة} إلى آخره، وكان ربما ~~قال قائل؛ لو كان بلسان غير العرب، وأعطى هذا النبي فهمه والقدرة وعلى ~~تبيينه لكان أقوى في الإعجاز وأجدر بالاتباع، أخبر أن الأمر ليس كذلك، ~~لأنهم لم يقولوا: هذا الشك حصل لهم في أمره، بل عنادا، والمعاند لا يرده ~~شيء، فقال على سبيل التأكيد، معلما بأن الأمر على غير ما ظنه هذا الظان، ~~وقال الأصبهاني: إنه جواب عن قولهم {وقالوا قلوبنا في أكنه} . والأحسن عندي # PageV17P204 # أن يكون عطفا على {فصلت آياته قرآنا عربيا} وبناه للمفعول لأنه بلسانهم ~~فلم يحتج إلى تعيين المفصل، فيكون التقدير: فقد جعلناه عربيا معجزا، وهم ~~أهل العلم باللسان، فأعرضوا عنه وقالوا فيه ما تقدم، ولفت القول عن وصف ~~الإحسان الذي اقتضى أن يكون عربيا إلى مظهر العظمة الذي هو محط إظهار ~~الاقتدار وإنفاذ الكلمة {ولو جعلناه} أي هذا الذكر بما لنا من العظمة ~~والقدرة {قرآنا} أي على ما هو عليه من الجمع {أعجميا} أي لا يفصح وهو مع ~~ذلك على وجه يناسب عظمتنا ليشهد كل أحد أنه معجز للعجم كما أن معجز للعرب ~~وأعطيناك فهمه والقدرة على إفهامهم إياه {لقالوا} أي هؤلاء المتعنتون فيه ~~كما يقولون في هذا بغيا وتعنتا: {لولا} أي هلا ولم لا {فصلت آياته} أي بينت ~~على طريقة نفهمها بلا كلفة ولا مبين، حال كونه قرآنا عربيا كما قدمنا أول ~~السورة. # ولما تبين بشاهد الوجود أنهم قالوا في العربي الصرف وبشهادة # PageV17P205 # الحكيم الودود، وأنهم يقولون في الأعجمي الصرف، لم يبق إلا المختلط منهما ~~المنقسم إليهما، فقال مستأنفا منكرا عليهم للعلم بأن ذلك منهم مجرد لدد لا ~~طلبا للوقوف على سبيل الرشد: {أعجمي} أي أمطلوبكم أو مطلوبنا - على قراءة ~~الخبر من غير استفهام - أعجمي {وعربي} مفصل باللسانين، والأعجمي كما قاله ms4336 ~~الرازي في اللوامع: الذي لا يفصح ولو كان عربيا والعجمي من العجم ولو تفاصح ~~بالعربية. # ولما كان من الجائز أن يقولوا: نعم، ذلك مطلوبنا، وكان نزولا من الرتبة ~~العليا إلى ما دونها مع أنه لا يجيب إلى المقترحات إلا مريد للعذاب، او ~~عاجز عن إنفاذ ما نريد، بين أن مراده نافذ من غير هذا فقال: {قل هو} أي هذا ~~القرآن على ما هو عليه من العلو الذي لا يمكن أن يكون شيء يناظره {للذين ~~آمنوا} أي أردنا وقوع الإيمان منهم {هدى} بيان لكل مطلوب {وشفاء} لما في ~~صدروهم من داء الكفر والهواء والإفك فآذانهم به سميعة وقلوبهم له واعية وهو ~~لهم بصائر قال القشيري فهو شفاء للعلماء حيث استراحوا عن كد الفكرة وتحير ~~الخواطر وشفاء لضيق صدور المريدين بما فيه من التنعيم بقراءته والتلذذ ~~بالتفكر فيه، ولقلوب المحبين من لواعج # PageV17P206 # الاشتياق بما فيه من لطائف المواعيد، ولقلوب العارفين بما يتوالى عليها ~~من أنوار التحقيق وآثار خطاب الرب العزيز {والذين لا يؤمنون} أي أردنا أنه ~~لا يتجدد منهم إيمان {في آذانهم وقر} أي ثقل مذهب للسمع مصم، فهم لذلك لا ~~يسمعون سماعا ينفعهم لأنهم بادروا إلى رده أول ما سمعوه وتكبروا عليه ~~فصاروا لا يقدرون على تأمله فهزهم الكسل وأصمهم الفشل فعز عليهم فهمه {وهو ~~عليهم} أي خاصة {عمى} مستعل على أبصارهم وبصائرهم لازم لهم، فهم لا يعونه ~~حق الوعي، ولا يبصرون الداعي به حق الإبصار، فلهم به ضلال وداء، فلذلك ~~قالوا {ومن بيننا وبينك حجاب} وذلك لما يحصل لهم من الشبه التي هيئت قلوبهم ~~لقبولها، أو يتمادى بهم في الأوهام التي لا يألفون سوى فروعها وأصولها، فقد ~~بان لأن سبب الوقر في آذانهم الحكم بعدم إيمانهم للحكم بإشقائهم، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الهدى والشفاء اولا دليلا على الضلال والداء ثانيا، والوقر ~~والعمى ثانيا دليلا على السمع والبصائر أولا، وسر ذلك أنه ذكر أمدح صفات ~~المؤمنين وأذم صفات الكافرين، لأنه لا أحقر من أصم أعمى. # PageV17P207 # ولما بان بهذا بعدهم عن عليائه ms4337 وطردهم عن فنائه قال: {أولئك} أي البعداء ~~البغضاء مثالهم مثال من {ينادون} أي يناديهم من يريد نداءهم غير الله {من ~~مكان بعيد *} فهم بحيث لا يتأبى سماعهم، وأما الأولون فهم ينادون بما هيئوا ~~له من القبول من مكان قريب، فهذه هي القدرة الباهرة، وذلك أن شيئا واحدا ~~يكون لناس في غاية القرب ولناس معهم في مكانهم في أنهى البعد. # ولما كان التقدير: فلقد آتيناك الكتاب على هذه الصفة من العظمة، فاختلفت ~~فيه أمتك على ما أعلمناك به أول البقرة من انقسام الناس فعاقبنا الذين ~~تكبروا عليه أن ختمنا على مشاعرهم، عطف عليه مسليا قوله مؤكدا لمن يقول من ~~أهل الكتاب إضلالا: لو كان نبيا ما اختلف الناس عليه ونحو ذلك مما يلبس به: ~~{ولقد آتينا} أي على ما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي الجامع لما فيه ~~هداهم {فاختلف} أي وقع الاختلاف {فيه} أي من أمته كما وقع في هذا الكتاب ~~لأن الله تعالى خلق الخلق للاختلاف مع ما ركب فيهم من العقول الداعية إلى ~~الإنفاق {ولولا كلمة} أي إرادة {سبقت} في الأزل، ولفت القول إلى صفة ~~الإحسان ترضية بالقدر # PageV17P208 # وتسلية، وزاد ذلك بإفراده بالإضافة فقال: {من ربك} أي المحسن إليك بتوفيق ~~الصالح لاتباعك وخذلان الطالح بالطرد عنك لإراحتك منه من غير ضرر لدينك ~~وبإهمال كل إلى أجل معلوم ثم إمهال الكل إلى يوم الفصل الأعظم من غير ~~استئصال بعذاب كما صنعنا بغيرهم من الأمم {لقضي} أي وقع القضاء الفيصل ~~{بينهم} المختلفين بإنصاف المظلوم من ظالمه الآن. ولما علم بهذا وغيره أن ~~يوم القيامة قد قدره وجعله موعدا من لا يبدل القول لديه، فاتضح أنه لا بد ~~منه ولا محيد عنه وهو يجادلون فيه، قال مؤكدا: {إنهم لفي شك} أي محيط بهم ~~{منه} أي القضاء يوم الفصل {مريب *} أي موقع في الريب وهو التهمة والاضطراب ~~بحيث لا يقدرون على التخلص من دائرته أصلا. # PageV17P209 # ولما تقرر بما مضى أن المطيع ناج، وتحرر أن العاصي هالك كانت النتيجة من ~~غير تردد: {من ms4338 عمل صالحا} كائنا من كان من ذكر أو أنثى {فلنفسه} أي فنفع ~~عمله لها ببركتها به لا يتعداها، والنفس فقيرة إلى التزكية بالأعمال ~~الصالحة لأنها محل النقائص، فلذا عبر بها، وكان قياس العبارة في جانب ~~الصلاح. «ومن عمل سيئا» فأفاد العدول إلى ما عبر به مع ذكر العمل أولا الذي ~~مبناه العلم إن الصالح تتوقف صحته على نيته، وأن السيء يؤاخذ به عامله في ~~الجملة من الله أو الناس ولو وقع خطأ فلذا قال: {ومن أساء} # PageV17P209 # أي في عمله {فعليها} أي على نفسه خاصة ليس على غيره منه شيء. # ولما كان لمقصد السورة نظر كبير إلى الرحمة، كرر سبحانه وصف الربوبية ~~فيها كثيرا، فقال عاطفا على ما تقديره: فما ربك بتارك جزاء أحد أصلا خيرا ~~كان أو شرا: {وما ربك} أي المحسن إليك بإرسالك لتتميم مكارم الأخلاق. ولما ~~كان لا يصح أصلا ولا يتصور أن ينسب إليه سبحانه ظلم، عبر للدلالة على ذلك ~~بنكرة في سياق النفي دالة على النسبة مقرونة بالجار فقال: {بظلام} أي بذم ~~ظلم {للعبيد *} أي الجنس فلا يتصور أن يقع منه ظلم لأحد أصلا لأن له الغنى ~~المطلق والحكمة البالغة، وعبر ب «عبيد» دون عباد لأنه موضع إشفاق وإعلام ~~بضعف وعدم قدرة على انتصار وعناد يدل على طاعة وعدم حقارة بل إكرام هذا ~~أغلب الاستعمال، ولعل حكمة التعبير بصيغة المبالغة الإشارة إلى أنه لو ترك ~~الحكم والأخذ للمظلوم من الظالم، لكان بليغ الظلم من جهة ترك الحكمة التي ~~هي وضع الأشياء في أتقن محالها ثم من جهة وضع الشيء وهو العفو عن المسيء ~~وترك الانتصار للمظلوم في غير موضعه، ومن جهة التسوية بين المحسن والمسيء، ~~وذلك أشد في تهديد الظالم لأن الحكيم لا يخالف الحكمة فكيف إذا كانت ~~المخالفة في غاية البعد عنها - هذا مع أن التعبير بها لا يضر # PageV17P210 # لأنها موضوعة أيضا للنسبة إلى أصل المعنى مطلقا ولأن نفي مطلق الظلم مصرح ~~به في آيات أخرى. # ولما تضمنت الآية السالفة الجزاء على كل جليل وحقير، ms4339 وقليل وكثير، ~~والبراءة من الظلم، كما قال تعالى {وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون} {ووفيت ~~كل نفس ما عملت} [آل عمران: 25] {وهو أعلم بما يفعلون} وأشير إلى التوعد ~~بالجزاء في يوم الفصل لأنا نشاهد أكثر الخلق يموت من غير جزاء، وكان من ~~عادتهم السؤال عن علم ذلك اليوم، وكان ترك الجزاء إنما يكون للعجز، والظلم ~~إنما يكون للجهل، لأنه وضع الأشياء في غير محالها فعل الماشي في الظلام، دل ~~على تعاليه عن كل منهما بتمام العلم المستلزم لشمول القدرة على وجه فيه ~~جوابهم عن السؤال عن علم الوقت الذي تقوم فيه الساعة الذي كان سببا لنزول ~~هذه الآية - كما ذكره ابن الجوزي - بقوله على سبيل التعليل: # PageV17P211 # {إليه} أي إلى المحسن إليك لا إلى غيره {يرد} من كل راد {علم الساعة} أي ~~التي لا ساعة في الحقيقة غيرها، لما لها من الأمور التي لا نسبة لغيرها ~~بها، فهي الحاضرة لذلك في جميع الأذهان، وإنما يكون الجزاء على الإساءة ~~والإحسان فيها حتى يظهر لكل أحد ظهورا بينا لكل أحد أنه لا ظلم أصلا، فلا ~~يمكن أن يسأل أحد سواه عنها ويخبر عنها بما يغنى في تعيين وقتها وكيفيتها ~~وصنعتها، وكلما انتقل السائل من مسؤول ألى أعلم منه وجده كالذي قبله حتى ~~يصل الأمر إلى الله تعالى، والعالم منهم هو الذي يقول: الله أعلم، ~~فاستئثاره بعلمها دال على تناهي علمه، وحجبه له عن كل من دونه دال على تمام ~~قدرته، واجتماع الأمرين مستلزم لبعده عن الظلم، وأنه لا يصح اتصافه به، فلا ~~بد من إقامته لها ليوفي كل ذي حق حقه، ويأخذ لكل مظلوم ظلامته غير متعتع. # ولما كانوا ينازعون في وقوعها فضلا عن العلم بها، عدها أمرا محققا مفروغا ~~منه وذكر ما يدل على شمول علمه لكل حادث في وقته دليلا على علمه بما يعين ~~وقت الساعة، وذلك على وجه يدل على قدرته عليها وعلى كل مقدور بما لا نزاع ~~لهم فيه من ثمرات النبات والحيوان التي # PageV17P212 # هي خبء في ذوات ما ms4340 هي خارجة منه، فهي كخروج الناس بعد موتهم من خبء ~~الأرض، فقال مقدما للرزق على الخلق كما هو الأليق، عطفا على ما تقديره: فما ~~يعلمها ولا يعلمها إلا هو: {وما تخرج} أي في وقت من الأوقات الماضية ~~والكائنة والآية، فإن «ما» النافية لا تدخل إلا على معناه الحلول، فالمراد ~~مجرد تصوير إن كان زمانه قد مضى أو لم يأت، وأكد النفي بالجار فقال: {من ~~ثمرات} أي صغيرة أو كبيرة صلحة أو فاسدة من الفواكه والحبوب وغيرها؛ ~~والإفراد في قراءة الجماعة للجنس الصالح للقليل والكثير، نبهت قراءة نافع ~~وابن عامر وحفص عن عاصم بالجمع على كثرة الأنواع {من أكمامها} جمع كم ~~وكمامة بالكسر فيهما وهو وعاء الطلع وغطاء النور، وكل ما غطى على وجه ~~الإحاطة شيئا من شابه أن يخرج فهوكم، ومنه قيل للقلنسوة: كمة، ولكم القميص ~~ونحوه: كم، أي إلا بعلمه {وما تحمل من أنثى} خداجا أو تماما، ناقصا أو ~~تاما، وكذا النفي باعادة النافي ليشمل كلا على حياله، وعبر ب «لا» لأن ~~الوضع ليس كالحمل يقع في لحظة بل يطول زمان انتظاره فقال: {ولا تضع} حملا ~~حيا أو ميتا {إلا} حال كونه ملتبسا {بعلمه} ولا علم # PageV17P213 # لأحد غيره بذلك، ومن ادعى علما به فليخبر بأن ثمرة الحديقة الفلانية ~~والبستان الفلاني والبلد الفلاني تخرج في الوقت الفلاني أو لا تخرج العام ~~شيئا أصلا والمرأة الفلانية تحمل في الوقت الفلاني وتضع في وقت كذا أو لا ~~تحمل العام شيئا، ومن المعلوم أنه لا يحيط بهذا علما إلا الله سبحانه ~~وتعالى. # ولما ثبت بهذا علمه صريحا وقدرته لزوما وعجز من سواه وجهله، وتقرر بذلك ~~أمر الساعة من أنه قادر عليها بما أقام من الأدلة، وأنه لا بد من كونها لما ~~وعد به من تكوينها لينصف لمظلوم من ظالمه لأنه حكيم ولا يظلم أحدا وإن ~~كانوا في إيجادها ينازعون، ولم ينكرون قال تعالى مصورا ما تضمنه ما سبق من ~~جهلهم، ومقررا بعض أحوال القيامة، عاطفا على أرشد السياق إلى تقديره من ~~نحو: فهو ms4341 على كل شيء قدير لأنه على كل شيء شهيد وهم بخلاف ذلك، مقررا قدرته ~~تصريحا وعجز ما ادعوا من الشركاء: {ويوم يناديهم} أي المشركين بعد بعثهم من ~~القبور، للفصل بينهم في سائر الأمور فيقول المحسن إليك بأنواع الإحسان الذي ~~منه إنصاف المظلوم من ظالمه على سبيل الأمور فيقول المحسن إليك بأنواع ~~الإحسان الذي منه إنصاف المظلوم من ظالمه على سبيل التوبيخ والتقريع ~~والتنديم: {أين شركائي} أي الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم ~~ويحمونكم من العقاب واللوم، والعامل # PageV17P214 # في الظرف {قالوا} أي المشركون: {آذناك} أي اعلمناك سابقا بألسنة أحوالنا ~~والآن بألسنة مقالنا، وفي كلتا الحالتين أنت سامع لذلك لأنك سامع لكل ما ~~يمكن أن يسمع وإن لم يسمعه غيرك، ولذا عبروا بما منه الإذن {ما منا} وأكدوا ~~النفي بإدخال الحار في المبتدأ المؤخر فقالوا: {من شهيد *} أي حي دائما ~~حاضر دون غيبة، مطلع على ما يريد من غير خفاء بحيث لا يغيب عن علمه شيء ~~فيخبر بما يخبر به على سبيل القطع والشهادة، فآل الأمر إلى أن المعنى: لا ~~نعلم أي ما كنا نسميهم شركاء لأنه ما منا من هو محيط العلم. # ولما قرر جهلهم، أتبعه عجزهم فقال: {وضل} أي ذهب وشذ وغاب وخفي {عنهم} ~~ولما كانت معبوداتهم إما ممن لا يعقل كالأصنام وإما في عداد ذلك لكونهم لا ~~فعل لهم في الحقيقة، عبر عنهم بأداة ما لا يعقل فقال: {ما كانوا} أي دائما ~~{يدعون} في كل حين على وجه العادة. # ولما كان دعاؤهم لهم غير مستغرق لزمان القبل، أدخل الجار فقال: {من قبل} ~~فهم لا يرونه فضلا عن أنهم يجدون نفعه ويلقونه، # PageV17P215 # كأنهم كانوا لما هم عريقون فيه من الجهل وسوء الطبع يتوقعون أن يظفروا ~~بهم فيشفعوا لهم، فلذلك عبر بالظن في قوله: {وظنوا} أي في ذلك الحال {ما ~~لهم} وأبلغ في النفي بإدخال الجار على المبتدأ المؤخر فقال {من محيص *} أي ~~مهرب وملجأ ومعدل. # PageV17P216 # ولما دل أتباعهم للظن حتى في ذلك اليوم الذي تنكشف فيه الأمور، وتظهر ms4342 ~~عظائم المقدور، وإلقاؤهم بأيديهم فيه على أنهم في غاية العراقة في الجهل ~~والرسوخ في العجز، أتبع ذلك الدليل على أن ذلك طبع هذا النوع فلا يزال ~~متبدل الأحوال متغير المناهج، إن أحسن بخير انتفخ عظمه وتطاول كبرا، وإن مس ~~ببلاء تضاءل ذلا وأمتلأ ضعفا وعجزا، وذلك ضد مقصود السورة الذي هو العلم، ~~بيانا لأن حال هذا النوع بعيد من العلم، عريق الصفات في الجهل والشر إلا من ~~عصمه الله فقال تعالى: {لا يسئم} أي يمل ويضجر {الإنسان} أي من الأنس بنفسه ~~الناظر في أعطافه، الذي لم يتأهل للمعارف الإلهية والطرق الشرعية {من دعاء ~~الخير} أي من طلبه طلبا عظيما، وذلك دال مع شرهه على جهله، فإنه لو كان ~~عالما بأن الخير يأتيه أو لا يأتيه لخفف عن نفسه من جهده في الدعاء {ولو ~~كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} [الأعراف: 188] {وإن مسه ~~الشر} أي هذا النوع قليله وكثيره بغتة من جهة لا يتوقعها {فيؤوس} أي عريق ~~في اليأس، وهو انقطاع الرجاء والأمل والحزن العظيم والقطع بلزوم تلك الحالة # PageV17P216 # بحيث صار قدوة في ذلك {قنوط *} أي مقيم في دار انقطاع الأمل والخواطر ~~الرديئة، فهو تأكيد للمعنى على أحسن وجه وأتمه، وهذا هو ما طبع عليه الجنس، ~~فمن أراد الله به منهم خيرا عصمه، ومن أراد به شرا أجراه مع الطبع فكان ~~كافرا، لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون قال أبو حيان: واليأس ~~من صفة القلب وهو أن ينقطع رجاؤء من الخير، والقنوط أن يظهر عليه آثار ~~اليأس فيتضاءل وينكسر، وبدأ بصفة القلب لأنها هي المؤثرة فيما يظهر على ~~الصورة من الانكسار. # ولما دل ذلك على عظيم جهله وغلبة أفكاره الرديئة على عقله، أتبعه تأكيدا ~~لذلك ما يدل على أن حاله بعد هذا اليأس الذي قطع فيه بلزوم الشر وامتناع ~~حصول الخير أنه لو عاودته النعمة بغتة من وجه لا يرجوه، وليس له دليل على ~~ما دوامها وانصرامها لعاد إلى البطر والكبر والأشر، ونسي ما كان ms4343 فيه من ~~الشدة، فقال مسندا إلى نفسه الخير بعد أن ذكر الشر، ولم يسنده إليه تعليما ~~للأدب معبرا بمظهر العظمة # PageV17P217 # تنبيها على أن ذلك من جليل التدبير {ولئن أذقناه} أي الإنسان الذي غلبت ~~عليه حالة الأنس بنفسه حتى أسفلته عن أبناء جنسه إلى رتبة الحيوانات العجم ~~بل دونها. # ولما أخبر آخر الآية السالفة عن حاله عند الشر، قدم هنا ضده على صلته ~~اهتماما به بخلاف ما في سورة هود عليه السلام فقال: {رحمة منا} أي نعمة ~~عظيمة دلت على إكرامه من جهة لا يرجوها، وهو من فائدة التعبير بأداة الشك، ~~ودل بإثبات الجار على انفصالها عن الضر مع قرب زمانها منه ليكون قد جمع ~~مباشرة الأحوال الثلاث: الانتقام والإكرام وما بينهما من الوسط الذي بين ~~حالتي الرضا والسخط، ثم شرع بيان ذلك فقال: {من بعد ضراء} أي محنة وشدة ~~عظيمة {مسته} فطال بروكها عليه؛ وأجاب القسم لتقدمه على الشرط بقوله: ~~{ليقولن} بمجرد ذوق تلك الرحمة على أنها ربما كانت بلاء عظيما لكونها ~~استدراجا إلى الهلاك: {هذا} أي الأمر العظيم {لي} أي مختص بي لما لي من ~~الفضل، لا مشاركة لأحد معي فيه مع أنه ثابت لا يتغير انتقالا من حالة اليأس ~~إلى حالة الأمن والبطر والكبر والأشر على قرب الزمن من ذوق المحن وينسى ~~أنها من فضل الله ليقيدها بشكرها، # PageV17P218 # ويطردها بكفرها {وما أظن الساعة} أي القيامة التي هي لعظمها المستحقة أن ~~تختص باسم الساعة {قائمة} أي ثابتا قيامها، فقطع الرجاء منها سواء عبر عن ~~ذلك بلسان قاله أو بلسان حاله، لكونه يفعل أفعال الشاك فيها كما كان قطع ~~الرجاء من الخير عند مباشرته للشر لكنه هنا قال على سبيل التقدير: والفرض، ~~لدفع من يعظه محققا لدوام نعمته: {ولئن رجعت} أي على سبيل الفرض بقسر قاسر ~~ما {إلى ربي} أي الذي أحسن إلي بهذا الخير الذي أنا فيه {إن لي عنده} وأكده ~~على من يعظه بأنه يعذب إن لم يحسن قلبه وقالبه {للحسنى} أي الحالة والرتبة ~~البالغة في الحسن حدا ms4344 لا يوصف لأني أهل لذلك، والدليل على تأهلي له ما أنا ~~فيه الآن من الخير، ونسي ما يشاهده غالبا من أن كثيرا من النعم يكون ~~للاستدارج، ومن أن كثيرا من الناس يكون في غاية النعمة فيصبح وقد أحاطت به ~~كل نقمه، فهو بين أمنيتين في الدنيا بقوله هذا، وفي الآخرة يقول: يا ليتي ~~كنت ترابا، فلا يزال في المحال - نعوذ بالله من سوء الحال. # ولما كان هذا هو الكفر الصراح لنسيان نعمة المنعم وجعله الإنعام # PageV17P219 # من الواجب اللازم وشكه فيما أخبر سبحانه على ألسنة جميع الرسل أنه محط ~~حكمته، سبب عنه سبحانه قوله، مؤكدا في نظير تأكيد هذا الناسي: {فلننبئن} أي ~~تنبئة عظيمة بخير الوصف فيها مستقصاة على سبيل العدل، وجعل الضمير الوصف ~~تصريحا بالعموم وبيانا للعلة الموجبة فقال: {الذين كفروا} أي ستروا ما دلت ~~عليه العقول، وأوجبته صرائح النقول، من إقامة الساعة لأظهار جلاله وجماله، ~~ومن أنه تعالى يحل بالإنسان السراء والضراء ليخافه ويرجوه ويشكره ويدعو ~~{بما عملوا} لا ندع منه قليلا ولا كثيرا صغيرا ولا كبيرا، فليرون عيانا ضد ~~ما ظنوه في الدنيا من أن لهم الحسنى # {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23] ~~{ولنذيقنهم} بعد إقامة الحجة عليهم بموازين القسط الوافية لمثاقيل الذر {من ~~عذاب غليظ *} لا يدع جهة من أجسامهم ولا قواهم إلا أحاط بها ولا تقوى على ~~دفعه قواهم. # ولما بين جهل الإنسان في حالات مخصوصة باليأس عند مس الشر، والأمن عند ~~ذوق النعمة بعد الضر، بين حاله عند النعمة مطلقا ودعاءه عند الشر وإن كان ~~قانطا تكريرا لتقلب أحواله وتناقص أقواله وأفعاله تصريفا لذلك على وجوه شتى ~~ليكون داعيا له إلى عدم الأنفة من الرجوع عن الكفر إلى الإيمان، ومسقطا عنه ~~خوف الشبه # PageV17P220 # بذلك والنسبة إلى الخفة وعدم الثبات، فقال معبرا بأداة التحقيق دلالة على ~~غلبة نعمه تعالى في الدنيا لنقمه، ودلالة على حالة الإنسان عند مس النعمة ~~من جهة يتوقعها بعد بيان حاله عند مسها بغتة من غير توقع تأكيدا ms4345 لبيان جهله ~~حيث جعل ظرف النعمة ظرفا للإعراض من غير خوف من نزعها على قرب عهده بالضر: ~~{وإذا أنعمنا} مما لنا من العظمة والإحسان {على الإنسان} أي الواقف مع نفسه ~~نعمة تليق بعظمتنا فمسه الخير ولم يعبر في هذا الجانب بما عبر به في الذي ~~بعده إيذانا بأن المعرض مسيء لمجرد الإعراض لا المبالغة فيه فقال: {أعرض} ~~أي انحرف عن سواء القصد إلينا عنا في جميع مدة النعمة - بما أفهمه الظرف، ~~فلم يقيد تلك النعمة بالشكر بعد ما رأى من حلالنا، قاطعا بأن تلك النعمة ~~خير محض ظاهرا وباطنا فهو يستديمها، وربما كانت بلاء استدراجا وامتحانا ~~{وناء} أي أبعد إبعادا شديدا بحيث جعل بيننا وبينه حجابا عظيما حال كونه ~~مال {بجانبه} أي بشقه كناية عن تكبره وبأوه وإعجابه بنفسه وزهوة وتصويرا له ~~بمن كلمته فازور عنك والتوى، وأبعد في ضلاله وغوى. # ولما تقدم حال الإنسان عند مس الشر بغتة، بين حاله عند مسه # PageV17P221 # وهو يتوقعه، فقال معبرا في جانب الشر بأداة التحقيق على غير عادة القرآن ~~في الأغلب، ليدل على أنه لزيادة جهله على الحد يلزم الكبر وإن كان يتوقع ~~الشر ولا يزال حاله حال الآمن إلى أن يخالطه وحينئذ تنحل عراه وتضمحل قوله: ~~{وإذا مسه الشر} أي هذا النوع قليله وكثيره لانتقامنا منه، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الإنعام أولا دليلا الانتقام ثانيا وذكر الشر ثانيا دليل ~~الخير أولا، وسره تعليم الأدب بنسبة الإنعام دون الشر إليه وإن كان الكل ~~منه. # ولما كان تعظيم العرض دالا على عظمة الطول، قال معبرا بما يدل على ~~الملازمة والدوام: {فذو دعاء} أي في كشفه، وربما كان نعمة باطنة وهو لا ~~يشعر ولا يدعو إلا عند المس، وقد كان ينبغي له أن يشرع في الدعاء عند ~~التوقع بل قبله تعرفا إلى الله تعالى في الرخاء ليعرفه في الشدة وهو خلق ~~شريف لا يعرفه إلا أفراد خصهم الله بلطفه، فدل تركه على عدم شره لما مضى ~~وخفة عقله لما يأتي ومفاجأته للزوم الدعاء عند المس ms4346 على عدم صبره وتلاشي ~~جلده وقله حيائه {عريض *} أي مديد العرض جدا، وأما طوله فلا تسأل عنه، وهذا ~~كناية عن النهاية في الكثرة. # PageV17P222 # ولما ذكر سبحانه من أحوالهم المندرجة في أحوال هذا النوع كله ما هو مكشوف ~~بشاهد الوجود من أنه لا ثبات لهم لا سيما عند الشدائد إعلاما بالعراقة في ~~الجهل والعجز، دل على الأمرين معا بما لا يمكن عاقلا دفعه من أنهم لا ~~يجوزون الممكن فيعدون له ما يمتعه على تقدير وقوعه، فأمره صلى الله عليه ~~وسلم أن يذكر ذلك إيذانا بالإعراض عنهم دليلا على تناهي الغضب: {قل أرأيتم} ~~أي أخبروني {إن كان} أي هذا القرآن الذي نصبتم لمغالبته حتى بالإعراض عن ~~السماع باللغو حال قراءته من الصفير والتصفيق وغير ذلك، وليس ذلك منكم ~~صادرا عن حجة قاطعة في أمره أتم معها على يقين بل هو عن خفة وعدم تأمل منكم ~~أنه {من عند الله} الذي له الإحاطة بجميع صفات الجلال والجمال فهو لا ~~يغالب. # ولما كان الكفر به على هذا التقدير في غاية البعد، وكان مقصود السورة ~~دائرا على العلم، نبه على ذلك بأداة التراخي مع الدلالة على أن ذلك ما كان ~~منهم إلا بعد تأمل طويل، فكانوا معاندين حتى نزلوا بالصفير والتصفيق من ~~أعلى رتب الكلام إلى أصوات الحيوانات العجم فقال: # PageV17P223 # {ثم كفرتم به} أي بعد إمعان النظر فيه والتحقق لأنه حق، فكنتم بذلك في ~~شقاق هو في غاية البعد من الملائمة لمن لم يزل يستعطفكم بجميل أفعاله، ~~ويردكم بجليل أقواله وآمن به غيركم لأنه من عند الله {من أضل} منكم - هكذا ~~كان الأصل ولكنه قال: {ممن هو في شقاق} أي لأولياء الله {بعيد *} تنبيها ~~على أنهم صاروا كذلك، وأن من صار كذلك فقد عرض نفسه لسطوات الله وتعالى ~~التي من واقعته هلك لا محالة، ومن أهدى ممن هو في إسلام قريب وهو الذي آمن ~~لأنه سالم الله الذي من سالمه سالمه كل شيء، فنجا من كل خطر - فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الكفر أولا دليلا على ms4347 الإيمان ثانيا، والضلال ثانيا دليلا ~~على الهدى أولا، وسره أن ذكر المضار أصدع للقلب فهو أنفع في الوعظ. # ولما كان هذا محزنا للشفوق عليهم لإفهامه لشدة بعدهم عن الرجوع، قال ~~منبها على أنه إذا أراد سبحانه قرب ذلك منهم غاية القرب لافتا القول إلى ~~مظهر العظمة إيذانا بسهولة ذلك عليه: {سنريهم} أي عن قرب بوعد لا خلف فيه ~~{آياتنا} أي على ما لها من العظمة # PageV17P224 # {في الآفاق} أي النواحي، جمع أفق كعنق وأعناق، أبدلت الهمزة الثانية ألفا ~~لسكونها بعد مثلها، أي وما ظهر من نواحي الفلك أو مهب الرياح، وذلك بما ~~يفتح الله من البلاد بغلب أهلها بوقائع كل واحد منها علم من أعلام النبوة، ~~وشاهد عظيم كاف في صحة الرسالة، تصديقا لوعده سبحانه وما أهلك من أهلها ~~لنصر أنبيائه ورسله وبما فيها من عجائب الصنع وغرائب الآثار والوضع باختلاف ~~الأحكام مع اتفاق جواهرها في التجانس - وغير ذلك من الآيات بالبصر اللاتي ~~يشرحها بآيات السمع. # ولما كان الإيمان بالغيب هو المعتبر، وكل ما كان أقرب إليه كان أقرب إلى ~~الكمال، وكانت آيات الآفاق أقرب إلى ذلك، بدأ بها، ثم قال: {وفي أنفسهم} أي ~~من فتح مكة وما أصابهم من سني الجوع وقصة أبي بصير ونحو ذلك وتفصل لهم مع ~~ذلك ما في الآدمي نفسه من بدائع الآيات وعجائب الخلق وغرائب الصنعة وما فيه ~~من أمارات الحدوث واختلاف الأوصاف وغير ذلك من الشواهد المطابقة لما تضربه ~~من الأمثال والدلائل المعقولة عند اعتبار الأقوال والأفعال، وبما في بلاد ~~العرب من الآيات المرئية من نفي بعد إسراعهم إليه وإطباقهم عليه وإثبات ~~التوحيد عند جميعهم بعد إبعادهم عنه وقتالهم الداعي إليه، وقد بين سبحانه ~~في هذه من آيات الآفاق في آية # PageV17P225 # {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} وما شاكلها، وفي الأنفس في ~~آيات {فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود والذي من بعدهم} ونحوها، ~~وآيات {لا يسئم الإنسان من دعاء الخير} إلى آخرها الدالة على أن الإنسان ~~مبني أمره على الجهل والعجز، فأكثر ms4348 ما يتصوره ليس كما تصوره، فعليه أن ~~يتأمل كتاب ربه ويتدبره - والله أعلم، قال الرازي في اللوامع: الاستدلال ~~بالأفعال على فاعلها واضح وطريق لائح، والأفعال على قسمين أحدهما الآفاق ~~وهو جملة العالم، والثاني النفوس، فإن من عرف نفسه عرف ربه أي من عرف روحه ~~وكونها جوهرا متصرفا في البدن تصرف التدبير وعلم صفاتها من أنها باقية بغير ~~البدن لا يحتاج في قوامها إلى البدن بل البدن محتاج إليها وأنها محل ~~المعرفة فمن عرف أمثال هذه المعارف عرف ربه وصفاته من وحدانيته وعلمه ~~وقدرته وإرادته وتصرفه في جملة العالم يعني وأن وجوده تعالى مباين وجود ~~غيره. # ولما كان التقدير: ولا نزال نواتر ذلك شيئا في أثر شيء، عطف عليه قوله: ~~{حتى يتبين لهم} غاية البيان بنفسه من غير إعمال فكر {أنه} أي القرآن ~~{الحق} الكامل في الحقية الذي تطابقه الوقائع # PageV17P226 # وتصادقه الأحوال العارضة والصنائع، فيجتعوا عليه ويقبلوا بكل قلوبهم ~~إليه، فلا يأباه في جزيرة العرب إنسان، ولا يختلف فيه منهم اثنان، ثم ~~ينبثون في أرجاء الأرض بطولها والعرض فيظهر بهم على سائر الأديان، ويبيد ~~على أيديهم أهل الكفران، في سائر البلدان، ويزول كل طغيان، فيكون ظهورهم في ~~هذا الوقت وضعف المؤمنين بعد أن كان سببا لازديادهم من الكفر عظة لهم ولكل ~~من يأتي بعدهم يوجب الثبات في محال الزلزال علما بأن الله أجرى عادته أن ~~يكون للباطل ريح تخفق ثم تسكن، ودولة تظهر ثم تضمحل، وصولة تجول ثم تحول. # ولما كان هذا القول منبها على أن في الآفاق والأنفس من الآيات المرئية ~~التي يقرأها أولو الأبصار بالبصائر، ويتأملها بأعين السرائر، أمرا لا يحيط ~~به الوصف، فكان حاديا على تجريد الأفكار للنظر والاعتبار، والوقوف على بعض ~~ما في ذلك من لطائف الأسرار، كان كأنه قيل: ألم يروا بعقولهم ما في ذلك من ~~الأدلة على أن القرآن من عند الله فيكفيهم عن شهادة شيء خارج عن أنفسهم، ~~عطف عليه قوله: {أو لم يكف} وأكد بإدخال الجار، وحقق الفاعل فقال مؤكدا ~~بالباء ومحققا أنه ms4349 الفاعل صارفا القول # PageV17P227 # إلى وصف الإحسان إيذانا بالرفق بهم بردهم إليه دون ارتكابهم ما يوجب ~~نكالهم وإهلاكهم واستئصالهم: {بربك} أي المحسن إليك بهذا البيان المعجز ~~للإنس والجان شهادة بأنه من عنده {أنه} أي أو لم يكف شهادة ربك لأنه {على ~~كل شيء شهيد *} لا يغيب عنه شيء من الأشياء، لا هذا القرآن ولا غيره، وقد ~~شهد لك فيه بإعجازه لجميع الخلق بكل ما تضمنته آياته، ونطقت به كلماته، ~~ففيه أعظم بشارة بتمام أمر الدين وظهوره على المعتدين، وذلك لأن كل أحد يجد ~~في نفسه أنه إذا أراد ثبوت حق ينكره من هو عليه لصاحب الحق من الشهود ما ~~يتحقق قولهم فيه ووصوله بهم إليه أنه يكون مطمئنا لا ينزعج بالجحد علما منه ~~بأن حقه لا بد أن يظهر ويخزي معانده ويقهر، وفي هذا تأديب لكل من كان على ~~حق ولا يجد من يساعده على ظهوره فإن الله شاهده فلا بد أن يظهر أمره فتوكل ~~على الله إنك على الحق المبين. # ولما لم يبق بعد هذا لمتعنت مقال، ولا شبهة أصلا لضال، كان موضع المناداة ~~على من استمر على عناده بقوله مؤكدا لادعائهم إنهم على جلية من أمرهم، {ألا ~~إنهم} أي الكفرة {في مرية} أي جحد وجدال وشك وضلال عن العبث {من لقاء} وصرف ~~القول # PageV17P228 # إلى إضافة وصف الإحسان إليهم إشارة إلى أنه لا بد من كمال تربيتهم بالبعث ~~لأنه أحكم الحاكمين فقال: {ربهم} أي المحسن إليهم بأن خلقهم ورزقهم للحساب ~~والجزاء بالثواب والعقاب كما هو شأن كل حكيم فيمن تحت أمره. # ولما كانوا مظهرين الشك في القدرة على البعث، قرره إيمانهم معترفون به من ~~قدرته على كل شيء من البعث وغيره فقال: {ألا إنه} أي هذا المحسن إليهم {بكل ~~شيء} أي من الأشياء جملها وتفاصيلها كلياتها وجزئياتها أصولها وفروعها ~~غيبتها وشهادتها ملكها وملكوتها {محيط *} قدرة وعلما من كثير الأشياء ~~وقليلها كليها وجزئيها، فعما قليل يجمعهم على الحق ويبدلهم بالمرية إذعانا ~~وبالشك يقينا وبرهانا، فرحمته عامة لجميع أهل الوجود وخاصة لمن ms4350 من عليه ~~الإيمان الموصل إلى راحة الأمان، فكيف يتصور في عقل أن يترك البعث ليوم ~~الفصل الذي هو مدار الحكمة، ومحط إظهار النعمة والنقمة، وقد علم بذلك ~~انطباق آخرها المادح للكتاب المقرر للبعث والحساب على أولها المفصل للقرآن ~~المفيض لقسمي الرحمة: العامة والخاصة لأهل الأكوان، على ما اقتضاه العدل ~~والإحسان، بالبشارة لأهل الإيمان، والنذارة لأهل الطغيان - والله الهادي ~~وعليه التكلان. # PageV17P229 # مقصودها الاجتماع على الدين الذي أساسه الإيمان، وأم دعائمه الصلاة، وورح ~~أمره الألفة بالمشاورة المقتضية لكل أهل الدين كلهم في سواء كما أنهم في ~~العبودية لشارعه سواء، وأعظم نافع في ذلك الإنفاق والمؤاساة فيما في اليد، ~~والعفو والصفح عن المسيء، والإذعان للحق وإن صعب وشق، وذلك كله الداعي إليه ~~هذا الكتاب الذي هو روح جسد هذا الدين المعبر عما دعا إليه من محاسن ~~الأعمال، وشرائف الخلال بالصراط المستقيم، وإلى ذلك لوح آخر آخر السورة ~~الماضية) حتى يتبين لهم أنه الحق () ألا إنه بكل شيء محيط (وصرح ما في هذه ~~من قوله: (أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه إلا المودة في القربى () استجيبوا ~~لربكم () نهدي به من نشاء من عبادنا () وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم () ألا ~~إلى الله تصير الأمور (وتسميتها بالشورى واضح المطابقة لذلك لما في ~~الانتهاء وكذلك بالأحرف المتقطعة فإنها جامعة للمخارج الثلاثة: الحلق ~~والشفة واللسان، وكذا # PageV17P230 # جمعها لصنفي المنقطوطة والعاطلة، ووصفي المجهورة والمهموسة، وهي واسطة ~~جامعة بين حروف أم الكتاب الذكر الأول، وحروف الرقآن العظيم، وهذا المقصود ~~هو غاية المقصود من أختها سورة مريم الموافقة لها في الابتداء بالتساوي في ~~عدد الحروف المقطعة، وفي الانتهاء من حيث أن من اختص بمصير الأمور، كان ~~المختص بالقدرة على إهلاك القرون، وذلك لأن مقصودها اتصافه تعالى بشمول ~~الرحمة بإفاضة جميع النعم على جميع خلقه، وغايةهذا الاجتماع على الدين، ~~ولما توافقتا في المقصود في الابتداء والانتهاء، واختصت الشورى بأن حروفها ~~اثنان، دل سبحانه بذلك أرباب البصائر على أنه إشارة إلى أن الدين قسمان: ~~أصول وفروع، دلت مريم على الأصول # {ذلك عيسى ابن مريم ms4351 قول الحق الذي فيه تمترون} [مريم: 34] ، وإن الله ربي ~~وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم، # {هل تعلم له سميا} [مريم: 65] والشورى على مجموع الدين أصولا وفروعا) شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك (الآية، هذا موافقة ~~البداية، وأما موافقة النهاية فهو أنهما ختمتا بكلمتين: أول كل منهما آخر ~~الأخرى وآخر كل أول الأخرى وإيذانا بأن السورتين دائرة واحدة محيطة بالدين ~~متصلة لا انفصام لها، وذلك أن آخر مريم أول الشورى وآخر الشورى أو مريم) ~~فإنما يسرناه بلسانك (، الآية) هو كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله ~~العزيز الحكيم () وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا () ما كنت تدري ما ~~الكتاب # PageV17P231 # ولا الإيمان (إلى آخرها هو) ذكر رحمة ربك عبده زكريا (- إلى آخر القصة في ~~الدعاء بارث الحكمة والنبوة الذي روحه الوحي والله الهادي، وكذا تسميتها ~~ببعضها بدلالة الجزء على الكل) بسم الله (الذي أحاط بضفات الكمال، فنفذ ~~أمره، فاستجاب له كل شيء طوعا أو كرها) الرحمن (الذي عمت رحمته فهيأت عباده ~~لقبول أمره) الرحيم (الذي خص اولياءه بما ترتضيه الإلهية من رحمته، فجمع ~~كلمتهم على دينه عقدا وفعلا ومآلا) # PageV17P232 # {حم عسق*} هذه الحروف يجوز أن تكون إشارة إلى كلمات منتظمة من كلام عظيم ~~يشير إلى أن معنى هذا الجمع يجوز أن يقال: حكمة محمد علت وعمت فعفت سقام ~~القلوب، وقسمت حروفها قسمين موافقة لبقية أخواتها وبعدها آيتين، ولم تقسم ~~{كهيعص} لأنها آية واحدة ولا أخت لها ولم تقسم {المص} مثلا وإن كان لها ~~أخوات لأنها آية واحدة، ولم يعد في شيء من القرآن حرف واحد آية، ويجوز أن ~~يعتبر مفردة فتكون إشارة إلى أسرار تملأ الأقطار، وتشرح الصدور والأفكار، ~~فإن نظرت إلى مخارجها وجدتها قد حصل الابتداء فيها بأدنى وسط # PageV17P232 # الحلق إلى اللسان باسم الحاء وثنى بأوسط حروف الشفة وهي الميم وحصل ~~الرجوع إلى وسط الحلق بأقصاه من اللسان في اسم العين، وهو جامع للحلق ~~واللسان، وقصد رابعا إلى اللسان بالسين التي هي من أدناه إلى الشفتين ms4352 وهو ~~رأسه ولها التصاق بالشفتين واتصال بأعلى الفم ففيها بهذا الاعتبار جمع ثم ~~جعل بعد هذا الظهور بطونا إلى أصل اللسان، وهو أقصاه من الشفة بالقاف، ~~ولاسم هذا الحرف جمع بالابتداء بأصل اللسان مع سقف الحلق والاختتام بالشفة ~~العليا والثنيتين السفليين، ففي هذه الحروف ثلاثة وهي أكثرها لها نظر بما ~~فيها من الجمع إلى مقصود السورة، وقد اتسق الابتداء فيها فيما كان من حرفين ~~جمعهما مخرج بالأعلى ثم بالأدنى إشارة إلى أنه يكون لأهل هذا الدين بعد ~~الظهور بطون كما كان في أول الإسلام حيث حصر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأقاربه في الشعب، وذلك أيضا إشارة إلى أنه من تحلية الظاهر ينتقل إلى ~~تصفية الباطن من زين ظاهره بجمع الأعمال الصالحة صحح الله باطنه بالمراقبة ~~الخالصة الناصحة على أن في هذا التدلي بشرى بأن الحال الثاني يكون أعلى من ~~الأول، كما كان عند الظهور من الشعب بما حصل من نقض الصحيفة الظالمة الذي ~~كان الضيق سببا له، لأن الثاني من مراتب هذه الحروف أقوى صفة مما هو أعلى ~~منه مخرجا، فإن الحاء لها من الصفات الهمس والرخاوة والاستفال # PageV17P233 # والانفتاح والميم له من الصفات الجهر والانفتاح والاستفال وبين الشدة ~~والرخاوة، والعين لها من الصفات ما للميم سواء، والسين لها من الصفات ما ~~للحاء، وتزيد بالصفير، والقاف له من الصفات الجهر والشدة والانفتاح ~~والاستعلاء والقلقلة فالحرف الأول أكثر صفاته الضعف، ويزيد بالإمالة التي ~~قرأ بها كثير من القراء، والثاني والثالث على السواء، وهما إلى القوة أرجح ~~قليلا، وذلك كما تقدم من وسط الحال عند الخروح من الشعب، والرابع فيه قوة ~~وضعف وضعفه أكثر، فإن فيه للضعف ثلاث صفات وللقوة صفتين، وذلك كما كان حال ~~النبي صلى الله عليه وسلم عند آخر أمره بمكة المشرفة حين مات الوزيران ~~خديجة رضي الله عنها وأبو طالب لكن ربما كانت الصفتان القويتان عاليتين على ~~الصفات الضعيفة بما فيهما بالانتشار بالصفير والجمع الذي مضت الإشارة إليه ~~من الإشارة إلى ضخامة تكون باجتماع أنصار كما وقع من ms4353 بيعة الأنصار، والخامس ~~وهو الأخير كله قوة كما وقع بعد الهجرة عند اجتماع الكلمة وظهور العظمة، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # «فلما هاجرنا انتصفنا من القوم وكانت سجال الحرب بيننا وبينهم» ثم تكاملت ~~القوة عند تكامل الاجتماع بعد قتال أهل الردة # PageV17P234 # بعد موته صلى الله عليه وسلم لا جرم انتشر أهل هذا الدين في الأرض يمينا ~~وشمالا، فما قام لهم مخالف، ولا وافقتهم أمه من الأمم على ضعف حالهم وقلتهم ~~وقوة غيرهم وكثرتهم إلا دمروا عليهم فجعلوهم كأمس الدار، وقد جمعت هذه ~~الحروف كما مضى وصفي المجهورة والمهموسة كانت المجهورة أغلبها إشارة إلى ~~ظهور هذا الدين على كل دين كما حققه شاهد الوجود، وصنفي المنقطوطة ~~والعاطلة، وكانت كلها عاطلة إلا حرفا واحدا، إشارة إلى أن أحسن أحوال ~~المؤمن أن يكون أغلب أحواله محوا لا يرى له صفة من الصفات بل يعد في زمرة ~~الأموات وإلى أن المتحلي بالأعمال الصالحة الخالصة من أهل القلوب من أرباب ~~هذا الدين قليل جدا، وكان المنقوط آخرها إشارة إلى أن نهاية المراتب عند ~~أهل الحق الجمع بعد المحو والفرق وكان حرف الشفة من بين حروفها الميم، وهي ~~ذات الدائرة المستوية الاستدارة إشارة إلى أن لأهل هذا الدين من الاجتماع ~~فيه والانطباق عليه والإطافة به والإسراع إليه ما ليس لغيرهم وإلى أن هم من ~~القدم الراسخ في القول المقتطع من الفم المختتم بالشفتين ما لا يبلغه غيرهم ~~بحيث أنه لا نهاية له # PageV17P235 # مع حسن استنارته بتناسب استدارته، ثم إنك إذا بلغت نهاية الجمع في هذه ~~الأحرف بأن جمعت أعداد مسمياتها وهو مائتان وثمانية وسبعون وفي السنة ~~الموافقة لهذا العدد كانت ولادتي، فكان الابتداء في هذا الكتاب الديني ~~حينئذ بالقوة القريبة من الفعل وسنة ابتدائي فيه بالفعل وهي سنة إحدى وستين ~~في شعبان كان سني إذا ذاك قد شارف أربعا وخمسين سنة، وهو موافق لعدد حرفي ~~{دن} أمرا من الدين الذي هو مقصود السورة، فكأنه أمر إذ ذاك بالشروع في ~~الكتاب ليحصل مقصودها، وسنة وصولي إلى ms4354 هذه السورة وهي سنة إحدى وسبعين في ~~شعبان منها كان سني قد شارف أربعا وستين سنة، وهو عدد موافق لعدد أحرف ~~{دين} الذي هو مقصود السورة، فأنا أرجو بهذا الاتفاق الغريب أن يكون ذلك ~~مشيرا إلى أن الله تعالى يجمع بكتابي هذا الذي خصني بإلهامه وادخر لي ~~المنحة بحله وإبرامه، واعتناقه والتزامه، أهل هذا الدين القيم جمعا عظيما ~~جليلا جسيما، يظهر له أثر بالغ في اجتماعهم وحسن تأسيهم برؤوس نقلته ~~وأتباعه، ومن الآثار الجليلة في لحظها للجمع أنه لما كان مقصود سورة مريم ~~عليها # PageV17P236 # السلام بيان اتصاف الرحمن، المنزل لهذا القرآن، بشمول الرحمة لجميع ~~الأكوان، وكانت هذه السورة لرحمة خاصة من آثار تلك الرحمة العامة، وهي ~~الاجتماع على هذا الدين المراد ظهوره وعلوه على كل دين وقهره لكل أمر، فكان ~~لذلك محيطا قاهرا لحظ كل قاهر وظالم، وكانت هذه الرحمة الخاصة - لنسبتها ~~إلى الخلق - ثانية لتلك العامة ومنشعبة منها، كانت لكونها من أوصاف الخلق ~~بمنزلة اليسار، وتلك لكونها من صفة الحق بمنزلة اليمين، لذلك - والله أعلم ~~- قال الاستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب له في الحرف: ولما كان ذلك - أي ~~هذه الاسم المجتمع من هذه الأحرف المقطعة - أول هذه السورة مما ينسب إلى ~~أمر الشمال كان متى وضع على أصابع اليسار ثم وضعت على هانجة ظلم أو جور ~~استولى عليه بحكم إحاطة حكمة الله، وكانت خمسها مضافة إلى خمس {كهيعص} ~~المستولية على حكمة اليمين محيطا ذلك بالعشر المحيط بكل الحكمة التي مسندها ~~الياء الذي هو أول العشر ومحل الاستواء بما هو عائد وحدة الألف - انتهى. # ولما كانت هذه الحروف - والله أعلم - مشيرة إلى الاجتماع كما أشار إليه ~~آخر السورة الماضية، قال الله سبحانه وتعالى: {كذلك} أي مثل هذا الإيحاء ~~العظيم الشأن الذي أخبرك به ربك صريحا أول «فصلت» من أن الإله إله واحد ~~وآخرها من أنه ما يقال لك # PageV17P237 # إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، ومن أنه يجمع أمتك على هذا الدين بما يتبين ~~لهم أن هذا القرآن هو ms4355 الحق بما يريهم من الآيات البينات والدلالات الواضحات ~~في الآفاق وفي أنفسهم وبشهادته سبحانه باعجاز القرآن لجميع الإنس والجان ~~ولا سيما إذا أقدم ضال على معارضته كمسيلمة فإنه يتبين لهم الأمر بذلك غاية ~~البيان «وبضدها تتبين الأشياء» ورمز لك به سبحانه تلويحا اول هذه السورة ~~بهذه الأحرف المقطعة التي هي أعلى وأغلى من الجواهر المرصعة - إلى مثل ذلك، ~~فهما نوعان من الوحي: صريح وعبارة، وتلويح وإشارة. # ولما كان المقصود الإفهام لأن الإيحاء منه سبحانه عادة مستمرة إلى جميع ~~أنبيائه ورسله والبشارة له صلى الله عليه وسلم بتجديده له، مدة حياته ~~تثبيتا لفؤاده، ودلالة على دوام وداده، عبر بالمضارع الدال على التجدد ~~والاستمرار، وتقدم في أول البقرة نقلا عن أبي حيان ومن قبله الزمخشري وغيره ~~أنه قد لا يلاحظ منه زمن معين، بل يراد مطلق الوجود فقال: {يوحى إليك} أي ~~سابقا ولاحقا ما دمت حيا لا يقطع ذلك عنك أصلا توديعا ولا قلى بما يريد من ~~أمره مما يعلي لك مقدارك، وينشر أنوارك ويعلي منارك. # PageV17P238 # ولما كان الاهتمام بالوحي لمعرفة أنه حق - كما أشارت إليه قراءة ابن كثير ~~بالبناء للمفعول - والموحي إليه لمعرفة أنه رسول حقا وكان المراد بالمضارع ~~مجرد إيقاع مدلوله لا يفيد الاستقبال صح أن يتعلق به قوله مقدما على ~~الفاعل: {وإلى الذين} والقائم مقام الفاعل في قراءة ابن كثير ضمير يعود على ~~«كذلك» . # ولما كان الرسل بعض من تقدم في بعض أزمنة القبل، ادخل الجار فقال: {من ~~قبلك} أي من الرسل الكرام والأنبياء الأعلام، بأن أمتك أكثر الأمم وأنك ~~أشرف الأنبياء، وأخذ على كل منهم العهد باتباعك، وأن يكون من أنصارك ~~وأشياعك. ولما قدم ما هو الأهم من الوحي والموحى إليه، أتى بفاعل {يوحي} في ~~قراءة العامة فقال: {الله} أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال. . وهو مرفوع ~~عند ابن كثير بفعل مضمر تقديره الذي يوحيه. ولما كان نفوذ الأمر دائرا على ~~العزة والحكمة قال: {العزيز} أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم *} ~~الذي يضع ما يصنعه ms4356 في أتقن محاله، فلأجل ذلك لا يقدر على نقض ما أبرمه، ولا ~~نقص # PageV17P239 # ما أحكمه. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة غافر ما تقدم من بيان ~~حالي المعاندين والجاحدين، وأعقبت بسورة السجدة بيانا أن حال كفار العرب في ~~ذلك كحال من تقدمه وإيضاحا لأنه الكتاب العزيز وعظيم برهانه، ومع ذلك فلم ~~يجد على من قضى عليه تعالى بالكفر، اتبعت السورتان بما اشتملت عليه سورة ~~الشورى من أن ذلك كله إنما جرى على ما سبق في علمه تعالى بحكم الأزلية ~~{فريق في الجنة وفريق في السعير} {وما أنت عليهم بوكيل} {ولو شاء الله ~~لجعلهم أمة واحدة} {ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم} {وهو على جمعهم إذا يشاء ~~قدير} {وما أنتم بمعجزين في الأرض} {ومن يضلل الله فما له من سبيل} {إن ~~عليك إلا البلاغ} {نهدي به من نشاء من عبادنا} فتأمل هذه وما التحم بها مما ~~لم يجر في السورة المتقدمة منه إلا النادر، ومحكم ما استجره، وبناء هذه ~~السورة # PageV17P240 # على ذلك ومدار آيها، يلح لك وجه اتصالها بما قبلها والتحامها بما جاورها. # ولما ختمت سورة السجدة بقوله تعالى {إلا أنهم في مرية من لقاء ربهم} ~~أعقبها سبحانه بتنزيهه وتعاليه عن ريبهم وشكهم، فقال تعالى {تكاد السماوات ~~يتفطرن من فوقهن} كما أعقب بمثله في قوله تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه ولما تكرر في سورة حم السجدة ~~ذكر تكبر المشركين وبعد انقيادهم في قوله تعالى {فأعرض أكثرهم وقالوا ~~قلوبنا في أكنة} إلى ما ذكر تعالى من حالهم المنبئة عن بعد استجابتهم فقال ~~تعالى في سورة الشورى {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} - انتهى. # ولما أخبر سبحانه أنه صاحب الوحي بالشرائع دائما قديما وحديثا، علل ذلك ~~بأنه صاحب الملك العام فقال: {له ما في السماوات} أي من الذوات والمعاني ~~{وما في الأرض} كذلك. ولما كان العلو مستلزما للقدرة قال: {وهو العلي} أي ~~على العرش الذي السماوات فيه علو رتبة وعظمة ومكانة لا مكان ms4357 وملابسة، ~~فاستلزم ذلك أن تكون له السماوات كلها والأراضي كلها مع ما فيها {العظيم *} ~~أي فلا يتصور شيء في وهم ولا يتخيل في عقل إلا وهو أعظم منه بالقهر والملك، ~~فلذلك يوحي إلى من يشاء بما يشاء من إقرار وتبديل، لا اعتراض لأحد عليه. # PageV17P241 # ولما كان السياق مفهما عظيم ملكه سبحانه وقدرته بكثرة ما في الأكوان من ~~الأجسام والمعاني التي هي لفظاعتها لا تحتمل، قال مبينا لذلك: {تكاد ~~السماوات} أي على عظم خلقهن ووثاقة إبداعهن، وفلقهن بما أعلم به الواقع، ~~ونبه عليه بتذكير {تكاد} في قراءة نافع والكسائي {يتفطرن} أي يتشققن ويتفرط ~~أجزاؤهن مطلق انفطار في قراءة من قرأ بالنون وخفف وهم هنا أبو عمرو ويعقوب ~~وشعبة عن عاصم، وتفطرا شديدا في قراءة الباقين بالتاء المثناة من فوق ~~مفتوحة وتشديد الطاء، مبتدئا ذلك {من فوقهن} الذي جرت العادة أن يكون أصلب ~~مما تحته، فانفطار غيره من باب الأولى، وابتداء الانفطار من ثم لأن جهة ~~الفوق أجدر بتجلي ما يشق حمله من عظيم العظمة والجلال والكبرياء والعزة ~~التي منها ما يحمل من الملائكة الذين لا تسع عقولهم وصفهم على ما عليه من ~~كل واحد منهم من عظم الخلق في الهيئة والطول والمتانة والكبر إلى غير ذلك ~~مما لا يحيط به علما إلا الذي يراهم بحيث إن أحدهم إذا أشير له إلى الأرض ~~حملها كما قال صلى الله عليه وسلم «أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع ~~قدم # PageV17P242 # إلا فيه ملك قائم يصلي» ومن غير ذلك من العظمة والكبرياء والجبروت ~~والعلاء، أو يكون انفطارهن من عظيم شناعة الكفر بالذي خلق الأرض في يومين ~~وجعلهم له أندادا كما قال في السورة المناظرة لهذه سورة مريم {تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا} ~~[آية: 90-91] ونقص ما في هذه عن تلك لأنه لم يذكر هنا للولد، وهذا كناية عن ~~التخويف بالعذاب لأن من المعلوم أن العالي إذا انفطر تهيأ للسقوط، فإذا سقط ~~أهلك من تحته فكيف ms4358 إذا كان من العلو والعظم وثقل الجسم على صفة لا يحيط بها ~~إلا بارئها، فذكر الفوق تصوير لما يترتب على هذا الانفطار من البلايا ~~الكبار، وعلى هذا يحسن أني يعود الضمير على الأراضي التي كفروا بفاطرها. # ولما بين أن سبب كيدودة انفطارهن حلالة العظمة التي منها كثرة الملائكة ~~وشناعة الكفر، بين لها سببا آخر وهو عظيم قولهم، فقال: {والملائكة} أي ~~والحال أنهم، وعدل عن التأنيث مراعاة للفظ إلى التذكير وضمير الجمع، إشارة ~~إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين فقال: {يسبحون} أي يوقعون التنزيه والتقديس ~~لله سبحانه # PageV17P243 # وتعالى ملتبسين {بحمد ربهم} أي بإثبات الكمال للمحسن إليهم تسبيحا يليق ~~بما لهم - بما أشارت إليه الإضافة دائما لا يفترون، فلهم بذلك زجل وأصوات ~~لا تحملها العقول، ولا تثبت لها الجبال، فلا تستبعدن ذلك، فكم من صاعقة ~~سمعتها من السحاب فرجت لها الأرض فتصدعت لها الأبنية المتينة والجبال ~~الصلاب، ولفت القول إلى صفة الإحسان لمدح الملائكة بالإشارة إلى أنهم عرفوا ~~إحسان المحسن وعملوا في الشكر بما اقتضاه إحسانه فصار تعريضا بذم الكفرة ~~بما غطوا من إحسانه، وتذرعوا من كفرانه. # ولما كانوا لما عندهم من العلم بجلال الله سبحانه يستحيون منه سبحانه كما ~~يفعل أهل الأرض ويقولون ما لا يليق بحضرته الشماء وجنابه الأسمى، وكانوا ~~يعلمون مما جادلهم سبحانه عنهم أن له بهم عناية، فكانوا يرون أن الأقرب إلى ~~رضاه الاستغفار لهم، فلذلك عبر عنهم سبحانه بقوله حاذقا ما أوجبه السياق في ~~{غافر} من ذكر الإيمان، إشارة إلى أن أقرب الخلق من العرش كأبعد الناس في ~~الإيمان # PageV17P244 # المشروط بالغيب إبلاغا في التنزيه لأنه لا مقتضى له هنا: {ويستغفرون} أي ~~وهم مع التسبيح يطلبون الغفران {لمن في الأرض} لما يرون من شدة تقصيرهم في ~~الوفاء بحق تلك العظمة، التي لا تضاهى، أما للمؤمن فمطلقا، وأما للكافر ~~فبتأخير المعالجة، وكذا لبقية الحيوانات، وذلك لما يهولهم مما يشاهدونه من ~~عظمة ذي الكبرياء وجلالة ذي الجبروت. قال ابن برجان: لم يشأ الله جل ذكره ~~كون شيء إلا قيض ملائكة من ms4359 عباده يشفعون في كونه، وكذلك في إبقاء ما شاء ~~إبقاءه وإعدام ما شاء إعدامه، وهذه أصول الشفاعة فلا تكن من الممترين، ~~وألطف من ذلك أن تكون كيدودة انفطارهن في حال تسبيح الملائكة واستغفارهم ~~لما يرين من فوقهن من العظمة، ومن تحتهن من ذنوب الثقلين، فلولا ذكرهم ~~لتفطرن وحضر العذاب، فعوجل الخلق بالهلاك، وقامت القيامة، وقضي الأمر، وإذا ~~كانت كيدودة الانفطار مع هذا التنزيه والاستغفار، فما ظنك بما يكون لو عرى ~~الأمر عنه وخلا منه، ولذلك ذكر العموم هنا ولم يخص المؤمنين بالاستغفار كما ~~في {غافر} لما اقتضاه السياق هنا من العموم، ولأن مقصود غافر # PageV17P245 # تصنيف الناس في الآخرة صنفين وتوفية كل ما يستحقه فناسب ذلك إفراد الذين ~~تلبسوا بالإيمان ومقصود هذه الجمع على الدين في الدنيا فناسب الدعاء للكل ~~ليجازى كل بما يستحقه من إطلاق المغفرة في الدارين للمؤمن وتقييدها ~~بالتأخير في الدنيا للكافر. # ولما كانت أفعال أهل الأرض وأقوالهم عظيمة المخالفة لما يرضيه سبحانه فهم ~~يستحقون المعاجلة بسببها، أجاب من كأنه قال: هذا يستجاب لهم في المؤمنين، ~~فكيف يستجاب لهم في الكافرين ليجمع الكلام التهييب والتهويل في أوله ~~والبشارة واللطف والتيسير في آخره، فقال لافتا القول عن صفة الإحسان إلى ~~الاسم الأعظم تعريفا بعظيم الأمر حملا على لزوم الحمد وإدامة الشكر: {ألا ~~إن الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال، فله جميع العظمة، وأكد لأن ذلك ~~لعظمه لا يكاد يصدق {هو} أي وحده، ورتب وصفيه سبحانه على أعلى وجوه البلاغة ~~فبدأ بما أفهم إجابة الملائكة وأتبعه الإعلام بمزيد الإكرام فقال: {الغفور ~~الرحيم *} أي العام الستر والإكرام على الوجه الأبلغ أما لأهل الإيمان ~~فواضح دنيا وآخرة، وأما لأهل الكفران ففي الدنيا فهو يرزقهم ويعافيهم ويملي ~~لهم {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر: 45] ~~وأما غير الله فلا يغفر # PageV17P246 # لأهل معصيته، ولو أراد ذلك ما تمكن. # PageV17P247 # ولما كان التقدير: فالذين تولوه وماتوا في ولايته فهو يغفر ذنوبهم بمعنى ~~أنه يزيلها عينا وأثرا، عطف عليه قوله: ms4360 {والذين اتخذوا} أي عالجوا فطرهم ~~الأولى وعقولهم حتى أخذوا {من دونه} أي من أدنى رتبة من رتبته {أولياء} ~~يعبدونهم كالأصنام وكل من اتبع هواه في شيء من الأشياء، فقد اتخذ الشيطان ~~الآمر له بذلك وليا من دون الله بمخالفة أمره. # ولما كان ما فعلوه عظيم البشاعة، اشتد التشوف إلى جزائهم عليه فأخبر عنه ~~سبحانه بقوله معبرا بالاسم الأعظم إشارة إلى وضوح ضلالهم وعظم تهديدهم ~~معريا له عن الفاء لئلا يتوهم أن الحفظ مسبب عن الاتخاذ المذكور عادلا إلى ~~التعبير بالجلالة تعظيما لما في الشرك من الظلم وتغليظا لما يستحق فاعله من ~~الزجر: {الله} أي المحيط بصفات الكمال {حفيظ عليهم} أي رقيب وراع وشهيد على ~~اعمالهم، لا يغيب عنه شيء من أحوالهم، فهو إن شاء أبقاهم على كفرهم وجازاهم ~~عليه بما أعده للكافرين، وإن شاء تاب عليهم ومحا ذلك عينا وأثرا، فلم ~~يعاقبهم ولم يعاتبهم، وإن شاء محاه عينا وأبقى الأثر حتى يعاتبهم {وما أنت ~~عليهم بوكيل *} أي حتى # PageV17P247 # يلزمك أن تراعي جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم، فتحفظها وتقسرهم على ~~تركها ونحو ذلك مما يتولاه الوكيل مما يقوم فيه مقام الموكل سواء قالوا {لا ~~تسمعوا لهذا القرآن} أو قالوا {قلوبنا في أكنة} أو غير ذلك. # ولما كان الإيحاء السابق أول السورة للبشرى لأنها المقصود بالذات وكانت ~~البشرى مقتضية تلويحا ورمزا بالأحرف المقطعة لاجتماع أهل الدين وغلبتهم على ~~سائر الأديان وأن دينهم يعم سائر الأمم ويحيط بجميع الخلق، ولا يريد أحد ~~بأهله سوءا إلا كان له فيه رفعة كما مضى بيانه، وكانت رمزا لأن المقام ~~للانذار بما تشهد به السورة الماضية، وكان المراد بها التكرار حتى لا تزال ~~لذاذتها في أذن المبشر وحلاوتها في قلبه، ذكرها بلفظ المضارع الدال على ~~التجدد والتكرار والحدوث والاستمرار، وكان المتعنت ربما حمله له على الوعد ~~بالإيحاء في المستقبل، وكان العاقل يكفيه في النذرى مرة واحدة فقال معبرا ~~بالماضي الدال على الإمضاء والقطع والقضاء الحتم في كل من الإيحاء وفائدته ~~التي هي الأنذار، عاطفا على ما يتصل ms4361 بالآية السالفة المختومة # PageV17P248 # بنفي الوكالة مما تقديره: إنما عليك البلاغ بالبشارة والنذارة، وقد ~~أوحينا إليك البشارة رمزا، كما جرت به عادة الأحباب في محاورات الخطاب، ~~ولفت القول إلى مظهر العظمة لأن الإنذار من مجازه: {وكذلك} أي ومثل ذلك ~~الإيحاء الذي قدمنا أنا حبوناك به من وحي الإشارة بالحروف المقطعة {أوحينا} ~~بما لنا من العظمة مع الفرق بين كل ملبس {إليك قرآنا} جامعا لكل حكمة ~~{عربيا} فهو بين الخطاب واضح الصواب معجز الجناب {لتنذر} أي به {أم القرى} ~~مكة التي هي أم الأرض وأصلها، منها دحيت ولشرفها أوقع الفعل عليها، عدا لها ~~عداد العقلاء، ثم بين أن المراد أهلها بقوله: {ومن} أي وتنذر من {حولها} ~~وهم سكان جميع الأرض التي هي امها، وبذلك فسره البغوي فقال: قرى الأرض ~~كلها، وكذا القشيري وقال: العالم محدق بالكعبة ومكة لأنها سرة الأرض. # ولما كان مفعول {تنذر} الثاني على ما هدى إليه السياق ما عذبت به الأمم ~~السالفة والقرون الماضية حين تمادى بهم الكفر وغلب عليهم الظلم في اتخاذهم ~~أولياء من دون الله، عطف عليه: {وتنذر} أي أم القرى ومن حولها مع عذاب ~~الأمم في الدنيا {يوم الجمع} أي لجميع الخلائق ببعثهم من الموت، حذف ~~المفعول الأول من الشق الثاني، # PageV17P249 # والمفعول الثاني من الأول، فالآية من الاحتباك: ذكر المنذرين أولا دلالة ~~على إرادتها ثانيا، وذكر المنذر به وهو يوم الجمع ثانيا دلالة على المنذر ~~به من عذاب الأمم أولا، ليذهب به الوهم في المحذوف كل مذهب، فيكون أهول، ~~وذكر هذا المذكور أفخم وأوجل. # ولما كان الإنذار - وهو الإعلام بموضع المخافة - تارة يكون عما لا علم ~~به، وهو الأغلب، وتارة عما وقع العمل به ثم خالف المنذر به علمه فعمل أعمال ~~من لا علم له به، نبه على أنه هذا من القسم الثاني بقوله في جملة حالية: ~~{لا ريب فيه} أي لأنه قد ركز في فطرة كل أحد أن الحاكم إذا استعمل عبيده في ~~شيء ثم تظالموا فلا بد له بما تقتضيه السياسة من جمعهم لينصف ms4362 بينهم وإلا عد ~~سفيها، فما ظنك بأحكم الحاكمين. # ولما تشوف السامع إلى ما يفعل في جمعهم، وكان الثقلان لما طبعوا عليه من ~~النقصان أهل فرقة وطغيان، ذكر نهايته معبرا بما هو من الفرقة بقوله مسوغا ~~الابتداء بالنكرة للتفصيل أو تقرير الوصف: {فريق} أي من المجموعين أهل فرقة ~~تداركهم الله بأن جعلهم أهل # PageV17P250 # جمع {في الجنة} فصلا منه وهم الذين قبلوا الإنذار وبالغوا في الحذار ~~{وفريق} أي منهم خذلهم الله ووكلهم إلى أنفسهم فزادوا في الفرقة {في السعير ~~*} عدلا منه، قال القشيري: كما أنهم في الدنيا فريقان: فريق في درجات ~~الطاعة وحلاوات العبادات، وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد والشك، فلذلك ~~غداهم فريقان: فريق هم أهل اللقاء، وفريق هم أهل البلاء والشقاء. روى ~~الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: ~~قلنا لا، إلا أن تخبرنا يا رسول الله! قال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من ~~رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، ~~ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال للذي في يساره: هذا كتاب أهل ~~النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، لا يزاد فيهم ~~ولا ينقص منهم أبدا، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلأي شيء ~~نعمل إن كان هذا أمرا قد فرغ منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سددوا ~~وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار ~~يختم له بعمل النار وإن عمل أي عمل، قال بيده # PageV17P251 # فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم عز وجل من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها ~~فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير» # قال ابن كثير: وهكذا رواه النسائي والترمذي جميعا، وقال الترمذي: حسن ~~صحيح غريب. # ولما كان ملوك الدنيا غالبا لا يريدون أن يعصى أمرهم، فإذا حذروا من ms4363 شيء ~~أرادوا أن لا يقرب، فإن فعله أحد كان فعله له خارجا عن مرادهم، فكانت ~~عقوبتهم له لخروجه عن المراد شفاء لما حصل لهم من داء الغيظ، بين أنه ~~سبحانه على غير ذلك، وأنه منزه عن خروج شيء عن مراده، وعن أن يلحقه نفع ~~بطاعة أو ضر بمعصية، وإن عقوبته إنما هي على مخالفة أمره مع الدخول تحت ~~مراده بإلجائه وقسره، وهذا في نفس الأمر، وأما في الظاهر فالأمر أن لا يظهر ~~أنه لشيء منهما مانع إلا صرف الاختيار، فقال صارفا القول عن مظهر العظمة ~~استيفاء لإنذار ما هو حقيق به منها إلى الاسم الجامع صفات العظمة وغيرها ~~لاقتضاء الحال له: {ولو شاء الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {لجعلهم} أي ~~المجموعين {امة واحدة} للعذاب أو الثواب ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء أن يكونوا ~~فريقين: مقسطين وظالمين، ليظهر فضله وعدله وأنه إله جبار واحد قهار، # PageV17P252 # لا يبالي بأحد وهو معنى قوله: {ولكن يدخل من يشاء} أي إدخاله {في رحمته} ~~بخلق الهداية في قلبه فتكون أفعالهم في مواضعها وهم المقسطون، ويدخل من ~~يشاء في نقمته بخلق الضلال في قلوبهم فيكونون ظالمين، فلا يكون لهم فعل في ~~حاق موضعه، فالمقسطون ما لهم من عدو ولا نكير {والظالمون} أي العريقون في ~~الظلم الذين شاء ظلمهم فيدخلهم في لعنته {ما لهم من ولي} يلي أمورهم فيجتهد ~~في إصلاحها {ولا نصير *} ينصرهم من الهوان، فالآية من الاحتباك وهو ظاهر ~~ذكر الرحمة أولا دليلا على اللعنة ثانيا والظلم وما معه ثانيا دليلا على ~~أضداده أولا، وسره أنه ذكر السبب الحقيقي في أهل السعادة ليحملهم على مزيد ~~الشكر، والسبب الظاهري في أهل الشقاوة لينهاهم عن الكفر. # ولما كان التقدير: هل قصر هؤلاء الذين تنذرهم هممهم وعزائمهم وأقوالهم ~~وأفعالهم على الله تعالى اتعاظا وانتذارا بهذا الكلام المعجز، عادل به ~~قوله: {أم اتخذوا} أي عالجوا فطرهم الشاهدة بذلك بشهادة أوقات الاضطرار حتى ~~لفتوها عنه سبحانه فأخذوا {من دونه أولياء} هم عالمون بأنهم لا يغنون عنهم ~~شيئا ولهذا قال: ms4364 {فالله} أي فتسبب عما أفهمته صيغة الافتعال من أنهم عالمون ~~بأنه وحده الضار النافع علمهم # PageV17P253 # بأنه {هو} وحده {الولي} لا غيره، ويجوز أن يكون مسببا عن هذا الاستفهام ~~الإنكاري التوبيخي كأنه قيل: هل قصروا هممهم عليه سبحانه، فسبب أنه وحمده ~~المستحق لما يقصدونه من التولي {وهو} أيضا وحده لا غيره {يحيي الموتى} أي ~~يجدد إحيائهم في أي وقت يشاؤه {وهو} أي وحده {على كل شيء قدير *} أي بالغ ~~القدرة لا يشاركه شيء في ذلك بشهادة كل عاقل، وأكده بالقصر لأن شركهم ~~بالأولياء إنكار لاختصاصه بالولاية. # PageV17P254 # ولما كانوا جميعا يقرون بجميع ما وصف به نفسه المقدسة في هذه الآية عند ~~الشدائد، بعضه تصريحا من الوحدانية في الولاية والإحياء في هذه الدار ~~والقدرة على كل شيء، وبعضه لزوما وهو الإحياء بالبعث، تسبب عن ذلك قطعا أن ~~يقال مع صرف القول إلى الخطاب إشارة إلى أنه تعالى قرب إليهم كل خير وقرب ~~إليهم فهم الوحدانية لعقولهم بعد أن فطرهم على لزومها عند الاضطرار، فما ~~اتفقتم فيه من أمره سبحانه فهو الحق، وذلك هو أصل الدين الذي أطبق عليه ~~الخلائق في وقت الاضطرار، لم يتلعثم فيه منهم ضعيف، ولا جبار منيف، عطف ~~عليه قوله: # PageV17P254 # {وما اختلفتم} أي أيها الخلق {فيه من شيء} وذلك هو الفروع مطلقا والأصول ~~في حال الرفاهية {فحكمه إلى الله} أي الذي هو الولي لا غيره وهو القدير لا ~~غيره، فلا يخرج شيء عن أمره، فحصوا عنه تجدوه في كتابه لأن فيه تبيان كل ~~شيء، فإن قصرت أفهامكم عن إخراجه منه فاطلبوه في سنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، فإن عز عليكم ففي إجماع أهل دينه، فإن أعوزكم ذلك ففي القياس على شيء ~~من ذلك. قال القشيري: هذه الأشياء هي قانون الشريعة، وجملتها من كتاب الله، ~~فإن الكتاب هو الذي يدل على صحة هذه الجملة - انتهى. وما اجتهدتم فيه على ~~ما شرع لكم وفصلتموه بما ظهر لكم على حكم بذل الجهد مضى، وما لا فصله بينكم ~~سبحانه في هذا اليوم أن ms4365 أراد بنصر المحق وخذلان الظالم، وإن أراد أخره إلى ~~يوم الدين، فإن شاء عفا وإن شاء عاقب عليه، فلا حكم لغيره لا في الدنيا ولا ~~في الآخرة. # ولما أنتج هذا أنه لا عظيم غيره، ولا إله إلا هو، ترجم ذلك بقوله مخاطبا ~~للكل: {ذلكم} أي العظيم الرتبة جدا {الله} المحيط بجميع أوصاف الكمال، فلا ~~شريك له في شيء منه بوجه {ربي} الذي لا مربي له غيره في ماض ولا حال ولا ~~استقبال. ولما كان ذلك، أنتج ولا بد قوله: {عليه} أي وحده {توكلت} أي أسلمت # PageV17P255 # جميع أمري {وإليه} أي لا إلى غيره {أنيب *} أي أرجع بالتوبة إذا قصرت في ~~شيء من فروع شرعه وأرجع إلى كتابه إذا نابني أمر من الأمور، فأعرف منه حكمه ~~فافعلوا أنتم كذلك، اجعلوه الحكم تفلحوا، ولا تعدلوا عنه في شيء من الأشياء ~~تهلكوا. # ولما تقرر بهذا الكلام أنه قد ركز في الفطر أنه لا إله غيره لأنه خالق ~~سواه كما يهدي إليه الاضطرار وإن أغفل عنه البطر، وصفه بالدليل على ذلك ~~الذي جبل عليه جميع الفطر: {فاطر السماوات والأرض} أي مبتدئهما بالخلق ~~والإخراج من العدم، وكل ما اتخذتموه وليا من دونه فهو منهما، فهو مما فطره ~~كما يعلم كل أحد منكم ذلك لا يتمارى فيه، فهذا هو السبب في العلم المركوز ~~في الفطر من أنه الواحد الذي لا إله معه كما كان في الأزل ولا شيء معه. # ولما ذكر سبحانه ما شق العدم بإيجاده من غير سبب أصلا، أتبعه ما سببه عن ~~ذلك فأنشأه من العناصر التي أبدعتها يد القدرة في الخافقين، فقال معبرا ~~بالفعلية تذكيرا بما يوجب لهم الاعتراف بما اعترف به نبيه صلى الله عليه ~~وسلم من أنه وحده ربه لا شريك له في ذلك، فيوجب التوكل عليه وحده: {جعل ~~لكم} أي بعد # PageV17P256 # أن خلقكم من الأرض {من أنفسكم أزواجا} يكون بالسكون إليها بقاء نوعكم، ~~ولما كانت الأنعام ومنافعها لأجلنا قال: {ومن} أي وجعل لكم من {الأنعام} ~~الي هي أموالكم وجمالكم وبها أعظم ms4366 قوامكم {أزواجا} أي من أنفسها، يكون بها ~~أيضا بقاء نوعها، وكذا جميع الحيوانات، ومعنى قوله مغلبا العقلاء: {يذرؤكم} ~~أي يخلقكم ويكثركم ولما كان الأزواج في غاية المحبة للزواج بحيث إنه مستول ~~على القلوب، كان كأنه محيط بهم فقال: {فيه} أي في ذلك التزاوج بحيث يجعلكم ~~مولعين به، من قوله ذراه: خلقه وكثره وأولعه بالشيء، فيكون لكم في الأزواج ~~من البشر نطفا وجمالا وولادة، وفي الأنعام غذاء وشرابا واكلا، وغير ذلك مما ~~لكم فيه من المنافع، ولا تزالون في هذا الوجه من الخلق والتزاوج نسلا بعد ~~نسل وجيلا بعد جيل. # ولما تقرر في الأوهام وثبت في كثير من الأذهان أنه لا يكون شيء إلا بسبب ~~التزواج، كان ربما سرى شيء من هذا الوهم في حق الخالق سبحانه فنفاه على ~~أبلغ وجه بقوله: استئنافا في جواب من يسأل عنه: {ليس} وقدم الخبر لأن ~~المراد نفيه فأولاه النافي دلالة على شدة العناية بنفسه فقال: {كمثله} أي ~~مثل # PageV17P257 # نفسه في ذاته ولا في شيء من صفاته: {شيء} يزاوجه أو يناسبه، وكل ما ~~اتخذتموه وليا من دونه، فله ما يزاوجه ويماثله، فالمراد بالمثل هنا النفس ~~وهو أصله وحقيقته في اللغة من قولهم: مثل الرجل يمثل - إذا قام وانتصب، قال ~~الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: والمثل يكون هو الحديث نفسه ~~{مثل الجنة التي وعد المتقون} [الرعد: 35] فمثلها هو الخبر عنها، وقيل: ~~المثل ههنا الصفة {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} [البقرة: 214] أي ~~صفتهم، نقل ذلك الهروي ونقل عن أبي عبد الله القزاز قوله: {ضرب مثل ~~فاستمعوا له} [الحج: 73] كذلك، لأنه قال: {إن الذين تدعون} الآية فصار ~~الخبر عن ذلك هو المثل، قال: وهو على أصل ما ذكرنا أن مثل الشيء صفته ~~وصورته، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ {مثال} وقرأ {أمثال ~~الجنة التي وعد المتقون} ثم قال: وهذا كله يدل على أن معنى {مثل} صفة صورة، ~~قال أبو عبد الله: مثلت له الشيء تمثيلا: صورته له حتى كأنه ms4367 ينظر إليه، وفي ~~الحديث: # «مثلت لي الجنة والنار» انتهى. في القاموس: المثل - بالكسر والتحريك ~~وكأمر: المشبه، والمثل محركة: الحجة # PageV17P258 # والحديث والصفة، والمثيل: المقدار والقصاص وصفة الشيء والفراش، جمعه ~~أمثلة ومثل، والتمثال - بالكسر: الصورة ومثل قائما: قام منتصبا كمثل بلاضم ~~مثولا - انتهى. وفي شمس العلوم: والعرب تقيم المثل مقام النفس فتقول: مثلي ~~لا يقول هذا أي أنا انتهى. فقد بان أن المثل بالإسكان والتحريك واحد، وأنه ~~في الأصل عبارة عن نفس الشيء وصورته، ثم شاع فيما يشابهه، فمعنى مثل أي ~~انتصب تشكل وتصور فكانت له صورة وشكل لأن بالانتصاب تتحقق صورته وتظهر، ~~وكذا مثل بمعنى لصق الأرض وإن كان ظهوره بالقيام أوضح، وكذا مثل إذا زال عن ~~مكانه لأنه حصل الانتصاب أو اللصوق، وزاد الانتقال، ويوضح ذلك قولهم: مثله ~~له - إذا صوره حتى كأنه ينظر إليه، فعلم قطعا أن معنى الآية ما قلته، وأنه ~~لو قيل {ليس كمثله شيء} ، من غير كاف، لربما قال بعض أهل التعنت: هذا معناه ~~أنه ليس شيئا، لأنا قد علمنا أن المثل هو الشيء، وقد كانوا يتعنتون بدون ~~هذا، فأتى بالكاف إزالة لهذا التعنت مع العلم القطعي بأن ظاهر ما نفهمه غير ~~مراد لأنه يؤدي إلى محالين هما في غاية الضمور يحاشى عن أحدهما فكيف إذا ~~اجتمعا من له أدنى حكمة فكيف بأحكم الحكماء، أحدهما أن له مثلا، والثاني أن ~~مثله لا مثل له مع الحكم بأنه مثله، وذلك تناقض # PageV17P259 # ظاهر يتعالى الله عن إرادة مثله علوا كبيرا - والله الموفق. # ولما كان قد أبطن نفسه سبحانه بهذا التنزيه إبطانا عظيما، وكان هذا ~~الإعراق في البطون لا تحتمله العقول، فلا يؤمن عليها النزوع إلى التعطيل، ~~قربه بنوع ظهور بذكر ما نعقله من الأوصاف بعد الأمن من التشبيه لمن يأمل ~~الكلام، وحكم العقل وطرد الوهم، فأتى بأوضح ما نحسه من أوصافنا. وأظهره مع ~~استلزامه لبقية الصفات فقال: {وهو} أي والحال أنه لا غيره {السميع البصير ~~*} أي الكامل في السمع والبصر والعلم من البصر والبصيرة، ومن المقطوع به أن ms4368 ~~ذلك لا يكون على وجه الخصوص إلا بالوحدانية والحياة والقدرة والإرادة ~~والكلام، فاستوفت هذه الآية ما لوح إليه العاطف فيب قوله «وما اختلفتم» بعد ~~ما صرح به، فالله هو الولي من أصول الدين بالصفات السبع على أتم وجه - ~~والله الموفق، قال الحرالي: السمع إدراك ألطف المثلين وهو الاسم، والصر ~~إدراك أظهر المثلين وهو الصورة، وبالحق سبحانه بدأ كل مثل لطيف فهو السميع ~~بالحقيقة أن لا يسمع ما هو مبدىء ألطف مثيله، أو لا يبصر ما هو مبدىء أظهر ~~مثيله، ولما كان سبحانه وتعالى عليما بأمثال البادئات قبل كونها كان سميعا ~~لها بصيرا لها قبل كونها، وإنما يستجد السمع والبصر من يتبع علمه إدراك # PageV17P260 # حسه، لا من هو دائما سميع بصير بما هو دائما عليم، فهو سبحانه يسمع ~~الأشياء وإن لم تتسم، ويراها وإن لم تتصور، رؤيته لها وسمعه في خلقها ~~وبريها وتصويرها رؤية دائمة وسمع دائم، والخلق لا يرون الشيء قبل تصوره ولا ~~يسمعونه قبل تكلمه - انتهى. # فقد صرحت الآية بتنزيهه عن مساو في شيء ما، فمن ادعى لأحد مساواته في شيء ~~من صفاته علم أو غيره فقد أشرك به في تلك الصفة وهو أشد ملامة من المشرك ~~بالصنم ونحوه من المخلوقات لأن إشراك هذا ظاهر الوهي واضح الخلل بين ~~السفسفة، وإشراك الأول خفي لا يقدر على حله إلا راسخ وإن كان كل منهما يصير ~~إلى الركاكة والهذيان لأنه لا يسوغ في عقل أن يكون أحد شريكا لأحد في شيء ~~إلا وهو مساو له في حقيقة الذات، وصالح في الجملة لأن يقوم مقامه في جميع ~~الصفات، فإياك ثم إياك من مزلة ربما استغوى بها الشيطان بعض من يريد الترقي ~~في درجات العرفان، ليخرجه من جميع الأديان. # ولما قرر أمر الوحي بما ثبت به من الإعجاز، وأراهم الآيات في الآفاق، بأن ~~له ما في الوجود، وأنه هو الذي فطره، وكان ربما كان للإنسان شيء ولم يكن ~~كامل التصرف فيه بأن يكون مفاتيح خزائنه مع غيره من شريك أو غيره، وكان ~~ربما ms4369 اخترع الإنسان بناء وكان لغيره، أخبر إكمالا لتنزيه الآية السالفة ~~وشرحا له أنه # PageV17P261 # تعالى ليس كمثله شيء كغيره في هذا أيضا بل كما كان أن له ما في الخافقين ~~وهو مخترعهما فله مفاتيح خزائنهما، فقال: {له} أي وحده {مقاليد السماوات ~~والأرض} أي خزائنهما ومفاتيح خزائنهما من الأمطار والأنبات وغيرهما وقد ثبت ~~أنه ابتدعهما، وأن له جميع ما فيهما مما اتخذ من دونه وليا وغيره، قال ~~القشيري: والمفاتيح الخزائن وخزائنه مقدوراته - انتهى. ولما كان قد حصر ~~الأمر فيه دل عليه بقوله: {يبسط الرزق} أي الذي فيهما ولا مانع منه إلا ~~قدرته {لمن يشاء} أي أن يبسطه له {ويقدر} أي يضيق ويقبض على من يشاء كما ~~وسع على فارس والروم وضيق على العرب وفاوت في الأفراد، بين أفراد من وسع ~~عليهم ومن ضيق عليهم، فدل ذلك قطعا على أنه لا شريك له وأنه هو المتصرف ~~وحده فقطع بذلك أفكار الموفقين من عباده من غيره ليقبلوا عليه ويتفرغوا له، ~~فإن عبادته هي المقاليد بالحقيقة {استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء ~~عليكم مدرارا ويمددكم بأموال} # [الآية 12: نوح] {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار} [ # PageV17P262 # الطلاق: 11] {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض} [الأعراف: 96] {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم ~~سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم} {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} ~~[الآية 66: المائدة] . # ولما كان كأنه قيل: لم فعل ذلك؟ علله بقوله مؤكدا لأن أعمال غالب الناس ~~في المعاصي عمل من يظن أنه سبحانه يخفى عليه عمله: {إنه بكل شيء عليم *} ~~فلا فعل له إلا وهو جار على أتقن ما يكون من قوانين الحكمة، فلو أنه وسع ~~العرب وقواهم ثم أباحهم ملك أهل فارس والروم لقبل بقوتهم ومكنتهم، وله في ~~كل شيء دق أو جل من الحكم ما يعجز عن إدراك لطائفة أفاضل الأمم. # ولما ثبت أن له كل شيء وأنه لا متصرف في الوجود سواه، أنتج ذلك أنه لا ~~ناهج لطرق الأديان التي هي ms4370 أعظم الرزق وأعظم قاسمة للرزق غيره، فأعلمهم أنه ~~لم يشرع دينا قديما وحديثا غير ما اتفقوا عليه وقت الشدائد. فقال دالا على ~~ما ختم به الآية التي قبلها من شمول علمه ومرغبا في لزوم ما هدى إليه ودل ~~عليه: {شرع} أي طرق وسن طريقا ظاهرا بينا واضحا {لكم} أيتها الأمة الخاتمة ~~من الطرق # PageV17P263 # الظاهرة المستقيمة {من الدين} وهو ما يعمل فيجازي عليه. ولما كان السياق ~~للدين، وكانوا هم المقصودين في هذا السياق بالأمر به، لأن الشارع لهم قد ~~أنتجه، وكانوا لتقليدهم الآباء يرون أن ما كان منه أقدم كان أعظم وأحكم، ~~ذكر لهم أول الآباء المرسلين إلى المخالفين فقال: {ما} أي الذي {وصى به} ~~توصية عظيمة بعد إعلامه بانه شرعه {نوحا} في الزمان الأقدم كما ختم به على ~~لسان الخاتم، وأرسل به من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير لأنه لا يرضيه ~~سواه، فإن كنتم إنما تأنفون من الدخول في هذا الدين لحدوثه فإنه أقدم ~~الأديان وكل ما سواه حادث مع أنه ما بعث نبيا من أنبيائكم ولا من غيرهم إلا ~~به ومع أنه توفرت على الشهادة به الفطر الأولى دائما والفطر اللاحقة حتى من ~~القلوب العاتية في أوقات الشدائد أبدا فأدخلوا فيه على بصيرة. # ولما كان الإعجاز خاصا بنا، أبرزه في مظهر العظمة معبرا بالوحي، وبالأصل ~~في الموصلات، ودالا على زيادة عظمته بتقديمه على من كانوا قبله مع ترتيبهم ~~عند ذكرهم على ترتيبهم في الوجود فقال: {والذي أوحينا إليك} وأفرد الضمير ~~زيادة في عظمته دلالة على # PageV17P264 # أنه لا يفهمه حق فهمه غيره صلى الله عليه وسلم، ودل على عظمه ما كان ~~لإبراهيم وبنيه بما ظهر من آثاره بمظهر العظمة، وعلى نقصه عما إلى نبينا ~~صلى الله عليه وسلم بالتعبير بالوصية فقال: {وما وصينا} أي على ما لنا من ~~العظمة الباهرة التي ظهرت بها تلك المعجزات {به إبراهيم} الذي نجيناه من ~~كيد نمرود بالنار وغيرها ووهبنا له على الكبر إسماعيل وإسحاق، وهو أعظم ~~آباء العرب وهم يدعون أكبر بالآباء فليكونوا على ms4371 ما وصيناه به {وموسى} الذي ~~أنزلنا عليه التوراة موعظة وتفصيلا لكل شيء {وعيسى} الذي أنزلنا عليه ~~الإنجيل فيه هدى ونور وموعظة، ودخرناه في سمائنا شريعة الخاتم الفاتح. # ولما اشتد تشوف السامع إلى الموحى الموصى به، أبرزه في أسلوب الأمر فقال ~~مبدلا من معمول «شرع» أو مستأنفا: {أن أقيموا} أي أيها المشروع لهم من هذه ~~الأمة الخاتمة ومن الأمم الماضية {الدين} أي الذي اتفق عليه الخلائق ~~بالرجوع إلى ما فطروا عليه وقت الاضطرار وهو التوحيد والوصف بجميع صفات ~~الكمال على الإطلاق وغير ذلك من كل ما أرسل به رسله هذا على تقدير أن تكون ~~{أن} مصدرية، ويجوز أن تكون مفسرة لتقدم ما هو بمعنى القول. # PageV17P265 # ولما عظمه الأمر بالاجتماع، أتبعه التعظيم بالنهي عن الافتراق فقال: {ولا ~~تتفرقوا} أي تفرقا عظيما بما أشار إليه إثبات التاء، وكأن ذلك إشارة إلى ~~التحذير من التفرق في الأصل وإذن في الاجتهاد على قدر القوة في الفرع {فيه} ~~أي الدين في أوقات الرخاء عند التقلب في لذيذ ما أنعم به الشارع له الآمر ~~به المرغب في اتباعه المرهب من اجتنابه، واجتمعوا على ما أرسله الذي أثبتم ~~له جميع صفات الكمال عند الشدائد من غير خلاف أصلا في شيء من الأشياء، فإن ~~التفرق سبب الهلاك، والاجتماع سبب النجاة، فكونوا يدا واحدة يا أهل الكتاب ~~قال تعالى {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد ~~الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} . # ولما نهى عن التفرق، حث على لزوم الاجتماع اللازم به بتعليل النهي بقوله: ~~{كبر على المشركين} أي جل وعظم وشق حتى ضاقت به صدورهم، وهو {ما تدعوهم ~~إليه} أيها النبي الفاتح الخاتم من الاجتماع أبدا على ما اجتمعوا عليه وقت ~~الاضطرار من وحدانية الواحد القهار، فلأجل كبره عليهم هم يسعون في تفرقكم ~~عنه فإن تفرقتم عنه # PageV17P266 # كنتم قد تابعتم العدو الحسود وخالفتم الولي الودود. ولما كان الإخبار ~~بكره عليهم ربنا أوهم اتباع أتباعهم له، أزال ذلك ms4372 الوهم بقوله جوابا لمن ~~كأنه قال: كيف السبيل مع ذلك إلى دخول أحد في هذا الدين، عادلا عن مظهر ~~العظمة إلى أعظم منه تعظيما للقدرة على جميع القلوب: {الله} أي الذي له ~~مجامع العظمة ونفوذ الأمر {يجتبي} أي يختار بغاية العناية ويصرف {إليه} أي ~~إلى هذا الدين الذي تدعوهم إليه {من يشاء} اجتباءه. # ولما ذكر سبحانه بهذا المراد بغير تكسب منه، أتبعه المزيد المعنى بالسلوك ~~فقال: {ويهدي إليه} بالتوفيق للطاعة {من ينيب *} أي فيه أهلية لأن يجدد ~~الرجوع إلى مراتب طاعاته كل حين بباطنه بعد الرجوع بظاهر إلى ما كتبه له من ~~الدرجات كأنه كان الوصول إليها قد نزل عنها وهو بترقيه في المنازلات بأحوال ~~الطاعات يرجع إليها. # PageV17P267 # ولما كان المراد بالمشركين مع عباد الأوثان أهل الكتاب الذين اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله لقبولهم منهم التحليل والتحريم، # PageV17P267 # وكان ذلك مفهما لأنهم فارقوا أهل الطاعة، وكان ذلك موهما لأنهم ما ~~فارقوهم إلا عن جهل، قال عاطفا على ما تقديره: فأتى الرسل إلى الناس ~~فأقاموا لهم الدين وبينوا لهم غاية التبيين فاجتبى الله بعضهم وأضل بعضهم ~~فافترقوا: {وما تفرقوا} أي المشركين من قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم في ~~أديانهم {إلا} وأدخل الجار لعدم استغراق الزمان فقال: {من بعد ما جاءهم} أي ~~على ألسنة أنبيائهم الذين لم يدعوا لبسا {العلم} أي بما لا يسوغ معه التفرق ~~ومنه أن الفرقة ضلالة، وأشار الجار أيضا إلى أن التفرق كان مع العلم لم يكن ~~طال الزمان فتطرق إلى علمهم نسيان كل ذلك بيانا لعظيم قدرة الله تعالى في ~~تصرفه في القلوب، فإياكم أن يكون حالكم كحالهم فليشتد خوفكم لربكم ورجاءكم ~~له. # ولما كان ترك طريق العلم عجبا ومستبعدا، قال مبينا أن الذي حملهم على ذلك ~~حظوظ الأنفس التي لا نجاة منها إلا بعصمة الله تعالى: {بغيا} أي حال كون ~~تفرقهم عداوة ولا شبهة فيها هي بينة الظلم لأجل حظوظ الأنفس واتباع الأهواء ~~التي يجب على العبد البعد عنها بأن لا تكون له إرادة أصلا ms4373 بل تكون إرادته ~~تابعة لأمر مولاه. # PageV17P268 # ولما كان مطلق البغي منافيا لمكارم الأخلاق، فكان ارتكابه عجبا، زاد في ~~التعجب منه ببيان أن البغي لم يعد جماعتهم إلى غيرها، بل كان خاصا بها، ~~فقال: {بينهم} . # ولما كان ذلك يقتضي المعالجة، قال عاطفا على ما تقديره: فلولا قدرة الله ~~ولطفه لما اجتمعوا بعد الفرقة أبدا: {ولولا كلمة} أي لا تبديل لها {سبقت} ~~أي في الأزل بتأخيرهم إلى آجالهم. ولما كان إمهالهم والرفق بهم رحمة لهم، ~~بين أن ذلك إنما هو لأجل خير الخلق ليكونوا أتباعا له فيزدادوا لذلك شرفا، ~~وأفرده بالذكر تنبيها على ذلك فقال مؤنسا له صلى الله عليه وسلم بلفت ~~الكلام إلى صفة الإحسان إرضاء له بما يرجوه في امته، وزاد ذلك بالإضافة إلى ~~ضميره فأفهم أن إحسانه إليهم إحسان يليق بمقامه، ويلتئم بمراده الشريف ~~ومرامه: {من ربك} أي المحسن إليك بجعلك خير الخلائق وإمامهم، سبقت الكلمة ~~بإمهالهم {إلى أجل مسمى} ضربه لآجالهم ثم لجمعهم في الآخرة {لقضي} على أيسر ~~وجه وأسهله {بينهم} حين الافتراق بإهلاك الظالم وإنجاء المحق. # ولما أخبر عن حال المتقدمين، وكان من في زمانه صلى الله عليه وسلم من أهل ~~الكتاب يدعون غاية العلم بها والاجتماع عليها، وهي كلها داعية إلى المبادرة ~~إلى إرث هذا الكتاب الخاتم الجامع، # PageV17P269 # وكان بعضهم يتلبس بالتنسك والإعراض عن الدنيا وغير ذلك مما يقتضي أنه على ~~بصيرة من أمره، وإنكار أن يكون عنده نوع شك، قال على وجه يعم غيرهم، مؤكدا ~~تنبيها على ذلك: {وإن الذين} ولما كان المراد الوصول إلى الكتاب من غير ~~منازع، ولم تدع حاجة إلى العلم بالموصل، بني للمفعول قوله: {أورثوا الكتاب} ~~أي الكامل الخاتم، وهم هذه الأمة بما نسخ كتابهم ما تقدمه كان غيرهم كأنه ~~مات، فورثوا كما قال تعالى # {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] فكان حالهم في ~~تمكنهم من التصرف في الكتاب بالحفظ والفهم وعدم المنازع في ادعائه حال ~~الوارث والموروث منه فقال: {من بعدهم} أي المتفرقين، وأثبت الجار لعدم ~~استغراق الزمان ms4374 {لفي شك منه} أي إيراث للكتاب المقتضي للاجتماع لا للتفرق ~~لما فيه من الخير، وذلك لعملهم عمل الشاك فيقولون: إنه سحر وشعر وكهانة، ~~ونحو ذلك، وأن الآتي به غير صادق بعد اطلاعهم على ما اتى به من المعجزات ~~وبعد معرفتهم به، أما العرب ومن ساكنهم من أهل الكتاب فبإعجازه مع ما في ~~أهل الكتاب من البشارة به، # PageV17P270 # وأما غير من ساكنهم فبدعوة كتابهم {مريب *} أي موقع في التهمة الموقعة في ~~الحاجة الموقعة في صروف الدهر وهي شدائده وآفاته ونوائبه هذا على أن المراد ~~كتابنا، ويجوز أن يكون الضمير لأهل الكتاب خاصة والكتاب كتابهم، وشكهم فيه ~~عملهم بغير ما دعاهم إليه من اتباع كتابنا باتباع نبينا صلى الله عليه ~~وسلم. # ولما ثبت بهذا زيغهم عن أوامر الكتاب الآتي من الله، سبب عنه أمره صلى ~~الله عليه وسلم بإبلاغ الناس ما ينفعهم عن رسالة ربه الذي أنزل تلك الكتب ~~في آية واحد مفصلة بعشر كلمات في كل كلمة منها حكم برأسه، قالوا: ولا نظير ~~لها إلا آية الكرسي فإنها عشرة أصول كل أصل منها مستقل برأسه فقال مسببا عن ~~حالهم الاجتهاد في إزالتها والعمل بضدها: {فلذلك} أي لهذا الوحي العلي ~~الرتبة الذي وصينا بمقاصده جميع الرسل أصحاب الشرائع الكبار من أولي العزم ~~وغيرهم، أو لذلك التصرف المباعد # PageV17P271 # للصواب والشك في أمر الكتاب. # ولما كان سياق الدعوة للخلق إلى ما أوحى إليه فأنزل عليه، قدم قوله: ~~{فادع} إلى من أرسلك الله به من الاتفاق على ما أمر به الإله من الاجتماع ~~على الملة الحنيفية. ولما كان الداعي لغيره لا ينفع دعاءه لذلك الغير ما لم ~~ينفع نفسه، قال: {واستقم} أي اطلب القوم من ربك على مشاق الدعوة ليعينك ~~عليه وأوجده على ما يدعو إليه كتابه مما تدعو إليه ويجب عليه {كما أمرت} ~~ممن لا أمر لغيره في تفاصيل الدعاء من اللين والغلظة والتوسط وغير ذلك من ~~تحديث الناس بما تحتمل عقولهم وتربيتهم على حسب ما ينفعهم. # ولما كان كل ما خالف كتابنا هوى، ms4375 وكل ما خالف كتابنا فهو على مجرد الهوى، ~~قال: {ولا تتبع} أي تعمدا {أهواءهم} في شيء ما، فإن الهوى لا يدعو إلى خير، ~~والمقصود من كل أحد أن يفعل ما أمر به لأجل أنه أمر به لا لأجل أنه يهواه. # ولما كانوا قد تفرقوا في الكتاب وشكوا فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، أمره بما ~~يخالف حالهم فقال: {وقل} أي لجميع أهل الفرق، وكل من يمكن له القول فإنك ~~أرسلت إلى جميع الخلق: {آمنت بما} # PageV17P272 # أي بكل شيء. ولما كان أكمل الناس إيمانا أكثرهم استحضارا لأوصاف الكمال ~~من الجلال والجمال، صرف القول إلى الاسم الأعظم إشارة إلى سلوك أعلى ~~المسالك في ذلك فقال: {أنزل الله} أي الذي له العظمة الكاملة {من كتاب} لا ~~أفرق بين شيء من كتبه ولا أحد من رسله، بل كل كتاب ثبت أنه نزل على رسول ~~ثبت رسالته بالمعجزة فأنا به مؤمن وإليه داع كما اقتضاه كمال القوة ~~النظرية، قال أبو علي القالي في ذيل الأمالي: حدثنا أبو بكر - هو ابن ~~الأنباري - حدثنا أبو جعفر محمد بن عثمان حدثنا صحاب بن الحارث أنا بشر بن ~~عمارة عن محمد بن سوقة قال: أتى عليا رضي الله عنه رجل فقال: يا أمير ~~المؤمنين ما الإيمان أو كيف الإيمان؟ قال: الإيمان على أربع دعائم: على ~~الصبر واليقين والعدل والجهاد، والصبر على أربع شعب: على الشوق والشفق ~~والزهادة والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلى عن الشهوات، ومن أشفق من النار ~~رجع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع ~~إلى الخيرات، واليقين على أربع شعاب: تبصرة الفطنة وتاويل الحكمة وموعظة ~~العبرة وسنة الأولين، فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف ~~بالعبرة، ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان في الأولين، # PageV17P273 # والعدل على أربع شعب: على غائص الفهم وزهرة الحلم وروضة العلم وشرائع ~~الحكم، فمن فهم جمع العلم، ومن حلم لم يضل في الحكم، ومن علم عرف شرائع ~~الحكم، ومن حلم لم يفرط أمره، ms4376 وعاش في الناس. والجهاد على أربع شعب: على ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين، فمن ~~أمر بالمعروف شد ظهر المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم آناف الفاسقين، ومن ~~صدق في المواطن فقد قضى الذي عليه، ومن شنئ المنافقين غضب لله وغضب الله له ~~فأزلفه وأعلى مقامه، قال: فقام الرجل فقبل رأسه. # ولما أخبر بالعدل في القوة النظرية، أتبعه ذلك في القوة العملية فقال: ~~{وأمرت} أي ممن له الأمر كله بما أمرني به مما أنزل علي {لأعدل} أي لأجل أن ~~أعدل {بينكم} أيها المفرقون في الأديان من العرب والعجم من الجن والإنس كما ~~دعى إليه كمال القوة العملية، ثم علل ذلك بقوله: {الله} أي الذي له الملك ~~كله # PageV17P274 # {ربنا وربكم} أي موجدنا ومتولي جميع أمورنا، فلهذا أمرنا بالعدل على سبيل ~~العموم لأن الكل عباده. # ولما كان الرب واحدا، انتج عنه قوله: {لنا أعمالنا} خاصة بنا لا تعدونا ~~إلى غيرنا {ولكم أعمالكم} خاصة بكم لا تعدوكم إلى غيركم، لأنه لا داعي لأن ~~نأخذ عمل بعضنا فنعطيه لغيره، لأن ذلك لا يفعله إلا ذو غرض، وهو سبحانه ~~محيط بصفات الكمال، فهو منزه عن الأغراض، ولما وصل بتمام هذه الجملة في ~~إزالة الريب وإثبات الحق إلى ما هو كالشمس لثبوت الرسالة بالمعجزات وإعجاز ~~هذا الكتاب وتصادقه مع ما عند أهل الكتاب، وبيان هاتين المقدمتين اللتين لا ~~نزاع بين أحد من الخلق فيهما كانت نتيجة ذلك: {لا حجة} أي موجودة بمحاجة ~~أحد منا لصاحبه {بيننا وبينكم} لأن الأمر وصل إلى الانكشاف التام فلا فائدة ~~بعده للمحاجة فما بقي إلا المجادلة بالسيوف، وإدارة كؤوس الحتوف، لأنا نعلم ~~بإعلام الله لنا في كتابه الذي دلنا إعجازه للخلائق على أنه كلامه، # PageV17P275 # فنحن نسمعه لذلك منه أنا على محض الحق وأنكم على محض الباطل، وقد أعذرنا ~~إليكم وأوصلنا ببراهينه إلى المشاهدة فلم يبق إلا السيف عملا بفضيلة ~~الشجاعة. # ولما كان هذا موضع أن يقال: أفما تخافون الله فيمن تقاتلونه وهو عباده، ~~أجاب بقوله مظهرا غير ms4377 مضمر تعظيما للأمر: {الله} أي الذي هو أحكم الحاكمين ~~{يجمع بيننا} أي نحن وأنتم على دين واحد أراد فلا يكون قتال، وفي الآخرة ~~على كل حال {فهو يحكم بيننا} {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} ~~[الشعراء: 227] فما أقدمنا على القتال إلا عن بصيرة. # ولما كان الجامع بين ناس قد يكون مآلهم إلى غيره، بين أن الأمر فيه على ~~غير ذلك، فقال عاطفا على ما تقديره: فمنه كان المبدأ: {وإليه} أي لا إلى ~~غيره من حيث هذا الاسم الجامع لجميع الصفات {المصير *} حسا ومعنى لتمام ~~عزته وشمول عظمته وكمال رحمته، وما كان فيما بين المبدأ والمعاد من الأمور ~~التي كانت بحيث يظن أنها خارجة - # PageV17P276 # لتصرف الغير فيها - إنما كانت ابتلاء منه يقيم بها الحجة على العباد على ~~ما يتعارفونه بينهم، وما كان المتصرف فيها غيره فتصرفهم إنما كان أمرا ~~طارئا يصحح عليهم الحجة ويلزمهم الحجة. # ولما كان التقدير: فالذين رجعوا إليه طوعا في هذه الدار بعد هذا البيان ~~والإظهار، وتركوا الجدال حجتهم ثابتة ولهم الرضا والنعيم المقيم، عطف عليه ~~قوله مبتدئا بالموصول ليصله بما يفهم التجدد والاستمرار: {والذين يحاجون} ~~أي يوردون تشكيكا على دينه الحق من الشبه ما يسمونه حججا، ولعل الإدغام ~~يشير إلى أن أهل هذا الضرب منافقون يلقون شبههم في خفاء فتشربها قلوب ~~أمثالهم فتصير أهوية فيضعف أمرها ويؤيده تقييد الدحوض بما عند الرب {في ~~الله} أي في دين الملك الأعظم ليعيدوا الناس بعدما دخلوا في نور الهدى إلى ~~ظلام الضلال. # ولما كانت إقامة الحجة وإظهار المعجزة أمرا ملزما لجميع من بلغه # PageV17P277 # الاستجابة لوصول الأمر إلى حد من البيان سقط معه الجدال، قال معلما إن ما ~~كان في قوة الوجود يصح أن يطلق عليه أنه موجود، ومنبها بالجار على ذم هذا ~~الجدال ولو قل زمنه: {من بعدما} ولما كان المقصود مطلق الاستجابة لا من ~~مجيب معين قال: {استجيب له} أي استجاب له الرسول صلى الله عليه وسلم، وصار ~~الناس كلهم بما يبين لهم مستجيبين بالقوة وإن لم يستجيبوا بالفعل، ms4378 فإن ~~الأمر قد ظهر غاية الظهور، ولم يبق إلا العناد، فهذه الجملة هي المراد ~~والثمرة من قوله {لا حجة بيننا وبينكم} . # ولما كان من خالف ظاهره باطنه ضعيف الحجة هلهل النسج، قال معبرا بمبتدأ ~~ثان مفردا للحجة إشارة إلى ضعفها: {حجتهم} أي التي زعموها حجة، وأخبر عن ~~هذا المبتدأ الثاني ليكون هو وخبره خبرا عن الأول فقال: {داحضة} أي زالقة ~~فهي ذاهبة غير ثابتة لأجل أنها في معارضة ما ظهوره كالشمس بل أجلى، ~~والعبارة # PageV17P278 # لفت إلى صفة الإحسان والعندية إشارة إلى شدة ظهور ما في حجتهم من الدحوض ~~لأن {عند} للأمور الظاهرة المألوفة، وصفة التربية للعطف والرفق، والإضافة ~~إلى ضميرهم تقتضي مزيد لطف وعطف، فهو إشارة إلى أنها هباء منثور عند تدقيق ~~النظر ولا سيما إذا كان بصفة عزة وقهر وغضب، فالمعنى أن دحوضها ظاهرا جدا ~~ولو عوملوا بصفة الإحسان ولو خصوا بمزيد عطف وبر، فأين هذا مما لو قيل «لدى ~~عليم قدير» فإنه يفهم أن دحوضها لا يدركه إلا بليغ العلم تام القدرة، وهو ~~مع ذلك غريب فيصير فيه نوع مدح لحجتهم في الجملة: {عند ربهم} أي المحسن ~~إليهم بإفاضة العقل الذي جعلهم به في أحسن تقويم، فمهما جردوه عن الهوى، ~~دلهم على أن جميع ما كانوا فيه باطل، وفيه إشارة إلى أن أدنى ما يعذبهم به ~~قطع إحسانه عنهم، وأنه يظهر بطلان ما سموه حجة لكل عاقل فيورثهم الخزي في ~~الدنيا والعذاب في الأخرى على أن قطع إحسانه هو عند # PageV17P279 # التأمل أعلى العذاب {وعليهم} زيادة على قطع الإحسان {غضب} أي عقوبة تليق ~~بحالهم المذموم ووصفهم المذؤوم ومنه الطرد، فهم مطرودون عن بابه، مبعودون ~~عن جنابه، مهانون بحجابه. ولما أفهم التعبير ب «على» ذمهم باستعلاء النقم ~~عليهم لم يشكل التعبير باللام، بل كان مفهما التهكم والملام فقال: {ولهم} ~~أي مع ذلك {عذاب شديد *} لا تصلون إلى إدراك حقيقة وصفه، والآية مشيرة إلى ~~الانتصار على أهل الردة وضربهم بكل شدة لسوء منزلتهم عنده كما كشف عنه ~~الحال عند ندب الصديق ms4379 إليهم بالقتال رضي الله عنه وأرضاه. # PageV17P280 # ولما جزم سبحانه بما توعدهم بعد بعد أن حكم على حجتهم بالدحوض، وكان لا ~~يجزم بالشيء إلا من كان نافذ الأمر محيط الحكم، نبه على أنه كذلك، مبينا ما ~~به يعرف ثبات الحجج ودحوضها المستلزم للغضب من الله المستعقب للعذاب، بقوله ~~لافتا القول إلى الاسم الأعظم تنبيها على عظمة المخبر عنه: {الله} أي الذي ~~له جميع الملك {الذي} وأشار بالتعبير بالإنزال إلى أن المراد جملة الكتاب ~~الذي لا مطعن في شيء منه فقال: {أنزل الكتاب} أي أوجد إنزاله هو لا غيره ~~{بالحق} أي متلبسا # PageV17P280 # على أكمل الوجوه بالأمر الثابت الذي لا يبدل وبسبب العمل الحق العام ~~للأقوال والأفعال والعقائد لتعرف الحجج الثابتة من غيرها. # ولما كان الكتاب آمرا بالعدل قالا وحالا، وكان من محسوسات أوامره التقدير ~~بالمقادير الضابطة، قال مخصصا معبرا بأقومها إشارة إلى أن الكتاب أعدل ~~عدالة عند العقل وأبين من الميزان للحس: {والميزان} أي الأمر به مريدا به ~~عينه حقيقة وجميعها بل جميع العدل الذي تقدم في «لا عدل بينكم» مجازا. ولما ~~ثبت أن من جادل فيه كانت حجته داحضة إذا حوسب في الساعة فكان معذبا، وكان ~~التقدير بما هدى إليه السياق تسلية له صلى الله عليه وسلم فيما يقاسي في ~~إنفاذ ما أمر به من العدل في جميع أقواله وأفعاله وصبره على أذاهم: فمن فزع ~~إلى الكتاب في المعاني وإلى الميزان في الأعيان فبنى أمره على تحقق العدل ~~فيهما بهما فاز، ومن أهمل ذلك خاب فدحضت حجته وسقطت عند ربع منزلته وما ~~يدريك لعل من جار يعاجل في الدنيا بالأخذ لكون أجله الذي سبقت الكلمة ~~بتأخيره إليه قد حضر، عطف عليه قوله موجها الخطاب إلى أعلى الخلق تعظيما ~~للأمر: {وما يدريك} # PageV17P281 # يا أكمل الخلق {لعل الساعة} التي أشير إليها في هذه الآية بقوله {عند ~~ربهم} بعد أن صرح بها في غير آية. ولما كان تأنيث الساعة غير حقيقي لأنها ~~بمعنى الوقت، ذكرها فقال: {قريب *} فأفهم ذلك أنها ذات الشدائد وأن شدائدها ms4380 ~~ذكور الشدائد وأن قربها أسرع من لمع البرق لما له من الثبات في الحق، أو ~~ذكرها على إرادة السبب أي ذات قرب، أو على حذف مضافة أي مجيئها، وعلى كل ~~حال فهو دال على تفخيمها أي إنك بمظنة من قرب القيامة، فيقع بهم ما توعدوا ~~به مما ينبغي الإشفاق منه، فيظهر فيها العدل بموازين القسط لجميع الأعمال ~~ظهورا لا يتمارى فيه أحد فيشرف من وفى، ويخزي من جار وجفا. # ولما تصور بهذا قربها مشارا بالتعبير بلعل إلى أن حال المستعجل بها حال ~~المترجي لشيء محبوب وهو جهل منه عظيم، شرع في تفصيل الناس في أمرها فقال ~~مشيرا إلى أنه ينبغي للعاقل الاستعداد لها للخلاص في وقتها لظهور دلائلها ~~من غير بحث عن قربها أو بعدها، فإنه لا بد # PageV17P282 # من كونها {يستعجل بها} أي يطلب أن تكون قبل الوقت المضروب لها {الذين لا ~~يؤمنون بها} أي لا يتجدد لهم ذلك أصلا وهم غير مشفقين منها ويظنون أنها ~~الباطل، وكان الحال يقتضي أن يكونوا أنفر الناس منها لكن حملهم على ذلك ~~تكذيبهم بها واستهزاؤهم وظنهم عدم كونها جهلا ممن هم معترفون بقدرته وعلوه ~~وعظمته. # ولما دل على جهل الكافرين، دل على أضدادهم فقال: {والذين آمنوا} وإن ~~كانوا في أول درجات الإيمان {مشفقون} أي خائفون خوفا عظيما {منها} لأن الله ~~هداهم بإيمانهم، فصارت صدورهم معادن المعارف، وقلوبهم منابع الأنوار، ~~فأيقنوا بما فيها من الأهوال الكبار، فخافوا للطافتهم أن يكونوا مع صلاحهم ~~من أهل النار. ولما قدم الإشفاق تنبيها على أن العاقل ينبغي أن يخشى ما ~~يمكن وقوعه، قال: {ويعلمون أنها الحق} إعلاما بأنهم على بصيرة من أمرها، ~~فهم لا يستعجلون بها، فالآية من الاحتباك: ذكر الاستعجال أولا دليلا على ~~حذف ضده ثانيا، والإشفاق ثانيا دليلا عل حذف ضده أولا. قال ابن كثير: وقد ~~روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد «أن رجلا ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV17P283 # بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره فناداه: يا محمد، فقال ms4381 له النبي صلى الله ~~عليه وسلم بنحو من صوته» هاؤم «فقال: متى الساعة؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه:» ويحك أنها كائنة فما أعددت لها؟ «فقال: حب الله ورسوله، فقال:» أنت ~~مع من أحببت «قال ابن كثير: فقوله في الحديث» المرء مع من أحب «متواتر لا ~~محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة، بل أمره بالاستعداد لها - انتهى، ~~وهو مشروط بالبراءة من أعداء الله بدليل قصة أبي طالب فإنه لم ينفعه حب ~~الولي نفعا تاما بدون البراءة من العدو. # ولما أعلم بتعريف الحق أنها ثابتة كاملا لا انقضاء له أصلا ولا زوال ~~لآثارها، أنتج قوله مؤكدا معظما في مقابلة إنكارهم: {ألا إن الذين يمارون} ~~أي يظهرون شكهم في معرض اللجاجة الشديدة طلبا لظهور شك غيرهم من: مريت ~~الناقة - إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لتستخرج ما عساه يكون فيها من اللبن ~~{في الساعة} أي القيامة وما تحتوي عليه {لفي ضلال} أي ذهاب جائر عن الحق # PageV17P284 # {بعيد *} جدا عن الصواب، فإن لها من الأدلة الظاهرة في العقل المؤيد ~~بجازم النقل ما ألحقها حال غيابها بالمحسوسات لو كشف الغطاء ما ازددت ~~يقينا. # ولما كان حاصل أمر الفريقين أنه أظهر خوف الكافرين في غاية الأمن وأبطن ~~أمن المؤمنين في أزعج خوف، وكان هذا عين اللطف، فأنه الوصول إلى الشيء ~~بضده، ويطلق على إيصال البر إلى الخلق على وجه يدق إدراكه، وكان أكثر ما ~~يبطئ بالإنسان في أمر الدين اهتمامه بالرزق، أنتج ذلك قوله: {الله} أي الذي ~~له الأمر كله فهو يفعل ما يريد {لطيف} أي بالغ في العالم وإيقاع الإحسان ~~بإيصال المنافع، وصرف المضار على وجه يلطف إدراكه، قال القشيري: اللطيف ~~العالم بدقائق الأمور وغوامضها وهو الملطف المحسن وكلاهما في صفته سبحانه ~~صحيح، وأكثر ما يستعمل اللطف في وصفه بالإحسان في الأمور الدينية، وقال ~~الرازي في اللوامع: هو اسم مركب من علم ورحمة ورفق خفي {بعباده} - انتهى. # أما بالمؤمن فواضح، وأما الكافر فأقل لطفه به أنه لا يعاجله في الدنيا ~~ولا يعذبه فوق ms4382 ما # PageV17P285 # يستحق في الأخرى، فالاسم الأول تخويف والثاني ترجية ظاهرة باطنها تخويف، ~~إشارة إلى ما ينبغي من الخوف والرجاء، وأن يكون الخوف أغلب. # ولما كان أظهر ما يكون هذا الوصف في الرزق، فإنه يوسع على من لا حيلة له، ~~ويحرم من هو في غاية القوة والقدرة، ويرفع الضعيف الجبان ويخفض القوي ~~الشجاع، وكل ذلك على حسب ما يعلم من بواطنهم ويزيد من أعمالهم، قال دالا ~~على ذلك استئنافا لمن سأل عن كيفية اللطف: {يرزق من يشاء} مهما شاء على ~~سبيل من السعة أو الضيق أو التوسط لا مانع له من شيء من ذلك، ويمنع الرزق ~~عمن يشاء إذا علم فراغ أجله فيتوفاه إليه فأجهدوا أنفسكم في طلب مرضاته، ~~ولا تلتفتوا إلى الخوف من الحاجة فإنه قد فرغ من تقدير الرزق ونهى عن ~~المبالغة في طلبه. # ولما كان ذلك لا يستطيعه أحد سواه لما يحتاج إليه من القوة الكاملة ~~والعزة الشاملة قال: {وهو القوي} أي # PageV17P286 # فلا يضيق عطاؤه بشيء {العزيز *} فلا يقدر أحد أن يمنعه عن شيء. # ولما بين بهذا أن الرزق ليس إلا في يده، أتبعه ما يزهد في طلب رزق البدن، ~~ويرغب في رزق الروح فقال على سبيل الاستئناف جوابا لمن يسأل: هل يكون الرزق ~~بشدة السعي أو لا، وبدأ برزق الروح لشرفه: {من كان} أي من شريف أو دنيء ~~{يريد} ولما كان مدار مقصد السورة على الدين، وكان الدين معاملة بين العبد ~~وربه يقصد به ما يقصد بالحرث من حصول الفائدة، وكان الحرث من أجل أسباب ~~المكاسب، وكانت الجنة قيعانا غراسها ذكر الله، عبر عن مطلق الكسب بالحرث ~~فقال: {حرث الآخرة} أي أعمالها التي تستنمي بها الفوائد. ولما كانت أسباب ~~الحروث وثمراتها لا يقدر على تعطيلها وإنجاحها إلا الله، وكان الآدمي يظن ~~لنفسه في ذلك قدرة، نبه سبحانه بالالتفات إلى أسلوب العظمة أن أمره سبحانه ~~في ذلك لا يستطاع دفاعه ولا ممانعته ونزاعه: {نزد له} أي بعظمتنا التي لا ~~يقدر أحد على تحويلها {في حرثه} بأن يعينه على ms4383 الأعمال الصالحة بإنارة ~~القلب وتصفية الحال وتهدئة السر ونفوذ البصر فيما يضر وينفع ويضاعف له ~~ثوابها من العشر لكل حسنة إلى ما لا نهاية له ويغطيه، من الدنيا التي أعرض ~~عنها ما قدر له إعانة له على ما أقبل عليه من # PageV17P287 # الآخرة، وطوى ذكر الدنيا في هذا الشق تنبيها على أنها أحقر من أن تذكر مع ~~أنه معلوم من آيات أخر {ومن كان} أي من قوي أو ضعيف {يريد حرث الدنيا} أي ~~أرزاقها التي تطلب بالكد والسعي ويستنمي به مكتفيا به مؤثرا له على الآخرة ~~{نؤته منها} ما قسمناه له، ولو تهاون به ولم يطلبه لأتاه، ولا ينال كل ما ~~يتمناه ولو جهد كل الجهد، وأما الآخرة فكل ما نواه طالبها من أعمالها حصل ~~له وإن لم يعمله {وما} أي والحال أن طالب الدنيا ما {له في الآخرة من نصيب ~~*} أصلا، روى أبي بن كعب رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصرة والتمكين في الأرض فمن عمل منهم ~~عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب» رواه أحمد وابن حبان في ~~صحيحه والحاكم - وقال: صحيح الإسناد - والبيهقي، وذلك لأن الأعمال بالنيات، ~~وإنما لكل امرئ ما نوى، وهذا تهاون بها فلم ينوها وهي أشرف من أن تقبل على ~~من أعرض عنها # PageV17P288 # وتبعد عمن أقبل عليها حتى تهلكه في مهاويها، والآخرة تقبل على من أقبل ~~عليها أضعاف إقباله، وتنادي من أدبر عنها لينتهي عن غيه وضلاله، قال الرازي ~~في اللوامع: أهل الإرادة على أصناف: مريد للدنيا ومريد للآخرة ومريد للحق ~~جل وعلا، وعلامة إرادة الدنيا أن يرضى في زيادة دنياه بنقص دينه والإعراض ~~عن فقراء المسلمين وأن تكون حاجاته في الدعاء مقصورة على الدنيا، وعلامة ~~إرادة الآخرة بعكس ذلك، وأما علامة إرادة الله سبحانه وتعالى كما قال ~~{ويريدون وجهه} طرح الكونين والحرية عن الخلق والخلاص من يد النفس - انتهى، ~~وحاصله أن يستغرق أوقاته في التوفية بحقوق الحق وحقوق الخلق وتزكية النفس ~~لا ms4384 طمعا في جنة ولا خوفا من نار، بل امتثالا لأمر الملك الأعلى الذي لا إله ~~غيره لأنه أهل لذلك مع اعترافه لأنه لن يقدر الله حق قدره. # PageV17P289 # ولما تقرر ما شرع من الدين مما وصى به جميع النبيين فبانت أصوله، واتضحت ~~فروعه وفصوله، وظهرت غرائبه وأشرقت فرائده وآياته، وختم بالقانون الأعظم في ~~أمر الدارين مما هو مشاهد ولا يقدر عليه غيره، فكان التقدير من غير خفاء: ~~هذا شرع الله الذي ارتضاه لعباده وحكم بأن الإقبال عليه غير ضار بطلب الرزق ~~وقدر الأرزاق فلا قدرة لأحد أن يزيد في رزقه شيئا، ولا أن ينقص منه شيئا، ~~أقبلوه؟ عادل ذلك بقوله تعالى مقررا موبخا منبها على ما هو الأصل في الضلال ~~عن قوانينه المحررة وشرائعه الثابتة المقررة: {أم لهم} أي لهؤلاء الذيب ~~يروغون يمينا وشمالا {شركاء} على زعمهم شاركوا الشارع الذي مضى بيان عزته ~~وظهور جلاله وعظمته في أمره حتى {شرعوا} أي الشركاء الذين طرقوا ونهجوا ~~{لهم} أي للكفار، ويجوز أن يكون المعنى: شرع الكفار لشركائهم {من الدين} في ~~العبادات والعادات التي تقرر في الأذهان أنه لا بد من الجزاء عليها لما جرت ~~به عوائدهم عن محاسبة من تحت أيديهم وقدروا لهم من الأرزاق، وعدل عن أسلوب ~~العظمة إلى الاسم الأعظم إشارة إلى ما فيه مع العظمة # PageV17P290 # من الإكرام الذي من جملته الحلم المقتضي لعدم معاجلتهم بالأخذ فقال ~~تعالى: {ما لم يأذن به الله} أي يمكن العباد منه بأمرهم به وتقريرهم عليه ~~الملك الذي لا أمر لأحد معه، وقد محقت صفاته كل صفة وتضاءل عندها كل عظمة، ~~فأقبلوا عليه دون غيره لكونه معتدا به، فإن كان كذلك فليسعدوا من أقبل على ~~الدنيا التي هي محط أمرهم فلا يعرفون غيرها بأن يعطوه جميع مراده ويشقوا من ~~أراد الآخرة وسعى لها سعيها، ونسب الشرع إلى الأوثان لأنها سببه كما كانت ~~سبب الضلال في قوله سبحانه وتعالى حكاية عن إبراهيم خليله عليه الصلاة ~~والسلام {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} ويضاف الشركاء إليهم تارة لأنهم ms4385 ~~متخذوها وتارة إلى الله تعالى لأنهم أشركوهم به، والعبارة تأتي بحسب ~~المقام. # ولما علم قطعا أن التقدير: فلولا أن هذه الأفعال التي يفعلونها من غير ~~إذن منه لا تنقص من ملكه سبحانه شيئا، ولا تضر إلا فاعلها مع أنها بإرادته، ~~فكانت لمنعهم عنها لم يصلوا إلى شيء منها، عطف عليه قوله تعالى: {ولولا ~~كلمة الفصل} التي سبق في الأزل أنها لا تكون # PageV17P291 # ولما كان أمرهم هينا، بني الفعل للمفعول، فقال: {لقضي بينهم} أي بين ~~الذين امتثلوا أمره فالتزموا شرعه وبين الذين اتبعوا ما شرعوه لمن سموهم ~~شركاء في أقرب وقت ولكنه قد سبق القضاء في أزل الأزل بمقادير الأشياء ~~وتحديدها على وجوه الحكمة، فهي تجري على ما حد لها لا تقدم لشيء منها ولا ~~تأخر ولا تبدل ولا تغير، وستنكشف لكم الأمور وتظهر مخبآت المقدور فلا يقع ~~الفصل إلا في الآخرة كما سبق به القضاء بأن يكون للمقسطين نعيم مقيم. # ولما كانوا ينكرون أن يقع بهم عذاب، قال مؤكدا عطفا على ما قدرته بما ~~أرشد إليه السياق: {وإن الظالمين} بشرع ما لم يأذن به الله من الشرك وغيره ~~{لهم عذاب أليم *} أي مؤلم بليغ إيلامه. # ولما علم من هذا السياق كما ترى أنه لا بد من الفصل، وأن الفصل لا يكون ~~إلا يوم القيامة، قال شارحا للفصل بين الفريقين في ذلك اليوم مقبلا على ~~خطاب أعلى الخلق إشارة إلى أن هذا لا يفهمه حق الفهم ويوقن به حق الإيقان ~~غيره صلى الله عليه وسلم، أو يكون المراد # PageV17P292 # كل من يصح أن يخاطب إشارة إلى أن الأمر في الوضوح بحيث لا يختص به أحد ~~دون أحد فقال: {ترى} أي في ذلك اليوم لا يشك فيه عاقل لما له من الأدلة ~~الفطرية الأولية والعقلية والنقلية {الظالمين} أي الواضعين الأشياء في غير ~~مواضعها {مشفقين} أي خائفين أشد الخوف كما هو حال من يحاسبه من هو أعلى منه ~~وهو مقصر. ولما كان الكلام في الذين ظلمهم صفة راسخة لهم، كان من المعلوم ~~أن كل ms4386 عملهم عليهم، فلذلك عبر بفعل الكسب مجردا فقال: {مما كسبوا} أي عملوا ~~معتقدين لأنه غاية ما ينفعهم {وهو} أي جزاءه ووباله الذي هو من جنسه حتى ~~كأنه هو {واقع بهم} لا محالة من غير أن يزيدهم خوفهم إلا عذابا في غمرات ~~النيران، ذلك هو الخسران المبين، ذلك الذي ينذر به الذين ظلموا {والذين ~~آمنوا} يصح أن يكون معطوفا على مفعول {ترى} وأن يكون معطوفا على جميع ~~الجملة فيكون مبتدأ {وعملوا الصالحات} وهي التي أذن الله فيها غير خائفين ~~مما كسبوا لأنهم مأذون لهم في فعله وهو مغفور لهم ما فرطوا فيه {في روضات ~~الجنات} أي في الدنيا بما يلذذهم الله به من لذائد # PageV17P293 # الأقوال والأعمال والمعارف والأحوال، وفي الآخرة حقيقة بلا زوال {لهم ما ~~يشاؤون} أي دائما أبدا كائن ذلك لكونه في غاية الحفظ والتربية والتنبيه على ~~مثل هذا الحفظ لفت إلى صفة الإحسان، فقال: {عند ربهم} أي الذي لم يوصلهم ~~إلى هذا الثواب العظيم إلا حسن تربيته لهم، ولطف بره بهم على حسب ما رباهم. # ولما ذكر ما لهم من الجزاء عظمه فقال: {ذلك} أي الجزاء العظيم الرتبة ~~الجليل القدر {هو} لا غيره {الفضل} أي الذي هو أهل لأن يكون فاضلا عن كفاية ~~صاحبه، ولو بالغ في الإنفاق {الكبير *} الذي ملأ جميع جهات الحاجة وصغر ~~عنده كل ما ناله غيرهم من هذا الحطام، فالآية كما ترى من الاحتباك: أثبت ~~الإشفاق أولا دليلا على حذف الأمن ثانيا، والجنات ثانيا دليلا على حذف ~~النيران أولا. # ولما ذكر محلهم ومآلهم فيه، بين دوامه زيادة في تعظيمه فقال مبتدئا: ~~{ذلك} أي الأمر العظيم من الجنة ونعيمها، وأخبر عن المبتدأ بقوله: {الذي ~~يبشر} أي مطلق بشارة عند من خفف وبشارة كثيرة عند من ثقل، وزاد البشارة ~~بالاسم الأعظم، فقال لافتا القول إليه: {الله} أي الملك الأعظم والعائد وهو ~~«به» محذوف # PageV17P294 # تفخيما للمبشر به لأن السياق لتعظيمه بالبشارة وبجعلها بأداة البعد ~~وبالوصف بالذي، وذكر الاسم الأعظم والتعبير بلفظ العباد مع الإضافة إلى ~~ضميره سبحانه فأفهم ms4387 حذفه أن الفعل واقع عليه واصل بغير واسطة إليه، فصار ~~كأنه مذكور وظاهر ومنظور فقال: {عباده} ومن المعلوم أن كل أحد يعظم من ~~اختصه لعبوديته. # ولما أشعر بالإضافة لصلاحهم، نص عليه بقوله: {الذين آمنوا} أي صدقوا ~~بالغيب {وعملوا} تحقيقا لإيمانهم {الصالحات} وذلك الذي مضى قلبه الذي ينذر ~~به الذين كفروا. ولما كانت العادة جارية بأن البشير لا بد له من حياء وإن ~~لم يسأل لأن بشارته قائمة مقام السؤال، قال كعب بن مالك رضي الله عنه: لما ~~أذن الله بتوبته علينا ركض نحوي راكض على فرس وسعى ساع على رجليه، فأوفى ~~على جبل سلع ونادى: يا كعب بن مالك أبشر، فقد تاب الله عليك، فكان الصوت ~~أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته خلعت له ثوبي، فدفعتهما إليه، ~~والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما - إلى آخر حديثه، كان ~~كأنه قيل: ماذا تطلب على هذه البشارة، فأمر # PageV17P295 # بالجواب بقوله: {قل} أي لمن توهم فيك ما جرت به عادة المبشرين: {لا ~~أسئلكم} أي الآن ولا في مستقبل الزمان {عليه} أي البلاغ بشارة ونذارة ~~{أجرا} أي وإن قل {إلا} أي لكن أسألكم {المودة} أي المحبة العظيمة الواسعة. # ولما كانوا يثابرون على صلة الأرحام وإن بعدت والأنساب لذلك قال: {في ~~القربى} أي مظروفة فيها بحيث يكون القربى موضعا للمودة وظرفا لها، لا يخرج ~~شيء من محبتكم عنها، فإنها بها يتم أمر الدين ويكمل الاجتماع فيه، فإنكم ~~إذا وصلتم ما بيني وبينكم من الرحم لم تكذبوني بالباطل، ولم تردوا ما جئتكم ~~به من سعادة الدارين، فأفلحتم كل الفلاح ودامت الألفة بيننا حتى نموت ثم ~~ندخل الجنة فتستمر ألفتنا دائما أبدا وقد شمل ذلك جميع القرابات ولم يكن ~~بطن من قريش إلا وله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، رواه البخاري عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما وقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، وروى ~~البخاري عن سعيد بن جبير: إلا أن تؤدوني في قرابتي # PageV17P296 # أي تبروهم وتحسنوا إليهم، قال ابن ms4388 كثير: وقال السدي: لما جيء بعلي بن ~~الحسين أسيرا فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله ~~الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال له علي: أقرأت القرآن؟ قال: ~~نعم قال: ما قرأت {قلا لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} قال: ~~وإنكم لأنتم هم، قال: نعم. # وعن # العباس # رضي # الله # عنه # قال: قلت: يا رسول الله! إن قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن ~~وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا ~~شديدا وقال: «والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ~~ورسوله» ، وعنه أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنا لنخرج ~~فنرى قريشا تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر ~~عرق بين عينيه، ثم قال: «والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ~~ولقرابتي» وعبر في المنقطع بأداة الاستثناء إعراقا في النفي بالإعلام بأنه ~~لا يستثني أجر أصلا إلا هذه المودة إن قدر أحد أنها تكون أجرا، ويجوز أن ~~تكون « # PageV17P297 # إلا» بمعنى «غير» فيكون من باب: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # فمن كان بينه وبين أحد من المسلمين قرابة فهو مسؤول أن يراقب الله في ~~قرابته تلك، فيصل صاحبها بكل ما تصل قدرته إليه من جميع ما أمره الله به من ~~ثواب أو عقاب، فكيف بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد قال صلى الله ~~عليه وسلم فيما رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن أبي ذر رضي الله عنه: ~~«مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح عليه الصلاة والسلام، من ركب فيها نجا، ومن ~~تخلف عنها هلك» وقال فيما رواه في الفردوس عن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~«أصحابي بمنزلة النجوم في السماء بأيهم اقتديتم اهتديتم» قال الأصبهاني: ~~ونحن الآن في بحر التكليف محتاجون إلى السفينة الصحيحة والنجوم الزارهة، ~~فالسفينة حب الآل، والنجوم حب الصحب، فنرجو ms4389 من الله السلامة والسعادة بحبهم ~~في الدنيا والآخرة - والله أعلم. # ولما كان التقدير حتما: فمن يقترف سيئة فعليه وزرها، ولكنه طوى لأن ~~المقام للبشارة كما يدل عليه ختم الآية مع سابقه، عطف عليه قوله: {ومن ~~يقترف} أي يكسب ويخالط ويعمل بجد واجتهاد وتعمد وعلاج {حسنة} أي ولو صغرت، ~~وصرف القول # PageV17P298 # إلى مظهر العظمة إشارة إلى أنه لا يزيد في الإحسان إلا العظماء، وإلى أن ~~الإحسان قد يكون سببا لعظمة المحسن فقال: {نزد} على عظمتنا {له فيها حسنا} ~~بما لا يدخل تحت الوهم، ومن الزيادة أن يكون له مثل أجر من اقتدي به فيها ~~إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئا، وهذا من أجر الرسل على إبلاغه إلى ~~الأمم، فهم أغنياء عن طلب غيره - هذا إن اهتدوا به، وإن دعاهم فلم يهتدوا ~~كان له مثل أجورهم لو اهتدوا، فإن عدم اهتدائهم ليس من تقصيره، بل قدر الله ~~وما شاء فعل. # ولما كانوا يقولون: إنا قد ارتكبنا من المساوىء ما لم ينفع معه شيء، قال ~~نافيا لذلك على سبيل التأكيد معللا مبينا بصرف القول إلى الاسم الأعظم أن ~~مثل ذلك لا يقدر عليه ملك غيره على الإطلاق: {إن الله} أي الذي لا يتعاظمه ~~شيء {غفور} لكل ذنب تاب منه صاحبه أو كان يقبل الغفران وإن لم يتب منه إن ~~شاء، فلا يصدن أحدا سيئة عملها عن الإقبال على الحسنة. # ولما كان إثبات الحسنة فضلا عن الزياة عليها لا يصح إلا مع الغفران، ولا ~~يمكن أن يكون مع المناقشة، فذكر ذلك الوصف الذي هو أساس الزيادة، أفادها - ~~أي الزيادة - بقوله: {شكور *} فهو يجزي # PageV17P299 # بالحسنة أضعافها ويترك سائر حقوقه. ولما أثبت أنه أنزل الكتاب بالحق، ودل ~~على ذلك إلى أن ختم بنفي الغرض في البلاغ فحصل القطع بمضمون الخبر، كان ~~كأنه قيل إنكارا عليهم وتوبيخا لهم: هل عملوا بما نبهناهم عليه مما يدعون ~~أنهم عريقون فيه من صلة الرحم والإقبال على معالي الأخلاق باجتناب السئيات ~~وارتكاب الحسنات، والبعد عن الكذب والمكابرة والبهتان، فاعتقدوا ms4390 أنه حق ~~وأنه وحي من عند الله بما قام على ذلك من البرهان: {أم يقولون} عنادا: ~~{افترى} أي تعمد أن يقطع، وقدم ذكر الملك الأعظم تنبيها على أنه لا أفظع من ~~الكذب على ملك الملوك مع فهم المفعول به من لفظ الافتراء فقال: {على الله} ~~الذي أحاط بصفات الكمال، فله العلم الشامل بمن يتقول عليه والقدرة التامة ~~على عقابه {كذبا} حين زعم أن هذا القرآن من عنده وأنه أرسله لهذا الدين. # ولما كان التقدير قطعا: إنهم ليقولون ذلك وكان قولهم له قولا معلوم ~~البطلان لأنه تحداهم بشيء من مثله في زعمهم أن له مثلا ليعلم صحة قولهم فلم ~~يأتوا بشيء وهم وإن كانوا قد يدعون أنه يمنعهم من ذلك أنهم لا يستجيزون ~~الكذب مبطلون لا يمتري عاقل # PageV17P300 # في بطلان ذلك منهم أيضا لأنهم لم يكلب منهم أن ينسوا ما يأتون به إلى ~~الله على أنه لو طلب منهم ذلك لما كان عذرا، لأنه لا يتوقف أحد في أن ~~الضرورات تبيح المحذورات، وأنه يرتكب أخف الضررين لدفع أثقلهما، فالإتيان ~~بكلام يسر يسكن به فتن طوال وتنقطع به شرور كبار في غاية الحسن لأن الخطب ~~فيه سهل، والأمر يسير، فكان ذلك وهم يرتكبون أكبر منه من قطع الأرحام ~~وتفريق الكلمة لقتل النفوس وتخريب الديار وإتلاف الأموال دليلا قاطعا على ~~أنهم إنما يتركونه عجزا، تسبب عن قولهم هذا وهو نسبتهم له إلى تعمد الكذب ~~أن قال تعالى ردا عليهم ببيان كذبهم فيما قالوا ببيان ما له صلى الله عليه ~~وسلم من نور القلب اللازم عن استقامة القول: {فإن} وأظهر الجلالة ولم يضمر ~~تعظيما للأمر بأن الختم لا يقدر عليه إلا المتصف بجميع صفات الكمال على ~~الإطلاق من غير تقيد بقيد أصلا فقال: {يشأ الله} أي الذي له الإحاطة ~~بالكمال {يختم} وجرى على الأسلوب السابق في الخطاب لأعظم أولي الألباب فقال ~~معبرا بأداة الاستعلاء: {على قلبك} فيمنعه من قبول روح هذا # PageV17P301 # الوحي كما ختم على قلوب أعدائك من قبول ذلك، فتستوي حينئذ معهم في ms4391 عدم ~~القدرة على الإتيان بشيء منه وتصير لو قلت وقد أعاذك الله عما يقولون مما ~~يصح نسبته إلى الباطل لم تقله إلا ومعه الأدلة قائمة على بطلانه كما أنهم ~~هم كذلك لا يزالون مفضوحين بما على أقوالهم من الأدلة قائمة على بطلانها، ~~وكان الأصل في الكلام: أم يقولون ذلك وأنهم لكاذبون فيه بسبب أن الله قد ~~شرح صدرك وأنار قلبك فلا تقول فولا إلا كانت الأدلة قائمة على صدقه، ولكنه ~~ساق الكلام هكذا لأنه مع كونه أنصف دال على تعليق بالافتراء على ختم ~~القلوب، وذلك دال قطعا على أنهم هم الكاذبون لما على قلوبهم من الختم ~~الموجب لأنها تقول ما الأدلة قائمة على كذبه. # ولما كان التقدير كما دل عليه السياق: ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء جعله ~~قابلا لروح الوحي واعيا لفنون العلم فهو يقذف بأنواع المعارف، ويهتف بتلقي ~~أعاجيب اللطائف، ويثبت الله ذلك كله من غير # PageV17P302 # مانع ولا صارف، عطف عليه قوله: {ويمح الله} أي الذي له جميع صفات الكمال ~~{الباطل} وهو قولهم «افترى» وكل كذب فلا يدع له أثرا، وهنالك يظهر خسران ~~الجاحد وينقطع لسان الألد المعاند، ولم يذكر أن آلة المحو الكلمات وغيرها ~~استهانة به بالإشارة إلى أنه تارة يمحوه بنفسه بلا سبب وتارة بأضعف الأسباب ~~وتارة بأعلى منه، وحذفت واوه في الخط في جميع المصاحف مع أنه استئناف غير ~~داخل في الجواب لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقا إيماء إلى أنه سبحانه يمحق ~~رفعه وعلوه وغلبته التي دلت عليها الواو مطابقة بين خطه ولفظه، ومعناه ~~تأكيدا للبشارة يمحوه محوا لا يدع له عينا ولا أثرا لمن ثبت لصولته: وصبر ~~كما أمر لحولته، اعتمادا على صادق وعد الله إيمانا بالغيب وثقة بالرسل ~~عليهم الصلاة والسلام، وفي الحذف أيضا تشبيه له بفعل الأمر إيماء إلى أن ~~إيقاع هذا المحو أمر لا بد من كونه على أتم الوجوه وأحكمها وأعلاها وأتقنها ~~كما يكون المأمور به من الملك المطاع، وأما الحق فإنه ثابت شديد مضاعف فلذا ~~قال: {ويحق} أي يثبت ms4392 على وجه لا يمكن زواله {الحق} أي كل من شأنه الثبات # PageV17P303 # لأنه أذن فيه وأقره، وعظم الحق وإحقاقه بذكر آلة الفعل فقال: {بكلماته} ~~أي التي # {لو كان البحر مدادا} [الكهف: 109] الآية التي يقولون إن ما أتاهم من ~~العبارة عنها افتراء للكذب، والحاصل أنه سبحانه أثبت صفاء لبه ونورانية ~~قلبه وسداد قوله وصاب أمره، وظلام قلوبهم وبطلان أقوالهم إثباتا مقرونا ~~بدليله أما لأهل البصائر فبعجزهم عن معارضته، وأما للأغبياء فإبثات قوله ~~ومحو قولهم. # ولما كانوا يعلمون أنه على حق وهم على باطل، وكان من أحاط علمه بشيء قدر ~~على ما يريده من ذلك الشيء، بين ذلك بقوله معللا على وجه التأكيد لأن عملهم ~~عمل من يظن أن الله لا يعلم مكرهم: {إنه عليم} أي بالغ {بذات الصدور *} أي ~~ما هو فيها مما يعلمه صاحبه ومما لا يعلمه فيبطل باطله ويثبت حقه وإن كره ~~الخلائق ذلك {ولتعلمن نبأه بعد حين} [ص: 88] ولقد صدق الله فأثبت ببركة هذا ~~القرآن كل ما كان يقوله صلى الله عليه وسلم وأبطل بسيف # PageV17P304 # هذا البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه، ومن أصدق من الله قيلا. # PageV17P305 # ولما أخبر بضلالهم وجزم بإبطال أعمالهم، رغبهم رحمة منه لهم في التوبة ~~التي هي من الحق الذي يحقه ولو على أقل وجوهها بأن يقولوها بألسنتهم ليبلغه ~~ذلك عنهم، فإن قول اللسان يوشك أن يدخل إلى لا غيره أزلا وأبدا {الذي يقبل ~~التوبة} كلما شاء بالغة له أو متجاوزا {عن عباده} الذين خالصون لطاعته، سئل ~~أبو الحسن البوشنجي عن التوبة فقال: إذا ذكرت الذنب فلا تجد له حلاوة في ~~قلبك. # ولما كان القبول قد يكون في المستقبل مع الأخذ بما مضى قال: {ويعفو عن ~~السيئات} أي التي كانت التوبة عنها صغيرة # PageV17P305 # أو كبيرة وعن غيرها فلا يؤاخذ بها أن شاء لأن التوبة تجب ما قبلها كما أن ~~الإسلام الذي هو توبة خاصة يجب ما كان قبله. # ولما كانت تعدية القبول ب «عن» مفهمة لبلوغه ذلك بواسطة، فكان ربما اشعر ~~بنقص في العلم، أخبر ms4393 بما يوجب التنزيه عن ذلك ترغيبا وترهيبا بقوله: ~~{ويعلم} أي والحال أنه يعلم كل وقت {ما تفعلون} أي كل ما يتجدد لهم عمله ~~سواء كان عن علم أو داعية شهوة وطبع سيئة كان أو حسنة وقرأ حمزة والكسائي ~~وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب بالخطاب لافتا للقول عن غيب العباد لأنه أبلغ ~~في التخويف وقرأ الباقون بالعيب نسقا على العباد وهو، أعم وأوضح في المراد ~~فعفوه مع العلم عن سعة الحلم. # ولما رغب بالعفو زاد الإكرام فقال: {ويستجيب} أي يوجد بغاية العناية ~~والطلب إجابة {الذين آمنوا} أي دعاء الذي أقروا بالإيمان في كل ما دعوه به ~~أو شفعوا عنده فيه لأنه لولا إرادته لهم الإكرام بالإيمان ما آمنوا، وعدى ~~الفعل بنفسه تنبيها على زيادة بره لهم ووصلتهم به # PageV17P306 # {وعملوا} تصديقا لدعواهم الإيمان {الصالحات} فيثيبهم النعيم المقيم ~~{ويزيدهم} أي مع ما دعوا له ما لم يدعوا به ولم يخطر على قلوبهم ولما كان ~~هذا وإن كان الأول فضلا منه أبين في الفضل قال تعالى: {من فضله} على أنه ~~يجوز تعليقه بالفعلين. # ولما رغب الذين طالت مقاطعتهم في المواصلة بذكر إكرامهم إذا أقبلوا عليه، ~~رهب الذين استمروا على المقاطعة فقال: {والكافرون} أي العريقون في هذا ~~الوصف، الذين منعتهم عراقتهم من التوبة والإيمان {لهم عذاب شديد *} ولا ~~يجيب دعاءهم، فغيرهم من العصاة لهم عذاب غير لازم التقيد بشديد، والآية من ~~الاحتباك: ذكر الاستجابة أولا دليلا على ضدها ثانيا والعذاب ثانيا دليلا ~~على ضده أولا، وسره أنه ذكر الحامل على الطاعة والصاد عن المعصية. # ولما كان المتبادر من الاستجابة إيجاد كل ما سألوه في هذه الدنيا على ما ~~أرادوه وكان الموجود غير ذلك بل كان أكثر أهل الله مضيقا عليهم، وكانت ~~الإجابة إلى كل ما يسأل بأن يكون في هذه الدار يؤدي في الغالب إلى البطر ~~المؤدي إلى الشقاء فيؤدي ذلك إلى عكس المراد، قال على سبيل الاعتذار لعباده ~~وهو الملك الأعظم مبينا أن استجابته تارة تكون كما ورد به الحديث لما ~~سألوه، وتارة ms4394 تكون بدفع مثله # PageV17P307 # من البلاء وتارة تكون بتأخيره إلى الدار الآخرة {ولو} أي هو يقبل ويستجيب ~~والحال أنه لو {بسط} ولما كان هذا المقام عظيما لاحتياجه إلى الإحاطة ~~بأخلاقهم وأوصافهم وما يصلحهم ويفسدهم والقدرة على كل بذل ومنع، عبر بالاسم ~~الأعظم فقال: {الله} أي الملك الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال تنبيها على ~~عظمة هذا المقام: {الرزق} لهم - هكذا كان الأصل، لكنه كره أن يظن خصوصيته ~~ذلك بالتائبين فقيل: {لعباده} أي كلهم التائب منهم وغيره بأن أعطاهم فوق ~~حاجتهم {لبغوا في الأرض} أي لصاروا يريدون كل ما يشتهونه، فإن لم يفعل سعوا ~~في إنفاذه كالملوك بما لهم من المكنة بكل طريق يوصلهم إليه فيكثر القتل ~~والسلب والنهب والضرب ونحو ذلك من أنواع الفساد، وقد تقدم في النحل من ~~الكلام على البغي ما يتقن به علم هذا المكان. # ولما كان معنى الكلام أنه سبحانه لا يبسط لهم ذلك بحسب ما يريدونه، بنى ~~عليه قوله سبحانه: {ولكن ينزل} أي لعباده من الرزق # PageV17P308 # {بقدر} أي بتقدير لهم جملة ولكل واحد منهم لا يزيد عن تقدير دره ولا ~~ينقصها {ما يشاء} من الماء الذي هو أصل الرزق والبركات التي يدبر بها عباده ~~كما اقتضته حكمته التي بنى عليها أحوال هذه الدرر. # ولما كان أكثر الناس يقول في نفسه: لو بسط إلي الرزق لعملت الخير، وتجنبت ~~الشر، وأصلحت غاية الإصلاح، قال معللا ما أخبر به في أسلوب التأكيد: {إنه} ~~وكان الأصل: بهم، ولكنه قال: {بعباده} لئلا يظن أن الأمر خاص بمن وسع عليهم ~~أو ضيق عليهم: {خبير بصير *} يعلم جميع ظواهر أمورهم وحركاتهم وانتقالاتهم ~~وكلامهم وبواطنها فيقيم كل واحد فيما يصلح له من فساد وصلاح وبغي وعدل، ~~ويهيئ لكل شيء من ذلك أسبابه. # ولما ذكر إنزال الرزق على هذ المنوال، وكان من الناس ممن خذله الإضلال من ~~يقول: إن ما الناس فيه من المطر والنبات # PageV17P309 # وإخراج الأقوات إنما هو عادة الدهر بين أنه سبحانه هو الفاعل لذلك بقدرته ~~واختياره بما هو كالشمس من أنه قد يحبس ms4395 المطر عن إبانه وإعادته في وقته ~~وأوانه، حتى ييأس الناس منه ثم ينزله إن شاء، فقال معبرا بالضمير الذي هو ~~غيب لأجل أن إنزال الغيث من مفاتيح الغيب: {وهو} أي لا غيره قادر على ذلك ~~فإنه هو {الذي ينزل الغيث} أي المطر الذي يغاث به الناس أي يجابون إلى ما ~~سألوا ويغاثون ظاهرا كما ينزل الوحي الذي يغاثون به ظاهرا وباطنا. # ولما كان الإنزال لا يستغرق زمان القنوط، أدخل الجار فقال: {من بعد ما ~~قنطوا} أي يئسوا من إنزاله وعملوا انه لا يقدر على إنزاله غيره، ولا يقصد ~~فيه سواه، ليكون ذلك أدعى لهم إلى الشكر وينشره - هكذا كان الأصل ولكنه لما ~~بين أنه غيث قال بيانا لأنه رحمة، وتعميما لأثره من النبات وغيره: {وينشر ~~رحمته} أي على السهل والجبل فينزل من السحاب المحمول بالريح من الماء ما ~~يملأ الأرض # PageV17P310 # بحيث لو اجتمع عليه الخلائق ما أطاقوا حمله، فتصبح الأرض ما بين غدران ~~وأنهار، ونبات ونجم وأشجار، وحب وثمار، وغير ذلك من المنافع الصغار ~~والكبار، فلله ما أعلى هذه القدرة الباهرة والآية الظاهرة، فيخرج من الأرض ~~التي هي من صلابتها تعجز عنها المعاول نجما هو في لينه ألين من الحرير، وفي ~~لطافته ألطف من النسيم، ومن سوق الأشجار التي تنثني فيها المناقير أغصانا ~~ألطف من ألسنة العصافير، فما أجلف من ينكر إخراجه الموتى من القبور، أو ~~يحيد من ذلك بنوع من الغرور. # ولما أنكر عليهم فيما مضى اتخاذ ولي من دونه بقوله تعالى {أم اتخذوا من ~~دونه أولياء} وأثبت أنه هو الولي، وتعرف إليهم بآثاره التي حوت أفأنين ~~أنواره، وكانت كلها في غاية الكمال موجبة للحمد المتواتر المنوال، قال: ~~{وهو} أي وحده لا غيره {الولي} أي الذي لا أحد أقرب منه إلى عباده في شيء ~~من الأشياء {الحميد *} أي الذي استحق مجامع الحمد مع أنه يحمد من يطيعه ~~فيزيده من فضله ويصل # PageV17P311 # حبله دائما بحبله. # ولما كان ما مضى من بسط الرزق وقبضه، وإنزال الغيث وحبسه. من الآيات ~~العظمية، عمم ms4396 بذكر ما ذلك بعض منه، وهو دال على جميع ما ختم به الأية ~~السالفة من الحمد الذي هو الاتصاف بجميع صفات الكمال فقال عاطفا على ما ~~تقديره: فذلك من آيات الله الدالة على قدرته واختياره وإنه هو الذي يحيي ~~هذا الوجود بالمعاني من روح الوحي وغيره تارة والأعيان من الماء وغيره ~~أخرى: {ومن آياته} العظيمة على ذلك وعلى استحقاقه لجميع صفات الكمال {خلق ~~السماوات} التي تعلمون أنها متعددة بما ترون من أمور الكواكب {والأرض} أي ~~جنسها على ما هما عليه من الهيئات وما اشتملا عليه من المنافع والخيرات ~~{وما بث} أي فرق بالأبدان والقلوب على هذا المنوال الغريب من الحس والحركة ~~بالاختيار مع التفاوت في الأشكال، والقدور والهيئات والأخلاق وغير ذلك من ~~النقص والكمال. # ولما كانت الأرض بناء والسماء سقفه، فمن كان في أحدهما صح نسبته إلى أنه ~~في كل منهما: الأسفل بالإقلال والأعلى بالإظلال قال تعالى: {فيهما} أي ~~السماوات والأرض ولا سيما وقد جعل لكل منهما تسببا # PageV17P312 # في ذلك بما أودعهما من الجواهر وأنشأ عنهما من العناصر. # ولما كانت الحياة التي هي سبب الانتشار والدب ربنا أورثت صاحبها كبرا ~~وغلظا في نفسه نظن أنه تام القدرة، أنث تحقيرا لقدرته وتوهية لشأنه ورتبته ~~فقلل {من دابة} أي شيء فيه أهلية الدبيب بالحياة من الإنس والجن والملائكة ~~وسائر الحيوانات على اختلاف أصنافهم وألوانهم وأشكالهم ولغاتهم وطباعهم ~~وأجناسهم وأنواعهم أقطارهم ونواحيهم وأصقاعهم ومن نظر إلى صنائعه سبحانه ~~تيقن وجوده وقدرته واختياره، ثم إذا أمعن في النظر وتابع التدبر في الفكر ~~وصل إلى معرفة الصانع بأسمائه وصفاته وما ينبغي له ويستحيل عليه فيحمده ~~بمحامدة التي لا نهاية لها ويسبحه بسبحانه ثم إن أمعن سما إلى الوقوف على ~~حكمة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب. # ولما كنا عالمين بأن من أوجد أشياء على ضم أشتاتهم متى شاء مع نقص التصرف ~~والعجز في التقلب كنا جديرين بالعلم القطعي # PageV17P313 # بمضمون قوله تعالى: {وهو} أي بما له من صفات العظمة التي يعلم الظاهر ~~معها، وما غاب ms4397 عنا أكبر {على جمعهم} أي هذه الدواب من ذوي العقول وغيرهم ~~بعد تفرقهم بالقلوب والأبدان بالموت وغيره من الحظوظ والأهواء وغير ذلك. # ولما كان الجمع لا بد منه، عبر بأداة التحقق فقال معلقا بجمع: {إذا} وحقق ~~النظر إلى البعث فعبر بالمضارع فقال: {يشاء قدير *} أي بالغ القدرة كما كان ~~بالغ القدرة عند الإيجاد من العدم بجمعهم في صعيد واحد يسمعهم الداعي ~~وينفذهم البصر، ولما ذكرهم سبحانه بنعمه، وكان السياق لتعداد ما ناسب مقصود ~~هذه السورة منها، كان الفكر جديرا بأن يخطر له ما في الدنيا من الأمراض ~~والأنكاد والهموم والفهوم بالإشقاء فيها والإسعاد، قال شافيا لعي سؤاله عن ~~ذلك ببيان ما فيه من نعمته على وجه دال على تمام قدرته، عاطفا على ما هو ~~مضمون ما مضى بما تقديره: فهو الذي خلقكم ورزقكم وهو المتصرف فيكم بعد بثكم ~~بالعافية والبلاء تمام التصرف، فلا نعمة # PageV17P314 # عندكم ولا نقمة إلا منه، ولا يقدر أصحابها على ردها ولا رد شيء مها فهو ~~وليكم وحده {وما أصابكم} واجههم بالخطاب زيادة في تقريب الطائع وتبكيت ~~العاصي، وعم بقوله: {من مصيبة} وأخبر عن المبتدأ بقوله: {فبما} أي كائن ~~بسبب الذي - هذا على قراءة نافع وابن عامر، وإثبات الفاء في الباقين زيادة ~~في إيضاح السببية فقرأوا «فبما» لتضمن المبتدأ الشرط أي فهو بالذي. # ولما كانت النفوس مطبوعة على النقائض، فهي لا تنفك عنها إلا بمعونة من ~~الله شديدة، وكان عملها كله أو جله عليها، فعبر بالفعل المجرد إشارة إلى ~~ذلك فقال: {كسبت} . # ولما كان العمل غالبا باليد قال: {أيديكم} أي من الذنوب، فكل نكد لاحق ~~إنما هو بسبب ذنب سابق أقله التقصير، روى ابن ماجة في سننه وابن حبان في ~~صحيحه - والحاكم واللفظ له - وقال: صحيح الإسناد - عن ثوبان رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله: # «لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم ~~الرزق بالذنب يصيبه» فالآية داعية لكل أحد إلى المبادرة عند وقوع المصيبة ~~إلى محاسبة النفس ليعرف من ms4398 أين جاء تقصيره، # PageV17P315 # فيبادر إلى التوبة عنه والإقبال على الله لينقذ نفسه من الهلكة، وفائدة ~~ذلك وإن كان الكل بخلقه وإرادته إظهار الخضوع والتذلل واستشعار الحاجة ~~والافتقار إلى الواحد القهار، ولولا ورود الشريعة لم يوجد سبيل إلى الهدى، ~~ولا إلى هذه الكمالات البديعية، ومثل هذه التنبيهات ليستخرج من العبد ما ~~أودع في طبيعته وركز في غريزته كغرس وزرع سبق إليه ماء وشمس لاستخراج ما ~~أودع في طبيعته من المعلومات الإلهية والحكم العلية. # ولما ذكر عدله، أتبعه فضله فقال: {ويعفو عن كثير *} ولولا عفوه وتجاوزه ~~لما ترك على ظهرها من دابة ويدخل في هذا ما يصيب الصالحين لإنالة درجات ~~وفضائل وخصوصيات لا يصلون إليها إلا بها لأن اعمالهم لم تبلغها فهي خير ~~واصل من الله لهم، وقيل لأبي سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم ~~عمن أساء إليهم؟ قال: لأنهم علموا أن الله ابتلاهم بذنوبهم - وقرأ هذه ~~الآية. # PageV17P316 # ولما كان من يعاقب بما دون الموت ربما ظن أنه عاجز قال: {وما أنتم ~~بمعجزين} لوأريد محقكم بالكلية ولا في شيء أراد سبحانه # PageV17P316 # منكم كائنا ما كان. ولما كان من ثبت قدرته على محل العلو بخلقه وما أودعه ~~من المصنوعات أجدر بالقدرة على ما دونه، أشار إلى ذلك بقوله: {في الأرض} ~~ولما كان الكلام في العقوبة في الدنيا قبل الموت، ولم يكن أحد يدعي فيها ~~التوصل إلى السماء، لم يدع داع إلى ذكرها بخلاف ما مضى في العنكبوت. ولما ~~نفى امتناعهم بأنفسهم، وكان له سبحانه من العلو ما تقصر عنه العقول، فكان ~~كل شيء دونه، فكان قادرا على كل شيء قال: {وما لكم} أي عند الاجتماع فكيف ~~عند الانفراد. # ولما كانت الرتب في غاية السفول عن رتبته والتضاؤل دون حضرته، أثبت الجار ~~منبها على ذلك فقال: {من دون الله} أي المحيط بكل شيء عظمة وكبرا وعزة، وعم ~~بقوله: {من ولي} أي يكون متوليا لشيء من أموركم بالاستقلال {ولا نصير *} ~~يدفع عنكم شيئا يريده سبحانه بكم. # ولما دل سبحانه على تمام قدرته واختياره وختم ms4399 بنفي الشريك اللازم ~~للوحدانية التي اعتقادها أساس الأعمال الصالحة، دل عليها بأعظم الآيات ~~عندهم وأوضحها في أنفسهم وأقربها إلى إفهامهم لما لهم من الإخلاص عندها ~~فقال تعالى: {ومن آياته} أي الدالة على تمام قدرته واختياره ووحدانيته ~~وعظيم سلطانه تسخيره وتذليله لسير # PageV17P317 # الفلك فيه حاملة ما لا يحمله غيرها، وهو معنى قوله: {الجوار} أي من ~~السفن، وهي من الصفات التي جرت مجرى الأعلام، ودل على الموصوف ما بعده ~~فلذلك حذف لأن القاعدة أن الصفة إذا لم تخص الموصوف امتنع حذفه فنقول: مررت ~~بمهندس، ولا تقول: مررت بماش - إلا بقرينة كما هنا. # ولما كانت ثقيلة في أنفسها، وكان يوضع فيها من الأحمال ما يثقل الجبال، ~~وكان كل ثقيل ليس له من ذاته إلا الغوص في الماء، كانت كأنها فيه لا عليه ~~لأنها جديرة بالغرق فقال تعالى محذرا من سطواته متعرفا بجليل نعمته معرفا ~~بحقيقة الجواري: {في البحر كالأعلام *} أي الجبال الشاهقة بما لها من العلو ~~في نفسها عن الماء ثم بما يوصلها وما فيه من الشراع عليها من الارتفاع، ~~وقال الخليل: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. # ولما كان كأنه قيل: وما تلك الآيات؟ ذكر ما يخوفهم منها ويعرفهم أن جميع ~~ما أباحهم إياه من شؤونها إنما هو بقدرته واختياره # PageV17P318 # فقال: {إن يشاء} أي الله الذي حملكم فيها على ظهر الماء آية بينة سقط ~~اعتبارها عندكم لشدة الفكر لها {يسكن الريح} التي يسيرها وانتم مقرون أن ~~أمرها ليس إلا بيده {فيظللن} أي فتسبب عن ذلك أنهن يظللن أن يقمن ليلا كان ~~أو نهارا، ولعله عبر به مع أن أصله الإقامة نهارا لأن النهار موضع الاقتدار ~~على الأشياء وهو المنتظر عند كل متعسر للسعي في إزالة عسره وتيسر أمره ~~{رواكد} أي ثوابت مستقرات من غير سير {على ظهره} ثباتا ظاهرا بما دل عليه ~~إثبات اللامين وفتح لامه الأولى للكل. # ولما كان ذلك موضع إخلاصهم الدعوة لله والإعراض عن الشركاء فإنهم كانوا ~~يقولون في مثل هذا الحال: اخلصوا فإن آلهتكم - أي من الأصنام ms4400 وغيرها من دون ~~الله - لا تغني في البحر شيئا، وكانوا ينسبون ذلك شركاء مع طلوعهم إلى البر ~~كانوا بمنزلة من لا يعد ذلك آية أصلا، فلذلك أكد قوله: {إن في ذلك} أي ما ~~ذكر من حال السفن في سيرها وركودها مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه بدليل ~~ما للناس # PageV17P319 # كافة من الإجماع على التوجه في ذلك إليه خاصة والانخلاع مما سواه {لآيات} ~~أي على أن إحاطته سبحانه بجميع صفات الكمال أمر مركوز في العقول ثابت في ~~الفطر الأولى مما لا يصد عنه إلا الهوى، وعلى أن بطلان أمر ما دونه لذلك هو ~~من الظهور بمكان لا يجهل. # ولما كانوا يتمادحون بالصبر على نوازل الحدثان والشكر لكل إحسان ويتذامون ~~بالجزع والكفران، وكان ذلك يقتضي ثباتهم على حال واحد فإن كان الحق عليهم ~~لمعبوداتهم فرجوعهم عنها عند الشدائد مما لا ينحو نحوه ولا يلتفت لفتة أحد ~~من كمل الرجال الذين يجانبون العار والاتسام بمسيم الإغمار، وإن كان الحق ~~كما هو الحق لله فرجوعهم عنه عند الرخاء بعد إنعامه عليهم بإنجائهم من ~~الشدة لا يفعله ذو عزيمة، قال مشيرا إلى ذلك بصيغتي المبالغة: {لكل صبار} ~~أي في الشدة {شكور *} أي في الرخاء وإن كثر مخالفوه، وعظم نزاعهم له، ~~وهاتان صفتا المؤمن المخلص الذي وكل همته بالنظر في الآيات فهو يستملي منها ~~العبر ويجلو بها من البصيرة عين البصر. # PageV17P320 # ولما نبه بهذا الاعتراض بين الجزاء ومعطوفه على ما فيه من دقائق المعاني ~~في جلائل المباني، قال مكملا لما في ذلك من الترغيب في صورة الترهيب: {أو} ~~أي أو أن يشاء في كل وقت أراده، واسند الإيباق إلى الجواري تأكيدا لإرادة ~~العموم في هلاك الركاب فقال: {يوبقهن} أي يهلكهن بالإغراق بإرسال الريح ~~وغير ذلك من التباريح حتى كأنهن بعد ذلك العلو في وقبه أي حفره، وطاق في ~~الماء وقعره، وقد تقدم تحقيق معنى «وبق» بجميع تقاليبه في سورة الكهف، ومنه ~~أن وبق كوعد ووجل وورث وبوقا وموبقا: هلك، والموبق كمجلس: المهلك وكل شيء ~~حال ms4401 بين شيئين لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين غيره، ومنه قيل للموعد: ~~موبق، وأوبقه: حبسه أو أهلكه. # ولما كان الإهلاك لهن إهلاكا للركاب، قال مبينا أنهم المقصودون مجردا ~~الفعل إشارة إلى أن ابن آدم لما طبع عليه من النقائص # PageV17P321 # ليس له من نفسه فعل خال عن شوب نقص حثا له على اللجوء إلى الله في تهذيب ~~نفسه وإخلاص فعله: {بما كسبوا} أي فعلوا من المعاصي بجدهم فيه واجتهادهم. # ولما كان التقدير تفصيلا للإيباق: فيغرق كل من فيهن إن شاء ويغرق كثيرا ~~منهم إن شاء عطف عليه قوله: {ويعف} أي إن يشاء {عن كثير *} أي من الناس ~~الذين في هذه السفن الموبقه، فينجيهم بعوم أو حمل عى خشبة أو غير ذلك، وإن ~~يشأ يرسل الريح طيبة فينجيها ويبلغها أقصى المراد إلى غير ذلك من التقادير ~~الداخلة تحت المشيئة، فالفعل كما ترى عطف على يوبق، وعطف بالواو لأنه قسم ~~من حالي الموبقة، وهو بمعنى ما ورى عن أهل المدينة من نصب «يعفو» بتقدير ~~«إن» ليكون المعنى: يوقع إيباقا وعفوا. # ولما كان هذا كله على صورة الاختبار لن يستبصر فيدوم إخلاصه، ومن يرجع ~~إلى العمى فلا يكون خلاصه، قال مبينا بالنصب # PageV17P322 # للصرف عن العطف على شيء من الأفعال الماضية لفساد المعنى لكونها في حيز ~~الشرط، فيصير العلم أيضا مشروطا: {ويعلم الذين يجادلون} أي عند النجاة ~~بالعفو. ولما كان مقام العظمة شديد المنافاة للمجادلة، لفت القول إليه ~~فقال: {في آياتنا} أي هذه التي لا تضاهي عظمتها ولا تقايس جلالتها وعزتها ~~رجوعا إلى ما كانوا عليه من الشرك والنزاع في تمام القدرة بإنكار البعث، ~~ومن واو الصرف يعرف أن مدخولها مفرد في تأويل المصدر لأن النصب فيها بتقدير ~~أن فيكون مبتدأ خبره ما يدل عليه السياق فالتقدير هنا: وعلمه سبحانه ~~بالمجادلين عند هذا حاصل، والتعبير عنه بالمضارع لإفادة الاستمرار لتجدد ~~تعلق العلم بكل مجادل كلما حصل جدال، وقراءة نافع وابن عامر بالرفع دالة ~~على هذا، فإن التقدير: وهو يعلم - فالرفع هنا والنصب سواء، قال ms4402 الرضي في ~~شرح قول ابن الحاجب في نواصب الفعل: والفاء - أي ناصبة - بشرطين: السببية، ~~والثاني أن يكون قبلها أحد الأشياء الثمانية، والواو الواقعتين بعد الشرط ~~قبل الجزاء نحو أن تأتني فتكرمني # PageV17P323 # أو تكرمني أنت، أو بعد الشرط والجزاء: إن تأتني إنك فأكرمك أو وأكرمك، ~~وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني النفي، إذ الجزاء مشروط ~~ووجوده بوجود الشرط، ووجود الشرط مفروض، فكلاهما غير موصوفين بالوجود ~~حقيقة، وعليه حمل قوله تعالى {ويعلم الذين} في قراءة النصب، ثم قال: وكذا ~~يقول في الفعل المنصوب بعد واو الصرف أنهم لما قصدوا فيها معنى الجمعية ~~نصبوا المضارع بعدها ليكون الصرف عن سنن الكلام المتقدم مرشدا من أول الأمر ~~أنها ليست للعطف فهي إذن إما واو الحال وأكثر دخولها على الاسمية فالمضارع ~~بعدها في تقدير مبتدأ محذوف الخبر وجوبا، فمعنى قم وأقوم: قم وقيامي ثابت: ~~أي في حال ثبوت قيامي، وأما بمعنى مع وهي لا تدخل إلا على الاسم قصدوا ها ~~هنا مصاحبة الفعل للفعل منصوبا ما بعدها، فمعنى قم وأقوم: قم مع قيامي كما ~~قصدوا في المفعول معه مصاحبة الاسم للاسم فنصبوا ما بعد الواو، ولو جعلنا ~~الواو عاطفة للمصدر متصيد من الفعل قبله النجاة، أي لم يكن منك قيام وقيام ~~مني، لم يكن فيه نصوصية على معنى الجمع، والأولى في قصد النصوصية في شيء ~~على معنى أن يجعل على وجه # PageV17P324 # يكون ظاهرا فيما قصدوا النصوصية عليه، وإنما شرطوا في نصب ما بعد فاء ~~السببية كون ما قبلها أحد الأشياء المذكورة أي الأمر والنهي والنفي ~~والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض والرجاء لأنها غير حاصلة المصادر فتكون ~~كالشرط الذي ليس بمتحقق الوقوع، ويكون ما بعد الفاء كجزائها ثم حملوا ما ~~قبل واو الجمعية في وجوب كون أحد الأشياء المذكورة على ما قبل فاء السببية ~~التي هي أكثر استعمالا من الواو في مثل هذا الموضع أعني في انتصاب المضارع ~~بعدها، وذلك لمشابهة الواو للفاء في أصل العطف، وفي صرف ما بعدهما عن سنن ~~العطف لقصد السببية ms4403 في إحداهما والجمعية في الأخرى، ولقرب الجمعية من ~~التعقب الذي هو لازم السببية ثم قال: وكذا ربما لم يصرف بعد واو الحال قد ~~تدخل على المضارع المثبت كما ذكرنا في باب الحال، نحو قمت وأضرب زيدا أي ~~وأنا أضرب. # ولما كان علم القادر بالمعصية موجبا لعذاب من عصاه، كان كأنه قيل: قد خسر ~~من فعل ذلك فيا ليت شعري ما يكون حالهم؟ أجاب بقوله: {ما لهم من محيص *} أي ~~محيد ومفر أصلا عن عذابه، ولا بشيء # PageV17P325 # يسير، وإن تأخر في نظركم إيقاع العذاب بهم فإن عذابه سبحانه منه ما هو ~~باطن وهو الاستدراج بالنعم وهذا لا يدركه إلا أرباب القلوب المقربون لدى ~~علام الغيوب، ومنه ما هو ظاهر، ويجوز أن يكون «الذين» فاعل «يعلم» ، وحينئذ ~~تكون هذه الجملة في محل نصب لسدها مسد مفعول العلم. # PageV17P326 # ولما علم أن جميع النعم من الغيث وأثاره، ومن نشر الدواب برا وبحرا بمعرض ~~من الزوال وهو عظيم التقلبات هائل الأحوال سبب عنه قوله محقرا لدنياهم وما ~~فيها من الزهرة بسرعة الذبول والزوال، والأفوال والارتحال، ولهم بأنها مع ~~ما ذكر لا قدرة لهم على شيء منها إلا يموت يمن عليهم بها، وأما هم فقوم ~~ضعفاء لا قدرة لهم على شيء وليس لهم من أنفسهم إلا العجز، فلو عقلوا لعلموا ~~ولو علموا لعملوا عمل العبيد، وأطاعوا القوي الشديد: {فما أوتيتم} أي أيها ~~الناس {من شيء} أي من النعم الظاهرة، وأجاب «ما» الشرطية بقوله: {فمتاع ~~الحياة الدنيا} أي القريبة الدنيئة لا نفع فيه لأحد # PageV17P326 # إلا مدة حياته، وذلك جدير بالإعراض عنه وعما يسببه من الأعمال إلا ما ~~يقرب إلى الله {وما} أي والذي، ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى أعظم منها ~~بذكر الاسم الجامع للترغيب في ذكر آثار الأوصاف الجمالية والترهيب من آثار ~~النعوت الجلالية فقال: {عند الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما من نعم الدارين {خير} أي في نفسه وأشد خيرية من النعم الدنيوية ~~المحضة لانقطاع نفعها. ولما كانت النعم الدنيوية قد تصحب ms4404 الإنسان طول عمره ~~فتسبب بذلك إلى البقاء قال: {وأبقى} أي من الدنيوية لأنه لا بد من نزعها ~~منه بالموت، ولذلك قيد بالحياة فلا تؤثر الفاني على خساسته على الباقي مع ~~نفاسته. # ولما بين ما لها من النفاسة ترغيبا فيها، بين من هي له فقال: {للذين ~~آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة {وعلى} أي والحال أنهم صدقوها بأنهم على، ~~ولفت القول إلى صفة الإحسان لأنها نسب شيء للمتوكل، وأحكم الأمر بالإضافة ~~إشارة إلى «إنه إحسان» هو في غاية # PageV17P327 # المناسبة لحالهم فقال: {ربهم} أي الذي لم يروا إحسانا قط إلا منه وحده ~~بما رباهم من الإخلاص له {يتوكلون} أي يحملون جميع أمورهم عليه كما يحمل ~~غيرهم متاعه على من يتوسم فيه قوة على الحمل ولا يلتفتون في ذلك إلى شيء ~~غيره أصلا لينتفي عنهم بذلك الشرك الخفي كما انتفى بالإيمان الشرك الجلي، ~~والتعبير بأداة الاستعلاء تمثيل للإسناد والتفويض إليه بالحمل عليه لأن ~~الحمل أبين في الراحة، وأظهر في البعد من الهم والمشقة، ولعل التعبير ~~بالمضارع للتخفيف في أمر التوكل بالرضى بتجديده كلما تجدد مهم، ومن كان ~~كذلك كان الله كافيه كل ملم، فيشاركون أهل الدنيا في نيل نعمها ويفارقونهم ~~في أن ربهم سبحانه يجعلها على وجه لا حساب عليهم فيها، بل ولهم فيها الأجور ~~الموجبة للنعمة والحبور، وفي أنه يجعلها كافية لمهماتهم وسادة لخلاتهم، ~~ويزيدهم الباقيات الصالحات التي يتسبب عنها نعيم الآخرة بعد راحة الدنيا. # ولما كان كل من الإيمان والتوكل امرا باطنا فكان لا بد من # PageV17P328 # دلائله من ظواهر الأعمال، وكانت تخليات من الرذائل وتحليات بالفضائل ~~وكانت التخليات لكونها درء للمفاسد مقدمة على التحليات التي هي جلب للمصالح ~~قال عاطفا على {الذين} : {والذين يجتبنون} أي يكلفون أنفسهم أن يجابوا ~~{كبائر الإثم} أي جنس الفعال الكبار التي لا توجد إلا ضمن أفرادها ويحصل ~~بها دنس للنفس، فيوجب عقابا لها مع الجسم، وعطف على {كبائر} قوله: ~~{والفواحش} وهي ما أنكره الشرع والعقل والطبع التي هي آيات الله الثلاث ~~التي نصبها حجة على عباده وله ms4405 الحجة البالغة فاستعظم الناس أمرها ولو أنها ~~صغائر لدلالتها على الإخلال بالمروءة كسرقة لقمة والإقرار على المعصية من ~~شيخ جليل القدر لمن لا يخشاه ولا يرجوه، وقرأ حمزة والكسائي: كبير، وهو ~~للجنس، فهو بمعنى قراءة الجمع أو هي أبلغ لشمولها المفرد. ولما ذكر ما قد ~~تقود إليه المطامع دون حمل الغضب الصارع قال منبها على عظمته معبرا بأداة # PageV17P329 # التحقق دلالة على أنه لا به منه توطينا للنفس عليه معلقا بفعل الغفر: ~~{وإذا} وأكد بقوله: {ما} وقدم الغضب إشارة إلى الاهتمام بإطفاء جمره وتبريد ~~حره فقال: {غضبوا} أي غضبا هو على حقيقته من أمر مغضب في العادة، وبين ~~بضمير الفصل أن بواطنهم في غفرهم كظواهرهم فقال: {هم يغفرون} أي الإحصاء ~~والإخفاء بأنهم كلما تجدد لهم غضب جددوا غفرا أي محوا للذنب عينا وأثرا مع ~~القدرة على الانتقام فسجاياهم تقتضي الصفح دون الانتقام ما لم يكن من ~~الظالم بغي لأنه لا يؤاخذ على مجرد الغضب إلا متكبر، والكبر لا يصلح لغير ~~الإله وذلك لأنه لا يغيب أحلامهم عند اشتداد الأمر ما يغيب أحلام غيرهم من ~~طيش الجهل وسفاهة الرأي، فدل ذلك على أن الغفر دون غضب لا يعد بالنسبة إلى ~~الغفر معه، وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط إلا أن ~~تنتهك حرمات الله، وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم قال: كان المؤمنون يكرهون ~~أن يستذلوا وكانوا # PageV17P330 # أذا قدروا عفوا. # ولما أتم ما منه التحلي، أتبعه ما به التخلي، وذكر أوصافا أربعة هي قواعد ~~النصفة ما انبنى عليها قط ربعها إلا كان الفاعلون لها كالجسد الواحد لا ~~تأخذهم نازلة في الدنيا ولا في الآخرة فقال: {والذين استجابوا} أي أوجدوا ~~الإجابة بمالهم من العلم الهادي إلى سبيل الرشاد {لربهم} أي الداعي لهم إلى ~~إجابته إحسانه إليهم إيجادا من شدة حمل أنفسهم عليه يطلبونه من أنفسهم طلبا ~~عظيما صادقا لم يبق معه لأحدهم نفس ولا بقية من وهم ولا رسم إلا على موافقة ~~رضاه سبحانه لأنهم يعلمون أنه ما دعاهم ms4406 إليه وهو مربيهم لصلاحهم وسعدهم ~~وفلاحهم، لأنه محيط العلم شديد الرحمة لا يتهم بوجه من الوجوه. # ولما كان هذا عاما لكل خير دعا إليه سبحانه، خص أعظم عبادات البدن، وزاد ~~في عظمتها بالتعبير بالإقامة فقال: {وأقاموا} أي بما لهم من القوة {الصلاة} ~~فأفهم ذلك مع اللام أنهم أوجدوا صورتها محمولة بروحها على وجه يقتضي ثبوتها ~~دائما. ولما كانت الاستجابة توجب للاتحاد القلوب بالإيمان الموجب للاتحاد ~~في الأقوال والأفعال، والصلاة توجب الاتحاد بالأبدان، ذكر الاتحاد بالأقوال # PageV17P331 # الناشىء عنه عند أولي الكمال الاتحاد في الأفعال، فقال معبرا بالاسمية ~~حثا على أن جعلوا ذلك لهم خلقا ثابتا لا ينفك: {وأمرهم} أي كل ما ينوبهم ~~مما يحوجهم إلى تدبير {شورى} أي يتشاورون فيه مشاورة عظيمة مبالغين مما لهم ~~من قوة الباطن وصفائه في الإخلاص والنصح، من الشور وهو العرض والإظهار ~~{بينهم} أي بحيث إنهم لا فرق في حال المشاورة بين كبير منهم وصغير بل كل ~~منها يصغي إلى كلام الآخر وينظر في صحته وسقمه بتنزيله على أصول الشرع ~~وفروعه، فلا يستبدل أحد منهم برأي لدوام اتهامه لرأيه لتحققه نقصه بما له ~~من غزارة العلم وصفاء الفهم ولا يعجلون في شيء بل صار التأبي لهم خلقا، ~~وسوق المشورة هذا السياق دال على عظيم جدواها وجلالة نفعها قال الحسن رحمه ~~الله: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم - على أنه روى الطبراني في الصغير ~~والأوسط لكن بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد» وروى في ~~الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من # PageV17P332 # أراد أمرا فشاور فيه أمرأ مسلما وفقه الله لأرشد أمره» . # ولما كانت المواساة بالأموال بعد الاتحاد في الأقوال والافتاق في الأفعال ~~أعظم جامع على محاسن الخلال، واظهر دال على ما ادعى من الاتحاد في الحال ~~والمآل قال مسهلا عليهم أمرها بأنه لا مدخل لهم في الحقيقة في ms4407 تحصيلها ~~راضيا منهم باليسير منها: {ومما} ولفت القول إلى مظهر العظمة تذكيرا بما ~~يتعارفونه بينهم من أنه لا مطمع في التقرب من العظماء إلا بالهدايا فقال: ~~{رزقناهم} أي بعظمتنا من غير حول منهم ولا قوة {ينفقون *} أي يديمون ~~الإنفاق كرما منهم وإن قل ما بأيديهم اعتمادا على فضل الله سبحانه وتعالى ~~لا يقبضون أيديهم كالمنافقين، وذلك الإنفاق على حسب ما حددناه لهم فواسوا ~~بالمشورة في فضل عقولهم وبالإنفاق في فضل أموالهم تقوى منهم ومراقبة لله لا ~~شهوة نفس. # ولما كان في العقوبة مصلحة ومفسدة فندب سبحانه إلى المغفرة تقديما لدرء ~~المفسدة لأن الإنسان لعدم علمه بالقلوب لا يصح له بوجه أن يعاقب بمجرد ~~الغضب لأنه قد يخطئ فيعاقب من أغضبه، وهو # PageV17P333 # شريف الذات كريم الطبع على الهمة أبي النفس، ما وقع منه الذنب الذي أغضب ~~إلا خطأ معفوا عنه أو كذب عليه فيه فيربي في نفسه أخته تفسد ذات البين فيجر ~~إلى خراب كبير، وكانت إدامة الغفر جالبة للفساد مجرئة على العناد، وكان ~~البغي هو التمادي في السوء محققا لقصد الذنب مجوزا للإقدام على الانتقام، ~~وكان الانتصار من الفجار ربما أحوج مع قوة الجنان إلى إنفاق المال، عقب ~~الإنفاق بمدح الانتصار بقوله: {والذين} وذكر أداة التحقق إشارة إلى أن ~~شرطها لا بد من وقوعه بالفعل أو بالقوة فقال ناصبا بفعل الانتصار مقدما لما ~~من شأن النفس الاهتمام بدفعه لعدم صبرها عليه: {إذا أصابهم} أي وقع بهم ~~وأثر فيهم {البغي} وهو التمادي على الرمي بالشر {هم} أي بأنفسهم خاصة لما ~~لهم من قوة الجنان والأركان المعلمة بأن ما تقدم من غفرانه ما كان إلا لعلو ~~شأنهم لا لهوانهم {ينتصرون *} أي يوقعون بالعلاج بما أعطاهم الله من سعة ~~العقل وشدة البطش وقوة القلب النصر لأنفسهم في محله على ما ينبغي من زجر ~~الباغي عن معاودتهم وعن # PageV17P334 # الاجتراء على غيرهم مكررين لذلك كلما كرر لهم فيكون ذلك من إصلاح ذات ~~البين، ليسوا بعاجزين ولا في أمر دينهم متوانين، والتعبير في هذه الأفعال ~~بالإسناد ms4408 إلى الجمع إشارة إلى أنه لا يكون تمام التمكن الرادع إلا مع ~~الاجتماع، ومن كان فيها مفردا كان همه طويلا وبثه جليلا، قال النخعي: كانوا ~~يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. # PageV17P335 # ولما كان الإذن في الانتصار في هذا السياق المادح مرغبا فيه مع ما للنفس ~~من الداعية إليه، زجر عنه لمن كان له قلب أولا بكفها عن الاسترسال فيه ~~وردها على حد المماثلة، وثانيا بتسميته سيئة وإن كان على طريق المشاكلة، ~~وثالثا بالندب إلى العفو، فصار المحمود منه إنما هو ما كان لإعلاء كلمة ~~الله لا شائبة فيه للنفس أصلا فقال: {وجزاء سيئة} أي أي سيئة كانت {سيئة ~~مثلها} أي لا تزيد عليها في عين ولا معنى أصلا، وقد كفلت هذه الجمل بالدعاء ~~إلى أمهات الفضائل الثلاث العلم والعفة والشجاعة على # PageV17P335 # أحسن الوجوه، فالمدح بالاستجابة والصلاة دعاء إلى العلم، وبالنفقة إلى ~~العفة، وبالانتصار إلى الشجاعة، حتى لا يظن ظان أن إذعانهم لما مضى مجرد ~~ذل، والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل، وهذه ~~الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث، فإن من علم المماثلة كان عالما، ومن قصد ~~الوقوف عندها كان عفيفا، ومن قصر نفسه على ذلك كان شجاعا، وقد ظهر من المدح ~~بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول للعاجز والثاني للمتغلب المتكبر ~~بدليل البغي. # ولما كان شرط المماثلة نادبا بعد شرع العدل الذي هو القصاص إلى العفو ~~الذي هو الفصل لأن تحقق المثلية من العبد الملزوم للعجز لا يكاد يوجد، سبب ~~عنه قوله: {فمن عفا} أي بإسقاط حقه كله أو بالنقص عنه لتتحقق البراءة مما ~~حرم من المجاوزة {وأصلح} أي أوقع الإصلاح بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ~~ليصلح الله ما بينه وبين الناس، فيكون بذلك منتصرا من نفسه لنفسه {فأجره ~~على الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم ~~هذا الاسم الأعظم، وهذا سر لفت الكلام إليه عن مظهر العظمة وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: «ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا» ms4409 . # PageV17P336 # ولما كان هذا ندبا إلى العفو بعد المدح بالانتصار، بين أن علته كراهة أن ~~يوضع شيء في غير محله لأنه لا يعلم المماثلة في ذلك إلا الله، فقال مضمرا ~~إشارة إلى أن المثلية من الغيب الخفي مؤكدا لكف النفس لما لها من عظم ~~الاسترسال في الانتصار: {إنه لا يحب الظالمين *} أي لا يكرم الواضعين للشيء ~~في غير محله دأب من يمشي في مأخذ الاشتقاق إذا كان عريقا في ذلك سواء كان ~~ابتداء أو مجاوزة في الانتقام بأخذ الثأر. # ولما كان هذا سادا لباب الانتصار لما يشعر به من أنه ظلم على كل، قال ~~مؤكدا نفيا لهذا الإشعار: {ولمن انتصر} أي سعى في نصر نفسه بجهده {بعد ~~ظلمه} أي بعد ظلم الغير له وليس قاصد البعد عن حقه ولو استغرق انتصاره جميع ~~زمان البعد. # ولما بين تعالى ما لذلك الناظر في مصالح العباد المنسلخ من خط نفسه ~~إحسانا إلى عباد الله من الرتبة العليا، بين ما لهذا الذاب عن نفسه القاصد ~~لشفاء صدره وذهاب غيظه، فقال رابطا للجزاء بفاء السبب بيانا لقصور نظره على ~~دفع الظلم عن نفسه، ويجوز كون {من} موصولة والفاء # PageV17P337 # لما للموصول من شبه الشرط. # ولما عبر أولا بالإفراد فكان ربما قصر الإذن على الواحد لئلا تعظم ~~الفتنة، جمع إشارة إلى أن الفتنة إنما هي في إقرار الظلم لا في نصر المظلوم ~~واحدا كان أو جماعة فقال: {فأولئك} أي المنتصرون لأجل دفع ظلم الظالم عنهم ~~فقط {ما عليهم} وأكد بإثبات الجار فقال: {من سبيل *} أي عقاب ولا عتاب، ~~وروى النسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما علمت حتى دخلت ~~علي زينب رضي الله عنها بغير إذن وهي غضبى ثم أقبلت علي فأعرضت عنها حتى ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: دونك فانتصري، فأقبلت عليها حتى رأيتها قد ~~يبس ريقها في فيها ما ترد علي شيئا، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتهلل ~~وجهه» . # ولما نفى السبيل عنه بعد تشوف السامع إلى موضع ما أشعر به ms4410 الكلام السابق ~~من الظلم، بين ذلك فقال: {إنما السبيل} أي الطريق السالك الي لا منع منه ~~أصلا بالحرج والعنت {على} وجمع إعلاما بكثرة المفسدين تجرئة على الانتصار ~~منهم وإن كانوا كثيرا # PageV17P338 # فإن الله خاذلهم فقال: {الذين يظلمون الناس} أي يوقعون بهم ظلمهم تعمدا ~~عدوانا {ويبغون} أي يتجاوزن الحدود {في الأرض} بما يفسدها بعد إصلاحها ~~بتهيئتها للصلاح طبعا وفعلا وعلما وعملا. ولما كان الفعل قد يكون بغيا وإن ~~كان مصحوبا بحق كالانتصار المقترن بالتعدي فيه قال: {بغير الحق} أي الكامل ~~ولما أثبت عليهم بهذا الكلام السبيل، كان السامع جديرا بأن يسأل عنه فقال: ~~{أولئك} أي البغضاء البعداء من الله {لهم عذاب أليم *} أي مؤلم بما آلموا ~~من ظلموه من عباد الله بحيث يعم إيلامه أبدانهم وأرواحهم بما لها من ~~المشاعر الظاهرة والباطنة. # ولما أفهم سياق هذا الكلام وترتيبه هكذا أن التقدير: فلمن صبر عن ~~الانتصار أحسن حالا ممن انتصر، لأن الخطأ في العفو أولى من الخطأ في ~~الانتقام، عطف عليه مؤكدا لما أفهمه السياق أيضا من مدح المنتصر: {ولمن ~~صبر} عن الانتصار من غير انتقام ولا شكوى # PageV17P339 # {وغفر} فصرح بإسقاط العقاب والعتاب فمحا عين الذنب وأثره: {إن ذلك} أي ~~ذلك الفعل الواقع منه البالغ في العلو جدا لا يوصف {لمن عزم الأمور *} أي ~~الأمور التي هي لما لها من الأهلية لأن يعزم عليها قد صارت في أنفسها كأنها ~~دوات العزم أو متأهلة لأن تعزم على ما تريد، والعزم: الإقدام على الأمر بعد ~~الروية والفكرة، قال أبو علي بن الفراء؛ آيات العفو محمولة على الجاني ~~النادم، وآيات مدح الانتصار على المصر، وذلك إنما يحمد مع القدرة على تمام ~~النصرة كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام لإخوته # {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم} [الآية: 92] وقال: فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم في مواطن كثيرة منها الموقف الأعظم الذي وقفه يوم الفتح عند ~~باب الكعبة وقال لقريش وهم تحته كالغنم المطيرة: «ما تظنون أني فاعل بكم يا ~~معشر قريش؟ قالوا: خيرا، أخ كريم ms4411 وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» ~~، وروى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا شتم أبا بكر رضي ~~الله عنه فلما رد عليه قام صلى الله عليه وسلم # PageV17P340 # ثم قال: «يا أبا بكر! ثلاث كلهن حق ما من عبد مظلم مظلمة فعفى عنها لله ~~إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله ~~بها كثرة وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة» . # ولما بان في هذا الكلام المقتصر على الصبر والجامع إليه الغفر والمقتضي ~~بالنصر أدرجهم كلهم في دائرة الحق، أتبعه من خرج عن تلك الدائرة، فقال ~~مخبرا أن ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن عطفا على نحو: فمن يهدي الله ~~للوقوف عند هذه الحدود فما له من مضل، مبينا بلفظ الضلال أن ما شرعه من ~~الطريق في غاية الوضوح لا يزيغ عنه أحد إلا بطرد عظيم: {ومن يضلل الله} أي ~~الذي له صفات الكمال إضلالا واضحا بما أفاده الفك بعدم البيان أو بعدم ~~التوفيق لمطلق الصبر أعم من أن يكون الاقتصار على أخذ الحق وبتأخير الحق ~~إلى وقت وبالعفو وبالغفر. # ولما كان الضال عن ذلك لا يكون إلا مجبولا على الشر، سبب عنه قوله: {فما ~~له} أي في ذلك الوقت {من ولي} أي يتولى # PageV17P341 # أمره في الهداية بالبيان لما أخفاه الله عنه أو التوفيق لما بينه له {من ~~بعده} أي من بعد معاملة الله له معاملة البعيد من وكله إلى نفسه وغيره من ~~الخلق في شيء من زمان البعد ولو قل. # ولما كان مبنى أمر الضال على الندم ولو بعد حين، قال عاطفا على نحو: فترى ~~الظالمين قبل رؤية العذاب في غاية الجبروت والبطر والتكذيب بالقدرة عليهم، ~~فهم لذلك لا يرجون حسابا ولا يخافون عقابا: {وترى} وقال: {الظالمين} موضع ~~«وتراهم» لبيان أن الضال لا يضع شيئا في موضعه، ولما كان عذابهم حتما، عبر ~~عنه بالماضي فقال: {لما رأوا العذاب} ms4412 أي المعلوم مصير الظالم إليه رؤية ~~محيطة بظاهره وباطنه يتمنون الرجعة إلى الدنيا لتدارك ما فات من الطاعات ~~الموجبة للنجاة {يقولون} أي مكررين مما اعتراهم من الدهش وغلب على قلوبهم ~~من الوجل: {هل إلى مرد} أي رد إلى دار العمل وزمانه مخلص من هذا العذاب {من ~~سبيل} . # PageV17P342 # ولما أثبت رؤيتهم العذاب، أثبت دنوهم من محله وبين حالهم في ذلك الدنو ~~فقال: {وتراهم} أي يا أكمل الخلق ويا أيها المتشوف # PageV17P342 # إلى العلم بحالهم بعينك حال كونهم {يعرضون} أي يجدد عرضهم ويكرر، وهو ~~إلجاؤهم إلى أن يقارنوها بعرضهم الذي يلزم محاذاتهم لها أيضا بطولهم ~~ليعلموا أنها مصيرهم فلا مانع لها منهم {عليها} أي النار التي هي دار ~~العذاب مكررا عرضهم في طول الموقف مع ما هم فيه من تلك الأهوال بمقاساة ما ~~عليهم من الأحمال الثقال حال كونهم {خاشعين} أي في غاية الضعة والإلقاء ~~باليد خشوعا هو ثابت لهم. # ولما كان الخشوع قد يكون محمودا قال: {من الذل} لأنهم عرفوا إذ ذاك ~~ذنوبهم وانكشفت لهم عظمة من عصوه. # ولما كان الذل ألوانا، صوره بأقبح صورة فقال معبرا بلفظ النظر الذي هو ~~مماسة البصر لظاهر المبصر: {ينظرون} أي يبتدئ نظرهم المتكرر {من طرف} أي ~~تحريك للأجفان {خفي} يعرف فيه الذل لأنه لا يكاد من عدم التحديق يظن أنه ~~يطرف لأنهم يسارقون النظر مسارقة كما ترى الإنسان ينظر إلى المكاره، ~~والصبور ينظر # PageV17P343 # إلى السيف الذي جرد له فهو بحيث لا يحقق منظورا إليه، بل ربما تخيله ~~بأعظم مما هو عليه. ولما صور حالهم وكان من أفظع الأشياء وأقطعها للقلوب ~~شماتة العدو، قال مبشرا لجميع أصناف أهل الإيمان ورادعا لأهل الكفران: ~~{وقال} أي في ذلك الموقف الأعظم على سبيل التعبير لهم والتبكيت والتوبيخ ~~والتقريع {الذين آمنوا} أي أوقعوا هذه الحقيقة سواء كان إيقاعهم لها في ~~أدنى الرتب أو أعلاها عند رؤيتهم إياهم على هذا الحال، مؤكدين لتحقيق ~~مقالهم عند من قضى بضلالهم والإعلام بما لهم من السرور بصلاح حالهم، والحمد ~~لمن من عليهم بحس منقلبهم ms4413 ومآلهم، ويجوز أن يكون قولهم هذا في الدنيا لما ~~غلب على قلوبهم من الهيبة عندما تحققوا هذه المواعظ: {إن الخاسرين} أي ~~الذين كملت خسارتهم هم خاصة {الذين خسروا أنفسهم} بما استغرقها من العذاب ~~{وأهليهم} بمفارقتهم لهم إما في إطباق العذاب إن كانوا مثلهم في الخسران أو ~~في دار الثواب إن كانوا من أهل الإيمان. # PageV17P344 # ولما أخبر بخسارتهم بين ظرفها تهويلا لها، ويجوز أن يكون ظرفا لهذا القول ~~وهو أردع لمن له مسكة لأن من جوز أن يخسر وأن عدوه يطلع على خسارته ويظهر ~~الشماتة به، كان جديرا بأن يترك السبب الحامل على الخسارة فقال: {يوم ~~القيامة} أي الذي هو يوم فوت التدراك لأنه للجزاء لا للعمل لفوات شرطه ~~بفوات الإيمان بالغيب لانكشاف الغطاء. ولما كان هذا نهاية الخسارة، أنتج ~~قوله مناديا ذاكرا سبب هذه الخسارة المعينة مؤكدا لأجل إنكار الظالمين لها ~~وإن كان من تتمه قول المؤمنين هناك، فالتأكيد مع ما يفيد الإخبار به في هذه ~~الدار من ردع المنكر للإعلام بما لهم من اللذة فيما رأوا من سوء حالهم ~~وتقطع أوصالهم ورجائهم من أن ينقطع عنهم ذلك كما ينقطع عن عصاة المؤمنين: ~~{ألا إن الظالمين} أي الراسخين في هذا الوصف فهم بحيث لا ينفكون عن فعل ~~الماشي في الظلام بوضع الأشياء في غير مواضعها {في عذاب مقيم *} لا يزايلهم ~~أصلا، فلذلك لا يفرغون منه في وقت من الأوقات، فلذلك كان خسرانهم لكل شيء. # ولما كانت العادة جارية بأن من وقع في ورطة وجد في الأغلب وليا ينصره لأو ~~سبيلا ينجيه، قال عاطفا على {وتراهم} أو « # PageV17P345 # ألا إن» : {وما كان} أي صح ووجد {لهم} وأعرق في النفي فقال: {من أولياء} ~~فما لهم من ولي لأن النصرة إذا انتفت من الجمع انتفت من الواحد من باب ~~الأولى. # ولما كان من يفعل فعل القريب لا يفيد إلا إن كان قادرا على النصرة قال: ~~{ينصرونهم} أي يوجدون نصرهم في وقت من الأوقات لا في الدنيا بأن يقدروا على ~~إنقاذهم من وصف الظلم ولا ms4414 في الآخرة بإنقاذهم مما جرى عليهم من العذاب. ~~ولما كان الله تعالى يصح منه أن يفعل ما يشاء بواسطة أو غيرها قال: {من دون ~~الله} أي ما صح ذلك وما استقام بوجه بغيره، وأما هو فيصح ذلك منه ويستقيم ~~له لإحاطته بأوصاف الكمال ولو أراد لفعل ولما بين ما لهم بين ما لمن اتصف ~~بوصفهم كائنا من كان، فقال بناء على نحو: لأنه هو الذي أضلهم: {ومن يضلل ~~الله} أي يوجد ضلاله إيجادا بليغا بما أفاده الفك على سبيل الاستمرار بعدم ~~البيان له أو بعدم التوفيق بعد البيان: {فما له} بسبب إضلال له جميع صفات ~~الجلال والإكرام، وأعرق في النفي بقوله: {من سبيل *} أي تنجية من الضلال ~~ولا مما تسبب عنه من العذب. ولما كان # PageV17P346 # هذا، أنتج قطعا قوله: {استجيبوا} أي اطلبوا الإجابة وأوجدوها، ولفت القول ~~إلى الوصف الإحساني تذكيرا بما يحث على الوفاق، ويخجل من الخلاف والشقاق، ~~فقال: {لربكم} الذي لم تروا إحسانا إلا وهو منه فيما دعاكم إليه برسوله صلى ~~الله عليه وسلم من الوفاء بعهده في أمره ونهيه، ولا تكونوا ممن ترك ذلك ~~فتكونوا ممن علم أنه أضله فانسد عليه السبيل. # ولما كان الخوف من الفوت موجبا للمبادرة، قال مشيرا بالجار إلى أنه يعتد ~~بأدنى خير يكون في أدنى زمن يتصل بالموت: {من قبل أن يأتي يوم} أي يكون فيه ~~ما لا يمكن معه فلاح؛ ثم وصفه بقوله لافتا إلى الاسم الأعظم الجامع لأوصاف ~~الإحسان والإنعام على المطيعين والقهر والانتقام من العاصين: {لا مرد} أي ~~لا رد ولا موضع رد ولا زمان رد {له} كائن {من الله} أي الذي له جميع العظمة ~~وإذا لم يكن له مرد منه لم يكن له مرد من غيره، ومتى عدم ذاك أنتج قوله: ~~{ما لكم} وأعرق في النفي بقوله: {من ملجأ يومئذ} أي مكان تلجؤون إليه في ~~ذلك اليوم وحصن تتحصنون فيه من شيء تكرهونه، وزاد في التأكيد بإعادة النافي ~~وما في حيزه إبلاغا في التحذير فقال: {وما لكم من نكير ms4415 *} # PageV17P347 # أي من إنكار يمكنكم به من النجاة لأن الحفظة يشهدون عليكم فإن صدقتموهم ~~وإلا شهدت عليكم أعضاؤكم وجلودكم، ولا لكم من أحد ينكر شيئا مما تتجاوزون ~~به ليخلصكم منه. # ولما أنهى ما قدمه في قوله {شرع لكم من الدين} نهايته، ودل عليه وعلى كل ~~ما قادته الحكمة في حيزه حتى لم يبق لأحد شبهة في شيء من الأشياء، كان ذلك ~~سببا لتهديدهم على الإعراض عنه وتسلية رسولهم صلى الله عليه وسلم فقال ~~معرضا عن خطابهم إيذانا بشديد الغضب: {فإن أعرضوا} أي عن إجابة هذا الدعاء ~~الذي وجبت إجابته والشرع الذي وضحت وصحت طريقته بما تأيد به من الحجج، ولفت ~~القول إلى مظهر العظمة دفعا لما قد يوهم الإرسال من الحاجة فقال: {فما ~~أرسلناك} مع ما لنا من العظمة {عليهم حفيظا} أي نقهرهم على امتثال ما ~~أرسلناك به. ولما كان التقدير. فأعرض عن غير إبلاغهم لأنا إنما أرسلناك ~~مبلغا، وضع موضعه: {إن} أي ما {عليك إلا البلاغ} لما أرسلناك به، وأما ~~الهداية والإضلال فإلينا. # PageV17P348 # ولما ضمن لهذه الآية ما أرسله له، أتبعه ما جبل عليه الإنسان بيانا لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لا حكم له على الطباع وأن الذي عليه إنما هو الإسماع لا ~~السماع، فقال عاطفا على ما قبل آية الشرع من قوله {يبسط الرزق لمن يشاء} ~~حاكيا له في أسلوب العظمة تنبيها على أنه الذي حكم عليهم بالإعراض عما هو ~~جدير بأن لا يعرض عنه عاقل، وإيماء إلى أن الإنسان لغلبه جهله وقلة عقله ~~يجترىء بأدنى تأنيس على من تجسد الجبال لعظمته وتندك الشوامخ من هيبته: ~~{وإنا إذا أذقنا} بعظمتنا التي لا يمكن مخالفتها. ولما كان من يفرح بالنعمة ~~عند انفراده بها مذموما، عبر بالجنس الصالح للواحد فما فوقه تنبيها على أن ~~طبع الإنسان عدم الاهتمام بشدائد الإخوان إلا من أقامه الله في مقام ~~الإحسان فقال: {الإنسان} أي بما جبلناه عليه من النقص بالعجلة وعدم التمالك ~~{منا رحمة} أي نوعا من أنواع الإكرام من صحة # PageV17P349 # أو غنى ونحو ذلك، ms4416 وأفرد الضمير إشارة إلى أنه مطبوع على أنه ليس عليه إلا ~~من نفسه ولو كان أهل الأرض كلهم على غير ذلك، وكذا عبر بالإنسان فقال: {فرح ~~بها} أي ولو أن أهل الأرض كلهم في نقمة وبؤس وعمى فأخرجه الفرح عن تأمل ما ~~ينفعه ليشكر، فكان ذلك لذلك كافرا للنعمة لأنه أبدل الشكر بالفرح والكفر ~~فتوصل بالعافية إلى المخالفة، فأوقع نفسه في أعظم البلاء. # ولما دل باداة التحقق على أن النعمة هي الأصل لعموم رحمته، وأنها سبقت ~~غضبه، دل على أن السيئة قليلة بالنسبة إليها بأداة الشك والمضارع فقال: ~~{وإن} ولما كانت المشاركة في الشدائد تهون المصائب، فكان من يزيد غمه بخصوص ~~مصيبته عند العموم مذموما، نبه على نقص الإنسان بذلك بالجمع فقال: {تصبهم ~~سيئة} أي نقمة وبلاء وشدة. ولما كانت الرحمة فضلا منه، أعلمهم أن السيئة ~~مسببة عنهم فقال: {بما قدمت أيديهم} وعبر باليد عن الجملة لأن أكثر العمل ~~بها. ولما كان الجواب على نهج الأول: حزنوا فكفروا، وعدل عنه إلى ما يدل ~~على أن جنس الإنسان موضع الكفران، # PageV17P350 # ولما كانوا يدعون الشكر وينكرون الكفر، أكد قوله وسبب عن تلك الإصابة ~~والإذاقة معا إشارة إلى أنه لا أصل له غيرهما، فقال مظهرا موضع الضمير لينص ~~على الحكم على الجنس من حيث هو: {فإن الإنسان} أي الآنس بنفسه المعرض عن ~~غيره بما هو طبع له بسبب مسه بضر {كفور *} أي بليغ الستر للنعم نساء له، ~~ينسى بأول صدمة من النقمة جميع ما تقدم له من النعم، ولا يعرف إلا الحالة ~~الراهنة، فإن كان في نعمه أشر وبطر، وإن كان في نقمه أيس وقنط، وهذا حال ~~الجنس من حيث هو، ومن وفقه الله جنبه ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم: ~~«المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا ~~له» وليس ذلك إلا للمؤمن، والآية من الاحتباك: قكر الفرح أولا دالا على ~~الحزن ثانيا، وذكر الكفران ثانيا دال على حذفه أولا. # PageV17P351 # ولما قدم سبحانه في هذه ms4417 السورة أن له التصرف التام في عالم # PageV17P351 # الخلق بالأجسام المرئية وفي عالم الأمر بالأرواح الحسية والمعنوية ~~القائمة بالأبدان والمدبرة للأديان، وغير ذلك من بديع الشأن، فقال في ~~افتتاح السورة {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك} وأتبعه أشكاله إلى أن ~~قال {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك} الآية ~~{فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفكسم أزواجا ومن الأنعام أزواجا} - ~~الآية {له مقاليد السماوات والأرض} {الله لطيف بعباده يرزق من يشاء} {من ~~كان يريد حرث الآخرة} - الاية، {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} ~~، {ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام} - الآية إلى أن ذكر أحوال الآخرة ~~في قوله {وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون} - الآيات، وختم بتصرفه ~~المطلق في الإنسان من إنعام وانتقام، وما له من الطبع المعوج مع ما وهبه له ~~من العقل المقيم في أحسن تقويم، فدل ذلك على أن له التصرف التام ملكا ~~وملكوتا خلقا وأمرا، أتبعه الدليل على أن تصرفه ذلك على سبيل الملك والقهر ~~إيجادا وإعداما إهانة وإكراما، فقال صارفا القول عن أسلوب العظمة التي # PageV17P352 # من حقها دوام الخضوع وإهلاك الجبابرة إلى أعظم منها بذكر الاسم الأعظم ~~الجامع لمظهر العظمة ومقام اللطف والإحسان والرحمة نتيجة لكل ما مضى: {لله} ~~أي الملك الأعظم وحده لا شريك له {ملك السماوات} كلها على علوها وارتفاعها ~~وتطابقها وكبرها وعظمها وتباعد أقطارها {والأرض} جميعها على تباينها ~~وتكاثفها واختلاف أقطارها وسكانها واتساعها. # ولما أخبر بانفراده بالملك، دل عليه بقوله تعالى: {يخلق} أي على سبيل ~~التجدد والاستمرار {ما يشاء} أي وإن كان على غير اختيار العباد، ثم دل على ~~ذلك بما يشاهد من حال الناس فانه لما استوى البشر في الإنسانية والنكاح ~~الذي هو سبب الولادة اختلفت أصناف أولادهم. كان ذلك أدل دليل على أنه لا ~~اختيار لأحد معه وأن الأسباب لا تؤثر أصلا إلا به. ولما كانت ولادة الإناث ~~أدل على عدم اختيار الولد وكانوا يعدونه من البلاء الذي ختم به ما قبلها ~~قدمهن في ms4418 الذكر فقال: {يهب} خلقا ومولدا {لمن يشاء} أولادا # PageV17P353 # {إناثا} أي فقط ليس معهن ذكر كما في لوط عليه الصلاة والسلام، وعبر ~~سبحانه فيهن بلفظ الهبة لأن الأوهام العادية قد تكتنف العقل فتحجبه عن تأمل ~~محاسن التدبيرات الإلهية، وترمي به في مهاوي الأسباب الدنيوية، فيقع المسلم ~~مع إسلامه في مضاهاة الكفار في كراهة البنات وفي وادي الوأد بتضييعهن أو ~~التقصير في حقوقهن وتنبيها على أن الأنثى نعمة، وأن نعمتها لا تنقص عن نعمة ~~الذكر وربما زادت، وإيقاظا من سنة الغفلة على أن التقديم وإن كان لما قدمته ~~لا يقدم تأنيسا وتوصية لهن واهتماما بأمرهن، نقل ابن ميلق عن ابن عطية عن ~~الثعلبي أن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: من يمن المرأة تبكيرها ~~بالأنثى قبل الذكر لأن الله تعالى بدأ بالإناث، ولذلك رغب النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الإحسان إليهن في أحاديث كثيرة ورتب على ذلك أجرا كبيرا ولأجل ~~تضمين الهبة مع الخلق عداها باللام مع أن فعلها متعد بنفسه إلى مفعولين ~~لئلا يتوهم أن الولد كان لغير الوالد ووهبه الله له. # PageV17P354 # ولما كان الذكر حاضرا في الذهن لشرفه وميل النفس إليه لا سيما وقد ذكر به ~~ذكر الإناث، عرف لذلك وجبرا لما فوته من التقديم في الذكر تنبيها على أنه ~~ما أخر إلا لما ذكر من المعنى فقال: {ويهب لمن يشاء الذكور *} أي فقط ليس ~~بينهن أنثى كما صنع لإبراهيم عليه السلام وهو عم لوط عليه السلام. ولما فرغ ~~من القسمين الأولين عطف عليهما قسيما لهما ودل على أنه قسم بأو فقال: {أو ~~يزوجهم} أي الأولاء بجعلهم ازواجا أي صنفين حال كونهم {ذكرانا وإناثا} ~~مجتمعين في بطن ومنفردين كما منح محمدا صلى الله عليه وسلم، ورتبهما هنا ~~على الأصل تنبيها على أنه ما فعل غير ذلك فيما مضى إلا لنكت جليلة فيجب ~~تطلبها، وعبر في الذكر بما هو أبلغ في الكثرة ترغيبا في سؤاله، والخضوع ~~لديه رجاء نواله. # ولما فرغ من أقسام الموهوبين الثلاثة، عطف على الإنعام بالهبة ms4419 سلب ذلك، ~~فقال موضع أن يقال مثلا: ولا يهب شيئا من ذلك لمن # PageV17P355 # يشاء: {ويجعل من يشاء عقيما} أي لا يولد له كيحيى بن زكريا عليهما الصلاة ~~والسلام - كذا قالوه، والظاهر أنه لا يصح مثالا فإنه لم يتزوج، قال ابن ~~ميلق، وأصل العقيم اليبس المانع من قابلية التأثر لما من شأنه أن يؤثر، ~~والداء العقام هو الذي لا يقبل البرء - انتهى. فهذا الذي ذكر أصرح في ~~المراد لأجل ذكر العقم، وأدل على القدرة لأن شامل لمن له قوة الجماع ~~والإنزال لئلا يظن أن عدم الولد لعدم تعاطي أسبابه، وذكروا في هذا القسم ~~عيسى عليه الصلاة والسلام. ولا يصح لأنه ورد أنه يتزوج بعد نزوله ويولد له، ~~وهذه القسمة الرباعية في الأصول كالقسمة الرباعية في الفروع، بعضهم لا من ~~ذكر ولا أنثى كآدم عليه الصلاة والسلام، وبعضهم من ذكر فقط كحواء عليها ~~السلام، وبعضهم من أنثى فقط كعيسى عليه السلام وبعضهم من ذكر وأنثى وهو ~~أغلب الناس، فتمت الدلالة على أنه ما شاء كان ولا راد له وما لم يشأ لم ~~يكن، ولا مكون له ولا مانع أعطى ولا معطي لما منع. # ولما دل هذا الدليل الشهودي على ما بنيت الآية عليه من إثبات الملك له ~~وحده مع ما زادت به من جنس السياق وعذوبة الألفاظ # PageV17P356 # وإحكام الشك وإعجاز الترتيب والنظم، كانت النتيجة قطعا لتضمن إشراكهم به ~~الطعن في توحده بالملك مقدما فيها الوصف الذي هو أعظم شروط الملك: {إنه ~~عليم} أي بالغ العلم بمصالح العباد وغيرها {قدير*} شامل القدرة على تكوين ~~ما يشاء. # ولما تم القسم الأول مما بنى على العلم والقدرة، والقدرة فيه أظهر وفاقا ~~لما ختمت به الآية، وكان قد يكون خلقه إياه إبداعا من غير توسط سبب، وقد ~~يكون بتوسيط سبب، أتبعه القسم الآخر الأعلى الذي العلم فيه أظهر وهو الوحي ~~الذي ختمت آيته أول السورة بالحكمة التي هي سر العلم وقسمه أيضا إلى ما هو ~~بواسطة وإلى ما هو بغير واسطة ولكن سر التقدير في القسم ms4420 الأول الكلام وهو ~~الذي شرف به وكان لا يمكن أحدا أن يتكلم إلا بتكليم الله له أي إيجاده ~~الكلام في قلبه قال: {وما} أي وهو سبحانه تام العلم شامل القدرة غرز في ~~البشر غريزة العلم وأقدره على النطق به بقدرته وحيا منه إليه كما أوحى إلى ~~النحل ونحوها والحال أنه ما {كان لبشر} من الأقسام المذكورة، وحل المصدر ~~الذي هو اسم «كان» ليقع التصريح بالفاعل والمفعول على أتم وجوهه فقال: {أن ~~يكلمه} # PageV17P357 # وأظهر موضع الإضمار إعظاما للوحي وتشريفا لمقداره بجلالة إيثاره قفال: ~~{الله} أي يوجد الملك الأعظم الجامع لصفات الكمال في قلبه كلاما {إلا وحيا} ~~أي كلاما خفيا يوجده فيه بغير واسطة بوجه خفي لا يطلع عليه أحد إلا بخارق ~~العادة إما بإلهام أو برؤيا منام أو بغير ذلك سواء خلق الله في المكلم به ~~قوة السماع له وهو أشرف هذه الأقسام مطلقا سواء كان ذلك مع الرؤية ليكون ~~قسيما لما بعده أولا أو يخلق فيه ذلك ومن هذا القسم الأخير {وأوحينا إلى أم ~~موسى} [القصص: 7] {وأوحى ربك إلى النحل} [النحل: 68] {وأوحى في كل سماء ~~أمرها} [فصلت: 12] فإن إيداعها القوى التي يحصل بها المنافع مثل إيداع ~~الإنسان قوة الكلام ثم قوة التعبير عنه - والله أعلم. وهذا معنى قول القاضي ~~عياض في الشفاء في آخر الفصل الثاني من الباب الرابع في الإعجاز: وقد قيل ~~في قوله تعالى {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا} الآية أي ما يلقيه في ~~قلبه دون واسطة، ومعنى قول الإمام شهاب الدين السهروردي في الباب السادس ~~والعشرين من عوارفه: والعلوم اللدنية # PageV17P358 # في قلوب المنقطعين إلى الله ضرب من المكالمة. # ولما كان الحجاب الحسي يخفي ما وراءه عن العيان، استعير لمطلق الخفاء ~~فقال: {أو من} أي كلاما كائنا بلا واسطة، لكنه مع السماع لعين كلام الله ~~كائن صاحبه من {وراء حجاب} أي من وجه لا يرى فيه المتكلم مع السماع للكلام ~~على وجه الجهر، قال القشيري: والمحجوب العبد لا الرب، والحجاب أن يخلق في ~~محل الرؤية ms4421 ضد الرؤية، وتعالى الله أن يكون من وراء حجاب لأن ذلك صفة ~~الأجسام - انتهى. # والآية يمكن تنزيلها على الاحتباك بأن يكون ذكر الحجاب ثانيا دليلا على ~~نفيه أولا، وذكر الوحي الدال على الخفاء أولا دليلا على الجهر ثانيا، ~~والحجاب ثانيا دليلا على الرؤية أولا، وسره أن ترك التصريح والدلالة عليها ~~بالحجاب أولى بسياق العظمة. # ولما كان الذي بلا واسطة مع كونه أخفى الأقسام ليس فيه صوت ولا ترتب في ~~كلمات، عبر فيه بالمصدر وعبر بما يلقيه الملك بما يدل على التجدد فقال: {أو ~~يرسل} وهو عطف على المصدر بعد تقدير حله {رسولا} أي من الملائكة. ولما كان ~~الوحي مسببا # PageV17P359 # عن الإرسال ومرتبا عليه قال: {فيوحي} أي على سبيل التجديد والترتيب، وقرأ ~~نافع برفع يرسل ويوحي بتقدير: أو هو يرسل. ولما كان ربما ظن أن للواسطة ~~فعلا يخرج عن فعله، رد ذلك بقوله: {بإذنه} أي بإقداره وتمكينه، فذلك المبلغ ~~إنما هو آلة. ولما كان رسوله لا يخرج عما حده له بوجه قال: {ما يشاء} أي لا ~~يتعدى مراده وإقداره أصلا فهو المكلم في الحقيقة وقد بان أنها ثلاثة أقسام: ~~أولها فيه قسمان، خص الأول بقسميه بالتصريح باسم الوحي لأنه كما مر أخفاها ~~وهو أيضا يقع دفعة، والوحي يدور معناه على الخفاء والسرعة. # ولما كانت الأقسام دالة على العظمة الباهرة، وكانت للروح البدني لأن روح ~~الوحي يكسب الروح البدني حياة العلم كما أفاد الروح البدن حياة الحركة ~~بالإرادة والحس، كانت النتيجة مؤكدة لتضمن طعنهم في الرسول والقرآن ~~والتوحيد طعنهم في مضمون الجملة: {إنه} أي الذي له هذا التصرف العظيم في ~~هذا الوحي الكريم {علي} أي بالغ العلو حدا مما لا يليق به من الأوصاف وبما ~~يكون للخلق عن جنابه من السفول بما عليهم من الحجب فلا يلبس شيء مما يعبر # PageV17P360 # به تقريبا للعقول فيحمل على ما يوهم نقصا، فإن المجازات في لسان العرب ~~شهيرة {حكيم *} يتقن ما يفعله إتقانا لا تحيط العقول بإدراكه فيسكن روح ~~العلم الذي هو من ألطف أسراره في ms4422 روح البدن المدبر له فيكون سرا في سر كما ~~كان برا بعد بر، ويجعل ذلك تارة بواسطة وتارة بغير واسطة على حسب ما يقتضيه ~~الحال، ويعبر عن كل معنى بما يقتضيه حاله في ذلك السياق، ومهما أوهم شيء من ~~ذلك نقصا فرد المستبصر إلى المحكم بضرب من التأويل على ما يقتضيه الشائع من ~~استعمالات رجع رجوعا بينا متقنا بحيث يصير في غاية الجلاء. # PageV17P361 # ولما كان الوحي روحا مدبرا للروح كما أن الروح مدبر للبدن، صرح به فقال: ~~{وكذلك} أي ومثل ما أخبرناك بالكيفيات التي نوحيها إلى عبادنا {أوحينا ~~إليك} صارفا القول إلى مظهر العظمة تعظيما لما أوحى إليه وأفاض من نعمه ~~عليه على جميع تلك الأقسام، فالتفت في الروع مذكورا غير منكور، والسماع من ~~دون الحجاب أصلا منقول في الإخبار عن ليلة المعراج ومعقول في السماع من ~~وراء الحجاب أيضا ذكر فيها في قوله: «أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» والوحي ~~بواسطة الملك كثيرا جدا، وأعظم الوحي وشرفه بقوله منكرا له تعظيما # PageV17P361 # لما عنده من الروح الأمري بإفادة أن هذا الكتاب الذي أبكم الفصحاء وأعجز ~~البلغاء وحير الألباب من الحكماء شعبة منه وذرة بارزة عنه، ويمكن أن يكون ~~تنكير تعظيم وإجلال وتكريم {روحا} أي من خالطه صار قلبه حيا ومن عري عنه ~~كان قلبه ميتا. وزاد عظمه بقوله: {من أمرنا} أي بجعله من قسم الأمر وإظهاره ~~في مظهر العظمة فيا له من علو يتضاءل دونه كل شامخ ويتحاقر إكبارا له كل ~~مادح، والمراد بهذا رد ما تقدم من نسبتهم له صلى الله عليه وسلم إلى ~~الإفتراء لأنه تعالى لم يختم على قلبه بل فتحه بيد القدرة وأحياه بروح ~~الوحي فأنطقه بالحكم التي خضعت لها الحكماء، وأقرت بالعجز عن إدانتها ألباب ~~العلماء، ودل على ذلك بقوله، نافيا مبينا حاله صلى الله عليه وسلم قبل هذا ~~الوحي: {ما كنت} أي فيما قبل الأربعين التي مضت لك وأنت بين ظهراني قومك ~~مساويا لهم في كونك لا تعلم شيئا ولا تتفوه بشيء من ذلك وهو ms4423 معنى {تدري} ~~وعبر بأداة الاستفهام إشارة إلى أن ما بعدها مما يجب الاهتمام به والسؤال ~~عنه، وعلق بجملة الاستفهام الدراية عن العمل وسدت مسد مفعولي الدراية {ما ~~الكتاب} أي # PageV17P362 # ما كان في جبلتك أن تعلم ذلك بأدنى أنواع العلم بمجادلة ولا غيرها {ولا ~~الإيمان} أي بتفصيل الشرائع على ما حددناه لك بما أوحيناه إليك، وهو صلى ~~الله عليه وسلم وإن كان قبل النبوة مقرا بوحدانية الله تعالى وعظمته لكنه ~~لم يكن يعلم الرسل على ما هم عليه، ولا شك أن الشهادة له نفسه صلى الله ~~عليه وسلم بالرسالة ركن الإيمان ولم يكن له علم بذلك، وكذا الملائكة واليوم ~~الآخر فيصح نفي المنفي لفواته بفوات جزئه. # ولما كان المعنى: ولكن نحن أدريناك بذلك كله، عبر عنه إعلاما بأن الخلق ~~كانوا في ظلام لكونهم كانوا يفعلون بوضع الأشياء في غير مواضعها فعل من ~~يمشي في الظلام بقوله: {ولكن جعلناه} أي الروح الذي هو الكتاب المنزل منا ~~إليك المعلم بالإيمان وكل عرفان بما لنا من العظمة {نورا نهدي} على عظمتنا ~~{به من نشاء} خاصة لا يقدر أحد على هدايته بغير مشيئتنا {من عبادنا} بخلق ~~الهداية في قلبه، قال ابن برجان: فمن رزقه الفرقان الذي يفرق بين ~~المتشابهات والنور الذي يمشي به في الظلمات، فذلك الذي أبصر شعاع النور ~~وشاهد الضياء المبثوث في العالم المفطور، وعلى قدر إقباله عليه # PageV17P363 # والتفرغ عن كل شاغل عنه يكون قبوله له وهدايته به، وقال الأصبهاني في ~~سورة النور: هو الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار مثلا على الأرض ~~والجدار وغيرهما، يقال: استنارت الأرض، وقال حجة الإسلام الغزالي رضي الله ~~عنه: ومن المعلوم أن هذه الكيفية إنما اختصت بالفضيلة والشرف لأن المرئيات ~~تصير بسببها ظاهرة ثم من المعلوم أنه كما يتوقف إدراك هذه المرئيات على ~~كونها مستنيرة فكذلك يتوقف على وجود اليعن الباصرة وهي المدركة وبها ~~الإدراك، فكان وصف الإظهار بالنور الباصر أحق بالنور المبصر فلا جرم أطلقوا ~~اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش: إن نور ms4424 عينيه ضعيف، وفي ~~الأعمى أنه فقد نور البصر، إذا ثبت هذا فنقول: للإنسان بصر وبصيرة، فالبصر ~~هو العين الظاهرة المدركة للأضواء والألوان والبصيرة هي القوة العاقلة وكل ~~واحد من الإدراكين يقتضي نورا، ونور العقل أقوى وأشد من نور العين، لأن ~~القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا إدراكها ولا آلاتها، والقوة العاقلة تدرك ~~نفسها، وإدراكها # PageV17P364 # وآلتها فنور العقل اكمل من نور البصر، والقوة العاقلة تدرك الكليات ~~والقوة الباصرة لا تدركها، وإدراك الكليات أشرف لانه لا يتغير بخلاف ~~الجزئيات، وإدراك العقل منتج وإدراك الجزئي غير منتج، والقوة الباصرة لا ~~تدرك إلا السطح الظاهر من الجسم واللون القائم بذلك السطح بشرط الضوء فإذا ~~أدركت الإنسان لم تدرك منه إلا السطح الظاهر من جسمه واللون القائم به ~~والقوة العاقلة تدرك ظاهر الأشياء وباطنها فان الباطن والظاهر بالنسبة ~~إليها على السواء فكانت القوة العاقلة نورا بالنسبة إلى الظاهر والباطن، ~~والقوة الباصرة ظلمة بالنسبة إلى الباطن، ومدرك القوة العاقلة هو الله ~~وصفاته وأفعاله، ومدرك القوة هو الألوان والأشكال فيكون نسبة شرف القوة ~~العاقلة إلى شرف القوة الباصرة كنسبة شرف ذات الله إلى شرف الألوان ~~والأشكال، والقوة الباصرة كالخادم والقوة العاقلة كالأمير، والأمير أشرف من ~~الخادم، والقوة الباصرة قد تغلط والقوة العاقلة لا تغلط، فثبت أن الإدراك ~~العقلي أكمل وأقوى وأشرف من الإدراك البصري، وكل واحد من الإدراكين يقتضي ~~الظهور الذي هو أشرف خواص النور، فكان الإدراك العقلي أولى بكونه نورا، ~~والإدراك العقلي قسمان: أحدهما واجب الحصول # PageV17P365 # عند سلامة القوى والآلات وهي التعقلات الفطرية، والثاني ما يكون مكتسبا، ~~وهي التعقلات النظرية، ولا يكون من لوازم جوهر الإنسان لأنه حال الطفولية ~~لم يكن عالما البتة، فهذه الأنوار إنما حصلت بعد أن لم تكن فلا بد لها من ~~سبب، والفطرة الإنسانية قد يعتريها الزيغ فلا بد من هاد ومرشد، ولا مرشد ~~فوق كلام الله وأنبيائه، فتكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل منزلة نور ~~الشمس كما يسمى نور الشمس نورا فنور القرآن يشبه نور الشمس ونور العقل يشبه ~~نور ms4425 العين، وبهذا يظهر معنى قوله تعالى: # {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} [التغابن: 8] {قد جاءكم برهان ~~من ربكم} {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} [النساء: 74] وإذا ثبت أن بيان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أقوى من نور الشمس وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في ~~النورانية من الشمس كما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا ~~تستفيد من غيرها فكذا نفس النبي صلى الله عليه وسلم تفيد الأنوار العقلية ~~لسائر النفوس البشرية ولا تستفيد النور العقلي من شيء من النفوس البشرية، ~~فلذلك وصف الله الشمس بأنها سراج، ووصف محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه ~~سراج، ثم قال: ولمراتب الأنوار في # PageV17P366 # عالم الأرواح مثال، وهو أن ضوء الشمس إذا وصل إلى القمر ثم دخل في كوة ~~بيت ووقع على مرآة منصوبة على حائط ثم انعكس منه إلى طشت مملوء ماء موضوع ~~على الأرض ثم انعكس منه إلى سقف البيت فالنور الأعظم في الشمس التي هي ~~المعدن، وثانيها في القمر، وثالثها في المرآة، ورابعها في الماء، وخامسها ~~في السقف، وكل ما كان أقرب إلى المعدن كان أقوى فكذا الأنوار السماوية لما ~~كانت مترتبة لا جرم كان النور المفيد أشد إشراقا، ثم تلك الأنوار لا تزال ~~مترتبة حتى تنتهي إلى النور الأعظم والروح الذي هو أعظم الأرواح منزلة عند ~~الله الذي هو المراد بقوله {يوم يقوم الروح والملائكة صفا} [النبأ: 38] ثم ~~نقول: إن هذه الأنوار الحسية سفلية كانت كأنوار النيران أو علوية كأنوار ~~فإنها ممكنة لذواتها والممكن لذاته لا يستحق الوجود لذاته بل وجوده من ~~غيره، والعدم هو الظلمة والوجود هو النور، فكل ما سوى الله مظلم لذاته ~~مستنير بإنارة الله تعالى، وكذا جميع معارفها وجودها حاصل من وجود الله ~~تعالى فإن الحق سبحانه هو الذي أظهرها # PageV17P367 # بالوجود بعد أن كانت في ظلمات العدم، وأفاض عليها أنوار المعارف بعد أن ~~كانت في ظلمات الجهالة، فلا ظهور لشيء من الأشياء إلا بإظهاره، وخاصة النور ~~إعطاء الإظهار والتجلي والانكشاف، وعند هذا يظهر أن النور المطلق ms4426 هو الله ~~سبحانه وإن إطلاق النور على غيره مجاز، وكل ما سوى الله من حيث هو هو ظلمة ~~محضة لأنه من حيث أنه ممكن عدم محض بل الأنوار إذا نظر إليها من حيث هي هي ~~فهي ظلمات لأنها من حيث هي هي ممكنات، والممكن من حيث هو هو معدوم، ~~والمعدوم مظلم، فالنور إذا نظر من حيث هو ممكن مظلم، فأما إذا التفت إليها ~~من حيث أن الحق سبحانه أفاض عليها نور الوجود بهذا الاعتبار صارت أنوارا ~~فثبت أنه سبحانه هو النور وأن كل ما سواه ليس بنور، وأضاف النور إلى ~~الخافقين في قوله {نور السماوات والأرض} لأنهما مشحونتان بالأنوار العقلية ~~والأنوار الحسية، أما الحسية فما نشاهده في السماوات من الكواكب وغيرها، ~~وفي الأرض من الأشعة المنبسطة على سطوح الأجسام حتى ظهرت بها الألوان ~~المختلفة، ولولاها # PageV17P368 # لما كان للألوان ظهور بل وجود، وأما الأنوار العقلية فالعالم الأعلى ~~مشحون بها وهي جواهر الملائكة، والعالم الأدنى مشحون بها وهي القوى ~~النباتية والحيوانية والإنسانية، وبالنور الإنساني السفلي ظهر نظام العالم ~~الأسفل كما أنه بالنور الملكي ظهر نظام العالم العلوي وإذا عرفت هذا عرفت ~~أن العالم بأسره مشحون بالأنوار البصرية الظاهرة والعقلية الباطنة، ثم عرفت ~~أن السفلية فائضة بعضها من بعض فيضان النور من السراج والسراج هو الروح ~~النبوي ثم إن الأنوار القدسية مقتبسة من الأنوار العلوية اقتباس السراج من ~~النور وإن العلويات مقتبسة بعضها من بعض وإن بينها ترتيبا في الغايات، ثم ~~ترتقي جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول، وذلك هو الله وحده لا ~~شريك له، فإذا الكل نوره، ثم قال: قال الإمام الغزالي: قد تبين أن القوى ~~المدركة أنوار. # ومراتب القوة المدركة الإنسانية خمسة، أحدهما القوة الحساسة وهي التي ~~تتلقى ما تورده الحواس الخمس، وكأنها أصل الروح الحيواني إذ بها يصير ~~الحيوان حيوانا، وهي موجودة للصبي والرضيع وثانيها القوة الخيالية وهي التي ~~تسبب ما أوردته الحواس وتحفظه مخزونا # PageV17P369 # عندها لتعرضه عن القوة العقلية عند الحاجة إليه، وثالثها القوة العقلية ~~المدركة للحقائق الكلية، ms4427 ورابعها القوة الفكرية وهي التي تأخذ المعارف ~~العقلية فتؤلفها تأليفا تستنتج منه علما بالمجهول، وخامسها القوة القدسية ~~التي يختص بها الأنبياء وبعض الأولياء، وتنجلي فيها لوائح الغيب وأسرار ~~الملكوت، وإليه إشار قوله {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} الآية، وإذا ~~عرفت هذه القوى فهي بجملتها أنوار إذ بها تظهر أصناف الموجودات، وهذه ~~المراتب الخمس يمكن تشبيهها بالأمور الخمسة التي ذكرها الله في المشكاة ~~والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت، أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصته ~~وجدت أنواره خارجة من ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين، فأرفق مثال له من ~~عالم الأجسام المشكاة، وأما الثاني وهو الروح الخيالي فله خواص ثلاثة: ~~الأول أنه من طينة العالم السفلي الكثيف لأن الشيء المتخيل ذو شكل وحيز، ~~ومن شأن العلائق الجسمانية أن تحجب عن الأنوار العقلية المحضة، والثاني أن ~~هذا الخيال الكثيف إذا صفا ورق صار موازنا للمعارف العقلية ومؤديا ~~لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور # PageV17P370 # الخيالية على المعاني العقلية كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على ~~الوزير، وبختم فروج الناس وأفواهم على الأذان قبل الصبح، والثالث أن الخيال ~~في البداية محتاج إليه لتضبط به المعارف العقلية ولا تضطرب، وأنت لا تجد ~~شيئا في الأجسام يشبه الخيال في هذه الصفات إلا الزجاجة فإنها في الأصل من ~~جوهر كثيف ولكن صفا ورق حتى صار لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه ثم ~~يحفظه من الانطفاء بالزجاج، وأما الثالث وهو القوة العقلية القوية على ~~إدراك الماهيات الكلية والمعارف الإلهية فلا يخفى عليك وجه تمثيله ~~بالمصباح، وأما الرابع وهو القوة الفكرية فمن خاصيتها أنها تأخذ ماهية ~~واحدة ثم تقسمها إلى قسمين كقولنا: الموجود إما واجب وإما ممكن، ثم تجعل كل ~~قسم قسمين، وهكذا إلى أن تنتهي إلى ما لا يقبل القسمة، ثم تنتهي بالآخرة ~~إلى نتائج هي ثمرتها، فبالحري أن يكون مثاله من هذا العالم الشجرة وإذا ~~كانت ثمارها مادة لتزايد أنوار المعارف وبيانها فبالحري أن لا تمثل بشجرة ~~السفرجل والتفاح بل بشجرة الزيتون خاصة لأن لب ثمرتها هو الزيت ms4428 الذي هو ~~مادة المصابيح وله من بين سائر الأدهان خاصة زيادة الإشراق وقلة الدخان، ~~وإذا كانت الماشية التب يكثر درها ونسلها # PageV17P371 # والشجرة التي تكثر ثمرتها تسمى مباركة فالتي لا نهاية لمنفعتها وثمرتها ~~أولى أن تسمى شجرة مباركة، وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن ~~لواحق الأجسام، فبالحري أن لا تكون شرقية ولا غربية، وأما الخامس وهو القوة ~~القدسية النبوية فهي في نهاية الشرف والصفاء، فإن القوة الفكرية تنقسم إلى ~~ما تحتاج إلى تعليم وإلى ما لا يحتاج إليه، ولا بد من وجود هذا القسم دفعا ~~للتسلسل فبالحري أن يعبر عن هذا القسم لكماله وصفاته بأنه يكاد زيته يضيء ~~ولو لم تمسه نار، فهذا المثال موافق لهذه الأقسام، وهذه الأنوار مرتبة ~~بعضها على بعض، فالحس هو الأول وهو كالمقدمة للخيال، والخيال كالمقدمة ~~للعقل - انتهى كلام الغزالي رحمه الله تعالى عن نقل الأصفهاني في تفسيره ~~عنه - والله أعلم. # ولما كان المعنى بناء على ما تقدم من صفة الروح الإلهي: فهديناك به، عطف ~~عليه قوله تعالى: {وإنك لتهدي} أي تبين وترشد، وأكده لإنكارهم ذلك {إلى ~~صراط} أي طريق واضح جدا، وإن # PageV17P372 # عانيت في البيان مشقة بنفسك وبالوسائط بما أفادته التعدية ب «إلى» فيفهم ~~من ذلك أنه يهدي للصراط بدون ذلك من العناية لمن يسر الله أمره ويهدي ~~الصراط لمن هو أعظم توفيقا من ذلك {مستقيم} أي شديد التقوم لأنه كأنه يريد ~~أن يقوم نفسه فهو بعد وجود تقومه حافظ لها من أدنى خلل، وهو كل ما دعا إليه ~~من خصال هذا الدين الحنيف الذي هو ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم ~~أبدل منه تعظيما لشأنه قوله بدل كل من كل معرفة من نكرة لافتا القول من ~~مظهر العظمة إلى أعظم منه إشارة إلى جلالة هذا الصراط بما فيه من مجامع ~~الرحمة والنقمة ترغيبا وترهيبا: {صراط الله} أي الملك الأعظم الجامع لصفات ~~الكمال، ثم وصفه بأنه مالك لما افتتح هذا الكلام بأن له ملكه فقال: {الذي ~~له} ملك {ما في السماوات} أي هو ms4429 جميع السماوات التي هي في عرشه والأرض ~~لأنها في السماوات وما في ذلك من المعاني والأعيان {وما في الأرض} . # ولما أخبر سبحانه أنه المخترع لجميع الأشياء والمالك لعالمي الغيب # PageV17P373 # والشهادة والخلق والأمر وأنه المتفرد بالعظمة كلها، وكان مركوزا في ~~العقول مغروزا في الفطر أن من ابتدأ شيئا وليس له كفوء قادر على إعادته وأن ~~يكون مرجع أمره كله إليه، فلذلك كانت نتيجة جميع ما مضى على سبيل المناداة ~~على المنكرين لذلك وعدا ووعيدا لأهل الطاعة والمعصية بناء على ما تقديره: ~~كيف يكون له ما ذكر على سبيل الدوام ونحن نرى لغيره أشياء كثيرة تضاف إليه ~~ويوقف تصريفها والتصرف فيها عليه: {ألا إلى الله} أي المحيط بجميع صفات ~~الكمال الذي تعالى عن مثل أو مدان وهو الكبير المتعالي، لا إلى أحد غيره ~~{تصير} أي على الدوام وإن كانت في الظاهر في ملك غيره بحيث يظن الجاهل أن ~~ملكها مستقر له، قال أبو حيان: أخبر بالمضارع والمراد به الديمومة كقوله: ~~زيد يعطي ويمنع أي من شأنه ذلك ولا يراد به حقيقة المستقبل: {الأمور} أي ~~كلها من الخلق والأمر معنى وحسا خفيا في الدنيا بما نصب من الحكام وجعل بين ~~الناس من الأسباب، وجليا فيما وراءها حيث قطع ذلك جميعه # PageV17P374 # وحده العزيز الحكيم العلي العظيم، فقد رجع آخر السورة على أولها، وانعطف ~~مفصلها على موصلها، واتصل من حيث كونه في الوحي الهادي في أول الزخرف على ~~أتم عادة لهذا الكتاب المنير من اتصال الخواتم فيه بالبوادي والروائح ~~بالغوادي - والله أعلم بالصواب. # PageV17P375 # مقصدوها البشارة بإعلاء هذه الأمة بالعقل والحكمة حتى يكونوا أعلى الأمم ~~في العلم وما ينشأ عنه شأنا لأن هدايتهم بأمر لدني هو من أغرب الغريب الذي ~~هو للخواص، فهو في الرتبة الثانية من الغرابة وأن ذلك أمر لا بد لهم منه ~~وإن اشتدت نفرتهم منه وإعراضهم عنهوأنه لذكر لك ولقومك حتى تكونوا أهلا ~~للجنة وفيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون، ولم يقل: وهم، ~~وعلى ذلك دلت تسميتها بالزخرف لما ms4430 في آيتها من أنه لو أراد أن يعم الكفر ~~جميع الناس لعمهم بسبوغ النعم، ولكنه لم يعمهم بذلك، بل فاوت بينهم فأفقر ~~بعضهم وأكثر بؤسهم وضرهم وفرق أمرهم، ليسهل ردهم عن الكفر الذي أدتهم إليه ~~طبائعهم وحظوظهم ونقائصهم بما يشهدون من قباحة الظلم والعدوان إلى ما يرونه ~~من محاسن الدين والإيمان، ولذة الخضوع للملك الديان، فتخضع لهم الملوك ~~والأعيان، ويصير لهم الفرقان على جميع أهل العصيان) بسم الله (الذي له ~~مقاليد الأمور كلها فهو # PageV17P376 # يعلي من شاء وإن طال سفوله) الرحمن (الذي نال بره جميع خلقه على حسب ~~منازلهم عنده) الرحيم (الذي يقبل بمن شاء إلى ما يقربه لديه زلفى وإن وصل ~~في البعد إلى الحد الأقصى) حم (حكمة محمد التي أوحاها الله إليه. # ولما قدمن آخر تلك أنه جعل ما أوحي إليه (صلى الله عليه وسلم) نورا يهدي ~~به من يشاء، وكان قد تقرر في السورة الماضية ما له من الجلالة بأناه ~~تنزيله، وختم بأنه لا أمر يخرج عنه سبحانهإشارة إلى أنه يردهم عن غيبهم ~~وكانوا يمكرون أن يرجعوا، فاقتضى الحال غاية التأكيد، وكان إقسام الله ~~تعالى بالأشياء إعلاما بجلالة ما فيها من الحكم وتنبيها على النظر فيما ~~أودعها من الأسرار التي أهلها للإقسام بها، افتتح هذه بتعظيم هذا الوحي ~~بالإقسام به حثا على تدبر ما فيه من الوجوه التي أوجبت أن يكون قسما ثم ~~تعظيم أثره. # فقال: # PageV17P377 # {والكتاب} # PageV17P377 # أي وإعجاز هذا الجامع لكل خير وغير ذلك من أنواع عظمته {المبين} أي البين ~~في نفسه، المبين لجميع ما فيه من العظمة والشرائع والسنن، واللطائف ~~والمعارف والمنن، بيانا عظيما شافيا. # ولما كانوا ينكرون أن يرجعوا به عما هم فيه، وأن يكون من عند الله، أكد ~~ما يكذبهم من قوله فيما مضى آخر الشورى أنه نور وهدى وروح معبرا بالجعل ~~لذلك دون الإنزال لأنه قد دل عليه جميع السور الماضية تارة بلفظه وأخرى ~~بلفظ الوحي، فقال مقسما بالكتاب على عظمة الكتاب، قال السمين: ومن البلاغة ~~عندهم كون القسم والمقسم عليه من ms4431 واد واحد، وهذا إن أريد بالكتاب القرآن ~~فإن أريد به أعم منه كان بعض القسم به، وصرف القول إلى مظهر العظمة تشريفا ~~للكتاب: {إنا جعلناه} أي صيرناه ووضعناه وسميناه مطابقة لحاله بالتعبير عن ~~معانيه بما لنا من العظمة {قرآنا} أي مع كونه مجموع الحروف والمعاني جامعا، ~~ومع كونه جامعا فارقا بين # PageV17P378 # الملتبسات {عربيا} أي جاريا على قوانين لسانهم في الحقائق والمجازات ~~والمجاز فيه أغلب لأنه أبلغ ولا سيما الكنايات والتمثيلات، وصرف القول عن ~~تخصيص نبيه صلى الله عليه وسلم بالخطاب إلى خطابهم تشريفا له صلى الله عليه ~~وسلم ولهم فيما يريده بهم وتنبيها على سفول أمرهم في وقت نزولها فقال: ~~{لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا أيها العرب على رجاء عند من يصح منه رجاء من ~~أن تعقلوا أنه من عندنا لم تبغوا له أحدا علينا وتفهموا معانيه وجميع ما في ~~طاقة البشر مما يراد به من حكمه وأحكامه، وبديع وصفه ومعجز وصفه ونظامه، ~~فترجعوا عن كل ما أنتم فيه من المغالبة، ولا بد أن يقع هذا الفعل، فإن ~~القادر إذا عبر بأداة الترجي حقق ما يقع ترجيه، ليكون بين كلامه وكلام ~~العاجز فرق، وسيبلغ هذا الجامع أقصاكم كما عرض على أدناكم وكل منكم يعلم ~~أنه عاجز عن مباراة آية منه في حسن معناها، وجزالة ألفاظها وجلالة سبكها، ~~ونظم كل كلمة منها بالمحل الذي لا يمكن زحزحتها عنه بتقديم ولا تأخير، ولا ~~أن يبدل شيء منها بما يؤدي معناه أو يقوم مقامه، كما أن ذلك في غاية الظهور ~~في موازنة {في القصاص حياة} [البقرة: 179] مع «القتل أنفى للقتل» وذلك بعض ~~آية فكيف بآية # PageV17P379 # فما فوقها فتخضع له جبابرة ألبابكم وتسجد له جباه عقولكم، وتذل لعزته ~~شوامخ أفكاركم، فتبادرون إلى تقبله وتسارعون إلى حفظه وتحمله علما منكم ~~بأنه فخر لكم لا يقاربه فخر، وعز لا يدانيه عز، ثم يتأمل الإنسان منكم من ~~خالفه فيه من بعيد أو قريب ولد أو والد إلى أن تدين له الخلائق، وتتصاغر ~~لعظمته الجبال الشواهق، والآية ناظرة إلى ms4432 آية فصلت # {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا} الآية [فصلت: 44] . # ولما كانوا ينكرون تعظيمه عنادا وإن كانوا يقرون بذلك في بعض الأوقات، ~~قال مؤكدا لذلك وتنبيها على أنه أهل لأن يقسم به، ويزاد في تعظيمه لأنه لا ~~كلام يشبه، بل ولا يدانيه بوجه: {وإنه} أي القرآن، وقدم الظرفين على الخبر ~~المقترن باللام اهتماما بهما ليفيد بادئ بدء أن علوه وحكمته ثابتة في الأم ~~وأن الأم في غاية الغرابة عنده {في أم الكتاب} أي كائنا في أصل كل كتاب ~~سماوي، وهو اللوح المحفوظ، وزاد في شرفه بالتعبير بلدى التي هي لخاص الخاص ~~وأغرب المستغرب ونون العظمة فقال # PageV17P380 # مرتبا للظرف على الجار ليفيد أن أم الكتاب من أغرب الغريب الذي عنده ~~{لدينا} على ما هو عليه هناك {لعلي} . # ولما كان العلي قد يتفق علوه ولا تصحبه في علوه حكمة، فلا يثبت له علوه، ~~فيتهور بنيانه وينقص سفوله ودنوه، قال: {حكيم} أي بليغ في كل من هاتين ~~الصفتين راسخ فيهما رسوخا لا يدانيه فيه كتاب فلا يعارض في علي لفظه، ولا ~~يبارى في حكيم معناه، ويعلو ولا يعلى عليه بنسخ ولا غيره، بل هناك مكتوب ~~بأحرف وعبارات فائقة رائقة تعلو عن فهم أعقل العقلاء، ولا يمكن بوجه أن ~~يبلغها أنبل النبلاء، إلا بتفهيم العلي الكبير، الذي هو على كل شيء قدير. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أخر سبحانه بامتحان خلف بني إسرائيل ~~في شكهم في كتابهم بقوله: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه ~~مريب} [الشورى: 14] ووصى نبيه صلى الله عليه وسلم بالتبري من سيئ حالهم ~~والتنزه عن سوء محالهم فقال {ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من ~~كتاب} الآية [الشورى: 15] وتكرر الثناء على الكتاب العربي كقوله {وكذلك ~~أوحينا إليك قرآنا عربيا} [الشورى: 7] وقوله {الله الذي أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان} [الشورى: 17] وقوله {وكذلك أوحينا إليك روحا # PageV17P381 # من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من ~~نشاء من عبادنا} - إلى آخر السورة، أعقب ms4433 ذلك بالقسم به وعضد الثناء عليه ~~فقال {حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم ~~الكتاب لدينا لعلي حكيم} ولما أوضح عظيم حال الكتاب وجليل نعمته به، أردف ~~ذلك بذكر سعة عفوه وجميل إحسانه إلى عباده ورحمتهم بكتابه مع إسرافهم وقبيح ~~مرتكبهم فقال: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} ولما قدم في ~~الشورى قوله {لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما} فأعلم ~~أن ذلك إنما يكون بقدرته وإرادته، والجاري على هذا أن يسلم الواقع من ذلك ~~ويرضى بما قسم واختار، عنف تعالى في هذه السورة من اعتدى وزاغ فقال {وإذا ~~بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم} فكمل الواقع هنا ~~بما تعلق به، وكذلك قوله تعالى {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} ~~وقوله في الزخرف {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة} إلى آخره - انتهى. # PageV17P382 # ولما أفهم تكرير هذا التأكيد أنهم يطعنون في علاه، ويقدحون في بديع حلاه، ~~فعل من يكرهه ويأباه، إرادة للإقامة على ما لا يحبه الله ولا يرضاه، قال ~~منكرا عليهم: {أفنضرب} أي نهملكم فنضرب أن ننحي ونسير مجاوزين {عنكم} خاصة ~~من بين بني إبراهيم عليه الصلاة والسلام {الذكر} أي الوعظ المستلزم للشرف ~~{صفحا} أي بحيث يكون حالنا معكم حال المعرض المجانب بصفحة عنقه، فلا نرسل ~~إليكم رسولا، ولا ننزل معه كتابا فهو مفعول له أي نضرب لأجل إعراضنا عنكم، ~~أو يكون ظرفا بمعنى جانبا أي نضربه عنكم جانبا، قال الجامع بين العباب ~~والمحكم: أضربت عن الشيء: كففت وأعرضت، وضرب عنه الذكر وأضرب عنه: صرفه، ~~وقال الإمام عبد الحق في الواعي: والأصل في ضرب عنه الذكر أن الراكب إذا ~~ركب دابته فأراد أن يصرفه عن جهته ضربه بعصاه ليعدله عن جهته إلى الجهة ~~التي يريدها، فوضع الضرب في موضع الصرف والعدل، قال ms4434 الهروي: قال الأزهري: ~~يقال: ضربت عنه وأضربت بمعنى واحد، ونقل النواوي عنه أنه قال: إن المجرد ~~قليل، فالحاصل أن الضرب # PageV17P383 # إيقاع شيء على آخر بقوة، فمجرده متعد إلى واحد، فإن عدي إلى آخر ب «عن» ~~ضمن معنى الصرف، وإذا زيدت همزة النقل فقيل: أضربت عنه، أفادت الهمزة قصر ~~الفعل، وأفهمت إزالة الضرب، فمعنى الآية: أفنضرب صارفين عنكم الذكر صفحا، ~~أي معرضين إعراضا شديدا حتى كأنا ضربنا الذكر لينصرف عنكم معرضا كإعراض من ~~ولى إلى صفحة عنقه، ثم علل إرادتهم هذا الإعراض بما يقتضي الإقبال بعذاب أو ~~متاب فقال: {أن} أي أنفعل ذلك لأن {كنتم قوما مسرفين} أي لأجل أن كان ~~الإسراف جبلة لكم وخلقا راسخا، وكنتم قادرين على القيام به في تكذيب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والقدح فيما يأتي به والاستهزاء بأمره بترككم خشية من ~~شدتكم أو رجاء من غير تذكير لتوبتكم وقد جعل حينئذ المقتضى مانعا، فإن ~~المسرف أجدر بالتذكير وأحوج إلى الوعظ، هذا إن كان مقربا، وأما البعيد فإنه ~~لا يلتفت إليه من أول الأمر، بل لو أراد القرب طرد، وعلى قراءة نافع وحمزة ~~والكسائي بكسر «إن» على كونها شرطية يكون الكلام مسبوقا على غاية ما يكون ~~من الإنصاف، فيكون المعنى: # PageV17P384 # أنترككم مهملين فننحي عنكم الذكر والحال أنكم قوم يمكن أن تكونوا متصفين ~~بالإسراف، يعني أن المسرف أهل لأن يوعظ ويكلم بما يرده عن الإسراف، وأنتم ~~وإن ادعيتم أنكم مصلحون لا تقدرون أن تدفعوا عنكم إمكان الإسراف فكيف يدفع ~~عنكم إنزال الذكر الواعظ وأنتم بحيث يمكن أن تكونوا مسرفين فتحتاجوا إليه - ~~هذا ما لا يفعله حكيم في عباده، بل هو سبحانه للطفه وزيادة بره لا يترك ~~دعاء عباده إلى رحمته وإن كانوا مسرفين قد أمعنوا في الشراد، والجحد ~~والعناد، فيدعوهم بأبلغ الحجة، وهو هذا القرآن الذي هو أشرف الكتاب على ~~لسان هذا النبي الذي هو أعظم الرسل ليهتدي من قدرت هدايته وتقوم الحجة على ~~غيره. # ولما كان المعنى أن لا نترككم هملا، كان كأنه قيل: هيهات منكم ms4435 فلنرفعنكم ~~كما رفعنا بني إسحاق من إسرائيل وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فلقد أرسلنا ~~إليكم مع أنكم أعلى الناس رسولا هو أشرفكم نسبا وأزكاكم # PageV17P385 # نفسا وأعلاكم همة وأرجحكم عقلا وأوفاكم أمانة وأكرمكم خلقا وأوجهكم ~~عشيرة، فعطف قوله تأنيسا للنبي صلى الله عليه وسلم وتأسية وتعزية وتسلية: ~~{وكم أرسلنا} أي على ما لنا من القدرة على ذلك والعظمة الباهرة المقتضية ~~لذلك. # ولما كان الإرسال يقع على أنحاء من الأشكال، ميزه بأن قال: {من نبي في ~~الأولين} ثم حكى حالهم الماضية إشارة إلى استمرار حال الخلق على هذا فقال: ~~{وما} أي والحال أنه ما {يأتيهم} وأغرق في النفس بقوله: {من نبي} أي في أمة ~~بعد أمة بعد أمة وزمان بعد زمان {إلا كانوا} أي خلقا وطبعا وجبلة {به ~~يستهزءون *} كما استهزأ قومك، وتقديم الظرف للإشارة إلى أن استهزاءهم به ~~لشدة مبالغتهم فيه كأنه مقصور عليه. # PageV17P386 # ولما كان الاستهزاء برسول الملك استهزاء به، وكانت المماليك إنما تقام ~~بالسياسة بالرغبة والرهبة وإيقاع الهيبة حتى يتم الجلال وتثبت العظمة، فكان ~~لذلك لا يجوز في عقل عاقل أن يقر ملك على الاستهزاء به، سبب عن الاستهزاء ~~بالرسل الهلاك فقال: {فأهلكنا} وكان الأصل الإضمار، ولكنه أظهر الضمير ~~بيانا لما كان في الأولين من # PageV17P386 # الضخامة صارفا أسلوب الخطاب إلى الغيبة إقبالا على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم تسلية له وإبلاغا في وعيدهم فقال: {أشد منهم} أي من قريش الذي ~~يستهزئون بك {بطشا} من جهة العد والعدد والقوة والجلد فما ظنهم بأنفسهم وهم ~~أضعف منهم إن تمادوا في الاستهزاء برسول الله الأعلى. # ولما ذكر إهلاك أولئك ذكر أن حالهم عن الإهلاك كان أضعف حال ليعتبر هؤلاء ~~فقال: {ومضى مثل الأولين *} أي وقع إهلاكهم الذي كان مثلا يتمثل به من ~~بعدهم، وذكر أيضا في القرآن الخبر عنه بما حقه أن يشير مشير المثل بل ذكر ~~أن من عبده الأولون واعتمدوا علهي مثل بيت العنكبوت فكيف بالأولين أنفسهم ~~فكيف بهؤلاء، فإن الحال أدى إلى أنهم أضعف من الأضعف من بيت العنكبوت ~~فلينتظروا ms4436 أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك، بأيدي جند الله من البشر أو ~~الملائكة. # ولما كان التقدير: فلئن سألتهم عمن سمعوا بخبره ممن ذكرناهم من الأولين ~~ليعترفن بما سمعوا من خبرهم لأنا لم نجعل لهم على المباهتة فيه جرأة لما ~~طبعناهم عليه في أغلب أحوالهم من الصدق، عطف # PageV17P387 # عليه قولهم مبينا لجهلهم بوقوعهم في التناقض مؤكدا له لما في اعترافهم به ~~من العجب المنافي لحالهم: {ولئن سألتهم} أيضا عما هو أكبر من ذلك وأدل على ~~القدرة، وجميع صفات الكمال فقلت لهم: {من خلق السماوات} على علوها وسعتها ~~{والأرض} على كثرة عجائبها وعظمتها {ليقولن} أي من غير توقف. # ولما كان السؤال عن المبتدأ، كان الجواب المطابق ذكر الخبر، فكان الجواب ~~هنا: الله - كما في غيره من الآيات، لكنه عدل عنه إلى المطابقة المعنوية ~~لافتا القول عن مظهر العظمة إلى ما يفيد من الأوصاف القدرة على كل شيء، ~~وأنه تعالى يغلب كل شيء، ولا يغلبه شيء مكررا للفعل تأكيدا لاعترافهم زيادة ~~في توبيخهم وتنبيها على عظيم غلطهم، فقال معبرا بما هو لازم لاعترافهم له ~~سبحانه بالتفرد بالإيجاد لأنه أنسب الأشياء لمقصود السورة وللإبانة التي هي ~~مطلعها. {خلقهن} الذي هو موصوف بأنه {العزيز العليم *} أي الذي يلزم ~~المعترف بإسناد هذا الخلق إليه أن يعترف بأنه يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء # PageV17P388 # وأن علمه محيط بكل شيء، فيقدر على إيجاده على وجه من البداعة ثم على أكمل ~~منه ثم أبهج منه وهلم جرا إلى ما لا نهاية له - هذا هو الأليق بكمال ذاته ~~وجليل صفاته، ونعوذ بالله من عمى المعتزلة والفلاسفة أصحاب الأذهان الجامدة ~~والعقول الكاسدة والعرب لجهلهم يعبدون مع اعترافهم بهذا غيره، وذلك الغير ~~لا قدرة له على شيء أصلا، ولا علم له بشيء أصلا، فقد كسر هذا السؤال بجوابه ~~حجتهم، وبان به غلطهم وفضيحتهم، حتى بان لأولي الألباب أنهم معاندون. # ولما كان جوابهم بغير هاتين الصفتين ودل بذكرهما على أنهما لا زمان ~~لاعترافهم تنبيها لهم على موضع الحجة، أتبعهما من كلامه دلالة ms4437 على ذلك قوله ~~التفاتا إلى الخطاب لأنه أمكن في التقريع والتوبيخ والتشنيع وتذكيرا لهم ~~بالإحسان الموجب للإذعان وتفصيلا للقدرة: {الذي جعل لكم} فإنه لو كان ذلك ~~قولهم لقالوا لنا {الأرض مهدا} أي فراشا، قارة ثابتة وطية، ولو شاء لجعلها ~~مزلزلة لا يثبت فيها شيء كما ترون من بعض الجبال، أو جعلها مائدة لا تثبت ~~لكونها على تيار الماء، ولما جعل الأرض قرارا لأشباحكم جعل الأشباح قرارا ~~لأرواحكم وطوقها حمل قرارها وقوة التصرف به في حضورها # PageV17P389 # وأسفارها ليدلكم ذلك على تصرفه سبحانه في الكون وتصريفه له حيث أراد، ~~وأنه الظاهر الذي لا أظهر منه والباطن الذي لا أبطن منه، قال القشيري: فإذا ~~انتهى مدة كون النفوس على الأرض حكم الله بخرابها، كذلك إذا فارقت الأرواح ~~الأشباح بالكلية قضى الله بخرابها، وأعاد الفعل تنبيها على تمكنه تعالى من ~~إقامة الأسباب لتيسير الأمور الصعاب إعلاما بأنه لا يعجزه شيء: {وجعل لكم ~~فيها سبلا} أي طرقا تسلكونها بين الجبال والأودية، ولو شاء لجعلها بحيث لا ~~يسلك في مكان منها كما جعل بعض الجبال كذلك، ثم ذكر العلة الغائبة في ذلك ~~فقال: {لعلكم تهتدون} أي ليكون خلقنا لها كذلك جاعلا حالكم حال من يرجى له ~~الهداية إلى مقاصد الدنيا في الأسفار وغيرها ظاهرا فتتوصلون بها إلى ~~الأقطار الشاسعة والأقاليم الواسعة للأمور الرافقة النافعة، فإنها إذا تكرر ~~سلوكها صار لها من الآثار الناشئة من كثرة التكرار ما يهدي كل مار وإلى ~~المقاصد الأخرى وحكمتها # PageV17P390 # باطنا إذا تأمل الفطن حكمة مسخرها وواضعها وميسرها. # ولما كان إنزال الماء من العلو في غاية العجب لا سيما إذا كان في وقت دون ~~وقت، وكان إنبات النبات به أعجب، وكان دالا على البعث ولا بد، وكان مقصود ~~السورة أنه لا بد من ردهم عن عنادهم بأعظم الكفران إلى الإيمان، والخضوع له ~~بغاية الإذعان، قال دالا على كمال القدرة على ذلك وغيره بالتنبيه على كمال ~~الوصف بالعطف وبإعادة الموصول الدال على الفاعل المذكر بعظمته للتنبيه على ~~أن الإعادة التي هذا دليلها هي ms4438 سر الوجود، فهي أشرف مما أريد من الآية ~~الماضية بمهد الأرض وسلك السبل: {والذي نزل} أي بحسب التدريج، ولولا قدرته ~~الباهرة لكان دفعة واحدة أو قريبا منها {من السماء} أي المحل العالي {ماء} ~~عذبا لزروعكم وثماركم وشربكم بأنفسكم وأنعامكم {بقدر} وهو بحيث ينفع الناس ~~ولا يضر بأن يكون على مقدار حاجاتهم، ودل على عظمة الإنبات بلفت القول إلى ~~مظهر العظمة تنبيها على أنه الدليل الظاهر على ما وصل به من نشر الأموات ~~فقال مسببا عن ذلك: {فأنشرنا} أي أحيينا، والمادة تدور على الحركة ~~والامتداد # PageV17P391 # والانبساط {به} أي الماء {بلدة} أي مكانا يجتمع الناس فيه للإقامة معتنون ~~بإحيائه متعاونون على دوام إبقائه {ميتا} أي كان قد يبس نباته وعجز أهله عن ~~إيصال الماء إليه ليحيى به، ولعله أنث البلد وذكر الميت إشارة إلى أن ~~بلوغها في الضعف والموت بلغ الغاية بضعف أرضه في نفسها وضعف أهله عن إحيائه ~~وقحط الزمان واضمحلال ما كان به من النبات. # ولما كان لا فرق بين جمع الماء للنبات من أعماق الأرض بعد أن كان ترابا ~~من جملة ترابها وإخراجه كما كان رابيا يهتز بالحياة على هيئته وألوانه وما ~~كان من تفاريعه أغصانه بأمر الله وبين جميع الله تعالى لما تفتت من أجساد ~~الآدميين وإخراجه كما كان بروحه وجميع جواهره وأعراضه إلا أن الله قادر بكل ~~اعتبار وفي كل وقت بلا شرط أصلا، والماء لا قدرة له إلا بتقدير الله تعالى، ~~كان فخرا عظيما لأن تنتهز الفرصة لتقدير ما هم له منكرون وبه يكفرون من أمر ~~البعث، فقال تعالى إيقاظا لهم من رقدتهم بعثا من موت سكرتهم: {كذلك} أي مثل ~~هذا الإخراج العظيم لما تشاهدونه من النبات {تخرجون} من الموت الحسي ~~والمعنوي بأيسر أمر من أمره تعالى وأسهل شأن # PageV17P392 # فتخرجون في زمرة الأموات من الأرض ثانيا {فإذا أنتم بشر تنتشرون} [الروم: ~~20] وتخرجون من ظلمة الجهل إلى نور الإيمان فإذا أنتم حكماء عالمون. # ولما انتهزت هذه الفرصة، وسوغ ذكرها ما أثره سوء اعتقادهم من عظيم الغصة، ~~شرع ms4439 في إكمال ما يقتضيه الحال من الأوصاف، فقال عائدا إلى أسلوب العزة ~~والعلم للإيماء إلى الحث على تأمل الدليل على بعث الأموات بانتشار الموات ~~معيدا للعاطف تنبيها على كمال ذلك الوصف الموجب لتحقيق مقصود السورة من ~~القدرة على ردهم بعد صدهم: {والذي خلق الأزواج} أي الأصناف المتشاكلة التي ~~لا يكمل شيء منها غاية الكمال إلا بالآخر على ما دبره سبحانه في نظم هذا ~~الوجود {كلها} من النبات والحيوان، وغير ذلك من سائر الأكوان، لم يشاركه في ~~شيء منها أحد. # ولما ذكر الأزواج، وكان المتبادر إلى الذهن إطلاقها على ما هو من نوع ~~واحد، دل على أن المراد ما هو أعم، فقال ذاكرا ما تشاكل في الحمل وتباين في ~~الجسم: {وجعل لكم} لا لغيركم فاشكروه {من الفلك} أي السفن العظام في البحر ~~{والأنعام} في البر {ما تركبون *} وحذف العائد لفهم المعنى تغليبا للمتعدي ~~بنفسه في الأنعام على المتعدي بواسطة في الفلك. # PageV17P393 # ولما ذكر النعمة الناشئة عن مطلق الإيجاد، ذكر بنعمة الراحة فيه فقال ~~معللا: {لتستووا} أي تكونوا مع الاعتدال والاستقرار والتمكن والراحة {على ~~ظهوره} أي ظهور كل من ذلك المجعول، فالضمير عائد على ما جمع الظهر نظرا ~~للمعنى تكثيرا للنعمة، وأفرد الضمير ردا على اللفظ دلالة على كمال القدرة ~~بعظيم التصريف برا وبحرا أو تنبيها بالتذكير على قوة المركوب لأن الذكر ~~أقوى من الأنثى. # ولما أتم النعمة بخلق كل ما تدعو إليه الحاجة، وجعله على وجه دال على ما ~~له من الصفات، ذكر ما ينبغي أن يكون من غايتها على ما هو المتعارف بينهم من ~~شكر المنعم، فقال دالا على عظيم قدر النعمة وعلو غايتها وعلو أمر الذكر ~~بحرف التراخي: {ثم تذكروا} أي بقلوبكم، وصرف القول إلى وصف التربية حثا على ~~تذكر إحسانه للانتهاء عن كفرانه والإقبال على شكرانه فقال: {نعمة ربكم} ~~الذي أحسن إليكم بنعمة تسخيرها لكم وما تعرفونها من غيرها. # ولما كان الاعتدال عليه أمرا خارقا للعادة بدليل ما لا يركب من الحيوانات ~~في البر والجوامد في البحر وإن ms4440 كان قد أسقط العجب فيه كثرة إلفه ذكر به ~~فقال: {إذا استويتم عليه} ولما كان تذكر النعمة # PageV17P394 # يبعث الجنان واللسان والأركان على الشكر لمن أسداها قال: {وتقولوا} أي ~~بألسنتكم جمعا بين القلب واللسان. ولما كان الاستواء على ذلك مقتضيا لتذكر ~~النقص بالاحتياج إليها في بلوغ ما ركبت لأجله وفي الثبات عليها وخوف العطب ~~منها وتذكر أن من لا يزال يحسن إلى أهل العجز الذين هم في قبضته ابتداء ~~وانتهاء من غير شيء يرجوه منهم لا يكون إلا بعيدا من صفات الدناءة وأن ~~استواءه على عرشه ليس كهذا الاستواء المقارن لهذه النقائص وأنه ليس كمثله ~~شيء، كان المقام للتنزيه فقال: {سبحان الذي سخر} أي بعلمه الكامل وقدرته ~~التامة {لنا هذا} أي الذي ركبناه سفينة كان أو دابة {وما} أي والحال أنا ما ~~{كنا} ولما كان كل من المركوبين في الواقع أقوى من الركاب، جعل عدم إطاقتهم ~~له وقدرتهم عليه كأنه خاص به، فقال مقدما للجار دلالة على ذلك: {له مقرنين} ~~أي ما كان في جبلتنا إطاقة أن يكون قرنا له وحده لخروج قوته من بين ما ~~نعالجه ونعانيه عن طاقتنا # PageV17P395 # بكل اعتبار ولا مكافئين في القوة غالبين ضابطين، مطيقين من أقرن الأمر: ~~أطاقه وقوي عليه فصار بحيث يقرنه بما شاء. # PageV17P396 # ولما كان كل راكب شيئا من هذين الصنفين مستحضرا كل حين أنه ينقلب بطن شقة ~~أسفاره إلى محل قراره، ذكرهم سبحانه بذلك أن ظهر هذه الأرض لهم مثل ظهور ~~السفن والدواب يسبحون بها في لجج أمواج الزمان وتصاريف الحدثان، هم على ~~ظهرها مسافرون، ولكنهم لطول الإلف عنه غافلون، وقليلا ما يذكرون، وأنهم على ~~خطر فيما صاروا إليه من ظهور هذه الأشياء يوشك أن يكون سبب موتهم ومثير ~~هلكهم وقوتهم، فقال عاطفا على ما تقديره: فمن ربنا كان ابتداؤنا لا نعلم ~~شيئا ولا نقدر على شيء، والآن نحن متى شئنا ساكنون، ومهما أردنا منتشرون ~~{وإنا إلى ربنا} المحسن إلينا بالبداءة والإقرار على هذه التنقلات على هذه ~~المراكيب لا إلى غيره {لمنقلبون} أي ms4441 لصائرون ومتوجهون وسائرون بالموت وما ~~بعده إلى الدار الآخرة انقلابا لا إياب معه إلى هذه الدار، فالآية منبهة ~~بالسير الدنيوي على السير الأخروي، وأكد لأجل إنكارهم للبعث حتى لا يزالوا ~~مراقبين # PageV17P396 # للمنعم عليهم، ويجوز أن يكون المعنى أنه لما أمرهم بالمراقبة على نعمة ~~الركوب، عبر بالانقلاب تذكيرا بنعمته عليهم في حال الدعة والسكون قبل ~~الانقلاب وبعده، أي وإنا بعد رجوعنا إلى نعمة ربنا لمنقلبون أي وإنا في ~~نعمة في كل حال، روى أحمد وأبو داود والترمذي - وقال: حسن صحيح - والنسائي ~~عن علي رضي الله عنه أنه وضع رجله في الركاب وقال: بسم الله، فلما استوى ~~على الدابة قال: الحمد لله الذي سخر لنا هذا - الآية، ثم حمد الله ثلاثا ~~وكبر ثلاثا ثم قال: سبحانك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، ثم ضحك، ~~وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل مثله، وقال: «يعجب الرب من عبده إذا ~~قال: رب اغفر لي ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» # روى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أردفه على دابة، فلما استوى عليها كبر ثلاثا وحمد الله ثلاثا وسبح ثلاثا ~~وهلل الله واحدة ثم استلقى عليه فضحك ثم أقبل علي فقال: ما من امرىء مسلم ~~يركب دابته فيصنع كما صنعت إلا أقبل الله عليه يضحك إليه كما ضحكت إليك» ~~وروى أحمد ومسلم وأبو داود # PageV17P397 # والنسائي والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا ركب راحلته ثلاثا ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا الآية، ثم ~~يقول: اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم ~~هون علينا السفر واطو لنا البعيد، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في ~~الأهل، اللهم اصبحنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا، وكان إذا رجع إلى أهله ~~قال: آئبون تائبون إن شاء الله عابدون لربينا حامدون» # وروى أحمد عن أبي لاس الخزاعي رضي الله عنه قال: ms4442 «حملنا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله على إبل من إبل الصدقة إلى الحج، فقلنا: يا رسول الله! ما ~~نرى أن تحملنا هذه، فقال: ما من بعير إلا في ذروته شيطان فاذكروا اسم الله ~~عليها إذا ركبتموها كما أمركم ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله عز وجل» ~~. ولما علم بهذا الاعتراف منه وما تبعه من التقريب أن العالم كله متزاوج ~~بتسخير بعضه لبعض، فثبت أن خالقه مباين له لا يصح أصلا أن يكون محتاجا بوجه ~~لأنه لا مثل له أصلا، كان موضع التعجيب من نسبتهم الولد إليه سبحانه: فقال ~~لافتا القول عن خطابهم للإعراض المؤذن بالغضب: {وجعلوا} أي ولئن سألتهم ~~ليقولن كذا اللازم منه قطعا لأنه لا مثل {له} والحال أنهم نسبوا له وصيروا ~~بقولهم قبل # PageV17P398 # سؤالك إياهم نسبة هم حاكمون بها حكما لا يتمارون فيه كأنهم متمكنون من ~~ذلك تمكن الجاعل فيه يجعله {من عباده} الذين أبدعهم كما أبدع غيرهم {جزءا} ~~أي ولدا هو لحصرهم إياه في الأنثى أحد قسمي الأولاد، وكل فهو جزء من والده، ~~ومن كان له جزء كان محتاجا فلم يكن إلها وذلك لقولهم: الملائكة بنات الله، ~~فثبت بذلك طيش عقولهم وسخافة آرائهم. # ولما كان هذا في غاية الغلظة من الكفر، قال مؤكدا لإنكارهم أن يكون عندهم ~~كفر: {إن الإنسان} أي هذا النوع الذي هم بعضه {لكفور مبين} أي مبين الكفر ~~في نفسه مناد عليها بالكفر بيانا لذلك لكل أحد هذا ما يقتضيه طبعه بما هو ~~عليه من النقص بالشهوات والحظوظ ليبين فضل من حفظه الله بالعقل على من سواه ~~من جميع المخلوقات بمجاهدته لعدو وهو بين جنبيه مع ظهور قدرة الله الباهرة ~~بذلك. # ولما كان كأنه قيل إنكارا عليهم وتهكما بهم حيث لم يرضوا بأن جعلوا لمن ~~إليه الجعل من عباده جزءا حتى جعلوه شر الجزئين الإناث، وهم أشد الناس نفرة ~~منهن: أوهب له ذلك الجزء الذي جعلتموه إناثا غيره قسرا بحيث لم يقدر أن ~~ينفك عنه كما قدم في السورة # PageV17P399 # التي قبله عن نفسه ms4443 المقدس أنه يهب لمن يشاء إناثا ولا يقدر على التقصير ~~عنهن بوجه، عادله بقوله عائدا إلى الخطاب لأنه أقعد في التبكيت على اختيار ~~الغي عن الصواب: {أم اتخذ} أي عالج هو نفسه فأخذ بعد المعالجة وهو خالق ~~الخلق كلهم {مما يخلق} أي يجدد إبداعه في كل وقت كما اعترفتم {بنات} فلم ~~يقدر بعد التكليف والتعب على غير البنات التي هي أبغض الجزئين إليكم، ونكر ~~لتخصيصهم اتخاذه ببعض هذا الصنف الذي شاركه فيه غيره، وعطف على قوله «اتخذ» ~~ليكون منفيا على أبلغ وجه لكونه في حيز الإنكار: {وأصفاكم} وهو السيد وأنتم ~~عبيده {بالبنين} أي الجزء الأكمل لديكم المستحق لأن يكون دائما مستحضرا في ~~الخاطر فلذلك عرفه ولأنهم ادعوا أن هذا النوع كله خاص بهم لم يشاركهم في ~~شيء منه، فكان هذا الكفر الثاني أعرق في المحال من الأول للزيادة على مطلق ~~الحاجة بالسفه في أنه رضي بالدون الخسيس فلم يشاركهم في شيء من الأعلى، بل ~~جعل لهم ذلك خالصا صافيا عن أدنى ما يشوبه من كدر. # ولما كانت نسبة الولد إليه سبحانه مما لا يبنغي أن يخطر بالبال على حال ~~من الأحوال. # PageV17P400 # وكانت نسبته على سبيل الحقيقة أبعد منها على طريق المثال بأن يقال: ~~الملائكة عنده في العزة بمنزلة البنات عند الأب، قال مرشدا إلى أن ما قالوه ~~لو كان على قصد التمثيل في غاية القباحة فضلا عن أن يكون على التحقيق، ~~عائدا إلى الإعراض المؤذن بالمقت والإبعاد: {وإذا} أي جعلوا ذلك والحال أنه ~~إذا {بشر} من أي مبشر كان {أحدهم} أطلق عليه ذلك تنبيها على أنه مما يسر ~~كالذكر سواء في أن كلا منهما ولد وتارة يسر وتارة يضر وهو نعمة من الخالق ~~لأنه خير من العقم {بما ضرب} وعدل عن الوصف بالربوبية لأنه قد يدعى ~~المشاركة في مطلق التربية إلى الوصف الدال على عموم الرحمة، فتأمله بمجرده ~~كاف في الزجر عن سوء قولهم فقال: {للرحمن} أي الذي لا نعمة على شيء من ~~الخلق إلا وهي منه {مثلا} أي جعل ms4444 له شبها وهو الأنثى، وعبر به دونه أن ~~يقول: بما جعل، موضع «بما ضرب» تعليما للأدب في حقه سبحانه في هذه السورة ~~التي مقصودها العلم الموجب للأدب وزيادة في تقبيح كفرهم لا سيما إن أرادوا ~~الحقيقة بالإشارة إلى أن الولد لا يكون إلا مثل الوالد، لا يتصور أصلا أن ~~يكون خارجا عن شبهه في خاص أوصافه. # PageV17P401 # ولما كان تغير الوجه لا سيما بالسواد لا يدرك حق الإدراك إلا بالنهار، ~~عبر بما هو حقيقة في الدوام نهارا وإن كان المراد هنا مطلق الدوام: {ظل} أي ~~دام {وجه مسودا} أي شديد السواد لما يجد من الكراهة الموصلة إلى الحنق بهذه ~~البشارة التي أبانت التجربة عن أنها قد تكون سارة {وهو كظيم} أي حابس نفسه ~~على ما ملئ من الكرب فكيف يأنف عاقل من شيء ويرضاه لعبده فضلا عن مكافيه ~~فضلا عن سيده - هذا ما لا يرضى عاقل أن يمر بفكره فضلا عن أن يتفوه به. # ولما كان الملك لا يأخذ في جنده إلا من يصلح للجندية بالمجالدة والمجادلة ~~أو بإحداهما، نبه على إنكار آخر بأن الإناث لا يصلحن لشيء من هذين الوصفين، ~~فقال معبدا لإنكار الثالث تنبيها على أنه بالغ جدا في إثارة الغضب: {أو من} ~~أي اتخذ من لا يرضونه لأنفسهم. # . . لنفسه مع أنفتهم منه واتخذ من {ينشؤا} أي على ما جرت به عوائدكم على ~~قراءة الجماعة، ومن تنشؤونه وتحلونه بجهدكم على قراءة ضم الباء وتشديد ~~الشين {في الحلية} أي في الزينة فيكون كلا على أبيه لا يصلح لحرب ولا ~~معالجة طعن ولا ضرب {وهو} # PageV17P402 # أي والحال أنه، وقدم لإفادة الاهتمام قوله: {في الخصام} إذا احتيج إليه ~~{غير مبين} أي لا يحصل منه إبانة مطلقة كاملة لما يريده لنقصان العقل وضعف ~~الرأي بتدافع الحظوظ والشهوات وتمكن السعة، فلا دفاع عنده بيد ولا لسان. # PageV17P403 # ولما كان ربما ظن أن المحذور إنما هو جعلهم عيهم السلام إناثا بقيد ~~النسبة إليه سبحانه، نبه على أن ذلك قبيح في نفسه مطلقا لدلالته على ~~احتقارهم وانتقاصهم ms4445 فهو كفر ثالث إلى الكفرين قبله: نسبة الولد إليه سبحانه ~~ثم جعل أخص النوعين، فقال: {وجعلوا} أي مجترئين على ما لا ينبغي لعاقل فعله ~~{الملائكة الذين هم} متصفون بأشرف الأوصاف أنهم {عباد الرحمن} العامة ~~النعمة الذي خلقهم فهم بعض من يتعبد له وهم عباده وحقيقة لأنهم ما عصوه ~~طرفه عين، فهم أهل لأن يكونوا على أكمل الأحوال، وقراءة «عند» بالنون شديدة ~~المناداة عليهم بالسفه، وذلك أن أهل حضرة الملك الذين يصرفهم في المهمات لا ~~يكونون إلا على أكمل الأحوال وعنديته أنهم لم يعصوه قط وهم محل مقدس عن ~~المعاصي مشرف بالطاعات وأهل الاصطفاء، # PageV17P403 # وذكر المفعول الثاني للجعل الذي بمعنى التعبير الاعتقادي والقول فقال: ~~{إناثا} وذلك أدنى الأوصاف خلقا وذاتا وصفة، ثم دل على كذبهم في هذا المطلق ~~ليدل على كذبهم في المقيد من باب الأولى فقال تهكما بهم وتوبيخا لهم ~~وإنكارا عليهم إظهارا لفساد عقولهم بأن دعاويهم مجردة عن الأدلة: {أشهدوا} ~~أي حضروا حضورا هم فيه على تمام الخبرة ظاهرا وباطنا - هذا هو معنى قراءة ~~الجماعة، وأدخل نافع همزة التوبيخ على أخرى مضمومة بناء الفعل للمفعول ~~تنبيها على عجزهم عن شهود ذلك إلا بمن يشهدهم إياه، وهو الخالق لا غيره، ~~ومدها في إحدى الروايتين زيادة في المادة عليهم بالفضيحة، وسهل الثانية ~~بينها وبين الواو إشارة إلى انحطاط أمرهم وسفول آرائهم وأفعالهم، وجميع ~~تقلباتهم وأحوالهم كما سيكشف عنه الزمان ونوازل الحدثان {خلقهم} أي مطلب ~~الخلق في أصله أو عند الولادة أو بعدها على حال من الأحوال حضورا أوجب لهم ~~تحقق ما قالوا بأن لم يغيبوا عن شيء من الأحوال الدالة على ذلك أعم من أن ~~تكون تلك الشهادة حسية بنظر العين أو معنوية بعلم ضروري أو استدلالي بعقل ~~أو سمع. # ولما كان الجواب قطعا: لا، قال مهددا لهم مؤكدا لتهديدهم # PageV17P404 # بالسين لظنهم أن لا بعث ولا حساب ولا حشر ولا نشر فقال: {ستكتب} بكتابة ~~من وكلناهم بهم من الحفظة الذين لا يعصوننا فنحن نقدرهم على جميع ما نأمرهم ~~به - هذا على ms4446 قراءة الجماعة بالتاء والبناء للمفعول، وعظم الكتابة تفخيما ~~للوعيد وإكبارا لما اشتمل عليه من التهديد في قراءة النون المفيدة للعظمة ~~والبناء للفاعل ونصب الشهادة {شهادتهم} أي قولهم فيهم أنهم إناث الذي لا ~~ينبغي أن يكون إلا بعد تمام المشاهدة، فهو قول ركيك سخيف ضعيف - بما أشار ~~إليه التأنيث في قراءة الجماعة {ويسألون} عنها عند الرجوع إلينا، ويجوز أن ~~يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ولا علم لهم به، فإنه قد روى ~~أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: # «كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب ~~الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، ~~وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات، لعله يسبح ~~الله أو يستغفر» رواه الشعبي والبغوي من طريقه والطبراني والبيهقي من طريق ~~جعفر عن القاسم عن أبي أمامة والبيهقي من رواية بشر بن نمير عن القاسم نحوه ~~وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه # PageV17P405 # من طريق إسماعيل بن عياش عن عاصم بن رجاء عن عروة بن رويم عن القاسم عن ~~أبي أمامة رضي الله عنه، وروى الحاكم وقال: صحيح الإسناد عن أم عصمة ~~العوصية رضي الله تعالى عنها قال: «ما من مسلم يعمل ذنبا إلا وقف الملك ~~ثلاث ساعات، فإن استغفر من ذنبه لم يوقعه عليه ولم يعذب يوم القيامة» . # ولما ذكر أنهم يسألون بطريق الأولى عن العبادة، نبه على أنهم عبدوهم مع ~~ادعاء الأنوثة فيهم، فقال معجبا منهم في ذلك وفي جعل قولهم حجة دالة على ~~صحة مذهبهم وهو من أوهى الشبه: {وقالوا} أي بعد عبادتهم لهم ونهيهم عن ~~عبادة غير الله: {لو شاء الرحمن} أي الذي له عموم الرحمة {ما عبدناهم} لأن ~~عموم الرحمة يمنع الإقرار على ما لا ينبغي ولكنه لم يشأ عدم عبادتنا لهم ~~فعبدناهم طوع مشيئته، فعبادتنا لهم حق، ولولا أنها حق يرضاه لنا لعجل لنا ~~العقوبة. # ولما كان كأنه قيل: بماذا يجابون عن هذا، قال ms4447 منبها على جوابهم بقوله ~~دالا على أن أصول الدين لا يتكلم فيها إلا بقاطع: {ما لهم بذلك} # PageV17P406 # أي بهذا المعنى البعيد عن الصواب الذي قصدوا جعله دليلا على حقية عبادتهم ~~لهم وهو أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق ويرضاه ويأمر به، ومن أن الملائكة ~~إناث، وأكد الاستغراق بقوله: {من علم} أي لأنه لو لزم هذا لكان وضعه بعموم ~~الرحمة حينئذ اضطراريا لا اختياريا فيؤدي إلى نقص لا إلى كمال، ولكان أيضا ~~ذلك يؤدي إلى إيجاب أن يكون الناس كلهم مرضيا عنهم لكونهم على حق، وذلك مؤد ~~بلا ريب إلى كون النقيضين معا حقا، وهو بديهي الاستحالة. # ولما كان العلم قد ينتفي والمعلوم ثابت في نفسه قال نافيا لذلك: {إن هم} ~~أي ما هم {إلا يخرصون} أي يكذبون في هذه النتيجة التي زعموا أنها دلتهم على ~~رضى الله سبحانه لكفرهم فإنها مبنية على أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق، ~~والذي جرأهم على ذلك أنهم يجددون على الدوام القول بغير تثبت ولا تحر، فكان ~~أكثر قولهم كذبا، فصاروا لذلك يجترئون على تعمد القول للظن الذي لا يأمن ~~صاحبه من الوقوع في صريح، وسيأتي تمام إبطال هذه الشبهة بقوله تعالى {قل إن ~~كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} وأن ذلك هو المراد لا ما طال الخبط فيه ~~لإهمال في السوابق واللواحق الموجبة لسوق المقال، مطابقا لمقتضى الحال، # PageV17P407 # وقد جهلوا في هذا الكلام عدة جهالات: ادعاء الولدية للغني المطلق، وكون ~~الولد أدنى الصنفين، وعبادتهم لهم مع أنفسهم منهم بغير دليل، واحتياجهم على ~~صحة فعلهم بتقدير علم على ذلك وهو قد نهاهم عنه بلسان كل رسول، وظنهم أنه ~~لا يشاء إلا ما هو الحق المؤدي إلى الجميع بين النقيضين إذ لا ريب فيه ولا ~~خفاء به. # ولما كان الإيمان بالملائكة الذين هم جند الملك من دعائم أصول الدين، ~~وكان الإيمان بالشيء إن لم يكن على ما هو عليه الشيء ولو بأدنى الوجوه كان ~~مختلا، وأخبر سبحانه أنهم وصفوهم بغير ما هم ms4448 عليه ففرطوا بوصفهم بالبنات ~~حتى أنزلوهم إلى الحضيض وأفرطوا بالعبادة حتى أعلوهم عن قدرهم فانسلخوا في ~~كلا الأمرين من صريح العقل بما أشار إليه ما مضى، أتبع ذلك أنهم عريئون ~~أيضا من صحيح النقل، فقال معادلا لقوله {أشهدوا خلقهم} إنكارا عليهم بعد ~~إنكار، موجبا ذلك أعظم العار، لافتا القول عن الوصف بالرحمة تنبيها بمظهر ~~العظمة على أن حكمه تعالى متى برز لم يسع سامعة إلا الوقوف عنده والامتثال ~~على كل حال وإلا حل به أعظم النكال: {أم آتيناهم} # PageV17P408 # بما لنا من العظمة {كتابا} أي جامعا لما يريدون اعتقاده من أقوالهم هذه ~~{من قبله} أي القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلناهم إناثا وأنا لا نشاء إلا ما ~~هو حق نرضاه ونأمر به {فهم} أي فتسبب عن هذا الإيتاء أنهم {به} أي وحده ~~{مستمسكون} أي موجدون الاستمساك به وطالبون للثبات عليه في عبادة غير الله، ~~وفي أن ذلك حق لكونه لم يعاجلهم بالعقوبة، وفي وصفهم الملائكة بالأنوثة، ~~وفي غير ذلك من كل ما يرتكبونه باطلا، والإنكار يقتضي نفي ما دخل عليه من ~~إيتاء الكتاب كما انتفى إشهاده لهم خلقهم، وهذه المعادلة التي لا يشك فيها ~~من له بصر بالكلام تدل على صحة كون الإشارة في {ما لهم بذلك من علم} شاملة ~~لدعواهم الأنوثة في الملائكة. # ولما كان الجواب قطعا عن هذين الاستفهامين: ليس لهم ذلك على مطلق ما ~~قالوا ولا مقيده من صريح عقل ولا صحيح نقل إلى من يصح النقل عنه من أهل ~~العلم بالأخبار الإلهية، نسق عليه قوله إرشادا إليه: {بل قالوا} أي في ~~جوابهم عن قول ذلك واعتقاده مؤكدين إظهارا جهلا أو تجاهلا لأن ذلك لم يعب ~~عليهم إلا لظن أنه لا سلف لهم أصلا فيه، فإذا ثبت أنه عمن تقدمهم انفصل ~~النزاع: # PageV17P409 # {إنا وجدنا آباءنا} أي وهم أرجح منا عقولا وأصبح أفهاما {على أمة} أي ~~طريقة عظيمة يحق لها أن تقصد وتؤم مثل رحلة بمعنى شيء هو أهل لأن يرحل ~~إليه، وكذا قدوة ونحوه. # وقراءة الكسر معناها حالة حسنة ms4449 يحق لها أن تؤم {وإنا على آثارهم} أي خاصة ~~لا على غيرها ونحن في غاية الاجتهاد والقص للآثار وإن لم نجد عينا نتحققها. # ولما علم ذلك من حالهم، ولم يكن صريحا في الدلالة على الهداية، بينوا ~~الجار والمجرور، وأخبروا بعد الإخبار واستنتجوا منه قولهم استئنافا لجواب ~~من سأل: {مهتدون} أي نحن، فإذا ثبت بهذا الكلام المؤكد أنا ما أتينا بشيء ~~من عند أنفسنا ولا غلطنا في الاتباع واقتفاء الآثار، فلا اعتراض علينا ~~بوجه، هذا قوله في الدين بل في أصوله التي من ضل في شيء منها هلك، ولو ظهر ~~لأحد منهم خلل في سعي أبيه الدنيوي الذي به يحصل الدينار والدرهم ما اقتدى ~~به أصلا وخالفه أي مخالفة، ما هذا إلا لمحض الهوى وقصور النظر، وجعل محطه ~~الأمر الدنيوي الحاضر، لا نفوذ لهم في المعاني بوجه. # ولما كان ترك المدعو للدليل واتباعه للهوى غائظا موجعا ومنكئا مولما، قال ~~يسليه صلى الله عليه وسلم عاطفا على قوله: {وكذلك} # PageV17P410 # أي ومثل هذا الفعل المتناهي في البشاعة فعلت الأمم الماضية مع إخوانك ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ثم فسر ذلك بقوله: {ما أرسلنا} مع ما لنا ~~من العظمة. # ولما كانت مقالة قريش قد تقدمت والمراد التسلية بغيرهم، وكان صلى الله ~~عليه وسلم خاتم النبيين فلا أمة لغيره في زمانه ولا بعده يسليه بها، سلاه ~~بمن مضى، وقدم ذكر القبلية اهتماما بالتسلية وتخليصا لها من أن يتوهم أنه ~~يكون معه في زمانه أو بعده نذير، وإفهاما لأن المجدد لشريعته إنما يكون ~~مغيثا لأمته وبشيرا لا نذيرا لثباتهم على الدين بتصديقهم جميع النبيين فقال ~~تعالى: {من قبلك} أي في الأزمنة السالفة حتى القريبة منك جدا، فإن التسلية ~~بالأقرب أعظم، وأثبت الجار لأن الإرسال بالفعل لم يعم جميع الأزمنة وأسقط ~~هذه القبلية في «سبأ» لأن المراد فيها التعميم لأنه لم يتقدم لقريش ذكر حتى ~~يخص من قبلهم. ولما كان أهل القرى أقرب إلى العقل وأولى بالحكمة والحكم، ~~قال: {في قرية} وأعرق في النفي بقوله: {من نذير} وبين ms4450 به أن موضع الكراهة ~~والخلاف الإنذار على مخالفة الأهواء {إلا قال مترفوها} أي أهل الترفه بالضم ~~وهي النعمة والطعام الطيب والشيء الطريق يكون خاصة بالمترف، وذلك موجب ~~للقلة وهو موجب للراحة والبطالة # PageV17P411 # الصارف عن جهد الاجتهاد إلى سفالة التقليد، وهو موجب لركون الهواء ولو ~~بان الدليل، وهو موجب للبغي والإصرار عليه واللجاجة فيه والتجبر والطغيان، ~~ومعظم الناس في الأغلب أتباع لهؤلاء: {إنا وجدنا آباءنا} أي وهم أعرف منا ~~بالأمور {على أمة} أي أمر جامع يستحق أن يقصد ويؤم وطريقة ودين، وأكدوا ~~قطعا لرجاء المخالف من لفتهم عن ذلك {وإنا على آثارهم} لا غيرها، ثم بينوا ~~الجار والمجرور وأخبروا خبرا ثانيا واستأنفوا لإتمام مرادهم قولهم إيضاحا ~~لأن سبب القص القدوة: {مقتدون} أي مستنون أي راكبون سنن طريقهم لازمون له ~~لأنهم مقتدون لأن تقدم عليهم، وحالنا أطيب ما يكون في الاستقامة وأقرب ~~وأسرع. # PageV17P412 # ولما كان كأنه قيل: فقال كل نذير: فما أصنع؟ أجاب بقوله: {قل} أي يا أيها ~~النذير - هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة ابن عامر وحفص وعاصم يكون ~~التقدير أن السامع قال: فما قال النذير في جوابهم؟ فأجيب بقوله: قال إنكارا ~~عليهم: {أولو} أي أتقتدون بآبائكم على كل حال وتعدونهم مهتدين ولو {جئتكم} ~~والضمير # PageV17P412 # فيه للنذير، وفي قراءة أبي جعفر: أو لو جئتكم للنذر كلهم {بأهدى} أي أمر ~~أعظم في الهداية وأوضح في الدلالة {مما وجدتم} أي أيها المقتدون بالآباء ~~{عليه آباءكم} كما تضمن قولكم أنكم تقتفون في اتباعهم بالآثار في أعظم ~~الأشياء، وهو الدين الذي الخسارة فيه خسارة للنفس وأنتم تخالفونهم في أمر ~~الدنيا إذا وجدتم طريقا أهدى من التصرف فيها من طريقهم ولو بأمر يسير، ~~ويفتخر أحدكم بأنه أدرك من ذلك ما لم يدرك أبوه فحصل من المال أكثر مما ~~حصل، فيا له من نظر ما أقصره، ومتجر ما أخسره. # ولما كان من المعلوم أن النذر قالوا لهم ما أمروا به؟ فتشوف السامع إلى ~~جوابهم لهم، أجيب بقوله: {قالوا} مؤكدين ردا لما قطع به كل عاقل سمع هذا ms4451 ~~الكلام من أنهم يبادرون النظر في الدليل والرجوع إلى سواء السبيل: {إنا بما ~~أرسلتم به} أي أيها المدعون للإرسال من أي مرسل كان، ولو ثبت ما زعمتموه من ~~الرسالة ولو جئتمونا بما هو أهدى {كافرون} أي ساترون لما ظهر من ذلك جهدنا ~~حتى لا يظهر لأحد ولا يتبعهم فيه مخلوق. # ولما علم بهذا أن أمرهم وصل إلى العناد المسقط للاحتجاج، # PageV17P413 # سبب عنه قوله موعظة لهذه الأمة وبيانا لما خصها به من الرحمة: {فانتقمنا} ~~أي بما لنا من العظمة التي استحقوا بها {منهم} فأهلكناهم بعذاب الاستئصال، ~~وعظم أثر النقمة بالأمر بالنظر فيها في قوله: {فانظر} أي بسبب التعرف لذلك ~~وبالاستفهام إشارة إلى أن ذلك أمر هو جدير لعظمه بخفاء سببه فقال: {كيف كان ~~عاقبة} أي آخر أمر {المكذبين *} أي إرسالنا فإنهم هلكوا أجمعون، ونجا ~~المؤمنون أجمعون، فليحذر من رد رسالتك من مثل ذلك. # ولما ذكر لهم الأدلة وحذرهم بالأخذ وتحرر أنهم مع التقليد لا ينفكون عنه، ~~ذكرهم بأعظهم آبائهم ومحط فخرهم وأحقهم بالاتباع للفوز بأتباع الأب في ترك ~~التقليد أو في تقليده إن كان لا بد لهم من التقليد لكونه أعظم الآباء ~~ولكونه مع الدليل، فقال عاطفا على ما تقديره للإرشارة إلى تأمله وإمعان ~~النظر فيه: اذكر لهم ذلك: {وإذ} أي واذكر لهم حين {قال} أعظم آبائهم ومحط ~~فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن أهل الكتاب وغيرهم {إبراهيم ~~لأبيه} من غير أن يقلده كما أنتم قلدتم آبائكم، ولما كانت مخالفة الواحد ~~للجمع شديدة، ذكر لهم حاله فيها بيانا لأنهم أحق منهم بالانفكاك عن # PageV17P414 # التقليد {وقومه} الذين كانوا هم القوم في الحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع ~~الأرض كما قلت: إنا لكم سواء ولما كانوا لا يتخيلون أصلا أن أحدا يكون ~~مخالفا لهم، أكد بالحرف وإظهار نون الوقاية فقال: {إنني} وزاد بالنعت ~~بالمصدر الذي يستوي فيه الواحد وغيره والمذكر وغيره لكونه مصدرا وإن وقع ~~موقع الصفة باللفظ الدال على أنه مجسد من البراءة جعله على صورة المزيد ~~لزيادة التأكيد فقال: {براء} ms4452 ومن ضمه جعله وصفا محضا مثل طوال في طويل {مما ~~تعبدون} في الحال والاستقبال مهما كان غير من اشتبه، فإنهم كانوا مشركين ~~فلا بد من الاستثناء ومن كونه متصلا، قال الإمام أبو علي الحسن بن يحيى بن ~~نصر الجرجاني في كتاب بيان نظم القرآن ما حاصله: سر قول السلف أن الكلمة ~~هنا أي الآية في قوله كلمة باقية {لا إله إلا الله} أن النفي والتبرئة واحد ~~فإنني براء بمنزلة لا، وقوله {مما تعبدون} بمنزلة إله إذا كل معبود يسمى ~~إلها فآل ذلك إلى: لا إله {إلا الذي فطرني} قال: فقد ضممت بهذا التأويل إلى ~~فهمك الأول الذي استفدته من الخبر فهم المعرفة الحقيقية الذي أفاد له طباعك # PageV17P415 # بالعبرة، ونبه بالوصف بالفطر على دليل اعتقاده أي الذي شق العدم فأخرجني ~~منه ثم شق هذه المشاعر والمدرك، ومن كان بهذه القدرة الباهرة كان منفردا ~~بالعظمة. # ولما كان الله سبحانه - وله المن - قد أنعم بعد الإيجاد بما أشار إليه من ~~العقل والحواس المهيئ، للهداية من غير طلب، فكان جديرا بأن يمنح قاصده ~~بأعظم هداية قال مسببا عن قطعه العلائق من سواه، مؤكدا لأجل من ينكر وصوله ~~إلى حد عمي عنه أسلافه {فإنه سيهدين} أي هداية هي الهداية إلى ما لاح لي من ~~الحقائق من كل ما يصلحني لتوجهي إليه وتوكلي عليه، لا مرية عندي في هذا ~~الاعتقاد، وقد أفاد بهذه المقترنة بالسين هدايته في الاستقبال بعد أن أفاد ~~بقوله المحكي في الشعراء {فهو يهدين} الهداية في الحال وكأنه خص هذا بالسين ~~لأجل ما عقبها به من عقبه، فجعل هدايتهم هدايته {وجعلها} أي جعل إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام هذه الكلمة التي هي التوحيد بدليله {كلمة باقية في ~~عقبه} أي ذريته دعا وهو مجاب الدعوة في قوله: {وأجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام} وفي قوله {ومن ذريتي ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} : {لعلهم يرجعون *} ~~أي ليكون حالهم حال # PageV17P416 # من ينظر إليهم إن حصل منهم مخالفة ms4453 واعوجاج حال من يرجى رجوعه، فإنهم إذا ~~ذكروا أن أباهم الأعظم الذي بنى لهم البيت وأورثهم الفخر قال ذلك تابعوه، ~~ويجوز أن يتعلق بما يتعلق به «إذ» أي اذكر لهم قول أبيهم ليكون حالهم عند ~~من يجهل العواقب حال من يرجى رجوعه عن تقليد الجهلة من الآباء إلى اتباع ~~هذا الأب الذي اتباعه لا يعد تقليدا لما على قوله من الأدلة التي تفوت ~~الحصر فتضمن لمتبعها حتما تمام النصر، وفي سوقه المترجي إشارة إلى أنهم ~~يكونون صنفين: صنفا يرجع وآخر لا يرجع. # PageV17P417 # ولما كان من المعلوم أن السامع يقول لمن أحاط علمه بهم ويعلم سرهم ~~وعلنهم: يا رب! بل رجعوا، أجيب بقوله: {بل} أي لم يرجعوا بل استمروا لأجل ~~إظهاري لقدرتي على القلوب بإقحام أربابها برضاهم واختيارهم في أقبح الخطوب ~~وأفحش الذنوب على ترك الطريق المنيع والصراط الأقوم وزاغوا عنه زيغا عظيما، ~~واستمروا في ضلالهم وتيههم ولم أعاجلهم بالعقوبة لأني {متعت} بإفراده ~~ضميرهم سبحانه لأن التمتيع يتضمن إطالة العمر التي لا يقدر عليها ظاهرا ولا ~~باطنا سواه وأما الانتقام فقد يجعله بأيدي عباده من الملائكة وغيرهم فهو من ~~وادي {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين} [ # PageV17P417 # القلم: 45] {هؤلاء} أي الذين بحضرتك من المشركين وأعداء الدين {وآباءهم} ~~فمددت من الأعمار مع سلامة الأبدان ومتانة الأركان، وإسباغ النعم والإعفاء ~~من البلايا والنقم، فأبطرتهم نعمي وأزهدتهم أيادي جودي وكرمي، وتمادى بهم ~~ركوب ذلك الباطل {حتى جاءهم الحق} بهذا الدين المتين {ورسول مبين} أي أمره ~~ظاهر في نفسه، لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهية تنبئك بالخبر وهو مع ~~ظهوره في نفسه مظهر لكل معنى يحتاج إليه، و {متعت} بالخطاب من لسان الرسول ~~المنزل عليه هذا الكتاب لأنه يدعو انتهازا للفرصة لعله يجاب بما يزيل الغصة ~~يقول: يا رب! قد أقمتهم لمن يجهل العواقب في مقام من يرجى رجوعه فما قضيت ~~بذلك بل متعت إلى آخره. # ولما كان التقدير: فلم يردهم التمتيع بإدرار النعم عليهم وإسراعنا بها ~~إليهم مع وضوح ms4454 الأمر لهم، بل كان الإنعام عليهم سببا لبطرهم، وكان البطر ~~سببا لتماديهم على الاستعانة بنعمتنا على عصيان أمرنا وهم يدعون أنهم أتبع ~~الناس للحق وأكفهم عن الباطل، عطف عليه قوله؛ {ولما جاءهم الحق} أي الكامل ~~في حقيته بمطابقة الواقع إياه من غير إلباس ولا اشتباه، الظاهر في كماله ~~لكل من له أدنى لب بما عليه القرآن من الإعجاز في نظمه، وما عليه ما يدعو ~~إليه # PageV17P418 # من الحكمة من جميع حكمه، والتصادق مع ما يعلمونه من دين إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام قبل أن يبدلوه ومن أمر موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام من ~~التوحيد، زادوا على تلك الغفلة التي أدى إليها البطر بالنعمة ما هو شر من ~~ذلك وهو التكذيب بأن {قالوا} مكابرة وعنادا وحسنا وبغيا من غير وقفة ولا ~~تأمل: {هذا} مشيرين إلى الحق الذي يطابقه الواقع، فلا شيء أثبت منه وهو ~~القرآن وغيره مما أتى به من دلائل العرفان {سحر} أي خيال لا حقيقة له، ولما ~~كان الحال مقتضيا من غير شك ولا وقفة لمعرفتهم لما جاء به وإذعانهم له ~~قالوا مؤكدين لمدافعه ما ثبت في النفوس من ذلك: {وإنا به كافرون} أي عريقون ~~في ستره بخصوصه حتى لا يعرفه أحد ولا يكون له تابع. # ولما أخبر عن طعنهم في القرآن أتبعه الإخبار عن طعنهم فيمن جاء به تغطية ~~لأمره عملا بأخبارهم في ختام ما قبلها عن أنفسهم بالكفر زيادة وإمعانا فيما ~~كانت النعم أدتهم إليه من البطر فقال: {وقالوا} لما قهرهم ما ذكروا به مما ~~يعرفونه من أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام من النبوة والرسالة، وكذا من ~~بعده من أولاده فلم يتهيأ لهم الإصرار على العناد بإنكار أن يكون النبي من ~~البشر قول من له أمر عظيم في التصرف في الكون والتحكم على الملك الذي # PageV17P419 # لا يسأل عما يفعل، فأنكروا التخصيص بما أتوا به من التخصيص في قولهم: ~~{لولا} أي هل لا ولولا. # ولما كان إنزال القرآن نجوما على حسب التدريج، عبروا بما يوافق ذلك ~~فقالوا: {نزل} أي من ms4455 المنزل الذي ذكره محمد صلى الله عليه وسلم وعينوا ~~مرادهم ونفوا اللبس فقالوا بقسر وغلظة كلمة على من يطلبهم لإصلاح حالهم ~~{هذا القرآن} أي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وادعى أنه جامع لكل ~~خير، ففيه إشارة إلى التحقير {على رجل من القريتين} أي مكة والطائف، ولم ~~يقل: إحدى - اغتناء عنها بوحدة رجل {عظيم} أي بما به عندهم من العظمة ~~والجاه والمال والسن ونحو ذلك وهم عالمون أن شأن الملك إنما هو إرسال من ~~يرتضونه لا من يقترحه الرعية، ويعلمون أن للملك المرسل له صلى الله عليه ~~وسلم الغني المطلق لكنهم جهلوا - مع أنه هو الذي أفاض المال والجاه - أنه ~~ندب إلى الزهد فيهما والتخلي عنهما، وأنه لا يقرب إليه إلا إخلاص الإقبال ~~عليه الناشئ عن طهارة الروح وذكاء الأخلاق وكمال الشمائل والتحلي بسائر ~~الفضائل والتخلي عن جميع الرذائل، فقد # PageV17P420 # جعلوا لإفراطهم في الجهل الحالة البهيمية شرطا للوصول إلى الحالة الملكية ~~المضادة لها بكل اعتبار. # ولما تضمن قولهم إثبات عظمة لأنفسهم بالاعتراض على الملك، قال منكرا ~~عليهم موبخا لهم بما معناه أنه ليس الأمر مردودا إليهم ولا موقوفا عليهم بل ~~هو إلى الله وحده {والله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] {أهم} أي ~~أهؤلاء الجهلة العجزة {يقسمون} أي على التجدد والاستمرار: ولفت القول عن ~~إفراد الضمير إلى صفة الرحمة المضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشريفا ~~له وإظهارا لعلي قدره: {رحمت ربك} أي إكرام المحسن إليك وإنعامه وتشريفه ~~بأنواع اللطف والبر وإعظامه بما رباك له من تخصيصك بالإرسال إليهم بتأهيلهم ~~للإنقاذ من الضلال، وجعلك وأنت أفضل العالمين الرسول إليهم ففضلوا بفضيلتك ~~مع أنك أشرفهم نسبا وأفضلهم حسبا وأعظمهم عقلا وأصفاهم لبا وأرحمهم قلبا ~~ليتصرفوا في تلك الرحمة التي هي روح الوجود وسر الأمر بحسب شهواتهم وهم لا ~~يقدرون على التصرف في المتاع الزائل بمثل ذلك. # ولما نفى أن يكون لهم شيء من القسم قال جوابا لمن كأنه # PageV17P421 # قال: فمن القاسم؟ دالا على بعدهم عن أن يكون إليهم شيء ms4456 من قسم ما أعد ~~لأديانهم بما يشاهدونه من بعدهم عن قسم ما أعد لأبدانهم، لافتا القوم عن ~~صفة الإحسان إلى مظهر العظمة إشارة إلى أنها تأبى المشاركة في شيء وتقتضي ~~التفرد: {نحن قسمنا} أي بما من العظمة {بينهم} أي في الأمر الذي يعمهم ~~ويوجب تخصيص كل منهم بما لديهم {معيشتهم} التي يعدونه رحمة ويقصرون عليها ~~النعمة {في الحياة الدنيا} التي هي أدنى الأشياء عندنا، وإشار إلى أنها ~~حياة ناقصة لا يرضاها عاقل، وأما الآخرة فعبر عنها بالحيوان لأنا لو تركنا ~~قسمها إليهم لتعاونوا على ذلك فلم يبق منهم أحد فكيف يدخل في الوهم أن يجعل ~~إليهم شيئا من الكلام في أمر النبوة التي هي روح الوجود، وبها سعادة ~~الدارين: {ورفعنا} بما لنا من نفوذ الأمر {بعضهم} وإن كان ضعيف البدن قليل ~~العقل {فوق بعض} وإن كان قويا عزيز العقل {درجات} في الجاه والمال ونفوذ ~~الأمر وعظم القدر لينتظر حال الوجود، فإنه لا بد في انتظامه من تشارك ~~الموجودين وتعاونهم، تفاوتنا بينهم في الجثث والقوى والهمم ليقتسموا ~~الصنائع، والمعارف والبضائع، ويكون كل ميسر لما خلق له، وجانحا إلى ما هي ~~له لتعاطيه، فلم يقدر أحد من دنيء أو غني أن يعدو قدره # PageV17P422 # وترتقي فوق منزلته. # ولما ذكر ذلك، علله بما ثمرته عمارة الأرض فقال: {ليتخذ} أي بغاية جهده ~~{بعضهم بعضا} ولما كان المراد هنا الاستخدام دون الهزء لأنه لا يليق ~~التعليل به، أجمع القراء على ضم هذا الحرف هنا فقال: {سخريا} أي أن يستعمله ~~فيما ينوبه أو يتعسر أو يتعذر عليه مباشرته ويأخذ للآخر منه من المال ما هو ~~مفتقر إليه، فهذا بماله، وهذا بأعماله، وقد يكون الفقير أكمل من الغني ~~ليكمل بذلك نظام العالم لأنه لو تساوت المقادير لتعطلت المعايش، فلم يقدر ~~أحد أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنيء فكيف يطمعون في الاعتراض ~~في أمر النبوة، أيتصور عاقل أن يتولى قسم الناقص ونكل العالي إلى غيرنا، ~~قال ابن الجوزي: فإذا كانت الأرزاق بقدر الله لا بحول المحتال ms4457 وهي دون ~~النبوة فكيف تكون النبوة - انتهى. وهذا هو المراد بقوله تعالى صارفا القول ~~عن مظهر العظمة والسلطان إلى الوصف بالإحسان إظهارا لشرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم {ورحمة ربك} أي المربي لك والمدبر لأمرك بإرسالك وإنارة الوجود ~~برسالتك التي هي لعظمتها جديرة بأن تضاف إليه ولا يسمى غيرك رحمة {خير مما ~~يجمعون} من الحطام الفاني فإنه وإن تأتي فيه خير باستعماله في وجوه البر ~~بشرطه، فهذا بالنسبة إلى النبوة، وما قارنا # PageV17P423 # مما دعا إلى الإعراض عن الدنيا متلاش. # PageV17P424 # ولما دلت صريح آية التمتيع وتلويح ما بعدها أن البسط في الرزق الموجب ~~للعلو مع أنه خسيس المنزلة ناقص المقدار مقتض للخروج عن السواء، وكان ~~التقدير: فنحن نخص بهذا الخير للأفراد في الأدوار الآحاد من الأبرار ~~لنستنقذ بهم من شئنا من الضلال ونعطي الحطام للعتاة الطغام الأرذال ابتلاء ~~للعباد ليبين لهم أهل البغي من أهل الرشاد، ولولا ما اقتضته حكمتنا بترتيب ~~هذا الوجود على الأسباب من المفاوتة بين الناس لقيام الوجود لساوينا بينهم، ~~وعطف: عليه قوله مذكرا بلطفه بالمؤمنين وبره لهم برفعه ما يقضتي لهم شديد ~~المجاهدة وعظيم المصابرة والمكابدة لحال تزل فيه الأقدام عن سنن الهدى من ~~الميل والإصغاء إلى مظان الغنى والملك وتمام المكنة والعظمة: {ولولا أن ~~يكون الناس} أي أهل التمتع بالأموال بما فيهم من الاضطراب والأنس بأنفسهم ~~{أمة واحدة} أي في الضلال بالكفر لاعتقادهم أن إعطاءنا المال دليل على ~~محبتنا لمن أعطيناه لحبهم الدنيا وجعلها محط أنظارها وهممهم إلا من عصم ~~الله {لجعلنا} أي في كل زمان وكل مكان بما لنا من العظمة التي لم يقدر أحد ~~على معارضتها لحقارة الدنيا عندنا وبغضنا لها # PageV17P424 # {لمن يكفر} وقوله: {بالرحمن} أي العام الرحمة دليل على حقارة الدنيا من ~~جهة إعطائها للمبعد الممقوت، وعلى أن صفة الرحمة مقتضية لتناهي بسط النعم ~~على الكافر لولا العلة التي ذكرها سبحانه من الرفق بالمؤمنين. # ولما كان تزيين الظرف دائما بحسب زينة المظروف، دل على ما لهم من ملابسهم ~~ومراكبهم وغير ذلك من أمورهم ms4458 بزينة المنازل، فقال مبدلا من {لمن} بدل ~~الاشتمال لأن سوقه على طريق الإبدال أروع: {لبيوتهم} أي التي ينزلونها ~~{سقفا} أي هذا الجنس في قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالموحدة بدليل قراءة ~~الباقين بضمتين جمعا {من فضة} كأنه خصها لإفادتها النور {ومعارج} أي من ~~فضة، وهي المصاعد من الدرج لأن المشي عليها مثل مشي الأعرج {عليها يظهرون} ~~أي يعلون ويرتقون على ظهورها إلى المعالي {ولبيوتهم أبوابا} أي من فضة ~~أيضا. # ولما كان إفراد السرير يوهم أنه واحد يدار به على الكل، جمع ليفهم أن لكل ~~واحد ما يخصه من الأسرة بخلاف السقف فإنه لا يهوم ذلك فلعله قرئ بإفراده ~~وجمعه، فقال: {وسررا} بالجمع خاصة، ودل # PageV17P425 # على هدوء بالهم وصفاء أوقاتهم وأحوالهم بقوله: {عليها يتكئون} ودل على ما ~~لا يتناهى من غير ذلك بقوله: {وزخرفا} أي ذهبا وزينة عامة كاملة. # ولما كان لفظ الزخرف دالا على كون ذلك أمرا ظاهريا متلاشيا عند التحقيق، ~~دل عليه بقوله مؤكدا لما تقرر في النفوس من أن السادة في مثل ذلك، وما كان ~~مقررا عندهم من أن السعيد في الأول سعيد في الآخرة على تقدير كونها: {وإن} ~~أي وما {كل ذلك} أي الأمر البعيد عن الخير لكونه في الأغلب مبعدا مما ~~يرضينا، ولأن صاحبه لا يزال فقيرا وإن استوسقت له الدنيا ملكا وملكا، لأنه ~~لا بد أن يبقى في نفسه شيء لا تبلغه قدرته فهو لا يزال مغبونا {لما} أي إلا ~~- هذا على قراءة عاصم وحمزة بالتشديد: وهي في قراءة الباقين بالتخفيف فارقة ~~بين النافية والمخففة، وما مؤكدة والخبر هو {متاع الحياة الدنيا} أي التي ~~اسمها دال على دناءتها وأن لها ضرة هي الآخرة، وهو منقطع بالموت، فلذلك ~~اقتضت رحمته أن لا يضيق على المؤمنين في الأغلب لأن السعة تنقصهم في الآخرة ~~ويطول الحساب {والآخرة} التي لا دار تعدلها بل لا دار الحقيقة إلى هي. # PageV17P426 # ولما كانت الإضافة إلى الجليل دالة على جلالة المضاف إليه فقال: {عند ~~ربك} وأشار بالوصف بالرب إلى أن الجلالة بالحسن والراحة، ms4459 وبالإضافة إليه ~~صلى الله عليه وسلم في أعلى الغايات {للمتقين} أي الذين هم دائما واقفون عن ~~أدنى تصرف إلا بدليل لا يشاركهم فيها غيرهم، وهذا لما ذكر عمر رضي الله عنه ~~كسرى وقيصر وما كانا فيه من النعم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا ترضى ~~أن يكون لهم الدنيا ولنا الأخرى» ولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة من ~~الجبابرة من زخرفة الأبنية وتركيب السقوف وغيرها من مساوئ الفتنة بأن يكون ~~الناس أمة واحدة بالكفر قرب الساعة حتى لا تقوم الساعة على من يقول: الله، ~~وفي زمن الدجال من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث إنهم لا عداد ~~لهم في جانب الكفرة لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة، وإن خرج مخرج الشرط ~~فكيف بملك الملوك. # ولما كان التقدير: ولكنا لم نجعل ذلك علما منا بأن الناس كادوا يكونون ~~أمة واحدة وإن كنا نقيض من جبلناه على الخير على الإيمان لكن ينقصه ما أوتي ~~في الدنيا من خطر في الآخرة لأن من وسع عليه في دنياه اشتغل في الأغلب عن ~~ذكر الله فنفرت منه الملائكة ولزمته الشياطين، فساقه ذلك إلى كل سوء، ومن ~~يتق الله فيديم ذكره يؤيده # PageV17P427 # بملك فهو له معين، عطف عليه قوله معبرا عن غفلة البصيرة بالعشا الذي هو ~~ضعف البصر تصورا لمن ينسى ذكر الله بأقبح صورة تنفيرا عن ذلك {من يعش} أي ~~يفعل فعل المعاشي، وهو من شاء بصره بالليل والنهار أو عمي على قراءة شاذه ~~وردت عن يعقوب بفتح الشين وركب الأمور متجاوزا {عن ذكر الرحمن} الذي عمت ~~رحمته، فلا رحمة على أحد إلا وهي منه كما فعل هؤلاء حين متعناهم وآباءهم ~~حيث أبطرهم ذلك، وهو شيء يسير جدا، فأعرضوا عن الآيات والدلائل فلم ينظروا ~~فيها إلا نظرا ضعيفا كنظر من عشي بصره {نقيض} أي نقرر ونسلط ونقدر عقابا ~~{له} على إعراضه عن ذكر الله {شيطانا} أي شخصا ناريا بعيدا من الرحمة يكون ~~غالبا محيطا به مضيقا عليه مثل ms4460 قيض البيضة وهو القشر الداخل {فهو له قرين} ~~مشدود به كما يشد الأسير، ملازم فلا يمكنه التخلص منه ما دام متعاميا عن ~~ذكر الله، فهو يزين له العمى ويخيل إليه أنه على عين الهدى، كما أن من ~~يستبصر بذكر الرحمن يسخر له ملك فهو له ولي يبشره بكل خير، فذكر الله حصن ~~حصين من الشيطان، متى خرج العبد منه أسره العدو كما ورد في الحديث، قال في ~~القاموس: # PageV17P428 # العشى مقصور: سوء البصر بالليل والنهار أو العمى، عشى كرضى ودعا، والعشوة ~~بالضم والكسر: ركوب الأمر على غير بيان، قال ابن جرير: وأصل العشو النظر ~~بغير ثبت لعلة في العين، وقال الرازي في اللوامع: وأصل اللغة أن العين ~~والشين والحرف المعتل يدل على ظلام وقلة وضوح في الشيء. # ولما كانت {من} عامة، وكان القرين للجنس، وأفرده لأنه نص على كل فرد، ~~فكان التقدير: فإنهم ليحملونهم على أنواع الدنايا ويفتحون لهم أبواب ~~الرذائل والبلايا، ويحسنون لهم ارتكاب القبائح والرزايا، عطف عليه قوله ~~مؤكدا لما في أنفس الأغلب - كما أشار إليه آخر الآية - أن الموسع عليه هو ~~المهتدي، جامعا دلالة على كثرة الضال: {وإنهم} أي القرناء {ليصدونهم} أي ~~العاشين {عن السبيل} أي الطريق الذي من حاد عنه هلك، لأنه لا طريق في ~~الحقيقة سواه. # ولما كانت الحيدة عن السبيل إلى غير سبيل، بل إلى معاطب لا يهتدي فيها ~~دليل، عجبا، أتبعه عجبا آخر فقال: {ويحسبون} أي العاشون مع سيرهم في ~~المهالك لتزيين القرناء بإحضار الحظوظ والشهوات وإبعاد المواعظ: {أنهم ~~مهتدون} أي عريقون في هذا الوصف لما يستدرجون به من التوسعة عليهم والتضييق ~~على الذاكرين. # ولما كان من ضل عن الطريق، ومن ظن أنه على صواب لا يكاد # PageV17P429 # يتمادى بل ينجلي له الحال عن قرب ضم إلى العجبين الماضيين عجبا ثالثا ~~بيانا له على ما تقديره: ونملي لهذا العاشي استدراجا له وابتلاء لغيره ونمد ~~ذلك طول حياته {حتى} وحقق الخبر بقوله: {إذا} ولما علم من الجمع فيما قيل ~~أن المراد الجنس، وكان التوحيد أدل دليل ms4461 على تناول كل فرد، فكان التعبير به ~~أهول، وكان السياق دالا على من الضمير له قال: {جاءنا} أي العاشي، ومن قرأ ~~بالتثنية أراد العاشي والقرين {قال} أي العاشي تندما وتحسرا لا انتفاع له ~~به لفوات محله وهو دار العمل: {يا ليت بيني وبينك} أيها القرين {بعد ~~المشرقين} أي ما بين المشرق والمغرب على التغليب - قاله ابن جرير وغيره، أو ~~مشرق الشتاء والصيف أي بعد أحدهما عن الآخر؛ ثم سبب عن هذا التمني قوله ~~جامعا له أنواع المذام: {فبئس القرين} أي إني علمت أنك الذي أضلني وأوصلني ~~إلى هذا العيش الضنك والمحل الدحض وأحسست في هذا الوقت بذلك الذي كنت ~~تؤذيني به أنه أذى # PageV17P430 # بالغ، فكنت كالذي يحك جسمه لما به من قروح متأكلة حتى يخرج منه الدم فهو ~~في أوله يجد له لذة بما هو مؤلم له في نفسه غاية الإيلام. # ولما كان الإيلام قد يؤذي الجسد، وكان التقدير حتما بما هدى إليه السياق ~~فيقال لهم: فلن ينفعكم ذلك اليوم يوم جئتمونا إذ تمنيتهم هذا التمني حين ~~عاينتم تلك الأهوال اشتراككم اليوم في يوم الدنيا في الظلم وتمالؤكم عليه ~~ومنافرة بعضكم لبعض، عطف عليه قوله: {ولن ينفعكم اليوم} أي في الدنيا شيئا ~~من نفع أصلا {إذ} حين {ظلمتم} حال كونكم مشتركين في الظلم متعاونين عليه ~~متناصرين فيه، وكل واحد منكم يقول لصاحبه سرورا به وتقربا إليه وتوددا: يا ~~ليت أنا لا نفترق أبدا فنعم القرين أنت، فيقال لهم توبيخا: {أنكم في ~~العذاب} أي العظيم، وقدمه اهتماما بالزجر به والتخويف منه {مشتركون} # PageV17P431 # أي اشتراككم فيه دائما ظلمكم أنفسكم ظلما باطنا بأمور أخفاها الطبع على ~~القلوب وهو موجب للارتباك في أشراك المعاصي الموصلة إلى العذاب الظاهر يوم ~~التمني ويوم القيامة عذابا ظاهرا محسوسا، وذلك كمن يجرح جراحة بالغة وهو ~~مغمي عليه فهو معذب بها قطعا، ولكنه لا يحس إلا إذا أفاق فهو كما تقول ~~لأناس يريدون أن يتمالؤوا على قتل نفس محرمة: لن ينفعكم اليوم إذ تتعاونون ~~على قتله اشتراككم غدا في ms4462 الهلاك بالسجن الضيق والضرب المتلف وضرب الأعناق، ~~مرادك بذلك زجرهم عن ظلمهم بتذكيرهم بأنهم يصلون إلى هذا الحال ويزول ما هم ~~فيه من المناصرة فلا ينفعهم شيء منها - والله الموفق، فالآية من الاحتباك، ~~وبه زال عنها ما كان من إعراب المعربين لها موجبا للارتباك «فيا ليت» - إلى ~~آخره، دال على تقدير ضده ثانيا «ولن ينفعكم» - إلى آخره، دال على تقدير ~~مثله أولا. # PageV17P432 # ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الإرادة لإقبالهم يكاد يقتل نفسه أسفا ~~إدبارهم، وكان هذا الزجر الذي لا يسمعه من له أدنى # PageV17P432 # عقل إلا خلع قلبه فرجع عن غيه وراجع رشده قد تلا عليهم فلم ينتفعوا به، ~~فكان كأنه قيل: إن هؤلاء لصم عمي محيط بهم الضلال إحاطة لا يكادون ينفكون ~~عنه من كل جانب، فلا وصول لأحد إلى إسماعهم ولا تبصيرهم ولا هدايتهم، قال ~~بانيا عليه مسببا عنه تخفيفا على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقاسي من ~~الكرب في المبالغة في إبلاغهم حرصا على إقبالهم والغم من إعراضهم بهمزة ~~الإنكار الدالة على نفي ما سيقت له: {أفأنت} أي وحدك من غير إرادة الله ~~تعالى {تسمع الصم} وقد أصممناهم بما صببنا في مسامع أفهامهم من رصاص الشقاء ~~{أو تهدي العمي} الذين أعميناهم بما غشينا به أبصار بصائرهم من أغشية ~~البلادة والخسارة، فصار ما اختارون لأنفهسم من العشى عميا مقرونا بصممهم ~~{ومن كان} أي جبلة وطبعا {في ضلال مبين} أي بين في نفسه أن ضال وأنه محيط ~~بالضلال مظهر لكل أحد ذلك، فهو بحيث لا يخفى على أحد، فالمعنى: ليس شيء من ~~ذلك إليك، بل هو إلى الله القادر على كل شيء، وأما أنت فليس عليك إلا ~~البلاغ. # PageV17P433 # ولما كان هذا كالمؤيس منهم، وكان اليأس من صلاح الخصم موجبا لتمني الراحة ~~منه بموت أحدهما، سبب عن التقديرين قوله مبينا أن الإملاء لهم ليس لعجز ~~عنهم ولا لإخلاف في الوعد، مؤكدا بالنون و «ما» ثم «أنا» والاسمية لمن يظن ~~خلاف ذلك، ولأنه صلى الله عليه وسلم مشرف عنده ms4463 سبحانه وتعالى معظم لديه ~~فذهابه به مما يستبعد، ومن حقه أن ينكر، وكذا إراءته ما توعدهم به لأن ~~المظنون إكرامهم لأجله: {فإما نذهبن بك} أي من بين أظهرهم بموت أو غيره ~~{فإنا منهم} أي الذين تقدم التعريض بأنهم صم عمي ضلال لأنهم لن تنفعهم ~~مشاعرهم {منتقمون} أي بعد فراقك لأن وجودك بين أظهرهم هو سبب تأخير العذاب ~~عنهم {أو نرينك} وأنت بينهم {الذي وعدناهم} أي من العذاب وعبر فيه بالوعد ~~ليدل على الخير بلفظه وعلى الشر بأسلوبه فيعم {فإنا} بما تعلم من عظمتنا ~~التي أنت أعلم الخلق بهم {عليهم مقتدرون} على كلا التقديرين، وأكد ب «أن» ~~لأن أفعالهم أفعال من ينكر قدرته، وكذا بالإتيان # PageV17P434 # بنون العظمة وصيغة الافتعال، وأحد هذين التقديرين سبق العلم الأزلي بأنه ~~لا يكون، فالآية من أدلة القدرة على المحال لغيره وهي كثيرة جدا، وقد أكرم ~~الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم عن أن يريه شيئا يكرهه في أمته حتى ~~قبض. # ولما أوقف سبحانه السامع بهاتين الشرطيتين بين الخوف والرجاء لبيان ~~الاستبداد بعلم الغيب تغليبا للخوف، وأفهم السياق وإن كان شرطا أن الانتقام ~~منهم أمر لا بد منه، وأنه لا قدرة لأحد على ضرهم ولا نفعهم إلا الله، سبب ~~عنه قوله: {فاستمسك} أي أطلب وأوجد بجد عظيم على كل حال الإمساك {بالذي ~~أوحي إليك} من حين نبوتك وإلى الآن في الانتقام منهم وفي غيره. # ولما كان المقام لكثرة المخالف محتاجا إلى تأكيد يطيب خواطر الأتباع ~~ويحملهم على حسن الاتباع، علل ذلك بقوله: {إنك على صراط} أي طريق واسع واضح ~~جدا: {مستقيم} موصل إلى المقصود لا يصح أصلا أن يلحقه شيء من عوج، فإذا ~~فعلت ذلك لم يضرك شيء من نقمتهم. # ولما أثبت حسنه في نفسه المتقضي للزومه، عطف عليه نفعه # PageV17P435 # لهم. وأكد لإنكارهم فقال: {وإنه} أي الذي أوحى إليك في الدنيا {لذكر} أي ~~شرف عظيم جدا وموعظة وبيان، عبر عن الشرف بالذكر للتنبيه على أن سببه ~~الإقبال على الذكر وعلى ما بينه وشرعه والاستمساك به والاعتناء ms4464 بشأنه: {لك ~~ولقومك} قريش خصوصا والعرب عموما وسائر من اتبعك ولو كان من غيرهم من جهة ~~نزوله على واحد منهم وبلسانهم، فكان سائر الناس تبعا لهم ومن جهة إيراثه ~~الطريقة الحسنى والعلوم الزاكية الواسعة وتأثيره الظهور على جميع الطوائف ~~والإمامة لقريش بالخصوص كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال هذا الأمر في ~~قريش ما بقي في الناس اثنان ما أقاموا الدين» فمن أقام هذا الدين كان شريفا ~~مذكورا في ملكوت السماوات والأرض، قال ابن الجوزي: وقد روى الضحاك عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل: لمن هذا ~~الأمر، من بعدك، لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سئل ~~قال: لقريش - وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم من هذا أنه يلي ~~على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن، وأن قومه يخلفونه من بعده في ~~الولاية بشرف القرآن الذي أنزل على رجل # PageV17P436 # منهم - انتهى. # ولما كان التقدير: فسوف تشرفون على سائر الملوك وتعلمون، عطف عليه قوله: ~~{وسوف تسألون} أي تصيرون في سائر أنواع العلم محط رحال السائلين دنيا ودنيا ~~بحيث يسألكم جميع أهل الأرض من أهل الكتاب ومن غيرهم عما يهمهم من أمر ~~دينهم ودنياهم لما يعتقدون من أنه لا يوازيكم أحد في العلم بعد أن كنتم ~~عندهم أحقر الأمم ضعفا وجهلا كما وقع لبني إسرائيل حيث رفعهم الله، وكان ~~ذلك أبعد الأشياء عند فرعون وآله، ولذلك كانوا يتضاحكون استهزاء بتلك ~~الآيات وينسبون الآتي بها إلى ما لا يليق بمنصبه العالي من المحالات، ~~وتسألون عن حقه وأداء شكره وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له، وهذا بوعد ~~صادق لا خلف فيه أصلا. # ولما أبطل سبحانه إلهية غيره التي أدى إليها الجهل، واستمر إلى أن ختم ~~بالعلم الموجب لمعرفة الحق، فكان التقدير إبطالا لشبهتهم الوهمية القائلة ~~{لو شاء الرحمن ما عبدناهم} : فاستحضر جميع ما أوحى إليك وتأمله غاية ~~التأمل، هل ترى فيه خفاء في الإلهية لشيء دون ms4465 الله، عطف عليه قوله نفيا ~~لدليل سمعي كما أشير إليه بقوله {أم آتيناهم كتابا} {واسأل من أرسلنا} أي ~~على ما لنا من العظمة. ولما كان الممكن تعرفه من آثار الرسل إنما هو لموسى ~~وعيسى ومن بينهما من أنبياء بني # PageV17P437 # إسرائيل عليهم الصلاة والسلام الحافظ لسنتهم من التوراة والإنجيل والزبور ~~وسفر الأنبياء، قال مثبتا للجار المفهم لبعض الزمان: {من قبلك} . # ولما كان أتباعهم قد غيروا وبدلوا فلم تكن بهم ثقة، عبر بالرسل فقال: {من ~~رسلنا} أي بقراءة أتباعهم لكتبهم التي حرفوا بعضها، وجعلت كتابك مهيمنا ~~عليها فإنهم إذا قرؤوها بين يديك وعرضوها عليك علمت معانيها وفضحت تحريفهم ~~وبينت اتفاق الكتب كلها برد ما ألبس عليهم من متشابهها إلى محكمها، فالمراد ~~من هذا نحو المراد من آية يونس {فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك} [رقم: ~~94] ومن آية الأنبياء {هذا ذكر من معي وذكر من قبلي} [رقم: 24] مع زيادة ~~الإشارة إلى تحريفهم، فالمسؤول في الحقيقة القرآن المعجز على لسان الرسول ~~الذي شهدت له جميع الرسل الذين أخذ عليهم العهد بالإيمان به والمتابعة له، ~~وبهذا التقرير ظهر ضعف قول من قال: إن المراد سؤال الرسل حقيقة لما جمعوا ~~له صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس ليلة الإسراء، فإنه ليس المراد من هذا ~~إلا تبكيت الكفار من العرب وممن عزهم من أهل الكتاب بقولهم: دينكم خير من ~~دينه وأنتم أهدى سبيلا منه، فإنهم # PageV17P438 # إذا أحضروا كتبهم علمت دلالتها القطعية على اختصاصه سبحانه بالعبادة كما ~~بينته في كتابي هذا يرد المتشابه منها إلى المحكم، وجعلها ابن جرير مثل ~~قوله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] وقال: ومعلوم أن معنى ذلك: فردوه إلى ~~كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال: فاستغنى بذكر الرسل عن ذكر ~~الكتب. وهو عين ما قلته، ولو كان المراد حقيقة السؤال وسؤال جميع الرسل ~~لقال «قبلك» بإسقاط «من» ليستغرق الكل - والله أعلم. # ولما ذكر المسؤول مفخما له بما اقتضته العبارة ms4466 من الإرسال والإضافة إليه، ~~ذكر المسؤول عنه بقوله تعالى: {أجعلنا} أي أبحنا وأمرنا ورضينا على ما لنا ~~من العظمة والقدرة التامة، مما ينافي ذلك، وقرر حقارة ما سواه بقوله: {من ~~دون} وزاد بقوله: {الرحمن} أي الذي رحمته عمت جميع الموجودات {آلهة} ولما ~~كان قد جعل لكل قوم وجهة يتوجهون في عبادتهم إلها، وشيئا محسوسا بغلبة ~~الأوهام على الأفهام يشهدونه وكان ربما تعنت به متعنت، قال محترزا: ~~{يعبدون} أي من عابد ما بوجه ما. # PageV17P439 # ولما كان المترفون مولعين بأن يزدروا من جاءهم بالرد عن أغراضهم الفاسدة ~~بنوع من الازدراء كما قال كفار قريش {لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم} ولا يزالون يردون هذا وأمثاله من الضلال حتى يقهرهم ذو ~~الجلال بما أتتهم به رسله إما بإهلاكهم أو غيره وإن كانوا في غاية القوة، ~~أورد سبحانه قصة موسى عليه الصلاة والسلام شاهدة على ذلك بما قال فرعون ~~لموسى عليه الصلاة والسلام من نحو ذلك ومن إهلاكه على قوته وإنجاء بني ~~إسرائيل على ضعفهم، وتسلية للنبي صلى عليه وسلم وترجية. # PageV17P440 # ولما كان التقدير: فلقد أرسلنا جميع رسلنا وهم أشرف الخلق بالتوحيد الذي ~~جئت به، وما كنا في إرسالنا إياهم مراعين لما يريده الأمم من جاه أو مال أو ~~غير ذلك، فلا وجه للاتكال عليك فيما أرسلناك به من التوحيد وغيره، ولا ~~لمعاداتك فيه، عطف عليه أول من أرشد إلى سؤال أتباعهم فقال مؤكدا أجل ما ~~يعاندون به من إنكار الرسالة، وأتى بحرف التوقع لما اقتضاه من الأمر بسؤال ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام: {ولقد أرسلنا} أي بما ظهر من عظمتنا. # ولما كان الإرسال منه سبحانه ليس على حسب العظمة في الدنيا # PageV17P440 # بما يراه أهلها كما قال هؤلاء {لولا نزل هذا القرآن} - الآية، قال مناقضا ~~لهم: {موسى} أي الذي كان فرعون يرى أنه أحق الناس بتعظيمه لأنه رباه وكفله ~~{بآياتنا} أي التي قهر بها عظماء الخلق وجبابرتهم، فدل ذلك على صحة دعواه ~~وعلى جميع الآيات لتساويها في القدرة وخرق العادة. ولما كان ms4467 السياق لسؤال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الرسل عن أمر التوحيد، كانت الآيات كافية، فلم ~~يذكر السلطان لأنه للقهر والغلبة: {إلى فرعون} أي لأنه طغى وبغى وادعى أنه ~~هو الرب الأعلى ووافقه الضالون: {وملأه} الذين جعلهم آلهة دونه وعبدهم ~~قومهم فلم يقرهم على ذلك لأنا ما رضيناه {فقال} بسبب إرسالنا {إني رسول} ~~وأكد لأجل إنكارهم ما أنكره قومك من الرسالة. ولما كان الإحسان سببا ~~للإذعان قال: {رب العالمين*} أي مالكهم ومربيهم ومدبرهم. # ولما كانوا قد فعلوا من الرد لرسالته صلى الله عليه وسلم والاستهزاء بها ~~ما فعلته قريش، قال مسليا للنبي صلى الله عليه وسلم ومهددا لهم تسبيبا عما ~~تقديره: فقالوا له ائت بآية، فأتى بها على ما تقدم غير مرة بما هو كالشمس ~~بيانا وحسنا: {فلما جاءهم بآياتنا} بالإتيان بآيتي # PageV17P441 # اليد والعصا اللتين شهدوا فيهما عظمتنا ودلتاهم على قدرتنا على جميع ~~الآيات {إذا هم} أي بأجمعهم استهزاء برسولنا، وطال ما يضحك عليهم هو ومن ~~آمن برسالته وبما جاء به عنا يوم الحسرة والندامة {منها يضحكون} أي فاجؤوا ~~المجيء بها من غير توقف ولا كسل بالضحك سخرية واستهزاء. # ولما كان ربما ظن ظان أن في الآيات ما يقبل شيئا من ذلك، بين حالها ~~سبحانه بقوله: {وما} أي والحال أنا ما {نريهم} على ما لنا من الجلال والعلو ~~والكمال، وأعرق في النفي بإثبات الجار وأداة الحصر لأجل من قد يتوهم أنهم ~~معذورون في ضحكهم فقال: {من آية إلا هي أكبر} أي في الرتبة {من أختها} أي ~~التي تقدمت عليها بالنسبة إلى علم الناظرين لها لأن الآدمي لما له من ~~النسيان إذا أتاه الثاني من المتساويين رأى جميع من أتاه ناسيا ولا بعض من ~~أتى الأول فيقطع بأنه أكبر منه، أو أن هذا كناية عن أنها كلها في نهاية ~~العظمة كما قال شاعرهم: # «من تلق منهم # PageV17P442 # تقل لاقيت سيدهم» ... أو أن بينها في الكبر عموما وخصوصا من وجه، وأحسن ~~من ذلك ما أشار إليه ابن جرير من أن كل آية أوضح في ms4468 الحجة عليهم وأوكد مما ~~قبلها، لأنها دلت على ما دلت عليه وزادت ما أفادته المعاضدة من الضخامة ~~فصارت هي مع ما قبلها أكبر مما قبلها عند ورودها وإقامة الحجة بها. # ولما كان التقدير: فاستمروا على كفرهم ولم يرجعوا لشيء من الآيات لأنا ~~أصممناهم وأعميناهم وأحطنا بهم الضلال لعلمنا بحالهم، عطف عليه قوله: ~~{وأخذناهم} أي أخذ قهر وغلبة {بالعذاب} أي كله لأنا واترنا عليهم ضرباته ~~على وجه معلم بأنا قادرون على ما نريد منه فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع والدم {آيات مفصلات} والقطع: البرد الكبار الذي لم يعهد ~~مثله ملتهبا بالنار، وموت الأبكار، فكانت آيات على صدق موسى عليه الصلاة ~~والسلام بما لها من الإعجاز، وعذابا لهم في الدنيا موصولا بعذاب الآخرة، ~~فيا لها من قدرة باهرة وحكمة ظاهرة {لعلهم يرجعون} أي ليكون حالهم عند ~~ناظرهم الجاهل بالعواقب حال من يرجى رجوعه. # ولما كان فرعون في كثير من الضربات التي كان يضربه بها # PageV17P443 # سبحانه - كما مضى في الأعراف عن التوراة - يقول لموسى عليه الصلاة ~~والسلام: قد أخطأت والرب بار وأنا وشعبي فجار، فصلينا بين يدي الرب فإنه ذو ~~إمهال وأناة، فيصرف عني كذا، فإذا صرف الله ذلك عنهم عاد على ما كان عليه ~~من الفجور، كان فعله ذلك فعل من لا يعتقد أنه موسى عليه الصلاة والسلام نبي ~~حقيقة، بل يعتقد أنه ساحر، وأن أفعاله إنما هي خيال، فكذلك عبر عن هذا ~~المعنى بقوله عطفا على ما تقديره، فلم يرجعوا: {وقالوا} أي فرعون بالمباشرة ~~وأتباعه بالموافقة له: {يا أيها الساحر} فنادوه بأداة البعد مع الإفهام ~~بقالوا دون «نادوا» أنه حاضر إشارة إلى بعده من قلوبهم، والتعبير بهذا ~~توبيخ لقريش بالإشارة إلى أنهم وغيرهم ممن مضى يرمون الرسول بالسحر ويقرون ~~برسالته عند الحاجة إلى دعائه في كشف ما عذبهم ربهم به، وذلك قادح فيما ~~يدعون من الثبات والشجاعة والعقل والإنصاف والشهامة، وذلك كما وقع لقريش ~~لما قال النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف» ~~فقحطوا، فلما اشتد ms4469 عليهم البلاء أتى أبو سفيان بن حرب إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالمدينة الشريفة فقال: يا محمد! إنك قد جئت بصلة الأرحام وإن ~~قومك قد هلكوا فادع الله لهم، فدعا لهم فأغيثوا، فلا شك أن ترجمة حالهم هذا ~~الذي ذكره الله من التناقض الذي لا يرضاه لنفسه عاقل، وهو وصفه بالسحر # PageV17P444 # وطلب الدعاء منه يمنع اعتقاد أنه ساحر، واعتقاد أنه ساحر يمنع طلب الدعاء ~~منه عند العاقل {ادع لنا ربك} أي المحسن إليك بما يفعل معك من هذه الأفعال ~~التي نهيتنا بها إكراما لك {بما} أي بسبب ما {عهد عندك} من أنه يفعل من ~~وضعها ورفعها على ما تريد على ما أخبرتنا أنه إن آمنا أكرمنا، وإن تمادينا ~~أهاننا، ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكدا تقريبا لحالهم البعيدة من الاعتداء بما ~~يخبر به شاهد الوجود: {إننا لمهتدون} أي اهتداء ثابتا يصير لنا وصفا لازما ~~عند كشف ذلك عنا. # ولما كان العاقل لا يخبر عن نفسه إلا بما هو صحيح، فكيف إذا كان عظيما ~~بين قومه فكيف إذا أكد ذلك بأنواع من التأكيد، فكان السامع لهذا الكلام ~~يقطع بصدقه، بين تعالى ما يصحح أن حالهم حال من يعتقد أنه ساحر بأنهم ~~أسرعوا الخيانة بالكذب فيه من غير استحياء ولا خوف، فقال معبرا بالفاء ~~دلالة على ذلك: {فلما كشفنا} على ما لنا من العظمة التي ترهب الجبال {عنهم ~~العذاب} أي الذي أنزلناه بهم {إذا هم ينكثون} أي فاجؤوا الكشف بتجديد النكث ~~بإخلاف بعد إخلاف {ونادى فرعون} أي زيادة على نكثه {في قومه} أي الذين لهم ~~غاية القيام معه، وأمر كلا منهم أن يشيع قوله إشاعة تعم البعيد كما تشمل ~~القريب فتكون كأنها مناداة إعلاما # PageV17P445 # بأنه مستمر على الكفر لئلا يظن بعضهم أنه رجع. ولما كان كأنه قيل: لم ~~نادى؟ أجاب بقوله: {قال} أي خوفا من إيمان القبط لما رأى من أن ما شاهدوا ~~من باهر الآيات مثله يزلزل ويأخذ بالقلوب: {يا قوم} مستعطفا لهم بإعلامهم ~~بأنهم لحمة واحدة، ومستنهضا بوصفهم بأنهم ذوو ms4470 قوة على ما يحاولونه، مقررا ~~لهم على عذره في نكثه بقوله: {أليس لي} أي وحدي {ملك مصر} أي كله، فلا ~~اعتراض على بني إسرائيل ولا غيرهم، لينتج له ذلك على زعمه أن غلبته على بني ~~إسرائيل ومقاهرته على إخراجهم من تحت يده بغى على من له الملك فتكون فسادا ~~فلا بأس عليه إذا خدع من فعل به ذلك بما عاهده عليه عند مس الضر، ولم يقرأ ~~بالصرف ليكون نصا على مراده من العلمية، ولأن المصر يطلق على المدينة ~~الواحدة، والتنوين يأتي للتحقير وهو ضد مراده. # ولما كان قد حصل له مما رأى من الآيات وورد عليه من تلك الضربات بأنواع ~~المثلات ما أدهشه بحيث صار في عداد من # PageV17P446 # يشك أتباعه في ملكه، دل عليه بما بناه من الحال: {وهذه} أي والحال أن هذه ~~{الأنهار} وكأنه كان قد أكثر من تشقيق الخلجان إلى بساتينه وقصوره، ونحو ~~ذلك من أموره فقال: {تجري من تحتي} أي من أي موضع أردته بما لا يقدر عليه ~~غيري، وزاد في التقرير بقوله: {أفلا تبصرون} أي الذي ذكرته لكم فتعلموا ~~ببصائر قلوبكم أنه لا ينبغي لأحد أن ينازعني، وهذا لعمري قول من ضعفت قواه ~~وانحلت عراه. # PageV17P447 # ولما أرشد السياق إلى أن التقدير: أفهذا الذي جاء يسلبنا عبيدنا بني ~~إسرائيل خير عندكم مني؟ نسق عليه قوله: {أم أنا خير} مع ما وصفت لكم من ~~ضخامتي وما لي من القدرة على إجراء المياه التي بها حياة كل شيء، ونقل ابن ~~الجوزي وغيره من المفسرين عن سيبويه وأستاذه الخليل أنها معادلة لتقريرهم ~~بالإبصار، فكأنه قال: أفلا تبصرون ما ذكرتكم به فترون لعدم إبصاركم أنه خير ~~مني أم أنا خير منه لأنكم لا تبصرون، وكان هو أحق بهذه النصيحة منهم فإنه ~~أراهم الطريق الواضحة إلى الضلال والموصلة إليه من غير مشقة ولا تعب بقوله: ~~أفلا تبصرون أم أنتم بصراء، فيكون ذلك احتباكا تقديره: أفلا تبصرون ما # PageV17P447 # نبهتكم عليه، فذكر الإبصار أولا دليلا على حذف مثلها ثانيا والخيرية ~~ثانيا دليلا على حذف ms4471 مثلها أولا، وحقر من عظمة الآتي له بتلك الآيات صلى ~~الله عليه وسلم لئلا يسرع الناس إلى اتباعه لأن آياته - لكونها من عند الله ~~- كالشمس بهجة وعلوا وشهرة فقال: {من هذا} فكنى بإشارة القريب عن تحقيره، ~~ثم وصفه بما يبين مراده فقال: {الذي هو مهين} أي ضعيف حقير قليل ذليل، لأنه ~~يتعاطى أموره بنفسه، وليس له ملك ولا قوة يجري بها نهرا ولا ينفذ بها أمرا ~~{ولا يكاد يبين} أي لا يقرب من أن يعرب عن معنى من المعاني لما في لسانه من ~~الحبسة فلا هو قادر في نفسه ولا له قوة بلسانه على تصريف المعاني وتنويع ~~البيان يستجلب القلوب ويدهش الألباب فيكثر أتباعه ويضخم أمره، وقد كذب في ~~جميع قوله، فقد كان موسى عليه الصلاة والسالم أبلغ أهل زمانه قولا وفعلا ~~بتقدير الله الذي أرسله له وأمره إياه ولكن الخبيث أسند هذا إلى ما بقي في ~~لسانه من الحبسة تخييلا لأتباعه لأن موسى عليه الصلاة والسلام ما دعا ~~بإزالة حبسته بل بعقدة منها. # ولما كان عند فرعون وعند من كان مثله مطموس البصيرة فاقد # PageV17P448 # الفهم وقوفا مع الوهم أن القرب من الملوك والغلبة على الأمور لا تكون إلا ~~بكثرة الأعراض الدنيوية، والتحلي بحلي الملوك، سبب عن ادعائه لرسالته عن ~~ملك الملوك اللازمة للقرب منه قوله: {فلولا} ولما كانت الكرامات والحبى ~~والخلع تلقى على المكرم بها إلقاء، عبر به فقال: {ألقي} أي من أي ملق كان ~~{عليه} من عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة {أسورة} جمع أسورة - ~~قاله الزجاج، وصرف لصيرورته على وزن المفرد نحو علانية وكراهية، والسوار: ~~ما يوضع في العصم من الحلية {من ذهب} ليكون ذلك أمارة على صدق صحة دعواه ~~كما نفعل نحن عند إنعامنا على أحد من عبيدنا بالإرسال إلى ناحية من النواحي ~~لمهم من المهمات {أو جاء معه} أي صحبته عندما أتى إلينا بهذا النبأ الجسيم ~~والملم العظيم {الملائكة} أي هذا النوع، وأشار إلى كثرتهم بما بين من الحال ~~بقوله: {مقترنين} أي يقارن بعضهم ms4472 بعضا بحيث يملؤون الفضاء ويكونون في غاية ~~القرب منه بحيث يكون مقارنا لهم ليجاب إلى هذا الأمر الذي جاء يطلبه كما ~~نفعل نحن # PageV17P449 # إذا أرسلنا رسولا إلى أمر يحتاج إلى دفاع وخصام ونزاع، فكان حاصل أمره ~~كما ترى أنه تعزز بإجراء المياه، فأهلكه الله بها إيماء إلى أن من تعزز ~~بشيء دون الله أهلكه الله به، واستصغر موسى عليه الصلاة والسلام وعابه ~~بالفقر والغي فسلطه إشارة إلى أنه ما استصغر أحد شيئا إلا غلبه - أفاده ~~القشيري. # ولما كان كلامه هذا واضعا له عند من تأمل لا رافعا، وكان قد مشى على ~~أتباعه لأنهم مع المظنة دون المنة، فهم أذل شيء لمن ثبتت له رئاسته دنيوية ~~وإن صار ترابا، وأعصى شيء على من لم تفقه له الناس وإن فعل الأفاعيل ~~العظام، تشوف السامع إلى ما يتأثر عنه فقال: {فاستخف} أي بسبب هذه الخدع ~~التي سحرهم بها في هذا الكلام الذي هو في الحقيقة محقر له موهن لأمره قاصم ~~لملكه عند من له لب {قومه} الذين لهم قوة عظيمة، فحملهم بغروره على ما ~~كانوا مهيئين له في خفة الحلم {فأطاعوه} بأن أقروا بملكه وأذعنوا لضخامته ~~واعترفوا بربوبيته وردوا أمر موسى عليه الصلاة والسلام. # ولما كان كلامه كما مضى أعظم موهن لأمره وهو منقوض # PageV17P450 # على تقدير متانته بأن موسى صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليه وسلم أتى ~~بما يغني عما قاله من الأساورة وظهور الملائكة بأنه مهما هددهم فعله ومهما ~~طلبوه منه أجابهم إليه، فلم يكن للقبط داع إلى طاعة فرعون بعدما رأوا من ~~الآيات إلا المشاكلة في خباثة الأرواح، علل ذلك سبحانه بقوله مؤكدا لما ~~يناسب أحوالهم فيرتضي أفعالهم وهم الأكثر: {إنهم كانوا} أي بما في جبلاتهم ~~من الشر والنفاق لأنهم كانوا {قوما} أي عندهم قوة شكائم توجب لهم الشماخة ~~إلا عند من يقهرهم بما يألفون من أسباب الدنيا {فاسقين} أي عريقين في ~~الخروج عن طاعة الله إلى معصية، قد صار لهم ذلك خلقا ثانيا، وكأن مدة ~~محاولة الكليم عليه الصلاة ms4473 والسلام لهم كانت قريبة، فلذلك عبر بالفاء في ~~قوله: {فلما آسفونا} أي فعلوا معناه ما يغضب إغضابا شديدا بإغضاب أوليائنا ~~كما في الحديث القدسي «مرضت فلم تعدني» لنكثهم مرة بعد مرة وكرة في إثر كرة ~~{انتقمنا منهم} أي أوقعنا بهم على وجه المكافأة لما فعلوا برسولنا عليه ~~السلام عقوبة عظيمة منكرة مكروهة # PageV17P451 # كأنها بعلاج {فأغرقناهم} في اليم {أجمعين} إهلاك نفس واحدة لم يفلت منهم ~~أحد على كثرتهم وقوتهم وشدتهم، وهذا لا يكون في العادة إلا بعد علاج كثير ~~أو اعتناء كبير. # ولما كان إهلاكهم بسبب إغضابهم لله وبالكبر على رسله، كانوا سببا لأن ~~يتعظ بحالهم من يأتي بعدهم فلذلك قال تعالى: {فجعلناهم} أي بأخذنا لهم على ~~هذه الصورة من الإغراق وغيره مما تقدمه {سلفا} متقدما لكل من يهلك بعدهم ~~إهلاك غضب في الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة وقدوة لمن يريد العلو في ~~الأرض فتكون عاقبته في الهلاك في الدارين أو إحداهما عاقبتهم كما قال ~~سبحانه عز من قائل وتبارك وتعالى {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} [القصص: ~~41] : {ومثلا} أي حديثا عجيبا سائرا مسير المثل {للآخرين} الذين خلفوا ~~بعدهم من زمنهم إلى آخر الدهر فيكون حالهم عظة لناس وإضلالا لآخرين، فمن ~~قضى أن يكون على مثل حالهم عمل مثل أعمالهم، ومن أراد # PageV17P452 # النجاة مما نالهم تجنب أفعالهم، فمن أريد به الخير وفق لمثل خير يرده عن ~~غيه، ومن أريد به الشر، وجعل له منهم مثلا يجترئ به على شره، ويقوى على ~~خبثه ومكره، فيجعل الشرير ما أوتوه من الدنيا من النعمة والحبرة الرفاهية ~~والنصرة مثلا له في التوصل إليه مما كانوا عليه من الظلم، ويجعل الخير ~~إهلاكهم مثلا له فيبعد عن أفعالهم لينجو من مثل نكالهم، يقول أحدهم: أخذ ~~الفلانيون أخذ آل فرعون، أي لم يفلت منهم إنسان ونحو ذلك من أمثالهم في ~~جميع أحوالهم، ونقول نحن: إنا نهلك من ظلم وتمادى في ظلمه بعد تحذيرنا له ~~وغشم وإن عظم آله وأتباعه، وظن عزه وامتناعه، كدأب آل فرعون، ويقول من أريد ms4474 ~~به الشر: ليس على ظهرها أحد يبقى إن خاف العواقب فأحجم عن شهواته وانهمك في ~~رياض أهويته وإرادته وشهي طيباته وكذا ذاته كما وقع لفرعون فإنه لم يرجع ~~لشيء عن رئاسته، وبلوغ النهاية من صلفه ونفاسته إلى أن ذهب به كما ذهب ~~بغيره سواء سار بسيره أو بغير سيره، ولقد ضل به قوم وأضلوا، وحلوا لمن ~~داناهم # PageV17P453 # عرى الدين فزلوا، وما كفاهم ذلك حتى ادعوا أنه من أعز المقربين لأن الذي ~~كان آخر كلامه الإيمان، فجب ما كانا قبله ولم يتدنس بعده فمات طاهرا مطهرا ~~ليس فيه شيء من الدنس مع أن ذلك ما كان إلا عند اليأس حيث لا نفع فيه، ~~وغروا الضعفاء بأن قالوا: إنه لا صريح في القرآن بعذابه بعد الموت تعمية عن ~~الدليل القطعي المنتظم من قوله تعالى {وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن ~~المسرفين} [يونس: 83] {وإن المسرفين هم أصحاب النار} [غافر: 43] المنتج من ~~غير شك أن فرعون من أصحاب النار، وقوله تعالى {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في ~~اليم فانظر كيف كانت عاقبة الظالمين} [القصص: 40] {وجعلناهم أئمة يدعون إلى ~~النار ويوم القيامة لا ينصرون} # وقوله تعالى {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد} إلى أن قال {إن ~~كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} [ص: 14] غير ذلك من محكم الآيات وصريح الدلالات ~~البينات، وكذا غير فرعون وقومه من الصالحين والطالحين جعلهم سبحانه سلفا ~~ومثلا للآخرين، فمن أراد به خيرا يسر له مثل خير احتذى به، ومن أراد به شرا ~~أضله بمثل سوء اقتدى به، فقد جعل الله عيسى عليه الصلاة والسلام مثلا لتمام ~~قدرته على اختراع الأشياء بأسباب وبغير أسباب، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم ~~وأزهدهم وأقربهم إلى الخير وأبعدهم عن الشر، فاقتدى # PageV17P454 # به من أراد الله به الخير في مثل ذلك فاهتدى به، وضل به آخرون وضربوا به ~~لأنفسهم أمثال الآلهة، وصاروا يفرحون بما لا يرضاه عاقل ولا يراه، وضربه ~~قومك مثلا لآلهتهم لما أخبرنا أنهم معهم حصب جهنم وسروا بذلك وطربوا وظنوا ~~أنهم فازوا ms4475 وغلبوا: {ولما ضرب ابن مريم} أي ضربه ضارب منهم {مثلا} لآلهتهم ~~{إذا قومك} أي الذين أعطيناهم قدرة على القيام بما يحاولونه {منه} أي ذلك ~~المثل {يصدون} أي يضجون ويعلون أصواتهم سرورا بأنهم ظفروا على زعمهم ~~بتناقض، فيعرضون به عن إجابة دعائك، يقال: صد عنه صدودا: أعرض، وصد يصد ~~ويصل: ضج - قاله في القاموس، فلذلك قال ابن الجوزي: معناهما جميعا - أي ~~قراءة ضم الصاد وقراءة كسرها - يضجون، ويجوز أن يكون معنى المضمومة: ~~يعرضون، قال ابن برجان: والكسر أعلى القراءتين - انتهى. # وذلك أن قريشا قالوا كما مضى في الأنبياء {إنا وما نعبد في جهنم} مقتض أن ~~يكون عيسى كذلك، وأن نستوي نحن وآلهتنا به، فإنه مما عبد ونحن راضون ~~بمساواته لنا - إلى آخر ما قالوا # PageV17P455 # وما رد عليهم سبحانه به من الآية من العام الذي أريد به الخصوص كما هو ~~مقتضى كلامهم ولسانهم في أن الأصل في «ما» لما لا يعقل، وذلك هو المراد من ~~قوله تعالى حاكيا عنهم: {وقالوا أآلهتنا} التي نعبدها من الأصنام والملائكة ~~{خير أم هو} أي عيسى فنحن راضون بأن نكون معه. # ولما اشتد التشوف إلى جوابهم، وكان قد تقدم الجواب عنه في الأنبياء، قدم ~~عليه هنا أن مرادهم بذلك إنما هو المماحكة والمماحلة والمراوغة والمقاتلة ~~فقال تعالى: {ما ضربوه} أي ما ضرب الكفار: ابن الزبعري حقيقة وغيره من قومك ~~مجازا، المثل لآلهتهم بعيسى عليه الصلاة والسلام {لك إلا جدلا} أي لإرادة ~~أن يقتلوك عن دعوتك مغالطة وهم عالمون بأن ما ألزموك به غير لازم ولم ~~يعتقدوا لزومه قط لأن الكلام ما كان إلا في أصنامهم، ولأن الخصوص في كلامهم ~~شائع، ولأنه قد عقب بما يبين الخصوص ويزيل اللبس على تقدير تسليمه، فلم ~~يقتدوا قط بما ألزموا به أنه لازم {بل هم قوم} أي أصحاب قوة على القيامة ~~بما يحاولونه {خصمون} أي شديدو الخصام قادرون على اللدد، روى الإمام أحمد ~~والترمذي وابن ماجه عن # PageV17P456 # أبي إمامة رضي الله عنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضل ms4476 قوم ~~بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ الآية» . # PageV17P457 # ولما تضمن هذا أنه غير مهان، صرح به على وجه الحصر قصر قلب لمن يدعي أنه ~~مقصور على الإلهية فقال: {إن} أي ما {هو} أي عيسى عليه الصلاة والسلام {إلا ~~عبد} وليس هو بإله {أنعمنا} أي بما لنا من العظمة والإحسان {عليه} أي ~~بالنبوة والإقدار على الخوارق {وجعلناه} بما خرقنا به العادة في ميلاده ~~وغير ذلك من آياته {مثلا} أي أمرا عجيبا مع وضوحه وجلائه فيه خفاء وموضع ~~شبهة بأن جعلناه من أنثى فقط بلا واسطة ذكر ليضل بذلك من يقف مع المحسوسات، ~~ودللنا على الحق فيه بما منحنا به من الخوارق وزكاء الأخلاق وطيب الشيم ~~والإعراق إسعادا لمن أعليناه بنور قلبه وصفاء لبه إلى إحسان النظر في ~~المعاني {لبني إسرائيل} الذين هم أعلم الناس به، بعضهم بالمشاهدة وبعضهم ~~بالنقل القريب، فلما جاءهم على تلك الحالة الجلية في كونها حقا بما كان على ~~يديه ويدي أمه من الكرامات، آمن به من بصره الله منه بالحق من أمره بما كان ~~فيه # PageV17P457 # من الكرامات، وكان كلما رأى رجلا منهم على منهاجه في أعماله وكرامته ~~اهتدى إلى الحق من أمره، وقال: هذا مثله عيسى عليه الصلاة والسلام فانتفع ~~بالنبي ومن تبعه بإحسان، فنال من الله الرضوان، وقال أيضا هذا الموفق ~~مستبصرا في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام: مثله في ذلك مثل أبيه آدم عليه ~~الصلاة والسلام في إخراجه من أنثى بلا ذكر، بل آدم عليه الصلاة والسلام ~~أعجب، ومثل ابن خالته يحيى وجده إسحاق عليهما الصلاة والسلام في إخراج كل ~~منهما بسبب هو في غاية الضعف، هذه أمثاله الحسنة وقال من أراد الله به ~~الضلال منهم غير ذلك من المحال، فلما جعلوا له أمثال السوء ضرب الله عليهم ~~الذلة والمسكنة، وقال ابن برجان: خصهم - أي بني إسرائيل - بالذكر لأنهم ~~المفتونون بالدجال المسارعون إليه، ثم قال: وإنما المثل في ذلك متى جاء ~~الدجال بتلك الآيات يدعو إلى نفسه فيعارض ما يأتي به عيسى ms4477 عليه الصلاة ~~والسلام من إحياء الموتى وتأييده بروح القدس، أي فيضل عن الأمر الواضح من ~~أراد الله فتنته - انتهى، والأحسن أن يكون معنى كونه مثلا أنه جعل أمره ~~واضحا جدا بحيث أنه يمثل به فيكون موضحا لغيره، ولا يحتاج هو إلى مثل يوضحه ~~عند من له أدنى بصيرة. # ولما كان التقدير: فلو شئنا لجعلنا الناس كلهم من أنثى بلا ذكر، ولو شئنا ~~لساويناكم بهم في ذلك الذي ضربناه عليهم من الذل عندما # PageV17P458 # جعلوا له مثل السوء فزدنا ما أنتم فيه من الذل والحقارة عن سائر الأمم ~~بأن سلطانهم عليكم حتى استباحوكم، ولو شئنا لمحوناكم أجمعين عن وجه الأرض ~~فتركناها بيتا؟ لا أنيس بها، عطف عليه قوله: {ولو} معبرا بصيغة المضارع ~~إشارة إلى دوام قدرته على تجديد الإبداع فقال: {نشاء لجعلنا} أي على ما لنا ~~من العظمة ما هو أغرب مما صنعناه في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام {منكم} ~~أي جعلا مبتدئا منكم، إما بالتوليد كما جعلنا عيسى عليه الصلاة والسلام من ~~أنثى من غير ذكر وجعلنا آدم عليه الصلاة والسلام من تراب من غير أنثى ولا ~~ذكر وإما بالبدلية {ملائكة في الأرض يخلفون *} أي يكونون خلفا لكم شيئا بعد ~~شيء بعد إعدامكم فجعلناهم مثلا لكم كما جعلنا عيسى عليه الصلاة والسلام ~~مثلا لبني إسرائيل، ويجوز أن يكون المعنى: لجعلنا بعضكم ملائكة بأن نحول ~~خلقتهم فنجعلهم خلفا لمن تحولوا عنهم ونخلف بعضهم بعضا، فإنهم من جملة ~~عبادنا أجسام تقبل التوليد كما تقبل الإبداع، وعلى كلا التقديرين فذلك ~~إشارة إلى أن الملائكة ذوات ممكنة من جملة عبيده سبحانه، يصرفهم في مراده ~~إن شاء في السماء، وإن شاء في الأرض، لا شيء منكم إلا وهو بعيد جدا عن رتبة ~~الإلهية إرشادا لهم إلى الاعتقاد # PageV17P459 # الحق في أمره سبحانه بشمول قدرته وكمال علمه اللازم منه أنه لا إله إلا ~~هو. # ولما ذكر سبحانه الإعدام والخلافة بسببه فرضا، ذكر أن إنزاله إلى الأرض ~~آخر الزمان أمارة على إعدام الناس تحقيقا، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم: {وإنه} ms4478 ~~أي عيسى عليه الصلاة والسلام {لعلم للساعة} أي نزوله سبب للعلم بقرب الساعة ~~التي هي إعدامه الخلائق كلهم بالموت، وكذا ما نقل عنه من أنه كان يحيى وكذا ~~إبراؤه الأسقام سبب عظيم للقطع بالساعة التي هي القيامة، فهو سبب للعلم ~~بالأمرين: عموم الإعدام وعموم القيام. # ولما كان قريش يستنصحون اليهود يسألونهم - لكونهم أهل الكتاب - عن أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النصارى مثلهم في ذلك، وكان كون عيسى عليه ~~الصلاة والسلام من أعلام الساعة أمرا مقطوعا به عند الفريقين، أما النصارى ~~فيقولون: إنه الذي أتى إليهم ورفع إلى السماء كما هو عندنا، وأما اليهود ~~فيقولون: إنه إلى الآن لم يأت، ويأتي بعد، فثبت بهذا أمر عيسى عليه الصلاة ~~والسلام فيما أخبر الله تعالى عنه من إنعامه عليه، ومن أنه من أعلام الساعة ~~بشهادة الفرق الثلاثة اليهود والنصارى والمسلمين ثباتا عظيما جدا، فصارت ~~كأنها مشاهدة، فلذلك سبب عما سبق قوله على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام، ~~لافتا القول إلى مواجهتهم مؤكدا في مقابلة # PageV17P460 # إنكارهم لها بما ثبت من شهادة الفرق الثلاثة: {فلا تمترن} أي تشكوا أدنى ~~شك وتضطربوا أدنى اضطراب وتجحدوا أدنى جحد وتجادلوا أدنى جدل {بها} أي ~~بسببها، يقال: مرى الشيء وامتراه: استخرجه، ومراه مائة سوط: ضربه، ومراه ~~حقه، أي جحده، والمرية بالضم والكسر: الجدل والشك {واتبعون} أي أوجدوا ~~تبعكم بغاية جهدكم {هذا} أي كل ما أمرتكم به من هذا وغيره {صراط} أي طريق ~~واسع واضح {مستقيم} أي لا عوج فيه. # ولما حثهم على السلوك لصراط الولي الحميد بدلالة الشفوق النصوح الرؤوف ~~الرحيم، حذرهم من العدو البعيد المحترق الطريد، فقال دالا على عظيم فتنته ~~بما له من التزيين للمشتهى والأخذ من المأمن والتلبيس للمشكل والتغطية ~~للخوف بالتأكيد، لما هم تابعون من ضده على وجه التقليد: {ولا يصدنكم} أي عن ~~هذا الطريق الواضح الواسع المستقيم الموصل إلى المقصود بأيسر سعي {الشيطان} ~~ولما كان كأنه قيل # PageV17P461 # ما له يصدنا عن سبيل ربنا؟ ذكر العلة تحذيرا في قوله: {إنه لكم} أي عامة، ms4479 ~~وأكد الخبر لأن أفعال التابعين لكم أفعال من ينكر عداوته: {عدو مبين} أي ~~واضح العداوة في نفسه مناد بها، وذلك بإبلاغه في عداوة أبيكم حتى أنزلكم ~~بإنزاله عن محل الراحة إلى موضع النصب، عداوة ناشئة عن الحسد، فهي لا تنفك ~~أبدا. # ولما قدم سبحانه أنه أنعم على عيسى عليه الصلاة والسلام وجعله مثلا لبني ~~إسرائيل، ولوح إلى اختلافهم وأن بعضهم نزل مثله على غير ما هو به، وحذر من ~~اقتدى بهم في نحو ذلك الضلال، وأمر باتباع الهادي، ونهى عن اتباع المضل، ~~صرح بما كان من حالهم حين أبرزه الله لهم على تلك الحالة الغريبة، فقال ~~عاطفا على ما تقدم تقديره بعد قوله تعالى {وجعلناه مثلا} : {ولما جاء عيسى} ~~أي إلى بني إسرائيل بعد موسى عليهما الصلاة والسلام: {بالبينات} أي من ~~الآيات المسموعة والمرئية، {قال} منبها لهم: {قد جئتكم} ما يدلكم قطعا على ~~أنه آية من عند الله وكلمة منه أيضا {بالحكمة} أي الأمر المحكم الذي لا ~~يستطاع نقضه ولا يدفع إلا بالمعاندة لأخلصكم بذلك مما وقعتم فيه من الضلال. # PageV17P462 # ولما كان المراد بالحكمة ما نسخ من التوراة وغيره من كل ما أتاهم به، ~~فكان التقدير: لتتبعوه وتتركوا ما كنتم عليه أمرا خاصا هو من أحكم الحكمة ~~فقال: {ولأبين لكم} أي بيانا واضحا جدا {بعض الذي تختلفون} أي الآن {فيه} ~~ولا تزالون تجددون الخلافة بسببه، وهذا البعض الظاهر بما يرشد إليه ختام ~~الآية أنه المتشابه الذي كفروا بسببه بينه بيانا يرده إلى المحكم، ويحتمل ~~أن يكون بعض المتشابه، وهو ما يكون بيانه كافيا في رد بقية المتشابه إلى ~~المحكم بالقياس عليه، فإن الشأن في كل كتاب أن يجمع المحكم والمتشابه، ~~فالمحكم ما لا لبس فيه، والمتشابه ما يكون ملبسا، وفيه ما يرده إلى المحكم ~~لكن على طريق الرمز والإشارة التي لا يذوقها إلا أهل البصائر ليتبين بذلك ~~الصادق من الكاذب فالصادق الذي رسخ علما وإيمانا يرد المتشابه منه إلى ~~المحكم، أو يعجز فيقول: الله أعلم، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد ms4480 إذ هديتنا، ولا ~~يتزلزل، والكاذب يتبع المتشابه فيجريه على ظاهره فيشبه كأهل الاتحاد ~~الجوامد المفتونين بالمشاهدة ويؤول بحسب هواه بما لا يتمشى على قواعد العلم ~~ولا يوافق المحكم فيفتتن. # ولما صح بهذا أن الذي أرسله الملك الأعلى الذي له الأمر # PageV17P463 # كله، فهو فعال لما يشاء، وكان الحامل على الانتفاع بالرسل عليهم الصلاة ~~والسلام التقوى، سبب عنه قوله تعالى: {فاتقوا الله} أي خافوه لما له من ~~الجلال بحيث لا تقدموا على شيء إلا ببيان منه لأن له كل شيء منكم ومن ~~غيركم، ومن المعلوم لكل ذي عقل أنه لا يتصرف في ملك الغير بوجه من الوجوه ~~إلا بإذنه {وأطيعون *} فيما أنقلكم إليه وأبينه لكم مما أبقيكم عليه، فإني ~~لا آخذ شيئا إلا عنه، ولا أتلقى إلا منه، فطاعتي لأمره بما يرضيه هي ثمرة ~~التقوى، وكلما زاد المتقي في أعمال الطاعة زادت تقواه. # PageV17P464 # ولما أمرهم بطاعته، علل ذلك بما أزال تهمته ما يطاع فيه، فقال مؤكدا لما ~~في أعمالهم من المجاملة المؤذنة بالتكذيب: {إن الله} أي الذي اختص بالجلال ~~والجمال، فكان أهلا لأن يتقى {هو} أي وحده {ربي وربكم} نحن في العبودية ~~بإحسانه إلينا وسيادته لنا على حد سواء، فلولا أنه أرسلني لما خصني عنكم ~~بهذه الآيات البينات {فاعبدوه} بما آمركم به لأنه صدقني في أمركم باتباع ما ~~ظهر على يدي فصار هو الآمر لا أنا. # ولما كان دعاؤه إلى الله بما لا حظ له عليه الصلاة والسلام فيه دل قطعيا ~~على صدقه ولا سيما وقد اقترن بالمعجزات مع كونه في # PageV17P464 # نفسه في غاية الخفية لا يستطاع بعضه بوجه، أشار إلى ذلك كله بقوله على ~~وجه الاستنتاج مما مضى مرغبا فيه دالا على اقتضائه الطاعة {هذا} أي الأمر ~~العظيم الذي دعوتكم إليه {صراط} أي طريق واسع جدا واضح {مستقيم} لا عوج له. # ذكر ما يدل على أنه أتى بالحكمة من الإنجيل: # قال متى أحد مترجميه الأربعة وقد خلطت تراجمهم وأغلب السياق لمتى: فلما ~~خرج يسوع وجاء إلى نواحي صور وصيدا إذا بامرأة ms4481 كنعانية - وقال مرقس: ~~يونانية - خرجت من تلك التخوم تصيح وتقول: ارحمني يا رب يا ابن داود! ابنتي ~~بها شيطان رديء، فلم يجبها بكلمة، فجاء تلاميذه وسألوه قائلين: اصرف هذه ~~المرأة لأنها تصيح خلفنا، أجاب وقال لهم: لم أرسل إلا إلى الخراف من بيت ~~إسرائيل، فأتت وسجدت له قائلة: يا رب أعني فأجاب: ليس هو جيدا أن يؤخذ خبز ~~البنين فيعطى للكلاب، فقالت: نعم! يا رب، # PageV17P465 # والكلاب تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد أربابها، حينئذ أجاب يسوع ~~وقال لها: يا امرأة عظيمة أمانتك يكون لك كما أردت، فبرئت ابنتها منه تلك ~~الساعة، وقال مرقس: فقال لها من أجل هذه الكلمة اذهبي، قد خرج الشيطان من ~~ابنتك، فهذبت إلى ابنتها فوجدت الصبية على السرير والشيطان قد خرج منها، ~~فجاؤوا إليه بأخرس أصم فطلبوا إليه أن يضع يده عليه، فأخرجوه وحده من ~~الشعب، وترك أصابعه في أذنيه، وتفل ثم مس لسانه ونظر إلى السماء وشهد وقال: ~~الفاثا الذي هو التفتح، وللوقت انفتح سمعه وسمع، وانحل رباط لسانه وتكلم ~~مستويا، ووصاهم أن لا يقولوا لأحد شيئا فأتاهم فكانوا ينكرون كثيرا ويبهتون ~~جدا، قائلين: ما أحسن كل شيء! يصنع الخرس يتكلمون والصم يسمعون، وقال مرقس: ~~ثم جاء إلى بيت صيدا فقدموا إليه أعمى، وطلبوا منه أن يلمسه، فأخذ بيد ~~الأعمى ثم أخرجه خارجا من القرية، وتفل في عينيه ووضع يده عليه وسأله: ما ~~ينظر؟ قال: أنظر الناس مثل الشجر يمشون، فوضع يده أيضا على عينيه، فأبصر ~~حينا ونظر إلى كل شيء ظاهرا، قال: ثم جاء إلى ناحية قيسارية فيلقس فسأل ~~تلاميذه: ماذا يقول الناس في ابن # PageV17P466 # الإنسان؟ فقال قوم: يوحنا المعمدان، وآخرون: إليا، وآخرون: إرميا، وواحد ~~من الأنبياء، فقال لهم: فأنتم ماذا تقولون؟ أجاب سمعان بطرس - وقال: أنت هو ~~المسيح، أجاب يسوع وقال له: طوبى لك يا سمعان ابن يونا لأنه ليس جسد يسعى ~~وأبواب الجحيم لا تقوى عليه ولك أعطي ملكوت السماوات، وما ربطته الأرض يكون ~~مربوطا في السماوات، وما حللته على الأرض ms4482 يكون محلولا في السماوات، وبدأ ~~يسوع من ذلك الوقت يخبر تلاميذه أنه ينبغي أن يمضي إلى يروشليم ويقبل الآما ~~كثيرة من المشايخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وقال: من أراد أن يخلص نفسه ~~فليهلكها، وهن أهلك نفسه من أجلي وجدها، وما ينفع الإنسان لو ربح العالم ~~كله وخسر نفسه؟ وماذا يعطي الإنسان فداء لنفسه، وقال لوقا: وكان جمع كثير ~~ينطلق فالتفت لهم وقال لهم: من يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وبنيه ~~وإخوته وأخواته نعم حتى نفسه، فلا يقدر أن يكون لي تلميذا، من منكم يريد أن ~~يبني برجا ولا يجلس أولا ويحسب # PageV17P467 # نفقته؟ وهل له ما يكمله لكيما يستهزىء به كل من ينظره إذا وضع الأساس ولم ~~يقدر على إكماله، وأي ملك يخرج إلى محاربة ملك آخر فلا يجلس أولا ويفكر هل ~~يستطيع أن يلقي بعشرة آلاف الموافي إيه في عشرين ألفا إلا فما دام بعيدا ~~منه يرسل رسلا رسل سلامة، وهكذا كل منكم إن لم يرفض كل شيء له لا يقدر أن ~~يكون لي تلميذا، وذكر لوقا أيضا أنه عليه الصلاة والسلام كان في وليمة فقال ~~مثلا لأنهم كانوا يتخيرون المتكآت فقال لهم: متى دعاك أحد إلى عرس فلا تجلس ~~في أول الجماعة، فلعله قد دعا هناك أكرم منك عليه فيأتي الذي دعاه فيقول ~~له: يا حبيب! ارتفع إلى فوق، حينئذ يكون لك مجدا قدام المتكئين معك لأن كل ~~من يرتفع يتضع، وكل من يتضع يرتفع، وقال للذي دعاه: وإذا صنعت وليمة فلا ~~تدع أحباءك ولا إخوتك ولا أقاربك ولا أغنياء جيرانك لعلهم أن يدعوك أيضا ~~فيكون لك مكافأة، لكن إذا صنعت طعاما فادع المساكين والعور والضعفاء ~~والعميان، وطوباك لأنه ليس لك ما يكافئونك، ومجازاتك تكون في قيامة ~~الصديقين، فسمع واحد من المتكئين ذلك، فقال له: طوبى لمن يأكل خبزا في ~~ملكوت الله، وقال متى: وجاء تلاميذ يسوع إليه وقالوا له: من هو العظيم في ~~ملكوت # PageV17P468 # السماوات، فدعا طفلا وأقامه بينهم وقال: الحق أقول: إن لم ترجعوا وتكونوا ~~مثل ms4483 الصبيان لا تدخلوا ملكوت السماوات، ومن اتضع مثل هذا الصبي فهو العظيم ~~في ملكوت السماوات، ومن قبل صبيا مثل هذا باسمي فقد قبلني، قال مرقس: ومن ~~قبلني فليس يقبلني فقط بل والذي أرسلني، وقال لوقا: ومن قبلني فقد قبل الذي ~~أرسلني، والذي هو الصغير فيكم هو الأكبر، قال متى: ومن شك أحد هؤلاء الصغار ~~المؤمنين فخير أن يعلق حجر الرحى في رقبته، ويغرق في البحر، الويل للعالم ~~من الشكوك لكمن الويل للإنسان الذي يأتي منه الشكوك، إن شكتك يدك أو رجلك ~~فاقطعها وألقها عنك، فخير لك أن تدخل الحياة وأنت أعرج أو أعشم من أن يكون ~~لك يدان أو رجلان وتلقى في نار الأبد، وقال مرقس: وتذهب إلى جهنم حتى لا ~~تطفأ نارها ولا يموت دورها - انتهى. # وإن شكتك عينك فاقلعها وألقها عنك فخير لك أن تدخل الحياة بعين واحدة من ~~أن يكون لك عينان وتلقى في جهنم، وقال مرقس: وكل شيء بالنار يملح وكل ذبيحة ~~تملح بالملح جيد هو الملح، فإن فسد الملح فبماذا يملح فليكن فيكم الملح، ~~ويكون سلام بعضكم بعضا، وقال لوقا: ثم قال: من أجل # PageV17P469 # أقوام يقولون: إنهم صديقون ويحقرون البقية، هذا المثل رجلان صعدا إلى ~~الهيكل ليصليا، أحدهما فريسي والآخر عشار، فأما الفريسي فإنه كان يصلي بهذا ~~في نفسه: اللهم إني أشكرك لأني لست مثل سائر الناس العاصين الظلمة الفجار، ~~ولا مثل هذا العشار، فكان قائما من بعيد ولا يرى أن يرفع عينيه إلى السماء، ~~وكان يضرب على صدره ويقول: اللهم اغفر لي فإني خاطئ، أقول لكم: إن هذا نزل ~~إلى بيته أمر من ذلك لأن كل من يرفع نفسه يتضع، ولك من يضع نفسه يرتفع، ثم ~~قدم إليه صبيان ليضع يده عليهم، فلما نظرهم التلاميذ نهروهم فقال: دعوا ~~الصبيان يأتوا إلي ولا تمنعوهم لأن ملكوت الله لمثل هؤلاء، الحق أقول لكم، ~~إن من لا يقبل ملكوت الله مثل صبي لا يدخلها، وقال متى: انظروا لا تحقروا ~~أحد هؤلاء الصغار، لم يأت ابن الإنسان إلا ms4484 ليطلب ويخلص من كان ضالا، ماذا ~~تظنون إذا كان الإنسان مائة خروف فضل منها واحد ليس يترك التسعة والتسعين ~~في الجبل، ويمضي يطلب الضال؟ وقال لوقا: حتى يجده، الحق أقول لكم، إنه يفرح ~~به أكثر من التسعة والتسعين التي لم تضل، هكذا ليس مشيئة ربي الذي في ~~السماوات أن يهلك أحد من هؤلاء الصغار، وقال لوقا: ودنا منه # PageV17P470 # العشارون والخطأة ليسمعوا منه فتذمر الفريسيون والكتبة قائلين: هذا يقبل ~~الخطأة ويأكل معهم، فقال لهم: أي رجل منكم له مائة خروف فيتلف واحد منها ~~ليس يترك التسعة والتسعين في البرية ويمضي إلى الضال حتى يجده، فإذا وجده ~~حمله على منكبيه فرحا، ويأتي به إلى بيته ويدعو أصدقاءه وجيرانه ويقول لهم: ~~افرحوا معي لوجودي خروفي الضال، أقول لكم: إنه يكون فرح في السماء بخاطىء ~~واحد يتوب أكثر من التسعة والتسعين الصديق الذين لا يحتاجون إلى توبة، وأي ~~امرأة لها عشرة دراهم يتلف واحد منها أليس توقد سراجا وتكنس بيتها وتطلبه ~~مجتهدة حتى تجده، فإذا وجدته دعت أحبابها وجاراتها قائلة: افرحوا لي لوجودي ~~درهمي الضال، هكذا أقول لكم: يكون فرح قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب، ~~وقال: إنسان له ابنان فقال الأصغر يا أبتاه! أعطني نصيبي من مالك فقسم ~~بينهما ماله، وبعد أيام قليلة جمع الأصغر كل شيء له وسافر إلى كورة بعيدة، ~~وبذر # PageV17P471 # ماله هناك بعيش بذخ، فلما نفد كل شيء له حدث جوع شديد في تلك الكورة ~~فافتقر وانقطع إلى رجل منها فأرسله إلى حقله يرعى خنازير، وكان يشتهي أن ~~يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله، فلا يعطى ذلك، ففكر في ~~نفسه وقال: كم من أجراء أبي يفضل عنهم الخبز وأنا ههنا أهلك جوعا، أقوم ~~أمضي إلى أبي وأقول: يا أبتاه! أخطأت في السماء وبين يديك، ولست بمستحق أن ~~أدعى لك ابنا لكن اجعلني كأحد أجرائك فجاء إليه فنظره أبوه فتحنن وأسرع ~~واعتنقه وقبله فقال: يا أبتاه! أخطأت في السماء وقدامك، ولست بمستحق أن ~~ادعى لك ابنا، فقال أبوه لعبيده: ms4485 قدموا الحلة الأولى وألبسوه وأعطوه خاتما ~~في يده، وحذاء في رجليه، وائتوا بالعجل المعلوف واذبحوه ونأكل ونفرح لأن ~~ابني هذا كان ميتا فعاش، وضالا فوجد، فبدؤوا يفرحون، وكان ابنه الأكبر في ~~الحقل، فلما جاء وقرب من البيت سمع المزاهر واتفاق الأصوات والرقص، فدعا ~~واحدا من الغلمة وسأله فقال له: إن أخاك قدم، وذبح أبوك # PageV17P472 # العجل المعلوف، فغضب ولم يرد أن يدخل، فخرج أبوه وطلب إليه فقال: كم لي ~~من سنة أخدمك ولم أخالف لك وصية قط ولم تعطني جديا واحدا أتنعم به مع ~~أصدقائي، فلما جاء ابنك هذا الذي أكل مالك مع الزناة ذبحت له العجل ~~المعلوف، فقال له: يا بني! أنت معي في كل حين وفي كل شيء هو لي، وينبغي لك ~~أن تسر وتفرح لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش، وضالا فوجد. # وقال: رجل كان غنيا يلبس الأرجوان وكان يتنعم كل يوم ويلذ، ومسكين كان ~~اسمه العازر مطروحا عند بابه مضروبا بقروح، وكان يشتهي أن يشبع من الفتات ~~الذي يسقط من مائدة ذلك الغني، وكانت الكلاب تأتي وتلطع قروحه، فلما مات ~~ذلك المسكين أخذته الملائكة إلى حصن إبراهيم، ومات ذلك الغني وقبو فرفع ~~عينيه في الهاوية وهو في العذاب، فنظر إبراهيم من بعيد والعازر في حصنه، ~~فنادى: يا أبتاه إبراهيم! ارحمني وأرسل العازر ليبل طرف إصبعه بما يبرد ~~لساني لأني معذب في اللهب، فقال له إبراهيم: يا ابني اذكر أنك قد قتلت ~~جيرانك في حياتك والعازر في بلائه والآن فهو يستريح ههنا وأنت تعذب، ومع ~~ذلك فبيننا وبينكم أهوية عظيمة نائية لا يقدر أحد على العبور من ههنا ~~إليكم، ولا من هنا إلينا، # PageV17P473 # قال له: أسألك يا أبتاه أن ترسله إلى بيت أبي، فإن خمسة أخوة لكي يناشدهم ~~لئلا يأتوا إلى موضع هذا العذاب، قال له إبراهيم: عندهم موسى والأنبياء ~~فليسمعوا منهم، فقال له: يا أبتاه إبراهيم! إن لم يمض إليهم واحد من ~~الأموات ما يتوبون؟ فقال له: إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء فليس إن ~~قام ms4486 واحد من الأموات يصدقونه، وقال لتلاميذه: سوف تأتي الشكوك والويل، الذي ~~تأتي الشكوك من قبله خير له لو علق حجر رحى الحماز في عنقه ويطرح في البحر ~~من أن يشك أحدا من هؤلاء الضعفاء - والله أعلم. # ولما كان الطريق الواضح القديم موجبا للاجتماع عليه، والوفاق عند سلوكه، ~~بين أنهم سببوا عنه بهذا الوعظ غير ما يليق بهما بقوله: {فاختلف} وبين أنهم ~~أكثروا الاختلاف بقوله: {الأحزاب} أي إنهم لم يكونوا فرقتين فقط، بل فرقا ~~كثيرة. ولما كانت العادة أن يكون الخلاف بين أمتين وقبيلتين ونحو ذلك، وكان ~~اختلاف الفرقة الواحدة عجبا، بين أنهم من أهل القسم فقال: {من بينهم} أي ~~اختلافا ناشئا ابتدأ من بين بني إسرائيل الذين جعلناهم مثلا لهم: # PageV17P474 # وقال لهم: قد جئتكم بالحكمة، فسبب عن اختلافهم قوله: {فويل} وكان أن ~~يقال: لهم، ولكنه ذكر الوصف الموجب للويل تعميما وتعليقا للحكم به. ولما ~~كان في سياق الحكمة، وهو وضع الشيء في أتقن مواضعه، جعل الوصف الظلم الذي ~~أدى إليه الاختلاف فقال: {للذين ظلموا} أي وضعوا الشيء في غير موضعه مضادة ~~لما أتاهم صلى الله عليه وسلم به من الحكمة {من عذاب يوم أليم} أي مؤلم، ~~وإذا كان اليوم مؤلما لما الظن بعذابه. # ولما عم الظالمين بالوعيد بذلك اليوم فدخل فيه قريش وغيرهم، أتبعه ما هو ~~كالتعليل مبرزا له في سياق الاستفهام لأنه أهول فقال: {هل} وجرد الفعل ~~إشارة إلى شدة القرب حتى كأنه بمرأى فقال: {ينظرون} أي ينتظرون {إلا ~~الساعة} أي ساعة الموت العام والبعث والقيام، فإن ذلك لتحقق أمره كأنه ~~موجود منظور إليه. # ولما قدم الساعة تهويلا تنبيها على أنها لشدة ظهور دلائلها كأنها مرئية ~~بالعين هزا لهم إلى تقليب أبصارهم لتطلب رؤيتها، أبدل منها زيادة في ~~التهويل قوله تعالى: {أن تأتيهم} وحقق احتمال # PageV17P475 # رؤيتها بقوله: {بغتة} ولما كان البعث قد يطلق على ما يجهل من بعض الوجوه، ~~أزال هذا الاحتمال بقوله: {وهم لا يشعرون} أي لا يحصل لهم بعين الوقت الذي ~~يجيء نوع من أنواع العلم، ولا ms4487 بما كالشعرة منه. # ولما كانت الساعة تطلق على الحبس بالموت وعلى النشر بالحياة، بين ما يكون ~~في الثاني الذي هم له منكرون من أحوال المبعوثين على طريق الاسئتناف في ~~جواب من يقول: هل يقومون على ما هم عليه الآن؟ فقال: {الأخلاء} أي في الدار ~~{يومئذ} أي إذ تكون الساعة وهي ساعة البعث التي هي بعض مدلول الساعة {بعضهم ~~لبعض عدو} ولما ينكشف لهم من أن تأخيرهم في الحياة هو السبب في عذابهم، ~~فيقول التابع للمتبوع: أنت غررتني فضررتني، ويقول المتبوع: بل أنت كبرتني ~~فصغرتني، ورفعتني فوضعتني، ونحو هذا من الكلام المؤلم أشد الإيلام {إلا ~~المتقين} الذين تقم أمرهم بالتقوى وحثهم عليها. # ولما أفهم هذا أنهم لا عداوة بينه، بل يكونون في التواد على أضعاف ما ~~كانوا عليه في الدنيا لما ظهر لهم من توادهم فيها وتناصرهم هو أفضى بهم إلى ~~الفوز الدائم برضوان الله، وصل به حالا بين فيها ما يتلقاهم به من تواد فيه ~~سبحانه تشريفا لهم وتسكينا لما يقتضيه ذلك # PageV17P476 # المقام من الأهوال: {يا عباد} أي مقولا لهم هذا، فخص بالإضافة إليه كما ~~خصوه بالعبادة {لا خوف} أي بوجه من الوجوه {عليكم اليوم} أي في الآخرة مما ~~يحويه ذلك اليوم العظيم من الأهوال والأمور الشداد والزلازل {ولا أنتم ~~تحزنون} أي لا يتجدد لكم حزن على شيء فات في وقت من الأوقات الآتية لأنكم ~~لا يفوتكم شيء تسرون به. # ولما ناداهم بما يطمع فيه سائر أهل الموقف لأن كل حزب يقولون: نحن عباده، ~~خص المرادين بما يوئس غيرهم ولئلا يكون الوصف بالتقوى موقفا لمن سمعه اليوم ~~من الكفار عن الدخول وكانوا لا يستطيعون ذلك، فوصف سبحانه المتقين بما يهون ~~الوصول إلى درجتهم على غيرهم فقال: {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة ~~{بآياتنا} الظاهر عظمتها في نفسها أولا وبنسبتها إلينا ثاينا {وكانوا} أي ~~دائما بما هو لهم كالجبلة والخلق {مسلمين} أي منقادين للأوامر والنواهي أتم ~~انقياد، فبذلك يصلون إلى حقيقة التقوى التامة. # PageV17P477 # ولما ذكر ما لهم بشارة لهم وترغيبا لغيرهم ms4488 في اللحاق بهم على وجه فيه ~~إجمال، شرح ذلك بقوله: {ادخلوا الجنة} ولما كانت الدار # PageV17P477 # لا تكمل إلا بالرفيق السار، قال تعالى: {أنتم وأزواجكم} أي نساؤكم اللاتي ~~كن مشاكلات لكم في الصفات، وأما قرناؤهم من الرجال فدخلوا في قوله {كانوا ~~مسلمين} {تحبرون} أي تكرمون وتزينون فتسرون سرورا يظهر أثره عليكم مستمرا ~~يتجدد أبدا. # ولما كان هذا أمرا سائقا إلى حالهم سابقا لمن كان واقفا عنهم إلى وصالهم، ~~أقبل على ما لعله يوقفه الاشتغال بلهو أو مال محركا لما جهل منه، ومنبها ~~على ما غفل عنه، فقال عائدا إلى الغيبة ترغيبا في التقوى: {يطاف عليهم} أي ~~المتقين الذين جعلناهم بهذا النداء ملوكا {بصحاف} جمع صحفة وهي القصعة {من ~~ذهب} فيها من ألوان الأطعمة والفواكه والحلوى ما لا يدخل تحت الوهم. # ولما كانت آنية الشرب في الدنيا أقل من آنية الأكل، جرى على ذلك المعهود، ~~فعبر بجمع القلة في قوله: {وأكواب} جمع كوب وهو كوز مستدير مدور الرأس لا ~~عروة له، قد تفوق عن شيء منه اليد أو الشفقة أو يلزم منها بشاعة في شيء من ~~دائر الكوز، وإيذانا بأنه لا حاجة أصلا إلى تعليق شيء لتزيد أوصافه عن أذى # PageV17P478 # أو نحو ذلك. # ولما رغب فيها بهذه المغيبات، أجمل بما لا يتمالك معه عاقل عن المبادرة ~~إلى الدخول فيما يخصها فقال: {وفيها} أي الجنة. ولما كانت اللذة محصورة في ~~المشتهى قال تعالى: {ما تشتهيه الأنفس} من الأشياء المعقولة والمسموعة ~~والملموسة وغيرها جزاء لهم على ما منعوا أنفسهم من الشهوات في الدنيا، ولما ~~كان ما يخص المبصرات من ذلك أعظم، خصها فقال: {وتلذ الأعين} من الأشياء ~~المبصرة التي أعلاها النظر إلى وجهه الكريم تعالى، جزاء ما تحملوه من مشاق ~~الاشتياق. # ولما كان ذلك لا يكمل طيبه إلا بالدوام، قال عائدا إلى الخطاب لأنه أشرف ~~وألذ مبشر لجميع المقبلين على الكتاب، والملتفت إليهم بالترغيب في هذا ~~الثواب، بشارة لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام بما قدمه في أول ~~السورة وأثنائها من بلوغ قومه ms4489 نهاية العقل والعلم والموصلين إلى أحسن العمل ~~الموجب للسعادة: {وأنتم فيها خالدون} لبقائها وبقاء كل ما فيها، فلا كلفة ~~عليكم أصلا من خوف من زوال ولا حزن من فوات. # ولما كان التقدير: الجنة التي لمثلها يعمل العاملون، عطف عليه قوله مشيرا ~~إلى فخامتها بأداة البعد: {وتلك الجنة} أي العالية المقام {التي} ولما كان ~~الإرث أمكن للملك، وكان مطمح النفوس إلى المكنة # PageV17P479 # في الشيء مطلقا لا يبعد، بني للمفعول قوله تعالى: {أورثتموها} ولما كان ~~ما حصله الإنسان بسعيه ألذ في نفسه لسرورة بالتمتع به وبالعمل الذي كان من ~~سببه، قال تعالى: {بما} وبين أن العمل كان لهم كالجبلة التي جبلوا عليها، ~~فالمنة لربهم في الحقيقة بما زكى لهم أنفسهم بقوله: {كنتم تعملون} أي ~~مواظبين على ذلك لا تفترون. # ولما كان الأكل أعم الحاجات وأعم الطلبات، قال تعالى مبينا أن جميع أكلهم ~~تفكه ليس فيه شيء تقوتا لأنه لا فناء فيها لقوة ولا غيرها لتحفظ بالأكل ولا ~~ضعف {لكم فيها فاكهة} أي ما يؤكل تفكها وإن كان لحما وخبزا. ولما كان ما ~~يتفكه في الدنيا قليلا قال تعالى: {كثيرة} ودل مع الكثرة على دوام النعمة ~~بقصد التفكه بكل شيء فيها بقوله: {منها} أي لا من غيرها مما يلحظ فيه ~~التقوت {تأكلون} فلا تنفد أبدا ولا تتأثر بأكل الآكلين لأنها على صفة الماء ~~النابع، لا يؤخذ منه شيء إلا خلف مكانه مثله أو أكثر منه في الحال. # ولما ذكر ما للقسم الثاني من الإخلاء وهم المتقون ترغيبا # PageV17P480 # لهم في التقوى، أتبعه ما لأضدادهم اهل القسم الأول تحذيرا من مثل ~~أعمالهم، فقال استئنافا مؤكدا في مقابلة إنكارهم: {إن المجرمين} أي ~~الراسخين في قطع ما أمر الله به أن يوصل {في عذاب جهنم} أي النار التي من ~~شأنها لقاء داخلها بالتجهم والكراهة والعبوسة كما كان يعمل عند قطعه ~~لأولياء الله تعالى {خالدون} لأن إجرامهم كان طبعا لهم لا ينفكون عنه أصلا ~~ما بقوا. # ولما بين إحاطته بهم إحاطة الظرف بمظروفه، وكان من المعلوم أن النار ms4490 لا ~~تفتر عمن لابسته إلا بمفتر بمنعها بماء يصبه عليها أو تقليل من وقودها أو ~~غير ذلك خرقا للعادة، بين أن لا يعتريها نقصان أصلا كما يعهد في عذاب ~~الدنيا لأنهم هم وقودها فقال تعالى: {لا يفتر عنهم} أي يقصد إضعافه بنوع من ~~الضعف، فنفي التفتير نفي للفتور من غير عكس، قال البيضاوي: وهو من فترت عنه ~~الحمى - إذا سكنت، والتركيب للضعف. # ولما كان انتظار الفرج مما يخفف عن المتضايق، نفاه بقوله: # PageV17P481 # {وهم فيه مبلسون *} أي ساكتون سكوت يأس من النجاة والفرج. # ولما كان ربما ظن من لا بصيرة له أن هذا العذاب أكبر وأكثر مما يستحقونه، ~~أجاب سبحانه بقوله ليزيد عذابهم برجوعهم باللائمة على نفسوهم ووقوعهم في ~~منادمات الندامات: {وما ظلمناهم} نوعا من الظلم لأنه تعالى مستحيل في حقه ~~الظلم {ولكن كانوا} جبلة وطبعا وعملا وصنعا دائما {هم} أي خاصة {الظالمين} ~~لأنهم بارزوا المنعم عليهم بالعظائم ونووا أنهم لا ينفكون عن ذلك بقوا، ~~والأعمال بالنيات، ولو كانوا يقدرون على أن لا يموتوا لما ماتوا. # ولما كان من مفهوم الإبلاس السكوت، أعلم بأن سكوتهم ليس دائما لأن ~~الإنسان إذا وطن نفسه على حالة واحدة ربما خف عنه بعد الألم، فقال مبينا ~~أنهم من البعد بمحل كبير لا يطمعون معه في خطاب الملك، وأنهم مع علمهم ~~باليأس يعلقون آمالهم بالخلاص كما يقع للمتمنين للمحالات في الدنيا ليكون ~~ذلك زيادة في المهم: {ونادوا} ثم بين أن المنادي خازن النار فقال مؤكدا ~~لبيان البعد بأداته: {يا مالك} وقراءة «يا مال» للإشارة إلى أن العذاب ~~أوهنهم # PageV17P482 # عن إتمام الكلام، ولذا قالوا: {ليقض علينا} أي سله سؤالا حتما أن القضاء ~~الي لا قضاء مثله، وهو الموت على كل وحد منا، وجروا على عادتهم في الغباوة ~~والجلافة فقالوا: {ربك} أي المحسن إليك فلم يروا لله عليهم إحسانا وهم في ~~تلك الحالة، فلا شك أن إحسانه ما انقطع عن موجود أصلا، وأقل ذلك أنه لا ~~يعذب أحدا منهم فوق استحقاقه، ولذلك جعل النار دركات كما كانت الجنة ms4491 درجات، ~~ويجوز أن تكون عبارتهم بذلك تغييظا له بما رأوا من ملابسة النار من تأثير ~~فيه، ونداؤهم لا ينافي إبلاسهم لأنه السكوت عن يأس، فسكوتهم المقيد باليأس ~~دائم، فلذلك سألوا الموت، والحاصل أنهم لا يتكلمون ما يدل على رجاء الفرج ~~بل هم ساكتون أبدا عن ذلك. # . . اليأس لا على رجاء الفرج باللحاق برتبة المتقين. # ولما ذكر نداءهم، استأنف ذكر جوابهم بقوله: {قال} أي مالك عليه الصلاة ~~والسلام مؤكدا لأطماعهم لأن كلامهم هذا بحيث يفهم الرجاء ويفهم بأن رحمة ~~الله تعالى التي هي موضع الرجاء خاصة # PageV17P483 # بغيرهم {إنكم ماكثون} . # PageV17P484 # ولما ذكر سبحانه الساعة عند عيسى عليه الصلاة والسلام فقال {وإنه لعلم ~~للساعة} وأكد أمرها وشرح بعض أحوالها إلى أن ختم بما دل على انحلال عزائمهم ~~ولين شكائمهم، وكانوا غير مقرين بذلك، قال مؤكدا جوابا لمن يبصر بعض البصر ~~فيقول: أحق هذا؟ ويتوقع الجواب: {لقد جئناكم} أي في هذه السورة خصوصا وجميع ~~القرآن عموما، سمى مجيء الرسل مجيئا لهم لما لمجيئهم من العظمة التي أشارت ~~إليها النون {بالحق} الكامل في الحقية، ولما كان ظهور حقيته بحيث لا يخفى ~~على أحد ولكن شدة البغض وشدة الحب تريان الأشياء على غير ما هي عليه، قال ~~إشارة إلى ذلك: {ولكن أكثركم} أي أيها المخاطبون {للحق كارهون *} لما فيه ~~من المنع عن الشهوات فلذلك أنتم تقولون: إنه ليس بحق لأجل كراهتكم فقط، لا ~~لأجل أن في حقيته نوعا من الخفاء. # ولما كان هذا خبرا لا جواب فيه لظهور الدلائل وتعالي العظمة إلا الرجوع، ~~وكان من لا يرجع إنما يريد بمحاربة الإله الأعظم، قال # PageV17P484 # عادلا عن الخطاب إنزالا لهم بالغيبة منزلة البعيد الذي لا يلتفت إليه ~~معادلا لما تقديره: أرجعوا لما ظهر لهم من الحق الظاهر {أم أبرموا} أي ~~أحكموا {أمرا} في رد أمرنا ومعاداة أوليائنا مع علمهم بأنا مطلعون عليهم. # ولما كان سبحانه مطلعا بطية أمرهم وغائب سرهم، سبب عما سأل عنه من ~~إبرامهم ما دل على أنه عالم به وقد أبرم له قبل كونه ما ms4492 يزيله ويعدمه ~~ويحيله، على سبيل التأكيد لإنكارهم أن يغلبوا فقال: {فإنا مبرمون} أي دائما ~~للأمور لعلمنا بها قبل كونها وقدرتنا واختيارنا، تلك صفتنا التي لا تحول ~~بوجه: العلم والقدرة والإرادة، لم يتجدد لنا شيء لم يكن. # ولما كان إصرارهم بين العزم على مجاهرة القدير بالمعاداة وبين معاملته ~~وهو عليم بالمساترة والمماكرة في المعاداة والمباكرة والمسالمة والمناكرة ~~قال تعالى: {أم يحسبون أنا} على ما لنا من العظمة المقتضية بجميع صفات ~~الكمال {لا نسمع} ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط بالخفي والجلي، ~~نسبة كل منهما إليه على السواء، ذكرهما # PageV17P485 # وقدم من شأنه أن يخفي وهو المكر المشار إليه بالإبرام، لأن السياق له ~~فقال تعالى: {سرهم} أي كلامهم الخفي ولو كان في الضمائر فيما يعصينا، ولما ~~كان ربما وقع في الأوهام أن المراد بالسمع إنما هو العلم لأن السر ما يخفى ~~وهو يعم ما في الضمائر وهي مما يعلم، حقق أن المراد به حقيقته بقوله: ~~{ونجواهم} أي كلامهم المرتفع حتى كأنه على نجوة أي مكان عال، فعلم أن ~~المراد حقيقة السمع، وأنه تعالى يسمع كل ما يمكن أن يسمع ولو لم يكن في ~~قدرتنا نحن سماعه، فنكون فيه كالأصم بالنسبة إلى ما نسمعه نحن من الجهر ولا ~~يسمعه هو لفقد قوة السمع فيه، لا لأنه مما من حقه ألا يسمع. # ولما كان إنكار عدم السماع معناه السماع، صرح به فقال: {بلى} أي نسمع ~~الصنفين كليهما على حد سواء {ورسلنا} وهم الحفظة من الملائكة على ما لهم من ~~العظمة بنسبتهم إلينا. ولما كان حضور الملائكة معنا وكتابتهم لجميع أعمالنا ~~على وجه لا نحس به نوع أحساس أمرا هو في غاية الغرابة، قال معبرا بلدى التي ~~يعبر بها عبر اشتداد الغرابة: {لديهم يكتبون} أي يجددون الكتابة كلما تجدد # PageV17P486 # ما يقتضيها لأن الكتابة أوقع في التهديد، لأن من علم أن أعماله محصاة ~~مكتوبة تجنب ما يخاف عاقبته. # ولما تقدم أول السورة تبكيتهم والتعجيب منهم في ادعاءهم لله ولدا من ~~الملائكة وهددهم بقوله {ستكتب شهادتهم ms4493 ويسألون} وذكر شبههم في قولهم {لو ~~شاء الرحمن ما عبدناهم} وجهلهم فيها بقوله {ما لهم بذلك من علم} ونفى أن ~~يكون لهم على ذلك دليل سمعي بقوله منكرا موبخا {أم آتيناهم كتابا} ومر في ~~توهية أمرهم في ذلك وغيره بما لاحم بعضه بعضا على ما تقدم إلى ما تمم نفي ~~الدليل السمعي على طريق النشر المشوش بقوله تعالى {واسأل من أرسلنا من قبلك ~~من رسلنا} ، ونظم به ما أتى به رسوله أهل الكتاب مما يصدق ما أتى به كتابنا ~~من التوحيد وما هدد به من أعراض عنه إلى أن أخبر أنه الحق الذي لا زوال ~~أصلا لشيء منه، وأن رسله سبحانه تكتب جميع أعمالهم من شهادتهم في الملائكة ~~وغيرها، أعاد الكلام في إبطال شبهتهم في أن عبادتهم لهم لو كانت ممنوعة لم ~~يشأها الذي له عموم الرحمة لأن عموم رحمته يمنع على زعمهم مشيئة ما هو ~~محرم، فقال بعد أن نفى قوله {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} أن يكون ~~لهم # PageV17P487 # دليل سمعي على أحد من رسله عليهم الصلاة والسلام: {قل إن كان للرحمن} أي ~~العام الرحمة {ولد} على ما زعمتم، والمراد به الجنس لادعائهم في الملائكة، ~~وغيرهم في غيرهم، وقراءة حمزة والكسائي بضم ثم سكون على أنه جمع على إرادة ~~الكثرة. ولما كان المعنى: فأنا ما عبدت ذلك الولد ولا أعبده، ولو شاء ~~الرحمن ما تركت عبادته، ولكنه شاء تركي لها وشاء فعلكم لها، فإحداهما قطعا ~~مشيئة للباطل، وإلا لاجتمع النقيضان بأن يكون الشيء حقا باطلا في حال واحد ~~من وجه واحد، وهو بديهي الاستحالة، فبطلت شبهتكم بدليل قطعي - هكذا كان ~~الأصل، ولكنه عدل عنه إلى ما يفيد معناه وزيادة أنه يعبد الله مخلصا ولا ~~يعبد غيره، أنه لا يستحق اسم العبادة إلا ما كان له خالصا، فقال: {فأنا} أي ~~في الرتبة {أول العابدين *} للرحمن، العبادة التي هي العبادة ولا يستحق ~~غيرها أن يسمى عبادة وهي الخالصة، أي فأنا لا أعبد غيره لا ولدا ولا غيره، ~~ولم يشأ ms4494 الرحمن لي أن أعبد الولد، أو يكون المعنى: أنا أول العابدين للرحمن ~~على وجه الإخلاص، لم أشرك به شيئا أصلا في وقت من الأوقات مما سميتموه ولدا ~~أو شريكا أو غيره، ولو شاء ما عبدته على وجه الإخلاص، ولا شك عندكم وعند ~~غيركم أن من أخلص لأحد كان أولى من غيره برحمة، فلو أن الإخلاص # PageV17P488 # له ممنوع ما شاء لي، ولولا أن عبادة غيره ممنوعة لشاءها لي، ولو أن له ~~ولدا لشاء لي عبادته، فإن عموم رحمته لكافة خلقه لكونهم خلقه وخصوصها بي ~~لكوني عبده خالصا له يمنع على زعمكم من أن يشقيني وأنا أخلص له، فبطلت ~~شبهتكم بمثلها بل أقوى منها، وهذا مما علق بشيء هو بنقيضه أولى، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن «أن» نافية بمعنى: ما ينبغي أي ما كان له ولد، فإني ~~أول من عبده رتبة وما علمت له ولدا، ولو كان له ولد لعلمته فعبدته تقربا ~~إليه بعبادة ولده. # ولما بطلت الشبهة على تقدير ببرهان، وعلى آخر بشبهة أقوى منها، وظهر ~~الأمر واتضح الحق في أنه سبحانه يشاء لشخص فعل شيء ولآخر عدم فعل ذلك الشيء ~~وفعل ضده أو نقيضه، ومن المعلوم قطعا أنه لا يكون فعل النقيضين ولا الضدين ~~في آن واحد حقا من وجه واحد، فعرف بذلك أن العبرة في الحلال والحرام بأمره ~~ونهيه لا بإرادته، وأنه لولا ذلك لما علم أنه فاعل بالاختيار يخص من يشاء ~~من عباده بما يشاء بعد أن عمهم بما شاء، كان موضع التنزيه عما نسبوه # PageV17P489 # إليه من الباطل، فقال منزها على وجه مظهر أنه لا يصح أن ينسب إليه ولد ~~أصلا: {سبحان رب} أي مبدع ومالك {السماوات} ولما كان المقام للتنزيه وجهة ~~العلوية أجدر، لأنه أبعد عن النقص والنقيض، ولم يقتض الحال إعادة لفظ الرب ~~بخلاف ما يأتي آخر الجاثية، فإنه لإثبات الكمال ونظره إلى جميع الأشياء على ~~حد سواء فقال: {والأرض} أي اللتين كل ما فيهما ومن فيهما مقهور مربوب محتاج ~~لا يصح أن يكون ms4495 له منه سبحانه نسبة بغير العبودية بالإيجاد والتربية. # ولما كانت خاصة الملك أن يكون له ما لا يصل إليه غيره بوجه أصلا، قال ~~محققا لملكه لجميع ما سواه ومن سواه وملكه له، ولم يعد العاطف لأن العرش من ~~السماوات: {رب العرش} أي المختص به لكونه خاصة الملك الذي وسع كرسيه ~~السماوات والأرض {عما يصفون} من أنه له ولد أو شريك. # ولما حصحص الحق لمعت في الموجود كله أعلام الصدق بعد بطلان شبهتهم وبيان ~~أغلوطتهم، عرف أنهم فاعلون بوضع الأشيء في غير مواضعها فعل الخائض اللاعب، ~~فقال مسببا عن ذلك: {فذرهم} # PageV17P490 # أي اتركهم على أسوأ أحوالهم {يخوضوا} أي يفعلوا فعل الخائض في الماء في ~~وضع رجله التي هي عماده فيما لا يعرفه، وقد لا يرضاه لكونه لا علم له به ~~{ويلعبوا} أي يفعلوا فعل اللاعب في انهماكه في فعل ما ينقصه ولا يزيده {حتى ~~يلاقوا} أي يفعلوا بتصريم أعمارهم في فعل ما لا ينفعهم فعل المجتهدين في أن ~~يلقوا {يومهم الذي يوعدون *} بوعد لا خلف فيه فيظهر فيه وعيدهم ويحق ~~تهديدهم. # PageV17P491 # ولما نزهه سبحانه عن الولد ودل على ذلك بأنه مالك كل شيء وملكه، وكان ذلك ~~غير ملازم للألوهية، دل على أنه مع ذلك هو الإله لا غيره في الكونين بدليل ~~بديهي يشترك في علمه الناس كلهم، وقدم السماء ليكون أصلا في ذلك يتبع لأن ~~الأرض تبع لها في غالب الأمور، فقال دالا على أن نسبة الوجود كله إليه على ~~حد سواء لأنه منزه عن الاحتياج إلى مكان أو زمان عاطفا على ما تقديره: تنزه ~~عما نسبوه إليه الذي هو معنى {سبحان} : {وهو الذي} هو {في السماء إله} أي ~~معبود لا يشرك به شيء {وفي الأرض إله} توجه الرغباب إليه في جميع الأحوال، ~~ويخلص له في جميع أوقات # PageV17P491 # الأضطرار، فقد وقع الإجماع من جميع من في السماء والأرض على إلهيته فثبت ~~استحقاقه لهذه الرتبة وثبت اختصاصه باستحقاقها في الشدائد فباقي الأوقات ~~كذلك من غير فرق لأنه لا مشارك له في مثل ms4496 هذا الاستحقاق، فعبادة غيره ~~باطلة، قال في القاموس: أله - أي بالفتح - إلاهة وألوهة وألوهية: عبد ~~عبادة، ومنه: لفظ الجلالة - وأصله: إله بمعنى معبود وكل ما اتخذ معبودا فهو ~~إله عند متخذه، وأله كفرح: تحير، فقد علم من هذا جواز تعلق الجار بإله. # ولما كان الإله لا يصلح للألوهية إلا إذا كان يضع الأشياء في محلها بحيث ~~لا يتطرق إليه فساد، ولا يضرها إفساد مفسد، وكان لا يكون كذلك إلا بالغ ~~العلم قال: {وهو الحكيم} أي البليغ الحكمة، وهي العلم الذي لأجله وجب الحكم ~~من قوام من أمر المحكوم عليه في عاجلته وآجلته، ولما كانت الحكمة العلم بما ~~لأجله وجب الحكم قال تعالى: {العليم} أي البالغ في علمه إلى حد لا يدخل في ~~عقل العقلاء # PageV17P492 # أكثر من وصفه به على طريق المبالغة ولو وسعوا أفكارهم وأطالوا أنظارهم ~~لأنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا صفة من صفاته ليقاس به، وكل من ادعى فيه ~~أنه شريك له لا يقدر من أشرك به أن يدعي له ما وصف به من الإجماع على ~~ألوهيته ومن كمال علمه وحكمه، فثبت قطعا ببطلان الشركة بوجه يفهمه كل أحد، ~~فلا خلاص حينئذ إن خالف كائنا من كان، وإذا قد صح أنه الإله وحده وأنه منزه ~~عن شريك وولد وكل شائبة نقص كان بحيث لا يخاف وعيده، فلا يخوض ولا يعلب ~~عبده، ومن خاض منهم أو لعب فلا يلومن إلا نفسه، فإن عمله محفوظ بعلمه فهو ~~مجاز عليه بحكمته. # ولما نزه ذاته الأقدس وأثبت لنفسه استحقاق الإلهية بالإجماع من خلقه بما ~~ركزه في فطرهم وهداهم إليه بعقولهم، أتبع ذلك أدلة أخرى بإثبات كل كمال بما ~~تسعه العقول وبما لا تسعه مصرحا بالملك فقال: {وتبارك} أي ثبت ثباتا لا ~~يشبهه ثبات لأنه لا زوال مع التيمن والبركة وكل كمال، فلا تشبيه له حتى ~~يدعي أنه ولد له # PageV17P493 # أو شريك، ثم وصفه بما يبين تباركه واختصاصه بالإلهية فقال: {الذي له ملك ~~السماوات} أي كلها {والأرض} كذلك {وما بينهما} وبين كل ms4497 اثنين منها، والدليل ~~على هذا الإجماع القائم على توحيده عند الاضطرار. # لما ثبت اختصاصه بالملك وكان الملك لا يكون إلا عالما بملكه وكان ربما ~~ادعى مدع وتكذب معاند في الملك أو العلم، قطع الأطماع بقوله: {وعنده} أي ~~وحده {علم الساعة} سائقا له مساق ما هو معلوم الكون، لا مجال للخلاف فيه ~~إشارة إلى ما عليها من الأدلة القطعية المركوزة في الفطرة الأولى فكيف يما ~~يؤدي إليه الفكر من الذكر المنبه عليه السمع، ولأن من ثبت اختصاصه بالملك ~~وجب قبول أخباره لذاته، وخوفا من سطواته، ورجاء في بركاته {وإليه} أي وحده ~~لا إلى غيره بعد قيام الساعة {ترجعون} بأيسر أمر تحقيقا لملكه وقطعا للنزاع ~~في وحدانيته، وقراءة الجماعة وهم من عدا ابن كثير وحمزة والكسائي وورش عن ~~يعقوب بالخطاب أشد تهديدا من قراءة الباقين بالغيب، وأدل على تناهي الغضب ~~على من لا يقبل إليه بالمتاب بعد رفع كل ما يمكن أن يتسبب عنه ارتياب. # PageV17P494 # ولما أرشد السياق قطعا إلى التقدير: فلا شريك له في شيء من ذلك ولا ولده ~~ولا يقدر أحد منهم على التخلف عن الرجوع إليه كما أنه لا يقدر أحد على ~~مدافعة قضائه وقدره، عطف عليه قوله: {ولا يملك} أي بوجه من الوجوه في وقت ~~ما {الذين يدعون} أي يجعلونهم في موضع الدعاء بعبادتهم لهم، وبين سفول ~~رتبتهم بقوله تعالى: {من دونه} من أدنى رتبة من رتبته من الأصنام والملائكة ~~والبشر وغيرهم {الشفاعة} أي فلا يكون منهم شفيع كما زعموا أنهم شفعاؤهم ~~{إلا من شهد} أي منهم {بالحق} . أي التوحيد الذي يطابقه الواقع إذا انكشف ~~أتم انكشاف وكذا ما يتبعه فإنه يكون أهلا لأن يشفع كالملائكة والمسيح عليهم ~~الصلاة والسلام، والمعنى أن أصنامهم التي ادعوا أنها تشفع لهم لا تشفع غير ~~أنه تعالى ساقه على أبلغ ما يكون لأنه كالدعوى. # ولما كان ذلك مركوزا حتى في فطر الكفار فلا يفزعون في وقت الشدائد إلا ~~إلى الله، ولكنهم لا يلبثون أن يعملوا من الإشراك بما يخالف ذلك، فكأنه لا ms4498 ~~علم لهم قال: {وهم} أو والحال أن # PageV17P495 # من شهد {يعلمون} أي على بصيرة مما شهدوا به، فلذلك لا يعملون بخلاف ما ~~شهدوا إلا جهلا منهم بتحقيق معنى التوحيد، فلذلك يظنون أنهم لم يخرجوا عنه ~~وإن أشكروا، أو يكون المعنى: وهم من أهل العلم، والأصنام ليسوا كذلك، وكأنه ~~أفرد أولا إشارة إلى أن التوحيد فرض عين على كل أحد بخصوصه وإن خالفه كل ~~غير، وجمع ثانيا إيذانا بالأمر بالمعروف ليجتمع الكل على العلم والتوحيد هو ~~الأساس الذي لا تصح عبادة إلا به، وتحقيقه هو العلم الذي لا علم يعدله، قال ~~الرازي في اللوامع: وجميع الفرق إنما ضلوا حيث لم يعرفوا معنى الواحد على ~~الوجه الذي ينبغي إذ الواحد قد يكون مبدأ العدد، وقد يكون مخالطا للعدد، ~~وقد يكون ملازما للعدد، والله تعالى منزه عن هذه الواحدات - انتهى. # ففي الآية تبكيت لهم في أنهم يوحدون في أوقات، فإذا أنجاهم الذي وحدوه ~~جعلوا شكرهم له في الرخاء إشراكهم به، ومنع لهم من ادعاء هذه الرتبة، وهي ~~الشهادة بالحق لأنهم انسلخوا بإشراكهم عن العلم، وأن الملائكة لا تشفع لهم ~~لأن ذلك يؤدي إلى أن تكون قد عملت بخلاف ما تعلم، وذلك ينتج الانسلاخ # PageV17P496 # من العلم المؤهل للشفاعة، وقال ابن الجوزي: وفي الآية دليل على أن شرط ~~جميع الشهادات أن يكون الشاهد عالما بما يشهد به. # ولما كان التقدير لتقرير وجود إلهيته في الأرض بالاجتماع: فلئن سألتهم من ~~ينجيهم في وقت كروبهم ليقولن: الله، ليس لمن ندعوه من دونه هناك فعل، فقال ~~عطفا عليه: {ولئن سألتهم} أي الكفار {من خلقهم} أي العابدين والمعبودين ~~معا، أجابوا بما يدل على عمى القلب الحقيقي المجبول عليه والمطبوع بطابع ~~الحكمة الإلهية عليه، ولم يصدقوا في جواب مثله بقوله: {إذ سألتهم} : ~~{ليقولن الله} الذي له جميع صفات الكمال هو الذي خلق الكل ليس لمن يدعوه ~~منه شيء، ولذلك سبب عنه قوله: {فأنى} أي كيف ومن أي جهة بعد أن أثبتوا له ~~الخلق والأمر {يؤفكون *} أي يقلبون عن وجوه الأمور إلى ms4499 أقفائها من قالب ما ~~كائنا من كان، فيدعون أن له شريكا تارة بالولدية، وتارة بغيرها، مع ما ركز ~~في فطرهم مما ثبت به أنه لا شريك له لأن له الخلق والأمر كله. # PageV17P497 # ولما أبطل سبحانه شبهتهم ووهى غاية التوهية أمرهم في شركهم وادعائهم ~~الولد وغير ذلك مما تضمنته أقوالهم الفاسدة المنسوبة إليهم في هذه السورة، ~~وأقام حجج الحق، ونصب براهين الصدق، وأبت ما ينفعهم، وحذرهم ما يضرهم، حتى ~~ختم ذلك بقوله مقسما مع جلالة قدره وعظم أمره {لقد جئناكم بالحق} ثم حصر ~~أمرهم في رد ذلك إن ردوه إلى قسمين في حالين: حال مجاهرة وحال مماكرة، ~~وأخبر أنه لا نجاة لهم على حالة منهما، وأخبر أن رسله تعالى يكتبون جميع ~~أمورهم، ذلك مع غناه عن ذلك لعلمه بما يكتبونه من ذلك وغيره مما لا يطلعون، ~~عليه، فكان ذلك فخرا عظيما ملاحما أشد الملاحمة لما قدمه من شبهتهم في ~~ادعاء الولد فأكد إبطالها وحقق زوالها، وختم بالتعجيب من حالهم في تركهم ~~وجوه الأمور واتباعهم أقفائها، وكان من جملة ذلك عملهم عمل من يظن أن الله ~~سبحانه لا يسمع قولهم الموجب لأخذهم وقول رسوله: الموجب لنصره، عطف على ما ~~مضى من إنكارهم عليهم عدم سماعه لقولهم، ولما كان اشتدادهم في تكذيبهم ~~ومباعدتهم وعنادهم لا يزداد بمرور الزمان # PageV17P498 # إلا قوة أوقع في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم أسفا ورقة وشفقة عليهم ~~وعطفا، وصار يشكو أمرهم إلى ربه شكوى المضطر سرا وعلنا إرادة التيسير في ~~أمرهم والتهوين لشأنهم، فاختير للتعبير عن هذا المعنى مصدر «قال» المشترك ~~لفظه مع لفظ الماضي المبني للمجهول إشارة إلى أن شكواه بذلك كأنها صارت ~~أمرا ضروريا له لا اختيار له في قوله فكأنه صار قولا من غير قائل أو من غير ~~قصد، لأنه صار حالا من الأحوال، ووصل به الضمير من غير تقدم ذكر، إشارة إلى ~~أن ضميره قد امتلأ بتلك الشفقة عليهم والرحمة لهم، فقال تعالى عطفا على ~~سرهم المقدر بعد {بلى} في قوله تعالى: {إنا لا ms4500 نسمع سرهم ونجواهم بلى} أو ~~يكون معطوفا على محل الساعة أي «ويعلم قيله» قاله الزجاج، وعدل في هذا ~~الوجه - وهو قراءة عاصم له وحمزة بالجر فإنه ظاهر في تعلقه بذلك لعطفه على ~~لفظ # PageV17P499 # {الساعة} ، وقرئ شاذا بالرفع، ووجهه أن الواو للحال، أي كيف يصرفون عن ~~اتباع رسولنا الآمر لهم بتوحيدنا في العبادة كما أنا توحدنا بالخلق والحال ~~أن قيله كذا في شكايتهم، أفيظنون أنا لا ننصره وقد أرسلناه: {وقيله} الذي ~~صار في ملازمته وعدم انفكاكه حالا من الأحوال، الدال على وجه قيله وانكسار ~~نفسه بما دلت عليه كسرة المصدر وياؤه المجانسة لها، والتعبير بقوله: {يا ~~رب} دال على ذلك بما تفيده «يا» الدالة على بعد، أو تقديره، والرب الدال ~~على الإحسان والعطف والشفقة والتدبير والسيادة الاختصاص والولاية، وذلك على ~~غير العادة في دعاء المقربين، فإنها جارية في القرآن بإسقاط أداة النداء. # ولما كان الإرسال إليهم - والمرسل قادر - مقتضيا لإيمانهم، أكد ما ظهر له ~~من حالهم بقوله زيادة في التحسر وإشارة إلى أن تأخير أمرهم يدل على أن ~~إيمانهم مطموع فيه: {إن هؤلاء} لم يضفهم إلى نفسه بأن يقول: قومي، ونحو ذلك ~~من العبارات ولا سماهم باسم قبيلتهم لما ساءه من حالهم، وأتى بهاء المنبهة ~~قبل اسم على غير عادة الأصل إشارة إلى أن استشعر من نفسه بعدا استصغارا لها ~~واحتقارا # PageV17P500 # {قوم} أي أقوياء على الباطل {لا يؤمنون} أي لا يتجدد منهم هذا الفعل. # ولما كان هذا قولا دالا على غاية ما يكون من بلوغ الجهد، تسبب عنه ما ~~يسره بإيمانهم وبلوغهم الرتب العالية التي هي نتيجة ما كان مترجى لهم أول ~~السورة، وذلك كله ببركته صلى الله عليه وسلم في سياق ظاهره التهديد وباطنه ~~- بالنسبة إلى علمه - البشارة بالتشديد فقال: {فاصفح عنهم} أي اعف عمن أعرض ~~منهم صفحا فلا تلتفت إليهم بغير التبليغ {وقل} أي لهم: {سلام} أي شأني الآن ~~متاركتكم بسلامتكم مني وسلامتي منكم {فسوف يعلمون} بوعد لا خلف فيه، فهذا ~~ظاهره تهديد كبير، وقراءة المدنيين وابن عامر بالخطاب ms4501 أشد تهديدا، وباطنه ~~من التعبير بالصفح عنهم والسلام بشارة لأنهم يصيرون علماء فيفوقون الأمم في ~~العلم بعد أن يفوقهم في العقل - بما أفهمه أول السورة - فيعلون الأمم في ~~المشي على مناهيج العقل، فلله دره من # PageV17P501 # آخر عانق الأول، ومقطع رد إلى المطلع تنزل، يا ناظم اللآلئ! أين تذهب عن ~~هذا البناء العالي، وتغفل عن هذا الجوهر الرخص الغالي، وتضل عن هذا الضياء ~~اللامع الملألىء، ثم أعلاه فأنزله، وأغلاه بدر المعاني وفضله. # PageV17P502 # مقصودها الإنذار من الهلكة لمن لم يقبل ما في الذكر الكريم الحكيم من ~~الخير والبركة رحمة جعلها بين عامة مشتركة، وعلى ذلك دل اسمها الدخان إذا ~~تؤملت آياته وإفصاح ما فيها وإشاراته) بسم الله (الملك الجبار الواحد ~~القهار) الرحمن (الذي عم بنعمة النذارة) الرحيم (الذي خص أهل وداده برحمة ~~البشارة. # تقدمت الإشارة إلى شيء من أسرار أخواتها. # ولما ختمت الزخرف ببشارة باطنة ونذارة ظاهرة، وكان ما بشر به سبحانه من ~~علم العرب وسلامتهم من غوائل ما كانوافيه مستبعدا، افتتح هذا بمثل ذلك ~~مقسما عليه. # PageV18P001 # فقال: {والكتاب} أي الجامع # PageV18P001 # لكل خير {المبين *} أي البين في نفسه، الموضح لما تقدم من دقيق البشارة ~~لأهل الصفاء والبصارة، واضح النذارة بصريح العبارة، وغير ذلك من كل ما يراد ~~منه، ولأجل ما ذكر من الاستبعاد أكد جواب القسم وأتى به في مظهر العظمة ~~فقال: {إنا} أي بما لنا من العظمة {أنزلناه} أي الكتاب إما جميعا إلى بيت ~~العزة في سماء الدنيا أو ابتدأنا إنزاله إلى الأرض {في ليلة مباركة} أي ~~ليلة القدر - قاله ابن عباس رضي الله عنهما أو النصف من شعبان، فلذلك يتأثر ~~عنه من التأثيرات ما لم تحط به الأفهام في الدين والدنيا، قال الأستاذ أبو ~~القاسم القشيري: ينزل إلى سماء الدنيا كل سنة بمقدار ما كان جبريل عليه ~~السلام ينزله على الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك السنة وسماها {مباركة} ~~لأنها ليلة افتتاح الوصلة وأشد الليالي بركة يكون العبد فيها حاضرا بقلبه ~~مشاهدا لربه، يتنعم فيها بأنوار الوصلة ويجد فيها ms4502 نسيم القربة، وقال الرازي ~~في اللوامع: وأعظم الليالي بركة ما كوشف فيها بحقائق الأشياء. # PageV18P002 # ولما كان هذا موضحا لما لوح به آخر تلك من البشارة في ظاهر النذارة، علل ~~الإنزال أو استأنف ما فيه من واضح النذارة الموصل إلى المعاني المقتضية ~~للبشارة، فقال مؤكدا لأجل تكذيبهم: {إنا} أي على ما نحن عليه من الجلال ~~{كنا} بما لنا من العظمة دائما لعبادنا {منذرين *} لا نؤاخذهم من غير ~~إنذار، فلأجل رحمتنا لهؤلاء القوم وهم أرق الناس طبعا وأصفاهم قلوبا ~~وأوعاهم سمعا نوصلهم بما هيأناهم به من ذلك إلى ما لم يصل غيرهم إليه ولم ~~يقاربه من المعالي في الأخلاق والشمائل والاكتساب لجميع الفضائل. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة حم السجدة وسورة الشورى ~~من ذكر الكتاب العزيز ما قد أشير إليه مما لم تنطو سورة غافر على شيء منه، ~~وحصل من مجموع ذلك الإعلام بتنزيله من عند الله وتفصيله وكونه قرآنا عربيا ~~إلى ما ذكر تعالى من خصائصه إلى قوله {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون} ~~[الزخرف: 44] وتعلق الكلام بعد هذا بعضه ببعض إلى آخر السورة، افتتح تعالى ~~سورة الدخان بما يكمل ذلك الغرض، وهو التعريف بوقت إنزاله إلى سماء الدنيا ~~فقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} ثم ذكر من فضلها فقال {فيها يفرق ~~كل أمر حكيم} فحصل وصف الكتاب بخصائصه والتعريف بوقت إنزاله إلى # PageV18P003 # سماء الدنيا وتقدم الأهم من ذلك في السورتين قبل، وتأخر التعريف بوقت ~~إنزاله إلى السماء الدنيا إذ ليس في التأكيد كالمتقدم، ثم وقع إثر هذا ~~تفصيل وعيد قد أجمل في قوله تعالى {فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون} وما ~~تقدمه من قوله {أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون} وقوله سبحانه {أم يحسبون أنا ~~نسمع سرهم ونجواهم} وتنزيهه سبحانه وتعالى نفسه عن عظيم افترائهم في جعلهم ~~الشريك والولد - إلى آخر السورة، ففصل بعض ما أجملته هذه الآي في قوله ~~تعالى في صدر سورة الدخان {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} وقوله تعالى ~~{يوم نبطش البطشة ms4503 الكبرى} ، والإشارة إلى يوم بدر، ثم ذكر شأن غيرهم في هذا ~~وهلاكهم بسوء ما ارتكبوا ليشعروا أن لا فارق إن هم عقلوا واعتبروا، ثم عرض ~~بقرنهم في مقالته ما بين لابتيها أعز مني ولا أكرم، ثم ذكر تعالى: # PageV18P004 # {شجرة الزقوم} إلى قوله: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} والتحم هذا كله ~~التحاما يبهر العقول، ثم اتبع بذكر حال المتقين جريا على المطرد من شفع ~~الترغيب والترهيب ليبين حال الفريقين وينتج علم الواضح من الطريقين، ثم قال ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} وقد أخبره ~~مع بيان الأمر ووضوحه أنه {إنما يتذكر من يخشى} ثم قال {فارتقب} وعدك ~~ووعيدهم {إنهم مرتقبون} . # ولما وصف ليلة إنزال هذا القرآن بالبركة، وأعلم أن من أعظم بركتها ~~النذارة، وكانت النذارة مع أنها فرقت من البشارة أمرا عظيما موجبا لفرقان ~~ما بين المحاسن والمساوىء من الأعمال قائدة إلى كل خير بدليل أن أتباع ذوي ~~البركة من العلماء، وإذا تعارض عندهم أمر العالم والظالم، قدموا أمر الظالم ~~لما يخافون من نذارته، وأهملوا أمر العالم وإن عظم الرجاء لبشارته، قال ~~معللا لبركتها بعد تعليل الإنزال فيها، ومعمما لها يحصل فيها من بركات ~~التفضيل: {فيها} أي الليلة المباركة سواء قلنا: إنها ليلة القدر أو ليلة ~~النصف أصالة أو مآلا {يفرق} أي ينشر ويبين ويفصل ويوضح مرة بعد مرة {كل أمر ~~حكيم *} أي محكم الأمر لا يستطاع أن يطعن فيه بوجه من جميع ما يوحى به من ~~الكتب وغيرها والأرزاق والآجال والنصر والهزيمة والخصب # PageV18P005 # والقحط وغيرها من جميع أقسام الحوادث وجزئيا في أوقاتها وأماكنها، ويبين ~~ذلك للملائكة من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل فيجدونه سواء ~~فيزدادون بذلك إيمانا، قال البغوي رحمه الله: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر، ~~والأرزاق والآجال، قال: وروى أبو الضحى عنه أن الله تعالى يقضي الأقضية في ~~ليلة النصف من شعبان فيسلمها إلى أربابها في ليلة ms4504 القدر. وقال الكرماني: ~~فيسلمها إلى إلى أربابها وعملها من الملائكة ليلة السابع والعشرين من شهر ~~رمضان. # ولما كان هذا مفهما لأمور لا حصر لها، بين أنه لا كلفة عليه سبحانه فيه، ~~ولا تجدد عنده في وقت من الأوقات لشيء لم يكن قبل إلا تعليق القدرة على وفق ~~الإرادة، فقال مؤكدا لفخامة ما تضمنه وصفه بأنه حكيم: {أمرا} أي حال كون ~~هذا كله مع انتشاره وعدم انحصاره أمرا عظيما جدا واحدا لا تعدد فيه دبرناه ~~في الأزل وقررناه وأتقناه واخترناه ليوجد في أوقاته بتقدير، ويبرز على ما ~~له من # PageV18P006 # الإحكام في أحيانه في أقل من لمح البصر، ودل على أنه ليس مستغرقا لما تحت ~~قدرته سبحانه بإثبات الجار فقال: {من عندنا} أي من العاديات والخوارق وما ~~وراءها. # ولما بين حال الفرقان الذي من جملته الإنذار، علله بقوله مؤكدا لما لهم ~~من الإنكار: {إنا} أي بما لنا من أوصاف الكمال وكمال العظمة {كنا} أي أزلا ~~وأبدا {مرسلين *} أي لنا صفة الإرسال بالقدرة عليها في كل حين والإرسال ~~لمصالح العباد، لا بد فيه من الفرقان بالبشارة والنذارة وغيرهما حتى لا ~~يكون لبس، فلا يكون لأحد على الله حجة بعد الرسل، وهذا الكلام المنتظم ~~والقول الملتحم بعضه ببعض، المتراصف أجمل رصف في وصف ليلة الإنزال دال على ~~أنه لم تنزل صحيفة ولا كتاب إلا في هذه الليلة، فيدل على أنها ليلة القدر ~~للأحاديث الواردة في أن الكتب كلها نزلت فيها كما بينته في كتابي «مصاعد ~~النظر للإشراف على مقاصد السور» وكذا قوله في سورة القدر {تنزل الملائكة ~~والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} فإن الوحي الذي هو مجمع ذلك هو روح ~~الأمور الحكيمة، وبين سبحانه حال الرسالات # PageV18P007 # بقوله: {رحمة} وعدل لأجل ما اقتضاه التعبير بالرحمة عما كان من أسلوب ~~التكلم بالعظمة من قوله «منا» إلى قوله: {من ربك} أي المحسن إليك بإرسالك ~~وإرسال كل نبي مضى من قبلك، فإن رسالاتهم كانت لبث الأنوار في العباد، ~~وتمهيد الشرائع في العباد، حتى استنارت القلوب، واطمأنت ms4505 النفوس، بما صارت ~~تعهد من شرع الشرائع وتوطئة الأديان، فتسهلت طرق الرب لتعميم رسالتك حتى ~~ملأت أنوارك الآفاق، فكنت نتيجة كل من تقدمك من الرفاق. # ولما كانت الرسالة لا بد فيها من السمع والعلم، قال: {إنه هو} أي وحده ~~{السميع} أي فهو الحي المريد {العليم *} فهو القدير البصير المتكلم، يسمع ~~ما يقوله رسله وما يقال لهم، وكل ما يمكن أن يسمع وإن كان بحيث لا يسمعه ~~غيره من الكلام النفسي وغيره الذي هو بالنسبة إلى سمعنا كنسبة ما تسمعه من ~~الكلام إلى سمع الأصم وسمعه ليس كأسماعنا، بل هو متعلق بالمسموعات على ما ~~هي عليه قبل وجودها كما أن علمه متعلق بالمعلومات كما هي قبل كونها. # ولما ذكر إنزال الكتاب على تلك الحال العظيمة البركة لأجل الإرسال، وبين ~~أن معظم ثمرة الإرسال الإنذار لما للمرسل إليهم من أنفسهم # PageV18P008 # من التوراة، دل على ذلك من التدبير المحكم الذي اقتضته حكمة التربية ~~فقال: {رب} أي مالك ومنشئ ومدبر {السماوات} أي جميع الأجرام العلوية ~~{والأرض} وما فيها {وما بينهما} مما تشاهدون من هذا الفضاء، وما فيه من ~~الهواء وغيره، مما تعلمون من اكتساب العباد، وغيرهما مما لا تعلمون، ومن ~~المعلوم أنه ذو العرش والكرسي فعلم بهذا أنه مالك الملك كله. # ولما كانوا مقرين بهذا الربوبية ويأنفون من وصفهم بأنهم غير محققين لشيء ~~يعترفون به، أشار إلى ما يلزمهم بهذا الإقرار إن كانوا كما يزعمون من ~~التحقيق فقال: {إن كنتم موقنين *} أي إن كان لكم إيقان بأنه الخالق لما ركز ~~في غرائزكم وجبلاتكم رسوخ العلم الصافي السالم عن شوائب الأكدار من حظوظ ~~النفوس وعوائق العلائق، فأنتم تعلمون أنه لا بد لهذه الأجرام الكثيفة جدا ~~المتعالي بعضها عن بعض بلا ممسك تشاهدونه مع تغير كل منها بأنواع الغير من ~~رب، وأنه لا يكون وهي على هذا النظام إلا وهو # PageV18P009 # كامل العلم شامل القدرة، مختار في تدبيره، حكيم في شأنه كله وجميع ~~تقديره، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يدع من فيها من العلماء العقلاء الذين ms4506 ~~هم خلاصة ما فيهما هملا يبغي بعضهم على بعض من غير رسول معلم بأوامره، ~~وأحكامه وزواجره، منبه لهم على أنه ما خلق هذا الخلق كله إلا لأجلهم، ~~ليحذروا سطواته ويقيدوا بالشكر على ما حباهم به من أنواع هباته. # ولما ثبت بهذا النظر الصافي ربوبيته، وبعدم اختلال التدبير على طول ~~الزمان وحدانيته، وبعدم الجري على نظام واحد من كل وجه فعله بالاختيار ~~وقدرته، صرح بذلك منبها لهم على أن النظر الصحيح أنتج ذلك ولا بد فقال ~~تعالى: {لا إله إلا هو} أي وإلا لنازعه في أمرهما أو بعضه منازع، أو أمكن ~~أن ينازع فيكون محتاجا لا محالة، وإلا لدفع عنه من يمكن نزعه له وخلافه ~~إياه، فلا يكون صالحا للتدبير والقهر لكل من يخالف رسله والإيحاء لكل من ~~يوافقهم على مر الزمان وتطاول الدهر ومد الحدثان على نظام مستمر، وحال ثابت ~~مستقر. # PageV18P010 # ولما ثبت أنه لا مدبر للوجود غيره، ثبت قوله تعالى: {يحيى ويميت} لأن ذلك ~~من أجل ما فيهما من التدبير، وهو تنبيه على تمام دليل الوحدانية لأنه لا ~~شيء ممن فيهما يبقى ليسند التدبير إليه، ويحال شيء من الأمور عليه، فهما ~~جملتان: الأولى نافية لما أثبتوه من الشركة، والثانية مثبتة لما نفوه من ~~البعث. # ولما ثبت أنه المختص بالإفاضة والسلب، وكان السلب أدل على القهر، ذكرهم ~~ما لهم من ذلك في أنفسهم فقال سبحانه: {ربكم} أي الذي أفاض عليكم ما ~~تشاهدون من النعم في الأرواح وغيرها {ورب آبائكم} ولما كانوا يشاهدون من ~~ربوبيته لأقرب آبائهم ما يشاهدون لأنفسهم، رقي نظرهم إلى النهاية فقال: ~~{الأولين *} أي الذين أفاض عليهم ما أفاض عليكم ثم سلبهم ذلك كما تعلمون، ~~فلم يقدر أحد منهم على ممانعة ولا طمع في منازعة بنوع مدافعة. # PageV18P011 # ولما كان أكثرهم منكرا لما لزمه القطع به بهذا البرهان الزاهر والسلطان ~~الظاهر القاهر عنادا ولددا وإن كان باطنه على غير ذلك، # PageV18P011 # فكان فعله فعل الشاك اللاعب، كان التقدير لأجل ما يظهر من حالهم: لكنكم ~~غير موقنين بعلم من العلوم، بنى ms4507 عليه قوله مع الصرف إلى الغيبة إعراضا عنهم ~~أيذانا بالغضب، وأنهم أهل للمعاجلة بالعطب: {بل هم} أي بضمائرهم {في شك} ~~لأنهم لا يجردون أنفسهم من شوائب المكدرات لصفاء العلم، ثم أعلم نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن الشاغل لهم عن هذا المهم حال الصبيان مع ادعائهم الكمال ~~بأخلاق الأجلاء من الرجال فقال: {يلعبون *} أي يفعلون دائما فعل التارك لما ~~هو فيه من أجد الجد الذي لا مرية فيه اللعب الذي لا فائدة فيه ولا ثمرة له ~~بوجه بعد فعل الشاك بالإعراض وعدم الإسراع إلى التصديق والإيقاض. # ولما كان هذا موضع أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم المفهوم من السياق: ~~فماذا صنع فيهم بعد هذا البيان، الذي لم يدع لبسا لإنسان؟ سبب عن ذلك قوله ~~تسلية له وتهديدا لهم: {فارتقب} أي انتظر بكل جهد عاليا عليم ناظرا ~~لأحوالهم نظر من هو حارس # PageV18P012 # لها، متحفظا من مثلها بهمة كهمة الأسد الأرقب، والفعل متعد ولكنه قصر ~~تهويلا لذهاب الوهم في مفعوله كل مذهب، ولعل المراد في الأصل ما يحصل من ~~أسباب نصرك وموجبات خذلانهم {يوم تأتي السماء} أي فيما يخيل للعين لما يغشي ~~البصر من شدة الجهد بالجوع إن كان المراد ما حصل لهم من المجاعة الناشئة عن ~~القحط الذي سببه قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع ~~يوسف» وروي في الصحيح أن الرجل منهم كان يرى ما بين السماء والأرض كهيئة ~~الدخان، وفي الواقع أن المراد عند قرب الساعة وعقب قيامها، فإنه ورد أنه ~~يأتي إذ ذاك فيغشي الناس ويحصل للمؤمن منه كهيئة الزكام، ويجوز أن يكون ~~المراد أعم من ذلك كله وأوله وقت القحط وكان آية على ما بعده، أو منه ما ~~يأتي عند خروج الدخان من القحط الذي يحصل قبله أو غيره كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إني قد خبأت لك خبأ فما هو؟» قال: الدخ، ففسر ~~بالدخان، فلذلك قال تعالى: {بدخان مبين} أي واضح لا لبس فيه عند رائية ~~ومبين لما سواه ms4508 من الآيات للفطن # PageV18P013 # {يغشى الناس} أي المهددين بهذا، وهم الذين رضوا بحضيض النوس والاضطراب عن ~~أوج الثبات في رتبة الصواب، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال ستا: الدجال والدخان ~~ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وأمر العامة وخويصة أحدكم» . # ولما كان من المعلوم أنهم يقولون عند إتيانه جريا على عادة جهلهم: ما ~~هذا؟ أجيبوا بقوله تعالى حكاية عن لسان الحال، أو قول بعضهم أو بعض أولياء ~~الله: {هذا عذاب أليم *} يخلص وجعه إلى القلب فيبلغ في ألمه بما كنتم ~~تؤلمون دعاتكم إلى الله برد مقولهم والاستخفاف باغتراركم بكثرة العدد ~~والقوة والمدد. # ولما كان كأنه قيل: فما قالوا حين تحققوا ذلك؟ قيل: قالوا وقد انحلت عرى ~~تلك العزائم، ووهت تلك القوى من كل عازم، وسفلت بعد العو تلك الشوامخ من ~~الهمم مدعين أنهم لغاية الإذعان من أهل القرب والرضوان: {ربنا} أي أيها ~~المبدع لنا والمحسن # PageV18P014 # إلينا {اكشف عنا العذاب} ثم عللوا ذلك بما علموا أنه الموجب كشفه، فقالوا ~~مؤكدين لما لحالهم من المنافاة لخبرهم: {إنا مؤمنون *} أي عريقون في وصف ~~الإيمان واصلون إلى رتبة الإيقان، وهذا يصح أن يراد به بعد طلوع الشمس من ~~مغربها، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها ~~الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها» ثم قرأ الآية، وإن كان ~~المراد بالعذاب ما حصل من القحط كان هذا الإيمان على سبيل الوعد. # ولما كان كشف الآيات وإظهار العذاب لا يفيد في الدلالة على الحق أكثر مما ~~أفاده الرسول صلى الله عليه وسلم بما أقامه من المعجزات بل إفادة الرسول ~~أعظم، أجيب من كأنه سأل عن حالهم عند ذلك بقوله معرضا عن خطابهم، إيذانا ~~بدوام مصابهم، لئلا يظن أنه ما كشف عنهم العذاب إلا لظن أنهم صادقون: {أنى} ~~أي كيف ومن أين {لهم الذكرى} ms4509 أي هذا التذكر العظيم الذي وصفوا به أنفسهم ~~{وقد} أي والحال أنه قد {جاءهم} ما هو أعظم من ذلك بما # PageV18P015 # لا يقايس {رسول مبين *} أي ظاهر غاية الظهور أنه رسولنا، وموضح غاية ~~الإيضاح لما جاء به عنا بما أظهر من الآيات، وغير ذلك من الدلالات. # ولما كان الإعراض عنه مع ماله من العظمة بالبيان استخفافا به وبمن جاء من ~~بعده، أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم} أي بعد ما له من علي الرتبة ~~في نفسه وبالإضافة إلى من أرسله. ولما كانت الفطر الأولى داعية إلى الإقبال ~~على الحق، نازعة إلى الانقطاع إلى الله والعكوف ببابه، واللجاء إلى جنابه، ~~إلا بجهد من النفس في النفور وعلاج دواعي الثبور، أشار إلى ذلك بالتعبير ~~بصيغة التفعل فقال: {تولوا عنه} أي أطاعوا ما دعاهم إلى الإدبار عنه من ~~دواعي الهوى ونوازع الشهوات والحظوظ {وقالوا} أي زيادة على إساءتهم ~~بالتولي: {معلم} أي علمه غيره من البشر {مجنون *} فلم يبالوا بالتناقض ~~البين الأمر، وهذا يدل على أن من لا يبالي بعرضه ولا حياء له لا طيب لدائه ~~لأنه لا وجود لدوائه، وأنه إذا مس بما يلينه ويرده ويهينه لا يؤمن من رجوعه ~~إلى الحال السيىء عند كشف ذلك # PageV18P016 # الضر عنه. # ولما لفت سبحانه الخطاب عنهم إهانة لهم، بين أن سببه أن داءهم عضال، فليس ~~له أبدا زوال، فقال مؤكدا لاستبعادهم زوال ما هم فيه: {إنا} أي على ما لنا ~~من العظمة بالعلم المحيط وغيره {كاشفوا العذاب} أي عنكم بدعاء رسولكم صل ~~الله عليه وسلم في القول بأن الدخان ما كانوا يرونه بسبب الجوع من القحط ~~{قليلا} إقامة للحجة عليكم لا لخفاء ما في ضمائركم علينا. ولما كانوا قد ~~أكدوا الإخبار بإيمانهم، وهو باطل، أكد سبحانه الإخبار بكذبهم، ومن أصدق ~~منه سبحانه قيلا، فقال تحقيقا لقوله تعالى {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} ~~[الأنعام: 28] {وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28] : {إنكم عائدون *} أي ثابت ~~عودكم بعد كشفنا عنكم في ذلك الزمن القصير إلى الكفران وإن أكدتم حصول ~~الإيمان بأكيد ms4510 الإيمان لما في جبلاتكم من العوج ولطباعكم من المبادرة إلى ~~الزلل، فإيمانكم هذا الذي أخبرتم برسوخه عرض زائل وخيال باطل، وإن كان هذا ~~في آخر الزمان فلا يدع أن يكون الخطاب لهم على حقيقته بملك أو غيره ممن ~~يرده الله تعالى لأن ذلك زمان خرق العادات ونقض المطردات إقامة للحجة عليهم ~~وله الحجة البالغة، وتأديبا # PageV18P017 # لنا وتعليما. # PageV18P018 # ولما كان اليوم قد يراد به المن المجتمع في حكم من الأحكام، وكان زمان ~~الدخان إن كان المراد به القحط الذي كان قبل يوم بدر أو ما يقرب من الساعة ~~يسمى يوما واحدا لاتحاد ذلك الحكم، أبدل من {يوم الدخان} قوله تهديدا بشق ~~الأكباد: {يوم نبطش} أي بما لنا من العظمة، والبطش: الأخذ بقوة {البطشة ~~الكبرى} أي التي تنحل لها عراهم وتنخل بها عزائمهم وقواهم ولا يحتملها ~~حقائقهم ولا مناهم، سواء كانت البطشة يوم بدر أو غيره فيخسر هنالك من كشف ~~حال الابتلاء عن طغيانه، وتمرده على ربه وعصيانه، ويجوز أن يكون هذا ظرفا ~~لعائدون. ولما كان ما له سبحانه من الحلم وطول الإمهال موجبا لأهل البلادة ~~والغلظة الشك في وعيده، قال مؤكدا {إنا منتقمون *} أي ذلك صفة ثابتة لم نزل ~~نفعلها بأعدائنا لنسر أضدادهم في أوليائنا. # ولما كان التقدير: لفقد فتناهم بإرسالك إليهم ليكشف ذلك لمن لا يعلم ~~الشيء إلا بعد وقوعه عما نعلمه في الأزل، وفيما لا يزال ولم يزل، # PageV18P018 # من بواطن أمورهم، فتقوم الحجة على من خالفنا على مقتضى عاداتكم، عطف عليه ~~محذرا لقريش ومسليا للنبي صلى الله عليه وسلم قوله: {ولقد فتنا} أي فعلنا ~~على ما لنا من العظمة فعل الفاتن وهو المختبر الذي يريد أن يعلم حقيقة ~~الشيء بالإملاء والتمكين ثم الإرسال. # ولما كان من المعلوم أن قوم فرعون لم يستغرقوا الزمان ولا كانوا أقرب ~~الناس زمانا إلى قريش، نزع الجار قبل الظرف لعدم الإلباس أو أنه عظم فتنتهم ~~لما كان لهم من العظمة والمكمنة، فجعلها لذلك كأنها مستغرقة لجميع الزمان ~~فقال: {قبلهم} أي قبل هؤلاء العرب ليكون ms4511 ما مضى من خبرهم عبرة لهم وعظة. # ولما كان فرعون من أقوى من جاءه رسول قبلهم بما كان له من الجنود ~~والأموال والمكنة، وكان الرسول الذي أتاه قد جمع له - صلى الله عليه وسلم - ~~الآيات التي اشتملت على التصرف في العناصر الأربعة. فكان فيها الماء ~~والتراب والنار والهواء، وكانوا إذا أتتهم الآية قالوا: يا أيها الساحر! ~~ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون، # PageV18P019 # فإذا كشف عنهم ذلك عادوا إلى ما كانوا عليه كما أخبر تعالى عن هؤلاء عند ~~مجيء الدخان - إلى غير ذلك مما شابهوهم فيه من الأسرار التي كشفها هذا ~~المضمار، وكان آخر ذلك أن أهلكهم أجمعين، فكانوا أجلى مثل لقوله تعالى في ~~التي قبلها {فأهلكنا أشد منهم بطشا} [الزخرف: 8] خصهم بالذكر من بين ~~المفتونين قبل فقال: {قوم فرعون} أي مع فرعون لأن ما كان فتنة لقومه كان ~~فتنة له لأن الكبير أرسخ في الفتنة بما أحاط به من الدنيا، وسيأتي التصريح ~~به في آخر القصة {وجاءهم} أي المضافين والمضاف إليه في زيادة فتنتهم {رسول ~~كريم} أي يعلمون شرفه نسبا وأخلاقا وأفعالا، ثم زاد بيان كرمه بما ظهر لله ~~به من العناية بما أيده به من المعجزات. # ولما أخبر بمجيئه إليهم بالرسالة التي لا تكون إلا بالقول، فسر ما بلغهم ~~منها بقوله: {أن أدوا} أي أوصلوا مع البشر وطيب النفس، وأبرز ذلك في صيغة ~~الأمر الذي لا يسوغ مخالفته ولما كان بين موسى عليه الصلاة والسلام وبين ~~تصرفه في قومه حائل كثيف من # PageV18P020 # ظلم فرعون وقومه، أشار إليه بحرف الغاية فقال: {إلي} ونبهه على أنه لا ~~حكم له عليهم بقوله {عباد الله} أي بني إسرائيل الذين استعبدتموهم ظلما ~~وليست عليهم عبودية إلا للذي أظهر في أمورهم صفات جلاله وجماله بما صنع مع ~~آبائهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن بعده وما سيظهر مما ترونه وما يكون ~~بعدكم. # ولما كان لهم به من النفع إن تبعوا ما جاءهم به والضر إن ردوه ما ليس ~~لغيرهم، وكان لا يقدر على تأدية ms4512 بني إسرائيل إليه من أهل الأرض غيرهم ~~لاحتوائهم عليهم كان تقديم الجار في أحكم مواضعه فلذلك قال مؤكدا فإنكارهم ~~لرسالته عليه الصلاة والسلام: {إني لكم} أي خاصة بسبب ذلك {رسول} أي من عند ~~من لا تكون الرسالة الكاملة إلا منه، ولما كان الإنسان لا يأتمن على ~~السياسة إلا ثقة كافيا، قال واصفا لنفسه بما يزيل عذرهم ويقيم الحجة عليهم: ~~{أمين *} أي بالغ الأمانة لأن الملك الديان لا يرسل إلا من كان كذلك. # PageV18P021 # ولما كان استعباد عبد الغير بغير حق في صورة العلو على مالك العبد قال: ~~{وأن لا تعلوا} أي تفعلوا باستعبادكم لبني إسرائيل نبي الله # PageV18P021 # ابن خليل الله فعل العالي {على الله} الذي له مجامع العظمة ومعاقد العزة ~~بنفوذ الكلمة وجميع أوصاف الكمال فإنكم إن فعلتم ذلك أخذكم بعزته ودمركم ~~بعظمته. # ولما كان علو من يتصرف في العبد على مالك العبد لا يثبت إلا بعد ثبوت أنه ~~ملكه وأنه لا يحب التصرف فيه، علل ذلك بقوله مؤكدا لأجل أن ما أتى به بصدد ~~أن ينكروه لأن النزوع عما استقر في النفس ومضى عليه الإلف بعيد: {إني ~~آتيكم} وهو يصح أن يكون اسم فاعل وأن يكون فعلا مضارعا. ولما كان فعلهم فعل ~~العالي على السلطان، قال: {بسلطان} أي أمر باهر قاهر من عند مالكهم، لا ~~يسوغ لأحد الاستعلاء عليه فكيف بالاستعلاء على من هو بأمره {مبين *} أي ~~واضح في نفسه سلطنته ومظهر لغيره ذلك. # ولما كان من العجائب أن يقتل منهم نفسا ثم يخرج فارا منهم ثم يأتي إليهم ~~لا سيما إتيانا يقاهرهم فيه في أمر عظيم من غير أن يقع بينهم وبينه ما يمحو ~~ما تقدم منه، نبههم على إتيانه هذا على هذا الحال آية أخرى دالة على ~~السلطان، فقال مؤكدا تكذيبا لظنهم أنه في قبضتهم: {وإني عذت} أي اعتصمت ~~وامتنعت {بربي} الذي # PageV18P022 # رباني على ما اقتضاه لطفه بي وإحسانه إلي {وربكم} الذي أعاذني من قتلكم ~~لي بكم على ما دعت إليه حكمته من جبروتكم وتكبركم وقوة مكنتكم {أن ms4513 ترجمون ~~*} أي أن يتجدد في وقت من الأوقات قتل منكم لي، ما أتيتكم حتى توثقت من ربي ~~في ذلك، فإني قلت {إني أخاف أن يقتلون} فقال {سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما ~~سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا} [القصص: 38] فهو من أعظم آياتي أن لا ~~تصلوا على قوتكم وكثرتكم إلى قتلي منع أنه لا قوة لي بغير الله الذي ~~أرسلني. # ولما كان التقدير: فإن آمنتم بذلك وسلمتم لي أفلحتم، عطف عليه قوله: {وإن ~~لم تؤمنوا لي} أي تصدقوا لأجلي ما أخبرتكم به {فاعتزلون *} أي وإن لم ~~تعتزلوني هلكتم، ولا تقدرون على قتلي بوجه وأنا واحد ممن تسومونهم سوء ~~العذاب، وما قتلتم أبناءهم إلا من أجلي، فرباني على كف من ضاقت عليه الأرض ~~بسببي وسفك الدماء في شأني، ومنعه الله من أن يصل إلي منه سوء قبل أن # PageV18P023 # أعوذ به، فكيف به بعد أن أرسلني وعذت به فأعاذني، واستجرت به فأجارني. # ولما كان التقدير: لم يؤمنوا به ولا لأجله ولم يعتزلوه، بل بغوا له ~~الغوائل وراموا أن يواقعوا به الدواهي والقواصم، فلم يقدروا على ذلك وآذوا ~~قومه وطال البلاء، سبب عنه قوله: {فدعا ربه} الذي أحسن إليه وضمن له سياسته ~~وسياسة قومه، ثم فسر ما دعا به بقوله: {أن هؤلاء} أي الحقيرون الأراذل ~~الذليلون {قوم} أي لهم قوة على القيام بما يحاولونه {مجرمون *} أي عريقون ~~في قطع ما أمرت به أن يوصل، وذلك متضمن وصل ما أمرت به أن يقطع، فكان ~~المعنى: فدعا بهذا المعنى، ولذلك أتى «بأن» الدالة على المصدرية. # ولما كان ممن يستجيب دعاءه ويكرم نداءه، سبب عن ذلك قوله: {فأسر} أي ~~فقلنا له: سر عامة الليل - هذا على قراءة المدنيين وابن كثير بوصل الهمزة ~~وعلى قراءة غيرهم بالقطع المعنى: أوقع السرى وهو السير عامة الليل {بعبادي} ~~الذين هم أهل لإضافتهم إلى جنابي، قومك الذين أرسلناك لإسعادهم باستنقاذهم ~~ممن يظلمهم وتفريغهم لعبادتي # PageV18P024 # لا لعبادة غيري. # ولما كان سبحانه قد تقدم إلى بني إسرائيل في أن يكونوا متهيئين في الليلة ~~التي أمر ms4514 بالسرى فيها بحيث لا يكون لأحد منهم عاقة أصلا كما تقدم بيانه في ~~الأعراف عن التوراة، بين تأكيده لذلك بقوله: {ليلا} فصار تأكيدا بغير ~~اللفظ، وإنما أمره بالسير في الليل لأنه أوقع بالقبط موت الأبكار ليلا، ~~فأمر فرعون موسى عليه الصلاة والسلام أن يخرج بقومه في ذلك خوفا من أن يموت ~~القبط. # ولما علم الله تعالى أنهم إن تأخروا إلى أن يطلع الفجر ويرتفع عنهم ~~الموت، منعوهم الخروج، وإن تأخروا إلى آخر الليل أدركوهم قبل الوصول إلى ~~البحر فيقتلوهم، علل هذا الأمر بقوله مؤكدا له لأن حال القبط عندما أمروهم ~~بالخروج كان حال من لا يصدق له ترجع في قوله: {إنكم متبعون *} أي مطلوبون ~~بغاية الشهوة والجهد من عدوكم، فلا يغرنكم ما هم فيه عند أمركم بالخروج من ~~الجزع من إقامتكم بين أظهرهم وسؤالهم لكم في الخروج عنهم بسب وقوع الموت ~~الفاشي فيهم، فإن القلوب بيد الله، فهو يقسي قلب فرعون # PageV18P025 # بعد رؤية هذه الآيات حين يرتفع عنهم الموت ويفرغون من دفن موتاهم فيطلبكم ~~لما دبرته في القدم من سياستكم بإغراقهم أجمعين ليظهر مجدي بذلك وأدفع عنكم ~~روع مدافعتهم فإني أعلم أنه لا قوة لكم ولا طاقة بهم، فلم أكلفكم لمباشرة ~~شيء من أمرهم. # ولما أمره بالإسراء وعلله، أمره بما يفعل فيه وعلله فقال: {واترك البحر} ~~أي إذا أسريت بهم وتبعك العدو ووصلت إليه وأمرناك بضربه لينفتح لتدخلوا فيه ~~فدخلتم ونجوتم {رهوا} بعد خروجكم منه بأجمعكم أي منفرجا واسعا ساكنا بحيث ~~يكون المرتفع من مائه مرتفعا والمنخفض منخفضا كالجدار، وطريقه الذي سرتم به ~~يابسا ذا سير سهل على الحالة التي دخلتم فيها ليدخل فيه عدوكم فنمجد ~~بإغراقهم كما وعدناكم، وقال البغوي: راهيا أي ذا رهو فسمي بالمصدر - وعزاه ~~إلى مقاتل - انتهى. ولما كانت هذه أسبابا لدخول آل فرعون فيه، علل بما يكون ~~عنها تسكينا لقلوبهم في ترك البحر طريقا مفتوحا يدخله العدو، فقال مؤكدا ~~لأجل استبعاد بني إسرائيل مضمون الخبر لأنه من خوارق العادات مع ما لفرعون ~~وآله في قلوبهم ms4515 من # PageV18P026 # الهيبة الموجبة لأن يستبعدوا معها عمومهم بالإهلاك {إنهم جند مغرقون *} ~~أي متمكنون في هذا الوصف وإن كان لهم وصف القوة والتجمع الذي محطه النجدة ~~الموجبة للعلو في الأمور. # PageV18P027 # ولما أرشد السياق ولا بد إلى تقدير: فأسرى موسى بعباد الله كما أمره الله ~~فتعبهم آل فرعون كما أخبر سبحانه، ففتح الله البحر بباهر قدرته وأمسك ماءه ~~كالجدران بقاهر عظمته وتركه بعد طلوعهم منه على حالته فتبعهم عباد الشيطان ~~بما فاض عليهم من شقاوته فأغرقهم الله بعزته لم يفلت منهم أحد، عبر سبحانه ~~عن هذا كله بقوله على طريق الاستئناف: {كم تركوا} أي الذي سبق الحكم ~~بإغراقهم فغرقوا {من جنات} أي بساتين هي في غاية ما يكون من طيب الأرض ~~وكثرة الأشجار وزكاء الثمار والنبات وحسنها الذي يسر المهموم ويستر الهموم، ~~ودل على كرم الأرض بقوله: {وعيون وزروع} أي مما هو دون الأشجار. ولما كان ~~ذلك لا يكمل إلا بمنازل ومناظر في الجنان وغيرها فقال: {ومقام كريم *} أي ~~مجلس شريف هو أهل لأن يقيم الإنسان فيه، لأن النهاية فيما يرضيه. # PageV18P027 # ولما كان ذلك قد يكون بتعب صاحبة فيه، دل على أنه كان بكد غيرهم وهم في ~~غاية الترف، وهذا هو الذي حملهم على اتباع من كان يكفيهم ذلك حتى أداهم إلى ~~الغرق قال: {ونعمة} هي بفتح النون اسم للتنعم بمعنى الترفه والعيش اللين ~~الرغد، وأما التي بالكسر فهي الإنعام {كانوا فيها} أي دائما {فاكهين *} أي ~~فعلهم في عيشهم فعل المترفه لا فعل من يضطر إلى إقامة نفسه. # ولما كان هذا أمرا عظيما لا يكاد يصدق أن يكون لأحد، دل على عظمه وحصوله ~~لهم بقوله: {كذلك} أي الأمر كما أخبرنا به من تنعيمهم وإخراجهم وإغراقهم ~~وأنهم تركوا جميع ما كانوا فيه لم يغن عنهم شيء منه، فلا يغترن أحد بما ~~ابتليناه به من النعم لئلا يصنع به من الإهلاك ما صنعنا بهم. ولما أفهم سوق ~~الكلام هكذا إغراقهم كلهم، زاده إيضاحا بالتعبير بالإرث الذي حقيقته الأخذ ~~عن الميت أخذا لا منازع فيه ms4516 فقال عاطفا على ما تقدم تقديره بعد اسم ~~الإشارة: {وأورثناها} أي تلك الأمور العظيمة {قوما} أي ناسا # PageV18P028 # ذوي قوة في في القيام على ما يحاولونه، وحقق أنهم غيرهم تحقيقا لإغراقه ~~بقوله: {آخرين *} قال ابن برجان، وقال في سورة الظلمة: «وعيون وكنوز» مكان ~~«وزروع» لما كان المعهود من الزرع الحصد في أقرب المدة أورث زروعها وجناتها ~~وما فيها من مقام كريم قوما بآل فرعون فإنهم أهلكوا ولا بني إسرائيل فإنهم ~~قد عبروا البحر، ولما توطد ملكهم في الأرض المقدسة اتصل بمصر، فورثوا الأرض ~~بكنوزها وأموالها ونعمتها ومقامها الكريم - انتهى. # ولما كان الإهلاك يوجب أسفا على المهلكين ولو من بعض الناس ولا سيما إذا ~~كانوا جمعا فكيف إذا كانوا أهل مملكة ولا سيما إذا كانوا في نهاية الرئاسة، ~~أخبر بأنهم كانوا لهوانهم عنده سبحانه وتعالى على خلاف ذلك، فسبب عما مضى ~~قوله: {فما بكت عليهم} استعارة لعدم الاكتراث لهم لهوانهم {السماء والأرض} ~~وإذا لم يبك السكن فما ظنك بالساكن الذي هو بعضه، روى أبو يعلى في مسنده ~~والترمذي في جامعه - وقال: غريب والربذي والرقاشي يضعفان # PageV18P029 # في الحديث - عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «ما من مسلم إلا وله في السماء بابان، باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه ~~رزقه فإذا مات بكيا عليه» وتلا هذه الآية، وقال علي رضي الله عنه: إن ~~المؤمن إذا مات بكى مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء. # ولما جرت العادة بأن العدو قد يستمهله عدوه في بعض الأوقات لمثل وصية ~~وقضاء حاجة فيمهله، أخبر تتميما لعدم الاكتراث بهم أنهم كانوا دون ذلك ~~فقال: {وما كانوا} ولما كان هذا لكونه خيرا عنهم بعد مضيهم المقصود منه ~~تحذير من بعدهم فقط، لم يذكر التقييد بذلك الوقت بإذن ونحوها دلالة على أن ~~ما كانوا فيه من طويل الإمهال كان كأنه لم يكن لعظم هذا الأخذ بخلاف ما مر ~~في في الحجر من التخويف من إنزال الملائكة عليهم، فإن تقييد عدم الإنظار ~~بذلك ms4517 الوقت لرد السامعين عن طلب إنزالهم فقال تعالى: {منظرين *} أي ممهلين ~~عما أنزلنا بهم من المصيبة من ممهل ما لحظه فما # PageV18P030 # فوقها ليتداركوا بعض ما فرطوا فيه وينظروا في شيء مما يهمهم بل كان أخذهم ~~لسهولته علينا في أسرع من اللمح، لم يقدروا على دفاع، فنالهم عذاب الدنيا ~~وصاروا إلى عذاب الآخرة فخسروا الدارين وما ضروا غير أنفسهم. # ولما كان إنقاذ بني إسرائيل من القبط أمرا باهرا لا يكاد يصدق فضلا عن أن ~~يكون بإهلاك أعدائهم، أكد سبحانه الإخبار بذلك إشارة إلى ما يحق له من ~~العظمة تنبيها على أنه قادر أن يفعل بهذا النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ~~كذلك وإن كانت قريش يرون ذلك محالا وأنهم في قبضتهم فقال: {ولقد نجينا} أي ~~بما لنا من العظمة «تنجية عظيمة» مع كونها بسبب الآيات المتفرقات كانت على ~~التدريج {بني إسرائيل} عبدنا المخلص لنا {من العذاب المهين *} بسبب أنهم ~~كانوا عندهم في عداد العبيد يتسخدمون الرجال والنساء بل أذل للزيادة على ~~التصرف العبيد بالتذبيح للأبناء. # PageV18P031 # ولما تشوف السامع إلى صاحب ذلك العذاب قال مبدلا مما قبله إفهاما لأن ~~فرعون نفسه كان عذابا لإفراطه في أذاهم: {من فرعون} ثم علل ذلك بما يعرف ~~منه صحة الوصف للعذاب فقال مؤكدا لأن حال قريش في استذلال المؤمنين حل من ~~يكذب بأن الله أنجى بني إسرائيل على ضعفهم فهو ينجي غيرهم من الضعفاء أو ~~يكذب أن فرعون كان قويا {إنه كان عاليا} في جبلته العراقة في العلو {من ~~المسرفين *} أي العريقين في مجاوزة الحدود. # PageV18P032 # ولما كانت قريش تفتخر بظواهر الأمور من الزينة والغرور ويعدونه تعظيما من ~~الله ويعدون ضعف الحال في الدنيا شقاء وبعدا من الله، رد عليهم قولهم بما ~~أتى بني إسرائيل على ما كانوا فيه من الضعف وسوء الحال بعد إهلاك آل فرعون ~~بعذاب الاستئصال، فقال مؤكدا لاستبعاد قريش أن يختار من قل حظه من الدنيا: ~~{ولقد} اخترناهم} أي فعلنا بما لنا من العظمة في جعلنا لهم خيارا فعل من ~~اجتهد في ذلك، ms4518 وعظم أمرهم بقوله بانيا على ما تقديره: اختيارا # PageV18P032 # مستعليا {على علم} أي منا بما يكون منهم من خير وشر، وقد ظهر من آثاره ~~أنكم صرتم تسألونهم وأنتم صريح ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام عما ينوبكم ~~وتجعلونهم قدوتكم فيما يصيبكم وتضربون إليه أكباد الإبل، وهكذا يصير عن ~~قليل كل من اتبع رسولكم صلى الله عليه وسلم منكم ومن غيركم. ولما بين ~~المفضل، بين المفضل عليه فقال: {على العالمين *} أي الموجودين في زمانهم ~~بما أنزلنا عليهم من الكتاب وأرسلنا إليهم من الرسل. # ولما أعلم باختيارهم، بين آثار الاختيار فقال: {وآتيناهم} أي على ما لنا ~~من العظمة {من الآيات} أي العلامات الدالة على عظمتنا واختيارنا لهم من حين ~~أتى موسى عبدنا عليه الصلاة والسلام فرعون إلى أن فارقهم بالوفاة وبعد ~~وفاته على أيدي الأنبياء المقررين لشرعه عليهم الصلاة والسلام {ما فيه ~~بلاؤا} أي اختبار مثله يميل من ينظره أو يسمعه أو يحيله إلى غير ما كان ~~عليه، وذلك بفرق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما ~~رأوه من الآيات التسع، وفي هذا ما هو رادع للعرب عن بعض أقوالهم من خوف ~~التخطف # PageV18P033 # من العرب والفقر لقطع الجلب عنهم وغير ذلك {مبين *} أي بين لنفسه موضح ~~لغيره، وما أنسب هذا الختم لقوله أول قصتهم «ولد فتنا قبلهم قوم فرعون» . # ولما ثبت بما مضى أنه سبحانه متصف بالإحياء والإماتة، وكان إنكار ذلك ~~عنادا لا يستطيع أحد يثبت الإله أن ينكره، وكان الإقرار بذلك في بعض ~~وإنكاره في بعض تحكما ومخالفا لحاكم العقل وصارم النقل، وكان من الآيات ~~التي أوتوها إحياؤهم بعد إماتتهم حين طلبوا الرؤية فأخذتهم الصاعقة، وحين ~~خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وكان ذلك هو البعث بعينه، وكان العرب ~~ينكرونه ويبالغون في إنكارهم له ولا يسألونهم عنه، قال موبخا لهم مشيرا ~~بالتأكيد إلى أنه لا يكاد يصدق أن أحدا ينكر ذلك لما له من الأدلة: {إن} ~~وحقرهم بقوله: {هؤلاء} أي الأدنياء الأقلاء الأذلاء {ليقولون *} أي بعد ~~قيام الحجة البالغة عليهم ms4519 مبالغين في الإنكار في نظير تأكيد الإثبات: {إن} ~~أي ما. # ولما كان قد تقدم قوله تعالى {يحيي ويميت} وهم يعلمون أن المراد به أن ~~يتكرر منه الإحياء للشخص الواحد، # PageV18P034 # وكان تعالى قد قال ولا يخاطبهم إلا بما يعرفونه {وكنتم أمواتا فأحياكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} [البقرة: 28] أي بالانتشار بعد الحياة ~~وقال {أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] قالوا: ما {هي إلا موتتنا} ~~على حذف مضاف أي ما الحياة إلا حياة موتتنا {الأولى} أي التي كانت قبل نفخ ~~الروح - كما سيأتي في الجاثية {إن هي إلا حياتنا الدنيا} وعبروا عنها ~~بالموتة إشارة إلى أن الحياة في جنب الموت المؤبد على زعمهم أمر متلاش لا ~~نسبة لها منه، وساق سبحانه كلامهم على هذا الوجه إشارة إلى أن الأمور إذا ~~قيس غائبها على شاهدها، كان الإحياء بعد الموتة الثانية أولى لكونه بعد ~~حياة من الإحياء بعد الموتة الأولى، فحط الأمر على أن الابتداء كان من موت ~~لم يتقدمه حياة، والقرار يكون على حياة لا يعقبها موت. # ولما كان المعنى: وليس وراءها حياة، أكدوه بما يفهمه تصريحا فقالوا برد ~~ما أثبته الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: # PageV18P035 # {وما نحن} وأكدوا النفي فقالوا: {بمنشرين *} أي من منشر ما بالبعث بحيث ~~نصير ذوي حركة اختيارية ننتشر بها بعد الموت، يقال: نشره وأنشره - إذا ~~أحياه. # ولما كانوا يزعموه أن دعوى الإحياء لا يصح إلا إذا شاهدوا أحدا من ~~الأموات الذين يعرفونه حيا بعد أن تمزق جلده وعظامه، سببوا عن إنكارهم ~~مخاطبين للنبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه: {فأتوا} أي أيها الزاعمون أنا ~~نبعث بعد الموت إيذانا بأنهم لا يصدقون بذلك وإن كثر معتقدوه من جنس بشرهم ~~وتبعهم {بآبائنا} أي لكوننا نعرفهم ونعرف وفور عقولهم فلا نشك في أن ذلك ~~إحياء لمن مات ليكون ذلك آية لنا على البعث، وأكدوا تكذيبهم بقوله: {إن ~~كنتم صادقين *} أي ثابتا صدقكم. # ولما أخبروا على هذه العظمة تنطعا لأنها لو وقعت لم يكن بأدل على ثبوت ~~النبوة ms4520 المستلزمة لتصديق كل ما يقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما ~~يأتيهم به من الآيات، غير خائفين من الله وهم يعلمون قدرته وإهلاكه للماضين ~~لأجل تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكأنهم يدعون خصوصيته في مكنة من ~~عين أو معنى # PageV18P036 # ينجون بها من مساواة من قبلهم في ذلك، فقال تعالى منكرا عليهم: {أهم خير} ~~أي في الدين والدنيا {أم قوم تبع} أي الذين ملك بهم تبع الأرض بطولها ~~والعرض وحيرة الحيرة وبنى قصر سمرقند وكان مؤمنا، وقومه حمير ومن تبعهم ~~أقرب المهلكين إلى قريش زمانا ومكانا. وكان له بمكة المشرفة ما ليس لغيره ~~من الآثار، وقال الرازي في اللوامع: هو أول من كسا البيت ونحر بالشعب ستة ~~آلاف بدنة وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق. # وقال البغوي بعد أن ذكر قصته مع الأنصار لما قتل ابنه غيلة بالمدينة ~~الشريفة وما وعظته به اليهود في الكف عن إخراب المدينة لأنها مهاجر نبي من ~~قريش: فصدقهم وتبع دينهم، وذلك قبل نسخه، وقال عن الرقاشي: آمن تبع بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة عام، وعن عائشة رضي الله عنها ~~أنها قالت: لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا. # ولما كان ذلك في سياق التهديد بالإهلاك لأجل مخالفتهم، وكان الإهلاك لذلك ~~إنما كان لبعض من تقدم زمانهم لا لجميع الخلق، أدخل الجار فقال: {والذين من ~~قبلهم} أي من مشاهير الأمر كمدين وأصحاب الأيكة والرس وثمود وعاد. # PageV18P037 # ولما كان كأنه قيل: ما لهؤلاء الأمم؟ قيل: {أهلكناهم} أي بعظمتنا وإن ~~كانوا عظماء لا يشعرهم هؤلاء فيما لهم من المكنة لقطعهم من أمر الله به أو ~~يوصل من الرسل وأتباعهم، وتكذيبهم بما أتوا به، ولذلك علل الإهلاك تحذيرا ~~للعرب بقوله مؤكدا لظنهم أن هلاكهم إنما هو على عادة الدهر: {إنهم كانوا} ~~أي جبلة وطبعا {مجرمين *} أي عريقين في الإجرام، فليحذر هؤلاء إذا ارتكبوا ~~مثل أفعالهم من مثل حالهم وأن يحل بهم ما حل بهم. # PageV18P038 # ولما كان التقدير للاستدلال على الجزاء الذي جامعه التكفل ms4521 بجميع أنحائه ~~يوم القيامة: فإنا ما خلقنا الناس عبثا يبغي بعضهم على بعض ثم لا يؤاخذون، ~~عطف عليه ما هو أكبر في الظاهر منه فقال: {وما خلقنا السماوات} أي على ~~عظمها واتساع كل واحدة منها واحتوائها لما تحتها، وجمعها لأن العمل كلما ~~زاد كان أبعد من العبث مع أن إدراك تعددها مما يقتضي المشاهدة بما فيها من ~~الكواكب، # PageV18P038 # ووحد في سورة الأنبياء تخصيصا بما يتحقق المكذبون بالبعث رؤيته لما ذكر ~~هناك من اختصاص «لدن» بما بطن. # ولما كان الدليل على تطابق الأرضي دقيقا وحدها فقال: {والأرض} أي على ما ~~فيها من المنافع {وما بينهما} أي النوعين وبين كل واحدة منها وما يليها ~~{لاعبين *} أي على ما لنا من العظمة التي يدرك من له أدنى عقل تعاليها عن ~~اللعب لأنه لا يفعله إلا ناقص، ولو تركنا الناس يبغي بعضهم على بعض كما ~~تشاهدون ثم لا نأخذ لضعيفهم بحقه من قويهم لكان خلقنا لهم لعبا، بل اللعب ~~أخف منه، ولم نكن على ذلك التقدير مستحقين لصفة القدوسية، فإنه «لا قدست ~~أمة لا يؤخذ لضعيفها بالحق من قويها غير متعتع» - رواه ابن ماجة عن أبي ~~سعيد وابن جميع في معجمه عن جابر، وصاحب الفردوس عن أبي موسى رضي الله عنهم ~~رفعوه، وهو شيء لا يرضى به لنفسه أقل حكام الدنيا، فكان هذا برهانا قاطعا ~~على صحة الحشر ليظهر هناك الفصل بالعدل والفضل. # ولما نفى أن يكون خلق لك اللعب الذي هو باطل، أثبت ما خلقه له ولم يصرح ~~بما في البين لأنه تابع، وقد نبه ما مضى، # PageV18P039 # فقال مستأنفا: {ما خلنقاهما} أي السماوات والأراضي مع ما بينهما {إلا ~~بالحق} من الحكم بين من فيهما، فمن عمل الباطل عاقبناه ومن عمل الحق ~~أثبناه، وبذلك يظهر غاية الظهور إحاطتنا بجميع أوصاف الكمال كما نبهنا عليه ~~أهل الكمال في هذا الدار بخلقهما الذي واقعة بمطابق للحق، وهو ما لنا من ~~تلك الصفات المقتضية للبعث لأحقاق الحق وإبطال الباطل بما لا خفاء فيه عند ~~أحد. # ولما كان ms4522 أكثر الخلق لا يعلم ذلك لعظمته عن النظر في دليله وإن كان قطعيا ~~بديهيا. {ولكن أكثرهم} أي أكثر هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم وهم يقولون: {إن ~~هي إلا موتتنا الأولى} وكذا من نحا نحوهم {لا يعلمون *} أي أنا خلقنا الخلق ~~بسبب إقامة الحق فهم لأجل ذلك يجترئون على المعاصي ويفسدون في الأرض لا ~~يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا، ولو تذكروا ما ركزناه في جبلاتهم لعلموا ~~علما ظاهرا أنه الحق الذي لا معدل عنه كما يتولى حكامهم المناصب لأجل إظهار ~~الحكم بين رعاياهم، ويشرطون الحكم بالحق، ويؤكدون على أنفسهم أنهم لا ~~يتجاوزونه. # ولما كان كأنه قيل: إنا # PageV18P040 # نرى أكثر المظلومين يموتون بمرير غصصهم مقهورين، وأكثر الظالمين يذهبون ~~ظافرين بمطالبهم مسرورين، فمتى يكون هذا الحق؟ قال جوابا لذلك مؤكدا لأجل ~~تكذبيهم: {إن يوم الفصل} عند جمع الأولين والآخرين من جميع المكلفين الذين ~~ينتظره كل أحد للفرق بين كل ملبس، فلا يدع نوعا منه حتى أنه يميز بين ~~المكاره والمحاب ودار النعيم وغار الجحيم، وبين أهل كل منهما بتمييز المحق ~~من المبطل بالثواب والعقاب وهو بعد البعث من الموت {ميقاتهم} أي وقت جمع ~~الخلائق للحكم بينهم الذي ضرب لهم في الأزل وأنزلت به الكتب على ألسنة ~~الرسل {أجمعين *} لا يتخلف عنه أحد ممن مات من الجن والإنس والملائكة وجميع ~~الحيوانات. # ولما ذكر هذا اليوم الذي دل على عظمته بهذه العبارة إفرادا وتركيبا، ذكر ~~من وصفه ما يحمل على الخوف والرجاء، فقال مبدلا منه: {يوم لا يغني} بوجه من ~~الوجوه {مولى} بقرابة أو غيرها بحلف أو رق من أعلى أو أسفل {عن مولى} أريد ~~أخذه بما وقع منه {شيئا} من الإغناء. ولما كان الإغناء تارة يكون بالرفق ~~وأخرى # PageV18P041 # بالعنف، صرح بالثاني لأنه أعظمها والسياق للإهلاك والقهر فقال: {ولا هم} ~~أي القسمان {ينصرون *} أي من ناصر ما لو أراد بعضهم نصرة بعض، أو أراد ~~غيرهم لو فرض أن ينصرهم، وعبر بالجمع الذي أفاده الإبهام للمولى ليتناول ~~القليل والكثير منه لأن النفي عنه نفي عن الأفراد ms4523 من باب الأولى. # ولما نفى الإغناء استثنى منه فقال: {إلا من رحم الله} أي أراد إكرامه ~~الملك الأعظم وهم المؤمنون يشفع بعضهم لبعض بإذن الله في الشفاعة لأحدهم ~~فيكرم الشافع فيه بقبول شفاعته ويكرمه بقبوله الشفاعة فيه. ولما كان ما ~~تقدم دالا على تمام القدرة في الإكرام والانتقام، وكان الإكرام قد يكون عن ~~ضعف، قال نافيا لذلك ومقررا لتمام القدرة اللازم منه الاختصاص بذلك مؤكدا ~~له تنبيها على أنه ما ينبغي أن يجعل نصب العين وتعقد عليه الخناصر، ولأن ~~إشراكهم وتكذيبهم بالبعث يتضمن التكذيب بذلك: {إنه هو} أي وحده {العزيز} أي ~~المنيع الذي لا يقدح في عزته عفو ولا عقاب، بل ذلك دليل على عزته فإنه يفعل ~~ما يشاء فيمن يشاء من غير مبالاة بأحد. ولما كان العزيز قد لا يرحم قال: ~~{الرحيم *} أي الذي لا تمنع عزته أن يكرم # PageV18P042 # من يشاء. # ولما كان السياق للانتقام، أخبر عن حال الفجار على سبيل الاستئناف، فقال ~~مؤكدا لما يكذبون به: {إن شجرة الزقوم *} التي تقدم من وصفها ما يقطع ~~القلوب من أنها تخرج من أصل الجحيم، وأن طلعها كأنه رؤوس الشياطين، وغيره ~~مما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى والذي تعرفونه من ذلك في الدنيا أنها ~~شجرة صغيرة الورق ذفرة أي شديد النتن - مرة، من الزقم، أي اللقم الشديد ~~والشوب والمفرط، وقال عبد الحق في كتابه الواعي: الزقوم شجرة غبراء صغيرة ~~الورق لا شوك لها ذفرة لها كعابر في سوقها أي عقد كالأنابيب ولها ورد تجرسه ~~النحل، ورأس ورقها قبيح جدا، وهي مرعى، ومنابتها السهل، قال ابن برجان: وهي ~~في النار في مقابلة شجرة طوبى في الجنة، يضطرون إلى أكلها وإلى شرب الغسلين ~~كما يضطر أهل الدنيا لإدخال الطعام والشراب {طعام الأثيم *} أي المبالغ في ~~اكتساب الآثام حتى مرن عليها فصارت به إلى الكفر {كالمهل} أي القطران ~~الرقيق وما ذاب من صفر أو حديد أو دردية، روى أحمد والترمذي - وقال: # PageV18P043 # لا نعرفه إلا من حديث رشدين - وابن حبان في صحيحه والحاكم ms4524 من وجه آخر - ~~وقال الحاكم: صحيح الإسناد - عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله {كالمهل} قال: # «كعكر الزيت فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه» {تغلي} أي الشجرة - ~~على قراءة الجماعة بالتأنيث، والطعام على قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم ~~ورويس عن يعقوب بالتذكير ولا يعود الضمير على المهل لأنه مشبه به {في ~~البطون *} أي من شدة الحر. # PageV18P044 # ولما كان للتذكير بما يعرف شأن عظيم من الإقبال أو التنفير وإن كان دون ~~ما شبه به قال: {كغلي} أي مثل غلي {الحميم *} أي الماء الذي تناهى حره بما ~~يوقد تحته، فهو يثبت كأنه يريد أن يتخلص مما هو فيه من الحر، روى - وقال ~~حسن صحيح - والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم - وقال صحيح على ~~شرطهما - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو ~~أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا # PageV18P044 # معائشهم فكيف بمن يكون هذا طعامه» . ولما كان كأنه قيل: ما للأثيم يأكل ~~هذا الطعام، وما الحامل له عليه وعلى مقاربة مكانه، أجيب بأنه مقهور عليه، ~~يقتضيه صفة العزة فيه الرحمة لإعادته بأن يقال للزبانية: {خذوه} أي أخذ قهر ~~فلا تدعوه يملك من أمره شيئا {فاعتلوه} أي جروه بقهر بغلظة وعنف وسرعة إلى ~~العذاب والإهانة بحيث يكون كأنه محمول، وقال الرازي في اللوامع: والعتل أن ~~يأخذ بمجامع ثوبه عند صدره يجره، وقراءة الضم أدل على تناهي الغلظة والشدة ~~من قراءة الكسر {إلى سواء} أي وسط {الجحيم *} أي النار التي في غاية ~~الاضطرام والتوقد، وهي موضع خروج الشجرة التي هي طعامه. # ولما أفهم هذا صار في موضع يحيط به العذاب فيه من جميع الجوانب، بين أن ~~له نوعا آخر من النكد رتبته في العظمة مما يستحق العطف بأداة التراخي فقال: ~~{ثم صبوا} أي في جميع الجهة التي هي {فوق رأسه} ليكون المصبوب محيطا بجميع ~~جسمه {من عذاب الحميم} أي العذاب الذي يغلي ms4525 به الحميم أو الذي هو الحميم ~~نفسه، والتعبير عنه بالعذاب أهول، وهذا في مقابلة ما كان لهم من البركة بما ~~ينزل # PageV18P045 # من السماء من المطر ليجتمع لهم حر الظاهر بالحميم والباطن بالزقوم. # ولما علم بهذا أنه لا يملك من أمر نفسه شيئا، بل وصل إلى غاية الهوان، دل ~~عليه بالتهكم بما كان يظن في نفسه من العظمة التي يترفع بها في الدنيا على ~~أوامر الله، فقيل بناء على ما تقديره: يفعل به ذلك مقولا له: {ذق} أي من ~~هذا أوصلك إليه تغررك على أولياء الله. ولما كان أولياء الله من الرسل ~~وأتباعهم يخبرون في الدنيا أنه - لإبائه أمر الله - هو الذليل، وكان هذا ~~الأثيم وأتباعه يكذبون بذلك ويؤكدون قولهم المقتضي لعظمته لإحراق أكباد ~~الأولياء حكى له قولهم على ما كانوا يلفظون به زيادة في تعذيبه بالتوبيخ ~~والتقريع معللا للأمر بالذوق: {إنك} وأكد بقوله: {أنت} وحدك دون هؤلاء ~~الذين يخبرون بحقارتك {العزيز} أي الذي يغلب ولا يغلب {الكريم *} أي الجامع ~~إلى الجود شرف النفس وعظم الإباء، فلا تنفعك عن ستر مساوئ الأخلاق بإظهار ~~معاليها فلست بلئيم أي بخيل مهين النفس خسيس الإباء، فهو كناية عن مخاطبته ~~بالخسة مع إقامة الدليل على ذلك بما هو فيه من المهالك، وقراءة # PageV18P046 # الكسائي بفتح «إن» دالة على هذا العذاب قولا وفعلا على ما كان يقال له من ~~هذا الدنيا ويعتقد هو أنه حق. # ولما دل على أنه يقال هذا لكل من الأثماء ويفعل به على حدته، دل على ما ~~يعمون به، فقال مؤكدا ردا لتكذيبهم سائقا لهم على وجه مفهم أنه علة ما ذكر ~~من عذابهم: {إن هذا} أي العذاب قولا وفعلا وحالا {ما كنتم} أي جبلة وطبعا ~~طبعناكم عليه لتظهر قدرتنا في أمركم دنيا وأخرى {به تمترون *} أي تعالجون ~~أنفسكم وتحملونها على الشك فيه وتردونها عما لها من الفطرة الأولى من ~~التصديق بالممكن لا سيما لمن جرب صدقه وظهرت خوارق العادات على يده بحيث ~~كنتم لشدة ردكم له كأنكم تخصونه بالشك. # ولما وصف سبحانه ms4526 ما للمبالغ في المساوئ وأفرده أولا إشارة إلى قليل في ~~قوم هذا النبي الكرمي الذي تداركهم الله بدعوته تشريفا له وإعلاء لمقداره، ~~وجمع آخرا ذاكرا من آثار ما استحق به ذلك من مشاركة في أوزاره، ففهم أن ~~وصفه انقضى، ومر ومضى، فتاقت النفس إلى تعرف ما لأضداده الذين خالفوه في ~~مبدئه ومعاده، قال مؤكدا لما لهم من التكذيب: {إن المتقين} أي # PageV18P047 # العريقين في هذا الوصف {في مقام} أي موضع إقامة لا يريد الحال فيه تحولا ~~عنه {أمين *} أي يأمن صاحبه فيه من كل ما لا يعجبه. # ولما كان الوصف بعد الوصف شديد الترغيب في الشيء، قال مبدلا من «مقام» : ~~{في جنات} أي بساتين تقصر العقول عن إدراك وصفها كل وصفها {وعيون *} كذلك ~~بحيث تقر بها العيون، ولما كان قد أشار إلى وصف ما للباطن من لذة النظر ~~ولباس الأكل والشرب، أتبعه كسوة الظاهر وما لكل من القرب فقال: {يلبسون} . # ولما وصف ما أعد لهم من اللبس في الجنة، دل على الكثرة جدا بقوله: {من ~~سندس} وهو ما رق من الحرير يعمل وجوها، وزاد صنفا آخر فقال: {وإستبرق} وهو ~~ما غلظ منه يعمل بطائن، وسمي بذلك لشدة بريقه. ولما كان وصف الأثماء بما ~~لهم من القبض الشاغل لكل منهم عن نفسه وغيره بعد ما تقدم في الزخرف في آية ~~الأخلاء ما أعلم بكونهم مدابرين وصف أضدادهم بما لهم من البسط مع الاجتماع ~~فقال: {متقابلين *} أي ليس منهم أحد يدابر الآخر لا حسا ولا معنى، وود أن ~~كلا منهم يقابل الآخر ناظرا إليه، فإذا # PageV18P048 # أرادوا النساء حالت الستور بينهم. # ولما كان هذا أمرا يبهر العقل، فلا يكاد يتصوره، قال مؤكدا له: {كذلك} أي ~~الأمر كما ذكرنا سواء لا مرية فيه. ولما كان ذلك لا يتم السرور به إلا ~~بالأزواج قال: {وزوجناهم} أي قرناهم كما تقرن الأزواج، وليس المراد به ~~العقد لأنه فعل متعد بنفسه وهو لا يكون في الجنة لأن فائدته الحل، والجنة ~~ليست بدار كلفة من تحليل أو تحريم، وذكر مظهر ms4527 العظمة تنبيها على كمال الشرف ~~{بحور} أي على حسب التوزيع بجواري بيض حسان نقيات الثياب {عين *} أي واسعات ~~الأعين. # PageV18P049 # ولما كان الإنسان في الدنيا يخشى كلفة النفقات، وصف ما هنالك من سعة ~~الخيرات فقال: {يدعون} أي يطلبون طلبا هو بغاية المسرة {فيها بكل} لا يمتنع ~~عليهم صنف من الأصناف ببعد مكان ولا فقد أوان، ولا غير ذلك من الشأن، وقال: ~~{فاكهة} إيذانا بأن ذلك مع سعته ليس فيها شيء لإقامة البينة وإنما هو ~~للفتكه ومجرد التلذذ. ولما كان التوسع في التلذذ يخشى منه غوائل جمة قال: ~~{آمنين *} أي وهم في غاية الأمن من كل مخوف. # PageV18P049 # ولما ذكر الأمان، وكان أخوف ما يخاف أهل الدنيا الموت، قال: {لا يذوقون ~~فيها} أي الجنة {الموت} أي لا يتجدد لهم أوائل استطعامه فكيف بما وراء ذلك. ~~ولما كان المراد نفي ذلك على وجه يحصل معه القطع بالأمن على أعلى الوجوه، ~~وكان الاستثناء معيار العموم، وكان من المعلوم أن ما كان في الدنيا من ذوق ~~الموت الذي هو معنى من المعاني قد استحال عوده، قال معللا معلقا على هذا ~~المحال: {إلا الموتة} ولما كان المعنى مع إسناد الذوق إليه لا يلبس لأن ما ~~قبل نفخ الروح ليس مذوقا، عبر بقوله: {الأولى} وقد أفهم التقييد بالظرف أن ~~النار يذاق فيها الموت، والوصف بالأولى أن المذوق موتة ثانية، فكان كأنه ~~قيل: لكن غير المتقين ممن كان عاصيا فيدخل النار فيذوق فيها موتة أخرى - ~~كما جاء في الأحاديث الصحيحة، ويجوز أن يجعل وصف المتقين أعم من الراسخين ~~وغيرهم، فيكون الحكم على المجموع، أي أن الكل لا يذوقون، وبعضهم - وهم من ~~أراد الله من العصاة - يذوقونه في غيرها وهو النار، ويجوز أن تكون الموتة ~~الأولى كانت في الجنة المجازية فلا يكون تعليقا بمحال، وذلك أن المتقي لم ~~يزل # PageV18P050 # فيها في الدنيا مجازا بما له من التسبب وبما سبق من حكم الله له بها، قال ~~صلى الله عليه وسلم: «المؤمن إذا عاد أخاه لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، ms4528 ~~قيل: وما خرفة الجنة؟ قال: جناها» «وإذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» وكذا ~~المحكوم له بما هو فيها عند الموت وبعده بما له من التمتع بالنظر ونحوه من ~~الأكل للشهداء وغير ذلك مما ورد في الأخبار الصحيحة، ومن ذلك ما رواه ~~البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمه النضر رضي الله عنه قال يوم أحد: يا ~~سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني لأجد ريحها من دون أحد، ثم قاتل حتى قتل. ~~ثم يكون تمام ذلك النعيم بالجنة بعد البعث، قال ابن برجان: الدنيا إذا ~~تحققت في حق المؤمن المتقي وتتبع النظر فيها فإنها جنة صغرى لتوليه سبحانه ~~إياهم فيها وقربه منهم ونظره إليهم وذكرهم له وعبادتهم إياه وشغلهم به وهو ~~معهم أينما كانوا. # ولما كان السياق للمتقين قال: {ووقاهم} أي جملة المتقين في جزاء ما اتقوه ~~{عذاب الجحيم *} أي التي تقدم إصلاء الأثيم لها، وأما غير المتقين من ~~العصاة فيدخل الله من أراد منهم النار فيعذر كلا منهم # PageV18P051 # على قدر ذنوبه ثم يميتهم فيها ويستمرون إلى أن يأذن الله في الشفاعة فيهم ~~فيخرجهم ثم يحييهم بما يرش عليهم أهل الجنة من ماء الحياة، روى الإمام أحمد ~~في مسنده ومسلم في الإيمان من صحيحه وابن حبان في الشفاعة من سننه والدرامي ~~في صفة الجنة والنار من سننه المشهور بالمسند، وابن أبي حاتم في تفسيره عن ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ~~أهل النار الذين هم أهلها» - وقال الدارمي: الذين هم للنار - «فإنهم لا ~~يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس منكم أصابتهم النار بذنوبهم» ، - أو قال: ~~«بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة» ، وقال الإمام أحمد: «فيميتهم إماتة» ، ~~وقال الدرامي: «فإن النار تصيبهم على قدر ذنوبهم فيحرقون فيها حتى إذا ~~كانوا فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم» وقال الدرامي: «فيخرجون من النار ~~ضبائر ضبائر فنبتوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، ~~فينبتون» ، وقال الدرامي فتنبت لحومهم نبات الحبة في حميل السيل. ms4529 الضبائر ~~قال عبد الغافر الفارسي في مجمع الرغائب: # PageV18P052 # جمع ضبارة مثل عمارة عمائر: جماعات الناس، وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل ناس في النار حتى إذا صاروا ~~فحما أدخلوا الجنة، فيقول أهل الجنة: من هؤلاء؟ ، فيقال: هؤلاء الجهنميون» ~~، ولأحمد بن منيع عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «يوضع الصراط» فذكر شفاعة المؤمنين في إخوانهم بعد جواز الصراط ~~وإذن الله لهم في إخراجهم، قال: «فيخرجونهم منها فيطرحونهم في ماء الحياة ~~فينبتون نبات الزرع في غثاء السيل» ، ولابن أبي عمر عن عبيد بن عمير رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج الله قوما من النار ~~بعد ما امتحشوا فيها وصاروا فحما فيلقون في نهر على باب الجنة يسمى نهر ~~الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل - أو كما تنبت الثعارير ~~- فيدخلون الجنة، فيقال: هؤلاء عتقاء الرحمن» الثعارير - بالثاء المثلثة ~~والعين والراء المهملتين: نبات كالهليون، وروى الترمذي - وقال: حسن صحيح - ~~وروي من غير وجه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # PageV18P053 # «يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمما ثم تدركهم ~~الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة فيرش عليهم أهل الجنة الماء ~~فينبتون كما تنبت الغثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة» . # ولما كان السياق للمتقين، فكان ربما ظن أن هذا الذي فعل بهم حق لهم لا بد ~~ولا محيد عنه، بين أن الأمر على غير ذلك، وأنه سبحانه لو واخذهم ولم ~~يعاملهم بفضله وعفوه لهلكوا، فقال: {فضلا} أي فعل بهم ذلك لأجل الفضل، ~~ولذلك عدل عن مظهر العظمة فقال تعالى: {من ربك} أي المحسن إليك بكمال ~~إحسانه إلى اتباعك إحسانا يليق بك، قال الرازي في اللوامع: أصل الإيمان ~~رؤية الفضل في جميع الأحوال. ولما عظمه تعالى بإظهار هذه الصفة مضافة إليه ~~صلى الله عليه وسلم، زاد في تعظيمه ms4530 بالإشارة بأداة البعد فقال: {ذلك} أي ~~الفضل العظيم الواسع {هو} أي خاصة {الفوز} أي الظفر بجميع المطالب {العظيم ~~*} الذي لم يدع جهة الشرف إلا ملأها. # ولما قدم سبحانه في هذه السورة ما للقرآن من البركة بما اشتمل عليه من ~~البشارة والندارة والجمع والفرق، وذكرهم بما يقرون به من # PageV18P054 # أنه مبدع هذا الكون مما يستلزم إقرارهم بتوحيده المستلزم لأنه يفعل ما ~~يشاء من إرسال وإنزال وتنبيه وبعث وغير ذلك، وهددهم بما لا يقدر عليه غيره ~~من الدخان والبطشة، وفعل بعض ذلك، وذكرهم بما يعرفون من أخبار من مضى من ~~قروم القرون وأنهم مع ذلك كله أنكروا البعث، ثم ذكر ما يقتضي التحذير ~~والتبشير - كل ذلك في أساليب فأتت كل المدى، فأعجزت جميع القوى، مع ما لها ~~من المعاني الباهرة، والبدائع الزاهرة القاهرة، سبب عن قوله فذلكة للسورة: ~~{فإنما يسرناه} أي جعلنا له يسرا عظيما وسهولة كبيرة. # ولما كان الإنسان كلما زادت فصاحته وعظمت بلاغته، كان كلامه أبين وقوله ~~أعذب وأرصن وأرشق وأمتن، وكان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس وأبعدهم لذلك ~~من التكلف، أضافه إليه فقط فقال: {بلسانك} أي هذا العربي المبين وهم عرب ~~تعجبهم الفصاحة {لعلهم يتذكرون *} أي ليكونوا عند من يراهم وهو عارف ~~بلسانهم ممن شأنه كشأنهم على رجاء من أن يتذكروا أن هذا القرآن شاهد # PageV18P055 # بإعجازه بصحة ما فيه من التوحيد والرسالة وغيرهما مما سبق إليك وجلى عليك ~~وإلا لقدروا هم وهم أفصح الناس على معارضة شيء منه فيتذكروا ما غفلوا عنه ~~من أنه عزيز بإهلاكه الجبابرة، وأنه حكيم بنصبه الآيات لأنبيائه وتأييدهم ~~بالمعجزات، ومن أن الكبير منهم لا يرضى أن يطعن أحد في كبريائه ولا أن يترك ~~من له عليه حكم وهو تحت قهره أن يبغي بعضهم على بعض ثم لا ينصر المظلوم ~~منهم على ظالمه ويأخذ بيده حتى لا يستوي المحسن بالمسيء، فإذا تذكروا ذلك ~~مع ما يعرفون من قدرة الملك وكبريائه وحكمته علموا قطعا أنه لا بد من البعث ~~للتمييز بين أهل الصلاح والفساد، والفصل ms4531 بين جميع العباد، فتسبب عن ذلك ~~قوله: {فارتقب} أي ما رجيتك به من تذكرهم المستلزم لهدايتهم. # ولما كانوا يظهرون تجلدا ولددا أنهم لا يعبؤون بشيء من القرآن ولا غيره ~~مما يأتي به ولا يعدون شيئا منه آية، أخبر عما يبطنون من خوفهم وانتظارهم ~~لجميع ما يهددهم به مؤكدا لأجل ظن من حمل تجلدهم على أنه جلد فقال: {إنهم} ~~وزاد الأمر بالإخبار بالاسم الدال على الثبات والدوام فقال: {مرتقبون *} أي ~~تكليفهم أنفسهم المراقبة وإجهادهم أفكارهم في ذلك دائم لا يزايلهم بل قد ~~قطع قلوبهم وملأ صدورهم، فقد انطبق آخر السورة على أولها، بل وعلى المراد ~~من مجملها ومفصلها، بذكر الكتاب والأرتقاب لأنواع العذاب - والله الهادي ~~إلى الصواب، إنه الكريم الوهاب. # PageV18P055 # سورة الجاثية وتسمى الشريعة # مقصودها الدلالة على أن منزل هذا الكتاب - كما دل عليه في الدخان - ذو ~~العزة لأنه لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء، والحكمة لأنه لم يضع شيئا إلا في ~~أحكم مواضعه، فعلم أنه المختص بالكبرياء، فوضع شرعا هو في غاية الاستقامة ~~لا تستقل العقول بإدراكه ولا يخرج شيء منه عنه، أمر فيه ونهى، ورغب ورهب ثم ~~بطن حتى أنه لا يعرف، ثم ظهر حتى أنه لا يجهل، فمن المكلفين من حكم عقله ~~وجانب هواه فشهد جلاله فسمع وأطاع، ومنه من تبع هواه فضل عن نور العقل فزاغ ~~وأضاع فاقتضت الحكمة ولا بد أن يجمع سبحانه الخلق ليوم الفصل فيظهر كل ~~الظهور ويدبن عباده ليشهد رحمته المطيع وكبرياءه العاصي، وينشر العدل ويظهر ~~الفضل، ويتجلى في جميع صفاته لجميع خلقه، وعلى ذلك دل اسمها الشريعه، ~~واسمها الجاثية واضح # PageV18P058 # الدلالة فيه إذا تؤمل كل من آيتهما - والله سبحانه وتعالى الهادي. # ) بسم الله (الذي تفرد بتمام العز والكبرياء) الرحمن (الذي أحكم رحمته ~~البيان العام للسعداء والأشقياء) الرحيم (الذي خص بملابس طاعته الأولياء) # PageV18P059 # {حم *} أي حكمة محمد إليها المنتهى كما تقدم في الدخان ما أفهم إنزاله من ~~أم الكتاب جملة إلى بيت العزة، ودل على بركته مما دل على حكمة منزله وعزته ms4532 ~~بالبشارة والنذارة والإيقاع بالمجرمين بعد طول الحلم والأناة والنجاة ~~للمتقين وغير ذلك من أمور هي في غاية الدلالة على ذلك لأنها راجعة إلى ~~الحسن لمن ألقى السمع، وهو شهيد، وأشار إلى سهولتها على من تأمل هذا الذكر ~~المترجم بلسان أعلى الخلق وأكملهم وأشرفهم خلائق وأفضلهم، ابتدأ هذه ~~بالإعلام بأنه زاد ذلك يسرا وسهولة بإنزاله منجما بحسب الوقائع مطابقا لها ~~أتم مطابقة بعد إنزاله جملة من أم الكتاب ثم مرتبا لما أنزل منه ترتيبا ~~يفهم علوما ويوضح أسرارا غامضة مهمة فقال: {تنزيل الكتاب} أي إنزال الجامع ~~لكل خير مفرقا لزيادة التسهيل في التفهيم والإبلاغ في اليسر في التعليم ~~وغير ذلك من الفضل العميم # PageV18P059 # وزاده عظما بقوله: {من الله} أي كائن من المحيط بصفات الكمال. # ولما كان - كما مضى - للعزة والحكمة أعظم بركة هنا قال: {العزيز الحكيم ~~*} فكان كتابه عزيزا حكيما لا كما تقول الكفرة من أنه شعر أو كذب أو كهانة ~~لأنه لا حكمة لذلك ولا عزة بحيث يلتبس أمره بأمره هذا الكتاب المحيط بدائرة ~~الحكمة والصواب، ودل بشواهد القدرة وآثار الصنعة من نسخة هذا الكتاب على ~~الصفتين وعلى وحدانيته فيهما اللازم منه تفرده المطلق فقال مؤكدا لأجل من ~~ينكر ذلك ولو بالعمل، وترغيبا في تدقيق النظر بتأمل آيات الوجود التي هذا ~~الكتاب شرح لمغلقها وتفصيل لمجملها. وإيماء إلى أنها أهل لصرف الأفكار إلى ~~تأملها {إن في} ولما كانت الحواميم - كما روى أبو عبيدة في كتاب الفضائل عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما - لباب القرآن، حذف ما ذكر في البقرة من قوله ~~«خلق» ليكون ما هنا أشمل فقال: {السماوات} أي ذواتها بما لها من الدلالة # PageV18P060 # على صانعها وخلقها على ما فيها من العبر بما فيها من المنافع وعظيم ~~الصنعة ما لها من الشفوف الدال على تعددها بما فيها من الكواكب {والأرض} ~~كذلك وبما حوت من المعادن والمعايش والمنابع والمعاون {لآيات} أي دلائل على ~~وحدانيته وجميع كماله، فإن من المعلوم أنه لا بد لكل من ذلك من صانع متصف ~~بذلك {للمؤمنين *} أي ms4533 لأنهم برسوخهم في هذا الوصف الشريف أهل للنظر لأن ~~ربهم يهديهم بإيمانهم فشواهد الربوبية لهم منهما لائحة، وأدلة الإلهية ~~فيهما واضحة، ولعله أشار بالتعبير بالوصف إلى أنه لا بد في رد شبه أهل ~~الطبائع من تقدم الإيمان، وأن من لم يكن راسخ الإيمان لم يخلص من شكوكهم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت السورة المتقدمة إيضاح أمر ~~الكتاب وعظيم بيانه وأنه شاف كاف وهدى ونور، كان أمر من كفر من العرب أعظم ~~شيء لانقطاعهم عجزهم وقيام # PageV18P061 # الحجة به عليهم حتى رضوا بالقتل والخزي العاجل وما قاموا بادعاء معارضته ~~ولا تشوفوا إلى الإسناد إلى عظيم تلك المعارضة، أتبع ذلك تعالى تنبيها ~~لنبيه والمؤمنين إلى ما قد نصبه من الدلائل سواه مما صد المعرض عن الاعتبار ~~بها أو ببعضها مجرد هواه، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، فقال ~~تعالى بعد القسم بالكتاب المبين {إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين} أي ~~لو لم تجئهم يا محمد بعظيم آية الكتاب فقد كان لهم فيما نصبنا من الأدلة ~~أعظم برهان وأعظم تبيان {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى} [الروم: 8] فلما نبه بخلق السماوات ~~والأرض، أتبع بذكر ما بث في الأرض فقال {وفي خلقكم وما بث فيهما من دابة ~~آيات لقوم يوقنون واختلاف اليل والنهار} أي في دخول أحدهما على الآخر بألطف ~~اتصال وأربط انفصال {لا الشمس ينبغي لها أن # PageV18P062 # تدرك القمر ولا الليل سابق النهار} ثم نبه على الاعتبار بإنزال الماء من ~~السماء وسماه رزقا بحط القياس فقال {وما أنزل الله من رزق فأحيا به الأرض ~~بعد موتها} ثم قال {وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون} الاستدلال بهذه الآي ~~يستدعي بسطا يطول، ثم قال {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق} أي علاماته ~~ودلائله {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} ثم قال {فبأي حديث بعد الله وآياته ~~يؤمنون} أبعد ما شاهدوه من شاهد الكتاب وما تضمنه خلق السماوات والأرض وما ~~فيهما وما ms4534 بينهن من عجائب الدلائل الواضحة لأولي الألباب، فإذا لم يعتبروا ~~بشيء من ذلك فبماذا يعتبر، ثم أردف تعالى بقريعهم وتوبيخهم في تصميمهم مع ~~وضوح الأمر فقال {ويل لكل أفاك أثيم} الآيات الثلاث، ثم قال {هذا هدى} ~~وأشار إلى الكتاب وجعله نفس الهدى لتحمله كل أسباب الهدى وجميع جهاته، ثم ~~توعد من كفر به # PageV18P063 # ثم أردف ذلك بذكر نعمه وآلائه ليكون ذلك زائدا في توبيخهم، والتحمت الآي ~~عاضدة هذا الغرض تقريعا وتوبيخا ووعيدا وتهديدا إلى آخر السورة - انتهى. # ولما ذكر سبحانه بالنظر في آيات الآفاق، أتبعها آيات الأنفس فقال: {وفي ~~خلقكم} أي المخالف لخلق الأرض التي أنتم منها بالاختيار والعقل والانتشار ~~والقدرة على السار والضار {وما يبث} أي ينشر ويفرق بالحركة الاختيارية بثا ~~على سبيل التجدد والاستمرار {من دآبة} مما تعلمون ومما لا تعلمون بما في ~~ذلك من مشاركتكم في الحركة بالاختيار والهداية للمنافع بإدراك الجزئيات ~~ومخالفتكم في الصورة والعقل وإدراك الكليات وغير ذلك من مخالفة الأشكال ~~والمنافع والطبائع ونحوها {آيات} أي على صفات الكمال ولا سيما العزة ~~والحكمة، وهي على قراءة حمزة والكسائي ويعقوب بالنصب هنا، وفي الذي بعده ~~عطف الآيتين على حيز إن في الآية الأولى من الاسم والخبر، فلهذه الآية نظر ~~إلى التأكيد، وهو على قراءة الجماعة مبتدأ بالعطف على «إن» وما في حيزها، ~~وهي أبلغ لأنها تشير إلى أن ما في تصوير الحيوان وجميع شأنه من عجيب الصنع # PageV18P064 # ظاهر الدلالة على الله فهو بحيث لا ينكره أحد، فهو غني عن التأكيد، ويجوز ~~أن تكون الآية على قراءة النصب من الاحتباك: حذف أولا الخلق بما دل عليه ~~ثانيا، وثانيا ذوات الأنفس بما دل عليه من ذوات السماوات أولا. # ولما كانت آيات الأنفس أدق وأدل على القدرة والاختيار بما لها من التجدد ~~والاختلاف، قال: {لقوم} أي فيهم أهلية القيام بما يحاولونه {يوقنون *} أي ~~يتجدد لهم العروج في درجات الإيمان إلى أن يصلوا إلى شرف الإيقان، فلا ~~يخالطهم شك في وحدانيته؛ قال الحرالي في تفسير {أو كالذي مر على قرية} ms4535 : ~~آية النفس منبهة على آية الحس، وآية الحس منبهة على آية النفس، إلا أن آية ~~النفس أعلق، فهي لذلك أهدى، غاية آية الآفاق الإيمان، وغاية آية النفس ~~اليقين. # ولما ذكر الظرف وما خلق لأجله من الناس، ضم إليهم بعض ما خلقه لأجلهم ~~لشرفه بالحياة، أتبعه ما أودع الظرف من المرافق لأجل الحيوان فقال: ~~{واختلاف اليل والنهار} بذهاب أحدهما ووجود الآخر بعد ذهابه على التعاقب ~~آية متكررة للدلالة على القدرة على الإيجاد بعد الإعدام بالبعث وغيره، وجر ~~«اختلاف» بتقدير «في» فينوب حرف العطف مناب عامل واحد للابتداء عند من # PageV18P065 # رفع «آيات» ، ومناب «إن» عند من نصب، فلم يلزم نيابته مناب عاملين ~~مختلفين في الابتداء في الرفع وفي «إن» في النصب. # ولما كان المطر أدل مما مضى على البعث والعزة، لأن الشيء كلما قل الإلف ~~له كان أمكن للتأمل فيه، أولاه إياه فقال: {وما أنزل الله} أي الذي تمت ~~عظمته فنفذت كلمته. ولما كان الإنزال قد يستعمل فيما اتى من علو معنوي وإن ~~لم يكن حسيا، بين أن المراد هنا الأمران فقال: {من السماء} . # ولما كانت منافع السماء غير منحصرة في الماء قال: {من رزق} أي مطر وغيره ~~من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق {فأحيا به} أي بسببه وتعقبه {الأرض} أي ~~الصالحة للحياة، ولذلك قال: {بعد موتها} أي يبسها وتهشم ما كان فيها من ~~النبات وانقلابه بالاختلاط بترابها ترابا، فإذا نزل عليها الماء جمعه منها ~~فأخرجه على ما كان عليه كلما تجدد نزوله، ولذلك لم يأت بالجار إشارة إلى ~~دوام # PageV18P066 # الحياة بالقوة إن لم يكن بالفعل. # ولما ذكر ما يشمل الماء، ذكر سبب السحاب الذي يحمله فقال: {وتصريف ~~الرياح} في كل جهة من جهات الكون وفي كل معنى من رحمة وعذاب وغير ذلك من ~~الأسباب، ولم يذكر الفلك والسحاب كما في البقرة لاقتضاء اللبابية المسماة ~~بها الحواميم، ذلك لأنهما من جملة منافع التصريف، وتوحيد حمزة والكسائي ~~أبلغ لأن تصريف الشيء الواحد في الوجوه الكثيرة أعجب {آيات} قراءة الرفع ~~أبلغ لإشارتها بعدم الحاجة إلى ms4536 التأكيد إلى أن ما في الآية ظاهر الدلالة ~~على القدرة والاختيار للصانع بما في التصريف من الاختلاف، والماء بما يحدث ~~عنه من الإنبات أوضح دلالة من بقيتها على البعث، ولأجل شدة ظهورها ناط ~~الأمر فيها بالعقل فقال: {لقوم يعقلون *} وقال القالي: والمعنى أن المنصفين ~~لما نظروا في السماوات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمنوا، فإذا نظروا ~~في خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيمانا فأيقنوا، فإذا نظروا في سائر الحوادث ~~عقلوا واستحكم علمهم. # PageV18P067 # ولما ذكر هذه الآيات العظيمات، وكانت كلها مشتركة في العظم، بعد ما أشار ~~إلى تباين رتبها في الخفاء والجلاء بفواصلها، قال مشيرا إلى علو رتبها ~~بأداة البعد: {تلك} أي الآيات الكبرى {آيات الله} أي دلائل المحيط بصفات ~~الكمال التي لا شيء أجلى ولا أظهر ولا أوضح منها. ولما كان كأنه قيل: ما ~~لها؟ قال، أو يكون المراد: نشير إليها حال كوننا {نتلوها} أي نتابع قصها ~~{عليك} سواء كانت مرئية أو مسموعة، متلبسة {بالحق} أي الأمر الثابت الذي لا ~~يستطاع تحويله فليس بسحر ولا كذب، فتسبب عن ذلك حينئذ الإنكار عليهم وعلى ~~من يطلب إجابتهم إلى المقترحات طمعا في إيمانهم في قوله تعالى: {فبأي حديث} ~~أي خبر عظيم صادق يتجدد علمهم به يستحق أن يتحدث به، واستغرق كل حديث فقال: ~~{بعد الله} أي الحديث الأعظم عن الملك الأعلى {وآياته} أي والحديث عن ~~دلالاته العظيمة {يؤمنون *} من خاطب - وهم الجمهور - ردوه على قوله «وفي ~~خلقكم» وهو أقوى تبكيتا، وغيرهم وهم أبو عمرو وحفص عن # PageV18P068 # عاصم وروح عن يعقوب رأوا أن ذلك الخطاب صرف إلى خطاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله {نتلوها عليك بالحق} . # ولما كان لا يبقى على الكفر نوع بقاء فضلا عن الإصرار بعد هذا البيان إلا ~~من يستحق النكال لمجاهرته بالعناد، قال على وجه الاستنتاج مهددا: {ويل} أي ~~مكان معروف في جهنم {لكل أفاك} أي مبالغ في صرف الحق عن وجهه {أثيم *} أي ~~مبالغ في اكتساب الإثم وهو الذنب، وعمل ما لا يحل مما يوجب ms4537 العقاب، وفسر ~~هذا بقوله: {يسمع آيات الله} أي دلالات الملك الأعظم الظاهرة حال كونها ~~{تتلى} أي يواصل استماعه لها بلسان القال أو الحال من أي تال كان، عالية ~~{عليه} بجميع ما فيها من سهولة فهمها وعذوبة ألفاظها وظهور معانيها وجلالة ~~مقاصدها مع الإعجاز فكيف إذا كان التالي أشرف الخلق. # ولما كانت تلاوتها موجبة لإقلاعه فكان إصراره مع بعد رتبته في الشناعة ~~مستبعدا كونه قال: {ثم يصر} أي يدوم دوما عظيما على قبيح ما هو فيه حال ~~كونه {مستكبرا} أي طالبا الكبر عن الإذعان # PageV18P069 # وموجدا له. ولما كان مع ما ذكر من حاله يجوز أن يكون سماعه لها، خفف من ~~مبالغته في الكفر، بين أنها لم تؤثر فيه نوعا من التأثير، فكان قلبه أشد ~~قسوة من الحجر فقال: {كأن} أي كأنه {لم يسمعها} فعلم من ذلك ومن الإصرار ~~وما قيد به من الاستكبار أن حاله عند السماع وقبله وبعده على حد سواء، وقد ~~علم بهذا الوصف أن كل من لم ترده آيات الله تعالى كان مبالغا في الإثم ~~والإفك، فكان له الويل. # ولما كان الإصرار معناه الدوام المتحكم، لم يذكر الوقر الذي هو من ~~الأمراض الثابتة كما ذكره في سورة لقمان، قال ابن القطاع وابن ظريف في ~~أفعالهما، أصر على الذنب والمكروه: أقام، وقال عبد الغافر الفارسي في ~~المجمع: أصررت على الشيء أي أقمت ودمت عليه، وقال ابن فارس في المجمل: ~~والإصرار: العزم على الشيء والثبات عليه، وقال أبو عبد الله القزاز في ~~ديوانه ونقله عن عبد الحق في واعيه: وأصل الصر الإمساك، ومنه يقال: أصر ~~فلان على كذا، أي أقام عليه وأمسكه في نفسه وعقده لأنه قد يقول ما ليس في ~~نفسه وما لا يعتقده، والرجل مصر على الذنب أي ممسك له معتقد عليه، ثم # PageV18P070 # قال: من الإصرار عليه وهو العزم على أن لا يقلع عنه، وقال الأصفهاني تبعا ~~لصاحب الكشاف: وأصله من أصر الحمار على العانة، وهو أن ينحني عليها صارا ~~أذنيه. # ولما أخبر عن ثباته على الخبث، سببب ms4538 عنه تهديده في أسلوب دال - بما فيه ~~من التهكم - على شدة الغضب وعلى أنه إن كان له بشارة فهي العذاب فلا بشارة ~~له أصلا فقال تعالى: {فبشره} أي على هذا الفعل الخبيث {بعذاب} لا يدع له ~~عذوبة أصلا {أليم *} أي بليغ الإيلام. # ولما بين تعالى كفره بما يسمع من الآيات، أتبعه ما هو أعم منه فقال: ~~{وإذا علم} أي أي نوع كان من أسباب العلم {من آياتنا} أي على ما لها من ~~العظمة بإضافتها إلينا {شيئا} وراءه وكان كلما رأوا الإنسان في غاية التمكن ~~منه، قال مبينا للعذاب: {جهنم} أي تأخذهم لا محالة وهم في غاية الغفلة عنها ~~بترك الاحتراز منها، ويحسن التعبير بالوراء أن الكلام في الأفاك، وهو ~~انصراف # PageV18P071 # الأمور عن أوجهها إلى اقفائها فهو ماش أبدا إلى ورائه فهو ماش إلى النار ~~بظهره، ويستعمل، «وراء» في الإمام، فيكون حينئذ مجارا عن الإحاطة أي تأخذهم ~~من الجهة التي هم بها عالمون والجهة التي هم بها جاهلون، فتلقاهم بغاية ~~التجهم والعبوسة والغيظ والكراهة ضد ما كانوا عليه عند العلم بالآيات ~~المرئية والمسموعة من الاستهزاء الملازم للضحك والتمايل بطرا وأشرا، ومثل ~~ما كانوا عليه عند الملاقاة للمصدقين بتلك الآيات. # ولما كانوا يظهرون الركون إلى ما بأيديهم من الأعراض الفانية، قال: {ولا ~~يغني عنهم} أي في دفع ذلك {ما كسبوا} أي حصلوا من الأمور التي أفادتهم العز ~~الذي أورثهم الاستهزاء {شيئا} أي من إغناء. ولما كان هؤلاء لما هم عليه من ~~العمى يدعون إغناء آلهتهم عنهم، قال مصرحا بها: {ولا ما اتخذوا} أي كلفوا ~~أنفسهم # PageV18P072 # أي كلفوا أنفسهم بأخذه مخالفين لما دعتهم إليها فطرهم الأولى السليمة من ~~البعد عنها. # ولما كان كفرهم إنما هو الإشراك، فكانوا يقولون «الله» أيضا، قال معبرا ~~بما يفهم سفول ما سواه: {من دون الله} أي أدنى رتبة من رتب الملك الأعظم ~~{أولياء} أي يطمعون في أن يفعلوا معهم ما يفعله القريب من النفع والذب ~~والدفع {ولهم} مع عذابه بخيبة الأمر {عذاب عظيم *} لا يدع جهة من جهاتهم ms4539 ~~ولا زمانا من أزمانهم ولا عضوا من أعضائهم إلا ملأه. # ولما أخبر عما لمن أعرض عن الآيات بما هو أجل موعظة وأردع زاجر عن ~~الضلال، قال مشيرا إلى ما افتتح به الكلام من المتلو الذي هذا منه: {هذا} ~~أي التنزيل المتلو عليكم {هدى} أي عظيم جدا بالغ في الهداية كامل فيها، ~~فالذين اهتدوا بآيات ربهم لأنهم - لم يغتروا بالحاضر لكونه زائلا فاستعملوا ~~عقولهم فآمنوا # PageV18P073 # به لهم نعيم مقيم {والذين كفروا} أي ستروا ما دلتهم عليهم مرائي عقولهم ~~به - هكذا كان الأصل، ولكنه نبه على أن كل جملة من جمله، بل كل كلمة من ~~كلماته دلالة واضحة عليه سبحانه فقال: {بآيات ربهم} أي وهذه التغطية بسبب ~~التكذيب بالعلامات الدالة على وحدانية المحسن إليهم فضلوا عن السبيل ~~لتفريطهم في النظر لغروهم بالحاضر الفاني {لهم عذاب} كائن {من رجز} أي عقاب ~~قذر شديد جدا عظيم القلقلة والاضطراب متتابع الحركات، قال القزاز، الرجز ~~والرجس واحد {أليم *} أي بليغ الإيلام، الآية من الاحتباك: ذكر الهدى أولا ~~دليلا على الضلال ثانيا، والكفر والعذاب ثانيا دليلا على ضدهما أولا، وسره ~~أنه ذكر السبب المسعد ترغيبا فيه، والمشقى ترهيبا منه. # ولما ذكر سبحانه وتعالى صفة الربوبية، ذكر بعض آثارها وما # PageV18P074 # فيها من أياته، فقال مستأنفا دالا على عظمتها بالاسم الأعظم: {الله} أي ~~الملك الأعلى المحيط بجميع صفات الكمال. ولما كان آخر الآيات التي قدمها ~~الرياح، ذكر ما يتصرف بتسييرها فقال: {الذي سخر} أي وحده من غير حول منكم ~~في ذلك بوجه من الوجوه {لكم} أيها الناس بربكم وفاجركم {البحر} بما جعل فيه ~~مما لا يقدر عليه إلا واحد لا شريك له فاعل بالاختيار من القبلية للسير فيه ~~بالرقة والليونة والاستواء مع الريح الموافقة وأنه يطفوا عليه ما كان من ~~الخشب مع ما علم من صنعته على هذا الوجه الذي تم به المراد {لتجري الفلك} ~~أي السفن {فيه بأمره} ولو كانت موقرة بأثقال الحديد الذي يغوص فيه أخف شيء ~~منه كالإبرة وما دونها. # ولما كان التقدير: لتعبروا بذلك فتعلموا ms4540 أنه بقدرته خاصة لتؤمنوا به، عطف ~~عليه قوله: {ولتبتغوا} أي تطلبوا بشهوة نفس واجتهاد بما تحملون فيه من ~~البضائع وتتوصلون إليه من الأماكن والمقاصد # PageV18P075 # بالصيد والغوص وغير ذلك {من فضله} لم يصنع شيئا منه سواه. ولما كان ~~التقدير: لتظهر عليكم آثار نعمته، عطف عليه قوله تعالى: {ولعلكم تشكرون *} ~~أي ولتكونوا بحيث يرجوا منكم من ينظر حالكم ذلك الشكر من أنعم عليكم به ~~ليزيدكم من فضله في الدنيا والآخرة. # PageV18P076 # ولما ذكر آية البحر لعظمتها، عم بمنافع الخافقين دلالة على أنه ما خلق ~~ذلك كله، على عظمه إلا لنا، تنبيها على أن الأمر عظيم فقال تعالى: {وسخر ~~لكم} أي خاصة ولو شاء لمنعه {ما في السماوات} بإنزاله إليكم منبها على أنها ~~بحيث لا يمكنكم الوصول إليه بوجه، وأكد بإعادة الموصول لأن السياق للدلالة ~~على عزته وحكمته الدالتين على توحده باستحقاق العبادة الذي هم له منكرون ~~كما دلتا على توحده بالإيجاد والسيادة وهم معترفون بذلك بألسنتهم، وأفعالهم ~~أفعال من ينكره، فقال: {وما في الأرض} وأوصلكم إليه ولو شاء لجعلكم كما في ~~السماء لا وصول لكم إليه، وأكد ما دل على ما مضى من العموم بقوله: {جميعا} ~~حال كون ذلك كله من أعيان تلك الأشياء ومن تسخيرها {منه} لا صنع لأحد غيره ~~في شيء منه في ذلك، قال الرازي في اللوامع: قال أبو يعقوب النهر جوري: سخر ~~لك الكل لئلا يسخرك منها شيء، # PageV18P076 # وتكون مسخرا لمن سخر لك الكل وهو الله تعالى، فإنه يقبح بالمخدوم أن يخدم ~~خادمه، وقال القشيري: ما من شيء من الأعيان الظاهرة إلا ومن وجه للانسان به ~~انتفاع، فمن أن يستسخرك ما هو مسخر لك. # ولما صح أنه لا شريك له في شيء من الخلق لا من الذوات ولا من المعاني، ~~حسن جدا قوله، مؤكدا لأن عملهم يخالفه: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم وهو ~~تسخيره لنا كل شيء في الكون {لآيات} أي دلالات واضحات على أنهم في الالتفات ~~إلى غيره في ضلال مبين بعد تسخيره لنا ما لنا من ms4541 الأعضاء والقوى على هذا ~~الوجه البديع مع أن من هذا المسخر لنا ما هو أقوى منا {لقوم} أي ناس فيهم ~~أهلية للقيام بما يجعل إليهم {يتفكرون *} أنه المتوحد باستحقاق الإلهية فلا ~~يشركون به شيئا. # ولما علمت دلائل التوحيد على وجه علم منه أنه قد بسط نعمه على جميع خلقه ~~طائعهم وعاصيهم، فعلمت بواسطة ذلك الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة، وكان ~~على المقبل عليه المحب له التخلق بأوصافه، أنتج قوله مخاطبا لأفهم خلقه عنه ~~وأطوعهم له الذي الأوامر إنما هي # PageV18P077 # له من شدة طواعته تكوين لا تكليف: {قل} أي بقالك وحالك {للذين آمنوا} أي ~~ادعوا التصديق بكل ما جاءهم من الله: اغفروا تسننا به من أساء إليكم. ولما ~~كان هذا الأمر في الذروة من اقتضاء الإحسان إلى المسيء فكيف بالصفح عنه، ~~كان كأنه علة مستقلة في الإقبال عليه والقبول منه والإعراض عن مؤاخذة ~~المسيء، فإن ذلك يقدح في كمال الإقبال عليه مع أن من كان يريد هو سبحانه ~~الانتقام منه فهو يكفي أمره، ومن لم يرد ذلك منه فلا حيلة في كفه بوجه ~~فالاشتغال به عبث فنبه على ذلك بأن جعل جواب الأمر قوله: {يغفروا} أي ~~يستروا سترا بالغا. # ولما كان العاقل من سعى جهده في نفع نفسه، وكان الأذى لعباد الله مظنة ~~لتوقع الغضب منه وقادحا فيما يرجى من إحسانه قال: {للذين} وعبر في موضع ~~{أساؤوا إليهم} بقوله تعالى: {لا يرجون} أي حقيقة ومجازا، والتعبير في موضع ~~الخوف بالرجاء لما فيه من الاستجلاب والترغيب والتأليف والاستعطاف، وقال ~~بعد ما نبه عليه بتلك العبارة من جليل الإشارة: {أيام الله} أي مثل # PageV18P078 # وقائع الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال في الأمم الخالية بإدالة الدول ~~تارة لهم وأخرى عليهم، وفيه أعظم ترغيب في الحث على الغفران للموافق في ~~الدين، وتنبيه على أنه لا يقدم على الإساءة إلى عبيده إلا من أعرض عنه، ~~فصار حاله حال الآئس من صنائعه سبحانه في جزائه للمسيء والمحسن في الأيام ~~والليالي، وعبر بالاسم الشريف تنبيها على ما له من الجلال ms4542 والجمال في ~~معاملة كل منهما، قال ابن برجان: وهذه الآية وشبهها من النسي المذكور في ~~قوله تعالى {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة: 106] وليس بنسخ بل هو حكم ~~يجيء ويذهب بحسب القدرة على الانتصار، وكان ينزل مثل هذا بمكة والمسلمون في ~~ضعف، ونزل بعد الهجرة آية الجهاد والأمر بالمعروف، وتركت هذه وأمثالها ~~مسطورة في القرآن لما عسى أن يدور من دوائر أيام الله ومن أيامه إزالة أهل ~~الكفر تنبيها للمسلمين ليراجعوا أمرهم ويصلحوا ما بينهم وبين ربهم. # PageV18P079 # ولما كان من قوصص على جنايته في الدنيا، سقط عنه أمرها في الآخرة، وكان ~~المسلط للجاني في الحقيقة إنما هو الله تعالى وكان تسليطه إياه لحكم بالغة ~~تظهر غاية الظهور في الآخرة، علل الأمر بالغفران مهددا للجاني ومسليا ~~للمجني عليه: {ليجزي} أي الله في قراءة الجماعة بالتحتانية والبناء للفاعل، ~~ونحن بما لنا من العظمة في قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي بالنون، وبناه ~~أبو جعفر للمفعول فيكون النائب عن الفاعل الخير أو الشر بتقدير حرف الجر ~~لجزائهم في الدنيا وفي الآخرة حيث يظهر الحكم وينجلي الظلم. # ولما كان ربما جوزي جميع الجناة، وربما عفي عن بعضهم بالتوبة عليه أو ~~غيرها تفضلا لحكم أخرى ويثاب المظلوم على ظلامته لمثل ذلك قال: {قوما} أي ~~من الجناة وإن كانوا في غاية العلو الكبرياء والجبروت ومن المجني عليهم وإن ~~كانوا في غاية الضعف {بما} أي بسبب الذي {كانوا} أي في جبلاتهم وأبرزوه إلى ~~الخارج {يكسبون *} أي يفعلون على ظن أنه ينفعهم أو بسبب كسبهم من خير أو ~~شر، والحاصل أنه تعالى يقول: أعرض عمن ظلمك وكل أمره إلي فإني لا أظلمك ولا ~~أظلم أحدا، فسوف أجزيك على صبرك # PageV18P080 # أجزيه على بغيه وأنا قادر، وأفادت قراءة أبي جعفر الإبلاغ في تعظيم ~~الفاعل وأنه معلوم، وتعظيم ما أقيم مقامه وهو الجزاء بجعله عمدة مسندا إليه ~~لأن عظمته على حسب ما أقيم مقامه، فالتقدير لكون الفعل يتعدى إلى مفعولين ~~كما قال تعالى # {وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا} [الدهر: 12] ليجزي الملك ms4543 الأعظم الجزاء ~~الأعظم من الخير للمؤمن والشر للكافر قوما، فجعل الجزاء كالفاعل وإن كان ~~مفعولا كما جعل «زيد» فاعلا في مات زيد وإن كان مفعولا في المعنى: تنبيها ~~على عظيم تأثير الفعل فإنه لا انفكاك عنه لأنه يجعل متمكنا من المجزي تمكن ~~المجزي من جزائه ومحيصا به لأن الله تعالى بعظم قدرته يجعل عمل الإنسان ~~نفسه جزاء له، قال الله تعالى {سيجزيهم وصفهم} [الأنعام: 139] بما كانوا ~~يعملون، ويجوز أن يكون النائب عن الفاعل ضمير «الذين» بالنظر إلى لفظه ~~فيكون المعنى: سيجزي الذين آمنوا ناسا كانوا أقوياء على القيام في أذاهم ~~بسبب أذاهم لهم فيجعل كلا منهم فداء لكل منهم من النار، وربما رأوا بعض ~~آثار ذلك في الدنيا، روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو ~~إلا عزا، وما تواضع أحد إلا رفعه الله عز وجل» ولأحمد والترمذي # PageV18P081 # واللفظ له وقال حسن صحيح عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه: ما ~~نقص مال عبد من صدقة، وما ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا ~~فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله باب فقر» - أو كلمة نحوها، وروى الحاكم ~~وصحح إسناده، قال المنذري: وفيه انقطاع عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: ~~«من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ~~ويصل من قطعه» . # ولما رغب سبحانه ورهب وتقرر أنه لا بد من الجزاء، زاد في الترغيب ~~والترهيب بأن النفع والضر لا يعدوهم فقال شارحا للحزاء: {من عمل صالحا} قال ~~أو جل {فلنفسه} أي خاصة عمله يرى جزاءه في الدنيا أو في الآخرة {ومن أساء} ~~أي كذلك إساة قلت أو جلت {فعليها} خاصة إساءته كذلك، وذلك في غاية الطهور ~~لأنه لا يسوغ في عقل عاقل أن ملكا ms4544 يدع # PageV18P082 # عبيده من غير جزاء ولا سيما إذا كان حكيما وإن كانت نقائص النفوس قد غطت ~~على كثير من العقول ذلك ومن جزائه أنه يديل المسيء على المحسن لهفوة وقعت ~~له ليراجع حاله بالتوبة. # ولما كان سبحانه قادرا لا يفوته شيء كان بحيث لا يعجل فأخر الجزاء إلى ~~اليوم الموعود: {ثم} أي بد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس في البرزخ ~~{إلى ربكم} أي المالك لكم وحده لا إلى غيره {ترجعون *} . # PageV18P083 # ولما علم بهذه الحكم ما افتتحت به السورة من أن منزل هذا الكتاب عزيز ~~حكيم، فكان التقدير فذلكة لذلك: لفقد آتيناك الكتاب والحكم والنبوة وفضلناك ~~وأمتك على العالمين وأرسلناك لتنبه الناس على ما أمامهم وكان قومه بعد ~~ائتلافهم على الضلال قد اختلفوا بهذا الكتاب الذي كان ينبغي لهم أن يشتد ~~اجماعهم به واستنصارهم من أجله، عطف عليه مسليا قوله: {ولقد آتينا} أي # PageV18P083 # على ما لنا من العظمة والقدرة الباهرة {بني إسرائيل} نبي الله ابن عمكم ~~إسحاق نبي الله ابن أبيكم إبراهيم خليل الله عليهم الصلاة والسلام {الكتاب} ~~الجامع للخيرات وهو يعم التوارة والإنجيل والزبور وغيرها مما أنزل على ~~أنبيائهم {والحكم} أي العلم والعمل الثابتين ثبات الاحكام بحيث لا يتطرق ~~إليهما فساد بما للعلم من الزينة بالعمل، وللعمل من الإتقان بالعلم ~~{والنبوة} التي تدرك بها الأخبار العظيمة التي لا يمكن اطلاع الخلق عليها ~~بنوع اكتساب منهم، فأكثرنا فيهم من الأنبياء {ورزقناهم} بعظمتنا لإقامة ~~أبدانهم {من الطيبات} من المن والسلوى وغيرهما من الأرزاق اللدنية وغيرها ~~{وفضلناهم} بما لنا من العزة {على العالمين} وهم الذين تحقق إيجادنا لهم في ~~زمانهم وما قبله فإنا آتيناهم من الآيات المرئية والمسموعة وأكثرنا فيهم من ~~الأنبياء ما لم نفعله لغيرهم ممن سبق، وكل ذلك فضيلة ظاهرة {وآتيناهم} مع ~~ذلك {بينات من الأمر} الموحى به إلى أنبيائهم من الأدلة القطعية والأحكام ~~والمواعظ المؤيدة بالمعجزات، ومن صفات الأنبياء الآتين بعدهم وغير ذلك مما ~~هو في غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته، وذلك أمر يقتضي الألفة والاجتماع وقد ~~كانوا متفقين وهم ms4545 في زمن # PageV18P084 # الضلال لا يختلفون إلا اختلافا يسيرا لا يضر مثله ولا يعد اختلافا. # ولما كان حالهم بعد هذا الإيتاء مجملا، فصله فقال تعالى: {فما اختلفوا} ~~أي أوقعوا الاختلاف والافتراق بغاية جهدهم، ولما لم يكن اختلافهم مستغرقا ~~لجميع الزمن الذي بعد الإيتاء، أثبت الجار فقال: {إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم} الذي من شأنه الجمع على المعلوم، فكان ما هو سبب الاجتماع سببا لهم ~~في الافتراق لأن الله تعالى أراد ذلك وهو عزيز. # ولما كان هذا عجبا، بين علته محذرا من مثلها فقال: {بغيا} أي للمجاوزة في ~~الحدود التي اقتضاها لهم طلب الرئاسة والحسد وغيرهما من نقائص النفوس. ولما ~~كان البغي على البعيد مذموما، زاده عجبا بقوله: {بينهم} واقعا فيهم لم ~~يعدهم إلى غيرهم، وقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق ~~واجتماع الكلمة على الرضا بالذل، ولذلك استأنف قوله الذي اقتضاه الحال على ~~ما يشاهده العباد من أفعال الملوك فيمن خالف أوامرهم، مؤكدا لأجل إنكارهم. ~~{إن ربك} أي المحسن إليك بإرسالك وتكثير أمتك وحفظهم مما ضل به القرون ~~الأولى وبيان يوم الفصل الذي هو محط الحكمة بيانا لم يبينه على لسان أحد ~~ممن سلف {يقضي بينهم} بإحصاء الأعمال والجزاء # PageV18P085 # عليها، لأن هذا مقتضى الحكمة والعزة {يوم القيامة} الذي ينكره قومك الذين ~~شرفناهم برسالتك مع أنه لايجوز في الحكمة إنكاره {فيما كانوا} أي بما هو ~~لهم كالجبلة {فيه يختلفون *} بغاية الجهد متعمدين له بخلاف ما كان يقع منهم ~~خطأ فإنه يجوز في الحكمة أن يتفضل عليهم بالعفو عنه فقد علم أنه لا يجوز في ~~الحكمة أصلا أن يترك المختلفون من غير حكم بينهم لأن هذا لا يرضاه أقل ~~الملوك فإنه لايعرف الملك إلا بالقهر والعزة ولا يعرف كونه حكيما إلا ~~بالعدل، وإذا كان هذا لا يرضاه ملك فكيف يرضاه ملك الملوك، وإذا كان هذا ~~القضاء مقتضى الحكمة كان لا فرق فيه بين ناس وناس، فهو يقتضي بينكم أيضا ~~كذلك، ومن التأكيد للوعد بذلك اليوم التعبير باسم الرب ms4546 مضافا إليه صلى الله ~~عليه وسلم. # ولما كان معنى هذا أنه سبحانه وتعالى جعل بني إسرائيل على شريعة وهددهم ~~على الخلاف فيها، فكان تهديدهم تهديدا لنا، قال مصرحا بما اقتضاه سوق ~~الكلام وغيره من تهديدنا منبها على علو شريعتنا: {ثم} أي بعد فترة من رسلهم ~~ومجاوزة رتب كثيرة عالية على # PageV18P086 # رتبة شريعتهم {جعلناك} أي بعظمتنا {على شريعة} أي طريقة واسعة عظيمة ~~ظاهرة مستقيمة سهلة موصلة إلى المقصود هي جديرة بأن يشرع الناس فيها ~~ويخالطوها مبتدئة {من الأمر} الذي هو وحينا وهو حياة الأرواح كما أن ~~الأرواح حياة الأشباح. # ولما بين بهذه العبارة بعض فضلها على ما كان قبلها، سبب عنه قوله موجها ~~الخطاب إلى الإمام بما أراد به المأمومين ليكون أدعى إلى اجتهادهم، فإن ~~أمرهم تكليف وأمر إمامهم تكوين: {فاتبعها} أي بغاية جهدك. ولما كانت ~~الشريعة العقل المحفوظ الذي أخبر الله أنه به يأخذ وبه يعطي، كان الإعراض ~~عنها إلى غيرها إنما هو هوى، ولما كان أحاد الأمة غير معصومين أشار إلى ~~العفو عن هفواتهم بقوله تعالى: {ولا تتبع} أي تتعمدا أن تتبعوا {أهواء ~~الذين لا يعلمون *} أي لا علم لهم أو لهم علم ولكنهم يعملون عمل من ليس لهم ~~علم أصلا من كفار العرب وغيرهم، فإن من تعمد اتباعهم فعلت بهم ما فعلت ببني ~~إسرائيل حيث لعنتهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام ~~بعد ما لعنتهم على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، # PageV18P087 # ثم علل هذا النهي مهددا بقوله: مؤكدا تنبيها على أن من خالف أمر الله ~~لأجل أحد كان عمله عمل من يظن أنه يحميه: {إنهم} وأكد النفي فقال تعالى: ~~{لن يغنوا عنك} أي لا يتجدد لهم نوع إغناء مبتدىء {من الله} المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما واصل إليه، وكل ما لا يكون ذا وصلة به فهو عدم {شيئا} من إغناء ~~إن تبعتهم كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم وناصبتهم. # ولما كان التقدير: فإنهم ظلمة لا يضعون شيئا في موضعه، ومن ms4547 اتبعهم فهو ~~منهم قال تعالى عاطفا عليه: {وإن} وكان الأصل: وإنهم ولكنه أظهر للاعلام ~~بوصفهم فقال: {الظالمين} أي العريقين في هذا الوصف الذميم {بعضهم أولياء ~~بعض} فلا ولاية - أي قرب - بينهم وبين الحكيم أصلا لتباعد ما بين الوصفين ~~فكانت أعمالهم كلها باطلة لبنائها على غير أساس خلافا لمن يظن بها غير ذلك ~~تقيدا بالأمور الظاهرة في هذه الدار {والله} أي الذي له جميع صفات الجلال ~~والجمال والعز والكمال {ولي المتقين *} الذين همهم الأعظم الاتصاف بالحكمة ~~باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله # PageV18P088 # ولا ولاية بينه وبين الظالمين. # PageV18P089 # ولما أوصل سبحانه إلى هذا الحد من البيان، الفائت لقوى الإنسان، قال ~~مترجما عنه: {هذا} أي الوحي المنزل. ولما كان في عظم بيانه وإزالة اللبس عن ~~كل ملبس دق أو جل بحيث لا يلحقه شيء من خفاء، جعله نفس البصيرة، مجموعة جمع ~~كثرة بصيغة منتهى الجموع كما جعله روحا فقال: {بصائر للناس} أي الذين هم في ~~أدنى المراتب، يبصرهم بما يضرهم وما ينفعهم، فما ظنك بمن فوقهم من الذين ~~آمنوا ثم الذين يؤمنون ومن فوقهم. # ولما بين ما هو لأهل السفول، بين ما هو لأهل العلو فقال تعالى: {وهدى} أي ~~قائد إلى كل خير، مانع من كل زيغ {ورحمة} أي كرامة وفوز ونعمة {لقوم يوقنون ~~*} أي ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد الترقي في ~~درجاته إلى ما لا نهاية له أبدا. ولما كان التقدير بعد هذا البيان الذي لم ~~يدع لبسا في أمر الحساب بما حده من الملك الذي يوجب ما له من العظمة ~~والحكمة أن يحاسب عبيده لثواب المحسن وعقاب المسيء: أعلم هؤلاء المخاطبون - ~~لأنهم # PageV18P089 # لا يعدون أن يكونوا من الناس أو من الذين يوقنون بهذه البصائر لما لهم من ~~حسن الغرائز المعلية لهم عن حضيض الحيوان إلى أوج الإنسان أنا نفرق بين ~~المسيئين الذين بعضهم أولياء بعض وبين المحسنين الذين نحن أولياؤهم، عطف ~~عليه سبحانه وتعالى قوله: {أم} قال الأصبهاني: قال الإمام: كلمة وضعت ~~للاستفهام عن شيء حال ms4548 كونه معطوفا على آخر سواء كان المعطوف مذكورا أو ~~مضمرا - انتهى. وكان الأصل: حسبوا، ولكنه عدل عنه للتنبيه على أن ارتكاب ~~السوء معم للبصيرة مضعف للعقل كما أفاده التعبير بالحسبان كما تقدم بيانه ~~في البقرة فقال: {حسب الذين اجترحوا} أي فعلوا بغاية جهدهم ونزوع شهواتهم ~~{السيئات أن نجعلهم} مع ما لنا من العظمة المانعة من الظلم المقتضية للحكمة ~~{كالذين آمنوا وعملوا} تصديقا لإقرارهم ظاهرا وباطنا وسرا وعلانية ~~{الصالحات} بأن نتركهم بلا حساب للفصل بين المحسن والمسيء. # ولما كانت المماثلة مجملة، بينهما استئنافا بقوله مقدما ما هو عين # PageV18P090 # المقصود من الجملة الأولى: {سواء} أي مستو استواء عظيما {محياهم ومماتهم} ~~أي حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه في الارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ~~ذلك من الأعيان والمعاني. ولما كان هذا مما لا يرضاه أحد لمن تحت يده ولا ~~لغيره، قال معبرا بمجمع الذم: {ساء ما يحكمون *} أي بلغ حكمهم هذا في نفسه ~~ولا سيما وهم بإصرارهم عليه في تجديد له كل ساعة أقصى نهايات السوء، فهو ~~مما يتعجب منه، لأنه لا يدري الحامل عليه، وذلك أنه نسبوا الحكيم الذي لا ~~حكيم في الحقيقة غيره إلى ما لا يفعله أقل الناس فيمن تحت يده. # ولما أنكر التسوية وذمهم على الحكم بها، أتبع ذلك الدليل القطعي على أن ~~الفريقين لا يستويان وإلا لما كان الخالق لهذا الوجود عزيزا ولا حكيما، ~~فقال دالا على إنكار التسوية وسوء حكمهم بها، عاطفا على ما تقديره: فقد خلق ~~الله الناس كلهم بالحق وهو الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، وهو ثبات ~~أعمال المحسنين وبطلان أفعال المسيئين، عطف عليه قوله: {وخلق الله} أي الذي ~~له جميع أوصاف الكمال ولا يصح ولا يتصور أن يحلقه نوع نقص {السماوات ~~والأرض} اللتين هما ظرف لكم وابتدئت السورة بالتنبيه على آياتهما، خلقا ~~ملتبسا {بالحق} فلا يطابق الواقع فيهما أبدا شيئا باطلا، # PageV18P091 # فمتى وجد سبب الشيء وانتفى مانعه وجد، ومتى وجد مانع الشيء وانتفى سببه ~~انتفى، لا يتخلف ذلك أصلا، ولذلك جملة ما وقع من خلقهما ms4549 طابقه الواقع الذي ~~هو قدرة الله وعلمه وحكمته وجميع ما له من صفات الكمال التي دل خلقهما ~~عليها، فإذا كان الظرف على هذا الإحكام فما الظن بالمظروف الذي ما خلق ~~الظرف إلا من أجله، هل يمكن في الحكمة أن يكون على غير ذلك فيكون الواقع ~~الذي هو تفضيل المحسن على المسيء غير مطابق لأحوالهم، ومن جملة المظروف ما ~~بينهما فلذا لم يذكر هنا، ولو كان ذلك من غير بعث ومجازاة بحسب الأعمال لما ~~كان هذا الخلق العظيم بالحق بل بالباطل الذي تعالى عنه الحكيم فكيف وهو ~~أحكم الحاكمين. # ولما كان التقدير: ليكون كل مسبب مطابقا لأسبابه، عطف عليه قوله: ~~{ولتجزى} بأيسر أمر {كل نفس} أي منكم ومن غيركم {بما} أي بسبب الأمر الذي. ~~ولما كان السياق للعموم، وكان المؤمن لا يجزى إلا بما عمله على عمد منه ~~وقصد ليكتب في أعماله، # PageV18P092 # عبر بالكسب الذي هو أخص من العمل فقال: {كسبت} أي كسبها من خير أو شر، ~~فيكون ما وقع الوعد به مطابقا لكسبها {وهم} أي والحال أنهم {لا يظلمون *} ~~أي لا يوجد من موجد ما في وقت من الأوقات جزاء لهم في غير موضعه، وهذا على ~~ما جرت به عوائدكم في العدل والفضل، ولو وجد منه سبحانه غير ذلك لم يكن ~~ظلما منه لأنه المالك المطلق والملك الأعظم، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه ~~كلهم لكان غير ظالم لهم في نفس الأمر، فهذا الخطاب إنما هو على ما نتعارفه ~~من إقامة الحجة بمخالفة الأمر. # PageV18P093 # ولما بين غاية البيان أنه الإله وحده بما له من الإحاطة بجميع صفات ~~الكمال، وأنه لا بد من جمعه الخلائق ليوم الفصل للحكم بينهم بما له من ~~الحكمة والقدرة، وحقر الهوى ونهى عن اتباعه، وكانوا هم قد عظموه بحيث جعلوه ~~معبودا، فلزم من ذلك تحقيرهم الإله، ولم يرجعوا عن ضلالهم، تسبب عن ذلك ~~التعجيب ممن يظن أنه يقدر # PageV18P093 # على رد أحد منهم عن غيه بشيء من الأشياء فقال: {أفرءيت} أي أعلمت علما هو ~~في تيقنه كالمحسوس ms4550 بحاسة البصر التي هي أثبت الحواس {من اتخذ} أي بغاية ~~جهده واجتهاده {إلهه هواه} أي حول وصف الإله حتى صار هوى لنفسه، فهو تابع ~~لهواه ليس غير، فهو في أودية الضلال يهيم على غير سنن فهو معرض لكل بلاء، ~~فخسر أكثر من ربحه لكونه بلا دليل، والدليل على أنهم لا يعبدون إلا مجرد ~~الهوى ما رواه البخاري في وفد بني حنيفة من المغازي من صحيحه عن أبي رجاء ~~العطاردي وهو مخضرم ثقة أدرك الجاهلية ومات سنة خمس ومائة عن مائة وعشرين ~~سنة، قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرا أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر، ~~فإذا لم نجد حجرا جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا ~~به - انتهى. ومع ذلك فكيفما قلبت أمرهم وجدته شعبة يسيرة من كفر الاتحادية، ~~ولك متشبثات قريش التي عابهم الله بها تشبثت بها الاتحادية حتى قولهم {ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] ولو قدم الهوى لكان المعنى ~~أنه حول وصفه إلى الألوهية فاضمحل الهوى، ولم يبق إلا ما ينسب إلى # PageV18P094 # الإلهية كما اضمحل الطين في: اتحدت الطين حرقا، فصار المعنى أن العابد لا ~~يتحرك إلا بحسب ما يأمره به الإله ويصير التركيب يفيد تعظيمه بغلبة الإثبات ~~وإذهاب الهوى غاية الإذهاب، ولو كان التقديم في هذا بحسب السياق من غير ~~اختلاف المعنى لقدم هنا الهوى لأن السياق والسباق له وقد تقدم في سورة ~~الفرقان ما ينفع هنا ومفعول «رأى» الثاني مقدر يدل عليه قوله آخر الكلام ~~{فمن يهديه} تقديره: أيمكن أحدا غير الله هدايته ما دام هواه موجودا، وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه - انتهى. ~~ومعناه أنه يهوي بصاحبه في الهواء الممدود وهو الفضاء، أي ينزل به عن درجة ~~عليا إلى ما دونها. فهو في سفول ما دام تابعا له لأنه بحيث لا قرار ولا ~~تمكن، فلذلك هو يوجب الهوان، قال الأصبهاني: سئل ابن المقفع عن الهوى، ~~فقال: هوان سرقة نونه، فنظمه من ms4551 قال: # PageV18P095 # نون الهوان من الهوى مسروقة ... وأسير كل هوى أسير هوان # وقال آخر ولم يخطىء المعنى وأجاد: # إن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا # {وأضله الله} أي بما له من الإحاطة {على علم} منه بما فطر عليه من أنه لا ~~يكون أثر بلا مؤثر، ومن أنه لا يكون منفردا بالملك إلا وهو مستحق للتفرد ~~بالعبادة، وهو أنه لم يخلق الكون إلا حكيم، وأن الحكيم لا يدع من تحت يده ~~يبغي بعضهم على بعض من غير فصل بينهم لا سيما وقد وعد بذلك ولا سيما والوعد ~~بذلك في أساليب الإعجاز التي هم أعرف الناس بها، أو على علم من المضل بأن ~~الضال مستحق لذلك لأنه جبله جبلة شر. # ولما كان الضال أحوج إلى سماع صوت الهادي منه إلى غيره، وكان من لا ينتفع ~~بما هو له في حكم العادم له قال: {وختم} أي زيادة # PageV18P096 # على الإضلال الحاضر {على سمعه} فلا فهم له في الآيات المسموعة. ولما كان ~~الأصم قد يفهم بالإشارة قال: {وقلبه} أي فهو لا يعي ما من حقه وعيه. ولما ~~كان المجنون الأصم قد يبصر مضاره ومنافعه فيباشرها مباشرة البهائم قال: ~~{وجعل على بصره غشاوة} فصار لا يبصر الآيات المرئية، وترتيبها هكذا لأنها ~~في سياق الإضلال كما تقدم في البقرة. # ولما صار هذا الإنسان الذي صار لا يسمع الهادي فيقصده ولا يعي المعاني ~~لينتفع بما تقدم له علمه، ولا يبصر حق البصر ليهتدي ببصره دون رتبة ~~الحيوان، قال تعالى منكرا مسببا للإنكار عما تقدمه: {فمن يهديه} وأشار إلى ~~قدرة الله عليه بقوله: {من بعد الله} أي إضلال الذي له الإحاطة بكل شيء. ~~ولما كان من المعلوم قطعا أنه لا هادي له غيره، سبب عنه الإنكار لعدم ~~التذكر حثا على التذكر فقال مشيرا بإدغام تاء التفعل إلى عدم الاحتياج بسبب ~~وضوحه إلى كثير # PageV18P097 # تذكر: {أفلا تذكرون *} أي يكون لكم نوع تذكر فتذكرون أنهم لا يسمعون ~~الآيات المتلوة ولا يعتبرون بالآيات المرئية مع ما لكل منهما من الظهور، ms4552 ~~وأن من كان هذا حاله فلا سبيل لمخلوق مثله إلى هدايته. # PageV18P098 # ولما كان التقدير للدلالة على الختم على مشاعرهم، فقد قالوا مع اعترافهم ~~بتفرده تعالى بخلقهم ورزقهم وخلق جميع الموجدات في إنكار الوحدانية: إن له ~~شركاء، عطف عليه قوله: {وقالوا} أي في إنكارهم البعث مع اعترافهم بأنه قادر ~~على كل شيء ومعرفتهم أنه قد وعد بذلك في الأساليب المعجزة وأنه لا يليق ~~بحكيم أصلا أن يدع من تحت يده يتهارجون من غير حكم بينهم: {ما هي} أي ~~الحياة {إلا حياتنا} أي أيها الناس {الدنيا} أي هذه التي نحن فيها مع أن ~~تذكر مدلول هذا الوصف الذي هو أمر نسي لا يعقل إلا بالإضافة إلى حياة أخرى ~~بعدى كاف في إثبات البعث. # ولما أثبتوا بادعائهم الباطل هذه الحياة أتبعوها حالها فقالوا: # PageV18P098 # {نموت ونحيا} أي تنزع الروح من بعض فيموت، وتنفخ في بعض آخر فيحيى، وليس ~~وراء الموت حياة أخرى للذي مات، فقد أسلخوا أنفسهم بهذا القول من الإنسانية ~~إلى البهيمية لوقوفهم مع الجزئيات، ولما كان هلاكهم في زعمهم لا آخر له، ~~عدوا الحياة في جنبه عدما فلم يذكروها وقالوا بجهلهم: {وما يهلكنا} أي بعد ~~هذه الحياة {إلا الدهر} أي الزمان الطويل بغلبته علينا بتجدد إقباله وتجدد ~~إدبارنا بنزول الأمور المكروهة بنا، من دهره - إذا غلبة. ولما أسند إليهم ~~هذا القول الواهي، بين حالهم عند قوله فقال تعالى: {وما} أي قالوه والحال ~~أنه ما {لهم بذلك} أي القول البعيد من الصواب وهو أنه لا حياة بعد هذه، وأن ~~الهلاك منسوب إلى الدهر على أنه مؤثر بنفسه، وأعرق في النفي فقال: {من علم} ~~أي كثير ولا قليل {إن} أي ما {هم إلا يظنون *} بقرينة أن الإنسان كلما تقدم ~~في السن ضعف، وأنه لم يرجع أحد من الموتى. # PageV18P099 # ولما كان هذا من قولهم عجبا، زاده عجبا بحالهم عند سماعهم للبراهين ~~القطعية، فقال عاطفا على «قالوا» : {وإذا تتلى} أي تتابع بالقراءة من أي ~~تال كان {عليهم آياتنا} أي على ما لها من العظمة في نفسها ms4553 وبالإضافة إلينا ~~حال كونها {بينات} أي في غاية المكنة في الدلالة على البعث، فلا عذر لهم في ~~ردها {ما كان} أي بوجه من وجوه الكون {حجتهم} أي قولهم الذي ساقوه مساق ~~الحجة، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة {إلا أن قالوا} قولا ذميما ولم ينظروا ~~إلى مبدئهم {ائتوا} أيها التالون للحجج البينة من النبي - صل الله عليه ~~وسلم - وأتباعه الذين اهتدوا بهداه {بآبائنا} الموتى، وحاصل هذا أنه ما كان ~~لهم حجة إلا أن أتوا بكلام معناه: ليس لنا حجة لأنه ليس فيه شبهة فضلا عن ~~حجة، وما كفاهم مناداتهم على أنفسهم بالجهل حتى عرضوا لأهل البينات بالكذب ~~فقالوا: {إن كنتم صادقين *} أي عريقين في الكون في أهل الصدق الراسخين فيه ~~من أنه سبحانه وتعالى يبعث الخلق بعد موتهم، وذلك استبعاد منهم لأن يقدر ~~على # PageV18P100 # جمع الجسم بعد ما يلي، وهم يقرون بأنه الذي خلق ذلك الجسم ابتداء، ومن ~~المعلوم قطعا أن من قدر على إنشاء شيء من العدم قدر على إعادته بطريق ~~الأولى. # ولما كان سبحانه وتعالى إنما يقبل الإيمان عند إمكان تصوره، وذلك إذا كان ~~بالغيب لم يجبهم إلى إحياء آبائهم إكراما لهذه الأمة لشرف نبيها عليه أفضل ~~الصلاة والسلام لأن سنته الإلهية جرت بأن من لم يؤمن بعد كشف الأمر بإيجاد ~~الآيات المقترحات أهلكه كما فعل بالأمم الماضية، فرفعهم عن الحس إلى ~~التدريب على الحجج العقلية فقال آمرا له صلى الله عليه وسلم بالجواب بقوله ~~تعالى: {قل الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما وحكمة {يحييكم} أي يجدد هذا ~~تجديدا لا يحصى كما أنتم به مقرون إحياء لأجساد يخترعها من غير أن يكون لها ~~أصل في الحياة {ثم يميتكم} بأن يجمع أرواحكم من أجسادكم فيستلها منها لا ~~يدع «شيئا» منها في شيء من الجسد وما # PageV18P101 # ذلك على الله بعزيز فإذا هو كما كان قبل الإحياء كما تشاهدون، ومن قدر ~~على هذا الإبداء على هذا الوجه من التكرر ثم على تمييز ما بث من الروح في ~~حال سلها من ms4554 تلك الأعضاء الظاهر عادة مستمرة كان المخبر عنه بأنه يجمع ~~الخلق بعد موتهم من العريقين في الصدق، فلذلك قال من غير تأكيد: {ثم ~~يجمعكم} أي بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد طول مدة الرقاد، ~~منتهين {إلى يوم القيامة} أي القيام الأعظم لكونه عاما لجميع الخلائق الذين ~~أماتهم. # ولما صح بهذا الدليل القطعي المدعى، أنتج قوله: {لا ريب} أي شك بوجه من ~~الوجوه {فيه} بل هو معلوم علما قطعيا ضروريا {ولكن أكثر الناس} بما لهم من ~~السفول بما ركبنا فيهم من الحظوظ والشهوات التي غلبت على غريزة العقل فردوا ~~بها أسفل سافلين في حد النوس وهو التردد لم يرتقوا إلى الإيمان {لا يعلمون ~~*} أي لا يتجدد لهم علم لما لهم من النوس والتردد والسفول عن # PageV18P102 # أوج العقل إلى حضيض الجهل، فهم واقفون مع المحسوسات، لا يلوح لهم ذلك مع ~~ما له من الظهور لتظهر قدرتنا ويتحقق اسمنا الباطن كما تحقق الظاهر عند من ~~هديناه لعلم ذلك. # ولما دل على قدرته على الإعادة بهذا الدليل الخاص الذي تقديره: فالله ~~الذي ابتدأ خلقكم من الأرض على هذا الوجه قادر على إعادتكم، عطف عليه دليلا ~~آخر جامعا فقال تعالى: {ولله} أي الملك الأعظم وحده {ملك السماوات} كلها ~~{والأرض} التي ابتدأكم منها، ومن تصرف في ملكه بشيء من الأشياء، كان قادرا ~~على مثله ما دام ملكا. # ولما كان التقدير: له ملك ذلك أبدا، فهو يفعل فيه اليوم ما تشاهدون مع ~~رفع هذا وخفض هذا، فلو أن الناس سلموا لقضائه لوصلوا إلى جميع ما وصلوا ~~إليه بالبغي والعدوان، فإنه لا يخرج شيء عن أمره ولكن أكثر الناس اليوم في ~~ريبهم يترددون، بنى عليه قوله تعالى: {ويوم تقوم الساعة} أي توجد وتتحقق ~~تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمامه أمره الناهض بأعباء ما يريد، ~~وكرر # PageV18P103 # سبحانه للتهويل والتأكيد قوله: {يومئذ} أي إذا تقول يخسرون - هكذا كان ~~الأصل، ولكنه قال للتعميم والتعليق بالوصف: {يخسر المبطلون *} أي الداخلون ~~في الباطل العريقون في الاتصاف به، الذين كانوا ms4555 لا يرضون بقضائي فيستعجلون ~~فيتوصلون إلى مراداتهم بما لم آمر به، ولا يزالون يبغون إلى أن يأتي الوقت ~~الذي قدرت وصلوهم إليها فيه، فيصلون ويظنون أنهم وصلوا بسعيهم، وأنهم لو ~~تركوا لما كان لهم ذلك فيخسرون لأجل سعيهم بما جعلت لهم من الاختيار بمرادي ~~فيهم على خلاف أمري، خسارة مستمرة التجدد لا انفكاك لهم عنها ويفوز ~~المحقون. # PageV18P104 # ولما كان ذلك من شأن اليوم مهولا، عم في الهول بقوله مصورا لحاله: {وترى} ~~أي في ذلك اليوم {كل أمة} من الأمم الخاسرة فيها والفائزة {جاثية} أي ~~مجتمعة لا يخلطها غيرها، وهي مع ذلك باركة على الركب رعبا واستيفازا لما ~~لعلها تؤمر به، جلسة المخاصم بين يدي الحاكم، ينتظروا القضاء الحاتم، ~~والأمر الجازم اللازم، لشدة ما يظهر لها من هول ذلك اليوم. ولما كان كأن ~~قيل: هم مستوفزون، قال: {كل أمة} # PageV18P104 # أي من الجاثين {تدعى إلى كتابها} أي الذي أنزل إليها وتعبدها الله به ~~والذي نسخته الحفظة من أعمالها ليطبق أحدهما بالآخر، فمن وافق كتابه ما أمر ~~به من كتاب ربه نجا، ومن خاله هلك، ويقال لهم حال الدعاء: {اليوم تجزون} ~~على وفق الحكمة بأيسر أمر {ما} أي عين الذي {كنتم} بما هو لكم كالجبلات ~~{تعملون *} أي مصرين عليه غير راجعين عنه من خير أو شر. # ولما أخبر بالجزاء، بين كيفية ما به يطبق بين كتاب الإنزال وكتاب ~~الأعمال، فما حكم به كتاب الإنزال أنفذه الكبير المتعال، فقال مشيرا إلى ~~كتاب الإنزال بأداة القريب لقربه وسهولة فهمه: {هذا كتابنا} أي الذي ~~أنزلناه على ألسنة رسلنا {ينطق} أي يشهد شهادة هي في بيانها كالنطق {عليكم ~~بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع من أعمالكم، ذلك بأن يقول: من ~~عمل كذا فهو كافر، ومن عمل كذا فهو عاص، ومن عمل كذا فهو مطيع، فيطبق ذلك ~~على ما عملتموه فإذا الذي أخبر به الكتاب مطابق لأعمالكم لا زيادة فيه ولا ~~نقص، كل كلي ينطبق على جزئيه سواء بسواء كما نعطيكم علم ذلك في ذلك اليوم، ~~فينكشف ms4556 أمر جبلاتكم وما وقع منكم من جزئيات الأفعال لا يشذ عنه منه ذرة، ~~وتعلمون أن هذا الواقع منكم مطابق # PageV18P105 # لما أخبر به الكتاب الذي أنزلناه، فهو حق لأن الواقع طابقه، هذا نطقه ~~عليكم، وأما نطقه لكم فالفضل: الحسنة بعشر أمثالها إلى ما فوق ذلك. # ولما كانت العادة جارية في الدنيا بإقامة الحقوق بكتابة الوثائق، وكانوا ~~كأنهم يقولون: من يحفظ أعمالنا على كثرتها مع طول المدة وبعد الزمان، ~~وكانوا ينكرون أمر الحفظة وغيره مما أتت به الرسل، أكد قوله مجيبا بما يقرب ~~إلى عقل من يسأل عن ذلك: {إنا} على ما لنا من القدرة والعظمة الغنية عن ~~الكتابة {كنا} على الدوام {نستنسخ} أي نأمر ملائكتنا بنسخ أي نقل {ما كنتم} ~~طبعا لكم وخلقا {تعملون *} قولا وفعلا ونية، فإن كان المراد بالنسخ مطلق ~~النقل فهو واضح، وإن كان النقل من أصل فهو إشارة إلى لوح الجبلات المشار ~~إليه بكنتم أو من اللوح المحفوظ ليطابق به ما يفعله العامل، ومن المشهور ~~بين الناس أن كل أحد يسطر في جبينه ما يلقاه من خير أو شر. # ولما صرح بالمبطلين حسب ما اقتضاه الحال كما تقدم، وأشار # PageV18P106 # إلى المحقين، صرح بما لوح إيه من أمر المحقين وعطف عليهم أضدادهم، فقال ~~بادئا بهم على طريق النشر المشوش مفصلا: {فأما الذين آمنوا} أي من الأمم ~~الجاثية {وعملوا} تصديقا لدعواهم الإيمان {الصالحات فيدخلهم} أي في ذلك ~~اليوم الذي ذكرنا عظمته وشدة هوله {ربهم} الذي أحسن إليهم بالتوفيق ~~بالأعمال الصالحة المرضية الموصلة {في رحمته} أي تقريبه وإكرامه بجليل ~~الثواب وحسن المآب، وتقول لهم الملائكة تشريفا: سلام عليكم أيها المؤمنون، ~~ودل على عظيم الرحمة بقوله: {ذلك} أي الإحسان العالي المنزلة {هو} أي لا ~~غيره {الفوز} . # ولما كان السياق لغباوتهم وخفاء الأشياء عليهم قال تعالى: {المبين *} ~~الذي لا يخفى على أحد شيء من أمره، لأنه لا يشوبه كدر أصلا ولا نقص، بخلاف ~~ما كان من أسبابه في الدنيا، فإنها - مع كونها كانت فوزا - كانت خفية جدا ~~على غير الموقنين {وأما الذين ms4557 كفروا} أي ستروا ما جلته لهم مرائي عقولهم ~~وفطرهم الأولى من الحق الذي أمر الله به ولو عملوا جميع الصالحات غير ~~الإيمان، فيدخلهم الملك # PageV18P107 # الأعظم في لعنته. # ولما كان هذا الستر سببا واضحا في تبكيتهم قال: {أفلم} أي فيقال لهم: ألم ~~يأتكم رسلي، وأخلق لكم عقولا تدلكم على الصواب من التفكر في الآيات المرئية ~~من المعجزات التي أتوكم بها وأنزل عليكم بواسطتهم آيات مسموعة فلم {تكن ~~آياتي} على ما لها من عظمة الإضافة إلي وعظمة الإتيان إليكم على ألسنة رسلي ~~الذين هم أشرف خلقي. # ولما كانت هذه الآيات توجب الإيمان لما لها من العظمة بمجرد تلاوتها، بني ~~للمفعول قوله: {تتلى} أي تواصل قراءتها من أي تال كان، فكيف إذا كانت ~~بواسطة الرسل، تلاوة مستعلية {عليكم} لا تقدرون على رفع شيء منها بشيء ~~يرضاه منصف # PageV18P108 # {فاستكبرتم} أي فتسبب عن تلاوتها التي من شأنها إيراث الخشوع والإخبات ~~والخضوع أن طلبتم الكبر لأنفسكم وأوجدتموه على رسلي وآياتي {وكنتم} خلقا ~~لازما {قوما} أي ذوي قيام وقدرة على ما تحاولونه {مجرمين *} أي عريقين في ~~قطع ما يستحق الوصل، وذلك هو الخسران المبين، والآية من الاحتباك: ذكر ~~الإدخال في الرحمة أولا دليلا على الإدخال في اللعنة ثانيا، وذكر التبكيت ~~ثانيا دليلا على التشريف أولا، وسره أن ما ذكره أدل على شرف الولي وحقارة ~~العدو {وإذا} أي وكنتم إذا {قيل} من أي قائل كان ولو على سبيل التأكيد: {إن ~~وعد الله} الذي كل أحد يعلم أنه محيط بصفات الكمال {حق} أي ثابت لا محيد ~~عنه يطابقه الواقع من البعث وغيره لأن أقل الملوك لا يرضى بأن يخلف وعده ~~فكيف به سبحانه وتعالى فكيف إذا كان الإخلاف فيه مناقضا للحكمة {والساعة} ~~التي هي مما وعد به وهي محط الحكمة فهي أعظم ما تعلق # PageV18P109 # به الوعد {لا ريب فيها} بوجه من الوجوه لأنها محل إظهار الملك لما له من ~~الجلال والجمال أتم إظهار {قلتم} راضين لأنفسكم بحضيض الجهل: {ما ندري} أي ~~الآن دراية علم ولو بذلنا جهدنا في محاولة ms4558 الوصول إليه {ما الساعة} أي نعرف ~~حقيقتها فضلا عما تخبروننا به من أحوالها. # ولما كان أمرها مركوزا في الفطر لا يحتاج إلى كبير نظر، بما يعلم كل أحد ~~من تمام قدرة الله تعالى، فمتى نبه عليها نوع تنبيه سبق إلى القلب علمها، ~~سموا ذلك ظنا عنادا واستكبارا، فقالوا مستأنفين في جواب من كأنه يقول: أفلم ~~تفدكم تلاوة هذه الآيات البينات علما بها: {إن} أي ما {نظن} أي نعتقد ما ~~تخبروننا به عنها {إلا ظنا} وأما وصوله إلى درجة العلم فلا. ولما كان ~~المحصور لا بد وأن يكون أخص من المحصور فيه كان الظن الأول بمعنى الاعتقاد، ~~ولعله عبر عنه بلفظ الظن تأكيدا لمعنى الحصر، ولذلك عطفوا عليه - تصريحا ~~بالمراد لأن الظن قد يطلق على العلم - قولهم: {وما نحن} وأكدوا النفي ~~فقالوا: {بمستيقنين *} أي بموجود عندنا اليقين في أمرها ولا بطالبين # PageV18P110 # له - هذا مع ما تشاهدونه من الآيات في الآفاق وفي أنفسكم وما يبث من دابة ~~وما ينبهكم على ذلك من الآيات المسموعة، وهذا لا ينافي آية {إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا} لأن آخرها مثبت للظن، فكأنهم كانوا تارة يقوى عندهم ما في ~~جبلاتهم وفطرهم الأولى من أمرها فيظنونها، وتارة تقوى عليهم الحظوظ مع ما ~~يقترن بها من الشبهة المبنية على الجهل فيظنون عدمها فيقطعون به لما للنفس ~~إليه من الميل، أو كانوا فرقتين - والله أعلم. # PageV18P111 # ولما وصلوا إلى حد عظيم من العناد، التفت إلى أسلوب الغيبة إعراضا عنهم ~~إيذانا بشديد الغضب فقال تعالى: {وبدا} أي ولم يزالوا يقولون ذلك إلى أن ~~بدت لهم الساعة بما فيها من الأوجال، والزلازل والأهوال، وظهر {لهم} غاية ~~الظهور {سيئات ما} ولما كان السياق للكفرة، وكانوا مؤاخذين بجميع أعمالهم ~~فإنه ليس # PageV18P111 # لهم أساس صالح يكون سببا لتكفير شيء مما تقلبوا فيه ولم يقتض السياق ~~خصوصا مثل الزمر، عبر بالعمل الذي هو أعم من الكسب فقال: {عملوا} فتمثلت ~~لهم وعرفوا مقدار جزائها واطلعوا على جميع ما يلزم على ذلك {وحاق بهم} أي ~~أحاط على حال القهر ms4559 والغلبة، قال أبو حيان: ولا يستعمل إلا في إلا في ~~المكروه. {ما كانوا} جبلة وخلقا {به يستهزءون *} أي يوجدون الهزء به على ~~غاية الشهوة واللذة إيجاد من هو طالب لذلك {وقيل} أي لهم على قطع الأحوال ~~وأشدها قولا لا معقب له، فكأنه بلسان كل قائل: {اليوم ننساكم} أي نفعل معكم ~~بالترك من جميع ما يصلحكم فعل المنسي الذي نقطع عنه جميع إحساننا فيأتيه كل ~~شر {كما نسيتم} وأضاف المصدر إلى ظرفه لما فيه من الرشاقة والبلاغة فقال ~~تعالى: {لقاء يومكم هذا} أي الذي عملتم في أمره عمل الناسي له، ومن نسي ~~لقاء اليوم نسيء لقاء الكائن فيه بطريق الأولى، وقد عابهم الله سبحانه ~~تعالى بذلك أشد # PageV18P112 # العيب لأن ما عملوه ليس من فعل الحزمة أن يتركوا ما ضرره محتمل لا يعتدون ~~له، وإنما هذا فعل الحمق الذين هم عندهم أسقال لا عبرة لهم ولا وزن لهم، ~~وعبر بالنسيان لأن علمه مركوز في طبائعهم، وعبر في فعله بالمضارع ليدل على ~~الاستمرار، وفي فعلهم بالماضي ليدل على أن من وقع منه ذلك وقتا ما وإن قل ~~كان على خطر عظيم بتعريض نفسه لاستمرار الإعراض عنه. # ولما كان تركه على هذا الحال يلزم منه استمرار العذاب، صرح به إيضاحا له ~~لئلا يظن غير ذلك، فقال مبينا لحالهم: {ومأواكم النار} ليس لكم براح عنها ~~أصلا، لأن أعمالكم أدخلتكموها، ولا يخرج منها إلا من أذنا في إخراجه، نحن ~~قد جعلناكم في عداد المنسي فلا يكون من قبلنا لكم فرج {وما لكم} في نفس ~~الأمر سواء أفكرتم وأنتم مكذبون في مدافعة هذا اليوم أو تركتموه ترك المنسي ~~{من ناصرين *} ينقذونكم من ذلك بشفاعة ولا مقاهرة. # ولما ذكر جزاءهم على ما هو الحق المساوي لأعمالهم طبق الفعل بالفعل، علله ~~بما لزم على أعمالهم فقال: {ذلكم} أي العذاب العظيم {بأنكم اتخذتم} أي ~~بتكليف منكم لأنفسكم وقسر على خلاف # PageV18P113 # ما أدى إليه العقل، وجاءت به الرسل، وساعدت عليه الفطر الأول {آيات الله} ~~أي الملك الأعظم الذي لا شيء أعظم ms4560 منه {هزوا} أي جعلتموها عين ما أنزلت ~~للإبعاد منه {وغرتكم} لضعف عقولكم {الحياة الدنيا} أي الدنية فآثرتموها ~~لكونها حاضرة وأنت كالبهائم لا يعدو نظركم المحسوس فقلتم: لا حياة غيرها ~~ولا بعث ولا حساب، ولو تعقلتم وصفكم لها لأداكم إلى الإقرار بالأخرى. # ولما أوصلهم إلى هذا الحد من الإهانة، سبب عنه زيادة في إهانتهم وتلذيذا ~~لأوليائه الذين عادوهم فيه وإشماتا لهم بهم: {فاليوم} بعد إيوائهم فيها {لا ~~يخرجون} بمخرج ما {منها} لأن الله لا يخرجهم ولا يقدر غيره على ذلك {ولا ~~هم} خاصة {يستعتبون *} أي يطلب من طالب ما منهم الإعتاب، وهو الاعتذار بما ~~يثبت لهم العذر ويزيل عنهم العتب الموجب للغضب بعمل من الأعمال الصالحات ~~لأنهم في دار الجزاء لا دار العمل. # PageV18P114 # ولما أثبت سبحانه بعده بإثبات الآيات المرئية والمسموعة وإعزاز أوليائه ~~وإدلال أعدائه من غير مبالاة بشيء ولا عجز عن شيء مع الإحاطة التامة بكل ~~شيء قدرة وعلما، تسبب عن ذلك حتما قوله تعالى: # PageV18P114 # {فلله} أي الذي له الأمر كله {الحمد} أي الإحاطة بجميع صفات الكمال. ولما ~~أبان سبحانه أن ذلك ثابت له لذاته لا لشيء آخر، أثبت أنه لا بالإحسان ~~والتدبير فقال تعالى: {رب السماوات} أي ذات العلو والاتساع والبركات. ولما ~~كان السياق لإثبات الاختصاص بالكمال، وكانوا قد جعلوا له سبحانه ما دل على ~~أنهم لا شبهة لهم في عبادتهم بحصر أمرهم في الهوى، أعاد ذكر الرب تأكيدا ~~وإعلاما أن له في كل واحد من الخافقين أسرارا غير ما له في الآخر، فالتربية ~~متفاوتة بحسب ذلك، وأثبت العاطف إعلاما بأن كمال قدرته في ربوبيته للأعلى ~~والأسفل على حد سواء دفعا لتوهم أن حكمه في الأعلى أمكن لتوهم الاحتياج إلى ~~مسافة فقال تعالى: {ورب الأرض} أي ذات القبول للواردات. # ولما خص الخافقين تنبيها على الاعتبار بما فيهما من الآيات لظهورها، عم ~~تنبيها على أن له وراء ذلك من الخلائق ما لا يعلمه إلا لله سبحانه وتعالى ~~فقال مسقطا العاطف لعدم الاحتياج إليه بعد إثبات استواء الكونين الأعلى ~~والأسفل في ms4561 حكمه من حيث العلم والقدرة للتنزه عن المسافة، # PageV18P115 # وذلك لا يخرج عنه شيء من الخلق لأنه إما أن يكون علويا أو سفليا {رب ~~العالمين *} فجمع ما مفرده يجل على جميع الحوادث لأن العالم ما سوى الله. ~~تنبيها على أصنافه وتصريحا بها وإعلاما بأنه أريد به مدلوله المطابقي لا ~~البعض بدلالة التضمن، وأعاد ذكر الرب تنبيها على أن حفظه للخلق وتربيته لهم ~~ذو ألوان بحسب شؤون الخلق، فحفظه لهذا الجزء على وجه يغاير حفظه لجزء آخر، ~~وحفظه للكل من حيث هو كل على وجه يغاير حفظه لكل جزء على حدته، مع أن الكل ~~بالنسبة إلى تمام القدرة على حد سواء. # ولما أفاد ذلك غناه الغنى المطلق وسيادته وأنه لا كفوء له، عطف عليه بعض ~~اللوازم لذلك تنبيها على مزيد الاعتناء به لدفع ما يتوهمونه من ادعاء ~~الشركة التي لا يرضونها لأنفسهم فقال: {وله} أي وحده {الكبرياء} أي الكبر ~~الأعظم الذي لا نهاية له: {في السماوات} كلها {والأرض} جميعها اللتين فيهما ~~آيات للمؤمنين، روى مسلم وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة ومسلم # PageV18P116 # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~يقول الله عز وجل: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ~~أدخلته النار» ، وفي رواية: عذبته، وفي رواية: قصمته. # {وهو} وحده {العزيز} الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم *} الذي يضع ~~الأشياء في أتقن مواضعها ولا يضع شيئا إلا كذلك كما أحكم أمره ونهيه وجميع ~~شرعه، وأحكم نظم هذا القرآن جملا وآيات، وفواصل وغايات، وبعد أن حرر معانيه ~~وتنزيله جوابا لما كانوا يعتنون به، فصار معجزا في نظمه ومعناه وإنزاله طبق ~~أجوبة الوقائع على ما اقتضاه الحال، فانطبق آخرها على أولها بالصفتين ~~المذكورتين، وبالحث على الاعتبار بآيات الخافقين، والتصريح بما لزم ذلك من ~~الكبرياء المقتضية لإذلال الأعداء وإعزاز الأولياء - والله الهادي إلى ~~الصواب وإله المرجع والمآب - والله أعلم بمراده. # PageV18P117 # مقصودها إنذار الكافرين بالدلالة على صدق الوعد في قيام الساعة اللازم ~~للعزة والحكمة ms4562 الكاشف لهما أتم كشف بما وقع الصدق في الوعد به من إهلاك ~~المكذبين بما يضاد حال بلادهم وأنه لا يمنع من شيء من ذلك مانع لأن فعل ذلك ~~لا شريك له فهو المستحق للإفراد بالعبادة، وعلى ذلك دلت تسميتها بالأحقاف ~~الدالة على هدوء الريح وسكون الجو بما دلت عليه قصة قوم هود عليه الصلاة ~~والسلام من التوحيد وإنذارهم بالعذاب دنيا وأخرى ومن إهلاكهم وعدم إغناء ما ~~عبدوه عنهم ولا يصح تسميتها بهود ولا تسمية هود بالأحقاف لما ذكر من ~~المقصود بكل منهما) بسم الله (الذي لا يذل من والى ولا يعز من عادى) الرحمن ~~(الذي سبقت رحمته غضبه بزواجر الإنذار) الرحيم (الذي يخص حزبه بعمل الأبرار ~~للفوز في دار القرار بدخول الجنة والنجاة من النار. # PageV18P118 # {حم *} حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي النهاية في الصواب والسداد ~~أحكمها الذي أحاطت قدرته فهو لا يخلف الميعاد. # ولما بنيت الجاثية على النظر في آيات الخافقين خطابا لأهل الإيمان # PageV18P118 # استدلالا على يوم الفصل المدلول عليه في الدخان بآية {وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما لاعبين} [الأنبياء: 16] والتي بعدها، فأنتجت العلم بأن ~~الكبرياء لخالقهما بما يشاهد من قهره للملوك فمن سواهم بالموت وما دونه من ~~غير مبالاة بأحد وبينت - بما أفهمه الملك والكبرياء والحكمة لأن عادة من ~~كان بهذا الوصف ألا يكون كلامه إلا بحسب الحاجة - أن الكتاب منزل نجوما ~~لبيان ما يحاولون به مدحض لحجتهم هادم لعزتهم بحكمته وعزته، فثبت الحشر وحق ~~النشر، وختم بصفتي العزة والحكمة، ذكر بما ثبت من ذلك كله تأكيدا لأمر ~~البعث وتحقيقا لليوم الآخر على وجه مبين أن الخلق كله آيات وحكم واعتبارات ~~لأنه أثبت أنه كله حق، ونفى عنه كل باطل، فقال خطابا لأهل الأوثان من سائر ~~الأديان الصابية والمجوس وغيرهم الذين افتتحت السورة بهم وختمت بالفسق ~~الجامع لهم الموجب لكفرهم: {تنزيل الكتاب} أي الجامع لجميع الخيرات ~~بالتدريج على حسب المصالح {من الله} # PageV18P119 # أي الجبار المتكبر المختص بصفات الكمال الذي هو الحمد بما دلت عليه ~~ربوبيته، ms4563 وختم بقوله: {العزيز الحكيم *} تقريرا لأنه لم يضع شيئا إلا في ~~أوفق محاله، وأنه الخالق للشر كما أنه الخالق للخير ولجميع الأفعال وأنه ~~يعز أولياءه ويذل أعداءه ويحكم أمر دينه فيظهره على الدين كله من غير أن ~~يقدر أحد على معارضته في شيء منه فصارت آية الجاثية مقدمة لهذه وهذه نتيجة. # ولما ثبت في الجاثية مضمون قوله تعالى في الدخان {وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما لاعبين} بما ذكر فيهما من الآيات والمنافع والحكم، أثبت ~~هنا مضمون ما بعد ذلك بزيادة الأجل فقال دالا على عزته وحكمته: {ما خلقنا} ~~أي على ما لنا من العظمة الموجبة للتفرد بالكبرياء {السماوات والأرض} على ~~ما فيهما من الآيات التي فصل بعضها في الجاثية. ولما كان من المقاصد هنا ~~الرد على المجوس وغيرهم ممن ثبت خلقا لغير الله قال: {وما بينهما} أي من ~~الهواء المشحون بالمنافع وكل خير وكل شر من أفعال العباد وغيرهم، وقال ابن ~~برجان في تفسيره: جميع الوجود أوله وآخره نسخة # PageV18P120 # لأم الكتاب والسماوات والأرض إشارة إلى بعض الوجود، وبعضه يعطي من ~~الدلالة على المطلوب ما يعطيه الكل بوجه ما، غير أن علا أصح دلالة وأقرب ~~شهادة وأبين إشارة، وما صغر من الموجودات دلالته مجملة يحتاج المستعرض فيه ~~إلى التثبت وتدقيق النظر والبحث - انتهى. {إلا بالحق} أي الأمر الثابت من ~~القدرة التامة والتصرف المطلق، فخلق الباطل بالحق لأنه تصرف في ملكه الذي ~~لا شائبة لغيره فيه للابتلاء والاختبار للمجازاة بالعدل والمن بالفضل إلى ~~غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها سواه، وفي خلق ذلك على هذا الوجه أعظم ~~دلالة على وجود الحق سبحانه، وأنه واحد لا شريك له، ودل على قهره بقوله: ~~{وأجل مسمى} أي لبعث الناس إلى دار القرار لفصل أهل الجنة من أهل النار، ~~وفناء الخافقين وما نشأ عنهما من الليل والنهار. # ولما كان التقدير: وأمرنا الناس بالعمل في ذلك الأجل بطاعتنا ووعدناهم ~~عليها جنان النعيم، فالذين آمنوا على ما أنذروا مقبلون، ومن غوائله مشفقون، ~~فهم بطاعتنا عاملون، عطف ms4564 عليه من السياق له من قوله: {والذين كفروا} أي ~~ستروا من أعلام الدلائل ما لو خلوا أنفسهم وما فطرناها عليه لعلموه فهم ~~لذلك {عما أنذروا} # PageV18P121 # ممن هم عارفون بأن إنذاره لا يتخلف {معرضون *} ومن غوائله آمنون، فهم بما ~~يغضبنا فاعلون، شهدت عندهم شواهد الوجود فما سمعوا لها ولا أصغوا إليها ~~وأنذرتهم الرسل والكتب من عند الله فأعرضوا عنها واشمأزوا منها. # PageV18P122 # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى: لما قدم ذكر الكتاب ~~وعظيم الرحمة به وجليل بيانه، وأردف ذلك بما تضمنته سورة الشريعة من توبيخ ~~من كذب به وقطع تعلقهم وأنه سبحانه قد نصب من دلائل السماوات والأرض إلى ما ~~ذكر في صدر السورة ما كل قسم منها كاف في الدلالة وقائم بالحجة، ومع ذلك ~~فلم يجر عليهم التمادي على ضلالهم والانهماك في سوء حالهم وسيىء محالهم، ~~أردفت بسورة الأحقاف تسجيلا بسوء مرتكبهم وإعلاما باليم منقلبهم فقال تعالى ~~{ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى} ولو اعتبروا ~~بعظيم ارتباط ذلك الحق وإحكامه وإتقانه لعلموا أنه لم يوجد عبثا، ولكنهم ~~عموا عن الآيات وتنكبوا عن انتهاج الدلالات {والذين كفروا عما أنذروا ~~معرضون} ثم أخذ # PageV18P122 # سبحانه وتعالى في تعنيفهم وتقريعهم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع فقال ~~{أفرأيتم ما تدعون من دون الله} - إلى قوله: {وكانوا بعبادتهم كافرين} ثم ~~ذكر عنادهم عن سماع الآيات فقال: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} الآيات، ~~ثم التحم الكلام وتناسج إلى آخر السورة - انتهى. # ولما قرر سبحانه الأصل الدال على التوحيد وإثبات العدل والحرمة بالبعث ~~للفصل، وكانوا يقولون: إنهم أعقل الناس، وكان العاقل لا يأمن غوائل الإنذار ~~إلا أن أعد لها ما يتحقق دفعه لها وكان لا يقدر على دفع المتوعد إلا من ~~يساويه أو يزيد عليه بشركة أو غيرها، وكانوا يدعون في أصنامهم أنها شركاء، ~~بنى على ذلك الأصل تفاريعه، وبدأ بإبطال متمسكهم فقال سبحانه وتعالى آمرا ~~له صلى الله عليه وسلم بأن ينبههم على سفههم بأنهم أعرضوا عما قد يضرهم ms4565 من ~~غير احتراز منه دالا على عدم إلهية ما دعوه آلهة بعدم الدليل على إلهيتها ~~من عقل أو نقل، لأن منصب الإلهية لا يمكن أن يثبت وله من الشرف ما هو معلوم # PageV18P123 # بغير دليل قاطع: {قل} أي لهؤلاء المعرضين أنفسهم لغاية الخطر منكرا عليهم ~~تبكيتا وتوبيخا: {أرءيتم} أي أخبروني بعد تأمل ورؤية باطنة {ما تدعون} أي ~~دعاء عبادة، ونبه على سفولهم بقوله تعالى: {من دون الله} أي الملك الأعظم ~~الذي كل شيء دونه، فلا كفوء له. # ولما كان من المعلوم أن الاستفهام عن رؤية ما مشاهدتهم له معلومة لا يصح ~~إلى بتأويل أنه عن بعض الأحوال، وكان التقدير: أهم شركاء في الأرض، استأنف ~~قوله: {أروني ما} وأكد الكلام بقوله سبحانه وتعالى: {ماذا خلقوا} أي ~~اخترعوه {من الأرض} ليصح ادعاء أنهم شركاء فيها باختراع ذلك الجزء. ولما ~~كان معنى الكلام وترجمته: أروني أهم شركاء في الأرض؟ عادله بقوله: {أم لهم} ~~أي الذين تدعونهم {شرك في السماوات} أي نوع من أنواع الشركة: تدبير - كما ~~يقول أهل الطبائع، أو خلق أو غيره، أروني ذلك الذي خلقوه منها ليصح ادعاؤكم ~~فيهم واعتمادكم عليهم بسببه. # فالآية من الاحتباك: ذكر الخلق أولا دليلا على حذفه ثانيا، والشركة ثانية ~~دليلا على حذفها أولا. # PageV18P124 # ولما كان الدليل أحد شيئين: سمع وعقل، قال تعالى: {ائتوني} أي حجة على ~~دعواكم في هذه الأصنام أنها خلقت شيئا، أو أنها تستحق أن تعبد {بكتاب} أي ~~واحد يصح التمسك به، لا أكلفكم إلى الإتيان بأكثر من كتاب واحد. ولما كانت ~~الكتب متعددة ولم يكن كتاب قبل القرآن عاما لجميع ما سلف من الزمان، أدخل ~~الجار فقال تعالى: {من قبل هذا} أي الذي نزل علي كالتوراة والإنجيل ~~والزبور، وهذا من أعلام النبوة فإنها كلها شاهدة بالوحدانية، لو أتى بها آت ~~لشهدت عليه. # ولما ذكر الأعلى الذي لا يجب التكليف إلا به، وهو النقل القاطع، سهل ~~عليهم فنزل إلى ما دونه الذي منه العقل، وأقنع منه ببقية واحدة ولو كانت ~~أثرا لا عينا فقال: {أو ms4566 أثارة} أي بقية رسم صالح للاحتجاج، قال ابن برجان: ~~وهي البقية من أثر كل شيء يرى بعد ذهابه وحال رؤيته بأثرها خلف عن سلف ~~يتحدثون بها في آثارهم، قال البغوي: وأصل الكلمة من الأثر وهو الرواية. {من ~~علم} # PageV18P125 # أي قطعي بضرورة أو تجربة أو مشاهدة أو غيره ولو ظنا يدل على ما ادعيتم ~~فيهم من الشركة. ولما كان لهم من النفرة من الكذب واستشناعه واستبشاعه ~~واستفظاظه ما ليس لأمة من الأمم، أشار إلى تقريعهم بالكذب إن لم يقيموا ~~دليلا على دعواهم بقوله تعالى: {إن كنتم} أي بما هو لكم كالجبلة {صادقين *} ~~أي عريقين في الصدق على ما تدعون لأنفسكم. # ولما أبطل سبحانه وتعالى قولهم في الأصنام بعدم قدرتها على إتيان شيء من ~~ذلك لأنها من جملة مخلوقات في الأصل، أتبعه إبطاله بعدم علمها ليعلم قطعا ~~أنهم أضل الناس حيث ارتبطوا في أجل الأشياء - وهو أصول الدين - بما لا دليل ~~عليه أصلا، فقال تعالى منكرا أن يكون أحد أضل منهم، عاطفا على ما هدى ~~السياق حتما إلى تقديره وهو: فمن أضل ممن يدعي شيئا من الأشياء وإن قل بلا ~~دليل: {ومن أضل ممن} يدعي أعظم الأشياء بغير دليل ما عقلي ولا نقلي، فهو ~~{يدعوا} ما لا قدرة له ولا علم، وما انتفت قدرته وعلمه لم تصح عبادته ~~ببديهة العقل، وأرشد إلى سفولها بقوله تعالى: {من دون الله} أي من أدنى # PageV18P126 # رتبة من رتب الذي له جميع صفات الجلال والجمال والكمال، فهو سبحانه يعلم ~~كل شيء ويقدر على كل شيء بحيث يجيب الدعاء ويكشف البلاء ويحقق الرجاء إذا ~~شاء، ويدبر عبده لما يعلم من سره وعلنه بما لا يقدر هو على تدبير نفسه به، ~~ويريد العبد في كثير من الأشياء ما لو وكل العبد فيه إلى نفسه وأجيب إلى ~~طلبته كان فيه حتفه، فيدبره سبحانه بما تشتد كراهيته له فيكشف الحال عن أنه ~~لم يكن له فرج إلا فيه {من لا يستجيب له} أي لا يوجد الإجابة ولا يطلب ~~إيجادها من الأصنام ms4567 وغيرها لأنه لا أهلية له لذلك. # ولما كان أقل الاستجابة مطلق الكلام، وكانوا في الآخرة يكلمونهم في ~~الجملة وإن كان بما يضرهم، غيى هذا النفي بوقت لا ينفع فيه استجابة أصلا ~~ولا يغني أحد عن أحد أبدا فقال تعالى: {إلى يوم القيامة} أي الذي صرفنا لهم ~~من أدلته ما هو أوضح من الشمس ولا يزيدهم لك إلا إنكارا وركونا إلى ما لا ~~دليل عليه أصلا وهم يدعون الهداية ويعيبون أشد عيب الغواية. ولما كان من لا ~~يستجيب قد يكون له علم بطاعة الإنسان له ترجى معه إجابته يوما ما، نفى # PageV18P127 # ذلك بقوله زيادة في عيبهم في دعاء ما لا رجاء في نفعه: {وهم عن دعائهم} ~~أي دعاء المشركين إياهم {غافلون *} أي لهم هذا الوصف ثابت لا ينفكون عنه، ~~لا يعلمون من يدعوهم ولا من لا يدعوهم، وعبر بالغفلة التي هي من أوصاف ~~العقلاء للجماد تغليبا إن كان المراد أعم من الأصنام وغيرها ممن عبدوه من ~~عقلاء الإنس والجن وغيرهم واتصافا إن كان المراد الأصنام خاصة، أو تهكما ~~كأنه قيل: هم علماء فإنكم أجل مقاما من أن تعبدوا ما لا يعقل، وإنما عدم ~~استجابتهم لكم دائما غفلة دائمة كما تقول لمن كتب كتابا كله فاسد: أنت عالم ~~لكنك كنت ناعسا - ونحو هذا. # ولما غيى سبحانه بيوم القيامة فأفهم أنهم يستجيبون لهم فيه، بين ما ~~يحاورونهم به إذ ذاك فقال: {وإذا حشر} أي جمع بكره على أيسر وجه وأسهل أمر ~~{الناس} أي كل من يصح منه النوس - أي التحرك - يوم القيامة {كانوا} أي ~~المدعوون {لهم} أي للداعين {أعداء} ويعطيهم الله قوة الكلام فيخاطبونهم بكل ~~ما يخاطب به العدو عدوه {وكانوا} أي المعبودون {بعبادتهم} أي الداعين، وهم ~~المشركون - إياهم {كافرين *} لأنهم كانوا عنها غافلين كما قال سبحانه ~~وتعالى في سورة يونس عليه الصلاة والسلام # PageV18P128 # {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} [يونس: 28] . # PageV18P129 # ولما بين أنهم في غاية السفه في عبادة ما لا دليل بوجه على عبادته، أتبعه ~~بيان أنهم في غاية الغباوة بإنكار ما ms4568 لا شيء أبين منه، فقال عاطفا على ~~{والذين كفروا عما أنذروا معرضون} : {وإذا تتلى} أي تقرأ من أي قارئ كان ~~على وجه المتابعة {عليهم آياتنا} أي التي لا أعظم منها في أنفسها وبإضافتها ~~إلينا {بينات} لا شيء أبين منها قالوا - هكذا كان الأصل ولكنه بين الوصف ~~الحامل لهم على القول فقال: {قال الذين كفروا} أي ستروا تلك الأنوار التي ~~أبرزتها تلك التلاوة لها - هكذا كان الأصل ولكنه قال: {للحق} أي لأجله ~~{لما} أي حين {جاءهم} بيانها لأنها مع بيانها لا شيء أثبت منها وأنهم ~~بادروا أول سماعهم لها إلى إنكارها دون تفكر: {هذا} أي الذي تلي {سحر} أي ~~خيال لا حقيقة له {مبين *} أي ظاهر في أنه خيال، فدل قولهم هذا - بمبادرتهم ~~إليه من غير تأمل أصلا، وبكونه أبعد الأشياء عن حقيقة ما قيل فيه - على ~~أنهم أكثر الناس عنادا وأجرؤهم على الكذب وهم يدعون أنهم أعرق الناس في ~~الإنصاف # PageV18P129 # وألزمهم للصدق. # ولما دلت هذه الآيات بعظيم حججها وزخار ما أغرق من لججها، على أن ما ~~يدينون به أوهى من الخيال، وأن هذا الكتاب في صدقه وكل شيء من أمره أثبت من ~~الجبال، فكانوا أجدر الخلق بأن يقولوا: رجعنا عما كنا فيه وآمنا، كان موضع ~~أن يقال: هل أقروا بأنك صادق في نسبة هذا الكتاب إلى الله، فعادله بقوله ~~دليلا عليه: {أم يقولون} مجددين لذلك متابعين له {افتراه} أي تعمد كذبه، ~~فيكون ذلك من قولهم عجبا لأنه قول مقرون بما يكذبه ويبطله كما يأتي في ~~تقريره. # ولما كان كأنه قيل: إنهم ليقولون ذلك، وقد قرحوا القلوب به فماذا يردهم ~~عنه؟ قيل: {قل} ما هو أشد عليهم من وقع النبل، وهو ما يرد ما رموك به عليهم ~~بحجة هي أجلى من الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب. ولما كان من عادة ~~الملوك أنه متى كذب عليهم أحد عاجلوه بالعقوبة قال: {إن افتريته} أي تعمدت # PageV18P130 # كذبه على زعمكم وأنا إنما أريد به نصيحتكم، فالذي أفتريه عليه وأنسبه ~~إليه يعاقبني على ذلك ms4569 ولا يتركني أصلا، وذلك هو معنى قوله: {فلا تملكون} أي ~~أيها المنصوحون في وقت من الأوقات بوجه من الوجوه {لي من الله} أي الملك ~~الأعظم العزيز المتكبر الحكيم {شيئا} مما يرد عني انتقامه مني لأن الملك لا ~~يترك من كذب عليه مطلق كذب، فكيف بمن يتعمد الكذب عليه في الرسالة بأمور ~~عظيمة ويلازمه مساء وصباحا غدوا ورواحا، فأي حامل لي حينئذ على افترائه، ~~والمقصود به لا ينفعني، والمكذوب عليه لا يتركني؛ ثم علل ما أفاده الكلام ~~من وجوب الانتقام بقوله: {هو أعلم} أي منكم ومن كل أحد {بما تفيضون فيه} من ~~نسبتي إلى الكذب، فلو أنه كما تقولون ما ناظرني فضلا عن أنه يؤيدني ~~وينصرني، وفيه على ذلك تهديد لهم وتسلية له وتفريج عنه. # ولما كان الإملاء وحده ليس قاطعا في ذلك وإن كان ظاهرا فيه، فكان لا بد ~~في دعوى الصدق من دليل قاطع وبرهان ساطع، وكانت شهادة الملك الذي الكلام ~~فيه أعظم الأدلة لأنه الأعلم، ومدار الشهادة العلم، فأنتج الكلام قطعا ~~قوله: {كفى} وأكد الكلام بما قرن بالفاعل من حرف الجر تحقيقا للفعل ونفيا ~~للمجاز فقال: {به شهيدا} # PageV18P131 # أي شاهدا بليغ الشهادة لأنه الأعلم بجميع أحوالنا {بيني وبينكم} يشهد ~~بنفسه الأقدس للصادق منا وعلى الكاذب، وقد شهد بصدقي بعجزكم عن معارضة شيء ~~من هذا الكتاب الذي أتيت به فثبت بذلك أنه كلامه لأني لا أقدر وحدي على ما ~~لا تقدرون عليه فرادى ولا مجتمعين وأنتم عرب مثلي، بل وأنا أمي وفيكم أنتم ~~الكتبة والذين خالطوا العلماء وسمعوا أحاديث الأمم وضربوا - بعد بلاد العجم ~~- في بلاد العرب، فظهر بذلك ظهور الشمس أنكم كاذبون {وهو الغفور} الذي من ~~شأنه أن يمحو الذنوب كلها أعيانها وآثارها فلا يعاقب عليها ولا يعاتب ~~{الرحيم *} الذي يكرم بعد المغفرة ويفضل بالتوفيق لما يرضيه، ففي هذا ~~الختام ترغيب للنبي صلى الله عليه وسلم في الصفح عنهم فيما نسبوه إليه في ~~افتتاحها من الافتراء، وندب إلى الإحسان إليهم، وترغيب لهم في التوبة، ومنع ~~من أن يقولوا: ms4570 فلم لا يعاجلنا بالعقوبة على نسبتنا لك إلى الكذب إن كنت ~~صادقا بأنه يجوز أن يمهل الكاذب، وأما أنه يؤيده بما يشد به كذبه اللازم ~~منه أنه يزيد فيه فلا يجوز، لأن ذلك قادح في الحكمة وفي الكبرياء وفي ~~الملك. # PageV18P132 # ولما كان من أعظم الضلال أن ينسب الإنسان إلى الكذب من غير دليل في شيء ~~لم يبتدعه، بل تقدمه بمثله ناس قد ثبت صدقهم في مثل ذلك ومضت عليه الأزمان ~~وتقرر غاية التقرر في القلوب والأذهان، قال تعالى: {قل} أي لهؤلاء الذين ~~نسبوك إلى الافتراء: {ما كنت} أي كونا ما {بدعا} أي منشئا مبتدعا محدثا ~~مخترعا بحيث أكون أجنبيا منقطعا {من الرسل} لم يتقدم لي منهم مثال في أصل ~~ما جئت به، وهو الحرف الذي طال النزاع بيني وبينكم فيه وعظم الخطب وهو ~~التوحيد ومحاسن الأخلاق بل قد تقدمني رسل كثيرون أتوا بمثل ما أتيت به ~~ودعوا إليه كما دعوت وصدقهم الله بمثل ما صدقني به، فثبتت بذلك رسالاتهم ~~وسعد بهم من صدقهم من قومهم، وشقي بهم من كذبهم، فانظروا إلى آثارهم، ~~واسألوا عن سيرهم من أتباعهم وأنصارهم وأشياعهم، قال الإمام أبو عبد الله ~~القزاز في ديوانه: والبدعة الاسم لما ابتدع وضد البدعة السنة، لأن السنة ما ~~تقدم له إمام، والبدعة ما اخترع على غير مثال، وفي الحديث # «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» معناه - والله أعلم - أن يبتدع ما ~~يخالف السنة إذ كانت البدعة ضد السنة، فإذا أحدث ما يخالفها # PageV18P133 # كان بإحداثه لها ضالا مشركا، وكان من أحدث في النار، ولم يدخل تحت هذا ما ~~يخترع الإنسان من أفعال البر يسمى بدعة لعدم فعله قبل ذلك فيخرج عما ذكرنا ~~إن كان له نظير في الأصول، وهو الحض على كل أفعال البر ما علم منها وما لم ~~يعلم، فإن أحدث محدث من ذلك شيئا فكأنه زيادة فيما تقدم من البر وليس بضد ~~لما تقدمه من السنة، بل هو باب من أبوابها، ويقولون: ما فلان ببدع في هذا ~~الأمر أي ms4571 ليس هو بأول من أصابه ذلك ولكن سبقه غيره أيضا، قال الشاعر: # ولست ببدع من النائبات ... ونقض الخطوب وإمرارها # ويقال: أبدع بالرجل - إذا كلت راحلته، وأبدعت الركاب إذا كلت وعطبت، ~~وقيل: كل من عطبت ركابه فانقطع به فقد أبدع به، وقال في القاموس: والبدعة ~~الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما استحدث بعده صلى الله عليه وسلم من ~~الأهواء والأعمال، وأبدع بالرجل: عطبت ركابه، وبقي منقطعا به، وأبدع فلان ~~بفلان: قطع به وخذله، # PageV18P134 # ولم يقم بحاجته، وحجته بطلت، وقال الصغاني في مجمع البحرين: وشيء بدع - ~~بالكسر أي مبتدع، وفلان بدع في هذا الأمر أي بديع، وقوم أبداع، عن الأخفش: ~~والبديع المبتدع والبديع المبتدع أيضا، وأبدعت حجة فلان - إذا بطلت وأبدعت: ~~أبطلت - يتعدى ولا يتعدى. # ولما أثبت بموافقته صلى الله عليه وسلم للرسل أصل الكلام وبقي أن يقال: ~~إن التكذيب في أن الله أرسله به، قام الدليل على صدقه في دعواه، وذلك بأنه ~~مماثل لهم في أصل الخلقة ليس له من ذاته من العلم إلا ما لهم، وليس منهم ~~أحد يصح له حكم على المغيبات، فلولا أن الله أرسله لما صح كل شيء حكم به ~~على المستقبلات ولم يتخلف من ذلك شيء فقال: {وما أدري} أي في هذا الحال ~~بنوع حيلة وعمل واجتهاد {ما} أي الذي {يفعل} أي من أي فاعل كان سواء كان هو ~~الله تعالى بلا واسطة أو بواسطة غيره {بي} وأكد النفي ليكون ظاهرا في ~~الاجتماع وكذلك في الانفراد أيضا فقال: {ولا} أي ولا أدري الذي يفعل {بكم} ~~هذا في أصل الخلقة وأنتم ترونني أحكم على نفسي بأشياء لا يختل شيء منها مثل ~~أن أقول: إني آتيكم من القرآن # PageV18P135 # بما يعجزكم، فلا تقدرون كلكم على معارضة شيء منه فيضح ذلك على سبيل ~~التكرار لا يتخلف أصلا، فلولا أن الله أرسلني به لم أقدر وحدي على ما لا ~~تقدرون عليه كلكم، وإن قدرت على شيء كنتم أنتم أقدر مني عليه، وفي الآية ~~بعمومها دليل على أن لله أن يفعل ms4572 ما يشاء، فله أن يعذب الطائع وينعم ~~العاصي، ولو فعل ذلك لكان عدلا وحقا وإن كنا نعتقد أنه لا يفعله. # ولما سوى نفسه الشريفة بهم في أصل الخلقة، وكان قد ميزه الله عنهم بما ~~خصه من النبوة والرسالة، أبرز له ذلك - سبحانه وتعالى على وجه النتيجة ~~فقال: {إن} أي ما {أتبع} أي - بغاية جهدي وجدي {إلا ما} أي الذي {يوحى} أي ~~يجدد إلقاؤه ممن لا يوحي بحق إلا هو {إلي} على سبيل التدريج سرا، لا يطلع ~~عليه حق اطلاعه غيري، ومنه ما أخبر فيه عن المغيبات فيكون كما قلت، فلا ~~يرتاب في أني لا أقدر على ذلك بنفسي فعلم أنه من الله. # ولما نسبوه إلى الافتراء تارة والجنون أخرى، وكان السبب الأعظم في نسبتهم ~~له إلى ذلك صدعهم بما يسوءهم على غير عادته السالفة وعادة أمثاله، قال على ~~سبيل القصر القلبي: {وما أنا} أي # PageV18P136 # بإخباري لكم عما يوحى إلي {إلا نذير} أي لكم ولكل من بلغه القرآن {مبين ~~*} أي ظاهر أني كذلك في نفسه مظهر له - أي كوني نذيرا - ولجميع الجزئيات ~~التي أنذر منها بالأدلة القطعية. # PageV18P137 # ولما أثبت أنه من عند الله بشهادة الله نفسه بعجزهم عن المعارضة، قبح ~~عليهم إصرارهم على التكذيب على تقدير شهادة أحد ممن يثقون بهم يسألونهم عنه ~~من أهل الكتاب فقال تعالى: {قل أرءيتم} أي أخبروني وبينوا لي وأقيموا ولو ~~ببعض حجة أو برهان {إن كان} أي هذا الذي يوحى إلي وآتيكم به وأنذركم ~~وأعلمكم أنه من الله فإنه {من عند الله} أي الملك الأعظم. # ولما كان مقصود السورة إنذار الكافرين الذين لا ينظرون في علم، بل شأنهم ~~تغطية المعارف والعلوم، عطف بالواو الدالة على مطلق الجمع الشامل لمقارنة ~~الأمرين المجموعين من غير مهلة فيدل على الإسراع في الكفر من غير تأمل قال: ~~{وكفرتم به} أي على هذا التقدير {وشهد شاهد} أي واحد وأكثر {من بني ~~إسرائيل} الذين جرت عادتكم أن تستفتوهم وتثقوا بهم {على مثله} أي مثل ما في ~~القرآن # PageV18P137 # من أن من وحد ms4573 فقد آمن، ومن أشرك فقد كفر، وأن الله أنزل ذلك في التوراة ~~والإنجيل وجميع أسفارهم، فطابقت عليه كتبهم، وتظافرت به رسلهم، وتواترت على ~~الدعاء إليه والأمر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام، ثم سبب عن شهادته ~~وعقب وفصل فقال: {فآمن} أي هذا الذي شهد هذه الشهادة بهذا القرآن عندما رآه ~~مصدقا لما ذكر وعلم أنه الكتاب الذي بشرت به كتبهم، فاهتدى إلى وضع الشيء ~~في محله فوضعه ولم يستكبر. # ولما كان الحامل لهم بعد هذه الأدلة على التمادي على الكفر إنما هو ~~الشماخة والأنفة قال: {واستكبرتم} أي أوجدتم الكبر بالإعراض عنه طالبين ~~بذلك الرئاسة والفخر والنفاسة، فكنتم بعد شهادة هذا الشاهد معاندين من غير ~~شبهة أصلا فضللتم فكفرتم فوضعتم الشيء في غير موضعه فانسد عليكم باب ~~الهداية. # ولما كانوا يدعون أنهم أهدى الناس وأعدلهم، وكان من رد شهادة الخالق ~~والخلق ظالما شديد الظلم، فكان ضالا على علم، قال الله تعالى مستأنفا دالا ~~على أن تقدير الجواب: أفلم تكونوا بتخلفكم عن الإيمان بعد العلم قد ظلمتم ~~ظلما عظيما بوضع الكفران موضع الإيمان، فتكونوا ضالين تاركين للطريق الموصل ~~على عمد {إن الله} أي الملك # PageV18P138 # الأعظم ذا العزة والحكمة {لا يهدي القوم} أي الذين لهم قدرة على القيام ~~بما يريدون محاولته {الظالمين *} أي الذين من شأنهم وضع الأمور غير ~~مواضعها، فلأجل ذلك لا يهديكم لأنه لا أحد أرسخ منكم في الظلم الذي تسبب ~~عنه ضلالكم، أما من كان منكم عالما فالأمر فيه واضح، وأما من كان منكم ~~جاهلا فهو كالعالم لعدم تدبره مثل هذه الأدلة التي ما بين العالم بلسان ~~العرب وبين انكشافها له إلا تدبها مع ترك الهوى، وقال الحسن - كما نقله ~~البغوي - الجواب: فمن أضل منكم كما قال في «فصلت» # {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد} ~~[فصلت: 52] فالآية من الاحتباك: ذكر الإيمان أولا دليلا على ضده ثانيا، ~~والاستكبار والظلم وعدم الهداية ثانيا دليلا على أضدادها أولا، وسره أنه ~~شكر سببي السعادة ms4574 ترغيبا وترهيبا. # ولما دل على أن تركهم للإيمان إنما هو تعمد للظلم استكبارا، عطف على ~~قولهم {إنه سحر} ما دل على الاستكبار فقال تعالى: {وقال الذين كفروا} أي ~~تعمدوا تغطية الحق {للذين} أي لأجل إيمان الذين {آمنوا} إذ سبقوهم إلى ~~الإيمان: {لو كان} إيمانهم # PageV18P139 # بالقرآن وبهذا الرسول {خيرا} أي من جملة الخيور {ما سبقونا إليه} ونحن ~~أشرف منهم وأكثر أموالا وأولادا وأعلم بتحصيل العز والسؤدد الذي هو مناط ~~الخير فكأن لم يسبقونا إلى شيء من هذه الخيرات التي نحن فائزون بها وهم صفر ~~منها، لكنه ليس بخير، فلذلك سبقوا إليه فكان حالهم فيه حالهم فيما هو محسوس ~~من أمورهم في المال والجاه. # ولما أخبر عما قالوا حين سبقهم غيرهم، أخبر عما يقولون عند تعمد الإعراض ~~عنه فقال: {وإذ} أي وحين {لم يهتدوا به} يقولون عنادا وتكبرا وكفرا: لو كان ~~هدى لأبصرناه ولم يعلموا أنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في ~~الصدور. # ولما كان التقدير: فإن قيل لهم: فما هو؟ أجابه بقوله مسببا عن هذا المقدر ~~علما من أعلام النبوة: {فسيقولون} بوعد لا خلف فيه لأن الناس أعداء ما ~~جهلوا ولأنهم لم يجدوا على ما يدعونه من أنه لو كان خيرا لسبقوا غيرهم إليه ~~دليلا: {هذا} أي الذي سبقتم إليه {إفك} أي شيء مصروف عن وجهه إلى قفاه ~~{قديم *} أفكه غيره وعثر هو عليه فأتى به ونسبه إلى الله. # ولما كان هذا الكلام ساقطا في نفسه لما قام من الأدلة الباهرة # PageV18P140 # على صدق القرآن وكان الوقوف مع المحسوسات غالبا عليهم لعدم نفوذهم في ~~المعقولات، دل على بطلانه لموافقة القرآن لأعظم الكتب القديمة التوراة التي ~~اشتهر أنها من عند الله وأن الآتي بها كلم وقد صدقه الله في الإتيان بها ~~بما لم يأت به قبله من المعجزات والآيات البينات وهم يستفتون أهلها، فقال ~~على وجه التبكيت لهم والتوبيخ: {ومن} أي قالوا ذلك والحال أنه كان في بعض ~~الزمن الذي من {قبله} أي القرآن العظيم الذي حرموا تدبر آياته وحل مشكلاته ms4575 ~~وأعجزهم فصاحته {كتاب موسى} كلم الله وصفوته عليه الصلاة والسلام وهو ~~التوراة التي كلمه الله بها تكليما حال كون كتابه {إماما} أي يستحق أن يؤمه ~~كل من سمع به في أصول الدين مطلقا وفي جميع ما فيه قبل تحريفه ونسخه ~~وتبديله {ورحمة} لما فيه من نعمة الدلالة على الله والبيان الشافي فهبهم ~~طعنوا في هذا القرآن وهم لا يقدرون على الطعن في كتاب موسى الذي قد سلموا ~~لأهله أنهم أهل العلم وجعلوهم حكماء يرضون بقولهم في هذا النبي الكريم، ~~وكتابهم مصادق لكتابهم # PageV18P141 # فقد صاروا بذلك مصدقين بما كذبوا به، ولذلك قال الله تعالى: {وهذا} أي ~~القرآن المبين المبين {كتاب} أي جامع لجميع الخيرات. # ولما أريد تعميم التصديق بجميع الكتب الإلهية والحقوق الشرعية، حذف ~~المتعلق فقال: {مصدق} أي لكتاب موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من الكتب ~~التي تصح نسبتها إلى الله تعالى فإن جميع الكتب التي جاءت به الرسل ناطقة ~~بتوحد الله وأن هذا الكتاب لم يخرج عن هذا فأنى يصح فيما هذا شأنه أن يكون ~~إفكا، إنما الإفك ما كذب كتب الله التي أتت بها أنبياؤه وتوارثها أولياؤه. # ولما كان الكتاب قد تقوم الأدلة على مصادقته لكتب الله ويكون بغير لسان ~~المكذب به فيكون في التكذيب أقل ملامة، احترز عن ذلك بقوله: {لسانا} أي ~~أشير إلى هذا المصدق القريب منكم زمانا ومكانا وفهما حال كونه {عربيا} في ~~أعلى طبقات اللسان العربي مع كونه أسهل الكتب تناولا وأبعدها عن التكليف، ~~ليس هو بحيث يمنعه علوه بفخامة الألفاظ وجلالة المعاني وعلو النظم ورصافة ~~السبك ووجازة # PageV18P142 # العبارة، وظهور المهاني ودقة الإشارة مع سهولة الفهم وقرب المتناول بعد ~~بعد المغزى. # ولما دل على أن الكتاب حق، بين ثمرته فقال: {لينذر} أي أشير إلى الكتاب ~~في هذا الحال لينذر الكتاب بحسن بيانه وعظيم شأنه {الذين ظلموا} سواء كانوا ~~عريقين في الظلم أم لا، فأما العريقون فهو لهم نذري كاملة، فإنهم لا يهتدون ~~كما تقدم، وأما غيرهم فيهتدي بنذارته ويسعد بعبارته وإشارته، وليبشر الذين ~~أحسنوا في ms4576 وقت ما {ما} هو {بشرى} كاملة {للمحسنين *} لا نذارة لهم لا في ~~الدنيا ولا في الآخرة، فالآية من الاحتباك: أثبت أولا {ينذر} و {الذين ~~ظلموا} دلالة على حذف نحوه ثانيا، {وبشرى} و {للمحسنين} ثانيا دلالة على ~~{نذري} {وللظالمين} أولا. # ولما بين حالة المحسنين شرح أمرهم فقال مستأنفا في جواب من سأل عنهم وعن ~~بشراهم: {إن الذين قالوا ربنا} أي خالقنا ومولانا والمحسن إلينا {الله} ~~سبحانه وتعالى لا غيره. ولما كانت الاستقامة - وهي الثبات على كل ما يرضي ~~الله مع ترتبها على التوحيد - عزيزة المنال عليه الرتبة، وكانت في الغالب ~~لا تنال إلا بعد منازلات طويلة ومجاهدات شديدة، أشار إلى كل من بعدها وعلو ~~رتبتها بأداة التراخي فقال: {ثم} أي بعد قولهم ذلك الذي وحدوا به ~~{استقاموا} # PageV18P143 # أي طلبوا القوم طلبا عظيما وأوجدوه. # ولما كان الوصف لرؤوس المؤمنين، عد أعمالهم أسبابا فأخبر عنهم بقوله: ~~{فلا خوف عليهم} أي يعلوهم بغلبة الضرر، ولعله يعبر في مثل هذا بالاسم ~~إشارة إلى أن هيبته بالنظر إلى جلاله وقهره وجبروته وكبره وكماله لا تنتفي، ~~ويحصل للأنسان باستحضارها إخبات وطمأنينة ووقار وسكينة يزيده في نفسه جلالا ~~ورفعة وكمالا، فالمنفي خوف يقلق النفس {ولا هم} في ضمائرهم ولا في ظواهرهم ~~{يحزنون *} أي يتجدد لهم شيء من حزن أصلا. # PageV18P144 # ولما نفى عنهم المحذور، مدهم بإيثار السرور، فقال تعالى: {أولئك} أي ~~العالو الدرجات {أصحاب الجنة} ولما دلت الصحبة على الملازمة، صرح بها بقوله ~~تعالى: {خالدين فيها} خلودا لا آخرا له، جوزوا بذلك {جزاء} ولما كانوا ~~محسنين فكانت أعمالهم في غاية الخلوص جعلها تعالى أسبابا أولا وثانيا، فقال ~~مشيرا إلى دوامها لأنها في جبلاتهم {بما كانوا} أي طبعا وخلقا {يعملون *} ~~على سبيل التجديد المستمر. # ولما تفضل سبحانه وتعالى على الإنسان بعد الأعمال التي هيأه لها وأقدره ~~عليها ووفقه لها أسبابا قرن بالوصية بطاعته - لكونه المبدع - الوصية ~~بالوالدين لكونه تعالى جعله سبب الإيجاد، فقال في هذا السياق # PageV18P144 # الذي عد فيه الأعمال لكونه سياق الإحسان التي أفضلها الصلاة على ميقاتها، ~~وثانيها في ms4577 الرتبة بر الوالدين كما في الصحيح، وفي الترمذي: «رضى الله في ~~رضى الوالدين وسخطه في سخطهما» وعلى هذا المنوال جرت عادة القرآن يوصي ~~بطاعة الوالدين بعد الأمر بعبادته {وإذ أخذ الله ميثاق بني إسرائيل لا ~~تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] {واعبدوا الله ولا تشركوا ~~به شيئا وبالوالدين إحسانا} [النساء: 36] وكذا ما بعدهما عاطفا على ما ~~قدرته أو السورة من نحو أن يقال: وأمرنا الناس أجميعن أن يكونوا بطاعتنا في ~~مهلة الأجل عاملين ولمعصيتنا مجتنبين: {ووصينا الإنسان} أي هذا النوع الذي ~~أنس بنفسه {بوالديه} ولما استوفى {وصى} مفعوليه كان التقدير: ليأتي إليهما ~~حسنا، وقرأ الكوفيون: {إحسانا} وهو أوفق للسياق. # ولما كان حق الأب ظاهرا لا له من الكسب والإنفاق والذب والتأديب لم ~~يذكره، وذكر ما للأم لأن أمده يسير، فربما استهين به فقال مستأنفا أو ~~معللا: {حملته أمه} أي بعد أن وضعه أبوه # PageV18P145 # بمشاركتها في أحشائها، حملا {كرها} بثقل الحبل وأمراضه وأوصابه وأعراضه ~~{ووضعته} أي بعد تمام مدة حمله {كرها} فدل هذا - مع دلالته على وجوب حق ~~الأم - على أن الأمر في تكوينه لله وحده، وذكر أوسط ما للأم من مدة التعب ~~بذكر أقل مدة الحمل وأنهى مدة الرضاع لانضباطها فقال تعالى: {وحمله وفصاله} ~~أي ومدة حمله وغاية فطامه من الرضاع، وعبر بالفصال لإرادة النهاية لأن ~~الفطام قد يكون قبل النهاية لغرض ثم تظهر الحاجة فتعاد الرضاعة {ثلاثون ~~شهرا} فانصرف الفصال إلى الكامل الذي تقدم في البقرة فعرف أن أقل مدة الحمل ~~ستة أشهر، وبه قال الأطباء، وربما أشعر بأن أقل مدة الرضاع سنة وتسعة أشهر ~~لأن أغلب الحمل تسعة أشهر. # ولما كان ما بعد ذلك تارة يشترك في مؤنته الأبوان وتارة ينفرد أحدهما، ~~طوي ذكرهما، وذكر حرف الغاية مقسما للموصي إلى قسمين: مطيع وعاصي، ذاكرا ما ~~لكل من الجزاء بشارة ونذارة، إرشادا إلى أن المعنى: واستمر كلا على أبويه ~~أو أحدهما {حتى إذا بلغ أشده} قال في القاموس: قوته، وهو ما بين ثماني # PageV18P146 # عشرة سنة إلى ثلاثين، واحد جاء ms4578 على بناء الجمع كأنك ولا نظير لهما، أو ~~جمع لا واحد له من لفظه، أو واحده شدة بالكسر مع أن فعلة لا تجمع على أفعل، ~~أو شد ككلب وأكلب أو شد كذئب وأذؤب، وما هما بمسموعين بل قياس - انتهى، وقد ~~مضى في سورة يوسف ما ينفع هنا جدا، وروى الطبراني في ترجمة ابن أحمد بن ~~لبيد البيروتي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الأشد ثلاث وثلاثون ~~سنة، وهو الذي رفع عليه عيسى ابن مريم - قال الهيثمي: وفيه صدقة بن يزيد ~~وثقه أبو زرعة وأبو حاتم وضعفه أحمد وجماعة وبقية رجاله ثقات، قال ~~الزمخشري: وهو أول الأشد وغايته الأربعون. # ولما كانت أيام الصبى والشباب وإن كانت صفوة عمر الإنسان وأوقات لذاذته ~~ومجتمع شمله وراحاته فيها يظهر له سر عمره في الغالب لغلبة الأنفس الخبيثة ~~عليه البهيمية والسبعية لما يحملانه عليه من نتائج الشهوات ونوازع # PageV18P147 # الغضب والبطالات، عبر بما يدل على القحط والشؤم والضيق تنبيها على ذلك، ~~فقال شارحا للاستواء ومعبرا عنه: {وبلغ أربعين سنة} فاجتمع أشده وتم حزمه ~~وجده، وزالت عنه شرة الشباب وطيش الصبا ورعونة الجهل، ولذلك كان هذا السن ~~وقت بعثة الأنبياء، وهو يشعر بأن أوقات الصبى أخف في المؤاخذة مما بعدها ~~وكذا ما بين أول الأشد والأربعين {قال} إن كان محسنا قابلا لوصية ربه: {رب} ~~أي أيها المحسن إلي بالإيجاد وتيسير الأبوين وغيرهما وتسخيره {أوزعني} أي ~~اجعلني أطيق {أن أشكر نعمتك} أي وازعا للشكر أي كافا مرتبطا حتى لا يغلبني ~~في وقت من الأوقات، وذلك الشكر بالتوحيد في العبادة كما أنه يوحد بنعمة ~~الإيجاد والترزيق، ووحدها تعظيما للأمر بالإشارة إلى أن النعمة الواحدة لا ~~يبلغ شكرها إلا بمعونة الله مع أن ذكر الأبوين يعرف أن المراد بها الجنس. # ولما كان ربما ظن ظان أن المراد بنعمته قدرته على الإنعام ليكون المعنى: ~~أن أشكر لك لكونك قادرا على الإنعام، قال: {التي أنعمت علي} # PageV18P148 # أي بالفعل لوجوب ذلك علي لخصوصه بي {وعلى والدي} ولو بمطلق الإيجاد ~~والعافية في ms4579 البدن، لأن النعمة عليهما نعمة علي، وقد مضى في النمل ما يتعين ~~استحضاره هنا. # ولما كان المقصود الأعظم من النعمة الماضية نعمة الإيجاد المراد من شكرها ~~التوحيد، أتبعها تمام الشكر فقال: {وأن أعمل} أي أنا في خاصة نفسي {صالحا} ~~. ولما كان الصالح في نفسه قد يقع الموقع لعدم الإذن فيه قال: {ترضاه} ~~والتنكير إشارة إلى العجز عن بلوغ الغاية فإنه لن يقدر الله حق قدره أحد. # ولما دعا لنفسه بعد أن أوصى برعاية حق أبيه، لقنه سبحانه الدعاء لمن ~~يتفرع منه، حثا على رعاية حقوقهم لئلا يسلطهم على عقوقه فقال: {وأصلح} أي ~~أوقع الإصلاح، وقال: {لي في ذريتي} لأن صلاحهم يلحقه نفعه، والمراد بقصر ~~الفعل وجعلهم ظرفا له أن يكون ثابتا راسخا ساريا فيهم وهم محيطون به ~~فيكونوا صالحين. # ولما استحضر عند كمال العقل في الأربعين أن ما مضى من العمر كان أغلبه ~~ضائعا فدعا، وكان من شرط قبول الدعاء التوبة، علله بقوله: {إني تبت} أي ~~رجعت {إليك} أي عن كل ما يقدح في الإقبال # PageV18P149 # عليك، وأكده إعلاما بأن حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه ~~الإقلاع فينكر إخباره به، وكذا قوله: {وإني من المسلمين *} أي الذين أسلموا ~~ظواهرهم وبواطنهم لك فانقادوا أتم انقياد وأحسنه. # ولما وصف هذا المؤمن بادئا به لكونه في سياق الإحسان، وكان المراد ~~بالإنسان الجنس، قال مادحا له بصيغة الجمع منبها على أن قبول الطاعات مشروط ~~ببر الوالدين لأن ما ظهر دليل ما بطن، ومن لا يشكر من كان من جنسه لا سيما ~~وهو أقرب الناس إليه لا سيما وهو السبب في إيجاده لم يشكر الله كما في ~~الحديث «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» ومن صلح ما بينه وبين الله صلح ما ~~بينه وبين الناس عامة لا سيما الأقارب نسبا أو مكانا لا سيما الوالدين: ~~{أولئك} أي العالو الرتبة {الذين نتقبل} بأسهل وجه {عنهم} وأشار سبحانه ~~بصيغة التفعل إلى أنه عمل في قبوله عمل المعتني، وقرأ حمزة والكسائي وحفص ~~بالنون فيه وفي ms4580 الذي بعده، ويدل على ذلك قوله تعالى: # PageV18P150 # {أحسن} ويجوز أن يراد به مطلق الدعاء أو الطاعات ويكون ما دون الأحسن ~~مقبولا، قبولا مطلقا على مقدار النية فيه، وتكون التعدية بعن إشارة إلى أن ~~جبلاتهم مبنية على الترقي في معارج الكمال في كل وقت إلى غير نهاية، فتكون ~~هذه المحاسن ليست منهم بمعنى أنهم مجبولون على أعلى منها في نهاياتهم ~~والعبرة بالنهايات ولذلك قال تعالى: {ما عملوا} ولم يقل: أعمالهم. ولما كان ~~الإنسان محل النقصان وإن كان محسنا، نبه على ذلك وعلى أن شرط تكفير السيئات ~~التوبة بقوله تعالى: {ونتجاوز} أي بوعد مقبول لا بد من كونه، وهو معنى ~~قراءة حمزة والكسائي بالنون في الفعلين {عن سيئاتهم} أي فلا يعابهم عليها. # ولما كان هذا مفهما لأنهم من أهل الجنة، صرح به زيادة في مدحهم بقوله: ~~{في أصحاب الجنة} أي أنه فعل بهم ذلك وهم في عدادهم لأنهم لم يزالوا فيه ~~لأنهم ما برحوا بعين الرضا. ولما كان هذا وعدا، أكد مضمونه بقوله: {وعد ~~الصدق} لكونه مطابقا # PageV18P151 # للواقع {الذي كانوا} بكون ثابت جدا {يوعدون *} أي يقطع لهم الوعد به في ~~الدنيا ممن لا أصدق منهم، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام. # PageV18P152 # ولما ذكر سبحانه هذا المحسن بادئا به لكون المقام للإحسان، أتبعه المسيء ~~المناسب لمقصود السورة المذكور صريحا في مطلعها فقال تعالى: {والذي قال ~~لوالديه} مع اجتماعهما كافرا لنعمهما نابذا لوصيتنا بهما فكان كافرا بنعمة ~~أعظم منعم محسوس بعد الكفر بنعم أعظم منعم مطلقا، والتثنية مشيرة إلى أنه ~~أغلظ الناس كبدا، لأن العادة جرت بقبول الإنسان كلام أصله ولو كان واحدا، ~~وأن الاجتماع مطلقا له تأثير فكيف إذا كان والدا: {أف} أي تضجر وتقذر ~~واسترذال وتكره مني ولغاتها أربعون - حكاها في القاموس، المتواتر منها عن ~~القراء ثلاث: الكسر بغير تنوين وهو قراءة الجمهور، والمراد به أن المعنى ~~الذي قصده مقترن بسفول ثابت، ومع التنوين وهو قراءة # PageV18P152 # المدنيين وحفص والمراد به أنه سفول عظيم سائر مع الدهر بالغلبة والقهر، ~~والفتح من غير تنوين وهو ms4581 قراءة ابن كثير وابن عامر ويعقوب، والمراد به ~~اقتران المعنى المقصود بالاشتهار بالعلو والانتشار مع الدوام، وقد تقدم في ~~الإسراء عن الحرالي - وهو الحق - أن التأفيف أنهى الأذى وأشده، فإن معناه ~~أن المؤفف به لا خطر له ولا وزن أصلا، ولا يصلح لشيء بل هو عدم بل العدم ~~خير منه مع أنهى القذر. # ولما كان كأنه قيل: لمن هذا التأفيف؟ قال: {لكما} ولما كانا كأنهما قالا ~~له: لم هذا التقذير العظيم بعد الإحسان لا تقدر على جزائنا به، قال مبكتا ~~موبخا منكرا على تقدير كونه وعدا: {أتعدانني} أي على سبيل الاستمرار ~~بالتجديد في كل وقت {أن أخرج} أي من مخرج ما يخرجني من الأرض بعد أن غبت ~~فيها وصرت ترابا أحيى كما كنت أول مرة {وقد} أي والحال أنه قد {خلت} أي ~~تقدمت وسبقت ومضت على # PageV18P153 # سنن الموت {القرون} أي الأجيال الكثيرة من صلابتهم، وأثبت الجار لأن ~~القرن لا ينخرم إلا بعد مدة طويلة، فالانخرام في ذلك غير مستغرق للزمان ~~فقال: {من قبلي} أي قرنا بعد قرن وأمة بعد أمة وتطاولت الأزمان وأغلبهم ~~يكذب بهذا الحديث فأنا مع الأغلب، وتأيد ذلك بأنه لم يرجع أحد منهم {وهما} ~~أي والحال أنهما كلما قال لهما ذلك {يستغيثان الله} أي يطلبان بدعائهما من ~~له جميع الكمال أن يعينهما بإلهامة قبول كلامهما، قائلين لولدهما مجتهدين ~~بالنصيحة له بعد الاجتهاد بالدعاء: {ويلك} كما يقول المشفق إذا زاد به ~~الكرب وبلغ منه الغم، إشارة إلى أنه لم يبق له إن أعرض إلا الويل وهو ~~الهلاك {آمن} أي أوقع الإيمان الذي لا إيمان غيره، وهو الذي ينقذ من كل ~~هلكة، ويوجب كل فوز بالتصديق بالعبث وبكل ما جاء عن الله، ثم عللا أمرهما ~~على هذا الوجه مؤكدين في مقابلة إنكاره فقالا: {إن وعد الله} أي الملك ~~الأعظم المحيط بجميع صفات المهابة والكمال الموصوف بالعزة والحكمة {حق} أي ~~ثابت أعظم ثبات لانه لو لم يكن حقا لكان نقصا من جهة الإخلاف الذي لا يرضاه ~~لنفسه أقل العرب فكيف ms4582 وهو يلزم منه منافاة الحكمة بكون # PageV18P154 # الخلق حينئذ على وجه العبث لأنهم عباد ورعايا لا يعرضون على ملكهم الذي ~~أبدعهم مع علمه بما هم عليه من ظلم بعضهم لبعض وبغي بعضهم على بعض {فيقول} ~~مسببا عن قولهما ومعقبا له: {ما هذا} أي الذي ذكرتماه لي من البعث {إلا ~~أساطير الأولين *} أي خرافات كتبها على وجه الكذب الأولائل وتناقلها منهم ~~الأعمار جيلا بعد جيل فصارت بحيث يظن الضعفاء أنها صحيحة - هذا والعجب كل ~~العجب أنه بتصديقه لا يلزمه فساد على تقدير من التقادير الممكنة، بل يحمله ~~التصديق على محاسن الأعمال ومعالي الأخلاق التي هو مقر بأنها محاسن من لزوم ~~طريق الخير وترك طريق الشر، وتكذيبه يجره إلى المرح والأشر، والطبر وأفعال ~~الشر، ودنايا الأخلاق مع احتمال الهلاك الذي يخوفانه به وهو لا ينفي أنه ~~محتمل وإن استبعده فما دعوه إليه كما ترى لا يأباه عاقل ولكنها عقول كادها ~~باريها. # PageV18P155 # ولما كان هذا الكلام، ومع بلوغ النهاية في حسن الانتظام، وقد حصر الإنسان ~~هذين القسمين مثلا بليغا لكفار العرب ومؤمنيهم، فالأول للمؤمنين التابعين ~~لملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الآتي بها أعظم أنبيائه الكرام محمد ~~عليه أفضل الصلاة والسلام، والثاني للكفار المنابذين لأعظم آبائهم إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام الذي يعرفونه منه نقلا يتوارثونه من آبائهم، وقرآنا ~~معجزا كأنهم سمعوه من خالقهم أنه موحد لله مقر بالبعث محذر من غوائله، وكان ~~قد ابتدأ سبحانه الحديث عنهم بما ذكر مما كفروا فيه المنعمين واستحقوا كلتا ~~السوءتين، خزي الدنيا وعذاب الآخرة، أخبر عنهم بما أنتجه تكذيبهم بموعود ~~ربهم وعقوقهم لوالديهم حقيقة أو تعليما بقوله: {أولئك} أي البعداء من العقل ~~والمروءة وكل خير {الذين حق} أي ثبت ووجب. ولما كان هذا وعيدا، دل عليه ~~بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم القول} أي الكامل في بابه بأنهم أسفل ~~السافلين، وهذا يكذب من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله ~~عنهما، فإنه أسلم وصار من أكابر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فحقت له ~~الجنة. # PageV18P156 # ولما أثبت لهم ms4583 هذه الشنيعة، عرف بكثرة من شاركهم فيها فقال: {في} أي ~~كائنين في {أمم} أي خلائق كانوا بحيث يقصدهم الناس ويتبع بعضهم بعضا {قد ~~خلت} تلك الأمم. ولما كان المحكوم عليه بعض السالفين، أدخل الجار فقال: {من ~~قبلهم} فكانوا قدوتهم {من الجن} بدأ بهم لأن العرب تستعظمهم وتستجير بهم، ~~وذلك لأنهم يتظاهرون لهم يؤذونهم ولم يقطع أذاهم لهم وتسلطهم عليهم ظاهرا ~~وباطنا إلا القرآن، فإنه أحرقهم بأنواره وجلاهم عن تلك البلاد بجلي آثاره ~~{والإنس} وما نفعتهم كثرتهم ولا أغنت عنهم قوتهم، ثم علل حقوق الأمر عليهم ~~أو استأنف بقوله مؤكدا تكذيبا لظن هذا القسم الذي الكلام فيه أن الصواب مع ~~الأكثر: {إنهم} أي كلهم {كانوا} أي جبلة وطبعا وخلقا لا يقدرون على ~~الانفكاك عنه {خاسرين *} أي عريقين في هذا الوصف. # PageV18P157 # ولما قسمهم في الأعمال، جمعهم في العدل والإفضال فقال: {ولكل} أي من ~~فريقي السعداء والبعداء من القبيلتين: الجن # PageV18P157 # والإنس، في الدنيا والآخرة {درجات} أي دركات أي منازل ومراتب متفاضلين ~~فيها {من} أجل {ما عملوا} أو من جوهره ونوعه من الأعمال الصالحة والطالحة. ~~ولما كان التقدير: ليظهر ظهورا بينا أنه سبحانه فاعل بالاختيار بالمفاوته ~~بين العقلاء ويظهر بينا لا وقفة فيه أن الحقائق على غير ما كان يتراءى لهم ~~في الدنيا، فإن حجب المكاره والشهوات كانت ترى الأمور على خلاف ما هي عليه، ~~عطف عليه قوله في قراءة البصريين وعاصم وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه: ~~{وليوفيهم} أي ربهم الذي تقدم إقبال المحسن عليه ودعاؤه له، وقراءة الباقين ~~بالنون أنسب لمطلع السورة ولما يشير إليه من كشف حجب الكبرياء في يوم ~~الفصل. # ولما كان سبحانه يعلم مثاقيل الذر وما دونها وما فوقها ويجعل الجزاء على ~~حسبها في المقدار والشبه والجنس والنوع والشخص حتى يكاد يظن العامل أن ~~الجزاء هو العمل قال: {أعمالهم} أي جزاءها من خير وشر وجنة ونار - وهذا ~~ظاهر، أو نص في أن الجن يثابون بالإحسان كما يعاقبون بالعصيان، وسورة ~~الرحمن كلها خطاب للثقلين # PageV18P158 # بالثواب لأهل الطاعة، والعقاب لأهل المعصية ms4584 من كل من القبيلتين؛ كما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه، ويجزى مطيعهم بالثواب كما يجازى عاصيهم ~~بالعقاب - قاله مالك وابن أبي ليلى والضحاك وغيرهم كما نقله البغوي {وهم} ~~أي والحال أنهم {لا يظلمون *} أي لا يتجدد لهم شىء من ظالم ما من ظلم في ~~جزاء أعمالهم بزيادة في عقاب أو نقص من ثواب، بل الرحمانية كما كانت لهم في ~~الدنيا فهي لهم في الآخرة فلا يظلم ربك أحدا بأن يعذبه فوق ما يستحقه من ~~العقاب، أو ينقصه عما يستأهل من الثواب. # ولما كان الظاهر في هذه السورة الإنذار كما يشهد به مطلعها، قال ذاكرا ~~بعض ما يبكت به المجرمون يوم البعث الذي كانوا به يكذبون ويكون فيه توفية ~~جزاء الأعمال، عاطفا على ما تقديره: اذكر لهم هذا لعلهم يأنفون أن يكونوا ~~المسيئين فيكونوا من المحسنين: {ويوم} أي واذكر لهم يوم يعرضون - هكذا كان ~~الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي أوجب لهم الجزاء إشارة إلى أن الأمر كان ظاهرا ~~لهم ولكنهم ستروا، أنوار عقولهم فقال: {يعرض الذين كفروا} أي من الفريقين ~~المذكورين {على النار} أي يصلون لهبها ويقلبون فيها كما يعرض اللحم الذي ~~يشوى، مقولا لهم على سبيل التنديم والتقريع والتوبيخ والتشنيع # PageV18P159 # لأنهم لم يذكروا الله حق ذكره عند شهواتهم بل نالوها مع مخالفة أمره ~~سبحانه ونهيه: {أذهبتم} في قراءة نافع وأبي عمرو والكوفيين بالإخبار، ~~وقراءة الباقين بالاستفهام لزيادة الإنكار والتوبيخ {طيباتكم} أي لذاتكم ~~باتباعكم الشهوات {في حياتكم} ونفر منها بقوله تعالى: {الدنيا} أي القريبة ~~الدنية المؤذن وصفها لمن يعقل بحياة أخرى بعدها، فكان سعيكم في حركاتكم ~~وسكناتكم لأجلها حتى نلتموها {واستمتعتم} أي طلبتم وأوجدتم انتفاعكم {بها} ~~وجعلتموها غاية حظكم في رفعتكم ونعمتكم. # ولما كان ذلك استهانة بالأوامر والنواهي للاستهانة بيوم الجزاء، سبب عنه ~~قوله تعالى: {فاليوم تجزون} أي على إعراضكم عنا بجزاء من لا تقدرون التقصي ~~من جزائه بأيسر أمر منه {عذاب الهون} أي الهوان العظيم المجتمع الشديد الذي ~~فيه ذلك وخزي {بما كنتم} جبلة وطبعا {تستكبرون} أي تطلبون الترفع ms4585 وتوجدونه ~~على الاستمرار {في الأرض} التي هي لكونها ترابا وموضوعة على الزوال ~~والخراب، # PageV18P160 # أحق شيء بالتواضع والذل والهوان. ولما كان الاستكبار يكون بالحق لكونه ~~على الظالمين فيكون ممدوحا، قيده بقوله: {بغير الحق} أي الأمر الذي يطابقه ~~الواقع وهو أوامرنا ونواهينا، ودل بأداة الكمال على أنه لا يعاقب على ~~الاستكبار مع الشبهة {وبما كنتم} على الاستمرار {تفسقون *} أي تجددون ~~الخروج عن محيط الطاعة الذي تدعو إليه الفطرة الأولى العقل إلى نوازع ~~المعاصي. # ولما هددهم سبحانه بالأمور الأخروية، وستر الأمر بالتذكير بها لكونها ~~مستورة وهم بها يكذبون في قوله «ويوم» ، وختم بالعذاب على الاستكبار ~~المذموم والفسق، عطف عليه تهديهم بالأمور المحسوسة لأنهم متقيدون بها مصرحا ~~بالأمر بالذكر فقال تعالى: {واذكر} أي لهؤلاء الذين لا يتعظون بمحط الحكمة ~~الذي لا يخفى على ذي لب، وهو البعث. ولما كان أقعد ما يهددون به في هذه ~~السورة وأنسبه لمقصودها عاد لكونهم أقوى الناس أبدانا وأعتاهم رقابا وأشدهم ~~قلوبا وأوسعهم ملكا وأعظمهم استكبارا بحيث كانوا يقولون {من أشد منا قوة} ~~وبنوا البنيان الذي يفني الدهر ولا يفنى، فلا يعمله إلا من نسي الموت أو ~~رجا الخلود واصطنعوا جنة على وجه الأرض لأن ملكهم # PageV18P161 # عمها كلها مع قرب بلادهم لكونها في بلاد العرب من قريش ومعرفتهم بأخبارهم ~~ورؤيتهم لديارهم وكون عذابهم نشأ من بلدهم بدعاء من دعا منهم، ذكر أمرهم ~~على وجه دل على مقصود السورة، وعبر بالأخوة تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~لأن فظيعة القوم لمن هو منهم ويعلمون مناقبه ومفاخره أنكأ فقال: {أخا عاد} ~~وهو أخو هود عليه الصلاة والسلام الذي كان بين قوم لا يعشرهم قومك في قوة ~~ولا مكنة، وصدعهم مع ذلك بمر الحق وبادأهم بأمر الله، لم يخف عاقبتهم ~~ونجيته منهم، فهو لك قدوة وفيه أسوة، ولقومك في قصدهم إياك بالأذى من أمره ~~موعظة. # ولما ذكره عليه الصلاة والسلام لمثل هذه المقاصد الجليلة، أبدل منه قصته ~~زيادة في البيان، فقال مبينا أن الإنذار هو المقصد الأعظم من الرسالة: {إذ} ~~أي حين ms4586 {أنذر قومه} أي الذين لهم قوة زائدة على القيام فيما يحاولونه ~~{بالأحقاف} قال الأصبهاني: قال ابن عباس: واد بين عمان ومهرة، قال: وقال ~~مقاتل: كانت منازل # PageV18P162 # عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له مهرة، إليه ينسب الإبل المهرية، ~~وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا ~~من قبيلة إرم. # وقال قتادة: كانوا مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشجر، والأحقاف جمع ~~حقف بالكسر، وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء، وقال ابن زيد: هو ما استطال ~~من الرمل كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلا، وقال في القاموس: وهو الرمل ~~العظيم المستدير، وأصل الرمل، واحقوقف الرمل والظهر والهلال: طال واعوج. ~~ومن الأمر الجلي أن هذه الهيئة لا تكون في بلاد الريح بها غالبة شديدة لأنه ~~لو كان ذلك انسف الجبل نسفا بخلاف بلاد الجبال كمكة المشرفة، فإن الريح ~~تكون بها غاية في الشدة لأنها إما أن تصك الجبل فتنعكس راجعة بقوة شديدة، ~~أو يكون هناك جبال فتراد بينها أو تنضغط فتخرج مما تجد من الفروج على هيئة ~~مزعجة فينبغي أن يكون أهل الجبال أشد من ذلك حذرا. # ولما ذكر النذير والمنذرين ومكانهم لما ذكر من المقاصد، ذكر # PageV18P163 # أنهم أعرضوا عنه ولم يكن بدعا من الرسل ولا كان قومه جاهلين بأحوالهم، ~~فاستحقوا العذاب تحذيرا من مثل حالهم، فقال: {وقد} أي والحال أنه قد {خلت} ~~أي مرت ومضت وماتت {النذر} أي الرسل الكثيرون الذين محط أمرهم الإنذار. # ولما لم يكن إرسالهم بالفعل مستغرقا لجميع الأزمنة، أدخل الجار فقال: {من ~~بين يديه} أي قبله كنوح وشيث وآدم عليه الصلاة والسلام فما كان بدعا منها ~~{ومن خلفه} أي الذين أتوا من بعده فما كنت أنت بدعا منهم. ولما أشار إلى ~~كثرة الرسل، ذكر وحدتهم في أصل الدعاء، فقال مفسرا للإنذار معبرا بالنهي: ~~{ألا تعبدوا} أي أيها العباد المنذرون، بوجه من الوجوه، شيئا من الأشياء ~~{إلا الله} الملك الذي لا ملك غيره ولا خالق سواه ولا منعم إلا هو، فإني ~~أراكم ms4587 تشركون به من لم يشركه في شيء من تدبيركم، والملك لا يقر على مثل ~~هذا. # ولما أمرهم ونهاهم، علل ذلك فقال محذرا لهم من العذاب مؤكدا لما لهم من ~~الإنكار لاعتمادهم على قوة أبدانهم وعظيم شأنهم: {إني أخاف عليكم} لكونكم ~~قومي وأعز الناس علي {عذاب يوم عظيم *} لا يدع جهة إلا ملأها عذابه، إن ~~أصررتم على ما أنتم فيه من الشرك. # PageV18P164 # ولما تشوف السامع إلى جوابهم عن هذه الحكمة، أجيب بقوله تعالى: {قالوا} ~~أي منكرين عليه: {أجئتنا} أي يا هود {لتأفكنا} أي تصرفنا عن وجه أمرنا إلى ~~قفاه {عن آلهتنا} فلا نعبدها ولا نعتد بها. ولما كان معنى الإنكار النفي، ~~فكان المعنى: إنا لا ننصرف عنها، سببوا عنه قولهم {فأتنا بما تعدنا} سموا ~~الوعيد وعدا استهزاء به. ولما كان ذلك معناه تكذيبه، زادوه وضوحا بقولهم ~~معبرين بأداة الشك إشارة إلى أن صدقه في ذلك من فرض المحال: {إن كنت} أي ~~كما يقال عنك. كونا ثابتا {من الصادقين *} في أنك رسول من الله وأنه يأتينا ~~بما تخافه علينا من العذاب إن أصررنا. ولما تضمن قولهم هذا نسبة داعيهم ~~عليه الصلاة والسلام إلى ما لا دلالة لكلامه عليه بوجه، وهو ادعاء العلم ~~بعذابهم والقدرة عليه وتكذبيه في كل منهما اللازم منه أمنهم اللازم منه ~~ادعاؤهم العلم بأنهم لا يعذبون، وكانوا كاذبين في جميع ذلك كان كأنه قيل: # PageV18P165 # بم أجابهم؟ فقيل: {قال} مصدقا لهم في سلب علمه بذلك وقدرته عليه، مكذبا ~~لهم في نسبتهم إليه ادعاء شيء منهما وإلى أنفسهم بأنه لا يقع: {إنما العلم} ~~أي المحيط بكل شيء عذابكم وغيره {عند الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال، ~~فهو ينزل علم ما توعدون على من يشاء إن شاء ولا علم لي الآن ولا لكم بشيء ~~من ذلك ولا قدرة. # ولما كان العلم المحيط يستلزم القدرة، فكان التقدير: فليست القدرة على ~~الإتيان بعذابكم إلا له سبحانه وتعالى لا لي ولا لغيري، وليس علي إلا ~~البلاغ كما أوحى إلي ربي بقوله سبحانه {إن عليك إلا ms4588 البلاغ} [الشورى: 48] ~~وقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم من الوعظ بأن أعمالكم أعمال من قد أعرض عن ~~سيده وعرض نفسه للهلاك والعذاب بإشراكه بالمحسن المطلق من لا يكافئه بوجه ~~فهو بحيث يخشى عليه الأخذ، عطف عليه قوله: {وأبلغكم} أي أيضا في الحال ~~والاستقبال {ما أرسلت} أي ممن لا مرسل في الحقيقة غيره، فإنه يقدر على نصر ~~رسوله {به} # PageV18P166 # أي من التوحيد وغيره، سواء كان وعدا أو وعيدا أو غيرهما لو لم يذكر ~~الغاية لأن ما أرسل به صالح لهم ولغيرهم. # ولما كان معنى الإخبار بالإبلاغ أنه ليس علي إلا ذلك، وكان معنى قصر ~~العلم المطلق على الله تصديقهم في نفي علمه عليه الصلاة والسلام بذلك، حسن ~~قوله مستدركا علمه بجهلهم: {ولكني أراكم} أي أعلمكم علما هو كالرؤية {قوما} ~~غلاظا شدادا عاسين {تجهلون *} أي بكم مع ذلك صفة الجهل، وهو الغلظة في غير ~~موضعها مع قلة العلم، تجددون لك على سبيل الاستمرار بسبب أنكم تفعلون ~~بإشراككم بالمحسن المطلق وهو الملك الأعظم من لا إحسان له بوجه أفعال من ~~يستحق العذاب ثم لا تجوزون وقوعه وتكذبون من ينبهكم على أن ذلك أمر يحق أن ~~يحترز منه، وتنسبونه إلى غير ما أرسل له من الإنذار من ادعاء القدرة على ~~العذاب ونحوه. # ولما تسبب عن قولهم هذا إتيان العذاب فأتاهم في سحاب أسود، استمروا على ~~جهلهم وعادتهم في الأمن وعدم تجويز # PageV18P167 # الانتقام، وكأن إتيانه كان قريبا من استعجالهم به، فلذلك أتى بالفاء في ~~قوله مسببا عن تكذيبهم مبينا لعظيم جهلهم بجهلهم في المحسوسات، مفصلا لما ~~كان من حالهم عند رؤية البأس: {فلما رأوه} أي العذاب الذي يعدهم به {عارضا} ~~أي سحابا أسود بارزا في الأفق ظاهر الأمر عند من له أهلية النظر، حال كونه ~~قاصدا إليهم {مستقبل أوديتهم} أي طالبا لأن يكون مقابلا لها وموجدا لذلك، ~~وهو وصف لعارضا فهو نكرة إضافته لفظية وإن كان مضافا إلى معرفة، وكذا ~~«ممطرنا» {قالوا} علىعادة جهلهم مشيرين إليه بأداة القرب الدالة على أنهم ~~في غاية الجهل، لأن ms4589 جهلهم به استمر حتى كاد أن يواقعهم: {هذا عارض} أي سحاب ~~معترض في عرض السماء أي ناحيتها {ممطرنا} لكونهم رأوه أسود مرتادا فظنوه ~~ممتلئا ماء يغاثون به بعد طول القحط وإرسال رسلهم إلى مكة المشرفة ليدعوا ~~لهم هنالك الله الذي استخفوا به بالقدح في ملكه بأن أشركوا به من هو دونهم، ~~علما منهم بأن شركاءهم لا تغني عنهم في الإمطار شيئا، غافلين عن ذنوبهم ~~الموجبة لعذابهم، فلذلك قال الله تعالى مضربا عن كلامهم، والظاهر أنه حكاية # PageV18P168 # لقول هود عليه الصلاة والسلام في جواب كلامهم: {بل هو} أي هذا العارض ~~الذي ترونه {ما استعجلتم به} أي طلتم العجلة في إتيانه إليكم من العذاب. # ولما اشتد تشوف السامع إلى معرفته قال: {ريح} أي ركمت هذا السحاب الذي ~~رأيتموه {فيها عذاب أليم *} أي شديد الإيلام، كانت تحمل الظعينة في الجو ~~تحملها وهودجها حى ترى كأنها جرادة، وكانوا يرون ما كان خارجا عن منازلهم ~~من الناس والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض ثم تقذف بهم {تدمر} أي ~~تهلك إهلاكا عظيما شديدا سريعا تأتي بغتة على طريق الهجوم {كل شيء} أي أتت ~~عليه، هذا شأنها فمن سلم منها كهود عليه الصلاة والسلام ومن آمن به رضي ~~الله عنهم فسلامته أمر خارق للعادة كما أن أمرها في إهلاك كل ما مرت عليه ~~أمر خارق للعادة، والجملتان يحتمل أن تكونا وصفا لريح ويحتمل وهو أعذب وأهز ~~للنفس وأعجب أن تكونا استئنافا، ولما كان ربما ظن ظان أنها مؤثرة بنفسها ~~قال: # PageV18P169 # {بأمر ربها} أي المبدع لها والمربي والمحسن بالانتقام بها من أعدائه. # ولما ذكرها بهذا الذكر الهائل، وكان التقدير: جاءتهم فدمرتهم لم تترك ~~منهم أحدا، سبب عن ذلك زيادة في التهويل قوله: {فأصبحوا} ولما اشتد إصغاء ~~السامع إلى كيفية إصباحهم، قال مترجما لهلاكهم: {لا ترى} أي أيها الرائي، ~~فلما عظمت روعة القلب وهول النفس قال تعالى: {إلا مساكنهم} أي جزاء على ~~إجرامهم، فانطبقت العبارة على المعنى، وعلم أن المراد بالإصباح مطلق الكون، ~~ولكنه عبر به لأن المصيبة ms4590 فيه أعظم، وعلم أنه لم يبق من المكذبين ديار ولا ~~نافخ نار، وهذا كناية عن عموم الهلاك لهم سواء كان الرمل دفنهم أو على وجه ~~الأرض مرتبين كما في الآية الأخرى # {فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية} [الحاقة: 7] وروي أن هودا ~~عليه الصلاة والسلام لما أحس بالريح اعتزل بمن آمن معه في حظيرة فأمالت ~~الريح على الكفرة الأحقاف التي كانت مجتمعهم إذا تحدثوا ومحل بسطهم إذا ~~لعبوا، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، ثم كشفت عنهم فاحتملتهم ~~فقذفتهم في البحر وكذا أهلكت مواشيهم وكل شيء لهم فيه روح ولم يصب هودا # PageV18P170 # عليه الصلاة والسلام ومن معه رضي الله عنهم منها إلا ما لين أبشارهم ونعش ~~أرواحهم، والآية على هذا على حقيقتها في أنه لم يصبح الصباح ومنهم أحد يرى. # ولما طارت لهذا الهول الأفئدة واندهشت الألباب، قال تعالى منبها على زبدة ~~المراد بطريق الاستئناف: {كذلك} أي مثل هذا الجزاء الهائل في أصله أو جنسه ~~أو نوعه أو شخصه من الإهلاك {نجزي} بعظمتنا دائما إذا شئنا {القوم} وإن ~~كانوا أقوى ما يكون {المجرمين *} أي العريقين في الإجرام الذين يقطعون ما ~~حقه الوصل فيصلون ما حقه القطع، وذلك الجزاء هو الإهلاك على هذا الوجه ~~الشنيع، فاحذروا أيها العرب مثل ذلك إن لم ترجعوا. # PageV18P171 # ولما كان هذا محلا يتوقع فيه الإخبار عن حال مكنتهم ليعلم هل تركوا الدفع ~~لمانع فيهم أو لأن ما أتاهم بحيث لا يمكن لأحد دفاعه، قال ذاكرا حرف التوقع ~~مخوفا للعرب مقسما لأن قريشا قد قال قائلهم: إنهم يدفعون العذاب بدفع ~~الزبانية، ونحوها: {ولقد} أي فعل بهم ذلك والحال أنا وعزتنا قد {مكناهم} ~~تمكينا تظهر به عظمتنا # PageV18P171 # {فيما إن} أي الذي ما {مكناكم فيه} من قوة الأبدان وكثرة الأموال وغيرها، ~~وجعل النافي «أن» لأنها أبلغ من «ما» لأن «ما» تنفي تمام الفوت لتركبها من ~~الميم والألف التي حقيقة إدراكها فوت تمام الإدراك و «أن» تنفي أدنى مظاهر ~~مدخولها فكيف بما وراءه من تمامه لأن الهمزة أول مظهر ms4591 لفوت الألف والنون ~~لمطلق الإظهار - هذا إلى ما في ذلك من عذوبة اللفظ وصونه عن ثقل التكرار ~~إلى غير ذلك من بدائع الأسرار. # ولما كانت قريش تفتخر بعقولها فربما ظنت أنها في العقل ومقدماته من ~~الحواس أمكن منهم، وأنهم ما أتى عليهم إلا من عدم فهمهم، قال تعالى: ~~{وجعلنا} أي جعلا يليق بما «زدناهم عليكم» من المكنة على ما اقتضته عظمتنا ~~{لهم سمعا} بدأ به لأن المقام للإنذار المنبه بحاسة السمع على ما في الآيات ~~المرئيات من المواعظ، فهو أنفع لأنه أوضح، ووحده لقلة التفاوت فيه ~~{وأبصارا} أي منبهة على ما في الآيات المرئيات من مطابقة واقعها لأخبار ~~السمع، # PageV18P172 # وجمع لكثرة التفاوت في أنوار الأبصار، وكذا في قوله: {وأفئدة} أي قلوبا ~~ليعرفوا بها الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه ويشكروا من وهبها لهم، وختم بها ~~لأنها الغاية التي ليس بعد الإدراك منتهى ولا وراءها مرمى، وعبر بما هو من ~~التفود وهو التجرد إشارة إلى أنها في غاية الذكاء {فما أغنى عنهم} في حال ~~إرسالنا إليهم الرحمة على لسان نبينا هود عليه الصلاة والسلام ثم النقمة ~~بيد الريح {سمعهم} وأكد النفي بتكرير النافي فقال: {ولا أبصارهم} وكذا في ~~قوله: {ولا أفئدتهم} أي لما أردنا إهلاكهم، وأكد بإثبات الجار فقال: {من ~~شيء} أي من الإغناء، وإن قل لا في دفع العذاب، ولا في معرفة الصواب، بل ~~صرفوا ما وهبنا لهم من القوى فيما لا ينبعي تعليق الهمم به من أمور الدنيا ~~حتى فاقوا في ذلك الأمم وعملوا أعمال من تخلد كما قيل: # والخلد قد حاولت ... عاد فما خلدوا # ولما ذكر نفي الإغناء، ذكر ظرفه على وجه يفهم التعليل، فإنه إذا ذكر ~~الانتقام في وقت فعل الشيء علم أن علته فعل ذلك الشيء فقال: # PageV18P173 # {إذ كانوا} أي طبعا لهم وخلقا {يجحدون} أي يكررون على مر الزمان الجحد ~~{بآيات الله} أي الإنكار لما يعرف من دلائل الملك الأعظم {وحاق} أي أحاط ~~على جهة الإحراق والعظم بأمور لا يدري وجه المخلص منها {بهم ما} أي عقاب ~~الذي ms4592 {كانوا} على جهة الدوام لكونه خلقا لهم {به يستهزءون *} أي يوجدونه ~~على سبيل الاستمرار إيجاد من هو طالب له عاشق فيه. # ولما تم المراد من الإخبار بهلاكهم على ما لهم من المكنة العظيمة ليتعظ ~~بهم من سمع أمرهم، أتبعهم من كان مشاركا لهم في التكذيب فشاركهم في الهلاك، ~~فقال مكررا لتخويفهم دالا على إحاطة قدرته بإحاطة علمه: {ولقد أهلكنا} بما ~~لنا من العظمة والقدرة المحيطتين الماضيتين بكل ما نريد {ما حولكم} أي يا ~~أهل مكة {من القرى} كأهل الحجر وسبا ومدين والأيكة وقوم لوط وفرعون وأصحاب ~~الرس وثمود وغيرهم ممن فيهم معتبر. ولما كان الموعوظ به الإهلاك ذكر مقدما، ~~فتشوف السامع إلى السؤال عن حالهم في الآيات، فقال # PageV18P174 # عاطفا بالواو التي لا يمنع معطوفها التقدم على ما عطف عليه: {وصرفنا ~~الآيات} أي حولنا الحجج البينات وكررناها موصلة مفصلة مزينة محسنة على وجوه ~~شتى من الدلالات، خالصة عن كل شبهة. # ولما كان تصريف الآيات لا يخص أحدا بعينه، بل هو لكل من رآه أو سمع به لم ~~يقيدها بهم وذكر العلة الشاملة لغيرهم فقال: {لعلهم} أي الكفار {يرجعون *} ~~أي ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية الآيات حال من يرجع عن الغي الذي كان ~~يركبه لتقليد أو شبهة كشفته الآيات وفضحته الدلالات فلم يرجعوا، فكان عدم ~~رجوعهم سبب إهلاكنا لهم. # ولما كانوا قد جعلوا محط حالهم في الشركاء أنهم سبب التواصل بينهم ~~والتفاوت، وادعوا أنهم يشفعون فيهم فيقربونهم إلى الله زلفى ويمنعونهم من ~~العذاب في الآخرة، وكان أدنى الأمور التسوية بينه # PageV18P175 # وبين عذاب الدنيا، سبب عن أخباره عن إهلاك الأمم الماضية قوله مقدما ~~للعلة التي جعلها محط نظرهم منكرا عليهم موبخا لهم: {فلولا} أي فهل لا ولم ~~لا {نصرهم} أي هؤلاء المهلكين {الذين اتخذوا} أي اجتهدوا في صرف أنفسهم عن ~~دواعي العقل والفطر الأولى حتى أخذوا، وأشار إلى قلة عقولهم ببيان سفولهم ~~فقال: {من دون الله} أي الملك الذي هو أعظم من كل عظيم {قربانا} أي لأجل ~~القربة التقريب العظيم يتقربون ms4593 إليها ويزعمون أنها تقربهم إلى الله {آلهة} ~~أشركوهم مع الملك الأعظم لأجل ذلك - قاتلهم الله وأخزاهم. # ولما كان التخصيص يفهم أنهم ما نصروهم، أضرب عنه فقال: {بل ضلوا} أي ~~غابوا وعموا عن الطريق الأقوم وبعدوا {عنهم} وقت بروك النقمة وقروع المثلة ~~حسا ومعنى. ولما كان التقدير: فذلك الاتخاذ الذي أدتهم إليه عقولهم السافل ~~جدا البعيد من الصواب كان الموصل إلى مآلهم هذا، عطف عليه قوله: {وذلك} أي ~~الضلال البعيد من السداد الذي تحصل من هذه القصة من إخلاف ما كانوا يقولون: ~~إن أوثانهم آلهة، وإنها تضر وتنفع وتقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده {إفكهم} ~~أي صرفهم الأمور عن وجهها إلى أقفائها، ويجوز أن تكون الإشارة إلى العذاب، ~~أي وهذا العذاب # PageV18P176 # جزاؤهم في مقابلة إفكهم {وما كانوا} أي على وجه الدوام لكونه في طباعهم ~~{يفترون *} أي يتعمدون كذبه لأن إصرارهم عليه بعد مجيء الآيات لا يكون إلا ~~لذلك لأن من نظر فيها مجردا نفسه عن الهوى اهتدى. # ولما كان ما ذكر من البعد من الإيمان مع تصريف العظات والعبر والآيات ~~يكاد أن يؤنس السامع من إيمان هؤلاء المدعوين، قربه دلالة على عزته وحكمته ~~بالتذكير بالإيمان من هم أعلى منهم عتوا وأشد نفرة وأبعد إجابة وأخفى شخصا، ~~فقال جوابا عما وقع له صلى الله عليه وسلم في عرض نفسه الشريفة على القبائل ~~وإبعادهم عنه لا سيما أهل الطائف، دالا على تمام القدرة بشارة للمنزل عليه ~~صلى الله عليه وسلم وتوبيخا لما تأخر عن إجابته من قومه عاطفا على ما ~~تقديره: اذكر هذه الأخبار: {وإذ} أي واذكر حين {صرفنا إليك} أي وجهنا ~~توجيها خالصا حسنا متقنا فيه ميل إليك وإقبال عليك، وإعراض عن غيرك، بوادي ~~نخلة عند انصرافك من الطائف حين عرضت نفسك الشريفة عليهم بعد موت النصيرين ~~فردوك # PageV18P177 # ردا تكاد تنشق منه المرائر، وتسل من تذكاره النواظر. # ولما كان استعطاف من جبل على النفرة وإظهار من بني على الاجتنان أعظم في ~~النعمة، عبر بما يدل على ذلك فقال: {نفرا} وهو اسم يطلق ms4594 على ما دون العشرة، ~~وهو المراد هنا، ويطلق على الناس كلهم، وحسن التعبير به أن هؤلاء لما خصوا ~~بشرف السبق وحسن المتابعة كانوا كأنهم هم النفر لا غيرهم {من الجن} من أهل ~~نصيبين من الناحية التي منها عداس الذي جبرناك به في الطائف بما شهد به ~~لسيديه عتبة وشيبة ابني ربيعة أنك خير أهل الأرض مع أنه ليس لهؤلاء النفر ~~من جبلاتهم إلا النفرة والاجتنان وهو الاختفاء والستر فجعلناهم ألفين لك ~~ظاهرين عندك لتبلغهم ما أرسلناك به فإنا أرسلناك إلى جميع الخلائق، وهذا ~~جبر لك وبشارة بإيمان النافرين من الإنس كما أيدناك منهم بعد نفرة أهل ~~الطائف بعداس، ثم وصفهم بقوله: {يستمعون القرآن} أي يطلبون سماع الذكر ~~الجامع لكل خير، الفارق بين كل ملبس وأنت في صلاة الفجر في نخلة تصلي ~~بأصحابك، ودل # PageV18P178 # على قرب زمن الصرف من زمن الحضور بتعبيره سبحانه بالفاء في قوله تعالى ~~مفصلا لحالهم: {فلما حضروه} أي صاروا بحيث يسمعونه {قالوا} أي قال بعضهم ~~ورضي الآخرون: {أنصتوا} أي اسكتوا وميلوا بكلياتكم واستمعوا حفظا للأدب على ~~بساط الخدمة، وفيه تأدب مع العلم في تعلمه وأيضا مع معلمه، قال القشيري: ~~فأهل الحضور صفتهم الذبول والسكون والهيبة والوقار، والثوران والانزعاج يدل ~~على غيبة أو قلة تيفظ ونقصان من الاطلاع، ودل على أن ما استمعوه كان يسيرا ~~وزمنه قصيرا، وعلى تفصيل حالهم بعد انقضائه بالفاء في قوله تعالى: {فلما} ~~أي فأنصتوا فحين {قضي} أي حصل الفراغ من قراءته الدالة على عظمته من أي ~~قارئ كان {ولوا} أي أوقعوا # PageV18P179 # التولية - أي القرب - بتوجيه الوجوه والهمم والعزائم {إلى قومهم} الذين ~~فيهم قوة القيام بما يحاولونه، ودل على حسن تقبلهم لما سمعوه ورسوخهم في ~~اعتقاده بقوله تعالى: {منذرين *} أي مخوفين لهم ومحذرين عواقب الضلال بأمر ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: جعلهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم. # PageV18P180 # ولما كان كأنه قيل: ما قالوا لهم في إنذارهم؟ قيل: {قالوا} أي لقومهم حين ~~أقبلوا ms4595 عليهم: {يا قومنا} مترققين لهم ومشفقين بهم بذكر ما يدل على أنهم ~~منهم يهمهم ما يهمهم ويكربهم ما يكربهم كما قيل: # وإن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك # ولما كانوا - بنزول ما في أسفار الأنبياء من بني إسرائيل والزبور ~~والإنجيل خالية من الأحكام والحدود إلا يسيرا من ذلك في الإنجيل - قاطعين ~~أو كالقاطعين بأنه لا ينزل كتاب يناظر التوراة في الأحكام والحدود # PageV18P180 # وغيرها، فكان قومهم ربما توقفوا في الإخبار بإنزال ما هو أشرف من ذلك، ~~أكدوا قولهم: {إنا سمعنا} أي بيننا وبين القارئ واسطة، وأشاروا إلى أنه لم ~~ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه، مغن عن جميع الكتب غير هذا، ~~وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع فقالوا على سبيل التبيين لما سمعوا: ~~{كتابا} أي ذكرا جامعا، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل {أنزل} أي ~~ممن لا منزل في الحقيقة غيره، وهو مالك الملك وملك الملوك لأن عليه من رونق ~~الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه بأنه منها فكيف إذا انضم إلى ذلك ~~الإعجاز، وعلموا قطعا بعربيته أنه عربي وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ~~ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه من الحكم والخطب والكهانة ~~والرسائل والأشعار، وبأنه مباين لجميع ذلك أنه قريب العهد بالنزول من محل ~~العظمة، فقالوا مثبتين للجار: {من بعد موسى} عليه الصلاة والسلام، فلم ~~يعتدوا بما أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة من الإنجيل وما قبله، لأنه لا ~~يساوي التوراة في الجمع، ولا يعشر هذا الكتاب في الأحكام والحكم واللطائف ~~والمواعظ مع ما زاد # PageV18P181 # به من الإعجاز وغيره. # ولما أخبروا بأنه منزل، أتبعوه ما يشهد له بالصحة فقالوا: {مصدقا لم بين ~~يديه} أي من جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله؛ ثم بينوا تصديقه ~~بقولهم: {يهدي إلى الحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا يقدر أحد ~~على إزالة شيء مما يخبر به، الكامل في جميع ذلك {وإلى طريق} موصل إلى ~~المقصود الأعظم وهو الإيمان بمنزله {مستقيم *} فهو يوصل بغاية ms4596 ما يمكن من ~~السرعة، لا يمكن أن يكون فيه عوج، فيقدر السالك فيه على أن يختصر طريقا ~~يكون وترا لما تقوس منه. # ولما أخبروهم بالكتاب وبينوا أنه من عند الله وأنه أقرب موصل إليه، فكان ~~قومهم جديرين بأن يقولوا: فما الذي ينبغي أن نفعل؟ أجابوهم بقوله: {يا ~~قومنا} الذين لهم قوة العلم والعمل {أجيبوا داعي الله} أي الملك الأعظم ~~المحيط بصفات الجلال والجمال والكمال، فإن دعوة هذا الداعي عامة لجميع ~~الخلق، فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره. # ولما كنا المجيب قد يجيب في شيء دون شيء كما كان أبو طالب عم النبي صلى ~~الله عليه وسلم، عطفوا في خطابهم لهم في الدعوة أن قالوا: {وآمنوا به} أي ~~أوقعوا التصديق بسبب الداعي لا بسبب آخر، فإن # PageV18P182 # المفعول معه مفعول مع من أرسله وهو الله الذي جلت قدرته وآمنوه من كل ~~تكذيب، أو الضمير للمضاف إليه وهو الله بدليل قولهم: {يغفر لكم} : فإنه ~~يستر ويسامح {من ذنوبكم} أي الشرك وما شابهه مما هو حق لله تعالى أي وذلك ~~الستر لا يكون إلا إذا حصل منكم الإجابة التامة والتصديق التام وأدخلوا ~~«من» إعلاما بأن مظالم العباد لا تغفر إلا بإرضاء أهلها وكذا ما يجازى به ~~صاحبه في الدنيا بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها مما أشار إيه قوله ~~تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] ~~{ويجركم} أي يمنعكم «إذا أجبتم» منع الجار لجاره لكونكم بالتحيز إلى داعيه ~~صرتم من حزبه {من عذاب أليم *} واقتصارهم على المغفرة تذكير بذنوبهم لأن ~~مقصودهم الإنذار لا ينافي صريح قوله ي هذه السورة {ولكل درجات مما عملوا} ~~[الأنعام: 132] في إثبات الثواب، ونقله أبو حيان عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها. # ولما فرغوا من التعريف بالحق والدلالة عليه والدعاء إليه والإنذار # PageV18P183 # بالرفق بما أفهم كلامهم من أنهم إن لم يجيبوا انتقم منهم بالعذاب الأليم، ~~أتبعوه ما هو أغلظ إنذارا منه فقالوا: {ومن لا يجب} ms4597 أي لا يتجدد منه أن ~~يجيب {داعي الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء الذي لا كفوء له ولا طاقة ~~لأحد بسخطه فعم بدعوة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم جميع الخلق. # ولما دل الكتاب والسنة كما قدمته في سورتي الأنعام والفرقان على عموم ~~الرسالة، وكان التارك لإجابة من عمت رسالته عاصيا مستحقا للعذاب، عبر عن ~~عذابه، بما دل على تحتمه فقال تعالى: {فليس بمعجز} أي لما يقضي به عليه {في ~~الأرض} فإنه آية سلك فيها فهو في ملكه وملكه وقدرته محيطة به {وليس له من ~~دونه} أي الله الذي لا يجير إلا هو {أولياء} يفعلون لأجله ما يفعل القريب ~~مع قريبه من الذب عنه والاستشفاع له والافتداء والمناصبة لأجله. # ولما انتفى عنه الخلاص من كل وجه، وكان ذلك لا يختلف سواء كان العاصي ~~واحدا أو أكثر، أنتج قوله سبحانه وتعالى معبرا بالجمع # PageV18P184 # لأنه أدل على القدرة ودلالة على أن العصاة كثيرة لملاءمة المعاصي لأكثر ~~الطبائع: {أولئك} أي البعيدون من كل خير {في ضلال مبين *} أي ظاهر في نفسه ~~أنه ضلال، مظهر لكل أحد قبح إحاطتهم به، قال القشيري: ويقال: الإجابة على ~~ضربين: إجابة الله، وإجابة الداعي، فإجابة الداعي بشهود الواسطة وهو الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، وإجابة الله بالجهر إذا بلغت المدعو رسالته صلى الله ~~عليه وسلم على لسان السفير، وبالسر إذا حصلت التعريفات من الواردات على ~~القلب، فمستجيب بنفسه، ومستجيب بقلبه، ومستجيب بروحه، ومستجيب بسره، ومن ~~توقف عن دعاء الداعي إياه هجر فما كان يخاطب به. # PageV18P185 # ولما أتم سبحانه وتعالى ما اقتضاه مقصود هذه السورة من أصول الدين وفروعه ~~والتحذير من سطواته بذكر بعض مثلاته، وختم بضلال من لم يجب الداعي، نبه على ~~أن أوضح الأدلة على إحاطته بالجلال والجمال وقدرته على الأجل المسمى الذي ~~خلق الخلق لأجله ما جلى به مطلع السورة من إبداع الخافقين وما فيهما من ~~الآيات الظاهرة للأذن والعين، فقال مبكتا لهم على ضلالهم عن إجابة الداعي ~~ومنكرا عليهم وموبخا لهم مرشدا بالعطف على ms4598 غير مذكور إلى أن التقدير: ألم ~~ير # PageV18P185 # هؤلاء الضلال ما نصبنا في هذه السورة من أعلام الدلائل وواضح الرسائل في ~~المقاصد والوسائل، عاطفا عليه قوله تعالى ردا لمقطع السورة بتقرير المعاد ~~على مطلعها المقرر للبدء بخلق الكونين بالحق: {أو لم يروا} أي يعلموا علما ~~هو في الوضوح كالرؤية {أن الله} ودل على هذا الاسم الأعظم بقوله: {الذي خلق ~~السماوات} على ما احتوت عليه مما يعجز الوصف من العبر {والأرض} على ما ~~اشتملت عليه من الآيات المدركة بالعيان والخبر {ولم يعي} أي يعجز، يقال: ~~عيي بالأمر - إذ لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه ولم يطق إحكامه، قال ~~الزجاج: يقال: عييت بالأمر - إذ لم تعرف وجهه، وأعييت: تعبت، وفي القاموس: ~~وأعيى بالأمر: كل {بخلقهن} أي بسببه فإنه لو حصل له شيء من ذلك لأدى إلى ~~نقصان فيهما أو في # PageV18P186 # إحدهما، وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجار في حيز «أن» فقال ~~تعالى: {بقادر} أي قدرة عظيمة تامة بليغة {على أن يحيي} أي على سبيل ~~التجديد مستمرا {الموتى} والأمر فيهم لكونه إعادة ولكونهم جزاء يسيرا منها ~~ذكر اختراعه أصغر شأنا وأسهل صنعا. # ولما كان هذا الاستفهام الإنكاري في معنى النفي، أجابه بقوله تعالى {بلى} ~~قد علموا أنه قادر على ذلك علما هو في إتقانه كالرؤية بالبصر لأنهم يعلمون ~~أنه المخترع لذلك، وأن الإعادة أهون من الابتداء في مجاري عاداتهم، ولكنهم ~~عن ذلك، غافلون لأنهم عنه معرضون، ولما كانوا مع هذه الأدلة الواضحة التي ~~هي أعظم من المشاهدة بالبصر ينكرون ما دلت عليه هذه الصنعة من إحاطة ~~القدرة، علل ذلك مؤكدا له بقوله مقررا للقدرة على وجه عام يدخل فيه البعث ~~الذي ذكر أول السورة أنه ما خلق هذا الخلق إلا لأجله ليختم بما بدأ به {إنه ~~على كل شيء} أي هو أهل لأن تتعلق القدرة به {قدير *} . # ولما ثبت البعث بما قام من الدلائل ذكر ببعض ما يحصل في يومه من الأهوال ~~تحذيرا منه، فقال عاطفا على ما تقديره: اذكر لهم هذا # PageV18P187 # القياس ms4599 الناطق بالمراد وما مضى في هذه السورة من الزواجر {ويوم} أي واذكر ~~يوم {يعرض} بأيسر أمر من أوامرنا {الذين كفروا} أي ستروا بغفلتهم وتماديهم ~~عليه هذه الأدلة الظاهرة {على النار} عرض الجند على الملك فيسمعوا من ~~تغيظها وزفيرها ويروا من لهيبها واضطرامها وسعيرها ما لو قدر أن أحدا يموت ~~من ذلك لماتوا من معاينته وهائل رؤيته. # ولما كان كأنه قيل: ماذا يصنع بهم في حال عرضهم؟ قيل: يقال على سبيل ~~التبكيت والتقريع والتوبيخ: {أليس هذا} أي الأمر العظيم الذي كنتم به ~~توعدون ولرسلنا في أخبارهم تكذبون {بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه ~~الواقع، فلا قدرة لكم على صليه أمر هو خيال وسحر، فلا تبالون بوروده. # ولما اشتد تشوف السامع العالم بما كانوا يبدون من الشماخة والعتو إلى ~~جوابهم، قال في جوابه مستأنفا: {قالوا} أي مصدقين # PageV18P188 # حيث لا ينفع التصديق: {بلى} وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى ~~أقسموا عليه لأن حالهم كان مباعدا للإقرار، وذكروا صفة الإحسان زيادة في ~~الخضوع والإذعان {وربنا} أي إنه لحق هو من أثبت الأشياء، وليس فيه شيء مما ~~يقارب السحر، ثم استأنف جواب من سأل عن جوابه لهم بقوله تعالى: {قال} مبكتا ~~لهم بيانا لذلهم موضع كبرهم الذي كان في الدنيا مسببا عن تصديقهم هذا الذي ~~أوقعوه في غير موضعه وجعلوه في دار العمل التي مبناها على الإيمان بالغيب ~~تكذيبا معبرا بما يفهم غاية الاستهانة لهم: {فذوقوا العذاب} أي باشروه ~~مباشرة الذائق باللسان، ثم صرح بالسبب فقال: {بما كنتم} أي خلقا وخلقا ~~مستمرا دائما أبدا {تكفرون *} في دار العمل. # ولما علم بما قام من الأدلة وانتصب من القواطع أن هذا مآلهم، سبب عنه ~~قوله ردا على ما بعد خلق الخافقين في مطلعها من أمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ونسبتهم له إلى الافتراء وما بعده: {فاصبر} أي على مشاق ما ترى في ~~تبليغ الرسالة، قال القشيري: والصبر # PageV18P189 # هو الوقوف بحكم الله والثبات من غير بث ولا استكراه. {كما صبر أولوا ~~العزم} أي الجد في الأمر ms4600 والحزم في الجد والإرادة المقطوع بها والثبات الذي ~~لا محيد عنه، الذين مضوا في أمر الله مضيا كأنهم أقسموا عليه فصاروا كالأسد ~~في جبلته والرجل الشديد الشجاع المحفوف بقبيلته، قال الرازي في اللوامع: ~~فارقت نفوسهم الشهوات والمنى فبذلوا نفوسهم لله صدقا لاتفاق النفس القلب ~~على البذل. # ولما تشوف السامع إلى بيانهم قال: {من الرسل} عليهم الصلاة والسلام، وقيل ~~وهو ظاهر جدا: أن «من» للتبعيض، والمراد بهم أصحاب الشرائع الذين اجتهدوا ~~في تأسيس قواعدها وتثبيت معاقدها، ومشاهيرهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد نظمهم بعضهم في قوله: # أولو العزم نوح والخليل بن آزر ... وموسى وعيسى والحبيب محمد # والخلاف في تعيينهم كثير منتشر هذا القول أشهر ما فيه، وكله مبني على أن ~~«من» للتبعيض وهو الظاهر، والقول بأنهم جميع الرسل - # PageV18P190 # قال ابن الجوزي - قاله ابن زيد واختاره ابن الأنباري وقال: «من» للتجنيس ~~لا للتبعيض، وفي قول أنهم جميع الأنبياء إلا يونس عليه الصلاة والسلام - ~~قال ابن الجوزي: حكاه الثعلبي. # ولما أمره بالصبر الذي من أعلى الفضائل، نهاه عن العجلة التي هي من أمهات ~~الرذائل، ليصح التحلي بفضيلة الصبر الضامنة للفوز والنصر فقال: {ولا تستعجل ~~لهم} أي تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئا مما يسوءهم في غير حينه الأليق ~~به. ولما كان ما أمر به ونهى عنه في غاية الصعوبة، سهله بقوله مستأنفا: ~~{كأنهم يوم يرون} أي في الدنيا عند الموت مثلا أو في الآخرة وقت العرض ~~والحساب والهول الأعظم الأكبر الذي تقدمت الإشارة إليه جدا والتحذير منه ~~لأهل المعاصي والبشارة فيه لأهل الطاعة، فأما هذه الطائفة فإذا رأوا {ما ~~يوعدون} من ظهور الدين في الدنيا والبعث في الآخرة، وبناه للمفعول لأن ~~المنكىء هو الإيعاد لا كونه من معين {لم يلبثوا} أي في الدنيا حيث كانوا ~~عالين {إلا ساعة} . # ولما كانت الساعة قد يراد بها الجنس وقد تطلق على الزمن الطويل، حقق ~~أمرها وحقرها بقوله: {من نهار} ولما تكفل ما ذكر في هذه السورة من الحجج ~~الظاهرة والبراهين الباهرة ms4601 ببيان ما هو # PageV18P191 # مقصودها بحيث لم يبق فيه لبس، وكان مقصودها آئلا إلى سورة إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام، وهو التوحيد اللازم منه إحاطة العلم بكل شيء وشمول القدرة ~~لكل شيء ختمت بما ختمت به إبراهيم إلا أن لحواميم لبابا، حذف المبتدأ ~~ومتعلق الخبر وقيل: {بلاغ} أي هذا الذي ذكر هنا هو من الظهور وانتشار النور ~~بحيث يرد المنذرين ويوصلهم إلى رضى العزيز الحكيم الكافل بالنور الدائم ~~والنعيم المقيم، ومن لم يوصله فذلك الذي حكم العزيز بشقائه فلا حيلة لغيره ~~في شفائه من عظيم دائه، ولذلك سبب عن كونه بلاغا قوله زيادة على ختام ~~إبراهيم ما يناسب مطلعها: {فهل يهلك} بني للمفعول من أهلك، لأن المحذور ~~الهلاك وإن لم يعين المهلك، وللدلالة على أن إهلاكهم عليه سبحانه وتعالى ~~يسير جدا {إلا القوم} الذين فيهم أهلية القيام بما يحاولونه من اللدد ~~{الفاسقون *} أي العريقون في إدامة الخروج من محيط ما يدعو إليه هادي العقل ~~والفطرة الأولى من الطاعة الآتي بها النقل إلى مضل المعصية الناهي عنها ~~والعقل، وأما الذين فسقوا والذين يفسقون فإن هادي هذه السورة يردهم ويوصلهم ~~إلى المقصود، فهذا الآخر نتيجة قوله أولها {والذين كفروا عما أنذروا # PageV18P192 # معرضون} وذكر اليوم الموعود هو الأجل الذي أوجد الخافقان لأجله وبسببه ~~والدلالة على القدرة بخلقهما من غير إعياء هو ذكره أولهما أنهما ما خلقا ~~إلا بالحق، وذكر البلاغ هو تنزيل الكتاب من الله وحكمه على العريق بالفسق ~~بالهلاك مع الهادي الشفيق ولغيره بالنجاة بعد انسيابه في الفسق مع التكرر ~~هو من ثمرات العزة والحكمة، فقد التحم هذا الآخر بذاك الأول أي التحام، ~~واتصل بمعناه اتصال الجوهر النفيس في متين النظام، والتأم بأول التي تليها ~~أحسن التئام فسبحان من جعله أشرف الكلام، لكونه صفة الملك العلام، منزلا ~~على خاتم الرسل الكرام، ورسول - الملك العلام - صلى الله عليه وعلى آله ~~وأصحابه وأهل بيته الكرام وسلم تسليما كثيرا. # PageV18P193 # مقصودها التقدم إلى المؤمنين في حفظ حظيرة الدين بإدامة الجهادة للكفار، ~~حتى يلزموهم الصغار، أو يبطلوا ضلالهم كما ms4602 أصل الله أعمالهم، لا سيما أهل ~~الردة الذين فسقوا عن محيط الدين إلى أودية الضلال المبين، والتزام هذا ~~الخلق الشريف إلى أن تضع الحرب أوزارها بإسلام أهل الأرض كلهم بنزول عيسى ~~عليه الصلاة والسلام، وعلى ذلك دل اسمها) الذين كفروا (لأن من المعلوم أن ~~من صدك عن سبيلك قاتلته وأنك إن لم تقاتله كن مثله، واسمعها محمد واضح في ~~ذلك لأن الجهاد كان خلقه عليه أفضل الصلاة والسلام إلى أن توفاه الله تعالى ~~وهو نبي الرحمة بالملحمة لأنه لا يكون حمد وثم نوع ذم كما تقدم تحقيقه في ~~سورة فاطر وفي سبإ وفي الفاتحة، ومتى كان كف عن أعداء الله كان الذم، وأوضح ~~أسمائها في # PageV18P194 # هذا المقصد القتال، فإن من المعلوم أنه لأهل الضلال) بسم الله (الملك ~~الأعظم الذي أقام جنده للذب عن حماه) الرحمن (الذي عمت رحمته تارة بالبيان ~~وأخرى بالسيف والسنان) الرحيم (الذي خص حزبه بالحفظ في طريق الجنان. # لما أقام سبحانه الأدلة في الحواميم حتى صارت كالشمس، لا يزيغ عنها إلا ~~هالك، وختم بأنه يهلك بعد هذه الأدلة القوم الفاسقون، افتتح هذه بالتعريف ~~بهم # PageV18P195 # فقال سبحانه وتعالى: {الذين كفروا} أي ستروا أنوار الأدلة فضلوا على علم ~~{وصدوا} أي امتنعوا بأنفسهم ومنعوا غيرهم لعراقتهم في الكفر {عن سبيل الله} ~~أي الطريق الرحب المستقيم الذي شرعه الملك الأعظم {أضل} أي أبطل إبطالا ~~عظيما يزيل العين والأثر {أعمالهم *} التي هي أرواحهم المعنوية وهي كل شيء ~~يقصدون به نفع أنفسهم من جلب نفع أو دفع ضر بعد أن وفر سيئاتهم وأفسد ~~بالهم، ومن جملة أعمالهم ما يكيدونكم به لأنها إذا ضلت عما قصدوا بها بجعله ~~سبحانه لها ضالة ضائعة هلكت من جهة أنها ذهبت في المهالك ومن جهة أنها ذهبت ~~في غير الجهة التي قصدت لها فبطلت منفعتها المقصودة منها فصارت هي باطلة ~~فأذهبوا أنتم أرواحهم الحسية بأن تبطلوا صورهم وأشباحهم بأن تقطعوا أوصالهم # PageV18P195 # وأنتم في غاية الاجتراء عليهم، فإن ربهم الذي أوجدهم قد أبطلهم وأذن لكم ~~في إبطالهم، فإنه قد ms4603 علم أن لا صلاح لهم والمؤذي طبعا يقتل شرعا، فمن قدرتم ~~على قتله فهو محكوم بكفره، محتوم بخيبته وخسره. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما انبنت سورة الأحقاف على ما ذكر من ~~مآل من كذب وافترى وكفر وفجر، وافتتحت السورة بإعراضهم، ختمت بما قد تكرر ~~من تقريعهم وتوبيخهم، فقال تعالى: {ألم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى} أي لو اعتبروا بالبداءة ~~لتيسر عليهم أمر العودة، ثم ذكر عرضهم على النار إلى قوله {فهل يهلك إلا ~~القوم الفاسقون} فلما ختم بذكر هلاكهم، افتتح السورة الأخرى بعاجل ذلك ~~اللاحق لهم في دنياهم فقال تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى ~~إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} ~~الآية بعد ابتداء السورة بقوله {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل ~~أعمالهم} فنبه على أن أصل محنتهم إنما هو # PageV18P196 # بما أراده تعالى بهم في سابق علمه ليعلم المؤمنون أن الهدى والضلال بيده، ~~فنبه على الطريقين بقوله {أضل أعمالهم} وقوله في الآخر {كفر عنهم سيئاتهم ~~وأصلح بالهم} ثم بين أنه تعالى لو شاء لانتصر منهم ولكن أمر المؤمنين ~~بقتالهم ابتلاء واختبارا، ثم حض المؤمنين على ما أمرهم به من ذلك فقال: {إن ~~تنصروا الله ينصركم} ثم التحمت الآي - انتهى. # ولما ذكر أهل الكفر معبرا عنهم بأدنى طبقاتهم ليشمل من فوقهم، ذكر ~~أضدادهم كذلك ليعم من كان منهم من جميع الفرق فقال تعالى: {والذين آمنوا} ~~أي أقروا بالإيمان باللسان {وعملوا} تصديقا لدعواهم ذلك {الصالحات} أي ~~الأعمال الكاملة في الصلاة بتأسيسها على الإيمان. ولما كان هذا الوصف لا ~~يخص أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، خصهم بقوله تعالى: {وآمنوا} أي مع ذلك. # ولما كان بعضهم كحيي بن أخطب ومن نحا نحوه قد طعن في القرآن بنزوله منجما ~~مع أن التوراة ما نزلت إلا كذلك، وليس أحد منهم يقدر أن ينكره قال: {بما ~~نزل} أي ممن لا منزل إلا هو منجما ms4604 مفرقا ليجددوا بعد # PageV18P197 # الإيمان به إجمالا الإيمان بكل نجم منه {على محمد} النبي الأمي العربي ~~القرشي المكي ثم المدني الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل صلى ~~الله عليه وسلم، ولما كان هذا معلما بأن كل إيمان لم يقترن بالإيمان به صلى ~~الله عليه وسلم لم يعتد به، اعترض بين المبتدأ وجوابه بما يفهم علته حثا ~~عليه وتأكيدا له فقال تعالى: {وهو} أي هذا الذي نزل عليه صلى الله عليه ~~وسلم مختص بأنه {الحق} أي الكامل في الحقية لأن ينسخ ولا ينسخ كائنا {من ~~ربهم} المحسن إليهم بإرساله، أما إحسانه إلى أمته فواضح، وأما سائر الأمم ~~فبكونه هو الشافع فيهم الشفاعة العظمى يوم القيامة، وأمته هي الشاهدة لهم. # ولما ثبت بهذا أنهم أحق الناس بالحق، بين ما أثمر لهم ذلك دالا على أنه ~~لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، فلا يسع الخلق إلا العفو لأنهم وإن ~~اجتهدوا في الإصلاح بدا لهم لنقصانهم من سيئات أو هفوات فقال تعالى: {كفر} ~~أي غطى تغطية عظيمة {عنهم} في الدارين بتوبتهم وإيمانهم لأن التوبة تجب ما ~~كان قبلها كالإيمان {سيئاتهم} أي الأعمال السيئة التي لحقتهم قبل ذلك بما ~~يظهر لهم من # PageV18P198 # المحاسن وهدى أعمالهم. ولما كان من يعمل سوءا يخاف عاقبته فيتفرق فكره، ~~إذ لا عشية لخائف قال تعالى: {وأصلح بالهم *} أي موضع سرهم وفكرهم بالأمن ~~والتوفيق والسداد وقوة الفهم والرشاد لما يوفقهم له من محاسن الأعمال ويطيب ~~به اسمهم في الدارين، قال ابن برجان: وإذا أصلح ذلك من العبد صلح ما يدخل ~~إليه وما يخرج عنه وما يثبت فيه، وإذا فسد فبالضد من ذلك. ولذلك إذا اشتغل ~~البال لم ينتفع من صفات الباطن بشيء، وقد علم أن الآية من الاحتباك: ذكر ~~ضلال الكفار أولا دليلا على إرادة الهدى للمؤمنين ثانيا، وإصلاح البال ~~ثانيا دليلا على حذف إفساده أولا. # ولما كان الجزاء من جنس العمل، علل ما تقدم من فعله بالفريقين بقوله: ~~{ذلك} أي الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء الطائفتين ms4605 {بأن} أي بسبب أن ~~{الذين كفروا} أي ستروا مرائي عقولهم {اتبعوا} أي بغاية جهدهم ومعالجتهم ~~لما قادتهم إليه فطرهم الأولى {الباطل} من العمل الذي لا حقيقة له في ~~الخارج يطابقه، وذلك هو الابتداع والميل مع الهوى إيثارا للحظوظ فضلوا {وأن ~~الذين آمنوا} أي ولو كانوا في أقل درجات الإيمان {اتبعوا} # PageV18P199 # أي بغاية جهدهم متابعين لما تدعو إليه الفطرة الأولى مخالفين لنوازع ~~الشهوات ودواعي الحظوظ على كثرتها وقوتها {الحق} أي الذي له واقع يطابقه ~~وذلك هو الحكمة وهي العمل بموافقة العلم وهو معرفة المعلوم على ما هو عليه ~~{من ربهم} الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن اعتقادهم فاهتدوا. # ولما علم من هذا أن باطن حال الذين كفروا الباطل، وباطن حال الذين آمنوا ~~الحق، وتقدم في البقرة أن المثل هو ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق ~~الأشياء المحسوسة، فيكون ألطف من الشيء المحسوس، وأن ذلك هو وجه الشبه، علم ~~أن مثل كل من الفريقين ماعلم من باطن حاله فمثل الأول الباطل ومثل الثاني ~~الحق، فلذلك قال سبحانه استئنافا جوابا لمن كأن قال لما أدركه من دهش العقل ~~لما راعه من علو هذا المقال: هل يضرب مثل مثل هذا: {كذلك} أي مثل هذا الضرب ~~العظيم الشأن {يضرب الله} أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال {للناس} أي ~~كل من فيه قوة الاضطراب والحركة {أمثالهم *} أي أمثال أنفسهم وأمثال # PageV18P200 # الفريقين المتقدمين أو أمثال جميع الأشياء التي يحتاجون إلى بيان أمثالها ~~مبينا لها مثل هذا البيان ليأخذ كل واحد من ذلك جزاء حاله، فقد علم من هذا ~~المثل أن من اتبع الباطل أضل الله عمله ووفر سيئاته وأفسد باله، ومن اتبع ~~الحق عمل به ضد ذلك كائنا من كان، وهو غاية الحث على طلب العلم في كتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بهما. # PageV18P201 # ولما تحرر أن الكفار أحق الخلق بالعدم لأن الباطل مثلهم وحقيقة حالهم، ~~سبب عنه قوله: {فإذا لقيتم} أي أيها المؤمنون {الذين كفروا} ولو بأدنى ~~أنواع الكفر ms4606 في أي مكان كان وأي زمان اتفق. ولما كان المراد القتل المجهر ~~بغاية التحقق، عبر عنه مؤكدا له من الاختصار بذكر المصدر الدال على الفعل ~~مصورا له بأشنع صوره مع ما فيه من الغلظة على الكفار والاستهانة # PageV18P201 # بهم فقال تعالى: {فضرب الرقاب} أي عقبوا لقيكم لهم من غير مهلة بأن ~~تضربوا رقابهم ضربا بالصدق في الضرب بما يزهق أرواحهم، فإن ذلك انتهاز ~~للفرصة وعمل بالأحوط، وكذلك النفس التي هي أعدى العدو إذا ظفرت بها وجب ~~عليك أن لا تدع لها بقية، قال القشيري: فالحية إذا بقيت منها بقية فوضعت ~~عليها إصبع ثبت فيها سمها. # ولما كان التقدير: ولا يزال ذلك فعلكم، غياه بقوله: {حتى} وبشرهم ~~بالتعبير بأداة التحقق فقال تعالى: {إذا أثخنتموهم} أي أغلظتم القتل فيهم ~~وأكثرتموه بحيث صاروا لا حراك بهم كالذي ثخن فأفرط ثخنه؛ فجعل ذلك شرطا ~~للأسر كما قال تعالى {وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} ~~[الأنفال: 67] ثم قال تعالى مبينا لما بعد الثخن: {فشدوا} أي لأنه لا مانع ~~لكم الآن من الأسر {الوثاق} أي # PageV18P202 # الرباط الذي يستوثق به من الأسر بالربط على أيديهم مجموعة إلى أعناقهم - ~~مجاز عن الأسر بغاية الاستيلاء والقهر. # ولما كان الإمام مخيرا في أسراهم بين أربعة أشياء: القتل والإطلاق مجانا ~~والإطلاق بالفدية وهي شيء يأخذه عوضا عن رقابهم والاسترقاق، عبر عن ذلك ~~بقوله مفصلا: {فإما منا} أي أن ينعموا عليهم إنعاما {بعد} أي في جميع أزمان ~~ما بعد الأسر باستبقائهم ثم بعد الإنعام باستبقائهم إما أن يكون ذلك مع ~~الاسترقاق أو مع الإطلاق ثم الإطلاق إما مجانا {وإما فداء} بمال أو بأسرى ~~من المسلمين ونحو ذلك، فأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام أن الإبقاء ~~غير واجب بكل جائز، ودخل في الإبقاء ثلاث صور: الاسترقاق والإطلاق مجانا ~~وبالفداء فصرح سبحانه وتعالى بالفداء الذي معناه الأخذ # PageV18P203 # على وجه أن قسيم للمن، فعلم أن المراد به الإبقاء مع عدم الأخذ فدخل فيه ~~الإطلاق مجانا وهو واضح والاسترقاق لأنه إنعام بالنسبة ms4607 إلى القتل، وأفهم ~~التعبير بالمن الذي معناه الإنعام من المنان الذي هو اسمه تعالى ومعناه ~~المعطي ابتداء جواز القتل لأن الإنعام مخير فيه لا واجب لأنه لو كان واجبا ~~كان حقا لا نعمة، فقد دخلت السور الأربع في التعبير بهاتين الكلمتين - ~~والله الهادي، وكل هذا على ما يراه الإمام أو نائبه مصلحة، قال القشيري: ~~كذلك حال المجاهدة مع النفس إذا كان في إغفاء ساعة وإفطار يوم ترويح للنفس ~~من الكد وقوة على الجهد فيما يستقبل من الأمر على ما يحصل به الاستصواب من ~~شيخ المريد وفتوى لسان الوقت أو فراسة صاحب المجاهدة - انتهى. # وقد أفهم هذا السياق أن هذا الحكم ثابت غير منسوخ والأمر بالقتل وحده في ~~غيرها من الآيات عام غير مخصوص بما أفهمته الغاية من أن التقدير: والجهاد ~~على هذه الصفة باق وماض مع كل أمير برا كان أو فاجرا، لا يزال طائفة من ~~الأمة قائمين به ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهو ~~- والله أعلم - المراد بقوله تعالى: {حتى} أي افعلوا ما أمرتكم به على ما ~~جددت لكم إلى أن {تضع الحرب أوزارها} # PageV18P204 # وهي أثقالها أي الآلات التي تثقل القائمين بها من النفقات والسلاح ~~والكراع ونحوه، وذلك لا يكون وفي الأرض كافر، وذلك على زمن عيسى عليه ~~الصلاة والسلام حين تخرج الأرض بركاتها، وتكون الملة واحدة وهي الإسلام لله ~~رب العالمين، فيتخذ الناس حديد السلاح سككا ومناجل وفؤوسا ينتفعون بها في ~~معاشهم كما ورد في الحديث: «الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر ~~أمتي الدجال» - رواه في الفردوس عن أنس رضي الله عنه «الجهاد واجب عليكم مع ~~كل بر وفاجر» رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه. # ولما كانت الحرب كريهة إلى النفوس شديدة المشقة، أكد أمرها بما معناه: إن ~~هذا أمر قد فرغ منه، فقال تعالى: {ذلك} أي الأمر العظيم العالي الحسن ~~النافع الموجب لكل خير. ولما كان هذا ربما أوهم أن التأكيد في هذا الأمر ~~لكون ms4608 الحال لا يمكن انتظامه إلا به، أتبعه ما يزيل هذا الإيهام فقال: {ولو} ~~ولما كان لو عبر بالماضي أفاد أنه كان ولم يبق، عبر بالمضارع الدال على ~~الحال وما بعده # PageV18P205 # فقال: {يشاء الله} أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال والقدرة على ~~ما يمكن {لانتصر منهم} أي بنفسه من غير أحد انتصارا عظيما بأن لا يبقى منهم ~~أحدا {ولكن} أوجب ذلك عليكم {ليبلوا} . # ولما كان الابتلاء ليس خاصا بفريق منهم بل عاما للفريقين لأنه يكشف عن ~~أهل المحاسن وأهل المساوئ من كل منهم، قال تعالى: {بعضكم} من الفرقة ~~المؤمنين بالإنكار عليهم من الفرقة الطاغين حتى يكون لهم بذلك اليد البيضاء ~~{ببعض} أي يفعل في ذلك فعل المختبر ليترتب عليه الجواء على حسب ما تألفونه ~~من العوائد. # ولما أفهم هذا أن الابتلاء بين فريقين بالجهاد، قال عاطفا على ما تقديره: ~~فالذين قاتلوا أو قتلوا في سبيل الشيطان أضل أعمالهم: {والذين قتلوا} وفي ~~قراءة البصريين وحفص {قتلوا} وهي أكثر ترغيبا والأولى أعظم ترجية {في سبيل ~~الله} أي لأجل تسهيل # PageV18P206 # طريق الملك الأعظم المتصف بجميع صفات الكمال. # ولما كان في سياق الترغيب، قرن الخبر بالفاء إعلاما بأن أعمالهم سببه ~~فقال تعالى: {فلن يضل} أي يضيع ويبطل {أعمالهم *} لكونها غير تابعة لدليل ~~بل يبصرهكم بالأدلة ويوفقهم لاتباعها، وهو معنى قوله تعالى تعليلا: ~~{سيهديهم} أي في الدارين بوعد لا خلف فيه بعد المجاهدة إلى كل ما ينفعهم ~~مجددا ذلك على سبيل الاستمرار {ويصلح بالهم} أي موضع فكرهم فيجعله مهيأ لكل ~~خير بعيدا عن كل شر آمنا من المخاوف مطمئنا بالإيمان بما فيه من السكينة، ~~فإذا قتل أحد في سبيله تولى سبحانه وتعالى ورثته بأحسن من تولي المقتول لو ~~كان حيا. # PageV18P207 # ولما كان هذا ثوابا عظيما ونوالا جسيما، أتبعه ثوابا أعظم منه فقال ~~تعالى: {ويدخلهم الجنة} أي دار القرار الكاملة في النعيم، وأجاب من كأنه ~~يسأل عن كيفية إدخالهم إياها وكيفيتها عند ذلك بقوله تعالى: {عرفها لهم *} ~~أي بتعريف الأعمال الموصلة # PageV18P207 # إليها والتوفيق لهم إليها ms4609 في الدنيا وأيضا بالتبصير بالمنازل في الآخرة ~~حتى أن أحدهم يصير أعرف بمنزله فيها منه بمنزله في الدنيا، وطيب رائحتها ~~وجعل موضعها عاليا وجدرانها عالية وهي ذات أغراف وشرف، وفي هذه الآية بشرى ~~عظيمة لمن جاهد ساعة ما بأن الله يميته على الإسلام المستلزم لئلا يضيع له ~~عمل، ويؤيده ما رواه الطبراني في الكبير عن فضالة بن عبيد الأنصاري رضي ~~الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «للإسلام ثلاث ~~أبيات: سفلى وعليا وغرفة، فأما السفلى فالإسلام دخل فيه عامة المسلمين فلا ~~تسأل أحدا منهم إلا قال: أنا مسلم، وأما العليا فتفاضل أعمالهم بعض ~~المسلمين أفضل من بعض، وأما الغرفة العليا فالجهاد في سبيل الله لا ينالها ~~إلا أفضلهم» . # ولما ذكر القتال، تشوف السامع إلى حال المقاتل من النصر والخذلان فأجاب ~~بما يعرف بشرط النصر فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بذلك وإن كان في ~~أدنى الدرجات بما أشعرت به أداة البعد # PageV18P208 # والصلة بالماضي {إن تنصروا الله} أي يتجدد لكم نية مستمرة وفعل دائم على ~~نصرة دين الملك الأعظم بإيضاح أدلته وتبيينها وتوهية شبه أهل الباطل ~~وقتالهم، ويكون ذلك خالصا له لا لغيره من النيات الفاسدة المعلولة بطلب ~~الدنيا أو الشهرة بالشجاعة والعلم وطيب الذكر الغضب للأهل وغير ذلك ~~{ينصركم} فإنه الناصر لا غيره من عدد أو عدد فيقمع أعداء الدين بأيديكم. # ولما كان النصر قد يكون مع العجز والكسل والجبن والفشل بين أنه يحميهم من ~~ذلك فقال: {ويثبت أقدامكم *} أي تثبيتا عظيما بأن يملأ قلوبكم سكينة ~~واطمئنانا وأبدانكم قوة وشجاعة في حال القتل ووقت البحث والجدال، وعند ~~مباشر جميع الأعمال، فتكونوا عالين قاهرين في غاية ما يكون من طيب النفوس ~~وانشراح الصدور ثقة بالله واعتزازا به وإن تملأ عليكم أهل الأرض. # ولما ذكر أهل الإيمان، بين ما لأهل الكفران، فقال سبحانه: {والذين كفروا} ~~أي ستروا ما دل عليه العقل وقادت إليه الفطر الأولى، وبين أن سوء أعمالهم ~~أسباب وبالهم بالفاء. فقال مؤكدا بجعل الخبر مفعولا ms4610 مطلقا لأجل استبعادهم ~~بما لهم من القوة بكثرة العدد # PageV18P209 # والملاءة بالعدد: {فتعسا} أي فقد عثروا فيقال لهم ما يقال للعاثر الذي ~~يراد أنه لا يقوم: تعسا لا قيام معه، كما يقال لمن عثر وأريد قيامه: تعسا ~~لك، والمراد بالتعس الانحطاط والسفول والهوان والقلق. # ولما كان كأنه قيل: لمن هذا؟ قيل: {لهم} فلا يكادون يثبتون في قتال لمن ~~صلحت من الأعمال. # ولما كان الإنسان قد يعثر ويقع ويقال له: تعسا، ويقوم بعد ذلك، ولا يبطل ~~عمله، بين أن قوله ليس كذلك، بل مهما قاله كان لا يتخلف أصلا، فقال معبرا ~~بالماضي إشارة إلى التحتم فيه، وأما الاستقبال فربما تاب على بعضهم فيه ~~عاطفا على ما تقديره فقال تعالى لهم ذلك: {وأضل أعمالهم *} وإن كانت ظاهرة ~~الإيقان لأجل تضييع الأساس بالإيمان. # ولما بين ما صنع بهم ليجترئ به حزبه عليهم، بين سببه ليجتنب فقال: {ذلك} ~~الأمر البعيد من الخير {بأنهم} أي بسب بأنهم {كرهوا} بغضوا وخالفوا وأنكروا ~~{ما أنزل الله} أي الملك # PageV18P210 # الأعظم الذي لا نعمة إلا منه، والذي أنزله من القرآن والسنة هو روح ~~الوجود الذي لا يعاندونه، فلما كرهوا الروح الأعظم بطلت أرواحهم فتبتها ~~أشباحهم، وهو معنى قوله مسببا بيانا لمعنى إضلال أعمالهم: {فأحبط} أي أبطل ~~إبطالا لا صلاح معه {أعمالهم *} بسبب أنهم أفسدوها بنياتهم فصارت وإن كانت ~~صورها صالحة ليس لها أرواح، لكونها واقعة على غير ما أمر به الله الذي لا ~~أمر إلا له يقبل من العمل إلا ما حده ورسمه، وهذا وعيد للأمة بأنها إن تخلت ~~عن نصر الله والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلها ~~سبحانه إلى نفسها وتخلى عن نصرها وسلط عليها عدوها، ولقد وجد بعض ذلك من ~~تسلط الفسقة لما وجد التهاون في بعض ذلك والتواكل فيه. # PageV18P211 # ولما كان لا يستهين بهذه القضايا ويجترئ مثل هذه البلايا إلا من أمن ~~العقوبة، ولا يأمن العقوبة إلا من أعرض عن الله سبحانه وتعالى، وكان يكفي ~~في الصد عن الأمرين وقائعه تعالى بالأمم الخالية لأجل ms4611 تكذيب رسله ومناصبة ~~أوليائه والاعتداء على حدوده، قال منكرا عليهم وموبخا لهم تقدما إليهم ~~بالتحذير من بطشه وسطوته وشديد أخذه وعقوبته، مسببا عن كراهيتهم المذكورة ~~وما تأثر عنها # PageV18P211 # من العداوة لأهل الله: {أفلم يسيروا} أي بسبب تصحيح أعمالهم وبنائها على ~~أساس {في الأرض} أي التي فيها آثار الوقائع فإنها هي الأرض في الحقيقة لما ~~لها من زيادة التعريف بالله {فينظروا} عقب سيرهم وبسبه. ولما كانت وقائعه ~~خلعة للقلوب بما فيها من الأمور الباهرة الناطقة بها ألسنة الأحوال بعد ~~التنبيه بالمقال، ساق ذلك بسوقه في أسلوب الاستفهام مساقا منبها على أنه من ~~العظمة بحيث يفرغ الزمان للعناية بالسؤال عنه فقال: {كيف كان عاقبة} أي آخر ~~أمر {الذين} ولما كان يمكنهم معرفة ذلك من جميع المهلكين، نبه بإثبات الجار ~~على أنهم بعضهم بل بعض المكذبين للرسل، وهم الذين سمعوا أخبارهم ورأوا ~~ديارهم بعاد وثمود ومدين وسا وقوم لوط فقال تعالى: {من قبلهم} ولما كان ~~كأنه قيل: ما لهم؟ قال: {دمر الله} أي أوقع الملك الأعظم الهلاك العظيم ~~الداخل بغير إذن، الهاجم بغتة {عليهم} بما علم أهاليهم وأحوالهم وكل من رضي ~~فعالهم أو مقالهم، وعدل عن أن يقول: «ولهؤلاء» إلى قوله: {وللكافرين} ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف وهو العراقة في الكفر، فكان فيه بشارة بأن ~~بعضهم سينجيه الله تعالى من أسباب الهلاك لكونه # PageV18P212 # ليس عريقا في الكفر، لأنه لم يطبع عليه {أمثالها *} أي أمثال هذه ~~العاقبة. # ولما بين أن يعلي أولياءه ويذل أعداءه، بين علته فقال: {ذلك} أي الأمر ~~العظيم الذي فعله بالفريقين {بأن الله} أي بسبب أن الملك الأعظم المحيط ~~بصفات الكمال {مولى الذين آمنوا} أي القريب من المصدقين به المرضين له، فهو ~~يفعل معهم بما له من الجلال والجمال ما يفعل القريب بقريبه الحبيب له، قال ~~القشيري: ويصح أن يقال: أرجى آية في كتاب الله هذه الآية لأنه لم يقل: ~~الزهاد والعباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد. يعني بل ذكر أدنى أسنان أهل ~~الإيمان. {وأن الكافرين} أي العريقين في هذا الوصف {لا مولى لهم ms4612 *} بهذا ~~المعنى، لأنهم بعيدون من الله الذي لا يعبد على الحقيقة إلا هو، فلا ينفعهم ~~قرب قريب أصلا وإن كان الله مولاهم بغير هذا المعنى بل بمعنى أنه سيدهم ~~ومالكهم، وفيه إيماء إلى أنه سبحانه وتعالى ولي من لم يكن عريقا في الكفر ~~فيخرجه من الظلمات إلى النور. # ولما تشوف السامع إلى تعرف تمام آثار الولاية، قال شافيا # PageV18P213 # لعي سؤالهم مؤكدا لأجل كثرة المكذبين: {إن الله} أي الذي له جميع الكمال ~~{يدخل الذين آمنوا} أي أوقعوا التصديق {وعملوا} تصديقا لما ادعوا أنهم ~~أوقعوه {الصالحات} فتمتعوا بما رزقهم الله من الملاذ لا على وجه أنها ملاذ ~~بل على وجه أنها مأذون فيها، وهي بلاغ إلى الآخرة وأكلوا لا للترفه بل ~~لتقوية البدن على ما أمروا به تقوتا لا تمتعا {جنات} أي بساتين عظيمة الشأن ~~موصوفة بأنها {تجري} وبين قرب الماء من وجهها بقوله: {من تحتها الأنهار} أي ~~فهي دائمة النمو والبهجة والنضارة والثمرة لأن أصول أشجارها ربى وهي بحيث ~~متى أثرت بقعة مناه أدنى إثارة جرى منها نهر، فأنساهم دخولهم غصص ما كانوا ~~فيه في الدنيا من نكد العيش ومعاناة الشدائد، وضموا نعيمها إلى ما كانوا ~~فيه في الدنيا من نعيم الوصلة بالله ثم لا يحصل لهم كدر ما أصلا، وهي ~~مأواهم لا يبغون عنها حولا، وهذا في نظير ما زوي عنهم من الدنيا وضيق فيها ~~عيشهم نفاسة منهم عنها حتى فرغهم لخدمته وألزمهم حضرته حبا لهم وتشريفا ~~لمقاديرهم {والذين كفروا} أي غطوا ما دل عليه العقل فعملوا لأجل كفرهم ~~الأعمال الفاسدة المبعدة عن جناب الله {يتمتعون} أي في الدنيا بالملاذ # PageV18P214 # لكونها ملاذ كما تتمتع الأنعام، ناسين ما أمر الله معرضين عن لقائه بل عن ~~الموت أصلا بل يكون ذكر الموت حاثا لهم على الانهماك في اللذات مسابقة له ~~جهلا منهم بالله {ويأكلون} على سبيل الاستمرار {كما تأكل الأنعام} أكل ~~التذاذ ومرح من أي موضع كان وكيف كان الأكل في سبعة أمعاء، أي في جميع ~~بطونهم من غير تمييز للحرام من ms4613 غيره لأن الله تعالى أعطاهم الدنيا ووسع ~~عليهم فيها وفرغهم لها حتى شغلهم عنه هوانا بهم وبغضا لهم لأنه علم حالهم ~~قبل أن يوجدهم فيدخلهم نارا وقودها الناس والحجارة {والنار} أي والحال أن ~~ذات الحرارة العظمى والإحراق الخارج عن الحد {مثوى} أي منزل ومقام {لهم *} ~~تنسيهم أول انغماسهم فيها كل نعيم كانوا فيه ثم لا يصير لهم نعيم ما أصلا، ~~بل لا ينفك عنهم العذاب وقتا ما، فالآية من الاحتباك، ذكر الأعمال الصالحة ~~ودخول الجنات أولا دليلا على حذف الفاسدة ودخول النار ثانيا، والتمتع ~~والمثوى ثانيا دليلا على حذف التعلل والمأوى أولا، فهو احتباك في احتباك # PageV18P215 # واشتباك مقارن لاشتباك. # ولما وعد سبحانه أنه ينصر من ينصره لأنه مولاه ويدخله دار نعمته، ويخذل ~~من يعانده لأنه عاداه إلى أن يدخله دار شقوته، كان التقدير دليلا على ذلك: ~~فكأين من قوم هم أضعف من الذين اتبعوك نصرناهم على من كذبهم، فلا خاذل لهم، ~~فعطف عليه قوله: {وكأين} ولما كانت قوة قريش في الحقيقة ببلدهم، وكان ~~الإسناد إليها أدل على تمالؤ أهلها وشدة اتفاقهم حتى كأنهم كالشيء الواحد ~~قال: {من قرية} أي كذبت رسولها {هي أشد قوة} وأكثر عدة {من قريتك} ولما كان ~~إنزال هذه بعد الهجرة، عين فقال: {التي أخرجتك} أي أخرجك أهلها متفقين في ~~أسباب الإخراج من أنواع الأذى على كلمة واحدة حتى كأن قلوبهم قلب واحد ~~فكأنها هي المخرجة - وهي مكة - كذبوك وآذوك حتى أخرجناك من عندهم لننصرك ~~عليهم بمن أيدناك بهم من قريتك هذه التي آوتك من الأنصار نصرا جاريا على ما ~~تألفونه وتعتادونه {أهلكناهم} بعذاب الاستئصال كما اقتضت عظمتنا، وحكى ~~حالهم الماضية بقوله: {فلا ناصر لهم *} . # ولما كان هذا دليلا شهوديا بعد الأدلة العقلية على ما تقدم الوعد # PageV18P216 # به، سبب عنه الإنكار عليهم فقال: {أفمن كان} أي في جميع أحواله {على ~~بينة} أي حالة ظاهرة البيان في أنها حق {من ربه} المربي المدبر له المحسن ~~إليه بما يقيم من الأدلة التي تعجز الخلائق أجمع عن أن يأتوا بواحد ms4614 منها ~~فبصر سوء عمله وأريه على حقيقته فرآه سيئا فاجتنبه مخالفا لهواه، قال ~~القشيري: العلماء في ضياء برهانهم والعارفون في ضياء بيانهم. {كمن زين له} ~~بتزيين الشيطان بتسليطنا له عليه وخلقنا للآثار بأيسر أمر {سوء عمله} من ~~شرك أو معصية دونه. # ولما كان التقدير: فرآه حسنا فعمله ملازما له، فكان على عمى وضلال، وكان ~~قد أفرد الضمير لقبول «من» له من جهة لفظها، جمع ردا على معناها بتعميم ~~القبح مثنى وفرادى، وإشارة إلى أن القبيح يكون أولا قليلا جدا، فمتى غفل ~~عنه فلم تحسم مادته دب وانتشر فقال عاطفا على ما قدرته: {واتبعوا أهواءهم ~~*} فلا شبهة لهم في شيء من أعمالهم السيئة فضلا عن دليل، والآية من ~~الاحتباك # PageV18P217 # ذكر البينة أولا دليلا على ضدها ثانيا، والتزيين واتباع الهوى ثانيا ~~دليلا على ضدهما أولا، وسره أنه ذكر الأصل الجامع للخير ترغيبا والأصل ~~الجامع للشر ترهيبا. # PageV18P218 # ولما تكرر ذكر الجنة والنار في هذه السورة إلى أن ختم بهذه الآية التي ~~قسم الناس فيها إلى أولياء مهتدين وأعداء ضالين معتدين، فهدى سياقها إلى أن ~~التقدير: أفمن كان على بينة من ربه أحياه الحياة الطيبة في الدارين، ومن ~~تبع هواه أراده فيها، أتبعه وصف الجنة التي هي دار أوليائه قادهم إليها ~~الهدى، والنار التي هي دار أعدائه ساقهم إليها الضلال المحتم للردى، فقال: ~~{مثل الجنة} أي البساتين العظيمة التي تستر داخلها من كثرة أشجارها. # ولما تكرر وعده سبحانه للذين آمنوا بالجنة بالاسم الأعظم الجامع وبعضها ~~بالضمير العائد إليه، صار الوعد بها في غاية التحقق فعبر عنه هنا بالماضي ~~المبني للمفعول إشارة إلى أنه أمر قد تحقق بأسهل أمر، وفرغ منه إلى أن صار ~~حاضرا لا مانع منه إلا الوصف الذي علق به الوعد ووصفها بصفات تفيد القطع ~~بأنه لا يقدر عليها إلا الله فصار مجرد # PageV18P218 # ذكرها والإخبار به عنها بصيغة المجهول أعلى لأمره فقال: {التي وعد ~~المتقون} أي الذي حملتهم تقواهم بعد الوقوف عن كل فعل لم يدل عليه دليل على ~~أن استمعوا منك ms4615 فانتفعوا بما دللتهم عليه من أمور الدين حتى انقسم الناس ~~إلى ثلاثة أقسام: مقبل عليه بكليته فهو متبع، ومعرض عنه جملة، ومستمع غير ~~منتفع. # ولما كان التقدير: مثل بستان عظيم لا يسقط ورقه ولا ينقطع ثمره ولا يتفطن ~~نعيمه لما فيه من الأنهار المتنوعة، وكان ما هو بهذه الصفة إنما هو موهوم ~~لنا لا معلوم، طواه وذكره ما دل عليه من صفة الجنة الموعودة المعلومة بوعد ~~الصادق الذي ثبت صدقه بالمعجزات فقال استئنافا: {فيها} أي الجنة الموعودة. ~~ولما كان ما يعهدونه من الجنان لا يحتمل أكثر من ثلاثة أنهار، عبر بالجمع ~~الذي يستعار للكثرة إذا دلت قرينة، وهي هنا المدح والامتنان، فقال: {أنهار ~~من ماء} ولما كان ماء الدنيا مختلف الطعوم على ثلاثة: حلو وعذب وملح، مع ~~اتحاد الأرض ببساطتها وشدة اتصالها للدلالة على أن فاعل ذلك قادر مختار، ~~وقد يكون آسنا أي متغيرا عن الماء الذي يشرب بريح منتنة من أصل خلقه أو من ~~عارض عرض له من منبعه أو مجراه قال: {غير آسن} أي ثابت له في وقت ما شيء من ~~الطعم أو الريح # PageV18P219 # أو اللون بوجه من الوجوه وإن طالت إقامته وإن أضيف إليه غيره فإنه لا ~~يقبل التغير بوجه. # ولما كان أكثر شرابهم بعد الماء اللبن، ثنى به فقال سبحانه: {وأنهار من ~~لبن} ولما كان التغير غير محمود، وكانوا يعهدون في الدنيا أن اللبن كله على ~~جميع أنواعه طيب حال نزوله من الضرع مع اختلاف ذوات الدر في الأشكال ~~والأنواع والمقادير والأمزجة، ومع انفصال كل واحدة منها من الأخرى، وأنه ~~إنما يتغير بعد حلبه، عبر بما ينفي التغير في الماضي فقال: {لم يتغير طعمه} ~~أي بنفسه عن أصل خلقته وإن أقام مدى الدهر، وهذا يفهم أنهم لو أرادوا ~~تغييره لشهوة اشتهوها تغير، وأنه مع طيبه على أنواع كثيرة كما كان في ~~الدنيا متنوعا. # ولما كان أكثر ما بعد اللبن الخمر قال: {وأنهار من خمر} ولما كانت الخمر ~~يكثر طعمها، وإنما يشربها شاربوها لأثرها، وأنه متى تغير ms4616 طعمها زال اسمها، ~~عرف أن كل ما في خمر الجنة في غاية الحسن غير متعرض لطعم فقال: {لذة} أي ~~ثابتة لها اللذة ودائمة حال شربها وعبده {للشاربين *} في طيب الطعم وحسن ~~العاقبة. # PageV18P220 # ولما كان العسل أعزها وأقلها، أخره وإن كان أجلها فقال: {وأنهار من عسل} ~~ولما كان عسل الدنيا لا يوجد إلا مخلوطا بالشمع وغيره من القذى قال: {مصفى} ~~أي هو صاف صفاء ما اجتهد في تصفيته من ذلك، وهذا الوصف ثابت له دائما لا ~~انفكاك له عنه في وقت ما، فقد حصل بهذا غاية التشويق إلى الجنة بالتمثيل ~~بما يستلذ به من أشربة الدنيا لأنه غاية ما نعلم من ذلك مجردا عما ينقصه أو ~~ينغصه مع الوصف بالغزارة والاستمرار قال البغوي: قال كعب الأحبار: نهر دجلة ~~نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سبحان ~~نهر عسلهم. وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر. وقال ابن عبد لحكم في ~~فتوح مصر: حدثنا عثمان بن صالح ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن ~~معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما سأل كعب الأحبار رضي الله عنه: هل تجد ~~لهذا النيل في كتاب الله تعالى خبرا؟ قال: أي والذي فلق البحر لموسى، إني ~~لأجده في يكتاب الله أن الله عز وجل يوحي إليه في كل عام مرتين، يوحي إليه ~~عن جريه أن الله يأمرك أن تجري، فيجري ما كتب الله له ثم يوحي إليه بعد ~~ذلك: يا نيل غر حميدا. حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث عن يزيد بن أبي ~~حبيب عن أبي الخير # PageV18P221 # عن كعب الأحبار أنه كان يقول: أربعة أنها من الجنة وضعها الله عز وجل في ~~الدنيا. فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة. وسيحان ~~نهر الماء في الجنة. وجيحان نهر اللبن في الجنة. حدثنا سعيد بن أبي مريم ~~حدثنا الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة قالا حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي ~~الخير عن ms4617 أبي جنادة الكناني أنه سمع كعبا يقول: النيل في الآخرة عسلا أغزر ~~ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل، ودجلة في الآخرة لبنا أغزر ما ~~يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل، والفرات خمرا أغزر ما يكون من ~~الأنهار التي سمى الله عز وجل، وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي ~~سمى الله وأصل هذا كله ما في الصحيح في صفة الجنة عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: # «سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة» وقال أبو حيان في حكمة ~~ترتيبها غير ما تقدم: إنه بدئ بالماء الذي لا يستغنى عنه في المشروبات، ثم ~~باللبن إذ كان يجري مجرى المطعومات في كثير من أقوات العرب وغيرهم، ثم ~~بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوفت النفس إلى ما يتلذذ به، ثم بالعسل ~~لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المطعوم والمشروب - انتهى. وأحسن منه ~~أنه لما كان السياق للتعجب في ضرب المثل لأنه قول # PageV18P222 # لا ينفك عن غرابة بدأ بأنهار الماء لغرابتها في بلادهم وشدة حاجتهم ~~إليها، ولما كان خلوها عن تغير أغرب نفاه، ولما كان اللبن أقل فكان جريه ~~أنهارا أغرب، ثنى به، ولما كان الخمر أعز ثلث به، ولما كان العسل أشرفها ~~وأقلها ختم به، ونبه - مع هذا التذكير بقدرته تعالى - على ما يريد بسبب ~~وبغير سبب فإن هذه المشروبات الثلاثة التي وبعضها متمحض للشرابية كالخمر ~~وبعضها في غذائية وهي فيه أغلب، وهو العسل، وبعضها ينزع إلى كل منهما وهو ~~اللبن كلها من الماء مع تمايزها مذاقا وأثرا في الغذاء والدواء وغير ذلك، ~~فإن الماء أصل النبات، ومن النبات يكون اللبن والخمر والعسل بما لا يخفى من ~~الأسباب، وأما الآخرة فغنية عن الأسباب لظهور اسمه الظاهر سبحانه هناك لأنه ~~لا ابتلاء فيها، وبهذا فهم للترتيب سر آخر وهو أنه تعالى قدم الماء لأنه ~~الأصل لها، وتلاه بأقرب الأشياء إليه في الشرابية والطبع: اللبن، ثم بما هو ~~أقرب إلى ms4618 اللبن من جهة أنه شراب فقط، ثم بالعسل لأنه أبعدها منه. # ولما كانت الثمار ألذ مستطاب بعد سائغ الشراب قال تعالى: # PageV18P223 # {ولهم فيها} ولما كان أهلها متفاوين في الدرجات فلا تجمع جنان أغلبهم ~~جميع ما في الجنة من الثمار بعض فقال: {من كل الثمرات} أي جميع أصنافها على ~~وجه لا حاجة معه من قلة ولا انقطاع. # ولما كان العيش لا يطيب مع الإنصاف بما يوجب العتب، قال مشيرا إلى أنه لا ~~يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، لأن الرتب متضائلة عن رتبته سبحانه: ~~{ومغفرة من ربهم} أي المحسن إليهم بمحو ذنوبهم السالفة أعيانها وأثارها ~~بحيث لا يخشون لها عاقبة بعقاب. لا عتاب وعدم بلوغهم إلى ما يحق له من ~~الشكر سبحانه. # ولما أرشد هذا السياق إلى أن التقدير: أفمن هو في هذا النعيم الأكبر ~~المقيم، بنى عليه قوله: {كمن هو خالد} أي مقيم إقامة لا انقطاع معها، ووحده ~~لأن الخلود يعم من فيها على حد سواء {في النار} أي التي لا يطفأ لهيبها، لا ~~يفك أسيرها ولا يؤنس عريبها. ولما كان كل واحد من داخليها له سقي يخصه على ~~حسب عمله ولا يظلم ربك أحدا. كان المؤثر لضرهم السقي على الكيفية التي تذكر ~~لا كونه من ساق معين، بني للمجهول قوله مسندا إلى ضمير الجمع قوله تعالى: # PageV18P224 # {وسقوا} أي عوض ما ذكر من شراب أهل الجنة {ماء حميما} أي في غاية الحرارة ~~{فقطع أمعاءهم *} ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك، وذلك أنه تعالى لما قدم ~~أن المؤمنين في جنات تجري من تحتها الأنهار، وأن الكافرين مأواهم النار، ~~وكان التقدير إنكاره على من لم يرتدع للزواجر تنبيها على أن عمله عمل من ~~يسوي بين الجنة والنار لأن كون النار جزاء لمثله والجنة جزاء المؤمن صار في ~~حد لا يسوغ إنكاره: أمثل الجنة الموصوفة كمثل النار، ومن هو خالد في الجنة ~~كمن هو خالد في النار - والله الموفق للصواب. # PageV18P225 # ولما كان التقدير بعد هذا التمثيل والوصف والتشويق الذي يبهر العقول: فمن ms4619 ~~الناس من يسمع منك بغاية المحبة والإنصاف فيعليه الله بفهم ما يتلوه ~~واعتقاده والعمل به واعتماده وهم المتقون الذين وعدوا الجنة، عطف عليه قوله ~~تعالى: {ومنهم من يستمع} أي بغاية جهده لعله يجد في المتلو مطعنا يشك به ~~على الضعفاء، وبين تعالى بعدهم بقوله: {إليك} ولما أفرد المستمع نظرا إلى ~~لفظ «من» إشارة إلى قلة المستمع جمع نظرا إلى معناه إشارة إلى كثرة ~~المعرضين الجامدين المستهزئين من المستمعين منهم والسامعين فقال تعالى: ~~{حتى} أي واستمر # PageV18P225 # إجهادهم لأنفسهم بالإصغاء حتى {إذا خرجوا} أي المستمعون والسامعون جميعا ~~{من عندك قالوا} أي الفريقان عمى وتعاميا واستهزاء. ولما كان مجرد حصول ~~العلم النافع مسعدا، أشار إلى تعظيمه ببنائه لما لم يسم فاعله فقال تعالى: ~~{للذين أوتوا العلم} أي بسبب تهيئة الله لهم بما آتاهم من صفاء الأفهام ~~لتجردهم عن النفوس والحظوظ وانقيادهم لما تدعوا إليه الفطرة الأولى: {ماذا ~~قال} أي النبي صلى الله عليه وسلم {آنفا} أي قبل افتراقنا وخروجنا عنه من ~~ساعة - أي أول وقت - تقرب منه، من أنفة الصلاة - بالتحريك، وهو ابتداؤها ~~وأولها، قال أبو حيان: حال، أي مبتدئا، أي ما القول الذي ائتنفه الآن قبل ~~انفصالنا عنه. ورد كونه ظرفا بأنه تفسير معنى، وأنه لا يعلم أحدا من النحاة ~~عده في الظروف. وقال البغوي: ائتنفت الأمر: ابتدأته، وأنف الشيء أوله، قال ~~مقاتل: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ويعيب المنافقين، فإذا ~~خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه استهزاء: ماذا قال ~~محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال ابن عباس رضي الله عنه: وقد سئلت فيمن سئل. # ولما دل هذا من المصغي ومن المعرض على غاية الجمود الدال # PageV18P226 # على غاية الشقاء، أنتج قوله: {أولئك} أي خاصة هؤلاء البعداء من الفهم ومن ~~كل خير {الذين طبع الله} أي الملك الأعظم الذي لا تناهي لعظمه جل وعلا {على ~~قلوبهم} أي فلم يؤمنوا ولم يفهموا فهم الانتفاع لأن مثل هذا الجمود لا يكون ~~إلا بذلك. ولما كان التقدير: ms4620 إنهم ضلوا حتى صاروا كالبهائم، عطف عليه ما هو ~~من أفعال البهائم فقال: {واتبعوا} أي بغاية جهدهم {أهواءهم *} أي مجانبين ~~لوازع العقل وناهي المروءة، فلذلك هم يتهاونون بأعظم الكلام ويقبلون على ~~جمع الحطام، فهم أهل النار المشار إليهم قبل آية «مثل الجنة» بأنهم زين لهم ~~سوء أعمالهم. # ولما ذكر ما هم عليه وشنع عليهم أقبح الذكر، ذكر الذين آتاهم العلم فقال: ~~{والذين اهتدوا} أي اجتهدوا باستماعهم منك في مطاوعة داعي الفطرة الأولى ~~إلى الوقوع على الهدى بالصدق في الإيمان والتسليم والإذعان بأنواع ~~المجاهدات {زادهم} أي الله الذي طبع على قلوب الجهلة {هدى} بأن شرح صدورهم ~~ونورها بأنوار المشاهدات فصارت أوعية للحكمة «إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم» {وآتاهم تقواهم *} أي بين لهم ما هو أهل ~~لأن يحذر ووفقهم لاجتنابه # PageV18P227 # مخالفة للهوى، فهم القسم الأول من آية توطئة المثل {الذين هم على بينة من ~~ربهم} ومعنى الإضافة أنه آتى كلا منهم منها بحسب ما يقتضيه حاله، قال ابن ~~برجان: التقوى عمل الإيمان كما أن أعمال الجوارح عمل الإسلام - انتهى. # PageV18P228 # ولما كان أشد ما يتقى القيامة التي هم بها مكذبون، سبب عن اتباعهم الهوى ~~قوله تعالى: {فهل ينظرون} أي ينتظرون، ولكنه جرده إشارة إلى شدة قربها {إلا ~~الساعة} ولما كان كأنه قيل: ما ينتظرون من أمرها؟ أبدل منها قوله: {أن ~~تأتيهم} أي تقوم عليهم، وعبر بالإتيان زيادة في التخويف {بغتة} أي فجاءة من ~~غير شعور بها ولا استعداد لها. # ولما دل ذلك على مزيد القرب، وكان مجيء علامات الشيء أدل على قربه مع ~~الدلالة على عظمته، قال معللا للبغتة: {فقد} ودل على القوة بتذكير الفعل ~~فقال: {جاء أشراطها} أي علاماتها المنذرات بها # PageV18P228 # من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم «بعثت أنا والساعة كهاتين» انشقاق ~~القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها وغير ذلك، وما بعد مقدمات ~~الشيء إلا حضوره. # ولما كان المجيء من أهوالها تذكرها قبل حلولها للعمل بما يقتضيه التذكر، ~~وكانت إذا جاءت شاغلة عن كل شيء، سبب ms4621 عن مجيئها قوله تعالى: {فأنى} أي فكيف ~~ومن أين {لهم إذا جاءتهم} أي الساعة وأشراطها المعينة لها مثل طلوع الشمس ~~من مغربها {ذكراهم *} لأنهم في أشغل الشغل ولو فرغوا لما تذكروا فعملوا ما ~~أفاد لفوات وقت الأعمال وشرطها، وهو العمل على الإيمان بالغيب، وهكذا ساعة ~~الإنسان التي # PageV18P229 # تخصه وهي موته وأشراطها الجاثة على الذكرى وهو المرض والشيب ونحو ذلك، ~~ومن أشراطها المعينة لها التي لا ينفع معها العمل الوصول إلى حد الغرغرة. # ولما علم بذلك أن الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه الدار التي جعلت للعمل ~~أو جاءت الأشراط المحققة الكاشفة لها، سبب عنه أمر أعظم الخلق وأشرفهم ~~وأرقاهم وأجملهم صلى الله عليه وسلم تكوينا ليكون لغيره تكليفا فقال تعالى: ~~{فاعلم أنه} أي الشأن الأعظم الذي {لا إله إلا الله} أي انتفى انتفاء عظيما ~~أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية ~~من أهوال الساعة، وإنما تكون عالما إذا كان نافعا وإنما يكون نافعا إذا كان ~~مع الإذعان والعمل بما يقتضيه وإلا فهو جهل صرف، وهذا العلم يفيد أنه لا بد ~~من قيام الساعة لأن الإله وعد بذلك وهو متصف # PageV18P230 # بالكمال ولا شريك له يمنعه من إنجاز وعده. قال القشيري: والعبد يعلم أولا ~~ربه بدليل وبحجة فعلمه بنفسه ضروري وهذا هو أصل الأصول، وعليه بني كل علم ~~استدلالي، ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان وكثرة الحجج وتناقص علمه بنفسه ~~بغلبات ذكره لله بقلبه، فإذا انتهى إلى حال المشاهدة واستيلاء سلطان ~~الحقيقة عليه صار علمه في تلك الحالة ضروريا ويقل إحساسه بنفسه حتى يصير ~~علمه بنفسه كالاستدلال وكأنه غافل عن نفسه أو ناس لنفسه، ويقال: الذي رأى ~~البحر غلب عليه ما يأخذه في الرؤية للبحر عن ذكر نفسه فإذا ركب البحر قوي ~~هذا الحال، فإذا غرق في البحر فلا إحساس له بشيء سوى ما هو مستغرق فيه ~~ومستهلك، ولهذه الكلمة من الأسرار ما يملأ الأقطار منها أنها بكلماتها ~~الأربع مركبة من ثلاثة أحرف إشارة إلى ms4622 الوتر الذي هو الله سبحانه وتعالى ~~والشفع الذي هو الخلق أنشأه تعالى أزواجا، ومنها حرف لساني وحرفان حلقيان: ~~الهاء والألف، غير أن الألف عبر عنها بمظهرها وهو الهمزة ظاهرا مرتين وخفيا ~~في أداة التعريف في الابتداء مرة، وذكرت # PageV18P231 # بلفظها أربع مرات، فتلك سبع هي أتم العدد لذلك وبني الخلق عليه، ~~فالسماوات سبع والأراضي كذلك سبع إشارة إلى أن الإله الحق الذي هو غيب محض ~~إنما علم بالتنزيل بأفعاله، فهي وصلة إلى معرفته وهي منقسمة إلى علوي وسفلي ~~كما أن الألف التي هي كالغيب لأنها لا يمكن النطق بها ابتداء نزلت في مظهر ~~الهمزة التي تكررت في هذه الكلمة مرتين في مقابلة الكونين العلوي والسفلي ~~وبينهما ما لا نعلمه مما خفي عنا كما خفيت همزة الوصل. # وعبر في الأمر بهذه الكلمة بالعلم إعلاما بأن عمل القلب بها هو العمدة ~~العظمى لكن لما كانت حروفها حلقيا ولسانيا كان في ذلك إشارة إلى أنه لا ~~يكفي في أمرها إلا إذعان الباطن ومطابقة الظاهر الذي هو اللسان، فهو ترجمان ~~القلب، ومتى لم يطابق اللسان القلب حيث لا مانع كان صاحبه من أهل آية ~~الصافات وأحرفها اللفظية أربعة عشر حرفا على عدد السماوات والأرض الدالة ~~على الذات الأقدس الذي هو غيب محض والمقصود منها مسمى الجلالة الذي هو ~~الإله الحق سبحانه وتعالى والجلالة الدالة عليه خمسة أحرف على عدة دعائم ~~الإسلام الخمس: ووتريته دلالة على التوحيد، ولم يجعل فيها شيئا شفهيا لتمكن ~~ملازمتها لكونها أعظم مقرب إلى الله وأقرب موصل # PageV18P232 # إليه مع الإخلاص، فإن الذاكر بها يقدر على المواظبة عليها ولا يعلم جليسه ~~بذلك أصلا، لأن غيرك لا يعلم ما في وراء شفتيك إلا بإعلامك، وكما دل الكلام ~~على التوحيد بهذه الكلمة صريحا دل على كلمة الرسالة التي لا ينفع التوحيد ~~إلا بها تلويحا بتسمية السورة «سورة محمد» ، فهي القتال لأنه أمر صلى الله ~~عليه وسلم أن يقاتل الناس حتى يصرحوا بما صرحت به السورة من كلمة التوحيد، ~~وهي سورة محمد صلى الله عليه وسلم ms4623 لأن التوحيد لا ينفع بدون الشهادة له ~~بالرسالة، وبين الكلمتين مزيد اتفاق يدل على تمام الاتحاد والاعتناق، وذلك ~~أن أحرف كل منهما إن نظرنا إليها خطا كانت اثني عشرة حرفا على عدد أجزاء ~~السنة يكفر كل حرف منها شهرا، وإن نظرنا إليها نطقا كانت أربعة عشر حرفا ~~لملأ الخافقين نورا وعظمة ومهابة وجلالة واحتشاما، وإن نظرنا إليها ~~بالنظرين معا كانت خمسة عشر لا يوقفها عن ذي العرش خالق الكونين موقف، وهو ~~سر غريب دال على الحكم الشرعي الذي هو عدم انفكاك إحداهما عن الأخرى، فمن ~~لم يجمعهما اعتقاده لم يقبل # PageV18P233 # إيمانه، وقدمت هذه السورة في هذا سابقة لأن لها السبق وذكرت الأخرى في ~~الفتح تالية، وسميت سورة هذه بالقتال وسورة الكلمة المحمدية بالفتح إشارة ~~إلى أنه ما قاتل أحد عليهما مع الإخلاص إلا فتح عليه ولا يقدر أحد على ~~مخالفته مع مناصبته إلا نفاقا على وجه الذل والاضطراب. # ولما كان حصول التوحيد الذي هو كمال النفس موجبا للإجابة كما في حديث أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه عند الترمذي وأبي يعلى «ما من مؤمن يدعو الله ~~بدعوة إلا استجيب له ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم» الحديث، قال معلما أنه ~~يجب على الإنسان بعد تكميل نفسه السعي في تكميل غيره ليحصل التعاون على ما ~~خلق العباد له، {واستغفر} أي اطلب الغفران من الله بعد العلم بأنه لا كفوء ~~له بالدعاء له وبالاجتهاد في الأعمال الصالحة {لذنبك} ، وهو كل مقام عال ~~ارتفعت عنه إلى أعلى منه، وأوجده أنت من نفسك من أساء إليك لتكثر أبتاعك، ~~فإن الاستقامة مهيئة للإمامة. # PageV18P234 # ولما كان تكميل النفس مرقيا إلى تكميل الغير ليكون له مثل أجره، قال ~~تعالى مبينا لهذه النعمة العظيمة والمنة الجسيمة معيدا للجار معبرا ~~بالإيمان والوصف إيذانا بأن أعلى الأمة محتاج إلى ذلك، لأنه لا يقدر أحد أن ~~يقدر الله حق قدره، وهذا مشرفا لهذه الأمة حيث أمر الشفيع المجاب الدعوة ~~بالاستغفار لهم وهو بالدعاء والحث على الاجتهاد في الأعمال الصالحة، حاذفا ms4624 ~~المضاف إشارة إلى الاحتياج إلى المغفرة في كل حال لما للإنسان من النقصان ~~بالخطأ والنسيان: {وللمؤمنين والمؤمنات} أي الراسخين في الإيمان لأنهم أحق ~~الناس بذلك منك لأن ما عملوا من خير كان لك مثل أجره، ولا يخلو أحد منهم من ~~تقصير في المعارف الإلهية والعمل بموجبها أو هفوة. # ولما كان معرفة من يذنب ومن لا يذنب متوقفة على إحاطة العلم، قال عاطفا ~~على ما تقديره: فالله يعلم حركاتكم وسكناتكم سرا وجهرا ويعلم أنكم لا بد أن ~~تعملوا ما جبلكم عليه من ذنب وهو يغفر لمن أراد ممن يسعى في كمال نفسه ~~وتكميل غيره بغسل الذنوب، بالرجوع إلى طاعة علام الغيوب {والله} المحيط ~~بجميع صفات الكمال {يعلم متقلبكم} أي تقلبكم ومكانه وزمانه {ومثواكم *} أي ~~موضع # PageV18P235 # سكونكم وقراره للراحة وكل ما يقع فيه من الثواء في وقته - في الدنيا ~~والآخرة من حين كونكم نطفا إلى ما لا آخر له. # PageV18P236 # ولما كان دليل على إحاطة العلم، علم ما أبطنه الإنسان ولا سيما إن كان ~~مخالفا لما أظهره، قال دالا على إحاطة علمه بإظهار أسرار المنافقين عاطفا ~~على {ومنهم من يستمع إليك} : {ويقول} على سبيل التجديد المستمر {الذين ~~آمنوا} أي ادعوا ذلك بألسنتهم وفيهم الصادق والمنافق دالين على صدقهم في ~~إيمانهم بالتحريض على طلب الخير بتجدد الوحي الذي هو الروح الحقيقي: {لولا ~~نزلت} على سبيل التدريج، وبناه للمفعول دلالة على إظهار أنهم صاروا في ~~صدقهم في الإيمان اعتقادهم أن التنزيل لا يكون إلا من الله بحيث لا يحتاجون ~~إلى التصريح به {سورة} أي سورة كانت لنسر بسماعها ونتعبد بتلاوتها ونعمل ~~بما فيها كائنا ما كان، ويستمر الوحي فينا متجددا مع تجدد الزمان ليكون ذلك ~~أنشط لنا وأدخل في تحريك عزائمنا {فإذا أنزلت سورة} أي قطعة من القرآن ~~تكامل نزولها كلها تدريجا أو جملة، وزادت على مطلوبهم بالحس بأنها {محكمة} ~~أي # PageV18P236 # مبينة لا يلبس شيء منها بنوع إجمال ولا ينسخ لكونه جامعا للمحاسن في كل ~~زمان ومكان {وذكر فيها القتال} بأي ذكر كان، والواقع أنه ms4625 لا يكون إلا ذكرا ~~مبينا أنه لا يزداد إلا وجوبا وتأكدا حتى تضع الحرب أوزارها، قال البغوي: ~~وكل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين. وهو ~~مروي عن قتادة {رأيت} أي بالعين والقلب {الذين في قلوبهم مرض} أي ضعف في ~~الدين أو نفاق من الذين أقروا بالإيمان وطلبوا تنزيل القرآن وكانوا قد ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن أمرتهم ليخرجن {ينظرون إليك} كراهة لما نزل ~~عليك بعد أن حرضوا على طلبه {نظر المغشي عليه} ولما كان للغشي أسباب، بين ~~أن هذا أشدها فقال تعالى: {من الموت} الذي هو نهاية الغشي فهو لا يطرف ~~بعينه بل هو شاخص لا يطرف كراهة للقتال من الجبن والخور. # ولما كان هذا أمرا منابذا للإنسانية لأنه مباعد للدين والمروءة، سبب عنه ~~أعلى التهديد فقال متوعدا لهم بصورة الدعاء بأن يليهم المكروه: # PageV18P237 # {فأولى} أي أشد ميل وويل وانتكاس وعثار موضع لهم في الهلكة كائن {لهم *} ~~أي خاص بهم، وفسرته بذلك لما تقدم في آخر الأنفال من أن مادة «ولى» تدور ~~على الميل، فإذا كانت على صيغة أفعل التفضيل - وهو قول الأكثر - جاءت ~~الشدة، قال الأصمعي: إنه فعل ماض أي قاربهم ما يهلكهم وأولادهم الله ~~الهلاك، وقال الرضي في باب المعرفة والنكرة: إنه علم للوعيد وفيه وزن الفعل ~~فلذا منع من الصرف، وليس بأفعل تفضيل ولا أفعل فلا ولا اسم فعل لأن أبا زيد ~~حكى لحاق تاء التأنيث له فقالوا: أولاة الآن - كأرملة وهو من وله الشر أي ~~قرنه حال، وقبوله للتاء لا يضر الوزن، لأن ذلك في علم آخر. # ولما علم بما ذكر من التسبب أن هذا الدعاء عليهم لما تقدم من سوء أدبهم ~~في مقالهم، وقبح ما ظهر من فعالهم، حصل التشوف إلى ما ينبغي لهم، فقال ~~تعالى على طريق النشر المشوش: {طاعة} أي # PageV18P238 # منهم {وقول معروف} أي بالتسليم والإذعان وحسن الانقياد خير لهم مما ~~أظهروا من المحبة في الطاعة وما كشف حالهم عنه من الكراهة، ونكر الاسمين ~~ليكونا صالحين للتعظيم وما ms4626 دونه، ثم سبب عنهما قوله مسندا إلى الأمر ما هو ~~لأهله تأكيدا لمضمون الكلام: {فإذا عزم الأمر} أي فإذا أمر بالقتال الذي ~~ذكر في أول السورة وغيره من الأوامر أمرا مجزوما به معزوما عليه {فلو صدقوا ~~الله} أي الملك الأعظم المحيط قدرة وعلما في قولهم الذي قالوه في طلب ~~التنزيل {لكان} صدقهم له {خيرا لهم *} أي من تعللهم وتسللهم عنه لواذا على ~~تقدير التنزيل في تسليم أن في جماحهم عن الأمر وتقاعدهم عنه نوع خير، ويجوز ~~أن يكون «خير» اسما لا للتفضيل ليفهم أن كذبهم شر لهم. # ولما كان هذا تبكيتا لهم من أجل فتورهم عن أمر الله، سبب عن ذلك الفتور ~~بيان ما يحصل منه من عظيم الفساد ويتأثر به # PageV18P239 # من خراب البلاد وشتات العباد في معرض سؤال في أسلوب الخطاب بعد التبكيت ~~والتهديد في أسلوب الغيبة تنبيها على تناهي الغضب وبلوغه الغاية فقال ~~تعالى: {فهل عسيتم} أي فتسبب عن تسرعكم إلى السؤال في أن يأمركم الملك بما ~~يرضيه، فإذا أجابكم فرحمكم بما يعلم أنه أصلح الأشياء لكم وهو الجهاد ~~كرهتموه ووجهتم منه وقعدتم عنه أن يقال لكم لما يرى منكم من المخايل الدالة ~~على ضعف الإيمان: هل يمكن عندكم نوع إمكان وتتوقعون شيئا من توقع أن يكون ~~حالكم جديرا وخليقا لتغطية علم العواقب عنكم فتخافون من أنفسكم. # ولما كان المقام لذم الإعراض عن الأمر، فصل بين «عسى» وخبرها بشرطية معبر ~~فيها بالتولي بصيغة التفعل إشارة مع نهاية الذم إلى أن المعرض عن أمر الله ~~معرض عما تدعوه الفطرة الأولى القويمة والعقل السديد إلى حسنه، فهو لا يعرض ~~عنه إلا بمجاهدة منه لنفسه فقال تعالى: {إن توليتم} أي بأنفسكم عن الجهاد ~~الذي أمركم به ربكم الذي عرفكم من فوائده ما لا مزيد عليه مما لا يتركه معه ~~عاقل ولا يتخيل تركه إلا على سبيل الفرض - بما أشارت إليه أداة الشرط - أو ~~حصلت # PageV18P240 # توليتكم بتحصيل محصل أوجبها لكم وزينها في أعينكم حتى فعلتموها، وهذا ~~المعنى الثاني هو المراد ببنائه للمجهول ms4627 في رواية رويس عن يعقوب {أن ~~تفسدوا} أي توقعوا الإفساد العظيم الذي يستمر تجديده منكم {في الأرض} بقتال ~~يكرهه الله ويسخطه ويغضب أشد غضب على فاعله وتكونوا في غاية الجرأة عليه، ~~فإن الذي رحمكم بإنزال ما أنزل حكم بأن من جبن عما يرضيه رغبة في الآخرة ~~اجترأ على ما يسخطه حبا في الدنيا، وقد كنتم في الجاهلية على ذلك في الغارة ~~من بعضكم على بعض ونحو ذلك {وتقطعوا} تقطعيا عظيما شديدا كثيرا منتشرا ~~كبيرا {أرحامكم *} فتكونوا بذلك أعزة على المؤمنين كما كنتم أذلة على ~~الكافرين، وأقل ما في إعراضكم خذلانكم للمؤمنين المجاهدين بما قد يكون سببا ~~لظهور الكافرين عليهم فتكونوا بذلك قد جمعتم بين قطيعة أرحامهم وفقدكم لما ~~كان يصل إليكم من منافعهم، فإن كففتم بعدهم عن قتلهم كنتم مع ما فاتكم من ~~خيرهم أجبن الناس وأرضاهم بالعار، وإن تعاطيتم الأخذ بثأرهم كنتم كمن أخذ ~~في # PageV18P241 # فعل ما أمر به بعد فواته وأن له ذلك، وقد علم من هذا أن من أمر بالمعروف ~~وجاهد أهل المنكر أمن الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، ومن تركه وقع فيهما، ~~ويمكن أن يكون «توليتم» من ولاية الأمر، فتكون الآية مشيرة إلى ولاية ~~الفجرة ومنذرة بذلك أن اصنع الأمر بالمعروف، وقد وقع ذلك وشوهد ما ابتنى ~~عليه من الفساد والقطيعة، وعزائم الأنكاد وسوء الصنيعة. # PageV18P242 # ولما بين لهم ما يكون ممن تثاقل عن أمر الله، لأن الملك لا يطرق احتمالا ~~في شيء إلا وهو واقع فرقا بين كلامه وكلام غيره، فكيف بملك الملوك المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما، بين حالهم الذي أنتج لهم ذلك، فقال ملتفتا عنهم إيذانا ~~بالغضب مخاطبا لمن جبل على الشفقة على خلق الله والرحمة لهم إعلاما له بأن ~~هؤلاء قد تحتم شقاؤهم فليسوا بأهل للشفاعة فيهم ولا للأسى عليهم: {أولئك} ~~أي البعداء البغضاء {الذين لعنهم الله} أي طردهم أشد الطرد الملك الأعظم ~~لما ذكر من إفسادهم وتقطيعهم؛ ثم سبب عن لعبهم قوله تعالى: {فأصمهم} عن ~~الانتفاع بما يسمعون {وأعمى أبصارهم *} عن الارتفاق ms4628 بما يبصرون، # PageV18P242 # فليس سماعهم سماع ادكار، ولا إبصارهم إبصار اعتبار، فلا سماع لهم ولا ~~إبصار. # ولما أخبر بذلك فكان ربما سأل من لا يعي الكلام حق وعيه عن السبب الموجب ~~للعن المسبب للصم والعمى، أجابه بقوله منكرا موبخا مظهرا لتاء التفعل إشارة ~~إلى أن المأمور به صرف جميع الهمة إلى التأمل: {أفلا يتدبرون} أي كل من له ~~أهلية التدبر بقلوب منفتحة منشرحة ليهتدوا إلى كل خير {القرآن} بأن يجهدوا ~~أنفسهم في أن يتفكروا في الكتاب الجامع لكل خير الفارق بين كل ملبس تفكر من ~~ينظر في أدبار الأمور وماذا يلزم من عواقبها ليعلموا أنه لا عون على ~~الإصلاح في الأرض وصلة الأرحام والإخلاص لله في لزوم كل طاعة والبراءة من ~~كل معصية مثل الأمر بالمعروف من الجهاد بالسيف وما دونه، وربما دل إظهار ~~التاء على أن ذلك من أظهر ما في القرآن من المعاني، فلا يحتاج في العثور ~~عليه إلى كبير تدبر- والله أعلم. # ولما كان الاستفهام إنكاريا فكان معناه نفيا، فهو لكونه داخلا على النفي ~~نفي له فصار إثباتا، فكان كأنه قيل: هل يجددون التدبر تجديدا مستمرا لترق ~~قلوبهم به وتنير بصائرهم له، فيكفوا عن # PageV18P243 # الإفساد والتقطيع، عادله بقوله مشبها للقلوب بالصناديق دالا على ذلك ~~التشبيه بذكر ما هو مختص بالصناديق من الأقفال: {أم على قلوب} من قلوب ~~الغافلين لذلك، ونكرها لتبعيضها وتحقيرها بتعظيم قسوتها {أقفالها *} أي ~~الحقيقة بها الجديرة بأن تضاف إليها، فهي لذلك لا تعي شيئا ولا تفهم أمرا ~~ولا تزداد إلا غباوة وعنادا، لأنها لا تقدر على التدبر، قال القشيري: فلا ~~تدخلها زواجر التنبيه ولا ينبسط عليها شعاع العلم، فلا يحصل لهم فهم ~~الخطاب، والباب إذا كان مقفلا فكما لا يدخل فيه شيء فلا يخرج ما فيه، فلا ~~كفرهم يخرج ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل - انتهى. والإضافة تشعر بأن ~~بعض المتولين على قلوبهم أقفال، لكن ليست متمكنة فيها، فهو سبحانه يفتحها ~~بالتوبة عليهم إذا أراد، وأما الأولون فلا صلاحية لهم، وفي هذه الآية أعظم ~~حاث على ms4629 قبول أوامر الله لا سيما الجهاد في سبيله وأشد زاجر عن الإعراض عنه ~~لأن حاصلها أنه لعن من أعرض عنه لكونه لا يتدبر القرآن مع وضوحه ويسره ~~ليعلم فوائد الجهاد الداعية إليه المحببة فيه، فكان كأن قلبه مقفل، والآية ~~من الاحتباك: # PageV18P244 # ذكر التدبر أولا دليلا على ضده ثانيا، والأقفال ثانيا دليلا على ضدها ~~أولا، وسره أنه ذكر نتيجة الخير الكافلة بالسعادة أولا وسبب الشر الجامع ~~للشقاوة ثانيا. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بأقفال قلوبهم، بين منشأ ذلك، فقال مؤكدا تنبها ~~لمن لا يهتم به على أنه مما ينبغي الاهتمام بالنظر فيه ليخلص الإنسان نفسه ~~منه، وتكذيبا لمن يقال: إن ذلك حسن: {إن الذين ارتدوا} أي عالجوا نفوسهم في ~~منازعة الفطرة الأولى في الرجوع عن الإسلام، وهو المراد بقوله: {على ~~أدبارهم} أي من أهل الكتاب وغيرهم، فقلبوا وجوه الأمور إلى ظهورها، فوقعوا ~~في الضلال فكفروا. # ولما كان الذي يلامون عليه ترك ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم مما ~~أوحاه الله سبحانه إليه من الشريعة، لا ما في غرائزهم من الملة التي يكفي ~~في الهداية إليها نور العقل، وكان الذم لاحقا بهم ولو كان ارتدادهم في أدنى ~~وقت، أثبت الجار فقال: {من بعد ما تبين} غاية البيان الذي لا خفاء معه بوجه ~~وظهر غاية الظهور {لهم} بالدلائل التي هي من شدة ظهورها غنية عن بيان مبين ~~{الهدى} أي الذي أتاهم به رسولنا صلى الله عليه وسلم. # PageV18P245 # ولما كانوا قد أحرقوا بذلك أنفسهم وأبعدوها به غاية البعد عن كل خير، عبر ~~عن المغوي بما يدل على ذلك فقال تعالى: {الشيطان} أي المحترق باللعنة ~~البعيد من الرحمة {سول} أي حسن {لهم} بتزيينه وإغوائه الذي حصل لهم منه ~~استرخاء في عزائمهم وفتور في هممهم فجروا معه في مراده في طول الأمل، ~~والإكثار من مواقعه الزلل والأماني من جميع الشهوات والعلل، بعد أن زين لهم ~~سوء العمل، بتمكين الله له منهم، وهذا لما علم سبحانه منهم حال الفطرة ~~الأولى {وأملى لهم *} أي أطال في ذلك ms4630 ووسع بتكرار ذلك عليهم على تعاقب ~~الملوين ومر الجديدين حتى نسوا المواعظ وأعرضوا عن الذكر هذا على قراءة ~~الجماعة بفتح الهمزة واللام، وأما على قراءة البصريين بضم الهمزة وكسر ~~اللام فالمراد أن الله تعالى هو المملي - أي الممهل - لهم بإطالة العمر ~~وإسباغ النعم، وتسهيل الأماني والحلم، عن المعاجلة بالنقم، حتى اغتروا، وهي ~~أيضا موافقة لقوله تعالى {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي ~~متين} [القلم: 45] ، وأما في قراءة # PageV18P246 # أبي عمرو بفتح الياء فهو فعل ماض مبني للمفعول، ودل على أن المملي هو ~~الله سبحانه وتعالى قراءة يعقوب بإسكان الياء على أنه مضارع همزته للمتكلم. # ولما بين تسليطه الشيطان عليهم، بين سببه فقال: {ذلك} أي الأمر البعيد من ~~الخير وما دل عليه صريح العقل {بأنهم} أي بسبب أن هؤلاء المتولين {قالوا ~~للذين كرهوا ما} أي جميع ما {نزل الله} أي الملك الأعظم على التدريج بحسب ~~الوقائع تنزيلا فيه إعجاز الخلق في بلاغة التركيب مع فصاحة المفردات ~~وجزالتها مع السهولة في النطق والعذوبة في السمع والملاءمة للطبع كما يشهد ~~به كل ذوق من الأغبياء والأذكياء على تباينهم في مراتب الغباوة والذكاء، ~~وإعجاز آخر لهم في رصانة المعنى وحكمته، وثالث في مطابقته للحال الذي اقتضى ~~نزوله مطابقة يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، ورابع بنظمه مع ما نزل قبله من ~~الآيات، لا على ترتيب النزول، بل على ما اقتضته الحكمة التي تتضاءل دونها ~~الأفكار، وتولى خاسئة من جلالتها على الأدبار، بصائر أولي الأبصار، وهؤلاء ~~المقول لهم هذا الكلام هم - والله أعلم - المصارحون بالكفر، قالوا لهم بعد ~~هذه الأدلة من الإعجازات، وما تقدمها من # PageV18P247 # الآيات البينات الواضحات: {سنطيعكم} بوعد صادق لا خلق فيه {في بعض الأمر} ~~وهو القتال في سبيل الله الذي تقدم أنهم عند نزول سورة يذكر بها يصيرون ~~كالذي يغشى عليه من الموت، فأنتم في أمان من أن نقاتلكم أبدا، فإنا إنما ~~أسلمنا للأمان على دمائنا وأموالنا، والذي نحبه مما ينزل هو التأمين لمن ~~أقر بكلمة الإسلام والقناعة منه بالظاهر والوعد ms4631 العام بالتبسط في البلاد ~~والتوسعة في الأرزاق ونحو ذلك، فكانوا بذلك كفرة فإن الدين لا يتجزأ، فمن ~~أضاع من أصوله شيئا فقد أضاعه كله، والتقييد بالبعض يفهم أنهم لا يطيعونهم ~~في البعض الآخر، وهو إظهار الإسلام والتصور بصورة المسالمة، وذلك كله بأن ~~الله تعالى جبلهم جبلة هيأهم فيها لمثل هذا، فلما قالوه مضيعين لما من ~~عليهم من غريزة العقل استحقوا في مجاري عاداتنا لاختيارهم طاعة العدو - مع ~~تعييب علم العواقب عنهم - أن يخذلوا ويسلط عليهم ليكون أخذهم في الظاهر ممن ~~أطاعوه في الباطن، ولو أنهم استمسكوا بدينهم وكانوا مع أهله يدا على من ~~سواهم لم يقدر عليهم عدو، ولا طرقتهم طارقة يكرهونها سوء. # PageV18P248 # ولما كان من له أدنى عقل لا يخون إلا إذا ظن أن خيانته تخفي ليأمن ~~عاقبتها، صور قباحة ما ارتكبوه فقال: {والله} أي قالوا ذلك والحال أن الملك ~~الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة {يعلم} على مر الأوقات {إسرارهم *} أي ~~كلها هذا الذي أفشاه عليهم وغيره مما في ضمائرهم مما لم يبرز على ألسنتهم، ~~ولعلهم لم يعلموه هم فضلا عن أقوالهم التي تحدثت بها ألسنتهم فبان بذلك أنه ~~لا أديان لهم ولا عقول ولا مروءات. # PageV18P249 # ولما بين تعالى إحاطة علمه بهم، أتبعه إحاطة قدرته فقال تعالى مسببا عن ~~خيانتهم وهم في القبضة بما لا يخفى مما يريدون به صيانة أنفسهم عن القتل ~~معبرا بالاستفهام تنبيها على أن حالهم مما يجازون به على هذا الاستحقاق له ~~من البشاعة والقباحة والفظاعة ما يحق السؤال عنه لأجله فقال: {فكيف} أي ~~حالهم {إذا توفتهم الملائكة} أي قبضت رسلنا وهم ملك الموت وأعوانه أرواحهم ~~كاملة، فجازتها إلى دار الجزاء مقطوعة عن جميع أسبابهم وأنسابهم فلم ينفعهم ~~تقاعدهم عن الجهاد في تأخير آجالهم، وصور حالهم وقت توفيهم # PageV18P249 # فقال: {يضربون} أي يتابعون في حال التوفية ضربهم {وجوههم} التي هي أشرف ~~جوارحهم التي جبنوا عن الحرب صيانة لها عن ضرب الكفار. ولما كان حالهم في ~~جبنه مقتضيا لضرب الأقفاء، صوره بأشنع صوره فقال: {وأدبارهم *} التي ms4632 ضربها ~~أدل ما يكون على هوان المضروب وسفالته ثم تتصل بعد ذلك آلامهم وعذابه ~~وهوانهم إلى ما لا آخر له. # ولما كان كفران النعيم يوجب مع إحلال النعم إبطال ما تقدم من الخدم قال: ~~{ذلك} أي الأمر العظيم الإهانة من فعل رسلنا بهم {بأنهم اتبعوا} أي عالجوا ~~فطرهم الأولى في أن تبعوا عنادا منهم {ما أسخط الله} أي الملك الأعظم وهو ~~العمل بمعاصيه من موالاة أعدائه ومناواة أوليائه وغير ذلك. # ولما كان فعل ما يسخط قد يكون مع الغفلة عن أنه يسخط، بين أنهم ليسوا ~~كذلك فقال تعالى: {وكرهوا} أي بالإشراك {رضوانه} بكراهتهم أعظم أسباب رضاه ~~وهو الإيمان، فهم لما دونه بالقعود عن سائر الطاعات أكره، لأن ذلك ظاهر ~~غاية # PageV18P250 # الظهور في أنه مسخط ففاعله مع ذلك غير معذور في ترك النظر فيه {فأحبط} أي ~~فلذلك تسبب عنه أنه أفسد {أعمالهم *} الصالحة فأسقطها بحيث لم يبق لها وزن ~~أصلا لتضييع الأساس من مكارم الأخلاق من قرى الضيف والأخذ بيد الضعيف ~~والصدقة والإعتاق وغير ذلك من وجوه الإرفاق. # ولما صور سبحانه ما أثرته خيانتهم بأقبح صوره، فبان به أنه ما حملهم على ~~ما فعلوه إلا جهلهم وسفاهتهم، فأنتج إهانتهم بالتبكيت فقال عاطفا على ما ~~تقديره: أعلموا حين قالوا ما يسخطنا أنا نعلم سرهم ونجواهم، وإن قدرتنا ~~محيطة بهم ليكونوا قد وطنوا أنفسهم على أنا نظهر للناس ما يكتمونه ونأخذهم ~~أخذا وبيلا فيكونوا أجهل الجهلة: {أم} حسبوا لضعف عقولهم - بما أفهمه ~~التعبير بالحسبان - هكذا كان الأصل، ولكنه عبر بما دل على الآفة التي أدتهم ~~إلى ذلك فقال تعالى: {حسب الذين في قلوبهم} التي إذا فسدت فسد جميع أجسادهم ~~{مرض} أي آفة لا طب لها حسبانا هو في غاية الثبات بما دل عليه التأكيد في ~~قوله سبحانه وتعالى: {أن لن يخرج الله} أي يبرز من هو محيط بصفات الكمال ~~للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين رضوان الله عليهم # PageV18P251 # على سبيل التجديد والاستمرار {أضغانهم *} أي ميلهم وما يبطنونه في دواخل ~~أكشاحهم من اعوجاجهم الدال ms4633 على أحقادهم، وهي أنهم كاتمون عداوة في قلوبهم ~~مصرون عليهم يترقبون الدوائر لانتهاز فرصتها، ليس الأمر كما توهموا بل الله ~~يفضحهم ويكشف تلبيسهم. # ولما علم من ذلك إحاطة علمه سبحانه وتعالى وشمول قدرته علم ما له سبحانه ~~من باهر العظمة وقاهر العزة، فنقل الكلام إلى أسلوبها تنبيها على ذلك عاطفا ~~على ما تقديره: خابت ظنونهم وفالت آراؤهم فلنخرجن ما يبالغون في ستره حتى ~~لا ندع منه شيئا يريدون إخفاءه إلا كشفناه وأبديناه للناس وأوضحناه، فإنا ~~نعلمهم ونعلم ذلك منهم من قبل أن نخلقهم، فلو نشاء لفضحناهم حتى يعرفهم ~~الناس أجمعون، فلا يخفى منهم أحد على أحد منهم فقال تعالى: {ولو} ويجوز أن ~~تكون واو للحال أي أم حسبوا ذلك والحال أنا لو {نشاء} أي وقعت منا مشيئة ~~الآن أو قبله أو بعده. ولما كانوا لشدة جهلهم لا يتصورون أن سرائرهم كلها ~~معلومة مقدور على أن يعلمها بشر مثلهم، أكد قوله: # PageV18P252 # {لأريناكهم} أي رؤية تامة كاشفة لك الغطاء عنهم {فلعرفتهم} أي فتعقبت ~~رؤيتك إياهم معرفتك لهم أنت بخصوصك {بسيماهم} أي بسبب علاماتهم التي نجعلها ~~عالية عليهم غالبة لهم في إظهار ضمائرهم عليها لا يقدرون على مدافعتها ~~بوجه، ولم يذكرهم سبحانه بأسمائهم إبقاء على قراباتهم المخلصين من الفتن. # ولما انقضى ما علق بالمشيئة مما كان ممكنا له في الماضي وغيره، عطف عليه ~~ما يجزه له مما كشف من أمرهم في المستقبل فقال مؤكدا لاستبعاد من يستبعد ~~ذلك منهم أو ممن شاركهم في مرض القلب من غيرهم فقال في جواب قسم محذوف دل ~~عليه باللام: {ولتعرفنهم} أي بعد هذا الوقت معرفة تتجدد بحسب تجدد أقوالهم ~~مستمرة باستمرار ضمائرهم الخبيثة وإسرارهم {في لحن القول} أي الصادر منهم، ~~ولحنه فحواه أي معناه ومذهبه وما يدل عليه ويلوح به من مثله عن حقائقه إلى ~~عواقبه وما «يؤول إليه» أمره مما يخفى على غيرك، # PageV18P253 # وقال ابن برجان: هو ما تنحوا إليه بلسانك أي تميل إليه ليفطن لك صاحبك ~~وتخفيه على من لم يكن له عهد بمرادك، وعلى ms4634 القول بالتحقيق فلحن القول ما ~~يبدو من غرض الكلام وخفيات الخطاب وسياق اللفظ وهيئة السحنة حال القول وإن ~~لم يرد المتكلم أن يظهره ولكنه على الأغلب يغلبه حالا، فلا يقدر على كل ~~كتمه وإن كان في تكليمه معتمدا على ذلك، وحقيقته حال يلوح عن السر وإظهار ~~كلام الباطن يكاد يناقض كلام اللسان بحال خفية ومعان يقف عليها باطن ~~التخاطب وقال: # ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا ... واللحن يعرفه ذوو الألباب # وقال آخر: # عيناك قد دلتا عيناي منك على ... أشياء لولاهما ما كنت أدريها # وقال أبو حيان: كانوا اصطلحوا على الفاظ يخاطبون بها الرسول صلى الله ~~عليه وسلم مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح، وقال الأصبهاني: وقيل للمخطىء: ~~لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب: وقال البغوي: للحن وجهان: صواب وخطأ، ~~فالفعل من الصواب لحن يلحن # PageV18P254 # لحنا فهو لحن - إذا فطن للشيء، والفعل من الخطأ لحن يلحن لحنا فهو لاحن، ~~والأصل فيه إزالة الكلام عن جهته، قال: فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا عرفه، وقال الثعلبي: وعن أنس رضي الله عنه: ~~ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية شيء من ~~المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في غزوة وفيها سبعة من المنافقين ~~يشكرهم الناس فناموا ذات ليلة وأصبحوا على جبهة كل واحد منهم مكتوب «هذا ~~منافق» ومثل ابن عباس رضي الله عنهم بقوله: «ما لنا إن أطعنا من الثواب» ~~قال: ولا يقولون: ما لنا إن عصينا من العقاب. # ولما أخبر سبحانه أنه يعلم ظواهرهم وبواطنهم، وأنه يجليهم لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم في صور ما يخفونه من أقوالهم، وأكد ذلك لعلمه بشكهم فيه، واجههم ~~بالتبكيت زيادة في إهانتهم عاما لغيرهم إعلاما بأنه محيط بالكل فقال عاطفا ~~على ما تقديره: فالله يعلم أقولكم: {والله} أي مما له من صفات الكمال {يعلم ~~أعمالكم *} كلها الفعلية والقولية جليها وخفيها، علما ثابتا غيبيا وعلما ~~راسخا شهوديا يتجدد # PageV18P255 # بحسب تجددها مستمرا باستمرار ذلك. # PageV18P256 # ولما أخبر ms4635 سبحانه أنه يعرفهم لنبيه صلى الله عليه وسلم، أتبعه الإخبار ~~بأنه يعرفهم لكافة المؤمنين أيضا، فقال مؤكدا لأجل ظنهم أن عندهم من الملكة ~~الشديدة والعقل الرصين ما يخفون به أمورهم: {ولنبلونكم} أي نعاملكم معاملة ~~المبتلى بأن تخالطكم بما لنا من صفات العظمة بالأوامر الشديدة على النفوس ~~النواهي الكريهة إليها والمصائب، خلطة مميلة محيلة، وهكذا التقدير في ~~الفعلين الآتيين في قراءة الجماعة بالنون جريا على الأسلوب الأول، وفي ~~قراءة أبي بكر عن عاصم بالياء الضمير لله تعالى الذي هو محيط بصفات العظمة ~~الراجعة إلى القهر وغيرها من صفات الإكرام الآئلة إلى الإنعام، فهو في غاية ~~الموافقة لقراءة النون {حتى نعلم} بالابتلاء علما شهوديا يشهده غيرنا ~~مطابقا لما كنا تعلمه علما غيبيا فنستخرج من سرائركم ما كوناه فيكم ~~وجبلناكم عليه مما لا يعلمه أحد منكم بل ولا تعلمونه أنتم حق علمه ~~{المجاهدين منكم} في القتال وفي سائر الأعمال والشدائد والأهوال امتثالا ~~للأمر بذلك. # ولما كان عماد الجهاد الصبر على المكاره قال تأكيدا لأمره: # PageV18P256 # {والصابرين} أي على شدائد الجهاد وغيره من الأنكاد، قال القشيري: ~~فبالابتلاء والامتحان تتبين جواهر الرجال، فيظهر المخلص ويتضح المماذق ~~وينكشف المنافق. ولما نصب معيارا للعلم بالذوات، أتبعه مسبارا للمعرفة ~~للأخيار، فقال عاطفا على «نعلم» في رواية الجماعة وعلى «نبلو» في الرواية ~~عن يعقوب بإسكان الواو: {ونبلوا أخباركم} أي نخالطها بأن نسلط عليها من ~~يحرفها فيجعل حسنها قبيحا وقبيحا مليحا ليظهر للناس العامل لله والعامل ~~للشيطان، فإن العامل لله إذا سمى قبيحه باسم الحسن علم أن ذلك إحسان من ~~الله إليه فيستحيي منه ويرجع إليه، وإذا سمى حسنه باسم القبيح واشتهر به ~~علم أن ذلك لطف من الله به كيلا يدركه العجب أو يهاجمه الرياء فيزيد في ~~إحسانه، والعامل للشيطان يزداد في القبائح. لأن شهرته عند الناس محط نظره، ~~ويرجع عن الحسن لأنه لم يوصله إلى ما أراد به من ثناء الناس عليه بالخبر ~~ولم يؤكد بنا، وفي قراءة يعقوب إشارة إلى أن إحالة حال المخبر بعد ظهور ~~خبره أسهل ms4636 من إحالته قبل ظهوره، وعن الفضيل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى ~~وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا هتكت أستارنا وفضحتنا. # PageV18P257 # ولما جرت العادة بأن الإنسان لا يعذب ولا يهدد إلى من ضره كما تقدم من ~~الإخبار بنكالهم وقبيح أعمالهم مهيئا للسؤال عن ذلك فاستأنف قوله مؤكدا ~~لظنهم أنهم هم الغالبون لحزب الله: {إن الذين كفروا} أي غطوا من دلت عليه ~~عقولهم من ظاهر آيات الله لا سيما بعد إرسال الرسول المؤيد بواضح المعجزات ~~صلى الله عليه وسلم {وصدوا} أي امتنعوا ومنعوا غيرهم زيادة في كفرهم {عن ~~سبيل الله} أي الطريق الواضح الذي نهجه الملك الأعظم. # ولما كان أكثر السياق للمساترين بكفرهم، أدغم في قوله: {وشاقوا الرسول} ~~أي الكامل في الرسلية المعروفة غاية المعرفة. # ولما كان سبحانه قد عفا عن إهمال الدليل العقلي على الوحدانية قبل ~~الإرسال، قال مثبتا الجار إعلاما بأنه لا يغفر لمضيعه بعد الإرسال ولو في ~~أدنى وقت: {من بعد ما تبين} أي غاية التبين بالمعجز {لهم الهدى} بحيث صار ~~ظاهرا بنفسه غير محتاج بما أظهره الرسول من الخوارق إلى مبين، ومنه ما ~~أخبرت به الكتب القديمة الإليهة. # ولما كان المناصب للرسول إنما ناصب من أرسله، دل على ذلك بقوله معريا له ~~من الفاء دلالة على عدم التسبيب بمعنى أن عدم هذا الضر # PageV18P258 # موجود عملوا أو لم يعملوا وجدوا أو لم يوجدوا {لن يضروا الله} أي ملك ~~الملوك، ولم يقل: الرسول {شيئا} أي كثيرا ولا قليلا من ضرر بما تجمعوا عليه ~~من الكفر والصد. # ولما كان التقدير: إنما ضروا أنفسهم ناجزا بأنهم أتعبوها مما لم يغن عنهم ~~شيئا. عطف عليه: {وسيحبط} أي يفسد فيبطل بوعد لا خلق فيه {أعمالهم *} من ~~المحاسن لبنائها من المنافق على غير أساس ثابت، فهو إنما يرائي بها، ومن ~~المجاهر على غير أساس أصلا، فلا ينفعهم شيء منها، ومن المكائد التي يريدون ~~بها توهين الإسلام ونجعل تدميرهم بها في تدبيرهم وإن تناهوا في إحكامها، ~~فلا تثمر لهم إلا عكس مرادهم سواء. ms4637 # ولما حدى ما تقدم كله من ترغيب المخلص وترهيب المتردد والمبطل إلى ~~الإخلاص ودعا إلى ذلك مع بيان أنه لا غرض أصلا، وإنما هو رحمة ولطف وإحسان ~~ومن، أنتج قوله مناديا من احتاج إلى النداء من نوع بعد لاحتياجه إلى ذلك ~~وعدم مبادرته قبله: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم {أطيعوا الله} ~~أي الملك # PageV18P259 # الأعظم تصديقا لدعواكم طاعته بشدة الاجتهاد فيها أنها خالصة، وعظم الرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بإفراده فقال تعالى: {وأطيعوا الرسول} لأن طاعته ~~من طاعة الذي أرسله، فإذا فعلتم ذلك حققتم أنفسكم وأعمالكم كما مضى أول ~~السورة، فتكون صحيحة ببنائها على الطاعة بتصحيح النيات وتصفيتها مع الإحسان ~~للصورة في الظاهر ليكمل العمل صورة وروحا. # ولما كانت الطاعة قد تحمل على إقامة الصورة الظاهرة، قال منبها على ~~الإخلاص لتكمل حسا ومعنى: {ولا تبطلوا أعمالكم *} أي بمعصيتهما، فإن ~~الأعمال الصالحة إذا نوى لها ما لا يرضيهما بطلب وإن كانت في الذروة من حسن ~~الصورة، فكانت صورة بلا معنى، فهي مما يكون هباء منثورا مثل ما فعل أولئك ~~المظهرون للإيمان المبطنون للمشاققة بالنفاق والرياء والعجب والملء والأذى ~~ونحو ذلك من المعاصي، ولكن السياق بسياقه ولحاقه يدل على أن الكفر هو ~~المراد الأعظم بذلك، والآية من الاحتباك: ذكر الطاعة أولا دليلا على ~~المعصية ثانيا، والإبطال ثانيا دليلا على الصحة أولا، وسره أنه أمر بمبدأ # PageV18P260 # السعادة ونهى عن نهاية الفساد ثانيا، لأنه أعظم في النهي عن الفساد لما ~~فيه من تقبيح صورته وهتك سريرته. # PageV18P261 # ولما دل ما أخبر به أولا عن المشاققين على أنهم مغلوبون في الدنيا خاسرون ~~في الآخرة، وكانت الخسارة في الآخرة مشروطة بشرط، علل ما أمر به المؤمنون ~~هنا من الطاعة ونهوا عنه من إبطال الأعمال بالمعصية، زيادة في حثهم على ما ~~أمر به بعلتين كل منها مستقل بامتثال أمره واجتناب نهيه: إحدهما عدم ~~المغفرة، والثانية بطلان الأعمال والأموال بكون الدنيا لا حقيقة لها، وقدم ~~الأولى لأن الثانية - وهي أن الدنيا لعب - كالعلة الحاصلة على ما أوجبها، ms4638 ~~ومن حسن التعليم بيان الحكم ثم تعليله بأقرب ما يحمل عليه أو يصد عنه، ~~فكأنه قيل: لا تبطلوها بالصد عن سبيل الله الحامل عليه الإقبال على الدنيا ~~التي هي عين الباطل، فإنكم إن فعلتم ذلك فاتتكم المغفرة، وذلك من معنى قوله ~~تعالى مؤكدا لإنكارهم مضمونه: {إن الذين كفروا} أي أوقعوا الكفر بفعلهم فعل ~~الساتر لما دله عليه عقله من آيات الله المرئية ثم المسموعة {وصدوا عن سبيل ~~الله} أي طريق الملك الأعلى الواضح المستقيم الموصل إلى كل ما ينبغي أن ~~يقصد كل من أراده بتماديهم على باطلهم وأذاهم لمن خالفهم. # ولما كان هذا أمرا قبيحا من جهات عديد لما فيه من مخالفة # PageV18P261 # الملك الأعظم المرهوب بطشه المحذورة سطوته، ومن ترك الواسع إلى الضيق ~~والمستقيم إلى المعوج والموصل إلى الفوز إلى الموصل إلى الخيبة، فكان ~~التمادي فيه في غاية البعد، نبه على ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم ماتوا} أي ~~بعد المدلهم في مضمارهم بالتطويل في أعمارهم {وهم} أي والحال أنهم {كفار} ~~ولما كان السبب الأعظم في الإحباط الموت على الكفر، نبه عليه بالفاء الدالة ~~على ربط الجزاء بالشرط وتسببه عنه فقال مؤكدا له لإنكارهم ذلك: {فلن يغفر ~~الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال التي تمنع من تسوية المسيء بالمحسن ~~{لهم} فلا يمحو ذنوبهم ولا يستر عيوبهم، بل يفضح سرائرهم ويوهن كيدهم ~~ويردهم على أعقابهم في كل ما يتقلبون فيه لأنهم قد أبطلوا أعمالهم بالخروج ~~عن دائرة الطاعة، فلم يبق لهم ما يغفر لهم بسببه، وقد دلت هذه الآية على ما ~~دلت عليه آية البقرة من أن إحباط العمل في المرتد مشروط بالموت على الكفر. # ولما قدم سبحانه ذم الكفرة وأنه عليهم وأنه يبطل أعمالهم في الدنيا في ~~الحرب وغيرها، وختم بأن عداوته لهم متحتمة لا انفكاك # PageV18P262 # لها، وكان ذلك موجبا للاجتراء عليهم، سبب عنه قوله مرغبا لهم في لزوم ~~الجهاد محذرا من تركه: {فلا تهنوا} أي تضعفوا ضعفا يؤدي بكم إلى الهوان ~~والذل {وتدعوا} أي أعداءكم {إلى السلم} أي المسالمة وهي ms4639 الصلح {وأنتم} أي ~~والحال أنكم {الأعلون} على كل من ناواكم لأن الله عليهم، ثم عطف على الحال ~~قوله: {والله} أي الملك الأعظم الذي لا يعجزة شيء ولا كفوء له {معكم} أي ~~بنصره ومعونته وجميع ما يفعله الكرمي إذا كان مع غيره، ومن علم أن سيده معه ~~وعلم أنه قادر على ما يريد لم يبال بشيء أصلا {ولن يتركم أعمالكم *} أي ~~فيسلبكموها فيجعلكم وترا منها بمعنى أنه يبطلها كما يفعل مع أعدائكم في ~~إحباط أعمالهم فيصيرون مفردين عنها لأنكم لم تبطلوا أعمالكم بجعل الدنيا ~~محط أمركم، فلا يجوز لإمام المسلمين أن يجيب إلى مسالمة الكفار وبه قوة على ~~مدافعتهم، ولا يحل له ترك الجهاد إلا لمعنى يظهر فيه النظر للمسلمين، ومتى ~~لم يجاهد في سبيل الله انصرف بأسه إلى المسلمين. # ولما أتم العلة الأولى أقبل على الثانية الصادة عن الطاعة القائدة إلى ~~المعصية الملائمة للشهوة المبطلة للأعمال الموجبة للتهاون المؤدي إلى عدم ~~المغفرة، فقال مرغبا في طاعته الموجبة للفوز الدائم ببيان قصر أيام المحنة # PageV18P263 # وتجرع مرارات المشقة: {إنما الحياة} وأشار إلى دناءتها تنفيرا عنها ~~بقوله: {الدنيا} ولما كان مطلق العلو موجبا لأعظم اللذاذة فكيف إذا كان ~~موجبه الدين الضامن لدوام اللذة موصولا دنيويها بأخرويها، وكان اللعب ما ~~ينشأ من زيادة البسط وينقضي بسرعة مع دلالته على الخفة كالرقص، قدمه إشارة ~~إلى أن العاقل من يسعى في زيادة بسط يحمل على الرزانة ويدوم، وأتبعه اللهو ~~لأنه ما يستجلب به السرور كالغنا إشارة إلى أنه إن كان المراد بالدنيا ~~زيادة بسطها فهو ينقضي بسرعة، مع ما فيه من الرعونة، وإن كان المراد أصل ~~البسط والسرور فعندكم منه بالعلو الحاصل لكم بالجهاد ما هو في غاية العظمة ~~والجد والثبات فلا سفه أعظم من العدول عنه إلى ما إن سر حمل على الطيش ~~وانقضى بسرعة، فقال: {لعب} أي أعمال ضائعة سافلة تزيد في السرور ويسرع ~~اضمحلاله، فيبطل من غير ثمرة {ولهو} أي مشغلة يطلب بها إثارة اللذة كالغنا ~~وحيرة وغفلة، فإن # PageV18P264 # تتبعوها تكفروا وتبطروا وتجترئوا ms4640 على الله، وإن تكفروا به وتجترئوا عليه ~~تبطل أجوركم فلا يكون لكم أجر ولا مال لأنه يبطل أعمالكم وأموالكم بكونها ~~تصير صورا لا معاني لها. # ولما صور سبحانه الدنيا بألذ صورها عند الجاهل وأمضها عند العاقل، وحاصله ~~أنها زيادة سرور لمن كان مسرورا، واستجلاب له لمن كان مضرورا، لكنه سريع ~~الانصرام بخلاف ثمرة الاجتماع على الدين من سرور العلو بالإسلام، فإنه باق ~~على الدوام، علم أن التقدير بناء على ما تبع وصف الدنيا، والآخرة جد وعمل ~~وحضور فإن تقبلوا عليها تؤمنوا وتتقوا فلا تخدعنكم الدنيا على دناءتها عن ~~نيل الآخرة بالجهاد الأكبر والأصغر على شرفها وشرفه، قال بانيا على ما أرشد ~~السياق إلى تقديره: {وإن تؤمنوا وتتقوا} أي تخافوا فتجعلوا بينكم وبين غضبه ~~سبحانه وقاية من جهاد أعدائه ومقاساة لفح إيقاد الحروب وحر الأمر بالمعروف ~~وإنفاق الأموال في ذلك، فتكونوا جادين فتتركوا اللهو واللعب القائدين إلى ~~الكفر {يؤتكم} أي الله الذي فعلتم ذلك من أجله في الدار الآخرة {أجوركم} أي # PageV18P265 # ثواب كل أعمالكم لبنائها على الأساس ولأنه غني لا ينقصه إلا عطاء، والآية ~~من الاحتباك: ذكر الحياة الدنيا واللهو واللعب أولا دال على ذكر الآخرة ~~والجد ثانيا، وذكر الإيمان والتقوى ثانيا دال على حذف ضدهما الكفران ~~والجرأة أولا، وسره أن تصوير الشيء بحال الصبي والسفيه أشد في الزجر عنه ~~عند ذوي الهمم العالية، وذكر الأجر المرتب على الخوف الذي هو فعل الحزمة ~~أعون على تركه. # ولما كان الملعوب به الملهو منه يسأل اللاعب اللاهي من ماله، ولا يقنع ~~عند سؤاله، فيكون سببا لضياع أعماله وأمواله، بين أن المعبود بخلاف ذلك في ~~الأمرين، وأنه يعطي ولا يأخذ لنفسه شيئا وإنما أخذه أمره بمواصلة بعضكم ~~لبعض فقال تعالى: {ولا يسئلكم} أي الله في الدنيا {أموالكم *} أي لنفسه ولا ~~كلها، وهذا مفهم لأنهم إن لم يتقوا بما ذكر سلط عليه من يأخذ أموالهم بما ~~يخرج أضغانهم، قال ابن برجان: ومتى سئلوا أموالهم بخلوا، فإن أكرهوا على ~~ذلك أشحنوا ضغائن وحقائد، ولم يكن من ms4641 الإمام لهم نصيحة ولا منهم للإمام ولا ~~لبعضهم لبعض، وكان الخلاف، وفي ذلك # PageV18P266 # الحالقة، وهو إنذار منه سبحانه بما يكون بعد، وما أنذر شيئا إلا كان منه ~~ما شاء الله. # PageV18P267 # ولما كان الإنسان، لما جبل عليه من النقصان، قد يهلك جميع أمواله لهوا ~~ولعبا بالمقامرة ونحوها، ولا ينهاه ذلك بل لا يزيده إلا إقبالا رجاء أن ~~يظفر، ولو سئل جميع ماله في الطاعة لبخل، قال تعالى ذاكرا لهم ذلك تنبيها ~~عليه وإيماء إلى حلمه تعالى عنهم وتحببه إليه معللا ما قبله: {أن ~~يسئلكموها} أي الأموال كلها، ولما كانت الأموال قد تطلق على معظمها، حقق ~~المعنى بقوله: {فيحفكم} أي يبالغ في سؤالكم ويبلغ فيه الغاية حتى يستأصلها ~~فيجهدكم بذلك {تبخلوا} فلا تعطوا شيئا {ويخرج} أي الله أو المصدر المفهوم ~~من «تبخلوا» بذلك السؤال {أضغانكم *} أي ميلكم عنه حتى يكون آخر ذلك عداوة ~~وحقدا، وقد دل إضافة الأضغان إلى ضميرهم أن كل إنسان ينطوي بما له من ~~النقصان، على ما جبل عليه من الإضغان، إلا من عصم الرحيم الرحمن، قال ~~الرازي: وهذا دليل على أن العبد إذا منع في مواسم الخيرات سوى الزكاة لم ~~يخرج من البخل، فحد البخل منع ما يرتضيه الشرع والمروءة فلا بد من مراعاة ~~المروءة ورفع قبح الأحدوثة، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وقدم المادة مهما ~~ظهر له أن فائدة البذل # PageV18P267 # أعظم من فائدة الإمساك ثم يشق عليه البذل فهو بخيل محب للمال، والمال لا ~~ينبغي أن يحب لذاته بل لفائدته، وحفظ المروءة أعظم وأفضل وأقوى من التنعم ~~بالأكل الكثير مثلا. # ولما أخبر ببخلهم لو سئلوا جميع أموالهم أو أكثرها، دل عليه بمن يبخل ~~منهم عما سأله منهم وهو جزء يسير جدا من أموالهم، فقال منبها لهم على حسن ~~تدبيره لهم وعفوه عنهم عند من جعل «ها» للتنبيه، ومن جعل الهاء بدلا من ~~همزة استفهام جعلها للتوبيخ والتقريع، لأن من حق من دعاه مولاه أن يبادر ~~للإجابة مسرورا فضلا أن يبخل، وفي هاء التنبيه ولا سيما عند من يرى ms4642 تكررها ~~تأكيد لأجل استبعادهم أن أحدا يبخل عما يأمر الله به سبحانه: {هأنتم} وحقر ~~أمرهم أو أحضره في الذهن وصوره بقوله: {هؤلاء تدعون} أي إلى ربكم الذي لا ~~يريد بدعائكم إلا نفعكم وأما هو فلا يلحقه نفع ولا ضر {لتنفقوا} شيئا يسيرا ~~من الزكاة وهي ربع العشر ونحوه، ومن نفقة الغزو وقد يحصل من الغنيمة ~~أضعافها وقد يحصل من المتجر أو أكثر، وقد عم ذلك وغيره # PageV18P268 # قوله: {في سبيل الله} أي الملك الأعظم الذي يرجى خيره ويخشى ضيره، بخلاف ~~من يكون وما يكون به اللهو اللعب. # ولما أخبر بدعائهم، فصلهم فقال تعالى: {فمنكم} أي أيها المدعون {من يبخل} ~~وهو منكم لا شك فيه، وحذف القسم الآخر وهو «ومنكم من يجود» لأن المراد ~~الاستدلال على ما قبله من البخل. # ولما كان بخله عمن أعطاه المال بجزء يسير منه إنما طلبه ليقع المطلوب منه ~~فقط زاد العجب بقوله: {ومن} أي والحال أنه من {يبخل} بذلك {فإنما يبخل} أي ~~بماله بخلا صادرا {عن نفسه} التي هي منبع الدنايا، فلا تنفس ولا تنافس إلا ~~في الشيء الخسيس، فإن نفع ذلك الذي طلب منه فبخل به إنما هو له، وأكده لأنه ~~لا يكاد أحد يصدق أن عاقلا يتجاوز بماله عن نفع نفسه، ولذا حذف «ومن يجد ~~فإنما يجد على نفسه» لفهمه عن السياق واستغناء الدليل عنه، هذا والأحسن أن ~~يكون «يبخل» متضمنا «يمسك» ثم حذف «يمسك» ودل عليه بحال محذوفة دل عليها ~~التعدية بعن. # ولما كان سؤال المال قد يوهم شيئا، قال مزيلا له مقررا لأن بخل الإنسان ~~إنما هو عن نفسه عطفا على ما تقديره: لأن ضرر بخله إنما # PageV18P269 # يعود عليه وهو سبحانه لم يسألكم ذلك لحاجته إليه ولا إلى شيء منكم، بل ~~لحاجتكم إلى الثواب، وهو سبحانه قد بنى أمور هذه الدار كما اقتضته الحكمة ~~على الأسباب: {والله} أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ~~{الغني} أي وحده {وأنتم} أيها المكلفون خاصة {الفقراء} لأن العطاء ينفعكم ~~والمنع يضركم. فمن افتقر منكم ms4643 إلى فقير مثله وقع في الذل والهوان، وقد جرت ~~عادتكم أن يداخلكم من السرور ما لا يجد إذا طلب من أحد منكم أحد من الأجواد ~~الأغنياء شيئا طمعا في جزائه، فكونوا كذلك وأعظم إذا طلب منكم الغنى ~~المطلق. # ولما كان التقدير: فإن تقبلوا بنولكم تفلحوا عطف عليه قوله مرهبا لأن ~~الترهيب أردع: {وإن تتولوا} أي توقعوا التولي عنه تكلفوا أنفسكم ضد ما تدعو ~~إليه الفطرة الأولى من السماح بذلك الجزاء اليسير جدا الموجب للثواب الخطير ~~والفوز الدائم، ومن الجهاد في سبيله، والقيام بطاعته، لكونه المحسن الذي لا ~~محسن في الحقيقة غيره {يستبدل} أي يوجد {قوما} فيهم قوة وكفاية لما يطلب ~~منهم محاولته. # PageV18P270 # ولما كان ذلك مفهما أنهم غيرهم، لكنه لا يمنع أن يكونوا - مع كونهم غير ~~أعيانهم - من قومهم أو أن يشأ دونهم في الصفات وإن كانوا من غير قومهم، نبه ~~على أنهم يكونون من غير قومهم وعلى غير صفاتهم، بل هم أعلى منهم درجة وأكرم ~~خليقة وأحسن فعلا فقال تعالى: {غيركم} أي بدلا منكم وهو على غير صفة ~~التولي. # ولما كان الناس متقاربين في الجبلات، وكان المال محبوبا، كان من المستبعد ~~جدا أن يكون هذا البذل على غير ما هم عليه، قال تعالى مشيرا إلى ذلك بحرف ~~التراخي تأكيدا لما أفهمه ما قلته من التعبير ب «غير» وتثبيتا له: {ثم} أي ~~بعد استبعاد من يستبعد وعلو الهمة في مجاوزة جميع عقبات النفس والشيطان: ~~{لا يكونوا أمثالكم *} في التولي عنه بترك شيء مما أمر به أو فعل شيء مما ~~نهى عنه، ومن قدر على الإيجاد قدر على الإعدام. # بل هو أهون في مجاري العادات، فقد ثبت أنه سبحانه لو شاء لانتصر من ~~الكفار، إما بإهلاكهم أو إما بناس غيركم بضرب رقابهم وأسرهم، وغير ذلك من ~~أمرهم، وثبت بمواصلة ذم الكفار مع قدرته عليهم # PageV18P271 # أنه أبطل أعمالهم، فرجع بذلك أول السورة إلى آخرها، وعانق موصله ما ترى ~~من مفصلها، وعلم أن معنى هذا الآخر وذلك الأول أنه سبحانه لا بد من ms4644 إذلاله ~~للكافرين وإعزازه للمؤمنين لأنهم إن أقبلوا على ما يرضيه فجاهدوا نصرهم ~~نصرا عزيزا بما ضمنه قوله تعالى {إن تنصروا الله ينصركم وثبت أقدامكم} وإن ~~تتولوا أتى بقوم غيركم يقبلون عليه فيصدقهم وعده، فصار خذلانهم أمرا ~~متحتما، وهو معنى أول سورة محمد - والله الموفق لما يريد من الصواب. # PageV18P272 # سورة الفتح # مقصودها مدلول اسمها الذي يعم فتح مكة وما تقدمه من صلح الحديبية وفتح ~~خيبر ونحوهما، وما وقع تصديق الخبر به من غلب الروم على أهل فارس وما تفرع ~~من فتح مكة المشرفة من إسلام أهل جزيرة العرب وقتال أهل الردة وفتوح جميع ~~البلاد الذي يجمعه كله إظهار الذين على الدين كله، وهذا كله في غاية الظهور ~~بما نطق ابتداؤها) ليظهر على الدين كله () محمد رسول الله (إلى قوله) ليغيظ ~~بهم الكفار) أي بالفتح الأعظم وما دونه من الفتوحات) وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوةا الصالحات منهم مغفرة (كما كان في أولهاع للرسول (صلى الله عليه ~~وسلم)) وأجرا عظيما (كذلك بسائر الفتوحات وما حوت من اللغنائم للثواب ~~الجزيل على ذلك في دار الجزاء) بسم الله (الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما) الرحمن (الذي عم المكلفين بنعمة الوعد والوعيد) الرحيم (الذي اختص ~~أهل حزبه لأقامة دينه الحق فأظهرهم على سائر العبيد # PageV18P273 # لما كانت تلك سورة الجهاد وكانت هذه سورة محمد بشارة # PageV18P273 # للمجاهدين من أهل هذا الدين بالفوز والنصر والظفر على كل من كفر، وهذا ~~كما سيأتي من إيلاء سورة النصر لسورة الكافرون، فأخبرت القتال عن الكافرين ~~بإبطال الأعمال والتدمير وإهلاكهم بالتقال، وإفساد جميع الأحوال، وعن الذين ~~آمنوا بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بالهداية وإصلاح البال، وختمها ~~بالتحريض على مجاهدتهم بعد أن ضمن لمن نصره منهم النصر وتثبيت الأقدام، ~~وهدد من أعرض باستبدال غيره به، وإن ذلك البدل لا يتولى عن العدو ولا ينكل ~~عنه، فكان ذلك محتما لسفول الكفر وعلو الإيمان، وذلك بعينه هو الفتح ~~المبين، فافتتح هذه بقوله على طريق النتيجة لذلك بقوله مؤكدا إعلاما بأنه ~~لا بد ms4645 منه وأنه مما ينبغي أن يؤكد لابتهاج النفوس الفاضلة به، وتكذيب من في ~~قلبه مرض وهم أغلب الناس في ذلك الوقت. {إنا} أي بما لنا من العظمة التي لا ~~تثبت لها الجبال {فتحنا} أي أوقعنا الفتح المناسب لعظمتنا لكل متعلق بإتقان ~~الأسباب المنتجة له من غير شك، ولذلك عبر عنه بالماضي. # ولما كانت منفعة ذلك له صلى الله عليه وسلم لأن إعلاء كلمة الله يكون به ~~فيعليه ويمتلىء الأرض من أمنه، فلا يعمل منهم أحد حسنة # PageV18P274 # إلا كان له مثل أجرها ويكونون على قصر زمنهم ثلثي أهل الجنة، فيكون ذلك ~~شرفا له - إلى غير ذلك الأسرار، التي يعيى دون أيسرها الكفار، قال: {لك} أي ~~بصلح الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة التي نزلت هذه السورة في ~~شأنه، يصحبان في الرجوع منه إلى المدينة المشرفة، قال الأزهري: لم يكن فتح ~~أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم ~~فرأوا ما لا أعدل منه ولا أحسن، فاستولى الإسلام على قلوبهم وتمكن منهم ~~فأسلم منهم في ثلاث سنين خلق كثير، وكذا كان من الفتح تقوية أمره صلى الله ~~عليه وسلم بالتصديق فيما أنزل عليه من سورة من غلبهم على أهل فارس في رواية ~~من قال: إنه كان في زمن الحديبية، ثم زاده تأكيدا بقوله: {فتحا} وزاد في ~~إعظامه بقوله: {مبينا *} أي لا لبس فيه على أحد، بل يعلم كل ذي عقل به أنك ~~ظاهر على جميع أهل الأرض لأنك كنت وحدك، وكان عند أهل الكفر أنك في أيديهم، ~~وأن أمرك لا يعدو فمك، فتبعك ناس ضعفاء فعذبوهم وكانوا معهم في أسوأ ~~الأحوال، وتقرر ذلك في إذهانهم مددا طوالا ثلاث عشرة سنة، ثم انقذ الله ~~أتباعك منهم بالهجرة إلى النجاشي رحمه الله تعالى أولا، وإلى # PageV18P275 # المدينة الشريفة ثانيا، وهم مطمئنون بأنك أنت - وأنت رأسهم - لا ينتظم ~~لهم بدونك أمر، ولا يحصل لكسرهم ما لم تكن معهم جبر، بأنك في قبضتهم لا ~~خلاص لك أبدا منهم ولا انفكاك من بلدتهم، ms4646 فاستخرجك الله من عندهم بعد أن ~~حماك على خلاف القياس وأنت بينهم من أن يقتلوك، مع اجتهادهم في ذلك ~~واستفراغهم قواهم في أذاك، ثم بذلوا جهدهم في منعك من الهجرة فما قدروا، ثم ~~في ردك فما أطاقوا ولا فازوا ولا ظفروا. # بل غلبوا وقهروا، ثم أيدك بأنصار أبرار أخيار فكنتم على قلتكم كالليوث ~~الكواسر والبحار الزواخر، ما ملتم على جهة إلا غمرتموها، وفزتم بالنصف من ~~أربابها قتلتموها أو أسرتموها ولم تزالوا تزدادون وتقوون، وهم ينقصون ~~ويضعفون، حتى أتيتموهم في بلادهم التي هم قاطعون بأنهم ملوكها، يتعذر على ~~غيرهم غلبهم عليها بل سلوكها، فما دافعوكم عن دخول عليهم إلا بالراح، ~~وسألوكم في وضع الحرب للدعة والإصلاح، فقد ظهرت أعلام الفتح أتم ظهور، وعلم ~~أرباب القلوب أنه لا بد أن تكون في امتطائكم الذرى وسموكم إلى رتب المعالي # PageV18P276 # وأي أمور، وروى الإمام أحمد عن مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله عنه قال: ~~«شهدنا الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا منها إذا الناس ~~يهزون الأباعر فقال بعضهم: ما بال الناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال: فخرجنا نوجف، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم واقفا ~~على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ {إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا} فقال عمر رضي الله عنه: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي ~~نفسي بيده» . # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ارتباط هذه السورة بالتي قبلها واضح من ~~جهات - وقد يغمض بعضها - منها أن سورة القتال لما أمروا فيها بقتال عدوهم ~~في قوله تعالى {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} الآية، وأشعروا ~~بالمعونة عند وقوع الصدق في قوله {إن تنصروا الله ينصركم} استدعى ذلك تشوف ~~النفوس إلى حالة العاقبة فعرفوا ذلك في هذه السورة فقال تعالى {إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا} - الآيات، فعرف تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بعظيم صنعه ~~له، وأتبع ذلك بشارة المؤمنين العامة فقال {هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين} ms4647 - الآيات، والتحمت إلى التعريف بحال من نكث من مبايعته صلى الله ~~عليه وسلم، # PageV18P277 # وحكم المخلفين من الأعراب، والحض على الجهاد، وبيان حال ذوي الأعذار، ~~وعظيم نعمته سبحانه على أهل بيعته {لقد رضي الله عن المؤمنين} وأثابهم ~~الفتح وأخذ المغانم وبشارتهم بفتح مكة {لتدخلن المسجد الحرام} إلى ما ذكر ~~سبحانه من عظيم نعمته عليهم وذكرهم في التوراة والإنجيل ما تضمنت هذه ~~السورة الكريمة، ووجه آخر وهو أنه لما قال الله تعالى في آخر سورة القتال ~~{فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم} ~~كان هذا إجمالا في عظيم ما منحهم وجليل ما أعطاهم، فتضمنت سورة محمد تفسير ~~هذا الإجمال وبسطه، وهذا يستدعي من بسط الكلام ما لم تعتمده في هذا ~~التعليق، وهو بعد مفهوم مما سبق من الإشارات في الوجه الأول، ووجه آخر مما ~~يغمض وهو أن قوله تعالى {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم} إشارة إلى من يدخل في ملة الإسلام من الفرس وغيرهم عند تولي ~~العرب، وقد أشار أيضا إلى هذا قوله تعالى # {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه} [المائدة: 54] وأشار إلى ذلك عليه الصلاة والسلام: «ويل للعرب من ~~شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا» - وعقد السبابة ~~بالإبهام، أشار عليه الصلاة والسلام # PageV18P278 # إلى تولي العرب واستيلاء غيرهم الواقع في الآيتين، وإنما أشار عليه ~~الصلاة والسلام بقوله «اليوم» إلى التقديم والتأخير، وفرغ هذا الأمر إلى ~~أيام أبي جعفر المنصور، فغلبت الفرس والأكراد وأهل الصين وصين الصين - وهو ~~ما يلي يأجوج ومأجوج - وكان فتحا وعزا وظهورا لكلمة الإسلام، وغلب هؤلاء في ~~الخطط والتدبير الإماري وسادوا غيرهم، ولهذا جعل صلى الله عليه وسلم مجيئهم ~~فتحا فقال: «فتح اليوم» ولو أراد غير هذا لم يعبر بفتح، ألا ترى قول عمر ~~لحذيفة رضي الله عنهما في حديث الفتن حين قال له «إن بينك وبينها بابا ~~مغلقا» فقال عمر: أيفتح ذلك الباب أم يكسر؟ ms4648 فقال: بل يكسر. ففرق بين الفتح ~~والكسر، وإنما أشار إلى قتل عمر رضي الله عنه، ولذا قال عليه الصلاة ~~والسلام «فتح» وقال: «من ردم يأجوج ومأجوج» وأراد من نحوهم وجهتهم ~~وأقاليمهم، لأن الفرس ومن أتى معهم هم أهل الجهات التي تلي الردم، فعلى هذا ~~يكون قوله تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} إشارة إلى غلبة من ذكرنا ~~وانتشارهم في الولايات والخطط الدينية والمناصب العلمية. ولما كان هذا قبل ~~أن يوضح أمره يوهم نقصا وخطأ، بين أنه تجديد فتح وإعزاز منه تعالى لكلمة ~~الإسلام، فقال تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} الآيات، ذكر القاضي أبو ~~بكر بن العربي في تلخيض التلخيض علماء المالكية مشيرا إلى تفاوت درجاتهم ثم ~~قال: وأمضاهم في النظر عزيمة وأقواهم فيه شكيمة أهل خراسان: العجم أنسابا ~~وبلدانا، والعرب عقائد وإيمانا، الذين ينجز فيهم وعد الصادق المصدوق، ~~وملكهم الله مقاليد التحقيق حين أعرضت العرب عن العلوم وتولت عنها، وأقبلت ~~على الدنيا واستوثقت منها، «قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ~~رسول الله! من هؤلاء الذين قال الله {وإن تتولوا # PageV18P279 # يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} فأشار عليه الصلاة والسلام إلى ~~سلمان وقال: لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال من هؤلاء» # - انتهى. # ولما أخبر سبحانه بالفتح عقب سورة {الذين كفروا} بشارة بظهور أهل هذا ~~الدين وإدبار الكافرين - كما سيأتي في إيلاء سورة النصر بسورة الكافرين، ~~لذلك علل الفتح بالمغفرة وما بعدها رمزا إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~- بروحي هو وأبي وأمي - وإيماء إلى أن المراد من إخراجه إلى دار الفناء ~~إنما هو إظهار الدين # PageV18P280 # القيم وإزهاق الباطل لتعلو درجته وتعظم رفعته، فعند حصول الفتح ثم المراد ~~كما كانت سورة النصر الوالية للكافرين رامزة إلى ذلك كما هو مشهور ومذكور ~~ومسطور، فالفتح الذي هو أحد العلامات الثلاث المذكورة كما في سورة النصر ~~على جميع المناوين، الذي هو السبب الأعظم في ظهور دينه على الدين كله الذي ~~هو العلامة العظمى على اقتراب أجله - نفسي فداؤه ms4649 وإنسان عيني من كل سوء ~~وقاؤه - فقال تعالى: {ليغفر لك الله} مشيرا بالانتقال من أسلوب العظمة ~~بالنون إلى أسلوب الغيبة المشير إلى غاية الكبرياء بالإسناد إلى الاسم ~~الأعظم إلى أن هذه المغفرة بحسب إحاطة هذا الاسم الجامع لجميع الأسماء ~~الحسنى: {ما تقدم من ذنبك} أي الذي تقدم في القتال أمرك بالاستغفار له وهو ~~مما ينتقل به من مقام كامل إلى مقام فوقه أكمل منه، فتراه بالنسبة إلى ~~أكملية المقام الثاني ذنبا، وكذا قوله: {وما تأخر} قال الرازي: المغفرة ~~المعتبرة لها درجات كما أن الذنوب لها درجات «حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين» انتهى. ويجوز أن يكون المراد: لتشاهد المغفرة بالنقلة إلينا بعد ~~علم اليقين بعين اليقين وحق اليقين، فالمعنى أن الله يتوفاه صلى الله عليه ~~وسلم عقب الفتح ودخول جميع العرب الذين # PageV18P281 # يفتتحون جميع البلاد ويهدي الله بهم سائر العباد في دينه، ويأس الشيطان ~~من أن يعبد في جزيرتهم إلا بالمحقرات لوجود المقصود من امتلاء الأكوان ~~بحسناته صلى الله عليه وسلم، وعموم ما دل عليه اسمه المذكور في هاتين ~~السورتين من حمده تعالى بكماله في ذاته وصفاته ببلوغ أتباعه إلى حد لا ~~يحصرون فيه بعد، ولا يقف لهم مخلوق على حد. # ولما كان تمام النعمة يتحقق بشيئين: إظهار الدين والتقلة إلى مرافقة ~~النبيين، قال تعالى مخبرا بالشيئين: {ويتم نعمته عليك} بنقلك من عالم ~~الشهادة إلى عالم الغيب، ومن عالم الكون والفساد إلى عالم الثبات والصلاح، ~~الذي هو أخص بحضرته وأولى برحمته وإظهار أصحابك من بعدك على جميع أهل ~~الملل، ويدحضون شبه الشيطان، ويدمغون كل كفران، وينشرون رايات الإيمان في ~~جميع البلدان، بعد إذلال أهل العدوان، ومحو كل طغيان. # ولما كانت هدايتهم من هدايته، أضافها سبحانه إليه إعلاما له أنها هداية ~~تليق بجانبه الشريف سرورا له فقال: {ويهديك} أي بهداية جميع قومك {صراطا ~~مستقيما *} أي واضحا جليلا جليا موصلا إلى # PageV18P282 # المراد من كتاب لا عوج فيه بوجه، هداية تقتضي لزومه والثبات عليه {وينصرك ~~الله} بنصرهم على ملوك الأمم وجلائهم لسائر الغمم، نصرا يليق ms4650 إسناده إلى ~~اسمه المحيط بسائر العظم {نصرا عزيزا} أي يغلب المنصور به كل من ناواه ولا ~~يغلبه شيء مع دوامه فلا ذل بعده لأن الأمة التي تنصف به لا يظهر عليها أحد، ~~والدين الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء. # ولما كان صلى الله عليه وسلم قد أخبر المؤمنين برؤياه أنه يطوف بالكعبة ~~الشريفة، وعز على العمرة عام الحديبية، وخرج صلى الله عليه وسلم وخرج معه ~~خلاصة أصحابه ألف وخمسمائة، فكانوا مؤقنين أنهم يعتمرون في وجههم ذلك، وقر ~~ذلك في صدورهم وأشربته قلوبهم، فصار نزعه منها أشق شيء يكون، قصدهم ~~المشركون بعد أن بركت ناقته وصالحهم صلى الله عليه وسلم على أن يرجع عنهم ~~في ذلك العام ويعتمر في مثل ذلك الوقت من القابل، وكان ذلك - بل أدنى منه - ~~مزلزلا للاعتقاد مطرقا للشيطان الوسوسة في الدين، وقد كان مثله في الإسراء ~~ولم يكن صلى الله عليه وسلم أخبر بما يوهم في أمره فارتد ناس كثير بسببه، ~~قال تعالى دالا على النصر بتثبيت المؤمنين في هذا المحل الضنك إظهارا لتمام ~~قدرته ولطيف حكمته: # PageV18P283 # {هو} أي وحده {الذي أنزل} في يوم الحديبية {السكينة} أي الثبات على الدين ~~{في قلوب المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان وهم أهل الحديبية بعد أن دهمهم ~~فيها ما من شأنه أن يزعج النفوس ويزيغ القلوب من صد الكفار ورجوع الصحابة ~~رضي الله تعالى عنهم دون مقصودهم، فلم يرجع أحد منهم عن الإيمان بعد أن ماج ~~الناس وزلزلوا حتى عمر رضي الله عنه - مع أنه الفاروق ومع وصفه في الكتب ~~السالفة بأنه قرن من حديد - فما الظن بغيره في فلق نفسه وتزلزل قلبه، وكان ~~للصديق رضي الله عنه من القدم الثابت والأصل الراسخ ما علم به رضي الله عنه ~~أنه لا يسابق، ثم ثبتهم الله أجمعين، قال الرازي: والسكينة الثقة بوعد ~~الله، والصبر على حكم الله، بل السكينة ههنا معين بجمع فوزا وقوة وروحا، ~~يسكن إليه الخائف ويتسلى به الحزين، وأثر هذه السكينة الوقار والخشوع وظهور ~~الحزم في الأمور - انتهى. ms4651 وكل من رسخ في الإيمان، له في هذه الآية نصيب ~~جناه دان. # ولما أخبر بما لا يقدر عليه غيره، علله بقوله: {ليزدادوا} أي بتصديق ~~الرسول حين قال لهم: إنهم لا بد أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت العتيق، ~~وحلهم الله به من الشبهة بتذكرهم أنه لم يقل لهم: إنهم # PageV18P284 # يدخلون العام {إيمانا} بهذا التصديق بالغيب من أن صلحهم للكفار ورجوعهم ~~من غير بلوغ قصدهم هو عين الفتح لترتب الصلح عليه وترتب فشو الإسلام على ~~الصلح كما كشف عنه الوجود بعد ذلك ليقيسوا عليه غيره من الأوامر {مع ~~إيمانهم} الثابت من قبل هذه الواقعة، قال القشيري رحمه الله: بطلوع أقمار ~~اليقين على نجوم علم اليقين، ثم بطلوع شمس حق اليقين على بدر عين اليقين. # ولما كان ربما ظن شقي من أخذ الأمور بالتدريج شيئا في القدرة قال: {ولله} ~~أي الذي أنزل السكينة عليهم ليكون نصرهم في هذه العمرة بالقوة ثم يكون عن ~~قريب بالفعل والحال أنه له وحده {جنود السماوات والأرض} أي جميعها، ومنها ~~السكينة، يدبرهم بلطيف صنعه وعجيب تدبيره، فلو شاء لنصر المؤمنين الآن ~~بالفعل، ودمر على أعدائهم بجنود من جنوده أو بغير سبب، لكنه فعل ذلك ليكون ~~النصر بكم، فيعلوا أمركم ويعظم أجركم، ويظهر الصادق في نصره من الكاذب، فإن ~~الدار دار البلاء، وبناء المسببات على الأسباب على وجه الأغلب فيه الحكمة، ~~لا القهر وظهور الكلمة، فاسمه الباطن هو الظاهر في هذه الدار، فلذلك ترى ~~المسببات مستورات بأسبابها، فلا يعلم الحقائق إلا البصراء ألا ترى أنه صلى ~~الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه السورة فتلاها # PageV18P285 # عليه قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: أي رسول الله وفتح هو؟ ~~قال بعضهم: لقد صدونا عن البيت وصدوا هدينا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتح، أما رضيتم أن تطرقوهم في بلادهم ~~فيدفعوكم عنها بالراح ويسألوكم التضير ويرغبون إلكم في الأمان وقد رأوا ~~منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتوح، ms4652 ~~أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم، أنسيتم ~~يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت ~~القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون» ، فقال المسلمون: صدق الله ورسوله فهو ~~أعظم الفتوح. والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه لأنت أعلم بالله ~~وأمره منا. وأنزل الله تأكيدا لأمر الرؤيا لمن أشكل عليهم حالها {لقد صدق ~~الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام} الآية، فهذه الأشياء كلها ~~كما ترى راجعة إلى الخفاء بالتعجب في أستار الأسباب، فلا يبصرها إلا أرباب ~~التدقيق في النظر في حكمة الله سبحانه. # ولما كان مبنى ما مضى كله على القدرة بأمور خفية يظهر منها # PageV18P286 # من الضعف غير ما كشف عنه الزمان من القوة، وكان تمام القدرة متوقفا على ~~شمول العلم، قال تعالى: {وكان الله} أي الملك الأعظم أزلا وأبدا {عليما} ~~بالذوات والمعاني {حكيما *} في إتقان ما يصنع، فرده لهم عن هذه العمرة بعد ~~أن دبر أمر الصلح ليأمن الناس فيداخل بعضهم بعضا لما علم من أنه لا يسمع ~~القرآن أحد له عقل مستقيم ويرى ما عليه أهله من شدة الاستمساك به والبغض ~~لما كانوا فيه من متابعة الآباء إلا بادر إلى المتابعة ودخل في الدين ~~برغبة، وأدخل سبحانه خزاعة في صلح النبي صلى الله عليه وسلم وبني بكر وهم ~~أعداؤهم في صلح قريش ليبغوا عليهم فتعينهم قريش الصلح بعد أن كثرت جنود ~~الله وعز ناصر الدين، فيفتح الله بهم مكة المشرفة، فتنشر أعلام الدين، ~~وتخفق ألوية النصر المبين، ويدخل الناس في الدين أفواجا، فيظهر دين الإسلام ~~على جميع الأديان. # PageV18P287 # ولما دل على الفتح بالنصر وما معه، وعلل الدين بالسكينة، علل علة الدليل ~~وهي {ليزدادوا إيمانا} وعلل ما دل عليه ملك الجنود من تدبيرهم وتدبير ~~الأكوان بهم بقوله تعالى زيادة في السكينة: {ليدخل} أي بما أوقع في السكينة ~~{المؤمنين والمؤمنات} الذين جبلهم جبلة خير بجهاد بعضهم ودخول بعضهم في ~~الدين بجهاد # PageV18P287 # المجاهدين، ولو سلط على الكفار جنوده ms4653 من أول الأمر فأهلكوهم أو دمر عليهم ~~بغير واسطة لفات دخول أكثرهم الجنة، وهم من آمن منهم بعد صلح الحديبية ~~{جنات} أي بساتين لا يصل إلى عقولكم من وصفها إلا ما تعرفونه بعقولكم وإن ~~كان الأمر أعظم من ذلك {تجري} ودل وقرب وبعض بقوله: {من تحتها الأنهار} فأي ~~موضع أردت أن تجري منه نهرا قدرت على ذلك، لأن الماء قريب من وجه الأرض مع ~~صلابتها وحسنها. ولما كان الماء لا يطيب إلا بالقرار تعالى: {خالدين فيها} ~~أي لا إلى آخر. # ولما كان السامع لهذا ربما ظن أن فعله ذلك باستحقاق، قال إشارة إلى أنه ~~لا سبب إلا رحمته: {ويكفر} أي يستر سترا بليغا شاملا {عنهم سيئاتهم} التي ~~ليس من الحكمة دخول الجنة دار القدس قبل تكفيرها، بسبب ما كانوا متلبسين به ~~منها من الكفر وغيره، فكان ذلك التكفير سببا لدخولهم الجنة {وكان ذلك} أي ~~الأمر العظيم من الإدخال والتكفير المهيىء له، وقدم الظرف تعظيما لها فقال ~~تعالى: {عند الله} أي الملك الأعظم ذي الجلال والإكرام {فوزا عظيما *} # PageV18P288 # يملأ جميع الجهات. # ولما كان من أعظم الفوز إقرار العين بالانتقام من العدو وكان العدو ~~المكاتم أشد من العدو المجاهر المراغم قال تعالى: {ويعذب المنافقين} أي ~~يزيل كل ما لهم من العذوبة {والمنافقات} بما غاظهم من ازدياد الإيمان ~~{والمشركين والمشركات} بصدهم الذي كان سببا للمقام الدحض الذي كان سببا ~~لإنزال السكينة الذي كان سببا لقوة أهل الإسلام بما تأثر عنه من كثرة ~~الداخلين فيه، الذي كان سببا لتدمير أهل الكفران، ثم بعد ذلك عذاب النيران. # ولما أخبر بعذابهم، أتبعه وصفهم بما سبب لهم ذلك فقال تعالى: {الظانين ~~بالله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {ظن السوء} من أنه لا يفي بوعده في أنه ~~ينصره رسوله صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين أو أنه لا يبعثهم. أو أنه ~~لا يعذبهم لمخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومشاققة أتباعه. ولما أخبر ~~سبحانه وتعالى بعذابهم فسره بقوله: {عليهم} أي في الدنيا والآخرة بما ~~يخزيهم الله به من ms4654 كثرة جنوده وغيظهم منهم وقهرهم بهم {دائرة السوء} التي ~~دبروها وقدروها للمسلمين لا خلاص لهم منها، فهم مخذولون في كل موطن خذلانا ~~ظاهرا يدركه # PageV18P289 # كل أحد، وباطنا يدركه من أراد الله تعالى من أرباب البصائر كما اتفق في ~~هذه العمرة، والسوء - بالفتح والضم: ما يسوء كالكره إلا أنه غلب في أن يضاف ~~إلى ما يراد ذمه، والمضموم جار مجرى الشر الذي هو ضد الخير - قاله في ~~الكشاف. # ولما كان من دار عليه السوء قد لا يكون مغضوبا عيه، قال: {وغضب الله} أي ~~الملك الأعظم بما له من صفات الجلال والجمال فاستعلى غضبه {عليهم} ، وهو ~~عبارة عن أنه يعاملهم معاملة الغضبان بما لا طاقة لهم به. ولما كان الغضب ~~قد لا يوجب الإهانة والإبعاد قال: {ولعنهم} أي طردهم طردا سفلوا به أسفل ~~سافلين، فبعدوا به عن كل خير. # ولما قرر ما لهم في الدارين، وكان قد يظن أنه يخص الدنيا فلا يوجب عذاب ~~الآخرة، أتبعه بما يخصها فقال: {وأعد} أي هيأ الآن {لهم جهنم} تلقاهم ~~بالعبوسة والغيظ والزفير والتجهم كما كانوا يتجهمون عباد الله مع ما فيها ~~من العذاب بالحر والبرد والإحراق، وغير ذلك من أنواع المشاق. ولما كان ~~التقدير: فساءت معدا، عطف عليه قوله: {وساءت مصيرا *} . # ولما كان هذا معلما بأن الكفار - مع ما يشاهد منهم من الكثرة الظاهرة ~~والقوة المتضافرة المتوافرة - لا اعتبار لهم لأن البلاء # PageV18P290 # محيط بهم في الدارين، وكان ذلك أمرا يوجب تشعب الفكر في المؤثر فيهم ذلك، ~~عطف على ما تقديره إعلاما بأن التدبير على هذا الوجه لحكم ومصالح يكل عنها ~~الوصف، ودفعا لما قد يتوهمه من لم يرسخ إيمانه مما يجب التنزيه عنه: فلله ~~القوة جميعا يفعل ما يشاء فيمن يشاء من غير سبب ترونه: {ولله} أي الملك ~~الأعظم {جنود السماوات والأرض} فهو يسلط ما يشاء منها على من يشاء. # ولما كان ما ذكر من عذاب الأعداء وثواب الأولياء متوقفا على تمام العلم ~~ونهاية القدرة التي يكون بها الانتقام والسطوة قال تعالى: {وكان الله} ~~الملك ms4655 الذي لا أمر لأحد مع أزلا وأبدا {عزيزا} يغلب ولا يغلب {حكيما *} يضع ~~الشيء في أحكم مواضعه، فلا يستطاع نقض شيء مما ينسب إليه سبحانه وتعالى. # ولما تبين أنه ليس لغيره مدخل في إيجاد النصر، وكانت السورة من أولها ~~حضرة مخاطبة وإقبال فلم يدع أمر إلى نداء بياء ولا غيرها. وكان كأنه قيل: ~~فما فائدة الرسالة إلى الناس؟ أجيب بقوله تقريرا لما ختم به من صفتي العزة ~~والحكمة. {إنا} بما لنا من العزة والحكمة {أرسلناك} أي بما لنا من العظمة ~~التي هي معنى العزة # PageV18P291 # والحكمة إلى الخلق كافة {شاهدا} على أفعالهم من كفر وإيمان وطاعة وعصيان، ~~من كان بحضرتك فبنفسك ومن كان بعد موتك أو غائبا عنك فبكتابك، مع ما أيدناك ~~به من الحفظة من الملائكة. # ولما كانت البشارة محبوبة إلى النفوس رغبهم فيما عنده من الخيرات وحببهم ~~فيه بصوغ اسم الفاعل منها مبالغة فيه فقال تعالى: {ومبشرا} أي لمن أطاع ~~بأنواع البشائر. ولما كانت لنذارة كريهة جدا، لا يقدم على إبلاغها إلا من ~~كمل عرفانه بما فيها من المنافع الموجبة لتجشم مرارة الإقدام على الصدع ~~بها، أتى بصيغة المبالغة فقال تعالى: {ونذيرا *} . # PageV18P292 # ولما ذكر حال الرسالة، ذكر علتها فقال: {لتؤمنوا} أي الذين حكمنا ~~بإيمانهم ممن أرسلناك إليهم - هذا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب، ~~وعلى قراءة الباقين بالخطاب المعنى. أيها الرسول ومن قضينا بهداه من أمته، ~~مجددين لذلك في كل لحظة مستمرين عليه، وكذا الأفعال بعده، وذلك أعظم لطفا ~~لما في الأنس بالخطاب من رجاء الاقتراب {بالله} أي الذي لا يسوغ لأحد من ~~خلقه - والكل خلقه - التوجه إلى غيره لاستجماعه لصفات الجلال والإكرام ~~{ورسوله} # PageV18P292 # الذي أرسله من له كل شيء ملكا وملكا إلى جميع خلقه. # ولما كان الإيمان أمرا باطنا، فلا يقبل عند الله إلا بدليل، وكان الإيمان ~~بالرسول إيمانا بمن أرسله، والإيمان بالمرسل إيمانا بالرسول، وحد الضمير ~~فقال: {ويعزروه} أي يعينوه ويقووه وينصروه على كل من ناواه ويمنعوه عن كل ~~من يكيده، مبالغين في ذلك باليد واللسان ms4656 والسيف، وغير ذلك من الشأن فيؤثروه ~~على أنفسهم وغيرها، تعظيما له وتفخيما - هذا حقيقة المادة، وما خالفه فهو ~~إما من باب الإزالة كالعزور بمعنى الديوث، وإما من باب الأول كاللوم والضرب ~~دون الحد، فإنه يوجب للملوم والمضروب وتجنب ما نقم عليه فيعظم، فهو من ~~إطلاق الملزوم على اللازم، وهو من وادي ما قيل: # عداي لهم فضل علي ومنة ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا # هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاقتنيت المعاليا # ولما كان المعنى يحتمل الإزالة كما ذكر، خلص المراد بقوله: {ويوقروه} أي ~~يجتهدوا في حسن اتباعه في تبجيله وإجلاله بأن يحملوا عنه جميع الأثقال، ~~ليلزم السكينة باجتماع همه وكبر عزمه لزوال ما كان يشعب فكره من كل ما يهمه ~~{ويسبحوه} أي ينزهوه عن # PageV18P293 # كل وصمة من إخلاف الوعد بدخول مكة والطواف بالبيت الحرام ونحو ذلك، ~~ويعتقدوا فيه الكمال المطلق، والأفعال الثلاثة يحتمل أن يراد بها الله ~~تعالى، لأن من سعى في قمع الكفار فقد فعل فعل المعزر الموقر، فيكون إما ~~عائدا على المذكور وإما أن يكون جعل الاسمين واحدا إشارة إلى اتحاد ~~المسميين، في الأمر فلما اتحد أمرها وحد الضمير إشارة إلى ذلك. # ولما كانت محبة الله ورسوله ترضى منها بدون النهاية قال كائنا عن ذلك: ~~{بكرة وأصيلا *} أي وعشيا إيصانا لما بين النهار والليل بذلك. # ولما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ما أرسله له، وختم الآية بأنه لا ~~يرضى من ذكره وذكر رسوله إلا بالمداومة بالفعل أو بالقوة مع توحيده الضمير ~~إشارة إلى وحدة الإرادة والمداوة بالفعل أو بالقوة مع توحيده الضمير إشارة ~~إلى وحدة الإرادة والمحبة من الرسول والمرسل، أوضح المراد بتوحيد الضمير ~~بقوله مرغبا في اتباعه ومرهبا لأتباعه عن أدنى فترة أو توان فيما دخلوا فيه ~~من الإيمان # PageV18P294 # الذي هو علة الرسال، وما ذكره معه في جواب من يسأل: ما سبب توحيد الضمير ~~والمذكور اثنان؟ مؤكدا لأجل ما غلب على الطباع البشرية من التقيد بالوهم ~~والنكوص عما غاب ولا مرشد إليه سوى العقل: {إن ms4657 الذين} . # ولما كان المضارع قد يراد به مطلق الوقوع لا بقيد زمن معين كما نقلته في ~~أول سورة البقرة عن أبي حيان وغيره، عبر به ترغيبا في تجديد مثل ذلك ~~والاستمرار عليه فقال: {يبايعونك} أي في بيعة الرضوان وقبلها وبعدها على ما ~~جئت به من الرسالة التي مقصودها الأعظم النذارة التي مبناها على المخالفة ~~التي تتقاضى الشدائد التي عمادها الثبات والصبر، وسميت «مبايعة» لأنهم ~~بايعوا أنفسهم فيها من الله بالجنة وهذا معنى الإسلام، فكل من أسلم فقد باع ~~نفسه سبحانه منه {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم} [التوبة: 111] ، ~~الآية. {إنما يبايعون الله} أي الملك الأعظم لأن عملك كله من قول وفعل له ~~{وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3] . # ولما عظم بيعته بما رغب فيها ترغيبا مشعرا بالترهيب، زادها تعظيما بما ~~الترهيب فيه أظهر من الأول، فقال مبينا للأول: {يد الله} أي # PageV18P295 # المتردي بالكبرياء. ولما كان منزها. عما قد يتوهم من الجارحة مما فيه ~~شائبة نقص، أومأ إلى نفي ذلك بالفوقية مع ما فيه من الدلالة على تعظيم ~~البيعة فقال: {فوق أيديهم} أي في المبايعة عالية عليهم بالقدرة والقوة ~~والقهر والعزة، والتنزه عن كل شائبة نقص، ولذلك كرر الاسم الأعظم في هذه ~~ثلاث مرات إشارة إلى العظمة الفائتة للوصف والغيب العالي عن الإدراك، ثم ~~أعاد ذكره بالضمير إيذانا بالغيب المحض، هذا هو المراد من تعظيم البيعة ~~وإجلال الرسول صلى الله عليه وسلم مع العلم القطعي بتنزيه الله سبحانه عن ~~كل شائبة نقص من حلول أو اتحاد كما هو واضح في مجاري عادات العرب ظاهر جدا ~~في دأبهم في محاوراتهم، لا يشك فيه منهم عاقل عالم أو جاهل أصلا، فلعنة ~~الله على من حمله على الظاهر من أهل العناد ببدعة الاتحاد على من تبعهم على ~~ذلك من الرعاع الطغام الذي شاقوا الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وجميع ~~الأئمة الأعلام، وسائر أهل الإسلام: ورضوا لأنفسهم بأن يكونوا أتباع فرعون ~~اللعين، وناهيك به في ضلال مبين. # ولما كان كلام الله تعالى - وإن جرى مجرى الشرط ms4658 والتهديد لا بد أن يقع ~~منه شيء وإن قل، وكان من سر التعبير بالمضارع «يبايعونك» الإشارة إلى نكث ~~الجد بن قيس أصل بيعته على الإسلام # PageV18P296 # فإنه اختبأ في الحديبية وقت البيعة في وقت من الأوقات، فلم يبايع، سبب عن ~~ذلك وفصل ترغيبا وترهيبا، فقال معبرا بالماضي إيذانا بأنه لا ينكث أحد من ~~أهل هذه البيعة: {فمن نكث} أي نقض في وقت من الأوقات فجعلها كالكساء الخلق ~~والحبل البالي الذي ينقض {فإنما ينكث} وعبر بالمضارع إشارة إلى أن من فعل ~~النكث فهو في كل لحظة ناكث نكثا جديدا {على نفسه} لا على غيرها فإنه بمرأى ~~من الله ومسمع وهو قادر عليه جدير بأن يعاقبه بعد ما عجل لنفسه من العار ~~العظيم في الدنيا ويستحل به على نكثه عذابا أليما، ولا يضر ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شيئا فإن الله ناصره لا محالة، وكذا كل منكوث به إذا ~~أراد الله نصرته فإن يده سبحانه فوق كل يد. # ولما أتم الترهيب لأنه مقامه للحث على الوفاء الذي به قيام الدين على ~~أبلغ وجه، أتبعه على عادته الترغيب إتماما للحث فقال تعالى: {ومن أوفى} أي ~~فعل الإتمام والإكثار والإطالة {بما عهد} وقدم الظرف اهتماما به فقال: ~~{عليه الله} أي الملك المحيط بكل # PageV18P297 # شيء قدرة وعلما من هذه المبايعة وغيرها فإنما وفاؤه لنفسه {فسيؤتيه} أي ~~بوعد لا خلف فيه {أجرا عظيما *} لا يسع عقولكم شرح وصفه، ومن قرأ بالنون ~~أظهر ما ستر في الجلالة من التعظيم، والآية من الاحتباك: ذكر أولا أن النكث ~~عليه دليلا على أن الوفاء له ثانيا، وإيتاء الأجر ثانيا دليلا على إحلال ~~العقاب أولا وسره أنه بين أن ما يرديه الناكث من الأذى لغيره إنما هو واقع ~~به، لأن ذلك أعظم في الترهيب عن النكث لما جبل الإنسان عليه من النفرة عن ~~ضر نفسه وبعده عنه، وذكر الأجر للموفي لأنه أعظم في الترغيب، وسبب بيعة ~~الرضوان هذه «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فهم من بروك ناقته في ms4659 ~~الحديبية الإشارة من الله سبحانه وتعالى إلى أنه لم يأذن في دخولهم البلد ~~الحرام في هذه السفرة، فمشى مع إرادته سبحانه وتعالى لأنه ليس فيها مخالفة ~~لما أمر به سبحانه إلى أن وقع الصلح الذي كان الفتح هو بعينه، وكان في غضون ~~ذلك أن أرسل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه إلى مكة المشرفة ليخبر قريشا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجئ لقتال وأنه لا يريد إلا الاعتمار، ~~فأرجف مرجفون بأنه قد قتل، فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على مناجزتهم ~~فبايع الصحابة # PageV18P298 # رضي الله عنهم على أن لا يفروا عنه، فبايع كل من كان معه إلا جد بن قيس، ~~فإنه اختبأ تحت إبط بعيره فلم يبايع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:» كلكم ~~مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر «. # PageV18P299 # ولما ذكر سبحانه وتعالى أهل بيعة الرضوان، وأضافهم إلى حضرة الرحمن، تشوف ~~السامع إلى الخبر عمن غاب عن ذلك الجناب، وأبطأ عن حضرة تلك العمرة، ~~فاستؤنف الإخبار عما ينافقون به بقوله تعالى: {سيقول} أي بوعد لا خلف فيه، ~~وأكد أمر نفاقهم تنبيها على جلدهم فيه ووقاصهم به ولطف النبي صلى الله عليه ~~وسلم وشدة رحمته ورفقه وشفقته فقال: {لك} أي لأنهم يعلمون أنك ألطف الخلق ~~عشرة وأعظمهم شفقة على عباد لله، فهم يطمعون في قبولك من فساد عذرهم ما لا ~~يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين، وغاب عنهم - لما عندهم من غلظ الأكباد ~~أن الكذب بحضرتك في غاية القباحة لأنك أعظم الخلق وأفطنهم، مع ما يأتيك من ~~الأنباء عن علام الغيوب، وحقر أمرهم بسلب العقل عنهم وجعلهم مفعولين لا ~~فاعلين إشارة إلى أنهم طردوا عن هذا المقام، لأنهم أشرار لئام، فقال تعالى ~~{المخلفون} أي الذين - خلفهم الله عنك ولم يرضهم # PageV18P299 # لصحبتك في هذه العمرة، فجعلهم كالشيء التافه الذي يخلفه الإنسان، لأنه لا ~~فائدة فيه فلا يؤبه له ولا يعبأ به، وذلك إنه صلى الله عليه وسلم لما أراد ~~الاعتمار ندب أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين لذلك، ms4660 وندب من الأعراب الذين ~~حول المدينة الشريفة من كان قد أقر بالإسلام، فلم يرد الله حضورهم لأن ~~إسلامهم لم يكن خالصا فلو حضروا لفسد بهم الحال، وإن حفظ الله بحوله وقوته ~~من الفساد، أعقب ذلك فسادا آخر وهو أن يقال: إنه لم يكف عنهم الأعداء إلا ~~الكثرة، فتخلفوا لما علم الله في تخلفهم من الحكم. # ولما كان قد تخلف بالجسد من خلص الأنصار وغيرهم من كان حاضرا معه صلى ~~الله عليه وسلم بالقلب أخرجهم بقوله: {من الأعراب} أي أهل البادية كذبا ~~وبهتانا جرأة على الله ورسوله {شغلتنا} أي عن إجابتك في هذه العمرة ~~{أموالنا وأهلونا} أي لأنا لو تركناها ضاعت، لأنه لم يكن لنا من يقوم بها ~~وأنت قد نهيت عن إضاعة المال والتفريط في العيال، ثم سببوا عن هذا القول ~~المراد به السوء قولهم: {فاستغفر} أي اطلب المغفرة {لنا} من الله إن كنا ~~أخطأنا أو قصرنا. # ولما كان هذا ربما يغتر به من لا خبرة له، رده تعالى بقوله منبها # PageV18P300 # على أن من صدق مع الله لم يشغله عن شاغل، ومن شغله عنه شيء كان شوما ~~عليه: {يقولون} وعبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا ديدن لهم لا ينفكون عنه. ~~ولما صح بعد ذلك إيمان، لم يعبر بالأفواه دأبه، في المنافقين، بل قال: ~~{بألسنتهم} أي في الشغل والاستغفار، وأكد ما أفهمه ذكر اللسان من أنه قول ~~ظاهري نفيا للكلام الحقيقي الذي هو النفسي بكل اعتبار بقوله: {ما ليس في ~~قلوبهم} لأنهم لم يكن شغل ولا كانت لهم نية في سؤال الاستغفار. # ولما كان فعلهم هذا من تخلفهم واعتلالهم وسؤالهم الاستغفار ظنا منهم أنهم ~~يدفعون عن أنفسهم بذلك المكروه ويحصلون لها المحبوب وكان كأنه قيل: قد علم ~~كذبهم، فماذا يقال لهم؟ استأنف سبحانه الجواب بقوله: {قل} أي لهؤلاء ~~الأغبياء واعظا لهم مسببا عن مخادعتهم لمن لا يخفى عليه خافية إشارة إلى أن ~~العاقل يقبح عليه أن يقدم على ما هو بحيث تخشى عاقبته: {فمن يملك لكم} أيها ~~المخادعون {من الله} أي ms4661 الملك الذي لا أمر لأحد معه لأنه لا كفوء له {شيئا} ~~يمنعكم منه {إن أراد بكم} أي خاصة {ضرا} أي نوعا من أنواع الضرر عظيما أو ~~حقيرا، فأهلك الأموال والأهلين وأنتم محتاطون في حفظهما # PageV18P301 # فلا ينفعها حضوركم أو أهلككم أنتم {أو أراد بكم نفعا} بحفظهما به مع ~~غيبتكم فلا يضرها بعدكم عنها، ويحفظكم في أنفسكم، وقد علم من تصنيفه سبحانه ~~حالهم إلى صنفين مع الإبهام أنه يكون لبعضهم الضر لأن منهم من ارتد في زمن ~~الردة، ولبعضهم النفع لأنه ثبت على الإسلام. # ولما كان التقدير قطعا: لا أحد يملك منه سبحانه لهم شيئا من ذلك بل هو ~~قادر على كل ما يريد منه، فعلكم لما عندكم من الجلافة والغباوة والكثافة ~~فعل من يظن أنه لا يقدر عليكم ولا يعلم كثيرا مما تعملون، فيخفى عليه ~~كذبكم، وليس الأمر كما ظننتم فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، بنى عليه ~~ما أرشد إلى تقديره فقال تعالى: {بل كان الله} أي المحيط أزلا وأبدا بكل ~~شيء قدرة علما {بما تعملون} أي الجهلة {خبيرا *} أي يعلم بواطن أموركم هذه ~~وغيرها كما يعلم ظواهرها. # ولما أضرب عن ظنهم أن كذبهم يخفى عليه بأمر عام، وقدمه لأنه أعم نفعا بما ~~فيه من الشمول، أتبعه الإضراب عن مضمون كلامهم فقال: {بل} أي ليس تخلفكم ~~لما أخبرتم به من الاشتغال بالأهل والأموال {ظننتم} وأنتم واقفون مع الظنون ~~الظاهرة، ليس لكم نفوذ إلى البواطن، وأشار إلى تأكد ظنهم على زعمهم فقال: ~~{أن لن ينقلب} ولما كان الكلام فيما هو شأن الرسول من الانبعاث # PageV18P302 # والمسير، قال مشيرا إلى أن من أرسل رسولا إلى شيء وهو لا يقدر على نصره ~~ليبلغ ذلك الشيء إلى الغاية التي أرادها منه كان عاجزا عما يريد: {الرسول} ~~وعظم التابعين فقال: {والمؤمنون} معبرا بما يحق لهم من الوصف المفهم للرسوخ ~~وأفهم تأكيد ذلك عندهم بقوله تعالى: {إلى أهليهم أبدا} أي لما في قلوبكم من ~~عظمة المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ذلك على أن قلتم: ما هم في ms4662 قريش إلا ~~أكلة رأس. # ولما كان الإنسان قد يظن ما لا يجب، قال مشيرا بالبناء للمفعول إلى أن ما ~~حوته قلوبهم مما ينبغي أن ينزه سبحانه وتعالى عن نسبته إليه وإن كان هو ~~الفاعل له في الحقيقة: {وزين ذلك} أي الأمر القبيح الذي خراب الدنيا {في ~~قلوبكم} حتى أحببتموه. # ولما علم أن ذلك سوء، صرح به على وجه يعم غيره فقال: {وظننتم} أي بذلك ~~وغيره مما يترتب عليه من إظهار الكفر وما يتفرع منه {ظن السوء} أي الذي لم ~~يدع شيئا مما يكره غاية الكراهة إلا أحاط به. ولما انكشف جميع أمره كشف ~~أثره فقال: {وكنتم} أي بالنظر إلى جمعكم من حيث هو جمع في علمنا قبل ذلك ~~بما جبلناكم عليه وعلى ما كشفه الحال عنه من له بصيرة {قوما} # PageV18P303 # أي مع قوتكم على ما تحاولونه {بورا *} أي في غاية الهلاك والكساد ~~والفساد، وعدم الخير لأنكم جبلتم على ذلك الفساد، فلا انفكاك لهم عنه، وهذا ~~كما مضى بالنظر إلى الجميع من حيث هو جمع لا بالنسبة إلى كل فرد فإنه قد ~~أخلص منهم بعد ذلك كثير، وثبتوا فلم يرتدوا. # ولما كان التقدير: ذلك لأنكم لم تؤمنوا، فمن آمن منكم ومن غيركم وأخلص، ~~أبحناه جنة وحريرا، عطف عليه قوله معمما: {ومن لم يؤمن} منكم ومن غيركم ~~{بالله} أي الذي لا موجود في الحقيقة سواه {ورسوله} أي الذي أرسله لإظهار ~~دينه وهو الحقيق بالإضافة إليه، معبرا عنه بالاسم الأعظم، وللزيادة في ~~تعظيمه وتحقير شانئه وتوهية كيد التفت إلى مقام التكلم بمظهر العظمة فقال: ~~{فإنا} أي على ما لنا من العظمة {أعتدنا} له أو لهم هكذا كان الأصل، ولكنه ~~قال معلقا للحكم بالوصف إيذانا بأن من لم يجمع الإيمان بهما فهو كافر، وإن ~~السعير لمن كان كفره راسخا فقال تعالى: {للكافرين} أي الذين لا يجمعون ~~الإيمان بالمرسل والرسول فيكونون بذلك كفارا، ويستمرون على وصف الكفر لأنهم ~~جبلوا عليه {سعيرا *} أي نارا شديدة الإيقاد والتلهب، فهي عظيمة الحر توجب ~~الجنون # PageV18P304 # وإيقاد الباطن بالجوع بحيث ms4663 لا يشبع صاحبه والانتشار بكل شر، فإن التنكير ~~هنا للتهويل والتعظيم، وهذه الآية مع ما أرشد السياق إلى عطفها عليه ممن ~~يؤمن دالة - وإن كانت في سياق الشرط - على أن أكثرهم يخلص إيمانه بعد ذلك. # ولما انقضى حديث الجنود عامة ثم خاصة من المنتدبين والمخلصين وختم بعذاب ~~الكافرين، وكان المتصرف في الجنود ربما كان بعض خواص الملك، فلا يكون تصرفه ~~فيهم تاما، وكان الملك قد لا يقدر على عذاب من أراد من جنوده، وكان إذا قدر ~~قد لا يقدر على العذاب بكل ما يريده من السعير الموصوف وغيره لعدم عموم ~~ملكه قال تعالى عاطفا على آية الجنود: {ولله} أي الملك الأعظم وحده {ملك ~~السماوات والأرض} أي من الجنود وغيرها، يدبر ذلك كله كيف يشاء لا راد لحكمه ~~ولا معقب. # ولما لم يكن في هؤلاء من عذب بما عذب الأمم الماضية من الريح وغيرها، لم ~~يذكر ما بين الخافقين، وذكر نتيجة التفرد بالملك # PageV18P305 # بما يقتضيه الحال من الترغيب والترهيب: {يغفر لمن يشاء} أي لا اعتراض ~~لأحد عليه بوجه ما {ويعذب من يشاء} أي لأنه لا يجب عليه شيء ولا يكافيه ~~شيء، وليس هو كالملوك الذين لا يتمكنون من مثل ذلك لكثرة الأكفاء المعارضين ~~لهم في الجملة، وعلم من هذا التقسيم المبهم أيضا أن منهم من يرتد فيعذبه، ~~ومنهم من يثبت على الإسلام فيغفر له لأنه لا يعذب بغير ذنب وإن كان له أن ~~يفعل ذلك، لأنه لا يسأل عما يفعل وملكه تام، فتصرفه فيه عدل كيفما كان. ~~ولما كان من يفعل الشيء في وقت قد لا يستمر على وصف القدرة عليه قال تعالى: ~~{وكان الله} أي المحيط بصفات الكمال أزلا وأبدا، لم يتجدد له شيء لم يكن. ~~ولما ابتدأ الآية بالمغفرة ترغيبا في التوبة، ختم بذلك لأن المقام له، وزاد ~~الرحمة تشريفا لنبي المرحمة بالترغيب والدلالة على أن رحمته غلبت غضبه ~~فقال: {غفورا} أي لذنوب المسيئين {رحيما *} أي مكرما بعد الستر بما لا تسعه ~~العقول، وقدرته على الإنعام كقدرته على الانتقام. ms4664 ولما ذم المخلفين بما منه ~~- أي من الذم - أنهم هالكون بعد أن قدم أنه لعنهم، وكان قد وعد # PageV18P306 # سبحانه أهل الحديبية فتح خيبر جبرا لهم بما منعهم من الاستيلاء على مكة ~~المشرفة لما له في ذلك من الحكم البالغة الدقيقة، وختم بأنه نافذ الأمر، ~~وكان ذلك مستلزما لإحاطة العلم، دل على كلا الأمرين بقوله استئنافا، جوابا ~~لمن كأنه قال: هل يغفر للمخلفين حتى يكونوا كأنهم ما تخلفوا؟ : {سيقول} أي ~~بوعد لا خلف فيه. # ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم بحيث لا مطمع لأحد فى أن يظفر منه ~~بشيء من خلاف الأمر الله، أسقط ما عبر به في ذكرهم أولا من خطابه وقال: ~~{المخلفون} أي لمن يطمعون فيه من الصحابة أن يسعى في تمكينهم من المسير في ~~جيشه صلى الله عليه وسلم لخفاء الحكم عليه ونحو ذلك، ولم يقيدهم بالأعراب ~~ليعم كل من كان يتخلف من غيرهم {إذا انطلقتم} بتمكين الله لكم {إلى مغانم} ~~. # ولما أفهم اللفظ الأخذ، والتعبير بصيغة منتهى الجموع كثرتها، صرح بالأول ~~رفعا للمجاز فقال: {لتأخذوها} أي من خيبر {ذرونا} أي على أي حالة شئتم من ~~الأحوال الدنية {نتبعكم} ولما كان يلزم من تمكينهم من ذلك إخلاف وعد الله ~~بأنها تخص أهل الحديبية، وأنه طرد المنافقين وخيب قصدهم، علل تعالى قولهم ~~بقوله: {يريدون} أي بذهابكم معكم {أن يبدلوا كلام الله} أي المحيط بكل شيء ~~قدرة # PageV18P307 # وعلما في الإخبار بلعنهم وإبارتهم، وأن فتح خيبر مختص بأهل الحديبية، لا ~~يشركهم فيه إلا من وافقهم في النية والهجرة، ليتوصلوا بذلك إلى تشكيك أهل ~~الإسلام فيه، والمراد أن فعلهم فعل من يريد ذلك، ولا يبعد أن يكونوا صنفين: ~~منهم من يريد ذلك، ومنهم من لم يرده ولكن فعل من يريده. # ولما كان السامع جديرا بأن يسأل عما يقال لهم، قال مخاطبا لأصدق الخلق ~~عليه الصلاة والسلام: {قل} أي يا حبيب لهم إذا بلغك كلامهم أنت بنفسك، فإن ~~غيرك لا يقوم مقامك في هذا الأمر المهم، قولا مؤكدا: {لن تتبعونا} وإن ~~اجتهدتم ms4665 في ذلك، وساقه مساق النفي وإن كان المراد به النهي، لأنه مع كونه ~~آكد يكون علما من أعلام النبوة، وهو أزجر وأدل على الاستهانة. # ولما أذن هذا التأكيد أنه من عند من لا يخالف أصلا في مراده، بينه تعالى ~~بقوله: {كذلكم} أي مثل هذا القول البديع الشأن العلي الرتبة {قال الله} أي ~~الذي لا يكون إلا ما يريد وليس هو كالملوك الذين لا قدرة لهم على الغفران ~~لمن شاؤوا والعقاب لمن شاؤوا {من قبل} هذا الوقت، وهو الذي لا يمكن الخلف ~~في قوله، فإنه قضى أن لا يحضر «خيبر» المرادة بهذه الغنائم إلا من حضر ~~الحديبية، # PageV18P308 # وأمر بذلك فكان ما قال بعد اجتهاد بعض المخلفين في إخلافه فإنهم غيرهم ~~الطمع بعد سماعهم قول الله هذا، فطلبوا أن يخرجوا معه صلى الله عليه وسلم ~~فمنعوا فلم يحضرها غيرهم أحد، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم رجع من الحديبية ~~في ذي الحجة سنة ست، فأقام إلى أثناء محرم سنة سبع، وخرج بأهل الحديبية إلى ~~خيبر ففتحها الله عليه، وأخذ جميع أموالها من المنقولات والعقارات، وأتى ~~إليه صلى الله عليه وسلم وهو بها بعد فتحها ابن عمه جعفر بن أبي طالب رضي ~~الله عنه وبعض من معهم من مهاجرة الحبشة، فأشركهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~مع أهل الحديبية لأنهم لم يكونوا مخلفين بل كانوا متخلفين لعذر عدم ~~الإدراك. # ولما كانوا منافقين لا يعتقدون شيئا من هذه الأقوال، بل يظنون أنها حيل ~~على التوصل إلى المرادات الدنيوية، سبب عن قولهم له ذلك تنبيها على جلافتهم ~~وفساد ظنونهم: {فسيقولون} : ليس الأمر كما ذكر مما ادعى أنه قول الله {بل} ~~إنما ذلكم لأنكم {تحسدوننا} فلا تريدون أن يصل إلينا من مال الغنائم شيء. ~~ولما كان التقدير: وليس الأمر كما زعموا، رتب عليه قوله: {بل كانوا} أي ~~جبلة وطبعا {لا يفقهون} أي لا يفهمون فهم الحاذق الماهر {إلا قليلا *} في ~~أمر دنياهم، ومن ذلك إقرارهم بالإيمان لأجلها، وأما أمور الآخرة فلا يفهمون ~~منها شيئا. # PageV18P309 # ولما كان ms4666 ذلك يوقع في نفس السامع السؤال عن هذا الطرد: هل يستمر؟ أجيب ~~بأنهم سيمتحنون بأمر شاق يحدثه الله للتمييز بين الخلص وغيرهم، فقال مكررا ~~لوصفهم بالتخلف إعلاما بأنهم في الحقيقة ما تخلفوا، بل منعوا طردا لهم ~~وإبعادا معذبا لهم بما خلفهم عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه ~~العمرة من الخوف من قتال قريش لشدة بأسهم كما أثاب المحبين له صلى الله ~~عليه وسلم بضد ما عزموا عليه من القتال إلى النصر أو الموت من كف أيديهم ~~عنهم بما جعله الله سببا للفتح الأعظم والتفرغ لفتح خيبر وأخذ غنائمها ~~الكثيرة من غير كبير كلفة {قل} يا أعظم الخلف {للمخلفين} وزاد في ذمهم ~~بنسبتهم إلى الجلافة فقال: {من الأعراب} أي أهل غلظ الأكباد، ويجوز أن يكون ~~هذا القيد للاحتراز عن المخلفين من أهل المدينة فيكون إشارة إلى أن الأعراب ~~ينقسمون عند هذا الدعاء إلى مطيع وعاص - كما أشار إليه تقسيمه سبحانه لهم - ~~وأن المخلفين من أهل المدينة لمثل ما اعتل به الأعراب لا مطمع في صلاحهم: ~~{ستدعون} بوعد لا خلف فيه بإخبار محيط العلم والقدرة دعوة محيطة ونفيرا ~~عاما لما أفهمه الإسناد إلى جميعهم من داع صحت إمامته # PageV18P310 # فوجبت طاعته، ودل على بعدهم من أرضهم بقوله تعالى: {إلى قوم} . # ولما أفهم التعبير بذلك أن لهم قوة وشدة على ما يحاولونه، أوضح المعنى ~~بقوله: {أولي بأس} أي شدة في الحرب وشجاعة مع مكر ودهاء {شديد} . ولما كان ~~المعنى كأنه قيل: لماذا؟ قال تعالى: {تقاتلونهم} أي بأمر إمامكم {أو ~~يسلمون} أي يدعوكم إليهم ليكون أحد الأمرين المظهرين لأن كلمة الله هي ~~العليا: المقاتلة منكم أو الإسلام منهم، فإن لم يسلموا كان القتال لا غير، ~~وإن أسلموا لم يكن قتال، لأن الإمام لا غرض له إلا إعلاء كلمة الله، ولا ~~يكون شيء غير هذين الأمرين من إبقاء بجزية أو مصالحة أو متاركة إلى مدة، ~~ونحو ذلك، وهذا الداعي هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه والقوم بنو حنيفة ~~وغيرهم من أهل الردة ms4667 الذين كان الدعاء لهم أول خلافة الصديق رضي الله عنه، ~~وأما قول من قال: إنهم ثقيف، فضعيف، لأن الدعاء لم يكن إليهم إنما كان ~~المقصود بالذات فتح مكة، وكان أمر هوازن وثقيف وغيرهما تبعا له في غزوته، ~~لم يكن بينهم شيء، وأيضا فإن ثقيف لما عسر أمرهم تركهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى أسلموا بعد ذلك، وترك أيضا فلال هوازن فلم يتبعهم ولم يؤمر ~~باتباعهم، فظاهر الآية أنه إذا انتشب القتال لم يترك إلا أن حصل الإسلام، ~~والقول بأنهم فارس والروم ضعيف أيضا، فإن كلا منهم # PageV18P311 # تقبل منه الجزية، وتأويله بأنه إسلام لغوي لا داع له مع إمكان الحقيقة، ~~وقد كان ما أشار إليه التقسيم فإنهم لما دعوا إليهم انقسموا إلى مجيب وهم ~~الأكثر، وقد آتاهم الله الأجر الحسن في الدنيا بالغنيمة والذكر الجميل وهو ~~المرجو في الآخرة، ومرتد وهم قليل وقد أذاقهم الله العذاب الأليم في الدنيا ~~بالقتل على أقبح حال، وهو يذيقهم في الآخرة أعظم النكال، وأما قتال غير ~~العرب فأطاع فيه الكل ولم يحصل فيه ما أشير إليه من التقسيم، فتحقق بهذا ~~أنهم أهل الردة - والله الموفق، ولذلك سبب عن دعوة الحق قوله مرددا القول ~~في حالهم مبهما له إشارة إلى أنهم عند الدعاء ينقسمون إلى مقبل ومتول: {فإن ~~تطيعوا} أي توقعوا الطاعة للداعي إلى ذلك، وهو أبو بكر رضي الله عنه {يؤتكم ~~الله} أي الذي له الإحاطة والقدرة على الإعطاء والمنع، لا راد لأمره {أجرا ~~حسنا} دنيا وأخرى، جعل الله طاعة أبي بكر رضي الله عنه في هذا الأمر ~~بالخصوص كطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي طاعته طاعة الله، جزاء له ~~على خصوصه في مزيد تسليمه لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من الصلح ~~وثباته بما أجاب به عمر رضي الله عنهما بمثل جواب النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غير أن يكون حاضرا له كما هو معلوم من السيرة. # PageV18P312 # ولما كانت مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن يقوم مقامه لا ms4668 تكون إلا ~~من منازعة في الفطرة الأولى ومعالجة لها، عبر بالتفعل فقال: {وإن تتولوا} ~~عن قبول دعوته عصيانا {كما توليتم} أي عالجتم أنفسكم وكلفتموها التولي ~~بالتخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم {من قبل} أي بعض الأزمان التي تقدمت ~~على هذا الدعاء، وذلك في الحديبية {يعذبكم} أي يخالطكم بعقوبة تزيل العذوبة ~~في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما {عذابا أليما *} لأجل تكرر ذلك منكم. # ولما توعد المتخلفين بتخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توعدهم ~~في التقاعد عن هذا الإمام القائم بعده بالحق، وكان أهل الأعذار لا يتيسر ~~لهم ما أريد بهذا الدعاء، وكان الدين مبنيا على الحنيفية السمحة، استأنف ~~قوله تعالى مسكنا لما اشتثاره الوعيد من روعهم: {ليس على الأعمى} أي في ~~تخلفه عن الدعاء إلى الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم أو مع غيره من ~~أئمة الدعاء {حرج} أي ميل بثقل الإثم لأجل أن عماه موهن لسعيه وجميع بطشه، ~~ولأجل تأكيد المعنى تسكينا لما ثار من روع المؤمن كرر النافي والحرج في كل ~~جملة مستقلة تأكيدا لهذا الأمر فقال: {ولا على الأعرج} وإن كان # PageV18P313 # نقصه أدنى من نقص العمى {حرج} وجعل كل جملة مستقلة تأكيدا لهذا الحكم. # ولما ذكر هذين الأثرين الخاصين المزيد ضررهما في العاقة عن كمال الجهاد، ~~عم بقوله: {ولا على المريض} أي بأي مرض {حرج} فلم يخرج أهل هذه الأعذار ~~الذين لم يمنعهم إلا إعذارهم عن أهل الحديبية، وأطلب الحرج المنفي ليقبل ~~التقدير بالتخلف ولا حاجة لأن حضورهم لا يخلو عن نفع في الجهاد، وذكر هكذا ~~دون أسلوب الاستثناء إيذانا بأنهم لم يدخلوا في الوعيد أصلا حتى يخرجوا ~~منه. # ولما بشر المطيعين لتلك الدعوة وتوعد القاعدين عنها وعذر المعذورين، ~~وكانت إجابة المعذورين جائزة، بل أرفع من قعودهم، ولذلك لم ينف إجابتهم ~~إنما نفى الحرج، قال معمما عاطفا على ما تقديره: فمن تخلف منهم فتخلفه مباح ~~له: {ومن يطع الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال المفيض من آثار صفاته على ~~من يشاء ولو ms4669 كان ضعيفا، المانع منها من يشاء وإن كان قويا {ورسوله} من ~~المعذورين وغيرهم فيما ندبا إليه من أي طاعة كانت إجابته {يدخله} أي الله ~~الملك الأعظم جزاء له {جنات تجري} ونبه على قرب منال الماء بإثبات الجار في ~~قوله: {من تحتها الأنهار} أي ففي أي موضع أردت أجريت نهرا {ومن يتول} أي ~~كائنا من كان من المخاطبين الآن وغيرهم، عن # PageV18P314 # طاعة من الطاعات التي أمرا بها من أي طاعة كانت {يعذبه} أي على توليه في ~~الدارين أو إحداهما {عذابا أليما *} وقراءة أهل المدينة والشام {ندخله ~~ونعذبه} بالنون أظهر في إرادة العظمة لأجل تعظيم النعمة والنقمة. # PageV18P315 # ولما وعد المطيع وأوعد العاصي، وكانت النفوس إلى الوعد أشد التفاتا، دل ~~عليه بثواب عظيم منه أمر محسوس يعظم جذبه للنفوس القاصرة عن النفوذ في عالم ~~الغيب، فقال مؤكدا لأن أعظم المراد به المذبذبون، مفتتحا بقد لأن السياق ~~موجب للتوقع لما جرى من السنة الإلهية أنها إذا شوقت إلى شيء دلت عليه ~~بمشهود يقرب الغائب الموعود: {لقد رضي الله} أي الذي له الجلال والجمال {عن ~~المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان، أي فعل معهم فعل الراضي بما جعل لهم من ~~الفتح وما قدر له من الثواب، وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين فخذلهم في ~~الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة، فالآيات تقرير لما ذكر من جزاء الفريقين ~~بأمور مشاهدة. # ولما ذكر الرضى، ذكر وقته للدلالة على سببه فقال: {إذ} أي حين، وصور ~~حالهم إعلاما بأنها سارة معجبة شديدة الرسوخ في الرضى فقال: {يبايعونك} في ~~عمرة الحديبية لما صد المشركون عن الوصول إلى البيت، فبعثت عثمان رضي الله ~~عنه إليهم ليخبرهم بأنك لم تجىء # PageV18P315 # لقتال وإنما جئت للعمرة، فبلغك أنهم قتلوه فندبت إلى البيعة لمناجزتهم ~~فبايعك كل من كان معك على أن لا يفروا لتناجز بهم القوم؛ وزاد الأمر بيانا ~~وقيده تفضيلا لأهل البيعة بقوله: {تحت الشجرة} واللام للعهد الذهني، وكانت ~~شجرة في الموضع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم نازلا به في الحديبية، ms4670 ~~ولأجل هذا الرضى سميت بيعة الرضوان، وروى البغوى من طريق الثعلبي عن جابر ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل النار أحد ممن ~~بايع تحت الشجرة» . # ولما دل على إخلاصهم بما وصفهم، سبب عنه قوله: {فعلم} أي لما له من ~~الإحاطة {ما في قلوبهم} أي من مطابقته لما قالوا بألسنتهم في البيعة، وأن ~~ما حصل لبعضهم من الاضطراب في قبول الصلح والكآبة منه إنما هو لمحبة الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم وإيثار ما يريد من إعلاء دينه وإظهاره لا عن شك ~~في الدين، وسبب عن هذا العلم ترغيبا في مثل هذا المحدث عنهم قوله: {فأنزل ~~السكينة} أي بثبات القلوب وطمأنيتها في كل حالة ترضي الله ورسوله، ودل على ~~عظمها بحيث إنها تغلب الخوف وإن عظم بقوله: {عليهم} فأثر ذلك أنهم لم ~~يخافوا عاقبة القتال لما ندبوا إليه وإن كانوا في كثرة الكفار كالشعرة ~~البيضاء في جنب الثور الأسود، لا أثر الصلح بما يتراءى فيه من الضعف وغيره ~~من مخايل النقص في قلوبهم في ذلك المقام الدحض # PageV18P316 # والمواطن الضنك إلا ريثما رأوا صدق عزيمة الرسول صلى الله عليه وسلم ومضى ~~أمره في ذلك بما يفعل ويقول. # ولما ذكر منه سبحانه وتعالى عليهم بما هو الأصل الذي لا يبنى إلا عليه، ~~أتبعه آثاره فقال: {وأثابهم} أي أعطاهم جزاء لهم على ما وهبهم من الطاعة ~~والسكينة فيها جزاء، مقبلا عليهم، يملأ مواضع احتياجهم، هو أهل لأن يقصده ~~الإنسان ويتردد في طلبه لما له من الإقبال والمكنة والشمول {فتحا} بما أوقع ~~سبحانه من الصلح المترتب على تعجيز قريش عن القتال {قريبا *} بترك القتال ~~الموجب بعد راحتهم وقوتهم وجمومهم لاختلاط بعض الناس ببعض فيدخل في الدين ~~من كان مباعدا له لما يرى من محاسنه، فسيكون الفتح الأعظم فتح المكة ~~المشرفة الذي هو سبب لفتح جميع البلاد. # ولما ذكر الفتح ذكر بعض ثمرته فقال: {ومغانم} فنبه بصيغة منتهى الجموع ~~إلى أنها عظيمة، ثم صرح بذلك في قوله: {كثيرة} ولما كان ms4671 الشيء ربما أطلق ~~على ما هو بالقوة دون الفعل، أزال ذلك بقوله تعالى {يأخذونها} وهي خيبر. ~~ولما كان ذلك مستبعدا لكثرة الكفار وقلة المؤمنين، بين سببه فقال عاطفا على ~~ما تقديره: بعزة الله وحكمته: {وكان الله} أي الذي لا كفوء له {عزيزا} أي ~~يغلب ولا يغلب {حكيما *} يتقن ما يريد فلا ينقض. # PageV18P317 # ولما قرب ذلك وتأكد وتحرر وتقرر، أقبل سبحانه وتعالى عليهم بالخطاب ~~تأكيدا لمسامعهم فقال مزيلا لكل احتمال يتردد في خواطر المخلفين: {وعدكم ~~الله} أي الملك الأعظم {مغانم} وحقق معناها بقوله: {كثيرة تأخذونها} أي ~~فيما يأتي من بلدان شتى لا تدخل تحت حصر، ثم سبب عن هذا الوعد قوله: {فعجل ~~لكم} أي منها {هذه} أي القضية التي أوقعها بينكم وبين قريش من وضع الحرب ~~عشر سنين، ومن أنكم تأتون في العام المقبل في مثل هذا الشهر معتمرين فإنها ~~سبب ذلك كله، عزاه أبو حيان لابن عباس رضي الله عنهما وهو في غاية الظهور، ~~ويمكن أن يكون المعنى: التي فتحها عليكم من خيبر من سببها وأموالها ~~المنقولات وغيرها {وكف أيدي الناس} أي من أهل خيبر وحلفائهم أسد وغطفان أن ~~يعينوا أهل خيبر أو يغيروا على عيالاتكم بعد ما وهموا بذلك بعد ما كف أيدي ~~قريش ومن دخل في عهدهم بالصلح {عنكم} على ما أنتم فيه من القلة والضعف. # ولما كان التقدير: رحمة لكم على طاعتكم لله ورسوله وجزاء لتقوى أيديكم، ~~وتروا أسباب الفتح القريبة بما يدخل من الناس في دينكم عند المخاطبة بسبب ~~الإيمان، عطف عليه قوله: {ولتكون} أي هذه # PageV18P318 # الأسباب من الفتح والإسلام {آية} أي علامة هي في غاية الوضوح {للمؤمنين} ~~أي منكم على دخول المسجد الحرام آمنين في العمرة ثم في الفتح ومنكم ومن ~~غيركم من الراسخين في الإيمان إلى يوم القيامة على جميع ما يخبر الله به ~~على ما وقع التدريب عليه في هذا التدبير الذي دبره لكم من أنه لطيف يوصل ~~إلى الأشياء العظيمة بأضداد أسبابها فيما يرى الناس فلا يرتاع مؤمن لكثرة ~~المخالفين وقوة المنابذين ms4672 أبدا، فإن سبب كون الله مع العبد هو الاتباع ~~بالإحسان الذي عماده الرسوخ في الإيمان الذي علق الحكم به، فحيث ما وجد ~~عليه وجد المعلق وهو النصر بأسباب جلية أو خفية {ويهديكم} في نحو هذا الأمر ~~الذي دهمكم فأزعجكم بالثبات عند سماع الموعد والوعيد والثقة بمضمونه لأنه ~~قادر حكيم، فهو لا يخلف الميعاد بأن يهديكم {صراطا مستقيما} أي طريقا واسعا ~~واضحا موصلا إلى الكرامة من غير شك، وهذا من أعلام النبوة فإنه لم يزغ أحد ~~من المخاطبين بهذه الآية وهم أهل الحديبية وكأنه والله أعلم لذلك لم يقل: ~~ويهديهم - بالغيب على ما اقتضاه السياق لئلا يغم غيرهم ممن يظهر صدقه في ~~الإيمان ثم يزيغ، ولذا أكثر تفاصيل هذه السورة من أعلام النبوة، فإنه وقع ~~الإخبار به قبل وقوعه. # ولما سرهم سبحانه بما بشرهم به من كون القضية فتحا # PageV18P319 # ومن غنائم خيبر، أتبع ذلك البشارة دالا على أنها لا مطمع لهم في حوزه ولا ~~علاجه لولا معونته فقال: {وأخرى} أي ووعدكم مغانم كثيرة غير هذه وهي - ~~والله أعلم - مغانم هوازن التي لم يحصل قبلها ما يقاربها. ولما كان في علمه ~~سبحانه وتعالى أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مقرون فيها إلا من لا يمكنه ~~في العادة أن يهزمهم ليحوي الغنائم، فكان ما في علمه تعالى لتحققه كالذي ~~وقع وانقضى، قال تعالى: {لم تقدروا} أي بما علمتم من قراركم {عليها} ولما ~~توقع السامع بعد علمه بعجزهم عنها الإخبار عن السبب الموصل إلى أخذها بما ~~تقرر عند من صدق الوعد بها، قال مفتتحا بحرف التوقع: {قد أحاط الله} أي ~~المحيط بكل شيء علما وقدرة {بها} فكانت بمنزلة ما أدير عليه سورة مانع من ~~أن يغلب منها شيء عن حوزتكم أو يقدر غيركم أن يأخذ منها شيئا، ولذلك ~~وللتعميم ختم الآية بقوله: {وكان الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال أزلا ~~وأبدا {على كل شيء} منها ومن غيرها {قديرا *} بالغ القدرة لأنه بكل شيء ~~عليم. # PageV18P320 # ولما قدم سبحانه أنه كف أيدي الناس عنكم أجمعين، ذكر ms4673 حكمهم لو وقع قتال، ~~فقال مقررا لقدرته عاطفا على نحو: فلو أراد لمكنكم من الاعتمار، مؤكدا لأجل ~~استبعاد من يستبعد ذلك من الأعراب وغيرهم: # PageV18P320 # {ولو قاتلكم} أي في هذا الوجه {الذين كفروا} أي أوقعوا هذا الوصف من ~~الناس عموما الراسخ فيه ومن دونه، وهم أهل مكة ومن لاقهم، وكانوا قد ~~اجتمعوا وجمعوا الأحابيش ومن أطاعهم وقدموا خالد بن الوليد طليعة لهم إلى ~~كراع الغميم، ولم يكن أسلم بعد {لولوا} أي بغاية جهدهم {الأدبار} منهزمين. # ولما كان عدم نصرهم بعد التولية مستبعدا أيضا لما لهم من كثرة الإمداد ~~وقوة الحمية، قال معبرا بأداة البعد: {ثم} أي بعد طول الزمان وكثرة الأعوان ~~{لا يجدون} في وقت من الأوقات {وليا} أي يفعل معهم فعل القريب من الحياطة ~~والشفقة والحراسة من عظيم ما يحصل من رعب تلك التولية {ولا نصيرا *} . # ولما كانت هذه عادة جارية قديمة مع أولياء الله تعالى حيثما كانوا من ~~الرسل وأتباعهم، وأن جندنا لهم الغالبون، قال تعالى: {سنة الله} أي سن ~~المحيط بهذا الخلق في هذا الزمان وما بعده كما كان محيطا بالخلق في قديم ~~الدهر، ولذلك قال: {التي قد خلت} أي سنة مؤكدة لا تتغير، وأكد الجار لأجل ~~أن القتال ما وقع الزمان الماضي إلا بعد نزول التوراة فقال: {من قبل} وأما ~~قبل ذلك فإنما كان يحصل الهلاك بأمر من عند الله بغير أيدي المؤمنين {ولن ~~تجد} أيها # PageV18P321 # السامع {لسنة الله} الذي لا يخلف قولا لأنه محيط بجميع صفات الكمال ~~{تبديلا *} أي تغيرا من مغير ما، يغيرها بما يكون بدلها. # ولما تقرر أن الكفار مغلوبون وإن قاتلوا، وكان ذلك من خوارق العادات مع ~~كثرتهم دائما وقلة المؤمنين حتى يأتي أمر الله موقعا للعلم القطعي بأنه ما ~~دبره إلا الواحد القهار القادر المختار، عطف عليه عجبا آخر وهو عدم تغير ~~أهل مكة في هذه العمرة للقتال بعد تعاهدهم وتعاقدهم عليه مع ما لهم من قوة ~~العزائم وشدة الشكائم، فقال عاطفا على ما تقديره: هو الذي سن هذه السنة ~~العامة: {وهو ms4674 الذي كف} أي وحده من غير معين له على ذلك {أيديهم} أي الذين ~~كفروا من أهل مكة وغيرهم، فإن الكل شرع واحد {عنكم وأيديكم} أيها المؤمنون ~~{عنهم} . # ولما كان الكفار لو بسطوا أيديهم مع ما حتمه الله وسنه من تولية الكفار ~~دخلوا مكة قال: {ببطن مكة} أي كائنا كل منكم ومنهم في داخل مكة هم حالا ~~وأنت مآلا، وعن القفال أنه قال: يجوز أن يراد به الحديبية لأنها من الحرم - ~~انتهى. # وعبر بالميم دون الباء كما في آل عمران إشارة إلى أنه فعل هنا ما اقتضاه ~~مدلول هذا الاسم من الجمع والنقض والتنقية، فسبب لهم أسباب الاجتماع ~~والتنقية من الذنوب - # PageV18P322 # بما أشارت إليه آية العمرة حالا وآيات الفتح مآلا، ووفى بما يدل عليه ~~اسمها من الأهل على خلاف القياس. # ولما كان هذا ليس مستغرقا لجميع الزمان الآتي، بل لا بد أن يبسط أيدي ~~المؤمنين بها يوم الفتح، أدخل الجار فقال تعالى: {من بعد أن أظفركم} أي ~~أوجد فوزكم بكل ما طلبتم منهم وجعل لكم الطول والعز {عليهم} وذلك فيما رواه ~~أصحاب. السير قالوا: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية ~~الخزاعي رضي الله عنه فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له فقال له ~~التغلب: ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا جمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبعثت قريش أربعين رجلا منهم أو خمسين وأمروهم أن يطوفوا بعسكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا أخذا فأتى ~~بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا ~~في عسكره بالحجارة والنبل، ثم ذكروا إرساله صلى الله عليه وسلم # PageV18P323 # لعثمان رضي الله عنه إلى مكة ثم إرسال قريش لسهيل بن عمرو في الصلح، وروى ~~مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما اصطلحنا واختلط ~~بعضنا ببعض أتيت شجرة فاضطجعت ms4675 في أصلها فأتاني أربعة من المشركين من أهل ~~مكة، فجعلوا يقعون في النبي صلى الله عليه وسلم فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة ~~أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل ~~الوادي: يا آل المهاجرين: قتل ابن زنيم، فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك ~~الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت والذي كرم وجه ~~محمد صلى الله عليه وسلم! لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه ~~ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء عمي عامر رضي ~~الله عنه برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على فرس مجفف في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه، فعفا عنهم فأنزل الله ~~تعالى # PageV18P324 # {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} الآية - انتهى. وروى مسلم ~~والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وفي رواية النسائي: قالوا: نأخذ ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم سلما ~~فاستحياهم فأنزل الله عز وجل {وهو الذي كف أيديهم عنكم} الآية. # ولما كان هذا ونحوه من عنف أهل مكة وغلظتهم وصلابتهم وشدتهم ورفق النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولينه لهم مما أحزن أغلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم ~~قال تعالى يسليهم: {وكان الله} أي المحيط بالجلال والإكرام {بما يعملون} أي ~~الكفار - على قراءة أبي عمرو بالغيب، وأنتم - على قراءة الباقين بالخطاب في ~~ذلك الوقت وفيما بعده كما كان قبله {بصيرا *} أي محيط العلم ببواطن ذلك كما ~~هو محيط بظواهره فهو يجريه في هذه الدار التي ربط فيها المسببات بأسبابها ~~على أوثق الأسباب في نصركم وغلبكم لهم وقسركم، وستعلمون ما دبره من ms4676 دخولكم ~~مكة المشرفة آمنين لا تخافون في عمرة القضاء صلحا ثم في الفتح بجحفل جرار ~~قد نيطت أظفار المنايا بأسنة رماحه، وعادت # PageV18P325 # كؤوس الحمام طوعا لبيض صفاحه، فيؤمن أكثر أهل مكة وغيرهم ممن هو الآن ~~جاهد عليكم، ويصيرون أحب الناس فيكم يقدمون أنفسهم في جهاد الكفار دونكم، ~~فيفتح الله بكم البلاد، ويظهركم - وهو أعظم المحامين عنكم - على سائر ~~العباد. # ولما كان ما مضى من وصفهم على وجه يشمل غيرهم من جميع الكفار، عينهم ~~مبينا لسبب كفهم عنهم مع استحقاقهم في ذلك الوقت للبوار والنكال والدمار ~~فقال: {هم} أي أهل مكة ومن لافهم {الذين كفروا} أي أوغلوا في هذا الوصف ~~بجميع بواطنهم وتمام ظواهرهم {وصدوكم} زيادة على كفرهم في عمرة الحديبية ~~هذه {عن المسجد الحرام} أي مكة، ونفس المسجد الحرام، والكعبة، للإخلال بما ~~أنتم فيه من شعائر الإحرام بالعمرة {والهدي} أي وصدوا ما أهديتموه إلى مكة ~~المشرفة لتذبحوه بها وتفرقوه على الفقراء، ومنه أربعون، وفي رواية: سبعون ~~بدنة، كان أهداها النبي صلى الله عليه وسلم {معكوفا} أي حال كونه مجموعا ~~محبوسا مع رعيكم له وإصلاحه لما أهدى لأجله {أن يبلغ محله} أي الموضع الذي ~~هو أولى المواضع لنحره، وهو الذي إذا أطلق انصرف الذهن إليه، وهو في العمرة ~~المروة، ويجوز الذبح في الحج والعمرة في أي موضع كان من الحرم، فالموضع ~~الذي نحر فيه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه # PageV18P326 # المرة عند الإحصار ليس محله المطلق. # ولما كان التقدير: فلولا ما أشار إليه من ربط المسببات بأسبابها لسلطكم ~~عليهم فغلبتموهم على المسجد وأتممتم عمرتكم على ما أردتم، ثم عطف عليه أمرا ~~أخص منه فقال: {ولولا رجال} أي مقيمون بين أظهر الكفار بمكة {مؤمنون} أي ~~عريقون في الإيمان فكانوا لذلك أهلا للوصف بالرجولية {ونساء مؤمنات} أي ~~كذلك حبس الكل عن الهجرة العذر لأن الكفار لكثرتهم استضعفوهم فمنعوهم ~~الهجرة، على أن ذلك شامل لمن جبله الله على الخير وعلم منه الإيمان وإن كان ~~في ذلك الوقت مشركا {لم تعلموهم} أي لم يحط ms4677 علمكم بهم من جميع الوجوه ~~لتميزوهم بأعيانهم عن المشركين لأنهم ليس لهم قوة التمييز زمنهم بأنفسهم ~~وأنتم لا تعرفون أماكنهم لتعاملوهم بما هم له أهل ولا سيما في حال الحرب ~~والطعن والضرب، ثم أبدل من «الرجال والنساء» قوله: {أن تطؤهم} أي تؤذوهم ~~بالقتل أو ما يقاربه من الجراح والضرب والنهب ونحوه من الوطء الذي هو ~~الإيقاع بالحرب منه قوله صلى الله عليه وسلم # «آخر وطأة وطئها الله بوج» يكون ذلك الأذى منكم لهم على ظن أنهم مشركون ~~أذى الدائس لمدوس # PageV18P327 # وتضغطوهم وتأخذوهم أخذا شديدا بقهر وغلبة تصيرون به لا تردون يد لامس ولا ~~تقدرون على مدافعة {فتصيبكم} أي فيتسبب عن هذا الوطء أن يصيبكم {منهم} أي ~~من جهتهم وبسببهم {معرة} أي مكروه وأذى هو كالحرب في انتشاره وأذاه، وإثم ~~وخيانة بقتال دون إذن خاص، وبعدم الإمعان في البحث، وغرم وكفارة ودية وتأسف ~~وتعيير ممن لا علم له، ثم علق بالوطء المسبب عنه إصابة المعرة إتماما ~~للمعنى قوله: {بغير علم} أي بأنهم من المؤمنين. # ولما دل السياق على أن جواب «لولا» محذوف تقديره: لسلطكم عليهم وما كف ~~أيديكم عنهم، ولكنه علم ذلك، وعلم أنه سيؤمن ناس من المشركين فمن عليكم بأن ~~رفع حرج إصابتهم بغير علم عنكم، وسبب لكم أسباب الفتح الذي كان يتوقع بسبب ~~تسليطكم عليهم بأمر سهل، وكف أيديكم ولم يسلطكم عليه {ليدخل الله} أي الذي ~~له جميع صفات الكمال {في رحمته} أي إكرامه وإنعامه {من يشاء} من المشركين ~~بأن يعطفهم إلى الإسلام، ومن المؤمنين بأن يستنقذهم منهم على أرفق وجه، ~~ولما كان ذلك، أنتج قوله تعالى: {لو تزيلوا} أي تفرقوا فزال أحد الفريقين ~~عن الآخر زوالا عظيما بحيث لا يختلط صنف # PageV18P328 # بغيره فيؤمن وطء المؤمنين له بغير علم {لعذبنا} أي بأيديكم بتسليطنا أبو ~~بمجرد أيدنا من غير واسطة {الذين كفروا} أي أوقعوا ستر الإيمان. # ولما كان هذا عاما لجميع من اتصف بالكفر من أهل الأرض، صرح بما دل عليه ~~السياق فقال: {منهم} أي الفريقين وهم الصادون {عذابا أليما ms4678 *} أي شديد ~~الإيجاع بأيديكم أو من عندنا لنوصلكم إلى قصدكم من الاعتمار والظهر على ~~الكفار، ففيه اعتذار وتدريب على تأدب بعضهم مع بعض، وفي الإشارة إلى بيان ~~سر من أسرار منع الله تعالى لهم من التسليط عليهم حث للعبد على أن لا يتهم ~~الله في قضائه فربما عسر عليه أمرا يظهر له أن السعادة كانت فيه وفي باطنه ~~سم قاتل، فيكون منع الله له منه رحمة في الباطن وإن كان نقمة في الظاهر، ~~فألزم التسليم مع الاجتهاد في الخير والحرص عليه والندم على فواته وإياك ~~والاعتراض، وفي الآية أيضا أن الله تعالى قد يدفع عن الكافر لأجل المؤمن. # PageV18P329 # ولما بين شرط استحقاقهم للعذاب، بين وقته، وفيه بيان لعلته، فقال: {إذ} ~~أي حين {جعل الذين كفروا} أي ستروا ما تراءى من الحق في مرأى عقولهم {في ~~قلوبهم} أي قلوب أنفسهم {الحمية} أي # PageV18P329 # المنع الشديد والأنفة والإباء الذي هو في شدة حره ونفوذه في أشد الأجسام ~~كالسم والنار، ولما كان مثل هذه الحمية قد تكون موجبة للرحمة بأن تكون لله، ~~قال مبينا معظما لجرمها، {حمية الجاهلية} التي مدارها مطلق المنع أي سواء ~~كان بحق أو بباطل، فتمنع من الإذعان للحق، ومبناها التشفي على مقتضى الغضب ~~لغير الله فتوجب تخطي حدود الشرع، ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة ~~المشرفة لزيارة البيت العتيق الذي الناس فيه سواء، ومن الإقرار بالبسملة، ~~فأنتجت لهم هذه الحمية أن تكبروا عن كلمة التقوى وطاشوا وخفوا إلى الشرك ~~الذي هو أبطل الباطل. # ولما كانت هذه الحمية مع الكثرة موجبة ولا بد ذل من تصوب إليه ولا سيما ~~إن كان قليلا، بين دلالة على أن الأمر تابع لمشيئته لا لجاري العادة أنه ~~تأثر عنها ضد ما تقتضيه عادة، فقال مسببا عن هذه الحمية: {فأنزل الله} أي ~~الذي لا يغلبة شيء وهو يغلب كل شيء بسبب حميتهم {سكينته} أي الشيء اللائق ~~إضافته إليه سبحانه من الفهم عن الله والروح الموجب لسكون القلب المؤثر ~~للإقدام على العدو والنصر عليه، إنزالا كائنا {على ms4679 رسوله} صلى الله عليه ~~وسلم الذي عظمته من عظمته، # PageV18P330 # ففهم عن الله مراده في هذه القضية فجرى على أتم ما يرضيه {وعلى المؤمنين} ~~رضي الله تعالى عنهم العريقين في الإيمان لأنهم أتباع رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وأنصار دينه فألزمهم قبول أمره الذي فهمه عن الله وخفي عن أكثرهم حتى ~~فهمتموه صلى الله عليه وسلم عند نزول سورة محمد وحماهم عن همزات الشياطين، ~~ولم يدخلهم ما دخل الكفار من الحمية ليقاتلوا غضبا لأنفسهم فيتعدوا حدود ~~الشرع {وألزمهم} أي المؤمنين إلزام إكرام أو تشريف، لا إلزام إهانة وتعنيف ~~{كلمة التقوى} وهي كل قول أو فعل ناشىء عن التقوى وإعلاء كلمة الإخلاص ~~المتقدم في سورة القتال وهي لا إله إلا الله التي هي أحق الحق، يقتضي ~~التحقق بمدلولها من أنه لا فاعل إلا الله الثبات على كل ما أخبر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد والبسملة والرسالة مع تغيير الكتابة ~~بكل منهما لأجل الكفار في ذلك المقام الدحض الذي لا يكاد يثبت فيه قدم، ~~وأضافها إلى التقوى التي هي اتخاذ ساتر يقي حر النار فجعلها وصفا لازما لهم ~~غير منفك عنهم لأنها سببها الحامل عليها، ويجمع الحامل على التقوى اعتقاد ~~الوحدانية وهي لا إلا الله فإنها كلمة - كما قال الرازي - أولها نفي الشرك ~~وآخرها تعلق بالإلهية، وهذا من أعلام النبوة، فإن أهل الحديبية الذين ~~ألزموا هذه الكلمة ماتوا كلهم # PageV18P331 # على الإسلام {وكانوا} أي جبلة وطبعا. # ولما كان من الكفار من يستحقها في علم الله فيصير مؤمنا، عبر فأفعل ~~التفضيل فقال تعالى: {أحق بها} أي كلمة التقوى من الكفار والأعرب وغيرهم من ~~جميع الخلق، ولمثل هذا التعميم أطلق الأمر بحذف المفضل عليه. ولما كان ~~الأحق بالشيء قد لا يكون أهله من أول الأمر قال تعالى: {وأهلها} أي ولاتها ~~والملازمون لها ملازمة العشير بعشيره والدائنون لها والآلفون لها. ولما كان ~~الحكم بذلك لا يكون إلا لعالم قال عاطفا على ما تقديره: لما علم الله من ~~صلاح قلوبهم وصفائها: {وكان الله} أي ms4680 المحيط بالكائنات كلها علما وقدرة ~~{بكل شيء} من ذلك وغيره {عليما *} أي محيط العلم الدقيق والجلي، والآية من ~~الاحتباك: ذكر حمية الجاهلية أولا دليلا على ضدها ثانيا، وكلمة التقوى ~~ثانيا دليلا على ضدها أولا، وسره أنه ذكر مجمع الشر أولا ترهيبا منه ومجمع ~~الخير ثانيا ترغيبا فيه. ولما قرر سبحانه وتعالى علمه بالعواقب لإحاطة علمه ~~ووجه أسباب كفه أيدي الفريقين وبين ما فيه من المصالح وما في التسليط من ~~المفاسد من قتل من حكم بإيمانه من المشركين وإصابة # PageV18P332 # من لا يعلم من المؤمنين - وغير ذلك إلى ختم بإحاطة علمه المستلزم لشمول ~~قدرته. أنتج ذلك قوله لمن توقع الإخبار عن الرؤيا التي أقلقهم أمرها وكاد ~~بعضهم أن يزلزله ذكرها على سبيل التأكيد: {لقد} . # ولما كان للنظر إلى الرؤيا اعتباران: أحدهما من جهة الواقع وهو غيب عن ~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين: والآخر من جهة الإخبار وهو مع الرؤيا ~~شهادة بالنسبة إليه سبحانه وتعالى، عبر بالصدق والحق فقال تعالى: {صدق ~~الله} أي الملك الذي لا كفوء له المحيط بجميع صفات الكمال {رسوله} صلى الله ~~عليه وسلم الذي هو أعز الخلائق عنده وهو غني عن الإخبار عما لا يكون أنه ~~يكون، فكيف إذا كان المخبر رسوله {الرؤيا} التي هي من الوحي لأنه سبحانه ~~يرى الواقع ويعلم مطابقتها في أنكم تدخلون المسجد الحرام آمنين يحلق بعض ~~ويقصر آخرون، متلبسا خبره ورؤيا رسوله صلى الله عليه وسلم {بالحق} لأن ~~مضمون الخبر إذا وقع فطبق بين الواقع وبينه، وكان الواقع يطابقه لا يخرم ~~شيء منه عن شيء منه، والحاصل أنك إذا نسبتها للواقع طابقته فكان صدقا، وإذا ~~نسبت الواقع إليها طابقها فكانت حقا. # PageV18P333 # ولما أقسم لأجل التأكيد لمن كان يتزلزل، أجابه بقوله مؤكدا بما يفهم ~~القسم أيضا إشارة إلى عظم الزلزال: {لتدخلن} أي بعد هذا دخولا قد تحتم أمره ~~{المسجد} أي الذي يطاف فيه بالكعبة ولا يكون دخوله إلى بدخول الحرم ~~{الحرام} أي الذي أجاره الله من امتهان الجبابرة ومنعه من كل ظالم. # ولما كان ms4681 لا يجب عليه سبحانه وتعالى شيء وإن وعد به، أشار إلى ذلك بقوله ~~تأديبا لهم أن يقول منهم بعد ذلك: ألم يقل أننا ندخل البيت ونحو ذلك، ~~ولغيرهم أن يقول: نحن ندخل: {إن شاء الله} أي الذي له الإحاطة بصفات ~~الكمال، حال كونكم {آمنين} لا تخشون إلا الله منقسمين بحسب التحليق ~~والتقصير إلى قسمين {محلقين رءوسكم} ولعله أشار بصيغة التفعيل إلى أن فاعل ~~الحق كثير، وكذا {ومقصرين} غير أن التقديم يفهم أن الأول أكثر. # ولما كان الدخول حال الأمن لا يستلزم الأمن بعده قال تعالى: {لا تخافون} ~~أي لا يتجدد لكم خوف بعد ذلك إلى أن تدخلوا عليهم عام الفتح قاهرين لهم ~~بالنصر. ولما كان من المعلوم أن سبب هذا الإخبار إحاطة العلم، فكان ~~التقدير، هذا أمر حق يوثق غاية # PageV18P334 # الوثوق لأنه إخبار عالم الغيب والشهادة، صدق سبحانه فيه، وما ردكم عنه ~~هذه الكرة على هذا الوجه إلا لأمور دبرها وشؤون أحكمها وقدرها، قال عاطفا ~~على {صدق} مسببا عنه أو معللا: {فعلم} أي بسبب، أو لأنه علم من أسباب الفتح ~~وموانعه وبنائه على الحكمة {ما لم تعلموا} أي أيها الأولياء {فجعل} أي بسب ~~إحاطة علمه {من دون} أي أدنى رتبة من {ذلك} أي الدخول العظيم في هذا العام ~~{فتحا قريبا *} يقويكم به من فتح خيبر ووضع الحرب بين العرب بهذا الصلح، ~~واختلاط بعض الناس بسبب ذلك ببعض، الموجب لإسلام بشر كثير تتقوون بهم، ~~فتكون تلك الكثرة والقوة سبب هيبة الكفار المانعة لهم من القتال، فتقل ~~القتلى رفقا بأهل حرم الله تعالى إكراما لهذا النبي الكريم صلى الله عليه ~~وسلم عن إغارة وإصابة من عنده من المسلمين المستضعفين من غير علم. # PageV18P335 # ولما أخبر بهذه الأمور الجليلة الدقيقة المبنية على إحاطة العلم، عللها ~~سبحانه وبين الصدق فيها بقوله تعالى: {هو} أي وحده {الذي أرسل رسوله} أي ~~الذي لا رسول أحق منه بإضافته إليه - صلى الله عليه وسلم # PageV18P335 # {بالهدى} الكامل الذي يقتضي أن يستقيم به أكثر الناس، ولو أنه أخبر بشيء ~~يكون فيه ms4682 أدنى مقال لم يكن الإرسال بالهدى {ودين الحق} أي الأمر الثابت ~~الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع {ليظهره} أي دينه {على الدين كله} دين ~~أهل مكة والعرب عباد الأصنام، الذي يقتضي إظهاره عليه دخوله إليه آمنا، ~~وإظهاره على من سواهم من أهل الأديان الباطلة بأيدي صحابته الأبرار ~~والتابعين لهم بإحسان إظهارا يتكامل بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام مع ~~الرفق بالخلق والرحمة لهم، فلا يقتل إلا من لا صلاح له أصلا، وعلى قدر ~~الجبروت يحصل القهر، فلأجل ذلك هو يدبر أمره بمثل هذه الأمور التي توجب ~~نصره وتعلي قدره مع الرفق بقومه وجميل الصنع لأتباعه، فلا بد أن تروا من ~~فتوح أكثر البلاد وقهر الملوك الشداد ما تعرفون به قدرة الله سبحانه ~~وتعالى. # ولما كان في سياق إحاطة العلم، وكان التقدير: شهد ربه سبحانه بتصديقه في ~~كل ما قاله بإظهار المعجزات على يده، بنى عليه قوله تعالى # PageV18P336 # {وكفى بالله} أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال {شهيدا *} أي ذا رؤية ~~وخبرة بطية كل شيء ودخلته لما له الغنى في أمره، ولا شهيد في الحقيقة إلا ~~هو سبحانه لأنه لا إحاطة وخبرة ورقبة إلا له سبحانه، وهو يشهد بكل ما أخبر ~~به رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الصورة خصوصا وفي غيرها عموما. # PageV18P337 # ولما ختم سبحانه بإحاطة العلم بالخفايا والظواهر في الإخبار بالرسالة، ~~عينها في قوله جوابا لمن يقول: من الرسول المنوه باسمه: {محمد رسول الله} ~~أي الملك الذي لا كفوء له، فهو الرسول الذي لا رسول يساويه لأنه رسول إلى ~~جميع الخلق ممن أدرك زمانه بالفعل في الدنيا ومن تقدمه بالقوة فيها وبالفعل ~~في الآخرة يوم يكون الكل تحت لوائه، وقد أخذ على الأنبياء كلهم الميثاق بأن ~~يؤمنوا به إن أدركوه، وأخذ ذلك الأنبياء على أممهم، لا يكتب الرحمة التي ~~وسعت كل شيء إلا لمن وقع العلم بالمحيط بإنه يؤمن به، فما عمل عامل عملا ~~صالحا إلا كان له مثل أجره، تقدم ذلك العامل أو تأخر، كان من أهل السماء ms4683 أو ~~من أهل الأرض، # PageV18P337 # وهذا أمر لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى، وأشار بذلك إلى هذا الاسم ~~بخصوصه في سورة محمد إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو الخاتم - بما أشارت ~~إليه الميم التي مخرجها ختام المخارج، وهي محيطة بما أشارة إليه صورته، ~~وكررت في الاسم بعده غاية التأكيد، وهو ثلاث - كما أشار إليه اسمه: أحمد - ~~إلى أنه مع كونه خاتما فهو فاتح بما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم ~~«كنت أولهم خلقا وآخرهم بعثا» واختصت به سورة الصف ليعادل ذلك بتصريح ~~المبشر به عليه الصلاة والسلام بالبعدية في قوله {برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد} [الصف: 6] وأشارت الميم أوله أيضا إلى بعثه عند الأربعين، وما بقي من ~~حروفه وهي حمد يفيد له كمال الحمد بالفعل في السنة الثانية والخمسين من ~~عمره وهي الثانية عشرة من نبوته ببيعة الأنصار رضي الله عنهم، وقد أشارت ~~هذه السورة إلى كلمة الإخلاص تلويحا مما ذكرت من كلمة الرسالة تصريحا وبطنت ~~سطوة الإلهية وظهرت الرحمة المحمدية - كما أشارت القتال إلى الرسالة تلويحا ~~وصرحت بسطوة الإلهية بكلمة الإخلاص والناشئة عن # PageV18P338 # القتال تصريحا، وقد تقدم في القتال نبذة من أسرار الكلمتين. ولما ذكر ~~الرسول ذكر المرسل إليهم فقال تعالى: {والذين معه} أي بمعية الصحبة من ~~أصحابه وحسن التبعية من التابعين لهم بإحسان: ولما كان شرف القوم شرفا ~~لرئيسهم، مدحهم بما يشمله فقال تعالى: {أشداء على الكفار} فهم لا تأخذهم ~~بهم رأفة بل هم معهم كالأسد على فريسته، لأن الله أمرهم بالغلظة عليهم ~~{رحماء بينهم} كالوالد مع الولد، لأن الله تعالى أمرهم باللين للمؤمنين، ~~ولا مؤمن في زمانهم إلا من كان من أهل دينهم، فهو يحبهم ويحبونه بشهادة آية ~~المائدة. # ولما كان هذا بخلاف ما وصفت به الأمم الماضية من أنهم ما اختلفوا إلا من ~~بعدما جاءهم العلم بغيا بينهم، فكان عجبا، بين الحامل عليه بقوله: {تراهم} ~~أي أيها الناظر لهم {ركعا سجدا} أي دائمي الخضوع فأكثر أوقاتهم صلاة قد ~~غلبت صفة الملائكة على صفاتهم الحيوانية، ms4684 فكانت الصلاة آمرة لهم بالخير ~~مصفية عن كل نقص وضير. # ولما كانت الصلاة مما يدخله الرياء، بين إخلاصهم بقوله: {يبتغون} أي ~~يطلبون بذلك وغيره من جميع أحوالهم بغاية جهدهم وتغليبا لعقولهم على ~~شهواتهم وحظوظهم {فضلا} أي زيادة في الخير {من الله} أي الذي له الإحاطة ~~بصفات الكمال والجمال الذي أعطاهم ملكة الغلظة على الكفار بما وهبهم من ~~جلاله والرقة على أوليائه بما أعطاهم من # PageV18P339 # رحمته التي هيأهم بها للإحسان إلى عياله فنزعوا الهوى من صدورهم فصاروا ~~يرونه وحده سيدهم المحسن إليهم لا يرون سيدا غيره، ولا محسن سواه. ولما ذكر ~~عبادتهم وطلبهم الزيادة منها ومن غيرها من فضل الله الذي لا يوصل إلى ~~عبادته إلا بمعونته، أتبعه المطلوب الأعلى فقال: {ورضوانا} أي رضاء منه ~~عظيما. # ولما ذكر كثرة عبادتهم إخلاصهم فيها اهتماما به لأنه لا يقبل عملا بدونه، ~~دل على كثرتها بقوله: {سيماهم} أي علامتهم التي لا تفارقهم {في وجوههم} ثم ~~بين العلامة بقوله: {من أثر السجود} فهي نور يوم القيامة - رواه الطبراني ~~عن أبي بن كعب رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم - هذا مع ما لهم من ~~مثل ذلك في الدنيا من أثر الخشوع والهيبة بحيث إنه إذا رئي أحدهم أورث ~~لرائيه ذكر الله، وإذا قرأ أورثت قراءته حزنا وخشوعا وإخباتا وخضوعا، وإن ~~كان رث الحال رديء الهيئة، ولا يظن أن من السيما ما يصنعه بعض المرائين من ~~هيئة أثر سجود في جبهته، فإذا ذلك من سيما الخوارج، وفي نهاية ابن الأثير ~~في تفسير الثفن: ومنه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: رأى رجلا بين عينيه ~~مثل ثفنة العنز، فقال: لو لم يكن هذا لكان خيرا - يعني كان على جبهته أثر ~~السجود، وإنما كرهها خوفا من الرياء بها، وقد روى صاحب الفردوس # PageV18P340 # عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لأبغض ~~الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود» . # ولما أتم وصفهم بهذا الأمر الذي لا يقدر عليه أحد إلا من ms4685 صفاه الله من ~~جميع حظوظه وشهواته، أشار إلى علوه فقال: {ذلك} أي هذا الوصف العالي جدا ~~البديع المثال البعيد المنال {مثلهم في التوراة} فإنه قال فيها: أتانا ربنا ~~من سببنا وشرق لنا من جبل ساعير، وظهر لنا من جبل فاران، معه ربوات الأطهار ~~على يمينه، أعطاهم وحببهم إلى الشعوب وبارك على جميع أطهاره وهم يتبعون ~~آثارك. فظهوره من فاران صريح في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يأت ~~منها - وهي جبال مكة باتفاقهم - بعد نزول التوراة بالنبوة غيره صلى الله ~~عليه وسلم، وربوات الأطهار إشارة إلى كثرة أمته، وأنهم في الطهارة ~~كالملائكة، وأيد ذلك جعلهم من أهل اليمين، ووصفهم بالتحبيب إلى الشعوب، فكل ~~ذلك دال على ما وصفوا به منا من شهادة الوجود - هذا مع ما وجدته في التوراة ~~بعد تبديلهم لما بدلوا منها وإخفائهم كما قال الله تعالى لكثير، وروى أصحاب ~~فتوح البلاد في فتح بيت المقدس عن كعب الأحبار أن سبب إسلامه أن أباه كان ~~أخبره أنه ذخر # PageV18P341 # عنه ورقتين جعلهما في كوة وطين عليهما، وأمره أن يعمل بهما بعد موته، ~~قال: فلما مات فتحت عنهما فإذا فيهما: محمد رسول الله صلى الله خاتم ~~النبيين لا نبي بعده مولده بمكة ومهاجرة بطيبة ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب ~~في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ~~ويغفر ويصفح، وإن أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل شيء وعلى كل حال، ~~ويذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناواه، يغسلون فروجهم ~~بالماء، ويؤثرون على أواسطهم، وأناجيلهم في صدورهم، يأكلون قربانهم في ~~بطونهم ويؤجرون عليها، تراحمهم بينهم تراحم بين الأم والأب، وهم أول من ~~يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، هم السابقون المقربون والشافعون والمشفع ~~لهم. # وأصله في الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وفي الدارمي عن كعب ~~هذا، ولأصحاب الفتوح عن سمرة بن حوشب عن كعب قال: قلت لعمر رضي الله عنه ~~وهو بالشام عند انصرافه: يا أمير المؤمنين! ms4686 إنه مكتوب في كتاب الله «إن هذه ~~البلاد التي كان فيها بنو إسرائيل وكانوا أهلها مفتوحة على رجل من ~~الصالحين، رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين، سره مثل علانيته، وعلانيته ~~مثل سره، وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد عنده في الحق سواء، أتباعه ~~رهبان بالليل أسد بالنهار، متراحمون متباذلون» فقال عمر: ثكلتك أمك أحق ما ~~تقول؟ قلت: أي والذي # PageV18P342 # أنزل التوراة على موسى والذي يسمع ما نقول! إنه لحق، فقال عمر: فالحمد ~~لله الذي أعزنا وشرفنا وأكرمنا ورحمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم ورحمته ~~التي وسعت كل شيء - هذا على أن المراد بالمثل الوصف، ويمكن أن يكون على ~~حقيقته، ويكون الذي في التوراة ما ترجمته «هم على أعدائهم كقرن الحديد ~~وفيما بينهم في النفع والتواصل كالماء والصعيد، ولربهم كخامة الزرع مع ~~الريح والصديق النصيح، وفي الإقبال على الآخرة كالمسافر الشاحب والباكي ~~الناحب» فعبر عنه في كتابنا بما ذكر. # ولما ذكر مثلهم في الكتاب الأول، أتبعه الكتاب الثاني الذي هو ناسخ ليعلم ~~أنه قد أخذ على كل ناسخ لشريعته أن يصفهم لأمته ليتبعوهم إذا دعوهم فقال: ~~{ومثلهم في الإنجيل} أي الذي نسخ الله به بعض أحكام التوراة {كزرع} أي مثل ~~زرع {أخرج شطأه} أي فراخه وورقه وما خرج حول أصوله، فكان ذلك كله مثله. # ولما ذكر هذا الإخراج سبب عنه قوله {فآزره} أي فأحاط به الشطأ، فقواه ~~وطهره من غير نبتة نبتت عنه فتضعفه وساواه وحاذاه وعاونه، ويظهر أن قراءة ~~الهمزة بالمد على المفاعلة أبلغ من قراءة ابن عامر بالقصر، لأن الفعل إذا ~~كان بين اثنين يتجاذبانه كان الاجتهاد # PageV18P343 # فيه أكثر، ثم سبب عن المؤازرة قوله: {فاستغلظ} أي فطلب المذكور من الزرع ~~والشطأ الغلظ وأوجده فتسبب عن ذلك اعتداله {فاستوى} أي وجد فيه القيام ~~العدل وجودا عظيما كأنه كان بغاية الاجتهاد والمعالجة {على سوقه} أي قصبه، ~~جمع ساق، وهو ما قام عليه الشيء، حال كون هذا المذكور من الزرع والشطأ ~~{يعجب الزراع} ويجوز كونه استنئافا للتعجب منه والمبالغة في مدحه وإظهار ~~السرور ms4687 في أمره، وإذا أعجبهم وهم في غاية العناية بأمره والتفقد لحاله ~~والملابسة له ومعرفة معانيه كان لغيرهم أشد إعجابا، ومثل لأنهم يكونون ~~قليلين ثم يكثرون مع البهجة في عين الناظر لما لهم من الرونق الذي منشؤه ~~نور الإيمان وثبات الطمأنينة والإيقان وشدة الموافقة من بعضهم لبعض، ونفي ~~المخالف لهم وإبعاده، وقد تقدم في هذا الكتاب في آخر المائدة أمثال ضربت في ~~الإنجيل بالزرع أقربها إلى هذا مثل حبة الخردل فراجعه. # ولما أنهى سبحانه مثلهم، ذكر الثمرة في جعلهم كذلك فقال: {ليغيظ} معلقا ~~له بما يؤخذ من معنى الكلام وهو جعلهم # PageV18P344 # كذلك لأجل أن يغيظ {بهم} أي غيظا شديدا بالغ القوة والإحكام {الكفار} ~~وذلك أنهم لما كانوا أول الأمر قليلا، كان الكفار طامعين في أن لا يتم لهم ~~أمر، فكلما ازدادوا كثرة مع تمادي الزمان زاد غيظ الكفار منهم، فكيف إذا ~~رأوا مع الزيادة والقوة منهم حسنا ونضارة ورونقا وبهجة، فهو في الغيظ مما ~~لو كانوا في أول الأمر كثيرا لأنه كان يكون دفعه ويقصر زمنه، فمن أبغض ~~صحابيا خيف عليه الكفر لأنهم أول مراد بالآية، وغيرهم بالقصد الثاني ~~وبالتبع، ومن أبغضهم كلهم كان كافرا، وإذا حملناه على غيرهم كان دليلا على ~~أن كل من خالف الإجماع كفر - قاله القشيري. # ولما ثم مثلهم وعلة جعلهم كذلك، بشرهم فقال في موضع وعدهم لتعليق الوعد ~~بالوصف على عادة القرآن ترغيبا في التمسك به وترهيبا من مجانبته: {وعد ~~الله} أي الملك الأعظلم {الذين آمنوا} ولما كان الكلام في الذين معه صلى ~~الله عليه وسلم، وكانت المعية ظاهرة في الاتحاد في الدين لم تكن شاملة ~~للمنافقين، فلم يكن الاهتمام بالتقييد بمنهم هنا # PageV18P345 # كالاهتمام به في سورة النور، فأخره وقدم العمل لأن العناية به هنا أكثر، ~~لأنه من سيماهم المذكورة فقال: {وعملوا} أي تصديقا لدعواهم الكون معه في ~~الدين {الصالحات} ولما كان قوله «معه» يعم كما مضى من بعد الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم، وكان الخلل فيمن بعدهم كثيرا، قيد بقوله: {منهم} أي من الذين ~~معه ms4688 صلى الله عليه وسلم سواء كانوا من أصل الزرع أو فراخه التي أخرجها وهم ~~التابعون لهم بإحسان. # ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصرا عن بلوغ ما يحق له من العبادة، أشار ~~إلى ذلك بقوله: {مغفرة} أي لما يقع منهم من الهفوات أو الذنوب والسيئات ~~{وأجرا عظيما *} بعد ذلك الستر، وقد جمعت هذه الآية الخاتمة لهذه السورة ~~جميع حروف المعجم بشارة تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية باجتماع ~~أمرهم وعلو نصرهم، وذلك أنه لما كانت هذه العمرة قد حصل لهم فيها كسر ~~لرجوعهم قبل وصولهم إلى قصدهم من الدخول إلى مكة المشرفة والطواف بالبيت ~~العتيق، ولم يكن ذلك بسبب خلل أتى من قبلهم كما كان في غزوة أحد على ما مضى ~~من بيانه في آل عمران التي هي سورة التوحيد الذي كلمته # PageV18P346 # كلمة التقوى عند الآية الثانية لهذه، بشرهم سبحانه بما في هذه السورة من ~~البشائر الظاهرة تصريحا وبما في هذه الآية الخاتمة من جمعها لجميع حروف ~~المعجم تلويحا إلى أن أمرهم لا بد من تمامه، واشتداد سلكه وانبرامه، واتساق ~~شأنه وانتظامه، وخفوق ألويته وأعلامه، وافتتحها بميم «محمد» وهي مضمومة، ~~وختمها بميم «عظيما» المنصوبة إشارة بما للميم من الختام بمخرجها إلى أن ~~تمام الأمر قد دنا جدا إبانه، وحضر زمانه، وبما في أولها من الضم إلى رفعة ~~دائمة في حمد كثير، وبما في آخرها من النصب إلى تمام الفتح وانتشاره، وقربه ~~واشتهاره، على وجه عظيم، وشرف في علو جسيم، وأومأ تدويرها إلى أنه أمر لا ~~انتهاء له، بل كلما ختم ابتدأ، وقد ظهر من هذا وما في صريح الآية من القوة ~~المعزة للمؤمنين المذلة للكافرين رد مقطعها على مطلعها بالفتح للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والتسكين العظيم لأصحابه رضي الله عنهم، والرحمة والمغفرة ~~والفوز العظيم لجميع أتباعه وأنصاره وأشياعه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ~~وجعلنا بمنه وكرمه منهم، وهذا آخر القسم الأول من القرآن، وهو المطول، وقد ~~ختم - كما ترى - بسورتين هما في الحقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وحاصلهما ms4689 الفتح له بالسيف # PageV18P347 # والنصر على من قاتله ظاهرا كما ختم الثاني المفصل بسورتين هما نصرة له ~~صلى الله عليه وسلم بالحال على من قصده بالضر باطنا - والله الهادي للصواب ~~وإليه المرجع والمآب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. # PageV18P348 # سورة الحجرات # مقصودها الإرشاد إلى مكارم الأخلاق بتوقير النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~بالأدب معه في نفسه وفي أمته، وحفظ ذلك من إجلاله بالظاهر ليكون دليلا على ~~الباطن فيسمى إيمانا، كما أن الإيمان بالله يشترط فيه فعل الأعمال الظاهرة ~~والإذعان لفعلها بشرائطها وأركانها وحدودها لتكون بينة على الباطن وحجة ~~شاهدة له) الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) ~~[العنكبوت: 2] فحاصل مقصودها مراقبة النبي (صلى الله عليه وسلم) في الأدب ~~مغعه لأتها أول المفصل الذي هو ملخص # PageV18P349 # القرآن كما كان مقصود الفاتحة التي هي أول القرآن مراقبة الله، وابتدئ ~~ثاني المفصل بحرف منن الحروف المقطعة كما ابتدئئ ثاني ما عداه بالحروف ~~المقطعة، واسمها الحجرات واضح الدلالة على ذلك بما دلت عليه آيته) بسم الله ~~(الملك الجبار المتكبر الذي من أخل بتعظيم رسوله (صلى الله عليه وسلم) لم ~~يرض عنه عملا) الرحمن (الذي من عموم رحمته إقامة الآداب للتوصل إلى حسن ~~المآب) الرحيم (الذي خص أولي الألباب الإقبال على ما يوجب لهم جميل الثواب. # PageV18P350 # ولما نوه سبحانه في القتال بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في ابتدائها ~~باسمه الشريق وسمى السورة به، وملأ سورة محمد بتعظيمه، وختمها باسمه، ومدح ~~أتباعه لأجله، افتتح هذه باشتراط الأدب معه في القول والفعل للعد من حزبه ~~والفوز بقربه، ومدار ذلك معالي الأخلاق، وهي إما مع الله سبحانه وتعالى أو ~~مع رسوله صلى الله عليه وسلم أو مع غيرهما وإن كان كل قسم لا يخلو عن لحظة ~~الآخر، وغيرهما إما أن يكون داخلا مع المؤمنين في رتبة الطاعة أو خارجا ~~عنها، وهو الفاسق، والداخل في طاعة المؤمنين السالك لطريقتهم إما أن يكون ~~حاضرا عندهم أو غائبا عنهم، فهذه خمسة أقسام، فصل النداء بسببها خمس ms4690 مرات، ~~كل مرة لقسم منها، وافتتح بالله لأن الأدب معه هو # PageV18P350 # الأصل الجامع للكل والأس الذي لا يبنى إلا عليه، فقال مناديا للمتسمين ~~بأول أسنان القلوب تنبيها على أن سبب نزولها من أفعالهم لا من أفعال أهل ~~الكمال، فهو هفوة تقال، وما كان ينبغي أن يقال، وليشمل الخطاب المعهود ~~للأدنى - ولو مع النفاق - من فوقه من باب الأولى: {يا أيها الذين آمنوا} أي ~~أقروا بالإيمان {لا تقدموا} وحذف المفعول ليعم كل ما يصح تقديمه فيذهب ~~الوهم كل مذهب، ويجوز أن يكون حذفه من قصد إليه أصلا، بل يكون النهي موجها ~~إلى نفس التقدمة أي لا تتلبسوا بهذا الفعل، ويجوز أن يكون من قدم - ~~بالتشديد بمعنى أقدم وتقدم أي شجع نفسه على التقدم، ومنه مقدمة الجيش، وهم ~~متقدموه، وأشار إلى تهجين ما نهوا عنه وتصوير شناعته، وإلى أنهم في القبضة ~~ترهيبا لهم فقال: {بين يدي الله} أي الملك الذي لا يطاق انتقامه. # ولما كان السياق للنهي عن التقديم والتقدم، وكان مقتضى الرسالة إنفاذ ~~الأوامر والنواهي عن الملك من غير أن يكون من المرسل # PageV18P351 # إليهم اعتراض أصلا، وبذلك استحق أن لا يتكلم بحضرته في مهم ولا يفعل مهم ~~إلا بإذنه، لأن العبيد لما لهم من النقص لا استقلال لهم بشيء أصلا، عبر ~~بالرسول دون النبي بعد أن ذكر اسمه تعالى الأعظم زيادة في تصوير التعظيم ~~فقال: {ورسوله} أي الذي عظمته ظاهرة جدا، ولذلك قرن اسمه باسمه وذكره ~~بذكره، فهو تمهيد لما يأتي من تعظيمه، فالتعبير بذلك إشارة إلى أن النفس ~~إذا خليت وفطرتها الأولى، امتلأت بمجرد رؤيته هيبة منه، وإجلالا له، فلا ~~يفعل أحد غير ذلك إلا بتشجيع منه لنفسه وتكليفها ضد ما تدعو إليه الفطرة ~~الأولى القويمة، فالمعنى: لا تكونوا متقدمين في شيء من الأشياء والله يقول ~~الحق ويهدي السبيل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ عنه لا ينطق عن ~~الهوى، فعلى الغير الاقتداء والاتباع، لا الابتداء والابتداع، سواء كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم غائبا أو حاضرا بموت أو ms4691 غيره. # فإن آثاره كعينه، فمن بذل الجهد فيها هدي للأصلح، {والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] . # ولما استعار للدلالة على القدرة التعبير باليدين وصور البينة ترهيبا من ~~انتقام القادر إذا خولف، صرح بذلك بقوله تعالى: {واتقوا الله} أي اجعلوا ~~بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية، فإن التقوى # PageV18P352 # مانعة من أن تضعيوا حقه وتخالفوا أمره وتقدموا على شيء لم تعلموا رضاه ~~فيه. # ولما كان سبحانه مع كل بعلمه، وأقرب إليه من نفسه، فكان مع ذلك غيبا محضا ~~لكونه محتجبا برداء الكبر وإزار العظمة والقهر، وكان الإنسان لما غاب عنه ~~نساء، ذكره مرهبا بقوله مستأنفا أو معللا مؤكدا تنبيها على ما في ذلك من ~~الغرابة والعظمة التي يحق للإنسان مجاهدة نفسه لأجلها في الإيمان به ~~والمواظبة على الاستمرار على استحضاره، لأن أفعال العاصي أفعال من ينكره: ~~{إن الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال. ولما كان ما يتقدم فيه إما ~~قولا أو فعلا قال: {سميع} أي لأقوالكم أن تقولوها {عليم *} أي بأعمالكم قبل ~~أن تعملوها. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما وصف سبحانه عباده المصطفين صحابه ~~نبيه والمخصوصين بفضيلة مشاهدته وكريم عشرته فقال {محمد رسول الله والذين ~~معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح: 29] «إلى آخره» ، فأثنى سبحانه ~~عليهم وذكر وصفه تعالى بذلك في التوراة والإنجيل، وهذه # PageV18P353 # خصيصة انفردوا بمزية تكريمها وجرت على واضح قوله تعالى {كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف} [آل عمران: 110] إلى آخره، وشهدت لهم بعظيم ~~المنزلة لديه، ناسب هذا طلبهم بتوفية العشب الإيمانية قولا وعملا ظاهرا ~~وباطنا على أوضح عمل وأخلص نية، وتنزيههم عما وقع من قبلهم في مخاطبات ~~أنبيائهم كقول بني إسرائيل {يا موسى ادع لنا ربك} [الأعراف: 134] إلى ما ~~شهد من هذا الضرب بسوء حالهم فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا ~~بين يدي الله ورسوله} الآية و {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي ولا تجهروا له بالقول} - إلى قوله - {والله غفور رحيم} فطلبوا ~~بآداب تناسب علي إيمانهم وإن ms4692 اغتفر بعضه لغيرهم من ليس في درجتهم وقد قيل ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين فكأن قد قيل لهم: لا تغفلوا ما منح لكم في ~~التوراة والإنجيل، فإنها درجة لم ينلها غيركم من الأمم فقابلوها بتنزيه ~~أعمالكم عن أن يتوهم في ظواهرها أنها صدرت عن عدم اكتراث في الخطاب، أو سوء ~~قصد في الجواب، وطابقوا بين ظواهركم وبواطنكم # PageV18P354 # وليكن علنكم منبئا بسليم سرائركم {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} ثم عرفوا بسوء حال من عدل به عن هذه ~~الصفة فقال تعالى {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} ثم ~~أمروا بالتثبت عند نزغة الشيطان، أو تقول ذي بهتان {يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاءكم فاسق بنبأ} الآية، ثم أمرهم بصلاح ذات بينهم والتعاون في ذلك بقتال ~~الباغين العتاة وتحسين العشرة والتزام ما يثمر الحب والتودد الإيماني ~~والتواضع، وأن الخير كله في التقوى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وكل ذلك ~~محذر لعلي صفاتهم التي وصفوا بها في خاتمة سورة محمد. # ولما ثبت إعظام الرسول صلى الله عليه وسلم بأن لا يفتات عليه بأن يتأهب ~~ما هو وظيفته من التقدم في الأمور وقطع المهمات، فلا يكلم إلا جوابا أو ~~سؤالا في أمر ضروري لا يمكن تأخيره، وكان من يكلمه لذلك ربما رفع صوته رفعا ~~الأولى به غيره مما هو دونه، وكان من جملة أحواله أن يوحى إليه بالأمور ~~العظيمة، وكان رفع الصوت إذ ذاك من المشوشات في حسن التلقي للوحي مع ما فيه ~~من قلة الاحترام والإخلاء بالإجلال والإعظام، قال ذاكرا لثاني الأقسام، وهو ~~ما كان النظر فيه إلى مقامه صلى الله عليه وسلم بالقصد الأول، # PageV18P355 # مستنتجا مما مضى من وصفه بالرسالة الدالة على النبوة، آمرا بحفظ حرمته ~~ومراعاة الأدب في خدمته وصحبته بتبجيله وتفخيمه، وإعزازه وتعظيمه، مكررا ~~لندائهم بما ألزموا أنفسهم به من طاعته بتصديقه واستدعاء لتجديد الاستنصار ~~وتطرية الندب إلى الإنصات وإشارة إلى أن المنادى له أمر يستحق أن يفرد ~~بالنداء ويستقل بالتوصية: ms4693 {يا أيها الذين آمنوا} مكررا للتعبير بالأدنى من ~~أسنان القلوب للتنبيه على أن فاعل مثل هذه المنهيات والمحتاج فيها إلى ~~التنبيه بالنهي قد فعل من هذا حاله {لا ترفعوا أصواتكم} أي في شيء من ~~الأشياء {فوق صوت النبي} أي الذي يتلقى عن الله، وتلقيه عنه متوقع في كل ~~وقت، وهذا يدل على أن أذى العلماء الذين هيأهم الله لتلقي فهم دينه عند ~~شديد جدا، فإن تكدير أوقاتهم يمنعهم عن كثير من ذلك. # ولما بين ما في ذلك لأجل النبوة، بين ما ينبغي في نفسه من المزية فقال: ~~{ولا تجهروا بالقول} أي إذا كلمتموه سواء كان ذلك بمثل صوته أو أخفض من ~~صوته، فإن ذلك غير مناسب لما يهاب به العظماء، ويوقر # PageV18P356 # الكبراء. ولما شمل هذا كل جهر مخصوص، وهو ما يكون مسقطا للمزية، قال: ~~{كجهر بعضكم لبعض} أي فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم يظهر فرق بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم وبين غيره. ولما نهى عن ذلك، بين ضرره فقال مبينا أن من ~~الأعمال ما يحبط ولا يدرى أنه محبط، ليكون العامل كالماشي في طريق خطر لا ~~يزال يتوقى خطره ويديم حذره: {أن} أي النهي لأجل خشية أن {تحبط} أي تفسد ~~فتسقط {أعمالكم} أي التي هي الأعمال بالحقيقة وهي الحسنات كلها {وأنتم لا ~~تشعرون} أي بأنها حبطت، فإن ذلك إذا اجترأ الإنسان عليه استخف به وإذا ~~استخف به واظب عليه، وإذا واظب عليه أوشك أن يستخف بالمخاطب فيكفر وهو لا ~~يشعر. # ولما تقدم سبحانه في الإخلال بشيء من حرمته صلى الله عليه وسلم ونهى عن ~~رفع الصوت والجهر الموصوف، أنتج المخافة عنده على سبيل الإجلال، فبين ما ~~لمن حافظ على ذلك الأدب العظيم، فقال مؤكدا لأن في المنافقين وغيرهم من ~~يكذب بذلك، وتنبيها. على أنه لمحبة الله له ورضاه به أهل لأن يؤكد أمره ~~ويواظب على فعله: {إن الذين يغضون} أي يخفضون ويلينون لما وقع عليهم من ~~السكينة من هيبة حضرته، قال الطبري: وأصل الغض الكف في لين {أصواتهم} ms4694 تخشعا ~~وتخضعا # PageV18P357 # ورعاية للأدب وتوقيرا. # ولما كان المبلغ ربما أنساه اللغط ورفع الأصوات ما كان يريد أن يبلغه ~~«إنه بينت لي ليلة القدر فخرجت لأخبركم بها فتلاحى رجلان فأنسيتها وعسى أن ~~يكون خيرا لكم» قال: {عند رسول الله} أي الذي من شأنه أن يعلو كلامه على كل ~~كلام، لأنه مبلغ من الملك الأعظم وعبر بعند التي للظاهر إشارة إلى أن أهل ~~حضرة الخصوصية لا يقع منهم إلا أكمل الأدب. # ولما ابتدأ ذكرهم مؤكدا تنبيها على عظيم ما ندبوا إليه، زاده إعظاما ~~بالإشارة إليهم بأداة البعد فقال: {أولئك} أي العالو الرتب لما لهم من علو ~~الهمم بالخضوع لمن أرسله مولاهم الذي لا إحسان عندهم إلا منه {الذين امتحن ~~الله} أي فعل المحيط بجميع صفات الكمال فعل المختبر بالمخالطة البليغة ~~بالشدائد على وجه يؤدي إلى المنحة باللين والخلوص من كل درن، والانشراح ~~والاتساع {قلوبهم} فأخلصها {للتقوى} أي الخوف المؤدي إلى استعداد صاحبه ~~بإقامة ما يقيه من كل مكروه، والامتحان: اختبار بليغ يؤدي إلى خبر، فالمعنى ~~أنه طهر قلوبهم ونقاها # PageV18P358 # كما يمتحن الصائغ الذهب والفضة بالإذابة للتنقية والتخليص من كل غش لأجل ~~إظهار ما بطن فيها من التقوى ليصير معلوما للخلق في عالم الشهادة كما كان ~~معلوما له سبحانه في عالم الغيب، وهو خروجهم عن العادات البشرية ومفارقتهم ~~لما توجبه الطبيعة، وهو حقيقة التوحيد، فإن التقوى لا تظهر إلا عند المحن ~~والشدائد بالتكليف وغيرها، ولا تثبت إلا بملازمة الطاعة في المنشط والمكره ~~والخروج عن مثل ذلك. # ولما كان الإنسان وإن اجتهد في الإحسان محلا للنقصان، استأنف الإخبار عن ~~جزائهم بقوله: معربا له من فاء السبب، إشارة إلى أن ذلك بمحض إحسانه: {لهم ~~مغفرة} أي لهفواتهم وزلاتهم {وأجر عظيم *} أي جزاء لا يمكن وصفه على محاسن ~~ما فعلوه. # PageV18P359 # ولما نهى سبحانه عن الإخلال بالأدب، وأمر بالمحافظة على التعظيم، وذكر ~~وصف المطيع، أتبع ذلك على سبيل النتيجة وصف من أخل به، فقال مؤكدا لأجل أن ~~حالهم كان حال من يدع عقلا تاما: {إن الذين ينادونك} ms4695 أي يجددون نداءك من ~~غير توبة والحال أن نداءهم إياك كائن {من وراء} إثبات هذا الجار يدل على ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان داخلها، ولو سقط لم يفد ذلك، بل كان # PageV18P359 # يفيد أن نسبة الأماكن التي وراءها الحجرات كلها بالنسبة إليه وإليهم على ~~حد سواء، وذلك بأن يكون الكل خارجها، والوراء: الجهة التي تواريك وتواريها ~~من خلف أو قدام. # ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم من العظمة في نفسه وفي تبليغ رسالات ~~الله في هيئتها بمكان من العظمة بحيث لا يخفى على أحد. فليس لأحد أن يفتات ~~فيها عليه ولا أن يعجله عن شيء، وكان نداؤه لذلك من وراء حجرته واحدة ~~كندائه من وراء كل حجرة جمع فقال: {الحجرات} ولم يضفها إليه إجلالا له، ~~وليشمل كوني في غيرها أيضا، والمعنى: مبتدئين النداء من جهة تكون الحجرات ~~فيها بينك وبينهم فتكون موازية لك منهم ولهم منك، وهي جمع حجرة، وهي ما حوط ~~من قطع الأرض بحائط يمنع ممن يكون خارجه من أذى من يكون داخله بقول أو فعل، ~~فإنه يكون فيما يختص به من الاجتماع بنسائه أو إصلاح شيء من حاله، لا يتهيأ ~~له بحضور الناس فيما يتقاضاه المروءة، وأسند الفعل إلى الجمع وإن كان ~~المنادي بعضهم للرضى به أو السكوت عن النهي. # ولما كان الساكت قد لا يكون راضيا قال: {أكثرهم} أي # PageV18P360 # المنادي والراضي دون الساكت لعذر {لا يعلقون *} لأنهم لم يصبروا، بل ~~فعلوا معه صلى الله عليه وسلم كما يفعل بعضهم مع من يماثله، والعقل يمنع من ~~مثل ذلك لمن اتصف بالرئاسة فكيف إذا كانت رئاسة النبوة والرسالة عن الملك ~~الجبار الواحد القهار. # ولما ذمهم بسوء عملهم، أرشدهم إلى ما يمدحون به من حسنه فقال: {ولو أنهم} ~~أي المنادي والراضي {صبروا} أي حبسوا أنفسهم ومنعوها عن مناداتهم، والصبر ~~حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها وهو حبس فيه شدة، وصبر عن كذا - محذوف ~~الفعل لكثرة دوره، أي نفسه {حتى تخرج} من تلقاء نفسك عند فراغ ما أنت ms4696 فيه ~~مما يهمك من واردات الحق ومصالح الخلق. ولما كان الخروج قد يكون إلى غيرهم ~~من المصالح، فلا يسوغ في الأدب أن يقطع ذاك عليه قال: {إليهم} أي ليس لهم ~~أن يكلموك حتى تفرغ لهم فتقصدهم فإنك لا تفعل شيئا في غير حينه بمقتضى أمر ~~الرسالة {لكان} أي الصبر. # ولما كان العرب أهل معال فهم بحيث لا يرضون إلا الأحسن فقال: {خيرا لهم} ~~أي من استعجالهم في إيقاظك وقت الهاجرة وما لو قرعوا الباب بالأظافير كما ~~كان يفعل غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، # PageV18P361 # وهذا على تقدير أن يكون ما ظنوا من أن فيه خيرا فكانوا يعقلون، ففي ~~التعبير بذلك مع الإنصاف بل الإغضاء والإحسان هز لهم إلى المعالي وإرشاد ~~إلى ما يتفاخرون به من المحاسن، قال الرازي: قال أبو عثمان: الأدب عند ~~الأكابر يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى والخير في الأولى والعقبى - انتهى. ~~وأخيرية صبر في الدين معروفة، وأما في الدنيا فإنهم لو تأدبوا لربهم زادهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الفضل فأعتق جميع سبيهم وزادهم، والآية في ~~الاحتباك: حذف التعليل بعدم الصبر أولا لما دل عليه ثانيا، والعقل ثانيا ~~لما دل عليه من ذكره أولا. # ولما ذكر التقدير تأديبا لنا وتدريبا على الصفح عن الجاهل وعذره وتعليمه: ~~ولكنهم لم يصبروا وأساؤوا الأدب فكان ذلك شرا لهم والله عليم بما فعلوا ~~حليم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة لإساءتهم الأدب على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، عطف عليه استعطافا لهم مع إفهامه الترهيب: {والله} أي المحيط بصفات ~~الكمال {غفور} أي ستور لذنب من تاب من جهله {رحيم *} يعامله معاملة الراحم ~~فيسبغ عليه نعمه. ولما تابوا، أعتبهم الله في غلظتهم على خير خلقه أن جعلهم ~~أغلظ الناس على شر الناس: الدجال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنهم # PageV18P362 # أشد الناس عليه» . # ولما أنهى سبحانه ما أراد من النهي عن أذى الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~نفسه، وكان من ذلك أذاه في أمته، فإنه عزيز عليه ما عنتوا وكان من ms4697 آذاه ~~فيهم فاسقا، وكان أعظم الأذى فيهم ما أورث كربا فأثار حربا، وكان ربما اتخذ ~~أهل الأغراض هذه الآداب ذريعة إلى أذى بعض المسلمين فقذفوهم بالإخلال بشيء ~~منها فوقعوا هم فيها فيما قذفوا به غيرهم من الإخلال بحقه والتقيد بولائه ~~ورقه، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخلاق الطاهرة والمعالي ~~الظاهرة ما يؤمن معه أن يوقع شيئا في غير محله، أن يأمر بأمر من غير حله - ~~هذا مع ما له من العصمة، قال منبها على ما في القسم الثالث من مكارم ~~الأخلاق من ترك العجز بالاعتماد على أخبار الفسقة، تخاطبا لكل من أقر ~~بالإيمان على طريق الاستنتاج مما مضى، نادبا إلى الاسترشاد بالعقل الذي ~~نفاه عن أهل الآية السالفة، والعفو عن المذنب والرحمة لعباد الله، مناديا ~~بأداة البعد إشارة إلى أن من احتاج إلى التصريح بمثل هذا التنبيه غير مكتف ~~بما أفاده من قواعد الشرع وضع نفسه في محل بعيد، وتنبيها على أن ما في ~~حيزها كلام له خطب عظيم ووقع جسيم: {يا أيها الذين آمنوا} وعبر بالفعل ~~الماضي الذي هو # PageV18P363 # لأدنى أسنان القلوب، وعبر بأداة الشك إيذانا بقلة الفاسق فيهم وقلة مجيئه ~~إليهم بخبر له وقع، فقال: {إن جاءكم} أي في وقت من الأوقات {فاسق} أي خارج ~~من ربقة الديانة أي فاسق كان {بنبأ} أي خبر يعظم خطبه فيؤثر شرا، أي خير ~~كان مما يكون كذلك؟ {فتبينوا} أي عالجوا البيان وهو فصل الخطأ من الصواب، ~~استعمالا لغريزة العقل المنفي عن المنادين واتصافا بالغفران والرحمة ~~ليرحمكم الله ويغفر لكم، وهذه القراءة غاية لقراءة حمزة والكسائي بالمثلثة ~~ثم المثناة الفوقية، والسياق مرشد إلى أن خبر الفاسق كالنمام والساعي ~~بالفساد كما أنه لا يقبل فلذلك لا يرد حتى يمتحن، وإلى أن خبر العدل لا ~~وقفة فيه، وإلا لاستوى مع الفاسق، فالتثبت معلل بالفسق، فإذا انتفى ولم ~~توجد علة أخرى توجب التثبت وجب القبول، والمعلق على شيء بكلمة «إن» عدم عند ~~عدمه، والتبين بأحد شيئين: بمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ms4698 إن كان حاضرا، ~~وبمراجعة آثاره من كتاب الله وسنته إلى أن تبين الأمر منهما إن كان غائبا، ~~فإنه لا تكون أبدا كائنة إلا وفي الكتاب والسنة المخرج منها. # ولما أمر بالتبين، ذكر علته فقال: {أن} أي لأجل كراهة أن {تصيبوا} أي ~~بأذى {قوما} أي هم مع قوتهم النافعة # PageV18P364 # لأهل الإسلام براء مما نسب إليهم {بجهالة} أي مع الجهل بحال استحاقهم ~~ذلك. # ولما كان الإنسان إذا وضع شيئا في غير موضعه جديرا بالندم، سبب عن ذلك ~~قوله: {فتصبحوا} أي فتصيروا، ولكنه عبر بذلك لأن أشنع الندم ما استقبل ~~الإنسان صباحا وقت انتباهه وفراغه وإقباله على لذاته {على ما فعلتم} أي من ~~إصابتهم {نادمين *} أي عريقين في الأسف على ما فات مما يوقع الله في نفوسكم ~~من أمور ترجف القلوب وتخور الطباع، وتلك سنته في كل باطل، فإنه لكونه ~~مزلزلا في نفسه لا ينشأ عنه إلا الزلزال والندم على ما وقع من تمني أنه لم ~~يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام بما تدور مادته عليه مما يرشد إليه ~~مدن ودمن، وهو ينشأ من تضييع أثقال الأسباب التي أمر الإنسان بالسعي فيها ~~كما أشار إليه حديث «احرص على ما ينفعك ولا تعجز فإن غلبك أمر فقل: قدر ~~الله وما شاء فعل، ولا تقل: لو أني فعلت كذا، فإن» لو «تفتح عمل الشيطان» ~~والفاسق المذكور في الآية المراد به الجنس، والذي نزل ذلك بسببه هو الوليد ~~بن عقبة، ولم يزل كذلك حتى أن عثمان رضي الله عنه ولاه الكوفة فصلى بالناس ~~وهو سكران صلاة الفجر أربعا ثم قال: هل أزيدكم # PageV18P365 # فعزله عثمان رضي الله عنه. # ولما كان إقدامهم على كثير من الأمور من غير مشاورة لمن أرسله الله رحمة ~~لعباده ليعلمهم ما يأتون وما يذرون عمل من لا يعلم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قريب منه، وكان الإعراض عنه حيا وعن بذل الجهد في استخراج الأمور ~~من شريعته بعد موته أمرا مفسدا للبين إن لم يعتبر ويتنبه له غاية التنبه، ms4699 ~~أخبرهم به منزلا لهم منزلة من لا يعلم أنه موجود معه مشيرا بكلمة التنبيه ~~إلى أن من أخل بمراعاة ذلك في عداد الغافلين فقال: {واعلموا} أي أيها ~~الأمة، وقدم الخبر إيذانا بأن بعضهم باعتراضه أو بإقدامه على ما لا علم له ~~به يعمل علم من لا يعلم مقدار ما خصه الله به من إنعامه عليه به صلى الله ~~عليه وسلم، فهو يفيد توبيخ من فعل ذلك: {أن فيكم} أي على وجه الاختصاص لكم ~~ويا له من شرف {رسول الله} أي الملك الأعظم المتصف بالجلال والإكرام على ~~حال هي أنكم تريدونه أن يتبع أذاكم، وذلك أمر شنيع جدا، فإنه لا يليق أن ~~يتحرك إلا بأمر من أرسله، فيجب عليكم الرجوع عن تلك الحالة، فإنك تجهلون ~~أكثر مما تعلمون، ولإرادتهم إن لا يطيعهم في جميع الأمور عبر بالمضارع ~~فقال: {لو يطيعكم} وهو لا يحب عنتكم ولا شيئا يشق عليكم # PageV18P366 # {في كثير من الأمر} أي الذي تريدونه على فعله من أنه يعمل في الحوادث على ~~مقتضى ما يعن لكم وتستصوبونه ليكون فعله معكم فعل المطواع لغيره التابع له، ~~فينقلب حينئذ الحال، ويصير المبتوع تابعا والمطاع طائعا {لعنتم} أي لاءمتم ~~وهلكتم، ومن أراد دائما أن يكون أمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم تابعا ~~لأمره فقد زين له الشيطان الكفران، فأولئك هم الغاوون، وسياق «لو» معلم ~~قطعا أن التقدير: ولكنه صلى الله عليه وسلم لا يطيعكم لكراهة لما يشق عليكم ~~لما هو متخلق به من طاعة الله والوقوف عند حدوده والتقيد في جميع الحركات ~~والسكنات بأمره، مع ما له من البصرة في التمييز بين الملبسات والخبرة ~~التامة بالأمور المشتبهات، التي هي سبب هلاك الأغلب لكونها لا يعلمها كثير ~~من الناس، والتقييد بالكثير معلم بأنهم يصيبون وجه الرشاد في كثير من ~~الأمور. # ولما كان التقدير حتما بما هدى إليه السياق: ولو خالفتموه في الأمور التي ~~لا يطيعكم فيها لعنتم، استدرك عنه قوله: {ولكن الله} أي الملك الأعظم الذي ~~يفعل ما يريد {حبب إليكم الإيمان} فلزمتم ms4700 طاعته وعشقتم متابعته. ولما كان ~~الإنسان قد يحب شيئا وهو يعلم فيه عيبا، فيكون جديرا بأن يتزلزل فيه، نفى ~~ذلك بقوله: # PageV18P367 # {وزينه في قلوبكم} أي فلا شيء عندكم أحسن منه ولا يعادله ولا يقاربه بوجه ~~{وكره إليكم الكفر} وهو تغطية ما أدت إليه الفطرة الأولى والعقول المجردة ~~عن الهوى من الحق بالجحود {والفسوق} وهو المروق من ربقة الدين، ولو من غير ~~تغطية بل بغير تأمل {والعصيان} وهو الامتناع من الانقياد عامة فلم تخالفوه، ~~ورأيتم خلافه هلاكا، فصرتم والمنة لله أطوع شيء للرسول صلى الله عليه وسلم، ~~فعلم من هذا أن الله تعالى هو الفاعل وحده لجميع الأفعال من الطاعات ~~والمعاصي والعادات والعبادات، لأنه خالق لكل، ومدحوا لفعل الله بهم لأنهم ~~الفاعلون في الظاهرة فهو واقع موقع: أطعتم الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ~~تخالفوه، وإنما وضع فعل الله وهولا يمدحون عليه موضع فعلهم الذي يمدحون ~~عليه للحث على الشكر والإنسلاخ من العجب. # ولما أرشد السياق إلى متابعتهم على هذا الوجه، أنتج قوله مادحا لهم ثانيا ~~الكلام عن خطابهم إلى خطابه صلى الله عليه وسلم ليدل على عظم هذه الأوصاف ~~وبينه بأداة البعد على علو مقام المتصف: {أولئك} أي الذين أعلى الله القادر ~~على كل شيء مقاديرهم {هم} أي خاصة {الراشدون *} أي الكاملون في الرشد وهو ~~الهدى على أحسن سمت وتقدير، وفي تفسير الأصبهاني: الرشد الاستقامة على طريق ~~الحق # PageV18P368 # مع تصلب فيه - انتهى. والذي أنتج الرشاد متابعة الحق، فإن الله تكفل لمن ~~تعمد الخير وجاهد نفسه على البر بإصابة الصواب وإحكام المساعي المنافي ~~للندم، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} وقد دل ~~السياق على أنهم كانوا في خبر الوليد صنفين: صنف صدقه وأراد غزوة بني ~~المصطلق وأشار به، وصنف توقف، وأن الصنفين سلموا آخر الأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فهدوا، فالآية من الاحتباك وهي شبيهة به: دلت الشرطية في ~~{لو يطيعكم} على الاستدراكية، والاستدراكية في {ولكن الله} على تقدير ~~الشرطية دلالة ظاهرة. # PageV18P369 # ولما ذكر التحبيب والتزيين ms4701 والتكريه وما أنتجه من الرشاد، ذكر علته ~~إعلاما بأنه تعالى لا يحب عليه شيء حثا على الشكر فقال: {فضلا} أي زيادة ~~وتطولا وامتنانا عظيما جسيما ودرجة عالية من الله الملك الأعظم الذي بيده ~~كل شيء {ونعمة} أي وعيشا حسنا ناعما وخفضا ودعة وكرامة. # ولما كان التقدير: فالله منعم بفضل، بيده كل ضر ونفع، عطف عليه قوله: ~~{والله} أي المحيط بصفات الكمال {عليم} أي محيط العلم، فهو يعلم أحوال ~~المؤمنين وما بينهم من التفاضل {حكيم *} بالغ الحكمة، فهو يضع الأشياء في ~~أوفق محالها وأتقنها، فلذلك وضع نعمته من الرسالة # PageV18P369 # والإيمان على حسب علمه وحكمته. # ولما كانت النميمة ونقل الأخبار الباطلة الذميمة ربما جرت فتنا وأوصلت ~~إلى القتال، وكان العليم الحكيم لا ينصب سببا إلا ذكر مسببه وأشار إلى ~~دوائه، وكان لا ينهى عن الشيء إلا من كان متهيئا له لما في جبلته من الداعي ~~إليه، فكان قد يواقعه ولو في وقت، قال تعالى معلما لنا طريق الحكمة في دفع ~~ما جرت إليه الأخبار الباطلة من القتال، معبرا بأداة الشك إشارة إلى أن ما ~~في حيزها لا ينبغي أن يقع بينهم، ولا أن يذكروه إلا على سبيل الفرض: {وإن ~~طائفتان} أي جماعتان بالفعل أو القوة جدير كل جماعة منهما بأن يجتمع على ما ~~دهمها من الأمير بحيث تصير من شدة مراعاته كالطائفة حوله والمتحلقة به، ~~بحيث لا يدرى من شدة اجتماعها على ذلك أولها من آخرها {من المؤمنين} أي ممن ~~هو معدود في عداد العريقين في الإيمان سواء كان هو عريقا أو فاعلا ما يطلق ~~عليه به الاسم فقط. # ولما كانت الشناعة والفساد في قتال الجماعة أكثر، عبر بضمير الجمع دون ~~التثنية تصويرا لذلك بأقبح صورة فقال: {اقتتلوا} أي فاختلطوا بسبب القتال ~~حتى كانوا كالفرقة الواحدة {فأصلحوا} أي # PageV18P370 # فأوقعوا الإصلاح ليحصل الصلح. ولما كانت العبرة في الصلح إذا وقع بين ~~الطائفتين ما يسكن به الشر وإن تخلف شذان من الجانبين لا يعبأ بهم، عبر ~~بالتثنية دون الجمع فقال: {بينهما} أي بالوعظ والإرشاد ms4702 الدنيوي والأخروي، ~~ولا تظنوا أن الباغي غير مؤمن فتتجاوزوا فيه أمر الله. # ولما كان البغي من أشنع الأمور فكان ينبغي أن لم يلم به أحد، عبر بأداة ~~الشك إرشادا إلى ذلك فقال: {فإن بغت} أي أوقعت الإرادة السيئة الكائنة من ~~النفوس التي لا تأمر بخير {إحداهما} أي الطائفتين {على الأخرى} فلم ترجع ~~إلى حكم الله الذي خرجت عنه ولم تقبل الحق. ولما كان الإضمار هنا ربما أوهم ~~لبسا فتمسك به متعنت في أمر فساد، أزال بالإظهار كل لبس فقال: {فقاتلوا} أي ~~أوجدوا واطلبوا مقاتلة {التي} . # ولما كان القتال لا يجوز إلا بالاستمرار على البغي، عبر بالمضارع إفهاما ~~لأنه متى زال البغي ولو بالتوبة من غير شوكة حرم القتال فقال: {تبغي} أي ~~توقع الإرادة وتصر عليها، وأديموا القتال لها {حتى تفيء} أي ترجع مما صارت ~~إليه من جر القطيعة الذي كأنه حر الشمس حين نسخه الظل إلى ما كانت فيه من ~~البر والخير الذي هو كالظل الذي ينسخ الشمس، وهو معنى قوله # PageV18P371 # تعالى: {إلى أمر الله} أي التزام ما أمر به الملك الذي لا يهمل الظالم، ~~بل لا بد أن يقاصصه وأمره ما كانت عليه من العدل قبل البغي. ولما كانت ~~مقاتلة الباغي جديرة بترجيعه، أشار إلى ذلك بقوله: {فإن فاءت} أي رجعت إلى ~~ما كانت عليه من التمسك بأمر الله الذي هو العدل {فأصلحوا} أي أوقعوا ~~الإصلاح {بينهما} . # ولما كان الخصام يجر في الغالب من القول والفعل ما يورث للمصلحين إحنة ~~على بعض المتخاصمين، فيحمل ذلك على الميل مع بعض على بعض، قال: {بالعدل} ~~ولا يحملكم القتال على الحقد على المتقاتلين فتحيفوا. ولما كان العدل في ~~مثل ذلك شديدا على النفوس لما تحملت من الضغائن قال تعالى: {وأقسطوا} أي ~~وأزيلوا القسط - بالفتح وهو الجور - بأن تفعلوا القسط بالكسر وهو العدل ~~العظيم الذي لا جور فيه، في ذلك وفي جميع أموركم، ثم علله ترغيبا فيه بقوله ~~مؤكدا تنبيها على أنه من أعظم ما يتمادح به، وردا على من لعله يقول: إنه ms4703 لا ~~يلزم نفسه الوقوف عنده إلا ضعيف: {إن الله} أي الذي بيده النصر والخذلان ~~{يحب المقسطين *} أي يفعل مع أهل العدل من الإكرام فعل المحب. # ولما أمر بما قد يفضي إلى القتال، وكان الباغي ربما كان أقرب إلى الصلح ~~من جهة النسب من المبغي عليه فروعي، وكان القتال أمرا شاقا ربما حمل على ~~الإحجام عن الإصلاح، علل ذلك سبحانه بما قدم # PageV18P372 # فيه قرابة الدين على قرابة النسب، وكشف كشفا تاما عن أنه لا يسوغ له تركه ~~لما يؤدي إليه من تفريق الشمل المؤدي إلى وهن الإسلام وأهله المؤدي إلى ~~ظهور الباطل المؤدي إلى الفساد الأعظم الذي لا تدارك له فقال تعالى: {إنما ~~المؤمنون} أي كلهم وإن تباعدت أنسابهم وأغراضهم وبلادهم {إخوة} لانتسابهم ~~إلى أصل واحد وهو الإيمان، لا بعد بينهم، ولا يفضل أحد منهم على أحد بجهة ~~غير جهة الإيمان. # ولما كانت الأخوة داعية ولا بد إلى الإصلاح، سبب عنها قوله: {فأصلحوا} . # ولما كانت الطائفة قد تطلق على ما هو أصل لأن يطاف حوله كما يطلق على ما ~~فيه أهلية التحليق والطواف، وكان أقل ما يكون ذلك في الأثنين، وأن ~~مخاصمتهما يجر إلى مخاصمة طائفتين بأن يغضب لكل ناس من قبيلته وأصحابه، قال ~~واضعا الظاهر موضع المضمر مبالغة في تقرير الأمر وتأكيده، وإعلاما بأن ~~المراد بالطائفة القوة لا الفعل بحيث يكون ذلك شاملا للاثنين فما فوقهما: ~~{بين أخويكم} أي المختلفين بقتال أو غيره كما تصلحون بين أخويكم من النسب، ~~إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، بل الأمر كما نقل عن أبي عثمان ~~الحيري أن أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، وقرأ يعقوب {إخوتكم} # PageV18P373 # بالجمع، وقراءة الجماعة أبلغ لدلالتها على الاثنين فما فوقهما بالمطابقة ~~{واتقوا الله} أي الملك الأعظم الذين هم عباده في الإصلاح بينهما بالقتال ~~وغيره، لا تفعلوا ما صورته إصلاح وباطنه إفساد، وأشار إلى سهولة الأمور ~~عنده ونفوذ أمره وأن النفوس إنما تشوفها إلى الإكرام لا إلى كونه من معين، ~~فبنى للمفعول قوله تعالى: {لعلكم ترحمون *} أي ms4704 لتكونوا إذا فعلتم ذلك على ~~رجاء عند أنفسكم ومن ينظركم من أن يكرمكم الذي لا قادر في الحقيقة على ~~الإكرام غيره بأنواع الكرامات كما رحمتم إخوتكم بإكرامهم عن إفساد ذات ~~البين التي هي الحالقة، وقد دلت الآية أن الفسق بغير الكفر لا يخرج عن ~~الإيمان، وعلى أن الإصلاح من أعظم الطاعات، وعلى وجوب نصر المظلوم لأن ~~القتال لا يباح بدون الوجوب، قال القشيري: وذلك يدل على عظم وزر الواشي ~~والنمام والمضرب في إفساد ذات البين، وقال: من شرط الأخوة أن لا تحوج أخاك ~~إلى الاستعانة بك والتماس النصرة منك، ولا تقصر في تفقد أحواله بحيث يشكل ~~عليك موضع حاجته فيحتاج إلى مسألتك. # ولما نهى عن الإسراع بالإيقاع بمجرد سماع ما يوجب النزاع، وختم بما ترجى ~~به الرحمة، وكان ربما كان الخبر الذي أمر سبحانه بتبينه صريحا، نهى عن ~~موجبات الشر التي يخبر بها فتكون سببا للضغائن التي يتسبب عنها الشر الذي ~~هو سبب للنقمة رحمة لعباد الله وتوقعا للرحمة منه، # PageV18P374 # فقال على سبيل النتيجة من ذلك ذاكرا ما في القسم الرابع من الآداب ~~والمنافع من وجوب ترك أذى المؤمنين في حضورهم والإزراء بحالهم المذهب ~~لسرورهم الجالب لشرورهم: {يا أيها الذين آمنوا} أي أوقعوا الإقرار بالتصديق ~~{لا يسخر} أي يهزأ ويستذل. # ولما كانت السخرية تكون بحضرة ناس، قال معبرا بما يفهم أن من شارك أو رضي ~~أو سكت وهو قادر فهو ساخر مشارك للقائل: {قوم} أي ناس فيهم قوة المحاولة، ~~وفي التعبير بذلك هز إلى قيام الإنسان على نفسه وكفها عما تريده من النقائص ~~شكرا لما أعطاه الله من القوة: {من قوم} فإن ذلك يوجب الشر لأن أضعف الناس ~~إذا حرك للانتقاص قوي بما يثور عنده من حظ النفس. # ولما كان الذي يقتضيه الرأي الأصيل أنه لا يستذل الإنسان إلا من أمن أن ~~يصير في وقت من الأوقات أقوى منه في الدنيا وفي الآخرة، علل بقوله: {عسى} ~~أي لأنه جدير وخليق لهم {أن يكونوا} أي المستهزأ بهم {خيرا منهم} فينقلب ~~الأمر ms4705 عليهم ويكون لهم سوء العاقبة، قال ابن مسعود رضي الله عنه: البلاء ~~موكل بالقول ولو سخرت من كلب خشيت أن أحول كلبا؛ وقال # PageV18P375 # القشيري: ما استضعف أحد أحدا إلا سلط عليه، ولا ينبغي أن تعتبر بظاهر ~~أحوال الناس، فإن في الزوايا خبايا، والحق سبحانه يستر أولياءه في حجاب ~~الظنة، كذا في الخبر # «كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» . # ولما كان إطلاق القوم لمن كان فيه أهلية المقاومة وهم الرجال، قال معبرا ~~ما هو من النسوة بفتح النون أن ترك العمل: {ولا نساء من نساء} ثم علل النهي ~~بقوله: {عسى} أي ينبغي أن يخفن من {أن يكن} المسخور بهن {خيرا منهن} أي ~~الساخرات. # ولما كانت السخرية تتضمن العيب، ولا يصرح فيها، وكان اللمز العيب نفسه، ~~رقي الأمر إليه فقال: {ولا تلمزوا} أي تعيبوا على وجه الخفية {أنفسكم} بأن ~~يعيب بعضكم بعضا بإشارة أو نحوها، فكيف إذا كان على وجه الظهور، فإنكم في ~~التواصل والتراحم كنفس واحدة، أو يعمل الإنسان ما يعاب به، فيكون قد لمز ~~نفسه أو يلمز غيره فيكون لمزه له سببا لأن يبحث عن عيوبة فيلمزه فيكون هو ~~الذي لمز نفسه {ولا تنابزوا} أي ينبز بعضكم بعضا، أي يدعو على وجه التغير ~~والتسفل {بالألقاب} بأن يدعو المرء صاحبه بلقب يسوءه سواء # PageV18P376 # كان هو المخترع له أولا، وأما ألقاب المدح فنعم هي كالصديق والفاروق. # ولما كان الإيمان قيدا لأوابد العصيان، وكان النبز والسخرية قطعا لذلك ~~القيد، علل بما يؤذن فأنه فسق، معبرا بالكلمة الجامعة لجميع المذام تنفيرا ~~من ذلك فقال: {بئس الاسم الفسوق} أي الخروج من ربقة الدين {بعد الإيمان} ~~ترك الجار إيذانا بأن من وقع في ذلك أوشك أن يلازمه فيستغرق زمانه فيه فإن ~~النفس عشاقة للنقائص، ولا سيما ما فيه استعلاء، فمن فعل ذلك فقد رضي لنفسه ~~أو يوسم بالفسق بعد أن كان موصوفا بالإيمان. # ولما كان التقدير: فمن تاب فأولئك هم الراشدون، وكان المقام بالتحذير ~~أليق، عطف عليه قوله: ms4706 {ومن لم يتب} أي يرجع عما نهى الله عنه، فخفف عن نفسه ~~ما كان شدد عليها {فأولئك} أي البعداء من الله {هم} أي خاصة {الظالمون *} ~~أي العريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها. # PageV18P377 # ولما كان الإنسان ربما دعا صاحبه بلقب له شيء غير قاصد به عيبه، أو فعل ~~فعلا يتنزل على الهزء غير قاصد به الهزء، نهى تعالى عن المبادرة إلى الظن ~~من غير تثبت لأن ذلك من وضع الأشياء في غير مواضعها، الذي هو معنى الظلم ~~فقال خاتما بالقسم الخامس منبها على ما فيه من # PageV18P377 # المعالي والنفائس: {يا أيها الذين آمنوا} أي اعترفوا بالإيمان وإن كانوا ~~في أول مراتبه {اجتنبوا} أي كلفوا أنفسكم أن تتركوا وتبعدوا وتجعلوا في ~~جانب بعيد عنكم {كثيرا من الظن} أي في الناس وغيرهم فاحتاطوا في كل ظن ولا ~~تمادوا معه حتى تجزموا به فتقدموا بسببه على ما يقتضيه من الشر إلا بعد ~~التبين لحقه من باطله بأن يظهر عليه أمارة صحيحة وسبب ظاهر، والبحث عن ذلك ~~الذي أوجب الظن ليس بمنهي عنه كما فتش النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ~~الإفك وتثبت حتى جاءه الخبر اليقين من الله، وأفهم هذا أن كثيرا منه مجتنب ~~كما في الاجتهاد حيث لا قاطع، وكما في ظن الخير بالله تعالى، بل قد يجب كما ~~قال تعالى: {ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} [النور: ~~12] وقد أفاد التنكير شياع النهي في كل ظن، فكان بمعنى «بعض» مع الكفالة ~~بأن كثيرا منه منهي عن الإقدام عليه إلا بعد تبين أمره، ولو عرف لأفهم أنه ~~لا يجتنب إلا إذا اتصف بالكثرة، قال القشيري: والنفس لا تصدق، والقلب لا ~~يكذب، والتمييز بين النفس والقلب مشكل، ومن بقيت عليه من حظوظة بقية وإن ~~قلت فليس له أن يدعى بيان القلب، بل هو بنفسه ما دام عليه شيء من بقيته، ~~ويجب عليه أن يتهم نفسه في كل ما يقع له من نقصان غيره، # PageV18P378 # ثم علل ذلك مثيرا إلى أن العاقل من يكف ms4707 نفسه عن أدنى احتمال من الضرر ~~احتمالا مؤكدا لأن أفعال الناس عند الظنون أفعال من هو جازم بأنه بريء من ~~الإثم: {إن بعض الظن إثم} أي ذنب يوصل صاحبه لاستحقاق العقوبة كالظن في ~~أصول الدين، وحيث يخالفه قاطع، قال الزمخشري رحمه الله تعالى: الهمزة في ~~الإثم عن الواو وكأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه. # ولما نهى عن اتباع الظن، أتبعه ما يتفرع عنه فقال: {ولا تجسسوا} أي ~~تمعنوا في البحث عن العورات ولا يكون ذلك إلا في المستورين. # ولما كانت الغيبة أعم من التجسس، قال: {ولا يغتب} أي يتعمد أن يذكر ~~{بعضكم بعضا} في غيبته بما يكره، قال القشيري: وليس تحصل الغيبة من الخلق ~~إلا بالغيبة عن الحق، وقال أبو حيان: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الغيبة ~~إدام كلاب الناس. # ولما كان تمزيق عرض الناس كتمزيق أديمهم ولا يكون ذلك ساتر عظمة الذي به ~~قوامه كما أن عرضه ساتر عليه، وكونه لا يرد عن نفسه بسبب غيبته كموته ~~وأعمال الفم والجوف في ذلك كله، # PageV18P379 # وكان هذا لو تأمله العاقل كان منه على غاية النفرة، ولكنه لخفائه لا يخطر ~~بباله، جلاه له في قوله تقريرا وتعبيرا بالحب عما هو في غاية الكراهة لما ~~للمغتاب من الشهوة في الغيبة ليكون التصوير بذلك رادا له عنها ومكرها فيها: ~~{أيحب} وعم بقوله: {أحدكم} وعبر بأن والفعل تصويرا للفعل فقال: {أن يأكل} ~~وزاد في التنفير بجعله في إنسان هو أخ فقال: {لحم أخيه} وأنهى الأمر بقوله: ~~{ميتا} . # ولما كان الجواب قطعا: لا يحب أحد ذلك، أشار إليه بما سبب من قوله: ~~{فكرهتموه} أي بسب ما ذكر طبعا فأولى أن تكرهوا الغيبة المحرمة عقلا، لأن ~~داعي العقل بصير عالم، وداعي الطبع أعمى جاهل، وقد رتب سبحانه هذه الحكم ~~أبدع ترتيب، فأمر سبحانه بالتثبت. وكان ربما أحدث ضغينة، نهى عن العمل ~~بموجبه من السخرية واللمز والنبز والتمادي مع ما ينشره ذلك من الظنون، فإن ~~أبت النفس إلا تماديا مع الظن فلا يصل إلى التجسس والبحث عن ms4708 المعايب، فإن ~~حصل الاطلاع عليها كف عن ذكرها، وسعى في سترها، وفعل ذلك كله لخوف الله، لا ~~شيء غيره، فإن وقع في شيء من ذلك بادر المتاب رجاء الثواب. # PageV18P380 # ولما كان التقدير: فاتركوه بسبب كراهتهم لما صورته، عطف عليه ما دل على ~~العلة العظمى وهي خوف الله تعالى فقال: {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ~~الملك الأعظم وقاية بترك ذلك وإصلاح ذات البين. ولما كان التقدير: فإن الله ~~يتوب عليكم إن تركتموه، علله بما دل على أن ذلك صفة له متكررة التعلق فقال: ~~{إن الله} أي الملك الأعظم {تواب} أي مكرر للتوبة، وهي الرجوع عن المعصية ~~إلى ما كان قبلها من معاملة التائب وإن كرر الذنب، فلا ييأس أحد وإن كثرت ~~ذنوبه وعظمت {رحيم *} يزيده على ذلك أن يكرمه غاية الإكرام. # ولما ذكر سبحانه الأخوة الدينية تذكيرا بالعاطف الموجب للإكرام، المانع ~~من الانتقام، ونهى عن أمور يجر إليها الإعجاب بالنفس من جهة التعظيم ~~بالآباء والعراقة في النسب العالي، أسقط ذلك مبينا أن لا نسب إلا ما يثمره ~~الإيمان الي بدأ به من التقوى، وعبر بما يدل على الذبذبة والاضطراب إشارة ~~إلى سفول رتبة من افتخر بالنسب، وإلى أن من لم يتعظ بما مضى فيعلو عن رتبة ~~الذين آمنوا فقد سفل سفولا عظيما: {يا أيها الناس} أي كافة المؤمن وغيره ~~{إنا} على عظمتنا وقدرتنا {خلقناكم} أي أوجدناكم عن العدم # PageV18P381 # على ما أنتم عليه من المقادير في صوركم وما أنتم عليه من التشعب الذي ~~يفوت الحصر، وأخرجنا كل واحد منكم {من ذكر} هو المقصود بالعزم والقوة ~~{وأنثى} هي موضع الضعف والراحة، لا مزية لأحد منكم في ذلك على آخر، ولا فخر ~~في نسب. # ولما كان تفضيلهم إلى فرق لكل منهما تعرف به أمرا باهرا، عبر فيه بنون ~~العظمة فقال: {وجعلناكم} أي بعظمتنا {شعوبا} تتشعب من أصل واحد، جمع شعب ~~بالفتح وهو الطبقة الأولى من الطبقات الست من طبقات النسب التي عليها العرب ~~{وقبائل} تحت الشعوب، وعمائر تحت القبائل، وبطونا تحت العمائر، وأفخاذا ms4709 تحت ~~البطون، وفصائل تحت الأفخاذ، والعشائر تحت الفصائل، خزيمة شعب، وكنانة ~~قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وعبد مناف فخذ، وهاشم فصيلة، والعباس عشيرة، ~~قال البغوي: وليس بعد العشيرة حي يوصف به - انتهى. واقتصر على الأولين ~~لأنهما أقصى ما يسهل على الآدمي معرفته فما دونه أولى، ثم ذكر علة التشعب ~~ليوقف عندها فقال: {لتعارفوا} أي ليعرف الإنسان من يقاربه في النسب ليصل من ~~رحمه ما يحق له، لا لتواصفوا وتفاخروا. # ولما كانت فائدة التفاخر بالتواصف عندهم الإكرام لمن كان # PageV18P382 # أفخر، فكانت الآية السالفة التي ترتبت عليها هذه آمرة بالتقوى كان ~~التقدير: فتتقوا الله في أقاربكم وذوي أرحامكم، فقال مبطلا للتفاخر ~~بالأنساب معللا لما أرشد إلى تقديره السياق مؤكدا لأجل ما عندهم من أن ~~الكرم إنما هو بالنسب: {إن أكرمكم} أيها المتفاخرون {عند الله} أي الملك ~~الذي لا أمر لأحد معه ولا كريم إلا من أكرمكم بكرمه ولا كمال لأحد سواه ~~{أتقاكم} فذلك هو الذكر الذي يصح أصله باقتدائه بأبيه آدم عليه السلام فلم ~~يمل إلى الأنوثة وإن كان أدناكم نسبا ولذلك أكده، وهذا معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» أي علموا بأن ~~كانت لهم ملكة الفقه فعملوا بما عملوا كما قال الحسن رحمه الله: إنما ~~الفقيه العامل بعلمه. وقد تقدم أن هذا هو المراد بقوله تعال: {هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] لما دل عليه سياقها وسباقها، ~~والأتقى لا يفتخر على غيره لأنه لا يعتقد أنه أتقى، قال الرازي في اللوامع: ~~أكرم الكرم التقوى، وهو مجمع الفضائل الإنسانية، وألأم اللؤم الفجور، وذلك ~~أن الكرم اسم للأفعال المحمودة، وهذه الأفعال إنما تكون محمودة إذا كانت عن ~~علم، وقصد بها الله، وهذا هو التقوى، فليس التقوى إلا العلم وتحري الأفعال ~~المحمودة - انتهى. وذلك لأن التقوى تثبت الكمالات وتنفي النقائص فيصير # PageV18P383 # صاحبها بشريا ملكيا. # ولما كان هذا مركوزا في طبائعهم مغروزا في جبلاتهم متوارثا عندهم أن ~~الفخر إنما هو بالأنساب، وأن الكريم إنما هو ms4710 من طاب أصله، وكان قلع ذلك من ~~نفوسهم فيما أجرى به سبحانه العادة في دار الأسباب يتوقف على تأكيد، أكد ~~سبحانه معللا قوله لإخباره بالأكرم: {إن الله} أي المحيط علما وقدرة {عليم} ~~أي بالغ العلم بالظواهر {خبير *} محيط العلم بالبواطن والسرائر أيضا، روى ~~البغوي بسند من طريق عبد الله بن حميد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته ليستلم الأركان بمحجنه، فملا ~~خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال، ثم قام فخطبهم ثم حمد الله وأثنى ~~عليه وقال: # «الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها بآبائها، إنما الناس ~~رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله - ثم تلا» يا أيها ~~الناس «الآية، ثم قال: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» وأخرجه أبو ~~داود والترمذي وحسنة والبيهقي - قال المنذري، بإسناد حسن، واللفظ له - عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال: «إن الله عز ~~وجل أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم وآدم من تراب، ~~مؤمن تقي وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون # PageV18P384 # برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي ~~تدفع النتن بأنفها» . # ولما أمر سبحانه بإجلال رسوله صلى الله عليه وسلم وإعظامه، ونهى عن أذاه ~~في نفسه أو في أمته، ونهى عن التفاخر الذي ه وسبب التقاطع والتداحر، وختم ~~بصفتة الخبر، دل عليها بقوله مشيرا إلى أنه لا يعتد بشيء مما أمر به أو نهى ~~عنه إلا مع الإخلاص فقال: {قالت الأعراب} أي أهل البادية من بني أسد وغيرهم ~~الذين هم معدن الغلظة والجفاء الذين تقدم تأديبهم في سورة محمد، وألحق ~~التاء في فعلهم إشارة إلى ضعفهم في العزائم، قال ابن برجان: هم قوم شهدوا ~~شهادة الحق وهم لا يعلمون ما شهدوا به غير أن أنفسهم ليست تنازعهم إلى ~~التكذيب: {آمنا} أي بجميع ما جئت به فامتثلنا ما أمرنا ms4711 به في هذه السورة ~~ولنا النسب الخالص، فنحن أشرف من غيرنا من أهل المدر. # ولما كان الإيمان التصديق بالقلب فلا اطلاع عليه لآدمي إلا بإطلاعه ~~سبحانه فكانوا كاذبين في دعواه، قال: {قل} أي تكذيبا لهم مع مراعاة الأدب ~~في عدم التصريح بالتكذيب: {لم تؤمنوا} أي لم تصدق قلوبكم لأنكم لو أمنتم لم ~~تمنوا بإيمانكم لأن الإيمان التصديق بجميع # PageV18P385 # ما لله من الكمال الذي منه أنه لولا منه بالهداية لم يحصل الإيمان، فله ~~ولرسوله - الذي كان ذلك على يديه - المن والفضل. # ولما كان التقدير ما كان الأصل في أن يكون الرد به وهو: فلا تقولوا: ~~آمنا، فإنه كذب، وعدل عنه للاحتراز عن النهي عن القول بالإيمان، عطف عليه ~~قوله: {ولكن قولوا} لأنكم أسلمتم للدنيا لا للدين، وعدل عنه لئلا تكون ~~شهادة لهم بالإسلام في الجملة: {أسلمنا} أي أظهرنا الانقياد في الظاهر ~~للأحكام الظاهرة فأمنا من أن نكون حزبا للمؤمنين وعونا للمشركين، يقول: ~~أسلم الرجل - إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى - إذا دخل في الشتاء، ولم ~~يقل: ولكن أسلمتم، لما فيه من الشهادة لهم بالإسلام الملازم للإيمان المنفي ~~عنه، فكان يكون تناقضا، والآية من الاحتباك: نفي الإيمان الشرعي أولا يدل ~~على إثبات الإسلام اللغوي ثانيا، والأمر بالقول بالإسلام ثانيا يدل على ~~النهي عن القول بالإيمان أولا. # ولما كانت «لم» غير مستغرقة، عطف عليها ما يستغرق ما مضى من الزمان كله ~~ليكون الحكم بعدم إيمانهم مكتنفا بأمرهم بالاقتصاد على الإخبار بإسلامهم، ~~فقال معلما بأن ما يجتهدون في إخفائه منكشف لديه «ألا يعلم من خلق» . {ولما ~~يدخل} أي إلى هذا الوقت # PageV18P386 # {الإيمان} أي المعرفة التامة {في قلوبكم} فلا يعد إقرار اللسان إيمانا ~~إلا بمواطأة القلب، فعصيتم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأحبطتم ~~أعمالكم، والتعبير ب «لما» يفهم أنهم آمنوا بعد ذلك، ويجوز أن يكون المراد ~~بهذا النفي نفي التمكن في القلب، لا نفي مطلق الدخول بدليل {إنما المؤمنون} ~~دون {إنما الذين آمنوا} . # ولما كان التقدير: فإن تؤمنوا يعلم الله ذلك من قلوبكم ms4712 غنيا عن قولكم، ~~عطف عليه قوله ترغيبا لهم في التوبة: {وإن تطيعوا الله} أي الملك الذي من ~~خالفه لم يأمن عقوبته {ورسوله} الذي طاعته من طاعته على ما أنتم عليه من ~~الأمر الظاهري فتؤمن قلوبكم {لا يلتكم} أي ينقصكم ويبخسكم من لاته يليته، ~~وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ البصريان: يألتكم من الألت وهو النقص أيضا، وهي ~~لغة أسد وغطفان، وهما المخاطبون بهذه الآية المعاتبون بها، قال أبو حيان: ~~قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة - انتهى. فلذلك اختار أبو عمرو ~~القراءة بها، وعدل عن لغة الحجاز {من أعمالكم شيئا} فلا حاجة إلى إخباركم ~~عن إيمانكم بغير ما يدل عليه من الأقوال والأفعال، قال ابن برجان: فعموم ~~الناس وأكثر أهل الغفلة مسلمون غير مؤمنين، فإن يعلموا علم ما شهدوا وعقدوا ~~عليه عقدا علما ويقينا لهم المؤمنون. وفي الآية احتباك من # PageV18P387 # وجه آخر: ذكر عدم الإيمان أولا دليلا على إثباته ثانيا، وذكر توفير ~~الأعمال ثانيا دليلا على بخسها أو إحباطها أولا، وسره أنه نفى أساس الخير ~~أولا ورغب في الطاعة بحفظ ما تعبوا عليه من الأعما ثانيا. # ولما كان الإنسان مبنيا على النقصان، فلو وكل إلى عمله هلك، ولذهب عمله ~~فيما يعتريه من النقص، قال مستعطفا لهم إلى التوبة، مؤكدا تنبيها على أنه ~~مما يحق تأكيده لأن الخلائق لا يفعلون مثله: {إن الله} أي الذي له صفات ~~الكمال {غفور} أي ستور للهفوات والزلات لمن تاب وصحت نيته، ولغيره إذا ~~أراد، فلا عتاب ولا عقاب {رحيم *} أي يزيد على الستر عظيم الإكرام. # PageV18P388 # ولما نفى عنهم الإيمان، وكان ربما غلط شخص في نفسه فظن أنه مؤمن، وليس ~~كذلك، أخبر بالمؤمن على سبيل الحصر ذاكرا أمارته الظاهرة الباطنة، وهي ~~أمهات الفضائل: العلم والعفة والشجاعة، ف ### | ق # ال جوابا لمن قال: فمن الذي آمن؟ عادلا عن جوابه إلى وصف الراسخ ترغيبا ~~في الاتصاف بوصفه وإيذانا بأن المخبر عن نفسه بآية إيمانه لا يريد إلا أنه ~~راسخ: {إنما المؤمنون} أي العريقون في الإيمان الذي هو حياة ms4713 القلوب، قال ~~القشيري: والقلوب لا تحيا إلا بعد ذبح النفوس، # PageV18P388 # والنفوس لا تموت ولكنها تعيش {الذين آمنوا} أي صدقوا معترفين {بالله} ~~معتقدين جميع ما له من صفات الكمال {ورسوله} شاهدين برسالته، وهذا هو ~~المعرفة التي هي العلم، وغايتها الحكمة، وهذا الإثبات هنا يدل على أن ~~المنفي فيما قيل الكمال لا المطلق، وإلا لقال «إنما الذين آمنوا» . # ولما كان هذا عظيما والثبات عليه أعظم، وهو عين الحكمة، أشار إلى عظيم ~~مزية الثبات بقوله: {ثم} أي بعد امتطاء هذه الرتبة العظيمة {لم يرتابوا} أي ~~ينازعوا الفطرة الأولى في تعمد التسبب إلى الشك ولم يوقعوا الشك في وقت من ~~الأوقات الكائنة بعد الإيمان، فلا يزال على تطاوله الأمنة وحصول الفتن ~~وصفهم بعد الريب غضا جديدا، ولعله عبر بصيغة الافتعال إشارة إلى العفو عن ~~حديث النفس الذي لا يستطيع الإنسان دفع أصله ويكرهه غاية الكراهة ويجتهد في ~~دفعه، فإذا أنفس المذموم المشي معه والمطاولة منه حتى يستحكم. # ولما ذكر الأمارة الباطنة على وجه جامع لجميع العبادات المالية والبدنية ~~قال: {وجاهدوا} أي أوقعوا الجهاد بكل ما ينبغي أن تجهد النفس فيه تصديقا ~~لما ادعوه بألسنتهم من الإيمان {بأموالهم} وذلك هو العفة {وأنفسهم} أعم من ~~النية وغيرها، وذلك هو # PageV18P389 # الشجاعة، وقدم الأموال لقلتها في ذلك الزمان عند العرب {في سبيل الله} أي ~~طريق الملك الأعظم بقتال الكفار وغيره من سائر العبادات المحتاجة إلى المال ~~والنفس لا الذين يتخلفون ويقولون: شغلتنا أموالنا وأهلونا، قال القشيري: ~~جعل الله الإيمان مشروطا بخصال ذكرها، وذكر بلفظ «إنما» وهي للتحقيق، تقتضي ~~الطرد والعكس، فمن أفرد الإيمان عن شرائطه التي جعلها له فمردود عليه قوله، ~~والإيمان للعبد الأمان، فإيمان لا يوجب الأمان لصاحبه فخلافه أولى به. # ولما عرف بهم بذكر أمارتهم على سبيل الحصر، أنتج ذلك حصرا آخر قطعا ~~لأطماع المدعين على وجه أثنى عليهم فيه بما تعظم المدحة به عندهم ترغيبا في ~~مثل حالهم فقال: {أولئك} أي العالو الرتبة الذين حصل لهم استواء الأخلاق ~~والعدل في الدين بجميع أمهات الأخلاق {هم} ms4714 أي خاصة {الصادقون *} قالا وحالا ~~وفعالا، وأما غيرهم فكاذب. # ولما كانوا كأنهم يقولون: نحن كذلك، أمره صلى الله عليه وسلم بالإنكار ~~عليهم والتوبيخ لهم دلالة على ما أشار إليه ختام الآية إحاطة علمه الذي ~~تميز به الصادق من غيره من جميع الخلق فقال: # PageV18P390 # {قل} أي لهؤلاء الأعراب مجهلا لهم مبكتا: {أتعلمون} أي أتخبرون إخبارا ~~عظيما بلغيا، كأنهم لما آمنوا كان ذلك إعلاما منهم، فلما قالوا آمنا كان ~~ذلك تكريرا، فكان في صورة التعليم، فبكتهم بذلك {الله} أي الملك الأعظم ~~المحيط قدرة وعلما {بدينكم} فلذلك تقولون: آمنا، ففي ذلك نوع بشرى لهم لأنه ~~أوجد لهم دينا وأضافه إليهم - قاله ابن برجان. ولما أنكر عليهم وبكتهم وصل ~~به ما يشهد له فقال: {والله} أي والحال أن الملك المحيط بكل شيء {يعلم ما ~~في السماوات} كلها على عظمها وكثرة ما فيها ومن فيها. ولما كان في سياق ~~الرد عليهم والتبكيت لهم كان موضع التأكيد فقال: {وما في الأرض} كذلك. # ولما كان المقام للتعميم، أظهر ولم يضمر لئلا يوهم الاختصاص بما ذكر من ~~الخلق فقال: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {بكل شيء} أي مما ذكر ومما ~~لم يذكر {عليم *} . # ولما كان قولهم هذا صورته صورة المنة، قال مترجما له مبكتا لهم عليه ~~معبرا بالمضارع تصويرا لحاله في شناعته: {يمنون عليك} أي يذكرون ذكر من ~~اصطنع عندك صنيعة وأسدى إليك نعمة، إنما فعلها لحاجتك إليها لا لقصد الثواب ~~عليها، لأن المن هو القطع - قال في الكشاف: لأنه إنما يسديها إليه ليقطع ~~بها حاجته لا غير، من # PageV18P391 # غير أن يعمد لطلب مثوبة، ثم يقال: من عليه ضيعة - إذا اعتده عليه منة ~~وإنعاما. ولما كان الإسلام ظاهرا في الدين الذي هو الانقياد بالظاهر مع ~~إذعان الباطن لم يعبر به، وقال: {إن أسلموا} أي أوقعوا الانقياد للأحكام في ~~الظاهر. # ولما كان المن هو القطع من العطاء الذي لا يراد عليه جزاء، قال: {قل} أي ~~في جواب قولهم هذا: {لا تمنوا} معبرا بما من المن إشارة إلى أن ms4715 الإسلام لا ~~يطلب جزاؤه إلا من الله، فلا ينبغي عده صنيعة على أحد، فإن ذلك يفسده {علي ~~إسلامكم} لو فرض أنكم كنتم مسلمين أي متدينين بدين الإسلام الذي هو انقياد ~~الظاهر مع إذعان الباطن، أي لا تذكروه على وجه الامتنان أصلا، فالفعل وهو ~~{تمنوا} مضمن «تذكروا» نفسه لا معناه كما تقدم في {ولتكبروا الله على ما ~~هداكم} {بل الله} أي الملك الأعظم الذي له المنة على كل موجود ولا منة عليه ~~بوجه {يمن عليكم} أي يذكر أنه أسدى إليكم نعمه ظاهرة وباطنة منها ما هو ~~{أن} أي بأن {هداكم للإيمان} أي بينة لكم أو وفقكم للاهتداء وهو تصديق ~~الباطن مع الانقياد بالظاهر، والتعبير عن هذا بالمن أحق مواضعه، فإنه ~~سبحانه غير محتاج إلى عمل فإنه لا نفع يلحقه ولا ضر، وإنما طلب الأعمال ~~لنفع العاملين أنفسهم، ومن عليهم بأن أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم # PageV18P392 # فبين لهم فكذبوه بأجمعهم، فلم يزل يقويه حتى أظهر فيه آية مجده وأظهر ~~دينه على الدين كله، ودخل فيه الناس طوعا وكرها على وجوه من المجد يعرفها ~~من استحضر السيرة ولا سيما من عرف أمر بني أسد وغطفان الذين نزلت فيهم هذه ~~الآيات، وكيف كان حالهم في غزوة خيبر وغيره. # ولما كان المراد بهذا تجهيلهم وتعليمهم حقائق الأمور، لا الشهادة لهم ~~بالهداية، قال منبها على ذلك: {إن كنتم} أي كونا أنتم عريقون فيه {صادقين ~~*} في ادعائكم ذلك، فإنه على تقدير الصدق إنما هو بتوفيق الله وهو الذي خلق ~~لكم قدرة الطاعة، فهو الفاعل في الحقيقة فله المنة عليكم، قال الأستاذ أبو ~~القاسم القشيري: من لاحظ شيئا من أعماله وأحواله فإن رآها دون نفسه كان ~~شركا، وإن رآها لنفسه كان مكرا، فكيف يمن العبد بما هو شرك أو مكر، والذي ~~يجب عليه قبول المنة كيف يرى لنفسه على غيره منة، هذا لعمري فضيحة، والمنة ~~تكدر الصنيعة، إذا كانت من المخلوقين، وبالمنة تطيب النعمة إذا كانت من قبل ~~الله. # ولما نفى عنهم ما هو باطن، وختم جدالهم ms4716 سبحانه بهذه الشرطية، فكان ربما ~~توهم قاصر النظر جامد الفكر عدم العلم بما هو عليه، أزال # PageV18P393 # ذلك على وجه عام، وأكده لذلك فقال: {إن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما {يعلم} أي بطريق ثبوت الصفة وتجريد التعلق واستمراره كلما تجدد محدث ~~أو كان بحيث يتجدد {غيب السماوات} أي كلها {والأرض} كذلك. # ولما أريد التعميم من غير تقييد بالخافقين أظهر ولم يضمر قوله: {والله} ~~أي الذي له الإحاطة بذلك وبغيره مما لا تعلمون {بصير} أي عالم أتم العلم ~~ظاهرا وباطنا {بما تعملون *} من ظاهر إسلامكم وباطن إيمانكم في الماضي ~~والحاضر والآتي سواء كان ظاهرا أو باطنا سواء كان قد حدث فصار بحيث تعلمونه ~~أنتم أو كان مغروزا في جبلاتكم وهو خفي عنكم - هذا على قراءة الخطاب التفات ~~إليهم لاستنقاذ من توهم منهم هذا التوهم، وهي أبلغ، وعلى قراءة ابن كثير ~~بالغيب يكون على الأسلوب الأول مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإبلاغه ~~لهم، فهو سبحانه عالم بمن انطوى ضميره على الإيمان، ومن هو متكيف بالكفران، ~~ومن يموت على ما هو عليه، ومن يتحول حاله بإبعاد عنه أو جذب إليه، قال ~~القشيري رحمه الله تعالى: ومن وقف ههنا تكدر عليه العيش إذ ليس يدري ما ~~غيبه فيه، وفي المعنى قال: # PageV18P394 # أبكي وهل تدرين ما يبكيني ... أبكي حذارا أن تفارقيني # وتقطعي حبلي وتهجريني ... انتهى. وفي ذلك أعظم زجر وترهيب لمن قدم بين ~~يدي الله ورسوله ولو أن تقدمه في سره. فإنه لا تهديد أبلغ من إحاطة العلم، ~~فكأنه قيل: لا تقدموا بين يديه فإن الله محيط العلم فهو يعلم سركم وجهركم، ~~فقد رجع هذا الآخر إلى الأول، والتف به التفاف الأصل بالموصل. # PageV18P395 # (سورة ق) # ومقصودها تصديق النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرسالة التي معظمها ~~الإنذار وأعظمه الإعلام بيوم الخروج بالدلالة على ذلك بعد الآيات المسموعة ~~العنية بإعجازها عن تأييد بالآيات المرئية الدالة قطعا على الإحاطة بجميع ~~صفات الكمال، وأحسن من هذا أن يقال: مقصودها الدلالة على إحاطة القدرة التي ~~هي ms4717 نتيجة ما ختمت به الحجرات من إحاطة العلم لبيان أنه لا بد من البعث ليوم ~~الوعيد، فتكتنف هذه الإحاطة بما يحصل من الفضل بين العباد بالعدل لأن ذلك ~~هو سر الوجود وذلك هو نتيجة مقصود البقرة، والذي تكفل بالدلالة على هذا كله ~~ما شوهد من إحاطة مجد القرآن بإعجازه في بلوغه في كل من جميع المعاني وعلو ~~التراكب وجلالة المفردات وتلازم الحروف وتناسب النظم ورشاقة الجمع وحلاوة ~~التفضيل إلى حد لا تطيقه القوى، ومن إحاطة القدرة بما هدى إليه القرآن من ~~آأيات الإيجاد والإعدام، وعلى كل من الاحتمالين دل اسمها " ق " لما في ~~آياته من إثبات المجد بهذا الكتاب، والمجد هو الشرف والكرم # PageV18P396 # زالرفعة والعلو، وذلك لا يكون إلا والآتي به كذلك، وهو ملازم لصدقه في ~~جميع ما أتى به، وللقاف وحدها أتم دلالة على ذلك، أولا بمخرجها فإنه من أصل ~~اللسان مما يلي الحلق ويحاذيه من الحنك الأعلى، فإن ذلك إشارة إلى أن مقصود ~~السورة الأصل والعلو، وكل منها دال على الصدق دلالة قوية، فإن الأصل في وضع ~~الخبر الصدق، ودلالته على الكذب وضعية لا عقلية، وهي أيضا محيطة باسمها أو ~~مسماها بالمخارج الثلاث، والإحاطة بالحق لا تكون إلا مع العلو، وهو لا يكون ~~إلا مع الصدق، ولإحاطتها سمي بها الجبل المحيط بالأرض، هذا بمخرجها، وأما ~~صفتها فإنها عظيمة في ذلك فإن لها الجهر والشدة والانفتاح والاستعلاء ~~والقلقة، وكل منها ظاهر الدلالة على ذلك جدا، وأدل ما فيها من المخلوقات ~~على هذا المقصد النخل، # لما انفردت به عما شاركها من النبلات بالإحاطة بالطول وكثرة المنافع، ~~فإنها جامعة للفكه بالقلب ثم الطلع ثم البسر ثم الرطب وبالاقتيات بالتمر ~~وبالخشب والحطب والقطا والخوض النافع للافتراش والليف النافع للحبال، ودون ~~ذلك وأعلاه من الخلال، هذا مع كثرة ملابسة العرب الذين هم أول مدعو بهذا ~~الكتاب الذكر لها ومعرفتهم بخواصهعا، وأدل ما فيها الطول مع أنه ليس ~~لعروقها من الامتداد في الأرض والتمكن ما لغيرها، ومثل ذلك غير كاف في ~~العادة في الإمساك ms4718 عن السقوط وكثرة الحمل وعظم الإفناء وتناضد الثمر، ولذلك ~~سميت سورة الباسقات لا النخل) # PageV18P397 # بسم الله (الذي من إحاطة حمده بيانه ما لنبيه (صلى الله عليه وسلم) من ~~إحاطة الحمد، ولقدرته سبحانه من الإحاطة التي ليس لها حد) الرحمن (الذي عم ~~خلقه برحمته حين أرسل إليهم محمدا (صلى الله عليه وسلم) بشرائعه، فهو أصدق ~~العباد، وأظهر بعظيم معجزاته أن قدرته ما لها من نفاذ) الرحين (الذي خص ~~بالفوز في دار القرار أهل الرغاد. # PageV18P398 # لما ختم سبحانه الحجرات بإحاطة العلم ### | ق # ال أول هذه: {ق} إشارة إلى أنه هو سبحانه وحده المحيط علما وقدرة بما له ~~من العلو والشدة والقوة القيومية والقهر ونافذ القضاء والفتح لما أراد من ~~المغلقات، بما أشارت إليه القاف بصفاتها وأظهرته بمخرجها المحيط بما جمعه ~~مسماها من المخارج الثلاث: الحلق واللسان والشفاه. # وقد قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في سر افتتاح المفصل بهذا الحرف فقال ~~في آخر كتابه في هذا الحرف: اعلم أن القرآن منزل مثاني، ضمن ما عدا المفصل ~~منه الذي هو من قاف إلى آخر الكتاب العزيز وفاتحة ما يختص بأولي العلم ~~والفقه من مبسوطات الحكم ومحكمات الأحكام ومطولات الأقاصيص، ومتشابه ~~الآيات، والسورة المفتتحة بالحروف الكلية للإحاطة لغيبية المتهجى المسندة ~~إلى آحاد الأعداد، فلعلو رتبة إيراده وطوله ثنى الحق سبحانه الخطاب وانتظمه ~~في سور كثيرة العدد يسيرة عدد الآي قصيرة مقدارها، ذكر فيها من أطراف القصص ~~والمواعظ والأحكام والثناء وأمر الجزاء ما يليق بسماع العامة ليسهل عليهم # PageV18P398 # سماعه وليأخذوا بحظ مما أخذه الخاصة وليكرر على أسماعهم في قراءة الأئمة ~~له في الصلوات المفروضة التي لا مندوحة لهم عنها ما يكون لهم خلفا مما ~~يعولهم من مضمون سائر السور المطولات، فكان أحق ما افتتح به مفصلهم حرف ق ~~الذي هو وتر الآحاد، والظاهر منها مضمون ما يحتوي عليه مما افتتح بألف لام ~~ميم، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقرأ في خطبة يوم الجمعة إليهم ~~لأنها صلاة جامعة الظاهر بفاتحة المفصل الخاص بهم، وفي ms4719 مضمونها من معنى ~~القدرة والقهر المحتاج إليه في إقامة أمر العامة ما فيه كفاية، وشفعت بسورة ~~المطهرة فخصوا بما فيه القهر والإنابة، واختصرت سورة نون من مقتضى العلم ~~بما هو محيط بأمر العامة المنتهي إلى غاية الذكر الشامل للعالمين. # ولما كان جميع السور المفتتحة بالحروف المتضمنة للمراتب التسع، العاشر ~~الجامع قواما وإحاطة في جميع القرآن، ولذلك كانت سورة قاف وسورة ن قواما ~~خاصا وإحاطة خاصة بما يخص العامة من القرآن الذين يجمعهم الأرض بما أحاط ~~بظاهرها من صورة جبل قاف، وما أحاط بباطنها من صورة حيوان «نون» الذي تمام ~~أمرهم بما بين مددي إقامتها ولهذا السورة المفتتحة بالحرف ظهر اختصاص ~~القرآن وتميزه عن سائر الكتب لتضمنها الإحاطة التي لا تكون إلا بما للخاتم ~~الجامع، واقترن بها من التفضيل في سورها ما يليق بإحاطتها، ولإحاطة معانيها # PageV18P399 # وإتمامها كان كل ما فسرت به من معنى يرجع إلى مقتضاها، فهو صحيح في ~~إحاطتها ومنزلها من أسماء الله وترتبها في جميع العوالم، فلا يخطىء فيها ~~مفسر لذلك لأنه كلما قصد وجها من التفسير لم يخرج عن إحاطة ما تقتضيه، ~~ومهما فسرت به من أنها من أسماء الله تعالى أو من أسماء الملائكة أو من ~~أسماء الأنبياء أو من مثل الأشياء، وصور الموجودات أو من أنها أقسام أقسم ~~بها، أو فواتح عرفت بها السور، أو أعداد تدل على حوادث وحظوظ من ظاهر الأمر ~~أو باطنه على اختلاف رتب وأحوال مما أعطيه محمد صلى الله عليه وسلم من ~~مقدار أمد الخلافة والملك والسلطنة وما ينتهي إليه أمره من ظهور الهداية ~~ونحو ذلك مما يحيط بأمد يومه إلى غير ذلك، وكل داخل في إحاطتها، ولذلك أيضا ~~لا تختص بمحل مخصوص تلزمه علامة إعراب مخصوصة فمهما قدر في مواقعها من هذه ~~السورة جرا أو نصبا أو رفعا، فتداخل في إحاطة رتبتها ولم يلزمها معنى خاص ~~ولا إعراب خاص لما لم يكن لها انتظام، لأنها مستقلات محيطات، وإنما ينتظم ~~ما يتم معنى - كل واحد من المنتظمين بحصول الانتظام، وذلك ms4720 يختص من الكلم ~~بما يقصر عن إحاطة مضمون الحروف حتى أنه متى وقع استقلال وإحاطة في # PageV18P400 # كلمة لم يقع فيها انتظام. # ولما أشار سبحانه إلى هذه الإحاطة بالقاف، أقسم على ذلك قسما هو في نفسه ~~دال عليه فقال: {والقرآن} أي الكتاب الجامع الفارق {المجيد *} الذي له ~~العلو والشرف والكرم والعظمة على كل كلام، والجواب أنهم ليعلمون ما أشارت ~~إليه القاف من قوتي وعظمتي وإحاطة علمي وقدرتي، وما اشتمل عليه القرآن من ~~المجد بإعجازه واشتماله على جميع العظمة، ولم ينكروا شيئا من ذلك بقلوبهم، ~~ومجيد القرآن كما تقدم في أثناء الفاتحة ما جربت أحكامه من بين عاجل ما شهد ~~وآجل ما علم بعلم ما شهد، وكان معلوما بالتجربة المتيقنة بما تواتر من ~~القصص الماضي، وما شهد من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله ~~وأشباهه، وإذا تأملت السورة وجدت آيها المنزلة على جميع ذلك، فإنه سبحانه ~~ذكرهم فيها ما يعلمون من خلق السماوات والأرض وما فيهما ومن مصارع الأولين ~~وكذا السورة الماضية ولا سيما آخرها المشير إلى أنه أدخل على الناس الإيمان ~~برجل واحد غلبهم بمجده وإعجازه لمجد منزله بقدرته وإحاطة علمه - والله ~~الهادي، ومن أحاط علما بمعانيه وعمل ما فيه مجد عند الله وعند الناس. # PageV18P401 # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كانت سورة الفتح قد انطوت على جملة ~~من الألطاف التي خص الله بها عباده المؤمنين كذكره تعالى أخوتهم وأمرهم ~~بالتثبت عند غائلة معتد فاسق {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} ~~الآية، وأمرهم بغض الأصوات عند نبيهم وأن لا يقدموا بين يديه ولا يعاملوه ~~في الجهر بالقول كمعاملة بعضهم بعضا، وأمرهم باجتناب كثير من الظن ونهيهم ~~عن التجسس والغيبة، وأمرهم بالتواضع في قوله {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى} وأخبرهم تعالى أن استجابتهم وامتثالهم هذه الأوامر ليست بحولهم، ~~ولكن بفضله وإنعامه، فقال: {ولكن الله حبب إليك الإيمان وزينه في قلوبكم ~~وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} الآيتين، ثم أعقب ذلك بقوله {يمنون ~~عليك أن أسلموا} ms4721 الآية، ليبين أن ذلك كله بيده ومن عنده، أراهم سبحانه حال ~~من قضى عليه الكفر ولم يحبب إليه الإيمان ولا زينه في قلبه، بل جعله في طرف ~~من حال من أمر ونهى في سورة الفتح مع المساواة في الخلق وتماثل الأدوات ~~فقال تعالى: {والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} الآيات، ثم ذكر ~~سبحانه وتعالى وضوح الأدلة {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم} الآيات، ثم ذكر ~~حال غيرهم ممن كان على رأيهم {كذبت قبلهم قوم نوح} ليتذكر بمجموع هذا من ~~قدم ذكره بحاله # PageV18P402 # وأمره ونهيه في سورة الفتح، ويتأدب المؤمن بآداب الله ويعلم أن ما أصابه ~~من الخير فإنما هو من فضل ربه وإحسانه، ثم التحمت الآي إلى قوله خاتمة ~~السورة {نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم} الآيات - انتهى. # ولما كان هذا ظاهرا على ما هدى إليه السياق، بنى عليه قوله دلالة أخرى ~~على شمول علمه: {بل} أي أن تكذيبهم ليس لإنكار شيء من مجده ولا لإنكار صدقك ~~الذي هو من مجده بل لأنهم {عجبوا} أي الكفار، وأضمرهم قبل الذكر إشارة إلى ~~أنه إذا ذكر شيئا خارجا عن سنن الاستقامة انصرف إليهم، والعجب من تغير ~~النفس لأمر خارج عن العادة. # ولما كان المقام لتخويف من قدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~من عليه بالإسلام أو غيره، أو لتخويف من أنكر البعث، اقتصر على النذارة ~~فقال: {أن جاءهم منذر} أنذرهم حق الإنذار من عذاب الله عند البعث الذي هو ~~محط الحكمة، وعجب منهم هذا العجب بقوله: {منهم} لأن العادة عندهم وعند جميع ~~الناس أنه إذا كان النذير منهم لم يداخلهم في إنذاره شك بوجه من الوجوه، ~~وهؤلاء خالفوا عادة الناس في تعجبهم من كون النذير - وهو أحدهم - # PageV18P403 # خص بالرسالة دونهم، ولم يدركوا وجه الخصوصية لكونه مثلهم، فكذلك أنكروا ~~رسالته وفضل كتابه بألسنتهم نفاسة وحسدا لأنهم كانوا معترفين بخصائصه التي ~~رفعه الله تعالى عليهم بها قبل الرسالة فحطهم عجبهم ذلك إلى الحضيض من ~~دركات السفه وخفة الأحلام، ms4722 لأنهم عجبوا أن كان الرسول بشرا وأوجبوا أن يكون ~~الإله حجرا، وعبجوا من أن يعادوا من تراب، وتثبت له الحياة، ولم يعجبوا أن ~~يبتدؤوا من تراب ولم يكن له أصل في الحياة، ولذلك سبب عنه قوله: {فقال} أي ~~بسبب إنذاره بالبعث وعقبه {الكافرون} فأظهر في موضع الإنذار إيذانا بأنهم ~~لم يخف عليهم شيء من أمره، ولكنهم ستروا تعديا بمرأى عقولهم الدالة على ~~جميع أمره دلالة ظاهرة، وعبر بما دل على النذارة لأنها المقصود الأعظم من ~~هذه السورة، وجميع سياق الحجرات ظاهر فيها: {هذا} أن يكون النذير منا خصص ~~بالرسالة من دوننا، وكون ما أنذر به هو البعث بعد الموت {شيء عجيب *} أي ~~بليغ في الخروج عن عادة أشكاله، وقد كذبوا في ذلك، أما من جهة النذير فإن ~~أكثر الرسل من الطوائف الذين أرسلوا إليهم، وقليل منهم من كان غريبا ممن ~~أرسل إليه، وأما من جهة البعث فإن أكثر ما في الكون مثل ذلك من إعادة كل من ~~الملوين بعد ذهابه وإحياء الأرض من بعد موتها وابتداء الإحياء لجميع موات ~~الحيوان وإخراج النبات والأشجار # PageV18P404 # والثمار وغير ذلك مما هو ظاهر جدا. # ولما كان المتعجب منه مجملا، أوضحه بقوله حكاية عنهم مبالغين في الإنكار، ~~بافتتاح إنكارهم باستفهام إنكاري: {إذا متنا} ففارقت أرواحنا أشباحنا {وكنا ~~ترابا} لا فرق بينه وبين تراب الأرض. ولما كان العامل في الظرف ما تقديره: ~~نرجع؟ دل عليه بقوله والإشارة بأداة البعد إلى عظيم استبعادهم: {ذلك} أي ~~الأمر الذي هو في تمييز ترابنا من بقية التراب في غاية البعد، وهو مضمون ~~الخبر برجوعنا {رجع} أي رد إلى ما كنا عليه {بعيد *} جدا لأنه لا يمكن ~~تمييز ترابنا من بقية التراب. ولما كان السياق لإحاطة العلم بما نعلم وما ~~لا نعلم، توقع السامع الجواب عن هذا الجهل، فقال مزيلا لسببه، مفتتحا بحرف ~~التوقع: {قد} أي بل نحن على ذلك في غاية القدرة لأنا قد {علمنا} بما لنا من ~~العظمة {ما تنقص الأرض منهم} أي من أجزائهم المتخللة من أبدانهم بعد ms4723 الموت ~~وقبله، فإنه لو زاد الإنسان بكل طعام يأكله ولم ينقص صار كالجبل بل نحن ~~دائما في إيجاد وإعدام تلك الأجزاء، وذلك فرع العلم بها كل جزء في وقته ~~الذي كان نقصه فيه قل ذلك الجزء أو جل، ولم يكن شيء من ذلك إلا بأعيينا # PageV18P405 # بما لنا من القيومية والخبرة النافذة في البواطن فضلا عن الظواهر والحفظ، ~~الذي لا يصوب إلى جنابه عي ولا غفلة ولا غير، ولكنه عبر بمن لأن الأرض لا ~~تأكل عجب الذنب، فإنه كالبزر لأجسام بني آدم. # ولما كانت العادة جارية عند جميع الناس بأن ما كتب حفظ، أجرى الأمر على ~~ما جرت به عوائدهم فقال مشيرا بنون العظمة إلى غناه عن الكتاب: {وعندنا} أي ~~على ما لنا من الجلال الغني عن كل شيء {كتاب} أي جامع لكل شيء {حفيظ *} أي ~~بالغ في الحفظ لا يشذ عنه شيء من الأشياء دق أو جل، فكيف يستبعدون على ~~عظمتنا أن لا نقدر على تمييز ترابهم من تراب الأرض ولم يختلط في علمنا شيء ~~من جزء منه بشيء من جزء آخر فضلا عن أن يختلط شيء منه بشيء آخر من تراب ~~الأرض أو غيرها. # ولما كان التقدير: وهم لا ينكرون ذلك من عظمتنا لأنهم معترفون بأنا خلقنا ~~السماوات والأرض وخلقناهم من تراب وإنا نحن ننزل الماء فينبت النبات، أضرب ~~عنه بقوله: {بل الذين كذبوا بالحق} أي الأمر الثابت الذي لا أثبت منه {لما} ~~أي حين {جاءهم} لما ثار عندهم من أجل تعجبهم من إرسال رسولهم من حظوظ ~~النفوس وغلبهم من الهوى، حسدا منهم من غير تأمل لما قالوه ولا تدبر، ولا ~~نظر فيه # PageV18P406 # ولا تفكر، فلذلك قالوا ما لا يعقل من أن من قدر على إيجاد شيء من العدم ~~وإبدائه لا يقدر على إعادته بعد إعدامه وإفنائه. # ولما تسبب عن انتسابهم في هذا القول الواهي وارتهانهم في عهدته اضطرابهم ~~في الرأي: هل يرجعون فينسبوا إلى الجهل والطيش والسفة والرعونة أم يدومون ~~عليه فيؤدي ذلك مع كفرهم بالذي خلقهم إلى ms4724 أعظم من ذلك من القتال والقتل، ~~والنسبة إلى الطيش والجهل، قال معبرا عن هذا المعنى: {فهم} أي لأجل ~~مبادرتهم إلى هذا القول السفساف {في أمر مريج *} أي مضطرب جدا مختلط، من ~~المرج وهو اختلاط النبت بالأنواع المختلفة، فهم تارة يقولون: سحر، وتارة ~~كهانة، وتارة شعر، وتارة كذب، وتارة غير ذلك، والاضطراب موجب للاختلاف، ~~وذلك أدل دليل على الإبطال كما أن الثبات والخلوص موجب للاتفاق، وذلك أدل ~~دليل على الحقية، قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم - وكذا قال ~~قتادة، وزاد: والتبس عليهم دينهم. # ولما أخبرهم أنهم قالوا عن غير تأمل أنكر عليهم ذلك موبخا لهم دالا على ~~صحة ما أنكروه وفساد إنكارهم بقوله، مسببا عن عجلتهم إلى الباطل، {أفلم ~~ينظروا} أي بعين البصر والبصيرة {إلى السماء} أي المحيط بهم وبالأرض التي ~~هم عليها. ولما كان هذا اللفظ يطلق على كل ما علا من سقف وسحاب وغيره وإن ~~كان ظاهرا في السقف المكوكب # PageV18P407 # حققه بقوله: {فوقهم} فإن غيرهم إنما هو فوق ناس منهم لا فوق الكل. ولما ~~كان أمرها عجبا، فهو أهل لأن يسأل عن كيفيته دل عليه بأداة الاستفهام فقال: ~~{كيف بنيناها} أي أوجدناها على ما لنا من المجد والعزة مبنية كالخيمة إلا ~~أنها من غير عمد {وزيناها} أي بما فيها من الكواكب الصغار والكبار السيارة ~~والثابتة {وما} أي والحال أنه ما {لها} وأكد النفي بقوله: {من فروج *} أي ~~فتوق وطاقات وشقوق، بل هي ملساء متلاصقة الأجزاء، فإن كانت هذه الزينة من ~~تحتها فالذي أوقع ذلك على هذا الإحكام الذي يشاهدونه بما فيه من المنافع ~~والستر الذي لا يختل على مر الجديدين، فهو من القدرة بحيث لا يعجزه شيء، ~~وإن كانت الزينة من فوقها فكذلك، وإن كان بعضها من فوق وبعضها من تحت ~~فالأمر عظيم، وهذا يدل على أن السماء كرة مجوفة الوسط مقببة كالبيضة، فإن ~~نفي الفروج فيها على هذا الوجه المؤكد يدل على ذلك دلالة ظاهرة، وأفرد ~~السماء ولم يجمع لأن بناءها على ما ذكر وإن ms4725 كانت واحدة يدل على كمال ~~القدرة، فإن البناء المجوف لا يمكن بانيه إكمال بنائه من غير أن يكون له ~~فروج، وإن اختل ذلك كان موضع الوصل ظاهرا للرائين ما فيه من فتور وشقوق ~~وقصور وما يشبه ذاك، ولم يمكنه مع ذلك الخروج منه، # PageV18P408 # إن كان داخله فلم يقدر على حفظ خارجه، وإن كان خارجه لم يتمكن من حفظ ~~داخله، وهذا الكون محفوظ من ظاهره وباطنه، فعلم أن صانعه منزه عن الاتصاف ~~بما تحيط به العقول بكونه داخل العلم أو خارجه أو متصلا به أو منفصلا عنه، ~~أو محتاجا في الصنعة إلى إله أو في الحفظ إلى ظهير أو معين، وجمع الفرج ~~للدلالة على إرادة الجنس بالسماء بعد ما أفاده إفراد لفظها، فيدل الجمع مع ~~إرادة الجنس على التوزيع، مع الإفهام إلى أن الباني لو احتاج في هذا الخلق ~~الواسع الأطراف المتباعد الأكناف إلى فرج واحد لاحتاج إلى فروج كثيرة. # فإن هذا الجرم الكبير لا يكفي فيه فرج واحد لمن يحتاج إلى الحركة، فنزل ~~كلام العليم الخبير على مثل هذه المعاني، ولا يظن أنه غيرت فيه صنعة من ~~الصنع لأجل الفاصلة فقط، فإن ذلك لا يكون إلا من محتاج، والله متعال عن ~~ذلك، ويجوز - وهو أحسن - أن يراد بالفروج قابلية الإنبات لتكون - مثل الأرض ~~- يتخللها المياه فيمتد فيها عروق الأشجار والنبات وتظهر منها، وأن يراد ~~بها الخلل كقوله تعالى {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى ~~من فطور} [الملك: 3] أي خلل واختلاف وفساد، وهو لا ينفي الأبواب والمصاعد - ~~والله أعلم. # PageV18P409 # ولما دل سبحانه على تمام قدرته وكمال علمه وغير ذلك من صفات الكمال بآية ~~السماء، أتبع ذلك الدلالة على أنه لا يقال فيه داخل العالم ولا خارجه لأنه ~~متصل به ولا منفصل عنه، نبه على ذلك بالدلالة على آية الأرض، وأخرها لأن ~~السماء أدل على المجد الذي هذا سياقه، لأنها أعجب صنعة وأعلى علوا وأجل ~~مقدارا وأعظم أثرا، وأن الأرض لكثرة الملابسة لها والاجتناء من ثمارها يغفل ms4726 ~~الإنسان عن دلالتها، بما له في ذلك من الصنائع والمنافع، فقال: {والأرض} أي ~~المحيطة بهم {مددناها} أي جعلناها لما لنا من العظمة مبسوطة لا مسنمة. ولما ~~كان الممدود يتكفأ، قال: {وألقينا} بعظمتنا {فيها رواسي} أي جبالا ثوابت ~~كان سببا لثباتها، وخالفت عادة المراسي في أنها من فوق، والمراسي تعالجونها ~~أنتم من تحت. # ولما كان سكانها لا غنى لهم عن الرزق، قال ممتنا عليهم: {وأنبتنا} بما ~~لنا من العظمة {فيها} وعظم قدرتها بالتبعيض فقال: {من كل زوج} أي صنف من ~~النبات تزاوجه أشكاله بأرزاقكم كلها {بهيج *} أي هو في غاية الرونق ~~والإعجاب، فكان - مع كونه رزقا - متنزها. # ولما ذكر هذه الصنائع الباهرة، عللها بقوله: {تبصرة} أي جعلنا هذه ~~الأشياء كلها، أي لأجل أن تنظروها بأبصاركم، ثم تتفكروا ببصائركم، فتعبروا ~~منها إلى صانعها، فتعلموا ما له من العظمة {وذكرى} أي ولتتذكروا بها تذكرا ~~عظيما، بما لكم من القوى والقدر فتعلموا # PageV18P410 # بعجزكم عن كل شيء من ذلك أن صانعها لا يعجزه شيء، وأنه محيط بجميع صفات ~~الكمال، لو ألم بجنابه شائبة من شوائب النقص لما فاض عنه هذا الصنع الغريب ~~البديع. # ولما كان من لا ينتفع بالشيء كأنه عادم لذلك الشيء، قصر الأمر على ~~المنتفع فقال: {لكل عبد} يتذكر بما له من النقص وبما دل عليه هذا الصنع من ~~الكمال أنه عبد مربوب لصانعه. ولما كان الإنسان لما له من النقصان لا يزال ~~كلما أعلاه عقله أسفله طبعه، فكان ربما ظن أنه لا يقبل إذا رجع، رغبة في ~~الرجوع بقوله: {منيب *} أي رجاع عما حطه عنه طبعه إلى ما يعليه إليه عقله، ~~فيرجع من شهود هذه الأفعال إلى شهود هذه الصفات إلى علم الذات. # ولما كان إنزال الماء أبهر الآيات وأدلها على أنه أجل من أن يقال: إنه ~~داخل العالم أو خارجه، أو متصل به أو منفصل عنه، مع أن به تكون النبات ~~وحصول الأقوات وبه حياة كل شيء، أفرده تنبيها على ذلك فقال: {ونزلنا} أي ~~شيئا فشيئا في أوقات على سبيل التقاطر ms4727 وبما يناسب عظمتنا التي لا تضاهى ~~بغيب، بما له من النقل والنبوع والنفوذ فنزل دفعة واحدة فأهلك ما نزل عليه ~~فزالت المفقرة وعادت المنفعة مضرة {من السماء} أي المحل العالي الذي لا ~~يمسك فيه الماء عن دوام التقاطر إلا بقاهر {ماء مباركا} أي نافعا جدا ثابتا ~~لا خيالا محيطا # PageV18P411 # بجميع منافعكم. # ولما كان الماء سببا في تكون الأشياء، وكان ذلك سببا في انعقاده حتى يصير ~~خشبا وحبا وعنبا، وغير ذلك عجبا، قال: {فأنبتنا} معبرا بنون العظمة {به ~~جنات} من الثمر والشجر والزرع وغيره مما تجمعه البساتين فتجن - أي تستر - ~~الداخل فيها. ولما كان القصب الذي يحصد فيكون حبه قوتا للحيوان وساقه ~~للبهائم، خصه بقوله: {وحب الحصيد} أي النجم الذي من شأنه أن يحصد من البر ~~والشعير ونحوهما، وأومأ بالتقييد إلى أن هذه الحبوب أشرف من حب اللآلىء ~~الذي ينبته الله من المطر لأنها لقيام النبتة؟ وتلك للزينة، ولما كان النخل ~~من أعجبه ما يتكون منه مع ما له من المنافع التي لا يساويه فيها شجر، ~~والطباق للرزع بالطول والقصر والاتساق بالاقتيات للآدميين والبهائم، قال: ~~{والنخل باسقات} أي عاليات طويلات على جميع الأشجار المثمرة ذوات أثمار ~~طيبة {لها} مع يبس ساقها {طلع نضيد *} أي مصفوف متراكم بعضه فوق بعض، وهو ~~حشو طلعه، والطلع ذلك الخارج من أعلى النخلة كأنه فعلان مطبقان، والحمل ~~النضيد بينهما، والطرف محدد، أو الطلع ما يبدو من ثمر النخل أول ظهورها، ~~وذلك القشر يسمى الكفرى لتعطيته إياه على أحكم مما يكون وأوثق، والطلع يشبه ~~ما للناقة المبسق من اللبا المتكون في ضرعها # PageV18P412 # قبل النتاج، ثم يصير بعد اتحاده في البياض وهو طلع إلى الافتراق حال ~~الينوع إلى أحمر وأصفر وأخضر وغير ذلك من الألوان الغريبة، والأوصاف ~~العجيبة، وهي محيطة المنافع بالتفكه على عدة أنواع والاقتيات وغير ذلك، ~~وطلعها مخالف لعادة أكثر الأشجار فإن ثمارها مفردة، كل حبة منفردة عن ~~أختها. # ولما ذكر سبحانه بعض ما له في الماء من العظمة، ذكر له علة هي غاية في ~~المنة ms4728 على الخلق فقال: {رزقا للعباد} أي أنبتنا به ذلك لأجل أنه بعض ما ~~جعلناه رزقهم. # ولما كان ذلك أعظم مذكر للبصراء بالبعث ولجميع صفات الكمال، أتبعه ما له ~~من التذكير بالبعث بخصوصه فقال: {وأحيينا به} أي الماء بعظمتنا {بلدة} ~~وسمها بالتاء إشارة إلى أنها في غاية الضعف والحاجة إلى الثبات والخلو عنه، ~~وذكر قوله: {ميتا} للزيادة في تقرير تمكن الحاجة فيها. ولما كان هذا خاصة ~~من أوضح أدلة البعث، قال على سبيل النتيجة: {كذلك} أي مثل هذا الإخراج ~~العظيم {الخروج *} الذي هو لعظمته كأنه مختص بهذا المعنى، وهو بعث الموتى ~~من قبورهم على ما كانوا عليه في الدنيا، لا فرق بين خروج النبات بعد ما ~~تهشم في الأرض وصار ترابا كما كان من بين أصفره وأبيضه وأحمره وأخضره ~~وأزرقه إلى غير ذلك، وبين إخراج # PageV18P413 # ما تفتت من الموتى كما كانوا في الدنيا، قال أبو حيان: ذكر تعالى في ~~السماء ثلاثة: البناء والتزيين ونفي الفروج، وفي الأرض ثلاثة: المد وإلقاء ~~الرواسي والإنبات، قابل المد بالبناء لأن المد وضع والبناء رفع، وإلقاء ~~الرواسي بالتزيين بالكواكب لارتكاز كل واحد منها - أي على سطح ما هو فيه ~~والإنبات المترتب على الشق بانتفاء الفروج، فلا شق فيها، ونبه فيما تعلق به ~~الإنبات على ما يقطف كل سنة ويبقى أصله، وما يزرع كل سنة أو سنتين ويقطف كل ~~سنة، وعلى ما اختلط من جنسين، فبعض الثمار فاكهة لا قوت، وأكثر الزرع قوت ~~والثمر فاكهة وقوت. # PageV18P414 # ولما وصل الأمر إلى حد لا خفاء معه، فصح أنهم يعلمون ذلك ولم يحملهم على ~~التصريح بالتكذيب به إلا المبادرة إلى ذلك بغلبة الهوى من غير تأمل ~~لعاقبته، فصار من باب لزوم الغلط، وكان السياق لإنكار البعث الذي جاء به ~~منذر من القوم المنذرين، كان كأنه قيل: إن إنكار هؤلاء أعجب، فهل وقع هذا ~~لأحد قط، فقال تعالى مسليا لهذا النبي الكريم لأن المصيبة إذا عمت هانت، ~~مبينا لمجد القرآن ولمجد آياته تحقيقا للإنذار وتحذيرا به لا للنصيحة: ~~{كذبت} وسم الفعل ms4729 بالتاء إشارة إلى هوانهم في جنب هذا المجد ولما كان هؤلاء ~~الأحزاب المذكورون لقوتهم وكثرتهم كأنهم أهل المجد قاطبة قد استغرقوا ~~زمانها ومكانها، أسقط الجار فقال: {قبلهم} . # ولما لم تكن لهم شهرة يعرفون بها قال: {قوم نوح} وأشار # PageV18P414 # إلى عظيم التسلية بأنهم جاءهم منذر منهم، وكانوا في القوة في القيام فيما ~~يحاولونه والكثرة بحيث لا يسع الأفهام جميع أوصافهم، فآذوا رسولهم وطال ~~أذاهم قريبا من عشرة قرون ولما كان آخر أمرهم أنه التقى عليهم الماءان: ماء ~~السماء، وطلع إليهم ماء الأرض فأغرقهم، أتبعهم من طائفتهم قصتهم بأن نزل ~~بهم الماء فأوبقهم لما بين حاليهم من الطباق دلالة على عظيم القدرة والفعل ~~بالاختيار فقال: {وأصحاب الرس} أي البئر التي تقوضت بهم فخسفت مع ما حولها ~~فذهبت بهم وبكل ما لهم كما ذكرت قصتهم في الفرقان. ولما كانت آية قوم صالح ~~من أعظم الدلالات على القدرة على البعث، وكان إهلاكهم مناسبا لإهلاك من ~~قبلهم، أما لأصحاب الرس فكان بالرجفة التي هي على مبدأ الخسف، وأما لقوم ~~نوح فلأن الرجفة تأثرت عن الصيحة التي حملتها الريح التي من شأنها حمل ~~السحاب الحامل للماء، أتبعهم بهم، وكانوا أصحاب بئر ولم يخسف بهم فقال: ~~{وثمود *} ولما اتفق قوم هود عليه السلام والقبط بالإهلاك بالريح التي أثرت ~~بها صيحة ثمود، أولئك مع الحجارة والرمل وهؤلاء بالماء الذي فرقه الله ~~بالريح عند ضرب العصي، وكان لكل منهما من ضخامة الملك وعز السلطان ما هو ~~مشهور قدم أشدهما أبدانا وأوسعهما ملكا لأن إهلاكهم كان أدل دليل على ~~القدرة وأقرب شبها بهلاك ثمود فقال: {وعاد} وعطف عليه # PageV18P415 # أقرب الطائفتين شبها بالهلاك بقوم نوح وأصحاب الرس فقال: {وفرعون} نص ~~عليه لأنه ليس في مادة هذا الغرق كافر غيره، والنص عليه يفهم غيره، وما ~~تقدم في غير هذه السورة غير مرة من وصفه بأنه ملك قاهر وأنه استخفهم ~~فأطاعوه فيعلم كفرهم طاعة له، وأنه ليوافق ما قبله وما بعده. ولما كان ~~السياق للعزة والشقاق، فلم يدع داع إلى إثبات ذي الأوتاد. ms4730 # ولما كان هلاك المؤتفكات جامعا في الشبهة بهلاك جميع من تقدم بالخسف ~~وغمرة الماء بعد القلب في الهواء، أتبعهم بهم معبرا عنهم بأخصر من تسميه ~~قبائلهم أو مدنهم لأنها عدة مدن، وعبر بالأخوة دون القوم لأن السياق لتكذيب ~~من هو منهم لأنه أدخل في التسلية فقال: {وإخوان لوط *} أي أصهاره الذين ~~جبروا بينهم وبينه مع المصاهرة بالمناصرة لملوكهم ورعاياهم على من ناواهم ~~بنفسه وعمه إبراهيم عليهما السلام كما مضى بيانه في البقرة ما صار كالأخوة، ~~ومع ذلك عاملوه بما اشتق من لفظ هذا الجمع من الجناية له ولأنفسهم وغيرهم. # ولما كان الشجر مظنة الهواء البارد والروح، وكان أصحابه قد عذبوا بضد ذلك ~~قال: {وأصحاب الأيكة} لمشاركتهم لهم في العذاب بالنار، وأولئك بحجارة ~~الكبريت النازلة من العلو وهؤلاء بالنار النازلة من ظلمة السحاب، وعبر عنهم ~~بالواحدة والمراد الغيضة إشارة إلى أنها # PageV18P416 # من شدة التفافها كالشجرة الواحدة. ولما كان {تبع} مع كونه من قومه ملكا ~~قاهرا، وخالفوه مع ذلك، وكان لقومه نار في بلادهم يتحاكمون إليها فتأكل ~~الظالم، ختم بهم فقال: {وقوم تبع} مع كونه مالكا، وهو يدعوهم إلى الله، فلا ~~يظن أن التكذيب مخصوص بمن كان قويا لمن كان مستضعفا، بل هو واقع بمن شئنا ~~من قوي وضعيف، لا يخرج شيء عن مرادنا. # ولما لم يكن هنا ما يقتضي التأكيد مما مر بيانه في ص قال معريا منه: {كل} ~~أي من هذه الفرق {كذب الرسل} أي كلهم بتكذيب رسولهم، فإن الكل متساوون فيما ~~يوجب الإيمان من إظهار العجز والدعاء إلى الله {فحق} فتسبب عن تكذيبهم لهم ~~أنه ثبت عليهم ووجب {وعيد} أي أي الذي كانوا يكذبون به عند إنذارهم لهم ~~إياه، فعجلنا لهم منه في الدنيا ما حكمنا به عليهم في الأزل فأهلكناهم ~~إهلاكا عاما كإهلاك نفس واحدة على أنحاء مختلفة كما هو مشهور عند من له ~~بأمثاله عناية وأتبعناه ما هو في البرزخ وأخرنا ما هو في القيامة إلى ~~البعث، بإهلاكنا لهم على تنائي ديارهم وتباعد أعصارهم وكثرة أعدادهم أن ms4731 لنا ~~الإحاطة البالغة فتسل بإخوانك المرسلين وتأس بهم، ولتحذر قومك ما حل بمن ~~كذبهم إن أصروا. # ولما ذكر سبحانه التسلية بتكذيب هذه الأحزاب بعد ذكر # PageV18P417 # تكذيب قريش وإقامة الأدلة القاطعة على ما كذبوا به وبطلان تكذيبهم، وختم ~~بحقوق الوعيد الذي شوهدت أوائله بإهلاكهم، فثبت صدق الرسل وثبتت القدرة على ~~كل ما يريد سبحانه بهذا الخلق من الإيجاد والإعدام أنكر عليهم التكذيب ~~ووبخهم عليه تقريرا لحقوق الوعيد، فقال مسببا عن تكذيبهم بعد ما ذكر أنه ~~خلق جميع الوجود: {أفعيينا بالخلق} أي حصل لنا على ما لنا من العظمة ~~الإعياء، وهو العجز بسبب الخلق في شيء من إيجاده وإعدامه {الأول} أي من ~~السماوات والأرض وما بينهما حين ابتدأناه اختراعا من العدم، ومن خلق ~~الإنسان وسائر الحيوان مجددا، ثم في كل أوان من الأطوار المشاهدة على هذه ~~التدريجات المعتادة بعد أن خلقنا أصله على ذلك الوجه مما ليس له أصل في ~~الحياة، وفي إعدامه بعد خلقه جملة كهذه الأمم أو تدريجا كغيرهم ليظنوا بسبب ~~العجز بالخلق الأول الذي هو أصعب في مجاري العادات من الإعادة أن نعجز عن ~~الإعادة ثانيا، يقال: عيي بالأمر - إذا لم يهتد لأمره أو لوجه مراده أو عجز ~~عنه، ولم يطق إحكامه. # ولما كان التقدير قطعا بما دلت عليه همزة الإنكار: لم نعي بذلك بل ~~أوجدناه على غاية الإحكام للظرف والمظروف وهم يعلمون ذلك ولا ينكرونه ~~ويقرون بتمام القدرة عليه، وفي طيه الاعتراف # PageV18P418 # بالبعث وهم لا يشعرون أضرب عنه لقولهم الذي يخل باعتقادهم إياه فقال: {بل ~~هم في لبس} أي خلط شديد وشبهة موجبة للتكلم بكلام مختلط لا يعقل له معنى، ~~بل السكوت عنه أجمل، قال علي رضي الله عنه: يا جار، إنه لملبوس عليك، اعرف ~~بالحق تعرف أهله. ولبس الشيطان عليهم تسويله لهم أن البعث خارج عن العادة ~~فتركوا لذلك القياس الصحيح والحكم بطريقة الأولى {من} أجل {خلق جديد *} أي ~~الإعادة. ولما ذكر خلق الخافقين، أتبعه خلق ما هو جامع لجميع ما هو فيها ~~فقال: {ولقد} أي والحال ms4732 أنا قد {خلقنا} بما لنا من العظمة {الانسان} وهو ~~أعجب خلقا وأجمع من جميع ما مضى ذكره بما فيه من الأنس والطغيان، والذكر ~~والنسيان، والجهل والعرفان، والطاعة والعصيان، وغير ذلك من عجيب الشأن، ~~ووكلنا به من جنودنا من يحفظه فيضبط حركاته وسكناته وجميع أحواله {ونعلم} ~~أي والحال أننا نعلم بما لنا من الإحاطة {ما توسوس} أي تكلم على وجه ~~الخفاء، {به} الآن وفيما بعد ذلك مما لم ينقدح بعد من خزائن الغيب إلى سر ~~النفس كما علمنا ما تكلم {نفسه} وهي الخواطر التي تعترض له حتى أنه هو ربما ~~عجز عن ضبطها، فنحن نعلم أن قلوبهم عالمة بقدرتنا على أكمل ما نريد وبصحة ~~القرآن وإعجازه وصدق الرسول به صلى الله عليه وسلم وامتيازه، وإنما حملهم ~~الحسد والنفاسة والكبر # PageV18P419 # والرئاسة على الإنكار باللسان حتى صار ذلك لهم خلقا وتمادوا فيه حتى غطى ~~على عقولهم، فصاروا في لبس محيط بهم من جميع الجوانب. # ولما كان العالم بالشيء كلما كان قريبا منه كان علمه به أثبت وأمكن، قال ~~ممثلا لعلمه ومصورا له بما نعلم أنه موجبه: {ونحن} بما لنا من العظمة {أقرب ~~إليه} قرب علم وشهود من غير مسافة {من حبل الوريد *} لأن أبعاضه وأجزاءه ~~تحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله شيء، والمراد به الجنس، والوريدان ~~عرقان كالحبلين مكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها متصلات من الرأس إلى الوتين ~~وهو عرق القلب، وهذا مثل في فرط القرب، وإضافته مثل مسجد الجامع، وقد مضى ~~في تفسير سورة المائدة عند قوله {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] ما ~~ينفع هنا، قال القشيري: وفي هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم، وروح وأنس ~~وسكون قلب لقوم. # PageV18P420 # ولما كان سبحانه قد وكل بنا حفظة تحفظ أعمالنا وتضبط أقوالنا وأحوالنا، ~~فكان المعروف لنا أن سبب الاستحفاظ خوف الغفلة والنسيان، قدم سبحانه ~~الإخبار بكمال علمه فأمن ذلك المحذور، علق بأقرب أو نعلم # PageV18P420 # قوله تأكيدا لما علم من إحاطة علمه من عدم حاجته، وتخويفا بما هو أقرب ~~إلى مألوفتنا {إذ} أي حين ms4733 {يتلقى} أي بغاية الاجتهاد والمراقبة والمراعاة ~~من كل إنسان خلقناه وأبرزناه إلى هذا الوجود {المتلقيان} وما أدراك ما هما؟ ~~ملكان عظيمان حال كونهما {عن اليمين} لكل إنسان قعيد منهما {وعن الشمال} ~~كذلك {قعيد *} أي رصد وحبس مقاعد لذلك الإنسان بأبلغ المقاعدة ونحن أقرب ~~منهما وأعلم علما، وإنما استحفظناهما لإقامة الحجة بهما على مجاري عاداتكم ~~وغير ذلك من الحكم. # ولما كانت الأفعال اللسانية والقلبية والبدنية ناشئة عن كلام النفس، فكان ~~الكلام جامعا، قال مبينا لإحاطة علمه بإحاطة من أقامه لحفظ هذا الخلق ~~الجامع في جواب من كأنه قال: ما يفعل المتلقيان: {ما يلفظ} أي يرمي ويخرج ~~المكلف من فيه، وعم في النفي بقوله: {من قول} أي مما تقدم النهي عنه في ~~الحجرات من الغيبة وما قبلها وغير ذلك قل أو جل {إلا لديه} أي الإنسان أو ~~القول على هيئة من القدرة والعظمة هي من أغرب المستغرب {رقيب} من حفظتنا ~~شديد المراعاة له في كل من أحواله {عتيد *} أي حاضر مراقب غير غافل بوجه، ~~روى البغوي بسنده من طريق الثعلبي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «كاتب الحسنات على يمين # PageV18P421 # الرجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمير على كاتب ~~السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة قال صاحب ~~اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر» . # ولما كان مثل إرسال الخافقين ثم الموت ثم النفخ بإرسال الملك في الدنيا ~~إلى الناس لعرضهم فيصير الإنسان منهم ساعيا في التزين للملك بما يعجبه في ~~مقصود ذلك العرض في الأجل الذي ضربه لهم، فإذا جاء ذلك الوقت الذي هو ~~كالموت أخذته الرسل فباءوا به كما يفعل حال الموت بالميت ومن أحضروه منهم ~~حبسوه على باب الملك لتكامل المعروضين، فإذا كمل جمعهم وأمر بقيامهم للعرض ~~زعق لهم المنادي بالبوق الذي يسمى النفير وهو كالصور، فلهذا قال تعالى ~~مبينا لإحاطة قدرته بجميع خلقه عاطفا على ما تقديره: فاضطرب ذلك الإنسان ~~الموكل ms4734 به في الوقت المأمور بالتردد فيه بما يرضي الله بالقول والفعل على ~~حسب إرادته سبحانه سواء كان موافقا للأمر أو مخالفا إلى أن أوان الرحيل ~~معبرا بالماضي تنبيها على أن الموت مع أنه لا بد منه قريب جدا: {وجاءت} أي ~~أتت وحضرت {سكرة الموت} أي حالته عند النزع وشدته وغمرته، يصير الميت بها ~~كالسكران، لا يعي وتخرج بها أحواله وأفعاله وأقواله عن قانون الاعتدال، ~~ومجيئا متلبسا # PageV18P422 # {بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا حيلة في الاحتراس منه من ~~بطلان الحواس وكشف الغطاء عن أحوال البرزخ من فتنة السؤال وضيق المجال أو ~~سعة الحال، وقيل للميت بلسان الحال إن لم يكن بلسان القال: {ذلك} أي هذا ~~الأمر العظيم العالي الرتبة الذي يحق لكل أحد الاعتداد له بغاية الجد {ما} ~~أي الأمر الذي {كنت} جبلة وطبعا. # ولما كانت نفرته منه وهربه من وقوعه بحفظ الصحة ودواء الأداء في الغاية، ~~كان كأنه لا ينفر إلا منه، فأشار إلى ذلك بتقديم الجار فقال: {منه تحيد *} ~~أي تميل وتنفر وتروع وتهرب. # PageV18P423 # ولما كان التقدير: فأخذ ذلك الإنسان بالقهر من بين الأهل والإخوان، ~~والعشائر والجيران، وضم إلى عسكر الموتى وهم بالبرزخ نزول، ولانتظار بقيتهم ~~حلول، ولم يزالوا كذلك حتى تكامل القادمون عليهم الواصلون إليهم، عطف عليه ~~قوله مبنيا لإحاطة من عامل الملكوت والعز والجبروت: {ونفخ} أي بأدنى إشارة ~~وأيسر أمر {في الصور} وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام للموت ~~العام والبعث العام عند التكامل، وانقطاع أوان التعامل، وهو بحيث لا يعلم ~~قدر عظمه واتساعه إلا الله تعالى، وهو عليه الصلاة والسلام التقم الصور من ~~حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر، ~~فيا لها من عظمة ما أغفلنا عنها، # PageV18P423 # وأنسانا لها، وآمننا منها، والمراد بهذه نفخة البعث. # ولما كان ذلك الأثر عن النفس هو سر الوجود، وأشار إلى عظمته بقوله: {ذلك} ~~أي الوقت الكبير العظيم الأهوال والزلازل والأوجال {يوم الوعيد *} أي الذي ~~يقع فيه ما وقع الإيعاد ms4735 به. # ولما كان التقدير: فكان من تلك النفخة صيحة هائلة ورجة شاملة، فقال الناس ~~عامة من قبورهم، وحصل ما في صدورهم، عطف عليه قوله بيانا لإحاطة العرض: ~~{وجاءت كل نفس} أي مكلفة كائنا {معها سائق} يسوقها إلى ماهي كارهة للغاية ~~لعلمه بما قدمت من النقائص {وشهيد *} يشهد عليها بما عملت، والظاهر من هذا ~~أن السائق لا تعلق له بالشهادة أصلا، لئلا تقول تلك النفس: إنه خصم، والخصم ~~لا تقبل شهادته، ويقال حينئذ للمفرط في الأعمال في أسلوب التأكيد جريا على ~~ما كان يستحقه إنكاره في الدنيا، وتنبيها على أنه لعظمه مما يحق تأكيده: ~~{لقد كنت} أي كونا كأنه جبلة لك {في غفلة} أي عظيمة محيطة بك ناشئة لك {من ~~هذا} أي من تصور هذا اليوم على ما هو عليه من انقطاع الأسباب، والجزاء ~~بالثواب أو العقاب لأنه على شدة جلائه خفي على من اتبع الشهوات {فكشفنا} ~~بعظمتنا بالموت ثم بالعبث {عنك غطاءك} الذي كان # PageV18P424 # يحجبك عن رؤيته من الغفلة بالآمال في الجاه والأموال وسائر الحظوظ ~~والشهوات، تحقيقا لما له سبحانه من الإحاطة بالتقدير والتعجيز، وعن ~~الواسطي: من كشف عنه غطاء الغفلة أبصر الأشياء كلها في أسر القدرة وانكشف ~~له حقائق الأشياء بأسرها، وهذا عبارة عن العلم بأحوال القيامة. # ولما تسبب عن هذا الكشف الانكشاف التام، عبر عنه بقوله: {فبصرك اليوم} أي ~~بعد البعث {حديد *} أي في غاية الحدة والنفوذ، فلذا تقر بما كنت تنكر. # ولما أخبر أخبر تعالى بما تقوله له الملائكة أو من أراد من جنوده، وكان ~~قد أخبر أن معبوداتهم من الأصنام والشياطين وغيرها تكون عليهم يوم القيامة ~~ضدا، أخبر بما يقول القرين من السائق والشهيد والشيطان الذي تقدم حديثه في ~~الزخرف، فقال عاطفا على القول المقدر قبل «لقد» معبرا بصيغة المضي تأكيدا ~~لمضمونه وتحقيقا: {وقال قرينه} أي الشيطان الذي سلط على إغوائه واستدراجه ~~إلى ما يريد. # نقله الكرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما {هذا} أي الإنسان الذي قرنتني ~~به. ولما كان الأمر في كل من الطائع ms4736 والعاصي في غاية العجب، لأن الطائع ~~ينابذ هواه فيكون ملكيا مجردا من حظوظه ونوازع نفوسه وما بنيت عليه من ~~النقائص والشهوات، والعاصي طوع # PageV18P425 # يدي الشيطان، يصرفه في أغراضه كيف يشاء، فيطيعه بغاية الشهوة مع علمه ~~بعداوته، وأن طاعته لا تكون إلا بمخالفة أمر الله الولي الودود، وكان ~~العاصي أكثر كثرة يكون الطائع فيها بالنسبة إليه كالشعرة البيضاء في جلد ~~الثور الأسود، وكان ذلك منابذا للعقل، أشار إلى هذه المنابذة بأداة من لا ~~يعقل وإلى جميع ما في أمره من العجب بلدي فقال: {ما لدي} أي الأمر الذي ~~عندي من الأمر المستغرب جدا لكون المطيع عصاني، وهو مطبوع على النقائص ~~والحظوظ التي يرى أنها حياته ولذته وراحته، والعاصي أطاعني وهو يعلم بعقله ~~أني شر محض، وترك الخير المحض وهو عالم بأن في ذلك هلاكه {عتيد *} أي حاضر ~~مهيأ لما يراد منه. # ولما كانت العادة جارية بأن من أحضر إليه شيء تبادر إلى أمهر بقوله أو ~~فعل، وصل بذلك ما هو نتيجته، وبدأ بالعاصي لأن المقام له، فقال ما يدل على ~~أنه لا وزن له، فلا وقفة في عذابه بحسابه ولا غيره، مؤكدا خطابا للمؤكد ~~بالإلقاء أو خطابا للسائق والشهيد، أو السائق وحده مثنيا لضميره تثنية ~~للأمر كأنه قال: ألق ألق - تأكيدا له وتهويلا: {ألقيا} أي اطرحا دفعا من ~~غير شفقة، وقيل: بل هو تثنية وأصل ذلك أن الرفقة أدنى ما يكون ثلاثة، فجرى ~~كلام الواحد على صاحبه، ألا ترى أن الشعراء أكثر شيء قيلا: يا صاحبي يا ~~خليلي، والسر فيه إذا كان المخاطب واحدا إفهامه أنه يراد منه الفعل بجد ~~عظيم تكون قوته # PageV18P426 # فيه معادلة لقوة اثنين {في جهنم} أي النار التي تلقى الملقى فيها بما كان ~~يعامل به عباد الله من الكبر والعبوسة والتكره والتعصب. ولما كان المقصود ~~تعليل إلقائه بوصف يعم غيره ليكون لطفا لمن أراد الله عصمته ممن سمع هذا ~~المقال وحجة على من أراد الله إهانته: {كل كفار عنيد *} أي مبالغ في ستر ~~الحق والمعاداة لأهله من ms4737 غير حجة حمية وأنفة نظرا إلى استحسان ما عنده ~~والثبات عليه تجبرا وتكبرا على ما عند غيره ازدراء له كائنا من كان {مناع} ~~أي كثير المنع {للخير} من {مريب *} أي داخل في الريب وهو الشك والتهمة في ~~أمر الدين، وموقع غيره فيه، ثم أبدل من «كل» قوله بيانا لمبالغته في الكفر ~~الذي أوجب له كل شر {الذي جعل} كفرا مضاعفا وعنادا ومنعا للخير الذي يجب ~~عليه في قلبه ولسانه وبدنه، وتجاوزا للحدود دخولا في الشك وإدخالا لغيره ~~فيه {مع الله} أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال، فليس أمره خفيا عن كل ~~ذي عقل {إلها} . # ولما كان ربما تعنت متعنت فنزل الآية على من يدعو الله بغير هذا الاسم ~~الأعظم، صرح بالمراد بقوله: {آخر} وزاد الكلام أنه مأخوذ # PageV18P427 # من التأخر الناظر إلى الرداءة والسقوط عن عين الاعتبار بالكلية. # ولما كان هذا قد جحد الحق الواجب لله لذاته مع قطع النظر عن كل شيء ثم ما ~~يجب له من جهة ربوبيته وإنعامه على كل موجود، ثم من جهة إدامة إحسانه مع ~~المعصية بالحلم، وعاند في ذلك وفي إثباته للغير ما لا يصح له بوجه من ~~الوجوه، سبب عن وصفه قوله: {فألقياه في العذاب} أي الذي يزيل كل عذوبة ~~{الشديد *} . # PageV18P428 # ولما كان القرين قد قال ما تقدم مريدا به - جهلا منه - الخلاص من العذاب ~~بإظهار أنه ليس بأوصاف هذه النفس، بل من كبار المؤمنين، فأجيب مقاله بإلقاء ~~تلك النفس معللا للأمر بإلقائها بما شمل هذا القرين، فتشوف السامع إلى ما ~~يكون من حاله، وكانت العادة جارية أن من تكلم في شخص بما فيه مثله ولا سيما ~~إن كان هو السبب فيه أو كان قد تكلم ذلك الشخص فيه، فكان قياس ذلك يقتضي ~~ولا بد أن تقول تلك النفس القول فيها، وهذا عند الأمر بإلقائها: ربنا هو ~~أطغاني: أجاب تعالى عند هذا التشوف بقوله: {قال قرينه} مناديا بإسقاط ~~الأداة دأب أهل أهل القرب إيهاما أنه منهم: {ربنا} أيها المحسن إلينا أيتها ~~الخلائق كلهم ms4738 {ما أطغيته} أي أوقعته فيما كان فيه من الطغيان، فإنه لا ~~سلطان لي عليه وأنت أعلم بذلك {ولكن كان} بجبلته وطبعه # PageV18P428 # {في ضلال بعيد *} محيط به من جميع جوانبه لا يمكن رجوعه معه، فلذلك كان ~~يبادر إلى كل ما يغضب الله، وإن حركته إليه أن فإنه لا يحتاج إلى أدنى ~~تحريك فيثور له ثورة من هو مجبول مركوز في طباعه. # ولما كان كأنه قيل: بم يجاب عن هذا؟ وهل يقبل منه؟ قيل: لا {قال} أي ~~الملك المحيط علما وقدرة الذي حكم عليهم في الأزل: {لا تختصموا} أي لا ~~توقعوا الخصومة بهذا الجد والاجتهاد {لدي} أي في دار الجزاء بهذه الحضرة ~~التي هي فوق ما كنتم تدركونه من الأخبار عنها بكثير، وأعجب بما يدرك حق ~~الإدراك، فقد أتم انكشاف ما كان يستغربه الخاصة بل خاصة الخاصة، ففات ~~بانكشافها نفع إيمان جديد {وقد} أي والحال أنه قد {قدمت} أي تقدمت، أي أمرت ~~وأوصيت قبل هذا الوقت موصلا ومنهيا {إليكم} أي كل ما ينبغي تقديمه حتى لم ~~يبق لبس ولا تركت لأحد حجة بوجه، وجعلت ذلك رفقا بكم ملتبسا {بالوعيد *} أي ~~التهديد وهو التخويف العظيم على جميع ما ارتكبتموه من الكفران والعدوان في ~~الوقت الذي كانت فيه هذه الحضرة التي هي غيب الغيب ومستورة بستائر الكبرياء ~~والعظمة وبل كان ما دونها من الغيب مستورا، فكان الإيمان به نافعا. # ولما كانت الأوقات كلها عنده سبحانه حاضرة، عبر سبحانه في تعليل ذلك ب ~~«ما» التي للحاضر دون «لا» التي للمستقبل فقال: {ما يبدل} أي يغير من مغير ~~ما كان من كان بوجه من الوجوه بحيث يجعل # PageV18P429 # له بدل فيكون فيه خلف {القول لدي} أي الواصل إليكم من حضرتي التي لا يحاط ~~بأمر غرابتها بأن من أشرك بي لا أغفر له وأغفر ما دون ذلك لمن أشاء، والعفو ~~عن بعض المذنبين ليس تبديلا لأن دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد، وأنه ~~مشروط بشرائط {وما أنا} وأكد النفي فقال: {بظلام} أي بذي ظلم {للعبيد *} لا ~~القرين ولا ms4739 من أطغاه ولا غيرهم، فأعذب من لا يستحق أو أعفو عمن قلت: إني لا ~~أغفر له وأمرت جندي فعادوه في، ولو عفوت عنه كنت مع تبديل القول قد سؤتهم ~~بإكرام من عادوه في ليس إلا. # ولما كان هذا التقاول مما يهول أمره ويقلع القلوب ذكره، صور وقته بصورة ~~تزيد في ذلك الهول، وينقطع دون وصفها القول، ولا يطمع في الخلاص منها بقوة ~~ولا حول، فقال ما معناه: يكون هذا كله {يوم} ولما كان المقصود الإعلام بأن ~~النار كبيرة مع ضيقها، فهي تسع من الخلائق ما لا يقع تحت حصر، وأنها مع ~~كراهتها لمن يصلاها وتجهمها لهم تحب تهافتهم فيها وجلبهم إليها عبر عنه على ~~طريق الكناية بقوله: {نقول} أي على ما لنا من العظمة التي لا يسوغ لشيء أن ~~يخفى عنها {لجهنم} دار العذاب مع الكراهة والعبوسة والتجهم إظهارا للهول ~~بتصوير الأمر المهدد به، وتقريع الكفار، وتنبيه من يسمع # PageV18P430 # هذا الخبر عن هذا السؤال من الغفلة: {هل امتلأت} فصدق قولنا {لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين} [هود: 119] وذلك بعد أن يلقى فيها من الخلائق ما ~~لا يحيط به الوصف، فتقول: لا، {وتقول} طاعة لله ومحبة في عذاب أعدائه ~~وإخبارا بأنها لم تمتلىء لأن النار من شأنها أنها كلما زيدت حطبا زادت ~~لهبا: {هل من مزيد *} أي زيادة أو شيء من العصاة إزادة، سواء كان كثيرا أو ~~قليلا، فإني أسع ما يؤتى به إلي ولا تزال كذلك كما ورد في الحديث «لا تزال ~~جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع الجبار فيها قدمه» أي يضربها من ~~جبروته بسوط إهانة فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط وعزتك، ثم يستمرون ~~بين دولتي الحر والزمهرير، وقد جعل الله سبحانه لذلك آية في هذه الدار ~~باختلاف الزمان في الحر والبرد، فإذا أفرط الحر جاءت رحمته تعالى بالبرد ~~وبالماء من السماء فامتزجا معا فكان التوسط، وإذا أفرط البرد جاءت رحمته ~~بالحر بواسطة الشمس، فامتزج الموجدان، فكان له توسط، وكل ذلك له دوائر ~~موزونة ms4740 بأقساط مقسطة معلومة بتقدير العزيز العليم - ذكر ذلك ابن برجان. # ولما ذكر النار وقدمها لأن المقام للإنذار، أتبعها دار الأبرار، فقال ~~سارا لهم بإسقاط مؤنة السير وطي شقة البعد: {وأزلفت} أي قربت بأيسر أمر مع ~~الدرجات والحياض الممتلئة {الجنة للمتقين} أي العريقين في هذا الوصف، فإذا ~~رأوها تسابقوا إليها وتركوا ما كانوا فيه من # PageV18P431 # الموقف من منابر النور وكثبان المسك ونحو هذا، وأما غيرهم من أهل الإيمان ~~فقد يكون لهم على غير هذا الوصف، فيساق إليها الذين اتقوا كما مضى في ~~الزمر. # ولما كان القرب أمرا نسبيا أكده بقوله: {غير بعيد *} أي إزلافا لا يصح ~~وصفه ببعد. # ولما كان التقريب قد لا يدري الناظر ما سببه، قال سارا لهم: {هذا} أي ~~الإزلاف والذي ترونه من كل ما يسركم {ما} أي الأمر الذي {توعدون} أي وقع ~~الوعد لكم به في الدنيا، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية، وعبر عن ~~الإزلاف بالماضي تحقيقا لأمره وتصويرا لحضوره الآن ليكون المضارع من الوعد ~~في أحكم مواضعه، وأبهم الأمر لأنه أكثر تشويقا، والتعيين بعد الإبهام ألذ، ~~فلذلك قال بيانا للمتقين، معيدا للجار لما وقع بينه وبين المبدل منه من ~~الجملة الاعتراضية جوابا لمن كأنه قال: لمن هذا الوعد؟ فقال تعالى: {لكل ~~أواب} أي رجاع إلى الاستقامة بتقوى القلب إن حصل في ظاهره عوج، فنبه بذلك ~~على أنه من فضله لم يشترط في صحة وصفه بالتقوى دوام الاستقامة {حفيظ} أي ~~مبالغ في حفظ الحدود وسار العهود بدوام الاستقامة والرجوع بعد الزلة، ثم ~~أبدل من «كل» تتميما لبيان المتقين قوله: {من خشي} ولم يعد الجار لأنه لا ~~اعتراض قبله كالأول، ونبه على كثرة خشيته بقوله: {الرحمن} لأنه إذا خاف مع ~~استحضار الرحمة العامة للمطيع والعاصي كان خوفه مع استحضار غيرها أولى، ~~وقال القشيري: التعبير بذلك # PageV18P432 # للإشارة إلى أنها خشية تكون مقرونة بالأنس يعني الرجاء كما هو المشروع، ~~قال: ولذلك لم يقل {الجبار} أو {القهار} قال: ويقال: الخشية ألطف من الخوف، ~~فكأنها قريبة من الهيبة {بالغيب} أي مصاحبا له ms4741 من غير أن يطلب آية أو أمرا ~~يصير به إلى حد المكاشفة، بل استغنى بالبراهين القاطعة التي منها أنه ~~مربوب، فلا بد له من رب، وهو أيضا بيان لبليغ خشيته. # ولما كان النافع من الطاعة الدائم إلى الموت، قال: {وجاء} أي بعد الموت ~~{بقلب منيب *} أي راجع إلى الله تعالى بوازع العلم، ولم يقل: بنفس، لطفا ~~بالعصاة لأنهم وإن قصرت نفوسهم لم يكن لها صدق القدم فلهم الأسف بقلوبهم، ~~وصدق الندم. # PageV18P433 # ولما كان الإخبار بكونها لهم وإن كان أمرا سارا لا يقتضي دخولها في ذلك ~~الوقت، زاد سرورهم بالإذن بقوله معبرا بضمير الجميع بيانا لأن المراد من ~~«من» جميع المتقين: {ادخلوها} أي يقال لهم: ادخلوا الجنة. ولما كان المراد ~~استقبالهم بالإلذاذ بالبشارة قال: {بسلام} أي مصاحبين للسلامة من كل يمكن ~~أن يخاف، فأنتج ذلك قوله إنهاء للسرور إلى غاية لا توصف: {ذلك} أي اليوم ~~العظيم جدا {يوم} ابتداء أو تقرير {الخلود *} أي الإقامة التي لا آخر لها ~~ولا نفاذ لشيء من لذاتها أصلا، ولذلك وصل به قوله جوابا لمن كأنه قال: على ~~أي وجه خلودهم؟ : {لهم} بظواهرهم وبواطنهم {ما يشاؤون} أي يتجدد # PageV18P433 # مشيئتهم أو تمكن مشيئتهم له {فيها} أي الجنة {ولدينا} أي عندنا من الأمور ~~التي في غاية الغرابة عندهم وإن كان كل ما عندهم مستغربا {مزيد *} أي مما ~~لا يدخل تحت أوهامهم يشاؤه، فإن سياق الامتنان يدل على أن تنوينه للتعظيم، ~~والتعبير بلدى يؤكد ذلك تأكيدا يناسبها بأن يكونوا كل لحظة في زيادة على ~~أمانيهم عكس ما كانوا في الدنيا، وبذلك تزداد علومهم، فمقدورات الله لا ~~تنحصر، لأن معلوماته لا تنتهي. # ولما ذكر سبحانه أول السورة تكذيبهم بالقدرة على اعترافهم بما يكذبهم في ~~ذلك التكذيب، ثم سلى وهدد بتكذيب الأمم السابقة، وذكر قدرته عليهم، وأتبعه ~~الدلالة على كمال قدرته إلى أن ختم بالإشارة إلى أن قدرته لا نهاية لها، ~~ولا تحصر بحد ولا تحصى بعد، ردا على أهل العناد وبدعة الاتحاد في قولهم ~~«ليس في الإمكان أبدع مما كان» ms4742 عطف على ما قدرته بعد {فحق وعيد} من إهلاك ~~تلك الأمم مما هو أعم منه بشموله جميع الزمان الماضي وأدل على شمول القدرة، ~~فقال: {وكم أهلكنا} أي بما لنا من العظمة. ولما كان المراد تعميم الإهلاك ~~في جميع الأزمان لجميع الأمم، نزع الجار بيانا لإحاطة القدرة فقال: {قبلهم} ~~وزاد في دلالة التعميم فأثبته في قوله: {من قرن} أي جيل هم في غاية القوة، ~~وزاد في بيان القوة فقال: # PageV18P434 # {هم} أي أولئك القرون بظواهرهم وبواطنهم {أشد منهم} أي من قريش {بطشا} أي ~~قوة وأخذا لما يريدونه بالعنف والسطوة والشدة، وحذف الجار هنا يدل على أن ~~كل من كان قبل قريش كانوا أقوى منهم، وإثباته في ص يدل على أن المذكورين ~~بالإهلاك هناك مع الاتصاف بالنداء المذكور بعض المهلكين لا كلهم. ولما أخبر ~~سبحانه بأشديتهم سبب عنه قوله: {فنقبوا} أي أوقعوا النقب {في البلاد} بأن ~~فتحو فيها الأبواب الحسية والمعنوية وخرقوا في أرجائها ما لم يقدر غيرهم ~~عليه وبالغوا في السير في النقاب، وهي طرق الجبال والطرق الضيقة فضلا عن ~~الواسعة وما في السهول، بعقولهم الواسعة وآرائهم النافذة وطبائعهم القوية، ~~وبحثوا مع ذلك عن الأخبار، وأخبروا غيرهم بما لم يصل إليهم، وكان كل منهم ~~نقابا في ذلك أي علامة فيه فصارت له به مناقب أو مفاخر. # ولما كان التقدير: ولم يسلموا مع كثربة تنقيبهم وشدته من إهلاكنا بغوائل ~~الزمان ونوازل الحدثان، توجه سؤال كل سامع على ما في ذلك من العجائب والشدة ~~والهول والمخاوف سؤال تنبيه للذاهل الغافل، وتقريع وتبكيت للمعاند الجاهل، ~~بقوله: {هل من محيص *} أي معدل ومحيد ومهرب وإن دق، من قضائنا ليكون لهؤلاء ~~وجه ما في رد أمرنا. # ولما ذكرنا هنا من المواعظ ما أرقص الجماد، فكيف بمن يدعي أنه من رؤوس ~~النقاد، أنتج قوله مؤكدا لأجل إنكار الجاحد وعناد المعاند: # PageV18P435 # {إن في ذلك} أي الأمر البديع من العظات التي صرفناها هنا على ما ترون من ~~الأساليب العجيبة والطرق الغريبة في الإهلاك وغيره {لذكرى} أي تذكيرا عظيما ~~جدا. ولما ms4743 كان المتذكر بمصارع المهلكين تارة بأن يكون حاضرا فيرى مصارعهم ~~حال الإيقاع بهم أو يرى آثارهم بعد ذلك، وتارة يخبر عنها، قال بادئا ~~بالرائي لأنه أجدر بالتذكير: {لمن كان} أي كونا عظيما {له قلب} هو في غاية ~~العظمة والنورانية إن رأى شيئا من ذلك فهو بحيث يفهم ما يراه ويعتز به، ومن ~~لم يكن كذلك فلا قلب له لأن قلبه لما كان غير نافع كان عدما. # ولما كان قد بدأ بالناظر لأنه أولى بالاعتبار وأقرب إلى الادكار، ثنى بمن ~~نقلت إليه الأخبار فقال: {أو ألقى} أي إلقاء عظيما بغاية إصغائه حتى كأنه ~~يرمي بشيء ثقيل من علو إلى سفل {السمع} أي الكامل الذي قد جرده عن الشواغل ~~من الحظوظ وغيرها إذا سمع ما غاب عنه {وهو} أي والحال أنه في حال إلقائه ~~{شهيد *} أي حاضر بكليته، فهو في غاية ما يكون من تصويب الفكر وجمع الخاطر، ~~فلا يغيب عنه شيء مما تلي عليه وألقي إليه، فيتذكر بما ذكرناه به عن قدرتنا ~~من الجزئيات ما أنتجه من القدرة على كل شيء، ورأى مجد القرآن فعلم أنه كلام ~~الله فسمعه منه فصدق الرسول، وقبل كل ما يخبر به، ومن سمع شيئا ولم يحضر له ~~ذهنه فهو غائب، فالأول العالم بالقوة وهو المجبول # PageV18P436 # على الاستعداد الكامل فهو بحيث لا يحتاج إلى غير التدبر لما عنده من ~~الكمال المهيأ بفهم ما يذكر به القرآن، والثاني القاصر بما عنده من كثافة ~~الطبع فهو بحيث يحتاج إلى التعليم فيتذكر بشرط أن يقبل بكليته، ويزيل ~~الموانع كلها، فلذلك حسن جدا موقع «أو» المقسمة وعلم منه عظيم شرف القرآن ~~في أنه مبشر للكامل والناقص، ليس منه مانع غير الإعراض. # PageV18P437 # ولما دل على تمام علمه وشمول قدرته بخلق الإنسان إثر ما ذكره من جميع ~~الأكوان، ثم بإعدامه لأصناف الإنسان في كل زمان، ذكر بخلق ما أكبر منه في ~~المقدار والإنسان بعضه على وجه آخر، فقال عاطفا على {ولقد خلقنا الانسان} ~~وأكد تنبيها لمنكري البعث وتبكيتا، وافتتحه بحرف التوقع لأن ms4744 من ذكر بخلق ~~شيء توقع الإخبار عما هو أكبر منه: {ولقد خلقنا} أي بما لنا من العظمة التي ~~لا يقدر قدرها ولا يطاق حصرها {السماوات والأرض} على ما هما عليه من الكبر ~~وكثرة المنافع {وما بينهما} من الأمور التي لا ينتظم الأمر على قاعدة ~~الأسباب والمسببات بدونها {في ستة أيام} الأرض في يومين، ومنافعها في ~~يومين، والسماوات في يومين، ولو شاء لكان ذلك في أقل من لمح البصر، ولكنه ~~سن لنا التأني بذلك {وما مسنا} لأجل ما لنا من # PageV18P437 # العظمة {من لغوب *} أي إعياء فإنه لو كان لاقتضى ضعفا فاقتضى فسادا، فكان ~~من ذلك شيء على غير ما أردناه، فكان تصرفنا فيه غير تصرفنا في الباقي، ~~وأنتم تشاهدون الأمر في الكل على حد سواء من نفوذ الأمر وتمام التصرف، من ~~اللغب وهو الإعياء، والريش اللغاب وهو الفاسد. # ولما دل سبحانه على شمول العلم وإحاطة القدرة، وكشف فيهما الأمر أتم كشف، ~~كان علم الحبيب القادر بما يفعل العدو أعظم نذارة للعدو وبشارة للولي، سبب ~~عن ذلك قوله: {فاصبر على ما} أي جميع الذي {يقولون} أي الكفرة وغيرهم. ولما ~~كانت أقوالهم لا تليق بالجناب الأقدس، أمر سبحانه بما يفيد أن ذلك بإرادته ~~وأنه موجب لتنزيهه، وكماله، لأنه قهر قائله على قوله، ولو كان الأمر بإرادة ~~ذلك القائل استقلالا لكان ذلك في غاية البعد عنه، لأنه موجب للهلاك، فقال: ~~{وسبح} أي أوقع التنزيه عن كل شائبة نقص متلبسا {بحمد ربك} أي بإثبات ~~الإحاطة بجميع صفات الكمال للسيد المدبر المحسن إليك بجميع هذه البراهين ~~التي خصك بها تفضيلا لك على جميع الخلق في جميع ما {قبل طلوع الشمس} بصلاة ~~الصبح، وما يليق به من التسبيح غيرها {وقبل الغروب} بصلاة العصر والظهر ~~كذلك فالعصر أصل لذلك الوقت والظهر تبع لها. # ولما ذكر ما هو أدل على الحب في المعبود لأنه وقت الانتشار # PageV18P438 # إلى الأمور الضرورية التي بها القوام والرجوع لقصد الراحة الجسدية بالأكل ~~والشرب واللعب والاجتماع بعد الانتشار والانضمام مع ما في الوقتين من ~~الدلالة ms4745 الظاهرة على طي الخلق ثم نشرهم، أتبعه ما يكون وقت السكون المراد ~~به الراحة بلذيذ الاضطجاع والمنام فقال: {ومن الليل} أي في بعض أقواته ~~{فسبحه} بصلاتي المغرب والعشاء وقيام الليل لأن الليل وقت الخلوات وهي ألذ ~~المناجاة. # ولما ذكر الفرائض التي لا مندوحة عنها على وجه يشمل النوافل من الصلاة ~~وغيرها، أتبعها النوافل المقيدة بها فقال: {وأدبار السجود *} أي الذي هو ~~أكل بابه وهو صلاة الفرض بما يصلى بعدها من الرواتب والتسبيح بالقول أيضا، ~~قال الرازي: واعلم أن ثواب الكلمات بقدرة صدورها عن جنان المعرفة والحكمة ~~وأن تكون عين قلبه تدور دوران لسانه ويلاحظ حقائقها ومعانيها، فالتسبيح ~~تنزيه من كل ما يتصور في الوهم أو يرتسم في الخيال أو ينطبع في الحواس أو ~~يدور في الهواجس، والحمد يكشف عن المنة وصنع الصنائع وأنه المتفرد بالنعم. ~~انتهى. ومعناه أن هذا الحمد هو الحقيقة، فإذا انطبقت في الجنان قامت ~~باللسان، وتصورت بالأركان، وحمل على الصلاة لأنها أفضل العبادات، وهي جامعة ~~بما فيها من الأقوال والأفعال لوجهي الذكر: التنزيه والتحميد، وهاتان ~~الصلاتان المصدر بهما أفضل الصلوات فهما أعظم ما وقع # PageV18P439 # التسبيح بالحمد، والمعنى. والله أعلم. أن الاشتغال استمطار من المحمود ~~المسبح للنصر على المكذبين، وأن الصلاة أعظم ترياق للنصر وإزالة الهم، ~~ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. # ولما سلاه سبحانه عما يسمع منهم من التكذيب وغيره من الأذى بالإقبال على ~~علي حضرته والانتظار لنصرته، أتبعه تعزية الإشارة فيها أظهر بما صوره يوم ~~مصيبتهم وقربه حتى أنه يسمع في وقت نزول هذه الآية ما فيه لهم من المثلات ~~وقوارع المصيبات، تحذيرا لهم وبشرى لأوليائه بتمام تأييده عليهم ونصره لهم ~~في الدنيا والآخرة فقال: {واستمع} أي اسمع بتعمدك للسمع بغاية جهدك بإصغاء ~~سمعك وإقبال قلبك بعد تسبيحك بالحمد ما يقال لهم {يوم يناد المناد} لهم في ~~الدنيا يوم بدر أول الأيام التي أظهر الله فيها لأوليائه مجده بالانتقام من ~~أعدائه، وفي الآخرة يوم القيامة في صورة النفخة الثانية ms4746 وما بعده. # ولما كان المراد إظهار العظمة بتصوير تمام القدرة، وكان ذلك يتحقق بإسماع ~~البعيد من محل المنادي كما يسمع القريب سواء، وكان القرب ملزوما للسماع، ~~قال مصورا لذلك: {من مكان} هو صخرة بيت المقدس {قريب} أي يسمع الصوت من بعد ~~كما يسمعه من قرب، يكونون في البقاع سواء لا تفاوت بينهم أصلا. # ولما عظم هذا المقام بما كساه من ثوب الإجمال أبدل منه إيضاحا # PageV18P440 # وزيادة في التعظيم قوله: {يوم يسمعون} أي الذين ينادون {الصيحة} أي صيحة ~~أصمتهم المستنفر لهم إلى بدر في الدنيا، فكانت صيحة قاضية بصممهم عن جميع ~~تصرفاتهم، وصيحة النفخة الثانية في الصورة في الآخرة فهما نفختا حشر إلى ~~القضاء بين المحق والمبطل {بالحق} أي لأمر الثابت الذي كانوا يسمونه سحرا، ~~ويعدونه خيالا، فيعلمون حينئذ أن الواقع قد يطابقه، فكان حقا فإنه قد طابقه ~~الواقع، فكان الإخبار به صدقا. # ولما عظمه سبحانه باجمال بعد إجمال، إشارة إلى أن ما فيه من شديد ~~الأهوال، يطول شرحه بالمقال، زاده تعظيما بما أنتجه الكلام فقال: {ذلك} أي ~~اليوم العظيم الذي يظهر به المجد ويعلو بضعفاء المؤمنين المجد {يوم الخروج} ~~أي الذي لا خروج أعظم منه وهو خروجهم من بيوتهم في الدنيا إلى مصارعهم ~~ببدر، ومن قبورهم من الأرض التي خلقوا منها إلى مقامعهم في النار. # ولما بنيت دعائم القدرة ودقت بشائر النصرة وختم بما يصدق على البعث الذي ~~هو الإحياء الأعظم دالا بما هو مشاهد من أفعاله، وأكده لإنكارهم البعث، ~~فقال: {إنا} أي بما لنا من العظمة {نحن} خاصة {نحيي ونميت} تجدد ذلك شيئا ~~بعد شيء سنة مستقرة وعادة مستمرة كما تشاهدونه، فقد كان منا بالإحياء الأول ~~البدء {وإلينا} خاصا بالإماتة ثم الإحياء {المصير *} أي الصيرورة ومكانها ~~وزمانها بأن نحيي جميع من أمتناه يوم البعث ونحشرهم إلى محل الفصل، فنحكم # PageV18P441 # بينهم وليس المعاد بأصعب من المبدأ، فمن أقر به وأنكر البعث كان معاندا ~~أو مجنونا قطعا. # PageV18P442 # ولما تحقق بذلك أمر البعث غاية التحقق، صور خروجهم فيه فقال معلقا بما ~~ختم ms4747 به الابتداء مما قبله زيادة في تفخيمه وتعظيمه وتبجيله: {يوم تشقق ~~الأرض} وعبر بفعل المطاوعة لاقتضاء الحال له، وحذف تاء المطاوعة إشارة إلى ~~سهولة الفعل وسرعته {عنهم} أي مجاوزة لهم بعد أن كانوا في بطنها فيخرجون ~~منها أحياء كما كانوا على ظهرها أحياء، حال كونهم {سراعا} إلى إجابة ~~مناديها، وأشا إلى عظمه بقوله: {ذلك} أي الإخراج العظيم جدا {حشر} أي جمع ~~بكره، وزاد في بيان عظمة هذا الأمر بدلالته على اختصاصه بتقديم الجار فقال: ~~{علينا} أي خاصة {يسير *} فكيف يتوقف عاقل فيه فضلا عن أن ينكره، وأما ~~غيرنا فلا يمكنه ذلك بوجه. انتهى. # ولما أقام سبحانه الأدلة على تمام قدرته وشمول علمه وختم بسهولته عليه ~~واختصاصه به، وصل تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بتهديدهم على تكذيبهم ~~بالعلم الذي هو أعظم التهديد فقال: {نحن} أي لا غيرنا ولا هم أنفسهم {أعلم} ~~أي من كل من يتوهم فيه العلم {بما يقولون} أي في الحال والاستقبال من ~~التكذيب بالبعث وغيره مع إقرارهم بقدرتنا. # ولما كان التقدير: فنحن قادرون على ردهم عنه بما لنا من العلم المحيط ~~وأنت لهم منذير تنذرهم وبال ذلك، عطف عليه قوله: {وما أنت عليهم} # PageV18P442 # ولما أفاد حرف الاستعلاء القهر والغلبة صرح به مؤكدا في النفي فقال: ~~{بجبار} أي متكبر قهار عات تردهم قهرا عما تكره منهم من الأقوال والأفعال، ~~إنما أنت منذر، ولما نفى عنه الجبروت، أثبت لهم ما أفهمه واو العطف من ~~النذارة كما قدرته قبله، فقال مسببا عنه معبرا بالتذكير الذي يكون عن نسيان ~~لأن كل ما في القرآن من وعظ إذا تأمله الإنسان وجده شاهدا في نفسه أو فيما ~~يعرفه من الآفاق {فذكر} أي بطريق البشارة والنذارة {بالقرآن} أي الجامع ~~بمجده لكل خير المحيط كل صلاح {من يخاف وعيد *} أي يمكن خوفه، وهو كل عاقل، ~~ولكنه ساقه هكذا إعلاما بأن الذي يخاف بالفعل فيكشف الحال عن إسلامه هو ~~المقصود بالذات، وغيره إنما يقصد لإقامة الحجة عليه لا لدده ولا يؤسف عليه ~~ولا يتأثر بتكذيبه بل ms4748 يعتقد أنه عدم لا تضر عداوته ولا تنفع ولايته، وما ~~آذى إلا نفسه وكل من والاه في الدنيا والآخرة، وهذا هو المجد للقرآن ولمن ~~أنزله ولمن أتى به عنه بتمام قدرة من هو صفته وشمول علمه، فقد انعطف هذا ~~الآخر على ذلك الأول أشد انعطاف، والتفت فروعه بأصله أتم التفاف، فاعترفت ~~به أولو براعة وأهل الإنصاف والاتصاف بالتقدم في كل صناعة بالسبق الذي لا ~~يمكن لحاقه أي اعتراف. والله الهادي للصواب. # PageV18P443 # مقصودها الدلالة على صدق ما أنذرت به سورة ق تصريحا وبشرت به تلويحا ولا ~~سيما آخرها من مصاب الدنيا وعذاب الآخرة، واسمها الذاريات ظاهر في ذلك ~~بملاحظة جواب القسم فإنه مع القسم لشدة الارتباط كالآية الواحدة وإن كان ~~خمسا، والتعبير عن الرياح بالذاريات أتم إشارة إلى ذلك، فإن تكذيبهم ~~بالوعيد لكونهم لا يشعرون بشيء من أسبابه وإن كانت موجودة معهم كما أن ما ~~يأتي من السحاب من الرحمة والنقمة أسبابه وإن كانت موجودة، وهي الرياح وإن ~~كانوا لا يرونها، واريح من شأنها الذرء وهو التفريق، فإذا أراد الله جمعت ~~فكان ماأراد، فإنها تفرق الأبخرة، فإذا أراد الله سبحانه جمعها فحملها ما ~~أوجد فيها فأوقرها به فأجراها إجراء سهلا، فقسم منها ما أراد تارة برقا ~~وأخرى رعدا، يصل صليل الحديد على الحديد، أو الحجر على مثله مع لطافة ~~السحاب، كل ما يشاهد فيه من الأسباب، وآونة مطرا شديد الانصباب ومرة بردا ~~ومرة ثلجا يرجى ويهاب نن وحينا صواعق ونيرانا لها أي التهاب، ووقتا جواهر ~~ومرجانا بديعة الإعجاب، فتكون مرة # PageV18P444 # سرورا ورضوانا، وأخرى غموما وأحزانا، وغبنا وخسرانا، على أنهم أخيل الناس ~~في يعض ذلك، يعرفون السحاب الذي يخيل المطر والذي لا يخليه والذي مطرهع ~~دان، والذي لم يئن له أن يمطر. إلى غير ذلك من أشياء ذكرها أهل الأدب ~~وحملها أهل اللغة عنهم، وكل ذلك بتصريف الملائكة عن أمر الله، ولذلك. والله ~~أعلم. سن أن يقال عنمد سماع الرعد: سبحان الله سبوح قدوس، بيانا لأن المصرف ~~الحق هو الله تعالى) رب ms4749 الملائكة) أي الذي أقيموا لهذا) الروح (الذي يحمله ~~هذا الجسم من مطر أو نار أو غيرهما والله الموفق) بسم الله (المحيط بصفات ~~الكمال فهو لايخلف الميعاد) الرحمن (الذي عم الخلائق بنعمة الإيجاد) الرحيم ~~(الذي خص من اختاره بالتوفيق لما يرضاه من المراد. # PageV18P445 # لما ختم سبحانه ق بالتذكير بالوعيد، افتتح هذه بالقسم البالغ على صدقه، ~~فقال مناسبا بين القسم والمقسم عليه: {و ### | الذاريات # } أي الرياح التي من شأنها الإطارة والرمي والتفريق والإذهاب، وأكد ذلك ~~بقوله: {ذروا *} أي بما تصرفها فيه الملائكة، قال الأصبهاني: الرياح تحت ~~أجنحة الكروبيين حملة العرش، فتهيج من ثم فتقع بعجلة الشمس ثم تهيج عن عجلة ~~الشمس فتقع برؤوس الجبال، ثم من رؤوس الجبال # PageV18P445 # تقع في البر، فأما الشمال فإنها تمر تحت عدن فتأخذ من عرف طيبها فتمر على ~~أرواح الصديقين، ثم تأخذ حدها من كرسي بنات نعش إلى مغرب الشمس، وتأتي ~~الدبور حدها من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل، وتأتي الجنوب حدها من مطلع سهيل ~~إلى مطلع الشمس، وتأتي الصبا حدها من مطلع الشمس إلى كرسي بنات نعش، فلا ~~تدخل هذه في حد هذه ولا هذه في حد هذه. # ولما كانت غاية الذرو التهيئة للحمل، قال مسببا ومعقبا: {فالحاملات} أي ~~من السحب التي فرقت الريح أصلها وهو الأبخرة، وأطارته في الجو في جهة العلو ~~ثم جمعته، فانعقد سحابا فبسطه مع الالتئام فحمله الله ما أوجد فيه من مراده ~~من الماء والصواعق وغيرها {وقرا *} أي حملا ثقيلا، وقد كان قبل ذلك لا يرى ~~شيء منه ولا من محموله، فتحققوا قدرة الله على كل ما يريد وإن لم تروا ~~أسبابه، ولا يغرنكم بالله الغرور. # ولما كان الحمل إنما هو الوضع في الأماكن التي يراد ضرها أو نفعها، وكان ~~سير الغمام بعد الحمل في ساحة الجو وباحة الأفق من غير ممسك يرى أدل على ~~القدرة، ولا سيما إذا كان مع الجري الذي يضرب به لسرعته المثل، وكذا جري ~~السفن في باحة البحر بعد ثقلها # PageV18P446 # بالوسق قال: {فالجاريات يسرا *} أي جريا ms4750 ذا سهولة. # ولما كان في غاية الدلالة على تمام القدرة بغريق محمولها في الأراضي ~~المجتاحة ولا سيما إن تباعدت أماكن صبه ومواطن سكبه، وكان ذلك التفريق هو ~~غاية الجري المترتب على الحمل المترتب على الذرو، قال مسببا معقبا مشيرا ~~بالتفعيل، إلى غرابة فصلها لقطراتها وبداعة تفريقها لرحمتها من عذابها، ~~وغير ذلك من أحوال الجاريات وتصريف الساريات: {فالمقسمات} أي من السحب بما ~~تصرفها فيه الملائكة عليهم السلام، وكذا السفن بما يصرفها الله به من ~~الرياح اللينة أو العاصفة من سلامة وعطب وسرعة وإبطاء، وكذا غيرهما من كل ~~أمر تصرفه الملائكة بين العباد وتقسمه. # ولما كان المحمول مختلفا كما تقدم، قال جامعا لذلك: {أمرا *} أي من ~~الرحمة أو العذاب، قال الرازي في اللوامع: وهذه أقسام يقسم الله بها ولا ~~يقسم بها الخلق لأن قسم الخلق استشهاد على صحة قولهم بمن يعلم السر ~~كالعلانية وهو الله تعالى، وقسم الخالق إرادة تأكيد الخبر في نفوسهم فيقسم ~~ببعض بدائع خلقه على وجه يوجب الاعتبار ويدل على توحيده، فالرياح بهبوبها ~~وسكونها لتأليف السحاب وتذرية الطعام واختلاف الهواء وعصوفها مرة ولينها ~~أخرى والسحاب بنحو وقوفها مثقلات بالماء من غير عماد وصرفها في وقت الغنى ~~عنها # PageV18P447 # بما لو دامت لأهلكت، ولو انقطعت لم يقدر أحد على قطرة منها، وبتفريق ~~المطر وإلا هلك الحرث والنسل، والسفن بتسخير البحر لجريانها وتقدير الريح ~~لها بما لو زاد لغرق، ولو ركد لأهلك، والملائكة تقسم الأمور بأمر ربها، كل ~~ذلك دليل على وجود الصانع الحكيم، والفاطر العليم، القادر الماجد الكريم. # ولما كانوا يكذبون بالوعيد، أكد الجواب بعد التأكيد بنفس القسم فقال: ~~{إنما} أي الذي {توعدون} أي من الوعد للطائع والوعيد للعاصي، وإن لم تروا ~~أسبابه، ولما كان ما توعدوا به لتحقق وقوعه وقربه كأنه موجود يخاطبهم عن ~~نفسه، عبر عن المصدر باسم الفاعل فقال: {لصادق *} أي مطابق الإخبار به ~~للواقع، وسترون مطابقته له إذا وقع، وتعلمون أن ذلك الواقع حق ثابت لا خيال ~~لمطابقته للخبر، قال ابن برجان: واعلم أن الله عز وجل ms4751 ما أقسم بقسم إلا ~~مطابقا معناه لمعان في المقسم من أجله بسراج منير يهدي به الله تعالى من ~~يشاء، وإنما يعمي عن رؤية ذلك ظواهر إشخاص للمحسوسات، ويصم عن إسماع ندائها ~~ضوضاء المشاهدات، ولولا ذلك لنودوا بها من مكان قريب، وقال البيضاوي: كأنه ~~استدل باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة لمقتضى الطبيعة على ~~اقتداره على البعث. # ولما كان أجل وعيدهم وما يتعلق بالجزاء يوم القيامة وكانوا ينكرونه، قال: ~~{وإن الدين} أي المجازاة لكل أحد بما كسب يوم # PageV18P448 # البعث، والشرع الذي أرسلت به هذا النبي الكريم {لواقع *} لا بد منه وإن ~~أنكرتم ذلك، فيظهر دينه على الدين كله كما وعد بذلك، ثم نقيم الناس كلهم ~~للحساب. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما ذكر سبحانه المواعيد ~~الأخروية في سورة ق وعظيم تلك الأحوال من لدن قوله {وجاءت سكرة الموت ~~بالحق} إلى آخر السورة، أتبع سبحانه ذلك بالقسم على وقوعه وصدقه فقال: ~~{والذاريات ذروا} إلى قوله: {إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع} والدين ~~الجزاء، أي أنهم سيجازون على ما كان منهم ويوفون قسط أعمالهم {فلا تحسبن ~~الله غافلا عما يعمل الظالمون} {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} . ولما أقسم ~~الله على صدق وعده ووقوع الجزاء، عقب ذلك بتكذيبهم بالجزاء وازدرائهم فقال ~~{يسألون أيان يوم الدين} ثم ذكر تعالى حال الفريقين وانتهاء الطريقين إلى ~~قوله: {وفي الأرض آيات للموقنين} فوبخ تعالى من لم يعمل فكره ولا بسط نظره ~~فيما أودع سبحانه في العالم من العجائب، وأعقب بذكر إشارات إلى أحوال الأمم ~~وما أعقبهم تكذيبهم، وكل هذا تنبيه لبسط النظر إلى قوله: {ومن كل شيء ~~خلقنا} بقوله: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون} أي إن هذا دأبهم وعادتهم حتى كأنهم تعاهدوا عليه وألقاء بعضهم إلى ~~بعض فقال # PageV18P449 # تعالى: {تواصوا به أم هم قوم طاغون} أي عجبا لهم في جريهم على التكذيب ~~والفساد في مضمار واحد، ثم قال تعالى: {بل هم قوم طاغون} أي أن علة تكذيبهم ms4752 ~~هي التي اتحدت فاتحد معلولها، والعلة طغيانهم وإظلام قلوبهم بما سبق {ولو ~~شئنا لأتينا كل نفس هداها} ثم زاد نبيه عليه السلام أشياء مما ورد على ~~طريقة تخييره عليه السلام في أمرهم من قوله تعالى: {فتول عنهم فما أنت ~~بملوم} ثم أشار تعالى بقوله: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} إلى أن إحراز ~~أجره عليه السلام إنما هو في التذكار والدعاء إلى الله تعالى، ثم ينفع الله ~~بذلك من سبقت له السعادة {إنما يستجيب الذين يسمعون} ثم أخبر نبيه عليه ~~الصلاة والسلام بأن تكذيبه سينالهم قسط ونصيب مما نال غيرهم من ارتكب ~~مرتكبهم، وسلك مسلكهم، فقال تعالى {وإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب ~~أصحابهم} إلى آخر السورة - انتهى. # ولما أخبر سبحانه عن ثبات خبره، أتبعه الإخبار عن وهي كلامهم، فقال مقسما ~~عليه لمبالغتهم في تأكيد مضامينه مع التناقض بفعله الجميل وصنعه الجليل، ~~إشارة إلى أنهم لم يتخلقوا من أخلاقه الحسنى بقول ولا فعل: {والسماء ذات ~~الحبك *} أي الآيات المحتبكة بطرائق النجوم # PageV18P450 # المحكمة، الحسنة الصنعة، الجيدة الرصف والزينة، حتى كأنها منسوجة، ~~الجميلة الصنعة الجليلة الآثار، الجامعة بين القطع والاختلاط والاتفاق ~~والاختلاف، وأصل الحبك الإحكام في امتداد واطراد - قاله الرازي في اللوامع. ~~{إنكم} يا معشر قريش {لفي قول} محيط بكم في أمر القرآن والآتي به وجميع أمر ~~دينكم وغيره مما تريدون به إبطال الدين الحق {مختلف *} كاختلاف طرائق ~~السماء التي لا تكاد تنتظم، ولا يعرف أولها من آخرها، واختلاف هذه الأشياء ~~المقسم بها من أول السورة واختلاف غاياتها لكنه مع ذلك متدافع، وإن كنتم ~~تجتهدون في تزيينه وتقريبه للأفهام وتحسينه فإنه لا يكاد إذا عرضه الناقد ~~على الفكر النافذ ينضبط بضابط ولا يرتبط برابط، بل تارة تقولون: هذا شعر ~~فيلزمكم وصفه بما تصفون به الشعر من الاتساق بالوزن المجرد والروي المتحد، ~~والعذوبة والرشاقة، وتارة تقولون: هذا سحر فيلزمكم مع الإقرار بالعجز عنه ~~أنه لا حقائق له والواقع أنه لا يتأمله ذو فهم إلا رأى حقائقه أثبت من ~~الجبال، وتارة تقولون: أضغاث أحلام، فيلزمكم ms4753 أنه لا ينضبط بضابط، ولا يكون ~~له مفهوم يحصل، ولا يعجز أحد عن تلفيق مثله، فقد أبطلتم قولكم: إنه شعر ~~وإنه سحر. # وتارة تقولون: إنه كهانة فيلزمكم أن تعتقدوا منه # PageV18P451 # ما تعتقدون في أقوال الكهان من الإخبار بالمغيبات وإظهار الخبء وفصل ~~الحكم، فأبطلتم ما مضى من قولكم أضغاث أحلام وسحر وشعر، وتارة تقولون، إنه ~~جنون، فقد نقضتم جميع أقوالكم الماضية وناديتم على أنفسكم بالمباهتة، ~~تقولون في الآتي به: إنه شاعر وساحر ومجنون وكاهن وكاذب، وكل قول منها ينقض ~~الآخر، وأنتم تدعون أنكم أصدق الناس وأبعدهم عن عار الكذب، وأنكم أعقل ~~الناس وأنصفهم، فقد تباعد أولا ما بين أقوالكم، ثم ما بينها وبين أفعالكم، ~~فكان اختلاف طرائق النجوم دالا على مانع مختار تام العلم كامل القدرة، وكذا ~~اختلاف قولكم على هذا الوجه مع ما لكم من العقول دال على قاهر لكم على ذلك، ~~فهما آيتان في الآفاق وفي أنفسكم. # PageV18P452 # ولما كان هذا الاختلاف مما لا يكاد يصدق لأنه لا يقع فيه عاقل، بين سببه ~~بأنهم مغلوبون عليه بقهر يد القدرة فقال: {يؤفك} أي يصرف بأيسر أمر وأسهله ~~عن سنن الاستقامة، ويقلب من وجهه لقفاه {عنه} أي يصدر صرفه عن هذا القول ~~مجازا لما يلزمه من عاره، فهو لأجل ذلك يقوله {من أفك *} أي قلبه قلب قاهر ~~أي تبين بهذا الصرف الذي هو أعظم الصرف أنه حكم في الأزل حكما ثابتا جامعا، ~~فصار لا يصد عنه قول ولا فعل إلا كان مقلوبا وجهه إلى قفاه # PageV18P452 # لا يمكن أن يأتي منه بشيء على وجهه، فكأنه لا مأفوك سواه لشدة افكه وعجيب ~~أمره. # ولما كان الكذب الإخبار بما لا حقيقة له وتعمد الافتراء، وكان الخرص ~~الكذب والافتراء والاختلاف وكل قول بالظن، قال معلما بما لهم على قولهم ~~هذا: قتلوا أو قتلتم - هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي استحقوه ~~بقولهم: {قتل الخراصون *} أي حصل بأيسر أمر قتل الكذابين ولا محالة من كل ~~قاتل، والمتقولين بالظن المنقطعين للكلام من أصل لا يصلح للخرص وهو القطع، ms4754 ~~وهم الذين يقولون عن غير سند من كتاب أو سنة أو أثارة من علم، وهو دعاء أو ~~خبر لأنه مجاب: {الذين هم} خاصة {في غمرة} أي أعماق من العمى والضلال، ~~غارقون في سكرهم وجهلهم الذي غمرهم، ولذلك هم مضطربون اضطراب من هو يمشي في ~~معظم البحر فهو لا يكاد ينتظم له أمر من قول ولا فعل ولا حال {ساهون *} أي ~~عريقون في السهو وهو النسيان والغفلة والحيرة وذهاب القلب إلى غيره ما ~~يهمه، ففاعل ذلك ذو ألوان متخالفة من هول ما هو فيه وشدة كربه. # ولما حكم بسهوهم، دل عليه بقوله: {يسئلون} أي حينا بعد حين على سبيل ~~الاستمرار استهزاء بقولهم: {أيان} أي متى وأي حين {يوم الدين *} أي وقوع ~~الجزاء الذي يخبرنا به، ولولا أنهم بهذه الحالة # PageV18P453 # لتذكروا من أنفسهم أنه ليس أحد منهم يبث عبيده أو أجراءه في عمل من ~~الأعمال إلا وهو يحاسبهم على أعمالهم، وينظر قطعا في أحوالهم، ويحكم بينهم ~~في أقوالهم وأفعالهم فكيف يظن بأحكم الحاكمين أن يترك عبيدة الذين خلقهم ~~على هذا النظام المحكم وأبدع لهم هذين الخافقين وهيأ لأجلهم فيهما ما لا ~~ضرورة لهم في التزود للمعاد إلى سواه فيتركهم سدى يوجدهم عبثا. # ولما تقرر أمر القيامة بالتعبير بساهون قال: {يوم} أي نقول يوم {هم على ~~النار يفتنون *} أي يرمون فيحرقون ويعذبون ويصبحون. . . من الاختلاف مقولا ~~لهم على سبيل القرع والتوبيخ: {ذوقوا فتنتكم} . . . العقوبة من الفتنة ~~المحيطة. # . . واستعجالكم ما توعدون استهزاء وتكذيبا {هذا الذي كنتم به تستعجلون *} ~~أي تطلبون عجلته. . . {إن المتقين} أي الذين كانت التقوى لهم وصفا ثابتا ~~{في جنات} أي بساتين عظيمة نحن داخلها. . . {وعيون *} . . . {آخذين. . . ~~ما} أي كل شيء {آتاهم. . . ربهم} أي المحسن إليهم. . . بتمام علمه وشامل ~~قدرته وهو لا يدع لهم لذة إلا أنحفهم بها فيقبلونها بغاية الرغبة لأنها في ~~غاية النفاسة. ولما كان هذا أمرا عظيما يذهب الوهم في سببه كل مذهب، علله ~~بقوله مؤكدا لنسبة الكفار لهم إلى الإساءة: {إنهم كانوا} أي كونا هو ~~كالجبلة. ولما كان ms4755 الإنسان # PageV18P454 # إما يكون مطيعا في مجموع عمره أو في بعضه. . . على الطاعة، وكانت الطاعة ~~تجب ما قبلها، وتكون سببا في تبديل السيئات حسنات فضلا منه سبحانه، فكان كل ~~من القسمين مطيعا في جميع زمانه، نزع الجار فقال: {قبل ذلك} أي في دار ~~العمل، وقيل: أخذوا ما فرض عليهم بغاية القبول لأنهم كانوا قبل فرض الفرائض ~~يعملون على المحبة وهو معنى {محسنين *} أي في معاملة الخالق والخلائق، ~~يعبدون الله كأنهم يرونه، ثم فسر إحسانهم معبرا عنه بما هو في غاية ~~المبالغة بقوله: {كانوا} أي لما عندهم من الإجلال له والحب فيه بحيث كأنهم ~~مطبوعون عليه، ولغاية التأكيد وقع الإسناد إليهم مرتين {قليلا من الليل} ~~الذي هو وقت الراحات وقضاء الشهوات، وأكد المعنى بإثبات «ما» فقال: {ما ~~يهجعون *} أي يفعلون الهجوع وهو النوم الخفيف القليل، فما ظنك بما فوقه لأن ~~الجملة تثبت هجوعهم وهو النوم للراحة، وكسر التعب وما ينفيه، وذكر الليل ~~لتحقق المعنى فإن الهجوع النوم ليلا، فالمعنى أنهم يحيون أكثر الليل ~~وينامون أقله. ولما كان المحسن لا يرى نفسه إلا مقصرا، قال دالا على ذلك ~~وعلى أن تهجدهم يتصل بآخر الليل مؤكدا بالإسناد مرتين أيضا: {وبالأسحار} ~~قال ابن زيد: السحر: السدس الأخير من الليل {هم} أي دائما بظواهرهم ~~وبواطنهم {يستغفرون *} أي يعدون مع هذا الاجتهاد أنفسهم مذنبين ويسألون ~~غفران ذنوبهم لوفور علمهم بالله وأنهم لا يقدرون على أن يقدروه حق قدره وإن ~~اجتهدوا لقول سيد الخلق «لا أحصي ثناء عليك» وإبراز الضمير دال # PageV18P455 # على أن غيرهم لو فعل هذا ليلة لأعجب بنفسه ورأى أنه لا أحد أفضل منه، ~~وعلى أن استغفارهم في الكثرة يقتضي أنهم يكونون بحيث يظن أنهم أحق بالتذلل ~~من المصرين على المعاصي، فإن استغفارهم ذلك على بصيرة لأنهم نظروا ما له ~~سبحانه في الآفاق وفي أنفسهم من الآيات والحكم البالغة التي لا تحصى فعلموا ~~أنه أهل لأن يطاع ويخشى فاجتهدوا وتركوا الهجوع، وأجروا الدموع، ثم قابلوا ~~ذلك بنعمه فإذا الأعمال في غاية التقصير فأقبلوا على الاستغفار عالمين ms4756 بأنه ~~لا يمكن أن يقدر حق قدره. # PageV18P456 # ولما ذكر معاملتهم للخالق، أتبعه المعاملة للخلائق تكميلا لحقيقة الإحسان ~~فقال: {وفي أموالهم} أي كل أصنافها {حق} أي نصيب ثابت. ولما كان السياق هنا ~~للإحسان، فكان إحسانهم لفرط محبتهم إلى عباد الله لا يوقفهم عن الواجب ~~بخلاف ما في «سأل» من سياق المصلين مطلقا ترك وصفه بالمعلومية فقال: ~~{للسائل} أي الذي ينبه على حاجته بسؤال الناس وهو المتكفف {والمحروم *} وهو ~~المتعفف الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يسأل الناس ولا يفطن له ليتصدق عليه، ~~وهذه صفة أهل الصفة رضي الله عنهم، فالمحسنون يعرفون صاحب هذا الوصف لما ~~لهم من نافذ البصيرة ولله بهم من العناية. # ولما دل إقسامه بالسماء وما قبلها من الذاريات على ما له في العلويات من ~~الآيات إلى أن ختم بالأموال التي تنبتها الأرض، فكان # PageV18P456 # التقدير: ففي السماوات آيات للمؤمنين دالات على عظمته واستحقاقه للعبادة ~~بغاية الخضوع رغبا ورهبا، عطف عليه قوله: {وفي الأرض} مما فيه أيضا من ~~الاختلاف بالمعادن الكثيرة المتباينة مع اتحاد أصلها والنبات والحيوان ~~والجماد والبر والبحر وغير ذلك من الأسرار الدالة على الفاعل المختار ~~{آيات} أي دلالات عظيمات هي مع وضوحها بعد التأمل خفيات {للموقنين *} الذين ~~صار الإيقان لهم غريزة ثابتة، فهم لذلك يتفطنون لرؤية ما فيها مع ما ~~يلابسهم منها من الأسباب فيشغلهم ولا يرون أكثر أسباب ما فيها من الآيات ~~فأداهم ذلك إلى الإيقان بما نبهت عليه الرسل مما تستقل به العقول من البعث ~~وغيره، قال القشيري: من الآيات فيها أنها تحمل كل شيء، فكذلك العارف يحمل ~~كل أحد ومن استثقل أحدا أو تبرم برؤيته أحدا فلغيبته عن الحقيقة ومطالعة ~~الخلق بعين التفرقة. وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة، ومن الآيات فيها ~~أنه يلقى عليها كل قذارة وقمامة فتنبت كل زهر ونور وكذلك العارف يتشرب ما ~~يلقى من الجفاء ولا يترشح إلا بكل خلق علي وشيمة زكية. # ولما أشار إلى آيات الآفاق، أتبعها آيات الأنفس فقال: {وفي أنفسكم} أي من ~~الآيات التي شاركتم بها ms4757 الجماد، ثم فارقتموه بالنمو ثم بالحس ثم فارقتم ~~الحيوان الخسيس بالعقل الموصل إلى بدائع # PageV18P457 # العلوم ودقائق الفهوم. ولما كانت أظهر الآيات، سبب عن التنبيه عليها ~~الإنكار عليهم في ترك الاعتبار بها فقال: {أفلا تبصرون *} أي بأبصاركم ~~وبصائركم فتتأملوا ما في ذلك من الآيات وتتفكروا هل ترون أسباب أكثرها، فإن ~~كل هذه آيات دالة على قدرة الصانع على كل ما يريد واختياره، وأنه ما خلق ~~هذا لخلق سدى، فلا بد أن يجمعهم إليه للعرض عليه، فالموقنون لا يزالون ~~ينظرون في أمثال هذا بعيون باصرة وأفهام نافذة، فكلما رأوا آية اعتبروا ~~بها، فازدادوا إيمانا إلى إيمانهم، وإيقانا مع إيقانهم، وأول نظرهم فما ~~أودعوا من الآيات الحاجة، فمن تأملها علم أنه عبد، ومتى علم ذلك علم أن له ~~ربا غير محتاج، ومن أبصر جميع الصفات والأسماء فنفذ فهمه في شفاف الكائنات، ~~فارتقى إلى أعلى الدرجات. # ولما بان بما قدمته في {المقسمات أمرا} ما في جهة العلو من الأسباب ~~الموجبة للنعمة والعذاب، قال: {وفي السماء} أي جهة العلو {رزقكم} بما يأتي ~~من المطر والرياح والحر والبرد وغير ذلك مما رتبه سبحانه لمنافع العباد ~~{وما توعدون *} وجميع ما أتتكم به الرسل من الوعد والوعيد والصعقة والزلزال ~~وغير ذلك من الأهوال وموجبات النكال، وكذا الرحمة والخير والنعمة وكل ما ~~يتعلق به الآمال، فكما أنكم تصدقون بذلك وأنتم لا ترونه فكذلك صدقوا بالجنة ~~والنار وإن لم تروها، فإنه لا فرق بين ماء ينزله الله فيكون منه رياض وجنات ~~وشوك وأدواء # PageV18P458 # ومرارات، وسموم وعقارب وحيات، وخشاش وسباع وحشرات، وبين ماء يعيد به ~~الأموات، ثم يحشرهم إلى جنان ونيران، فكما أنه لا مرية في إظهار هذا الغيب ~~فكذلك لا لبس في إظهار ذلك الغيب، ومن المعنى أيضا أنك لا تشتغل برزق فإنه ~~في السماء، ولا سبيل لك إلى العروج إليها، واشتغل بما كلفته من الخدمة لمن ~~عنده الرزق ففي السماء الرزق وإليها يرفع العمل، فإن أردت أن ينزل إليك ~~رزقك فأصعد إليها الصالح من عملك، ولهذا قالوا: الصلاة فرع ms4758 باب الرزق ~~{واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك} . # ولما أقسم بما له من المقدورات لمن وقف مع المحسوسات المشهورات، فترقوا ~~بذلك إلى أعلى الدرجات، وانكشف ما له من الكمال انكشافا تاما، وعلم أن في ~~خزائنه سبحانه كل ما أخبرت عنه به الرسل من وعد ووعيد، سبب عنه قوله مقسما ~~بنفسه الأقدس لكن بصفة مألوفة فقال: {فورب} أي مبدع ومدبر {السماء والأرض} ~~بما أودع فيهما مما علمتموه وما لم تعلموه {إنه} أي الذي توعدونه من الخير ~~والشر والجنة والنار وتقدم الإقسام عليه أنه صادق {لحق} أي ثابت يطابقه ~~الواقع فقد جمع الحق مع الصدق {مثل ما أنكم} أي وأنتم مساوون لبقية ما في ~~الأرض من الجمادات وغيرها {تنطقون *} نطقا مجددا في كل وقت مستمرا، ليس هو ~~بخيال ولا سحر، أي أن # PageV18P459 # ذلك لحق مثل ما أن هذا حق، فالذي جعل لكم قوة النطق من بين ما في الأرض ~~بأسباب لا ترونها وتحصونها، ومع ما عداكم من ذلك بأسباب مثل ذلك قادر على ~~الإتيان بوعده من الرزق وغيره ما دمتم تحتاجون إلى ذلك بما جعل فيكم من ~~الحياة التي يصح بها العلم الناشىء عنه النطق المحوج إلى الرزق من أي جهة ~~أرادوا، وإن لم تروا أسبابه كما أنه لو أراد لأنطق جميع من في السماوات ~~والأرض من الجمادات بما يقيمه لها من الأسباب التي أقامها لكم وإن لم تروا ~~ذلك. # ولما بين بما مضى من القسم وما أتبعه من أنه أودع في السماوات والأرض وما ~~بينهما أسبابا صالحة للإتيان بما وعدناه من الخير، وما توعدنا به من الشر ~~وإن كنا لم نرها وهو قادر مختار، فصار ذلك كالمشاهد، ولا وجه للتكذيب بوعد ~~ولا وعيد، دل عليه وصوره بما شوهد من أحوال الأمم وبدأ - لأن السياق ~~للمحسنين - برأس المحسنين من أهل هذه الأنباء الذي أخبرته الملائكة عليهم ~~السلام بما سببه معه وإن كان على غير العادة. فتعجب زوجته من ذلك مع كونها ~~أعلى نساء ذلك الزمان، وأتبع قصته قصة لوط ابن أخيه ms4759 عليهما السلام لاتصال ~~ما بين قصتيهما في الزمان، ولمناسبة عذابهم لما أقسم به في أول السورة، ~~فإنه سبحانه أمر الذاريات فاقتلعتهم بقراهم وحملتها كما تحمل السحاب ثم ~~كبتهم فرجمتهم، والأرض فخسفت بهم، والملائكة الموكلة بمثل ذلك، # PageV18P460 # ففعلوا جميع ما أمروا به ورأوهم في قريتهم وقصدوهم بالمكر لأنهم خفي ~~عليهم أمرهم، وأتوا الخليل عليه السلام وهو أعلى ذلك الزمان وهم في ذلك ولم ~~يعلم أول الأمر بشيء من حالهم ولا ظنهم إلا آدميين، فقال مفخما لأمر القصة ~~بتخصيص الخطاب لأعلى الخلق وأنفذهم فهما إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه ~~سواه على طريق الاستفهام على عادة العرب في الإعلام بالأمور الماضية وإن ~~كان المخبر عالما بأن المخاطب لا علم له بذلك لأن المقصود ليس إلا التنبيه ~~على أن ذلك الأمر مما ينبغي الاهتمام به والبحث فيه ليعرف ما فيه، من ~~الأمور الجليلة؛ قال أبو حيان: تقرير لتجتمع نفس المخاطب كما تبدأ المرء ~~إذا أردت أن تحدثه بعجيب فتقرره: هل سمعت ذلك أم لا؟ فكأنك تقتضي بأن يقول: ~~لا، ويستطعمك الحديث - انتهى. {هل أتاك} يا أكمل الخلق {حديث ضيف} عبر عنهم ~~بلفظ الواحد إشارة إلى اتحاد كلمتهم {إبراهيم *} وهو خليلنا، ودل على أنه ~~لم يعرف شيئا مما أتوا به دالا على أنهم جمع {المكرمين *} أي الذين هم أهل ~~الكرامة، وأكرمهم إبراهيم عليه السلام بقوله وفعله، ففي حديثه ذلك آية بينة ~~على ما بين في هذه السورة من قدرة الله تعالى وصدق وعده ووعيده، مع ما فيه ~~من التسلية لك ولمن تبعك، والبشارة بإكرام المصدق وإهانة المكذب، قال ~~القشيري: وقيل: كان عددهم اثني عشر ملكا، وقيل: جبريل عليه السلام، وكان ~~معه تسعة، # PageV18P461 # وقيل: كانوا ثلاثة: {إذ} أي حديثهم حين {دخلوا عليه} أي دخول استعلاء ~~مخالف لدخول بقية الضيوف {فقالوا سلاما} أي نحدث، ثم استأنف الأخبار عن ~~جوابه بقوله: {قال} أي بلسانه: {سلام} أي ثابت دائم، فهو أحسن من تحيتهم. # ولما كان ما ذكر من دخولهم وسلامهم غير مستغرب عند المخاطبين بهذا، وكانت ms4760 ~~القصة قد ابتدئت بما دل على غرابة ما يقص منها، تشوف السامع إلى ما كان بعد ~~هذا فأجيب بقوله: {قوم} أي ذوو قوة على ما يحاولونه ويقومون فيه {منكرون *} ~~أي حالهم لإلباسه أهل لأن ينكره المنكر، وقدم هذا على موضعه الذي كان أليق ~~به فيما يظهر بادي الرأي، وإيضاحا لأن السياق لخفاء الأسباب على الآدمي ~~وبعدها وإن كانت في غاية الظهور والقرب ولو أنه غاية العلو فإن إنكاره لهم ~~كان متأخرا عن إحضار الأكل لكونهم لم يأكلوا، وهذا القول كان في نفسه ولم ~~يواجههم به. # PageV18P462 # ولما أشار إلى أنه حين إنكاره لهم لم يعرف من أي نوع هم ولا خصوص ما هم ~~فيه، رتب على رده لسلامهم أنه أسرع غاية الإسراع في إحضار ما ينبغي للضيف ~~على ظن أنهم آدميون فقال: {فراغ} # PageV18P462 # أي ذهب في خفية وخفة ومواضع سترة عن أعينهم كما هو من آداب الضيافة خوفا ~~من أن يمنعوه أو يكدر عليهم الانتظار: {إلى أهله} أي الذين عندهم بقرة ~~{فجاء بعجل} أي فتى من أولاد البقر {سمين *} قد شواه وأنضجه {فقربه إليهم} ~~ولما أخبر بما ينبغي الإخبار به من أمر الضيافة إلا الأكل، كان من المعلوم ~~أن التقدير: فكان كأنه قيل: فماذا قال لهم حين لم يأكلوا؟ قيل: {قال} أي ~~متأدبا غاية التأدب ملوحا بالإنكار: {ألا تأكلون *} أي منه. # ولما كان كأنه قيل: فلم يأكلوا، سبب عنه قوله: {فأوجس} أي أضمر إضمار ~~الحال في جميع سره {منهم خيفة} لأجل إنكاره عدم أكلهم فإنه لما رأى إعراضهم ~~عن الطعام ذهب وهمه في سبب إتيانهم إليه كل مذهب {قالوا} مؤنسين له: {لا ~~تخف} وأعلموه بأنهم رسل الله {وبشروه بغلام} على شيخوخته ويأس امرأته ~~بالطعن في السن بعد عقمها، وهو إسحاق عليه السلام. ولما كان السياق لخفاء ~~الأسباب كان في الذروة وصفه بقوله: {عليم *} أي مجبول جبلة مهيأة للعلم ولا ~~يموت حتى يظهر علمه بالفعل في أوانه. # ولما كانا بعيدين عن قبول الولد، تسبب عن ذلك قوله، دالا # PageV18P463 # على أن الولد إسحاق ms4761 مع الدلالة على أن خفاء الأسباب لا يؤثر في وجود ~~المسببات: {فأقبلت} أي من سماع هذا الكلام {امرأته} ولما كانت قد امتلأت ~~عجبا، عبر بالظرف فقال: {في صرة} أي صيحة وكرب من الصرير قد أحاط بها، فذهب ~~وهمهما في ذلك كل مذهب {فصكت} أي ضربت بسبب تعجبها بأطراف أناملها فعل ~~المتعجب {وجهها} لتلاشي أسباب الولد في علمها بسبب العادة مع معرفتها بأن ~~العبرة في الأسباب وإن كانت سليمة بالمسبب لا بها، قال البغوي: وأصل الصك ~~ضرب الشيء بالشيء العريض {وقالت} تريد أن تستبين الأمر هل الولد منها أم من ~~غيرها: {عجوز} ومع العجز {عقيم *} فهي في حال شبابها لم تكن تقبل الحبل، ~~قال القشيري رحمه الله تعالى: قيل: إنها كانت يومئذ ابنة ثمان وتسعين سنة. # ولما كان في هذا أشد تشوف إلى الجواب، استأنف تعالى الجواب بقوله: {قالوا ~~كذلك} أي مثل ما قلناه من هذه البشرى العظيمة {قال ربك} أي المحسن إليك ~~بتأهيلك لذلك على ما ذكرت من حالك وبتأهيلك من قبل الاتصال بخليله صلى الله ~~عليه وسلم. ولما كان محط تعجبها أن ذلك كان بأيام شبابها أولى، عللوا ~~إخبارهم تأكيدا له مؤكدين لأن قولها وفعلها فعل المنكر وإن كانت ما أرادت ~~به إلا الاستثبات: {إنه هو} أي وحده {العليم} الذي يضع الأشياء في أحق ~~مواضعها # PageV18P464 # فرتب عظمة هذا المولود على كل من عقمك وعجزك؛ ثم عللوا ذلك بقولهم: ~~{الحكيم *} أي المحيط العلم فهو كذلك لا يعجزه شيء لما تقدم من البرهان في ~~سورة طه أن إحاطة العلم مستلزم شمول القدرة. # ولما كان الخليل عليه السلام أعلم أهل زمانه بالأمور الإلهية، علم أن ~~اجتماع الملائكة على تلك الهيئة التي يراهم فيها ليس لهذه البشارة فقط، ~~فلذلك استأنف تعالى الجواب لمن كان كأنه قال: ما كان من حاله وحالهم بعد ~~هذا؟ بقوله: {قال} أي قال مسببا عما رأى من حالهم: {فما خطبكم} أي خبركم ~~العظيم {أيها المرسلون *} أي لأمر عظيم {قالوا} قاطعين بالتأكيد بأن مضمون ~~خبرهم حتم لا بد منه، ولا ms4762 مدخل للشفاعة فيه: {إنا أرسلنا} أي بإرسال من ~~تعلم {إلى قوم مجرمين *} أي هم في غاية القوة على ما يحاولونه وقد صرفوا ما ~~أنعم الله به عليهم من القوة في قطع ما يحق وصله ووصل ما يحق قطعه {لنرسل ~~عليهم} أي من السماء التي فيها ما وعد العباد به وتوعدوا {حجارة من طين *} ~~أي مهيأ للاحتراق والإحراق {مسومة} أي معلمة بعلامة العذاب المخصوص. ولما ~~كان قد رأوا اهتمامه بالعلم بخبرهم خشية من أن يكونوا أرسلوا لعذاب أحد يعز ~~عليه أمره، أمنوا خوفه بوصف الإحسان فقالوا: {عند ربك} أي المحسن إليك بهذه ~~البشارة وغيرها {للمسرفين *} # PageV18P465 # أي المتجاوزين للحدود غير قانعين بما أبيح لهم. # ولما كان من المعلوم أن القوم يكونون تارة في مدر وتارة في شعر، وعلم من ~~الآيات السالفة أن العذاب مختص بذوي الإسراف، سبب عن ذلك مفصلا لخبرهم قوله ~~تعالى معلما أنهم في مدر: {فأخرجنا} بما لنا من العظمة بعد أن ذهبت رسلنا ~~إليهم ووقعت بينهم وبين لوط عليهم السلام محاولات معروفة لم تدع الحال هنا ~~إلى ذكرها، والملائكة سبب عذابهم، وأهل القرية المحاولون في أمرهم لا ~~يعرفون ذلك، وهذه العبارة إن كانت إخبارا لنا كانت خبرا عما وقع لنعتبر به، ~~وإن كانت لإبراهيم عليه السلام كان معناها أن الحكم الأعظم وقع بإخراجهم ~~بشارة له بنجاتهم {من كان فيها} أي قراها. ولما كان القلب عماد البدن الذي ~~به صلاحه أو فساده، فكان عمله أفضل الأعمال أنه به يكون استسلام الأعضاء أو ~~جماحها، بدأ به فقال: {من المؤمنين *} أي المصدقين بقلوبهم لأنا لا نسويهم ~~بالمجرمين فخلصناهم من العذاب على قلتهم وضعفهم وقوة المخالفين وكثرتهم، ~~وسبب عن التعبس والستر والتعرض للظواهر والبواطن قوله: {فما وجدنا} أسند ~~الأمر إليه تشريفا لرسله إعلاما بأن فعلهم فعله {فيها غير بيت} واحد وهو ~~بيت لوط ابن أخي إبراهيم عليه السلام، وقيل: كان عدة الناجين منهم ثلاثة ~~عشر، ولما كان الإسلام قد تطلق على الظاهر فقط وإن كان المراد هنا الأخص ~~أخره فقال: {من المسلمين *} أي ms4763 العريقين في الإسلام # PageV18P466 # الظاهر والباطن لله من غير اعتراض أصلا وهم إبراهيم وآله عليهم السلام ~~فإنهم أول من وجد منه الإسلام الأتم، وتسموا به كما مضى في البقرة وسموا به ~~أتباعهم، فكان هذا البيت الواحد صادقا عليه الإيمان الذي هو التصديق ~~والإسلام الذي هو الانقياد، قال البغوي: وصفهم الله تعالى بالإيمان ~~والإسلام جميعا لأنه ما آمن مؤمن إلا وهو مسلم. # يعني لما بينها من التلازم وإن اختلف المفهومان، وقال الأصبهاني: وقيل: ~~كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر. # ولما وكان إبقاء آثار المهلكين أدل على قدرة من أهلكهم قال: {وتركنا} أي ~~بما لنا من العظمة {فيها} أي تلك القرى بما أوقعنا بها من العذاب الذي كان ~~مبدؤه أنسب شيء بفعل الذاريات من السحاب فإنا قلعنا قراهم كلها وصعدت في ~~الجو كالغمام إلى عنان السماء ولم يشعر أحد من أهلها بشيء من ذلك ثم قلبت ~~وأتبعت الحجارة ثم خسف بها وغمرت بالماء الذي لا يشبه شيئا من مياه الأرض ~~كما أن خباثتهم لم تشبه خباثة أحد ممن تقدمهم من أهل الأرض {آية} أي علامة ~~عظيمة على قدرتنا على ما نريد {للذين يخافون} كما تقدم آخر ق أنهم ~~المقصودون في الحقيقة بالإنذار لأنهم المنتفعون به دون من # PageV18P467 # قسا قلبه ولم يعتبر {العذاب الأليم *} أي أن يحل بهم كما حل بهذه القرى ~~في الدنيا من رفع الملائكة لهم في الهواء الذاري إلى عنان السماء وقلبهم ~~وإتباعهم الحجارة المحرقة، وغمرهم بالماء المناسب لفعلهم بنتنه وعدم نفعه، ~~وما ادخر لهم في الآخرة أعظم. # PageV18P468 # ولما قدم سبحانه أحق القصص الدالة على قسمه وما أقسم عليه بما فيها من ~~خفاء الأسباب مع وجودها، ثم ما فيها من إنزال ما به الوعيد من السماء ~~بالنار والماء الذي أشير إليه بالمقسمات، مع الفرقة بين المسلم والمجرم، ~~أتبعها قصة من أيده بحاملات فيها مطر وبرد ونار مضطرمة، كما مضى بيانه في ~~الأعراف، ثم بعد ذلك بريح فرقت البحر ونشفت أرضه ودخله فرعون والقبط، وهو ~~واضح الأمر في أنه سبب ms4764 لهلاكهم وهم لا يشعرون به، فقال عاطفا على المقدر في ~~قصة إبراهيم عليه السلام أو الظاهر في {وفي الأرض} أو على «في» التي في ~~قوله {وتركنا فيها آية للذين يخافون} وهذا أقرب من غيره وأولى: {وفي موسى} ~~أي في قصته وأمره آية على ذلك عظيمة {إذ أرسلناه} بعظمتنا {إلى فرعون} الذي ~~كان قد أساء إلى إبراهيم عليه السلام بعد عظيم إحسانهم إله وإلى جميع قومه ~~بما أحس إليهم يوسف عليه السلام {بسلطان مبين *} أي معجزات ظاهرة في نفسه ~~منادية من شدة # PageV18P468 # ظهورها بأنها معجزة، فكان فيها دلالة واضحة على صدق وعيده ومع ذلك فلم ~~ينفعهم علمها ولذلك سبب عنه وعقب به قوله: {فتولى} أي كلف نفسه الإعراض بعد ~~ما دعاه علمها إلى الإقبال إليها، وأشار إلى توليه بقوله: {بركنه} أي بسب ~~ما يركن إليه من القوة في نفسه وبأعوانه وجنوده أو بجميع جنوده - كناية عن ~~المبالغة في الإعراض، {وقال} معلما بعجزه عما أتاه به وهو لا يشعر: {ساحر} ~~ثم ناقض كمناقضتكم فقال بجهله عما يلزم على قوله: {أو مجنون *} أي لاجترائه ~~علي مع ما لي من عظيم الملك بمثل هذا الذي يدعو إليه ويتهدد عليه. # ولما وقعت التسلية بهذا للأولياء، قال تعالى محذرا للأعداء: {فأخذناه} أي ~~أخذ غضب وقهر بعظمتنا بما استدرجناه به وأوهناه به من العذاب الذي منه سحاب ~~حامل ماء وبردا ونارا وصواعق {وجنوده} أي كلهم {فنبذناهم} أي طرحناهم طرح ~~مستهين بهم مستخف لهم كما تطرح الحصيات {في اليم} أي البحر الذي هو أهل لأن ~~يقصد بعد أن سلطنا الريح فغرقته لما ضربه موسى عليه السلام بعصاه ونشفت ~~أرضه، فأيبست ما أبرزت فيه من الطرق لنجاة أوليائنا وهلاك أعدائنا {وهو} أي ~~والحال أن فرعون {مليم *} أي آت بما هو بالغ في استحقاقه الملامة، ويجوز # PageV18P469 # أن يكون حالا من {أليم} بمعنى أنه فعل بهم فعل اللائم من ألامه - إذا ~~بالغ في عذله، وصار ذا لائمة أي لهم، من ألام - لازما، وأن يكون مخففا من ~~لأم المهموز فيكون المعنى: فهو ms4765 مصلح أي فاعل فعل المصلحين في إنجاء ~~الأولياء وإغراق الأعداء بالالتئام والانطباق عليهم، قال في القاموس: اللوم ~~العدل، لام لوما وألامه ولومه للمبالغة، وألام: أتى ما يلام عليه أو صار ذا ~~لائمة، ولأمه بالهمز كمنعه، نسبه إلى اللوم، والسهم: أصلحه كألامه ولأمه ~~فالتأم، ولا يضر يونس عليه السلام أن يعبر في حقه بنحو هذه العبارة، فإن ~~أسباب اللوم تختلف كما أن أسباب المعاصي تختلف في قوله # {وعصوا رسله} [هود: 59] {وعصى آدم ربه} [طه: 121] وبحسب ذلك يكون اختلاف ~~نفس اللوام ونفس المعاصي. # ولما أتم قصة من جمع له السحاب والماء والنار والريح، أتبعها قصة من ~~أتاهم بريح ذارية لم يوجد قط مثلها، وكان أصلها موجودا بين ظهرانيهم وهم لا ~~يشعرون، بل قاربت الوصول إليهم وهم يظنونها مما ينفعهم: {وفي عاد} أي آية ~~عظيمة {إذ} أي حين {أرسلنا} بعظمتنا {عليهم} إرسال علو وأخذ {الريح} فأتتهم ~~تحمل سحابة سوداء وهي تذرو الرمل وترمي بالحجارة على كيفية لا تطاق {العقيم ~~*} أي التي لا ثمرة لها فلا تلقح شجرا ولا تنشىء سحابا ولا تحمل مطرا ولا ~~رحمة # PageV18P470 # فيها ولا بركة فلذلك أهلكهم هلاك الاستئصال، ثم بين عقمها وإعقامها ~~بقوله: {ما تذر} أي تترك على حال ردية، وأعرق في النفي فقال: {من شيء} ولما ~~كان إهلاكها إنما هو بالفاعل المختار، نبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال: ~~{أتت عليه} أي إتيان إرادة مرسلها، استعلاها على ظاهره وباطنه، وأما من ~~أريدت رحمته كهود عليه السلام ومن معه رضي الله عنهم فكان لهم روحا وراحة ~~لا عليهم {إلا جعلته كالرميم *} أي الشيء البالي الذي ذهلته الأيام ~~والليالي، فصيره البلى إلى حالة الرماد، وهو في كلامهم ما يبس من نبات ~~الأرض ودثر - قاله ابن جريج، وخرج بالتعبير ب «تذر» هود عليه السلام ومن ~~معه من المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين، فإنهم تركتهم على حالة حسنة لم ~~يمسهم منها سوء كما أشير إلى مثل ذلك بأداة الاستعلاء. # ولما تم ما اقتضاه سياق السورة من قصة أهل الريح الذارية، أتبعها قصة من ms4766 ~~أهلكوا بما يحمله السحاب من الريح وما تحمله الريح من صوت الصيحة الراجفة ~~الماحقة فقال: {وفي ثمود} أي قوم صالح عليه السلام آية عظيمة كذلك {إذ} أي ~~حين {قيل لهم} ممن لا يخلف المعياد: {تمتعوا} أي بلبن الناقة وغيره مما ~~مكناكم فين من الزرع والنخيل والأبنية في الجبال والسهول وغير ذلك من جلائل ~~الأمور الذي أمرناكم به ولا تطغوا {حتى حين *} أي وقت ضربناه لآجالكم ~~{فعتوا} أي أوقعوا بسبب إحساننا إليهم العتو، وهو التكبر والإباء {عن أمر ~~ربهم} أي مولاهم الذي أعظم إحسانه إليهم فعقروا الناقة # PageV18P471 # وأرادوا قتل نبيه عليه السلام {فأخذتهم} بسبب عتوهم أخذ قهر وعذاب ~~{الصاعقة} أي الصيحة العظيمة التي حملتها الريح، فأوصلتها إلى مسامعهم ~~بغاية العظمة، ورجت ديارهم رجة أزالت أرواحهم بالصعق، وقوله: {وهم ينظرون ~~*} دال على أنها كانت في غمام، وكان فيها نار، ويجوز - مع كونه من النظر - ~~أن يكون أيضا من الانتظار، فإنهم وعدوا نزول العذاب بعد ثلاثة أيام، وجعل ~~لهم في كل يوم علامة وقعت بهم فتحققوا وقوعه اليوم الرابع {فما} أي فتسبب ~~عن ذلك أنه ما {استطاعوا} أي تمكنوا، وأكد النفي فقال: {من قيام} أي بعد ~~مجيئها بأن عاجلتهم بإهلاكها عن القيام. # ولما كان الإنسان قد لا يتمكن من القيام لعارض في رجليه وينتصف من عدوه ~~بما يرتبه من عقله ويدبره برأيه قال: {وما كانوا} أي كونا ما {منتصرين} أي ~~لم يكن فيهم أهلية للانتصار بوجه، لا بأنفسهم ولا بناصر ينصرهم فيطاوعونه ~~في النصرة لأن تهيؤهم لذل سقط بكل اعتبار. # ولما أتم قصة من أهلكوا بما من شأنه الإهلاك وهو الصاعقة، أتبعهم قصة من ~~أهلكوا بما من شأنه الإحياء، وهو الماء الذي جل ما يشتمل عليه الحلامات ~~التي أثارتها الذاريات، وقد كانوا موجودين في الأرض والسماء - وأسبابه ~~مهيأة - وهم لا يحسون بشيء من ذلك، # PageV18P472 # وأما عبادنا المؤمنون فهيأنا لهم أسباب النجاة من السفينة وغيرها، ~~وأعلمناهم بها، فكان كل ما أردنا وقاله عنا أولياؤنا فقال مغيرا للأسلوب ~~تنبيا على العظمة بنفسه الإهلاك لكونه بما ms4767 من شأن الإحياء والإبقاء والتصرف ~~في الأسباب: {وقوم} أي وأهلكنا قوم {نوح} على ما كان فيهم من الكثرة وقوة ~~المحاولة والقيام بما يريدونه، ويجوز أن يكون معطوفا على «فيها» أي ~~وتركناهم آية، ويحسن هذا الإعراب أنهم هلكوا جميعا وكانوا جميع أهل الأرض، ~~وعم عذابهم جميع الأرض، كانوا لهم الآية، ويؤيد هذا الإعراب قراءة أي عمرو ~~وحمزة والكسائي بالجر عطفا على ضمير «فيها» . # ولما كان إهلاكهم على عظمه وانتشاره في بعض الزمان، أدخل الجار فقال: {من ~~قبل} أي قبل هذه الأمم كلها، ثم علل إهلاكهم بقوله: {إنهم كانوا} خلقا ~~وطبعا، لا حيلة لغيرنا من أهل الأسباب في صلاحهم {قوما} أي أقوياء {فاسقين ~~*} أي عريقين في الخروج عن حظيرة الدين. # PageV18P473 # ولما كان إهلاكهم بالماء الذي نزل من السماء، وطلع من الأرض بغير حساب، ~~كان ربما ظن ظان أن كان الخلل كان فيهما، ثم أصلح بعد ذلك كما يقع لبعض من ~~يصنع من الملوك صنعا يبالغ في إتقانه فيختل، قال عاطفا على ما نصب «يوم» ~~مبينا أن فعل ذلك # PageV18P473 # ما كان بالاختيار، دالا على وحدانيته لتمام القدرة الدالة على ما تقدم من ~~أمر البعث: {والسماء بنيناها} بما لنا من العظمة {بأيد} أي بقوة وشدة عظيمة ~~لا يقدر قدرها. ولما كانت السماء أليق لعظمتها وطهارتها بصفات الإلهية، ~~قال، وأكد لما يلزم إنكارهم البعث من الطعن في القدرة: {وإنا} على عظمتنا ~~مع ذلك {لموسعون *} أي أغنياء وقادرون ذوو سعة لا تتناهى، أي قدرة، من ~~الوسع وهو اللطافة، وكذلك أوسعنا مقدار جرمها وما فيها من الرزق عن أهلها ~~فالأرض كلها على اتساعها كالنقطة في وسط دائرة السماء بما اقتضته صفة ~~الإلهية التي لا يصح فيها الشركة أصلا، ومطيقون لما لا يحصى من أمثال لك، ~~ومما هو أعظم منه مما لا يتناهى، ومحيطون بكل شيء قدرة وعلما، وجديرون ~~وحقيقون بأن يكون ذكل من أوصافنا فنوصف به لما يشاهد لنا من القوة على كل ~~ما نريد، فلسنا كمن يعرفون من الملوك لأنهم إذا فعلوا لا يقدرون على أعظم ms4768 ~~منه وإن قدروا كان ذلك منهم بكلفة ومشقة، وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى ~~وما تريدون في جنبه، ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة ~~إلى غير ذلك من الأمور الخارقة للعوائد: {والأرض فرشناها} كذلك بما لنا من ~~العظمة، فصارت ممهدة جديرة بأن يستقر عليها الأشياء وهي آية على تمهيدنا ~~لأرض الجنة وشقنا لأنهارها وغرسنا لأشجارها {فنعم} أي فتسبب عن ذلك أن يقال ~~في وصفنا: نعم {الماهدون *} أي نحن لكمال قدرتنا، فما نزل من # PageV18P474 # السماء شيء ولا نبع من الأرض شيء إلا بإرادتنا وتقديرنا واختيارنا من ~~الأزل لأنا إذا صنعنا شيئا علمنا ما يكون منه من حين إنشائه إلى حين ~~إنباته، ولا يكون شيء منه إلا بتقديرنا، وذلك تذكير بالجنة والنار، فما ~~فوقها من خير فهو آية على الجنة، وما فيها من جبال ووهاد وعر وخروبة فهو ~~آية على النار. # ولما كان الأشياء المتضادة من الشيء الواحد أدل على القدرة من هذا الوجه، ~~قال: {ومن كل شيء} أي من الحيوان وغيره {خلقنا} بعظمتنا. ولما كان الفلاسفة ~~يقولون: لا ينشأ عن الواحد إلا واحد، قال ردا عليهم: {زوجين} أي مثله شيئين ~~كل منهما يراوح الآخر من وجه وإن خالفه من آخر، ولا يتم نفع أحدهما إلا ~~بآخر من الحيوان والنبات وغيرها ويدخل فيه الأضداد من الغنى والفقر، والحسن ~~والقبح، والحياة والموت، والضياء والظلام، والليل والنهار، والصحة والسقم، ~~والبر والبحر، والسهل والجبل، والشمس والقمر، والحر والبرد، والسماوات ~~والأرض، وأن الحر والبرد من نفس جهنم آية بينة عليها، وبناءهما على ~~الاعتدال في بعض الأحوال آية على الجنة مذكرة بها مشوقة إليها. # ولما كان ذلك في غاية الدلالة على أن كلا من الزوجين يحتاج إلى الآخر ~~وأنه لا بد أن ينتهي الأمر إلى واحد لا مثل له وأنه لا يحتاج بعد ذلك ~~التنبيه إلى تأمل كبير قال: {لعلكم تذكرون *} فأدغم تاء التفعل الدالة على ~~العلاج والاجتهاد والعمل فصار: فتكونوا عند # PageV18P475 # من ينظر ذلك حق النظر على الرجاء من أن يتذكروا ms4769 قليلا من التذكر فيهديكم ~~إلى سواء السبيل. # ولما كان كل شيء مما سواه لا بد له من ضد يضاده أو قرين يسد مسده، وأما ~~سبحانه فلا مثل له لأنه لو كان له مثل لنازعه، فلم يقدر على كل ما يريد {لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] وثبت أنه أهلك القرون ~~الأولى بمخالفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فثبت أن وراء المكلفين عذابا ~~يحق لهم الفرار منه، وثبت أن كل شيء غيره محتاج إلى زوجه يثبت حاجة الكل ~~إليه، وأنه لا كفاية عند شيء في كل ما يرام منه، وجب أن لا يفزع إلا إلى ~~الواحد الغني فسبب عن ذلك قوله: {ففروا} أي أقبلوا وألجؤوا. ولما درب عباده ~~في هذه السورة بصفة الربوبية كثيرا، فتأهلوا إلى النفوذ في الغيب، وكانت ~~العبادة لا تكون خالصة إلا إن علقت بالذات لا لشيء آخر، ذكر اسم الذات ~~فقال: {إلى الله} أي إلى الذي لا مسمى له من مكافىء، وله الكمال كله، فهو ~~في غاية العلو، فلا يقر ويسكن أحد إلى محتاج مثله فإن المحتاج لا غنى عنده، ~~ولا يقر سبحانه. # إلا من تجرد عن حضيض عوائقه الجسمية إلى أوج صفاته الروحانية، وذلك من ~~وعيده إلى وعده اللذين دل عليهما بالزوجين، فتنقل السياق بالتحذير ~~والاستعطاف والاستدعاء، فهو من باب «لا ملجأ منك إلا إليك أعوذ بك منك» ~~واستمر إلى آخر # PageV18P476 # السورة في ذكره إشارة إلى علي أمره، ثم علل بقوله مؤكدا لما لهم من ~~الإنكار: {إني لكم منه} أي لا من غيره {نذير} أي من أن يفر أحد إلى غيره ~~فإنه لا يحصل له قصده. # لما أقام الدليل العقلي الظاهر جدا بما يعلمه أحد في نفسه على ما قاله في ~~هذا الكلام الوحيد قال: {مبين *} ففرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا ~~وسعيا، ومن الكسل إلى التشمير حذرا وحزما، ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء، ~~وفرار الخاصة من الخير إلى الشهود، ومن الرسوم إلى الأصول، ومن الحظوظ إلى ~~التجريد، وفرار خاصة الخاصة مما دون ms4770 الحق إلى الحق إشهادا في شهود جلاله ~~واستغراقا في وحدانيته، قال القشيري: ومن صح فراره إلى الله صح فراره مع ~~الله - انتهى. وهو بكمال المتابعة ليس غيره، ومن فهم منه اتحادا بصفة أو ~~ذات فقد ما حد طريق القوم فعليه لعنه الله. # PageV18P477 # ولما ثبت أنه لا ملجأ إلا إلى الله الواحد المنزه عن الزوج، وذلك هو الله ~~الذي له الكمال كله، وكان ربما وقع في وهم أن في الوجود من غير الزوجين ~~المعروفين من نفزع إليه كما نفزع إلى وزير الملك وبوابه ونحو ذلك مما يوصل ~~إليه، قال محذرا من سطواته: {ولا تجعلوا} أي بأهوائكم {مع الله} وكرر الاسم ~~الأعظم ولم يضمر تعيينا للمراد لأنه لم يشاركه في التسمية به أحد وتنبيها ~~على ما له من # PageV18P477 # صفات الكمال وتعميما لوجوه المقاصد لئلا يظن، وقيل «معه» إن المراد النهي ~~عن الجعل من جهة الفرار لا من جهة غيرها {إلها} . # ولما كان المراد كمال البيان، منع مجاز التجريد منع تعنت من يطعن بتكثير ~~الأسماء كما أشار إليه بقوله {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} الآية بقوله: ~~{آخر} ثم علل النهي مع التأكيد لطعنهم في نذارته فقال: {إني لكم منه} أي لا ~~من غيره فإن غيره لا يقدر على شيء {نذير} أي محذر من الهلاك الأبدي ~~بالعقوبة التي لا خلاص منها إن فعلتم ذلك {مبين *} أي لا أقول شيئا من واضح ~~النقل إلا ودليله ظاهر من صريح العقل. ولما ذكر قولهم المختلف الذي منه ~~تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ونسبته إلى السحر والجنون وغير ذلك من ~~الفنون، ومنه الإشراك مع اعترافهم بأنه لا خالق إلا الله ولا كاشف ضر غيره ~~إلى غير ذلك من أنواع الاضطراب، وأخبر بهلاكتهم على ذلك وحذرهم منه ودل ~~عليه إلى أن ختم بإنذار من اتخذ إلها غيره قال مسليا: {كذلك} أي مثل قول ~~قومك المختلف العظيم الشناعة، البعيد من الصواب، بما له من الاضطراب، وقع ~~لمن قبلهم، ودل على هذا المقدر بقوله مستأنفا: {ما أتى الذين} ولما ms4771 كان ~~الرسل إنما كان إرسالهم في بعض الأزمان الماضية ولم يستغرقوا # PageV18P478 # جميعها بالفعل، أثبت الجار في قوله: {من قبلهم} وعمم النفي بقوله: {من ~~رسول} أي من عند الله {إلا قالوا} ولو بعضهم برضا الباقين: {ساحر أو مجنون ~~*} لأن الرسول يأتيهم بمخالفة مألوفاتهم التي قادتهم إليها أهواؤهم، والهوى ~~هو الذي أوجب لهم هذا التناقض الظاهر سواء كانت «أو» للتفصيل بأن بعضهم قال ~~واحدا وبعضهم قال آخر، أو كانت للشك لأن الساحر يكون لبيبا فطنا آتيا بما ~~يعجز عنه كثير من الناس، والمجنون بالضد من ذلك، ثم عجب منهم بقوله: ~~{أتواصوا به} أي أوصى بهذا بعض الأولين والآخرين بعضا. # ولما ساق هذا في أسلوب الاستفهام إشارة إلى قول ينبغي السؤال عن سببه لما ~~له من الخفاء، أجاب عنه بأنهم لم يتواصوا به لأن الأولين ما اجتمعوا مع ~~الآخرين: {بل هم} اجتمعوا في وصف أداهم إلى ذلك. # وهو أنهم {قوم} أي ذوو شماخة وكبر {طاغون *} أي عالون في الكفر مسرفون في ~~الظلم والمعاصي مجاوزون للمقدار، وأشار بالضمير إلى أن الطغيان أمر ذاتي ~~لهم، فهو يمدح منه سبحانه بأنه هو الذي قهرهم بسوقهم إلى هلاكهم بقدرته ~~التامة وعلمه الشامل. # ولما كان صلى الله عليه وسلم، يكاد يتلف نفسه الشريفة - بأبي هو وأمي - ~~غما عليهم وأسفا لتخلصهم عن الإسلام وخوفا أن لا يكون وفى بما عليه من ~~التنبيه والإعلام، سبب تعالى عن حالهم قوله: # PageV18P479 # {فتول عنهم} أي كلف نفسك الإعراض عن الإبلاغ في إبلاغهم بالمجادلة والصدع ~~بالتغليظ بعد ما تقدم منك من الإبلاغ {فما أنت} بسبب الإعراض بعد الإنذار ~~{بملوم *} أي بمستحق الملامة بسبب إعراض من أعرض منهم عنك، فإني إنما حكمت ~~بذلك لأني إنما قسمت الناس إلى مؤمن تنفعه الذكرى، وطاغ لا ينفعه شيء، ~~ولذلك قال: {وذكر} أي بالرفق واللين، ولما أصروا على التكذيب والإعراض حتى ~~أيس منهم، أكد ما سببه عن التذكير بقوله: {فإن الذكرى} أي التذكر بالنذارة ~~البليغة {تنفع المؤمنين *} أي الذين قدر الله أن يكونوا عريقين في وصف ~~الإيمان ولا بد ms4772 من إكثار التذكير ليغلب ما عندهم من نوازع الحظوظ وصوارف ~~الشهوات، مع ما هم مجبولون عليه من النسيان. # PageV18P480 # ولما كان هذا ربما أوهم أن سواهم غير مقدور عليهم، قال مؤكدا بالحصر دالا ~~على أنه هو الذي قسم الناس إلى طاغين ومؤمنين بالعطف على ما تقديره: فما ~~حكم عليهم بذلك الضلال والهدى غيري، وما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب إلا ~~لاستخلاص المؤمنين وإقامة الحجة على الضالين: {وما خلقت الجن والإنس} الذين ~~أكثرهم كافرون {إلا ليعبدون *} أي لينجروا تحت أقضيتي على وجه ينفعون به ~~أنفسهم أو يضرونها لا لشيء يلحقني أنا منه شيء من نفع أو ضرر، فإني # PageV18P480 # بنيتهم على العجز وأودعتهم نوازع الهوى، وركبت فيهم غرائز فهيأتهم لاتباع ~~الهدى، فمن أطاع عقله كان عابدا لي فارا إلي مع جريه تحت الإرادة، عبادة ~~شرعية أمرية يستفيد بها الثواب، ومن أطاع الهوى كان عابدا لي مع مخالفته ~~أمري عبادة إرادية قسرية يستحق بها العقاب، وكل تابع لهواه إذا حقق النظر ~~علم أن الخير في غير ما هو مرتكبه، فما ألزمه ما هو فيه مع علمه بأن غيره ~~خير منه إلا قهر إرادتي، فهذه عبادة لغوية، وذاك عبادة شرعية، وقد مر في ~~آخر هود ما ينفع هنا، وهذا كله معنى قول ابن عباس: إلا ليقروا لي بالعبادة ~~طوعا وكرها. # ولما حصر سبحانه خلقهم في إرادة العبادة، صرح بهذا المفهوم بقوله: {ما ~~أريد منهم} أي في وقت من الأوقات، وعم في النفي بقوله: {من رزق} أي شيء من ~~الأشياء على وجه ينفعني من جلب أو دفع، لأني منزه عن لحاق نفع أو ضر، كما ~~يفعل غيري من الموالي بعبيدهم من الاستكثار بغلاتهم والاستعانة بقواتهم ~~لأني الغني المطلق وكل شيء مفتقر إلي {وما أريد} أصلا {أن يطعمون *} أي أن ~~يرزقوني رزقا خاصا هو الإطعام، وفيه تعريض # PageV18P481 # بأصنامهم فإنهم كانوا يعملون معها ما ينفعها ويحضرون لها الأكل، فربما ~~أكلتها الكلاب ثم بالت على الأصنام. ثم لا يصدهم ذلك، وهذه الآية دليل على ~~أن الرزق أعم من الأكل، والتعبير ms4773 بالإرادة دال على ما قلت إنه مقصود ~~بالعبادة. وهو الجري تحت الإرادة، تارة بموافقة الشرع وتارة بمخالفته. # ولما كان الاهتمام بأمر الرزق - وقد ضمنه سبحانه - شاغلا عن كثير من ~~العبادة، وكان الإنسان يظن أن الذي حصل له ما حواه من الرزق سعيه، قال ~~حاصرا ذلك مؤكدا إزالة لتلك الظنون معللا لافتا الكلام إلى سياق الاسم ~~الأعظم الذي لم يتسم به غيره، نصا على المراد وبالغا من الإرشاد أقصى ~~المراد: {إن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال المنزه عن شوائب النقص {هو} ~~أي لا غيره {الرزاق} أي على سبيل التكرار لكل حي وفي كل وقت. ثم وصفه بما ~~يبين هوان ذلك فقال: {ذو القوة} أي التي لا تزول بوجه {المتين *} أي الشديد ~~الدائم الشدة. # ولما أقسم سبحانه على الصدق في وعيدهم، ودل على ذلك حتى بجميع قصد ~~أحوالهم على إرادته. وختم بقوته التي لا حد لها، سبب عن ذلك إيقاعه ~~بالمتوعدين، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم: {فإن للذين ظلموا} أي الذين أوقعوا ~~الأشياء في غير مواقعها. ولما كان القسم على ما # PageV18P482 # يوعدون بما يحمل المطر، عبر عن نصيبهم الذي قدره عليهم من ذلك بقوله: ~~{ذنوبا} أي خطا من العذاب طويل الشر، كأنه من طوله صاحب ذنب وهو على ذنوبهم ~~{مثل ذنوب أصحابهم} أي الذين تقدم ظلمهم بتكذيب الرسل وهو في مشابهته له ~~كالدلو الذي يساجل به دلو آخر، وذلك دليل واضح على أن ما يوعدون صادق، وأن ~~الدين واقع {فلا يستعجلون *} أي يطلبوا أن آتيهم به قبل أوانه اللاحق به، ~~فإن ذلك لا يفعله إلا ناقص، وأنا متعال عن ذلك لا أخاف الفوت ولا يلحقني ~~عجز ولا أوصف به، ولا بد أن أوقعه بهم في الوقت الذي قضيت به في الأزل، ~~لأنه أحق الأوقات بعقابهم لتكامل ذنوبهم، وحينئذ تكون فيا له من تهديد ما ~~أفظعه، ووعيد ما أعظمه وأوجعه، أمرا لا يدفعه دافع، ولا يمنع من وقوعه ~~مانع، ولذلك سبب عنه قوله: {فويل} أي شر حال وعذاب يوجب الندب والتفجع ~~{للذين كفروا} ms4774 أي ستروا ما ظهر من هذه الأدلة التي لا يسع عاقلا إنكارها ~~{من يومهم} إضافة إليهم لأنه خاص بهم دون المؤمنين {الذي يوعدون *} في ~~الدنيا والآخرة، وقد انطبق آخرها على أولها بصدق الوعيد، وثبت بالدليل ~~القطعي لك القسم الأكيد - والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. # PageV18P483 # سورة الطور # مقصودها تحقيق وقوع العذاب الذي هو مضمون الوعيد المقسم على وقوعه في ~~الذاريات الذي هو مضمون الإنذار المدلول على صدقه في ق، فإن وقوعه أثبت ~~وأمكن من الجبال التي أخبر الصادق بسيرها، وجعل دك بعضها آية يمكن عامره ~~وغيره إخرابه، والسقف الذي يمكن رافعه وضعه، والبحر الذي يمكن من سجره أن ~~يرسله، وقد بان أن اسمها أدل ما يكون على ذلك بملاحظة القسم وجوابه حتى ~~بمفردات الألفاظ في خطابه) بسم الله (الملك الأعظم ذي الملك والملكوت) ~~الرحمن (الذي عم بالرحموت من حققه) الرحيم (الذي خص برحمته وتوفيقه أهل ~~القنوت. # PageV19P001 # لما ختمت الذاريات بتحقيق الوعيد، افتتحت هذه بإثبات العذاب الذي هو روح ~~الوعيد، فقال تعالى: {و ### | الطور # *} وذلك أنهم لما كانوا يقولون عما أتاهم به الرسول صلى الله عليه وسلم: ~~إنه سحر خيال لا حقيقة # PageV19P001 # له، أقسم بالجبل - الذي هو عندهم وعند غيرهم من ذوي العقول - أثبت الأرض ~~وأشدها وأصلبها، وعبر عنه بالطور الذي هو مشترك بين مطلق الجبل وبين المضاف ~~إلى سينا الذي كان فيه نبوة موسى عليه السلام وإنزال كثير من كتابه وغير ~~ذلك - آيات تعلمها بنو إسرائيل الذين يستنصحونهم ويسألونهم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويرضون بقولهم فيه فمن آياته أنه كانت فيه الرحمة بمناجاة ~~موسىعليه السلام وما كتب له فيه على ألواح الجوهر وما أنزل عليه من الناموس ~~الذي جعله هدى ورحمة وموعظة وذكرا وتفصيلا لكل شيء وكان فيه مع الرحمة ~~العذاب بما أتاهم من الصاعقة التي أماتتهم ثم أحياهم الله وبما كانوا ~~يشهدون من السحاب الذي تخلله فيكون كقتار الأتون، وفيه بروق كأعظم ما يشاهد ~~من النار، وأبواق تزعق بصوت هائل، ولما شوهد من اندكاك لجبل عند التجلي ms4775 ~~وصعق موسى عليه السلام إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف الظلمات، وأيضا ~~فالطور كل جبل ينبت، وإنبات الجبل عجيب، فإن نباته لا يكون إلا بسبب، وسبب ~~النبات الماء، والماء منبث في الأرض لتركبها عليه وهو مواز لما انكشف منه ~~من ماء البحار، وكلما علت الأرض بعدت عن الماء، والجبال أبعدها منه، فسبب ~~إنباته خفي جدا لا يعلمه إلا الله ومن فهمه إياه. # PageV19P002 # ولما كانت الأرض لوح السماء التي منها الوعيد، وكانت الجبال أشدها، فذكر ~~أعظمها آية، وكان الكتاب لوح الكاتب، وكانت الكتب الإلهية أثبت الكتب، وكان ~~طور سينا قد نزل كتاب إلهي قال: {وكتاب} وحقق أمره بقوله: {مسطور *} أي ~~متفق الكتابة بسطور مصفوفة من حروف مرتبة جامعة لكلمات متفقة ككتاب موسى ~~عليه السلام الذي أنزله عليه وكلمه بكثير منه في الطور وتنكيره للتعظيم ~~لأنه إن كان المراد به الكتب الإلهية فهو أثبت الأشياء، وإن كان المراد ~~صحيفة قريش فقد كانوا ظنوها أثبت العهود، وذكر أمتن ما يكتب فيه وأشده ~~وأتقنه فقال: {في رق} أي في جلد مهيأ بالقشر للكتابة {منشور *} أي مهيأ ~~للقراءة والاتعاظ بما فيه، ويمكن أن يكون أراد به جميع الكتب المنزلة عاما ~~بعد خاص، قال الرازي: قال الصادق: إن الله تجلى لعبده بكتابه كما تجلى ~~بالطور لما كان محلا للتجلي خلقا، والكتاب لما كان محلا للتجلي أمرا، ~~أجراهما في قرن - انتهى. ويجوز أن يكون أراد به سبحانه صحيفة الظلم التي ~~كتبوها بما تعاقدوا عليه من أنهم لا يعاشرون بني هاشم # PageV19P003 # ولا يكلمونهم ولا يبايعونهم ولا يشاورونهم ولا يناكحونهم ولا يؤازرونهم ~~ولا يعاملونهم حتى يسلموا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلقوها في ~~جوف الكعبة فانحاز بنو هاشم إلى شعب أبي طالب خلف أبي قبيس وتبعهم بنو ~~المطلب رهط إمامنا الشافعي رضي الله عنه، فتحيزوا معهم من بين بني عبد ~~مناف، فكان ذلك سبب شرفهم على مدى الدهر، فأرسل الله على الصحيفة - بعد أن ~~مضى على ذلك سنتان حين جهدهم العيش ومضهم الزمان وزلزلتهم القوارع زلزالا ms4776 ~~شديدا وهم ثابتون ليظهر الله بذلك شرف من شاء من عباده - الأرضة، فأبقت ما ~~فيها من أسماء الله تعالى ومحت ما كان من ظلمهم وقطيعتهم، فكان ذلك سببا ~~لأن قام في نقضها معشر منهم، فنقضها الله بهم، وكانوا إذا ذاك كفرة كلهم ~~ليظهر الله قدرته سبحانه على كل من النقض والإبرام بما شاء ومن شاء {والبيت ~~المعمور *} الذي هو قيام للناس كما كانت قبة الزمان قياما لبني إسرائيل، ~~هذا إن كان تعالى أراد به الكعبة التي علقوا فيها الصحيفة بعد أن كانوا لما ~~عمروها اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود في موضعه، وزاد بهم الاختلاف حتى ~~تهيؤوا للقتال وتحالفوا عليه، فكان منهم لعقة الدم، ومنهم المطيبون كما هو ~~مشهور في السير، ثم وفقوا لأن رضوا أن يحكم بينهم أو داخل من باب عينوه، ~~فكان أول داخل منه النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا بأجمعهم: هذا محمد هذا ~~الأمين، رضينا # PageV19P004 # بحكمه، فحكم صلى الله علي وسلم بأن يوضع الحجر الشريف في ثوب ويأخذ رئيس ~~كل قبيلة بطرف من أطرافه ويرفعوه كلهم، فلما وازى موضعه أخذه هو صلى الله ~~عليه وسلم بيده الشريفة فوضعه في موضعه، فكان الفخر له مضاعفا بحكمه ~~وإصلاحه بينهم، واختصاصه بوضعه وهو معمور بالزوار والخدمة وكثرة الحاشية. # ولما كان البيت لا بد في مسماه من السقف قال: {والسقف المرفوع *} يريد ~~سقف الكعبة إشارة إلى أنه محكم البناء مغلق الباب متقن السقف إتقانا هو ~~أعظم من إتقان سقف قبة الزمان التي شاهد فيها بنو إسرائيل من العظمة ~~الإلهية والجلال ما إن سألتموهم عنه أخبروكم به، ومع ذلك سلط على الصحيفة - ~~التي في جوفه، ولعلها كانت في سقفه بحيث لا يصل إليها أحد - ما أفسدها ~~تحقيقا لثبوت ما أراد من أمره تحذيرا مما توعد به، ويمكن أن يراد به مع ذلك ~~السماء التي فيها ما توعدون، ومن المعلوم أن لكل ذي عقل أن أقل السقوف لا ~~يرتفع توعدون، ومن المعلوم أن لكل ذي عقل أن أقل السقوف لا يرتفع بغير عمد ms4777 ~~إلا بأسباب لا ترى، فكيف بالسماء التي لها من السعة والعظمة والثخن وما ~~فيها من الكواكب ما لها مما لا يسع العقول شرحه، وهم لا ينظرون أسبابه كما ~~قال تعالى # {بغير عمد ترونها} [الرعد: 2] ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ~~إنه العرش وهو سقف الجنة. # ولما كان الماء أقوى من كل ما تقدم، ختم به فقال: # PageV19P005 # {والبحر المسجور *} أي الذي فيه من الماء أكثر من ملئه وهو ساجره أي ~~مانعه - كما يمنع الكلب بساجوره عن الانسباح، ولو أراد خلاه فاندفق فجرى ~~فأهلك ما مر عليه من جبل وكتاب وبيت كما شوهد لما شجره سبحانه لبني إسرائيل ~~فانفلق، ونشفت أرضه ثم لما أراد سببه أن فرعون فعذبهم به فأهلكهم حتى لم ~~يبق منهم أحد. # ولما أقسم بما يدل على نبوة موسى عليه السلام وثلث بما أشار إلى نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وثنى بما هو مشترك بينهما، وكان الأول مع ذلك ~~دالا على استقرار الأرض، والثالث على صلاحيتها للسكنى، والثاني على الحافظ ~~في ذلك، وربع بما كمل المنافع، وحذر من السقوط كما خوف بالأول من الخسف، ~~وخمس بما دل على ما أريد بالأول من الاستقرار لأنه لو كان ميل لانطلق البحر ~~إلى جهته، أجاب القسم بقوله: {إن عذاب} ولما كان سبحانه عظيم الإكرام له ~~صلى الله عليه وسلم، أضاف العذاب إلى صفة الإحسان والتربية الخاصة به، ~~وأضاف الصفة إلى ضميره إيذانا بأنه يريه في أمته ما يسره، وإن مماثلة ~~«ذنوبهم كذنوب أصحابهم» الماضين إنما هي في مجرد الإذلال، لا في أنه ~~يستأصلهم كما استأصل أولئك فقال: {ربك} أي الذي تولى تربيتك أي عذاب أراده ~~بكل من أراد به لا سيما المعادي لأوليائه سبحانه {لواقع *} أي ثابت نازل ~~بمن أراد نزول ما هو ثقيل # PageV19P006 # من مكان عال كما أنه لو أراد لقلب الأرض التي ثبتها وأوقع السقف الذي ~~رفع، وأطلق البحر الذي سجر، كما علم من إطلاقه البحر فلقه على آل فرعون حتى ~~أغرقهم به {ما له من ms4778 دافع *} لأنه لا شريك لموقعه لما دلت عليه هذه الأقسام ~~من كمال قدرته وجلال حكمته وضبط أعمال العباد للمجازاة سواء قلنا: إن ~~الكتاب هو الذي يكتبه الحفظة أو الذي يضبط الدين، فلما أوقع الجزاء بهم في ~~الصحيفة، ونقض معاقدتهم، وفض جمعهم، أخرج معاشرك من ذلك الضيق فكذلك يؤيدك ~~حتى توقع بهم وتنقض جمعهم وتكسر شوكتهم ونقتل سرواتهم ويظهر دينك على ~~دينهم، ويصير من بقي منهم من حزبك وأنصار دينك، قال البغوي: قال جبير بن ~~مطعم رضي الله عنه: قدمت المدينة لأكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أسارى بدر، فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد ~~فسمعته يقرأ {والطور} - إلى قوله - {إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} ~~فكأنما صدع قلبي حين سمعته، ولم أكن أسلمت يومئذ، فأسلمت خوفا من نزول ~~العذاب ما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب. # PageV19P007 # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما توعد تعالى كفار قريش ومن كان على ~~طريقتهم من سائر من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم سيصيبهم ما أصاب ~~غيرهم من مكذبي الأمم، المنبه على ذكرهم في السورة قبل، ثم أشار سبحانه إلى ~~عظيم ما ينالهم من الخزي وأليم العذاب بقوله: {فويل للذين كفروا من يومهم ~~الذي يوعدون} [الذاريات: 60] أقسم سبحانه على صحة ذلك ووقوعه - والعياذ به ~~سبحانه من سخطه وأليم عذابه - فقال تعالى: {والطور} - إلى قوله - {إن عذاب ~~ربك لواقع ما له من دافع} ثم أومأ سبحانه إلى مستحقيه ومستوجبيه فقال {فويل ~~يومئذ للمكذبين} ثم ذكر ما يعنفون به ويوبخون على ما سلف منهم من نسبته ~~عليه الصلاة والسلام إلى السحر فقال تعالى {ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها ~~تكذبون} [سبأ: 42] {أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون} ثم أعقب بذكر حال ~~المؤمنين المستجيبين، ثم ذكر إثر إعلامه بحال الفريقين - نعمته على نبيه ~~عليه الصلاة والسلام وعصمته ووقايته مما يقول المفترون فقال تعالى {فذكر ~~فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} ثم ms4779 جرت الآي على توبيخهم في مقالتهم ~~ووهن انتقالاتهم، فمرة يقولون: كاهن، ومرة يقولون: مجنون، ومرة يقولون: ~~شاعر يترقب موته. فوبخهم على ذلك كله وبين كذبهم وأرغمهم وأسقط ما بأيديهم ~~بقوله {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} # PageV19P008 # وهذا هو المسقط لما تقولوه أولا وآخرا، وهذا الذي لم يجدوا عنه جوابا، ~~ورضوا بالسيف والجلاء، لم يتعرضوا لتعاطي معارضته، وهذا هو الوارد في قوله ~~تعالى في صدر سورة البقرة {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله} [البقرة: 23] الآيات، فما نطقوا في جوابه ببنت شفة {قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} ~~[الإسراء: 88] فتبارك من جعله آية باهرة وحجة قاهرة - انتهى. # ولما أثبت وقوع العذاب، تشوفت نفس الموقن إلى وقته، قال مستأنفا لبيان ~~أنه واقع على تلك الصفة: {يوم تمور} أي تتحرك وتضطرب وتجيء وتذهب وتتكفأ ~~تكفأ السفينة وتدور دوران الرحى، ويموج بعضها في بعض، وتختلف أجزاؤها بعضها ~~في بعض، ولا تزول عن مكان؛ قال البغوي: والمور يجمع هذه المعاني فهو في ~~اللغة الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب، قال الرازي: وقيل: تجيء ~~وتذهب كالدخان ثم تضمحل. {السماء} التي هي سقف بيتكم الأرض {مورا *} أي ~~اضطرابا شديدا {وتسير الجبال} أي تنتقل من أمكنتها انتقال السحاب، وحقق ~~معناه بقوله: {سيرا} فتصير هباء # PageV19P009 # منثورا وتكون الأرض قاعا صفصفا. # PageV19P010 # ولما حقق العذاب وبين يومه، بين أهله بقوله مسببا عن ذلك: {فويل} هي كلمة ~~يقولونها لمن وقع في الهلاك، ومعناه حلول شر فاضح يكون فيه ندبة وتفجع ~~{يومئذ} أي يوم إذ يكون ما تقدم ذكره {للمكذبين *} أي العريقين في التكذيب ~~وهم من مات على نسبة الصادقين إلى الكذب. # ولما كان التكذيب قد يكون في محله، بين أن المراد تكذيب ما محله الصدق ~~فقال: {الذين هم} أي من بين الناس بظواهرهم وبواطنهم {في خوض} أي أعمالهم ~~وأقوالهم أعمال الخائض في ماء، فهو لا يدري أين يضع رجله. ولما كان ذلك قد ~~يكون من دهشة بهم أو غم، نفى ms4780 ذلك بقوله: {يلعبون *} فاجتمع عليهم أمران ~~موجبان للباطل: الخوض واللعب، فهم بحيث لا يكاد يقع لهم قول ولا فعل في ~~موضعه، فلا يؤسس على بيان أو حجة. ولما صور تكذيبهم بأشنع صورة، بين ويلهم ~~ببيان ظرفه وما يفعل فيه فقال: {يوم يدعون} أي يدفعون دفعا عنيفا بجفوة ~~وغلظة من كل ما يقيمه الله لذلك، ذاهبين ومنتهين {إلى نار جهنم} وهي الطبقة ~~التي تلقاهم بالعبوسة والكراهة والغليظ والزفير، وأكد المعنى وحققه بقوله: ~~{دعا *} # PageV19P010 # قال البغوي: وذلك أن خزنه جهنم يعلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم ~~إلى أقدامهم فم يدفعون دفعا على وجوههم وزجا في أقفيتهم، مقولا لهم تبكيتا ~~وتوبيخا: {هذه النار} أي الجسم المحرق المفسد لما أتى عليه، الشاغل عن ~~اللعب {التي كنتم} بجبلاتكم الفاسدة. ولما كان تكذيبهم بها في أقصى درجات ~~التكذيب، وكان سببا لكل تكذيب، كان كأنه مقصور عليه فقال مقدما للظرف إشارة ~~إلى ذلك، {بها تكذبون *} أي في الدنيا على التجديد والاستمرار. # ولما كانوا يقولون عنادا: إن القرآن بما فيه من الوعيد سحر، سبب عن ذلك ~~الوعيد قوله مبكتا موبخا متهكما: {أفسحر هذا} أي الذي أنتم فيه من العذاب ~~مع هذا الإحراق الذي تصلون منه {أم أنتم} في منام ونحوه {لا تبصرون *} ~~بالقلوب كما كنتم تقولون في الدنيا {قلوبنا في أكنة} [فصلت: 5] ولا بالأعين ~~كما كنتم تقولون للمذرين {من بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون} [فصلت: ~~5] أي أنتم عمي عن المخبر عنه مع إحراقه لهم كما كنتم عميا عن الخبر أي هل ~~تستطيعون أن تقولوا إنكم لا تبصرون المخبر عنه كما كنتم تقولون في الخبر ~~كذبا وفجورا، ثم يقال لهم بعد هذا التبكيت الذي يقطع بأن جوابهم يكون بأن ~~يقولوا: لا وعزة ربنا ما هو بسحر ولا خيال، بل هو حقيقة، # PageV19P011 # ونحن في غاية الإبصار على سبيل الإخزاء، والامتهان والإذلال: {اصلوها} أي ~~باشروا حرها وقاسوه وواصلوه كما كنتم تواصلون أذى عبادي بما يحرق قلوبهم ~~{فاصبروا} أي فيتسبب عن تكذيبكم في الدنيا ومباشرتكم لها الآن أن يقال لكم: ~~اصبروا ms4781 على هذا الذي لا طاقة لكم به {أو لا تصبروا} فإنه لا محيص لكم عنها ~~{سواء عليكم} أي الصبر والجزع. # ولما كان المعهود أن الصبر له مزية على الجزع، بين أن ذلك حيث لا تكون ~~المصيبة إلا على وجه الجزاء الواجب وقوعه فقال معللا: {إنما تجزون} أي يقع ~~جزاؤكم الآن وفيما يأتي على الدوام {ما كنتم} أي دائما بما هو لكم كالجبلة ~~{تعملون *} مع الأولياء غير مبالين بهم، فكان هذا ثمرة فعلكم بهم. # PageV19P012 # ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب المشار إليه بكلمات القسم، أتبعه ما ~~لأضدادهم من الثواب المنبه عليه أيضا بتلك الكلمات ليتم الخبر ترغيبا ~~وترهيبا، فقال جوابا لمن كأنه قال: فما لمن عاداهم فيك؟ مؤكدا لما للكفار ~~من التكذيب: {إن المتقين} أي الذين صارت التقوى لهم صفة راسخة {في جنات} أي ~~بساتين دائما في الدنيا حكما وفي الآخرة. # ولما كانت البساتين ربما يشقى داخلها أو صاحبها، نفى هذا بقوله: # PageV19P012 # {ونعيم *} أي نعيم في العاجل، يعني بما هم فيه من الأنس، والآجل بالفعل، ~~وزاد في تحقيق التنعم بقوله: {فاكهين} أي معجبين متلذذين {بما آتاهم ربهم} ~~الذي تولى تربيتهم بعملهم بالطاعات إلى أن أوصلهم إلى ذهاب النعيم، فهو لأن ~~عظمته من عظمته لا يبلغ كنه وصفه. ولما كان المتنعم قد تكون نعمته بعد ~~عذاب، فبين أنهم ليسوا كذلك فقال: {ووقاهم} أي قبل ذلك {ربهم} أي المتفضل ~~بتربيتهم بكفهم عن المعاصي والقاذورات {عذاب الجحيم *} أي النار الشديدة ~~التوقد. # ولما كان من باشر النعمة وجانب النقمة في هناء عظيم، قال مترجما لذلك على ~~تقدير القول: {كلوا} أي أكلا هنيئا {واشربوا} شربا {هنيئا} أي لا نقص فيه، ~~وهو صفة في موضع المصدر أي هنأتم بمعنى أن كل ما تتناولونه مأمون العاقبة ~~من التخمة والسقم ونحوها {بما كنتم} أي كونا راسخا {تعملون *} أي مجددين له ~~على سبيل الاستمرار حتى كأنه طبع لكم. # ولما كان النعيم لا يتم إلا بأن يكون الإنسان مخدوما، نبه عليه بقوله: ~~{متكئين} أي مستندين استناد راحة، لأنهم يخدمون فلا حاجة ms4782 لهم إلى الحركة ~~{على سرر مصفوفة} أي منصوبة واحدا إلى جنب واحد، مستوية كأنها السطور على ~~أحسن نظام وأبدعه، قال الأصبهاني: والصفة: مد الشيء على الولاء. ولما كان ~~السرور لا يتم إلا بالتنعم بالنساء قال: {وزوجناهم} أي تزويجا يليق بما لنا ~~من العظمة. # PageV19P013 # ولما كانت تلك الدار غنية عن الأسباب، فكانوا غنيين عن العقد، قال مشيرا ~~بالباء إلى صرف الفعل عن ظاهره فإنه إذا كان بمعنى النكاح تعدى بنفسه، ~~وتضمين الفعل «قرناهم» أي جعلناهم أزواجا مقرونين {بحور} أي نساء هن في شدة ~~بياض العين وشدة سوادها واستدارة حدقتها ورقة جفونها في غاية لا توصف {عين ~~*} أي واسعات الأعين في رونق وحسن. # ولما وصف حال المتقين من أعداء المكذبين وبدأ بهم لشرفهم، أتبعهم من هو ~~أدنى منهم حالا لتكون النعمة تامة فقال: {والذين آمنوا} يعني أقروا ~~بالإيمان ولم يبدلوا ولا بالغوا في الأعمال الصالحة. ولما كان من هؤلاء من ~~لا يتبعه ذريته بسبب إيمانه لأنه يرتد عنه، عطف على فعلهم تمييزا لهم ~~واحترازا عمن لم يثبت قوله: {واتبعتهم} أي بما لنا من الفضل الناشىء عما ~~لنا من العظمة {ذرياتهم} الصغار والكبار وإن كثروا، والقرار لأعينهم ~~بالكبار بايمانهم والصغار بإيمانهم آبائهم {بإيمان} أي بسب إيمان حاصل ~~منهم، ولو كان في أدنى درجات الإيمان، ولكنهم ثبتوا عليه إلى أن ماتوا، ~~وذلك هو شرط إتباعهم الذريات، ويجوز أن يراد وهو أقرب: بسبب إيمان الذرية ~~حقيقة إن كانوا كبارا، وحكما إن كانوا صغارا، ثم أخبر عن الموصول بقوله: ~~{ألحقنا بهم} أي فضلنا لأجل عمل آبائهم {ذرياتهم} وإن لم يكن للذرية أعمال، ~~لأنه قيل في المعنى: «ولأجل عين ألف عين تكرم» # PageV19P014 # ويلحق بالذرية من النسب الذرية بالسبب وهو المحبة، فإن كان معها آخذ لعلم ~~أو عمل كانت أجدر، فتكون ذرية الإفادة كذرية الولادة، وذلك لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم # «المرء مع من أحب» في جواب من سأل عمن يحب القوم ولم يلحق بهم. # ولما كان ربما خيف أن ينقص الآباء بسبب إلحاق ذرياتهم بهم شيئا ms4783 من ~~درجاتهم، قال: {وما ألتناهم} أي نقصنا الآباء وحبسنا عنهم {من عملهم} وأكد ~~النفي بقوله: {من شيء} بسبب هذا الإلحاق وكان من فوق رتبتهم من الذين ~~يؤمنون والمؤمنين والمتقين وغيرهم أولى منهم، وإنما فصلهم منهم لأن هؤلاء ~~قد لا يوقنون قبل دخول الجنة العذاب، قال جامعا للفريقين، أو يقال - ولعله ~~أقرب - أنه لما ذكر اتباع الأدنى للأعلى في الخير فضلا، أشفقت النفس من أن ~~يكون إتباع في الشر فأجاب تعالى بأنه لا يفعل بقوله: {كل امرىء} أي من ~~الذين آمنوا والمتقين وغيرهم {بما كسب} أي من ولد وغيره {رهين *} أي مسابق ~~ومخاطر ومطلوب وآخذ شيئا بدل كسبه وموفي على قدر ما يستحقه ومحتبس به إن ~~كان عاصيا، فمن كان صالحا كان آخذا بسبب صلاح ولده لأنه كسبه، ولا يؤخذ به ~~ذلا وهو حسن في نفسه لأجل الحكم بإيمانه سواء كان حقيقة أو حكما وكل حسن ~~مرتفع، فلذلك يلتحق بأبيه، وأما الإساءة فقاصرة على صاحبها يؤخذ بها ويرهن ~~بذنبه ولا يؤخذ بذنب غيره، والحاصل أن المعالي التي هي # PageV19P015 # كالحياة تفيض من صاحبها على غيره فتحييه، والمساوئ التي هي كالموت لا ~~يتعدى صاحبها، قال الرازي في اللوامع: اعلم أن الذوات بقاؤها ودوامها ببقاء ~~صورها، فحيث ما كانت الصورة المقومة لها أدوم كانت الذوات بها أقوم، وأن ~~النفوس الإنسانية ذوات وصورها علومها وأخلاقها، فحيث ما كانت العلوم حق ~~اليقين ثم عين اليقين، والأخلاق مقومة على نهج الشرع المبين، كانت النفوس ~~دائمة بدوامها غير مستحيلة، إذ لا تتطرق الاستحالة إلى اليقين والعمل الحق، ~~وغير كائنة ولا فاسدة إذ ليس عن اليقين ولا العلوم الحقيقية من عالم الكون ~~والفساد، وإن لم تبلغ النفس إلى كمال اليقين فتعلقت بدليل صاحبه كما انخرطت ~~في سلكها حتى يخرط الإنسان في سلك محبته، لو أحب أحدكم حجرا لحشر معه، فإن ~~الدين هو الحب في الله والبغض في الله، ولهذا اكتفى الشرع من المكلفين ~~بالإسلام وتسليم وتفويض وتحكيم دون الوقوف على المسائل العويصة بالبراهين ~~الواضحة الصحيحة، وما لم يبلغ الولد ms4784 حد التكليف واخترم ألحقوا بآبائهم وحكم ~~عليهم بحكم عقائدهم وآرائهم حتى يكون حكم آبائهم جاريا عليهم وحكم القيامة ~~نافذا فيهم، وأما إذا كانت الصورة القائمة بالذوات مستحيلة بأن كانت جهلا ~~وباطلا ينقص أوله آخره وآخره أوله، كانت ذات النفس لا تنعدم ولا تفنى بل ~~تبقى على حال لا يموت فيها ولا يحي، فإنها لو فنيت لاستراحت ولو بقيت ~~لاستطابت، فهي على استحالة بين الموت والحياة، وهذه الاستحالة # PageV19P016 # لا تكون إلا في أجساد وأبدان # {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} [النساء: 56] انتهى. وهو كما ترى ~~في غاية النفاسة، ويؤيده «يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ~~ويجوز أن تكون الجملة تعليلا لما قبلها من النفي، أي ما نقصناهم لأنه قد ~~سبق في حكمنا بأن يكون «كل امرىء» قدرنا أن يرتهن بما قد ينقصه {بما كسب} ~~أي لا يضر ما كسب ما كسبه غيره «رهين» أي معوق عن النعيم حتى يأتيه بما ~~يطلق من العمل الصالح. # PageV19P017 # ولما جمعهم في إلحاق الذرية بهم لأنهم من أعظم النعيم، وأمنهم مما قد ~~يخشى من نقصهم بنقصه غيرهم، وعلل ذلك ليكون أرسخ في النفس، أتبعه بما ~~يشاكله فقال: {وأمددناهم} أي آمنوا والمتقين ومن ألحق بهم من ذرياتهم بما ~~لنا من العظمة زيادة على ما تقدم {بفاكهة} . ولما كانت الفاكهة ظاهرة فيما ~~يعرفونه في الدنيا وإن كان عيش الجنة بجميع الأشياء تفكها ليس فيه شيء يقصد ~~به حفظ البدن قال: {ولحم مما يشتهون *} ليس فيه شيء منه مما لا يعجبهم غاية ~~الإعجاب. # ولما كان هذا النعيم العظيم المقيم يدعو إلى المعاشرة، بالقرينة العاطرة، ~~بين أن ذلك حالهم اللازمة الظاهرة، من الخصال اللائقة الطاهرة، فقال: ~~{يتنازعون} أي يشربون متجاذبين مجاذبة الملاعبة لفرط المحبة والسرور وتحلية ~~المصاحبة {فيها كأسا} أي خمرا من رقة حاشيتها تكاد أن لا ترى في كأسها. ~~ولما كان في خمر الدنيا غوائل نفاها عنها فقال: {لا لغو} أي سقط مما يضر ~~ولا ينفع {فيها} # PageV19P017 # أي في تنازعها ولا بسبها لأنها لا تذهب بعقولهم ms4785 ولا يتكلمون إلا بالحسن ~~الجميل {ولا تأثيم *} أي ولا شيء فيها مما يلحق شرابها إثما ولا يسوغ نسبه. # ولما كانت المعاطاة لا يكمل بسطها ولا يعظم إلا بخدم وسقاة قال: {ويطوف ~~عليهم} أي بالكؤوس وغيرها من أنواع التحف {غلمان} ولما كان أحب ما إلى ~~الإنسان ما يختص به قال: {لهم} ولم يضفهم لئلا يظن أنهم الذين كانوا ~~يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحد في الدنيا بقول أو فعل أن يكون ~~خادما له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال تابعا، وأفاد التنكير أن كل من دخل ~~الجنة وجد له خدما لم يعرفهم قبل ذلك {كأنهم} في بياضهم وشدة صفائهم {لؤلؤ ~~مكنون *} أي مصون في الصدف لم تغيره العوارض، هذا حال الخادم فما ظنك ~~بالمخدوم. # ولما كان ألذ ما إلى الحبيب وأعظم ما يكون من أربه ذكر محبوبه والثناء ~~عليه بما من به، قال تعالى شارحا لذلك عاطفا على ما تقديره: فأقبلوا على ~~تعاطي ما ذكر من النعم: {وأقبل بعضهم} لما ازدهاهم من السرور، وراقهم من ~~اللذة والحبور {على بعض يتساءلون *} أي يسأل بعضهم بعضا عن السبب الموصل له ~~إلى هذا النعيم الذي لا يقدر مخلوق على وصفه حق وصفه، ثم استأنف شرح ذلك ~~بقوله: {قالوا} أي # PageV19P018 # قال كل منهم مؤكدا استلذاذا بما أداهم إلى ما هم فيه لأنه لا يكاد يصدق، ~~مسندين النعمة بفعل الكون إلى الله الذي جبلهم جبلة خير، مسقطين الجار ~~إشارة إلى دوام خوفهم، تنبيها على أن الخوف الحامل على الكف عن المعاصي ~~يشترط فيه الدوام، بخلاف الرجاء الحامل على الطاعات، فإنه يكفي فيه ما تيسر ~~كما تأتي الإشارة إليه بإثبات الجار: {إنا كنا قبل} أي في دار العمل {في ~~أهلنا} على ما لهم من العدد والعدد والنعمة والسعة، ولنا بهم من جوالب ~~اللذة والدواعي إلى اللعب {مشفقين *} أي عريقين في الخوف من الله لا يلهينا ~~عنه شيء مع لزومنا لما نقدر عليه من طاعته لعلمنا بأنا لا نقدره لما له من ~~العظمة والجلال والكبرياء والكمال ms4786 حق قدره، وأنه لو واخذنا بأصغر ذنوبنا ~~أهلكنا، قال الرازي: والإشفاق: دوام الحذر مقرونا بالترحم، وهو أن يشفق على ~~النفس قبل أن تجمح إلى العناد، وله أقسام: إشفاق على العمل أن يصير إلى ~~الضياع، وإشفاق على الخليقة لمعرفة مقاديرها، وإشفاق على الوقت أن يشوبه ~~تفرق وعلى القلب أن يمازجه عارض وعلى النفس أن يداخلها - انتهى. # ولما حكى عنهم سبحانه أنهم أثبتوا لأنفسهم عملا تدريبا لمن أريدت سعادته، ~~فكان بحيث يظن أنهم رأوه هو السبب لما وصلوا إليه، قالوا نافين لهذا الظن، ~~مبينين أن ما هم فيه إنما هو ابتداء تفضل من الله تعالى لأن إشفاقهم منه ~~سبحانه لكيلا يعتمد الإنسان على شيء من عمله # PageV19P019 # فلا يزال معظما لربه خائفا منه: {فمن الله} الذي له جميع الكمال بسب ~~إشفاقنا منه {علينا} بما يناسب كماله فأمننا {ووقانا} أي وجنبنا بما سترنا ~~به {عذاب السموم *} أي الحر النافذ في المسام نفوذ السم. # PageV19P020 # ولما ذكروا إشفاقهم، بينوه مؤكدين أيضا لمثل ذلك بقولهم: {إنا كنا} أي ~~بما طبعنا عليه وهيئنا له. ولما كان الدعاء بمعنى فعل العبادة، وكانت تقع ~~في بعض الزمان، أثبت الجار إشارة إلى ذلك مع إسقاطه قبل هذا في الدعاء ~~بالقوة إشارة إلى أن التحلي بالفضائل يرضى منه باليسر، والتخلي عن الرذائل ~~لا بد فيه من البراءة عن كل قليل وكثير فقيل: {من قبل} أي في الدنيا ~~{ندعوه} أي نسأله ونعبده بالفعل، وأما خوفنا بالقوة فقد كان في كل حركة ~~وسكنة، ثم عللوا دعاءهم إياه مؤكدين لأن إنعامه عليهم مع تقصيرهم مما لا ~~يكاد يفعله غيره، فهو مما يعجب منه غاية العجب فقالوا: {إنه هو} أي وحده ~~{البر} الواسع الجود الذي عطاؤه حكمة ومنعه رحمة، لأنه لا ينقصه إعطاء ولا ~~يزيده منع، فهو يبر عبده المؤمن بما يوافق نفسه فربما بره بالنعمة وربما ~~بره بالبؤس، فهو يختار له من الأحوال ما هو خير له ليوسع له في العقبى، ~~فعلى المؤمن أن لا يتهم ربه في شيء من قضائه {الرحيم *} المكرم لمن أراد ms4787 من ~~عباده بإقامته فيما يرضاه من طاعته، # PageV19P020 # ثم بإفضاله عليه وإن قصر في خدمته. # ولما كان هذا مع تشويقه إلى الجنة والأعمال الموصله إليها وعظا يرقق ~~القلوب ويجلي الكروب، سبب عنه قوله: {فذكر} أي جدد التذكير بمثل هذا لكل من ~~يرجو خيره ودم على ذلك، وسماه تذكيرا لأنه مما يعلمه الإنسان إذا أمعن ~~النظر من نفسه أو من الآفاق، وعلل التذكير بقوله: {فما أنت} أي وأنت أشرف ~~الناس عنصرا وأكملهم نفسا وأزكاهم خلائق هم بها معترفون لك قبل النبوة ~~{بنعمت ربك} أي بسبب ما أنعم به عليك المحسن إليك من هذا الناموس الأعظم ~~بعد تأهيلك له بما هيأك به من رجاحة العقل وعلو الهمة وكرم الفعال وجود ~~الكف وطهارة الأخلاق وشرف النسب، وأكد النفي بقوله: {بكاهن} أي تقول كلاما ~~- مع كونه سجعا متكلفا - أكثره فارغ وتحكم على المغيبات بما يقع خلاف بعضه. ~~ولما كان للكاهن والمجنون اتصال بالجن، أتبع ذلك قوله: {ولا مجنون *} أي ~~تقول كلاما لا نظام له مع الإخبار ببعض المغيبات، فلا يفترك قولهم هذا عن ~~التذكير فإنه قول باطل لا تلحقك به معرة أصلا؛ وعما قليل يكون عيبا لهم لا ~~يغسله عنهم إلا اتباعهم لك، فمن اتبعك منهم غسل عاره، ومن استمر على عناده ~~استمر تبابه وخساره. # PageV19P021 # ولما كانت نسبته صلى الله عليه وسلم فيما أتاهم به من هذا القرآن الآمر ~~بالحكمة إلى أنه أتى به عن الجن الذين طبعهم الفساد مما لا ينبغي أن يتخيله ~~أحد فضلا أن يقوله له صلى الله عليه وسلم، ولا يكاد يصدق أن أحدا يرميه به، ~~فكان في طيه سؤال تقريع وتوبيخ، نبه على ذلك بالعطف على ما تقديره: أيقولون ~~هذا القول البعيد من أقوال أهل العقول: {أم يقولون} ما هو أعجب في مجرد ~~قوله فضلا عن تكريره، فأم معادلة للاستفهام قبلها لا مقطوعة، وكذا جميع ما ~~بعدها وهو معنى ما نقله البغوي عن الخليل أنه قال: ما في سورة الطور من ذكر ~~«أم» كله استفهام وليس بعطف. # {شاعر} يقول كلاما ms4788 موزونا بالقصد، يلزمه التكلف لذلك فيغلب إلزام الوزن ~~قائله حتى يجعل اللفظ هو الأصل ويجعل المعنى تابعا له، فيأتي كثير من كلامه ~~ناقص المعاني هلهل النسج مغلوبا فيه على أمره معترفا إذا وقف عليه بتقصيره ~~متعذرا مما زانه بهزعم من أوزانه، وساق سبحانه هذا وكذا ما بعده من الأقسام ~~على طريق الاستفهام مع أن نسبتها إليهم محققة، تنبيها على أن مثل هذا لا ~~يقوله عاقل، وإن قاله أحد لم يكد الناقل عنه يصدق: # PageV19P022 # {نتربص} أي ننتظر {به ريب المنون *} أي حوادث الدهر من الموت وغيره ~~القاطعة، من المن وهو القطع. # ولما كان كأنه قيل لهم: إنهم ليقولون ذلك، قال معلما جوابهم: {قل تربصوا} ~~ولم يعرج على محاججتهم في قولهم هذا تنبيها على أنه من السقوط بمنزلة لا ~~يحتاج معها إلى رد مجادلة، ثم سبب عن أمره لهم بالتربص قوله: {فإني معكم} ~~وأكده تنبيها على أنه يرجو الفرح بمصيبتهم كما يرجون الفرح بمصيبته وإن ~~كانت كثرتهم وقوتهم عندهم مانعة من مثل هذا التربص {من المتربصين *} أي ~~العريقين في التربص وإن ظننتم خلاف ذلك، وأشار بالمعية إلى أنه مساو لهم في ~~ذلك وإن ظنوا لكثرتهم وقوتهم ووحدته وضعفه أن الأمر خلاف ذلك، قال القشيري: ~~جاء في التفسير أن جميعهم - أي الذي تربصوا به - ماتوا، قال: ولا ينبغي ~~لأحد أن يؤمل نفاق سوقه بموت أحد لتنتهي النوبة إليه فقل من تكون هذه صفته ~~إلا سبقته المنية، ولا يدرك ما تمناه من الأمنية. # ولما كان قولهم هذا مما لا يقال أصلا وإن قيل على بعده كان قوله كأنه على ~~جهة سبق اللسان أو نحو ذلك، نبه عليه بمعادلة ما تقديره: أقالوا ذلك ذهولا: ~~{أم تأمرهم} أي نزين لهم تزيينا يصير مآلهم إليه من الانبعاث كالأمر ~~{أحلامهم} أي عقولهم التي يزعمون أنهم اختصوا بجودتها دون الناس بحيث إنه ~~كان يقال فيهم: أولوا الأحلام والنهي # PageV19P023 # {بهذا} أي وهم يعتقدون صحته وأنه العدل السواء لأنه متقيدون بالأحلام ~~والنهي على ما فيه من الفساد بالتناقض بعد اختلال كل ms4789 قول منه على حدته كما ~~تقدم بيانه، وهو توبيخ عظيم بالإشارة إلى أنه ليست لهم عقول أصلا لقولهم ~~هذا، فإن الكاهن شرطه أن يكون في غاية المعرفة عندهم حتى أنهم يجعلونه حكما ~~وربما عبدوه، والمجنون لا يصلح لصالحة لأنه لا يعقل، والشاعر بعيد الأمر ~~بوزن الكلام وكثرته من سجع الكاهن وغيره وكلام المجنون: {أم هم} بظواهرهم ~~وبواطنهم {قوم} أي ذوو قوة على ما يحاولونه فهم لذلك {طاغون} أي مجازون ~~للحدود، وذلك عادة لهم بما أفهمه الوصف، فهم لذلك لا يبالون بالعناد الظاهر ~~في مخالفته لما تأمر به الأحلام والنهى، ولا يقوله إلا الطغاة السفهاء مع ~~ظهور الحق لهم، فهم يقولون الكلام المتناقض غير مبالين بأحد ولا مستحيين من ~~أن ينسبوا إلى العدوان والمبالغة في العصيان، والآية من الاحتباك: ذكر ~~الأحلام أولا دليلا على ضدها ثانيا، والطغيان ثانيا على ضده «العدل السواء» ~~أولا، وسره أن ما ذكر أشد تنفيرا من السوء وأعظم تقبيحا له وتحذيرا منه {أم ~~يقولون} ما هو أفحش عارا من التناقض: {تقوله} أي تكلف قوله من عند نفسه # PageV19P024 # كذبا وليس بشعر ولا كهانة ولا جنون، وهم على كثرتهم وإلمام بعضهم بالعلم ~~وعرافة آخرين في الشعر والخطب والترسل والسجع يعجزونه عن مثله بل عن مثل ~~شيء منه. # ولما كان الكلام حقيقة في النفس، وكانوا يعلمون بطلان جميع ما يقولونه من ~~ذلك، كان التقدير: لم يقولوا شيئا من ذلك حقيقة واعتقادا {بل لا يؤمنون *} ~~أي لا يقرون بالحق مع علمهم ببطلان قولهم وتناقضه عنادا منهم لا تكذيبا في ~~الباطن. # ولما كان هذا القول أظهر بطلانا من كل ما قالوه لأن تكذيبهم لهم على ~~تقدير كذبه - على زعمهم - غير موقوف على شيء خارج عن القوة، طالبهم ~~بالمعارضة لأنهم إذا عارضوه بمثله انفصل النزاع، ولذلك سبب عما مضى قوله ~~تكذيبا لهم في قولهم هذا الذي أظهروه بألسنتهم يوقفون به غيرهم عن الخير: ~~{فليأتوا} أي على تقدير أرادوه {بحديث} أي كلام مفرق مجدد إتيانه مع ~~الأوقات لا تكلفهم أن يأتوا به جملة {مثله} ms4790 أي القرآن في البلاغة وصحة ~~المعاني والإخبار بالمغيبات مما كان أو يكون على ما هي عليه والحكم. # ولما كان المقصود هنا مطلق التعجيز للمكذبين لا بقيد الاجتماع كما في ~~سبحان لأن نزول هذه أوائل ما نزل، تحداهم بالإتيان بالمثل في التنجيم ~~والتطبيق على الوقائع سورا أو آيات أو دون ذلك، تحدث وتتجدد شيئا في أثر ~~شيء - بما أشار إليه التعبير بالحدوث، ولذلك أعراه عن تظاهرهم بالاجتماع ~~ودعاء المستطاع، ولكونهم كاذبين في جزمهم بنسبته إلى # PageV19P025 # التقول وغيره، أشار إلى ذلك بقوله مقرعا لهم إلهابا إلى الخوض في ~~المعارضة: {إن كانوا} أي كونا هم راسخون فيه {صادقين *} أي في أنه تقوله من ~~عند نفسه شيئا فشيئا، كونا هم عريقون فيه كما يزعمون سواء ادعوا أنه شاعر ~~أو كاهن أو مجنون أو غير ذلك، لأن العادة تحيل أن يأتي واحد من قوم وهو ~~مساو لهم بما لا يقدرون كلهم على مثله، والعاقل لا يجزم بشيء إلا وهو عالم ~~به، ويلزم من علمهم بذلك قدرتهم على مثل ما يأتي به، فإنه صلى الله عليه ~~وسلم مثلهم في الفصاحة والبلد والنسب، وبعضهم يزيد عليه بالكتابة وقول ~~الشعر ومخالطة العلماء، ومزاولة الخطب والرسائل وغير ذلك، فلا يقدر على ما ~~يعجزون عنه إلا بتأييد إلهي، وهو المراد من تكذيبهم، وقد علم من هذا ومما ~~تقدم من نحوه مفرقا في السور التي فيها مثله أن المتحدى به في كل سورة غير ~~المتحدى به في الأخرى - والله الهادي، وهذه الأقسام الماضية من تكذيبهم ~~تتأتى أن تكون على تقدير الاعتقاد للإله على ما هو عليه من صفات الكمال ~~فأتباعها قسما على تقدير التعطيل، وإذا لم يكن إله لم يكن رسول فيأتي ~~التكذيب، ثم أتبع ذلك قسما آخر هو على تقدير إثبات الإله لكن مع الضعف ~~بالشركة، ولكون الشركة تارة تكون من المتكلم وتارة من غيره، قدم منها ما ~~للمتكلم على زعمه، وقدم تقدير شركته بالخلق ثم بضبط الخزائن ثم بالكتابة ثم ~~بسماع # PageV19P026 # الأسرار ثم بضعف السعة بالرضا بالصنف الأردأ. # PageV19P027 # ولما ms4791 مضت فضيحتهم بالتحدي، وكانت عندهم فضيحة التناقض دون فضيحة ~~المعارضة، فكانوا يقدمونها عليها، فلم يحدث أحد منهم يوما من الأيام بشيء ~~مما يعارضه به علما منهم بأنهم يصيرون بذلك إلى خزي لا يمكن أن يغسل عاره ~~كما صار مسيلمة، لأنهم كانوا أعقل العرب وكان التقدير كما هدى إليه السياق: ~~فإنك مستو معهم بالنسبة إلى إيجاد الله لكم، هو سبحانه خالقهم كما أنه ~~خالقك، ولا خصوصية لك منه على زعمهم: أهو خالقهم كما هو خالقك فيلزمهم أن ~~يأتوا بمثل ما تأتي به، وكان ذلك على تقدير إقرارهم بالله وادعائهم لكذبه ~~صلى الله عليه وسلم، عادله سبحانه تبكيتا لهم وإظهارا لفضائح هي أشنع مما ~~فروا منه من المعارضة بقوله على تقدير أن يكونوا منكرين للإله أو مدعين لأن ~~يكونوا آلهة: {أم خلقوا} أي وقع خلقهم على هذه الكيفية المتقنة {من غير ~~شيء} فيكونوا مخالفين لصريح العقل إذ تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم ~~كتعلقه بالمخلوق ليسلم لهم أنك تأتي بما لا يقدرون على معارضته لأنك أقوى ~~منهم بكونك مستندا إلى خالق وهم ليسوا مستندين إلى شيء أو ليكونوا لذلك ~~أقوى منك وأعلى، فيكون لهم التكبر عليك {أم هم الخالقون *} أي الذين لهم ~~هذا الوصف فيكونون قد خلقوا أنفسهم ليكونوا بذلك شركاء فيكون الخالق ~~والمخلوق واحدا، # PageV19P027 # وهو مثل القسم الذي قبله في عدم الاستناد إلى شيء أو يكون ثبوت هذا الوصف ~~لهم موجبا لأن يكونوا على ثقة مما يقولون وللتكبر عليك، فإن ادعوا ذلك حكم ~~أدنى الخلق بجنونهم؛ {أم خلقوا} أي على وجه الشركة {السماوات والأرض} فهم ~~لذلك عالمون بما فيها على وجه الإحاطة واليقين حتى علموا أنك تقولته ليصير ~~لهم رده والتهكم عليه. # ولما كان التقدير: لم يكن شيء من ذلك ليكون لهم شبهة في الكلام فيك، عطف ~~عليه قوله: {بل لا يوقنون *} أي ليس لهم نوع يقين ليسكنوا إلى شيء واحد ~~لكونه الحق أو ليعلموا أن هذه الملازم الفاضحة تلزمهم فيكفوا عن أمثالهم ~~{أم عندهم} أي خاصة دون غيرهم {خزائن} ولما ms4792 كان ذكر الرحمة لا يقتضيه مقصود ~~السورة الذي هو العذاب، لم تذكر كما في ص وسبحان فقيل: {ربك} المحسن إليك ~~بإرسالك بهذا الحديث فيعلموا أن هذا الذي أثبت به ليس من قوله لأنه لا تصرف ~~له في الخزائن إلا بهم، فيصح قولهم: إنك تقولته وحينئذ يلزمهم فضائح لا آخر ~~لها، منها أن يأتوا بحديث مثله بل أحسن منه من تلك الخزائن {أم هم} لا ~~غيرهم {المسيطرون *} أي الرقباء الحافظون والجبارون والمسلطون الرؤساء ~~الحكماء الكتبة، ليكونوا ضابطين للأشياء كلها كما هو شأن كتاب السر عند ~~الملوك فيعلموا أنك تقولت هذا # PageV19P028 # الذكر لأنهم لم يكتبوا به إليك {أم لهم سلم} يصعدون به إلى السماء ~~{يستمعون} أي يتعمدون السمع لكل ما يكون فيها ومنها {فيه} أي في ذلك السلم ~~وبسببه كما يكون بعض من يحضر مجالس الملوك في الدنيا ويعلم ما يقع فيها ~~ليكونوا ضابطين لما يأتي من الملك فيعلموا أن ما قالوه فيك حق ولما كان من ~~يكون هكذا متمكنا من الإتيان منها بالعجائب، سبب عنه قوله: {فليأت مستمعهم} ~~إن ادعوا ذلك {بسلطان مبين *} أي حجة قاهرة بينة في نفسها، موضحة لأنها من ~~السماء على صحة ما يرمونك به. # PageV19P029 # ولما كان ما مضى على تقدير وجود الإله مع الشركة، وكان ادعاؤهم الولد ~~عظيما جدا لدلالته على حاجته وضعفه، وكان جعله بنات أعظم لأنه دال مع ضعفه ~~على سفهه، دل على استعظامه بالالتفات إلى خطابهم بعذابهم فقال: {أم له ~~البنات} أي كما ادعيتم {ولكم} أي خاصة {البنون *} لتكونوا أقوى منه فتكذبوا ~~رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وتردوا قوله من غير حجة فتكونوا آمنين من ~~عذاب يأتيكم منه لضعفه وقوتكم، وهذه الأقسام كلها على تقدير التكذيب، وهي ~~هنا بذكر ما على تقدير التصديق، وإنما وقع الرد فيها لعارض عرض. # ولما كان المكذب بشيء قد يكون معترفا بأنه من عند إله، وأن # PageV19P029 # إلهه متصف بجميع صفات الكمال فلا شريك له، وإنما تكذيبه لقادح لا يقدر ~~عليه، وكرب رمى بجميع أنكاده إليه، أعرض عنهم التفاتا ms4793 إلى الأسلوب الأول ~~فقال مخاطبا له صلى الله عليه وسلم تنويها بذكره ورفعا لعظيم قدره وتسلية ~~لما يعلم من نفسه الشريفة البراءة منه: {أم تسألهم} أي أيها الطاهر الشيم ~~البعيد عن مواضع التهم {أجرا} على إبلاغ ما أتيتهم به {فهم من مغرم} ولو ~~قل، والمغرم: التزام ما لا يجب {مثقلون *} أي حمل عليهم حامل بذلك ثقلا فهم ~~لذلك يكذبون من كان سببا في هذا الثقل بغير مستند ليستريحوا مما جره لهم من ~~الثقل. # ولما كان من يدعي الانفراد بشيء يحسد من يدعي مشاركته فيه قال: {أم ~~عندهم} أي خاصة بهم {الغيب} أي علمه {فهم يكتبون *} أي يجددون للناس كتابة ~~جميع ما غابة عنهم مما ينفعهم ويضرهم حتى يحسدونك فيما شاركتهم به منه، ~~فيردوه لذلك، وينسبوك إلى ما نسبوك إليه مما يعلم كل أحد ترافعك عنه وبعدك ~~منه {أم يريدون} بهذا القول الذي يرمونك به {كيدا} أي مكرا أو ضررا عظيما ~~يطفئون به نور الله بزعمهم مع علمهم بأنك صادق فيه، فهم بسبب إرادتهم ذلك ~~هكذا كان الأصل، ولكنه قال تعميما وتعليقا للحكم بالوصف: {فالذين كفروا} أي ~~ستروا الأجلة تارة عنادا وتارة # PageV19P030 # بالإعراض عن تأملها {هم} أي خاصة {المكيدون *} أي يختص وبال الكيد بلزومه ~~لهم وقطعه لدابرهم لأن من كان الإله عليه كان خاسرا، وأقرب مآلهم من الكيد ~~الظاهر في بدر عن انتهاء سنين عدتها عدة ما هنا من «أم» وهي خمسة عشرة مرة ~~لأن بدرا كانت في الثانية من الهجرة، وهي الخامسة عشرة من النبوة، فقد سبب ~~الله فيها من الأسباب ما أوجب سعيهم إلى هلاكهم بأمور خارقة للعادة، فلو ~~كانت لهم بصائر لكفتهم في الهداية، والرد عن الضلالة والغواية. # ولما كان التقدير: أكذلك الأمر عادله بقوله: {أم لهم إله} يمنعهم من ~~التصديق بكتابنا، أو يستندون إليه للأمان من عذابنا {غير الله} الذي أحاط ~~بجميع صفات الكمال، فلا يمكن بوجه من الوجوه ولا على تقدير من التقادير أن ~~يكون معه إله، ولذلك وصل به قوله: {سبحان الله} أي الملك الأعظم ms4794 الذي تعالى ~~أن يداني جنابه شائبة نقص {عما يشركون} من الأصنام وغيرها، وأخر سبحانه هذا ~~القسم وهو من الشركة لكن بالغير لأنه آت على تقدير التصديق للرسول صلى ~~ولأنه دينهم الذي أوقفهم عن الهدى، فأوقعهم في الردى، ليحتم بنفسه والتنزيه ~~عن الإقسام فيحصل به غاية القصد والمرام. # والحاصل أنه قسم به سبحانه حالهم في ردهم القرآن إلى التكذيب وغيره، ولما ~~كان التكذيب - وهو النسبة إلى الكذب وهو عدم المطابقة للواقع - إما في ~~الإرسال، وإما في المعاني، وما وقع به الإرسال # PageV19P031 # إما لنقص في الرسول وإما النقص في المرسل، والذي في الرسول إما أن يكون ~~لأمر خارج عنه أو لأمر داخل فيه، ولما كان الخارج قد يكون معه نقص دخل ~~بذاته، ولما كان ذلك قد يكون فيه ما يمدح به ولو من وجه، وهو الكهانة بدأ ~~بها، وأتبعه الداخل لذلك بادئا بما قد يمدح به وهو الشعر. ولما كان القول ~~بجمع الكهانة والشعر والجنون في شخص واحد على غاية من ظهور التناقص لا ~~يخفى، أتبعها الرمي بالتهكم على عقولهم. ولما كان الكذب في الرمي بالتقول ~~قد يخفى، أتبعه دليله بالعجز عن المعارضة. ولما قسم ما رموا به الرسول، ~~أتبعهم ما ألزمهم به في المرسل، ولما كان ذلك إما أن يكون بالتعطيل أو لا، ~~وكان التعطيل أشد، بدأ به وهو الخلق من غير شيء، ولما كان النقص مع الإقرار ~~بالوجود إما أن يكون بالشركة أولا، وكان بالشركة إما أن يكون المكذب هو ~~المشارك أولا، وكانت الشركة المكذب أقعد في التكذيب بدأبها، ولما كانت شركة ~~المكذب إما أن تكون في الخلق أو لا، وكان الأول إما أن يكون بخلق النفس أو ~~الغير، وكانت الشركة بخلق النفس ألصق، بدأ بها قوله: {أم هم الخالقون} ولما ~~كانت الشركة بغير الخلق إما أن يكون بضبط الحواس أو لا، وكان الثاني إما أن ~~يكون بضبط الكتاب فيها وإليه الإشارة بالمسيطر، أو بضبط ما يؤمر به فيها ~~وإليه الإشارة بالسلم أو بسفه صاحب الخزائن لرضاه بالبنات، وكان كل ms4795 قسم أشد ~~مما بعده رتبه هكذا. ولما انتهى ما يرجع # PageV19P032 # إلى التكذيب، أتبعه الرد لا للتكذيب بل لأمر آخر، ولما كان ذلك الأمر إما ~~من الآتي أو من المأتي إليه أو من غيرهما، كان ما من الآتي ألصق بدأ به وهو ~~المغرم، ولما كان ما من المأتي إليه إما لحسد أو غيره، وكان أمر الحسد أشد، ~~بدأ به وهو المشاركة في الأبناء بما يكون به الفخر والرئاسة وهو علم الغيب ~~- الناظر بوجه للكهانة المبدوء بها في قسم التكذيب، وآخر ما من الغير وهو ~~الشريك المانع لهم من القبول، وخلطه بهذا القسم مع كونه قسيما لما فرض فيه ~~المكذب مشاركا لخلوه عما قارن تلك الأقسام من التكذيب، هذا تمام القول في ~~إبطال ما لزمهم فيما تقولوه في أمر القرآن، وقد تضمن ما ترى من تأصيله ~~وتقسيمه وتفصيله من بيان مقدورات الله وعجائب مصنوعاته ما ألزمهم حتما ~~التوحيد الملزم بتصديق الرسالة والإذعان للحق مع ما له من الإعجاز في ~~ترتيبه ونظمه وتهذيبه وتسهيله وتقريبه مجلوا أسلوبه العظيم بألفاظ هي الدر ~~النظيم، ومعان علت عن لاحق بغريزة أو تعليم، يكاد لها أثبت القلوب يهيم ~~فيطير، وأبلغ البلغاء في افنان روحها يتدله ويحير، فكان ذلك كما قال جبير ~~بن مطعم رضي الله عنه كما روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه ~~رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور، وقال ~~البخاري في التفسير: فلما بلغ هذه الآية {أم خلقوا من غير شيء أم هم ~~الخالقون} {أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك # PageV19P033 # أم هم المسيطرون} كاد قلبي يطير، وقال ابن ماجه: فلما سمعه يقرأ {أم من ~~غير شيء أم هم الخالقون} - إلى قوله - {فليأت مستمعهم بسلطان مبين} كاد ~~قلبي يطير. # وسبق في أول السورة ما ذكره البغوي من هذا الحديث. # PageV19P034 # ولما كان التقدير تسكينا لقلب من يريد إجابتهم إلى الآيات المقترحات طمعا ~~في إيمانهم: فلقد تلونا عليهم في هذه السورة وغيرها من الآيات، ms4796 وخلونا من ~~المعجزات البينات، وأتينا من تناقضهم في هذه التقسيمات، بما يهد الجبال ~~الشامخات، وبينا من فضائحهم بحسن سوقها وحلاوة ذوقها، وصحة معانيها وإحكام ~~مبانيها، ما يزلزل الراسيات، ويحل العزمات، ويفرج الأزمات، ويصد ذوي ~~المروات عن أمثال هذه النقائص الفاضحات، لما لها من الأدلة الواضحات، ~~ولكنهم لما ألزمناهم به من العكس لا يؤمنون، وكدناهم بما أعمينا من بصائرهم ~~فهم لا يعلمون أنهم المكيدون، عطف عليه قوله: {وإن يروا} أي معاينة {كسفا} ~~قطعة، وقيل: قطعا واحدتها كسفة مثل سدرة وسدر {من السماء} نهارا جهارا ~~{ساقطا يقولوا} لددا وتجلدا في البغي إصرارا، وتعلقهم بما أمكنهم من الشبه ~~تخييلا على العقول وإيقافا لذوي الآراء والفهوم دأب الأصيل في نصر الباطل ~~ومكابرة الحق لما لهم من العراقة في عمى القلوب بما لنا من القدرة على ~~صرفهم عن وجوه الأمر: هذا {سحاب} فإن قيل # PageV19P034 # لهم: هو مخالف للسحاب بصلابته، قالوا: {مركوم *} أي تراكم بعضه على بعض ~~فتصلب، ولذلك سبب عن هذا الحال الدال على أنهم وصلوا في عمى البصائر إلى ~~أنه لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون، قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم ومن تبعه: ~~{فذرهم} أي اتركهم على شر أحوالهم {حتى يلاقوا} سعيا بسوء أعمالهم {يومهم} ~~كما أنه هو يسعى إليهم لاستحقاقهم لما فيه {الذي فيه} لا في غيره لأن ما ~~حكمنا به لا يتقدم ولا يتأخر {يصعقون *} بالموت من شدة الأهوال وعظيم ~~الزلزال كما صعق بنو إسرائيل في الطور، ولكنا لانقيمهم كما أقمنا أولئك إلا ~~عند النفخ في الصور لنحشرهم إلى الحساب الذي يكذبون به، والظاهر أن هذا ~~اليوم يوم بدر فإنهم كانوا قاطعين بالنصرة فيها فما أغنى أحد منهم عن أحد ~~شيئا كما قال أبو سفيان بن الحارث: ما هو إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا ~~يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا. {يوم لا يغني} أي بوجه من الوجوه ~~{عنهم كيدهم} الذي يرمونه بهذه الأقوال المتناقضة {شيئا} أي من الإغناء في ~~دفع شيء يكرهونه من الموت ولا غيره كما يظنون أنه يغني عنهم ms4797 في غير ذلك من ~~أحوال هذه الدار بتثبيط الناس عن اتباع القرآن بما يصفونه به من البهتان ~~{ولا هم ينصرون *} أي لا يتجدد لهم نصر من أحد ما في ساعة ما. # ولما أفهم هذا الكلام السابق أن التقدير: فإن لكل ظالم في ذلك # PageV19P035 # اليوم عذابا لا يحيط به الوصف، فإن الإصعاق من أشد ما يكون من العذاب، ~~عطف عليه قوله مؤكدا لما لهم من الإنكار أي ينصر عليهم المؤمنون وهم من ~~الكثرة والقوة بحيث لا مطمع فيهم لأحد لا سيما لمن هم مثل في الضعف والقلة ~~{وإن} وكان الأصل لهم، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: ~~{للذين ظلموا} أي أوقعوا الأشياء في غير مواقعها كما يقولونه في القرآن، ~~ويفعلونه من العصيان ويعتقدون من الشرك والبهتان {عذابا دون ذلك} أي غير ~~عذاب ذلك اليوم الصعب المرير، أو أدنى رتبة منه، إن كان المراد بالعصق ما ~~يكون بعد البعث فبعذاب البزرخ في القبور، وإن كان المراد به الموت فيما ~~يلقونه في الدنيا من عذابي بواسطتكم مثل تحيزكم إلى الأنصار في دار الهجرة ~~ومعدن النصرة وصيرورتكم في القوة بحيث تناصبونهم الحرب، وتعاطونهم الطعن ~~والضرب، فتكونوا بعد أن كنتم طوع أيديهم قذى في أعينهم وشجا في حلوقهم ~~ودحضا لأقدامهم ونقضا لإبرامهم، ومثل القحط الذي حصل لهم والسرايا التي ~~لقيتموها فيها مثل سرية حمزة أسد الله وأسد رسوله، وعبيدة بن الحارث وعبيد ~~الله بن جحش التي كانت مقدمة لغزوة بدر. # ولما كان بعضهم يبصر هذا مثل عتبة بن ربيعة والوليد بن مغيرة والنضر بن ~~الحارث ويقولون: والله ما هو شاعر ولا كاهن ولا ساحر ولا مجنون، وليكونن ~~لقوله الذي يقول نبأ، قال: {ولكن أكثرهم} # PageV19P036 # بسبب ما يرون من كثرتهم وحسن حالهم في الدنيا وقوتهم {لا يعلمون *} أي ~~يتجدد لهم علم بتقويتكم عليهم لأنهم لا علم لهم أصلا حتى يروا ذلك معاينة. # ولما كان العلم المحيط من الملك القاهر أعظم مسل للولي وأكبر مخيف للعدو، ~~قال عاطفا على {فذرهم} أو على ما تقديره: فكن أنت ms4798 العلماء بذلك ليكون فيه ~~لك أعظم تسلية: {واصبر} أي أوجد هذه الحقيقة لتصبر على ما أنت فيه من أداء ~~الرسالة وما لها من الكلف من أذى الناس وغيره ولكونه في مقام الإعراض عن ~~الكفار وكون إعراضه عنهم أصعب عليه من مقاساة إنذاره وإن نشأ عنها تكذيبهم ~~واستهزاؤهم، اشتدت العناية هنا بالصبر فقدم، وأيضا فإن الإعراض عنهم مقتض ~~لعدهم فانين، وذلك هو مقام الجمع، والجمع لا يصلح إلا بالفرق، فلذلك قدم ~~الأمر بالصبر، وذكر الحكم إشارة إلى أنه متمكن في مقام الفرق كما أنه عريق ~~في مقام الجمع بخلاف المدثر، فإن سياقها للإنذار الناشىء عنه غاية الأذى ~~فاشتدت العناية هناك بتقديم ذكر الإله نظرا إلى الفناء عن الفانين وإن كان ~~مباشرا لدعائهم، وعبر بما يذكر بحسن التربية زيادة في التعزية فاقتضى هذا ~~السياق أن رغبه سبحانه بقوله: {لحكم ربك} أي المحسن إليك فإنه هو المريد ~~لذلك ولو لم يرده لم يكن شيء منه، فهو إحسان منه إليك وتدريب لك وترقية في ~~معارج # PageV19P037 # الحكم، وسبب عن ذلك قوله لما يغلب على الطبع البشري في بعض أوقات ~~الامتحان من نوع نسيان: {فإنك بأعيننا} جمع لما اقتضته نون العظمة التي هذا ~~سياقها، وهي ظاهرة في الجمع وإشارة إلى أنه محفوف بالجنود الذين رؤيتهم من ~~رؤيته سبحانه فهو مكلوء مرعى به وبجنوده وفاعل في حفظه فعل من له أعين ~~محيطة بمحفظه من كل جهة من جهاته. # ولما كانت الطاعة أعظم ناصر وأكبر معز، وكانت الصلاة أعظمها قال: {وسبح} ~~أي أوقع التنزيه عن شائبة كل نقص بالقلب واللسان والأركان، متلبسا {بحمد ~~ربك} أي المحسن إليك، فأثبت له كل كمال مع تنزيهه له عن كل نقص، فلا يكون ~~في ملكه ما لا يريد ولا يريد إلا ما هو حكمة بالغة {حين تقوم *} أي من ~~الليل في جميع الأوقات التي هي مظنة القيام على الأمور الدنيوية والأشغال ~~النفسانية، وهي أوقات النهار الذي هو للانتشار بصلاة الصبح والظهر والعصر، ~~وتحتمل العبارة التسبيح عند كل قيام بكفارة المجلس وهو «سبحانك ms4799 اللهم ~~وبحمدك أشهد أن لا إله أنت أستغفرك وأتوب إليك» فإنها تكفر ما كان في ~~المجلس - كما رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح غريب والنسائي وابن ~~حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم {ومن ~~الليل} الذي هو محل السكون والراحة {فسبحه} كذلك بالنية والقول كلما انتبهت ~~وبالفعل بصلاة # PageV19P038 # المغرب والعشاء وصلاة الليل، ولتعظيمه صرح بذلك وقدمه على الفعل، والضمير ~~يعود على المضاف إليه، وأشار إلى التهجد بعد دخوله فيما قبله بقوله: ~~{وإدبار النجوم *} أي وسبحه في وقت إدبارهم أي إذا أدبرت، وذلك من آخر ~~الليل في نصفه الثاني: وكلما قارب الفجر كان أعلى وبالإجابة أولى، وإلى قرب ~~الفجر تشير قراءة الفتح جمع دابر أي في أعقابها عند خفائها أو أفولها، وذلك ~~بصلاة الفجر سنة وفرضا أحق وأولى لأنه وقت إدبارها حقيقة، فصارت عبادة ~~الصبح محثوثا عليها مرتين تشريفا لها وتعظيما لقدرها فإن ذلك ينجي من ~~العذاب الواقع، وينصر على العدو الدارع، من المجاهر المدافع، والمنافق ~~المخادع، وقد رجع آخرها على أولها، ومقطعها على موصلها، بحلول العذاب على ~~الظالم، وبعده عن الطائع السالم - والله الموفق. # PageV19P039 # سورة النجم # مقصودها ذم الهوى لأنتاجه الضلال والعمى بالإخلاد إلى الدنيا التي هي دار ~~الكدور والبلاء، والتصرم والفناء، ومدح العلم لإثماره الهدى في الإقبال على ~~الأخرى لأنها دار البقاء في السعادة أو الشقاء، والحث على اتباع النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) في نذارتهع التي بينتها سورة ق وصدقتها الذاريات وأوقعتها ~~وعينتها الطور كما تتبع في بشارته لأن علمه هنو العلم لأنه لا ينطق عن ~~الهوى لا في صريح الكناية ولا في بيانه له لأن الكل عن الله الذي له صفات ~~الكمال فلا بد من بعث الخلق إليه وحشرهم لديه لتظهر حكمته غاية الظهور ~~فيرفع أهل التزكي والظهور، ويضع أهل الفجور، ويفضح كل متحل بالزور، متجل ~~للشرور، وعلى ذلك دل اسمها النجم عن تأمل القسم والجواب وما نظم به من نجوم ~~الكتاب) بسم الله (الذي أحاط بصفات الكمال ms4800 فلا يكون رسوله إلا من ذي ~~الكمال) الرحمن (الذي عم الموجودالت بصفة الجمال) الرحيم (الذي خص أهل وده ~~بالإنقاذ من الضلال والهداية إلى ما يرضي من الخلال وصالح الأعمال. # PageV19P040 # ولما ختمت الطور بأمره صلى الله عليه وسلم بالتسبيح والتحميد، وكان أمره ~~تكوينا لا تكليفا، فكان فاعلا لا محالة، وذاك بعد تقسيمهم القول في النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأنه كاهن وساحر ومجنون، وكان # PageV19P040 # لذلك تعلق بالشياطين، وكانت الشياطين مباينة للقرآن بختلها وبمنعها ~~بالرجوم من النجوم كما بين آخر الشعراء، افتتحت هذه بالحث على الاهتداء ~~بهدية والاستدلال بدله واتباع أثره، ولما كان من ذلك تسبيحه بالحمد في ~~إدبار النجوم أقسم أول هذه بالنجم على وجه أعم مما في آخر تلك فعبر بعبارة ~~تفهم عروجه وصعوده لأنه لا يغيب في في الأفق الغربي واحد من السيارة إلا ~~وطلع من الأفق الشرقي في نظير له منها لما يكون عند ذلك من تلك العبارة ~~العالية، والأذكار الزاكية، مع ما فيه من عجيب الصنع الدال على وحدانية ~~مبدعه من زينة السماء التي فيها ما توعدون والحراسة من المردة حفظا لنجوم ~~الكتاب والاهتداء به الدين والدنيا، وغير ذلك من الحكم التي يعرفها ~~الحكماء، فقال تعالى: {والنجم} أي هذا الجنس من نجوم السماء أو القرآن ~~لنزوله منجما مفرقا وهم يسمون التفريق تنجيما - أو النبات، قال البغوي: سمي ~~النجم نجما لطلوعه وكل طالع نجم. {إذا هوى} أي نزل للأفول أو لرجم الشياطين ~~عند الاستراق كما رواه عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما إن كان المراد ~~السمائي، فكانت عنده العبادة والاستغفار والدعاء للملك الجبار بالأسحار، أو ~~صعد فكان به اهتداء المصلي والقارئ والساري، فإنه يقال: هوى هويا - بالفتح ~~إذا سقط، وبالضم - إذا علا وصعد، أو نزل به الملك للإصعاد وللإبعاد إن كان ~~المراد القرآني لما يحصل من البركات في الدين والدنيا والشرح # PageV19P041 # للصدور، والاطلاع على عجائب المقدور، أو إذا سقط منبسطا على الأرض أو ~~ارتفع عنها إن كان المراد النبات، لما فيه من غريب الصنعة وجليل التقدير ~~الدال ms4801 على عام القدرة وكمال العلم والتوحد بالملك والغنى المطلق. # ولما أقسم بهذا القسم الجليل، أجابه بقوله معبرا بالماضي نفيا لما كانوا ~~رموه به وليسهل ما قبل النبوة فيكون ما بعدها بطريق الأولى: {ما ضل} أي عدل ~~عن سواء المحجة الموصلة إلى غاية المقصود أي أنه ما عمل الضالين يوما من ~~الأيام فمتى تقول القرآن عنده ولا علم فيه عمل المجانين ولا غيرهم ما رموه ~~به وأما {وجدك ضالا} [الضحى: 7] فالمراد غير عالم، وعبر بالصحبة مع كونها ~~أدل على القصد مرغبة لهم فيها ومقبلة بهم إليه ومقبحة عليهم اتهامه في ~~إنذاره وهم يعرفون طيب أعرافه وطهارة شمائله وأخلاقه فقال: {صاحبكم} أي في ~~إنذاره لكم في القيامة فلا وجه لكم في اتهامه. # ولما كان الهدى قد يصحبه ميل لا يقرب الموصول إلى القصد وإن حصل به نوع ~~خلل في القرب أو نحوه فقد يكون القصد مع غير صالح قال: {وما غوى *} وما مال ~~أدنى ميل ولا كان مقصوده مما يسوء فإنه محروس من أسبابه التي هي غواية ~~الشياطين وغيرها، وقد دفع سبحانه عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وأما بقية ~~الأنبياء فدفعوا أنفسهم {ليس بي ضلالة} [الأعراف: 61] {ليس بي سفاهة} ~~[الأعراف: 67] ، ونحو ذلك - قاله القشيري. # ولما كان قد يكون مع الهدى مصادفة قال: {وما ينطق} # PageV19P042 # أي يجاوز نطقه فمه في وقت من الأوقات لا في الحال ولا في الاستقبال، نطقا ~~ناشئا {عن الهوى} أي من أمره كالكاهن الذين يغلب كذبهم صدقهم والشعراء ~~وغيرهم، وما تقول هذا القرآن من عند نفسه. ولما أكد سبحانه في نفسه ذلك عند ~~التأكيد تنزيها له عما نسب إليه، فكان ذلك مظنة السؤال عن أصل ما تقوله، ~~أجاب بالحصر والآية أصرح وأدفع لإنكارهم البالغ فقال: {إن} أي ما {هو} أي ~~الذي يتكلم به من القرآن وبيانه، وكل أقواله وأفعاله وأحواله بيانه {إلا ~~وحي} أي من الله تعالى، وأكده بقوله: {يوحى *} أي يجدد إليه إيحاؤه منا ~~وقتا بعد وقت، ويجوز أن يجتهد صلى الله عليه وسلم، فإذا استقر اجتهاده ms4802 على ~~شيء أوحي مع أن من يرد ما يجتهد فيه إلى ما أوحي إليه بريء من الهوي. # وقال أبو جعفر ابن الزبير في برهانه: لما قطع سبحانه تعليقهم بقوله: ساحر ~~وشاعر ومجنون - إلى ما هو به مما علموا أنه لا يقوم على ساق، ولكن شأن ~~المنقطع المبهوت أن يستريح إلى ما أمكنه وإن لم يغن عنه، أعقب الله سبحانه ~~بقسمة على تنزيه نبيه وصفيه من خلقه عما تقوله وتوهمه الضعفاء فقال تعالى: ~~{والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى} ثم أتبع سبحانه هذا القسم ببسط ~~الحال في تقريبه عليه السلام وإدنائه وتلقيه لما يتلقاه من ربه وعظيم ~~منزلته لديه، وفي إبداء ذلك يحركهم عز وجل ويذكرهم ويوبخهم على سوء ~~نكاياتهم بلطف واستدعاء كريم # PageV19P043 # منعم فقال تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى} والتحمت الآي على هذه الأغراض ~~إلى الإعلام بانفراده سبحانه بالإيجاد والقهر والإعزاز والانتقام، لا ~~يشاركه في شيء من ذلك غيره فقال: {وأن إلى ربك المنتهى وأنه هو أضحك وأبكى} ~~. ولما بين ذلك فقال: {فبأي آلاء ربك تتمارى} أي في أي نعمة تشكون أم بأي ~~آية تكذبون؟ ثم قال: {هذا نذير من النذر الأولى} وإذا كان عليه الصلاة ~~والسلام. . . فشأن مكذبيه شأن مكذبي غيره - انتهى. # ولما كان الوحي ظاهرا فيما بواسطة الملك، تشوف السامع إلى بيان ذلك فقال ~~مبينا له بأوصافه لأن ذلك أضخم في حقه وأعلى لمقداره: {علمه} أي صاحبكم ~~الوحي الذي أتاكم به {شديد القوى *} أفلا تعجبون من هذه البحار الزاخرة ~~التي فأقكم بها وهو أمي فإن معلمه بهذه الصفة التي هو بها بحيث ينفذ كل ما ~~أمره الله به {ذو مرة} أي جزم في قوة وقدرة عظيمة على الذهاب فيما أمر به ~~والطاقة لحمله في غير آية النشاط والحدة كأنه ذو مزاج غلبت عليه الحدة فهو ~~صعب المراس ماض في مراوته على طريقة واحدة على غاية من الشدة لا توصف لا ~~التفات له بوجه إلى غير ما أمر به، فهو على غاية الخلوص فهو مجتمع القوى ~~مستحكم الشأن ms4803 شديد الشكيمة، لا بيان في شيء بزواله ومن جملة ما أعطى من ~~القوة والقدرة على التشكل، وإلى ذلك كله أشار بما سبب عن هذا من قوله: ~~{فاستوى *} فاستقام واعتدل بغاية ما يكون # PageV19P044 # من قوته على أكمل حالاته في الصورة التي فطر عليها {وهو} أي والحال أن ~~جبرائيل عليه السلام، وجوزوا أن يكون الضمير المنفصل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أي استوى جبرائيل عليهما السلام معه {بالأفق الأعلى *} أي الناحية ~~التي هي النهاية في العلو والفضل من السماوات مناسبة لحالة هذا الاستواء، ~~وذلك حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم جالسا على كرسي بين السماء والأرض ~~قد سد الأفق. # PageV19P045 # ولما كان الدنو من الحضرة الإلهية - التي هي مهيئة لتلقي الوحي - من ~~العلو والعظمة بحيث لا يوصف، أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم} أي بعد ~~ذلك الاستواء العظيم {دنا} أي جبرائيل عليه السلام من الجناب الأقدس دنو ~~زيادة في كرامة لا دنو مسافة، وكل قرب يكون منه سبحانه فهو مع أنه منزه عن ~~المسافة يكون على وجهين: قرب إلى كل موجود من نفسه، وقرب ولاية حتى يكون ~~سمع الموجود وبصره بمعنى أنه لا يسمع ولا يبصر إلا ما يرضاه - أشار إليه ~~ابن برجان، فأخذ الوحي الذي أذن له في أخذه في ذلك الوقت {فتدلى} عقب ذلك ~~من الله رسولا إلى صاحبكم أي أنزل إليه نزولا هو فيه كالمتدلي إليه بحبل ~~فوصل إليه ولم ينفصل عن محله من الأفق الأعلى لما له من القوة والاستحكام، ~~قال البيضاوي: فإن التدلي هو استرتسال مع تعلق كتدلي الثمرة {فكان} في ~~القرب من صاحبكم في رأي من يراه منكم {قاب} أي على مسافة قدر {قوسين} من ~~قسيكم، قال الرازي في اللوامع: أي بحيث الوتر في القوس مرتين، وعن ابن عباس # PageV19P045 # رضي الله عنهما: القوس الذراع بلغة أزدشنوءة، وقال ابن برجان: قاب ~~القوسين: ما بين السيين، وقيل: ما بين القبضة والوتر {أو أدنى *} بمعنى أن ~~الناظر منكم لو رآه لتردد وقال ذلك لشدة ما يرى له من ms4804 القرب منه صلى الله ~~عليه وسلم، روى مسلم في الإيمان من صحيحه عن الشيباني قال: «سألت زر بن ~~حبيش عن قوله تعالى {فكان قاب قوسين} فقال: أخبرني ابن مسعود رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبرائيل عليه السلام له ستمائة جناح» ~~{فأوحى} أي ألقى سرا من كلام الله بسبب هذا القرب، وعقبه بقوله: {إلى عبده} ~~أي عبد الله، وإضماره من غير تقدم ذكره صريحا لما هو معلوم مما تقدم في آخر ~~الشورى أن كلام الله يكون وحيا بواسطة رسول يوحي بإذنه سبحانه، والمقام ~~يناسب الإضمار لأن الكلام هو الوحي الخفي، وعبر بالبعد إشارة إلى أنه لم ~~يكن أحد ليستحق هذا الأمر العظيم غيره لأنه لم يتعبد قط لأحد غير الله، وكل ~~من عاداه حصل منهم تعبد لغيره في الجملة، فكان أحق الخلق بهذا الوصف مع أنه ~~كان يتعبد لله في غار حراء وغيره، وهذه النزلة - والله أعلم - كانت على هذا ~~التقدير في أول الوحي لما كان بحراء وفرق منه صلى الله عليه وسلم فرجع ترجف ~~بوادره، وقال: زملوني زملوني. وأشار إلى عظمة ما أنزل بقوله: {ما أوحى *} ~~أي إنه يجل عن الوصف فأجمل له ما فصل له بعد ذلك، هذا الذي ذكر من تفسير ~~لضمائر مظاهر العبارة وإن كان الإضمار في جميع الأفعال لا يخلو عن التباس # PageV19P046 # وإشكال، ويمكن لأجل احتمال الضمائر لما يناسبها من الظواهر أن يكون ضمير ~~{دنا} وما بعده لله تعالى، وحينئذ يصير في {عبده} واضحا كما تقدم في هذا ~~الوجه جعله له سبحانه لأنه لا يجوز لغيره، روى البخاري في التوحيد في باب ~~{وكلم الله موسى تكليما} عن أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة «أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ~~وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم» : أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، ~~فقال آخرهم: خذوا خيرهم، وكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى ~~فيما يرى قلبه وتنام ms4805 عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا ~~تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم ~~جبرئيل عليه السلام فشق جبرئيل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه ~~فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب فيه نور من ذهب ~~محشوا إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه، ثم أطبقه ثم ~~عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء: من ~~هذا؟ فقال: جبرئيل، قالوا: ومن معك، قال: معي محمد، قالوا: وبعث إليه، قال: ~~نعم، قالوا: فمرحبا به # PageV19P047 # وأهلا - ثم ذكر عروجه إلى السماوات السبع، وأنه لما وصل إلى السماء ~~السابعة علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا ~~الجبار رب العزة فتدلى منه فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه فيما يوحي ~~الله إليه خمسين صلاة - فذكر مشورة موسى عليهما السلام في سؤال التخفيف حتى ~~صارت خمسا كل واحدة بعشرة، ودنا الجبار رب العزة في هذا الوجه وهو رب العزة ~~«وهو في غاية الحسن إذا جمعته مع ما يأتي في هذا الوجه المنقول عن جعفر ~~الصادق رضي الله عنه فيكون المعنى أنه صلى الله عليه وسلم لما استوى بالأفق ~~الأعلى فوصل إلى حد لا يمكن المخلوق الصعود عنه تنزل له الخالق سبحانه، ~~ولذلك عبر عنه ب {ثم} يعني أنه سبحانه تنزل له تنزلا لا يمكن الاطلاع على ~~كنه رتبته في العلو والعظمة، ثم نزل ثم تنزل. # ولما كانت العبارة ربما أوهمت شيأ لا يليق به نفاه صلى الله عليه وسلم ~~بما في الرواية من تخصيص التعبير باسم الجبار فعلم أنه قربه تقريبا يليق ~~به، وسمى ذلك دنوا فكان الدنو والتدلي تمثيلا لما وصل منه سبحانه إلى عبده ~~محمد صلى الله عليه وسلم بغاية السهولة واليسر واللطافة مع اتصاله بالحضرات ~~القدسية، والتعبير بالتدلي لإفهام العلو مثل ما كني بالنزول كل ليلة إلى ~~سماء الدنيا عن إجابة ms4806 الدعاء بفتح أبواب # PageV19P048 # السماء كما رويناه في جزء العيشي من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله ~~عنه تمثيلا بما نعرفه من حال الملوك في أن أحدهم يكون نزوله عن سريره أدنى ~~في إتيان خواصه إليه، وفتح بابه أدنى لمن يليهم، وكلما نزل درجة كان الإذن ~~أعم إلى أن يصل إلى الإذن العام لجميع الناس، هذا علم المخاطبين بأن ذلك ~~على سبيل التمثيل بمن يحتاج إلى هذه الدرجات، وأما من هو غني عن كل شيء فله ~~سبحانه المثل الأعلى ولا يشبه شيئا، ولا يشبهه شيء، وفي {قرآن الفجر} من ~~سورة سبحان لهذا مزيد بيان، وقال القاضي عياض في الشفاء ما حاصله أن تلك ~~الضمائر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: قال جعفر بن محمد - يعني الصادق بن ~~الباقر: أدناه ربه حتى كان منه كقاب قوسين، وقال أيضا: انقطعت الكيفية عن ~~الدنو، ألا ترى كيف حجب جبريل عليه السلام عن دنوه ودنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم إلى ما أودع قلبه من المعرفة والإيمان فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه ~~وزال عن قلبه الشك والارتياب، وقال جعفر أيضا: والدنو من الله تعالى لا حد ~~له، ومن العباد بالحدود - انتهى. # وحينئذ يكون ضمير «استوى» له صلى الله عليه وسلم، ويكون المعنى: فتسبب عن ~~تعليم جبريل له استواوه - أي اعتدال علمه - إلى غاية لم يصلها غيره من ~~الخلق علما وكسبا بالملك والملكوت والحال أنه بالأفق الأعلى ليلة الإسراء، ~~وتدليه كناية عن وصوله بسبب عظيم حامل السبب للمتدلي، وعبر به وهو ظاهر في ~~النزول من علو مع عدم الانفصال منه لئلا يوهم اختصاص # PageV19P049 # جهة العلو به سبحانه دون بقية الجهات، ومنه «أقرب ما يكون العبد من ربه ~~وهو ساجد» وكذا قيل في الإشارة ب «لا تفضلوني على يونس بن متى» ومن المحاسن ~~جدا أن تكون ألف {تدلى} المقلبة عن ياء في هذا الوجه بدلا من لام فيكون من ~~التدلل وهو الانبساط وثوقا بالمحبة، يقال: تدلل عليه، أي انبسط ووثق بمحبته ~~فأفرط عليه، وانبساطه صلى ms4807 الله عليه وسلم في تلك الحالة إفراط كثرة سؤاله، ~~وشفاعته في أمته، وبذلك ظهر إلى عالم الشهادة أنه أرحم الخلق كما كان ~~معلوما إلى عالم الغيب، فتسبب عنه زيادة تقريبه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، ~~وإبراز هذا الكلام في هذه الضمائر المتحملة لهذه الوجوه من غير ظاهر يعين ~~المراد يناسب لتلك الحالة، فإنها كانت حالة غيب وخفاء وستر، وكان العلم ~~فيها واسعا، وسوق الضمائر هكذا يكثر احتمال الكلام للوجوه، فيتسع العلم مع ~~أنه ليس فيها وجه يؤدي إلى لبس في الدين ولا ركاكة في معنى ولا نظم ولا ~~مجال للعلم - والله أعلم. # PageV19P050 # ولما أثبت هذا الكلام ما أثبت من القرب من النبي صلى الله عليه وسلم ممن ~~أوحى إليه على كلا التقديرين، قرره على وجه أفاد الرؤية فقال: {ما كذب ~~الفؤاد} أي القلب الذي هو في غاية الذكاء والاتقاد {ما رأى} البصر أي حين ~~رؤية البصر كان القلب، لا أنها رؤية بصر فقط تمكن فيها - للخلو - عن حضور ~~القلب - النسبة إلى الغلط، وقال القشيري ما معناه: ما كذب فؤاد محمد صلى ~~الله عليه وسلم ما رآه بصره، بل # PageV19P050 # رآه على الوصف الذي علمه قبل أن رآه فكان علمه حق اليقين، وفي صحيح مسلم ~~«عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم» هل رأيت ~~ربك؟ قال: نور إلي أراه «، وفي صحيح مسلم أيضا» عن مسروق أنه قال لعائشة ~~رضي الله عنها لما أنكرت الرؤية: ألم يقل الله تعالى {ولقد رآه بالأفق ~~المين} و {لقد رآه نزلة أخرى} فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنما هو جبرئيل عليه السلام، لم أره على ~~صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم ~~خلقه ما بين السماء والأرض» قال البغوي: وذهب جماعة إلى أنه رآه فقال ~~بعضهم: جعل بصره في فؤاده، ثم روي من صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه قال: ms4808 «رآه بفؤاده مرتين» وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس رضي ~~الله عنه، وقال ابن برجان ما معناه: إن النوم والصعق من آيات الله على لقاء ~~الله وهي مقدمات لذلك، ولكل حقيقة حق يتقدمها كأشراط الساعة، والإسراء وإن ~~لم يكن موتا ولا صعقا ولا نوما على أظهر الوجوه فقد خرج عن مشاهدات الدنيا ~~إلى مشاهدات الأفق الأعلى فلا تنكر الرؤية هنالك، فالإسراء حالة غير حالة ~~الدنيا، بل هي من أحوال الآخرة وعالم الغيب - والله الهادي. # ولما تقرر ذلك غاية التقرر، وكان موضع الإنكار عليهم، قال # PageV19P051 # مسببا عن ذلك: {أفتمارونه} أي تستخرجون منه بجدالكم له فيما أخبركم به ~~شكا فيه ولا شك فيه، وعبر بالمفاعلة في قراءة الجماعة عن حمزة والكسائي ~~ويعقوب إشارة إلى اجتهادهم في تشكيكه، من مري الشيء: استخرجه، ومري الناقة: ~~مسح ضرعها، فأمرى: در لبنها، والمرية بالكسر والضمر: الشك والجدل {على ما ~~يرى *} على صفة مطابقة القلب والبصر، وذلك مما لم تجر العادة بدخول الشك ~~فيه ولا قبوله للجدال، وزاد الأمر وضوحا بتصوير الحال الماضية بالتعبير ~~بالمضارع إشارة إلى أنه كما لم يهم لم يلبس الأمر عليه، بل كأنه الآن ينظر. # ولما كان الشيء أقوى ما يكون إذا حسر البصر، فإذا وافقه كون القلب في ~~غاية الحضور كان أمكن، فإذا تكرر انقطعت الأطماع عن التعلق بالمجادلة منه، ~~قال مؤكدا لأجل إنكارهم: {ولقد رآه} أي الله تعالى أو جبرئيل عليه السلام ~~على صورته الحقيقية، روى مسلم في الإيمان عن عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما قال {ما كذب الفؤاد ما رأى} {ولقد رآه نزلة أخرى} ، قال: «رآه بفؤاده ~~مرتين» وجعل ابن برجان الإسراء مرتين: الأولى بالفؤاد مقدمة وهذه بالعين. # ولما كان ذلك لا يتأتي إلا بتنزل يقطع مسافات البعد التي هي الحجب ليصير ~~به بحيث يراه البشر، عبر بقوله: {نزلة} وانتصب على الظرفية لأن الفعلة ~~بمعنى المرة {أخرى} أي ليكمل له الأمر مرة في عالم الكون والفساد وأخرى في ~~المحل الأنزه الأعلى، وعين الوقت بتعين # PageV19P052 # المكان ms4809 فقال: {عند سدرة المنتهى *} أي الشجرة التي هي كالسدر وينتهي ~~إليها علم الخلائق وينتهي إليها ما يعرج من تحت وما ينزل من فوق، فيتلقى ~~هنالك، وذلك - والله أعلم - ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من النبوة ~~قبل الهجرة بقليل بعد الترقي في معراج الكمالات من السنين على عدد السماوات ~~وما بينهما من المسافات، فانتهى إلى منتهى يسمع فيه صريف الأقلام، وعظمها ~~بقوله: {عندها} أي السدرة {جنة المأوى *} الذي لا مأوى في الحقيقة غيره ~~لأنه لا يوازي في عظمه، وزاد في تعظيمها بقوله: {إذ يغشى السدرة ما يغشى *} ~~أي يغطيها ويركبها وسمره؟ من فراش الذهب والرفرف الأخضر والملائكة والنبق ~~وغير ذلك فإن الغشو النبق {ما يغشى} لا تحتملون وصفه وهو بحيث يكاد أن لا ~~يحصى، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «وغشيها، ألا ~~وإني لا أدري ما هي فليس أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها» أو كما قال صلى ~~الله عليه وسلم، وأكد الرؤية وقررها مستأنفا بقوله: {ما زاغ} أي ما مال ~~أدنى ميل {البصر} أي الذي لا بصر لمخلوق أكمل منه، فما قصر عن النظر فيما ~~أذن له فيه ولا زاد {وما طغى *} أي تجاوز الحد إلى ما لم يؤذن له فيه مع أن ~~ذلك العالم غريب عن بني آدم، وفيه من العجائب ما يحير الناظر، بل كانت له ~~العفة الصادقة المتوسطة بين الشره والزهادة على أتم قوانين العدل، فأثبت ما ~~رآه على حقيقته، وكما قال السهروردي في أول الباب الثاني والثلاثين من ~~عوارفه: وأخبر تعالى بحسن أدبه في الحضرة بهذه الآية، وهذه غامضة من # PageV19P053 # غوامض الأدب، اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولما كانوا قد أنكروا الإسراء إنكارا لم يقع لهم في غيره مثله، زاد في ~~تأكيده على وجه يعم غيره فقال: {لقد رأى} أي أبصر بسبب ما أهلناه له من ~~الرسالة إبصارا ساريا إلى البواطن غير مقتصر على الظواهر {من آيات ربه} أي ~~المحسن إليه بما لم يصل إليه أحد قبله ولا ms4810 يصل إليه أحد بعده، ومن ادعى ذلك ~~فهو كافر {الكبرى *} من ذلك ما رآه في السماوات من الأنبياء عليه وعليهم ~~الصلاة والسلام إشارة بكل شيء إلى أمر دقيق جليل وحالة شريفة، وقال الإمام ~~أبو القاسم السهيلي في الروض الأنف: والذي أقول في هذا أن مأخذ فهمه من علم ~~التعبير، فإنه من علم النبوة، وأهل التعبير يقولون: من رأى نبيا بعينه في ~~المنام فإن رؤياه تؤذن بما يشبه من حال ذلك النبي في شده أو رخاء أو غير ~~ذلك من الأمور التي أخبر بها عن الأنبياء في القرآن والحديث، وحديث الإسراء ~~كان بمكة، ومكة حرم الله وأمنه، وقطانها جيران الله لأن فيها بيته، فأول ما ~~رأى صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام آدم عليه الصلاة ~~والسلام الذي كان في أمن الله وجواره، فأخرجه إبليس عدوه منها، وهذه القصة ~~تشبهها الحالة الأولى من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم حين أخرجه أعداؤه ~~من حرم الله وجوار بيته، فكربه ذلك وغمه فأشبهت قصته في هذا # PageV19P054 # قصة آدم عليه الصلاة والسلام مع أن آدم تعرض عليه أرواح ذريته البر ~~والفاجر منهم، فكان في السماء الدنيا بحيث يرى الفريقين لأن أرواح أهل ~~الشقاء لا تلج في السماء ولا تفتح لهم أبوابها، كما قال الله تعالى، ثم رأى ~~في الثانية عيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام وهما الممتحنان باليهود، أما ~~عيسى عليه السلام فكذبته اليهود وآذته وهموا بقتله فرفعه الله إليه، وأما ~~يحيى عليه السلام فقتلوه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى ~~المدينة صار إلى حالة ثانية من الامتحان، وكانت محنته فيها باليهود آذوه ~~وظاهروا عليه وهموا بإلقاء الصخرة عليه لقتلوه فنجاه الله كما نجى عيسى ~~عليه السلام منهم، ثم سموه في الشاة ولم تزل تلك الأكلة تعاوده حتى قطعت ~~أبهره كما قال عند الموت وهكذا فعلوا بابني الخالة يحيى وعيسى لأن أم يحيى ~~أشياع بنت عمران أخت مريم بنت عمران أمهما جنة، وأما لقاؤه ليوسف عليه ~~السلام في السماء الثالثة ms4811 فإنه يؤذن بحالة ثالثة تشبه حالة يوسف عليه ~~السلام، وذلك أن يوسف ظفر بإخواته من بعد ما أخرجوه من بين ظهرانيهم فصفح ~~عنهم وقال # {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم} [يوسف: 92] الآية، وكذلك نبينا صلى ~~الله عليه وسلم أسر يوم بدر جملة من أقاربه الذين أخرجوهم فيهم عمه العباس ~~وابن عمه عقيل فمنهم من أطلق، ومنهم من قبل أفديته، # PageV19P055 # ثم ظهر عليهم بعد ذلك عام الفتح فجمعهم فقال لهم: # «أقول ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم» ثم لقاؤه إدريس عليه ~~السلام في السماء الرابعة وهو المكان الذي سماه الله مكانا عليا وإدريس أول ~~من آتاه الله الخط بالقلم، فكان ذلك مؤذنا بالحالة الرابعة وهو علو شأنه ~~عليه السلام حتى أخاف الملوك وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته حتى قال أبو ~~سفيان وهو عند ملك الروم حين جاء كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ورأى ما ~~رأى من خوف هرقل: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة حتى أصبح يخافه ملك بني الأصفر، ~~وكتب عنه بالقلم إلى جميع ملوك الأرض فمنهم من اتبعه على دينه كالنجاشي ~~وملك بني عمان ومنهم من هادنه وأهدى إليه وأتحفه كهرقل والمقوقس، ومنهم من ~~تعصى عليه فأظهره الله عليه، فهذا مقام علي، وخط بالقلم كنحو ما أوتي إدريس ~~عليه السلام، ولقاؤه في السماء الخامسة لهارون عليه السلام المحبب في قومه ~~يؤذن بحب قريش وجميع العرب له بعد بعضهم فيه، ولقاؤه في السماء السادسة ~~لموسى عليه السلام يؤذن بحالة تشبه حالة موسى عليه السلام حين أمر بغزو ~~الشام، فظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها، وأدخل بني إسرائيل البلد الذي ~~خرجوا منه بعد هلاك عدوهم، ولذلك غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك من ~~أرض الشام وظهر على صاحب دومة # PageV19P056 # حتى صالحه على الجزية بعد أن أتى به أسيرا، وافتتح مكة ودخل أصحابه البلد ~~الذي خرجوا منه، ثم لقاؤه في السماء السابعة إبراهيم عليه السلام لحكمتين: ~~إحداهما أنه رآه عند البيت المعمور مسندا ظهره إليه، والبيت ms4812 المعمور جبال ~~مكة، وإليه تحج الملائكة كما أن إبراهيم عليه السلام هو الذي بنى الكعبة ~~وإذن في الناس بالحج إليها، والحكمة الثانية أن آخر أحوال النبي صلى الله ~~عليه وسلم حجه إلى البيت الحرام، وحج معه في ذلك العام نحو من سبعين ألفا ~~من المسلمين، ورؤية إبراهيم عليه السلام عند أهل التأويل تؤذن بالحج لأنه ~~الداعي إليه والرافع لقواعد الكعبة المحجوجة - انتهى. وهذا المقام هو ~~الإسراء وما تفرع منه الموصل إلى أعلى ما يكون من تجريد التوحيد، فجعل ~~سبحانه عنوانه المفروض فيه الحاجز بين الإسلام والشرك وهو الصلاة الجامعة ~~لمعاني الدين الشاملة لجميع البركات بأن جعلت خمسين مستغرقة لجميع الفراغ ~~ثم ردت إلى خمس دون القوى بكثير ثم رتب عليها جزاء الخمسين ورفع كل واحدة ~~من صلاة الجماعة إلى سبع وعشرين صلاة وفضل صلاتي الطرفين: الصبح الثنائية ~~والعصر الرباعية بشهادة فريقي الملائكة وكتابتهما في صحيفتي كل من الجمعين، ~~فقال حمزة الكرماني في جوامع التفسير: فأسري به في شهر ربيع الأول قبل ~~الهجرة من بيت أم هانىء رضي الله عنها، ثم ساق حديث الإسراء مساقا عجيبا ~~جدا طويلا. # PageV19P057 # ولما أخبر سبحانه من استقامة طريق نبيه عليه الصلاة والسلام مما ثبتت ~~رسالته بما أوحي إليه وما أراه من آياته التي ظهر بها استحقاقه سبحانه ~~الإلهية متفردا بها، سبب عنه الإنكار عليهم في عبادة معبوداتهم على وجه دال ~~على أنها لا تصلح لصالحة فقال: {أفرأيتم} أي أخبروني بسبب ما تلوت عليكم من ~~هذه الآيات الباهرات. هل رأيتم رؤية خبرة بالباطن والظاهر {اللات} وهو صنم ~~ثقيف {والعزى} وهي شجرة لغطفان وهما أعظم أصنامهم فإنهم كانوا يحلفون بهما ~~{ومناة} وهو صخرة لهذيل وخزاعة، ودل على أنها عندهم بعدهما في الربوبية ~~بقوله مشيرا بالتعدد بالتعبير عنه بما عبر به إلى أن شيئا منها لا يصلح ~~لصالحة حتى ولا أن يذكر: {الثالثة الأخرى *} أي إنه ما كفاهم في خرق سياج ~~منها العقل في مجرد تعديد الإله بجعله الاثنين حتى أضافوا ثالثا أقروا بأنه ~~متأخر الرتبة فكان الإله ms4813 عندهم قد يكون سافلا ويكون ملازما للإنزال وللسفول ~~بكونه أنثى، قال الرازي في اللوامع: وأنثوا أسماءها تشبيها لها بالملائكة ~~على زعمهم بأنها بنات الله - انتهى، ولا شك عند من له أدنى معرفة بالفصاحة ~~أن هذا الاستفهام الإنكاري والتعبير بما شأنهم بالولادة التي هي أحب ~~الأشياء إلى الإنسان بل الحيوان لا يوافقه أن يقال بعده ما يقتضي مدحا بوجه ~~في الوجوه، فتبين بطلان ما نقل نقلا واهيا من أنه قيل حين قرئت هذه السورة ~~في هذا المحل: تلك الغرانيق العلا - إلى آخره لعلم كل عربي أن ذلك غاية في ~~الهذيان في هذا السياق، فلا وصلة بهذا السياق المعجز بوجه. # PageV19P058 # ولما كان التقدير بما أفهمه السياق، كيف ادعيتم أنها آلهة أهي كذلك مع أن ~~عادتكم احتقار الإناث من أن تكون لكم أولادا، فكيف رضيتم أن تكون لكم آلهة، ~~وتكونوا لها عبادا مع أنها لم تنزل لكم وحيا ولا أرسلت لكم رسولا ولا فعلت ~~مع أحد منكم شيئا مما كرمنا به عبدنا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا أرتكم ~~قط آية ولا هي متأهلة لشيء من ذلك، بل لا تملك ضرا ولا نفعا وادعيتم أنها ~~بناته واستوطنها جنيات هي بناته وادعيتم مع ادعاء مطلق الولدية لمن لا يلم ~~به حاجة ولا شبه له أن له أردأ الصنفين، فكان ذلك نقصا مضموما إلى نقص - ~~وعلا سبحانه تعالى عن صحابة أو ولد، فاستحققتم بذلك الإنكار الشديد، وعلم ~~بهذا التقدير الذي هدى إليه السياق بطلان حديث الغرانيق ولا سيما مع تعقيبه ~~بقوله: {ألكم} أي خاصة {الذكر} أي النوع الأعلى {وله} أي وحده {الأنثى *} ~~أي النوع الأسفل. # ولما كان الاستفهام إنكاريا رد الإنكار بقوله فذلكة لفعلهم: {تلك} أي هذه ~~القسمة البعيدة عن الصواب {إذا} أي إذ جعلتم البنات له والبنين لكم {قسمة ~~ضيزى *} أي جائرة ناقصة ظالمة فيما يحسن للحق للغاية عرجاء غير معتدلة حيث ~~خصصتم به ما أوصلتكم الكراهة له إلى دفنه حيا، وقد علم أن الآية من ~~الاحتباك: دل ذكر اسمها في أسلوب الإنكار على ms4814 حذف إنكار كونها آلهة وإنكار ~~تخصيصة بالإناث على حذف ما يدل على أنهم جعلوها بناته. # PageV19P059 # ولما أفهم هذا الإنكار بطلان قولهم هذا، حصر القول الحق فيها # PageV19P059 # فقال مستأنفا: {إن} أي ما {هي} أي هذه الأصنام {إلا أسماء} أي لا حقائق ~~لها، فما ادعيتم لها من الإلهية ليس لها من ذلك إلا الأسماء، وأكد ذلك ~~بقوله مبينا: {سميتموها} أي ابتدعتم تسميتها أنتم، واجتث قولهم من أصله ~~فقال: {أنتم وآباؤكم} أي لا غير بمجرد الهوى لم تروا منها آية ولا كلمتكم ~~قط كلمة تعتدونها، وعلى تقدير أن تتكلم الشياطين على ألسنتها فأي طريقة ~~قويمة شرعت لكم وأي كلام مليح أو بليغ وصل إليكم وأي آية كبرى أرتكموها - ~~انتهى. # ولما علم بهذا أن الله تعالى لم يأمرهم بشيء من ذلك، صرح به نافيا أن يدل ~~على ما وسموه به دليل فقال: {ما} ولما قدم في الأعراف ترك النافي للتدريج ~~لما تقدم بما اقتضاه، نفى هنا الإفعال النافي لأصل الفعل سواء كان بالتدريج ~~أو غيره لأن المفصل لباب القرآن فهو للمقاصد، وذلك كاف في ذم الهوى الذي هو ~~مقصود السورة فقال: {أنزل الله} الذي له جميع صفات الكمال {بها} أي ~~بالاستحقاق للأسماء ولا لما وسمتموها به من الإلهية، وأعرق في النفي بقوله: ~~{من سلطان} أي حجة تصلح مسلطا على ما يدعي فيها. # ولما كان هذا النفي المستغرق موجبا للخصم إيساع الحيلة في ذكر دليل على ~~أي وجه كان، وكان هؤلاء قد أبلسوا عند سماع هذا الكلام ولم يجدوا ما يقولون ~~ولا يجدوا، فكان من حقهم أن يرجعوا فلم يرجعوا، أعرض عنهم إيذانا بشديد ~~الغبن قائلا: {إن} أي ما {يتبعون} # PageV19P060 # أي في وقت من الأوقات في أمر هذه الأوثان بغاية جهدهم من أنها آلهة، ~~وأنها تشفع لهم أو تقربهم من الله {إلا الظن} أي غاية أمرهم لمن يحسن الظن ~~بهم، فالظن ترجيح أحد الجائزين على رغم الظان. # ولما كان الظن قد يكون موافقا للحق مخالفا للهوى قال: {وما تهوى الأنفس} ~~أي تشتهي، وهي - لما لها ms4815 من النقص - لا تشتهي أبدا إلا بما يهوي بها عن ~~غاية أوجها إلى أسفل حضيضها، وأما المعالي وحسن العواقب فإنما تشوق إليها ~~العقل، قال القشيري: فالظن الجميل بالله فليس من هذا الباب، والتباس عواقب ~~الشخص عليه ليس من هذه الجملة بسبيل، إنما الظن المعلول في الله وصفاته ~~وأحكامه. {ولقد} أي العجب أنهم يفعلون ذلك والحال أنه قد {جاءهم من ربهم} ~~أي المحسن إليهم {الهدى *} أي الكامل في بابه إلى الدين الحق الناطق ~~بالكتاب الناطق بالصواب على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، والرأي يقتضي ~~أن من رأى الهدى تبعه ولو أتاه به عدوه، فكيف إذا أتاه به من هو أفضل منه ~~من عند من إحسانه لم ينقطع عنه قط. # ولما كان التقدير: أعليهم أن يتركوا أهويتهم ويهتدوا بهدى ربهم الذي لا ~~ملك لهم معه {أم} لهم ما تمنوا - هكذا كان الأصل، ولكنه ذكر الأصل الموجب ~~لاتباع الهوى فقال: {للإنسان} أي الآنس بنفسه المحسن لكل ما يأتي وما يذر ~~{ما تمنى *} أي من اتباع ما يشتهي من جاه ومال وطول عمر ورفاهية عيش ومن ~~كفره وعناده، وقوله {لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} [ # PageV19P061 # فصلت: 50] . # ولما كان الاستفهام إنكاريا، كان المعنى: ليس له ما تمنى، وكان ذلك دليلا ~~قطعيا على أنه مربوب مقهور ممن له الأمر كله، فسبب عنه قوله: {فلله} أي ~~الملك الأعظم وحده. ولما كانت الأخرى دار اللذات وبلوغ جميع الأماني ~~وحرمانها، وكانوا يدعون فيها على تقدير كونها جميع ما يتمنون من شفاعة ~~آلهتهم وإجابتها إلى إسعادهم ونحو ذلك، قدم قوله: {الآخرة} فهو لا يعطي ~~الأماني فيها إلا لمن تبع هداه وخالف هواه {والأولى *} فهو لا يعطي جميع ~~الأماني فيها لأحد أصلا كما هو مشاهد، فمن ترك هواه فيها نال أمانيه في ~~الآخرة، فلهذا قدمها لا للفاصلة فإنه لو قيل «الأخرى» لصلحت للفاصلة. # ولما كان التقدير: فكم من شخص ترونه في الأرض مع أنه في غاية المكنة فيما ~~يظهر لكم لا يصل إلى ربع ما يتمناه، عطف عليه ms4816 قوله، مظهرا لضخامة ملكه وأنه ~~لا يبالي بأحد، دالا على الكثرة: {وكم من ملك} أي مقرب، ودل على زيادة قربه ~~بشرف مسكنه فقال: {في السماوات} أي وهم في الكرامة والزلفى {لا تغني} أي لا ~~تجزي وتسد وتكفي، ولما كان رد الجمع لحال اجتماعهم أدل على العظمة، عبر بما ~~يحتمل ذلك فقال: {شفاعتهم} أي عن أحد من الناس {شيئا} فقصر الأمر ورده ~~بحذافيره إليه بقوله: {إلا} ودل باثبات الجار على أنه مع ما يحده سبحانه لا ~~مطلقا فقال: {من بعد أن يأذن} أي يمكن ويريد {الله} # PageV19P062 # أي الذي لا أمر لأحد أصلا معه، وعبر بأن والفعل دلالة على أنه لا عموم ~~بعد الإذن بجميع الأوقات، وإنما ذلك يجدد بعد تجدد الإذن على حينه وقبل ~~الأمر الباب؟ لعموم العظمة بقوله: {لمن يشاء} أي بتجدد تعلق مشيئته به لأن ~~يكون مشفوعا أو شافعا. # ولما كان الملك قد يأذن في الشفاعة وهو كاره، قال معلما أنه ليس كأولئك: ~~{ويرضى *} فحينئذ تغني شفاعتهم إذا كانوا من المأذون لهم - كل هذا قطعا ~~لأطماعهم وعن قولهم بمجرد الهوى أي آلهتهم تشفع لهم. ولما أخبر باتباعهم ~~للهوى ونفى أن يكون لهم من ذلك ما يتمنونه دل على اتباعهم للهوى بقوله موضع ~~{أنهم} : {إن الذين} وأكد تنبيها على أنه قول بالغ في العجب الغاية فلا ~~يكاد يصدق أن عاقلا بالآخرة يقوله بما جرى لهم على قولهم ذلك وأمثاله ~~بقوله: {لا يؤمنون} أي لا يصدقون ولا هم يقرون {بالآخرة} ولذلك أكد قوله: ~~{ليسمون الملائكة} أي كل واحد وهم رسل الله {تسمية الأنثى} بأن قالوا: هي ~~بنات الله، كما يقال في جنس الأنثى: بنات {وما} أي والحال أنهم ما {لهم به} ~~أي بما سموهم به، وأعرق في النفي بقوله: {من علم} ولما نفى علمهم تشوف ~~السامع إلى الحامل لهم على ذلك فقال: {إن} أي ما {يتبعون} أي بغاية ما يكون ~~في ذلك وغيره {إلا الظن} . # ولما كانوا كالقاطعين بأن ذلك ينفعهم، أكد قوله: {وإن الظن} # PageV19P063 # أي مطلقا في هذا وغيره، ولذلك ms4817 أظهر في موضع الإضمار {لا يغني} إغناء ~~مبتدئا {من الحق} أي الأمر الثابت في نفس الأمر الذي هو حقيقة الشيء وذاته ~~بحيث يكون الظن بدله، والظن إنما يعبر به في العمليات لا العلميات ولا سيما ~~الأصولية {شيئا} من الإغناء عن أحد من الخلق فإنه لا يؤدي أبدا إلى الجزم ~~بالعلم بالشيء على ما هو عليه في نفس الأمر فهو ممنوع في أصول الدين، فإن ~~المقصود بتحقق الأمر على ما هو عليه في الواقع، وأما الفروع فإن المكلف به ~~فيها هو الظن لكن بشرطه المأذون فيه، وهو رده إلى الأصول المستنبط منها ~~لعجز الإنسان على القطع في جميع الفروع، تنبيها على عجزه وافتقاره إلى الله ~~ليقبل عليه ويتبرأ من حوله وقوته ليكشف له من الأحقاف. # PageV19P064 # ولما كانوا بعد مجيء الهدى قد أصبروا على الهوى، وكانت هذه السورة في ~~أوائل ما نزل، والمؤمنون قليل، سبب عن ذلك: {فأعرض عن من تولى *} أي كلف ~~نفسه خلاف ما يدعو إليه العقل والفطرة من ولى {عن ذكرنا} أي ذكره إيانا، ~~فأعرض عن الذكر الذي أنزلناه فلم ينله ولم يتدبر معانيه فلا يلتفت إلى شيء ~~علمه فإنه مطموس على قلبه ولو كان ذهنه أرق من الشعر فإنه لا يؤول إلا إلى ~~شر {ولا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] فإنه ما عليك إلا البلاغ. # PageV19P064 # ولما كان المعرض في وقت قد يقبل في آخر، دل على دوامه على وجه بليغ ~~بقوله: {ولم يرد} أي في وقت من الأوقات {إلا الحياة الدنيا *} أي الحاضرة ~~ليقصده بالمحسوسات كالبهائم في العمى عن دناءتها وحقارتها، ثم ترجم جملتي ~~الإعراض والإرادة بقوله: {ذلك} أي الأمر المتناهي في الجهل والقباحة ~~{مبلغهم} أي نهاية بلوغهم وموضع بلوغهم والحاصل لهم، وتهكم بهم بقوله: {من ~~العلم} أنه لا علم لهم لأن عيون بصائرهم عمي، ومرائبها كثيفة مظلمة لا تكشف ~~عن نظر الآخرة التي هي أصل العلوم كلها، ثم علل هذه الجملة بقوله مؤكدا ~~قطعا لطمع من يظن أن وعظه وكلامه يرد أحدا من غيه وإن أبلغ في ms4818 أمره ودعائه ~~في سره وجهره، وإعلاما بأن ذلك إنما هو من الله، فمن وعظ له سبحانه راجيا ~~منه في إيمانه أوشك أن ينفع به كما فعل في وعظ مصعب بن عمير رضي الله عنه ~~فصغى له أسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي الله عنهما في ساعة واحدة كما هو ~~مشهور {إن ربك} أي المحسن إليك بالإرسال وغيره {هو} أي وحده {أعلم بمن ضل ~~عن سبيله} ضلالا مستمرا، فلا تعلق أملك بأن يصل علمه إلى ما وراء الدنيا، ~~وعبر بالرب إشارة إلى أن ضلال هذا من الإحسان إليه صلى الله عليه وسلم لأنه ~~لو دخل في دنيه لأفسد أكثر مما يصلح كما قال تعالى: {ولا أوضعوا خلالكم ~~يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} [التوبة: 47] وذلك لأنه جبل جبلة غير ~~قابلة للخير {وهو} أي وحده # PageV19P065 # {أعلم بما اهتدى *} أي ظاهرا وباطنا. # ولما كان هذا ربما أوهم أن من ضل على هذه الحالة ليس في قبضه، قال نافعا ~~لهذا الإبهام مبينا أن له الأسماء الحسنى ومقتضياتها في العالم موضع ~~«والحال أنه له» أو عطفا على ما تقديره: فلله من في السماوات ومن في الأرض: ~~{ولله} أي الملك الأعظم وحده {ما في السماوات} من الذوات والمعاني فيشمل ~~ذلك السماوات والأراضي، فإن كل سماء في التي تليها، والأرض في السماء {وما ~~في الأرض} وكذلك الأراضي والكل في العرش وهو ذو العرش العظيم. # ولما أمره صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وسلاه وأعلمه أن الكل في ~~ملكه، فلو شاء لهداهم ورفع النزاع، ولكنه له في ذلك حكم تحار فيها الأفكار، ~~علل الإعراض كما تقدم في الجاثية في قوله: {قل للذين آمنوا يغفروا} ~~[الجاثية: 14] بقوله: {ليجزي} أي يعاقب هو سبحانه كافيا لك ما أهمك من ذلك، ~~ويجوز أن يكون التقدير: وكما أنه سبحانه مالك ذلك فهو ملكه ليحكم بجزاء كل ~~على حسب ما يستحق، فإن الحكم نتيجة الملك {الذين أساؤوا} بالضلال {بما ~~عملوا} أي بسببه وبحسبه إما بواسطتك وبسيوفك وسيوف أتباعك إذا أذنت لكم في ~~القتال، وإما ms4819 بغير ذلك بالموت حتف الأنف بضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، ثم ~~بعذاب الآخرة على جميع ذنوبهم من غير أن يكون عجل لهم في الدنيا شيء ينقص ~~بسببه عذاب الآخرة {ويجزي} أي يثبت ويكرم {الذين أحسنوا} أي على ثباتهم على ~~الدين وصبرهم عليه وعلى أذى أعدائهم {بالحسنى *} # PageV19P066 # أي الثبوت الذي هو في غاية الحسن ما بعدها غاية، فإن الحسنى تأنيث ~~الأحسن. # ولما وعد الذين وقع منهم الإحسان، وصفهم فقال: {الذين يجتنبون} أي يكلفون ~~أنفسهم ويجهدونها على أن يتركوا {كبائر الإثم} أي ما عظم الشارع إثمه بعد ~~تحريمه بالوعيد والحد، وعطف على {كبائر الإثم} قوله: {والفواحش} والفاحشة ~~من الكبائر ما يكرهه الطبع وينكره العقل ويستخسه. # ولما أفهم هذا التقييد أن من خالط ما دون كان مغفورا له، صرح به فقال: ~~{إلا} أي لكن {اللمم} معفو، فمن خالطه لا يخرج عن عداد من أحسن، فهو ~~استثناء منقطع، ولعله وضع فيه {إلا} موضع {لكن} إشارة إلى الصغير يمكن أن ~~يكون كبيرا باستهانته مثلا كما قال تعالى {وتحسبونه هينا وهو عند الله ~~عظيم} [النور: 15] واللمم هو صغار الذنوب، والمراد هنا ما يحصل منها في ~~الأحيان كأنه وقع في صحابه فلتة بغير اختيار منه، لا ما يتخذ عادة أو يكثر ~~حتى يصير كالعادة، قال الرازي في اللوامع: وأصله مقاربة الذنب ثم الامتناع ~~منه قبل الفعل، قال ذو النون: ذكر الفاحشة من العارف كفعلها من غيره - ~~انتهى. يقال: وألم بالمكان - إذا قل لبثه فيه، وقال البغوي: قال السدي: قال ~~أبو صالح أنه سئل عن اللمم فقال: هو الرجل يلم بالذنب # PageV19P067 # ثم لا يعاوده، قال: فذكرت ذلك لابن عباس رضي الله عنهما فقال: لقد أعانك ~~عليها ملك كريم، ثم قال البغوي: فأصل الملم والإلمام ما يعمله الإنسان ~~الحين بعد الحين، ولا يكون له إعادة ولا إقامة عليه - انتهى - وعلى هذا يصح ~~أن يكون الاستثناء متصلا. # ولما كان الملوك لا يغفرون لمن تكررت ذنوبه إليهم وإن صغرت، فكان السامع ~~يستعظم أن يغفر ملك الملوك سبحانه مثل هذا، علل ذلك بقوله: ms4820 {إن ربك} أي ~~المحسن إليك بإرسالك رحمة للعالمين والتخفيف عن أمتك {واسع المغفرة} فهو ~~يغفر الصغائر حقا أوجبه على نفسه ويغفر الكبائر إن شاء بخلاف غيره من ~~الملوك فإنه لو أراد ذلك ما أمكنه اتباعه، ولو جاهد حتى تمكن من ذلك في وقت ~~فسدت مملكته فأدى ذلك إلى زوال الملك من يده أو اختلاله. # ولما وصف الذين أحسنوا فكان ربما وقع في وهم أنه لا يعلمهم سبحانه إلا ~~بأفعالهم، وربما قطع من عمل بمضمون الآية أنه ممن أحسن، قال نافيا لذلك: ~~{هو أعلم بكم} أي بذواتكم وأحوالكم منك بأنفسكم {إذ} أي حين {أنشاكم} ~~ابتداء {من الأرض} التي طبعها طبع الموت: البرد واليبس بإنشاء أبيكم آدم ~~عليه السلام منها وتهيئتكم للتكوين بعد أن لم يكن فيكم تقوية قريبة ولا ~~بعيدة أصلا يميز الثواب الذي يصلح لتكونكم منه والذي لا يصلح {وإذ} أي حين ~~{أنتم أجنة} أي مستورون. # PageV19P068 # ولما كان البشر قد يكون في بطن الأرض وإن كان الجنين معروفا للطفل في ~~البطن، حقق معناه بقوله: {في بطون أمهاتكم} بعد أن مزج بذلك التراب البارد ~~اليابس الماء والهواء، فنشأت الحرارة والرطوبة، فكانت هذه الأربعة الأخلاط ~~الزكية والدنية، ولكن لا علم لكم أصلا، فهو يعلم إذ ذاك ما أنتم صائرون ~~إليه من خير وشر وإن عملتم مدة من العمر بخلاف ذلك فإنه يعلم ما جبلكم عليه ~~من ذلك وأنتم لا تعلمون إلا ما يكون في أنفسكم حال كونه أنكم لا تحيطون به ~~إذ ذاك علما. # ولما كان من عادة من سلم من الذنوب أن يفتخر على من قارفها لما بني ~~الإنسان عليه من محبة الفخر لما جبل عليه من النقصان، وكان حاله قد يتبدل ~~فيسبق عليه الكتاب فيشقى، سبب عن ذلك قوله: {فلا تزكوا} أي تمدحوا بالزكاة ~~وهو البركة والطهارة عن الدناءة {أنفسكم} أي حقيقة بان يثني على نفسه فإن ~~تزكيته لنفسه من علامات كونه محجوبا عن الله - قال القشيري - أو مجازا بأن ~~يثني على غيره من إخوانه فإنه كثيرا ما يثني بشيء ms4821 فيظهر خلافه، وربما حصل ~~له الأذى بسببه «وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها ~~إلا باع أو ذراع» الحديث، ولذلك علل بقوله: {هو أعلم} أي منكم ومن جميع ~~الخلق {بمن اتقى} أي جاهد نفسه حتى حصل فيه تقوى، فهو يوصله فوق ما يؤمل من ~~الثواب في الدارين، فكيف بمن صارت له التقوى وصفا ثابتا. # PageV19P069 # ولما أمره سبحانه بالإعراض عمن تولى عن التشرف بذكر الملك # PageV19P069 # الأعظم واللجاء إليه، ونهى عن التزكية للجهل بالعواقب، وكان قد ارتد ناس ~~عن الإسلام، كان سبب ارتدادهم إخباره صلى الله عليه وسلم عن بعض ما رأى من ~~الآيات الكبرى ليلة الإسراء، وكان لما نزلت عليه صلى الله عليه وسلم سجدة ~~النجم وسجد فيها صلى الله عليه وسلم سجد معه - كما في البخاري - المسلمون ~~والمشركون والجن والإنس، ولم يكن في ظن أحد من الخلق انقلابهم على أدبارهم ~~بعد حتى ولا في ظن المرتدين، سبب عن ذلك قوله: {أفرأيت} أي أخبروني {الذي ~~تولى *} أي عن ذكرنا بعد أن كان حريصا عليه، يظن هو وأهله أنه عريق في أهله ~~بإيمانه وأعماله في أيام إيمانه {وأعطى قليلا وأكدى *} أي قطع ذلك العطاء ~~على مكده وقلته وأبطله وأفسده فصار كالحافر الذي وصل في حفره إلى كدية، ~~يقال لحافر البئر: أجبل - إذا وصل إلى جبل، وأكدى - إذا وصل إلى كدية أي ~~صفاة عظيمة شديدة لا تعمل فيها المعاول، فصار لا يقدر معها على شيء من ~~علمه، ولا يستطيع النفوذ فيها بشيء من حيله، وقد كان قبل ذلك لما صادف ~~التراب الليل يظن أنه لا يمنعه مانع مما يريد، فهذا دليل خبري شهودي على ~~أنه لا علم لأحد من الخلق بما حباه الله في نفسه فضلا عن غيره، فلا ينبغي ~~لأحد أن يزكي نفسه ولا غيره، قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة أسلم ثم ارتد ~~لتعيير بعض المشركين له، وقوله له «ارجع وأنا أتحمل عنك العذاب» وهي تصلح ~~لكل من ارتد ظاهرا أو نافق أو انهمك في المعاصي بعد ms4822 # PageV19P070 # إيمانه معرضا عن الأعمال الصالحة. # ولما كان هذا - وقد وقع في خطر عظيم من إفساد العمل في الماضي وتركه في ~~المستقبل فصار على خطأ عظيم في أحدهما - يتعلق بأصل الدين: الكفر والإيمان، ~~وكان مثل هذا لا يفعله عاقل بنفسه إلا عن بصيرة، قال تعالى موبخا له مقرعا: ~~{أعنده} أي خاصة {علم الغيب} أي كله بحيث لا يشاركه في مشارك يمكن أن يخفى ~~عليه شيء منه {فهو} أي فيتسبب عن ذلك أنه {يرى *} أي الرؤية الكاملة فيعلم ~~جميع ما ينفعه فيرتكبه وجميع ما يضره فيجتنبه ويعلم أن هذا القليل الذي ~~أعطاه قد قبل وأمن به من العطب فاكتفى به. # ولما كان الغبي قد يظن أن عمل غيره ينفعه، عبر عنه جامعا للوعظ والتهويل ~~بقوله: {أم لم ينبأ} أي يخبر إخبارا عظيما متتابعا {بما في صحف موسى *} أي ~~التوراة المنسوبة إليه بإنزالها عليه وكذا ما يتبعها من أسفار الأنبياء ~~الذين جاؤوا بعده بتقريرها. # ولما قدم كتاب موسى عليه السلام لكونه أعظم كتاب بعد القرآن مع أنه موجود ~~بين الناس يمكن مراجعته، قال: {وإبراهيم} ومدحه بقوله دالا بتشديد الفعل ~~على غاية الوفاء: {الذي وفى} أي أتم ما أمر به وما امتحن به وما قلق شيئا ~~من قلق، وكان أول من هاجر قومه وصبر على حر ذبح الولد وكذا على حر النار ~~ولم يستعن بمخلوق، وخص هذين النبيين لأن المدعين من بني إسرائيل اليهود # PageV19P071 # والنصارى يدعون متابعة عيسى عليه السلام، ومن العرب يدعون متابعة إبراهيم ~~عليه السلام، ومن عداهم لا متمسك لهم ولا سلف في نبوة محققة ولا شريعة ~~محفوظة، ثم فسر الذي في الصحف أو استأنف بقوله: {ألا تزر} أي تأثم وتحمل ~~{وازرة} أي نفس بلغت مبلغا تكون فيه حاملة {وزر أخرى *} أي حملها الثقيل من ~~الإثم، يعني فمن يحمل عنه أثم أحد الشقين الذي لزمه فلا بد أن يكون آثما ~~وهما قبل التولي وما بعده. # PageV19P072 # ولما نفى أن يضره إثم غيره نفى أن ينفعه سعي غيره فقال: {وأن ليس ~~للإنسان} كائنا من ms4823 كان {إلا ما سعى *} فلا بد أن يعلم الحق في أي جهة ~~فيسعى، ودعاء المؤمنين للمؤمن سعيه بمواددته لهم ولو بموافقته لهم في الدين ~~وكذا الحج عنه والصدقة ونحوهما، وأما الولد فواضح في ذلك، وأما ما كان لسبب ~~العلم ونحوهما فكذلك، وتضحية للنبي صلى الله عليه وسلم في عزامته أصل كبير ~~في ذلك، فإن من تبعه فقد وادده، وهذا أصل في التصدق عن الغير وإهداء ما له ~~من الثواب في القراءة ونحوها. # ولما ثبت أنه ليس له ولا عليه إلا ما عمل، وكان في الدنيا قد يفعل الشيء ~~من الخير والشر ولا يراه من فعله لأجله ولا غيره نفى أن يكون الآخرة كذلك ~~بقوله: {وأن سعيه} أي من خير وشر {سوف} أي من غير شك بوعد لا خلف فيه وإن ~~طال المدى. # PageV19P072 # ولما كان الاطلاع نفسه مرضيا أو مخزيا لا بالنسبة لأحد بعينه، بناه ~~للمجهول بقوله: {يرى *} ولما كان المخوف منه المجازاة مطلقا لا من مجاز ~~معين قال: {ثم يجزاه} ولما كان في هذه الدار ربما وقعت المسامحة ببعض ~~الأشياء والغفلة عن بعضها، قال: {الجزاء الأوفى *} أي الإثم الأكمل، إن كان ~~خيرا فمع المضاعفة، وإن كان غيره فعلى السواء لمن أراد الله ذلك له ويعفو ~~عن كثير، لكنه تذكرة له. # ولما كانت رؤية الأعمال لا تقطع برؤية المتوكلين بها من الملائكة أو ~~غيرها ممن أقامه الله لذلك، وكان الرائي كلما كان أكثر كان الأمر أهول، ~~وكان رؤية الملك الأعظم أخوف، قال عاطفا على {لا تزر} مبينا بحروف الغاية ~~أن الرائين للأعمال كثير لكثرة جنوده سبحانه: {وأن إلى ربك} أي المحسن إليك ~~لا غيره {المنتهى *} أي الانتهاء برجوع الخلائق حسا بالبعث ومعنى بالعمل ~~والعلم، وإسناد الأمور وإرسال الآمال، ومكان رجوعهم وزمانه كما كان منه ~~المبتدأ، أكد ذلك خلقا لذلك كله وحسابا عليه، روى البغوي من طريق أبي جعفر ~~الرازي عن أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الآية قال «لا فكرة في الرب» قال: ms4824 ومثل هذا ما روي عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه مرفوعا: «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنه لا يحيط به ~~الفكرة» ورواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما: «لا تتفكروا ~~في الله فإنكم لن تقدروا قدره» ، هذا هو # PageV19P073 # المراد وهو واضح، فمن أول الآية باتحاد أو غير ذلك من الإلحاد فعليه لعنة ~~الله وعلى الذاب عنه والساكت عنه. # ولما ذكر تعالى الأمور الاختيارية وقدمها لأنها محط للبلاء وسلب علمها عن ~~أصحابها، وحذر من عاقبتها بإحاطته بكل شيء، وكان معنى ذلك أنه القادر على ~~غيره والعالم لا غيره، عطف عليه قوله ذاكرا للأمور الاضطرارية التي هي في ~~غاية التنافي إكمالا للدليل على أنه يعلم ما في النفوس دون أصحابها وغيرهم ~~وأنه إليه المنتهى إعادة وإبداء، يوقف ما يشاء على ما يريد من الأسباب التي ~~تفعل بإذنه من الضحك أو البكاء وغيرهما من الأمور المنافية التي لولا الإلف ~~لها لقضى الإنسان أن المتلبس بأحدهما لا يتلبس بضده أصلا من غيرها {وأنه} ~~ولما كانت التأثيرات الإدراكية تحال على أسبابها، أكد الكلام فيها فقال: ~~{هو} أي لا غيره {أضحك وأبكى *} أي ولا يعلم أحد قبل وقت الضحك أو البكاء ~~أنه يضحك أو يبكي ولا أنه يأتيه ما يعجبه أو يحزنه، ولو قيل له حالة الضحك ~~أنه بعد ساعة يبكي لأنكر ذلك، وربما أدركه ما أبكاه وهو في الضحك وبالعكس. # ولما كانت الإماتة والإحياء أعظم تنافيا بما مضى، فكانت القدرة على ~~إيجادها في الشخص الواحد أعظم ما يكون، وكان ربما نسب إلى من قتل داوى من ~~مرض أو أطلق من وجب قتله، أكد فقال: {وأنه هو} أي لا غيره. ولما كان ~~الإلباس في الموت أكبر، وكان الموت انسب للبكاء، والإحياء أنسب للضحك، وكان ~~طريق النشر المشوش # PageV19P074 # أفصح، قدمه فقال: {أمات وأحيا *} وإن رأيتم أسبابا ظاهرية فإنه لا عبرة ~~بها أصلا في نفس الأمر بل هو الذي خلقها. # ولما كان ذكر الإحياء، وكان تصنيف الولد إلى نوعيه ظاهرا في اختصاصه، ms4825 بل ~~وهو في غاية التعذر على من سواه، أعراه عن مثل التأكيد في الذي قبله فقال: ~~{وأنه خلق الزوجين} ثم فسرها بقوله: {الذكر والأنثى *} فإنه لو كان ذلك في ~~غيره لمنع البنات لأنها مكروهة لكل أحد، ثم ذكر ما يظهر ولا بد أنه من صنعه ~~فتسبب أن مادة الاثنين واحدة وهو الماء الذي هو أشد الأشياء امتزاجا فقال: ~~{من نطفة} وصور كونها منها بقوله: {إذا تمنى *} أي تراق وتدفق بالفعل لا ~~قبل ذلك ليمكن فيه طعن بأنه كان بدءا أو غيره بل أنتم تعلمون أنه لا يخلق ~~الولد إلا بعد الإمناء بالفعل، وخرج أصله ما يمكن خلقا من خلق الله أن يعرف ~~بمجرد رؤيته أهو صالح للأنثى فقط أو للذكر فقط أو لهما أو للأشكال ~~بالخنوثة. # ولما ساق هذه الأشياء دليلا على إحاطة علمه فلزمها أن دلت على تمام ~~قدرته، وختمها بالنشأة الأولى فلزم من ذلك الإقرار حتما بأنه قادر على ~~البعث، عبر بما يتقضي أنه لما تقدم به وعده على جميع ألسنة رسله صار واجبا ~~عليه بمعنى أنه لا بد من كونه لأنه لا يبدل القول لديه، لا غير ذلك، فعبر ~~بحرف الاستعلاء تأكيدا له ردا لإنكارهم إياه فقال: {وأن عليه} أي خاصا به ~~علما وقدرة {النشأة} أي الحياة وهو ممدود لابن # PageV19P075 # كثير وأبي عمرو ومقصور لغيرهما مصدر نشأ - إذا حنى وربى وسن {الأخرى *} ~~أي التي ينشأ بها الخلق بعد أن يميتهم. # ولما كان الغنى والفقر من الأمور المتوسطة بين الاختيارية والاضطرارية له ~~بكل الأمرين لسبب وكان مقسوما بين الإناث والذكور بحكمة ربانية لا ينفع ~~الذكر فيها قوته ولا يضر الأنثى ضعفها، وكان ذكر النشأة الآخرة كالمعترض ~~إنما أوجب ذكر النشأة الأولى، تعقب ذكرهما به وكان ذكر الغنى مع أنه يدل ~~على الفقر أليق بالامتنان، والنسبة إلى الرب، وكان الغنى الحقيقي إنما يكون ~~في تلك الدار، أخر ذكره فقال: {وأنه} ولما كان ربما نسب إلى السعي وغيره، ~~أكد بالفعل فقال: {هو} أي وحده من غير نظر إلى سعي ساع ms4826 ولا غيره {أغنى} ~~ولما كان الغنى في الحقيقة إنما هو غنى النفس، وهو رضاها بما قسم لها ~~وسكونها وطمأنينتها، وإنما سمي ذو المال غنيا لأن المال بحيث تطمئن معه ~~النفس، فمن كان راضيا بكل ما قسم الله به فهو غني، وهو في الجنانة مغني وإن ~~كان في الدنيا {وأقنى *} أي أمكن من المال وأرضى بجميع الأحوال قال البغوي: ~~أعطى أصول المال وما يدخر بعد الكفاية، قال: وقال الأخفش أقنى أفقر - ~~انتهى. ونقل الأصبهاني مثله عن أبي زيد، فتكون الهمزة للإزالة ويقال، أفناه ~~بكذا أرضاه، وأقناه الصد: أمكنه منه. # PageV19P076 # ولما كانت الشعرى لأنها تقطع السماء عرضا أدل النجوم بعد تمام # PageV19P076 # القدرة على الفعل بالاختيار مع أنها مما دخل تحت ذلك الجنس المقسم به أول ~~السورة، وهي لمرورها في سيرها عرضا على جميع المنازل التي كانت العرب ~~تستمطر بها وتنسب بالإتيان بالحد الموجب للغنى إليها كانت قد عبدها من دون ~~الله أبو كبشة الخزاعي لكونها عنده أجل الكواكب، قال تعالى دالا بالتأكيد ~~على سفاهة من عبدها: {وأنه هو} أي لا غيره {رب الشعرى *} أي الكاملة في ~~معناها وهي العبور، وأهل علم النجوم يقولون، إن الأحكام النجومية المنسوبة ~~إليها أصح ما ينسب إلى العالم العلوي، وهي نجم يضيء خلف الجوزاء، ويسمى كلب ~~الجبال، وسميت الجوزاء بالجبار تشبيها لها بملك على كرسيه وعلى رأسه تاج، ~~وقال الرازي في اللوامع: هي أحد كوكبي ذراعي الأسد، وقال ابن القاص في كتاب ~~دلائل القبلة: وترى عند صلاة الصبح نيرة زائدا نورها على نور سائر الكواكب ~~حولها، وقد طمس الصبح نور سائر الكواكب، وأما الشعرى الأخرى فهي الغميصاء - ~~بالغين المعجمة والصاد المهملة - فهي أقل نورا منها، ولذلك سميت الغميصاء، ~~وقال القزاز في جامعه: وقيل: بكت على أختها فغمصت عينها، أي غارت وذهبت. # ولما دل سبحانه على كمال علمه وشمول قدرته بأمور الخافقين: العلوي ~~والسفلي، فكان ذلك داعيا إلى الإقبال على ما يرضيه، وناهيا عن الإلمام بما ~~يسخطه، شرع في التهديد لمن وقف عن ذلك بما وقع في مصارع ms4827 الأولين من عجائب ~~قدرته فقال: {وأنه أهلك عادا} ولم يأت بضمير الفصل لأنه لم يدع في أحد غيره ~~إهلاكهم، وهول أمرهم بقوله: # PageV19P077 # {الأولى *} أي القدماء في الزمان جدا دلالة على أنه المنصرف في جميع ~~الأزمنة، وقدمهم لأن الشر أتاهم من حيث ظنوه خيرا وجزموا بأنه من الأنواء ~~النافعة التي كانت عادتهم استمطارها، وقيل: إن عادا قبيلتان: والأولى قوم ~~هود عليه السلام والأخرى إرم ذات العماد - قاله جماعة منهم القشيري، قال ~~البغوي: وكان لهم عقب فكانوا عادا الأخرى، وقال ابن جرير: وعادا الأولى هم ~~الذين عنى الله بقوله {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم} [الفجر: 6 - 7] وإنما ~~قيل لهم عادا الأولى لأن بني لقيم بن هزال هزيل بن عنبل بن عاد كانوا أيأم ~~أرسل الله على هؤلاء عذابه سكانا بمكة مع إخوانهم من العمالقة ولد عمليق بن ~~لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام فلم يصبهم من العذاب ما أصاب قومه وهم عاد ~~الأخرى، ثم هلكوا بعد بغي بعضنهم على بعض فتفانوا، وقال غير ابن جرير: إن ~~إرم هم عاد الأخرى، وعطف عليهم قوله: {وثمودا} أي أهلكهم ثم سبب عن الإهلاك ~~قوله: {فما أبقى *} أي من الفريقين أحدا، ومن قال: إن عادا قبيلتان جعل عدم ~~الإبقاء خاصا بثمود، وقراءة عاصم وحمزة ويعقوب بمنع الصرف نص في أنه قوم ~~صالح عليه السلام، وقراءة الباقين بالصرف أنسب للإهلاك والإعدام. # ولما قدم من كان إهلاكهم بنفس الريح التي هي مبدأ الأمطار الآتية لهم في ~~السحاب، وأتبعهم من إهلاكهم بها بحملها للصيحة إرجافها # PageV19P078 # بهم، أتبعهم من كان إهلاكهم بالماء الذي هو غاية السحاب فقال: {وقوم نوح} ~~أي أهلكهم لأجل ظلمهم بالتكذيب، ولما كان إهلاكهم في بعض الزمان الماضي ~~قال: {من قبل} أي قبل الفريقين فصار في الكلام تهويلان يهزان القلب ويفعلان ~~في النفس وصف هؤلاء بالقبيلتين وأولئك بالأولى، ولولا تقديمهم ما كان هذا، ~~وعلل هلاكهم بما يؤذن أنه لا فرق عنده بين قوي وضعيف وقليل وكثير مؤكدا لان ~~ما اشتهر من طغيان عاد يوجب ms4828 أنهم أطغى الناس: {إنهم كانوا} أي بما لهم من ~~الأخلاق التي هي كالجبال التي لا انفكاك عنها {هم} أي خاصة {أظلم} من ~~الطائفتين المذكورتين {وأطغى *} أي وأشد تجاوزا في الظلم وعلوا وإسرافا في ~~المعاصي وتجبرا وعتوا لتمادي دعوة نوح عليه السلام ولأنهم أطول أعمارا وأشد ~~أبدانا، وكانوا مع ذلك ملء الأرض، ويجوز أن يكون الضمير للفرق الثلاثة. # PageV19P079 # ولما ذكر الهلاك بالريح العاصفة الناشئة عنها ثم بالماء الناشئ عن السحاب ~~الناشئ عن الريح، ذكر الإهلاك بالريح والنار والماء إعلاما بأنه الفاعل ~~وحده بما أراد من العذاب من العناصر التي سبب الحياة مجتمعة ومنفردة، فقال ~~مقدما عن العامل إعلاما بالتخصيص بما ذكر من العذاب إفادة بإنه تعالى قادر ~~على كل شيء فلم يعذب فرقة بما عذب به الأخرى: {والمؤتفكة} أي المدن المقلبة ~~عن وجوهها إلى أقفائها بقدرة جعلتها من شدتها وعظمتها كأنها انقلبت نفسها ~~من غير قالب وذلك أنه سبحانه فتقها من الأرض ففتقها ثم دفعها في الهواء إلى ~~عنان السماء ثم # PageV19P079 # قلبها وأتبعها حجارة النار الكبريتية وغمرها بالماء الذي لا يشبهه شيء من ~~مياه الدنيا، ولذلك قال: {أهوى *} أي رفع وحط وأنزل، فكان الإنزال إهواء ~~حقيقيا، والرفع مجازيا لأنه سببه وهي مدن قوم لوط عليه السلام، وأشار إلى ~~الحجارة والماء بقوله مسببا عن الإهواء ومعقبا له: {فغشاها} أي أتبعها ما ~~غطاها فكان لها بمنزلة الغشاء، وهولها بقوله: {ما غشى *} أي أمرا عظيما من ~~الحجارة وغيرها لا يسع العقول وصفه، وقد اشتمل ما ذكره سبحانه من الصحف على ~~بيان ما ينفع من الأعمال وما يضر وبيان التوحيد باحاطة الله سبحانه ~~بالنهايات التي لا نهاية بعدها علما وقدرة لاختصاصه ببيان المصنوعات وببيان ~~البعث للتخويف بالآجل وإهلاك المرتدين للتخويف بالعاجل لمن كان قلبه جافيا ~~عن النفوذ إلى الآجل. # ولما أهلك كل واحدة من هذه الفرقة فلم يبق من فجارها أحد، وأنجى من أطاعه ~~منهم فلم يهلك منهم أحد، وكان إهلاكه لكل منها بشيء غير ما هلك به الفريق ~~الآخر، فدل كل من ذلك على ms4829 تمام علمه وكمال قدرته، وكان كمل ما تقدم في هذه ~~السورة من النعم والنقم لكونه كان أتم أوجه الحكم نعمة على كل مؤمن لما ~~فيها من الترغيب في ثوابه والترهيب من عقابه، خاطب سبحانه رأس المؤمنين لأن ~~خطابه له أشد في تذكير غيره فقال مسببا عما مضى: {فبأي آلاء ربك} أي عطية ~~المحسن إليك التي هي وجه الإنعام والإكرام وهي إشارة المعرفة به سبحانه ~~بمنزلة ظل الشخص من الشخص كما أنه لايتصور ظل إلا لشخص # PageV19P080 # فكذلك فعل الفاعل ولا أثر للمؤثر {تتمارى *} أي تشك بإجالة الخواطر في ~~فكرك في إرادة هداية قومك بحيث لا تريد أن أحدا منهم يهلك وقد حكم ربك ~~بإهلاك كثير منهم لما اقتضته حكمته، وكان بعض خطرك في تلك الإجالة يشكك ~~بعضا، ولما تم الكلام على هذا المنهاج البديع والنمط الرفيع في حسان البيان ~~للمواعظ والشرع والقصص القديمة والإنذار العظيم التام على وجه معجز من وجوه ~~شتى، أنتج قوله مرغبا مرهبا خاتما السورة بما بدأ هنا به من ذكره صلى الله ~~عليه وسلم: {هذا} النبي صلى الله عليه وسلم {نذير} أي محذر بليغ التحذير، ~~ولما كانت الرسل الماضون عليهم الصلاة والسلام قد تقررت رسالتهم في النفوس ~~وسكنت إليها القلوب، بحيث أنه لا يسع إنكارها، فكان قد أخبر عن إنكار من ~~كذبهم لأجل تكذيبهم، وإنجائهم وإنجاء من صدقهم لأجل نصرتهم، وكان لا فرق ~~بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك إلا أن الرحمة به أبلغ وأغلب، مرعبا ~~في اتباعه مرهبا من نزاعه، قال: {من النذر الأولى *} يجب له ما وجب لهم ~~وأنتم كالمنذرين الأولين، فاحذروا ما حل بالمكذبين منهم وارجوا ما كان ~~للمصدقين. # ولما كان كل آت قريبا، وكانت الساعة - وهي ما أنذر به من القيامة ومما ~~دونها - لا بد من إتيانها لما وقع من الوعد الصادق به المتحف بالدلائل التي ~~لا تقبل شكا بوجه من الوجوه، فكان باعتبار ذلك لا شيء أقرب منها، قال دالا ~~على ذلك بصيغة الماضي الذي قد تحقق وقوعه وباشتقاق الواقع ms4830 الفاعل مما منه ~~الفعل: {أزفت الآزفة *} أي دنت # PageV19P081 # الساعة الدانية في نفسها التي وصفت لكم بالفعل بالقرب غير مرة لأنها محط ~~الحكمة وإظهار العظمة، وما خلق الخلق إلا لأجلها، المشتملة على الضيق وسوء ~~العيش من القيامة، وكل ما وعدتموه في الدنيا مما يكون به ظهور هذا الدين ~~وقمع المفسدين. ولما ضاق الخناق من ذكرها على هذا الوجه، تشوف السامع إلى ~~دفعها، فاستأنف قوله: {ليس لها} واستدرك بقوله: {من دون الله} أي من أدنى ~~رتبة من رتبة الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما {كاشفة *} أي كاشف يوجدها ~~ويقيمها ويجلي علمها، أو يدفع كربها وهمها وإن بالغ في الكشف وبذلك الجهد ~~فيه، فالهاء للمبالغة، ويجوز أن تكون مصدرا كالجاثية والكاذبة والباقية ~~فيكون الهاء للتأنيث. # ولما أفهم هذا أن الله يكشفها أي يكشف كربها ممن يريد من عباده ويثقله ~~على من يشاء، ويكشف علمها بإقامتها، ولا حيلة لغيره في شيء من ذلك بوجه، ~~سبب عنه وعما تقدمه من الإنذار قوله منكرا موبخا، {أفمن هذا الحديث} أي ~~القول العظيم الذي يأتيكم على سبيل التجدد بحسب الوقائع والحاجات {تعجبون ~~*} إنكارا وهو في غاية ما يكون من ترقيق القلوب. # ولما كان المعجب قد يمسك نفسه عن الضحك، بين أنهم ليسوا كذلك فقال: ~~{وتضحكون} أي استهزاء تجددون ذلك في كل وقت مبتدأ ضحككم منه وهو بعيد من ~~ذلك، ولما كان إنما يورث الحزن بكونه # PageV19P082 # نزل بالحزن قال: {ولا تبكون *} أي كما هو حق من يسمعه. # ولما كان البكاء قد يكون على التقصير في العمل، بين أن الأمر أخطر من ذلك ~~فقال: {وأنتم} أي والحال أنكم في حال بكائكم {سامدون *} أي دائبون في العمل ~~جاهدون في العمل، فإن الأمر جد، فالدأب في العمل والجد فيه حينئذ علة ~~للبكاء، فكأنه قيل: ولا تدأبون في العمل فتبكون، وإنما قلت ذلك لأن «سمد» ~~معناه دأب في العمل ورفع رأسه تكبرا وعلا، وسمد الإبل: جد في السير، وسار ~~سيرا شديدا، واسماد: ورم، وسمد: قام متحيرا وحزن وسر وغفل ولها وقام وحصل ~~ونام ms4831 واهتم وتكبر وتحير وبطر وأشر، وسمد الأرض: سهلها، وأيضا جعل فيها ~~السماد، أي السرقين، والشعر: استأصله، وهو لك سمدا أي سرمدا، والسميد: ~~الحواري، ذكر ذلك مبسوطا القزاز في جامعه وصاحب القاموس. # فالمادة كما ترى تدور على انتشارها على الدأب في العمل فتارة بذكر مبدئه ~~الباعث عليه، وتارة الناشئ عنه، وتارة ما بينهما، وهو الجد في العمل، ~~فينطلق الاسم على كل من ذلك تارة حقيقة ومرة بمجاز الأول، وأخرى بمجاز ~~الكون، فالقصد باعث، وكذا الاهتمام والقيام ورفع الرأس ناشئان عنهما، وذلك ~~أوله، والسدم بمعنى احرص والهم واللهج بالشيء، والسديم: الضباب الرقيق، هو ~~مبدأ الكشف، والمسدم: البعير المهمل وما دبر ظهره، كأنه من الإزالة، وركية ~~سدم: متدفقة - للمعالجة في فتحها، ولأن تدفقها دأب في العمل، وكذا سدم ~~الباب أي ردمه، والدسم: الودك، لأنه منشط على العمل ومنشأ # PageV19P083 # منه، والوضر والدنس، ودسم المطر الأرض: بلها قليلا، لأنه مبدأ الكثير، ~~والقارورة: سدها، والباب: أغلقه، لأنه يعالج في فتحه، والدسمة: غبرة إلى ~~السواد - كأنه مبدأ السواد والدسيم لما لم يكن أبواه من نوع واحد - كأنه ~~مبدأ لكل نوع منهما ولأنه يلزم الخلط في العادة العلاج، ومنه الدسمة للرديء ~~من الرجال - كأنه لم يكمل فيه النوع، ولأن نقص الشيء عن عادته يلزمه العلاج ~~والفعل بالاختيار، والديسم: الرفيق بالعمل المشفق، وأنا على دسم من الأمر ~~أي طرف منه، والمسد - محركة: المحور من الحديد، لأنه آلة الفتل، وحبل من ~~الليف أو ليف المقل لأنه محل الدأب، والمساد: نحى السمن، ودمسه: دفنه، يصلح ~~أن يكون مبدأ ومقصدا، ومنه دمس بينهم: أصلح لأنه دفن أحقادهم وعالج في ذلك، ~~والدمس: إخفاء الشيء والظلام، لأنه منشئ التعب، ودمس الموضع: درس - للتعب ~~في معرفته، ودمس الإهاب: غطاه فيمشط شعره، والدمس: الشخص، وبالتحريك: ما ~~غطى، والدودمس بالضم: حية مجر نفشة الغلاصيم تنفخ فتحرق ما أصابت بنفخها، ~~ومن آثاره الناشئة عن الورم، وكذ القيام متحيرا والغفلة والسرور والحزن ~~واللهو والنوم والكبر والتبختر والعلو والعتا، والسميد أي الحواري، والسمد ~~بمعنى السرمد: والسمد: الهم مع ندم أو ms4832 الغيظ مع حزن، والديماس: الكن، وما ~~بين ذلك سمد الأرض والشعر والسير الشديد والجد فيه، وهو نفس الدأب، وكذا ~~السديم للكثير الذكر، وماء مسدم وعاشق مسدم: شديد العشق، والدسيم: ظلمة ~~السواد، والدسيم، الكثير الذكر، ودسم البعير: طلاه بالحناء - والمسد: # PageV19P084 # إداب السير - وبالتحريك: المضفور المحكم الفتل، ورجل ممسود: مجدول الخلق ~~- شبه به - وهي بها، ودمس بينهم: أصلح، وهو من الدفن أيضا لأنه دفن أحقادهم ~~فنبين أن جعل السمود في الآية بمعنى الدأب في العمل هو الأولى، وأن كون ~~الجملة حالا من جعلها معطوفة على {تضحكون} - انتهى والله أعلم. # ولما حث على السمود، فسره مسببا عن الاستفهام ومدخوله قوله: {فاسجدوا} أي ~~اخضعوا خضوعا كثيرا بالسجود الذي في الصلاة {لله} أي الملك الأعظم {واعبدوا ~~*} أي بكل أنواع العبادة فإنه {ما ضل صاحبكم} عن الأمر بذلك {وما غوى} قال ~~الرازي في اللوامع: قال الإمام محمد بن علي الترمذي: تعبدنا ربنا مخلصين أن ~~نكون له كالعبيد وأن يكون لعبيده كما هو لهم - انتهى، ولو كان السمود بمعنى ~~اللهو كان الأنسب تقديمه على {تبكون} - والله أعلم، وقد ظهر أن آخرها نتيجة ~~أولها، ومفصلها ثمرة موصلها - والله الهادي. # PageV19P085 # سورة القمر # مقصودها بيان آخر النجم في أمر الساعة من تحققها وشدة قربها وتصنيفرآن ~~والضحك والبكاء والعمل - إلى طالب علم مهتد به، وإلى متبع نفسه هواها ~~وشهواتها ضال بإهمالها فهو خائب، وذلك لأنه سبحانه وعد بذلك بإخبار نبيه ~~(صلى الله عليه وسلم) وتحقق صدقه بما أيده به من آياته التي ثبت بها ~~اقتداره على ما يريد من الإيجاد الإعدام، فثبت تفرده بالملك وأيد اقترابها ~~بالتاثير في آية الليل بما يدل على الاقتدار على نقض السماوات المستلزم ~~لإهلاك. .. فإن ذلك. .. بأنه ما بقي يدل على الاقتدار على نقض السماوات ~~المستلزم لإهلاك. . فإن ذلك. .. بأنه ما بقي إلا تأثير آية النهار وعندما ~~يكون طي الانتشار وعموم البوار المؤذن بالإحضار لدى الواحد القهار، وأدل ما ~~فيها على هذا الغرض كله أول آياتها، فلذلك سميت بما تضمنته من الاقتراب ~~المنجم به النجم بالإشارة ms4833 لا بالعبارة، ولم تسم بالانشقاق لأنه إذا أطلق ~~انصرف إلى الأتم، فالسماء أحق به) بسم الله (الذي أحاط علمه فتمت قدرته) ~~الرحمن (الذي وسعت رحمته كل شيء فعمت الشقي والسعيد) الرحيم (الذي خص ~~بإتمام النعمة من اصطفاه فأسعدتهم رحمته. # PageV19P086 # لما ختمت النجم بالتهديد باقتراب القيامة التي ينكرونها بعد أن # PageV19P086 # فتحها بالأقسام البلس (؟) في النجم الذي هو أعم من القمر وغيره بتسييره ~~طلوعا وأفولا وصعودا وهبوطا، افتتح هذه بذلك مع الدلالة عليه عقلا وسمعا في ~~التأثير في أعظم آيات الله وغير ذلك ليقطع العباد عن الفساد، ويستعدوا لها ~~قبل مجيئها أحسن استعداد، فقال دالا على عظيم اقتداره عليها بتأنيث فعلها: ~~{اقتربت الساعة} اشتدت قربا الساعة: اللحظة التي لا ساعة في الحقيقة غيرها ~~التي تقوم فيها القيامة لأنه قل ما بقي بيننا وبينها بالنسبة إلى ما مضى من ~~زمن آدم عليه السلام لبعث خاتم الأنبياء الذي لم يبق بعد أمته أمة تنتظر، ~~فيكون في الزمان مهلة لذلك. # ولما كان الإخبار باقترابها يحتاج عند المعاند إلى آية دالة عليه، وكانت ~~الآيات السماوية أعظم، فالتأثير فيها أدل على تمام الاقتدار، وكان القمر ~~أدل على الأنواء التي بها منافع الخلق في معاشهم، وكانت العرب أعرف الناس ~~بها، دلهم على التأثير فيه على اقترابها مع الإرهاب من شدائد العذاب بإعدام ~~الأسباب فقال: {وانشق} بغاية السرعة والسهولة {القمر *} آية للرسول المنذر ~~لكم بها، فكان انشقاقه - مع الدلالة على ذلك بإعجاز القرآن وغيره - دالا ~~على كونها وقربها أيضا بالتأثير العظيم الخارق لعادة ما قبله من التأثير في ~~أحد النيرين اللذين هما أعظم الأسباب المقامة للمعايش الدال على القدرة على ~~التأثير في الآخرة الدال ذلك على القدرة على تمام التصرف فيهما من جمعهما ~~وخسفهما واعتدامهما ولسببهما (؟) الذي هو من أسباب خراب الأرض، يقول ~~الإنسان عنده: أين المفر؟ المؤذن بطي العالم المعلم بأن له ربا فاعلا ~~بالاختيار مدبرا بالحكم # PageV19P087 # الدال على بعث عباده ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فيثيب من تابع ~~رسله ويعاقب من خالفهم، وانشقاق القمر على حقيقته ms4834 في زمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر شهير جدا، وإجماع أهل التفسير عليه كما قاله القشيري، وقال: ~~رواه ابن مسعود رضي الله عنده ولا مخالف له فيه - انتهى. وذلك أن قريشا ~~سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية «فأراهم انشاق القمر بحيث ~~طلعت فرقة عن يمين حراء وأخرى عن يساره» - رواه الشيخان عن ابن مسعود وأنس ~~رضي الله عنهما، ومعلوم أن الأمة تلقت كتابيهما بالقبول فهو يكاد يلحق ~~بالمتواتر وقد أيده القرآن فلم يبق فيه شك، قال القشيري: وروى أيضا ابن عمر ~~وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم رضي الله عنهم، وقال أبو حيان: سبب نزولها ~~أن مشركي العرب من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق ~~لنا القمر فرقتين، ووعدوه بالإيمان إن فعل ذلك، وكانت ليلة البدر فسأل ربه ~~فانشق - انتهى، ومن قال: المراد به «سينشق» يحتاج في صرف الماضي عن حقيقته ~~إلى المستقبل إلى صارف وأنى له ذلك ولا سيما وقد تأيدت الحقيقة بالنسبة ~~الصحيحة الشهيرة. # وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما أعلمهم سبحانه بأن إليه المنتهى، ~~وأن عليه النشأة الأخرى، وإذا ذاك يقع جزاء كل نفس بما أسلفت، أعلمهم ~~سبحانه بقرب ذلك وحسابه ليزدجر من وفقه للازدجار فقال تعالى: {اقتربت ~~الساعة وانشق القمر} ثم إن سورة ص تضمنت من عناد # PageV19P088 # المشركين وسوء حالهم وتوبيخهم في عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع ما يكاد ~~يوجد في غيرها مما تقدمها، وبعد التنبيه في السورة قبلها والتحريك بآيات لا ~~يتوقف عنها إلا من أضله الله وخذله، وأثبتت السورة بعد على تمهيد ما تضمنته ~~سورة ص فلم يخل سورة منها من توبيخهم وتقريعهم لقوله في الزمر {والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] ~~وقوله: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء} [الزمر: 4] ~~وقوله: {قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه} [الزمر: 14] ~~وقوله مثلا لحالهم: {ضرب الله مثلا رجلا فيه ms4835 شركاء متشاكسون} [الزمر: 29] ~~الآية إلى ما بعد من التقريع والتوبيخ، وقوله في سورة غافر: {ما يجادل في ~~آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد} [غافر: 4] وقوله: ~~{ذلكم بأنه إذ دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله} [غافر: ~~12] وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض} [غافر: 21 - 82] الآية، وقوله: {إن ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه} [غافر: 56] وقوله: {ألم تر إلى الذين يجادلون في أيات الله أنى ~~يصرفون} [غافر: 69] {الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف ~~يعلمون} [غافر: 70] إلى قوله: {فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون} [غافر: 77] وقوله: {أو لم يسيروا في الأرض} [غافر: 82] إلى ~~ما تخلل هذه الآيات، وقوله في فصلت {فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا ~~قلوبنا في أكنة} [فصلت: 5] {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا ~~فيه} [فصلت: 26] {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا} [فصلت: 40 - ~~44] إلى قوله: {أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 40 - 44] وقوله: {سنريهم ~~آياتنا في الآفاق # PageV19P089 # وفي أنفسهم} [فصلت: 53] إلى آخر السورة، وقوله في الشورى: {والذين اتخذوا ~~من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل} [الشورى: 6] {كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم ~~داحضة عند ربهم} [الشورى: 13] الآية {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما ~~لم يأذن به الله} [الشورى: 21] الآية {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا ~~إن عليك إلا البلاغ} # [الشورى: 48] وقوله في الزخرف: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا} [الزخرف: 5] ~~الآية، {وجعلوا له من عباده جزءا} [الزخرف: 15] إلى ما تردد في هذه السورة ~~مما قرعوا به أشد التقريع، وتكرر في آيات كثيرة فتأملها مثل قوله تعالى في ~~الدخان {بل هم في شك يلعبون} [الدخان: 9] إلى قوله: {يوم نبطش البطشة ~~الكبرى إنا منتقمون} [الدخان: 16] وقوله: {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} ~~[الدخان: 40] إلى قوله هذا {ما كنتم به تمترون} [الدخان: 50] وقوله في ~~الأعراف: ms4836 {فبأي حديث بعده يؤمنون} [الأعراف: 185] إلى قوله: {والذين كفروا ~~بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم} [الجاثية: 11] وقوله: {أفرءيت من اتخذ ~~إلهه هواه} [الجاثية: 23] إلى آخر السورة، وقوله في الأحقاف: {والذين كفروا ~~عما أنذروا معرضون} [الأحقاف: 3] ومعظم هذه الآية لم يخرج عن هذا إلى ~~ختامها، وكذلك سورة القتال ولم يتضمن إلا الأمر بقتلهم وأسرهم وتعجيل حربهم ~~{فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} [محمد: 4] وأما سورة الفتح فما ~~تضمنته من البشارة والفتح أشد على الكفار من كل ما قرعوا به، ولم تخرج عن ~~الغرض المتقدم، وكذا سورة الحجرات لتضمنها من الأمر بتقدير النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإجلاله ما يقر عين المؤمن ويقتل العدو الحاسد وما فيها # PageV19P090 # أيضا من إتلاف أمر المؤمنين وجمع كلمتهم وتآخيهم، وموقع هذا لا يخفى على ~~أحد، وأما سورة الذاريات والطور والنجم فما تضمنته مما ذكرناه قبل أوضح ~~شيء، وبذلك افتتحت كل سورة منها فتأمل مطالعها ففي ذلك كفاية في الغرض - ~~والله تعالى هو أعمل بالصواب، فلما انتهى ما قصد من تقريع مكذبي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبلغت الآي في هذه السورة من ذلك أقصى غاية، وتمحض ~~باطلهم وانقطع دابرهم، ولم يحيروا جوابا فيما عرض عليهم سبحانه في سورة ~~القمر من أحوال الأمم مع أنبيائهم، وكان القصد من ذلك - والله أعلم - مجرد ~~التعريف بأنهم ذكروا فكذبوا فأخذوا ليتبين لهؤلاء أن لا فرق بينهم وبين ~~غيرهم وأن لا يغرهم عظيم حلمه سبحانه عنهم، فهذه السورة إعذار عند تبكيتهم ~~وانقطاع حجتهم بما تقدم وبعد أن انتهى الأمر في وعظهم وتنبيههم بكل آية إلى ~~غاية يعجز عنها البشر، ولهذا افتتح سبحانه هذه السورة بقوله تعالى: {ولقد ~~جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر} وختمها سبحانه ~~بقوله: {أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر} وهذا يبين ما ~~قدمنا، وكان قد قيل لهم: أي فرق بينكم وبين من تقدم حتى ترتكبوا مرتكبهم ~~وتظنوا أنكم ستفوزون بعظيم جزائكم، فذكر سبحانه لهم قصة كل أمة وهلاكها ms4837 عند ~~تكذيبها بأعظم إيجاز وأجزل إيراد وأفخم عبارة وألطف إشارة، فبدأ بقصة قوم ~~نوح بقوله: {كذبت قوم نوح} إلى قوله: {ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف ~~كان عذابي ونذر} ثم استمر في ذكر الأمم # PageV19P091 # مع أنبيائهم حسبنا ذكروا في السورة الوارد فيها إخبارهم من ذكر أمة بعد ~~أمة إلا أن الواقع هنا من قصصهم أوقع في الزجر وأبلغ في الوعظ وأعرق في ~~الإفصاح بسوء منقلبهم وعاقبة تكذيبهم، ثم ختمت كل قصة بقوله: {فكيف كان ~~عذابي ونذر} وتخلل هذه القصص بقوله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر} وهي إشارة إلى ارتفاع عذر من تعلق باستصعاب الأمور على زواجره ~~وتنبيهاته ومواعظه ويدعي بعد ذلك واستعلاقه فقيل له إنه ميسر قريب المرام، ~~وهذا فيما يحصل عند التنبيه والتذكير لما عنده بكون الاستجابة بإذن الله ~~تعالى ووراء ذلك من المشكل والمتشابه ما لا يتوقف عليه ما ذكره وحسب عموم ~~المؤمنين الإيمان بجميعه والعمل بمحكمه، ثم يفتح الله تعالى فهم ذلك على من ~~شرفه به وأعلى درجته، فيتبين بحسب ما يشرح الله تعالى صدره {يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} ومن تيسر المقصود المتقدم ~~تكرار قصص الأنبياء مع أممهم في عدة سور أي حفظ مها اطلع على ما هو كاف في ~~الاعتبار بهم، ثم إذا ضم بعضه إلى بعض اجتمع منه ما لم يكن ليحصل من بعض ~~تلك السورة، فسبحان من جعله حجة باهرة وبرهانا على صدق الآتي به محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وصراطا مستقيما ونورا مبينا، ولما ذكر سبحانه عواقب الأمم ~~في تكذيبهم قال لمشركي العرب: {أكفاركم خير من أولائكم} ومن هذا النمط قول ~~شعيب عليه السلام: # {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو ~~قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد} [ # PageV19P092 # هود: 89] ثم قال تعالى: {أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون ~~الدبر} إي إنكم تعلقتم بتألفكم وجماعتكم فسأفرق ذلك بهزيمتكم يوم بدر بقتل ~~صناديدكم فما حجتكم ms4838 بعد هذا، إنما مساق القصص في هذه السورة واعتماد ~~التعريف بحال من ذكر في أن كذبوا وعاندوا، فأعقب تكذيبهم أخذهم وهلاكهم، ثم ~~تعقب هذا كله بصرف الكلام في مشركي العرب في قوله: {أكفاركم خير من ~~أولائكم} وليس شيء من السور المذكورة فيها قصص على هذا الاستيفاء كالأعراف ~~وهود، وبظاهرهما ليس في شيء من ذلك تعقيب بذكر مشركي العرب على الصفة ~~الواردة هنا، فأنبأ ذلك بكمال المقصود من الوعظ والتحريك بذكره وانقضاء هذا ~~الغرض، وذلك أنهم ذكروا أولا بعرض أحوال الأمم والتعريف بما آل إليه أمرهم، ~~وكان ذلك في صورة عرض من يريد تأديب طائفة من إليه نظرهم قبل أن يظهر منهم ~~تمرد وعناد، فهو يستلطف في دعائهم ولا يكلمهم تكليم الواجد عليهم، بل يفهم ~~الإشفاق والاستعطاف وإرادة الخير بهم ثم يذكرهم بذلك ويكرره عليهم المرة ~~بعد المرة وإن تخلل ذلك ما يبين منهم فظاعة التهديد وشدة الوعيد، فلا يصحبه ~~تعيين المخاطب وصرف الكلام بالكلية إليه، بل يكون ذلك على طريق التعريض ~~والتوبيخ، ثم لو كان لا يحتقر بما قبله وما بعده من التلطف حتى إذا تكررت ~~الموعظة فلم تقبل، فهنا محل الغضب وشدة الوعيد، وعلى هذا وردت السور ~~المذكور فيها حال الأمم كسورة الأعراف وهود والمؤمنين والظلة والصافات، وما ~~من سورة منها إلا # PageV19P093 # والتي بعدها أشد في التعريف وأمل في الزجر بعد التعريف، فتأمل تعقيب ~~القصص في سورة الأعراف بقوله تعالى: # {وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون} [الأعراف: 174] وقوله بعد موعظة بالغة ~~بذكر من حرمه بعد إشرافه عل الفوز وهو الذي أخلد إلى الأرض واتبع هواه فقال ~~بعد ذلك {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} [الأعراف: 176] وتذكيره إياه لمحنة ~~الغفلة إلى ما ختمت به السورة وذلك غير خاف في التلطف بالموعظة وقال تعالى ~~بعد قصص سورة هود: {وكذلك أخذ ربك} [هود: 102] الآية، وقال تعالى: {فلا تك ~~في مرية مما يعبد هؤلاء} [هود: 109]- إلى قوله - {وإنا لموفوهم نصيبهم غير ~~منقوص} [هود: 109] وتكررت الآية إلى آخر السورة يجاري ما ذكر ولم تبق هذه ~~وآي الأعراف ms4839 في تلطف الاستدعاء، وقال تعالى في قصص آخر سورة المؤمنين: ~~{فذرهم في غمرتهم حتى حين} [المؤمنون: 54]- إلى قوله - {لا يشعرون} ~~[المؤمنون: 56] ثم قال: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا ~~أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون} [المؤمنون: 64] استمرت الآي على شدة ~~الوعيد يتلو بعضها بعضا إلى قوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون} [المؤمنون: 115] وقوله تعالى بعد: {إنه لا يفلح الكافرون} ~~[المؤمنون: 17] ولم يبين هذه الآي، وبين الواقعة عقب قصص سورة هود، وقال في ~~آخر قصص الظلمة: {وإنه لتنزيل رب العالمين} [الشعراء: 192] إلى قوله خاتمة ~~السورة: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227] فوبخهم ~~وعنفهم ونزه نبيه صلى الله عليه وسلم عن توهمهم وعظيم إفكهم وافترائهم، وكل ~~هذا تعنيف وإن لم يتقدم له مثله في السورة المذكورة، ثم هو صريح في مشركي ~~العرب معين لهم في غير # PageV19P094 # تلويح ولا تعريض، ثم إنه وقع عقب كل قصة في هذه السورة قوله تعالى: {إن ~~في ذلك} وفيه تهديد ووعيد، وقال تعالى في آخر والصافات: {فاستفتهم ألربك ~~البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ~~ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون} [الصافات: 149] وهذا أعظم التوبيخ وأشد ~~التقريع، ثم نزه نبيه سبحانه عن بهتان مقالهم وسوء ارتكابهم وقبح فعالهم، ~~بقوله: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} [الصافات: 180] فلما أخذوا بكل مأخذ ~~فما أغنى ذلك عنهم قال تعالى في سورة القمر: {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه ~~مزدجر} {حكمة بالغة فما تغني النذر} ، ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم: {فتول عنهم} ولم يقع أمره صلى الله عليه وسلم بتركهم والإعراض عنهم ~~والتولي إلى بعد حصول القصص في السورة المذكورة وأخذهم بكل طريق، وأول أمره ~~بذلك صلى الله عليه وسلم في سورة السجدة {فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون} ~~ثم في سورة والذريات {فتول عنهم فما أنت بملوم} بأشد وعيد وأعظم تهديد بعقب ~~كل قصة بقوله: {ولقد تركناها آية فهل من مذكر} وقوله: {فكيف كان عذابي ms4840 ~~ونذر} ثم صرف إليهم بما تقدم قوله: {أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة ~~في الزبر} فبلغ ذلك أعظم مبلغ في البيان وإعذار، ثم قال تعالى: {وكل شيء ~~فعلوه في الزبر} ففرق سبحانه بسابق حكمته فيهم {إنا كل شيء خلقناه بقدر} ~~وانقضى ذكر القصص فلم يتعرض لها مستوفاة على المساق فيما بعد إلى آخر ~~الكتاب - فسبحان من رحم به عباده المتقين وجعله آية وأي # PageV19P095 # آية باهرة إلى يوم الدين، وقطع عناد الجاحدين وغائلة المعتدين وجعله ~~بيانا كافيا ونورا هاديا وواعظا شافيا - جعلنا الله سبحانه وتعالى ممن ~~اهتدى واعتلق بسببه إنه أهل الاستجابة والعفو والمغفرة - انتهى. # PageV19P096 # ولما كان التقدير: فأعرض الكفار عن آية انشقاقه وقالوا: سحر، مع علمهم ~~بأنه دال قطعا على صدق من انشق لتصديقه، عطف عليه الإعلام بحالهم في ~~المستقبل فطما لمن يطلبه من المؤمنين إجابة مقترحة من مقترحاتهم رجاء ~~إيمانهم فقال: {وإن يروا} أي فيما يأتي {آية} أي أية آية كانت {يعرضوا} أي ~~عن الانتفاع بها كما أن أعرضوا عن هذه لما رأوها، وقال بعضهم: سحر، وقال ~~بعضهم: أمهلوا حتى يجيء السفار، فإن قالوا: إنهم رأوا كما رأيتم فليست ~~بسحر، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر أهل الأرض كلهم، فجاء السفار وشهدوا ~~برؤيته منشقا، ومع ذلك فلم يؤمنوا {ويقولوا} أي على سبيل التجديد منهم ~~والاستمرار: هذا {سحر} أي هذا الذي يأتينا به هذا الرجل من وادي الخيال ~~الذي لا حقيقة له وهو {مستمر *} أي لأنه فارق السحر بأنه لا ينكشف في الحال ~~لأنه محكم ثابت دائم بشموله وإحاطته بجميع الأنواع، ولذلك يتأثر عنه غاية ~~الخوارق المتباينة الأنواع الكثيرة. # ولما فطم عن التشوف إلى إجابتهم في المقترحات على ما قدرته، تسبب منهم عن ~~الانشقاق بقوله: {وكذبوا} أي بكون الانشقاق دالا على صدق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وجزموا بالتكذيب عنادا # PageV19P096 # أو خبثا منهم. ولما كان التكذيب في نفسه قد يكون حقا، قال مبينا أنه ~~باطل، فبين عن حالهم بقوله: {واتبعوا} أي بمعالجة فطرهم الأولى المستقيمة ~~في دعائها إلى التصديق ms4841 {أهواءهم} أي حتى نابذوا ما دلتهم عليه بعد الفطرة ~~الأولى عقولهم، قال القشيري: إذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب، ~~لأن الله سبحانه وتعالى يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر الرشد، واتباع ~~الرضى مقرون بالتصديق لأن الله تعالى ببركات الاتباع للحق يفتح عين البصيرة ~~فيأتي بالتصديق - والله الهادي. ولما كان ذلك مفظعا لقلوب المحقين، سلاهم ~~بالوصول إلى محط تظهر فيه الحقائق وتضمحل فيه الشقاشق، فقال عاطفا على ما ~~تقديره: فسيستقر أمر كل من أمر المحق والمبطل في قراره، ويطلع على دقائقه ~~وأسراره: {وكل أمر} من أموركم وغيرها {مستقر *} أي ثابت وموجود، انتهاؤه ~~إلى غاية تظهر فيها حقيقته من غير حيلة تصاحبه إلى رد ذلك القرار ولا خفاء ~~على أحد، فلا بد أن ينتهي الحق من كل شيء من الآجال والهدايات والضلالات ~~والسعادات والشقاوات وغيرها إلى نهايته فيثبت ثبوتا لا زوال له، وينتهي ~~الباطل مما دعاه الخلق فيه إلى غايته فيتلاشى تلاشيا لا ثبات له بوجه من ~~الوجوه، فإذا استقرت الأمور ظهر ما لهم عليه وعلموا الخاسر من الفائز، وفي ~~مثل هذا قال ابن عمرو التيمي أخو القعقاع في وقعة السي (؟) من بلاد العراق: # والموت خيلنا لما التقينا ... بقارن والأمور لها انتهاء # وقرأ أبو جعفر بالجر صفة لأمر، فيكون معطوفا على الساعة أي واقترب # PageV19P097 # كل أمر مستقر أي ثابت وهو الحق أي اقترب الظهور وثباته، وذلك لا يكون إلا ~~وقد كان خفاء الباطل وفواته. ولما حذر وبشر قال معلما أنه محيط العلم ~~بأمرهم من قبل الإجابه إلى شق القمر وأنه ما شقه لطمع في إيمانهم بلا ~~للأعلام بخذلانهم مؤكدا لمن يتعلق رجاؤه بأن تواتر الآيات ربما أوجب لهم ~~التصديق المتضمن لأن ما جاءهم ليس فيه كفاية: {ولقد جاءهم} من قبيل ~~الانشقاق {من الأنباء} أي الأمور العظيمة المرئية، المسموعة التي تستحق ~~لعظمتها أن يخبر بها إخبارا عظيما سيما ما جاء في القرآن من تفصيل أصول ~~الدين وفروعه وأخبار الأولين والآخرين والأولى والأخرى {ما فيه} خاصة ~~{مزدجر *} أي موضع للزجر من ms4842 شأنه أن يكون لهم به انزجار عظيم عما فيه من ~~الباطل، ولكن لم يزدجر منهم إلا من أراد الله، قال القشيري: لأن الله أسبل ~~على أبصارهم سجوف الجهل فعموا عن مواضع الرشد. # ولما كان ما فيه ذلك قد لا يكون محكما، بينه بقوله: {حكمة} عظيمة {بالغة} ~~أي لها معظم البلوغ إلى منتهى غايات الحكمة لصحتها وطهارتها ووضوحها، ففيها ~~مع الزجر ترجية ومواعظ وأحكام ودقائق تجل عن الوصف. ولما تسبب عنها ~~انزجارهم، سبب عن ذلك قوله: {فما} نفيا صريحا أو باستفهام إنكاري موبخ {تغن ~~النذر *} الإنذارات والمنذرون والأمور المنذر بها - إنما المعني بذلك هو ~~الله تعالى، فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، ولعل الإشارة بإسقاط يا ~~«تغني» بإجماع المصاحف من غير موجب في اللفظ إلى أنه كما سقطت غاية # PageV19P098 # أحرف الكلمة سقطت نمرة الإنذار وهو القبول. # ولما كان صلى الله عليه وسلم التعلق بطلب نجاتهم، فهو لذلك ربما اشتهى ~~إجابتهم إلى مقترحاتهم، سبب عن ذلك قوله: {فتول عنهم} أي كلف نفسك الإعراض ~~عن ذلك فما عليك إلا البلاغ، وأما الهداية فإلى الله وحده. ولما بين اقتراب ~~الساعة بالإجابة إلى بعض مقترحاتهم القائمة مقامها كلها بدلالته على القدرة ~~عليها، وأتبع ذلك الفطم عن طلب الإجابة إلى شيء فيها لأنها لا تغني شيئا، ~~تطلعت النفوس الكاملة إلى وصف الساعة فأجاب عن ذلك على سبيل الاستئناف بذكر ~~ظرفها وذكر. . . ما يقع فيه من الأهوال، فقال معلقا بما تقديره: الساعة ~~كائنة على وجه الاقتراب الشديد: {يوم يدع} ويجوز - والله أعلم - أن يكون ~~الناصب له {تول} لأنهم لما أعرضوا حين دعاهم كان جزاءهم أن يعرض عنهم يوم ~~حاجتهم إليه لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه قيل بعد أن عد القيامة أمرا ~~محققا لا يأتي النزاع فيه: تول عنهم في ذلك اليوم العبوس الذي أنت فيه ~~الشافع المقبول. # . . واتركهم لأهواله ودواهيه، فقد بان الخاسر فتوليهم إنما يضرهم، لأن ~~توليهم عنك لا يضرك شيئا أصلا، وتوليك عنهم يضرهم ضررا ما بعدهم ضرر - ~~والله أعلم، وحذف واو ms4843 «يدعو» للرسم بإجماع المصاحف من غير موجب لأن المقام ~~لبيان اقترابها، فكأنه إشارة إلى كونها بأدنى دعاء، وأيضا ففي حذفه تشبيه ~~للخبر بالأمر إشارة إلى أن هذا الدعاء لا بد على أن يكون على أعظم وجه ~~وأتقنه وأهوله وأمكنه كما يكون كل مأمور من الأمر المطاع، والوقف على هذا ~~وأمثاله # PageV19P099 # بغير واو لجميع القراء موافقة للرسم لأن القاعدة أن ما كان فيها رواية ~~أتبعت وإن خالفت الرسم أو الأصل، وما لم يرد فيه عن أحد منهم رواية اتبع ~~فيه الرسم وإن خولف الأصل، لأن التخفيف معهود في كلام العرب كالوال ~~والمتعال من أسمائه الحسنى، لكن قال علامة القراءات شمس الدين الجزري في ~~كتابه المسمى بالنشر في هذه الأحرف الأربعة: هذا و {يدع الإنسان} في سبحان ~~و {يمح الله الباطل} في شورى و {سندع الزبانية} في العلق: نص الحافظ أبو ~~عمرو الداني عن يعقوب على الوقف عليها بالواو على الأصل، ثم قال: قلت: وهو ~~من انفراده، وقد قرأت به من طريقه {الداع} أي النفخ في الصور {إلى شيء نكر ~~*} عظيم الوصف في النكارة بما تكرهه النفوس فتوجل منه القلوب لأنه لا شيء ~~منه إلا وهو خارج عما تقدمه من العادة. # ولما بين دعاءه بما هال أمره، بين حال المدعوين زيادة في الهول فقال: ~~{خشعا أبصارهم} أي ينظرون نظرة الخاضع الذليل السافل المنزلة المستوحش الذي ~~هو بشر حال، ونسب الخشوع إلى الأبصار لأن العز والذل يتبين من النظر فإن ~~الذل أن يرمي به صاحبه إلى الأرض مثلا مع هيئة يعرف منها ذلك كما قال ~~تعالى: {خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي} وإفراده في قراءة أبي عمرو ~~ويعقوب وحمزة والكسائي على أن الخشوع بلغ في النهاية من الشدة ونسبته إلى ~~كل بصر على حد سواء، وجمع على لغة «أكلوني البراغيث» تفي قراءة الباقين بضم # PageV19P100 # الخاء وتشديد الشين مفتوحة أو مستندا المدعوين، والإبصار يدل بعض الإشارة ~~إلى أن كل ذلك موزع على الأبصار. # ولما بين من حالهم هكذا ما يدل على نكارة ذلك ms4844 اليوم، بين كيفية خروجهم ~~بيانا لما يلزم من تصوره زيادة الذعر فقال: {يخرجون} أي على سبيل التجدد ~~الأشرف فالأشرف {من الأجداث} أي القبور المهيأة لسماع النفخ في الصور ~~{كأنهم} في كثرتهم وتراكم بعضهم على بعض من كبيرهم وصغيرهم وضعيفهم وقويهم ~~{جراد منتشر *} أي منبث متفرق حيران مطاوع لمن نشره بعدما كان فيه من سكون ~~مختلط بعضه ببعض، لا جهة له في الحقيقة يقصدها لو خلى ونفسه. # PageV19P101 # ولما كان الانتشار قد يكون وجه المهل والوقار، قال مبينا أن الأمر على ~~خلاف ذلك زيادة في هول ذلك اليوم وتقريرا لما تقدم من وصفه: {مهطعين إلى ~~الداع} أي مسرعين خائفين مقبلين بأبصارهم عليه لا يقلعون عنه، مادين ~~أعناقهم نحوه مصوبي رؤوسهم لا يلتفتون إلى سواه كما يفعل من ينظر في ذلك ~~وخضوع وصمت واستكانة. ولما بين حال الكل حصر حال المبطلين فقال: {يقول} أي ~~على سبيل التكرار: {الكافرين} أي الذين كانوا في الدنيا عريقين في ستر ~~الأدلة وإظهار الأباطيل المضلة: {هذا} أي الوقت الذي نحن فيه بما نرى من ~~الأهوال {يوم عسر *} أي في غاية العسر الصعوبة والشدة، وذلك بحسب حالهم ~~فيه. # ولما تقدم أمره سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بالتولي عنهم # PageV19P101 # تهديدا لهم، وصرح بما أراد من أمر الساعة لما دعا إلى ذلك من تقدم ذكرها، ~~ولأنها أشد هول يهددون به، وبيانا أن الخلق ما خلق إلا لأجلها لأنها محط ~~الحكمة، وختم بعسرها على الكافرين، تمم ذلك التهديد بعذاب الدنيا ردعا لأهل ~~الغلظة الموكلين بالمحسوسات، فذكر عسر يوم كان على الكافرين فيها، فقال ~~مهددا لقريش بجعل القصة مثلا لهم في إهلاكهم وفي أمر الساعة من حيث إنه كما ~~أهلك أهل الأرض في آن واحد بما أرسله من الماء فهو قادر على أن يهلكهم في ~~آن واحد بالصيحة، وكما صرف هذا التصريف الذي ما سمع بمثله في الإهلاك فهو ~~قادر على أن يصرفه في الإحياء عند البعث على وجه ما عهد مثله تنبت فيه ~~الأجساد وتحيا فيه العباد، جوابا لمن كأنه قال: ms4845 هذا ما يوعدونه بعد الموت، ~~فهل لهم عذاب قبله دال على كمال القدرة: {كذبت} أو أوقعت التكذيب العظيم ~~الذي عموا به جميع الرسالات وجميع الرسل، وأنث فعلهم تحقيرا لهم وتهوينا ~~لأمرهم في جنب قدرته. # ولما كان ما كان من تصميمهم عليه وعزمهم على عدم الانفكاك عنه لكونه جبلة ~~مستغرقا لجميع ما بعدهم من الزمان، وكانوا قد سنوا سنة التكذيب فكان عليهم ~~مع وزرهم وزر من أتى بعدهم، وكان ما قبلهم من الزمان يسيرا في جنب ما بعده ~~عدما، فلذلك ذكر الظرف من غير حرف جر لأنه مع أنه الحق أعظم في التسلية ~~فقال: {قبلهم} أي في جميع ما سلف من الزمان ومضى بعضه بالفعل وبعضه بالقوة ~~لقوة العزم: {قوم نوح} مع ما كان بهم من القوة ولهم من الانتشار # PageV19P102 # في جميع الأقطار. # ولما ذكر تكذيبهم إشارة إلى أنه جبلة لهم جحدوا بها النبوة رأسا فلاحظ ~~لهم في التصديق للحق فلا يفترق حالهم بالنسبة إلى أحد من الناس كان من كان، ~~فلذلك سبب عن هذا المطلق قوله: {فكذبوا عبدنا} أي على ما له من العظمة نسبة ~~إلينا لكونه لم يتعبد لغيرنا قط مع تشريفنا إياه بالرسالة، فكان تكذيبهم ~~فرا مما دخل في تكذيبهم المطلق الشامل لكل ما يمكن تكذيبه وهو ميد (؟) ~~{وقالوا} مع التكذيب أيضا زيادة على تغطية ما ظهر منه من الهداية: {مجنون} ~~أي فهذا الذي يظهر له من الخوارق من أمر الجن. # ولما كان إعلاء الصوت على النبي كائنا من كان عظيم القباحة جدا زائد ~~الفظاظة فكيف إذا كان مرسلا فكيف إذا كان من أولي العزم فكيف إذا كان على ~~سبيل الإنكار عليه، فكيف إذا كان على صورة ما يفعل ممن لا خطر له بوجه، قال ~~بانيا للمجهول إشارة إلى تبشيعه من غير نظر إلى قائل وإيذانا بأن ذلك لم ~~يكن من أكابرهم فقط بل من كبيرهم وصغيرهم: {وازدجر *} أي أعملوا أنفسهم في ~~انتهاره وتوعده وتهديده وانتشر ذلك في جميعهم بغاية ما يكون من الغلظة ~~كفاله عن الرسالة ومنعا ms4846 له عنها، والمعنى أنهم قالوا: إنه استظهر عليهم ~~بالجنون. # ولما طال ذلك منهم ومضت عليه أجيالهم جيلا بعد جيل حتى مضى له من إنذارهم ~~أكثر مما مضى من الزمان لأمة هذا النبي الحاتم إلى يومنا هذا، وأخبره الله ~~أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن معه، # PageV19P103 # تسبب عن ذلك الدعاء بالراحة منهم، فلذلك قال صارفا وجه الخطاب إلى صفة ~~الإحسان والربوبية والامتنان إيذانا بأنه أجاب دعاءه ولبى نداءه: {فدعا ~~ربه} أي الذي رباه بالإحسان إليه برسالته معلما له لما أيس من أجابتهم: ~~{أني مغلوب} أي من قومي كلهم بالقوة والمنعة لا بالحجة، وأكده لأنه من يأبى ~~عن الملك الأعظم يكون مظنة النصرة، وإبلاغا في الشكاية إظهارا لذل ~~العبودية، لأن الله سبحانه عالم بسر العبد وجهره، فما شرع الدعاء في أصله ~~إلا لإظهار التذلل، وكذا الإبلاغ فيه {فانتصر *} أي أوقع نصري عليهم أنت ~~وحدك على أبلغ وجه. # ولما استجاب له سبحانه، سبب عن دعائه قوله، عائدا إلى مظهر العظمة إعلاما ~~بمزيد الغضب الموجب دائما للاستيعاب بالغضب: {ففتحنا} أي تسبب عن دعائه أنا ~~فتحنا فتحا يليق بعظمتنا {أبواب السماء} كلها في جميع الأقطار، وعبر بجمع ~~القلة عن الكثرة لأن عادة العرب أن تستعيره لها وهو أرشق وأشهر من بيبان، ~~وسياق العظمة يأبى كونه لغيرها. ولما كان المراد تهويل أمر الماء بذكر حاله ~~التي كان عليها حتى كأن المحدث بذلك شاهده جعلت كأنه آية فتحت بها السماء ~~فقال: {بماء منهمر *} أي منصب بأبلغ ما يكون من السيلان والصب عظما وكثرة، ~~ولذلك لم يقل: بمطر، لأنه خارج عن تلك العادة، واستمر ذلك أربعين يوما ~~{وفجرنا} أي صدعنا بما لنا من العظمة وشققنا وبعثنا وأرسلنا {الأرض عيونا} ~~أي جميع عيون الأرض، ولكنه # PageV19P104 # عدل عنه للتهويل بالإبهام ثم البيان، وإفادة لأن وجه الأرض صار كله ~~عيونا. # ولما كان الماء اسم جنس يقع على الأنواع المختلفة كما يقع على النوع ~~الواحد، وكان قد ذكر ماء السماء والأرض، سبب عن ذلك قوله: {فالتقى الماء} ~~أي المعهود وهو ms4847 ماء السماء وماء الأرض بسبب فعلنا هذا، وزاد في تعظيمه ~~بأداة الاستعلاء فقال: {على أمر} ولما تقررت هذه العظمة لهذه الواقعة، فكان ~~ربما ظن أنه صار جزافا، وزاد على الحد المأمور به، أشار إلى أنه بالنسبة ~~إلى عظمته في غاية الحقارة فقال: {قد قدر *} أي مع كونه مقدورا عليه في كل ~~وقت بغاية السهولة قد وقع تقديره في الأزل، فلم يستطع أن يزيد على ذلك قطرة ~~فما فوقها ولا أن يهلك غير من أمرناه بإهلاكه، وأشار بالتخفيف إلى غاية ~~السهولة في ذلك سبحانه. # PageV19P105 # ولما ذكر ما علم منه بقرينة ما ذكر من خرقه للعادة، وأن إجابته لدعوته ~~عليه الصلاة والسلام، ذكر تمام الانتصار بنجاته فقال: {وحملناه} أي بما لنا ~~من العظمة على متن ذلك الماء بعد أن صار جميع وجه الأرض مجرى واحدا، وحذف ~~الموصوف تهويلا بالحث على تعرفة بتأمل الكلام فقال: {على ذات} أي سفينة ذات ~~{ألواح} أي أخشاب نجرت حتى صارت عريضة {ودسر *} جمع دسار وهو ما يشد به ~~السفينة وتوصل بها ألواحها ويلج بعضها ببعض بمسمار من حديد أو خشب أو من ~~خيوط الليف على وجه الضخامة والقوة الدفع والمتانة، ولعله # PageV19P105 # عبر عن السفينة بما شرحها تنبيها على قدرته على ما يريد من فتق الرتق ~~ورتق الفتق بحيث يصير ذلك المصنوع، فكان إلى ما هيأه ليراد منه وإن كان ذلك ~~المراد عظيما وذلك المصنوع. # ولما كان ذلك خارقا للعادة فكان يمكن أن يكون في السفينة خارق آخر ~~بإسكانها على ظهر الماء من غير حركة، بين أن الأمر ليس كذلك فقال مظهرا ~~خارقا آخر في جريها: {تجري} أي السفينة {بأعيننا} أي محفوظة أن تدخل بحر ~~الظلمات، أو يأتي عليها غير ذلك من الآفات، بحفظنا على ما لنا من العظمة ~~حفظ من ينظر الشيء كثرة ولا يغيب عنه أصلا، وجوزوا أن يكون جمع تكسير لعين ~~الماء، ثم علل ذلك بقوله: {جزاء} أي لعبدنا نوح عليه السلام، ولكنه عبر هنا ~~بما يفهم العلة ليحذر السامع وقوع مثل ذلك العذاب له ms4848 إن وقع منه مثل فعل ~~قومه فقال: {لمن} وعبر عن طول زمان كفرهم بقوله: {كان كفر *} أي وقع الكفر ~~به وهو أجل النعم، فقال على أهل ذلك الزمان وذلك جزاء من كفر النعم، ويجوز ~~أن يكون المراد به قومه بين أنه وقع الكفر منهم وقوعا كأنهم مجبولون عليه ~~حتى كأنه وقع عليهم لتوافق قراءة مجاهد بالبناء. للفاعل. # ولما تم الخبر عن نجاته بحمله فيها، نبه عن آثارها بقوله: {ولقد تركناها} ~~أي هذه الفعلة العظيمة من جري السفينة على هذا الوجه وإبقاء نوعها دالة على ~~ما لنا من العظمة، وقيل: تلك السفينة # PageV19P106 # بعينها بقيت على الجودي حتى أدرك بقايا ما هذه الأمة {آية} أي علامة ~~عظيمة على ما لنا من العلم المحيط والقدرة التامة {فهل من مدكر *} أي مجتهد ~~في التذكير بسبب هذا الأمر لما يحق على الخلق من شكر الخالق بما هدت إليه ~~رسله كما قالوه. # ولما قدم تعالى قوله: {فما تغن النذر} وأتبعه ذكر إهلاكه المكذبين، وكان ~~ما ذكره من شأنهم أمرهم في الجلالة والعظمة بحيث يحق للسامع أن يسأل عنه ~~ويتعرف أحواله ليهتدي بها على ذلك بقوله مسببا عن التذكير باستفهام الإنكار ~~والتوبيخ: {فكيف كان} أي وجد وتحقق {عذابي} أي لمن كذب وكفر وكذب رسلي ~~{ونذر *} أي الإنذارات الصادرة عني والمنذرون المبلغون عني فإنه أنجى نوحا ~~عليه السلام ومن آمن معه من أولاده وغيرهم ومتعهم بعد إهلاك عدوهم وجعل ~~الناس الآن كلهم من نسله، قال القشيري: في هذا قوة لرجاء أهل الدين إذا ~~لقوا في دين الله محنة فجحد غيرهم ما آتاه الله أن يهلك الله عن قريب عدوهم ~~ويمكنهم من ديارهم وبلادهم ويورثهم ما كان إليهم، وكذلك سنة الله في جميع ~~أهل الضلال - انتهى. # وكان المعنى في تكرير ذلك عليهم بعد التذكير بما أتيناهم به من قصص هذه ~~الأمم ميسرا لفهم صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم كيف كان أخذي لهم وعاقبة ~~تخويفي إياهم لعلهم يتعظون فينفعهم إنذار المنذرين. # ولما كان هذا التفصيل مما أنزل أول القرآن تيسيرا على ms4849 الأمة، نبه على ذلك ~~بقوله: {ولقد يسرنا} أي على ما لنا من العظمة # PageV19P107 # {القرآن} أي على ما له من الجمع والفرق والعظمة المناسبة لكونه صفة لنا ~~{للذكر} أي الاتعاظ والتذكر والتدبر والفهم والحفظ والتشريف لمن يراعيه، ~~قال ابن برجان: أنزلناه باللسان العربي وأنزلناه للأفهام تنزيلا وخاطبناهم ~~بعوائدهم وأعلمنا من قبل أعمالهم وأقبسناهم المعرفة واليقين من قبل ذواتهم ~~وضربنا لهم الأمثال وأطلنا لهم في هذه الأعمال ليتذكروا الميثاق المأخوذ ~~عليهم، وقال القشيري: يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قلوب قوم، وفهمه ~~على قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن وكلهم أهل الله وخاصته ~~- انتهى. والآية ناظرة بالعطف والمعنى إلى {ولقد جاءهم من الأنباء} ~~الآيتين، فالمعنى أنا ولو شئنا بما لنا من العظمة لجئناهم بعبارات لا يشمون ~~رائحتها، وبلاغات لا يهتدون إلى وجه معناها أصلا لكننا لم نفعل ذلك بل ~~خاطبناهم بأبلغ من بلاغتهم مع تيسير فهم ما خاطبناهم به فكان في ذلك ~~إعجازان: أحدهما أنه فوق بلاغتهم، والثاني أنه مع علوه يشترك في أصل فهمه ~~الذكي والغبي. ولما كان هذا القرآن العظيم الجامع ترجمة لأفعاله سبحانه في ~~هذا الوجود الشاهد والغائب الذي أخبرنا عنه وشرحنا لما أنزل علينا من ~~أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعرف لنا بها، وكان سبحانه قد جعل خلق ~~الآدمي جامعا، فما من شيء من أفعاله إلا وفي نفسه منه أثر ظاهر ناظر للتفكر ~~في القرآن والتعرف للأسرار منه بالتذكير الذي يكون. . . لما كان الإنسان ~~يعرفه ثم نسيه حتى صار لا يستقل باستحضاره فإذا ذكر به ذكره، فقال منبها ~~على عظيم فعل العلم والقرآن الذي هو طريقه بالتكرار # PageV19P108 # والتعبير بما هو من الذكر على أنه المحفوظ للإنسان بما هيأ له من تيسير ~~أمره {فهل من مدكر *} قال البخاري في آخر صحيحه: قال مطر الوراق: هل من ~~طالب علم فيعان عليه، وقد تكررت هذه الموعظة في هذه السورة أربع مرات، ~~وذكرت الجملة الأخيرة منها منفكة عن تيسير القرآن مرتين: مرة في أول القصص ~~وهي قصة نوح ms4850 عليه السلام، ومرة كما يأتي في آخرها، وذلك عقب قصة فرعون وهو ~~قوله: {فكيف كان عذابي ونذر} مثل ذلك، وكررت {فبأي ألاء ربكما تكذبان} في ~~الرحمن إحدى وثلاثين مرة، فنظرت في سر ذلك فظهر لي - والله الهادي - أن ~~الذي تقدم في سورة المفصل على هذه السورة أربع سور هذه السورة خاتمتها ~~فأشير إلى التذكر بكل سورة منها حثا على تدبرها بآية ختمت كلماتها بكلمة ~~عادت حروفها في السور الخمس وأدغم حرف منها في آخر بعد قلب كل منهما، فكانت ~~هذه الكلمة التي مدلولها الذكر مشيرة إلى الحواس الخمس الظاهرة التي هي ~~مبادئ العلم، وكان ما في أول هذه المواعظ وآخرها لخلوه عن ذكر القرآن ~~موازيا للحرفين اللذين طرفهما للوهن بالتعبير والقلب لكن كان الحرفان ~~بالإدغام كحرف واحد، كانت الجملتان الموازيتان لهما كآية واحدة من تلك ~~الأربع، وكان هذا الأول والآخر مشارا به إلى هذه السورة التي جمعت التذكير ~~بالسورة الأربع، وأعريت عن ذكر تيسير القرآن لافتتاح السور السور بمحو وما ~~يقرب من المحو وهو آية الليل والتيسير فيها والساعة التي هي أغيب الغيب، ~~وكل من فيها سوى الله محو لسلب الأمر كله عنهم وخصت بها الأولى والآخرة # PageV19P109 # لجامع بينهما من غرق العصا في الماء ونجاة المطيعين بعضهم بالسفينة ~~وبعضهم بنفس البحر الذي هو مسرح السفن، وكانت الموعظة المذكور فيها القرآن ~~في ختام قصة نوح عليه السلام مع عمومها لجميع القرآن إشارة إلى خصوص ~~التذكير بسورة ق لما بينهما من جامع الإحاطة بإحاطة جبل ق بالأرض كلها ~~وطوفان قوم نوح عليه السلام بعموم جميع الأرض والتي في سورة عاد إشارة إلى ~~سورة الذاريات لأن كلاهم كان بالريح، والتي في قصة ثمود إشارة إلى التذكير ~~بالطور بجامع ما بينهما من الرج والرجف والذل والصعق، أما في قصة ثمود ~~فظاهر، وأما في الطور فلما كان من دكه وصعق بني إسرائيل فيه، وقد ذكر الصعق ~~في آخر الطور، وما في قصة لوط إشارة إلى النجم لأن مدائنهم ارتفعت إلى عنان ~~السماء ثم أهويت وأتبعت ms4851 الحجارة، فلما كان الأمر هكذا، وكانت النعم محيطة ~~بالإنسان من جهاته الست، فضربت الحواس الخمس في الجهات الست، فكانت ثلاثين، ~~كأنه قيل: هل مذكر بهذا القرآن، ولا سيما ما تقدم على هذه السورة منه في ~~المفصل ما لله عليه من النعم في نفسه وفي الآفاق المشار إلى القسم الأول ~~منها بمذكر وإلى الثاني بتكرير ذكر الآلاء فكل آية تكرير انتهى إلى العدد ~~المخصوص وإلى المجموع بالمجموع ليعلم أن نعم الله محيطة به على وجه لا يقدر ~~على صنعه إلا الله الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال التي أعظمها - من حيث ~~كونه أساسا يبنى عليه - الوحدانية المنزهة عن الشركة فيخشى من معصيته أن ~~يسلبه نعمه أو واحدة منها فلا يجد من يقوم بها ولا بشيء منها # PageV19P110 # غيره أو يعذبه بشيء مثل عذاب هذه الأمم أو بغير ذلك مما له من إحاطة ~~القدرة والعلم فلا يجد من يرد عنه شيئا منه سبحانه، وأما الواحد الزائد فهو ~~إشارة إلى أن المدار في ذلك الإدراك هو العقل والحواس كما أن المقصود بذلك ~~كله واحد وهو الله تعالى، وكل هذه الأشياء أسباب لمعرفته وأيضا فالواحد ~~إشارة إلى أن زيادة الآلاء من فضل الله تعالى لا تنقطع كما أن الواحد الذي ~~هو أصل العدد لا يزال، فكلما أغنت زيادتها ابتدأ دور ثم ابتدأ دور آخر ~~دائما أبدا، وللتكرير نكتة أخرى بديعة جدا، وهي تأكيد التقرير دلالة على ~~اشتداد الغضب المقتضي لأنهى العقوبة كما أن من اشتد غضبه من إنكار شخص لشيء ~~من قتله إذا بينه غاية البيان بأمور متنوعة وهو يتمرد ويلد غاية اللدد ~~يأخذه فيجمع له جمعا لا يقدر على العدول عن الحق بحضرتهم. # وهو يذعن وهو في قبضته فيذكر تلك المعاني بين ذلك الجمع، فيصير كلما ذكر ~~له نوعا منها بحضرتهم، قال له: هل ظهر لك هذا؟ فيقول ذاك المنكر: نعم ظهر ~~لي، فلا يريد ذلك إلا غضبا لما تقدم له من عظيم غضبه ولدده فيذكر له معنى ~~آخر ثم يقول: هل ظهر لك ms4852 هذا؟ فيقول: نعم والله لا يعرج على اعترافه ذلك ~~ويذكر له نوعا آخر، ويقول مثل ذلك يريد الزيادة في تبكيته وتخجيله، وهكذا ~~إلى أن يشتفي - كل ذلك للتنبيه على لدده وكفاية كل نوع منها لما أريد منه ~~من البيان، وقال في الكشاف: فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء ~~الأولين أدكارا واتعاظا وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث عليه ~~والبعث على ذلك # PageV19P111 # كله وأن يقرع لهم العصى مرات ويقعقع لهم السن تارات، لئلا يغلبهم السهود ~~ويستولي عليهم حكم الغفلة، وهكذا حكم التكريرات لتكون العبر حاضرة للقلوب ~~مصورة للأذهان مذكورة غير منسية في أوان - انتهى، ولمثل ما مضى أو قريب منه ~~كرر التهويل بالعذاب ست مرات: أربع منها {فكيف كان عذابي ونذر} واثنان منها ~~{فذوقوا عذابي ونذر} فهما بمنزلة واحدة من الأربع ليرجع الست إلى الخمس ~~الدال عليها {مدكر} إشارة إلى أن الحواس الخمس كما ضربت في الجهات الست ~~لأجل النعم التي هي جلب المصالح ضربت فيها للتذكير بدفع النقم الذي هو درأ ~~المفاسد والتحذير منها، ومن فوائد تكرر الست الراجعة إلى الخمس مرتين: مرة ~~لجلب النعم وأخرى لدفع النقم أن الحواس مكررة ظاهرا وباطنا، فمن ذل لسانه ~~بالقرآن ظاهرا صحت حواسه الظاهرة ونورت له الباطنة، ومن أبى عذب بسبب ~~الباطنة فتفسد الظاهرة، واختير للموعظتين عدد الست مع إرادة جماعة إلى خمسة ~~لأن الست عدد تام وذلك لأن عدد كسورها إذا جمعت سادتها ولم تزد عنها ولم ~~تنقص وهي النصف والثلث والسدس، وهذا العدد مساو لدعائم الإسلام الخمس ~~وحظيرته الجهاد التي هي عماد تقوى المتقين أهل مقعد الصدق الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إلى ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله المشار به إلى الصيام # {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] والحج {وإذ ~~جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} [البقرة: 125] والجهاد {أم حسبتم أن # PageV19P112 # تدخلوا الجنة} [البقرة: 214] إلى قوله: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} ~~[البقرة: ms4853 216] وذلك إشارة إلى أن هذا الدين تام لا زيادة فيه ولا نقص لأن ~~النبي الذي أرسل ختام الأنبياء، وتمام الرسل الأصفياء. ولما كان قوم عاد قد ~~تكبروا بشدتهم وقوتهم، وكانت حال قريش قريبة من ذلك لقولهم إنهم أمنع العرب ~~وأقواهم وأجمعهم للكمالات وأعلاهم، كرر ذلك في قصتهم مرتين زيادة في تذكير ~~قريش وتحذيرهم ولا سيما وقد كان بدء عذابهم من بلدهم مكة المشرفة كما هو ~~مشروح في قصتهم، وكرر الأمر بالذوق في قصة لوط عليه السلام لأنهم عذبوا بما ~~يردع من كان له قلب بالطمس، فلما لم ينفعهم ذلك أتاهم أكبر منه فكانوا كأمس ~~الدابر، فلكل مرة من العذاب من الأمر بالذوق، وخصوا بالأمر بالذوق لما في ~~فاحشتهم الخبيثة ما يستلذونه، وقد عم عذاب هذه الأمم جميع الجهات بما لقوم ~~نوح ولوط عليهما السلام من جهة الغرق بالماء الماطر وحجارة السجيل ومن ~~البحث من الماء النابع والخسف، وما في عموم عذابهم من استغراق بقية الجهات ~~- والله الهادي. # ولما انقضت قصة نوح عليه السلام على هذا الهول العظيم، كان ذلك موجبا ~~للسامع أن يظن أنه لا يقصر أحد بعدهم وإن لم يرسل برسول فكيف إذا أرسل، ~~فتشوف إلى علم ما كان بعده هل كان كما ظن أم رجع الناس إلى طباعهم؟ وكانت ~~قصة عاد أعظم قصة جرت بعد قوم نوح عليه السلام فيما يعرفه العرب فيصلح أن ~~يكون واعظا لهم، وكان عذابهم بالريح التي أهلكتهم ونسفت جبالهم التي كانت ~~في محالهم # PageV19P113 # من الرمال المتراكمة، فنقلها إلى أمكنة أخرى أقرب دليل إلى أنه تعالى ~~يسير الجبال يوم الدين، هذا إلى ما في صفها الخارج عن العوائد من تصوير ~~النفخ في الصور تارة للقيامة وتارة للأحياء، فأجيب بقوله: {كذبت عاد} أي ~~أوقعت التكذيب العام المطلق الذي أوجب تكذيبهم برسولي هود عليه السلام في ~~دعوته لهم إلي وإنذاره لهم عذابي. # ولما كان عادة الملوك أو بعضهم أنه إذا أهلك قوما كثيرين من جنده نجا ناس ~~مثلهم بمثل ذنوبهم أن يرفع بهم، ويستألفهم لئلا يهلك ms4854 جنده، فيختل ملكه، عقب ~~الإخبار بتكذبيهم الإعلام بتعديهم لأنه لا يبالي بشيء لأن كل شيء في قبضته، ~~ولما كان تكذيبهم إلا بإرادته كا أن عذابه بمشيئته، قال مسببا عن ذلك: ~~{فكيف} أي فعلى الأحوال لأجل تكذيبهم {كان عذابي لهم ونذر *} أي وإنذاري ~~إياهم بلسان رسولي، وكرر في آخر قصتهم هذا الاستخبار، فكان في قصتهم مرتين ~~كما تقدم من سره - والله أعلم. # PageV19P114 # ولما ذكر تكذيبهم وأعقبه تعذيبهم، علم السامع أنه شديد العظمة فاستمطر أن ~~يعرفه فاستأنف قوله، مؤكدا تنبيها على أن قريشا أفعالهم في التكذيب ~~كأفعالهم كأنهم يكذبون بعذابهم: {إنا أرسلنا} بعظمتنا، وعبر بحرف الاستعلاء ~~إعلاما بالنقمة فقال: {عليهم ريحا} ولما كانت الريح ربما كانت عيانا، وصفها ~~بما دل على حالها فقال: {صرصرا} أي شديد البرد والصوت. ولما كان مقصود ~~السورة تقريب قيام الساعة # PageV19P114 # ووصف سيرهم إلى الداعي بالإسراع، ناسب أن يعبر عن عذابهم بأقل ما يمكن، ~~فعبر باليوم الذي يراد به الجنس الشامل للقليل والكثير وقد يعبر به عن ~~مقدار من الزمان يتم فيه أمر ظاهر سواء لحظة أو أياما أو شهورا أو كثيرا من ~~ذلك أو أقل كيوم البعث ويوم بدر ويوم الموت بقوله تعالى: - {إلى ربك يومئذ ~~المساق} -[القيامة: 35] : {في يوم} وأكد شؤمها بذم زمانها فقال: {نحس} أي ~~شديد القباحة، قيل: كان يوم الأربعاء آخر الشهر وهو شوال لثمان بقيت إلى ~~غروب الأربعاء، وحقق لأن المراد باليوم الجنس لا الواحد بالوصف فقال: ~~{مستمر *} أي قوي في نحوسته نافذ ماض فيما أمر به من ذلك شديد أسبابه، ~~موجود مرارته وجودا مطلوبا من مرسله في كل وقت، مستحكم المرارة قويها ~~دائمها إلى وقت إنفاذ المراد. # ولما علم وصفها في ذاتها، أتبعه وصفها بما يفعل فيه فقال: {تنزع} أي تأخذ ~~من الأرض بعضهم من وجهها وبعضهم من حفر حفروها ليتمنعوا بها من العذاب، ~~وأظهر موضع الإضمار ليكون نصا في الذكور، والإناث فعبر بما هو من النوس ~~تفضيلا لهم فقال: {الناس} الذين هم صور لا ثبات لهم بأرواح التقوى، فتطيرهم ~~بين السماء ms4855 والأرض كأنهم الهباء المنثور، فتقطع رؤوسهم من جثثهم وتغير ~~ألوانهم تعتيما لهم إلى السواد، ولذا قال: {كأنهم} أي حين ينزعون فيلقون لا ~~أرواح فيهم كأنهم {أعجاز} أي أصول {نخل} قطعت رؤوسها. ولما كان الحكم هنا ~~على ظاهر حالهم، وكان الظاهر دون الباطن، حمل على اللفظ قوله: {منقعر *} # PageV19P115 # أي منقصف أي منصرع من أسفل قعره وأصل مغرسه، والتشبيه يشير إلى أنهم طوال ~~قد قطعت رؤوسهم، وفي الحافة وقع التشبيه في الباطن الذي فيه الأعضاء ~~الرئيسة، والمعاني اللطيفة، فأنث الوصف حملا على معنى النخل لا للطفها - ~~والله أعلم. # ولما طابق ما أخبر به من عذابهم ما هو له به أولا، أكد ذلك لما تقدم من ~~سره فقال مسببا عنه مشيرا إلى أنه لشدة هوله مما يجب السؤال عنه: {فكيف ~~كان} أيها السائل، ولفت القول إلى الإقرار تنبيها للعبيد على المحافظة على ~~مقام التوحيد: {عذابي} لمن كذب رسلي {ونذر *} أي وإنذاري أو رسلي في ~~إنذارهم هل صدق. # ولما أتم سبحانه تحذيره من مثل حالهم بأمر ناظر أتم نظر إلى تدبير ما في ~~سورة الذاريات، أتبع ذلك التنبيه على أنه ينبغي للسامع أن يتوقع الحث على ~~ذلك، فقال مؤكدا لما لأكثر السامعين من التكذيب بالقال أو بالحال معلما أنه ~~سهل طريق الفرار من مثل هذه الفتن الكبار إليه، وسوى من الاعتماد عليه، ~~عائدا إلى مظهر العظمة إيذانا بأن تيسير القرآن لما ذكر من إعجازه لا يكون ~~إلا لعظمة تفوت قوى البشر، وتعجز عنها القدرة {ولقد يسرنا} على ما لنا من ~~العظمة في الذات والصفات {القرآن} الجامع الفارق كله وما أشارت إليه هذه ~~القصة من مفصله {للذكر} للحفظ والشرف والفهم والتدبير والوعظ والاتعاظ ما ~~صرفنا فيه من أنواع الوعظ مع التنبيه للحفظ بالإيجاز وعذوبة اللفظ وقرب ~~الفهم وجلالة المعاني وجزالة السبك وتنويع الفنون وتكثير # PageV19P116 # الشعب وإحكام الربط {فهل من مدكر *} أي تسبب عن هذا الأمر العظيم الذي ~~فعلناه أنه موضع السؤال عن أحوال السامعين: هل فيهم من يقبل على حفظه ثم ~~تدبره وفهمه ويتعظ بما ms4856 حل بالأمم السالفة، ويتذكر جميع ما صرف من الأقوال ~~وينزلها على نفسه وما لها من الأحوال، ويجعل ذلك لوجهنا فيلقيه بتشريفه به ~~أمر دنياه وأخراه. # ولما كان هذا موضع الإقبال على تدبر مواعظ القرآن، وكان ثمود أعظم وعظ ~~كان بعد عاد لما في صيحتهم الخارجة عن العهود من تصوير الساعة بنفختيها ~~المميتة ثم المحيية، وقال مؤنثا فعلهم إشارة إلى سفول هممهم وسفول فعلهم ~~معلما أن من كذب هلك - على طريق الجواب لمن لعله يقول استبعادا لتكذيب بعد ~~ما جرى في القصتين الماضيتين من التعذيب: {كذبت ثمود} أي قوم صالح {بالنذر ~~*} الإنذارات والمنذرين كلهم لأنهم شرع واحد، ثم علل ذلك وعقبه بقوله معلما ~~بالضمير أن المباشر بهذا الكفر رجالهم لئلا يظن أنهم نساء فقط: {فقالوا} ~~منكرين لما جاءهم من الله غاية الإنكار: {أبشرا} إنكارا لرسالة هذا النوع ~~ليكون إنكار النبوة إنكارا لنبوة نبيهم على أبلغ الوجوه، وأعظم الإنكار ~~بقولهم مقدمين عدم الانفراد عنهم لخصوصيته: {منا} أي فلا فضل له علينا فما ~~وجه اختصاصه بذلك من بيننا، وزادوا ذلك تأكيدا فقالوا: {واحدا} أي ليس معه ~~من يؤيده، ثم فسر الناصب لقوله: {بشرا} بقوله: {نتبعه *} أي نجاهد نفسنا في ~~خلع مألوفنا وخلاف آبائنا والإقرار على أنفسنا بسخافة العقل والعراقة في ~~الجهل ونحن أشد الناس كثرة # PageV19P117 # وقوة وفهما ودراية، ثم استنتجوا عن هذا الإنكار الشديد قولهم مؤكدين ~~الاستشعار بأن كلامهم أهل لأن يكذب: {إنا إذا} أي إن اتبعناه {لفي ضلال} أي ~~ذهاب عن الصواب محيط بنا {وسعر *} أي تكون عاقبتنا في ذلك الضلال الكون في ~~أوائل أمر لا ندري عاقبته، فإنه لم يجرب ولم يختبر ولم يمعن أحد قبلنا سلفا ~~لنا فيجرنا ذلك إلى جنون وجوع ونار كما يكون من يأتوه في القفار في أنواع ~~من الحر بتوقد حر الجبال وحر الضلال وحر الهموم والأوجال - وذلك من النار ~~التي توعدنا بها، وهو معنى تفسير ابن عباس رضي الله عنهما له بالعذاب، وجعل ~~سفيان بن عيينه له جمع سعير، والمعنى إنا نكون إذا اتبعناك كما ms4857 تقول جامعين ~~بين الضلال والعذاب بسائر أنواعه. # ولما كان فيما قالوه أعظم تكذيب مدلول على صحته في زعمهم بما أمؤوا إليه ~~من كونه آدميا مثلهم، وهو مع ذلك واحد من أحادهم فليس هو بأمثلهم وهو منفرد ~~فلم يتأيد فكره بفكر غيره حتى يكون موضع الوثوق به، دلوا عليه بأمر آخر ~~ساقوه أيضا مساق الإنكار، وأموؤا بالإلقاء إلى أنه في إسراعه كأنه سقط من ~~علو فقالوا: {أألقي} أي أنزل بغتة في سرعة لأنه لم يكن عندهم في مضمار هذا ~~الشأن ولم يأتمروا فيه قبل إتيانه به شيء منه بل أتاهم به بغتة في غاية ~~الإسراع. ولما كان الإلقاء يكون للأجسام غالبا، فكان لدفع هذا الوهم تقديم ~~النائب عن الفاعل أولى بخلاف ما تقدم في ص فقالوا: {الذكر} # PageV19P118 # أي الوحي الذي يكون به الشرف الأعظم، وعبروا بعلى إشارة إلى أن مثل هذا ~~الذي تقوله لا يقال إلا عن قضاء غالب وأمر قاهر فقال: {عليه} ودلوا على وجه ~~التعجب والإنكار بالاختصاص بقولهم: {من بيننا} أي وبيننا من هو أولى بذلك ~~سنا وشرفا ونبلا. # ولما كان هذا الاستفهام لكونه إنكاريا بمعنى النفي، أضربوا عنه بقولهم ~~على وجه النتيجة عطفا على ما أفهمه الاستفهام من نحو: ليس الأمر كما زعم: ~~{بل هو} لما أبديناه من الشبه {كذاب} أي بليغ في الكذب {أشر *} أي مرح غلبت ~~عليه البطالة حتى أعجبته نفسه بمرح وتجبر وبطر، ونشط في ذلك حتى صار ~~كالمنشار الذي هو متفرغ للقطع مهيأ له خشن الأمر سيئ الخلق والأثر فهو يريد ~~الترفع. # ولما كان هذا غاية الذم لمن يستحق منهم غاية المدح، أجاب تعالى عنه موعظة ~~لعباده لئلا يتقولوا ما يعلمون بطلانه أو يقولوا ما لا يعلمون صحته بقوله: ~~{سيعلمون} بوعد لا خلف فيه. ولما كان المراد التقريب لأنه أقعد في التهديد، ~~قال: {غدا} أي في الزمن الآتي القريب لأن كل ما حقق إتيانه قريب عند نزول ~~العذاب في الدنيا ويوم القيامة، وقراءة ابن عامر وحمزة ورويس عن يعقوب ~~بالخطاب التفات يعلم بغاية الغضب ms4858 {من الكذاب الأشر *} أي الكذب والأشر وهو ~~احتقار الناس والاستكبار على ما أبدوه من الحق مختص به ومقصود عليه لا ~~يتعداه إلى مرميه وذلك بأنهم جعلوا الكذب ديدنه ولم يتعدهم حتى # PageV19P119 # يدعى شيء منه لصالح عليه الصلاة والسلام، فكان الكلام معينا لهم في الكذب ~~قاصرا عليهم بسياقه على هذا الوجه المبهم المنصف الذي فيه من روعة القلب ~~وهز النفس ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى، وكلما كان الإنسان أسلم ~~طبعا وأكثر علما كان له أعظم ذوقا. # PageV19P120 # ولما علم من هذا أنه سبحانه فصل الأمر بينهم، تشوف السامع إلى علم ذلك ~~فقال تعالى مستأنفا دالا بأنهم طالبوه بآية دالة على صدقه: {إنا} أي بما ~~لنا من العظمة {مرسلو الناقة} أي موجدوها ومخرجوها كما اقترحوا من حجر ~~أهلناه لذلك وخصصناه من بين الحجارة دلالة على إرسالنا صالحا عليه السلام: ~~مخصصين له من بين قومه، وذلك أنهم قالوا لصالح عليه السلام: نريد أن نعرف ~~المحق منا بأن ندعو آلهتنا وتدعو إلهك فمن أجابه إلهه علم أنه المحق، فدعوا ~~أوثانهم فلم تجبهم، فقالوا: ادع أنت، فقال: فما تريدون؟ قالوا: تخرج لنا من ~~هذه الصخرة ناقة تبعر عشراء، فأجابهم إلى ذلك بشرط الإيمان، فوعدوه بذلك ~~وأكدوا فكذبوا بعد ما كذبوا في أن آلهتهم تجيبهم، وصدق هو صلى الله عليه ~~وسلم في كل ما قال فأخبره ربه سبحانه أنه يجيبهم إلى إخراجها {فتنة لهم} أي ~~امتحانا يخالطهم به فيميلهم عن حالتهم التي وعدوا بها ويجيبهم عنها، وسبب ~~سبحانه عن ذلك أمره بانتظارهم فيما يصنعون بعد إخراجهم لما توصلهم إليه ~~عواقب الفتنة فقال: {فارتقبهم} أي كلف نفسك انتظارهم فيما يكون لهم جزاء ~~على أعمالهم انتظار من يحرسهم وهو عالم عليم فإنهم واصلون بأعمالهم إلى ~~الداهية التي تسمى بأم العرقوب # PageV19P120 # ليكونوا كمن جعل في رقبته، ودل بصيغة الافتعال على أنه يكون له منه أذى ~~بالغ قبل انفصال النزاع فقال: {واصطبر *} أي عالج نفسك واجتهد في الصبر ~~عليهم {ونبئهم} أي أخبرهم إخبارا عظيما بأمر عظيم، وهو أن ms4859 الماء الذي ~~يشربونه وهو ماء بئرهم {أن الماء قسمة بينهم} أي بين ثمود وبين الناقة، غلب ~~عليها ضمير من يعقل، يعني إذا بعثناها كان لهم يوم لا تشاركهم فيه في ~~الماء، ولها يوم لا تدع في البئر قطرة يأخذها أحد منهم، وتوسع الكل بدل ~~الماء لبنا. ولما أخبر بتوزيع الماء، أعلم أنه على وجه غريب بقوله ~~استئنافا: {كل شرب} أي من ذلك وحظ منه ومورد البرو وقت يشرب فيه {محتضر *} ~~أي أهل لما فيه من الأمر العجيب أن يحضره الحاضرون حضورا عظيما، وتتكلف ~~أنفسهم لذلك لأنه صار في كثرته وحسنه كماء الحاضرة للبادية وتأهل لأن ~~تعارضه حاضروه من حسنه ويرجعوا إليه وأن يجتمع عليه الكثير ويعودوا أنفسهم ~~عليه. # ولما كان التقدير: فكان الأمر كما ذكرنا، واستمر الأمد الذي ضربنا ~~فافتتنوا كما أخبرنا {فنادوا} بسبب الفتنة {صاحبهم} قذار بن سالف الذي ~~انتدبوه بطرا وأشرا لقتل الناقة وكذبنا فيها بوعدهم الإيمان وإكرامها ~~بالإحسان وهو أشقى الأولين {فتعاطى} أي أوقع بسبب ندائهم التعاطي الذي لا ~~تعاطي مثله، فتناول ما لا يحق له أن يتناوله بسبب الناقة وهو سيفه بيده ~~قائما في الأمر الناشئ عن هذا الأخذ على كل حال، ورفع رأسه بغاية الهمة ومد ~~يديه مدا عظيما ورفعها وقام على # PageV19P121 # أصابع رجليه حين عاطوه ذلك أي سألوه فيه فطاوعهم وتناول الناقة بذلك ~~السيف غير مكترث ولا مبال {فعقر *} أي فتسبب عن هذا الجد العظيم أن صدق ~~فيما أثبت لهم الكذب في الوعد بالإحسان إليها والأشر، وهو إيقاع العقر الذي ~~ما كان في ذلك الزمان عقر مثله وهو عقر الناقة التي هي آية الله وإهلاكها. # ولما وقع كذبهم على هذا الوجه العظيم المبني على غاية الأشر، حقق الله ~~تعالى صدقه في توعدهم على تقدير وقوع ذلك، فأوقع عذابهم سبحانه على وجه هو ~~من عظمه أهل لأن يتساءل عنه، فنبه سبحانه على عظمة بإيراده في أسلوب ~~الاستفهام مسببا عن فعل الأشقى فقال: {فكيف كان} وحافظ على مقام التوحيد ~~كما مضى فقال: {عذابي} أي كان على ms4860 حال ووجه هو أهل لأن يجتهد في الإقبال ~~على تعرفه والسؤال عنه {ونذر *} أي إنذاري. ولما علم تفرغ ذهن السائل ~~الواعي، استأنف قوله مؤكدا إشارة إلى أن عذابهم مما يستلذ وينجح به، ~~وإرغاما لمن يستبعد النصيحة الواحد بفعل مثل ذلك، وإعلاما بأن القدرة على ~~عذاب من كذب من غيرهم كهي على عذابهم فلا معنى للتكذيب: {إنا} بما لنا من ~~العظمة {أرسلنا} إرسالا عظيما، ودل على كونه عذابا بقوله: {عليهم صيحة} ~~وحقر شأنهم بالنسبة إلى عظمة عذابهم بقوله تعالى: {واحدة} صاحها عليهم ~~جبريل عليه السلام فلم يكن بصيحته هذه التي هي واحدة طاقة، وتلاشى عندها ~~صياحهم حين نادوا صاحبهم لعقر الناقة. ولما تسبب عنها هلاكهم قال: {فكانوا} ~~كونا # PageV19P122 # عظيما {كهشيم المحتظر *} أي محطمين كالشجر اليابس الذي جعله الراعي ومن ~~في معناه ممن يجعل شيئا يأوي إليه ويحتفظ به ويحفظ به ماشيته في وقت ما لا ~~يقاله (؟) وهو حظيره أي شيء مستدير مانع في ذلك الوقت لمن يدخل إليه فهو ~~يتهشم ويتحطم كثير منه وهو يعمله فتدوسه الغنم ثم تتحطم أولا فأولا، وكل ما ~~سقط منه شيء فداسته الغنم كان هشيما، وكأنه الحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب ~~الحظيرة لماشيته. # PageV19P123 # ولما كان التقدير: فلقد أبلغنا في الموعظة لكل من يسمع هذه القصة، عطف ~~عليه قوله مؤكدا لأجل من يعرض عن هذا القرآن ويعلل إعراضه عنه بصعوبته: ~~{ولقد يسرنا} أي على ما لنا من القدرة والعظمة {القرآن} أي الكتاب الجامع ~~لكل خير، الفارق بين كل ملبس {للذكر} أي الحفظ والتذكير والتذكر وحصول ~~النباهة به والشرف إلى الدارين. ولما كان هذا غاية في وجوب الإقبال عليه ~~لجميع المتولين، قال: {فهل من مدكر *} أي ناظر فيه بسبب قولنا هذا بعين ~~الإنصاف والتجرد عن الهوى ليرى كل ما أخبرنا به فنعينه عليه. ولما كان ~~النذير: كأنه قال المنذرين لم يتعظوا به فزاد في وعظهم، وكانت قصة لوط عليه ~~السلام مع قومه أعظم ما كان بعد ثمود مما تعرفه العرب بالأخبار ورؤية ~~الآثار، ومع ما في قصتهم من ms4861 تصوير الساعة من تبديل الأرض غير الأرض، استأنف ~~قوله: {كذبت قوم لوط} أي وهم في قوة عظيمة على ما يحاولونه وإن كانوا في ~~تكذيبهم هذا في ضعف وقوع النساء عن التجرد مما دل عليه تأنيث الفعل بالتاء ~~وكذا # PageV19P123 # ما قبلها من القصص {بالنذر *} أي الإنذار والإنذارات والمنذرين، ودل على ~~تناهي القباحة في مرتكبهم بتقديم الإخبار عن عذابهم فقال: {إنا} أي بما لنا ~~من العظمة {أرسلنا} ودل على أنه إرسال إهانة بقوله: {عليهم} ودل على هوانهم ~~وبلوغ أمره كل ما يراد به بقوله: {حاصبا} أي ريحا ترمي بحجارة هي دون ملء ~~فكانت مهلكة لهم محرقة خاسفة مفرقة {إلا آل لوط} وهم من آمن به وكان بحيث ~~إذا رأيته فكأنك رأيت لوطا عليه السلام لما يلوح عليه من أفعاله والمشي على ~~منواله في أقواله وأحواله وأفعاله. # ولما كان استثناؤهم مفهما إنجاءهم مع التجويز لإرسال شيء عليهم غير مقيد ~~بما ذكر، قال مستأنفا جوابا لمن كأنه قال: ما حالهم: {تجيناهم} أي تنجية ~~عظيمة بالتدريج، وذكر أول الشروع لإنجاءهم فقال: {بسحر *} أي بآخر ليلة من ~~الليالي وهي التي عذب فيها قومه، فكأنه تنكيره لأنا لا نعرف تلك الليلة ~~بعينها، ولو قصدت سحر الليلة التي صبحت منها كان معرفة لا ينصرف، والسحر: ~~السدس الأخير من الليل: الوقت الذي يكون فيه الإنسان لا سيما النساء ~~والأطفال في غاية الغفلة بالاستغراق في النوم، ويفتح الله فيها أبواب ~~السماء باذن الدعاء ليحصل منه الإجابة لأن الملوك إذا فتحوا أبوابهم كان ~~ذلك إذنا للناس في الدخول لقضاء الحوائج، فالنزول وفتح الأبواب كناية عن ~~ذلك - والله سبحانه وتعالى متعال عن حاجة إلى نزول أو فتح باب أو غير ذلك. # ولما كان المراد من الموعظين الطاعة التي هي سبب النجاة، فلذا # PageV19P124 # قال ذاكرا للإنعام معبرا عنه بغاية المقصود منه معرفا أن انتقامه عدل ~~ومعافاته فضل، لأن أحدا لا يقدر أن يكافئ نعمه ولا نعمة منها، معللا ~~للنجاة: {نعمة من عندنا} أي عظيمة غريبة جدا لشكرهم، ولما كان كأنه قيل: هل ~~هذا ms4862 مختص بهم. # . . الإنجاء من بين الظالمين وهو مختص بهم، أجاب بقوله: {كذلك} أي مثل ~~هذا الإنجاء العظيم الذي جعلنا جزاء لهم {نجزي} بقدرتنا وعظمتنا {من شكر *} ~~أي أوقع الشكر بجميع أنواعه فآمن وأطاع ليس. . . بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر كائنا من كان من سوقة أو سلطان جائر شجاع أو جبان، فاننا عليه ~~بالإنجاء بعد هلاك عدوه، قال القشيري: والشكر على نعم الدفع أتم من الشكر ~~على نعم النفع، ولا يعرف ذلك إلا كل موفق كيس فالآية من الاحتباك: ذكر ~~الإنعام أولا - لأنه السبب الحقيقي - دليلا على حذفه ثانيا، والشكر ثانيا - ~~لأنه السبب الظاهر - دليلا على حذفه أولا. # ولما كان التقدير دفعا لعناد. . . استشراف السامع إلى ما كان من حاله صلى ~~الله عليه وسلم معهم قبل العذاب: لقد بالغ في شكرنا بوعظهم ونصحهم ودعائهم ~~إلنيا صرفا لما أنعمنا به عليه من الرسالة في أتم مواضعه، عطف عليه إيماء ~~إليه قوله، مؤكدا لأن تمادي المحذور من العذاب على الإقامة في موجبه يكاد ~~أن لا يصدق: {ولقد أنذرهم} أي رسولنا لوط عليه السلام {بطشتنا} أي أخذتنا ~~لهم المقرونة بشدة ما لنا من العظمة، ووحد إشارة إلى أنه لا يستهان بشيء من ~~عذابه سبحانه بل الأخذة الواحدة كافية لما لنا من العظمة فهي غير محتاجة ~~إلى التثنية، # PageV19P125 # ودل على أن إنذاره كان جديرا بالقبول لكونه واضح الحقيقة بما سبب عن ذلك ~~من قوله: {فتماروا} أي تكلفوا الشك الواهي {بالنذر *} أي الإنذار مصدرا ~~والإنذارات أو المنذرين حتى أداهم إلى التكذيب، فكان سببا للأخذ. # ولما كان ترك الاحتياط في إعمال الحيلة في وجه الخلاص من إنذار النذير ~~عظيم العرافة في السفه دل على أنهم تجاوزوا ذلك إلى انتهاك حرمة النذير، ~~فقال مقسما لأن مثل ذلك لا يكاد يقع فلا يصدق من حكاه: {ولقد راودوه} أي ~~زادوا في التكذيب الموجب للتعذيب أن عالجوا معالجة طويلة تحتاج إلى فتل ~~ودوران {عن ضيفه} ليسلمهم إليهم وهم ملائكة في هيئة شباب مرد، وأفردوا وإن ~~كان المراد الجنس استعظاما لذلك لو ms4863 كان الضيف واحدا {فطمسنا} أي فتسبب عن ~~مراودتهم أن طمسنا بعظمتنا {أعينهم} فسويناها مع سائر الوجوه فصارت بحيث لا ~~يرى لها شق، قال البغوي: هذا قول أكثر المفسرين، وذلك بصفقة صفقها لهم ~~جبريل عليه الصلاة والسلام، وقال القشيري: مسح بجناحيه على وجوههم فعموا ~~ولم يهتدوا للخروج، وقال ابن جرير: والعرب تقول: طمست الريح الأعلام - إذا ~~دفنتها بما يسفي عليها من التراب. # فانطلقوا هرابا مسرعين إلى الباب لا يهتدون إليه ولا يقعون عليه بل ~~يصادمون الجدران خوفا مما هو أعظم من ذلك وهم يقولون: عند لوط أسحر الناس، ~~وما أدتهم عقولهم أن يؤمنوا فينجوا أنفسهم مما حل بهم، قال القشيري: # PageV19P126 # وكذلك أجرى الله سبحانه سنته في أوليائه بأن يطمس على قلوب أعدائهم حتى ~~يلتبس عليهم كيف يؤذون أولياءه ويخلصهم من كيدهم. ولما كان. . . أول عذابهم ~~قال: {فذوقوا} أي فتسبب عن ذلك أن قال قائل عن الله بلسان القال أو الحال: ~~أيها المكذبون ذوقوا بسبب تكذيبكم لرسلي في إنذارهم {عذابي ونذر *} أي ~~وعاقبة إنذاري على ألسنة رسلي. # ولما كان بقاؤهم بعد هذا على حال كفرهم عجبا إذ العادة قاضية بأن من أخذ ~~ارعوى ولو كان أفجر الخلق، وسأل العفو عنه صدقا أو كذبا خداعا ومكرا ليخلص ~~مما هو فيه. . . بثباتهم على تكذيبهم حتى عذبوا على قرب العهد فقال مقسما: ~~{ولقد صبحهم} أي أتاهم في وقت الصباح، وحقق المعنى بقوله: {بكرة} أي في أول ~~النهار العذاب، ولو كان أول نهارك الذي أنت به كان معرفة فامتنع. . . ~~{عذاب} أي قلع بلادهم ورفعها ثم قلبها، وحصبها بحجارة من نار وخسفها وغمرها ~~بالماء المنتن الذي لا يعيش به حيوان {مستقر *} أي ثابت عليهم غير مزايل ~~بخيال ولا سحر كما قالوا عند الطمس فإنه أهلكهم فاتصل بعذاب البرزخ المتصل ~~بعذاب القيامة المتصل بالعذاب الأكبر في الطبقة التي تناسب أعمالهم من عذاب ~~النار فقال لهم لسان الحال إن لم ينطلق لسان القال: {فذوقوا} بسبب أعمالكم ~~{عذابي ونذر *} . # PageV19P127 # ولما كرر هذا التكرير، علم منه أن سبب العذاب التكذيب بالإنذار ms4864 لأي رسول ~~كان، وكان استئناف كل قصة منبها على أنها أهل # PageV19P127 # على حدتها لأن يتعظ بها، علم أن التقدير: فلقد بلغت هذه المواعظ النهاية ~~لمن كان له قلب، فعطف عليه قوله مذكرا بالنعمة التي لا عدل لها: {ولقد ~~يسرنا} أي تعالى جدنا وتناهى مجدنا {القرآن} الجامع الفارق {للذكر} ولو ~~شئنا لأعليناه بما لنا من العظمة إلى الحد حتى تعجز القوي عن فهمه، كما ~~أعليناه إلى رتبة وقفت القوى عن معارضته في نظمه، أو مطلع لا يتشبث بأذيال ~~أدنى علمه، إلا الأفراد من حذاق العباد، فكيف بما فوق ذلك. # ولما كانوا مع ذلك واقفين عن المبادرة إليه والإقبال عليه، قال تلطفا بهم ~~وتعطفا عليهم مسببا عن ذلك: {فهل} وأكد فقال: {من مدكر *} مفتك لنفسه من ~~مثل هذا الذي أوقع فيه هؤلاء أنفسهم ظنا منهم أن الأمر لا يصل إلى ما وصل ~~إليه جهلا منهم وعدم اكتراث بالعواقب. # ولما كان الآخر ينبغي له أن يحذر ما وقع للأول، وكان قوم فرعون قد جاء ~~بعد قوم لوط عليه السلام، فكان ربما ظن أنهم لم ينذروا لأن من علم أن ~~العادة جرت أن من كذب الرسل هلك أنكر أن يحصل ممن تبع ذلك تكذيب، قال ~~مقسما: {ولقد جاء آل فرعون} أي ملك القبط بمصر وأشرافه الذين إذا رؤوا كان ~~كأنه رئي فيهم لشدة قربهم منه وتخلقهم بأخلاقهم {النذر *} أي الإنذارات ~~والمنذرون بنذارة موسى وهارون عليهما السلام، فإن نذارة بعض الأنبياء ~~كنذارة الكل لأنه يأتي أحد منهم إلا وله من الآيات ما مثله آمن # PageV19P128 # عليه البشر، والمعجزات كلها متساوية في خرق العادة، وكان قد أنذرهم يوسف ~~عليه السلام، ولما كان كأنه قيل: فما فعلوا عند مجيء ذلك إليهم، قال: ~~{كذبوا} أي تكذيبا عظيما متسهينين {بآياتنا} التي أتاهم بها موسى عليه ~~السلام وغيرها لأجل تكذيبهم بها على ما لها من العظمة المعرفة قطعا عن أنها ~~من عندنا. # ولما كانت خوارق العادات كما مضى متساوية الأقدام في الدلالة على صدق ~~الآتي بها، وكانوا قد صمموا على أنه ms4865 مهما أتاهم بآية كذبوا بها، كانوا ~~كأنهم قد أتتهم كل آية فلذلك قال: {كلها} وسبب عن ذلك القول: {فأخذناهم} أي ~~بما لنا من العظمة بنحو ما أخذنا به قوم نوح من الإغراق {أخذ عزيز} أي لا ~~يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء {مقتدر *} أي لا يعجل بالأخذ لأنه لا يخاف الفوت ~~ولا يخشى معقبا لحكمه، بالغ القدرة إلى حد لا يدرك الوصف كنهه لأن صيغة ~~الافتعال مبناها على المعاجلة من عاجل فعلا أجهل نفسه فيه، فكان على أتم ~~الوجوه، وهذه الغاية هي المرادة ليس غيرها، فهو تمثيل لأنه سبحانه يخاطبنا ~~بما نعبده، وبهذه المبالغة فلم يلفت منهم أحد، وقد ختمت القصص بمثل ما ~~افتتحت به من عذاب المفسدين بالإغراق ليطابق الختم البدء، وكانت نجاة ~~المصلحين من الأولين بالسفينة، وكانت نجاة المصلحين من الآخرين بأرض البحر ~~كانت هي سفينتهم، ليكون الختم أعظم من البدء كما هو شأن أهل الاقتدار. # ولما بلغت هذه المواعظ الانتهاء، وعلت أقدامها على رتبة السها، # PageV19P129 # ولم يبين ذلك كفار قريش عن شرادهم، ولا فتر من جحودهم وعنادهم، كان لسان ~~حالهم قائلا: إنا لا نخاف شيئا من هذا، فكان الحال مقتضيا لأن يقال لهم ~~إلزاما بالحجة: {أكفاركم} الراسخون منكم في الكفر الثابتون عليه يا أيها ~~المكذبون لهذا النبي الكريم الساترون لشموس دينه {خير} في الدنيا بالقوة ~~والكثرة أو الدين عند الله أو عند الناس {من أولائكم} أي الكفار أي الكفار ~~العظماء الجبابرة الأشداء الذين وعظناكم بهم في هذه السورة ليكون ذلك سببا ~~لافتراق حالهم منهم فيأمنوا العذاب مع جامع التكذيب وإن لم يكن لهم براءة ~~من الله {أم لكم} أجمعين دونهم كفاركم وغير كفاركم {براءة} من العذاب من ~~الله {في الزبر *} أي الكتب الآتية من عنده أأمنتم بها من العذاب مع أنهم ~~خير منكم، فالآية من الاحتباك: أثبت الخيرية أولا دليلا على حذفها ثانيا، ~~والبراءة ثانيا دليلا على حذفها أولا. # ولما بلغوا إلى هذا الحد من التمادي في الكفر مع المواعظ البالغة ~~والاستعطاف المكين، استحقوا أعظم الغضب، فأعرض ms4866 عنهم الخطاب إيذانا بذلك ~~وإهانة لهم واحتقارا وإقبالا على النبي صلى الله عليه وسلم تسلية فقال ~~عاطفا على ما تقديره: أيدعون جهلا ومكابرة شيئا من هذين الأمرين: {أم ~~يقولون} أي هؤلاء الذي أنت بين أظهرهم تعاملهم باللين في القال والقيل ~~والصفح الجميل امتثالا لأمرنا تعظيما لقدرك فاستهانوا بك: {نحن جميع} أي ~~جمع واحد مبالغ في اجتماعه فهو في الغاية من الضم فلا افتراق له {منتصر *} ~~أي على كل من # PageV19P130 # يناويه لأنهم على قلب رجل واحد، فالإفراد للفظ «جميع» ولإفهام هذا ~~المعنى، أو أن كل واحد محكوم له بالانتصار. # PageV19P131 # ولما كان لسان الحال ناطقا بأنهم يقولون: هذا كله فأي الفريقين خير مقاما ~~وأحسن نديا ونحوها، وقال بعضهم: لئن بعثنا لأوتينا وولدا، ولا شك أنهم ~~كانوا في غاية الاستحالة لغلبة المؤمنين لهم على قلتهم وضعفهم، استأنف ~~الجواب بقوله: {سيهزم} بأيسر أمر من أي هازم كان بوعد لا خلف فيه، وقراءة ~~الجمهور بالبناء للمفعول مفهمة للعظمة بطريقة كلام القدرين، فهي أبلغ من ~~قراءة يعقوب بالنون والبناء للفاعل الدالة على العظمة صريحا {الجمع} الذي ~~تقدم أنه بولغ في جمعه فصدق الله وعده وهزموا في يوم بدر وغيره في الدنيا ~~عن قريب، ولم يزالوا يضعفون حتى اضمحل أمرهم وزال بالكلية سرهم، وهي من ~~دلائل النبوة البينة {ويولون الدبر *} أي يقع توليتهم كلهم بهذا الجنس بأن ~~يكون واليا لها من منهم مع الهزيمة لأنه لم يتولهم في حال الهزيمة نوع ~~مسكنة يطمعون بها في الخيار، وكل من إفراد الدبر والمنتصر وجمع المولين ~~أبلغ مما لو وضع غيره موضعه وأقطع للتعنت. # ولما ونقع هذا في الدنيا، وكان في يوم بدر، وكان ذلك من أعلام النبوة، ~~وكان ربما ظن ظان أن ذلك هو النهاية، كان كأنه قيل: ليس ذلك الموعد الأعظم: ~~{بل الساعة} القيامة التي يكون فيها الجمع الأعظم والهول الأكبر {موعدهم} ~~أي الأعظم للجزاء المتوعد به # PageV19P131 # {والساعة أدهى} من كل ما يفرض وقوعه في الدنيا، أفعل تفضيل من الداهية ~~وهي أمر هائل لا يهتدي لدوائه {وأمر *} لأن ms4867 عذابها للكافر غير مفارق ~~ومزايل. ولما أخبر عن الساعة بهذا الإخبار الهائل، علله مقسما لأهلها مجملا ~~بعض ما لهم عند قيامها بقوله مؤكدا لما أظهروا من التكذيب: {إن المجرمين} ~~أي القاطعين لما أمر الله بأن يوصل {في ضلال} أي عمى عن القصد بتكذيبهم ~~بالبعث محيط بهم مانع من الخلاص من دواهي الساعة وغيرها، ومن الوصول إلى ~~شيء من مقاصدهم التي هم عليها الآن معتمدون {وسعر} أي نيران تضطرم وتتقد ~~غاية الاتقاد {يوم} أي في ذلك اليوم الموعود به {يسحبون} أي في الساعة ~~دائما بأيسر وجه إهانة لهم من أي صاحب كان {في النار} أي الكاملة في ~~النارية {على وجوههم} لأنهم في غاية الذل والهوان جزاء بما كانوا يذلون ~~أولياء الله تعالى، مقولا لهم من أي قائل اتفق: {ذوقوا} أي لأنهم لا منعة ~~لهم ولا حمية عندهم بوجه {مس سقر *} أي ألم مباشرة الطبقة النارية التي ~~تلفح بحرها فتلوح الجسم وتذيبه فيسيل ذهنه. . . وعصارا كما يسيل الدبس ~~وعصارة الرطب فتسمى النخلة بذلك مسقارا. # PageV19P132 # ولما أخبر بقيام الساعة وما يتفق لهم فيها جزاء لأعمالهم التي قدرها ~~عليهم وهي ستر فرضوا بها لاتباع الشهوات واحتجوا على رضاه بها، وكان ربما ~~ظن ظان أن تماديهم على الكفر لم يكن بإرادته سبحانه، علل ذلك منبها على أن ~~الكل فعله، وإنما نسبته إلى العباد بأمور ظاهرية، تقوم عليهم بها الحجة في ~~مجاري عاداتهم، فقال: {إنا} أي بما لنا من العظمة {كل شيء} أي من الأشياء ~~المخلوقة كلها صغيرها وكبيرها. # ولما كان هذا التعميم في الخلق أمرا أفهمه النصب، استأنف قوله تفسيرا ~~للعامل المطوي وإخبارا بجعل ذلك الخلق كله على نظام محكم وأمر مقدر مبرم ~~{خلقناه بقدر *} أي قضاء وحكم وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقودة بالغة وتدبير ~~محكم في وقت معلوم ومكان محدود مكتوب في ذلك اللوح قبل وقوعه تقيسه ~~الملائكة بالزمان وغيره من العد وجميع أنواع الأقيسة - فلا يخرم عنه مثقال ~~ذرة لأنه لا منازع لنا مع ما لنا من القدرة الكاملة والعلم التام، فهذا ~~العذاب ms4868 بقدرتنا ومشيئتنا فاصبروا عليه وارضوا به كما كنتم ترضون أعمالكم ~~السيئة ثم تحتجون على عبادنا بأنها مشيئتنا بنحو {ولو شاء الله ما أشركنا} ~~[الأنعام: 148] فقد أوصلكم إلى ما ترون وانكشف أتم انكشاف أنه لا يكون شيء ~~على خلاف مرادنا، ولا يقال لشيء قدرناه: لم؟ قال الرازي في اللوامع: الكمية ~~ساقطة عن أفعاله كما أن الكيفية والكمية ساقطتان عن ذاته وصفته - انتهى. ~~ولا يكون شيء من أمره سبحانه إلا ما هو على غاية الحكمة، ولو كان الخلق لا ~~يبعثون بعد الموت ليقع القصاص والقياس العدل ليكون القياس جزافا لا بقدر ~~وعدل، لأن المشاهد أن الفساد في هذه الدار من المكلفين من الصلاح أضعافا ~~مضاعفة، وقرئ في الشواذ برفع «كل» وجعله ابن جني أقوى من النصب، وليس كذلك ~~لأن الرفع لا يفيد ما ذكرته، وما حمله على ذلك إلا أنه معتزلي، والنصب على ~~ما قدرته قاصم لأهل الاعتزال. # PageV19P132 # ولما بين أن كل شيء بفعله، بين يسر ذلك وسهولته عليه فقال: {وما أمرنا} ~~أي كل شيء أردناه وإن عظم أثره، وعظم القدر وحقر المقدورات بالتأنيث فقال: ~~{إلا واحدة} أي فعلة يسيرة لا معالجة فيها وليس هناك إحداث قول لأنه قديم ~~بل تعلق القدرة بالمقدور على وفق الأرادة الأزلية، ثم مثل لنا ذلك بأسرع ما ~~يعقله وأخفه فقال؛ {كلمح بالبصر *} فكما أن لمح أحدكم ببصره لا كلفة عليه ~~فيه، فكذلك الأفعال كلها، بل أيسر من ذلك. # ولما أخبر بتمام قدرته، وكان إهلاك من ذكر من الكفار وإنجاء من ذكر من ~~الأبرار في هذه السورة نحوا مما ذكر من أمر الساعة في السهولة والسرعة، دل ~~على ذلك بإنجاء أوليائه وإهلاك أعدائه فذكر بهم جملة وبما كان من أحوالهم ~~بأيسر أمر لأن ذلك أوعظ للنفوس وأزجر للعقول، فقال مقسما تنبيها على عادتهم ~~في الكفر مع هذا الوعظ فعل المكذب بهلاكهم لأجل تكذيبهم عاطفا على ما ~~تقديره: ولقد أنجينا رسلنا وأشياعهم من كل شيء خطر: {ولقد أهلكنا} أي بما ~~لنا من # PageV19P133 # العظمة {أشياعكم} الذين أنتم وهم شرع ms4869 واحد في التكذيب، والقدرة عليكم ~~كالقدرة عليهم، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فلذلك سبب عنه قوله: {فهل من ~~مدكر *} أي بما وقع لهم أنه مثل من مضى بل أضعاف. # . .، وأن قدرته سبحانه عليه كقدرته عليهم ليرجع عن غيه خوفا من سطوته ~~سبحانه. # ولما تمت الدلالة على إحاطة القدرة بما شوهد من الأفعال الهائلة # PageV19P134 # التي لا تسعها قدرة غيره سبحانه، وكانوا يظنون أن أحواله غير مضبوطة لأنه ~~لا يمكن ضبطها ولا يسعها علم عالم ولا سيما إذا ادعى أنه واحد، شرع في ~~إتمام الإخبار بعظمة القدر بالإخبار بأن أفعالهم كلها مكتوبة فضلا عن كونها ~~محفوظة فقال: {وكل شيء فعلوه} أي الأشياء في أي وقت كان، كأن بالكتابة {في ~~الزبر *} أي كتب الحفظة فليحذروا من أفعالهم فإنها غير منسية، هذا ما أطبق ~~عليه القراء مما أدى إلى هذا المعنى من رفع كل، لأنه لو نصب لأوهم تعلق ~~الجار بالفعل فيوهم أنهم فعلوا في الزبر كل شيء من الأشياء وهو فاسد. # ولما خصهم، عم بقوله واعظا ومخوفا ومحذرا بأن كل شيء محفوظ فمكتوب فمعروض ~~على الإنسان يوم الجمع: {وكل صغير وكبير} من الجواهر والمعاني منهم ومن ~~غيرهم {مستطر *} أي مكتوب على وجه عظيم من اجتهاد الحفظة في كتابته وتحريره ~~مع يسر ذلك وسهولته. # ولما أخبر عن أحوال الكفرة في الدنيا والآخرة واعظا بها وإعلاما بعظمته ~~وعلي صفاته وسعة مملكته وشامل علمه وقدرته، ختم بأحوال القسم الآخر من أهل ~~الساعة وهم أهل طاعته تتميما لذلك وإشارة وبشارة للسالك في أحسن المسالك، ~~فقال مؤكدا ردا على المنكر: {إن المتقين} أي العريقين في وصف الخوف من الله ~~تعالى الذي أداهم إلى أن لا يفعلوا شيئا إلا بدليل. ولما كان من البساتين ~~والمياه وما هو ظاهر بكل مراد على عكس ما عليه الضال البعيد عن القصد # PageV19P135 # الواقع في الهلاك والنار قال: {في جنات} أي في بساتين ذات أشجار تسر ~~داخلها، قال القشيري: والجمع إذا قوبل بالجمع فالأحاد تقابل الأحاد. ولما ~~كانت الجنان لا تقوم وتدوم إلا بالماء ms4870 قال: {ونهر *} وأفرده لأن التعبير ب ~~«في» مفهم لعمومهم به عموم ما كأنه ظرف وهم مظروفون له، ولكثرة الأنهار ~~وعظمها حتى أنها لقرب بعضها من بعض واتصال منابعها وتهيئ جميع الأرض لجري ~~الأنهار منها كأنها شيء واحد، وما وعد به المتقون من النعيم في تلك الدار ~~فرقائقه معجلة لهم في هذه الدار، فلهم اليوم جنات العلوم وأنهار المعارف، ~~وفي الآخرة الأنهار الجارية والرياض والأشجار والقصور والزخارف، وهو يصلح ~~مع ذلك لأن يكون مما منه النهار فيكون المعنى: أنهم في ضياء وسعة لا ~~يزايلونه أصلا بضد ما عليه المجرم من العمى الناشئ عن الظلام، ولمثل هذه ~~الأغراض أفرد مع إرادة الجنس لا للفاصلة فقط. # ولما كانت البساتين لا تسكن في الدنيا لأنه ليس فيها جميع ما يحتاجه ~~الإنسان، بين أن حال تلك غير حال هذه، فقال مبدلا مما قبله: {في مقعد} أي ~~تلك الجنان محل إقامتهم التي تراد للقعود {صدق} أي فيما أراده الإنسان صدق ~~وجوده الإرادة ولا يقعد فيه إلا أهل الصدق، ولا يكون فيه إلا صدقه، لا لغو ~~فيه ولا تأثيم، والتوحيد لإرادة الجنس مع أن الإبدال يفهم أنه لا موضع في ~~تلك الجنان إلا وهو الصالح للتسمية بهذا الاسم ولأنهم لاتحاد قلوبهم ورضاهم # PageV19P136 # كأنهم في مقعد واحد على أنه قرئ بالجمع. # ولما كان هذا غير معهود، بين أن سببه تمكين الله لهم منه لاختصاصه لهم ~~وتقريبه إياهم لإرضائه لهم، فقال مقيدا لذلك بالتعبير بالعندية لأن عنديته ~~سبحانه تعالى منزهة عن قرب الأجسام والجهات: {عند مليك} أي ملك تام الملك ~~{مقتدر} أي شامل اقدرة بالغها إلى حد لا يمكن إدراكه لغيره سبحانه كما تقدم ~~قريبا، فهو يوصلهم إلى كل خير ويدفع عنهم كل ضير، وكما أن لهم في الآخرة ~~عندية الإشهاد فلهم في الدنيا عندية الإمداد، ولهذا الاسم الشريف سر في ~~الانتصار على الظالمين، ولقد ختمت السورة كما ترى كما ابتدئت به من أمر ~~الساعة، وكانت البداية للبداية والنهاية للنهاية، وزادت النهاية بيان السبب ~~الموجد لها، وهو قدرته سبحانه ms4871 وعز شأنه وعظمت رحمته وإحسانه، وعفوه ومغفرته ~~ورضوانه، ولتصنيف الناس فيها إلى كافر مستحق للانتقام، ومؤمن مؤهل لغاية ~~الإكرام، لم يذكر الاسم الأعظم الجامع الذي يذكر في سياق مقتضى جمع الجلال ~~والإكرام لصنف واحد وهو من يقع منه الإيمان ولا يتدنس بالعصيان، وهم الذين ~~آمنوا، ولمشاركتها للسورتين اللتين بعدها في هذا العرض، وهو الكلام في حق ~~الصنفين فقط من غير ذكر عارض ممن آمن، أشرك الثلاثة في الخلو عن ذكر الاسم ~~الأعظم. فلم يذكر في واحدة منها وجاء فيها من الصفات ما يقتضي العظمة على ~~أهل الكفران، وما ينبئ عن الإكرام والإحسان لأهل الإيمان {ولمن خاف مقام ~~ربه جنتان} [الرحمن: 46] ولهذا ختمت هذه بصفة الملك المقتضي للسطوة التامة # PageV19P137 # والإكرام البالغ وعدم المبالاة بأحد كائنا من كان، لأن الملك من حيث هو ~~ملك إما يقتضي مقامه إهانة العدو وإكرام الولي، وجعل ذلك على وجه المبالغة ~~أيضا، كل ذلك للإعلام بأن تصريفه سبحانه لأحوال الآخرة كما قصد في هذه ~~السورة من تصريفه في أحوال الدنيا من إهلاك الأعداء وإنجاء الأولياء، وكأن ~~هذه السورة كانت هكذا لأنها جاءت عقب النجم التي شرح فيها الإسراء وكان ~~للنبي صلى الله عليه وسلم من العظمة بخرق العوائد باختراق السماوات، ~~والوصول إلى أنهى الغاية من المناجاة، وغيره من سر الملكوت ومحل الجبروت، ~~بعد أن لوح بمقامه عليه الصلاة والسلام بالطور ليعلم الفرق ويوصف كل بما هو ~~الحق، فكان ذلك مقتضيا لئلا يكون بعده من الناس إلا مؤمن خالص، فإن كان ~~غيره فهو معاند شديد الكفر، وكأنها جعلت ثلاثا لإرادة غاية التأكيد لهذا ~~المعنى الشديد، فلما انقضت الثلاثة كان متبركا به في معظم آيات الحديد ثم ~~توجت كل آية من آيات المجادلة به إشارة إلى أنه قد حصل غاية التشوف إليه ~~ترهيبا لمن يعصي ولا سيما من يظاهر، وترغيبا في الطاعة للملك الغافر، والله ~~الموفق لما يريد إنه قوي فعال لما يريد. # PageV19P138 # سورة الرحمن # وتسمى عروس القرآن. # مقصودها الدلالة على كا ختمت به سورة من عظيم الملك وتمام ms4872 الاقتدار بعموم ~~رحمته وسبقها لغضبه، المدلول عليه بكمال علمه، اللازم عنه شمول قدرته، ~~المدلول عليه بتفصيل عجائب مخلوقاته وبدائع مصنوعاته في اسلوب التذكيرلا ~~بنعماته، والامتنان بجزيل آلائه، على وجه منتج للعلم بإحاطته بجميع أوصاف ~~الكمال، فمقصودها بالذات إثبات الاتصاف بعموم الرحمة ترغيبا في إنعامه ~~وإحسانه، وترهيبا من انتقامه بقطع مزيد امتنانه، وعلى ذلك دل اسمها الرحمن ~~لأنه العام الامتنان واسمها عروس القرآن واضح البيان في ذلك، لأنها الحاوية ~~لما فيه من حلى وحلل، وجواهر وكلل، والعروس بجميع النعم والجمال، والبهجة ~~من نوعها والكمال) بسم الله (الذي ظهرت إحاطة كماله بما ظهر من عجائب ~~مخلوقاته) الرحمن (الذي ظهر عموم رحمته بما بهر من بدائع مصنوعاته واشتهر ~~من عظيم آياته وبيناته) الرحيم (الذي ظهر اختصتصه لأهل طاعته بما تحققوا به ~~من الذل المفيد للعز بلزوم عباداته. # PageV19P139 # ولما ختم سبحانه القمر بعظيم الملك وبليغ القدرة، وكان الملك القادر لا ~~يكمل ملكه إلا بالرحمة، وكانت رحمته لا تتم إلا بعمومها، قصر # PageV19P139 # هذه السورة على تعداد نعمه على خلقه في الدارين، وذلك من آثار الملك، ~~وفصل فيها ما أجمل في آخر القمر من مقر الأولياء والأعداء في الآخرة، ~~وصدرها بالاسم الدال على عموم الرحمة براعة للاستهلال، وموازنة لما حصل ~~بالملك والاقتدار من غاية التبرك والظهور والهيبة والرعب باسم هو مع أنه في ~~غاية الغيب دال على أعظم الرجاء مفتتحا لها بأعظم النعم وهو تعليم الذكر ~~الذي هز ذوي الهمم العالية في القمر إلى الإقبال عليه بقوله {ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر} لأنه لما كان للعظمة الدالة عليها نون {يسرنا} ~~التي هي عماد الملك نظران: نظر الكبرياء والجبروت يقتضي أن يتكلم بما يعجز ~~خلقه من كل جهة في الفهم والحفظ والإتيان بمثله وكل معنى من معانيه، ونظر ~~الإكرام والرحمة، وكانت رحمته سابقة لغضبه نظر بها لخلقه لا سيما هذه الأمة ~~المرحومة فيسر لها الذكر تحقيقا للرحمة بعد أن أبقى من آثار الجبروت ~~الإعجاز عن النظر، ومن الإعجاز من الفهم الحروف المقطعة أوائل السور، ومنع ms4873 ~~المتعنت من أن يقول: إنه لا معاني لها بأن فهم بعض الأصفياء بعض أسرارها، ~~فقال جوابا لمن كأنه قال: من هذا المليك المقتدر، فقيل: {الرحمان *} أي ~~العام الرحمة، قال ابن برجان: وهو ظاهر اسمه الله، وباطن اسمه الرب، جعل ~~هذه الأسماء الثلاثة في ظهورها # PageV19P140 # مقام الذات يخبر بها عنه وحجابا بينه وبين خلقه، يوصل بها الخطاب منه ~~إليهم، ثم أسماؤه الظاهرة مبينة لهذه الأسماء الثلاثة - انتهى. # ومن مقتضى اسمه {الرحمن} انبثت جميع النعم، ولذا ذكر في هذه السورة أمهات ~~النعم في الدارين. # ولما كان لا شيء من الرحمة أبلغ ولا أدل على القدرة من إيصال بعض صفات ~~الخالق إلى المخلوق نوع إيصال ليتخلقوا به بحسب ما يمكنهم منه فيحصلوا على ~~الحياة الأبدية والسعادة السرمدية قال: {علم القرآن *} أي المرئي المشهود ~~بالكتابة والمتلو المسموع الجامع لكل خير، الفارق بين كل لبس، وكان القياس ~~يقتضي أن لا يعلم المسموع أحد لأنه صفة من صفاته، وصفاته في العظم كذاته، ~~وذاته غيب محض، لأن الخلق أحقر من أن يحيطوا به علما، «وأين الثريا من يد ~~المتناول» فدل تعليمه القرآن على أنه يقدر أن يعلم ما أراد من أراد {وعلم ~~آدم الاسماء كلها} [البقرة: 31] ولا يخفى ما في تقديمه على جميع النعم من ~~المناسبة لأن أجل النعم نعمة الدين التي تتبعها نعمة الدنيا والآخرة، وهو ~~أعلى مراتب، فهو سنام الكتب السماوية وعمادها ومصداقها والعبار عليها، ~~وفائدتها الإيصال إلى مقعد الصدق المتقدم لأنه بين ما يرضي الله ليعمل به ~~وما يسخطه ليجتنب. # وقال الإمام جعفر بن الزبير: من المعلوم أن الكتاب العزيز # PageV19P141 # وإن كانت آية كلها معجزة باهرة وسورة في جليل النظم وبديع التأليف قاطعة ~~بالخصوم قاهرة، فبعضها أوضح من بعض في تبين إعجازها، وتظاهر بلاغتها ~~وإيجازها: ألا ترى إلى تسارع الأفهام إلى الحصول على بلاغة آيات وسور من ~~أول وهلة دون كبير تأمل كقوله تعالى {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء ~~أقلعي} [هود: 44] وقوله {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر: 94] ، ~~الآيات، لا يتوقف ms4874 في باهر إعجازها إلا من طبع الله على قلبه أو سد دونه باب ~~الفهم بأنى له بر لوجه وقوعه، وسورة القمر من هذا النمط، ألا ترى اختصار ~~القصص فيه مع حصول أطرافها وتوفية أغراضها، وما جرى مع كل قصة من الزجر ~~والوعظ والتنبيه والإعذار، ولولا أني لم أقصد التعليق ما بنيته عليه من ~~ترتيب السور لأوضحت ما أشرت إليه مما لم أسبق إليه، ولعل الله سبحانه ييسر ~~ذلك فيما باليد من التفسير نفع الله به ويسر فيه، فلما انطوت هذه السورة ~~على ما ذكرنا وبان فيها عظيم الرحمة في تكرر القصص وشفع العظات، وظهرت حجة ~~الله على الخلق، وكان ذلك من أعظم ألطافه تعالى لمن يسره لتدبر القرآن ~~ووفقه لفهمه واعتباره، أردف ذلك سبحانه بالتنبيه على هذه النعمة فقال تبارك ~~وتعالى {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان} وخص من أسمائه الحسنى ~~هذا الاسم إشعارا برحمته بالكتاب وعظيم إحسانه به {وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها} [إبراهيم: 34] ثم قد تمهد أن سورة القمر إعذار ومن أين للعباد ~~بجميل # PageV19P142 # هذا اللطف وعظيم هذا الحلم حتى يرادوا إلى بسط الدلالات وإيضاح البينات ~~إن تعذر إليهم زيادة في البلاغ، فأنبأ تعالى أن هذا رحمة فقال {الرحمن علم ~~القرآن} ثم إذا تأملت سورة القمر وجدت خطابها وإعذارها خاصا ببني آدم بل ~~بمشركي العرب منهم فقط، فاتبعت سورة القمر بسورة الرحمن تنبيها للثقلين ~~وإعذارا إليهم وتقريرا للجنسين على ما أودع سبحانه في العالم من العجائب ~~والبراهين الساطعة فتكرر فيها التقرير والتنبيه بقوله تعالى: {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان} خطابا للجنسين وإعذارا للثقلين فبان اتصالها بسورة القمر أشد ~~البيان - انتهى. # ولما كان كأنه قيل: كيف علمه وهو صفة من صفاته ولمن علمه، قال مستأنفا أو ~~معللا: {خلق الإنسان *} أي قدره وأوجده على هذا الشكل المعروف والتركيب ~~الموصوف منفصلا عن جميع الجمادات وأصله منها ثم عن سائر الناميات ثم عن ~~غيره من الحيوانات، وجعله أصنافا، وفصل بين كل قوم بلسانهم عمن عداهم وخلقه ~~لهم دليل على خلقه لكل ms4875 شيء موجود # {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49] والإنسان وإن كان اسم جنس لكن ~~أحقهم بالإرادة بهذا أولهم وهو آدم عليه السلام، وإرادته - كما قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما - لا تمنع إرادة الجنس من حيث هو. # PageV19P143 # ولما كان كأنه قيل: فكان ماذا بخلقه، قال: {علمه البيان *} وهو القوة ~~الناطقة، وهي الإدراك للأمور الكلية والجزئية والحكم الحاضر والغائب بقياسه ~~على الحاضرة تارة بالتوسم وأخرى بالحساب ومرة بالعيافة والزجر وطورا بالنظر ~~في الآفاق وغير ذلك من الأمور مع التمييز بين الحسن والقبيح وغير ذلك ما ~~أدعه سبحانه وتعالى له مع تعبيره عما أدركه بما هو غائب في ضميره وإفهامه ~~للغير تارة بالقول وتارة بالفعل نطقا وكتابة وإشارة وغيرها، فصار بذلك ذا ~~قدرة على الكمال في نفسه والتكميل لغيره، فهذا تعليم البيان الذي مكن من ~~تعليم القرآن، وهذا وإن كان سبحانه جبلنا عليه وخلقناه به قد صار عندنا ~~مألوفا ومشهورا معروفا، فهو عند غيرنا على غير ذلك مما أوضحه لنا سبحانه ~~نعمة علينا بمحاجته لملائكته الكرام عن نبينا آدم عليه الصلاة والسلام وما ~~أبدى لهم من علمه وبهرهم من رسم كل شيء بمعناه واسمه. # ولما بين سبحانه النعمة في تعليم القرآن الذي هو حياة الأرواح، وبين ~~الطريق فيها، دل على البيان بذكر البينات التي يجمعها أمر ويفرقها آخر، ~~ولها مدخل في حياة الأشباح، وعددها على سبيل الامتنان بيانا لأنها من أكبر ~~النعم فقال في جواب من قال: ما بيانه؟ بادئا بالكوكب الأعظم الذي هو أعظم ~~نورا وأكبر جرما وأعم نفعا ليكون خضوعه # PageV19P144 # لقبول الآثار أدل على خضوع غيره بيانا لحكمته في تدبيره وقوته في تقديره: ~~{الشمس} وهي آية النهار {والقمر} وهو آية الليل اللذان كان بهما البيان ~~الإبراهيمي، ولعله بدأ لهذه الأمة بغاية بيانه عليه الصلاة والسلام تشريفا ~~لها بالإشارة إلى علو أفهامها {بحسبان *} أي جريهما، يجري كل منهما - مع ~~اشتراكهما في أنهما كوكبان سماويان - بحساب عظيم جدا لا تكاد توصف جلالته ~~في دقته وكثرة سعته وعظم ما يتفرع عليه من المنافع ms4876 الدينية ولدنيوية، ومن ~~عظم هذا الحساب الذي أفادته صيغة الفعلان أنه على نهج واحد لا يتعداه، تعلم ~~به الأعوام والشهور والأيام والساعات والدقائق والفصول في منازل معلومة، ~~ويعرف موضع كل منهما في الآفاق العلوية وما يحدث له وما يتأثر عنه في ~~الكوائن السفلية بحيث أن به انتظام غالب الأمور السفلية إلى غير ذلك من ~~الأمور التي خلقهما الله عليها ولها، وبين الإنسان وبين كل منهما من ~~المسافات ما لا يعلمه على التحرير إلا العليم الخبير، وهذا على تطاول ~~الأيام والدهور لا يختل ذرة دلالة على أن صانعه قيوم لا يغفل، ثم بعد هذا ~~الحساب المستجد والحساب الأعظم الذي قدر لتكوير الشمس وانكدار القمر دلالة ~~على أنه فاعل بالاختيار مع ما أفاد ذلك من تعاقب الملوين تارة بالاعتدال ~~وتارة بالزيادة وأخرى بالنقص، وغير ذلك من الأمور في لطائف المقدور. # PageV19P145 # ولما كان سيرهما على هذا المنهاج مع ما لهما فيه من الدؤب فيه بالتغير ~~والتنقل طاعة منهما لمدبرهما ومبدعهما ومسيرهما، وكان خضوعهما - وهما ~~النيران الأعظمان - دالا على خضوع ما دونهما من الكواكب بطريق الأولى، كان ~~ذكرهما مغنيا عن ذكر ما عداهما بخصوصه، فأتبعهما حضور ما هو للأرض كالكواكب ~~للسماء في الزينة والنفع والضر والصغر والكبر والكثرة والقلة من النبات ~~مقدما صغاره لعموم نفعه وعظيم وقعه بأن من أكثر الأقوات لجميع الحيوان ~~والملابس من القطن والكتان وغير ذلك من عجيب الشأن، معبرا بما يصلح لبقية ~~الكواكب فقال: {والنجم} أي وجميع الكواكب السماوية وكل نبت ارتفع من الأرض ~~ولا ساق له من النبات الأرضية التي هي أصل قوام الإنسان وسائر الحيوان ~~{والشجر} وكل ما له ساق ويتفكه به أو يقتات {يسجدان *} أي يخضعان وينقادان ~~لما يراد منهما ويذلان للانتفاع بهما انقياد الساجد من العقلاء لما أمر به ~~بجريهما لما سخرا له وطاعتهما لما قدرا فيه غير إباء على تجدد الأوقات من ~~نمو في النبات ووقوف واخضرار ويبس وإثمار وعطل، لا يقدر النجم أن يعلو إلى ~~رتبة الشجرة ولا الشجرة أن يسفل إلى وهدة النجم ms4877 إلى غير ذلك مما صرفنا فيه ~~من سجود الظلال ودوران الجبال # PageV19P146 # والمثال مما يدل على وحدانية الصانع وفعله بالاختيار، ونفي الطبائع، ومن ~~تسيير في الكواكب وتدبير في المنافع في الحر والبرد اللذين جعل سبحانه بهما ~~الاعتدال في النبات من الفواكهة والأقوات، وغير ذلك من وجود الانتفاعات. # ولما كان تغير ما تقدم من الشمس والقمر والنجم والشجر يدل دلالة واضحة ~~على أنه سبحانه هو المؤثر فيه، وكانت السماء والأرض ثابتتين على حالة ~~واحدة، فكان ربما أشكل أمرهما كما ضل فيهما خلق من أهل الوحدة أهل الجمود ~~والاغترار والوقوف مع الشاهد وغيرهم، وكان إذا ثبت أنه تعالى المؤثر فيهما، ~~فلذلك قال مسندا التأثير فيهما إليه بعد أن أعرى ما قبلهما من مثله لما ~~أغنى عنه من الدلالة بالتغير والسير والتنقل عطفا على ما تقديره: وهو الذي ~~دبر ذلك: {والسماء رفعها} أي حسا بعد أن كانت ملتصقة بالأرض ففتقها منها ~~وأعلاها عنها بما يشهد لذلك من العقل عند كل من له تأمل في أن كل جسم ثقيل ~~ما رفعه عما تحته إلا رافع، ولا رافع لهذه إلا الله فإنه لا يقدر على ~~التأثير غيره، ولعظمها قدمها على الفعل تنبيها على التفكر فيما فيها من ~~جلالة الصنائع وأنواع البدائع، ومعنى بأنه جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ~~ومتنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه. # ولما كانت السماء مع علوها الدال على عزة موجدها ومدبرها # PageV19P147 # دالة على عدله باعتدال جميع أحوالها من الحر والبرد والمطر والثلج والندى ~~والطل وغير ذلك في أن كل فصل منها معادل لضده وأنها لا ينزلها سبحانه إلا ~~بقدر معلوم، وإلا لفسدت الأرض كلها، ودلنا على أنه شرع لنا مثل ذلك العدل ~~لتقوم أحوالنا وتصلح أقوالنا وأفعالنا بما قامت به السماوات والأرض فقال: ~~{ووضع الميزان *} أي العدل الذي بدر به الخافقين من الموازنة وهي المعادلة ~~لتنتظم أمورنا. # ولما ذكر أولا القرآن الذي هو ميزان المعلومات، ودل على رحمانيته بأنواع ~~من البيان، الذي رقي به الإنسان فصار أهلا للفهم، وذكره ms4878 نعمة الميزان ~~للمحسوسات، أقبل بالخطاب عليه لافتا له عن أسلوب الغيبة تنشيطا له إلى ~~ارتقاء مراتب الكمال بحسن الامتثال معللا فقال: {أن} أي لأن {لا تطغوا} أي ~~لا تتجاوزا الحدود {في الميزان *} أي الأشياء الموزونة من الموزونات ~~المعروفة والعلم والعمل المقدر أحدهما بالآخر، وفي مساواة الظاهر والباطن ~~والقول والفعل، فالميزان الثاني عام لميزان المعلومات وميزان المحسوسات. # ولما كان التقدير: فاقتدوا بأفعالي وتخلقوا بكل ما آمر به من أقوالي، عطف ~~عليه قوله: {وأقيموا الوزن*} أي جميع الأفعال التي يقاس لها الأشياء ~~{بالقسط} . # ولما كان المراد العدل العظيم، بينه بالتأكيد بعد الأمر بالنهي عن # PageV19P148 # الضد فقال: {ولا تخسروا الميزان *} أي توقعوا في شيء من آلة العدل التي ~~يقدر بها الأشياء من الذرع والوزن والعدل والكيل ونحو - نوعا من أنواع ~~الخسر - بما دل عليه تجريد الفعل فتخسروا ميزان أعمالكم وجزائكم يوم ~~القيامة، وقد علم بتكرير الميزان ما أريد من التأكيد في الأمر به لما له من ~~الضخامة سواء كان بمعنى واحد أو بمعان مختلفة. # ولما ذكر إنعامه الدال على اقتداره برفع السماء، ذكر على ذلك الوجه ~~مقابلها بعد أن وسط بينهما ما قامتا به من العدل تنبيها على شدة العناية ~~والاهتمام به فقال: {والأرض} أي ووضع الأرض: ثم فسر ناصبها ليكون كالمذكور ~~مرتين إشارة إلى عظيم تدبيره لشدة ما فيه من الحكم فقال: {وضعها} أي دحاها ~~وبسطها على الماء {للأنام *} أي كل من فيه قابلية النوم أو قابلية الونيم ~~وهو الصوت بعد أن وضع لهم الميزان الذي لا تقوم الأرض إلا به. # PageV19P149 # ولما كان في سياق بيان الرحمة بمزيد الإنعام، وكان إقامة البينة أعظم ~~نعمة، وكانت الفواكه ألذ ما يكون، وكانت برقتها وشدة لطافتها منافية للأرض ~~في يبسها وكثافتها، فكان كونها فيها عجبا دالا على عظيم قدرته، وكان ذكرها ~~يدل على ما تقدمها من النعم من جميع الأقوات، # PageV19P149 # بدأ بها ليصير ما يتقدمها كالمذكور مرتين، فقال مستأنفا وصفها بما هو ~~أعم: {فيها فاكهة} أي ضروب منها عظيمة جدا يدرك الإنسان بما له من ms4879 البيان ~~تباينها في الصور والألوان، والطعوم والمنافع - وغير ذلك من بديع الشأن. # ولما كان المراد بتنكيرها تعظيمها، نبه عليه بتعريف بنوع منها، ونوه به ~~لأن فيه مع التفكه التقوت، وهو أكثر ثمار العرب المقصودين بهذا الذكر ~~بالقصد الأول فقال: {والنخل} ودل على تمام القدرة بقوله: {ذات} أي صاحبة ~~{الأكمام *} أي أوعية ثمرها، وهو الطلع قبل أن ينفتق بالثمر، وكل نبت يخرج ~~ما هو مكمم فهو ذو كمام، ولكنه مشهور في النخل لشرفه وشهرته عندهم، قال ~~البغوي: وكل ما ستر شيئا فهو كم وكمة، ومنه كم القميص، وفيه تذكير بثمر ~~الجنة الذي ينفتق عن نباهم، وذكر أصل النخل دون ثمره للتنبيه عن كثرة ~~منافعه من الليف والسعف والجريد والجذوع وغيرها من المنافع التي الثمر ~~منها. # ولما ذكر ما يقتات من الفواكه وهو في غاية الطول، أتبعه الأصل في ~~الاقتيات للناس والبهائم وهو بمكان من القصر، فقال ذاكرا ثمرته لأنها ~~المقصودة بالذات: {والحب} أي من الحنطة وغيرها، ونبه على # PageV19P150 # تمام القدرة بعد تنبيه بتمايز هذه المذكورات مع أن أصل الكل الماء بقوله: ~~{ذو العصف} أي الورق والبقل الذي إذا زال عنه ثقل الحب كان مما تعصفه ~~الرياح التي تطيره، وهو التبن الذي هو من قوت البهائم. # ولما كان الريحان يطلق على كل نبت طيب الرائحة خصوصا، وعلى كل نبت عموما، ~~أتبعه به ليعم ويخص جميع ما ذكر من سائر النبات وغيره على وجه مذكر بنعمه ~~بغذاء الأرواح بعد ما ذكر غذاء الأشباح فقال: {والريحان *} ولما كان من كفر ~~به سبحانه بإنكاره أو إنكار شيء من صفاته، أو كذب بأحد من رسله قد أنكر ~~نعمه أو نعمة منها فلزمه بانكاره لتلك النعمة إنكار جميع النعم، لأن الرسل ~~داعية إلى الله بالتذكير بنعمه، وكان ما مضى من هذه السورة إلى هنا اثنتي ~~عشرة آية على عدد الكوفي والشامي، عدد فيها أصول نعمه سبحانه على وجه دل ~~بغاية البيان على أن له كل كمال، وكان هذا العدد أول عدد زائد إشارة إلى ~~تزايد النعم لأن ms4880 كسوره النصف والثلث الربع والسدس تزيد على أصله، وكان قد ~~مضى ذكر الثقلين الجن والإنس في قوله {الأنام} قال تعالى إشارة إلى أنهم ~~المقصودون بالوعظ، منكرا موبخا مبكتا لمن أنكر شيئا من نعمه أو قال قولا أو ~~فعل فعلا يلزم منه إنكار شيء منها مسببا عما مضى من تعداد هذه النعم ~~المتزايدة التي لا يسوغ إنكارها ولا إنكار شيئ منها فيجب شكرها: {فبأي ~~آلاء} أي نعم عطايا {ربكما} أي المحسن إليكما بما أسدى من المزايا التي ~~أسداها إليكم على # PageV19P151 # وجه الكبرياء والعظمة وهي دائمة لا تنقطع من غير حاجة إلى مكافأة أحد ولا ~~غيرها - أيها الثقلان - المدبر لكما الذي لا مدبر ولا سيد لكما غيره، من ~~آياته وصنائعه وحكمه وحكمته وعزته في خلقه واستسلام الكل له وخضوعهما إليه، ~~فإن كل هذه النعم الكبار آيات دالة عليه وصنائع محكمة وأحكام وحكم ظهرت بها ~~عزته وبانت بها قدرته {تكذبان *} فمخاطبته بهذا الثقلين دليل على أن هذه ~~الأشياء تعم على الجن كما أنها تعم على الإنس، وأن لهم من ذلك ما لهم، ~~وذكره لهذه الآية بعد ذكر هذا العدد من الآيات إشارة إلى أن زيادة النعم ~~إلى حد لا يحصى بحيث أن استيفاء عددها لا تحيط به عقول المكلفين لئلا يظنوا ~~أنه لا نعمة غير ما ذكر في هذه السورة، والتعبير عنها بلفظ الآلاء من أجل ~~أنها النعم المخصوصة بالملوك لما لها من اللمعان والصف المميز لها من غيرها ~~ولما لرؤيتها من الخير والدعاء، وهي وإن كانت من الوا فيمكن أخذها من ~~اللؤواء إلى أن الأصل الهمزة واللام، فإذا انضم إليهما لام أخرى أو ألف ~~ازداد المعنى الذي كان ظهورا لأن الألف غيب الهمزة وباطنها، واللام هي عين ~~ما كان فلم يحصل خروج عن ذلك المعنى، فإذا نظرت إلى الآل كان المعنى أن تلك ~~النعم الكبار الملوكية تظهر للعباد معرفته سبحانه وأنه يؤل إليه كل شيء ~~أولا من غير نزاع كما أنه كان بكل شيء، وتكل عن نظرها الأبصار النوافذ كما ~~تكل عن ms4881 رؤية الأشخاص التي يرفعها الآل لأنها تدل عليه سبحانه. # PageV19P152 # . نعم عظيمة وإن كانت نقما لأنه لا نعمة تدل مثل ما دل عليه سبحانه، وكرر ~~هذه الآية في هذه السورة من هنا بعد كل آية إلى آخرها لما تقدم في القمر من ~~أن المنكر إذا تكرر إنكاره جدا بحيث أحرق الأكباد في المجاهرة بالعناد حسن ~~سرد ما أنكره عليه، وكلما ذكر بفرد منه قيل له: لم تنكره؟ سواء أقر به حال ~~التقرير أو استمر على العناد، فالتكرار حينئذ يفيد التعريف بأن إنكاره ~~تجاوز الحد، ولتغاير النعم وتعددها واختلافها حسن تكرير التوقيف عليها ~~واحدة واحدة تنبيها على جلالتها، فإن كانت نعمة فالأمر فيها واضح، وإن كانت ~~نقمة فالنعمة دفعها أو تأخير الإيقاع بها، ولما تقدم من أن كل تذكير بما ~~أفاده الله تعالى من النعم بالحواس الخمس مضروبة في الجهات الست على أنك ~~إذا اعتبرت نفس الآية وجدتها مشيرة إلى ذلك، فإن كل كلمة منها - إلا ~~الأخيرة في رسم من أثبت ألفها من كتبة المصاحف - خمسة أحرف أن اعتبرت هجاء ~~الأولين والثالثة خمسة في الرسم ستة في الهجاء والنطق، فهي للحواس وللجهات ~~لأن الكل من الرب، والكلمة الأخيرة ستة أحرف إن اعتبرت رسمها في المصاحف ~~التي أسقطت ألفها، فإن في إثباتها وحذفها اختلافا بين أئمة المصاحف، وهي ~~إشارة إلى الجهات التي يملك الإنسان التصرف فيها، أما الحواس فلا اختيار له ~~فيها، وإن اعتبرت هجاءها بحسب النطق كانت سبعة أحرف إشارة إلى أن النعم # PageV19P153 # أكثر من أن تحصى لما تقدم من أسرار عدد السبعة وإلى أن تكذيب المكلفين ~~متكاثر جدا، فلذلك كان في غاية المناسبة أن تبسط هذه النعم على عدد ضرب ~~الحواس الخمس في الجهات الست، وذلك في الحقيقة فائدة، فإنه من المألوف ~~المعروف والجميل الموصوف أن التكرير عند التكذيب يوجب التكرير عند التقرير، ~~ويبلغ به النهاية في حسن التأثير، وزاد العدد على مسطح الخمس في الست واحد ~~إشارة إلى أن نعم الواحدة لا انقطاع لها، ولذلك فصلت إلى ثمان ذكرت أولا ms4882 ~~عقب النعم، فكانت على عدد السبع الذي هو أول عدد تام لأنه جمع الفرد والزوج ~~وزوج الفرد وزوج الزوج، وزاد بواحد إشارة إلى أنه كلما انقضى دور من عدد ~~تام جدير لنعم أخرى فهي لا تتناهى لأن موليها له القدرة الشاملة والعلم ~~التام ورحمته سبقت غضبه، وفي كونها ثمانية إشارة إلى أنها سبب إلى الجنة ~~ذات الأبواب الثمانية إن شكرت، وفي تعقيبها بسبع نارية إشارة إلى أنها ~~سببيتها للنار أقرب لكونها حفت بالشهوات، وفي ذلك إشارة إلى أن من اتقى ما ~~توعد عليه بشكر هذه النعم وقي أبواب النار السبعة، ثم عقبها بثمانية ذكر ~~فيها جنة المقربين إشارة إلى أن من عمل لما وعده كما أمره به الله نال ~~أبواب الجنة الثمانية، وثمانية أخرى عقب الجنة أصحاب اليمين إشارة إلى مثل ~~ذلك والله أعلم، وكان ترتيبها في غاية الحسن، ذكرت النعم أولا استعطافا ~~وترغيبا في الشكر ثم الأهوال ترهيبا ودرأ للمفسدة بالعصيان والكفر ثم النعم ~~الباقية لجلب المصالح، وبدأ # PageV19P154 # بأشرفها فذكر الجنة العليا لأن القلب إثر التخويف يكون أنشط والهمم تكون ~~أعلى والعزم يكون أشد، فحينئذ هذه الآية الأولى من الإحدى والثلاثين مشيرة ~~إلى أن نعمة البصر من جهة الأمام، فكأنه قيل: أبنعمة البصر مما يواجهكم أو ~~غيرها تكذبان. # ولما كان قد تقدم في إشارة الخطاب الامتنان بخلق الإنسان، ثم ذكر أصول ~~النعم عليه على وجه بديع الشأن، إلى أن ذكر غذاء روحه: الريحان، أتبع ذلك ~~تفصيلا لما أجمل فقال: {خلق الإنسان} أي أصل هذا النوع الذي هو من جملة ~~الأنام الذي خلقنا الريحان لهم والغالب عليه الأنس بنفسه وبما ألفه. # ولما كان أغلب عناصره التراب وإن كان من العناصر الأربعة، عبر عن إشارة ~~به إلى مطابقة اسمه - بما فيه مما يقتضي الأنس الذي حاصله الثبات على حالة ~~واحدة - لمسماه الذي أغلبه التراب لنقله وثباته ما لم يحركه محرك، وعبر عن ~~ذلك بما هو في غاية البعد عن قابلية البيان فقال: {من صلصال} أي طين يابس ~~له صوت إذا نقر ms4883 عليه {كالفخار *} أي كالخزف المصنوع المشوي بالنار لأنه ~~أخذه من التراب ثم خلطه بالماء حتى صار طينا ثم تركه حتى صار حماء مسنونا ~~مبينا، ثم صوره كما يصور الإبريق وغيره من الأواني ثم أيبسه حتى صار في ~~غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقر عليه صوت صوتا يعلم منه هل # PageV19P155 # فيه عيب أم لا، كما أن الآدمي بكلامه يعرف حاله وغاية أمره ومآله، ~~فالمذكور هنا غاية تخليقه وهو أنسب بالرحمانية، وفي غيرها تارة مبدؤه وتارة ~~إنشاؤه، فالأرض أمه والماء أبوه ممزوجين بالهواء الحامل للجزء الذي هو من ~~فيح جهنم، فمن التراب جسده ونفسه، ومن الماء روحه وعقله، ومن النار غوايته ~~وحدته، ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه. # ولما كان الجان الذي شمله أيضا اسم الأنام مخلوقا من العناصر الأربعة، ~~وأغلبها في جبلته النار، قال تعالى: {وخلق الجان} أي هذا النوع المستتر عن ~~العيون بخلق أبيهم، وهو اسم جمع للجن. ولما كان الجن يطلق على الملائكة ~~لاستتارهم، بين أنهم لم يرادوا به هنا فقال: {من مارج} أي شيء صاف خالص ~~مضطرب شديد الاضطراب جدا والاختلاط، قال البغوي: وهو الصافي من لهب النار ~~الذي لا دخان فيه، وقال القشيري، هو اللهب المختلط بسواد النار - انتهى. ~~ومرجت نارهم - أي اختلطت - ببرد الزمهرير. ولما كان المارج عاما في النار ~~وغيرها، بينه بقوله: {من نار *} هي أغلب من عناصر، فتعين المراد بذكر النار ~~لأن الملائكة عليهم السلام من نور لا من نار، وليس عندهم مروج ولا اضطراب، ~~بل هم في غاية الثبات على الطاعة فيما أمروا به، وقد عرف بهذا كل مضطرب ~~قدره # PageV19P156 # لئلا يتعدى طوره. # ولما كان خلق هذين القبيلين على هذين الوجهين اللذين هما في غاية التنافي ~~مستورا أحدهما عن الآخر مع منع كل من التسلط على الآخر إلا نادرا، إظهارا ~~لعظيم قدرته وباهر حكمته من أعظم النعم، قال مسببا عنه: {فبأي آلاء ربكما} ~~أي النعم الملوكية الناشئة عن مبدعكما ومربيكما وسيدكما {تكذبان *} أي ~~بنعمة البصر من جهة الوراء وغيرها من خلقكم ms4884 على هذا النمط الغريب، وإيداعكم ~~ما أودعكم من القوى، وجعلكم خلاصة مخلوقاته، ومن منع أحد قبيليكم عن الآخر، ~~وتيسيره لكم الأرزاق والمنافع، وحملكم على الحنيفية السمحة، وقدرته على ~~إعادتكم كما قدر على ابتدائكم. # ولما ذكر سبحانه هذين الجنسين اللذين أحدهما ظاهر والآخر مستتر، إرشادا ~~إلى التأمل فيما فيهما من الدلالة على كمال قدرته، فكانا محتاجين إلى ما ~~هما فيه من المحل، وكان صلاحه مما دبر سبحانه فيه من منازل الشروق الذي هو ~~سبب الأنوار والظهور، والغروب الذي هو منشأ الظلمة والخفاء، أتبعه قوله ~~منبها على النظر في بديع صنعه الدال على توحيده: {رب} أي هو خالق ومدير ~~{المشرقين} ومدبرهما على كيفية لا يقدر على شيء منها غيره {ورب المغربين *} ~~كذلك، وهذه المشارق والمغارب هي ما للشتاء من البروج، السافلة الجنوبية ~~التي # PageV19P157 # هي سبب الأمطار والثلوج، التي هي سبب الحياة والظهور، حال كون الشمس ~~منحدرة في آفاق السماء، وما للصيف من البروج العالية في جهة الشمال التي هي ~~سبب التهشم والأفول والشمس مصعدة في جو السماء، وما بينهما من الربيع الذي ~~هو للنمو، والخريف الذي هو للذبول، فهي آية الإيجاد والإعدام، فأول المشارق ~~الصيف وقت استواء الليل والنهار عند حلول الشمس بأول البروج الشمالية صاعدة ~~وهو الكبش، يعتدل الزمان حينئذ بقطعها الجنوبية واستقبالها الشمالية، ثم ~~آخر مشارقه إذا كانت الشمس في آخر الشمالية وأول الجنوبية عند حلولها برأس ~~الميزان يعتدل الزمان ثانيا لاستقبالها البروج الجنوبية، ثم بحلولها بآخر ~~القوس ورأس الجدي يكون الانتهاء في قصر الأيام وطول الليالي لتوسطها البروج ~~الجنوبية، ثم بحلولها كذلك عند خروجها من برج التوأمين إلى السرطان من بروج ~~الشمال، وهي آخر درجات الشمس، يكون طول الأيام وقصر الليالي، فيختلف على ~~هذين الفصلين الحر والبرد، وكون الشمس في أول برج الحمل هو بمثابة طلوعها ~~من المشرق في أول كل نهار، وكونها في الاعتدال الثاني عند استقبالها البروج ~~الجنوبية إذا حلت برأس الميزان هو بمثابة غروبها، ثم بكونها في الانتهائين ~~في طول الأيام حين حلولها برج السرطان هو ms4885 بمنزلة استوائها في الصيف في كبد ~~السماء كما أن حلولها برأس الجدي عند الانتهاء في الشتاء في قصر الأيام ~~وطول الليالي هو بمثابة استوائها فيما يقابل # PageV19P158 # استواءها في الشتاء في كبد السماء في النهار - ذكر ذلك ابن برجان وقال ~~بعد ذلك: سخر سبحانه لعباده جهنم - أي بواسطة الشمس - وهي أعدى عدو لهم، ~~فأخرج لهما بواسطتها الزرع والزيتون والرمان والنخيل والأعناب والجنان ~~المعروشات وغير المعروشات ومن كل الثمرات. # ولما كان في هذا من النعم ما لا يحصى، قال مسببا: {فبأي آلاء ربكما} الذي ~~دبر لكم هذا التدبير العظيم {تكذبان *} أي بنعمة البصر من جهة اليمين أو ~~غيرها من تسخير الشمس والقمر دائبين دائرين لإدارة الزمان وتجديد الأيام، ~~وعدد الشهور والأعوام، واعتدال الهواء واختلاف الأحوال على الوجه الملائم ~~لمصالح الدنيا ومعايشها على منهاج محفوظ وقانون لا يزيغ. # ولما كانت باحة البحر لجري المراكب كساحة السماء لسير الكواكب مع ما ~~اقتضى ذكره من تضمن ذكر المشارق والمغارب للشتاء الحاصل فيه من الأمطار ما ~~لو جرى على القياس لأفاض البحار، فأغرقت البراري والقفار، وعلت على الأمصار ~~وجميع الأقطار، فقال: {مرج} أي أرسل الرحمن {البحرين} أي الملح والعذب ~~فجعلهما مضطربين، من طبعهما الاضطراب، حال كونهما {يلتقيان *} أي يتماسان ~~على ظهر الأرض بلا فصل بينهما في رؤية العين وفي باطنها، فجعل الحلو آية ~~دالة # PageV19P159 # على مياه الجنة، والملح آية دالة على بعض شراب أهل النار لا يروي شاربه ~~ولا يغنيه، بل يحرق بطنه ويعييه، أو بحري فارس والروم هما ملتقيان في البحر ~~المحيط لكونهما خليجين منه. # PageV19P160 # ولما كان التقاء المايعين ولا سيما مع الاضطراب الدائم الاختلاط فيحيل ما ~~لأحدهما أو لكل منهما من الصفات إلى الصفات الأخرى، فتشوفت النفس إلى ~~المانع من مثل ذلك في البحرين، قال مستأنفا: {بينهما برزخ} أي حاجز عظيم من ~~القدرة المجردة على الأول وتسيب الأرض على الثاني يمنعهما مع الالتقاء من ~~الاختلاط، وقال ابن برجان: البرزخ ما ليس هو بصريح هذا ولا بصريح هذا، ~~فكذلك السهل والجبل بينهما برزخ يسمى الخيف، ms4886 كذلك الليل والنهار بينهما ~~برزخ يسمى غبشا، كذلك بين الدنيا والآخرة برزخ ليس من هذا ولا من هذا ولا ~~هو خارج عنهما، وكذلك الربيعان هما برزخان بين الشتاء والصيف بمنزلة غبش ~~أول النهار وغبش آخره، جعل بين كل صنفين من الموجودات برزخا ليس من هذا ولا ~~من هذا وهو منهما كالجماد والنبات والحيوان. # ولما كانت نتيجة ذلك كذلك قال: {لا يبغيان *} أي لا يطغيان في هلاك الناس ~~كما طغيا فأهلكا من على الأرض أيام نوح عليه الصلاة والسلام، # PageV19P160 # ولا يبغي واحد منهما على الآخر بالممارجة، ولا يتجاوزان ما حده لهما ~~خالقهما ومدبرهما لا في الظاهر ولا في الباطن، فمتى حفرت على جنب المالح ~~وجدت الماء العذب، وإن قربت الحفرة منه بل كلما قربت كان أحلى، فخلطهما ~~الله سبحانه في رأى العين وحجز بينهما في رأى عين القدرة، هذا وهما جمادان ~~لا نطق لهما ولا إدراك، فكيف يبغي بعضكم على بعض أيها المدركون العقلاء. # ولما كان هذا أمرا باهرا دالا دلالة ظاهرة على تمام قدرته لا سيما على ~~الآخرة، قال مسببا عنه: {فبأي آلاء ربكما} أي الموجد لكما والمربي {تكذبان ~~*} أي بنعمة الإبصار من جهة اليسار أو غيره، فهلا اعتبرتم بهذه الأصول من ~~أنواع الموجودات فصدقتم بالآخرة لعلمكم بهذه البرازخ أن موتتكم هذه برزخ ~~وفصل بين الدنيا والآخرة كالعشاء بين الليل والنهار، ولو استقر أتم ذلك في ~~آيات السماوات والأرض وجدتموه شائعا في جميع الأكوان. # ولما ذكر المنة بالبحر ذكر النعمة بما ينبت فيه كما فعل بالبر، فقال ~~معبرا بالمبني للمفعول لأن كلا من وجوده فيه والتسليط على إخراجه منه خارق ~~من غير نظر إلى مخرج معين، والنعمة نفس الخروج، ولذلك قرأ غير نافع ~~والبصريين بالبناء للفاعل من الخروج: {يخرج منهما} أي بمخالطة العذب الملح ~~من غير واسطة أو بواسطة السحاب، فصار ذلك # PageV19P161 # كالذكر والأنثى، قال الرازي: فيكون العذب العذب كاللقاح للملح، وقال أبو ~~حيان: قال الجمهور: إنما يخرج من الأجاج في المواضع التي يقع فيها الأنهار ~~والمياه العذبة فناسب إسناد ms4887 ذلك إليهما، وهذا مشهور عند الغواصين، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما وعكرمة مولاه رضي الله عنه: تكون هذه الأشياء في البحر ~~بنزول المطر لأن الصدف وغيرها تفتح أفواهها للمطر - انتهى. # فتكون الأصداف كالأرحام للنطف وماء البحر كالجسد الغاذي، والدليل على أنه ~~من ماء المطر كما قال الأستاذ حمزة الكرماني: إن من المشهور أن السنة إذا ~~أجدبت هزلت الحيتان، وقلت الأصداف والجواهر - انتهى. ثم لا شك في أنهما وإن ~~كانا بحرين فقد جمعها وصف واحد بكونهما ماء، فيسوغ إسناد الخروج إليهما كما ~~يسند خروج الإنسان إلى جميع البلد، وإنما خرج من دار منها كما نسب الرسل ~~إلى الجن والإنس بجمعهما في خطاب واحد فقال: {رسل منكم} [الأنعام: 130] ~~وكذا {وجعل القمر فيهن نورا} [نوح: 16] ومثله كثير {اللؤلؤ} وهو الدر الذي ~~هو في غاية البياض والإشراق والصفاء {والمرجان *} أي القضبان الحمر التي هي ~~في غاية الحمرة، فسبحان من غاير بينهما في اللون والمنافع والكون - نقل هذا ~~القول ابن عطية عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقال: وهذا هو المشهور ~~الاستعمال - انتهى، وقال جمع كثير: إن اللؤلؤ كبار الدر والمرجان صغاره. # ولما كان ذلك من جليل النعم، سبب عنه قوله: {فبأي آلاء ربكما} # PageV19P162 # أي المالك لكما الذي هو الملك الأعظم {تكذبان *} مع هذه الصنائع العظمى، ~~أبنعمة البصر من جهة الفوق أو غير ذلك من خلق المنافع في البحار وتسليطكم ~~عليها وإخراج الحلي الغريبة وغيرها. # ولما كان قد ذكر الخارج منه بماء السماء، ذكر السائر عليه بالهواء، وأشار ~~بتقديم الجار إلى أن السائر في الفلك لا تصريف له، وإن ظهر له تصريف فهو ~~لضعفه كلا تصريف، فقال: {وله} أي لا لغيره، فلا تغتروا بالأسباب الظاهرة ~~فتقوا معها فتسندوا شيئا من ذلك إليها كما وقف أهل الاغترار بالشاهد، الذين ~~أجمد أهل الأرض أذهانا وأحقرهم شأنا فقالوا بالاتحاد والوحدة {الجوار} أي ~~السفن الكبار والصغار الفارغة والمشحونة. ولما كانت حياة كل شيء كونه على ~~صفة كماله، وكانت السفن تبنى من خشب مجمع وتوصل حتى تصير على هيئة ms4888 تقبل ~~المنافع الجمة، وكانت تربى بذلك الجمع كما تربى النبات والحيوان، وكانت ~~ترتفع على البحر ويرفع شراعها وتحدث في البحر بعد أن كانت مستترة بجبال ~~الأمواج قال تعالى: {المنشآت} من نشأ - إذا وربا، والسحابة: ارتفعت، وأصل ~~الناشئ كل ما حدث بالليل وبدأ، ومعنى قراءة حمزة وأبي بكر بكسر الشين أنها ~~رافعة شراعها بسبب استمساكها عن الرسوب ومنشئة للسير، ومعنى قراءة الباقين ~~أنه أنشأها الصانع وأرسلها ورفع شراعها. # PageV19P163 # ولما كانت مع كونها عالية على الماء منغمسة فيه مع أنه ليس لها من نفسها ~~إلا الرسوب والغوص قال: {في البحر} ولما كانت ترى على البعد كالجبال على ~~وجه الماء قال: {كالأعلام *} أي كالجبال الطوال. # ولما كان ما فيها من المنافع بالتكسب من البحر بالصيد وغيره والتوصل إلى ~~البلاد الشاسعة للفوائد الهائلة، وكانت أعمالهم في البحر الإخلاص الذي يلزم ~~منها الإخلاص في البر، لأنهما بالنسبة إلى إبداعه لهما وقدرته على التصرف ~~فيهما بكل ما يريده على حد سواء، سبب عن ذلك قوله: {فبأي آلاء ربكما} أي ~~النعمة العظمى {تكذبان *} أبنعمة البصر من تحتكم أو غيرها من الأسفار، في ~~محل الأخطار، والإنجاء عند الاضطراب والريح في محل الخسار، والإرشاد إلى ~~ذلك بعد خلق مواد السفن وتعليم صنعتها وتسخيرها والفلك لعدصي لوهما (؟) ~~بمثابة جميع الكون، فخدامها كالملائكة في إقامة الملكوت وتحسين تماسكه بإذن ~~ربهم، والمسافرون بها الذين أنشئت لأجلهم وزان المأمورين المكلفين ~~المتهيئين الذين من أجلهم خلقت السماوات والأرض وما بينهما فعبر بهم من ~~غربتهم إلى قرارهم، ومن غيبتهم إلى حضورهم ومشاهدهم، ومدبرها أمرها في ~~أعلاها يأمرهم بأمره فيعدونه ويسمعون له، ثم قد يصرف الاعتبار إلى أن تكون ~~آية على قطع المؤمن أيام الدنيا فالدنيا هي البحر، والسفينة جسمه، وباطن ~~العبد هو المحمول فيها، العقل صاحب سياستها، والقوى خدمتها، وأمر الله ~~وتدبيره محيط بها، والإيمان أمنتها، والتوفيق # PageV19P164 # ريحها، والذكر شراعها، والرسول سائقها بما جاء به من عند ربه، والعمل ~~الطيب يصلح شأنها - ذكر ذلك ابن برجان. # ولما أخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض وما بث ms4889 فيهما من المنافع من ~~الأعيان والمعاني، واستوفى الأرض بقسميها برا وبحرا، مضمنا ذلك العناصر ~~الأربعة التي أسس عليها المركبات، وكان أعجب ما للمخلوق من الصنائع ما في ~~البحر، وكان راكبه في حكم العدم، دل على أنه المتفرد بجميع ذلك بهلاك ~~الخلق، فقال مستأنفا معبرا بالاسمية الدالة على الثبات وب {من} للدلالة على ~~التصريح تهويلا بفتاء العاقل على فناء غير العاقل بطريق الأولى: {كل من ~~عليها} أي الأرض بقسميها والسماء أيضا {فان *} أي هالك ومعدوم بالفعل بعد ~~أن كان هو وغيره من سائر ما سوى إليه، وليس لذل كله من ذاته إلا العدم، فهو ~~فان بهذا الاعتبار، وإن كان موجودا فوجوده بين عدمين أولهما أنه لم يكن، ~~وثانيهما أنه يزول ثم هو فيما بين ذلك يتعاوره الإيجاد والإفناء في حين من ~~أحواله وأعراضه وقواه، وأسباب الهلاك محيطة به حسا ومعنى وهو لا يراها كما ~~أنها محيطة بمن هو في السفينة من فوقه ومن تحته ومن جميع جهاته. # PageV19P165 # ولما كان الوجه أشرف ما في الوجود، وكان يعبر به عما أريد به صاحب الوجه ~~مع أنه لا يتصور بقاء الوجه صاحبه، فكان # PageV19P165 # التعبير به عن حقيقة ذلك الشيء أعظم وأدل على الكمال، وكان من المقرر عند ~~أهل الشرع أنه سبحانه ليس كمثله شيء فلا يتوهم أحد منهم من التعبير به نقصا ~~قال: {ويبقى} أي بعد فناء الكل، بقاء مستمرا إلى ما لا نهاية له {وجه ربك} ~~أي المربي لك بالرسالة والترقية بهذا الوحي إلى ما لا يحد من المعارف، وكل ~~عمل أريد به وجهه سبحانه وتعالى خالصا. ولما ذكر مباينته للمخلوقات، وصفه ~~بالإحاطة الكاملة بالنزاهة والحمد، وقال واصفا الوجه لأن المراد به الذات ~~الذي هو أشرفها معبرا به ولأنها أبلغ من «صاحب» وبما ينبه على التنزيه عما ~~ربما توهمه من ذكر الوجه بليد جامد مع المحسوسات يقيس الغائب - الذي لا ~~يعتريه حاجة ولا يلم بجنابه الأقدس نقص - بالشاهد الذي كله نقص وحاجة {ذو ~~الجلال} أي العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي ms4890 تقتضي إجلاله عن كل ما ~~لا يليق به {والإكرام *} أي الإحسان العام وهو صفة فعله. # ولما كان الموت نفسه فيه نعم لا تنكر، وكان موت ناس نعمة على ناس، مع ما ~~ختم به الآية من وصفه بالإنعام قال: {فبأي آلاء ربكما} أي المربي لكما على ~~هذا الوجه الذي مآله إلى العدم إلى أجل مسمى {تكذبان *} أي أيها الثقلان ~~الإنس والجان، أبنعمة السمع من جهة الأمام أو غيرها من إيجاد الخلق ثم ~~إعدامهم وتخليف بعضهم في أثر بعض # PageV19P166 # وإيراث البعض ما في يد البعض - ونحو ذلك من أمور لا يدركها على جهتها إلا ~~الله تعالى. # ولما كان أدل دليل على العدم الحاجة، وعلى دوام الوجود الغنى، قال دليلا ~~على ما قبله: {يسئله} أي على سبيل التجدد والاستمرار {من في السماوات} أي ~~كلهم {والأرض} أي كلهم من ناطق أو صامت بلسان الحال أو القال أو بهما، ولما ~~كان كأنه قيل: فماذا يفعل عند السؤال، وكان أقل الأوقات المحدودة المحسوسة ~~{اليوم} عبر به عن أقل الزمان كما عبر به عن أخف الموزونات بالذرة فقال ~~مجيبا لذلك: {كل يوم} أي وقت من الأوقات من يوم السبت وعلى اليهود لعنة ~~الله وغضبه حيث قالوا في السبت ما هو مناف لقوله سبحانه وتعالى: {ولقد ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} [ق: 38] ~~{ولا يؤده حفظهما هو العلي العظيم} [البقرة: 255] {هو في شأن} أي من إحداث ~~أعيان وتجديد معان أو إعدام ذلك، قال القشيري: في فنون أقسام المخلوقات وما ~~يجريه عليها من اختلفا الصفات - انتهى. # وهو شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها تتعلق قدرته على وفق إرادته على ما تعلق ~~به العلم في الأزل أنه يكون أو يعدم في أوقاته، فكل شيء قانت له خاضع لديه ~~ساجد لعظمته شاهد لقدرته دال عليه {وإن من شيء إلا يسبح يحمده} وذلك ~~التعبير - مع أنه من أجل النعم - أدل دليل على # PageV19P167 # صفات الكمال له وصفات النقص للمتغيرات وأنها عدم في نفسها ولأنها نعم ~~قال: {فبأي آلاء ms4891 ربكما} أي المربي لكما بهذا التدبير العظيم لكل ما يصلحكما ~~{تكذبان *} أبنعمة السمع من جهة الخلف أو غيرها من تصريفه إياكم فيما خلقكم ~~له هو أعلم به منكم من معايشكم وجميع تقلباتكم، وقد تكررت في هذه الآية ~~المقررة على النعم من أولها إلى هنا ثماني مرات عقب النعم إشارة - والله ~~أعلم - إلى أن نعمة الله سبحانه وتعالى لا تحصى لأنها تزيد على السبعة التي ~~هي العدد التام الواحد هو مبدأ لدور جديد من العدد إشارة إلى أنه كلما ~~انقضى منها دور ابتدأ دور آخر، ووجه آخر وهو أن الأخيرة صرح فيها ب {من في ~~السماوات والأرض} والسبع التي قبلها يختص بأهل الأرض إشارة إلى أن أمهات ~~النعم سبع كالسماوات والأرض والكواكب السيارة ونحو ذلك. # ولما انقضى عد النعم العظام على وجه هو في غاية الإمكان من البيان، وكان ~~تغير سائر الممكنات من النبات والجماد والملائكة والسماوات والأرض وما حوتا ~~مما عدا الثقلين على نظام واحد لا تفاوت فيه، وأما الثقلان فأحوالهما لأجل ~~تنازع العقل والشهوات لا تكاد تنضبط، بل تغير حال الواحد منهم في اللحظة ~~الواحد إلى ألوان كثيرة متضادة لما فيهم من المكر وأحوال المغالبة والبغي ~~والاستئثار # PageV19P168 # باللهو بالأمر والنهي، وكان أكثرهم يموت بناره من غير أخذ ثأره، واقتضت ~~الحكمة ولا بد أنه لا بد لهم من يوم يجتمعون فيه يكون بينهما فيه الفصل على ~~ميزان العدل، خصهما بالذكر فقال آتيا في النهاية بالوعيد لأنه ليس للعصاة ~~بعد الإنعام والبيان إلا التهديد الشديد للرجوع إلى طاعة الملك الديان، ~~والالتفات في قراءة الجماعة بالنون إلى التكلم أشد تهديدا من قراءة حمزة ~~والكسائي بالتحتية على نسق ما مضى: {سنفرغ} أي بوعد قريب لا خلف فيه من ~~جميع الشؤون التي ذكرت {لكم} أي نعمل علم من يفرغ للشيء فلا يكون له شغل ~~سواه بفراغ جنودنا من الملائكة وغيرهم مما أمرناهم به مما سبقت به كلمتنا ~~ومضت به حكمتنا من الآجال والأرزاق وغير ذلك فينتهي كله ولا يكون لهم حينئذ ~~عمل إلا جمعكم ms4892 ليقضي بينكم: {أيه الثقلان *} بالنصفة، والثقل هو ما يكون به ~~قوام صاحبه، فكأنهما سميا بذلك تمثيلا لهما بذلك إشارة إلى أنهما المقصودان ~~بالذات من الخلائق، وقال الرازي في اللوامع: وصفا بذلك يعظم ذلك شأنهما، ~~كأن ما عداهما لا وزن له بالإضافة إليهما - انتهى. # وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله ~~وعترتي» وقال جعفر الصادق: سميا بذلك لأنهما مثقلان بالذنوب. # PageV19P169 # ولما كان هذا من أجل النعم التي يدور عليها العباد، ويصلح بها البلاد، ~~وتقوم بها السماوات والأرض، لأن مطلق التهديد يحصل به انزجار النفس عما لها ~~من الانتشار فيما يضر ولا ينفع، فكيف بالتهديد بيوم الفصل قال: {فبأي آلاء ~~ربكما} أي المحسن إليكما بهذا الصنع المحكم {تكذبان *} أبنعمة السمع عن ~~اليمين أو بغيرها من إثابة أمل طاعته وعقوبة أمل معصيته، وسمى ابن برجان ~~هذا الإخبار الذي لا نون جمع فيه خطاب القبض يخبر فيه عن موجوداته وما هو ~~خالقه، قال: وذلك إخبار منه عن محض الوحدانية، وما قبله من {سنفرغ} ونحوه ~~وما فيه نون الجمع إخبار عن وصف ملكوته وجنوده وهو خطاب البسط. # ولما كان التهديد بالفراغ ربما أوهم أنهم الآن معجوز عنهم أو عن بعض ~~أمرهم، بين بخطاب القبض المظهر لمحض الواحدانية أنهم في القبضة، لا فعل ~~لأحد منهم بدليل أنهم لا يصلون إلى جميع مرادهم مما هو في مقدورهم، ولكنه ~~ستر ذلك بالأسباب التي يوجد التقيد بها إسناد الأمور إلى مباشرتها فقال ~~بيانا للمراد بالثقلين: {يا معشر} أي يا جماعة فيهم الأهلية والعشرة ~~والتصادق {الجن} قدمهم لمزيد قوتهم ونفوذهم في المسام وقدرتهم على الخفاء ~~والتشكل في الصور بما ظن أنهم لا يعجزهم شيء {والإنس} أي الخواص ~~والمستأنسين والمؤانسين المبني أمرهم على الإقامة والاجتماع. # ولما بان بهذه التسمية المراد بالتثنية، جمع دلالة على كثرتهم فقال: # PageV19P170 # {إن استطعتم} أي إن وجدت لكم طاعة الكون في {أن تنفذوا} أي تسلكوا ~~بأجسامكم وتمضوا من غير مانع يمنعكم {من أقطار} أي نواحي {السماوات والأرض} ~~التي يتخللها القطر لسهولة ms4893 انفتاحها لشي تريدونه من هرب من الله من إيقاع ~~الجزاء بينكم، أو عصيان عليه في قبول أحكامه وجري مراداته وأقضيته عليكم من ~~الموت وغيره أو غير ذلك {فانفذوا} وهذا يدل على أن كل واحدة منها محيطة ~~بالأخرى لأن النفوذ لا يكون حقيقة إلا مع الخرق. # ولما كان نفوذهم في حد ذاته ممكنا ولكنه منعهم من ذلك بأنه لم يخلق في ~~أحد منهم قوته ولا سيما وقد منعهم منه يوم القيامة بأمور منها إحداق أهل ~~السماوات السبع بهم صفا بعد صف وسرادق النار قد أحاط بالكافرين ولا منفذ ~~لأحد إلا على الصراط ولا يجوزه إلا كل ضامر يخف، أشار إليه بقوله مستأنفا: ~~{لا تنفذون} أي من شيء من ذلك {إلا بسلطان} إلا بتسليط عظيم منه سبحانه ~~بأمر قاهر وقدرة بالغة وأنى لكم بالقدرة على ذلك، قال البغوي: وفي الخبر: ~~يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون: يا معشر الجن الآية. # انتهى، وهذا حكاية ما يكون من ذلك يوم القيامة لا أنه خاص بهم. # PageV19P171 # ولما كان هذا نظرهم فيما بينهم وبين بقية الحيوانات بما أعطاهم من القوى ~~الحسية والمعنوية وما نصب لهم، المصاعد العقلية والمعارض النقلية التي ~~ينفذون بها إلى غاية الكائنات ويتخللون بما يؤديهم إليه علمها إلى أعلى ~~المخلوقات، ثم نظرهم فيما بين الحيوانات وبين النباتات ثم بينها وبين ~~الجمادات دالا دلالة واضحة على أنه سبحانه وتعالى يعطي من يشاء من يشاء، ~~فلو أراد قواهم على النفوذ منها، ولو قواهم على ذلك لكان من أجل النعم، ~~وأنه سبحانه قادر على ما يريد منهم، فلو شاء أهلكهم ولكنه يؤخرهم إلى ~~آجالهم حلما منه وعفوا منه عنهم، سبب عن ذلك قوله: {فبأي آلاء ربكما} أي ~~المحسن إليكما المربي لكما بما تعرفون به قدرته على كل ما يريد {تكذبان *} ~~أبنعمة السمع من جهة اليسار أو غيرها من جعلكم سواء في أنكم لا تقدرون على ~~مخالفة مراده سواء ابتدأ بخلقكم أو اليوم المشهود وقد أشهدكم قبل على ~~أنفسكم وعهد إليكم أو بتكشيط السماوات ms4894 وقد شاهدتم تكشيط السحاب بعد بسطه أو ~~بالجزاء وقد رأيتم الجزاء العاجل وشاهدتم ما أصاب الأمم الماضية. # PageV19P172 # ولما سلب عنهم القدرة على النفوذ المذكور تنبيها على سلب جميع القدرة ~~عنهم وعلى أن ما يقدرون عليه إنما هو بتقديره لهم نعمة منه عليهم، ولما كان ~~منهم من بلغ الغاية في قسوة القلب وجمود الفكر # PageV19P172 # فهو يحيل العجز عن بعض الأمور إلى أنه لم يجر بذلك عادة، لا إلى أنه ~~سبحانه المانع من ذلك، فعمهم شيء من ذلك سطوته فقال {يرسل عليكما} أي أيها ~~المعاندون، قال ابن عباس رضي الله عنهما: حين تخرجون من القبور بسوقكم إلى ~~المحشر {شواظ} أي لهب عظيم منتشر مع التضايق محيط بكم من كل جانب له صوت ~~شديد كهيئته ذي الخلق الضيق الشديد النفس. # ولما كان الشواظ يطلق على اللهب الذي لا دخان فيه وعلى دخان النار وحرها ~~وعلى غير ذلك، بينه بقوله: {من نار ونحاس} أي دخان هو في غاية الفظاعة فيه ~~شرر متطاير وقطر مذاب، قال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان نحاسا بضم النون ~~وكسرها، وأجمع القراء على ضمها - انتهى. وجرها أبو عمرو وابن كثير عطفا على ~~{نار} ورفعه الباقون عطفا على {شواظ} . # ولما كان ذلك ممكنا عقلا وعادة، وكانوا عارفين بأنهم لو وقعوا في مثل ذلك ~~لم يتخلصوا منه بوجه، سبب عنه قوله: {فلا تنصران *} قال ابن برجان: هذا ~~مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «يخرج عنق من نار فيقول بكل جبار ~~عنيد فيلتقطهم من بين الجمع لقط الحمام حب السمسم، ويغشي المجرمين دخان ~~جهنم من بين المؤمنين ولا يضرهم، وآية الشواظ # PageV19P173 # وعنق النار هنالك صواعق ما هنا وبروقه والنار المعهودة» . # ولما كان التهديد بهذا لطفا بهم فهو نعمة عليهم والعفو عن المعالجة ~~بإرسالة لذلك، سبب عنه قوله: {فبأي آلاء ربكما} أي المربي لكما بدفع ~~البلايا وجلب المنافع {تكذبان *} أبنعمة السمع من فوق أو غيرها، ألم يكن ~~لكم فيما شهدتموه في الدنيا من دلائل ذلك وآياته ما يوجب لكم الإيمان. ولما ~~كان ms4895 هذا مما لم تجر عادة بعمومه وإن استطردت بجريانه منه في أشياء منه في ~~أماكن متفرقة كأشخاص كثيرة، بين لهم وقته بقوله: {فإذا} أي فيتسبب عن هذا ~~الإرسال إنه إذا {انشقت السماء} من هوله وعظمته فكانت أبوابا لنزول ~~الملائكة وغيرهم، وغير ذلك من آيات الله {فكانت} لما يصيبها من الحر {وردة} ~~أي حمراء مشرقة من شدة لهيبه، وقال البغوي: كلون الفرس الورد وهو الأبيض ~~الذي يضرب إلى حمرة وصفرة. {كالدهان} أي ذائبة صافية كالشيء الذي يدهن به ~~أو كالأديم الأحمر والمكان الزلق، وآية ذلك في الدنيا الشفقان عند الطلوع ~~وعند الغروب، وجواب {إذا} محذوف تقديره: علمتم ذلك علما شهوديا أو فما أعظم ~~الهول حينئذ ونحو ذا أن يكون الجواب شيئا دلت عليه الآيات الآتية نحو: فلا ~~يسأل أحد إذ ذاك عن ذنبه، وحذفه أفخم ليذهب الوهم فيه كل مذهب. # PageV19P174 # ولما كان حفظ السماء عن مثل ذلك بتأخير إرسال هذا وغيره من الأسباب ~~وجعلها محل الروح والحياة والرزق من أعظم الفواضل قال مسببا عنه: {فبأي ~~آلاء ربكما} أي المربي لكما هذا التدبير المتقن {تكذبان *} أبنعمة السمع من ~~تحت أو غيرها وليس شيء بما أخبرتكم به من أحوال الآخرة إلا قد أقمت لكم في ~~الدنيا ما تهتدون به إلى العلم بكونه. ولما كان يوم القيامة ذا ألوان كثيرة ~~ومواقف مهولة طويلة شهيرة تكون في كل منها شؤون عظيمة وأمور كبيرة، ذكر بعض ~~ما سببه هذا الوقت من التعريف بالعاصي والطائع بآيات جعلها الله سببا في ~~علمها فقال: {فيومئذ} أي فسبب عن يوم انشقت السماء لأنه {لا يسئل} سؤال ~~تعرف واستعلام بل سؤال تقريع وتوبيخ وكلام، وذلك أنه لا يقال له: هل فعلت ~~كذا؟ بل يقال له: لم فعلت كذا، على أنه ذلك اليوم طويل، وهو ذو ألوان تارة ~~يسأل فيه وتارة لا يسأل، والأمر في غاية الشدة، وكل لون من تلك الألوان ~~يسمى يوما، فقد مضى في الفاتحة أن اليوم عبارة عن وقت يمتد إلى انقضاء أمر ~~مقدر فيه ظاهر من ليل ms4896 أو نهار أو غيرهما لقوله تعالى {إلى ربك يومئذ ~~المساق} [القيامة: 30] أي يوم إذا بلغت الروح التراقي وهو لا يختص بليل ولا ~~نهار، وبناه للمفعول تعظيما للأمر بالإشارة إلى أن شأن المعترف بالذنب لا ~~يكون خاصا بعهد دون عهد بل يعرفه كل من أراد علمه، وأضمر قبل الذكر لما هو ~~مقدم في الرتبة ليفهم الاختصاص فوجد الضمير لأجل اللفظ فقال: {عن ذنبه} أي ~~خاصة وقد سئل المحسن عن حسنته سؤال تشريف له وتنديم لمن دونه. # PageV19P175 # ولما كان الإنس أعظم مقصود بهذا، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~منهم، وكان التعريف بالشاهد المألوف أعظم في التعريف، وكان علم أحوال الشيء ~~الظاهر أسهل، قدمهم فقال: {إنس} ولما كان لا يلزم من علم أحوال الظاهر علم ~~أحوال الخفي، بين أن الكل عليه سبحانه هين فقال: {ولا جان *} ولما كان هذا ~~التمييز من أجل النعم لئلا يؤدي الالتباس إلى ترويع بعض المطيعين عاملا أو ~~نكاية بالسؤال عنه قال: {فبأي آلاء ربكما} أي الذي ربى كلا منكم بما لا ~~مطمع في إنكاره ولا خفاء فيه {تكذبان *} أبنعمة الشم من الأمام أم من ~~غيرها. # ولما كان الكلام عاما عرف انه خاص بتعرف المجرم من غيره دون التعزير ~~بالذنب أو غيره من الأحوال فقال معللا لعدم السؤال: {يعرف} أي لكل أحد ~~{المجرمون} أي العريقون في هذا الوصف {بسيماهم} أي العلامات التي صور الله ~~ذنوبهم فيها فجعلها ظاهرة بعد أن كانت باطنة، وظاهرة الدلالة عليهم كما ~~يعرف أن الليل إذا جاء لا يخفى على أحد أصلا وكذلك النهار ونحوهما لغير ~~الأعمى، وتلك السيما - والله أعلم - زرقة العيون وسواد الوجوه والعمى ~~والصمم والمشي على الوجوه ونحو ذلك، وكما يعرف المحسنون بسيماهم من بياض ~~الوجوه وإشراقها وتبسمها، والغرة والتحجيل ونحو ذلك، وسبب عن هذه المعرفة ~~قوله مشيرا بالبناء للمفعول إلى سهولة الأخذ من أي آخذ كان {فيؤخذ ~~بالنواصي} أي منهم وهي مقدمات الرؤوس {والأقدام *} بعد أن يجمع بينهما # PageV19P176 # كما أنهم كانوا هم يجمعون ما أمر الله به أن يفرق، ms4897 ويفرقون ما أمر الله ~~به أن يجمع، فيسحبون بها سحبا من كل ساحب أقامه الله لذلك لا يقدرون على ~~الامتناع بوجه فيلقون في النار. # ولما كان ذلك نعمة لا يقام بشكرها لكل من يسمعها لأن كل أحد ينتفي من ~~الإجرام ويود للمجرمين عظيم الانتقام، سبب عنه قوله: {فبأي آلاء ربكما} أي ~~النعم الكبار من الذي دبر مصالحكم بعد أن أوجدكم {تكذبان *} أبنعمة الشم من ~~الوراء أم بغيرها مما يجب أن يفعل من الجزاء في الآخرة لكل شخص بما كان ~~يعمل في الدنيا أو غير ذلك من الفضل. # ولما كان أخذهم على هذا الوجه مؤذنا بأنه يصير إلى خزي عظيم، صرح به في ~~قوله، بانيا على ما هدى إليه السياق من نحو: أخذا مقولا فيه عند وصولهم إلى ~~محل النكال على الحال التي ذكرت من الأخذ بنواصيهم وأقدامهم، {هذه} أي ~~الحفرة العظيمة الكريهة المنظر «القريبة منكم» الملازمة للقرب لكم {جهنم ~~التي يكذب} # PageV19P177 # أي ماضيا وحالا ومآلا استهانة {ولو ردوا} [الأنعام: 28]- إلى الدنيا - ~~بعد إدخالهم إياها - {لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] {بها المجرمون *} ~~أي العريقون في الإجرام، وهو قطع ما من حقه أن يوصل وهو ما أمر الله به، ~~وخص هذا الاسم إشارة إلى أنها تلقاهم بالتجهم والعبوسة والكلاحة والفظاظة ~~كما كانوا يفعلون مع الصالحين عند الإجرام المذكور، قال ابن برجان: وقرأ ~~عبد الله «هذه جهنم التي كنتم بها تكذبان فتصليانها لا تموتان فيها ولا ~~تحييان» ثم استأنف ما يفعل بهم فيها فقال: {يطوفون بينها} أي بين دركة ~~النار التي تتجهمهم {وبين حميم} أي ماء حار هو من شدة حرارته ذو دخان. # ولما كان هذا الاسم يطلق على البارد، بين أمره فقال: {آن} أي بالغ حره ~~إلى غاية ليس وراءها غاية، قال الرازي في اللوامع: وقيل: حاضر، وبه سمي ~~الحال بالآن لأنه الحاضر الموجود، فإن الماضي لا تدارك له والمستقبل أمل ~~وليس لنا إلا الآن، ثم «الآن» ليس بثابت طرفة عين، لأن الآن هوالجزء ~~المشترك بين زمانين، فهم دائما يترددون بين عذابي ms4898 النار المذيبة للظاهر ~~والماء المقطع بحره للباطن لا يزال حاضرا لهم تردد الطائف الذي لا أول ~~لتردده ولا آخر. # ولما كانت عذاب المجرم - القاطع لما من شأنه أن يكون متصلا - من أكبر ~~النعم وأسرها لكل أحد حتى لمن سواه من المجرمين، سبب # PageV19P178 # قوله: {فبأي آلاء ربكما} أي المحسن إليكما أيها الثقلان بإهلاك المجرم في ~~الدارين وإنجاء المسلم مما أهلك به المجرم لطفا بالمهددين ليرتدعوا ~~وينزجروا عما يكون سبب إهلاكهم هم ومن والاهم {تكذبان *} أبنعمة الشم من ~~اليمين أمن من غيرها مما أراكم من آياته، وظاهر عليكم من بيناته، في ~~السماوات والأرض، وما أراكم من مطالع الدنيا من الشمس التي هي آية النهار ~~والقمر الذي هو آية الزمهرير، وغير ذلك من آياته المحكمة المرئية المسموعة، ~~وقد كررت هذه الآية عقب ذكر النار وأهوالها سبع مرات تنبيها على استدفاع ~~أبوابها السبعة كما مضى - والله المستعان. # PageV19P179 # ولما كان قد عرف ما للمجرم المجترئ على العظائم، وقدمه لما اقتضاه مقام ~~التكبر من الترهيب وجعله سبعا إشارة إلى أبواب النار السبعة، عطف عليه ما ~~للخائف الذي أداه خوفه إلى الطاعة وجعله ثمانية على عدد أبواب الجنة ~~الثمانية فقال: {ولمن} أي ولكل من، ووحد الضمير مراعاة للفظ {من} إشارة إلى ~~قلة الخائفين {خاف} أي من الثقلين. # ولما كان ذكر الخوف من الزمان المضروب للحساب والتدبير والمكان المعد ~~لهما أبلغ من ذكر الخوف من الملك المحاسب المدبر، والخوف مع ذكر وصف ~~الإكرام أبلغ من ذكر الخوف عند ذكر # PageV19P179 # أوصاف الجلال، قال دالا بذلك على أن المذكور رأس الخائفين: {مقام ربه} أي ~~مكان قيامه الذي يقيمه وغيره فيه المحسن إليه للحكم وزمانه الذي ضربه له ~~وقيامه عليه وعلى غيره بالتدبير، فهو رقيب عليه وعليهم، فكيف إذا ذكر مقام ~~المنتقم الجبار المتكبر فترك لهذا ما يغضبه وفعل ما يرضيه {جنتان} عن يمين ~~وشمال، واحدة للعلم والعقل وأخرى للعمل، ويمكن أن يراد بالتثنية المبالغة ~~إفهاما لأنها جنان متكررة ومتكثرة مثل {ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} [ق: ~~24] ونحو ذلك. # ولما ms4899 كانت هذه نعمة جامعة، سبب عنها قوله: {فبأي آلاء ربكما} أي نعم ~~المربي لكما والمحسن إليكم بإحسانه الكبار التي لا يقدر غيره على شيء منها ~~{تكذبان *} أبنعمة الشم من اليسار المنبعثة من القلب أو غيرها من تربة جنان ~~الدنيا بنفس جهنم من حر الشمس وحرورها، فجعل من ذلك جميع الفواكه والزروع ~~إلى غير ذلك من المرافق التي طبخها بها {وكأين من آية في السماوات والأرض ~~يمرون عليها وهم عنها معرضون} [يوسف: 105] وغير ذلك من نعمه التي لا تحصى. # ولما كانت البساتين لا يكمل مدحها إلا بكثرة الأنواع والألوان والفروع ~~المشتبكة والأغصان، قال واصفا لهما: {ذواتا} أي صاحبتا # PageV19P180 # برد عين الكلمة فإن أصلها «ذوو» {أفنان *} أي جميع فن يتنوع فيه الثمار، ~~وفنن وهو الغصن المستقيم طولا الذي تكون به الزينة بالورق والثمر وكمال ~~الانتفاع، قال عطاء: في كل غصن فنون من الفاكهة؛ ولهذا سبب عنه قوله: {فبأي ~~آلاء ربكما} أي المربي لكما والمحسن إليكما {تكذبان *} أبنعمة الشم من جهة ~~الفوق أو غيرها مما ذكره لكم من وصف الجنة الذي جعل لكم من أمثاله ما ~~تعتبرون به. # ولما كانت الجنان لا تقوم إلا بالأنهار قال: {فيهما عينان} أي في كل ~~واحدة عين {تجريان *} أي في كل مكان شاء صاحبهما وإن علا مكانه كما تصعد ~~المياه في الأشجار في كل غصن منها، وإن زاد علوها جرى على عيني دموعه ~~الجاريتين من خشية الله وذلك على مثال جنان الدنيا، والشمس صاعدة في البروج ~~الشمالية من تكامل المياه وتفجرها عيونا في أيام الربيع والصيف لقرب العهد ~~بالأمطار {فبأي آلاء ربكما} أي المالك لكما والمحسن إليكما {تكذبان *} ~~أبنعمة الشم من جهة التحت أو غيرها مما ذكره وجعل له في الدنيا أمثالا ~~كثيرا. # ولما كان بالمياه حياة النبات وزكاؤه، قال ذاكرا أفضل النبات: {فيهما} أي ~~هاتين الجنتين العاليتين، ودل على جميع كل ما يعلم وزيادة بقوله: {من كل ~~فاكهة} أي تعلمونها أو لا تعلمونها {زوجان} # PageV19P181 # أي صنفان يكمل أحدهما بالآخر كما لا يدرك كنه أحد الزوجين بسبب ms4900 العمل بما ~~يرضى والآخر بالانتهاء عما يسخط {فبأي آلاء ربكما} أي النعم الكبار التي ~~رباها الموجد لكما المحسن إليكما {تكذبان *} أبنعمة اللمس من الأمام أو ~~غيرها من أنه أوجد لكما جنان الدنيا بواسطة حر النار التي هي أعدى عدوكما ~~إشارة إلى أنه قادر على أنه يوجد برضوانه ومحبته من موضع غضبه وانتقامه ~~إكراما، فقد جعل ما في الدنيا مثالا لما ذكر في الآخرة، فبأي شيء من ذلك ~~تكذبان، لا يكمل الإيمان حتى يصدق المؤمن أنه تعالى قادر على أن يجعل من ~~جهنم جنة بأن يجعل من موضع سخطه رحمة ويشاء ذلك ويعتبر ذلك بما أرانا من ~~نموذجه. # ولما كان التفكه لا يكمل حسنه إلا مع التنعم من طيب الفرش وغيره، قال ~~مخبرا عن الذين يخافون مقام ربهم من قبيلي الإنس والجن مراعيا معنى {من} ~~بعد مراعاة لفظها تحقيقا للواقع: {متكئين} أي لهم ما ذكر في حال الاتكاء ~~وهو التمكين بهيئة المتربع أو غيره من الكون على جنب، قال في القاموس: توكأ ~~عليه: تحمل، واعتمد كأوكأ، والتكأة كهمزة: العصا، وما يتوكأ عليه، وضربه ~~فأتكأه: ألقاه على هيئة المتكئ أو على جانبه الأيسر، وقال ابن القطاع: ~~وضربته حتى أتكأته # PageV19P182 # أي سقط على جانبه، وهو يدل على تمام التنعم بصحة الجسم وفراغ البال {على ~~فرش} وعظمها بقوله مخاطبا للمكلفين بما تحتمل عقولهم وإلا فليس في الجنة ما ~~يشبهه على الحقيقة شيء من الدنيا {بطائنها} أي فما ظنك بظواهرها ووجوهها ~~{من إستبرق} وهو ثخين الديباج يوجد فيه من حسنه بريق كأنه من شدة لمعانه ~~يطلب إيجاده حتى كأنه نور مجرد. # ولما كان المتكىء قد يشق عليه القيام لتناول ما يريد قال: {وجنا الجنتين} ~~أي مجنيهما اسم بمعنى المفعول - كأنه عبر به ليفهم سهولة نفس المصدر الذي ~~هو الاجتناء {دان *} أي قريب من كل من يريده من متكىء وغيره لا يخرج إلى ~~صعود شجرة، وموجود من كل حين يراد غير مقطوع ولا ممنوع. # ولما كان ربما وجد مثل من ذلك شاهد له من أغصان تنعطف ms4901 بجملتها فتقرب ~~وأخرى تكون قريبة من ساق الشجرة فيسهل تناولها قال: {فبأي آلاء ربكما} أي ~~النعم الكبار الملوكية التي أوجدها لكما هذا المربي لكما الذي يقدر على كل ~~ما يريد {تكذبان *} أبنعمة اللمس من جهة الوراء أم غيرها من قدرته على عطف ~~الأغصان وتقريب الثمار. # PageV19P183 # ولما كان ما ذكر لا تتم نعمته إلا بالنسوان الحسان، قال دالا على الكثرة ~~بعد سياق الامتنان بالجمع الذي هو أولى من التثنية بالدلالة على أن في كل ~~بستان جماعة من النسوان، لما بهن من عظيم اللذة وفرط الأنس: {فيهن} أي ~~الجنان التي علم مما مضى أن لكل فرد من الخائفين منها جنتين. ولما كان سياق ~~الامتنان معرفا بأن جمع القلة أريد به الكثرة مع ما ذكر من محسناته في سورة ~~«ص» قال معبرا به: {قاصرات الطرف} أي نساء مخدرات هن في وجوب الستر بحيث ~~يظن من ذكرهن بغير الوصف من غير تصريح، قد قصرن طرفهن وهممهن على أزواجهن ~~ولهن من الجمال ما قصرن به أزواجهن عن الالتفات إلى غيرهن لفتور الطرف ~~وسحره وشدة أخذه للقلوب جزاء لهم على قصر هممهم في الدنيا على ربهم. # ولما كان الاختصاص بالشيء لا سيما المرأة من أعظم الملذذات قال: {لم ~~يطمثهن} أي يجامعهن ويتسلط عليهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه نوع من أنواع ~~السلطة سواء من إنسيات أو جنيات أو غير ذلك، يقال: طمثت المرأة كضرب وفرح: ~~حاضت، وطمثها الرجل: افتضها وأيضا جامعها، والبعير عقلته، فكأنه قيل: هن ~~أبكار لم يخالط موضع الطمث منهن {إنس} ولما كان المراد تعميم الزمان أسقط ~~الجار فقال: {قبلهم} أي المتكئين {ولا جان *} وقد جمع هذا # PageV19P184 # كل من يمكن منه جماع من ظاهر وباطن، وفيه دليل على أن الجني يغشى الإنسي ~~كما نقل عن الزجاج {فبأي آلاء ربكما} أي النعم الجسام من المربي الكامل ~~العلم الشامل القدرة القيوم {تكذبان *} أبنعمة اللمس من جهة اليمنى أم ~~غيرها مما جعله الله لكم مثالا لهذا من الأبكار الحسان، أو غير ذلك من ~~أنواع الإحسان. # PageV19P185 # ولما ms4902 دل ما تقدم من وصف المستمتع بهن بالعزة والنفاسة، زاده على وجه أفاد ~~أنه يكون بهن غاية ما يكون من سكون النفس وقوة القلب وشدة البدن واعتدال ~~الدم وغير ذلك من خواص ما شبههن به فقال: {كأنهن الياقوت} الذي هو في صفاته ~~بحيث يشف عن سلكه وهو جوهر معروف، قال في القاموس: أجوده الأحمر الرماني ~~نافع للوسواس والخفقان وضعف القلب شربا ولجمود الدم تعليقا: {والمرجان *} ~~في بياضه، وصغار الدر أنصع بياضا، قال أبو عبد الله القزاز: والمرجان صغار ~~اللؤلؤ، وهذا الذي يخرج من نبات البحر أحمر معروف - انتهى. وقد يستفاد من ~~ذلك أن ألوانهن البياض والحمرة على نوع من الإشراب هو في غاية الإعجاب من ~~الشفوف والصفاء، وهو مع ذلك ثابت لا يعتريه تغير ليطابق الحديث الذي فيه ~~«يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة» وقال أبو حيان: شبههن بهما فيما يحسن ~~التشبيه به فالياقوت في املاسه وشفوفه والمرجان في املاسه وجمال منظره ~~{فبأي آلاء ربكما} أي # PageV19P185 # النعم الغريبة البالغة في الحسن من المالك الملك المربي ببدائع التربية ~~{تكذبان *} أبنعمة اللمس من جهة اليسرى أم غيرها مما جعله مثالا لما ذكر من ~~وصفهن من تشبيه شيء بشيئين لبلوغ الأمر في الحسن إلى حد لا يساويه فيه شيء ~~واحد ليشبه به، فهو كما قيل: بيضاء في دعج صفراء في نعج كأنها فضة قد شابها ~~ذهب، وقد جعل سبحانه الأشياء الشفافة مثلا لذلك وأنت ترى بعض الأجسام يكاد ~~يرى فيه الوجه بل في سواد العين أعظم غرة حيث يرى فيه الوجه فإن السواد ~~منشأ الظلام. # ولما كان ألذ ما أفاده الإنسان من النعم ما كان تسبب منه، قال سارا لهم ~~بذلك مع ما فيه من لذة المدح لا سيما والمادح الملك الأعلى، معظما له بسياق ~~الاستفهام المفيد للإثبات بعد النفي المفيد للاختصاص على وجه الإنكار ~~الشديد على من يتوهم غير ذلك: {هل جزاء الإحسان} أي في العمل الكائن من ~~الإنس أو الجن أو غيرهم {إلا الإحسان *} أي في الثواب، فهذا من المواضع ms4903 ~~التي أعيدت فيها المعرفة والمعنى مختلف، روى البغوي بسنده عن أنس رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» وذلك ~~جزاء إحسان العبد في العمل في مقابلة إحسان ربه إليه بالتربية {فبأي آلاء ~~ربكما} # PageV19P186 # أي النعم العظيمة الحسن من السيد الكريم العظيم الرحيم الجامع لأوصاف ~~الكمال {تكذبان *} أبنعمة اللمس من جهة الفوق أم غيرها مما جعله الله ~~سبحانه مثالا في أن من أحسن قوبل بمثل إحسانه، وهذه الآية ختام ثمان آيات ~~حاثة على العمل الموصل إلى الثمانية الأبواب الكائنة لجنة المقربين - والله ~~الهادي. # ولما كان قد علم مما ذكر أول هذا الكلام من الخوف مع ذكر وصف الإكرام، ~~وآخره من ذكر الإحسان أن هذا الفريق محسنون، وكان من المعلوم أن العاملين ~~طبقات، وأن كل طبقة أجرها على مقدار أعمالها، اقتضى الحال بيان ما أعد لمن ~~دونهم: {ومن دونهما} أي من أدنى مكان، رتبة مما تحت جنتي هؤلاء المحسنين ~~المقربين {جنتان *} أي لكل واحد لمن دون هؤلاء المحسنين من الخائفين وهم ~~أصحاب اليمين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: دونهما في الدرج، وجعل ابن ~~برجان الأربع موزعة بين الكل، وأن تخصيص هذه العدة إشارة إلى أنها تكون ~~جامعة لما في فصول الدنيا الأربعة: الشتاء والربيع والصيف والخريف، وفسر ~~بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «جنتان من ذهب أوتيتهما وما فيهما ~~وجنتان من فضة أوتيتهما وما فيهما» ثم جوز أن يكون المراد بالدون الأدنى ~~إلى الإنسان، وهو البرزخ، فتكون هاتان لأهل البرزخ كما كان {وإن للذين ~~ظلموا عذابا دون ذلك} من عذاب القبر {فبأي آلاء ربكما} أي المحسن بنعمه ~~السابغة إلى الأعلى ومن دونه # PageV19P187 # {تكذبان *} أبنعمة اللمس من جهة التحت أم غيرها مما جعله الله في الدنيا ~~مثالا لهذا من أن بعض البساتين أفضل من بعض إلى غير ذلك من أنواع التفضيل. # ولما كان ما في هاتين من الماء دون ms4904 ما في الباقيتين، فكان ربما ظن أن ~~ماءهما لا يقوم بأعلى كفايتهما قال: {مدهامتان *} أي خضراوان خضرة تضرب من ~~شدة الري إلى السواد، من الدهمة، قال الأصبهاني: الغالب على هاتين الجنتين ~~النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض وفي الأوليين الأشجار والفواكه ~~{فبأي آلاء ربكما} أي نعم المحسن إلى العالي منكما ومن دونه بسعة رحمته ~~{تكذبان *} أبنعمة الذوق من جهة الأمام أم غيرها مما جعله مثالا لذلك من ~~جنان الدنيا الكثيرة الري وغيره. # PageV19P188 # ولما كان ذكر ما يدل على ريهما، حققه بقوله: {فيهما} أي في كل جنة لكل ~~شخص منهم {عينان نضاختان *} أي تفوران بشدة توجب لهما رشاش الماء بحيث لا ~~ينقطع ذلك، ولم يذكر جريهما فكأنهما بحيث يرويان جنتهما ولا يبلغان الجري، ~~والنضخ دون الجري وفوق النضخ، قال الأصبهاني: وأصل النضخ بالمعجمة - انتهى. ~~وكأنهما لمن تغرغر عيناه بالدمع فتمتلئان من غير جري، وقال ابن برجان ما ~~معناه إن حر (؟) عدم جريهما لكونهما على مثال جنة خريف ما ههنا وشتاء به ~~لبعد عهدهما بنزول الماء وسكنا في أعماق الأرض # PageV19P188 # لينعكس بالنبع والفوران صاعدا مع أن الجنة لا مطر فيها {فبأي آلاء ربكما} ~~أي نعم المربي البليغ الحكمة في التربية {تكذبان *} أبنعمة الذوق من جهة ما ~~وراء اللسان أم غيرها مما جعله مثالا لذلك من الأعين التي تفور ولا تجري ~~والأنابيب المصنوعة للفوران لأنها بحيث تروق ناظرها لصعودها بقوة نبعها ~~وترشيشها من النعم الكبار. ولما ذكر الري والسبب فيه، ذكر ما ينشأ عنه ~~فقال: {فيهما فاكهة} أي من كل الفاكهة، وخص أشرفها وأكثرها وجدانا في ~~الخريف والشتاء كما في جنان الدنيا التي جعلت مثالا لهاتين الجنتين فقال: ~~{ونخل ورمان *} فإن كلا منهما فاكهة وإدام، فلذا خص تشريفا وتنبيها على ما ~~فيهما من التفكه وأولاهما أعم نفعا وأعجب خلقا فلذا قدم {فبأي آلاء ربكما} ~~أي نعم المحسن إليكما أيها الثقلان بجليل التربية {تكذبان *} أبنعمة الذوق ~~من اليمين أم من غيرها مما جعل مثالا لهذا من جنان الدنيا وغير ذلك. # ولما كان ما ذكر ms4905 لا تكمل لذته إلا بالأنيس، وكان قد ورد أنه يكون في بعض ~~ثمار الجنة وحمل أشجارها نساء وولدان كما أن أمثال ذلك في بطن مياه الدنيا ~~{وجعلنا من الماء كل شيء حي} [الأنبياء: 30] قال جامعا على نحو ما مضى من ~~الإشارة إلى أن الجنتين لكل واحد من أفراد هذا الصنف: {فيهن} أي الجنان ~~الأربع أو الجنان التي خصت للنساء، وجوز ابن برجان أن يكون الضمير للفاكهة ~~والنخل والرمان فإنه يتكون منها نساء وولدان # PageV19P189 # في داخل قشر الرمان ونحوه {خيرات} أي نساء بليغ ما فيهن من الخير، أصله ~~خير مثقلا لأن «خير» الذي للتفضيل لا يجمع جمع سلامة، ولعله خفف لاتصافهن ~~بالخفة في وجودهن وجميع شأنهن، ولكون هاتين الجنتين دون ما قبلهما {حسان *} ~~أي في غاية الجمال خلقا وخلقا {فبأي آلاء ربكما} أي نعم الكامل الإحسان ~~إليكما {تكذبان *} أبنعمة الذوق من جهة اليسار أمن من غيرها ممن جعله مثالا ~~لتكوين النساء والولدان والملابس والحلي من ثمار الأشجار والزروع التي من ~~المياه التي بها العيش، ففيها التوليد وغير ذلك مما تظهره الفكرة لأهل ~~العبرة لأن كل ما في الجنة ينشأ عن الكلمة من الرزق كما ينشأ عنه سبحانه في ~~هذه الدار على تسبيب. # . . والحكمة، ثم بينهن بقوله: {حور} أي ذوات أعين شديدة سواد السواد ~~وشديدة بياض البياض، وقال ابن جرير: بيض جمع {مقصورات} أي على أزواجهن ~~ومحبوسات، صيانة عن التبذل، فهو كناية عن عظمتهن {في الخيام *} التي هي من ~~الدر المجوف الشفاف جزاء لمن قصر نفسه عن. . . الله فكف جوارحه عن الزلات، ~~وصان قلبه عن الغفلات {فبأي آلاء ربكما} أي الجليل الإحسان إليكما {تكذبان ~~*} أبنعمة الذوق من جهة الفوق # PageV19P190 # أم بغيرها مما جعله مثالا لهذا في الدنيا، فإنه كما خلقنا من تراب ثم ~~طورنا في أطوار الخلقة بحسب حكمة الأسباب كذلك خلق أولئك من أرض الجنة ~~ورياضها وفواكهها عن كلمة السكان من غير أسباب. # ولما كانت أنفس الأخيار ذوي الهمم العالية الكبار في الالتفات إلى ~~الأبكار قال: {لم يطمثهن} أي يتسلط عليهن ms4906 نوع سلطة {إنس} وعم الزمان بحذف ~~الجار فقال: {قبلهم} أي انتفى الطمث المذكور في جميع الزمان الكائن قبل طمث ~~أصحاب هذه الجنان لهن، فلو وجد في لحظة من لحظات القبل لما صدق النفي {ولا ~~جان *} فهن في غاية الاختصاص كل بما عنده {فبأي} أي فتسبب عن هذا التعدد ~~لمثل هذه النعم العظيمة أنا نقول تعجيبا ممن يكذب توبيخا له وتنبيها على ما ~~له تعالى من النعم التي تفوت الحصر: بأي {آلاء ربكما} أي النعم الجليلة من ~~المدبر لكما بما له من القدرة التامة والعظمة الباهرة العامة {تكذبان *} ~~أبنعمة الذوق من تحت أم بغيرها مما جعله مثالا لهذا من الأبكار المخدرات، ~~وجميع ما ذكر من النعم العامة الظاهرة في كل حالة في الدنيا والآخرة، وختم ~~بالتقرير أربع وعشرون ثمان منها أول السورة من النعم الدنياوية، وست عشرة ~~جنان، وجعلها على هذا العدد، إشارة إلى تعظيمها بتكثيرها فإنه عدد تام لأنه ~~جامع لأكثر الكسور، ولذا قسم الدرهم وغيره أربعة وعشرون قيراطا. ولما تم ~~التقرير بالنعم المحيطة بالجهات الست والحواس الخمس على الوجه الأكمل من ~~درء المفاسد وجلب المصالح كما تقدمت الإشارة إليه بمدكر، # PageV19P191 # بقوله: {فهل من مدكر} [القمر: 17] في القمر، بالحسن فيها إلى الحواس ~~الخمس وبتكرارها، وتكرار {كيف كان عذابي ونذر} [القمر: 18] ستا إلى الجهات ~~الست من جهة الوراء والخلف، أوترها بنعمة أخرى واحدة إشارة إلى أن السبب في ~~هذا اعتقاد وحدانية الواحد تعالى اعتقادا أدى الخضوع لأمر مرسل كلما جاء من ~~عنده تعالى فلذلك كانت نعمة لا تنقطع أصلا، بل كلما تم دور منها ابتدأ دور ~~آخر جديد، وهكذا على وجه لا انقطاع له أبدا كما أن الواحد الذي هو أصل ~~العدد لا انتهاء له أصلا، وهذه النعمة الدالة على الراحة الدائمة التي هي ~~المقصودة بالذات على وجه لا يرى أغرب منه ولا أشرف، فقال تعالى مبينا حال ~~المحسنين ومن دونهم مشركا لهم في الراحة على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر: {متكئين} أي لهم ms4907 ذلك في حال الاتكاء ديدنا لأنهم لا ~~شغل لهم بوجه إلا التمتع {على رفرف} أي ثياب ناعمة وفرش رقيقة النسج من ~~الديباج لينة ووسائد عظيمة ورياض باهرة وبسط لها أطراف فاضلة، ورفرف السحاب ~~هدبه أي ذيله المتدلي. # ولما كان الأخضر أحسن الألوان وأبهجها قال: {خضر وعبقري} أي متاع كامل من ~~البسط وغيرها هو في كماله وغرابته كأنه من عمل الجن لنسبته إلى بلدهم، قال ~~في القاموس: عبقر موضع كثير الجن، وقرية بناؤها في غاية الحسن، والعبقري ~~الكامل من كل شيء، والسيد والذي ليس فوقه شيء، وقال الرازي: هو الطنافس ~~المخملة، # PageV19P192 # قال ابن جرير: الطنافس الثخان، وقال القشيري: العبقري عند العرب كل ثوب ~~موشى، وقال الخليل: كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم، ومنه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه: «فلم أر عبقريا من الناس يفري ~~فريه» وقال قطرب: ليس هو من المنسوب بل هو بمزلة كرسي وبختي. # ولما كان المراد به الجنس، دل على كثرته بالجمع مع التعبير بالمفرد إشارة ~~إلى وحدة تكامله بالحسن فقال: {حسان *} أي هي في غاية من كمال الصنعة وحسن ~~المنظر لا توصف {فبأي آلاء ربكما} أي النعم العظيمة من المحسن الواحد الذي ~~لا محسن غيره ولا إحسان إلا منه ولا تعد نعمه ولا تحصي ثناء عليه {تكذبان ~~*} وبهذه الآية تمت النعم الثمان المختصة بجنة أصحاب اليمين إشارة إلى ~~العمل لأبوابها الثمانية. والله الموفق. # ولما دل ما ذكر في هذه السورة من النعم على إحاطة مبدعها بأوصاف الكمال، ~~ودل بالإشارة بالنعمة الأخيرة على أن نعمه لا نهاية لها لأنه مع أن له ~~الكمال كله متعال عن شائبة نقص، فكانت ترجمة ذلك قوله في ختام نعم الآخرة ~~مناظرة لما تقدم من ختام نعم الدنيا معبرا هناك بالبقاء لما ذكر قبله، من ~~الفناء، وهذا بما من البركة إشارة # PageV19P193 # إلى أن نعمه لا انقضاء لها: {تبارك} قال ابن برجان: تفاعل من البركة، ولا ~~يكاد يذكره جل ذكره إلا عند أمر معجب - انتهى، ومعناه ثبت ms4908 ثباتا لا يسع ~~العقول جمع وصفه لكونه على صيغه المفاعلة المفيدة لبذل الجهد إذا كانت ممن ~~تمكن منازعته، وذلك مع اليمن والبركة والإحسان. ولما كان تعظيم الاسم أقعد ~~وأبلغ في تعظيم المسمى قال: {اسم ربك} أي المحسن إليك بإنزال هذا القرآن ~~الذي جبلك على متابعته فصرت مظهرا له وصار خلقا لك فصار إحسانه إليك فوق ~~الوصف، ولذلك قال واصفا للرب في قراءة الجمهور: {ذي الجلال} أي العظمة ~~الباهرة فهو المنتقم من الأعداء {والإكرام *} أي الإحسان الذي لا يمكن ~~الإحاطة به فهو المتصف بالجمال الأقدس المقتضي لفيض الرحمة على جميع ~~الأولياء، وقراءة ابن عامر {ذو} صفة للاسم، وكذا هو في مصاحف أهل الشام، ~~والوصفان الأخيران من شبه الاحتباك حذف من الأول متعلق الصفة وهو النقمة ~~للأعداء، ومن الثاني أثر الإكرام وهو الرحمة للأولياء، فإثبات الصفة أولا ~~يدل على حذف ضدها ثانيا، وإثبات الفعل ثانيا يدل على حذف ضده أولا، وقال ~~الرازي في اللوامع: كأنه يريد بالاسم الذي افتتح به السورة وقد انعطف آخر ~~السورة على أولها على وجه أعم، فيشمل الإكرام بتعليم القرآن وغيره ~~والانتقام بإدخال النيران وغيرها - الله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب. # PageV19P194 # سورة الواقعة # مقصودها شرح أحوال الأقسام الثلاثة المذكورة في الرحمن للأولياء من ~~السابقين واللاحقين والأعداء المشاققين من المصارحين والمنافقين من الثقلين ~~للدلالة على تمام القدرة بالفعل بالاختيار الذي دل عليه آخر الرحمن بإثبات ~~الكمال ودل عليه آخر هذه بالتنزيه بالنفي لكل شيء به نقص ثم الإثبات بوصف ~~العظمة بجميع الكمال من الجمال والجلال، ولو استوى الناس لم يكن ذلك من ~~بليغ الحكمة، فإن استواءهم يكون شبهة لأهل الطبيعة، واسمها الواقعة دال على ~~ذلك بتأمل آياته وما يتعلق الظرف به) بسم الله (الذي له الكمال كله ففاوت ~~بين الناس في الأحوال) الرحمن (الذي عم بنعمة البيان وفاضل قبولها بين أهل ~~الإدبار وأهل الإقبال) الرحيم (الذي أقبل بأهل حزبه إلى أهل قربه ففازوا ~~بمحاسن الأقوال والأفعال. # PageV19P195 # لما صنف سبحانه الناس في تلك إلى ثلاث أصناف: مجرمين وسابقين ولاحقين، ~~وختم ms4909 بعلة ذلك وهو أنه ذو الانتقام والإكرام، شرح أحوالهم في هذه السورة ~~وبين الوقت الذي يظهر فيه # PageV19P195 # إكرامه وانتقامه بما ذكر في الرحمن غاية الظهور فقال بانيا على ما أرشده ~~السياق إلى أن تقديره: يكون ذلك كله كونا يشترك في علمه الخاص والعام: {إذا ~~وقعت الواقعة *} أي التي لا بد من وقوعها ولا واقع يستحق أن يسمى الواقعة ~~بلام الكمال وتاء المبالغة غيرها، وهي النفخة الثانية التي يكون عنها البعث ~~الأكبر الذي هو القيامة الجامعة لجميع الخلق للحكم بينهم على الانفراد ~~الظاهر الذي لا مدعى للمشاركة فيه بوجه من الوجوه، ويجوز أن يكون {إذا} ~~منصوبا بالمحذوف لتذهب النفس فيه كل مذهب، فيكون أهول أي إذا وقعت كانت ~~أمورا يضيق عنها نطاق الحصر. # ولما كان هذا معناه الساعة التي أبرم القضاء بأنه لا بد من كونها، عبر ~~عنه بانيا على مبتدأ محذوف فقال: {ليس لوقعتها} أي تحقق وجودها {كاذبة *} ~~أي كذب فهي مصدر عبر عنه باسم الفاعل للمبالغة بأنه ليس في أحوالها شيء ~~يمكن أن ينسب إليه كذب ولا يمشي فيها كذب أصلا ولا يقر عليه، بل كل ما أخبر ~~بمجيئه جاء من غير أن يرده شيء، وكل ما أخبر بنفيه انتفى فلا يأتي به شيء، ~~وقرر عظمتها وحقق بعث الأمور فيها بقوله مخبرا عن مبتدأ محذوف: {خافضة} أي ~~هي لمن يشاء الله خفضه من عظماء أهل النار وغيرهم # PageV19P196 # مما يشاؤه من الجبال وغيرها إلى أسفل سافلين {رافعة *} أي لضعفاء أهل ~~الجنة وغيرهم من منازلهم وغيرها مما يشاؤه إلى عليين، لا راد لأمره ولا ~~معقب لحكمه. ولما كان في هذا من الهول ما يقطع القلوب الواعية أكده بقوله ~~وزاد ما يشاء منه أيضا بقوله مبدلا من الظرف الأول بعض ما يدخل في الرفع ~~والخفض: {إذا رجت الأرض} أي كلها على سعتها وثقلها بأيسر أمر {رجا *} أي ~~زلزلت زلزالا شديدا بعنف فانخفضت وارتفعت ثم انتفضت بأهلها انتفاضا شديدا، ~~قال البغوي: والرج في اللغة التحريك. ولما ذكر حركتها المزعجة، أتبعها ~~غايتها فقال: {وبست ms4910 الجبال} أي فتتت على صلابتها وعظمها بأدنى إشارة وخلط ~~حجرها بترابها حتى صار شيئا واحدا، وصارت كالعهن المنفوش، وسيرت وكانت تمر ~~مر السحاب {بسا * فكانت} أي بسبب ذلك {هباء} غبارا هو في غاية الانمحاق، ~~وإلى شدة لطافته أشار بصيغة الانفعال فقال: {منبثا *} أي منتشرا متفرقا ~~بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه فهو كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل في ~~كوة. # ولما ذكر غاية مبادئها المرجفة المرهبة، ذكر مبادئ غاياتها فقال: {وكنتم} ~~أي قسمتم بما كان في جبلاتكم وطباعكم في الدنيا {أزواجا ثلاثة *} أي أصنافا ~~لا تكمل حكمة صنف منها إلا بكونها قسمين: أعلى ودونه، ليكون ذلك أدل على ~~تمام القدرة وهم أصحاب الميمنة المنقسمين إلى سابقين وهم المقربون، وإلى ~~لاحقين وهم # PageV19P197 # الأبرار أو أصحاب اليمين، وكأنهم من أولي القلب الذي هو العدل السواء من ~~أصحاب المشأمة إلى آخر أصحاب الميمنة فأصحاب السواء هم المقربون، وبقية ~~أصحاب الميمنة أصحاب اليمين، وأصحاب المشأمة هم أصحاب القسم الثالث، وكل من ~~الثلاثة ينقسم إلى أعلى ودونه، وقد تبينت الأقسام الثلاثة آخر السورة، قال ~~البيضاوي: وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج. # ولما قسمهم إلى ثلاثة أقسام وفرع تقسيمهم، ذكر أحوالهم وابتدأ ذلك ~~بالإعلام بأنه ليس الخبر كالخبر كما أنه ليس العين كالأثر فقال: {فأصحاب ~~الميمنة *} أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها، ثم فخم أمرهم بالتعجيب من ~~حالهم بقوله منبها على أنهم أهل لأن يسأل عنهم فيما يفهمه اليمين من الخير ~~والبركة فكيف إذا عبر عنها بصيغة مبالغة فقال: {ما} وهو مبتدأ ثان {أصحاب ~~الميمنة *} أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها، والجملة خبر عن الأولى، ~~والرابط تكرار المبتدأ بلفظه، قال أبو حيان رحمه الله تعالى: وأكثر ما يكون ~~ذلك في موضع التهويل والتعظيم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم الإعذار في السورتين ~~المتقدمتين والتقرير على عظيم البراهين، وأعلم في آخر سورة القمر أن كل ~~واقع في العالم فبقضائه سبحانه وقدره {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [ # PageV19P198 # القمر: 49] {وكل شيء فعلوه في الزبر} ms4911 {القمر: 52] وأعلمهم سبحانه في ~~الواقعة بانقسامهم الأخروي فافتتح ذكر الساعة {إذا وقعت الواقعة} إلى قوله ~~{وكنتم أزواجا ثلاثة} فتجردت هذه السورة للتعريف بأحوالهم الأخروية، وصدرت ~~بذلك كما جرد في هذه السورة قبل التعريف بحالهم في هذه الدار، وما انجر في ~~السور الثلاث جاريا على غير هذا الأسلوب فبحكم استدعاء الترغيب والترهيب ~~لطفا بالعباد ورحمة ومطالعها مبنية على ما ذكرته تصريحا لا تلويحا، وعلى ~~الاستيفاء لا بالإشارة والإيماء، ولهذا قال تعالى في آخر القصص الأخراوية ~~في هذه السورة: {هذا نزلهم يوم الدين} فأخبر أن هذا حالهم يوم الجزاء وقد ~~قدم حالهم الدنياوي في السورتين قبل وتأكيد التعريف المتقدم فيما بعد، وذلك ~~قوله {فأما إن كان من المقربين} إلى خاتمتها - انتهى. # ولما ذكر الناجين بقسميهم، أتبعهم أضدادهم فقال: {وأصحاب المشأمة} أي جهة ~~الشؤم وموضعها وأعمالها، ثم عظم ذنبهم فقال: {ما أصحاب المشأمة} أي لأنهم ~~أهل لأن يسأل عما أصابهم من الشؤم والشر والسوء بعظيم قدرته التي ساقتهم ~~إلى ما وصلوا إليه من الجزاء الذي لا يفعله بنفسه عاقل بل ولا بهيمة مع ما ~~ركب فيهم من العقول الصحيحة والأفكار العظيمة وصان الأولين عن خذلان هؤلاء ~~فأوصلهم إلى النعيم المقيم. # ولما ذكر القسمين، وكان كل منهما قسمين، ذكر أعلى أهل # PageV19P199 # القسم الأول ترغيبا في أحسن حالهم ولم يقسم أهل المشأمة ترهيبا من سوء ~~مآلهم فقال: {والسابقون} أي إلى أعمال الطاعة أصحاب الجنتين الأوليين في ~~الرحمان وهم أصحاب القلب {السابقون *} أي هم الذين يستحقون الوصف بالسبق لا ~~غيرهم لأنه منزلة أعلى من منزلتهم فلذلك سبقوا إلى منزلتهم وهي جنتهم وهم ~~قسمان كما يأتي عن الرازي، وعن المهدوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سألوه بذلوه وحكموا للناس ~~كحكمهم لأنفسهم» . # ولما بين علو شأنهم ونسب السبق إليهم، ترجمه نازعا للفعل منهم بقوله: ~~{أولئك} أي العالو الرتبة جدا من الذين هم أصحاب الميمنة {المقربون *} أي ~~الذين اصطفاهم الله تعالى للسبق فأرادهم لقربه أو أنعم عليهم بقربه ولولا ~~فعله ms4912 في تقريبهم لم يكونوا سابقين، قال الرازي في اللوامع: المقربون تخلصوا ~~من نفوسهم فأعمالهم كلها لله دينا ودنيا من حق الله وحق الناس، وكلاهما ~~عندهم حق الله، والدنيا عندهم آخرتهم لأنهم يراقبون ما يبدو لهم من ملكوته ~~فيتلقونه بالرضا والانقياد، وهم صنفان فصنف قلوبهم في جلاله وعظمته هائمة ~~قد ملكتهم هيبتهم فالحق يستعملهم، وصنف آخر قد أرخى من عنانه، فالأمر عليه ~~أسهل لأنه قد جاور بقلبه هذه الحطة ومحله أعلى فهو أمين الله في أرضه، ~~فيكون الأمر عليه أسهل لأنه قد جاوز - انتهى. ثم # PageV19P200 # بين تقريبه لهم بقوله: {في جنات النعيم *} أي الذي لا نعيم غيره لأنه لا ~~كدر فيه بوجه ولا منغص، والصنف الآخر منهم المتقربون والمتشاققون من أصحاب ~~المشأمة، أولئك المغضوب عليهم المبعودون، ومن دونهم الضالون البعيدون وهم ~~أصحاب الشمال. # ولما ذكر السابقين فصلهم فقال: {ثلة} أي جماعة كثيرة حسنة، وقال البغوي: ~~والثلة جماعة غير محصورة العدد، {من الأولين *} وهم الأنبياء الماضون عليهم ~~الصلاة والسلام، ومن آمن بهم من غير واسطة رضي الله عنهم {وقليل من الآخرين ~~*} وهم من آمن بمحمد - عليه الصلاة والسلام - كذلك بغير واسطة رضي الله ~~عنهم، فقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مائة ألف ونيفا وعشرين ألفا، ~~وكان من خرج مع موسى عليه السلام من مصر وهم من آمن به من الرجال المقاتلين ~~ممن هو فوق العشرين ودون الثمانين وهم ستمائة ألف فما ظنك بمن عداهم من ~~الشيوخ ومن دون العشرين من التابعين والصبيان ومن النساء، فكيف بمن عداه من ~~سائر النبيين عليهم الصلاة والسلام. المجددين من بني إسرائيل وغيرهم، وقيل ~~«الثلة والقليل كلاهما من هذه الأمة» ، رواه الطبراني وابن عدي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، وفيه أبان بن أبي عياش وهو متروك ورواه إسحاق بن راهويه ~~مسدد بن مسرهد وأبو داود الطيالسي وإبراهيم الحربي والطبراني من رواية علي ~~بن زيد # PageV19P201 # وهو ضعيف عن عقبة بن صهبان عن أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا، ~~والموقوف أولى بالصواب، وتطبيقه على هذه الأمة سواء ms4913 كان مرفوعا أو موقوفا ~~صحيح لا غبار عليه، فتكون الصحابة رضي الله عنهم كلهم من هذه الثلة وكذا من ~~تبعهم بإحسان إلى رأس القرن الثالث وهم لا يحصيهم إلا الله تعالى، ومن ~~المعلوم أنه تناقص الأمر بعد ذلك إلى أن صار السابق في الناس أقل من القليل ~~لرجوع الإسلام إلى الحال الذي بدأ عليها من الغربة # «بدأ الإسلام غريبا وسيكون غريبا فطوبى للغرباء» ويجوز أن يقدر أيضا: ~~وثلة - أي جماعة كثيرة هلكى - من الأولين، وهم المعاندون من الأمم الماضين، ~~وقليل من الآخرين - وهم المعاندون من هذه الأمة. # PageV19P202 # ولما ذكر السابقين في الخير بصنفيهم مشيرا إلى السابقين في الشر بصنفيهم، ~~ذكر جزاء أهل الخير ليعلم منه جزاء أولئك، فقال مبينا أنهم ملوك لكن ملكهم ~~لا ينافس فيه ولا يحاسد، بل هو كله يقابل بالوداد والصفاء {على سرر} وهو ما ~~يسر الإنسان من المقاعد العالية المصنوعة للراحة والكرامة التي هي آية ~~الملك وهو العرش {موضونة *} أي منسوجة نسجا مضاعفا منضودة داخلا بعضها في ~~بعض مقارب النسج معجبا كالدرع لكن نسجها بالذهب مفصلا بالجوهر من الدر ~~والياقوت. # ولما ذكر السرر وبين عظمتها، ذكر غايتها فقال: {متكئين} # PageV19P202 # أي متكئين هيئة المتربع أو غيرها من الجنب أو غيرها {عليها} ولما كان ~~الجمع إذا كثر كان ظهور بعض أهله إلى بعض، أعلم أن جموع أهل الجنة على غير ~~ذلك فقال: {متقابلين *} فلا بعد ولا مدابرة لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ولا ~~يكره بعضهم بعضا. # ولما كان المتكىء قد يصعب عليه القيام لحاجته قال: {يطوف عليهم} أي ~~لكفاية كل ما يحتاجون إليه {ولدان} على أحسن صورة وزي وهيئة {مخلدون *} قد ~~حكم ببقائهم على ما هم عليه من الهيئة، قال البغوي: تقول العرب لمن كبر ~~ولمن شمط: إنه مخلد، قال: قال الحسن: هم أولاد أهل الدنيا، لم يكن لهم ~~حسنات يثابون عليها ولا سيئات يعاقبون عليها لأن الجنة لا ولادة فيها، فهم ~~خدام أهل الجنة. # ولما كان مدحهم هذا في غاية الإبلاغ مع الإيجاز، وكان فيه - إلى ms4914 تبليغ ما ~~لهم - تحريك إلى مثل أعمالهم، وكان الأكل الذي هو من أعظم المآرب مشارا ~~إليه بالمدح العظيم الذي من جملته الاستراحة على الأسرة التي علم أن من ~~عادة الملوك أنهم لا يتسنمونها إلا بعد قضاء الوطر منه فلم يبق بعده إلا ما ~~تدعو الحاجة إليه من المشارب وما يتبعها قال تعالى: {بأكواب} أي كيزان ~~مستديرة الأفواه بلا عرى ولا خراطيم لا يعوق الشارب منها عائق عن الشرب من ~~أي موضع أراد منها فلا يحتاج أن يحول الإناء إلى الحالة التي تناوله عنها ~~ليشرب، ويمكن أن تكون # PageV19P203 # البدأة بالشراب لما نالوا من المتاعب من العطش كما لمن يشرب من الحوض ~~فيكون حينئذ قبل الأكل والله أعلم {وأباريق *} أي أواني لها عرى وخراطيم ~~فيها من أنواع المشارب ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين {وكأس} أي إناء معد ~~للشرب فيه والشراب نفسه. # ولما كان الشراب عاما بينه بقوله: {من معين *} أي خمر جارية صافية صفاء ~~الماء ليس يتكلف عصرها بل ينبع كما ينبع الماء. ولما أثبت نفعها وما يشوق ~~إليها، نفى ما ينفر عنها فقال: {لا يصدعون} أي تصدعا يوجب المجاوزة {عنها} ~~أي بوجع في الرأس ولا تفرق لملالة {ولا ينزفون *} أي يذهب بعقولهم بوجه من ~~الوجوه أي يصرع شرابهم، من نزفت البئر - إذا نزح ماؤها كله، ونزف فلان: ذهب ~~عقله أو سكر، وبنى الفعلان لملجهول لأنه لم تدع حاجة إلى معرفة الفاعل، ~~وقال الرازي في اللوامع: قال الصادق: لا تذهل عقولهم عن موارد الحقائق ~~عليهم ولا يغيبون عن مجالس المشاهدة بحال. # ولما بدأ بالألذ الهاضم للأكل، تلاه بما يليه مما يدعو إليه الهضم تصريحا ~~به بعد التلويح فقال: {وفاكهة مما يتخيرون *} أي هو فيها بحيث لو كان فيها ~~جيد وغيره واختاروا وبالغوا في التنقية لكان مما يقع التخير عليه، ولما ذكر ~~ما جرت العادة بتناوله لمجرد اللذة، أتبعه ما العادة أنه لإقامة البينة وإن ~~كان هناك لمجرد اللذة أيضا فقال: # PageV19P204 # {ولحم طير} ولما كان في لحم الطير مما يرغب عنه، احترز عنه ms4915 بقوله: {مما ~~يشتهون *} أي غاية الشهوة بحيث يجدون لآخره من اللذة ما لأوله. # ولما كان لم يكن بعد الأكل والشرب أشهى من الجماع، قال عاطفا على {ولدان} ~~: {وحور العين *} أي يطفن عليهم، وجره حمزة والكسائي عطفا على {سرر} فإن ~~النساء في معنى الاتكاء لأنهن يسمين فراشا. ولما كان المثل في الأصل الشيء ~~نفسه كما مضى في الشورى قال: {كأمثال} أي مثل أشخاص {اللؤلؤ المكنون *} أي ~~المصون في الصدف عما قد يدنسه. # PageV19P205 # ولما أبلغ في وصف جزائهم بالحسن والصفاء، دل على أن أعمالهم كانت كذلك ~~لأن الجزاء من جنس العمل فقال تعالى: {جزاء} أي فعل لهم ذلك لأجل الجزاء ~~{بما كانوا} جبلة وطبعا {يعملون *} أي يجددون عمله على جهة الاستمرار. # ولما أثبت لها الكمال وجعله لهم، نفى عنها النقص فقال: {لا يسمعون} أي ~~على حال من الأحوال {فيها لغوا} أي شيئا مما لا ينفع فإن أنكا. . . بالسميع ~~الحكيم ذلك، واللغو: الساقط {ولا تأثيما *} أي ما يحصل به الإثم أو النسبة ~~إلى الإثم، بل حركاتهم وسكناتهم كلها رضى الله، وما قطع قلوب السائرين إلى ~~الله إلا هاتان الخصلتان بينا أحدهم # PageV19P205 # يبني ما ينفعه مجتهدا في البناء إذ هو غلبه طبعه فهدم أكثر ما بنى، وبينا ~~هو يظن أنه قد قرب إذا هو تحقق بمثل ذلك أنه قد بعد، نزحت داره وشط مزاره، ~~فالله المستعان. # ولما كان الاستثناء، معيار العموم، ساق بصورة الاستثناء قوله: {إلا قيلا} ~~أي هو في غاية اللطافة والرقة بما دل عليه المبني على ما قبلها محاسن مع ما ~~تدل عليه مادة قوله. ولما تشوف السامع إليه بالعبير بما ذكر، بينه بقوله: ~~{سلاما} ودل على دوامه بتكريره فقال: {سلاما *} أي لا يخطر في النفس ولا ~~يظهر في الحس منهم قول إلا دالا على السلامة لأنه لا عطب فيها أصلا، وساقه ~~مساق الاستثناء المتصل دلالة على أنه إن كان فيها لغو فهو ذلك حسب، وهو ما ~~يؤمنهم وينعمهم ويبشرهم مع أنه دال على حسن العشرة وجميل الصحبة وتهذيب ~~الأخلاق وصفاء المودة. ms4916 # ولما أتم سبحانه القسم الأول القلبي السوائي المولي من الثلاثة بقسميه، ~~وذكر في جزائه مما لأصحاب المدن ما لا يمكنهم الوصول إليه، عطف عليه الثاني ~~الذي هو دونه لذلك وهم والله أعلم الأبرار وهم أيضا صنفان، وذكر في جزائهم ~~من جنس ما لأهل البوادي أنهى ما يتصورونه ويتمنونه فقال: {وأصحاب اليمين *} ~~ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم، والإشارة إلى أنهم أهل لأن يسأل ~~عن حالهم فإنهم في غاية الإعجاب فقال: {ما أصحاب اليمين} ولما عبر عنهم بما # PageV19P206 # أفهم أنهم أولو القوة والجد في الأعمال، والبركة في جمع الأحوال، ذكر ~~عشيهم بادئا بالفاكهة لأن عيش الجنة كله تفكه، ذاكرا منها ما ينبت في بلاد ~~العرب من غير كلفة بغرس ولا خدمة، وأشار إلى كثرة ما يذكره بأن جعله ظرفهم، ~~فقال من غير ذكر لسرير الملك الذي حبا به المقربين من الملك، ولم يزد على ~~ذلك المأكول وما معه بما يتصور للبهائم: {في سدر} أي شجر نبق متدلي الأغصان ~~من شدة حمله، من سدر الشعر - إذا سدله {مخضود *} أي هو مع أنه لا شوك له ~~ولا عجم بحيث تنثني أغصانه من شدة الحمل، من خضد الشوك: قطعه، والغصن: ثناه ~~وهو رطب، وفي ذكر هذا تنبيه على أن كل ما لا نفع فيه أو فيه نوع أذى له في ~~الجنة وجود كريم لأن الجنة إنما خلقت للنعيم. # ولما ذكر ما يطلع في الجبال والأماكن المعطشة والرمال، أتبعه ما لا يطلع ~~إلا على المياه دلالة على أن أماكنهم في غاية السهولة والري فقال: {وطلح} ~~أي شجر موز أو نخل، وقال الحسن: شجر له ظل بارد طيب الرائحة وقال الفراء ~~وأبو عبيدة: شجر عظام لها شوك، وقيل: هو أم غيلان، وله نور كثير، ويحكى عن ~~أبي تراب النخشبي أنه كان سائرا مع قوم من الصوفية على قدم التوكل، فجاعوا ~~أياما فقال: أتريدون أن تأكلوا، قالوا: نعم، فضرب بيده على شجرة غيلان فإذا ~~عليها عراجين موز، فأكلوا إلا شابا منهم، فقال: لا آكل # PageV19P207 # ولا أصحبك ms4917 بعدها، لأني كنت أسير بلا معلوم، وقد صرت أنت الآن معلومي، ~~كلما جعت التفتت نفسي إليك. {منضود *} أي منظوم بالحمل من أعلاه إلى أسفله ~~متراكم يتراكب بعضه على بعض على ترتيب هو في غاية الإعجاب، قال في القاموس: ~~الطلح: شجر عظيم، والطلع: والموز، والطلع من النخل: شيء يخرج كأنه نعلان ~~مطبقان والحمل بينهما منضود، والطرف محدد، أو ما يبدو من ثمرته أول ظهورها. # ولما ذكر ما لا يكون إلا في البلاد الحارة قال: {وظل ممدود *} أي مستوعب ~~للزمان والمكان فهو دائم الاستمداد كما بين الإسفار وطلوع الشمس لا فناء له ~~ولا نهاية. ولما كان ما ذكر من الري لا يستلزم الجري قال: {وماء مسكوب *} ~~أي جار في منازلهم من غير أخدود ولا يحتاجون فيه إلى جلب من الأماكن ~~البعيدة، ولا الإدلاء في بئر كما لأهل البوادي. # ولما ذكر ما تقدم، عم بقوله: {وفاكهة كثيرة *} أي أجناسها وأنواعها ~~وأشخاصها. ولما كانت لا تكون عندنا إلا في أوقات يسيرة، بين أن أمر الجنة ~~على غير ذلك فقال: {لا مقطوعة} ولما كانت في الدنيا قد يعز التوصل إليها مع ~~وجودها لشيء من الأشياء أقله صعود الشجرة أو التحجز بجدار أو غيره قال: ~~{ولا ممنوعة *} ولما كان التفكه لا يكمل الالتذاذ به إلا مع الراحة قال: ~~{وفرش مرفوعة *} أي هي رفيعة القدر وعالية بالفعل لكثرة الحشو ولتراكم ~~بعضها على بعض # PageV19P208 # ولأنها على السرر، وروى البغوي من طريق النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة ~~رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ارتفاعها كما بين السماء ~~والأرض مسيرة خمسمائة عام» # PageV19P209 # ولما كانت النساء يسمين فرشا، قال تعالى معيدا للضمير على غير ما يتبادر ~~إليه الذهن من الظاهر على طريق الاستخدام مؤكدا لأجل إنكار من ينكر البعث: ~~{إنا} أي بما لنا من القدرة والعظمة التي لا يتعاظمها شيء {أنشأناهن} أي ~~الفرش التي معناها النساء من أهل الدنيا بعد الموت ولو عن الهرم والعجز ~~بالبعث، وزاد في التأكيد فقال: {إنشاء *} أي من غير ولادة، بل ms4918 جمعناهن من ~~التراب كما فعلنا في سائر المكلفين ليكونوا كأبيهم آدم عليه الصلاة والسلام ~~في خلقه من تراب، فتكون الإعادة كالبداءة، ولذلك يكون الكل عند دخول الجنة ~~على شكله عليه الصلاة والسلام، ويجوز أن يكون المراد بهن الحور العين فيكون ~~إنشاء مبتدعا لم يسبق له وجود. # ولما كان للنفس أتم التفات إلى الاختصاص، وكان الأصل في الأنثى المنشأة ~~أن تكون بكرا، نبه على أن المراد بكارة لا تزول إلا حال الوطىء ثم تعود، ~~فكلما عاد إليها وجدها بكرا، فقال: {فجعلناهن} أي الفرش الثيبات وغيرهن ~~بعظمتنا المحيطة بكل شيء {أبكارا *} أي # PageV19P209 # بكارة دائمة لأنه لا تغيير في الجنة ولا نقص. # ولما كان مما جرت به العادة أن البكر تتضرر من الزوج لما يلحقها من الوجع ~~بإزالة البكارة، دل على أنه لا نكد هناك أصلا بوجع ولا غيره بقوله: {عربا} ~~جمع عروب، وهي الغنجة المتحببة إلى زوجها، قال الرازي في اللوامع: الفطنة ~~بمراد الزوج كفطنة العرب. ولما كان الاتفاق في السن أدعى إلى المحبة ومزيد ~~الألفة قال: {أترابا *} أي على سن واحدة وقد واحد، بنات ثلاث وثلاثين سنة ~~وكذا أزواجهن. قال الرازي في اللوامع: أخذ من لعب الصبيان بالتراب - انتهى، ~~«وروى البغوي من طريق عبد بن حميد عن الحسن: قال أتت عجوز النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يا أم ~~فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكي، قال: أخبروها أنها لا تدخلها ~~وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: إنا أنشأناهن، الآية «رواه الترمذي عنه في ~~الشمائل هكذا مرسلا، ورواه البيهقي في كتاب البعث عن عائشة رضي الله عنها ~~والطبراني في الأوسط من وجه عنها، ومن وجه آخر عن أنس رضي الله عنه، قال ~~شيخنا حافظ عصره ابن حجر: وكل طرقه ضعيفة، وروى البغوي أيضا من طريق ~~الثعلبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الآية # PageV19P210 # قال:» عجائزكن في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن أبكارا «. # ولما ms4919 كان هذا الوصف البديع مقتضيا لما يزدهي عنه النفس لأن يقال: لمن ~~هؤلاء؟ وإن كان قد علم قبل ذلك، نبه عليه بقوله تعالى: {لأصحاب اليمين *} ~~ويجوز أن يتعلق ب {أترابا} نصا على أنهن في أسنان أزواجهن. # ولما أنهى وصف ما فيه أهل هذا الصنف على أنهى ما يكون لأهل البادية بعد ~~أن وصف ما للسابقين بأعلى ما يمكن أن يكون لأهل الحاضرة، وكان قد قدم ~~المقايسة في السابقين بين الأولين والآخرين، فعل هنا كذلك فقال: {ثلة من ~~الأولين *} أي من أصحاب اليمين {وثلة} أي منهم {من الآخرين *} فلم يبين ~~فيهم قلة ولا كثرة، والظاهر أن الآخرين أكثر، فإن وصف الأولين بالكثرة لا ~~ينافي كون غيرهم أكثر ليتفق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذه ~~الأمة ثلثا أهل الجنة، فإنهم عشرون ومائة صف، هذه الأمة منهم ثمانون صفا» . # ولما أتم وصف ما فيه الصنفان المحمودان، وبه تمت أقسام أصحاب الميمنة ~~الأربعة الذين هم أصحاب القلب واليمين، أتبعه أضدادهم فقال: {وأصحاب ~~الشمال} أي الجهة التي تتشاءم العرب بها وعبر بها عن الشيء الأخس والحظ ~~الأنقص، والظاهر أنهم أدنى أصحاب المشأمة كما # PageV19P211 # كان أصحاب اليمين دون السابقين من أصحاب الميمنة، ثم عظم ذمهم ومصابهم ~~فقال: {ما أصحاب الشمال *} أي إنهم بحال من الشؤم هو جدير بأن يسأل عنه. ~~ولما ذمهم وعابهم، ذكر عذابهم ليعلم أن القسم الأشد منهم في الشؤم أشد ~~عذابا فقال: {في سموم} أي ظرفهم المحيط بهم لفح من لفح النار شديد يتخلل ~~المسام {وحميم *} أي ماء حار بالغ في الحرارة إلى حد يذيب اللحم. ولما كان ~~للتهكم في القلب من شديد الوقد ما يجل عن الوصف والحد قال: {وظل} ثم أتبعه ~~ما صرح بأنه تهكم فقال: {من يحموم *} أي دخان أسود كالحمم أي الفحم شديد ~~السواد بما أفهمته الزيادة وشبه صيغة المبالغة: ولما كان المعهود من الظل ~~البرد والإراحة، نفى ذلك عنه فقال: {لا بارد} ليروح النفس {ولا كريم *} ~~ليؤنس به ويلجأ إليه ويرجى خيره ويعول في حال ms4920 عليه بأن يفعل ما يفعله ~~الواسع الخلق الصفوح من الإكرام، بل هو مهين، سماه ظلا لترتاح النفس إليه ~~ثم نفى عنه نفع الظل وبركته لينضم حرقان: اليأس بعد الرجاء إلى إخراق ~~اليحموم فتصير الغصة غصتين. # ولما أنتج هذا أنه على خلق اللئيم فهو موضع الحرارة والضيق والخسة ~~والشدة، علله بقوله: {إنهم} أكده وإن كان فيهم أهل # PageV19P212 # الضر لاجتماعهم في الاسترواح إلى منابذة الدين باتباع الشهوات، ولأن ما ~~مضى لهم بالنسبة إلى هذا العذاب حال ناعم، وعبر بالكون دلالة على العراقة ~~في ذلك ولو بتهيئهم له جبلة وطبعا فقال: {كانوا} أي في الدنيا. ولما كان ~~ذلك ملازما للاستغراق في الزمان بميل الطباع، نزع الجار فقال: {قبل ذلك} أي ~~الأمر العظيم الذي وصلوا إليه {مترفين *} أي في سعة من العيش منهمكين في ~~الشهوات مستمتعين بها متمكنين فيها لترامي طباعهم إليها فأعقبهم ما في ~~جبلاتهم من الإخلاد إلى الترف عدم الاعتبار والاتعاظ في الدنيا والتكبر على ~~الدعاة إلى الله، وفي الآخرة شدة الألم لرقة أجسامهم المهيأة للترف بتعودها ~~بالراحة بإخلادها إليها وتعويلها عليها {وكانوا} أي مع الترف {يصرون} أي ~~يقيمون ويدومون على سبيل التجديد مما لهم من الميل الجبلي إلى ذلك {على ~~الحنث} أي الذنب، ومنه قولهم: بلغ الغلام الحنث، أي الحلم الذي هو وقت ~~المؤاخذة بالذنب، ويطلق الحنث على الكذب والميل إلى الأباطيل واليمين ~~الغموس ونقض العهد المؤكد. # ولما كان ذلك قد يكون من المعهود مما يغتفر بكونه صغيرا أو في وقت يسير ~~قال: {العظيم *} دالا على أنهم يستهينون العظائم من القبائح والفواحش. # PageV19P213 # ولما وصفهم بالترف والإصرار على السرف، وكان ذلك يلازم # PageV19P213 # البطالة، وكان يلزم عنها الغباوة والفساد الموجب للشقاوة، ذكر إنكارهم ~~لما لا أبين منه، فقال عاطفا على ما أفهمه التعبير عن الإثم بالحنث من نحو: ~~فكانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم لا يبعثون وأن الرسل كاذبون: {وكانوا ~~يقولون *} أي إنكارا مجددين لذلك دائما جلافة أو عنادا: {أئذا} أي أنبعث ~~إذا، وحذف العامل لدلالة {مبعوثون} عليه، ولا يعمل هو لأن الاستفهام ms4921 وحرف ~~التأكيد اللذين لهما الصدر معناه {متنا} أي فلم يبق في رد أرواحنا طب بوجه ~~{وكنا} أي كونا ثابتا {ترابا وعظاما} ولما كان استفهامهم هذا لإنكار أن ~~يكون في شيء من إقامة أبدانهم أو رد أرواحهم طب، أعاد الاستفهام تاكيدا ~~لإنكارهم فقال: {أءنا لمبعوثون *} أي كائن وثابت بعثنا ساعة من الدهر، ~~وأكدوا ليكون إنكارهم لما دون المؤكد بطريق الأولى. # ولما كانت أفهامهم واقفة مع المحسوسات لجمودهم. وكان البلى كلما كان أقوى ~~كان ذلك البالي في زعمهم من البعث أبعد، قالوا مخرجين في جملة فعلية عطفا ~~على الواو من {معبوثون} من غير تأكيد بضمير الفصل بالاستفهام: {أو آباؤنا} ~~أي يبعث آباؤنا أي يوجد بعثهم من حين، وزادوا الاستبعاد على ما أفهموا ~~بقولهم: {الأولون *} أي الذين قد بليت مع لحومهم عظامهم، فصاروا كلهم ترابا ~~ولا سيما إن حملتهم السيول ففرقت ترابهم في كل أوب، وذهبت به في كل صوب، ~~وسكن نافع وابن عامر الواو على أن العاطف {أو} ويجوز أن # PageV19P214 # يكون العطف على محل «إن» واسمها. # ولما كانوا في غاية الجلافة، رد إنكارهم بإثبات ما نفوه، وزادهم الإخبار ~~بإهانتهم ثم دل على صحة ذلك بالدليل العقلي لمن يفهمه، فقال مخاطبا لأعلى ~~الخلق وأوقفهم به لأن هذا المقام لا يذوقه حق ذوقه إلا هو كما أنه لا يقوم ~~بتقريره لهم والرفق بهم إلا هو: {قل} أي لهم ولكل من كان مثلهم، وأكد ~~لإنكارهم: {إن الأولين} الذين جعلتم الاستبعاد فيهم أوليا، ونص على ~~الاستغراق بقوله: {والآخرين *} ودل على سهولة بعثهم وأنه في غاية الثبات، ~~منبها على أن نقلهم بالموت والبلى تحصيل لا تفويت: {لمجموعون *} بصيغة اسم ~~المفعول، في المكان الذي يكون فيه الحساب. ولما كان جمعهم بالتدريج، عبر ~~بالغاية فقال: {إلى ميقات} أي زمان ومكان {يوم معلوم *} أي معين عند الله، ~~ومن شأنه أن يعلم بما عنده من الأمارات، والميقات: ما وقت به الشيء من زمان ~~أو مكان أي حد. # ولما كان زمان البعث متراخيا عن نزول القرآن، عبر بأداته وأكد لأجل ~~إنكارهم فقال: ms4922 {ثم} أي بعد البعث بعد الجمع المدرج {إنكم} وأيد ما فهمه من ~~أصحاب الشمال هم القسم الأدنى من أصحاب المشأمة فقال: {أيها الضالون} أي ~~الذين غلبت عليه الغباوة فيهم لا يفهمون، ثم أتبع ذلك ما أوجب الحكم عليهم ~~بالضلال فقال: {المكذبون *} أي تكذيبا ناشئا عن الضلال والتقيد بما لا يكذب # PageV19P215 # به إلا عريق في التكذيب بالصدق {لآكلون من شجر} منبته النار. # ولما كان الشجر معدن الثمار الشهية كالسدر والطلح، بينه بقوله: {من زقوم ~~*} أي شيء هو في غاية الكراهة والبشاعة في المنظر ونتن الرائحة والأذى، قال ~~أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع وعبد الحق في واعيه: الزقم: شوب ~~اللبن والإفراط فيه، يقال: بات يزقم اللبن زقما، ومن هذا الزقوم الذي ذكره ~~الله تبارك وتعالى، وقالا: قال أبو حنيفة: الزقوم شجرة غبراء صغيرة الورق ~~لا شوك لها زفرة لها كعابر في رؤوسها ولها ورد تجرشه النحل، ونورها أبيض ~~ورأس ورقها قبيح جدا، وهي مرعى، ومنابتها السهل، وقال في القاموس: في الدفر ~~بالدال المهملة، الدفر - بالتحريك: وقوع الدود في الطعام والذل والنتن، ~~ويسكن، وقال في المعجمة: الذفر - محركة: شدة ذكاء الريح كالذفرة أو يخص ~~برائحة الإبط المنتن، والنتن وماء الفحل، والذفراء من الكتائب: السهكة من ~~الحديد، والكعبرة بضمتين عين وراء مهملتين: عقدة أنبوب الزرع، وعن السهيلي ~~أن أبا حنيفة ذكر في النبات أن شجرة باليمن يقال لها الزقوم لا ورق لها، ~~وفروعها أشبه شيء برؤوس الحيات، وقال البيضاوي: شجرة صغيرة الورق دفرة مرة ~~تكون بتهامة، وفي القاموس: والزقمة: الطاعون وقال في النهاية: فعول من ~~الزقم: اللقم الشديد # PageV19P216 # والشرب المفرط، وقال ابن القطاع: زقم زقما: بلع، وقد علم من مجموع هذا ~~الكلام تفسيره بالطاعون تارة والشرب المفرط أخرى، ومن الاشتراط والشجرة ~~المنتنة والبشعة المنظر أنه شيء كريه يضطر آكله إلى التملؤ منه بنهمة وهمة ~~عظيمة، ومن المعلوم أن الحامل له على هذا مع هذه الكراهة لا يكون إلا في ~~أعلى طبقات الكراهة، ولذلك حسن جدا موقع قوله مسببا عن الأكل: {فمالئون} أي ms4923 ~~ملأ هو في غاية الثبات وأنتم في غاية الإقبال عليه مع ما هو عليه من عظيم ~~الكراهة {منها} أي الشجر، أنثه لأنه جمع شجر أو هو اسم جنس، وهم يكرهون ~~الإناث فتأنيثه - والله أعلم - زيادة في تنفيرهم منه {البطون *} أي لشيء ~~عجيب يضطركم إلى تناول هذا الكريه مما هو أشد منه كراهة بطبقات من جوع أو ~~غيره، وإن فسرت بما قالوا من أنه معروف لهم أنه الزبد بالتمر لم يضر ذلك بل ~~يكون المعنى أنهم يتملؤون منها تملأ من يأكل من هذا في الدنيا مع أنه من ~~المعلوم أنه لا شيء في النار المعدة للعذاب لمن أعدت لعذابه حسن. # ولما كان من يأكل كثيرا يعطش عطشا شديدا فيشرب ما قدر عليه رجاء تبريد ما ~~به من حرارة العطش، سبب عنه قوله: {فشاربون عليه} أي على هذا المليء أو ~~الأكل {من الحميم *} أي الماء الذي هو في غاية الحرارة بحث ضوعف إحماؤه ~~وإغلاؤه. # ولما كان شربهم لأدنى قطرة من ذلك في غاية العجب، # PageV19P217 # أتبعه ما هو أعجب منه وهو شدة تملئهم منه فقال مسببا عما مضى: {فشاربون} ~~أي منه {شرب} بالفتح في قراءة الجماعة وبالضم لنافع وعاصم وحمزة، وقرئ شاذا ~~بالكسر والثلاثة مصادر، قال في القاموس: وشرب كسمع شربا ويثلث أوالشراب ~~مصدر وبالضم والكسر اسمان، وبالفتح القوم: يشربون، وبالكسر: الماء والحظ ~~منه، والمورد ووقت الشرب، والكل يصلح هنا {الهيم *} أي الإبل العطاش لأن ~~بها الهيام وهو داء يشبه الاستسقاء جمع أهيم، وقال القزاز: جمع هيماء وهو ~~أي - اليهام - بالضم: داء يصيب الإبل فتشرب ولا تروى - انتهى. وقال: ذو ~~الرمة: # فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد ... صداها ولا يقضي عليها هيامها # ويقال: الهيم: الرمل، ينصب فيه كل ما صب عليه، والمعنى أنه يسلط عليهم من ~~الجوع ما يضطرهم إلى الأكل ثم من العطش ما يضطرهم إلى الشرب على هذه ~~الهيئة. # PageV19P218 # ولما كان كأنه قيل: هذا عذابهم كله، قيل تهكما بهم ونكاية لهم: {هذا ~~نزلهم} أي ما يعد لهم أول قدومهم مكان ما يعد ms4924 للضيف أول حلوله كرامة له ~~{يوم الدين *} أي الجزاء الذي هو حكمة القيامة، وإذا كان هذا نزلهم فما ظنك ~~بما يأتي بعده على طريق من يعتني به فما ظنك بما يكون لمن هو أغنى منهم من ~~المعاندين وهو في طريق التهكم مثل قول أبي الشعراء الضبي: # وكنا إذا الجبار بالسيف ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا # PageV19P218 # ولما ذكر الواقعة وما يكون فيها للأصناف الثلاثة، وختم بها على وجه بين ~~فيه حكمتها وكانوا ينكرونها، دل عليه بقوله: {نحن} أي لا غيرنا {خلقناكم} ~~أي بما لنا من العظمة، ولعل هذا الخطاب للدهرية المعطلة من العرب. ولما ~~كانوا منكرين للبعث عدوا منكرين للابتداء وإن كانوا من المخلصة بالمقريب ~~بالخلق لأنهما لما بينهما من الملازمة لا انفكاك لأحدهما عن الآخر فقال: ~~{فلولا} أي فتسبب عن ذلك أن يقال تهديدا ووعيدا: هلا ولم لا {تصدقون *} أي ~~بالخلق الذي شاهدتموه ولا منازع لنا فيما فيه فتصدقوا بما لا يفرق بينه ~~وبينه إلا بأن يكون أحق منه في مجاري عاداتكم، وهو الإعادة فتعملوا عمل ~~العبيد لساداتهم ليكون حالكم حال مصدق بأنه مربوب. # ولما حضضهم على التصديق بالاستدلال بإيجادهم، وكان البعث إنما هو تحويلهم ~~من صورة بالية إلى الصورة التي كانوا عليها من قبل، سبب عن تكذيبهم به مع ~~تصديقهم بالخلق عدم النظر في تبديل الصور في تفاصيله، أو سبب عن قول من ~~عساه يقول من أهل الطبائع: إنما خلقنا من نطفة حدثت بحرارة كامنة، فقال: ~~{أفرأيتم} أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة أنا خلقناكم فيهديكم ذلك ~~أنا نقدر على الإعادة كما قدرنا على البداءة فرأيتم {ما تمنون *} أي تريقون ~~- من النطف التي هي مني في الأرحام بالجماع. # ولما كانت العبرة بالمسبب لا بالسبب، نبه على ذلك بتجديد الإنكار # PageV19P219 # تنبيها على أنهم وإن كانوا معترفين بتفرده بالإبداع، فإن إنكارهم للبعث ~~مستلزم لإنكارهم لذلك فقال: {ءأنتم تخلقونه} أي توجدونه مقدرا على ما هو ~~عليه من الاستواء والحكمة بعد خلقه من صورة النطفة إلى صورة العلقة ثم من ~~صورة ms4925 العلقة إلى صور المضغة ثم منها إلى صور العظام والأعصاب {أم نحن} ~~خاصة. ولما كان المقام لتقرير المنكرين ذكر الخبر المفهوم من السياق على ~~وجه أفهم أن التقدير: أو أنتم الخالقون له أم نحن؟ فقال: بل نحن {الخالقون ~~*} أي الثابت لنا ذلك، فالآية من الاحتباك: ذكر أولا {تخلقون} دليلا على ~~حذف مثله له سبحانه ثانيا، وذكر الاسم ثانيا دليلا على حذف مثله لهم أولا، ~~وسر ذلك أنه ذكر ما هو الأوفق لأعمالهم مما يدل على وقت التجدد ولو وقتا ~~ما، وما هو الأولى بصفاته سبحانه مما يدل على الثبات والدوام. # ولما كان الجواب: أنت الخالق وحدك، وكان الطبيعي ربما قال: اقتضى ذلك ~~الحرارة المخمرة للنطفة، وكانت المفاوتة للآجال مع المساواة في اسمية ~~الحياة من الدلائل العظيمة على تمام القدرة على الإفناء والإبداء بالاختيار ~~مبطلة لقول أهل الطبائع دافعة لهم، أكد ذلك الدليل بقوله: {نحن} أي بما لنا ~~من العظمة لا غيرنا {قدرنا} أي تقديرا # PageV19P220 # عظيما، لا يقدر سوانا على نقض شيء منه {بينكم} أي كلكم لم نترك أحدا منكم ~~بغير حصة منه {الموت} أي أوجبناه على مقدار معلوم لكل أحد لا يتعداه، ~~فقصرنا عمر هذا وربما كان في الأوج من قوة البدن وصحة المزاج، فلو اجتمع ~~الخلق كلهم على إطالة عمره ما قدروا أن يؤخروه لحظة، وأطلنا عمر هذا وقد ~~يكون في الحضيض من ضعف البدن واضطراب المزاج لو تمالؤوا على تقصيره طرفة ~~عين لعجزوا، وأنتم معترفون بأنه سبحانه رتب أفعاله على مقتضى الكمال ~~والقدرة والحكمة البالغة، فلو كانت فائدة الموت مجرد القهر لكانت نقصا ~~لكونه يعم الغني والفقير والظالم والمظلوم، ولكان جعل الإنسان مخلدا أولى ~~وأحكم، ففائدته غير مجرد القهر وهي الحمل على إحسان العمل للقاهر خوفا من ~~العرض عليه والمحاسبة بين يديه ثم النقلة إلى دار الجزاء والترقية إلى ~~العلوم التي البدن حجابها من تمييز الخبيث والطيب والعلم بمقادير الثواب ~~والعقاب، وغير ذلك مما يبصره أولو الألباب. # ولما كان حاصل الموت أنه تغيير الصورة التي كانت إلى غيرها، ms4926 وكان من قدر ~~على تحويل صورة إلى شيء قدر على تحويلها إلى شيء آخر مماثل لذلك الشيء قال: ~~{وما نحن} أي على ما لنا من العظمة، وأكد النفي فقال: {بمسبوقين *} أي ~~بالموت ولا عاجزين ولا مغلوبين {على أن نبدل} تبديلا عظيما {أمثالكم} أي ~~صوركم وأشخاصكم لما تقدم في الشورى من أن المثل في الأصل هو الشيء نفسه ~~{وننشئكم} أي إنشاء جديدا بعد تبديل ذواتكم {في ما لا تعلمون *} # PageV19P221 # فإن بعضهم تأكله السباع أو الحيتان أو الطيور فتنشأ أبدانها منه، بعضهم ~~يصير ترابا فربما نشأ منه نبات فأكلته الدواب، فنشأ منه أبدانها، وربما صار ~~ترابه من معادن الأرض كالذهب والفضة والحديد والحجر ونحو ذلك، وقد لمح إلى ~~ذلك قوله تعالى: {قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا} إلى آخرها، أو يكون ~~المعنى كما قال البغوي: نأتي بخلق مثلكم بدلا منكم ونخلقكم فيما لا تعلمون ~~من الصور. أي بتغيير أوصافكم وصوركم في صور أخرى بالمسخ، ومن قدر على ذلك ~~قدر على الإعادة. # PageV19P222 # ولما كان التقدير: فلقد علمتم النشأة الثانية النطفية، عطف عليه قوله ~~مؤكدا تنبيها على أنهم لما كانوا يعملون بخلاف ما يعلمون كانوا كأنهم ~~منكرون لهذا العلم: {ولقد علمتم} أي أيها العرب {النشأة الأولى} الترابية ~~لأبيه آدم عليه الصلاة والسلام: أو اللحمية لأمكم حواء عليها السلام حيث لم ~~يكن هناك طبيعة تقتضي ذلك، وإلا لوجد مثل ذلك بعد ذلك، والنطفية لكم، وكل ~~منها تحويل من شيء إلى غيره، فالذي شاهدتم قدرته على ذلك لا يقدر على ~~تحويلكم بعد أن تصيروا ترابا إلى ما كنتم عليه أولا من الصورة؟ ولهذا سبب ~~عما تقدم قوله: {فلولا} أي فهلا ولم لا {تذكرون *} أي تذكرا عظيما تكرهون ~~أنفسكم وإن كان فيه خفاء ما - مما أشار إليه الإدغام من أن الملوم عليه ~~غيب، وكذا # PageV19P222 # بعض ما قيس به أن من قدر على هذه الوجوه من الإبداءات قدر على الإعادة، ~~بل هي أهون في مجاري عاداتكم. # ولما كان علمهم بأمر النبات الذي هو الآية العظمى لإعادة الأموات ms4927 أعظم من ~~علمهم بجميع ما مضى، وكان أمره في الحرث وإلقاء البذر فيه أشبه شيء بالجماع ~~وإلقاء النطفة، ولذلك سميت المرأة حرثا، وصل بما مضى مسببا عنه قوله منكرا ~~عليهم: {أفرأيتم} أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما نبهناكم عليه ~~وفيما تقدم فتسبب عن تنبهكم لذلك أنكم رأيتم {ما تحرثون *} أي تجددون حرثه ~~على سبيل الاستمرار بتهيئة أرضه للبذر وإلقاء البذر فيه. # ولما كانوا لا يدعون القدرة على الإنبات بوجه، وكان القادر عليه قادرا ~~على كل شيء، وهم يعتقدون في أمر البعث ما يؤدي إلى الطعن في قدرته، كرر ~~الإنكار عليهم فقال: {ءأنتم تزرعونه} أي تنبتونه بعد طرحكم البذر فيه ~~وتحفظونه إلى أن يصير مالا {أم نحن} خاصة، وأكد لما مضى بذكر الخبر المعلوم ~~من السياق فقال: {الزارعون *} أي المنبتون له والحافظون، فالآية من ~~الاحتباك بمثل ما مضى في أختها قريبا سواء. # ولما كان الجواب قطعا: أنت الفاعل لذلك وحدك؟ قال موضحا لأنه ما زرعه ~~غيره بأن الفاعل الكامل من يدفع عما صنعه ما # PageV19P223 # يفسده، ومن إذا أراد إفساده لم يقدر أحد على منعه {لو نشاء} أي لو ~~عاملناكم بصفة العظمة، وأكد لأن فعلهم فعل الآمن من ذلك مع أنهم في غاية ~~الاستبعاد لأن يهلك زرعهم كما زرعوه أو لأن المطعوم أهم من المشروب وأعظم، ~~فإنه الأصل في إقامة البدن والمشروب تبع له فقال: {لجعلناه} أي بتلك العظمة ~~{حطاما} أي مكسرا مفتتا لا حب فيه قبل النبات حتى لا يقبل الخروج أو بعده ~~ببرد مفرط أو حر مهلك أو غير ذلك فلا ينتفع به {فظلتم} أي فأمتم بسبب ذلك ~~نهارا في وقت الأشغال العظيمة وفي كل وقت وتركتم كل ما يهمكم {تفكهون *} ~~قال في القاموس: فكههم بملح الكلام: أطرفهم بها وفكه - كفرح فكها فهو فكه ~~وفاكه: طيب النفس أو يحدث صحبه فيضحكم ومنه تعجب كتفكه، والتفاكه: التمازح، ~~وتفكه: تندم: والأفكوكة: الأعجوبة، وقال ابن برجان: الفكه هو المتردد في ~~القول الذاهب فيه كل مذهب - انتهى. # فأقمتم دائما تندمون على العاقكم ms4928 أو معاصيكم التي سببت ذلك التلف أو ~~تتعجبون أو تحدثون في ذلك ولم تعرجوا على شغل غيره كما تفعلون عند الأشياء ~~السارة التي هي في غاية الإعجاب والملاحة والملاءمة، ولهذا عبر عما المراد ~~به الإقامة مع الدوام ب {ظل} الذي معناه أقام نهارا إشارة إلى ترك الأشغال ~~التي تهم ومحلها النهار ويمنع الإنسان من أكثر ما يهمه من الكلام لهذا ~~النازل الأعظم، وحذف إحدى لامي ظل وتاء التفعل من تفكه إشارة # PageV19P224 # إلى ضعف المصابين عن الدفاع في بقائهم وفي كلامهم حال بقائهم الضعيف، ~~وكون المحذوف عين الفعل وهو الوسط، إشارة إلى خلع القلب واختراق الجوف ~~والقهر العظيم، فلا قدرة لأحد منهم على ممانعة هذا النازل بوجه ولا على ~~تبريد ما اعتراه منه من حرارة الصدر وخوف الفقر بغير الشكاية إلى آماله ممن ~~يعلم أنه لا ضر في يده ولا نفع، ورمبا كان ذلك إشارة إلى أنه عادته سبحانه ~~قرب الفرج من شدائد الدنيا ليكون الإنسان متمكنا من الشكر لا عذر له في ~~تركه، ويكون المعنى أنكم مع كثرة اعتيادكم للفرج بعد الشدة عن قرب تيأسون ~~أول ما يصدمكم البلاء، فتقبلون على كثرة الشكاية، ولا ينفعكم كثرة التجارب ~~لإدرار النعم أبدا. # ولما ذكر تفكههم، وكان التفكه يطلق على ما ذكر من التعجب والتندم وعلى ~~التنعم، قال الكسائي: هو من الأضداد، تقول العرب: تفكهت أي تنعمت، وتفكهت، ~~أي حزنت، بين المراد بقوله حكاية لتفكههم: {إنا} وأكد إعلاما بشدة بأسهم ~~فقال {لمغرمون *} أي مولع بنا وملازمون بشر دائم وعذاب وهلاك لهلاك رزقنا، ~~أو مكرمون بغرامة ما أنفقنا ولم ينتفع به، وقراءة أبي بكر عن عاصم ~~بالاستفهام لإنكار هذا الواقع والاستعظام له والتعجب منه، وهي منبهة على ~~أنهم لشدة اضطرابهم من ذلك الحادث مذبذبون تارة يجزمون باليأس والشر وتارة ~~يشكون فيه وينسبون الأمر إلى سوء تصرفهم، وعليه يدل # PageV19P225 # إضرابهم: {بل نحن} أي خاصة {محرمون *} أي حرمنا غيرنا وهو من لا يرد ~~قضاؤه، فلا حظ لنا في الاكتساب، فلو كان الزراع ممن له حظ لأفلح ms4929 زرعه، قال ~~في القاموس: الغرام: الولوع والشر الدائم والهلاك والعذاب، والغرامة ما ~~يلزم أداؤه، وحرمه: منعه، والمحروم، الممنوع عن الخير ومن لا ينمى له مال ~~والمحارف - أي بفتح الراء - وهو الممنوع من الخير الذي لا يكاد يكتسب، وقال ~~الأصبهاني في تفسيره: والمحروم ضد المرزوق، أي والمرزوق المجرود بالجيم وهو ~~المحظوظ. # ولما وقفهم على قدرته في الزرع مع وجود أسبابه، وقدمهم بشدة إليه، وكان ~~ربما ألبس نوع لبس لأن لهم فيه سببا في الجملة، أتبعه التوقيف على قدرته ~~على التصرف في سببه الذي هو الماء الذي لا سبب لهم في شيء من أمره أصلا، ~~فقال مسببا عما أفادهم هذا التنبيه مذكرا بنعمة الشرب الذي يحوج إليه ~~الغذاء: {أفرءيتم} أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما نبهنا عليه ~~مما مضى في المطعم وغيره، أفرأيتم {الماء} ولما كان منه ما لا يشرب، وكانت ~~النعمة في المشروب أعظم، قال واصفا له بما أغنى عن وصفه بالعذوبة، وبين ~~موضع النعمة التي لا محيد عنها فقال: {الذي تشربون *} ولما كان عنصره في ~~جهة العلو، قال منكرا عليهم مقررا لهم: {أءنتم أنزلتموه} ولما كان الإنزال # PageV19P226 # قد يطلق على مجرد إيجاد الشيء النفيس، وكان السحاب من عادته المرور مع ~~الريح لا يكاد يثبت، عبر بقوله تحقيقا لجهة العلو وتوقيفا على موضع النعمة ~~في إثباته إلى أن يتم حصول النفع به: {من المزن} أي السحاب المملوء الممدوح ~~الذي شأنه الإسراع في المضي، وقال الأصبهاني، وقيل: السحاب الأبيض خاصة، ~~وهو أعذب ماء {أم نحن} أي خاصة، وأكد بذكر الخبر وهو لا يحتاج إلى ذكره في ~~أصل المعنى فقال: {المنزلون *} أي له، رحمة لكم وإحسانا إليكم بتطييب عيشكم ~~على ما لنا من مقام العظمة الذي شأنه الكبر والجبروت وعدم المبالاة بشيء، ~~والآية من الاحتباك بمثل ما مضى في الآيتين السابقتين سواء. # PageV19P227 # ولما كان الجواب: أنت وحدك فعلت ذلك على غناك عن الخلق بما لك من الرحمة ~~وكمال الذات والصفات، قال مذكرا بنعمة أخرى: {لو نشاء} أي حال إنزاله وبعده ~~قبل ms4930 أن ينتفع به. ولما كانت صيرورة الماء ملحا أكثر من صيرورة النبت حطاما، ~~ولم يؤكد لذلك وللتنبيه على أن السامعين لما مضى التوقيف على تمام القدرة ~~صاروا في حيز المعترفين فقال تعالى: {جعلناه} أي بما تقتضيه صفات العظمة ~~{أجاجا} أي ملحا مرا محرقا كأنه في الأحشاء لهيب النار المؤجج فلا يبرد ~~عطشا ولا ينبت نبتا ينتفع به. ولما كان هذا مما لا يساغ لإنكاره، # PageV19P227 # سبب عنه على سبيل الإنكار والتحضيض قوله: {فلولا تشكرون *} أي فهل لا ولم ~~لا تجددون الشكر على سبيل الاستمرار باستعمال ما أفادكم ذلك من القوى في ~~طاعة الذي أوجده لكم ومكنكم منه وجعله ملائما لطباعكم مشتهى لنفوسكم نافعا ~~لكم في كل ما ترونه. # ولما كانت النار سببا لعنصر ما فيه الماء فيتحلب فيتقاطر كما كان الماء ~~سببا لتشقيق الأرض بالزرع، ولم يكن لمخلوق قدرة على التول بنوع سبب، أتبعه ~~بما كما أتبع الزرع بالماء لذلك ولبيان القدرة على ما لا سبب فيه لمخلوق في ~~السفل كما كان إنزال الماء عريا عن سنتهم في العلو، فقال مسببا عما مضى ~~تنبيها على أنه أهلهم للتأمل في مصنوعاته والتبصر في عجائب آياته فقال: ~~{أفرءيتم} أي أخبروني هل رأيتم بالأبصار والبصائر ما تقدم فرأيتم {النار} ~~ولما كان المراد نارا مخصوصة توقفهم على تمام قدرته وتكشف لهم ذلك كشفا ~~بينا بإيجاد الأشياء من أضدادها فقال: {التي تورون *} أي تستخرجون من الزند ~~فتوقدون به سواء كان الزند يابسا أو أخضر بعد أن كانت خفية فيه لا يظن من ~~لم يجرب ذلك أن فيه نارا أصلا، فكان ذلك مثل التورية التي يظهر فيها شيء ~~ويراد غيره، ثم صار بعد ذلك الخفاء إلى ظهور عظيم وسلطة متزايدة وعظمة ~~ظاهرة تحرق كل ما لا بسها حتى ما خرجت منه، والعرب أعرف الناس بأمر الزند، ~~وذلك أنهم يقطعون # PageV19P228 # غصنا من شجر المرخ وآخر من العفار، ويحكون أحدهما على الآخر فتتقدح منها ~~النار على أن النار في كل شجر، وإنما خص المرخ والعفار لسهولة القدح منهما، ~~وقد ms4931 قالوا: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار. # ولما كان هذا من عجائب الصنع، كرر التقرير والإنكار تنبيها عليه فقال: ~~{ءأنتم أنشأتم} أي اخترعتم وأوجدتم وأودعتم وأحييتم وربيتم وأوقعتم ~~{شجرتها} أي المرخ والعفار التي تتخذون منها الزناد الذي يخرج منه، ~~وأسكنتموها النار مختلطة بالماء الذي هو ضدها وخبأتموها في تلك الشجرة لا ~~يعدو واحد منها على الآخر مع المضادة فيغلبه حتى يمحقه ويعدمه {أم نحن} أي ~~خاصة، وأكد بقوله: {المنشئون *} أي لها بما لنا من العظمة على تلك الهيئة، ~~فمن قدر على إيجاد النار التي هي أيبس ما يكون من الشجرة الأخضر مع ما فيه ~~من المائية المضادة لها في كيفيتها، كان أقدر على إعادة الطرواة والغضاضة ~~في تراب الجسد الذي كان غضا طريا فيبس وبلي، والآية من الاحتباك بمثل ما ~~مضى في أخواتها سواء. # ولما كان الجواب قطعا: أنت وحدك، قال دالا على ذلك تنبيها على عظم هذا ~~الخبر: {نحن} أي خاصة {جعلناها} بما اقتضته عظمتنا، وقدم من منافعها ما هو ~~أولى بسياق البعث الذي هو مقامه فقال: {تذكرة} أي شيئا تتذكرونه وتتذكرون ~~به تذكرا عظيما جليلا عن # PageV19P229 # كل ما أخبرنا به من البعث وعذاب النار الكبرى وما ينشأ فيها من شجرة ~~الزقوم وغير ذلك مما ننيره لأولي البصائر والفهوم من العلوم، قال ابن ~~برجان: فوزان قدح الزناد من الشجر، والزناد وزان الصيحة بهم ووزان إنشائه ~~الأجسام وزان إنشائه الشجرة النار، ويتذكر بإنشائها في الشجر إنشاء الحياة ~~في الأجسام وبإنشائها من غيبها أن النار الكبرى في غيب ما نشاهده، وهذا من ~~آثار كونها في الجو - انتهى. وعلق بها سبحانه كثيرا من أسباب المعاش التي ~~لا غنى عنها ليكون مذكرا لهم بما أوقدوا به حاضرا دائما فيكون أجدر ~~باتعاظهم {ومتاعا} أي إنشاء وبقاء وتعميرا ونفعا وإيصالا إلى غاية المراد ~~من الاستضائة والاصطلاء والإنضاج والتحليل والإذابة والتعقيد والتكليس، ~~وهروب السباع وغير ذلك، والمراد أنها سبب لجميع ذلك {للمقوين} أي الجياع ~~الذي أقوت بطونهم - أي خلت - من الفقر والإغناء من النازلين بالأرض ms4932 القواء، ~~والقواء بالكسر والمد أي القفر الخالية المتباعدة الأطراف البعيدة من ~~العمران، وكل آدمي مهيأ للقواء فهو موصوف به وإن لم يكن حال الوصف كذلك، ~~وقال الرازي: أقوى من الأضداد: اغتنى وافتقر، وقال أبو حيان: وهذه الأربعة ~~التي ذكرها الله تعالى ووقفهم عليها من أمر خلقهم وما به قوام عيشهم من ~~المطعوم والمشروب، والنار من أعظم الدلائل على البعث إذ فيها انتقال من شيء ~~إلى شيء إحداث # PageV19P230 # شيء من شيء، ولذلك أمر في آخرها بتنزيهه - انتهى. # ولما دل سبحانه في هذه الآيات على عجائب القدرة وغرائب الصنع، فبدأ ~~بالزرع وختم بالنار والشجر، وأوجب ما نبه التذكر لأمرها والتبصر في شأنها ~~أنها من أسباب ما قبلها، وأنه سبب لها لكونه سببا لها لإثبات ما هي له، ~~وكان مجموع ذلك إشارة إلى العناصر الأربعة، قال ابن برجان: إلا أن الماء ~~والأرض لخلق الأركان، والأخلاق والصفات للهواء والنار، وكان ذلك من جميع ~~وجوهه أمرا باهرا، أشار إلى زيادة عظمته بالأمر بالتنزيه مسببا عما أفاد ~~ذلك، فقال معرضا عمن قد يلم به الإنكار مقبلا على أشرف خلقه إشارة إلى أنه ~~لا يفهم هذا المقام حق فهمه سواه ولا يعمل به حق عمله غيره: {فسبح} أي أوقع ~~التنزيه العظيم عن كل شائبة نقص من ترك البعث وغيره ولا سيما بعد بلوغ هذه ~~الأدلة إلى حد المحسوس تسبيح متعجب من آثار قدرته الدالة على تناهي عظمته ~~وتسبيح شكر له وتعظيم له وإكبار وتنزيه عما يقول الجاحدون وتعجيب منهم ~~مقتديا بجميع ما في السماوات والأرض، ومن أعجب ذلك أنه سخر لنا في هذه ~~الدار جهنم، قال ابن برجان: جعل منها بحرارة الشمس جنات وثمرات وفواكه ~~وزروع ومعايش. # PageV19P231 # ولما كان تعظيم الاسم أقعد في تعظيم المسمى قال: {باسم} أي متلبسا بذكر ~~اسم {ربك} أي المحسن بعد التربية إليك بهذا البيان الأعظم بما خصك به مما ~~لم يعطه أحدا غيرك، وأثبتوا ألف الوصل هنا لأنه لم يكثر دوره كثرته في ~~البسملة منها وحذفوه منها لكثرة دورها وهم شأنهم الإيجاز ms4933 وتقليل الكثير إذا ~~عرف معناه، وهذا معروف لا يجهل، وإثبات ما أثبت من أشكاله مما لا يكثر دليل ~~على الحذف منه، وكذا لا تحذف الألف مع غير الباء في اسم الله ولا مع الباء ~~في غير الجلالة من الأسماء لما تقدم من العلة. # ولما كان المقام للتعظيم قال: {العظيم *} الذي ملأ الأكوان كلها عظمة، ~~فلا شيء منها إلا وهو مملوء بعظمته تنزها عن أن تلحقه شائبة نقص أو يفوته ~~شيء من كمال، قال القشيري: وهذه الآيات التي عددها سبحانه تمهيد لسلوك طريق ~~الاستدلال وكما في الخبر «تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة» هذه الفكرة ~~التي نبه الله عليها. # ولما كان من العظمة الباهرة ما ظهر في هذه السورة من أفانين الإنعام في ~~الدارين، وبدأ بنعمة الآخرة لكونها النتيجة، ثم دل عليها بإنعامه في الدنيا ~~فكان تذكيرا بالنعم لتشكر، ودلالة على النتيجة لتذكر، وفي كل حالة تستحضر ~~فلا تكفر، فوصلت الدلالة إلى حد هو أوضح من المحسوس وأضوأ من المشموس، وكان ~~مع هذه الأمور الجليلة # PageV19P232 # في مظهر أعجز الخلائق على أن يأتوا بمثله من كل وجه، أما من جهة الجواب ~~عن تشبههم وتعنتهم فلكونه يطابق ذلك مطابقة لا يمكن أن يكون شيء مثلها، ~~ويزيد على ذلك بما شاء الله من المعارف من غير أن يدع لبسا، وأما من جهة ~~المفردات فلكونها النهاية في جلالة الألفاظ ورشاقة الحروف وجمع المعاني، ~~فيفيد ذلك أنه لا تقوم كلمة أخرى مقام كلمة منه أصلا، وأما من جهة التركيب ~~فلكون كل كلمة منها أحق في مواضعها بحيث إنه لو قدم شيء منها أو أخر لاختل ~~المعنى المراد في ذلك السياق بحسب ذلك المقام، وأما من جهة الترتيب في ~~الجمل والآيات والقصص في المبادئ والغايات فلكونه مثل تركيب الكلمات، كل ~~جملة منتظمة بما قبلها انتظام الدر اليتيم في العقد المحكم النظيم، لأنها ~~إما أن تكون علة لما تلته أو دليلا أو متممة بوجه من الوجوه الفائقة على ~~وجه ممتع الجناب جليل الحجاب لتكون أحلى في فمه، ms4934 وأجلى بعد ذوقه في نظمه ~~وسائر علمه، فكان ثبوت جميع ما أخبر به على وجه لا مغتمر فيه ولا وقفة في ~~اعتقاد حسنه، فثبت أن الله تعالى أرسل الآتي بهذا القرآن صلى الله عليه ~~وسلم بالهدى وبالحق، لا أنه آتاه كل ما ينبغي له، فآتاه الحكمة وهي ~~البراهين القاطعة واستعمالها على وجوهها، والموعظة الحسنة، وهي الأمور ~~المرققة للقلوب المنورة للصدور، والمجادلة التي هي على أحسن الطرق في نظم ~~معجز موجب للإيمان، فكان من سمعه # PageV19P233 # ولم يؤمن لم يبق له من الممحلات إلا أن يقول: هذا البيان ليس لظهور ~~المدعى وثبوته بل لقوة عارضة المدعي وقوته على تركيب الأدلة وصوغ الكلام ~~وتصريف وجوه المقال، وهو يعلم أنه يغلب لقوة جداله لا لظهور مقاله، كما أنه ~~ربما يقول أحد المتناظرين عند انقطاعه لخصمه: أنت تعلم أن الحق معي لكنك ~~تستضعفني ولا تنصفني، فحينئذ لا يبقى للخصم جواب إلا الإقسام بالإيمان التي ~~لا مخرج عنها أنه غير مكابر وأنه منصف، وإنما يفزع إلى الإيمان لأنه لو أتى ~~بدليل آخر لكان معرضا لمثل هذا، فيقول: وهذا غلتني فيه لقوة جدالك وقدرتك ~~على سوق الأدلة ببلاغة مقالك، فلذلك كانوا إذا أفحمهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم قالوا: إنه يريد أن يتفضل علينا فيما نعلم خلافه، فلم يبق إلا ~~الإقسام، فأنزل الله أنواعا من الأقسام بعد الدلائل العظام، ولهذا كثرت ~~الآيات في أواخر القرآن، وفي السبع الأخيرة خاصة أكثر، فلذلك سبب عن هذه ~~الأدلة الرائعة والبراهين القاطعة قوله: {فلا أقسم} بإثبات «لا» النافية، ~~إما على أن يكون مؤكدة بأن ينفي ضد ما أثبته القسم، فيجمع الكلام بين إثبات ~~المعنى المخبر به ونفي ضده، وإما على تقدير أن هذا المقام يستحق لعظمته ~~وإنكارهم له أن # PageV19P234 # يقسم عليه بأعظم من هذا على ما له من العظمة لمن له علم - والله أعلم. # ولما كان الكلام السابق في الماء الذي جعله سبحانه مجمعا للنعيم الدنيوية ~~الظاهرة وقد رتب سبحانه لإنزاله الأنواء على منهاج دبره وقانون أحكمه، وجعل ~~إنزال القرآن نجوما ms4935 مفرقة وبوارق متلالئة متألقة قال: {بمواقع النجوم *} أي ~~بمساقط الطوائف القرآنية المنيرة النافعة المحيية للقلوب، وبهبوطها الذي ~~ينبني عليه ما ينبني من الآثار الجليلة وأزمان ذلك وأماكنه وأحواله، ~~وبمساقط الكوكب وأنوائها وأماكن ذلك وأزمانه في تدبيره على ما ترون من ~~الصنع المحكم والفعل المتقن المقوم، الدال بغروب الكواكب على القدرة على ~~الطي بعد النشر والإعدام بعد الإيجاد، وبطلوعها الذي يشاهد أنها ملجأة إليه ~~إلجاء الساقط من علو إلى سفل لا يملك لنفسه شيئا، لقدرته على الإيجاد بعد ~~الإعدام، وبآثار الأنواء على مثل ذلك بأوضح منه - إلى غير ذلك من الدلالات ~~التي يضيق عنها العبارات، ويقصر دون علياها مديد الإشارات، ولمثل هذه ~~المعاني الجليلة والخطوب العظيمة جعل في الكلام اعتراضا بين القسم وجوابه، ~~وفي الاعتراض اعتراضا بين الموصوف وصفته تأكيدا للكلام، وهزا لنافذ الأفهام ~~تنبيها على أن الأمر عظيم والخطب فادح جسيم، فقال موضحا له بالتأكيد رحمة ~~للعبيد بالإشارة إلى أنهم جروا على غير ما يعلمون من عظمتنا فعدوا غير ~~عالمين: {وإنه} أي هذا القسم على # PageV19P235 # هذا المنهج {لقسم لو تعلمون} أي لو تجدد لكم في وقت علم لعلمتم أنه ~~{عظيم} وإقسامه لنا على ذلك ونحن أقل قدرا وأضعف أمرا إعلاما بما له من ~~الرحمة التي من عظمها أنه لا يتركنا سدى - كل ذلك ليصلح أنفسنا باتباع أمره ~~والوقوف عند زجره، قال ابن برجان: ومن إتقانه جل جلاله في خليقته وحكمه في ~~بريته أن جعل لكل واقع من النجوم الفلكية طالعا يسمى بالإضافة إلى الواقع ~~الرقيب دون تأخر، وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى: # {رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن: 18] يجمع ~~ذلك الشمس والقمر والنجوم وهي نجوم منازل القمر عددها ثمانية وعشرون منزلة ~~سوى تحجبها الشمس فتمت تسع وعشرون منزلة يشتشرفها القمر، فربما استتر ليلة ~~وربما استتر ليلتين، فالقمر ينزل في هذه المنازل كل ليلة منزلة حتى يتمها ~~لتمام الشهر، وإما الشمس فإنها تقيم فيها أربعة عشر يوما ويسمى حلولها في ~~هذه المحال ثم طلوع المنزلة التي تليها ms4936 لوقوع هذا رقيب لها نوء - انتهى، ~~وهو يعني أن من تأمل هذه الحكم علم ما في هذا القسم من العظم، وأشبع القول ~~فيها أبو الحكم، وبين ما فيها من بدائع النعم، ثم قال: ويفضل الله بفتح ~~رحمته كما يشاء فينزل من السماء ماء مباركا يكسر به من برد الزمهرير فيرطبه ~~ويبرد من حر السعير فيعدله، وقسم السنة على أربعة فصول أتم فيها أمره في ~~الأرض بركاتها وتقدير # PageV19P236 # أقواتها، قال {وبارك فيها وقدر بها أقواتها في أربعة أيام} [فصلت: 10] في ~~قراءتنا (فيها) بدل (بها) ا. ه. ثم قال: وجعل هذه الدنيا على هذا الاعتبار ~~الجنة الصغرى، ولو أتم القسم على هذا الوجه ثم على الاعتبار تخفيفه الفيح ~~وإنارته الزمهرير والسعير هي جهنم الصغرى. # PageV19P237 # ولما أتم القسم على هذا الوجه الجليل، أجابه بقوله مؤكدا لما لهم من ظاهر ~~الإنكار: {إنه} أي القرآن الذي أفهمته النجوم بعموم أفهامها {لقرآن} أي ~~جامع سهل قريب مفقه مبين للغوامض ذو أنواع جليلة {كريم *} ظهرت فيه أفانين ~~إنعامه سبحانه فيما دق من أمور هذه الدنيا وجل من أمور الدارين بما ذكر في ~~هذه السورة وما تقدمها من إصلاح المعاش والمعاد، فهو بالغ الكرم منزه عن كل ~~شائبة نقص ولؤم ودناءة، من كرمه كونه من الملك الأعلى إلى خير الخلق بسفارة ~~روح القدس وبلسان العرب الذين اتفق الفرق على أن لسانهم أفصح الألسن وعلى ~~وجه أعجز العرب. # ولما ذكر المعنى، ذكر محل النظم الدال عليه بلفظ دال على نفس النظم فقال: ~~{في كتب} أي خط ومخطوط فيه جامع على وجه هو في غاية الثبات {مكنون *} أي هو ~~في ستر مصون لما له من النفاسة والعلو في السماء في اللوح المحفوظ، وفي ~~الأرض في الصدور المشرفة، # PageV19P237 # وفي السطور في المصاحف المكرمة المطهرة، محفوظا مع ذلك من التغيير ~~والتبديل. # ولما كان ما هو كذلك قد يحصل له خلل يسوء خدامه قال: {لا يمسه} أي الكتاب ~~الذي هو مكتوب الذي هو مكتوب فيه أعم من أن يكون في السماء أو في ms4937 الأرض أو ~~القرآن أو المكتوب منه فضلا عن أن يتصرف فيه {إلا المطهرون *} أي الطاهرون ~~الذين بولغ في تطهيرهم وهم رؤوس الملائكة الكرام، ولم يكن السفير به إلا هم ~~ولم ييسر الله حفظه إلا لأطهر عباده، ولم يعرف معناه إلا لأشرف حفاظه ~~وأطهرهم قلوبا، ومن عموم ما يتحمله اللفظ من المعنى بكونه كلام العالم لكل ~~شيء فهو لا يحمل لفظا إلا وهو مراد له أنه يحرم منه على من لم يكن له في ~~غاية الطهارة بالبعد عن الحدثين الأكبر والأصغر، فهو على هذا نفي بمعنى ~~النهي وهو أبلغ، قال البغوي: وهو قول أكثر أهل العلم، وروي بإسناد من طريق ~~أبي مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو ابن حزم أن في الكتاب ~~الذي كتبه رسول الله لعمرو بن حزم رضي الله عنه (أن لا يمس القرآن إلا ~~طاهر) والمراد به المصحف للجوار كما في النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض ~~العدو. ومما يحتمله أيضا التعبير باللمس أنه لا يقرأه بلسانه إلا طاهر، # PageV19P238 # فإن أريد الجنابة كان النهي للحرمة أو للأكمل. # ولما ذكر الذي منه صيانته، أتبعه شرفه بشرف منزله وإنزاله على حال هو في ~~غاية العظمة مسميا له باسم المصدر للمبالغة ولأن هذا المصدر أغلب أحواله، ~~ولذلك غلب عليه هذا الأسم: {تنزيل} أي وصوله إليكم بالتدريج بحسب الوقائع ~~والتقريب للأفهام والتأني والترقية من حال إلى حال وحكم بواسطة الرسل من ~~الملائكة. # ولما كان هذا في غاية الاتفاق واليسر ذكر من صفاته ما يناسبه فقال: {من ~~رب العالمين *} من الخالق العالم بتربيتهم. # ولما أفصح من وصف هذا الكتاب العظيم ما يقتضي أن يكون بمجرده مثبتا لما ~~لا تدركه العقول من كماله وكافيا في الإذعان لاعتقاده فكيف إذا كان ما تحكم ~~العقول وتقضي بفساد ما سواه، فكيف إذا كان مما يتذكر الإنسان مثله في نفسه، ~~عجب منهم في جعله سببا لإنكار البعث الذي إذا ذكر الإنسان أحوال نفسه كفاه ~~ذلك في الجزم به فقال منكرا تعجبا: {أفبهذا} ولما ms4938 كان الإنسان مغرما بما ~~يجدد له من النعم ولو هان فكيف إذا كان أعلى النعم قال: {الحديث} أي الذي ~~تقدمت أوصافه العالية وهو متجدد إليكم إنزاله وقتا بعد وقت {أنتم} أي وأنتم ~~العرب الفصحاء والمفوهون البلغاء {مدهنون *} # PageV19P239 # أي كذابون منافقون بسببه تظهرون غير ما تبطنون أنه كذاب وأنتم تعلمون ~~صدقه بحسن معانيه، وعجزكم عن مماثلته في نظومه ومبانيه، وتقولون: لو شئنا ~~لقلنا مثل هذا: وجميع أفعالكم تخالف هذا فإنكم تصبرون لوقع السيوف ومعانقة ~~الحتوف، ولا تأتون بشيء يعارضه يبادئ شيئا منه أو يناقضه أو تلاينون أيها ~~المؤمنون من يكذب به ويطعن في علاه أو يتوصل ولو على وجه خفي إلى نقض شيء ~~من عراه، تهاونا به ولا يتصلبون في تصرفه تعظيما لأمره حتى يكونوا أصلب من ~~الحديد، قال في القاموس: دهن: نافق، والمداهنة: إظهار خلاف ما تبطن ~~كالإدهان والغش، وقال البغوي رحمه الله: هو الإدهان وهو الجري في الباطن ~~على خلاف الظاهر، وقال الرازي: والفرق بين المداراة والمداهنة يرجع إلى ~~القصد، فما قصد به غرض سوى الله فهو المداهنة، وما قصد به أمر يتعلق بالدين ~~فهو المداراة، وقال ابن برجان: الإدهان والمداهنة: الملاينة في الأمور ~~والتغافل والركون إلى التجاوز - انتهى. فهو على هذا إنكار على من سمع أحدا ~~يتكلم في القرآن بما لا يليق ثم لا يجاهره بالعداوة، وأهل الاتحاد كابن ~~عربي الطائي صاحب الفصوص وابن الفارض صاحب التائية أول من صوبت إليه هذه ~~الآية، فإنهم تكلموا في القرآن على وجه يبطل الدين أصلا ورأسا ويحله عروة ~~عروة، فهم أضر الناس على هذا الدين، ومن يؤول لهم أو ينافح عنهم # PageV19P240 # ويعتذر لهم أو يحسن الظن بهم مخالف لإجماع الأمة أنجس حالا منهم فإن ~~مراده إبقاء كلامهم الذي لا أفسد للإسلام منه من غير أن يكون لإبقائه مصلحة ~~ما بوجه من الوجوه. # ولما كان هذا القرآن متكفلا بسعادة الدارين، قال تعالى: {وتجعلون رزقكم} ~~أي حظكم ونصيبكم وجميع ما تنتفعون به من هذا الكتاب وهو نفعكم كله {أنكم ~~تكذبون *} أي توجدون حقيقة ms4939 التكذيب في الماضي والحال، وتجددون ذلك في كل ~~وقت به وبما أرشد إليه من الأمور الجليلة وهي كل ما هو أهل للتصديق به ~~وتصفونه بالأوصاف المتناقضة، ومن ذلك ما أرشد إليه من أنه لا فاعل إلا الله ~~تعالى فتقولون أنتم إذا أمطركم ما يرزقكم به: هذا بنوء كذا، معتقدين تأثير ~~ذلك النوء، وإنما هو بالله تعالى، فجعلتم جزاء الرزق وبذل الشكر على الرزق ~~التكذيب، وقال ابن برجان: وتجعلون رزقي إياكم من قرآن عظيم أنزلته، وكلام ~~عظيم نزلته، ونور إيمان بينته، وضياء يقين جليته، وما أنزلته من السماء من ~~بركات قدرتها ومن رياح أرسلتها، وسحب ألفتها، تجعلون مكان الشكر على ذلك ~~التكذيب. # ولما أنكر عليهم هذا الإنكار، وعجب منهم هذا التعجيب في أن ينسبوا لغيره ~~فعلا أو يكذبوا له خبرا، سبب عن ذلك تحقيقا لأنه لا فاعل سواه قوله: ~~{فلولا} وهي أداة تفهم طلبا بزجر وتوبيخ وتقريع # PageV19P241 # بمعنى هل لا ولم لا {إذا بلغت} أي الروح منكم ومن غيركم عند الاحتضار، ~~أضمرت من غير ذكر لدلالة الكلام عليها دلالة ظاهرة {الحلقوم *} وهو مجرى ~~الطعام في الحلق، والحلق مساغ الطعام والشراب معروف، فكان الحلقوم أدنى ~~الحلق إلى جهة اللسان لأن الميم لمنقطع التمام، {وأنتم} أي والحال أنكم ~~أيها العاكفون حول المحتضر المتوجعون له {حينئذ} أي حين إذ بلغت الروح ذلك ~~الموضع. # ولما كان بصرهم لكونه لا ينفذ في باطن كالعدم قال: {تنظرون *} أي ولكم ~~وصف التحديق إليه ولا حيلة لكم ولا فعل بغير النظر، ولم يقل: تبصرون، لئلا ~~يظن أن لهم إدراكا بالبصر لشيء من البواطن من حقيقة الروح وغيرها نحوها ~~{ونحن} أي والحال أنا نحن بما لنا من العظمة {أقرب إليه} أي المحتضر حقيقة ~~بعلمنا وقدرتنا التامة وملائكتنا {منكم} على شدة قربكم منه {ولكن لا تبصرون ~~*} أي مع تحديقكم إليه لا يتأثر عن ذلك التحديق غايته، وهو الإبصار لقربنا ~~منه، ولا ملائكتنا الموكلين بقبض روحه، لتعلموا أن الفعل لنا لا لغيرنا، ~~فلا يتجدد لكم شيء من هذا الوصف لتدركوا به حقيقة ms4940 ما هو فيه، فثبت ما ~~أخبرنا به من الاختصاص بباطن العلم والقدرة اللذين عبرنا عنهما بالقرب الذي ~~هو أقوى أسبابها. # PageV19P242 # ولما كان الكلام لإثبات هذه الأغراض المهمة قبل جواب «لولا» أعادها ~~تأكيدا لها وتبينا فقال: {فلولا إن كنتم} أيها المكذبون # PageV19P242 # بالبعث وغيره {غير مدينين *} أي مقهورين مملوكين مجربين محاسبين بما ~~عملتم في دار البلاء التي أقامكم فيها أحكم الحاكمين بامتناعكم بأنفسكم عن ~~أن يجازيكم أو يمنع غيركم لكم منه، وأصل تركيب (دان) للذل والانقياد - قاله ~~البيضاوي {ترجعونها} أي الروح إلى ما كانت عليه {إن كنتم} أي كونا ثابتا ~~{صادقين *} أي في أنكم غير مقهورين على الإحضار على الملك الجبار الذي ~~أقامكم في هذه الدار للابتلاء والاختبار، وأنه ليس لغيركم أمركم، وفي ~~تكذيبكم لما يخبر به من الأمور الدنيوية بذل شكركم، وهذا دليل على أنه لا ~~حياة لمن بلغت روحه الحلقوم أصلا وهذا إلزام لهم بالبعث حاصله أنه سبحانه ~~إن كان لا يعيدكم فليس هو الذي قدر الموت عليكم، وإن كان لم يقدره فما لكم ~~لا ترفعونه عنه لأنه من الفوادح التي لا يدرك علاجها، وأنتم تعالجون ~~مقدماته. وإن قلتم: إنه مقدر لا يمكن علاجه، لزمكم الإقرار بأن البعث مقدر ~~لا يمكن علاجه، فإن أنكرتم أحدهما فأنكروا الآخر، وإن أقررتم بأحدهما ~~فأقروا بالآخر، وإلا فليس إلا العناد، فإن قلتم: نحن لا نعلم أنه قدره ~~فاعلموا أنه لو لم يكن بتقديره لأمكنت مقاومته وقتا ما لا سيما والنفوس ~~مجبولة على كراهته، وفي الموتى الحكماء والملوك، وتقريبه أنكم قد بالغتم في ~~الجحود بآيات الله تعالى وأفعاله في كل شيء إن أرسل إليكم رسولا قلتم: ساحر ~~كذاب، وإن صدقه مرسله بكتاب معجز قلتم: سحر وافتراء وأمر عجاب، وإن رزقكم ~~من الماء الذي به حياة كل شيء مطرا ينعشكم # PageV19P243 # به قلتم: صدق نوء كذا، على حال مؤد إلى التعطيل والإهمال والعبث، فما لكم ~~لا ترجعون الروح إلى البدن عند بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم مدبر لهذا الكون ~~بالإرسال والإنزال وإفاضة الأرواح وقبضها وبعث العباد ms4941 لدينونتهم على ما ~~فعلوا فيما أقامهم فيه، تمثيل بأفعال الملوك على ما يعهد، فكما أن ملوك ~~الدنيا لا يرسل أحد منهم إلى أحد من رعيته فيأخذه قهرا إلا للدينونة فكيف ~~يظن بملك الملوك غير ذلك، فتكون ملوك الدنيا أحكم منه، فإن كان ليس بتمام ~~القدرة فافعلوا برسله كما تفعلون برسل الملوك، فإنه ربما خلص المطلوب منهم ~~بنوع من أنواع الخلاص بعد بلوغه إلى باب الملك فإرساله سبحانه هو مثل إرسال ~~الملوك غير أنه لتمام قدرته يأخذ أخذا لا يقدر أحد على رده، ولا أن يتبع ~~مأخوذه أصلا لا ليخدمه بعد الأخذ ولا ليخفف عنه شيئا مما هو فيه بغير ما ~~أمر به سبحانه على ألسنة رسله من الدعاء والصدقة ولا ليعلم حاله بوجه من ~~الوجوه بل الأمر كما قيل: # إذا غيب المرء استسر حديثه ... ولم يخبر الأفكار عنه بما يغني # ولما كان التقدير: لا يقدر أحد أصلا على ردها بعد بلوغها إلى ذلك المحل ~~لأنا نريد جمع الخلائق للدينونة بما فعلوا فيما أقمناهم فيه وأمرناهم به ~~ولا يكون إلا ما تريد، فكما أنكم مقرون بأنه خلقكم من تراب وبأنه يعيدكم ~~قهرا إلى التراب يلزمكم حتما أن تقروا بأنه قادر على أن يعيدكم # PageV19P244 # من التراب فإن أنكرتم هذا اللازم لزمكم إنكار ملزومه، وذلك مكابرة في ~~الحس فليكن الآخر مثله، فثبت أنا إنما نعيد الخلائق إلى التراب لنجمعهم فيه ~~ثم نبعثهم منه لنجازي كلا بما يستحق ونقسمهم إلى أزواج ثلاثة {فأما إن كان} ~~أي الميت منهم {من المقربين *} أي السابقين الذين اجتذبهم الحق من أنفسهم ~~فقربهم منه فكانوا مرادين قبل أن يكونوا مريدين، وليس القرب قرب مكان لأنه ~~تعالى منزهه عنه، وإنما هو بالتخلق بالصفات الشريفة على قدر الطاقة البشرية ~~ليصير الإنسان روحا خالصا كالملائكة لا سبيل للحظوظ والشهوات عليه، فإن ~~قربهم إنما هو بالانخلاع من الإرادة أصلا ورأسا، وذلك أنه لا شهوات لهم فلا ~~أغراض فلا فعل إلا أمروا به فلا إرادة، إنما الإرادة للمولى سبحانه وهو ~~معنى {وينهى عن الفحشاء ms4942 والمنكر والبغي} [النحل: 90] أي مطلق الإرادة في ~~غير أمر من الله، لأن المملوك الذي هو لغيره لا ينبغي أن يكون له شيء لا ~~إرادة ولا غيرها - وفقنا الله تعالى لذلك {فروح} أي فله راحة ورحمة ما ~~ينعشه من نسيم الريح ومعنى قراءة يعقوب بالضم طمأنينة في القلب وسكينة ~~وحياة لا موت بعدها {وريحان} أي رزق عظيم ونبات حسن بهج وأزاهير طيبة ~~الرائحة. # ولما ذكر هذه اللذاذة، ذكر ما يجمعها وغيرها فقال: {وجنات} أي بستان جامع ~~للفواكه والرياحين وما يكون عنها وتكون عنه. # PageV19P245 # ولما كان جنان الدنيا قد يكون فيها نكد، أضاف هذه الجنة إلى المراد بهذه ~~الجنان إعلاما بأنها لا تنفك عنه فقال: {نعيم *} أي ليس فيها غيره بل هي ~~مقصورة عليه {وأما إن كان} أي الميت منهم {من أصحاب اليمين *} أي الذين هم ~~الدرجة الثانية من أصحاب الميمنة {فسلام} أي سلامة ونجاة وأمر وقول دال ~~عليه. ولما كان ما يواجه به الشريف من ذلك أعلى قال: {لك} أي يا أعلى الخلق ~~أو يا أيها المخاطب. # ولما كان من أصاب السلام على وجه من الوجوه فائزا، فكيف إذا كان مصدرا ~~للسلام ومنبعا منه قال: {من أصحاب اليمين *} أي أنهم في غاية من السلامة ~~وإظهار السلام، لا يدرك وصفها، وهو تمييز فيه معنى التعجيب، فإن إضافته لم ~~تفده تعريفا، وفي اللام و {من} مبالغة في ذلك، فالمعنى: فأما هم فعجبا لك ~~وأنت أعلى الناس في كل معنى، وأعرفهم بكل أمر غريب منهم في سلامتهم وسلامهم ~~وتعافيهم وملكهم وشرفهم وعلو مقامهم، وذلك كله إنما أعطوه لأجلك زيادة في ~~شرفك لاتباعهم لدينك، فهو مثل قول القائل حيث قال: # فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مقار العمل شدت يذبل # وقول القائل أيضا حيث قال: # لله در أنو شروان من رجل ... ما كان أعرفه بالدون والسفل # أي عجبا لك من ليل وعجبا من أنو شروان. # PageV19P246 # ولما ذكر الصنفين الناجيين، أتبعهما الهالكين جامعا لهم في صنف واحد لأن ~~من أريدت له السعادة يكفيه ذلك، ومن ms4943 ختم بشقائه لا ينفعه ذلك الإغلاظ ~~والإكثار فقال {وأما إن كان} أي ذلك الذي أخذناه من أصحاب المشأمة وأنتم ~~حوله تنقطع أكبادكم له ولا تقدرون له على شيء أصلا {من المكذبين} . # ولما كان المكذب تارة يكون معاندا، وتارة يكون جاهلا مقتصرا، قال: ~~{الضالين} أي أصحاب الشمال الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها لتهاونهم في ~~البعث {فنزل} أي لهم وهو ما يعد للقادم على ما لاح {من حميم *} أي ماء ~~متناه في الحرارة بعد ما نالوا من العطش كما يرد أصحاب الميمنة الحوض كما ~~يبادر به القادم ليبرد به غلة عطشه ويغسل به وجهه ويديه {وتصلية جحيم *} أي ~~لهم بعد النزل يصلوا النار الشديدة التوقد صليا عظيما. # ولما تم ما أريد إثبات البعث على هذا الوجه المحكم البين، وكانوا مع ~~البيان يكذبون به، لفت الخطاب عنهم إلى أكمل الخلق، وأكد تسميعا لهم فقال ~~سائقا له مساق النتيجة: {إن هذا} أي الذي ذكر في هذه السورة من أمر البعث ~~الذي كذبوا به في قولهم {إننا لمبعوثون} ومن قيام الأدلة عليه. ولما كان من ~~الظهور في حد لا يساويه فيه غيره. زاد في التأكيد على وجه التخصيص فقال: # PageV19P247 # {لهو حق اليقين *} أي لكونه لما عليه من الأدلة القطعية المشاهدة كأنه ~~مشاهد مباشر، قال الأصبهاني: قال قتادة في هذه الآية: إن الله عز وجل ليس ~~تاركا أحدا من الناس حتى يوقفه على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن ~~فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك، وأما المنافق فأيقن يوم القيامة حيث لا ينفعه - ~~انتهى. # ولما تحقق له هذا اليقين، سبب عنه أمره بالتنزيه له سبحانه عما وصفوه به ~~مما يلزم منه وصفه بالعجز بعد تقسيمه للأزواج الثلاثة على طريق الإيجاز كما ~~أمره بذلك بعد الفراغ من تقسيمهم على طريق الإطناب إشارة إلى أن المفاوتة ~~بينهم مع ما لهم من العقول من أعظم الأدلة على الفعل بالاختيار وعلى فساد ~~القول بالطبيعة: {فسبح} أي أوقع التنزيه كله عن كل شائبة نقص بالاعتقاد ~~والقول والفعل والصلاة وغيرها بأن تصفه ms4944 بكل ما وصف به نفسه من الأسماء ~~الحسنى وتنزهه عن كل ما نزه عنه نفسه المقدس، ولقصره الفعل لإفادة العموم ~~أثبت الجار بقوله: {باسم ربك} أي المحسن إليك بما خصك به مما لم يعطه أحدا ~~غيرك عما وصفه به الكفرة من التكذيب بالواقعة، وإذا كان هذا لا سمه فكيف ~~بما له وهو {العظيم *} الذي ملأت عظمته جميع الأقطار والأكوان، وزادت على ~~ذلك بما لا يعلمه حق العلم سواه لأن من له هذا الخلق على هذا الوجه المحكم، ~~وهذا الكلام الأعز الأكرم، لا ينبغي # PageV19P248 # لشائبة نقص أن تلم بجنابه، أو تدنو من فناء بابه، وقد انطبق آخر السورة ~~على أولها في الإخبار بالبعث وتصنيف الخلائق فيه إلى الأصناف المذكورة في ~~أولها أي انطباق، وزاد هذا الآخر بأن اعتنق بدليله أي اعتناق، واتفق مع أول ~~التي بعدها أي اتفاق، وطابقه أجل طباق، وختمت بصفتي الرحمة والعظمة، وجلت ~~عن الاسم الجامع كاللتين قبلها لما ذكره في أواخر القمر من أنه لم يذكر في ~~واحدة من الثلاث أحد من أهل المعصية المصاحبة للإيمان، ليخاطب بالاسم ~~الجامع للإهانة والإحسان، وإنما ذكر أهل الكفران المستوجبين للهوان بالخلود ~~في النيران، وأهل الإيمان المتأهلين للإحسان بتأبيد الإمكان في أعلى الجنان ~~- انتهى. # PageV19P249 # (سورة الحديد) # مقصودها بيان عموم الرسالة لعموم الإلهية بالبعث إلى الأزواج الثلاثة ~~المذكورة في السورتين الماضيتين من الثقلين تحقيقا لأنه سبحانه مختص بجميع ~~صفات الكمال تحقيقا لتنزهه عن كل شائبة نقص المبدوء به هذه السورة المختوم ~~به ما قبلها الراد لقولهم) أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون) [الواقعة: 47 ~~- 48] المقتضي لجهاد من يحتاج إلى الجهاد ممن عصى رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) بالسيف وما ترتب عليه من النفقة ردا لهم عن النقائص الجسمانية وإعلاء ~~إلى الكلمات الروحانية التي دعا إليها الكتاب حذرا من سواء الحساب يوم ~~التجلي للفصل بين العباد بالعدل ليدخل أهل الكتاب وغيرهم في الدين طوعا أو ~~كرها، ويعلم أهل الكتاب الذين كانوا يقولون: ليس أحد أفضل منه، فضيلة هذا ~~الرسول (صلى الله عليه وسلم) ms4945 على جمكيع من تقدمه من الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام بعموم رسالته وشمول خلافته، وانتشار دعوته وكثرة أمته تحقيقا لأنه ~~لا حد لفائض رحمته سبحانه لتكون هذه السورة التي هي آخر النصف الأول والتي ~~بعدها التي هي أول النصف الثاني من حيث العدد غاية للمقصود من السورة التي ~~هي أوله عند الالتفات والرد كما كانت السورة التي غاية النصف الأول # PageV19P250 # يفي المقدار وهي الإسراء، وكذا السورة التي هي أول النصف الثاني وهي ~~الكهف كاشفتين لمقصد الأولى فيما دعت إليه من الهداية وشدت إليه من ~~الإنذار، على ذلك دل اسمها الحديد يتأمل آياته وتدبر سر ما ذكر فيه ~~وغاياته، أسند صاحب الفردوزس عن جابر رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) قال: " لا تحتجموا يوم الثلاثاء فإن سورة الحديد أنزلت يوم الثلاثاء ~~") بسم الله (الذي أحاطت إلالهيته بجميع الموجودات) الرحمن (الذي وسعهم ~~جوده فيي جميع الحركات والسكنات) الرحيم (الذي خص من بينهم بما له من ~~الاختيار يفي كمال الاقتدار أهل ولا يته بما يرضيه من العبادات. # PageV19P251 # ولما ختمت الواقعة بالأمر بتنزيهه عما أنكره الكفرة من البعث، جاءت هذه ~~لتقرير ذلك التنزيه وتبيينه بالدليل والبرهان والسيف والسنان فقال تعالى ~~كالتعليل لآخر الواقعة: {سبح} أي أوقع التسبيح بدلالة الجبلة تعظيما له ~~سبحانه وإقرارا بربوبيته وإذعانا لطاعته، وقصره، وهو متعد ليدل على العموم ~~بقصره، وعلى الإخلاص بتعديته باللام وجعله ماضيا هنا وفي الحشر والصف ~~ومضارعا في الجمعة والتغابن ليدل على أن مما أسند إليه التسبيح هو من شأنه ~~وهجيراه وديدنه وتخصيص كل من الماضي والمضارع بما افتتح به لما يأتي في أول ~~الجمعة، والإتيان بالمصدر أول الإسراء أبلغ من حيث إنه يدل إطلاقه # PageV19P251 # على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال {لله} أي الملك المحيط بجميع ~~صفات الكمال {ما في السماوات} أي الأجرام العالية والذي فيها وهي الأرض ومن ~~فيها وكل سماء ومن فيها، وما بينهما لأنها كلها في العرش الذي هو أعلى ~~الخلق. # ولما كان الكلام آخر الواقعة مع أهل الخصوص ms4946 بل هو أخص أهل الخصوص، لم ~~يحتج إلى تأكيد فحذف ما جعلا للخافقين كشيء واحد لأن نظره لهما نظر علو ~~نظرا واحدا لما أخبر به عنهما من التنزيه فقال: {والأرض *} أي وما فيها ~~وكذا نفس الأراضي كما تقدم، فشمل، ذلك جميع الموجودات لأنه إذا سبح ذلك كله ~~فتسبيح العرش بطريق الأولى وتنزيه هذه الأشياء بما فيها من الآيات الدالة ~~على أنه سبحانه لا يلم بجنابه شائبة نقص، وأن كل شيء واقف على الباب يشاهد ~~الطلب، قال القشيري: التسبيح: التقديس والتنزيه، ويكون بمعنى سباحة الأسرار ~~في بحار الإجلال، فيظفرون بجواهر التوحيد، وينظمونها في عقد الإيمان، ~~ويرصعونها في أطواق الوصلة. # ولما قرر ذلك، دل على أنه لا قدرة لشيء على الانفكاك عنه، وأن له كل ~~كمال، فهو المستحق للتسبيح والحمد فقال: {وهو} أي وحده {العزيز} الذي يغلب ~~كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم *} الذي أتقن كل شيء صنعه. # وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير العاصمي في برهانه: لما تقدم قوله # PageV19P252 # سبحانه وتعالى {فلولا تصدقون} [الواقعة: 57] وفيه من التقريع والتوبيخ ~~لمن قرع به ما لا خفاء به، ثم اتبع بقوله تعالى {أفرءيتم ما تمنون} ~~[الواقعة: 58] الآيات إلى قوله {ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 73] فعزروا ~~ووبخوا على سوء جهلهم وقبح ضلالهم، ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك {أبهذا ~~الحديث أنتم مدهنون} [الواقعة: 81] واستمر توبيخهم إلى قوله: {إن كنتم ~~صادقين} [الواقعة: 87] فلما أشارت هذه الآيات إلى قبائح مرتكباتهم، أعقب ~~تعالى ذلك تنزيهه عز وجل عن سوء ما انتحلوه وضلالهم فيما جهلوه فقال تعالى ~~{فسبح باسم ربك} [الواقعة: 69] أي نزهه عن عظيم ضلالهم وسوء اجترائهم، ثم ~~أعقب ذلك بقوله {سبح لله ما في السماوات والأرض} أي سبح باسم ربك، فهي سنة ~~العالم بأسرهم # {وله أسلم من في السماوات والأرض} [آل عمران: 83] {سبح لله ما في ~~السماوات والأرض} ثم أتبع ذلك بقوله: {له الملك وله الحمد} فبين تعالى ~~انفراده بصفة الجلال ونعوت الكمال، وأنه المتفرد بالملك والحمد وأنه الأول ~~والآخر والظاهر والباطن إلى قوله: {وهو عليم بذات الصدور} فتضمنت ms4947 هذه ~~الآيات إرغام من أشير إلى حاله في الآية المتقدمة من سورة الواقعة وقطع ~~ضلالهم والتعريف بما جهلوه من صفاته العلى وأسمائه الحسنى جل وتعالى، ~~وافتتحت آي السورتين واتصلت معانيها ثم صرف الخطاب إلى عباده المؤمنين فقال ~~تعالى {آمنوا بالله ورسوله} واستمرت الآي على خطابهم إلى آخر السورة - ~~انتهى. # PageV19P253 # ولما أخبر بذلك، دل على وجه مصرح بما أفهمه الأول من تسبيح السماوات ~~والأرض بقوله: {له} أي وحده {ملك السماوات والأرض} أي وملك ما فيهما وما ~~بينهما ظاهرا وباطنا، فالملك الظاهر ما هو الآن موجود في الدنيا من أرض ~~مدحية وسماء مبنية وكواكب مضية وأفلاك علية ورياح محسوسة وسحاب مرئية - وما ~~تفصل إلى ذلك من خلق وأمر، والملك الباطن الغائب عنا، وأعظمه المضاف إلى ~~الآخر وهو الملكوت، قال القشيري: الملك مبالغة من الملك يعني بدلالة الضمة، ~~قال، والملك بالكسر أي القدرة على الإبداع فلا مالك إلا الله، وإذا قيل ~~لغيره: مالك، فعلى المجاز بالأحكام المتعلقة في الشريعة على ملك الناس أي ~~بتصحيحه أو إفساده ونحوه ذلك، فالآية من الاحتباك: ذكر ما بين السماوات ~~والأرض أولا دليلا على حذف ما بينهما ثانيا، وذكر الخافقين ثانيا دليلا على ~~حذف مثل ذلك أولا ليكون التسبيح والملك شاملا للكل. # ولما كان ذلك مما لا نزاع فيه، وكان ربما عاند معاند، دل عليه بما لا ~~مطمع فيه لغيره فقال مقدما الإحياء لأنه كذلك في الخارج ولأن زمن الحياة ~~أكثر لأن البعث حياة دائمة لا موت بعدها: {يحيي} أي له صفة الإحياء فيحيي ~~ما يشاء من الخلق بأن يوجده على صفة الإحياء كيف شاء في أطور يتقلبها كيف ~~شاء وكيف يشاء ومما يشاء # PageV19P254 # {ويميت} أي له هاتان الصفتان على سبيل الاختيار والتجد والاستمرار، فهو ~~قادر على البعث بدليل ما ثبت له من صفة الإحياء. ولما كان هذا شاملا للقدرة ~~على التجديد والإعادة، عم الحكم بقوله: {وهو على كل شيء} أي من الإحياء ~~والإماتة وغيرهما من كل ممكن {قدير *} أي بالغ القدرة إلى حد لا يمكن ~~الزيادة عليه. ms4948 # ولما أخبر بتمام القدرة، دل على ذلك بقوله: {هو} أي وحده {الأول} أي ~~بالأزلية قبل كل شيء فلا أول له، والقديم الذي منه وجود كل شيء وليس وجوده ~~من شيء لأن كل ما نشاهده متأثر لأنه حقير، وكل ما كان ما كان كذلك فلا بد ~~له من موجد غير متأثر {والآخر} بالأبدية، الذي ينتهي إليه وجود كل شيء في ~~سلسلة الترقي وهو بعد فناء كل شيء ولو بالنظر إلى ما له من ذاته فلا آخر له ~~لأنه يستحيل عليه نعت العدم لأن كل ما سواه متغير، بنوع من التغيير جاز ~~إعدامه، وما جاز إعدامه فلا بد له من معدم يكون بعده ولا يمكن إعدامه. # ولما كان السبق يقتضي البطون، والتأخر يوجب الظهور، وكانا أمرين متضادين ~~لا يكاد الإنسان يستقل بتعلقهما في شيء واحد، نبه على اجتماعهما فيه، فقال ~~مشيرا بالواو إلى تمام الاتصاف وتحققه: {والظاهر} أي بالأحدية للعقل بأدلته ~~الظاهرة في المصنوعات بما له من الأفعال ظهورا لا يجهله عاقل، وهو الغالب ~~في رفعته وعلوه فليس فوقه شيء # PageV19P255 # {والباطن} بالصمدية وعن انطباع الحواس وارتسام الخيال وتصور الفهم والفكر ~~وبتمام العلم والحكمة بما له من العظمة في ذاته بكثرة التعالي والحجب بطونا ~~لا يكتنه شيء، وقال القشيري: الأول بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء. الظاهر ~~بلا خفاء، الباطن بنعت العلا وعز الكبرياء - انتهى، والعطف للدلالة كما ~~أشير إليه على الإحاطة التامة لأنها لما كانت متضادة كانت بحيث لو أعريت عن ~~الواو لربما ظن أن وجودها لا على سبيل التمكن، فلا تكون محيطة بل مقيدة ~~بحيثية مثلا فجاءت الواو دلالة على تمكن الوصف وإحاطته وإنه واقع بكل ~~اعتبار ليس واحد من الأوصاف مكملا لشيء آخر ولا شارحا لمعناه، فهو أول على ~~الإطلاق وآخر كذلك، وظاهر حتى في حال بطونه وباطن كذلك، وهذا على الأصل فإن ~~صفاته تعالى محيطة فلا إشكال، إنما الإشكال عند الخلو من العطف فهو الأغلب ~~في إيرادها كما آخر الحشر، ولعل ذلك مراد الكشاف بقوله: إن الواو الأولى ~~معناها الدلالة ms4949 على الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، أي جمعا هو في ~~غاية المكنة، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى ~~فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأولين ومجموع الصفتين الأخيرتين، فهو ~~المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية. انتهى. # ولما كان من ظهر لشيء بطن عن غيره، ومن بطن لشيء غاب # PageV19P256 # عنه علمه، وكان سبحانه في ظهوره على ذلك بمعنى أنه ليس فوقه شيء، وفي ~~بطونه بحيث ليس دونه شيء، فقد جمعت الأوصاف إحاطة العلم والقدرة، أعلم ~~نتيجة ذلك فقال: {وهو بكل شيء عليم *} أي لكون الأشياء عنده على حد سواء، ~~والبطون والظهور إنما هو بالنسبة إلى الخلق، وأما هو سبحانه فلا باطن من ~~الخلق عنده بل هو في غاية الظهور لديه لأنه الذي أوجدهم، وهذا معنى ما قال ~~البغوي رحمه الله تعالى: سأل عمر رضي الله عنه كعبا عن هذه الآية فقال: ~~معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن - انتهى. # لأن العلم يستلزم القدرة على حسبه. ولما كان الصانع للشيء عالما به، دل ~~على علمه وما تقدم من وصفه بقوله: {هو} أي وحده {الذي خلق السماوات} وجمعها ~~لعلم العرب بتعددها {والأرض} أي الجنس الشامل للكل، أفردها لعدم توصلهم إلى ~~العلم بتعددها {في ستة أيام} سنا للتأني وتقريرا للأيام التي أوترها سابعها ~~الذي خلق فيه الإنسان الذي دل خلقه باسمه {الجمعة} على أنه المقصود بالذات ~~وبأنه السابع على أنه نهاية المخلوقات - انتهى. # ولما كان تمكن الملك من سرير الملك كناية عن انفراده بالتدبير # PageV19P257 # وإحاطة قدرته وعلمه، وكان ذلك هو روح الملك، دل عليه منبها على عظمته ~~بأداة التراخي فقال: {ثم استوى} أي أوجد السواء وهو العدل إيجاد من هو شديد ~~العناية {على العرش} المحيط بجميع الموجودات بالتدبير المحكم للعرش وما ~~دونه ومن دونه ليتصور للعباد أن العرش منشأ التدبير، ومظهر التقدير، كما ~~يقال في ملوكنا: جلس فلان على سرير الملك، بمعنى أنه انفرد بالتدبير، وقد ~~لا يكون هناك سرير فضلا عن جلوس. # ولما كان المراد بالاستواء ms4950 الانفراد بالتدبير، وكان التدبير لا يصح إلا ~~بالعلم والقدرة، كشفه بقوله دالا على أن علمه بالخفايا كعلمه بالجلايا: ~~{يعلم ما يلج} أي يدخل دخولا يغيب به {في الأرض} أي من النبات وغيره من ~~أجزاء الأموات وغيرها وإن كان ذلك بعيدا من العرش، فإن الأماكن كلها ~~بالنسبة إليه على حد سواء في القرب والبعد {وما يخرج منها} كذلك، وفي ~~التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع في الخافقين من القوى فصار بحيث يتجدد ~~منهما ذلك بخلقه تجدد استمرار إلى حين خرابهما. # ولما قرر ذلك فيما قد يتوهم بعده لبعده عن العرش بسفوله تنبيها على ~~التنزه عن التحيز فكان أولى بالتقديم، أتبعه قسيمه وهو جهة العلو تعميما ~~للعمل بسائر الخلق فقال: {وما ينزل من السماء} ولم يجمع # PageV19P258 # لأن المقصود حاصل بالواحدة مع إفهام التعبير بها الجنس السافل للكل، وذلك ~~من الوحي والأمطار والحر والبرد وغيرهما من الأعيان والمنافع التي يوجدها ~~سبحانه من مقادير أعمار بني آدم وأرزاقهم وغيرها من جميع شؤونهم {وما يعرج} ~~أي يصعد ويرتقي ويغيب {فيها} كالأبخرة والأنوار والكواكب والأعمال وغيرها. # ولما كان من يتسع ملكه يغيب عنه علم بعضه لبعده عنه، عرف أنه لا مسافة ~~أصلا بينه وبين شيء من الأشياء فقال: {وهو معكم} أي أيها الثقلان المحتاجان ~~إلى التهذيب بالعلم والقدرة المسببين عن القرب {أين ما كنتم} فهو عالم ~~بجميع أموركم وقادر عليكم تعاليا عن اتصال بالعلم ومماسة، أو انفصال عنه ~~بغيبة أو مسافة، قال أبو العباس ابن تيمية في كتابه الفرقان بين أولياء ~~الرحمن وأولياء الشيطان: لفظ «مع» لا يقتضي في لغة العرب أن يكون أحد ~~الشيئين مختلطا بالآخر لقوله # {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] وقوله: {محمد رسول الله ~~والذين معه أشداء على الكفار} ولفظ «مع» جاءت في القرآن عامة وخاصة، ~~فالعامة {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} [المجادلة: 7] فافتتح الكلام بالعلم ~~واختتمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ms4951 والضحاك # PageV19P259 # وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل: هو معهم بعلمه، وأما المعية الخاصة فقوله ~~تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] وقوله ~~تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: {إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] وقال: ~~{إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] يعني النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، فهو مع موسى وهارون عليهما السلام ~~دون فرعون، ومع محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه دون أبي جهل ~~وغيره من أعدائه، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين، ~~فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام، ~~بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك، وقوله تعالى: {وهو الذي ~~في السماء إله وفي الأرض إله} [الزخرف: 84] أي هو إله في السماء وإله في ~~الأرض كما قال تعالى: {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم} [الروم: 27] وكذلك في قوله تعالى: {وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض} كما فسره أئمة العلم كأحمد وغيره أنه المعبود في السماوات والأرض. # ولما كانت الأعمال منها ظاهر وباطن، عبر في أمرها باسم الذات دلالة على ~~شمولها بالعلم والقدر وتنبيها على عظمة الإحاطة بها وبكل صفة من صفاته ~~فقال: {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال، وقدم الجار لمزيد الاهتمام ~~والتنبيه على تحقق الإخاطة # PageV19P260 # كما مضى التنبيه عليه غير مرة وتمثيله بنحو: أعرف فلانا ولا أعرف غيره؛ ~~فقال: {بما تعملون} أي على سبيل التجدد والاستمرار {بصير *} أي عالم ~~بجلائله ودقائقه. # PageV19P261 # ولما كان صانع الشيء قد لا يكون ملكا، وكان الملك لا يكمل ملكه إلا بعلم ~~جميع ما يكون في مملكته والقدرة عليه، وكان إنكارهم للبعث إنكارا لأن يكون ~~ملكا، أكد ذلك بتكرير الإخبار به فقال: {له} أي وحده {ملك السماوات} وجمع ~~لاقتضاء المقام له {والأرض} أفرد لخفاء تعددها عليهم مع إرادة الجنس، ودل ~~على دوام ملكه وإحاطته بقوله عاطفا على ما تقديره: فمن الله المبدأ، معبرا ~~بالاسم الأعظم الجامع ms4952 لئلا يظن الخصوص بأمور ما تقدم: {وإلى الله} أي الملك ~~الذي لا كفؤ له وحده {ترجع} بكل اعتبار على غاية السهولة {الأمور *} أي ~~كلها حسا بالبعث ومعنى بالإبداء والإفناء، ودل على هذا الإبداء والإفناء ~~بأبدع الأمور وأروقها فقال: {يولج} أي يدخل ويغيب بالنقص والمحو {اليل في ~~النهار} فإذا قد قصر بعد طوله، وقد انمحى بعد تشخصه وحلوله، فملأ الضياء ~~الأقطار بعد ذلك الظلام {ويولج النهار} الذي عم الكون ضياؤه وأناره لألاؤه ~~{في اليل} الذي قد كان غاب في علمه، فإذا الظالم قد طبق الآفاق، والطول، ~~الذي # PageV19P261 # كان له قد صار نقصا. # ولما كان في هذا إظهار أخفى الأشياء حتى يصير في غاية الجلاء، أتبعه علم ~~ما هو عند الناس أخفاء ما يكون فقال: {وهو} أي وحده {عليم} أي بالغ العلم ~~{بذات الصدور *} أي ما يصحبها فتخفيه فلا يخرج منها الهمزات على مدى الأيام ~~على كثرة اختلافها وتغيرها وإن خفيت على أصحابها. # ولما قامت الأدلة على تنزيهه سبحانه عن شائبة كل نقص، وإحاطته بكل صفة ~~كمال، المقتضي لثبوت أن الملك له، الموجب قطعا لتفرده بعموم الإلهية، ~~المقتضي لإرسال من يريده إلى جميع من في ملكه، وختم بالعلم بالضمائر التي ~~أجلها الإيمان، قال آمرا بالإذعان له ولرسوله صلى الله عليه وسلم: {آمنوا} ~~أي أيها الثقلان {بالله} أي الملك الأعظم الذي لا مثل له {ورسوله} الذي ~~عظمته من عظمته. ولما كان الإيمان أساسا، والإنفاق وجها ظاهرا ورأسا، قال ~~جامعا بين الأساس الحامل الخفي والوجه الظاهر الكامل البهي: {وأنفقوا} أي ~~في إظهار دينه: ورغبهم في ذلك بطلب اليسير مما أعطاهم الله وزهدهم منه ~~بقوله: {مما جعلكم} أي بقدرته {مستخلفين} أي مطلوبا موجودا خلافتكم {فيه} ~~وهو له دونكم بما يرضي من استخلفكم في تمهيد سبيله فطيبوا بها نفسا لأنها ~~ليست في الحقيقة لكم وإنما أنتم خزان، وخافوا من عزلكم من الخلافة ~~بانتزاعها من أيديكم بتولية غيركم أمرها، إما في حياتكم، وإما # PageV19P262 # بعد مماتكم، كما فعل بغيركم حين أوصل إليكم ما وصل من أموالهم، «فليس لكم ms4953 ~~منها إلا ما أكلتم فأفنيتم أو لبستم فأبليتم أو تصدقتم فأبقيتم - وفي ~~رواية: فأمضيتم» # وليهن الإنفاق منها عليكم كما يهون على الإنسان النفقة من مال غيره إذا ~~كان أذن له فيه. # ولما أمر بالإنفاق ووصفه بما سهله، سبب عنه ما يرغب فيه فقال مبالغا في ~~تأكيد الوعد لما في ارتكابه من العسر بالتعبير عنه بالجملة الاسمية وبناء ~~الحكم على الضمير بالوصف بالكبير وغير ذلك: {فالذين آمنوا} وبين أن هذا خاص ~~بهم لضيق الحال في زمانهم فقال: {منكم وأنفقوا} أي من أموالهم في الوجوه ~~التي ندب إليها على وجه الإصلاح كما دل عليه التعبير بالإنفاق {لهم أجر ~~كبير *} أي لا تبلغ عقولكم حقيقة كبره فاغتنموا الإنفاق في أيام استخلافكم ~~قبل عزلكم وإتلافكم. # PageV19P263 # ولما رغب في الإنفاق والإيمان، وكان الإيمان مقتضى بالإنفاق، عجب ممن لا ~~يبادر إلى الحاصل على كل خير، فقال مفصلا لما أجمل من الترغيب فيهما، بادئا ~~بأبين كل خير، منفسا عنهم بالتعبير بأداة الاستقبال بالبشارة بالعفو عن ~~الماضي مرهبا موبخا لمن لا يبادر إلى مضمون ما دخل عليه الاستفهام، عاطفا ~~على ما تقديره: فما لكم لا تبادرون إلى ذلك: {وما} أي وأي شيء {لكم} من ~~الأعذار أو غيرها في أنكم، أو حال كونكم {لا تؤمنون بالله} أي تجددون ~~الإيمان - أي تجديدا # PageV19P263 # مستمرا - بالملك الأعلى أي الذي له الملك كله ولأمر كله بعد سماعكم لهذا ~~الكلام: لأن «لا» لا تدخل على مضارع إلا وهو بمعنى الاستقبال، ولو عبر ~~بعبارة تدل على الحال لربما تعنت متعنت فقال: فأت ما طلب منا، والذي بعد ~~هذا من الحال التي هي في معنى دالة على هذا، وهي قوله: {والرسول} أي والحال ~~أن الذي له الرسالة العامة {يدعوكم} صباحا ومساء على ما له من مقتضيات ~~القبول منه من حسن السمت وجلالة القدر وإظهار الخوارق وغير ذلك {لتؤمنوا} ~~أي لأجل أن تجددوا الإيمان {بربكم} أي الذي أحسن تربيتكم بأن جعلكم من أمة ~~هذه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وشرفكم به {وقد} أي والحال أنه قد ms4954 ~~{أخذ ميثاقكم} أي وقع أخذه فصار في غاية القباحة ترك ما وقع التوثق بسببه ~~بنصب الأدلة والتمكين من النظر بإبداع العقول، وذلك كله منضم إلى أخذ ~~الذرية من ظهر آدم عليه الصلاة والسلام وإشهادهم على أنفسهم وإشهاد ~~الملائكة عليهم، وبنى الفعل للمفعول في قراءة أبي عمرو ليكون المعنى أي أخذ ~~كان لأن الغدر عند الكرماء شديد من غير نظر إلى معين لا سيما العرب فكيف ~~إذا كان الآخذ الملك الأعظم القادر على كل شيء العالم بكل شيء، ورسوله الذي ~~تعظيمه من تعظيمه، كا صرحت به قراءة الجماعة بالبناء للفاعل ولا يخفى ~~الإعراب، والحاصل أنهم نقضوا الميثاق في الإيمان، فلم يؤاخذهم # PageV19P264 # حتى أرسل الرسل. # ولما حثهم على تجديد الإيمان على سبيل الاستمرار بالتعجب من ترك ذلك، ~~وكان كل واحد يدعي العراقة في الخير، هيجهم وألهبهم بقوله: {إن كنتم} أي ~~جبلة ووصفا ثابتا {مؤمنين *} أي عريقين في وصف الإيمان، وهو الكون على نور ~~الفطرة الأولى. # ولما وصفه بالربوبية، دل عليها بقوله: {هو} أي وحده لا غيره {الذي ينزل} ~~أي على سبيل التدريج والموالاة بحسب الحاجة. ولما كان الخطاب في هذه السورة ~~للمخلص، قال مضيفا إلى ضميره غير مقرون بما يدل على الجلال والكبرياء {على ~~عبده} أي الذي هو أحق الناس بحضرة جماله وإكرامه لأنه ما تعبد لغيره قط ~~{آيات} أي علامات هي من ظهورها حقيقة بتأن يرجع إليها ويتقيد بها {بينت} ~~جدا على ما له من النعوت التي هي في غاية الوضوح {ليخرجكم} أي الله أي عبده ~~بما أنزل إليه مع أنه بشر مثلكم، والجنس إلى جنسه أميل ومنه أقبل، ولا سيما ~~إن كان قريبا ولبيبا أريبا {من الظلمات} التي أنتم منغمسون فيها من الحظوظ ~~والنقائص التي جبل عليها الإنسان والغفلة والنسيان، الحاملة على تراكم ~~الجهل، فمن آتاه سبحانه العلم والإيمان فقد أخرجه نم هذه الظلمات التي طرأت ~~عليه {إلى النور} الذي كان وصفا لروحه وفطرته الأولى السليمة. # PageV19P265 # ولما كان التقدير: فإن الله به للطيف خبير، عطف عليه قوله مؤكدا لأجل ~~زلزال ms4955 من يطول به البلاء من المؤمنين وإنكار الكفار: {وإن الله} أي الذي له ~~صفات الكمال {بكم} قدم الجار لأن عظيم رحمته لهذه الأمة موجب لعد نعمته على ~~غيرنا عدما بالنسبة إلى نعمته علينا {لرؤوف رحيم *} أي كنتم بالنظر إلى ~~رحمته الخاصة التي هي لإتمام النعمة صنفين: منكم من كان له به وصلة بما ~~يفعل في أيام جاهليته من الخيرات كالإنفاق في سبيل المعروف، وعبر بالإنفاق ~~لكونه خيرا لا رياء ونحوه فيه كالصديق رضي الله عنه فعاد عليه، بعد عموم ~~رحمته بالبيان، بخصوص رحمة عظيمة أوصلته إلى أعظم درجات العرفان، ومنكم من ~~كان بالغا في اتباع الهوى فابتدأه بعد عموم رحمة البيان بخصوص رحمة هداه ~~بها إلى أعمال الجنان، وهي دون ما قبلها في الميزان، وفوقها من حيث إنها ~~بدون سبب من المرحوم. # ولما أمرهم بالإيمان والإنفاق، وكان الإيمان مع كونه الأساس الذي لا يصح ~~عمل بدونه ليس فيه شيء من خسران أو نقصان، فبدأ به لذلك، ورغب بختم الآية ~~بالإشارة بالرأفة إلى أن من توصل # PageV19P266 # إليه بشيء من الإيمان أو غيره زاده من فضله «من تقرب مني شبرا تقربت منه ~~ذراعا - إلى قوله: ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» عطف عليه الترغيب في التوصل ~~إليه بالإنفاق منكرا على من تركه موبخا لمن حاد عنه هو يعلم أنه فان، مفهما ~~بزيادة «أن» المصدرية اللوم على تركه في جميع الأزمنة الثلاثة فقال: {وما} ~~أي وأي شيء يحصل {لكم} في {ألا تنفقوا} أي توجدوا الإخراج للمال {في سبيل ~~الله} أي في كل ما يرضي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال لتكون لكم به ~~وصلة فيخصكم بالرأفة التي هي أعظم الرحمة، فإنه أم بخل به أحد عن وجه خير ~~إلا سلط الله عليه غرامة في وجه شر، وأظهر موضع الإضمار في جملة حالية ~~باعثا على الإنفاق بأبلغ بعث فقال: {ولله} تأكيدا للعظمة بالندب إلى ذلك ~~باستحضار جميع صفات الكمال لا سيما صفة الإرث المقتضية للزهد في الموروث ~~{ميراث} أي الإرث والموروث والموروث عنه وغير ذلك ms4956 {السماوات والأرض} جميعا ~~لا شيء فيهما أو منهما إلا هو كذلك يزول عن المنتفع به ويبقى لله بقاء ~~الإرث، ومن تأمل أنه زائل هو وكل ما في يده والموت من ورائه، ويد طوارق ~~الحوادث مطبقة به، وعما قليل ينقل ما في يده إلى غيره # PageV19P267 # هان عليه الجود بنفسه وماله. # ولما رغبهم في الإنفاق على الإطلاق، رغبهم في المبادرة إليه، مادحا أهله ~~خاصا منهم أهل السياق فقال: {لا يستوي} . ولما كان المراد أهل الإسلام بين ~~بقوله: {منكم من أنفق} أي أوجد الإنفاق في ماله وجميع قواه وما يقدر عليه. ~~ولما كان المقصود الإنفاق في زمان الإيمان لا مطلق الزمان، خص بالجار فقال: ~~{من قبل الفتح} أي الذي هو فتح جميع الدنيا في الحقيقة وهو فتح مكة الذي ~~كان سببا لظهور الدين على الدين كله لما نال المنفق إذ ذاك بالإنفاق من ~~كثرة المشاق لضيق المال حينئذ، وذلك مستلزم لكون المنفق أنفذ بصيرة ونفقته ~~أعظم غنى وأشد نفعا، وفيه دليل على فضل أبي بكر رضي الله عنه فإنه أول من ~~أنفق ولم يسبقه في ذلك أحد، وفيه نزلت الآية - كما حكاه البغوي عن الكلبي. # ولما كان المراد بالإيمان خدمة الرحمة، وكان الإنفاق وإن كان مصدقا ~~للإيمان لا يكمل تصديقه إلا ببذل النفس قال: {وقاتل} أي سعيا في إنفاق نفسه ~~لمن آمن به، وحذف المنفي للتسوية به وهو من لم ينفق مطلقا أو بقيد القبلية ~~لدلالة ما بعده، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى قلة السابقين. # ولما كان نفي المساواة لا يعرف منها الفاضل من غيره، وقد كان # PageV19P268 # حذف قسيم من أنفق لوضوحه والتنفير منه ودلالة ما بعده عليه، نفى اللبس ~~بقوله: {أولئك} أي المنفقون المقاتلون وهم السابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار، المقربون من أهل الرتبة العية لمبادرتهم إلى الجود بالنفس والمال ~~{أعظم درجة} وبعظم الدرجة يكون عظم صاحبها {من الذين أنفقوا} ولما كان ~~المراد التفضيل على أوجد الإنفاق والقتال في زمان بعد ذلك، لا على من ~~استغرق كل زمان بعده بالإنفاق والقتال أدخل ms4957 الجار فقال: {من بعد وقاتلوا} ~~ولما كان التفضيل مفهما اشتراك الكل في الفضل، صرح به ترغيبا في الإنفاق ~~على كل حال فقال: {وكلا} أي من القسمين {وعد الله} أي الذي له الجلال ~~والكمال والإكرام {الحسنى} أي الدرجة التي هي غاية الحسن وإن كانت في نفسها ~~متفاوتة، وقرأ ابن عامر {وكل} وهو أوفق لما عطف عليه. # ولما كان زكاء الأعمال إنما هو بالنيات، وكان التفضيل مناط العلم، قال ~~مرغبا في إحسان النيات مرهبا من التقصير فيها: {والله} أي الذي له الإحاطة ~~الشاملة بجميع صفات الكمال، وقدم الجار إعلاما بمزيد اعتناء بالتمييز عند ~~التفضيل فقال: {بما تعملون} أي تجددون عمله على مر الأوقات {خبير *} أي ~~عالم بباطنه وظاهره علما لا مزيد # PageV19P269 # عليه بوجه، فهو يجعل جزاء الأعمال على قدر النيات التي هي أرواح صورها. # PageV19P270 # ولما فضل السابقين بالإنفاق، ووعد بالحسنى اللاحقين بحسن الاتباع، وأشار ~~إلى أنه ربما ألحقهم ببعضهم بصفاء الإخلاص فتوفرت الدواعي على البذل، أثمر ~~ذلك قوله مسيما الصدقة التي صورتها صورة إخراج من غير عوض باسم القرض الذي ~~هو إخراج بعوض ترغيبا فيها لما أعد عليها من الجزاء المحقق فكيف إذا كان ~~مضاعفا: {من} وأكد بالإشارة بقوله: {ذا} لأجل ما للنفوس من الشح {الذي يقرض ~~الله} أي يعطي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام بإعطاء المستحق لأجله ~~عطاء من ماله هو على صورة القرض لرجائه الثواب {قرضا حسنا} أي طيبا خالصا ~~فيه متحريا به أفضل الوجوه طيبة به النفس من غير من ولا كدر بتسويف ونحوه. # ولما كان ما يعطي الله المنفق من الجزاء مسببا عن إنفاقه، ربطه بالفاء ~~فقال عطفا على {يقرض} : {فيضاعفه له} مرغبا فيه بجعله مبالغا بالتضعيف أولا ~~وجعله من باب المفاعلة ثانيا، وكذا التفضيل # PageV19P270 # في قراءة ابن كثير وابن عامر ويعقوب {فيضعفه} وقرأه ابن عامر ويعقوب ~~بالنصب جوابا للاستفهام تأكيدا للربط والتسبيب. ولما كانت المضاعفة منه ~~سبحانه لا يعلم كنهها إلى هو قال: {وله} أي المقرض من بعد ما تعقلونه من ~~المضاعفة زيادة على ذلك {أجر} ms4958 لا يعلم قدره إلى الله، وهو معنى وصفه بقوله: ~~{كريم *} أي حسن طيب زاك نام. # ولما بين ما لهذا المقرض، بين بعض وصفه بالكرم ببيان وقته فقال: {يوم} أي ~~لهم ذلك في الوقت الذي {ترى} فيه بالعين، وأشار إلى أن المحبوب من المال لا ~~يخرج عنه ولا سيما مع الإقتار إلا من وقر الدين في قلبه بتعبيره بالوصف ~~فقال: {المؤمنين والمؤمنات} أي الذي صار الإيمان لهم صفة راسخة {يسعى} ~~شعارا لهم وأمارة على سعادتهم {نورهم} الذي يوجب إبصارهم لجميع ما ينفعهم ~~فيأخذوه وما يضرهم فيتركوه، وذلك بقدر أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها ~~بنور العلم الذي هو ثمرة الإيمان كما أنهم قدموا المال الذي إنما يقتنيه ~~الإنسان لمثل ذلك جزاء وفاقا. # ولما كان من يراد تعظيمه يعطى ما يجب وما بعده شريفا (؟) في الأماكن التي ~~يحبها قال: {بين أيديهم} أي حيث ما توجهوا، ولذلك # PageV19P271 # حذف الجار {وبأيمانهم} أي وتلتصق بتلك الجهة لأن هاتين الجهتين أشرف ~~جهاتهم، وهم إما من السابقين، وإما من أهل اليمين، ويعطون صحائفهم من هاتين ~~الجهتين، والشقي بخلاف ذلك لا نور له ويعطى صحيفته بشماله ومن وراء ظهره، ~~فالأول نور الإيمان والمعرفة والأعمال المقولة، والثاني نور الإنفاق لأنه ~~بالإيمان - نبه - عليه الرازي. # ولما ذكر نفوذهم فيما يحبون من الجهات وتيسيره لهم، أتبعه ما يقال لهم من ~~المحبوب في سلوكهم لذلك المحبوب فقال: {بشراكم اليوم} أي بشارتكم العظيمة ~~في جميع ما يستقبلكم من الزمان. # ولما تشوفوا لذلك أخبروا بالمبشر به بقوله مخبرا إشارة إلى أن المخبر به ~~يحسد من البشرى لكونه معدن السرور {جنات} أي كائنة لكم تتصرفون فيها أعظم ~~تصرف، والخبر في الأصل دخول، ولكنه عدل عنه لما ذكر من المبالغة ثم وصفها ~~بما لا تكمل اللذة إلا به فقال؛ {تجري} وأفهم القرب بإثبات الجار فقال: {من ~~تحتها الأنهار} ولما كان ذلك لا يتم مع خوف الانقطاع قال: {خالدين فيها} ~~خلودا لا آخر له لأن الله أورثكم ذلك ما لا يورث عنكم كما كان حكام الدنيا ~~لأن الجنة ms4959 لا موت فيها. ولما كان هذا أمرا سارا في ذلك المقام الضنك محبا ~~بأمر استأنف مدحه بقوله: {ذلك} أي هذا الأمر العظيم جدا {هو} أي وحده # PageV19P272 # {الفوز العظيم *} أي الذي ملأ بعظمته جميع الجهات من ذواتكم وأبدانكم ~~ونفوسكم وأرواحكم. # PageV19P273 # ولما عظم هذا الأجر الكريم ببيان ما لأهله في الوقت الكائن فيه، عظمه بما ~~لأضدادهم من النكال، فقال مبدلا من الظرف الأول: {يوم يقول} أي قولا مجددا ~~يلجئ إليه من الأمور العظيمة الشاقة {المنافقون والمنافقات} أي بالعراقة في ~~إظهار الإيمان وإبطان الكفران {للذين آمنوا} أي ظاهرا وباطنا، وأما من علا ~~من هذا السن من المؤمنين ومن فوقهم فالظاهر أنهم لا يرونهم ليطمعوا في ~~مناداتهم «وأين الثريا من يد المتناول» {انظرونا} أي انظرونا بأن تمكثوا في ~~مكانكم لنلحق بكم، وكأن الفعل جرد في قراءة الجماعة لاقتضاء الحال الإيجاز ~~بغاية ما توصل المقدرة إليه خوف الفوت، لأن المسؤولين يسرعون إلى الجنة ~~كالبرق الخاطف، وقد حققت المعنى قراءة حمزة بقطع الهمزة وكسر الظاء أي ~~أخرونا في المشي وتأنوا علينا وأمهلوا علينا، لا تطلبوا منا السرعة فيه بل ~~امكثوا في مكانكم لننظر في أمرنا كيف نلحق بكم، والحاصل أنهم عدوا تأنيهم ~~في المشي وتلبثهم ليلحقوا بهم إنظارا لهم {نقتبس} أي نأخذ ونصيب ونستصبح ~~{من نوركم} أي هذا الذي نراه لكم ولا يلحقنا منه بشيء كما كنا في الدنيا ~~نرى إيمانكم بما نرى من ظواهركم # PageV19P273 # ولا نتعلق من ذلك بشيء جزاء وفاقا، وسبب هذا القول أنهم يعطون مع ~~المؤمنين نورا خديعة لهم بما خادعوا في الدنيا لتعظم عليهم المشقة بفقده ~~لأنه لا يلبث أن يبعث الله عليهم ريحا وظلمة فتطفئ نورهم ويبقون في الظلمة، ~~وإلى ذلك ينظر قول المؤمنين {أتمم لنا نورنا} أي لا تطفئه كما أطفأت نور ~~المنافقين. # ولما كان المنكئ لهم إنما هو الرد من أي قائل كان، بنى للمفعول قوله: ~~{قيل} أي لهم جوابا لسؤالهم قول رد وتوبيخ وتهكم وتنديم: {ارجعوا وراءكم} ~~أي في جميع جهات الوراء التي هي أبعد الجهات عن الخير ms4960 كما كنتم في الدنيا ~~لا تزالون مرتدين على أعقابكم عما يستحق أن يقبل عليه ويسعى إليه ~~{فالتمسوا} بسبب ذلك الرجوع {نورا} ويصح أن يراد بالوراء الدنيا لأن هذا ~~النور إنما هو منها بسبب ما عملوا فيها من الأعمال الزاكية والمعارف ~~الصافية، ولهذا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب المحبة من ~~الإحياء: إن هذه الآية تدل على أن الأنوار لا بد أن يتجدد أصلها في الدنيا ~~ثم يزداد في الآخرة إشراقا فأما أن يتجدد ثم نور فلا. # ولما كان التقدير: فرجعوا أو فأقاموا في الظلمة، سبب عنه وعقب قوله: ~~{فضرب} مبنيا للمفعول على نحو الأول، ولإفادة أن الضرب كان في غاية السرعة ~~والسهولة، ويجوز أن تكون الفاء معقبة على ما # PageV19P274 # قبله من غير تقدير {بينهم} أي في جميع المسافة التي بين الذين آمنوا ~~وأضدادهم في وقت قولهم هذا. # ولما كان المقصود أن ضربه كان في غاية السرعة، لم يوقع الفعل وأتى بالفاء ~~ليفيد أنه كان كأنه عصا ضربت به الأرض ضربه واحدة، فقال: {بسور} أي جدار ~~محيط محيل بين الجنة والنار لا يشذ عنه أحد منهم ولا يقدر أحد ممن سواهم أن ~~يتجاوزه إليهم {له باب} موكل به حجاب لا يفتحون إلا لمن أذن الله له من ~~المؤمنين بما يهديهم إليه من نورهم الذي بين أيديهم لشفاعة أو نحوها ~~{باطنه} أي ذلك السور الباب وهو الذي من جهة الذين آمنوا جزاء لإيمانهم ~~الذي هو غيب {فيه الرحمة} وهي ما لهم من الكرامة بالجنة التي هي ساترة ببطن ~~من فيها بأشجارها وبأسبابها كما كانت بواطنهم ملاء رحمة {وظاهره} أي السور ~~أو الباب الذي يظهر لأهل النار، مبتدئ {من قبله} أي تجاه ذلك الظاهر ~~وناحيته وجهته وعنده {العذاب *} من النار ومقدماتها لاقتصار أهله على ~~الظواهر من غير أن يكون لهم نفوذ إلى باطن وعكس ما أرادوا من حفظ ظواهرهم ~~في الدنيا مع فساد بواطنهم، ودل على ما أفهمه التعبير بالمضارع في «يقول» ~~من التكرير بقوله استئنافا: {ينادونهم} أي المنافقون والمنافقات، يواصلون ms4961 ~~النداء وهم في الظلمة للذين آمنوا يترفقون لهم في مدة هذا القول والضرب: ~~{ألم نكن} أي بكليتنا # PageV19P275 # {معكم} أي فيما كنتم فيه من الدين فنستحق المشاركة فيما صرتم إليه بسبب ~~ذلك الدين الذين كنا معكم فيه {قالوا} أي الذين آمنوا {بلى} قد كنتم معنا ~~{ولكنكم فتنتم} أي كنتم بما كان لكم من الذبذبة تختبرون {أنفسكم} ~~فتخالطونها باختبار أحوال الدين مخالطة محيلة لها مميلة عما كانت عليه من ~~أصل الفطرة من الاستقامة، تريدون بذلك أن تظهر لكم فيه أمور محسوسة لتخلصوا ~~فيه من الشكوك فتخلصوا، فما آمنتم بالغيب فأهلكتموها وتبعتم أيضا الأمور ~~التي كنتم تفتنون بها من الشهوات، فأوجبتهم لكم الإعراض عن المعالي ~~الباطنات {وتربصتم} أي كلفتم أنفسكم أن أخرجتموها عن الفطرة الأولى فأمهلتم ~~وانتظرتم لتروا الأمر عيانا أو لم تفعلوا كما فعلنا من الإيمان بالغيب وترك ~~التجربة ونسبة ما يحصل لنا مما فيه فتنة إلى أنفسنا بتقصيرنا، وكنا كلما ~~حصل لنا ما يزلزل نقول: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ولا ~~يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما وانتظرتم أيضا الدوائر بأهل الإيمان لتظهروا ~~النفاق {وارتبتم} أي شككتم بتكليف أنفسكم الشك بذلك التربص {وغرتكم ~~الأماني} أي ما تتمنون أي تريدون وتقدرون من الإرادات التي معها شهوة عظيمة ~~من الأطماع الفارغة التي لا سبب لها غير شهوة النفس إياها بما كنتم تتوقعون ~~لنا من دوائر السوء {حتى جاء أمر الله} أي قضاء الملك المتصف بجميع صفات ~~الكمال فلا كفوء له ولا خلف لقوله من الموت ومقدمات من الأمور الدهشة، # PageV19P276 # فكما كنتم في الدنيا مقصرين كنتم في هذا الموطن {وغركم بالله} أي الملك ~~الذي له جميع العظمة، فهو بحيث لا يخلف الميعاد وهو الولي الودود {الغرور} ~~أي من لا صنع له إلا الكذب وهو الشيطان وهو العدو الحسود، فإنه ينوع لكم ~~بغروره التسويف ويقول: إن الله غفور رحيم وعفو كريم، وماذا عسى أن تكون ~~ذنوبكم عنه وهو عظيم ومحسن وحليم ونحو هذا، فلا يزال حتى يوقع الإنسان، ~~فإذا أوقع واصل عليه مثل ms4962 ذلك حتى يتمادى، فإذا تمادى صار الباعث له حينئذ ~~من قبل نفسه فصار طوع يده. # ولما أقروا لهم بالكون الجامع، وذكروا ما حصل به والفرق المانع فظهر أن ~~لا كون، سببوا عنه قولهم: {فاليوم} أي بسبب أفعالكم تلك {لا يؤخذ} بناء ~~للمفعول لأن الضار عدم الأخذ لا كونه من آخذ معين وليفيد سد باب الأخذ ~~مطلقا {منكم فدية} أي نوع من أنواع الفداء وهو البدل والعضو للنفس على أي ~~حال من قلة أو كثرة أو حسن أو غيره لأن الإله غني وقد فات محل العمل الذي ~~شرعه لإنقاذ أنفسكم. ولما كانوا مكذبين أكد فقال: {ولا من الذين كفروا} أي ~~أظهروا كفرهم ولم يستروه كما سترتموه أنتم لمساواتكم لهم في الكفر. ولما ~~كان كأنه قيل: فأين نكون؟ قال: {مأواكم} أي منزلكم ومسكنكم ومجمعكم {النار} ~~لا مقر لكم غيرها، تحرقكم كما كنتم تحرقون قلوب الأولياء بإقبالكم على ~~الشهوات، وإضاعتكم حقوق ذوي الحاجات، وأكد ذلك # PageV19P277 # بقوله: {هي} أي لا غيرها {مولاكم} أي قرينتكم وموضع قربكم ومصيركم ~~وناصركم على نحو «تحية بينهم ضرب وجيع» فهي أولى لكم، لا قرب لكم إلى ~~غيرها، ولا غيرها مولى ولا مصير إلى سواها ولا ناصر إلا هي. ولما كان ~~التقدير: فبئس المولى هي، عطف عليه قوله: {وبئس المصير *} أي هذه النار ~~التي صرتم إليها. # PageV19P278 # ولما كان هذا وعظا شافيا لسقام القلوب، وكاشفا لغطاء الكروب، انتج قوله ~~حاثا على الإقبال على كتابه الذي رحم به عباده بإنزاله على لسان نبيه صلى ~~الله عليه وسلم على وجه معلم بإعجازه أنه كلام مستعطفا لهم إلى جنابه زاجرا ~~لهم عما سألهم بعضهم فيه سلمان رضي الله عنه من أن يحدثهم عن التوراة ~~والإنجيل، فكانوا كلما سألوه عن شيء أنزل سبحانه آية يزجرهم بها وينبههم ~~على أن هذا القرآن فيه كل ما يطلب إلى أن أنزل هذه الآية زاجرة هذا الزجر ~~العظيم لئلا يظن ظان أن القرآن غير كاف، مخوفا لهم بما وقع لأهل الكتاب من ~~الإعراض عن كتابهم، قال الكلبي نزلت في ms4963 المنافقين بعد الهجرة بسنة، وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين على رأس ثلاث عشرة ~~سنة من نزول القرآن، فقال: {ألم يأن} أي يحن وينتهي ويدرك إلى غاية {للذين ~~آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم صدقا أو كذبا {أن تخشع} أي أن يكون لهم ~~رتبة عالية في الإيمان بأن تلين وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن فتخبت فتعرض عن ~~الفاني وتقبل على الباقي {قلوبهم لذكر الله} # PageV19P278 # أي الملك الأعظم الذي لا خير إلا منه فيصدق في إيمانه من كان كاذبا ويقوى ~~في الدين من كان ضعيفا، فلا يطلب لذلك دينه دواء ولا لمرض قلبه شفاء في غير ~~القرآن، فإن ذكر الله يجلو أصداء القلوب ويصقل مرائيها. # ولما كان الذكر وحده كافيا في الخشوع والإنابة والخضوع لأنه مجمع لكل ~~رغبة ومنبع لكل رهبة، وكان من الناس من لا نفوذ له فيما له سبحانه من ~~الجلال والإكرام قال: {وما نزل} أي الله تعالى بالتدريج - على قراءة ~~الجماعة بالتشديد، وما وجد إنزاله من عند الله على خاتم رسله صلى الله عليه ~~وسلم على قراءة نافع وحفص عن عاصم ورويس بخلف عنه عن يعقوب بالتخفيف {من ~~الحق} أي من الوعد والوعيد والوعظ وغير ذلك على نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~من القرآن إشارة إلى أن غير هذا الذكر دخله الدخيل، وأما هذا فثابت ثباتا ~~لا يقدر أحد على إزالته. # ولما كان للمسابقة والمنافسة أمر عظيم في تحريك الهمم لأهل الأنفة وأولي ~~المعالي قال: {ولا يكونوا كالذين} ولما كان العلم بمجرده كافيا في إعلاء ~~الهمة فكيف إذا كان من عند الله فكيف إذا كان بكتاب، إشارة إلى ذلك بالبناء ~~للمجهول فقال: {أوتوا الكتاب} أي لو كان الإتيان من عند غير الله لكان ~~جديرا بالهداية فكيف وهو من عنده. ولما كان إنزال الكتب لم يكن إلا على بني ~~إسرائيل # PageV19P279 # فلم يكن مستغرقا للزمان الماضي أدخل الجار فقال: {من قبل} أي قبل ما نزل ~~إليكم وهم اليهود والنصارى. # ولما كانوا في كل قليل يعبرون قال عاطفا ms4964 على {أوتوا الكتاب} : {فطال ~~عليهم الأمد} أي الزمان الذي ضربناه لشرفهم ومددناه لعلوهم من أول إيتائهم ~~الكتاب الذي من شأنه ترقيق القلوب، والأمد الأجل، وكل منهما يطلق على المدة ~~كلها وعلى آخرها، وكذا الغاية بقول النحاة: «من» لابتداء الغاية و «إلى» ~~لانتهائها، والمراد جميع المدة {فقسمت} أي بسبب الطول {قلوبهم} أي صلبت ~~واعوجت حتى كانت بحيث لا تنفعل للطاعات والخير فكانوا كل قليل في تعنت شديد ~~على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام يسألونهم المقترحات، وأما بعد ايتائهم ~~فأبعدوا في القساوة، فمالوا إلى دار الكدر بكلياتهم وأعرضوا عن دار الصفاء ~~فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات، قال القشيري: وقسوة القلب إنما تحصل من ~~اتباع الشهوة وإن الشهوة والصفوة لا تجتمعان. # ولما كان التقدير: فبعضهم ثبت على تزلزل، عطف عليه قوله: {وكثير منهم} ~~أخرجته قساوته عن الدين أصلا ورأسا فهم {فاسقون *} أي عريقون في وصف ~~الإقدام على الخروج من دائرة الحق التي عداها لهم الكتاب، وعن عبد الله بن ~~الزبير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «لم يكن بين إسلامهم ~~وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله # PageV19P280 # بها إلا أربع سنين» رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: وفيه موسى بن ~~يعقوب الربعي وثقه ابن معين وغيره وضعفه ابن المديني وبقية رجاله رجال ~~الصحيح. انتهى. # ولما كان الموجب الأعظم للقسوة إنكار البعث، وكان العرب يزيدون على أهل ~~الكتاب من موجبات القسوة به، وكان عمل العامل بما يدل على القسوة عمل من ~~ينكره، قال مهددا به مقررا لما ابتدأ به السورة من أمر الإحياء مشيرا إلى ~~القدر على إحياء القلوب ممثلا لإزالة القسمة عنها بصقل الذكر والتلاوة ~~ترغيبا في إدامة ذلك: {اعلموا} أي يا من آمن بلسانه {أن الله} أي الملك ~~الأعظم الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء {يحيي} أي على سبيل التجديد ~~والاستمرار كما تشاهدونه {الأرض} اليابسة بالنبات. ولما كان هذا الوصف ~~ثابتا دائما بالفعل وبالقوة أخرى، وكان الجار هنا مقتضيا للتعميم قال: {بعد ~~موتها} من غير ذكر الجار وكما ms4965 أنه يحييها فيخرج بها النبات بعد أن كان قد ~~تفتت وصار ترابا فكذلك يحيي بجمع أجسامهم وإفاضة الأرواح كما فعل بالنبات ~~وكما فعل بالأجسام أول مرة سواء، لا فرق بوجه إلا بأن يقال: الابتداء أصعب ~~في العادة، فاحذروا سطوته واخشوا غضبه وارجوا رحمته لإحياء القلوب، فإنه ~~قادر على إحيائها بروح الوحي كما # PageV19P281 # أحيا الأرض بروح الماء لتصير بإحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها كما صارت ~~الأرض بالماء رابية بعد خشوعها وموتها. # ولما انكشف الأمر بهذا غاية الانكشاف، أنتج قوله: {قد بينا} أي على ما ~~لنا من العظمة، ولما كان العرب يفهمون من لسانهم ما لا يفهم غيرهم فكانوا ~~يعرفون - من إعجاز القرآن بكثرة فوائده وجلالة مقاصده ودقة مسالكه وعظمة ~~مداركه، وجزالة تراكيبه ومتانة أساليبه وغير ذلك من شؤونه وأنواعه وفنونه، ~~المنتج لتحقق أنه كلام الله - ما لا يعلمه غيرهم فكأنما كانوا مخصوصين بهذا ~~البيان، فقدم الجار فقال: {لكم الآيات} أي العلامات المنيرات. ولما كان ~~السياق للبعث، وكان من دعائم أصول الدين، وكان العقل كافيا في قياسه على ~~النبات، وكان الفعل الذي لا يعود إلى سعادة الآخرة ناقصا «، وكان العقل ~~الذي لا ينجي صاحبه مساويا للعدم، قال معبرا بأداة التراخي بخلاف ما سبق في ~~آل عمران فإنه من مصالح النفس التي اختفت، ودواع تدعو إلى فهمها، وتبعث إلى ~~إتقان علمها {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا عند من يعلم ذلك ويسمعه من ~~الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم بما يتجدد لكم من فهمه على سبيل ~~التواصل الدار بالاستمرار. # PageV19P282 # ولما كانت الصدقة كالبذر الذي تقدم أن الله تعالى يحييه ويضاعفه أضعافا ~~كثيرة على حسب زكاء الأرض، قال منتجا مما مضى ما يعرف # PageV19P282 # أن من أعظم ما دل على الخشوع المحثوث عليه والبعد عن حال الذين أوتوا ~~الكتاب في القسوة الصدقة بالإنفاق الذي قرنه في أولها بالإيمان، وحث عليه ~~في كثير من آياتها تنبيها على أنه ثمرته التي لا تخلف عنه، معبرا عنه بما ~~يرشد إلى أنه المصدق لدعواه، وأكده لمن يشك في البعث من ms4966 إنكار بركة الصدقة ~~عاجلا أو آجلا تقيدا بالمحسوسات: {إن المصدقين} أي العريقين في هذا الوصف ~~من الرجال {والمصدقات} أي من النساء بأموالهم على الضعفاء الذين إعطاؤهم ~~يدل على الصدق في الإيمان لكون المعطى لا يرجى منه نفع دنيوي، ولعله أدغم ~~إشارة إلى إخفاء الإكثار من الصدقة حتى تصير ظاهرة، وقراءة ابن كثير وأبي ~~بكر عن عاصم بالتخفيف تدل مع ذلك على التصديق بالإيمان، فكل من القراءات ~~يدل عليهما، ومن التفصيل بذكر النوعين تعرف شدة الاعتناء. # ولما كانت صيغة التفعل تدل على التكلف حثا على حمل النفس على التطبع بذلك ~~حتى يصير لها خلقا في غاية الخفة عليها فقال عاطفا على صلة الموصول في اسم ~~الفاعل معبرا بالماضي بعد إفهام الوصف الثبات دلالة على الإيقاع بالفعل ~~عطفا على ما تقديره موقعا ضميرا المذكر على الصنفين تغليبا الذين صدقوا ~~إيمانهم بالتصدق: {وأقرضوا الله} # PageV19P283 # الذي له الكمال كله بتصديقهم سواء كانوا من الذكور أو الإناث، وإنفاقهم ~~في كل ما ندب إلى الإنفاق فيه، وأكد ووصف بقوله: {قرضا حسنا} أي بغاية ما ~~يكون من طيب النفس وإخلاص النية في الصدقة والنفقة في سبيل الخير، وحسنه أن ~~يصرف بصره إلى النظر إلى فعله والامتياز به وطلب العوض عليه، قال الرازي: ~~{يضاعف} أي ذاك القرض {لهم} ويثابون بحسب تلك المضاعفة لأن الذي كان القرض ~~له سبحانه حليم كريم ولا يرضى في الخير إلا بالفضل، وثقل في قراءة ابن كثير ~~وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب دلالة على المبالغة في التكثير، وعبر بالمفاعلة ~~في قراءة الجماعة لإفهام أن تلك الكثرة مما لا بد من كونه، وأنه عمل فيه ~~عمل من يباري آخر ويغالبه، وبنى للمفعول دلالة على باهر العظمة اللازم عنه ~~كونه بغاية السهولة {ولهم} أي مع المضاعفة {أجر كريم *} أي لا كدر فيه ~~بانقطاع ولا قلة ولا زيادة بوجه من الوجوه أصلا. # ولما بين سبحانه وتعالى أن الصدقة كالبذر الذي هو من أحسن الأرباح ~~وأبهجها، بين الحامل عليها ترغيبا فيها، فقال عاطفا بالواو، إشارة إلى ~~التمكن في ms4967 جميع هذه الصفات: {والذين آمنوا} اي أوجدوا هذه الحقيقة العظيمة ~~في أنفسهم {بالله} أي الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام {ورسله} اي ~~كلهم لما لهم من النسبة إليه، فمن # PageV19P284 # كذب بشيء على أحد منهم أوعمل عمل المكذب له لم يكن مؤمنا به {أولئك} أي ~~الذين لهم الرتب العالية والمقامات السامية {هم} أي خاصة لا غيرهم ~~{الصديقون} أي الذين هم في غاية الصدق والتصديق لما يحق له أن يصدقه من ~~سمعه، وقال القشيري: الصديق من استوى ظاهره وباطنه، ويقال: هو الذي يحمل ~~الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص، ولا يحتاج للتأويلات، ولما كان الصديق ~~لا يكون عريقا في الصديقية إلا بالتأهيل لرتبة الشهادة قال تعالى: ~~{والشهداء} معبرا بما مفرده شهيد عاطفا بالواو إشارة إلى قوة التمكن في كل ~~من الوصفين، قال القشيري: هم الذين يشهدون بقلوبهم بواطن الوصل ويعتكفون ~~بأسرارهم في أوطان القربة، وزاد المر عظما بقوله: {عند ربهم} أي الذي أحسن ~~إليهم بالقربة بمثل تلك الرتبة العالية من الشهادة لله بكل ما أرسل به ~~رسله، والأنبياء الماضين على أممهم والحضور في جميع الملاذ بالشهادة في ~~سبيل الله، قال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد - وتلا هذه الآية {لهم} أي جميع ~~من مضى من الموصوفين بالخير {أجرهم} أي الذي جعله ربهم لهم {ونورهم} أي ~~الذي زادهموه من فضله برحمته، أولئك أصحاب النعيم المقيم. # ولما ذكر أهل السعادة جامعا لأصنافهم، أتبعهم أهل الشقاوة لذلك قال: ~~{والذين كفروا} أي ستروا ما دلت عليه أنوار عقولهم ومرائي # PageV19P285 # فكرهم {وكذبوا بآياتنا} على ما لها من العظمة بنسبتها إلينا سواء كانوا ~~في ذلك مساترين أو مجاهرين أو عمل العالم بها عمل المكذب {أولئك} أي ~~المبعدون من الخير خاصة {أصحاب الجحيم *} أي النار التي هي غاية في توقدها، ~~خالدون فيها من بين العصاة، وأما غيرهم فدخولهم لها إذا دخلوها ليس على وجه ~~الصحبة الدالة على الملازمة، وأولئك هم الكاذبون الذي لا تقبل لهم شهادة ~~عند ربهم، لهم عقابهم وعليهم ظلامهم، والآية من الاحتباك: ذكر الصديقية وما ~~معها ms4968 أولا دليلا على أضدادها ثانيا، والجحيم ثانيا دليلا على النعيم أولا، ~~وسره أن الأول أعظم في الكرامة، والثاني أعظم في الإهانة. # ولما ذكر سبحانه حال الفريقين: الأشقياء والسعداء، فتقرر بذلك أمر ~~الآخرة، فعلموا أنها الحيوان الذي لا انقضاء له من إكرام أو هوان، وكان ~~الموجب للهوان فيها إنما هو الإقبال على الدنيا لحضورها ونسيان الآخرة ~~لغيابها، قال منتجا مما مضى مبينا لحقيقة ما يرغب فيه المكلف المركب على ~~الشهوة من العاجلة بما نزهه فيه مصدرا له بما يوجب # PageV19P286 # غاية اليقظة والحضور: {اعلموا} أي أيها العباد المبتلون، وأكد المعنى ~~بزيادة {ما} لما للناس من الغفلة عنه فقال قاصرا قصر قلب: {إنما الحيوة ~~الدنيا} أي الحاضرة التي رغبت في الزهد فيها والخروج عنها بالصدقة والقرض ~~الحسن {لعب} أي تعب لا ثمرة له فهو باطل كلعب الصبيان {ولهو} أي شيء يفرح ~~الإنسان به فيلهيه ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان، ثم أتبع ذلك ~~عظم ما يلهي في الدنيا فقال: {وزينة} أي شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة ~~النسوان، وأتبعها ثمرتها فقال: {وتفاخر} أي كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على ~~بعض. # ولما كان ذلك مخصوصا بأهل الشهوات قال: {بينكم} أي يجر إلى الترفع الجار ~~إلى الحسد والبغضاء، ثم أتبع ذلك ما يحصل به الفخر فقال: {وتكاثر} أي من ~~الجانبين {في الأموال} أي التي لا يفتخر بها إلا أحمق لكونها مائلة ~~{والأولاد} الذين لا يغتر بهم إلا سفيه لأنهم الأعداء، وأن جميع ما ذكر ~~زائل وأن الدنيا آفاتها هائلة، وإنما هي فتنة وابتلاء يظهر بها الشاكر من ~~غيره، ثم إلى ذلك كله قد يكون ذهابه عن قرب فتكون على أضداد ما كان عليه، ~~فيكون أشد في الحسرة، ومطابقة ذلك لما بعده ان الإنسان ينشأ في حجر وليه ~~فيشب ويقوى ويكسب المال والولد وثم تغشاه الناس فيكون بينهم أمور معجبة ~~وأحوال ملهية مطربة، فإذا تم شبابه وأطفأه مجيئه وذهابه # PageV19P287 # وأشكاله وأترابه، أخذ في الانحطاط ولا يزال حتى يشيب ويسقم ويضعف ويهرم ~~وتصيبه النوائب والقوارع والمصائب في ms4969 ماله وجسمه وأولاده وأصحابه، ثم في ~~آخر ذلك يموت، فإذا قد اضمحل أمره ونسي عما قليل ذكره، وصار ماله لغيره ~~وزينته متمتعا بها سواه فالدنيا حقيرة وأحقر منها طالبها وأقل منها خطر ~~المزاحم فيها، فما هي إلا جيفة، وطلاب الجيفة ليس لهم خطر، وأخسهم من بخل ~~بها، قال القشيري: وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخر فكل ما ~~يشغله عن الآخرة فهو الدنيا - انتهى. # ولما قرر سبحانه أنها ظل زائل وعرض هائل، وكان بعض الناس يتنبه فيشكر ~~وبعضهم يعمى فيكفر، كان القسم الثاني أكثر لأن وجودها وإقبالها يعمي أكثر ~~القلوب عن حقارتها، ضرب لذلك مثلا مقررا لما مضى من وصفها لأن للأمثال في ~~تقرير الأشياء وتصويرها ما ليس لغيرها فقال تعالى: {كمثل} أي هذا الذي ~~ذكرته من أمرها يشبه مثل {غيث} أي مطر حصل بعد جدب وسوء حال. # ولما كان المثل في سياق التحقير للدنيا والتنفير عنها، عبر عن الزارع بما ~~ينفر فقال: {أعجب الكفار} أي الزراع الذين حصل منهم الحرث والبذرة الذي ~~يستره الحارث بحرثه كما ستر الكافر حقيقة أنوار الإيمان لما يحصل من الجحد ~~والطغيان ولا يتناهى إعجاب الزارع إلى # PageV19P288 # حد يلهي عن الله إلا مع الكفر به سبحانه فإن المؤمن وإن أعجبه ذلك يتذكر ~~به قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته وما أعد لأهل طاعته في الآخرة، فيحمله ~~ذلك على الطاعة، فالتعبير بالكفار الذي هو بمعنى الزراع دونه إشارة إلى ~~عظمة ذلك النبات فإنه لا يعجب العارفين به الممارسين له الذين لهم غاية ~~الإقبال على تلك الحرفة فالمنافسة فيها إلا ما يكون منها نهاية في الإعجاب، ~~وإلى أنه لا يعجب أحدا شيء من الدنيا إعجابا يركن ويأنس به أنسا يؤدي إلى ~~ما في الآية من اللهو وما معه إلا لكفر في نفسه أقله كفر النعمة التي من ~~شأنها أن تدعو إلى تذكر الخالق وتذكر الجميل على الشكر، وترك الشكر كفر ~~{نباته} أي نبات ذلك الغيب كما يعجب الكافر في الكفر في الغالب بسط الدنيا ~~له استدراجا ms4970 من الله تعالى. # ولما كان الزرع يشيخ بعد مديدة فيضمحل كما هو شأن الدنيا كلها قال: {ثم ~~يهيج} أي يسرع تحركه فيتم جفافه فيحين حصاده {فتراه مصفرا} أي عقب ذلك ~~بالقرب منه على حالة لا ثمر معها بل ولا نبات، ولذلك قال معبرا بالكون لأن ~~السياق للتزهيد في الدنيا وأنها ظل زائل لا حقيقة لها: {ثم} أي بعد تناهي ~~جفافه وابيضاضه {يكون} أي كونا كأنه مطبوع عليه، وأبلغ سبحانه في تقرير ~~اضمحلاله بالإتيان مع فعل الكون هنا للمبالغة لأن السياق لتقرير # PageV19P289 # أن الدنيا عدم وإن كانت في غاية الكثرة والإقبال والمؤاتاة بخلاف ما مضى ~~في الزمر فقال: {حطاما} كأن الحطامية كانت في جبلته وأصل طبعه. # ولما ذكر الظل الزائل، ذكر أثره الثابت الدائم مقسما له على قسمين، فقال ~~عاطفا على ما تقديره هذا حال الدنيا في سرعة زوالها وتحقق فنائها ~~واضمحلالها: {وفي} أي هذا الذي غر من حال الدنيا وهو في {الآخرة} على ~~أحدهما {عذاب شديد} أي لمن أخذها بغير حقها معرضا عن ذكر الله لأن الاغترار ~~بها سببه، فكان كأنه هو. # ولما قدم ما هو السبب الأغلب لأن أكثر الخلق هالك، أتبعه الصنف الناجي. ~~فقال: {ومغفرة} أي لأهل الدرجة الأولى في الإيمان {من الله} أي الملك ~~الأعظم لمن يذكر بما صنعه له في الدنيا عظمته سبحانه وجلاله فتاب من ذنوبه، ~~ورجع إليه في التطهير من عيوبه {ورضوان} لأهل الدرجة العليا وهم من أقبل ~~عليه سبحانه فشكره حق شكره ببذل وسعه فيما يرضيه، فآخر الآية تقسيم للدنيا ~~على الحقيقة لئلا يظن من حصرها فيما ذكر أول الآية أنها لا تكون إلا كذلك، ~~فالمعنى أن الذي ذكره أولا هو الأغلب لأحوالها وعاقبته النار، وما كان منها ~~من إيمان وطاعة ونظر توحيد لله وتعظيم ومعرفة تؤدي إلى # PageV19P290 # أخذها تزودا ونظرها اعتبارا وتعبدا، فهو آخره لا دنيا، وقد تحرر أن مثل ~~الغيث المذكور الحطام وتارة يعقبه نكد لازم وأخرى سرور دائم، فمن عمل في ~~ذلك عمل الحزمة فحرس الزرع ما يؤذيه وحصده في ms4971 وقته وعمل فيه ما ينبغي ولم ~~ينس حق الله فيه سره أثره وحمدت عاقبته، ومن أهمل ذلك أعقبه الأسف، وذلك هو ~~مثل الدنيا: من عمل فيها بأمر الله أعقبته حطاميتها سرورا دائما، ومن أهمل ~~ذلك أورثته حزنا لازما، وكما كان التقدير: فما الآخرة لمن سعى لها سعيها ~~وهو مؤمن إلا حق مشهور وسعي مشكور، عطف عليه قوله: {وما الحياة الدنيا} أي ~~لكونها تشغل بزينتها مع أنها زائلة {إلا متاع الغرور *} أي لهو في نفسه ~~غرور لا حقيقة له إلا ذلك، لأنه لا يجوز لمن أقبل على التمتع إلا ذلك لأنه ~~لا يسر بقدر ما يضر. # PageV19P291 # ولما بين أن الدنيا خيال ومحال ليصرف الكملة من العباد عنها لسفولها ~~وحقارتها، وأن الآخرة بقاء وكمال ليرغبوا غاية الرغبة فيها وليشتاقوا كل ~~الاشتياق لكمالها وشرفها وجلالها، أنتج ذلك قوله تعالى: {سابقوا} أي افعلوا ~~في السعي لها بالأعمال الصالحة حق السعي فعل # PageV19P291 # من يسابق شخصا فهو يسعى ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه، ولكن ربما كان ~~قرينه بطيئا فسار هوينا، وأما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من ~~الجانبين مع السرعة في العرف، فآية آل عمران الآمرة بالمسارعة الأخص من ~~المسابقة أبلغ لأنها للحث على التجرد عن النفس والمال وجميع الحظوظ أصلا ~~ورأسا، ولذلك كانت جنتها للمتقين الموصوفين. وأما هذه ففي سياق التصديق ~~الذي هو تجرد عن فضول الأموال ولذلك كانت جنته للذين آمنوا. # ولما كان المقام عظيما، والإنسان - وإن بذلك الجهد - ضعيفا، لا يسعه إلا ~~العفو سواء كان سابقا أو لاحقا من الأبرار والمقربين، نبه على ذلك بقوله في ~~السابقين؛ {إلى مغفرة} أي ستر لذنوبكم عينا وأثرا {من ربكم} أي المحسن ~~إليكم بأن رباكم وطوركم بعد الإيجاد بأنواع الأسباب بأن تفعلوا أسباب ذلك ~~بامتثال أوامره سبحانه واجتناب زواجره. ولما كان المقصود من المغفرة ما ~~يترتب عليها من نتيجتها قال: {وجنة} أي وبستان هو من عظم أشجارها واطراد ~~أنهارها بحيث يستر داخله. ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالسعة قال: {عرضها} أي ~~فما ظنك بطولها. ولما ms4972 كان السياق كما بين للتجرد عن فضول الأموال فقط لأن ~~الموعود به دون ما في آل عمران فأفرده وصرح بالعرض فقال: {كعرض السماء ~~والأرض} أي لو وصل بعضها ببعض، فآية آل عمران تحتمل الطول وجميع السماوات ~~والأرض على هيئتها، ويحتمل أن # PageV19P292 # يكون ذلك على تقدير أن تقد كل واحدة منهما ويوصل رأس كل قدة برأس الأخرى، ~~وتمتد جميع القدات إلى نهايتها على مثل الشراك، وهذه الآية ظاهرها عرض واحد ~~وأرض واحدة {أعدت} أي هيئت هذه الجنة الموعود بها وفرغ من أمرها بأيسر أمر ~~{للذين آمنوا} أي أوقعوا هذه الحقيقة وهم من هذه الأمة إيقاعا لا ريب معه ~~ولو أنه على أدنى الوجوه فكانوا من السابقين، وهذا يدل على أن الجنة موجودة ~~الآن في آيات كثيرة، وأن الإيمان كاف في استحقاقها، وأحاديث الشفاعة مؤيدة ~~لذلك {بالله} أي الذي له جميع العظمة لأجل ذاته مخلصين له بالإيمان {ورسله} ~~فلم يفرقوا بين أحد منهم، فهذه الجنة غير مذكورة في آل عمران، وإن قيل: إن ~~السماء هنا للجنس لكون السياق فيه الصديقون والشهداء كانت أبلغته تلك ~~بالتصريح بالجمع وعدم التصريح بالعرض لكونها في سياق صرح فيه بالجهاد، وقد ~~جرت السنة الإلهية بإعظام للمجاهدين لشدة الخطر في أمر النفس وصعوبة الخروج ~~عنها وعن جميع المألوفات. # ولما كان من ذكر من الوعد بالمغفرة والجنة عظيما لا سيما لمن آمن ولو كان ~~إيمانه على أعلى الدرجات ومع التجرد من جميع الأعمال، عظمه بقوله ردا على ~~من يوجب عليه سبحانه شيئا من ثواب أو عقاب: {ذلك} أي الأمر العظيم جدا {فضل ~~الله} أي الملك الذي لا كفوء له # PageV19P293 # فلا اعتراض عليه {يؤتيه من يشاء} ولعل التعبير بالمضارع للإشارة إلى هذا ~~خاص بهذه الأمة التي هي أقل عملا وأكثر أجرا، فإذا حسدهم أهل الكتاب قال ~~تعالى: هل ظلمتكم من أمركم شيئا، فإذا قالوا: لا، لأن المصروف من الأجر ~~لجميع الطوائف على حسب الشرط، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء. {والله} أي ~~والحال أن الملك المختص بجميع صفات الكمال فله ms4973 الأمر كله {ذو الفضل العظيم ~~*} أي الذي جل عن أن يحيط بوصفه العقول. # PageV19P294 # ولما كانت الدنيا مانعة عن العكوف إلى الآخرة بلذاتها وآلائها، وكانت كما ~~أنها منزل رخاء هي دار بلاء، وكان قد اقتصر سبحانه في الآية السالفة على ~~الأول لأن السياق للإنفاق والترغيب في معالي الأخلاق وجعل المسابقة إلى ~~السعادة نتيجة الزهد فيها، تحركت النفس إلى السؤال عما يعوق عن الخير من ~~الضرب بسياط البلاء فقال مسليا عنه لأن النفوس أشد تأثرا بالمكاره وأسرع ~~انفعالا بالمقارع ومحققا ومغريا بالإعلام بأنه لم يكن فيها خير ولا شر إلا ~~بقضاء حتم في الأزل وقدر أحكم ووجب حين لم يكن غيره شيء عز وجل، وذكر فعل ~~المؤنث الجائز التذكير لكون التأنيث غير حقيقي إشارة إلى عظم وقع الشر: {ما ~~أصاب} وأكد النفي فقال: {من مصيبة} وهي في الأصل لكل آت من خير أو شر إلا ~~أن العرف خصها بالشر، وعم الساكن # PageV19P294 # والمتحرك بقوله: {في الأرض} أي من منابتها ومياهها ونحو ذلك {ولا في ~~أنفسكم} أي بموت ومرض وعين وعرض {إلا} هي كائنة {في كتاب} أي مكتوب لأنه ~~مقدر مفروغ من القدم، وبين أن الكتابة حدثت بعد أن كان هو سبحانه ولا شيء ~~معه بإدخال الجار فقال: {من قبل أن نبرأها} أي نخلق ونوجد ونقدر المصيبة ~~والأرض والأنفس، وهذا دليل على أن اكتساب العباد يجعله سبحانه وتقديره. # ولما كان ذلك متعذرا على المخلوق فهو أشد شيء تكرها له وقوفا مع الوهم ~~قال مؤكدا: {إن ذلك} أي الأمر الجليل وهو علمه بالشيء وكتبه له على تفاصيله ~~قبل كونه، ثم سوقه النفوس والأسباب إلى إخراجه بعد التكوين على مقدار ما ~~سبق علمه به وكتبه له {على الله} أي على ما له من الإحاطة بالكمال {يسير *} ~~لأن علمه محيط بكل شيء وقدرته شاملة لا يعجزها شيء. # ولما بين هذا الأمر العظيم الدال على ما له سبحانه من الكبرياء والعظمة، ~~بين ثمرة أعماله بقوله: {لكيلا} أي أعملناكم بأن على ما لنا من العظمة قد ~~فرغنا من التقدير، ms4974 فلا يتصور فيه تقديم ولا تأخير ولا تبديل ولا تغيير، لأن ~~الحزن لا يدفعه، ولا السرور يجلبه ويجمعه، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «يا معاذ ليقل همك ما قدر يكن» لأجل أن لا {تأسوا} أي تحزنوا حزنا ~~كبيرا زائدا {على} ما في أصل الجبلة، يوصل إلى المبلغ بتعاطي أسبابه ~~والتمادي فيها ليتأثر عنها # PageV19P295 # السخط وعدم الرضا بالقضاء، فربما جر ذلك إلى أمر عظيم {ما فاتكم} من ~~المحبوبات الدنيوية {ولا تفرحوا} أي تسروا سرورا يوصل إلى البطر بالتمادي ~~مع ما في أصل الجبلة {بما آتاكم} أي جاءكم منها على قراءة أبي عمرو بالقصر، ~~وأعطاكم الله على قراءة الباقين بالمد، وهي تدل على أن النعم لا بد في ~~إيجادها وإبقائها من حافظ، ثم إنها لو خليت ونفسها فاتت لأنه ليس من ذاته ~~إلا العدم، وقد بين سبحانه أن في تقديره هذا وكتبه من السر أن من وطن نفسه ~~على فقد ما لديه من أعيان ومعان قبل أن تأمره بالعدم والوجدان، فلم يغيره ~~ذلك عن المسابقة المذكورة، فالمنهي عنه التمادي مع الحزن حتى يخرج عن الصبر ~~ومع الفرح حتى يلهي عن الشكر، لا أصل المعنى لأنه ليس من الأفعال ~~الاختيارية، قال جعفر الصادق: ما لك تأسف على مفقود ولا يرده إليك الفوت، ~~وما لك تفرح بوجود ولا يتركه في يدك الموت - انتهى، ولقد عزى الله المؤمنين ~~رحمة لهم في مصائبهم وزهدهم في رغائبهم بأن أسفهم على فوت المطلوب لا ~~يعيده، وفرحهم بحصول المحبوب لا يفيدهم، ولأن ذلك لا مطمع في بقائه إلا ~~بادخاره عند الله، وذلك بأن يقول في المصيبة: قدر الله وما شاء الله فعل ~~ويصير في النعمة هكذا قضى، وما أدري ما مثله # {هذا من فضل # PageV19P296 # ربي ليبلوني أشكر أم أكفر} [النمل: 40] فلا يزال خائفا عند النقمة راجيا ~~أثر النعمة، قائلا في الحالين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأكمل ~~من هذا أن يكون مسرورا بذكر ربه له في كلتا الحالتين كما قال القائل: # سقيا لمعهدك ms4975 الذي لو لم يكن ... ما كان قلبي للصبابة معهدا # وهذه صفة المتحررين من رق النفس، وقيمة الرجال إنما تعرف بالواردات ~~المغيرة، فمن لم تغيره المضار ولم يتأثر بالمسار فهو سيد وقته، أشار إليه ~~القشيري. ولما كان الإمعان في استجلاب الأسى إنما هو من اليأس ونسيان النعم ~~وزيادة الفرح الموصل إلى المرح إنما يجره الكبر والمرح، وكان في أوصاف أهل ~~الدنيا التفاخر، قال تعالى مبينا أن المنهي عنه سابقا التمادي مع الجبلة في ~~الحزن والفرح، عاطفا على ما تقديره: {فإن الله لا يحب كل يؤوس كفور} {والله ~~لا يحب} أي لا يفعل فعل المحب بأن يكرم {كل مختال} أي متكبر نظر إلى ما في ~~يده في الدنيا {فخور *} قال القشيري: الاختيال من بقايا النفس ورؤيتها، ~~والفخر من رؤية خطر ما به يفتخر. # PageV19P297 # ولما كان من جملة صفات المختال المكاثر بالمال البخل، وكان قد تقدم الحث ~~على الإنفاق، وكان ما يوجبه لذة الفخار والاختيال # PageV19P297 # التي أوصل إليها المال حاملة على البخل خوفا من الإقتار الموجب عند أهل ~~الدنيا للصغار، قال تعالى واصفا للمختال أو {لكل} : {الذين يبخلون} أي ~~يوجدون هذه الحقيقة مع الاستمرار {ويأمرون الناس} أي كل من يعرفونه ~~{بالبخل} إرادة أن يكون لهم رفقاء يعملون بأعمالهم الخبيثة فيحامون عنهم أو ~~أنهم يوجبون بأعمالهم من التكبر والبطر في الأموال التي حصلها لهم البخل ~~استدراجا من الله لهم بخل غيرهم لأنه إذا رآهم عظموا بالمال بخل ليكثر ماله ~~ويعظم، وذلك كله نتيجة فرحهم بالموجود وبطرهم عند إصابته، فكانوا آمرين ~~بالبخل لكونهم أسبابا له والسبب كالآمر في إيجاد شيء. # ولما كان التقدير: فمن أقبل على ما ندب إليه من الإقراض الحسن والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الله شكور حليم، عطف عليه قوله ذاما للبخل ~~محذرا منه: {ومن يتول} أي يكلف نفسه من الإعراض ضد ما في فطرته من محبة ~~الخير والإقبال على الله {فإن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {هو} أي ~~وحده {الغني} أي عن ماله وإنفاقه وكل شيء إلى الله ms4976 مفتقر {الحميد *} أي ~~المستحق للحمد وسواء حمده الحامدون أم لا، وقراءة نافع وابن عامر بإسقاط هو ~~مفيدة لحصر المبتدأ في الخبر للتعريف وإن كانت قراءة الجماعة آكد. # PageV19P298 # ولما ظهرت الأدلة حتى لم يبق لأحد علة، وانتشر نورها حتى ملأ الأكوان، ~~وعلا علوا تضاءل دون عليائه كيوان، وكان فيما تقدم شرح مآل الدنيا وبيان ~~حقيقتها، وأن الأدمي إذا خلي ونفسه ارتكب ما لا يليق من التفاخر وما شاكله ~~وترك ما يراد به مما دعي إليه من الخير جهلا منه وانقيادا مع طبعه، وكان ~~ختم الآية السابقة ربما أوهم المشاركة، قال تعالى نافيا ذلك في جواب من ~~توقع الإخبار عن سائر الأنبياء: هو أوتوا من البيان ما أزال اللبس، مؤكدا ~~لإزالة العذر بإقامة الحجج بإرسال الرسل بالمعجزات الحاضرة والكتب الباقية، ~~معلما أن من أعرض كلف الإقبال بالسيف، فإن الحكيم العظيم تأبى عظمته وحكمته ~~أن يخلي المعرض عن بينة ترده عما هو فيه، وقسر يكفيه عما يطغيه: {لقد ~~أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {رسلنا} أي الذين لهم نهاية الإجلال بما لهم ~~بنا من الاتصال من الملائكة إلى الأنبياء على جميعهم أفضل الصلاة والسلام ~~والتحية والإكرام، ومن الأنبياء إلى الأمم {بالبينات} أي الموجبة للإقبال ~~في الحال لكونها لا لبس فيها أصلا، ودل على عظمة أنبيائه عليهم الصلاة ~~والسلام بأنهم لعلو مقاماتهم بالإرسال كأنهم أتوا إلى العباد من موضع عال ~~جدا فقال: {وأنزلنا} بعظمتنا # PageV19P299 # التي لا شيء أعلى منها {معهم الكتاب} أي الحافظ في زمن الاستقبال في ~~الأحكام والشرائع. # ولما كان فهم الكتاب ربما أشكل فإنه يحتاج إلى ذهن صقيل وفكر طويل، وصبر ~~كبير وعلم كثير - قال الرازي: وبهذا قيل: لولا الكتاب لأصبح العقل حائرا ~~ولولا العقل لم ينتفع بالكتاب، عقبه بما يشترك في معرفته الكبير والصغير، ~~والجاهل والنحرير، وهو أقرب الأشياء إلى الكتاب في العلم بمطابقة الواقع ~~لما يراد فقال: {والميزان} أي العدل والحكمة، ولعله كل ما يقع به التقدير ~~حسا أو معنى، وتعقيبه به إشارة إلى أن عدم زيغه لعدم حظ ونحوه، ms4977 فمن حكم ~~الكتاب خاليا عن حظ نفس وصل إلى المقصود {ليقوم الناس} أي الذين فيهم ~~قابلية التحرك إلى المعالي كلهم {بالقسط} أي العدل الذي لا مزيد عليه ~~لانتظام جميع أحوالهم، هذا لمن أذعن للبينات لذات من أقامها أو للرغبة فيها ~~عنده. # ولما كان الإعراض بعد الإبلاغ في الإيضاح موجبا للرد عن الفساد بأنواع ~~الجهاد، قال مهددا وممتنا ترغيبا وترهيبا معبرا عن الخلق بالإنزال تشريفا ~~وتعظيما: {وأنزلنا} أي خلقنا خلقا عظيما بما لنا من القدرة {الحديد} أي ~~المعروف على وجه من القوة والصلابة # PageV19P300 # واللين والحدة لقبول التأثير يعد به كالبائن لما في الأرض، فلذلك سمي ~~إيجاده إنزالا، ولأن الأوامر بالإيجاد والإعدام تنزل من السماء على أيدي ~~الملائكة لأن السماء محل الحوادث الكبار، والبدائع والأسرار، لأن الماء ~~الذي هو أصله وأصل كل نام ينزل من السماء وتكون الأرض له بمنزلة الرحمن ~~للنطفة. # ولما وقع التشوف إلى سبب إنزاله، قال: {فيه بأس} أي قوة وشدة وعذاب ~~{شديد} لما فيه من الصلابة الملائمة للمضاء والحدة {ومنافع للناس} بما يعمل ~~منه من مرافقهم ومعاونهم لتقوم أحوالهم بذلك، قال البيضاوي: ما من صنعة إلا ~~والحديد آلتها. ولما كان التقدير: ليعلم الله من يعصيه ويخذل أولياءه، بوضع ~~بأسه في غير ما أمر به نصرة لشيطانه وهواه وافتنانه، عطف عليه قوله: ~~{وليعلم الله} أي الذي له جميع العظمة علم شهادة لأجل إقامة الحجة بما يليق ~~بعقول الخلق فيكون الجزاء على العمل لا على العلم، وأوقع ضمير الدين عليه ~~سبحانه تعظيما له لأنه شارعه فقال: {من ينصره} أي يقبل مجدا على الاستمرار ~~على نصر دينه {ورسله} بالذب عنهم والدعاء إليهم، كاثنا ذلك النصر {بالغيب} ~~من الوعد والوعيد، أي بسبب تصديق # PageV19P301 # الناصر لما غاب عنه من ذلك، أو غائبا عن كل ما أوجب له النصرة، وروي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ينصرونه ولا يبصرونه - انتهى. فلم يدع ~~سبحانه في هذه الآية لأحد عذرا بالرسل الذين هم الجنس مع تأييدهم بما ينفي ~~عنهم اللبس، والكتاب العالي عن كلام ms4978 الخلق، والعقل الذي عرف العدل، والسلاح ~~الذي يرد أولي الجهل، كما قال صلى الله عليه وسلم: # «بعثت بين يدي الساعة بالسيف» فبيان الشرائع بالكتاب، وتقويم أبواب العدل ~~بالميزان، وتنفيذ هذه المعاني بالسيف، فإن مصالح الدين من غير هيبة السلطان ~~لا يمكن رعايتها، فالملك والدين توأمان، فالدين بلا ملك ضائع، والملك من ~~غير دين باطل، والسلطان ظل الله في الأرض، فظواهر الكتاب للعوام، ووزن ~~معارفه لأهل الحقائق بالميزان، ومن خرج عن الطائفتين فله الحديد وهو السيف، ~~لأن تشويش الدين منه - نبه عليه الرازي. # ولما كان طالب النصرة مظنة لتوهم الضعف، قال نافيا لذلك مؤكدا قطعا لتعنت ~~المتعنتين مظهرا للاسم الأعظم إشارة إلى أن من له جميع صفات الكمال لا يمكن ~~أن تطرقه حاجة: {إن الله} أي الذي له العظمة كلها. ولما لم يكن هنا داع إلى ~~أكثر من هذا التأكيد: بخلاف ما أشير إليه من الإخراج من الديار المذكورة في ~~الحج ونحوه، قال معلما بأنه غني عن كل شيء معريا الخبر من اللام: {قوي} أي ~~فهو قادر على # PageV19P302 # إهلاك جميع أعدائه وتأييد من ينصره من أولياءه {عزيز *} فهو غير مفتقر ~~إلى نصر أحد، وإنما دعا عباده إلى نصر دينه ليقيم الحجة عليهم فيرحم من ~~أراد بامتثال المأمور، ويعذب من يشاء بارتكاب المنهي، ببنائه هذه الدار على ~~حكمة ربط المسببات بالأسباب. # PageV19P303 # ولما عم الرسل جامعا لهم في البينات، فكان السامع جديرا بأن يتوقع ~~التعيين، وخص من بينهم من أولي العزم أبوين جامعين في الذرية والرسالة، لأن ~~ذلك أنسب لمقصود السورة لتبيين فضل محمد صلى الله عليه وسلم الذي عم ~~برسالته عموما لم يكن لأحد غيره، فنوح عليه السلام أرسل لأهل الأرض لكونهم ~~كانوا على لسان واحد، وعموم إبراهيم عليه السلام بأولاده عليهم السلام ونص ~~بعدهما على عيسى عليه السلام بما له من عموم الرسالة إلى بني إسرائيل ~~بالنسخ والتشريع، ثم من نزوله في هذه الأمة بالتقرير والتجديد فقالك {ولقد ~~أرسلنا} أي بما لنا من صفات الكمال والجمال والجلال {نوحا} الأب الثاني، ~~وجعلنا ms4979 الأغلب على رسالته مظهر الجلال {وإبراهيم} أبا العرب والروم وبني ~~إسرائيل الذي أكثر الأنبياء من نسله، وجعلنا الأغلب على رسالته مجلى ~~الإكرام {وجعلنا} بما لنا من العظمة {في ذريتهما النبوة} المقتضية للوصلة ~~بالملك الأعظم لتنفيذ الأوامر # PageV19P303 # {والكتاب} الجامع للأحكام الضابط للشرائع بأن استنبأنا بعض ذريتهما ~~وأنزلنا إليهم الكتب فلا يوجد نبي ولا كتاب إلا وهو مدل إليهما بأمتن ~~الأسباب وأعظم الأنساب. # ولما كان مظهر العظمة مقتضيا لإشقاء من أريد إشقاؤه مع عدم المبالاة به، ~~كائنا من كان، سواء اتصل بالأولياء أو الأعداء لئلا يأمن أحد فيقع في ~~الخسران أو ييأس أحد فيلزم الهوان قال: {فمنهم} أي ذرية هذين الصنفين ~~{مهتد} هو بعين الرضا منا - وهو من لزم طريق الأصفياء واستمسك بعهدهم ولم ~~يزغ أصلا وإن كان من أولاد الأعداء. # ولما كان من زاغ بعد تذكيره بالكتب والرسل، كان مستحقا للمبالغة في الذم ~~ولو أنه واحد فكيف إذا كان كثيرا، نبه بتغيير السياق على ذلك وعلى أن ~~الأغلب الضلال فقال: {وكثير منهم} أي الذرية الموصوفين {فاسقون *} هم بعين ~~السخط وإن كانوا أولاد الأصفياء وهم من خالف الأولياء بمنابذة أو ابتداع أو ~~زيغ عن سبيلهم بما لم ينهجوه من تفريظ وإفراط. # ولما كان من مقاصد هذه السورة العظمى الإعلام بنسخ الشرائع كلها بشريعة ~~هذا النبي الفاتح العام الرسالة لجميع الخلائق صلى الله عليه وسلم، قال ~~مشيرا إلى عظمة الإرسال والرسل بأداة التراخي: # PageV19P304 # {ثم قفينا} أي بما لنا من العظمة تقفية لها من العظمة ما يجل وصفه {على ~~آثارهم} أي الأبوين المذكورين ومن مضى قبلهما من الرسل، ولا يعود الضمير ~~على {الذرية} لأنها باقية مع الرسل وبعدهم {برسلنا} أي فأرسلناهم واحدا في ~~أثر واحد بين ما لا يحصى من الخلق من الكفرة محروسين منهم في الأغلب بما ~~تقتضيه العظمة، لا ننشئ آثار الأول منهم حتى نرسل الذي بعده في قفاه، فكل ~~رسول بين يدي الذي بعده، والذين بعده في قفاه - فهو مقف له لأن الأول ذاهب ~~إلى الله والثاني تابع له، فنبينا صلى ms4980 الله عليه وسلم أعرق الناس في هذا ~~الوصف لأنه لا نبي بعده، ولهذا كان الوصف أحد أسمائه. # ولما كان عيسى عليه السلام أعظم من جاء بعد موسى عليه السلام من بني ~~إسرائيل فهو الناسخ لشريعته والمؤيد به هذا النبي الخاتم صلى الله عليه ~~وسلم في تجديد دينه وتقرير شريعته، وكان الزهد والرأفة والرحمة في تابعيه ~~في غاية الظهور مع أن ذلك لم يمنعهم من القسوة المنبهة سابقا على أن الموجب ~~لها طول الأمد الناشئ عنها الإعراض عن الآيات الحاضرة معه والكتاب الباقي ~~بعده، خصه بالذكر وأعاد العامل فقال: {وقفينا} أي أتبعنا بما لنا من العظمة ~~على آثارهم قبل أن تدرس {بعيسى ابن مريم} وهو آخر من قبل النبي الخاتم ~~عليهم الصلاة والسلام، فأمته أول الأمم بالأمر باتباعه صلى الله عليه وسلم ~~{وآتيناه} بما لنا من العظمة # PageV19P305 # {الإنجيل *} كتابا ضابطا لما جاء به مقيما لملته مبينا للقيامة مبشرا ~~بالنبي العربي موضحا لأمره مكثرا من ذكره {وجعلنا} لعزتنا {في قلوب الذين ~~اتبعوه} أي بغاية جهدهم، فكانوا على مناهجه {رأفة} أي أشد رقة على من كان ~~يتسبب إلى الاتصال بهم {ورحمة} أي رقة وعطفا من لم يكن له سبب في الصلة بهم ~~كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على ~~المؤمنين مع أن قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين، وترتيب ~~الوصفين هكذا أدل دليل على أنهما لم يقصد بهما مراعاة الفواصل في {رؤف ~~رحيم} كما قاله بعض المفسرين وتقدم في آخر براءة أن ذلك قول لا يحل التصويب ~~إليه ولا التعويل عليه وإن قاله من قال {ورهبانية} أي أمورا حاملة على ~~الرهبية والتزيي بزيها والعمل على حسبها مبالغة في العبادة والرياضة ~~والانقطاع عن الناس. # ولم قدم المعمول لفعل غير مذكور ليدل عليه بما يفسره ليكون مذكورا مرتين ~~تأكيدا له إفهاما لذم نفس الابتداع، أتبعه المفسر لعامله فقال: {ابتدعوها} ~~أي حملوا أنفسهم على عملها والتطويق بها من غير أن يكون لهم فيها سلف ~~يعلمونه أو يكون بما ms4981 صرح به كتابه وإن كانت مقاصده لا تأباها فاعتزلوا ~~لأجلها الناس، وانقطعوا في الجبال # PageV19P306 # على الاستئناس، وكانت لهم بذلك أخبار شائعة في النواحي والأمصار، وفي ~~التقديم على العامل سر آخر وهو الصلاحية للعطف على ما قبلها لئلا يتوهم في ~~لفظ الابتداع أن لا صنع لله فيها {ما كتبناها} أي فرضناها بعظمتنا {عليهم} ~~في كتابهم ولا على لسان رسولهم {إلا} أي لكن ابتدعوها {ابتغاء} أي لأجل ~~تكليفهم أنفسهم الوقوع بغاية الاجتهاد في تصفية القلوب وتهذيب النفوس ~~وتزكية الأعمال على {رضوان الله} أي الرضا العظيم من الملك الأعظم، وساق ~~المنقطع مساق المتصل إشارة إلى أنه مما يرضي الله، وأنه ما ترك فرضها عليهم ~~إلا رحمة لهم لأجل صعوبتها، وأنه صيرها بعد إلزامهم بها كالمكتوبة، فيكون ~~التقدير حينئذ: إلا لأجل أن يبتغوا رضوانه على وجه الثبات والدوام، قال ~~الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري في كتابه ~~«فتوح مصر والمغرب» : فلما أن أغرق الله عز وجل فرعون وجنوده كما حدثنا ~~هانئ بن المتوكل عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن تبيع قال: استأذن ~~الذين كانوا آمنوا من السحرة لموسى عليه السلام في الرجوع إلى أهله وماله ~~بمصر فأذن لهم ودعا لهم فترهبوا مع رؤوس الجبال، فكانوا أول من # PageV19P307 # ترهب، وكان يقال لهم الشيعة، وبقيت طائفة منهم مع موسى عليه السلام حتى ~~توفاه الله عز وجل، ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب ~~المسيح عليه السلام. # ولما تسبب عن صعوبتها أنهم أضاعوها بالتقصير عن شؤونها والسفول عن ~~عليائها قال: {فما رعوها} أي حفظوها كلهم بحفظ من هو مرتاع من خوف ضياعها ~~{حق رعايتها} بصون العناية في رعاية الأعمال والأحوال والأقوال، فصون ~~الأعمال توفيرها لتحقيرها من غير التفات إليها، ورعاية الأحوال عند ~~الاجتهاد من أتاه والحال دعوى، ورعاية الوقت الوقوف مع حضور على بساط شهود ~~الجلال - ذكره الرازي. بل غلبت عليهم صفات البشر فقصر بعضهم عن عالي مداها، ~~وانحطوا عن شامخ ذراها، هذا تنفير عظيم عن ms4982 البدع، وحث شديد على لزوم ما سنه ~~الله وشرع، وتحذير من التشديد، فإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه وهو ~~الترحال إلى البدعة ولهذا أكثر في أهل الرهبانية المروق من الدين بالاتحاد ~~والحلول وغير ذلك من البلايا ولو كان يظهر أن التشديد والتعمق خير لأن ~~الشارع الذي أحاط علما بما لم يحط به نهى عنه، وقد أفادت التجربة أنه قد ~~يغر لأن هؤلاء ابتدعوا ما أرادوا الخير، فكان داعيا لكثير منهم إلى دار ~~البوار، وفيه أيضا حث عظيم على المداومة على ما اعتيد من الأعمال الصالحة ~~خصوصا، ما عمل النبي صلى الله عليه وسلم عملا إلا دوام عليه، وكان ينهى # PageV19P308 # عن التعمق في الدين، ويأمر بالرفق والقصد. # ولما كانت متابعة النفس في التقصير بالإفراط قد توصل إلى المروق من الدين ~~فيوجب الكفر فيحط على الهلاك كله، أشار إلى ذلك بقوله: {فآتينا} أي بما لنا ~~من صفات الكمال {الذين آمنوا} أي استمروا على الإيمان الكامل، ولعل في ~~التعبير بالماضي بعد إرادة التعميم للأدنى والأعلى إشارة إلى إن المتعمق ~~بين إيمان وكفر لا تجرد معصيته كما أشار إليه ختم الآية فهو في غاية الذم ~~للتعمق والمدح للاقتصاد {منهم} أي من هؤلاء المبتدعين لأنهم رعوها حق ~~رعايتها ووصلوا إيمانهم بعيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسلام بإيمانهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي دعا إليه الخروج عن النفس الذي هو روح ~~الرهبانية بموافقتهم لما في كتابهم من البشائر به {أجرهم} أي اللائق بهم ~~وهو الرضوان المضاعف. # ولما كانت متابعة الأهواء تكسب صفات ذميمة تصير ملكات راسخة للأنفس، أشار ~~إلى ذلك بالعدول عن النهج الأول فقال: {وكثير منهم} أي هؤلاء الذين ابتدعوا ~~فضيعوا {فاسقون *} أي عريقون في وصف الخروج عن الحدود التي حدها الله ~~تعالى، روى البغوي # PageV19P309 # من طريق الثعلبي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من آمن بي فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون» ~~انتهى. ومثل هذه الرهبانية في أنها لا تأباها ms4983 قواعد الدين ما يفهمه بعض ~~العلماء من الكتاب والسنة فيتذكره، فيكون أخذنا له من الأصول التي نبه ~~عليها لا منه، كما أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يفعلون أشياء فإن ~~قررهم النبي صلى الله عليه وسلم كانت شرعا لنا وكنا آخذين لها من تفسيره ~~صلى الله عليه وسلم لا منهم، فإن من ملكه الله رتبة الاجتهاد في شيء وأمكنه ~~فيه من القواعد فأداه اجتهاده إلى أن هذا مندوب إليه مرغوب فيه مثلا، كان ~~ذلك بما يشهد له من قواعد الدين بمنزلة ما قاله الصحابة رضي الله عنهم ~~فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فرق بين أن يقرره النبي صلى الله ~~عليه وسلم بنفسه أو بقواعد شريعته، ومهما كان مقررا بقواعد شرعه كان عليه ~~أمره، ومهما لم يكن مقررا بها كان مما ليس عليه أمره فهو رد على قائله، ~~فهذا فرق بين البدع الحسنة والبدع القبيحة - والله الموفق، وذكر ابن برجان ~~تنزيل هذا الحديث الذي فيه «لتتبعن سنن من كان قبلكم» فذكر أن أصحاب عيسى ~~عليه السلام عملوا بعده بالإنجيل حتى قام فيهم ملك بدل كتابهم، وشايعه على ~~ذلك روم ويونان، فضعف أهل الإيمان، فاستذلوهم حتى هربوا إلى البراري، ~~وعملوا الصوامع # PageV19P310 # وابتدعوا الرهبانية، وكذلك كان في هذه لتصديق الحديث الشريف فإنه لما ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعه خلفاؤه بإحسان، فلما مضت الخلافة ~~الراشدة تراكمت الفتن كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد البلاء ~~على المتمسكين بصريح الإيمان، ورجم البيت العتيق بحجارة المنجنيق وهدم، ~~وقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما واستبيحت مدينة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثلاثة أيام، وقتل خيار من فيها فرأى المسلمون العزلة واجبة، ~~فلزموا الزوايا والمساجد وابتنوا الروابط على سواحل البحر وأخذوا في الجهاد ~~للعدو والنفوس، وعالجوا تصفية أخلاقهم ولزموا الفقر أخذا من أحوال أهل ~~الصفة، وتسموا بالصوفية وتكلموا على الورع والصدق والمنازل والأحوال ~~والمقامات فهؤلاء وزان أولئك - والله الموفق. # ذكر ما في الإنجيل ما من الحكم التي توجب ms4984 الزهد في الدنيا والإقبال على ~~الله التي يصح تمسك أهل هذه الرهبانية بها: قال متى وغيره وأغلب السياق ~~لمتى: إن أخطأ عليك أخوك فاذهب أعتبه وحدكما، فإن سمع منك فقد ربحت أخاك، ~~وإن لم يسمع منك فخذ معك واحدا أو اثنين، لأن من فم شاهدين أو ثلاثة تقوم ~~كل كلمة، وإن لم يسمع # PageV19P311 # منهم فقل للبيعة، فإن لم يسمع من البيعة فيكون عندك كالوثني والعشار، ~~الحق أقول لكم، وقال لوقا: انظروا الآن إن أخطأ إليك أخوك فانهه، فإن تاب ~~فاغفر له، فإن أخطأ إليك سبع دفعات في اليوم ورجع إليك سبع دفعات يقول لك: ~~أنا تائب، فاغفر له، وقال متى: حينئذ جاء إليه بطرس وقال له: إذا أخطأ إلي ~~أخي لم أغفر له سبع مرات، قال: ليس أقول لك إلى سبع مرات، بل إلى سبعين ~~مرة، ولهذا يشبه ملكوت السماوات ملكا أراد أن يحاسب عبيده، فلما بدأ ~~بمحاسبتهم قدم إليه عبد مديون عليه جملة وزنات، ولم يكن معه ما يوفي، فأمر ~~سيده أن تباع امرأته وبنوه وكل ما له حتى يوفي، فخر ذلك العبد له ساجدا ~~قائلا: يا رب، ترأف علي تأن، أوفك كل مالك، فتحنن عليه سيده وترك له كل ما ~~عليه، فخرج ذلك العبد فوجد عبدا من أصدقائه عليه مائة دينار فأمسكه وخنقه ~~وقال: أعطني ما عليك، فخر ذلك العبد على رجليه وطلب إليه قائلا: ترأف علي ~~فأنا أعطيك مالك، فأبى ومضى ورتكه في السجن حتى يوفي الدين، فرأى العبد ~~أصحابه فحزنوا عليه جدا وأعلموا سيده بكل ما كان منه، حينئذ دعاه سيده وقال ~~له: أيها العبد الشرير! كل ما كان عليك تركت بذلك لأنك سألتني، ما كان ~~ينبغي لك أن ترحكم ذلك العبد صاحبك كرحمتي # PageV19P312 # إياك، وغضب سيده ودفعه إلى المعذبين حتى يوفي جميع ما عليه، هكذا أبي ~~السماوي يصنع بكم إن لم تغفروا لإخوانكم سيئاتهم من كل قلوبكم، فلما أكمل ~~يسوع هذا الكلام انتقل من الجليل وجاء إلى تخوم يهود عبر الأردن فتبعه جمع ~~كثير فأبرأهم ms4985 هناك، قال لوقا: فلما أكمل أيام صعوده أقبل بوجهه إلى ~~يروشليم، وأرسل مخبرين قدام وجهه فمضوا ودخلوا قرية السامرة، لكيما يعدوا ~~له فلم يقبلوه فقال تلميذاه يعقوب ويوحنا: يا رب تريد أن نقول فتنزل عليهم ~~نار من السماء فتهلكهم كما فعل إليا، فالتفت فنهرهما قائلا: لستما تعرفان ~~أي روح أنتما، إن ابن البشر لم يأت ليهلك نفوس الناس بل يحيي، ومضى إلى ~~قرية أخرى، وقال متى: حينئذ قدم إليه صبيان ليضع يده عليهم ويباركهم فنهرهم ~~التلاميذ فقال لهم يسوع: جعوا الصبيان ولا تمنعوهم أن يأتوا إلي لأن ملكوت ~~السماوات لمثل هؤلاء، ووضع يده عليهم وبارك لهم، وقال مرقس: الحق أقول لكم، ~~إن من لا يقبل ملكوت الله مثل صبي لا يدخلها، واحتضنهم ووضع يده عليهم ~~وباركهم، وقال متى: ومضى من هناك وجاء إليه واحد وقال: يا معلم صالح - وقال ~~مرقس: أيها الملعم الصالح - ما أعمل من # PageV19P313 # الصلاح لأرث الحياة الدائمة، قال له: لماذا تقول: صالح، ولا صالح إلا ~~الله الواحد، إن كنت تريد أن تدخل الحياة احفظ الوصايا، قال له: وما هي؟ ~~قال يسوع: لا تقتل ولا تسرق ولا تزن ولا تشهد الزور، وقال مرقس: لا تجر، ~~أكرم أباك وأمك - حب قريبك مثلك، قال له الشاب: كل هذا قد حفظته من صغري، ~~قال له يسوع: إن كنت تريد أن تكون كاملا فاذهب، وقال مرقس: فنظر إليه يسوع ~~وأحبه، وقال: تريد أن تكون كاملا، واحدة بقيت عليك: امض وبع كل شيء لك ~~وأعطه للمساكين ليكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني، فلما سمع الشاب ~~الكلام مضى حزينا لأنه كان له مال كثير، فقال يسوع لتلامذته: الحق أقول ~~لكم! إنه يعسر على الغني الدخول إلى ملكوت السماء، وأيضا أقول لكم: إنه ~~أسهل أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة من غني يدخل ملكوت السماوات، فلما سمع ~~التلاميذ بهتوا جدا وقالوا: من يقدر أن يخلص، فنظر يسوع وقال لهم: أما عند ~~الناس فلا يستطاع هذا، وأما عند الله فكل يستطاع، حينئذ أجاب بطرس وقال ms4986 له: ~~هو ذا نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فماذا عسى أن يكون لنا، قال لهم يسوع: ~~الحق والحق أقول لكم! أنتم الذين اتبعتموني في الجبل الآتي إذا جلس ابن ~~الإنسان على كرسي مجده تجلسون # PageV19P314 # أنتم على اثني عشر كرسيا، تدينون اثني عشر سبط بني إسرائيل، كل ما ترك ~~بنين أو أخا أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو بيتا أو حقلا من أجل اسمي ~~يأخذ مائة ضعف ويرث حياة الأبد، وقال لوقا: ما من أحد ترك منزلا أو والدين ~~أو إخوة أو امرأة أو مالا من أجل ملكوت الله إلا وينال العوض أضعافا كثيرة ~~في هذا الزمان وفي الدهر الآتي حياة الأبد، وقال متى وغيره: كثيرا أولون ~~يصيرون آخرين: وأخرون يصيرون أولين، يشبه ملكوت السماوات إنسانا رب بيت خرج ~~الغداة ليستأجر فعله لكرمه، فشارك الأكرة على دينار واحد في اليوم - إلى ~~آخر ما مضى في الأعراف من البشارة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم في مثل ~~الفعلة في الكرم الذي فضل آخرهم وهو العامل قليلا على من عمل أكثر النهار ~~وقد ساقه ابن برجان في آخر تفسير سورة الحديد عن الإنجيل بعبارة أخرى ~~تفسيرا كثيرا من عبارة النسخة التي نقلت ذاك منها، فأحببت أن أذكر عبارة ~~ابن برجان هنا تكميلا للفائدة، قال: وفي الكتاب الذي يذكر أنه الإنجيل: ~~وكثيرا يتقدم الآخرون الأولون ويكون الأولون ساقة الآخرين: ولذلك يشبه ~~ملكوت السماوات برجل ملي خرج في استئجار الأعوان لحفر كرم في # PageV19P315 # أول النهار، وعامل كل واحد في نهاره على درهم ثم أدخلهم كرمه، فلما كان ~~في الساعة الثالثة بصر لغيرهم في الرحاب لا شغل لهم فقال: اذهبوا أنتم أيضا ~~إلى الكرم وسآمر لكم بحقوقكم، ففعلوا، ثم فعل مثل ذلك في الساعة السادسة ~~والتاسعة، فلما كان في الساعة الإحدى عشرة وجد غيرهم وقوفا فقال لهم: لم ~~وقفتم هنا طول نهاركم دون عمل؟ فقالوا له: إنا لم يستأجرنا أحد، فقال لهم: ~~اذهبوا أنتم سآمر لكم بحقوقكم، فلما انقضى النهار قال لوكيله: ms4987 ادع الأعوان ~~وأعطهم أجرتهم وابدأ بالآخرين حتى تنتهي إلى الأولين، فبدأ بالذين دخلوا في ~~الساعة الإحدى عشرة وأعطى كل واحد منهم درهما، قأقبل الأولون وهم الذين ~~يرجون الزيادة، فأعطى كل واحد منهم درهما، فاستذكروا ذلك على صاحب الكرم ~~وقالوا: سويتنا بالذين لم يعملوا إلا ساعة من النهار في شخوصنا طول نهارنا ~~وعذابنا بحرارته، فأجاب أحدهم وقال: لست أظلمك يا صديق، أما عاملتني على ~~درهم فخذ حقك وانطلق فإنه يوافقني أن أعطي الآخر كما أعطيتك، أفلا يحل لي ~~ذلك؟ وإن كنت حسودا فإني أنا رحيم، ومن أجل ذلك يتقدم الآخرون الأولين، ~~ويكون الأولون ساقة الآخرين فالمدعوون كثير، والخيرون قليل، وذكر ابن برجان ~~أن الساعة السادسة لعيسى عليه السلام وأصحابه # PageV19P316 # في أول الأمر والتاسعة لمحمد صلى الله عليه وسلم والحادية عشرة لآخر ~~الزمان - كأنه يعني ما بعد الدجال من أيام محمد صلى الله عليه وسلم التي ~~يكون فيها عيسى عليه السلام مجددا، ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ~~التي يكون فيها عيسى عليه السلام مجددا، ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه ~~وسلم في حديث الصحيح شيئا واحدا من العصر إلى غروب الشمس، ثم قال متى في ~~بقية ما مضى من الإنجيل في النسخة التي نقلت منها عقب ما تقدم أنه في ~~الأعراف: فصعد يسوع إلى يروشليم وأخذ الاثني عشر، حينئذ جاءت إليه أم ابني ~~زبدي - هما يعقوب ويوحنا - مع ابنيها وسجدت له، فقال لها: ماذا تريدين؟ ~~قالت: أن يجلس ابناي أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك في ملكوتك، أجاب ~~يسوع: أما جلوسهما عن يميني ويساري فليس لي بل للذي أعده لهم ربي، فلما سمع ~~العشرة تقمقموا على الآخرين - وقال مرقس: على يعقوب ويوحنا - فدعاهم يسوع ~~وقال لهم: أما علمتم أن رؤساء الأمم يسودونهم وعظماءهم مسلطون عليهم، ليس ~~هكذا يكون فيكم، لكن من أراد أن يكون فيكم كبيرا فيكون لكم خادما، ومن أراد ~~أن يكون فيكم أولا فيكون لكم عبدا، وقال مرقس: فيكون آخر للكل وخادما ~~للجميع، كذلك ابن # PageV19P317 # الإنسان لم يأت ms4988 ليخدم بل ليخدم، ويبذل نفسه فداء عن كثير، فلما خرج من ~~أريحا تبعه جمع كثير وإذا أعميان جالسان على الطريق فسمعا أن يسوع مجتاز ~~فصرخا قائلين: ارحمنا يا رب يا ابن داود، فوقف يسوع ودعاهما وقال لهما: ما ~~تريدان أن أفعل لكما، قالا له: يا رب، أن تفتح أعيننا، فتحنن يسوع ولمس ~~أعينهما وللوقت أبصرت أعينهما وتبعاه، وعبارة مرقس عن ذلك: وجاء إلى أريحا ~~وخرج من هناك وتبعه تلاميذه وجمع كثير وإذا طيماس بن طماس الأعمى جالس يسأل ~~عن الطريق - وقال لوقا: يتوسل - فسمع الجمع المجتاز فسأل: ما هذا، فأخبروه ~~أن يسوع الناصري جاء، وقال مرقس: فلما سمع بأن يسوع مقبل بدأ يصيح ويقول: ~~يا يسوع الناصري ابن داود ارحمني، فانتهروه ليسكت، فازداد صياحا قائلا: يا ~~رب يا ابن داود، ارحمني، فوقف يسوع وقال: ادعوه، فدعي الأعمى وقالوا له: ثق ~~وقم فإنه يدعوك، وطرح ثوبه ونهض وجاء إلى يسوع فأجابه يسوع وقال له: ما ~~تريد أن أصنع بك؟ فقال له الأعمى: يا معلم، وقال لوقا: يا رب - أن أبصر، ~~فقال له يسوع: اذهب إيمان خلصك، وللوقت أبصر، وتبعه في الطريق - قال لوقا: ~~يمجد الله - وكان جميع الشعب الذين رأوه يسبحون الله. # وقال أيضا: وكان بينما هو منطلق إلى يروشليم اجتاز بين السامرة والجليل، ~~وفيما هو داخل # PageV19P318 # إلى إحدى القرى استقبله عشرة رجال برص فوقفوا من بعيد ورفعوا أصواتهم ~~قائلين: يا يسوع الملعم ارحمنا! فنظر إليهم وقال لهم: اذهبوا وأروا أنفسكم ~~للكهنة، وفيما هم منطلقون طهروا، فلما رأى أحدهم أنه قد طهر رجع بصوت عظيم ~~بمجد الله وخر على وجهه عند رجليه شاكرا له، وكان سامريا، أجاب يسوع وقال: ~~أليس العشرة قد طهروا فأين التسعة، ألم يجدوا ليرجعوا ويمجدوا الله ما خلا ~~هذا الغريب، ثم قال له: قم فامض، إيمانكم خلصك. # قال متى: ولما قربوا من يروشليم وجاؤوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون - ~~وقال مرقس: عند باب فاجي وبيت عنيا جانب طور الزيتون - قال متى: حينئذ أرسل ~~يسوع اثنين من ms4989 تلاميذه: وقال لهما: اذهبا إلى القرية التي أمامكما فتجدان ~~أتانه مربوطة وجحشا معهما فحلاهما وائتياني بهما! فإن قال لكما أحد شيئا ~~فقولا له: إن الرب محتاج إليهما! فهو يرسلهما للقوت، كان هذا ليتم ما قيل ~~في النبي القائل قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك متواضعا راكبا على ~~أتانه # PageV19P319 # وجحش ابن أتانة، فذهب التلميذان وصنعا كما أمرهما يسوع، فأتيا بالأتانة ~~والجحش وتركوا ثيابهم عليهما، وجلس معهما، وجمع كثير فرشوا ثيابهم في ~~الطريق وآخرون قطعوا أغصانا من الشجر وفرشوها في الطريق، وعبارة مرقس عن ~~ذلك: تجد أن جحشا مربوطا لم يركبه أحد من الناس قط، فحلاه وائتيا به، فإن ~~قال لكما أحد: ما تفعلان بهذا؟ فقولا: إن الرب محتاج إليه من ساعة يرسله، ~~فذهبا ووجدا الجحش مربوطا عند الباب خارجا عن الطريق فحلاه فقال لهما قوم ~~من القيام هناك: ما تصنعان؟ فقالا لهم كما قال يسوع فتركوهما، وجاءا بالجحش ~~إلى يسوع فألقوا عليهم ثيابهم وجلس عليهم وكثير بسطوا ثيابهم في الطريق ~~وآخرون قطعوا أغصانا من الحقل وفرشوها في الطريق. # قال متى: والجمع الذي تقدمه والذي تبعوا صرخوا قائلين: أوصنا يا ابن داود ~~مبارك الآتي باسم الرب، قال مرقس: ومباركة المملكة الآتية باسم الرب لأبينا ~~داود أوصنا في العلاء، وقال لوقا: وكان لما قرب من منحدر جبل الزيتون بدأ ~~جمع الملأ والتلاميذ # PageV19P320 # يفرحون ويسبحون الله ويمجدونه بجميع الأصوات من أجل القوات التي نظروا ~~قائلين: تبارك الملك الآتي باسم الرب والسلامة في السماء والمجد في العلا، ~~وقوم من الفريسيين من بين الجمع قالوا له: ما معلم انتهر تلاميذك، فقال ~~لهم: إن سكت التلاميذ نطقت الحجارة، فلما قرب نظر المدينة وبكى عليها وقال: ~~لو علمت في هذا اليوم ما لك فيه من السلامة، فأما الآن فإنه قد خفي عن ~~عينيك، وسوف تأتي أيام تلقى أعداؤك معلمك ويحيطون بك ويضيقون عليك من كل ~~موضع ويقتلونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجرا، وقال متى: فلما دخل إلى ~~يروشليم ارتجت المدينة كلها قائلين: من هذا؟ فقال الجمع: هذا ms4990 يسوع النبي ~~الذي هو من ناصرة الجليل، فدخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين يبيعون ~~ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارف وكراسي باعة الحمام وقال لهم: مكتوب ~~أن بيتي بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة للصوص. وقال يوحنا: فصعد ~~يسوع إلي يروشليم فوجد في الهيكل باعة البقرة والكباش والحمام وصيارف ~~جلوسا، فصنع # PageV19P321 # محضرة من حبل وأخرج جميعهم من الهيكل فطرد البقر والخراف وبدد دراهم ~~الصيارف وقلب موائدهم، وقال متى: وقدم إليه عميان وعرج في الهيكل فشفاهم، ~~فرأى رؤساء الكهنة العجائب التي صنع والصبيان يصيحون في الهيكل ويقولون: ~~أوصنا يا ابن داود، مبارك الآتي باسم الرب، فتقمقموا وقالوا: ما تسمع ما ~~يقول هؤلاء، فقال لهم يسوع: نعم، أما قرأتم قط أن من فم الأطفال والمرضعين ~~أعددت سبحا، وتركهم وخرج خارج المدينة وبات هناك في بيت هنيا وفي غد عبر ~~إلى المدينة فجاع ونظر إلى شجرة تين على الطريق فجاء إليها فلم يجد فيها ~~شيئا إلا الورق، فقال لها: لا يخرج منك ثمرة إلى الأبد، فيبست تلك الشجرة ~~للوقت، فنظر التلاميذ وتعجبوا وقالوا: كيف يبست التينة للوقت، أجاب يسوع ~~وقال لهم: الحق أقول لكم! إن كان لكم إيمان ولا تشكون ليس مثل هذه الشجرة ~~التين فقط تصنعون ولكن تقولون لهذا الجبل: تعال واسقط في البحر، فيكون، ~~وقال مرقس: إن كان لكم إيمان بالله، لحق أقول لكم: إن من قال لهذا # PageV19P322 # الجبل: انتقل واسقط في هذا البحر، ولا يشك في قلبه بل يصدق فيكون له الذي ~~قال، من أجل هذا أقول لكم: إن كل ما تسألونه في الصلاة بإيمان أنكم تنالونه ~~فيكون لكم، وقال متى: وكل ما تسألونه في الصلاة بإيمان تنالونه، وقال مرقس: ~~فقال له يوحنا، يا معلم! رأينا واحدا يخرج الشياطين باسمك فمعناه لأنه لم ~~يتبعنا، قال لهم يسوع: لا تمنعوه ليس يصنع أحد قوة باسمي، ويقدر سريعا أن ~~يقول على الشر، كل من ليس هو عليكم فهو معكم ومن سقاكم كأس ماء باسم أبيكم ~~المسيح الحق أقول لكم: إن ms4991 أجره لا يضيع. # وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا إطلاق الأب على الله وإطلاق الرب على ~~غيره بلا قيد، وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك غير مرة - والله الهادي ~~للصواب. # PageV19P323 # ولما قرر سبحانه أن الرسل دعاة للحق إلى سيدهم طوعا أو كرها بالكتاب ~~والحديد، وقرر أن السعادة كلها في اتباعهم، وأن البدع لا تأتي بخير وإن زين ~~الشيطان أمرها وخيل أنه خير، وأن أصحاب الذي كان نسخ شريعة من قبله ابتدعوا ~~بدعة حسنة فوكلوا إليها ففسق أكثرهم، فاقتضى ذلك إرسال من ينسخ كل شريعة ~~تقدمته نسخا لا زوال # PageV19P323 # له لأنه لا نبي بعده ونهى عن البدع نهيا لم يتقدمه أحد إلى مثله، أنتج ~~ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بذلك إقرارا صحيحا بنبي ~~مما تقدم أو بالنبي صلى الله عليه وسلم {اتقوا الله} أي خافوا عقابه ~~فاجعلوا بينكم وبين سخطه - لأنه الملك الأعظم - وقاية بحفظ الأدب معه ولا ~~تأمنوا مكره، فكونوا على حذر من أن يسلبكم ما وهبكم، فاتبعوا الرسول ~~تسلموا، وحافظوا على اتباعه لئلا تهلكوا {وآمنوا برسوله} أي الذي لا رسول ~~له الآن غيره، إيمانا مضموما إلى إيمانكم بالله فإنه لا يصح الإيمان به إلا ~~مع الإيمان برسوله، وبأن تثبتوا على الإيمان به، وتضموا الإيمان به إلى ~~الإيمان بمن تقدمه يا أهل الكتاب، لأن رسالته عامة، لقد نسخ جميع ما تقدمه ~~من الأديان فإياكم أن يميلكم عنه ميل من حسد أو غيره، فبادروا إلى إجابته ~~والزموا جميعا حذره فلا تميلوا إلى بدعة أصلا {يؤتكم} ثوابا على اتباعه ~~{كفلين} أي نصيبين ضخمين {من رحمته} تحصينا لكم من العذاب كما يحصن الكفل ~~الراكب من الوقوع، وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقى مقدمه على الكاهل ~~ومؤخره على العجز، وهذا التحصين لأجل إيمانكم به صلى الله عليه وسلم ~~وإيمانكم بمن تقدمه مع خفة العمل ورفع الأصار وهو أعلى بالأجر من الذي عمل ~~الخير في الجاهلية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم # PageV19P324 # لمن سأله عنه «أسلمت على ما أسلفت ms4992 من خير» ودل على أن الكفلين برفع ~~الدرجات وإفاضة خواص من الخيرات بقوله: {ويجعل لكم} أي مع ذلك {نورا} ~~مجازيا في الأولى بالتوفيق للعمل من المعلوم والمعارف القلبية وحسيا في ~~الآخرة بسبب العمل {تمشون به} أي مجازا في الأولى بالتوفيق للعمل، وحقيقة ~~في الآخرة بسبب العمل. # ولما كان الإنسان لا يخلو من نقصان، فلا يبلغ جميع ما يحق للرحمن، قال: ~~{ويغفر لكم} أي ما فرط منكم من سهو وعمد وهزل وجد. ولما قرر سبحانه وذلك، ~~أتبعه التعريف بأن الغفران وما يتبعه صفة له شاملة لمن يريده فقال: {والله} ~~أي المحيط بجميع صفات الكمال والعظمة والكبرياء {غفور} أي بليغ المحو للذنب ~~عينا وأثرا {رحيم *} أي بليغ الإكرام لمن يغفر له ويوفقه للعمل بما يرضيه. # ولما كان أهل الكتاب قد تابعوا أهويتهم على بغض الأميين، وأشربت قلوبهم ~~أن النبوة مختصة بهم لأنهم أولاد إبراهيم عليه السلام من ابنة عمه، والعرب ~~- وإن كانوا أولاده - فإنهم من الأمة وما دروا أن كونهم من أولاده مرشح ~~لنبوة بعضهم وكونهم من الأمة، مهيئ لعموم الرسالة لأجل عموم النسب، قال ~~دالا على أنهم صاروا # PageV19P325 # كالبهائم لا يبصرون إلا المحسوسات معلقا الجار ب {آمنوا} و {يؤتكم} وما ~~بعده: {لئلا يعلم} أي ليعلم علما عظيما يثبت مضمون خبره وينتفي ضده - بما ~~أفاده زيادة النافي {أهل الكتاب} أي من الفريقين الذي اقتصروا على كتابهم ~~وأنبيائهم ولم يؤمنوا بالنبي الخاتم وما أنزل {ألا} أي أنهم لا {يقدرون} أي ~~في زمن من الأزمان {على شيء} أي وإن قل {من فضل الله} أي الملك الأعلى الذي ~~خصكم بما خصكم به لا يمنع ولا بإعطائكم حيث نزع النبوة منهم ووضها في بني ~~عمهم إسماعيل عليه السلام الذي كانوا لا يقيمون لهم وزنا فيقولون: إنهم بنو ~~الأمة، وإنهم أميون، وإنهم ليس عليهم منهم سبيل، وجعل النبوة التي خصكم بها ~~عامة - كما أشار إليه ما في ابن الأمة من شمول بنسبته وانشعابه وحيث عملوا ~~كثيرا وأعطوا قليلا: «اليهود من أول النهار على قيراط قيراط، والنصارى من ms4993 ~~الظهر على قيراط قيراط، وهذه الأمة من صلاة العصر على قيراطين قيراطين، ~~فقال الفريقان: ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا، قالك هل ظلمتكم من حقكم شيئا، ~~قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء» وذكر ابن برجان معنى هذا الحديث - ~~كما تقدم عنه قريبا - من الإنجيل وطبقه عليه وذكرته أنا في الأعراف، روى ~~الإمام أحمد في # PageV19P326 # مواضع من المسند والبخاري في سبعة مواضع في الصلاة والإجارة وذكر بني ~~إسرائيل وفضائل القرآن والتوحيد، والترمذي في الأمثال - وقال: حسن صحيح - ~~من وجوه شتى جمعت بين ألفاظها عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «مثلكم» - وفي هذه الرواية: «مثل هذه الأمة» ، وفي رواية: ~~«مثل أمتي» وفي رواية: إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل، وفي رواية: ~~«مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استعمل عملاء» ، وفي رواية: «استأجر ~~أجراء» فقال: «من يعمل لي من صلاة الصبح» وفي رواية أخرى: «من غدوة إلى نصف ~~النهار على قيراط، ألا فعملت اليهود» - وفي رواية: «قالت اليهود: نحن - ~~فعملوا، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط، ألا ~~فعملته النصارى» ، وفي رواية: «قالت النصارى: نحن، فعملوا، ثم قال: من يعمل ~~لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس» # - وفي رواية: إلى أن تغيب الشمس - «على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين ~~عملتم» ، وفي رواية: «تعملون» ، وفي رواية «وأنتم المسلمون تعملون من صلاة ~~العصر إلى الليل» ، وفي رواية «إلى مغارب» ، وفي رواية: «مغرب الشمس على ~~قيراطين قيراطين قيراطين ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت # PageV19P327 # اليهود والنصارى» وقالوا: «نحن» - وفي رواية: «ما لنا - أكثر عملا وأقل ~~عطاء» ، وفي رواية «أجرا، قال الله تعالى هل» - وفي رواية: «وهل - نقصتكم ~~-» وفي رواية: «هل ظلمتكم - من حقكم شيئا -» وفي رواية: «أجركم شيئا، ~~قالوا: لا، قال: فإنه» - وفي رواية: «فإنما - هو فضل» ، وفي رواية: «فذلك ~~فضلي أوتيه من أشاء» ، وفي رواية: «أعطيه من شئت» وفي رواية: سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر يقول: ms4994 «ألا إن بقاءكم» ، وفي ~~رواية: «إنما بقاؤكم» ، وفي رواية: «إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم» - ~~وفي رواية: «فيما سلف من قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر والمغرب» - وفي ~~رواية: «إلى غروب الشمس» ، وفي رواية: «ألا إن مثل آجالكم في آجال الأمم ~~قبلكم كما بين صلاة العصر إلى مغيربان» ، وفي رواية: «إلى مغرب» ، وفي ~~رواية: «إلى مغارب الشمس، أعطي» - وفي رواية: «أوتي - أهل التوراة التوراة، ~~فعملوا بها حتى انتصف النهار فعجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، وأعطي» - وفي ~~رواية: «ثم أوتي - أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى» - وفي رواية: «إلى - ~~صلاة العصر» ، وفي رواية «حتى صليت العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ~~ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس» ، وفي رواية: «حتى غروب الشمس # PageV19P328 # فأعطيتم قيراطين قيراطين» ، وفي رواية: «ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى ~~غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين» - وفي رواية: «أهل ~~التوراة والإنجيل - ربنا هؤلاء أقل منا عملا وأكثر أجرا» ، وفي رواية: ~~«جزاء» ، وفي رواية: «أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطتينا قيراطا ~~قيراطا، ونحن أكثر عملا منهم، قال الله تبارك وتعالى: هل» وفي رواية: «فهل ~~ظلمتكم من أجركم» - وفي رواية: «من أجوركم - من شي؟ فقالوا: لا، فقال: فهو ~~فضلي» ، وفي رواية «فذلك فضلي، أوتيه من أشاء» وقد أخذ بعض العلماء من هذا ~~الحديث ما قبل هذه الأمم وترك على ذلك أحوالهم فقال: إنه دال على قوم نوح ~~وإبراهيم عليهما السلام، كان لهم الليل، فكان قوم نوح في أوله في ظلام صرف ~~طويل لم يلح لهم شيء من تباشير الضياء ولا أمارات الصبح، ونوح عليه السلام ~~يخبرهم به ويأمرهم بالتهيؤ له، فلذلك طال بلاؤه عليه السلام بهم، وما آمن ~~معه إلا قليل، وأما قوم إبراهيم عليه السلام فكانوا كأنهم في أواخر الليل، ~~قد لاحت لهم تباشير الصباح وأومضت لهم بوارق الفلاح، فلذلك آمن لوط عليه ~~السلام وكذا سارة زوجته وأولاده منها ومن غيرها كلهم، واستمر الإسلام في ~~أولاده والنبوة حتى جاء موسى عليه السلام، فكان ms4995 وقته كما بين الصبح والظهر، ~~فكان قومه تارة وتارة، تارة يحسبون أنهم في ضياء كيفما كانوا، فيروغون ~~يمينا وشمالا # PageV19P329 # فيكونون كمن دخل غيرانا وكهوفا وأسرابا ثم يخرجون منها فيرجعون إلى ~~الضياء، فكانت غلطاتهم تارة كبارا وتارة صغارا، وأما قوم عيسى عليه السلام ~~فكانوا كمن هو في الظهيرة في شدة الضياء فالغلط منه لا يكون إلا عن عمى ~~عظيم، فلذلك كان غلطهم أفظع الغلط وأفحشه - والله الموفق - {وإن} أي ~~ولتعلموا أن {الفضل} أي الذي لا يحتاج إليه من هو عنده {بيد الله} أي الذي ~~له الأمر كله {يؤتيه من يشاء} منهم أو من غيرهم نبوة كانت أو غيرها. # ولما كان ربما ظن ظان أنه لا يخص به إلا لأنه لا يسع جميع الناس دفع ذلك ~~بقوله: {والله} أي الذي أحاط بجميع صفات الكمال {ذو الفضل العظيم *} أي ~~مالكه ملكا لا ينفك عنه ولا ملك لأحد فيه معه ولا تصرف بوجه أصلا، فلذلك ~~يخص من يشاء بما يشاء، فلا يقدر أحد على اعتراض بوجه، فقد نزه له التنزيه ~~الأعظم جميع ما في السماوات والأرض فهو العزيز الحكيم الذي لا عزيز غيره ~~ولا حكيم سواه، فقد انطبق كما ترى آخرها على أولها، ورجع مفصلها على موصلها ~~- والله الهادي للصواب وإليه المرجع والمآب. # PageV19P330 # سورة المجادلة # مقصودها الإعلام بإيقاع البأس الشديد، الذي أشارت إليه الحدسيد، بمن حاد ~~الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) لما له سبحانه من تمام العلم، اللازم عنه ~~تمام القدرة، اللازم عنه الإحاطة بجميع صفات الكمال، وعلى ذلك دلت تسميتها ~~بالمجادلة بأول قصتها وآخرها، وعلى تكرير الاسم الأعظم الجامع في القصة ~~وجميع السورة تكريرا لم يكن في سواها بحيث لم تخل منه آية، وأما الآيات ~~التي تكرر في كل منها المرتين فأكثر فكثرة كل ذلك، للدلالة على أن الأكثر ~~منها المراد فيها بالخطاب من يصح أن ينظر إليه تارة بالجلال، وتارة ~~بالكمال، فيجمع له الوصفان، وهو من آمن ووقع منه هفوة أو عصيان، ولهذا ~~ضمتها أشياء شدد النكير فيها حين وقع بعض ms4996 أهل الإيمان، ولم يبحها لهم عند ~~وقوعهم فيها ردا للشرع إلى ما دعا إليه الطبع كما فعل في غيرها كالأكل ~~والجماع في ليل رمضان من غير تقييد بيقظة ولا منام، لمنابذتها للحكمة، ~~وبعدها عن موجبات الرحمة، # PageV19P331 # وهذا مؤيد لما تقدم من سر إخلاء الواقعة والرحمن والقمر من هذا الاسم ~~الجامع. والله الموفق) بسم الله (الذي أحاط علمه فتمت قدرته فكملت جميع ~~صفاته) الرحمن (الذي شمل الخلائق جودا بالإيجاد وإرسال هداته) الرحيم (الذي ~~خص أصفياءه فتمت عليهم نعمة مرضاته. # PageV19P332 # لما ختمت الحديد بعث إثبات عجز الخلق بعظيم الفضل له سبحانه، وكان سماع ~~أصوات جميع الخلائق من غير أن يشغل صوت عن صوت وكلام عن كلام من الفضل ~~العظيم، وكان قد تقدم ابتداع بعض المتعبدين من الرهبانية بما لم يصرح لهم ~~بالإذن فيه، فكان سببا للتضييع، وكان الظهار على نوعين: موقت ومطلق، وكان ~~الموقت مما يدخل في الرهبانية لأنه من التبتل وتحريم ما أحل الله من ~~الطيبات، وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم قد منع نفسه بالموقت منه من ~~مرغوبها مما لم يأت عن الله، فظاهر من امرأته محافظة على كمال التعبد خوفا # PageV19P332 # من الجماع في نهار رمضان، وكان ذلك مما لم يأذن به بل نهى عنه كما روى ~~أبو داود عن أنس رضي الله عنه والطبراني في الأوسط على سهل بن حنيف رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشددوا على أنفسكم، فإنما هلك ~~من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات» ~~وكان بعض الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - قد ظاهر مطلقا فشكت امرأته ما ~~لحقها من الضرر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهتفت باسم الله، وكان ~~علمه سبحانه بخصوص شكاية هذه المرأة المسكينة وإزالة ضررها بحكم عام لها ~~ولغيرها من عباده حتى صارت واقعتها رخصة عامة للمسلمين إلى يوم القيامة ~~معلما بأنه ذو الفضل العظيم، وأنه الظاهر الباطن، ذو الملك كله، وكان قد ~~أمر بالإيمان به وبرسوله ووعد على ذلك بالنور، كان ms4997 السامع لذلك جديرا بتوقع ~~البيان الذي هو النور في هذه الرهبانية التي ابتدعت في هذه الأمة، وتخفيف ~~الشديد الذي وقع عن بعضهم ليعلم أهل الكتاب ما لهذه الأمة من الكرامة على ~~ربها وأنه يختص برحمته من يشاء فقال: {قد سمع الله} أي أجاب بعظيم فضله ~~الذي أحاط بجميع صفات الكمال فوسع سمعه الأصوات {قول} وعبر بالوصف دون ~~الاسم # PageV19P333 # تعريفا برحمته الشاملة فقال: {التي تجادلك} أي تبالغ في أن تقبلك إلى ~~مرادها {في زوجها} أي في الأمر المخلص له من ظهاره رحمة لها {وتشتكي} أي ~~تتعمد بتلك المجادلة الشكوى، منتهية {إلى الله} أي الملك العظيم الرحيم ~~الذي أحاط بكل شيء علما، ولصدقها في شكواها وقطع رجائها في كشف ما بها من ~~غير الله كانت هي والنبي صلى الله عليه وسلم متوقعين أن الله يكشف ضرها ~~{والله} أي والحال أن الذي وسعت رحمته كل شيء لأنه له الأمر كله {يسمع ~~تحاوركما} أي مراجعتكما التي يحور - أي يرجع فيها إلى كل منكما جواب كلامه ~~من الآخر كأنها لثقل ما قدح في أمرها ونزل من ضرها ناشئة عن حيرة. # ولما كان ذلك في غاية ما يكون من خرق العادة بحيث إن الصديقة عائشة رضي ~~الله عنها قالت عند نزول الآية: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد ~~كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في جانب البيت ما أسمع كثيرا مما ~~تقول» أكده تنبيها على شدة غرابته ولأنه ربما استبعده من اشتد جهله لعراقته ~~في التقيد بالعادات فقال: {إن الله} أي الذي أحاط بجميع صفات الكمال فلا ~~كفؤ له {سميع بصير *} أي بالغ السمع لكل مسموع، والبصر لكل ما يبصر والعلم ~~لكل ما يصح أن يعلم أزلا وأبدا، وقد مضى نحو هذا التناسب # PageV19P334 # في المائدة حين أتبع تعالى آية القسيسين والرهبان قوله تعالى {يأيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] غير أن هذا ~~خاص وذاك عام، فهذا فرد منه، فالمناسبة واحدة لأن الأخص في ضمن الأعم، ~~والحاصل أنه سبحانه ms4998 امتن عليهم بما جعل في قلوبهم من الرهبانية وغيرها، ~~وأخبر أنهم لم يوفوها حقها، وأنه آتى مؤمنيهم الأجر، وأمر المسلمين بالتقوى ~~واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ليحصل لهم من فضله العظيم ضعف ما حصل ~~لأهل الكتاب، ونهاهم عن التشديد على أنفسهم بالرهبانية، فصاروا مفضلين من ~~وجهين: كثرة الأجر وخفة العمل، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء - والله أعلم، ~~روى البزار من طريق خصيف عن عطاء من غيرهما أيضا عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن رجلا قال: يا رسول الله! إني ظاهرت من امرأتي ورأيت ساقها في ~~القمر فواقعتها قبل أن أكفر، قال «كفر ولا تعد» وروى أبو داود عن عكرمة أن ~~رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره فقال: «ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيت بياض ساقيها في القمر، قال: ~~فاعتزلها حتى تكفر عنك» قال المنذري: وأخرجه أيضا عن عكرمة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمعناه، # PageV19P335 # وأخرجه النسائي وابن ماجة والترمذي - وقال: حديث حسن غريب صحيح - وقال ~~النسائي: المرسل أولى بالصواب من المسند، وقال أبو بكر المعافري: ليس في ~~الظهار حديث صحيح يعول عليه، قال المنذري: وفيما قاله نظر، فقد صححه ~~الترمذي كما ترى، ورجال إسناده ثقات، وسماع بعضهم من بعض مشهور، وترجمة ~~عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم احتج بها البخاري في غير موضع - انتهى. ~~وللترمذي - وقال حسن غريب - عن سلمة بن صخر رضي الله عنه في المظاهر يواقع ~~قبل أن يكفر قال: «كفار واحدة» # «وروى أحمد والحاكم وأصحاب السنن إلا النسائي وحسنه الترمذي، قال ابن ~~الملقن: وصححه ابن حبان والحاكم - من طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر ~~البياضي رضي الله عنه قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما ~~دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا يتابع بي حتى أصبح فظاهرت منها ~~حتى ms4999 ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة تكشف لي منها شيء فما لبث ~~أن نزوت عليها، فلما أصبحت # PageV19P336 # خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر وقلت: امشوا معي إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قالوا: لا والله: فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرته، فقال» أنت بذاك يا سلمة؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا ~~صابر لأمر الله، فاحكم في بما أراك الله، وفي رواية: فأمض في حكم الله فإني ~~صابر لذلك، قال حرر رقبة. قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها - وضربت ~~صفحة رقبتي، قال: فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من ~~الصيام، قال: فاطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا، قال: والذي بعثك بالحق، ~~لقد بتنا وحشين ما لنا طعام، قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها ~~إليك فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها «فرجعت إلى قومي ~~فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~السعة وحسن الرأي، وفي رواية: والبركة وقد أمرني - أو أمر لي - بصدقتكم، ~~وفي رواية: فادفعوها إلي، فدفعوها إلي) . وأعله عبد الحق بالانقطاع، وأن ~~سليمان لم يدرك سلمة، حكى ذلك الترمذي عن البخاري، وقال الترمذي: إن سلمة ~~بن صخر يقال له سلمان أيضا، ورواه الإمام أحمد أيضا من طريق أخرى قال» ~~حدثنا عبد الله بن إدريس - هو الأودي - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن # PageV19P337 # عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه ~~قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت ~~فتظاهرت من امرأتي في الشهر فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء ~~فلم ألبث أن وقعت عليها، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال ~~«حرر رقبة، فقلت: والذي بعثك بالحق، ما أملك غير رقبتي، قال: صم شهرين ~~متتابعين، قلت: وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال: فأطعم ms5000 ستين ~~مسكينا» وهذا سند حسن متصل إن شاء الله إن سلم من تدليس ابن إسحاق، وروى ~~الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن إسحاق، وروى الحاكم ~~والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن # «أن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه جعل امرأته عليه كظهر أنه إن غشيها ~~حتى يمضي رمضان، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اعتق رقبة» ~~وقصة سلمة هذه أصل الظهار المؤقت، وقد دلت على أنه لا عود فيه لا كفارة ~~عليه إلا بوطئها في مدة الظهار، «وروى أبو داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة ~~رضي الله عنها قال:» ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت رضي الله عنه فجئت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أشكوا إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني ~~فيه # PageV19P338 # ويقول: اتقي الله فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل القرآن {قد سمع الله} ~~إلى الفرض، فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: يصوم شهرين متتابعين، ~~قالت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال فليطعم ستين مسكينا، ~~قالت: ما عنده من شيء يتصدق به قالت: فأتي ساعتئذ بعرق من تمر، قلت: يا ~~رسول الله، فإني أعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت أذهبي فأطعمي بها عنه ستين ~~مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك «قال: والعرق ستون صاعا، وفي رواية: والعرق ~~مكتل يسع ثلاثين صاعا،» وروى الدارقطني أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ~~«إن أوس بن الصامت رضي الله عنه ظاهر من امرأته خويلة بنت ثعلبة رضي الله ~~عنها فشكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ظاهر مني حين كبر سني ورق ~~عظمي، فأنزل الله آية الظهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأوس اعتق ~~رقبة، قال: مالي بذلك يدان، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: أما إني إذا ~~أخطأني أن آكل في اليوم مرتين يكل بصري، قال فأطعم ستين مسكينا» ، قال: ما ~~أجد إلا ms5001 أن تعينني منك بعون وصلة، فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV19P339 # بخمسة عشر صاعا حتى جمع الله له، والله رحيم «قال: وكانوا يرون أن عنده ~~مثلها، وذلك لستين مسكينا، وللدراقطني أيضا والبيهقي» أن خولة بنت ثعلبة ~~رضي الله عنها رآها زوجها وهو أوس بن الصامت أخو عبادة رضي الله عنهما وهي ~~تصلي فراودها فأبت فغضب، وكان به لمم وخفة فظاهر منها، فأتت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالت إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في، فلما خلا سني ~~ونثرت له بطني جعلني عليه كأمه «وللطبراني من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب ~~القرظي قال:» كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت وكان به لمم، فقال في ~~بعض هجراته: أنت علي كظهر أمي، قال: ما أظنك إلا قد حرمت علي، فجاءت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أوس بن الصامت أبو ولدي ~~وأحب الناس إلي والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، قال: ما أراك إلا قد ~~حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله لا تقل كذلك والله ما ذكر طلاقا، فرادت ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV19P340 # مرارا، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك فاقتي ووحدتي وما يشق علي من فراقه ~~« # الحديث، ومن طريق أبي العالية قال: فجعل كلما قال لها «حرمت عليه» هتفت ~~وقالت: أشكو إلى الله، فلم ترم مكانها حتى نزلت الآية، وروى أبو داود عن ~~هشام بن عروة أن جميلة كانت تحت أوس ابن الصامت وكان رجلا به لمم فكان إذا ~~اشتد به لممه ظاهر من امرأته فأنزل الله عز وجل فيه كفارة الظهار، وأخرجه ~~من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها مثله. وقال القشيري: وفي الخبر أنها ~~قالت: يا سول الله إن أوسا تزوجني شابة غنية ذات أهل ومال كثير، فلما كبر ~~عنده سني، وذهب مالي وتفرق أهلي، جعلني عليه كظهر أمه، وقد ندم وندمت، وإن ~~لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، يعني ms5002 ففرج الله ~~عنها، وقد حصل من هذا مسألة، وهو أن كثيرا من الأشياء ظاهر العلم يحكم فيه ~~بشيء ثم الضرورة تغير ذلك الحكم لصاحبها، قال البغوي: وكان هذا أول ظهار في ~~الإسلام، وقال أبو حيان: وكان عمر رضي الله عنه يكرم خولة رضي الله عنها ~~إذا دخلت عليه ويقول: سمع الله لها، فالمظاهرة في حديث # PageV19P341 # سلمة رضي الله عنه ومن نحا نحوه رهبانية مبتدعة لم ترع حق رعايتها ~~كرهبانية النصارى، ولم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداعها حق ~~الاتباع، وأما في قصة خولة رضي الله عنها فهي مصيبة كأن ينبغي فيها التسليم ~~وعدم الحزم كما في آية {لكيلا تأسوا} [الحديد: 23] الآية على أن امتناعها ~~من زوجها حين راودها فيه إلمام بالرهبانية، وإزالة شكايتها مع أنها امرأة ~~ضعيفة من عظيم الفضل، وزاده عظما جعله حكما عاما لمن وقع فيه من جميع ~~الأمة. # PageV19P342 # ولما أتم تعالى الخبر عن إحاطة العلم، استأنف الإخبار عن حكم الأمر ~~المجادل بسببه، فقال ذاما للظهار، وكاسيا له ثوب العار: {الذين} ولما كان ~~الظهار منكرا لكونه كذبا، عبر بصيغة التفعل الدالة عليه فقال: {يظهرون} أي ~~يوجدون الظهار في أي رمضان كان وكأنه أدغم تاء التفعل والمفاعلة لأن حقيقته ~~أنه يذهب ما أحل الله له من مجامعة زوجته. ولما كان الظهار خاصا بالعرب دون ~~سائر الأمم، نبه على ذلك تهجينا له عليهم وتقبيحا لعادتهم فيه، تنبيها على ~~أن اللائق بهم أن يكونوا أبعد الناس من هذا الكلام لأن الكذب لم يزل # PageV19P342 # مستهجنا عندهم في الجاهلية، ثم ما زاده الإسلام إلا استهجانا فقال: ~~{منكم} أي أيها العرب المسلمون الذين يستقبحون الكذب ما لا يستقبحه غيرهم ~~وكذا من دان دينهم {من نسائهم} أي يحرمون نساءهم على أنفسهم تحريم الله ~~عليهم ظهور أمهاتهم بأن يقول أحدهم لزوجته شيئا من صرائحه مثل أنت علي كظهر ~~أمي وكناياته كأنت أمي، وكل زوج صح طلاقه صح ظهاره من حر أو عبد مسلم أو ~~ذمي دخل بالزوجة أو لا قادرا على الجماع أو عاجزا، ms5003 صغير كانت الزوجة أو ~~كبيرة، عاقلة كانت أم مجنونة، سليمة كانت أو رتقاء، مسلمة كانت أو ذميمة، ~~ولو كانت رجعية. # ولما كان وجه الشبه التحريم، وكان للتحريم رتبتان: عليا موصوفة بالتأبيد ~~والاحترام، ودنيا خالية عن كل من الوصفين، وكان التقدير خبرا للمبتدأ: ~~مخطئون في ذلك لأنه كذب، لأن التشبيه إن أسقطت أداته لم يكن حمله على ~~الحقيقة ليكون من الرتبة العليا ولو على أدنى أحوالها من أنه طلاق لا رجعة ~~فيه، كما كانوا يعتقدونه، وإن أثبتت ليكون من # PageV19P343 # الدنيا لم يكن صحيحا لأنه ممنوع منه لأن التشريع إنما هو لله، والله لم ~~يكن يشرع ذلك، وكان تعليل شقي التشبيه يفيد معنى الخبر بزيادة التعليل، حذف ~~الخبر، واكتفى بالتعليل فقال معللا له مهجنا للظهار الذي تعوده العرب من ~~غير أن يشاركهم فيه أحد من الأمم: {ما هن} أي نساؤهم {أمهاتهم} على تقدير ~~إرادة أحدهم أعلى رتبتي التحريم، والحاصل أنهم لما كانوا يعتقدون أنه طلاق ~~لا رجعة فيه جعلوا معتقدين أن المرأة أم لأن الحرمة المؤبدة من خصائص الأم ~~فخوطبوا بذلك تقريعا لهم لأنه أردع، وفي سورة الأحزاب ما يوضح هذا. # ولما كانوا قد مرنوا على هذا الحكم في الجاهلية، واستقر في أنفسهم ~~استقرارا لا يزول إلا بغاية التأكيد، ساق الكلام كذلك في الشقين فقال: {إن} ~~أي ما {أمهاتهم} أي حقيقة {إلا اللائي ولدنهم} ونساؤهم لم تلدهم، فلا يحرمن ~~عليهم حرمة مؤبدة للإكرام والاحترام، ولا هن ممن ألحق بالأمهات بوجه يصح ~~وكأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن أمهات لما لهن من حق الإكرام ~~والاحترام والإعظام ما لم يكن لغيرهن لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم في ~~أبوة الدين من أب النسب وكذلك المرضعات لما لهن من الإرضاع # PageV19P344 # الذي هو وظيفة الأم بالأصالة، وأما الزوجة فمباينة لجميع ذلك. # ولما فرغ من تعليل الشق الأول على أتم وجه، أتبعه تعليل الآخر كذلك، فقال ~~عاطفا عليه مؤكدا لأنهم كانوا قد ألفوا قوله فأشربته قلوبهم: {وإنهم} أي ~~المظهرون {ليقولون} أي في هذا التظهر على ms5004 كل حالة {منكرا من القول} ينكره ~~الحقيقة والأحكام، قال ابن الملقن في عمدة المحتاج: وهو حرام اتفاقا كما ~~ذكره الرافعي في الشهادات. {وزورا} أي قولا مائلا عن السداد، منحرفا عن ~~القصد، لأن الزوجة معدة للاستمتاع الذي هو في الغاية من الامتهان، والأم في ~~غاية البعد عن ذلك لأنها أهل لكل احترام، فلا هي أم حقيقة ولا شبيهة بها ~~بأمر نصبه الشارع للاحترام كالإرضاع، وكونها فراشا لعظيم كالنبي أو للأب أو ~~للحرمة كاللعان، فقد علم أن ذلك الكلام ليس بصدق ولا جاء به مسوغ، فهو زور ~~محض، وأخصر من هذا أن يقال: ولما كان ظهارهم هذا يشتمل على فعل وقول، وكان ~~الفعل هو التحريم الذي هو موضع وجه الشبه، وكانت العادة في وجه الشبه أن ~~يقنع منه بأدنى ما ينطلق عليه الاسم، وكانوا قد خالفوا ذلك فجعلوه في أعلى # PageV19P345 # طبقاته وهو الحرمة المؤبدة التي يلزم منها أن تكون المشابهة من كل وجه في ~~الحرمة مع أن ذلك بغير مستند من الله تعالى الذي لا حكم لغيره، ألزمهم أن ~~يكون الشبه من كل وجه مطلقا ليكونوا جاعلين الزوجة إما حقيقة لا دعوى كما ~~جعلوا الحرمتين كذلك من غير فرق بل أولى لأن الشبه إنما وقع بين الحيثيتين ~~لا بين الحرمتين - ثم وقفهم على جهلهم فيه فقال {ما هن} إلى آخره، ولما ~~وقفهم على جهلهم في الفعل وقفهم على جهلهم في القول: فقال: وأنهم إلى آخره، ~~قال النووي في الروضة: قال الأصحاب: الظهار حرام، وله حكمان: أحدهما تحريم ~~الوطء إذا وجبت الكفارة إلى أن يكفر، والثاني وجوب الكفارة بالعود - انتهى، ~~وهذا القول وإن أفاد التحريم فإنه يفيد لكونه ممنوعا منه على وجه ضيق حرج ~~المورد عسر المخرج ليكون عسره زاجرا عن الوقوع فيه، قال أبو عبد الله ~~القزاز في ديوانه الجامع: وظاهر الرجل امرأته وظاهر من امرأته إذا قال: أنت ~~علي كظهر أمي أو كذاب محرم، وإنما استخصوا الظهر في الظهار لأن الظهر موضع ~~الركوب، والمرأة مركب الرجل في النكاح فكني به عن ms5005 ذلك، فكأنه قال: ركوبك ~~علي للنكاح كركوب أمي، وكان الظهار في الجاهلية طلاقا، ولذلك أشكل معنى ~~قوله تعالى {ثم يعودون لما قالوا} وقال ابن الأثير في النهاية: ظاهر الرجل ~~من # PageV19P346 # امرأته ظهارا وتظهر وتظاهر إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي، وكان في ~~الجاهلية طلاقا، وقيل: إنهم أرادوا أنت علي كبطن أمي أي كجماعها، فكنوا ~~بالظهر عن البطن للمجاورة، وقيل إن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان ~~حراما عندهم، وكان أهل المدينة يقولون: إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض ~~جاء الولد أحول، فلقصد الرجل المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه ~~شبهها بالظهر ثم لم يقنع بذلك حتى جعلها كظهر أمه، وإنما عدى الظهار ب {من} ~~لأنهم كانوا إذا ظاهروا المرأة تجنبوها كما يتجنبون المطلقة ويحترزون منها، ~~فكأن قوله: ظاهر من امرأته، أي بعد واحترز منها كما قيل: آلى من امرأته، ~~لما ضمن معنى التباعد عدى ب {من} - انتهى، قال: وقال ابن الملقن في العمدة ~~شرح المنهاج: وكان طلاقا في الجاهلية، ونقل عن صاحب الحاوي أنه عندهم لا ~~رجعة فيه، قال: فنقل الشارع حكمه إلى تحريم بعد العود ووجوب الكفارة - ~~انتهى وقال أبو حيان: قال أبو قلابة وغيره: كان الظهار في الجاهلية يوجب ~~عندهم فرقة مؤبدة. # ولما كان التقدير: فإن الله حرمه، عطف عليه مرغبا في التوبة وداعيا إليها ~~قوله مؤكدا لأجل ما يعتقدون من غلظه وأنه لا مثنوية فيه # PageV19P347 # {وإن الله} أي الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه في شرع ولا غيره {لعفو} ~~من صفاته أن يترك عقاب من شاء {غفور *} من صفاته أن يمحو عين الذنب وأثره ~~حتى أنه كما لا يعاقب عليه لا يعاتب، فهل من تائب طلبا للعفو عن زلله، ~~والإصلاح لما كان من خلله. # PageV19P348 # ولما هجن سبحانه الظهار، وأثبت تحريمه على أبلغ وجه وآكده، وكان ما مضت ~~عليه العوائد لا بد أن يبقى منه بقايا، أتبع ذلك بيان حكم هذه الواقعة وما ~~لعله يقع من نظائرها فقال: {والذين يظاهرون} ولما كان في بيان ms5006 الحكم، أسقط ~~التقييد إعلاما بعمومه الكفار كعمومه المسلم ليفيد تغليظ العقاب عليه لئلا ~~يتوهم أنه يخص العرب الذين قصد تهجينه عليهم بأنهم انفرادوا به عن سائر ~~الناس فقال: {من نسائهم} بدون {منكم} . # ولما كان مقتضى اللفظ المباعدة ممن قيل ذلك فيها، لكان إمساكها بعده ~~ينبغي أن يكون في غاية البعد، قال مشيرا إلى ذلك بأداة # PageV19P348 # البعد {ثم يعودون} أي بعد هذا القول {لما قالوا} بالفعل بأن يعاد هذا ~~القول مرة أخرى أو بالقوة بأن يمسكوا المقول ذلك لها زمنا يمكن أن يعاد فيه ~~هذا القول مرة ثانية من غير مفاقة بلفظ مما ناط الله الفرقة به من طلاق أو ~~سراح أو نحوهما، فيكون المظاهر عائدا إلى هذا القول بالقوة لإمكان هذا ~~القول في ذلك الزمن، وذلك لأن العادة قاضية بأن من قال قولا ولم يبته ~~وينجزه ويمضه بأن يعود إلى قوله مرة أخرى وهلم جرا، أو يكون التقدير لنقض ~~ما قالوا: فيحلوا ما حرموا على أنفسهم بعدم البت بالطلاق، فإن كان الظهار ~~معلقا لم يلزم حكمه إلا بالحنث، فإن طلق في الحال وإلا لزمته الكفارة، وحق ~~العبارة التعبير باللام لدلالتها على الاتصال كما يقتضيه الحال بخلاف «إلى» ~~فإنها تدل على مهلة وتراخ، هذا في الظهار المطلق، وأما الموقت بيوم أو شهر ~~أو نحو ذلك فلا يكون عائدا فيه إلا بالوطء في الوقت المظاهر فيه، وأما مجرد ~~إمساكها فليس بعود لأنه إنما أمسكها لما له فيها من الحل بعد وقت الظهار. # ولما كان المبتدأ الموصول مضمنا معنى الشرط، أدخل الفاء في خبره ليفيد ~~السببية فيتكرر الوجوب بتكرر سببه فقال: {فتحرير} # PageV19P349 # أي فعليهم بسبب هذا الظهار والعود تحرير {رقبة} أي سليمة عن عيب يخل ~~بالعمل كاملة الرق مقيدة أيضا بمؤمنة لأنها قيدت بذلك في كفارة القتل، ~~فيحمل هذا على ذاك، ولأن معاوية بن الحكم رضي الله عنه كانت له جارية فقال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: «علي رقبة أفأعتقها، فسألها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الله فأخبرته بما دل على ms5007 توحيدها فقال: من أنا؟ فقالت: أنت ~~رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» رواه مالك ومسلم، فعلل الإجزاء ~~بالإيمان ولم يسأله عن سبب الوجوب، فدل على أنه لا فرق بين واجب وواجب، ~~والموجب للكفارة الظهار والعود جميعا كما أن الموجب في اليمين اليمين ~~والحنث معا. # ولما كان التحرير لا يستغرق زمن القبل بل يكون في بعضه، أدخل الجار فقال: ~~{من قبل} ولما كان المراد المس بعد المظهارة لا مطلقا قال: {أن يتماسا} أي ~~يتجدد منهما مس وهو الجماع سواء كان ابتداء المباشرة منه أو منها بما ~~أفادته صيغة التفاعل، وهو حرام قبل التكفير ولو كان على أدنى وجوه التماس ~~وأخفاها بما أشار إليه الإدغام ولو كان بإيلاج الحشفة فقط مع الإنزال أو ~~بدونه، وأما # PageV19P350 # مقدمات الجماع فهي فيها كالحائض لا تحرم على الأظهر، فإن جامع عصى ولم ~~تجب كفارة أخرى، لما روى الترمذي عن سلمة بن صخر رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في المظاهر يواقع قبل أن يكفر، قال: «كفارة واحدة» . # ولما كان الوعظ هو الزجر عن الفعل الموعوظ لأجله، قال مستأنفا: {ذلكم} أي ~~الزجر العظيم جد الذي هو عام لكم من غير شبهة {توعظون به} أي يكون بمشقة ~~زاجرا لكم عن العود إلى مقاربة مثل ذلك فضلا عن مقارفته لأن من حرم من ~~أجلها الله تحريما متأبدا على زعمه كان كأنه قد قتلها، ولكون ذلك بلفظ ~~اخترعه وانتهك فيه حرمة أمه كان كأنه قد عصى معصية أوبق بها نفسه كلها ~~إيباقا أخرجه إلى أن يقتلها عضوا عضوا بإعتاق رقبة تماثل رقبته ورقبة من ~~كان قتلها. # ولما كان التقدير: فالله بما يردعكم بصير، عطف عليه قوله: {والله} أي ~~الذي له الإحاطة بالكمال، وقدم الجار إشارة إلى إرادة المبالغة للتنبيه على ~~الاهتمام بإلزام الانتهاء. عن ذلك فقال: {بما تعملون} أي تجددون فعله {خبير ~~*} أي عالم بظاهره وباطنه، فهو عالم بما يكفره، فافعلوا ما أمر الله به ~~وقفوا عند حدوده، قال القشيري: والظهار - وإن لم يكن له في # PageV19P351 # الحقيقة ms5008 أصل ولا بتصحيحه نطق ولا له شرع، بعد ما رفع إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمره ولوح بشيء ما وقال: إنه حكمه لا يخل الله من بيان ساق ~~إليه شرعه فقضى فيه بما انتظم فيه الجواب ارتفاع شكواها. # ولما كانت الكفارة مرتبة، وكان المظاهر كأنه قد قتل نفسه بقتل المظاهر ~~عنها كما مضى، فكان مفتقرا إلى ما يحيي نفسه فشرع له العتق الذي هو ~~كالإحياء، شرع له عند العجز عنه ما يميت نفسه التي إماتتها له إحياؤها، ~~وكان الشهران نصف المدة التي ينفخ فيها الروح، فكان صومها كنصف قتل النفس ~~التي قتلها إحياء الروح وإنعاش العقل، فكان كأنه إماتتها فجعله سبحانه بدلا ~~عن القتل الذي هو كالإحياء فقال: {فمن لم يجد} أي الرقبة المأمور بها بأن ~~كان فقيرا، فإن كان غنيا وماله غائب فهو واجد {فصيام} أي فعليه صيام ~~{شهرين} . ولما كان المراد كسر النفس كما مضى، وكانت المتابعة أنكى ولذلك ~~سمي رمضان شهر الصبر، قيد بقوله: {متتابعين} أي على أكمل وجوه التتابع على ~~حسب الإمكان بما أشار إليه الإظهار، فلو قطع التتابع بشيء ما ولو كان ~~بنسيان النية وجب عليه الاستئناف والإغماء لا يقطع التتابع لأنه ليس في ~~الوسع وكذا الإفطار بحيض أو نفاس أو جنون بخلاف الإفطار بسفر أو مرض أو خوف # PageV19P352 # على حمل أو رضيع لأن الحيض معلوم فهو مستثنى شرعا، وغيره مغيب للعقل - ~~مزيل للتكليف، وأما المرض ونحوه ففيه تعمد الإفطار مع وجود العقل. # ولما كان الإمساك عن المسيس قد يكون أوسع من الشهرين، أدخل الجار فقال: ~~{من قبل} وحل المصدر إفادة لمن يكون بعد المظاهرة فقال: {أن يتماسا} فإن ~~جامع ليلا عصى ولم ينقطع التتابع. ولما كان إطعام نفس قوت نصف يوم كإماتة ~~نفسه بالصيام يوما قال تعالى: {فمن لم يستطع} أي يقدر على الصيام قدرة تامة ~~- بما أشار إليه إظهار التاء لهرم أو مرض أو شبق مفرط يهيجه الصوم {فإطعام} ~~أي فعليه إطعام {ستين مسكينا} لكل مسكين ما يقوته نصف يوم، وهو ms5009 مد بمد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذلك نحو نصف قدح بالمصري، وهو ملء حفنتين بكفي ~~معتدل الخلق من غالب قوت البلد، وهو كما في الفطرة سواء، وحذف قيد المماسة ~~لذكره في الأولين، ولعل الحكمة في تخصيص هذا به أن ذكره في أول الخصال لا ~~بد منه، وإعادته في الثاني لطول مدته فالصبر عنه فيها مشقة، وهذا يمكن أن ~~يفعل في لحظة لطيفة لا مشقة للصبر فيها عن المماسة، هذا إذا عاد، فإن وصل ~~الظهار بالطلاق أو مات أحدهما في الحال قبل إمكان الطلاق فلا # PageV19P353 # كفارة، قال البغوي: لأن العود في القول هو المخالفة، وفسر ابن عباس رضي ~~الله عنهما العود بالندم فقال: يندمون ويرجعون إلى الألفة، وهذا يدل على ما ~~قال الشافعي رضي الله عنه: فإن ظاهر عن الرجعية انعقد ظهاره فإن راجعها ~~لزمته الكفارة لأن الرجعة عود. # ولما ذكر الحكم، بين علته ترغيبا فيه فقال: {ذلك} أي الترخيص العظيم لكم ~~والرفق بكم والبيان الشافي من أمر الله الذي هو موافق للحنيفية السمحة ملة ~~أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان {لتؤمنوا} أي وهذا الفعل العظيم ~~الشاق ليتجدد إيمانكم ويتحقق وجوده {بالله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه ~~فتطيعوه بالانسلاخ من فعل الجاهلية {ورسوله} الذي تعظيمه من تعظيمه وقد بعث ~~بملة أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فلو ترك هذا الحكم الشديد على ما ~~كان عليه في الجاهلية لكان مشككا في البعث بتلك الملة السمحة. # ولما رغب في هذا الحكم، رهب من التهاون به فقال: {وتلك} أي هذه الأفعال ~~المزكية وكل ما سلف من أمثالها في هذا الكتاب الأعظم {حدود الله} أي أوامر ~~الملك الأعظم ونواهيه وأحكامه التي يجب امتثالها والتقيد بها لترعى حق ~~رعايتها فالتزموها وقفوا # PageV19P354 # عندها ولا تعتدوها فإنه لا يطاق انتقامه إذا تعدى نقضه أو إبرامه. ولما ~~كان التقدير: فللمؤمنين بها جنات النعيم، عطف عليه قوله {وللكافرين} أي ~~العريقين في الكفر بها أو بشيء من شرائعه {عذاب أليم *} بما آلموا المؤمنين ~~به من الاعتداء. # PageV19P355 # ولما ذكر حدوده، ms5010 ولوح بالعطف على غير معطوف عليه إلى بشارة حافظها، وصرح ~~بتهديد متجاوزيها أتبع ذلك تفصيل عذابهم الذي منه بشارة المؤمنين بالنصر ~~عليهم، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم لأن يغلبوا على كثرتهم وقوتهم وضعف حزبه ~~وقلتهم: {إن الذين يحادون الله} أي يغالبون الملك الأعلى على حدوده ليجعلوا ~~حدودا غيرها، وذلك صورته صورة العداوة، مجددين ذلك مستمرين عليه بأي محادة ~~كانت ولو كانت خفية - بما أشار إليه الإدغام كمحادة أهل الاتحاد الذين ~~يتبعون المتشابه فيجرونه على ظاهره فيخلون به المحكم لتخل الشريعة بأسرها، ~~فإن كثيرا من السورة نزل في المنافقين واليهود والمهادنين كما يأتي في ~~النجوى وغيرها {ورسوله} الذي عزه من عزه {كبتوا} أي صرعوا وكبوا لوجوههم ~~وكسروا وأذلوا وأخزوا فلم يظفروا # PageV19P355 # وردوا بغيظهم في كل أمر يرومونه من أي كانت كان بأيسر أمر وأسهله، وعبر ~~بالماضي إشارة إلى تحقق وقوعه والفراغ من قضائه كما فرغ مما مضى، فلا قال ~~لتكون الدعوى مقرونة بدليلها: {كما كبت الذين} ولما كان المحادون لم ~~يستغرقوا جميع الأزمان الماضية والأماكن، أدخل الجار فقال: {من قبلهم} أي ~~المحادين كقوم نوح ومن بعدهم ممن أصر على العصيان، ولم ينقد لدليل ولا ~~برهان، قال القشيري: ومن ضيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة وأحدث في ~~دينه بدعة انخرط في هذا السلك، ووقع في هذا الذل. # ولما استوفى المقام حظه بيانا وترغيبا وترهيبا، عطف على أول السورة أو ~~على ما يقدر من نحو: فقد كان لكم فيما مضى من أول الإسلام إلى هذا الأوان ~~مما يدل على كونه سبحانه بالنصر والمعونة مع نبيه صلى الله عليه وسلم ~~وأتباعه رضي الله عنهم معتبر، قوله: {وقد أنزلنا} أي بما لنا من العظمة ~~عليكم وعلى من قبلكم {آيات بينات} أي دلالات عظيمة هي في غاية البيان لذلك ~~ولكل ما يتوقف عليه الإيمان بترك المحادة ويحصل الإذعان. ولما كان التقدير: ~~فللمؤمنين بها نعيم مقيم في مقام أمين، عطف عليه قوله: {وللكافرين} أي # PageV19P356 # الراسخين في الكفر بها وتغيرها من أمر الله {عذاب مهين *} بما تكبروا ms5011 ~~واغتروا على أولياء الله وشرائعه، يهينهم ذلك العذاب ويذهب عزهم وشماختهم ~~ويتركون به محادتهم. # ولما ذكر عذابهم، ذكر وقته على وجه مقرر لما مضى من شمول علمه وكمال ~~قدرته فقال: {يوم يبعثهم الله} أي يكون ذلك في وقت إعادة الملك الأعظم ~~للكافرين المصرح بهم والمؤمنين المشار إليهم أحياء كما كانوا {جميعا} في ~~حال كونهم مجتمعين في البعث. ولمان كان لا أوجع من التبكيت بحضرة بعض الناس ~~فكيف إذا كان بحضرتهم كلهم فكيف إذا كان بمرأى من جميع الخلائق ومسمع، سبب ~~عن ذلك وعقب قوله: {فينبئهم} أي يخبرهم إخبارا عظيما مستقصى {بما عملوا} ~~إخزاء لهم وإقامة للحجة عليهم. # ولما كان ضبط ذلك أمرا عظيما، استأنف قوله بيانا لهوانه عليه: {أحصاه ~~الله} أي أحاط به عددا كما وكيفا وزمانا ومكانا بما له من صفات الجلال ~~والجمال. ولم ذكر إحصاءه له، فكان ربما ظن أنه مما يمكن في العادة إحصاؤه، ~~نفى ذلك بقوله: {ونسوه} أي كلهم مجتمعين لخروجه عن الحد في الكثرة فكيف بكل ~~واحد على انفراده ونسوا ما فيه المعاصي تهاونا بها، وذلك عين التهاون بالله ~~والاجتراء عليه، # PageV19P357 # قال القشيري: إذا حوسب أحد في القيامة على عمل عمله تصور له ما فعله ثم ~~يذكر حتى كأنه في تلك الحالة قام من بساط الزلة فيقع عليه من الخجل والندم ~~ما ينسى في جنبه كل عقوبة، فسبيل المسلم أن لا يخالف أمر مولاه ولا يحوم ~~حوله مخالفة أمره، فإن جرى المقدور ووقع في هجنة التقصير فليكن من زلته على ~~بال، وليتضرع إلى الله بحسن الابتهال. # ولما كان التقدير بما أرشد إليه العطف على غير مذكور: فالله بكل شيء من ~~ذلك وغيره عليم، عطف عليه قوله: {والله} أي بما له من القدرة الشاملة ~~والعلم المحيط {على كل شيء} على الإطلاق من غير مثنوية أصلا {شهيد *} أي ~~حفيظ حاضر لا يغيب، ورقيب لا يفعل، حفظه له ورقبه وحضوره إياه مستعل عليه ~~قاهر له بإحاطة قهره بكل شيء ليمكن حفظه له على أتم وجه يريده. # وقال الإمام ms5012 أبو جعفر بن الزبير: لما نزه سبحانه نفسه عن تقول الملحدين، ~~وأعلم أن العالم بأسره ينزهه عن ذلك بألسنة أحوالهم لشهادة العوالم على ~~أنفسها بافتقارها لحكيم أوجدها، لا يمكن أن يشبه شيئا منها بل يتنزه من ~~أوصافها ويتقدس عن سماتها، فقال # PageV19P358 # {سبح لله ما في السماوات والأرض} [الحديد: 1] ومضت أي تعرف بعظيم سلطانه ~~وعلي ملكه، ثم انصرف الخطاب إلى عباده في قوله: {آمنوا بالله ورسوله} ~~[الحديد: 7] إلى ما بعد ذلك من الآي، وكان ذلك ضرب من الالتفات، والواقع ~~هنا منه أشبه بقوله سبحانه في سورة البقرة {وإذ قال ربك للملائكة} [البقرة: ~~30] فإنه بعد تفصيل حال المتقين وحال من جعل في طرف منهم وحال من يشبه ~~بظاهره بالمتقين وهو معدود في شرار الكافرين، فلما تم هذا النمط عدل بعده ~~إلى دعاء الخلق إلى عبادة الله وتوحيده {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} ~~[البقرة: 21] ثم عدل بالكلام جملة وصرف الخطاب إلى تعريف نبيه عليه الصلاة ~~والسلام بين أيدي الخلق {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} ~~[البقرة: 30] فجاء ضربا من الالتفات فكذا الواقع هنا بين سبحانه حال مشركي ~~العرب وقبح عنادهم وقرعهم ووبخهم في عدة سور غالب آيها جار على ذلك ومجدد ~~له أولها سورة «ص» كما نبه عليه في سورة القمر، وإلى الغاية التي ذكرت فيها ~~إلى أن وردت سورة القمر منبئة بقطع دابرهم، وانجر فيها الإعذار المنبه عليه ~~وكذا في سورة الرحمن بعدها، ثم أعقب ذلك بالتعريف بحال النزل الأخراوي في ~~سورة الواقعة مع زيادة تقريع وتوبيخ على مرتكبات استدعت تسبيحه تعالى ~~وتقديسه عن شنيع افترائهم فأتبعت بسورة الحديد، ثم صرف فيها # PageV19P359 # الخطاب إلى المؤمنين، واستمر ذلك إلى آخر السورة، جرت سورة المجادلة على ~~هذا القصد مصروفا خطابها إلى نازلة تشوف المؤمنين إلى تعرف حكمها، وهو ~~الظهار المبين أمره فيها، فلم يعد في الكلام بعد كما كان قد صرف إليه في ~~قوله {آمنوا بالله ورسوله} بأكثر من التعرض لبيان حكم يقع منهم، ثم أن ~~السور الواردة بعد إلى آخر ms5013 الكتاب استمر معظمها على هذا الغرض لانقضاء ما ~~قصد من التعريف بأخبار القرون السالفة والأمم الماضية، وتقريع من عاند ~~وتوبيخه، وذكر مثال الخلق واستقرارهم الأخراوي، وذكر تفاصيل التكاليف ~~والجزاء عليها من الثواب والعقاب، وما به استقامة من استجاب وآمن وما يجب ~~أن يلتزمه على درجات التكاليف وتأكيدها، فلما كمل ذلك صرف الكلام إلى ما ~~يخص المؤمنين في أحكامهم وتعريفهم بما فيه من خلاصهم، فمعظم آي سورة بعد ~~هذا شأنها، وإن اتجر غيرها فلا استدعاء موجب وهو الأقل كما بينا - انتهى. # PageV19P360 # ولما كان هذا الإخبار عن إحاطة علمه وشمول قدرته مع أنه بديهي التصور - ~~يحتاج عند من جره الهوى إلى الشرك المقتضي للنقص إلى دليل معه فقد كان ~~العرب ينكرون أن يسع الناس كلهم إله # PageV19P360 # واحد، قال تعالى دالا على ذلك بدليل شهودي ليفيد الإنسان بما يراه من ~~المحسوسات، قاصرا الخطاب على أعلى الخلق إشارة إلى أنه لا يفهم ذلك حق فهمه ~~غيره: {ألم تر} أي تعلم علما هو في وضوحه كالرؤية بالعين {أن الله} أي الذي ~~له صفات الكمال كلها {يعلم ما في السماوات} كلها. ولما كان الخطاب لأعلى ~~الخلق، وكان المقام لإحاطة العلم، وكان خطابه صلى الله عليه وسلم بذلك ~~إشارة للسامعين إلى وعورة هذا المقام وأنه بحيث لا يكاد يتصوره ولا يفهمه ~~حق فهمه إلا هو صلى الله عليه وسلم ومن ألحق به ممن صفا فهمه وسوى ذهنه ~~وانخلع من الهوى والعوائق، جمع وأكد بإعادة الموصول، فإفراده صلى الله عليه ~~وسلم بالخطاب بعد أن كان مع المظاهرين ثم المحادين إشارة إلى التعظيم ~~وتأكيده تنبيه على صعوبة المقام بالتعميم ليرعى حق الرعي توفية بحق التعليم ~~كما رعته الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قولها (سبحان من وسع ~~سمعه الأصوات) يعني في سماعه مجادلة المرأة وهو في غاية الخفاء فقال تعالى: ~~{وما في الأرض} أي كليات ذلك وجزئياته، لا يغيب عنه شيء منه، بدليل أن ~~تدبيره محيط بذلك على أتم ما يكون، وهو يخبر من يشاء من أنبيائه ms5014 وأصفيائه ~~بما يشاء من أخبار ذلك، القاصية والدانية، الحاضرة والغائبة، الماضية # PageV19P361 # والآتية، فيكون كما أخبر. # ولما كان ذلك وإن كان معلوما يتعذر إحاطة الإنسان بكل جزئي منه، دل عليه ~~بما هو أقرب منه فقال: {ما تكون} بالفوقانية في قراءة أبي جعفر لتأنيث ~~النجوى إشارة إلى العلم بها ولو ضعفت إلى أعظم حد، وقرأ الباقون بالتحتانية ~~للحائل، ولأن التأنيث غير حقيقي، وهي على كل حال من «كان» التامة، وعمم ~~النفي بقوله: {من نجوى} أي تناجي متناجين، جعلوا نجوى مبالغة، والنجوى: ~~السر والمسارون، اسم ومصدر - قاله في القاموس، وقال عبد الحق في الواعي: ~~النجوى الكلام بين الاثنين كالسر والتشاور - انتهى. وأصله من النجوى - ~~للمرتفع من الأرض، والنجو: الخلوص والقطع وكشط الجلد والحدث والكشف، لأن ~~المسارر يرفع ما كان في ضميره إلى صاحبه ويخلصه بمساررته له ويقطعه من ~~ضميره ويكشطه منه ويحدثه ويكشفه. # ولما كانت النجوى لا تكمل إلا بثالث يحفظ الأنس بإدامة الاجتماع لأن ~~الاثنين ينفردان عند عروض حاجة لأحجهما ويكونان في التناجي والتشاور ~~كالمتنازعين، والثالث وسط بينهما مع أنه سبحانه # PageV19P362 # وتر يحب الوتر، والثلاثة أول أوتار العدد، كما كان حافظا لها في أزل ~~الأزل قال: {ثلاثة} أي في حال من الأحوال {إلا هو رابعهم} أي مصيرهم أربعة، ~~فهو اسم فاعل والمعنى بعلمه وقدرته كما يكون كل من المتناجين عالما بنجوى ~~البعض، فروح النجوى العلم بالسر. # ولما كان الثلاثة قد يريد أحدهم أن ينفرد بآخر منهم، فيصير الثالث وحده، ~~فإذا كانوا أربعة دام الأنس بينهم ثم لا يكمل إلا بخامس يحفظ الاجتماع إذا ~~عرضت لأحد الاثنين حاجة قال: {ولا خمسة} أي من نجواهم {إلا هو سادسهم} ~~كذلك، فالحاصل أنه ما يكون من وتر إلا كان هو سبحانه شافع وتريته، وأما ~~وتريته هو سبحانه فقد كانت ولا شيء معها أصلا، وستكون ولا حي معها، فلا وتر ~~في الوجود على الحقيقة غيره. # ولما علم بالتكرير أن ما ذكر على سبيل المثال لا لمعنى يخصه من جهة ~~بالعلم، عم بقوله: {ولا أدنى} فبدأ بالقليل لأنه ms5015 قبل الكثير وهو أخفى منه ~~{من ذلك} أي الذي ذكر وهو الواحد والاثنان والأربعة الذي بعيد عن رتبته وإن ~~كان قد شرفه سبحانه بإطلاق معيته بعد أن لا نسبة له منها. # ولما كان العلم بالكثير أعسر من أجل انتشاره قال: # PageV19P363 # {ولا} أي يكون من نجوى {أكثر} أي من ذلك كالستة فما فوقها لا إلى نهاية - ~~هذا التقدير على قراءة الجماعة بالجر بفتحة الراء ورفع يعقوب على محل من ~~{نجوى} {إلا هو معهم} أي يعلم ما يجري منهم وبينهم، ويلزم من إحاطة علمه ~~إحاطة قدرته كما تقدم في طه لتكمل شهادته. # ولما كان العموم في المكان يستلزم العموم في الزمان، وكان المكان أظهر في ~~الحس قال: {أين ما} أي في أي مكان {كانوا} فإنه لا مسافة بينه وبين شيء من ~~الأشياء لأنه الذي خلق المسافة، وعلمه بالأشياء ليس لقرب مكان حتى يتفاوت ~~باختلاف الأمكنة ولا بسبب من الأسباب غير وجوده على ما هو عليه من صفات ~~الكمال، قال الرازي: ما فارق الأكوان الحق ولا قارنها، كيف يفارقها وهو ~~موجدها وحافظها ومظهرها، وكيف يقارن الحدث القدم وهو به قوام الكل، وهو ~~القيوم على الكل - انتهى. والحاصل أنه سبحانه لا يخفى عليه شيء من العالم ~~وإن بلغ في دقته إلى ما لا ينقسم، وهو شاهد لذلك كله حفظا وعلما وإحاطة ~~وحضورا، وآية ذلك في خلقه أن جملة الجسم يحيا بالروح، فلا يبقى جزء منه إلا ~~وهو محفوظ بالروح # PageV19P364 # يحس بسببها وهو سبحانه لا يحجب علمه ولا شيئا من صفاته حجاب، فقد صحت ~~المعية وهو بحيث لا يحويه المكان ولا يحصره العد، يقبض المخلوق ويبسطه، لا ~~يصعد المخلوق ولا صفته ولا فعله ولا معنى من معانيه إلى صفة من صفاته، إنما ~~له من المكان المكانة، ومن العلم العلا، ومن الأسماء والصفات مقتضاها - ~~أشار إلى لك ابن برجان وقال: ومن تدبر ما قرأه وتفهم ما تعلمه أدرك من ~~التحقيق ما نحن بسبيل تبيانه ما قدر له، ألا ترى إلى الجن أين مكانهم وإن ~~كانوا موصوفين ms5016 به ثم الملائكة أرفع قدرا ومكانة، بل إن الروح من جميع ~~الجملة التي تحمله، به حييت وبه تدبيرها وبه قيامها بإن الله خالقه، # «قال عليه الصلاة والسلام في خطبته الكبرى وهي آخر خطبة خطبها أخرجها ~~الحارث بن أبي أسامة: رقي المنبر وقال:» أيها الناس ادنو وأوسعوا لمن خلقكم ~~«- ثلاث مرات، فدنا الناس وانضم بعضهم إلى بعض، التفتوا فلم يروا أحدا، ~~فقال رجل منهم بعد الثالثة: لمن نوسع يا رسول الله أللملائكة؟ فقال:» لا ~~إنهم إذ كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم ولا من خلفكم ولكن عن أيمانكم وعن ~~شمائلكم «وعلى ذلك فليسوا في مكان # PageV19P365 # الأيمان هنا والشمائل بل في المكان من ذلك، فالله جل جلاله أعلى وأجل ~~وأنزه مكانة وأكرم استواء - انتهى. # ولما كان الإنسان نساء ولا سيما إن تمادى به الزمان، قال عاطفا على ما ~~تقديره، فيضبط عليهم حركاتهم وسكناتهم من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، ~~ويحفظها على طول الزمان كما كان حافظا لها قبل خلقها ثم أزل الأزل {ثم ~~ينبئهم} أي يخبر أصحابها إخبارا عظيما {بما عملوا} دقيقة وجليلة {يوم ~~القيامة} الذي هو المراد الأعظم من الوجود لإظهار الصفات العلى فيه أتم ~~إظهار. ولما أخبر تعالى بهذا الأمر العظيم، علله بما هو دليل على الشهادة ~~فقال مؤكدا لما لهم من الإنكار قولا أو فعلا بالاشتراك الذي يلزم منه النقص ~~{إن الله} أي الذي له الكمال كله. ولما كان المقام للإبلاغ في إحاطة العلم، ~~قدم الجار كما مضت الإشارة إليه غير مرة قال: {بكل شيء} مما ذكر وغيره ~~{عليم *} أي بالغ العلم فهو على كل شيء قدير، فهو على كل شيء شهيد، لأن ~~نسبة ذاته الأقدس إلى الأشياء كلها على حد سواء لا فرق أصلا بين شيء وآخر، ~~قال القشيري: معية الحق سبحانه وإن كانت على العموم بالعلم والرؤية وعلى ~~الخصوص بالفضل والنصرة، فلهذا الخطاب في قلوب أهل المعرفة أثر عظيم إلى أن ~~ينتهي الأمر بهم # PageV19P366 # إلى التأويل، فللوله والهيمان في خمار هذا عين رغد. # PageV19P367 # ولما كان هذا الدليل أيضا تتعذر ms5017 الإحاطة به، قال دالا عليه بأمر جزئي ~~واقع بعلم المحدث عنه حقيقة، فإن عاند بعده سقط عنه الكلام إلا بحد الحسام: ~~{ألم تر} أي تعلم علما هو كالرؤية، ودل على سفول رتبه المرئي بإبعاده عن ~~أعلى الناس قدرا بحرف الغاية فقال: {إلى الذين} ولما كان العاقل من إذا زجر ~~عن شيء انزجر حتى يتبين له أنه لا ضرر عليه في فعل ما زجر عنه، عبر بالبناء ~~للمفعول فقال: {نهوا} أي من ناه ما لا ينبغي للمنهي مخالفته حتى يعلم أنه ~~مأمون الغائلة {عن النجوى} أي الإسرار لإحلال أنفسهم بذلك في محل التهمة ~~بما لا يرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما قال أبو العلاء المعري: # والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها من الكدر # ولما كان الناهي هو الله، فكان هذا للنهي أهلا لأن يبعد منه غاية البعد، ~~عبر بأداة التراخي فقال: {ثم يعودون} أي على سبيل الاستمرار لأنه إذا وقعت ~~مرة بادروا إلى التوبة منها أو فلتة وقعت معفوا عنها {لما نهوا عنه} أي من ~~غير أن يعدوا لما يتوقع من جهة الناهي من # PageV19P367 # الضرر عدة {ويتناجون} أي يقبل جميعهم على المناجاة إقبالا واحدا، فيفعل ~~كل منهم ما يفعله الآخر مرة بعد أخرى على سبيل الاستمرار، وقراءة حمزة ~~{وينتجون} بصيغة الافتعال يدل على التعمد والمعاندة {بالإثم} أي بالشيء ~~الذي يكتب عليهم به الإثم بالذنب وبالكذب وبما لا يحل. ولما ذكر المطلق ~~أتبعه المقيد بالشدة فقال: {والعدوان} أي العدو الذي هو نهاية في قصد الشر ~~بالإفراط في مجاوزة الحدود. ولما كان ذلك شرا في نفسه أتبعه الإشارة إلى أن ~~الشيء يتغير وصفه بالنسبة إلى من يفعل معه فيكبر بكبر المعصي فقال: {ومعصيت ~~الرسول} أي الذي جاء إليهم من الملك الأعلى، وهو كامل الرسلية، لكونه مرسلا ~~إلى جميع الخلق وفي كل الأزمان، فلا نبي بعده، فهو لذلك يستحق غاية ~~الإكرام. # ولما أنهى تعظيم الذنب إلى غايته آذن بالغضب بأن لفت الكلام إلى الخطاب ~~فقال: {وإذا جاؤوك} أيها الرسول ms5018 الأعظم الذي يأتيه الوحي ممن أرسله ولم يغب ~~أصلا عنه لأنه المحيط علما وقدرة {حيوك} أي واجهوك بما يعدونه تحية من ~~قولهم: السام عليك ونحوه، وعم كل لفظ بقوله: {بما لم يحيك به الله} أي ~~الملك الأعلى الذي لا أمر # PageV19P368 # لأحد معه فمن تجاوز ما شرعه فقد عرض نفسه لسخطه، ومما دخل فيه قوله بعض ~~الناس لبعض «صباح الخير» ونحوه معرضا عن السلام. ولما كان المشهور عنهم ~~أنهم يخفون ذلك جهدهم ويعلنون بإملاء الله لهم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يطلع عليه، وإن اطلع عليه لم يقدر على أن ينتقم منهم، عبر عن ذلك ~~بقوله: {ويقولون} أي عند الاستدراج بالإملاء مجددين قولهم مواظبين عليه {في ~~أنفسهم} من غير أن يطلعوا عليه أحدا: {لولا} أي هلا ولم لا {يعذبنا الله} ~~أي الذي له الإحاطة بكل شيء على زعم من باهانا {بما نقول} مجددين مع ~~المواظبة إن كان يكرهه - كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم. # ولما تضمن هذا علمه سبحانه وتعالى بهذه الجزئية من هؤلاء القوم ثبت بذلك ~~علمه سبحانه بجميع ما في الكون، لأن نسبة الكل إليه على حد سواء، فإذا ثبت ~~علمه بالبعض ثبت علمه بالكل فثبتت قدرته على الكل فكان على كل شيء شهيدا، ~~قال مهددا لهم مشيرا إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يقول مثل هذا إلا إن كان ~~قاطعا بأنه لا يحصل له عذاب، أو يحصل له منه ما لا يبالي به ثم يرده بقوته: ~~{حسبهم} أي كفايتهم في الانتقام منهم وفي عذابهم ورشقهم بسهام لهيبها ومنكئ ~~شررها وتصويب صواعقها {جهنم} أي الطبقة التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة ~~والتكره والفظاظة. فإن حصل لهم في الدنيا عذاب كان # PageV19P369 # زيادة على الكفاية، فاستعجالهم بالعذاب محض رعونة {يصلونها} أي يقاسون ~~عذابها دائما إني أعددتها لهم. ولما كان التقديرية فإنهم يصيرون إليها ولا ~~بد، تسبب عنه قوله: {فبئس المصير *} أي مصيرهم، وسبب ذلك أن اليهود ~~والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون ~~يوهمونهم أنهم يتناجون فيما ms5019 يسوءهم فيظنون أنه بلغهم شيء من إخوانهم الذين ~~خرجوا في السرايا غزاة في سبيل الله من قتل أو هزيمة فيحزنهم ذلك، فشكوا ~~ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن التناجي في هذه الحالة فلم ~~ينتهوا، وروى أحمد والبزار والطبراني بإسناد - قال الهيثمي في المجمع إنه ~~جيد لأن حمادا سمع من عطاء بن السائب في حالة الصحة - عن عبد الله بن عمرو ~~رضي الله عنهما أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سام ~~عليك. ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، فنزلت. وروى أبو ~~يعلى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك: «إذا ~~سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا» وعليك «» . # ولما نهى عن النجوى وذم على فعلها وتوعد عليه فكان ذلك # PageV19P370 # موضع أن يظن أن النهي عام لكل نجوى وإن كانت بالخير، استأنف قوله مناديا ~~بالأداة التي لا يكون ما بعدها له وقع عظيم، معبرا بأول أسنان الإيمان ~~باقتضاء الحال له: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة ~~{إذا تناجيتم} أي قلع كل منكم الكلام من نفسه فرفعه وكشفه لصاحبه سرا {فلا ~~تتناجوا} أي توجدوا هذه الحقيقة ظاهرة كتناجي المنافقين {بالإثم} أي الذنب ~~وكل فعل يكتب بسببه عقوبة. # ولما عم خص فقال: {والعدوان} أي الذي هو العدو الشديد بما يؤذي وإن كان ~~العادي يظن أنه لا يكتب عليه به إثم. ولما كان السياق لإجلال النبي صلى ~~الله عليه وسلم مع أنه لا تعرف حقيقة الإثم إلا منه قال تعالى: {ومعصيت ~~الرسول} أي الكامل في الرسلية فإن ذلك يشوش فكره فلا يدعه يبلغ رسالات ربه ~~وهو منشرح الصدر طيب النفس. # ولما علم أن نهيهم إنما هو عن شر يفسد ذات البين هو ما لا يريدون إطلاع ~~النبي صلى الله عليه، صرح بقوله حثا على إصلاح ذات البين لأن خير الأمور ما ~~عاد بإصلاحها، وشر الأمور ما عاد بإفسادها: {وتناجوا بالبر} أي بالخير ~~الواسع ms5020 الذي فيه حسن # PageV19P371 # التربية، ولما كان ذلك قد يعمل طبعا، حث على القصد الصالح بقوله: ~~{والتقوى} وهي ما يكون في نفسه ظاهرا أنه يكون سترة تقي من عذاب الله بأن ~~يكون مرضيا لله ولرسوله. # ولما كانت التقوى أم المحاسن، أكدها ونبه عليها بقوله: {واتقوا الله} أي ~~اقصدوا قصدا يتبعه العمل أن تجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعظم وقاية. ~~ولما كانت ذكرى الآخرة هي مجمع المخاوف ولا سيما فضائح الأسرار على رؤوس ~~الأشهاد قال: {الذي إليه} أي خاصة {تحشرون *} أي تجمعون بأيسر أمر وأسهله ~~بقهر وكره، وهو يوم القيامة، فيتجلى فيه سبحانه للحكم بين الخلق والإنصاف ~~بينهم بالعدل ومحاسبتهم على النقير والقطمير لا يخفى عليه خافية ولا تقي ~~منه واقية تنكشف فيه سرادقات العظمة، ويظهر ظهورا تاما نفوذ الكلمة، ويتجلى ~~في مجالي العز سطوات القهر، وتنبث لوامع الكبر، فإذا فعلتم ذلك مستحضرين ~~لذلك لم تقدموا على شيء تريدون إخفاءه من النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون ~~ذلك أقر لعينه وأطهر لكم. # ولما شدد سبحانه في أمر النجوى وكان لا يفعلها إلا أهل النفاق، فكان ربما ~~ظن ظان أنه يحدث عنها ضرر لأهل الدين، قال سارا للمخلصين # PageV19P372 # وغاما للمنافقين ومبينا أن ضررها إنما يعود عليهم: {إنما النجوى} أي ~~المعهودة وهي المنهي عنها، وهي ما كره صاحبه أن يطلع عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقيل: ما خيله الشيطان من الأحكام المكروهة للإنسان {من ~~الشيطان} أي مبتدئه من المحترق بطرده عن رحمة الله تعالى فإنه الحامل عليها ~~بتزيينها ففاعلها تابع لأعدى أعدائه مخالفة لأوليائه. # ولما بين أنها منه، بين الحامل له على تزيينها فقال: {ليحزن} أي الشيطان ~~ليوقع الحزن في قلوب {الذين آمنوا} أي يتوهمهم أنهم بسبب شيء وقع ما ~~يؤذيهم، والحزن: هم غليظ وتوجع يرق له القلب، حزنه وأحزنه بمعنى، وقال في ~~القاموس: أو أحزنه: جعله حزينا، وحزنه: جعل فيه حزنا. # فعلى هذا قراءة نافع من أحزن أشد في المعنى من قراءة الجماعة. # ولما كان ربما خيل هذا من من في ms5021 قلبه مرض أن في يد الشيطان شيئا من ~~الأشياء، سلب ذلك بقوله: {وليس} أي الشيطان وما حمل عليه من التناجي، وأكد ~~النفي بالجار فقال: {بضارهم} أي # PageV19P373 # الذين آمنوا {شيئا} من الضرر وإن قل وإن خفي - بما أفهمه الإدغام {إلا ~~بإذن الله} أي تمكين الملك المحيط بكل شيء علما وقدرة، روى الشيخان عن ابن ~~عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا ~~يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه» ولما كان التقدير: فقد ~~علم أنه لا يخشى أحد غير الله لأنه لا ينفذ إلا ما أراده، فإياه فليخش ~~المربوبون، عطف عليه قوله: {وعلى الله} أي الملك الذي لا كفوء له، لا على ~~أحد غيره {فليتوكل المؤمنون} أي الراسخون في الإيمان في جميع أمورهم، فإنه ~~القادر وحده على إصلاحها وإفسادها، ولا يحزنوا من أحد أن يكيدهم بسره ولا ~~بجهره، فإنه إذا توكلوا عليه وفوضوا أمورهم إليه، لم يأذن في حزنهم، وإن لم ~~يفعلوا أحزنهم، وخص الراسخين لإمكان ذلك منهم في العادة، وأما أصحاب ~~البدايات فلا يكون ذلك منهم إلا خرق عادة. # PageV19P374 # ولما ذكر ما يحزن من السر لكونه اختصاصا عن الجليس بالمقال فينشأ عنه ظن ~~الكدر وتباعد القلوب، أتبعه الاختصاص بالمجلس الذي هو مباعدة الأجسام ~~اللازم لها من الظن ما لزم من الاختصاص بالسر في الكلام فينشأ عنه الحزن، ~~معلما لهم بكمال رحمته وتمام رأفته بمراعاة # PageV19P374 # حسن الأدب بينهم وإن كان من أمور العادة دون أحكام العبادة، فقال مخاطبا ~~لأهل الدرجة الدنيا في الإيمان لأنهم المحتاجون لمثل هذا الأدب: {يا أيها ~~الذين آمنوا} حداهم بهذا الوصف على الامتثال {إذا قيل لكم} أي من أي قائل ~~كان فإن الخير يرغب فيه لذاته: {تفسحوا} أي توسعوا أي كلفوا أنفسكم في ~~إيساع المواضع {وفي المجلس} أي الجلوس أو مكانه لأجل من يأتي فلا يجد مجلسا ~~يجلس فيه، والمراد بالمجلس جنس المكان الذي هم ماكثون به بجلوس أو قيام في ~~صلاة أو غيرها لأنه أهل لأن يجلس ms5022 فيه. وذلك في كل عصر، ومجلس النبي صلى ~~الله عليه وسلم أولى بذلك، وقراءة عاصم بالجمع موضحة لإرادة الجنس ~~{فافسحوا} أي وسعوا فيه عن سعة صدر {يفسح الله} أي الذي له الأمر كله ~~والعظمة الكاملة {لكم} في كل ما تكرهون ضيقه من الدارين. # ولما كانت التوسعة يكفي فيها التزحزح مع دوام الجلوس تارة وأخرى تدعو ~~الحاجة فيها إلى القيام للتحول من مكان إلى آخر قال: {وإذا قيل} أي من قائل ~~كان - كما مضى - إذا كان يريد الإصلاح # PageV19P375 # والخير {انشزوا} أي ارتفعوا وانهضوا إلى الموضع الذي تؤمرون به أو يقتضيه ~~الحال للتوسعة أو غيرها من الأوامر كالصلاة أو الجهاد وغيرهما {فانشزوا} أي ~~فارتفعوا وانهضوا {يرفع الله} الذي له جميع صفات الكمال، عبر بالجلالة ~~وأعاد إظهارها موضع الضمير ترغيبا في الامتثال لما للنفس من الشح بما يخالف ~~المألوف {الذين آمنوا} وإن كانوا غير علماء {منكم} أيها المأمورون بالتفسح ~~السامعون للأوامر، المبادرون إليها في الدنيا والآخرة بالنصر وحسن الذكر ~~بالتمكن في وصف الإيمان الموجب لعلو الشأن بطاعتهم لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم في سعة صدورهم بتوسعتهم لإخوانهم. # ولما كان المؤمن قد لا يكون من المشهورين بالعلم قال: {والذين} ولما كان ~~العلم في نفسه كافيا في الإعلاء من غير نظر إلى مؤت معين، بنى للمفعول ~~قوله: {أوتوا العلم} أي وهم مؤمنون {درجات} درجة بامتثال الأمر وأخرى ~~بالإيمان، ودرجة بفضل علمهم وسابقتهم - روى الطبراني وأبو نعيم في كتاب ~~العلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~جاءه أجله وهو يطلب العلم ليحيي # PageV19P376 # به الإسلام لم يفضله النبيون إلا بدرجة واحدة» ، رواه الدارمي وابن السني ~~في رياضة المتعلمين عن الحسن غير منسوب، قال شيخنا: فقيل: هو البصري فيكون ~~مرسلا، وعن الزبير: العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكور الرجال. # وكلما كان الإنسان أعلم كان أذكر، ولعله ترك التقييد ب «من» في هذا وإن ~~كانت مرادة ليفهم أن العلم يعلي صاحبه مطلقا، فإن كان مؤمنا عاملا بعلمه ~~كان النهاية، وإن كان ms5023 عاصيا كان أرفع من مؤمن عاص وعار عن العلم، وإن كان ~~كافرا كانت رفعته دنيوية بالنسبة إلى كافر لا يعلم، ودل على ذلك بختم الآية ~~بقوله مرغبا مرهبا: {والله} أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما {بما ~~تعملون} أي حال الأمر وغيره {خبير *} أي عالم بظاهره وباطنه، فإن كان العلم ~~مزينا بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة ~~على حسبه، وإن كان على غير ذلك فكذلك، وقدم الجار ومدخوله وإن كان علمه ~~سبحانه بالأشياء كلها على حد سواء تنبيها على مزيد الاعتناء بالأعمال، لا ~~سيما الباطنة من الإيمان والعلم اللذين هما الروح الأعظم، لأن المقام لنزول ~~الإنسان عن مكانه بالتفسح والانخفاض والارتفاع، ولا يخفى # PageV19P377 # ما في ذلك من حظ النفس الحامل على الجري مع الدسائس، فكان جديرا بمزيد ~~الترهيب، وسبب الآية أن أهل العلم لما كانوا أحق بصدر المجلس لأنهم أوعى ~~لما يقول صاحب المجلس، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليليني أولو ~~الأحلام منكم والنهى» ، وكان صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين ~~والأنصار فجاء أناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبق غيرهم إلى ~~المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته، فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم سلموا ~~على القوم فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفعلوا ~~فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان وأنت يا فلان، فأقام من المجلس ~~بقدر القادمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف النبي صلى الله عليه ~~وسلم الكراهية في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم يعدل، ~~فوالله ما عدل على هؤلاء، إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم ~~فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مكانهم، فأنزل الله هذه الآية، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن ~~افسحوا يفسح الله لكم» ms5024 رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الحسن: ~~بلغني أن # PageV19P378 # رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قاتل المشركين فصف أصحابه رضي الله ~~عنهم للقتال تشاحوا على الصف الأول فيقول الرجل لإخوانه: توسعوا لنلقى ~~العدو فنصيب الشهادة، فلا يوسعون له رغبة منهم في الجهاد والشهادة، فأنزل ~~الله هذه الآية، وهي دالة على أن الصالح إن كره مجاورة فاسق منع من مجاورته ~~لأنه يؤذيه ويشغله عن كثير من مهماته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # «لا ضرر ولا ضرار» وقال: «أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار ~~البادية يتحول» وقال: «شر الناس من لا يآمن جاره بوائقه» فقال تعالى معظما ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم وناهيا عن إبرامه صلى الله عليه وسلم بالسؤال ~~والمناجاة، ونافعا للفقراء والتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب ~~الدنيا، ولما نهى عما يحزن من المقال والمقام، وكان المنهي عنه من التناجي ~~إنما هو لحفظ قلب الرسول صلى الله عليه وسلم عما يكدره فهو منصرف إلى ~~مناجاتهم غيره، وكان ذلك مفهما أن مناجاتهم له صلى الله عليه وسلم لا حرج ~~فيها، وكان كثير منهم يناجيه ولا قصد له إلا الترفع بمناجاته فأكثروا في ~~ذلك حتى شق عليه صلى الله عليه وسلم، وكان النافع للإنسان إنما هو كلام من ~~يلائمه في الصفات ويشاكله في الأخلاق، وكان # PageV19P379 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس من الدنيا تقذرا لها لأجل بغض ~~الله لها، أمر من أراد أن يناجيه بالتصدق ليكون ذلك أمارة على الاجتهاد في ~~التخلق بأخلاقه الطاهرة من الصروف عن الدنيا والإقبال على الله، ومظهرا له ~~عما سلف من الإقبال عليها فإن الصدقة برهان على الصدق في الإيمان، وليخفف ~~عنه صلى الله عليه وسلم ما كانوا قد أكثروا عليه من المناجاة، فلا يناجيه ~~إلا من قد خلص إيمانه فيصدق، فيكون ذلك مقدمة لانتفاعه بتلك المناجاة كما ~~أن الهدية تكون مهيئة للقبول كما ورد «نعم الهدية أمام الحاجة» فقال تعالى: ~~{يا أيها ms5025 الذين آمنوا} أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو ~~فقراء {إذا ناجيتم} أي أردتم أن تناجوا {الرسول} صلى الله عليه وسلم أي ~~الذي لا أكمل منه في الرسلية فهو أكمل الخلق ووظيفته تقتضي أن يكون منه ~~الكلام بما أرسله به الملك وتكون هيبته مانعة من ابتدائه بالكلام، فلا يكون ~~من المبلغين إلا الفعل بالامتثال لا غير {فقدموا} أي بسبب هذه الإرادة ~~العالية على سبيل الوجوب ومثل النجوى كشخص له يدان يحتاج ان يطهر نفسه ~~ليتأهل للقرب من الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {بين يدي نجواكم} أي # PageV19P380 # قبل سركم الذي تريدون أن ترتفعوا به {صدقة} تكون لكم برهانا قاطعا على ~~إخلاصكم كما ورد أن الصدقة برهان، فهي مصدقة لكم في دعوى الإيمان التي هي ~~التصديق بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبكل ما جاء به عن الله ~~تعالى، ومعظمه الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، ولذلك استأنف قوله: ~~{ذلك} أي الخلق العالي جدا من تقديم التصدق قبل المناجاة يا خير الخلق، ~~ولعله أفرده بالخطاب لأنه لا يعلم كل ما فيه من الأسرار غيره. # وعاد إلى الأول فقالك {خير لكم} أي في دينكم من الإمساك عن الصدقة ~~{وأطهر} لأن الصدقة طهرة ونماء وزيادة في كل خير، ولذلك سميت زكاة {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} والتعبير بأفعل لأنهم مطهرون قبله ~~بالإيمان. # ولما أمر بذلك، وكانت عادته أن لا يكلف بما فوق الوسع للتخفيف على عباده ~~لا سيما هذه الأمة قال: {فإن لم تجدوا} أي ما تقدمونه. # ولما كان المعنى الكافي في التخفيف: فليس عليكم شيء، دل عليه بأحسن منه ~~فقال: {فإن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال، وأكده لاستبعاد مثله فإن ~~المعهود من الملك إذا ألزم رعيته بشيء أنه لا يسقطه # PageV19P381 # أصلا ورأسا، ولا سيما إن كان يسيرا، ودل على أنه سبحانه لن يكلف بما فوق ~~الطاقة بقوله: {غفور رحيم *} أي له صفتا الستر للمساوئ والإكرام بإظهار ~~المحاسن ثابتتان على الدوام فهو يغفر ويرحم تارة بعدم ms5026 العقاب للعاصي وتارة ~~للتوسعة للضيق بأن ينسخ ما يشق إلى ما يخف، وهذه الآية قيل: إنها نسخت قبل ~~العمل بها، وقال علي رضي الله عنه: ما عمل بها أحد غيري، أردت المناجاة ولي ~~دينار فصرفته بعشرة دراهم وناجيته عشر مرات أتصدق في كل مرة بدرهم، ثم ظهرت ~~فشق ذلك على الناس، فنزلت الرخصة في ترك الصدقة، «وروى النسائي في الكبرى ~~والترمذي وقال: حسن غريب وابن حبان وأبو يعلى والبزار عن علي رضي الله عنه ~~أنه قال: لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» مرهم أن يتصدقوا «. ~~قلت: بكم يا رسول الله؟ قال:» بدينار «، قلت: لا يطيقون. قال:» فنصف دينار ~~«، قلت: لا يطيقون، قال:» فبكم؟ «قلت: بشعيرة: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم:» إنك لزهيد «، فأنزل الله تعالى {أأشفقتم} الآية. وكان علي رضي الله ~~عنه يقول: بي خفف الله عن هذه الأمة. وعدم عمل غيره لا يقدح فيه لاحتمال أن ~~يكون لم يجد عند المناجاة شيئا أو أن لا يكون احتاج إلى # PageV19P382 # المناجاة. # PageV19P383 # ولما دل ختم الآية على التخفيف، وكان قد يدعي مدعون عدم الوجدان كذبا ~~فيحصل لهم حرج، وكان تعالى شديد العناية بنجاة هذه الأمة، دل على لطفه بهم ~~بنسخه بعد فرضه. فقال موبخا لمن يشح على المال نادبا إلى الخروج عنه من غير ~~إيجاب: {أأشفقتم} أي خفتم من العيلة لما يعدكم به الشيطان من الفقر خوفا ~~كاد أن يفطر قلوبكم {أن تقدموا} أي بإعطاء الفقراء وهم إخوانكم {بين يدي ~~نجواكم} أي للرسول صلى الله عليه وسلم، وجمع لأنه أكثر توبيخا من حيث إنه ~~يدل على أن النجوى تتكرر، وذلك يدل على عدم خوفهم من مشقة النبي صلى الله ~~عليه وسلم من ذلك ووجود خوفهم من فعل التصدق فقال: {صدقات} وكان بعضهم ترك ~~وهو واجد فبين سبحانه رحمته لهم بنسخها عنهم لذلك في موضع العقاب لغيرهم ~~عند الترك. # ولما كان من قبلنا إذا كلفوا الأمر الشاق وحملوا على التزامه بمثل رفع ~~الجبل فوقهم، فإذا خالفوا عوقبوا، بين ms5027 فضل هذه الأمة بأنه خفف عنهم، فقال ~~معبرا بما قد يعشر بأن بعضهم ترك عن قدرة: {فإذ} أي فحين {لم تفعلوا} أي ما ~~أمرتم به من الصدقة للنجوى بسبب هذا الإشفاق {وتاب الله} أي الملك الأعلى ~~الذي كان من شأن ما هو عليه من العظمة أن يعاقب من ترك أمره {عليكم} أي رجع # PageV19P383 # بمن ترك الصدقة عن وجدان، وبمن تصدق وبمن لم يجد إلى مثل حاله قبل ذلك من ~~سعة الإباحة والعفو والتجاوز والمعذرة والرخصة والتخفيف قبل الإيجاب ولم ~~يعاقبكم على الترك ولا على ظهور اشتغال ذلك منكم، قال مقاتل بن حيان: كان ~~ذلك عشر ليال ثم نسخ، وقال الكلبي: ما كانت إلا ساعة من نهار. وعلى كل ~~منهما فهي لم تتصل بما قبلها نزولا وإن اتصلت بها تلاوة وحلولا {فأقيموا} ~~بسبب العفو عنكم شكرا على هذا الكرم والحلم {الصلاة} التي هي طهرة لأرواحكم ~~ووصلة لكم بربكم {وآتوا الزكاة} التي هي نزاهة لأبدانكم وتطهير ونماء ~~لأموالكم وصلة بإخوانكم، ولا تفرطوا في شيء من ذلك فتهملوه، فالصلاة نور ~~تهدي إلى المقاصد الدنيوية والأخروية، وتعين على نوائب الدارين، والصدقة ~~برهان على صحة القصد في الصلاة. # ولما خص أشرف العبادات البدنية وأعلى المناسك المالية، عم فقال حاثا على ~~زيادة النور والبرهان اللذين بهما تقع المشاكلة في الأخلاق فتكون المناجاة ~~عن أعظم إقبال وإنفاق فقال: {وأطيعوا الله} أي الذي له الكمال كله فلم ~~يشركه في إبداعه لكم على ما أنتم عليه أحد # PageV19P384 # {ورسوله} الذي عظمته من عظمته في سائر ما يأمر به فإنه ما أمركم لأجل ~~إكرام رسولكم صلى الله عليه وسلم إلا بالحنيفية السمحة، وجعل المحافظة على ~~ذلك قائمة مقام ما أمركم به، ثم نسخه عنكم من تقديم الصدقة على النجوى. # ولما كان قد عفا عن أمر أشعر السياق بأنه وقع فيه تفريط، فكان ذلك ربما ~~جرى على انتهاك الحرمات، رهب من جنابه بإحاطة العلم، وعبر بالخبر لأن أول ~~الآية وبخ على أمر باطن ولم يبالغ بتقديم الجار لما فيها من الأمور ~~الظاهرة. ms5028 فقال عاطفا على ما تقديره: فالله يحب الذين يطيعون: {والله} أي ~~الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما {خبير بما تعملون *} أي تجددون عمله، يعلم ~~بواطنه كما يعلم ظواهره. # ولما أخبر بإحاطة علمه ردعا لمن يغتر بطول حلمه، دل على ذلك باطلاعه على ~~نفاق المنافقين الذي هو أبطن الأشياء، فقال معجبا مرهبا معظما للمقام ~~بتخصيص الخطاب بأعلى الخلق صلى الله عليه وسلم تنبيها على أنه لا يفهم ذلك ~~حق فهمه غيره: {ألم تر} ودل على بعدهم عن الخير بحرف الغاية فقال: {إلى ~~الذين تولوا} أي تكلفوا بغاية جهدهم أن جعلوا أولياءهم الذين ينزلون بهم ~~أمورهم {قوما} ابتغوا عندهم العزة اغترارا بما يظهر لهم منهم من القوة {غضب ~~الله} أي الملك # PageV19P385 # الأعلى الذي لا ند له {عليهم} أي على المتولين والمتولين لأنهم قطعوا ما ~~بينهم وبينه، والأولون هم المنافقون تولوا اليهود، وزاد في الشناعة عليهم ~~بقوله مستأنفا: {ما هم} أي اليهود المغضوب عليهم {منكم} أيها المؤمنون ~~لتوالوهم خوفا من السيف ورغبة في السلم {ولا منهم} أي المنافقين، فتكون ~~موالاتهم لهم لمحبة سابقة وقرابة شابكة، ليكون ذلك لهم عذرا، بل هم ~~مذبذبون، فهم مع المؤمنين بأقوالهم، ومع الكفار بقلوبهم، فما تولوهم إلا ~~عشقا في النفاق لمقاربه ما بينهم فيه، أو يكون المعنى: ما المنافقون ~~المتولون من المسلمين ولا من اليهود المتولين، وزاد في الشناعة عليهم بأقبح ~~الأشياء الحالم على كل رذيلة، فقال ذاكرا لحالهم في هذا الاتحاد: {ويحلفون} ~~أي المنافقون يجددون الحلف على الاستمرار، ودل بأداة الاستعلاء على أنهم في ~~غاية الجرأة على استمرارهم على الأيمان الكاذبة بأن التقدير: مجترئين {على ~~الكذب} في دعوى الإسلام وغير ذلك مما يقعون فيه من عظائم الآثام، فإذا ~~عوتبوا عليه بادروا إلى الإيمان. # ولما كان الكذب قد يطلق في اللغة على ما يخالف الواقع وإن كان عن غير ~~تعمد بأن يكون الحالف يجهل عدم مطابقته للواقع، قال # PageV19P386 # نافيا لذلك مبينا أنهم جرؤوا على اليمين الغموس: {وهم يعلمون *} أي أنهم ~~كاذبون فهم متعمدون، وذلك أن النبي صلى الله ms5029 عليه وسلم قال لأصحابه: «» ~~يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان «، فدخل عبد الله بن نبتل ~~وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:» علام ~~تشتمني أنت وأصحابك، فحلف بالله ما فعل «فقال له: فعلت. فجاء بأصحابه ~~فحلفوا بالله ما سبوه» # ، فنزلت. # ولما أخبر عن حالهم، أتبعه الإخبار عن مآلهم، فقال دالا - كما قال ~~القشيري - على أن - من وافق مغضوبا عليه أشرك نفسه في استحقاق غضب من هو ~~غضبان عليه، فمن تولى مغضوبا عليه من قبل الله استوجب غضب الله وكفى بذلك ~~هوانا وحزنا وحرمانا، معبرا بما دل على أنه أمر قد فرغ منه: {أعد الله} أي ~~الذي له العظمة الباهرة فلا كفوء له، وعبر بما دل على التهكم بهم فقال: ~~{لهم عذابا} أي أمرا قاطعا لكل عذوبة {شديدا} يعلم من رآه ورآهم أن ذواتهم ~~متداعية إليه ضعيفة عنه. # PageV19P387 # ولما أخبر بعذابهم، علله بما دل على أنه واقع في أتم مواقعه فقال مؤكدا ~~تقبيحا على من كان يستحسن أفعالهم: {إنهم ساء} أي بلغ الغاية مما يسوء، ودل ~~على أن ذلك كان لهم كالجبلة بقوله: {ما كانوا يعملون *} أي يجددون عمله ~~مستمرين عليه لا ينفكون عنه من غشهم المؤمنين ونصحهم الكافرين وعيبهم ~~للإسلام وأهله، واجترائهم على الأيمان الكاذبة، وأصروا على ذلك حتى زادهم ~~التمرن عليه جرأة على جميع المعاصي. # PageV19P388 # ولما دلت هذه الجملة على سوء أعمالهم ومداومتهم عليها، أكد ذلك بقوله: ~~{اتخذوا} أي كلفوا فطرهم الأولى المستقيمة لما لهم من العراقة في اعوجاج ~~الطبع والمحبة للأذى {أيمانهم} الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه مثقال ~~حبة من خردل من إيمان {جنة} أي وقاية وسترة من كل ما يفضحهم من النفاق ~~كائنا ما كان، أو يوجب قتلهم بما يقع منهم من الكفران. # ولما كان علمهم بأنه يرضى منهم بالظاهر ويصدق أيمانهم هو الذي جرأهم على ~~العظائم، فكانوا يرغبون الناس في النفاق بعاجل الشهوات # PageV19P388 # ويثبطونهم عن الدين بما فيه من عاجل الكلف وآجل الثواب، سبب عن ms5030 قبول ~~إيمانهم قوله مظهرا بزيادة التوبيخ لهم: {فصدوا} أي كان قبول ذلك منهم ~~وتأخير عقابهم سببا لإيقاعهم الصد {عن سبيل الله} أي شرع الملك الأعلى الذي ~~هو الطريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز الأعظم، فإنهم كانوا يثبطون من ~~لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهون أمره ويحقرونه، ومن رآهم قد خلصوا من ~~المكاره بأيمانهم الحانثة وردت عليهم الأرزاق استدراجا وحصلت لهم الرفعة ~~عند الناس بما يرضونهم من أقوالهم المؤكدة بالأيمان غره ذلك فاتبع سنتهم في ~~أقوالهم وأفعالهم، ونسج على منوالهم، غرورا بظاهر أمرهم، معرضا عما توعدهم ~~الله سبحانه عليه من جزاء خداعهم ومكرهم، وأجرى الأمر على أسلوب التهكم ~~باللام التي تكون في المحبوب فقال: {فلهم} أي فتسبب عن صدهم أنهم كان لهم ~~{عذاب مهين *} جزاء بما طلبوا بذلك الصد إعزاز أنفسهم وإهانة أهل الإسلام. # ولما كان لهم أموال وأولاد يتعززون بها، قال مستأنفا دالا على أن من ~~استتر بجنة دون طاعته لتسلم دنياه وراءه تكشف لسهام # PageV19P389 # التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينه يبقى ولا دنياه تسلم: {لن تغني} أي ~~بوجه من الوجوه {عنهم} أي في الدنيا ولا في الآخرة بالافتداء ولا بغيره ~~{أموالهم} وأكد النفي بإعادة النافي للتنصيص على كل منهما فقال: {ولا ~~أولادهم} أي بالنصرة والمدافعة {من الله} إي إغناء مبتدئا من الملك الأعلى ~~الذي لا كفوء له {شيئا} أي من إغناء ولو قل جدا، فمهما أراد بهم سبحانه كان ~~ونفد ومضى، لا يدفعه شيء تكذيبا لمن قال منهم: لئن كان يوم القيامة لتكونن ~~أسعد فيه منكم كما نحن الآن ولننصرن بأنفسنا وأموالنا وأولادنا. ولما انتفى ~~الإغناء المبتدئ من الله فانتفى بانتفائه كل إغنائه سواه، أنتج ذلك قوله: ~~{أولئك} أي البعداء من كل خير {أصحاب النار} ولما أفهمت الصحبة الملازمة، ~~أكدها بقوله: {هم} أي خاصة لاضمحلال عذاب غيرهم - لكونهم في الهاوية - في ~~جنب عذابهم {فيها} أي خاصة دون شيء يقصر عنها {خالدون *} أي مقيمون باقون ~~دائمون لازمون إلى غير نهاية. # ولما كان إفسادهم لذات البين سرا، وحلفهم ms5031 على نفي ذلك جهرا مع الإلزام ~~بقبول ما ظهر من ذلك منهم مع علمه سبحانه وتعالى بأنه كذب غائظا موجعا، ~~وكان ربما توهم متوهم أنه تعالى كما ألزم بقبولنا لما ظهر منهم في دار ~~العمل يأمر بقبولهم في دار الجزاء، قال نافيا لذلك # PageV19P390 # معزيا للمؤمنين بأنهم يفعلون ذلك معه سبحانه بعد كشف الغطاء وتحقيق ~~الأمور، لأن الإنسان يبعث على ما مات عليه، لأن ذلك جبلته التي لا ينفك ~~عنها، ولا ينفعهم ذلك، ذاكرا ظرف الخلود وإظهار التعذيب: {يوم يبعثهم الله} ~~أي الملك الذي له جميع صفات الكمال بإحيائهم عما كانوا فيه من الموت وردهم ~~إلى ما كانوا قبله {جميعا} لا يترك أحدا منهم ولا من غيرهم إلا أعاده إلى ~~ما كان عليه قبل موته {فيحلفون} أي فيتسبب عن ظهور القدرة التامة لهم ~~ومعاينة ما كانوا يكبون به من البعث والنار أنهم يحلفون {له} أي الله في ~~الآخرة أنهم مسلمون فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، ونحوه من الأكذوبات ~~التي تزيدهم ضررا، ولا تغني عنهم شيئا بوجه من الوجوه، جريا على ما طبعوا ~~عليه من إيثار الهوى والقصور على النظر في المحسوسات التي ألفوها {كما ~~يحلفون} في الدنيا {لكم} لكونكم لا تعلمون الغيب مع توقعهم أن الله يفضحهم ~~كما فعل لهم ذلك مرارا، وحلفهم ناشئ عن اعتقاد بعدهم من القبول فإنه لا ~~يحلف لك إلا من يظن أنك تكذبه: قال القشيري: عقوبتهم الكبرى ظنهم الأجنبية، ~~وغاية الجهد كبهم على مناخرهم في وهدة ندمهم. # PageV19P391 # ولما كان الذي يحملهم على الإقدام على ذلك ضعف عقولهم وتوغلهم في النفاق ~~ومرودهم عليه حتى بعثوا على مثل ذلك مع علمهم بأن ذلك لا ينجيهم لإحاطة ~~علمه سبحانه، عبر بالحسبان، فقال دالا على أنهم في الغاية من الجهل وقلة ~~العقل: {ويحسبون} أي في القيامة بأيمانهم الكاذبة {أنهم على شيء} أي يحصل ~~لهم به نفع لتخيلهم أن أيمانهم تروج على الله فتنجيهم كما كانت في الدنيا ~~تنجيهم. # ولما أفهم ذلك أن أمورهم لا حقائق لها لا في إخباراتهم ms5032 ولا في أيمانهم ~~ولا في حسبانهم، قال مناديا عليهم مؤكدا لتكذيب حسبانهم: {ألا إنهم} أي ~~خاصة {هم الكاذبون *} أي المحكوم بكذبهم في حسبانهم وفي أخبارهم في الدارين ~~لعراقتهم في وصف الكذب حيث لا يستحيون من الكذب عند الله. # ولما كان هذا الانهماك فيما لا يغني مما يحصل لسامعه غاية العجب من وقوع ~~عاقل فيه مرة من الدهر، فضلا عن ملازمته، أخبر عن الحامل لهم عليه، فقال ~~مستأنفا: {استحوذ} أي طلب أن يغلب ويسوق ويسرع ويضرب الحوطة ويحث ويقهر ~~ويستولي {عليهم الشيطان} مع أنه طريد ومحترق، ووجد منه جميع ذلك، ووصل منهم ~~إلى ما يريده، وملكهم ملكا لم يبق لهم معه اختيار فصاروا # PageV19P392 # رعيته وأقطاعه، وصار هو محيطا بهم من كل جهة، غالبا عليهم ظاهرا وباطنا، ~~من قولهم: حذت الإبل أي استوليت عليها، وحاذ الحمار العانة - إذا جمعها ~~وساقها غالبا لها، والحوذ: السوق السريع، ومنه الأحوذي: الخفيف في المشي ~~لحدقه، وجاء على الأصل على حكم الصحيح لأنه لم يبن على حاذ كافتقر فإنه لا ~~مجرد له، لم يقولوا: فقر: {فأنساهم} أي فتسبب عن استحواذه عليهم أنه أنساهم ~~{ذكر الله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بعد أن كان ذكره ~~مركوزا في فطرهم الأولى، فصاروا لا يذكرونه أصلا بقلب، ولا لسان. # ولما كان ذلك، أنتج ولا بد قوله: {أولئك} أي الذين أحلوا أنفسهم أبعد ~~منزل {حزب الشيطان} أي أتباعه وجنده وجماعته وطائفته وأصحابه والمحدقون به ~~والمتحيزون إليه لدفع ما حزبه أي نابه واشتد عليه، المبعدون المحترقون ~~لأنهم تبعوه ولم يخافوا في مجازيته وإنفاذ ما يريد لومة لائم مع أنه كله ~~نقائص ومعايب، وهم مطبوعون على بغضه، وتركوا من له الكمال كله، وكر وحبه ~~مركوز في فطرهم، فلذلك كانت ترجمة هذا ونتيجته قوله: # PageV19P393 # {ألا} وأكد لظنهم الريح بما لهم في الدنيا من الكثرة وظهرو التعاضد ~~والاستدراج بالبسط والسعة فقال: {إن حزب الشيطان} أي الطريد المحترق {هم} ~~أي خاصة {الخاسرون *} أي العريقون في هذا الوصف لأنهم لم يظفروا بغير الطرد ~~والاحتراق. # PageV19P394 # ولما بين ms5033 ما أوصلهم إليه نسيان الذكر من الخسار، بين أنه أوقعهم في ~~العداوة، فقال معللا الخسار والنسيان والتحزب، وأكد تكذيبا لحالفهم على نفي ~~ذلك مظهرا موضع الإضمار للتنبيه على الوصف الموقع في الهلاك: {إن الذين ~~يحادون} ولعل الإدغام لسترهم ذلك الإيمان، ويفهم منه الحكم على من جاهر ~~بطريق الأولى {الله} أي يفعلون مع الملك الأعظم الذي لا كفوء له فعل من ~~ينازع آخر في أرض فيغلب على طائفة منها فيجعل لها حدا لا يتعداه خصمه ~~{ورسوله} الذي عظمته من عظتمه. # ولما كانوا لا يفعلون ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم، فيظن من رآهم أنهم ~~الأعزاء الذين لا أحد أعز منهم، قالتعالى نفيا لهذا الغرور الظاهر: {أولئك} ~~أي الأباعد الاسافل {في الأذلين *} أي # PageV19P394 # الذين يعرفون أنهم أذل الخلق بحيث يوصف كل منهم بأنه الأذل مطلقا من غير ~~مفضل عليه ليعم كل من يمكن منه ذل، وذلك في الدنيا والآخرة سواء كانوا فارس ~~والروم أو أعظم منهم سواء كانوا ملوكا كفرة كانوا أو فسقة، كما قال الحسن: ~~إن للمعصية في قلوبهم لذلا، وإن طقطقت بهم اللجم. ولما أنزلهم بالحضيض ~~الأسفل، علل ذلك بما يدل على أنه سبحانه لا شريك له بإتمام كلماته بنصر ~~أوليائه على ضعفهم وخذلان أعدائه على قوتهم لأنه سبحانه لا غيب محض لا ~~دلالة عليه إلا بأفعاله فقال: {كتب} أي فعل فعل من أبرم أمرا ففرغ منه ~~وكتبه فأوجب وحتم وقضى وبت {الله} أي الملك الذي لا كفوء له {لأغلبن} أكد ~~لما لهم من ظن الغلب بالكثرة والقوة {أنا ورسلي} أي بقوة الجدال وشدة ~~الجلاد، فهو صادق بالنسبة إلى من بعث بالحرب، وإلى من بعث بالحجة، وعلل هذا ~~القهر بقوله مؤكدا لأن أفعالهم مع أوليائه أفعال من يظن ضعفه: {إن الله} أي ~~الذي له الأمر كله {قوي} فهو يفيض من باطن قوته # PageV19P395 # من يظهر به ظاهر قدرته أوليائه، فإن القوي من له استقلال باطن بما يحمله ~~القائم في الأمر ولو ضوعف عليه ما عسى أن يضاعف وحمايته مما يتطرق إلى ~~الإجلال ms5034 بشدة وبطش منبعث عن ذلك الاستقلال الباطن، وما ظهر من أثر ذلك فهو ~~قدرة، فلا اقتدار يظهر من الخلق إلا بالاستناد إلى القوة بالله، ولا قيام ~~بالحقيقة لباطن إلا بالله الذي بيده ملكوت كل شيء، فلذلك كان بالحقيقة لا ~~قوي إلا هو. # ولما كان القوي من المخلوقات قد يكون غيره أقوى من غيره ولو في وقت، نفى ~~ذلك بقوله: {عزيز *} أي غالب غلبة لا يجد معها المغلوب نوع مدافعة وانفلات، ~~ثابت له هذا الوصف دائما. # ولما ظهر بهذا كالشمس أن من والاه سبحانه كان فائزا، ومن عاداه كان ~~خاسرا، كانت نتيجته قطعا التحذير من موالاة أعداء الله في سياق النفي ~~المفيد للمبالغة في النهي عنه والزجر عن قربانه فقال: {لا تجد} أي بعد هذا ~~البيان {قوما} أي ناسا لهم قوة على ما يريدون محاولته {يؤمنون} أي يجددون ~~الإيمان ويديمونه {بالله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى {واليوم ~~الآخر} الذي هو موضع الجزاء لكل عامل بكل ما عمل، الذي هو محط الحكمة ~~{يوادون} # PageV19P396 # أي يحصل منهم ودل لا ظاهرا ولا باطنا - بما أشار إليه الإدغام وأقله ~~الموافقة في المظاهرة {من حاد الله} أي عادى بالمناصبة في الحدود الملك ~~الأعلى لذلك فالمحادة لا تخفى وإن كانت باطنة يستتر بها زيادة النفرة منهم ~~{ورسوله} فإن من حاده فقد حاد الذي أرسله، بل لا تجدهم إلا يحادونهم، لا ~~أنهم يوادونهم، وزاد ذلك تأكيدا بقوله: {ولو كانوا آباءهم} الذين أوجب الله ~~على الأبناء طاعتهم بالمعروف، وذلك كما فعل أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي ~~الله عنه، قتل أباه عبد الله بن الجرح يوم أحد {أو آبناءهم} الذي جبلوا على ~~محبتهم ورحمتهم كما فعل أبو بكر رضي الله عنه فإنه دعا ابنه يوم بدر إلى ~~المبارزة، وقال: دعني يا رسول الله أكن في الرعلة الأولى، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # «متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنك بمنزلة سمعي وبصري» {أو إخوانهم} ~~الذين هم أعضادهم # PageV19P397 # كما فعل مصعب بن عمير رضي ms5035 الله عنه، قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد وخرق ~~سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الصفوف يومئذ على أخيه عتبة بن أبي وقاص غير ~~مرة ليقتله فراع عنه روعان الثعلب، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: أتريد أن تقتل نفسك وقتل محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه أخاه ~~من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي رأس بني النضير {أو عشيرتهم} الذين هم ~~أنصارهم وأمدادهم كما فعل عمر رضي الله عنه، قتل خاله العاصي بن هشام بن ~~المغيرة يوم بدر وعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم قتلوا يوم بدر ~~بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وعن الثوري أن السلف ~~كانوا يرون أن الآية نزلت فيمن يصحب السلطان - انتهى. ومدار ذلك على أن ~~الإنسان يقطع رجاءه من غير الله، وإن لم يكن كذلك لم يكن مخلصا في إيمانه. # ولما كان لا يحمل على البراءة ممن هذا شأنه إلا صريح الإيمان، أنتج قوله: ~~{أولئك} أي الأعظمون شأنا الأعلون همما {كتب} # PageV19P398 # أي وصل وأثبت وصلا وهو في لحمته كالخرز في الأديم، وكالطراز في الثوب ~~الرقيم، فلا انفكاك له {في قلوبهم الإيمان} فجعلها أوعية له فأثمر ذلك نور ~~الباطن واستقامة الأعمال في الظاهر {وأيدهم} أي قواهم وشددهم وأعانهم ~~وشجعهم وعظمهم وشرفهم {بروح} أي نور شريف جدا يفهمون به ما أودع في كتابه ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من كنوز العلم والعمل فهو لقلوبهم كالروح ~~للأبدان، فلا يفعلون شيئا من أحوال أهل الجاهلية كالمظاهرة، وزاد هذا ~~التأييد شرفا بقوله: {منه} أي أحياهم به فلا انفكاك لذلك عنهم في وقت من ~~الأوقات فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهرا وباطنا، فقهروا بالدلائل والحجج، ~~وظهروا بالسيف المفني للمهج، وعملوا الأعمال الصالحة فكانوا للدنيا كالسرج، ~~فلا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، بل هو ~~عين الإخلاص، ومن جنح إلى منحرف عن دينه أو داهن مبتدعا في عقده نزع الله ~~نور التوحيد من قلبه. # ولما أخبر بما ms5036 آتاهم في الدنيا وهو غير مفارق لهم في الآخرة، أخبر بما ~~يؤتيهم في الآخرة فقال: {ويدخلهم جنات} أي بساتين # PageV19P399 # يستر داخلها من كثرة أشجارها، وأخبر عن ريها بقوله: {تجري} ولما كانت ~~المياه لو عمت الأرض لم يكن بها مستقر، أثبت الجار فقال: {من تحتها ~~الأنهار} أي فهي لذلك كثيرة الرياض والأشجار والساحات والديار. ولما كان ~~ذلك لا يلذ إلا بالدوام قال: {خالدين فيها} . # ولما كان ذلك لا يتم إلا برضا مالكها قال: {رضي الله} أي الملك الأعظم ~~الذي له الأمر كله فلا التفات إلى غيره {عنهم} ولما كان ذلك لا يكمل سروره ~~إلا برضاهم ليتم حسن المجاورة قال: {ورضوا عنه} أي لأنه أعطاهم فوق ما ~~يؤملون. ولما أخبر عنهم بما يسر كل سامع فيشتاق إلى مصاحبتهم ومعاشرتهم ~~ومرافقتهم ومقاربتهم ومدحهم وعرفهم بقوله: {أولئك} أي الذين هم في الدرجة ~~العليا من العظمة لكونهم قصروا ودهم على الله علما منهم بأنه ليس النفع ~~والضر إلا بيده {حزب الله} أي جند الملك الأعلى الذي أحاط بجميع صفات ~~الكمال وأولياءه، فإنهم هم يغضبون له ولا يخافون فيه لومة لائم. ولما تبين ~~مما أعد لهم وأعد لأضدادهم أنهم المختصون بكل خير، قال على طريق الإنتاج ~~مما مضى مؤكدا لما لأضدادهم من الأنكاد: {ألا إن حزب الله} أي جند الملك ~~الأعلى وهم هؤلاء الموصوفون ومن # PageV19P400 # والاهم {هم} أي خاصة لا غيرهم {المفلحون *} أي الذين حازوا الظفر بكل ما ~~يؤملون في الدارين، وقد علم من الرضى من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم ~~الانفكاك عن السعادة فأغنى ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد، خصهم بذلك لأن له ~~العزة والقوة والعلم والحكمة، فلذلك علم أمر المجادلة ورحم شكواها لأنها من ~~حزبه وسمع لها، ومن سمع له فهو مرضي عنه، وحرم الظهار بسبب شكواها إكراما ~~لها بحكمته لأنه منابذ للحكمة لأنه تشبيه خارج عن قادة التشبيهات، وفيه ~~امتهان للأم التي لها في دينه غاية الإكرام بالتسوية بالزوجة التي هي محل ~~الافتراش، وختم آيها بأن من تعدى حدوده فعاود أحوال الجاهلية فهو مجادله ms5037 ~~سبحانه فهو من حزب الشيطان، فقد عاد آخرها إلى أولها بأدل دليل على أحسن ~~سبيل، لأن هذا القرآن العظيم أشرف حديث وأقوم قيل وهذا مقصود التي بعدها، ~~ولا شك أنه موجب للتنزيه مبعد عن التشريك والتشبيه، فسبحان من أنزله آية ~~دائمة البيان، موجبة للإيمان، قامعة للطغيان، على مدى الدهور وتطاول ~~الأزمان. # PageV19P401 # سورة الحشر # مقصودها بيان ما دل عليه آخر المجادلة من التنزه عن شوائب النقص بإثبات ~~القدرة الشاملة بدليل شهودي على أنه يغلب هو ورسله، ومن حاده في الأذلين، ~~لأنه قوي عزيز، المستلزمة للعلم التام المستلزم الحكمة البالغة المستلزمة ~~للحشر المظهر لفلاح المفلح وخسار الخاسر على زجه الثبات الكاشف أتم كشف ~~لجميع صفات الكمال، وأدل ما فيها على ذلكط تأمل قصة بني النضير المعلم بأول ~~الحشر المؤذن بالحشر الحقيقي بالقدرة عليه بعد إطباق الولي والعدو على ظن ~~أنه لا يكون، فلذا سميت الحشر وببني النضير لأنه سبحانه وتعالى حشرهم ~~بقدرته من المدينة الشريفة إلى خيبر والشام والحيرة ثم حشرهم وغيرهم من ~~اليهود الحشر الثاني من خيبر إلى الشام الذي هو آية الحشر الأعظم إلى أرض ~~الحشر لقهر هذا النبي الكريم أهل الكتاب المدعين لأنهم أفضل الناس # PageV19P402 # وأنهم مؤيدون بما لهم من الدين الذي أصله قويم بما لوحت إليه الحديد كما ~~قهر أهل الأوثان الذين هم عالمون بأنهم بدلوا الدين الصحيح فثبتت بظهور ~~دينه على كل دين على حد سواء كما وعد به سبحانه صدقه في كل ما جاء به بعد ~~التوحيد - الإيمان بالبعث الآخر لأنه محط الحكمة وموضع إظهار النقمة ~~والرحمة) بسم الله (الملك الأعظم الذي لا راد لأمره فلا خلف لعباده) الرحمن ~~(الذي عمت نعمةى إيجاده فلا محيص عن معاده) الرحيم (الذي خص أهل وداده ~~بالتوفيق لما يرضيه عنهم فيوجب لهم الفوز بإسعاده. # PageV19P403 # لما ختمت المجادلة بأنه معز أهل طاعته، ومذل أهل معصيته ومحادته، علله ~~بتنزهه عن النقائص تأييدا للوعد بنصرهم فقال: {سبح} أي أوقع التنزيه الأعظم ~~عن كل شائبة نقص {لله} الذي أحاط بجميع صفات الكمال. # ولما كان ms5038 الكفار من جميع بني آدم قد عبد بعضهم الشمس # PageV19P403 # وبعضهم القمر وبعضهم غيرهما من الكواكب، وكانت الكواكب مبثوثة في ~~السماوات كلها لا تخص سماء بعينها وكذا الملائكة، جمع دلالة على أن الكل ~~عبيد فقال: {ما في السماوات} أي كلها. ولما كان الكلام في النهي عن موادة ~~الذي يحادون الله، وكان ذلك لمن دون الخلص، أكد بإعادة النافي لاحتياجهم ~~للتأكيد فقال: {وما} ولما كان جميع ما عبدوه ما أشركوا به من الأرضيات من ~~شجر وصنم وبقر وغيرها لا يعد والأرض التي هم عليها، أفرد فقال: {في الأرض} ~~. # ولما شمل هذا جميع العالم، أشار إلى أن عظمته لا تنتهي فقال: {وهو} أي ~~والحال أنه وحده {العزيز} الذي يغلب كل شيء ولا يمتنع عليه شيء {الحكيم *} ~~الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن وأحاط بكل شيء فأتقن ما أراد، فكل ما ~~خلقه جعله على وحدانيته دليلا، وإلى بيان ما له من العزة والحكمة سبيلا. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لا خفاء باتصال أيها بما تأخر من آي ~~سورة المجادلة، ألا ترى أن قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما ~~غضب الله عليهم} إنما يراد به يهود فذكر سبحانه سوء سريرتهم وعظيم جرأتهم ~~ثم قال في آخر السورة {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من ~~حاد الله ورسوله} فحصل من هذا كله # PageV19P404 # تنفير المؤمنين عنهم وإعلامهم بأن بغضهم من الإيمان وودهم من النفاق ~~لقبيح ما انطووا عليه وشنيع ما ارتكبوه، فلما أشارت هذه الآي إلى ما ذكر ~~أتبعت بالإعلام في أول سورة الحشر بما عجل لهم من هوانهم وإخراجهم من ~~ديارهم وأموالهم وتمكين المسلمين منهم، جريا على ما تقدم الإيماء إليه سوء ~~مرتكبهم، والتحمت الآي باتحاد المعنى وتناسبه، وتناسج الكلام، وافتتحت ~~السورة بالتنزيه لبنائها على ما أشار إليه غضبه تعالى عليهم إذ لا يكون إلا ~~على أعظم جريمة وأسوأ مرتكب وهو اعتداؤهم وعصيانهم المفصل في مواضع من ~~الكتاب وقد قال تعالى فيهم بعد ذكر غضبه عليهم {أولئك شر مكانا وأضل ms5039 عن ~~سواء السبيل} [المائدة: 60] وقال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [المائدة: 78] ~~فبين تعالى أن لعنته إياهم إنما ترتبت على عصيانهم واعتدائهم، وقد فصل ~~اعتداءهم أيضا في مواضع، فلما كان الغضب مشيرا إلى ما ذكر من عظيم الشرك، ~~أتبعه سبحانه وتعالى تنزيه نفسه جل وتعالى فقال: {سبح لله ما في السماوات ~~وما في الأرض} وإنما يرد مثله من التنزيه أثر جريمة تقع من العباد وعظيمة ~~يرتكبونها وتأمل ذلك حيث وقع، ثم عاد الكلام إلى الإخبار بما فعل تعالى ~~بأهل الكتاب مما يتصل بما تقدم، ثم تناسجت الآي - انتهى. # PageV19P405 # ولما نزه نفسه الأقدس دل على ذلك التنزه على العزة والحكمة بدليل شهودي ~~من أنه أنفذ ما كتب من أنه يغلب هو ورسله ومن أنه كبت الذين حادوه وخيب ظن ~~الذين نافقوا، فتولوا اليهود من أهل الكتاب ليعتزوا بهم، فأذل اليهود ~~وطردهم من مهبط الوحي وأخزى المنافقين الذين جعلوهم محط اعتمادهم وموضع ~~ولايتهم وودادهم، فقال: {هو} أي وحده من غير إيجاف خيل ولا ركاب {الذي ~~أخرج} على وجه القهر {الذين كفروا} أي ستروا ما في كتبهم من الشواهد التي ~~تشهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه النبي الخاتم وما في فطرهم الأولى من ~~أن اتباع الحق أحق، وقبح عليهم كفرهم بقوله موضع {من بني النضير} أو ~~{اليهود} مثلا: {من أهل الكتاب} أي الذي أنزله الله على رسوله موسى صلى ~~الله على نبينا وعليه وسلم، وفي التعبير ب {كفروا} إشعار بأنهم الذين ~~أزالوا بالتبديل أو الإخفاء ما قدروا عليه مما بقي من التوراة دالا على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # ولما كان الوطن عديل الروح لأنه للبدن كالبدن للروح، فكان الخروج منه في ~~غاية العسر، دل على مزيد قهرهم به بأن قال: {من ديارهم} ولما كان كان منهم ~~من جلا من المدينة الشريفة إلى خيبر، وهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب ~~ولحق سائرهم بأريحا من # PageV19P406 # أرض الشام أرض ms5040 المحشر، ولحق بعضهم بالحيرة، لوح إلى فتح خيبر وحشرهم منها ~~حشرا ثانيا بقوله معللا أو موقتا: {لأول} أي لأجل أول أو عند أول {الحشر} ~~وفي ذلك إشارة إلى أن كل بلد حشروا إليه سيفتح، ويزلزلون منه زلزلة أخرى، ~~لا تزال مصائبهم بأهل الإسلام قائمة حتى يكون الحشر الأعظم بالقيامة، ~~والحشر: الجمع من مكان والسوق إلى غيره بكره، وسمي أولا لأنهم أول من أجلي ~~من اليهود من جزيرة العرب، والحشر الثاني لهم من خيبر على زمن عمر رضي الله ~~عنه، وعند ابن إسحاق أن إجلاءهم في مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد ~~وفتح قريظة في مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان، قال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «اخرجوا قالوا: إلى أين، قال: إلى أرض المحشر» ، وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: من شك أن المحشر بأرض الشام فليقرأ هذه الآية. انتهى، وهذا ~~الحشر يدل على المحشر الأعظم وبينه على قوله صلى الله عليه وسلم: # «بعثت أنا والساعة كهاتين» . # PageV19P407 # ولما كان قد أخبر أن حشرهم لم يكن بسبب غير محض قدرته، استأنف شرح ذلك ~~بقوله: {ما ظننتم} أي أيها المؤمنون {أن يخرجوا} أي يوقعوا الخروج من شيء ~~أورثتموه منهم لما كان لكم من الضعف ولهم من القوة لكثرتهم وشدة بأسهم ~~وشكيمتهم وقرب بني قريظة منهم فكانوا بصدد مظاهرتهم، وأهل خيبر أيضا غير ~~بعيدين عنهم وكلهم أهل ملتهم، والمنافقون من أنصارهم وأسرتهم، فخابت ظنونهم ~~في جميع ذلك وفالت أراؤهم وسلط عليهم المؤمنون على قلتهم وضعفهم، وإذا أراد ~~الله نصر عبد استأسد أرنبه وإذا أراد قهر عدو استنوق أسده. # ولما كانت الحصون تمنع إلى إتيان الأمداد قال: {وظنوا أنهم} ودل على قوة ~~ظنهم وثباته بالجملة الاسمية فقال: {مانعتهم حصونهم} أي ثابت لها المنع ~~ولهم الامتناع، قالوا: وفي تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم ~~بحصانتها ومنعها إياهم، وفي جعل ضميرهم اسم (إن) وإسناد الجملة إليه دليل ~~على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عز # PageV19P408 # ومنعة لا مطمع معها في معازتهم، ودل على ms5041 ضعف عقولهم بأن عبر عن جنده ~~باسمه وباسمه الأعظم فقال: {من الله} أي الملك الأعظم الذي لا عز إلا له ~~وأنتم جنده، لا تقاتلون إلا فيه وبه، بأسكم من بأسه، فقد اجتمع الظنان على ~~شيء واحد. ولما كان إسناد ما للمضاف إلى المضاف إليه شائعا في لسان العرب ~~وكثيرا جدا لأنه لا يلتبس على من له إلمام بكلامهم، وبليغا جدا لما له من ~~العظمة، قال: {فآتاهم الله} أي جاءهم الملك الأعظم الذي يحتملون مجيئه بما ~~صور لهم من حقارة أنفسهم التي اضطرتهم إلى الجلاء {من حيث لم يحتسبوا} أي ~~من الجهة التي لم يحملوا أنفسهم على حسبها وهي خذلان المنافقين لهم رعبا ~~كرعبهم واستضعافا كاستضعاف أنفسهم عن مقاومة جند الله بعد أن كان الشيطان ~~زين لهم غير ذلك، وملأ قلوبهم من الأطماع الفارغة حتى قطعوا بما مناهم ~~وقربه لهم وأغواهم. # ولما كان التقدير: فأوهنهم الله بذلك، عطف عليه قوله: {وقذف} أي أنزل ~~إنزالا كأنه قذفه بحجارة، فثبت وارتكز {في قلوبهم الرعب} # PageV19P409 # أي الخوف الذي سكنها فرضها وملأها وعبر منها إلى جميع قواهم فاجتثها من ~~أصلها، ثم بين حالهم عند ذلك أو فسر قذف الرعب بقوله: {يخربون بيوتهم} أي ~~يبالغون - على قراءة أبي عمرو بالتشديد - في إخرابها، أي إفسادها، فإن ~~الخربة الفساد، وقراءة غيره يفهم الفعل المطلق الذي لا ينافي المقيد ~~{بأيديهم} ضعفا منهم - بما أشار إليه جمع القلة، ويأسا من قوتهم ليأخذوا ما ~~استحسنوا من آلاتها، فكان الرجل منهم لما تحملوا للرحيل يهدم بيته عن نجاف ~~بابه وما استحسن من خشبه فيضعه على ظهر بعيره فيأخذه وينقب الجدار ويهدم ~~السقف حسدا للمسلمين أن يسكنوها بعدهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم ~~أن يخلوا له عن البلد ولهم ما حملت إبلهم. # ولما كان السبب في تخريب الصحابة رضي الله عنهم لبيوتهم ما أحرقوهم به من ~~المكر والغدر كانوا كأنهم أمروهم بذلك، فنابوا عنهم فيه، فقال أيضا بجمع ~~القلة للدلالة على أن الفعل له سبحانه وحده: {وأيدي المؤمنين} أي الراسخين ~~في ms5042 الإيمان استيلاء وغلبة عليهم وقد كان المؤمنون يخربون ما ضيق عليهم ~~المجال منها لأجل القتال، وقدم # PageV19P410 # تخريبهم لأنه أعجب. # ولما كان في غاية الغرابة أن يفعل الإنسان في نفسه كما يفعل فيه عدوه، ~~سبب عن ذلك قوله: {فاعتبروا} أي احملوا أنفسكم بالإمعان في التأمل في عظيم ~~قدرة الله تعالى على أن تعبروا من ظواهر العلم في هذه القضية بما دبر الله ~~في إخراجهم إلى بواطن الحكمة بأن لا تعدوا لكم ناصرا نم الخلق ولا تعتمدوا ~~على غير الله، فإن الاعتبار - كما قال القشيري - أحد قوانين الشرع، ومن لم ~~يعتبر بغيره اعتبر به غيره - انتهى. وقد احتج بالآية مثبتو القياس فإنه ~~مجاوزة من الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار، وهو مأمور به في هذه الآية ~~فهو واجب. # ولما كان الاعتبار عظيم النفع، لا يحصل إلا للكمل، زاده تعظيما بقوله ~~تعالى: {يا أولي الأبصار *} بالنظر بأبصاركم وبصائركم في غريب هذا الصنع ~~لتحققوا به ما وعدكم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من إظهار دينه ~~وإعزاز نبيه ولا تعتمدوا على غير الله كما اعتمد هؤلاء على المنافقين، فإن ~~من اعتمد على مخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره ومذلته، ولا تلموا بغدر كما أرادوا ~~أن يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحوا عليه وهو قاعد بفناء دار ~~من دورهم رحى من السطح ليقتلوه بها - زعموا، ولا تفعلوا شيئا من قبيح ~~أفعالهم لئلا يحصل لكم مثل # PageV19P411 # نكالهم كما أحكمه قوله صلى الله عليه وسلم «لتتبعن سنن من كان قبلكم» ~~الحديث، وذلك الغدر منهم بعد أن حرضوا قريشا على غزوة أحد ودلوهم على بعض ~~العورات، وقال البغوي: إن كعب بن الأشرف أتى قريشا بعد أحد في أربعين راكبا ~~فحالفهم على النبي صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام عليه يخبره ~~بذلك، وقال: إنه لما قصدهم عليه السلام أرسلوا إليه أن يخرج في ثلاثين ~~ويخرج منهم ثلاثون ليسمعوا منه، فإن آمنوا به آمن الكل، فأجابهم فأرسلوا أن ~~الجمع كثير فاخرج في ثلاثة ليخرج ثلاثة منا، فأرسلت ms5043 امرأة منهم إلى أخيها ~~وكان مسلما أنهم اشتملوا على الخناجر يريدون الفتك برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكف صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكل ما ذكر من أسباب قصتهم كما ~~ترى دائر على المكر بل هو عين المكر. # PageV19P412 # ولما دل هذا على غاية الوهن منهم فكان موضع التعجب من الكف عن قتلهم، بين ~~أن السبب في ذلك أمره الباهر وعزه القاهر حثا على ما ختم به الآية السابقة ~~من الاعتبار والتدبر والاستبصار فقال: {ولولا أن كتب الله} أي فرض فرضا ~~حتما الملك الذي له # PageV19P412 # الأمر كله، ودل على أنه كتب إذلالا وإخزاء بقوله: {عليهم} أي بخصوصهم ~~فيما كتب على بني إسرائيل في الأزل كما كتب على بني قينقاع {الجلاء} أي ~~الخروج من ديارهم والجولان في الأرض، فأما معظمهم فأجلاهم بخت نصر من بلاد ~~الشام إلى العراق، وأما هؤلاء فحماهم الله بمهاجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من ذلك الجلاء وجعله على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلاهم ~~فذهب بعضهم إلى خيبر وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة {لعذبهم في الدنيا} أي ~~بالسيف كما سيفعل بأحوالهم من بني قريظة الذين كتب عليهم العذاب دون الجلاء ~~من قتل المقاتلة وسبي الذرية، فإنه تعالى قد قضى قضاء حتما أنه يطهر ~~المدينة بلد الوحي منهم. # ولما كان التقدير: ولكنه كتب عليهم ذلك فهو عذابهم الآن في الدنيا لا ~~محالة وإن اجتمع أهل الأرض على نصرهم، عطف عليه قوله على طريق التهكم ~~بالتعبير بأداة النفع: {ولهم} أي على كل حال أجلوا أو تركوا {في الآخرة} ~~التي هي دار البقاء {عذاب النار *} وهو العذاب الأكبر. # ولما أخبر بما نالهم في الدنيا وينالهم في الآخرة، علله بقوله: {ذلك} أي ~~الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته # PageV19P413 # في الدنيا ويفعله بهم في الآخرة {بأنهم} ولما كانوا قد ضموا فى هذه ~~القضية إلى ما كانوا عليه من الكفر الظاهر كفرا باطنا بما أرادوا من إلقاء ~~الرحى وغيره من الأذى مكرا منهم، أدغم في ms5044 قوله: {شاقوا الله} أي الملك ~~الأعلى الذي له الإحاطة التامة، فكانوا في شق غير شقه بأن صاروا في شق ~~الأعداء المحاربين بعد ما كانوا في شق الموادعين. # ولما جارى رسول الله صلى الله عليه وسلم إخفاءهم لما أرادوا أن يفعلوا به ~~بالإخفاء لخلاصه منهم بأن رجع إلى المدينة الشريفة وترك أصحابه رضي الله ~~عنهم عندهم قال: {ورسوله} الذي إجلاله من إجلاله. ولما أخبر بفعله وبسببه، ~~عطف عليه تأكيدا لمضمونه وإفاده لأنه يفعل في غيرهم ممن كان على أمرهم أعظم ~~من فعلهم فقال: {ومن يشاق الله} أي يوقع في الباطن مشاققة الملك الأعلى ~~الذي لا كفوء له في الحال أو الماضي أو الاستقبال سواء أبطن معها مشاققة ~~أخرى أو لا، وترك الإدغام على حاله لأنهم ما أظهروا معاداة وإنما كان ما ~~فعلوا مكرا ومساترة، وذلك أخف من المجاهرة، وأظهر في الأنفال لقوة أمر ~~المجاهرين كما مضى، ولم يعد ذكر الرسول تفخيما له بإفهام أن مشاققته مشاققة ~~لله من غير مثنوية أصلا، وإشارة إلى أنهم بالغوا في إخفاء مشاققتهم، فلم ~~يظهر عليها غير الله، فلم يحصل منهم في ذلك مفاعلة بينهم وبين الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فإنه لم يمكر بهم، وإنما جاهرهم حين أعلمه الله بمكرهم ~~بخلاف ما تقدم في الأنفال، # PageV19P414 # فإن المقام اقتضى هناك الذكر لأنهم مكروا به كما قال تعالى # {وإذ يمكر بك الذين كفروا} [الأنفال: 30] الآية وهو صلى الله عليه وسلم ~~أخفى أمر هجرته وأعمل الحيلة في الخلاص من مكرهم على حسب ما أمره الله به ~~فحصلت المفاعلة في تحيز كل من الفريقين إلى شق غير شق الآخرة خفية {فإن ~~الله} أي المحيط بجميع العظمة يشدد عقابه له لأنه {شديد العقاب *} وذلك كما ~~فعل ببني قريظة بعد هذا حيث نقضوا عهدهم وأظهروا المشاققة في غزوة الأحزاب ~~وكما فعل أهل خيبر، وكانوا يماكرون ويساترون في الأولى عند فتحها وفي ~~الثانية عند إجلائهم منها، فقد سوى بين المساترين والمجاهرين في العذاب وهو ~~للمجاهرين أشد عذابا كما هو واضح. # ولما دل ms5045 سبحانه على عزته وحكمته بما فعل ببني النضير الذين يقولون # PageV19P415 # إنهم أشجع الناس وأشدهم شكيمة بما لهم من الأصالة والاصطفاء على ~~العالمين، مع التأييد بالكتاب والحكمة، وختم بأن من شاق رسوله فقد شاقه، ~~ومن شاقه فقد شدد عقابه، أتبعه بيان ما عاقبهم به من قطع الصحابة رضي الله ~~عنهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لنخلهم الذي هو أعز عليهم من أبكارهم ~~وهم ينظرون إليه لا يغنون شيئا ولا منعة لديهم فقال: {ما} وهي شرطية ~~وأتبعها بشرطها الناصب لها فقال: {قطعتم} أي كل ما قطعتموه، وبين ما في ~~«ما» من الإبهام بقوله معبرا عن النخل، بما يفيد نوعه وأنه هان عليهم القطع ~~ولان: {من لينة} وهي ضرب من النخل، قال ابن إسحاق: هو ما خالف العجوة من ~~النخل، وقال ابن هشام: اللينة من الألوان، وهي ما لم يكن برنية ولا عجوة من ~~النخل فيما حدثني أبو عبيدة - انتهى. وقال صاحب القاموس اللون: الدقل من ~~النخل، وهي جماعة واحدتها لونه ولينة، قال المهدوي: وروي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أيضا أنها لون من النخل، وقال البغوي: ورواية زاذان عن # PageV19P416 # ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع نخلهم إلا ~~العجوة. وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمر الألوان واحدها لون ~~ولينة، وقال عطية والحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ميمون: اللينة: النخلة، ~~اسمان بمعنى واحد، وجمعها لين وليان، وقال سفيان الثوري: اللينة ما تمرها ~~لون وهو نوع من التمر شديد الصفرة يشف عن نواة فيرى من خارج، قال البغوي: ~~يغيب فيها الضرس، وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم، وكانت النخلة الواحدة ~~ثمنها ثمن وصيف أحب إليهم من وصيف، فلما رأوهم يقطعونها شق عليهم وقالوا ~~للمؤمنين: إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون، دعوا هذه النخلة، فإنما هي لمن ~~غلب عليها، وقال الرازي في اللوامع واختلاف الألوان فيها ظاهر لأنها أول ~~حالها بيضاء كصدف مليء درا منضدا، ثم غبراء ثم خضراء كأنها قطع زبرجد خلق ~~فيها الماء ms5046 ثم حمراء كأنها ياقوت رص بعضه ببعض ثم صفراء كأنها شذو عقيان، ~~ولذلك إذا بلغ الإرطاب نصفها سميت مجزعة لاختلاف ألوانها الجزع الظفاري. # ولما كان ما فسر بمؤنث هو اللينة، أعاد الضمير مؤنثا فقال: # PageV19P417 # {أو تركتموها} ولما كان الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة قال: ~~{قائمة} ولما كان المراد نخيلا كثيرة لإرادة الجنس قال: {على أصولها} بجمع ~~الكثرة {فبإذن الله} أي فقطعها بتمكين الملك الأعظم ورضاه، قال القشيري: ~~وفي هذا دليل على أن الشريعة غير معللة وإذا جاء الأمر الشرعي بطل طلب ~~التعليل وسكتت الألسنة عن التقاضي ب «لم» وحضور الاعتراض والاستقباح بالبال ~~خروج عن حد العرفان. # ولما فطم عن طلب العلل خطابا للكمل، طيب قلوب من دونهم بعلة معطوفة على ~~ما تقديره: فليس ذلك بفساد ولكنه صلاح أذن لكم فيه ليشفي به صدور المؤمنين ~~ويذهب غيظ قلوبهم، فقال واضعا موضع ضميرهم ظاهرا يدل على ما أوجب خزيهم: ~~{وليخزي الفاسقين *} الذين هم أصلاء في المروق من دائرة الحق بأن يذلهم ~~ويفضحهم ببيان كذبهم في دعواهم العز والشجاعة والتأييد من الله لأنهم على ~~الدين الحق وأنه لا يتطرق إليه نسخ، وروى أبو يعلى عن جابر رضي الله عنه ~~أنه قال: رخص لهم في قطع النخل ثم شدد عليهم فأتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: يا رسول الله! علينا إثم فيما قطعنا أو علينا فيما تركنا، ~~فأنزل الله الآية - انتهى وكان ناس من المؤمنين مالوا إلى # PageV19P418 # الكف عن القطع لما سموه اليهود فسادا وطائفة أشاروا بالاستمرار على القطع ~~لأنه يغيظهم، فصوب سبحانه في الآية من أمر بالكف وحلل من أشاروا بالاستمرار ~~بالقطع من الإثم، فدلت الآية على جواز إفساد أموال أهل الحرب على أي حال ~~كان مثمرا كان أو لا بالتحريق والتغريق والهدم وغيره لإخزائهم بذلك. # PageV19P419 # ولما كانت الغنائم التي تقسم بين الجيش إنما هي ما قاتلوا عليه، وأما ما ~~أتى منها بغير قتال فهو فيء يأخذه الإمام فيقسمه خمسة أخماس، ثم يقسم خمسا ~~منها خمسة أقسام، أحدها وهو كان للنبي ms5047 صلى الله عليه وسلم يكون بعده لمصالح ~~المسلمين، والأقسام الأربعة الأخرى من هذا الخمس لمن ذكر في الآية بعدها، ~~والأربعة الأخماس الكائنة من أصل القسمة وهي التي كانت لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأنها حصلت بكفايته وإرعابه للعدو، تفرق بين المرتزقة من جميع ~~النواحي، فكانت الأموال كلها لله إنعاما على من يعبده بما شرعه على ألسنه ~~رسله عليهم الصلاة والسلام، كانت أموال الكفار في أيديهم غصبا غصبوه # PageV19P419 # من أوليائه، فخص سبحانه رسول صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير يضعها ~~حيث يشاء لأنها فيء فقال: {وما أفاء الله} أي رد الملك الذي له الأمر كله ~~ردا سهلا بعد أن كان فيما يظهر في غاية العسر والصعوبة {على رسوله} فصيره ~~في يده بعد أن كان خروجه عنها بوضع أيدي الكفار عليه ظلما وعدوانا كما دل ~~عليه التعبير بالفيء الذي هو عود الظل إلى الناحية التي كان ابتدأ منها ~~{منهم} أي ردا مبتدئا من الفاسقين، فبين أن هذا فيء لا غنيمة، ويدخل في ~~الفيء أموال من مات منهم عن غير وارث وكذا الجزية، وأما الغنيمة فهي ما كان ~~بقتال وإيجاف خيل وركاب. # ولما كان الحرب إنما هو كر وفر في إسراع وخفة ورشاقة بمخاتلة الفرسان ~~ومراوغة الشجعان ومغاورة أهل الضرب والطعان، قال معللا لكونه فيئا: {فما ~~أوجفتم} أي أسرعتم، وقال ابن إسحاق: حركتم واتبعتم في السير - انتهى، وذلك ~~الإيجاف للغلبة {عليه} وأعرق في النفي بالجار فقال: {من خيل} وأكد بإعادة ~~النافي لظن من ظن أنه غنيمة لإحاطتهم بهم فقال: {ولا ركاب} أي إبل، غلب ذلك ~~عليها نم بين المركوبات، ولا قطعتم من أجله مسافة، فلم تحصل لكم كبير مشقة ~~في حوز أموالهم لأن قريتهم كانت في حكم المدينة الشريفة ليس بينها # PageV19P420 # وبين ما يلي منها مسافة بل هي ملاصقة لإحدى قرى الأنصار التي المدينة اسم ~~لها كلها، وهي قرية بني عمرو بن عوف في قباء بينهما وبين القرية التي كان ~~رسول الله نازلا بها نحو ميلين، فمشى الكل مشيا ولم يركب ms5048 إلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولم يقاتلوا بها قتالا بعد، فلذلك جعلها الله فيئا ولم ~~يجعلها غنيمة، فهي تقسم قسمة الفيء، لا قسمة الغنيمة، فخمسها لأهل خمس ~~الغنيمة وهم الأصناف الخمسة المذكورون في الآية التي بعدها، وما فضل فهو ~~الأربعة الأخماس له صلى الله عليه وسلم مضمومة إلى ما حازه من خمس الخمس. # ولما كان معنى هذا: فما كان التسليط بكم، استدرك بقوله: {ولكن الله} أي ~~الذي له العز كله فلا كفوء له {يسلط رسله} أي له هذه السنة في كل زمن {على ~~من يشاء} بجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعبا في قلوب أعدائه، فهو الذي ~~سلط رسوله صلى الله عليه وسلم على هؤلاء بأن ألقى في روعه الشريف أن يذهب ~~إليهم فيسألهم الإعانة في دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري ~~رضي الله عنه خطأ، فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب بيت من ~~بيوتهم، وكانوا موادعين له صلى الله عليه وسلم نقضوا عهدهم خفية مكرا منهم ~~بعد أن رحبوا به ووعدوه الإعانة وأمروا أحدهم أن يرمي عليه من # PageV19P421 # فوق السطح صخرة لتقتله، فأعلمه الله بهذا فذهب وترك أصحابه هناك حتى ~~لحقوا به، وهذا بعد ما كان حيي فعل من قدومه مكة وندبه لقريش إلى حرب النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومعاقدته لهم على أن يكون معهم عليه عليه الصلاة ~~والسلام، وإعلام الله بذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم بعد ~~ما أصبح أنكم قد خنتم الله ورسوله، فأردتم أن تفعلوا كذا، وأن الأرض لله ~~ورسوله، فاخرجوا منها وقد أجلتكم عشرا، فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون ودس ~~إليهم ابن أبي ومن معه من المنافقين أنهم معهم في الشدة والرخاء لا ~~يسلمونهم، وقال ابن أبي: معي ألفان من قومي وغيرهم نم العرب يدخلون حصنكم ~~فيموتون من عند آخرهم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان فطمع حيي بن أخطب في ~~ذلك فأرسل إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك، فقصدهم رسول ms5049 الله صلى ~~الله عليه وسلم في المؤمنين يحمل رايته علي بن أبي طالب رضي الله عنه فصلى ~~العصر بفنائهم بعد أن استعمل على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأقام ~~عليهم ست ليال وهم متحصنون، فقطع من نخلهم وحرق فنادوه أن قد كنت تنهى عن ~~الفساد وتعيبه على من صنعه فما بالك تقطع النخل، وتربصوا نصر ابن أبي ومن ~~معه على # PageV19P422 # ما قالوا فلم يفوا لهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم فأرسلوا بالإجابة، ~~فقال: لا إلا أن يكون لي سلاحكم وما لم تقدروا على حمله على إبلكم من ~~أموالكم، فتوقفوا ثم أجابوا فحملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل إلا ~~الحلقة، وذهبوا على ستمائة بعير، وأظهروا الحلي والحلل وأبدى نساؤهم زينتهن ~~فلحق بعضهم بخيبر وبعضهم بالشام وخلوا الأموال والحلقة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يسلم منهم إلا رجلان يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب، أسلما ~~على أموالهما فأحرزاها فجعل الله أموال من لم يسلم منهم فيئا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خاصة به يضعها حيث يشاء كما روي ذلك في الصحيح عن عمر ~~رضي الله عنه في قصة مخاصمة علي والعباس رضي الله عنهما، وفيه أنه من ~~خصائصه صلى الله عليه وسلم فإنه قال: إن الله قد خص رسوله صلى الله عليه ~~وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، ثم قرأ {ما أفاء الله على رسوله ~~منهم} إلى قوله تعالى: {قدير} فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى ~~بقي منها هذا المال - يعني الذي وقع خصامهما فيه، فكان ينفق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV19P423 # على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل ما لله، ~~وفي الصحيح أيضا عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر رضي الله عنه قال: كانت ~~أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ما ms5050 لم يوجف ~~المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ~~ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل ~~الله - انتهى، وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموالهم بعد ما تركه ~~لنفسه بين المهاجرين، لم يعط الأنصار منه شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة ~~شديدة: أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة رضي الله ~~عنهم، وكان لسيف ابن أبي الحقيق عندهم ذكر فنفله سعد بن معاذ رضي الله عنه ~~وقال الأصبهاني: إن الفيء كان يقسم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على خمسة وعشرين سهما أربعة أخماسها وهي عشرون سهما لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يفعل بها ما يشاء ويحكم فيها ما أراد، والخمس الباقي على ما يقسم ~~عليه خمس الغنيمة - يعني على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذوي القربى ومن ~~بعدهم، هكذا كان عمله صلى الله عليه وسلم في صفاياه، # PageV19P424 # فلما توفي كانت إلى إمام المسلمين وكذا جميع ما ترك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأنه قال: # «لا نورث، ما تركناه صدقة» . فولي ذلك أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر رضي ~~الله عنه، فكانا يفعلان فيها ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقال ~~الأصبهاني رضي الله عنه أيضا عن مالك بن أوس بن الحدثان رضي الله عنه: قرأ ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] حتى بلغ ~~{عليم حكيم} ثم قال: هذه لهؤلاء ثم قرأ {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه} # [الأنفال: 41] ثم قال هذه لهؤلاء، ثم قرأ {ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى} [الحشر: 7] حتى بلغ {الفقراء المهاجرين والذين تبوءوا الدار ~~والإيمان والذين جاؤوا من بعدهم} [الحشر: 7] ثم قال: استوعبت هذه المسلمين ~~عامة فليس أحد إلا له فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي نصيبه منه لم ~~يعرف جبينه فيه - انتهى. # وقال ابن ms5051 عطية: ما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير ومن فدك فهو ~~خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ~~ويقاتل فيها، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أن هذه الأموال التي هي فيء كبقية ~~الفيء يقسم على خمسة أسهم: خمس منها للأصناف المذكورة أولها النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأربعة أخماسها له صلى الله عليه وسلم وحده، وأجاب الشافعي عن ~~قول عمر رضي الله عنه، « # PageV19P425 # فكانت هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة» بأنه عام أريد به الخاص، ~~ومعناه، فكان ما بقي منها في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إعطاء ~~الخمس لأربابه خاصا به صلى الله عليه وسلم، لا يشك أحد في خصوصيته به، ثم ~~إنه مع ذلك ما احتازه دونهم بل كان يفعل ما ذكر في الحديث من الإيثار، قال ~~الشافعي رضي الله عنه: لأنا لا نشك أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى ~~الأصناف المذكورين في الآية منها حقهم وقد عهدنا أن حق هؤلاء الأصناف من ~~مال المشركين الخمس كما هو صريح في سورة الأنفال، واستفيد من قول عمر رضي ~~الله عنه «إنها كانت للنبي صلى الله عليه وسلم» أنه كان له ما كان يشترك ~~فيه المسلمون من الخمس من الغنيمة التي حصلت بما حصل للكفار من الرعب منهم، ~~والذي كان يشترك فيه المسلمون بعد الخمس هو أربعة الأخماس والنبي صلى الله ~~عليه وسلم قام مقام المسلمين فيه إذ هم لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، ~~وإنما حصل ذلك بالرعب الذي ألقاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في قلوب ~~المشركين، فكانت الأربعة الأخماس تختص ممن كان السبب في حصول الجميع كما في ~~الغنيمة، فعلى هذا الفيء الغنيمة لا يختلفان في أن الأربعة الأخماس تختص ~~لمن كان السبب # PageV19P426 # في حصول الجميع وأن خمس المالين يكون للأصناف المذكورة، والذي كان له صلى ~~الله عليه وسلم من الفيء من الأربعة الأخماس يكون بعد موته صلى الله عليه ~~وسلم للمقاتلة لأنه ms5052 حصل بالرعب الحاصل للكفار منهم كأربعة أخماس الغنيمة ~~التي حصلت بقتالهم. # ولما كانت قدرته سبحانه عامة بالتسليط وغيره، أظهر ولم يضمر فقال: ~~{والله} أي الملك الذي له الكمال كله {على كل شيء} أي أي شيء يصح أن تتعلق ~~المشيئة به وهو كل ممكن من التسليط وغيره {قدير *} أي بالغ القدرة إلى أقصى ~~الغايات، والآية تدل على أن إيجاف الخيل والركاب وقصد العدو إلى الأماكن ~~الشاسعة له وقع كبير في النفوس ورعب عظيم. # PageV19P427 # ولما نزع سبحانه أموالهم من أيدي الجيش، بين مصرف غيرها مما كان مثلها ~~بأن فتح له صلى الله عليه وسلم بغير قتال فقال مستأنفا جوابا لمن كأنه قال: ~~هل يعم هذا الحكم كل فيء يكون بعد بني النضير: {ما أفاء الله} أي الذي اختص ~~بالعزة والحكمة والقدرة {على رسوله} ولما كان سبحانه محيط العلم بأنه يسلط ~~على أهل وادي القرى وغيرهم # PageV19P427 # أعظم من هذا التسليط، قال ليكون علما من أعلام النبوة: {من أهل القرى} أي ~~قرية بني النضير وغيرها من وادي القرى والصفراء وينبع وما هنالك من قرى ~~العرب التي تسمى قرى عربية {فالله} أي الملك الأعلى الذي الأمر كله بيده ~~{وللرسول} لأنه أعظم خلقه، فرتبته تلي رتبته، وهذان يتراءى أنهما قسمان ~~وليس كذلك، هما قسم واحد، ولكنه ذكر سبحانه نفسه المقدس تبركا، فإن كل أمر ~~لا يبدأ به فهو أجذم، وتعظيما لرسوله صلى الله عليه وسلم إعلاما بأنه لا ~~هوى له أصلا في شيء من الدنيا، وإنما رضاه رضا مولاه، خلقه القرآن الذي هو ~~صفة الله فهو مظهره ومجلاه، وسهمه صلى الله عليه وسلم يصرف بعده لمصالح ~~المسلمين كالسلاح والثغور والعلماء والقضاة والأئمة. # ولما أبان هذا الكلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل والعظمة ما ~~لا يدخل تحت الوصف، أتبعه تعظيما آخر بتعظيم أقاربه لأجله، ولذلك أعاد ~~العامل فقال: {ولذي القربى} أي منه لأن رتبتهم من بعد رتبته وهم بنو هاشم ~~وبنو المطلب رهط إمامنا الشافعي رضي الله عنه سواء فيه غنيهم وفقيرهم، لأن ~~أخذهم ms5053 لذلك بالقرابة لا بالحاجة كما هو مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه. ~~ولما ذكر أهل الشرف، أتبعه أهل الضعف جبرا لوهنهم فقال مقدما أضعفهم: ~~{واليتامى} # PageV19P428 # أي الذين هم أحق الناس بالعطف لأن مبنى الدين على التخلق بأخلاق الله ~~التي من أجلها تقوية الضعيف وجبر الكسير {والمساكين} فإنهم في الضعف على ~~أثرهم ودخل فيهم الفقراء فإنه إذا انفرد لفظ الفقير أو المساكين دخل كل ~~منهما في الآخر، وإنما يفرق إذا جمع بينهما، وكذا الفيء والغنيمة إذا أفردا ~~جاز أن يدخل كل في الآخر، وإذا جمعا فالفيء ما حصل بغير قتال وإيجاف خيل ~~وركاب، والغنيمة ما حصل بذلك {وابن السبيل} وهم الغرباء لانقطاعهم عن ~~أوطانهم وعشائرهم، وقسمة الفيء على هذه الأصناف كما مضى أن يقسم خمسة ~~أقسام: خمس منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذكر معه من المخلوقين ~~وذكر الله فيهم للتبرك، لأن الأصناف المذكورة هي التي يعبر عنها باسمه ~~سبحانه، والأربعة الأخماس خاصة له صلى الله عليه وسلم ينفق منها نفقة سنة ~~وما فضل عنه أنفقه في مصالح المسلمين السلاح والكراع ونحوه، وما كان له صلى ~~الله عليه وسلم في حياته فهو للمصالح بعد وفاته، كما كان يفعل بعد ما يفضل ~~عن حاجته، قال الشافعي رضي الله عنه في الأم: وما أخذ من مشرك # PageV19P429 # بوجه من الوجوه غير ضيافة من مر بهم من المسلمين فهو على وجهين لا يخرج ~~منهما، كلاهما مبين في كتاب الله تعالى وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وفي فعله فأحدهما الغنيمة، قال الله تعالى في سورة الأنفال: # {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} [الأنفال: 41] والوجه ~~الثاني الفيء، وهو مقسوم في كتاب الله في سورة الحشر، قال الله تبارك ~~وتعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم} - إلى قوله - {رؤف رحيم} فهذان ~~المالان اللذان خولهما الله من جعلهما له من أهل دينه، وهذه أموال يقوم بها ~~الولاة لا يسعهم تركها. فالغنيمة والفيء تجتمعان في أن فيهما معا الخمس من ~~جميعهما لمن سماه ms5054 الله تعالى، ومن سماه الله تعالى في الآيتين معا سواء ~~مجتمعين غير مفترقين، ثم يفترق الحكم في الأربعة الأخماس بما بين الله عز ~~وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وفي فعله فإنه قسم أربعة أخماس ~~الغنيمة، والغنيمة هي الموجف عليها بالخيل والركاب لمن حضر من غني وفقير، ~~والفيء وهو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت سنة النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قرى عرينة التي أفاءها الله عليها أن أربعة أخماسها لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV19P430 # خاصة دون المسلمين يضعه رسوله الله صلى الله عليه وسلم حيث أراه الله عز ~~وجل، ثم ذكر حديث عمر رضي الله عنه من رواية مالك بن أوس بن الحدثان رضي ~~الله عنه في خصام علي والعباس رضي الله عنهما، قال الشافعي: فأموال بني ~~النضير التي أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم التي ذكر عمر رضي الله ~~عنه فيها ما بقي منها في يد النبي صلى الله عليه وسلم بعد الخمس وبعد أشياء ~~فرقها النبي صلى الله عليه وسلم منها بين رجال من المهاجرين لم يعط منها ~~أنصاريا إلا رجلين ذكرا فقرا وهذا مبين في موضعه، وفي هذا الحديث دلالة على ~~أن عمر رضي الله عنه إنما حكى أن أبا بكر رضي الله عنه وهو أمضيا ما بقي من ~~هذه الأموال التي كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه ما رأيا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به فيها، وأنهما لم يكن لهما مما لم ~~يوجف عليه المسلمون من الفيء ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهما ~~إنما كانا فيه أسوة للمسلمين، وذلك سيرتهما وسيرة من بعدهما، والأمر الذي ~~لم يختلف فيه أحد من أهل العلم عندنا علمته ولم يزل يحفظ من # PageV19P431 # قولهم أنه ليس لأحد ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من صفي الغنيمة ~~ولا من أربعة أخماس ما لم يوجف عليه منها، وقد مضى من كان ينفق عليه ms5055 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه وغيرهن إن كان معهن، فلم أعلم أحدا من ~~أهل العلم قال لورثتهم تلك النفقة التي كانت لهم، ولا خلاف أن تجعل تلك ~~النفقات حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل فضول غلات تلك الأموال فيما ~~فيه صلاح الإسلام وأهله، قال الشافعي: والجزية من الفيء وسبيلها سبيل جميع ~~ما أخذه مما أوجف من مال مشرك أن يخمس فيكون لمن سمى الله عز وجل الخمس ~~وأربعة أخماسه على ما سأبينه إن شاء الله تعالى، وكذلك كل ما أخذ من مشرك ~~من مال غير إيجاف، وذلك مثل ما أخذ منه إذا اختلف في بلاد المسلمين ومثل ما ~~أخذ منه إذا مات ولا وارث له، وغير ذلك ما أخذ من ماله، وقد كان في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيء من غير قرى عرينة، وذلك مثل جزية أهل البحرين ~~وهجر وغير ذلك فكان له أربعة أخماسها يمضيها حيث أراد الله عز وجل وأوفى ~~خمسه من جعله الله له - انتهى. # ولما حكم سبحانه هذا الحكم في الفيء المخالف لما كانوا عليه في # PageV19P432 # الجاهلية من اختصاص الأغنياء به، بين علته المظهرة لعظمته سبحانه وحسن ~~تدبيره ورحمته فقال معلقا بما علق به الجار: {كي لا يكون} أي الفيء الذي ~~سيره الله سبحانه بقوته وما خص به نبيه صلى الله عليه وسلم من قذف الرعب في ~~قلوب أعدائه ومن حقه أن يعطاه الفقراء {دولة} أي شيئا يتناوله أهل الغنى ~~والشرف على وجه القهر والغلبة إثرة جاهلية - هذا على قراءة الجماعة، وقرأ ~~أبو جعفر وهشام عن ابن عامر بالتأنيث من {كان} التامة و {دولة} بالرفع على ~~أنها فاعل {بين الأغنياء منكم} يتداولونه بينهم فإنهم كانوا يقولون: من ~~عزيز، ومنه قال الحسن: اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا - يريد من غلب ~~منهم أخذه واستأثر به، وقيل: الضم اسم للمتداول كالغرفة اسم لما يغترف، ~~والفتح التداول. # ولما كان التقدير: فافعلوا ما أمرتكم من قسمته لمن أمرت به، عطف عليه ~~قوله: ms5056 {وما} أي وكل شيء {آتاكم} أي أحضر إليكم وأمكنكم منه {الرسول} أي ~~الكامل في الرسلية من هذا وغيره {فخذوه} أي فتقبلوه تقبل من حازه {وما ~~نهاكم عنه} من جميع الأشياء {فانتهوا} لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يقول ولا ~~يفعل إلا ما أمره به الله ربه، فمن قبل ذلك هانت عليه الأمور كما ورد ~~(القرآن صعب مستصعب على من تركه ميسر على من طلبه وتبعه) روي أن الآية # PageV19P433 # نزلت في ناس من الأنصار قالوا: لنا من هذه القرى سهمنا. # ولما كان الكف عما ألفته النفوس صعبا، ولا سيما ما كان مع كونه تمتعا ~~بمال على وجه الرئاسة، رهب من المخالفة فيه بقوله: {واتقوا الله} أي اجعلوا ~~لكم بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاية من عذاب الملك الأعظم المحيط ~~علما وقدرة، وعلل ذلك بقوله، معظما له بإعادة الجلالة مؤكدا لأن فعل ~~المخالف فعل المنكر: {إن الله} أي الذي له وحده الجلال والإكرام على ~~الإطلاق {شديد العقاب *} أي العذاب الواقع بعد الذنب، ومن زعم أن شيئا مما ~~في هذه السورة نسخ بشيء مما في سورة الأنفال فقد أخطأ، لأن الأنفال نزلت في ~~بدر وهي قبل هذه بمدة. # PageV19P434 # ولما نزع سبحانه أموال الفيء وما كانت عليه في الجاهلية، وبين مصرف الفيء ~~من القرى، وتهدد في المخالفة في ذلك لصعوبته على النفوس، فكان ذلك جديرا ~~بالتقبل بعد أن أفهم أن أموال بني النضير لمن سلطه عليهم وهو رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، وكان من المعلوم من حاله صلى الله عليه وسلم الإيثار على ~~نفسه والقناعة بما دون الكفاف، بين المصرف فيها بعد كفايته صلى الله عليه ~~وسلم لأن بيان ذلك هو المقصود الأعظم لكونه حاصلا حاضرا، الموطأ له بأموال ~~أهل القرى، فقال مبدلا من {لله # PageV19P434 # وللرسول} وما عطف عليهما لأن من أعطى المهاجرين لهجرتهم وتجردهم من ~~أموالهم وديارهم فإنما أعطاهم لوجه الله ووجه رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~ولا يكون بدلا من {ذي القربى} لئلا يختص بفقيرهم، أو يكون جوابا لمن كأنه ms5057 ~~قال: قد سمعنا وأطعنا فلمن يكون ما سلط الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من ~~أموالهم؟ فقيل له: {للفقراء} أي الذي كان الإنسان منهم يعصب الحجر على بطنه ~~من الجوع ويتخذ الحفرة في الشتاء لتقيه البرد، ما له دثار غيرها بعد أن كان ~~له من الأموال ما يسعه ويفضل منه ما يصل به غيره، وإنما وصفهم بالفقر لأنهم ~~كانوا عند نزولها كذلك، ثم خصص بالوصف فقال: {المهاجرين} ولما كانت الهجرة ~~قد تطلق على من هجر أهل الكفر من غير مفارقة الوطن فقال: {الذين أخرجوا} ~~وبناه للمفعول لأن المنكئ الإخراج، لا كونه من مخرج معين {من ديارهم} ولما ~~كان الإخراج هنا مضمنا معنى المنع، واختبر التعبير به إشارة إلى أن المال ~~السترة للإنسان لأنه ظرف له، قال: {وأموالهم} . # PageV19P435 # ولما كان غلب الدنيا من النقائص، بين أنه إذا كان من الله لم يكن كذلك، ~~وأنه لا يكون قادحا في الإخلاص، وأن أمر بني النضير إنما يسر تحقيقا ~~لرجائهم فقال: {يبتغون} أي أخرجوا حال كونهم يطلبون على وجه الاجتهاد. وبين ~~أنه لا يجب عليه شيء لأحد بقوله تعالى: {فضلا من الله} أي الملك الأعظم ~~الذي لا كفوء له لأنه المختص بجميع صفات الكمال من الدنيا والدين والآخرة ~~فيغنيهم بفضله عمن سواه {ورضوانا} يوفقهم لما يرضيه عنهم ولا يجعل رغبتهم ~~في العوض منه قادحا في الإخلاص فيوصلهم إلى دار كرامته. # ولما وصفهم بتعليق بواطنهم به سبحانه وقطعها بالرضا بالإخراج عمن أو عما ~~سواه، وصفهم ببذل ظواهرهم له فقال: {وينصرون} أي على سبيل التجديد في كل ~~وقت والاستمرار {الله} أي الملك الأعظم المجيد {ورسوله} الذي عظمته من ~~عظمته بأنفسهم وأموالهم ليضمحل حزب الشيطان. ولما بان ما له بهم سبحانه من ~~العناية ترقب السامع من مدحهم ما يليق بهذا الإحبار. # فقال مستأنفا ما هو كالعلة لتخصيصهم: {أولئك} أي العالو الرتبة في ~~الأخلاق الفاضلة {هم} # PageV19P436 # أي خاصة لا غيرهم {الصادقون} العريقون في هذا الوصف لأن مهاجرتهم لما ذكر ~~وتركهم لما وصف دل على كمال صدقهم فيما ادعوه ms5058 من الإيمان بالله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم حيث نابذوا من عاداهما وهو القريب الصافي نسبا ودارا وأولوا ~~أولياءهما من كانوا وإن بعدت دارهم وشط مزارهم، وهذا يدل على أن مبنى الدين ~~على إقامة البينات بالثبات عن الابتلاءات على أن العون قد يأتي على قدر ~~البلاء لأن الله تعالى قد خص المهاجرين مما أذن فيه من أموال بني النضير. # ولما مدح المهاجرين وأعطاهم فطابت نفوس الأنصار بذلك وكانوا في كل حال ~~معه صلى الله عليه وسلم كالميت بين يدي الغاسل، مهما شاء فعل، ومهما أراد ~~منهم صار إليه ووصل، أتبعه مدحهم جبرا لهم وشكرا لصنيعهم فقال عاطفا على ~~مجموع القصة: {والذين تبوؤ} أي جعلوا بغاية جهدهم {الدار} الكاملة في الدور ~~وهي التي أعدها الله في الأزل للهجرة وهيأها للنصرة وجعلها دائرة على جميع ~~البلدان محيطة بها غالبة عليها محل إقامتهم وملابستهم وصحبتهم وملازمتهم ~~لكونها أهلا لأن يعود إليها من خرج منها فلا يهجرها أصلا، فهي محل مناه ~~وليست # PageV19P437 # موضعا يهاجر منه لبركتها أو خيرها. # ولما كان المراد الإبلاغ في مدحهم، قال مضمنا «تبوؤا» معنى لازم: ~~{والإيمان} أي ولابسوه وصحبوه وخصوه بالصحبة ولزموه لزوما هو كلزوم المنزل ~~الذي لا غنى لنازله عنه، ويجوز أن يكون الإيمان وصفا للدار بإعادة العاطف ~~للإشارة إلى التمكن في كل من الوصفين فيكون كأنه قيل: تبوؤا المدينة التي ~~هي الدار وهي الإيمان لأنها محل تمكن الإيمان وانتشاره وظهوره في سائر ~~البلدان فلشدة ملابستها له سميت به، ويجوز أن يكون المعنى: ومحل الإيمان ~~إشارة إلى أنهم ما أقاموا بها لأجل أن أموالهم بها بل محبة في الإيمان علما ~~منهم بأنه لا يتم بدره، ويكمل شرفه وقدره، وتنشر أعلامه ويقوى ذكره إلا ~~بها، ولولا ذلك لهجروها وهاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أي مكان ~~حله، فهو مدح لهم بأنه متصفون بالهجرة بالقوة مع اتصافهم بالنصرة بالفعل. # ولما كان انفرادهم بإقامة الإيمان في الدار المذكورة قبل قدوم المهاجرين ~~عليهم مدحا تاما، قال مادحا لهم بذلك دالا بإثبات ms5059 الجار على أنهم لم ~~يستغرقوا زمان القبل من حين إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم # PageV19P438 # بالأمرين: {من قبلهم} أي قبل هجرة المهاجرين لأن وصفهم بالهجرة لم يكن ~~إلا بعد إيجادها فالأنصار جمعوا التمكن في الإيمان إلى التمكن في الدار من ~~قبل أن يجمع المهاجرون بينهما بالهجرة. # ولما ابتدأ ذكرهم هذا الابتداء الجليل، أخبر عنهم بقوله: {يحبون} أي على ~~سبيل التجديد والاستمرار، وقيل العطف على المهاجرين، وهذه حال فيكون هذا ~~حكما بالمشاركة {من هاجر} وزادهم محبة فيهم وعطفا عليهم بقوله: {إليهم} لأن ~~القصد إلى الإنسان يوجب حقه عليه لأنه لولا كمال محبته له ما خصه بالقصد ~~إليه، والدليل الشهودي على ما أخبر الله عنهم به من المحبة أنهم شاطروا ~~المهاجرين في أموالهم وعرضوا عليهم أن يشاطروهم نساءهم على شدة غيرتهم، ~~فأبى المهاجرون المشاطرة في النساء وقبلوا منهم الأموال. # ولما أخبرهم بالمحبة ورغبهم في إدامتها، عطف على هذا الخبر ما هو من ~~ثمراته فقال: {ولا يجدون} أي أصلا {في صدورهم} التي هي مساكن قلوبهم فتصدر ~~منها أوامر القلوب فضلا عن أن تنطق ألسنتهم. ولما كان المراد نفي الطلب ~~منهم لما خص به المهاجري، وكان الحامل على طلب ذلك الحاجة، وكان كل أحد ~~يكره أن ينسب # PageV19P439 # إلى الحاجة وإن أخبر بها عن نفسه في وقت ما لغرض قال: {حاجة} موقعا اسم ~~السبب على المسبب {مما أوتوا} أي المهاجرون من الفيء وغيره من أموال بني ~~النضير وغيرهم من أي مؤت كان فكيف إذا كان المؤتي هو الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم، وإذا لم يجدوا حاجة تدعوهم إلى الطلب فلأن لا يجدوا حسدا ولا ~~غيظا من باب الأولى، فهذه الآية من أعظم حاث على حسن الإخاء محذر من الحسد ~~والاستياء. ولما أخبر عن تخليهم عن الرذائل أتبعه الإخبار بتحليهم بالفضائل ~~فقال: {ويؤثرون} عظم ذلك بقصر الفعل فصار المعنى: يوقعون الأثرة وهي اختيار ~~الأشياء الحسنة لغيرهم تخصيصا لهم بها لا على أحبائهم مثلا بل {على أنفسهم} ~~فيبذلون لغيرهم {كائنا} من كان ما في أيديهم، وذكر ms5060 النفس دليل على أنهم في ~~غاية النزاهة من الرذائل لأن النفس إذا ظهرت كان القلب أطهر، وأكد ذلك ~~بقوله: {ولو كان} أي كونا هو في غاية المكنة {بهم} أي خاصة لا بالمؤثر ~~{خصاصة} أي فقر وخلل في الأحوال وحاجة شديدة تحيط بهم من كل جانب، من خصائص ~~البناء وهي فرجه. # ولما كان التقدير: فمن كان كذلك فهو من الصادقين: عطف عليه قوله: {ومن} ~~ولما كان المقصود النزاهة عن الرذيلة من أي جهة كانت، وكان علاج الرذائل ~~صعبا جدا، لا يطيقه الإنسان # PageV19P440 # إلا بمعونة من الله شديدة، بنى للمفعول قوله: {يوق شح نفسه} أي يحصل بينه ~~وبين أخلاقه الذميمة المشار إليها بالنفس، وقاية تحول بينه وبينها، فلا ~~يكون مانعا لما عنده، حريصا على ما عند غيره حسدا، قال ابن عمر رضي الله ~~عنه: الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له، قال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا ~~الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» ~~. # ولما كان النظر إلى التطهير من سفساف الأخلاق عظيما، سبب عنه إفهاما لأنه ~~لا يحصل ما سببه عنه بدونه قوله {فأولئك} : أي العالو المنزلة {هم} أي خاصة ~~لا غيرهم {المفلحون *} أي الكاملون في الفوز بكل مراد، قال القشيري: وتجرد ~~القلب من الأعراض والأملاك صفة السادة والأكابر، ومن أسرته الأخطار وبقي في ~~شح نفسه فهو في مصارفة معاملته ومطالبة الناس في استيفاء حظه، فليس له من ~~مذاقات هذه الطريقة شيء. # وشرح الآية أن الأنصار كانوا لما قدم عليهم المهاجرون قسموا دورهم ~~وأموالهم بينهم وبينهم، فلما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم أموال ~~بني النضير خطب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ما صنعوا بالمهاجرين من ~~إنزالهم إياهم # PageV19P441 # وأثرتهم على أنفسهم، ثم قال «إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما ~~أفاء الله علي من بني النضير» ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى ~~في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطتيهم وخرجوا من دياركم، فقال السعدان ~~رضي الله عنهما: بل يقسم بين ms5061 المهاجرين خاصة ويكونون في دورنا كما كانوا، ~~وقالت الأنصار: رضينا وسلمنا، وفي رواية أنهم قالوا: اقسم فيها هذه خاصة ~~واقسم لهم من أموالنا ما شئت، فنزلت {ويؤثرون على أنفسهم} - الآية، وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وقال ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه: جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار» ، فوالله ~~ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال العنزي: # جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت # أبوا أن يملونا ولو أنا أمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت # فهم لعمري الحقيقون باسم إخوان الصفاء، وخلان المروءة والوفاء، والكرامة ~~والاصطفاء، ورضي الله عنهم وعن تابعيهم من الكرام الخلفاء والسادة ~~والحنفاء. # PageV19P442 # ولما أثنى الله سبحانه وتعالى على المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم بما ~~هم أهله، التابعين لهم بإحسان ما يوجب لهم الثناء فقال عاطفا على المهاجرين ~~فيقتضي التشريك معهم، أو على أصل القصة من عطف الجمل: {والذين جاؤوا} أي من ~~أي طائفة كانوا، ولما كان المراد المجيء ولو في زمن يسير، أثبت الجار فقال: ~~{من بعدهم} أي بعد المهاجرين والأنصار وهم من آمن بعد انقطاع الهجرة بالفتح ~~وبعد إيمان الأنصار الذين أسلموا بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم ~~القيامة، ثم ذكر الخبر أو الحال على نحو ما مضى في الذي قبله فقال تعالى: ~~{يقولون} أي على سبيل التجديد والاستمرار تصديقا لإيمانهم بدعائهم لمن سنه ~~لهم: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بإيجاد من مهد الدين قبلنا. ولما كان ~~الإنسان وإن اجتهد موضعا للنقصان قال ملقنا لنا: {اغفر} أي أوقع الستر على ~~النقائص أعيانها وآثارها {لنا} ولما بدؤوا بأنفسهم، ثنوا بمن كان السبب في ~~إيمانهم فقالوا: {ولإخواننا} أي في الدين فإنه أعظم أخوة، وبينوا العلة ~~بقولهم: {الذين سبقونا بالإيمان} ولما لقنهم سبحانه حسن الخلافة لمن مهد ~~لهم ما هم فيه، أتبعه تلقين ما يعاشرون به أعضادهم الذين هم # PageV19P443 # معهم على وجه يعم من قبلهم، فقال معلما بأن الأمر كله بيده حثا على ~~الالتجاء إليه من ms5062 أخطار النفس التي هي أعدى الأعداء: {ولا تجعل} وأفهم ~~قوله: {في قلوبنا} أن رذائل النفس قل أن تنفك وأنها إن كانت مع صحة القلب ~~أوشك أن لا تؤثر {غلا} أي ضغنا وحسدا وحقدا وهو حرارة وغليان يوجب الانتقام ~~{للذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان وإن كانوا في أدنى درجاته. # ولما كان هذا دعاء جامعا للخير، لقنهم ما يجيبهم في لزومه والتخلق به مع ~~ما فيه من التملق للإله والتعريض له بقوة الرجاء فقال: {ربنا} أي أيها ~~المحسن إلينا بتعليم ما لمن نكن نعلم، وأكدوا إعلاما بأنهم يعتقدون ما ~~يقولونه وإن ظهر من أفعالهم ما يقدح في اعتقادهم ولو في بعض الأوقات ~~فقالوا: {إنك رؤوف} أي راحم أشد الرحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل من أفعال ~~الخير {رحيم *} مكرم غاية الإكرام لمن أردته ولو لم يكن له وصلة، فأنت جدير ~~بأن تجيبنا لأنا بين أن يكون لنا وصلة فنكون من أهل الرأفة، أو لا فنكون من ~~أهل الرحمة، فقد أفادت هذه الآية أن من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ~~رضي الله عنهم # PageV19P444 # فليس ممن عنى الله بهذه الآية. # PageV19P445 # ولما دل على أن هذا الثناء للصادقين في الإيمان بإقامة السنة بالهجرة ~~والإيثار والاجتهاد في الدعاء لمن تبين الإيمان فسهل به طريق الأمان، فأخرج ~~ذلك المنافقين وأفهم أنهم لا يفعلون ذلك لأنهم لا رسوخ لهم في الإيمان ~~الحامل على ذلك، دل على نفاقهم الموجب لكذبهم بقوله متمما للقصة مخاطبا ~~لأعلى الخلق إشارة إلى أنه لا يطلع على نفاقهم لما لهم فيه من دقة المكر حق ~~الاطلاع غيره صلى الله عليه وسلم معجبا من حالهم في عدم رسوخهم مع ما يرون ~~من المعجزات والآيات البينات ويرون من حال المؤمنين من إسباغ الرحمة عليهم ~~بتسهيل الأمور والنصرة على الجبابرة والإعراض عن الدنيا مع الإقبال على ~~الآخرة والاجتهاد في الدين الذي هو وحده داع إلى الإيمان ومرقق للقلوب ~~ومبين للحقائق غاية البيان: {ألم تر} أي تعلم علما هو في قوة الجزم به ~~كالمشاهد ms5063 يا أعلى الخلق، وبين بعدهم عن جنابه العالي ومنصبه الشريف الغالي ~~بأداة الانتهاء فقال تعالى: # PageV19P445 # {إلى الذين نافقوا} أي أظهروا غير ما أضمروا، أظهروا الخير وبالغوا في ~~إخفاء عقائدهم بالشر مبالغة من ساجل غيره، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه، ~~قالوا: والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبله، وهو استعارة من فعل ~~الضب في نافقائه وقاصعائه، وصور حالهم بقوله: {يقولون لإخوانهم} أي من ~~الموالاة بالضلالة. # ولما جمعهم في الكفر وإن افترقوا في المساترة والمجاهرة، وصف المجاهرين ~~بنوع مساترة توجب النفرة منهم وتقضي بهلاك من صادقهم فقال: {الذي كفروا} أي ~~غطوا أنوار المعارف التي دلتهم على الحق، وعينهم بما أبلغ في ذمهم من حيث ~~إنهم ضلوا على علم فقال: {من أهل الكتاب} وهم بنو النضير هؤلاء، وبكتهم ~~بكذبهم فيما أكدوا الموعد به لأنه في حيز ما ينكر من جهة أنهم لا يقدرون ~~على المجاهرة بكفرهم فكيف بالمبارزة بالخلاف لقومهم الأنصار والنبي صلى ~~الله عليه وسلم فيهم في قولهم: {لئن أخرجتم} أي من مخرج ما من بلدهم الذي ~~في المدينة الشريفة فخرجتم من غير أن تقاتلوا {لنخرجن معكم} فكان ما قضي به ~~على إخوانهم من الإخراج فألا وكل بمنطقهم. # PageV19P446 # ولما كان من المعلوم أن للمنافقين أقارب من أكابر المؤمنين، وكان من ~~المعلوم - أنهم يقومون عليهم في منعهم من القيام معهم نصيحة لهم وإحسانا ~~إليهم، وكان تجويز بني النضير موهنا لذلك، قالوا مؤكدين للكون معهم: {ولا ~~نطيع فيكم} أي في خذلانكم، والمعنى أنه لو فرض أنه صار أحد في القرب منكم ~~مثل قرب المظروف من الظرف ما أطعناه في التقصير فيما يسركم {أحدا} أي ~~يسألنا خذلانكم من الرسول والمؤمنين، وأكدوا بقولهم: {أبدا} أي ما دمنا ~~نعيش، وبمثل هذا العزم استحق الكافر الخلود الأبدي في العذاب. # ولما قدموا في معونتهم ما كان فألا قاضيا عليهم، أتبعوه قولهم: {وإن ~~قوتلتم} أي من أي مقاتل كان فقاتلتم ولم تخرجوا {لننصرنكم} فالآية من ~~الاحتباك: ذكر الإخراج أولا دليلا على ضده ثانيا، والقتال ثانيا دليلا على ~~حذف ms5064 ضده أولا، ومعنى الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير: ~~«اخرجوا من بلدي ولا تساكنوني، قد هممتم بالغدر بن وقد أجلتكم عشرا، فمن ~~رئي بعد لك منكم ضربت عنقه» فأرسل إليهم ابن أبي بما تقدم. # ولما كان قولهم هذا كلاما يقضي عليه سامعه بالصدق من حيث # PageV19P447 # كونه مؤكدا مع كونه مبتدأ من غير سؤال فيه، بين حاله سبحانه بقوله: ~~{والله} أي يقولون ذلك والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما {يشهد} بما ~~يعلم من بواطنهم في عالم الغيب. ولما كان بعض من يسمع قولهم هذا ينكر أن لا ~~يطابقه الواقع، وكان إخلافهم فيه متحققا في علم الله، أطلق عليه ما لا يطلق ~~إلا على ما كشف الواقع عن أنه غير مطابق، فقال تشجيعا للمؤمنين على قتالهم ~~مؤكدا {إنهم} أي المنافقون {لكاذبون *} وهذا من أعظم دلائل النبوة لأنه ~~إخبار بمغيب بعيدة عن العادة بشهادة ما ظننتم أن يخرجوا فحققه الله عن ~~قريب. # ولما كان الكذب في قولهم هذا كونه إخبارا بما لا يكون، شرحه بقوله مؤكدا ~~بأعظم من تأكيدهم: {لئن أخرجوا} أي بنو النضير من أي مخرج كان {لا يخرجون} ~~أي المنافقون {معهم} أي حمية لهم لأسباب يعلمها الله {ولئن قوتلوا} أي ~~اليهود من أي مقاتل كان فكيف بأشجع الخلق وأعلمهم صلى الله عليه وسلم {لا ~~ينصرونهم} أي المنافقون ولقد صدق الله وكذبوا في الأمرين معا: القتال ~~والإخراج، لا نصروهم ولا خرجوا معهم، فكان ذلك من أعلام النبوة، وعلم به من ~~كان شاكا فضلا عن الموقنين، صدق # PageV19P448 # الكلام على ما لم يكن ولا ليكون لو كان كيف كان يكون بصدق الكلام على ما ~~لم يكن ويكون كيف يكون إذا كان في قوله تعالى: {ولئن نصروهم} أي المنافقون ~~في وقت من الأوقات {ليولن} أي المنافقون ومن ينصرونه، وحقرهم بقوله: ~~{الأدبار} ولما كان من عادة العرب الكر بعد الفر، بين أنهم لا كرة لهم بعد ~~هذه الفرة وإن طال المدى فقال: {ثم لا ينصرون *} أي لا يتجدد لفريقيهم ولا ~~لواحد ms5065 منهما نصرة في وقت من الأوقات، وقد صدق سبحانه لم يزل المنافقون ~~واليهود في الذل ولا يزالون. # ولما كان ربما قيل: إن تركهم لنصرهم إنما هو لخوف الله أو غير ذلك مما ~~يحسن وقعه، علل بما ينفي ذلك ويظهر أن محط نظرهم المحسوسات كالبهائم فقال ~~مؤكدا له لأجل أن أهل النفاق ينكرون ذلك وكذا من قرب حاله منهم: {لا أنتم} ~~أيها المؤمنون {أشد رهبة} أي من جهة الرهبة وهو تمييز محول عن المبتدأ أي ~~لرهبتكم الكائنة فيهم أشد وأعظم {في صدورهم} أي اليهود ومن ينصرهم مما أفاض ~~إليها من قلوبهم # PageV19P449 # {من الله} أي من رهبتهم التي يظهرونها لكم منه وإن ذكروه بكل صفة من ~~صفاته فرهبتهم منكم بسبب لإظهارهم أنه يرهبون الله رياء لكم. # ولما كان هذا مما يتعجب منه المؤمن علله بقوله: {ذلك} أي الأمر الغريب ~~وهو خوفهم الثابت اللازم من مخلوق مثلهم ضعيف يزينهم له وعدم خوفهم من ~~الخالق على ما له من العظمة وذاته ولكونه غنيا عنهم {بأنهم قوم} أي على ما ~~لهم من القوة {لا يفقهون *} أي لا يتجدد لهم بسبب كفرهم واعتمادهم على ~~مكرهم في وقت من الأوقات فهم يشرح صدورهم ليدركوا به أن الله هو الذي ينبغي ~~إن يخشى لا غيره، بل هم كالحيوانات لا نظر لهم إلى الغيب إنما هم مع ~~المحسوسات، والفقه هو العلم بمفهوم الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة ~~فطنة وجودة قريحة. # ولما أخبر برهبتهم دل عليها بقوله: {لا يقاتلونكم} أي كل من الفريقين ~~اليهود والمنافقين أو أحدهما. ولما كان الشيء قد يطلق ويراد بعضه، حقق ~~الأمر بقوله: {جميعا} أي قتالا يقصدونه مجاهرة وهم مجتمعون كلهم في وقت من ~~الأوقات ومكان من الأماكن {إلا في قرى محصنة} أي ممنعة بحفظ الدروب وهي ~~السكك الواسعة بالأبواب والخنادق ونحوها {أو من وراء جدر} أي محيط بهم سواء ~~كان بقرية أو غيرها لشدة خوفهم، وقد أخرج بهذا ما حصل من بعضهم # PageV19P450 # عن ضرورة كاليسير، ومن كان ينزل من أهل خيبر من الحصن يبارز ms5066 ونحو ذلك، ~~فإنه لم يكن عن اجتماع، أو يكون هذا خاصا ببني النضير في هذه الكرة. # ولما كان ربما ظن أن هذا عن عجز منهم لازم لهم دفعه بقوه إعلاما بأنه ~~إنما هو من معجزات هذا الدين: {بأسهم} أي قوتهم ما فيهم من الصفات التي ~~يتأثر عنها العذاب {بينهم شديد} أي إذا أداروا رأيا أو حارب بعضهم بعضا ~~فجرأ المؤمنين عليهم بأن ما ينظرونه من شدتهم وشجاعتهم إذا حاربوا المشركين ~~لا ينكر عند محاربة المؤمنين كرامة أكرم الله بها المؤمنين تتضمن علما من ~~أعلام النبوة تقوية لإيمانهم وإعلاء لشأنهم. # ولما كانت علة الشدة الاجتماع، شرح حالتي الشدة والرهبة بقوله مخاطبا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى شدة ما يظهرون من ألف # PageV19P451 # بعضهم لبعض: {تحسبهم} أي اليهود والمنافقين يا أعلى الخلق ويا أيها ~~الناظر من كان ذلك التعاطف الظاهر {جميعا} لما هم فيه من اجتماع الدفاع وعن ~~ذلك نشأت الشدة {وقلوبهم شتى} أي مفترقة أشد افتراق، وعن ذلك نشأت الرهبة، ~~وموجب هذا الشتات اختلاف الأهواء التي لا جامع لها من نظام العقل كالبهائم ~~وإن اجتمعوا في عداوة أهل الحق كاجتماع البهائم في الهرب من الذئب، قال ~~القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب واختلافها أصل كل فساد وموجب كل ~~تخاذل، ومقتض لتجاسر العدو، واتفاق القلوب والاشتراك في الهمة والتساوي في ~~القصد يوجب كل ظفر وكل سعادة. # ولما كان السبب الأعظم في الافتراق ضعف العقل، قال معللا: {ذلك} أي الأمر ~~الغريب من الافتراق بعد الاتفاق الذي يخيل الاجتماع {بأنهم قوم} أي مع ~~شدتهم {لا يعقلون *} فلا دين لهم # PageV19P452 # يجمعهم لعلمهم أنهم على الباطل فهم أسرى الأهوية، والأهوية في غاية ~~الاختلاف، فالعقل مدار الاجتماع كما كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما أن الهوى مدار الاختلاف. # PageV19P453 # ولما كان الإخبار بعدم عقلهم دعوى دل عليها بأمر مشاهد فقال: {كمثل} أي ~~قصتهم في عدم فقههم بل عقلهم الذي نشأ عنه إخراجهم هذا وما سببه من مكرهم ~~وغدرهم واعتمادهم ms5067 على ابن أبي ومن معه من المنافقين كمثل قصة {الذين من ~~قبلهم} ولما كان إدخال الجار مع دلالته على عدم استغراق زمان القبل يدل على ~~قرب الزمن، صرجح به فقال: {قريبا} وهم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما بنو ~~قينقاع من أهل دينهم اليهود أظهروا بأسا شديدا عند ما قصدهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم غزوة بدر فوعظهم وحذرهم بأس الله فقالوا: لا يغرنك يا محمد أنك ~~لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم، وأما والله لو قاتلتنا ~~لعلمت أنا نحن الناس، ثم مكروا بامرأة من المسلمين فأرادوها # PageV19P453 # على كشف وجهها فأبت فعقدوا طرف ثوبها من تحت خمارها، فما قامت انكشفت ~~سوأتها فصاحت فغار لها شخص من الصحابة رضي الله عنهم، فقتل اليهودي الذي ~~عقد ثوبها فقتلوه، فانتقض عهدهم، فأنزل النبي صلى الله عليه وسلم بساحتهم ~~جنود الله فأذلهم الله ونزلوا من حصنهم على حكمه صلى الله عليه وسلم وقد ~~كانوا حلفاء ابن أبي، ولم يغن عنهم شيئا غير أنه سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أن لا يقتلهم وألح عليه حتى كف عن قتلهم فذهبوا عن المدينة الشريفة ~~بأنفسهم من غير حشر لهم بالإلزام بالجلاء. # ولما كان كأنه قيل: ما كان خبرهم؟ قال: {ذاقوا وبال} أي وخامة وسوء عاقبة ~~{أمرهم} في الدنيا وهو كفرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحزبه ~~الذين هم حزب الله، وسماه أمرا لأنه مما ائتمروا فيه {ولهم} أي في الآخرة ~~{عذاب أليم *} أي شديد الإيلام، ولما شبه سبحانه أمرهم في طاعتهم لابن أبي ~~ومن معه وهم البعداء المحترقون بسبب إبعاد المؤمنين لهم بإبعاد الله ~~واحتراق أكبادهم لذلك مع ما أعد لهم في الآخرة بأمر بني قينقاع، شبه قصة ~~الكل بقصة # PageV19P454 # الشيطان ومن أطاعه من الإنس والجن، فقال مبينا لمعنى ما حط عليه آخر ~~الكلام: {كمثل} أي مثل الكل الواعدين بالنصر والمغترين بوعدهم مع علمهم بأن ~~الله كتب في الذكر {لأغلبن أنا ورسلي} [المجالة: 21] في إخلافهم الوعد ~~وإسلامهم إياهم عند ms5068 ما حق الأمر يشبه مثل {الشيطان} أي البعيد من كل خير ~~لبعده من الله المحترق بعذابه، والشيطان هنا مثل المنافقين {إذا قال ~~للإنسان} أي كل من فيه نوس واضطراب وهو هنا مثل اليهود: {اكفر} أي بالله ~~بما زين له ووسوس إليه من اتباع الشهوات القائم مقام الأمر. # ولما كان الإنسان بما يساعد تزيين الشيطان عليه من شهواته وحظوظه وأخلاقه ~~يطيع أمره غالبا قال: {فلما كفر} أي أوجد الكفر على أي وجه كان، ودلت الفاء ~~على إسراعه في متابعة تزيينه {قال} أي الشيطان الذي هو هنا عبارة عن ~~المنافقين مؤكدا لما لمن تعلق بمن أكد له الوعد بشيء من صادق الاعتماد عليه ~~والتكذيب بأنه يخذله: {إني بريء منك} أي ليس بيني وبينك علاقة في شيء أصلا ~~ظنا منه أن هذه البراءة تنفعه شيئا مما استوجبه المأمور بقبوله لأمره، وذلك # PageV19P455 # كناية عن أنه فعل معه من الإعراض عنه والتمادي في كل ما يدل على إهماله ~~من أكد البراءة منه، وذلك كما فعل المنافقون باليهود جرؤوهم على أمر ينهى ~~وهو الإقامة في بلدهم، فلما نصبوا الحرب طمعا في نصرهم فعل المنافقون ~~بتباطؤهم عنهم فعل المتبرئ منهم فكان ذلك أشد عليهم مما لم يطمعوهم في ~~نصرهم لأن هذا بمنزله انهزامهم عنهم من الصف الموجب لانهزامهم لا محالة، ثم ~~علل البراءة بقوله: {إني أخاف الله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه فلا ~~تطاق صولته، ثم شرح ذلك بقوله: {رب العالمين *} أي الذي أوجدهم من العدم ~~ورباهم بما يدل على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، فلا يغني أحد من ~~خلقه عن أحد شيئا إلا بإذنه وهو لا يغفر أصلا لمن يقدح ربوبيته ولا سيما إن ~~نسبها إلى غيره، وكان هذا كمثل ما يجد الإنسان بعد الوقوع في المعصية من ~~الندم والحيرة، فإذا وجد ذلك وهم بالتوبة زين له المعصية وصعب عليه أمر ~~التوبة وعسره وجرأه على المعصية بعينها أو على ما هو أكبر منها، ولا يزال ~~كذلك حتى يتعذر عليه الرجوع فيتحقق هلاكه وهلاك من ms5069 أوقعه، فلذلك سبب عنه ~~قوله: {فكان} ولما كان تقديم الشيء على محله موجبا لروعة تنبه الإنسان ~~للتفتيش عن السبب والتشويق إلى المؤخر قال: {عاقبتهما} مقدما # PageV19P456 # لخبر «كان» {أنهما} أي الغار والمغرور {في النار} حال كونهما {خالدين ~~فيها} لأنهما ظلما ظلما لا فلاح معه. # ولما كان ذلك قد يحمل على أنه في الإنسان بعينه، قال معلقا بالوصف، ~~تعميما وزجرا عنه: {وذلك} أي العذاب الأكبر {جزاء الظالمين *} أي كل من وضع ~~العبادة في غير محلها. # PageV19P457 # ولما أبلغ سبحانه في المواعظ في هذه السورة قولا وفعلا، وكانت الإيقاعات ~~المذكورة فيها مسببة عن الخيانات ممن كان له عهد فنقضه، أو ممن كان أظهر ~~الإيمان فأبان فعله كذبه، قال سبحانه وتعالى استنتاجا عن ذلك وعظا للمؤمنين ~~لأن الوعظ بعد المصائب أوقع في النفس وأعظم في ترقيق القلب وتحذيره مما ~~يوجب العقوبة: {يا أيها الذين آمنوا} مناديا لهم نداء البعد معبرا بأدنى ~~أسنان الإيمان لأنه عقب ذكر من أقر بلسانه فقط {اتقوا الله} أي اجعلوا لكم ~~وقاية تقيكم سخط الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه ولا بد أن يستعرض ~~عبيده، فاحذروا عقوبته بسب التقصير فيما حده لكم من أمر أو نهي {ولتنظر ~~نفس} أي كل نفس تنظر إلى نفاستها وتريد العلو على أقرانها، ولعله وحدها ~~للإشارة مع إفادة التعميم إلى قلة الممثل لهذا الأمر جدا {ما قدمت} # PageV19P457 # أي من الزاد الذي يكون به صلاح المنزل الذي من لم يسع في إصلاحه لم يكن ~~له راحة، هل يرضي الملك ما قدمته فينجيها أو يغضبه فيرديها. # ولما كان الأجل مبهم الوقت، فكان لقاء الله في كل يوم بل كل لحظة للعاقل ~~مترقبا لكونه ممكنا مع كونه على الإطلاق محققا لا يجهله أحد، قال مشيرا ~~بتنكيره وإبهامه إلى تهويله وإعظامه: {لغد} أي لأجل العرض بعد الموت أو في ~~يوم القيامة الذي هو في غاية القرب لأن هذه الدنيا كلها يوم واحد يجيء فيه ~~ناس ويذهب آخرون، والموت أو الآخرة غده، لا بد من كل منهما، وكل ما لا ms5070 بد ~~منه فهو في غاية القرب لا سيما إن كان باقيا غير منقض، وكل من نظر لغده ~~أحسن مراعاة يومه، وتنوينه للتعظيم من جهات لا تحصى. # ولما أمر بتقواه سبحانه خوفا من سطواته أمر بتقواه لأجل مراقبته حياء من ~~جلالته وهيبته تأكيدا للأمر لأن مدار النجاة على التقوى لأن مكايد الشيطان ~~دقيقة، فمن لم يبالغ في محاسبة نفسه وتفقد ما يمكن أن يكون من الخلل في ~~أعماله أوشك أن يحبط الشيطان أعماله فقال تعالى: {واتقوا الله} أي الجامع ~~لجميع صفات الكمال أي اتقوه حياء منه، فالتقوى الأولى لإيجاد صور الأعمال، ~~وهذه لتصفيتها وتزكية أرواحها، ولذلك علل بقوله # PageV19P458 # مرغبا مرهبا: {إن الله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى {خبير} ~~أي عظيم الاطلاع على ظواهركم وبواطنكم والإحاطة {بما تعملون *} فلا تعملون ~~عملا إلا كان بمرأى منه ومسمع فاستحيوا منه، وكرر الاسم الأعظم كراهية أن ~~يظن تقييد التقوى بحيثية من الحيثيات تعظيما لهذا المقام إعلاما بأن شؤونه ~~لا تنحصر وأن إحاطته لا تخص مقاما دون مقام ولا شأنا سوى شأن. # ولما هز إلى تقواه تارة بالخوف وأخرى بالحياء تأكيدا لها، وعلل ذلك بما ~~له شعبة من التحذير، وكان الإنسان لما له من النسيان أحوج إلى التحذير، قال ~~مؤكدا لشعبته وإيضاحا لأن التقوى الثانية لمحاسبة النفس في تصفية العمل: ~~{ولا تكونوا} أيها المحتاجون إلى التحذير وهم الذي آمنوا {كالذين نسوا ~~الله} أي أعرضوا عن أوامره ونواهيه وتركوها ترك الناسين لمن برزت عنه مع ما ~~له من صفات الجلال والإكرام لما استغواهم به من أمره الشيطان حتى أبعدهم ~~جدا عن العمران {فأنساهم} أي فتسبب عن ذلك أن أنساهم بما له من # PageV19P459 # الإحاطة بالظواهر والبواطن {أنفسهم} فلم يقدموا لها ما ينفعها وإن قدموا ~~شيئا كان مشوبا بالمفسدات من الرياء والعجب، فكانوا مما قال فيه. سبحانه ~~وتعالى {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية} ~~[الغاشية: 2 - 3 - 4 - 5] لأنهم لم يدعوا بابا من أبواب الفسق فإن رأس ~~الفسق الجهل بالله، ورأس ms5071 العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس، فأعرف الناس ~~بنفسه أعرفهم بربه «من عرف نفسه فقد عرف ربه» . # ولما كانت ثمرة ذلك أنهم أضاعوها - أي التقوى - فهلكوا قال: {أولئك} أي ~~البعيدون من كل خير {هم} أي خاصة دون غيرهم {الفاسقون *} أي العريقون في ~~المروق من دائرة الدين. # ولما تم الدليل على أن حزب الله هم المفلحون لما أيدهم به في هذه الحياة ~~الدنيا من النصر والشدة على الأعداء واللين والمعاضدة للأولياء وسائر ~~الأفعال الموصلة إلى جنة المأوى، وصرح في آخر الدليل بخسران حزب الشيطان ~~فعلم أن لهم مع هذا الهوان عذاب النيران، وكان المغرور بعد هذا بالدنيا ~~الغافل عن الآخرة لأجل شهوات فانية وحظوظ زائلة عاملا عمل من يعتقد أنه لا ~~فرق بين الشقي بالنار # PageV19P460 # والسعيد بالجنة لتجشمه التجرع لمرارات الأعمال المشتملة عليها، أشج ذلك ~~قوله منزلا لهم منزلة الجازم بذلك أو الغافل عنه تنبيها لهم على غلطهم ~~وإيقاظا من غفلتهم: {لا يستوي} أي بوجه من الوجوه {أصحاب النار} التي هي ~~محل الشقاء الأعظم {وأصحاب الجنة} التي هي دار النعيم الأكبر لا في الدنيا ~~ولا في الآخرة وهي من أدلة أنه لا يقتل مسلم بكافر. # ولما كان نفي الاستواء غير معلم في حد ذاته بالأعلى من الأمرين، كان هذا ~~السياق معلما بما حفه من القرائن بعلو أهل الجنة، صرح به في قوله: {أصحاب ~~الجنة هم} أي خاصة {الفائزون *} المدركون لكل محبوب الناجون من كل مكروه، ~~وأصحاب النار هم الهالكون في الدارين كما وقع في هذه الغزوة لفريقي ~~المؤمنين وبني النضير ومن والاهم من المنافقين، فشتان ما بينهما. # ولما كان قد مر في هذه السورة فضلا عما تقدمها من حكمة هذا القرآن ~~وإعجازه تارة بمطابقته لما نزل بسببه مطابقة تجلو عنه كل إشكال، وتارة بما ~~يشاهد من صدقه فيما أخبر بإتيانه من الأفعال، وأخرى بما يتحدى به من ~~الأقوال، ومرة بنظم كل جملة مع ما تقدمها على ما لم يكن لبشر مثله في ~~الأحوال إلى غير ذلك من أمور لا يحصرها المقال، ترتب ms5072 على ذلك قوله مبينا أن ~~سبب افتراق الفريقين في العقبى افتراقهم في # PageV19P461 # هذا القرآن في الأولى تمثيلا للقلوب في قسوتها أو لينها عند سماع القرآن ~~وتخيلا توبيخا للقاسي ومدحا للعاطف اللين لافتا القول إلى أسلوب العظمة ~~لاقتضاء الحال لها: {لو أنزلنا} بعظمتنا التي أبانها هذا الإنزال {هذا ~~القرآن} أي الجامع لجميع العلوم، الفارق بين كل ملتبس - المبين لجميع الحكم ~~{على جبل} أي أي جبل كان {لرأيته} مع صلابته وفوته يا أشرف الخلق إن لم ~~يتأهل غيرك لمثل تلك الرؤية {خاشعا} أي مطمئنا مخبتا على صلابته متذللا ~~باكيا {متصدعا} أي متشققا غاية التشقق كما تصدع الطور لتجلينا له بما دون ~~ذلك من العظمة التي جلونا كلامنا الشريف لموسى عليه السلام في ملابسها {من ~~خشية الله} أي من الخوف العظيم من له الكمال كله حذرا من أن لا يكون مؤديا ~~ما افترض عليه من تعظيم القرآن عند سماعه فما لابن لآدم وقد آتاه الله من ~~العقل ما لم يؤت الجبل يستخف بحقه، ويعرض عما فيه من العبر، وفي الآية مدح ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في ثباته لما لا تثبت له الجبال، وذم للمعرضين ~~بكونهم أقسى من الجبال. # ولما كان التقدير تبكيتا وتوبيخا لمن لم يرق للقرآن {أفلم يأن # PageV19P462 # للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} [الحديد: 16] ~~فإنا قد فصلنا لهم الحلال والحرام والأمر والنهي وأوضحنا الحكم ودللنا على ~~المتشابه وقصصنا الأقاصيص بعد جعلهم عقلاء ناطقين، فتلك أقاصيص الماضين ~~لعلهم يعتبرون عطف عليه قوله: {وتلك الأمثال} أي التي لا يضاد فيها شيء ~~{نضربها للناس} أي الذي يحتاجونها وهم من فيهم تذبذب واضطراب {لعلهم ~~يتفكرون *} أي لتكون حالهم عند من ينظرهم حال من يرجى تفكره في تلك الأمثال ~~فينفعه ذلك إذا أراد التفكر إلى التذكر فرأى تنبيه الرسول صلى الله عليه ~~وسلم له أن كل ما في القرآن من شيء فيه مشاهد منه متطابق له كتاب الخلق ~~وكتاب الأمر فتخلى عن الشهوات البهيمية فنجا من الحظوظ النفسية فتحلى ~~بالملابس ms5073 الروحانية فصار بالمجاهدات والمنازلات إلى الصفات الملكية فكان ~~أهلا للمقامات القدسية في الجنان العلية. # PageV19P463 # ولما أعلى سبحانه أولياءه بأن فتح السورة بالإيمان بالغيب وهو العزيز ~~الحكيم بعد التنزيه عن نقائص التعطيل وكل شائبة نقص وينزل لعباده في أسباب ~~الصفات والأفعال إلى أن أوصلهم إلى محسوس الأمثال فتأهلوا للفناء في ذاته ~~وما على صفاته الموجبة لخشيته، رقاهم إلى التفكر في تفصيل ما افتتح به، ~~فقال عادلا عن أسلوب العظمة إلى # PageV19P463 # أعظم منها بإسبال حجب العزة على منهاج الحكمة: {هو} أي الذي وجوده من ~~ذاته فلا عدم له أصلا بوجه من الوجوه، فلا يستحق الوصف ب «هو» غيره لأنه ~~الموجود دائما أزلا وأبدا، فهو حاضر في كل ضمير غائب بعظمته عن كل حس، ~~فلذلك يتصدع الجبل من خشيته. # ولما عبر بأخص أسمائه، أخبر عنه لطفا بنا وتنزلا لنا بأشهرها الذي هو ~~مسمي الأسماء كلها فقال: {الله} أي المعبود الذي لا ينبغي العبادة إلا له، ~~الذي بطن بما لم تحط ولا تحيط به العقول من نعوت الكبرياء والعظمة ~~والإكرام، فظهر بأفعاله التي لا تضاهى بوجه غاية الظهور، فتميز غاية ~~التميز، فلم يلحقه شرك أصلا في أمة من الأمم ولا نسمة من النسم، قال ~~الحرالي في شرح الأسماء: وهو لوه القلوب والعقول أي محارها الذي لا تدركه، ~~فلزم الخلق من توحيد اسم الإله ما حصل لهم من توحيد اسم الله من الأحدية ~~الإحاطية - انتهى - فلذلك كان وصفه {الذي لا إله إلا هو} فإنه لا مجانس له ~~ولا يليق ولا يصبح ولا يتصور أن يكافئه أو يدانيه شيء والإله أول اسم الله ~~فلذلك - # PageV19P464 # لا يكون أحدا مسلما إلا بتوحيده فتوحيده فرض وهو أساس كل فريضة، وتوحيد ~~سائر الأسماء نقل وهو أساس كل نافلة، فمن وحد في الكل فقد كمل دينه وتمت ~~النعمة عليه وإلا كان من الذين آمنوا، فإن كان ذلك منه قولا عصم من نار ~~الأحكام على الأبدان في الدنيا، وإن كان علما تخلص من نار الهلع على النفوس ~~في الدنيا، وهو الجزع عند ms5074 مس الشر، والمنع والبخل عند مس الخير، ولن يشهد ~~التوحيد في هذه الكلمة التي مضمونها توحيد اسم الإله إحسانا إلا بعد إحصاء ~~جميع الأسماء علما، قال الحرالي: والإله: التعبد وهو التذلل، فمن توهم ~~حاجته بشيء وتوهم أن عنده قوام حاجته تذلل فكان تذلله له تألها، وكل من عبد ~~ما أحاط عينه فقد خذل عقله عن تصحيح معنى الإله الذي يجب أن يكون غيبا، ~~فكان تصحيح معنى الإله أنه غيب قائم مستحق للعبادة والتذلل لأجل قيامه ~~والاستغناء به. # ولما أخبر بتفرده، دل عليه بآية استحقاقه لذلك، فقال مقدما لما هو متقدم ~~في الوجود: {عالم الغيب} أي الذي غاب عن علم جميع # PageV19P465 # خلقه. # ولما كنا ربما ظن أن وصفه بالغيب أمر نسبي سمي غيبا بالنسبة لناس دون ~~ناس، دل بذكر الضد على أن المراد كل ما غاب وكل ما شهد فقال تعالى: ~~{والشهادة} أي الذي وجد فكان بحيث يحسه ويطلع عليه بعض خلقه. # ولما تعالى في صفات العظمة ونعوت الجلال والكبر فبطن غاية البطون، أخذ ~~رحمة العبادة بالتنزيل لهم بالتعرف إليهم بعواطف الرحمة فقال بانيا الكلام ~~على الضمير إعلاما بأن المحدث عنه أولا هو بعينه المحدث عنه ثانيا: {هو ~~الرحمن} أي العام الرحمة، قال الحرالي رحمه الله تعالى: والرحمة إجراء ~~الخلق على ما يوافق حسبهم ويلائم خلقهم وخلقهم ومقصد أفئدتهم، فإذا اختص ~~ذلك بالبعض كان رحيمية، وإذا استغرق كان رحمانية، ولاستغراق معنى اسم ~~الرحمن لم يكن لإتمام في معنى استغراقه - يعني باسم الله. # ولما كانت الرحيمية خاصة بما ترضاه الإلهية قال تعالى: {الرحيم *} أي ذو ~~الرحمة العامة المسعدة في الظاهر والرحمة الخاصة المسعدة في # PageV19P466 # الباطن، قال الحرالي: الرحمة من الرحيم اختصاص من شملته الرحمانية بمزية ~~ما أوثر به من الرحمة في مقابلة من آل أمره إلى نعمه ليجمع مقتضى الاسمين ~~بين عموم الرحمانية واختصاص الرحيمية: ولما أظهر على الخلق خصوص الإيثار، ~~أجرى عليهم اسم الرحيم كرحمة الخلق أبناءهم. ولما كان حق اسم الرحيم إثبات ~~رحمة غير مجذوذة ولم يكن ذلك للخلق لم ms5075 يكن بالحقيقة الرحيم إلا الله الذي ~~إذا اختص بالرحمة لم يحدها {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} [البقرة: 256] «إن الله لا ~~ينزع العلم انتزاعا بعد أن أعطاكموه» {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين ~~فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} [هود: 108] ~~فلذلك لا رحيم بالحقيقة إلا الله تحقيق علم كما أنه لا رحمان إلا الله بادي ~~معنى. # ولما كان الملك كمال استيلاء على الخلق يقصرهم به ملكهم على بعض مستطاعهم ~~ويدينهم - أي يجيزهم - على حسب دينهم أي ما وضع لهم من عادة قصره لهم وحكمه ~~عليهم وبحسب إحصائه عليهم دقيق أعمالهم وإحاطته بخفي أحوالهم والاطلاع على ~~سرائرهم بتحقيق استيفاء الجزاء فيتحقق بذلك كمال الملك، فكان لذلك لا تتحقق ~~حقيقة الملك فيمن هو دون العلم # PageV19P467 # بالسر وأخفى، والمحصي الحسيب لمثاقيل الدر، الخبير بخبأ الكون، فكان لا ~~ملك في الحقيقة إلا الله، ولكنه تعالى لما كان قد أولى الخلق من رفعه بعضهم ~~فوق بعض ما أجرى عليهم اسم الملك فتنة لهم فضل بسبب ذلك قوم ادعوا الملك ~~الحقيقي، فغلط من أراد الله من الخلق فيهم فضلوا بهم، أعاد التهليل مع اسمه ~~الملك كما ابتدأ مع اسمه الإله أول أسماء الله، ولذلك أيضا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الشيخان وأبو ~~داود والترمذى في حديث الذي يسمى ملك الملوك في رواية المسلم: # «لا ملك إلا الله» ، فقال مصرحا بما في باطن اسمي الرحمة من القهر والجبر ~~على النسق الأول في البناء على الضمير تأكيدا لتعين المحدث عنه وتوحيده: ~~{هو الله} أي الذي لا يقدر على تعميم الرحمة لمن أراد وتخصيصها بمن شاء ~~{الذي لا إله} أي معبود بحق {إلا هو الملك} فلا ملك في الحقيقة إلا هو لأنه ~~لا يحتاج إلى شيء، فإنه مهما أراد كان. # ولما كان الملك أصل ما لحق الخلق من الآفات لأنه رأس الشرف الذي هو ms5076 باب ~~الترف الملازم لمخالفة كتاب الله أما في الأعمال فيكون فتنة، وأما في الرأي ~~فيكون علوا وكبرا وكفرا، فإن أمر الله في آدم على ماهو نبوة ثم ينزل فيصير ~~خلافة ثم ينتهي نزوله فيكون # PageV19P468 # ملكا ثم تتداعى الأحداث، فلمكان تداعي الملك لموجبات الذم قال عقب صفات ~~الملك: {القدوس} مصرحا بما لزم عن تمام ملكه من أنه بليغ في النزاهة عن كل ~~وصم يدركه حسن أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أيو يختلج به ضمير، فإن ~~القدس طهر لا يقبل التغير ولا يلحقه رجس فلا يزال على وصف الحمد بثبات ~~القدس، ولمكان ما حول سبحانه الخلق من حال طهر لا يظهر فيه تغير بما دونه ~~أجرى عليهم اسم القدس كروح القدس المؤيد للشارع ينفث في روعة المؤيد لشاعره ~~في مكافحته عنه، ولأجل قصر تخلي الخالق بالملك في قليل متاع الدنيا رغب ~~النبي العبد صلى الله عليه وسلم عنه، واختار العبودية الدائمة بدوام العزة ~~لسيده، فوضح بذلك علم أن لا قدوس إلا الله حقيقة معنى وتصحيح إحاطة. # ولما كان سبحانه لتمام ملكه وعلو ملكه وكمال قدسه لا يتصور أن يلحقه نقص ~~في ذات ولا صفة ولا فعل، فلا يقبح منه إهلاك على حال من الأحوال ولا مس بضر ~~في الدنيا والآخرة في وقت من الأوقات لأنه سبحانه، لعلمه بالظواهر والبواطن ~~على حد سواء، يصنع الأمور في # PageV19P469 # أحكم مواضعها بما لا يدركه غيره أصلا أو لا يدركه حق إدراكه فاحتيج إلى ~~ما يؤمن من ذلك، وكان السلام حد ما بين الألفة والفرقة وحد ما بين الرحمة ~~والسطوة وهو أدنى منال الجاهل من عباد الرحمان، ومنال المعتدي من المقتدر، ~~وكان سلام المسلم للجاهل مداراة لئلا يزيد في جهله عليه، أو ارتقابا ~~لاستقبال مكنة، وكان الله لا يعبأ بالخلق ولا يحتاج لارتقاب مكنة لأنه لا ~~يعجزه شيء فلم يتحقق السلام بكل معنى من وجود السلامة له وإفاضتها على غيره ~~تماما إلا منه إعفاء من معاجلة استحقاق السطوة وحفيظة لحرمة اختصاص الرحمة، ~~أتبع ذلك مؤمنا ms5077 للعاصي من المعاجلة وللمطيع من سوء المعاملة قوله: {السلام} ~~لأنه حد ما بينهما ظاهرا، ولذلك أردفه بما يتعلق بالباطن لتحصل إحاطة ~~السلامة ظاهرا وباطنا فقال: {المؤمن} لأن الأمن حد ما بين المحبة والكره ~~فيمن لا وسيلة له للحب وهو أدنى ما يقبله ذو الحق ممن يستحق منه الحب، ~~ولذلك لم يقبل الحق ممن كان ظاهر الوسيلة للحب - إلا بالحب فلم يثبت إيمان ~~المؤمن بمجرد الإيمان # PageV19P470 # حبا له بل إيثارا لمحبته على كل حب ومساواة لأخيه المؤمن فيما يحب لنفسه، ~~وأدناه الأمنة في الغيب من الغيبة والعيب إلى غاية الأمان من بوائق الغشم ~~والظلم من الجار المستحق حفظ جاره في غيبه، فالإحلال بالإيمان لكونه الأمنة ~~في الغيب نفاق، والإخلال بالإسلام لكونه السلم في المواجهة إحرام، فبأدنى ~~إخلال في جانب الحق أو الخلق ينثلم الإسلام والإيمان، وذلك كله إنما هو في ~~الحقيقة من الله تعالى فهو الذي يعزى إليه الأمن والأمان بإفادته أسبابه ~~ومنع أسباب المخاوف فلا أمن في الوجود ولا أمان إلا وهو مستفاد من جهته. # ولما كان الاطلاع على بين ما ذكر ليتحقق معنى السلم والأمن، وعلى كل من ~~تلك الحدود خفيا جدا يفتقر إلى مزيد علم، قال: {المهيمن} فإن الهيمنة شهادة ~~خبرة وإحاطة وإبصار لكلية ظاهر الأمر وباطنه بحيث لا يخفى منه خافية هوية ~~ولا بادية ظاهر، ولإحاطة معناه لا يكاد يقع له في الخلق مسوغ إطلاق إلا ~~مسامحة لأن الخلق لا يشهدون إلا الظواهر ولا يشهدون من الباطن، ولذلك انعجم ~~معناه على كثير من فصحاء العرب، فمفهوم معناه موجب توحيده فواضح إذ لا ~~مهيمن بمعنى أنه شهيد على الوجه المشروح مع الأمانة المأمونة والحفظ ~~والرعاية فيكون قائما على كل شيء بكل ما له من رزق وعمل وأجل # PageV19P471 # إلا هو، ولذلك كان القرآن الذي هو صفته سبحانه وتعالى مهيمنا على جميع ~~الكتب التي قبله مصدقا لما يستحق التصديق منها مكذبا لما يستحق التكذيب، ~~فمن كان به أمهر كان بذلك أعلم. # ولما كان تمام الخبرة ملزوما لتمام القدرة، صرح بها ms5078 اللازم فقال؛ ~~{العزيز} والعزة غلبة لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة وجه مدافعة ولا ~~انفلات ولا إعجاز، فالعزيز الذي صعب على طالبه إدراكه مع افتقار كل شيء ~~إليه في كل لحظة، الشديد في انتقامه الذي لا معجز له في إنفاذ حكمه، ولذلك ~~ينظم كثير بآيات إمضاء الأحكام متصلا بالحكمة والعلم إنباء عن العدل، قال ~~الغزالي: وهو الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه. ~~ولما كان المغلوب على الشيء فيؤخذ من يده قد لا ينقاد باطنا فلا يباشر ما ~~غلب عليه للغالب وقد لا يكون العز ظاهرا لكل أحد، أردفه بقوله: {الجبار} ~~وهو العظيم الذي يفوت المقاوم مناله، فهو على هذا من أسماء الذات ويصلح ~~أمور من يريد من الخلق ويقهرهم على ما يريد، فهم أحقر من أن يعصوه طرفة عين ~~بغير إرادته، والجبر: طول يلجيء الأدنى لما يريد منه الأعلى ويغيب من # PageV19P472 # الأعلى ما يحاول مناله منه الأدنى مع الظهور التام الذي تدور مادته عليه، ~~فالجبار لا يخرج شيء من قبضته، وتقصر الأيدي عن حمى عز حصرته، ولا ينال منه ~~إلا ما نول، وهو أبعد شيء عن أوصاف الخلق لمنال الذباب منهم منا شاء وعجزهم ~~عنه، ولما فيه من الإلجاء كان هو الاسم الذي يجليء النار لقصرها على مراده ~~منها من الحسب الذي جبلها على ضده من الاستزادة فلا تزال تقول ما جبلت ~~عليه: هل من مزيد، حتى يضع الجبار فيها قدمه أي يهينها فإن القدم موضع ~~الإهانة، وهذه الإهانة - هي من مبدأ ظهور غلبة الرحمة للغضب، فله الملك ~~ظهورا بالأيدي الظاهرة من الإنسان وما دونه، وله الملكوت بطونا بالأيدي ~~الباطنة من الملك وما دونه، ولو الجبروت اختصاصا من وراء كل ملك وملكوت. # ولما كان الإلجاء قد يكون بنوع ملاطفة، أتبعه قوله: {المتكبر} ليعم ~~الإلجاء الظاهر والباطن فالكبرياء جملة تأدي أمر الله وظاهر خلقه الذي يجد ~~الخلق صغرهم من دونه وكبره عليهم وامتناعه عما لا يريد من مرادهم، لأن الكل ~~حقيرون بالإضافة إلى جلاله وعز جبروته وعظمته ms5079 # PageV19P473 # وكماله، ولسواء الخلق في عام حضرة القدرة شملهم الصغر فلم يصح منهم كبر، ~~ولا شرع لهم تكبر، فلم يكن للخلق منهم حقيقة حظ ولا لبس حق، فاختص بهذا ~~الاسم لاستيلائه على الظواهر بإظهار ما لهم من الكبر لعدم الحاجة إلى شيء ~~وبإلجاء غيره إلى الاحتياج إليه والإيقاع بجبابرتهم وإذلالهم وغير ذلك من ~~الأمور المزعجة المرهبة من غير مبالاة بشيء كما اختص بالجبار لاستيلائه على ~~البواطن. # ولما تقرر بما ذكر من مظاهر عظمته استيلاؤه على الظواهر والبواطن باللطف ~~والعنف، أنتج ذلك تعاليه عن شوب نقص لا سيما بالشرك فقال سبحانه: {سبحان ~~الله} أي تنزه الملك الأعلى الذي اختص بجميع صفات الكمال تنزها لا تدرك ~~العقول منه أكثر من أنه علا عن أوصاف الخلق فلا يدانيه شيء من نقص {عما ~~يشركون *} أي من هذه المخلوقات من الأصنام وغيرهما مما في الأرض أو في ~~السماء من كبير وصغير. وجليل وحقير. # ولما تم دليل الوحدانية بما حل من التفهيم بالتدني إلى الملك ثم بالتعلي ~~إلى التكبر فأنتج هذه الخاتمة، ابتدأ سبحانه دليلا آخر هو في غاية التنزل ~~والوضوح، فقال مفتتحا بما افتتح به الأول من الترتيب في المراتب الثلاث، ~~غيب الغيب ثم الغيب ثم الظهور على مراتبه، # PageV19P474 # إعلاما بأنه لا براح عن الإيمان بالغيب، ومن برح عنه هلك {وهو} أي الذي ~~لا شيء يستحق أن يطلق عليه هذا الضمير غيره لأن وجوده من ذاته ولا شيء غيره ~~إلا وهو ممكن فهو أهل لأن لا يكون فلا يكون له ظهور ليكون له بطون. # ولما ابتدأ بهذا الغيب المحض الذي هو أظهر الأشياء، أخبر عنه بأشهر ~~الأسماء الذي لم يقع فيه شركة بوجه فقال: {الله} أي الذي ليس له سمي فلا ~~كفوء له فهو المعهود بالحق فلا شريك له بوجه. ولما بدأ سبحانه بهذا الدليل ~~الجامع بين الغيب والظهور، ثنى بتنزيل متضمن للعلم والقدرة فهو في غاية ~~الظهور فقال: {الخالق} أي الذي لا خالق على الحقيقة إلا هو لأن الخلق فرض ~~حد وقدر في مطلق منه ms5080 لم يكن فيه بعد حد ولا قدر كالحاذي يخلق أي يقدر في ~~الجلد حدا وقدرا لنعل ونحوه وهو سابق للفري والبري ونحو «سبق العلم العمل» ~~فالخالق في الحقيقة هو الذي كل شيء عنده بمقدار، الذي يقول {يخلقكم في بطون ~~أمهاتكم خلقا من بعد خلق} [الزمر: 6] {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم} [الحجر: 21] ومن ناشئة القدر الفرق والترتيب، ومن ~~ناشئة # PageV19P475 # الفرق والترتيب الإحياء والإماتة، ومن معاد الفرق والإحياء والإماتة على ~~أول أمره الجمع والرب، فلا يملك الخلق والفرق إلا من يملك الجمع والرب، وقد ~~أوتي الحق ملكة ما في الفرق والشتات، ولم يملكوا جمع ما فرقوا ولا ألف ما ~~شتتوا كالقاطع عضوا لا يقدر على لأمه، والهادم بناء لا يقدر على رمه على ~~حده، والكاسر شيئا لا يقدر على وصله، فلأن الخلق لا يحيطون بتقدير ما ~~يسرعون في قدره ولا يقدرون بعد الفرق والفري على رمه ووصله كان المحيط ~~التقدير في الشيء من جميع جهاته وجملة حدوده، القادر على جمع ما فرق الذي ~~كما بدء أول خلق يعيده هو أحسن الخالقين، وتلايح تحت هذا اللبس في إطلاق ~~اسم الخالق على الخالق الحق ذي الحول والقوة والقدرة والإحاطة والإبداء ~~والإعادة، وعلى الخالق من الخلق المقدر بغير إحاطة علم ولا تأصيل حول ولا ~~قدرة، ولا إتمام إبداء لاحظ من إعادة أنه لا خالق إلا الله كما أنه لا معيد ~~لما بدأ إلا الله، وأن ليس إطلاق هذا الاسم على الخلق مبدأ فتنته التي يضل ~~بها من يشاء ويهدي من يشاء، وتحقيق أفراد الخلق لله فيما ظهر على أيدي أهل ~~الملك والملكوت وإحاطة جبروته بما ظهر وما بطن من أعمالهم وصنائعهم، هو أول ~~مجمع من # PageV19P476 # مجامع التوحيد، وهو أساس لإيمان أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث فرض ~~عليهم في الفاتحة {إياك نعبد وإياك نستعين} فهم خير أمة أخرجت للناس حيث ~~أخلصوا الدين لله، ولموقع الشرك فيه كان القدرية مجوس هذه الأمة. # ولما كان الخالق الحق هو من أتقن ms5081 التقدير والبريء وإن كان أغلب الخلق ~~لقصورهم لا يفهمون منه إلا مطلق التقدير كما قال شاعرهم: # ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري # أردفه تنبيها على ذلك وتصريحا وتأكيدا قوله: {البارئ} أي الذي يدقق بما ~~وقع به التقدير ويقطعه ويصلحه لقبول الصورة على أتم حال، فإن كان من المحيط ~~العلم كان تمام التهيؤ للصورة على كمال المشيئة فيها، وإن كان ممن لا يحيط ~~علما طرأ له في البرء من النقص عن التمام ما لا يمكن معه حصول المقصود في ~~الصورة، ولا يكاد يقع الإحسان للخلق في مصوراتهم إلا وفاقا لا يعلمون كنهه ~~ولا يثقون بحصوله. # ولما كان من يهيئ الأمور للتصوير قد لا يتقنه قال: {المصور} # PageV19P477 # فإن التصوير إتمام تفصيل الخلق الظاهر وإكمال تخطيطه وإحكام أعضائه وهو ~~حد ما انتهى إليه الخلق في الظهور، وليس وراء ظهور الصور كون إلا لطائف ~~تطويرها في إسنان كمالها بعد بعثها بإحيائها بما لها من الروح المقوم لها ~~سواء كان حيوانيا أو غيره إلى غاية كما لها الذي يعطيه المصور لها إفضالا ~~ومزيدا ويظهره إبداعا، ويتضح الفرق جدا بين الأسماء الثلاثة بالبناء فإنه ~~يحتاج أولا إلى مقدر يقدر ما لا بد منه من الحجر واللبن والخشب والحديد ~~ومساحة الأرض وعدد الأبنية وطولها وعرضها، وهذا يتولاه المهندس فيرسمه وهو ~~الخلق ثم يحتاج إلى حجار ينحت الحجارة ويهيئها لتصلح لمواضعها التي تكون ~~فيها من الأبواب وأوساط الجدر وأطرافها وزواياها غير ذلك، وكذا الخشاب ~~والحداد في الخشب والحديد وهو البرئ ثم يأخذ الكل البناء فيضعها مواضعها ~~إلى أن تقوم صورتها التي رسمها المهندس أولا وقدرها، ولا تقوم الصورة بالحق ~~إلا إذا كانت محكمة بحسب الطاقة كما أن البناء يضع الحجارة أولا ثم يجعل ~~الخشب فوقها لا بالاتفاق بل بالحكمة، ولو قلب ذلك لم تثبت الصورة ولم يكن ~~لها الاسم إلا على أقل وجوه الضعف فكل من كان أحكم كان تصويره أعظم، ولذلك # PageV19P478 # لا مصور في الحقيقة إلا الله الخالق البارئ المصور سبحانه، قال الرازي ms5082 في ~~اللوامع: والتصوير موجود في كل أجزاء العالم وإن صغر حتى في الذرة والنملة ~~بل في كل عضو من أعضاء النملة، بل الكلام يطول في طبقات العين وعددها ~~وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها، ووجه الحكمة فيها، فمن لم يعرف صورتها ~~لم يعرف مصورها إلا بالاسم المجمل، وهكذا القول في كل صورة لكل حيوان ونبات ~~بل لكل جزء من نبات وحيوان. # ولما علم من هذا أنه لا بد أن يكون المصور بالغ الحكمة، أردفه بقوله ~~تعالى: {له} أي خاصة لا لغيره {الأسماء الحسنى} أي من الحكيم وغيره ممن لا ~~يتم التصوير إلا به ولا تدركونه أنتم حق إدراكه. # ولما أخبر سبحانه أول السورة أن الكائنات أوجدت تسبيحه خضوعا لعزته ~~وحكمته، ودل على ذلك بما تقدم إلى أن أسمعه الآذان الواعية بالأسماء ~~الحسنى، دل على دوام اتصافه بذلك من يحتاج لما له من النقص من الخلق إلى ~~التذكير فعبر بالمضارع فقال: {يسبح} أي يكرر التنزيه الأعظم من كل شائبة ~~نقص على سبيل التجدد والاستمرار {له} أي على وجه التخصيص بما أفهمه قصر ~~المتعدي وتعديته باللام {ما في السماوات} ولما كان هذا المنزه الذي استجلى ~~التنزيه من الأسماء الحسنى قد أشرقت أنفاسه ولطفت أقطاره # PageV19P479 # وأغراسه حتى صار علويا فرأى الأرض عالية كالسماء لما شاركتها به في ~~الدلالة على تمام كماله لجعلها معها لأنه لا يحتاج إلى تأكيد كالشيء الواحد ~~بإسقاط «ما» وألصقها بها إلاحة إلى ذلك فقال: {والأرض} فمن تأمل الوجود ~~مجملا ومفصلا، علم تسبيح ذلك كله بنعوت الكمال وأوصاف الجلال والجمال {وهو} ~~أي والحال أنه وحده {العزيز} أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ولا يوجد ~~له مثل، ويعز الوصول إليه ويشتد الحاجة إليه. # ولما كان من يكون بهذه الصفة لا يتم أمره وثبت كل ما يريده إلا إن كان ~~على قانون الحكمة قال: {الحكيم *} من الحكمة وهي إتقان الحكم وإنهاؤها إلى ~~جد لا يمكن نقضهن والحكم قال الحرالي: المنع عما يترامى إليه المحكوم إيالة ~~عليه وحمله على ما يمتنع منه نظرا ms5083 له، ففي ظاهره الجهد وفي باطنه الرفق، ~~وفي عاجله الكره، وفي آجله الرضى والروح، فموقعه في الأبدان المداواة ~~«تداووا عباد الله فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء» ، وموقعه في الأديان ~~التزام الأحكام والصبر والمصابرة على مجاهدة الأعمال وجهاد الأعداء ظاهرا ~~من عدو الدين والبغي وباطنا من عدو النفس (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك) # PageV19P480 # ومن بعض الأهل والولد عدو، والشيطان عدو يجري من ابن آدم مجرى الدم {إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} [فاطر: 6] فالحمل على جميع أنواع الصبر ~~والمصابرة ظاهرا بالإيالة العالية هو الحكم والعلم بالأمر الذي لأجله وجب ~~الحكم من قوام أمر عاجلته وحسن العقبى في آجلته من الحكمة، فالحكم مباح ~~التعليم للناس عامة بل واجب أن يتعلم كل امرئ من الأحكام ما يخصه، وأن ~~ينتدب طائفة لعلم ما يعم جميع الناس {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] والحكمة التي هي العلم بما لأجله وجب ~~الحكم من مشروطه التعليم بالتزكية {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين} [الجمعة: 2] فما يعلمهم الحكمة إلا بعد التزكية فمن تزكى فهو من ~~أهلها ومن يترك فليس من أهلها، فالحكمة تحلي مرارة جهد العمل بالأحكام ~~فييسر بها ما يعسر دونها، والحكم ضيق الأمر للنفس كما أن السجن ضيق الخلق ~~للبدن، والحكمة تود محمل ضيق الحكم لأنها تخرج وتؤول إلى سعة الواسع، ولا ~~يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم. # ولما لم يكن للخلق من العلم إلا بقدر ما يهبهم الله لم يكن لهم من الحكمة ~~إلا مقدار ما يورثهم {ولقد آتينا لقمان # PageV19P481 # الحكمة} [لقمان: 12] ولما كان إنما العلم عند الله كان إنما الحكمة حكمة ~~الله وإنما الحكم حكم الله، فهو الحكيم الذي لا حكيم إلا هو - انتهى. وقد ~~علم سر اتباع الأسماء الشريفة من غير عطف، وذاك أنه لما ابتدأ ب «هو» وأخبر ~~عنه بالاسم العلم الأعظم المفرد المصون الجامع لجميع معاني الأسماء ms5084 الحسنى، ~~أتبعه تلك الأوصاف العلى من غير عطف إعلاما بأنه لا شيء منها يؤدي جميع ~~معناه بالمفهوم المتعارف عند أهل اللغة، ولذلك جمع بعدها الأسماء إشارة إلى ~~أنه لا يجمع معناه إلا جميع الأوصاف المنزلة في كتبه والمأخوذة عن أوليائه ~~التي استأثر بها في غيبه وليس شيء مما ذكر ههنا مضادا في المعنى الظاهري ~~للآخر كالأول والآخر حتى يظن لأجله نقص في المعنى بسبب ترك العطف، وأما ~~ترتيبها هكذا فلأن كل اسم منها كما مضى شارح لما خفي من الذي قبله ومبين ~~للازمه، وموضع لما ألاح أنه من مضمونه، وقد انعطف على افتتاحها وختامها ~~وعانق ابتداؤها تمامها، ووفى مطلعها مقطعها، وزاد وبلغ الغاية من الإرشاد ~~إلى سبيل الرشاد، فسبحان من أنزله برحمته رحمة للعباد، وهاديا إلى الصواب ~~والسداد. # PageV19P482 # سورة الممتحنة # مقصودها براءة من أقر بالإيمان ممن اتسم بالعدوان دلالة على صحة مدعاه ~~كما أن الكفار تبرؤوا من المؤمنين وكذبوا بما جاءهم من الحق لئلا يكونوا ~~على باطلهم أحرص من المؤمنين على حقهم، وتسميتها بالممتحنة أوضح شيء فيها ~~وأدله على ذلك لأن الصهر أعظم الوصل وأشرفها بعد الدين، فإذا نفى ومنع دل ~~على أعظم المقاطعة لدلالته على الامتهان بسبب الكفران الذي هو أقبح ~~العصيان) بسم الله (الكافي من لجأ إليه فمن تولاه أغناه عمن سواه) الرحمن ~~(الذي عم بنعمة الإيجاد من فلق عن وجوده العدم وبراه وشمل، برحمته البيان ~~من حاطه بالعقل ورعاه) الرحيم (الذي خص بالتوفيق من أحبه وارتضاه. # PageV19P483 # ولما كان التأديب عقب الإنعام جديرا بالقبول، وكان قد أجرى سبحانه سنته ~~الإلهية بذلك، فأدب عباده المؤمنين عقب سورة الفتح السببي بسورة الحجرات، ~~وكانت سورة الحشر مذكرة بالنعمة في فتح بني النضير # PageV19P483 # ومعلمة بأنه لا ولي إلا الله، ولذلك ختمها بصفتي العزة والحكمة بعد أن ~~افتتحها بهما، وثبت أن من حكمة حشر الخلق، وأن أولياء الله هم المفلحون، ~~وأن أعداءه هم الخاسرون، وكان الحب في الله والبغض في الله أفضل الأعمال ~~وأوثق عرى الإيمان، ولذلك ذم سبحانه من والى أعداءه وناصرهم، ms5085 وسماهم مع ~~التكلم بكلمة الإسلام منافقين، أنتج ذلك قطعا وجوب البراءة من أعدائه ~~والإقبال على خدمته وولائه، فقال معيدا للتأديب عقب سورة الفتح على أهل ~~الكتاب بسورة جامعة تتعلق بالفتح الأعظم والفتح السببي: {يا أيها الذين ~~آمنوا} مناديا بأداة العبد وإن كان من نزلت بسببه من أهل القرب، ومعبرا ~~بالماضي إقامة لمن والى الكفار نوع موالاة في ذلك المحل إلهابا له وتهييجا ~~إلى الترفع عنه لئلا يقدح في خصوصيته ويحط من علي رتبته مع اللطف به ~~بالتسمية له بالإيمان حيث شهد سبحانه على من فعل نحو فعله مع بني النضير ~~بالنفاق وأحله محل أهل الشقاق، فحكم على # PageV19P484 # القلوب في الموضعين فقال هناك: {الذين نافقوا} كما قال هنا: {الذين ~~آمنوا} . # ولما كان قد تقدم في المجادلة النهي الشديد عن إظهار مطلق الموادة ~~للكفار، وفي الحشر الزجر العظيم عن إبطان ذلك فتكفلت السورتان بالمنع من ~~مصاحبة ودهم ظاهرا أو باطنا، بكت هنا من اتصف بالإيمان وقرعه ووبخه على ~~السعي في موادتهم والتكلف لتحصيلها، فإن ذلك قادح في اعتقاد تفرده سبحانه ~~بالعزة والحكمة، فعبر لذلك بصيغة الافتعال فقال بعد التبكيت بالنداء بأداة ~~البعد والتعبير بأدنى أسنان الإيمان: {لا تتخذوا} وزاد في ذلك المعنى من ~~وجهين: التعبير بما منه العداوة تجرئة عليهم وتنفيرا منهم والتوحيد لما ~~يطلق على الجمع لئلا يظن أن المنهي عنه المجموع بقيد الاجتماع والإشارة إلى ~~أنهم في العداوة على قلب واحد، فأهل الحق أولى بأن يكونوا كذلك في الولاية ~~فقال: {عدوي} أي وأنتم تدعون موالاتي ومن المشهور أن مصادق العدو أدنى ~~مصادقة لا يكون وليا فكيف بما هو فوق الأدنى وهو فعول من عدى، وأبلغ في ~~الإيقاظ بقوله: {وعدوكم} أي # PageV19P485 # العريق في عداوتكم ما دمتم على مخالفته في الدين. # ولما وحد لأجل ما تقدم من الإشارة إلى اتحاد الكلمة، بين أن المراد الجمع ~~فقال: {أولياء} ثم استأنف بيان هذا الاتحاد بقوله مشيرا إلى غاية الإسراع ~~والمبادرة إلى ذلك بالتعبير بقوله: {تلقون} أي جميع ما هو في حوزتكم مما لا ~~تطمعون ms5086 فيه إلقاء الشيء الثقيل من علو {إليهم} على بعدهم منكم حسا ومعنى ~~{بالمودة} أي بسببها. # ولما توقع السامع التصريح بمضادتهم في الوصف الذي ناداهم به بعد التلويح ~~إليه، ملهيا ومهيجا إلى عداوتهم بالتذكير بمخالفهم إياه في الاعتقاد ~~المستلزم لاستصغارهم لأنه أشد المخالفة {وقد} أي هو الحال أنهم قد {كفروا} ~~أي غطوا جميع ما لكم من الأدلة {بما} أي بسبب ما {جاءكم من الحق} أي الأمر ~~الثابت الكامل في الثبات الذي لا شيء أعظم ثباتا منه، ثم استأنف بين كفرهم ~~بما يبعد من مطلق موادتهم فضلا عن السعي فيها بقوله مذكرا لهم بالحال ~~الماضية زيادة في التنفير منهم ومصورا لها بما يدل على الإصرار بأنهم ~~{يخرجون الرسول} أي الكامل في الرسلية الذي يجب على كل أحد عداوة من عاداه ~~أدنى عداوة ولو كان أقرب الناس فكيف إذا كان عدوا، وبين أن المخاطب من أول ~~السورة من المهاجرين وأن إيراده على وجه الجمع للسير # PageV19P486 # والتعميم في النهي بقوله: {وإياكم} أي من دياركم من مكة المشرفة. # ولما بين كفرهم، معبرا بالمضارع إشارة إلى دوام أذاهم لمن آمن المقتضي ~~لخروجه عن وطنه، علل الإخراج بما يحقق معنى الكفر والجداوة فقال: {أن} أي ~~أخرجوكم من أوطانكم لأجل أن {تؤمنوا} أي توقعوا حقيقة الإيمان مع التجديد ~~والاستمرار. # ولما كان الإيمان به سبحانه مستحقا من وجهي الذات والوصف لفت الخطاب من ~~التكلم إلى الغيبة للتنبيه عليهما فقال: {بالله} أي الذي اختص بجميع صفات ~~الكمال، ولما عبر بما أبان أنه مستحق للإيمان لذاته أردفه بما يقتضي وجوب ~~ذلك لإحسانه فقال: {ربكم} ولما ألهبهم على مباينتهم لهم بما فعلوا معهم ~~وانقضى ما أريد من التنبيه بسياق الغيبة عاد إلى التكلم لأنه أشد تحببا ~~وأعظم استعطافا وأكمل على الرضا فألهبهم بما كان من جانبهم من ذلك الفعل أن ~~لا يضيعوه، فقال معلما إن ولايته سبحانه لا تصح إلا بالإيمان، ولا يثبت ~~الإيمان إلا بدلائله من الأعمال، ولا تصح الأعمال إلا بالإخلاص، ولا يكون ~~الإخلاص إلا بمباينه الأعداء: {إن كنتم} أي ms5087 كونا راسخا حين أخرجوكم من ~~أوطانكم لأجل إيمانكم بي {خرجتم} أي منها وهي أحب البلاد إليكم {جهادا} أي ~~لأجل الجهاد {في سبيلي} أي بسبب إرادتكم # PageV19P487 # تسهيل طريقي التي شرعتها لعبادي أن يسلكوها {وابتغاء مرضاتي} أي ولأجل ~~تطلبكم بأعظم الرغبة لرضاي ولكل فعل يكون موضعا له، وجواب هذا الشرط محذوف ~~لدلالة {لا تتخذوا} عليه. # ولما فرغ من بيان حال العدو وشرط إخلاص الولي، وكان التقدير: فلا تتخذوهم ~~أولياء، بنى عليه قوله مبينا {تلقون} إعلاما بأن الإسرار إلى أحد بما فيه ~~نفعه لا يكون إلا توددا: {تسرون} أي توجدون إسرار جميع ما يدل على مناصحتهم ~~والتودد إليهم، وأشار إلى بعدهم عنهم بقوله: {إليهم} إبلاغا في التوبيخ ~~بالإشارة إلى أنهم يتجشمون في ذلك مستفتين إبلاغ الأخبار التي يريد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي كتمها عنهم على وجه الإسرار خوف ~~الافتضاح والإبلاغ إلى المكان البعيد {بالمودة} أي بسببها أو بسبب الإعلام ~~بأخبار يراد بها أو يلزم منها المودة. # ولما كان المراد بالإسرار الستر على من يكره ذلك، قال مبكتا لمن يفعله: ~~{وأنا} أي والحال أني {أعلم} أي من كل أحد من نفس الفاعل {بما أخفيتم} أي ~~من ذلك {وما أعلنتم} فأي فائدة لإسراركم إن كنتم تعلمون أني عالم به، وإن ~~كنتم تتوهمون أني لا أعلمه فهي القاصمة. # ولما كان التقدير بما هدى إليه العاطف: فمن فعل منكم فقد ظن # PageV19P488 # أني لا أعلم الغيب أو فعل ما يقتضي ظن ذلك، عطف عليه قوله: {ومن يفعله} ~~أي يوجد الاتخاذ سرا أو علنا أو يوجد الإسرار بالمودة فالإعلان أولى في وقت ~~من الأوقات ماض أو حال أو استقبال. ولما كان المحب قد يفعل بسبب الإدلال ما ~~يستحق به التبكيت، فإذا بكت ظن أن ذلك ليس على حقيقته لأن محبته لا يضرها ~~شيء، وكان قد ستر المعايب بأن أخرج الكلام مخرج العموم، صرح بأن هذا العتاب ~~مراد به الإحباب فقال: {منكم} وحقق الأمر وقربه بقوله: {فقد ضل} أي عمي ~~ومال وأخطأ {سواء السبيل *} أي قويم ms5088 الطريق الواسع الموسع إلى القصد قويمه ~~وعدله، وسبب نزول هذه الآية روي من وجوه كثيرة فبعضه في الصحيح عن علي ومنه ~~في الطبراني عن أنس ومنه في التفاسير «أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن ~~هاشم بن عبد مناف أتت المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح ~~مكة فسألها ما أقدمها، فقالت: ذهب موالي وقد احتجت حاجة شديدة، وكنتم الأهل ~~والعشيرة والموالي، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني ~~المطلب فأعطوها وكسوها وحملوها، فكتب معها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد ~~بن عبد العزى من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يريدكم فخذوا حذركم، فأعطاها عشرة # PageV19P489 # دنانير، فنزل جبريل عليه السلام بالخبر فبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عمر وعليا وعمارا والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد وكانوا كلهم ~~فرسانا فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاط ~~إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلها، وإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها. ~~فانطلقوا تعادي بهم خيلهم، فأدركوها في ذلك المكان فأنكرت وحلفت بالله، ~~ففتشوها فلم يجدوه فهموا بالرجوع، فقال علي رضي الله عنه: ما كذبنا ولا ~~كذبنا، وسل سيفه فقال: أخرجي الكتاب أو لألقين الثياب ولأضربن عنقك، فقالت: ~~على أن لا تردوني، ثم أخرجته من عقاصها قد لفت عليه شعرها، فخلوا سبيلها، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاطب: هل تعرف الكتاب قال: نعم، قال: ~~فما حملك على هذا؟ قال: لا تعجل يا رسول الله، والله ما كفرت منذ أسلمت ولا ~~غششت منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا ~~وله بمكة من يدفع الله به عن عشيرته، وكنت غريبا خليفا فيهم، وكان أهلي بين ~~ظهرانيهم فأردت أن أتخذ عندهم يدا يدفع الله بها عن أهلي، وقد علمت أن الله ~~تعالى ينزل بهم بأسه، # PageV19P490 # وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا، فقال لهم رسول الله صلى ms5089 الله عليه وسلم: ~~صدق ولا تقولوا له إلا خيرا، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا ~~رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ~~يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت ~~لكم، ففاضت عينا عمر رضي الله عنه وقال: الله ورسوله أعلم، فأنزل الله {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم} » # الآيات. # ولاق الإمام أبو جعفر بن الزبير: افتتحت - يعني هذه السورة - بوصية ~~المؤمنين على ترك موالاة أعدائهم ونهيهم عن ذلك وأمرهم بالتبرؤ منهم، وهو ~~المعنى الوارد في قوله خاتمة المجادلة {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم} إلى آخر ~~السورة، وقد حصل منها أن أسنى أحوال أهل الإيمان وأعلى مناصبهم {أولئك كتب ~~في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 22] فوصى عباده في افتتاح ~~الممتحنة بالتنزه عن موالاة الأعداء ووعظهم بقصة إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام والذين معه في تبرئهم من قومهم ومعاداتهم، والاتصال في هذا بين، ~~وكأن سورة الحشر وردت مورد الاعتراض المقصود بها تمهيد الكلام وتنبيه ~~السامع # PageV19P491 # على ما به تمام الفائدة لما ذكر أن شأن المؤمنين أنهم لا يوادون من حاد ~~الله ورسوله ولو كانوا أقرب الناس إليهم، اعترض بتنزيهه عن مرتكباتهم، ثم ~~أتبع ذلك ما عجله لهم من النقمة والنكال، ثم عاد الأمر إلى النهي عن موالاة ~~الأعداء جملة له، ثم لما كان أول سورة الممتحنة إنما نزل في حاطب بن أبي ~~بلتعة رضي الله عنه وكتابه لكفار قريش بمكة، والقصة مشهورة وكفار مكة ليسوا ~~من يهود، وطلبوا المعادة للجميع واحد، فلهذا فضل بما هو من تمام الإخبار ~~بحال يهود، وحينئذ عاد الكلام إلى الوصية عن نظائرهم من الكفار المعاندين، ~~والتحمت السور الثلاث وكثر في سورة الممتحنة تزداد الوصايا والعهود، وطلب ~~بذلك كله ولهذا المناسبة ذكر فيها الحكم في بيعة النساء وما يشترط عليهن في ~~ذلك، فمبنى السورة على طلب ms5090 الوفاء افتتاحا واختتاما حسب ما بين في التفسير ~~لينزه المؤمن عن حال من قدم ذكره في سورة الحشر وفي خاتمة سورة المجادلة - ~~انتهى. # PageV19P492 # ولما كان ما بينه تعالى من إخراجهم لهم موضحا بعداوتهم وكان طول كفهم عن ~~قصدهم بالأذى من سنة الأحزاب سنة خمس إلى سنة # PageV19P492 # ثمان ربما شكك في أمرها، وكان سبحانه قد أعز المؤمنين بعد ذلهم وقواهم ~~بعد وهنهم وضعفهم، وثقفهم بعد جهلهم، بين ظلال معتقد ذلك بأن كف الكفار ~~إنما هو لعجزهم وأنهم لو حصل لهم ما هو للمسلمين الآن من القوة لبادروا إلى ~~إظهار العداوة مع أن ذلك في نصر الشيطان، فأولياء الرحمان أولى باتباع ما ~~آتاهم من الإيمان، فقال مبينا لبقاء عداوتهم: {إن يثقفوكم} أي يجدوكم في ~~وقت من الأوقات ومكان من الأماكن وهم يطمعون في أخذكم بكونهم أقوى منكم أو ~~أعرف بشيء مما يتوصل به إلى الغلبة، وأشار بأداة الشك إلى أن وجدانهم وهم ~~على صفة الثقافة مما لا تحقق له، وإنما هو على سبيل الفرض والتقدير، وأنه ~~إنما علم سبحانه أنه لو كان كيف كان يكون، مع أنه مما لا يكون، ونبه على ~~عراقتهم في العداوة بالتعبير بالكون فقال: {يكونوا لكم} أي خاصة {أعداء} أي ~~يعدون إلى أذاكم كل عدو يمكنهم وإن واددتموهم. ولما كانت العداوة قد تكون ~~بإغراء الغير، عرف أنهم لشدة غيظهم لا يقتصرون على ذلك فقال: {ويبسطوا ~~إليكم} أي خاصة وإن كان هناك في ذلك الوقت من غيركم من قتل أعز # PageV19P493 # الناس إليهم {أيديهم} أي بالضرب إن استطاعوا {وألسنتهم} أي بالشتم مضمومة ~~إلى فعل أيديهم فعل من ضاق صدره بما نجرع من آخر من غيركم من القصص حتى ~~أوجب له غاية السعة {بالسوء} أي بكل ما من شأنه أن يسوء. # ولما كان أعدى الأعداء لك من تمنى أن يفوتك أعز الأشياء لديك، وكان أعز ~~الأشياء عند كل أحد دينه، قال متمما للبيان: {وودوا} أي وقعت منهم هذه ~~الودادة قبل هذا لأن مصيبة الدين أعظم فهم إليها أسرع لأن دأب العدو ms5091 القصد ~~إلى أعظم ضرر يراه لعدوه، وعبر بما يفهم التمني الذي يكون في المحالات ~~ليكون المعنى أنهم أحبوا ذلك غاية الحب وتمنوه، وفيه بشرى بأنه من قبيل ~~المحال {لو تكفرون *} أي يقع منكم الكفر الموجب للهلاك الدائم، وقدم الأول ~~لأنه أبين في العداوة وإن كان الثاني أنكأ. # ولما كانت عداوتهم معروفة وإنما غطاها محبة القرابات لأن الحب للشيء يعمي ~~ويصم، فخطأ رأيهم في موالاتهم بما أعلمهم به من حالاتهم، زهد فيها مما يرجع ~~إلى حال من والوهم لأجلهم بما تورثه من الشقاء الدائم يوم البعث، فقال ~~مستأنفا إعلاما بأنها خطأ على كل حال: {لن تنفعكم} أي بوجه من الوجوه ~~{أرحامكم} أي قراباتكم الحاملة لكم على # PageV19P494 # رحمتهم والعطف عليهم {ولا أولادكم} الذين هم أخص أرحامكم إن واليتم أعداء ~~الله لأجلهم فينبغي أن لا تعدوا قربهم منكم بوجه أصلا، ثم علل ذلك بينه ~~بقوله: {يوم القيامة} أي القيام الأعظم. # ولما كان النافي للنفع وقوع الفصل لا كونه من فاصل معين قال بانيا ~~للمفعول على قراءة أبي عمرو ونافع وابن كثير وأبي جعفر وابن عامر من أكثر ~~طرقه إلا أن شدد الصاد للمبالغة في الفصل: {يفصل} أي يوقع الفصل وهو الفرقة ~~العظيمة بانقطاع جميع الأسباب {بينكم} أي أيها الناس فيدخل من شاء من أهل ~~طاعته الجنة، ومن شاء من أهل معصيته النار، فلا ينفع أحد أحدا منكم بشيء من ~~الأشياء إلا إن كان قد أتى الله بقلب سليم فيأذن الله في إكرامه بذلك. # ولما كان التقدير إعلاما بأن الله هو الفاصل وهو الضار النافع بما دلت ~~عليه قراءة الباقين إلا أن حمزة والكسائي بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد ~~مشددة إشارة إلى عظمة هذا الفصل بخروجه عن المألوف عودا إلى الاسم الأعظم ~~إشارة إلى عظم الأمر بانتشار الخلائق وأعمالهم: فالله على ذلك قدير، عطف ~~عليه قوله: {والله} أي الذي له الإحاطة التامة {بما تعملون} أي من كل عمل ~~في كل وقت {بصير *} فيجازيكم عليه في الدنيا والآخرة، وقد مضى غيره مرة أن # PageV19P495 # تقديم ms5092 الجار في مثل هذا للتنبه على مزيد الاعتناء بعلم ذلك لا على ~~الاختصاص ولا لأجل الفواصل. # PageV19P496 # ولما أبلغ سبحانه في وعظهم في ذلك، وكانت عادته التربية بالماضين، كان ~~موضع توقع ذلك فقال معبرا بأداة التوقع: {قد كانت} أي وجدت وجودا تاما، ~~وكان تأنيث الفعل إشارة إلى الرضا بها ولو كانت على أدنى الوجوه {لكم} أي ~~أيها المؤمنون {أسوة} أي موضع اقتداء وتأسية وتسنن وتشرع وطريقة مرضية ~~{حسنة} يرغب فيها {في إبراهيم} أي في قول أبي الأنبياء {والذين معه} أي ممن ~~كانوا قبله من الأنبياء، قال القشيري: وممن آمن به في زمانه كابن أخيه لوط ~~عليهما الصلاة والسلام وهم قدوة أهل الجهاد والهجرة {إذ} أي حين {قالوا} ~~وقد كان من آمن به أقل منكم وأضعف {لقومهم} الكفرة، وقد كانوا أكثر من ~~عدوكم وأقوى وكان لهم فيهم أرحام وقرابات ولهم فيهم رجاء بالقيام ~~والمحاولات. # ولما كان ما ذكر من ضعفهم وقوة قومهم مبعدا لأن يبارزوهم، أكدوا قولهم ~~فقالوا: {إنا} أي من غير وقفة ولا شك {برءاء} أي متبرئون تبرئة عظيمة ~~{منكم} وإن كنتم أقرب الناس إلينا ولا ناصر لنا منهم غيركم. ولما تبرؤوا ~~منهم أتبعوه ما هو أعظم عندهم منهم وهو سبب العداوة فقالوا: {ومما تعبدون} ~~أي توجدون عبادته في وقت # PageV19P496 # من الأوقات الماضية المفيد التعبير عنها بالمضارع تصوير الحال أو الحاضرة ~~أو الآتية كائنا من كان لا نخاف شيئا من ذلك لأن إلهنا الذي قاطعنا كل شيء ~~في الانقطاع إليه لا يقاويه شيء، ولا تقدرون أنتم مع إشراككم به على ~~البراءة منه. # ولما كانوا مشركين قالوا مستثنين ومبينين لسفول كل شيء عن متعالي مرتبة ~~معبودهم: {من دون الله} أي الملك الأعظم الذي هو كاف لكل مسلم. ولما كانت ~~البراءة على أنحاء كثيرة، بينوا أنها براءة الدين الجامعة لكل براءة ~~فقالوا: {كفرنا بكم} أي أوجدنا الستر لكل ما ينبغي ستره حال كوننا مكذبين ~~بكل ما يكون من جهتكم من دين وغيره الذي يلزم منه الإيمان، وهو إيقاع ~~الأمان من التكذيب لمن يخبرنا ms5093 بسبب كل ما يضاده مصدقين بذلك. ولما كان ~~المؤمن على جبلة مضادة لجبلة الكافر، عبر بما يفهم أن العداوة كانت موجودة ~~ولكنها كانت مستورة، فقال دالا على قوتها بتذكير الفعل: {وبدا} أي ظهر ~~ظهورا عظما، وعلى عظمتها بالدلالة بنزع الخافض على أنها شاحنة لجميع ~~البينين فقال: {بيننا وبينكم} أي في جمع الحد الفاصل بين كل واحد منا وكل ~~واحد منكم {العداوة} وهي المباينة في الأفعال بأن يعدو كل على الآخر ولا ~~يكون ذلك # PageV19P497 # إلا عندما يستخف الغيظ الإنسان لإرادة أن يشفي صدره من شدة ما حصل له من ~~حرارة الخنق. فالعداوة مما يمتد فيكون مالئة لظرفها، قال الشيخ سعد الدين ~~التفتازاني في تلويحه على توضيح صدر الشريعة في أوائله في علاقات المجاز: ~~الفعل المنسوب إلى ظرف الزمان بواسطة تقدير «في» دون ذكره يقتضي كون الظرف ~~معيارا له غير زائد عليه مثل صمت الشهر، يدل على صوم جميع أيامه بخلاف صمت ~~في الشهر، فإذا امتد الفعل الظرف ليكون معيارا له فيصح حمل اليوم - في نحو ~~صرت يوم كذا - على حقيقته، وهو ما يمتد من الطلوع إلى الغروب، وإذا لم يمتد ~~الفعل - يعني مثل وقوع الطلاق - لم يمتد الظرف، لأن الممتد لا يكون معيارا ~~لغير الممتد فحينئذ لا يصح حمل اليوم على النهار الممتد بل يجب أن يكون ~~مجازا عن جزء من الزمان الذي لا يعتبر في الغرف ممتدا، وهو الآن سواء كان ~~من النهار أو من الليل بدليل قوله تعالى: # {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] فإن التولي عن الزحف حرام ليلا كان ~~أو نهارا ولأن مطلق الآن جزء من الآن اليومي وهو جزء من اليوم، فيكون مطلق ~~الآن جزءا من اليوم، فتحقق العلاقة. # PageV19P498 # ولما كان ذلك قد يكون لغير البغض بل لتأديب ونحوه قالوا: {والبغضاء} أي ~~وهي المباينة بالقلوب بالبغض العظيم. ولما كان ذلك قد يكون سريع الزوال ~~قالوا: {أبدا} ولما كان ذلك مرئيا من صلاح الحال، وكان قد يكون لحظ نفس ~~بينوا غايته على وجه عرفت به علته بقولهم: {حتى ms5094 تؤمنوا} أي توقعوا الأمان ~~من التكذيب من أمركم بالإيمان وأخبركم عن الرحمان، حال كونكم مصدقين ~~ومعترفين {بالله} أي الملك الذي له الكمال كله. ولما كانوا يؤمنون به مع ~~الإشراك قالوا: {وحده} أي تكونوا مكذبين بكل ما يعبد من دونه. # ولما حث سبحانه المخاطبين على التأسي بقوله إبراهيم ومن معه في الوقت ~~عليهم السلام استثنى منه فقال تأنيسا لمن نزلت القصة بسببه واستعطافا له ~~وهو حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنه: {إلا قول إبراهيم} أي فلا تأسي لكم ~~به {لأبيه} واعدا له قبل أن يبين له أنه ثابت العداوة لله تعالى لكونه ~~مطبوعا على قلبه، فلا صلاح له، يقال: إن أباه وعده أنه يؤمن فاستغفر له، ~~فلما تبين له، أنه لا يؤمن تبرأ منه: {لأستغفرن} أي لأوجدن طلب الغفران من ~~الله {لك} فإن هذا الاستغفار لكافر، فلا ينبغي لهم أن يتأسوا به فيه مطلقا ~~غير ناظرين إلى علم أنه مطبوع على قلبه أو في حيز الرجوع. # PageV19P499 # ولما وعده بالاستغفار ترغيبا له، رهبه لئلا يترك السعي في النجاة بما ~~معناه أنه ليس في يدي غير الاستغفار، فقال: {وما أملك لك} أي لكونك كافرا ~~{من الله} أي لأنه الملك الأعلى المحيط بنعوت الجلال، وأعرق في النفي ~~بقوله: {من شيء} والاستثناء وقع على هذا القول بقيد الاجتماع، ولا يلزم منه ~~التعرض للأجزاء، فلا تكون هذه الجملة على حيالها مستثناة لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما نادى: # «واصباحاه حين أنزل الله سبحانه وتعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} كان يقول ~~لكل من سماه: لا أملك لك من الله شيئا، حتى قال في آخر ذلك: يا فاطمة بنت ~~محمد! سليني من مالي ما شئت لا أغن عنك من الله شيئا» . # ولما حثهم على التأسي بقول الخلص، وقدم منه المحافاة لأنها المقصودة، ~~واستثنى ما لا ينبغي التأسي فيه اعتراضا به بين أجزاء مقالهم بيانا ~~للاهتمام به للتنفير منه من قوله، أتم ما يؤيسي فيه فقال مبينا أنهم ما ~~أقدموا على مجافاتهم بما قال إلا وقد قرروا جميع ms5095 ما يقولونه ورضوا به دون ~~موادتهم وانقطعوا إلى الله وحده انقطاعا تاما يفعل بهم ما يشاء من تسليطهم ~~عليهم أو حمايتهم منهم، لكنهم سألوا الحماية # PageV19P500 # لا لذاتها ولا لأنفسهم بل لئلا يزيد ذلك أعداءهم ضلالا {ربنا} أي أيها ~~المحسن إلينا بتخليصك لنا من الهلاك باتباعهم {عليك} أي لا على غيرك ~~{توكلنا} أي فعلنا في جميع أمورنا معك فعل من يحملها على قوى ليكفيه أمرها ~~لأنا نعلم أنك تكفي إذا شئت كل ملم، وأنه لا يذل من والتي ولا يعز من عاديت ~~وقد عادينا فيك قوما عتاة أقوياء ونحن ضعفاء، ورضينا بكل ما يحصل لنا منهم ~~غير أن عافيتك هي أوسع لنا. # ولما كان الذي ينبغي لكل أحد وإن كان محسنا أن يعد نفسه مقصرا شاردا عن ~~ربه لأنه لعظم جلاله لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره، وأن يعزم على الاجتهاد ~~في العبادة قالوا مخبرين بذلك عادين ذلك العزم رجوعا: {وإليك} أي وحدك لا ~~إلى غيرك {أنبنا} أي رجعنا بجميع ظواهرنا وبواطننا. ولما كان المعنى ~~تعليلا: فإنه منك المبدأ، عطف عليه قوله: {وإليك} أي وحدك {المصير *} ولما ~~أخبروا بإسلامهم له سبحانه وعللوه بما اقتضى الإحاطة فاقتضى مجموع ذلك ~~الثناء الأتم، فلزم منه الطلب، صرحوا به فقالوا داعين بإسقاط الأداة ~~للدلالة على غاية قربه سبحانه بما له من الإحاطة: {ربنا} أي أيها المربي ~~لنا والمحسن إلينا {لا تجعلنا} بإضعافنا والتسليط علينا {فتنة} # PageV19P501 # أي موضع اختبار {للذين كفروا} بأن يعذبونا بعذاب يميلنا عما نحن عليه ~~ويميلهم عما وصلوا إليه بسبب إسلامنا من الزلازل بما يوجب ذلك لهم من ~~اعتقاد لو أنك كنت راضيا بديننا لكنا على الحق وكانوا هم على الباطل ما ~~أمكنت منا، فيزيدهم ذلك طغيانا ظنا منهم أنهم على الحق وأنا على الباطل. # ولما كان رأس مال المسلم الأعظم الاعتراف بالتقصير وإن بلغ النهاية في ~~المجاهدة فإن الإله في غاية العظمة والبعد في نهاية الضعف، فبلوغه ما يحق ~~له سبحانه لا يمكن بوجه قالوا {واغفر لنا} أي استر ما عجزنا ms5096 فيه وامح عينه ~~وأثره. # ولما طلبوا منه الحياطة من جميع الجوانب، عللوه زيادة في التضرع والخضوع ~~واستجاز المطلوب مكررين صفة الإحسان زيادة في الترقق والاستعطاف بقولهم: ~~{ربنا} أي المحسن إلينا، وأكدوا إعلاما بشدة رغبتهم بحسن الثناء عليه ~~سبحانه واعترافا بأنهم قد يفعلون ما فيه شيء من تقصير فيكون من مثل أفعال ~~من لا يعرفه سبحانه فقالوا: {إنك أنت} أي وحدك لا غيرك {العزيز} الذي يغلب ~~كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم *} # PageV19P502 # الذي يضع الأشياء في أوفق محالها فلا يستطاع نقضها، ومن كان كذلك فهو ~~حقيق بأن يعطى من أمله فوق ما طلب. # PageV19P503 # ولما أتم ما حثهم على التأسي فيه بذكر أعظم آبائهم لأن دواعي الإنسان إلى ~~المداراة عما يخاف عليه من أقاربه وآله وجميع أحواله عظيمة جدا إن كان ~~المدارأ عظيما لا سيما إن كان قد تقدم له صداقة وبه ألفة، فكان جديرا بعد ~~الوعظ والتأسية أن يبقى عنده بقايا ولا سيما والناس متفاوتون، منهم من يرده ~~أيسر وعظ ومنهم من يحتاج إلى أكثر من ذلك أعاد التأسية تأكيدا لها على وجه ~~بلغ الذروة من جمال الترغيب وجلال الترهيب، وليكون فيها أتم دلالة على أن ~~ما بينهما من قول إبراهيم عليه السلام المأمور بالتأسي به من الدعاء وغيره ~~إلا ما استثنى لتشتد الرغبة فيه، فقال مصدرا بما دل على القسم إشارة إلى أن ~~من فعل غير هذا كان فعله فعل منكر لحسن هذا التأسي، ولذلك ذكر الفعل الذي ~~أنثه في الأول: {لقد كان لكم} أي أيها الذين ادعوا الإيمان، وقدم الظرف ~~بيانا للاهتمام به فقال: {فيهم} أي إبراهيم عليه السلام ومن معه {أسوة ~~حسنة} وأبدل من {لكم} ما هو الفيصل في الدلالة على الباطل، فقال مشيرا إلى ~~أن من لم يتأس بهم في هذا لم يكن راجيا لما ذكر: {لمن كان} أي جبل على أنه ~~{يرجوا الله} أي الملك # PageV19P503 # المحيط بجميع صفات الكمال فهو ذو الجلال الذي يجير ولا يجار عليه، ~~والإكرام الذي هو جدير بأن يعطى جميع ما يسأله ms5097 {واليوم الآخر} الذي يحاسب ~~على، النقير والقطمير، ولا تخفى عليه خافية، فمن لم يتأس بهم كان تركه ~~للتأسي دليلا على سوء عقيدته، فلا يلومن إلا نفسه، فقد أذن لإمام المسلمين ~~إن عثر عليه في عقوبته، فإن علم الغيب الذي أعلمناه نبينا صلى الله عليه ~~وسلم بأن حاطبا رضي الله عنه صحيح العقيدة غير متأهل للعقوبة منقطع بموته ~~صلى الله عليه وسلم ولا يبقى إلى ما نصبناه من الشعائر، وأقمناه من ~~الدلائل. # ولما كان التقدير: فمن أقبل على هذا التأسي لكونه يرجو الله واليوم الآخر ~~فلم يخلد إلى الدنيا، يتوله الله فإن الله رحيم ودود، عطف عليه قوله: {ومن ~~يتول} أي يوقع الإعراض عن أوامر الله تعالى في وقت من الأوقات مطلقا لكونه ~~أخلد إلى الدنيا ولم ير اليوم الآخرة أعرض الله عنه، وأشار بصيغة التفعل ~~إلى أن ذلك لا يقع إلا بمعالجة الفطرة الأولى، وأكد لأن فاعل ذلك كالمنكر ~~لمضمون الكلام فقال: {فإن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {هو} أي خاصة # PageV19P504 # {الغني} أي عن كل شيء {الحميد *} أي الذي له الحمد المحيط لإحاطته بأوصاف ~~الكمال في حال الطاعة له والمعصية فإن العاصي عبد لإرادته، كما أن المطيع ~~عبد لآمره وإرادته ولطفه، فلا يخرج شيء عن مراده، وكل شيء خاضع لحكمه، وقد ~~بينت الآية أدب العشرة لما ألهبت وهيجت على المفارقة للعصاة والتبرء منهم ~~حسا ومعنى، وإظهار ذلك لهم قولا وفعلا، إلى أن تحصل التوبة، ومن لم يفعل ~~ذلك كان شريكا في الفعل فيكون شريكا في الجزاء كما ورد، ثم لا يمنعه ذلك أن ~~يكون أكيله وجليسه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على ألسنة الأنبياء، ~~ومن فعل ما أمره الله به كان فعله جديرا بأن يكون سبب الوصله والقرب ~~والمودة، فالآية من الاحتباك: ذكر الرجاء أولا دليلا على ضده ثانيا، ~~والتولي ثانيا دليلا على ضده أولا، وسره أنه ذكر سبب السعادة ترغيبا وسبب ~~الشقاوة ترهيبا. # ولما أتم وعظهم بما هو الأنفع والأقرب إلى صلاحهم ففعلوا، وكان ذلك شاقا ~~لما ms5098 جبل عليه البشر من حب ذوي الأرحام والعطف عليهم، فتشوفت النفوس إلى ~~تخفيف بنوع من الأنواع، أتبعه الترجئة فيما قصده حاطب رضي الله عنه بغير ~~الطريق الذي يتوصل به فقال على عادة الملوك في الرمز إلى ما يريدونه فيقنع ~~الموعود به بل يكون ذلك الرمز # PageV19P505 # عنده أعظم من البت من غيرهم لما لهم من العظمة التي تقتضي النزاهة عما ~~يلم بشائبة نقص، وذلك أعظم في الإيمان بالغيب لأن الوعود لا تزال بين خوف ~~ورجاء جوابا لمن كأنه كان يقول: كيف يكون الخلاص من مثل هذه الواقعة وقد ~~بنيت يا رب هذه الدار على حكمة الأسباب: {عسى الله} أي أنتم جديرون بأن ~~تطمعوا في الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما {أن يجعل} بأسباب لا تعلمونها ~~{بينكم وبين} أي في جميع الحد الفاصل بين المجموعين أو بين كل شخصين من ~~الجمعين {الذين عاديتم} أي بالمخالفة في الدين {منهم} أي من هؤلاء الذين ~~عادوكم بما تقدم بأعيانهم من أهل مكة {مودة} وقد جعل ذلك عام الفتح تحقيقا ~~لما رجاه سبحانه، وأجرى سنته الإلهية بأن من عاديته فيه جعل عاقبة ذلك إلى ~~ولاية عظيمة، ومن تهاونت في مقاطعته فيه سبحانه أقامه لك ضدا. # ولما كان التقدير: فالله بكم رفيق، عطف عليه تذكيرا لهم بما له سبحانه من ~~العظمة قوله {والله} أي الذي له الإحاطة بالكمال: {قدير} أي بالغ القدرة ~~على كل ما يريده فهو يقدر على تقليب القلوب وتيسير العسير، فلما تم الرجاء ~~لم يبق إلا كدر الذنب # PageV19P506 # فأتبعه تطييبا للقلوب مما نزلت هذه الآيات بسببه قوله: {والله} أي الذي ~~له جميع صفات الكمال {غفور} أي محاء لأعيان الذنوب وآثارها {رحيم *} يكرم ~~الخاطئين إذا أراد بالتوبة ثم بالجزاء غاية الإكرام، قال الرازي في ~~اللوامع: كان النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان رضي الله عنه على ~~بعض اليمن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل فلقي ذا الحجار ~~مرتدا فقاتله، فكان أول من قاتل على الردة، فتلك المودة بعد المعاداة. # ولما ms5099 تم الوعظ والتأسية وتطبيب النفوس بالترجئة، وكان وصف الكفار ~~بالإخراج لهم من ديارهم يحتمل أن يكون بالقوة فيعم، ويحتمل أن يكون بالفعل ~~فيخص أهل مكة أو من باشر الأذى الذي تسبب عنه الخروج منهم، بين ذلك بقوله ~~مؤذنا بالإشارة إلى الاقتصاد في الولاية والعداوة كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما. وأبغض بغيضك هونا ما ~~عسى أن يكون حبيبك يوما ما» {لا ينهاكم الله} أي الذي اختص بالجلال ~~والإكرام {عن الذين لم يقاتلوكم} أي بالفعل {في الدين} أي بحيث تكونون ~~مظروفين له ليس شيئا من أحوالهم خارجا عنه، # PageV19P507 # فأخرج ذلك القتال بسبب حق دنيوي لا تعلق له بالدين، وأخرج من لم يقاتل ~~أصلا كخزاعة والنساء، ومن ذلك أهل الذمة بل الإحسان إليهم من محاسن الأخلاق ~~ومعالي الشيم لأنهم جيران. # ولما كان الذين لم يقاتلوا لذلك ربما كانوا قد ساعدوا على الإخراج قال: ~~{ولم يخرجوكم} وقيد بقوله: {من دياركم} ولما كان قد وسع لهم سبحانه ~~بالتعميم في إزالة النهي خص بقوله مبدلا من «الدين» : {أن} أي لا ينهاكم عن ~~أن {تبروهم} بنوع من أنواع البر الظاهرة فإن ذلك غير صريح في قصد المواددة ~~{وتقسطوا} أي تعدلوا العدل الذي هو في غاية الاتزان بأن تزيلوا القسط الذي ~~هو الجور، وبين أن المعنى: موصلين لذلك الإقساط {إليهم} إشارة إلى أن فعل ~~الإقساط {إليهم} إشارة إلى أن فعل الإقساط ضمن الاتصال، وإلى أن ذلك لا ~~يضرهم وإن تكفلوا الإرسال إليهم من البعد بما أذن لهم فيه فإن ذلك من الرفق ~~والله يحب الرفق في جميع الأمور ويعطي عليه ما لا يعطي على الخرق، ثم علل ~~ذلك بقوله مؤكدا دفعا لظن من يرى أذى الكفار بكل طريق، {إن الله} أي الذي ~~له الكمال كله {يحب} أي يفعل المحب مع {المقسطين *} أي الذين يزيلون الجور ~~ويوقعون العدل. # PageV19P508 # ولما علم الحال من هذا وما في أول السورة، أتبعه التصريح بما # PageV19P508 # أفاده مجموعا أحسن جمع مصورا أحسن تصوير فقال ms5100 تعالى: {إنما ينهاكم الله} ~~أي الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة {عن الذين قاتلوكم} متعمدين لقتالكم ~~كائنين {في الدين} ليس شيء من ذلك خارجا عنه، لتكون العداوة في الله ~~{وأخرجوكم من دياركم} أي بأنفسهم لبغضكم {وظاهروا} أي عاونوا غيرهم {على ~~إخراجكم} ولما تناول هذا المقصودين صريحا، وكان النهي الذي موضعه الأفعال ~~قد علق بأعيانهم تأكيدا له، عرف بالمقصود بقوله: {أن} أي إنما ينهاكم عن ~~المذكورين في أن {تولوهم} أي تكلفوا فطركم الأولى أن تفعلوا معهم جميع ما ~~يفعله القريب الحميم الشفيق فتصرحوا بأنهم أولياؤكم وتناصروهم ولو كان ذلك ~~على أدنى الوجوه - بما أشار إليه إسقاط التاء. # ولما كان التقدير: فمن أطاع فأولئك هم المفلحون، عطف عليه قوله: {ومن ~~يتولهم} أي يكلف نفسه الحمل على غير ما يدعو إليه الفطرة الأولى من ~~المنابذة، وأطلق ولم يقيد ب «منكم» ليعم المهاجرين وغيرهم والمؤمنين ~~وغيرهم: {فأولئك} أي الذين أبعدوا عن العدل {هم} أي خاصة لا غيرهم العريقون ~~في أنهم {الظالمون *} أي العريقون في إيقاع الأشياء في غير مواضعها كمن ~~يمشي في مأخذ الاشتقاق بسبب هذا التولي. # PageV19P509 # ولما كان نزول هذه الآيات الماضية في الفتح الأعظم حين قصد النبي صلى ~~الله عليه وسلم سنة ثمان المسير بجنود الله إلى مكة المشرفة - شرفها الله ~~تعالى - لدخولها عليهم بالسيف حين نقضوا بقتالهم لخزاعة الذي كانوا قد ~~تحيزوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا في عقده وعهده في صلح الحديبية ~~الذي كان سنة ست على وضع الحرب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~دخل في عقده، وكان من ذلك الصلح أن من جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من ~~قريش ومن دخل في صلحهم رده إليهم وإن كان مسلما، ومن جاءهم من كان مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يردوه إليه بحيث قام من ذلك وقعد كثير من الصحابة ~~رضي الله عنه من أعظمهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى سكنه الصديق رضي ~~الله تعالى عنه بما وقر في صدره من ms5101 الحكم، ورد إليهم صلى الله عليه وسلم ~~أبا بصير رضي الله عنه، وكان رده إليهم للوفاء بالعهد بسبب التصديق لقوله ~~صلى الله عليه وسلم «أما من جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجا ~~ومخرجا» وقصته في ذلك كله مشهورة، وكانت «من» من صيغ العموم، وكانت دلالة ~~العام قطعية في الحكم على الأفراد ظنية - كما قال الشافعي رضي الله تعالى ~~عنه - في الدلالة على الجزئي من تلك الأفراد بخصوصه حيث لا قرينة # PageV19P510 # لأن تلك الصيغ ترد تارة على عمومها وتارة يراد بها بعض الأفراد فتكون من ~~العام الذي أريد به الخصوص، وتارة يقع فيها التخصيص، فتكون من العام الذي ~~أريد به الخصوص فطرقها الاحتمال فاحتاج ما دلت عليه من الظاهر إلى قرينة، ~~وكان دخول النساء تحت لفظ «من» في صلح الحديبية أما عربا عن القرينة أو أن ~~القرينة القتال الذي وقع الصلح عليه بسببه صارفة عنه، وكذا قرينة التعبير ~~عنهن ب «ما» دون «من» في كثير من الكتاب العزيز # {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] {أو ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 3] {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] {والمحصنات ~~من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ~~[النساء: 24] {فما استمتعتم به منهن} [النساء: 24] ، {فما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] {إلا على أزواجكم أو ما ملكت أيمانهم} ~~[المؤمنون: 6] ، وكان قد ختم سبحانه هذه الآيات التي أدب بها في غزوة الفتح ~~بما أبان به ما لا يخرج عن الصلح في عمرة الحديبية مما هو أقرب إلى الخير ~~من البر والعدل، ونهى عن تولي الكفار، فكانت المصاهرة والمناكحة من أعظم ~~التولي، وصل بذلك ما لا يخرج عنه ولا يحل بالعهد في أن من جاء من الكفار ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم رده إليهم وإن كان مسلما، فقال مخاطبا لأدنى ~~أسنان أهل الإيمان الذين # PageV19P511 # يحتاجون إلى التفهيم، وأما من هو أعلى منهم فهو عالم بذلك مؤتمر به بما ~~آتاه الله من الفهم وأنار به قلبه الشريف من ms5102 فنون العلم ليكوفوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم مقدمات البيعة منه لهن: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا ~~بالإيمان - وهو إيقاع الأمان من التكذيب - لمن يخبرهم ما ينبغي التصديق به ~~بسبب تصديقهم بالله سبحانه وتعالى. # ولما كان في علمه سبحانه وتعالى أنه يأتيهم نساء يهربن بدينهن إلى الله، ~~بشرهم بذلك بالتعبير بأداة التحقيق فقال: {إذا} أي صدقوا ما ادعيتموه من ~~الإيمان بأنه في أي زمان {جاءكم} ولما كان لا يهجر داره وعشيرته لا سيما إن ~~كانوا أقارب بسبب كفرهم إلا من رسخ في الإيمان ذكرا كان أو أنثى قال: ~~{المؤمنات} أي النساء اللاتي صار وصف الإيمان لهن صفة راسخة بدلالة الهجرة ~~عليه: {مهاجرات} للكفار ولأرضهم {فامتحنوهن} أي اختبروهن تأكيدا لما دلت ~~عليه الهجرة من الإيمان بالتحليف بأنهن ما خرجن لحدث أحدثته ولا بغضا في ~~زوج ولا رغبة في عشير ولا خرجن إلا حبا لله ورسوله ورغبة في دين الإسلام، ~~قال الإمام شهاب الدين ابن النقيب في الهداية من مختصره للكفاية لفقيه ~~المذهب نجم الدين أحمد بن الرفعة في شرح التنبيه: # PageV19P512 # واختلف قول الشافعي رحمه الله تعالى: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~شرط لقريش في الصلح رد النساء ففي قول: لم يشترطه بل أطلق رد من جاءه ~~فتوهموا تناول النساء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عالما بعدم دخولهن، ~~فأطلق ذلك حذيفة يعني ومن شرعه أن الحرب خدعة، وفي قوله: شملهن الشرط، لكن ~~هل شرطه صريحا أم دخلن في الإطلاق فيه وجهان أظهرهما الثاني، وهل كان شرطهن ~~جائزا فيه وجهان: أحدهما نعم ثم نسخ، وهل ناسخه الآية المذكورة أم منع ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الرد فيه وجهان مبنيان على أنه هل يجوز نسخ ~~السنة بالقرآن وفيه قولان للشافعي رحمه الله تعالى، ومختاره منهما المنع ~~وهو الجديد، وكذا لا يجوز عنده وعند أصحابه نسخ الكتاب بالسنة وإن كانت ~~متواترة - انتهى. # ومعناه أنه لم يقع فإن وقع نسخها بالقرآن كان معه سنة، وإن وقع نسخه ~~بالسنة كان معها قرآن، ms5103 وهو معنى قول ابن السبكي في جمع الجوامع: قال ~~الشافعي رضي الله عنه: وحيث وقع بالسنة فمعها قرآن أو بالقرآن فمعه سنة ~~عاضدة تبين توافق الكتاب والسنة. # ولما كان الاختبار ربما دل إيمانهن لا يعلم إلا به، نفى ذلك بقوله ~~مستأنفا في جواب من يقول: أليس الله بعالم بذلك، ومفيدا أن علمكم # PageV19P513 # الذي تصلون إليه بالامتحان ليس بعلم، وإنما سماه به إيذانا بأن الظن ~~الغالب في حقكم بالاجتهاد والقياس قائم مقام العلم يخرج من عنده {ولا تقف ~~ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] : {الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلما ~~{أعلم} أي منكم ومنهن بأنفسهن {بإيمانهن} هل هو كائن أو لا على وجه الرسوخ ~~أو لا، فإنه محيط بما غاب كإحاطته بما شهد، وإنما وكل الأمر إليكم في ذلك ~~سترا للناس ولئلا تكون شهادته لأحد بالإيمان والكفران موصلة إلى عين اليقين ~~فيخرج عن مبنى هذه الدار، قال القشيري: وفي الجملة الامتحان طريق إلى ~~المعرفة، وجواهر النفس تتبين بالتجربة، ومن أقدم على شيء من غير تجربة يجني ~~كأس الندم، قال: {فإن علمتموهن} أي العلم المتمكن لكم وهو الظن المؤكد ~~بالأمارات الظاهرة بالحلف وغيره {مؤمنات} أي مخلصات في الهجرة لأجل ~~الإيمان، والتعبير بذلك لإيذان بمزيد الاحتياط. # ولما ذكر هذا الامتحان بين أنه علة لحمايتهن والدفع عنهن فأتبعه مسببه ~~فقال: {فلا ترجعوهن} أي بوجه من الوجوه {إلى الكفار} وإن كانوا أزواجا، ومن ~~الدليل على أن هذا ظاهر في المراد وأن القرائن موضحة له أنه صلى الله عليه ~~وسلم لما أبى أن يرد إليهم من جاءه من النساء لم يعب أحد من الكفار ذلك، ~~ولا نسب # PageV19P514 # إلى عهده صلى الله عليه وسلم - وحاشاه - خللا، ولولا أن ذلك كذلك لملؤوا ~~الأرض تشغيبا كما فعلوا في سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه إلى نخله ~~التي نزل بسببها # {يسألونك عن الشهر الحرام} [البقرة: 217] الآيات على أن الأخبار الصحيحة ~~وغيرها ناطقة بأن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل أن ينفصل الأمر غاية ~~الانفصال ويستقر، روى البخاري في ms5104 المغازي من صحيحه والبغوي من طريقه وهذا ~~لفظه من المروان والمسور بن مخرمة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالوا: كاتب سهيل بن عمرو فكان ما اشترط على النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~لا يأتيك أحد منا وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فكاتبه النبي صلى الله ~~عليه وسلم على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهل بن عمرو، ولم يأته أحد ~~من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما، وجاءت المؤمنات مهاجرات، ~~وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو عاتق فجاء أهلها إلى المدينة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم كما أنزل الله فيهن {إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن} وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أقبل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معتمرا # PageV19P515 # حتى إذا كان بالحديبية صالحه مشركو مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده ~~إليهم فجاءت سبيعة بنت الحارث مسلمة بعد الفراغ من الكتاب، فأقبل زوجها، ~~وكان كافر، فقال: يا محمد! اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت أن ترد علينا من ~~أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف، فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا ~~إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن} وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: امتحانها أن تستحلف أنها ما هاجرت لبغض زوج ولا عشقا لرجل ~~من المسلمين ولا رغبة عن أرض ولا لحدث أحدثته ولا التماس الدنيا وما خرجت ~~إلا رغبة في الإسلام وحبا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فاستحلفها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك فحلفت فلم يردها وأعطى زوجها ما أنفق عليها، ~~فزوجها عمر رضي الله عنه، وكان صلى الله عليه وسلم يرد من جاءه من الرجال ~~ويحبس من جاءه من النساء بعد الامتحان، ويعطي أزواجهن مهورهن، ودعوى النسخ ~~ليست بشيء إلا تؤول بأنه لما كان من العالم الذي أريد به الخصوص ms5105 أن بعض ما ~~تناوله ظاهر اللفظ من الحكم مرفوع، وذلك بأن الله لا يأمر بإخلاف الوعد ~~فكيف بنقض العهد. ولما نهى عن رد المهاجرات # PageV19P516 # إلى المشركين وعبر بالكفار تعميما، علل ذلك بقوله مقدما حكمهن تشريفا لهن ~~لهجرتهن: {لا هن} أي الأزواج {حل} أي موضع حل ثابت {لهم} أي للكفار ~~باستمتاع ولا غيره. ولما كان نفي الحل الثابت غير مانع من تجدد حل الرجال ~~لهن ولو على تقدير من التقادير وفرض من الفروض، قال معيدا لذلك ومؤكدا لقطع ~~العلاقة من كل جانب: {ولا هم} أي رجال الكفار {يحلون} أي يتجدد في وقت من ~~الأوقات أن يحلوا {لهن} أي للمؤمنات حتى لو تصور أن يكون رجالهن نساء وهن ~~ذكورا ما حلوا لهن بخلاف أهل الكتاب، كذا تنفك الملازمة في مسألة المظاهرة ~~والإيلاء فيحل للمرأة أن تستمتع به إذا كان نائما مثلا، وأما هو فيحرم عليه ~~ذلك قبل التكفير، وقال البيضاوي: الأولى لحصول الفرقة، والثانية للمنع من ~~الاستئناف - انتهى، فنفت هذه الجملة الفعلية من وجه تجدد الحل للنساء ~~فأفهمت الجملتان عدم الحرج فيما كان قبل ذلك تطييبا لقلوب المؤمنات. # ولما نهى عن الرد وعلله، أمر بما قدم من الإقساط إليهم # PageV19P517 # فقال: {وآتوهم} أي الأزواج {ما أنفقوا} أي عليهن من المهور فإن المهر في ~~نظير أصل العشرة ودوامها وقد فوتتها المهاجرة فلا يجمع عليه خسران الزوجية ~~والمالية، وأما الكسوة والنفقة فإنها لما يتجدد من الزمان. # ولما جزم بتأييد منعهن عن الكفار، أباحهن للمسلمين فقال على وجه الرفق ~~واللطف: {ولا جناح} أي ميل وحرج {عليكم} أيها المشرفون بالخطاب {أن ~~تنكحوهن} أي تجددوا زواجكم بهن بعد الاستبراء وإن كان أزواجهن من الكفار لم ~~يطلقوهن لزوال العلق منهم عنهن ولأن الإسلام فرق بينهم فإنه لن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا. ولما كان قد أمر برد مهور الكفار، فكان ربما ~~ظن أنه مغن عن تجديد مهر لهن إذا نكحهن المسلم نفى ذلك بقوله: {إذا ~~آتيتموهن} أي لأجل النكاح {أجورهن} ولما قطع ما بين الكفار والمسلمات مع ~~الإعراض ms5106 عن الكفار لعصيانهم قطع ما بين المؤمنين والكافرات مع الإقبال ~~عليهم لطاعتهم رفعا لشأنهم فقال: {ولا} ولما كان إمساك المرأة مع عداوتها ~~لمخالفتها في الدين دليلا على غاية الرغبة فيها، دل على ذلك إشارة إلى ~~التوبيخ بالتضعيف في قراءة البصريين # PageV19P518 # فقال: {تمسكوا} أي بعدم التصريح في الطلاق {بعصم الكوافر} جمع عصمة وهي ~~ما يديم علقة النكاح {واسألوا} أي أيها المؤمنون الذين هبت أزواجهم إلى ~~الكفار {ما أنفقتم} أي من مهور نسائكم اللاتي اعتصمن عنكم بهم أو فررن ~~إليهم. ولما أمر برد مهور المؤمنين إلى الكفار وأذن للمؤمنين في المطالبة ~~بمهور أزواجهم، أذن للكفار في مثل ذلك إيقاعا للقسط بين عباده مسلمهم ~~وكافرهم معبرا بالأمر مع الغيبة إعراضا عنهم إعلاما بشدة كراهته سبحانه ~~للظلم وأنه يستوي فيه الكافر مع عداوته بالمؤمن مع ولايته: {وليسألوا} أي ~~الكفار {ما أنفقوا} أي من مهور أزواجهم اللاتي أسلمن واعتصمن بكم عنهم، وهل ~~هذا الحكم باق، قال قوم: نعم، وقال عطاء ومجاهد وقتادة: نسخ فلا يعطي ~~الكفار شيئا ولو شرطنا الإعطاء. # ولما كان هذا حكما عدلا لا يفعله مع عدوه ووليه إلا حكيم، قال مشيرا إلى ~~مدحه ترغيبا فيه بميم الجمع إلى العموم: {ذلكم} أي الحكم الذي ذكر في هذه ~~الآيات البعيدة بعلو الرتبة عن كل سفه {حكم الله} أي الملك الذي له صفات ~~الكمال، فلا ينبغي لشائبة نقص أن يلحقه. # PageV19P519 # ولما كان هذا مما يفرح به ويغنم عند تقدير فواته، قال مستأنفا مبشرا ~~بإدامة تجديد أمثاله لهم: {يحكم} أي الله أو حكمه على سبيل المبالغة، ودل ~~على استغراق الحكم لجميع ما يعرض بين العباد وأنه سبحانه لم يهمل شيئا منه ~~بإعراء الجار من قوله: {بينكم} أي في هذا الوقت وفي غيره على هذا المنهاج ~~البديع، وذلك لأجل الهدنة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم، ~~وأما قبل الحديبية فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك النساء ولا يرد ~~الصداق. # ولما كان التقدير: فالله حكم عدل، قال: {والله} أي الذي له الإحاطة ~~التامة {عليم} ms5107 أي بالغ العلم لا يخفى عليه شيء {حكيم *} أي فهو لتمام علمه ~~يحكم كل أموره غاية الإحكام فلا يستطيع أحد نقض شيء منها. # PageV19P520 # ولما كان المظنون بالكفار عدم العدل فلا يعطون المؤمنين مهور نسائهم ~~الكافرات، قال مداويا لذلك الداء: {وإن فاتكم} أي بالانفلات منكم بعد ~~الهجرة أو بإدامة الإقامة في بلاد الحرب {شيء} أي قل أو كثر {من أزواجكم} ~~أي من أنفسهن أو مهورهن {إلى} أي متحيزا أو واصلا إلى {الكفار} فعجزتم عنه ~~{فعاقبتم} أي تمكنتم من المعاقبة بأن فات الكفار شيء من أزواجهم بالهجرة ~~إليكم أو اغتنمتم # PageV19P520 # من أزواج الكفار فجاءت نوبة ظفركم بأداء المهر إلى إخوانكم طاعة وعدلا ~~عقب نوبتهم التي اقتطعوا فيها ما أنفقتم عصيانا وظلما {فآتوا} أي فاحضروا ~~وأعطوا من مهر المهاجرة {الذين ذهبت أزواجهم} أي منكم إن اختاروا الأخذ ~~{مثل ما أنفقوا} على الكافرة الفائتة إلى الكفار مما غنمتم من أموالهم أو ~~بأن تدفعوا إليهم مثل مهر أزواجهم مما كنتم تعطونه لأزواج المهاجرات، فيكون ~~ذلك جزاء وقصاصا لما فعل الكفار. # ولما كان التجزي في مثل ذلك عسرا على النفس فإن المهور تتفاوت تارة ~~وتتساوى تارة أخرى وتارة تكون نقودا وتارة تكون عروضا إلى غير ذلك من ~~الأحوال مع أن المعامل عدو في الدين فلا يحمل على العدل فيه إلا خالص ~~التقوى قال: {واتقوا} أي في الإعطاء والمنع وغير ذلك {الله} الذي له صفات ~~الكمال وقد أمركم بالتخلق بصفاته على قدر ما تطيقون، ثم وصفه بما يؤكد ~~صعوبة الأمر ويحث على العدل فقال ملهبا لهم كل الإلهاب هازا لهم بالوصف ~~بالرسوخ في الإيمان: # PageV19P521 # {الذي أنتم به} أي خاصة {مؤمنون *} أي متمكنون في رتبة الإيمان. # ولما خاطب سبحانه المؤمنين الذي لهم موضع الذب والحماية والنصرة بما وطن ~~به المؤمنات في دار الهجرة فوقع الامتحان وعرف الإيمان، أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد الحكم بإيمانهن بمبايعتهن فقال {يا أيها النبي} مخاطبا له ~~بالوصف المقتضي للعلم، ودل على تحقق كون ما يخبر به من مجيئهن بأداة ~~التحقيق علما ms5108 من أعلام النبوة فقال: {إذا جاءك المؤمنات} جعل إقبالهن عليه ~~صلى الله عليه وسلم لا سيما مع الهجرة مصححا لإطلاق الوصف عليهن {يبايعنك} ~~أي كل واحدة منهن تبايع {على أن لا يشركن} أي يوقعن الإشراك لأحد من ~~الموجودات في وقت من الأوقات {بالله} أي الملك الذي لا كفوء له {شيئا} أي ~~من إشراك على الإطلاق. # ولما كان الشرك بذل حق الملك لمن لا يستحقه، أتبعه أخذ مال المالك بغير ~~حق لاقتضاء الحال لذلك بتمكن المرأة من اختلاس مال الزوج وعسر تحفظه منها ~~فقال: {ولا يسرقن} أي يأخذن مال الغير بغير استحقاق في خفية، وأتبع ذلك بذل ~~حق الغير لغير أهله فقال: {ولا يزنين} أي يمكن أحدا من وطئهن بغير عقد ~~صحيح. # ولما كان الزنى قد يكون سببا في إيجاد أو إعدام نسمة بغير حقها، أتبعه ~~إعدام # PageV19P522 # نسمة بغير حقه فقال: {ولا يقتلن أولادهن} أي بالوأد كما تقدم في النحل ~~وساء في ذلك كونه من زنى أو لا. # ولما ذكر إعدام نسمة بغير حق ولا وجه شرعي أتبعه ما يشمل إيجاد نسمة بغير ~~حل، فقال مقبحا له على سبيل الكناية عنه بالبهتان وما معه بالتصوير له ~~بلوازمه وآثاره لأن استحضار القبيح وتصوير صورته أزجر عنه فقال: {ولا يأتين ~~ببهتان} أي ولد من غير الزوج يبهت من الحاقة به حيرة في نفيه عنه {يفترينه} ~~أي يتعمدن كذبه، وحقق المراد به وصوره بقوله: {بين أيديهن} أي بالحمل في ~~البطون {وأرجلهن} أي بالوضع من الفروج ولأن عادة الولد مع أنه يسقط بين ~~أيدي أنه ورجليها أنه يمشي أمامها، وهذا شامل لما كان من شبهة أو لقطة. ~~ولما حقق هذه الكبائر العظيمة تعظيما لأمرها لعسر الاحتراز منها، وأكد ~~النهي عن الزنى مطابقة وإلزاما لما يجر إليه من الشرور القتل فما دونه، ~~وغلظ أمر النسب لما يتفرع عليه من إيقاع الشبهات # PageV19P523 # وانتهاك الحرمات، عم في النهي فقال: {ولا يعصينك} أي على حال من الأحوال ~~{في معروف} أي فرد كان منه صغيرا كان أو كبيرا، وفي ذكره ms5109 مع العلم بأنه صلى ~~الله عليه وسلم لا يأمر إلا به إشعار بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ~~وقدم المنهيات على المأمورات المستفادة من المعروف لأن التخلي عن الرذائل ~~مقدم على التخلي بالفضائل لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح: {فبايعهن} ~~أي التزم لهن بما وعدت على ذلك من إعطاء الثواب لمن وفت منهن في نظير ما ~~ألزمن أنفسهن من الطاعة. ولما كان الإنسان محل النقصان لا سيما النسوان ~~رجاهن سبحانه بقوله: {واستغفر} أي اسأل {لهن الله} أي الملك الأعظم ذا ~~الجلال والإكرام في الغفران إن وقع منهن تقصير وهو واقع لأنه لا يقدر أحد ~~أن يقدر الله حق قدره. # ولما كانت عظمته سبحانه مانعة لعظيم الهيبة من سؤاله ما طمع به، علله ~~بقوله معيدا الاسم الأعظم لئلا يظن بإضماره وتقيده بحيثية الهجرة من النساء ~~ونحو ذلك مؤكدا لما طبع الأدمي عليه من أنه لا يكاد يترك المسيء من عقاب أو ~~عتاب فضلا عن التفضيل بزيادة الإكرام: {إن الله} أي الذي له صفات الجلال ~~والإكرام فلو أن الناس لا يذنبون # PageV19P524 # لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم لتظهر صفة إكرامه {غفور} أي بالغ ~~الستر للذنوب عينا وأثرا {رحيم *} أي بالغ الإكرام بعد الغفران فضلا منه ~~وإحسانا، وقد حقق سبحانه ذلك وصدق، ومن أصدق من الله قيلا، «فأقبل النساء ~~للبيعة عامة ثاني يوم الفتح على الصفا بعد فراغه صلى الله عليه وسلم من ~~بيعة الرجال فنزلت هذه الآية وهو على الصفا فقام عمر بن الخطاب رضي الله ~~أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه وهند بنت عتبة متنقبة متنكرة مع النساء ~~خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها، فلما ذكر الشرك قالت: ~~والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال، وبايع الرجال ~~يومئذ على الإسلام والجهاد، فقال {ولا يسرقن} فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح ~~وإني أصيب من ماله هنات فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت ~~من شيء فيما مضى وفيما غير ms5110 فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعرفها فقال: وإنك لهند بنت عتبة، قالت: نعم، فاعف عني ما سلف عفا الله ~~عنك، فقال: {ولا يزنين} فقال: أو تزني الحرة، فقال {ولا يقتلن أولادهن} ~~فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا وأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن ~~أبي سفيان # PageV19P525 # قتل يوم بدر فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وذكر البهتان وهو أن تقذف ولدا على زوجها ليس منه، قالت هند: ~~والله إن البهتان لقبيح وما تدعونا إلا إلى الرشد ومكارم الأخلاق، فقال ~~{ولا يعصينك في معروف} فقالت: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في ~~شيء، وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا تحل له، وكانت ~~أسماء بنت يزيد بن السكن في المبايعات فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ابسط يدك نبايعك، فقال: إني لا أصافح النساء لكن آخذ عليهن» # ، وعن الشعبي «أنه صلى الله عليه وسلم دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ثم ~~غمسن أيديهن فيه، وعنه أنه صلى الله عليه وسلم لقنهن في المبايعة» فيما ~~استطعتن وأطقتن «فقالت: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا» . # ولما ذكر ما أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم في المبايعات بعد أن عد ~~الذين آمنوا أصلا في امتحان المهاجرات فعلم من ذلك أن تولي النساء مع أنه ~~لا ضرر فيهن بقتال ونحوه لا يسوغ إلا بعد العلم بإيمانهن، وكان الختم بضفتي ~~الغفران والرحمة مما جرأه على محاباة المؤمنين لبعض الكفار من أزواج أو ~~غيرهم لقرابة أو غيرها لعلة يبديها الزوج أو غير لك من الأمور، كرر سبحانه ~~الأمر بالبراءة من كل عدو، ردا لآخر السورة على أولها تأكيدا للإعراض عنهم ~~وتنفيرا # PageV19P526 # من توليهم كما أفهمته آية المبايعة وآية الامتحان، فقال ملذذا لهم ~~بالإقبال بالخطاب كما فعل أولها بلذيذ العتاب: {يا أيها الذين آمنوا} . # ولما كان الميل عن الطريق الأقوام على خلاف ما تأمر به ms5111 الفطرة الأولى فلا ~~يكون إلا عن معالجتها، عبر بالتفعل كما عبر به أول السورة بالافتعال فقال: ~~{لا تتولوا} أي تعالجوا أنفسكم أن تتولوا {قوما} أي ناسا لهم قوة على ما ~~يحاولونه فغيرهم من باب الأولى {غضب الله} أي أوقع الملك الأعلى الغضب ~~{عليهم} لإقبالهم على ما أحاط بهم من الخطايا فهو عام في كل من اتصف بذلك ~~يتناول اليهود تناولا أوليا. # ولما كان السامع لهذا يتوقع بيان سبب الغضب، قال معللا ومبينا أنه لا خير ~~فيهم يرجى وإن ظهر خلاف ذلك: {قد يئسوا} أي تحققوا عدم الرجاء {من الآخرة} ~~أي من أن ينالهم منها خير ما لإحاطة معاصيهم بهم أو لعدم اعتقادهم لقيامها ~~ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، فيوشك من والاهم يكتب منهم فيحل ~~بهم الغضب {كما يئس} من نيل الخير منها {الكفار} ولما كان من مات فصار أهلا ~~للدفن كشف له عن أحوال القيامة فعرف أنه ناج أو هالك، وكان الموتى أعم من ~~الكفار، وموتى الكفار أعم ممن يدفن منهم فقال: # PageV19P527 # {من أصحاب القبور *} فإن الكفار منهم قد علموا يأسهم من حصول الخير منها ~~علما قطعيا، ويجوز أن يكون {من} ابتدائية فيكون المعنى: كما يئس عباد ~~الأوثان من لقاء من مات، فدفن باعتقاد أنه لا اجتماع بينهم أصلا لأنه لا ~~يمكن بعثه لا إلى الدنيا ولا إلى الآخرة لأنه لا آخرة عندهم أصلا لا سيما ~~إن كان مدفونا في قبر، وعلى هذا يكون الظاهر وضع موضع المضمر للدلالة على ~~أن الذي أيأسهم تغطية الدلائل مع وضوحها لو أنصفوا، فلا تتولوا من هذه صفته ~~فيكون بينكم وبينه ما بين القريب مع قريبه من تولى كل منهم من الآخر ما ~~يتولاه القريب الصديق لقريبه فإن توليهم ضرر لا نفع فيه فإن من غضب عليه ~~الملك الشهيد لكل حركاته وسكناته لا يفلح هو ولا من تولاه، وأقل ما في ~~ولايته من الضرر أنها تنقطع المعاونة فيها، والمشاركة بالموت وإن كان بعد ~~الموت مشاركة ففي العذاب الدائم المستمر الذي لا ms5112 ينقطع عنهم والخزي اللازم، ~~وقد علم أن هذا الآخر هو أولها، وهذا الموصل مفصلها، فسبحانه من أنزله ~~كتابا معجزا حكيما، وقرآنا موجزا جامعا عظيما. # PageV19P528 # سورة الصف وتسمى الحواريين. # مقصودها الحث على الاجتهاد التام في الاجتماع على قلب واحد في جهاد من ~~دعت الممتحنة إلى البراءة منهم، بحملهم على الدين الحق، أو محقهم عن جديد ~~الأرض أقصى المحق، تنزيها للملك الأعلى عن الشرك، وصيانة لجنابه الأقدس عن ~~الإفك، ودلالة على الصدق في البراءة منهم والعداوة لهم، فهي نتيجة سورة ~~التوبة، وأدل عما فيها على هذا المقصد الصف بتأمل آيته، وتدبر ما له من ~~جليل النفع في أوله وأثنائه وغايته، وكذا الحواريون) بسم الله (الملك ~~الأعظم الذي له الأمر كله لأنه لا كفوء له،) الرحمن (الذي عم بنعمة البيان ~~عما يرضيه ممن شاقه، فقد شرع لكل أحد أن يرده أو يقبله) الرحيم (الذي خص ~~بإتمام الإنعام الموصل إلى دار السلام من شاء من عباده فهيأه لذلك وأهله. # PageV20P001 # لما ختمت الممتحنة بالأمر بتنزيهه سبحانه عن تولي من يخالف أمره بالتولي ~~عنهم والبراءة منهم اتباعا لأهل الصافات المتجردين عن كل ما سوى الله لا ~~سيما عمن كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون، افتتحت ### | الصف # بما هو كالعلة لذلك فقال: {سبح لله} أي أوقع التنزيه الأعظم للملك الأعظم ~~الذي له {ما في السموات} من جميع الأشياء التي لا يغفل من أفلاكها ونجومها ~~وغير ذلك من جواهرها وأعراضها في طلوعها وأفولها وسيرها في ذهابها ورجوعها ~~وإنشاء السحاب وإنزال المياه وغير ذلك. ولما كان الخطاب مع غير الخلص أكده ~~فقال: {وما في الأرض} أي بامتثال جميع ما يراد منه مما هو كالمأمور بالنسبة ~~إلى أفعال العقلاء من نزول المياه وإخراج النبات من النجم والشجر وإنضاج ~~الحبوب والثمار - وغير ذلك من الأمور الصغار والكبار. # ولما كان امتثال غير العاقل وعصيان العاقل ربما أوهم نقصا قال: {وهو} أي ~~وحده لا شريك له {العزيز} أي العظيم النفع الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، ~~ويعسر الوصول إليه ms5113 {الحكيم *} أي الذي يضع الأشياء في أتقن مواضعها، فما ~~مكن العاقل من المعصية إلا لإظهار صفات الكمال من العلم والقدرة والحلم ~~والكرم والرحمة # PageV20P002 # والغضب وغير ذلك، وقد علم بهذا التنزيه وختم آيته بهاتين الصفتين أنه ~~تعالى منزه عما تضمنه يأس الكفار المذكور من أنه لا بعث وعن أن يجعل سبحانه ~~لهم حظا في الآخرة لأن كلا من عدم البعث والتسوية بين المسيء والمحسن نقص. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: افتتحت بالتسبيح لما ختمت به سورة ~~الممتحنة من قوله {لا تتولوا قوما غضب الله عليهم} [الممتحنة: 13] وهم ~~اليهود، وقد تقدم الإيماء إلى ما استوجبوا به هذا فأتبع بالتنزيه لما تقدم ~~بيانه فإنه مما تعقب به ذكر جرائم المرتكبات ولا يرد في غير ذلك، ثم أتبع ~~ذلك بأمر العباد بالوفاء وهو الذي حد لهم في الممتحنة ليتنزهوا عن حال ~~مستوجبي الغضب بنقيض الوفاء والمخالفة بالقلوب والألسنة {يقولون بألسنتهم ~~ما ليس في قلوبهم} [آل عمران: 167] {ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} [النساء: ~~46] {من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} [المائدة: 41] ~~{ويقولون آمنا بالله والرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم} [النور: 47] ~~وبمجموع هذا استجمعوا اللعنة والغضب فقيل للمؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا ~~لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] احذروا أن تشبه أحوالكم حال من استحق ~~المقت واللعنة والغضب، ثم أتبع بحسن الجزاء لمن وفى قولا وعقدا ولسانا ~~وضميرا، وثبت على ما أمر به فقال: {إن الله يحب الذي يقاتلون في سبيله # PageV20P003 # صفا} [الصف: 4] الآية ثم تناسج ما بعد. ولما كان الوارد من هذا الغرض في ~~سورة الممتحنة قد جاء على طريق الوصية وسبيل النصح والإشفاق، أتبع في سورة ~~الصف بصريح العتب في ذلك والإنكار ليكون بعد ما تمهد في السورة قبل أوقع في ~~الزجر، وتأمل كم بين قوله سبحانه # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1] وما ~~تضمنته من اللطف وبين قوله {لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 2] انتهى. # ولما تقدمت ms5114 في الممتحنة قصة الفتح الأعظم في شأن حاطب بن أبي بلتعة رضي ~~الله عنه وجل منابذة الكفار بكل اعتبار علما على صحة الهجرة وادعى التجرد ~~لجهاد أعداء الله، وقصة الفتح السببي من تحريم المؤمنات على المشركين ~~وتحريم المشركين على المؤمنات في غزوة الحديبية، وأبدى سبحانه في ذلك من ~~الصنائع التي تعجز قوى الخلق عنها أن رتب ما في الفتح السببي على ما في ~~الفتح الفعلي الحقيقي، فجعل الأول في الزمان آخر في الرتبة والآخر في ~~الزمان أولا في الرتبة مع شدة الإحكام في ترصيف النظام والبلوغ في الرشاقة ~~والانسجام إلى حد لا يطيقه نوافذ الأفهام مع بداعة المعاني ومتانة المباني، ~~وكان فعل من ناصح الكفار ممن أمن بلسانه وأذعن بجنانه وهاجر بأركانه نوع ~~مناصحة # PageV20P004 # فعل من يقول مالا يفعل في منابذتهم والتجرد بعداوتهم، فذكر أول هذه ~~السورة من تنزيهه بألسنة أحوال ما لا يعقل ما يخجل المسلم بشيء من ذلك ~~تأديبا لأمثاله، وتدريبا لمن يلم بشيء من المخالفة بباله، وكان العاقل أولى ~~من غيره بتنزيه جناب القدس بالطاعة، فكيف إذا كان ممن أقر بالإيمان وتقلد ~~عهدة الإذعان، وكان من عصى منهم مناديا على نفسه بمخالفة قوله لفعله، ومن ~~نزهه حق تنزيهه لم يقصر في حق من حقوقه بتضييع شيء من أوامره كما أن تنزيه ~~ما لا يعقل بأن لا يخالف شيئا من مراده، قال مرهبا بنداء البعد والتوبيخ ~~الذي من مبادئ الغضب والإنكار بالاستفهام والتعبير بما يفهم أدنى مراتب ~~الإيمان: {يأيها الذين آمنوا} أي ادعوا الإيمان {لم} قال في الكشاف: هي لام ~~الإضافة داخلة على «ما» الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في ~~بم وفيم ومم وعم وإلام وعلام، وإنما حذفت الألف لأن «ما» والحرف كشيء واحد، ~~ووقع استعمالها بزيادة هاء السكت أو الإسكان، ومن أسكن في الوصل فلإجرائه ~~مجرى الوقف كما سمع ثلاثه أربعه بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة، ~~وقال الرضي في الموصول: إنها حذفت لأن لها صدر الكلام ولم يمكن تأخير الجار ~~عنها فقدم وركب ms5115 # PageV20P005 # معها حتى يصير المجموع موضوعة للاستفهام، فلا يسقط الاستفهام عن مرتبة ~~الصدر، وجعل حذف الألف دليل التركيب {تقولون} أي من دعوى الإيمان التي ~~مقتضاها إلزام الإخلاص في جميع الأحوال {ما لا تفعلون *} أي ما لا تصدقونه ~~بالفعل الذي يكون بغاية الرغبة والقوة فتتخذوا العدو وليا بالإقبال عليه ~~وإرسال التنصح إليه وقد تلفظتم بالإيمان الذي يستلزم المعاداة لكل من كفر، ~~وخلف الوعد في نفسه قبيح ومع الخالق أقبح. # ولما كان ذلك مهلكا، رحم المخاطبين بتعظيمه لينجوا أنفسهم بالكف عنه ~~فقال: {كبر} فقصد به التعجيب وهو تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب ~~لا يكون إلا في أمر خارج عن نظائره وأشكاله، وفسر ما قصد منه للدلالة على ~~خلوصه في المقت بقوله: {مقتا} أي عظم جدا وما أعظمه من بغض هو أشد البغض، ~~وزاد في تبشيعه زيادة في التنفير منه بقوله: {عند الله} أي الملك الأعظم ~~الذي يحقر عنده كل متعاظم. ولما أبلغ في تبشيعه تشوفت النفس إلى المسند ~~إليه ذلك قال: {أن تقولوا} أي عظم من تلك الجهة # PageV20P006 # أن يقع في وقت من الأوقات أو حال من الأحوال قولكم {ما لا تفعلون *} وقال ~~القشيري: ويقال: لم يتوعد الله على زلة بمثل ما توعد على هذا - انتهى. وكل ~~ما ذكروه في سببها صالح للسببية قول بعضهم لو ندري أحب الأعمال إلى الله ~~لاجتهدنا فيه ثم ولوا يوم أحد، وتوانى بعضهم في الجهاد، وكون «صهيب رضي ~~الله عنه قتل يوم بدر رجلا آذى المسلمين وأنكى فيهم وادعى غيره أنه قتله ~~فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر وعبد الرحمن بن عوف لصهيب رضي ~~الله عنهم: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك قتلته، فقال صهيب رضي ~~الله عنه:» إنما قتلته لله ولرسوله، فأخبر عمر وعبد الرحمن رضي الله عنهما ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أكذلك أبا يحيى، فقال: نعم يا رسول الله ~~«والتزام المنافقين أحكام الإسلام، وتخلفهم إخلافا في الأمور العظام، وكذا ~~قصة حاطب رضي الله عنه. # ولما عظم ms5116 ما يكرهه بعد ما ألهب به من تنزيه غير العاقل، فكان العاقل ~~جديرا بأن يسأل عما يحبه لينزهه به، قال ذاكرا الغاية التي هي أم جامعة لكل ~~ما قبلها من المحاسن، مؤكدا لأن الخطاب مع من قصر أو هو في حكمه: {إن الله} ~~أي الذي له جميع صفات # PageV20P007 # الكمال {يحب} أي يفعل فعل المحب مع {الذين يقاتلون} أي يوقعون القتال {في ~~سبيله} أي بسبب تسهيل طريقه الموصلة إلى رضاه إيقاعا مظروفا للسبيل، لا ~~يكون شيء منه كشيء خارج عنه، فيقاتلون أعداء الدين من الشيطان بالذكر ~~القلبي واللسان، والإنسان بالسيف والسنان {صفا} أي مصطفين حتى كأنهم في ~~اتحاد المراد على قلب واحد كما كانوا في التساوي في الاصطفاف كالبدن ~~الواحد. # ولما كان الاصطفاف يصدق مع التقدم والتأخر اليسير نفى ذلك بقوله حالا بعد ~~حال: {كأنهم} أي من شدة التراص والمساواة بالصدور والمناكب والثبات في ~~المراكز {بنيان} وزاد في التأكيد بقوله: {مرصوص *} أي عظيم الاتصال شديد ~~الاستحكام كأنما رص بالرصاص فلا فرجة فيه ولا خلل، فإن من كان هكذا كان ~~جديرا بأن لا يخالف شيء من أفعاله شيئا من أقواله، فالرص إشارة إلى اتحاد ~~القلوب والنيات في موالاة الله ومعاداة من عاداه المنتج لتسوية الصفوف في ~~الصلاة التي هي محاربة الشيطان، والحرب التي هي مقارعة حزبه أولى الطغيان، ~~والأفعال التي هي ثمرات الأبدان. # PageV20P008 # ولما كان التخلف عن أمر الله تعالى والغفلة عن شيء يؤدي تركه إلى التهاون ~~به والإخلال بأدب من آدابه موجبا للكون في صف الشيطان ومفارقة حزب الرحمن، ~~فيكون أذى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيوجب ذلك الشقاء كله لأنه جدير بأن ~~يجر إلى أكبر منه إلى أن تحيط الخطايا فتبيح الرزايا، وكان للتذكير ~~بالمشاهدات والأمور الواقعات ما ليس لغيره في التأديب ومرجع الترهيب، ذكر ~~بما كان لبني إسرائيل ترهيبا من مثل حالهم، لئلا يوقع في نكالهم، حين ~~تقاعسوا عما أمروا به من فتح بيت المقدس من الله تعالى غضب من فعلهم ذلك ~~فسماهم فاسقين وضربهم بالتيه أربعين سنة، وأمات ms5117 في تلك الأربعين كل من ~~توانى منهم في ذلك، فلم يدخل إلى بيت المقدس منهم أحد، فحرموا البلاد التي ~~تقاعدوا عن فتحها، وهي بعد مكة والمدينة خير بلاد الله تعالى ومهاجر أبيهم ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومواطن أبويهما إسحاق ويعقوب عليهما الصلاة ~~والسلام وأنزه الأرض، وأكثرها خيرا وأبركها، مع ما كانوا فيه من الضيق ~~والنكد من التيه الذي هو طرد عن جناب الله بما أراد - بما أشار إليه ~~التعبير عن زمنه بالسنين - إلى ما أبقوا بعدهم نم سوء الذكر وشناعة القالة ~~إلى آخر الدهر فقال تعالى: {وإذ} عطفا على ما تقديره: اذكروا ما فعل بعضكم ~~- بما أشرت إليه أول هذه الآيات # PageV20P009 # من الآداب من تنبيه الكفار بما قد يمنع من الفتح أو يكون سببا في عسره أو ~~في إهلاك خلق كثير من عبادي الذين خلقتهم في أحسن تقويم من المؤمنين ~~وغيرهم، أو من الفرار من الكفار عند المقارعة، أو التقاعس عن اللقاء عند ~~البعث عليه، فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أذاه من أذى الله ~~فحلم عنكم، وقبل بما له من بليغ الرحمة بكم والشفقة عليكم منكم، وكان أنهى ~~ما عاتبكم به مرسله سبحانه النداء بما هو أدنى الأسنان في الإيمان في نظير ~~إطلاقه على بني إسرائيل الفسق بالوصف المؤذن بالرسوخ: واذكروا حين {قال ~~موسى لقومه} وهم - مع كونه منهم - ممن له قوة على ما يحاولونه: {يا قوم} ~~استعطافا لهم واستنهاضا إلى رضى ربهم {لم تؤذونني} أي تجددون إذائي مع ~~الاستمرار بالتواني في أمر الله والتقاعد عن فتح بيت المقدس مع قولي عن ~~الله أنكم فاتحوها إن أطعمتموه وأن الله أقسم لآبائكم أنه ما نحكموها لا ~~محالة. # ولما كان هذا الاستفهام الإنكار موجبا لتوقع ما يأتي بعده من موجب ~~التعظيم بدل الأذى، والتبجيل والانقياد موضع التوقف والإباء، قال محققا ~~بحرف التحقيق مضمون الكلام: {وقد} أي والحال أنكم {تعلمون} أي علمتم قطعيا ~~مع تجدده لكم في كل وقت بتجدد أسبابه بما آتيتكم به من المعجزات وبالكتاب ~~الحافظ لكم ms5118 من الزيغ # PageV20P010 # {أني رسول الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ورسوله أيضا يعظم ~~ويحترم لا أنه تنتهك جلالته وتخترم {إليكم} لا أقول لكم شيئا إلا عنه، ولا ~~أنطق عن الهوى، فعصياني عصيانه مع أني ما قلت لكم شيئا إلا تم، وإن كنتم ~~قاطعين بخلافه فهي معصيته لا حامل عليها أصلا إلا رداءة الجبلات. # ولما تحنن إليهم واستعطفهم وذكرهم ما يعلمون من رسليته وصلته بالله بما ~~شاهدوا من الآيات التي هي أعظم الإحسان إليهم، أعلم أنهم أوشكوا العصيان، ~~فقال معبرا عن ذلك بالفاء تسبيبا عن هذا القول الذي هو أهل لأن يسبب الثبات ~~وتعقيبا وتقريبا: {فلما زاغوا} أي تحقق زيغهم عن قرب عن أوامر الله في ~~الكتاب الآتي إليهم بما أبوا من قبول أمره في الإقدام على الفتح {أزاغ ~~الله} أي الذي له الأمر كله {قلوبهم} من الاستواء، وجمع الكثرة يدل على أنه ~~لم يثبت منهم إلا القليل فهزمهم بين يدي أعدائهم وضربهم بالتيه لأنهم فسقوا ~~عن أمر الله {فالله} - لا يهديهم، فأسند الذنب إليهم والعقوبة إليه وإن كان ~~الكل فعله تعليما لعباده الأدب وإعلاما بأن أفعالهم الاختيارية ينسب إليهم ~~كسبها ويقوم به الحجة عليهم لعدم علمهم بالعاقبة {والله} أي الملك الأعظم ~~الذي له الحكمة البالغة لأنه المستجمع لصفات الكمال # PageV20P011 # {لا يهدي} أي بالتوفيق بعد هداية البيان {القوم الفاسقين *} أي العريقين ~~في الفسق الذين لهم قوة المحاولة فلم يحملهم على الفسق ضعف، فاحذروا أن ~~تكونوا مثلهم في العزائم فتساووهم في عقوبات الجرائم - انتهى. # ولما كان أذى النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره تارة يكون مع العلم ~~برسالته والإقرار بها وتارة مع الإنكار، وقدم العتاب على ما كان منه على ~~تقدير التصديق، وذكر فيه بقصة موسى عليه الصلاة والسلام الذي كانوا يؤذونه ~~مع العلم برسالته، وهدد بما اتفق لهم من زيغ القلوب التي هي عماد الأبدان ~~وصلاح الإنسان، أتبعه ما يكون منه عند فرض الإنكار. ولما كان رد المنكر ~~تارة بالعقل وتارة بالنقل، وكان الذي بالعقل يكون بنظر المعجزات ms5119 ولا سيما ~~إخراج الخبأ وقد كان منه في قصة حاطب رضي الله تعالى عنه في إخراج كتابه ~~الذي اجتهد في إخفائه واجتهدت الظعينة الحاملة له في كتمانه ما فيه مقنع في ~~العلم بالرسالة وتحقق الجلالة، أتبع ذلك دليلا نقليا تأييدا للعقل مع كونه ~~دليلا على صحة الإخبار بإزاغة قلوب بني إسرائيل جزاء على زيغهم عن الحق ~~فقال: {وإذ} أي واذكروا حين {قال عيسى} ووصفه # PageV20P012 # بما حقق من هو فقال: {ابن مريم} أي لقوم موسى عليهما الصلاة والسلام ~~الذين أرسل إليهم وثبتت نبوته لديهم بالمعجزات مع إخلاص الدعوة لله وتصديق ~~من كان قبله من أهل الله: {يا بني إسرائيل} وذكرهم بما كان عليه أبوهم من ~~الدين وما وصى به نبيه من التمسك بالإسلام، ولم يعبر بالقوم كما قال موسى ~~عليه الصلاة والسلام لأنه لا أب له فيهم وإن كانت أمه منهم، فإن النسب إنما ~~هو من جهة الأب، وأكد لإنكار بعضهم فقال: {إني رسول الله} أي الملك الأعظم ~~الذي أحاط علمه بكل شيء {إليكم} أي لا إلى غيركم، حال كوني {مصدقا} نصبه ~~بما في الرسول من رائحة الفعل ولا ينصب ب «إليكم» لأنه صفة للرسول، وحروف ~~الجر لا تعمل بأنفسها بل بما فيها من معنى الفعل، فإذا كانت صلات لم تكن ~~متضمنة لمعنى فعل فلا تعمل، وهو الحرف الذي يسمى في غير «الكتاب العزيز» ~~لغوا {لما بين يدي} أي تقدمني وكان من قبلي {من التوراة} التي تعلمون أن ~~الله تعالى أنزلها على موسى عليه الصلاة والسلام وهي أول الكتب # PageV20P013 # التي نزلت بعد الصحف وحكم بها النبيون، فتصديقي لها مع تأييدي لها مؤيد ~~لأن ما أقمته من الدلائل حق ومبين أنها دليلي فيما لم أنسخه منه كما يستدل ~~الإنسان بما قدامه من الأعلام ويراعيه ببصره. # ولما ذكر أول الكتب ذكر أيضا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وهو آخر ~~الرسل ليكون في ذلك إشارة إلى أن البشارة به في التوراة والإنجيل فقال: ~~{ومبشرا} أي في حال تصديقي للتوراة. # ولما كانت رسالته صلى الله ms5120 عليه وسلم عامة لجميع الخلق لم يذكر في رسالته ~~حرف الغاية كما ذكر في الرسالتين المذكورتين قبل فقال: {برسول} أي إلى كل ~~من شملته المربوبية {يأتي} ولما كان إتيانه بعده بمدة طويلة أدخل الجار ~~فقال: {من بعدي} ولما كان الإتيان بغاية البيان وإزاحة اللبس بكل اعتبار ~~أقعد في العتاب لمن هفا بعده والأخذ لمن جفا فنقض عهده، أتى بالاسم الذي ما ~~شارك النبي صلى الله عليه وسلم فيه أحد في زمانه ولا قبله أصلا، ووزنه دال ~~على المبالغة في معناه فقال: {اسمه أحمد} أي دال على أنه أبلغ الخلق حامدا ~~ومحمودا وهو اسمه صلى الله عليه وسلم في السماء التي سيصير إليها هذا ~~المبشر، وفي تخصيصه بالذكر احتراز عن أن يتوهم أن البعدية في الرتبة لأنه ~~يليح بتصديره # PageV20P014 # بالهمزة التي هي أول الحروف مخرجا وأشد حروف الحلق الذي هو أول المخارج ~~وتضمينه الميم إلى أنه صلى الله عليه وسلم كما أنه خاتم بما أشار إليه أشهر ~~أسمائه وأعظمها «محمد» لابتدائه بالميم التي هي أمكن حروف الشفة التي هي ~~خاتمة للحروف لأن مخرجها آخر المخارج، لا نبي بعده فهو فاتح مقدم باعتبار ~~الذكر والشرف والحكم بالوصف الشريف لا نبي قبله في الخلق وجبت له النبوة ~~وإن آدم لمنجدل في طينه وبين الروح والجسد كما في الحديث الذي أخرجه أحمد ~~عن ميسرة الفجر رضي الله عنه والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه وأخرجه ~~البيهقي في أول دلائل النبوة وقال: إن معناه أنه كذلك في قضاء الله ~~وتقديره، وكأنه يريد قضاء مكتوبا في أم الكتاب ومذكورا لمن أراد من ~~الملائكة قبل إتمام خلق آدم عليه الصلاة والسلام فإنه يحتمل أنه سبحانه ~~وتعالى لما صور آدم عليه الصلاة والسلام جعل طينته شفافة تشف عن ذريته وجعل ~~لصالحيهم نورا يرى دون غيره، فلما رأوا أعظمهم نورا سألوا عنه فأخبرهم ~~سبحانه وتعالى به وأثبت ما أراد من أوصافه في أم الكتاب كما أنه كان نبيا ~~بالإخبار في دعوة أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام # PageV20P015 # وببشارة عيسى ms5121 ابن مريم عليه الصلاة والسلام وبأمارات النور الذي خرج من ~~أمه كما في الحديث الذي رواه البيهقي في الدلائل وغيره عن العرباض بن سارية ~~رضي الله عنه # «إني عبد الله وخاتم النبيين» وفي رواية «إني عبد الله لخاتم النبيين وإن ~~آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم عن ذلك؛ دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ~~ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين» وأن أم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام، فتأويل ذلك بذكره ~~سبحانه له لملائكته مثل تأويله بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله ~~تعالى حكاية عنه {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة} [البقرة: 129] وبشارة عيسى عليه الصلاة والسلام في ~~مثل حكايته عنه في هذه الآية، وتأويله بالنور الذي رأت أمه مثل تأويله ~~بالنور الذي يحتمل أن يكون الملائكة عليهم السلام «رأوا في شفاف طينة آدم ~~عليه السلام والله سبحانه وتعالى أعلم. وكانت سورة القتال أحق باسمه الدال ~~على الختم لأن الختام محتاج إلى علاج في لأم ما كان من صدع الافتراق، وكذا ~~سورة الفتح لما يلزمه من محاولة المنغلق وإزالة الأغلاق، وختام السورتين ~~بالميم عظيم المناسبة لذلك # PageV20P016 # لأن الميم اسم لتمام الظاهر المقام بالألف، وإلى ذلك إشارة رسم ألف ~~التنوين في الفتح بعد الميم مع أنه لا يخلو من إشارة إلى أنه الفاتح مع ~~كونه الخاتم، ويؤيد ذلك افتتاح السورة بأول حروف الاسم المليح إلى الفتح، ~~وكانت هذه السورة أحق به لأنه أدل دال على الاتفاق واجتماع الكلمة دون ~~اختلاف وافتراق، كما كان عند نزول آدم عليه الصلاة والسلام وبعده بمدة، ~~وإلى ذلك أشار ختمها وختم نظيرتها الصافات بالنون الذي هو مظهر مبين محيط ~~بما أظهره، فهو مبشر لهذه الأمة بالاجتماع والظهور على الاسم الذي يحيط ~~آخره بجميع أهل الأرض على زمن المبشر عيسى عليه السلام المؤيد للمبشر به ~~بتجديد أمره وإقامة دينه صلى الله عليه وسلم، وآخر هذه نتيجة آخر الصافات ~~بالحمد الذي هو ms5122 الإحاطة بأوصاف الكمال - والله تعالى أعلم بالصواب» . # PageV20P017 # ذكر ما يصدق هذه الآية من الإنجيل من تصديقه للتوارة # وبشارته بأحمد صلى الله عليه وسلم، قال: وكان رجل مريض اسمه العازر من ~~بيت عنيا وهو أخو مريم ومرتا، فأرسلت الأختان إلى يسوع أن الذي تحبه مريض، ~~فأقام في الموضع الذي هو فيه يومين ثم قال لتلاميذه: امضوا بنا إلى ~~اليهودية، فقال له تلاميذه: الآن يا معلم أراد اليهود رجمك وأنت تريد المضي ~~إليهم، فقال: إن العازر حبيبنا قد نام، فأنا انطلق فاوقظه، فقال: يا سيدنا، ~~إن كان نائما فهو يستيقظ، فقال العازر مات، فأقبلوا إلى بيت عنيا، فإذا له ~~أربعة أيام في القبر وكانت بيت عنيا من يروشليم على نحو خمس عشرة غلوة، ~~وكان كثير من اليهود قد جاؤوا إلى مرتا ومريم يعزوهما، فلما سمعت مرتا ~~بقدوم يسوع خرجت لتلقاه فقالت له: يا سيد، لو كنت ههنا لم يمت أخي وأنا ~~أعلم أن الله يعطيك كل ما سألته، قال: سيقوم أخوك، قالت: أنا أعلم أنه ~~سيقوم في القيامة، ثم جاءت مريم # PageV20P018 # للقائه، فظن اليهود الذين كانوا يعزونها أنها تذهب إلى القبر فتبعوها، ~~فلما انتهت إلى المكان الذي كان فيه يسوع خرت على قدميه ساجدة، فلما رآها ~~تبكي ورأى اليهود الذين كانوا معها قال: أين وضعتموه؟ فقالوا له: يا سيد، ~~تعالى وانظر، فدمع يسوع فقال اليهود: انظروا كيف كان يحبه، فقال ناس منهم: ~~أما كان هذا الذي فتح عيني الأعمى يقدر أن يجعل هذا لا يموت، فجاء إلى ~~القبر وكان مغارة وعليه حجر موضوع فقال: ارفعوا الصخرة، فقالت له مرتا أخت ~~الميت: يا سيد، إنه قد أنتن لأن له أربعة أيام، قال لها يسوع: ألم أقل لك ~~إن آمنت رأيت مجد الله، فرفعوا الصخرة فرفع يسوع بصره إلى فوق وقال: أشكرك، ~~لأنك تسمع لي، أقول هذا من أجل هذا الجمع ليؤمنوا أنك أرسلتني، قال هذا ~~القول ونادى بصوت عظيم وصاح: عازر اخرج، فخرج الميت ويداه ورجلاه ملفوفة ~~باللفائف ووجهه ملفوف بعمامة، فقال يسوع: ms5123 حلوه ودعوه يمضي، وإن كثيرا من ~~اليهود الذين جاؤوا إلى مريم لما رأوا ما صنع يسوع آمنوا، ومضى قوم منهم ~~إلى الفريسيين فأخبروهم، فجمع عظماء الكهنة والفريسيون محفلا فقالوا: ماذا ~~نصنع إذ كان هذا الرجل يعمل آيات كثيرة وإن تركناه فيؤمن به جميع الناس ~~وتأتي الروم فتنقلب # PageV20P019 # على أمتنا وموضعنا، وإن واحدا منهم اسمه قيافا كان أعظم الكهنة في تلك ~~السنة قال لهم: إنه خير لنا أن يموت واحد من الشعب من أن تهلك الأمة كلها - ~~إلى آخر ما مضى في النساء عند قوله تعالى: # {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} [النساء: 157] الآيات، نرجع إلى متى ~~قال: حينئذ ذهب الفريسيون وتشاوروا ليصطادوه بكلمة فأرسلوا إليه تلاميذهم ~~والهردوسيين قائلين: يا معلم، قد علمنا أنك محق وطريق الله بالحق تعلم ولا ~~تبالي بأحد ولا تنظر لوجه إنسان فقل لنا ما عندك، أيجوز لنا أن نعطي الجزية ~~لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع شرهم فقال: لماذا تجربوني يا مراؤون أروني دينار ~~الجزية، فأتوه بدينار فقال لهم يسوع: لمن هذه الصورة والكتابة؟ فقالوا: ~~لقيصر، حينئذ قال لهم: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فلما سمعوا ~~تعجبوا وتركوه ومضوا، وقال يوحنا: فقال يسوع: أنا ماكث فيكم زمانا يسيرا، ~~ثم انطلق إلى من أرسلني وتطلبوني فلا تجدوني، وحيث أكون أنا لستم تقدرون ~~على المجيء إلي # PageV20P020 # فقال اليهود فيما بينهم: إلى أين هذا مزمع أن يذهب حتى لا نجده، لعله ~~مزمع أن يذهب إلى منفى اليونانيين، وقال متى: وفي اليوم جاء إليه الزنادقة ~~القائلون: ليس قيامة، وسألوه - فذكر سؤالهم وجوابه لهم إلى أن قال في آخر ~~جوابه: أما قرأتم ما قيل لكم من الله، وقال مرقس: في سفر موسى قول الله على ~~العوسج إذ قال: أنا هو إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب وأنتم تضلون ~~كثيرا، وعبارة لوقا: فقد نبأ بذلك موسى في العليقة كما قال الرب: أنا إله ~~إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، وقال متى: فلما سمع الجمع بهتوا من تعليمه، ~~فلما سمع ذلك الفريسيون ms5124 أنه قد أبكم الزنادقة اجتمعوا عليه جميعا وسأله ~~كاتب منهم ليجربه قائلا، يا معلم! أي الوصايا أعظم في الناموس؟ قال له ~~يسوع: تحب الرب إلهك من كل قلبك، وقال: اسمع، يا إسرائيل، الرب إلهك واحد ~~هو، تحب إلهك من كل قلبك - انتهى، ومن كل نفسك ومن كل فكرك، هذه الوصية ~~الأولى العظيمة، والثانية التي تشبهها أن تحب قريب مثل نفسك، قال مرقس: ليس ~~وصية أعظم من هاتين - انتهى، في الوصيتين سائر الناموس والأنبياء يتعلق، ~~قال مرقس: فقال له الكاتب: فحينئذ يا معلم الحق قلت أنه واحد ليس آخر غيره، ~~وأن تحبه من كل القلب # PageV20P021 # ومن كل النية ومن كل النفس ومن كل القوة، وتحب القريب مثلك، هذه أفضل من ~~جميع الذبائح والمحترقات، فلما رأى يسوع عقله أجابه قائلا: لست بعيدا من ~~ملكوت الله، وقال لوقا: فقال ليسوع: ومن هو قريبي؟ قال يسوع: كان رجل نازلا ~~من يروشليم إلى أريحا، فوقع بين اللصوص فسلبوه وجرحوه ومضوا وتركوه مثخنا ~~قريب الموت، واتفق أن كاهنا نزل في تلك الطريق فأبصره وجاز، وكذلك لاوي جاء ~~إلى المكان فأبصره وجاز، وإن سامريا جاز به، فلما رآه تحنن ودنا منه وضمد ~~جراحاته وحمله على دابته وجاء به إلى الفندق وعني بأمره، وفي الغد أخرج ~~بدينارين أعطاهما لصاحب الفندق وقال: اهتم به فإن أنفقت عليه أكثر من هذين ~~دفعت لك عند عودتي، فمن من هؤلاء الثلاثة تظن أنه قد صار قريبا للذي وقع ~~بين اللصوص، فقال له: الذي صنع معه رحمة، فقال له يسوع: اذهب أنت وافعل ~~هكذا، وقال مرقس: فلم يتجرأ أحد أن يسأله ثم قال: وكانت جماعة كثيرة يسمعون ~~منه بشهوة، وقال يوحنا: وآمن باسمه عند كونه بإيروشليم في عيد الفسح كثير ~~لأنهم عاينوا الآيات التي عمل، ثم قال: وكان رجل من الفريسيين اسمه ~~نيقوديميس رئيسا لليهود أتى إلى يسوع ليلا وقال له: يا معلم # PageV20P022 # نحن نعلم أنك من الله أتيت معلما لأنه ليس بقدر أحد أن يعمل هذه الآيات ~~التي تعمل أنت إلا من ms5125 كان الله معه، قال متى: وحينئذ كلم يسوع الجمع ~~وتلاميذه وقال: على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون وكل ما قالوه لكم ~~احفظوه أنتم وافعلوه، ومثل أعمالهم لا تصنعوا لأنهم يقولون ولا يفعلون، ~~لأنهم يربطون أحمالا ثقالا صعبة الحمل ويحملونها على أعناق الناس ولا ~~يريدون أن يحركوها بإصبعهم، وكل أعمالهم يصنعونها لكي يراؤوا الناس، يعرضون ~~أرديتهم ويعظمون أطراف ثيابهم، ويحبون أول الجماعات في الولائم وصدور ~~المجالس في المجامع والسلام في الأسواق، وأن يدعوهم الناس معلمين، فأما ~~أنتم فلا تدعوا لكم معلما على الأرض ولا مدبرا فإن مدبركم واحد هو المسيح، ~~وأنتم جميعا إخوة، ولا تدعوا لكم أبا على الأرض فإن أباكم واحد، هو الذي في ~~السماوات، والكبير الذي فيكم يكون لكم خادما، فمن رفع نفسه اتضع، ومن وضع ~~نفسه ارتفع، الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون، لأكلكم بيوت الأرامل ~~والأيتام، لعلة تطويل صلاتكم، ومن أجل هذا تأخذون أعظم دينونة، الويل لكم ~~أنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس فلا أنتم تدخلون ولا تتركون ~~الداخلين يدخلون، الويل لكم أنكم تطوفون البر والبحر لتصطفوا غريبا واحدا، ~~فإذا صار صيرتموه لجهنم ابنا مضعفا، لكم الويل يا أيها الهداة العميان ~~الذين يقولون: من حلف بالهيكل فليس عليه شيء، ومن حلف بذهب الهيكل يخطىء، ~~أيها الجهال العمي أيما أعظم؟ الذهب أن الهيكل الذي يقدس الذهب، ومن حلف ~~بالمذبح فلا شيء، ومن حلف بالقربان الذي فوقه فهو يخطىء يا جهال وعميان، ~~أيما أعظم؟ القربان أم المذبح الذي يقدس القربان؟ ومن حلف بالمذبح فقد حلف ~~به وبكل ما فوقه، ومن حلف بالهيكل # PageV20P023 # فهو يحلف به وبالساكن فيه، ومن حلف بالسماء فهو يحلف بكرسي الله وبالجالس ~~عليه، الويل لكم أنكم تعشرون الشبث والنعنع والكمون وتتركون أثقل الناموس ~~الحكم والرحمة والإيمان، وقال لوقا: تعشرون النعنع والسداب وكل البقول، ~~وترفضون حكم الله ومحبته، قد كان ينبغي أن تعقلوا هذا ولا تغفلوا عن تلك - ~~انتهى، يا هداة عيمان الذين يتركون البعوضة ويبلعون الجمل، الويل لكم أنكم ~~تنقون خارج الكأس والسكرجة وداخلهما مملوء اختطافا وظلما، ms5126 أيها الأعمى، نق ~~أولا داخل الكأس والسكرجة لكيما يتطهر خارجهما، وقال لوقا: اعطو الرحمة فكل ~~شيء يتطهر لكم - الويل لكم لأنكم لا تشبهون القبور المكلسة التي ترى من # PageV20P024 # خارجها حسنة وداخلها مملوء عظام الأموات وكل نجس، وقال لوقا: لأنكم مثل ~~القبور المخفية والناس يمشون عليها ولا يعلمون - انتهى. # وكذلك أنتم ترون الناس ظواهركم مثل الصديقين، ومن داخل ممتلئون إثما ~~ورياء، قال لوقا: وأنتم أيها الكتبة الويل لكم لأنكم تحملون أوساقا وأثقالا ~~وأنتم لا تدنون منها بإحدى أصابعكم، الويل لكم لأنكم أخذتم مفاتيح الغرفة ~~فما دخلتم، ومنعتم الذين يريدون الدخول - انتهى، الويل لكم لأنكم تبنون ~~قبور الأنبياء، قال لوقا: الذين قتلهم آباؤكم - انتهى، وتزينون مدافن ~~الصديقين وتقولون: لو كنا في أيام آبائنا لم نشاركهم في دم الأنبياء، فأنتم ~~تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء إنكم تكملون مكيلة آبائكم، ~~أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم، من أجل هذا أرسل ~~إليكم أنبياء وحكماء وكتبة فتقتلون منهم وتصلبون وتجلدون منهم في مجامعكم ~~وتطردونهم من مدينة إلى مدينة لكي يأتي عليكم دم الصديقين المسفوك على ~~الأرض، وقال لوقا: وأنتم تشهدون # PageV20P025 # وتسرون بأعمال آبائكم لأنهم قتلوهم وأنتم تبنون قبورهم، ولهذا قالت حكمة ~~الله: هوذا أرسل إليهم أنبياء ورسلا فيقتلون منهم ويطردونهم لينتقم عن دم ~~جميع الأنبياء الذي أهريق من أول العالم إلى هذا الجيل. وقال متى: من دم ~~هابيل الصديق إلى دم زكريا بن براشيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح، ~~الحق أقول لكم إن هذا كله يأتي على هذا الجيل، يا أروشليم، يا قاتلة ~~الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم من مرة أردت أن أجمع بنيك فيك كما تجمع ~~الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا، هوذا يترك بينكم لكم خرابا، أنا ~~أقول لكم: إني لا تروني من الآن حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب، وقال ~~مرقس: ثم جاء يسوع عند باب الخزانة ينظر الجمع يلقي نحاسا في الخزانة ~~وأغنياء كثير ألقوا كثيرا، فجاءت امرأة أرملة مسكينة، فألقت فلسين فاستدعى ~~تلاميذه وقال لهم: الحق ms5127 أقول لكم، إن هذه الأرملة المسكينة ألقت أكثر من ~~الكل الذين ألقوا في الخزانة، لأن الكل القوا من فضل ما عنده، وهذه ألقت مع ~~مسكنتها كل ما لها، ثم خرج من الهيكل - انتهى. هذا ما فيه الدلالة على ~~الرسالة وتصديق التوراة، وأما البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد تقدم ~~في هذا الكتاب مفرقا في السور # PageV20P026 # كالأعراف والنساء وغيرهما، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة النبوية جمع ~~ابن إسحاق، قال ابن إسحاق: وقد كان فيما بلغني عما كان وضع عيسى ابن مريم ~~عليهما الصلاة والسلام فيما جاءه من الله تعالى في الانجيل لأهل الإنجيل من ~~صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم ~~الإنجيل عن عهد عيسى ابن مريم في رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أنه ~~قال: من أبغضني فقد أبغض الرب، ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد ~~قبلي ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزونني وأيضا للرب ~~ولكن لا بد أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أبغضوني مجانا أي باطلا فلو ~~قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس هذا الذي ~~من عند الرب خرج فهو شهيد علي وأنتم أيضا لأنكم قديما كنتم معي في هذا قلت ~~لكم لكي لا تشكوا. # فالمنحمنا بالسريانية محمد صلى الله عليه وسلم وهو بالرومية # PageV20P027 # البارقليطس - انتهى. # ولما تم الدليل النقلي على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى كونه أشرف ~~الأنبياء فاتحا لهم وخاتما عليهم، دل على إلزام بني إسرائيل الزيغ فقال: ~~{فلما جاءهم} أي عيسى أو محمد صلى الله عليه وسلم بني إسرائيل وغيرهم ~~{بالبينات} أي من المعجزات العظيمة التي لا يسوغ لعاقل إلا التسليم لها ومن ~~الكتاب المبين {قالوا} أي عند مجيئها سواء من غير نظرة لتأمل ولا غيره: ~~{هذا} أي المأتي به من البينات أو الآتي بها على المبالغة كما دل عليه ~~قراءة حمزة «ساحر» إشارة بالإشارة إلى القريب ms5128 بعد الإشارة - بفاء التعقب ~~إلى شدة اتصال الكفر بأول أوقات المجيء: {سحر} فكانوا أول كافر به، لأن هذا ~~وصف لهم لازم سواء بلغهم ذلك وهم بمفردهم أو منضما إليهم غيرهم {مبين *} أي ~~في البيان في سحريته حتى أن شدة ظهوره في نفسه لكل من رآه أنه سحر عنادا ~~منهم ومكابرة للحق الذي لا لبس فيه. # PageV20P028 # ولما كان التقدير إعلاما بأنهم أظلم الناس لتعمدهم للكذب: فمن أظلم منهم ~~لتهتكهم في ذلك، عطف عليه قوله: {ومن أظلم} وعم # PageV20P028 # كل من اتصف بوصفهم فقال: {ممن افترى} أي تعمد {على الله} أي الملك الأعلى ~~{الكذب} الذي هو أقبح الأشياء {وهو} أي والحال أنه {يدعى} أي من أي داع كان ~~{إلى الإسلام} الذي هو أحسن الأشياء فيكفي في الدعاء إليه أدنى تنبيه لأنه ~~الاعتراف بالحق لمن هو له، فيجعل مكان الإجابة افتراء الكذب في تلك الحالة ~~الحسنى. # ولما كان التقدير: فهو لا يهديه الله لأجل ظلمه، عطف عليه قوله: {والله} ~~أي الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه {لا يهدي القوم} أي لا يخلق الهداية ~~في قلوب من فيهم قوة المحاولة للأمور الصعاب {الظالمين *} أي الذين يخبطون ~~في عقولهم خبط من هو في الظلام. # ولما أخبر عن ردهم للرسالة، علله بقوله: {يريدون} أي يوقعون إرادة ردهم ~~للرسالة بافترائهم {ليطفئوا} أي لأجل أن يطفئوا {نور الله} أي الملك الذي ~~لا شيء يكافيه {بأفواههم} أي بما يقولون من الكذب لا منشأ له غير الأفواه ~~لأنه لا اعتقاد له في القلوب لكونه لا يتخيله عاقل، فهم في ذلك كالنافخين ~~في الشمس إرادة أن يمحو نفخهم عينها وينقص شينهم زينها، فمثل إرادتهم ~~لإخفاء القرآن بتكذيبهم وجميع كيدهم بمن # PageV20P029 # يريد إطفاء الشمس بنفخه فهو في أجهد وأضل الضلال: # وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب # فأفاد قصر الفعل أن إرادتهم كلها مصروفة لهذا الغرض وأنه لا إرادة لهم ~~غير ذلك وأنه لا ينبغي أن يكون لهم إرادة لأنهم عبيد، والإرادة لا ينبغي ~~إلا للسيد ليكون ms5129 إرادة العبد تابعة لها، فتكون امتثالا لإرادته، فكأنه لا ~~إرادة له، فهو أبلغ مما في براءة لأن هذه نتيجتها. # ولما أخبر بعلة إرادتهم وأشار إلى وهي أمرهم بعد أن أخبر بردهم للحق وجرأ ~~عليهم بالإخبار بإضلالهم، زاد ذلك بقوله مظهرا غير مضمر تنبيها على جميع ~~صفات الجلال والإكرام: {والله} أي الذي لا مدافع له لتمام عظمته. ولما كانت ~~هذه السورة نتيجة سورة براءة التي أخبر فيها بأنه يأبى إلا إتمام نوره، ~~أخبر في هذه بنتيجة ذلك وهي ثبات تمام النور ودوامه، لأن هذا شأن الملك ~~الذي لا كفوء له إذا أراد شيئا فكيف إذا أرسل رسولا فقال: {متم} وهذا ~~المعنى يؤيد قول الجمهور أنها مدينة بعد التأييد بذكر الجهاد، فإن فرضه كان ~~بعد الهجرة من والظاهر من ترتيبها على الممتحنة التي نزلت في غزوة الفتح ~~أنها بعد براءة في النزول أيضا. # PageV20P030 # ولما كان النور لإظهار صور الأشياء بعد انطماسها سببا لوضع الأشياء في ~~أتقن مواضعها، وكان ما أتى من عند الله من العلم كذلك، جعل عينه فأطلق عليه ~~اسمه فقال: {نوره} فلا يضره ستر أحد له بتكذيبه ولا إرادة إطفائه، وزاد ذلك ~~بقوله: {ولو كره} أي إتمامه له {الكافرون *} أي الراسخون في صفة الكفر ~~المجتهدون في المحاماة عنه. # ولما أخبر بذلك، علله بما هو شأن كل ملك فكيف بالواحد في ملكه فقال: {هو} ~~أي الذي ثبت أنه جامع لصفات الجمال والجلال وحده من غير أن يكون له شريك أو ~~وزير {الذي أرسل} بما له من القوة والإرادة {رسوله} أي الحقيق بأن يعظمه كل ~~من بلغه أمره لأن عظمته من عظمته، ولم يذكر حرف الغاية إشارة إلى عموم ~~الإرسال إلى كل من شمله الملك كما مضى {بالهدى} أي البيان الشافي {ودين ~~الحق} أي الملك الذي ثباته لا يدانيه ثبات، فلا ثبات لغيره، فثبات هذا ~~الدين بثباته، ويجوز أن يكون المعنى: والدين الذي هو الحق الثابت في الحقية ~~الكامل فيها كمالا ليس لغيره، فيكون من إضافة الموصوف إلى صفته إشارة إلى ~~شدة ms5130 التباسه بها {ليظهره} أي يعليه # PageV20P031 # مع الشهرة وإذلال المنازع {على الدين} أي جنس الشريعة التي تجعل ليجازي ~~من يسلكها ومن يزيغ عنها، بها يشرع فيها من الأحكام {كله} فلا يبقى دين إلا ~~كان دونه وانمحق به وذل أهله له ذلا لا يقاس به ذل {ولو كره} أي إظهاره ~~{المشركون *} أي المعاندون في كفرهم الراسخون في تلك المعاندة، وأعظم مراد ~~بهذا أهل العناد ببدعة الاتحاد، فإنهم ما تركوا شيئا مما سواه حتى أشركوا ~~به - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، - وهم مع بعد نحلتهم من العقول ~~وفسادها من الأوهام ومصادمتها لجميع النقول في غاية الكثرة لمصير الناس إلى ~~ما وعد الله ورسوله - وصدق الله ورسوله - من أن أكثرهم قد مرجت عهودهم ~~وخفيت أماناتهم وصاروا حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم، لكنهم على ~~كثرتهم بما تضمنته هذه الآية في أمثالها في غاية الذل ولله الحمد لا عز لهم ~~إلا بإظهار الاتباع للكتاب والسنة وهم يعلمون أنهم يكذبون في هذه الدعوى ~~لأنهم في غاية المخالفة لهما بحيث يعتقدون أنهما شرك لإثباتهما لله تعالى ~~وجودا يخالف وجود الخلق وهم يقولون مكابرة للضرورة أن الوجود واحد وأنه لا ~~موجود ظاهرا وباطنا سواه، ولذلك سموا الوجود به ثم لا يردهم علمهم بذلهم ~~وأنهم لا عز لهم إلا # PageV20P032 # بحمى الشريعة عن ضلالهم فأعجب لذلك وألجأ إلى الله تعالى بسؤال العافية، ~~فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، وضربهم بالذل مع كثرتهم في غاية ~~الدلالة على الله سبحانه لأن الملك الكامل القدرة لا يقر من يطعن في ملكه ~~ويسعى فر رد رسالته وإهانة رسله ولقد أنجز سبحانه كثيرا من وعده بما دل - ~~لكونه تغليبا على أقوى الملوك من الأكاسرة والقياصرة - على القدرة على ~~الباقين، وذلك أنه لما تقاعد قومه عن نصرته وانتدبوا لتكذيبه وجحد ما ~~شاهدوه من صدقه يسر الله له أنصارا من أمته هم نزاع القبائل وأجاد الأفاضل ~~وسادات الأماثل فبلغوا في تأييده أقصى الأمل. # PageV20P033 # ولما أنتج هذا كله نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ms5131 على كل حال ودمار من ~~يخالف أمره، أنتج قطعا أن الجهاد معه متجر رابح لأن النصر مضمون، والموت ~~منهل لا بد من وروده سواء خاض الإنسان الحتوف أو احترس في القصور المشيدة، ~~فقال تعالى في أسلوب النداء والاستفهام لأنه أفخم وأشد تشويقا بالأداة التي ~~لا يكون ما بعدها إلا بالغا في العظم إلى النهاية: {يا أيها الذين آمنوا} ~~أي قالوا # PageV20P033 # في إقرارهم بالإيمان ما عليهم أن يفعلوا بمقتضاه {هل أدلكم} وأنا المحيط ~~علما وقدرة، فهي إيجاب في المعنى ذكر بلفظ الاستفهام تشويقا ليكون أوقع في ~~النفس فتكون له أشد تقبلا، والآية أيضا نتيجة ما مضى باعتبار آخر لأنه لما ~~وبخ على انحلال العزائم واخبر بما يجب من القتال، وبكت على أذى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بالمخالفة، وأخبر أن من خالفه لا يضر إلا نفسه، كان موضع ~~الاستباق في طاعته فرتب عليه الاشتياق إلى ذكر ثمرته فذكرها، ولما كان فعل ~~حاطب رضي الله عنه لأجل أنه لا نجاح أهله الذين كانوا بمكة في أنفسهم ولا ~~في شيء من مالهم، وكان هذا في معنى التجارة قال: {على تجارة} وقراءة ابن ~~عامر {تنجيكم} بالتشديد أنسب لهذا المقام من قراءة الجماعة بالتخفيف، ~~وقراءة الجماعة أنسب لمقصود حاطب رضي الله عنه {من عذاب أليم *} بالإجاحة ~~في النفس أو المال. # ولما كان الاتجار إجهاد النفس في تحصيل الربح النافع، وكان الإيمان ~~والجهاد أعظم إجهاد النفس في تحصين - الجنة الباقية التي لا ريح توازيها، ~~فاستعار لهما اسمها، وكان جواب النداء الإقبال # PageV20P034 # وجواب الاستفهام نعم، عدوا كأنهم أقبلوا وأنعموا تنبيها على ما هو الأليق ~~بهم، فاستأنف لهم بيان التجارة بأنه الجمع بين الإيمان الذي هو أساس ~~الأعمال كلها، والجهاد بنوعيه المكمل للنفس والمكمل للغير فقال: {تؤمنون} ~~أي آمنوا بشرط تجديد الإيمان على سبيل الاستمرار {بالله} الذي له جميع صفات ~~الكمال {ورسوله} الذي تصديقه آية الإذعان المعنوية والخضوع لكونه ملكا ~~{وتجاهدون} أي وجاهدوا بيانا لصحة إيمانكم على سبيل التجديد والاستمرار. ~~ويدل على أنهما بمعنى الأمر ما أرشد إليه ms5132 جزم ما أقيم في موضع الجواب مع ~~قراءة عبد الله رضي الله عنه: آمنوا وجاهدوا - بصيغة الأمر {في سبيل الله} ~~أي بسبب تسهيل طريق الملك الأعظم الموصل إليه الذي لا أمر لغيره بحيث يكون ~~ظرفا لكم في جميع هذا الفعل فلا شيء يكون منه خارجا عنه ليكون خالصا بفتح ~~بلد الحج ليسهل الوصول إليه من كل من أراده وغير ذلك من شرائعه فتكونوا ممن ~~يصدق فعله قوله، وهذا المعنى لا وقفة فيه لأنه فرق بين قولنا: فلان فعل كذا ~~- الصادق بمرة، وبين قولنا بفعله الدال على أن فعله قد صار ديدنا له، ~~فالمعنى: يا من فعل # PageV20P035 # الإيمان إن أردتم النجاة فكونوا عريقين في وصف الإيمان حقيقين به ثابتي ~~الإقدام فيه وأديموا الجهاد دلالة على ذلك فإن الجهاد لما فيه من الخطر ~~والمشقة والضرر أعظم دليل على صدق الإيمان، ويؤيد ذلك أن السياق لقصة حاطب ~~رضي الله عنه المفهمة في الظاهر لعدم الثبات في الإيمان وإرادة الجهاد ~~الدال على المصدق فيه، ولذلك قال عمر رضي الله عنه ما قال - والله الهادي. # ولما كان الجمع بين الروح وعديلها المال على وجه الرضى والرغبة أدل على ~~صحة الإيمان، قال: {بأموالكم} وقدمها لعزتها في ذلك الزمان ولأنها قوام ~~الأنفس والأبدان، فمن بذل ماله كله لم يبخل بنفسه لأن المال قوامها. ولما ~~قدم القوام أتبعه القائم به فقال: {وأنفسكم} ولما أمر بهذا في صيغة الخبر ~~اهتماما به وتأييدا لشأنه، أشار إلى عظمته بمدحه قبل ذكر جزائه، فقال: ~~{ذلكم} أي الأمر العظيم من الإيمان وتصديقه بالجهاد {خير لكم} أي خاصة مما ~~تريدون من الذبذبة بمناصحة الكفار {إن كنتم} أي بالجبلات الصالحة {تعلمون ~~*} أي إن كان يمكن أن يتجدد لكم علم في وقت من الأوقات فأنتم تعلمون أن ذلك ~~خير لكم، فإذا علمتم، أنه خير أقبلتم عليه فكان لكم به أمر # PageV20P036 # عظيم، وإن كانت قلوبكم قد طمست طمسا لا رجاء لصلاحها فصلوا على أنفسكم ~~صلاة الموت. # PageV20P037 # ولما كان معنى «تؤمنون» : فالأمر كما تقدم، لكنه حول عن ذلك ms5133 لما ذكر، ~~وكان أهم ما إلى الإنسان خوفه مما هدد عليه، أمن سبحانه من ذلك دالا على ~~أصل الفعل بجزم ما هو في موضع الجواب فقال: {يغفر لكم} أي خاصة دون من لم ~~يفعل ذلك {ذنوبكم} أي بمحو أعيانها وآثارها كلها. # ولما قرع القلوب من كدر العقاب والعتاب، لذذها بطيب الثواب فقال: ~~{ويدخلكم} أي بعد التزكية بالمغفرة رحمة لكم {جنات تجري} ودل على قرب ~~الجاري وتخلله الأراضي بالجار فقال: {من تحتها} أي تحت أشجارها وغرفها وكل ~~متنزه فيها {الأنهار} فهي لا تزال غضة زهراء، ولم يحتج هذا الأسلوب إلى ذكر ~~الخلود لإغناء ما بعده عنه، دل على الكثرة المفرطة في الدور بقوله بصيغة ~~منتهى الجموع: {ومساكن} ولما كانت المساكن لا تروق إلا بما يقارنها من ~~المعاني الحسنة قال: {طيبة} أي في الاتساع واختلاف # PageV20P037 # أنواع الملاذ وعلو الأبنية والأسرة مع سهولة الوصول إليها وفي بهجة ~~المناظر وتيسر مجاري الريح بانفساح الأبنية مع طيب الغرف، لم يفسد الماء ~~الجاري تحتها شيئا من ريحها ولا في اعتدالها في شيء مما يراد منها. ولما ~~كانت لا يرغب فيها إلا بدوام الإقامة، بين صلاحيتها لذلك بقوله: {في جنات ~~عدن} أي بساتين هي أهل للإقامة بها لا يحتاج في إصلاحها إلى شيء خارج يحتاج ~~في تحصيله إلى الخروج عنها له، ولا آخر لتلك الإقامة، قال حمزة الكرماني في ~~كتابه جوامع التفسير: هي قصبة الجنان ومدينة الجنة أقربها إلى العرش. # ولما كان هذا أمرا شريفا لا يوجد في غيرها قال: {ذلك} أي الأمر العظيم ~~جدا وحده {الفوز العظيم *} . ولما ذكر ما أنعم عليه به في الأخرى لأنه أهم ~~لدوامها، كان التقدير بما دل عليه العطف: هذا لكم، عطف عليه ما جعل لهم في ~~الدنيا فقال: {وأخرى} أي ولكم نعمة، أو يعطيكم، أو يزيدكم نعمة أخرى. ولما ~~كان الإنسان أحب في العاجل وأفرح بالناجز قال: {تحبونها} أي محبة كثيرة ~~متجددة # PageV20P038 # متزايدة، ففي ظاهر هذه البشرى تشويق إلى الجهاد وتحبيب، وفي باطنها حث ~~على حب الشهادة بما يشير إليه ms5134 من التوبيخ أيضا على حل العاجل والتقريع: ~~{نصر من الله} أي الذي أحاطت عظمته بكل شيء لكم وعلى قدر إحاطته تكون نصرته ~~{وفتح قريب} أي تدخلون منه إلى كل ما كان متعسرا عليكم من حصون أعدائكم ~~وغيرها من أمورهم في حياة نبيكم صلى الله عليه وسلم أعظمه فتح مكة الذي كتب ~~حاطب رضي الله عنه بسببه، وبعد مماته، وفيه شهادة لحاطب رضي الله عنه بأنه ~~يحب نصرة النبي صلى الله عليه وسلم والفتح عليه مكة وغيرها لصحة إيمانه كما ~~أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى. # ولما كان ما تقدم من المعاتبة إنذارا لمن خالف فعله قوله من الذين آمنوا، ~~وكان المقام قد أخذ حظه من الإنذار والتوبيخ، طوى ما تقديره: فأنذر من لم ~~يكن راسخا في الدين من المنافقين، ومن خالف فعله قوله من المؤمنين: عطف ~~عليه دلالة عليه ليكون أوقع في النفس لمن يشير إليه طيه من الاستعطاف قوله: ~~{وبشر المؤمنين *} أي الذين صار الإيمان لهم وصفا راسخا كحاطب بن أبي بلتعة ~~رضي الله عنه بأن الله يفتح لك البلاد شرقا وغربا، وأول ذلك مكة المشرفة ~~ولا يحوجهم # PageV20P039 # إلى أن يدرؤوا عن عشائرهم وأموالهم ولا أن يكون شيء من أفعالهم يخالف ~~شيئا من أقوالهم. ولما هز سبحانه إلى الجهاد وشوق إليه بأنه متجر رابح، ~~ولوح إلى النذارة بالتنشيط بالبشارة، فتهيأت النفوس إلى الإقبال عليه ~~وانبعثت أي انبعاث، حض عليه بالإيجاب المقتضي للثواب أو العقاب، فقال ~~مناديا بأداة البعد والتعبير بما يدل على أدنى الأسنان تأنيبا على أنه لا ~~يعدم الوصف بالإيمان إلا مقرون بالحرمان تشويقا وتحببا: {يأيها الذين ~~آمنوا} أي أقروا بذلك فأذعنوا بهذا الوعظ غاية الإذعان أني أمرت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقول لكم: {كونوا} أي بغاية جهدكم {أنصار الله} أي ~~راسخين في وصف النصرة وفي الذروة العليا من ثبات الأقدام في تأييد الذي له ~~الغنى المطلق لتكونوا - بما أشارت إليه قراءة الجماعة بالإضافة - بالاجتهاد ~~في ذلك كأنكم جميع ms5135 أنصاره، فإنكم أشرف من قوم عيسى عليه الصلاة والسلام، ~~وما ندبكم سبحانه لنصرته إلا لتشريفكم بمصاحبة رسله الذين هم خلاصة خلقه ~~عليهم الصلاة والسلام فقولوا سمعنا وأطعنا نحن أنصار الله وقرأ نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو بالتنوين ولام الجر على معنى: كونوا بعض أنصاره، ويشبه أن ~~يكون المأمور به في هذه القراءة الثبات على # PageV20P040 # الإيمان ولو في أدنى الدرجات، وفي قراءة الجمهور الرسوخ فيه. # ولما كان التقدير على صفة هي من الثبات والسرعة على صفة الحواريين، عبر ~~عن ذلك بقوله: {كما} أي كونوا لأجل أني أنا ندبتكم بقولي من غير واسطة ~~ولذذتكم بخطابي مثل ما كان الحواريون أنصار الله حين {قال عيسى ابن مريم} ~~حين أرسلته إلى بني إسرائيل ناسخا لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام ~~{للحواريين} أي خلص أصحابه وخاصته منهم: {من أنصاري} حال كونهم سائرين في ~~منازل السلوك والمعاملات ومراحل المجاهدات والمنازلات {إلى الله} أي المحيط ~~بكل شيء فنحن إليه راجعون كما كنا به مبدوئين. # ولما اشتد تشوف السامع إلى جوابهم، أبان ذلك بقوله: {قال الحواريون} ~~معلمين أنه جادون في ذلك جدا لا مزيد عليه عاملين فيما دعاهم إليه عمل ~~الواصل لا السائر لعلمهم أنه إجابته إجابة الله لأنه لا ينطق عن الهوى فليس ~~كلامه إلا عن الله: {نحن} أي بأجمعنا {أنصار الله} أي الملك الأعلى الذي هو ~~غني عنا وقادر على تمام نصرنا، ولو كان عدونا كل أهل الأرض ننصره الآن ~~بالفعل، لا نحتاج إلى تدريب يسير ولا نظر إلى غير، لاستحضارنا لجميع ما ~~يقدر عليه الآدمي من صفات جلاله وجماله وكماله، ولذلك أظهروا ولم يضمروا. # ولما كان التقدير: ثم دعوا من خالفهم من بني إسرائيل وبارزوهم، # PageV20P041 # سبب عنه قوله: {فآمنت} أي به {طائفة} أي ناس فيهم أهلية الاستدارة لما ~~لهم من الكثرة {من بني إسرائيل} أي قومه {وكفرت طائفة} أي منهم، وأصل ~~الطائفة: القطعة من الشيء {فأيدنا} أي قوينا بعد رفع عيسى عليه الصلاة ~~والسلام {الذين آمنوا} أي الذين أقروا بالإيمان المخلص منهم وغيره في القول ~~والفعل ms5136 وشددنا قلوبهم {على عدوهم} الذين عادوهم لأجل إيمانهم. ولما كان ~~الظفر بالمحبوب أحب ما يكون إذا كان أول النهار، تسبب عن تأييده قوله: ~~{فأصبحوا} أي صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل {ظاهرين *} أي عالين غالبين ~~قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحدا إلا الله ولا يستخفون منه، ~~فالتأييد تارة يكون بالعلم وتارة بالفعل {علمه شديد القوى} [النجم: 5] فصار ~~علمه في غاية الإحكام وتبعته قوة هي في منتهى التمام، لأنه ناشىء عن علم ~~مستفاد من قوة، وإلا لقال: علمه كثير العلم. {قال الذي عنده علم من الكتاب ~~أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] قوة مستفادة من علم، ~~والظاهر كما هو ظاهر قوله تعالى: {جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى ~~يوم القيامة} [آل عمران: 55] وغيرها أن تأييد المؤمنين به كان بعد رفعه ~~بيسير حين ظهر # PageV20P042 # الحواريون وانبثوا في البلاد يدعون إلى الله بما آتاهم من الآيات، ~~فاتبعهم الناس، فلما تمادى الزمان ومات الحواريون رضي الله عنهم افترق ~~الناس ودب إليهم الفساد، فغلب أهل الباطل وضعف أهل الحق حتى كانوا عند بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم عدما أو في حكم العدم، - كما دلت عليه قصة سلمان ~~الفارسي رضي الله عنه، فقد رجع آخر السورة كما ترى بما وقع من التنزه عما ~~يوهمه علو الكفرة من النقص بنصر أوليائه وقسر أعدائه، ومن الأمر مما أخبر ~~أولها أنه يحبه من القتال في سبيله حثا عليه وتشويقا إليه - على أولها، ~~واتصل بما بشر به من آمن ولو على أدنى وجوه الإيمان من العز موصلها ~~بمفصلها، بما أزيل من الأسباب الحاملة له على المداراة، والأمور التي ~~أوقعته في المماشاة مع الكفار والمجاراة، فأوجب ذلك رسوخ الإيمان، وحصول ~~الإتقان، المقتضي للتنزيه بالفعل عن كل شوب نقصان، والله الموفق للصواب ~~وعليه التكلان. # PageV20P043 # سورة الجمعة # مقصودها بيان مسمى الصف بدليل هو أوضح شرائع الدين وأوثق عرى الإسلام وهو ~~الجمعة التي اسمها مبين للمراد منها من فرضية الاحتماع فيها وإيجاب الإقبال ~~عليها وهو التجرد عن ms5137 غيرها والانقطاع لما وقع من التفرق حال الخطبة عمن بعث ~~للتزكية بالاجتماعه عليه في الجهاد وغيره في العسر واليسر والمنشط والمكره، ~~واسمها الجمعة أنسب شيء فيها لهذا المقصد بتدبر آياته وتأمل أوائله ~~وغاياته، الحاثة على قوة التواصل والاجتماع، والحاملة على دوام الإقبال على ~~المزكي والحب له والاتباع) بسم الله (الذي أحاط علمه بكل معلوم فتم بيانه) ~~الرحمن (الذي عمت نعمة بيانه بعد شمول كرامة إيجاده فهو العظيم شأنه) ~~الرحيم (الذي خص حزبه بالتوفيق لما يرضاه فثبت فيي سويداء كل منهم حبه له ~~وإيمانه به. # PageV20P044 # ولما ختمت الصف بالإقبال ببعض بني إسرائيل على جنابه الأقدس بعد أن زاغوا ~~فأزاغ الله قلوبهم كلهم أو الشاذ منهم بما أفهمه إطلاق الضمير عليهم ثم ~~تأييدهم على من استمر منهم على الزيغ، فثبت أن له # PageV20P044 # تمام القدرة المستلزم لشمول العلم اللازم منه التنزه عن كل شائبة نقص، ~~وكان سبحانه قد ذكر التسبيح الذي هو الأعظم الأشهر للتنزيه بلفظ الماضي ~~ثلاث مرات في افتتاح ثلاث سور، وذلك نهاية الإثبات المؤكد، فثبت بذلك أنه ~~وقع تنزيهه من كل ناطق وصامت، أخبر أول هذه السورة أن ذلك التنزيه على وجه ~~التجديد والاستمرار بالتعبير بالمضارع لاستمرار ملكه فقال: {يسبح} أي يوقع ~~التنزيه الأعظم الأبهى الأكمل {لله} أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما، ~~وأكد بذلك لما في التغابن ولم يحتج بعد الإقرار بالوقوع على هذا الوجه إلى ~~التأكيد بأكثر من مرة وجعل بين كل مسبحتين سورة خالية من ذلك ليكون ذلك أدل ~~على قصد التأكيد من حيث شدة الاعتناء بالذكر، وإن وقع فصل ويكون التأكيد ~~أكثر تنبيها وأعظم صدعا وتذكيرا. # ولما كان تقريع العاقل الناطق بطاعة الصامت أعظم، قال: {ما في السماوات} ~~وإن كان العاقل يدخل في ذلك ما عليه فيكون تسبيحه تارة طوعا موافقة للأمر، ~~وتارة كرها بالانقياد مع الإرادة، وتسبيح الصامت طوعا في كل حال. ولما كان ~~الخطاب مع الذين آمنوا، دعا ذلك إلى التأكيد لاحتياجهم إليه فقال: {وما في ~~الأرض} كذلك. # PageV20P045 # ولما ثبت بالسور الثلاث الماضية ms5138 أن الموجودات أوقعت له التسبيح، وأخبرت ~~هذه باستمرار ذلك على سبيل التجديد، دل ذلك مع التنزيه عن النقائص على ~~إثبات الكمال الذي لا يكون إلا لملك عظيم الشأن مطاع الأمر، وكان الاقتصار ~~على الصامت بالتعبير بما هو ظاهر فيه ربما أوهم شيئا، قال مصرحا بما أفهمه ~~السياق: {الملك} أي الذي ثبتت له جميع الكمالات فهو ينصر من يشاء من جنده ~~ولو كان ذليلا فيصبح ظاهرا {القدوس} الذي انتفت عنه جميع النقائص، فلا يكون ~~شيء إلا بإذنه وتنزه عن إحاطة أحد من الخلق بعلمه أو إدراك كنه ذاته فليس ~~في أيدي الخلق إلا التردد في شهود أفعاله، والتدبر لمفاهيم نعوته وجلاله، ~~وأحقهم بالقرب والعداد في حزبه المتخلق بأوصافه على قدر اجتهاده، فينبغي ~~للمؤمن التنزه عن أن يقول ما لا يفعل أو يبني شيئا من أموره على غير إحكام، ~~وقد مضى شرح الاسمين الشريفين قريبا وذكر خلاصة شرحهما بما هو خاصة الملك ~~وآية الطهارة للطاهر فقال: {العزيز} أي الذي يغلب كل شيء، لا يغلبه شيء، ~~فلو أراد لجعل العقلاء كلهم أيضا مع تسبيحهم بالجري تحت مراده طوعا وكرها ~~مسبحين بالموافقة لأمره طوعا {الحكيم *} الذي يوقع كل ما أراده في أحكم # PageV20P046 # مواقعه وأتمها وأتقنها. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما ختمت سورة الصف بالثناء على ~~الحواريين في حسن استجابتهم وجميل إيمانهم، وقد أمر المؤمنين بالتشبه بهم ~~في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن ~~مريم للحواريين من أنصاري إلى الله} [الصف: 14] كان ذلك مما يوهم فضل أتباع ~~عيسى عليه السلام على أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فاتبع ذلك بذكر هذه ~~الأمة، والثناء عليها، فافتتحت السورة بالتنزيه عما أشار إليه قوله: {وكفرت ~~طائفة} [الصف: 14] فإنهم ارتكبوا العظيمة وقالوا بالنبوة، فنزه سبحانه نفسه ~~عن ذلك ثم قال: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} [الجمعة: 2] إلى قوله: ~~{ذو الفضل العظيم} [الجمعة: 4] ثم أعلم تعالى بحال طائفة لاح لهم نور الهدى ~~ووضح لها سبيل الحق فعميت عن ذلك ms5139 وارتبكت في ظلمات جهلها ولم تزدد بما حملت ~~إلا حيرة وضلالة فقال تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل ~~الحمار يحمل أسفارا} [الجمعة: 5] الآيات وهي في معرض التنبيه لمن تقدم ~~الثناء عليه ورحمه الله إياه لئلا يكونوا فيما يتلو عليهم نبيهم من الآيات ~~ويعلمهم من الكتاب والحكمة مثل أولئك الممتحنين، فإنهم مقتوا ولعنوا بعد ~~حملهم التوراة، وزعموا أنهم التزموا حمله والوفاء به فوعظ هؤلاء بمثالهم ~~لطفا من الله # PageV20P047 # لهذه الأمة {وما يذكر إلا أولوا الألباب} انتهى. # ولما كانت القدرة على تزكية الجلف الجافي بحمله على التنزيه أدل على ~~القدرة على غيره، وكان قد أسلف عن بني إسرائيل أنهم لم يقبلوا التزكية بل ~~زاغوا، دل على قدرته في عزته وحكمته وملكه وقدسه على تزكية جميع العقلاء ~~بقوله: {هو} أي وحده {الذي بعث} أي من حضرة غيب غيبه بشرع أوامره ونواهيه ~~{في الأميين} أي العرب لأنهم كانوا معروفين من بين سائر الأمم لا يكتبون بل ~~هم على الخلقة الأولى حين الخروج من بطن الأم، وذكر ظرف البعث وإهمال غايته ~~دال على أنها كل من يتأتى البعث إليه وهم جميع الخلق، ويجوز أن تطلق الأمية ~~على جميع أهل الأرض لأن بعثه صلى الله عليه وسلم كان حين ذهب العلم من ~~الناس، ولأن العرب أصل فجميع الباقين تبع لهم، فلا بدع أن يحمل عليهم وصفهم ~~{رسولا} ولما كان تقويم الشيء بمثله أعجب قال: {منهم} بل الأمية بمعنى عدم ~~الكتابة والتجرد عن كل تكلف وصف لازم له دائما وعلمه لما يكن يعلم من غير ~~تطلب، فكانت آثار البشرية عند مندرسة، وأنوار الحقائق عليه لائحة، وذلك ~~يتوهم الافتقار إلى الاستعانة بالكتب لأن منشأ # PageV20P048 # مشاكلته لحال من بعث فيهم أقرب إلى مساواتهم له لو أمكنهم، فيكون عدم ~~إمكان المساواة أدل على الإعجاز، وذكر بعثه منهم إن خص الوصف بالعرب لا ~~ينفي بعثه إلى غيرهم ولا سيما مع ما ورد فيه من الصرائح وأثبته من الدلائل ~~القواطع، فذكر موضع البعث وابتداءه فتكون الغاية مطلقة تقديرها: إلى ms5140 عامة ~~الخلق. # ولما كان كونه منهم مفهما لأنه لا يزيد عليهم من حيث كونه منهم وإن زاد ~~فبشيء يسير، عجب من أمره ونبه على معجزة عظيمة له بقوله مستأنفا: {يتلوا} ~~أي يقرأ قراءة يتبع بعضها بعضا على وجه الكثرة والعلو والرفعة {عليهم} مع ~~كونه أميا مثلهم {آياته} أي يأتيهم بها على سبيل التجدد والمواصلة آية بينة ~~على صدقه لأنه أمي مثلهم بل فيهم الكاتب والعالم وإن كانوا معمورين في ~~كثرتهم فما خصه عنهم بذلك إلا القادر على كل شيء. # ولما كان المقام للتنزيه ولتأديب من وقع في موادة الكفار ونحو ذلك، قدم ~~التزكية فقال: {ويزكيهم} أي عن الأخلاق الرذيلة والعقائد الزائغة، فكانت ~~تزكيته لهم مدة حياته بنظره الشريف إليهم وتعليمه لهم وتلاوته عليهم، فربما ~~نظر إلى الإنسان نظرة محبة فزكاه # PageV20P049 # الله بها، وربما سرت تلك النظرة إلى ثان فأشرقت أنوارها عليه على حسب ~~القابليات كما وقع لعمير بن وهب ثم صفوان بن أمية وكذا ذو النور الطفيل بن ~~عامر الدوسي رضي الله عنه ثم قومه، فأما عمير فكان من أعظم المؤذين للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولمن آمن به فتذاكر مع صفوان وقعة بدر في الحجر ومن ~~فقدوا من صناديدهم وأنه ليس في العيش بعدهم خير، ثم تمنوا رجلا بقتال النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال عمير: لولا فقري وبنات لي وعيال أخشى عليهم ~~الضيعة من بعدي لأتيته بغلة أسيري عندهم فقتلته، فاغتنمها صفوان فعاهده أن ~~يكفي عياله إن مات وأن يواسيه إن عاش، فقال: اكتم عني ثلاثا، ثم ذهب إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهداه الله فحلف صفوان أن لا يكلمه أبدا، فلما ~~فتحت مكة فر صفوان ليركب البحر من جدة، فاستأذن عمير النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم ذهب إليه فلحقه فلم يزل به حتى رجع ثم أسلم فكان من خيار الصحابة ~~رضي الله عنه، وأما ذو النور فحين دعاه النبي صلى الله عليه وسلم ثم سأل ~~آية يعينه الله بها على قومه فآتاه الله نورا حين ms5141 أشرف على الحي الذي هو ~~منه، ثم دعا أباه وأمه فأسلما، ثم صاحبته فكذلك ثم قومه، فما تخلف منهم ~~أحد، وأما غير الصحابة رضي الله عنهم فتزكيته لهم بآثاره بحسب القابليات ~~والأمور التي قضى الله أن يكون مهيأ، فمن كان له أعشق كان لاتباعه ألزم، ~~فكان في كتاب الله وسنته أرسخ من # PageV20P050 # سيرة وغيرها علما وعملا فكان أشد زكاء. # ولما كانوا بعد التزكية التي هي تخلية عن الرذائل أحوج ما يكون إلى تحلية ~~بالفضائل قال: {ويعلمهم الكتاب} أي المنزل عليه الجامع لكل خير ديني ودنيوي ~~في الأولى والأخرى {والحكمة} وهي غاية الكتاب في قوة فهمه والعمل به، فهي ~~العلم المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم معقوله ومنقوله ليضعوا كل شيء ~~منه في أحكم مواضعه فلا يزيغوا عن الكتاب كما زاغ بنو إسرائيل، فيكون مثلهم ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا ولو لم يكن له صلى الله عليه وسلم معجزة إلا هذه ~~لكانت غاية. # ولما كان الوصف بالأمية مفهما للضلال، وكان كثير منهم حال إنزال هذه ~~السورة يعتقد أنهم على دين متين وحال جليل مبين، وكانوا بعد هدايته لهم بعد ~~الأمية سيضلون لأن الإرسال من حضرة غيب الغيب في العلوم المنافية للأمية ~~إلى ما لم تصل إليه أمة من الأمم قبلهم، وكان ذلك موجبا للتوقف في كونهم ~~كانوا أميين، أكد هذا المفهوم بقوله: # PageV20P051 # {وإن} أي والحال أنهم {كانوا} أي كونا هو كالجبلة لهم. ولما كان كونهم ~~ذلك في بعض الزمن الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي قبل إرساله إليهم ~~من حين غيروا دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام وعبدوا الأصنام {لفي ~~ضلال} أي بعد عن المقصود {مبين *} أي ظاهر في نفسه مناد لغيره أنه ضلال ~~باعتقادهم الأباطيل الظاهرة وظنهم أنهم على شيء وعموم الجهل لهم ورضاهم به ~~واختيارهم له وعيبهم من يميل إلى التعلم وينحو نحو التبصر كما وقع لهم مع ~~زيد بن عمرو بن نفيل وغيره، فوصفهم بهذا غاية في نفي التعلم من مخلوق عن ~~نبيهم إعظاما لما جاء به من الإعجاز ms5142 وتقريرا لشدة احتياجهم إلى نبي يرشدهم ~~إلى الهدى، وينقذهم مما كانوا فيه من العمى والردى. # ولما كانت تزكيته لهم مع أميتهم وغباوتهم لوصف الأمية في الجهل أمرا ~~باهرا في دلالته على تمام القدرة، زاد في الدلالة على ذلك بإلحاق كثير ممن ~~في غيرهم من الأمم مثلهم في الأمية بهم # PageV20P052 # فقال: {وآخرين} أي وبعثه في آخرين {منهم} في الأمية لا في العربية {لما ~~يلحقوا بهم} أي في وقت من الأوقات الماضية في صفة من الصفات، بل هم أجلف ~~الناس كعوام المجوس واليهود والنصارى والبرابر ونحوهم من طوائف العجم الذين ~~هم ألكن الناس لسانا وأجمدهم أذهانا وأكثفهم طبعا وشأنا، وسيلحقهم الله بهم ~~في العلم والتزكية. # ولما كان عدم إلحاقهم بهم في الماضي ربما أوهم شيئا في القدرة، وإلحاقهم ~~بهم في المستقبل في غاية الدلالة على القدرة، قال: {وهو} أي والحال أنه ~~وحده {العزيز} الذي يقدر على كل شيء ولا يغلبه شيء فهو يزكي من يشاء ويعلمه ~~ما أراد من أي طائفة كان، ولو كان أجمد أهل تلك الطائفة لأن الأشياء كلها ~~بيده {الحكيم *} فهو إذا أراد شيئا موافقا لشرعه وأمره جعله على أتقن ~~الوجوه وأوثقها فلا يستطاع نقضه، ومهما أراده كيف كان فلا بد من إنفاذه فلا ~~يطلق رده بوجه، ويكون المراد بالآخرين العجم، وأن الله تعالى سيلحقهم ~~بالعرب، قال ابن عمر رضي الله عنهما وسعيد بن جبير أيضا رضي الله عنه وهو ~~رواية ليث عن مجاهد ويؤيده ما: # «روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا سأل عنهم لما نزلت سورة # PageV20P053 # الجمعة فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان رضي الله عنه ~~وقال:» لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء «» . # ولما كان هذا أمرا باهرا، عظمه بقوله على وجه الاستثمار من قدرته: {ذلك} ~~أي الأمر العظيم الرتبة من تفضيل الرسول وقومه وجعلهم متبوعين بعد أن كان ~~العرب أتباعا لا وزن لهم عند غيرهم من الطوائف {فضل الله} أي الذي له جميع ~~صفات الكمال، والفضل ما ms5143 لم يكن مستحقا بخلاف الفرض {يؤتيه من يشاء} بحوله ~~وقوته بأن يهيئه له ولو كان أبعد الناس منه {والله} أي الملك الأعظم {ذو ~~الفضل} ولما كانت «آل» دالة على الكمال دل على ذلك بقوله: {العظيم *} أي ~~الذي يحقر دونه كل عطاء من غيره. # PageV20P054 # ولما أدب عباده المؤمنين في الممتحنة عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأتمه في الصف بما حذر من إزاغة القلوب لمن آذى نبيه موسى عليه الصلاة ~~والسلام، وأعلم أنه سبحانه جمع الآداب كلها في هذا الكتاب الذي أنزله على ~~نبيهم الذي جعله خاتم الأنبياء وأشرف الأصفياء، ودل على فضله العظيم بتعليم ~~الجاهل، دل على عقابه الأليم تتميما للدلالة على باهر قدرته بتجهيل العالم ~~بإزاغة قلبه وإذهاب لبه بيأسه من الآخرة لغضبه عليه تحذيرا من الوقوع بما ~~يوجب الإضلال بعد العلم، فقال جوابا لمن كأنه قال: هذا فضله علىلجاهل فكيف # PageV20P054 # فعله بالعالم؟ فقال تحذيرا من يزكي فلا يتزكى بأن يقول ما لا يعمل، ويحمل ~~الكتاب فيحمله غير عالم به من أن يفعل به ما فعل باليهود من الذل في الدنيا ~~والخزي والعذاب في الآخرة بإزاغة القلوب وإحاطة الذنوب فيكون أقبح مما قيل ~~فيه. # من فاته العلم وأخطأ الغنى ... فذاك والكلب على حد سوا # {مثل الذين} ولما كان العلم ولا سيما الرباني يجب أن يفرح به ويرغب فيه ~~من أي موصل كان، بني للمجهول قوله وصيانة لاسمه الشريف عن أن يذكر عن ~~العصيان: {حملوا التوراة} أي كلفوا وألزموا حمل الكتاب الذي آتاه الله لبني ~~إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة والسلام بأن علمهم إياها سبحانه وكلفهم ~~حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ومعانيها عن التحريف والتلبيس وحدودها ~~وأحكامها عن الإهمال والتضييع. # ولما كان تركهم لحملها وهي من عند الله وعلى لسان رجل منهم هو أعظم في ~~أنفسهم وأجلهم إحسانا إليهم في غاية البعد ولا سيما مع طول الزمان المسهل ~~لحفظها الميسر لتدبرها وتعرف مقدارها، عبر بأداة البعد فقال: {ثم لم ~~يحملوها} بأن حفظوا ألفاظها ولم يعملوا بما فيها ms5144 من الوصية باتباع عيسى ~~عليه الصلاة والسلام إذا جاءهم ثم محمد صلى الله عليه وسلم إذا جاء، فهي ~~ضارة لهم بشهادتها عليهم قاذفة لهم في النار # PageV20P055 # من غير نفع أصلا {كمثل} أي مثل مثل {الحمار} الذي هو أبله الحيوان، فهو ~~مثل في الغباوة، حال كونه {يحمل أسفارا} أي كتبا من العلم كاشفة للأمور ~~تنفع الألباء، جمع سفر، وهو الكتاب الكبير المسفر عما فيه. # ولما كان المثل الجامع لهما - وهو وجه الشبه - شخصا مثقلا متعبا جدا بشيء ~~لا نفع له به أصلا فهو ضرر عليه صرف لا يدرك ما هو حامله غير أنه متعب ولا ~~يدري أصخر هو أم كتب، أنتج قوله معبرا بالأداة التي هي لجامع الذم ترهيبا ~~للآدميين من أن يتهاونوا بشيء من أحكام القرآن فيكونوا أسوأ مثلا من أهل ~~الكتاب فيكونوا دون الحمار لأن رسولهم صلى الله عليه وسلم أعظم وكتابهم ~~أعلى وأفخم فقال: {بئس مثل القوم} أي الذين لهم قوة شديدة على محاولة ما ~~يريدونه فلم يؤتوا من عجز يعذرون به {الذين كذبوا} أي عمدوا على علم عنادا ~~منهم وكفرا {بآيات الله} أي دلالات الملك الأعظم على رسله ولا سيما محمد ~~صلى الله عليه وسلم وجميع ما يرضيه مثلهم فإن مثلهم قد تكفل بتعريف أنهم قد ~~اجتمعوا مع الحمار في وصف هو الروح الباطني، وهو الضرر الصرف الذي لا نفع ~~فيه بوجه بأنفع الأشياء، وهو ما دل على الله فضمن سعادة الدارين، وهذا ~~المثل وإن كان نصا # PageV20P056 # في اليهود فهو لجميع قراء السوء من كل ملة لاشتراكهم معهم في وجه الشبه ~~كما أن مثل الكلب في الأعراف على هذا النحو، وكأنه لم يدخل سبحانه هذه ~~الأمة في ذلك صريحا إشارة إلى حفظها من غير أن يكلها إلى نفسها كما أنه ~~آتاها العلم مع الأمية منها ومن رسولها من غير أن يكلهم إلى كتابة ولا تقدم ~~علم ما ولا تكلف لشيء. # ولما كان التقدير: فاستحقوا الوصف بجميع المذام لأنهم ظلموا أشد الظلم، ~~عطف عليه قوله: {والله} أي الذي ms5145 له جميع صفات الكمال لا يهديهم - هكذا كان ~~الأصل، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: {لا يهدي القوم} أي ~~لا يخلق الهداية في قلوب الأقوياء الذين تعمدوا الزيغ: {الظالمين *} أي ~~الذين تعمدوا الظلم بمنابذة الهدى الذي هو البيان الذي لم يدع لبسا حتى صار ~~الظلم لهم صفة راسخة. # ولما كان قولهم أنهم أولياء الله وأحباؤه في غاية البعد من هذا المثل، ~~استأنف ما يدل على صحة المثل قطعا، فقال معرضا عنهم آمرا لمن كذبوه ~~بتبكيتهم: {قل} أي يا أيها الرسول الذي هم قاطعون بأنه رسوله الله: {يا ~~أيها الذين هادوا} أي تدينوا باليهودية. ولما كان الحق # PageV20P057 # يصدع من له أدنى مسكة، فكانوا جديرين بالرجوع عن العناد، عبر بأداة الشك ~~فقال: {إن زعمتم} أي قلتم قولا هو معرض للتكذيب ولذلك أكدتموه {أنكم أولياء ~~الله} أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه، خصكم بذلك خصوصية مبتدأة {من ~~دون} أي أدنى رتبة من رتب {الناس} فلم تتعد الولاية تلك الرتبة الدنيا إلى ~~أحد منكم غيركم، بل خصكم بذلك عن كل من فيه أهلية الحركة لا سيما الأميين ~~{فتمنوا الموت} وأخبروا عن أنفسكم بذلك للقلة من دار البلاء إلى محل ~~الكرامة والآلاء {إن كنتم} أي كونا راسخا {صادقين *} أي عريقين عند أنفسكم ~~في الصدق فإن من علامات المحبة الاشتياق إلى المحبوب، ومن التطوع به أن من ~~كان في كدر وكان له ولي قد وعده عند الوصول إليه الراحة التي لا يشوبها ضرر ~~أنه يتمنى النقلة إلى وليه، روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم «والذي ~~نفسي بيده لا يقولها منكم أحد إلا غص بريقه» فلم يقلها أحد منهم علما منهم ~~بمصدقه صلى الله عليه وسلم فلم يقولوا ولم يؤمنوا عنادا منهم. # PageV20P058 # ولما كان التقدير: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثالا لأمرنا ~~ذلك، فلم يتمنوه في الوقت الحاضر، تصديقا منا لنبوته وتعجيزا وتحقيقا ~~لمعجزات رسالته، دل على هذا المقدر بما عطف عليه من قوله # PageV20P058 # الدال قطعا على صدقه بتصديقهم ms5146 له بالكف عما أخبر أنهم لا يفعلونه: {ولا ~~يتمنونه} أي في المستقبل، واكتفى بهذا في التعبير بلا لأن المذكور من ~~دعواهم هنا أنهم أولياء لا كل الأولياء فهي دون دعوى الاختصاص بالآخرة، ~~وأيضا الولاية للتوسل إلى الجنة، ولا يلزم منها الاختصاص بالنعمة بدليل أن ~~الدنيا ليست خالصة للأولياء المحقق لهم الولاية، بل البر والفاجر مشتركون ~~فيها. ولما أخبر بعدم تمنيهم، وسع لهم المجال تحقيقا للمراد فقال: {أبدا} ~~وعرف أن سببه معرفتهم بأنهم أعداء الله فقال: {بما قدمت} ولما كان أكثر ~~الأفعال باليد، نسب الكل إليها لأنها صارت عبارة عن القدرة فقال: {أيديهم} ~~أي من المعاصي التي أحاطت بهم فلم تدع لهم حظا في الآخرة بعلمهم. # ولما كان التقدير تسببا عن هذا: لئلا يقولوا: سلمنا جميع ما قيل في ~~الظالمين لكنا لسنا منهم فالله عليم بهم في أفعالهم ونياتهم، عطف عليه قوله ~~معلقا بالوصف تعميما وإعلاما بأن وصف ما قدموا من الظلم {والله} أي الذي له ~~الإحاطة بكل شيء قدرة وعلما {عليم} أي بالغ العلم محيط بهم - هكذا كان ~~الأصل، ولكنه قال: # PageV20P059 # {بالظالمين *} تعميما وتعليقا بالوصف لا بالذات، فالمعنى أنه عالم بأصحاب ~~هذا الوصف الراسخين فيه منهم ومن غيرهم فهو يجازيهم على ظلمهم وهم يعلمون ~~ذلك، وأعظم مصدق الله - ومن أصدق من الله قيلا - في هذا أنهم ما قوتلوا قط ~~إلا أرزوا إلى حصونهم وقراهم كما مر في سورة الحشر، فدل ذلك على أنهم أحرص ~~على الحياة الدنيا من الذين أشركوا كما مر في سورة البقرة فإنهم عالمون ~~بأنهم يصيرون إلى النار، والعرب يظنون أنهم لا يبعثون فهم لا يخافون ما بعد ~~الموت وهم شجعان يقدمون على الموت كما قال عنترة بن شداد العبسي: # بكرت تخوفني المنون كأنني ... أصبحت عن عرض الحتوف بمعزل # فأجبتها أن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بذاك المنهل # فافني حياك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل # ولما كان عدم تمنيهم علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم لموافقته ما ~~أخبر به، ms5147 وكان ذلك فعل من يعتقد أن التمني يقدمه عن أجله وعدمه يؤخره، ~~فصاروا بين التكذيب بما عندهم ونهاية البلادة، أمره صلى الله عليه وسلم ~~بتنبيههم على بلادتهم تبكيتا لهم فقال: {قل} وأكد إعلاما لهم بأنه يلزم من ~~فعلهم هذا إنكار الموت الذي لا ينكره # PageV20P060 # أحد فقال: {إن الموت} وزاد في التقريع والتوبيخ بقوله: {الذي تفرون منه} ~~أي بالكف عن التمني الذي هو أيسر ما يكون مع أنه يوصلكم إلى تكذيب من أنتم ~~جاهدون في تكذيبه، وأكد وقوعه بهم لأن عملهم عمل من هو منكر له، وربطه ~~بالفاء جعلا لفرارهم كالسبب له، فإن الجبن من أسباب الموت مع ما يكسب من ~~العار كما قال: «إن الجبان حتفه من فوقه» أي هو غالب عليه غلبة العالي على ~~السافل فقال: {فإنه ملاقيكم} أي مدرككم في كل وجه سلكتموه بالظاهر أو ~~الباطن. # ولما كان الحبس في البرزخ أمرا - مع أنه لا بد منه - مهولا، نبه عليه ~~وعلى طوله بأداة التراخي فقال: {ثم تردون} ونبه بالبناء للمفعول على القهر ~~منه سبحانه والصغار منهم وأنه عنده في غاية السهولة {إلى عالم الغيب} وهو ~~كل ما غاب عن العباد فهو مخبر عن أخلاقكم عن علم. ولما كان بعض الفلاسفة ~~يقر بعلمه تعالى بالكليات، وينكر علمه بالجزئيات قال: {والشهادة} وهي كل ما ~~ظهر وتشخص ولو لواحد من الخلق قبل كونه وبعد كونه. ولما كان التوقيف على ~~الأعمال فظيعا مرجفا، قال مسببا عن الرد: {فينبئكم} أي يخبركم إخبارا عظيما ~~مستقصى مستوفى {بما كنتم} أي بما هو لكم كالجبلة # PageV20P061 # {تعملون *} أي بكل جزء منه مما برز إلى الخارج ومما كان في جبلاتكم ولو ~~لقيتم لعلمتموه ليجازيكم عليه. # ولما قبح سبحانه المخالقة بين القول والفعل وصور صاحبها بصورة الحمار على ~~الهيئة السابقة، وحذر من ذلك بما هيأ به العاقل للإجابة إلى دوام الطاعة ~~بعد أن بين أن جميع الكائنات مقرة بشمول ملكه بما لها من التسبيح بألسنة ~~الأحوال، والقيام في مراداته بغاية الامتثال، فكان العاقل جديرا بالمبادرة ~~إلى غاية التسبيح بلسان ms5148 المقال، وختم بالتحذير من الإخبار يوم الجمع الأعظم ~~بجميع الأعمال، قال على طريق الاستنتاج مما مضى من الترغيب والترهيب، نادبا ~~لهم - ليكونوا أولياء الله - إلى التزكية المذكورة التي هي ثمرة الرسالة ~~بما حاصله الإقبال بالكلية على الله والإعراض بالكلية عن الدنيا ليجمع ~~المكلف بين التحلي بالمزايا والتخلي عن الدنايا، فخص من المزايا أعظم تسبيح ~~يفعله العاقل في أيام الأسبوع وهو الإسراع بالاجتماع العظيم في يوم الجمعة ~~الذي يناظر الاجتماع لإجابة المنادي في يوم الجمع الأكبر، ثم الإقبال ~~الأعظم بفعل صلاة الجمعة التي هي سر اليوم الذي ضيعه اليهود واستبدلوا به ~~ما كان سبب تعذيبهم بعذاب لم يعذب به أحد من العالمين كما جعل نتيجة # PageV20P062 # السورة الماضية النداء بالإرشاد إلى الإيمان والجهاد الموجب للأمان: {يا ~~أيها الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم بالإيمان وألهبهم بأداة البعد - ~~المشيرة إلى احتياجهم إلى التزكية - إلى المبادرة إلى الإقبال على ما يتعقب ~~ذلك من الأوامر {إذا نودي} أي من أي مناد كان من أهل النداء {للصلاة} أي ~~لأجل الحضور إليها وإليه عند قعود الإمام على المنبر للخطبة. # ولما كانت الإجابة يكفي في إيجابها النداء في الوقت المعروف للنداء ولا ~~يشترط لها استغراق النداء لجميع اليوم أتى بالجار فقال: {من يوم الجمعة} أي ~~اليوم الذي عرض على من قبلنا فأبوه فكانوا كمثل الحمار يحمل أسفارا وادخره ~~الله لنا ووفقنا لقبوله، فكانوا لنا تبعا مع تأخرنا عنهم في الزمان، سمي ~~بذلك لوجوب الاجتماع فيه للصلاة، فعلة بالسكون ويضم اسم للمفعول كالضحكة ~~للمضحوك منه، فإن فتح ميمه كان بمعنى الوقت الجامع كالضحكة للكثير الضحك، ~~ومن جمعه أن فيه اجتمع خلق آدم عليه الصلاة والسلام فاجتمع بخلقه جميع ~~الخلق، وهو مذكر بيوم البعث والجمع الذي يقع فيه الإنباء بالأعمال، وتظهر ~~فيه ظهورا بينا تاما الجلال والجمال {يوم يناد المناد من مكان قريب} [ق: ~~41] وفيه تقوم الساعة، روى مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: « # PageV20P063 # خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق ms5149 آدم عليه الصلاة والسلام وفيه ~~أهبط وفيه مات وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيحة ~~يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس مشفقا من الساعة إلا الجن والإنس، ~~وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه ~~إياه» وفي آخر الحديث أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: إنها آخر ساعة ~~يوم الجمعة، وأول الصلاة بما هو أعم من فعلها وانتظارها لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم «من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها» وكان ~~النداء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عند باب المسجد إذا صعد صلى الله ~~عليه وسلم على المنبر، فإذا نزل بعد الخطبة أقيمت الصلاة، وكذا في زمن أبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس وتباعدت ~~المنازل وقلت الهمم زاد مؤذنا آخر على داره التي تسمى الزوراء، فإذا جلس ~~على المنبر أذن المؤذن ثانيا الأذان الذي كان على زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فإذا نزل من المنبر أقيمت الصلاة، ولم يعب أحد على عثمان زيادة ~~الأذان الأول لعلمهم أنه من السنة بما جعل إليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» . # PageV20P064 # ولما كان المراد إيجاب المعنى جزما من غير تردد مع قطع كل علاقة بلا ~~التفات إلى شيء من غير ما عذر الشارع به، عبر عنه بالسعي، وهو معنى قول ~~الحسن أنه السعي بالنية لا بالقدم، فقال: {فاسعوا} أي لتكونوا أولياء الله ~~ولا تهاونوا في ذلك لتكونوا أعداءه كاليهود {إلى ذكر الله} أي الخطبة ~~والصلاة المذكرة بالملك الأعظم الذي من انقطع عن خدمته هلك، هذا المراد ~~بالسعي لا حقيقة بل هي منهي عنها كما قال صلى الله عليه وسلم: # «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة، فما ~~أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» . # ولما أمر بالمبادرة إلى تجارة الآخرة، وكان طلب الأرباح ms5150 لكونها حاضرة ~~أعظم مانع عن أمور الآخرة لكونها غايته، وكان البيع أجل ذلك لتعين الفائدة ~~فيه ولكونه أكثر ما يشتغل به أهل الأسواق لكثرة الوافدين إلى الأمصار يوم ~~الجمعة من الحواضر واجتماعهم للتجارة عند تعالي النهار، قال ناهيا عن تجارة ~~الدنيا وكل ما يعوق عن الجمعة معبرا به عنها لأنه أعظمها: {وذروا البيع} أي ~~اتركوه ولو على أقبح حالاته وأذلها وأحقرها، فأفاد النهي عن غيره من باب ~~الأولى، ووقت التحريم من الزوال إلى فراغ الصلاة، فإن خالف وباع صح العقد ~~مع عصيانه، فإن النهي ليس # PageV20P065 # لعينه ولا لما هو داخل فيه ولا لما هو خارج ولازم له بل لأمر مقارن بطريق ~~الاتفاق، وهو ما هو فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الدار المغصوبة ~~والثوب المغصوب والوضوء بالماء المغصوب. # ولما أمر بما هو شاق على النفوس معبرا بالفعل المريض لفظا ومعنى، رغب فيه ~~بقوله: {ذلكم} أي الأمر العالي الرتبة من فعل السعي وترك الاشتغال بالدنيا ~~{خير لكم} لأن الذي أمركم به له الأمر كله وهو يريد تطهيركم في أديانكم ~~وأبدانكم وأموالكم وبيده إسعادكم وإشقاؤكم، وألهب إلى ذلك وزاد في الحث ~~عليه بقوله: {إن كنتم} أي بما هو لكم كالجبلة {تعلمون *} أي يتجدد لكم علم ~~في يوم من الأيام فأنتم ترون ذلك خيرا، فإذا علمتموه خيرا أقبلتم عليه فكان ~~ذلك لكم خيرا، وصلاة الجمعة فرض عين على كل من جمع البلوغ والعقل والحرية ~~والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر مما ذكره الفقهاء، وإنما عبر عنها ~~بهذا إشارة إلى أن عاقلا لا يسعه أن يترك ما يعلم أنه أعلى وجوه الخير، وكل ~~من لا يجب عليه حضور الجمعة فإذا حضر وصلى مع الإمام سقط عنه فرض من الظهر ~~ولا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر، فإنه إذا حضر يكمل به العدد. # PageV20P066 # ولما حث على الصلاة وأرشد إلى أن وقتها لا يصلح لطلب شيء غيرها، وأنه متى ~~طلب فيه شيء من الدنيا محقت بركته مع ما اكتسب من الإثم، بين ms5151 وقت المعاش ~~فقال مبيحا لهم ما كان حظر عليهم، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن ~~شئت فاخرج وإن شئت فاقعد: {فإذا قضيت الصلاة} أي وقع الفراغ منها على أي ~~وجه كان {فانتشروا} أي فدبوا وتفرقوا مجتهدين في الأرض في ذلك {في الأرض} ~~جميعها إن شئتم، لا حجر عليكم ولا حرج رخصة من الله لكم {وابتغوا} أي ~~وتعمدوا وكلفوا أنفسكم مجتهدين بالسعي في طلب المعاش {من فضل الله} أي زفلة ~~الملك الأعلى الذي له كل كمال ولا يجب لأحد عليه شيء بالبيع والشراء ~~وغيرهما من مصالح الدين والدنيا التي كنتم نهيتم عنها. # ولما كان السعي في طلب الرزق ملهيا عن الذكر، بين أنه أعظم السعي في ~~المعاش وأن من غفل عنه لم ينجح له مقصد وإن تحايل له بكل الحيل وغير ذلك ~~فقال: {واذكروا الله} أي الذي بيده كل شيء ولا شيء لغيره فإنه لا رخصة في ~~ترك ذكره أصلا. ولما كان العبد مطلوبا بالعبادة في كل حال فإنه مجبول على ~~النسيان. فمهما فتر عن نفسه # PageV20P067 # استولت عليها الغفلة فمرنت على البطالة فهلكت قال: {كثيرا} أي بحيث لا ~~تغفلوا عنه بقلوبكم أصلا ولا بألسنتكم حتى عند الدخول إلى الخلاء وعند أول ~~الجماع وعند الإنزال، واستثنى من اللساني وقت التلبس بالقذر كالكون في قضاء ~~الحاجة. # ولما كان مراد الإنسان من جميع تصرفاته الفوز بمراداته قال معللا لهذا ~~الأمر: {لعلكم تفلحون *} أي لتكونوا عند الناظر لكم والمطلع عليكم من ~~أمثالكم ممن يجهل العواقب على رجاء من أن تظفروا بجميع مطلوباتكم، فإن ~~الأمور كلها بيد من تكثرون ذكره، وهو عالم بمن يستحق الفلاح فيسعفه به وبمن ~~عمل رياء ونحوه فيخيبه، فإذا امتثلتم أمره كان جديرا بتنويلكم ما تريدون، ~~وإن نسيتموه كنتم جديرين بأن يكلكم إلى أنفسكم فتهلكوا. # ولما كان التقدير مما ينطق به نص الخطاب: هذه أوامرنا الشريفة وتقديساتنا ~~العظيمة وتفضلاتنا الكريمة العميمة، فما لهم إذا نودي لها توانى بعضهم في ~~الإقبال إليها، وكان قلبه متوجها نحو البيع ونحوه من الأمور الدنيوية ms5152 عاكفا ~~عليها ساعيا بجهده إليها فخالف قوله أنه أسلم لرب العالمين فعله هذا، عطف ~~عليه قوله: {وإذا رأوا} أي بعد # PageV20P068 # الوصول إلى موطنها المريح ومحلها الفسيح الشرح المليح، والاشتغال بشأنها ~~العالي {تجارة} أي حمولا هي موضع للتجارة. ولما ذكر ما من شأنه إقامة ~~المعاش أتبعه ما هو أنزل منه وهو ما أقل شؤونه البطالة التي لا يجنح إليها ~~ذو قدر ولا يلقي لها باله فقال: {أو لهوا} أي ما يلهي عن كل نافع. # ولما كان مطلق الانفضاض قبيحا لأنه لا يكون إلا تقربا على حال سيئ، من ~~الفض وهو الكسر بالتفرقة، والفضاض ما تفرق من الفم والطلع: كسرهما، فكيف ~~إذا كانت علته قبيحة، قال تعالى معبرا به: {انفضوا} أي نفروا متفرقين من ~~العجلة. # ولما كان سبب نزول الآية أنه كان أصاب الناس جوع وجهد، فقد دحية الكلبي ~~رحمه الله تعالى بعير تحمل الميرة، وكان في عرفهم أن يدخلوا في مثل ذلك ~~بالطبل والمعازف والصياح، وكان قصد بعض المنفضين العير، وبعضهم ما قارنها ~~من اللهو، ولكن قاصد التجارة هو الكثر، أنث الضمير فقال معلما بالاهتمام ~~بها لأن اللهو مسبب عنها: {إليها} وللدلالة على أنه إذا ذم قاصدها مع ما ~~فيها من النفع والإنسان لا بد له من إصلاح معاشه لقيام حاله # PageV20P069 # ولا سيما والحاجة إذ ذاك شديدة، كان الذم لقصد اللهو نم باب الأولى. # ولما كان ذلك حال الخطبة التي هي جديرة بشدة الإصغاء إليها والاتعاظ بها ~~في صرف النفس عن الدنيا والإقبال على الآخرة قال: {وتركوك} أي تخطب حتى ~~بقيت في اثني عشر رجلا، قال جابر رضي الله عنه: أنا أحدهم، ودل على مشروعية ~~القيام بقوله: {قائما} فالواجب خطبتان: قائما يفصل بينهما بجلوس، والواجب ~~فيهما أن يحمد الله تعالى ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي بتقوى ~~الله تعالى، هذه الثلاثة واجبة في الخطبتين معا، ويجب أن يقرأ في الأولى ~~آية من القرآن وفي الثانية أن يدعو للمؤمنين، فلو ترك واحدة من هذه الخمس ~~لم تصح الخطبة عند الشافعي ms5153 رضي الله عنه، ولجواز الجمعة خمس شرائط: الوقت ~~وهو وقت الظهر، والعدد وهو الأربعون، والإمام والخطبة ودار الإقامة، فإن ~~فقد شرط وجبت الظهر، ولا تبتدأ الخطبة إلا بعد تمام، وبقاء هذا العدد شرط ~~إلى آخر الصلاة، فإن انفض بعضهم ثم عاد ولم يفته شيء من الأركان صحت. # ولما كان هذا فعل من سفلت همته عن سماع كلام الحق من الحق، أمره صلى الله ~~عليه وسلم بوعظهم إلهابا لهم إلى الرجوع إلى تأهلهم # PageV20P070 # للخطاب ولو بالعتاب قال: {قل} أي لهم ترغيبا في الرجوع إلى ما كانوا عليه ~~من طلب الخير من معدنه: {ما عند الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال من ~~الأعراض العاجلة في الدنيا من واردات القلوب وبوادر الحقيقة، الحاصل من ~~سماع الخطبة الآمر بكل خير، الناهي عن كل شر، المفيد لتزكية الباطن وتقويم ~~الظاهر والبركة في جميع الأحوال والآجلة في الآخرة مما لا يدخل تحت الوصف ~~{خير} ولما قدم التجارة أولا اهتماما بها، قدم هنا ما كانت سببا له ليصير ~~كل منهما مقصودا بالنهي فقال: {من اللهو} ولما بدأ به لإقبال الإغلب في حال ~~الرفاهية عليه قال معيدا الجار للتأكيد: {ومن التجارة} أي وإن عظمت. # ولما كان من عنده الشيء قد لا يعطيه بسهولة وإذا أعطاه لا يعطيه إلا من ~~يحبه قال: {والله} أي ذو الجلال والإكرام وحده {خير الرازقين *} لأنه يرزق ~~متاع الدنيا لسفوله ولكونه زادا إلى الآخرة البر والفاجر والمطيع والعاصي، ~~ويعطي من يريد ما لا يحصيه العد ولا يحصره الحد، وأما المعارف الإلهية ~~والأعمال الدينية الدال عليها رونق الصدق وصفاء الإخلاص وجلالة المتابعة ~~فلا يؤتيها إلا الأبرار وإن كانوا أضعف الناس وأبعدهم من ذلك ولا يفوت ~~أحدا، أقبل # PageV20P071 # على ما شرعه شيئا كان ينفعه فلا تظنوا أن الغنى في البيع والتجارة إنما ~~هو في متابعة أمر من أحل البيع وأمر به وشرع ما هو خير منه تزكية وبركة ~~ونماء في الظاهر والباطن، روى صاحب الفردوس عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله ms5154 عليه وسلم قال: «من قال يوم الجمعة» اللهم أغنني بحلالك عن ~~حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك سبعين مرة لم تمر به جمعتان حتى ~~يغنيه الله تعالى «وأصل الحديث أخرجه أحمد والترمذي - وقال حسن - عن علي ~~رضي الله عنه، وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنهما، فأقبلوا على متابعة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وألزموا هدية واستمسكوا بغرزه تنالوا خيري ~~الدارين بسهولة، فقد رجع آخر السورة كما ترى على أولها بما هو من شأن الملك ~~من الرزق وإنالة الأرباح والفوائد ولا سيما إذا كان قدوسا وتبكيت من أعرض ~~عن خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم اللازم منه استمرار الإقبال عليه ~~ودوام الإقامة بين يديه، لأنه لا يدعوهم إلا لما يحييهم من الصلاة والوعظ ~~الذي هو عين تنزيه الله وتسبيحه {يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة} ~~[آل عمران: 164] يزكيهم ربهم ويرزقهم من فضله إنه كريم وهاب - والله أعلم ~~بالصواب. # PageV20P072 # سورة المنافقون # مقصودها كمال التحذير مما يثلم الإيمان من الأعمال الباطنة، والترهيب مما ~~يقدح في الإسلام من الأحوال الظاهرة، بمخالفة الفعل للقول فإنه نفاق في ~~الجملة فيوشك يجر إلى كمال النفاق فيخرج من الدين ويدخل الهاوية، ليكون هذا ~~التحذير سببا في صدق الأقوال ثم صدق الأعمال ثم صدق الأخلاق ثم صدق الأحوال ~~ثم قف الأنفاس، فصدق القول أن لا يقول القائل إلا عن برهان، وصدق العمل أن ~~لا يكطون للبدعة عليه سلطان، وصدق الأخلاق أن لا يلاحظ ما يبدو منه من ~~الإحسان بعد المبالغة فيه بعين النقصان، وصدق الأحوال أن يكون على كشف ~~وبيان وصدق الأنفاس أن لا يتنفس إلا عن وجود كالعيان، وتسميتها بالمنافقين ~~واضحة في ذلك) بسم الله (الذي له الإحاطة العظمى علما وقدرة فمن زاغ أراده) ~~الرحمن (الذي ستر بعموم رحمته من أراد من عباده وفضح من # PageV20P073 # شاء وإن دقق مكره وأخفاه) الرحيم (الذي وفق أهل وده بإتمام نعمته لما ~~يحبه ويرضاه. # PageV20P074 # لما نهى سبحانه في الممتحنة عن اتخاذ عدوه وليا، وذم في الصف على ~~المخالفة ms5155 بين القول والفعل، وحذر آخر الجمعة من الإعراض عن حال من أحوال ~~النبي صلى الله عليه وسلم على حال من الأحوال ولو مع الوفاق، لأن صورة ذلك ~~كله صورة النفاق، قبح في أول هذه حال من أقبل عليه على حال النفاق، لأنه ~~يكون كاليهود الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، واستمرت السورة كلها في ~~ذمهم بأقبح الذم ليكون زاجرا عن كل ما ظاهره نفاق، فقال تعالى: {إذا جاءك} ~~أي يا أيها الرسول المبشر به في التوراة والإنجيل { ### | المنافقون # } أي العريقون في وصف النفاق وهو إسلام الظاهر وكفر الباطن، وأغلبهم من ~~اليهود {قالوا} مؤكدين لأجل استشعارهم لتكذيب من يسمعهم لما عندهم من ~~الارتياب: {نشهد} قال الحسن: هو بمنزلة يمين كأنهم قالوا: نقسم {إنك} - ~~التأكيد لذلك وإيهاما لأن قوة تأكيدهم لشدة رغبتهم في مضمون ما يقولونه ~~{لرسول الله} أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة، فوافقوا الحق بظاهر ~~أحوالهم، وخالفوا بقلوبهم وأفعالهم. # PageV20P074 # ولما كانت الشهادة الإخبار عن علم اليقين لأنها من الشهود وهو كمال ~~الحضور وتمام الاطلاع ومواطأة القلوب للألسنة، صدق سبحانه المشهود به ~~وكذبهم في الإقسام بالشهادة ومواطأة ألسنتهم لقلوبهم فقال: {والله يعلم} أي ~~وعلمه هو العلم في الحقيقة، وأكده سبحانه بحسب إنكار المنافقين فقال: {إنك ~~لرسوله} سواء شهد المنافقون بذلك أم لم يشهدوا، فالشهادة بذلك حق ممن يطابق ~~لسانه قلبه، وتوسط هذا بين شهادتهم وتكذيبهم لئلا يتوهم أن ما تضمنته ~~شهادتهم من الرسالة كذب. # ولما كان ربما ظن أن هذا تأكيد لكلام المنافقين، دل على أنه تحقيق لمضمون ~~كلامهم دون شهادتهم فقال: {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {يشهد} ~~شهادة هي الشهادة لأنها محيطة بدقائق الظاهر والباطن {أن المنافقين} أي ~~الراسخين في وصف النفاق {لكاذبون *} أي في إخبارهم عن أنفسهم أنهم يشهدون ~~لأن قلوبهم لا تطابق ألسنتهم فهم لا يعتقدون ذلك، ومن شرط قول الحق أن يتصل ~~ظاهره باطنه وسره بعلانيته، ومتى تخالف ذلك فهو كذب، لا المراد أنهم كاذبون ~~في صحة ما تضمنته شهادتهم من أنك رسول الله # PageV20P075 # والحاصل أن ms5156 الشهادة تتضمن شيئين: صدق مضمون الخبر والإذعان له، فصدقهم في ~~الأول وكذبهم في الثاني فصاروا بنفاقهم أسفل حالا وشر مآلا من اليهود. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أعقب حال المؤمنين فيما خصهم الله ~~به مما انطوت عليه الآيات الثلاث إلى صدر سورة الجمعة إلى قوله: {والله ذو ~~الفضل العظيم} [الجمعة: 4] بذكر حال من لم ينتفع بما حمل حسبما تقدم، وكان ~~في ذلك من المواعظ والتنبيه ما ينتفع به من سبقت له السعادة، أتبع بما هو ~~أوقع في الغرض وأبلغ في المقصود، وهو ذكر طائفة بين أظهر من قدم الثناء ~~عليهم ومن أقرانهم وأترابهم وأقاربهم، تلبست في الظاهر بالإيمان، وأظهرت ~~الانقياد والإذعان، وتعرضت فأعرضت وتنصلت فيما وصلت، بل عاقتها الأقدار، ~~فعميت البصائر والأبصار، ومن المطرد المعلوم أن اتعاظ الإنسان بأقرب الناس ~~إليه وبأهل زمانه أغلب من اتعاظه بمن بعد عنه زمانا ونسبا، فأتبعت سورة ~~الجمعة بسورة المنافقين وعظا للمؤمنين بحال أهل النفاق، وبسط من قصصهم ما ~~يلائم ما ذكرناه، وكان قيل لهم: ليس من أظهر الانقياد والاستجابة، ثم بني ~~إسرائيل ثم كان فيما حمل كمثل الحمار يحمل أسفارا بأعجب من حال إخوانكم ~~زمانا وقرابة، وأنتم أعرف الناس # PageV20P076 # بهم وأنهم قد كانوا في الجاهلية موصوفين بجودة الرأي وحسن النظر # {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم} [المنافقين: 4] ~~{ولكن المنافقين لا يفقهون} [المنافقين: 7] قلت: وقد مر في الخطبة ما ~~رويناه في مصنف ابن أبي شيبة من قول أناس من المؤمنين: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين فيبشر بها المؤمنين ~~ويحرضهم، وأما سورة المنافقين فيوئس بها المنافقين ويوبخهم، وهذا نحو ما ~~ذكرناه أولا - انتهى. # ولما كان المعنى أنهم لم يعتقدوا ما شهدوا به، وكان كأنه قيل: فما الحامل ~~لهم على هذا الكلام المؤكد والكذب في غاية القباحة لا سيما عند العرب، علله ~~بقوله مسميا شهادتهم إيمانا لأن الشهادة تجري مجرى القسم في إرادة التوكيد، ~~ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم: {اتخذوا} أي أخذو بجهدهم ms5157 {أيمانهم} أي ~~كلها من شهادتهم هذه المجتهد في توكيدها وكل يمين سواها {جنة} أي وقاية ~~تقيهم المكاره الدنيوية ويستترون بها منها فيصونون بها دماءهم وأموالهم، ~~فاستضاؤوا بنور الإجابة فلم ينبسط عليهم شعاع نور السعادة فانطفأ نورهم ~~بقهر الحرمان، وبقوا في ظلمات القسمة السابقة بحكم الخذلان {فصدوا} أي فسبب ~~لهم اتخاذهم هذا أن أعرضوا بأنفسهم مع سوء البواطن # PageV20P077 # وحرارة الصدور، وحملوا غيرهم على الإعراض لما يرى من سيئ أحوالهم بتلك ~~الظواهر مع بقائهم على ما كانوا ألفوه من الكفر الذي يزينه الشيطان {عن ~~سبيل الله} أي عن طريق الملك الأعظم الذي شرعه لعباده ليصلوا به إلى محل ~~رضوانه، ووصلوا إلى ذلك بخداعهم ومكرهم بجرأتهم على الإيمان الحانثة التي ~~يمشون حالهم بها لما شرعه الله في هذه الحنيفية السمحة من القناعة من ~~الحالف بيمينه فيما لا يعلم إلا من قبله. # ولما كان ما أخبر به من حالهم في غاية القباحة، أنتج قوله: {إنهم} وأكده ~~لأن حالهم بعجبهم وعجب كثيرا ممن قاربهم {ساء ما كانوا} أي جبلة وطبعا ~~{يعملون *} أي يجددون عمله مستمرين عليه بما هو كالجبلة من جرأتهم على الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم وخلص عباده بالأيمان الحانثة. # PageV20P078 # ولما كانت المعاصي تعمي القلب فكيف بأعظمها، علله بقوله: {ذلك} أي الأمر ~~العظيم في البعد من الخير من الكذب بالإخبار بالشهادة والحلف على الصدق ~~والصد عن السبيل والوصف لعملهم بالسوء {بأنهم آمنوا} أي بسبب أنهم أقروا ~~بالإيمان بألسنتهم من غير مطابقة لقلوبهم. ولما كان الكفر مستبعدا فكيف إذا ~~كان بعد الإقرار، عبر بأداة البعد لذلك ولتفهم الذم على التعقيب من باب ~~الأولى، ولئلا يتوهم أن الذم إنما هو على تعقيب الإيمان بالكفر فقط، لا على ~~مطلقه، # PageV20P078 # فالتعبير بثم يفهم أن من استمر طول عمره على الإيمان ثم كفر قبل موته ~~بلحظة كان له هذا الذم فقال: {ثم كفروا} أي سرا فهابوا الناس ولم يهابوا ~~الله. ولما كان مجرد الطبع على القلب في غاية البشاعة، كان مفهما لبشاعة ما ~~كان منه من الله من ms5158 باب الأولى، بني للمجهول قوله: {فطبع} أي فحصل الطبع ~~وهو الختم مع أنه معلوم أنه لا يقدر على ذلك غيره سبحانه {على قلوبهم} لأجل ~~اجترائهم على ما هو أكبر الكبائر على وجه النفاق حتى مرنوا على الكفر ~~واستحكموا فيه، وكذلك من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها {فهم} أي فتسبب ~~عن ذلك أنهم {لا يفقهون *} أي لا يقع لهم فقه في شيء من الأشياء فهم لا ~~يميزون صوابا من خطأ ولا حقا من باطل لأن المختوم عليه لا يصل إليه شيء ولا ~~يخرج منه شيء. # ولما وصف سبحانه بواطنهم بما زهد فيهم لأن الإنسان بعقله كما أن المأكول ~~بشكله، وكانت لهم أشكال تغر ناظرها لأن العرب كانت تقول: جمال المنظر يدل ~~غالبا على حسن المخبر، قال تعالى: {وإذا رأيتهم} أي أيها الرسول على ما لك ~~من الفطنة ونفوذ الفراسة # PageV20P079 # أو أيها الرائي كائنا من كان بعين البصر {تعجبك أجسامهم} لضخامتها ~~وصباحتها، فإن غايتهم كلها بصلاح ظواهرهم وترفيه أنفسهم، فهم أشباح وقوالب ~~ليس وراءها ألباب وحقائق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ابن أبي - يعني ~~- الذي نزلت السورة بسببه - جسيما فصيحا صحيحا ذلق اللسان، وقوم من ~~المنافقين في مثل صفته وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ويستندون فيه ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم. ولما وصف البواطن ~~والظواهر، وكان قولهم: المرء بأصغريه قلبه ولسانه مشروطا كما هو ظاهر ~~العبارة بمطابقة اللسان للقلب، قال معبرا بأداة الشك إشارة إلى أنهم لا ~~يكلمونه صلى الله عليه وسلم إلا اضطرارا لأنهم لا يحبون مكالمته ولا باعث ~~لهم عليها لما عندهم من أمراض القلوب: {وإن يقولوا} أي يوجد منهم قول في ~~وقت من الأوقات {تسمع لقولهم} أي لأنه يكون بحيث يلذذ السمع ويروق الفكر ~~لما فيه من الادهان مع الفصاحة فهو يأخذ بمجامع القلب. # ولما أخبر عن ظاهرهم، دل على أن ذلك الظاهر أمر لا حقيقة له، وأنهم ms5159 لما ~~وطنوا أنفسهم على الوقاحة وخلعوا لباس الحياء بالكذب # PageV20P080 # بذلوا جميع الجهد في تحسين القول لأنه لا درك عليهم فيه فيما يحسبون بوجه ~~لأنهم لا يحسبون للآخرة حسابا فقال: {كأنهم} أي في حسن ظواهرهم وسوء ~~بواطنهم وفي الجبن والخور وعدم الانتفاع بهم في شيء من فهم أو ثبات فإنهم ~~لا حقيقة لهم {خشب} جمع كثرة لخشبة وهو دليل على كثرتهم. ولما كان الخشب ~~ربما أطلق على المغروس، نفى ذلك بقوله منبها بالتشديد على الكثرة: {مسندة} ~~أي قد قطعت من مغارسها وقشرت وأسندت إلى الجدر لئلا يفسدها التراب، فهي بيض ~~تلوح تعجب ناظرها ولا ثبات لها ولا باطن بثمرة ولا سقي فلا مدد سماوي لها ~~أصلا يزكيها نوع زكاء فقد فقدت روح الإثبات الذي به كمالها كما فقد المنافق ~~روح الإيمان الذي به كمال الناطق وبقاؤه، فهم في تلك الحالة أشباح بلا ~~أرواح أجسام بلا أحلام. # ولما كان من يقول ما لا يفعل يصير متهما لكل من يكلمه، لأنه لإخلافه له ~~قد صار عدوه فيتوهم الناس كلهم أعداء له فيكسبه ذلك أشد الجبن، وذلك هو ~~السبب الأعظم في تحسين قوله، قال: {يحسبون} أي لضعف عقولهم وكثرة ارتيابهم ~~لكثرة ما يباشرون من سوء أعمالهم # PageV20P081 # {كل صيحة} أي من نداء مناد في انفلات دابة أو إنشاد ضالة، ونحو ذلك ~~{عليهم} أي واقعة. ولما كان من يظن عداوة الناس له يكون هو عدوا لهم، قال ~~نتيجة ما مضى: {هم} أي خاصة {العدو} أي كامل العداوة بما دل عليه الإخبار ~~بالمفرد الذي يقع على الجمع دون الجمع إشارة إلى أنهم - في شدة عداوتهم ~~للاسلام وأهله وكمال قصدهم وشدة سعيهم فيه - على قلب واحد وإن أظهروا ~~التودد في الكلام والتقرب به إلى أهل الإسلام، فإن ألسنتهم معكم إذا لقوكم، ~~وقلوبهم عليكم مع أعدائكم، فهو عيون لهم عليكم. # ولما بين ذلك من سوء أحوالهم سبب عنه قوله: {فاحذرهم} لأن أعدى الأعداء ~~العدو المداحي الذي يكاشرك وتحت ظلوعه الداء الدوي، فإن من استشعر أنك عدو ~~له بغى لك ms5160 الغوائل، وأغلب من يعجبك قوله على هذا الوصف يكون، ولكنه يكون ~~بلطف الله دائم الخذلان منكوسا في أكثر تقلباته بيد القهر والحرمان لسر ~~قوله تعالى: {قاتلهم الله} أي أحلهم الملك المحيط علما وقدرة محل من يقاتله ~~عدو قاهر له أشد مقاتلة على عادة الفعل الذي يكون بين اثنين. # ولما كان حالهم في غاية العجب في صرفهم عن الإسلام أولا # PageV20P082 # بالعمى عن الآيات الظاهرات، وثانيا عن الإخبار بأسرارهم، وخفي مكرهم ~~وأخبارهم، وفي عدم صرفهم عما هم عليه من قبح السرائر وسوء الضمائر بتعكيس ~~مقاصدهم، وتخييب مصادرهم في مكرهم ومواردهم، دل على ذلك بقوله: {أنى} أي ~~كيف ومن أي وجه {يؤفكون *} أي يصرفهم عن إدراك قبح ما هم عليه صارف ما ~~كائنا ما كان ليرجعوا عنه إلى حسن الدين والأنس به وإدراك بركته وعظيم ~~أثره. # ولما كان هذا أمرا عظيما قاطعا عن الله ورسوله فيحتاج فاعله حاجة شديدة ~~إلى التطهير وهو جدير بعظمه أن لا يطهره غاية الطهر إلا سؤال النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكانوا لم يفعلوا ذلك، دل على سوء بواطنهم وغلظ أكبادهم ~~وأنهم كالخشب المسندة في أنهم لا ثمرة لهم ولا زكاء أصلا بقوله: {وإذا قيل ~~لهم} أي من أي قائل كان: {تعالوا} أي ارفعوا أنفسكم مجتهدين في ذلك بالمجيء ~~إلى أشرف الخلق الذي لا يزال مكانه عاليا لعلو مكانته {يستغفر لكم} أي يطلب ~~الغفران لأجلكم خاصة بعد أن تتولوا من ذنبكم من أجل هذا الكذب الذي أنتم ~~مصرون عليه. ولما تقدم عاملان، أعمل الثاني منهما # PageV20P083 # كما هو المختار من مذهب البصريين فرفع قوله: {رسول الله} أي أقرب الخلق ~~إلى الملك الأعظم الذي لا شبيه لجوده {لووا رؤوسهم} أي فعلوا اللي بغاية ~~الشدة والكثرة، وهو الصرف إلى جهة أخرى إعراضا وعتوا وإظهارا للبغض ~~والنفرة، وبالغوا فيه مبالغة تدل على أنهم مغلوبون عليه لشدة ما في بواطنهم ~~من المرض {ورأيتهم} أي بعين البصيرة {يصدون} أي يعرضون إعراضا قبيحا عما ~~دعوا إليه مجددين لذلك كلما دعوا إليه، والجملة في موضع المفعول ms5161 الثاني ~~لرأيت {وهم مستكبرون *} أي ثابتو الكبر عما دعوا إليه وعن إحلال أنفسهم في ~~محل الاعتذار، فهم لشدة غلظتهم لا يدركون قبح ما هم عليه ولا يهتدون إلى ~~دوائه، وإذا أرشدهم غيرهم ونبههم لا ينبهون، فقد روي أنه لما نزل القرآن ~~فيهم أتاهم عشائرهم من المؤمنين وقالوا: ويحكم افتضحتم وأهلكتم أنفسكم، ~~فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولوا إليه واسألوه أن يستغفر لكم، ~~فأبوا ذلك فأنزل الله هذه الآية، وروي أن ابن أبي رأسهم لوى رأسه وقال لهم: ~~أشرتم علي بالإيمان فآمنت وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي ففعلت، ولم يبق ~~إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب ~~صلاحهم فهو يحب أن يستغفر لهم، وربما ندبه إلى ذلك بعض أقاربهم، فكان # PageV20P084 # استغفاره بحيث يسأل عنه، قال منبها على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار لأنهم ~~لا يؤمنون. {سواء} أي غلب واستعلى هذا الاستواء الذي عالجوا أنفسهم عليه ~~حتى تخلقوا به فصار مجردا عن أدنى ميل وكلفة {عليهم} . # ولما كان قد سلخ في هذا السياق عن الهمزة معنى الاستفهام كان معنى ~~{استغفرت لهم} أي في هذا الوقت {أم لم تستغفر لهم} أي فيه أو فيما بعده - ~~مستو عندهم استغفارك لهم وتركه، لأنه لا أثر له عندهم، ولهذا كانت نتيجته - ~~عقوبة لهم - النفي المبالغ فيه بقوله: {لن يغفر الله} أي الملك الأعظم ~~{لهم} ولعل التعبير بالاستفهام بعد سلخ معناه للاشارة إلى أنهم لو شاهدوا ~~الملك يستفهمك عن ذلك ما ردهم عن نفاقهم وما زادهم ذلك على ما عندهم شيئا، ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم قيد هذه الآية بآية براءة المحتملة للتخيير ~~وأنه إن زاد على السبعين كان الغفران مرجوا، فاستجاز بذلك الصلاة على ابن ~~أبي رأس المنافقين والاستغفار له لما عنده صلى الله عليه وسلم من عظيم ~~الشفقة على عباد الله ومزيد الرحمة لهم ولا سيما من كان في عداد أصحابه ~~والأنصار رضي الله عنهم # PageV20P085 # به عناية. # ولما كان التقدير لتعليل المبالغة في الإخبار بعد الغفران ms5162 لهم: لأن فسقهم ~~قد استحكم فصار وصفا لهم ثابتا، عبر عن ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له ~~صفات الكمال {لا يهدي القوم} أي الناس الذي لهم قوة في أنفسهم على ما ~~يريدونه {الفاسقين *} لأنهم لا عذر لهم في الإصرار على الفسق وهو المروق من ~~حصن الإسلام بخرقه وهتكه مرة بعد مرة والتمرن عليه حتى استحكم فهم راسخون ~~في النفاق والخروج عن مظنة الإصلاح. # PageV20P086 # ولما كان هذا داعيا إلى السؤال عن الأمر الذي فسقوا به، قال مبينا له: ~~{هم} أي خاصة بواطنهم {الذين يقولون} أي أوجدوا هذا القول ولا يزالون ~~يجددونه لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب محجوبين عن شهود التقدير غير محققين ~~بتصريف الأحكام، فأنطقهم ما خامر قلوبهم من تمني إطفاء نور الله فتواصوا ~~فيما بينهم بقولهم: {لا تنفقوا} أيها المخلصون في النصرة {على من} أي الذين ~~{عند رسول الله} أي الملك المحيط بكل شيء، وهم فقراء المهاجرين، وكأنهم ~~عبروا بذلك وهم لا يعتقدونه تهكما وإشارة إلى أنه لو كان رسوله # PageV20P086 # وهو الغنى المطلق لأغنى أصحابه ولم يحوجهم إلى أن ينفق الناس عليهم، وما ~~درى الأغبياء أن ذلك امتحان منه سبحانه لعباده - فسبحان من يضل من يشاء - ~~حتى يكون كلامه أبعد شيء عن الصواب بحيث يعجب العاقل كيف يصدر ذلك من أحد، ~~أو أن هذه ليست عبارتهم وهو الظاهر، وعبر سبحانه عنهم بذلك إشارة إلى أن ~~كلامهم يؤول إلى إرادة ضر من الله معه توقيفا على كفرهم وتنبيها على أن من ~~أرسل رسولا لا يكله إلى أحد بل يكفيه جميع ما يهمه من غير افتقار إلى شيء ~~أصلا، فقد أرسل سبحانه إليه صلى الله عليه وسلم بمفاتيح خزائن الأرض فأباها ~~وما كفاهم هذا الجنون حتى زادوه ما دل على أنهم ظنوا أن أبواب الرزق تغلق ~~إذا امتنع المنفقون من الناس عن إنفاقهم، وعبروا بحرف غاية ليكون لما بعده ~~حكم ما قبله فقالوا: {حتى ينفضوا} أي يتفرقوا تفرقا قبيحا فيه كسر فيذهب ~~أحد منهم إلى أهله وشغله الذي كان له قبل ذلك، ms5163 قال الحرالي: «حتى» كلمة ~~تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى «إلى» ، وقال ~~أهل العربية: لا يجر بها إلى آخر أو متصل بالآخر نحو الفجر في {حتى مطلع ~~الفجر} [القدر: 5] وحتى آخر الليل، ولا تقولوا: حتى نصف الليل، وما درى ~~الأجلاف أنهم لو فعلوا ذلك # PageV20P087 # أتاح الله غيرهم للانفاق، أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم فدعا في الشيء ~~اليسير فصار كثيرا، أو كان بحيث لا ينفد، أو أعطى كلا يسيرا من طعام على ~~كيفية لا تنفد معها كتمر أبي هريرة وشعير عائشة وعكة أم أيمن رضي الله عنهم ~~وغير ذلك كما روي ذلك غير مرة، ولكن ليس لمن يضل الله من هاد، ولذلك عبر في ~~الرد عليهم بقوله: {ولله} أي قالوا ذلك واستمروا على تجديد قوله والحال أن ~~للملك الذي لا أمر لأحد معه فهو الآمر الناهي {خزائن السماوات} أي كلها ~~{والأرض} كذلك من الأشياء المعدومة الداخلة تحت مقدرة «إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون» ومن الأشياء التي أوجدها فهو يعطي من يشاء منها ~~ما يشاء حتى من أيديهم، لا يقدر أحد على منع شيء من ذلك لا مما في يده ولا ~~مما في يد غيره، ونبه على سوء غباوتهم وأنهم تقيدوا بالوهم حتى سفلوا عن ~~رتبة البهائم كما قال بعضهم: إن كان محمد صادقا فنحن شر من البهائم، أشار ~~إلى ذلك بقوله: {ولكن المنافقين} أي العريقين في وصف النفاق. # ولما كان ما يساق إلى الخلق من الأرزاق فيظن كثير منهم أنهم حصلوه ~~بقوتهم، عبر بالفقه الأخص من العلم فقال: {لا يفقهون *} أي # PageV20P088 # لا يتجدد لهم فهم أصلا لأن البهائم إذا رأت شيئا ينفعها يوما ما في مكان ~~طلبته مرة أخرى، وهؤلاء رأوا غير مرة ما أخرج الله من خوارق البركات على يد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفعهم ذلك، فمن رأى أن رزقه بيد الخلق ~~فألهاه ذلك عن الله حتى ضيع حقوقه وداهن في دينه فقد برئ ms5164 من القرآن، ودل ~~على عدم فقههم بقوله تعالى: {يقولون} أي يوجدون هذا القول ويجددونه مؤكدين ~~له لاستشعارهم بأن أكثر قومه ينكره: {لئن رجعنا} أي نحن أيتها العصابة ~~المنافقة من غزاتنا هذه - التي قد رأوا فيها من نصرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما يعجز الوصف وهي غزوة بني المصطلق حي من هذيل بالمريسيع وهو ماء من ~~مياههم من ناحية قديد إلى الساحل وفيها تكلم ابن أبي بالإفك وأشاعه - {إلى ~~المدينة} ودلوا على تصميمهم على عدم المساكنة بقولهم: {ليخرجن الأعز} يعنون ~~أنفسهم {منها الأذل} وهم كاذبون في هذا، لكنهم تصوروا لشدة غباوتهم أن ~~العزة لهم وأنهم يقدرون على إخراج المؤمنين {ولله} أي والحال أن كل من له ~~نوع بصيرة يعلم أن للملك الأعلى الذي له وحده عز الإلهية {العزة} كلها، فهو ~~قهار لمن دونه وكل ما عداه دونه. # PageV20P089 # ولما حصر العزة بما دل على ذلك من تقديم المعمول، أخبر أنه يعطي منها من ~~أراد وأحقهم بذلك من أطاعه فترجم ذلك بقوله: {ولرسوله} لأن عزته من عزته ~~بعز النبوة والرسالة وإظهار الله دينه على الدين كله، وكذلك أيضا أن العزة ~~لمن أطاع الرسول بقوله: {وللمؤمنين} أي الذين صار الإيمان لهم وصفا راسخا ~~لأن عزتهم بعزة الولاية، ونصر الله إياهم عزة لرسولهم صلى الله عليه وسلم، ~~ومن تعزز بالله لم يلحقه ذل. # ولما كان جهلهم في هذا أشد لكثرة ما رأوا من نصرة الله لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم ومن تابعه رضي الله عنهم وإعلائهم على كل من ناواهم، قال منبها ~~على ذلك: {ولكن المنافقين} أي الذي استحكم فيهم مرض القلوب. # ولما كانت الدلائل على عزة الله لا تخفى على أحد لما تحقق من قهره للملوك ~~وغيرهم بالموت الذي لم يقدر أحد على الخلاص منه ولا المنازعة فيه، ومن ~~المنع من أكثر المرادات، ومن نصر الرسول وأتباعهم بإهلاك أعدائهم بأنواع ~~الهلاك، وبأنه سبحانه ما قال شيئا إلا تم ولا قالت الرسل شيئا إلا صدقهم ~~فيه، ختم الآية بالعلم الأعم من الفقه فقال: {لا ms5165 يعلمون *} أي لا لأحد لهم ~~علم الآن، ولا يتجدد # PageV20P090 # في حين من الأحيان، فلذلك هم يقولون مثل هذا الخراف، وروي أنه لما نزلت ~~هذه الآية جاء عبد الله ولد عبد الله بن أبي ابن سلول الذي نزلت بسببه إلى ~~أبيه، وذلك في غزوة المريسيع لبني المصطلق فأخذ بزمام ناقة أبيه وقال: أنت ~~والله الذليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز، ولما دنوا من المدينة ~~الشريف جر سيفه وأتى أباه فأخذ بزمام ناقته. وزجرها إلى ورائها وقال: إياك ~~وراءك والله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولئن لم تقر ~~بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنت الأذل لأضربن عنقك، قال: ~~أفاعل أنت؟ قال: نعم، قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وشكا ولده ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يدعه يدخل المدينة، فأطلق فدخل. # PageV20P091 # ولما كان هذا الذي حكاه سبحانه وتعالى عن المنافقين بحيث يعجب غاية العجب ~~من تصور قائله له فضلا عن أن يتفوه به فكيف بأن يعتقده، نبه على أن العلة ~~الموجبة له طمس البصيرة، وأن العلة في طمس البصيرة الإقبال بجميع القلب على ~~الدنيا رجوعا على إيضاح ما تقدم في # PageV20P091 # نتيجة الجمعة من الإذن في طلب الرزق والتحذير من مثل فعل حاطب رضي الله ~~عنه وفعل من انصرف عن خطبة لتلك العير، وكان هذا التنبيه على وجه حاسم ~~لمادة شرهم في كلامهم فإن كلمة الشح كما قيل مطاعة، ولو بأن تؤثر أثرا ما ~~ولو بأن تقتر نوع تقتير في وقت ما، فقال مناديا لمن يحتاج إلى ذلك: {يا ~~أيها الذين آمنوا} أي أخبروا بما يقتضي أن بواطنهم مذعنة كظواهرهم {لا ~~تلهكم أموالكم} ولما كان الخطاب مع من يحتاج إلى التأكيد قال: {ولا ~~أولادكم} أي لا تقبلوا على شيء من ذلك بجميع قلوبكم إقبالا يحيركم سواء كان ~~ذلك في إصلاحها أو التمتع بها بحيث تشتغلون وتغفلون {عن ذكر الله} أي من ~~توحيد الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة بكل ms5166 شيء فله الملك وله الحمد ~~يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فإذا كان العبد ذاكرا له بقلبه دائما لم يقل ~~كقول المنافقين {لا تنفقوا} [المنافقين: 7] ولا {ليخرجن الأعز منها الأذل} ~~[المنافقين: 8] لعلمه أن الأمر كله لله، وأنه لن يضر الله شيئا، ولا يضر ~~بذلك إلا نفسه، وهذا يشمل ما قالوه من التوحيد والصلاة والحج والصوم وغير ~~ذلك، ولإرادة المبالغة في النهي وجه النهي إلى الأموال والأولاد بما المراد ~~منه نهيهم. # PageV20P092 # ولما كان التقدير: فمن انتهى فهو من الفائزين، عطف عليه قوله: {ومن يفعل} ~~أي يوقع في زمن من الأزمان على سبيل التجديد والاستمرار فعل {ذلك} أي الأمر ~~البعيد عن أفعال ذوي الهمم من الانقطاع إلى الاشتغال بالفاني والإعراض عن ~~الباقي والإقبال على العاجل مع نسيان الآجل {فأولئك} أي البعداء عن الخير ~~{هم} أي خاصة {الخاسرون *} أي العريقون في الخسارة حتى كأنهم كانوا مختصين ~~بها دون الناس، وذلك ضد ما أرادوا بتوفير النظر إليهم والإقبال عليهم من ~~السعي للتكثير والزيادة والتوفير، وفي إفهامه أن من شغله ما يهمه من أمر ~~دينه الذي أمره سبحانه به ونهاه عنه إضاعته وتوعده عليها كفاه سبحانه أمر ~~دنياه الذي ضمنه له ونهاه أن يجعله أكبر همه وتوعده على ذلك، فما ذكره إلا ~~من وجده في جميع أموره دينا ودنيا، وتوجه إليه في جميع نوائبه، وأقبل عليه ~~بكل همومه، وبذل نفسه له بذل من يعلم أنه مملوك مربوب فقد أمر ربه على نفسه ~~واتخذه وكيلا فاستراح من المخاوف، ولم يمل إلى شيء من المطامع فصار حرا. # ولما حذر من الإقبال على الدنيا، رغب في بذلها مخالفة للمنافقين فقال: ~~{وأنفقوا} أي ما أمرتم به من واجب أو مندوب، وزاد في الترغيب بالرضى منهم ~~باليسير مما هو كله له بقوله: {من ما رزقناكم} # PageV20P093 # أي من عظمتنا وبلغ النهاية في ذلك بالرضا بفعل ما أمر به مع التوبة ~~النصوح في زمن ما ولو قل بما أرشد إليه إثبات الجار، فقال مرغبا في التأهب ~~للرحيل والمبادرة لمباغتة الأجل، محذرا من ms5167 الاغترار بالتسويف في أوقات ~~السلامة: {من قبل} وفك المصدر ليفيد «أن» مزيد القرب فقال: {أن يأتي} ولما ~~كان تقديم المفعول كما تقدم في النساء أهول قال: {أحدكم الموت} أي برؤية ~~دلائله وأماراته، وكل لحظة مرت فهي من دلائله وأماراته. ولما كانت الشدائد ~~تقتضي الإقبال على الله، سبب عن ذلك بقوله: {فيقول} سائلا في الرجعة، وأشار ~~إلى ترقيقها للقلوب بقوله: {رب لولا} أي هل لا ولم لا {أخرتني} أي أخرت ~~موتي إمهالا لي {إلى أجل} أي زمان، وبين أن مراده استدراك ما فات ليس إلا ~~بقوله: {قريب فأصدق} أي للتزود في سفري هذا الطويل الذي أنا مستقبله، قال ~~الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء: قال بعض العارفين: إن ملك الموت إذا ~~ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة، وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين ~~فيبدو للعبد من الأسف والحسرة مما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لخرج منها ~~على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها # PageV20P094 # ويتدارك تفريطه، يقول: يا ملك الموت! أخرني يوما أعتذر فيه إلى ربي وأتوب ~~وأتزود فيها صالحا لنفسي، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة، فيغلق عليه باب ~~التوبة فيتغرغر بروحه وتردد أنفاسه في شراسيفه ويتجرع غصة البأس عن التدارك ~~وحسرة الندامة على تضييع العمر، فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال، ~~فإذا زهقت نفسه فإن كان سبقت له من الله الحسنى خرجت روحه على التوحيد، ~~فذلك حسن الخاتمة، وإن سبق له القضاء بالشقوة والعياذ بالله تعالى خرجت ~~روحه على الشك والاضطراب، وذلك سوء الخاتمة، ومن ترك المبادرة إلى التوبة ~~بالتسويف كان بين خطرين عظيمين: أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من ~~المعاصي حتى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو، الثاني أن يعاجله المرض أو ~~الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو، فيأتي الله تعالى بقلب غير سليم، ~~والقلب أمانة الله عند عبده، قال بعض العارفين: إن لله تعالى إلى عبده سرين ~~على سبيل الإلهام: أحدهما إذا خرج من بطن أمه يقول له: عبدي قد أخرجتك ms5168 إلى ~~الدنيا طاهرا نظيفا واستودعتك وائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر ~~كيف تلقاني، والثاني عند خروج روحه يقول: عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك # PageV20P095 # هل حفظتها حتى تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء أو أضعتها فألقاك ~~بالمطالبة والعذاب. # ولعله أدغم تاء التفعل إشارة إلى أنه إذا أخر فعل ذلك على وجه الإخفاء ~~ليكون أفضل، أو يكون إدغامها اختصارا لبلوغ الأمر إلى حد محوج إلى الإيجاز ~~في القول كما طلب في الزمن، ويؤيده قراءة الجماعة غير أبي عمرو {وأكن} ~~بالجزم عطفا على الجواب الذي هدى السياق إلى تقديره، فإن حال هذا الذي أشرف ~~هذا الإشراف يقتضي أن يكون أراد إن «أخرتني أتصدق» ولكنه حذفه لضيق المقام ~~عنه واقتضاء الحال لحذفه، وهو معنى ما حكاه سيبويه عن الخليل أن الجزم على ~~توهم الشرط الذي دل عليه التمني على الموضع، فإن الجازم غير موجود، ومعنى ~~ما قال غيره أن «لولا» لكونها تحضيضية متضمنة معنى الأمر ومعنى الشرط، ~~فكأنه قيل: أخرني، فيكون جوابه العاري عن الفاء مجزوما لفظا والمقرون بها ~~مجزوما محلا ف «اكن» عطف على المحل، ونصب أبو عمرو عطفا على اللفظ لأنه ~~جواب التمني الذي دلت عليه «لولا» وإجماع المصاحف على حذف الواو لا يضره ~~لأنه قال: إنها للاختصار، وهو ظاهر، وذلك للمناسبة بين اللفظ والخط والزمان ~~والمراد، ومن هنا تعرف جلالة # PageV20P096 # القراء ومرادهم إن شاء الله تعالى بقولهم في الضابط المشهور وإن توافق ~~رسم المصحف ولو احتمالا {من الصالحين *} أي العريقين في هذا الوصف العظيم، ~~وزاد في الحث على المبادرة بالطاعات قبل الفوات بقوله مؤكدا لأجل عظيم ~~الرجاء من هذا المحتضر للتأخير عطفا على ما تقديره: فلا يؤخره الله فيفوته ~~ما أراد: {ولن} ويجوز أن تكون الجملة حالا أي قال ذلك والحال أنه لن {يؤخر ~~الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه {نفسا} أي أي نفس ~~كانت، وحقق الأجل بقوله: {إذا جاء أجلها} أي وقت موتها الذي حده الله لها ~~فلا يؤخر الله نفس هذا القائل ms5169 لأنها من جملة النفوس التي شملها النفي. ولما ~~كان المعنى على طريق النتائج التي لا شك في إرشاد اللفظ إليها: الله عالم ~~فإنه يقول ذلك، عطف عليه قوله حاثا على المسارعة إلى الخروج عن عهدة ~~الطاعات والاستعداد لما لا بد منه من اللقاء محذرا من الإخلال ولأنه لا ~~تهديد كالعلم: {والله} أي الذي له الإحاطة الشاملة علما وقدرة {خبير} أي ~~بالغ الخبرة والعلم ظاهرا وباطنا {بما تعملون *} أي توقعون عمله في الماضي ~~والحال والمآل كله ظاهره وباطنه من هذا الذي أخبرتكم أن المحتضر العاصي ~~يقوله ومن غيره منه ومن غيره # PageV20P097 # أيها الناس - هذا على قراءة الجمهور بالخطاب، وعلى قراءة أبي بكر عن عاصم ~~بالغيب يمكن أن يراد المنافقون، ويمكن أن يعم فيكون الضمير للنفس على ~~المعنى ويمكن أن يكون الضمير للناس على الالتفات للإعراض تخويفا لهم، ولذلك ~~علم سبحانه كذب المنافقين في أنهم يعتقدون ما شهدوا به في أمر الرسالة وعلم ~~جميع ما قص من أخبارهم {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] ~~والله أعلم. # PageV20P098 # لما ختمت تلك بإثبات القهر بنفوذ الأمر وإحاطة العلم، افتتح هذه بإحاطة ~~الحمد ودوام التنزه عن كل شائبة نقص، إرشادا إلى النظر في أفعاله والتفكر ~~في مصنوعاته لأنه الطريق إلى معرفته، وأما معرفته بكنه الحقيقة فمحال فإنه ~~لا يعرف الشيء كذلك إلا مثله ولا مثل له، فقال مؤكدا لما أفهمه أول الجمعة: ~~{يسبح} أي يوقع التنزيه التام مع التجديد والاستمرار {لله} الذي له الإحاطة ~~بأوصاف الكمال {ما في السماوات} الذي من جملته الأراضي وما فيها فلا يريد ~~من شيء منه شيئا إلا كان على وفق الإرادة، فكان لذلك الكون والكائن # PageV20P099 # شاهدا له بالبراءة عن كل شائبة نقص. # ولما كان الخطاب مع من تقدم في آخر المنافقين ممن هو محتاج إلى التأكيد، ~~قال مؤكدا بإعادة الموصول: {وما في الأرض} أي كذلك بدلالتها على كماله ~~واستغنائه، وقد تقدم أن موافقة العاقل للأمر مثل موافقة غير العاقل ~~للارادة، فعليه أن يهذب نفسه غاية التهذيب فيكون في طاعته ms5170 بامتثال الأوامر ~~كطاعة غير العاقل في امتثاله لما يراد منه. # ولما ساق سبحانه ذلك الدليل النقلي كمال نزاهته على وجه يفهم الدليل ~~العقلي لمن له لب كما قال علي رضي الله عنه: لا ينفع مسموع إذا لم يكن ~~مطبوع، كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع، وذلك لكونه سبحانه جعلهم ~~مظروفين كما هو المشاهد، والمظروف محتاج لوجود ظرفه قبله فهو عاجز فهو مسبح ~~دائما إن لم يكن بلسان قاله كان بلسان حاله، وصانعه الغني عن الظرف فغيره ~~سبوح، علل ذلك بقوله: {له} أي وحده {الملك} أي كله مطلقا في الدنيا ~~والآخرة، وهو السيادة العامة للخاص والعام والسياسة العامة بركنيها دفع ~~الشرور وجلب الخيور الجالب للسرور # PageV20P100 # والحبور من الإبداع والإعدام، فهو أبلغ مما في الجمعة، فإن الملك قد يكون ~~ملكا في الصورة، وذلك الملك الذي هو ظاهر فيه لغيره، فداوم التسيبح الذي ~~اقتضته عظمة الملك هنا أعظم من ذلك الدوام. # ولما أتبعه في الجمعة التنزيه عن النقص، أتبعه هنا الوصف بالكمال فقال: ~~{وله} أي وحده {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال كلها فلذلك ينزهه جميع ~~مخلوقاته، فمن فهم تسبيحها فذلك المحسن، ومن كان في طبعه وفطرته الأولى ~~بالفهم ثم ضيعه يوشك أن يرجع فيفهم، ومن لم يهيأ لذلك فذلك الضال الذي لا ~~حيلة فيه {وهو} أي وحده {على كل شيء} أي شيء ممكن أن يتعلق به المشيئة ~~{قدير *} لأنه وحده بكل شيء مطلقا عليم، لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى ~~الأشياء كلها على حد سواء وهذا واضح جدا، ولأن من عرف نفسه بالنقص عرف ربه ~~بالكمال وقوة السلطان والجلال. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى: لما بسط في السورتين ~~قبل من حال من حمل التوراة من بني إسرائيل ثم لم يحملها، وحال المنافقين ~~المتظاهرين بالإسلام، وقلوبهم كفرا وعنادا متكاثفة الإظلام، وبين خروج ~~الطائفتين عن سواء السبيل المستقيم، وتنكبهم عن هدى الدين القويم، وأوهم ~~ذكر اتصافهم بمتحد أوصافهم خصوصهم في الكفر بوسم الانفراد وسما ينبىء عن ~~عظيم ذلك الإبعاد، سوى ms5171 ما # PageV20P101 # تناول غيرهم من أحزاب الكفار، فأنبأ تعالى عن أن الخلق بجملتهم وإن تشعبت ~~الفرق وافترقت الطرق راجعون بحكم السوابق إلى طريقين فقال تعالى {هو الذي ~~خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] وقد أوضحنا الدلائل أن المؤمنين ~~على درجات، وأهل الكفر ذو طبقات، وأهل النفاق أدونهم حالا وأسوأهم كفرا ~~وضلالا «إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار» وافتتحت السورة بالتنزيه ~~لعظيم مرتكب المنافقين في جهلهم ولو لم تنطو سورة المنافقين من عظيم ~~مرتكبهم إلا على ما حكاه تعالى من قولهم {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل} [المنافقين: 8] وقد أشار قوله تعالى {يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور} ~~[التغابن: 4] إلى ما قبله وبعده من الآيات إلى سوء جهل المنافقين وعظيم ~~حرمانهم في قولهم بألسنتهم مما لم تنطو عليه قلوبهم {والله يشهد أن ~~المنافقين لكاذبون} [المنافقين: 1] واتخاذهم أيمانهم جنة وصدهم عن سبيل ~~الله إلى ما وصفهم سبحانه به، فافتتح سبحانه وتعالى سورة التغابن بتنزيهه ~~عما توهموه من مرتكباتهم التي لا تخفى عليه سبحانه {ألم يعلموا أن الله ~~يعلم سرهم ونجواهم} [التوبة: 78] ثم قال تعالى: {ويعلم ما تسرون وما ~~تعلنون} [التغابن: 4] فقرع ووبخ في عدة آيات ثم # PageV20P102 # أشار إلى ما منعهم من تأمل الآيات، وصدهم عن اعتبار المعجزات، وأنه الكبر ~~المهلك غيرهم، فقال تعالى مخبرا عن سلفهم في هذا المرتكب، ممن أعقبه ذلك ~~أليم العذاب وسوء المنقلب {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا ~~أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا} [التغابن: 6] ثم تناسج الكلام معرفا بمآلهم ~~الأخروي ومآل غيرهم إلى قوله {وبئس المصير} [التغابن: 10] ومناسبة ما بعد ~~يتبين في التفسير بحول الله - انتهى. # ولما كان أعظم الدلائل عليه سبحانه آيات الآفاق {سنريهم آياتنا في ~~الآفاق} وآيات الأنفس، وقدم الأول علويه وسفليه لوضوحه، أتبعه الثاني دليلا ~~على عموم قدرته الدال على تمام ملكه بأنه المختص بالاختراع لأعجب الأشياء ~~خلقا والحمل على المكاره فقال: {هو} أي وحده {الذي خلقكم} أي أنشأكم على ما ~~أنتم عليه ms5172 بأن قدركم وأوجدكم بالحق على وفق التقدير خلافا لمن أنكر ذلك من ~~الدهرية وأهل الطبائع. # ولما كان قد تقدم في سورة المنافقين ما أعلم أنهم فريقان، عرف في هذه أن ~~ذلك مسبب عن إبداعه لأن من معهود الملك أن يكون في مملكته الولي والعدو ~~والمؤالف والمخالف والطائع والعاصي والملك ينتقم ويعفو ويعاقب ويثيب ويقدم ~~ويؤخر ويرفع ويضع، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم # «لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم ثم جاء بقوم يذنبون فيستغفرون ~~فيغفر لهم» أخرجه مسلم والترمذي عن # PageV20P103 # أبي أيوب رضي الله عنه، فقال تعالى مقدما للعدو إشارة إلى أنه عالم به ~~وقادر عليه، وما كان منه شيئا إلا بإرادته، وفيه تلويح إلى أنه الأكثر ومع ~~كثرته هو الأضعف، لأن الله تعالى ليس معه بمعونته وإلا لأعدم الصنف الآخر: ~~{فمنكم} أي فتسبب عن خلقه لكم وتقديره لأشباحكم التي تنشأ عنها الأخلاق إن ~~كان منكم بإبداعه لصفاتكم كما أبدع لذواتكم {كافر} أي عريق في صفة الكفر ~~مهلك نفسه بما هيأه لاكتسابه ويسره له بعد ما خلقه في أحسن تقويم على ~~الفطرة الأولى، وفي الحديث أن الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام طبع ~~كافرا فمعنى أن فطرته الأولى خلقت مهيأة للكفر، فإن الأفعال عامة وخاصة، ~~فالخاصة تضاف إلى العبد يقال: صلى وصام وآمن وكفر، والعامة تضاف إلى الله ~~تعالى فيقال: أوجد القدرة على الحركة والسكون وخلق الحركة والسكون، ~~والأفعال الخاصة متعلق الأمر والنهي {ومنكم مؤمن} أي راسخ في الإيمان في ~~حكم الله تعالى في الأزل منج نفسه بالأعمال الصالحة التي طابق بها العلم ~~الأزلي، فهو سبحانه خلق الكافر وخلق كفره فعلا له، والمؤمن وإيمانه فعلا ~~له، لأنه خلق القدرة # PageV20P104 # والاختيار وغيب أمر العاقبة، فكل منهما يكتب باختياره بتقدير الله، ولا ~~يوجد من كل منهما إلا ما قدره عليه وأراده منه لأن وجود غير المقدور عجز، ~~وخلاف المراد المعلوم جهل، وقد علم من هذه القسمة علما قطعيا أن أحد ~~القسمين مبطل ضال مخالف لأمر الملك الذي ثبت ملكه، ومن المعلوم ms5173 قطعا أن كل ~~ملك لا بد له أن يحكم بين رعيته في الأمر الذي اختلفوا فيه وينصف المظلوم ~~من ظالمه، ومن المشاهد أن بعضهم يموت على كفرانه من غير نقص يلحقه، وبعضهم ~~على إيمانه كذلك، فعلم أن هذه الدار ليست دار الفصل، وأن الدار المعدة له ~~إنما هي بعد الموت والبعث، وهذا مما هو مركوز في الطبائع لا يجهله أحد، ~~ولكن الخلق أعرضوا عنه بما هم فيه من القواطع، فصار مما لا يخطر بإنكارهم، ~~فصار بحيث لا تستقل به عقولهم، ولكنهم إذا ذكروا به وأوضحت لهم هذه القواطع ~~التي أشار سبحانه إليها وجردوا النفس عن الحظوظ والمرور مع الألف عدوه كلهم ~~من الضروريات، وعلم ن تسبيبه تقسيمهم هذا عن تقديره وجوب الإيمان بالقدر ~~خيره وشره. # ولما كان التقدير: فالذي أبدعكم وحملكم على ذلك وفاوت بينكم # PageV20P105 # على كل شيء قدير، عطف عليه قوله تعالى: {والله} أي الذي له الإحاطة ~~الكاملة بفعله ذلك، وقدم الجار لا للتخصيص بل إشارة إلى مزيد الأعتناء كما ~~تقول لمن سألك: هل تعرف كذا، وظهر منه التوقف في علمك له: نعم أعرفه ولا ~~أعرف غيره، فقال: {بما تعملون *} أي توقعون عمله كسبا {بصير *} أي بالغ ~~العلم بذلك، فهو الذي خلق جميع أعمالكم التي نسب كسبها إليكم، وهو خالق ~~جميع الاستعدادات والصفات كما خلق الذوات خلافا للقدرية لأنه لا يتصور أن ~~يخلق الخالق ما لا يعلمه، ولو سئل الإنسان كم مشى في يومه من خطوة لم يدر، ~~فيكف لو سئل أين موضع مشيه ومتى زمانه فكيف وإنه ليمشي أكثر مشيه وهو غافل ~~عنه، ومن جهل أفعاله كما وكيفا وأينا وغير ذلك لم يكن خالقا لها بوجه. # ولما ذكر المظروف ذكر ظرفه دالا على تمام إحاطته بالبواطن، والظواهر بأنه ~~يخلق الشيء العظيم جدا فيأتي على وفق الإرادة ثم لا يحتاج إلى أن يزاد فيه ~~ولا أن ينقص منه فقال: {خلق السماوات} التي هي السقف لبيت عبيد الملك على ~~كبرها وعلوها كطا ترون {والأرض} التي هي قرار بيتهم ومهاده على ms5174 سعتها وما ~~فيها من المرافق والمعاون {بالحق} أي بالأمر الذي يطابقه الواقع فلا زائدا ~~عنه ولا ناقصا بل جاء الواقع منها مطابقا لما أراد سواء لا كما يريد أحدنا ~~الشيء فإذا # PageV20P106 # أوجده لم يكن على وفق مراده سواء، وبسبب إظهار الأمر الثابت وإبطال ~~الباطل فهو خالق المسكنين: الدنيوي والأخروي، خلافا لمن لا يقول بذلك من ~~صابىء وفلسفي وغيرهم. # ولما كان أهل الطبائع يقولون: إن الأفلاك لها تأثير بحسب الذات والطبع، ~~قال نافيا لذلك مذكرا بنعمته لتشكر: {وصوركم} أي أيها المخاطبون على صور لا ~~توافق شيئا من صور العلويات ولا السفليات ولا فيها صورة توافق الأخرى من كل ~~وجه {فأحسن صوركم} فجعلها أحسن صور الحيوانات كلها كما هو مشاهد في الدنيا ~~وكذا في الآخرة خلافا لأهل التناسخ مع أن وضعها في نفسها أحسن الأوضاع، لو ~~غير شيء منها عن مكانه إلى شيء مما نعلمه فحصلت البشاعة به مع تفضيل الآدمي ~~بتزيينه بصفوة أوصاف الكائنات وجعل سبحانه أعضاء متصرفة بكل ما يتصرف به ~~أعضاء سائر الحيوان مع زيادات اختص بها الآدمي إلى حسن الوجه وجمال ~~الجوارح، فهو أحسن بالنسبة إلى النوع من حيث هو هو، وبالنسبة إلى الأفراد ~~في نفس الأمر وإن كان بعضها أحسن من بعض، فقبح القبيح منه إنما هو بالنسبة ~~إلى أحسن منه، ولذا قال الحكماء، شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان، فخلق ~~الانسان في أحسن تقويم لا ينفي أن يكون # PageV20P107 # للنوع الذي جعل أحسن أفراد أنواع لما فوقه من الجنس، لا نهاية لأحسنية ~~بعضها بالنسبة إلى بعض يشاهد ما وجد من أفراد نوعه من الذوات فقدرة الله لا ~~تتناهى، فإياك أن تصغي لما وقع في كتب الإمام الغزالي أنه ليس في الإمكان ~~أبدع مما كان، وإن كان قد علم أنه اعترض عليه في ذلك وأجاب عنه في الكتاب ~~الذي أجاب فيه عن أشياء اعترض عليه فيها فإنه لا عبرة بذلك الجواب أيضا، ~~فإن ذلك ينحل إلى أنه سبحانه وتعالى لا يقدر على أن يخلق أحسن من هذا ~~العالم، ms5175 وهذا لا يقوله أحد، وهو لا ينقص مقدار الغزالي فإن كل أحد يؤخذ من ~~كلامه ويرد كما قال الإمام مالك رضي الله عنه، وعزاه الغزالي بنفسه إلى ابن ~~عباس رضي الله عنهما، وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه: صنفت هذه ~~الكتاب وما ألوت فيها جهدا وإني لأعلم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول: # {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] . # ولما كان التقدير: فكان منه سبحانه المبدأ، عطف عليه قوله: {وإليه} أي ~~وحده {المصير *} أي بعد البعث بعين القدرة التي قدر بها على البدأة فمن كان ~~على الفطرة الأولى لم يغيرها أدخله الجنة، ومن كان قد أفسدها فجعل روحه ~~نفسا بما طبعها به من حيث جسده أدخله # PageV20P108 # النار، وفي الدنيا أيضا بانفراده بالتدبير، فلا يكون من الملك والسوقة ~~إلا ما يريد، لا ما يريد ذلك المريد الفاعل. # PageV20P109 # ولما تقرر بما مضى إحاطة قدرته بما دل على ذلك من إبداعه للخلق على هذا ~~الوجه المحكم وشهد البرهان القاطع بأن ذلك صنعه وحده، لا فعل فيه لطبيعة ~~ولا غيرها، دل على أن ذلك بسبب شمول علمه إشارة إلى أن من لم يكن تام العلم ~~فهو ناقص القدرة فقال: {يعلم} أي علمه حاصل في الماضي والحال والمآل يتعلق ~~بالمعلومات على حسب تعليق قدرته على وفق إرادته بوجدانها {ما} أي الذي أو ~~كل شيء {في السماوات} كلها. # ولما كان الكلام بعد قيام الدليل القطعي البديهي على جميع أصول الدين مع ~~الخلص لأن بداهة الأدلة قادتهم إلى الاعتقاد أو إلى حال صاروا فيه أهلا ~~للاعتقاد، والتحلي بحلية أهل السداد، ولم يؤكد بإعادة الموصول بل قال: ~~{والأرض} ولما ذكر حال الظرف على وجه يشمل المظروف، وكان الاطلاع على أحوال ~~العقلاء أصعب، قال مؤكدا بإعادة العامل: {ويعلم} أي على سبيل الاستمرار {ما ~~تسرون} # PageV20P109 # أي حال الانفراد وحال الخصوصية مع بعض الإفراد. ولما كانت لدقتها ~~وانتشارها بحيث ينكر بعض الضعفاء الإحاطة بها، وكان الإعلان ربما خفي لكثرة ~~لغط واختلاط أصوات ونحو ذلك ms5176 أكد فقال: {وما تعلنون} من الكليات والجزيئات ~~خلافا لمن يقول: يعلم الكليات الكليات فقط ولا يعلم الجزئيات إلا بعد ~~وجودها، من فلسفي وغيره، ولمن يقول: يعلم الكليات خاصة. ولما ذكر حال ~~المظروف على وجه يشمل ظروفه وهي الصدور، وكان أمرها أعجب من أمر غيرها، قال ~~مصرحا بها إشارة إلى دقة أمرها مظهرا موضع الإضمار تعظيما: {والله} أي الذي ~~له الإحاطة التامة لكل كمال {عليم} أي بالغ العلم {بذات} أي صاحبة {الصدور ~~*} من الأسرار والخواطر التي لم تبرز إلى الخارج سواء كان صاحب الصدر قد ~~علمها أو لا، وعلمه لكل ذلك على حد سواء لا تفاوت فيه بين علم الخفي وعلم ~~الجلي، لأن نسبة المقتضي لعلمه وهو وجود ذاته على ما هي عليه من صفات ~~الكمال إلى الكل على حد سواء، فراقبوه في الإخلاص وغيره مراقبة من يعلم أنه ~~بعينه لا يغيب عنه واحذروا أن يخالف السر العلانية، فإن حقه أن يتقي ويحذر، ~~وتكرير العلم في معنى # PageV20P110 # تكرير الوعيد وتقديم تقرير القدرة على تقريره لأن دلالة المخلوقات على ~~قدرته أولا وبالذات، وكمال قدرته يستلزم كمال علمه لأن من لا يكمل علمه لا ~~تتم قدرته، فلا يأتي مصنوعه محكما. # ولما تقرر الإيمان به من أنه الملك الذي له وحده الملك، وأشار بما يشاهد ~~من انقسام عبيده إلى مؤمن وكافر إلى أنه لا من الأخذ على يد الظالم منهما ~~كما هي عادة الملوك، لا يسوغ في الحكمة ولا في العادة غير ذلك، وأخبر أن ~~علمه محيط لنسبته إلى العلويات والسفليات والظواهر والبواطن على حد سواء، ~~أتبع ذلك وجوب الإيمان برسله لجمع الكلمة عليه سبحانه لنكمل الحياة بإصلاح ~~ذات البين لئلا يقع الخلاف فتفسد الحياة ووجوب الاعتبار لمن مضى من أممهم، ~~فمن لم يعتبر عثر على مهواه من الأمل، ودل عليه بإهلاكه من خالفهم إهلاكا ~~منسقا في خرقه للعادة وخصوصه لهم على وجه مقرر ما مضى من انفراده بالملك ~~معلم أن الكفرة هم المبطلون فقال: {ألم يأتكم} أي أيها الناس ولا سيما ~~الكفار لتعلموا ms5177 أنه شامل العلم محيط القدرة ينتقم من المسيء {نبؤا الذين} ~~وعبر بما يشمل شديد الكفر وضعيفه فقال: {كفروا} أي خبرهم العظيم. # ولما كان المهلكون على ذلك الوجه بعض الكفار وهم الذين أرسل إليهم الرسل، ~~فلم يستغرقوا ما مضى من الزمان قال: {من قبل} # PageV20P111 # كالقرون المذكورين في الأعراف، ثم سبب عن كفرهم وعقب قوله: {فذاقوا} أي ~~باشروا مباشرة الذائق بالعدل الثاني كما كان حكم عليهم بالعدل الأول ~~بالتقسيم إلى كافر ومؤمن {وبال أمرهم} أي شدة ما كانوا فيه مما يستحق أن ~~يشاور فيه ويؤمر وينهى وثقله ووخامة مرعاه في الدنيا، وأصله الثقل كيفما ~~قلب {ولهم} أي مع ما ذاقوه بسببه في الدنيا {عذاب أليم *} في البرزخ ثم ~~القيامة التي هي موضع الفصل الأعظم. # PageV20P112 # ولما ذكر ما أحله بهم سبحانه وأشار إلى القطع بأنه من عنده باتساقه في ~~خرقه العوائد بالاستئصال والخصوص لمن كذب الرسل والتنجية لمن صدقهم، علله ~~بقوله: {ذلك} أي الأمر الشنيع العظيم من الوبال الدال قطعا على أن الكفر ~~أبطل الباطل وأنه مما يغضب الخالق. ولما لم يكن مقصودها كمقصود غافر من ~~تصنيف الناس صنفين، وإنما حصل تصنيفهم هنا بالعرض للدلالة على الساعة اكتفى ~~بضمير الشأن فقال: {بأنه} أي بسبب أن الشأن العظيم البالغ في الفظاعة {كانت ~~تأتيهم} على عادة مستمرة {رسلهم} أي رسل الله الذين أرسلهم إليهم وخصهم بهم ~~ليكونوا موضع سرورهم بهم {بالبينات} أي الأمور التي توضح غاية الإيضاح أنهم ~~رسل الله من الكتب وغيرها، فشهدوا الأمر من معدنه، فلذلك كان عذابهم أشد. # PageV20P112 # ولما كان سبحانه وتعالى قد أودع الإنسان من جملة ما منحه به خاصة لطيفة ~~وهي العزة وحب الكبر والعلو، فمن وضعها موضعها بالتكبر على من أمر الله ~~بالتكبر عليه وهم شياطين الإنس والجن ممن عصاه سبحانه نجا، ومن وضعها في ~~غير موضعها بالتكبر على أولياء الله رب العزة هلك، بين تعالى أن الكفار ~~وضعوها في غير موضعها: {فقالوا} أي الكل لرسلهم منكرين غاية الإنكار تكبرا: ~~{أبشر} أي هذا الجنس وهو مرفوع على الفاعلية لأن ms5178 الاستفهام يطلب الفعل، ~~ولما كان تكذيب الجمع أعظم، وكان لو أفرد الضمير لم يكن له روعة الجمع قال: ~~{يهدوننا} فأنكروا على الملك الأعظم إرساله لهم {فكفروا} بذلك عقب مجيء ~~الرسل وبسببه من غير نظر وتفكر وأدنى تأمل وتبصر حسدا للرسل لكونهم مساوين ~~لهم في البشرية فاستبعدوا أن يخصوا من بينهم بأمر ولا سيما إن كان عظيما ~~جدا، فلزمهم ارتكاب أقبح الأمور وهو استبعاد أن يكون النبي بشرا مع الإقرار ~~بأن يكون الإله حجرا {وتولوا} أي كلفوا أنفسهم خلاف ما تدعو إليه الفطرة ~~الأولى من الإعراض عن الرسل بعد إنكار رسالتهم لشبهة قامت عندهم، وذلك أنهم ~~قالوا: إن الله عظيم لا يشبه البشر فينبغي أن يكون رسله من غير البشر، ولو ~~تأملوا حق التأمل لعلموا أن هذا # PageV20P113 # هكذا، وأن الرسل إنما هي ملائكة، لكن لما كان لا يقوى جميع البشر على ~~رؤية الملائكة كما هو مقتضى العظمة التي توهموها ولم يثبتوها على وجهها، خص ~~سبحانه من البشر ناسا وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوى زائدة طوقهم ~~بها على معالجتهم، فأتوا إليهم ليكونوا واسطة بين الله وبين خلقه لأن بعض ~~الجنس أميل إلى بعض وأقبل. # ولما كان هذا كله إنما هو لمصالح الخلق لا يعود على الله سبحانه وتعالى ~~وعز شأنه نفع من وجوده ولا يلحقه ضرر من عدمه ولا بالعكس، نبه على ذلك ~~بقوله {واستغنى الله} أي فعل الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه فعل من ~~يطلب الغنى عنهم وأوجده إيجادا عظيما ممن هداه لاتباع الرسل فأعرض عنهم حين ~~أعرضوا عن رسله فضرهم إعراضه عنهم ولم يضره إعراضهم وما ضروا إلا أنفسهم ~~وأطلق الاستغناء ليعم كل شيء. # ولما كان التعبير بذلك قد يوهم حدوث ما لم يكن له، نفى ذلك بقوله مظهرا ~~زيادة في العظمة: {والله} أي المستجمع لصفات الكمال من غير تقيد بحيثية ~~{غني} عن الخلق جميعا {حميد *} له صفة الغنى المطلق والحمد الأبلغ الذي هو ~~الإحاطة بجميع أوصاف الكمال # PageV20P114 # على الدوام أزلا وأبدا، لم يتجدد له شيء لم ms5179 يكن. # ولما قرر وجوب الإيمان به وبرسله وكتبه وبالقدر خيره وشره، وقسم الناس ~~إلى مؤمن وكافر، وأخبر أن الكافر تكبر عن الرسل، عين الموجب الأعظم لكفرهم ~~بقوله دالا على وجوب الإيمان بالعبث وترك القياس والرأي فإن عقل الإنسان لا ~~يستقل ببعض أمور الإلهية، معبرا بما أكثر إطلاقه على ما يشك فيه ويطلق على ~~الباطل إشارة إلى أنهم شاكون وإن كانوا جازمين، لكونهم لا دليل لهم، وإلى ~~أنهم في نفس الأمر مبطلون: {زعم} قال ابن عمر رضي الله عنهما: هي كنية ~~الكذب، وفي حديث أبي مسعود رضي الله عنه عند أبي داود: «بئس مطية الرجل ~~زعموا» {الذين كفروا} أي أوقعوا الستر لما دلت عليه العقول من وحدانية الله ~~تعالى ولو على أدنى الوجوه. # ولما كان الزعم ادعاء العلم وكان مما يتعدى إلى مفعولين، أقام سبحانه ~~مقامهما قوله: {أن لن يبعثوا} أي من باعث ما بوجه من الوجوه. ولما كان قد ~~أشار سبحانه بنوعي المؤمن والكافر إلى الدليل القطعي الضروري على وجود ~~المبطل اللازم منه ودعه اللازم منه وجب البعث، اكتفى في الأمر بإجابتهم ~~بقوله: {قل} أي لهم: {بلى} أي لتبعثن، ثم أكده بصريح القسم فقال: {وربى} أي ~~المحسن إلي # PageV20P115 # بالانتقام ممن كذب بي، وبإحقاق كل حق أميت، وإبطال كل باطل أقيم {لتبعثن} ~~مشيرا ببنائه للمفعول إلى أنه ويكون على وجه القهر لهم بأهون شيء وأيسر أمر ~~وكذلك قوله: {ثم لتنبؤن} أي لتخبرن حتما إخبارا عظيما ممن يقيمه الله ~~لإخباركم {بما عملتم} للدينونة عليه. وشرح بعض ما أفاده بناء الفعلين ~~للمجهول بقوله: {وذلك} أي الأمر العظيم عندكم من البعث والحساب {على الله} ~~أي المحيط بصفات الكمال وحده {يسير *} لقبول المادة وحصول القدرة، وكون ~~قدرته سبحانه كذلك شأنها، نسبة الأشياء الممكنة كلها جليلها وحقيرها إليها ~~على حد سواء. # PageV20P116 # ولما كان في رد قولهم على هذا الوجه مع الإقسام من غير استدلال إشارة إلى ~~تأمل الكلام السابق بما اشتمل عليه من الأدلة التي منها ذلك البرهان ~~البديهي، سبب عنه قوله فذلكة لما مضى من ms5180 الأدلة وجمعا لحديث جبريل عليه ~~الصلاة والسلام في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر ~~خيره وشره والإسلام والإحسان: {فآمنوا بالله} أي الذي لا أظهر من أن له ~~الإحاطة الكاملة بكل شيء وأنه لا كفؤ له ولا راد لأمره. ولما دعاه هذا إلى ~~الإيمان به سبحانه عقلا ونقلا ذكرا وفكرا، ثنى بالإيمان بالرسل من الملائكة ~~والبشر فقال: {ورسوله} أي كل من أرسله ولا سيما محمد صلى الله عليه وسلم # PageV20P116 # بما ثبت من تصديقه بالمعجزات من أنه رسوله، ويلزم من الإيمان به الإيمان ~~بمن أبلغه من الملائكة. ولما كانت تلك المعجزات موجبات للعلم كانت أحق ~~الأشياء باسم التور فإن النور هو المظهر للأشياء بعد انحجابها برداء الظلام ~~وكان أعظم تلك المعجزات وأحقها بذلك كتب الله المنزلة على أنبيائه عليهم ~~الصلاة والسلام، وأعظمها القرآن الذي هو مع إعجازه بيان لكل شيء، قال: ~~{والنور} وعينه بقوله: {الذي أنزلنا} أي بما لنا من العظمة فكان معجزا فكان ~~بإعجازه ظاهرا بنفسه مظهرا لغيره، وهذا وإن كان هو الواقع لكن ذكر هذا ~~الوصف صالح لشمول كل ما أوحاه الله سبحانه وتعالى إلى رسله صلى الله عليه ~~وسلم، ومن المعلوم أن أعظمه القرآن المنزل على أشرف رسله صلى الله عليه ~~وسلم وعليهم أجمعين، فهو أحق ذلك باسم النور لما مضى من إعجازه، فمن آمن به ~~أدخل الله قلبه من أنوار الفهوم والألطاف والسكينة ما يضيء الأقطار. # ولما كان التقدير: والله محاسبكم على ما قابلتم به إنعامه عليكم بذلك من ~~إيمان وكفران، عطف عليه مرغبا مرهبا قوله: {والله} أي المحيط علما وقدرة، ~~وقدم الجار لما تقدم غير مرة من مزيد التأكيد فقال: {بما تعملون} أي توقعون ~~عمله في وقت من الأوقات # PageV20P117 # {خبير *} أي بالغ العلم بباطنه وظاهره. # ولما أخبر بالبعث وأقسم عليه، وأشار إلى دليلة السابق، وسبب عنه ما ينجي ~~في يومه، ذكر يومه وما يكون فيه ليحذر فقال متبعا ما مضى من دعائم الإيمان ~~دعامة اليوم الآخر واعظا لمن يقول: يا ليت شعري ما حالي بعد ms5181 ترحالي؟ وقامعا ~~لمن يقول: لا حال بعد الترحال، بالإعلام بأنها أحوال أي أحوال، تشيب ~~الأطفال، وتقصم ظهور الرجال، بل تهد شم الجبال: {يوم} أي تبعثون في يوم ~~{يجمعكم} أي أيها الثقلان. ولما كان الوقت المؤرخ به فعل من الأفعال إنما ~~يذكر لأجل ما وقع فيه، صار كأنه علة لذلك الفعل فقال تعالى: {ليوم الجمع} ~~لأجل ما يقع في ذلك اليوم الذي يجمع فيه أهل السماوات وأهل الأرض من الحساب ~~والجزاء الذي يكون فوزا لناس فيكونون غابنين، ويكون خيبة لناس فيكونون ~~مغبونين، وكل منهم يطلب أن يكون غابنا. # ولما كان هذا المقصد أمرا عظيما مقطعا ذكره الأكباد، قال تعالى مشيرا إلى ~~هوله بأداة البعد مستأنفا: {ذلك} أي اليوم العظيم المكانة الجليل الأوصاف ~~{يوم التغابن} الذي لا تغابن في الحقيقة غيره لعظمه ودوامه، والغبن: ظهور ~~النقصان للحظ الناشىء عن خفاء لأنه يجمع # PageV20P118 # فيه الأولون والآخرون وسائر الخلق أجمعون، ويكون فيه السمع والإبصار على ~~غاية لا توصف بحيث إن جميع ما يقع فيه يمكن أن يطلع عليه كل أحد من أهل ذلك ~~الجمع، فإذا فضح أحد افتضح عند الكل، وما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده ~~نم النار لو أساء ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من ~~الجنة لو أحسن ليزداد حسرة فيغبن كل كافر بتركه الإيمان وكل مؤمن بتقصيره ~~في الإحسان، ومادة «غبن» تدور على الخفاء من مغابن الجسد وهي ما يخفى عن ~~العين، وسمي الغبن في البيع - لخفائه عن صاحبه، فالكافر والظالم يظن أنه ~~غبن المؤمن بنعيم الدنيا الذي استأثر به الكافر، وبالنقص الذي أدخله الظالم ~~على المظلوم، وقد غبنهما المؤمن والمظلوم على الحقيقة بنعيم الآخرة وكمال ~~جزائها العظيم الدائم، فالغبن فيه لا يشبهه غبن، فقد بعث ذكر هذا اليوم على ~~هذا الوجه على التقوى أتم بعث، وهي الحاملة على اتباع الأوامر واجتناب ~~النواهي لئلا يحصل الغبن بفوات النعيم أو نقصانه، ويحصل بعده للكافر العذاب ~~الأليم. # ولما كان كل أحد يحسب أن يكون في النور، ويكره ms5182 أن يكون في الظلام، ويحب ~~أن يكون غابنا، ويكره أن يكون مغبونا، أرشدت # PageV20P119 # سوابق الكلام ولواحقه إلى أن التقدير، فمن آمن كان في النور، وكان في ذلك ~~اليوم برجحان ميزانه من الغابنين، ومن كفر كان في الظلام، وكان في ذلك ~~اليوم بنقصان ميزانه من المغبونين، فعطف عليه قوله بيانا لآثار ذلك الغبن، ~~وتفضيلا له بإصلاح الحامل على التقوى وهو أمور منها القوة العلمية: {ومن ~~يؤمن} أي يوقع الإيمان ويجدده على سبيل الاستمرار {بالله} أي الملك الأعظم ~~الذي لا كفؤ له. ولما ذكر الرأس وهو إصلاح القوة العلمية، أتبعه البدن وهو ~~إصلاح القوة العملية فقال: {ويعمل} تصديقا لإيمانه {صالحا} أي عملا هو مما ~~ينبغي الاهتمام بتحصيله لأنه لا مثل له في جلب المنافع ودفع المضار. # ولما كان الدين مع سهولته متينا لن يشاده أحد إلا غلبه، قال حاملا على ~~التقوى بالوعد بدفع المضار، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى أن زمان التكفير ~~والدخول متفاوت بحسب طول الحساب وقصره، كلما فرغ واحد من الحساب دخل الجنة ~~إن كان من أهلها: {يكفر} أي الله - على قراءة الجماعة بأن يستر سترا عظيما ~~{عنه سيئاته} التي غلبه عليها نقصان الطبع، وأتبع ذلك الحامل الآخر وهو ~~الترجئة يجلب المسار لأن الإنسان يطير إلى ربه سبحانه بجناحي الخوف والرجاء # PageV20P120 # والرهبة والرغبة والنذارة والبشارة فقال: {ويدخله} أي رحمة له وإكراما ~~وفضلا {جنات} أي بساتين ذات أشجار عظيمة وأغصان ظليلة تستر داخلها، ورياض ~~مديدة منوعة الأزاهير عطرة النشر تبهج رائيها، وأشار إلى دوام ريها بقوله: ~~{تجري} ولما كان عموم الماء لجميع الأرض غير ممدوح، بين أنه في خلالها على ~~أحسن الأحوال فقال: {من تحتها} وبين عظمه بقوله: {الأنهار} ولما كان النزوح ~~أو توقعه عن مثل هذا محزنا، أزال توقع ذلك بقوله جامعا لئلا يظن الخلود ~~لواحد بعينه تصريحا بأن من معناها الجمع وأن كل من تناولته مستوون في ~~الخلود: {خالدين فيها} وأكد بقوله: {أبدا} والتقدير على قراءة نافع وابن ~~عامر بالنون: نفعل التكفير والإدخال إلى هذا النعيم بما لنا من ms5183 العظمة فإنه ~~لا يقدر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء إلا الله سبحانه، ولا تكون هذه ~~القدرة تامة إلا لمن كان عظيما لا راد لأمره أصلا. # ولما كان هذا أمرا باهرا جالبا بنعيمه سرور القلب، أشار إلى عظمته بما ~~يجلب سرور القلب بقوله: {ذلك} أي الأمر العالي جدا من الغفران والإكرام، لا ~~غيره {الفوز العظيم *} لأنه جامع لجميع # PageV20P121 # المصالح مع دفع المضار وجلب المسار. # ولما ذكر الفائز بلزومه التقوى ترغيبا، أتبعه الخائب بسبب إفساد القوتين ~~الحاملتين على التقوى: العلمية والعملية ترهيبا، فقال بادئا بالعلمية: ~~{والذين كفروا} أي غطوا أدلة ذلك اليوم فكانوا في الظلام. ولما ذكر إفسادهم ~~القوة العلمية، أتبعه العملية فقال: {وكذبوا} أي أوقعوا جميع التغطية وجميع ~~التكذيب {بآياتنا} بسببها مع ما لها من العظمة بإضافتها إلينا، فلم يعملوا ~~شيئا. # ولما بين إفسادهم للقوتين، توعدهم بالمضار فقال معريا من الفاء في جانبي ~~الأشقياء والسعداء طرحا للأسباب، لأن نظر هذه السورة إلى الجبلات التي لا ~~مدخل فيها لغيره أكثر بقوله: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ~~[التغابن: 2] فإن ذلك أجدر بالخوف منه ليكون أجدر بالبعد عما يدل على ~~الجبلة الفاسدة من الأعمال السيئة: {أولئك} أي البعداء البغضاء {أصحاب ~~النار} ولما كان السجن إذا رجي الخلاص منه قلل من خوف داخله، وكان التعبير ~~بالصحبة مشعرا بالدوام المقطع للقلوب لأنه مؤيس من الخلاص، أكده بقوله: ~~{خالدين فيها} وزاد في # PageV20P122 # الإرهاب منها بقوله مشيرا إلى مضار القلب بعد ذكر مضار القالب: {وبئس ~~المصير *} أي جمعت المذام كلها الصيرورة إليها وبقعتها التي للصيرورة ~~إليها، فكيف بكونها على وجه الإقامة زمنا طويلا فكيف إذا كان على وجه ~~الخلود. # PageV20P123 # ولما كان من تعرفه من المرغبين والمرهبين لا يفعل ذلك إلا فيما ليس قادرا ~~على حفظه وضبطه حتى لا يحتاج العامل في عمل ذلك إلى رقيب يحفظه ووكيل يلزمه ~~ذلك العمل ويضبطه، وكان قول المنافقين المتقدم في الإنفاق والإخراج من ~~المصائب، وكانت المصائب تطيب إذا كانت من الحبيب، قال جوابا لمن يتوهم عدم ~~القدرة متمما ms5184 ما مضى من خلال الأعمال بالإيمان بالقدر خيره وشره، مرغبا في ~~التسليم مرهبا من الجزع قاصرا الفعل ليعم كل مفعول: {ما أصاب} أي أحدا يمكن ~~المصائب أن تتوجه إليه، وذكر الفعل إشارة إلى القوة، وأعرق في النفي بقوله: ~~{من مصيبة} أي مصيبة كانت دينية أو دنيوية من كفر أو غيره {إلا بإذن الله} ~~أي بتقدير الملك الأعظم وتمكينه، فلا ينبغي لمؤمن أن يعوقه شيء من ذلك عن ~~التقوى النافعة في يوم التغابن. # ولما تسبب عن ذلك ما تقديره: فمن يكفر بالله بتقديره عليه # PageV20P123 # الكفر يغو قلبه ويزده ضلالا فيفعل ما يتوغل به في المصيبة حتى تصير مصائب ~~عدة فتهلكه، عطف عليه قوله باعثا على أول ركني الإسلام وهو إصلاح القوة ~~العلمية: {ومن يؤمن بالله} أي يوجد الإيمان في وقت من الأوقات ويجدده ~~بشهادة إن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله بسبب الملك الأعظم وتقديره ~~وإذنه {يهد قلبه} أي يزده هداية بما يجدده له من التوفيق في كل وقت حتى ~~يرسخ إيمانه فتنزاح عنه كل مصيبة، فإنه يتذكر أنها من الله وأن ما أصابه لم ~~يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم بقضائه فيصبر له ويفعل ويقول ما ~~أمر الله به ورسوله فيخف عليه، ولا يعوقه عن شيء من المنجيات في يوم ~~التغابن، بل يحصل له بسببها عدة أرباح وفوائد، فتكون حياته طيبة بالعافية ~~الشاملة في الدينيات والكونيات لأن بالعافية في الكونيات تطيب الحياة في ~~الدنيا، وبالعافية في الدينيات تطيب الحياة في الآخرة فتكون العيشة راضية، ~~وذلك بأن يصير عمله صوابا في سرائه وضرائه فيترك كل فاحشة دينية بدنية ~~وباطنة قلبية ويترك الهلع في المصائب الكونية كالخوف والجوع ونقص الأموال ~~والأنفس والثمرات # PageV20P124 # وذلك لأنه بصلاح القلب ينصلح البدن كله. # ولما كان التقدير تعليلا لذلك: فالله على كل شيء قدير فهو لا يدع شيئا ~~يكون إلا بإذنه، عطف عليه قوله: {والله} أي الملك الذي لا نظير له {بكل ~~شيء} مطلقا من غير مثنوية {عليم *} فإذا تحقق من هدى قلبه ms5185 ذلك زاح كل ~~اعتقاد باطل من كفر أو بدعة أو صفة خبيثة. ولما كان التقدير: فاصبروا عن ~~هجوم المصائب، عطف عليه قوله تحذيرا من أن يشتغل بها فتوقع في الهلاك وتقطع ~~عن أسباب النجاة دالا على تعلم أمور الدين من معاداتها مشيرا إلى أن ~~العبادة لا تقبل إلا بالاتباع لا بالابتداع: {وأطيعوا الله} أي الملك ~~الأعلى الذي له الأمر كله فافعلوا في كل مصيبة ونائبة تنوبكم وقضية تعروكم ~~ما شرعه لكم، وأكد بإعادة العامل إشارة إلى أن الوقوف عند الحدود ولا سيما ~~عند المصائب في غاية الصعوبة فقال: {وأطيعوا الرسول} أي الكامل في الرسلية ~~- صلى الله عليه وسلم - فإنه المعصوم بما خلق فيه من الاعتدال وما زكى به ~~من شق البطن وغسل القلب مرارا، وما أيد به من الوحي، فما كانت الأفعال ~~بإشارة العقل مع الطاعة لله والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم في كل ~~إقدام وإحجام كانت معتدلة، سواء كانت شهوانية أو غضبية، ومتى لم تكن كذلك # PageV20P125 # كانت منحرفة إلى أعلى وإلى أسفل فكانت مذمومة، فإن الله تعالى بلطف ~~تدبيره ركب في الإنسان قوة غضبية دافعة لما يهلكه ويؤذيه، وقوة شهوانية ~~جالبة لما ينميه ويقويه، فاعتدال الغضبية شجاعة ونقصها جبن وزيادتها تهور، ~~فالناس باعتبارها جبان وشجاع ومتهور، واعتدال الشهوانية عفة ونقصانها زهادة ~~وزيادتها شره، والناس باعتبارها زهيد وعفيف وشره، وكلا طرفي قصد الأمور ~~ذميم، وميزان العدل متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما شرعه، فبذلك ~~تنزاح الفتن الظاهرة والباطنة، ولا طريق إلى الله إلا بما شرعه، وكل طريق ~~لم يشرعه ضلال من الكفر إلى ما دونه، ثم سبب عن أمره ذلك قوله معبرا بإداة ~~الشك إشارة إلى البشارة بحفظ هذه الأمة من الردة ومشعرا بأن بعضهم يقع منه ~~ذلك ثم يقرب رجوعه أو هلاكه: {فإن توليتم} أي كلفتم أنفسكم عندما تدعو إليه ~~الفطرة الأولى من الإعراض عن هذا النور الأعظم والميل إلى طرف من الأطراف ~~المفهومة من طرفي القصد فما على رسولنا شيء من توليكم {فإنما على رسولنا} ~~أضافه ms5186 إليه على وجه العظمة تعظيما له وتهديدا لمن يتولى عنه {البلاغ المبين ~~*} # PageV20P126 # أي الظاهر في نفسه المظهر لكل أحد أنه أوضح له غاية الإيضاع ولم يدع ~~لبسا، ليس إليه خلق الهداية في القلوب. # ولما كان هذا موجعا لإشعاره بإعراضهم مع عدم الحيلة في ردهم، عرف بأن ذلك ~~إنما هو إليه وأنه القادر عليه فقال جوابا لمن كأنه قال: فما الحيلة في ~~أمرهم - مكملا لقسمي الدين بالاستعانة بعد بيان قسمه الآخر وهو العبادة: ~~{الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {لا إله إلا هو} فهو القادر على ~~الإقبال بهم ولا يقدر على ذلك غيره، فإليه اللجاء في كل دفع ونفع وهو ~~المستعان في كل شأن فإياه فليرج في هدايتهم المهتدون {وعلى الله} أي الذي ~~له الأمر كله لا على غيره. ولما كان مطلق الإيمان هو التصديق بالله باعتقاد ~~أنه القادر على كل شيء فلا أمر لأحد معه ولا كفوء له فكيف بالرسوخ فيه، نبه ~~على هذا المقتضي للربط بالفاء والتأكيد بلام الأمر في قوله: {فليتوكل ~~المؤمنون *} أي يوجد التوكيل إيجادا هو في غاية الظهور والثبات العريقون في ~~هذا الوصف في رد المتولي منهم إن حصل منهم تول وكذا في كل مفقود فالعفة ~~ليست مختصة بالموجود فكما أن قانون العدل في الموجود الطاعة فقانون العدل ~~في المفقود التوكل وكذا فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فكان لهم الحظ ~~الأوفر في كل # PageV20P127 # توكل لا سيما حين ارتدت العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~أحقهم بهذا الوصف الصديق رضي الله تعالى عنه كما يعرف ذلك من ينظر الكتب ~~المصنفة في السير وأخبار الردة لا سيما كتابي المسمى في أخبار الردة. # ولما كانت أوامر الدين تارة تكون باعتبار الأمر الديني من سائر الطاعات ~~المحضة، وتارة باعتبار الأمر التكويني وهو ما كان بواسطة مال أو أهل أو ~~ولد، أتم سبحانه القسم الأول في الآيتين الماضيتين، شرع في الأمر الثاني ~~لأنه قد ينشأ عنه فتنة في الدين وقد ينشأ عنه فتة في الدنيا، ولما كانت ms5187 ~~الفتنة بالإقبال عليه والإعراض عنه أعظم الفتن، لأنها تفرق بين المرء وزوجه ~~وبين المرء وابنه وتذهل الخليل عن خليله - كما شوهد ذلك في بدء الإسلام، ~~وكان أعظم ذلك في الردة، وكان قد تقدم النهي عن إلهاء الأموال والأولاد، ~~وكان النهي عن ذلك في الأولاد نهيا عنه في الأزواج بطريق الأولى، فلذلك ~~اقتصر عليهم دون الأزواج، وكان المأمور بالتوكل ربما رأى أن تسليم قياده ~~لكل أحد لا يقدح في التوكل، أشار إلى أن بناء هذه الدار على الأسباب مانع ~~من ذلك فأمر بنحو «اعقلها وتوكل» «واحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا ~~تعجز» الحديث، فقال جوابا عن ذلك لمن يحتاج إلى السؤال عن مثله مبينا ~~للأوامر بالاعتبار للامتحان التكويني وإن كان أولى الناس ببذل الجهد في ~~تأديبه وتقويمه وتهذيبه أقرب الأقارب وألصق الناس بالإنسان # PageV20P128 # وهو كالعلة لآخر «المنافقون» : {يا أيها الذين آمنوا} ولما كان الأزواج ~~أقرب عداوة من الأولاد قدمهن، فقال مؤكدا لمن يستبعد ذلك: {إن من أزواجكم} ~~وإن أظهرن غاية المودة {وأولادكم} وإن أظهروا أيضا غاية الشفقة والحنان ~~{عدوا لكم} أي لشغلهم لكم عن الدين أو لغير ذلك من جمع المال وتحصيل الجاه ~~لأجلهم والتهاون بالنهي عن المنكر فإن الولد مجبنة وغير ذلك، قال أبو حيان ~~رحمه الله تعالى: ولا أعدى على الرجل من زوجه وولده إذا كانا عدوين وذلك في ~~الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبإذهاب ماله - كما هو معروف - وعرضه، وأما ~~في الآخرة فيما يسعى في اكتسابه من الحرام لأجلهم وبما يكسبانه منه بسبب ~~جاهه. # فالرجل من رأى ذلك نعمة من الله فجعله معينا له على طاعته لا قاطعا ~~ومعوقا عما يرضيه بأن يلتهي بمحبته وعداوته وبغضته. ولما أخبر عن العداوة، ~~عبر بما قد يفهم الواحد فقط تخفيفا، ولما أمر بالحذر جمع إشارة إلى زيادة ~~التحذير والخوف في كل أحد ولو كان أقرب الأقرباء لأن الحزم سوء الظن كما ~~رواه الطبراني في الأوسط، فسبب عن الإخبار بالعداوة الأمر بالحذر في قوله: ~~{فاحذروهم} أي بأن تتقوا الله في كل ms5188 أمرهم فتطلبوا في # PageV20P129 # السعي عليهم الكفاف من حله وتقتصروا عليه، ولا يحملنكم حبهم على غير ذلك، ~~وليشتد حذركم منهم بالعمل بما أمر الله حتى في العدل بينهم لئلا يتمكنوا من ~~أذاكم فيعظم بهم الخطب ويكون فاتنا لكم في الدين إما بالردة - والعياذ ~~بالله تعالى - أو بالشغل عن الطاعة أو بالإقحام في المعصية ومخالفة السنة ~~والجماعة. # ولما كان قد يقع ما يؤذي مع الحذر لأنه لا يغني من قدر أو مع الاستسلام، ~~وكان وكل المؤذي إلى الله أولى وأعظم في الاستنصار، قال مرشدا إلى ذلك: ~~{وإن تعفوا} أي توقعوا المجاوزة عن ذنوبهم بعدم العقاب عليها فإنه لا فائدة ~~في ذلك لأن من طبع على شيء لا يرجع، وإنما النافع الحذر الذي أرشد إليه ~~سبحانه لئلا يكون سببا للو المنهي عنه. # ولما كان الرجوع عن الحظوظ صعبا جدا، أكد سبحانه فقال: {وتصفحوا} أي ~~بالإعراض عن المقابلة بالتثريب باللسان {وتغفروا} أي بأن تستروا ذنوبهم ~~سترا تاما شاملا للعين والأثر بالتجاوز بعد ترك العقاب عن العتاب، فلا يكون ~~منكم اشتغال بعداوتهم ولا ما قد يجرها عما ينفع من الطاعة، ولما كان ~~التقدير: يغفر الله لكم، سبب عنه قوله: {فإن الله} أي الجامع لصفات الكمال ~~{غفور} أي بالغ # PageV20P130 # المحو الأعيان الذنوب وآثرها جزاء لكم على غفرانكم لهم وهو جدير بأن ~~يصلحهم لكم بسبب غفرانكم لهم فإنه {رحيم *} يزيدكم بعد ذلك الستر الإكرام ~~بالإنعام إن أكرمتموهم، فتخلقوا بأخلاقه سبحانه يزدكم من فضله. # PageV20P131 # ولما حكم على البعض، كان كأنه قيل: فما حكم سائره؟ فكأن الحكم بذلك يلزم ~~منه الحذر من الكل لكن للتصريح سر كبير في ركون النفس إليه، فقال حاصرا ~~الجميع ضاما إليهم المال الذي به قيام ذلك كله وقدمه لأنه أعظم فتنة: ~~{إنما} وأسقط الجار لأن شيئا من ذلك لا يخلو عن شغل القلب فقال: {أموالكم} ~~أي عامة {وأولادكم} كذلك {فتنة} أي اختبار مميل عن الله لكم وهو أعلم بما ~~في نفوسكم منكم لكن ليظهر في عالم الشهادة من يميله ذلك فيكون عليه نقمة ~~ممن ms5189 لا يميله فيكون له نعمة، فربما رام الإنسان صلاح ماله وولده فبالغ ~~فأفسد نفسه ثم لا يصلح ذلك ماله ولا ولده، وذلك أنه من شأنه أن يحمل على ~~كسب الحرام ومنع الحق والإيقاع في الإثم، روي عن أبي نعيم في الحلية في ~~ترجمة سفيان الثوري عنه أنه قال: «يؤتى برجل يوم القيامة فيقال له: أكل ~~عياله حسناته» «ويكفي فتنة المال قصة # PageV20P131 # ثعلبة بن حاطب أحد من نزل فيه قوله فتنة تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن ~~أتانا من فضله لنصدقن} [التوبة: 75] » وكأنه سبحانه ترك ذكر الأزواج في ~~الفتنة لأن منهم من يكون صلاحا وعونا على الآخرة. # ولما كان التقدير: ففي الاحتراز من فتنهم تعب كبير، لا يفوت به منهم إلى ~~حظ يسير، وكانت النفس عند ترك مشتبهاتها ومحبوباتها قد تنفر، عطف عليه ~~مهونا له بالإشارة إلى كونه فانيا وقد وعد عليه بما لا نسبة له منه مع ~~بقائه قوله: {والله} أي ذو الجلال {عنده} وناهيك بما يكون منه بسبيل جلاله ~~وعظمه {أجر} ولم يكتف سبحانه بدلالة السياق على أن التنوين للتعظيم حتى ~~وصفه بقوله: {عظيم *} أي لمن ائتمر بأوامره التي إنما نفعها لصاحبها، فلم ~~يقدم على رضاه مالا ولا ولدا، وذلك الأجر أعظم من منفعتكم بأموالكم ~~وأولادكم على وجه ينقص من الطاعة. # ولما كان التقدير: وعنده عذاب أليم لمن خالف، سبب عنه قوله فذلكة أخرى ~~لما تقدم من السورة كلها: {فاتقوا الله} مظهرا غير مضمر تعظيما للمقام ~~واحترازا من أن يتوهم نوع تقيد فأفهم الإظهار أن المعنى: اجعلوا بينكم وبين ~~سخط الملك الأعلى وقاية من غير نظر إلى حيثية ولا خصوصية بشيء ما، باجتناب ~~نواهيه بعد امتثال أوامره، فإن التقوى إذا انفردت كان المراد بها فعل ~~الأوامر وترك المناهي، # PageV20P132 # وإذا جمعت مع غيرها أريد بها اجتناب النواهي فقط. # ولما كان الأمر إذا نسب إليه سبحانه أعظم من مقالة قائل، فلا يستطيع أحد ~~أن يقدره سبحانه حق قدره، خفف ويسر بقوله: {ما استطعتم} أي ما دمتم في ~~الجملة قادرين مستطيعين، ويتوجه ms5190 عليكم التكليف في العلميات والعمليات، ~~وابذلوا جهدكم في ذلك في الإيمانيات لما علمتم من ذاته ومرتبته وصفاته ~~تعالى وأفعاله، وغير ذلك من جميع أعمالكم الظاهرة والباطنة، وأعظمه الهجرة ~~والجهاد، فلا يمنعكم الإخلاد إليها ذلك والتقوى فيما وقع من المكروهات ~~بالندم والإقلاع مع العزم على ترك العود، وفيما لم يقع بالاحتراس عن ~~أسبابه، وبذل الإنسان جميع جهده هو الاتقاء حق التقاة فلا نسخ - والله ~~أعلم. # ولما كان إظهار الإسلام فيه مشقة كالأعمال قال: {واسمعوا} أي سماع إذعان ~~وتسليم لما توعظون به ولجميع أوامره {وأطيعوا} أي وصدقوا ذلك الإذعان ~~بمباشرة الأفعال الظاهرة في الإسلاميات من القيام بأمر الله والشفقة على ~~خلق الله في كل أمر ونهي على حسب الطاقة، وحذف المتعلق ليصدق الأمر بكل ~~طاعة من الكل والبعض وكذا في الإنفاق. ولما كان الإنفاق شديدا أكد أمره ~~بتخصيصه بالذكر فقال: {وأنفقوا} أي أوقعوا الإنفاق كما حد لكم فيما # PageV20P133 # أوجبه أو ندب إليه وإن كان في حق من اطلعتم منها على عداوة، والإنفاق لا ~~يخص نوعا بل يكون ما رزق الله من الذاتي والخارجي. # ولما كان الحامل على الشح ما يخطر في البال من الضرورات التي أعزها ضرورة ~~النفس، رغب فيه بما ينصرف إليه بادىء بدء ويعم جميع ما تقدم فقال: {خيرا} ~~أي يكن ذلك أعظم خير واقع {لأنفسكم} فإن الله يعطي خيرا منه في الدنيا ما ~~يزكي به النفس، ويدخر عليه من الجزاء في الآخرة ما لا يدري كنهه، فلا ~~يغرنكم عاجل شيء من ذلك فإنما هو زخرف وغرور لا طائل تحته. ولما ذكر ما في ~~الإنفاق من الخير عم في جميع الأوامر فقال: {ومن يوق} بناه للمفعول تعظيما ~~للترغيب فيه نفسه مع قطع الناصر عن الفاعل أي يقيه واق أي واق كان - وأضافه ~~إلى ما الشؤم كله منه فقال: {شح نفسه} فيفعل في ماله وجميع ما أمر به ما ~~يطيقه مما أمر به موقنا به مطمئنا إليه حتى يرتفع عن قلبه الأخطار، ويتحرز ~~عن رق المكونات، والشح: خلق باطن هو الداء ms5191 العضال رأس الحية وكل فتنة ~~ضلالة، والبخل فعل ظاهر ينشأ عن الشح، والنفس تارة تشح بترك الشهوة من ~~المعاصي فتفعلها، وتارة بإعطاء الأعضاء في الطاعات فتتركها، وتارة بإنفاق # PageV20P134 # المال، ومن فعل ما فرض عليه خرج عن الشح. ولما كان الواقي إنما هو الله ~~تعالى سبب عن وقايته قوله: {فأولئك} أي العالو الرتبة {هم} أي خاصة ~~{المفلحون *} أي الذين حازوا جميع المرادات بما اتقوا الله فيه من الكونيات ~~من المال والولد والأهل والمشوشات من جميع القواطع. ولما أمر ورهب من ضده ~~على وجه أعم، رغب فيه تأكيدا لأمره لما فيه نم الصعوبة لا سيما في زمان ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإن المال فيه كان في غاية العزة ولا سيما إن كان ~~في لوازم النساء اللاتي افتتح الأمر بأن منهن أعداء ولا سيما إن كان في حال ~~ظهور العداوة، فقال بيانا للإفلاح متلطفا في الاستدعاء بالتعبير بالقرض ~~مشيرا إلى أنه على خلاف الطبع بأدة الشك: {إن تقرضوا الله} أي الملك الأعلى ~~ذا الغنى المطلق المستجمع لجميع صفات الكمال بصرف المال وجميع قواكم التي ~~جعلها فتنة لكم في طاعاته، ورغب في الإحسان فيه بالإخلاص وغيره فقال: {قرضا ~~حسنا} أي على صفة الإخلاص والمبادرة ووضعه في أحسن مواضعه على أيسر الوجوه ~~وأجملها وأهنأها وأعدلها، وأعظم الترغيب فيه بأن رتب عليه الربح في الدنيا ~~والغفران في الآخرة فقال: {يضاعفه لكم} أي لأجلكم خاصة أقل ما يكون للواحد ~~عشرا # PageV20P135 # إلى ما لا يتناهى على حسب النيات، قال القشيري: يتوجه الخطاب بهذا على ~~الأغنياء في بذل أموالهم وعلى الفقراء في إخلاء أيامهم وأوقاتهم عن ~~مراداتهم وإيثار مراد الحق على مراد أنفسهم، فالغني يقال له: آثر على مرادك ~~في مالك وغيره، والفقير يقال له: آثر حكمي في نفسك وقلبك ووقتك. # ولما كان الإنسان لما له النقصان وإن اجتهد لا يبلغ جميع ما أمر به لأن ~~الدين وإن كان يسيرا فهو متين «لن يشاده أحد إلا غلبه» قال: {ويغفر لكم} أي ~~يوقع الغفران وهو محو ما فرط عينه ms5192 وأثره لأجلكم ببركة الإنفاق، وقد تضمنت ~~هاتان الجملتان جلب السرور ودفع الشرور، وذلك هو السعادة كلها. # ولما كان التقدير: فالله غفور رحيم، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي لا ~~يقاس عظمته بشيء {شكور} أي بليغ الشكر لمن يعطي لأجله ولو كان قليلا فيثيبه ~~ثوابا جزيلا خارجا عن الحصر وهو ناظر إلى المضاعفة {حليم *} لا يعاجل ~~بالعقوبة على ذنب من الذنوب وإن عظم بل يمهل كثيرا طويلا ليتذكر العبد ~~الإحسان مع العصيان فيتوب، ولا يهمل ولا يغتر بحلمه، فإن غضب الحليم لا ~~يطاق، # PageV20P136 # وهو راجع إلى الغفران. # ولما كان الحليم قد يتهم في حلمه بأن ينسب إلى الجهل بالذنب أو بمقداره ~~قال: {عالم الغيب} وهو ما غاب عن الخلق كلهم فيشمل ما هو داخل القلب مما ~~تؤثره الجبلة ولا علم لصاحب القلب به فضلا عن غيره. ولما كان قد يظن أنه لا ~~يلزم من علم ما غاب علم ما شهد، أو يظن أن العلم إنما يتعلق بالكليات، قال ~~موضحا أن علمه بالعالمين بكل من الكليات والجزئيات قبل الكون وبعده على حد ~~سواء: {والشهادة} وهو كل ما ظهر فكان بحيث يعلمه الخلق، وهذا الوصف داع إلى ~~الإحسان من حيث إنه يوجب للمؤمن ترك ظاهر الاسم وباطنه وكل قصور وفتور ~~وغفلة وتهاون فيعبد الله كأنه يراه. # ولما شمل ذلك كل ما غاب عن الخلق وما لم يغب عنهم فلم يبق إلا أن يتوهم ~~أن تأخير العقوبة للعجز قال: {العزيز} أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء. ~~ولما كان ذلك قد يكون لأمر آخر لا يمدح عليه قال: {الحكيم *} أي أنه ما ~~أخره إلا لحكمة بالغة يعجز عن إدراكها الخلائق، وقد أقام الخلائق في طاعته ~~بالجري تحت إرادته، وتارة يوافق ذلك أمره فيسمى طاعة. وتارة يخالف فيسمى ~~معصية، فمن أراد أتم نعمته عليه بالتوفيق للطاعة بموافقته أمره بإحاطة # PageV20P137 # علمه والإتقان في التدبير ببالغ حكمته وإدامة ذلك وحفظه عن كل آفة بباهر ~~عزته، ومن أراد منعه ذلك بذلك أيضا والكل تسبيح له سبحانه بإفادة ms5193 أنه ~~الواحد القهار، وقد أحاط أول الجمعة بهذه السورة أولها وآخرها، فجاءت هذه ~~شارحة له وكاشفة عنه على وجه أفخم لأن مقصود هذه نتيجة مقصد تلك، وقد رجع - ~~بالتنزه عن شوائب النقص والاختصاص بجميع صفات الكمال وشمول القدرة للخق ~~وإحاطة العلم بأحوال الكافر والمؤمن - على افتتاحها حسن ختامها، وعلم علما ~~ظاهرا جلالة انتظامها، وبداعة اتساق جميع آيها وبراعة التئامها - والله ~~الموفق للصواب. # PageV20P138 # سورة الطلاق # لمقصودها تقدير حسن التدبير في المفارقة والمهاجرة بتهذيب الأخلاق، ~~بالتقوى لا سيما في الإنفاق، لا سيما إن كان ذلك عند الشقاق، لا سيما إن ~~كان في أمر النساء لا سيما عند الطلاق، ليكونالفراق على نحو التواصل ~~والتلاق، واسمها الطلاق أجمع ما يكون لذلك، فلذا سميت به وكذا سورة النساء ~~القصرى لأن العدل في الفراق بعض مطلق العدل الذي هو محط مقصود سورة النساء) ~~بسم الله (الذي له جميع صفات الكمال) الرحمن (الذي عم برحمته النوال) ~~الرحيم (الذي خص بالرحمة ذوي الهمم العوال. # PageV20P139 # لما ختمت التغابن بأنه تعالى شكور حليم عزيز حكيم مع تمام العلم وشمول ~~القدرة، بعد التحذير من النساء بالعداوة، وكانت العداوة تجر إلى الفراق، ~~افتتح هذه بزم لأنفس عند ثوران الحظوظ بزمام التقوى، وأعلى الخطاب جدا ~~بتوجيهه إلى أعلى الخلق تنبيها على عظمة الأحكام الواردة في هذه السورة ~~فإنها مبنية على الأسماء الأربعة لتتلقى بغاية الرغبة فقال: {يا أيها ~~النبي} مخصصا له صلى الله عليه وسلم، ذاكرا الوصف الذي هو سبب التلقي ~~لغرائب العلوم ورغائب الحكم والفهوم. # ولما علم من الإقبال عليه صلى الله عليه وسلم عظمة الحكمة، ومن # PageV20P139 # التعبير في النداء بأداة التوسط التي لا تذكر في أمر مهم جدا أن الذي هو ~~أقرب أهل الحضرة غير مقصود بها من كل وجه، وأن القصد التنبيه لجلالة هذه ~~الأحكام، وبذل الجهد في تفهيمها والعمل بها، فلذا أقبل على الأمة حين ~~انتبهوا وألقوا أسماعهم، فقال معبرا بأداة التحقق لأنه من أعظم مواضعها: ~~{إذا طلقتم} وعلم من ذلك عموم الحكم له صلى الله عليه وسلم لكن ms5194 لما كان ~~للإنسان مع نسائه حالان أحدهما المشاححة، كان غيره أولى بالخطاب فيه، ~~وثانيهما الجود والمصالحة بالحلم والعفو، فكان هو صلى الله عليه وسلم أولى ~~بذلك فجاءت له سورة التحريم {النساء} أي أردتم طلاق هذا النوع واحدة منه ~~فأكثر {فطلقوهن} أي إن شئم مطلق طلاق ثلاثا أو دونها، وكلما قل كان أحب ~~بدليل ما يأتي من لواحق الكلام من الإشارة إلى الرجعة {لعدتهن} أي في وقت ~~أو عند استقبال العدة أي استقبال طهر يحسب منها، وهو الطهر الذي لم يجامع ~~فيه إن كانت مدخولا بها، ذلك معنى قراءة ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ~~«في قبل عدتهن» فهذا طلاق السنة وغيره طلاق البدعة، فإن الطلاق في الحيض ~~تطويل للعدة لأنه غير محسوب، ولا بد أن يكون الطهر لم يجامع فيه لأنها إذا # PageV20P140 # جومعت ربما حملت فطالت العدة، وهذه اللام للوقت مثلها في «كتب هذا لخمس ~~بقين من شهر كذا» واختير التعبير بها لأنها تفهم مع ذلك أن ما دخلت عليه ~~كالعلة الحاملة على متعلقها، فصار كأنه قيل: طلقوا لأجل العدة وإذا كان ~~لأجلها علم أن المراد تخفيفها على المرأة بحسب الطاقة لأن مبنى الدين على ~~اليسر، وذلك دال على أن العدة بالأسهار، وأن الطلاق في الحيض حرام لأن ~~الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا يدل على عدم الوقوع لأن النهي غير مستلزم ~~للفساد، وقد بين ذلك كله «حديث ابن عمر رضي الله عنهما في طلاقه زوجته في ~~الحيض الذي كان سبب النزول، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن ~~يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس» # وعلم أن من عدتها بغير الأقراء التي يمكن طولها وقصرها وهي غير المدخول ~~بها والتي لم تحض والآئسة والحامل لا سنة في طلاقها ولا بدعة، وكذا للخالعة ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس رضي الله عنه في الخلع من ~~غير استفصال عن حال امرأته لأنه إنما يكون في الغالب عن ms5195 تشاجر وتساؤل من ~~المرأة، ويقع الطلاق البدعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر رضي ~~الله عنهما بالمراجعة منه، ويأثم به # PageV20P141 # بعد العلم، ولو طلق في الحيض وراجع جاز له أن يطلق حال انقضاء الحيض قبل ~~المجامعة، والأمر بالإمساك إلى كمال الطهر والحيض الذي بعده للندب حتى لا ~~يكون في صورة من راجع للطلاق، ولا بدعة في جمع الثلاثة لأنه لا إشارة إليه ~~في الآية ولا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي هو سببها، نعم قد يدعي ~~ذلك في آية البقرة في قوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] و «الطلاق ~~أبغض الحلال إلى الله» كما رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما فأبغضه إليه أنهاه «وما حلف به ولا استحلف إلا منافق» كما في الفردوس ~~عن أنس رضي الله عنه. # ولما كان نظر الشارع إلى العدة شديدا لما فيها من الحكم بالتأني لاحتمال ~~الندم وبالظن لبراءة الرحم احتياطا للأنساب وبقطع المنازعات والمشاجرات ~~المفضية إلى ذهاب الأموال والارواح، وقد أفهمه التعبير باللام، صرح به ~~بصيغة الأمر فقال: {وأحصوا} أي اضبطوا ضبطا كأنه في إتقانه محسوس بعد الحصي ~~{العدة} لتكملوها ثلاثة أقراء كما تقدم الأمر به ليعرف زمان النفقة والرجعة ~~والسكنى وحل النكاح لأخت المطلقة مثلا ونحو ذلك من الفوائد الجليلة. ولما ~~كان الطلاق على غير هذا الوجه حراما للضرار ومخالفة الأمر وكذا التهاون في ~~الضبط حتى يحتمل أن تنكح المرأة قبل الانقضاء، أمر بمجانبة ذلك كله بقوله: ~~{واتقوا} أي في ذلك {الله} أي الملك الأعظم الذي له الخلق والأمر لذاته # PageV20P142 # في الزمن والإحصاء لأن في ذلك ما هو حقه {ربكم} أي لإحسانه في تربيتكم في ~~حملكم على الحنيفية السمحة ودفع جميع الآصار عنكم. # ولما أمر بالتقوى وناط بعضها بصفة الإحسان فسره بقوله: {لا تخرجوهن} أي ~~أيها الرجال في حال العدة {من بيوتهن} أي المساكن التي وقع وهي سكنهن، ~~وكأنه عبر بذلك إشارة إلى أن استحقاقها لإيفاء العدة به في العظمة كاستحقاق ~~المالك، ولأنها كانت ms5196 في حال العصمة كأنها مالكة له، فليس من المروءة إظهار ~~الجفاء بمنعها منه، ولأنها إن روجعت كانت حاصلة في الحوزة ولم يفحش الزوج ~~في المقاطعة، وإن لم يحصل ذلك فظهر أنها حامل لم تحصل شبهة في الحمل. # ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لحقهن فقط نفاه بقوله: {ولا يخرجن} أي ~~بأنفسهن إن أردن ذلك من غير مخرج من جهة الزوج أو غيره، فعلم من ذلك تحتم ~~استكمال العدة في موضع السكنى وأن الإسكان على الزوج، وتخرج لضرورة بيع ~~الغزل وجذاذ النخل ونحوه. ولما كان منطوق ذلك أنه لا يجوز له إخراجها ~~كارهة، ولا يجوز لها أن تخرج بنفسها فقط وهو كاره فأفهم ذلك أنهما لو اتفقا ~~جاز لأن ذلك خارج عن المنهي، استثنى من كلا شقي المنهي عنه بقوله. # PageV20P143 # {إلآ أن يأتين} أي جنس المطلقات الصادق بواحدة وأكثر {بفاحشة} أي خصلة ~~محرمة شديدة القباحة {مبينة} أي ظاهرة في نفسها ظهورا بينا عند كل من أريد ~~بيانها له، وذلك كالبذاءة منها على الزوج أو أقاربه فإنه كالنشوز يسقط حقها ~~من السكنى، فيجوز له إخراجها لقطع الشر، وهو معنى قراءة أبي رضي الله عنه: ~~إلا أن يفحشن عليكم، وكالزنا فتخرج بنفسها ويخرجها غيرها من الزوج وغيره ~~لإقامة الحد عليها وغير ذلك من الفواحش كما أنه يطلقها للنشوز فإنه لا سكنى ~~لها حينئذ. # ولما كان التقدير: هذه أحكام هذا الفرع، عطف عليه تعظيما لها قوله تعالى: ~~{وتلك} أي الأحكام العالية جدا بما فيها من الجلالة وبانتسابها إلى الملك ~~الأعلى من هذا الذي ذكر في هذه السورة وغيره {حدود الله} أي الملك الأعظم ~~الذي هو نور السماوات والأرض. ولما كان التقدير: فمن تحاماها فقد أنصف نفسه ~~بأخذه النور المبين، عطف عليه قوله: {ومن يتعد} أي يقع منه في وقت من ~~الأوقات أنه يتعمد أن يعدو {حدود الله} أي الملك الأعظم {فقد ظلم نفسه} # PageV20P144 # بأن مشاها في الظلام فصارت تضع الأشياء في غير مواضعها، فصار بمعرض ~~الهلاك بالعقاب كما أن الماشي في الظلام معرض للوقوع ms5197 في حفرة والدوس على ~~شوكة أو حية أو عقرب أو سبع، أو لأن ينفرد بقاطع، أو أن يضل عن الطريق إلى ~~مهالك لا يمكن النجاة منها، ومثال ذلك الحكيم إذا وصف دواء بقانون معلوم في ~~وقت محدود ومكان مخصوص فخولف لم يضر المخالف ذلك الحكيم وإنما ضر نفسه. # ولما كان له الخلق جميعا تحت أوامره سبحانه مع أنها كلها خير لا شر فيه ~~بوجه إسرار وإغوار، لا تدرك ولا تحصى، وقد يظهر بعضها لسان الحدثان بيد ~~القدرة، وكان متعديها ظالما وكان من أقرب ظلمه وأبينه الإيقاع في مهاوي ~~العشق، فسره سبحانه بقوله مبينا عظمته بخطاب الإعلاء: {لا تدري} أي يا أيها ~~النبي الكريم ما يكون عن ذلك من الأمور التي يحدثها الله لتشير على المطلق ~~بشيء مما يصلحه فغيرك من باب الأولى. # ولما نفى عنه العلم المغيب لاختصاصه سبحانه به وحذف المتعلق إعراقا في ~~التعميم، وكان كل أحد فيما يحدث له من الأمور ما بين رجاء وإشفاق، عبر عن ~~ذلك بأداة صالحة لها فقال: {لعل الله} أي الذي # PageV20P145 # بيده القلوب ومقاليد جميع الأمور {يحدث} أي يوجد شيئا حادثا لم يكن ~~إيجادا ثابتا لا يقدر الخلق على التسبب في زواله فيكون مستغرقا لزمان العمر ~~كما أشار إليه نزع الخافض في قوله تعالى: {بعد ذلك} أي الحادث من الإشارة ~~بالضرار بالإخراج أو تطويل العدة أو غير ذلك {أمرا *} أي من الأمور المهمة ~~كالرغبة المفرطة في الزوجة فلا يتأتى ذلك إما بأن كان الضرار بالطلاق ~~الثلاث أو بأن كانت من ذوي الأنفة فأثرت فيها الإساءة وفيمن ينتصر لها ~~فمنعت نفسها منه. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} [المنافقين: 9] وقوله في التغابن: ~~{إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} [التغابن: 14] وقوله تعالى ~~{إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] والمؤمن قد يعرض له ما يضطره ~~إلى فراق من نبه على فتنته وعظيم محنته، وردت هذه السورة منبهة على كيفية ~~الحكم في ms5198 هذا الافتراق، وموضحة أحكام الطلاق، وأن هذه العداوة وإن استحكمت ~~ونار هذه الفتنة، إن اضطرمت لا توجب التبرؤ بالجملة وقطع المعروف {لا تدري ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] ووصى سبحانه بالإحسان المجمل في ~~قوله: # PageV20P146 # {أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] وبين تفصيل ذلك وما يتعلق به، فهذا ~~الرفق المطلوب بإيقاع الطلاق في أول ما تستعده المطلقة في عدتها وتحسبه من ~~مدتها تحذيرا من إيقاع الطلاق في الحيض الموجب تطويل العدة وتكثير المدة، ~~وأكد هذا سبحانه بقوله {واتقوا الله ربكم} [الطلاق: 1] ثم نبه سبحانه على ~~حقهن أيام العدة من الإبقاء في مستقرهن حين إيقاع الطلاق إلى انقضاء العدة ~~فقال: {لا تخرجوهن من بيوتهن} [الطلاق: 1] إلى ما استمرت عليه السورة من ~~بيان الأحكام المتعلقة بالطلاق وتفصيل ذلك كله. ولما كان الأولاد إذا ظهر ~~منهم ما يوجب فراقهم وإبعادهم غير مفترقين إلى ما سوى الرفض والترك بخلاف ~~المرأة، لم يحتج إلى ما احتيج إليه في حقهن فقد وضح وجه ورود سورة الطلاق ~~في هذا الموضع - والله سبحانه وتعالى أعلم انتهى. # PageV20P147 # ولما حد سبحانه ما يفعل في العدة، أتبعه ما يفعل عند انقضائها فسبب عما ~~أمره بها فيها معبرا بأداة التحقق لأن الخطاب على تقدير الحياة، معلما أن ~~له الرجعة إلى آخر جزء من العدة لأنها إذا ثبتت في آخرها البعيد من الطلاق ~~كان ما قبله أولى لأنه أقرب إلى الطلاق فقال: {فإذا بلغن} أي المطلقات ~~{أجلهن} أي شارفن انقضاء العدة مشارفة عظيمة {فأمسكوهن} أي بالمراجعة، وهذا ~~يدل على أن الأولى # PageV20P147 # من الطلاق ما دون البائن لا سيما الثلاث. ولما كان الإنسان لما له من ~~النقصان لا يقدر على كمال الإحسان قال منكرا: {بمعروف} أي حسن عشرة لا بقصد ~~المضارة بطلاق آخر لأجل إيجاب عدة أخرى ولا غير ذلك {أو فارقوهن} أي بعدم ~~المراجعة لتتم العدة فتملك نفسها {بمعروف} بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل ~~أمر عرفه الشرع - أي حسنه - فلا يقصد أذاها بتفريقها من ولدها مثلا أو منه ~~إن كانت محبة له مثلا ms5199 بقصد الأذى فقط من غير مصلحة وكذا ما أشبه ذلك من ~~أنواع الضرر بالفعل أو القول، فقد تضمنت الآية بإفصاحها الحث على فعل ~~الخيرات وبإبهامها اجتناب المنكرات. # ولما كان كل من المرافقة والمفارقة أمرا عظيما، تبنى عليه أحكام فتحرم ~~أضدادها، فيكون الخلاف فيها في غاية الخطر، وكان الإشهاد أليق بالمراد، ~~وأقطع للنزاع، قال تعالى حاثا على الكيس واليقظة والبعد عن أفعال المغفلين ~~العجزة: {وأشهدوا} أي على المراجعة أو المفارقة {ذوي عدل} أي مكلفين حرين ~~ثقتين يقظين {منكم} أي مسلمين وهو أمر إرشاد مندوب إليه، وعن الشافعي رضي ~~الله تعالى عنه وجوبه في الرجعية والصحيح الأول، ومن # PageV20P148 # فوائده أن لا يموت أحدهما فيدعي الآخر الزوجية ببقاء علقة العدة ليرث. # ولما كان أداء الشهادة يعسر على الشاهد لترك مهماته وعسر لقاء الحكم الذي ~~يؤدي عنده، وربما بعد مكانه، وكان للعدل في الأداء عوائق أيضا، وكان الشهود ~~من المأمورين بالإشهاد، حث على الأداء على وجه العدل بقوله: {وأقيموا} أي ~~أيها المأمورون حيث كنتم شهودا {الشهادة} أي التي تحملتموها بأدائها على ~~أكمل أحوالها كما يفعل من يريد إقامة شيء ليصير واقفا بنفسه غير محتاج إلى ~~ما يدعمه. ولما كان ربما ميل أحد من المشهود عليهما الشاهد بشيء من ~~المرغبات فأداها على وجهها لذلك الشيء لا لكونه الحق، قال مرغبا مرهبا ~~{لله} أي مخلصين لوجه الملك الأعلى المحيط بكل شيء علما وقدرة وهو ذو ~~الجلال والإكرام في أدائها على وجه الحق ظاهرا وباطنا، لا لأجل المشهود له ~~ولا المشهود عليه، ولا شيء سوى وجه الله. # ولما كانت أحكامه سبحانه وتعالى لا سيما في الكتاب المعجز مقرونة بعللها ~~وفيها عند التأمل رقائق ودقائق تخشع لها القلوب وتجب الأفئدة في داخل ~~الصدور قال {ذلكم} أي الذي ذكرت # PageV20P149 # لكم أيتها الأمة من هذه الأمور البديعة النظام العالية المرام، وأولاها ~~بذلك هنا الإشهاد وإقامة الشهادة. # ولما كانت أوامر الله تعالى وقصصه وأحكامه وجميع كلامه مختصا من بين كلام ~~الناس بأنه يرقق القلوب ويلين الشكائم لكونه روحا لما فيه العدل ms5200 الذي تهواه ~~النفوس، وتعشقه الألباب، وتميل إليه الطبائع، وقامت به السماوات والأرض، ~~ولما فيه أيضا من ذكر من تعشقه الفطر القويمة من جميع أهل الخير من ~~الأنبياء والملائكة والأولياء، مع تشريف الكل بذكر الله، سمي وعظا، وبني ~~للمجهول إشارة إلى أن الوعظ بنفسه نافع ولو لم يعرف قائله، وإلى أن الفاعل ~~معروف أنه الله لكونه سمي وعظا مع كونه أحكاما فقال: {يوعظ به} أي يلين ~~ويرقق {من كان} أي كونا راسخا، من جميع الناس {يؤمن بالله} أي يوقع ويجدد ~~منكم ومن غيركم على سبيل الاستمرار من صميم قلبه الإيمان بالملك الذي له ~~الكمال كله. # ولما كان البعث محط الحكمة لأن الدنيا مزرعة للآخرة، ولا يكون زرع بغير ~~حصاد، كان خلو الإيمان عنه معدما للإيمان فقال: {واليوم الآخر} فإنه المحط ~~الأعظم للترقيق، أما من لم يكن متصفا بذلك فكأنه لقساوة قلبه ما وعظ به ~~لأنه لم ينتفع به أبدا. # PageV20P150 # ولما كانت العبادة لا تكون إلا بالإعانة، وكان التقدير: فمن اتعظ بذلك ~~كان اتعاظه شاهدا له بإيمانه بذلك، وكان متقيا، عطف عليه قوله اعتراضا بين ~~هذه الأحكام تأكيدا للترغيب في الإعانة المترتبة على التقوى: {ومن يتق ~~الله} أي يخف الملك الأعظم فيجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية مما يرضيه، وهو ~~اجتلاب ما أمر به واجتناب ما نهى عنه من الطلاق وغيره ظاهرا وباطنا، وذلك ~~صلاح قوي العلم بالإيمان والعمل بفعل المأمور به وترك المنهي عنه لأنه تقدم ~~أن التقوى إذا انفردت في القرآن عن مقارن عمت الأمر والنهي، وإذا قرنت ~~بغيرها نحو إحسان أو رضوان خصت المناهي: {يجعل} أي الله سبحانه بسبب التقوى ~~{له مخرجا *} بدفع المضار من كل ضيق أحاط به في نظير ما اجتنب من المناهي ~~{ويرزقه} بحوله وقوته بجلب المسار في الدين والدنيا والآخرة في نظير ما ~~اجتلب من فعل الأوامر. # ولما كان أحلى الهبات ما جاء من مكان لا يرجى قال: {من حيث لا يحتسب} أي ~~لا يقوى رجاؤه له، ولما أكد في هذا وأعظم الوعد لأنه وإن ms5201 كان عاما لكل متق ~~فتعلقه بما تقدم أقوى والنظر فيما تقدم إلى حقوق العباد أكثر، والمضايقة ~~فيها أشد، والدواعي إليها أبلغ، فالاتقاء فيه بعدم الطلاق في الحيض ~~والإضرار بالمرأة بتطويل العدة # PageV20P151 # أو الإخراج من المسكن وكتمان الشهادة والعسر في أدائها والإخلال بشيء ~~منها والتأكيد والإبلاغ في الوعد لأجل ما جبل عليه الإنسان من القلق في ~~أموره، عطف على ذلك قوله: {ومن يتوكل} أي يسند أموره كلها ويفوضها معتمدا ~~فيها {على الله} أي الملك الذي بيده كل شيء ولا كفوء له فقد جمع الأركان ~~الثلاثة التي لا يصلح التوكيل إلا بها، وهي العلم المحيط لئلا يدلس عليه، ~~والقدرة التامة لئلا يعجز، والرحمة بالمتوكل والعناية به لئلا يحيف عليه، ~~والتوكل يكون مع مباشرة الأسباب وهو من المقامات العظيمة وإلا كان اتكالا، ~~وليس بمقام بل خسة همة وعدم مروءة، لأنه إبطال حكمة الله التي أحكمها في ~~الدنيا من ترتيب المسببات على الأسباب - قاله الملوي {فهو} أي الله في غيب ~~غيبه فضلا عن الشهادة بسبب توكله {حسبه} أي كافيه، وحذف المتعلق للتعميم، ~~وحرف الاستعلاء للاشارة إلى أنه قد حمل أموره كلها عليه سبحانه لأنه القوي ~~الذي لا يعصيه شيء، والكريم الذي يحسن حمل ذلك ورعيه، والعزيز الذي يدفع ~~عنه كل ضار ويجلب له كل سار، إلى غير ذلك من المعاني الكبار، فلا يبدو له ~~في عالم الشهادة شيء يشقيه لا من الغيب ولا من غيب الغيب، وفي الحديث # «لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا ~~وتروح # PageV20P152 # بطانا» . # ولما كان ذلك أمرا لا يكاد يحيط به الوهم، علله بقوله مهولا له بالتأكيد ~~والإظهار في موضع الإضمار: {إن الله} أي المحيط بكل كمال المنزه عن كل ~~شائبة نقص {بالغ أمره} أي جميع ما يريده فلا بد من نفوذه سواء حصل توكل أم ~~لا، وسماه أمرا إشارة إلى أنه مما يستحق أن يؤمر به وإلى أنه في سرعة الكون ~~إذا أريد لم يتخلف بوجه بل يكون كالمؤتمر الحقير للملك الجليل الكبير. ms5202 # ولما كان ضرب المقادير من القادر موجبا لعدم الإخلال بشيء منها، علل ذلك ~~بما اقتضى تحتم الوعد والتوكل فقال: {قد جعل الله} أي الملك الذي لا كفوء ~~له ولا معقب لحكمه جعلا مطلقا من غير تقيد بجهة ولا حيثية {لكل شيء قدرا *} ~~أي تقديرا لا يتعداه في مقداره وزمانه ومكانه وجميع عوارضه وأحواله وإن ~~اجتهد جميع الخلائق في أن يتعداه، فمن توكل استفاد الأجر وخفف عنه الألم، ~~وقذف في قلبه السكينة، ومن لم يتوكل لم ينفعه ذلك، وزاد ألمه وطال غمه بشدة ~~سعيه وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجحة، فمن رضي فله الرضى ومن سخط ~~فله السخط، جف القلم فلا يزاد في المقادير شيء ولا ينقص # PageV20P153 # منها شيء، ويحكى أن رجلا أتى عمر رضي الله عنه فقال: أولني مما أولاك ~~الله فقال: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قال: إنا لا نولي من لا يقرأ القرآن، ~~فانصرف الرجل واجتهد حتى تعلم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيوليه، فلما ~~تعلم القرآن تخلف عن عمر فرآه ذات يوم فقال: يا هذا! أهجرتنا، فقال: يا ~~أمير المؤمنين! لست ممن يهجر؟ ولكني تعلمت القرآن فأغناني الله عن عمر وعن ~~باب عمر، قال: أي آية أغنتك؟ قال: قوله تعالى: # {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويزرقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2 و3] ~~انتهى. ومن توكل على غيره سبحانه وتعالى ضاع لأنه لا يعلم المصالح وإن ~~علمها لم يعلم أين هي، وإن علم لم يعلم متى يستعملها وإن علم لم يعلم كم ~~المقدار المستعمل، وإن علم لم يعلم كيف يستعملها وهو سبحانه المنفرد بعلم ~~ذلك كله وما لا يعلمه حق علمه غيره، والآية تفهم أن من لم يتق الله يقتر ~~عليه، وهو موافق لما روى ابن حبان في صحيحه والحاكم واللفظ له - وقال: صحيح ~~الإسناد - عن ثوبان رضي الله عنه قال: # PageV20P154 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في ~~العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» ms5203 وتفهم أن من لم يتوكل ~~لم يكف شيئا من الأشياء. # PageV20P155 # ولما وسط بين العدد هذه الجمل الواعظة دلالة على عظمتها حثا على امتثالها ~~والمبادرة إليها، وختم بالتقدير، أتبع ذلك بيان مقادير العدد على وجه أبان ~~أن الكلام الماضي كان في الحوائض الرجعيات فقال: {واللائي يئسن} أي من ~~المطلقات {من المحيض} أي الحيض وزمانه لوصولها إلى سن يجاوز القدر الذي ~~ترجو فيه النساء الحيض فصارت بحيث لا ترجوه، وذلك السن خمس وخمسون سنة أو ~~ستون سنة، وقيل: سبعون وهن القواعد، وأما من انقطع حيضها في زمن ترجو فيه ~~الحيض فإنها تنتظر سن اليأس. # ولما كان هذا الحكم خاصا بأزواج المسلمين لحرمة فرشهم وحفظ أنسابهم قال: ~~{من نسائكم} أي أيها المسلمون سواء كن مسلمات أو من أهل الكتاب، ولما كان ~~الموجب للعدة إنما هو الدخول لا مجرد الطلاق قال: {إن ارتبتم} بأن أجلتم ~~النظر في أمرهن، فأداكم إلى ريب في هل هن حاملات أم لا، وذلك بالدخول عليهن ~~الذي هو # PageV20P155 # سبب الريب بالحمل في الجملة {فعدتهن ثلاثة أشهر} كل شهر يقوم مقام حيضة ~~لأن أغلب عوائد النساء أن يكون كل قرء في شهر. # ولما أتم قسمي ذوات الحيض إشارة وعبارة قال: {واللائي لم يحضن} أي لصغرهن ~~أو لأنهن لا حيض لهن أصلا وإن كن بالغات فعدتهن ثلاثة أشهر أيضا، وهذا مشير ~~إلى أن أولات الحيض بائنات كن أو لا عدتهن ثلاثة قروء كما تقدم في البقرة ~~لأن هذه الأشهر عوض عنها، فأما أن يكون القرء - وهو الطهر - بين حيضتين، أو ~~بين الطلاق والحيض، وهذا كله في المطلقة، وأما المتوفى عنها زوجها فأربعة ~~أشهر وعشرا كما في البقرة. # ولما فرغ من آئسات الحوامل أتبعه ذكر الحوامل فقال: {وأولات الأحمال} أي ~~من جميع الزوجات المسلمات والكفار المطلقات على كل حال والمتوفى عنهن إذا ~~كان حملهن من الزوج مسلما كان أو لا {أجلهن} أي لمنتهى العدة سواء كان لهن ~~مع الحمل حيض أم لا {أن يضعن} ولما كان توحيد الحمل لا ينشأ عنه لبس، وكان ms5204 ~~الجمع ربما أوهم أنه لا تحل واحدة منهن حتى يضع جمعا قال: # PageV20P156 # {حملهن} وهذا على عمومه مخصص لآية {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ~~[البقرة: 234] لأن المحافظة على عمومه أولى من المحافظة على عموم ذلك في ~~قوله: {أزواجا} لأن عموم هذه بالذات لأن الموصول من صيغ العموم، وعموم ~~{أزواجا} بالعرض لأنه بدلي لا يصلح لتناول جميع الأزواج في حال واحد، ~~والحكم معلل هنا بوصف الحملية بخلاف ذاك ولأن سبيعة بنت الحارث وضعت حملها ~~بعد وفاة زوجها بليال، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج، ولأن ~~هذه الآية متأخرة النزول عن آية البقرة، فتقديمها على تلك تخصيص، وتقديم ~~تلك في العمل بعمومها رفع لما في الخاص من الحكم فهو نسخ والأول هو الراجح ~~للوفاق عليه، فإن كان الحمل من زنا أو شبهة فلا حرمة له، والعدة بالحيض. # ولما كانت أمور النساء في المعاشرة والمفارقة من المعاسرة والمياسرة في ~~غاية المشقة، فلا يحمل على العدل فيها والعفة إلا خوف الله، كرر تلميعا ~~بالحث على التقوى إشارة إلى ذلك وترغيبا في لزوم ما حده سبحانه، فقال عاطفا ~~على ما تقديره: فمن لم يحفظ هذه الحدود عسر الله عليه أموره: {ومن يتق ~~الله} أي يوجد الخوف من الملك الأعظم إيجادا مستمرا ليجعل بينه وبين سخطه ~~وقاية من طاعاته اجتلابا للمأمور واجتنابا للمنهي {يجعل له} أي يوجد إيجادا ~~مستمرا باستمرار # PageV20P157 # التقوى «إن الله لا يمل حتى تملوا» {من أمره} أي كله في النكاح وغيره ~~{يسرا *} أي سهولة وفرجا وخيرا في الدارين بالدفع والنفع، وذلك أعظم من ~~مطلق المخرج المتقدم في الآية الأولى. # ولما كان تكرير الحث على التقوى للسؤال عن سببه، استأنف قوله كالتعليل ~~له: {ذلك} أي الأمر المذكور من جميع هذه الأحكام العالية المراتب {أمر ~~الله} أي الملك الأعلى الذي له الكمال كله، ونبه على علو رتبة الأمر بقوله: ~~{أنزله إليكم} ولما كان التقدير: فمن أباه هوى في مهاوي المهلكات إلى أسفل ~~سافلين، عطف عليه قوله: {ومن يتق الله} أي الذي لا أمر ms5205 لأحد معه بالاجتلاب ~~والاجتناب، ولما كان الإنسان محل العجز والنقصان، أنسه بأنه إذا وقع منه ~~زلل فراجعه بالتقوى لطف به فيه جزاء على تقواه بالدفع والنفع فقال: {يكفر} ~~أي يغطي تغطية عظيمة ويستر ويغيب ويسقط {عنه} جميع {سيئاته} ليتخلى عن ~~المبعدات فإن الحسنات يذهبن السيئات. ولما كان الكريم لا يرضى لمن أقبل ~~إليه بالعفو فقط قال: {ويعظم له أجرا *} بأن يبدل سيئاته حسنات ويوفيه ~~أجرها في الدارين مضاعفا فيتحلى بالمقربات، وهذا أعظم من مطلق اليسر ~~المتقدم. ولما قدم التكفير وأتبعه الأجر الكبير، وكان قد تقدم إيجاب ترك ~~المطلقة في منزل الطلاق # PageV20P158 # وأذن في إخراجها عند الفاحشة المبينة، وكان ربما كان منزل الطلاق ~~مستعارا، وكان مما لا يليق بالزوج، وكان ربما نزل الكلام السابق عليه، ~~استأنف البيان له بما لا يحتمل لبسا فقال آمرا بعد ذلك النهي على وجه مشير ~~بسابقه ولاحقه إلى الحلم عنهن فيما يمكن الحلم فيه حفظا للقلوب وإبعادا ~~للشقاق بعد الإيحاش بالطلاق لئلا يعظم الكسر والوحشة: {أسكنوهن} أي هؤلاء ~~المفارقات في العدة إن كن مطلقات حاملات كن أو لا مبتوتات كن أو رجعيات ~~بخلاف ما كان من العدة عن وفاة بغير حمل أو كان عن شبهة أو فسخ. # ولما كان المراد مسكنا يليق بها وإن كان بعض مسكن الرجل، إدخل أداة ~~التبعيض فقال: {من حيث سكنتم} أي من أماكن سكناكم لتكون قريبة منكم ليسهل ~~تفقدكم لها للحفظ وقضاء الحاجات. # ولما كان الإنسان ربما سكن في ماضي الزمان ما لا يقدر عليه الآن قال ~~مبينا للمسكن المأمور به مبقيا للمواددة بعدم التكليف بما يشق: {من وجدكم} ~~أي سعتكم وطاقتكم بإجارة أو ملك أو إعارة حتى تنقضي العدة بحمل كانت أو ~~غيره. ولما كان الإسكان قد يكون مع الشنآن قال: {ولا تضاروهن} أي حال ~~السكنى في المسكن ولا في غيره. ولما # PageV20P159 # كانت المضارة قد يكون لمقصد حسن بأن يكون تأديبا لأمر بمعروف ليتوصل ~~بصورة شر قليل ظاهر إلى خير كثير قال: {لتضيقوا} أي تضييقا بالغا لا شبهة ~~في كونه ms5206 كذلك مستعليا {عليهن} حتى يلجئهن ذلك إلى الخروج. ولما كانت النفقة ~~واجبة للرجعية، وكانت عدتها تارة بالأقراء وتارة بالأشهر وتارة بالحمل، ~~وكان ربما توهم أن ما بعد الثلاثة الأشهر من مدة الحمل للرجعية وجميع المدة ~~لغيرها لا يجب الإنفاق فيه قال: {وإن كن} أي المعتدات {أولات حمل} أي من ~~الأزواج كيف ما كانت العدة من موت أو طلاق بائن أو رجعي {فأنفقوا عليهن} ~~وإن مضت الأشهر {حتى يضعن حملهن} فإن العلة الاعتداد بالحمل، وهذه الشرطية ~~تدل على اختصاص الحوامل من بين المعتدات البوائن بوجوب النفقة. # ولما غيى سبحانه وجوب الإنفاق بالوضع، وكانت قد تريد إرضاع ولدها، وكان ~~اشتغالها بإرضاعه يفوت عليها كثيرا من مقاصدها ويكسرها، جبرها بأن قال حاثا ~~على مكافأة الأخوان على الإحسان مشيرا بأداة الشك إلى أنه لا يجيب عليها ~~الإرضاع: {فإن أرضعن} وبين أن النسب للرجال بقوله تعالى: {لكم} أي بأجرة ~~بعد انقطاع علقة النكاح {فآتوهن أجورهن} على ذلك الإرضاع. ولما كان ما ~~يتعلق بالنساء # PageV20P160 # من مثل ذلك موضع المشاجرة لا سيما أمر الرضاع، وكان الخطر في أمره شديدا، ~~وكان الله تعالى قد رحم هذه الأمة بأنه يحرك لكل متشاححين من يأمرهما بخير ~~لا سيما في أمر الولد رحمة له قال مشيرا إلى ذلك: {وأتمروا} أي ليأمر بعضكم ~~بعضا في الإرضاع والأجر فيه وغير ذلك وليقبل بعضكم أمر بعض، وزادهم رغبة في ~~ذلك بقوله: {بينكم} أي إن هذا الخير لا يعدوكم، وأكد ذلك بقوله: {بمعروف} ~~ونكره سبحانه تحقيقا على الأمة بالرضى بالمستطاع، وهو يكون مع الخلق ~~بالإنصاف، ومع النفس بالخلاف، ومع الحق بالاعتراف. # ولما كان ذلك موجبا للمياسرة، وكان قد يوجد في الناس من الغالب عليه ~~الشر، قال مشيرا بالتعبير بأداة الشك إلى أن ذلك وإن وجد فهو قليل عاطفا ~~على ما تقديره فإن تياسرتم فهو حظكم وأنتم جديرون بسماع هذا الوعد بذلك: ~~{وإن تعاسرتم} أي طلب كل منكم ما يعسر على الآخر بأن طلبت المرأة الأجرة ~~وطلب الزوج إرضاعها مجانا فليس له أن يكرهها. # ولما كان ms5207 سبحانه قد تكفل بأرزاق عباده وقدرها قبل إيجادهم. قال مخبرا ~~جبرا للأب بما يصلح عتابا للأم: {فسترضع} # PageV20P161 # أي بوعد لا خلف فيه، وصرف الخطاب إلى الغيبة إيذانا بأن الأب ترك الأولى ~~فيما هو جدير به من المياسرة لكونه حقيقا بأن يكون أوسع بطانا وأعظم شأنا ~~من أن يضيق عما ترضى به المرأة استنانا به صلى الله عليه وسلم في أنه ما ~~خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطعية رحم فقال: {له} ~~أي الأب {أخرى *} أي مرضعة غير الأم ويغني الله عنها وليس له إكرهها إلا ~~إذا لم يقبل ثدي غيرها، وهذا الحكم لا يختص بالمطلقة بل المنكوحة كذلك. # PageV20P162 # ولما كانت المعاسرة في الغالب في ترك السماح، وكان ترك السماح من خوف ~~الإعدام، نبه سبحانه على أن ذلك ليس بعذر بتقسيم الناس إلى موسع عليه ~~وغيره، ولأن الأليق بالموسع عليه أن يوسع ولا يسيء الظن بربه وقد جرب رفده، ~~وأن المقتر عليه لا ينبغي أن يفعل فعل من يخاف أن يخلف وعده، فقال شارحا ~~للمياسرة: {لينفق ذو سعة} أي مال واسع ولم يكلفه سبحانه جميع وسعه بل قال: ~~{من سعته} التي أوسعها الله عليه. ولما كان الإعطاء من غير تقدير ملزوما ~~للسعة، كان التقدير كناية عن الضيق فقال: {ومن قدر} أي ضيق وسكنت عليه ~~حركته ورقدت عنه معيشته {عليه رزقه} بأن جعله الله الذي لا يقدر على ~~التضييق والتوسيع غيره بقدر ضرورياته فقط من غير # PageV20P162 # وسع لشيء غيرها لأمر من الأمور التي يظهر الله بها عجز العباد رحمة لهم ~~ليهذب به نفوسهم، وبناه للمفعول تعليما للأدب معه سبحانه وتعالى: {فلينفق} ~~أي وجوبا على المرضع وغيرها من كل ما أوجبه الله عليه أو ندبه إليه، وبشر ~~سبحانه وتعالى بأنه لا يخلي أحدا من شيء يقوم به ما دام حيا بقوله مشيرا ~~بالتبعيض إلى أن ما أوجبه سبحانه لا يستغرق ما وهبه: {مما آتاه الله} أي ~~الملك الذي لا ينفذ ما عنده ولا حد لجوده، ولو من رأس ms5208 المال ومتابع البيت ~~ومن ثمن الضيعة إن لم يكن له من الغلة لأنه سبحانه قد ضمن الإخلاف، ومن ملك ~~ما يكفيه للوقت ثم اهتم للزيادة للغد فذلك اهتمام غير مرحوم، وصاحبه غير ~~معان، وفي هذا إرشاد إلى الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في عدم التكلف ~~واليسر في كل أمر على حسب الأوقات. # ولما كان تعالى له التكليف بما لا يطاق، أخبر بأنه رحم العباد بأنه لا ~~يفعله، فقال معللا أو مستأنفا جوابا لمن يقول: فما يفعل من لم يكن له موجود ~~أصلا، محببا في دينه صلى الله عليه وسلم مما فيه من اليسر: {لا يكلف الله} ~~أي الذي له الكمال بأوصاف الرحمة والإنعام علينا بالتخفيف {نفسا} أي نفس ~~كانت {إلا ما آتاها} وربما أفهم، أن من كلف إنفاقا وجد من فضل ما عنده ما ~~يسده من الأثاث الفاضل # PageV20P163 # عن سد جوعته وستر عورته. # ولما كان التذكير بالإعدام ربما أوجع، قال تعالى جابرا له وتطبيبا لقلبه ~~نادبا إلى الإيمان بالغيب: {سيجعل الله} أي الملك الذي له الكمال كله فلا ~~خلف لوعده، ونزع الجار زيادة في الخبر فقال: {بعد عسر} أي من الأمور التي ~~تعسرت لا أنه يجعل ذلك بعد كل عسر {يسرا *} أي لا بد من ذلك ولا يوجد أحد ~~يستمر التقتير عليه طول عمره في جميع أحواله، قال القشيري: وانتظار اليسر ~~من الله صفة المتوسطين في الأحوال الذين انحطوا عن درجة الرضى واستواء وجود ~~السبب وفقده وارتقوا عن حد اليأس والقنوط ويعيشون في أفناء الرجاء ويتعللون ~~بحسن المواعيد - انتهى. ولقد صدق الله وعده فيمن كانوا موجودين حين نزول ~~الآية، ففتح عليهم جميع جزيرة العرب ثم فارس والروم وانتثلوا كنوزها حتى ~~صاروا أغنى الناس، وصدق الآية دائم غير أنه كان في الصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم أبين لأن إيمانهم أتم. # PageV20P164 # ولما كان الأمر قد بلغ النهاية في الأحكام والمواعظ والترغيب لمن أطاع، ~~فلم يبق إلا التهديد لمن عصى بما شوهد من المثلات وبالغ # PageV20P164 # العقوبات، فإن من الناس البليد الذي لا ms5209 يتعظ بما يرى، وكان التقدير: فكأي ~~من ناس كانوا في غاية الضيق فأطاعوا أوامرنا فجعلناهم في غاية السعة بل ~~جعلناهم ملوكا، عطف عليه تزهيدا في الرفاهية بأنها تطغى في الأغلب، وتهديدا ~~لأهل المعاصي قوله مفيدا لكثرة القرى الخارجة عن الحد: {وكأين من قرية} أي ~~مدينة كبيرة جامعة، عبر عن أهلها بها مبالغة {عتت} أي استكبرت وجاوزت الحد ~~في عصيانها وطغيانها فأعرضت عنادا {عن أمر ربها} أي الذي أحسن إليها ولا ~~محسن إليها غيره بكثرة الرزق وطيب العيش واللطف في التربية والرحمة بعد ~~الإيجاد والملك {ورسله} فلم يقبل منهم ما جاؤوها به عن الله، فإن طاعتهم من ~~طاعة الله. # ولما كانت محاسبة مثل هؤلاء للإهلاك لأن الحساب هو ذكر الأعمال والمجازاة ~~عليها بما يحق لكل منها، قال ملتفتا إلى مقام التكلم في مظهر العظمة: ~~{فحاسبناها} أي فتسبب عن عدم شكرهم للإحسان أن أحصينا أعمالها. ولما كان ~~ذلك على وجه المناقشة على النقير والقطمير بالمجازاة على كل فعل بما يليق ~~به قال: {حسابا شديدا} بمعناه المطابقي من ذكر الأعمال كلها والمجازاة ~~عليها، وهذا هو # PageV20P165 # المناقشة وهي أن العامل إذا أثر أثرا بعمله هو كالنقش في الجامد أثر ~~المجازي له فيه أثرا بحسب عمله على سبيل الاستقصاء، وأما الحساب اليسير فهو ~~عرض الأعمال فقط من غير جزاء على قبيحها فهو دلالة تضمن، وإنما شدد على هذه ~~القرية لأن إعراضها كان كذلك بما نبه عليه تسميته عتوا {وعذبناها} أي في ~~الدنيا جزاء على ما أحصيناه من ذنوبها {عذابا نكرا *} أي شديد النكارة لأن ~~العقل يحير في أمره لأنه لم ير مثله ولا قريبا منه ليعتبره به، وأزال ذكر ~~الكثرة شبهة أن يكون الإهلاك وقع اتفاقا في وقت من الأوقات {فذاقت} بسبب ~~ذلك بعد ما كان لها من الكثرة والقوة {وبال} أي وخامة وعقوبة وشدة وثقل ~~وفساد {أمرها} أي في العتو وجميع ما كانت تأتمر فيه، مثله بالمرعى الوخيم ~~الذي يمرض ويهلك. ولما كان كل مقهور إنما يسلي نفسه بانتظار الفرج ورجاء ~~العاقبة، أيأس من ms5210 ذلك مذكرا للفعل إشارة إلى الشدة بقوله: {وكان عاقبة} أي ~~آخر ومنتهى وعقيب {أمرها} أي في جميع عملها الذي كانت # PageV20P166 # فيه {خسرا *} أي نفس الخسر في الدارين، فكلما امتد الأمر وجدوه أمامهم ~~فإن من زرع الشوك كما قال القشيري لا يجني الورد، ومن أضاع حق الله لا يطاع ~~في حظ نفسه، ومن احترق بمخالفة أمر الله تعالى فليصبر على مقاساة عقوبة ~~الله تعالى، ثم فسر الخسر أو استأنف الجواب لمن يقول: هل لها غير هذا في ~~هذه الدار، بقوله: {أعد الله} أي الملك الأعظم {لهم} بعد الموت وبعد البعث ~~{عذابا شديدا} . # ولما تمت الأحكام ودلائلها، وأحكمت الآيات وفواصلها، والتهديدات ~~وغوائلها، كانت فذلكتها وثمرة سياقها وموعظتها ما تسبب عن ذلك من قوله ~~تعالى تنبيها على ما يحيي الحياة الطيبة وينجي في الدارين: {فاتقوا الله} ~~أي الذي له الأمر كله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. # ولما كان في تخليص المواعظ من الأحكام واستثمارها من فواصل هذا الكلام ~~أمر عظيم هو من الرقة بمكان لا يبصره إلا ذوو الأفهام قال تعالى: {يا أولي ~~الألباب *} أي العقول الصافية النافذة من الظواهر إلى البواطن {الذين ~~آمنوا} أي خلصوا من دائرة الشرك وأوجدوا # PageV20P167 # الإيمان حقيقة، ثم علل هذا الأمر بما أزال العذر فقال تنبيها على ما من ~~علينا به من المراسلة فإن مراسلات فإن مراسلات الأكابر فخر فكيف بمراسلات ~~الملوك فكيف بمراسلة ملك الملوك حثا بذلك على شكره: {قد أنزل الله} أي الذي ~~له صفات الكمال {إليكم} خاصة {ذكرا *} أي كاملا مذكورا فيه غاية الشرف لكل ~~من يقبله بل تشرفت الأرض كلها بنزوله ورفع عنها العذاب وعمها النور والصواب ~~لأن فيه تبيان كل شيء، فمن استضاء بنوره اهتدى، ومن لجأ إلى برد أفنائه وصل ~~من داء الجهل إلى شفائه. # PageV20P168 # ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم صورة سورة القرآن، فالقرآن باطنه وهو ~~ظاهره لأنه خلقه لا قول له ولا فعل إلا به، فكان كأنه هو، أبدل منه قوله: ~~{رسولا} على أن الأمر فيه غي عن تأويل، فإن ms5211 الذكر بكسر الذال في اللغة كما ~~في القاموس من الرجال القوي الشجاع الأبي، ثم بين كونه ذكرا بقوله: {يتلوا} ~~أي يتابع أن يقص {عليكم آيات الله} أي دلائل الملك الأعظم ذي الجلال ~~والإكرام الظاهر جدا حال كونها {مبينات} أي لا لبس فيها بوجه. # PageV20P168 # ولما تبين أن الذكر والرسول صارا شيئا واحدا، وعلم ما في هذه المراسلة من ~~الشرف، أتبع ذلك بيان شرف آخر ببيان ثمرة إنزاله فقال: {ليخرج الذين آمنوا} ~~أي أقروا بالشهادتين {وعملوا} تصيدقا لما قالوه بألسنتهم وتحقيقا لأنه من ~~قلوبهم {الصالحات} من الأعمال {من الظلمات} أي النفسانية والأخلاق الرذيلة ~~المؤدية إلى ظلمة الجوارح بعملها الظلم وانتشارها في السبل الشيطانية {إلى ~~النور} الروحاني العقيلي الخالص الذي لا دنس فيه بسلوك صراط الله الذي هو ~~واحد لا شتات فيه وبين لا لبس فيه {وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل} [الأنعام: 153] كما بادروا إلى إخراج أنفسهم من ظلمات الكفر ~~إلى نور الإيمان، ومن فساد الأعمال الصالحة إلى سداد الأعمال الصالحة، وذلك ~~بأن يصيرهم متخلقين بالقرآن ليكونوا مظهرا له في حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم ~~وأفعالهم فيكونوا ذكرا. # ولما كان التقدير: فمن آمن بالله وعمل صالحا شاهد بركات ذلك في نفسه ~~عاجلا، عطف عليه بيانا لسعادة الآجلة قوله تعالى: # PageV20P169 # {ومن يؤمن بالله} أي يجدد في كل وقت على الدوام الإيمان بالملك الأعلى ~~بأن لا يزال في ترق في معارج معارفه {ويعمل} على التجديد المستمر {صالحا} ~~لله وفي الله فله دوام النعماء، وهو معنى إدخاله الجنة، ولما كان قد تقدم ~~قريبا في آية التقوى أنه يكفر عنه سيئاته، قال شارحا لقوله: {ويعظم له ~~أجرا} [الطلاق: 5] : {يدخله} أي عاجلا مجازا بما يتيح له من لذات العرفان ~~ويفتح له من الأنس آجلا حقيقة {جنات} أي بساتين هي في غاية ما يكون من جمع ~~جميع الأشجار وحسن الدار، وبين دوام ريها بقوله: {تجري} وبين انكشاف كثير ~~من أرضها بقوله: {من تحتها} أي تحت غرفها {الأنهار} أو هو كناية عن أن ~~أرضها في غاية الري بحيث إن ms5212 ساكنها يجري في أي موضع أراد نهرا، وإلى زيادة ~~عظمتها أشارت قراءة نافع وابن عامر بنون العظمة. # ولما أفرد الشرط والجزاء إجراء على لفظ «من» إشارة إلى أنه لا يشترط في ~~الإيمان ولا في جزائه مشاركة أحد، وأنه لا توقف للقبول على شيء غير الوصف ~~المذكور، جمع الحال بشارة # PageV20P170 # بأن الداخلين كثير، وأن الداخل إلى دار الكرامة لا يحصل له هوان بعد ذلك ~~أصلا فقال: {خالدين فيها} وأكد معنى الخلود ليفهم الدوام بلا انقضاء فقال: ~~{أبدا} ولما أعلم أن الخلود لكل الداخلين إلى الجنة رجع إلى الأسلوب الأول ~~تنصيصا على كل فرد إبلاغا في عظمة هذا الجزاء بقوله نتيجة لذلك، منبها على ~~أن هذه النتيجة من حقها أن يتوقع قولها من كل من سمع هذه البشرى: {قد أحسن ~~الله} أي الملك الأعلى ذو الجلال والإكرام {له} أي خاصة {رزقا *} أي عظيما ~~عجيبا، قال القشيري: الرزق الحسن ما كان على حد الكفاية لا نقصان فيه يتعطل ~~عن أموره بسببه ولا زيادة تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه، كذلك أرزاق ~~القلوب أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يستقل بها عن غير نقصان ولا يتعذب ~~بتعطشه ولا يكون زيادة فيكون على خطر من مغاليط لا يخرج منها إلا بتأييد من ~~الله سماوي. # ولم تقدم أن فائدة الذكر النقل من خلق إلى خلق، وكان من المعلوم أن تحويل ~~جبل من مكانه أيسر من تحويل شخص عن خلقه وشأنه، وتقدم أن أجر المجاهدة في ~~ذلك الجنات الموصوفة، وكان ذلك يحتاج إلى قدرة تامة، دل على قدرته سبحانه ~~عليه بقوله: {الله} أي الذي له جميع صفات الكمال التي القدرة الشاملة # PageV20P171 # إحداها، ثم أخبر عنه بما يدل على ذلك لأن الصنعة تدل على الصانع وعلى ما ~~له من الصفات فقال: {الذي خلق} أي أوجد وحده من العدم بقدرته على وفق ما ~~دبر بعلمه على هذا المنوال البديع القريب {سبع سماوات} أي وإنهم يشاهدون ~~عظمة ذلك ويشهدون أنه لا يقدر عليه إلا تام العلم كامل القدرة، ثم ms5213 زاد على ~~ذلك ما أنتم أعرف به فقال: {ومن الأرض مثلهن} أي سبعا كما دل عليه حديث ~~سعيد بن زيد وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين «من أخذ شبرا من ~~الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين» ولفظ ابن عمر رضي الله عنهما: خسف به ~~يوم القيامة إلى سبع أرضين، وقد تقدم في سورة السجدة ما ينفع في ذلك، ~~وظاهره يدل على أنها كما هي مثلها في العدد فهي مثلها في الكرية وإحاطة كل ~~واحدة منها بالتي تحتها، وأن التي نحن عليها هي السابعة العليا كالسماء ~~السابعة التي سقفها الكرسي لأن ذلك أدل على ما السياق له من تمام العلم ~~وشمول القدرة في الاستدلال عليه بقوله: {يتنزل} أي بالتدريج {الأمر} أي ~~الذي يجود به الرحمن من التدبير من # PageV20P172 # أمر الدين والتكوين من العرش والكرسي {بينهن} بالوحي من السماء السابعة ~~العليا إلى الأرض السابعة السفلى وأنتم ترونهن بلا فروج فأنفذ بينهن حتى ~~نفذ فيهن، وذلك - والله أعلم - هو ما يريد من عظيم تدبيره بإنزال الكتب ~~وإرسال الرسل وإثبات شريعة ومحو أخرى وتوجيه الأسباب إلى المسببات من المطر ~~والنبات والليل والنهار والفصول وخلق الحيوانات والمعادن وسائر النباتات، ~~وترديد الملائكة بسائر المصنوعات، هذا ما دل عليه ظواهر الكتاب والسنة، ~~وأولها بعضهم بأنها سبعة أقاليم، وهو مردود بعد القاعدة في أن التأويل بغير ~~دليل لعب بما يأتي من صريح الحديث النبوي والكلام الضابط فيما يؤول وما لا ~~يؤول أن النقليات أربعة أقسام: قطعي السند والدلالة، ظنيهما، ظني السند ~~قطعي الدلالة، عكسه: قطعي السند ظني الدلالة، فالأول يجب اعتقاد ظاهره، ومن ~~خالفه كفر، والبقية يجب اعتقاد ظواهرها ما لم تعارض، فإن عورضت بقطعي وجب ~~العدول عن الظاهر إجماعا، فمن اعتقده كفر، ثم للناس بعد ذلك مذهبان: أما ~~السلف فيفوضون المراد إلى الله تعالى، وأما الخلف فإن كان لذلك محمل واحد ~~عينوه، وإن كان ثم محامل سردوها ولم يعينوا شيئا منها مع اعترافهم بأنهم ~~ليسوا على قطع من أن المراد شيء مما ذكروه، ms5214 وإنما هو شيء يليق بالمقام ~~والعلم عند الله وبأن طريق السلف أقرب وأسلم وبأنه # PageV20P173 # ما حملهم على التأويل إلا انتشار المبتدعين وإشهارهم بدعتهم بين الناس، ~~قال الإمام علاء الدين القونوي رحمه الله تعالى في باب السير من شرحه ~~الحاوي: قال الإمام - يعني إمام الحرمين: ولو بقي الناس على ما كانوا عليه ~~من صفوة الإسلام لما أوجبنا التشاغل بعلم الكلام بل ربما نهينا عنه، وأما ~~الآن وقد ثارت البدع فلا سبيل إلى تركها تلتطم أمواجها فلا بد من إعداد ما ~~يدعى به إلى المسلك الحق وتحل به الشبه، فصار الاشتغال بأدلة المعقول وحل ~~الشبه من فروض الكفايات، ومن استراب في أصل من أصول الاعتقاد فعليه السعي ~~في إزاحته إلى أن يستقيم عقده - انتهى. # ثم إنك تجد العلماء يختلفون في بعض الأدلة فبعضهم يجريها على الظاهر ~~وبعضهم يؤول، وذلك للاختلاف في المعارض هل هو قطعي الدلالة أم لا، وهذا ~~الموضع منه، لإن ظواهر الكتاب والسنة تدل على أن الأرضين مثل السماوات في ~~العدد في أن بينهما خلاء، وفي أن في كل واحدة مخلوقات لا يعلمها إلا الله، ~~بل بعض الأخبار يكاد يقطع به في ذلك، ولكنه لم يخرج عن أن يكون ظنيا فأكثر ~~العلماء ومحققوهم على أن المعارض - وهو ما قاله # PageV20P174 # أهل علم الهيئة من الأدلة على كونها واحدة - ليس بقطعي، فأولوا كونها ~~سبعة بالأقاليم السبعة، وقد رأيت في التعدد حقيقة حديثا صريحا لكن لا أدري ~~حاله، ذكره ابن برجان في اسمه تعالى الملك من شرحه للأسماء الحسنى قال: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما تحت هذه الأرض، قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: ماء، أتدرون ما تحت ذلك، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال ~~هواء، أتدرون ما تحت ذلك: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: أرض، أتدرون ما تحت ~~ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم - حتى عد سبع أرضين» # ثم رأيته في الترمذي عن أبي رزين العقيلي ولفظه: «هل تدرون ما الذي ~~تحتكم، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها الأرض، ثم قال: ms5215 هل تدرون ما تحت ~~ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن تحتها أرضا أخرى بينهما خمسمائة سنة ~~- حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة» ثم رأيت في الفردوس عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بين السماء إلى ~~السماء مسيرة خمسمائة عام، وعرض كل سماء وثخانة كل سماء خمسمائة عام، وما ~~بين السماء السابعة وبين الكرسي # PageV20P175 # والعرش مثل ذلك، وما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، والأرضون ~~وعرضهن وثخانتهن مثل ذلك» . # ولما ذكر سبحانه الصنعة تنبيها على التفكر فيها والاعتبار بها، ذكر أن ~~ثمرتها العلم بصفاته بعد العجز عن إحاطة العلم عقب ذاته تعالى فقال: ~~{لتعلموا} أي بهذا العالم الذي أوجده بتسوية كل واحد من القبيلين سبعا كل ~~واحدة بينها وبين الأخرى مسافة بعيدة مع الكثافة الزائدة وأنتم تعلمون أنه ~~لا يفصل الجسم ولا سيما الكثيف عن آخر مثله إلا فاصل قاهر بقوة باهرة وقدرة ~~ظاهرة وعلم شامل لما يحتاج إليه ذلك، فكيف إذا كان على هذا المنهاج البديع ~~والوجه المنيع على مر الدهور والأحقاب وتعاقب الشهور والأعوام على حساب ~~معلوم ونظام منظوم، لا يدركه إلا أعلى الناس حسابا وأعظمهم صوابا، مع ~~المنافع التي تفضل عن سكانها، والمرافق التي تنزه الخالق بآثارها وأعيانها، ~~وتوقظ الغافل وتنبه الجاهل وتدمغ المعاند ببرهانها، فإنه لا يسع أحدا ~~المنازعة في خلقه لها، ومن خلقها قدر على تدبيرها # PageV20P176 # على الوجه المذكور، ومن كان كذلك كان منزها عن الشريك قطعا، ومن كان كذلك ~~قدر على كل شيء فلذا قال: {أن الله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة كلها ~~{على كل شيء} أي من غير هذا العالم ممكن أن يدخل تحت المشيئة فإنه بمعنى ~~مفعول من عالم آخر مثل هذا العالم، وأبدع منه وأبدع من ذلك الإبداع إلى ما ~~لا نهاية له بالاستدلال بهذا العالم، فإن من قدر على إيجاد ذرة من العدم ~~قدر على إيجاد ما هو دونها ومثلها وفوقها إلى ما لا نهاية له لأنه ms5216 لا فرق ~~في ذلك بين قليل ولا كثير جليل أو حقير {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} ~~[الملك: 3] وإياك أن تلتفت إلى من قال: إنه ليس في الإمكان أبدع من هذا ~~العالم، فإنه مذهب فلسفي خبيث، والآية نص على إبطاله وإن نسبه بعض الملحدين ~~إلى الغزالي فإني لا أشك أنه مدسوس عليه فإنه مذهب فلسفي خبيث بشهادة ~~الغزالي كما بينت ذلك في كتابي «تهديم الأركان على من قال ليس في الإمكان ~~أبدع مما كان» وكتابي «دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع مما كان» ~~وكتابي «إطباق الأغلال في أعناق الضلال» ومع كونه مذهب # PageV20P177 # الفلاسفة أخذه أكفر المارقين ابن عربي وأودعه فصوصه وغير ذلك من كتبه ~~واستند فيه في بعضها إلى الغزالي إتقانا لمكره - أعاذنا الله من شره، ~~والغزالي بريء منه بشهادة ما وجد من عقائده في الإحياء وغيره {قدير *} أي ~~بالغ القدرة. # ولما كانت إحاطة العلم دالة على تمام القدرة وإليهما يرجع جميع الأسماء ~~والصفات قال: {قد أحاط} لتمام قدرته {بكل شيء} مطلقا، ولما أسند الإحاطة ~~إليه سبحانه تعظيما لها، بين جهتها بتمييز محول عن الفاعل فقال: {علما *} ~~فله الخبرة التامة بما يأمر به من الأحكام في العلم بمصالحه ومفاسده ~~فعاملوه معاملة من يعلم إحاطة علمه فيعلم أنه رقيب عليه فإذا طلقتم فافعلوا ~~ما أمركم به لتسلموا في الدين وتسعدوا في الآخرة والأولى، ودبروا في جميع ~~أموركم مثل ما دبر به أمركم في تربيتكم ومسكنكم أرضه وسقفه فإنه جعل فيه ~~جميع ما تحتاجونه وبسطه نواله على من يرضيه ومن يسخطه ونشر حلمه وفضله وأخر ~~بأسه وعدله فقد عائق أخرها أولها وبين مجملها ومفصلها والله يعلم بذات ~~الصدور. # PageV20P178 # سورة التحريم # مقصودها الحث على تقدير التدبير في الأدب مع الله ومع رسوله (صلى الله ~~عليه وسلم) ومع سائر العباد والندب إلى التخلق بالأدب الشرعي وحسن المباشرة ~~لا سيما للنساء اقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في حسن عشرته وكريم ~~صحبته وبيان ان الأ ب الشرعي تارة يكون باللين والأناة، وأخرى بالسوط ms5217 وما ~~داناه ومرة بالسيف وما والاه، وكل من اسميها التحريم والنبي (صلى الله عليه ~~وسلم) موضح لذلك) بسم الله (الذي له الكمال كله على الدوام) الرحمن (الذي ~~عم عباده بعظيم الإنعام) الرحيم (الذي أتم خواصه نعمة الإسلام. # PageV20P179 # لما ختم سبحانه الطلاق بإحاطة علمه وتنزل أمره بين الخافقين في تدبيره، ~~دل عليه أول هذه بإعلاء أمور الخلق بأمر وقع بين خير خلقه وبين نسائه ~~اللاتي من خير النساء واجتهد كل في إخفاء ما تعلق به منه فأظهره سبحانه ~~عتابا لأزواج نبيه صلى الله عليه وسلم في صورة عقابه لأنه أبلغ رفقا به ~~لأنه يكاد من شفقته أن يبخع نفسه الشريفة # PageV20P179 # رحمة لأمته تارة لطلب رضاهم وأخرى رغبة في هداهم، لأنه صلى الله عليه ~~وسلم بالغ في تهذيب أخلاقه مع ما طهره الله به من نزاهتها عن كل دنس حتى ~~ضيق عليها بالامتناع عن بعض ما أبيح له حفظا لخاطر الغير، فقال تعالى ~~مناديا له بأداة البعد وهو أقرب أهل الحضرة مع أنها معدة لما يكون ذا خطب ~~جليل ومعنى جسيم جليل، وفيها إيماء إلى تنبيه الغير وإسماعه إرادة لتأديبه ~~وتزكيته وتهذيبه: {يا أيها النبي} مخاطبة بالوصف الذي يعلم بالعصمة ويلائمه ~~أشد الملاءمة خلو البال وسرور القلب وانشراح الصدر لأنه للتلقي عن الله ~~تعالى فيحث كل سامع على البعد عن كل ما يشوش عليه صلى الله عليه وسلم أدنى ~~تشويش {لم تحرم} أي تفعل فعل المحرم بمنع نفسك الشريفة {ما أحل الله} أي ~~الملك الذي لا أمر لأحد معه {لك} بالوعد لبعض أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ~~بالامتناع من شرب العسل الذي كان عند حفصة أو زينب رضي الله عنهما ~~والامتناع من ملامسة سريتك مارية رضي الله تعالى عنها فتضيق على نفسك ~~لإحسان العشرة مع نسائك رضي الله عنهن أجمعين، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يشرب عسلا عند حفصة بنت عمر أو زينت بنت جحش رضي الله عنهما على ~~اختلاف # PageV20P180 # الروايتين في ذلك في الصحيح، وفي رواية «أنه صلى الله ms5218 عليه وسلم كان إذا ~~صلى الغداة دخل على نسائه رضي الله عنهن امرأة امرأة، وكانت قد أهديت لحفصة ~~بنت عمر رضي الله عنهما عكة من العسل، فكانت إذا دخل عليها فسلم حبسته ~~وسقته منها، وأن عائشة رضي الله عنها أنكرت احتباسه عندها فقالت لجويرية ~~عندها حبشية يقال لها خصرة: إذا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة ~~فادخلي عليها فانظري ماذا يصنع فأخبرتها الخبر فوصت صواحباتها فنفرنه من ~~شربه بإخباره بأنه يوجد منه ريح كريهة لأن نحلة جرست العرفط، فقال: لن أعود ~~له،» وروى الطبري وابن مردوية «أنه صلى الله عليه وسلم خلا بمارية رضي الله ~~عنها أم ولده إبراهيم عليه السلام في بيت حفصة رضي الله عنها فتوجعت من ذلك ~~حفصة رضي الله عنها فقال هي علي حرام ولا تذكري ذلك لأحد وأبشرك على ذلك ~~بشارة، وهي أن أبا بكر يلي هذا الأمر من بعدي وأباك يليه من بعد أبي بكر ~~رضي الله عنهما، لا تخبري بذلك أحدا، فأخبرت عائشة رضي الله عنها» # ويروى أن حفصة رضي الله عنها قالت في يومها من النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«إن بي إلى أبي حاجة نفقة له عنده فأذن لي أن # PageV20P181 # أزوره وآتي بها، فأذن لها فلما خرجت أرسل إلى جاريته مارية القبطية رضي ~~الله عنها فوقع عليها فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا فجلست عنده فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي فقال لها: ما يبكيك؟ ~~فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت ~~لي حرمة وحقا ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، فقال صلى الله عليه وسلم: أليس ~~هي جاريتي قد أحلها الله لي اسكتي فهي علي حرام ألتمس بذاك رضاك فلا تخبري ~~بهذا أحدا، فلما خرج أخبرت عائشة رضي الله عنها فحلفته على ترك مارية رضي ~~الله عنهن» ثم علل ذلك سبحانه بقوله: {تبتغي} أي تريد إرادة عظيمة من مكارم ~~أخلاقك وحسن صحبتك {مرضات أزواجك} ms5219 أي الأحوال والمواضع والأمور التي يرضين ~~بها ومن أولى بأن تبتغين رضاك وكذا جميع الخلق لتفرغ لما يوحى إليك من ربك ~~لكن ذلك للزوجات آكد. # ولما كان أعلى ما يقع به المنع من الأشياء من جهة العباد الإيمان، وكان ~~تعالى قد جعل من رحمته لعباده لإيمانهم كفارة قال: {والله} أي تفعل ذلك ~~لرضاهن والحال أن الله الملك الأعلى {غفور رحيم *} # PageV20P182 # أي محاء ستور لما يشق على خلص عباده مكرم لهم، ثم علل أو بين بقوله: {قد ~~فرض الله} أي قدر ذو الجلال والإكرام الذي لا شريك له ولا أمر لأحد معه، ~~وعبر بالفرض حثا على قبول الرخصة إشارة إلى أن ذلك لا يقدح في الورع ولا ~~يخل بحرمة اسم الله لأن أهل الهمم العوالي لا يحبون النقلة من عزيمة إلى ~~رخصة بل من رخصة إلى عزيمة، أو عزيمة إلى مثلها. # ولما كان التخفيف على هذه الأمة إنما هو كرما منه وتعظيما لهذا النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: {لكم} أي أيتها الأمة التي أنت رأسها، وعبر بمصدر حلل ~~المزيد مثل كرمه وتكرمه إظهارا لمزيد الغاية فقال: {تحلة} أي تحللة ~~{أيمانكم} أي شيئا يحللكم مما أوثقتم به أنفسكم منها تارة بالاستثناء وتارة ~~بالكفارة تحليلا عظيما بحيث يعيد الحال إلى ما كان عليه قبل اليمين، وقد ~~بين ذلك في سورة المائدة فحلل يمينك واخرج من تضييقك على نفسك واشرح من ~~صدرك لتتلقى ما يأتيك من أنباء الله تعالى وأنت متفرغ له بطيب النفس وقرة ~~العين، وهذا يدل على أن قوله «أنت علي حرام» كاليمين إذا لم يقصد به طلاقا ~~للزوجة ولا إعتاقا للأمة، وإذا كان الله قد فرض ذلك لكافة الأمة تيسيرا ~~عليهم فرأسهم أولى بأن يجعل له ذلك، قال مقاتل: # PageV20P183 # فأعتق صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة رقبة، وقد قيل: إن تحريمه صلى ~~الله عليه وسلم هنا كان بيمين حلفها وحينئذ لا يكون فيه حجة لمن رأى أن ~~«أنت على حرام» يمين {والله} أي والحال أن المختص بأوصاف الكمال {مولاكم} ms5220 ~~أي يفعل معكم فعل القريب الصديق {العليم} أي البالغ العلم بمصالحكم وغيرها ~~إلى ما لا نهاية له {الحكيم *} أي الذي يضع كل ما يصدر عنه لكم في أتقن ~~محاله بحيث لا ينسخه هو ولا يقدر غيره أن يغيره ولا شيئا منه، وقال الإمام ~~أبو جعفر ابن الزبير: لاخفاء بشدة اتصال هذه السورة بسورة الطلاق لاتحاد ~~مرماهما وتقارب معناهما، وقد ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه ~~حين اعتزل في المشربة حتى سأله عمر رضي الله عنه والقصة معروفة وتخييره صل ~~الله عليه وسلم إياهن أثر ذلك وبعد اعتزالهن شهرا كاملا وعتب الله عليهن في ~~قوله: # {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه} [التحريم: 4] وقوله: {عسى ربه إن ~~طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} [التحريم: 5] فهذه السورة وسورة الطلاق ~~أقرب شيء وأشبه بسورة الأنفال وبراءة لتقارب المعاني والتحام المقاصد - ~~انتهى. # PageV20P184 # ولما كانت العدة فيمن رأى حبيبه قد ضاق صدره أن يسعى أولا في شرح صدره ~~وطيب نفسه ثم يزيده بسطا بأن يقول للحاضرين: إن حبيبنا هذا الكريم علينا ~~اتفق له كذا، وقد كرهت هذا وضمنت زواله، وكان تعالى قد طيب نفسه صلى الله ~~عليه وسلم بأول السورة، ثم أتبعه الأمر الآخر، فكان التقدير: اذكروا هذا ~~الذي ذكرته من حسن عشرة نبيكم صلى الله عليه وسلم لنسائه رضي الله تعالى ~~عنهن وكريم صحبته وشريف أخلاقه وجميل أفضاله وجليل حلمه واذكروا ما خفف ~~الله به عنكم في الأيمان التي لا مثنوية فيها واذكروا فيها اسمه المقدس، ~~عطف عليه قوله تعالى تشريفا لنبيه صلى الله عليه وسلم بالمعاتبة عليه ~~وبإظهار ما هو حامل له من ثقل هذا السر على أجمل وجه تخفيفا عنه وترويحا ~~له: {وإذ} أي واذكروا كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم وطاهر شمائله في ~~عشرتهن حين {أسر النبي} أي الذي شأنه أن يرفعه الله دائما بأن يتلقى من ~~فياض علمه ما يخبر به الناس فإنه ما ينطق عن الهوى وأبهم الزوجة ولم يعينها ~~سبحانه تشريفا له صلى الله ms5221 عليه وسلم ولها رضي الله عنهن فقال تعالى: {إلى ~~بعض أزواجه} وهي حفصة رضي الله عنها، كنى عنها صيانة لهن لأن حرمتهن رضي ~~الله عنهن من حرمته صلى الله عليه وسلم # PageV20P185 # {حديثا} ليس هو من شأن الرسالة ولو كان من شأنها لهم به وأعلنه ولم يخص ~~به ولا أسره وذلك هو تحريم مارية رضي الله عنها ووعده بأن يترك العسل ~~وبشارته بولاية أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يبين الحديث ويفصله إكراما ~~له صلى الله عليه وسلم وحفظا لسره لأن العادة جارية بأن الإنسان لا يحب ~~تفصيل سره وإن كنا اطلعنا عليه بعد ذلك لنتأسى به فيما فيه من الأحكام، فإن ~~أحواله صلى الله عليه وسلم كلها أحكام لنا إلا ما اختص به وأشار إلى قرب ~~زمن إفشائه من زمن التحديث بالفاء في قوله تعالى: {فلما نبأت} أي أخبرت ~~إخبارا عظيما جليلا لشرفه في نفسه ولأنه من عند الله وبالغت في ذلك وأخبرت ~~{به} كله من جميع وجوهه، وجعل ذلك في سياق حكاية لأنه أستر لحرمه صلى الله ~~عليه وسلم حيث لم يقل: فنبأت به ولا قال: أساءت بالإنباء به، ونحو ذلك مما ~~يفهم أنه مقصود بالذات {وأظهره الله} أي أطلعه الملك الذي له الإحاطة بكل ~~شيء {عليه} أي الحديث بأنه قد أفشى مناصحة له في إعلامه بما يقع في غيبته ~~ليحذره إن كان شرا ويثيب عليه إن كان خيرا {عرف} أي النبي صلى الله عليه ~~وسلم التي أسر إليها {بعضه} وهو أمر الخلافة عتابا لها عليه لأنه كان ~~أوصاها أن لا تظهره، والكف عن بعض العتب أبعث على حياء # PageV20P186 # المعتوب وأعون على توبته وعدم عدده إلى فعل مثله {وأعرض عن بعض} وهو أمر ~~السرية والعسل تكرما منه أن يستقصي في العتاب وحياء وحسن عشرة، قال الحسن: ~~ما استقصى كريم قط، وقال سفيان الثوري: ما زال التغافل من فعل الكبراء ~~وإنما عاتب على أمر الخلافة خوفا من أن ينتشر في الناس ويذيع، فربما أثار ~~حسدا من بعض المنافقين وأورث ms5222 الحسود للصديق والفاروق كيدا أو جر إلى مفسدة ~~لا نعلمها، وخفف الكسائي: عرف أي أقر به والمعرفة سبب التعريف والتعريف عن ~~المعرفة فإطلاق أحدهما على الآخر شائع وعلاقته ذلك وأشار إلى مبادرته ~~بتعريفها ذلك لئلا ينتشر ما يكرهه منه بقوله: {فلما نبأها} بما فعلت من ~~إفشاء ما عرفها منه على وجه لم يغادر من ذلك الذي عرفها {به} شيئا منه ولا ~~من عوارضه ليزداد بصيرة، روي أنها قالت: قلت لعائشة رضي الله عنها سرا وأنا ~~أعلم أنها لا تظهره، قاله الملوي وهو معنى قوله: {قالت} أي ظنا منها أن ~~عائشة رضي الله عنها أفشت عليها {من أنبأك هذا} أي مطلق إخبار، واستأنف ~~قوله: {قال نبأني} وحذف المتعلق اختصارا للفظ وتكثيرا للمعنى بالتعميم ~~إشارة إلى أنه أخبره بجميع ما دار بينها وبين عائشة رضي الله عنهما مما ~~عرفها به ومن غيره على أتم ما كان {العليم} أي المحيط بالعلم {الخبير *} أي ~~المطلع # PageV20P187 # على الضمائر والظواهر فهو أهل لأن يحذر فلا يتكلم سرا ولا جهرا إلا بما ~~يرضيه. # PageV20P188 # ولما عرف من هذا أن المعاتب المنبئة ومن نباته، وكان قد يكون عددا أشار ~~إلى أنه واحد فالمعاتب اثنتان، وكانتا قد اتسعت قلوبهما لما يأتي من قبل ~~الله من الرغائب بهذا العتاب على هذا الأمر الخفي جدا والكرم عليهما فيه ~~بعدم الاستقصاء فمالت قلوبهما إلى المعالي وغاصت على جليل المعارف فصاغت من ~~جواهر ذلك دقيق المعاني، لفت إليهما الخطاب بلطيف العباد لشريف المتاب، ~~فقال تشريفا آخر له صلى الله عليه وسلم بالإقبال على نسائه رضي الله تعالى ~~عنهن بالعتاب لأجله قياما عنه بما ربما أزعجه لو باشره حفظا لخاطره الشريف ~~مما قد يغره {إن تتوبا} أي يا عائشة ويا حفصة مما صنعته حفصة بالإفشاء ~~وعائشة بالاحتيال على المنع من شرب العسل والتحليف على مارية {إلى الله} أي ~~الملك الذي أحاط علمه فجلت قدرته ولطف بهما لأجله صلى الله عليه وسلم غاية ~~اللطف في قوله: {فقد صغت} أي مالت وغاضت بما صاغت {قلوبكما} وفي جمع ms5223 القلوب ~~جمع كثرة تأكيد لما فهمته من ميل القلب بكثرة المعارف بما أفادهما إظهار ~~هذا السر والعتاب عليه من الحياء، فصارتا جديرتين بالمبادرة إلى التوبة ~~متأهلتين لذلك غاية التأهل. # ولما أورد ما صارتا حقيقيتين به بأداة الشك إقامة للسامع بين # PageV20P188 # الخوف والرجاء من ذلك وهو أعلم مما يكون أكمل ذلك بذكر شق الخوف، فقال ~~معلما بأن الملك وأوليائه أنصار له {وإن تظاهرا} بالتشديد للإدغام في قراءة ~~الجماعة لأن النظر هنا إن وقع كان على وجه الخفاء في أعمال الحيلة في أمر ~~مارية رضي الله عنها والعسل وما يأتي من مثل ذلك ما يبعث عليه الغيرة ~~{عليه} أي النبي صلى الله عليه وسلم المنبأ من قبل الله بما يرفع قدره ~~ويعلي ذكره، وقراءة الكوفيين بالتخفيف بإسقاط إحدى التاءين إشارة إلى سهولة ~~أمر هذه المظاهرة وقلة أذاها له صلى الله عليه وسلم. # ولما كان المعنى كأنه لا يبالي بمظاهرة كما عبر عنه بعلته، فقال مؤكدا ~~إعلاما بأن حال المتظاهرين عليه حال المنكر لمضمون الكلام: {فإن الله} أي ~~الملك الأعظم الذي لا كفوء له {هو} أي بنفسه الأقدس وحضرة غيب غيبه التي لا ~~يقوم لما لها من العظمة شيء {مولاه} أي ناصره والمتولي من أمره ما يتولاه ~~القريب الصديق القادر وكل من له وعي يعلم كفايته سبحانه في ذلك فهو يعمل ~~أبلغ ما يعمله مولى مع من هو متول لأمره وفي معاونته لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم إظهار # PageV20P189 # لشرفه ومراعاة لحفظ خاطره وشرح لصدره. # ولما كانت النفوس لمبنى هذه الدار على حكمة الأسباب مؤكلة بها ناظرة أتم ~~نظر إليها، وكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكثرة ما يتلى في بيوتهن من ~~آيات الله والحكمة على لسان جبريل عليه الصلاة والسلام وكثرة تردده إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم في بيوتهن ويعلمهن قد صار عندهن بذلك من الأسباب ~~الظاهرة المألوفة، وكان هو أعظم أنصار النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~{وجبريل} لأنه من أعظم الأسباب التي يقيمها الله سبحانه. # ولما كان الحامل على ms5224 مظاهرته صلى الله عليه وسلم على كل ما يريده الإيمان ~~فكل ما كان الإنسان فيه أمكن كان له أشد مظاهرة وأعون قال: {وصالح ~~المؤمنين} أي الراسخين في رتبة الإيمان والصلاح من الإنس والجن وأبواهما ~~رضي الله عنهما أعظم مراد بهذا، وقد روي أن عمر رضي الله عنه قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: لو أمرتني لأضربن عنقها، والصالح وإن كان لفظه مفردا ~~فمعناه الجمع المستغرق لأنه للجنس، ودل على ذلك مع دلالة السياق إضافته ~~للجمع ولعله عبر بالإفراد مع أن هذا المراد للإشارة إلى قلة المتصف بهذا # PageV20P190 # جدا لقلة الراسخين في الإيمان وقلة الراسخين في الصلاح من الراسخين في ~~الإيمان فهو قليل من قليل وقد جوز بعضهم أن يكون جمعا وأنه حذفت واؤه في ~~الرسم على خلاف القياس وهي محذوفة في الوصل لالتقاء الساكنين، فظن لذلك ~~مفردا ودخل في ذلك جبريل عليه السلام أيضا. # ولما كان الله سبحانه وتعالى قد أعطى الملائكة من القوى والتصرف في ~~الظواهر. والبواطن ما يجل عن الوصف، قال تعظيما للمقام بعد تعظيمه بما ذكر ~~من رئيس الكروبيين عليهم الصلاة والسلام {والملائكة} أي كلهم ومنهم جبريل ~~عليهم الصلاة والسلام فهو مذكور خصوصا وعموما ثلاث مرات إظهارا لشدة محبته ~~وموالاته للنبي صلى الله عليه وسلم. ولما كان المراد التعميم في الزمان ~~والمكان بعد التعميم في الصالحين من الملائكة والإنس والجان، قال من غير ~~جار معظما لنصرة الملائكة لما لهم من العظمة في القلوب لما تقرر لمن باشر ~~منهم العذاب تارة بالرجفة وأخرى بالصعقة وتارة بالخسف وأخرى بغير ذلك، فكيف ~~إذا تصور الآدمي المقيد بالمحسوسات اجتماعهم على ما لهم من الأشكال المهولة ~~{بعد ذلك} أي الأمر العظيم الذي تقدم ذكره وهو مظاهرة الله ومن ذكر معه ~~{ظهير *} أخبر عن الجمع باسم الجنس # PageV20P191 # إشارة إلى أنهم على كلمة واحدة في المظاهرة، فخوف بهذا كله لأجل المتاب ~~لطفا به صلى الله عليه وسلم وإظهارا لعظمته وفي قصة صاحب ياسين قال {وما ~~أنزلنا على قومه} الآية، تحقيرا لقومه وإهانة لهم، ويجوز ms5225 أن يكون «ظهير» ~~خبر جبريل عليه الصلاة والسلام، وخبر ما بعده محذوف لدلالته عليه أي كذلك. # ولما حذر بما تقدم، زاد في التحذير ما يقطع القلوب لأن أشد ما على المرأة ~~أن تطلق ثم إذا طلقت أن تستبدل بها ثم أن يكون البدل خيرا منها فقال مبينا ~~لأدنى أنواع المظاهرة سائقا الأمر مساق الرجاء إشارة إلى أنه يكفي العاقل ~~في الخوف تجويز احتمال الضرر فكيف إذا كان الأمر حتما لأن من المعلوم أن ~~«عسى» من الله على طريق الكبراء لا سيما الملوك في اكتفائهم بالإشارات ~~والرموز فمن هنا كانت واجبة لأنه ملك الملوك وهو ذو الكبرياء في الحقيقة لا ~~غيره {عسى ربه} أي المسحن إليه بجميع أنواع الإحسان التي عرفتموها وما لم ~~تعرفوه جدير وحقيق، ووسط بينها وبين خبرها اهتماما وتخويفا قوله: {إن ~~طلقكن} أي بنفسه من غير اعتراض عليه جمع أو بعضكن # PageV20P192 # بإيجاد الطلاق لمن لم يطلقها وإدامته من طلقها {أن يبدله} منكن بمجرد ~~طلاقه لكن من غير أن تحوجه إلى التفتيش تبديلا مبالغا فيه بما أشارت إليه ~~قراءة نافع وأبي جفعر وأبي عمرو بالتشديد، فهي أبلغ من قراءة الباقين ~~بالتخفيف الدال على مطلق الإبدال الصالح للمبالغ فيه وغيره، ومن التشريف ~~أيضا إضافة الطلاق إليه والإبدال إلى الله مع التعبير بصفة الإحسان وتخصيص ~~الإضافة! بضميره. # ولما كان الأوجع لقب الحرة حرة مثلها لا سرية قال: {أزواجا} ولما كان ~~علوها عليها في الرتبة هو النهاية في التأسيف قال: {خيرا} ودل على أنها ~~للتفضيل بقوله: {منكن} وهذا على سبيل الفرض وعام في الدنيا والآخرة فلا ~~يقتضي وجود من هو خير منهن مطلقا وإن قيل بوجوده في خديجة رضي الله عنها ~~لما جرب من تحاملها على نفسها في حقه صلى الله عليه وسلم وبلوغها في حبه ~~والأدب معه ظاهرا وباطنا النهاية القصوى ومريم عليها السلام التي أحصنت ~~فرجها حتى كانت من القانتين، وذلك في الآخرة، والكلام خارج مخرج الشرط ~~بالطلاق وقد علم سبحانه أنه لا يقع لكنه سبحانه علم أنه لو وقع ms5226 أبدله صلى ~~الله عليه وسلم من هو بالصفات المذكورة المقتضية للإخلاص # PageV20P193 # في طاعته كما أشار إليه «قانتات» ولا شك أن من لازم طاعته وقيد الاتصال ~~به في الدارين كان خيرا من غيره، وتعليق تطلق الكل لا يدل على أنه لم يطلق ~~حفصة رضي الله عنها فقد روي أنه طلقها ولم يزدها ذلك إلا فضلا من الله ~~تعالى لأن الله تعالى أمره بأن يراجعها لأنها صوامة قوامه - والله الموفق. ~~ولما وعد بما ذكر، وكان أول منظور إليه الظاهر، فصل ذلك الوعد وفسر الخيرية ~~بادئا بقوله: {مسلمات} أي ملقيات لجميع قيادهن ظاهرا وباطنا لله ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم على وجه الخضوع. # ولما كان المشاهد من الإسلام إنما هو الظاهر قال: {مؤمنات} أي راسخات في ~~القوة العلمية بتصديق الباطن. # ولما كان ذلك قد يكون فيه نوع شوب قال: {قانتات} أي مخلصات في ذلك لا ~~شائبة في شيء منه فهن في غاية ما يكون من إدامة الطاعة له من الذل ~~والانكسار والمبادرة إلى امتثال أمره صلى الله عليه وسلم في المنشط ~~والمكره. # ولما كان الإنسان مجبولا على النقصان، وكان الإخلاص يدل صاحبه على تقصيره ~~فكان ربما فتره ذلك، قال تسهيلا لخدمته وتقريبا # PageV20P194 # لدوام طاعته معلما الأدب لمحتاجه {تائبات} أي راجعات من الهفوات أو ~~الزلات سريعا إن وقع منهن شيء من ذلك. ولما كان هذا مصححا للعبادة مسهلا ~~لدوامها قال: {عابدات} أي مديمات للعبادة بسبب إدامة تجديد التوبة. ولما ~~كان دوام العبادة مسهلا للخروج عن الدنيا قال: {سائحات} أي متصفات بصفات ~~الملائكة من التخلي عن الدنيا والاستغراق في الآخرة بما أدناه الصيام ~~ماضيات في ذلك غاية المضاء ليتم الانقياد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ~~لأن من كان هكذا لم يكن له مراد، فكان تابعا لربه في أمره دائما ويصير لطيف ~~الذات حلو الشمائل، قال الملوي: والمرأة إذا كانت كثيرة الصيام قليلة الأكل ~~يقل عرقها ويصغر كرشها وتلطف رائحتها وتخف حركتها لما يراد منها - انتهى. ~~وسوق هذه الأوصاف هذا السياق في عتاب من هو ms5227 متصف بها معرف أن المراد منها ~~التمام لا سيما وهي لا يوجد وصف منها على سبيل الرسوخ إلا كان مستلزما ~~لسائرها، فلذلك لم يحتج في تعدادها إلى العطف بالواو. والتجريد عنه أقعد في ~~الدلالة على إرادة اجتماعها كلها. # ولما أكمل الصفات الدينية النافعة في أمر العشرة ولم يبق إلا الصفات # PageV20P195 # الكونية وكان التنويع إلى عارفة بالعشرة وباقية على أصل الفطرة، ألذ ~~وأشهى إلى النفس، قال مقسما للنساء المتصفات بالصفات الست عاطفا ثاني ~~الوصفين بالواو للتضاد {ثيبات} قدمهن لأنهن أخبر بالعشرة التي هذا سياقها ~~{وأبكارا} . # PageV20P196 # ولما أبلغ سبحانه في عتاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مع صيانتهن عن ~~التسمية إكراما له صلى الله عليه وسلم وعلم اتصافهن بهذه الصفات العظيمة ~~على سبيل الرسوخ من دوام صحبته صلى الله عليه وسلم لهن ليكن من جملة أزواجه ~~في الجنة وكان اتصافهن بذلك الذي أداهن إلى السعادة العظمى إنما هو بحسن ~~تأديب أوليائهن لهن وإكمال ذلك الأدب بحسن عشرته صلى الله عليه وسلم ~~وتأدبهن بكريم أخلاقه أثمر ذلك أمر الأمة بالتأسي به في هذه الأخلاق ~~الكاملة والتأسي بأوليائهن في ذلك ليعرفن حق الله وحق الأزواج فيحصل بذلك ~~صلاح ذات البين المثمرات للخير كله فقال تعالى متبعا لهذه الموعظة الخاصة ~~بموعظة عامة دالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأقرب فالأقرب ~~{يا أيها} مخاطبة لأدنى الأسنان إشارة إلى أن من فوقهم # PageV20P196 # تأسى من حين دخوله في الإسلام فهو غني عن أمر جديد {الذين آمنوا} أي ~~أقروا بذلك {قوا أنفسكم} أي اجعلوا لها وقاية بالتأسي به صلى الله عليه ~~وسلم في أدبه مع الخلق والخالق في لينه لمن يستحق اللين من الخلق تعظيما ~~للخالق فعاملوه قبل كل شيء بما يعاملكم به من الأدب، وكذا كونوا مع بقية ~~الخلق. # ولما كان الإنسان راعيا لأهل بيته مسؤولا عن رعيته قال تعالى: {وأهليكم} ~~من النساء والأولاد وكل من يدخل في هذا الاسم قوهم {نارا} بالنصح والتأديب ~~ليكونوا متخلقين بأخلاق أهل النبي صلى الله عليه وسلم كما روى ms5228 أحمد ~~والطبراني عن سعيد بن العاص رضي الله عنه رفعه: «ما نحل والد ولدا أفضل من ~~أدب حسن» ولما كانت الأشياء لا تعظم في نفسها وعند المخبر بها إلا بإخباره ~~بما يشتمل عليه من الأوصاف قال: {وقودها} أي الذي توقد به {الناس والحجارة} ~~أي ألين الأشياء وأصلبها، فما بين ذلك هو لها وقود بطريق الأولى. # ولما وصفها بغاية الأدب في الائتمار أتبعه وصف القوام فقال معبرا بأداة ~~الاستعلاء دلالة على تمكنهم من التصرف فيها: # PageV20P197 # {عليها ملائكة} أي يكون أمرها على سبيل الاستعلاء فلا تعصيهم شيئا لتأديب ~~الله لها {غلاظ} أي في الأبدان والقلوب فظاظة على أهلها لاستحقاقهم لذلك ~~بعصيانهم الملك الأعلى. # ولما كان الغلظ قد يكون مع الرخاوة قال: {شداد} أي في كل شيء يحاولونه ~~بالقول والفعل حتى روي أن الواحد منهم يلقي بالدفعة الواحدة في النار من ~~الكفار سبعين ألفا. # ولما كان المعنى أنهم يوقعون غلظتهم وشدتهم بأهل المعاصي على مقادير ~~استحقاقهم. بين ذلك بما يخلع القلوب لكونه بأمر الله تعالى فقال: {لا يعصون ~~الله} أي الملك الأعلى في وقت من الأوقات {ما أمرهم} أي أوقع الأمر لهم به ~~في زمن ما. # ولما كان المطيع منا قد يخل ببعض المأمور به في ذاته بنقص ركن أو شرط أو ~~وقت لنسيان، أو نوم ونحوه أو بترك مندوب ونحوه أو ما في معناه بوسوسة أو ~~حديث نفس ونحوه يقصر عن إيقاعه على أعلى الدرجات كما قال صلى الله عليه ~~وسلم فيما أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما والطيالسي عن ~~ثوبان رضي الله عنه: «استقيموا ولن تحصوا» قال نافيا لذلك عنهم: {ويفعلون} ~~أي مجددين مع كل أمر على سبيل الاستمرار {ما يؤمرون *} أي ما يقع # PageV20P198 # لهم الأمر به في أي وقت كان من غير نقص ما، وبني الفعل لما لم يسم فاعله ~~كناية عن سهولة انقيادهم وإشارة إلى أن الذي أمرهم معلوم أنه الله سبحانه ~~وتعالى. # ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من أريد بأمر ms5229 الأمة بالتأدب معه ~~فكان تعمد الإخلال بالأدب معه كفرا، علم أن هذه النار لأولئك فعلم أن ~~التقدير: يقولون: {يا أيها الذين كفروا} أي بالإخلال بالأدب في النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأداهم ذلك إلى الإخلال بالأدب مع الله وبالأدب مع سائر ~~خلقه {لا تعتذروا} أي تبالغوا في إظهار العذر وهو إيساع الحيلة في وجه يزيل ~~ما ظهر من التقصير {اليوم} فإنه يوم الجزاء لا يوم الاعتذار، وقد فات زمان ~~الاعتذار، وصار الأمر إلى ما صار، وإذا نهى عن المبالغة في الاعتذار لعدم ~~نفعها كان النهي عن مطلقه من باب الأولى، وهذا قطع لرجائهم وإيجاب لباسهم ~~ليعظم همهم وتنقطع قلوبهم لأن معناه أن الاعتذار لا ينفعكم وإن بالغتم فيه، ~~ولذلك استأنف قوله على سبيل الحصر: {إنما تجزون} أي في هذا اليوم {ما كنتم} ~~أي بما هو لكم كالجبلة والطبع {تعملون *} أي على سبيل الإصرار ولا بعد على ~~الله في أن # PageV20P199 # يصور لكل إنسان صورة عمله بحيث لا يشك أنها عمله، ثم يجعل تلك الصورة ~~عذابه الذي يجد فيه من الألم ما علم سبحانه أنه بمقدار استحقاقه. # PageV20P200 # ولما أفهم الأمر بالوقاية والمدح للملائكة أن المأمورين بالوقاية مقصرون ~~قال مرشدا إلى داوء التقصير: {يا أيها الذين آمنوا} ناداهم بما هو أليق بهم ~~من أداة البعد {توبوا} أي ارجعوا رجوعا تاما {إلى الله} أي الملك الذي لا ~~كفوء له. # ولما كان كل فعول بمعنى فاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث قال: {توبة نصوحا} ~~أي بالغة في كونها ناصحة عن الإسناد المجازي أي منصوحا فيها بالإخلاص في ~~الأزمان الثلاثة، الماضي بالندم، والحال بالإقلاع. والمستقبل بالعزم على ~~عدم العود إلى الذنب، فلا يقع فيها رجوع كما لا يعود الحليب إلى الضرع، فلا ~~يؤذي أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذى رسوله من أذاه، قال ~~القرطبي: النصوح مجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع ~~بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيىء الإخوان، وقال رويم ~~الراعي: هي أن تكون لله وجها بلا قفا كما كانت له عند المعصية ms5230 قفاء بلا ~~وجه. # ولما أمر بالتوبة عللها بما يفيد الإطماع من الإقامة بين الرجاء والخوف ~~إعلاما بأن هذا المقام هو المنجي لأنه اعتقاد الكمال له سبحانه وهو أن له ~~أن يفعل ما يشاء في المطيع وغيره بقوله: # PageV20P200 # {عسى ربكم} أي افعلوا ذلك ليكون المحسن إليكم بهذا البيان جديرا أو حقيقا ~~{أن يكفر} أي يغطي تغطية عظيمة {عنكم} أي بالتوبة، وإذا كان التائب على خطر ~~فما ظنك بالمصر على ذنوبه {سيئاتكم} أي ما بدا منكم ما يسوءه. # ولما ذكر نفع التوبة في دفع المضار، ذكر نفعها في جلب المسار فقال: ~~{ويدخلكم} أي يوم الفصل {جنات} أي بساتين كثيرة الأشجار تستر داخلها لأنها ~~{تجري} . # ولما كان ذلك الجري في بعض أرضها قال معبرا بأداة التبعيض: {من تحتها} أي ~~تحت غرفها وأشجارها {الأنهار} فهي لا تزال ريا. # ولما ذكر الغفران والإكرام. ذكر وقته فقال مبشرا لأهله معرضا لغيرهم ~~مستحمدا لأهل وده لكونه وفقهم ولم يخذلهم كأعدائه: {يوم لا يخزي الله} أي ~~الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالكمال {النبي} أي الرجل الذي ينبئه الله ~~بما يوجب له الرفعة التامة من الإخبار التي هي في غاية العظمة {والذين} أي # PageV20P201 # ولا يخزي الذين {آمنوا معه} وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن كان ~~المراد المعية في مطلق الزمان، وسابقوهم إن كان المراد في الوصف أو زمان ~~مخصوص كبدر وبيعة الرضوان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل ~~النار أحد بايع تحت الشجرة» كما رواه مسلم عن أم مبشر رضي الله عنها وأبو ~~داود والترمذي عن جابر رضي الله عنه: «ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال:» ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم «» # وقال تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا} [الحديد: 10] إلى قوله {وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: ~~10] ونساءه رضي الله عنهن أحق بأن يكن أول راغب في الكون معه في الإيمان ~~ليبعدن عن النيران، وإذا استحضرت قصص الأنبياء من سورة هود عليه الصلاة ~~والسلام ms5231 اتضح لك حسن هذا الوجه، ويجوز أن يكون «الذين» مبتدأ خبره «نورهم» ~~أو يكون الخبر «معه» إشارة إلى أن جميع الأنبياء وصالحي أممهم من أمته وتحت ~~لوائه، وذلك في غاية ما يكون من الشرف والرفعة له صلى الله عليه وسلم ~~والإيمان المقيد بمعيته، أي تأهله لمصاحبة إيمانه صلى الله عليه وسلم غير ~~الإيمان المطلق، فلا مانع من أن يدخل غيرهم من المؤمنين النار ثم يخرج منها ~~بشفاعة الشافعين فلا متمسك للمعتزلة بها في أن مرتكب الكبائر مخلد في النار ~~لأنه داخل النار فهو مخزي، فهو غير موصوف بالإيمان لأن من اتصف بالإيمان لا ~~يخزى بدليل هذه الآية، قال أبو حيان: # PageV20P202 # وفي الحديث: «أنه صلى الله عليه وسلم تضرع في أمر أمته فأوحى الله إليه: ~~إن شئت جعلت حسابهم إليك، فقال: يا رب! أنت أرحم بهم مني، فقال تعالى: إذا ~~لا أخزيك فيهم» . # ولما نفى عنهم الخزي، فسره بقوله مقدما للنور لأن السياق لتعظيم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بخلاف ما مضى في الحديد: {نورهم يسعى} أي سعيا مستمر ~~التجدد، وعلى التفسير الآخر تكون هذه الجملة حالية، ويجوز أن تكون خبرا ل ~~«الذين» إذا جعلناه مبتدأ {بين أيديهم} وحذف الجار إشارة إلى أنه ملأ تلك ~~الجهة {و} كذا {بأيمانهم} وأما ما يلي شمائلهم فإنهم لا يلتفتون إليه لأنهم ~~إما من السابقين وإما من أهل اليمين، فهم يمشون فيما بين الجهتين ويؤتون ~~صحائف أعمالهم منهما، وأما أهل الشمال فيعطونها من وراء ظهورهم ومن شمائلهم ~~وهم بما لهم من النر إن قالوا سمع لهم وإن شفعوا شفعوا. # ولما كانت إدامة للملك هي أشرف صفات العبد قال: {يقولون} أي مجددين لذلك ~~دائما لعلمهم أن الله تعالى له أن # PageV20P203 # يفعل ما يشاء، لا حق لأحد عليه ولا سيما إذا رأوا انطفاء نور المنافقين، ~~قال سهل: لا يسقط الافتقار إلى الله تعالى عن المؤمنين في الدنيا ولا في ~~الآخرة بل هم في الآخرة أشد افتقارا إليه وإن كانوا في دار العز لشوقهم إلى ~~لقائه: {ربنا} أي ms5232 أيها المتفضل علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون فيه ~~{أتمم} فأظهروا لأن المقام له. # ولما كان الإنسان ربما رزق شيئا فانتفع به غيره دونه قالوا: {لنا نورنا} ~~أي الذي مننت به علينا حتى يكون في غاية التمام فتوصلنا به إلى المأمن في ~~دار السلام، ولا تجعلنا كالمنافقين الذين أطفأت أنوارهم فكانت عاقبتهم إلى ~~الظلام. # ولما كان كل من حسن أدبه لا بد أن يعتقد في نفسه النقص، قالوا على سبيل ~~الذلة والمسكنة والتواضع: {واغفر لنا} أي امح عنا كل نقص كان يميل بنا إلى ~~أحوال المنافقين عينه وأثره، وهذا النور هو صورة أعمالهم في الدنيا لأن ~~الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع الصور معانيها، وهو شرع الله الذي ~~شرعه وهو الصراط الذي يضرب بين ظهراني جهنم لأن الفضائل في الدنيا متوسطة ~~بين الرذائل، فكل فضيلة تكتنفها رذيلتان: إفراط وتفريط، فالفضيلة هي الصراط ~~المستقيم، والرذيلتان ما كان من جهنم عن يمينه وشماله، فمن كان # PageV20P204 # يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا تفريط كان نوره ~~تاما، ومن أمالته الشهوات طفىء نوره - أعاذنا الله من ذلك ورزقنا حسن ~~الثبات، وكان ذلك الطفىء في بعض الأوقات واختطفته كلاليب هي صور الشهوات ~~فتميل به في النار بقدر ميله إليها، والمنافق يظهر له نور إقراره بكلمة ~~التوحيد، فإذا مشى طفىء لأن إقراره لا حقيقة له فنوره لا حقيقة له. # ولما كان ما ذكر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، علله بقوله مؤكدا لإنكار ~~الكفار البعث وما تفرع عنه: {إنك} أي وحدك {على كل شيء} أي يمكن دخول ~~المشيئة فيه {قدير *} أي بالغ القدرة. # ولما ذكر ما تقدم من لينه صلى الله عليه وسلم لأضعف الناس النساء وحسن ~~أدبه وكريم عشرته لأنه مجبول على الشفقة على عباد الله والرحمة لهم، وختم ~~بما للمؤمنين من الشرف ولله من تمام القدرة، أنتج ذلك القطع بإذلال أعدائهم ~~وإخزائهم فقال مداريا لهم من خطر ذلك اليوم بيد أنصح الخلق ليكون صلى الله ~~عليه وسلم ms5233 جامعا في طاعته سبحانه وتعالى بين المتضادات من اللين والشدة ~~والرضى والغضب والحلم والانتقام وغيرها، فيكون ذلك أدل على التعبد لله بما ~~أمر به سبحانه وتعالى والتخلق بأوامره وكل ما يرضيه: {يا أيها النبي} # PageV20P205 # مناديا بأداة التوسط إسماعا للأمة الوسطى تنبيها على أنهم المنادون في ~~الحقيقة، ولأجل دلالتها على التوسط والله أعلم كان لا يتعقبها إلا ما له ~~شأن عظيم، معبرا بالوصف الدال على الرفعة بالإعلام بالأخبار الإلهية المبني ~~على الإحكام والعظمة المثمرة للغلبة، وأما وصف الرسالة فيغلب فيه الرحمة ~~فيكثر إقباله على اللين والمسايسة نظرا إلى وصف الربوبية: {جاهد الكفار} أي ~~المجاهرين بكل ما يجهدهم فيكفهم من السيف وما دونه ليعرف أن الأسود إنما ~~اكتسبت من صولتك، فيعرف أن ذلك اللين لأهل الله إنما هو من تمام عقلك وغزير ~~علمك وفضلك، وكبير حلمك وخوفك من الله ونبلك: {والمنافقين} أي المساترين ~~بما يليق بهم من الحجة إن استمروا على المساترة، والسيف إن احتيج إليه إن ~~أبدوا نوع مظاهرة {وأغلظ} أي كن غليظا بالفعل والقول بالتوبيخ والزجر ~~والإبعاد والهجر {عليهم} فإن الغلظة عليهم من اللين لله كما أن اللين لأهل ~~الله من خشية الله، وقد أمره سبحانه باللين لهم في أول الأمر لإزالة ~~أعذارهم وبيان إصرارهم، فلما بلغ الرفق أقصى مداه جازه إلى الغلظة وتعداه، ~~وقد بان بهذه الآية أن أفعل التفضيل في قول النسوة لعمر رضي الله عنه: « # PageV20P206 # أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم» على بابه ولا محذور. # ولما كان انتقام الولي من العدو إنما هو لله سبحانه وتعالى، لاحظ له فيه، ~~فكان موجبا لعدم اكتفاء الله به في حق الولي، فكان التقدير: فإنهم ليس لهم ~~عصمة ولا حرمة في الدنيا ولا قوة وإن لاح في أمرهم خلاف ذلك، عطف عليه ~~قوله: {ومأواهم} أي في الآخرة {جهنم} أي الدركة النارية التي تلقى داخلها ~~بالعبوسة والكراهة. # ولما كان التقدير: إليها مصيرهم لا محالة، عطف عليه قوله: {وبئس المصير ~~*} أي هي، فذلك جزاء الله لهم عن الإساءة إلى ms5234 أوليائه والانتقاص لأحبائه. # PageV20P207 # ولما كان أمر الاستئصال في الإنجاء والإهلاك أشبه شيء بحال أهل الآخرة في ~~الدينونة بالعدل والفضل، وكان المفتتح به السورة عتاب النساء، ثم أتبع ~~بالأمر بالتأديب لجميع الأمة إلى أن ختم بهلاك المخالف في الدارين، وكان ~~للكفار قرابات بالمسلمين وكانوا يظنون أنها ربما تنفعهم، وللمسلمين قرابات ~~بالكفار وكانوا ربما توهموا أنها تضرهم، قال مجيبا لما يتخيل من ذلك تأديبا ~~لمن ينكر عليه صلى الله عليه وسلم # PageV20P207 # من النساء وغيرهن: {ضرب الله} أي الملك الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما ~~{مثلا} يعلم به من فيه قابلية العلم ويتعظ به من له أهلية الاتعاظ {للذين ~~كفروا} أي غطوا الحق على أنفسهم وعلى غيرهم سواء كانوا مشاققين أو منافقين ~~في عدم انتفاعهم مع كفرهم بما بينهم وبين المؤمنين من الوصل والعلائق فيغلظ ~~عليهم في الدارين معاملة بما يستحقون من غير محاباة لأحد وإن جل مقامه، ~~وعلا منصبه ومرامه، لأن الكفر قاطع للعلائق بين الكافر والمسلم: {امرأت ~~نوح} الذي أهلك الله من كذبه بالغرق ونصره وآواه عليه الصلاة والسلام وكان ~~اسمها فيما يقال واعلة {وامرأت لوط} الذي أهلك الله أيضا من كذبه بالحصب ~~والخسف والإغراق، واسمها فيما قيل واهلة، ودل على وجه الشبه بقوله: {كانتا} ~~أي مع كونهما كافرتين. ولم يقل: تحتهما، بل أظهر بالوصف العبودية المضافة ~~إليه سبحانه وتعالى والوصف بالصلاح لأن ذلك أفخم، فيكون أشد تأثيرا للموعوظ ~~وأعظم، ودفعا لأن يتوهم أحد بشيء لا يليق بمقامهما عليهما الصلاة والسلام ~~فقال: {تحت عبدين} أي # PageV20P208 # كل واحدة منهما تحت عبد، وعبر بذلك لأن أثر الناس عند الملك كما تقدم ~~عبيده، ودل على كثرة عبيده تنبيها على غناه بقوله: {من عبادنا} . # ولما كانت طبقات القرب متفاوتة بحسب الصلاح قال: {صالحين} وهما نوح ولوط ~~عليهما الصلاة والسلام {فخانتاهما} بعدم المتابعة في الدين نفاقا منهما لا ~~بالخيانة في الفرش، فقد صان الله جميع الأنبياء من ذلك فلم تقل واحدة منهما ~~لأجل كفرهما: رب اجعلني مع نبيك في الجنة، وآذن بعدم قبول الشفاعة فيمن ~~أساء ms5235 إلى الحبيب وبعذابه حتما للتشفي بقوله: {فلم} أي فتسبب عن ذلك أن ~~العبدين الصالحين لم {يغنيا عنهما} أي المرأتين بحق الزواج {من الله} أي من ~~عذاب الملك الذي له الأمر كله فلا أمر لغيره {شيئا} أي من إغناء لأجل ~~خيانتهما بالمخالفة في الدين، ودل على كمال قدرته تعالى بالتعبير بالمجهول ~~فقال: {وقيل} أي للمرأتين ممن أذن له في القول النافذ الذي لا مرد له: ~~{ادخلا النار} أي مقدماتها من الإصرار على الكفر ثم الإهلاك بعذاب الانتقام ~~في الدنيا وحقيقتها في الآخرة لأن الله أبغضهما لأنهما عدو لأوليائه، وذلك ~~كما قيل: عدو صديقي ليس لي بصديق. # PageV20P209 # ولما فعلتا فعل الرجال في استقلالهما وعدم عدهما لأنفسهما تبعا، غلظ ~~عذابهما بالكون مع الرجال في عذابهم فقال دالا على نفوذ الحكم فيمن هو أقوى ~~منهما بعد نفوذه فيهما: {مع الداخلين *} أي الذين هم أعظم منهما ممن لهم ~~وصلة بأهل الله وممن لا وصلة لهم بهم، فليتأدب كل أحد مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم غاية الأدب خوفا من مثل ذلك، وهذا خالع لقلوب من ابتدأ بتأديبهن ~~- رضي الله تعالى عنهن. # PageV20P210 # ولما أتم مثل النذارة بأن طاعة المطيع لا تنفع العاصي وإن كان أقرب الناس ~~إلى المطيع إلا إن كان له أساس يصح البناء عليه، ويجوز الاعتداد به والنظر ~~إليه، أتبعه مثل البشارة بأن عصيان العاصي لا يضر المطيع فقال: {وضرب الله} ~~أي ### | الملك # الأعلى الذي له صفات الكمال {مثلا للذين آمنوا} ولو كان في أدنى درجات ~~الإيمان مبينا لأن وصلة الكفار إذا كانت على وجه الإكراه والإجبار لا تضر ~~{امرأت فرعون} واسمها آسية بنت مزاحم، آمنت وعملت صالحا فلم تضرها الوصلة ~~بالكافر بالزوجية التي هي من أعظم الوصل ولا نفعه إيمانها {كل امرىء بما ~~كسب رهين} [الطور: 21] وأثابها ربها سبحانه أن جعلها زوجة خير خلقه محمد ~~صلى الله عليه وسلم في دار كرامته بصبرها على عبادة الله وهي في حبالة ~~عدوه، وأسقط وصفه بالعبودية دليلا على تحقيره وعدم رحمته لأنه أعدى أعدائه، ~~وأشار إلى ms5236 وجه الشبه في المثل # PageV20P210 # وهو التحيز إلى حزب الله بقدر الوسع فقال: {إذ} أي مثلهم مثلها حين ~~{قالت} تصديقا بالعبث منادية نداء الخواص بإسقاط الأداة لأجل أنها مؤمنة ~~وإن كانت تحت كافر بنا فلم تضر صحبته شيئا لأجل إيمانها: {رب} أي أيها ~~المحسن إلي بالهداية وأنا في حبالة هذا الكافر الجبار ولم تغرني بعز الدنيا ~~وسعتها {ابن لي} . # ولما كان الجار مطلوبا - كما قالوا - قبل الدار، طلبت خير جار وقدمت ~~الظرف اهتماما به لنصه على المجاورة ولدلالته على الزلفى فقالت: {عندك ~~بيتا} وعينت مرادها بالعندية فقالت: {في الجنة} لأنها دار المقربين فظهر من ~~أول كلامها وآخره أن مطلوبها أخص داره، وقد أجابها سبحانه بأن جعلها زوجة ~~لخاتم رسوله الذي هو خير خلقه وأقربهم منه، فكانت معه في منزله الذي هو ~~أعلى المنازل. # ولما سألت ما حيزها إلى جناب الله سألت ما يباعدها في الدارين من أعدائه ~~فقالت: {ونجني} أي تنجية عظيمة {من فرعون} أي فلا أكون عنده ولا تسلطه علي ~~بما يضرني عندك {وعمله} أي أن أعمل بشيء منه {ونجني} أعادت العامل تأكيدا ~~{من القوم الظالمين *} أي الناس الأقوياء العريقين في أن يضعوا أعمالهم في ~~غير مواضعها التي أمروا بوضعها فيها فعل من يمشي في الظلام عامة، وهم ~~القبط، لا تخالطني بأحد منهم، فاستجاب الله تعالى دعاءها وأحسن إليها لأجل ~~محبتها # PageV20P211 # للمحبوب وهو موسى عليه الصلاة والسلام كما يقال: صديق صديقي داخل في ~~صداقتي، وذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام لما غلب السحرة آمنت به فعذبها ~~فرعون فماتت بعد أن أراها الله بيتها في الجنة ولم يضرها كونها تحت فرعون ~~شيئا لأنها كانت معذورة في ذلك، فالآية من الاحتباك: حذف أولا «فلم تسألا ~~الجنة» لدلالة «رب ابن لي» ثانيا عليه، وحذف ثانيا «كانت تحت كافر» لدلالة ~~الأول عليه. # ولما أتم المثل بمن أساءتا الأدب فلم تنفعهما الوصلة بالأولياء بل ~~زادتهما ضررا للإعراض عن الخير مع قربه وتيسره، وبمن أحسنت الأدب فلم تضرها ~~الوصلة بأعدى الأعداء بل زادتها خيرا لإحسانها مع ms5237 قيام المغتر بها عن ~~الإحسان ضرب مثلا بقرينتها في قوله صلى الله عليه وسلم كما رواه الشيخان عن ~~أبي موسى رضي الله عنه: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ~~بنت عمران وآسية بنت مزاحم، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام» ~~ومع مقارنتها لها في الكمال، فبين حاليهما في الثيوبة والبكورة طباق، فلم ~~يبتلها سبحانه بخلطة زوج جمعا بين ما تقدم من صنفي الثيبات والأبكار اللاتي ~~يعطيهما لنبيه صلى الله عليه وسلم فأحسنت الأدب في نفسها مع الله ومع سائر ~~من لزمها الأدب معه من عباده فأحسن إليها رعاية لها # PageV20P212 # على ما وفقها إليه من الإحسان، وذلك رعاية لأسلافها إذ كانوا من أعظم ~~الأحباب فقال: {ومريم} أي وضرب الله مثلا لأهل الانفراد والعزلة من الذين ~~آمنوا مريم {ابنة عمران} أي أحد الأحباب، وذكر وجه الشبه فقال: {التي أحصنت ~~فرجها} أي عفت عن السوء وجميع مقدماته عفة كانت كالحصن العظيم المانع من ~~العدو فاستمرت على بكريتها إلى الممات فتزوجها في الجنة جزاء لها بخير ~~عبادنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وإمام المرسلين. # ولما اغتنت بأنسها بروح الله الذي بثه في قلبها من محبة الذكر والعبادة ~~عن الأنس بأرواح الناس، كان ذلك سببا لأن وهبها روحا منه جسده في أكمل ~~الصور المقدرة في ذلك الحين فقال مخبرا عن ذلك: {فنفخنا} أي بعظمتنا بواسطة ~~ملكنا روح القدس. # ولما كانت هذه السورة لتشريف النبي صلى الله عليه وسلم وتكميل نسائه في ~~الدنيا والآخرة، نص على المقصود بتذكير الضمير ولم يؤنثه قطعا للسان من ~~يقول تعنتا: إن المراد نفخ روحها في جسدها: {فيه} أي فرجها الحقيقي وهو ~~جيبها وكل جيب يسمى فرجا، ويدل على الأول قراءة «فيها» شاذة {من روحنا} أي ~~روح هو أهل لشرفه بما عظمنا من خلقه ولطف تكوينه أن يضاف إلينا لكونه خارجا # PageV20P213 # عن التسبيب المعتاد وهو جبريل عليه الصلاة والسلام أو روح الحياة. # ولما كان التقدير: فكان ما أردنا، فحملت من غير ذكر ولدت ms5238 عيسى عليه ~~الصلاة والسلام الذي كان من كلمتنا وهي «احملي» ثم كلمتنا «كن يا حمل من ~~غير ذكر» ثم كلمتنا «لديه يا مريم من غير مساعد» ثم كلمتنا «تكلم عيسى في ~~المهد بالحكمة» عطف عليه قوله: {وصدقت} فاستحقت لذلك أن تسمى صديقة {بكلمات ~~ربها} أي المحسن إليها بما تقدم وغيره مما كان من كلام جبريل عليه الصلاة ~~والسلام بسببه ومن عيسى عليه الصلاة والسلام ومما تكلم به عن الله سبحانه ~~وتعالى {وكتبه} أي وكتابه الضابط الجامع لكلامه أنزل على ولدها وغيره من ~~كتب الله كما دل على ذلك قراءة البصريين وحفص بالجمع. # ولما كان المصدق ربما كان تصديقه في الظاهر أو مشوبا بشيء من الضمائر ~~قال: {وكانت} أي جبلة وطبعا، وشرفها بأن جعلها في رتبة الأكمل وهم الرجال ~~فقال: {من القانتين *} أي المخلصين الذين هم في غاية القوة والكمال لأنها ~~كانت من بنات الأحباب المصطفين على العالمين، فلم تكن عبادتها تقصر عن ~~عبادة الأقوياء الكلمة، وقد أتم سبحانه الأمثال في الآداب بالثيبات ~~والأبكار والأخيار والأشرار، فانعطف آخر السورة على أولها في المعاني ~~بالآداب، وزاد # PageV20P214 # ذلك حسنا كونها في النساء وفي الذوات والأعيان بزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم لآسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران في الجنة دار القرار السالمة عن ~~الأكدار الزواج الأبدي فصار أول السورة وآخرها في أزواجه صلى الله عليه ~~وسلم وفي ختامها بالقنوت الذي هو خلاصة الأوصاف الماضية في الأبدال ~~المذكورات أعظم مناسبة - والله الهادي. # سورة الملك # وتسمى تبارك والمانعة والواقية والمنجية، قال الولي الملوي: هذه السورة ~~كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحبها لكثرة علومها، وقال: " وددت لو كانت ~~في صدر كل مسلم ". مقصودها الخضوع لله لاتصافه بكمال الملك الدال عليه تمام ~~القدرة الدال عليه قطعا أحكام المكونات الدال عليه تمام العلم الدال عليه ~~أحكام المصنوعات علم ما في الصدور لينتج ذلك العلم بتحتم البعث لدينونة ~~العباد على ما هم عليه من الصلاح والعناد كما هي عادة الملوك في دينونة ~~رعاياهم لتكمل الحكمة وتتم النعمة وتظهر ms5239 سورة الملك، واسمها الملك واضح في ~~ذلك لأن الملك محل الخضوع من كل # PageV20P215 # من يرى الملك وكذا تبارك لأن من كان كذلك كان له تمام الثبات والبقاء، ~~وكان له من كل شيء كمال الخضوع ولالاتقاء، وكذا اسمها المانعة والواقية ~~والمنجية لأن الخضوع حامل على لزوم طريق السعادة، ومن لزمها نجا مما يخاف ~~ومنع من كل هول ووقي كل مخلوق، وترد السؤال عمن لازم عليها وهذا من أهم ~~الأمور) بسم الله (الذي خضعت لكمال عظمته الملوك) الرحمن (الذي عم بنعمة ~~الإيجاد وتبيان محل السلوك) الرحيم (الذي خص أولياءه الهعداية وزوال ~~الشكوك. # PageV20P216 # لما ختمت تلك بأن من أعرض عنه سبحانه أهلكته ولم يغن عنه أحد، ومن أقبل ~~عليه رفعه واستخلصه ولم يضره أحد، وختم بأنه قوى مريم عليها السلام حتى ~~كانت في درجة الكملة ورزقها الرسوخ في الإخلاص، وكان مثل هذا لا يقدر على ~~فعله إلا من لا كفوء له، وكان من لا كفوء له أهلا لأن يخلص له الأعمال ولا ~~يلتفت إلى سواه بحال، لأنه ### | الملك # الذي يملك الملك قال مثيرا للهمم إلى # PageV20P216 # الاستبصار المثير للإرادة إلى رياضة تثمر جميع أبواب السعادة: {تبارك} أي ~~تكبر وتقدس وتعالى وتعاظم وثبت ثباتا لا مثل له مع اليمن والبركة وتواتر ~~الإحسان والعلى. # ولما كان من له الملك قد لا يكون متمكنا من إبقائه في يده أو إعطاء ما ~~يريد منه لغيره ونزعه منه متى أراد قال: {الذي بيده} أي بقدرته وتصرفه لا ~~بقدرة غيره {الملك} أي أمر ظاهر العالم فإليه كل تدبير له وتدبير فيه ~~وبقدرته إظهار ما يريد، لا مانع له من شيء ولا كفوء له بوجه، وهو كناية عن ~~الإحاطة والقهر، وذكر اليد إنما هو تصوير للإحاطة ولتمام القدرة لأنها ~~محلها مع التنزه عن الجارحة وعن كل ما يفهم حاجة أو شبها بالخلق. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ورود ما افتتحت به هذه السورة من ~~التنزيه وصفات التعالي إنما يكون عقيب تفصيل وإيراد عجائب من صنعه سبحانه ~~كورود قوله تعالى «فتبارك ms5240 الله أحسن الخالقين» عقيب تفصيل التقلب الإنساني ~~من لدن خلقه من سلالة من طين إلى إنشائه خلقا آخر وكذا كل ما ورد من هذا ما ~~لم يرد أثناء أي قد جردت للتنزيه والإعلام بصفات التعالي والجلال. # PageV20P217 # ولما كان قد أوقع في آخر سورة التحريم ما فيه أعظم عبرة لمن تذكر، وأعلى ~~آية لمن استبصر، من ذكر امرأتين كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين قد ~~بعثهما الله تعالى رحمة لعباده واجتهدا في دعاء الخلق، فحرم الاستنارة ~~بنورهما والعياذ بهداهما من لم يكن أحد من جنسهما أقرب إليهما منه ولا أكثر ~~مشاهدة لما مدا به من الآيات وعظيم المعجزات، ومع ذلك فلم يغنيا عنهما من ~~الله شيئا، ثم أعقبت هذه العظة بما جعل في طرف منها ونقيض من حالها، وهو ~~ذكر امرأة فرعون التي لم يغرها مرتكب صاحبها وعظيم جرأته مع شدة الوصلة ~~واستمرار الألفة لما سبق لها في العلم القديم من السعادة وعظيم الرحمة ~~فقالت: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} [التحريم: 11] وحصل في هاتين ~~القصتين تقديم سبب رحمة حرم التمسك به أولى الناس في ظاهر الأمر وتقديم سبب ~~امتحان عصم منه أقرب الناس إلى التورط فيه، ثم أعقب ذلك بقصة عريت عن مثل ~~هذين السببين وانفصلت في مقدماتها عن تينك القصتين، وهو ذكر مريم ابنة ~~عمران ليعلم العاقل حيث يضع الأسباب، وأن القلوب بيد العزيز الوهاب، أعقب ~~تعالى ذلك. # بقوله الحق {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء # PageV20P218 # قدير} [الملك: 1] وإذا كان الملك سبحانه وتعالى بيده الملك فهو الذي يؤتي ~~الملك والفضل من يشاء وينزعه ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء كما صرحت ~~به الآية الأخرى في آل عمران، فقد اتضح اتصال سورة الملك بما قبلها ثم بنيت ~~سورة الملك على التنبيه والاعتبار ببسط الدلائل ونصب البراهين حسبما يبسطه ~~التفسير - انتهى. # ولما كان المتصرف في الملك قد لا يكون قدرته تامة ولا عامة قال تعالى: ~~{وهو} أي وحده له عظمة تستولي على القلوب وسياسة تعم كل ms5241 جلب نفع ودفع ضرر ~~لأنه {على كل شيء} أي يمكن يشاؤه من الملك وغيره من باطنه وهو الملكوت ~~وغيره مما وجد وما لم يوجد {قدير *} أي تام القدرة، ودل على ذلك بقوله: ~~{الذي خلق} أي قدر وأوجد. # ولما كان الخوف من إيقاع المؤلم ادعى إلى الخضوع لأنه أدل على الملك مع ~~أن الأصل في الأشياء العدم، قدم قوله: {الموت} أي هذا الجنس وهو زوال ~~الحياة عن الحي الذي هو في غاية الاقتدار على التقلب بجعله جمادا كأن لم ~~يكن به حركة أصلا. أول ما يفعل في تلك الدار بعد استقرار كل فريق في داره ~~وأن يعدم هذا الجنس فيذبح بعد أن يصور في صورة كبش {والحياة} أي هذا # PageV20P219 # الجنس وهو المعنى الذي يقدر الجماد به على التقلب بنفسه وبالإرادة، وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: الموت خلقه الله على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ~~ولا يجد ريحه إلا مات، والحياة على صورة فرس بلقاء وهي التي كان جبريل ~~والأنبياء يركبونها فلا يجد ريحها شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السامري قبضة ~~من أثرها وألقاه على الحلي الذي ألقاه بنو إسرائيل ونوى أن يكون عجلا فصار ~~عجلا. # ولما ذكر الدال على القدرة أتبعه غايته، وهو الحكم الذي هو خاصة الملوك ~~فقال تعالى: {ليبلوكم} أي يعاملكم وهو أعلم بكم من أنفسكم معاملة المختبر ~~لإظهار ما عندكم من العمل بالاختيار {أيكم أحسن عملا} أي من جهة العمل أي ~~عمله أحسن من عمل غيره، وعبارة القرآن في إسناد الحسن إلى الإنسان تدل على ~~أن من كان عمله أحسن كان هو أحسن ولو أنه أبشع الناس منظرا، ومن كان عمله ~~أسوأ كان بخلاف ذلك، والحسن إنما يدرك بالشرع، فما حسنه الشرع فهو الحسن ~~وما قبحه فهو القبيح، وكان ذلك مفيدا للقيام بالطاعة لأن من تفكر في حاله ~~علم أنه مباين لبقية الحيوانات بعقلة وللنباتات بحياته، وللجمادات بنموه، ~~وأن ذلك ليس له من ذاته بدليل موته، فما كان له ذلك إلا بفاعل مختار، له ~~الحياة ms5242 من ذاته، فيجتهد في رضاه باتباع رسله إن كان عاقلا، # PageV20P220 # فيشكره إذا أنعم، ويصبر إن امتحن وانتقم، ويخدمه بما أمر وينزجر عما عنه ~~زجره، فهذه الآية مشتملة على وجود المقتضي للسعادة وانتفاء المانع منها ~~ووجود المقتضي إعداد وإرشاد، فالإعداد إعانته سبحانه للعبد بإعداده لقبول ~~السعادة كالحداد يلين الحديد بالنار ليقبل أن يكون سكينا، والإرشاد أخذه ~~بالناصية إلى ما أعد له كالضرب بالسكين وإصلاحها للقطع بها، وانتفاء المانع ~~هو الموقف عن ذلك وهو دفع المشوشات والمفسدات كتثلم السكين وهو يجري السبب ~~وسبب السبب، وهو ما اشتمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم # «اللهم أعني ولا تعن علي» الحديث، فذكره لتمام القدرة والعزة مع ذكر ~~الأحسن دال على توفيقه بما ذكر، ومن تأمل الآية عرف أنه ما خلق لا ليتميز ~~جوهره من صدق غيره أو صدقه من جوهر غيره، وأن الدنيا مزروعة، وأن الآخرة ~~محصدة، فيصير من نفسه على بصيرة، وثارت إرادته لما خلق له تارة بالنظر إلى ~~جمال ربه من حسن وإحسان، وأخرى إلى جلاله من قدرة وإمكان، وتارة بالنظر ~~لنفسه بالشفقة عليها من خزي الحرمان، فيجتهد في رضا ربه وصلاح نفسه خوفا من ~~عاقبة هذه البلوى. # PageV20P221 # ولما كان لا يغفل الابتلاء منا إلا جاهل بالعواقب وعاجز عن رد المسيء عن ~~إساءته وجعله محسنا من أول نشأته، قال نافيا لذلك عن منيع جنابه بعد أن ~~نفاه بلطيف تدبيره وعظيم أمره في خلق الموت والحياة، ومزيلا بوصف العزة لما ~~قد يقوله من يكون قوي الهمة: أنا لا أحتاج إلى تعب كبير في الوصول إليه ~~سبحانه بل أصل إليه أي وقت شئت بأيسر سعي {وهو} أي والحال أنه وحده ~~{العزيز} أي الذي يصعب الوصول إليه جدا، من العزاز وهو المكان الوعر والذي ~~يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، فلو أراد جعل الكل محسنين، ولا يكون كذلك إلا ~~وهو تام القدرة فيلزم تمام العلم والوحدانية ووجوب الوجود أزلا وأبدا. # ولما كان العزيز منا يهلك كل من خالفه إذا علم مخالفته، قال مبينا إمهاله ~~للعصاة ms5243 مرغبا للمسيء في التوبة، بعد ترهيبه من الإصرار على الحوبة، لأنه قد ~~يكون مزدرئا لنفسه قائلا: إن مثلي لا يصلح للخدمة لما لي من الذنوب القاطعة ~~وأين التراب من رب الأرباب {الغفور *} أي أنه مع ذلك يفعل في محو الذنوب ~~عينا وأثرا فعل المبالغ في ذلك ويتلقى من أقبل إليه أحسن تلق كما # PageV20P222 # قال تعالى في الحديث القدسي «ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» . # ولما أثبت له سبحانه صفتي العز والغفر على أبلغ ما يكون، دل على ذلك ~~بقوله دالا على كمال تفرده بعد آيات الأنفس بآيات الآفاق إرشادا إلى معالي ~~الأخلاق: {الذي خلق} أي أبدع على هذا التقدير من غير مثال سبق {سبع سماوات} ~~حال كونها {طباقا} جمع طبق كل واحدة منها كأنها لشدة مطابقتها للأخرى طالبة ~~مطابقتها بحيث يكون كل جزء منها مطابقا لجزء من الأخرى، ولا يكون جزء منها ~~خارجا عن ذلك وهي لا تكون كذلك إلا بأن تكون الأرض كرة والسماء الدنيا ~~محيطة بها إحاطة قشر البيضة بالبيضة من جميع الجوانب والثانية محيطة ~~بالدنيا وهكذا إلى أن يكون العرش محيطا بالكل، والكرسي الذي هو أقربها إليه ~~بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة، فما ظنك بما تحته، وكل سماه في التي ~~فوقها بهذه النسبة، وقد قرر أهل الهيئة أنها كذلك، وليس في الشرع ما يخالفه ~~بل ظواهره توافقه ولا سيما التشبيه بالحلقة الملقاة في فلاة كما مضى بسط ~~ذلك في ذلك سورة السجدة، وأحاط سبحانه بالأرض منافعها من جميع الجوانب، ~~وجعل المركز بحيث يجذب إليه الأسفل فكيفما مشى الحيوان في جوانبها اقتضى ~~المركز أن تكون رجلاه إلى الأرض ورأسه إلى السماء لتكون السماء في رأيه ~~دائما أعلى، والأرض أسفل في أي جانب كان # PageV20P223 # هو عليها، فسبحان اللطيف الخبير، ولا شك أن من تفكر في هذه العظمة مع ما ~~لطف بنا فيما هيأه فيها لنا من المنافع، آثره سبحانه بالحب وأفرده عن كل ~~ضد، فانقطع باللجاء إليه ولم يعول إلا عليه في كل دفع ونفع، وسارع في ~~مراضيه ومحابه ms5244 في كل خفض ورفع. # ولما كان ذلك في حد ذاته خارجا عن طوق المخلوق، وكان سمك كل سماء مسيرة ~~خمسمائة عام، ولما بين كل سماءين كذلك مع عدم الفروج والعمد والأطناب، فكان ~~ذلك النهاية في الخروج عن العادة في حد ذاته ولأنه قيل: إن القبة إذا بنيت ~~بلا فروج ولا شيء يدخل الهواء منه تفسد وتسقط، دل على عزته بعظيم صنعه في ~~ذلك بقوله واصفا لها: {ما ترى في} وكان الأصل: خلقها، ولكنه دل على عزته ~~وعموم عظمته بقوله: {خلق الرحمن} أي لها ولغيرها ولولا رحمته وعموم عظمته ~~التي اقتضت إكرامه لخلقه بعد غفرانه لما لهم من النقائص ما أحسن إليهم بها ~~في اتساعها وزينتها وما فيها من المنافع، وأعرق في النفي بقوله: # PageV20P224 # {من تفاوت} بين صغير ذلك الخلق وكبيره بالنسبة إلى الخالق في إيجاده له ~~على حد سواء، إنما قوله إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فلا فرق في ذلك ~~بين الذرة مثلا والغرس ولا بالنسبة إلى الخالق من عجز صغيرهم وكبيرهم عن ~~إيجاد شيء من العدم صغيرا كان أو كبيرا جليلا كان أو حقيرا، ولا ترى تفاوتا ~~في الخلق بأن يكون شيء منه فائتا للآخر بالمخالفة والاضطراب والتناقض في ~~الخلقة غير مناسب له بأن يكون خارجا عنه أو منافرا له في مقتضى الحكمة، ~~وآثار الإحسان في الصنعة، والنزول عن الإتقان والاتساق، والخروج عن الإحكام ~~والاتفاق، والدلالة للخالق على كمال القدرة وللمخلوق على الحدوث بنوع من ~~ضعف البنية بحيث يكون كل واحد كالطالب لأن يخالف الآخر، أو تعمد لأن يفوت ~~الآخر ويخالفه - على قراءة حذف الألف والتشديد بحيث يكون التفاضل في ~~المزدوجات وعدم المساواة كأنه مقصود بالذات وبالقصد الأول، بل لا توجد ~~المخالفة إلا ناردا بحيث يعلم أن المشاكلة هي المقصود بالذات وبالقصد ~~الأول، فإذا وقع في شيء منه مخالفة كان على وجه الندور ليعلم أنه ليس ~~مقصودا بالذات، وإنما أريد به الدلالة على الاختيار وأن الفاعل هو القادر ~~المختار لا الطبيعة، قال الرازي: كأن التفاوت الشيء ms5245 # PageV20P225 # المختلف لأعلى النظام، وقال البغوي: من اعوجاج واختلاف وتناقض، وقال ~~غيره: عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه، وهو من الفوت وهو ~~أن يفوت بعضها بعضا لقلة استوائها، وقال أبو حيان: والتفاوت تجاوز الحد ~~الذي يجب له زيادة أو نقصان - انتهى. # يظهر ذلك بأن أغلب الخلق أجوف، والأجوف يعمل مبسوطا ثم يضم ويوصل أحد ~~جانبيه بالآخر فيكون ثم نوع فطر يعرفه أهل الحذق وإن اجتهد صانعه في إخفائه ~~وإن كان فيه أشياء متقابلة كان فيها تفاوت ولو قل وإن اجتهد الصانع في ~~المساواة، وخلق الله لا تفاوت فيه بوجه، فالسماوات كرية ولا ترى في جانب ~~منها شقا ولا فطرا ظاهرا ولا خفيا، والحيوان أجوف ولا ترى في شيء من جسده ~~فصما يكون الضم والتجويف وقع به وكل من متقابليه مساو للأخر كالعينين ~~والأذنين والمنخرين والساقين ونحوها مما يقصد فيه التساوي لا تفاوت فيه ~~أصلا - إلى غير ذلك مما يطول شرحه، ولا يمكن ضبطه، فسبحان من لا تتناهى ~~قدرته فلا تتناهى مقدوراته، ولا تحصى بوجه معلوماته، وكل ذلك عليه هين، ~~والأمر في ذلك واضح بين، هذا مع الاتساع الذي لا يدرك مقداره بأكثر # PageV20P226 # من أن كل سماء بالنسبة إلى التي فوقها كحلقة ملقاة في فلاة إلى أن يوصل ~~إلى الكرسي ثم العرش العظيم، ومن سر كونها كذلك حصول النفع بكل ما فيها من ~~كواكب مرطبة أو ميبسة أو منورة واتصالات ممطرة ومثبتة يجري كل ذلك منها على ~~ترتيب مطرد، ونظام غير منخرم مقدر جريه بالقسط مرتب على منافع الوجود ~~ومصالح الكائنات كلها مكفوفة على هواء لطيف بتدبير شريف: لا يتعدى شيء منها ~~طوره ولا يتخطى حده، ولا يرسب فيها تحته من الهواء فيهوي، ولا يرتفع عن ~~محله بمقدار ذرة فيطفو، قد أحاط بكلها الأمر، وضبطها صاغرة القهر. # ولما كان العلم الناشىء عن الحسن أجل العلوم، دل على بديع ما ذكره ~~بمشاهدة الحس له كذلك، فسبب عنه قوله منبها بالرجع الذي هو تكرير الرجوع ~~على أن كل أحد يشاهد ذلك ms5246 كذلك من حين يعقل إلى أن يبلغ حد التكليف المقتضي ~~للمخاطبة بهذا الكلام: {فارجع البصر} أي بعد ترديدك له قبل ذلك، ودل بتوجيه ~~الخطاب نحو أكمل الخلق صلى الله عليه وسلم في السمع والبصر والبصيره وكل ~~معنى إلى أن ذلك لا شبهة فيه. # PageV20P227 # ولما كان السؤال عن الشيء يدل على شدة الاهتمام بالبحث عنه، نبه على أن ~~هذا مما اشتدت عناية الأولين به فقال: {هل ترى} أي في شيء منها. # ولما كان هذا الاستفهام مفيدا للنفي، أعرق في النفي بقوله: {من فطور *} ~~أي خلل بشقوق وصدوع أو غيرها لتغاير ما هي عليه وأخبرت به من تناسبها ~~واستجماعها واستقامتها ما يحق لها مما يدل على عزة ما فيها وبليغ غفرانه، ~~وهذا أيضا يدل على إحاطة كل منها بما دونه فإنه لو كان لها فروج لفاتت ~~المنافع التي رتبت لها النجوم المفرقة في طبقاتها أو بعضها أو كمالها، ~~فالهواء وجميع المنافع منحبسة فيها محوطة بها مضطربة متصرفة فيها على حسب ~~التدبير والحيوان في الهواء كالسمك في الماء، أو انحبس الهواء عنه لمات كما ~~أنه لو انكشف الماء عن السمك لمات. # PageV20P228 # ولما كان في سياق المجازاة بالأعمال الصالحة والطالحة التي دل عدم ~~الانتصاف من الظالمين في هذه الدار على أنها تكون بعد البعث # PageV20P228 # وكانت العزة مقتضية لذلك، وكان خلقه سبحانه وتعالى لهذا الوجود على هذا ~~النظام مثبتا لها، وكانت أعمالهم أعمال المنكر لها، ولا سيما تصريحهم بأنه ~~لا بعث، دل على عظمة عزته بما أبدعه من هذا السقف الرفيع البديع، ثم بجعله ~~محفوظا هذا الحفظ المنيع، على تعاقب الأحقاب وتكرر السنين، فقال معبرا ~~بأداة التراخي دالا على جلاله بإدامة التكرير طول الزمان: {ثم ارجع البصر} ~~وأكد ما أفهمته الآية من طلب التكرير بقوله تعالى: {كرتين} أي مرتين أخريين ~~- هذا مدلولها لغة، وبالنظر إلى السياق علم أن المرد مرة بعد مرة لا تزال ~~تكرر ذلك لارتياد الخلل لا إلى نهاية، كما أن «لبيك» مراد به إجابة إلى غير ~~غاية، وعلى ذلك دل قوله سبحانه ms5247 وتعالى: {ينقلب إليك} أي من غير اختيار بل ~~غلبة وإعياء وانكسار {البصر خاسئا} أي صاغرا مطرودا ذليلا بعيدا عن إصابة ~~المطلوب {وهو} أي والحال أنه {حسير *} أي كليل تعب معيى من طول المعاودة ~~وتدقيق النظر وبعد المسرح، وإذا كان هذا الحال في بعض المصنوع فكيف يطلب ~~العلم بالصانع في كماله من جلاله وجماله، فكيف بمن يتفوه بالحلول أو ~~الاتحاد حسبه جهنم وبئس المهاد. # ولما أخبر سبحانه وتعالى عن بديع هذا الخلق، ونبه على بعض # PageV20P229 # دقائقه وأمر بالإبصار وتكريره، وكان السامع أول ما يصوب نظره إلى السماء ~~لشرفها وغريب صنعها وبديع وضعها ومنيع رفعها، فكان بحيث يتوقع الإخبار عن ~~هذه الزينة التي رصعت بها، قال في جواب من توقعه مؤكدا بالقسم إعلاما بأنه ~~ينبغي أن يبعد العاقل عن إنكار شيء مما ينسب إلى صاحب هذا الخلق من الكمال، ~~عاطفا على ما تقديره: لقد كفى هذا القدر في الدلالة على عظمة مبدع هذا ~~الصنع وتمام قدرته: {ولقد} واستجلب الشكر بجلب المسار فقال ناظرا إلى مقام ~~العظمة صرفا للعقول عما اقتضاه «الرحمن» من عموم الرحمة تذكيرا بما في ~~الآية الماضية، وتنبيها على ما في الزينة بالنجوم من مزجها بالرجوم الذي هو ~~عذاب «الجن المتمردين الطاغين» : {زينا} دلالة أخرى تدل على العظمة بعد تلك ~~الدلالة الأولى {السماء الدنيا} أي أدنى السماوات إلى الأرض وهي التي تشهد ~~وأنتم دائما تشاهدونها وهي سقف الدار التي اجتمعتم فيها في هذه الحياة ~~الدنيا {بمصابيح} أي نجوم متقدة عظيمة جدا، كثرتها تفوت الحصر، ظاهرة سائرة ~~مضيئة زاهرة. وهي الكواكب التي تنور الأرض بالليل إنارة السرج التي تزينون ~~بها سقوف دوركم، فتفيد شعبة من ضوء الصباح، والتزيين بها لا يمنع أن تكون ~~مركوزة فيها فوقها من السماوات وهي تتراءى لنا بحسب الشفوف # PageV20P230 # بما للاجرام السماوية من الصفاء، ولتلك المصابيح من شدة الإضاءة. # ولما أخبر - جلت قدرته - بعظيم قدرته فيها منبها على ما فيها من جلب ~~المسار بتلك الأنوار والهداية في الدين والدنيا التي لولا هي لما انتفع أحد ~~في ليل ms5248 انتفاعا تاما، أخبر بما فيها مع الزينة من دفع المضار بعبارة عامة ~~وإن كان المراد البعض الأغلب فإن ما للرجوم منها غير ما للاهتداء والرسوم ~~فقال: {وجعلناها} أي النجوم من حيث هي بعظمتنا مع كونها زينة وأعلاما ~~للهداية {رجوما} جمع رجم وهو مصدر واسم لما يرجم به {للشياطين} الذين ~~يستحقون الطرد والبعد والحرق من الجن لما لهم من الاحتراق، وذلك بيانا ~~لعظمتنا وحراسة للسماء الدنيا التي هي محل تنزل أمرنا بالقضاء والقدر، ~~وإنزال هذا الذكر الحكيم لئلا يفسدوا باستراق السمع منها على الناس دينهم ~~الحق، ويلبسوا عليهم أمرهم بخلط الحق الذي ختمنا به الأديان بالباطل، ~~فيخرجوهم - لأنهم أعداؤهم - من النور إلى الظلمات كما كانوا في الجاهلية مع ~~ما فيها بما خلق سبحانه في أمزجتها من ترطيب وتجفيف وحر وبرد واعتدال ينشأ ~~عنه الفصول الأربعة وقهرها به من شروق وغروب وحركة وسكون يعرف بها ما إليه ~~المآل، مما أخبرت به الرسل من الزوال، مع ما يدل من الليل والنهار والعشي # PageV20P231 # والإبكار وأشياء يكل عنها الوصف في ذواتها وعن إحصاء منافعها حتى لو عدم ~~شيء مما في السماوات مما دبره الحكيم لصلاح هذا العالم يهلك كل حيوان ونبات ~~على وجه الأرض، والشهاب المرجوم به منفصل من نار الكواكب وهو قار في فلكه ~~على حالة كقبس النار يؤخذ منها وهي باقية على حالها لا نقص، وذلك مسوغ ~~لتسميتها بالرجوم، فمن لحقه الشهاب منهم قتله أو ضعضع أمره وخبله، ويحتمل ~~مع ذلك أن يكون المراد: ظنونا لشياطين الإنس وهم المنجمون يتكلمون بها رجما ~~بالغيب في أشياء هي من عظيم الابتلاء ليتبين الموقن من المزلزل والعالم من ~~الجاهل؛ وفي البخاري: قال قتادة: «خلقت النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما ~~للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه ~~وتكلف بما لا علم له به» ولما كان التقدير: ورجمناهم بها بالفعل عند ~~استراقهم للسمع إبعادا لهم عن مسكن المكرمين ومحل النزاهة والأنس ومهبط ~~القضاء والتقدير، ونكالا لغيرهم من أمثالهم عذابا لهم في الدنيا، عطف ms5249 عليه ~~قوله ترهيبا من جلاله بعد ما رغب في عظيم جماله: {وأعتدنا} أي هيأنا في ~~الآخرة مع هذا # PageV20P232 # الذي في الدنيا بما لنا من العظمة {لهم} أي الشياطين الذين يسترقون السمع ~~{عذاب السعير -} أي النار التي هي في غاية الاتقاد، ففي الآية بشارة أهل ~~السمع والبصر والعقل وفيها من التنبيه ما لا يخفى. # ولما أخبر سبحانه عن تهيئته العذاب لهم بالخصوص، أخبر أيضا عن تهيئته لكل ~~عامل بأعمالهم على وجه اندرجوا هم فيه فقال حاثا على التكفر في عظيم ~~انتقامه الخارج عن العادة في عدم الانطفاء، لكونه ليس بسيف ولا عصا. ولا ~~بسوط ونحوه بل النار الخارجة عن العادة في عدم الانطفاء، ولا للمعذب من ~~الخلاص منها مسلك ولا رجاء بل كلما طال الزمان تلقته بالشدة والامتداد، بئس ~~الجامعة للمذام في كل انتقام مع الإهانة والاحتقار {وللذين كفروا} أي ~~أوقعوا التغطية لما من حقه أن يظهر ويشهر من الإذعان للإله، فقال صارفا ~~القول عن مقام العظمة إلى صفة الإحسان الخاصة بالتربية تنبيها على ما في ~~إنكاره من عظيم الكفران: {بربهم} أي الذي تفرد بإيجادهم والإحسان إليهم ~~فأنكروا إيجاده لهم بعد الموت وذلك كفرا منهم بما شاهدوا من اختراعه لهم من ~~العدم {عذاب جهنم} أي الدركة النارية التي تلقاهم بالتجهم # PageV20P233 # والعبوسة والغضب. # ولما كان التقدير: هي مصيرهم، قال دالا على عدم خلاصهم منها أصلا أزلا ~~وأبدا: {وبئس المصير *} أي هي. # ولما عبر عن ذمها بمجمع المذام، أتبعه الوصف لبعض تجهمها على وجه ~~التعليل، فقال دالا بالإلقاء على خساستهم وحقارتهم معبرا بأداة التحقيق ~~دالالة على أنه أمر لا بد منه، وبالبناء للمفعول على أن إلقاءهم في غاية ~~السهولة على كل من يؤمر به: {إذا ألقوا} أي طرح الذين كفروا والأخساء من أي ~~طارح أمرناه بطرحهم {فيها} حين تعتلهم الملائكة فتطرحهم كما تطرح الحطب في ~~النار {سمعوا لها} أي جهنم نفسها {شهيقا} أي صوتا هائلا أشد نكارة من أول ~~صوت الحمار لشدة توقدها وغليانها، أو لأهلها - على حذف مضاف {وهي تفور *} ~~أي تغلي ms5250 بهم كغلي المرجل بما فيه من شدة التلهب والتسعر، فهم لا يزالون ~~فيها صاعدين هابطين كالحب إذا كان الماء - يغلي به، لا قرار لهم أصلا. # PageV20P234 # ولما وصفها بالفوران، بين سببه تمثيلا لشدة اشتعالها عليهم فقال: {تكاد ~~تميز} أي تقرب من أن ينفصل بعضها من # PageV20P234 # بعض كما يقال: يكاد فلان ينشق من غيظه وفلان غضب فطارت شقة منه في الأرض ~~وشقة في السماء - كناية عن شدة الغضب {من الغيظ} أي عليهم، كأنه حذف إحدى ~~التاءين إشارة إلى أنه يحصل منها افتراق واتصال على وجه من السرعة لا يكاد ~~يدرك حق الإدراك، وذلك كله لغضب سيدها، وتأتي يوم القيامة تقاد إلى المحشر ~~بألف زمام لكل زمام سبعون ألف ملك يقودونها به، وهي شدة الغيظ تقوى على ~~الملائكة وتحمل على الناس فتقطع الأزمة جميعا وتحطم أهل المحشر فلا يردها ~~عنهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم يقابلها بنوره فترجع مع أن لكل ملك من ~~القوة ما لو أمر به أن يقتلع الأرض وما عليها من الجبال ويصعد بها في الجو ~~فعل من غير كلفة، وهذا كما أطفأها في الدنيا بنفخة كما رواه الجماعة إلا ~~الترمذي وهذا لفظ أبي داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: ~~«انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر صلاته إلى أن ~~قال: ثم نفخ في آخر سجوده. فقال: أف أف ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم ~~وهم يستغفرون» وفي رواية النسائي أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لقد ~~أدنيت مني النار حتى جعلت ألفتها خشية أن تغشاكم» . # ولما ذكر سبحانه حالها، أتبعه حالهم في تعذيب القلب باعتقادهم # PageV20P235 # أنهم ظلمة على وجه، بين السبب في عذابهم زجرا عنه فقال: {كلما} ولما كان ~~المنكىء مجرد الإلقاء بني للمفعول دلالة على ذلك وعلى حقارتهم بسهولة ~~إلقائهم قوله: {ألقي فيها} أي جهنم بدفع الزبانية بهم الذين هم أغيظ عليهم ~~من النار {فوج} أي جماعة هم في غاية الإسراع موجفين مضطربي الأجواف من شدة ~~السوق ms5251 {سألهم} أي ذلك الفوج {خزنتها} أي النار سؤال توبيخ وتقريع وإرجاف. # ولما كان كأنه قيل: ما كان سؤالهم؟ قال: قالوا موبخين لهم مبكتين محتجين ~~عليهم في استحقاقهم العذاب زيادة في عذابهم بتعذيب أرواحهم بعد تعذيب ~~أشباحهم: {ألم يأتكم} أي في الدنيا {نذير *} أي يخوفكم هذا العقار ويذكركم ~~بما حل بكم وبما حل ممن قبلكم من المثلاث، لتكذيبهم بالآيات، ويقرأ عليكم ~~الكتب المنزلات {قالوا بلى} ولما طابق هذا الجواب فتوقع السامع إيضاحه. ~~افصحوا بما أفهمه وشرحوه تأسفا على أنفسهم مما حل بهم وتحسرا فقالوا: {قد ~~جاءنا} وأظهروا موضع الإضمار تأكيدا وتنصيصا فقالوا: {نذير *} أي مخوف بليغ ~~التحذير {فكذبنا} أي فتسبب عن مجيئه أننا أوقعنا التكذيب بكل # PageV20P236 # ما قاله النذير {وقلنا} أي زيادة في التكذيب والنكاية له والعناد الذي حل ~~شؤمه بنا: {ما نزل الله} أي الذي له الكمال كله عليكم ولا على غيركم، ولعل ~~التعبير بالتفعيل إشارة إلى إنكارهم الفعل بالاختيار الملازم للتدريج - ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأعرقنا في النفي فقلنا: {من شيء} لا وحيا ~~ولا غيره، وما كفانا هذا الفجور حتى قلنا مؤكدين: {إن} أي ما. # ولما كان تكذيبهم برسول واحد تكذيبا لجميع الرسل قالوا عنادا: {أنتم} أي ~~أيها النذر المذكورون في «نذير» المراد به الجنس، وفي خطاب الجمع إشارة ~~إيضا إلى أن جواب الكل للكل كان متحدا مع افتراقهم في الزمان حتى كأنهم ~~كانوا على ميعاد {إلا في ضلال} أي بعد عن الطريق وخطأ وعمى محيط بكم {كبير ~~*} فبالغنا في التكذيب والسفه بالاستجهال والاستخفاف. # ولما حكى سبحانه ما قالوه للخزنة تحسرا على أنفسهم حكى ما قالوه بعد ذلك ~~فيما بينهم زيادة في التحزن ومقتا لأنفسهم بأنفسهم فقال تعالى: {وقالوا} أي ~~الكفرة في توبيخ أنفسهم: {لو كنا} أي بما هو لنا كالغريزة. # ولما كان السمع أعظم مدارك العقل الذي هو مدار التكليف قالوا: {نسمع} أي ~~سماعا ينفع بالقبول للحق والرد للباطل {أو نعقل} أي بما أدته إلينا حاسة ~~السمع وغيرها عقلا ينجي وإن # PageV20P237 # لم يكن سمع، وإنما قصروا ms5252 الفعلين إشارة إلى أن ما كان لهم من السمع ~~والعقل عدم لكونه لم يدفع عنهم هذا البلاء بالقبول من الرسل لما ذكروهم به ~~من نصائح ربهم وشهادة الشواهد من الآيات البينات {ما كنا} أي كونا دائما ~~{في أصحاب السعير *} أي في عداد من أعدت له النار التي هي في غاية الاتقاد ~~والحر والتلهب والتوقد حتى كأن بها جنونا، وحكم بخلودهم في صحبتها، وأعظم ~~ما في هذا من العذاب بكونهم ألجئوا إلى أن يباشروا توبيخ أنفسهم ومقتها ~~بأنفسهم أنه لا يقبل منهم خروجا عن العادة في الدنيا من أن الإنسان إذا ~~أظهر الخضوع باعترافه ولومه نفسه وإنصافه رحم وقبل، وفي الآية أعظم فضيلة ~~للعقل، روى ابن المحبر في كتاب العقل والحارث عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله ~~فبقدر عقله تكون عبادته، أما سمعتم قول الفجار لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ~~في أصحاب السعير» . # ولما كان هذا الإقرار زائدا في ضررهم، وإنما كان يكون نافعا لهم لو قالوه ~~في دار العمل وندموا عليه وأقلعوا عنه، سبب عنه قوله ضاما - إلى ما تقدم من ~~تعذيب أرواحهم بمقت الملائكة لهم ثم مقتهم # PageV20P238 # لأنفسهم - مقت الله لهم: {فاعترفوا} أي بالغوا جامعين إلى مقت الله ~~وملائكته لهم مقتهم لأنفسهم في الاعتراف وهو الإقرار عن معرفة. # ولما كان الذي أوردهم المهالك هو الكفر الذي تفرعت عنه جميع المعاصي، ~~أفرد فقال تعالى: {بذنبهم} أي في دار الجزاء كما كانوا يبالغون في التكذيب ~~في دار العمل فلم يكن ينفعهم لفوات محله، أو أنه لم يجمع الذنب إشارة إلى ~~أنهم كانوا كلهم في المبالغة في التكذيب على حد واحد، كما قال تعالى {كذلك ~~ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم ~~قوم طاغون} [الذاريات: 53] أو أن الإفراد أشد في التحذير من كثير الذنوب ~~وقليلها حقيرها وجليلها. # ولما كانوا قد أبلغوا في كلتي الدارين في إبعاد أنفسهم ms5253 عن مواطن الرحمة ~~وتسفيلها إلى حال النقمة أنتج ذلك وسبب قوله: {فسحقا} أي بعدا في جهة السفل ~~وهو دعاء عليهم مستجاب {لأصحاب} وأظهر تنبيها على عظيم توقدها وتغيظها ~~وتهددها فقال: {السعير *} أي الذي قضت عليهم أعمالهم بملازمتها. # PageV20P239 # ولما ذكر سبحانه أهل المعاملة بصفة العزة لما حصل لهم من العزة، أتبعهم ~~أضدادهم المطوعين أنفسهم لإشارة العقل المتأهلين لنعت المعرفة، فقال مؤكدا ~~لما للأضداد من التكذيب: {إن الذين يخشون} أي يخافون خوفا أرق قلوبهم وأرق ~~غيرهم بحيث كانوا كالحب على المقلي لا يقر لهم قرار من توقعهم العقوبة، ~~كلما ازدادوا طاعة ازدادوا خشية، يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة فوقوا أنفسهم ~~فوران النار بهم، وعدل عن سياق الجلالة الجامع إلى صفة الإحسان تنبيها على ~~أنهم غلب عليهم النظر إلى الإحسان فقادهم إلى الشكر مع ما نبهت عليه الخشية ~~من اتصافهم بالفرق الذي أداهم إلى الذعر فقال: {ربهم} الذي أحسن إليهم ~~بتطويرهم بما جعل لهم من الأسباب في أطوار الخير وإذا كانوا يخشونه مع ~~نظرهم إلى صفة إحسانه فما ظنك بهم عند النظر إلى صفات انتقامه {بالغيب} أي ~~حال كونهم غائبين عنه سبحانه ووعيده غائبا عنهم وهو غائبون عن أعين الناس ~~وقد ملأ الخوف ما غاب عنهم عن الناس وهي قلوبهم فهم مع الناس يتكلمون ~~وقلوبهم تتلظى بنيران الخوف وتكلم بسيوف الهيبة، فيتركون المعصية حيث لا ~~يراهم أحد من الناس! ولا يكون لهم هذا إلا برياضة عظيمة لما عند # PageV20P240 # الناس من القوى الموجبة للطغيان، قال بعض العارفين: في الإنسان خواص ~~تستدعي العلم بما يشوبها من الحظوظ فتنشأ منها - والعياذ بالله - المنازعة ~~في الكبرياء والعظمة والجلال والجمال، فالقلب يستدعي التفرد بالوجود والأمر ~~والنهي، فما من أحد إلا وهو مستبطن ما قال فرعون، ولكن لا يجد له مجالا كما ~~وجد فرعون، والعقل يستدعي في تدبيره وتأثيره اعتقاد أنه لو مكن من الوجود ~~لدبره، ويرى أن تدبيره هو التدبير وإن كان أفسد الفاسد، وكذلك لا يزال ~~يقول: لو كان كذا لكان كذا، والنفس لا تتخيل أنها من ms5254 القوة والاقتدار بحيث ~~لو أرادت أن تخرب مدنا وتبنيها فعلت، فليحذر الإنسان فإن أعدى عدوه نفسه ~~التي هي بين جنبيه، فمهما تركها انتشرت، قال تعالى {كلا إن الإنسان ليطغى ~~أن رآه استغنى} [العلق: 6 و7] وينسى ما بعدها {إن إلى ربك الرجعى} [العلق: ~~8] ولهذا كان بعض الأكاسرة - وكانوا أعقل الملوك - يرتب واحدا يكون وراءه ~~بالقرب منه، يقول له إذا اجتمعت جنوده بعد كل قليل: أنت عبد، لا يزال يكرر ~~ذلك، والملك يقول له كلما قاله: نعم: فعلى العاقل أن يطوع نفسه لأن ترجع ~~مطمئنة بأن # PageV20P241 # يرضى بالله ربا ليدخل في رق العبودية، وبالإسلام دينا ليصير عريقا فيها، ~~فلا ينازع الملك في ردائه الكبرياء وإزاره العظمة وتاجه الجلال وحلته ~~الجمال، ولا ينازعه فيما يدبره من الشرائع، ويظهره من المعارف، ويحكم به ~~على عبيده من قضائه وقدره. # ولما كانت الخشية مشيرة إلى الذنوب، فكان أهم ما إليهم الإراحة منها قال ~~تعالى: {لهم مغفرة} أي سترة عظيمة تأتي على جميع ذنوبهم. # ولما كان السرور إنما يتم بالإعطاء قال: {وأجر} أي من فضل الله {كبير *} ~~يكون لهم به من الإكرام ما ينسيهم ما قاسوه في الدنيا من شدائد الآلام، ~~وتصغر في جنبه لذائذ الدنيا العظام. # ولما كانت الخشية من الأفعال الباطنة، وكان كل أحد يدعي أنه يخشى الله، ~~قال مخوفا لهم بعلمه نادبا إلى مراقبته لئلا يغتروا بحلمه، عاطفا على ما ~~تقديره لإيجاب المراقبة: فأبطنوا أفعالهم وأظهروها: {وأسروا} أي أيها ~~الخلائق. # ولما كان إفراد الجنس دالا على قليله وكثيره قال: {قولكم} # PageV20P242 # أي خيرا كان أو شرا {أو اجهروا به} فإنه يعلمه ويجازيكم به لأن علمه لا ~~يحتاج إلى سبب، وذلك أن المشركين كانوا يقولون: أسروا وإلا يسمع إله محمد: ~~ثم علل ذلك مؤكدا لأجل ما للناس من استبعاد ذلك بقوله: {إنه} أي ربكم ~~{عليم} أي بالغ العلم {بذات الصدور *} أي بحقيقتها وكنهها وحالها وجبلتها ~~وما يحدث عنها سواء كانت قد تخيلته ولم تعبر عنه، أو كان مما لم تتخيله بعد ~~بدليل ما يخبر به ms5255 سبحانه وتعالى عنهم مما وقع وهم يخفونه، أو لم يقع بعد ثم ~~يقع كما أخبر به سبحانه؛ ثم دل على ذلك بقوله معجبا ممن يتوقف فيه أدنى ~~توقف ومنكرا عليهم بإثبات العلم ونفى ضده على أبلغ وجه: {ألا يعلم} أي وكل ~~ما يمكن أن يعلم، وحذف المفعول للتعميم، ثم ذكر الفاعل واصفا له بما يقرب ~~المخبر به للإفهام فقال: {من خلق} أي الذي أوجد الخلق من القلوب الحاوية ~~للأسرار والأبدان وغير ذلك، وطبع في كل شيء من ذلك ما طبع مما قدره بعلمه ~~وأتقنه بحكمته، فإن كل صانع أدرى بما صنعه، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون ~~«من» مفعولا والفاعل مستترا، أي ألا يعلم الله مخلوقه على الإطلاق وله صفتا ~~اللطف والخبر اللتان شأنهما إدراك البواطن إدراكا لا يكون مثله لأن الغرض ~~إثبات العلم لما أخفوه لظنهم أنهم إذا أسروا يخفى، لا إثبات مطلق العلم ~~فإنهم # PageV20P243 # لم ينكروه {وهو} أي والحال أنه هو {اللطيف} أي الذي يعلم ما بثه في ~~القلوب لأنه يصل إلى الأشياء بأضدادها فكيف بغير ذلك {الخبير *} أي بالغ ~~العلم بالظواهر والبواطن فكيف يخفى عليه شيء من الأشياء، وهو أعظم تهديد ~~يكون؛ فإن من علم أن من يعصيه عالما به وهو قادر عليه لا يعصيه أبدا. # ولما كان ذلك أمرا غامضا، دل عليه بأمر مشاهد أبدعه بلطفه وأتقنه بخبرته ~~لاستدعاء الشكر من عباده على ما أبدع لهم ومن عليهم به من النعم الباهرة ~~التي بها قوامهم، ولولاه لما كان لهم بقاء فقال مستأنفا: {هو} أي وحده ~~{الذي جعل لكم} لتتوصلوا إلى ما ينفعكم {الأرض} على سعتها وعظمها وجزونة ~~كثير منها {ذلولا} أي مسخرة لا تمتنع، قابلة للانقياد لما تريدون منها من ~~مشي وإنباط مياه وزرع حبوب وغرس أشجار وغير ذلك غاية الانقياد، بما تفهمه ~~صيغة المبالغة مع أن فيها أماكن خوارة تسوخ فيها الأرجل ويغوص فيها ما ~~خالطها، ومواضع مشتبكة بالأشجار يتعذر أو يتعسر سلوكها، وأماكن # PageV20P244 # ملأى سباعا وحيات وغير ذلك من الموانع، وأماكن هي جبال شاهقة إما ms5256 يتعذر ~~سلوكها كجبل السد بيننا وبين ياجوج وماجوج، ورد في الحديث أنه تزلق عليه ~~الأرجل ولا تثبت، أو يشق سلوكها، ومواطن هي بحور عذبة أو ملحة فلو شاء ~~لجعلها كلها كذلك ليكون بحيث لا يمكن الانتفاع بها، فما قسمها إلى سهول ~~وجبال وبرور وبحور وأنهار وعيون وملح وعذب وزرع وشجر وتراب وحجر ورمال ومدر ~~وغير ذلك إلا لحكمة بالغة وقدرة باهرة، لتكون قابلة لجميع ما تريدون منها، ~~صالحة لسائر ما ينفعكم فيها. # ولما كان معنى التذليل ما تقدم، سبب عنه قوله تمثيلا لغرض التذليل لأن ~~منكبي البعير وملتقاهما من الغاربين أرق شيء وأنباه عن أن يطأه الراكب ~~بقدمه ويعتمد عليه: {فامشوا} أي الهوينا مكتسبين وغير مكتسبين إن شئتم من ~~غير صعوبة توجب لكم وثبا أو حبوا {في مناكبها} أي أماكنها التي هي لولا ~~تسهيلنا لمناكب الحيوانات لكانوا ينتكبون عن الوقوف عليها، فكيف بالمشي، ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنها الجبال - لأن تذليلها أدل دليل # PageV20P245 # على تذليل غيرها، وليكن مشيتكم فيها وتصرفكم بذل وإخبات وسكون استصغارا ~~لأنفسكم وشكرا لمن سخر لكم ذلك - والله الهادي. # ولما ذكر سبحانه أنه يسرها للمشي، ذكرهم بأنه سهلها لإخراج الخيرات ~~والبركات فقال: {وكلوا} ودل على أن الرزق فوق الكفاية بقوله: {من رزقه} أي ~~الذي أودعه لكم فيها وأمكنكم من إخراجه بضد ما تعرفون من أحوالكم فإن الدفن ~~في الأرض مما يفسد المدفون ويحيله إلى جوهرها كما يكون لمن قبرتموه فيها، ~~ومع ذلك فأنتم تدفنون الحب وغيره مما ينفعكم فيخرجه لكم سبحانه على أحسن ما ~~تريدون ويخرج لكم من الأقوات والفواكه والأدهان والملابس ما تعلمون، وكذلك ~~النفوس هي صعبة كالجبال وإن قدتها للخير انقادت لك كما قيل «هي النفس ما ~~عودتها تتعود» . # ولما كان التقدير للبعث على الشكر والتحذير من الكفر: واعبدوه جزاء على ~~إحسانه إليكم وتربيته لكم. فمنه مبدأ جميع ذلك، عطف عليه ما يدعو إلى ~~الحياء من السيد والخجل من توبيخه عند لقائه فقال: {وإليه} أي وحده {النشور ~~*} وهو إخراج جميع الحيوانات التي أكلتها ms5257 الأرض وأفسدتها، يخرجها في الوقت ~~الذي يريده # PageV20P246 # على ما كان كل منها عليه عند الموت كما أخرج تلك الأرزاق، لا فرق بين هذا ~~وذاك، غير أنكم لا تتأملون فيسألكم عما كنتم تعملون، فيا فوز من شكر ويا ~~هلاك من كفر، فإن هذا أبعث شيء على الشكر، وأشد شيء إبعادا عن العصيان لا ~~سيما الكفر، لما قرر من حاجة الإنسان، والإحسان إليه بأنواع الإحسان. # PageV20P247 # ولما لم يكن بعد الاستعطاف إلا الإنذار على الخلاف، قال مهددا للمكذبين ~~بعذاب دون عذاب جهنم، منكرا عليهم الأمان بعد إقامة الدليل على أن بيده ~~الملك، وأنه قادر على ما يريد منه بأسباب جنوده وبغير سبب، مقررا بعد تقرير ~~حاجة الإنسان وعجزه أنه لا حصن له ولا مانع له بوجه من عذاب الله، فهو دائم ~~الافتقار ملازم للصغار: {أأمنتم} أي أيها المكذبون، وخاطبهم بما كانوا ~~يعتقدون مع أنه إذا حمل على الرتبة وأول السماء بالعلو أو جعل كناية عن ~~التصرف لأن العادة جرت غالبا أن من كان في شيء كان متصرفا فيه صح من غير ~~تأويل فقال: {من في السماء} أي على زعمكم العالية قاهرة لكم، أو المعنى: من ~~الملائكة الغلاظ الشداد الذي صرفهم في مصالح العباد، أو المعنى: في غاية ~~العلو رتبة، أو أن ذلك إشارة إلى أن في السماء أعظم أمره لأنها ترفع إليها ~~أعمال عباده وهي مهبط الوحي # PageV20P247 # ومنزل القطر ومحل القدس والسلطان والكبرياء وجهة العرش ومعدن المطهرين ~~والمقربين من الملائكة الذين أقامهم الله في تصريف أوامره ونواهيه، والذي ~~دعا إلى مثل هذا التأويل السائغ الماشي على لسان العرب قيام الدليل القطعي ~~على أنه سبحانه ليس بمتحيز في جهة لأنه محيط فلا يحاط به، لأن ذلك لا يكون ~~إلا لمحتاج؛ ثم أبدل من «من» بدل اشتمال فقال: {أن} . # ولما كانت قدرته على ما يريد بلا واسطة كقدرته بالواسطة، وقدرته إذا كان ~~الواسطة جمعا كقدرته إذا كان واحدا، لأن الفاعل على كل تقدير حقيقة هو لا ~~غيره، وحد بما يقتضيه لفظ «من» إشارة إلى هذا ms5258 المعنى سواء أريد ب «من» هو ~~سبحانه أو ملائكته أو واحد منهم فقال: {يخسف} أي أأمنتم خسفه، ويجوز أن ~~يراد ب «من» الله سبحانه وتعالى كما مضى خطابا على زعمهم وظنهم أنه في ~~السماء وإلزاما لهم بأنه كما قدر على الإمطار والإنبات وغيرهما من التصرفات ~~في الأرض فهو يقدر على غيره {بكم الأرض} كما خسف بقارون وغيره. # ولما كان الذي يخسف به من الأرض يصير كالساقط في الهواء وكان الساقط في ~~الهواء يصير يضطرب، سبب عن ذلك قوله: {فإذا هي} أي الأرض التي أنتم بها ~~{تمور *} أي تضرب وهي تهوي بكم وتجري هابطة في الهواء وتتكفأ إلى حيث شاء ~~سبحانه، # PageV20P248 # قال في القاموس: المور الاضطراب والجريان على وجه الأرض والتحرك. # ولما كانوا ربما استبعدوا الخسفة، وكانوا يعهدون ما ينزل من السماء من ~~الندى والأمطار والصواعق، عادل بذلك قوله: {أم أمنتم} أي أيها المكذبون، ~~وكرر لهم ذكر ما يخشونه زيادة في الترهيب فقال: {من في السماء} على ~~التقديرين {أن يرسل عليكم} أي من السماء {حاصبا *} أي حجارة يحصبكم - أي ~~يرميكم - بها مع ريح عاصف بقوتها كما وقع لقوم لوط وأصحاب الفيل. # ولما كان هذا الكلام إنذارا عظيما ووعظا بليغا شديدا، وكان حالهم عنده ~~مترددا بين إقبال وإدبار، سبب عنه على تقدير إدبارهم بتماديهم بما للإنسان ~~من النقصان قوله متوعدا بما يقطع القلوب، ولفت القول إلى مقام التكلم ~~إيذانا بتشديد الغضب: {فستعلمون} أي عن قريب بوعد لا خلف فيه في الدنيا ثم ~~في الآخرة. # ولما كان العلم بكيفية الشيء أعظم من العلم بمطلق ذلك الشيء لأنه يلزم من ~~العلم بها العلم بمطلق ذلك الشيء، وكان ما هو # PageV20P249 # بحيث يسأل عنه لا يكون إلا عظيما قال: {كيف نذير *} أي إنذاري البليغ إذا ~~شاهدتم العذاب وهو بحيث لا يستطاع، ولا تتعلق الأطماع بكشف له ولا دفاع، ~~وحذف الياء منه ومن «نكير» إشارة إلى أنه وإن كان خارجا عن الطرق ليس منتهى ~~مقدوره بل لديه مزيد، لا غاية له بوجه ولا تحديد. # ولما كان من ms5259 المعلوم أن المأمور بإبلاغهم وإنذارهم هذا الإنذار صلى الله ~~عليه وسلم في غاية الرحمة لهم والشفقة عليهم فهو بحيث يشق عليه غاية المشقة ~~ما أفهمه هذا الكلام من إهلاكهم أن يصدقوا، ويحب التأني بهم، لفت سبحانه ~~الخطاب إليه عاطفا على ما تقديره: فلقد طال إمهالنا لهم وحلمنا عنهم ~~وتعريفنا لهم بعظيم قدرتنا وهم لا يرجعون وكثر وعظنا لهم وتصريفنا القول ~~بينهم على ألسنة رسلنا عليهم الصلاة والسلام وهم يتمادون ولا ينتهون، قوله ~~مصورا لهم ما توعدهم به في أمر محسوس لأن الأمور المشاهدات أروع للإنسان ~~لما له من التقيد بالوهم مؤكدا للإشارة إلى أن التكذيب مع إقامة البراهين ~~أمر يجب إنكاره فلا يكاد يصدق: {ولقد كذب} وطغى وبغى وأعرض وتجبر وتمرد ~~وولى بوجهه # PageV20P250 # وقلبه {الذين} . # ولما كان هذا التكذيب لم يعم الماضين بعض فقال: {من قبلهم} يعني كفار ~~الأمم الماضية. # ولما كان سبحانه قد أملى لهم ثم أخذهم بعد طول الحلم أخذا بقيت أخباره، ~~ولم تندرس إلى الآن على تمادي الزمان آثاره، فكان بحيث يسأل عنه لعظم ~~أحواله، وشدة زلازله وفظاعة أهواله، سبب عن ذلك قوله منبها على استحضار ذلك ~~العذاب ولو بالسؤال عنه: {فكيف كان نكير *} أي إنكاري عليهم بما أصبتهم به ~~من العذاب في تمكن كونه وهول أمره، فقد جمع إلى التسلية غاية التهديد. # ولما ذكر بمصارع الأولين، وكان التذكير بالحاصب تذكيرا لقريش بما حصب به ~~على قرب الزمان عدوهم أصحاب الفيل بما أرسل عليهم من الطير الأبابيل تحذيرا ~~لهم من ذلك إن تمادوا على كفره، ولم ينقادوا إلى شكره، فكان التقدير تقريرا ~~لزيادة قدرته وحسن تدبيره ولطف تربيته حيث جبر الطير لضعفها بالطيران ليكمل ~~بعموم رحمانيته أمر معاشها تقريرا لأن بيده الملك وترهيبا من أن ينازعه # PageV20P251 # أحد في تدبيره مع تبقية القول مصروفا عن خطابهم، إيذانا بشدة حسابهم وسوء ~~منقلبهم ومآبهم؛ ألم يروا إلى قدرتنا على مصارع الأولين وإهلاك المكذبين ~~وإنجاء المؤمنين، عطف عليه قوله معرضا عنهم زيادة في الإنذار بالحصب من ~~الطير وغيرها: {أو لم يروا} ms5260 وأجمع القراء على القراءة هنا بالغيب لأن ~~السياق للرد على المكذبين بخلاف ما في النحل. # وأشار إلى بعد الغاية بحرف النهاية فقال: {إلى الطير} وهو جمع طائر. # ولما كان الجو كله مباحا للطيران نزع الجار فقال: {فوقهم} وبين حال الطير ~~في الفوقية بقوله واصفا لها بالتأنيث إشارة إلى ضعفها في أنفسها لولا ~~تقويته لها {صافات} أي باسطات أجنحتها تمدها غاية المد بحيث تصير مستوية لا ~~اعوجاج فيها مع أنه إذا كان جماعة منها كانت صفوفا أو صفا واحدا في غاية ~~الانتظام تابعة لإمام منها. # ولما عبر عن الصف بالاسم لأنه الأصل الثابت، عبر عن التحريك بالفعل لأن ~~الطيران في ساحة الهواء كالسباحة في باحة الماء، والأصل في السباحة مد ~~الأطراف وبسطها، والبقض طارىء على البسط فقال: {ويقبضن} أي يوقعن قبض ~~الأجنحة وبسطها وقتا بعد وقت للاستراحة والاستظهار به على السبح في الهواء. ~~ولما تم هذا التقدير على هذا الوجه الرائع للقلوب ترجمه بقوله: {ما يمسكهن} ~~أي في # PageV20P252 # الجو في حال القبض والبسط عن السقوط على خلاف ما يقتضيه الطبع. # ولما كان هذا من التدبير المحكم الناظر إلى عموم الرحمة قال: {إلا ~~الرحمن} أي الملك الذي رحمته عامة لكل شيء بأن هيأهن - بعد أن أفاض عليهن ~~رحمة الإيجاد - على أشكال مختلفة وخصائص مفترقة للجري في الهواء بما أوجد ~~لها من القوادم والحوافي وغير ذلك من الهيئات المقابلة لذلك، وكذا جميع ~~العالم لو أمسك عنه حفظه طرفة عين لفسد بتهافت الأفلاك وتداعي الجبال ~~وغيرها، وعبر في النحل بالاسم الأعظم لأن سياقها للرد على أهل الطبائع وهم ~~الفلاسفة الذين لا يقوم بالرد عليهم إلا المتبحر في معرفة جميع أصول الدين ~~بمعرفة جميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى التي جمعها اسم الذات. # ولما كان هذا أمرا رائعا للعقل، ولكنه لشدة الإلف صار لا يتنبه له إلا ~~بالتنبيه، وكان الجاهل ربما ظن أن التقدير على الطيران خاص بالطير، نبه ~~سبحانه على عظمة ما هيأ الطير له وعلى أنه يقدر أن يجعل ذلك لغيره بقوله ~~مؤكدا ms5261 لأجل قصور بعض العقول عن التصديق بذلك وتضمن الإشراك للطعن في تمام ~~الاقتدار المتضمن للطعن في تمام العلم: {إنه} أي الرحمن سبحانه {بكل شيء} ~~قل أو كثر جليل وحقير ظاهر وباطن {بصير *} بالغ البصر والعلم بظواهر ~~الأشياء # PageV20P253 # وبواطنها، فمهما أراد كان وهو يخلق العجائب ويوجد الغرائب، فيهيىء من ~~أراد من الآدميين وغيرهم لمثل ذلك. # PageV20P254 # ولما كان التقدير تقريرا لذلك: فمن يدبر مصالحكم ظاهرا وباطنا، وفعل هذه ~~الأنواع من العذاب بالمكذبين من قبلكم، عطف عليه قوله عائدا إلى الخطاب ~~لأنه أقعد في التكبيث والتوبيخ، وأدل على أن المخاطب ليس بأهل لأن يهاب ~~مقررا لأنه مختص بالملك: {أمن} ونبه على أن المدبر للأشياء لا بد أن يكون ~~في غاية القرب والشهادة لها ليكون بصيرا برعيها، ويكون مع مزيد قربه عالي ~~الرتبة بحيث يشار إليه، فقال مقررا لعجز العباد: {هذا} بإشارة الحاضر ~~{الذي} وأبرز العائد لأنه لا بد من إبرازه مع الاسم بعدم صلاحه لتحمل ~~الضمير فقال: {هو جند} أي عسكر وعون، وصرف القول عن الغيبة إلى الخطاب لأنه ~~أبلغ في التقريع فقال: {لكم ينصركم} أي على من يقصدكم بالخسف والحصب ~~وغيرهما، ويجوز أن يكون التقدير: ألكم إله يدبر مصالحكم غيرنا أم كان الذي ~~عذب من كذب الرسل سوانا أم لكم جند يصار إليه ينصركم دوننا كما قال تعالى ~~{أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا} [الأنبياء: 43] ولكنه أخرجه مخرج الاستفهام ~~عن تعيين الجند تعريفا بأنهم لغاية جهلهم اعتقدوا أن لهم من أجناد الأرض أو ~~السماء من ينصرهم وإلا لما كانوا آمنين. # PageV20P254 # ولما كانت المراتب متضائلة عن جنابه متكثرة جدا، قال تعالى مشيرا بالحرف ~~والظرف إلى ذلك منبها على ظهوره سبحانه فوق كل شيء، لم يقدر أحد ولا يقدر ~~أن ينازعه في ذلك ولا في أنه مستغرق لكل ما دونه من المراتب: {من دون ~~الرحمن} إن أرسل عليكم عذابه، وأظهر ولم يضمر بعثا على استحضار ما له من ~~شمول الرحمة، وتلويحا إلى التهديد بأنه لو قطعها عن أحد ممن أوجده عمه ~~الغضب كله، ولذلك ms5262 قال مستنتجا عنه تنبيها على أن رفع المضار وجمع المسار ~~ليس إلا بيده لأنه المختص بالملك: {إن} أي ما، وأبرز الضمير تعميما وتعليقا ~~للحكم بالوصف ومواجهة بذلك لأنه أقعد في التوبيخ فقال: {الكافرون} أي ~~العريقون في الكفر وهم من يموت عليه {إلا في غرور *} أي قد أحاط بهم فلا ~~خلاص لهم منه وهو أنهم يعتمدون على غير معتمد. # ولما قدم أعظم الرحمة بالحياطة والنصرة الموجبة للبقاء، أتبعه ما يتم به ~~البقاء فقال: {أمن} وأشار إلى القرب بالعلم والبعد بالعلو والعظمة بقوله: ~~{هذا} وأشار إلى معرفة كل أحد له بصفاته العلية التي # PageV20P255 # تنشأ عنها أفعاله المحكمة السنية، فقال: {الذي} وأسقط العائد لتحمل الفعل ~~له فقال: {يرزقكم} أي على سبيل التجدد والاستمرار، لا ينقطع معروفه أبدا مع ~~أنه قد وسع كل شيء ولا غفلة له عن شيء {إن أمسك رزقه} بإمساك الأسباب التي ~~تنشأ عنها ويكون وصوله إليكم منها كالمطر، ولو كان الرزق موجودا أو كثيرا ~~وسهل التناول فوضع الأكلة في فمه فأمسك الله عنه قوة الازدراء عجز أهل ~~السموات والأرض عن أن يسوغوه تلك اللقمة. # ولما قامت بهذا دلائل قدرته وشمول علمه على سبيل العموم فالخصوص، فكان ~~ذلك مظنة أن يرجع الجاحد ويخجل المعاند، ويعلم الجاهل ويتنبه الغافل، فكان ~~موضع أن يقال: هل رجعوا عن تكذيبهم، عطف عليه قوله لافتا الكلام إلى الغيبة ~~إعراضا عنهم تنبيها على سقوط منزلتهم وسوء أفهامهم وقوة غفلتهم: {بل لجوا} ~~أي تمادوا سفاهة لا احتياطا وشجاعة، قال الرازي في اللوامع: واللجاج تقحم ~~الأمر مع كثرة الصوارف عنه {في عتو} أي مظروفين لعناد وتكبر عن الحق وخروج ~~إلى فاحش الفساد {ونفور *} أي # PageV20P256 # شراد عن حسن النظر والاستماع، دعا إليه الطباع، واستولى ذلك عليهم حتى ~~أحاط بهم مع أنه لا قوة لأحد منهم في جلب سار ولا دفع ضار، والداعي إلى ذلك ~~الشهوة والغضب. # ولما كان هذا فعل من لا بصر له ولا بصيرة، سبب عنه قوله ممثلا للموحد ~~والمشرك بسالكين ولدينيهما بمسلكين: {أفمن يمشي} أي على وجه ms5263 الاستمرار ~~{مكبا} أي داخلا بنفسه في الكب وصارا إليه، وهو السقوط {على وجهه} وهو ~~كناية عن السير على رسم مجهول وأثر معوج معلول، على غير عادة العقلاء لخلل ~~في أعضائه، واضطراب في عقله ورأيه، فهو كل حين يعثر فيخر على وجهه، لأنه ~~لعدم نظره يمشي في أصعب الأماكن لإمالة الهوى له عن المنهج المسلوك، وغلبة ~~الجهل عليه فهو بحيث لا يكون تكرار المشاق عليه زاجرا له عن السبب الموقع ~~له فيه، ولم يسم سبحانه وتعالى ممشاه طريقا لأنه لا يستحق ذلك. # ولما كان ربما صادف السهل لا عن بصيرة بل اتفاقا قال: {أهدى} أي أشد ~~هداية {أمن يمشي} دائما مستمرا {سويا} قائما رافعا رأسه ناصبا وجهه سالما ~~من العثار لأنه لانتصابه يبصر ما أمامه وما عن يمينه وما عن شماله {على ~~صراط} أي طريق موطأ واسع # PageV20P257 # مسلوك سهل قويم {مستقيم *} أي هو في غاية القوم، هذا مثل من رضي بالله ~~ربا وبالإسلام دينا فإنه يتبع الفطرة الأولى السليمة عن شهوة أو غضب أو ~~شائبة حظ، والأول مثل الكافر، حاله في سيره إلى الله حال المكب أي الذي كب ~~نفسه بغاية الشهوة على وجهه، لا يرى ما حوله ولا يشعر بما أحاط به، ولا ~~ينظر في الآيات ولا يعتبر بالمسموعات، فهو اليوم شيء باطن لظهر يوم القيامة ~~فيحشر على وجهه إلى النار جزاء لرضاه بحالته هذه في هذه الدار فيظهر له ~~سبحانه ما أبطن له اليوم، والمؤمن بخلاف ذلك فيهما، والآية من الاحتباك: ~~ذكر الكب أولا دليلا على ضده ثانيا، والمستقيم ثانيا دليلا على المعوج ~~أولا، وسره أنه ذكر أنكأ ما للمجرم وأسر ما للمسلم. # ولما كان العرب الموعوظون بهذا الذكر يتغالون في التفاخر بالهداية في ~~الطرق المحسوسة وعدم الإخلال بشكر المعروف لمسديه ولو قل، فنفى عنهم الأول ~~بقيام الأدلة على خطئهم الفاحش في كل ما خالفوا فيه الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من طريقهم المعنوي الذي اتخذوه دينا، فهو أشرف من الطريق المحسوس، ~~أتبعه بيان انسلاخهم من الثاني مع التأكيد ms5264 لانسلاخهم من الأول، قال آمرا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم بتنبيههم لأن الإنسان على نوعه أقبل لأنه إليه ~~أميل، # PageV20P258 # إسقاطا لهم من رتبة الفهم عن الله سبحانه وتعالى لسفول هممهم ولقصور ~~نظرهم مع أنه جعل لهم حظا ما من الحضور بتأهيلهم لخطاب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لإقامتهم بالمذكور في الآية فيما يرجى معه العلم ويورث الفطنة ~~والفهم: {قل} أي يا أشرف الخلق وأشفقهم عليهم مذكرا لهم بما دفع عنهم الملك ~~من المفسدات وجمع لهم من المصلحات والقوى والعقل ليرجعوا إليه، ولا يعولوا ~~في حال من أحوالهم إلا عليه، وينظروا في لطيف صنعه وحسن تربيته فيمشي كل ~~منهم سويا: {هو} أي الله سبحانه وتعالى {الذي} شرفكم بهذا الذكر وبين لكم ~~هذا البيان وحده الذي {أنشأكم} أي أوجدكم ودرجكم في مدارج التربية حيث ~~طوركم في أطوار الخلقة في الرحم ويسر لكم بعد خروجكم الخروج اللين حيث كانت ~~المعدة ضعيفة عن أكثف منه. # ولما كان من أعظم النعم الجليلة بعد الإيجاد العقل، أتبعه به، وبدأ بطريق ~~تنبيهه فقال: {وجعل لكم} أي خاصة مسببا عن الجسم الذي أنشأه {السمع} أي ~~الكامل لتسمعوا # PageV20P259 # ما تعقله قلوبكم فيهديكم، ووحده لقلة التفاوت فيه ليظهر سر تصرفه سبحانه ~~في القلوب بغاية المفاوتة مع أنه أعظم الطرق الموصلة للمعاني إليها ~~{والأبصار} لتنظروا صنائعه فتعتبروا وتزدجروا عما يرديكم {والأفئدة} أي ~~القلوب التي جعلها سبحانه في غاية التوقد بالإدراك لما لا يدركه بقية ~~الحيوان لتتفكروا فتقبلوا على ما يعليكم، وجمعا لكثرة التفاوت في نور ~~الأبصار وإدراك الأفكار، وهذا تنبيه على إكمال هذه القوى في درك الحقائق ~~بتلطيف السر لتدقيق الفكر، قال الشيخ ولي الدين الملوي: انظر إلى الأفئدة ~~كيف تحكم بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين ~~في آن واحد، وأن الضدين لا يجتمعان - وغير ذلك مما لا يخفى. # ولما كان التقدير: فمشيتم مشي المكب على وجهه فلم تستعملوا شيئا من هذه ~~الأسرار الشريفة فيما خلق له، كانت ترجمة ذلك: {قليلا} وأكد المعنى بما ~~صورته ms5265 صورة النافي فقال: {ما} ولما زاد تشوف النفس إلى العامل في وصف ~~المصدر دل عليه سبحانه وتعالى بقوله: # PageV20P260 # {تشكرون *} أي توقعون الشكر لمن أعطاكم ما لا تقدرون قدره باستعماله فيما ~~خلق لأجله تدعون أنكم أشكر الناس للإحسان وأعلاهم في العرفان. # PageV20P261 # ولما دل سبحانه على بعدهم عن الهداية وعن الشكر اللذين يفخرون على الناس ~~كافة بكل منهما، واستعطفهم بما أودع فيهم من اللطائف الربانية الروحانية ~~المقتضية بنورانيتها للعروج إلى مواطن القدس ومعادن الأنس، دل على قدرته ~~على حشرهم تحذيرا لهم من التمادي في الإعراض بمعنى يجده كل منهم في نفسه ~~على وجه دال على كمال قدرته بما أودع فيهم مع تلك اللطائف مع كثائف طباع ~~الأرض الموجبة للسفول ليكون - إذا أعلته تلك اللطائف بالتوبة - مجتهدا في ~~تنقية آثار تلك الكثائف المسفلة كما يكون للزرع إذا حصد من بقايا تلك الجذر ~~التي إن لم تقلع من أصلها عادت بالنبات إلى ما كان عليه الزرع أولا، فقال ~~مستأنفا بيانا لأنه دليل برأسه كاف فيما سبق له: {قل هو} أي وحده {الذي ~~ذرأكم} أي خلقكم وبثكم ونشركم وكثركم وأنشأكم بعد ما كنتم كالذر أطفالا ~~ضعفاء، ثم قواكم ثم جعلكم شيبا ضعفاء وأسكنكم الغضب والذعر واللجاج الحامل ~~لكم على الولوع بما يلجىء إليه الطباع المثيرة {في الأرض} التي تقدم أنه ~~ذللها لكم ورزقكم منها النبات الذي تقدم أن إبداءه منها # PageV20P261 # ثم رده إليها وإفنائه فيها ثم إعادته كما كان بعد أن صار رفاتا وشيئا ~~فانيا مماتا دليل على القدرة على البعث، لا فرق في ذلك بينه وبينكم أصلا، ~~فكان منه البدأ {وإليه} وحده {تحشرون *} شيئا فشيئا إلى البرزخ ودفعة واحدة ~~يوم البعث على أيسر وجه بمن أراد من عباده كرها منكم كما كان أمركم في ~~الدنيا، فإنه لم يكن إلى الإنسان منكم أحب من الدعة والسكون، فكأنه سبحانه ~~يضطره بما أودعه من الطبائع المتضادة وأثار له من الأسباب في طلب رزقه وغير ~~ذلك من أمره إلى السعي إلى حيث يكره، فكما أنه قدر على ذلك ms5266 منكم في ~~الابتداء فهو يقدر على مثله في الانتهاء، ليحكم بينكم ويجازي كلا على عمله ~~كما يفعل كل ملك برعيته، وكل إنسان منكم بجماعته. # ولما كان التقدير: فلقد أبلغ سبحانه في وعظهم بنفسه وعلى لسانك يا أشرف ~~الخلق صلى الله عليه وسلم وذلك بما هدى إليه السياق قطعا، ذكر حالهم عند ~~ذلك فقال إعلاما بكثافة طباعهم حيث لم تلطف أسرارهم لقبول محبة الله تعالى ~~وإثارة الأحوال الحسنة # PageV20P262 # من الصبر المثبت واليقين وحسن الانطباع لقبول النصائح والخوف وعدم ~~الاعتزاز بأحد غير الله تعالى من جهة نفع أو ضر، وكذلك لفت القول إلى ~~الإعراض إيذانا بشديد الغضب منهم: {ويقولون} أي يجددون هذا القول تجديدا ~~مستمرا استهزاء وتكذيبا، ويجوز أن يكون حالا من الواو في «بل لجوا» : {متى ~~هذا} وزادوا في الاستهزاء بقولهم {الوعد} وألهبوا وهيجوا إيضاحا للتكذيب ~~على زعمهم بقولهم: {إن كنتم} جبلة وطبعا {صادقين *} في أنه لا بد لنا منه، ~~وأنكم مقربون عند الله، فلو كان لهم ثبات الصبر واليقين لما طاشوا هذا ~~الطيش بإبراز هذا القول القبيح الذي ظاهره طلب الإخبار بوقت الأمر المتوعد ~~به، وباطنه الاستعجال به استهزاء وتكذيبا. # ولما كان قولهم هذا مع أنه استعجال بأمر الساعة استهانة بها حتى أنه ~~عندهم كأنها من قبل الوعد الحسن وهو متضمن لإيهام أنها مما يطلع الخلق على ~~تعيين وقته، نفى ذلك بيانا لعظمتها بعظمة من أمرها بيده فقال آمرا له ~~بجوابهم مؤذنا بدون ذلك الإعراض لأنهم لا ينكرون علمه تعالى ذلك الإنكار: ~~{قل} يا أكرم الخلق منبها لهم على تحصيل اليقين بأن ما علموه وحكموا بعلمهم ~~فيه وما لا # PageV20P263 # ردوا علمه إلى الله: {إنما العلم} أي المحيط من جميع الوجوه بما سألتم ~~عنه من تعيين زمان هذا الوعد وغيره، ولأجل إظهار فضل العلم اللازم من كماله ~~تمام القدرة صرف القول عن عموم الرحمة إلى إفهام العموم المطلق بالاسم ~~الأعظم فقيل: {عند الله} أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال، فهو الذي ~~يكون عنده وبيده جميع ما يراد منه، لا يطلع ms5267 عليه غيره، وهيبته تمنع العالم ~~بما له من العظمة أن يجترىء على سؤاله عما لم يأذن فيه، وعظمته تقتضي ~~الاستئثار بالأمور العظام، وإلى ذلك يلوح قوله تعالى: {وإنما أنا} ولما كان ~~السياق للتهويل والتخويف، وكانت النذارة يكفي فيها تجويز وقوع المنذور به ~~فكيف إذا كان مظنونا فكيف إذ كان معلوم الوقوع في الجملة ليكون العاقل ~~متوقعا له في كل وقت قال: {نذير} أي كامل في أمر النذارة التي يلزم منها ~~البشارة لمن أطاع النذر لا وظيفة لي عند هذا الملك الأعظم غير ذلك، فلا ~~وصول لي إلى سؤاله عما لا يأذن لي في السؤال عنه. # ولما كان النذير قد لا يقدر على إقامة الدليل على ما ينذر به لأنه يكفي ~~العاقل في قبوله غلبة الظن بصدقه بل إمكان صدقه في التحرز # PageV20P264 # عما ينذر به، بين أنه ليس كذلك فقال: {مبين *} أي كاشف للنذري غاية الكشف ~~بإقامة الأدلة عليها حتى تصير كأنها مشاهدة لمن له قبول للعلم. # ولما كان ما ينذر به لا بد من وقوعه، وكان كل آت قريبا، عبر عن ذلك ~~بالفاء والماضي فقال صارفا العقول إلى الإعراض لأن وقت الرؤية للعذاب في ~~غاية المناسبة للإهانة: {فلما رأوه} أي الوعد بانكشاف الموعود به عند كونه، ~~وحقق معنى الماضي والفاء بقوله: {زلفة} أي ذا قرب عظيم منهم، وذلك بالتعبير ~~عن اسم الفاعل بالمصدر إبلاغا في المعنى المراد وأكد المبالغة بالتاء لأنها ~~ترد للمبالغة إذا لم يرد منها التأنيث، ولا سيما إن دلت قرينة أخرى على ~~ذلك. # ولما كان المخوف في النذري الوقوع في السوء لا بقيد كونه من معين قال: ~~{سيئت} ولما كان السوء يظهر في الوجه قال: {وجوه} وأظهر في موضع الإضمار ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: {الذين كفروا} أي ظهر السوء وغاية ~~الكراهة في وجوه من أوقع هذا الوصف ولو على أدنى وجوه الإيقاع وعلتها ~~الكآبة. # ولما كان لا أوجع من التبكيت عند إحاطة المكروه من غير حاجة إلى تعيين ~~فاعله، بنى للمفعول قوله: {وقيل} أي لهم تقريعا ms5268 وتوبيخا: {هذا الذي} أي ~~تقدم من عنادكم ومكركم واستكباركم # PageV20P265 # {كنتم} أي جبلة وطبعا {به} أي بسببه ومن أجله، وصرف القول إلى الخطاب لأن ~~التقريع به أنكأ في العذاب: {تدعون *} أي تطلبون وتوقعون الطلب له طلبا ~~شديدا تبلغون فيه غاية الجهد على وجه الاستعجال أن يستنزل بكم مكروهه فعل ~~من لا يبالي به بوجه، وتكررون ذلك الطلب وتعودون إليه في كل وقت معرضين عن ~~السعي في الخلاص فيه من عدوان العذاب ونيل الوعد الحسن بجزيل الثواب لبيان ~~قوة طلبهم له وتداعيهم إليه استهزاء به حتى كأنهم لا مطلوب لهم غيره، قدم ~~الجار المفيد غالبا للاختصاص فهو افتعال من دعا الشيء وبالشيء إذا طلبه، ~~ودعاه الله بمكروه: أنزله به. # PageV20P266 # ولما كان من المعلوم أن من نهى آخر عن هواه وبالغ في ذلك أبغضه ذلك ~~الناهي وتمنى هلاكه، فكيف إذا والى عليه الإنذار والتخويف بما لا يصل إلى ~~دركه عقله ولا يرى له مقدمة بتحققها، وكان الكفار يسعون في هلاك النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومن تبعه كل سعي، وكان هلاك النذير إنما ينفع المنذر على ~~تقدير نجاته من # PageV20P266 # هول ما كان يحذره منه النذير، أمره سبحانه أن يذكرهم بهذا لينظروا في ذلك ~~المتوعد به، فإن كان ممكنا سعوا في الخلاص مما قد يكون منه من العذاب، ~~وسلكوا في الهرب منه مسلكا سهلا بعيدا من سوء الانقلاب، ودخلوا إلى فسيح ~~المانع منه من أوسع باب، أو كفوا عن السعي في هلاك النذير وطووا ما مدوا له ~~من الأسباب، ليدلهم إذا كان صادقا على شيء يحميهم أو يخفف عنهم ذلك المصاب، ~~فقال منبها على شدة الحذر من مكر الله وعدم الاغترار به للمؤمن الطائع ~~لعلمه، أنه لا يقدر أن يقدر الله حق قدره فكيف بالعاصي فضلا عن الكافر ~~مكررا للأمر بالقول تنبيها على أن كل جملة صدرت به كافية في الدلالة على ~~مقصود السورة وعائدة إليه لما اشتملت عليه من باهر القدرة ووافر العظمة: ~~{قل} أي يا أفضل الخلق كلهم وأشرفهم وأعظمهم وأتقاهم لهؤلاء ms5269 الذين طال ~~تضجرهم منك وهم يتمنون هلاكك حسدا منهم وعمى في قلوبهم وبعدا وطردا، قد ~~استحكم واستدار بهم ذلك تقدير العزيز العليم {أرءيتم} أي أخبروني خبرا أنتم ~~في الوثوق به على ما هو كالرؤية. # ولما كانوا غير عالمين بعاقبة الأمر في هلاكه ومن معه بما يقصدونهم به، ~~حذرهم عاقبة ذلك بالتعبير بأداة الشك، وإسناد الإهلاك # PageV20P267 # إلى الله معبرا عن الاسم الدال على تناهي العظمة إلى حد لا يدع لغيره ~~منها شيئا إعلاما بأنه على القطع بأنه لا شيء في أيديهم فهو لا يخافهم بوجه ~~فقال: {إن أهلكني} أي أماتني بعذاب أو غيره {الله} أي الذي له من صفات ~~الجلال والإكرام ما يعصم به وليه ويقصم به عدوه {ومن معي} أي من المؤمنين ~~والمناصرين رضي الله عنهم أجمعين بغضبه علينا مع ما لنا من الأسباب بالطاعة ~~بالأعمال الصالحة التي رتب سبحانه عليها الفوز والنجاة حتى لا يبقى أحد ممن ~~يكدر عليكم بالمنع من الهوى القائد إلى القوى والحث على العقل الضامن ~~للنجاة {أو رحمنا} بالنصرة وإظهار الإسلام كما نرجو فأنجانا بذلك من كل سوء ~~ووقانا كل محذور وأنالنا كل سرور، فالآية من الاحتباك: ذكر الإهلاك أولا ~~دليلا على النجاة ثانيا، والرحمة ثانيا دليلا على الغضب أولا {فمن} وكان ~~ظاهر الحال يقتضي: يجيركم مع طلبكم المسببات من الفوز والنجاة بغير أسباب ~~بل بأسباب منافية للنجاة جالبة للعذاب، فوضع الظاهر موضع الضمير تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف واستعطافا لهم إلى إيقاع الإيمان والرجوع عن الكفران ~~فقال: {يجير الكافرين} أي العريقين في الكفر بأن # PageV20P268 # يدفع عنهم ما يدفع الجار عن جاره {من عذاب أليم *} يصيبهم به الذي هم ~~عالمون بأنه لا شيء إلا بيده، وإلا لنجى أحد من الموت الذي خلقه وقدره بين ~~عباده جزاء على ما كانوا يؤلمون من يدعوهم إليه وينصحهم فيه، فإذا كان لا ~~ينجيهم من عذابه شيء سواء متنا أو بقينا فالذي ينبغي لهم إن كانوا عقلاء ~~السعي فيما ينجى من عذابه، لا السعي في إهلاك من هو ساع في خلاصهم ms5270 من ~~العذاب، ولا يقدرون على إهلاكه أصلا إلا بتقدير الذي أمره بإنذارهم. # ولما كان لا يقدر على التعميم بالنعمة إلا من كان عام القدرة والنعمة ~~والرحمة، وكان التذكير بالنعم أشد استعطافا، صرف القول إلى التعبير بما هو ~~صريح في ذلك، فقال مذكرا بذلك لعلمهم بأنه لا نعمة عليهم إلا منه واعترافهم ~~بذلك ليحذروه ويتذكروا عموم قدرته فيعلموا قدرته على البعث فينفصل النزاع: ~~{قل} يا خير الخلق: {هو} أي الله وحده {الرحمن} أي الشامل الرحمة لكل ما ~~تناولته الربوبية، فلا يليق بعقل عاقل أن يدع أحدا من خلقه في ظلم ظالمه ~~فلا يأخذ له بحقه، لأن ذلك لا يرضاه أقل الناس لنفسه مع عجزه فكيف بمن هو ~~كامل القدرة وإلا لما قدر على عموم الرحمة {آمنا به} # PageV20P269 # أي أنا ومن آمن بي لهذا البرهان القاطع بأنه لا يكافئه شيء فهو كاف في ~~الإيمان به {وعليه} أي وحده {توكلنا} لأنه لا شيء في يد غيره وإلا لرحم من ~~يريد عذابه أو عذاب من يريد رحمته، فكل ما جرى على أيدي خلقه من رحمة أو ~~نقمة فهو الذي أجراه لأنه الفاعل بالذات، المستجمع لما يليق به من الصفات، ~~فنحن نرجو خيره ولا نخاف غيره، وقد أقررنا له بهذه العبارة على وجه الحصر ~~بالألوهية والربوبية فلا نحتج في السلوك إليه إلى معوق عن ذكره والتفكر في ~~آلائه ولو كان المعوق نفيسا في ظاهر الحياة الدنيا ولو كان مخوفا فإنه لا ~~خوف معه سبحانه، فالتوكل عليه منجاة من كل هلكة مجلبة لكل ملكة، ولم يفعل ~~كما تفعلون أنتم في توكلكم على رجالكم وجاهكم وأموالكم. # ولما أبان هذا طريق الصواب، وجلى كل ارتياب، وكان لا بد من الرجوع إليه ~~والانقلاب، لإتمام الرحمة بالثواب والعقاب، سبب عنه قوله: {فستعلمون} أي ~~عند التجلي عليكم بصفة القهر عما قليل بوعد لا خلف فيه {من هو} أي منا ~~ومنكم متداع بذاته ظاهرا وباطنا # PageV20P270 # {في ضلال} أي أخذ في غير مسلك موصل إلى مقصد محيط به الضلال بحيث إنه لا ~~قدرة ms5271 له على الانفكاك منه إلا إن أطاع من يجره بيده فيخرجه منه، ولما كان ~~الشيء إذا كان فيه نوع لبس كان ربما اقتضى قبول العذر قال: {مبين *} أي بين ~~في نفسه موضح لكل أحد أنه لا خفاء به. # ولما افتتح سبحانه السورة بعظيم بركته وتمام قدرته وتفرده في مملكته، ودل ~~على ذلك بتفرده بالإماتة والإحياء، ختم بمثل ذلك بالماء الذي وجوده هو سبب ~~للحياة وعدمه سبب للموت، فقال قارعا بالتنبيه مشيرا بتكرير الأمر إلى مزيد ~~التوبيخ والزجر والتبكيت دالا على تعيين ما أبهم من أهل الضلال، ومصرحا بما ~~لوح إليه من ذلك الإجمال. {قل} أي يا أعظم خلقنا وأعلمهم بنا: {أرءيتم} أي ~~أخبروني إخبارا لا لبس فيه ولا خفاء، ولما كان شديد العناية بهذا النبي ~~الكريم صلى الله عليه وسلم، سكن قلبه في وعيدهم بالإشارة إلى الرفق بهم ~~لأجله، فابتدأ الوعيد بحرف الشك فقال: {إن} ولما كانت النعمة أشد ما يكون ~~إذا كانت في الصباح الذي هو موضع ارتقاب الفلاح قال: {أصبح مآؤكم} أي الذي ~~تعدونه في أيديكم - بما نبهت عليه الإضافة. # ولما كان المقصود المبالغة، جعله نفس المصدر فقال: {غورا} # PageV20P271 # أي نازلا في الأرض بحيث لا يمكن لكم نيله بنوع حيلة - بما دل على ذلك ~~الوصف بالمصدر {فمن يأتيكم} على ضعفكم حينئذ وافتقاركم وانخلاع قلوبكم ~~واضطراب أفكاركم {بماء معين *} أي جار دائما لا ينقطع أو ظاهرا للأعين سهل ~~المأخذ إلا الله رب العالمين فإنه هو القادر على ذلك، فقد رجع ذلك الآخر ~~كما ترى على ذلك الأول، وعانقه على أحسن وجه وأكمل - والله أعلم. # سورة القلم # مقصودها إظهار ما استتر، وبيان ما أبهم في آية) فستعلمون من هو في ضلال ~~مبين (بتعيين النهتدي الذي برهن على هدايته حيازته العلم الذي هو النور ~~الأعظم الذي لا يضل بمصاحبته بتقبل القرآن والتخلق بالفرقان الذي هو صفة ~~الرحمن بقدر الإمكان الذي تصل إليه قوة الإنسان، وأدل ما فيها على هذا ~~الغرض " ن " وكذا " القم " فلذا سميت بكل منهما، وبالكلام على كل منهما ms5272 ~~يعرف ذلك، وحاصله أن النون مبين محيط يفيبيانه كما يحيط ضوء الشمس بما ~~يظهره # PageV20P272 # وكما تحيط الدواة بمدادها بآية ما دل عليه بمخرجه وصفاته، واستقر الكلام ~~الواقع فيها وفي المعهاني التي اشتركت في لفظه، وأمات القلم فإبانته ~~للمعارف أمر لا ينكر) بسم الله (الذي له الإحاطة الكاملة فهو على كل شيء ~~قدير لأنه بكل شيء عليم) الرحمن (الذي عمت نعمة إيجاده لأهل معاده البرئ ~~منهم والسقيم) الرحيم (الذي أتم تلك النعمة على من وفقه لطاعته فألزمه ~~الصراط المستقيم. # PageV20P273 # لما أبهم الضال والمهتدي في آخر «الملك» والمسيء والمحسن في العمل أولها، ~~وختم بآية الماء المعين الذي دلت حروفه بمجموعها على تمام معناه، ودل كل ~~واحد منها على شيء منه، فدلت ميمه على تمام شيء ظاهر، وعينه على آية هادية، ~~وياؤه على قائم ملطف متنزل مع كل مقام، ونونه على مظهر مبين محيط بما ~~أظهره، وردهم سبحانه إليه بعد شرادهم عنه بالاستفهام في هذه الآية بما ~~نبههم عليه من عجزهم وعجز كل من يدعونه من دونه وأنه لا يقدر على الإتيان ~~بذلك الماء الذي هو حياة الأشباح بعد ذهابه إلا من تمت قدرته، فكان قادرا ~~على كل ما يريد، وكان لا يقدر على كل ما يريده إلا من كمل علمه الذي يحيي ~~به ميت الأرواح، دل على شمول قدرته بكمال علمه بما أفاده على النبي الكريم ~~الأمي من العلوم التي زخرت بحارها، فأحيا مدرارها، # PageV20P273 # وأغرق تيارها، فافتتح هذه السورة بكلمة البيان وهو اسم الحرف الذي هو آخر ~~حروف تلك، ومن لوازم بعض ما دل عليه الماء الذي هو الحياة المصححة، ونبه ~~على نصبه له سبحانه دليلا على العلم بما دل عليه من مخرج مسماه وصفاته ~~ومواقعه في الكلم في جميع تقلباته فقال: {ن} هذه الكلمة حرف من حروف المعجم ~~وهي اسم لمسمى به ظهور الأشياء وعلمها وإدراكها كما دل عليه موقعه في اسم ~~النور والنار والنيل والنمو والنباهة والنقاء والنصح والنبأ والنجابة ~~والنجاة والنحت والندم، وقد تقدم في البقرة عن أبي بكر ms5273 الصديق رضي الله عنه ~~أنه قال: لكل كتاب سر وسر القرآن هذه الحروف، ولا يعلم ما هي إلا واضعها ~~سبحانه. # ولما كان هذا الحرف مشتركا في اللغة بين حرف المعجم والدواة والحوت وشفرة ~~السيف، سكن للدلالة بادىء بدء على أنه حرف، ولا يمنع إسكانه المتأصل في ~~البناء من إرادة بقية المعاني لأن العرب ربما سكنت الكلمة بنية الوقف ~~تنبيها على عظمة معناها، فلا يلزم من الإسكان عن غير عامل البناء، وقيل: ~~النون اللوح، والنونة الكلمة من الصواب، والسمكة، فهو صالح لحرف المعجم ~~الكلي الصالح لكل فرد، وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أخر حروف ~~الرحمن والدواة لما يتأثر عنها من العلوم، والحوت الذي على ظهره الكون # PageV20P274 # واسمه اليهموت لما في ذلك من عجائب القدر والأسرار، ويكون الإقسام وقع ~~بالنون والقلم علوا للإحاطة، والسيف لما يتأثر عنه من جليل الآثار، وكيفما ~~كان المراد فهو الإحاطة، وهو سر باطن لا يظهر، وإنما تظهر نتائجه، فهو ~~الحكم ونتائجه القضاء والقدر بالإشقاء أو الإسعاد. # ولما كان هذا الحرف آية الكشف للأشياء كان مخرجه أمكن المخارج وأيسرها ~~وأخفها وأوسعها وهو رأس المقول، فإنه يخرج مما بين طرف اللسان وفويق ~~الثنايا من اللثة، وهو أخرج من مخرج اللام ومن مخرج الراء أيضا، وتسمى هذه ~~الحروف الثلاثة الزلقية مع بقية حروف «فر من لب» لأن طرف كل شيء زلقة، ~~والنون أمكنها في هذا المخرج وأشدها انطباقا فيما بين اللسان واللثة، وهو ~~مما كرر مسماه في اسمه فانتهى إلى حيث ابتدأ، واختص بكون عماده وقوامه ~~الحرف الأقوى الأظهر ذا الرفعة والعلو وهو الواو والزلقية التي هو أحدها ضد ~~المصمتة وهي أخف الحروف على اللسان وأكثرها امتزاجا بغيرها، وأما المصمتة ~~فمنعت أن تنفرد بنفسها # PageV20P275 # في لغة العرب في كلمة هي أكثر من ثلاثة أحرف، بل لا بد أن يكون معها بعض ~~الزلقية، والألف خارجة عن الصنفين لأنها مجرد إهواء لا مستقر لها، فقد ~~ناسبت بمخرجها لسعته وخفته ووصفها بالزلاقة التي تقع لما اتصف بها من ~~الحروف ms5274 الكمال غنية عن سواها ولا يقع لما لم يخالطها كمال فيما ذكر ما ذكر ~~من أن معناها البيان والإظهار ومن صفاتها الجهر وبين الشدة والرخاوة ~~والانفتاح والاستفال، والغنة الخارجة من الخيشوم إذا سكن، وكل هذا واضح في ~~العلم الذي له الاتساع والانتشار والتغلغل في الأشياء الباطنة، ويشاركه ~~الميم في الغنة كما أنه يشاركه في أن له حظا من الظهور والنون وهو الأصل في ~~الغنة كما أنه الأصل في الظهور لما له من العلو بالعماد، وهو أيضا من حروف ~~الذبذبة والزيادة التي لا تستقر على حال فتقع مرة زوائد وأخرى أصولا كما أن ~~العلم أيضا كذلك لا استقرار له بل مهما وسعته اتسع، ومهما تركته اضمحل ~~وانجمع، وهو من حروف الأبدال التي تبدل من غيرها ولا يكون غيرها بدلا منها ~~فلازب ولازم الميم بدل من الباء بخلاف العكس كما أن العلم أصل يتبعه غيره ~~ولا يكون هو تابعا لغيره، وهو من الحروف الصحيحة وليست معتلة، والعلم جدير ~~بهذا الوصف وهو إذا كان مخفي من الحروف المشربة ويقال # PageV20P276 # لها المخالطة - بكسر اللام وفتحها، وهي التي اتسعت فيها العرب فزادتها ~~على التسعة والعشرين المستعملة وهي من الحروف الصم وهي ما عدا الحلقية، ~~سميت بذلك لتمكنها في خروجها من الفم واستحكامها فيه، يقال للمحكم المصتم ~~والعلم أشد ما يكون مناسبة لهذا الوصف، فقد انطبقت بمخرجها وجميع صفاتها ~~على العلم الذي هو مقصود السورة فتبين حقا أنه مقصودها، وأما رتبة القلم في ~~بيان العلم وإظهاره وكشف خفاياه وأسراره وبثه وإشهاره فهي بحيث لا يجهلها ~~أحد اتصف بالعقل، ومما يختص به هذا الحرف أنه يصحب كل حرف لأن حده هو ما ~~يعبر عنه التنوين الذي انتظامه بالحركات هو ما آيته العلم المكمل به الحياة ~~التي هي آية ما يعبر عنه هذه الحركات، فلما كانت هذه الحركات آية على ما هو ~~الحياة كان التنوين عقبها آية على ما به كمال الحياة من العلم، وهو سبب لما ~~به القيام من الظهور، ومن معناه اسمه تعالى النور، ثم هو ms5275 اسم لكل ما يظهر ~~ما خفي باطنا كالعلم في الإدراك الذي تظهر حقائق الأشياء به، وظاهرا ~~كالنيرين للعيون، وسائر الأنوار الظاهرة والباطنة، وما هو وسيلة الظهور ~~كالعيون مما # PageV20P277 # به تشاهد الأشياء ويظهر به صورها، والدواة التي منها مداد ما كتب بالقلم ~~في العوالم أعلاها وأدناها وكل آلة يتوصل بها إلى إظهار صورة تكون تماما ~~كماء المزن الذي هو مداد كل شيء كون الله به الكائنات والبادئات «وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي» ومنه معنى النجم النباتي الذي هو للشجر بمنزلة الفول ~~للبشر متلبسا بالنور - بالفتح - الذي فيه حظ من النور - بالضم - والذرء ~~الذي هو ظاهر في نفسه مظهر لطرق الاهتداء، وكذلك الأمر في النار المخلصة من ~~رتبة ظلمتها التي هي غايتها بالرماد، وابتداؤها بما يخرج منه من شجر وحديد ~~وحجر. # ولما كان هذا الحرف اسما لما به ظهور أمر لم يختص بشيء من المظهرات دون ~~آخر بل شمل النور والحاسة والمراد والمادة، ولذلك كان مع الكاف الذي هو علم ~~التكوين سبب ظهور كل شيء {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} ~~[النحل: 40] ولصدقه على كل مظهر فسره ابن عباس رضي الله عنهما بالدواة ففسر ~~بما يستمد منه القلم، وليلحظ موقعه في نجد فإنه اسم لما ارتفع من الأرض ~~وظهر في نفسه وأظهر غيره، وفي نهود الجارية وهو ظهور نهدها، وفي النهب وهو ~~ما أخذ أخذا ظاهرا كما قال صلى الله عليه وسلم «ولا ينتهب نهبة ذات شرف ~~يرفع الناس إليه فيها أبصارهم» وفي النفخ والنفع والنصر والنقر والنقب وما ~~أشبهها فإنها كلها ظهور # PageV20P278 # وإظهار كالنم والمن والنمؤ ولأجل علوه واستبطانه وأنه استغراق المظهر ~~المبين كانت إقامته يتعالى الألف وهو الواو وانتهاؤه إلى مثل ما بدأ به، ~~ولكون الميم تماما كان قوامه بمتنزل كالألف التي هي الياء في قولك ميم، ~~ولرجوع الواو إلى علو الألف كان عمادها الألف في قولك «واو» وهذه الحروف ~~الثلاثة ظاهرة في عالمين ظاهرهما المبدوء به وباطنهما المختوم به، فالنون ~~الأولى يعبر بها عن ms5276 نور الأبصار، والخاتمة يعبر بها عن نور القلب، ولما كان ~~الهاء وتر الدال، وكان محيطا باطنا غيبا وجب أن يكون محل تضعيفه بالياء محل ~~محيط باطن نازل الرتبة في الغيب عن الهاء لوقوعه في رتب العشرات وهو النون، ~~فكان ظاهرا بالإضافة إلى خفاء الهاء باطنا بالإضافة إلى ظهور الميم، فيكون ~~بالنون ظهور الميم المعبر عن «الملك» الذي سبق في السورة الماضية كما كان ~~شهادة الدال وثبوته بالهاء. # ولذلك انبنى تمام كل عمل على نور علم كما كان قوام ظاهر كل دال غير هاء، ~~وكان النون مدادا لمثل العلم الذي يظهر صورها بسطر القلم حتى أن آية ما بطن ~~منه فأظهره القلم هو ما بطن دون الأرض من النون الذي عليه الأرض # PageV20P279 # الذي أول ما يطعمه أهل الجنة زيادة كبده مع الثور الذي عليه الأرض أيضا ~~الذي يذبح لهم - على ما ورد في الخبر، وقابل استبطان النون في الأرض ظهور ~~القاف على ظاهرها الذي هو جبل الزبرجد المحيط بالدنيا، وعن ذلك الاستيلاء ~~على القلوب في الدنيا إنما يكون بالعلم الذي هو حقيقة نون كما أن الاستيلاء ~~على الأجسام في ظاهر الدنيا إنما يكون بالقدرة التي هي حقيقة قاف على ما ~~يظهر من إجالتي العلماء في النون الأبطن والملوك في القاف الأظهر، وهذان ~~الصنفان من الخلق هما المستوليان على الناس بالأيالة ونفوذ الأمر، ولذلك ~~أقيم المفصل من القرآن بحرفي قاف ونون، واقترن أيضا هذان الحرفان في كلمة ~~القرآن ولفظ الفرقان اللذين هما في ظواهر أسمائه، وإنما كان أول ما يطعمه ~~أهل الجنة من الثور الذي عليه الدنيا الذي كان يرعى في أطراف الجنة - على ~~ما ورد عنه عليه أفضل الصلاة والسلام، لأن صورة الثور هي معنى ما هو الكد ~~والكدح وجهد العمل في الأرض الذي قام عليه أمر الدنيا، ولما كان أهل الدنيا ~~أول ما يراحون منه من أمر الدنيا تقديم أمر الكد بين يدي معاشهم في الجنة، ~~كان الذي يذبح لهم الثور الذي هو صورة كدهم فيأكلونه فهو جزاء ما عملوا ms5277 به ~~في دنياهم من حيث كانوا ذوي دين، # PageV20P280 # فاستحقوا بذلك جزاء كدهم بما هو صورته، وأضيف لذلك زيادة كبد النون التي ~~هي صورة حظهم من أصل العلم فأطعموها وجوزوا بها، وروعي في أعمالهم حسن ~~نيتهم في أصل دينهم، فلما أتوا عليهما استقبلوا الراحة والخروج عن الكلفة ~~في معاشهم في الجنة، والذي جرهم به سبحانه إلى سني هذه الرتبة ما أتقنه ~~بحكمته من ثناء المفصل القرآني على حرفي القاف الذي به القوة والقهر ~~والقدرة، والنون الذي به إظهار ذلك للعقل بنور العلم، وذلك أن القرآن نزله ~~سبحانه مثاني، ضمن ما عدا المفصل منه الذي هو من قاف إلى خاتمة الكتاب ~~العزيز، وفاتحته ما يختص بأولي العلم والفقه من مبسوطات الحكم ومحكمات ~~الأحكام ومطولات الأقاصيص ومتشابه الآيات، والسور المفتتحة بالحروف العلية ~~الإحاطة الغيبية المنحى المستندة إلى آحاد الأعداد مما يختص بعلم ظاهرها ~~خاصة الأمة، ويختص بأمر باطنها آل محمد صلى الله عليه وسلم، فلعلو رتبة ~~إيراد ما عدا المفصل ثنى الحق تعالى الخطاب وانتظمه في سور كثيرة العدد ~~يسيرة عد الآي هي المفصل، ذكر فيها من أطراف القصص والمواعظ والأحكام ~~والأنباء وأمر الجزاء ما يليق بسماع العامة ليسهل عليهم سماعه وليأخذوا # PageV20P281 # بحظ مما أخذ الخاصة، ويتكرر على أسماعهم في قراءة الأئمة له في الصلوات ~~المفروضة التي لا مندوحة لهم عنها ما يكون لهم خلقا مما يفوتهم من مضمون ~~سائر السور المطولات، فكان أحق ما افتتح به مفصلهم حرف القاف الذي هو وتر ~~الآحاد حتى صارت عشرة، ثم إذا ضربت في نفسها صارت مائة، فافتتح به المفصل، ~~ليكون مضمون ما يحتوي عليه أظهر مما يحتوي عليه ما افتتح بآلم، ولذلك كان ~~صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقرأ في خطبة الجمعة سورة «ق» فيفتتح للعامة ~~المتوجه بخطبة يوم الجمعة إليهم لأنها صلاة جامعة الظاهر بفاتحة المفصل ~~الخاص، وفي مضمونها من معنى القدرة والقهر المحتاج إليه في إقامة أمر ~~العامة ما فيه كفاية، وشفعت بسورة «ن» المظهرة ظاهر «ق» فخصوا بما فيه ~~القهر والإبانة، ms5278 واختصت سورة «ن» من مقتضى العلم بما هو محيط بأمر العامة ~~المنتهي إلى غاية الذكر الشامل للعالمين، لأن القوة المعربة عن العلم ربما ~~كان ضررها أكثر من نفعها، كما قال بعض السلف: كل عز لم يوطده علم فإلى ذل ~~يؤول، وكما كان جميع السور التسع والعشرين المفتتحة بالحروف المتضمنة ~~للمراتب التسع في التسعة وللعاشر الجامع للمراتب التسع بإيتار آحادها ~~والعاشر الجامع يضرب # PageV20P282 # العشر الموتر في نفسه قواما وإحاطة في جميع القرآن كذلك كان سورة «ق» ~~وسورة «ن» قواما خاصا وإحاطة خاصة بما يخص العامة من القرآن الذي يجمعهم ~~الأرض بما أحاط من ظاهرها من صورة جبل «ق» وما أحاط بباطنها من صورة حيوان ~~«ن» الذين تمام أمرهم بما بين مددي إقامتهما، وبهذه السورة المفتتحة ~~بالحروف ظهر اختصاص القرآن وتميز عن سائر الكتب لتضمنه الإحاطة التي لا ~~تكون إلا للخاتم الجامع، واقترن من التفصيل في سورها ما يليق بإحاطتها، ~~ولإحاطة معانيها وإبهامها كان كل ما فسرت به من معنى يرجع إلى مقتضاها ~~صحيحا في إحاطتها بمتنزلها من أسماء الله وترتبها في جميع العوالم فلا ~~يخطىء فيها مفسر لذلك لأنه كلما قصد وجها من التفسير لم يخرج عن إحاطة ما ~~يقتضيه، ومهما فسرت به من أسماء الله أو من أسماء الملائكة أو من أسماء ~~الأنبياء أو من مثل الأشياء أو صور الموجودات أو من أنها أقسام أقسم بها أو ~~فواتح عرفت بها السور أو أعداد تدل على حوادث وحظوظ من ظاهر الأمر أو باطنه ~~على اختلاف رتب وأحوال مما أعطيه المنزل عليه صلى الله عليه وسلم # PageV20P283 # من مقدار أمد الخلافة والملك والسلطنة وما ينتهي إليه أمره من ظهور ~~الهداية ونحو ذلك مما يحيط بأمد يومه إلى غير ذلك وكل داخل في إحاطتها، ~~ولذلك أيضا لا يختص بمحل مخصوص يلزمه علامة إعراب مخصوصة، فمهما قدر في ~~مواقعها من هذه السورة جرا أو رفعا أو نصبا فداخل في إحاطة رتبتها ولم ~~يلزمها معنى خاص لما لم يكن لها انتظام، لأنها مستقلات محيطات، وإنما ينتظم ms5279 ~~ما يتم معنى كل واحد من المنتظمين بحصول الانتظام، وذلك يختص من الكلم بما ~~يقصر عن إحاطة مضمون الحروف حتى أنه متى وقع استقلال وإحاطة في كلمة لم يقع ~~فيها انتظام. # ولما كان قوام هذا الوجود بالسيف والقلم، وكان «نون» مشتركا بين معان ~~منها السيف والدواة التي هي آلة القلم، واللوح الذي هو محل ما يثبت من ~~العلم، وكان السيف قد تقدم في حيز القاف الذي افتتحت به سورة «ق» كما هو ~~أنسب لتضمنه القوة والقدرة والقهر في سورة الحديد بعد الوعظ والتهديد ~~والتذكير بالنعم في # PageV20P284 # السورة الواقعة بينهما، ذكر هنا ما هو لحيز النون من آية العلم فقال ~~مقسما بعد حرف «ن» : {والقلم} أي قلم القدرة الذي هو أول ما أبدعه الله، ثم ~~قال له: اكتب، فخط جميع الكائنات إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ حقيقة، ~~وفي ألواح صفحات الكائنات حالا ومجازا، فأظهر جميع العلوم، ثم ختم على فيه ~~فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، والذي يكتب فيه الخلق ما نولهم الله من ~~تلك المعارف والفهوم، وذلك هو قوام أمور الدنيا، والإشارة به إلى القضاء ~~الذي هو من نتائج «ن» لأنه من مصنوعات الله الظاهرة التي اقتضت حكمته ~~سبحانه إيجادها ووجهه إلى تفصيل ما جرى به الحكم. # ولما كان الحاصل بالقلم من بث الأخبار ونشر العلوم على تشعبها والأسرار ~~ما يفوق الحصر، فصار كأنه العالم المطيق واللسن المنطيق، وكان المراد به ~~الجنس أسند إليه كما يسند إلى العقلاء فقال: {وما يسطرون *} أي قلم القدرة، ~~وجمعه وأجراه مجرى أولي العلم للتعظيم لأنه فعل أفعالهم، أو الأقلام على ~~إرادة الجنس، ويجوز أن يكون الإسناد إلى الكاتبين به لما دل عليهم من ذكره، ~~إما الملائكة إن كان المراد ما كتب في الكتاب المبين واللوح المحفوظ وغيره ~~مما # PageV20P285 # يكتبونه، وإما كل من يكتب منهم ومن غيرهم حتى أصحاب الصحيفة الظالمة التي ~~تقاسموا فيها على أن يقاطعوا بني هاشم ومن لافهم حتى يسلموا إليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصنعون به ما ms5280 شاؤوا، وكيف ما كان فهو إشارة إلى ~~المقدر لأنه إنما يسطر ما قضى به وحكم. # ولما كان المخاطب بهذا صلى الله عليه وسلم قد عاشر المرسل إليهم دهرا ~~طويلا وزمنا مديدا أربعين سنة وهو أعلاهم قدرا وأطهرهم خلائق وأمتنهم عقلا ~~وأحكمهم رأيا وأرأفهم وأرفعهم عن شوائب الأدناس همة وأزكاهم نفسا بحيث إنه ~~لا يدعى بينهم إلا بالأمين ولم يتجدد له شيء يستحق به أن يصفوه بسببه ~~بالجنون الذي ينشأ عنه الضلال عن المقاصد المذكور آخر الملك في قوله # {فستعلمون من هو في ضلال مبين} [الملك: 29] إلا النعمة التي ما نال أحد ~~قط مثلها في دهر من الدهور ولا عصر من الأعصار، قال مجيبا هذا القسم العظيم ~~رادا عليهم بأجلى ما يكون وأدله على المراد تأنيسا له صلى الله عليه وسلم ~~مما أوجب افتراؤهم عليه له من الوحشة وشرحا # PageV20P286 # لصدره وتهدئة لسره: {ما أنت} أي يا أعلى المتأهلين لخطابنا {بنعمة} أي ~~بسبب إنعام {ربك} المربي لك بمثل تلك الهمم العالية والسجايا الكاملة بأن ~~خصك بالقرآن الذي هو جامع لكل علم وحكمة، وأكد النفي زيادة في شرفه صل الله ~~عليه وسلم فقال: {بمجنون *} أي بل الذي وصفك بهذا هو الحقيق باسم الجنون ~~ومعناه فضلا عن الضلال الذي ردد في آخر تلك بينك وبينهم فيه سلوكا لسبيل ~~الإنصاف لينظروا في تلك بالأدلة فيعلموا ضلالهم وهدايتك بالدليل القطعي ~~بالنظر في الآثار المظهرة لذلك غاية الإظهار، فنفى عنه صلى الله عليه وسلم ~~الشقاوة التي سببها فساد العقل فثبتت السعادة التي سببها صلاح العقل ونعمة ~~الرب له. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة الملك من عظيم البراهين ~~ما يعجز العقول عن استيفاء الاعتبار ببعضه كالاعتبار بخلق السماوات في قوله ~~تعالى {الذي خلق سبع سماوات طباقا} [الملك 3] أي يطابق بعضها بعضا من طابق ~~النعل - إذا خصفها طبقا على طبق، ويشعر هذا بتساويها في مساحة أقطارها ~~ومقادير أجرامها - والله أعلم، ووقع الوصف # PageV20P287 # بالمصدر يشعر باستحكام مطابقة بعضها لبعض إنباء منه سبحانه وتعالى أنها ~~من عظم ms5281 أجرامها وتباعد أقطارها يطابق بعضها بعضا من غير زيادة ولا نقص {ما ~~ترى في خلق الرحمن من تفاوت} [الملك: 3] أي من اختلاف واضطراب في الخلقة أو ~~تناقض، إنما هي مستوية مستقيمة، وجيء بالظاهر في قوله تعالى {ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت} [الملك: 3] ولم يقل: ما ترى فيه من تفاوت - ليشعر أن جميع ~~المخلوقات جار على هذا، كل شكل يناسب شكله، لا تفاوت في شيء من ذلك ولا ~~اضطراب، فأعطى الظاهر من التعميم ما لم يكن يعطيه الإضمار كما أشعر خصوص ~~اسم الرحمن بما في هذ الأدلة المبسوطة من الرحمة للخلائق لمن رزق الاعتبار، ~~ثم نبه تعالى على ما يرفع الريب ويزيح الإشكال في ذلك فقال: {فارجع البصر} ~~[الملك: 3] أي عاود الاعتبار وتأمل ما تشاهده من هذه المخلوقات حتى يصح ~~عندك ما أخبرت به بالمعاينة ولا يبقى معك في ذلك شبهة # {هل ترى من فطور} [الملك: 3] أي من صدوع وشقوق، ثم أمر تعالى بتكرير ~~البصر فيهن متصفحا ومتمتعا هل تجد عيبا أو خللا {ينقلب إليك البصر خاسئا} ~~[الملك: 4] أي إنك إذا فعلت هذا رجع بصرك بعيدا عن إصابة الملتمس كأنه يطرد ~~عن ذلك طردا # PageV20P288 # بالصغار وبالإعياء وبالكلال لطول الإجابة والترديد، وأمر برجوع البصر ~~ليكون في ذلك استجمامه واستعداده حتى لا يقع بالرجعة الأولى التي يمكن فيها ~~الغفلة والذهول إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة إذ معنى التثنية في قوله ~~«كرتين» التكرير كقولهم: لبيك وسعديك فيحسر البصر من طول التكرار ولا يعثر ~~على شيء من فطور، فلو لم تنطو السورة على غير ما وقع من أوله إلى هنا لكان ~~في ذلك أعظم معتبر، وأوضح دليل لمن استبصر، إذ هذا الاعتبار بما ذكر من ~~عمومه جار في كل المخلوقات ولا يستقل بفهم مجاريه إلا آحاد من العقلاء بعد ~~التحريك والتنبيه، فشهادته بنبوة الآتي به قائمة واضحة، ثم قد تكررت في ~~السورة دلالات كقوله {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} [الملك: 5] وقوله ~~{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] الآيات إلى ms5282 آخر السورة، ~~وأدناها كاف في الاعتبار فأنى يصدر بعض عن متصف ببعض ما هزئوا به في قولهم: ~~مجنون وساحر وشاعر وكذاب، {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} ~~[المطففين: 14] فلعظيم ما انطوت عليه سورة الملك من البراهين اتبعت بتنزيه ~~الآتي # PageV20P289 # بها محمد صلى الله عليه وسلم عما تقوله المبطلون مقسما على ذلك زيادة في ~~التعظيم، تأكيا في التعزير والتكرير فقال تعالى {ن والقلم وما يسطرون ما ~~أنت بنعمة ربك بمجنون} [القلم: 1، 2] وأنى يصح من مجنون تصور بعض تلك ~~البراهين قد انقطعت دونها أنظار العقلاء فكيف ببسطها وإيضاحها في نسق موجز، ~~ونظم معجز، وتلاؤم يبهر العقول، وعبارة تفوق كل مقول، تعرف ولا تدرك، ~~وتستوضح سبلها فلا تسلك {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله} [الإسراء: 88] فقوله سبحانه وتعالى {ما أنت بنعمة ~~ربك بمجنون} [القلم: 2] جوابا لقوله تعالى في آخر السورة إنه لمجنون، وتقدم ~~الجواب بنفي قولهم والتنزيه عنه على حكاية قولهم ليكون أبلغ في إجلاله صلى ~~الله عليه وسلم وأخف وقعا عليه وأبسط لحاله في تلقي ذلك منهم، ولهذا قدم ~~مدحه صلى الله عليه وسلم بما خص به من الخلق العظيم، فكان هذا أوقع في ~~الإجلال من تقديم قولهم ثم رده إذ كسر سورة تلك المقالة الشنعاء بتقديم ~~التنزيه عنها أتم في الغرض وأكمل، ولا موضع أليق بذكر تنزيهه عليه الصلاة ~~والسلام، ووصفه من الخلق والمنح الكريمة بما وصف مما أعقب به ذلك إذ بعض ما ~~تضمنته # PageV20P290 # سورة الملك بما تقدم الإيماء إليه شاهد قاطع لكل عاقل متصف بصحة نبوته ~~صلى الله عليه وسلم وجليل صدقه # {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] فقد ~~تبين موقع هذه السورة هنا، وتلاؤم ما بعده من آيها يذكر في التفسير - ~~انتهى. # ولما نفى سبحانه عنه صلى الله عليه وسلم ما قالوه مما تواقحوا به، فثبت ~~له صلى الله عليه وسلم كمال العقل، وكان المجنون من لا يكون له عمل ينتظم ~~ولا قول ms5283 يرتبط، فلا يستعمله أحد في شيء ليكون له عليه أجر، أثبت له الأجر ~~المستلزم للعقل فيتحقق إثباته من أحكم الحكماء على وجه أبلغ مما لو صرح به، ~~فقال على وجه التأكيد لإنكارهم له بما ادعوا فيه من البهت: {وإن لك} أي على ~~ما تحملت من أثقال النبوة وعلى صبرك عليهم بما يرمونك به وهو تسلية له صلى ~~الله عليه وسلم {لأجرا} ولما أثبت له ما يلازم العقل ويصلح لأن يكون في ~~الدنيا وأن يكون في الآخرة دالا بتنوينه وما أفهمه السياق من مدحه صلى الله ~~عليه وسلم على عظمته، وكان الأجر لا يستلزم الدوام، وقد يكون منغصا بنوع ~~منة قال: {غير ممنون *} أي مقطوع ولا منقوص في دنياك ولا في آخرتك ولا لأحد # PageV20P291 # من الناس عليك به صنيع يمتن به بأن يذكره على سبيل اللوم والتقريع، فهذا ~~بيان السعادة، والأجر لا يكون إلا على العمل الصالح، والعمل رشح الأخلاق، ~~فصالحه نتيجة الأخلاق الحسنة والعقل الراجح. # ولما ثبت بهذا العقل مع ما أفاده من الفضل، وكان الذي يؤجر قد يكون في ~~أدنى رتب العقل، بين أنه صلى الله عليه وسلم في أعلاها بقوله مؤكدا لما ~~مضى: {وإنك} وزاد في التأكيد لزيادتهم في المكابرة فقال: {لعلى خلق} ولما ~~أفهم السياق التعظيم، صرح به فقال: {عظيم *} وهو الإسلام الذي دعا إليه ~~القرآن لا بالبلاء ينحرف، ولا بالعطاء ينصرف، لأن خلقه - بشهادة أعرف الناس ~~به زوجه أم المؤمنين الصديقة عائشة بنت الصديق أبي بكر رضي الله عنهما - ~~القرآن، فلا يتحرك ولا يسكن إلا بأمره ونهيه، فهذا الخلق نتيجة الهدى ~~والهدى نتيجة العقل، وهو سبب السعادة، فأفهم ذلك عدم سعادتهم لعدم عقولهم، ~~وقال الواسطي: أظهر الله قدرته في عيسى عليه السلام ونفاذه في آصف، وسخطه ~~وقهره في # PageV20P292 # عصى موسى عليه الصلاة والسلام وأطهر أخلاقه ونعوته في محمد صلى الله عليه ~~وسلم فكان متخلقا بأخلاق الله تعالى والتخلق بأخلاقه أن ينزه علمه عن الجهل ~~وجوده عن البخل وعدله عن الظلم وحلمه عن السفه، واعلم أن الخلق ms5284 والخلق ~~صورتان: الخلق صورة الظاهر، والخلق صورة الباطن؛ فتناسب الأعضاء الظاهرة ~~يعبر به عن الخلق الحسن، وتناسب المعاني الباطنة يعبر به عن الخلق الحسن، ~~ثم الخلق الحسن تارة مع الله، وتارة مع حكم الله، وتارة مع الخلق، فمع الله ~~بالتعظيم والإجلال ومع حكمه بالصبر في الضراء والبأساء والشكر في الرخاء ~~والامتثال للأوامر والانزجار عن النواهي عن طيب قلب مسارعة وسماحة، وحسن ~~الخلق مع الخلق بث النصفة في المعاملة وحسن المجاملة في العشرة، روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «الخلق وعاء الدين، لأن من الخلق يخرج الدين، وهو الخضوع والخشوع وبذل ~~النفس لله واحتمال المكروه» . # ولما كان الإسلام أشرف الأديان، أعطاه الله تعالى أقوى الأخلاق وأشرفها ~~وهو الحياء كما روي أن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء، ومن الحياء حياة ~~القلب، فكان صلى الله عليه وسلم يأخذ العفو # PageV20P293 # ويأمر بالعرف ويعرض عن الجاهلين ولا يجزي بالسيئة السيئة لكن يعفو ويصفح ~~ويحسن مع ذلك ويجذب بردته حتى يؤثر في عنقه فيلتفت وهو يضحك ويقضي حاجة ~~الجاذب ويحسن إليه، فقد اشتمل الكلام التدبيري المشار إليه بالنون والقضاء ~~الكلي التأثيري المشار إليه بالقلم والقدر المبرم التفصيلي الواقع على وقف ~~القضاء المشار إليه بالسطر، ومثال ذلك أن من أراد بناء دولاب احتاج أولا ~~إلى مهندس يدبر له بعلمه موضع البئر والمدار وموضع المحلة وموضع السهم ~~وموضع الجداول، ونحو ذلك وهو الحكم التدبيري، ثانيا إلى صانع يحفر البئر ~~ويبني ونجار يركب الأخشاب على وفق حكمة المهندس، وهو القضاء التأثيري، ~~وثالثا إلى إقامة الثور في موضعه ودوران المحلة بما عليها من القواديس وجري ~~الماء في الجداول على وفق القضاء وهو القدر، ويحتاج رابعا وخامسا إلى بيان ~~انقسام المقدر له إلى شقي وسعيد، فالحكم باطن وهو سر من أسراره سبحانه ~~وتعالى - سبحان من لا يعلم قدره غيره. # PageV20P294 # ولما أقسم سبحانه على نفي ما بهتوه به ودل على ما وهبه من كمال العقل ~~وتمام الشرف والنبل تصريحا وتلويحا فثبت غاية الثبات بأخبار العالم الحكيم، ~~دل ms5285 عليه بالمشاهدة على وجه هو من أعلام النبوة للحكم على المستقبل فقال ~~مسببا عن صادق هذا الإخبار: {فستبصر} أي ستعلم يا أعلى الخلق وأشرفهم ~~وأكملهم عن قريب بوعد لا خلف فيه علما أنت في تحققه كالمبصر بالحسن الباصر ~~{ويبصرون *} أي يعلم الذين رموك بالبهتان علما هو كذلك. # PageV20P295 # ولما كان صلى الله عليه وسلم هو ومن معه فريقا والأعداء فريقا، وقد أبهم ~~آخر الملك الضال في الفريقين قال: {بأييكم} أي في أي فريقيكم {المفتون *} ~~أي بالضلال والجنون حتى صد عن الهدى ودين الحق، أو بأيكم الفتنة بالجنون ~~وغيره على أن يكون مصدر فتن، قال الرازي: مصدر مثل المفتون وهو الجنون بلغة ~~قريش كما يقال: ما له معقول وليس له مجلود، أي عقل وجلادة. # ولما كان هذا إخبارا بجنونهم المستلزم لضلالهم على هذا الوجه المتصف، ~~وكان مثل هذا قد يقع في محاورات الناس بضرب من الظن، استأنف تعالى ما هو ~~كالتعليل لما أفاده السياق من هذا الحكم # PageV20P295 # عليهم إعلاما بأنه ناشىء عن علم قطعي لا مرية فيه بوجه، فقال مؤكدا لأجل ~~إنكارهم لأن يكون الأمر على ما أفاده ما تقدم: إن ربك أي الذي رباك أحسن ~~تربية وجبلك على أعظم الخلائق {هو} أي وحده {أعلم} أي من كل أحد لا سيما من ~~يتحرض {بمن ضل} أي حار وجار وذهب وزل وضاع وغاب غيبة عظيمة لا يهتدي منها، ~~وسلك غير سبيل القصد، وأخطأ موضع الرشد، معرضا {عن سبيله} فكان أجن ~~المجانين لأنه سبحانه وتعالى خالقهم، وشارعه «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير» ولا سيما وهو الحي القيوم الذي لا يغفل {وهو} أي خاصة {أعلم ~~بالمهتدين *} أي الثابتين على الهدى وهم أولو الأحلام والنهى، وهذا سر ~~القدر الذي يقال: إنه إنما يظهر يوم الحاقة. # ولما كان من طبع البشر أن الحليم منهم الرزين إذا اشتد عليه الأذى ممن لم ~~تجر العادة بأن مثله يطيق مثلهم قاربهم ولا يتهم فيما الخلاف بسببه بعض ~~المقاربة، وكان سبب تلك المقاربة إنما هو عدم علمه بالعواقب، سبب ms5286 سبحانه ما ~~مضى من إعلامه # PageV20P296 # بحقائق الأمور وكشفه لمستورها قوله إلهابا وتهييجا على الثبات على ~~معاصاتهم إعلاما للضال بأماراته ليعلم المهتدي لأن الأمور تعلم بأضدادها. ~~وهو خطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ليكون ذلك أبلغ في سماعهم: ~~{فلا تطع} أي أيها المأمور بإنقاذهم من غوائل أهوائهم وأشراك أهلاكهم ~~{المكذبين *} أي العريقين في التكذيب، قال الملوي: ولا يخفى أن كل كفر ظهر ~~وكل ضلالة ظهرت، وكل بدعة وكل شر إنما كان سببه إفساد القوة العلمية ~~والنطقية، وهو يكون بالتكذيب، ثم علل ذلك بما يكون مجموعه على وقوعه منهم ~~من مدة طويلة وهم مستمرون عليه بقوله: {ودوا} أي أحبوا محبة عظيمة واسعة ~~متجاوزة للحد قديما مع الاستمرار على ذلك وأكد تهالكهم على هذه الودادة بما ~~يفهم التمني وإن ذلك مستمر منهم لا أنه وقع ومضى، فقال مشيرا إلى إفسادهم ~~القوة النطقية وخلق الشجاعة الغريزية: {لو تدهن} أي تلاين فتوافق على بعض # PageV20P297 # ما يريدون فتهادنهم على ترك نهيهم عن الشرك وترك التعرض لسب آلهتهم ~~وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم؛ قال ابن برجان: والأدهان ملاينة وانجرار ~~بالباطل وإغماض عن الحق مع المعرفة بذلك - انتهى. # وهو من الدهن لأنه يلين ما يدهن به. # ولما كان من طبعهم أنهم كانوا يلينون له صلى الله عليه وسلم بعض الأوقات ~~خداعا كما قيل في سبب نزول «الكافرون» من أنهم قالوا له صلى الله عليه ~~وسلم: تعالى فلنصطلح على أن نعبد إلهك سنه وتعبد آلهتنا سنة، ونحو هذا من ~~الأباطيل حتى أنهم سجدوا وراءه صلى الله عليه وسلم لما تلا عليهم سورة ~~النجم فسجد فيها فسجد وراءه الكفار والمؤمنون والجن والإنس حتى سمع ~~المهاجرون إلى الحبشة وهم بالحبشة فرجع بعضهم ظنا منهم أنهم قد أسلموا ~~فوجدوهم على أخبث ما كانوا عليه أولا، قال سبحانه معرفا بأن ذلك منهم خداع: ~~{فيدهنون *} أي فبسبب ودادتهم أنك تدهن هم يدهنون، فهو عطف على «ودوا» لا ~~جواب «لو» لأجل تنبيهه صلى الله عليه وسلم # PageV20P298 # على أن لينهم إنما هو خداع لم يرد ms5287 به غير الفساد، وقد أخروا الإدهان وإن ~~كانوا قديما في وداده طمعا في أن تبدأ به فيظهروه حينئذ، قال القشيري: من ~~أصبح عليلا تمنى أن يكون الناس كلهم مرضى. # ولما نهاه عن طاعة المكذب وعلله، وكان من الناس من يخفي تكذيبه، قال ~~ناصبا علامات المكذب: {ولا تطع} أي في وقت من الأوقات منهم ولا من غيرهم ~~{كل حلاف} أي مبالغ في الاجتراء على الأيمان وإن لم يظهر لك تكذيبه، وليس ~~المراد النهي عن العموم بل عموم النهي، أي انته عن كل حلاف فالنهي أصل ~~والكل وارد عليه، كما تقدم تخريج مثله في آخر البقرة في قوله تعالى {والله ~~لا يحب كل كفار أثيم} [البقرة: 276] وهذه الأوصاف متفرخة من الكذب وخبث ~~السجية، فهي كالتفصيل، فكثرة الحلف دالة على فساد القوة العلمية فنشأ عنها ~~سقوط تعظيم الحق، فصار صاحبها لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، فلذلك يحلف ~~صادقا وكاذبا كيفما اتفق {مهين *} أي حقير ضعيف سافل الهمة والمروءة سافل ~~الرأي، لأن الإنسان لا يكثر الحلف إلا وهو يتصور في نفسه أنه لا يصدق إلا ~~بذلك، لأنه ليس له من المهابة عند من يحدثه والجلالة ما يصدقه # PageV20P299 # بسببه، وهو مؤثر للبطالة لما فيها من موافقة طبعه، وذلك هو الحقارة ~~الكبرى. # ولما كان كل من اتصف بصفة، أحب أن يشاركه الناس فيها أو يقاربوه لا سيما ~~إن كانت تلك الصفة دنية ليسلم من العيب أو الانفراد به ولأن الشيء لما ~~داناه ألف قال: {هماز} أي كثير العيب للناس في غيبتهم، وقال الحسن: هو الذي ~~يغمز بأخيه في المجلس، أي لأن الهمز العض والعصر والدفع - من المهماز الذي ~~يطعن به في بطون الدواب، وهو مخصوص بالغيبة كما أن اللمز مخصوص بالمواجهة. # ولما كانت النميمة - وهي نقل الحديث على وجه السعاية - أشد الهمز أفاد ~~أنه يفعله ولا يقتصر على مجرد النقل بل يسعى به إلى غيره وإن بعد فقال ~~تعالى: {مشاء} أي كثير المشي {بنميم} أي ينقل ما قاله الإنسان في آخر ~~وأذاعه سرا، لا يريد ms5288 صاحبه إظهاره على وجه الإفساد للبين مبالغ في ذلك ~~بغاية جهده. # ولما كان من كان هكذا يريد إعلاء نفسه بهضم الناس، وكان المنع لإرادة ~~الاستئثار بالممنوع ليكون الغير محتاجا إليه وعاكفا عليه # PageV20P300 # لأن من طبعه أنه لا يرتبط إلا طمعا لا شكرا بضد الجواد، فإنه يرفع نفسه ~~عن المطامع، ولا يرتبط إلا شكرا على الصنائع فيجود ظنا منه أن الناس كذلك، ~~قال: {مناع} أي كثير المنع شديده {للخير} أي كل خير من المال والإيمان ~~وغيرهما من نفسه ومن غيره من الدين والدنيا - إلى غير ذلك. # ولما كان من يفعل هذه المخازي من الناس ويقتصر في الهمز والنم على ~~الواقع، وفي المنع على ما له منعه - لئيما، بين أنه لا يقنع بذلك، بل زاد ~~عليه ببذل الجهد فيما يصير به ألأم فقال: {معتد} أي ثابت التجاوز للحدود في ~~كل ذلك {أثيم *} أي مبالغ في ارتكاب ما يوجب الإثم فيترك الطيبات ويأخذ ~~الخبائث ويرغب في المعاصي ويتطلبها، ويدع الطاعات ويزهد فيها. # PageV20P301 # ولما كان كل من يتصف بهذه الدنايا التي من شأنها إبعاد الناس عنه ونفرتهم ~~منه يسعى في سترها إن كان عاقلا بلين وتواضع # PageV20P301 # وخداع وسهولة انقياد، بين أن هذا على غير ذلك فقال منبها على هذا ~~بالبعدية: {عتل} أي أكول شديد الخصومة جاف غليظ في خلقه وخلقه ثقيل مر، ~~كأنه قطعة جبل قد انقطع عن سائره لا ينجر إلى خير إلا بعسر وصعوبة وعنف، من ~~عتله - إذا قاده بغلظة، فهو في غاية ما يكون من يبس الطباع وعدم الطواعية ~~في الخير والانطباع، قال الرازي: وسئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~أي عن العتل - فقال: «هو الشديد الخلق الرحيب الجوف الأكول الشروب الظلوم» ~~ونبه سبحانه على ثباته في تلك المخازي الموجب لاستغراق أوقاته وأحواله بها ~~بنزع الخافض فقال: {بعد ذلك} الخلق الجدير بتكلف الإبعاد عنه الذي تجمع من ~~هذه الأوصاف التي بلغت نهاية القباحة حتى صارت كأنها خلق واحد ثابت راسخ لا ~~حيلة له في مداواته، وعلى ذلك نبه قوله: ms5289 {زنيم *} أي صارت له علامة سوء وشر ~~وثناء قبيح ولأمة بينة ومعرفة يعرف بها كما تعرف الشاة بزنمتها. وهي الجلدة ~~التي تكون تحت حلقها مدلاة تنوس، والعبد بمعايبه وسفساف أخلاقه، وقيل: هو ~~الذي يتشبه بقوم وليس منهم في شيء، ولا يخلو التعبير به من إشارة إلى أنه ~~دعي ليس ثابت النسب # PageV20P302 # إلى من ينتسب إليه، ليكون منقطعا عن كل خير وإن كان ينسب إلى آباء كرام، ~~أخذا من زنمة البعير، وهي جلدة تقطع من أذنه فتترك معلقة، ولا يفعل ذلك إلا ~~بكرام الإبل، وهذه الأفعال كلها تنافي الشجاعة المقتضية لإحسان صاحبها إلى ~~كل أحد وأن لا يحسب له حسابا ولا يوصل إليه أذى إلا بعد ظهور شره فيعامله ~~حينئذ بحسب العدل بما لا يرزىء بالمروءة والمشار إليه بهذا مع إرادة العموم ~~قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: الأخنس بن شريق، وقيل: الأسود بن عبد يغوث، ~~وقال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله تعالى وصف أحدا ولا ذكر من عيوبه ما ذكر ~~من عيوب الوليد بن المغيرة. # ولما كان حطام هذه الدنيا كله عرضا فانيا وظلا متقلصا زائلا، لا يفتخر به ~~بل ولا يلتفت إليه إلا من كان بهذه الأوصاف، فإذا كان أكبر همه ومبلغ علمه ~~أثمر له الترفع على الحقوق والتكبر على العباد قال: {أن} أي لأجل أن {كان} ~~هذا الموصوف {ذا مال} أي مذكور بالكثرة {وبنين *} أنعمنا عليه بهما فصار ~~يطاع لأجلهما، # PageV20P303 # فكان بحيث يجب عليه شكرنا بسببهما {إذا تتلى} أي تذكر على سبيل المتابعة ~~{عليه} ولو كان ذلك على سبيل الخصوص له {آياتنا} أي العلامات الدالة دلالة ~~في غاية الظهور على الملك الأعلى وعلى ما له من صفات العظمة {قال} أي فاجأ ~~هذا القول من غير تأمل ولا توقف عوضا عن الشكر، ف «إن» مع جاره متعلق بما ~~دل عليه الكلام نحو كذب لأجل كونه متمكنا، ولا يتعلق بقال لأنه جزاء الشرط، ~~ويجوز أن يتعلق بلا تطع أي لا توجد طاعته لأجل إن كان كذا، وقرىء بالكسر ~~على أنها ms5290 شرطية، فيكون النهي عن طاعته لعلة الغنى مفهما للنهي عن طاعته عند ~~الوصف بغيره من باب الأولى كالتعليل بإملاق في الوأد: {أساطير} جمع سطور ~~جمع سطر {الأولين *} أي أشياء سطروها ودونوها، وفرغوا منها فحمله دنيء طبعه ~~على تكبره بالمال فورطه في التكذيب بأعظم ما يمكن سماعه فجعل الكفر موضع ~~الشكر ولم يستح من كونه يعرف كذبه كل من يسمعه، فأعرض عن الشكر ووضع موضعه ~~الكفر، فكان هذا دليلا على جميع تلك الصفات السابقة مع التعليل بالإسناد ~~إلى ما هو عند العاقل أوهم وأوهى من بيت # PageV20P304 # العنكبوت، والاستناد إليه وحده كاف في الاتصاف بالرسوخ في الدناءة، ولا ~~يعمل في «أن قال» بل ما دل عليه لأن ما في حيز الشرط لا يعمل فيما قبله. # ولما كان هذا المكذور قد أغرق في الشر فتوقع السامع جزاءه، قال معلما أنه ~~يجعل له من الخزي والفضائح ما يصير به شهرة بين الخلائق في الدنيا والآخرة: ~~{سنسمه} أي نجعل ما يلحق به من العار في الدارين كالوسم الذي لا ينمحي ~~أثره، تقول العرب: وسمه ميسم سوء. # ولما كان الوسم منكئا، وكان جعله في موضع لا يستر أنكأ، وكان الوجه أشرف ~~ما في الإنسان، وكان أظهر ما فيه وأكرمه الأنف، ولذلك جعلوه مكان العز ~~والحمية واشتقوا منه الأنفة قال: {على الخرطوم *} أي الأنف الطويل جميعه ~~وما قاربه من الحنكين وسما مستعليا عليه بوضوح جدا ليكون هتكة بين الناس ~~وفضيحة لقومه وذلا وعارا، وكذا كان لعمري له بهذا الذكر الشنيع والذنب ~~القبيح من الكفر وما معه، وسيكون له يوم الجمع الأعظم ما هو أشنع من هذا ~~على أنه قد حقق في الدنيا هذا الخطم حسا بأنه ضرب يوم بدر ضربة # PageV20P305 # خطمت أنفه - قاله ابن عباس رضي الله عنهما، والتعبير عن الأنف بهذا ~~للاستهانة والاستخفاف. # ولما ذكر في أول الملك أنه خلق الموت والحياة للابتلاء في الأعمال، وختم ~~هنا بعيب من يغتر بالمال والبنين وهو يعلم أن الموت وراءه، أعاد ذكر ~~الابتلاء وأكده لأن أعمالهم مع العلم بأنه ms5291 عرض زائل أعمال من ظن الملك ~~الثابت والتصرف التام، فقال: {إن بلوناهم} أي عاملنا - على ما لنا من ~~العظمة - الذين نسمهم على الخراطيم من قريش وسائر عبادنا بما وسعنا عليهم ~~به معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر والباطن، فغرهم ذلك وظنوا أنهم أحباب، ~~ومن قترنا عليه من أوليائنا أعداء، فاستهانوا بهم، ونسبوهم لأجل تقللهم في ~~الدنيا إلى السفه والجنون والضلال والفتون، فيوشك أن نأخذهم بغتة كما فعلنا ~~بأصحاب الجنة، فكل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ابتلى به، فإن ~~آمن كان ممن أحسن عملا، وإلا كان ممن أساء. # PageV20P306 # ولما لم تعرف عامة أهل مكة نعمة الله عليهم به صلى الله عليه وسلم، أخرجه ~~الله عنهم وأكرمه بأنصار جعله أكرم الكرامات لهم، وكل من سمع به ولم يؤمن ~~فهو كذلك، تكون أعماله كهذه الجنة يظنها شيئا فتخونه أحوج ما يكون إليها، ~~أو كان ابتلاؤنا لهم بالقحط الذي دعا عليهم به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أكلوا الجيف فما تابوا كما تاب {كما بلونا} أي اختبرنا بأن عاملنا ~~معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر والباطن، وحاصله أنه استخرج ما في البواطن ~~ليعلمه العباد في عالم الشهادة كما يعلمه الخالق في عالم الغيب، أو أنه ~~كناية عن الجزاء {أصحاب الجنة} عرفها لأنها كانت شهيرة عندهم وهي بستان ~~عظيم كان دون صنعاء بفرسخين، يقال له الضروان، يطؤه أهل الطريق، كان صاحبه ~~ينادي الفقراء وقت الصرام، ويترك لهم ما أخطأ المنجل أو ألقته الريح أو بعد ~~عن البساط الذي يبسط تحت النخلة، فلما مات شح بنوه بذلك فحلفوا على أن ~~يجذوها قبل الشمس حتى لا يأتي الفقراء إلا بعد فراغهم، وذلك معنى قوله ~~تعالى: {إذ} أي حين {أقسموا} ودل على تأكيد القسم فقال: {ليصرمنها} عبر به ~~عن الجذاذ بدلالته على القطع البائن المعزوم عليه المستأصل المانع للفقراء # PageV20P307 # ليكون قطعا من كل وجه، من الصريم - لعود يعرض على فم الجدي لئلا يرضع، ~~ومن الصرماء: المفازة لا ماء بها، والناقة القليلة اللبن {مصبحين *} أي ms5292 ~~داخلين في أول وقت الصباح {ولا} أي والحال أنهم لا {يستثنون *} أي لا ~~يطلبون ولا يوجدون ثنيا - أي عودا - إلى ما قبل اليمين بقولهم «إن شاء ~~الله» أو غير ذلك من الألفاظ الموجبة لأن يكون شيء من جنتهم مطلقا غير ~~ممنوع، وسمي ذلك استثناء لأنه إخراج لشيء يكون حكمه غير المذكور أولا، وكان ~~الأصل فيه: إلا أن يشاء الله، وألحق به إن شاء الله لرجوعه إليه في اتحاد ~~الحكم {فطاف} أي فتسبب عن عملهم هذا الطامح أن طاف {عليها} أي جنتهم {طائف} ~~أي عذاب مهلك محيط مع أنه أمر يسير جدا عند الله وإن كان عظيما بالنسبة ~~إليها لأنه لم يدع منها شيئا، ولا يكون الطائف بهذا المعنى إلا بالليل، كذا ~~قيل، ويرده # {إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} [الأعراف: 201] . # ولما كان هذا مقتا في الصورة أخبر بأنه لطف وتربية في المعنى بقوله: {من ~~ربك} أي المعروف بالعظمة التي لا تحد وبالإحسان إليك فهو جدير بأن يؤدب ~~قومك ليقبلوا منك كما أدب أصحاب الجنة بما أوجب توبتهم وهو الحقيق بتربية ~~العباد يعقلوا عنك ويكونوا # PageV20P308 # خليقين بالتجنب للدنيا والإقبال على المعالي {وهم} أي والحال أن أصحاب ~~الجنة المقسمين {نائمون *} وقت إرسال الطائف {فأصبحت} أي فتسبب عن هذا ~~الطائف الذي أرسله القادر الذي لا يغفل ولا ينام على مآل من لا يزال أسير ~~العجز والنوم فعلا أو قوة أن صارت جنتهم وقت اجتنائهم لها بالغد وسرورهم ~~بها {كالصريم *} أي كالأشجار التي صرم عنها ثمرها أو كالشيء الذي انقطع ما ~~بينه وبين قاصده فلا وصول إليه بوجه، وقيل: كالليل المظلم الأسود، وقيل: ~~كالرماد الأسود، ليس بها ثمرة، لأن ذلك الطائف أتلفها لم يدع فيها شيئا، ~~لأنهم طلبوا الكل فلم يزكوه بما يمنع عنه الطوارق بضد ما كان لأبيهم من ~~ثمرة عمله الصالح من الدفع عن ماله والبركة في جميع أحواله. # PageV20P309 # ولما كانوا لقوة عزمهم على ما أقسموا عليه كأنهم كانوا على ميعاد، سبب ~~عنه قوله: {فتنادوا} أي كانوا كأنهم نادى كل منهم الآخر ms5293 {مصبحين *} أي في ~~حال أول دخولهم في الإصباح، وفسر التنادي بقوله: {أن اغدوا} أي بكروا جدا ~~مقبلين ومستولين وقادرين {على حرثكم} أي محل فائدتكم الذي أصلحتموه وتعبتم ~~فيه فلا يستحقه غيركم، فكأنهم استبطؤوا قيامهم وغدوهم فكفوا عنه بقوله: # PageV20P309 # {إن كنتم} أي اليوم كونا هو لكم بغاية الرغبة {صارمين *} أي جاذين جذاذا ~~ليسلم لكم من غير مشاركة أحد لكم كما تواثقتم عليه، أو جازمين بما عزمتم ~~عليه، وعبر عن إسراعهم إلى الذهاب بقوله: {فانطلقوا} أي بسبب هذا الحث ~~وعقبه كأنهم كانوا متهيئين {وهم} أي والحال أنهم {يتخافتون *} أي يقولون في ~~حال انطلاقهم قولا هو في غاية السر كأنهم ذاهبون إلى سرقة من دار هي في ~~غاية الحراسة، من الخفوت وهو الخمود، ثم فسر ما يتخافتون به بقوله: {أن لا ~~يدخلنها} وأكدوه لأنه لا يصدق أن أحدا يصل إلى هذه الوقاحة وصلابة الوجه ~~وأن جذاذا يخلو من سائل. # ولما كانت العادة قاضية بأنه لا بد أن ينسى الإنسان شيئا أو يقفل بابا أو ~~ثغرة يدخل منه وبسببه فقير قالوا: {اليوم} أي في جميع النهار - بما دل عليه ~~نزع الخافض - لتكروا عليه مرارا وتفتشوا فلا تدعوا فيه ثمرة واحدة ولا ~~موضعا يطمع بسببه أحد في قصدكم {عليكم} أي وأنتم بها {مسكين *} وهو نهي ~~للمسكين في اللفظ للمبالغة في نهي أنفسهم أن لا يدعوه يدخل عليهم، فقال لهم ~~أوسطهم سنا وخيرهم نفسا وأعدلهم طبعا بما دل عليه ما يأتي: لا تقولوا هكذا ~~واصنعوا من الإحسان ما كان يصنع أبوكم، وكأنه طواه سبحانه لأنه مع الدلالة # PageV20P310 # عليه بما يأتي لم يؤثر شيئا، وأكد كون انطلاقهم حال الإصباح بقوله: ~~{وغدوا} أي ساروا إليها غدوة {على حرد} لا غيره وهو القصد وشدة الغضب مع ~~الجزم بالأمر واللجاج فيه والسرعة والنكد بالمنع وقلة الخير، من حاردت ~~السنة أي لم يكن فيها مطر، والإبل: منعت درها، وحرد - إذا أسرع {قادرين *} ~~عند أنفسهم وفي زعمهم بدليل عدم استثنائهم فإن الجزم على الفعل في المستقبل ~~فضلا عن أن يكون مع الخلف ms5294 فعل من لا كفؤ له، ودل على قربها من منزلهم ~~بالفاء فقال: {فلما رأوها} أي بعد سير يسير وليس للزرع ولا للثمر بها أثر ~~{قالوا} لأنها صارت لسوء حالها من ذلك الطائف بعيدة من حال ما كانت عليه ~~عند تباعدهم وتغيير نياتهم فأدهشهم منظرها وحيرهم خبرها، وأكدوا لأن ضلالهم ~~لا يصدق مع قرب عهدهم بها وكثرة ملابستهم لها وقوة معرفتهم بها فقالوا: ~~{إنا لضالون *} أي عن طريق جنتنا لأن هذه لا تشبهها بوجه فيما كان فيه ~~بالأمس من النضارة وشدة الحمل وحسن الهيئة. # ولما انجلى ما أدهشهم في الحال قالوا مضربين عن الضلال: {بل نحن محرومون ~~*} أي ثابت حرماننا مما كان فيها من الخير الذي لا نغيب عنها إلا سواد ~~الليل فحرمنا الله إياها بما عزمنا عليه من حرمان # PageV20P311 # المساكين لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. # وما كان القرع بالمصائب مظنة الرقة والتوبة لمن أريد به الخير، وزيادة ~~الكفر لغيره، استأنف قوله: {قال أوسطهم} أي رأيا وعقلا وسنا ورئاسة وفضلا، ~~منكرا عليهم: {ألم أقل لكم} أن ما فعلتموه لا ينبغي، وأن الله سبحانه ~~وتعالى بالمرصاد لمن غير ما في نفسه وحاد. # ولما كان منع الخير ولا سيما في مثل هذا مستلزما لظن النقص في الله تعالى ~~إما بأنه سبحانه لا يخلف ما حصل التصدق به وإما أنه لا يقدر على إهلاك ما ~~شح الإنسان به، قال مستأنفا: {لولا} أي هلا ولم لا {تسبحون *} أي توقعون ~~التنزيه لله سبحانه وتعالى عما أوهمه فعلكم، وأقل التسبيح الاستثناء عند ~~الإقسام شكا في قدرة الإنسان وإثباتا لقدرة الملك الديان استحضارا لعظمته ~~سبحانه وتعالى، ودل سياق الكلام على أنهم كانوا متهيئين للتوبة بقوله: ~~{قالوا} من غير تلعثم بما عاد عليهم من بركة أبيهم فقال سبحانه # PageV20P312 # حاكيا عن قولهم: {سبحان ربنا} أي تنزه المحسن إلينا التنزيه الأعظم عن أن ~~يكون وقع منه فيما فعل بنا ظلم، وأكدوا قباحة فعلهم هضما لأنفسهم وخضوعا ~~لربهم وتحقيقا لتوبتهم لأن ما كانوا عليه من الحال يقتضي ms5295 أن لا يصدق رجوعهم ~~عنه بقولهم: {إنا كنا} أي بما في جبلاتنا من الفساد {ظالمين *} أي راسخين ~~في إيقاعنا الأشياء في غير مواقعها حيث لم نعزم عزما جازما على ما كان يفعل ~~أبونا من البر، ثم حيت حلفنا على ترك ذلك ثم حيث لم نرد الأمر إلى الله ~~بالاستثناء حيث حلفنا فإن الاستثناء تنزيه الله عن أن يجري في ملكه ما لا ~~يريد، وأكد توبتهم بقوله مسببا عن اعترافهم بالظلم: {فأقبل بعضهم} أي في ~~حال مبادرتهم إلى الخضوع {على بعض} ودلت التسوية بين فريقيهم في اللفظ على ~~الاستواء في التوبة {يتلاومون *} أي يفعل كل منهم مع الآخر في اللوم على ما ~~قصده من المنع وترك ما تركوه من الإعطاء والدفع ما يفعله الآخر معه، وينسب ~~النقصان إليه كما هو دأب المغلوبين العجزة. # PageV20P313 # ولما تشوف السامع إلى معرفة بعض ذلك قال: {قالوا} منادين لما شغلهم قربه ~~منهم وملازمته عن كل شيء: {يا ويلنا} # PageV20P313 # أي هذا وقت حضورك أيها الويل إيانا ومنادتك لنا فإنه لا نديم لنا إلا ~~أنت، والويل هو الهلاك والإشراف عليه. # ولما كان أهل الرذالة ينكرون أن يكون من يمنع الفقراء طاغيا، أكدوا ~~قولهم: {إنا كنا} أي جبلة وطبعا {طاغين *} أي مجاوزين الحدود فيما فعلنا من ~~التقاسم على منع الفقراء وعلى جذها في الصباح من غير استثناء فعل القادر، ~~وكان ذلك إن كان لا بد لنا منه ممكنا بغير قسم ولا إخفاء من الغير ولا ~~مخافتة حال السير بأن يقال للفقراء: يفتح الله، ونحو ذلك من الكلام. # ولما قدموا ما هو أنفع لهم من اللوم المتقضي لإجماعهم على التوبة فعلم ~~بذلك الندم الذي هو أمارة التوبة، استأنفوا جوابا لمن سأل: هل اقتصروا على ~~التلاوم؟ قولهم: {عسى} أي يمكن أن يكون وهو جدير وخليق بأن يكون {ربنا} أي ~~الذي أحسن إلينا بتربية هذه الجنة وبإهلاك ثمرها الآن تأديبا لنا {أن ~~يبدلنا} أي من جنتنا شيئا {خيرا منها} يقيم لنا أمر معاشنا فتنقلب أحوالنا ~~هذه التي نحن فيها من الهموم والبذاذة ms5296 بسرور ولذاذة بما أفاده إيقاع الفعل ~~على ضميرهم، وقراءة أبي عمرو ونافع بالتشديد وقراءة الباقين بالتخفيف وهما # PageV20P314 # متقاربتان غير أن التشديد يدل على التدريج، فالتخفيف أبلغ معنى: وإنما ~~تعلق رجاؤنا بسبب توبتنا وعلمنا بأن ربنا قادر على ما يريد، ولا ييأس من ~~روح الله إلا القوم الكافرون. # ولما دل هذا الدعاء على إقبالهم على الله وحده صرحوا وأكدوا لأن حالهم ~~الأول كان حال من ينكر منه مثل ذلك فقالوا معللين: {إنا} ولما كان المقام ~~للتوبة والرجوع عن الحوبة، عبروا بأداة الانتهاء إشارة إلى بعدهم عن ~~الحضرات الربانية تأدبا منهم فقالوا: {إلى ربنا} أي المحسن إلينا والمربي ~~لنا بالإيجاد ثم الإبقاء خاصة لا إلى غيره سبحانه {راغبون *} أي ثابتة ~~رغبتنا ورجاؤنا الخير والإكرام بعد العفو، وقد قيل إن الله تعالى جلت قدرته ~~قبل رجوعهم وأخلف عليهم فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان بحيث كان القطف ~~الواحد منها يحمله وحده من كبره البغل - رواه البغوي عن ابن مسعود، ولكن ~~لما كان المقام لترهيب من ركن إلى ماله واحتقر الضعفاء من عباد الله ولم ~~يجلهم بجلاله طواه، وذكر ما صور هذا الكلام وأنتجه من مساواة حال قريش وحال ~~هؤلاء في الإحسان وطول الحلم مع احتقار أوليائه والتقوى عليهم بأفضاله ~~ونعمائه، فقال مرهبا: {كذلك} أي مثل هذا الذي بلونا به أصحاب الجنة من ~~إهلاك ما كانوا # PageV20P315 # عند أنفسهم في غاية القدرة عليه والثقة به مع الاستحسان منهم لفعلهم ~~والاستصواب وهددنا به أهل مكة فلم يبادروا إلى المتاب: {العذاب} الذي ~~تحذرهم منه وتخوفهم به في الدنيا، فإذا تم الأجل الذي قدرناه له أخذناهم به ~~غير مستعجلين ولا مفرطين لأنه لا يعجل إلا ناقص يخاف الفوت. # ولما كانوا منكرين لأمور الآخرة أشد من إنكارهم لأمور الدنيا أكد قوله: ~~{ولعذاب الآخرة} أي الذي يكون فيها للعصاة والجبارين {أكبر} أي في كل ما ~~يتوهمونه. # ولما كان هذا موجبا لمن له أدنى شعور للهروب منه قال: {لو كانوا} أي ~~الكفار {يعلمون *} أي لو كان لهم علم بشيء من غرائزهم في ms5297 وقت من الأوقات ~~لرجعوا عما هم فيه مما عرفوا أنه يغضب الله فيكون سبب العذاب في الدارين، ~~وهم مع ذلك مما يرزىء بهم عند الله وعند الناس من تلك الآثار الخبيثة التي ~~منها الأيمان الكاذبة، ويدل على عدم شجاعتهم وقلة عقولهم، لكنهم ليس لهم ~~نوع علم الآن، والمختوم بموته على الكفر لا يتجدد له نوع علم، وغيره سيرجع ~~في الوقت الذي قدره الله له. # PageV20P316 # ولما ذكر ما لأهل الجمود الذين لا يجوزون الممكنات، ذكر أضدادهم فقال ~~مؤكدا لأجل إنكارهم: {إن للمتقين} أي العريقين في صفة التقوى خاصة دون ~~غيرهم ممن لا يتقي، والتقوى: الاحتراز بالوقاء الحامل عليه الخوف من ~~المؤذي، الحامل عليه تجويز الممكنات، قال الملوي: وأصلها أن الفرس الواقي - ~~وهو الموجوع الحافي - لا يضع حافره حتى يرى هل الموضع لين يناسب، وكذا ~~المتقي لا يتحرك ولا يسكن إلا على بصيرة من رضا الله بذلك، فلا يفعل أحد ~~منهم شيئا من تلك الآثار الخبيثة التي تقدمت للمكذبين، فحازوا الكمال بصلاح ~~القوة العملية الناشىء عن صلاح القوة العلمية، وزاد في الترغيب إشارة إلى ~~جنة القلب وبسط الروح بقوله: {عند ربهم} أي المحسن إليهم في موضع ندم أولئك ~~وخيبة آمالهم، فإن تقريبهم دل على رضاه سبحانه، ورضا صاحب الدار مطلوب قبل ~~نظر الدار، ولما أشار إلى جنة القلب أتبعها جنة القالب فقال تعالى: {جنات} ~~جمع جنة وهي لغة البستان الجامع، وفي عرف الشرع مكان اجتمع فيه جميع السرور ~~وانتفى منه جميع الشرور {النعيم *} وهو الخالص من المكدر والمشوش والمنغص، ~~لا شيء فيها غيره أصلا - بما أفادته الإضافة. # ولما كان عدم إيراث كل من الفريقين الدار التي تقدم وصفها # PageV20P317 # تسوية بين المحسن والمسيء، وكان ذلك لا يليق بحكيم أن يفعله، وجب إنكاره ~~لتحقق أن ما أخبر به سبحانه لا يكون إلا كذلك لا سيما وقد كان الكفار ~~يقولون: إنهم كالمسلمين أو أحسن حالا منهم، وذلك أنه إن كان لا بعث، كما ~~كانوا يظنون، فقد استووا فيما بعده مع ما فضلوهم به في الدنيا ms5298 من اتباع ~~الأهواء والظفر باللذائذ، وإن كان ثم بعث فقد كانوا يقولون لشبهة دعتهم ~~إليها شهوتهم: أما نكون على تقديره أحسن حالا منكم وآثر عند الله في حسن ~~العيش كما نحن في هذه الدار لأنه ما بسط لنا في هذه الدار إلا ونحن عنده ~~أفضل منكم، فقال تعالى منكرا ومكذبا لذلك غاية إنكار والتكذيب عائبا التحكم ~~بالجهل غاية العيب نافيا للمساواة ليكون انتقاما هو أعلى من باب الأولى ~~مسببا عما تقديره: ولا يكون لغير المتقين ذلك: {أفنجعل المسلمين} أي الذين ~~هم عريقون في الانقياد لأوامرنا والصلة لما أمرنا بوصله طلبا لمرضاتنا فلا ~~اختيار لهم معنا في نفس ولا غيرها لحسن جبلاتهم {كالمجرمين *} أي الراسخين ~~في قطع ما أمرنا به أن يوصل وأنتم لا تقرون مثل ذلك، بل من عاندكم نوع ~~معاندة قاطعتموه ولو وصل الأمر إلى القتل. # PageV20P318 # ولما كشف هذا الدليل الشبه ورفع الستار، فأوصل إلى أعظم من ضوء النهار، ~~لفت القول إليهم بالخطاب لفت المغضب عند العتاب، فقال معجبا منهم منبها على ~~ما هم فيه من اعوجاج الفطر وفساد الفكر منكرا عليهم غاية الإنكار: {ما لكم} ~~أي أي شيء يحصل لكم من هذه الأحكام الجائرة البعيدة عن الصواب. # ولما نبههم على أنه ليس لهم في مثل هذه الأحكام شيء يمكن أن يكون نافعا، ~~وكان العاقل إذا علم أن شيئا من الأشياء لا نفع فيه بعد منه، أنكر عليهم ~~ثالثا حال أحكامهم هذه لأن نفي أحوالها أشد لنفيها كما تقدم في {كيف ~~تكفرون} في [البقرة: 28] فقال: {كيف تحكمون *} أي أي عقل دعاكم إلى هذا ~~الحكم الذي يتضمن التسوية من السيد بين المحسن من عبيده والمسيء. # ولما كان الحكم لا يمكن وجوده إلا مكيفا بكيفية، وكان سبحانه وتعالى قد ~~نفى حكمهم هذا بإنكار جميع كيفياته التي يمكن أن يصح معها، وكان الحكم ~~الصحيح لا بد وأن يكون مستندا إلى عقل أو نقل، زاد بطلان حكمهم وضوحا بنفي ~~الأمرين معا، فقال عاطفا # PageV20P319 # على ما تقديره: ألكم دليل من العقل إليه تلجؤون: {أم ms5299 لكم كتاب} أي سماوي ~~معروف أنه من عند الله خاص بكم {فيه} أي لا في غيره من أساطير الأولين وزبر ~~الممحوقين {تدرسون *} أي تقرؤون قراءة أتقنتم مخالطتها أو أنعمتم فهمه ~~بسببها. # ولما ذكر الدرس ذكر المدروس فقال تعالى: {إن لكم} أي خاصة على وجه ~~التأكيد الذي لا رخصة في تركه {فيه} أي الكتاب لتكونوا في غاية الوثوق به، ~~لا في غيره مما لا وثوق لكم به {لما تخيرون *} أي تبالغون في انتقائه وأخذ ~~خياره، وكسر الهمزة وكان حقها الفتح لولا اللام لأن ما بعدها هو المدروس، ~~ويجوز أن تكون الجملة حكاية للمدروس وأن تكون استئنافية. # PageV20P320 # ولما نفى دليل العقل والنقل مع التعجب منهم والتهكم بهم، وكان قد بقي أن ~~الإنسان ربما عاهد غيره على شيء فيلزمه الوفاء به وإن كان خارجا عما يدعو ~~إليه العقل والنقل، نفى ذلك بقوله: {أم لكم أيمان} أي غليظة جدا {علينا} قد ~~حملتمونا إياها {بالغة} أي # PageV20P320 # لأجل عظمها إلى نهاية رتب التأكيد بحيث يكون بلوغ غيرها ما يقصد بالنسبة ~~إلى بلوغها ذلك عدما أي أن بلوغها هو البلوغ لا غيره، أو ثباتها منته {إلى ~~يوم القيامة} لا يمكن الخروج عن عهدتها إلا في ذلك اليوم ليحتاج لأجلها إلى ~~إكرامكم في الدارين. # ولما ذكر ذلك القسم بالأيمان ذكر المقسم عليه فقال: {إن لكم} أي خاصة دون ~~المسلمين {لما تحكمون *} أي تفعلونه فعل الحاكم الذي يلزم قوله لعلو أمره ~~على وجه التأكيد الذي لا مندوحة عنه فتحكمون لأنفسكم بما تريدون من الخير. # ولما عجب منهم وتهكم بهم، ذيل ذلك بتهكم أعلى منه يكشف عوارهم غاية الكشف ~~وينزل بهم أشد الحتف، فقال مخوفا لهم بالإعراض: {سلهم} أي يا أيها الرسول ~~الذي محت دلائله بقوة أنوارها الأنوار. # ولما كان السؤال سببا لحصول العلم علقت، «سل» على مطلوبها الثاني وكان ~~حقه أن يعدى بعن فقال: {أيهم بذلك} أي الأمر العظيم من المعاهدة والدليل ~~النقلي والعقلي {زعيم *} أي كفيل وضامن أو سيد أو رئيس أو متكلم بحق أو ~~باطل لتلزمه في ms5300 ادعائه صحة ذلك # PageV20P321 # ما تدعه به ضحكة للعباد، وأعجوبة للحاضر منهم والباد، فلم يجسر لما ~~تعلمون من حقية هذا القرآن وما لأقوالهم كلها من العراقة في البطلان أحد ~~منهم على شدة عداوتهم ومحبتهم للمغالبة وشماختهم أن يبرز لادعاء ذلك، ولما ~~نفى أن يكون لهم منه سبحانه في تسويتهم بالمسلمين دليل عقلي أو نقلي أو عهد ~~وثيق على هذا الترتيب المحكم والمنهاج الأقوم، أتبعه ما يكون من عند غيره ~~إن كان ثم غير على ما ادعوا فقال: {أم لهم شركاء} أي شرعوا لهم من الدين ~~أمرا ووعدوهم بشيء أقاموا عليه من الأدلة ما أقمنا لنبينا صلى الله عليه ~~وسلم {فليأتوا بشركائهم} أي بأقوالهم وأفعالهم كما أتينا نحن في نصر نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم من الأمرين معا بما لا شبهة فيه، وسجل عليهم ~~بالكتاب ملهبا مهيجا بما يحرق به أكبادهم ولا يقدرون على دفعه بوجه، فيكون ~~ذلك أعظم دليل على إبطالهم: فقال: {إن كانوا} أي جبلة وطبعا {صادقين *} أي ~~عريقين في هذا الوصف كما يدعونه، ولما نفى جميع شبههم التي يمكن أن يتشبثوا ~~بها مع البيان لقدرته على ما يريد من تفتيق الأدلة وتشقيق البراهين الدال ~~على تمام العلم اللازم منه كمال القدرة فأوصلهم من وضوح الأمر إلى حد لم ~~يبق معه إلا العناد، أتبع ذلك تهديدهم بما يثبت ذلك قدرته عليه من يوم ~~الفصل ومعاملتهم # PageV20P322 # فيه بالعدل فقال: {يوم} يجوز أن يكون بيانا ليوم القيامة، وبنى لإضافته ~~إلى الجملة وأن يكون ظرفا ليأتوا، أو منصوبا بما أخذ من معنى الكلام من ~~نحو: سيعلمون ما يلقون من غب هذه المعاملات وإن نالوا في هذه الدار جميع ~~اللذات في جميع اليوم الذي {يكشف} أي يحصل الكشف فيه، وبني للمفعول لأن ~~المخيف وقوع الكشف الذي هو كناية عن تفاقم الأمور وخروجها عن حد الطوق، لا ~~كونه من معين، مع أن من المعلوم أنه لا فاعل هناك غيره سبحانه {عن ساق} أي ~~يشتد فيه الأمر غاية الاشتداد لأن من اشتد عليه الأمر وجد ms5301 في فصله شمر عن ~~ساقه لأجله وشمرت حرمه عن سوقهن غير محتشمات هربا، فهو كناية عن هذا ولذلك ~~نكره تهويلا له وتعظيما، نقل هذا التأويل عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد ~~بن جبير رضي الله عنه وغيرهما، وعن انكشاف جميع الحقائق وظهور الجلائل فيه ~~والدقائق من الأهوال وغيرها كما كشفت هذه الآيات جميع الشبه وتركت السامع ~~لها في مثل ضوء النهار، وفي الجزء الخامس والثلاثين من مسند أبي يعلى ~~الموصلي عن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه تعالى عنهم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هذا قال: # «عن نور عظيم يخرون له سجدا» وهو لا ينافي ما ذكر من التأويلين: الشدة ~~والكشف. ولما كان هذا الكشف الذي كشف لهم المعاني في هذا القرآن إنما هو ~~لأجل العبادة التي هي الخضوع الذي يعبر عنه بالسجود وهو # PageV20P323 # آيتها وأمارة ما اشتمل عليه الباطن منها وعلامتها فيأتونها وهم قادرون ~~عليها ذكرهم يوما يريدونها فيه فلا يتأتى لهم تنديما لهم وزيادة تحسير ~~وإظهار تظليل وتخسير لأن ظهورهم وأعضاءهم تكون طبقا واحدا لا تنثني، فكلما ~~أرادوا أن يسجدوا انقلبوا على أقفائهم، فقال بانيا للمفعول دلالة على ~~إرادتهم للانقياد ورغبتهم فيه من أي داع كان، وهو دال على أن التكليف لا ~~ينقطع إلا بدخول كل من الفريقين داره و {يدعون} أي من داعي الملك الديان ~~{إلى السجود} توبيخا على تركه الآن وتنديما وتعنيفا لا تعبدا وتكليفا ~~فيريدونه ليضروا أنفسهم مما يرون من المخاوف {فلا} أي فيتسبب عن ذلك أنهم ~~لا {يستطيعون *} أي لأنهم غير سالمين لا أعضاء لهم تنقاد به مع شدة ~~معالجتهم لأنفسهم على أن تطوع لهم أعضاؤهم بما تفهمه هذه الصيغة من أن ~~الإنسان منهم إذا أراد الفعل وعالجة بقوة فلم يطقه فإن ظهورهم تكون على ~~حالة لا تنثني معها بل كان فيها السفافيد فيكون لهم في ذلك أشد ندم لتركهم ~~إياه في الدنيا وهم يقدرون عليه وهو إذ ذاك نافع لهم ومعالجتهم فعله أشد ~~معالجة وهم غير قادرين عليه وهو ms5302 غير نافع لهم وإذا عجزوا مع المعالجة كانوا ~~بدونها أعجز، وذلك أنه يبعث المرء على ما مات عليه ويحشر على ما بعث عليه ~~إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر، ولما كان ربما ظن ظان أن المانع لهم الكبر كما ~~في هذه الدنيا، قال مبينا لنفي الكبر في # PageV20P324 # مثل هذا اليوم العظيم {خاشعة} أي مخبتة متواضعة {أبصارهم} لأن ما في ~~القلب يعرف في العين، وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم ووجوههم أضوأ من ~~الشمس، ووجوه الكافرين والمنافقين سود مظلمة. # ولما كان الخاشع لذلك قد يكون خشوعه لخير عنده حمله على ذلك مع العز قال: ~~{ترهقهم} أي تغشاهم وتقهرهم {ذلة} أي عظيمة لأنهم استعملوا الأعضاء التي ~~أعطاهموها سبحانه وتعالى ليتقربوا بها إليه في دار العمل في التمتع بما ~~يبعد منه. # ولما دلت هذه العبارة مطابقة لما ورد في الحديث الصحيح على أن من كان في ~~قلبه مرض في الدنيا يصير ظهره طبقا واحدا فقارة واحدة فيعالج السجود فيصير ~~كلما أراده انقلب لقفاه، عجب منهم في ملازمة الظلم الذي هو إيقاع الشيء في ~~غير موقعه فقال: {وقد} أي والحال أنهم {كانوا} أي دائما بالخطاب الثابت ~~{يدعون} في الدنيا من كل داع يدعو إلينا {إلى السجود وهم} أي فيأبونه ~~والحال أنهم {سالمون *} أي فهم مستطيعون، ليس في أعضائهم ما يمنع من ذلك، ~~وإنما يمنعهم منه الشماخة والكبر، فالآية من الاحتباك: ذكر عدم الاستطاعة ~~أولا دال على حذف الاستطاعة ثانيا، وذكر السلامة ثانيا دال على حذف عدم ~~السلامة أولا. # PageV20P325 # ولما علم بهذا أنه سبحانه المتصرف وحده بما يشاء كيف يشاء من المنع ~~والتمكين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجد من تكذيبهم له - مع إتيانه ~~بما لا يحتمل التكذيب بوجه - من المشقة ما لا يعلم مقداره إلا الله سبحانه ~~وتعالى، وكان علم المغموم بأن له منقذا يخفف عنه، وكان علمه باقتداره على ~~ما يراد منه أقر لعينه سبب عن كمال اقتداره قوله مخففا عنه عليه أفضل ~~الصلاة والسلام، لافتا القول إلى التكلم بالإفراد تنصيصا على المراد ms5303 زيادة ~~في تسكين القلب وشرح الصدر: {فذرني} أي اتركني على أي حالة اتفقت {ومن ~~يكذب} أي يوقع التكذيب لمن يتلو ما جددت إنزاله من كلامي القديم على أي ~~حالة كان إيقاعه، وأفرد الضمير نصا على تهديد كل واحد من المكذبين: {بهذا ~~الحديث} أي بسببه أي خل بيني وبينهم وكل أمرهم إلي ولا تكترث بشيء منه أصلا ~~فإني أكفيكهم لأنه لا مانع منهم فلا تهتم بهم أصلا. # ولما كان كأنه قيل: وماذا تعمل فيه إذا خليت بينك وبينه؟ # PageV20P326 # أجابه بقوله جامعا الضمير ليكون الواحد مهددا من باب الأولى: {سنستدرجهم} ~~أي فنأخذهم بعظمتنا عما قليل على غرة بوعد لا خلف فيه وندنيهم إلى الهلاك ~~درجة درجة بواسطة من شئنا من جنودنا وبغير واسطة بما نواتر عليهم من النعم ~~التي توجب عليهم الشكر فيجعلونها سببا لزيادة الكفر فنوجب لهم النقم. ولما ~~كان أخذ الإنسان من مأمنه على حالة غفلة بتوريطه في أسباب الهلاك لا يحس ~~بالهلاك إلا وهو لا يقدر على التفصي فيها بوجه قال تعالى: {من حيث} أي من ~~جهات {لا يعلمون *} أي لا يتجدد لهم علم ما في وقت من الأوقات بغوائلها، ~~وذلك أنه سبحانه يغرهم بالإمهال ولا يعاجلهم بالعقاب في وقت المخالفة كما ~~يتفق لمن يراد به الخير فيستيقظ بل يمهلهم ويمدهم بالنعم حتى يزول عنهم ~~خاطر التذكر فيكونوا منعمين في الظاهر مستدرجين في الحقيقة فيقولون: قد ~~قلتم: إن القدر فائض عن القضاء وأن الأعمال قضاء وجزاءها قدر، ويقولون: إن ~~أفعالنا في الدنيا قبيبحة ونحن لا نرى جزاءها إلا ما يسرنا لولا يعذبنا ~~الله بما نقول فأنتم كاذبون في توعدنا فإنا كلما أحدثنا ما تسمونه معصية ~~تجددت لنا نعمة، وذلك كما قادهم إلى تدريجهم # PageV20P327 # وهم في غاية الرغبة، قال القشيري: والاستدراج أن يريد السيىء ويطوي عن ~~صاحبه وجه القصد حتى يأخذه بغتة فيدرج إليه شيئا بعد شيء. # ولما كان الاستدراج يكون بأسباب كثيرة من بسط النعم وغيرها، فأبرزه ~~بالنون المشتركة بين الاستتباع والعظمة، وكان تأخير الأجل لا يكون إلا لله ms5304 ~~وحده بغير واسطة شيء قال سبحانه: {وأملي} أي أوخر أنا وحدي في آجالهم وأوسع ~~لهم في جميع تمتعهم ليزدادوا إثما {لهم} لأنه لا يقدر على مد الأجل وترفيه ~~العيش غيري. # ولما سلاه صلى الله عليه وسلم بهذا غاية التسلية، علل أو استأنف في جواب ~~من لعله يقول: لم يكون أحدهم على هذا الوجه؟ مسميا إنعامه كيدا: {إن كيدي} ~~أي ستري لأسباب الهلاك عمن أريد إهلاكه وإبدائي ذلك له في ملابس الإحسان ~~وخلع البر والامتنان {متين *} أي في غاية القوة حيث كان حاملا للإنسان على ~~إهلاك نفسه باختياره وسيعلم عند الأخذ أني لما أمهلته ما أهملته وأن # PageV20P328 # إمهالي إنما كان استدراجا. # ولما كان هذا القرآن أعظم إحسان، ساقه سبحانه وتعالى إليهم فكان موجبا ~~للشكر عليهم للذي أنزله ولإكرام الآتي به، فكان سببا لمباشرتهم من التكذيب ~~به والأذى للآتي به إليهم ما يوجب أخذهم، قال دالا على متانة كيده سبحانه ~~ودقة استدراجه عاطفا على ما تقديره لبيان أنهم يباشرون ما يهلكهم باختيارهم ~~من غير موجب: أكان تكذيبهم هذا الذكر لشيء فيه يرتابون؟ قوله منكرا عليهم، ~~مبينا أن تكذيبهم إنما هو لأنه طبع وخبث سجية لا شهوة لهم فيه ولا شبهة: ~~{أم تسئلهم} أنت يا أعف الخلق وأعلاهم همما {أجرا} على إبلاغك إياهم {فهم} ~~أي فتسبب عن ذلك وتعقب أنهم {من مغرم} كلفتهم به فهم لشدته {مثقلون *} أي ~~واقع إثقالهم به حتى أوجب لهم ذلك الغرم الناقص لأموالهم التقاعد عن ~~التصديق بما جئت به إليهم من عندنا فصاروا يشتهون إقلاعك عنه. # ولما نفى أن يكون تكذيبهم بشهوة دعتهم إلى ذلك نفى أن يكون لهم في ذلك ~~شبهة من شك في الذكر أو حيف في المذكر # PageV20P329 # وأن يكونوا على ثقة أو ظن من سلامة العاقبة فقال: {أم عندهم} أي خاصة ~~{الغيب} أي علموه من اللوح المحفوظ أو غيره {فهم} بسبب ذلك {يكتبون *} أي ~~ما يريدون منه ليكونوا قد اطلعوا على أن هذا الذكر ليس من عند الله أو على ~~أنهم لا درك عليهم في ms5305 التكذيب به، فقد علم بهذا أنه لا شهوة لهم في ذلك ~~عادية ولا شبهة، وإنما تكذيبهم مجرد خبث طباع، وظلمة نفوس وأمالي فارغة ~~وأطماع. # ولما انتفى جميع ذلك فثبت أنهم على خطر عظيم، وأنه سبحانه المختص بعلم ~~الغيب، وقد أخبر بإهلاكهم من أجله صلى الله عليه وسلم، وأن كفر من كفر ~~وإيمان من آمن بقضائه وتقديره، فكان لا بد منهما، كان ذلك سببا حاملا له ~~على الصبر إلى الوقت الذي ضربه سبحانه للفرج، فقال مسببا عما تقديره: لم ~~يكن له شيء مما ذكر، وإنما هو القضاء والقدر: {فاصبر} أي أوفر الصبر وأوجده ~~على كل ما يقولون فيك وعلى غير ذلك من كل ما يقع منهم ومن غيره من مر ~~القضاء والقدر {لحكم ربك} أي للقضاء الذي قضاه وقدره # PageV20P330 # المحسن إليك الذي أكرمك بما أكرمك به من الرسالة وألزمك بما ألزمك من ~~البلاغ وخذلهم بالتكذيب ومد لهم على ذلك في الآجال وأوسع عليهم النعم وأخر ~~ما وعدك به من النصر. # ولما كان حاصل قصة يونس - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام - أنه ~~استثقل الكرامة بالرسالة لما فيها من الأمور الشديدة من معالجة الخلق ~~فامتحن، كان سببا لقبوله ذلك، ثم كان سبب إسلام قومه إدناء العذاب منهم ~~وتقريب غشيانه لهم، أشار له بقصته إلى أنه يراد إعلاؤه - صلى الله عليه ~~وسلم وعلى سائر الأنبياء - وإعلاء أمته على سائر الأمم بما يحتاج إلى صبر ~~على ما يستثقل من ضر أو أمر شديد مر فقال: {ولا تكن} أي ولا يكن حالك في ~~الضجر والعجلة إلى غير ذلك. ولما كان قد افتتح السورة بالنون الذي من ~~مدلولاته الحوت، عبر به هنا تحقيقا لإرادته فقال: {كصاحب} أي كحال صاحب ~~{الحوت} وهو يونس بن متى عليه الصلاة والسلام {إذ} أي حين، والعامل في هذا ~~الظرف المضاف المحذوف من الحال ونحوها، أو يكون التقدير: لا يكن حالك كحاله ~~يحصل لك مثل ما حصل له حين {نادى} أي ربه # PageV20P331 # المربي له بإحاسنه في الظلمات من بطن الحوت وظلمة ما ms5306 يحيط به من الجثة ~~وظلمة لحج البحار {وهو} أي والحال أنه عند ندائه {مكظوم *} أي مملوء كربا ~~وهما وشدة وغما محمول على السكوت ببطنه فهو لا ينطق من شدة حزنه، ومحبوس عن ~~جميع ما يريد من التصرف إلى أن ألجأه سبحانه بذلك إلى الدعاء والتضرع، من ~~الكظم، وهو السكوت عن امتلاء وتجرع للمرارات، ومن هذا كظمت السقاء أي شددته ~~وملأته فكان مكظوما، والمكظوم: المكروب - كأنه قد أخذ بكظمه وهو مخرج نفسه. # PageV20P332 # ولما تشوف السامع إلى ما كان من أمره بعد هذا الأمر العجيب قال: {لولا ~~أن} وعظم الإحسان بالتذكير وصيغة التفاعل فقال: {تداركه} أي أدركه إدراكا ~~عظيما كان كلا من النعمة والمنة يريد أن تدرك الآخر {نعمة} أي عظيمة جدا ~~{من ربه} أي الذي أرسله وأحسن إليه بإرساله وتهذيبه للرسالة والتوبة عليه ~~والرحمة له {لنبذ} أي لولا هذه الحالة السنية التي أنعم الله عليه بها لطرح ~~طرحا هينا جدا {بالعراء} أي الأرض القفر التي لا بناء فيها ولا نبات، ~~البعيدة من الإنس حين طرح فيها كما حكم بذلك من # PageV20P332 # الأزل {وهو} أي والحال أنه {مذموم *} أي ملوم على الذنب، ولما كان ~~التقدير: ولكنه تداركه بالنعمة فلم يكن في نبذه ملوما، سبب عنه قوله: ~~{فاجتباه} أي اختاره لرسالته {ربه} ثم سبب عن اجتبائه قوله: {فجعله من ~~الصالحين *} أي الذين رسخوا في رتبة الصلاح فصلحوا في أنفسهم للنبوة ~~والرسالة وصلح بهم غيرهم، فنبذ بالعراء وهو محمود، ومن صبر أعظم من صبره ~~كان أعظم أجرا من أجره، وأنت كذلك فأنت أشرف العاملين والعالمين. # ولما نهاه صلى الله عليه وسلم عن طاعة المكذبين وحذره إدهانهم وضرب لهم ~~الأمثال، وتوعدهم إلى أن قال: {ذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم} وختم ~~بقصة يونس عليه السلام للتدريب على الصبر وعدم الضعف ولو بالصغو إلى ~~المدهن، فكان التقدير تسبيبا عما فيها من النهي: فإنهم إنما يبالغون في ~~أذاك لتضجر فتترك ما أنت فيه، قال عاطفا على هذا المقدر مخبرا له بما في ~~صدورهم من الإحن عليه وفي قلوبهم ms5307 من الضغائن له ليشتد حذره من إدهانهم، ~~مؤكدا لأن من يرى إدهانهم يظن إذعانهم وينكر لمبالغتهم فيه طغيانهم: # PageV20P333 # {وإن} أي وإنه {يكاد} وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف ~~فقال: {الذين كفروا} أي ستروا ما قدروا عليه مما جئت به من الدلائل. # ولما كانت «ن» مخففة، أتى باللام التي هي علمها فقال: {ليزلقونك} أي من ~~شدة عداوتهم وحسدهم وغيظ قلوبهم {بأبصارهم} أي يوجدون لك التنحية عما أنت ~~فيه والزلل العظيم الذي صاحبه في موضع دحض لا مستمسك فيه بالهلاك فما دونه ~~من الأذى حتى يرموك من قامتك إلى الأرض كما يزلق الإنسان فينطرح لما يتراءى ~~في عيونهم حين تصويب النظر للفطن من الحنق والسخط الدال على أن صدورهم ~~تغلي، وهو من قولهم: نظر إلي نظرا كاد يصرعني، يعني لو أمكنه أن يصرعني به ~~لصرعني كما قال تعالى {يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا} [الحج: 72] ~~وقيل: يهلكونك بإصابة العين، قال القشيري: كانوا إذا أرادوا أن يصيبوا شيئا ~~بأعينهم جاعوا ثلاثة أيام ثم نظروا إلى ذلك الشيء وقال: ما أحسنه من شيء، ~~فيسقط المنظور إليه في الوقت، ففعلوا ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا: ما أنصحه من رجل، فحفظه الله منهم، وللشيخين عن أبي هريرة # PageV20P334 # رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «العين حق» وفي رواية عند أحمد وابن ماجة: «يحضر بها الشيطان وحسد ابن ~~آدم» ولأحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه: «العين حق ولو أن شيئا سابق ~~القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا» ولأبي نعيم في الحلية من حديث ~~جابر رضي الله عنه رفعه: «العين حق تدخل الجمل القدر والرجل القبر» ولأبي ~~داود من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها: «وإنها لتدرك الفارس فتدعثره» ~~. # ولما ذكر هذا الإزلاق العظيم، ذكر ظرفه معبرا بالماضي تذكيرا بالحال ~~الماضية فقال: {لما سمعوا الذكر} أي القرآن الذي غلب عليه التذكير بأمور ~~يعليها كل أحد من نفسه، ومن الآفاق كان هواياه أول ما سمعوه حسدا على ما ~~أوتيت من ms5308 الشرف فكان سماعهم له باعثا لما عندهم من البغض والحسد على أنه لم ~~يزدهم تمادي الزمان إلا حنقا بدلالة {ويقولون} أي قولا لا يزالون يجددونه. # ولما كان صلى الله عليه وسلم في غاية البعد عما يشين، أكدوا قولهم: {إنه ~~لمجنون *} حيرة في أمرك وتنفيرا عنك لما يعلمون من أنه لا يسمعه أحد لا غرض ~~له إلا كذبهم ومال بكليته إليك وكان # PageV20P335 # معك وارتبط بك واغتبط بما جئت به، وعن الحسن أن قراءة هذه الآية دواء ~~للإصابة بالعين. # ولما كان معنى قولهم هذا أن ما يقوله تخاليط من يصرع بالجن، أكد بقصر ~~القلب قوله معجبا منهم {وما} أي والحال أن هذا القرآن أو الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ما {هو إلا ذكر} أي موعظة وشرف {للعالمين *} أي كلهم عاليهم ~~ودانيهم ليس منهم أحد إلا وهو يعلم أنه لا شيء يشبهه في جلالة معانيه ~~وحلاوة ألفاظه وعظمة سبكه ودقة فهمه ورقة حواشيه وجزالة نظومه، ويفهم منه ~~على حسب ما هيأه الله له ليناسب عموم ذكريته عموم الرسالة للمرسل به، وكل ~~ما فيه من وعد ووعيد وأحكام ومواعظ شامل لهم كلهم، فوجبت التفرقة بين ~~مسلمهم ومجرمهم لتصدق أقواله فيكمل جلاله وجماله فقد رجعت خاتمتها - كما ~~ترى - على فاتحتها بالنون والقلم وما يسطرون من هذا الذكر، وسلب ما قالوا ~~فيه من الجنون والإقسام على الخلق العظيم الذي هو هذا الذكر الحكيم، ونبه ~~كونه ذكرا لجميع الخلق بما فيه من الوعد والوعيد على أنه لا بد من الحاقة ~~وهي القيامة ليظهر فيها تأويله وإجماله وتفصيله، ويتضح غاية الاتضاح سبيله، # PageV20P336 # وتحق فيها حقائقه وتظهر جلائله ودقائقه بما يقع من الحساب، ويتبين غاية ~~البيان ويظهر الخطأ من الصواب - والله الهادي. # سورة الحاقة # مقصودها تنزيه الخالق ببعث الخلائق لإحقاق الحق وإزهاق الباطل بالكشف ~~التام لشمول العلم للكليات والجزئيات وكمال القدرة على العلويات والسلفيات، ~~وإظهار العدل بين سائر المخلوقات، ليميز المسلم من المجرم بالملذذ والمؤلم، ~~وتسميتها بالحاقة في غاية الوضوح في ذلك وهو أدل ما فيها عليه) بسم الله ms5309 ~~(الذي له الكمال كله، نزاهة وحمدا) الرحمن (الذي عم جوده بالعدل كبرا ~~ومجدا) الرحيم (الذي خص أهل وده بالوقوف عند حدوده لينالوا بطيب جواره علوا ~~وجدا وفوزا بالأماني وسعدا. # PageV20P337 # لما قدم سبحانه في «نون» الإنكار الشديد لأن يسوي المسيء بالمحسن، وذكر ~~القيامة وبينها بيوم كشف الساق وزيادة المشاق، وهدد التهديد العظيم بآية ~~الاستدراج الذي لا يدفع بعلاج، وختم بأن القرآن ذكر - أي شرف - وتذكير، ~~ومواعظ للعالمين في شمولهم كلهم # PageV20P337 # برحمته، أما من بعد إنزاله فبوعيده ووعده ووعظه وقصه وأمره ونهيه، وأما ~~من قبل إنزاله فبالشهادة لهم وعليهم، وكان تأويل ذلك وجميع آثاره إنما يظهر ~~ظهورا تاما يوم الجمع الأكبر، وكان ذلك اليوم أعظم مذكر للعالمين وواعظ لهم ~~وزاجر، تنبني جميع الخيرات على تذكره وتذكر العرض على الملك الديان، والسر ~~في إنزال القرآن هو التذكير بذلك اليوم الذي هو نظام الوجود، قال واصفا ~~للقيامة واليوم الذي يكشف فيه عن ساق، واعظا بذكرها ومحذرا من أمرها: ~~{الحاقة *} أي الساعة التي يكذب بها هؤلاء وهي أثبت الأشياء وأجلاها فلا ~~كاذبة لها ولا لشيء عنها، فلا بد من حقوقها فهي ثابتة في نفسها، ومن إحضار ~~الأمور فيها بحقائقها، والمجازاة عليها بالحق الذي لا مرية فيه لأحد من ~~الخلق، فهي فاعلة بمعنى مفعول فيها، وهي فاعلة أيضا لأنها غالبة لكل خصم، ~~من حاققته فحققته أحقه أي غالبته في الحق فغلبته فيه، فهي تحق الحق ولا بد ~~فتعلو الباطل فتدمغه وتزهقه فتحق العذاب للمجرمين والثواب للمسلمين، وكل ما ~~فيها داثر على الثبات والبيان، لأن ذلك مقتضى الحكمة ولا # PageV20P338 # يرضى لأحد من الحكام ترك رعيته بغير إنصاف بينهم على زعمه فكيف بالحكيم ~~العليم، وقصة صاحب الحوت عليه السلام أدل دليل على القدرة عليها. # ولما كان ذلك كله أمرا رائعا للعقول، هازا للقلوب، مزعجا للنفوس، وكان ~~ربما توقف فيه الجلف الجافي، أكد أمره وزاد في تهويله، وأطنب في تفخيمه ~~وتبجيله، إشارة إلى أن هوله يفوت الوصف بقوله، معلما أنه مما يحق له أن ~~يستفهم عنه سائقا له بأداة ms5310 الاستفهام مرادا بها التعظيم للشأن، وأن الخبر ~~ليس كالعيان: {ما الحاقة *} فأداة الاستفهام مبتدأ أخبر عنه بالحاقة وهما ~~خبر عن الأولى، والرابط تكرير المبتدأ بلفظه نحو زيد أي ما هو، وأكثر ما ~~يكون ذلك إذا أريد معنى التعظيم والتهويل. # ولما كان السياق لترجمة المراد بكشف الساق، عظم التهويل بقوله: {وما ~~أدراك} أي في الزمن الماضي، وقصره لتذهب النفس فيه كل مذهب، أي وأي شيء ~~أعلمك بشيء من الأشياء مع تعاطيك للبحث والمداورة، ثم زاد التحذير منها ~~بقوله على النهج الأول مستفهما والمراد به التفخيم ومزيد التعظيم: {ما ~~الحاقة *} أي إنها بحيث # PageV20P339 # لا يعلم كنهها أحد ولا يدركها ولا يبلغها درايته وكيف ما قدرت حالها فهي ~~أعظم من ذلك، فلا تعلم حق العلم إلا بالعيان. # وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما بنيت سورة {ن والقلم} على تقريع ~~مشركي قريش وسائر العرب وتوبيخهم وتنزيه نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ~~شنيع قولهم وقبيح بهتهم، وبين حسدهم وعداوتهم {وإن يكاد الذين كفروا ~~ليزلقونك بأبصارهم} [القلم: 51] أتبعت بسورة الحاقة وعدا لهم وبيانا أن ~~حالهم في سوء ذلك المرتكب قد سبق إليه غيرهم {كذبت ثمود وعاد بالقارعة} ~~[الحاقة: 4] {فهل ترى لهم من باقية} [الحاقة: 8] {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم ~~من قرن} [الأنعام: 6] {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} ~~[يونس: 102] ، و {كم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ~~ركزا} [مريم: 98] فسورة الحاقة جارية مجرى هذه الآي المعقب بها ذكر عناد ~~مشركي العرب ليتعظ بها من رزق التوفيق لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية. # ولما ذكر حال من هلك من الأمم السالفة بسوء تكذيبهم وقبيح عنادهم، أتبع ~~ذلك بذكر الوعيد الأخراوي {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} [الحاقة: 18] ~~ثم عاد الكلام إلى ما بنيت عليه سورة {ن والقلم} # PageV20P340 # من تنزيهه صلى الله عليه وسلم وتكريمه مقسما على ذلك {إنه لقول رسول كريم ~~وما هو بقول شاعر - ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون} [الحاقة: 41، 42] ~~وانتهى نفي ما ms5311 تقوله منصوصا على نزاهته عن كل خلة منها في السورتين {ما أنت ~~بنعمة ربك بمجنون} [القلم: 2] وما الذي جئت به بقول شاعر ولا بقول كاهن بل ~~هو تنزيل من رب العالمين، وأنه لتذكرة للمتقين وإنه لحق اليقين، فنزه ربك ~~وقدسه من عظيم ما ارتكبوه - انتهى. فلما بلغ التهويل حده، وكان سبب الإنكار ~~للساعة ظن عدم القدرة عليها مطلقا أو لعدم العلم بالجزئيات، قال دالا على ~~تمام القدرة والعلم بالكليات والجزئيات، محذرا من أنكرها بأنه قادر على ~~تعجيل الانتقام ولكنه لإكرامه لهذه الأمة أخر عذابها إلى الآخرة إلى لمن ~~كان منهم من الخواص فإنه يظهرهم في الدنيا ليتم نعيمهم بعد الموت بادئا ~~بأشد القبائل تكذيبا بالبعث لكون ناقتهم أول دليل على القدرة عليه، وقالوا ~~مع ذلك {أبشر منا واحدا نتبعه} [القمر: 24] إلى أن قالوا: {بل هو كذاب أشر} ~~[القمر: 25] وقالوا في التكذيب بها {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا ~~وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن # PageV20P341 # هي إلا حياتنا الدنيا نموت} [المؤمنون: 35، 36، 37]- الآية، فإن الامر ~~فيهم دائر بين عاد وثمود: {كذبت ثمود} وتقديمهم أيضا من حيث أن بلادهم أقرب ~~إلى قريش، وواعظ القرب أكبر وإهلاكهم بالصيحة وهي أشبه بصيحة النفخ في ~~الصور المبعثر لما في القبور {وعاد} وكان الأصل أن يقال: بها، ولكنه أظهرها ~~بوصف زادها عظما وهولا فقال: {بالقارعة *} أي التي تقرع، أي تضرب ضربا قويا ~~وتدق دقا عنيفا شديدا للأسماع وجميع العالم بانفطار السماوات وتناثر ~~النيرات ونسف الجبال الراسيات، فلا يثبت لذلك الهول شيء. # ولما جمعهم في التكذيب، فصلهم في التعذيب لأجل ذلك التكذيب فقال: {فأما ~~ثمود} وهم قوم صالح عليه السلام. # ولما كان الهائل لهم لتقيدهم بالمحسوسات إنما هو العذاب، لا كونه من ~~معين، بنى للمجهول قوله: {فأهلكوا} أي بأيسر أمر من أوامرنا {بالطاغية *} ~~أي الصيحة التي جاوزت الحد في الشدة فرجفت منها الأرض والقلوب. # ولما ذكر المهلكين بالصيحة لأجل التكذيب بالقارعة تحذيرا لمن يكذب بها، ~~أتبعه المهلكين بما هو سبب لإنفاذ الصيحة وتقويتها دلالة على تمام ms5312 القدرة ~~على كل نوع من العذاب بالاختيار # PageV20P342 # فقال تعالى: {وأما عاد} وهم قوم هود عليه السلام {فأهلكوا} أي بأشق ما ~~يكون عليهم وأيسر ما يكون في قدرتنا {بريح صرصر} أي هي في غاية ما يكون من ~~شدة البرد والصوت كأنه كرر فيها البرد حتى صار يحرق بشدته والصوت حتى صار ~~يصم بقوته، وقال الملوي: أصله صر وهو البرد الشديد أو الحر الشديد {عاتية ~~*} أي مجاوزة للحد من شدة عصفها وعظمة قصفها تفعل أفعال المستكبر الذي لا ~~يبالي بشيء فلم يستطع خزانها ضبطها، ولم يملك المعذب بها ردها ولا ربطها، ~~بل كانت تنزعهم من مكامنهم التي احتفروها ومصانعهم التي أتقنوها واختاروها ~~فتهلكهم، قال الملوي: قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما: «لم ~~ينزل قط ماء ولا ريح إلا بمكيال على يد ملك إلا يوم الطوفان فإن الله تعالى ~~أذن للماء فطغى على الخزان ويوم عاد أذن للريح فعتت على خزانها» انتهى. # ولما وصفها بالعتو على الخلق والغلبة لهم بحيث كانت خارقة للعادة لم يأت ~~مثلها قبل ولا بعد، دل على صغارها بالنسبة إلى عظمته، وأنه هو الذي أوجدها ~~لا الطبيعة ولا غيرها، بل إنما كانت بقدرته واختياره قهرا لمن طعن في ملكه ~~وكذب رسله فيما أخبروا به من أمر الساعة # PageV20P343 # التي هي موضع الحكمة وإظهار جميع العظمة، فقال مستأنفا دلالة على ذلك: ~~{سخرها} أي قهرها على أن سلطها، والتسخير: استعمال الشيء بالاقتدار، ودل ~~على أنه تسخير تعذيب لا رحمة وتأديب بأداة الاستعلاء، فقال: {عليهم} وكلفها ~~ذلك وذللها له فلم يمكنها مع عتوها إلا أن كانت طوع أمره وصنيعة عظمته ~~وقهره. # ولما كانت هذه السورة لتحقيق الأمور، وكشف المشكل وإيضاح الخفي، حقق فيها ~~زمن عذابهم تحقيقا لم يتقدم مثله، فذكر الأيام والليالي، وقدم الليالي لأن ~~المصايب فيها أفظع وأقبح وأشنع لقلة المغيث والجهل بالمأخذ والخفاء في ~~المقاصد والمنافذ، ولأن عددها مذكر في اللفظ، وتذكير اللفظ أدل على قوة ~~المعنى ولذلك جعل المميز جمع كثرة، ولأنها سبع، والسبع مبالغ فيه ms5313 وهو أجمع ~~العدد كما يأتي تحقيقه قريبا في حملة العرش ولا يمكن أن يظن بتقديمها أن ~~ابتداء العذاب كان فيها لأنه يلزم حينئذ أن يكون بعدد الأيام فلذلك قال: ~~{سبع ليال} أي لا تفتر فيها الريح لحظة لأنه بولغ في شدتها مبالغة لم يكن ~~مثلها قط ولا يكون بعدها أبدا {وثمانية أيام} كذلك حال كونها {حسوما} جمع ~~حاسم أي بحس مانع من التصرف دائم متتابع لا فترة له، من حسم الكي - إذا ~~تابع فيه بالمكواة، # PageV20P344 # قاطع لكل خير، مستأصل له، فأتت عليهم من غير فترة أصلا في جميع الوقت ~~فاستأصلتهم لم تبق منهم أحد حتى أن عجوزا منهم توارت في سرب فانتزعتها ~~وأهلكتها، وبها سميت أيام العجوز، أو لأنها عجز الشتاء وهي ذات برد ورياح ~~شديدة وهي من صبيحة الأربعاء لثمان بقين من شوال إلى غروب الأربعاء الآخر ~~وهو آخر الشهر، وقد لزم من زيادة عدد الأيام أن الابتداء كان بها قطعا وإلا ~~لم تكن الليالي سبعا - فتأمل ذلك. # ولما كان الحاسم المهلك، سبب عنه قوله مصورا لحالهم الماضية: {فترى ~~القوم} أي الذين هم في غاية القدرة على ما يحاولونه: {فيها} أي في تلك ~~المدة من الأيام والليالي لم يتأخر أحد منهم عنها {صرعى} أي مجدلين على ~~الأرض موتى معصورين مجهزة على كل منهم من شدة ضغطها باد عليهم الذل ~~والصغار، جمع صريع {كأنهم أعجاز} أي أصول {نخل} قد شاخت وهرمت فهي في غاية ~~العجز والهرم {خاوية *} أي متآكلة الأجواف ساقطة، من # PageV20P345 # خوي النجم - إذا سقط للغروب، ومن خوي المنزل - إذا خلا من قطانه، قالوا: ~~كانت تدخل من أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم، فالوصف ~~بذلك لعظم أجسامهم وتقطيع الريح لهم وقطعها لرؤوسهم وخلوهم من الحياة ~~وتسويدها لهم. # PageV20P346 # ولما كان هذا أمرا رائعا لمن له أدنى معقول، وكان الاستفهام مما يزيد ~~الروعة، قال مسببا عن استئصالهم ليكون الإخبار به المستلزم لغاية العلم ~~بالجزئيات كالدعوى بدليلها: {فهل ترى} أي أيها المخاطب الخبير الناس في ~~جميع الأقطار {لهم} أي ms5314 خصوصا، وأعرق في النفي وعبر بالمصدر الملحق بالهاء ~~مبالغة فقال: {من باقية *} أي بقاء أو نفس موصوفة بالبقاء، وأنجى الله ~~سبحانه وتعالى صالحا عليه السلام ومن آمن به من بين ثمود ولم تضرهم الطاغية ~~وهودا عليه السلام ومن آمن به من بين عاد لم يهلك منهم أحد، فدل ذلك دلالة ~~واضحة على أن له تعالى تمام العلم بالجزئيات كما أن له كمال الإحاطة ~~بالكليات وعلى قدرته واختياره وحكمته، فلا يجعل المسلم أصلا كالمجرم ولا ~~المسيء كالمحسن. # ولما أخبر تعالى عمن أهلك بالريح ومن أهلك بما سببه الريح تسبيبا قريبا ~~بغير واسطة، وكان ذلك كله - لخروجه عن العادة - رادا على أهل الطبائع، أخبر ~~بمن أهلك مما سببته الريح من الماء # PageV20P346 # بواسطة السحاب، وكانت سبب تطابقه عليهم مع أن كفرهم بالتعطيل الذي هو ~~أنحس أنواع الكفر للقول بالطبيعة التي تتضمن الإنكار للبعث، وكان إغراقهم ~~بما يكذب معتقدهم لخروجه عن العادة، فقال منبها على قوة كفرهم بالمجيء: ~~{وجاء} أي أتى إتيانا عاليا شديدا {فرعون} أي الذي ملكناه على طائفة من ~~الأرض فعتى وتجبر وادعى الإلهية ناسيا هيبتنا وقدرتنا بنقمتنا وأنكر الصانع ~~وقال بالطبائع {ومن قبله} أي في جهته وفي حيزه وما يليه وفي السير بسيرته ~~من العلو في الأرض بغير الحق والعتو في الكفر، وهو ظرف مكان، هكذا على ~~قراءة البصريين والكسائي بكسر الكاف وفتح الموحدة، فعم ذلك كل من كان كافرا ~~عاتيا من قبله ومن بعده، وهو معنى قراءة الباقين بفتح القاف وإسكان الباء ~~الموحدة على أنه ظرف يقابل «بعد» بزيادة. # ولما كان قوم لوط عليه السلام قد جمعوا أنواعا من الفسوق لم يشاركهم فيها ~~أحد، فاشتمل عذابهم على ما لم يكن مثله عذاب، فكان كل من فعلهم الذي لم ~~يسبقهم به أحد من العالمين وعذابهم الذي ما كان مثله قبل ولا بعد، رادا على ~~أهل الطبائع، نص عليهم من بين من دخل فيمن قبله على القراءتين فقال: ~~{والمؤتفكات} أي # PageV20P347 # أهل المدائن المنقلبات بأهلها حتى صار عاليها سافلا لما حصل لأهلها من ms5315 ~~الانقلاب حتى صاروا إياه واتبعت حجارة الكبريت وخسف بها وغمرت بما ليس في ~~الأرض مثله وهي قرى قوم لوط عليه السلام {بالخاطئة *} أي الخطأ أو الأفعال ~~ذات الخطأ التي تتخطى منها إلى نفس الفعل القبيح من اللواط والصفع والضراط ~~مع الشرك وغير ذلك من أنواع الفسق والعناد والطغيان. # ولما كان الرسل كلهم جميعا كالفرد الواحد لاتفاق مقاصدهم في الدعاء إلى ~~الله والحمل على طاعته، قال مستأنفا مسببا عن مجيئهم بذلك موحدا في اللفظ ~~ما هو صالح للكثير بإرادة الجنس: {فعصوا} أي خالفوا ونابذوا {رسول ربهم} أي ~~خالفت كل أمة من أرسله المحسن إليها بإبداعها من العدم وإيداعها القوى ~~وترزيقها وبعث رسولها لإرشادهها اغترارا بإحسانه ولم يجوزوا أن المحسن يقدر ~~على الضر كما قدر على النفع، لأنه الضار كما أنه النافع فللتنبيه على مثل ~~ذلك لا يجوز نقل أحد الاسمين عن الآخر، وسبب عن العصيان قوله: {فأخذهم} أي ~~ربهم أخذ قهر وغضب {أخذة} لم يبق من أمة منهم أحدا ممن كذب الرسول فلم يكن ~~كمن ينصر على عدو من الآدميين لا بد من أن يفوته كثير منهم وإن اجتهد في ~~الطلب، وما ذاك إلا لتمام علمه # PageV20P348 # سبحانه وتعالى بالجزئيات والكليات، وشمول قدرته، وتلك الأخذة - مع كونها ~~بهذه العظمة من أنها أخذتهم كنفس واحدة - جعلها سبحانه {رابية *} أي عالية ~~عليهم علية القدر في قوة البطش وشدة الفتك زائدة على الحد نامية بقدر زيادة ~~أعمالهم في القبح، والربا: النمو، وأصله الزيادة، فأغرق فرعون وجنوده، ~~وأغرق كل من كذب نوحا عليه السلام، وهم كل أهل الأرض غير من ركب معه في ~~السفينة، وحمل مدائن لوط عليه السلام بعد أن نتقها من الأرض على متن الريح ~~بواسطة من أمره بذلك من الملائكة ثم قلبها وأتبعها الحجارة وخسف بها وغمرها ~~بالماء المنتن الذي ليس في الأرض ما يشبهه. # ولما كان ربما وقع في وهم التعجب من وجود فرعون ومن بعده من الإخبار بأخذ ~~من قبله على قراءة الجماعة مع أن «من» من صيغ العموم، أشار إلى ms5316 أنه أهلك ~~جميع المخالفين وأنجى جميع الموافقين، قال جوابا لذلك السؤال مؤكدا لأجل من ~~يتعنت ولأن ذلك كان مما يتعجب منه ويتلذذ بذكره: {إنا} أي # PageV20P349 # على قدرتنا وعظمتنا وإحاطتنا {لما طغا الماء} أي فزاد عن الحد حتى علا ~~على أعلى جبل في الأرض بقدر ما يغرق من كان عليه حين أغرقنا قوم نوح عليه ~~السلام به فلم يطيقوا ضبطه ولا قاووه بوجه من الوجوه، ولا وفقوا لركوب ~~السفينة، فكان خروجه عن العادة رادا على أهل الطبائع. # ولما كان الإيجاد نعمة فكان إنجاء آبائهم من الغرق حتى كان ذلك سببا ~~لوجودهم نقمة عليهم قال تعالى: {حملناكم} أي في ظهور آبائكم بعظمتنا ~~ومشيئتنا وقدرتنا {في الجارية *} أي السفينة التي جعلناها بحكمتنا عريقة في ~~الجريان حتى كأنه لا جارية غيرها على وجه الماء الذي جعلنا من شأنه ~~الإغراق، وهو تعبير بالصفة عن الموصوف، ونوح عليه السلام أول من صنع ~~السفينة، وإنما صنعها بوحي الله تعالى وبحفظه له من أن يزل في صنعتها، قال: ~~اجعلها كهيئة صدر الطائر ليكون ما يجري في الماء مقاربا لما يجري في ~~الهواء، وأغرقنا سوى من في السفينة من جميع أهل الأرض من أدمي وغيره. # ولما بدأ سبحانه وتعالى بثمود الذين هم أقرب المهلكين إلى مكة المشرفة ~~لأن التخويف بالأقرب أقعد، وختم بقوم نوح عليه السلام لأنهم كانوا جميع أهل ~~الأرض ولم يخف أمرهم على أحد ممن # PageV20P350 # بعدهم، علل اختيار إنجائهم بالسفينة دون غيرها فقال: {لنجعلها} أي هذه ~~الفعلات العظيمة من إنجاء المؤمنين بحيث لا يهلك منهم بذلك العذاب أحد ~~وإهلاك الكافرين بحيث لا يشذ منهم أحد، وكذا السفينة التي حملنا فيها نوحا ~~عليه السلام ومن معه بإبقائها آية من آياته وأعجوبة من بدائع بيناته وغريبة ~~في الدهر من أعجوباته {لكم} أي أيها الأناسي {تذكرة} أي سببا عظيما لذكر ~~أول إنشائه والموعظة به لتستدلوا بذلك على كمال قدرته تعلى وتمام علمه ~~وعظمة رحمته وقهره، فيقودكم ذلك إليه وتقبلوا بقلوبكم عليه {وتعيها} أي ~~ولتحفظ قصة السفينة وغيرها مما تقدم، حفظا ms5317 ثابتا مستقرا كأنه محوى في وعاء. # ولما كان المنتفع بما يسمع الحافظ له قليلا جدا، دل على ذلك يتوحيد الأذن ~~فقال موحدا منكرا مع الدلالة على تعظيمها: {أذن} أي عظيمة النفع {واعية *} ~~أي من شأنها أن تحفظ ما ينبغي حفظه من الأقوال والأفعال الإلهية والأسرار ~~الربانية لنفع عباد الله كما كان نوح عليه السلام ومن معه وهم قليل سببا ~~لإدامة النسل والبركة فيه # PageV20P351 # حتى امتلأت منه الأرض. والوعي: الحفظ في النفس، والإيعاء: الحفظ في ~~الوعاء، وفي ذلك توبيخ للناس بقلة الواعي منهم، ودلالة على أن الأذن ~~الواحدة إذا غفلت عن الله تعالى فهي السواد الأعظم، وما سواها لا يبالي بهم ~~الله بالة - قاله الأصبهاني والزمخشري وغيرهما. # ولما ذكر القيامة وهول أمرها بالتعبير بالحاقة وغيرها، ودل على قدرته ~~عليها وعلى حكمته بقصص من ذكر على الوجه الذي مر إلى أن ختم بالذين كانت ~~قصتهم أشبه تلك القصص بالقيامة من حيث أن أمر الله فيها عم أهل الأرض وفي ~~زمن يسير، وكان الناجون منها بالنسبة إلى المهلكين كالشعرة البيضاء في جلد ~~الثور الأسود، سبب عن جميع ما مضى قوله شرحا لأمرها: {فإذا نفخ} وبنى الفعل ~~للمجهول دلالة على هوان ذلك عليه وأنه ما تأثر عنه لا يتوقف على نافخ معين ~~بل من أقامه من جنده لذلك تأثر عنه ما يريده وذكره وإن كان المسند إليه ~~مؤنثا للفصل ولكونه غير حقيقي التأنيث وللدلالة على قوة النفخ {في الصور} ~~أي القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام كأنه عبر عنه به دون القرن ~~مثلا لأنه يتأثر عنه تارة إعدام الصورة وتارة إيجادها وردها إلى أشكالها ~~سعة فمه كما بين السماء والأرض، # PageV20P352 # وأسند الفعل إلى المصدر ليفيده بادىء بدء لا ليؤكده وإن كان التأكيد يفهم ~~منه وهو غير مقصود بالذات فقال: {نفخة} ولما دل بالفعلة على الواحدة، أكده ~~دلالة على عظيم قدرته وحقارة الأشياء عنده بقوله: {واحدة *} أي فهلك ~~الخلائق كلهم، هكذا قالوا إن هذه النفخة هي الأولى، قالوا: وعندها خراب ~~العالم، وظاهر السياق أنها ms5318 الثانية التي بها البعث، وخراب ما ذكر بعد ~~قيامهم أنسب لأنه لهم أهيب، وكونها الثانية إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما. # PageV20P353 # ولما ذكر التأثير في الإحياء، أتبعه التأثير في الجمادات، وبدأ بالسفليات ~~لملابستها للإنسان فتكون عبرته بها أكثر فقال: {وحملت} أي بمجرد القدرة ~~{الأرض} أي المنبسطة ورجت رجا {والجبال} أي التي بها ثباتها فرفعت من ~~أماكنها، وبستا بسا فكانت هباء منبثا، لم يبق فيهما حجر ولا كدية. # ولما أريد قوة الدك والإبلاغ في تأثيره، جعل الجبال شيئا واحدا فقال: ~~{فدكتا} أي مسحت الجملتان الأرض وأوتادها وبسطتا ودق بعضها ببعض {دكة واحدة ~~*} أي فصارتا كثيبا مهيلا وسويتا بأيسر أمر فلم يميز شيء منهما من الآخر، ~~بل صارا في غاية الاستواء، من قولهم: ناقة دكاء، أي لا سنام لها. وأرض ~~دكاء، أي متسعة مستوية، # PageV20P353 # قالوا: والدك والدق - أخوان، والدك أبلغ، قال أبو حيان: والدك فيه تفرق ~~الأجزاء، والدق فيه اختلاط الأجزاء. # ولما ذكر نفخ الصور سبب عنه قوله: {فيومئذ} أي إذا دكتا وهي بدل من «إذ» ~~كرر لطول الفصل وأفاد تهويلا لها وتعظيما، ونصب الظرف بقوله: {وقعت الواقعة ~~*} أي التي وقع الوعد والوعيد بها، فكانت كأنها شيء ثقيل جدا ليس له ممسك. ~~فما له من ذاته غير السقوط، وهي القيامة والحاقة والقارعة، نوع أسماءها ~~تهويلا لها أي قامت القيامة، وكان المراد بها النفخة الثانية. # ولما ذكر تأثير العالم السفلي ذكر العلوي فقال: {وانشقت السماء} أي هذا ~~الجنس لشدة ذلك اليوم، ولما كان الشيء لا ينشق إلا لخلل فيه، سبب عنه قوله ~~تحقيقا لذلك. {فهي يومئذ} أي إذا وقعت الواقعة {واهية *} أي ضعيفة متساقطة ~~خفيفة لا تتماسك. # ولما كانت العادة جارية فيما يعرف أن الملك يظهر أنواعا من عظمته يوم عرض ~~الجند، قال معرفا لنا بنحو ما ألفناه: {والملك} # PageV20P354 # أي هذا النوع الذي يصدق على الواحد فما فوقه، والجمع لا يصدق على ما دون ~~الجمع فهذا أشمل {على أرجائها} أي نواحي السماء وأطرافها وحواشي ما لم ~~يتشقق منها، قال الضحاك: يكونون ms5319 بها حتى يأمرهم الله فينزلون فيحيطون ~~بالأرض ومن عليها - انتهى. وقيل: أرجاء الأرض واحدها رجا، مقصور، والاثنان ~~رجوان، فيحيطون بالجن والإنس فيحشرونهم حشر الصيد لإرادة أخذه. # ولما كان الملك يظهر يوم العرض سرير ملكه ومحل عزه قال: {ويحمل عرش} ولما ~~كان هذا أمرا هائلا مقطعا للقلوب، قال مؤنسا للمنزل عليه هذا الذكر مؤمنا ~~له من كل ما يحذر: {ربك} أي المحسن إليك بكل ما يريده لا سيما في ذلك اليوم ~~بما يظهر من رفعتك. # ولما كان العرش عاما لجهة الفوق كلها، أسقط الجار فقال: {فوقهم} أي فوق ~~رؤوسهم {يومئذ} أي يوم إذ وقعت الواقعة بعدد ما كان تحته من السماوات السبع ~~والكرسي {ثمانية *} أي من الملائكة أشخاص أو صفوف يؤيد حملته الأربعة في ~~الدنيا بأربعة أخرى لشدة ذلك اليوم وثقله، وهو في حديث أخرجه أبو داود ~~والترمذي وابن ماجه وأبو يعلى والبغوي عن العباس # PageV20P355 # بن عبد المطلب رضي الله عنه، فظاهره أنهم أشخاص ولفظه: «ثمانية أوعال بين ~~ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض» وظاهر ذلك أنهم في الدنيا، وكونهم ~~في الدنيا أربعة فقط ذكره المفسرون ورواه الطبراني من طريق ابن إسحاق، قال: ~~بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة آخرين» وهو مذكور في ~~حديث الصور الطويل الذي يرويه أبو يعلى وغيره من طريق إسماعيل بن رافع عن ~~يزيد بن زياد عن القرطبي عن رجل عن أبي هريرة رضي الله عنه وهذا العدد ~~يحتمل أن يراد به أهل السماوات السبع والكرسي فتلك ثمانية، وهم خلق لا ~~يحصيهم إلا الله سبحانه وتعالى، وهو أوفق لإظهار العظمة، ويمكن أن يراد بهم ~~ثمانية أفراد ويكون حملهم له أظهر في العظمة ليعلم كل من يرى ذلك أن مثلهم ~~لا يقدر على حمل مثله في عظمته وإحاطته، وهذا هو أظهر المعاني من الأحاديث ~~الواردة فيه، واختيار هذا العدد أوفق للوجه الذي قبله لأنه يزيد على العدد ~~الموضوع للمبالغة - وهو السبع - بواحدة إشارة إلى أنه أبلغ ms5320 من عدة المبالغة ~~لأنه إشارة إلى أنك كلما بالغت زاد الأمر على مبالغتك بما هو أول العدد، ~~وذلك إشارة إلى عدم الانتهاء والوقوف عند حد، وإلى ذلك يشير أيضا # PageV20P356 # أن للثمانية من الكسور النصف والربع والثمن، وذلك سبعة، والسبعة عدد جامع ~~لجميع أنواع العدد الفرد والزوج وزوج الزوج وزوج الفرد، وكل ذلك إشارة إلى ~~المبالغة في إظهار العظمة والكبرياء والعزة وتمثيل لنا بما نعرف من أحوال ~~الملوك وإلا: # فالأمر أعظم من مقالة قائل ... إن رقق البلغاء أو إن فخموا # إعلاما بعظمة ذلك اليوم ليخشى العباد فيلزموا أسباب الإسعاد، وهذا الذي ~~قلته من سر السبعة قد ذكره الإمام بدر الدين بن الدماميني قرين شيوخنا في ~~الكلام على الواو من حاشيته على مغني ابن هشام عن تفسير العماد الكندي قاضي ~~الإسكندرية المسمى الكفيل بمعاني التنزيل فقال: ونقل الأستاذ عبد الله ~~الكفيف المالقي أنها لغة فصيحة لبعض العرب أن يقول: واحد اثنين ثلاثة أربعة ~~خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة - هكذا لغتهم، ومتى جاء في كلامهم لفظ ~~الثمانية أدخلوا الواو وقد نظم بعض أصحابنا في كون السبعة منتهى العدد ~~أبياتا وهي: # يا سائلي عن سر كون العدد ... غايته في سبعة لم تزد # ما سره إلا انحصار قسيمه ... في واحد فرد وشيء مسند # PageV20P357 # وذلك الشيء الذي تسنده ... منحصر في واحد وأزيد # فالفرد والفرد إذا ما اجتمعا ... زوج مع الفرد الذي لم يسند # واثنان واثنان إذا ما اجتمعت ... أربعة تضم مع فيء اليد # فتلك سبعة إذا تكاملت ... أربعة واثنان مع منفرد # وما أتى من بعد هذا فهو تك ... رار له لا زائد في العدد # ثلاثة مع مثلها فرد وفر ... د قد مضى وما مضى لا يعدد # وهكذا أربعة مع مثلها ... زوج وزوج قد مضى لا تزد # وقال الإمام محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في مقدمة كتابه الملل والنحل: ~~أكثر أصحاب العدد على أن الواحد لا يدخل في العدد، فالعدد مصدره الأول ~~الاثنان، وهو ينقسم إلى زوج وفرد، فالفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة، ~~وما وراء ms5321 الأربعة مكرر كالخمسة فإنها مركبة من فرد وزوج، ويسمى العدد ~~الدائر، والستة مركبة من فردين، ويسمى العدد التام، والسبعة مركبة من فرد ~~وزوج، وتسمى العدد الكامل، والثمانية مركبة من زوجين وهي بداية الأخرى فصدر ~~الحساب في مقابلة الواحد الذي هو علة العدد وليس يدخل فيه، ولذلك هو فرد لا ~~أخ له. # ولما كان العدد مصدره من اثنين صار منهما المحقق محصورا في قسمين، # PageV20P358 # ولما كان العدد منقسما إلى فرد وزوج، صار من ذلك الأصل محصورا في سبعة، ~~فإن الفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة، وهي النهاية، وما عداها مركب ~~منها، وكان البسائط عامة الكلية في العدد واحد واثنان وثلاثة وأربعة وهي ~~الكمال، وما زاد عليها من المركب الكلي فمركبات كلها ولا حصر لها، وقال أبو ~~الحكم ابن برجان في تفسير سورة القدر: انتهاء العدد ستة والسابع وترها. # ولما بلغ النهاية في تحذير العباد من يوم التناد، وكان لهم حالتان: خاصة ~~وعامة، فالعامة العرض، والخاصة التقسيم إلى محسن ومسيء، زاده عظما بقوله: ~~{يومئذ} أي إذا كان ما تقدم. # ولما كان المهول نفس العرض، بنى فعله للمفعول ولأنه كلام القادرين فقال: ~~{تعرضون} أي على الله سبحانه وتعالى للحساب كما يعرض السلطان الجند لينظر ~~في أمرهم ليختار منهم المصلح للإكرام والتقريب والإثابة، والمفسد للإبعاد ~~والتعذيب والإصابة، عبر عن الحساب بالعرض الذي هو جزؤه، فالمحسن لا يكون له ~~غير ذلك والمسيء يناقش {لا تخفى منكم} أي في ذلك اليوم على أحد بوجه من ~~الوجوه {لا تخفى منكم} أي في ذلك اليوم على أحد بوجه من الوجوه {خافية *} ~~أي لا يقع أصلا على حال من الأحوال شيء من خفاء لشيء كان من حقه الخفاء في ~~الدنيا لا من الأعمال ولا من # PageV20P359 # الأنفس وإن كان في غاية الدقة والغموض لأن ذلك يوم الظهور التام من ~~القبور ومن الصدور، وغير ذلك من الأمور، ليكون ذلك أجل لسعادة من سعد، ~~وأقبح لشقاوة من شقي فأبعد، قال أبو موسى رضي الله عنه: هي ثلاث عرضات فأما ~~عرضتان فجدال ومعاذير، ms5322 وأما الثالثة فعندها تتطاير الصحف فأخذ بيمينه وأخذ ~~بشماله. # PageV20P360 # ولما كان من المعلوم أنهم قسمان: محسن ومسيء، وكان التقدير: فنعطي كلا ~~منكم صحيفة أعماله من أفعاله وأقواله وجميع خلائقه وأحواله، فمنكم من تدفع ~~إليه في يمينه فتظهر له حسناته وتستر عنه سيئاته، ومنكم من يعطاها في ~~شمالها فتبدو له سيئاته ويمحي ما كان من حسناته، لأنه أوتي ثوابه في الدنيا ~~بما عجل له من طيباته، عطف عليه مفصلا له قوله: {فأما من أوتي} بناه ~~للمفعول لأن دلالة السعادة الوقوع في اليمين لا من معط معين {كتابه} أي ~~الذي أثبت فيه أعماله {بيمينه فيقول} لما رأى من سعادته تبجحا بحاله ~~وإظهارا لنعمة ربه لأن الإنسان مطبوع على أن يظهر ما آتاه من خير تكميلا ~~للذته بكبت أعدائه وتفريح أوليائه، قيل: إنه تكتب سيئاته في باطن صحيفته ~~وحسناته في ظاهرها، فيقرأ الباطن ويقرأ الناس الظاهر، فإذا أنهاه قيل له: ~~قد غفرها الله، اقلب الصحيفة، فحينئذ يكون قوله: {هاؤم} أي خذوا أيها ~~الحاضرون من الخلائق الملائكة وغيرهم، فيها صوت يفهم منه معنى: # PageV20P360 # خذوا، ويوصل تارة بالكاف وتارة بالهمزة، اسم فعل، وإنما اختارها هنا ~~ليعلم أن خطابها لجميع أهل الموقف من كان منهم باطنا من الملائكة والجن ~~وغيرهم، ومن كان منهم ظاهرا لأن الألف عند الربانيين غيب وإحاطة كما دل ~~عليها مخرجها، فهي عبارة عندهم عن القائم الأعلى المحيط، وروي معنى ذلك عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما، والهمزة بدء غيبه ولذا كان مخرجها أقصى الحروف ~~الحلقية دلالة على ذلك، وبدء غيب الله سبحانه وتعالى أفعاله وهي تشمل ~~الظاهر والخفي أصلها الكاف فهي عندهم ظهور متكامل ذو استقلال، وهو من يكون ~~من شأنه الظهور، وأبناء الجنس أحق بهذا، وقد دل على ذلك مخرج الكاف الذي ~~بعد القاف من أصل اللسان الأقرب إلى وسطه، ومفعول «ما» محذوف عند البصريين ~~دل عليه «كتابيه» من قوله: {اقرءوا كتابيه *} وهاؤه للسكت، كأنها إشارة إلى ~~شدة الكرب في ذلك اليوم للدلالة على أنه إذا كان هذا السعيد بسكت في ms5323 كل ~~جملة للاستراحة لا يقدر في الكلام على المضي فما الظن بغيره، وتشير أيضا مع ~~ذلك إلى فراغ الأمر ونجازة الجزم به والوثوق بأنه لا يغير. # ولما كانت حقيقة الحساب ذكر الأعمال والمجازاة عليها، وكان # PageV20P361 # الآدمي - لأنه مجبول على النقص - لا يقدر أن يقدر الله حق قدره، وكلما ~~كان الإنسان أعلى كان الاستشعار والنقص من نفسه أكثر، وكان من نوقش الحساب ~~- كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - عذب، قال مؤكدا لأن من يرى حاله ~~وكتابه ينكر أن يكون له ذنب أو منه تقصير: {إني ظننت} أي في هذا اليوم خوفا ~~من من سوء أعمالي التي أعرفها من نفسي {أني ملاق} أي ثابت لي ثباتا لا ينفك ~~أني ألقى بين يدي الديان {حسابيه *} لأني كنت جامعا كما أمرت بين الخوف ~~والرجاء، فأخاف أن يقابل بين حسناتي وبين النعم فلا تقوم لي أصغر نعمة ~~فأعذب على سيئاتي وأرجو غفرانه، فحقق سبحانه رجائي وأمن خوفي، فعلمت الآن ~~أني لا أناقش الحساب، وإنما حسابي العرض وهو الحساب اليسير بأن تعرض أعمالي ~~فلا أجازى على سيئها وأثاب على حسنها منا ورحمة وفضلا ونعمة، ويجوز أن يكون ~~الظن في الدنيا، عبر به عن اليقين إشارة إلى أنه يكفي العاقل في الخوف ~~الحامل له على العمل ظن الخطر، وفيه إشعار بهضم النفس لأن الإنسان لا ينفك ~~عن خطرات من الشبه تعرض له وتهجم عليه وإيذان بأن مثل ذلك لا يقدح في الجزم ~~بالاعتقاد وتنبيه على أنه يكفي في # PageV20P362 # إيجاب العمل الظن فيكون حينئذ تعليلا لإعطاء الكتاب باليمين، وفيه تبكيت ~~للكفار ونداء عليهم بأنهم لم يصلوا في هذا الأمر المحقق إلى مرتبة الظن، ~~فكيف بالمحقق من العلم فأهملوا العمل له فخالفوا. # ولما كان تقدير هذا واضحا، سبب عند ما تأثر عن الحساب اليسير من إعطاء ~~الثواب فقال: {فهو في عيشة} أي حالة من العيش. # ولما كان الرضى بالشيء لا يكون إلا إذا بلغ نهاية السؤل وغاية المأمول، ~~قال مسندا الرضا إلى العيشة كناية عن رضا صاحبها على ms5324 الوجه الأبلغ: {راضية ~~*} أي ثابت له الرضا ودائم لها لأنها في غاية الحسن والكمال، والعرب لا ~~تعبر عن أكثر السعادات بأكثر من العيشة الراضية بمعنى أن أهلها راضون بها، ~~والمعتبر في كمال اللذة الرضى أو أنه لو كان للعيشة عقل لرضيت لنفسها ~~بحالتها. # ولما شوق سبحانه إلى حال صاحب هذه العيشة، وكانت أمرا إجماليا، فصلها ~~وبينها بالإبدال منها زيادة في التشويق فقال: {في جنة} أي بساتين جامعه ~~لجميع ما يراد منها. # ولما كان شرف المسكن العلو قال: {عالية *} أي في المكان والمكانة ~~والأبنية والدرجات والأشجار وكل اعتبار. # PageV20P363 # ولما كان من شأن المعالي عسر الوصول إليه قال: {قطوفها} أي جمع كثرة لقطف ~~- بالكسر وهو ما يجنى من الثمرات المجتمعة في عرق من عروقه {دانية *} أي ~~قريبة المأخذ سهلة التناول جدا، لراكب والقائم والقاعد والمضطجع، كل ذلك ~~على حد سواء دائما من غير انقطاع ولا كلفة على أحد من أهلها في تناول شيء ~~من ذلك. # ولما كان كون الثمار بهذه الصفة دالا على كثرة الري، وكثرة الري دالة على ~~المشرب، وكانت من مفردات اللفظ عامة المعنى، فكان قد أفرد الضمائر باعتبار ~~لفظها تنصيصا على كل فرد فرد جمع باعتبار المعنى إعلاما باشتراك جميع أهلها ~~في النعم حال الانفراد والاجتماع فقال: {كلوا واشربوا} أي مولى لهم ذلك ~~إشارة إلى أن ذلك لا مانع منه وإلى أنهم يؤمرون به صريحا دلالة على رضا ~~صاحب الجنة لئلا يتنغص عليهم عيشهم بنوع من الأنواع الموهمة للخطر، وحذف ~~المفعول إيذانا بالتعميم لئلا يظن أنه يستثني منها شيء فيكون سبب الفتنة ~~كما وقع لآدم صلوات الله وسلامه عليه. # ولما كان المآكل والمشارب في هذه الدار تورث التخم والأمراض وفيها ما لا ~~يلذ، وكان ما وقع لأبينا آدم وأمنا حواء عليهما # PageV20P364 # الصلاة والسلام على أكلة واحدة من وخامة العاقبة معروفا، قال مؤمنا من ~~ذلك: {هنيئا} أي أكلا طيبا لذيذا شهيا مع البعد عن كل أذى وسلامة العاقبة ~~بكل اعتبار ولا فضلة هناك من بول ولا غائط ولا بصاق ولا ms5325 مخاط ولا قرف ولا ~~قذر ولا وهن ولا صداع ولا ثقل ولا شيء مؤذ. # ولما شوق إلى المسببات حملهم على أسبابهم وحضهم على المسابقة في تحصيلها ~~والمثابرة والمداومة على الاستكثار منها؛ فقال زيادة في لذتهم بأن ذلك على ~~وجه العوض لا امتنان عليهم في شيء منه لأحد من الخلق، فإن أحب ما إلى ~~الإنسان أن يأكل مما أفادته يمينه وحصله بعمله مع ما في ذلك من الشرف: {بما ~~أسلفتم} أي أعطيتم من أنفسكم لآخرتكم طوعا من الأعمال الصالحة وبما تركتم ~~من الدنيا مما هو سافل بالنسبة إلى ما عوضتم عنه من أعمال القلب والبدن ~~والمال {في الأيام} ولما كان سبحانه قد ضمن كل ما يشتغل به الإنسان من ~~مصالح دنياه فهو واصل إليه لا محالة وإن فرغ أوقاته كلها لعبادة ربه قال: ~~{الخالية *} أي الماضية في الدنيا التي انقضت وذهبت واسترحتم من تعبها ~~والتي لا شاغل فيها عن العبادة. إما بترك الاشتغال بالمعاش للواصل إلى درجة ~~التوكل، وإما بالسعي على وجه الاقتصاد بقصد المساعدة للعباد # PageV20P365 # في أمور هذه الدار والإفضال عليهم وإن لا يكون كلا عليهم من غير اعتماد ~~على السعي بل امتثالا للأمر مع القناعة بالكفاف. # PageV20P366 # ولما كانت العادة جارية بأن أهل العرض ينقسمون إلى قسمين: مقبول ومردود، ~~وذكر سبحانه وتعالى المقبول بادئا به تشويقا إلى حاله وتغبيطا بعاقبته وحسن ~~مآله، أتبعه المردود تنفيرا عن أعماله بما ذكر من قبائح أحواله فقال: {وأما ~~من} ولما كان الدال على المساءة الإيتاء على وجه قبيح، لا تعيين المؤتي، ~~قال بانيا للمفعول لذلك وللدلالة على ذل الأخذ وعدم قدرته على الامتناع عن ~~شيء يسوءه: {أوتي كتابه} أي صحيفة أعماله - أعاذنا الله من ذلك {بشماله ~~فيقول} أي لما يرى من سوء عاقبته التي كشف له عنها الغطاء حتى لم يشك فيها ~~لما يرى من قبائحه التي قدمها، وكل ما يأتي مما يوهم سكتة في ذلك اليوم فمن ~~باب المكابرة والمدافعة بالباطل على ما كان عليه في الدنيا {يا ليتني} ~~تمنيا للمحال، وجرى عن ms5326 نسق ما مضى في البناء للمفعول الدال على ذله وعدم ~~جبلته فقال: {لم أوت} أي من مؤت ما {كتابيه *} أي هذا الذي ذكرني بخبائث ~~أعمالي وعرفني جزاءها {ولم} أي ويا ليتني لم {أدر} ولو حاولت الدراية {ما} ~~أي حقيقة {حسابيه *} # PageV20P366 # من ذكر العمل وذكر جزائه، بل استمريت جاهلا لذلك كما كنت في الدنيا. ولما ~~تمنى هذين الشيئين، استأنف مراده بهما فقال لأنه رأى أن ما يستقبله شر مما ~~كان فيه من البرزخ: {يا ليتها} أي الموتة التي منها {كانت القاضية *} أي ~~الباتة الجازمة الملزمة لدوام الموت الخاتمة عليها حتى لا يكون بعدها بعث ~~ولا شيء غير الموت كما كنت أعتقد في الدنيا؛ قال الإمام الرازي: وفي الحديث ~~«تمنوا الموت» أي إذ ذاك ولم يكن في الدنيا شيء أكره منه عندهم. # ولما كان التمني مفهما لأنه كان له ضد ما تمناه من البعث على ما كانت ~~تخبره به الرسل ومن الحساب الذي هو سر البعث وخالصه، وقد كان يقول: إنه ~~يتخلص منه، على تقدير كونه، بماله وجاهه قال معللا لتمنيه: {ما أغنى} نافيا ~~تأسفا على فوات ما كان يرجو من نفعه، والمفعول على هذا التقدير محذوف ~~للتعميم، أو مستفهما استفهام إنكار على نفسه وتوبيخ حيث سولت له ما أثمر له ~~كل سوء وكل محال منازعة للفطرة الأولى المؤيدة بما أخبرت به الرسل حتى ~~أوقعه ذلك التسويل في الهلكة {عني ماليه *} أي الذي منعت منه حق الله ~~وتعظمت به على عباده. وهذا النفي للإغناء سائغ مفهوم على كل من تقريري ~~النفي والاستفهام. # PageV20P367 # ولما كان المال سبب الوصول إلى السلطان، قال نافيا لما أوصله إليه ماله ~~شارحا لعدم إغنائه، {هلك عني} أي مجاوزا لي حتى كأني لم أكن فيه ساعة قط ~~{سلطانيه *} أي تسلطي على الدعاة إلى الله بالشبه الباطلة التي كان يطلق ~~اللسان بها فأساعده عليها مع ظهور بطلانها الملك الذي أوصل إليه المال فعاد ~~لأن ذلك الملك الأعظم هلك والمساعد أبعد مباعد. # ولما كان كأنه قيل: هذا ما قال، فما يقال؟ ms5327 أجيب بأنه يقال للزبانية ~~تعذيبا لروحه بالتوبيخ والأمر بالتعذيب على رؤس الأشهاد: {خذوه} أي أيها ~~الزبانية الذين كان يستهين بهم عند سماع ذكرهم. # ولما كان الأخذ دالا على الإهانة الناشئة عن الغضب، سبب عنه قوله: {فغلوه ~~*} أي اجمعوا يديه إلى عنقه ورجليه من وراء قفاه إلى ناصيته. # ولما كان الغل لما بعده من العقاب، قال معظما رتبة عقابه في الشدة والهول ~~بالتعبير بأداة التراخي: {ثم الجحيم} أي النار العظمى التي تجمح على من ~~يريد دفاعا وتحجم عنها من رآها لأنها في غاية الحمو والتوقد والتغيظ ~~والتشدد {صلوه *} أي بالغوا في تصليته إياها # PageV20P368 # وكرروها لغمسه في النار كالشاة المصلية مرة بعد أخرى ولا تصلوه في أول ~~أمره غيرها لأنه كان لا يألو جهدا أن يحرق قلوب النصحاء بأشد ما يقدر عليه ~~من الكلام وغيره، وكان يتعظم على الضعفاء، فناسب أن يصلي أعظم النيران، ~~وعبر أيضا بأداة التراخي لعلو رتبة مدخولها، فقال مؤذنا بعدم الخلاص: {ثم ~~في سلسلة} أي عظيمة جدا لا ما هو دونها. # ولما قدمها دلالة على الاهتمام بها وعلى تخصيصها لشدة مخافتها، عرف بعظيم ~~هولها وشدة فظاعتها ليجتمع المفهوم والمنطوق على تهويلها فقال: {ذرعها} أي ~~في أي شيء فرضت من طول أو عرض {سبعون ذراعا} يحتمل أن يكون هذا العدد ~~حقيقة، وأن يكون مبالغة، والذي يدل على أنها للمبالغة ما رواه الترمذي - ~~وقال: إسناده حسن - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - ~~وأرسلت من السماء إلى الأرض - وهي مسيرة خمسمائة سنة - لبلغت الأرض قبل ~~الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار ~~قبل أن تبلغ أصلها وقعرها» وأشار سبحانه # PageV20P369 # إلى ضيقها على ما تحيط به من بدنه بتعبيره بالسلك فقال: {فاسلكوه *} أي ~~أدخلوه بحث يكون كأنه السلك - أي الحبل - الذي يدخل في ثقب الخرزة بعسر ~~لضيق ذلك الثقب إما بإحاطتها بعنقه أو بجميع بدنه بأن تلف عليه ms5328 فيصير في ~~غاية الضنك والهوان لا يقدر على حركة أصلا، وهذا تعذيب القالب لأنه أفسد ~~القلب بعدم الإيمان والقالب بعدم الأعمال. # ولما ذكر على الإجمال عقابه أتبعه أسبابه، فقال بادئا بأعظمها مؤكدا لأن ~~كل كافر حتى المعطل يقر بالله تعالى نوع إقرار ويدعي الإيمان به نوع ادعاء، ~~لأنه لا يقدر على غير ذلك لما له سبحانه من غلبة الظهور وانتشار الضياء ~~والنور: {إنه كان} أي جبلة وطبعا وإن أظهر شيئا يلبس به على الضعفاء ويدلس ~~على الأغنياء {لا يؤمن} أي الآن ولا في مستقبل الزمان {بالله} أي الملك ~~الأعلى الذي يعلم السر وأخفى. # ولما كانت عظمة الملك موجبة لزيادة النكال لمن يعانده على قدر علوها، ~~وكان الذي أورث هذا الشقي هذا الخزي هو تعظمه على أمر الله وعباده، أشار ~~إلى أنه لا يستحق العظمة غيره سبحانه فقال: {العظيم *} أي الكامل العظم. # PageV20P370 # ولما بين عناده للملك الأعظم بإفساده القوة العلمية بين ما يوجبه الكفر ~~من احتقاره للضعفاء إفسادا للقوة العملية إعلاما بأنه مكلف بفروع الشريعة ~~كما أنه مكلف بأصولها، وبيانا لأن عناده لمن فوقه لرداءة طبعه لا لعلو ~~همته، فقال معظما لهذا الذنب لجعله في سياق الكفر وبالتعبير بالحض مشيرا به ~~إلى أن فاعل ذلك شديد الاستغراق في حب الدنيا لأنه لا يمنعه من حث غيره على ~~الخير إلا ادخاره لنفسه: {ولا يحض} أي يحمل ويحث {على} بذل {طعام} أو إطعام ~~{المسكين *} أي تسهيله بإعانته عليه إن كان موجودا، والسؤال في بذله وما ~~يقوم مقامه إن كان مفقودا، فكيف بالبذل من عنده، فإن ذلك لا يحمل عليه إلا ~~الإيمان لخلوه عن حظ، والتقييد يفهم أنه يحث على خدمة الأكابر الجبابرة ~~ويحب العكوف على أبوابهم والإضافة مع التعبير بالطعام دون الإطعام تشعر بأن ~~الفقراء يملكون كفايتهم من أموال الأغنياء، فدل ذلك على أنه مع كفره هو ~~أشنع صفات الباطن في غاية الشح والقساوة وعدم المروءة للإعراض عن أسباب ~~التمدح وعن التنزه عن سوء القالة وقبيح الذكر، وذلك أشنع الرذائل، فلذلك ~~خصص هذين ms5329 الأمرين، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يحض على طعامهم ويقول: ~~خلعنا نصف السلسة بالإيمان أفلا نخلع الآخر - # PageV20P371 # يعني بالحث على الإطعام، وذمه على الاستهان بالمساكين يفهم الذم على ~~الاستهانة بمن هم دونهم ممن هو أسوأ حالا منهم بطريق الأولى. # ولما وصفه سبحانه وتعالى بأقبح العقائد وأشنع الرذائل، سبب عنهما في ~~مقابلة إفساد القوتين العلمية قوله: {فليس له اليوم} ولما ذكر الزمان ~~المتعقب للبعث، ذكر المكان الكائن فيه وهو الدار الآخرة فقال: {ههنا} أي في ~~مجمع القيامة كله {حميم *} أي صديق خالص يحترق له ويحميه من العذاب لأنهم ~~كلهم له أعداء كما أنه هو كان لا يرق على الضعفاء فيما هم فيه من الإقلال ~~من حطام الأموال. # ولما نفى عنه الجاه لانسلاخه من حزب الملك الولي الودود، وتحيزه إلى حزب ~~الشيطان العدو الجحود، أتبعه المقصود بالمال الذي تنشأ عنه جميع ~~الاستمتاعات ويقصد عنده الاجتماع والأنس بالأصحاب لإخلاده إلى ماله وإعراضه ~~عن عيال الملك لأجل ضعفهم الذي وهبه المال وأمره بمواساتهم فيه فقال: {ولا ~~طعام} ولما كان الاستثناء معيارا للعموم قال: {إلا من غسلين *} أي غسالة ~~أهل النار من فيحهم وصديدهم، فعلين من الغسل، ويلزم من هذا الطعام أن # PageV20P372 # يكون تحت غيره ليسيل ماء غسالته إليه. # ولما حصر طعامهم فيما لا يقربه أحد باختياره، حصر من يتناوله معبرا عنهم ~~بالوصف الذي أوجب لهم أكله فقال: {لا يأكله} وفرغ الاستثناء تنبيها على أن ~~المستثنى هو المقصود حتى كأنه لا مستنثى منه فقال: {إلا الخاطئون *} أي ~~يأكله المتعمدون للخطايا لا غيرهم، وهو من خطأ الرجل بوزن فرح مهموزا - إذا ~~تعمد الذنب، وأما المخطىء فهو من قصد الخير فلم يصبه بغير تعمد {فليس عليكم ~~جناح فيما أخطأتم به} أي أردتم الصواب فلم تصيبوه، وهذا الطعام يغسل ما في ~~بطونهم من الأعيان والمعاني التي بها قوام صاحبها، وهو بمنزلة ما كانوا ~~يشحون به من أموالهم التي أبطنوها وادخروها في خزائنهم واستأثروا بها على ~~الضعفاء. # ولما ذكر سبحانه وتعالى الحاقة التي جعلها دار الحساب للمحسن والمسيء ms5330 ~~اللذين قسمتهما القدرة واقتضتهما الحكمة، وصوب إليهما القرآن الذي هو ذكر ~~للعالمين بالوعد والوعيد والبشارة والتهديد، ومن المعلوم ببديهة العقل أنه ~~لا يصح أصلا في حكمة أحد أن يترك من تحت يده هملا لا سيما إن كان تقدم ~~إليهم بالأمر والنهي، وأقام الدليل على قدرته عليها بتعذيب من استأصلهم ~~لأجل تكذيب رسله ليكون # PageV20P373 # عذابهم وتنجية المحسنين منهم مثلا محسوسا تشهد فيه الحاقة، لأن من قدر ~~على ذلك كانت له القدرة التامة على كل ممكن، وذكر ما دلت الحكمة عليه من ~~تنعيم الطائع وتعذيب العاصي بما هو أنسب الأشياء لعمل كل منهما في هذه ~~الأساليب المعجزة مفردات وتراكيب ومعاني، فدل ذلك على آخر سورة «ن» عاد إلى ~~تقريره بوجه آخر، وهو أنه لتمام علمه وكمال قدرته لا يقرر من كذب عليه على ~~كذبه فضلا عن أن يؤيده، فقال مسببا عن ذلك حين بلغ الأمر في الوضوح إلى ~~النهاية، ذاكرا ما هو أبلغ من القسم لأن بعض أهل الجدل إذا حجه خصمه يقول: ~~إنما غلبتني بأنك أتقن مني في الجدل بالحق، فإن الحق معي، فيحلف له صاحبه ~~أنه ما غالطه ولا تعمد في جدله إلا الحق، {فلا أقسم} أي لا يقع مني إقسام ~~{بما} أي بمجموع ما {تبصرون *} أي لكم أهلية إبصاره من كل ما دخل في عالم ~~الشهادة {وما لا تبصرون *} أي ما ليس لكم في هذا الدار أهلية إبصاره، وذلك ~~جميع الموجودات واجبها وجائزها معقولها ومحسوسها، لأن الأمر أوضح من أن ~~يحتاج إلى إقسام وإن كنت أقسم في غير هذا الموضع بما شئت من أفراد هذا ~~المجموع. # PageV20P374 # ولما أكد غاية التأكيد بما قال من أن الأمر وصل في الوضوح إلى حد لا ~~يحتمل التأكيد، فكان ذلك تأكيدا بعدم التأكيد، استأنف الخبر عما أخبر أنه ~~لا يحتاج إلى إقسام بإثبات أداة التأكيد لأجل إنكارهم ليكون الكلام جامعا ~~بين التأكيد بالنفي وبين التأكيد بالإثبات فقال: {إنه} أي هذا الذي ختمت به ~~سورة «ن» ودل على الساعة بما أتى به من هذه الأساليب ms5331 التي هي مع كونها ~~حكيمة معجزة {لقول} أي تلاوة {رسول} أي أنا أرسلته وعني أخذه، وليس فيه شيء ~~من تلقاء نفسه إنما هو كله رسالة واضحة جدا، أنا شاهد بها بما له من ~~الإعجاز الذي يشهد أنه كلامي. # ولما كان من شأن الرسول أن لا يبلغ إلا ما أرسله به مرسله، وكان بعض ~~الرسل ربما زاد أو نقص تعمدا أو سهوا، أخبر أن له صلى الله عليه وسلم من ~~الوصف ما يحفظه فقال: {كريم *} أي هو في غاية الكرم الذي هو البعد عن ~~مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها لشرف النفس وشرف الآباء فهو لا يزيد ولا ~~ينقص، وكرم الشيء اجتماع الكمالات اللائقة به فيه. # PageV20P375 # ولما أثبت أنه قوله سبحانه وتعالى لأنه قول رسوله صلى الله عليه وسلم لنا ~~وهولا ينطق عن الهوى، نفى عنه ما يتقولونه عليه، فبدأ بالشعر وهو ما يقوله ~~الإنسان من تلقاء نفسه على وزن مقصود صدقا كان أو كذبا، ولا بد فيه للتقيد ~~بالوزن والقافية من التكلف الذي القرآن بعيد عنه، وهو مع مشاركته للسجع في ~~التكلف الناقص للمعنى أعلى منه بالوزن الذي يكسبه الرونق والحلاوة فقال: ~~{وما هو} أي هذا الذكر في باطن أمره ولا ظاهره، وأكد النفي فقال: {بقول ~~شاعر} أي يأتي بكلام مقفى موزون بقصد الوزن، وإنما قيل أنه ليس بقول من هو ~~كذلك لأنه، لا يوافق الوزن فيه إلا أماكن نادرة بالنسبة إلى مجموع القرآن، ~~ومن المقطوع به أن ذلك لا يرضى به شاعر وهو أنه ينصب نفسه منصب النظم ~~والارتهان بعهدة الوزن، ثم يأتي بكلام أكثره غير موزون، فعلم قطعا أن الذي ~~وافق الوزن فيه غير مقصود فليس بشعر. # ولما كانت مخالفة القرآن للشعر خفية من حيث أنه لا يعرف ذلك إلا الشعراء ~~وهم قليل في الناس، والأغلب لا يعرفون ذلك، ختم الآية بالإيمان الذي هو ~~التصديق بالغيب فقال تعالى: {قليلا ما تؤمنون *} أي ما توجدون التصديق الذي ~~هو الإيمان إلا إيجادا أو زمانا قليلا، وذلك لأني قد أخبرتكم بذلك في غير ms5332 ~~موضع فلم تصدقوا وفيكم شعراء كثير يعرفون # PageV20P376 # معرفة تامة أنه مخالف للشعر، وقد أخبركم بعضهم بذلك كالوليد بن المغير ~~وعتبة ابن ربيعة وغيرهما ثم لا تتبعون ذلك ثمرته، وهو الإيمان بالله ~~ورسوله، وإيمانهم القليل إقرار من أقر من شعرائهم أنه ليس بشعر، وإخلاصهم ~~بالوحدانية عند الاضطرار وإفرادهم الخالق بالخلق والربوبية، وهو إيمان لغوي ~~لا شرعي، ولما كان من يعرف الشعر يعرف النثر فهو أعلى فقدمه، أتبعه النثر ~~فقال: {ولا بقول كاهن} وهو المنجم الذي يخبر عن أشياء يوهمها لرئي يخبره ~~بذلك، وأغلبها ليس لها صحة، وعبارته عن ذلك بالسجع المتكلف المقصود كونه ~~سجعا الذي يكون المعنى فيه تابعا للفظ للتحلية بمشاكلة المقاطع. # ولما كانت مباينة القرآن للسجع خفية جدا لما فيه من الفواصل في الأغلب ~~وتركها في البعث فارق لأن الساجعين لا يرضون أن يأتوا بقرينة لا أخت لها ~~ويعدون ذلك وعيا عيبا رديئا، وكذا تطويل السجعة عن قرينتها وتضعيفها على ~~عديلتها لا يرضى به ساجع ولو أنه هاجع، ومباينة النبي صلى الله عليه وسلم ~~للكهنة ظاهرة جدا، فإن الكاهن من ينصب نفسه للدلال على الضوائع والإخبار ~~بالمغيبات يصدق فيها تارة ويكذب كثيرا، ويأخذ الجعل على ذلك، ويقتصر على من ~~يسأله، فعبر لذلك ب «كاهن» دون «ساجع» أدار أمره على التفكر # PageV20P377 # فقال: {قليلا ما} وأكد أمر القلة والخفاء بإدغام تاء التفعل فقال تعالى: ~~{تذكرون *} فلذلك يلتبس عليكم الأمر أو على من تلبسون عليه بذلك، فعلم أن ~~الذي يفرق بينهما موجود فيهم لأنه يرى أن الكتاب تابع للمعنى الصحيح ~~الثابت، فإن صح غاية الصحة مع وجود القرائن المتوافقة في الروي كان وإلا ~~انتقل عن ذلك إلى قرائن غير متوافقة في روي ولا ما يقاربه، أو قريبة مفردة ~~مع إمكان جعلها كما قبلها لكن مع نقصان المقصور وطول الكلام ونحو ذلك، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع يوما من الأيام علم الغيب ولا نصيب نفسه ~~الشريفة لشيء مما الكهان فيه ولا نقل في ساعة من الدهر عن الجن خبرا ذكر ms5333 ~~أنه استفاده منهم ولا مدحهم لذلك كما تفعل الكهان، بل ذم الفاسقين منهم ~~غاية الذم وقال: إن أكثر ما يأتون به الكذب، ولا سأل جعلا عما يدعو إليه ~~ولا اقتصر على من يأتيه للسؤال، بل هو صلى الله عليه وسلم يتبع الناس في ~~مجامعهم يدعوهم إلى الله بإنقاذهم نم الضلال فمباينته للكهان لا يحتاج إلى ~~غير تذكر قليل - كما أشار إليه إدغام تاء التفعل - فثبت أن القول ليس ~~بكهانة، وقائله والمؤدي له ليس بكاهن، ونسبة القول إلى المبلغ لكونه مبلغا ~~واضحة الصحة. # PageV20P378 # ولما أثبت أنه قول الرسول الذي لا ينطق عن الهوى، ونفى عنه ما قد يلبس من ~~الشعر والكهانة، ولم يذكر ما كانوا يرمونه به من السحر والأضغاث لأنه عتاد ~~محض لا يرتاب أحد فيه، وكانت السورة مقصودا فيه إثبات الحقائق التي قد ~~تخفى، وصفه بما يحقق ما أريد من نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ~~{تنزيل} أي على وجه التنجيم وأشار إلى إرساله إلى جميع الخلق من أهل ~~السماوات والأرض بقوله: {من رب العالمين *} أي موجدهم ومدبرهم بالإحسان ~~إليهم بما يفهم كل منهم من هذا الذكر الذي رباهم به، ورتب سبحانه نظمه على ~~وجه سهله على كل منهم شيئا يكفي في هدايته البيانية بخلاف الشعر والكهانة ~~فإنه لا يفهمهما إلا قليل من الناس لا جميع العالمين، بل كثير من أكابر ~~العلماء وحذاقهم ربما قرىء على أحد منهم الآن القصيدة من قصائد العرب فلا ~~يفهم المراد منها ولا يتضح له بوجه. # ولما كان قد بقي من الأقسام التي كانوا يتقولونها عليه الافتراء في ~~الرسالة بمعنى أنه عثر على بعض كتب الله تعالى التي نزلت على من قبله من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فانتحلها من غير أن يوحى إليه، وكان الدليل ~~على أن ذلك ليس كذلك أن العادة تحيل أن يطلع شخص من الناس على شيء لم يطلع ~~أحد منهم ولا سيما إن كان ذلك الشخص قليل المخالطة للعلماء فكيف إذا كان ~~أميا لا يكتب ولا يقرأ كما ms5334 كان صلى الله عليه وسلم، # PageV20P379 # قال عاطفا على ما تقديره: فلو لم يكن تنزيل رب العالمين عليه لم يعجزوا ~~عنه: {ولو تقول} أي كلف نفسه أن يقول مرة من الدهر كذبا {علينا} على ما لنا ~~من صفات العظمة والجلال والبهاء والكمال والكبرياء {بعض الأقاويل *} التي ~~لم نقلها أو قلناها ولم نأذن له فيها، وهو جمع أفعولة من القول كالأضاحيك ~~جمع أضحوكة، لا جمع أقوال، ليكون جمع الجمع، لأنه يلزم عليه أن لا يعاقب ~~بما دون ثلاثة أقوال {لأخذنا} أي بعظمتنا أخذ قوة وغضب وقهر وإهلاك، وأكده ~~للإعلام بشدة الغضب من الكذب وشدة قبحه. # ولما كان أخذه أخذا يتلاشى عنده كل أخذ لأن من افترى على الملوك لا يفعل ~~به إلا ذلك قال: {منه} أي خاصة {باليمين *} أي التي هي العضو الأقوى منه ~~فيها يكون بطشه فنذهبه بشدة بطشنا، أو اليمين منا، فيكون كناية عن أخذنا له ~~بغاية القوة، فإن قوة كل شيء في ميامنه، وقيل: إذا أراد الملك إهانة شخص ~~قال: خذه يا فلان، فيأخذه بيمينه، فهو كناية عن الإذلال، وقيل: هذا تصوير ~~قتل الصبر بأشنع صورة، فإن الملك إذا أراد التخفيف على من يقتله أمر السياف ~~فأخذ يساره بيساره، وضرب بالسيف من ورائه لأن العنق # PageV20P380 # من خلف أوسع فيكون أسرع قطعا ولا يرى المقتول لمع السيف، وإن أراد ~~التعذيب والمبالغة في الإهانة أخذ يده اليمنى بيده اليسرى وضربه وهو مستقبل ~~له يرى لمع السيف، وربما وقعت الضربة لضيق المجال من قدام في حنكه فيحتاج ~~إلى ثانية وثالثة فهو أفحش. # ولما صور مبدأ الإهلاك بأفظع صورة، أتمه مشيرا إلى شدة بشاعته بحرف ~~التراخي فقال: {ثم لقطعنا} حتما بلا مثنوية بما لنا من العظمة قطعا يتلاشى ~~عنده كل قطع {منه الوتين} أي العرق الأعظم في العنق الثابت الدائم المتين ~~الذي يسمى الوريد، وهو بين العلباء والحلقوم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه نياط القلب، وفي القاموس: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه - انتهى. ~~واختير التعبير به لأن مادته بهذا ms5335 الترتيب تدور على المتانة والدوام، فلذا ~~كان يفوت صاحبه بفواته، وقال ابن برجان: عرق متصل بنياط القلب مستبطن للصلب ~~يملأ الجسد كله تسقيه الكبد وهي بيت الدم وهو يجري منها الدم في البدن يأخذ ~~منه ستون عرقا هي أنهار الدم في الجسد كله، من هذه الأنهار تأخذ الجسد ~~ثمانية عشر تسقي الصدر، وسبعة تسقي العين، وأربعة تسقي الدماغ، والوتين من ~~مجمع الوركين إلى مجمع # PageV20P381 # الصدر بين الترقوتين، ثم ينقسم عنه سائر العروق إلى سائر الجسد، ولا يمكن ~~في العادة الحياة بعد قطعه، وفي المائدة عند قوله {والله يعصمك من الناس} ~~[المائدة: 67] ما ينفع هنا. # PageV20P382 # ولما أتم تصوير ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه من أن يأخذ السيئات أو ~~أعوانه بيمينه ويكبحه كالسيف فيضربه عنقه، سبب عنه قوله إتماما لعظمته ~~بقوله: {فما منكم} أي أيها الناس، وأعرق في النفي فقال: {من أحد عنه} أي ~~القتل أو المقتول المنقول، ولما كان «أحد» عاما حقق عمومه واصفا له، وأخبر ~~عن «ما» على لغة الحجاز بقوله: {حاجزين *} أي يكون حاجزا جزما كثيفا مانعا ~~من الوصول إليه فلا غرض يتعلق من عاقل أن ينصح لأحد بنصيحة تعود إلى ~~المنصوح وحده بالنفع ولاحظ للقائل فيها بكذب يكلف نفسه تقوله على ملك لا ~~يقدر ذلك المنضوح أن يحميه من عقوبته على ذلك الكذب، واختار الإخبار بالجمع ~~لأنه يدل على عدم حجز الفرد من باب الأولى و «منكم» حال لتقدمه، وهذا كله ~~كناية على أبلغ الوجوه عن أن هذا الذكر كلام الله لا شبهة فيه بوجه، مضموما ~~ذلك إلى وجوه إعجازه، فإن «لو» لامتناع الثاني لأجل امتناع الأول، فالتقدير ~~كما يقال في القياس الاستثنائي: لكنا لم نأخذه هذا الأخذ فثبت أنه ما تقول ~~علينا شيئا، فثبت أن ما قال كلامنا ثبوتا تاما بالبرهان على وجه لا يرام ~~نقضه. # PageV20P382 # ولما كان هذا كناية عن هذا من غير نظر إلى حقائق مفرداته ولا معنى شيء ~~منها على انفراده، فكان كأنه قيل: تنزيل من رب العالمين غير متخيل فيه ~~الكذب بوجه، ms5336 عطف على ذلك قوله: {وإنه} أي القرآن بعد أن كان ذكرا لجميع ~~العالمين {لتذكرة} أي مذكر عظيم جدا {للمتقين *} أي من العالمين لأنهم ~~المنتفعون به لإقبالهم عليه إقبال مستفيد. # ولما علم من هذا أنه سبحانه عالم بقسمي المسيء والحسن ظواهرهم وبواطنهم، ~~صرح بالقسم الآخر، فقال مؤكدا لأجل إنكار الضلال: {وإنا} أي بما لنا من ~~العظمة {لنعلم} أي علما عظيما محيطا {أن منكم} أيها الأرضيون السفليون ~~الذين ليس لهم أهلية العلو إلى تجريد الأرواح عن علائق الجسد الكثيفة ~~{مكذبين *} أي عريقين في التكذيب فأنزلنا الكتب وأرسلنا الرسل ليظهر منكم ~~إلى عالم الشهادة منها ما كنا نعمله في الأزل غيبا من تكذيب وإيمان ~~فتستحقون بذلك العقاب أو الثواب، فلذلك وجب في الحكمة التي لا يكذب بها أحد ~~ولا يشك في أنها خاصة الملك المظهرة للكمال أن يعيد الخلق إلى ما كانوا ~~عليه من أجسامهم قبل الموت لنحكم بينهم فنجازي كلا # PageV20P383 # بما يليق به إظهارا للعدل. # ولما كان سبب التكذيب ستر ما تجليه مرائي العقول من الدلائل، وكان ~~التقدير: فإنه بشرى للمؤمنين، ولكنه طواه لأن السيق للتهديد بالحاقة، عطف ~~عليه قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب به، {وإنه} أي القرآن العظيم {لحسرة} ~~أي بما يرى من تأويله في الدنيا والآخرة {على الكافرين *} أي العريقين في ~~الكفر لكونهم كذبوا به لما يظهر لهم من جزائهم وجزاء المؤمنين. # ولما كان كل من الفريقين يذوق جزاءه في الآخرة، ه وكان كل أحد سمع القرآن ~~ذاق أنه لا يقدر على الإتيان بشيء يماثله ولا يدانيه، قال مؤكدا تنزيلا لهم ~~في عداد الجاهلين: {وإنه} أي القرآن أو الجزاء في يوم الجزاء {لحق اليقين ~~*} أي الأمر الثابت الذي يذاق فيصير لا يقبل الشك فهو يقين مؤكد بالحق. من ~~إضافة الصفة إلى الموصوف، وهو فوق علم اليقين، وفي ذلك إشارة إلى أن العبد ~~ينبغي له أن يتحقق لذلك معرفة الحق فيكون مشاهدا للغيوب كمشاهدة المرئيات ~~لما يشاهد من أمثالها، فأمر البعث يشاهد كل يوم في الليل والنهار وفي العام ~~في ms5337 النبات وغير ذلك. # ولما كان البعث لهذا المقصد من أعظم الكمال، وكان عدمه موجبا للنقص، سبب ~~عن كلا الأمرين إشارة وعبارة قوله آمرا بعد # PageV20P384 # الإخبار في أول المسبحات: {فسبح} أي أوقع التنزيه الكامل عن كل شائبة نقص ~~{باسم} أي بسبب علمك بصفات {ربك} أي الموجد والمربي لك والمحسن إليك بأنواع ~~الإحسان {العظيم *} الذي ملأت الأقطار كلها عظمته، وزادت على ذلك بما شاءه ~~سبحانه مما لا تسعه العقول لا سيما عن قولهم: لن يعيدنا، فإنه سبحانه ~~وتعالى قادر على ذلك لا يعجزه شيء، وقد وعد بذلك وهو صادق الوعد، وعدم ~~البعث مخل بالحكمة لظلم أكثر الناس، وفيه إشارة إلى المتاركة، وتعجيب من ~~حالهم في تصميمهم على الكذب والعناد، والجلد على الجدل والفساد، فقد رجع ~~آخر السورة على أولها بإحقاق الحاقة لنفي ما وقع الخبط فيه في دار الاحتجاب ~~بالأسباب من مواقع النقص ومظنات اللبس، فيثبت الحق وينفي الباطل فيفرق بين ~~المحسن والمسيء والسعيد والشقي، فيحق السلام لحزب الرحمن، ويثبت الهلاك ~~لأصحاب الشيطان، ويظهر اسمه الظاهر لكل مؤمن وكافر، إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الألباب والله الهادي. # (سورة المعارج) # وتسمى سأل. # مقصودها إثبات القيامة وأنذار من كفر بها وتصوير عظمتها بعظمة # PageV20P385 # ملكها وطول يومهت وتسلية المنذر بها بما لمن كذبه بما له من الصغار والذل ~~والتبار، ودل على وجوب وقوعها سابقا بما ختمه بتسميتها في السورة الماضية ~~بالحاقة تنبيها على أنه لا بد منها ولا محيد عنها، ودل على ذلك بالقدرة في ~~أ، لها والعلم في اثنائها والتنزه عما في إهمالها من النقص في آخرها ولا ~~خفاء بما أخبر من أنه أرسل جميع رسله بالتحذير منها فأرسل نوحا عليه السلام ~~يفي الزمان الأقدم كما ذكر في سورته عند ما اختلف الناس بعدما كانوا عليه ~~يفي زمان أبيهم آدم عليه الصلاة والسلام من الاتفاق على الدين الحق ~~فافترقوا إلى مصدق ومكذب، فعلم منه أ، من بعده أولى بذلك لقربهم منها وأتبع ~~ذلك الإعلام أنه دعاإلى ذلك الجن الذين كان سبيلهم فيها سبيل الآدميين، ms5338 ~~وأتبع ذلك بعد إرسال أول الرسل بها زمانا - آخرهم زمانات وأولهم نبوة حين ~~كان نبيا وآدم بين الروح والجسد، فبدا بسورة المزمل بنبوته ومزيد ترزكيته ~~وتقديسه ورفعته والإخبار عن رسالته والتحذي من مخالفته، وأتبع ذلك الإنذار ~~بها بالصدع بالرسالة بمحو كل ضلالة، فلما تقررت نبوته وثبتت رسالته على ~~أجمل الوجوه وأجلاها # PageV20P386 # وأبينها وأعلاها، اشرفها وأولاها، جعل سبحانه سورة القيامة كلها لها ~~إعلاما بأن الأمر عظيم جدا يجب الاعتناء به والتأهب له والاجتهاد بغاية ~~القوة وإفراغ الجهد، ثم اتبع ذلك الإنسان دلالة على أنه المقصود بالذات من ~~الأكوان، فاليسوغ في الحكمة أن يجعله سبحانه سدى وبين كثيرا من أحوالها ثم ~~أقسم في المرسلات أن أملاها حق لا بد منه ولا مندوحة عنه، ثم عجب في " عم " ~~منهم في تساؤلهم عنها وتعجيبهم منها ثم أقسم على زقزعها في النازعات وصور ~~من أمرها وهزاهزها ما أراد، ثم أولى ذلك الدلالة في سورة عبس على أن من ~~الناس من طبع على قلبه فلا حيله في تصديقه بها مع ما تبين بالسورة الماضية ~~وغيرها من أمرها، ثم صورها في " كورت " تصوير صارت من رأي عين لو # كشف الغطاء ما ازداد الموقنون بها يقينا، ثم بين في الانفطار أن الأمور ~~فيها ليست على منهاج الأمور هنأ، بل الأسباب كلها منقطعة والأنساب مرتفعة، ~~والكل خاضعون مخبتون خاشعون، أعظمهم في الدنيا تجبرا أشدهم هنالك صغارا ~~وتحسرا، ثم أتبع ذلك من يستحق هنالك النكال والسلاسل والأغلال، ثم أولاه ~~رفعة أهل الإيمان الذين طبعهم على الإقرار بها والعرفان، واستمر على هذا ~~إلى آخر القرآن قل أن تأتي سورة إلا وهي معرفة بها غاية المعرفة إلى أن ~~ختمك بالدين إشارة بذلك إلى أن معرفتها هي الدين # PageV20P387 # وأشار في " تبت " إليها وأتبعها الإخلاص إشارة إلى أنه لا يسلم فيها إلا ~~الموحدون المعاذون من الفتن الظاهرة والباطنة، المتصفون بالمحامد المتعاظمة ~~المتكاثرة، فآذن ذلك أن أكثر غاية القرآن في أمرها العظيم الشأن لأنه لا ~~كتاب بعد هذا الكتاب ينتظر ولا أمة أشرف من هذه ms5339 تخص ببيان أعظم من بيانها ~~وهو أحد الأوجه التي فاق بها القرآن على الكتب الماضية والصحف الكائنة في ~~القرون الخالية، وآذن ذلك بأن الأمر قد قرب والهول قد دهم والخوف قد قدح، ~~ليشمر أهل الاختصاص في النجاة من عذابها والخلاص حين لا مفر ولا ملجأ ولات ~~حين مناص، نسأل الله العافية في يومها والعيشة الراضية، وعلى هذا المقصد دل ~~اسمها " سأل " وكذا المعارج وهما أنسب ما فيها للدلالة على ذلك، وقانا الله ~~سبحانه وتعالى من آفاتها والمهالك آمين) بسم الله (الملك الأعظم الذي تنقطع ~~الأعناق والآمال دون عليائه) الرحيم (الذي أوضح نعمة البيان وعم بها وشهرها ~~حتى صارت في الوضوح إلى حد لا مطمع لأحد في ادعاء خفائه) الرحيم (الذي ~~اصطفى من عباده من وفقهم للفهم عنه والطاعة له، فكان من أوليائه. # PageV20P388 # لما ختم أمر الطامة الكبرى في الحاقة حتى ثبت أمره، وتساوى سره وجهره، ~~ودل عليها حتى لم يبق هناك نوع لبس في وجوب التفرقة في الحكمة بين المحسن ~~والمسيء، وختم بأن ترك ذلك مناف للكمال فيما نتعارقه من أمور العمال بعد أن ~~أخبر أنه يعلم أن منهم مكذبين، وكان السائل عن شيء يدل على أن السائل ما ~~فهمه حق فهمه، ولا اتصف بحقيقة علمه، عجب في أول هذه ممن سأل عنها فقال: ~~{سأل} ودل على أنه لو لم يسأل عنها إلا واحد من العباد لكان جديرا بالتعجب ~~منه والإنكار عليه بالإفراد في قوله: {سائل} وهو من السؤال في قراءتي من ~~خفف بإبدال الهمزة ألفا ومن همز. # ولما كان سؤالهم من وقت مجيء الساعة والعذاب وطلبهم تعجيل ذلك إنما هو ~~استهزاء، ضمن «سأل» استهزاء ثم حذفه ودل عليه بحال انتزعها منه وحذفها ودل ~~عليها بما تعدى به فقال، أو أنه حذف مفعول السؤال المتعدي «بعن» ليعم كل ~~مسؤول عنه إشارة إلى أن من تأمل الفطرة الأولى وما تدعو إليه من الكمال ~~فأطاعها فكان مسلما فاضت عليه العلوم، وبرقت له متجليه أشعة الفهوم، فبين ~~المراد من دلالة النص بقوله: {بعذاب} ms5340 أي عن يوم القيامة بسبب # PageV20P389 # عذاب أو مستهزئا بعذاب عظيم جدا {واقع *} وعبر باللام تهكما منهم مثل ~~{فبشرهم بعذاب} فقال: {للكافرين} أي الراسخين في هذا الوصف بمعنى: إن كان ~~لهم في الآخرة شيء فهو العذاب، وقراءة نافع وابن عامر بتخفيف الهمزة أكثر ~~تعجيبا أي اندفع فمه بالكلام وتحركت به شفتاه لأنه مع كونه يقال: سال يسأل ~~مثل خاف يخاف لغة في المهموز يحتمل أن يكون من سأل يسأل، قال البغوي: وذلك ~~أن أهل مكة لما خوفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب قالوا: من أهل هذا ~~العذاب ولمن هو؟ سلوا عنه، فأنزلت. # ولما أخبر بتحتم وقوعه علله بقوله: {ليس له} أي بوجه من الوجوه ولا حيلة ~~من الحيل {دافع *} مبتدىء {من الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفؤ له فلا ~~أمر لأحد معه، وإذا لم يكن له دافع منه لم يكن دافع من غيره وقد تقدم الوعد ~~به، ودلت الحكمة عليه فتحتم وقوعه وامتنع رجوعه. # ولما كان القادر يوصف بالعلو، والعاجز يوصف بالسفول والدنو، وكان ما يصعد ~~فيه إلى العالي يسمى درجا، وما يهبط فيه إلى السافل يسمى دركا، وكانت ~~الأماكن كلها بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء، اختير التعبير بما يدل على ~~العلو الذي يكنى به عن القدرة والعظمة، فقال واصفا بما يصلح كونه مشيرا إلى ~~التعليل: {ذي المعارج *} # PageV20P390 # أي الدرج التي لا انتهاء لها أصلا - بما دلت عليه صيغة منتهى الجموع وهي ~~كناية عن العلو، وسميت بذلك لأن الصاعد في الدرج يشبه مشية الأعرج، وروي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنها السماوات، ودل على ما دلت عليه الكثرة مع ~~الدلالة على عجيب القدرة في تخفيفها على الملائكة بقوله: {تعرج الملائكة} ~~أي وهم أشد الخلق وأقدره على اختراق الطباق، والإسراع في النفوذ حتى يكونوا ~~أعظم من لمح البرق الخفاق {والروح} أي جبريل عليه السلام، خصه تعظيما له، ~~أو هو خلق هو أعظم من الملائكة، وقيل: روح العبد المؤمن إذا قبض {إليه} أي ~~محل مناجاته ومنتهى ما يمكن من ms5341 العلو لمخلوقاته، وعلق بالعروج أو بواقع ~~قوله: {في يوم} أي من أيامكم، فيه آدميا {خمسين ألف} وبين المشقة في صعوده ~~أو الكون فيه إن أريد القيامة بأن قال: {سنة *} ولم يقل: عاما - مثلا، ~~ويجوز أن يكون هذا اليوم ظرفا للعذاب فيكون المراد به يوم القيامة، وأن ~~يكون طوله على الكافر باعتبار ما يلحقه من الغم لشدة المخاوف عليه لأنه ورد ~~أنه يخفف على المؤمن # PageV20P391 # حتى يكون بمقدار صلاة واحدة - انتهى. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المعنى أنه لو ولي الحساب غير الله ~~لم يفرغ منه إلا في هذا المقدار، ويفرغ منه هو سبحانه في نصف يوم من أيام ~~الدنيا، وقال مجاهد والحكم وعكرمة: هو عمر الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ~~ألف سنة لا يدري أحدكم مضى وكم بقي إلا الله، وقد مضى في سورة {ألم السجدة} ~~ما ينفع ههنا. # ولما كان هذا كله تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن استعجالهم إياه ~~بالعذاب استهزاء وتكذيبا سواء أريد تصوير العظمة أو العذاب، سبب عنه قوله: ~~{فاصبر} أي على أذاهم ولا ينفك ذلك عن تبليغهم فإنك شارفت وقت الانتقام ~~منهم أيها الفاتح الخاتم الذي لم أبين لأحد ما بينت على لسانه، والصبر: حبس ~~النفس على المكروه من الإقدام أو الإحجام، وجماله بسكون الظاهر بالتثبت ~~والباطن بالعرفان {صبرا جميلا *} أي لا يشوبه شيء من اضطراب ولا استثقال، ~~ولا شكوى ولا استعجال، فإن عذابهم ونصرك عليهم لعظمة من أرسلك، فلا بد من ~~وقوعه لأن القدح فيه والتكذيب به قدح فيها، وهذا قبل الأمر بالقتال. # PageV20P392 # وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما انطوت سورة الحاقة على أشد وعيد ~~وأعظمه أتبعت بجواب من استبطأ ذلك واستبعده إذ هو مما يلجأ إليه المعاند ~~الممتحن، فقال تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع} [المعارج: 1] إلى قوله {إنهم ~~يرونه بعيدا ونراه قريبا} [المعارج: 6 و7] ثم ذكر حالهم إذ ذاك {يوم يود ~~المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه} [المعارج: 11] الآية، ثم أتبع بأن ~~ذلك لا يغني ms5342 عنه ولا يفيده {إنها لظى} [المعارج: 15] ثم ختمت السورة بتأكيد ~~الوعيد وأشد التهديد {فذرهم يخوضوا ويلعبوا} [المعارج: 42] إلى قوله {ذلك ~~اليوم الذي كانوا يوعدون} [المعارج: 44] ذلك يوم الحاقة ويوم القارعة - ~~انتهى. # ولما كان كونه تعالى، بما تقدم في العظمة، أمرا معلوما بما له من الآثار ~~من هذا الكون وما فيه، وكان استبعادهم لما أخبر به أمرا واهيا ضعيفا سفسافا ~~لا يكاد يصدق أن أحدا يحاول أن يرد به هذه الأمور التي هي في وضوحها كالشمس ~~لا خفاء بها أصلا ولا لبس قال مؤكدا: {إنهم} أي الكفار المكذبين المستعجلين ~~{يرونه} أي ذلك اليوم الطويل أو عذابه {بعيدا *} أي زمن وقوعه، لأنهم يرونه ~~غير ممكن أو يفعلون أفعال من يستبعده {ونراه} لما لنا من العظمة التي قضت ~~بوجوده وهو علينا هين {قريبا *} سواء أريد بذلك قرب الزمان أو قرب المكان، ~~فهو هين على قدرتنا وهو آت # PageV20P393 # لا محالة، وكل آت قريب والبعيد والقريب عندنا على حد سواء. # ولما ذكر عن هذا اليوم ما يبعث على السؤال عنه، استأنف بيانه مبينا عظمته ~~فقال: {يوم} أي يقع حين {تكون السماء} أي التي هي أوثق ما تراه وأصلبه من ~~عظم ما يقع فيه من الأهوال {كالمهل *} أي الشيء المذاب من المعادن في مهل ~~أو دردي الزيت {وتكون الجبال} التي هي أشد الأرض وأثقل ما فيها {كالعهن *} ~~أي الصوف المصبوغ ألوانا المنقوش، تطيره الريح كالهباء، وذلك لأن الجبال في ~~أصلها متلونة كما قال تعالى {ومن الجبال جدد وبيض وحمر} [فاطر: 27] الآية، ~~قال البغوي: ولا يقال عهن إلا للمصبوغ، قال: وأول ما تتغير الجبال تصير ~~رملا مهيلا ثم عهنا منفوشا ثم هباء منثورا - انتهى. {ولا يسأل} من شدة ~~الأهوال {حميم حميما} أي قريب في غاية القرب والصداقة قريبا مثله عن شيء من ~~الأشياء لفرط الشواغل ولأنه قد كشف لهم أنه لا تغني نفس عن نفس شيئا، وأنه ~~قد تقطعت الأسباب وتلاشت الأنساب لما كشف الابتلاء عن أنه لا عز إلا ~~بالتقوى - هذا على قراءة الجماعة بفتح الياء ms5343 وعلى قراءة ابن كثير بالبناء ~~للمفعول المعنى أنه لا يطالب أحد بأحد كما بعض الحكام في الدنيا # PageV20P394 # من أنه يلزم أقارب من قربه لأنه لا حاجة له بذلك، لأن القدرة محيطة بالكل ~~على حد سواء. # ولما كان عدم السؤال قد يكون لعدم رؤية بعضهم بعضا لكثرة الجمع وشدة ~~الزحام وتفرق الناس فيه على حسب مراتب أعمالهم، استأنف الجواب لمن كأنه ~~يقول: لعل ذلك يترك لعدم رؤيتهم لهم؟ فقال دالا بالمجهول والتفعيل على عظمة ~~ذلك التبصير وخروجه عن العادة جامعا لأن المقصود من الحميم الجنس والجمع ~~أدل على عموم التبصير، قال البغوي: وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين ~~صاحبه من الجن والإنس - انتهى، وكان حكمة ذلك أنه أدل على تقطع الأسباب فلا ~~يسأل أحد منهم الآخر عن شيء من أمره لاشتغال كل بنفسه، فعدم السؤال لا ~~للخفاء بل للاشتغال وهم كل إنسان بما عنده: {يبصرونهم} أي يبصرهم مبصر فلا ~~يخفى أحد على أحد وإن بعد مكانه ويفر كل من الآخر لشغله بنفسه، ولما تناهى ~~الإخبار بعظمة ذلك اليوم إلى حد لا تحتمله القلوب، ذكر نتيجة ذلك فقال ~~مستأنفا: {يود} أي يتمنى ويشتهي {المجرم} أي هذا النوع سواء كان كافرا أو ~~مسلما عاصيا علم أنه يعذب بعصيانه، وقيد به لأن المسلم الطائع # PageV20P395 # يشفع فيمن أذن له فيه ولا يهمه شيء من ذلك، ودل على أن هذه الودادة مجرد ~~تمن بقوله: {لو يفتدي} أي نفسه {من عذاب يومئذ} أي يوم إذ كانت هذه المخاوف ~~بأعلق الناس بقلبه وأقربهم منه فضلا عن أن يسأل عن أحواله. # ولما كان السياق للافتداء، بدأ بأعزهم في ذلك بخلاف ما يأتي في عبس فقال: ~~{ببنيه *} لشدة ما يرى. # ولما ذكر ألصق الناس بالفؤاد وأعز من يلزمه لنصره والذب عنه، أتبعه ما ~~يليه في الرتبة والمودة وما الافتداء به لا سيما عند العرب من أقبح العار ~~فقال: {وصاحبته} أي زوجته التي يلزمه الذب عنها والكون دائما معها لكونها ~~عديلة روحه في الدنيا. # ولما ذكر الصاحبة لما لها ms5344 من تمام الوصلة، أتبعها الشقيق الذي لا يلزم من ~~الذب عنه ما يلزم من الذب عن الحريم وربما كان مباينا، فقال: {وأخيه *} . # ولما كان من بقي من الأقارب بعد ذلك متقاربين في الرتبة ذكر أقربهم فقال: ~~{وفصيلته} أي عشيرته الذين هم أقرب من فصل عنه {التي تؤويه *} أي تضمه ~~إليها عند الشدائد وتحميه، لأنه أقرب # PageV20P396 # الناس إليها وأعزهم عليها فهم أعظم الناس حقا عليه وأعزهم لديه. # PageV20P397 # ولما كانت هذه الآية في الفدية، قدم الأبعد عن ذلك فالأبعد من جهة النفع ~~والمعرة. ولما كانت آية عبس في الفرار والنفرة، قدم الألصق فالألصق، ~~والأعلق في الأنس فالأعلق. # ولما خص هنا عم فقال: {ومن في الأرض} أي من الثقلين وغيرهم سواء كان فيهم ~~صديق لا صبر عنه ولا بد في كل حال منه أو لا. ولما كان ربما خص ذلك بغيره، ~~قال محققا لإرادة الحقيقة في معنى «من» : {جميعا} . # ولما كان الإنسان تكشف له الأمور هناك أي كشف، وتظهر له أتم ظهور، قال ~~تعالى {فبصرك اليوم حديد} فيعلم أنه لا ينجيه من الخطايا المحيطة المحبطة ~~شيء، دل على الاستبعاد بأداة البعد فقال عاطفا على «يفتدي» : {ثم ينجيه *} ~~أي ثم يود لو يكون له بذلك نجاة تتجدد له في وقت من الأوقات. # ولما كان هذا مما قد يطمع في النجاة، فإن بعض الناس يطبع على قلبه ~~فيستغويه الأطماع حتى يعد المحال ممكنا، قال معبرا بمجمع الروادع والزواجر ~~الصوادع: {كلا} أي ليكن للمجرم ردع # PageV20P397 # أي ردع عن وداده هذا وترتب أثره عليه، فإن ذلك لا يكون أبدا بوجه من ~~الوجوه. # ولما كان الإضمار قبل الذكر لتعظيم ذلك المضمر في المهيع الذي هو فيه، ~~لأن ذلك إشارة إلى أنه مستحضر في الذهن لا يغيب أصلا لما للمقام عليه من ~~عظيم الدلالة، قال بعد هذا الردع العظيم عن النجاة بل عن ودادة تمنيها: ~~{إنها} أي النار التي هي سوط الملك المعد لمن عصاه، المهدد في هذا السياق ~~بعذابها، المستولية عليه لتكونه سجنه: {لظى *} أي ذات اللهب الخالص ms5345 ~~المتناهي في الحر يتلظى أي يتوقد فيأكل بسببه بعضها بعضا إن لم تجد ما ~~تأكله وتأكل ما وجدته كائنا ما كان {نزاعة للشوى *} أي هي شديدة النزع ~~لجلود الرؤوس بليغته فما الظن بغيره من الجلد، وقال في القاموس: الشوى: ~~اليدان والرجلان والأطراف وقحف الرأس وما كان غير مقتل - انتهى، وقيل: ~~والجلد كله واللحم تنزع ذلك ثم يعود كما كان في الحال ليروا التعب الذي # PageV20P398 # كانوا ينكرونه في أنفسهم في كل لحظة. # ولما كان الخلاص غير ممكن من الداعي القادر على الإحضار كنى عن إحضارها ~~إياهم وجذبها لهم بقوله: {تدعوا} ويجوز أن يكون ذلك حقيقة فتقول في الدعاء ~~في نفسها: إلي يا مشرك إلي يا منافق، ونحو ذلك ثم تلتقطهم التقاط الطير ~~للحب {من} أي كل شخص {أدبر} أي من الجن والإنس أي من وقع منه إدبارهما من ~~حقه الإقبال عليه سواء كان ذلك الإدبار عنها أو عن الأعمال التي من شأنها ~~التنجية منها، ولما كان الإدبار قد يكون عن طبع غالب فيكون صاحبه في عداد ~~من يعذر، بين أن الأمر ليس كذلك فقال: {وتولى *} أي كلف فطرته الأول ~~المستقيمة الإعراض عن أسباب النجاة. # ولما كانت الدنيا والآخرة ضرتين، فكان الإقبال على إحداهما دالا على ~~الإعراض عن الأخرى، قال دالا على إدباره بقلبه: {وجمع} أي كل ما كان منسوبا ~~إلى الدنيا. # ولما كانت العادة جارية بأن من كانت الدنيا أكبر همه كان همه بجمعه ~~الاكتناز لا الإنفاق، سبب عن جمعه قوله: {فأوعى *} أي جعل ما جمعه في وعاء ~~وكنزه حرصا وطول أمل ولم يعط حق الله فيه، فكان همه الإيعاء لا إعطاء ما ~~وجب من الحق إقبالا على الدنيا # PageV20P399 # وإعراضا عن الآخرة. # ولما كان من أعجب العجب أن يقبل على الدنيا أحد يسمع هذا التهديد بالعرض ~~بين يدي الله والعقاب لمن لم يقبل على عبادته سبحانه، بين أن ذلك لما جبله ~~عليه سبحانه وأن الإنسان مقهور مع جبلته إلا من حفظه الله، وذلك دال من كلا ~~الطرفين على عظيم قدرته سبحانه، ms5346 قال مؤكدا لاقتضاء المقام للتأكيد لأن ~~الإنسان لو خوف بالعرض على بعض الأمراء ما لابس ما يغضبه فكيف بالعزيز ~~الحكيم القدير العليم: {إن الإنسان} أي هذا الجنس، عبر به لما له من الأنس ~~بنفسه والرؤية لمحاسنها والنسيان لربه ولذنبه. # ولما دعا الحال إلى بيان الجبلة الداعية إلى ما يقتضيه باختيار صاحبها ~~على وجه كأنه إلجاء بيانا لسهولة الأمور عليه سبحانه بنى للمفعول قوله: ~~{خلق هلوعا *} أي جبل جبلة هو فيها بليغ الهلع وهو أفحش الجزع مع شدة الحرص ~~وقلة الصبر والشح على المال والرغبة فيما لا ينبغي، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه الحريص على ما لا يحل له، وروي عنه أن تفسيره ما بعده. # ولما كان الهلع شدة الحرص وقلة الصبر، نشر معناه فقال مقدما # PageV20P400 # المعمول الذي هو الظرف على العامل بيانا لإسراعه في ذلك: {إذا مسه} أي ~~أدنى مس {الشر} أي هذا الجنس وهو ما تطاير شرره من الضر {جزوعا *} أي عظيم ~~الجزع، وهو ضد الصبر بحيث يكاد صاحبه ينقد نصفين ويتفتت {وإذا مسه} أي كذلك ~~{الخير} أي هذا الجنس وهو ما يلائمة فيعينه من السعة في المال وغيره من ~~أنواع الرزق {منوعا *} أي مبالغا في الإمساك عما يلزمه من الحقوق للانهماك ~~في حب العاجل وقصور النظر عليه وقوفا مع المحسوس لغلبة الجمود والبلادة، ~~وهذا الوصف ضد الإيمان، لأنه نصفان: صبر وشكر. # PageV20P401 # ولما كان التقدير: فهو يسارع في آثار ما جبل عليه ما يترتب على الجزع مما ~~لا يجوز في الشرع ومما يترتب على المنع من ذلك أيضا فيكون من أهل النار، ~~وكان من القدرة البالغة أن يحفظ سبحانه من أراد من الخزي مع جبلته ويحمله ~~على كسر نفسه مرة بعد أخرى حتى يتلاشى ما عنده من جبلة الشر وتبقى الروح ~~على حالها عند الفطرة الأولى، فلا تزال تحثه على المبادرة إلى طاعته سبحانه ~~وتعالى وحفظ حدوده، فكان لا كرامة أعظم من حفظ المكلف لحدود الشرع مع ~~المنافاة لطبعه، فيكون جامعا للإيمان بنصفيه: الصبر والشكر، لما جمع ms5347 من هذه ~~الأوصاف الثمان المعادة لأبواب الجنة الثمان، فكان أسبابا لها، استثنى من ~~هذا النوع الهلوع ولذلك جمع فقال: # PageV20P401 # {إلا المصلين *} أي المحافظين على الصلاة التي هي مواطن الافتقار، ~~العريقين في هذا الوصف، فإنه لا يشتد هلعهم فلا يشتد جزعهم ولا منعهم، ~~فيكونوا في أحسن تقويم معتدلين مسارعين فيما يرضي الرب، لأنه سبحانه قرن ~~بما جبلهم عليه من الهلع من طهارة الجسد لطهارة طينته وزكاء روحه ما هيأه ~~لتهذيب نفسه مما يسره له من أصدقاء الخير وأولياء المعروف وسماع المواعظ ~~الحسان والإبعاد عن معادن الدنس من البقاع والأقران والكلام والأفعال وغير ~~ذلك من سائر الأحوال، والملابسة بكل ما يحمل على المعالي من صالح الخلال ~~حتى كانوا من أهل الكمال، ولذلك وصفهم بما يبين عراقتهم في الوصف لها فقال: ~~{الذين هم} أي بكلية ضمائرهم وظواهرهم {على صلاتهم} أي التي هي معظم دينهم ~~وهي النافعة لهم لا لغيرهم - بما أفادته الإضافة، والمراد الجنس الشامل ~~لجميع الأنواع إلا أن معظم المقصود الفرض، ولذلك عبر بالاسم الدال على ~~الثبات في قوله: {دائمون *} أي لا فتور لهم عنها ولا انفكاك لهم منها بل ~~يلازمونها ملازمة يحكم بسببها أنها في حال الفراغ منه نصب أعينهم بدوام ~~الذكر لها والتهيؤ لأدائها لأنها صلتهم بمعبودهم الذي لا خير عندهم إلا ~~منه، فلم # PageV20P402 # يكونوا ناسين لمساوئهم ولا آسين بمحاسنهم، وكفى بالصلاة بركة في دلالتها ~~على النجاة من هذا الوصف الموجب لأسباب النار، وهي عبادة ذات شروط وأركان ~~وأبعاض وهيئات وسنن وآداب مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وهي منقسمة إلى ~~ذات ركوع وسجود، وإلى ذات سجود بلا ركوع كسجدة الشكر والتلاوة، وإلى ما لا ~~ركوع فيها ولا سجود كصلاة الجنازة. # ولما ذكر زكاة الروح، أتعبه زكاة عديلها المال، فقال مبينا للرسوخ في ~~الوصف بالعطف بالواو: {والذين في أموالهم} أي التي من سبحانه بها عليهم ~~{حق} ولما كان السياق هنا لأعم من المحسنين الذين تقدموا في الذاريات اقتصر ~~على الفرض فقال: {معلوم *} أي من الزكوات وجميع النفقات الواجبة. # ولما كان في السؤال ms5348 من بذل الوجه وكسر النفس ما يوجب الرقة مع وقاية ~~النفس مع المذمة، قدم قوله: {للسائل} أي المتكلف لسؤال الإنفاق المتكفف. ~~ولما كان في الناس من شرفت همته وعلت رتبته على مهاوي الابتذال بذل السؤال ~~من الإقلال بذب المقبل على الله للتفطن والتوسم لأولئك فقال: {والمحروم *} ~~أي المتعفف # PageV20P403 # الذي لا يسأل فيظن غنيا ولا مال له يغنيه فهو يتلظى بناره في ليله ~~ونهاره، ولا مفزع له بعد ربه المالك لعلانيته وإسراره إلا إلى إفاضة مدامعه ~~بذله وانكساره، وهذا من الله تعالى حث على تفقد أرباب الضرورات ممن لا كسب ~~له ومن افتقر بعد الغنى، وقد كان للسلف الصالح في هذا وأشباهه قصب السبق، ~~حكي عن زين العابدين أنه لما مات وجد في ظهره آثار سود عند غسله كأنها ~~السيور، فعجبوا منها، فلما كان بعد أيام قال نسوة أرامل: كان شخص يأتي ~~إلينا ليلا بقرب الماء وأجربة الدقيق على ظهره ففقدناه واحتجنا، فعلموا أنه ~~هو وأن تلك السيور من ذلك، وحي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن شخصا رآه ~~ماشيا في زمن خلافته في الليل فتبعه حتى يعلم إلى أين يقصد، فلم يزل رضي ~~الله عنه حتى جاء إلى بيت نسوة أرامل فقال: أعندكن ماء وإلا أملأ لكن، ~~فأعطينه جرة فأخذها وذهب فملأها على كتفه وأتى بها إليهن، والحكايات عنهم ~~في هذا الباب كثيرة شهيرة جدا. # ولما كان المال قد يصرف لإصلاح الدنيا، بين أن النافع # PageV20P404 # منه إنما هو المصدق للإيمان فقال: {والذين يصدقون} أي يوقعون التصديق لمن ~~يخبرهم ويجددونه كل وقت {بيوم} ولما كان المقصود الحث على العمل لأجل العرض ~~على الملك الأعلى عبر بقوله: {الدين *} أي الجزاء الذي ما مثله وهو يوم ~~القيامة الذي يقع الحساب فيه والدينونة على النقير والقطمير والتصديق به حق ~~التصديق الاستعداد له بالأعمال الصالحة، فالذين يعملون لذلك اليوم هم ~~العمال، وأما المصدقون بمجرد الأقوال فلهم الوبال وإن أنفقوا أمثال الجبال. # ولما كان الدين معناه الجزاء من الثواب والعقاب، وكان ربما صرفه صارف ms5349 إلى ~~الثواب فقط للعلم بعموم رحمته سبحانه، وأن رحمته غلبت غضبه، صرح بالعقاب ~~فقال: {والذين هم} أي بجميع ضمائرهم {من عذاب ربهم} أي المحسن إليهم، لا من ~~عذاب غيره، فإن المحسن أولى بأن يخشى ولو من قطع إحسانه، وإذا خيف مع تجليه ~~في مقام الإحسان كان الخوف أولى عند اعتلائه في نعوت الجلال من الكبر ~~والقهر والانتقام {مشفقون *} أي خائفون في هذه الدار خوفا عظيما هو في غاية ~~الثبات من أن يعذبهم في الآخرة أو الدنيا أو فيهما، فهم لذلك لا يغفلون ولا ~~يفعلون إلا ما يرضيه سبحانه. # PageV20P405 # ولما كان المقام للترهيب، ولذلك عبر عن الرجاء على فعل الطاعات بالدين، ~~فصار العذاب مذكورا مرتين تلويحا وتصريحا، زاده تأكيدا بقوله اعتراضا مؤكدا ~~لما لهم من إنكاره: {إن عذاب ربهم} أي الذي رباهم وهم مغمورون بإحسانه وهم ~~عارفون بأنه قادر على الانتقام ولو بقطع الإحسان {غير مأمون *} أي لا ينبغي ~~لأحد أن يأمنه، بل يجوز أن يحل به وإن بالغ في الطاعة لأن الملك مالك وهو ~~تام الملك، له أن يفعل ما يشاء - ومن جوز وقوع العذاب أبعد عن موجباته غاية ~~الإبعاد ولم يزل مترجحا بين الخوف والرجاء. # ولما ذكر التحلي بتطهير النفس بالصلاة وتزكية المال بالصدقة، ندب إلى ~~التخلي عن أمر جامع بين تدنيس المال والنفس وهو الزنا الحامل عليه شهوة ~~الفرج التي هي أعظم الشهوات حملا للنفس على المهلكات، فقال بعد ذكر التخويف ~~بالعذاب إعلاما بأنه أسرع إلى صاحب هذه القادورة وقوعا من الذباب في أحلى ~~الشراب فقال: {والذين هم} أي ببواطنهم الغالبة على ظواهرهم {لفروجهم} أي ~~سواء كانوا ذكورا أو إناثا {حافظون *} أي حفظا ثابتا دائما عن كل ما نهى ~~الله عنه. # PageV20P406 # ولما ذكر هذا الحفظ على هذا الوجه، ذكر ما أذن فيه في أسلوب الاستثناء ~~إشعارا بأنه كأنه لم يذكر فيخرج إلا بعد تقرير عموم # PageV20P406 # الحفظ لا أنه مقصود ابتداء بقصد الصفة فقال: {إلا على أزواجهم} أي بعقد ~~النكاح. # ولما قدمهن لشرفهن وشرف الولد بهن أتبعه قوله: {أو ms5350 ما} عبر بما هو الإغلب ~~لغير العقلاء ندبا إلى إيساع البطان في احتمالهن {ملكت أيمانهم} أي من ~~السراري اللاتي هن محل الحرث والنسل اللاتي هن أقل عقلا من الرجال. # ولما كان الناكح عبادة نادرا جدا، وكان الأصل في العبادة الخروج عن ~~العادة، وإن لم يتجرد للعبادة كن ملوما، اكتفى في مدحه بنفي اللوم عنه، ~~وأكده لأن الأصل كان استحقاقه للملام لإقباله على تحصيل ما له من المرام ~~فقال مسببا عن المستثنى: {فإنهم} أي بسبب إقبالهم بالفروج عليهن وإزالة ~~الحجاب من أجل ذلك {غير ملومين *} أي في الاستمتاع بهن من لائم ما - كما ~~نبه عليه بالبناء للمفعول - فهم يصحبونهن قصدا للتعفف وصون النفس وابتغاء ~~الولد للتعاون على طاعة الله. # ولما أفهم ذلك تحريم غير المستثنى ووجب الحفظ للفروج عنه، صرح به على وجه ~~يشمل المقدمات فقال مسببا عنه: {فمن ابتغى} أي طلب، وعبر بصيغة الافتعال ~~لأن ذلك لا يقع إلا عن إقبال عظيم من # PageV20P407 # النفس واجتهاد في الطلب {وراء ذلك} أي شيئا من هذا خارجا عن هذا الأمر ~~الذي أحله الله تعالى، والذي هو أعلى المراتب في أمر النكاح وقضاء اللذة ~~أحسنها وأجملها. ولما كان الوصول إلى ذلك لا يكون إلا بتسبب من الفاعل ربط ~~بالفاء قوله: {فأولئك} أي الذين هم في الحضيض من الدناءة وغاية البعد عن ~~مواطن الرحمة {هم} أي بضمائرهم وظواهرهم {العادون *} أي المختصون بالخروج ~~عن الحد المأذون فيه. # ولما ذكر العادي أتبعه الواقف عند الحدود فقال: {والذين هم} أي ببذل ~~الجهد من توجيه الضمائر {لأماناتهم} أي كل ما ائتمنهم الله عليه من حقه وحق ~~غيره. # ولما كان ذلك قد يكون من غير عهد، قال مخصصا: {وعهدهم} أي ما كان من ~~الأمانات بربط بالكلام وتوثيق {راعون *} أي حافظون لها معترفون بها على وجه ~~نافع غير ضار. # PageV20P408 # ولما كان أجل العهود والأمانات ما كان بإشهاد قال مبينا لفضل الشهادة: ~~{والذين هم} أي بغاية ما يكون من توجيه القلوب {بشهاداتهم} التي شهدوا بها ~~أو يستشهدون بها لطلب أو غيره، وتقديم ms5351 المعمول إشارة إلى أنهم في فرط ~~قيامهم بها ومراعاتهم لها كأنهم # PageV20P408 # لا شاغل لهم سواها {قائمون *} أي يتحملونها ويؤدونها على غاية التمام ~~والحسن أداء من هو متهيىء لها واقف في انتظارها. # ولما كانت أضداد هذه المذكورات نقائص مهلكات، وكانت الأنفس - لما لها من ~~النقص - نزاعة إلى النقائص ميالة إلى الدسائس، ذكر سبحانه بالدواء المبرىء ~~من كل داء، فقال مشيرا إلى حفظ أحوال الصلاة وأوصافها بعد ذكر الحفظ ~~لذواتها وأعيانها تنبيها على شدة الاهتمام بها: {والذين هم} ولما وسط ~~الضمير إشارة إلى الإقبال بجميع القلب قدم الصلة كما فعل بما قيل تأكيدا ~~وإبلاغا في المراد إلى أقصى ما يمكن كما لا يخفى على ذي ذوق فقال: {على ~~صلاتهم} من الفرض والنقل {يحافظون *} أي يبالغون في حفظها ويجددونه حتى ~~كأنهم يبادرونها الحفظ ويسابقونها فيه فيحفظونها لتحفظهم أو يسابقون غيرهم ~~في حفظها لأوقاتها وشروطها وأركانها ومتمماتها في ظواهرها وبواطنها من ~~الخضوع والمراقبة، وغير ذلك من خلال الإحسان التي إذا فعلوها كانت ولا بد ~~ناهية لفاعلها «أن الصلاة» الكاملة «تنهى عن الفحشاء والمنكر» فتحمل على ~~جميع هذه الأوامر وتبعد عن أضدادها، ولكون السياق هذا للتخلي عن الأوصاف ~~الجارة إلى الكفر وحد الصلاة إشارة # PageV20P409 # إلى أنه يكفي في ذلك الفرائض وإن كان الجاس يشمل، وفي المؤمنون السياق ~~لأهل الرسوخ في المحاسن، فلذلك جمع بين النوعين: الإفراد في الأول لينصب ~~بادىء بدىء إلى الفرائض، والجمع في بعض القراءات ليفهم مع ذلك النوافل ~~بأنواعها، وفي فتح الأوصاف بالصلاة وختمها بها من بيان جلالتها وعظمتها أمر ~~باهر. # ولما ذكر حلاهم أتبعه ما أعطاهم فقال مستأنفا ومستنتجا من غير فاء إشارة ~~إلى أن رحمته هي التي أوصلتهم إلى ذلك من غير سبب منهم في الحقيقة: {أولئك} ~~أي الذين هم في غاية العلو لما لهم من هذه الأوصاف العالية، وعبر بما يدل ~~على أنه عجل جزاءهم سبحانه فقال: {في جنات} أي في الدنيا والآخرة، أما في ~~الآخرة فواضح، وأما في الدنيا فلأنهم لما جاهدوا فيه بإتعاب أنفسهم في هذه ~~الأوصاف ms5352 حتى تخلقوا بها أعطاهم بمباشرتها لذاذات من أنس القرب وحلاوة ~~المناجاة لا يساويها شيء أصلا، والجنة محل اجتمع فيه جميع الراحات ~~والمستلذات والسرور، وانتفى عنه جميع المكروهات والشرور، وضدها النار، ~~وزادهم على ذلك بقوله: {مكرمون *} معبرا باسم المفعول إشارة إلى عموم ~~الإكرام من الخالق والخلق الناطق وغيره لأنه سبحانه قضى بأن يعلو مقدارهم ~~حتى يكونوا أعظم مشخص؟ لهم في الغيب مبالغا في إكرامهم عند المواجهة ليكون ~~لهم نصيب من خلق نبيهم صلى الله عليه وسلم، « # PageV20P410 # لقيه يوم بني قريظة علي رضي الله عنه وكان قد سبقه إليهم فقال: يا رسول ~~الله، ما عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث؟ فقال: ولم، لعلك سمعت بي منهم ~~أذى، لو قد دنوت منهم لم يقولوا من ذلك شيئا، ثم دنا منهم فقال: هل أخزاكم ~~الله يا إخوان القردة والخنازير، فقالوا: مه يا أبا القاسم ما كنت جهولا» ~~وكلموه بأحسن ما يمكنهم، وكذا كانت معه قريش قبل الهجرة في أكثر أحوالهم، ~~هذا في الدنيا وأما في الآخرة فيتلقاهم الملائكة بالبشرى حين الموت وفي ~~قبورهم ومن حين قيامهم من قبورهم إلى حين دخولهم إلى قصورهم. # ولما تحرر بهذا الكلام الإلهي الذي يشك عاقل في أن مخلوقا لا يقدر عليه، ~~وأنه لا يقدر عليه إلا الله الواحد الذي لا شريك له، العالم بكل شيء، ~~القادر على كل شيء، أنه لا يتفصى عن نقائص الإنسان حتى يتخلص من ظلمات ~~النقصان إلى نور الإحسان إلا من لازم هذه الأوصاف وزكى نفسه بها ليصير ~~كاملا مع العلم القطعي عند المسلم والكافر أن الكمال سبب السعادة، وأن ~~الإنسان مطبوع على ما صدر به سبحانه من النقائص، علم أن المتصفين بهذه ~~الأوصاف هم المختصون بالسعادة الأخروية، وكان الكفار يأتون النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويجلسون حوله بالقرب منه ليسمعوا كلامه ويكذبوه ويهزؤوا به، وكان ~~العاقل لا ينبغي له أن يأتي شيئا لا سيما إن كان إتيانه إليه على # PageV20P411 # هيئة الإسراع إلا لتحصيل السعادة، سبب عن ذلك قوله معبرا عن عظمة القرآن ~~بما ms5353 حاصله أنهم حين يسمعونه يصيرون لشدة ما يفزعهم أمره لا يتمالكون ~~فيفعلون أفعال من لا وعي له: {فمال الذين كفروا} أي أي شيء من السعادة ~~للذين ستروا مرائي عقولهم عن الإقرارا بمضمون هذا الكلام الذي هو أوضح من ~~الشمس، حال كونهم {قبلك} أي نحوك أيها الرسول الكريم وفيما أقبل عليك ~~{مهطعين *} أي مسرعين مع مد الأعناق وإدامة النظر إليك في غاية العجب من ~~مقالك هيبة من يسعى إلى أمر لا حياة له بدونه. # ولما كان الذي يتطير فيراعي الأيامن والأشائم على ما تقدم في الصافات، لا ~~يترك ذلك إلا في أمر أدهش عقله وأطار لبه، فلم يدعه يتأمل، قال مشيرا إلى ~~شدة اعتنائهم بهذا الإهطاع مع عدم التحفظ من شيء: {عن} أي متجاوزين إليك كل ~~مكان كان عن جهة {اليمين} أي منك حيث يتمنون به {وعن الشمال} أي منك وإن ~~كانوا يتشاءمون به {عزين *} أي حال كونهم جماعات جماعات وخلقا خلقا متفرقين ~~فرقا شتى أفواجا يتمهلون ليأتوا جميعا جمع عزة، وأصلها عزوة لأن كل فرقة ~~تعتزي إلى غير ما تعتزي # PageV20P412 # إليه الأخرى، جمع جمع سلامة شذوذا. # ولما كان هذا الإسراع على هذا الوجه لا ينبغي أن يكون إلا فيما يتحقق أنه ~~مسعد، ومع تحقق أنه مسعد لا ينبغي أن يكون إلا فيما تحصل به السعادة ~~الأبدية؛ قال منبها على ذلك منكرا أن يكون لهم ما كان ينبغي ألا يكون فعلهم ~~ذلك إلا له مع أنه كان من جملة استهزائهم إذا تحلقوا لسماع ما يقرأ أن ~~يقولوا: إن كان ما يقول حقا من أمر البعث والجنة لنكونن أسعد بها منهم كما ~~أنا أسعد منهم في هذه الدار كما قال تعالى حاكيا عنهم في قوله: {ولئن رجعت ~~إلى ربي إن لي عنده للحسنى} [فصلت: 50] وذلك أنه كثيرا ما يأتي الغلط من أن ~~الإنسان يكون في خير في الدنيا فيظن أن ذلك مانع له من النار لأنه خير في ~~نفس الأمر، أو يظن أن إمهاله وهو على الباطل رضي به، ولا يدري أنه ms5354 لا يضجر ~~ويقلق ويعجل إلا من يخاف الفوت، أو يكون شيء بغير إرادته: {أيطمع} أي بهذا ~~الإتيان، وعبر بالطمع إشارة إلى # PageV20P413 # أنهم بلغوا الغاية في السفه لكونهم طلبوا أعز الأشياء من غير سبب تعاطوه ~~له. # ولما كان إتيانهم على هيئة التفرق من غير انتظار جماعة لجماعة قال: {كل ~~امرىء منهم} أي على انفراده، ولما كان المحبوب دخول الجنة لا كونه من مدخل ~~معين، قال بانيا للمفعول: {أن يدخل} أي بالإهطاع وهو كافر من غير إيمان ~~يزكيه كما يدخل المسلم فيستوي المسيء والمحسن {جنة نعيم *} أي لا شيء فيها ~~غير النعيم في كل ما فيها على تقدير ضبطه. # PageV20P414 # ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري المفيد للنفي: لا يدخل، أكد ذلك مع ~~إفهام الضجر والاستصغار بالإتيان بأم الزواجر والروادع فقال: {كلا} أي لا ~~يكون ما طمعوا فيه أصلا لأن ذلك تمن فارغ لا سبب له - بما دل عليه التعبير ~~بالطمع دون الرجاء. # ولما كان الإنسان إذا أكثر من شيء وجعله ديدنه فساغ عندهم أن يقال: فلان ~~خلق من كذا، علل ذلك بقوله مؤكدا، عدا لهم منكرين لأنهم مع علمهم بنقصانهم ~~يدعون الكمال: {إنا} على ما لنا من العظمة {خلقناهم} بالعظمة التي لا يقدر ~~أحد أن يقاويها فيصرف شيئا من إرادته عن تلك الوجهة التي وجهته إليها إلى ~~غيرها # PageV20P414 # {مما يعلمون *} أي مما يستحي من ذكره ذاتا ومعنى، أما الذات فهو نطفة ~~مذرة أخرجت من مخرج البول وغذيناها بدم الحيض، فهي يتحلب منها البول ~~والعذرة، وأما المعنى فالهلع والجزع والمنع اللاتي هم موافقون على عدها ~~نقائص، فلا يصلحون لدار الكمال إلا بتزكية أنفسهم بما تقدم من هذه الخلال ~~التي حض عليها الملك المتعال، روى البغوي بسنده عن بشر بن جحاش رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وبصق يوما في كفه ووضع عليها ~~أصبعه فقال:» يقول عز وجل: ابن آدم! أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى ~~إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين والأرض منك وئيد وجمعت ومنعت حتى ms5355 إذا بلغت ~~التراقي قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة «» انتهى. # ولما كان في ذكر هذا الخلق مع ما تقدم إشارة عظيمة إلى ما كانوا يقولون: ~~إنه إن كان الأمر كما يقولون من الحشر والجنة لنكونن آثر عند الله منكم ~~ولندخلنها كما نحن الآن آثر منكم عنده بما لنا من الأموال، والبسطة في ~~الدنيا والوجاهة والإقبال، وتنبيه على أن الكل متساوون في أنهم من نطفة فما ~~فضلهم في هذه # PageV20P415 # الدنيا بهذه النعم الظاهرة إلا هو سبحانه، وقد فضل المؤمنين بالنعم ~~الباطنة التي زادتهم في التمكن فيها التزكية بهذه الأوصاف العملية الناشئة ~~عن الصفة العلمية، وهو قادر على أن يضم إلى النعم الباطنة النعم الظاهرة، ~~ولذلك سبب عنه قوله: وأكد بنفي القسم المشير إلى عدم الحاجة إليه لكثرة ~~الأدلة المغنية عنه لما لذلك المقسم عليه من الغرابة في ذلك الوقت لكثرة ~~الكفار وقوة شوكتهم: {فلا} أي فتسبب عن خلقنا لهم من ذلك المنبه على أنا ~~نقدر على كل شيء نريده وأنه لا يعجزنا شيء أي لا {أقسم} فلفت القول إلى ~~أفراد الضمير معرى عن مظهر العظمة لئلا يتعنت متعنت في أمر الواحدانية ~~{برب} أي مربي وسيد ومبدع ومدبر {المشارق} التي تشرق الشمس والقمر والكواكب ~~السيارة كل يوم في موضع منها على المنهاج الذي دبره، والقانون القويم الذي ~~أتقنه وسخره، ستة أشهر صاعدة وستة أشهر هابطة {والمغارب} كذلك على هذا ~~الترتيب المحكم الذي لا يعتريه اختلال، وهي التي ينشأ عنها الليل والنهار ~~والفصول الأربعة، فكان بها صلاح العالم بمعرفة الحساب وإصلاح المآكل ~~والمشارب وغير ذلك من المآرب، فيوجد كل من الملوين بعد أن لم يكن والنبات ~~من النجم والشجر كذلك عادة مستمرة دالة على أنه قادر # PageV20P416 # على الإيجاد والإعدام لكل ما يريده كما يريده من غير كلفة ما. # ولما كان المعنى: لا أقسم بذلك وإن كان عظيما لأن الأمر في وضوحه لا ~~يحتاج إلى قسم، كما لو قال خصم لخصمه: احلف، فيقول له: الأمر غني عن حلفي ~~إذ يحتاج إلى اليمين من لا بينة ms5356 له، ثم يأتي من البينات بما لا يكون معه ~~شبهة، وكانوا في تفضيل أنفسهم - مع الاعتراف لله بالقدرة - كالمنكرين ~~للقدرة على قلب الأمر، أكد قوله عائدا إلى مظهر العظمة بعد دفع اللبس بما ~~هو في وضوحه أجلى من الشمس: {إنا} أي بما لنا من العظمة {لقادرون *} بأنواع ~~التأكيد بالأداة والأسمية والالتفات إلى مظهر العظمة في كل من الاسم ~~والخبر، فكان في إخباره بعد الإقسام مع التأكيد إشارة إلى أعلى مراتب ~~التأكيد {على أن نبدل} أي تبديلا عظيما بما لنا من الجلالة عوضا عنهم {خيرا ~~منهم} أي بالخلق أو تحويل الوصف فيكونوا أشد بسطة في الدنيا وأكثر أموالا ~~وأولادا وأعلى قدرا وأكثر حشما ووجاهة وحزما وخدما، فيكونوا عندك خلقا على ~~قلب واحد في سماع قولك وتوقيرك وتعظيمك والسعي في كل # PageV20P417 # ما يشرح صدرك بدل ما يعمل هؤلاء من الهزء والتصفيق والصفير وكل ما يضيق ~~به صدرك، وقد فعل ذلك سبحانه بالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ~~بالسعة في الرزق بأخذ أموال الجبارين من كسرى وقيصر، والتمكن في الأرض حتى ~~كانوا ملوك الدنيا مع العمل بما يوجب لهم ملك الآخرة، فرجوا الكرب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبذلوا في مرضاته الأنفس والأموال. # ولما كان الإنسان قد يفعل شيئا ثم ينقض عليه، أخبر أنه سبحانه على غير ~~ذلك فقال: {وما} وأكد الأمر بالأسمية الكائنة في مظهر العظمة فقال: {نحن} ~~وأعرق في النفي فقال: {بمسبوقين *} أي من سابق ما يغلب على شيء لم نرده ~~بوجه من الوجوه، ولذلك أتى باسم المفعول. # ولما ثبت أن له سبحانه العظمة البالغة الباهرة من شمول العلم وتمام ~~القدرة، فأنتج اعتماد أهل حزبه عليه وإعراضهم عن كل ما سواه، سبب عن ذلك ~~قوله تهديدا للمخالفين وتسلية للمؤالفين: {فذرهم} أي اتركهم ولو على أسوأ ~~أحوالهم {يخوضوا} أي يفعلوا في مقالهم وفعالهم الذي لا شيء منه على إتقان ~~بل هو كفعل الخائض في الماء الذي لا يضع رجله في موضع يعلم أنه يرضيه، فهو ~~بصدد أن # PageV20P418 # يقع أو يغرق {ويلعبوا} ms5357 أي يفعل فعل اللاعب الذي لا فائدة لفعله إلا ضياع ~~الزمان والتعطل عما يهم من عظيم الشأن. # ولما كان ما توعد الله من أحوال الآخرة لا بد من وقوعه كان كأنه قادم على ~~الإنسان والإنسان ساع بجهده إليه، فلذلك عبر بالمفاعلة فقال: {حتى يلاقوا} ~~ولما كان ما يقع للكفار منه أعظم، كان ذلك اليوم كأنه خاص بهم فقال: {يومهم ~~الذي} ولما كان الوعيد - وهو ما كان من الخبر تخويفا للمتوعد - صادعا ~~للقلوب إذا كان من القادر من غير حاجة إلى ذكر المتوعد، بني المفعول قوله: ~~{يوعدون *} وهو يوم كشف الغطاء الذي أول تجليته عند الغرغرة ونهايته النفخة ~~الثانية إلى دخول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره، والآية منسوخة ~~بآية السيف. # ولما كان ما بعد النفخة الثانية أعظمه وأهوله، أبدل منه قوله: {يوم ~~يخرجون} أي هؤلاء الذين يسألون عنه سؤال استهزاء ويستبعدونه، وقراءة أبي ~~بكر عن عاصم بالبناء للمفعول على طريقة كلام القادرين تدل على أنه مما هو ~~في غاية السهولة {من الأجداث} أي القبور التي صاروا بتغيبهم فيها تحت وقع # PageV20P419 # الحافر والخف، فهم بحيث لا يدفعون شيئا يفعل بهم بل هم كلحم في فم ماضغ، ~~فإن الجدث القبر والجدثة صوت الحافر والخف ومضغ اللحم {سراعا} أي نحو صوت ~~الداعي. # ولما كانت عادة الإنسان الإسراع إلى ما يقصده من الأعلام المنصوبة، ~~وعادتهم - هم بالخصوص - المبادرة إلى الأنصاب التي يبعدونها ما هي عليه من ~~الخساسة خفة منهم في العلوم وطيشا في الحلوم قال: {كأنهم إلى نصب} أي علم ~~منصوب مصدر بمعنى المفعول كما تقول: هذا نصب عيني وضرب الأمير - هذا على ~~قراءة الجماعة بالفتح، وعلى قراءة ابن عامر وحفص بالضم: إلى علم أو شيء ~~يعبدونه من دون الله على ما فيه من الداء القاتل والبلاء، أو حجر يذبحون ~~عليه، قال في الجمع بين العباب والمحكم: النصب والنصب والنصب: الداء ~~والبلاء: والنصب كل ما نصب فجعل علما، والنصب والنصب: العلم المنصوب، ~~والنصب والنصب: كل ما عبد من دون الله، والجمع أنصاب، والأنصاب ms5358 حجارة كانت ~~حول الكعبة تنصب فيهل عليها ويذبح عليها لغير الله، وانصاب الحرم: حدوده، ~~وقال أبو حيان: والنصب ما نصب # PageV20P420 # للإنسان فهو يقصده مسرعا إليه من علم أو بناء أو صنم، وغلب في الأصنام ~~حتى قيل: الأنصاب {يوفضون *} أي يعجلون عجلة من هو ذاهب إلى ما يسره حتى ~~كأنه يطرد إليه كما كانوا يسرعون إلى أنصابهم. # ولما كان إيفاضهم إلى الأنصاب على حال السرور، أخبر أن هذا على خلاف ذلك، ~~وأن ذكر النصب وتصوير حالة الإتيان إليه ما كان إلا تهكما بهم فقال: ~~{خاشعة} أي منكسرة متواضعة لما حل بها من الذل والصغار، وألحقها علامة ~~التأنيث زيادة في هذا المعنى ومبالغة فيه بقوله: {أبصارهم} . # ولما كان خشوعها دائما فعبر بالاسم، وكان ذلهم يتزايد في كل لحظة، عبر ~~بالفعل المضارع المفيد للتجدد والاستمرار فقال: {ترهقهم} أي تغشاهم فتعمهم، ~~وتحمل عليم فتكلفهم كل عسر وضيق على وجه الإسراع إليهم {ذلة} ضد ما كانوا ~~عليه في الدنيا لأن من تعزز في الدنيا على الحق ذل في الآخرة، ومن ذل للحق ~~في الدنيا عز في الآخرة. # PageV20P421 # ولما صوره بهذه الصورة أشار إلى أن هذا ما تدركه العقول من وصفه وأنه ~~أعظم من ذلك فقال: {ذلك} أي الأمر الذي هو في غاية ما يكون من علو الرتبة ~~في العظمة {اليوم الذي كانوا} أي في حال الدنيا على غاية ما يكون من المكنة ~~في الوعيد. # ولما كان الوعيد لا يتحقق إلا إذا كان من القادر، وإذا كان كذلك كان ~~مخيفا موجعا من غير ذكر من صدر عنه، بني للمفعول قوله: {يوعدون *} أي يجدد ~~لهم الإيعاد به في الدنيا في كل وقت لعلهم يتعظون فترق قلوبهم فيرجعون ~~عماهم فيه من الجبروت، وهذا هو زمان العذاب الذي سألوا عنه أول السورة، فقد ~~رجع كما ترى آخرها على أولها أي رجوع، وانضم مفصلها إلى موصلها انضمام ~~المفرد إلى المجموع - والله الهادي إلى الصواب. # سورة نوح # مقصودها الدلالة على تمام القدرة على ما أنذر به آخر " سأل " # PageV20P422 # من إهلاك المنذرين ms5359 وتبديل خير منهم، ومن القدرة على إيجاد يوم القيامة ~~الذي طال إنذارهم به وهم عنه معرضون وبه مكذبون وبه لا هون، وتسميتها بنوح ~~عليه السلام أدل ما فيها على ذلك، فإن أمره في إهلاك قومه بسبب تكذيبهم له ~~في قصته في هذه السورة مقرر ومسطور) بسم الله (الذي له الكمال كله من ~~الجلال والإكرام) الرحمن (الذي عم بما أفاضه من ظاهر الإنعام) الرحيم (الذي ~~خص أولياءه بلزوم الطاعة في الابتداء وإتمام النعمة في الختام. # PageV20P423 # ولما ختمت «سأل» بالإنذار للكفار، وكانوا عباد أوثان، بعذاب الدنيا ~~والآخرة، أتبعها أعظم عذاب كان في الدنيا في تكذيب الرسل بقصة ### | نوح # عليه السلام، وكان قومه عباد أوثان، وكانوا يستهزئون به وكانوا أشد تمردا ~~من قريش وأجلف وأقوى وأكثر، فلم ينفعهم شيء من ذلك عند نزول البلاء وبروك ~~النقمة عليهم وإتيان العذاب إليهم، وابتدأها بالإنذار تخويفا من عواقب ~~التكذيب به، فقال مؤكدا لأجل إنكاهرم أن يكون الرسول بشرا أو لتنزيلهم ~~منزلة المنكرين من حيث أقروا برسالته وطعنوا في رسالة غيره مع المساواة في ~~البشرية: # PageV20P423 # {إنا} أي بما لنا من العظمة الباهرة البالغة {أرسلنا نوحا} وهو أول رسول ~~أتى بعد اختلاف أولاد آدم عليه السلام في دين أبيهم الأقوم {إلى قومه} أي ~~الذين كانوا في غاية القوة على القيام بما يحاولونه وهم بصدد أن يجيبوه إلى ~~ما دعاهم إليه ويكرموه لما بينهم من القرب بالنسب واللسان، وكانوا جميع أهل ~~الأرض من الآدميين. # ولما بان مضى المرسل والرسول والمرسل إليهم، وكان الإرسال متضمنا معنى ~~القول، أخذ في تفسيره بيانا للمرسل به فقال: {أن أنذر} أي حذر تحذيرا بليغا ~~عظيما {قومك} من الاستمرار على الكفر. # ولما كان المقصود «إعلامهم بذلك» في بعض الأوقات لأن الإنسان لا بد له من ~~أوقات شغل بنفسه من نوم وأكل وغيره، أتى بالجار تخفيفا عليه ورفقا به عليه ~~السلام فقال: {من قبل أن يأتيهم} أي على ما هم عليه من الأعمال الخبيثة ~~{عذاب أليم *} . # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أمر الله تعالى ms5360 نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بالصبر على قومه في قوله: {فاصبر صبرا جميلا} [ # PageV20P424 # المعارج: 5] وجليل الإغضاء في قوله: {فذرهم يخوضوا ويلعبوا} [المعارج: ~~42] أتبع ذلك بقصة نوح عليه السلام وتكرر دعائه قومه إلى الإيمان، وخص من ~~خبره حاله في طول مدة التذكار والدعاء لأنه المقصود في الموضع تسلية لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم، وليتأسى به في الصبر والرفق والدعاء كما قيل له صلى ~~الله عليه وسلم في غير هذا الموضع {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا ~~تستعجل لهم} [الأحقاف: 35] {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] فقد دام ~~دعاء نوح عليه السلام مع قومه أدوم من مدتك، ومع ذلك فلم يزدهم إلا فرارا ~~{قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا وإني كلما ~~دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا ~~واستكبروا استكبارا} [نوح: 5- 7] ثم مضت آي السورة على هذا المنهج من تجديد ~~الإخبار بطول مكابدته عليه السلام وتكرير دعائه، فلم يزدهم ذلك إلا بعدا ~~وتصميما على كفرهم حتى أخذهم الله، وأجاب فيهم دعاء نبيه نوح عليه السلام # {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] وذلك ليأسه من ~~فلاحهم، وانجر في هذا حض نبينا صلى الله عليه وسلم على الصبر # PageV20P425 # على قومه والتحمل منهم كما صرح به في قوله تعالى: {خذ العفو وأمر ~~بالمعروف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] وكما قيل له قبل {فاصبر لحكم ~~ربك ولا تكن كصاحب الحوت} [القلم: 48] {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما ~~نثبت به فؤادك} [هود: 120] انتهى. # ولما أخبر عن رسالته ومضمونها بما أعلم من أن الفساد كان غالبا عليهم، ~~استأنف قوله بيانا لامتثاله: {قال} أي نوح عليه السلام: {يا قوم} فاستعطفهم ~~بتذكيرهم أنه أحدهم يهمه ما يهمهم. # ولما كان من طبع البشر إنكار ما لم يعلم إلا من عصم الله فجعله منقادا ~~للإيمان بالغيب، أكد قوله: {إني لكم نذير} أي مبالغ في النذارة {مبين *} أي ~~أمري بين في نفسه بحيث أنه صار من شدة وضوحه كأنه ms5361 مظهر لما يتضمنه، مناد ~~بذلك للقريب والبعيد والفطن والغبي. # ولما كان ترك ما أنذرهم بسببه من الكفر لا يغنيهم إلا أن آمنوا، وكان ~~الإيمان مخلصا عن عواقب الإنذار لأنه لا يصح إلا مع ترك جميع أنواع الكفر، ~~فسر الإنذار بقوله: {أن اعبدوا الله} أي الملك # PageV20P426 # الأعظم الذي له جميع الكمال، وذلك بأن تخلصوا التوجه إليه فإن غناه يمنع ~~من أن يقبل عبادة فيه شرك وهذا هو الإيمان {واتقوه} أي اجعلوا بينكم وبين ~~غضبه وقاية تمنعكم من عذابه بالانتهاء عن كل ما يكرهه، فلا تتحركوا حركة ~~ولا تسكنوا سكنة إلا في طاعته، وهذا هو العمل الواقي من كل سوء. # ولما كان لا سبيل إلى معرفة ما يرضي الملك ليلزم وما يسخطه ليترك إلا ~~منه، ولا وصول إلى ذلك إلا من خاصته، ولا خاصة مثل رسوله الذي ائتمنه على ~~سره قال: {وأطيعون *} أي لأعرفكم ما تقصر عنه عقولكم من صفات معبودكم ~~ودينكم ودنياكم ومعادكم، وأدلكم على اجتلاب آداب تهديكم، واجتناب شبهة ~~ترديكم، ففي طاعتي، فلا حكم يرضي الملك عنكم، وهذا هو الإسلام، فقد جمع هذا ~~الدعاء الإيمان والإسلام والعمل، وهي الأثافي التي تدور عليها أسباب ~~الفلاح. # ولما كان الإنسان محل النقصان، فلا ينفك عن ذنب فلا ينفعه إلا فناء ~~الكرم، أشار إلى ذلك مرغبا مستعطفا لهم لئلا ييأسوا فيهلكوا بقوله جوابا ~~للأمر: {يغفر لكم} أي كرما منه وإحسانا ولطفا. # ولما كان من الذنوب ما لا يتحتم غفرانه وهو ما بعد الإسلام # PageV20P427 # قال: {من ذنوبكم} أي ما تقدم الإيمان من الشرك والعصيان وما تأخر عن ~~الإيمان من الصغائر التي تفضل الله بالوعد بتكفيرها باجتناب الكبائر - هذا ~~مما أوجبه سبحانه على نفسه المقدس بالوعد الذي لا يبدل، وأما غيره مما عدا ~~الشرك فإلى مشيئته سبحانه. # ولما كان الإنسان، لما يغلب عليه من النسيان، والاشتغال بالآمال، يعرض عن ~~الموت إعراض الشاك فيه بل المكذب به ذكرهم ترهيبا لهم لطفا بهم ليستحضروا ~~أنهم في القبضة فينزعوا مما يغضبه سبحانه، فقال مشيرا إلى أن طول العمر في ms5362 ~~المعصية - وإن كان مع رغد العيش - عدم، مهددا بأنه قادر على الإهلاك في كل ~~حين: {ويؤخركم} أي تأخيرا ينفعكم، واعلم أن الأمور كلها قد قدرت وفرغ من ~~ضبطها لإحاطة العلم والقدرة فلا يزاد فيها ولا ينقص، ليعلم أن الإرسال إنما ~~هو مظهر لما في الكيان ولا يظن أنه قالب للأعيان بتغيير ما سبق به القضاء ~~من الطاعة أو العصيان فقال: {إلى أجل مسمى} أي قد سماه الله وعلمه قبل ~~إيجادكم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه، فيكون موتكم على العادة متفرقا وإلا ~~أخذكم جميعا بعذاب الاستئصال، فهذا من علم ما لا يكون لو كان كيف يكون، # PageV20P428 # وذلك أنه علم أنهم إن أطاعوا نوحا عليه السلام كان موتهم على العادة وإلا ~~هلكوا هلاك نفسه واحدة، وعلم أنهم لا يطيعونه، وأن موتهم إنما يكون بعذاب ~~الاستئصال. # ولما كان الإنسان مجبولا على الأطماع الفارغة، فكان ربما قال للتعنت أو ~~غيره: لم لا يخلدنا؟ قال فطما عن ذلك مؤكدا لاقتضاء المقام له: {إن أجل ~~الله} أي الذي له الكمال كله فلا راد لأمره {إذا جاء لا يؤخر} وأما قبل ~~مجيئه فربما يقع الدعاء والطاعات والبر في البركة فيه يمنع الشواغل وإطابة ~~الحياة، فبادروا مجيء الأجل بالإيمان لأنه إذا جاء لم يمكنكم التدارك، ولا ~~ينفعكم بعد العيان الإيمان. # ولما كان من يعلم هذا يقينا، ويعلم أنه إذا كشف له عند الغرغرة أحب أن ~~يؤخر ليتوب حين لا تأخير، أحسن العمل خوفا من فوات وقته وتحتم مقته، نبه ~~على ذلك بقوله: {لو كنتم تعلمون *} أي لو كان العلم أو تجدده وقتا ما في ~~غرائزكم لعلمتم تنبيه رسولكم صلى الله عليه وسلم أن الله يفعل ما يشاء، وأن ~~الأجل آت لا محالة فعملتم للنجاة، ولكنكم تعملون في الانهماك في الشهوات ~~عمل الشاك في الموت. # PageV20P429 # ولما كان صلى الله عليه وسلم أطول الأنبياء عمرا، وكان # PageV20P429 # قد طال نصحه لهم وبلاؤه بهم، نبه على ذلك بقوله مستأنفا: {قال} مناديا ~~لمن أرسله لأنه تحقق أن لا قريب منه غيره، وأسقط ms5363 أداة النداء كما هي عادة ~~أهل القرب فقال: {رب} ولما كانت العادة جارية بأن التكرار لا بد أن يؤثر ~~ولو قليلا، فكانت مخالفتهم لذلك مما هو أهل لأن يشك فيه، قال مؤكدا إظهارا ~~لتحسره وحرقته عليه الصلاة والسلام منهم في تماديهم في إصرارهم على على ~~التكذيب شكاية لحاله إلى الله تعالى واستنصارا به واستمطارا للتنبيه على ما ~~يفعل به بذله الجهد وتنبيها لمن يقص به عليهم هذا وإن كان المخاطب سبحانه ~~عالما بالسر وأخفى: {إني دعوت} أي أوقعت الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى ~~بالحكمة والموعظة الحسنة {قومي} أي الذين هم جديرون بإجابتي لمعرفتهم بي ~~وقربهم من وفيهم قوة المحاولة لما يريدون. # ولما كان قد عم جميع الأوقات بالدعاء قال: {ليلا ونهارا *} فعبر بهذا عن ~~المداومة. # ولما تسبب عن ذلك ضد المراد قال: {فلم يزدهم دعاءي} أي شيئا من أحوالهم ~~التي كانوا عليها {إلا فرارا *} أي بعدا عنك ونفورا وبغضا وإعراضا حتى ~~كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، وأسند # PageV20P430 # الزيادة إلى الدعاء لأنه سببها. # ولما كان الفرار مجازا عن رد كلامه، عطف عليه ما يبينه، فقال مؤكدا لأن ~~إعراضهم مع هذا الدعاء الطويل مما لا يكاد يصدق: {وإني كلما} على تكرار ~~الأوقات وتعاقب الساعات {دعوتهم} أي إلى الإقبال عليك بالإيمان بك والإخلاص ~~لك. # ولما كان إعراضهم عما ينفعهم أقبح، ذكر ما يتسبب عن الإجابة بالإيمان ~~فقال: {لتغفر لهم} أي ليؤمنوا فتمحو ما فرطوا فيه في حقك فأفرطوا لأجله في ~~التجاوز في الحدود محوا بالغا فلا يبقى لشيء من ذلك عينا ولا أثرا حتى لا ~~تعاقبهم عليه ولا تعاتبهم {جعلوا} أي في كل دعاء، ودل على مبالغتهم في ~~التصامم بالتعبير بالكل عن البعض فقال: {أصابعهم} كراهة له واحتقارا للداعي ~~{في آذانهم} حقيقة لئلا يسمعون الدعاء إشارة إلى أنا لا نريد أن نسمع ذلك ~~منك، فإن أبيت إلا الدعاء فإنا لا نسمع لسد أسماعنا، ودلوا على الإفراط في ~~كراهة الدعاء بما ترجم عنه قوله: {واستغشوا ثيابهم} أي أوجدوا التغطية ~~لرؤوسهم بثيابهم إيجاد من ms5364 هو طالب لذلك شديد الرغبة فيه حتى يجمعوا بين ما ~~يمنع السماع # PageV20P431 # لكلامه والنظر إليه إظهارا لكراهته وكراهة كلامه، وهكذا حال النصحاء مع ~~من ينصحونه دائما {وأصروا} أي داموا على سوء أعمالهم دواما هم في غاية ~~الإقبال عليه، من أصر الحمار على العانة - إذا صر أذنيه وأقبل عليها يطردها ~~ويكدمها، استعير للإقبال على المعاصي وملازمتها لأنه يكون بغاية الرغبة كأن ~~فاعله حمار وحش قد ثارت شهوته {واستكبروا} أي أوجدوا الكبر طالبين له ~~راغبين فيه، وأكد ذلك بقوله: {استكبارا *} تنبيها على أن فعلهم منابذ ~~للحكمة، فكان مما ينبغي أن لا يفعلوه فهو مما لا يكاد يصدق لذلك، وقد نادت ~~هذه الآيات بالتصريح في غير موضع بأنهم عصوا نوحا عليه الصلاة والسلام ~~وخالفوه مخالفة لا أقبح منها ظاهرا بتعطيل الأسماع والأبصار، وباطنا ~~بالإصرار والاستكبار ولم يوافقوه بقول ولا فعل، فلعنة الله عليهم وعلى من ~~يقول: إنهم وافقوه بالفعل، لأنه دعاهم للمغفرة وقد غطوا وجوههم، والتغطية ~~هي الغفر # PageV20P432 # ونحو ذلك من الخرافات التي لو سمعها أسخف عباد الحجارة الذين لا أسخف ~~منهم لهزؤوا بقائلها، وما قال هذا القائل ذلك إلا تحريفا لكتاب الله بنحو ~~تحريف الباطنية الذين أجمعت الأمة على تكفيرهم لذلك التحريف، ولعنة الله ~~على من يشك في كفر من يحرف هذا التحريف أو يتوقف في لعنه، وهم الاتحادية ~~الذين مرقوا من الدين في آخر الزمان، ومن أكابرهم الحلاج وابن عربي وابن ~~الفارض، وتبعهم على مثل الهذيان أسخف الناس عقولا # {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [الفرقان: 44] ولقد أخبرني الإمام ~~العلامة برهان الدين إبراهيم بن أبي شريف القدسي الشافعي الثبت النحرير عن ~~بعض من يتعصب لهم في هذا الزمان، وهو من أعيان المدرسين بالقاهرة، أنه قال ~~له: ما حملني على انتقادي لابن الفارض إلا أني رأيت كلام التائية له ~~متناقضا، فتارة يفهم منها الحلول وتارة الاتحاد، وهو عندي يحاشى عن ذلك، ~~فعلمت أن لهؤلاء القوم اصطلاحا نسبتنا منه نسبة التباين إذا سمعوا النحوي ~~يقول: الفاعل مرفوع، فإنهم يضحكون منه، ولو ms5365 فهمنا اصطلاحهم لم نعترض - هذا ~~معنى ما نقل عنه وهو ما لا يرضاه ذو مسكة، وهو شبيه بما نقل المسعودي في ~~أوائل مروج الذهب عن بعض من اتهم بعقل وعلم من النصارى في زمن أحمد بن # PageV20P433 # طولون، فاختبره فوجده في العلم كما وصف، فسأله عن سبب ثباته على ~~النصرانية مع علمه فقال: السبب تناقضها مع أنه دان بها ملوك متكبرون وعلماء ~~متبحرون ورهبان عن الدنيا معرضون ومدبرون، فعلمت أنه ما جمع هؤلاء الأصناف ~~على الدينونة بها مع تناقضها إلا أمر عظيم اضطرهم لذلك، فدنت بها، فقال له: ~~اذهب في لعنة الله فلقد ضيعت كل عقل وصفت، ولقد والله صدق في الأمر العظيم ~~الذي حملهم على ذلك، وهو القضاء والقدرة الذي حمل كل أحد منهم على إلقاء ~~نفسه في نار جهنم باختياره بل برغبته في ذلك ومقاتلة من يصده عن ذلك، وذلك ~~أدل دليل على تمام علم الله وقدرته وأنه واحد لا شريك له ولا معقب لحكمه، ~~وفي هذا تصديق قوله النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم ~~شبرا بشبر وذراعا بذراع» وهم أهل الكتاب، وقد أشبعت القول في هذا في كتابي ~~«القارض في تكفير ابن الفارض» الذي بينت فيه عوارهم، وأظهرت عارهم، وكذا ~~كتابي «صواب الجواب للسائل المرتاب» و «تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض» ~~ولم أبق على شيء من ذلك # PageV20P434 # شيئا من لبس - ولله الحمد. # PageV20P435 # ولما ذكر دعاءه في جميع الأوقات مع إعراضهم، وكان هذا مؤيسا وموجبا ~~للإقلاع عن الدعاء، وإن وجد الدعاء بعده في غاية البعد منه على إيجاده مع ~~الاستغراق به لجميع الحالات كما استغرق جميع الأوقات، فعبر بأداة التراخي ~~للدلالة على تباعد الأحوال فقال: {ثم} وأكد لنحو ما مضى من أن تجرد إقبالهم ~~على دعائهم بعد ذلك لا يكاد يصدق فضلا عن الإكثار منه فقال: {إني دعوتهم} ~~أي إلى الإيمان ومنابذة الشيطان. # ولما كان الجهر أحد نوعي الدعاء، نصبه به نصب المصدر فقال: {جهارا *} أي ~~مكاشفة في فخامة الصوت والتعميم لجماعتهم جليلهم وحقيرهم ms5366 والإخلاص في ذلك ~~والمداومة له حتى كاد بصري يكل من شدة التحديث إليهم والإقبال عليهم من غير ~~احتجاب عنهم ولا ارتقاب منهم بل مباغتة، وكررت ذلك عليهم حتى أخرجت ما ~~عندهم من الجواب، ولم أكف عند سد آذانهم واستغشائهم ثيابهم. # ولما كان الجهر قد لا يشيع ولا ينشر في جماعاتهم، قال مشيرا إلى أنه أذاع ~~ذلك، وأكد للإشارة إلى ما فيه من الشدة فقال: {ثم إني أعلنت} أي أظهرت ~~وأشعت وشهرت ليعلموا أنه الحق # PageV20P435 # من ربهم لكوني لست مستحييا منه ولا مستهجنا له {لهم} أي خصصتهم بذلك، لم ~~يكن فيه حظ نفس بوجه فإني كررت ذلك عليهم بعد أن سقط الوجوب عني، ولما قدم ~~الجهر لأنه أقرب إلى عدم الاتهام، وكان السر أجدر بمعرفة الضمائر وأقرب إلى ~~الاستمالة، أتبعه به فقال: {وأسررت لهم} أي دعوت كل واحد منهم على انفراده ~~ليكون أدعى له وأجدر بقبوله النصيحة، وأدل على الإخلاص، وكل ذلك ما فعلته ~~إلا لأجل نصيحتهم، لا حظ لي أنا في ذلك، ولما كان تحين الإنسان ليكون وحده ~~ليس عنده أحد ولا هو مشتغل بصارف مما يعسر جدا فلا يكاد يصدق أكده فقال: ~~{إسرارا *} وليدل بتأكيده على تأكيد ما قبله من الأفعال، والظاهر من حاله ~~ومن هذا الترتيب مما صرح به من الاجتهاد أنه سار فيه على مقتضى الحكمة، ~~فدعا أولا أقرب الناس إليه وأشدهم به إلفا، ثم انتقل إلى من بعدهم حتى عمهم ~~الدعاء، وكانت هذه الدعوة سرا كل واحد منهم على حدته ليعلموا نصحه ولا يحمل ~~أحد منهم ذلك على تبكيت ولا تقريع، جهر ليعلموا أنه ملجأ من الله # PageV20P436 # إلى ذلك، وأنها عزمة إن قصروا فيها عن الأجابة عوقبوا، فلما أصروا جمع ~~بين السر والعلن، فلما تمادوا وطال الأذى شكى، وعلى هذا فثم لبعد الرتب لا ~~للترتيب في الزمان، ويمكن كونها للترتيب لأن الجهر أبعد عن الاتهام ثم ~~الإعلان بعده أزيد بعدا. # ولما أخبر بأنه بالغ في الدعوة إلى حد لا مزيد عليه، فلم يدع من الأوقات ~~ولا ms5367 من الأحوال شيئا، سبب عنه بيان ما قال في دعوته وهو التسبب في السعادة ~~كلها بدفع المضار وجلب المسار، فقال مقدما لطلب الغفران بالتوبة عن الكفر ~~ليظهروا فيكونوا قابلين للتحلية بالمحاسن الدينية بعد التخلية عن الأخلاق ~~الدنية: {فقلت} أي في دعائي لهم: {استغفروا ربكم} أي اطلبوا من المحسن ~~إليكم، المبدع لكم، المدبر لأموركم، أن يمحو ذنوبكم أعيانها وآثارها، ~~بالرجوع عن عبادة غيره إلى الإخلاص في عبادته. # ولما ذكر أنه استعطفهم أولا ببيان أن رجوعهم ممكن، لئلا يقولوا: إنا قد ~~بالغنا في المعاصي فلا نقبل، وأعلمهم أن الاستغفار باب الدخول إلى طاعة ~~الجبار، أكد ذلك الاستعطاف بقوله معللا للأمر ولجوابه بنحو: يغفر لكم، ~~مؤكدا لأجل توقفهم: {إنه كان} أي أزلا وأبدا ودائما سرمدا {غفارا *} أي ~~متصفا بصفة # PageV20P437 # الستر على من رجع إليه على أبلغ الوجوه وأعلاها، وإذا وقع الغفران دفع ~~المضار كلها. # ولما قرر أمر التوبة وبين قبولها وقدمه اهتماما به لأنه أصل ما يبتنى ~~عليه، ولأن التخلي قبل التحلي، ودرء المفاسد قبل جلب المصالح والفوائد، رغب ~~فيها بما يكون عنها من الزيادة في الإحسان على أصل القبول، وينشأ عن ~~الاستغفار من الآثار الكبار من الأفضال بجلب المسار بما هو مثال للجنة التي ~~كان سبب الإخراج منها النسيان لأنهم أحب شيء في الأرباح الحاضرة والفوائد ~~العاجلة لا سيما بما يبهج النفوس ويشرح الصدور لإذهابه البؤس، فقال مجيبا ~~لفعل الأمر: {يرسل السماء} أي المظلة الخضراء أو السحاب أو المطر {عليكم} ~~أي بالمطر وأنواع البركات {مدرارا *} أي حال كونها كثيرة الدورة متكررته، ~~وهذا البناء يستوي فيه المذكر والمؤنث {ويمددكم} أظهر لأن الموضع لإرادة ~~المبالغة والبسط والسعة {بأموال وبنين} وذلك يفهم أن من اكثر الاستغفار ~~حباه الله ما يسره، وحماه ما يضره {ويجعل لكم} أي في الدارين {جنات} أي ~~بساتين عظيمة، وأعاد العامل للتأكيد والبسط لأن المقام له فقال: {ويجعل لكم ~~أنهارا *} يخصكم بذلك عمن لم يفعل ذلك، فإن من # PageV20P438 # لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، روى ms5368 أن عمر ~~رضي الله عنه استسقى فلم يزد على الاستغفار فلما نزل قيل: يا أمير ~~المؤمنين! ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي ~~بها يستنزل القطر، ثم قرأ هذه الآية، وقال القشيري: من وقعت له إلى الله ~~حاجة فلن يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار، وقال: إن عمل قوم نوح كان ~~بضد ذلك، كلما ازداد نوح في الضمان ووجوه الخير والإحسان ازدادوا في الكفر ~~والنسيان. # ولما كان من رجا ملكا عمل بما يرضيه. ومن خافة تجنب ما يسخطه، نبههم على ~~ذلك بالإشارة إلى الجلال الموجب للتوقير والجمال بالإحسان إلى الخلق، مصرحا ~~لهم بالترغيب ملوحا إلى الترهيب، فقال مستأنفا في جواب من يقول منهم: هل ~~بقي شيء من قولك؟ : {ما} أي أي شيء يحصل {لكم} حال كونكم {لا ترجون} أي ~~تكونون في وقت من الأوقات على حال تؤملون بها، وبين فاعل الوقار ومبدعه ~~بتقديمه، فإنه لو أخره لكان ل «وقارا» فقال: {لله} أي الملك الذي له الأمر ~~كله {وقارا *} أي ثوابا يوقركم فيه ولو قل، فإن قليله أكثر من كثير غيره، ~~ولا تخافون له إهانة بالعقاب بأن تعلموا أنه لا بد من أن يحاسبكم بعد البعث ~~فيثيب الطائع ويعاقب العاصي، # PageV20P439 # كما هي عادة كل أحد مع من تحت يده، فتوقروا رسله بتصديقهم فتؤمنوا ~~وتعملوا، فإن من أراد من أحد أنه يوقره وقره وعظمه ليجازيه على ذلك، فإن ~~الجزاء من جنس العمل، وذلك إنما يكون بمعرفة الله بما له من الجلال ~~والجمال، والخلق إنما تفاضلوا بالمعرفة بالله، لا بالأعمال، إنما سبق أبو ~~بكر رضي الله عنه الناس بشيء وقر في صدره، فإن بالمعرفة تزكو الأعمال وتصلح ~~الأقوال، وإنما يصح تعظيمه سبحانه بأن لا ترى لك عليه حقا، ولا تنازع له ~~اختيارا، وتعظم أمره ونهيه، بعدم المعارضة بترخيص جاف أو تشديد غال أو حمل ~~على توهم الانقياد، وتعظم حكمه بأن لا تبغي له عوجا ولا تدافعه بعلم، ولا ~~ينبغي له غرض وعلة، ولأجل أن المطلوب تحصيل الأعمال التي هي أسباب ms5369 ظاهرية، ~~عبر بالرجاء ليسرهم بأن أعمالهم مؤثرة، وعبر بالطمع في غير هذه الآية ~~تنبيها على أنه لا سبب في الحقيقة إلا رحمة الله لحال دعاء إلى ذلك. # PageV20P440 # ولما كان هذا إشارة إلى الاستدلال على البعث بما يعلمونه من أنفسهم صرح ~~بعد ما لوح، فقال آتيا بحرف التوقع لأنه مقامه: {وقد} أي والحال أنه قد ~~أحسن إليكم مرة بعد مرة بما لا يقدر عليه غيره، فدل ذلك على تمام قدرته، ثم ~~لم يقطع إحسانه عنكم فاستحق أن تؤمنوا # PageV20P440 # به لأنه {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60] ورجاء لدوام إحسانه ~~وخوفا من قطعه لأنه {خلقكم} أي أوجدكم من العدم مقدرين {أطوارا *} أي تارات ~~عناصر أولا ثم مركبات تغذي الحيوان ثم أخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم ~~عظاما ولحوما وأعصابا ودماء، ثم خلقا آخر تاما ناطقا ذكرانا وإناثا طوالا ~~وقصارا بيضا وسودا وبين ذلك - إلى غير ذلك من الأمور الدالة على قدرته على ~~كل مقدور، ومن قدر على هذا الابتداء كان على الإعادة أعظم قدرة، وقد ثبتت ~~حكمته وأنه لم يخلق الخلق الخلق سدى بما بان من هذا التطوير على هذه ~~الهيئات العجيبة التي لا قدرة لغيره عليها بوجه، وهم يتهارجون في هذه الدار ~~تهارج الحمر، ويموت المظلوم على حاله، والظالم يبلغ آماله، فلا بد أن ~~يعيدهم ليفصل بينهم فيظهر حكمته وعدله وإكرامه وفضله، ولو ترك ذلك لكان ~~نقصا في ملكه، ومن قدر على ذلك كان قادرا على الجزاء بالثواب والعقاب، فهو ~~أهل لأن يخشى ويرجى. # ولما كان هذا واضحا ولكنهم قوم لد، لا يردهم إلا الشمس المنيرة في وقت ~~الظهيرة، ذكرهم - بعد التذكير بما في أنفسهم - بما هو أكبر من ذلك من آيات ~~الآفاق وقسمها إلى علوي وسفلي، وبدأ # PageV20P441 # بالأنفس لأنها مع شرفها أقرب منظور إليه لهم، وثنى بالعلوي لأنه يليها في ~~الشرف ووضوح الآيات، فقال: دالا على القدرة على البعث والجزاء بالثواب ~~والعقاب: {ألم تروا} أي أيها القوم. # ولما كان تأمل الكيفيات يحتاج إلى دقة وتوقف على عجائب ولطائف ms5370 تؤذن قطعا ~~بأن فاعلها لا يعجزه شيء، وقال منكرا عليهم عدم التأمل: {كيف خلق الله} أي ~~الذي له العلم التام والقدرة البالغة والعظمة الكاملة {سبع سماوات} هي في ~~غاية العلو والسعة والإحكام والزينة، يعرف كونها سبعا بما فيها من الزينة. # ولما كانت المطابقة بين المتقابلات في غاية الصعوبة لا يكاد يقدر عليها ~~من جميع الوجوه أحد، قال: {طباقا *} أي متطابقة بعضها فوق بعض وكل واحدة في ~~التي تليها محيطة بها «ما لها من فروج» لا يكون تمام المطابقة إلا كذلك ~~بالإحاطة من كل جانب. # ولما كان المحيط لا يتوصل إلى داخله إلى محيط العلم والقدرة، قال دالا ~~على كمال قدرته وتصرفه معبرا بالجعل الذي يكون عن تصيير وتسبيب: {وجعل ~~القمر} أي الذي ترونه وهو في السماء الدنيا، وبدأ به لقربه وسرعة حركته ~~وقطعه جميع البروج في كل شهر مرة وغيبته في ليالي السرار ثم ظهوره، وذلك ~~أعجب في القدرة. # PageV20P442 # ولما كانت السماء شفافات قال: {فيهن} أي السماوات جميعهن {نورا} أي لامعا ~~منتشرا كاشفا للمرئيات، أحد وجهيه يضيء لأهل الأرض والثاني لأهل السماوات، ~~ولما كان نوره مستفادا من نور الشمس قال: {وجعل} معظما لها بإعادة العامل ~~{الشمس} أي في السماء الرابعة {سراجا *} أي نورا عظيما كاشفا لظلمه الليل ~~عن وجه الأرض وهي في السماء الرابعة، وروى ابن مردويه وعبد الرزاق والطبري ~~عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم: «إن الشمس والقمر وجوههما ~~مما يلي السماء، وأقفيتهما إلى الأرض» ؛ وروى الحاكم منه ذكر القمر وجعلهما ~~سبحانه آية على رؤية عباده المحسنين له في الجنة فإنه يرى كل أحد كلا من ~~مكانه مخليا به، وكذلك يرونه سبحانه عيانا جهارا كما رأوه في الدنيا ~~بالإيمان نظرا واعتبارا، ولما دل على كمال علمه وتمام قدرته بخلق الإنسان ~~ثم بخلق ما هو أكبر منه أعاد الدلالة بخلق الإنسان لأنه أعظم المحدثات ~~وأدلها على الله سبحانه وتعالى على وجه آخر مبين لبعض ما أشار إليه الأول ~~من التفصيل # PageV20P443 # مصرحا بالبعث فقال مستعيرا الإنبات للإنشاء: ms5371 {والله} أي الملك الأعظم ~~الذي له الأمر كله {أنبتكم} أي بخلق أبيكم آدم عليه الصلاة والسلام {من ~~الأرض} أي كما ينبت الزرع، وعبر بذلك تذكيرا لنا لما كان من خلق أبينا آدم ~~عليه الصلاة والسلام لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض، وأشار إلى أنه ~~جعل غذءانا من الأرض التي خلقنا منها، وبذلك الغذاء نمونا. # ولما كان إنكارهم للبعث كأنه إنكار للابتداء أكده بالمصدر وأجراه على غير ~~فعله بتجريده من الزيادة، إشارة إلى هوانه عليه سبحانه وتعالى وسهولته مع ~~أنه إبداع وابتداء واختراع فقال: {نباتا *} ومع ذلك فالآية صالحة للاحتباك: ~~ذكر «أنبت» أولا دال على حذف مصدره ثانيا، وذكر «النبات» ثانيا دال على حذف ~~فعله أولا، ليكون التقدير: أنبتكم إنباتا فنبتم نباتا. # ولما كان في الموت أيضا دليل على تمام العلم والقدرة غير أنه ليس كدلالة ~~الابتداء بالابتداع، وكان مسلما ليس فيه نزاع، ذكره من غير تأكيد بالمصدر ~~فقال دالا على البعث والنشور: {ثم يعيدكم} على التدريج {فيها} أي الأرض ~~بالموت والإقبار وإن طالت # PageV20P444 # الآجال {ويخرجكم} أي فيها بالإعادة، وأكد بالمصدر الجاري على الفعل إشارة ~~إلى شدة العناية به وتحتيم وقوعه لإنكارهم له فقل: {إخراجا *} أي غريبا ليس ~~هو كما تعلمون بل تكونون به في غاية ما يكون من الحياة الباقية، تلابس ~~أرواحكم بها أجسامكم ملابسة لا انفكاك بعدها لأحدهما عن الآخر. # ولما كان النابت من الشيء لا يتصرف في ذلك الشيء، دل على كمال قدرته بخرق ~~تلك العادة لهم على وجه الإنعام عليهم، فقال مظهرا للاسم الشريف مرة بعد ~~أخرى تعظيما للأدلة لئلا تقيد القدرة بما يقترن به الاسم دالا بالعالم ~~السفلي بعد الإرشاد بالعلوي وآخر السفلي لأن آياته على ظهورها خفيت بكثرة ~~الإلف لها: {والله} أي المستجمع لجميع الجلال والإكرام {جعل لكم} أي نعمة ~~عليكم اهتماما بأمركم {الأرض بساطا *} أي سهل عليكم التصرف فيها والتقلب ~~عليها سهولة التصرف في البساط، ثم علل ذلك فقال: {لتسلكوا} أي منجدين ~~{منها} أي الأرض مجددين لذلك {سبلا} أي طرقا واضحة مسلوكة بكثرة ms5372 {فجاجا *} ~~أي ذوات اتساع # PageV20P445 # لتتوصلوا إلى البلاد الشاسعة برا وبحرا، فيعم الانتفاع بجميع البقاع، ~~فالذي قدر على إحداثكم وأقدركم على التصرف في أصلكم مع ضعفكم قادر على ~~إخراجكم من أجداثكم التي لم تزل طوع أمره ومحل عظمته وقهره. # ولما كانوا جادلوه عليه الصلاة والسلام بعد هذا البيان الذي لا يشك في ~~دلالته على المراد من تحقق لصفاء الإيقان، فأكثروا الجدال ونسبوه إلى ~~الضلال وعصوه أقبح العصيان وقابلوه بأشنع الأقوال والأفعال، طوى ذلك مشيرا ~~إليه بقوله مستأنفا: {قال نوح} أي بعد رفقه بهم ولينه لهم شاكيا منهم: {رب} ~~أي أيها المحسن إلي المدبر لي المتولي لجميع أموري. # ولما كان الضعفاء أكثر الناس بحيث إذا اجتمعوا دل الرؤوس الأقوياء ~~بالأموال والأولاد وكانوا كأنهم الكل، فقال مؤكدا لأن عصيانهم له بعد ذلك ~~مما يبعد وقوعه: {إنهم} أي قومي الذين دعوتهم إليك مع صبري عليهم ألف سنة ~~إلا خمسين عاما {عصوني} أي فيما أمرتهم به ودعوتهم إليه فأبوا أن يجيبوا ~~دعوتي وشردوا عني أشد شراد وخالفوني أقبح مخالفة {واتبعوا} أي بغاية جهدهم ~~نظرا # PageV20P446 # إلى المظنون العاجل بعد ترك المحقق عاجلا وآجلا {من} أي من رؤسائهم ~~البطرين بأموالهم المغترين بولدانهم، وفسرهم بقوله: {لم يزده} أي شيئا من ~~الأشياء. # ولما كان المال يكون للإنسان الولد، وكان ينبغي أن يشكر الله الذي آتاه ~~إياه ليكون له خيرا في الدارين وكذا الولد قال: {ماله} أي بكثرته {وولده} ~~كذلك، وهو الجنس في قراءة التحريك - وكذا في قراءة ابن كثير والبصريين ~~وحمزة والكسائي بالضم والسكون على أنه لغة في المفرد كالحزن والحزن والرشد ~~والرشد، أو يكون على هذه جمعا كالأسد والأسد، ويكون اختيار أبي عمرو لهذه ~~القراءة في هذا الحرف وحده للإشارة بجمع الكثرة المبني على الضمة التي هي ~~أشد الحركات إلى أنهم - وإن زادت كثرتهم وعظمت قوتهم - لا يزيدونهم شيئا ~~{إلا خسارا *} بالبعد عن الله والعمى عن محجة الطريق، فإن البسط لهم في ~~الدنيا بذلك كان سببا لطغيانهم وبطرهم واتباعهم لأهوائهم حتى كفروا ~~واستغووا غيرهم # PageV20P447 # فغلبوا عليهم فكانوا سببا ms5373 في شقائهم وخسارتهم بخسارتهم، وكان عندهم أنها ~~زادتهم رفعة، وفي السياق دليل على أنهم ما حصلت لهم الوجاهة إلا بها. # PageV20P448 # ولما كانت كثرة الرؤساء قوة أخرى إلى قوتهم بمتاع الدنيا، وكان التقدير: ~~فأمرتهم بالإيمان فأبوا وأمروهم بالكفر فانقادوا لهم، عطف عليه مبينا ~~لكثرتهم بضمير الجمع العائد على «من» عاطفا على «لم يزده» المفردة الضمير ~~للفظ جامعا له للمعنى لتجمع العبارة الحكم على المفرد والجمع، فيكون أدل ~~شيء على المراد منها فقال: {ومكروا} أي هؤلاء الرؤساء في تنفير الناس عني - ~~وأكد الفعل بالمصدر دلالة على قوته فقال: {مكرا} وزاده تأكيدا بصيغة هي ~~النهاية في المبالغة فقال: {كبارا *} فإنه أبلغ من كبار المخفف الأبلغ من ~~كبير، فلم يدعوا أحدا منهم بذلك المكر يتبعني {وقالوا} أي لهم في أداني ~~المكر الذي حصل منهم. # ولما كان دعاء الرسل عليهم الصلاة والسلام جديرا بالقبول # PageV20P448 # لما لهم من الجلالة والحلاوة والبيان والرونق والظهور في الفلاح، أكدوا ~~قولهم: {لا تذرن آلهتكم} أي لا تتركنها على حالة من الحالات لا قبيحة ولا ~~حسنة، وأضافوها إليهم تحسبا فيها، ثم خصوا بالتسمية زيادة في الحث وتصريحا ~~بالمقصود فقالوا مكررين النهي والعامل تأكيدا: {ولا تذرن} ولعلهم كانوا ~~يوافقون العرب في أن الود هو الحب الكثير، فناسب المقام بذاتهم بقوله: ~~{ودا} وأعادوا النافي تأكيدا فقالوا: {ولا سواعا *} وأكدوا هذا التأكيد ~~وأبلغوا فيه فقالوا: {ولا يغوث} ولما بلغ التأكيد نهاية وعلم أن المقصود ~~النهي عن كل فرد فرد لا عن المجموع بقيد الجمع أعروا فقالوا: {ويعوق ونسرا ~~*} معرى عن التأكيد للعلم بإرادته، وكان هؤلاء ناسا صالحين، فلما ماتوا حزن ~~عليهم الناس ثم زين لهم إبليس تصويرهم تشويقا إلى العمل بطرائقهم الحسنة ~~فصوروهم، فلما تمادى الزمان زين لهم عبادتهم لتحصيل المنافع الدنيوية ~~ببركاتهم ثم نسي القوم الصالحون، وجعلوا أصناما آلهة من دون الله، وكانت ~~عبادة هؤلاء أول عبادة الأوثان فأرسل الله سبحانه وتعالى نوحا عليه الصلاة ~~والسلام # PageV20P449 # للنهي عن ذلك إلى أن كان من أمره وأمر قومه ما هو معلوم، ثم أخرج إبليس ~~هذه ms5374 الأصنام بعد الطوفان فوصل شرها إلى العرب، فكان ود لكلب بدومة الجندل ~~وسواع لهذيل ويغوث لمذحج ويعوق لمراد ونسر لحمير لآل ذي الكلاع، وقيل غير ~~ذلك - والله أعلم قال البغوي: سواع لهذيل ويغوث لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف ~~عن سبأ ويعوق لهمذان. قال أبو حيان: قال أبو عثمان النهدي: رأيت يغوث وكان ~~من رصاص يحمل على جمل أجرد، يسيرون معه لا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك، ~~فإذا برك نزلوا وقالوا: قد رضي لكم المنزل، فينزلون حوله ويضربون عليه ~~بناء، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب وصول شر تلك الأوثان إلى ~~العرب أنها دفنها الطوفان ثم أخرجها الشيطان لمشركي العرب، وكانت للعرب ~~أصنام أخر فاللات لثقيف، والعزى # PageV20P450 # لسليم وغطفان وجشيم، ومنات بديد لهذيل، وإساف ونايلة وهبل لأهل مكة، وكان ~~إساف حيال الحجر الأسود، ونايلة حيال الركن اليماني، وكان هبل في جوف ~~الكعبة - انتهى، وقال الواقدي: ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ~~ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر - انتهى. # ولا يعارض هذا أنهم صور لناس صالحين لأن تصويرهم لهم يمكن أن يكون منتزعا ~~من معانيهم، فكأن ودا كان أكملهم في الرجولية، وكانت سواع امرأة كاملة في ~~العبادة، وكان يغوث شجاعا، ويعوق كان سباقا قويا، وكان نسر عظيما طويل ~~العمر - والله تعالى أعلم. # ولما ذكر مكرهم وما أظهروا من قولهم، عطف عليه ما توقع السامع من أمره ~~فقال: {وقد أضلوا} أي الأصنام وعابدوها بهذه العبادة {كثيرا} من عبادك ~~الذين خلقتهم على الفطرة السليمة من أهل زمانهم وممن أتى بعدهم فإنهم أول ~~من سن هذه السنة السيئة فعليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. # ولما كان التقدير: فلا تزد الظالمين إلا خسارا، عطف عليه قوله مظهرا في ~~موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف: # PageV20P451 # {ولا تزد الظالمين} أي الراسخين في الوصف الموجب لأن تكون آثار المتصف به ~~كآثار الماشي في في الظلام في وقوعها مختلة، شيئا من الأشياء التي هي فيهم ms5375 ~~{إلا ضلالا *} أي طبعا على عقولهم وقلوبهم حتى يعموا عن الحق وعن جميع ~~مقاصدهم الفاسدة الضالة الراسخة في الضلال فلا يكون منها شيء على وجه يكون ~~فيه شيء من سداد، وكان هذا بعد أن أعلمه الله سبحانه وتعالى أنه لن يؤمن ~~منهم إلا من قد آمن، والكلام عليه على كل حال كالكلام على دعاء موسى هارون ~~عليهما وعلى محمد أفضل الصلاة والسلام في الشد على قلوب فرعون وملئة لئلا ~~يؤمنوا في حال ينفعهم فيه كما مضى في سورة يونس عليه السلام، وقد بالغ ابن ~~عربي في المروق من الدين فقال في فصوصة: إن هذا الدعاء حسن في حقهم، وقال: ~~إن الضلال أهدى من الهدى، وإن الضال أحسن حالا من المهتدي، لأن الضال لا ~~يزال قريبا من القطب المقصود دائرا حوله، والمهتدي صاحب طريقة مستطيلة، فهو ~~يبعد عن المقصود، فأبان أن الله تعالى لم يخلق خلقا أسفه منه إلا من اتبعه ~~عليه وعلى من ينحو نحوه من الضلال الذي لا يرضاه عاقل من عباد الأصنام ~~الذين لا أسفه منهم ولا غيره، فعليهم أشد الخزي واللعنة. # PageV20P452 # ولما فرغ من أمرهم في ضلالهم، ودعا رسولهم صلى الله عليه وسلم، فلم يبق ~~إلا إهلاكهم. وكان من مفهومات الضلال المحق وإذهاب العين كما يضل الماء في ~~اللبن، قال مبينا، إجابته لدعائه ذاكرا الجهة التي أهلكوا بسببها: وأكد ب ~~«ما» النافية في الصورة لضد مضمون الكلام لاعتقاد الكفار أن الإنجاء ~~والإهلاك عادة الدهر: {مما} . # ولما كان الكافر قد أخطأ ثلاث مرات: يكفره في الإيمان بالطاغوت، وتكذيب ~~ربه، وتكذيب رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك كافيا في استحقاقه للأخذ ~~قال: {خطيئاتهم} جامعا له جمع السلامة - في قراءة الجماعة، وأفهمت قراءة ~~أبي عمرو بجمع التكسير أن لهم مع هذه الأمهات الكافية في الأخذ من الذنوب ~~ما يفوت الحصر يوجب تغليظ ذلك الأخذ، فهي مشيرة إلى أنه ينبغي الاحتراز من ~~كل الذنب. # ولما كان الموجع إغراقهم لا كونه من معين، قال مخبرا عما فعل بهم في ~~الدنيا: {أغرقوا} ms5376 أي بالطوفان بانيا له للمفعول لذلك وللإعلام بأنه في غاية ~~السهولة على الفاعل المختار الواحد القهار، فطاف الماء عليهم جميع الأرض ~~السهل والجبل، فلم يبق منهم أحدا، وكذا الكلام فيما تسبب عنه وتعقبه من ~~قوله: {فأدخلوا} أي بقهر القهار # PageV20P453 # في الآخرة التي أولها البرزخ يعرضون فيه على النار بكرة وعشيا {نارا *} ~~أي عظيمة جدا أخفها ما يكون من مبادئها في البرزخ، قال الشيخ ولي الدين ~~الملوي: فعذبوا في الدنيا بالغرق، وفي الآخرة بالحرق، والإياس من الرحمة، ~~وأي عذاب أشد من ذلك، وقال الضحاك: في حالة واحدة كانوا يغرقون في الماء من ~~جانب ويحترقون في الماء من جانب آخر بقدرة الله سبحانه وتعالى، وفيها دلالة ~~على قول غيره على عذاب القبر. # ولما كانوا قد استندوا إلى آلهتهم لتنصرهم من أخذ الله تعالى، قال مسببا ~~عن هذا الإغراق والإدخال من الرحمة ليكون ذلك أشد في العذاب، فإن الإنسان - ~~كما قال الملوي: - إذا كان في العذاب ويرجو الخلاص يهون عليه الأمر بخلاف ~~ما إذا يئس من الخلاص، معلما بأن آلهتهم عاجزة فإنهم لم تغن عنهم شيئا، ~~توبيخا لمن يعبد مثلها: {فلم يجدوا} وحقق الأمر فيهم بقوله: {لهم} أي عندما ~~أناخ الله بهم سطوته وأحل بهم نقمته. # ولما كانت الرتب كلها دون رتبته تعالى، وكان ليس لأحد أن يستغرق جميع ما ~~تحت رتبته سبحانه من المراتب، قال مثبتا الجار: # PageV20P454 # {من دون الله} أي الملك الأعظم الذي تتضاءل المراتب تحت رتبة عظمته وتذل ~~لعزه وجليل سطوته {أنصارا *} ينصرونهم على من أراد بهم ذلك ليمنعوه مما فعل ~~بهم أو يقتصوا منه لهم بما شهد به شاهد الوجود الذي هو أعدل الشهود من أنه ~~تم ما أراده سبحانه وتعالى من إغراقهم من غير أن يتخلف منهم أحد على كثرتهم ~~وقوتهم لكونهم أعداءه وإنجاء نبيه نوح عليه الصلاة والسلام ومن معه رضوان ~~الله وسلامه عليهم أجمعين على ضعفهم وقلتهم لم يقعد منهم أحد لكونهم ~~أولياءه، فكما لم يهلك ممن أراد إنجاءه أحد فكذلك لم يسلم منهم، فمن قال ms5377 عن ~~عوج ما يقوله القصاص فهو أيضا ضال أشد ضلال، فلعنة الله على من يقول: إن ~~الله تعالى كان غير ناصرهم، مع هذه الدلالات التي هي نص في أنه عدوهم، وأن ~~نصرهم إنما يكون على نبيه نوح عليه الصلاة والسلام، واعتقاد ذلك أو شيء منه ~~كفر ظاهر لا محيد عنه بوجه، وقائل ذلك هو ابن عربي صاحب # PageV20P455 # الفصوص الذي لم يرد بتصنيفه إلا هدم الشريعة المطهرة، ونظمه أيا ابن ~~الفارض في تائيته التي سماها بنظم السلوك، فلعنة الله عليه وعلى من تبعه أو ~~شك في كفره أو توقف في لعنه بعد ما نصب من الضلال الذي سعر به البلاد، ~~وأردى كثيرا من العباد. # ولما أتم الخبر عن إغراقهم، وقدمه للاهتمام بتعظيم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في إجابة دعوته تحذيرا للعرب أن يخرجوا رسولهم صلى الله عليه وسلم ~~فيخرجوه إلى مثل ذلك، عطف على قول نوح عليه السلام من أوله قوله عندما ~~أخبره تعالى أنهم مغرقون وأنه لا يؤمن منهم إلا من قد آمن بعدما طال بلاؤه ~~بهم حتى أن كان الرجل ليأتي بابنه إليه فيقول له: احذر هذا أن يضلك، وإن ~~أبي حذر به، وكانت صيغة العموم ليست بنص في أفرادها أبدا، استنجازا لوعده ~~وتصريحا بمراده: {وقال نوح} وأسقط الأداة كما هي عادة أهل الحضرة فقال: {رب ~~لا تذر} أي تترك بوجه من الوجوه أصلا ولو على أدنى الوجوه {على الأرض} أي ~~كلها من مشرقها إلى مغربها وسهلها وجبلها ووهدها {من الكافرين} # PageV20P456 # أي الراسخين في الكفر الذي هو كان لهم جبلة وطبعا {ديارا *} أي أحدا يدور ~~فيها، وهو من ألفاظ العموم التي تستعمل في النفي العام فيقال من الدور أو ~~الدار لا فعال، وإلا لكان دوارا، ويجوز - وهو أقرب - أن يكون هذا الدعاء ~~عند ركوبه السفينة وابتداء الإغراق فيهم، يريد به العموم كراهية أن يبقى ~~أحد منهم على ذروة جبل أو نحوه، لا أصل الإغراق، وأن يكون معنى ما قبله ~~الحكم بإغراقهم وتحتم القضاء به أو الشروع فيه. # ولما ms5378 كان الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يقولون ولا يفعلون إلا ما فيه ~~مصلحة الدين، علل دعاءه بقوله وأكده إظهارا لجزمه باعتقاد ما أنزل عليه من ~~مضمون قوله تعالى: {إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} [هود: 36] وإن كان ~~ذلك خارجا عن العادة: {إنك} أي يا رب {إن تذرهم} أي تتركهم على أي حالة ~~كانت في إبقائهم سالمين على وجه الأرض على ما هم عليه من الكفر والضلال ~~والإضلال ولو كانت حالة دنية {يضلوا عبادك} أي الذين آمنوا بي والذين ~~يولدون على الفطرة السليمة. # PageV20P457 # ولما كان ربما كان الإنسان ضارا ووجد له ولد نافع؛ نفى ذلك بقوله: {ولا ~~يلدوا} أي إن قدرت بقاءهم في الدنيا {إلا فاجرا} أي مارقا من كل ما ينبغي ~~الاعتصام به، واكتفى فيه بأصل الفاعل إشارة إلى أن من جاوز الحد أو شرع في ~~شيء بعده من التمادي في الغي صار ذلك له ديدنا فبالغ، فلذلك قال: {كفارا *} ~~أي بليغ الستر لما يجب إظهاره من آيات الله لأن قولك يا رب لا يتخلف أصلا، ~~والظاهر أن هذا الكلام لا يقوله إلا عن وحي كما في سورة هود عليه السلام من ~~قوله تعالى: {إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} [هود: 36] فيكون على هذا ~~حتى صغارهم معذبين بما يعلم الله منهم لو بلغوا لا بما عملوه كما قال صلى ~~الله عليه وسلم في أولاد الكفار «الله أعلم بما كانوا عاملين» . # ولما دل هذا كله على أنه دعا على أعداء الله، دعا أيضا لأوليائه وبدأ ~~بنفسه لأنه رأس تلك الأمة، فقال مسقطا على عادة أهل الخصوص: {رب} أي أيها ~~المحسن إلي باتباع من اتبعني وتجنب من تجنبني، فإن من كانت طبيعته طبعت على ~~شيء لا تحول عنه. # ولما كان المقام الأعلى أجل من أن يقدره أحد حق قدره قال: {اغفر لي} أي ~~فإنه لا يسعني وإن كنت معصوما إلا حلمك وعفوك # PageV20P458 # ورحمتك. ولما أظهر بتواضعه عظمة الله سبحانه وتعالى رتب المدعو لهم على ~~الأحق فالأحق ms5379 فقال: {ولوالدي} وكانا مؤمنين وهما لمك بن متوشلخ وشمخاء بنت ~~أنوش، قال أبو حيان: وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يكفر لنوح عليه ~~السلام أب فيما بينه وبين آدم عليهم الصلاة والسلام. وأعاد الجار إظهارا ~~للاهتمام فقال: {ولمن دخل بيتي} لأن المتحرم بالإنسان له حق أكيد لا سيما ~~إن كان مخلصا في حبه، ولذا قال: {مؤمنا} ولما خص عم وأعاد الجار أيضا ~~اهتماما فقال: {وللمؤمنين والمؤمنات} أي العريقين في هذا الوصف في كل أمة ~~إلى آخر الدهر ولا تزدهم في حال من الأحوال شيئا من الأشياء إلا مفازا. # ولما كان التقدير بما أرشد إليه الاحتباك: ولا تكرم المارقين، عطف عليه ~~قوله: {ولا تزد الظالمين} أي العريقين في الظلم في حال من الأحوال {إلا ~~تبارا *} أي إلا هلاكا مدمرا مفتتا لصورهم قاطعا لأعقابهم مخبرا لديارهم ~~وكما استجاب الله سبحانه وتعالى له في أهل الإيمان والكفران من أهل ذلك ~~الزمان فكذلك يستجيب له في أهل الإيمان وأهل الخسران بالسعادة والتبار في ~~جميع الأعصار # PageV20P459 # إلى أن يقفوا بين يدي العزيز الجبار، والأية من الاحتباك: إثبات الدعاء ~~المقتضي لأصل إكرام المؤمنين أولا مرشد إلى حذف الدعاء المفهم لأصل إهانة ~~الكافرين ثانيا، وإثبات الدعاء بزيادة التبار ثانيا مفهم لحذف الدعاء ~~الموجب لزيادة المفاز أولا، وهذا الآخر المفصح بالتبار هو ما أرشد إليه ~~الابتداء بالإنذار، فقد انطبق الآخر على الأول على أصرح وجه وأكمل، وأحسن ~~حال وأجمل منال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والحمد لله تعالى ~~على كل حال. # سورة الجن # وتسمى " قل أوحى " # مقصودها إظهار الشرف لهذا النبي الكريم الفاتح (صلى الله عليه وسلم) وعلى ~~أنه وأصحابه وذريته، أهل بيته حيث لين له قلوب الإنس والجن وغيرهما، فصار ~~مالكا لقلوب المجانس وغيره، وذلك لعظمة هذا القرآ، ولطف ما له من غريب ~~الشأن، هذا والزمان في آخره وزمان لبثه في قومه دون ربع العشر من زمن نوح ~~عليه السلام أول نبي بعثه الله تعالى إلى المخالفين وما آمن معه من قومه # PageV20P460 # إلا ms5380 قليل، وعلى ذلك دلت تسميتها بالجن ويقل أوحي، وبتأمل الآية المشتملة ~~على ذلك وما فيها من لطيف المسالك، أعاذنا الله بمنه وكرمه من الوقوع في ~~المهالك،) بسم الله) أي المحيط بالكمال أرسل رسوله الخاتم بالهدى ليظهره ~~على الدين كله بما له من الجلال والجمال) الرحمن (الذي بعموم رحمته عم بهذا ~~الإرسال ليعم بالبيان ما يلزم الخلق من المقال والفعال) الرحيم (الذي خص من ~~بيتن أهل الدعوة من شاء بمحاسن الأعمال لما سبق لهم من الفوز في أزل ~~الآزال. # PageV20P461 # ولما كان نوح عليه الصلاة والسلام أول رسول أرسله الله تعالى إلى ~~المخالفين من أهل الأرض، وكان قومه عباد أوثان، وعصوه أشد العصيان مع أنه ~~كان منهم نسبا ولسانا، وختمت سورته بدعائه عليهم، وكان نبينا صلى الله عليه ~~وسلم خاتم النبيين، فهو آخر رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض وغيرهم من ~~جميع الخلق، وكان قومه العرب قد وافقوا قوم نوح عليه السلام في أكثر ~~أحوالهم عبادة الأوثان حتى تلك الأوثان إما بأساميها أو بأعيانها على ما ~~ورد في الأخبار، وفي عصيان رسولهم واستضعاف أتباعه واستهزائهم ابتدئت، هذه ~~بما كان من سهولة من سمع هذه الدعوة الخاتمة الجامعة من غير ### | الجن # س فضلا # PageV20P461 # عن الموافقين في الجنس مع قصر الزمان وضعف الأعوان لجلالة هذا القرآن، ~~فقال منبها له بالأمر على ما في هذا من عظيم القدر، مع الإشارة إلى تبكيت ~~العرب على التباطؤ عن الإجابة إلى ما يعرفون من رشده بمعناه ونظمه، لكونه ~~بلسانهم وكونهم من نوع الداعي وقبيله وأقرب الناس إليه {قل} أي يا محمد ~~لقومك. # ولما كان المقصود تعظيم الموحى به، وأما الموحي إلى كل من الرسولين ~~فواحد، بنى للمفعول قوله مبينا لسيرة الجن في تلقيهم لهذا القرآن بالأخذ ~~إرثا من أشرف النبيين وإلقائهم له بالإبلاغ إلى غيرهم من وارث العلم منهم ~~ليكون لهم الشرفان: شرف العلم لكمال أنفسهم، والتعليم لتكميل غيرهم، فيكون ~~لهم مثل أجر من عمل بما ألقوه إليه وأملوه عليه: {أوحي إلي} أي أخبرت على ~~وجه الخفاء ms5381 ممن لا يعلم الغيب غيره في هذا القرآن الذي اقتضى إعجازه أن ~~أكون أكثر الأنبياء تابعا على لسان جبريل عليه السلام الذي هو أمينه ~~والواسطة بينه وبين أنبيائه، ثم وضع موضع المفعول الذي لم يسم فاعله قوله: ~~{أنه} أي الشأن العظيم {استمع} أي بغاية الإصغاء والإقبال والتقبل والإلف ~~استماعا هو الاستماع في الحقيقة لأنه لقراءتي هذا القرآن {نفر} هم في غاية ~~النفرة جبلة وطبعا {من الجن} الذين هم في غاية الاستتار، وهم أجسام حية ~~عاقلة خفيفة تغلب عليها النارية أو الهوائية كما تغلب على أجسام الإنس ~~الترابية، والنفر ما بين # PageV20P462 # الثلاثة والعشرة، قال البغوي: وكانوا تسعة من جن نصيبين، وقيل: كانوا ~~سبعة، وفي هذه العبارة دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولا قرأ ~~عليهم، وإنما اتفق حضورهم عند قراءته، وهل هذا الاستماع هو المذكور في ~~الأحقاف أو غيره قال أبو حيان: المشهور أنه هو، وقيل: هو غيره، والجن الذين ~~أتوه بمكة جن نصيبين، والذين أتوه بنخلة جن نينوى، والسورة التي استمعوها ~~قال عكرمة: العلق، وقيل: الرحمن، ولم يذكر هنا ولا في الأحقاف أنه رآهم، ~~ويظهر من الحديث تعدد الواقعة، فمنها ما كان في المبدأ ولم يكن معه أحد من ~~الصحابة رضي الله عنهم كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي في ~~الصحيح # «أنهم فقدوه صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي فالتمسوه في الأودية ~~والشعاب، فلما أصبح إذا جاء من قبل حراء فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه ~~فقرأت عليهم القرآن، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، ومنها ما كان ~~معه عبد الله رضي الله عنه فذهب معه إلى الحجون عند الشعب فخط عليه خطا، ~~وقال: لا تجاوزه، فانحدر عليه أمثال الحجل يجرون الحجارة بأقدامهم حتى غشوه ~~فلا أراه، وأومأ إلي بيده أن اجلس، فتلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع ~~واختفوا بالأرض حتى ما أراهم» قال الأصبهاني: وقيل: كانوا من بني الشيصبان # PageV20P463 # وهم أكثر الجن عددا وهم عامة جنود إبليس، وقال القشيري: لما ms5382 رجمت ~~الشياطين بالشهب فرق إبليس جنوده لعلم ذلك فأتى سبعة منهم بطن نخلة ~~فاستمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا ثم أتوا قومهم فقالوا: يا ~~قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا، يعني ولم يرجعوا إلى إبليس لما علموه من كذبه ~~وسفاهته، وجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين من قومهم فأسلموا، ~~فذلك قوله تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه} ~~[الأحقاف: 29] الآيات {فقالوا} أي فتسبب عن استماعهم أن قال من سمع منهم ~~لمن لم يسمع، أو لمن كان يواخيهم من الإنس امتثالا لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم «رحم الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها فأداها كما سمعها» وكان ~~قولهم سكونا إلى هذا القرآن وأنسابه، مؤكدين لبعد حالهم عن سماع الوحي ~~وعلمهم بما زاد به من الإعجاز: {إنا} بالكسر لأنه مبتدأ محكي بعد القول ~~{سمعنا} حين تعمدنا الإصغاء وألقينا إليه أفهامنا {قرآنا} أي كلاما هو في ~~غاية الانتظام في نفسه والجمع لجميع ما نحتاج إليه، ثم وصفوه بالمصدر ~~مبالغة في أمره فقالوا: {عجبا *} أي بديعا خارجا عن عادة أمثاله من جميع ~~الكتب الإلهية فضلا عن كلام الناس # PageV20P464 # في جلالة النظم وإعجاز التركيب والوضع مع الموافقة لها في الدعوة إلى ~~الله تعالى والبيان للمحاسن والمساوىء والدعاء إلى كل فلاح حتى صار نفس ~~العجب، والعجب ما خرج عن حد أشكاله ونظائره فخفي سببه، وهذا يدل على قوتهم ~~العلمية في فصاحتهم وكمالهم في علم الرسوم، وصوغ الكلام على أبلغ جهات ~~النظوم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم ذكر حال كفار قريش في تعاميهم ~~عن النظر وجريهم في اللدد والعناد حسبما انطوت عليه سورة ن والقلم، ثم ~~أتبعت بوعيدهم في الحاقة ثم بتحقيقه وقرب وقوعه في المعارج ثم بتسليته عليه ~~الصلاة والسلام وتأنيسه بقصة نوح عليه الصلاة والسلام مع قومه، أعقب ذلك ~~بما يتعظ به الموفق ويعلم أن القلوب بيد الله: فقد كانت استجابة معاندي ~~قريش والعرب أقرب في ظاهر الأمر لنبي من جنسهم ومن أنفسهم ms5383 فقد تقدمت لهم ~~معرفة صدقه وأمانته، ثم جاءهم بكتاب بلسانهم الذي به يتحاورون ولغتهم التي ~~بها يتكلمون، فقد بهرت العقول آياته، ووضحت لكل ذي قلب سليم براهينه ~~ومعجزاته، وقد علموا أنهم لا يقدرون على معارضته إلى ما شاهدوه من عظيم ~~البراهين، ومع ذلك عموا وصموا - غضب الله عليهم ولعنهم - وسبق إلى الإيمان ~~من ليس من جنسهم ولا سبقت # PageV20P465 # له مزية تكريمهم، وهم الجن ممن سبقت لهم من الله الحسنى فآمنوا وصدقوا، ~~وأمر صلى الله عليه وسلم بالإخبار بذلك، فأنزل الله تعالى عليه {قل أوحي ~~إلي أنه استمع نفر من الجن} [الجن: 1] الآيات إلى قوله إخبارا عن تعريف ~~الجن سائر أخوانهم بما شاهدوه من عناد كفار العرب «وأنه لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا» ثم استمرت الآي ملتحمة المعاني معتضدة ~~المباني إلى آخر السورة - انتهى. # ولما بينوا فضله من جهة الإعجاز وغيره، بينوا المقصود بالذات الدال على ~~غوصهم على المعاني بعد علمهم بحسن المباني فقالوا: {يهدي} أي يبين غاية ~~البيان مع الدعاء في لطف وهدى {إلى الرشد} أي الحق والصواب الذي يكاد يشرد ~~لثقله على النفوس الداعية إلى الهوى وخفة ضده الغي والسفة الملائم لنقائص ~~النفوس. ولما وصفوه بهذه الكمالات سببوا عن ذلك قولهم إعمالا للقوة العملية ~~في المبادرة إلى الصواب من غير تخلف أصلا: {فآمنا} أي كل من استمع منا لم ~~يتخلف منا أحد ولا توقف بعد الاستماع {به} أي أوقعنا الأمان لمبلغ القرآن ~~أن نكذبه أو نخالفه أدنى مخالفة بسبب هذا القرآن. # ولما أخبروا عن الماضي، وكان الإيمان لا يفيد إلا مع الاستمرار، # PageV20P466 # قالوا عاطفين على ما تقديره: فوجدنا الله في الحال لأن ذلك نتيجة الإيمان ~~بالقرآن وخلعنا الأنداد: {ولن} أي والحال أنا مع إيقاع الإيمان في الحال لن ~~{نشرك} بعد ذلك أصلا، أكدوا لأنه أمر لا يكاد يصدق {بربنا} أي الذي لا ~~إحسان قائم بنا من الإيجاد وما بعده إلا منه {أحدا *} أي من الخلق لأنه لم ~~يشركه في شيء من مرنا أحد، وقد وضحت ms5384 الدلائل على التوحيد فيما سمعنا من هذا ~~القرآن. # ولما أظهروا القوتين العلمية بفهمهم القرآن، والعملية بما حصل لهم من ~~الإذعان، أعملوا ما لهم في الدعاء إلى الله تعالى من قوة البيان، فبعد أن ~~نزهوه سبحانه عن الشرك عموما خصوا مؤكدين في قراءة ابن كثير والبصريين وأبي ~~جعفر بالكسر لما تقدم من أن مثل هذه السهولة لا تكاد تصدق، فقالوا عطفا على ~~{إنا سمعنا} [الجن: 1] : {وأنه} أي الشأن العظيم قال الجن: {تعالى} أي ~~انتهى في العلو والارتفاع إلى حد لا يستطاع {جد} أي عظمة وسلطان وكمال غنى ~~{ربنا} أي الموجد لنا والمحسن إلينا، وإذا كان هذا التعالي لجده فما بالك ~~به، وكذا حكت هذه القراءة بقوله الجن ما بعد هذا إلا # {وأن لو استقاموا} [الجن: 16] و {أن المساجد لله} [الجن: 18] و {أنه لما ~~قام} [الجن: 19] فإنه مفتوح فيها عطفا على # PageV20P467 # الموحى به فهو في محل رفع إلا عند أبي جعفر فإنه فتح {وأنه تعالى} [الجن: ~~3] و {أنه كان يقول} [الجن: 4] {وأنه كان رجال} [الجن: 6] ووافقهم نافع ~~وأبو بكر عن عاصم في غير {وأنه لما قام} [الجن: 19] فإنهما كسراها وفتح ~~الباقون وهم ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم الكل إلا ما صدر بالفاء ~~على أنه معطوف على محل الجار في «به» أي صدقناه وصدقنا أنه - لا على لفظه ~~وإلا لزم إعادة الجار عند نحاة البصرة، وقيل: عطف على لفظ الضمير في «به» ~~على المذهب الكوفي الذي نصره أبو حيان وغير واحد من أهل اللسان. # ولما وصفوه بهذا التعالي الأعظم المستلزم للغنى المطلق والتنزه عن كل ~~شائبة نقص، بينوه بنفي ما ينافيه بقولهم إبطالا للباطل: {ما اتخذ} عبر ~~بصيغة الافتعال بيانا لموضع النقص لا تقييدا {صاحبة} أي زوجة {ولا ولدا *} ~~لأن العادة جارية بأنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة وتسبيب، ومثل ذلك لا يكون ~~إلا لمحتاج إلى بضاع أو غيره، والحاجة لا تكون إلا من ضعف وعجز، وذلك ينافي ~~الجد، فالمحتاج لا يصح أصلا أن يكون إلها وإن كان بغير تسبيب ومهلة، ms5385 فهو ~~عبث لأن مطلق الاختراع مغن عنه، فلم يبق إلا العبث الذي ينزه الإله عنه # PageV20P468 # والصاحبة لا بد وأن تكون من نوع صاحبها، ومن له نوع فهو مركب تركيبا ~~عقليا من صفة مشتركة وصفة مميزة، والولد لا بد وأن يكون جزءا منفصلا عن ~~والده، ومن له أجزاء فهو مركب تركيبا حسيا، ومن المقطوع به أن ذلك لا يكون ~~إلا لمحتاج، وأن الله تعالى متعال عن ذلك من تركيب حسي أو عقلي. # ولما تبين لهم ما هو عليه سبحانه من النزاهة عن كل شائبة نقص، وصفوا من ~~قال بضده صيانة لدينهم وعرضهم بالترفع عن الخسائس والرذائل بعدم التمادي في ~~الباطل مقتا للخلق في ذات الخلق مؤكدين لما للسامع في الغالب من تصديق ما ~~يسمع والمحاجة عنه فقالوا: {وأنه} أي وقالوا إلى الشأن - هذا على قراءة ~~الكسر، وآمنا بأنه - على قراءة الفتح {كان يقول} أي قولا هو في عراقته في ~~الكذب بمنزلة الجبلة والطبع {سفيهنا} وهو الجنس فيتناول إبليس رأس الجنس ~~تناولا أوليا، وكل من تبعه ممن لم يعرف الله لأن ثمرة العقل العلم، وثمرة ~~العلم معرفة الله، فمن لم يعرفه فهو الذي يلازم الطيش والغي لأنه لا علم ~~عنده أصلا يحمله على الرزانة، كاذبا متقولا {على الله} # PageV20P469 # أي الذي له صفات الكمال المنافية لقول هذا السفيه في الولد {شططا *} أي ~~قولا هو في بعده عن الصواب نفس البعد ومجاوزة الحد. # PageV20P470 # ولما ذكروا ما هدوا إليه من الحق في الله وفيمن كان يحملهم على الباطل، ~~ذكروا عذرهم في اتباعهم للسفيه وفي وقوعهم في مواقع التهم، فقالوا مؤكدين ~~لأن ما كانوا عليه من الكفر جدير بأن يظن أنه لا يخفى على أحد لشدة وضوح ~~بطلانه: {وأنا} أي معشر المسلمين من الجن {ظننا} أي بما لنا من سلامة الفطر ~~المقتضية لتحسين الظن بشهادة حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند أحمد ~~«المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم» {أن} أي أنه، وزادوا في التأكيد لما مضى ~~فقالوا: {لن تقول} وبدأوا بأفضل الجنسين فقالوا: {الإنس} ms5386 وأتبعوهم قرناءهم ~~فقالوا: {والجن} أي متخرصين {على الله} أي الملك الأعلى الذي بيده النفع ~~والضر {كذبا *} أي قولا هو لعراقته في مخالفة الواقع نفس الكذب، وهو في ~~قراءة أبي جعفر بفتح القاف والواو المشددة المفتوحة مصدر من غير اللفظ، ~~وإنما ظننا ذلك لما طبع عليه المجبول على الشهوات من تصديق الأشكال لا سيما ~~إذا كان قولهم جازما وعظيما لا يقال مثله إلا بعد تثبت لا سيما إذا كان على ~~ملك الملوك لا سيما إذا كان القائل كثيرا لا سيما إذا تأيدوا بجنس آخر، ~~فصاروا لا يحصون # PageV20P470 # كثرة، ولا تطيق العقول مخالفة جمع بهذه الصفة إلا بتأييد إلهي بقاطع ~~نقلي، والآية على قراءة أبي جعفر من الاحتباك: فعل التقول أولا دليل على ~~فعل الكذب ثانيا، ومصدر الكذب ثانيا دليل على مصدر التقول أولا، وسره أن ~~التقول دال على التعمد فهو أفحش معنى والكذب أفحش لفظا، وهذا مرشد إلى أنه ~~لا ينبغي التقليد في شيء لأن الثقة بكل أحد عجز، وإنما ينكشف ذلك بالتجربة، ~~والتقليد قد يجر إلى الكفر المهلك هلاكا أبديا، وإليه أرشد النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن النعمان ابن بشير رضي الله عنه بأن «من ~~اتقى الشبهات استبرأ لديه وعرضه» وفي ذلك غاية الحث على أن الإنسان لا يقدم ~~ولا يحجم في أصول الدين إلا بقاطع. # ولما علم من قولهم أن مستند الضلال ظنون وشبه متى حكت على محك النظر بان ~~فسادها، وأظهر زيفها نقادها، أتبعه شبهة أخرى زادت الفريقين ضلالا بعضهم ~~ببعض للتقيد بالمحسوسات، والوقوف مع الخيالات الموهومات، فقال حاكيا عنهم ~~تنبيها على عدم الاغترار بالمدح والإطراء الموجبين للغلط في النفس وعلى أنه ~~يجب التثبت # PageV20P471 # حتى لا يقع الغلط في الأسباب المسخرة فيظن أنها مؤثرة فيتجاوز بها الحد ~~عن رتبة الممكنات إلى رتبة الواجب، مؤكدين لأنه لا يكاد يصدق أن الجن ~~يخاطبهم الإنس فيكارمونهم: {وإنه} أي الشأن {كان رجال} أي ذوو قوة وبأس {من ~~الإنس} أي النوع الظاهر في عالم الجنس {يعوذون} أي يلجؤون ويعتصمون ms5387 - خوفا ~~على أنفسهم وما معهم - إذا نزلوا واديا {برجال من الجن} أي القبيل المستتر ~~عن الأبصار فإنه كان القوم منهم إذا نزلوا واديا أو غيره من القفر تعبث بهم ~~الجن في بعض الأحيان لأنه لا مانع لهم منهم من ذكر الله تعالى ولا دين ~~صحيح، ولا كتاب من الله صريح، فحملهم ذلك على أن يستجيروا بعظمائهم فكان ~~الرجل يقول عند خوفه: إني أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر سفهاء قومه أو نحو ~~هذا فلا يرى إلا خيرا، وربما هدوه إلى الطريق وردوا عليه ضالته، فكان ذلك ~~فتنة للإنس باعتقادهم في الجن غير ما هم عليه، فتبعوهم في الضلال، وفتنة ~~الجن بأن يغتروا بأنفسهم ويقولوا سدنا: الجن والإنس، فيضلوا ويضلوا، ولذلك ~~سبب عنه قوله: {فزادوهم} أي الإنس الجن # PageV20P472 # باستعاذتهم هذه المرتب عليها إعاذتهم، والجن الإنس بترئيس الإنس لهم ~~وخوفهم منهم {رهقا *} أي ضيقا وشدة وغشيانا لما هم فيه من أحوال الضلال ~~التي يلزم منهم الضيق والشدة، وأصل الرهق غشيان بقوة وشدة وقهر، وقال ~~البغوي: والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم. # كما يتفق لمن يسلك من أهل التصوف على غير أصل فيرى في أثناء السير أنوارا ~~وأشياء تعجبه شيطانية فيظنها رحمانية، فيقف عندها ويأنس بها لفساد في أصل ~~جبلته نشأ عنه سوء مقصده، فربما كان ذلك سببا لكفره فيزداد هو وأمثاله من ~~الإنس ضلالا ويزداد من أضله من الجن ضلالا وإضلالا وعتوا، ويزداد الفريقان ~~بعدا عن اللجأ إلى الله وحده، ولقد أغنانا الله سبحانه وتعالى بالقرآن ~~والذكر المأخوذ عن خير خلقه بشرطه في أوقاته عن كل شيء كما أخبر صلى الله ~~عليه وسلم أن من قال عند إتيانه الخلاء «بسم الله اللهم إني أعوذ بك من ~~الخبث والخبائث» ستر عن الجن، وأن من قال إذا أتى امرأته «اللهم جنبني ~~الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني» فأتاه ولد لم يقدر الشيطان أن يضره، ومن ~~أذن أمن تغول الغيلان، وروى # PageV20P473 # الترمذي وأحمد - قال المنذري: ورواته رواة الصحيح - عن شداد بن أوس رضي ~~الله عنه ms5388 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يأخذ مضجعه فيقرأ ~~سورة من كتاب الله تعالى إلا وكل الله تعالى به ملكا فلا يقربه شيء يؤذيه ~~حتى يهب متى هب» وللطبراني في الكبير - قال المنذري: ورواته رواة الصحيح ~~إلا المسيب بن واضح، قال الهيثمي: وهو ضعيف وقد وثق - عن عبد الله بن بسر ~~رضي الله عنه قال: «خرجت من حمص فآواني الليل إلى البقيعة فحضرني من أهل ~~الأرض فقرأت هذه الآية من الأعراف # {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} ~~[الأعراف: 54] إلى آخر الآية، فقال بعضهم لبعض: احرسوه الآن حتى يصبح، فلما ~~أصبحت ركبت دابتي «والأحاديث في هذا كثيرة في آية الكرسي وغيرها، وكذا ~~حكايات من اعترضه بعض الجن فلما قرأ ذهب عنه. # ولما كان التقدير: فضل كل من الفريقين بالآخر ضلالا بعيدا حتى أبعدوا عن ~~الشرائع النبوية، واعتقدوا ما لا يجوز اعتقاده من التعطيل واعتقاد الطبيعة، ~~فلا يزال الأمر هكذا أرحام تدفع وأرض تبلع ولا رسول يهديهم ولا بعث للأرض ~~على بارئهم، عطف عليه # PageV20P474 # قولهم مؤكدين في قراءة الكسر إشارة إلى ظهور دلائل البعث، وأنه لا يكاد ~~يصدق أن أحدا يكذب به منبها على أن الأهواء والأغاليط قد يتطابق عليها الجم ~~الغفير، حثا للمهتدي على أن لا يستوحش في طريق الهدى لقلة السالكين، ولا ~~يغر بطرق الردى لكثرة الهالكين: {وأنهم} أي الإنس إن كانوا يخاطبون الجن، ~~والجن إن كانوا يخاطبون الإنس {ظنوا} أي الجن أو الإنس ظنا ليسوا فيه على ~~ثلج والظن قد يصيب، وقد يخطىء وهو أكثر {كما ظننتم} أي أيها الجن أو الإنس، ~~والمعنى في قراءة الفتح: وأوحى إلي أن الإنس أو الجن ظنوا، وسدوا عن ~~مفعولي» ظن «بقولهم: {أن} أي أن الشأن العظيم {لن} أكد للدلالة على شدة ~~إنكارهم لذلك {يبعث} وأشاروا إلى خطأ هذا الظن بالتعبير بالجلالة فقالوا: ~~{الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة {أحدا *} أي بعد موته لما ~~لبس به عليهم إبليس حتى ms5389 رأوا حسنا ما ليس بالحسن، أو أحد من الرسل يزيل به ~~عماية الجهل وما عليه الإنس من استغواء الجن لهم وغير ذلك من الضلال، وقد ~~ظهر بالقرآن أن هذا الظن كاذب وأنه لا بد من # PageV20P475 # البعث في الأمرين لأنه حكمة الملك وخاصة الملك. # ولما كان عدم البعث من خلل في القدرة، شرعوا في إثبات تمام القدرة على ~~وجه دال على صحة القرآن وحراسته من الجان، لئلا يظن أنه من نحو ما للكهان، ~~فقالوا مؤكدين في قراءة الكسر لاستبعاد الوصول إلى السماء حثا على طلب ~~المهمات وإن بعد مكانها: {وإنا} ولما كان يعبر عن الإمعان في التفتيش ~~بالالتماس، وكان تجريد الفعل أعظم من ذلك للدلالة على الخفة وعدم الكلفة ~~قال: {لمسنا السماء} أي الدنيا التمسنا أخبارها على ما كان من عادتنا ~~لاستماع ما يغوى به الإنسان التماسا هو كالحس باللمس باليد {فوجدناها} من ~~جميع نواحيها وهو من الوجدان {ملئت} أي ملأ هو في غاية السهولة والخفة على ~~فاعله {حرسا} أي حراسا اسم جمع، فهو مفرد اللفظ، ولذلك وصف بقوله: {شديدا} ~~أي بالملائكة {وشهبا *} جمع سهاب وهو المتوقد من النار، فعلت هممهم حتى ~~طلبوا المهمات الدنيوية والشهوات النفسانية من مسيرة خمسمائة سنة صعودا، ~~فأف لمن يكسل عن مهمات الدين المحققة من مسيرة ساعة أو دونها، وأن يقعد في ~~مجلس العلم ساعة أو دونها، والتعبير بالملء يدل على أنها كانت قبل ذلك تحرس ~~لكن لا على هذا الوجه فقيل: إنها # PageV20P476 # حرست لنزول التوراة ثم اشتد الحرس للانجيل ثم ملئت لنزول القرآن فمنعوا ~~من الاستماع أصلا إلا ما يصدق القرآن إرهاصا للنبوة العظمى الخاتمة لئلا ~~يحصل بهم نوع لبس. # ولما أخبروا عن حالها إذ ذاك لأنه الأهم عندهم، أخبروا عن حالها قبل، ~~فقالوا مؤكدين لما للإنس من التكذيب بوصول أحد إلى السماء: {وإنا كنا} أي ~~فيما مضى {نقعد منها} أي السماء {مقاعد} أي كثيرة قد علمناها لا حرس فيها ~~فهي صالحة {للسمع} أي لأن نسمع منها بعض ما تتكلم به الملائكة بما أمروا ~~بتدبيره، ms5390 وقد جاء في الخبر أن صفة قعودهم هي أن يكون الواحد منهم فوق الآخر ~~حتى يصلوا إلى السماء، قال أبو حيان: فمتى احترق الأعلى كان الذي تحته ~~مكانه فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان فيزيدون معها الكذب. # ولما كان التقدير: فنستمع منها فنسمع ما يقدر لنا من غير مانع، عطف عليه ~~قوله: {فمن يستمع} أي يجتهد في الوصول إلى السمع {الآن} أي في هذا الوقت ~~فيما يستقبل أنهم قسموا الزمان إلى ما كان من إطلاق الاستماع لهم وإلى ما ~~صار إليه الحال من الحراسة، وأطلقوا «الآن» على الثاني كله، لأنهم أرادوا ~~وقت قولهم فقط # PageV20P477 # أو أرادوه لأنهم يعلمون ما بعده فيجوزون أن يكون الحال فيه على غير ذلك ~~{يجد له} أي لأجله {شهبا} أي شعلة من نار ساطعة محرقة. # ولما كان الشهاب في معنى الجمع لأن المراد أن كل موضع منها كذلك، وصفه ~~باسم الجمع فقال: {رصدا *} أي يرصده الرامون به من غير غفلة، ويجوز أن يكون ~~مصدرا على المبالغة كرجل عدل، والرصد الترقب لأنه لما كان لا تأخر عن رميه ~~عند الدنو من السماء كان كأنه هو الراصد له، المراقب لأمره، الملاحظ الذي ~~لا فتور عنده ولا غفلة بوجه بل هو الرصد وهو المعنى بنفسه، فمتى تسنم ~~للاستماع رمي به فيمنعه من الاستماع وإن أدركه أحرقه، وأما السمع فقد امتنع ~~لقوله تعالى {وإنهم عن السمع لمعزولون} [الشعراء: 212] . # PageV20P478 # ولما أخبروا عن إيمانهم أنه كان عقب سماعهم من غير توقف، ثم ذكروا منعهم ~~من الاستراق، ذكروا أنه اشتبه عليهم المنع فلم يعلموا سره دلالة على أن جهل ~~بعض المسائل الفرعية لا يقدح، # PageV20P478 # وندبا إلى رفع الهمة عن الخوض في شيء بغير علم، وحثا على التفويض إلى ~~علام الغيوب، فبينوا الذي حملهم على ضرب مشارق الأرض ومغاربها حتى وجدوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن: فقالوا مؤكدين لأن العرب كانوا ~~ينسبونهم إلى علم المغيبات وحل المشكلات: {وإنا لا ندري} أي بوجه من الوجوه ~~وإن دافعنا واجتهدنا {أشر} ولما كان المحذور نفس ms5391 الإرادة الماضية لا كونها ~~من معروف مع أن الفاعل معروف، وهو الفاعل المختار الذي له الإرادة الماضية ~~النافذة، بنوا للمفعول قولهم: {أريد} معلمين للأدب في أن الشر يتحاشى من ~~إسناده إليه سبحانه حيث لا إشكال في معرفة أنه لا يكون شيء إلا به {بمن في ~~الأرض} أي بهذه الحراسة فينشأ عنها الغي {أم أراد بهم ربهم} أي المحسن ~~إليهم المدبر لهم، بنوه للفاعل في جانب الخير إعلاما مع تعليم الأدب بأن ~~رحمته سبقت غضبه، وإشارة إلى أنه قد يكون أراد بهذا المنع الخير {رشدا *} ~~أي سدادا فينشأ عنه الخير، فالآية من الاحتباك: ذكر الشر أولا دليلا على ~~الخير ثانيا، والرشد ثانيا دليلا على الغنى أولا. # ولما أخبر سبحانه بسهولة إيمانهم، فكان ربما ظن أن ذلك ما كان إلا لأن ~~شأنهم اللين، أتبعه ما يعلم أن ذلك خارقة لأجله صلى الله عليه وسلم # PageV20P479 # كانت، ولإعظامه وإكرامه وجدت، فقال حكاية عنهم مؤكدين لأن الكلام السابق ~~ظاهر في سلامة طباع الكل: {وإنا منا} أي أيها الجن {الصالحون} أي العريقون ~~في صفة الصلاح التي هي مهيئة لقبول كل خير. # ولما كان غير الصالح قد يكون فاسدا بأن يكون مباشرا للفساد قاصدا له وقد ~~يكون غير مباشر له، قالوا متفطنين لمراتب العلوم والأعمال المقربة ~~والمبعدة: {ومنا} وبنى الظرف المبتدأ به لإضافته إلى مبني فقيل: {دون} أي ~~قوم في أدنى رتبة من {ذلك} أي هذا الوصف الشريف العالي. # ولما كان من دون الصالح ذا أنواع كثيرة بحسب قابليته للفساد أو الصلاح ~~وتهيؤه له أو بعده عنه، حسن بيان ذلك بقولهم: {كنا} أو كونا هو كالجبلة ~~{طرائق} أي ذوي طرق أي مذاهب ووجوه كثيرة، وأطلقوا الطرق على أصحابها إشارة ~~إلى شدة تلبسهم بها. # ولما كان الانفصال قد يكون بأدنى شيء، بين أنه على أعلى الوجوه فأطلق ~~عليهم نفس المنقطع ووصفهم به فقال: {قددا *} أي # PageV20P480 # فرقا متفرقة أهواؤها، جمع قدة وهي الفرقة من الناس هواها على غير هواهم، ~~من القد وهو القطع الموجب للتفرق العظيم مثل السيور التي ms5392 تقطع من الجلد وقد ~~منه بحيث تصير كل فرقة على حدتها، قال الحسن والسدي: كافرين ومسلمين ورافضة ~~ومعتزلة ومرجئة وغير ذلك مثل فرق الإنس. # ولما دلوا على قهرهم عما كانوا يقدرون عليه من أمر السماء بما ذكروا، ~~وعلى قهر مفسديهم بهذا القرآن عن كثير مما كانوا يفعلونه بأهل الأرض، ~~فقهروا بهذا القرآن العظيم الشأن في الحقيقة عن الخافقين فمنعنا منهم وحفظا ~~به، ودلوا على أنهم موضع القهر بالتفرق، كان ذلك موجبا للعلم بشمول قدرته ~~تعالى حتى لا يدركه طالب، ولا ينجو منه هارب، لما أبدى لهم من شؤون عظمته ~~وقهره في الحراسة وغيرها، فذكر سبحانه ما أثر ذلك عندهم من الاعتراف ~~والإذعان للواحد القهار، فقال حاكيا عنهم ذلك ندبا إلى الاقتداء بهم في ~~معرفة النفس بالعز والذل والضعف بالتفرق والانقسام، ومعرفة الرب سبحانه ~~بالقدرة الكاملة والسلطان والعظمة بالتفرد التام الذي لا يقبل المماثلة ولا ~~القسمة: {وإنا} أكدوا لظن الإنس في قوتهم غير ما هو لها {ظننا} أطلقوا الظن ~~على العلم إشارة إلى أن العاقل ينبغي له أن يجتنب ما يخيله ضارا ولو بأدنى ~~أنواع الحيل فكيف إذا تيقن # PageV20P481 # {أن} أي أن الشأن العظيم، وزادوا في التأكيد لما تقدم فقالوا: {لن نعجز ~~الله} أي أن نقاومه إن أراد بنا سواءا لما له من الإحاطة بكل شيء علما ~~وقدرة لأنه واحد لا مثل له، ودلوا على وجه الضعف بقولهم: {في الأرض} أي ~~كائنين فيها مقيمين وهي جهة السفل الملزومة للقهر، وذلك أقصى جهدنا فأين ~~نحن من سعة ملكه الذي هو في قبضته {ولن نعجزه} أي بوجه من الوجوه {هربا *} ~~أي ذوي هرب أو من جهة الهرب، أي هربنا من الأرض إلى غيرها فإن السماء منعت ~~منا وليس لنا مضطرب إلا في قبضته، فأين أم إلى أين المهرب، وقد منعوا بذلك ~~وجهي النجاة باللقاء والنصر والهرب عند القهر. # ولما كان الظان قد يبادر على العمل بموجب ظنه وقد لا، بينوا أن مرادهم به ~~العلم، وأنهم بادروا إلى العمل بما دعا إليه، فقالوا مؤكدين ms5393 لما للجن من ~~الإباء والعسر: {وإنا لما سمعنا} أي من النبي صلى الله عليه وسلم {الهدى} ~~أي القرآن الذي له من العراقة التامة في صفة البيان والدعاء إلى الخير ما ~~سوغ أن يطلق عليه نفس الهدى: {آمنا به} أي من غير وقفة أصلا عملا بما له من ~~هذا الوصف العظيم. # PageV20P482 # ولما كان التقدير: فآمنا بسبب إيماننا الذي قادنا إليه حفظ السماء من ~~الإيقاع به لتمام قدرته علينا الذي هدانا إليه منعنا من الاستماع بالحراسة، ~~سببوا عن ذلك قولهم معترفين بالعجز عن مقاومة التهديد من الملك طالبين ~~التحصن بتحصينه والاعتصام بحبله: {فمن يؤمن} أي يوجد حقيقة الإيمان ويستمر ~~على تجديدها كل لحظة. # ولما فهموا أن دعاءه إليه وبيانه للطريق مع قدرته التامة إنما هو من عموم ~~لطفه ورحمته، ذكروا وصف الإحسان لزيادة الترغيب فقالوا: {بربه} أي المحسن ~~إليه منا ومن غيرنا. # ولما كان المؤمن هو المختص من بين الخلق بالنجاة، أدخل الفاء على الجواب ~~ورفعه على تقدير مبتدأ دلالة على ذلك وعلى أن نجاتهم ما لا بد منه فقال: ~~{فلا} أي فهو خاصة لا {يخاف} أصلا {بخسا} أي نقصا وقلة وخبثا ونكدا في ~~الثواب والإكرام بوجه من الوجوه {ولا رهقا *} أي مكروها يلحقه فيقهره لأنه ~~لم يفعل مع أحد شيئا من ذلك ليجازى عليه، فهذا حث للمؤمن على اجتناب ذلك ~~لئلا يجازى به، وقد هدى السياق إلى تقدير: ومن يشرك به فلا، يأمن محقا ولا ~~صعقا. # PageV20P483 # ولما كان هذا ظاهرا في أنهم أسلموا كلهم، قالوا نافين لهذا الظاهر مؤكدين ~~لأن إسلامهم مع شديد نفرتهم لا يكاد يصدق: {وأنا منا} أي أيها الجن ~~{المسلمون} أي المخلصون في صفة الإسلام للهادي فأسلموه قيادهم فهم عريقون ~~في ذلك مقسطون مستقيمون، فلا يفارقون الدليل فهم على الصراط السوي العدل ~~الرضي، ومنا الجافون الكافرون {ومنا القاسطون} وهم الجائرون عن المنهج ~~الأقوم الساقطون في المهامه المجاهل التي ليس بها معلم، فهم بربهم كافرون، ~~ومنا المقسطون، يقال: قسط - إذا جار جورا، أسقطه عن رتبة الإنسان إلى رتبة ~~أدنى ms5394 الحيوان، وأقسط - إذا أزال الجور فعدل، فالآية من الاحتباك: ~~«المسلمون» يدل على الكافرين، و «القاسطون» يدل على المقسطين. # ولما كانوا قد علموا مما سمعوا من القرآن أنه لا بد من البعث للجزاء، ~~سببوا عن هذه القسمة قولهم: {فمن أسلم} أي أوقع الإسلام كله بأن أسلم ظاهره ~~وباطنه للدليل من الجن ومن غيرهم. # PageV20P484 # ولما كان في مقام الترغيب في الحق، ربط بفعلهم ذلك تسبيبا عنه قوله مدحا ~~لهم: {فأولئك} أي العالو الرتبة {تحروا} أي توخوا وقصدوا مجتهدين {رشدا *} ~~أي صوابا عظيما وسدادا، كان - لما عندهم من النقائص - شاردا عنهم فعالجوا ~~أنفسهم حتى ملكوه فجعلوه لهم منزلا، من قولهم: الحرا - بالقصر: أفحوص ~~القطاة يأوي إليه الظبي، والناحية والموضع، وما أحراه بكذا: ما أوجبه له، ~~وبالحرا أن يكون كذا أي خليق كونه، وفلان حري بكذا أي خليق، وقد يجيء بالحر ~~- من غير ياء، يراد به بالجهد، وتحريت الشيء: قصدت ناحيته، فكان لهم ذلك ~~إلى الجنة سببا، ومن قسط فأولئك ضنوا فنالوا غيا وشططا. # ولما عرفوا بالأمن الاعتصام بطاعة الله، نبهوا على خطر التعرض لبطشه ~~فقالوا: {وأما القاسطون} أي العريقون في صفة الجور عن الصواب من الجن ~~وغيرهم فأولئك أهملوا أنفسهم فلم يتحروا لها فضلوا فأبعدوا عن المنهج ~~فوقعوا في المهالك التي لا منجى منها: {فكانوا} بجبلاتهم {لجهنم} أي النار ~~البعيدة القعر التي تلقاهم بالتجهم والكراهة # PageV20P485 # والعبوسة {حطبا *} توقد بهم النار فهي في اتقاد ما داموا أحياء، وهم ~~أحياء ما دامت تتقد لا يموتون فيستريحون ولا يحيون فينتعشون، فالآية من ~~الاحتباك، وهو منطوق لما أوجبه من السياق لا مفهوم: ذكر التحري أولا دليلا ~~على تركه ثانيا وذكر جهنم ثانيا دليلا على حذف الجنة أولا، وسر ذلك أنهم في ~~مقام الترهيب فذكروا ما يحذر، وطووا ما يجب العلم به لأن الله تعالى لا ~~يضيع لأحد أجرا بل لا يقتصر على ما يقابل الحسنة في العرف بل لا بد أن يزيد ~~عليها تسعة أضعافها وعنده المزيد ولا حول ولا قوة لنا إلا به سبحانه ~~وتعالى. # ولما ms5395 رغب ورهب سبحانه على ألسنة الجن بما هداهم له ونور قلوبهم به، وكانت ~~الآية السالفة آخر ما حكى عنهم، وكان التقدير: أوحي إلي أن القاسطين من ~~قومي وغيرهم لو آمنوا فعل بهم من الخير ما فعل بمؤمني الجني حين آمنوا، ~~فأغناهم الله في الدنيا بحلاله عن حرامه من غير كلفة فكسا لهم كل عظم لقوه ~~لحما أوفر ما كان، وأعاد لهم كل روث رأوه أحسن ما كان ببركة هذا النبي ~~الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم {وأن} أي وأوحي إلي أن الشأن العظيم # PageV20P486 # {لو استقاموا} أي طلب القاسطون من الخلق كلهم الجن والإنس القوم وأوجدوه، ~~كائنين {على الطريقة} أي التي لا طريقة غيرها وهي التي فهمها الجن من ~~القرآن من الإسلام والإقساط المؤدية إلى الفلاح في الدارين. # ولما كان الماء أصل كل خير كما قال تعالى في قصة نوح عليه الصلاة والسلام ~~{يرسل السماء عليكم مدرارا} [نوح: 11] وكان منه كل شيء حي وكان عزيزا عند ~~العرب، قال معظما له بالالتفات إلى مظهر العظمة: {لأسقيناهم} أي جعلنا لهم ~~بما عندنا من العظمة {ماء غدقا *} أي كثيرا عظيما عظيم النفع نكثر به الرزق ~~ونزين به الأرض ونرغد به العيش. # ولما كانت نعمه فضلا منه وليس مستحقة عليه بعبادة ولا غيرها، قال تعالى ~~معرفا غايتها استحقاق الثواب أو العقاب على ما كتبه على نفسه سبحانه ولا ~~يبدل القول لديه وأن جميع ما يعامل به عباده سبحانه وتعالى من نفع وضر إنما ~~هو فتنة لهم يستخرج ما جبلوا عليه من حسن أو قبيح: {لنفتنهم} أي نعاملهم ~~معاملة المختبر # PageV20P487 # بما لنا من العظمة {فيه} أي في ذلك الماء الذي تكون عنه أنواع النعم ~~لينكشف حال الشاكر والكافر، قال الرازي: وهذا بعد ما حبس عنهم المطر سنين - ~~انتهى. وقال غيره: قال عمر رضي الله تعالى عنه: أينما كان الماء كان المال، ~~وأينما كان المال كانت الفتنة. وقال الحسن وغيره: كانوا سامعين مطيعين ~~ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر ففتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه - يعني ~~عثمان رضي الله ms5396 تعالى عنه ويجوز أن يكون مستعارا للعلم وأنواع المعارف ~~الناشئة عن العبادات التي هي للفنوس كالنفوس للأبدان وتكون الفتنة بمعنى ~~التخليص من الهموم الرذائل في الدنيا والنقم في الآخرة، من فتنت الذهب - ~~إذا خلصته من غشه. # ولما كان التقدير: فمن يقبل على ذكر ربه ننعمه في دار السلام أبدا، عطف ~~عليه قوله: {ومن يعرض} أي إعراضا مستمرا إلى الموت {عن ذكر ربه} أي مجاوزا ~~عن عبادة المحسن إليه المربي له الذي لا إحسان عنده من غيره {نسلكه} أي ~~ندخله {عذابا} يكون مطرفا له كالخيط يكون في ثقب الخرزة في غاية الضيق # PageV20P488 # {صعدا *} أي شاقا شديدا يعلوه ويغلبه ويصعد عليه، ويكون كل يوم أعلى مما ~~قبله جزاء وفاقا، فإن الإعراض كلما تمادى زمانه كان أقوى مما كان. # ولما كان التقدير: لأنه أوحى إلي أن الأمر على ما تتعارفونه بينكم من أن ~~من خدم غير سيده عذبه أبدا، عطف عليه قوله مبينا لسيرة الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام وما يجب لهم من الكمال الذي يكون بقوتي العلم والعمل، ~~والتكميل الذي يكون بهما مع قوة البيان، ومن لم يكن كاملا لم يتصور منه ~~تكميل ليكون له ولد قلب كما أن من لم يكن بالغا لم يتحقق منه ولد صلب، ~~ومبينا لما يجوز عليهم وما يستحيل منهم وما لله تعالى من العناية بشأنهم: ~~{وأن} أي وأوحى إلي أن {المساجد} أي مواضع السجود من العالم الآفاقي من ~~الأرض ومن العالم النفسي من الجسد - كما قاله سعيد بن جبير وطلق بن حبيب ~~{لله} أي مختصة بالملك الأعظم {فلا تدعوا} أي بسبب ذلك أيها المخلوقون على ~~وجه العادة {مع الله} أي الذي له جميع العظمة {أحدا *} لأن من تعبد لغير ~~سيده في ملك سيده الذي هو العالم الآفاقي وبآلة سيده الذي هو العالم النفسي ~~كان أشد الناس لوما وعقوبة فكيف يليق بكم أن يخلق لكم وجها # PageV20P489 # ويدين ورجلين وأرضا تنتفعون بها وسماء تتم فنعها فتسجدون بالأعضاء التي ~~أوجدها لكم في الأرض التي أمكنكم من الانتفاع بها تحت السماء ms5397 التي أتم ~~منافعها بها لغيره فتكونون قد صرفتم نعمة السيد التي يجب شكره عليها لغيره ~~أيفعل هذا عاقل؟ قال البغوي: فإن جعلت المساجد مواضع الصلاة فواحدها بكسر ~~الجيم، وإن جعلتها الأعضاء فواحدها بفتح الجيم. # PageV20P490 # ولما كان من يدعو سيده وينقطع إليه عاملا للواجب عليه اللائق بأمثاله لا ~~ينكر عليه ولا يعجب منه، إنما يعجب ممن دعا غير سيده أو مال إليه أدنى ميل ~~فيسأل عن سببه، قال معجبا من القاسطين من الجن والإنس: {وأنه} أي أوحي إلي ~~أو قال الجن لمن أطاعهم من قومهم حاكين ما رأوا من صلاته صلى الله عليه ~~وسلم وازدحام أصحابه عليه متعجبين من ذلك أن الشأن أو القصة العظيمة ~~العجيبة {لما} قمت كادوا يكونون علي - هكذا كان الأصل ولكنه عبر بالعبد كما ~~تقدم من أن من دعا سيده ولو كان ذلك السيد أحقر الموجودات لا يفعل به ذلك، ~~فكيف إذا كان سيده مالك الملك وملك الملوك {قام عبد الله} أي عبد الملك ~~الأعلى الذي له الجلال كله والجمال فلا موجود يدانيه بل كل موجود من فائض ~~فضله {يدعوه} أي # PageV20P490 # يدعو سيده دعاء عبادة من حيث كونه عبده ومن حيث كون سيده يسمع من دعاه ~~ويجيبه. # ولما كان القاسطون أكثر الناس بل الناس كلهم في ذلك الزمان جنا وإنسا، ~~قال مبينا لأنه يجوز على الأنبياء أن يؤذوا وينتقصوا رفعا لدرجاتهم وتسلية ~~لوراثهم وإن كانت رتبتهم تأبى ذلك، {كادوا} أي قرب القاسطون من الفريقين ~~الجن والإنس {يكونون عليه} أي على عبد الله {لبدا *} أي متراكمين بعضهم على ~~بعض من شدة ازدحامهم حتى كان ذلك جبلة لهم تعجبا مما رأوا منه من عبادته ~~وإرادة لرده عن ذلك، وذلك أمر لا يعجب منه، وإنما العجب ما فعلوا هم من ~~عبادتهم لغيره سبحانه وتعالى ومن تعجبهم من عبادة عبده له وإخلاصه في ~~دعائه، وهو جمع لبد - بكسر اللام، وقرىء بضم اللام جمع لبدة بضمها، وهي ما ~~تلبد بعضه على بعض. # ولما استشرفت - على قراءة الكسر - نفس السامع إلى قوله صلى ms5398 الله عليه ~~وسلم لمن تراكموا عليه من ذلك، استأنف الجواب بقوله مبينا لما يستحيل على ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من دعاء غير الله ومن ترك الدعاء إليه من ~~مخالفة شيء من أمره قال، # PageV20P491 # أو لما تاقت نفسه صلى الله عليه وسلم على قراءة الفتح إلى ما يدفع به ما ~~رأى منهم، قال تعالى مرشدا له إلى ذلك: {قل} أي لمن ازدحم عليك عادا لهم ~~عداد الجاهلين بما تصنع لأنهم عملوا عمل الجاهل: {إنما أدعوا} أي دعاء ~~العبادة {ربي} أي الذي أوجدني ورباني ولا نعمة عندي إلا منه وحده، لا أدعو ~~غيره حتى تعجبوا مني فتزدحموا علي والظاهر المتبادر إلى الفهم أن المعنى: ~~وأوحي إلي أي لما قمت في الصلاة أعبد الله في بطن نخلة ورآني الجن الذين ~~وجههم إبليس نحو تهامة وسمعوا القرآن ازدحموا علي حتى كادوا يغشونني ويكون ~~بعضهم على بعض فسمعوا توحيدي لله وتمجيدي له وإفراده بالقدرة والعلم وجميع ~~صفات الكمال آمنوا، وقيل: هو حكاية الجن لقومهم عن صلاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفعل أصحابه وراءه في تراصهم في صلاتهم وحفوفهم به ووعظه وتعليمه ~~لهم، ويحكى هذا القول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسعيد بن جبير فإن ~~ذلك هيئة غريبة، يحكى أن ملك الفرس أرسل من دخل في المسلمين لما قصدوا ~~بلاده فكان مما حكي له عنهم أن قال: إذا # PageV20P492 # صلوا صفوا أنفسهم صفوفا ويقدمهم رجل يقومون بقيامة ويسجدون بسجوده ~~ويقعدون بقعوده ويفعلون كفعله، لا تخالف بينهم، فلما سمع الملك ذلك راعه ~~وقال: ما لي ولهؤلاء، ما لي ولعمر، ونقل أبو حيان عن مكحول أنه بلغ من تابع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن سبعين ألفا وفرغوا عند انشقاق الفجر. # ولما كان الداعي لولي نعمته يمكن أن يكون أشرك غيره في دعائه ولو بأدنى ~~وجوه الإشراك، ويكون الحصر باعتبار الأغلب فاستحق الإنكار عليه والازدحام، ~~نفى ذلك بقوله تأكيدا لمعنى الحصر وتحقيقا له: {ولا أشرك به} أي الآن ولا ~~في مستقبل الزمان بوجه من الوجوه ms5399 {أحدا *} من ود وسواع ويغوث وغيرها من ~~الصامت والناطق. # ولما كان السامع ربما قال: ما له هو لا يهلكهم أو يدعو ربه في دفع ~~المتبلدين عليه عنه بالإهلاك أو التوبة والمتابعة، أمره بما يبين عظمة ربه ~~وأنه لا يفعل إلا ما يريد بقوله مبينا أنه يستحيل عليه الصلاة والسلام ما ~~يستحيل على جميع الممكنات من أن يؤثر في شيء بنفسه أو يخالف ربه: {قل} أي ~~لهؤلاء الذين خالفوك، وأكد # PageV20P493 # فطما لمن ربما اعتقد - لكثرة ما يرى من الكرامات - أنه مهما أراده فعله ~~الله له: {إني لا أملك} أي الآن ولا بعد {لكم} بنفسي من غير إقدار الله لي ~~لأنه لا مؤثر في شيء من الأشياء إلا الله سبحانه وتعالى. # ولما كان المقام لدفع شرهم عنه، قال: {ضرا} فأفهم ذلك «ولا نفعا ولا غيا» ~~{ولا رشدا *} أي صوابا وسدادا. فالآية من الاحتباك وهو ظاهر على هذا ~~التقدير، قال أبو حيان: فحذف من كل ما يدل مقابله عليه - انتهى. ويجوز أن ~~يكون تقديره: لا أملك ضرا لأني لا أملك لكم إضلالا ولا أملك لكم رشدا فلا ~~أملك لكم نفعا، فإنه لا نفع في غير الرشاد، ولا ضر في غير الضلال، فقبح ~~الله ابن عربي الطائي الذي يقول في فصوصه: إن الضلال أهدى من الهدى، فلا ~~أسخف عقلا منه إلا من تبعه - عليهم لعنة الله وخزيه، فإن قالوا: إنه أراد ~~غير ما يفهم من ظاهر اللفظ فقل: كذبتم فقد بين مراده إطباقكم على الفسق ~~والفجور لا يكاد يجد منكم من يتهم بمذهبه وهو يتقيد بشرع، ولم تخرج الآية ~~بهذا عن الاحتباك، فإن ذكر الضر أولا دل على حذف النفع ثانيا، وذكر الرشد ~~ثانيا دل على حذف الضلال أولا. # PageV20P494 # ولما أجاب من تشوف إلى علة صبره عن دفعهم عنه بما حاصله أنه لا شيء بيده، ~~لأن إلهه من العظمة في إحاطة العلم والقدرة وأنه لا يخرج شيء عن مراده فلا ~~يعجل في شيء بحيث لا يفعل إلا ما يريد سواء سئل أو لا، فكان ms5400 ذلك ربما أوجب ~~أن يظن منه صلى الله عليه وسلم موافقته لهم لئلا يضروه لأنهم يستعجلون في ~~أذى من خالفهم، أجاب ما حاصله أنه بين ضررين أحدهما منهم إن خالفهم، والآخر ~~منه سبحانه وتعالى إن أعرض عنه وهو سبحانه وتعالى يرد أذاهم إن أراد، وهم ~~لا يقدرون على رد أذاه بوجه فقال: {قل} أي لمن يدعوك إلى موافقتهم، وأكد ~~لما في ظن كثير من الناس من أن الأسباب لا تتخلف فقال: {إني} وزاد في ~~التأكيد لأن ذلك في غاية الاستقرار في النفوس فقال: {لن يجيرني} أي فيدفع ~~عني ما يدفع الجار عن جاره {من الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد ~~معه {أحد *} أي كائنا من كان إن أرادني سبحانه بسوء. ولما كان من هو بهذه ~~المثابة ربما هرب منه المطلوب قال مؤكدا: {ولن أجد} أي أصلا. ولما كانت كل ~~رتبة دون رتبته، وكانت الرتب التي دون رتبته كثيرة جدا لما له من العلو ~~المطلق # PageV20P495 # ولغيره من مراتب السفول التي لا تحد، قال مشيرا لذلك بالجار: {من دونه} ~~أي الله تعالى {ملتحدا *} أي معدلا وموضع ميل وركون ومدخلا وملتجأ وحيلة، ~~وإن اجتهدت كل الجهد لأن اللحد أصله الميل ولا يقال إلا في ميل من حق إلى ~~باطل، والحد: جادل ومارى وركن. # PageV20P496 # ولما كان من المعلوم أن هذا شيء لا مثنوية فيه، وكانت الرتب التي دون ~~شريف رتبته سبحانه كثيرة جدا لما له من العلو المطلق وكان ما يليها له حكم ~~شرفها وحقيقها، وكان أول ذلك البلاغ منه سبحانه بلا واسطة ثم البلاغ بواسطة ~~ملائكته الكرام منه، استثنى من «ملتحدا» على طريق لا ملجأ ولا منجى منك إلا ~~إليك ففروا إلى الله فقال: {إلا بلاغا} أي يبلغني كائنا {من الله} أي الذي ~~أحاط بكل شيء قدرة وعلما، ولكنه لسعة رحمته يجري الأمور على ما يتعارفونه ~~في أنه لا يأخذ أحدا إلا بحجة يعترفون بأنها حجة. ولما بين الرتبة الأولى ~~التي هي أعلى، أتبعها التي تليها فقال: {ورسالاته} التي أوحي ms5401 إلي بها ~~بواسطة الملك فإني أتلقى ذلك حق تلقيه بحفظه والعمل به فيكون، ذلك عاصما من ~~كل سوء في الدنيا والآخرة. # PageV20P496 # ولما كان التقدير لبيان أن الله شرف الرسل بأن أعطاهم عظمة من عظمته فجعل ~~عصيانهم عصيانه، فيكون جزاء من عصاهم هو جزاء من عصاه سبحانه وتعالى لأنهم ~~إنما يتكلمون بأمره، فمن يطع الله ورسوله فإن له جنة نعيم يكونون فيها مدى ~~الدهر سعداء، عطف عليه قوله: {ومن يعص الله} أي الذي له العظمة كلها ~~{ورسوله} الذي ختم به النبوة والرسالة فجعل رسالته محيطة بجميع خلقه في ~~التوحيد أو غيره على سبيل الجحد {فإن له} أي خاصة {نار جهنم} أي التي تلقاه ~~بالعبوسة والغيظ، ولما عبر بالإفراد نظرا إلى لفظ «من» لأنه أصرح في كل ~~فرد، عبر بالجمع حملا على معناها لأنه أدل على عموم الذل فقال: {خالدين ~~فيها} وأكد المعنى وحققه لقول من يدعي الانقطاع فقال: {أبدا *} وأما من ~~يدعي أنها تحرق وأن عذابها عذوبة فليس أحد أجن منه إلا من يتابعه على ضلاله ~~وغيه ومحاله، وليس لهم دراء إلا السيف في الدنيا والعذاب في الآخرة بما ~~سموه عذوبة وهم صائرون إليه وموقوفون عليه. # ولما ذكر تلبدهم عليه وقدم ما هو الأهم من أمره من كشف غمومهم بإعلامهم ~~أن ذلك الذي أنكروه عليه هو الذي يحق له، # PageV20P497 # ومن أنه مع ضعفه عن مقاواتهم هو عن الإعراض عن الله أضعف لأن الله أقوى ~~من كل شيء وأنه لا يسعه إلا امتثال أمره، وأشار إلى أنهم عاجزون عن سطواته ~~سبحانه بعدم القدرة على الإجارة عليه، صرح بذلك مهددا لهم، فقال مغييا ~~لتلبدهم عليه: {حتى إذا رأوا} أي بأبصارهم فيه {ما} أي الشيء الذي. ولما ~~كان المنكي من الوعيد بروكه على كل من كان لأجله الوعيد لا كونه من معين ~~قال: {يوعدون} أي ما حصل الإيعاد في الدنيا أو في الآخرة أما في الآخرة ~~فواضح، وأما في الدنيا فمثل إخراج النبي صلى الله عليه وسلم مع اجتماع ~~المشركين على المكر به لقتله ms5402 واجتهادهم في ذلك ثم سراياه وغزواته مثل غزوة ~~بدر وغيرها من أيام الله التي ملأت الأرض نورا وأهل الحق سرورا وحبورا، ~~وأهل الباطل خسرا وبورا ورعبا وهلاكا وقبورا {فسيعلمون} أي من ذلك اليوم ~~الذي يكون فيه تأويله بوعد لا خلف فيه ولا طولا لأمده {من أضعف ناصرا} أي ~~من جهة الناصر أنا وإن كنت في هذا الوقت وحيدا مستضعفا أو هم {وأقل عددا *} ~~وإن كانوا الآن بحيث # PageV20P498 # لا يحصيهم عددا إلا الله سبحانه، فيا لله ما أعظم كلام الرسل حيث ~~يستضعفون أنفسهم من حيث هي، ويذكرون قوتهم من جهة مولاهم الذي بيده الملك ~~وله جنود السماوات والأرض بخلاف أهل الإلحاد فإنه لا كلام لهم إلا في تعظيم ~~أنفسهم وازدراء من سواهم، وإذا حاققت أحدا من أتباع أحد منهم قال هذا على ~~لسان النبوة - ونحو هذا من مخادعاتهم. # ولما كان من المعلوم أنهم إذا سمعوا هذا الوعيد قالوا استهزاء وعمى عن ~~طريق الصواب واستعلاء: متى يكون عجل به، استأنف قوله جوابا لهم جواب من لا ~~يستخفه عجلة ولا ضجر لأنه لا يخاف الفوت ولا يلحقه ضرر ببقاء العدو ~~واجتهادهم في أذى أوليائه ميبنا ما يجوز على الرسل من أنه يخفى عليهم ما ~~على البشر ويطلعهم الله تعالى ما يخفي على غيرهم: {قل} أي في جوابهم إن ~~كذبوا بإتيانهم العذاب وسألوا استهزاء منه عن وقت وقوعه أما كونه فلا بد ~~منه لأنه قد برز الوعيد به ممن لا يخلف الميعاد، وأما تعيين وقته فقد أخفاه ~~سبحانه لأنه أقعد في التهديد وهو معنى قوله: {إن} أي ما {أدري} بوجه من ~~الوجوه وإن عالجت ذلك وتسببت فيه، وزاد في تقرير خفائه وأنه لا يزال في حيز ~~ما يسأل عنه بصيغة الاستفهام فقال مقدما ما يخفيهم: {أقريب ما توعدون} أي ~~يكون الآن أو قريبا من هذا الأوان بحيث يتوقع عن # PageV20P499 # قرب {أم} بعيد {يجعل له} أي لهذا الوعي. ولما كان التأخير ربما أفهم ~~تهاونا بالولي. فقال دافعا لذلك: {ربي} أي المحسن إلي إن قدمه أو ms5403 أخره ~~{أمدا *} أي أجلا مضروبا عظيما بكل اعتبار حتى في البعد لا يتأتى مع ذلك أن ~~يكون الآن ولا أن يتوقع دون ذلك الأمد، فهو في كل حال متوقع فكونوا على ~~غاية الحذر لأنه لا بد من وقوعه فوقوعه لا كلام فيه، وإنما الكلام في تعيين ~~وقته. # PageV20P500 # ولما نفى صلى الله عليه وسلم علمه عن نفسه الشريفة، نفى ذلك عن غيره على ~~وجه عام لجميع الغيب جال من عظمة مرسله ما تنقطع دونه الأعناق فقال واصفا ~~له: {عالم الغيب} أي كله وهو ما لم يبرز إلى عالم الشهادة فهو مختص سبحانه ~~بعلمه، فلذلك سبب عنه قوله: {فلا يظهر} أي بوجه من الوجوه في وقت من ~~الأوقات {على غيبه} أي الذي غيبه عن غيره فهو مختص به {أحدا *} لعزة علم ~~الغيب ولأنه خاصة الملك. ولما كان لا يعلم الغيب إلا ببروزه على عالم ~~الشهادة، وكان لأول من يطلع عليه شرف ينبغي أن يعرف له قال: {إلا من ارتضى} ~~أي عمل الله تعالى في كونه رضي عمل من يتعمد ذلك ويجتهد فيه، وبين «من» ~~بقوله: {من رسول} أي من الملائكة ومن الناس فإنه يظهر عليه ذلك المرتضى ~~الموصوف # PageV20P500 # لا كل مرتضى بأن يظهره على ما شاء منه لأن الغيب جنس لا تحقق له إلا في ~~ضمن أفراده، فإذا ظهر فرد منه فقد ظهر فيه الجنس لظهور حصة منه، وتارة يكون ~~ذلك الرسول ملكا، وتارة يكون بشرا يكلمه الله بغير واسطة كموسى عليه الصلاة ~~والسلام في أيام المناجاة، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج في ~~العالم الأعلى في حضرة قاب قوسين أو أدنى، وإذا ظهر عليه الرسول خرج عن ~~كونه غيبا، وأوصله الرسول إلى من أذن له في إيصاله له تارة بالوحي للأنبياء ~~وتارة بالنفث والإلهام للأولياء، وذلك عند تهييء نفوسهم بسكون قواها عن ~~منازعة العقل بالشهوات والحظوظ كما يكون للنفوس عامة حين سكون القوى عن ~~المنازعة بالنوم فتكون متهيئة للنفث فيها فمن أعرض عن جانب الحس وأقبل على ~~جناب القدس فقده ms5404 هيأ نفسه لنفث الملك في ورعه بعلم ما لم يكن يعلم وليس أحد ~~من الناس إلا وقد علم من نفسه أنه إذا أقبل على شيء بكليته حدث له فيه أمور ~~حدسية إلهامية بغتة من غير سابقة فكر وطلب، وعلى قدر التهيئة يكون النفث من ~~قبل الله سبحانه وتعالى، وربما كان النفث شيطانيا بما تلقته الشياطين من ~~الاستراقات من الملائكة إما من # PageV20P501 # الأرض بعد نزولهم أو من السماء بالاستراق فيها - والله أعلم، ويجوز أن ~~يكون للأولياء مشافهة من الملك كما كان لمريم عليها السلام من الملائكة، ~~وقال جبريل عليه الصلاة والسلام عن بعضهم إنه لو سلم رد عليه. ولما دل هذا ~~السياق على عزة علم الغيب وكانت عزته سببا لحراسة من يطلع عليه ليؤديه إلى ~~من أمر به كما أمر به، أعلم سبحانه وتعالى بذلك بقوله مؤكدا تمييزا له من ~~علم الكهان الذي أصله من الجان دالا على إجلال الرسل وإعظامهم وتبجيلهم ~~وإكرامهم: {فإنه} أي الله سبحانه وتعالى يظهر ذلك الرسول على ما يريد من ~~الغيب. # وذلك أنه إذا أراد إظهاره عليه {يسلك} أي يدخل إدخال السلك في الجوهرة في ~~تقومه ونفوذه من غير أدنى تعريج إلى غير المراد. ولما كان الغرض يحصل بمن ~~يقيمه سبحانه من جنوده للحراسة ولو أنه واحد من كل جهة بل وبغير ذلك، وإنما ~~جعل هذا الإخراج للأمر على ما يتعارفه العباد، عبر بالجار دليلا على عدم ~~استغراق الرصد للجهات إلى منقطع الأرض مثلا فقال: {من بين يديه} إلى الجهة ~~التي يعلمها ذلك الرسول {ومن خلفه} أي الجهة التي تغيب عن علمه، فصار ذلك ~~كفاية عن كل جهة، ويمكن # PageV20P502 # أن يكون ذكر الجهتين دلالة على الكل وخصهما لأن العدو متى أعريت واحدة ~~منهما أتى منها، ومتى حفظت لم يأت من غيرها، لأنه يصير بين الأولين ~~والآخرين {رصدا *} أي حرسا من جنوده يحرسونه ويحفظونه بحفظ ما معه من الغيب ~~من اختطاف الشياطين أو غيرهم لئلا يسترقوا شيئا من خبره - قاله ابن عباس ~~رضي الله عنهما، وقال مقاتل ms5405 وغيره رضي الله عنهما: يخبرونه بمن أنكره بأن ~~يحذروه منه إن كان شيطانا أو يأمروه بالسماع منه إن كان ملكا، وذلك أن ~~إبليس كان يأتي الأنبياء في صورة جبريل عليه السلام ولكن الله عصمهم منه. # ولما كان هذا الدأب من الحفظ في كل رسول بين الغاية جامعا تعيينا لما ~~اقتضاه الجنس، وبيانا لأن الأفراد أولا مراد به الجمع، وأنه ما عبر به إلا ~~لتشمل الحراسة كل فرد منهم فقال: {ليعلم} أي الله علما كائنا واقعا على هذه ~~الصفة التي تعلق بها علمه في الأزل قبل وجودها بما لا يعلمه إلا هو سبحانه ~~أنها ستكون {أن} أي إن الرسل عليهم الصلاة والسلام {قد أبلغوا} أي إلى من ~~أرسلوا إليه # PageV20P503 # {رسالات ربهم} أي الذي أوجدهم ودبر جميع أمورهم واختارهم لرسالاته على ما ~~هي عليه لم يشبها شائبة ولا لحقها غبر. ولما كان هذا ربما أوهم أنه محتاج ~~في الحفظ إلى الرصد أزال ذلك بقوله: {وأحاط} أي فعل ذلك والحال أنه قد أحاط ~~{بما لديهم} أي الرسل والمرسل إليهم من الملائكة والبشر على أدق الوجوه ~~وأعظمها وأغربها بما أشار إليه التعبير بلدى، ولما كان هذا كافيا في ~~المقصود، لكنه قاصر على محل الحاجة عم تعريفا بالأمر على ما هو عليه، فقال ~~حاملا على شدة الوثوق بما تقوله الرسل عن ربهم وأنه لا لبس فيه ولا غائلة ~~بوجه، مبينا غاية البيان كذب حديث الغرانيق الذي ذكره بعض المفسرين وغيرهم ~~في سورة والنجم: {وأحصى} أي الله سبحانه وتعالى {كل شيء} أي على العموم من ~~غير استثناء أصلا {عددا *} أي من جهة العدد لكل ما يمكن عده ولو على أقل ~~مقادير الذر فيما لم يزل وفيما لا يزال، فهو دليل قاطع على علمه تعالى ~~بالجزئيات كعلمه بالكليات، وقد التقى أول السورة وآخرها وباطنها الغيبي ~~وظاهرها، فدل آخرها على الأول المجمل، وأولها على الآخر المفصل، وذلك أن ~~أول السورة بين عظمة الوحي بسبب الجن، ثم بين في أثنائها حفظه من مسترقي ~~السمع، وختم بتأكيد حفظه وحفظ جميع ms5406 كلماته واستمر في تأكيد أمره # PageV20P504 # حتى بانت عظمة هذا القرآن، وظهرت عزة هذا الفرقان، على كل كتاب، بكل ~~اعتبار وحساب، فافتتح المزمل بمثل ذلك وختمها بالأمر بقراءة ما تيسر منه، ~~وذكر في المدثر طعن الطاعن فيه وما ناله بسبب ذلك الطعن من الخزي والعذاب ~~في الدنيا والآخرة مع ضمان الحفظ منه، ثم نهى نبيه صلى الله عليه وسلم في ~~سورة القيامة عن العجلة في أمره لئلا يختل حفظه، أو يزيغ أدنى زيغ لفظه، ~~وتشريعا لأمته في ترك الاستعجال، فإنه ليس من دأب الرجال، ثم أكد أمر ~~تنزيله في الإنسان، وبين أن علة الإعراض عنه حب العاجلة التي هي عين ~~النقصان، وختم المرسلات بنهاية ما تخيل الأوهام والظنون، فقال # {فبأي حديث بعده يؤمنون} [الأعراف: 185] فسبحان من نظمه هذا النظام، ~~وجعله أقصى المراد وغاية المرام، وصلى الله على من لا نبي بعده على الدوام. # PageV20P505 # سورة المزمل # مقصودها الإعلام بأن محاسن الأعمال تدفع الأخطار والأوجال، وتخفف الأحمال ~~الثقال، ولا سيما الوقوف بين يدي الملك المتعال، والتجرد يفي خدمته يفي ~~ظلمات الليال، فإنه نعم الإله لقبول الأفعال والأقوال، ومحو ظلل الضلال، ~~والمعين الأعظم على الصبر والاحتمال، لما يرد من الكدورات في دار الزوال، ~~والقلعة والارتحال، واسمها المزمل أدل ما فيها على هذا المقال) بسم الله ~~(الكافي من توكل عليه في جميع الأحوال) الرحمن (الذي عم بنعمة الإيجاد ~~والبيان المهدي والضال عليه في جميع الأحوال) الرحيم (الذي خص حزبه بالسداد ~~يفي الأقوال والأفعال لإيصالهم إلى دار الكمال. # PageV21P001 # لما تقدم في آخر الجن من تعظيم الوحي وأن من تعظيمه # PageV21P001 # حفظ المرسل به من جميع الآفات المفترة عن إبلاغه بما له سبحانه من إحاطة ~~العلم والقدرة وندب نبيه الذي ارتقاه لرسالته والاطلاع على ما أراده من ~~غيبه صلى الله عليه وسلم أول هذه إلى القيام بأعباء النبوة بالمناجاة بهذا ~~الوحي في وقت الأنس والخلوة بالأحباب، والبسط والجلوة لمن دق الباب، ~~للاعتلاء والمتاب، المهيىء لحمل أعباء الرسالة، والمقوي على أثقال المعالجة ~~لأهل الضلالة، فقال معبرا بالأداة الصالحة للقرب ms5407 والبعد المختصة بأنه لا ~~يقال بعدها إلا الأمور التي هي في غاية العظمة، أشار إلى أنه صلى الله عليه ~~وسلم يراد به غاية القرب بالأمور البعيدة عن تناول الخلق بكونها خوارق ~~للعادات ونواقض للمألوفات المطردات، وأما التزمل فهو وإن كان من آلات ذلك ~~إلا أنه من الأمور العادية، فهو دون ما يراد من التهيئة لذلك الاستعداد، ~~وبالتزمل لكونه منافيا للقيام في الصلاة: {يا أيها المزمل *} أي الذي أخفى ~~شخصه وستر أمره وما أمرناه به - بما أشار إليه التزمل الذي مدلوله التلفف ~~في الثوب على جميع البدن والاختفاء ولزوم مكان واحد، ولأنه يكون منطرحا على ~~الأرض كما قال صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد - «زملوهم بثيابهم # PageV21P002 # ودمائهم» مع الإشارة إلى الإخفاء أيضا بإدغام تاء التفعل، وربما أشار ~~الإدغام إلى أن الستر بالثوب لم يعم جميع البدن، كما يأتي في المدثر على أن ~~فيه مع ذلك إشارة إلى البشارة بالقوة على حمل أعباء ما يراد به، من قولهم: ~~زمل الشيء - إذا رفعه وحمله، والازدمال: احتمال الشيء، وزملت الرجل على ~~البعير وغيره - إذا حملته عليه، ومن زملت الدابة في عدوها - إذا نشطت، ~~والزامل من حمر الوحش الذي كأنه يظلع من نشاطه، ورجل إزميل: شديد، ~~والزاملة: بعير يستظهر به الرجل لحمل طعامه ومتاعه عليه، ويقال للرجل ~~العالم بالأمر: هو ابن زوملتها، وقال ابن عطاء: يا أيها المخفي ما تظهره ~~عليه من آثار الخصوصية! هذا أوان كشفه، وقال عكرمة: يا أيها الذي حمل هذا ~~الأمر، وقال السدي: أراد يا أيها النائم، وقال غيره: كان هذا في ابتداء ~~الوحي بالنبوة، والمدثر في ابتداء الوحي بالرسالة، ثم خوطب بعد ذلك بالنبي ~~والرسول: {قم} أي في خدمتنا بحمل أعباء نبوتنا والازدمال بالاجتهاد في ~~الاحتمال، واترك التزمل فإنه مناف للقيام. # ولما كان الاجتهاد في الخدمة دالا على غاية المحبة، وكانت النية # PageV21P003 # خيرا من العمل، وكان الإنسان مجبولا على الضعف، وكان سبحانه لطيفا بهذه ~~الأمة تشريفا لإمامها صلى الله عليه وسلم، رضى منا سبحانه بصدق التوجه إلى ~~العمل وجعل ms5408 أجورنا أكثر من أعمالنا، فجعل إحياء البعض إحياء للكل، فأطلق ~~اسم الكل وأراد البعض فقال: {الليل} أي الذي هو وقت الخلوة والخفية والستر، ~~فصل لنا في كل ليلة من هذا الجنس وقف بين يدينا بالمناجاة والأنس بما ~~أنزلنا عليك من كلامنا فإنا نريد إظهارك وإعلاء قدرك في البر والبحر والسر ~~والجهر، وقيام الليل في الشرع معناه الصلاة فلذا لم يقيده، وهي جامعة ~~لأنواع الأعمال الظاهرة والباطنة، وهي عمادها، فذكرها دال على ما عداها. # ولما كان للبدن حظ في الراحة قال مستثنيا من الليل: {إلا قليلا *} أي من ~~كل ليلة، ونودي هذا النداءلأنه صلى الله عليه وسلم «لما جاءه الوحي بغار ~~حراء رجع إلى خديجة زوجته رضي الله تعالى عنها يرجف فؤاده فقال:» زملوني ~~زملوني! لقد خشيت على نفسي «. فسألته رضي الله عنها عن حاله، فلما قص عليها ~~أمره - قال:» خشيت على نفسي «يعني أن يكون هذا مبادىء شعر أو كهانة، وكل ~~ذلك من الشياطين وأن يكون الذي ظهر له بالوحي ليس بملك، وكان صلى الله عليه ~~وسلم # PageV21P004 # يبغض الشعر والكهانة غاية البغضة، فقالت له وكانت وزيرة صدق:» كلا والله! ~~لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتعين على ~~نوائب الحق «ونحو هذا من المقال الذي يثبت، وفائدة التزمل أن الشجاع الكامل ~~إذا دهمه أمر هو فوق قواه ففرق أمره فرجع إلى نفسه، وقصر بصره وبصيرته على ~~حسه، اجتمعت قواه إليه فقويت جبلته الصالحة على تلك العوارض التخييلية ~~فهزمتها فرجع إلى أمر الجبلة العلية، وزال ما عرض من العلة البدنية. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كان ذكر إسلام الجن قد أحرز غاية ~~انتهى مرماها وتم مقصدها ومبناها، وهي الإعلام باستجابة هؤلاء وحرمان من ~~كان أولى بالاستجابة، وأقرب في ظاهر الأمر إلى الإنابة، بعد تقدم وعيدهم ~~وشديد تهديدهم، صرف الكلام إلى أمره صلى الله عليه وسلم بما يلزمه من وظائف ~~عبادته وما يلزمه في أذكاره من ليله ونهاره، مفتتحا ذلك بأجمل مكالمة وألطف ~~مخاطبة {يا أيها ms5409 المزمل} [المزمل: 1] وكان ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم ~~كما # PageV21P005 # ورد {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] إلى آخره، وليحصل منه ~~الاكتراث بعناد من قدم عناده وكثرة لججه، وأتبع ذلك بما يشهد لهذا الغرض ~~ويعضده وهو قوله تعالى {فاصبر صبرا جميلا} [المعارج: 5] {واصبر على ما ~~يقولون واهجرهم هجرا جميلا وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا} ~~[المزمل: 10 - 11] وهذا عين الوارد في قوله تعالى: {فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات} [فاطر: 8] وفي قوله {نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار} [ق: ~~45] ثم قال: {إن لدينا أنكالا} [المزمل: 12] فذكر ما أعد لهم، وإذا تأملت ~~هذه الآي وجدتها قاطعة بما قدمناه، وبان لك التحام ما ذكره، ثم رجع الكلام ~~إلى التلطف به عليه الصلاة والسلام وبأصحابه - رضي الله عنهم أجمعين - ~~وأجزل جزاءهم مع وقوع التقصير ممن يصح منه تعظيم المعبود الحق جل جلاله # {علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] ثم ~~ختم السورة بالاستغفار من كل ما تقدم من عناد الجاحدين المقدم ذكرهم فيما ~~قبل من السور إلى ما لا يفي العباد المستجيبون به مما أشار إليه قوله ~~تعالى: {علم أن لن تحصوه} [المزمل: 20] انتهى. # ولما كان الليل اسما لما بين غروب الشمس وطلوع الفجر، وكان قيامه في غاية ~~المشقة، حمل سبحانه من ثقل ذلك، فقال مبينا لمراده بما حط عليه الكلام بعد ~~الاستثناء، ومبدلا من جملة المستثنى والمستثنى # PageV21P006 # منه: {نصفه} أي الليل، فعلم أن المراد بالقليل المستثنى النصف، وسماه ~~قليلا بالنسبة إلى جميع الليل، وبالنسبة إلى النصف الذي وقع إحياؤه، لأن ما ~~يلي بالعمل أكثر مما لا عمل فيه، ويجوز أن يكون «نصفه» بدلا من الليل، ~~فيكون كأنه قيل: قم نصف الليل إلا قليلا وهو السدس أو انقص منه إلى الربع، ~~وجاءت العبارة هكذا لتفيد أن من قام ثلث الليل بل ربعه فما فوقه كان محييا ~~لليل كله. # ولما كانت الهمم مختلفة بالنسبة إلى الأشخاص وبالنسبة إلى الأوقات قال: ~~{أو انقص منه} أي هذا النصف الذي ms5410 أمرت بقيامه، أو من النصف المستثنى منه ~~القليل على الوجه الثاني وهو الثلث {قليلا *} فلا تقمه حتى لو أحييت ثلث ~~الليل على الوجه الأول أو ربعه على الوجه الثاني كنت محييا له كله في فضل ~~الله بالتضعيف {أو زد عليه} أي على النصف قليلا كالسدس مثلا، فيكون الذي ~~تقومه الثلثين مثلا، وعلى كل تقدير من هذه التقادير يصادف القيام - وهو لا ~~يكون إلا بعد النوم: الوقت الذي يباركه الله بالتجلي فيه فإنه صح أنه ينزل ~~سبحانه عن أن يشبه ذاته شيئا # PageV21P007 # أو نزوله نزول غيره بل هو كناية عن فتح باب السماء الذي هو كناية عن وقت ~~استجابة الدعاء - حين يبقى ثلث الليل - وفي رواية: حين يبقى شطر الليل ~~الآخر - إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه، ~~هل من كذا هل من كذا حتى يطلع الفجر. وكان هذا القيام في أول الإسلام فرضا ~~عليهم على التخيير بين هذه المقادير الثلاثة فكانوا يشقون على أنفسهم، فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، ~~وكذا بعض أصحابه رضي الله تعالى عنهم واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم، ~~وكان هذا قبل فريضة الخمس، فنزل آخرها بالتخفيف بعد سنة # {علم أن لن تحصوه} [المزمل: 20] الآيات، فصار قيام الليل تطوعا بعد ~~فريضة. # ولما أمر بالقيام وقدر وقته وعينه، أمر بهيئة التلاوة على وجه عام للنهار ~~معلم بأن القيام بالصلاة التي روحها القرآن فقال: {ورتل القرآن} أي اقرأه ~~على تؤدة وبين حروفه بحيث يتمكن السامع من عدها وحتى يكون المتلو شبيها ~~بالثغر المرتل وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان، فإن ذلك موجب لتدبره فتكشف ~~له مهماته وينجلي عليه أسراره وخفياته، قال ابن مسعود رضي الله عنه: # PageV21P008 # ولا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ الشعر، ولكن قفوا عند عجائبه وحركوا ~~به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. روى الترمذي عن عائشة رضي الله ~~عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى أصبح بآية، ms5411 والآية {إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} » [المائدة: 118] ولما ~~أعلم سبحانه بالترتيل أعلم بشرفه بالتأكيد بالمصدر فقال: {ترتيلا *} . # ولما كان المراد منه صلى الله عليه وسلم الثبات للنبوة ومن أمته الثبات ~~في الاقتداء به في العمل والأمر والنهي، وكان ذلك في غاية الصعوبة، وكان ~~الإنسان عاجزا إلا بإعانة مولاه، وكان العون النافع إنما يكون لمن صفت نفسه ~~عن الأكدار وأشرقت بالأنوار، وكان ذلك إنما يكون بالاجتهاد في خدمته ~~سبحانه، علل هذا الأمر بقوله مبينا للقرآن الذي أمر بقراءته ما هو وما ~~وصفه، معلما أن التهجد يعد للنفس من القوى ما به يعالج المشقات، مؤكدا لأن ~~الإتيان بما هو خارج عن جميع أشكال الكلام لا يكاد يصدق: {إنا} أي بما لنا ~~من العظمة {سنلقي} أي قريبا بوعد لا خلف فيه فتهيأ لذلك بما يحق له. # ولما كان المقام لبيان الصعوبة، عبر بأداة الاستعلاء فقال: # PageV21P009 # {عليك} وأشار إلى اليسر مع ذلك إشارة إلى {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل ~~من مدكر} [القمر: 17] بالتعبير بما تدور مادته على اليسر والخفة فقال: ~~{قولا} يعني القرآن {ثقيلا *} أي لما فيه من التكاليف الشاقة من جهة حملها ~~وتحميلها للمدعوين لأنها تضاد الطبع وتخالف النفس، ومن جهة رزانة لفظه ~~لامتلائه بالمعاني مع جلالة معناه وتصاعده في خفاء فلا يفهمه المتأمل ~~ويستخرج ما فيه من الجواهر إلا بمزيد فكر وتصفية سر وتجريد نظر، فهو ثقيل ~~على الموافق من جميع هذه الوجوه وغيرها، وعلى المخالف من جهة أنه لا يقدر ~~على رده ولا يتمكن من طعن فيه بوجه مع أنه ثقيل في الميزان وعند تلقيه وله ~~وزن وخطر وقدر عظيم، روي في الصحيح: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~أتاه الوحي يفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشاتي الشديد البرد» ~~وكان - إذا أنزل عليه الوحي وهو راكب على ناقته وضعت جرانها فلا تكاد تتحرك ~~حتى يسري عنه «قال القشيري: وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سورة ~~الأنعام نزلت عليه ms5412 جملة واحدة وهو راكب فبركت # PageV21P010 # ناقته من ثقل القرآن وهيبته، وهو مع ثقله على الأركان خفيف على اللسان ~~سهل التلاوة والحفظ على الإنسان. # PageV21P011 # ولما أفهم هذا أن التهجد في غاية العظمة، أكد ذلك حاثا على عدم الرضى ~~بدون الأفضل الأجمل الأكمل بقوله: مؤكدا ليخف أمر القيام على النفس: {إن ~~ناشئة اليل} أي ساعاته التي كل واحدة منها ناشئة والعبادة تنشأ فيه بغاية ~~الخفة، من نشأ أي نهض من مضجعه بغاية النشاط لقوة الهمة ومضاء العزيمة التي ~~جعلتها كأنها نشأت بنفسها، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كان بعد ~~العشاء فهو ناشئة، وما كان قبله فليس بناشئة، وقالت عائشة رضي الله عنها: ~~الناشئة القيام بعد النوم، وقال الأزهري: الناشئة القيام، مصدر جاء على ~~فاعلة كالعافية بمعنى العفو. # ولما كان ذلك في غاية الصعوبة لشدة منافرته للطبع، زاد في التأكيد ترغيبا ~~فيه فقال: {هي} أي خاصة لما لها من المزايا {أشد} أي أثقل وأقوى وأمتن ~~وأرصن {وطأ} أي كلفة ومشقة لما فيها نم ترك الراحة وفراق الألف والمحبوب، ~~وأشد ثبات قدم - على أنه مصرد وطىء في قراءة الجماعة - بفتح ثم سكون، ~~ومواطأة بين القلب # PageV21P011 # واللسان في الحضور وفي التزام الدين بالإذعان والخضوع على أنه مصدر واطأ ~~مثل قاتل على قراءة أبي عمرو وابن عامر بالكسر والمد وهي أبلغ لأن صيغة ~~المفاعلة تكون بين اثنين يغالبان فيكون الفعل أقوى. # ولما كان التهجد يجمع القول والفعل، وبين ما في الفعل لأنه أشق، فكان ~~بتقديم الترغيب بالمدحة أحق، أتبعه القول فقال: {وأقوم قيلا *} أي وأعظم ~~سدادا من جهة القيل في فهمه ووقعه في القلوب بحضور القلب ورياقة الليل ~~بهدوء الأصواء وتجلي الرب سبحانه وتعالى بحصول البركات، وأخلص من الرياء ~~والقصود الدنيات. # ولما بين سبحانه من أول السورة إلى هنا ما به صلاح الدين الذي عصمه الأمر ~~وبه صلاح الدارين، وأظهر ما للتهجد من الفضائل، فكان التقدير حتما: فواظب ~~عليه لتناول هذه الثمرات، قال معللا محققا له مبينا ما به صلاح الدنيا التي ~~هي فيها ms5413 المعاش، وصلاحها وسيلة إلى صلاح المقصود، وهو الدين وهو الذي ينبغي ~~له لئلا يكون كلا على الناس ليحصل من الرزق ما يعينه على دينه # PageV21P012 # ويوسع به على عيال الله من غير ملل ولا ضجر ولا كسل ولا مبالغة، مؤكدا ~~لما للنفس من الكسل عنه: {إن لك} أي أيها المتهجد أو يا أكرم العباد إن كان ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ليكون آكد في إلزام الأمة به {في النهار} ~~الذي هو محل السعي في مصالح الدنيا. # ولما كان الإنسان يهتم في سعيه لنفسه حتى يكون كأنه لشدة عزمه وسرعة ~~حركته كالسابح فيما لا عائق له فيه قال: {سبحا طويلا *} أي تقلبا ممتد ~~الزمان، قال البغوي: وأصل السبح سرعة الذهاب، وقال الرازي: سهولة الحركة. # ولما كان التقدير: فاجتهد في التهجد، عطف عليه قوله حاثا على حضور الفكر: ~~{واذكر اسم ربك} أي المحسن إليك والموجد والمدبر لك بكل ما يكون ذكرا من ~~اسم وصفة وثناء وخضوع وتسبيح وتحميد وصلاة وقراءة ودعاء وإقبال على علم ~~شرعي وأدب مرعي ودم على ذلك، فإذا عظمت الاسم بالذكر فقد عظمت المسمى ~~بالتوحيد # PageV21P013 # والإخلاص، وذلك عون لك على مصالح الدارين، أما الآخرة فواضح، وأما الدنيا ~~فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أعز الخلق عليه فاطمة ابنته رضي الله ~~عنها لما سألته خادما يقيها التعب إلى التسبيح والتحميد والتكبير عند ~~النوم. # ولما كان الذكر قد يكون مع التعلق بالغير، أعلم أن الذاكر في الحقيقة ~~إنما هو المستغرق فيه سبحانه وبه يكون تمام العون فقال: {وتبتل} أي اجتهد ~~في قطع نفسك عن كل شاغل، والإخلاص في جميع أعمالها بالتدريج قليلا قليلا، ~~منتهيا: {إليه} ولا تزل على ذلك حتى يصير لك ذلك خلقا فتكون نفسك كأنها ~~منقطعة بغير قاطع ومقطعة تقطعيا كثيرا بكل قاطع، فيكون التقدير - بما أرشد ~~إليه المصدر «تبتلا» وبتلها {تبتيلا *} فأعلم بالتأكيد بالمصدر المرشد إلى ~~الجمع بين التفعل والتفعيل بشدة الاهتمام وصعوبة المقام، وهو من البتل وهو ~~القطع، صدقة بتلة أي مقطوعة عن صاحبها، ولذلك قال ms5414 زيد بن أسلم: التبتل رفض ~~الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله تعالى، والبتول مريم عليها السلام ~~لانقطاعها إلى الله تعالى، عن جميع خلقه، وكذا فاطمة الزهراء البتول أيضا ~~لانقطاعها عن قرين ومثيل ونظير، فالمراد # PageV21P014 # بهذا هو المراد بكلمة التوحيد المقتضية للإقبال عليه والإعراض عن كل ما ~~سواه، وذلك بملازمة الذكر وخلع الهوى، والآية من الاحتباك وهو ظاهر: ذكر ~~فعل التبتل دليلا على حذف مصدره، وذكر مصدر بتل ديليلا على حذف فعله. # ولما كان الواجب على كل أحد شكر المنعم، بين أنه سبحانه الذي أنعم يسكن ~~الليل الذي أمر بالتهجد فيه ومنتشر النهار الذي أمر بالسبح فيه، فقال واصفا ~~الرب المأمور بذكره في قراءة ابن عامر ويعقوب والكوفيين غير حفص معظما له ~~بالقطع في قراءة الباقين بالرفع: {رب المشرق} أي موجد محل الأنوار التي بها ~~ينمحي هذا الليل الذي أنت قائم فيه ويضيء بها الصباح وعند الصباح يحمد ~~القوم السرى بما أنالهم من الأنوار في مرائي قلوبهم وما زينها به من شهب ~~المعاني كما أوجد لهم في آفاق أفلاكهم من شموس المعاني المثمرة ليدور الأنس ~~في مواطن القدس، فلا يطلع كوكب في الموضع الذي هو ربه إلا بإذنه، وهو رب كل ~~مكان، وما أحسن ما قال الإمام الرباني تقي الدين بن دقيق العيد: # كم ليلة فيك وصلنا السرى ... لا نعرف الغمض ولا نستريح # PageV21P015 # واختلف الأصحاب ماذا الذي ... يزيح من شكواهم أو يريح # فقيل تعريسهم ساعة ... وقلت بل ذكراك وهو الصحيح # ولما ذكر مطالع الأنوار، لأنها المقصود لما لها من جلي الإظهار، ووحد ~~لأنه أوفق لمقصود السورة الذي هو محطة لانجماح المدلول عليه بالتزمل، أتبعه ~~مقابله فقال: {والمغرب} أي الذي يكون عنه الليل والذي هو محل السكن وموضع ~~الخلوات ولذيذ المناجاة، فلا تغرب شمس ولا قمر ولا نجم إلا بتقديره سبحانه، ~~وإذا كان رب ما فيه هذه الصنائع التي هي أبدع ما يكون كان رب ما دون ذلك. # لما علم بهذا أنه المختص بتدبير الكائنات، المتفرد بإيجاد الموجودات، كان ~~أهلا لأن ms5415 يفرد بالعبادة وجميع التوجه فقال مستأنفا: {لا إله} أي معبود بحق ~~{إلا هو} أي ربك الذي دلت تربيته لك على مجامع العظمة وأنهى صفات الكمال ~~والتنزه عن كل شائبة نقص. ولما علم تفرده سبحانه كان الذي ينبغي لعباده أن ~~لا يوجه أحد منهم شيئا من رغبته لغيره فلذلك سبب عنه قوله: {فاتخذه} أي خذه ~~بجميع جهدك وذلك بإفرادك إياه بكونه تعالى {وكيلا *} أي على كل من خالفك ~~بأن تفوض جميع أمورك إليه فإنه يكفيكها كلها ويكلؤها # PageV21P016 # غاية الكلاية فإنه المتفرد بالقدرة عليها، ولا شيء أصلا في يد غيره، فلا ~~تهتم بشيء أصلا، وليس ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل، فإن ذلك طمع فارغ بل ~~بالإجمال في طلب كل ما ندب الإنسان إلى طلبه، ليكون متوكلا في السبب لا من ~~دون سبب، فإنه يكون حينئذ كمن يطلب الولد من غير زوجة، وهو مخالف لحكمة هذه ~~الدار المبنية على الأسباب، ولو لم يكن في إفراده بالوكالة إلا أنه يفارق ~~الوكلاء بالعظمة والشرف والرفق من جميع الوجوه فإن وكيلك من الناس دونك ~~وأنت تتوقع أن يكلمك كثيرا في مصالحك وربك أعظم العظماء وهو يأمرك أن تكلمه ~~كثيرا في مصالحك وتسأله طويلا ووكيلك من الناس - إذا حصل مالك سألك الأجرة ~~وهو سبحانه يوفر مالك ويعطيك الأجر، ووكيلك من الناس ينفق عليك من مالك وهو ~~سبحانه يرزقك وينفق عليك من ماله، ومن تمسك بهذه الآية عاش حرا كريما، ومات ~~خالصا شريفا، ولقي الله تعالى عبدا صافيا مختارا تقيا، ومن شرط الموحد أن ~~يتوجه إلى الواحد ويقبل على الواحد ويبذل له نفسه عبودية ويأتمنه على نفسه ~~ويفوض إليه أموره ويترك التدبير ويثق به ويركن إليه ويتذلل لربوبيته، ~~ويتواضع لعظمته ويتزين ببهائه ويتخذه عدة لكل نائبة دنيا وآخرة. # PageV21P017 # ولما كانت الوكالة لا تكون إلا فيما يعجز، وكان الأمر بها مشيرا إلى أنه ~~لا بد أن يكون عن هذا القول الثقيل خطوب طوال وزلازل وأهوال، قال: {واصبر} ~~وأشار إلى عظمة الصبر بتعديته بحرف الاستعلاء فقال: {على ما} وخفف ms5416 الأمر ~~بالإشارة إلى أنهم لا يصلون إلى غير الأذى بالقول، وعظمه باستمرارهم عليه ~~فقال: {يقولون} أي المخالفون المفهومون من الوكالة من مدافعتهم الحق ~~بالباطل في حق الله وحقك. # ولما كانت مجانبة البغيض إلا عند الاضطرار مما يخفف من أذاه قال: ~~{واهجرهم} أي أعرض عنهم جهارا دافعا للهرج مهما أمكن {هجرا جميلا *} بأن ~~تعاشرهم بظاهرك وتباينهم بسرك وخاطرك، فلا تخالطهم إلا فيما أمرك الله به ~~على ما حده لك من دعائهم إليه سبحانه ومن موافاتهم في أفراحهم وأحزانهم ~~فتؤدي حقوقهم ولا تطالبهم بحقوقك لا تصريحا ولا تلويحا. # ولما كان في أمره هذا بما يفعل ما يشق جدا بما فيه من احتمال علوهم، أعلم ~~بقرب فرجه بتهديدهم بأخذهم سريعا فقال: {وذرني} أي اتركني على أي حالة ~~اتفقت مني في معاملتهم، وأظهر في موضع الإضمار تعليقا للحكم بالوصف وتعميما ~~فقال: {والمكذبين} أي العريقين في التكذيب فإني قادر على رحمتهم وتعذيبهم. # PageV21P018 # ولما ذكر وصفهم الذي استحقوا به العذاب، ذكر الحامل عليه تزهيدا فيه ~~وصرفا عن معاشرة أهله لئلا تكون المعاشرة فتنة فتكون حاملة على الاتصاف به ~~وجارة إلى حب الدنيا فقال: {أولي النعمة} أي أصحاب التنعم بغضارة العيش ~~والبهجة التي أفادتهموها النعمة - بالكسر وهي الإنعام وما ينعم به من ~~الأموال والأولاد، والجاه الذي أفادته النعمة - بالضم وهي المسرة التي ~~تقتضي الشكر وهم أكابر قريش وأغنياؤهم. # ولما كان العليم القدير إذا قال مثل هذا لولي من أوليائه عاجل عدوه، قال ~~محققا للمراد بما أمر به من الصبر من هذا في النعم الدنيوية بأن زمنها ~~قصير: {ومهلهم} أي اتركهم برفق وتأن وتدريج ولا تهتم بشأنهم. # ولا سره بوعيدهم الشديد بهذه العبارة التي مضمونها أن أخذهم بيده صلى ~~الله عليه وسلم وهو سبحانه يسأل في تأخيره لهم، زاد في البشارة بقوله: ~~{قليلا *} أي من الزمان والإمهال إلى موتهم أو الإيقاع بهم قبله، وكان بين ~~نزول هذه الآية وبين وقعة بدر يسير - قاله المحب الطبري، وفيه بشارة له صلى ~~الله عليه وسلم بالبقاء بعد أخذهم كما كان، وأنه ms5417 ليس محتاجا في أمرهم إلى ~~غير وكلهم سبحانه وتعالى بإلقائهم عن باله صلى الله عليه وسلم # PageV21P019 # وتفريغ ظاهره وباطنه لما هو مأمور به من الله سبحانه وتعالى من الإقبال ~~على الله سبحانه، ففي الآية أن من اشتغل بعدوه وكله الله إلى نفسه، فكان ~~ذلك كالمانع من أخذ الله له، فإذا توكل عليه فقد أزال ذلك المانع -. # ولما كان هذا مناديا بعذابهم، وكان وصفهم بالنعمة مفهما لأنهم معتادون ~~بالمآكل الطيبة، وكان منع اللذيذ من المآكل لمن اعتاده لا يبلغ في نكاية ~~النفس بحد نكاية البدن إلا بعد تقدم إهانة، استأنف قوله بيانا لنوع ما ~~أفهمه التهديد من مطلق العذاب، وأكد لأجل تكذيبهم: {إن} وأشار إلى شدة ~~غرابته وجلالته وعظمته وخصوصيته وتحقق حضوره بقوله: {لدينا} دون عندنا ولما ~~كان أشد ما على الإنسان منعه مما يريد من الانبساط به بالحركات، قال ذاكرا ~~ما يضاد ما هم فيه من النعمة والعز: {أنكالا} جمع نكل بالكسر وهو القيد ~~الثقيل الذي لا يفك أبدا إهانة لهم لا خوفا من فرارهم، جزاء على تقييدهم ~~أنفسهم بالشهوات عن اتباع الداعي وإيساعهم في المشي في فضاء الأهوية. ولما ~~كان ذلك - محرقا للباطن أتبعه حريق الظاهر فقال: {وجحيما *} أي نارا حامية ~~جدا شديدة الاتقاد بما كانوا # PageV21P020 # يتقيدون به من تبريد الشراب، والتنعم برقيق اللباس والثياب، وتكلف أنواع ~~الراحة. # ولما أتم ما يقابل تكذيبهم، أتبعه ما يقابل النعمة فقال: {وطعاما ذا غصة} ~~أي صاحب انتشاب في الحلق كالضريع والزقوم يشتبك فيه فلا يسوغ: لا ينزل ولا ~~يخرج بما كانوا يعانونه من تصفية المآكل والمشارب، وإفراغ الجهد في الظفر ~~بجميع المآرب. ولما خص عم فقال: {وعذابا أليما *} أي مؤلما شديد الإيلام لا ~~يدع لهم عذوبة بشيء من الأشياء أصلا بما كانوا يصفون به أوقاتهم ويكدرون ~~على من يدعوهم إلى ما ينفعهم بالخلاص من قيود المشاهدات والعروج من حضيض ~~الشهوات إلى أوج الباقيات الصالحات. # ولما ذكر هذا العذاب ذكر ظرفه فقال: {يوم ترجف} أي تضطرب وتتزلزل زلزالا ~~شديدا {الأرض} أي كلها {والجبال} ms5418 التي هي أشدها. ولما كان التقدير: فكانت ~~الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، عطف عليه قوله: {وكانت ~~الجبال} أي التي هي مراسي الأرض وأوتادها، وعبر عن شدة الاختلاط والتلاشي ~~بالتوحيد فقال: {كثيبا} أي رملا مجتمعا، فعيل بمعنى # PageV21P021 # مفعول، من كثبه - إذا جمعه، ومادة كثب بتركيبها كثب - وكبث تدور على ~~الجمع مع القرب، وتلزمه القلة، فإن حقيقة القرب قلة المسافة زمانا أو ~~مكانا، والنعومة، من كثبت التراب: درسته، وكثب عليه - بمعنى حمل أوكر، ~~معناه قارب أن يخالطه، وكثيب الرمل: قطعة تنقاد محدودبة - ناظر إلى القلة ~~من معنى قطعة، وكل ما انصب كذلك أيضا لأن الانصاب عادة يكون لما قل وأما ~~نعم كثاب بتقديم الثاء وبتأخيرها أيضا أي كثير فجاءته الكثرة من الصيغة، ~~والكاثبة من الفرس هو أضيق موضع في عرضها، والكثبة من الأرض: المطمئنة بين ~~الجبال - لأنها تكون صغيرة غالبا، والكباث كسحاب: النضيج من ثمر الأراك، ~~وقيل: ما لم ينضج، وقيل: حمله إذا كان متفرقا، فإن أريد النضيج منه فتسميته ~~به لأنه مجتمع، وإن أريد ما لم ينضج فهو من مقاربة النضج، وإن أريد المتفرق ~~فلقرب بعضه # PageV21P022 # من بعض لأن الأراك نفسه صغير الشجر، وكبث اللحم - كفرح: بات مغموما فتغير ~~أو أروح أي جمع على إنائه الذي هو فيه إناء آخر، أو جمع ما هو فيه حتى ~~تضايق فهو من الجمع لهذا، وأما الكنبث كقنفذ والثاء مؤخرة: الصلب الشديد، ~~فهو في الغالب من تجمع أجزائه وتداخل بعضها في بعض، وتكبيث السفينة أن تجنح ~~إلى الأرض، هو من الجمع والقرب معا، وأما كثبت كنانته - بمعنى نكثها، فكان ~~فعل استعمل هنا للإزالة، أي أزال اجتماعها أو بمعنى أنه قربها نم رميه ~~بتسييرها لسرعة التناول. # ولما كان الكثيب ربما أطلق مجازا على ما ارتفع وإن لم يكن ناعما قال: ~~{مهيلا *} أي رملا سائلا رخوا لينا منثورا، من هاله إذا نثره، وقال الكلبي: ~~هو الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده، ولما ذكر العذاب ووقته وقدمهما ~~ليكون السامع أقبل لما يطلب ms5419 منه، أتبعهما السبب فيه مشيرا إلى ما به إصلاح ~~أمر الآخرة التي فيها المعاد وإليها المنتهى والمآب، فقال مؤكدا لأجل ~~تكذيبهم: {إنا أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {إليكم} يا أهل مكة شرفا لكم ~~خاصة، وإلى كل من بلغته الدعوة عامة {رسولا} أي # PageV21P023 # جدا هو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمامهم صلى الله عليه وسلم ~~{شاهدا عليكم} أي بما تصنعون ليؤدي الشهادة عند طلبها منه بما هو الحق يوم ~~ننزع من كل أمة شهيدا وهو يوم القيامة. # ولما كانت هذه السورة من أول ما نزل والدين ضعيف وأهله في غاية القلة ~~والذلة ليعتبر بهم من آل به أمره إلى أن كان في زمان صار فيه الدين غريبا ~~كغربته إذ ذاك، وكان فرعون أعتى الناس في زمانه وأجبرهم، وأشدهم خداعا ~~وأمكرهم وكان بنو إسرائيل في غاية الذل له والطواعية لأمره، ومع ذلك فلما ~~أرسل الله إليه موسى عليه السلام الذي ذبح فرعون أبناء بني إسرائيل لأجل أن ~~يكون في جملة من ذبحه لأنه قيل له أنه يولد لبني إسرائيل مولود يكون هلاك ~~القبط على يده أظهره به وأهلكه على قوته وأنجى منه بني إسرائيل على ضعفهم، ~~قال تعالى تنبيها لقريش والعرب وغيرهم على أن من كان الله معه لا ينبغي أن ~~يقاوي ولو أنه أضعف الخلق، وتنبيها لهم على الاعتبار بحال هذا الطاغية الذي ~~يزيد عليهم بالملك وكثرة الجنود والأموال: {كما أرسلنا} أي بما لنا من # PageV21P024 # العظمة {إلى فرعون} أي ملك مصر {رسولا *} ولعله نكره للتنبيه على أنه ليس ~~من قوم فرعون فلا مانع له منه من حميم ولا شفيع يطاع، ليعلم أنه من كانت له ~~قبيلة تحامي عنه أولى بالنصرة. # PageV21P025 # ولما كان الإرسال سببا للقبول أو الرد قال: {فعصى فرعون} أي بما له من ~~تعوج الطباع {الرسول} أي الذي تقدم أنا أرسلناه إليه فصار معهودا لكم بعد ~~ما أراه من المعجزات البينات والآيات الدامغات - بما أشار إليه مظهر ~~العظمة، ولذلك سبب عن عصيانه قوله: {فأخذناه} أي بما لنا ms5420 من العظمة، وبين ~~أنه أخذ قهر وغضب بقوله: {أخذا وبيلا *} أي ثقيلا شديدا متعبا مضيقا رديء ~~العاقبة من قولهم: طعام وبيل - إذا كان وخما لا يستمرأ أي لا ينزل في المري ~~ولا يخف عليه، وذلك بأن أهلكناه ومن معه أجمعين لم ندع منهم أحدا - وسيأتي ~~إن شاء الله تعالى في «ألم نشرح» قاعدة إعادة النكرة والمعرفة. # ولما علم بهذا أنه سبحانه شديد الأخذ، وأنه لا يغني ذا الجد منه الجد، ~~سبب عن ذلك قوله محذرا لهم الاقتداء بفرعون: # PageV21P025 # {فكيف تتقون} أي توجدون الوقاية التي تقي أنفسكم، ولما كان التنفير من ~~سبب التهديد أهم لأنه أدل على رحمة المحذر وأبعث على اجتنابه، قال مشيرا ~~بأداة الشك إلى أن كفرهم بالله مع ما نصب لهم من الأدلة العقلية المؤيدة ~~بالنقلية ينبغي أن لا يوجد بوجه، وإنما يذكر على سبيل الفرض والتقدير: {إن ~~كفرتم} أي أوقعتم الستر لما غرس في فطركم من أنوار الدلائل القائدة إلى ~~الإيمان فبقيتم على كفركم - على أن العبارة مشيرة إلى أنه عفا عنهم الكفر ~~الماضي فلا يعده عليهم رحمة منه وكرما ولا يعد عليهم إلا ما أوقعوه بعد ~~مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم {يوما} أي هو مثل في الشدة بحيث إنه يقال ~~فيه {يجعل} لشدة أهواله وزلزاله وأوجاله {الولدان} أي عند الولادة أو ~~بالقرب منها {شيبا} جمع أشيب وهو من ابيض شعره، وذلك كناية أن عن كثرة ~~الهموم فيه لأن العادة جارية بأنها إذا تفاقمت أسرعت بالشيب، والمعنى إنكار ~~أن يقدروا على أن يجعلوا لهم وقاية بغاية جهدهم تقيهم عذاب ذلك اليوم ~~الموصوف بهذا الهول الأعظم، وذلك حين يقول الله: «يا آدم قم فابعث بعث ~~النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين» وأسند الجعل إلى اليوم لكونه واقعا ~~فيه كما جعله المتقي، وإنما المتقي العذاب الواقع فيه. # PageV21P026 # ولما كان هذا أمرا عظيما، صور بعض أهواله زيادة في عظمه فقال: {السماء} ~~أي على عظمها وعلوها وشدة إحكامها. ولما كان المراد الجنس الشامل للكل ذكر ~~فقال: {منفطر} أي منشق ms5421 متزايل من هيبة الرب تزايل المتفرط من السلك، ولو ~~أنث لكان ظاهرا في واحدة من السماوات، وفي اختيار التذكير أيضا لطيفة أخرى، ~~وهي إفهام الشدة الزائدة في الهول المؤدي إلى انفطاره ما هو في غاية الشدة ~~لأن الذكر في كل شيء أشد من الأنثى، وذلك كله تهويلا لليوم المذكور {به} أي ~~بشدة ذلك اليوم وباؤه للآلة، ويجوز كونها بمعنى «فيه» أي يحصل فيه التفطر ~~والتشقق بالغمام ونزول الملائكة وغير ذلك من التساقط والوهي على شدة ~~وثاقتها فما ظنك بغيرها. # ولما كان هذا عظيما، استأنف بيان هوانه بالنسبة إلى عظمته سبحانه وتعالى ~~فقال: {كان} أي على كل حال وبكل اعتبار {وعده} أي وعد الله الذي تقدم ذكره ~~في مظاهر العظمة، فالإضافة للمصدر على الفاعل {مفعولا *} أي سهلا مفروغا ~~منه في أي شيء كان، فكيف إذا كان بهذا اليوم الذي هو محط الحكمة، # PageV21P027 # أو الضمير لليوم فالإضافة إلى المفعول، إشارة إلى أن الوعد الواقع به ~~وفيه لا بد منه، ومعلوم أنه لا يكون إلا من الله. # ولما كان ما مضى من هذه السورة من الأحكام والترغيب والترهيب مرشدا إلى ~~معالي الأخلاق منقذا من كل سوء، قال مستأنفا مؤكدا تنبيها على عظمها وأنها ~~مما ينبغي التنبيه عليه: {إن هذه} أي القطعة المتقدمة من هذه السورة ~~{تذكرة} أي تذكير عظيم هو أهل لأن يتعظ به المتعظ ويعتبر به المعتبر، ولا ~~سيما ما ذكر فيها بأهل الكفر من أنواع العقاب. ولما كان سبحانه قد جعل ~~للإنسان عقلا يدرك به الحسن والقبيح، واختيارا يتمكن به من اتباع ما يريد ~~فلم يبق له مانع من جهة اختيار الأصلح والأحسن إلا قسر المشيئة التي لا ~~اطلاع له عليها ولا حيلة له فيها، سبب عن ذلك قوله: {فمن شاء} أي التذكر ~~للاتعاظ {اتخذ} أي أخذ بغاية جهده {إلى ربه} أي خاصة، لا إلى غيره {سبيلا ~~*} أي طريقا يسلبه حظوظه لكونه لا لبس فيه، فيسلك على وفق ما جاءه من ~~التذكرة، وذلك الاعتصام حال السير بالكتاب والسنة على وفق ما ms5422 اجتمعت عليه ~~الأمة، ومتى زاغ عن ذلك هلك. # PageV21P028 # ولما كان ربما تغالى بعض الناس في العبادة وشق على نفسه، # PageV21P028 # وربما شق على غيره، أشار سبحانه وتعالى إلى الاقتصاد تخفيفا لما يلحق ~~الإنسان من النصب، مشيرا إلى ما يعمل حالة اتصال الروح بالجسد وهي حالة ~~الحياة، لأن منفعتها التزود من كل خير لما أدناه هول المقابر، فإن الروح في ~~غاية اللطافة، والسجد في غاية الكثافة، لأنها من عالم الأمر، وهو ما يكون ~~الإيجاد فيه بمرة واحدة من غير تدريج وتطوير والجسد من عالم الخلق فهي ~~غريبة فيه تحتاج إلى التأنيس وتأنيسها بكل ما يقربها إلى العالم الروحاني ~~المجرد عن علائق الأجسام، وذلك بصرف القلب كله عن هذه الدنايا والتلبس ~~بالأذكار والصلوات وجميع الأعمال الصالحات، فإن ذلك هو المعين على اتصالها ~~بعالمها العالي العزيز الغالي، وأعون ما يكون على ذلك الحكمة، وهي العدل في ~~الأعمال والاقتصاد في الأقوال والأفعال، فقال مستأنفا الجواب عن تيسير ~~السبيل وبنائه على الحنيفية السمحة بحيث صار لا مانع منه إلا يد القدرة {إن ~~ربك} أي المدبر لأمرك على ما يكون إحسانا إليك ورفقا بك وبأمتك {يعلم أنك ~~تقوم} أي في الصلاة كما أمرت به أول السورة. # ولما كانت كثرة العمل ممدوحة وقلته بخلاف ذلك، استعار للأقل قوله: {أدنى} ~~أي زمانا أقل، والأدنى مشترك # PageV21P029 # بين الأقرب، والأدون للأنزل رتبة لأن كلا منهما يلزم منه قلة المسافة {من ~~ثلثي اليل} في بعض الليالي {ونصفه وثلثه} أي وأدنى من كل منهما في بعض ~~الليالي - هذا على قراءة الجماعة، والمعنى، على قراءة ابن كثير والكوفيين ~~بالنصب تعيين النصف والثلث الداخل تحت الأدنى من الثلثين، وهو على ~~القراءتين مطابق لما وقع التخيير فيه في أول السورة بين قيام النصف بتمامه ~~أو الناقص منه وهو الثلث أو الزائد عليه وهو الثلثان، أو الأقل من الأقل من ~~النصف وهو الربع. # ولما ذكر سبحانه قيامه صلى الله عليه وسلم، أتبعه قيام أتباعه، فقال ~~عاطفا على الضمير المستكن في تقوم وحسنه الفصل: {وطائفة} أي ويقوم كذلك ms5423 ~~جماعة فيها أهلية التحلق بإقبالهم عليك وإقبال بعضهم على بعض. ولما كانت ~~العادة أن الصاحب ربما أطلق على من مع الإنسان بقوله دون قلبه عدل إلى ~~قوله: {من الذين معك} أي بأقوالهم وأفعالهم، أي على الإسلام، وكأنه # PageV21P030 # اختار هذا دون أن يقول من المسلمين لأنه يفهم أن طائفة لم تقم بهذا ~~القيام فلم يرد أن يسميهم مسلمين، والمعية أعم. # ولما كان القيام - على هذا التفاوت مع الاجتهاد في السبق في العبادة دالا ~~على عدم العلم بالمقادير ما هي عليه قال تعالى: {والله} أي تقومون هكذا ~~لعدم علمكم بمقادير الساعات على التحرير والحال أن الملك المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما وحده {يقدر} أي تقديرا عظيما هو في غاية التحرير {اليل والنهار} ~~فيعلم كل دقيقة منهما على ما هي عليه لأنه خالقهما ولا يوجد شيء منهما إلا ~~به # {ألا يعلم من خلق} [الملك: 14] . # ولما علم من هذا المشقة عليهم في قيام الليل على هذا الوجه علما وعملا، ~~ترجم ذلك بقوله: {علم} أي الله سبحانه {أن لن تحصوه} أي تطيقوا التقدير ~~علما وعملا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «استقيموا ولن تحصوا» {فتاب} أي ~~فتسبب عن هذا العلم أنه سبحانه رجع بالنسخ عما كان أوجب {عليكم} بالترخيص ~~لكم في ترك القيام المقدر أول السورة، أي رفع التبعة عنكم في ترك القيام ~~على ذلك # PageV21P031 # التقدير الذي قدره كما رفع عن التائب، وكأنه سماه توبة وإن لم يكن ثم ~~معصية إشارة إلى أنه من شأنه لثقله أن يجر إلى المعصية. # ولما رفعه سبب عنه أمرهم بما يسهل عليهم فقال معبرا عن الصلاة بالقراءة ~~لأنها أعظم أركانها إشارة إلى أن التهجد مستحب لا واجب: {فاقرءوا} أي في ~~الصلاة أو غيرها في الليل والنهار {ما تيسر} أي سهل وهان إلى الغاية عليكم ~~ولان وانقاد لكم {من القرآن} أي الكتاب الجامع لجميع ما ينفعكم، قال ~~القشيري: يقال: من خمس آيات إلى ما زاد، ويقال: من عشر آيات إلى ما يزيد، ~~قال البغوي: قال قيس بن أبي حازم: صليت ms5424 خلف ابن عباس رضي الله عنهما ~~بالبصرة، فقرأ في أول ركعة بالحمد وأول آية من البقرة، ثم قام في الثانية ~~فقرأ بالحمد والآية الثانية. وقيل: إنه أمر بالقراءة مجردة إقامة لها مقام ~~ما كان يجب عليهم من الصلاة بزيادة في التخفيف، ولذلك روى أبو داود وابن ~~خزيمة وابن حبان في صحيحه عن عبد لله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ~~ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين» ~~قال المنذري: من سورة الملك إلى آخر القرآن ألف آية. # PageV21P032 # ولما كان هذا نسخا لما كان واجبا من قيام الليل أول السورة لعلمه سبحانه ~~بعدم إحصائه، فسر ذلك العلم المجمل بعلم مفصل بيانا لحكمة أخرى للنسخ فقال: ~~{علم أن} أي أنه {سيكون} يعني بتقدير لا بد لكم منه {منكم مرضى} جمع مريض، ~~وهذه السورة من أول ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم، ففي هذه بشارة بأن ~~أهل الإسلام يكثرون جدا. # ولما ذكر عذر المريض وبدأ به لكونه أعم ولا قدرة للمريض على دفعه، أتبعه ~~السفر للتجارة لأنه يليه في العموم، فقال مبشرا مع كثرة أهل الإسلام باتساع ~~الأرض لهم: {وآخرون} أي غير المرضى {يضربون} أي يوقعون الضرب {في الأرض} أي ~~يسافرون لأن الماشي بجد واجتهاد يضرب الأرض برجله، ثم استأنف بيان علة ~~الضرب بقوله: {يبتغون} أي يطلبون طلبا شديدا، وأشار إلى سعة ما عند الله ~~بكونه فوق أمانيهم فقال: {من فضل الله} أي بعض ما أوجده الملك الأعظم ~~لعباده ولا حاجة به إليه بوجه من الربح في التجارة أو تعلم العلم {وآخرون} ~~أي منكم أيها المسلمون {يقاتلون} أي يطلبون ويوقعون قتل أعداء الله، ولذلك ~~بينه بقوله: # PageV21P033 # {في سبيل الله} أي ذلك القتل مظروف لطريق الملك الأعظم ليزول عن سلوكه ~~المانع لقتل قطاع الطريق المعنوي والحسي، وأظهر ولم يضمر تعظيما للجهاد ~~ولئلا يلبس بالعود إلى المتجر، وهو ندب لنا ms5425 من الله إلى رحمة العباد والنظر ~~في أعذارهم، فمن لا يرحم لا يرحم، قال البغوي: روى إبراهيم عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه قال: أيما رجل جلب شيئا من مدينة من مدائن المسلمين صابرا ~~محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء، ثم قرأ عبد الله ~~{وآخرون يضربون في الأرض يبتغون} [المزمل: 20] الآية. # وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ما خلق الله موتة أموتها ~~بعد القتل في سبيل الله أحب إلي من أن أموت بين شعبتي رجل أضرب في الأرض ~~أبتغي من فضل الله. # ولما كانت هذه أعذارا أخرى مقتضية للترخيص أو أسبابا لعدم الإحصاء، رتب ~~عليها الحكم السابق، فقال مؤكدا للقراءة بيانا لمزيد عظمتها: {فاقرءوا} أي ~~كل واحد منكم {ما تيسر} أي لكم {منه} أي القرآن، أضمره إعلاما بأنه عين ~~السابق، فصار الواجب قيام شيء من الليل على وجه التيسير، ثم نسخ ذلك ~~بالصلوات الخمس. ولما كان صالحا لأن يراد به الصلاة لكونه أعظم أركانها وأن ~~يراد به نفسه من غير صلاة زيادة في التخفيف، قال ترجيحا لإرادة هذا الثاني # PageV21P034 # أو تنصيصا على إرادة الأول: {وأقيموا} أي أوجدوا إقامة {الصلاة} المكتوبة ~~بجميع الأمور التي تقوم بها من أركانها وشروطها ومقدماتها ومتمماتها ~~وهيئاتها ومحسناتها ومكملاتها. # ولما ذكر بصفة الخالق التي هي أحد عمودي الإسلام البدني والمالي، أتبعها ~~العمود الآخر وهو الوصلة بين الخلائق فقال: {وآتوا} من طيب أموالكم التي ~~أنعمنا به عليكم {الزكاة} أي المفروضة، ولما كان المراد الواجب المعروف، ~~أتبعه سائر الإنفاقات المفروضة والمندوبة، فقال: {وأقرضوا الله} أي الملك ~~الأعلى الذي له جميع صفات الكمال التي منها الغنى المطلق، من أبدانكم ~~وأموالكم في أوقات صحتكم ويساركم {قرضا حسنا} من نوافل الخيرات كلها في ~~جميع شرعه برغبة تامة وعلى هيئة جميلة في ابتدائه وانتهائه وجميع أحواله، ~~فإنه محفوظ لكم عنده مبارك فيه ليرده عليكم مضاعفا أحوج ما تكونون إليه. # ولما كان هذا الدين جامعا، وكان هذا القرآن حكيما لأن منزله له صفات ~~الكمال فأمر في ms5426 هذه الجمل بأمهات الأعمال اهتماما بها، # PageV21P035 # أتبع ذلك أمرا عاما بجميع شرائع الدين فقال: {وما تقدموا} وحث على إخلاص ~~النية بقوله: {لأنفسكم} أي خاصة سلفا لأجل ما بعد الموت لا تقدرون على ~~الأعمال {من خير} أي أي خير كان من عبادات البدن والمال {تجدوه} محفوظا لكم ~~{عند الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما {هو} أي لا غيره {خيرا} أي لكم، ~~وجاز وقوعه الفصل بين غير معرفتين لأن «أفعل من» كالمعرفة، ولذلك يمنع دخول ~~أداة التعريف عليها. # ولما كان كل من عمل خيرا جوزي عليه سواء كان عند الموت أو في الحياة سواء ~~كان كافرا أو مسلما مخلصا أو لا، إن كان مخلصا كان جزاؤه في الآخرة، وإلا ~~ففي الدنيا، قال: {وأعظم أجرا} أي مما لمن أوصى في مرض الموت، وكان بحيث ~~يجازى به في الدنيا. # ولما كان الإنسان إذا عمل ما يمدح عليه ولا سيما إذا كان المادح # PageV21P036 # له ربه ربما أدركه الإعجاب، بين له أنه لا يقدر بوجه على أن يقدر الله حق ~~قدره، فلا يزال مقصرا فلا يسعه إلا العفو بل الغفر فقال حاثا على أن يكون ~~ختام الأعمال بالاستغفار والاعتراف بالتقصير في خدمة المتكبر الجبار مشيرا ~~إلى حالة انفصال روحه عن بدنه وأن صلاحها الراحة من كل شر: {واستغفروا ~~الله} أي اطلبوا وأوجدوا ستر الملك الأعظم الذي لا تحيطون بمعرفته فكيف ~~بأداء حق خدمته لتقصيركم عينا وأثرا بفعل ما يرضيه واجتناب ما يسخطه. # ولما علم من السياق ومن التعبير بالاسم الأعظم أنه سبحانه بالغ في العظمة ~~إلى حد يؤيس من إجابته، علل الأمر بقوله مؤكدا تقريبا لما يستبعده من ~~يستحضر عظمته سبحانه وشدة انتقامه وقوة بطشه: {إن الله} وأظهر إعلاما بأن ~~صفاته لا تقصر آثارها على المستغفرين ولا على مطلق السائلين {غفور} أي بالغ ~~الستر لأعيان الذنوب وآثارها حتى لا يكون عليها عتاب ولا عقاب {رحيم *} أي ~~بالغ الإكرام بعد الستر إفضالا وإحسانا وتشريفا وامتنانا، وقد اشتملت هذه ~~السورة على شرح قول النبي صلى الله عليه ms5427 وسلم فيما أوتي من جوامع الكلم ~~«اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح في دنياي التي فيها معاشي ~~وأصلح لي آخرتي التي إليها # PageV21P037 # منقلبي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر» ~~كما أشير إلى كل جملة منها في محلها، ولقد رجع آخر السورة - بالترغيب في ~~العمل وذكر جزائه - على أولها الأمر بالقيام بين يديه وبإشارة الاستغفار ~~إلى عظم المقام وإن جل العمل ودام وإن كان بالقيام في ظلام الليالي والناس ~~نيام، فسبحانه من له هذا الكلام المعجز لسائر الأنام لإحاطته بالجلال ~~والإكرام، فسبحانه من إله جابر القلوب المنكسرة. # PageV21P038 # سورة المدثر # مقصودها الجد والاجتهاد في الإنذار بدار البوار لأهل الاستكبار، وإثبات ~~البعث في أ، فس المكذبين الفجار، والإشارة بالبشارة لأهل الادكار، بحلم ~~العزيز الغفار، واسمها المدثر أدل مافيها على ذلك، وذلك واضح لمن تأمل ~~النداء والمنادى به والسبب) بسم الله (الملك الأعلى الواحد القهار) الرحمن ~~(الذي عم بنعمتي الإيجاد والبيان الأبرار والفجار) الرحيم (الذي خص أهل ~~أصفيائه بالاستبصار، والتوفبق إلى ما يوصل إلى دار القرار. # PageV21P039 # ولما ختمت «المزمل» بالبشارة لأرباب البصارة بعدما بدئت بالاجتهاد في ~~الخدمة المهيىء للقيام بأعباء الدعوة، افتتحت هذه بمحط حكمة الرسالة وهي ~~النذارة لأصحاب الخسارة، فقال معبرا بما فيه بشارة بالسعة في المال والرجال ~~والصلاح وحسن الحال في الحال والمآل، ومعرفا بأن المخاطب في غاية اليقظة ~~بالقلب وإن # PageV21P039 # ستر القالب: {يا أيها المدثر *} المشتمل بثوبه، من تدثر بالثوب: اشتمل ~~به، والدثار - بالكسر ما فوق الشعار من الثياب، والشعار ما لاصق البدن ~~«الأنصار شعار والناس دثار» والدثر: المار الكثير، ودثر الشجر: أورق، ~~وتدثير الطائر: إصلاحه عشه، والتعبير بالأداة الصالحة للقرب والبعد يراد به ~~غاية القرب بما عليه السياق وإن كان التعبير بالأداة فيه نوع ستر لذلك ~~مناسبة للتدثر، واختير التعبير بها لأنه لا يقال بعدها إلى ما جل وعظم من ~~الأمور، وكان الدثار لم يعم بدنه الشريف بما دل عليه التعبير بالإدغام دون ~~الإظهار الدال على المبالغة لأن المراد ms5428 إنما كان ستر العين ليجتمع القلب، ~~فيكفي في ذلك ستر الرأس وما قاربه من البدن، والإدغام شديد المناسبة ~~للدثار. # ولما كان في حال تدثره قد لزم موضعا واحدا فلزم من ذلك إخفاء نفسه ~~الشريفة، أمره صلى الله عليه وسلم بالقيام، وسبب عنه الإنذار إشارة إلى أن ~~ما يراد به من أنه يكون أشهر الخلق بالرسالة العامة مقتض لتشمير الذيل ~~والحمل على النفس بغاية الجد والاجتهاد اللازم عنه كثرة الانتشار، فهو مناف ~~للتدثر بكل اعتبار فقال: {قم} أي مطلق قيام، ولا سيما من محل تدثرك بغاية ~~العزم والجد. # PageV21P040 # ولما كان الأمر عند نزول هذه السورة في أوله والناس قد عمهم الفساد، ذكر ~~أحد وصفي الرسالة إيذانا بشدة الحاجة إليه فقال مسببا عن قيامه: {فأنذر} أي ~~فافعل الإنذار لكل من يمكن إنذاره فأنذر من كان راقدا في غفلاته، متدثرا ~~بأثواب سكراته، لاهيا عما أمامه من أهوال يوم القيامة، وكذا من كان مستيقظا ~~ولكنه متدثر بأثواب تشويفاته وأغشيته فتراته، فإنه يجب على كل مربوب أن ~~يشكر ربه وإلا عاقبه بعناده له أو غفلته عنه بما أقله الإعراض عنه، وحذف ~~المفعول إشارة إلى عموم الإنذار لكل من يمكن منه المخالفة عقلا وهم جميع ~~الخلق، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان نزل عليه جبريل عليه السلام ب ~~{اقرأ باسم ربك} [العلق: 1] ونحوها فكان بذلك نبيا ثم نزلت عليه هذه الآية ~~فكان بها رسولا، وذلك أنه نودي وهو في جبل حراء، فلما سمع الصوت نظر يمينا ~~وشمالا فلم ير شيئا، فرفع رأسه فإذا جبريل عليه الصلاة والسلام جالس على ~~عرش بين السماء والأرض، ففرق من ذلك أشد الفرق، # PageV21P041 # فبادر المجيء إلى البيت ترجف بوادره وقال: # «دثروني دثروني، لقد خشيت على نفسي، صبوا علي ماء باردا» . # ولما كان الإنذار يتضمن مواجهة الناس بما يكرهون، وذلك عظيم على الإنسان، ~~وكان المفتر عن اتباع الداعي أحد أمرين: تركه مما يؤمر به، وطلبه عليه ~~الأجر، كما أن الموجب لاتباعه عمله بما دعا إليه، وبعده عن أخذ الأجر عليه، ~~أمره ms5429 بتعظيم من أرسله سبحانه فإنه إذا عظم حق تعظيمه صغر كل شيء دونه، فهان ~~عليه الدعاء وكان له معينا على القبول فقال: {وربك} أي المربي لك خاصة ~~{فكبر *} أي وقم فتسبب عن قيامك بغاية الجد والاجتهاد أن تصفه وحده ~~بالكبرياء قولا واعتقادا على كل حال، وذلك تنزيهه عن الشرك أول كل شيء، ~~وكذا عن كل ما لا يليق به من وصل وفصل، ومن سؤال غيره، والاشتغال بسواه. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ملاءمتها لسورة المزمل واضحة، واستفتاح ~~السورتين من نمط واحد، وما ابتدئت به كل واحدة منهما من جليل خطابه عليه ~~الصلاة والسلام وعظيم تكريمه {يا أيها المزمل} [المزمل: 1] {يا أيها ~~المدثر} [المدثر: 1] والأمر فيهما بما يخصه {قم اليل إلا قليلا نصفه} ~~[المزمل: 2 - 3] الآي، وفي الآخرى {قم فانذر # PageV21P042 # وربك فكبر} [المدثر: 2 - 3] أتبعت في الأولى بقوله: {فاصبر على ما ~~يقولون} [المزمل: 10] وفي الثانية بقوله {ولربك فاصبر} [المدثر: 7] وكل ذلك ~~قصد واحد، واتبع أمره بالصبر في الزمل بتهديد الكفار ووعيدهم {وذرني ~~والمكذبين} [المزمل: 11] الآيات، وكذلك في الأخرى {ذرني ومن خلقت وحيدا} ~~[المدثر: 11] الآيات، فالسورتان واردتان في معرض واحد وقصد متحد - انتهى. # ولما كان تنزيه العبد عن الأدناس لأجل تنزيه المعبود، قال آمرا بتطهير ~~الظاهر والباطن باستكمال القوة النظرية في تعظيمه سبحانه ليصلح أن يكون من ~~أهل حضرته وهو أول مأمور به من رفض العادات المذمومة: {وثيابك فطهر *} أي ~~وقم فخص ثيابك الحسية بإبعادها عن النجاسات بمجانبة عوائد المتكبرين من ~~تطويلها، وبتطهيرها لتصلح للوقوف في الخدمة بالحضرة القدسية، والمعنوية وهي ~~كل ما اشتمل على العبد من الأخلاق المذمومة والعوائد السقيمة من الفترة عن ~~الخدمة والضجر والاسترسال مع شيء من عوائد النفس، وذلك يهون باستكمال القوة ~~النظرية. # ولما أمر بمجانبة الذر في الثياب وأراد الحسية والمعنوية، وكان ذلك ظاهرا ~~في الحسية، وجعل ذلك كناية عن تجنب الأقذار كلها لأن من جنب ذلك ملبسه ~~أبعده عن نفسه من باب الأولى، # PageV21P043 # حقق العموم وأكد فقال: {والرجز} أي كل قذر فإنه سبب الدنايا التي ms5430 هي سبب ~~العذاب، قال في القاموس: الرجز بالكسر والضم: القذر وعبادة الأوثان والعذاب ~~والشرك. {فاهجر *} أي جانب جهارا وعبادة، ليحصل لك الثواب كما كنت تجانبها ~~سرا وعادة، فحصل لك الثناء الحسن حتى أن قريشا إنما تسميك الأمين ولا تناظر ~~لك أحدا منها. # ولما بدأ بأحد سببي القبول، أتبعه الثاني المبعد عن قاصمة العمل من ~~الإعجاب والرياء والملل فقال: {ولا تمنن} أي على أحد بدعائك له أو بشيء ~~تعطيه له على جهة الهبة أو القرض بأن تقطع لذة من أحسنت إليه بالتثقيل عليه ~~بذكرك على جهة الاستعلاء والاستكثار بما فعلته معه، أو لا تعط شيئا حال ~~كونك {تستكثر *} أي تطلب أن تعطي أجرا أو أكثر مما أعطيت - قاله ابن عباس ~~رضي الله عنهما، وهو من قولهم، من - إذا أعطى، وذلك لأنه الأليق بالمعطي من ~~الخلق أن يستقل ما أعطى، ويشكر الله الذي وفقه له، وبالآخذ أن يستكثر ما ~~أخذ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يفعل شيئا لعلة أصلا، بل لله ~~خالصا، فإنه إذا زال الاستكثار حصل الإخلاص، لأنه لا يتعلق همه بطلب ~~الاستمثال، فكيف بالاستقلال، فيكون العمل في غاية الخلوص لا يقصد به ثوابا ~~أصلا، ولا يراد لغير وجه الله تعالى، وهذا هو النهاية في الإخلاص. # PageV21P044 # ولما كان الإنذار شديدا على النفوس يحصل به من المعالجات ما الموت دونه، ~~لأن ترك المألوفات أصعب شيء على النفوس، وكذا ترك الفوائد، قال أمرا ~~بالتحلي بالعاصم بعد التخلي عن القاصم، معلما بأن الأذى من المنذرين أمر لا ~~بد منه فيدخل في الطاعة على بصيرة، فاقتضى الحال لذلك أن الإنذار يهون ~~بالغنى عن الفانين والكون مع الباقي وحده، فأشار إلى ذلك بتقديم الإله ~~معبرا عنه بوصف الإحسان ترغيبا فقال: {ولربك} أي المحسن إليك، المربي لك، ~~المدبر لجميع مصالحك وحده {فاصبر *} أي على مشاق التكاليف أمرا ونهيا وأذى ~~المشركين وشظف العيش وجميع البلايا، فإنه يجزل عطاءك من خير الدارين بحيث ~~لا يحوجك إلى أحد، ويحوج الناس إليك، ويهون عليك حمل المشاق في الدارين ms5431 ولا ~~سيما أمر يوم البعث، فإن من حمل العمل في الدنيا حمله العمل في الآخرة. # ولما كان المقام للإنذار، وكان من رد الأوامر تكذيبا كفر، ومن تهاون بها ~~ما أطاع ولا شكر، حذر من الفتور عنها بذكر # PageV21P045 # ما للمكذب بها، فقال مسببا عن ذلك باعثا على اكتساب الخيرات من غير كسل ~~ولا توقف، مذكرا بأن الملك التقم القرن وأصغى بجبهته انتظارا للأمر بالنفخ، ~~مشيرا بالبناء للمفعول إلى هوانه لديه وخفته عليه مؤذنا بأداة التحقق أنه ~~لا بد من وقوعه: {فإذا نقر} أي نفخ وصوت بشدة وصلابة ونفوذ وإنكاء {في ~~الناقور *} أي الصور وهو القرن الذي إسرافيل عليه السلام ملتقمه الآن وهو ~~مصغ لانتظار الأمر بالنفخ فيه للقيامة، ويجوز أن يراد الأيام التي يقضي ~~فيها بالذل على الكافرين كيوم بدر والفتح وغيرهما كما جعلت الساعة والقيامة ~~كناية عن الموت، فقال صلى الله عليه وسلم: # «من مات فقد قامت قيامته» عبر عنه بالنقر إشارة إلى أنه في شدته كالنقر ~~في الصلب فيكون عنه صوت هائل، وأصل النقر القرع الذي هو سبب الصوت فهو أشد ~~من صدعك لهم بالإنذار للحذار من دار البوار، فهنالك ترد الأرواح إلى ~~أجسادها، فيبعث الناس فيقومون من قبورهم كنفس واحدة، وترى عاقبة الصبر، ~~ويرى أعداؤك عاقبة الكبر، والتعبير فيه بصيغة المبالغة وجعله فاعلا ~~كالجاسوس إشارة إلى زيادة العظمة حتى كأنه هو الفاعل على هيئة هي في غاية ~~الشدة والقوة، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم من ~~النفخ في # PageV21P046 # الصور وقربه فقالوا: «كيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل» ويجوز أن يكون التسبب عن الأمر بالصبر، أي اصبر فلنأخذن بثأرك في ~~ذلك اليوم بما يقر عينك، فيكون تسلية له صلى الله عليه وسلم وتهديدا لهم. # ولما ذكر هذا الشرط هل (؟) الذي صوره بصوره هائلة، أجابه بقوله: {فذلك} ~~أي الوقت الصعب الشديد العظيم الشدة جدا البالغ في ذلك مبلغا يشار إليه ~~إشارة ما هو أبعد بعيد، وهو وقت النقر، ثم أبدل من ms5432 هذا المبتدأ زيادة في ~~تهويله قوله: {يومئذ} أي وقت إذ يكون النقر الهائل {يوم عسير *} أي بالغ ~~العسر {على الكافرين} أي الذين كانوا يستهينون بالإنذار ويعرضون عنه لأنهم ~~راسحون في الكفر الذي هو ستر ما يجب إظهاره من دلائل الوحدانية، ولما كان ~~العسر قد يطلق على الشيء وفيه يسر من بعض الجهات أو يعالج فيرجع يسيرا، بين ~~أنه ليس كذلك بقوله: {غير يسير *} فجمع فيه بين إثبات الشيء ونفي ضده ~~تحقيقا لأمره ودفعا للمجاز عنه وتأييدا لكونه ولأنه غير منقطع بوجه، ~~وتقييده بالكافرين يشعر بتيسره على المؤمنين. # PageV21P047 # ولما آذن هذا بأن أكثر الخلق يوافى يوم القيامة على كفره وخبث طويته وسوء ~~أمره وكان ذلك مما يهم لشفقته صلى الله عليه وسلم # PageV21P047 # على الخلق، ولما يعلم من نصبهم للعداوة، هون أمرهم عليه وحقر شأنهم لديه ~~بوعده بالكفاية بقوله مستأنفا منبها على أسباب الهلاك التي أعظمها الغرور ~~وهو شبهة زوجتها شهوة: {ذرني} أي أتركني على أي حالة اتفقت {ومن} أي مع كل ~~من {خلقت} أي أوجدت من العدم وأنشأت في أطوار الخلقة، حال كونه {وحيدا *} ~~لا مال له ولا ولد ولا شيء، وحال كوني أنا واحدا شديد الثبات في صفة ~~الوحدانية لم يشاركني في صنعه أحد فلم يشكر هذه النعمة بل كفرها بالشرك ~~بالله سبحانه القادر على إعدامه بعد إيجاده. # ولما كان المطغى للإنسان المكنة التي قطب دائرتها المال قال: {وجعلت له} ~~أي بأسباب أوجدتها أنا وحدي لا حول منه ولا قوة بدليل أن غيره أقوى منه ~~بدنا وقلبا وأوسع فكرا وعقلا وهو دونه في ذلك {مالا ممدودا *} أي مبسوطا ~~واسعا ناميا كثيرا جدا عاما لجميع أوقات وجوده، والمراد به كما يأتي الوليد ~~بن المغيرة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان له بين مكة والطائف إبل ~~وحجور ونعم وجنان وعبيد وجوار. # PageV21P048 # ولما كان أول ما يمتد إليه النفس بعد كثرة المال الولد، وكان أحب الولد ~~الذكر، قال: {وبنين} ولما كان الاحتياج إلى فراقهم ولو زمنا يسيرا شاقا، ~~وكان ألزمهم له وأغناهم ms5433 عن الضرب في الأرض نعمة أخرى قال: {شهودا *} أي ~~حضورا معه لغناه عن الأسفار بكثرة المال وانتشار الخدم وقوة الأعوان، وهم ~~مع حضورهم في الذروة من الحضور بتمام العقل وقوة الحذق، فهم في غاية ~~المعرفة بما يزيدهم الاطلاع عليه حيثما أرادهم وجدهم وتمتع بلقياهم، ومع ~~ذلك فهم أعيان المجالس وصدور المحافل كأنه لا شاهد بها غيرهم، منهم خالد ~~الذي من الله بإسلامه، فكان سيف الله تعالى وسيف رسوله صلى الله عليه وسلم. # ولما كان هذا كناية عن سعة الرزق وعظم الجاه، وكان من بسط له في المال ~~والولد والجاه تتوق نفسه إلى إتمام ذلك بالحفظ والتيسير، قال مستعطفا لما ~~كان هكذا بالتذكير بنعمه: {ومهدت} أي بالتدريج والمبالغة {له} أي وطأت ~~وبسطت وهيأت في الرئاسة بأن جمعت له إلى ملك الأعيان ملك المعاني التي منها ~~القلوب، وأطلت عمره، وأزلت عنه موانع الرغد في العيش، ووفرت أسباب الوجاهة ~~له حتى دان لذلك الناس، وأقام ببلده مطمئنا يرجع إلى رأيه الأكابر، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: # PageV21P049 # وسعت له ما بين اليمن إلى الشام فأكملت له من سعادة الدنيا ما أوجب ~~التفرد في زمانه من أهل بيته وفخذه بحيث كان يسمى الوحيد وريحانة قريش فلم ~~يزع هذه النعمة العظيمة: وأكد ذلك بقوله: {تمهيدا *} . # ولما كان قد فعل به ذلك سبحانه، فأورثته هذه النعمة من البطر والاستكبار ~~على من خوله فيها ضد ما كان ينبغي له من الشكر والازدجار، قال محققا أنه ~~سبحانه هو الذي وهبها له وهو الواحد القهار، مشيرا بأداة التراخي إلى ~~استبعاد الزيادة له على حالته هذه من عدم الشكر: {ثم} أي بعد الأمر العظيم ~~الذي ارتكبه من تكذيب رسولنا صلى الله عليه وسلم {يطمع} أي بغير سبب يدلي ~~به إلينا مما جعلناه سبب المزيد من الشكر: {أن أزيد *} أي فيما آتيته من ~~دنياه أو آخرته وهو يكذب رسولي صلى الله عليه وسلم. # ولما كان التقدير: إنه ليطمع في ذلك لأن المال والجاه يجران الشرف ~~والعظمة بأيسر سعي، هذا هو المعروف ms5434 المتداول المألوف، استأنف زجره عن ذلك ~~بمجامع الزجر: علما من أعلام النبوة، وبرهانا قاطعا على صحة الرسالة، فقال ~~ما لا يصح أن يقوله غيره سبحانه # PageV21P050 # لأنه مع أنه لا تردد فيه ولا افتراء طابق الواقع، فلم يزد بعد ذلك شيئا، ~~بل لم يزل في نقصان حتى هلك وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته ~~{كلا} أي وعزتنا وجلالنا لا تكون له زيادة على ذلك أصلا، وأما النقصان ~~فسيرى إن استمر على تكذيبه فليرتدع عن هذا الطمع، وليزدجر وليرتجع، فإنه ~~حمق محض وزخرف بحت، وغرور صرف، ولما ردعه هذا الردع المقتضي ولا بد للإذعان ~~وصادق الإيمان ممن لم يستول عليه الحرمان، علله بقوله مؤكدا لإنكارهم ~~العناد والمعاد: {إنه} أي هذا الموصوف {كان} بخلق كأنه جبلة له وطبع لا ~~يقدر على الانفكاك عنه {لآياتنا} على ما لها من العظمة خاصة لكونها هادية ~~إلى الوحدانية، لا لغيرها من الشبه القائدة إلى الشرك {عنيدا *} أي بالغ ~~العناد على وجه لا يعد عناده لغيرها بسبب مزيد قبحه عنادا، والعناد - كما ~~قال الملوي: من كبر في النفس أو يبس في الطبع أو شراسة في الأخلاق أو خبل ~~في العقل، وقد جمع ذلك كله إبليس، لأنه خلق من نار. وهي من طبعها اليبوسة ~~وعدم الطواعية، وحقيقته ميل عن الجادة، ومجاوزة للحد مع الإصرار واللزوم، ~~ومنه مخالفة الحق مع المعرفة بأنه حق. # ولما كان هذا محرا للتشوف إلى بيان هذا الردع، وكان العناد غلظة في الطبع ~~وشكاسة في الخلق يوجب النكد والمشقة جعل # PageV21P051 # جزاءه من جنسه فقال: {سأرهقه} أي ألحقه بعنف وغلظة وقهر إلحاقا يغشاه ~~ويحيط به بوعيد لا خلف فيه {صعودا *} أي شيئا من الدواهي والأنكاد كأنه ~~عقبة، فإن الصعود لغة العقبة شاق المصعد جدا، وروى الترمذي عن أبي سعيد رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من نار يتصعد فيه سبعين ~~خريفا ثم يهوي، وفي رواية: أنه كلما وضع يده في معالجة الصعود ذابت، فإذا ~~رفعها عادت وكذا رجله، وقال الكلبي: ms5435 إنه صخرة ملساء في النار يكلف أن ~~يصعدها بجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد فيصعدها ~~في أربعين عاما، فإذا بلغ ذروتها أسقط إلى أسفلها ثم يكلف أن يصعدها، فذلك ~~دأبه أبدا. # PageV21P052 # ولما حصل التشوف إلى بعض ما عاند به الآيات، قال مبينا لذلك مؤكدا ~~لاستبعاد العقلاء لما صنع لبعده عن الصواب ومعرفة كل ذي لب أنه كذب: {إنه} ~~أي هذا العنيد {فكر} أي ردد فكره وأداره تابعا لهواه لأجل الوقوع على شيء ~~يطعن به في القرآن {وقدر*} أي أوقع تقديرا للأمور التي يطعن بها فيه ~~وقايتها # PageV21P052 # في نفسه ليعلم أيها أقرب إلى القبول. ولما كان تفكيره وتقديره قد أوقع ~~غيره في الهلاك بمنعه من حياة الإيمان أصيب هو بما منعه من حياة نافعة في ~~الدارين، وذلك هو الهلاك الدائم. ولما كان الضار إنما هو الهلاك لا كونه من ~~معين، سبب عن ذلك بانيا للمفعول قوله مخبرا وداعيا دعاء مجابا لا يمكن ~~تخلفه: {فقتل} أي هلك ولعن وطرد في دنياه هذه. ولما كان التقدير غاية ~~التفكير، وكان التفكير ينبغي أن يهديه إلى الصواب فقاده إلى الغي، عجب منه ~~فقال منكرا عليه معبرا بأداة الاستفهام إشارة إلى أنه مما يتعجب منه ويسأل ~~عنه: {كيف قدر *} أي على أي كيفية أوقع تقديره هذا، وإذا أنكر مطلق الكيفية ~~لكونها لا تكاد لبطلانها تتحقق، كان إنكار الكيف أحق. # ولما كان وقوعه في هذا الطعن عظيما جدا لما فيه من الكذب المفضوح ومن ~~معاندة من هو القوي المتين المنتقم القهار العظيم ومن غير ذلك من الوجوه ~~المبعدة عن الوقوع فيه، أكد المعنى زجرا عن مثله وحثا على التوبة منه، فقال ~~معبرا بأداة البعد دلالة على عظمة هذا القتل بالتعبير بها وبالتكرار: {ثم ~~قتل} أي هلك ولعن هذا العنيد هلاكا ولعنا هو في غاية العظمة فيما بعد الموت ~~في البرزخ والقيامة {كيف قدر *} ولما كان الماهر بالنظر إذا فكر وصحح فكره ~~نظر في # PageV21P053 # لوازمه قال مشيرا إلى طول ترويه: {ثم نظر *} أي فيما ms5436 يدفع به أمر القرآن ~~مرة بعد أخرى، وفي ذلك إشارة إلى قبح أفعاله، فظهور الحق له مع إصراره فإن ~~تكرار النظر في الحق لا يزيده على كل حال إلا ظهورا وفي الباطل لا يزيده ~~إلا ضعفا وفتورا. # ولما كان من فعل كذلك فظهر له فساد رأيه ووقف مع حظ نفسه يصير يعبس ويفعل ~~أشياء تتغير لها خلقته من غير اختياره قال: {ثم عبس} أي قطب وجهه وكلح ~~فتربد وجهه مع تقبض جلده ما بين العينين بكراهة شديدة كالمتهم المتفكر في ~~شيء وهو لا يجد فيه فرجا لأنه ضاقت عليه الحيل لكونه لم يجد فيما جاء به ~~النبي صلى الله عليه وسلم مطعنا {وبسر *} اتباع لعبس تأكيدا لها، وربما ~~أفهمت أنه سبر ما قاله ووزنه بميزان الفكر وتتبعه تتبعا مفرطا حتى رسخت فيه ~~قدمه، كذا قالوا إنها اتباع إن أريد به التأكيد وإلا فقد وردت مفردة، قال ~~في القاموس: بسر - إذا عبس، وبسر الحاجة: طلبها في غير أوانها، وبسر الدين: ~~تقاضاه قبل محله، فكأنه لما طال عليه التفكير صار يستعجل حصوله إلى مراده، ~~ويقال: بسر - إذا ابتدأ الشيء، فكأنه لما عبس خطر له السحر فابتدأ في إبداء ~~ما سنح له من أمره، قال ابن برجان: # PageV21P054 # البسور هيئة في الوجه تدل على تحزن في القلب. # ولما كان هذا النظر على هذا الوجه أمدح شيء للمنظور فيه إذا لم يوصل منه ~~إلى طعن، وكان ظاهره إنه لتطلب الحق، فكان الإصرار معه على الباطل في غاية ~~البعد، قال دالا على ذلك من المدح وعدم وجدان الطعن معبرا بأداة البعد: ~~{ثم} أي بعد هذا التروي العظيم {أدبر} أي عما أداه إليه فكره من الإيمان ~~بسلامة المنظور فيه وعلوه عن المطاعن، فحاد عن وجوه الأفكار إلى أقفائها ~~{واستكبر *} أي وأوجد الكبر عن الاعتراف بالحق إيجاد من هو في غاية الرغبة ~~فيه، وكان هذا غاية العناد، فكان معنى العنيد {فقال} أي عقب ما جره إليه ~~طبعه الخبيث من إيقاع الكبر على هذا الوجه لكونه رآه نافعا لهم ms5437 في الدنيا ~~ولم يفكر في عاقبة ذلك من جهة الله، وأنه سبحانه لا يهدي كيد الخائنين ولا ~~ينجح مراد الكاذبين، ونحو هذا مما جربوه في دنياهم فكيف رقى نظره إلى أمر ~~الآخرة، وأكد الكلام لما يعلم من إنكار من يسمعه فقال: {إن} أي ما {هذا} أي ~~الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم {إلا سحر} أي أمور تخييلية لا حقائق ~~لها، وهي لدقتها بحيث تخفى أسبابها. # ولما كان من المعلوم لهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما سحر قط ولا تعلم ~~سحرا، فكان من ادعى ذلك علم كذبه بأدنى نظر بعد # PageV21P055 # الأمر بقدر استطاعته فقال: {يؤثر *} أي من شأنه أن ينقله السامع له من ~~غيره، فهو لقوة سحريته وإفراطها في بابها يفرق بمجرد الرواية بين المرء ~~وزوجه وبين المرء وأبيه وابنه إلى غير ذلك من العجائب التي تنشأ عنه. ولما ~~كان السامع يجوز أن يكون مأثورا عن الله فيوجب له ذلك الرغبة فيه، قال من ~~غير عاطف كالمبين للأول والمؤكد له، وساقه على وجه التأكيد بالحصر لعلمه أن ~~كل ذي بصيرة ينكر كلامه: {إن} أي ما {هذا} أي القرآن {إلا قول البشر *} أي ~~ليس فيه شيء عن الله فلا يغتر أحد به ولا يعرج عليه، وقد مدحه بهذا الذم ~~بعد هذا التفكير كله من حيث إنه أثبت أنه معجوز عنه لأغلب الناس كما يعجزون ~~عن السحر فسكت ألفا ونطق خلفا، فكان شبيها من بعض الوجوه بما قاله بعضهم: # لو قيل «كم خمس وخمس» لاغتدى ... يوما وليلته يعد ويحسب # ويقول معضلة عجيب أمرها ... ولئن عجبت لها الأمري أعجب # حتى إذا خدرت يداه وعورت ... عيناه مما قد يخط ويكتب # أوفى على شرف وقال ألا انظروا ... ويكاد من فرح يجن ويسلب # خمس وخمس ستة أو سبعة ... قولان قالهما الخليل وثعلب # وهكذا كل حق يجد المبالغ في ذمه لا ينفك ذمه عن إفهام مدح له # PageV21P056 # ينقض كلامه، ولكن أين النقاد المعدود من الأفراد بين العباد، وهذا الكلام ~~صالح لعموم كل من خلقه ms5438 سبحانه هكذا في الروغان من الحق لما تفضل الله به ~~عليه من الرئاسة لأن أهل العظمة في الدنيا هم في الغالب القائمون في رد ~~الحق والتعاظم على أهله كما ذكر هنا ولا ينافي ذلك ما قالوه: إنها نزلت في ~~الوليد بن المغيرة المخزومي، بل ذلك من إعجاز كلام الله تعالى أن تنزل ~~الآية في شخص فتبين حاله غاية البيان ويعم غيره ذلك البيان، قالوا: كان ~~للوليد هذا عشرة من البنين، كل واحد منهم كبير قبيلة، ولهم عبيد يسافرون في ~~تجاراتهم ويعملون احتياجاتهم، ولا يحوجونهم إلى الخروج من البلد لتجارة ولا ~~غيرها، وأسلم منهم ثلاثة: الوليد بن الوليد وخالد وهشام، وقيل: إنه لما نزل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم أول سورة غافر إلى قوله: {المصير} [غافر: 3] ~~أو أول «فصلت» قرأها النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد والوليد يسمعه، ~~فأعاد القراءة فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم، والله لقد سمعت ~~من محمد صلى الله عليه وسلم آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام ~~الجن، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمعذق، ~~وإنه ليعلو ولا يعلى، ثم انصرف # PageV21P057 # فقالت قريش: صبا والله الوليد، والله لتصبون قريش كلها، وكان يقال للوليد ~~ريحانة قريش، فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد إلى جنب الوليد ~~حزينا، فقال الوليد: ما لي أراك حزينا يا ابن أخي؟ قال: وما يمنعني وهذه ~~قريش تجمع لك نفقة تعينك بها على كبر سنك وتزعم أنك صبوت، لتدخل على ابن ~~أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهم، فغضب الوليد وقال: ألم تعلم ~~قريش أني من أكثرها مالا وولدا، وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون لهم ~~فضل؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه وأداروا الرأي فيما يقولونه في ~~القرآن فقالوا له: ما تقول في هذا الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ ~~قال: قولوا أسمع لكم، قالوا: شعر، قال: ليس بشعر، قد علمنا ms5439 الشعر كله، وفي ~~رواية: هل رأيتموه يتعاطى شعرا؟ قالوا: كهانة، قال: ليس بكهانة، هل رأيتموه ~~يتكهن؟ فعدوا أنواع البهت التي رموا بها القرآن فردها، وأقام الدليل على ~~ردها، وقال: لا تقولوا شيئا من ذلك إلا أعلم أنه كذب، قالوا: فقل أنت وأقم ~~لنا فيه رأيا نجتمع عليه، قال: أقرب ذلك إليه السحر، هو يفرق بين المرء ~~وأبيه وبين المرء وزوجه وعشيرته، فافترقوا على ذلك، وكان # PageV21P058 # قوله هذا سبب هلاكه فكان كما قال بعضهم: # احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك إنه ثعبان # كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تخاف لقاءة الشجعان # PageV21P059 # ولما انقضى بيان عناده فحصل التشوف لتفصيل جزائه في معاده، قال مبينا ~~لبعض ما أفهمه إرهاقه الصعود: {سأصليه} أي بوعيد لا بد منه عن قرب {سقر *} ~~أي الدركة النارية التي تفعل في الأدمغة من شدة حموها ما يجل عن الوصف، ~~فأدخله إياها وألوحه في الشدائد حرها وأذيب دماغه بها، وأسيل ذهنه وكل ~~عصارته بشديد حرها جزاء على تفكيره، هذا الذي قدره وتخيله وصوره بإدارته في ~~طبقات دماغه ليحرق أكباد أولياء الله وأصفيائه. # ولما أثبت له هذا العذاب عظمه وهوله بقوله: {وما أدراك} أي أعلمك وإن ~~اجتهدت في البحث {ما سقر *} يعني أن علم هذا خارج عن طوق البشر لا يمكن أن ~~يصل إليه أحد منهم بإعلام الله له لأنه أعظم من أن يطلع عليه بشر. ولما ~~أثبت لها هذه العظمة، زادها عظما ببيان فعلها دون شرح ماهيتها فقال: {لا ~~تبقى} أي سقر هذه لا تترك شيئا يلقى فيها على حالة البقاء على ما كان # PageV21P059 # عليه {ولا تذر *} أي تترك على حالة من الحالات ولو كانت أقبح الحالات ~~فضلا عما دونها، بل هي دائمة الإهلاك لكل ما أذن فيه والتغيير لأحوال ما ~~أذن لها في عذابه، ولم يؤذن في محقه بالكلية، لكل شيء فترة وملال دونها. # ولما كان تغير حال الإنسان إلى دون ما هو عليه غائطا له موجعا إذا كان ~~ذلك تغير لونه لأن الظاهر عنوان الباطن، قال الله ms5440 تعالى دالا على شدة فعلها ~~في ذلك: {لواحة} أي شديدة التغيير بالسواد والزرقة واللمع والاضطراب ~~والتعطيش ونحوها من الإفساد من شدة حرها، تقول العرب: لاحت النار الشيء - ~~إذا أحرقته وسودته {للبشر *} أي للناس أو لجلودههم، جمع بشرة وجمع البشر ~~أبشار {عليها} أي مطلق النار بقرينة ما يأتي من الخزنة {تسعة عشر *} أي ~~ملكا، لطبقة المؤمنين وهي العليا ملك واحد، وللست الباقية ثمانية عشر، لكل ~~واحدة ثلاثة، لأن الواحد يؤازر بثان، وهما يعززان بثالث، فلذا والله أعلم ~~كانوا ثلاثة، أو لأن الكفر يكون بالله وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم، ~~فكان لكل تكذيب في كل طبقة من طبقاتها الست ملك أو صنف من الملائكة، وعلى ~~الأول في كونهم أشخاصا بأعيانهم أكثر المفسرين، وقد علم مما مضى أنهم غلاظ ~~شداد كل واحد منهم يكفي لأهله الأرض كلهم كما أن ملكا واحدا وكل # PageV21P060 # بقبض جميع الأرواح، وجاء في الآثار أن أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم ~~كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت ~~منهم الرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم، قال عمرو بن ~~دينار: إن واحدا منهم يدفع بالدفعة الواحدة أكثر من ربيعة ومضر. # وقيل: إن هذه العدة لمكافأة ما في الإنسان من القوى التي بها ينتظم ~~قوامه، وهي الحواس الخمس الظاهرة: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، ~~والخمس الباطنة: المتخيلة والواهمة والمفكرة والحافظة والذاكرة، وقوتا ~~الشهوة والغضب، والقوى الطبيعية السبع: الماسكة والهاضمة والجاذبة والدافعة ~~والغاذية والنامية والمولدة، وقيل: اختير هذا العدد لأن التسعة نهاية ~~الآحاد، والعشرة بداية العشرات، فصار مجموعهما جامعا لأكثر القليل وأقل ~~الكثير، فكان أجمع الأعداد، فكان إشارة إلى أن خزنتها أجمع الجموع، ويروى ~~عن ابن مسعود رضي الله عنه أن قراءة البسملة تنجي # PageV21P061 # من خزنة النار فإنها تسعة عشر حرفا، كل حرف منها لملك منهم. # PageV21P062 # ولما كان هذا غير مميز للمعدود، وكانت الحكمة في تعيين هذا العد غير ~~ظاهر، وكان هذا العدد مما يستقله المتعنت فيزيده كفرا، قال تعالى مبينا ~~لذلك: {وما ms5441 جعلنا} أي بما لنا من العظمة وإن خفي وجه العظمة فيه على من عمي ~~قلبه {أصحاب النار} أي خزنتها {إلا ملائكة} أي إنهم ليسوا من جنس المعذبين ~~فيرقوا لهم ويطيق المعذبون محاولتهم أو يستريحوا إليهم وهم أقوى الخلق، وقد ~~تكرر عليكم ذكرهم وعلمتم أوصافهم وأنهم ليسو كالبشر بل الواحد منم يصيح ~~صيحة واحدة فيهلك مدينة كاملة كما وقع لثمود، فكيف إذا كا كل واحد من هؤلاء ~~الخزنة رئيسا تحت يده من الجنود ما لا يحصيه إلا الله تعالى {وما جعلنا} ~~على ما لنا من العظمة {عدتهم} أي مذكورة ومحصورة فيما ذكرنا {إلا فتنة} أي ~~حالة مخالطة مميلة محيلة {للذين كفروا} أي أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى ~~الوجوه، فإنهم يستقلونه ويستهزئون به ويتعنتون أنواعا من التعنت بحيث إن ~~بعض أغبياء قريش وهو أبو جهل، # PageV21P062 # قال: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يقول كذا وأنتم ألدهم، أيعجز كل ~~عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم، فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي - ~~وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين، وهذا كله على ~~سبيل الاستهزاء، فإنهم مكذبون بالبعث الذي هذا من آثاره، وكان في علم أهل ~~الكتاب أن هذه العدة عدتهم، وأن العرب إذا سمعوا هذه العدة كانت سببا للشك ~~أكثرهم وموضعا للتعنت، فلذلك علق بالفتنة أو ب «جعلنا» قوله: {ليستيقن} أي ~~يوجد اليقين إيجادا تاما كأنه بغاية الرغبة {الذين أوتوا الكتاب} بناه ~~للمفعول لأن مطلق الإيتاء كاف في ذلك من غير احتياج إلى تعيين المؤتي مع ~~أنه معروف أنه هو الله، قال البغوي: مكتوب في التوراة والإنجيل أنهم تسعة ~~عشر. {ويزداد الذين آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أدنى الوجوه إلى ~~ما عندهم من الإيمان {إيمانا} بتصديق ما لم يعلموا وجه حكمته لا سيما مع ~~افتتان غيرهم به وكثرة كلامهم فيه، فإن الإيمان بمثل ذلك يكون أعظم. # ولما أثبت لكل من الجاهل والعالم ما أثبت، أكده بنفي ضده مبينا للفتنة ~~فقال: {ولا يرتاب} أي يشك شكا يحصل ms5442 بتعمد وتكسب {الذين أوتوا الكتاب} لما ~~عندهم من العلم المطابق لذلك، قال ابن برجان: وروى جابر بن عبد الله رضي ~~الله عنهما «إن قوما من أهل # PageV21P063 # الكتاب جاؤوا إليه في قضية - فيها طول، وفيها أنهم سالوه عن خزنة جهنم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده هكذا وهكذا، في مرة عشرة وفي مرة ~~تسعة، فقالوا: بارك الله فيك يا أبا القاسم، ثم سألهم: ما خزنة الجنة؟ ~~فسكتوا هيبة ثم قالوا: خبزة يا أبا القاسم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: الخبزة من الدرمك» # {والمؤمنون} أي لا يرتاب الذين رسخ الإيمان عندهم لما رأوا من الدلائل ~~التي جعلتهم في مثل ضوء النهار {وليقول الذين} استقر {في قلوبهم مرض} أي شك ~~أو نفاق وإن قل، ونزول هذه السورة قبل وجود المنافقين علم من أعلام النبوة، ~~ولا ينكر جعل الله تعالى بعض الأمور علة لمصالح ناس وفساد آخرين، لأنه لا ~~يسأل عما يفعل على أن العلة قد تكون مقصودة لشيء بالقصد الأول، ثم يرتب ~~عليها شيء آخر يكون قصده بالقصد الثاني تقول: خرجت من البلد لمخالفة أكثر ~~ومخافة الشر لا يتعلق بها الغرض {والكافرون} أي ويقول الراسخون في الكفر ~~الجازمون بالتكذيب المجاهرون به الساترون لما دلت عليه الأدلة من الحق ~~{ماذا} أي أي شيء {أراد الله} أي الملك الذي له جميع العظمة {بهذا} : أي ~~العدد القليل في جنب عظمته {مثلا} أي من جهة أنه صار بذلك مستغربا استغراب ~~المثل، أو أن ذلك إشارة إلى أنه ليس المراد به ظاهره بل # PageV21P064 # مثل لشيء لم يفهموه وفهموا أن بين استجماعه للعظمة وهذا العدد عنادا، وما ~~علموا أن القليل من حيث العدد قد يكون أعظم بقوته من الكثير العدد، ويكون ~~أدل على استجماع العظمة. ولما كان التقدير: أراد بهذا إضلال من ضل وهو لا ~~يبالي، وهداية من اهتدى وهو لا يبالي، كان كأنه قيل: هل يفعل مثل هذا في ~~غير هذا؟ فقال جوابا: {كذلك} أي مثل هذا المذكور من الإضلال والهداية {يضل ~~الله} أي ms5443 الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز {من يشاء} بأي كلام شاء {ويهدي} ~~بقدرته التامة {من يشاء} بنفس ذلك الكلام أو بغيره، وذلك من حكم جعل الخزنة ~~تسعة عشر والإخبار عنهم بتلك العدة فإن إبراز الأحكام على وجه الغموض من ~~أعظم المهلكات والمسعدات، لأن المنحرف الطباع يبحث عن عللها بحثا متعنتا، ~~فإذا عميت عليه قطع ببطلان تلك الأحكام أو شك، وربما أبى الانقياد، وذلك هو ~~سبب كفر إبليس والمستقيم المزاج يبحث مع التسليم فإن ظهر له الأمر ازداد ~~تسليما وإلا قال: آمنت بذلك كل من عند ربنا - فكان في غاية ما يكون من تمام ~~الانقياد لما # PageV21P065 # يعلم سره - رزقنا الله التسليم لأمره وأعاننا على ذكره وشكره. # ولما كان هذا مما يوهم قلة جنوده تعالى، أتبعه ما يزيل ذلك فقال: {وما} ~~أي والحال أنه ما {يعلم جنود ربك} أي المحسن إليك بأنواع الإحسان المدبر ~~لأمرك بغاية الإتقان من جعل النار وخزنتها وجعلهم على هذه العدة وغير ذلك، ~~فلا تعلم عدتهم لأجل كثرتهم وخروجهم عن طوق المخلوق وما هم عليه من الأوصاف ~~في الأجساد والمعاني {إلا هو} أي الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال، فلو ~~أراد لجعل الخزنة أكثر من ذلك، فقد روي أن البيت المعمور يدخله كل يوم ~~سبعون ألفا من الملائكة لا تعود إليهم نوبة أخرى، وقد ورد أن الأرض في ~~السماء كحلقة ملقاة في فلاة وكل سماء في التي فوقها كذلك، وقد ورد في ~~الخبر: أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم ~~يصلي. # وإنما خص هذا العدد لحكم لا يعلمها إلا هو، ومن أراد إطلاعه على ذلك من ~~عباده مع أن الكفاية تقع بدون ذلك، فقد كان في الملائكة من اقتلع مدائن قوم ~~لوط وهي سبع ورفعها إلى عنان السماء، وكل ما في الإنسان من الجواهر # PageV21P066 # والإعراض من جنود الله لو سلط عليه شيء من نفسه لأهلكه: لو تحرك عرق ساكن ~~أو سكن متحرك أو انسد مجوف أو تجوف منسد لهلك. # ولما ذكر شيئا ms5444 من أسرار سوق الأخبار عنها غامضا، وكان ذلك من رحمة العباد ~~ليفتح لهم بابا إلى التسليم لما يغمض من تذكيرهم بأمر مليكهم لأن العاجز لا ~~يسعه في المشي على قانون الحكمة إلا التسليم للقادر وإلا أهلك نفسه وما ضر ~~غيرها، خص أمرها في التذكير تأكيدا للإعلام تذكيرا بالنعمة لأجل ما لأغلب ~~المخاطبين من اعوجاج الطباع المقتضي للرد والإنكار، المقتضي لسوق الكلام ~~على وجه التأكيد فقال: {وما هي} أي النار التي هي من أعظم جنوده سبحانه ~~وتعالى: {إلا ذكرى للبشر} أي تذكرة عظيمة لكل من هو ظاهر البشرة فبدنه أقبل ~~شيء للتأثر بها لأجل ما يعرفون منها في دنياهم، وإلا فهو سبحانه وتعالى ~~قادر على إيجاد ما هو أشد منها وأعظم وأكثر إيلاما مما لا يعلمه الخلائق. # PageV21P067 # ولما كان حصرها في الذكرى ربما أوهم نقصا في أمرها يوجب لبعض المعاندين ~~ريبة في عظمه وأنه لا حقيقة لها ولا عذاب فيها، قال رادعا من ذلك ومنبها ~~على الاستعداد والحذر بكلمة لاردع # PageV21P067 # والتنبيه: {كلا} أي إياك أن ترتاب في أهوالها وعظيم أمرها وأحوالها ~~وأوجالها لأن الأمر أطم وأعظم مما يخطر بالبال، فليرتدع السامع ولينزجر. # ولما حصر أمرها في الذكرى ونفى أن يظن بها نقص فيما جعلت له تأكيدا ~~للكلام إشارة إلى ما لأغلب المخاطبين من الشكاسة والعوج إيقاظا مما هم فيه ~~من الغفلة وتلطيفا لما لهم من اللوم والكثافة وتنبيها لهم على السعي في ~~تقويم أنفسهم بما يستعملونه من الأدوية التي يرشدهم سبحانه إلى علاج أمراض ~~القلوب بها، زاد الأمر تأكديا فأقسم على ذلك بما هو ذكرى للناس ولا يظهر ~~معه ظلام الليل كما أن ضياء القرآن لا يظهر معه ظلام الجهل من أعمل عين ~~فكرته، وألقى حظوظ نفسه، فقال: {والقمر *} أي الذي هو آية الليل الهادية ~~لمن ضل بظلامه {واليل إذا أدبر *} أي مضى فانقلب راجعا من حيث جاء فانكشف ~~ظلامه فزال الجهل بانكشافه، وانصرفت الريب والشكوك بانصرافه {والصبح إذا ~~أسفر *} أقبل ضياؤه فجل العلم بحلوله، وحصلت الهداية بحصوله، أو دبر بمعنى ms5445 ~~«أقبل» قال قطرب: تقول العرب: دبرني فلان أي جاء خلفي. # ولما أقسم على ما أخبر به من ذكراها، وأكده لإنكارهم العظيم لبلاياها # PageV21P068 # استأنف تعظيمها والتخويف منها تأكيدا للتخويف لما تقدم من الإنكار فقال: ~~{إنها} أي النار التي سقر دركة من دركاتها، وزاد في التأكيد على مقتضى ~~زيادتهم في الاستهزاء فقال: {لإحدى الكبر *} أي من الدواهي والعظائم، جمع ~~كبيرة وكبرى، وهو كناية عن شدة هولها كما يقول: هو أحد الرجال أي لا مثل ~~له، أو المراد بها واحدة سبع هي غاية في الكبر أي دركات النار، وهو جهنم ~~فلظى فالحطمة فالسعير فسقر فالجحيم فالهاوية، هي إحداها في عظيم أقطارها ~~وشديد إيلامها وإضرارها، حال كونها {نذيرا} عظيما أو من جهة نذارتها أو ~~إنذارا بالغا: فعيل بمعنى المصدر مثل {فكيف كان نكير} [الملك: 18] أي ~~إنكاري، وعبر بقوله: {للبشر *} لما تقدم من الإشارة إلى إسراع الجسم العادي ~~في قبول التأثر لا سيما بالنار. # ولما كان التقدم عند الناس لا سيما العرب محبوبا والتأخر مكروها، وكان ~~سبحانه وتعالى قد خلق في الإنسان قوة واختيارا بها يفعل ما قدره الله له ~~وغطى عنه علم العاقبة حتى صار الفعل ينسب إليه وإن كان إنما هو بخلق الله، ~~قال تعالى باعثا لهم على الخير ومبعدا من الشر مستأنفا أو مبدلا جوابا لمن ~~يقول: وما عسى أن نفعل؟ أو ينفع # PageV21P069 # الإنذار وقد قال إنه هو الهادي المضل {يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} ~~{لمن شاء} أي بإرادته، وصرح بالمقصود لئلا يتعنت متعنتهم فيقول: المراد ~~غيرنا، فقال: {منكم} أي أيها المعاندون {أن يتقدم} أي إلى الخيرات {أو ~~يتأخر *} أي عنها فيصل إلى غضب الله تعالى والنار التي هي أثر غضبه، التي ~~جعل ما عندنا من مؤلم الحر ومهلك البرد متأثرا عن نفسيها تذكيرا لنا ورحمة ~~بنا، وحذف المفعول لأن استعماله كثير حتى صار يعرف وإن لم يذكر، وترجمة ~~ذلك: لمن شاء أن يتقدم التقدم بما له من المكنة والاختيار في ظاهر الأمر، ~~ولمن شاء أن يتأخر التأخر، و {أن ms5446 يتقدم} مبتدأ، وهو مثل «لمن يتوضأ أن ~~يصلي» ويجوز أن تكون الجملة بدلا من «للبشر» على طريق الالتفات من الغائب ~~إلى الحاضر ليصير كل مخاطب به كأنه هو المقصود بذلك بالقصد الأول فيتأمل ~~المعنى في نفسه فيجده صادقا ثم يتأمل فلا يجد مانعا من تعديته إلى غيره من ~~جميع البشر، ويكون «أن» والفعل على هذا مفعولا ل «شاء» . # ولما كان التقدم والتأخر بالأفعال، وكان أكثر أفعال الإنسان الشر لما جبل ~~عليه من النقصان، قال مبينا لما يقدم وما يؤخر {كل نفس} أي ذكر أو أنثى على ~~العموم {بما كسبت} أي خاصة # PageV21P070 # لا بما كسب غيرها {رهينة *} أي مرتهنة بالفعل، اسم بمعنى. الرهن كما في ~~قول الحماسي: # أبعد الذي بالنعف نعف كويكب ... رهينة رمس ذي تراب وجندل # لا تأنيث «رهين» الذي هو وصف، لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي مذكره ومؤنثه، ~~ولو كانت الفواصل التي يعبرون بها عن السجع تأدبا تراعى في القرآن بوجه ~~لقيل: رهين - لأجل يمين، ولكن لا نظر فيه لغير المعنى، ويجوز أن تكون الهاء ~~للمبالغة بمعنى موثقة إيثاقا بليغا محبوسة حبسا عظيما فهي في النار، فجعل ~~الأصل في الكسب الموثق. # ولما كان الرهن تارة يفك وتارة يغلق، وكان أكثر الخلق هالكا، جعل رهينة ~~بمعنى هالكة، ثم استثنى الممدوح فقال: {إلا أصحاب اليمين *} أي الذين تقدم ~~وصفهم وهم الذين تحيزوا إلى الله فائتمروا بأوامره وانتهوا بنواهيه، فإنهم ~~لا يرتهنون بأعمالهم، بل يرحمهم الله فيقبل حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم. # ولما أخرجهم عن حكم الارتهان الذي أطلق على الإهلاك لأنه # PageV21P071 # سببه، استأنف بيان حالهم فقال: {في جنات} أي بساتين في غاية العظم لأنهم ~~أطلقوا أنفسهم وفكوا رقابهم فلم يرتهنوا، فالآية من الاحتباك: أثبت أولا ~~الارتهان دليلا على حذف ضده ثانيا، وأثبت ثانيا الجنة دليلا على حذف ضدها ~~أولا. # ولما كان السؤال عن حال الغير دالا دلالة واضحة على الراحة والفراغ عن كل ~~ما يهم النفس، عبر عن راحتهم في أجل وعظ وألطف تحذير بقوله: {يتساءلون *} ~~أي فيما بينهم يسأل بعضهم بعضا ms5447 {عن المجرمين *} أي أحوال العريقين في قطع ~~ما أمر الله به أن يوصل. # PageV21P072 # ولما كان يوم القيامة في غاية الصعوبة وكان أحد مشغولا بنفسه، فكان لا ~~علم له بتفاصيل ما يتفق لغيره، وكان أولياء الله إذا دخلوا دار كرامته ~~أرادوا العلم بما فعل بأعدائهم فيه سبحانه، فتساءلوا عن حالهم فقال بعضهم ~~لبعض: لا علم لنا، فكشف الله - لهم عنهم حتى رأوهم في النار وهي تسعر بهم ~~ليقر الله أعينهم بعذابهم، زيادة في نعيمهم وثوابهم، كما تقدم في الصافات ~~عند قوله {قال قائل منهم إني كان لي قرين} [الصافات: 51] وكان بساط - ~~الكلام دالا على هذا كله، أشار لنا سبحانه إليه بقوله حكاية عما يقول لهم ~~أولياؤهم توبيخا # PageV21P072 # وتعنيفا وشماتة وتقريعا تصديقا لقوله تعالى {فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون} [المطففين: 34] الآية، ولتكون حكاية ذلك موعظة للسامعين ~~وذكرى للذاكرين: {ما} هي محتملة للتوبيخ والتعجيب {سلككم} أي أدخلكم أيها ~~المجرمون إدخالا هو في غاية الضيق حتى كأنكم السلك في الثقب {في سقر *} ~~فكان هذا الخطاب مفهما لأنهم لما تساءلوا نفوا العلم عن أنفسهم، وكان من ~~المعلوم أن نفي العلم لأنهم شغلوا عن ذلك بأنفسهم وأنهم ما شغلوا - مع ~~كونهم من أهل السعادة - إلا لأن ذلك اليوم عظيم الشواغل، وكان من المعلوم ~~أنه إذا تعذر عليهم علم أحوالهم من أهل الجنة وهم غير مريدين الشفاعة فيهم ~~فلم يبق لهم طريق إلى علم ذلك لا يظن به التعريض للشفاعة إلا السؤال منهم ~~عن أنفسهم في أنهم يخاطبونهم بذلك فيعلمون علمهم ليزدادوا بذلك غبطة وسرورا ~~بما نجاهم الله من مثل حالهم ويكثروا من الثناء على الله تعالى بما وفقهم ~~له وليكون ذلك عظة لنا بسماعنا إياه فحكى الله أنهم لما سألوهم {قالوا} ~~ذاكرين علة دخولهم النار بإفساد قوتهم العملية في التعظيم لأمر الله فذلكة ~~لجميع ما تقدم من # PageV21P073 # مهمات السورة بما حاصله أنهم لم يتحلوا بفضيلتين ولم يتخلوا عن رذيلتن ~~تعريفا بأنهم كانوا مخاطبين بفروع الشريعة، وفي البداءة بالعمل تنبيه على ~~أنه يجب على العاقل المبادرة ms5448 إلى ما يأمره به الصادق لأنه المصدق لحسن ~~الاعتقاد، والمبادرة إلى التلبس بالعمل أسهل من المبادرة إلى التلبس ~~بالعلم، لأن العمل له صورة وحقيقة، ومطلق التصوير أسهل من التحقيق، ومن صور ~~شيئا كان أقرب إلى تحقيقه ممن لم يصوره، فكان أجدر بتحقيقه ممن لم يباشر ~~تصويره، ففيه حث على المسابقة إلى الأعمال الصالحة وإن لم تكن النية خالصة، ~~وإيذان بأن من أدمن ترك الأعمال قاده إلى الانسلاخ من حسن الاعتقاد، وورطه ~~في الضلال، {لم نك} حذفوا النون دلالة على ما هم فيه من الضيق عن النطق حتى ~~بحرف يمكن الاغتناء عنه، ودلالة على أنه لم يكن لهم نوع طبع جيد يحثهم على ~~الكون في عداد الصالحين، وكان ذلك مشيرا إلى عظيم ما هم فيه من الدواهي ~~الشاغلة بضد ما فيه أهل الجنة من الفراغ الحامل لهم على السؤال عن أحوال ~~غيرهم، وكان ذلك منبها على فضيلة العلم: {من المصلين *} أي # PageV21P074 # صلاة يعتد بها، فكان هذا تنبيها على أن رسوخ القدم في الصلاة مانع من مثل ~~حالهم، وعلى أنهم يعاقبون على فروع الشريعة وإن كانت لا تصح منهم، فلو ~~فعلوها قبل الإيمان لم يعتد بها، وعلى أن الصلاة أعظم الأعمال، وأن الحساب ~~بها يقدم على غيرها. # ولما نفوا الوصلة بالخالق، أتبعوه إفساد القوة العملية بعدم وصلة الخلائق ~~بترك الشفقة على خلق الله فقالوا: {ولم نك} بحذف النون أيضا لما هم فيه من ~~النكد ونفيا لأدنى شيء من الطبع الجيد {نطعم المسكين *} أي لأجل مسكنته، ~~نفوا هنا وجود إطعامه لأنهم إن اتفق إطعامهم له فلعلة أخرى غير المسكنة، ~~وأما الصلاة فهم يوجدونها لله بزعمهم، لكن لما كانت على غير ما أمروا به لم ~~تكن مقبولة فلم يكونوا من الراسخين في وصفها. ولما سلبهم التحلي بلباس ~~الأولياء أثبت لهم التحلي بلباس الأشقياء بإفساد القوة النطقية جامعا القول ~~إلى الفعل فقالوا: {وكنا} أي بما جبلنا عليه من الشر {نخوض} أي نوجد الكلام ~~الذي هو في غير مواقعه ولا علم لنا به إيجاد المشي من ms5449 الخائض في ماء غمر # PageV21P075 # {مع الخائضين *} بحيث صار لنا هذا وصفا راسخا فنقول في القرآن: إنه سحر، ~~وإنه شعر، وإنه كهانة وغير هذا من الأباطيل، لا نتورع عن شيء من ذلك، ولا ~~نقف مع عقل، ولا نرجع إلى صحيح نقل، فليأخذ الذين يبادرون إلى الكلام في كل ~~ما يسألون عنه من أنواع العلم من غير تثبت منزلتهم من هنا. # ولما كان الإدمان على الباطل يجر إلى غلبة الهزء والسخرية، وغلبه ذلك ولا ~~بد توجب إفساد القوة العلمية بتصديق الكذب وتكذيب الصدق، قالوا بيانا ~~لاستحبابهم الخلود: {وكنا نكذب} أي بحيث صار لنا ذلك وصفا ثابتا {بيوم ~~الدين *} ولما كان التقدير: واستمر تكذيبنا لصيرورته لنا أوصافا ثابتة. ~~بنوا عليه قولهم: {حتى أتانا} أي قطعا {اليقين *} أي بالموت أو مقدماته ~~التي قطعتنا عن دار العمل فطاح الإيمان بالغيب. # ولما أقروا على أنفسهم بما أوجب العذاب الدائم، فكانوا ممن فسد مزاجه ~~فتعذر علاجه، سبب عنه قوله: {فما تنفعهم} أي في حال اتصافهم بهذه الصفات ~~وهي حالة لازمة لهم دائما {شفاعة الشافعين *} أي لو شفعوا فيهم. ولما كان ~~هذا الإخبار بنعيم المنعم وعذاب المعذب # PageV21P076 # موجبا للتذكر، سبب عنه الإنكار عليهم فقال: {فما} أي أي شيء يكون {لهم} ~~حال كونهم {عن التذكرة} أي التذكر العظيم خاصة بالقرآن خصوصا وبغيره عموما ~~{معرضين *} وعلى الباطل وحده مقبلين، وذلك من أعجب العجب، لأن طبع الإنسان ~~إذا حذر من شيء حذره أشد الحذر كما لو حذر المسافر من سبع في طريقه فإنه ~~يبذل جهده في الحيدة عنه والحذر منه وإن كان المخبر كاذبا، فكيف يعرضون عن ~~هذا المحذور الأعظم والمخبر أصدق الصادقين، فإعراضهم هذا دليل على اختلال ~~عقولهم واختبال فهومهم، وزاد ذلك عجبا شدة نفارهم حتى {كأنهم} في إعراضهم ~~عن التذكرة من شدة النفرة والإسراع في الفرة {حمر} أي من حمر الوحش وهي أشد ~~الأشياء نفارا، ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل بسرعة السير ~~بالحمر في عدوها إذا وردت ماء فأحست عليه ما يريبها، وفي تشبيه الكفرة ~~بالحمر ms5450 ولا سيما في هذه الحالة مذمة ظاهرة وتهجين لحالهم بين، وشهادة عليهم ~~بالبله وقلة العقل وعدم التثبت {مستنفرة *} أي موجدة للنفار # PageV21P077 # بغاية الرغبة فيه حتى كأنها تطلبه من أنفسها لأنه من شأنها وطبعها - هذا ~~على قراءة الجماعة، وقرأ أهل المدينة والشام بالفتح بمعنى أنه نفرها منفر. # PageV21P078 # ولما كان ذلك لا يكون إلا لسبب عظيم يتشوف إليه، استأنف قوله: {فرت من ~~قسورة *} أي أسد شديد القسر عظيم القهر فنشبت في حبائل سقر أو صيادين. # ولما كان الجواب قطعا: لا شيء لهم في إعراضهم هذا، أضرب عنه بقوله: {بل ~~يريد} أي على دعواهم وبزعمهم {كل امرىء منهم} أي المعرضين، مع ادعائه ~~الكمال في المروءة {أن يؤتى} أي من السماء بناه للمفعول لأن مرادهم معروف ~~{صحفا} أي قراطيس مكتوبة {منشرة *} أي كثيرة جدا وكل واحد منها منشور لا ~~مانع من قراءته وأخذه، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لن نتبعك ~~حتى تأتي كلا منا بكتاب من السماء فيه: من الله إلى فلان اتبع محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. # ولما كان ذلك إنما هو تعنت، لا أنه على حقيقته قال: {كلا} أي ليس لهم غرض ~~في الاتباع بوجه من الوجوه لا بهذا الشرط ولا بغيره: {بل} علتهم الحقيقية ~~في هذا الإعراض أنهم {لا يخافون} أي في زمن من الأزمان {الآخرة *} ولما كان # PageV21P078 # فعلهم هذا فعل من يعتقد في القرآن أنه ليس بوعظ صحيح يستحق أن يتبع، قال ~~رادعا لهم عن هذا اللازم: {كلا} أي ليس الأمر قطعا كما تزعمون من أن هذا ~~القرآن لا يستحق الإقبال، ثم أستأنف قوله مؤكدا لأجل ما تضمن هذا الفعل من ~~إنكارهم: {إنه} أي القرآن {تذكرة *} أي موضع وعظ عظيم يوجب إيجابا عظيما ~~اتباعه وعدم الانفكاك عنه بوجه فليس لأحد أن يقول: أنا معذور لأني لم أجد ~~مذكرا ولا معرفا فإن عنده أعظم مذكر وأشرف مفرق. # ولما كان في غاية السهولة والحلاوة لكل من عرفه بوجه من الوجوه، وكان ~~الله سبحانه قد خلق القوى والقدر، وجعل للعبد ms5451 اختيارا، قال مسببا عن كونه ~~موضعا للتذكر: {فمن شاء} أي أن يذكره {ذكره *} فثبت في صدره وعلم معناه ~~وتخلق به، فليس أحد يقدر أن يقول: إنه صعب التركيب عظيم التعقيد عسر الفهم، ~~يحتاج في استخراج المعاني منه إلى علاج كبير وممارسة طويلة فأنا معذور في ~~الوقوف عنه، بل هو كالبحر الفرات، من شاء اغترف، لأنه خوطب به أمة أمية لا ~~ممارسة لها لشيء من العلوم، فسهل في لفظه ومعناه غاية السهولة مع أنه لا ~~يوصل إلى قراره ولا # PageV21P079 # يطمع في مناظرة أثر من آثاره، بل كلما زاد الإنسان فيه تأملا زاده معاني. # ولما كان هذا ربما أوهم أن للعبد استقلالا بالتصرف، قال معلما بأن هذا ~~إنما هو كناية عما له من السهولة والحلاوة والعذوبة التي توجب عشقه لكل ذي ~~لب منبها على ترك الإعجاب وإظهار الذل والالتجاء والافتقار إلى العزيز ~~الغفار في طلب التوفيق لأقوم طريق: {وما يذكرون} أي ولا واحد منكم هذا ~~القرآن ولا غيره في وقت من الأوقات {إلا أن يشاء الله} أي الملك الأعظم ~~الذي لا أمر لأحد معه، وهو صريح في أن فعل العبد من المشيئة، وما ينشأ عنها ~~إنما هو بمشيئة الله. # ولما ثبت أنه سبحانه الفعال لما يريد وأنه لا فعل لغيره بدون مشيئته، ~~وكان من المعلوم أن أكثر أفعال العباد مما لا يرضيه، فلولا حلمه ما قدروا ~~على ذلك، وكان عفو القادر مستحسنا، قال مبينا لأنه أهل للرهبة والرغبة: ~~{هو} أي وحده {أهل التقوى} أي أن يتقوه عباده ويحذروا غضبه بكل ما تصل ~~قدرتهم إليه لما له من الجلال والعظمة والقهر، ويجوز أن يكون الضمير للمتقي ~~{وأهل المغفرة *} # PageV21P080 # أي لأن يطلب غفرانه للذنوب لا سيما إذا اتقاه المذنب لأن له الجمال ~~واللطف وهو قادر ولا قدرة لغيره ولا ينفعه شيء ولا يضره شيء، فهو الحقيق ~~بأن يجعل موضع الإنذار الذي أمر به أول السورة البشارة، ويوفق عباده ~~لتكبيره وهجران الرجز، وكذا فعل سبحانه بقوم هذا النبي الكريم صلى الله ~~عليه وسلم، روى أحمد ms5452 والترمذي والنسائي وابن ماجه والطبراني في الأوسط ~~والحاكم وأبو يعلى والبغوي والبزار عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «أنه قرأ هذه الآية ثم قال: يقول الله: أنا أهل أن أتقي، فمن ~~اتقى أن يشرك بي غيري فأن أهل أن أغفر له» وقال الترمذي وابن عدي ~~والطبراني: تفرد به سهل بن أبي حزم القطعي، فقد رجع آخر السورة على أولها، ~~وانطبق مفصلها على موصلها، بضم البشارة إلى النذارة، وصار كأنه قيل: أنذر ~~العاصي فإنه أهل لأن يرجع إلى طاعاته، فيكون سبحانه أهلا لأن يعود عليه ~~بستر زلاته. # PageV21P081 # (سورة القيامة) # مقصودها الدلالة على عظمة المدثر المأمور بالإنذار (صلى الله عليه وسلم) ~~لعظمة مرسله سبحانه وتمام اقتداره بأنه كشف له العلوم حتى صار إلى الأعيان ~~بعد الرسوم بشرح آخر سورته من أن هذا القرآن تذكرة عظيمة لما أودعه الله من ~~وضوح المنعاني وعذوبة الألفاظ وجلالة النظوم ورونق السبك وعلو المقاصد، فهو ~~لذلك معشوق لكل طبع، معلوم ما خفي من أسراره وإشاراته بصدق النية وقوة ~~العزم بحيث يصير بعد كشفه إذا أثر كأنه كان منسيا بعد حفظه فذكر) فمن شاء ~~ذكر ه) [عبس: 12] فحفظه وعلم معانيه وتخلق بها، وإنما المانع عن ذلك مشيئة ~~الله تعالى، فمن شاء حجبه عنه أصلا رأسا، ومن شاء كشف عنة الحجاب وجعلة ~~يمينة على # PageV21P082 # على اعظم صواب دون شك ولا ارتياب، وجلى عليه أوانسه وعرائسه وحباه جواهره ~~ونفائسه، وحلاه به، فكان ملكه وسائسه، كما كان المدثر (صلى الله عليه وسلم) ~~حين كان خلقه القرآن، واسمها القيامة واضح في ذلك جدا، وليس فيها ما يقوم ~~بالدلالة عليه غيره إذا تؤملت الآية مع ما أشارت إليه " لا " النافية للقسم ~~أو المؤكدة مع أنها في الوضوح في حد لا يحتاج إلى الأقسام عليه لأنه لا ~~يوجد أحد يدع من تحت يده يعدو بعضهم على بعض، ويتصرفون فيما خولهم فيه منه ~~غير حساب، فكيف بأحكم الحاكمين الذي وكل عبيده أضعافهم من الملائكة فهم ~~يديرون كل لحظة فيهم كؤوس ms5453 المنايا، ويأخذون من أمرهم به سبحانه إلى داره ~~البرزخ للتهئية للعرض ويسوقونهم زمرا بعد زمر إلى العود في الأرض حتى ينتهي ~~الجمع في القبور، ويقيمهم بالنقر في الناقور، والنفخ في الصور، إلى ساحة ~~الحساب للثواب والعقاب، ولم يحجب عن علم ذلك حتى ضل عنه أكثر الخلق إلا ~~مشيئته سبحانه بتغليب النفس الأمارة حتى صارت اللوامة منهمكة في الشر شديدة ~~اللوم عن الإقصار عن شيء منه كمت أن ما جلاه لنبيه محمد (صلى الله عليه ~~وسلم) حتى كان خلقه، ولمن أراد من أتباعه إلا إرادته سبحانه # PageV21P083 # بتغليب المطمئنة حتى صار الكل روحا صرفا ونورا خالصا بحتا) بسم # الله (الذي شرف رسوله (صلى الله عليه وسلم) فأعجز الخلق بكتابه بما له من ~~الجلال) الرحمن (الذي عم بنعمتي الإيجاد والبيان أهل الهدى والضلال) الرحيم ~~(الذي خص أهل العناية بالسداد في الأقوال والأفعال. # PageV21P084 # لما ذكر سبحانه الآخرة أول سورة المدثر وخوف منها بالتعبير بالناقور وما ~~تبعه، ثم أعاد أمرها آخرها، وذكر التقوى التي هي أعظم أسباب النجاح فيها ~~والمغفرة التي هي الدواء الأعظم لها، وكان الكفار يكذبون بها، وكان سبحانه ~~قد أقام عليها من الأدلة من أول القرآن إلى هنا تارة مع الإقسام وأخرى مع ~~الخلو عنه ما صيرها في حد البديهيات، وكانت العادة قاضية بأن المخبر إذا ~~كذبه السامع حلف على ما أخبره به، وكان الإقسام مع تحقق العناد لا يفيد، ~~أشار سبحانه وتعالى إلى أن الأمر قد صار غنيا عن الإقسام لما له من الظهور ~~الذي لا ينكره إلا معاند، فقال مشيرا إلى تعظيمها والتهويل في أمرها بذكرها ~~وإثبات أمرها بعدم الإقسام أو تأكيده: {لا أقسم} أي لا أوقع الإقسام أو ~~أوقعه مؤكدا {بيوم ### | القيامة # *} على وجود يوم القيامة أو بسبب وجوده لأن الأمر # PageV21P084 # غني فيه عن ذلك وعلى القول بأنه قسم هو مؤكد بالنافي، ودخوله في التأكيد ~~سائغ بل شائع في كلامهم جدا، وجاز القسم بالشيء على وجوده إشارة إلى أنه في ~~العظمة في الدرجة العليا كما يقول الإنسان: والله إن ms5454 الله موجود، أي لا شيء ~~أحلف به على وجوده - يا أيها المنكر - أعظم منه حتى أحلف به ولا بد لي من ~~الحلف لأجل إنكارك فأنا أحلف به عليه، فالمعنى حينئذ أنه لا شيء أدل على ~~عظمة الله من هذين الشيئين فلذا أوقع القسم بهما، وسر التأكيد ب «لا» - كما ~~قال الرازي في اللوامع، إن الإثبات من طريق النفي آكد كأنه رد على المنكر ~~أولا ثم أثبت القسم ثانيا، فإن الجمع بين النفي والإثبات دليل الحصر. # ولما كان من المقرر المعلوم الذي هو في أقصى غايات الظهور أن من طلبه ~~الملك طلب عرض وحساب وثواب وعقاب يلوم نفسه في كونه لم يبالغ في العمل بما ~~يرضي الملك والإخلاص في موالاته، والتحيز إليه ومصافاته. وكان أكثر لوم ~~النفس واقعا في ذلك اليوم، وكان إدراكها للوم المرتب على إدراك الأمور ~~الكلية والجزئية ومعرفة الخير والشر، والتمييز بينهما من أعظم الدلائل على ~~تمام قدرة الخالق وكمال عظمته الموجب لإيجاد ذلك اليوم # PageV21P085 # لإظهار عظمته وحكمه وحكمته قال {ولا أقسم بالنفس} على حد ما مضى في أن ~~الباء صلة أو سبب {اللوامة *} أي التي تلوم صاحبها وهي خيرة وشريرة، ~~فالخيرة تكون سببا للنجاة فيه والأخرى تكون سببا للهلاك فيه، فإن لامت على ~~الشر أو على التهاون بالخير أنجت، وإن لامت على ضد ذلك أهلكت، وكيفما كانت ~~لا بد أن تلوم، وهي بين الأمارة والمطمئنة، فما غلب عليها منهما كانت في ~~حيزه، قال الرازي في اللوامع: فالمطمئنة التي انقادت لأوامر الله، والأمارة ~~المخالفة لها المتبعة للهوى، واللوامة هي المجاهدة، فتارة لها اليد وتارة ~~عليها، وهي نفس الإنسان خاصة لأنها بين طوري الخير والشر والكمال والنقصان ~~والصعود والهبوط والطاعة والعصيان، قال الإمام السهروردي في الباب السادس ~~والخمسين من معارفه: وهي نفس واحدة لها صفات متغايرة، فالملائكة في درجة ~~الكمال، والحيوانات الأخر في دركة النقصان. # ولهذا جمع بين القيامة وبين اللوامة، لأن الثواب والعقاب للآدمي دون ~~الملائكة # PageV21P086 # والحيوانات العجم، واللوامة يشتد لومها في ذلك اليوم على عدم الخير أو ms5455 ~~عدم الزيادة منه، لا أقسم على ذلك بهذا الذي هو من أدل الأمور على عظمته ~~سبحانه فإن الأمر في ذلك غني عن القسم. # ولما كان التقدير قطعا بما يرشد إليه جميع ما مضى جوابا للقسم: إنك والله ~~صادق في إنذارك فلا بد أن ينقر في الناقور بالنفخ في الصور. قال بانيا عليه ~~بعد الإشارة إلى تعظيم أمر القيامة بما دل عليه حذف الجواب من أنها في وضوح ~~الأمر وتحتم الكون على حالة لا تخفى على أحد منكرا على من يشك فيها بعد ~~ذلك: {أيحسب الإنسان} أي هذا النوع الذي يقبل على الأنس بنفسه والنظر في ~~عطفه والسرور بحسبه، وأسند الفعل إلى النوع كله لأن أكثرهم كذلك لغلبة ~~الحظوظ على العقل إلا من عصم الله {أن} أي أنا. # ولما كان فيهم من يبالغ في الإنكار، عبر أيضا بأداة التأكيد فقال: {لن ~~نجمع} أي على ما لنا من العظمة {عظامه *} أي التي هي قالب بدنه وعماده من ~~الأرض فيعيدها كما كانت بعد تمزقها وتفتتها وافتراقها وبلاها وانمحاقها، ~~وقد سدت المخففة مسد مفعولي «يحسب» المقدرين ب «يحسبنا» غير جامعين. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله مخبرا عن أهل # PageV21P087 # الكفر {وكنا نكذب بيوم الدين} [المدثر: 46] ثم تقدم في صدر السورة قوله ~~تعالى: {فإذا نقر في الناقور} [المدثر: 8] إلى قوله: {غير يسير} [المدثر: ~~9] والمراد به يوم القيامة، والوعيد به لمن ذكر بعد في قوله {ذرني ومن خلقت ~~وحيدا} [المدثر: 11] الآيات ومن كان على حاله في تكذيب وقوع ذلك اليوم، ثم ~~تكرر ذكره عند جواب من سئل بقوله {ما سلككم في سقر} [المدثر: 42] فبسط ~~القول في هذه السورة في بيان ذكر ذلك اليوم وأهواله، وأشير إلى حال من كذب ~~به في قوله تعالى {يسأل أيان يوم القيامة} [القيامة: 6] وفي قوله تعالى: ~~{أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه} [القيامة: 3] ثم أتبع ذلك بذكر أحوال ~~الخلائق في ذلك اليوم {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} [القيامة: 13] ~~انتهى. # ولما أسند الحسبان إلى النوع لأن منهم من ms5456 يقول: لا نبعث لأننا نتفتت ~~وننمحق، قال مجيبا له: {بلى} أي لنجمعن عظامه وجمع أجزائه لأنا قدرنا على ~~تفصيل عظامه وتفتيتها من بعد ارتتاقها حال كونها نطفة واحدة لأن كل من قدر ~~على التفصيل قدر على الجمع والتوصيل حال كوننا {قادرين} أي لما لنا من ~~العظمة {على أن} . # ولما كانت تسوية الصغير أصعب، قال: {نسوي بنانه *} أي أصابعه أو سلامياته ~~وهي عظامه الصغار التي في يديه ورجليه كل منها طول إصبع وأقل، خصها لأنها ~~أطرافه وآخر ما يتم به خلقه بأن نجمع بعضها إلى بعض على ما كانت عليه قبل ~~الموت سواء، فالكبار # PageV21P088 # بطريق الأولى لأنها أبين، ولا فرق بيبن تسويتنا ذلك من النطفة وتسويتنا ~~له من التراب، وهي لا تكون مسواة وهي قالب البدن إلا بتسوية ما عليه من ~~لباس اللحم والعصب والجلد كما يعهدها العاهد، فتسوية البنان كناية عن تسوية ~~جميع البنيان كما لو قيل لك: هل تقدر على تأليف هذا الحنظل، فقلت: نعم، ~~وعلى تأليف الخردل، مع ما يفهم من تخصيصها من التنبيه على ما فيها من بديع ~~الصنع المتأثر عنه ما لها من لطائف المنافع، أو أن نسويها الآن فنجمعها على ~~ما كانت عليه حال كونها نطفة من الاجتماع قبل فتقها وتفريقها حتى تكون كخف ~~البعير، فإن القادر على تفصيل الأنامل حتى تتهيأ للأعمال اللطيفة قادر على ~~جمعها، فتزول عنها تلك المنفعة. ومن قدر على تفصيل الماء بعد اختلاطه وجمعه ~~بعد انفصاله قادر على جمع التراب بعد افتراقه، وكيفما كان فهو تنبيه على ~~التأمل في لطف تفصيل الأنامل وبديع صنعها الموجب للقطع بأن صانعها قادر على ~~كل ما يريد، قال في القاموس: البنان: الأصابع أو أطرافها. والسلامى - وزن ~~حبارى: عظام صغار طول إصبع أو أقل في اليد والرجل. # ولما تقدم ما أشار إلى أن القيامة في غاية الظهور، أضرب عن هذا الإنكار ~~فقال بانيا على ما تقديره: إنه لا يحسب عدم ذلك # PageV21P089 # لأنه من الظهور في حد لا يحتاج إلى كبير تأمل فلو مشى مع عقله ms5457 عرف الحق: ~~{بل يريد} أي يوقع الإرادة {الإنسان} أظهر في موضع الإضمار للتصريح ~~بالتعميم لمقتضى الطبع الموجب له عدم الفكر في الآخر مع شدة ظهورها لأنه ~~معني بشهواته فلا نجاة إلا بعصمة الله تعالى، وحذف مفعول «يريد» إشارة إلى ~~أن كل ما يريده بمقضتى طبعه وشهواته خارج عن طوره فهو معاقب عليه لأنه عبد، ~~والعبد يجب عليه أن يكون مراقبا للسيد، لا يريد إلا مايأمره به، فإذا أراد ~~ما أمره به لم تنسب إليه إرادة بل الإرادة للسيد لا له. # ولما كان ذلك، وكانت إرادته الخارجة الخارجة عن الأمر معصية، قال معللا: ~~{ليفجر أمامه *} أي يقع منه الإرادة ليقع منه الفجور في المستقبل من زمانه ~~بأن يقضي شهواته ويمضي راكبا رأسه في هواه، ونفسه الكاذبة تورد عليه ~~الأماني وتوسع له في الأمل وتطمعه في العفو من دون عمل، قال الحسن: المؤمن ~~ما تراه إلا يلوم نفسه ويقول: ما أردت بكلامي؟ وما أردت بأكلي؟ والفاجر ~~يمضي قدما لا يحاسب نفسه ولا يعاتبها. # ويجوز أن يعود الضمير على الله تعالى ليكون المعنى: ليعمل الفجور بين يدي ~~الله تعالى # PageV21P090 # وبمرأى منه ومسمع ويطمع في أن لا يؤاخذه بذلك أو يجازيه بفجوره، قال في ~~القاموس: والفجر: الانبعاث في المعاصي والزنا كالفجور. # ولما كان عريقا في التلبس بهذا الوصف، أنتج له الاستهزاء بهذا الخطب ~~الأعظم فترجم ذلك بقوله: {يسئل} أي سؤال استهزاء واستبعاد، ويوضع موضع ~~مفعول يسأل جملة اسمية من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر فقال: {أيان} أي أي وقت ~~يكون {يوم القيامة *} ولما كان الجواب: يوم يكون كذا وكذا، عدل عنه إلى ما ~~سبب عن استبعاده لأنه أهول، فقال دالا على خراب العالم لتجرد الإنسان عن ~~مسكنه وما ألفه من أحواله فيكون أهول معبرا بأداة التحقق لأنها موضعها: ~~{فإذا برق البصر *} أي شخص وقف فلا يطرف من هول ما يرى - هذا على قراءة ~~نافع بالفتح، وهي إشارة إلى مبدأ حاله، وقراءة الجماعة بالكسر مشيرة إلى ~~مآله فإن معناها: تحير ودهش وغلب، من برق الرجل - إذا ms5458 نظر إلى البرق فحسر ~~بصره وتفرق تفرق الشيء في المايع إذا انفتح عنه وعاؤه بدليل قراءة بلق من ~~بلق الباب - إذا انفتح، وبلق الباب كنصر: فتحه # PageV21P091 # كله، أو شديدا كأبلقه فانبلق، وبلق كفرح: تحير - قاله في القاموس. # PageV21P092 # ولما كانت آيات السماوات أخوف، ذكرها بادئا بما طبعه البرد، إشارة إلى ~~شدة الحر والتوهج والأخذ بالأنفاس الموجب لشدة اليأس فقال: {وخسف القمر} أي ~~وجد خسفه بأن خسفه الله تعالى أذهب صورته كما تذهب صورة الأرض المخسوفة، ~~وذلك بإذهاب ضوئه من غير سبب لزوال ربط المسببات في ذلك اليوم بالأسباب ~~وظهور الخوارق بدليل قوله: {وجمع} أي جمعا هو في غاية الإحكام والشدة كما ~~أفهمه التذكير وعلى أيسر الوجوه وأسهلها {الشمس} أي آية النهار {والقمر *} ~~مع عدم إنارته وإن كان نوره الآن من نورها فذهب الانتفاع بهما وهما مع ذهاب ~~النور وتفرق البصر مدركان لوجود الكشف التام عن الخفيات كما قال تعالى: ~~{فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} [ق: 22] وبعد جمعهما يلقيان في النار ~~كأنهما ثوران عقيران، وبني الفعل للمفعول لأن المهول مطلق جمعهما المخرج ~~لهما عن العادة وللدلالة على السهولة. # ولما عظم أمر القيامة بما تقدم، أكد ذلك بأن الأمر # PageV21P092 # فيه على غير ما نعهده في الدنيا من وجدان مهرب أو حاكم غير الذي يخافه ~~المطلوب أو شيء من تشعب الكلمة وتفرقها فقال: {يقول الإنسان} أي بشدة روعه ~~جريا مع طبعه {يومئذ} أي إذا كان هذا الخطب الأجل والقادح الأكبر، وحكى ~~بيقول جملة اسمية من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر فقال: {أين المفر *} أي الفرار ~~والموضع الذي إليه الفرار والزمان القابل لذلك، قول آيس مدهوش قاده إليه ~~الطبع، وذلك حين تقاد جهنم بسبعين ألف سلسلة، كل سلسلة بأيد سبعين ألف ملك، ~~لها زفير وشهيق. # ولما كان ذلك اليوم يوم انقطاع الأسباب، قال نافيا بما سال عنه بأداة ~~الردع: {كلا} أي لا يقال هذا فإنه لا سبيل إلى وجود معناه وهو معنى {لا وزر ~~*} أي ملجأ ومعتصم ولا حصن ولا التجاء واعتصام، وكون هذا من ms5459 كلام الإنسان ~~رجوعا من طبعه إلى عقله أقعد وأدل على الهول لأنه لا يفهم أنه بعد أن سأل ~~من عظيم الهول نظر في جملة الأمر فتحقق أن لا حيلة بوجه أصلا، فقال معبرا ~~بالأداة الجامعة لمجامع الردع. # ولما كان المعنى: لا مفر من الله إلا إليه، لأن ملكه محيط وقدرته شاملة، ~~قال مترجما عنه ذاكرا صفة الإحسان لوما لنفسه على عدم الشكر: {إلى ربك} أي ~~المحسن إليك بأنواع الإحسان وحده، لا # PageV21P093 # إلى شيء غيره {يومئذ} أي إذ كانت هذه الأشياء {المستقر *} أي استقرار ~~الخلق كلهم ناطقهم وصامتهم ومكان قرارهم وزمانه إلى حكمه سبحانه ومشيئته ~~ظاهرا وباطنا لا حكم لأحد غيره بوجه من الوجوه في ظاهر ولا باطن كما هو في ~~الدنيا. # PageV21P094 # ولما كان موضع السؤال عن علة هذا الاستقرار، قال مستأنفا بانيا للمفعول ~~لأن المنكىء إنما هو كشف الأسرار لا كونه من كاشف معين، وللدلالة على يسر ~~ذلك عليه سبحانه وتعالى بأن من ندبه إلى ذلك فعله كائنا من كان: {ينبؤا} أي ~~يخبر تخبيرا عظيما مستقصى {الإنسان يومئذ} أي إذ كان هذا الزلزال الأكبر ~~{بما قدم} أي من عمله العظيم {وأخر *} أي في أول عمره وآخره - كناية عن ~~الاستقصاء أو بما قدمه فآثره على غيره هل هو الشرع أو الهوى أو بما عمل في ~~مدة عمره وبما أخر عمله لمعاجلة الموت له عنه فيخبر بما كان يعمله من أمله ~~لو مد في أجله، أو الذي قدمه هو ما عمله بنفسه وما أخره هو ما سنه فعمل به ~~الناس من بعده # PageV21P094 # من خير أو شر - قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وعليه مشى الغزالي في ~~الباب الثالث من كتاب البيع من الإحياء. # ولما عظم القيامة بكشف الأسرار فيها والإنباء بها، وكان الشأن أن الإنسان ~~لا ينبأ إلا بما هو جاهل له أو غائب عنه، وكان مما يخف على الإنسان في ~~الدنيا النسيان، وكان ذلك اليوم يوم كشف الغطاء، زاده عظما بالإعلام بأنه ~~يجلو بصيرة الإنسان حتى يصير مستحضرا لجميع ما له ms5460 من شأن، فكان التقدير: ~~وليس جاهلا بشيء من ذلك ولا محتاجا إلى الإنباء به، قال بانيا عليه: {بل ~~الإنسان} أي كل واحد من هذا النوع {على نفسه} خاصة {بصيرة *} أي حجة بينة ~~على أعماله، فالهاء للمبالغة - يعني أنه في غاية المعرفة لأحوال نفسه فإنه ~~إذا تأمل وأنعم النظر ولم يقف مع الحظوظ عرف جيد فعله من رديئه، أما في ~~الدنيا فلان الفطر الأولى شاهدة بالخير والشر - كما أشار إليه صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: «البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما ~~حاك في الصدر وترددت فيه النفس وإن أفتاك الناس وأفتوك» رواه الإمام أحمد ~~عن أبي ثعلبة الخشني # PageV21P095 # رضي الله عنه وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما أدرك الناس من كلام النبوة ~~الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» - رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه، وأما في الآخرة فإن الله يعطيه في ذلك اليوم قوة الذكرى حتى تصير ~~أعماله كلها بين عينيه لأنه تعالى ينفي عنه الشواغل البدنية ويكشف عنه ~~الحجب النفسانية حتى تصير أعماله ممثلة له كأنه يراها ولا تنفعه معذرته، ~~لأن كل شيء يعتذر به عن نفسه يعرف كذبه بنفس وجوده لا بشيء خارج عنه تارة ~~يكون خالقه أوجده على ما هو عليه من العلم وسلامة الأسباب المزيلة للعلل ~~وتارة بإنطاق جوارحه. # ولما كان الإنسان يعتذر في ذلك اليوم عن كل سوء عمله، ويجادل أعظم ~~مجادلة، وكان المجادل في الغالب يظن أنه لم يذنب أو لا يعلم له ذنبا، قال: ~~{ولو ألقى} أي ذكر بغاية السرعة ذلك الإنسان من غير تلعثم دلالة على غاية ~~الصدق والاهتمام والتملق {معاذيره *} أي كل كلام يمكن أن يخلص به، جمع عذر ~~أو معذرة وهو إيساع الحيلة في دفع الخلل: وقال في القاموس: المعاذير: # PageV21P096 # الستور والحجج جمع معذار، وذلك لاشتراكهما في مطلق الستر بالفتح والستر ~~بالكسر في ستر المذنب والحجة في ستر الذنب فالمعنى أنه حجة على نفسه ولو ~~احتج عنها واجتهد في ستر عيوبها، فلا تقبل منها ms5461 الأعذار، لأنه قد أعطى ~~البصيرة فأعماها بهون النفس وشهواتها، وتلك البصيرة هي نور المعرفة المركوز ~~في الفطرة الأولى وهي كقوله تعالى: {لا ينفع الظالمين معذرتهم} . # ولما كان معنى هذا كله أن الإنسان محجوب في هذه الدار عن إدراك الحقائق ~~بما فيه من الحظوظ والكسل والفتور، لما فيه من النقائص، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم مبرءا من ذلك لخلق الله له كاملا وترقيته بعد ميلاده كل يوم ~~في مراقي الكمال حتى صار إلى حد لا يشغله عن العلوم شيء فكان بحيث يرى ~~مواقع الفتن خلال البيوت كمواقع القطر، ويرى من ورائه كما يرى من أمامه، ~~ويقول: «والله لا يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم إني أراكم من وراء ظهري» وكان ~~صلى الله عليه وسلم يرى في أشد الظلام وغير ذلك مما له صلى الله عليه وسلم ~~من رقة الجوهر الذي لم ينله أحد غيره، وذلك مما يدل على الكشف التام ولكنه ~~كان صلى الله عليه وسلم # PageV21P097 # لتعظيمه لهذا القرآن لما له في نفسه من الجلالة ولما فيه من خزائن ~~السعادة والعلوم التي لا حد لها فتستقصى، ولأنه كلام الملك الأعظم، وبأمره ~~نزل إليه صلى الله عليه وسلم مع رسوله جبريل عليه الصلاة والسلام، يعالج ~~عند سماعه أول ما يأتيه شدة، فكان يحرك به لسانه استعجالا بتعهده ليحفظه ~~ولا يشذ عنه منه شيء، وكان قد ختم سبحانه ما قبلها بالمعاذير، وكانت العجلة ~~مما يعتذر عنه، وكان الحامل على جميع ما يوجب الملامة والاعتذار ما طبع ~~عليه الإنسان من حب العاجل، قال سبحانه نتيجة عن هذه المقدمات الموجبة ~~لانكشاف الأشياء للإنسان الموجب للإخبار بها والخوف من عواقبها لئلا يميل ~~إلى العاجلة ولا يقع في مخالفة لولا ما شغله به من الحجب إعلاما بأنه ~~سبحانه وتعالى قد دفع عن النبي صلى الله عليه وسلم تلك الحجب وأوصله من ~~رتبة «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» إلى أنهاها، وأنه قادر على ما يريد من ~~كشف ما يريد لمن يريد كما يكشف لكل إنسان عن أعماله ms5462 في القيامة حتى يصير ~~يعرف ما قدم منها وما أخر، وتنبيها على أنه صلى الله عليه وسلم لا كسب له ~~في هذا القرآن # PageV21P098 # بغير حسن التلقي إبعادا له عن قول البشر وتمهيدا بما يحرك من لسانه ~~بالقرآن قبل تمام الإلقاء لذم ما طبع عليه الإنسان: {لا تحرك به} أي القرآن ~~الذي هو تذكرة من شاء ذكره لولا حجاب المشيئة، وقد كشف سبحانه وتعالى حجاب ~~المشيئة لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وشاء أن يذكره حين قال # {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} [الإنسان: 30] لأنه ما نزله إليه بغير ~~اكتساب منه إلا وقد شاء ذلك {لسانك} الذي ليست له حركة إلا في ذكر الله ~~تعالى. # ولما لم يكن لهذا التحريك فائدة مع حفظ الله له على كل حال إلا قصد ~~الطاعة بالعجلة، وكانت العجلة هي الإتيان بالشيء قبل أوانه الأليق به، وإن ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم مثابا على ذلك أعظم الثواب لأنه لا حامل له ~~عليه إلا حب الله وحب ما يأتي منه، وجعلها الله سبحانه وتعالى علة وإن لم ~~تكن مقصودة فقال: {لتعجل به} أي بحمله وأخذه قبل أن يفرغ من إلقاءه إليك ~~رسولنا جبريل عليه الصلاة والسلام مخافة أن ينفلت منك، لأن هذه العجلة وإن ~~كانت من الكمالات بالنسبة إليك وإلى إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: {وعجلت إليك رب لترضى} [طه: 84] # PageV21P099 # لأنها من النفس اللوامة التي تلوم على ترك المبادرة إلى أفعال الخير ~~فغيرها من أفعال المطمئنة أكمل منها، فنقل صلى الله عليه وسلم من مقام كامل ~~إلى أكمل منه، وكان هذا الكلام المتعلق بالقرآن والذي بعده فرقانا بين صفتي ~~اللوامة في الخير واللوامة في الشر، والآية ناظرة إلى قوله تعالى في المدثر ~~حكاية «إن هذا إلا قول البشر» وما بينهما اعتراض في وصف حال القيامة جر ~~إليه قوله تعالى: {سأصليه سقر} [المدثر: 26] أي أن الذي خيل به المتقول في ~~القرآن أمران: أحدهما أنه سحر والآخر أنه قول البشر، ms5463 والعلم اليقين حاصل ~~بانتفاء الأول، وأما الثاني فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخشى أن لا يتقن ~~حفظه فتدخل عليه كلمة مثلا فيكون من قول البشر فنهاه الله تعالى عن العجلة ~~وضمن له الحفظ، ثم علل هذا النهي بقوله مؤكدا لأنه من مجراته: {إن علينا} ~~أي بما لنا من العظمة، لا على أحد سوانا {جمعه} أي في صدرك حتى نثبته ~~ونحفظه {وقرآنه *} أي إطلاق لسانك به وإثباته في رتبته من الكتاب حال كونه ~~مجموعا أتم جمع ميسرا حسن تيسير فأرح نفسك مما تعالج في أمره من المشقة ~~وتكابده من العناء. # PageV21P100 # ولما نهاه أمره فقال: {فإذا قرأناه} أي أقدرنا جبريل عليه الصلاة والسلام ~~على تأديته إليك كما حملناه إياه بما لنا من العظمة وعلى حسبها {فاتبع} أي ~~بغاية جهدك بإلقاء سمعك وإحضار ذهنك {قرآنه *} أي قراءته مجموعة على حسب ما ~~أداه إليك رسولنا وجمعناه لك في صدرك، وكرر تلاوته حتى يصير لك به ملكة ~~عظيمة واعمل به حتى يصير لك خلقا فيكون قائدك إلى كل خير، فالضمير يجوز أن ~~يكون للقرآن، يكون القرآن هنا بمعنى القراءة، عبر به عنها تعظيما لها، أي ~~اتبع قراءة القرآن أي قراءة جبريل عليه السلام له، ولو كان على بابه لم يكن ~~محذورا، فإن المراد به خاص وبالضمير عام، ويجوز أن يكون الضمير لجبريل عليه ~~السلام أي اتبع قراءته ولا تراسله. # ولما كان بيان كلماته ونظومه على أي وجه سمعه من مثل صلصلة الجرس وغيرها ~~وبيان معانيه وما فيه من خزائن العلم من العظمة بمكان يقصر عنه الوصف، أشار ~~إليه بأداة التراخي، فقال دالا على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى ~~وقت الحاجة، مشعرا بأنه كان يعجل بالسؤال عن المعنى كما كان يعجل بالقراءة: ~~{ثم} وأكد ذلك إشارة إلى أنه لعظمه مما يتوقف فيه فقال: {إن علينا} # PageV21P101 # أي بما لنا من العظمة {بيانه *} أي بيان ألفاظه ومعانيه لك سواء سمعته من ~~جبريل عليه الصلاة والسلام على مثل صلصلة الجرس أو بكلام الناس المعتاد ~~بالصوت والحرف، ms5464 ولغيرك على لسانك وعلى ألسنة العلماء من أمتك، والآية مشيرة ~~إلى ترك مطلق العجلة لأنه إذا نهى عنها في أعظم الأشياء وأهمها كان غيره ~~بطريق الأولى، روى البخاري في تفسير الآية في أول صحيحه وآخره عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، ~~كان يحرك شفتيه، قال سعيد بن جبير: قال ابن عباس رضي الله عنهما: فأنا ~~أحركهما لك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما» فأنزل الله عز ~~وجل الآية حتى قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} ~~[القيامة: 18] قال: فاستمع له وأنصت ثم إن علينا أن تقرأه، قال فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام استمع مطرقا ~~فإذا انطلق جبريل عليه الصلاة والسلام قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما ~~أقرأه جبريل عليه الصلاة والسلام كما وعده الله بكفالة قوله تعالى: {فإنه ~~يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما ~~لديهم وأحصى كل شيء عددا} [الجن: 27 - 28] . # ولما كان سبحانه وتعالى قد ختم الكلام في المكذبين بأن أعمالهم # PageV21P102 # محفوظة، وأن كل أحد على نفسه شاهد، لأنه يعلم جميل ما يفعل من قبيحه وإن ~~اعتذر، ولولاه ما اشتد اتصاله به، وختم بضمان البيان للقرآن، فكان شاهدا ~~بينا على كل إنسان بما له من عظيم البيان. # قال نافيا لما يظن من جهلهم بقبيح أفعالهم الذي اقتضاه اعتذارهم مشعرا ~~بأن الآدمي مطبوع على الاستعجال بعد النهي عن العجلة في أعز الأشياء ~~وأعلاها وأهمها وأولاها، لأنه أصل الدين ليكون ذلك مؤكدا للنهي عن العجلة ~~بالقرآن ومؤكدا لذمهم بحب العاجلة مغلظا لتوبيخهم على الميل مع الطبع وترك ~~ما يقتضيه العلم والعقل: {كلا} أي لا يجهل أحد منهم قبائح ما ارتكبه وإن ~~اعتذر وما ارتكب شيئا منها عن جهل {بل} هم {يحبون} أي محبة متجددة مستمرة ~~على تجدد الزمان {العاجلة *} بدليل أنهم يقبلون غاية الإقبال عليها ~~فيأخذونها، ms5465 وحبها أوجب لهم ارتكاب ما يعلمون قبحه فإن الآخرة والأولى ضرتان ~~من أحب إحداهما فعل ولا بد ما يباعده عن الأخرى، فإن «حبك للشيء يعمي ويصم» ~~وهذا بخلاف نبينا صلى الله عليه وسلم في مطلق العجلة فكيف بالعاجلة فإنما ~~طبعناه على الكمال، فكان يعالج من العجلة بالقراءة شدة فحين نهيناه عن ذلك ~~انتهى رجوعا إلى طبعه الكامل الذي # PageV21P103 # لا يشوبه نقص، وكذا كان أمره تكوينا لا إباء معه ولا كلفة، فإن نفسه ~~المطمئنة هي الغالبة ولها السلطان الأكبر، ولأجل تضارر الدارين وكونهم ~~يحبون العاجلة قال: {وتذرون} أي يتركون على أي وجه كان ولو أنه غير مستحسن ~~{الآخرة *} لانهم يبغضونها لارتكابهم ما يضربهم فيها، وجمع الضمير وإن كان ~~مبنى الخطاب مع الإنسان نظرا نظرا للمعنى إشارة إلى أنه لا يسلم من العجلة ~~المذمومة إلا أفراد حفظهم الله بقدرته الباهرة، والآية من الاحتباك: ذكر ~~الحب أولا دليلا على البغض ثانيا، والترك ثانيا دليلا على الإقبال والأخذ ~~أولا، فأنفسهم اللوامة تلومهم على التقصير في الشر كما أن نفسك تحثك على ~~الازدياد من الخير والمبادرة إليه، فنعم النفس هي ولتعلين مقامها، وأما ~~أنفسهم فإنها تحثهم لأجل اللوم على التقصير في الشر على الإخلاد إلى العاجل ~~الفاني والإقلاع عن الباقي لكونه غائبا فبئس الأنفس هي. # ولما ذكر الآخرة التي أعرضوا عنها، ذكر ما يكون فيها بيانا بجهلهم وسفههم ~~وقلة عقلهم، ترهيبا لمن أدبر عنها وترغيبا لمن أقبل عليها لطفا بهم ورحمة ~~لهم فقال: {وجوه} أي من المحشورين وهم جميع الخلائق {يومئذ} أي إذ تقوم ~~القيامة {ناضرة *} من # PageV21P104 # النضرة بالضاد، وهي النعمة والرفاهية أي هي بهية مشرقة ظاهر عليها أثر ~~النعمة بحيث يدل ذلك على نعمة أصحابها {إلى ربها} أي المحسن لها خاصة ~~باعتبار أن عد النظر إلى غيره كلا نظر {ناظرة *} أي دائما هم محدقون ~~أبصارهم نحو جوده بالتجلي لا غفلة لهم عن ذلك فإذا رفع الحجاب عنهم أبصروه ~~بأعينهم بدليل جوده بالتجلي لا غفلة لهم عن ذلك فإذا رفع الحجاب عنهم ~~أبصرره بأعينهم بدليل ms5466 التعدية ب «إلى» وذلك، النظر جهرة من غير اكتتام ولا ~~تضام ولا زحام - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين وجميع ~~أهل السنة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحاح من وجوه ~~كثيرة بحيث اشتهر غاية الشهرة، وتكون الرؤية كما مثلت في الأحاديث # «كما يرى القمر ليلة البدر» كل من يريد رؤيته من بيته مخليا به - هذا وجه ~~الشبه، لا أنه في جهة ولا في حالة لها شبيه - تعالى الله عن التشبيه، وهكذا ~~رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام من الأشخاص المستكثرة في البلاد ~~المتباينة في الوقت الواحد، وقدم الجار الدال على الاختصاص إشارة إلى هذا ~~النظر مباين للنظر إلى غيره فلا يعد ذلك نظرا بالنسبة إليه، وإلى أن تلك ~~الوجوه مستغرقة في مطالعة جماله بحيث لا تفتر عن ذلك، ولا يعد نظرها إلى ما ~~سواه شيئا، وهي آمنة من # PageV21P105 # أن يفعل بها فاقرة، وعبر بالوجوه عن أصحابها لأنها أدل ما يكون على ~~السرور، وليكون ذكرها أصرح في أن المراد بالنظر حقيقته، وزاده صراحة ~~بالتعدية ب «إلى» فإن الانتظار لا يعدى بها، قال الإمام حجة الإسلام ~~الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب المحبة من الإحياء بعد أن جوز أن يخلق ~~الله النظر في الجهة وغيرها: والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد ~~الشرع أن ذلك يخلق في العين ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة ~~في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلا لضرورة - انتهى، ~~وأهل الجنة متفاوتون في النظر: روي أن منهم من ينظر إلى الله بكرة وعشية، ~~وفي خبر آخر، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على ~~وجهه في جنة عدن، ومتفاوتون في مقدار الكشف في الجمال والأنس والبهجة التي ~~يكون عنها اللذة بحسب أعمالهم. # ولما ذكر أهل النعمة، أتبعه أضدادهم من أهل النقمة فقال: {ووجوه يومئذ} ~~أي في ذلك اليوم بعينه {باسرة *} أي شديدة العبوس والكلوح والتكره لما هي ~~فيه من ms5467 الغم كأنها قد غرقت فيه فرسبت بعد أن سبرت أحوالها، فلم يظهر لها ~~وجه خلاص، # PageV21P106 # والباسل أبلغ من الباسر لكنه غلب في الشجاع لاشتداد كلوحه عند العراك، ~~وتلك الوجوه عن ربها محجوبة، وإلى أنواع العذاب ناظرة. # PageV21P107 # ولما كان ظن الشر كافيا في الحذر منه والمبالغة في استعمال ما يحمي منه، ~~قال دالا على أنه عبر بالوجه عن الجملة: {تظن} أي تتوقع بما ترى من ~~المخايل: {أن يفعل} بناه للمفعول لأن المحذور وقوع الشر لا كونه من معين ~~{بها} أي بهم فإنه إذا أصيب الوجه الذي هو أشرف ما في الجملة كان ما عداه ~~أولى {فاقرة *} أي داهية تكسر الفقار وهو عظم سلسلة الظهر الذي هو أصلب ما ~~في العظام فتكون قاصمة الظهر، فالآية من الاحتباك: ذكر النظر في الأولى ~~دليل على ضده في الثانية، وذكر الفاقرة في الثانية دليل على ضدها في ~~الأولى. # ولما ذكر محبتهم للعاجلة بالمضارع الدال على التجدد والاستمرار، فاقتضى ~~ذلك أنه حب غيره منفك التجدد أصلا، أخبر أنه ينقطع عن هول المطلع مع ~~الدلالة على تمام القدرة، وأنه لا يرد قضاؤه، فقال رادعا لمن يظن عدم ~~انقطاعه: {كلا} أي لا يدوم هذا الحب بل لا بد أن ينقطع انقطاعا قبيحا جدا. ~~ولما كان المحب للدنيا هو النفس، أضمرها لذلك ولدلالة الكلام عليها فقال ~~ذاكرا # PageV21P107 # ظرف ما أفهم حرف الردع تقديره من عدم المحبة: {إذا بلغت} أي النفس ~~المقبلة على العاجلة بأمر محقق - بما أفهمته أداة التحقق {التراقي *} أي ~~عظام أعالي الصدر، جمع ترقوة وهي العظام التي حول الحلقوم عن يمين ثغرة ~~النحر وشمالها بين الثغرة وبين العاتق، ولكل إنسان ترقوتان، وهو موضع ~~الحشرجة، لعله جمع المثنى إشارة إلى شدة انتشارها بغاية الجهد لما هي فيه ~~من الكرب لاجتماعها من أقاصي البدن إلى هناك وضيق المجال عليها كأنها تريد ~~أن تخرج من أدنى موضع يقرب منها، وهذا كناية عن الإشفاء على الموت وما أحسن ~~قول حاتم الطائي وأشد التئامه مع ما هنا من أمر الروح: # أماوي ما ms5468 يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # ولما كان أهل الميت يشتد انزعاجهم إذ ذاك ويشتد تطلبهم لما ينجي المحتضر ~~من غير أن يفيدهم ذلك شيئا، فكان قولهم كأنه لا قائل له على التعيين، بني ~~للمفعول قوله: {وقيل} أي من كل قائل يعز عليه الميت استفهام استبعاد: {من ~~راق *} أي من هو الذي يتصف برسوخ القدم في أمر الرقى الشافية ليرقيه فيخلصه ~~مما هو فيه فإنه صار # PageV21P108 # إلى حالة لا يحتمل فيها دواء فلا رجاء إلا في الرقى، وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن هذا القول من بعض الملائكة للاستفهام عمن يرقى بروحه إلى ~~السماء: أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ فالأول اسم فاعل من رقى يرقى ~~بمعنى الرقية بالفتح في الماضي والكسر في المضارع، والثاني الذي بمعنى ~~الصعود بالكسر في الماضي والكسر في المضارع. # ولما كان الإنسان مطبوعا على الترجح بين الأمور الممكنة تتعلق لما يغلب ~~عليه من طبع الإلف وشدة الركون لما يألفه بأدنى شيء، عبر عما هو أهل للتحقق ~~بالظن فقال: {وظن} أي المحتضر لما لاح له من أمور الآخرة أو القائل «هل من ~~راق» من أهله {أنه} أي الشأن العظيم الذي هو فيه {الفراق *} أي لما كان فيه ~~من محبوب العاجلة الذي هو الفراق الأعظم الذي لا فراق مثله، ففي الخبر أن ~~العبد ليعالج كرب الموت وسكراته وأن مفاصله ليسلم بعضها على بعض يقول: ~~السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة: {والتفت الساق} أي هذا النوع ~~{بالساق *} أي انضمت إليها واتصلت بها ودارت إحداهما بالأخرى فكانتا # PageV21P109 # كالشيء الواحد، وهو كناية عن الموت لأن المشي لا يكون إلا مع انفصال إحدى ~~الساقين عن الأخرى، أو عن اشتداد الأمر جدا وبعده عن الخلاص، فإن العرب لا ~~تذكر الساق في مثل هذا السياق إلا في أمر شديد مثل «شمر عن ساق» وإذا اشتد ~~حراب المتحاربين: «دنت السوق بعضها من بعض» فلا افتراق إلى عن موت أحدهما ~~أو أشد من موته من هزيمته، وعن ابن عباس رضي ms5469 الله عنهما أنه كناية عن ~~اختلاط شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة، وجواب إذا محذوف تقديره: زال تعلقه ~~الذي كان بالدنيا وحبه لها وإعراضه عن الآخرة. # ولما صور وقت تأسفه على الدنيا وإعراضه عنها، ذكر غاية ذلك فقال مفردا ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه غيره: ~~{إلى ربك} أي موعد وحكم المحسن إليك بإرسالك وتصديقك في جميع ما بلغته عنه ~~ونصرك على كل من ناواك، لا إلى غيره {يومئذ *} أي إذ وقع هذا الأمر {المساق ~~*} أي السوق وموضع السوق وزمانه، كل ذلك داخل في حكمه، قد # PageV21P110 # انقطعت عنه أحكام أهل الدنيا، فإما أن تسوقه الملائكة إلى سعادة بينة ~~وإما إلى شقاوة بينة، أو هو كناية عن عرضه بعد الموت على الله تعالى فلا ~~ينفعه إذا حقق له الوعظ بالموت قوله: أموت فأستريح، فإنه يرجع بالموت إلى ~~سيده، فإن كان مطيعا لقيه بما يرضيه، وإن كان عاصيا لقيه بما يلقى به العبد ~~الآبق على قدر إباقه. # ولما ذكر كراهته للآخرة ذكر أن سببه إفساده ما آتاه الله من قوى العلم ~~والعمل بتعطيلهما عن الخير واستعمالهما في الشر فقال مبينا عمل العبد ~~الموافق والآبق، عاطفا على {يسأل أيان} [القيامة: 6] الذي معناه جحد البعث: ~~{فلا صدق} - أي هذا الإنسان الذي الكلام فيه - الرسول فيما أخبره بما كان ~~يعمل من الأعمال الخبيثة، ولا إيمانه بالإنفاق في وجوه الخير التي ندب ~~إليها واجبة كانت أو مسنونة، وحذف المفعول لأنه أبلغ في التعميم. # ولما ذكر أصل الدين، أتبعه فروعه دلالة على أن الكافر مخاطب بها فقال: ~~{ولا صلى *} أي ما أمر به من فرض وغيره، فلا تمسك بحبل الخالق ولا وصل إلى ~~حبل الخلائق على حد ما شرع ما. # ولما نفى عنه أفعال الخير، أثبت له أفعال الشر فقال: {ولكن} # PageV21P111 # أي فعل ضد التصديق بأن {كذب} أي بما أتاه من الله {وتولى *} أي وفعل ضد ~~الصلاة التي هي صلة بين المخلوق والخالق، فاجتهد في خلاف ما تدعوه إليه ms5470 ~~فطرته الأولى المستقيمة من الإعراض عن الطاعة من الصلاة وغيرها حتى صار له ~~ذلك ديدنا، فصارت الطاعة لا تخطر له بعد ذلك على بال لموت الفطرة الأولى ~~وحياة النفس الأمارة بالسوء، وليس هذا بتكرار لأنه لا يلزم من عدم التصديق ~~التكذيب. # PageV21P112 # ولما كان الإصرار على هذا عظيما يبعد كل البعد أن يعمله أحد فكيف ~~بالافتخار به والتكبر لأجله، أشار إليه بأداة البعد، فقال مؤذنا بأن الحال ~~على التكذيب الكبر، والحامل على الكبر الترف، وسبب ذلك الانقياد أولا مع ~~الطبع في إفساد القوتين: العملية والعلمية حتى نشأ عنهما هذا الخلق السيىء، ~~وهو عدم المبالاة، ولم يزل به ذلك حتى صار ملكة يفتخر به {ثم ذهب} أي هذا ### | الإنسان # بعد توليه عن الحق {إلى أهله} غير مفكر في عاقبة ما فعل # PageV21P112 # من التكذيب حال كونه {يتمطى *} أي يفتخر افتخارا بتكذيبه وإعراضه وعدم ~~مبالاته بذلك، من المط، أبدل الحرف الثاني ألفا تخفيفا فصار من المطي وهو ~~الظهر كأنه يساعده على مد الخطى، أو أن المتبختر إذا مشى لوى ظهره، وإنما ~~فعل هذا لمرونه على المعصية بدل الاستحياء والخجل والانكسار. # ولما كان هذا غاية الفجور، وكان أهل الإنسان يحبونه إذا أقبل إليهم لا ~~سيما إذا كان على هذه الحالة عند أغلب الناس، أخبر بما هو حقيق أن يقال له ~~في موضع «تحية أهله» من التهديد العظيم فقال: {أولى لك} أي أولاك الله ما ~~تكره، ودخلت اللام للتأكيد الزائد والتخصيص، وزاد التأكيد بقوله: {فأولى *} ~~أي ابتلاك الله بداهية عقب داهية، وأبلغ ذلك التأكيد إشارة إلى أنه يستحقه ~~على مدى الأعصار، فقال مشيرا بأداة التراخي إلى عظيم ما ارتكب وقوة ~~استحقاقه لهذا التأكيد: {ثم أولى لك} أي أيها الذي قد أحل نفسه بالغفلة دون ~~محل البهائم {فأولى *} أي وصلت إلى هذا الهلاك بداهية تعقبها تارة متواليا ~~وتارة متراخيا، وبعضها أعظم من بعض، لحقك ذلك لا محالة، فإن هذا دعاء ممن ~~بيده الأمر كله، ويجوز أن # PageV21P113 # يكون المعنى: أولى لك أن تترك ما أنت عليه وتقبل على ms5471 ما ينفعك، وقال ابن ~~جرير في تفسير المدثر: إن أبا جهل لما استهزأ على جعل خزنة النار تسعة عشر ~~أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فيأخذ بيده في بطحاء مكة ~~فيقول له: أولى لك - إلى آخرها، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال أبو جهل: والله لا تفعل أنت وربك شيئا، فأخزاه الله يوم بدر - انتهى. ~~ويمكن تنزيل الكلمات الأربع على حالاته الأربع: الحياة ثم الموت ثم البعث ~~ثم دخول النار، فيكون المعنى: لك المكروه الآن وفي الموت والبعث ودخول ~~النار. قال البغوي: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن لكل أمة ~~فرعونا، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل» وقد أفهمت الآية أن من أصلح قوتي ~~علمه وعمله بأن صدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأقبل وأقام ~~الصلاة فتبعتها جميع الأعمال التي هي عمادها، فنشأ عن ذلك خلق حسن وهو ~~الوجل مع الطاعة، فهنالك يقال له: بشرى لك فبشرى ثم بشرى لك فبشرى. # ولما كان هذا فعل من أعرض عن الله أصلا فلم يخطر شيئا من عظمته على باله، ~~فكان ظانا أنه مهمل لا مالك له وأنه هو # PageV21P114 # السيد لا عبودية عليه، فلا يؤمر ولا ينهى ولا يعمل إلا بمقتضى شهواته، ~~قال منكرا عليه معبرا بالحسبان الذي الحامل عليه نقص العقل: {أيحسب} أي ~~أيجوز لقلة علقه {الإنسان} أي الذي هو عبد مربوب ضعيف عاجز محتاج بما يرى ~~في نفسه وأبناء جنسه. # ولما كان الحامل على الجراءة مطلق الترك هملا، لا كون الترك من معين، قال ~~بانيا للمفعول: {أن يترك} أي يكون تركه بالكلية {سدى *} أي مهملا لاعبا ~~لاهيا لا يكلف ولا يجازى ولا يعرض على الملك الأعظم الذي خلقه فيسأله عن ~~شكره فيما أسدى إليه، فإن ذلك مناف للحكمة، فإنها تقتضي الأمر بالمحاسن ~~والنهي عن المساوىء والجزاء على كل منهما، وأكثر الظالمين والمظلومين ~~يموتون من غير جزاء، فاقتضت الحكمة ولا بد البعث للجزاء. # ولما كان الإنسان يجري على ما في طبعه ms5472 من النقائص فيغفل عما خلق له ~~فتتراكم عليه ظلماته فيبعد عن علم ذلك إما بجهل بالحكمة أو بجهل بالقدرة، ~~رحمه سبحانه بإعادة البرهان على المعاد بأمر يجمع القدرة والحكمة، وذلك أنه ~~لا يجوز في عقل عاقل # PageV21P115 # أن صانعا يصنع شيئا ويتركه ضياعا وهو حكيم أو حاكم فكيف بأحكم الحكماء ~~والحاكمين فقال منكرا عليه ظنه أنه يهمله سبحانه مع علمه بصنائعه المحكمة ~~فيه، مقررا أحوال بدايته التي لا يسوغ معها إنكار إعادته لأنها أدل على أنه ~~لا مانع منها أصلا، حاذفا نون الكون إعلاما بأن الأمر في هذه النتيجة ~~العظمى ضاق عن أقل شيء يمكن الاستغناء عنه كراهية التمادي من الموعوظ على ~~ما وعظ لأجله فيحصل له الهلاك، وإشارة إلى مهانة أصله وحقارته: {ألم يك} أي ~~الإنسان {نطفة} أي شيئا يسيرا جدا {من مني} أي ماء من صلب الرجل وترائب ~~المرأة مقصود ومقدر من الله للابتلاء والاختبار مثاله المنية التي هي الموت ~~{تمنى} أي سبب الله للإنسان المعالجة في إخراجها بما ركب فيه من الشهوة ~~وجعل له من الروح التي يسرها لقضاء وطره منها حتى أن وقت صبها في الرحم ~~انصبت منه بغير اختياره حتى كأنه لا فعل له فيها أصلا، ولذلك بنى الفعل لما ~~لم يسم فاعله، ولما كان تكثير تلك النطفة وتحويلها أمرا عظيما عجيبا، أشار ~~إليه بأداة البعد مع إفادتها للتراخي في الزمان أيضا # PageV21P116 # فقال: {ثم كان} أي كونا محكما {علقة} أي دما أحمر عبيطا شديد الحمرة ~~والغلظة {فخلق} أي قدر سبحانه عقب ذلك لحمه وعظامه وعصبه وغير ذلك من ~~جواهره وأعراضه {فسوى *} أي عدل عن ذلك خلقا آخر غاية التعديل شخصا مستقلا. # ولما كان استبعادهم للقيامة إما لاستبعاد القدرة على إعادة الأجزاء بعد ~~تفرقها أو لاستبعاد القدرة على تمييز ترابها من تراب الأرض بعد الاختلاط، ~~وكان تمييز النطفة إلى ذكر وأنثى كافيا في رد الاستبعادين قال: {فجعل} أي ~~بسبب النطفة {منه} أي هذا الماء الدافق أو المخلوق المسوى وهما شيء واحد ~~{الزوجين} أي القرينين اللذين لا يمكن ms5473 الانتفاع بأحدهما إلا بالآخر، ثم ~~بينهما بقوله: {الذكر والأنثى *} وهما كما تعلمون متباينان في الطباع ~~مختلفان في أوصاف الأعضاء والآلات والمتاع، كما لم يترك النطفة حتى صيرها ~~علقة ولا ترك العلقة حتى صيرها مضغة ولا ترك المضغة حتى صيرها عظاما ولم ~~يترك العظام حتى صيرها خلقا آخر إلى تمام الخلقة لتمام الحكمة الظاهرة ~~وفصلها إلى ذكر وأنثى وهي ماء، # PageV21P117 # تمييز ما يصلح منه للذكر وما يصلح منه للأنثى أشد وأخفى من تمييز تراب ~~الميت من تراب الأرض، فكذلك لا يترك الجسم بعد موته حتى يعيده ثم يبعثه إلى ~~آخر ذلك لتمام الحكمة الباطنة وهي الجزاء والحكم الذي هو خاصة الملك. # ولما تقرر من حيث إتقان الاصطناع أنه لا يجوز معه الإهمال وانقطاع ~~النزاع، وكان ربما توقف من حيث ظن عدم القدرة على ذلك بعد الموت، قال منبها ~~على تمام القدرة مقررا عليه منكرا على من يتوقف فيه موبخا له مرتبا على ما ~~قام على القدرة على الإعادة من دليل القدرة الشهودي على البداية: {أليس ~~ذلك} أي الخالق المسوي الإله الأعظم الذي قدر على هذه الإنشاءات وصنع هذه ~~الصنائع المتقنة التي لا يقدر غيره على شيء منها، وأعرق في النفي فقال: ~~{بقادر} أي عظيم القدرة {على أن يحيي} أي كيف أراد دفعة أو في أوقات ~~متعاقبة {الموتى *} فيقيم القيامة بل وعزته وجلاله وعظمته وكماله إنه على ~~كل ما يريد قدير، وقد رجع آخر السورة على أولها أتم رجوع، والتأم به أتم ~~التئام، فتمت # PageV21P118 # معانيها أعظم تمام بجمع العظام وإيجاد القيام ليوم التغابن والزحام - ~~أعاننا الله فيه بحسب الختام، روى البغوي بسنده من طريق أبي داود عن أعرابي ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ~~منكم {والتين والزيتون} [التين: 1] فانتهى إلى آخرها {أليس الله بأحكم ~~الحاكمين} [التين: 8] فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ {لا ~~أقسم بيوم القيامة} [القيامة: 1] فانتهى إلى قوله {أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيي الموتى} [القيامة: 40] فليقل بلى، ms5474 ومن قرأ المرسلات فقرأ {فبأي حديث ~~بعده يؤمنون} [المرسلات: 50] فليقل:» آمنا بالله «ورواه الترمذي وقال في ~~آخر القيامة أن يحيي الموتى:» بلى وعزة ربنا «وقال الحافظ نور الدين ~~الهيثمي في مجمع الزوائد: وروى أحمد وفيه رجلان لم أعرفهما عن أبي هريرة ~~رضي الله تعالى عنه قال:» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ: ~~والمرسلات عرفا فبأي حديث بعده يؤمنون، ومن قرأ: والتين والزيتون، فليقل: ~~وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ: أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى، ~~فليقل بلى «والله الهادي للصواب. # PageV21P119 # سورة الإنسان # وتسمى هل أتى والأمشاج والدهر. # مقصودها ترهيب الإنسلنت بما دل عليه آخر القيامة من العرض على الملك ~~الديان بتعذيب العاصي في النيران وتنعيم المطيع في الجنان بعد جمع الخلائق ~~كلها الإنس والجان والملائكة والجان وغير ذلك من الحيوان، ويكون لهم مواقف ~~طوال وأهوال وزلزال، لكل منها أعظم شأن، وأدل ما فيها على ذلك الإنسان ~~بتأمل آيته وتدبر مبدئه وغايته، وكذا تسميتها بهل أتى وبالدهر وبالأمشاج من ~~غير ميل ولا اعوجاج) بسم الله (الملك الذي خلق الخلائق لمعرفة أسمائه ~~الحسنى) الرحمن (الذي عمهم بنعمة الظاهرة فرادى ومثنى) الرحيم (الذي خص ~~منهم من اختاره لوداده بالنعمة الباطنة والمقام الأسنى. # PageV21P120 # ولما تقدم في آخر القيامة التهديد على مطلق التكذيب، وأن # PageV21P120 # المرجع إلى الله وحده، والإنكار على من ظن أنه يترك سدى والاستدلال على ~~البعث وتمام القدرة عليه، تلاه أول هذه بالاستفهام الإنكاري على ما يقطع ~~معه بأن لا يترك سدى، فقال مفصلا ما له سبحانه عليه من نعمة الإيجاد ~~والإعداد والإمداد والإسعاد: {هل أتى} أي بوجه من الوجوه {على الإنسان} أي ~~هذا النوع الذي شغله عما يراد به ويراد له لعظم مقداره في نفس الأمر الأنس ~~بنفسه والإعجاب بظاهر حسه والنسيان لما بعد حلول رمسه {حين من الدهر} أي ~~مقدار محدود وإن قل من الزمان الممتد الغير المحدود حال كونه {لم يكن} أي ~~في ذلك الحين كونا راسخا {شيئا مذكورا *} أي ذكرا له اعتبار ظاهر في ms5475 الملأ ~~الأعلى وغيره حتى أنه يكون متهاونا به غير منظور إليه ليجوز أن يكون سدى ~~بلا أمر ونهي، ثم يذهب عدما ليس الأمر كذلك، بل ما أتى عليه شيء من ذلك بعد ~~خلقه إلا وهو فيه شيء مذكور، وذلك أن الدهر هو الزمان، والزمان هو مقدار ~~حركة الفلك - كما نقله الرازي في كتاب اللوامع في سورة «يس» عند قوله تعالى ~~«ولا الليل سابق النهار» فإنه قال: الزمان ابتداؤه من حركات السماء فإن ~~الزمان مقدار حركات الفلك - انتهى وآدم عليه السلام تم الخلق بتمام خلقه في ~~آخر يوم الجمعة أول جمعة # PageV21P121 # كانت، وكانت طينته - قبل ذلك بمدة مخمرة هو فيها بين الروح والجسد، قال ~~ابن مسعود رضي الله عنه: خلق الله آدم عليه السلام من تراب فأقام أربعين ~~سنة ثم من طين أربعين سنة ثم من صلصال أربعين سنة ثم من حمإ مسنون أربعين ~~سنة ثم خلقه بعد ستين ومائة سنة، وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ثم خلقه بعد عشرين ومائة سنة: فحينئذ ما أتى عليه زمان إلا وهو شيء ~~مذكور إما بالتخمير وإما بتمام التصوير، فالاستفهام على بابه وهو إنكاري، ~~وليست «هل» بمعنى «قد» إلا إن قدرت قبلها الهمزة، وكان الاستفهام إنكاريا ~~لينتفي مضمون الكلام، والمراد أنه هو المراد من العالم، فحينئذ ما خلق ~~الزمان إلا لأجله، فهو أشرف الخلائق، وهذا أدل دليل على بعثه للجزاء، فهل ~~يجوز مع ذلك أن يترك سدى فيفنى المظروف الذي هو المقصود بالذات، ويبقى ~~الظرف الذي ما خلق إلا صوانا له، والذي يدل على ذلك من أقوال السلف أنه روي ~~أن رجلا قرأها عند ابن مسعود رضي الله عنه فقال: يا ليت ذلك لم يكن. # PageV21P122 # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من ~~الدهر لم يكن شيئا مذكورا} [الإنسان: 1] تعريف الإنسان بحاله وابتداء أمره ~~ليعلم أن لا طريق له للكبر واعتقاد السيادة لنفسه، وأن لا يغلطه ما اكتنفه ~~من الألطاف الربانية والاعتناء الإلهي والتكرمة فيعتقد ms5476 أنه يستوجب ذلك ~~ويستحقه # {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53] ولما تقدم في القيامة إخباره ~~تعالى عن حال منكري البعث عنادا واستكبارا وتعاميا عن النظر والاعتبار ~~{أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه} [القيامة: 3] وقوله بعد {فلا صدق ولا صلى ~~ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى} [القيامة: 31 - 33] أي يتبختر عتوا ~~واستكبارا ومرحا وتجبرا، وتعريفه بحاله التي لو فكر فيها لما كان منه ما ~~وصف، وذلك قوله {ألم يكن نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى} ~~[القيامة: 37 - 38] أتبع ذلك بما هو أعرق في التوبيخ وأوغل في التعريف وهو ~~أنه قد كان لا شيء فلا نطفة ولا علقة، ثم أنعم الله عليه بنعمة الإيجاد ~~ونقله تعالى من طور إلى طور فجعله نطفة من ماء مهين في قرار مكين ثم كان ~~علقة ثم مضغة إلى إخراجه وتسويته خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، فمن ~~اعتبر اتصافه بالعدم ثم تقلبه في هذه الأطوار المستنكف حالها والواضح # PageV21P123 # فناؤها واضمحلالها، وأمده الله تعالى بتوفيقه عرف حرمان من وصف في قوله: ~~«ثم ذهب إلى أهله يتمطى» فسبحان الله ما أعظم حلمه وكرمه ورفقه، ثم بين ~~تعالى ما جعله للإنسان من السمع والبصر ابتلاء له، ومن أدركه أدركه الغلط ~~وارتكب الشطط - انتهى. # ولما ذكر مطلق خلقه، وقرر أنه خلاصة الكون، شرع يذكر كيفية خلقه ويدل على ~~ما لزم من ذلك من أنه ما خلق الخلق إلا لأجله وأنه لا يجوز أن يهمل فقال ~~معلما بالحال التي هي قيد الجملة ومحط الفائدة أنه ما خلق إلا للآخرة، ~~مفصلا أمر الإيجاد بالفاعل والصورة والمادة والغاية وأكده لإنكارهم له: ~~{إنا} أي على ما لنا من العظمة {خلقنا} أي قدرنا وصورنا، وأظهر ولم يضمر ~~لأن الثاني خاص والأول عام لآدم عليه الصلاة والسلام وجميع ولده فقال: ~~{الإنسان} أي بعد خلق آدم عليه الصلاة والسلام {من نطفة} أي مادة هي ماء ~~جدا من الرجل والمرأة، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة وهي المادة التي هي ~~السبب ms5477 الحامل للقوة المولدة. # PageV21P124 # ولما كان خلقه على طبائع مختلفة وأمزجة متفاوتة أعظم لأجره إن جاهد ما ~~يتنازعه من المختلفات بأمر ربه الذي لا يختلف، وكانت أفعاله تابعة لأخلاقه ~~وأخلاقه تابعة لجبلته قال: {أمشاج} أي أخلاط - جمع مشج أو مشيج مثل خدن ~~وخدين وأخدان، وخلط وخليط وأخلاط، من مشجت الشيء - إذا خلطته، لأنه من مني ~~الرجل ومني المرأة، وكل منهما مختلف الأجزاء متباين الأوصاف في الرقة ~~والثخن والقوام والخواص تجتمع مع الأخلاط وهي العناصر الأربعة، ماء الرجل ~~غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما علا كان الشبه له، وما كان من عصب ~~وعظم فمن نظفة الرجل، وما كان من دم ولحم وشعر فمن ماء المرأة، وقال يمان: ~~كل لونين اختلطا فهو أمشاج، وقال قتادة: هي أطوار الخلق من النطفة وما ~~بعدهما، وكما يشبه ما غلب عليه من باطن الأمشاج من الطيب والخبث، وكيفية ~~تمشيجه أن الماء إذا وصل إلى قرار الرحم اختلط بماء المرأة ثم بدم الطمث ~~وخثر حتى صار كالرائب ثم احمر وحينئذ يسمى علقة، فاذا اشتد ذلك الامتزاج ~~وقوي وتمتن حتى استعد لأن يقسم فيه الأعضاء سمي مضغة، فإذا # PageV21P125 # أفيضت عليه صورة الأعضاء وتقسم كساه حينئذ مفيضه عز وجل لحما، فأفاض عليه ~~القوة العاقلة، ويسمى حينئذ جنينا، وذلك بعد تقسم أجزائه إلى عظام وعروق ~~وأعصاب وأوتار ولحم، فدور الرأس وشق في جانبيه السمع وفي مقدمه المبصر ~~والأنف والفم، وشق في البدن سائر المنافذ ثم مد اليدين والرجلين وقسم ~~رؤوسها بالأصابع، وركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد - والطحال ~~والرئة والمثانة، فسبحان من خلق تلك الأشياء من نطفة سخيفة مهينة كون منها ~~العظام مع قوتها وشدتها وجعلها عماد البدن وقوامه وقدرها بمقادير وأشكال ~~مختلفة، فمنها صغير وكبير، وطويل وقصير، وعريض ومستدير، ومجوف ومصمت، ودقيق ~~وثخين، ولم يجعلها عظما واحدا لأن الإنسان محتاج إلى الحركة بجملة بدنه ~~وببعض أعضائه ثم جعل بين تلك العظام مفاصل ثم وصلها بأوتار أنبتها من أحد ~~طرفي العظم وألصقها بالطرف الآخر بالرباط له ثم خلق في ms5478 أحد طرفي العظم ~~زوائد خارجة، وفي الآخر حفرا موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها، وخلق الرأس ~~مع كريته من خمسة وخمسين عظما مختلفة الأشكال وألف بعضها مع بعض، فجعل في ~~القحف ستة وفي اللحى الأعلى أربعة عشر، واثنان للأسفل، والباقي في الأسنان، ~~وجعل الرقبة # PageV21P126 # مركبا للرأس وركبها من سبع خرزات فيها تجويفات وزيادات ونقصانات لينطبق ~~بعضها على بعض، وركب الظهر من أربع وعشرين خرزة وعظم العجز من ثلاثة أجزاء، ~~وجعل من أسفله عظم العصعص أو اللفة من ثلاثة أجزاء مختلفة، ثم وصل عظام ~~الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وغيرها حتى بلغ مجموع عظام بدن الإنسان ~~مائتي عظم وثمانية وأربعين عظما سوى العظام التي حشا بها خلل المفاصل، وخلق ~~سبحانه آلات التحريك للعظام وهي العضلات وهي خمسمائة وسبع وعشرون عضلة كل ~~منها على قدر مخصوص ووضع مخصوص لو تغير عن ذلك أدنى تغير لاختلت مصالح ~~البدن، وكذا الأعصاب والأوردة والشرايين، ثم انظر كيف خلق الظهر أساسا ~~للبدن، والبطن حاويا لآلات الغذاء والرأس مجمعا للحواس، ففتح العين ورتب ~~طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وأحكمها بحيث ينطبع في مقدار عدسة منها صورة ~~السماوات على عظمها، وحماها بالأجفان لتسترها وتحفظها، ثم أودع الأذنين ماء ~~مرا يدفع عنها الهوام وحاطهما بصدفين لجمع الصوت ورده إلى الصماخ وليحس ~~بدبيب الهوام وجعل فيها تعريجا لتطويل # PageV21P127 # الطريق فلا تصل الهوام إلى جرم الصماخ سريعا، ثم رفع الأنف في الوجه ~~وأودع فيه حاسة الشم للاستدلال بالروائح على الأطعمة والأغذية ولاستنشاق ~~الروائح الطيبة لتكون مروحة للقلب، وأودع الفم اللسان وجعله على كونه لحمة ~~واحدة معربا عما في النفس، وزين القم بالأنسان فحدد بعضها لتكون آلة للنقب ~~وحدد بعضها لتصلح للقطع، وجعل بعضها عريضا مفلطحا صالحا للطحن وبيض ألوانها ~~ورتب صفوفها وسوى رؤوسها ونسق ترتيبها حتى صارت كالدر المنظوم، ثم أطبق على ~~الفم الشفتين وحسن لونهما لتحفظا منفذه وهيأ الحنجرة لخروج الصوت، وخالف ~~أشكال الحناجر في الضيق والسعة والخشونة والملاسة والصلابة والرخاوة والطول ~~والقصر، فاختلفت الأصوات بسببها ليميز السامع المصوتين بسبب تمييز أصواتهم ms5479 ~~فيعرفهم وإن لم يرهم، وسخر كل عضو من أعضاء الباطن لشيء مخصوص، فالمعدة ~~لإنضاج الغذاء، والكبد لإحالته إلى الدم، والطحال لجذب السواد، والمرارة ~~لجذب الصفراء، والكلية لجذب الفضلة المائية، والمثانة لخدمة الكلية بقبول ~~الماء عنها ثم إخراجه من طريقه، والعروق لخدمة الكبد في إيصال الدم إلى ~~سائر أطراف البدن، وكان مبدأ ذلك كله النطفة على صغرها في داخل الرحم في ~~ظلمات ثلاثة ولو كشف الغطاء وامتد البصر إليه لرأى التخطيط والتصوير يظهر ~~عليه # PageV21P128 # شيئا فشيئا ولا يرى المصور ولا الإله، فسبحانه ما أعظم شأنه وأبهر ~~برهانه، فيالله العجب ممن يرى نقشا حسنا على جدار فيتعجب من حسنه وحذق ~~صانعه ثم لا يزال يستعظمه ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ثم ~~يغفل عن صانعه ومصوره فلا تدهشه عظمته ويحيره جلاله وحكمته. # ولما كان الإنسان مركبا من روح خفيف طاهر وبدن هو مركب الحظوظ والشهوات ~~واللوم والدنيات، فكان الروح بكماله والبدن بنقصانه يتعالجان، كل منهما ~~يريد أن يغلب صاحبه، قوى سبحانه الروح بالشرع الداعي إلى معالي الأخلاق، ~~الناهي عن مساويها، المبين لذلك غاية البيان على يد إنسان طبعه سبحانه على ~~الكمال ليقدر على التلقي من الملائكة، فيكمل أبناء نوعه، فدل على ذلك بحال ~~بناها من ضمير العظمة فقال مبينا للغاية: {نبتليه} أي نعامله بما لنا من ~~العظمة بالأمر والنهي والوعظ معاملة المختبر ونحن أعلم به منه، ولكنا فعلنا ~~ذلك لنقيم عليه الحجة على ما يتعارفه الناس، فإن العاصي لا يعلم أنه أريد ~~منه العصيان، وكذا الطائع، فصار التكليف بحسب وهمه لما خلق الله له من ~~القوة والقدرة الصالحة في الجملة. # ولما ذكر الغاية، أتبعها الإعدادات المصححة لها فقال: {فجعلناه} # PageV21P129 # أي بما لنا من العظمة بسبب ذلك {سميعا} أي بالغ السمع {بصيرا *} أي عظيم ~~البصر والبصيرة ليتمكن من مشاهدة الدلائل ببصره وسماع الآيات بسمعه، ومعرفة ~~الحجج ببصيرته، فيصح تكليفه وابتلاؤه، فقدم العلة الغائية لأنها متقدمة في ~~الاستحضار على التابع لها من المصحح لورودها، وقدم السمع لأنه أنفع في ~~المخاطبات، ولأن ms5480 الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية، قال الرازي في ~~اللوامع وإلى هنا انتهى الخبر الفطري ثم يبتدىء منه الاختبار الكسبي - ~~انتهى. # وذلك بنفخ الروح وهي حادثة بعد حدوث البدن بإحداث القادر المختار لها بعد ~~تهيئة البدن لقبولها، ثم أفاض سبحانه على الجملة العقل، وجعل السمع والبصر ~~اللتين له، ولعله خصهما لأنهما أنفع الحواس، ولأن البصر يفهم البصيرة وهي ~~تتضمن الجميع، وجعل سبحانه له ذلك لاستقراء صور المحسوسات وانتزاع العلوم ~~الكلية منها، وبذلك يكمل علمه الذي منه الدفع عن نفسه التي جعلها الله ~~تعالى محل التكليف ليكمل تكليفه، وذلك أنه سبحانه ركبه من العناصر الأربعة، ~~وجعل صلاحه بصلاحها، وفساده بفسادها # PageV21P130 # لتعاليها، فاضطر إلى قوى يدرك بها المنافي فيجتنبه والملائم فيطلبه، فرتب ~~له سبحانه الحواس الخمس الظاهرة، فجعل السمع في الأذن، والبصر في العين، ~~والذوق في اللسان، والشم في الأنف، وبث اللمس في سائر البدن، ليدفع به عن ~~جميع الأعضاء ما يؤذيها، وهذه الحواس الظاهرة تنبعث عن قوة باطنة تسمى الحس ~~المشترك بحمل ما أدركته فيرتسم هناك وهو في مقدم البطن الأول من الدماغ ~~وينتقل ما ارتسم هنا إلى خزانة الخيال وهي في مؤخر هذا البطن من الدماغ ~~فتحفظ فيها صورته وإن غابت عن الحواس، وثم قوة أخرى من شأنها إدراك المعاني ~~الجزئية المتعلقة بالمحسوسات الشخصية كعداوة زيد وصداقته تسمى الوهم ومحلها ~~الدماغ كله والأخص بها التجويف الأوسط وخصوصا مؤخره، وقوة أخرى أيضا شأنها ~~خزن ما أدركته القوة الوهمية من المعاني الجزئية تسمى الحافظة باعتبار، ~~والذاكرة باعتبار، ومحلها التجويف المؤخر في الدماغ، وقوة أخرى من شأنها ~~تفتيش تلك الخزائن وتركيب بعض مودعاتها مع بعض وتفصيل بعضها مع بعض ومحلها ~~وسلطانها في أول التجويف الأوسط، وتلك # PageV21P131 # القوة تسمى مخيلة باعتبار تصريف الوهم لها ومفكرة باعتبار استعمال النفس ~~لها، وقد اقتضت الحكمة الربانية تقديم ما يدرك الصور الجرمية وتأخير ما ~~يدرك المعاني الروحانية، وتوسيط المتصرف فيهما بالحكم والاسترجاع للأمثال ~~المنمحية من الجانبين، ثم لا تزال هذه القوى تخدم ما فوقها كما خدمتها ~~الحواس الخمس ms5481 إلى أن تصير عقلا مستفادا، وهو قوة للنفس بها يكون لها حضور ~~المعقولات بالفعل، وهذا العقل هو غاية السلوك الطلبي للإنسان وهو الرئيس ~~المطلق المخدوم للعقل بالفعل، وهو القوة التي تكون للنفس بها اقتدار على ~~استحضار المعقولات - الثانية وهو المخدوم للعقل الهيولاني المشبه بالهيولى ~~الخالية في نفسها عن جميع الصور، وهو قوة من شأنها الاستعداد المحض لدرك ~~المعقولات باستعمال الحواس في تصفح الجزئيات واستقرائها المخدومات كلها ~~للعقل العملي، وهو القوة النظرية المخدوم للوهم المخدوم لما بعده من ~~الحافظة وما قبله من المتخيلة المخدومتين للخيال المخدوم للحس المشترك ~~المخدوم للحواس الظاهرة. # ولما كان كأنه قيل: هبه خلق هكذا فكان ماذا؟ قال # PageV21P132 # شفاء لعي هذا السؤال وبيانا لنعمة الإمداد: {إنا} أي بما لنا من العظمة ~~{هديناه} أي بينا له لأجل الابتلاء {السبيل} أي الطريق الواضح الذي لا طريق ~~في الحقيقة غيره، وهو طريق الخير الذي من حاد عنه ضل، وذلك بما أنزل من ~~الكتب وأرسلنا من الرسل ونصبنا من الدلائل في الأنفس والآفاق، وجعلنا له من ~~البصيرة التي يميز بها بين الصادق والكاذب وكلام الخلق وكلام الخالق والحق ~~والباطل وما أشبهه. # ولما كان الإنسان عند البيان قد كان منه قسمان، وكان السياق لبيان تعظيمه ~~بأنه خلاصة الكون والمقصود من الخلق، قال بانيا حالا من ضميره في «هديناه» ~~مقسما له مقدما القسم الذي أتم عليه بالبيان نعمة الهداية بخلق الإيمان، ~~لأن ذلك أنسب بذكر تشريفه للإنسان، بجعله خلاصة الوجود وبقوله: «إن رحمتي ~~سبقت غضبي» في سياق ابتداء الخلق، معبرا باسم الفاعل الخالي من المبالغة، ~~لأنه لا يقدر أحد أن يشكر جميع النعم، فلا يسمى شكورا إلا بتفضل من ربه ~~عليه: {إما شاكرا} أي لإنعامه ربه عليه. # ولما كان الإنسان، لما له من النقصان، لا ينفك غالبا عن كفر ما، أتى ~~بصيغة المبالغة تنبيها له على ذلك معرفا له أنه لا يأخذه إلا # PageV21P133 # بالتوغل فيه ليعرف نعمة الحلم عنه فيحمله الخجل على الإقبال على من يرضى ~~منه بقليل الشكر، ويحتمل أن يفهم ذلك أن ms5482 من كفر نعمة واحدة فقد كفر الجميع ~~فصار بليغ الكفر فقال: {وإما كفورا} أي بليغ الكفر بالإعراض والتكذيب ~~وعبادة الغير والمعاندة فإحسانه غير موف إساءته مفرطة، وبدأ بالشكر لأنه ~~الأصل، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» ~~الحديث، ورواه أحمد بن منيع عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه الإمام أحمد ~~عن جابر رضي الله عنه ولفظه: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه ~~إما شاكرا وإما كفورا» رواه الإمام أحمد أيضا وأبو يعلى عن الأسود بن سريع ~~رضي الله عنه. # PageV21P134 # ولما قسمهم إلى القسمين، ذكر جزاء كل قسم فقال مستأنفا جواب من يسأل عن ~~ذلك مبشرا للشاكر الذي استعد بعروجه في مراقي العبادات إلى ملكوت العلويات ~~لروح وريحان وجنة نعيم، ومنذرا # PageV21P134 # للكافر الذي استعد بالهبوط في دركات المخالفات إلى التقيد بالسفليات لنزل ~~من حميم وتصلية جحيم، مقدما للعاصي لأن طريق النشر المشوش أفصح، وليعادل ~~البداءة بالشاكر في أصل التقسيم ليتعادل الخوف والرجاء، وليكون الشاكر أولا ~~وآخرا، ولأن الانقياد بالوعيد أتم لأنه أدل على القدرة لا سيما في حق أهل ~~الجاهلية الذين بعدت عنهم معرفة التكاليف الشرعية، وأكثر في القرآن العظيم ~~من الدعاء بالترغيب والترهيب لأنه الذي يفهمه الجهال الذين هم أغلب الناس ~~دون الحجج والبراهين، فإنها لا يفهمها إلا الخواص، وأكد لأجل تكذيب الكفار: ~~{إنا} أي على ما لنا من العظمة {أعتدنا} أي هيأنا وأحضرنا بشدة وغلظة ~~{للكافرين} أي العريقين في الكفر خاصة، وقدم الأسهل في العذاب فالأسهل ~~ترقيا فقال: {سلاسلا} يقادون ويرتقون بها، وقراءة من نون مشيرة إلى أنها ~~عظيمة جدا، وكذا وقف أبي عمرو عليه بالألف مع المنع من الصرف {وأغلالا} أي ~~جوامع تجمع أيديهم إلى أعناقهم فيها فيهانون بها {وسعيرا *} أي نارا حامية ~~جدا شديدة الاتقاد. # ولما أوجز في جزاء الكافر، أتبعه جزاء الشاكر وأطنب فيه # PageV21P135 # تأكيدا للترغيب، فإن النفوس بعد كسر الوعيد لها تهتز ms5483 لأدنى وعد وأقله ~~فكيف بأتمه وأجله، فقال مستأنفا مؤكدا لتكذيب الكافر مبينا بذكر الخمر على ~~هذه الصفة أنهم في أنهى ما يكون من رغد العيش لأنه يلزم من شربها جميع ~~مقدماتها ومتمماتها: {إن الأبرار} بخصوصهم من عموم الشاكرين جمع بر كأرباب ~~جمع رب، أو بار كأشهاد جمع شاهد، وهم الذين سمت هممهم عن المستحقرات فظهرت ~~في قلوبهم ينابيع الحكمة فأنفقوا من مساكنة الدنيا {يشربون} أي ما يريدون ~~شربه {من كأس} أي خمر - قاله الحسن وهو اسم لقدح تكون فيه {كان مزاجها} أي ~~الذي تمزج به {كافورا *} أي لبرده وعذوبته وطيب عرفه، وذكر فعل الكون يدل ~~على أن له شأنا في المزج عظيما يكون فيه كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد. # ولما كان الكافور أعلى ما نعهده جامدا، بين أنه هناك ليس كذلك، فقال ~~مبدلا من «كافور» : {عينا يشرب بها} أي بمزاجها # PageV21P136 # كما تقول: شربت الماء بالعسل {عباد الله} أي خواص الملك الأعظم وأولياؤه ~~أي شراب أرادوه. # ولما كان المزاج يتكلف لنقله قال: {يفجرونها تفجيرا *} أي حال كونهم ~~يشققونها ويجرونها بغاية الكثرة إجراء حيث أرادوا من مساكنهم وإن علت ~~وغيرها. # ولما ذكر جزاءهم على برهم المبين لشكرهم، أتبعه تفصيله فقال مستأنفا ~~بيانا لأن شكرهم بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وعمارة الظاهر ~~والباطن لأنهم جمعوا بين كرم الطبع ولطافة المزاج الحامل على تجويز الممكن ~~المقتضي للإيمان بالغيب: {يوفون} أي على سبيل الاستمرار {بالنذر} وهذا ~~كناية عن وفائهم بجميع أنحاء العبادة لأن من وفى بما أوجبه على نفسه كان ~~بما أوجبه الله من غير واسطة أوفى، ويجوز أن يكون النذر كل ما تقدم إليهم ~~فيه سبحانه. # ولما دل وفاؤهم على سلامة طباعهم، قال عاطفا دلالة على جمعهم للأمرين ~~المتعاطفين فهم يفعلون الوفاء لا لأجل الخوف بل لكرم الطبع: {ويخافون} أي ~~مع فعلهم للواجبات {يوما كان} أي كونا هو في # PageV21P137 # جبلته {شره} أي ما فيه من الشدائد {مستطيرا *} أي موجود الطيران وجودا ~~كأنه بغاية الرغبة فيه فهو في غاية الانتشار، والخوف ms5484 أدل دليل على عمارة ~~الباطن، قالوا: وما فارق الخوف قلبا إلا خرب، من خاف أدلج، ومن أدلج ~~المنزل، فالخوف لاجتناب الشر والوفاء لاجتلاب الخير. # ولما كان من خاف شيئا سعى في الأمن منه بكل ما عساه ينفع فيه، وكان قد ~~ذكر تذرعهم بالواجب، أتبعه المندوب دلالة على أنهم لا ركون لهم إلى الدنيا ~~ولا وثوق بها، فقد جمعوا إلى كرم الطبع بالوفاء ورقة القلب شرف النفس ~~بالانسلاخ من الفاني فقال: {ويطعمون الطعام} أي على حسب ما يتيسر لهم من ~~عال ودون على الدوام. ولما كان الإنسان قد يسمح بما لا يلذ له قال: {على ~~حبه} أي حبه إياه حبا هو في غاية المكنة منهم والاستعلاء على قلوبهم لقلته ~~وشهوتهم له وحاجتهم إليه كما قال تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون} [آل عمران: 92] ليفهم أنهم للفضل أشد بذلا، ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم أي الصحابة رضي الله ~~عنهم - ولا نصيفه» لقلة الموجود إذ ذاك وكثرته # PageV21P138 # بعد {مسكينا} أي محتاجا احتياجا يسيرا، فصاحب الاحتياج الكثير أولى ~~{ويتيما} أي صغيرا لا أب له ذكرا كان أو أنثى {وأسيرا *} أي في أيدي الكفار ~~أي أعم من ذلك، فيدخل فيه المملوك والمسجون والكافر الذي في أيدي المسلمين، ~~وقد نقل في غزوة بدر أن بعض الصحابة رضي الله عنهم كان يؤثر أسيره على نفسه ~~بالخبز، وكان الخبز إذ ذاك عزيزا حتى كان ذلك الأسير يعجب من مكارمهم حتى ~~كان ذلك مما دعاه إلى الإسلام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~دفعهم إليهم قال: «استوصوا بهم خيرا» ومن حكم الأسير الحقيقي كل مضرور ~~يفعلون ذلك والحال أنهم يقولون بلسان الحال أو القال إن احتيج إليه إزاحة ~~لتوهم المن أو توقع المكافأة مؤكدين إشارة إلى أن الإخلاص أمر عزيز لا يكاد ~~أحد يصدق أنه يتأتى لأحد: {إنما نطعمكم} أيها المحتاجون {لوجه الله} أي ~~لذات الملك الذي استجمع الجلال والإكرام لكونه أمرنا بذلك، وعبر ms5485 به لأن ~~الوجه يستحيى منه ويرجى ويخشى عند رؤيته. # ولما أثبتوا بهذا الإخلاص، حققوه بنفي ما يغير فيه، وفسروه # PageV21P139 # لما لا يكون إلا به فقالوا: {لا نريد منكم} أي لأجل ذلك {جزاء} أي لنا من ~~أعراض الدنيا {ولا شكورا *} بشيء من قول ولا فعل، وكأنه اختير هذا المصدر ~~المزيد كالدخول والخروج والقعود إيماء إلى أن المنفي ما يتكلف له، وأما مثل ~~المحبة والدعاء فلا، ولو أرادوا شيئا من ذلك لما كان لله، وروي في سبب نزول ~~هذه الآية: «أن عليا وابنيه وأمهما فاطمة رضي الله عنهم أجمعين آثروا على ~~أنفسهم ثلاثة أيام، وأصبحوا الرابع يرتعشون، فلما رآهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم ساءه ذلك، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه السورة مهنئا له بها» ~~ولا يستبعد الصبر على الجوع هذه المدة لأنه ربما كانت للنفس هيئة قوية من ~~استغراق في محبة الله تعالى أو غير ذلك، فهبطت إلى البدن فشغلت الطبيعة عن ~~تحليل الأجزاء فلا يحصل الجوع كما أنا نشاهد الإنسان يبقى في المرض الحاد ~~مدة من غير تناول شيء من غذاء ولا يتأثر بدنه لذلك، فلا بدع أن تقف الأفعال ~~الطبيعية في حق بعض السالكين وهو أحد القولين في قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم «إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» . # PageV21P140 # ولما كانت الأنفس مجبولة على حب الجزاء والثناء، فكان لا يكاد يصدق أحد ~~أن أحدا يفعل ما لا يقصد به شيئا من ذلك، وكان # PageV21P140 # الله سبحانه وتعالى قد من علينا بأن جعل العبادة لأجل خوفه ورجائه لا ~~يقدح في الإخلاص، عللوا قولهم هذا على وجه التأكيد بقولهم: {إنا نخاف} ولما ~~كان الخوف من المحسن بالنظر إلى إحسانه موجبا للخوف منه بالنظر إلى عزه ~~وجبروته وسلطانه من باب الأولى قالوا: {من ربنا} أي الخالق لنا المحسن ~~إلينا {يوما} أي أهوال يوم هو - في غاية العظمة، وبينوا عظمته بقولهم: ~~{عبوسا} أي ضيقا - قاله ابن عباس رضي الله عنهما، نسبوا العبوس إليه لأنه ~~في شدته كالأسد الغضوب، فهو موجب لعبوس الوجوه ms5486 فيه أو هو لعبوس أهله ك ~~«ليله قائم ونهاره صائم وعيشة راضية» {قمطريرا *} أي طويلا - قاله ابن عباس ~~رضي الله عنهما، أو شديد العبوس مجتمع الشر كالذي يجمع ما بين عينيه - ~~مأخوذ من القطر لأن يومه يكون عابسا، وزيد فيه الميم وبولغ فيه بالصيغة، ~~وهو يوم القيامة، يقال: اقمطر اليوم فهو مقمطر - إذا كان صعبا شديدا. # ولما كان فعلهم هذا خالصا لله، سبب عنه جزاءهم فقال مخبرا أنه دفع عنهم ~~المضار وجلب لهم المسار: {فوقاهم الله} أي الملك الأعظم بسبب خوفهم {شر ذلك ~~اليوم} أي العظيم، وأشار إلى نعيم الظاهر بقوله: {ولقاهم} أي تلقية عظيمة ~~فيه وفي غيره {نضرة} # PageV21P141 # أي حسنا ونعمة تظهر على وجوههم وعيشا هنيئا، وإلى نعيم الباطن بقوله: ~~{وسرورا *} أي دائما في قلوبهم في مقابلة خوفهم في الدنيا وعبوس الكفار في ~~الآخرة وخزيهم - وهذا يدل على أن وصف اليوم بالعبوس للدلالة على المبالغة ~~في عبوس أهله، وأشار إلى المسكن بقوله: {وجزاهم بما صبروا} أي بسبب ما ~~أوجدوه من الصبر على العبادة من لزوم الطاعة واجتناب المعصية ومنع أنفسهم ~~الطيبات وبذل المحبوبات {جنة} أي بستانا جامعا يأكلون منه ما يشتهون جزاء ~~على ما كانوا يطعمون. ولما ذكر ما يكسو الباطن، ذكر ما يكسو الظاهر فقال: ~~{وحريرا *} أي هو في غاية العظمة. # ولما ذكر أنه كفاهم المخوف وحباهم الجنة، أتبعه حالهم فيها وحالها فقال ~~دالا على راحتهم الدائمة: {متكئين فيها} أي لأن كل ما أرادوه حضر إليهم من ~~غير حاجة إلى حركة أصلا، ودل على الملك بقوله {على الأرآئك} أي الأسرة ~~العالية التي في الحجال، لا تكون أريكة إلا مع وجود الحجلة، وقال بعضهم: هي ~~السرير المنجد في قبة عليه شواره ونجده أي متاعه، وهي مشيرة إلى الزوجات ~~لأن العادة جارية بأن الأرائك لا تخلو عنهن بل هي لهن لاستمتاع الأزواج بهن ~~فيها. # ولما كانت بيوت الدنيا وبساتينها تحتاج إلى الانتقال منها # PageV21P142 # من موضع إلى موضع لأجل الحر أو البرد، بين أن جميع أرض الجنة وغرفها سواء ~~في لذة ms5487 العيش وسبوغ الظل واعتدال الأمر، فقال نافيا ضر الحر ثم البرد: {لا ~~يرون فيها} أي بأبصارهم ولا بصائرهم أصلا {شمسا} أي ولا قمرا {ولا} أي ولا ~~يرون فيها أيضا ببصائرهم أي لا يحسون بما يسمى {زمهريرا *} أي بردا شديدا ~~مزعجا ولا حرا، فالآية من الاحتباك: دل بنفي الشمس أولا على نفي القمر، لأن ~~ظهوره بها لأن نوره اكتساب من نور الشمس، ودل بنفي الزمهرير الذي هو سبب ~~البرد ثانيا على نفي الحر الذي سببه الشمس، فأفاد هذا أن الجنة غنية عن ~~النيرين، لأنها نيرة بذاتها وأهلها غير محتاجين إلى معرفة زمان لأنه لا ~~تكليف فيها بوجه، وأنها ظليلة ومعتدلة دائما لأن سبب الحر الآن قرب الشمس ~~من مسامته الرؤوس، وسبب البرد بعدها عن ذلك. # ولما كانت ترجمة هذا كما مضى: جنة ظليلة ومعتدلة، عطف عليه بالواو دلالة ~~على تمكن هذا الوصف وعلى اجتماعه مع ما قبله قوله: {ودانية} أي قريبة من ~~الارتفاع {عليهم ظلالها} من غير أن يحصل منها ما يزيل الاعتدال {وذللت ~~قطوفها} جمع قطف بالكسر # PageV21P143 # وهو العنقود واسم للثمار المقطوفة أي المجنية {تذليلا *} أي سهل تناولها ~~تسيهلا عظيما لا يرد اليد عنها بعد ولا شوك لكل من يريد أخذها على أي حالة ~~كان من اتكاء وغيره، فإن كانوا قعودا تدلت إليهم، وإن كانوا قياما وكانت ~~على الأرض ارتقت إليهم، وهذا جزاء لهم على ما كانوا يذللون أنفسهم لأمر ~~الله. # ولما كان الدوران بالآنية متجددا، عبر فيه بالمضارع، وبناه للمفعول أيضا ~~لأنه المقصود مطلقا من غير تعيين طائف فقال: {ويطاف} أي من أي طائف كان ~~لكثرة الخدم {عليهم بآنية} جمع إناء جزاء على طوافهم على المحتاجين بما ~~يصلحهم. # ولما كان مقصود هذه السورة ترهيب الإنسان الموبخ في سورة القيامة من ~~الكفر، وكان الإنسان أدنى أسنان المخاطبين في مراتب الخطاب، اقتصر في ~~الترغيب في شرف الآنية على الفضة دون الذهب المذكور في فاطر والحج المعبر ~~فيهما بالناس، فلعل هذا لصنف وذاك لصنف - أعلى منه مع إمكان الجمع ~~والمعاقبة، وأما من ms5488 هو أعلى من هذين الصنفين من الذين آمنوا ومن فوقهم فلهم ~~فوق هذين الجوهرين من الجواهر ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على # PageV21P144 # قلب بشر فقال: {من فضة} أي اسمه ذلك، وأما الحقيقة فأين الثريا من يد ~~المتناول. # ولما جمع الآنية خص فقال: {وأكواب} جمع كوب وهو كوز لا عروة له، فيسهل ~~الشهرب منه من كل موضع فلا يحتاج عند التناول إلى إدارة {كانت} أي تلك ~~الأكواب كونا هو من جبلتها {قواريرا *} أي كانت بصفة القوارير من الصفاء ~~والرقة والشفوف والإشراق والزهارة، جمع قارورة وهي ما قر فيه الشراب ونحوه ~~من كل إناء رقيق صاف، وقيل: هو خاص بالزجاج. # ولما كان هذا رأس آية، وكان التعبير بالقارورة ربما أفهم أو أوهم أنها من ~~الزجاج، وكان في الزجاج من النقص سرعة الانكسار لإفراط الصلابة، قال معيدا ~~للفظ أول الآية الثانية، تأكيدا للاتصاف بالصالح من أوصاف الزجاج وبيانا ~~لنوعها: {قواريرا من فضة} أي فجمعت صفتي الجوهرين المتباينين: صفاء الزجاج ~~وشفوفه وبريقه وبياض الفضة وشرفها ولينها، وقراءة من نون الاثنين صارفا ما ~~من حقه المنع مشيرة إلى عظمتها وامتداد كثرتها وعلوها في الفضل والشرف، ~~وقراءة ابن كثير في الاقتصار على تنوين الأول للتنبيه على أنه رأس آية ~~والثاني أول التي بعدها مع إفهام العظمة لأن الثاني إعادة للأول لما # PageV21P145 # تقدم من الإفادة، فكأنه منون، ووقف أبو عمرو على الأول بالألف مع المنع ~~من الصرف لأن ذلك كاف في الدلالة على أنه رأس آية. # ولما كان الإنسان لا يجب أن يكون الإناء ولا ما فيه من مأكول أو مشروب ~~زائدا عن حاجته ولا ناقصا عنها قال: {قدروها} أي في الذات والصفات {تقديرا ~~*} أي على مقادير الاحتياج من غير زيادة ولا نقص لأن ما أراد كل منها كان، ~~لا كلفة ولا كدر ولا نقص. # ولما ذكر الأكواب، أتبعها غايتها فقال تخصيصا بالعطف على ما تقديره: ~~يسقون فيها ما تشتهي أنفسهم وتلذ أعينهم: {ويسقون} ممن أرادوه من خدمهم ~~الذين لا يحصون كثرة {فيها} ms5489 أي الجنة أو تلك الأكواب {كأسا} أي خمرا في ~~إناء {كان مزاجها} على غاية الإحكام {زنجبيلا *} هو في غاية اللذة، وكانت ~~العرب تستلذ الشراب الممزوج به لهضمه وتطييبه الطعم والنكهة. # PageV21P146 # ولما كان الزنجبيل عندنا شجرا يحتاج في تناوله إلى علاج، أبان أنه هناك ~~عين لا يحتاج في صيرورته زنجبيلا إلى أن تحيله الأرض بتخميره فيها حتى يصير ~~شجرا ليتحول عن طعم الماء إلى طعم الزنجبيل خرقا للعوائد # PageV21P146 # فقال: {عينا فيها} أي الجنة يمزج فيها شرابهم كما يمزج بالماء. # ولما كان الزنجبيل يلذع الحق فتصعب إساغته قال: {تسمى} أي لسهولة إساغتها ~~ولذة طعمها وسمو وصفها {سلسبيلا} والسلسبيل والسلسل والسلسال ما كان من ~~الشراب غاية في السلاسة، زيدت فيه الباء دلالة على المبالغة في هذا المعنى، ~~قالوا: وشراب الجنة في برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك من غير لذع. # ولما ذكر المطوف به لأنه الغاية المقصودة، وصف الطائف لما في طوافه من ~~العظمة المشهودة تصويرا لما هم فيه من الملك بعد ما نجوا منه من الهلك: ~~{ويطوف عليهم} أي بالشراب وغيره من الملاذ والمحاب {ولدان} أي غلمان هم في ~~سن من هو دون البلوغ «أقل أهل الجنة من يخدمه ألف غلام» {مخلدون} أي قد حكم ~~من لا يرد حكمه بأن يكونوا كذلك دائما من غير غلة ولا ارتفاع عن ذلك الحد ~~مع أنهم مزينون بالخلد وهو الحلق والأساور والقرطة والملابس الحسنة {إذ ~~رأيتهم} أي يا أعلى الخلق صلى الله عليه وسلم وأنت أثبت الناس نظرا أو أيها ~~الرائي من كان في أي حالة رأيتهم # PageV21P147 # فيها {حسبتهم} من بياضهم وصفاء ألوانهم ولمع أنوارهم وانعكاس شعاع بعضهم ~~إلى بعض وانبثاثهم في المجالس ذهابا وإيابا {لؤلؤا منثورا *} وذلك كناية عن ~~كثرتهم وانتشارهم في الخدمة وشرفهم وحسنهم؛ وعن بعضهم أن لؤلؤ الجنة في ~~غاية الكبر والعظمة واختلاف الأشكال، وكأنه عبر بالحسبان إشارة إلى أن ذلك ~~مطلق تجويز لا مع ترجيح، قال بعض المفسرين: هم غلمان ينشئهم الله لخدمة ~~المؤمنين. وقال بعضهم: هم أطفال المشركين لأنهم ماتوا ms5490 على الفطرة، وقال ابن ~~برجان: وأرى والله أعلم أنهم من علم الله سبحانه وتعالى إيمانه من أولاد ~~الكفار يكونون خدما لأهل الجنة كما كانوا لهم في الدنيا سبيا وخداما، وأما ~~أولاد المؤمنين فيلحقون بآبائهم سنا وملكا سرورا لهم، ويؤيد هذا قوله صلى ~~الله عليه وسلم في ابنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام «إن له لظئرا يتم ~~رضاعه في الجنة» فإنه يدل على استقبال شأنه فيما هنالك وتنقله في الأحوال ~~كالدنيا، ولا دليل على خصوصيته بذلك. # ولما ذكر المخدوم والخدم شرع في ذكر المكان فقال: {وإذا رأيت} أي أجلت ~~بصرك، وحذف مفعوله ليشيع ويعم {ثم} أي هناك في أي مكان كان وأي شيء كان ~~{رأيت نعيما} أي ليس فيه كدر بوجه من الوجوه، ولما كان النعيم قد يكون في ~~حالة وسطى قال: # PageV21P148 # {وملكا كبيرا *} أي لم يخطر على بال مما هو فيه من السعة وكثرة الموجود ~~والعظمة أدناهم وما فيهم دني الذي ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه ~~كما يرى أدناه ومهما أراده كان. # ولما ذكر الدار وساكنيها من مخدوم وخدم، ذكر لباسهم بانيا حالا من الفاعل ~~والمفعول: {عليهم} أي حال كون الخادم والمخدوم يعلو أجسامهم على سبيل ~~الدوام، وسكن نافع وحمزة الياء على أنه مبتدأ وخبر شارح للملك على سبيل ~~الاستئناف {ثياب سندس} وهو ما رق من الحرير {خضر} رفعه الجماعة صفة لثياب، ~~وجره ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم صفة لسندس حملا على المعنى ~~فإنه اسم جنس {وإستبرق} وهو ما غلظ من الديباج يعمل بالذهب، أو هو ثياب ~~حرير صفاق نحو الديباج - قاله في القاموس، رفعه ابن كثير ونافع وعاصم نسقا ~~على ثياب، وجره الباقون على سندس. # ولما كان المقصود لأرباب اللباس الفاخر الحلية، أخبر عن تحليتهم، وبني ~~الفعل للمفعول دلالة على تيسر ذلك لهم وسهولته عليهم فقال: {وحلوا} أي وجدت ~~تحلية المخدومين والخدم {أساور من فضة} وإن كانت تتفاوت بتفاوت الرتب، ~~وتقدم سر تخصيص هذه السورة بالفضة والأساورة بجمع ما فيها من لذة الزينة ~~لذة ms5491 اتساع الملك فإنها # PageV21P149 # كناية عنه فإنه - كما قال الملوي - كان في الزمن القديم إذا ملك ملك ~~أقاليم عظيمة كثيرة لبس سوارا وسمي الملك المسور لاتساع مملكته وعظمتها ~~وكثرة أقاليمها، وإن لم تجمع أقاليم لم يسور فما ظنك بمن أعطى من ذلك جمع ~~الكثرة، وهي بالغة من الأعضاء ما يبلغ التحجيل في الوضوء كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» فلذا كان أبو هريرة ~~رضي الله عنه يرفع الماء إلى المنكبين وإلى الساقين. # ولما كان ربما ظن بما تقدم من ذلك الممزوج شيء من نقص لأجله يمزج كما هو ~~في الدنيا، وكان قد قال أولا {يشربون} بالبناء للفاعل، وثانيا (يسقون) ~~بالبناء للمفعول، قال بانيا للفاعل بيانا لفضل ما يسقونه في نفسه وفي كونه ~~من عند الإله الأعظم المتصف بغاية الإحسان على صفة من العظمة تليق بإحسانه ~~سبحانه بما أفاده إسناد الفعل إليه: {وسقاهم} وعبر بصفة الإحسان تأكيدا ~~لذلك فقال: {ربهم} أي الموجد لهم المحسن إليهم المدبر لمصالحهم {شرابا ~~طهورا *} أي ليس هو كشراب الدنيا سواء كان من الخمر أو من الماء أو من ~~غيرهما، بل هو بالغ الطهارة والوصف بالشرابية من العذوبة واللذة واللطافة، ~~وهو مع ذلك آلة للتطهير البالغ للغير فلا يبقى في بواطنهم # PageV21P150 # غش ولا وسواس، ولا يريدون إلا ما يرضي مليكهم مما أسس على غاية الحكمة ~~وفاق كامل وسجايا مطهرة وأخلاق مصطفاة لا عوج فيها، ولا يستحيل شيء من ~~شرابهم إلى نجاسة من بول ولا غيره، بل يصير رشحا كرشح المسك ويعطي الرجل ~~شهوة مائة رجل في الأكل وغيره، فإذا أكل شرب فطهر باطنه ورشح منه المسك ~~فعادت الشهوة، بل الحديث يدل على أن شهوتهم لا تنقضي أصلا فإنه قال: # «يجد لآخر لقمة من اللذة ما يجد لأولها» يفعل بهم هذا سبحانه قائلا لهم ~~مؤكدا تسكينا لقلوبهم لئلا يظنون أن ما هم فيه على وجه الضيافة ونحوها ~~فيظنوا انقطاعه {إن هذا} أي الذي تقدم من الثواب كله {كان} أي كونا ثابتا ~~{لكم} ms5492 بتكويني إياه من قبل موتكم {جزاء} أي على أعمالكم التي كنتم تجاهدون ~~فيها أنفسكم عن هواها إلى ما يرضي ربكم فكنتم كلما عملتم عملا كونت من هذا ~~ما هو جزاء له {وكان} أي على وجه الثبات {سعيكم} ولما كان المقصود القبول ~~لأن القابل الشاكر هو المعمول له، بني للمفعول قوله: {مشكورا *} أي لا يضيع ~~شيئا منه ويجازى بأكثر منه أضعافا مضاعفة. # PageV21P151 # ولما ذكر أنه بين للناس السبيل فانقسموا إلى مبصر شاكر وأعمى # PageV21P151 # كافر، وأتبعه جزاء الكافرين والشاكرين، وختمه بالشراب الطهور الذي من ~~شأنه أن يحيي ميت الأراضي كما أن العلم الذي منبعه القرآن يحيي ميت القلوب، ~~وسكن القلوب بتأييد الجزاء، وختم الكلام بالشكر كما بدأه به، وكان نصب ما ~~يهدي جميع الناس أمرا لا يكاد يصدق قال ذاكرا لما شرف به النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الدنيا قبل الآخرة، وجعل الشراب الطهور جزاء له لما بينهما من ~~المناسبة على سبيل التأكيد، وأكده ثانيا بما أفاد التخصيص لما لهم من ~~الإنكار ولتطمئن أنفس أتباعه بما حث عليه من الصبر إلى وقت الإذن في ~~القتال: {إنا نحن} أي على ما لنا من العظمة التي لا نهاية لها، لا غيرها ~~{نزلنا عليك} وأنت أعظم الخلق إنزالا استعلى حتى صار المنزل خلقا لك ~~{القرآن} أي الجامع لكل هدى، الحافظ من الزيغ، كما يحفظ الطب للصحيح صحة ~~المزاج، الشافي لما عساه يحصل من الأدواء بما يهدي إليه من العلم والعمل، ~~وزاد في التأكيد لعظيم إنكارهم فقال: {تنزيلا *} أي على التدريج بالحكمة ~~جوابا للسائل ورفقا بالعباد فدرجهم في وظائف الدين تدريجا موافقا للحكمة، ~~ولم يدع لهم شبهة إلا أجاب عنها، وعلمهم جميع الأحكام التي فيها رضانا، ~~وأتاهم من المواعظ والآداب والمعارف # PageV21P152 # بما ملأ الخافقين وخصصناك به شكرا على سيرتك الحسنى التي كانت قبل ~~النبوة، وتجنبك كل ما يدنس، فلما كان بتنزيلنا كان جامعا للهدى لما لنا من ~~إحاطة العلم والقدرة، فلا عجب في كونه جامعا لهدى الخلق كلهم، لم يدع لهم ~~في شيء من الأشياء ms5493 لبسا، وهي ناظرة إلى قوله في القيامة {لا تحرك به لسانك} ~~[القيامة: 16] الملتفتة إلى ما في المدثر من أن هذه تذكرة، الناظرة إلى ~~{أنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} المشيرة إلى ما في سورة الجن من أمر القرآن، ~~فالحاصل أن أكثر القرآن في تقرير عظمة القرآن، فإنه المقصود بالذات من أمر ~~الآية الكبرى التي إذا ثبتت تبعها جميع المراد من الشريعة وتفريق تقرير ~~شأنه أتقن ما يكون في إحكام أمره، وذلك أن الحكيم إذا اهتم بشيء افتتح ~~الكلام به، فإذا رأى من ينكره انتقل إلى غيره على قانون الحكمة، ثم يصير ~~يرمي به في خلال ذلك، رميا كأنه غير قاصد له، ولا يزال يفعل ذلك حتى يتقرر ~~أمره غاية التقرير ويثبت في النفس من حيث لا يشعر. # ولما تقرر أن من الناس من ترك الهدى الذي هو البيان، فعمي # PageV21P153 # عنه لإعراضه عنه، سبب عن هذا الإنزال وذاك الضلال قوله منبها على أمراض ~~القلوب، ومرشدا إلى دوائها: {فاصبر لحكم ربك} أي المحسن إليك بتخصيصه لك ~~بهذه النعمة على ضلال من حكم بضلاله، وعلى كل ما ينوبك وأطعه في التعبد له ~~بجميع ما أمرك به من الرفق إلى أن يأمرك بالسيف، واستعن على مر الصبر ~~باستحضار أن المربي الشفيق يربي بما يشاء من المر والحلو على حسب علمه ~~وحكمته، والصبر: حبس النفس وضبطها على مقاومة الهوى لئلا تنقاد إلى شيء من ~~قبائح اللذات. # ولما أمره سبحانه بالصبر، وكان الأمر به مفهما وجوده للمخالف، وكان ~~المخالفون له صلى الله عليه وسلم هم القسم المضاد للشاكر وهم الكفرة، وكان ~~ما يدعونه إليه تارة مطلق إثم، وأخرى كفرا وتارة غير ذلك، ذكر النتيجة ~~ناهيا عن القسمين الأولين ليعلم أن المسكوت عنه لا نهي فيه فقال: {ولا تطع ~~منهم} أي الكفرة الذين هم ضد الشاكرين {آثما} أي داعيا إلى إثم سواء كان ~~مجردا عن مطلق الكفر أو مصاحبا له {أو كفورا *} أي مبالغا في الكفر وداعيا ~~إليه وإن كان كبيرا وعظيما في الدنيا فإن الحق أكبر من ms5494 كل كبير، # PageV21P154 # وذلك أنهم كانوا مع شدة الأذى له صلى الله عليه وسلم يبذلون له الرغائب ~~من الأموال، والتمليك والتزويج لأعظم نسائهم على أن يتبعهم على دينهم ويكف ~~عما هو عليه والنهي عن الأحد المبهم نهي عن كل منهما، فإن كلا منهما في أنه ~~يجب اجتنابه في رتبة واحدة {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} [الأنعام: 120] وكذا ~~الانتهاء عنه لا يتحقق إلا بالانتهاء عن كل منهما، ولو عطف بالواو لم يفد ~~ذلك لأن نفي الاثنين لا يستلزم نفي كل منهما، وأفهم ترتيب النهي على ~~الوصفين أنه إذا دعاه الكفار إلى ما لا يتعلق به إثم ولا كفر جاز له قبوله. # ولما نهى عن طاعتهما القاطعة عن الله، أمر بملازمة الموصل إلى الله وهو ~~الذكر من غير عائق الذي هو دواء لما عساه يلحق من الأدواء لمجرد رؤية الآثم ~~أو الكفور لأرباب القلوب الصافية، والذكر مقدم على كل عبادة وإن وضع العباد ~~لما كان طلبا للتوصل إلى نيل معرفة الله سبحانه، وكان التصور بحسب الاسم ~~أول مراتب التصور طبعا بدأ به وضعا، وذلك لأن النفس تحب السفول لما لها من ~~النقائص، فاحتاجت إلى سبب مشوق لها إلى الأعلى فوضعت لها العبادات، وأجلها ~~العبادة المشفوعة بالفكر، لأنه السبب الموصل إلى المقصود ولا تفيد العبادة ~~بدونه فقال: {واذكر} أي بلسانك {اسم ربك} أي المحسن # PageV21P155 # إليك بكل جميل {بكرة} عند قيامك من منامك الذي هو الموتة الصغرى وتذكرك ~~أنه يحيي الموتى ويحشرهم جيمعا {وأصيلا *} عند انقراض نهارك وتذكرك انقراض ~~دنياك وطي هذا العالم لأجل إيجاد يوم الفصل، وفي ذكر الوقتين أيضا إشارة ~~إلى دوام الذكر، وذكر اسمه لازم لذكره، ويجوز أن يكون أمرا بالصلاة لأنها ~~أفضل الأعمال البدنية لأنها أعظم الذكر لأنها ذكر اللسان والجنان والأركان ~~فوظفت فيها أذكار لسانية وحركات وسكنات على هيئة مخصوصة من عادتها ألا تفعل ~~إلا بين أيدي الملوك، فكان تنبيهها على وجود الصانع والاعتراف بإلهيته ~~وتفرده أكثر فكانت أفضل، فيكون هذا على هذا أمرا بصلاتي الصبح والعصر، فإنه ~~لم يكن أمر ms5495 في أول الإسلام بغيرهما وبهما أمر من كان قبلنا، وهما أفضل ~~الصلوات وكانتا ركعتين ركعتين، ويجوز أن يكون أمرا بصلاتي الصبح والظهر ~~والعصر فإن الأصيل يتناول وقتيهما لأنه مطلق العشي، وأما المغرب والعشاء ~~ونافلة الليل فدخلت في قوله: {ومن اليل} # PageV21P156 # أي بعضه والباقي للراحة بالنوم {فاسجد له} أي فصل له صلاتي المغرب ~~والعشاء، وذكرهما بالسجود تنبيها على أنه أفضل الصلاة، فهو إشارة إلى أن ~~الليل موضع الخضوع، وتقديم الظرف لما في صلاة الليل من مزيد الكلفة والخلوص ~~ومزيد الفضيلة لأن الالتفات فيه إلى جانب الحق أتم لزوال الشاغل للحواس من ~~حركات الناس وأصواتهم وسائر الأحوال الدنيوية، فكان أبعد عن الرياء فكان ~~الخشوع فيه واللذة التامة بحلاوة العبادة أوفى {وسبحه} أي بالتهجد {ليلا ~~طويلا *} نصفه أو أكثر منه أو أقل، ولعله سماه تسبيحا لأن مكابدة القيام ~~فيه وغلبة النوم تذكر بما لله من العظمة بالتنزه عن كل نقيصة، ولأنه لا ~~يترك محبوبه من الراحة بالنوم إلا من كان الله عنده في غاية النزاهة، وكان ~~له في غاية المحبة. # ولما أنهى أمره بلازم النهي، علل النهي بقوله محقرا بإشارة القريب مؤكدا ~~لما لهم من التعنت بالطعن في كل ما يذكره صلى الله عليه وسلم: {إن هؤلاء} ~~أي الذين يغفلون عن الله من الكفرة وغيرهم فاستحقوا المقت من الله {يحبون} ~~أي محبة تتجدد عندهم زيادتهم في كل وقت {العاجلة} أي ويأخذون منها ويستخفون ~~لما حفت به من الشهوات زمنا قليلا لقصور نظرهم وجمودهم على المحسوسات التي ~~الإقبال عليها منشأ البلادة والقصور، ومعدن الأمراض للقلوب التي في الصدور، ~~ومن تعاطى أسباب المرض مرض وسمي كفورا، ومن # PageV21P157 # تعاطى ضد ذلك شفي وسمي شاكرا، ويكرهون الآخرة الآجلة {ويذرون} أي يتركون ~~منها على حالة هي من أقبح ما يسوءهم إذا رأوه {وراءهم} أي أمامهم أي قدامهم ~~على وجه الإحاطة بهم وهم عنه معرضون كما يعرض الإنسان عما وراءه، أو خلفهم ~~لأنه يكون بعدهم لا بد أن يدركهم {يوما} أي منها. ولما كان ما أعيا الإنسان ~~وشق عليه ms5496 ثقيلا قال: {ثقيلا *} أي شديدا جدا لا يطيقون حمل ما فيه من ~~المصائب بسبب أنهم لا يعدون له عدته، فالآية من الاحتباك: ذكر الحب ~~والعاجلة أولا دلالة على ضدهما ثانيا، والترك والثقل ثانيا دلالة على ضدهما ~~أولا، وسر ذلك أن ما ذكره أدل على سخافة العقل بعدم التأمل للعواقب. # PageV21P158 # ولما كان تركهم لليوم الثقيل على وجه التكذيب الذي هو أقبح الترك، وكان ~~تكذيبهم لاعتقادهم عدم القدرة عليه قال دالا على الإعادة بالابتداء من باب ~~الأولى: {نحن خلقناهم} ، بما لنا من العظمة لا غيرنا {وشددنا أسرهم} أي ~~قوينا وأتقنا ربط مفاصلهم الظاهرة والباطنة بالأعصاب على وجه الإحكام بعد ~~كونهم نطفة أمشاجا # PageV21P158 # في غاية الضعف، وأصل الأسر، القد يشد به الأقتاب أو الربط والتوثيق، ولا ~~شك أن من قدر على إنشاء شخص من نطفة قادر على أن يعيده كما كان لأن جسده ~~الذي أنشأه إن كان محفوظا فالأمر فيه واضح، وإن كان قد صار ترابا فإبداعه ~~منه مثل إبداعه من النطفة، وأكثر ما فيه أن يكون كأبيه آدم عليه السلام بل ~~هو أولى فإنه ترابه له أصل في الحياة بما كان حيا، وتراب آدم عليه السلام ~~لم يكن له أصل قط في الحياة والإعادة أهون في مجاري عادات الخلق من ~~الابتداء، ولذلك قال معبرا بأداة التحقق: {وإذا شئنا} أي بما لنا من العظمة ~~أن نبدل ما نشاء من صفاتهم أو ذواتهم {بدلنا أمثالهم} أي بعد الموت في ~~الخلقة وشدة الأسر {تبديلا *} أو المعنى: جئنا بأمثالهم بدلا منهم وخلائف ~~لهم، أو يكون المراد - وهو أقعد - بالمثل الشخص أي بدلنا أشخاصهم لتصير بعد ~~القوة إلى ضعف وبعد الطول إلى قصر وبعد البياض إلى سواد وغير ذلك من الصفات ~~كما شوهد في بعض الأوقات في المسخ وغيره، وكل ذلك دال على تمام قدرتنا ~~وشمول علمنا. # ولما كان هذا دليلا عظيما على القدرة على البعث مخزيا لهم، قال مؤكدا ~~لإنكارهم عنادا: {إن هذه} أي الفعلة البدائية، أو المواعظ # PageV21P159 # التي ذكرناها في هذه السورة وفي جميع القرآن ms5497 {تذكرة} أي موضع ذكر عظيم ~~للقدرة على البعث وتذكر عظيم لما فعلت في الإنشاء أولا، وموعظة عظيمة فإن ~~في تصفحها تنبيهات عظيمة للغافلين، وفي تدبرها وتذكرها فوائد جمة للطالبين ~~السالكين ممن ألقى سمعه وأحضر نفسه، وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى إليه ~~سمعه، فمن أقبل هذا الإقبال علم أنا آتيناه من الآلات والدلائل ما إن سلك ~~معه مجتهدا وصل دون ضلال ولذلك سبب عن كونها تذكرة قوله من خطاب البسط: ~~{فمن شاء} أي أن يجتهد في وصوله إلى الله سبحانه وتعالى {اتخذ} أي أخذ ~~بجهده من مجاهدة نفسه ومغالبة هواه {إلى ربه} أي المحسن إليه الذي ينبغي له ~~أن يحبه بجميع قلبه ويجتهد في القرب منه {سبيلا *} أي طريقا واسعا واضحا ~~سهلا بأفعال الطاعة التي أمر بها لأنا بينا الأمور غاية البيان وكشفنا ~~اللبس وأزلنا جميع موانع أنفسهم عمن شئنا وركزنا ذلك في الطباع، ولم يبق ~~مانع من استطراق أصلا غير مشيئتنا، والفطرة الأولى أعدل شاهد بهذا. # ولما أثبت لهم المشيئة التي هي مناط التكليف، وهي الكسب، وكان ربما ظن ~~ظان أو ادعى مدع في خلق الأفعال كما قال أهل # PageV21P160 # الاعتزال، قال نافيا عنهم الاستقلال، لافتا القول إلى خطابهم، وهو مع ~~كونه خطاب قبض استعطافا بهم إلى التذكر في قراءة الجماعة وبالغيب على ~~الأسلوب الماضي في قراءة ابن كثير وابن عامر: {وما تشاءون} أي في وقت من ~~الأوقات مشيئة من المشيئات لهذا وغيره على سبيل الاختراع والاستقلال {إلا} ~~وقت {أن يشاء الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله، ولا أمر لأحد معه، ~~فيوجد المعاني في أنفسكم على حسب ما يريد ويقدر على ما يشاء من آثارها، وقد ~~صح بهذا ما قال الأشعرية وسائر أهل السنة من أن للعبد مشيئة تسمى كسبا لا ~~تؤثر إلا بمشيئة الله تعالى وتحريكها لقدرة العبد، وانتفى مذهب القدرية ~~الذين يقولون: إنا نحن نخلق أفعالنا، ومذهب الجبرية القائلين: لا فعل لنا ~~أصلا، ومثل الملوي ذلك بمن يريد قطع بطيخة فحدد سكينا وهيأها وأوجد فيها ~~أسباب ms5498 القطع وأزال عنها موانعه ثم وضعها على البطيخة فهي لا تقطع دون أن ~~يتحامل عليها التحامل المعروف لذلك، ولو وضع عليها ما لم يصلح للقطع كحطبة ~~مثلا لم تقطع ولو تحامل، فالعبد كالسكين خلقه الله وهيأه بما أعطاه من ~~القدرة للفعل، فمن قال: أنا أخلق فعلي مستقلا به، فهو كمن قال: السكين تقطع ~~بمجرد وضعها من غير تحامل، ومن قال: الفاعل هو الله، من غير # PageV21P161 # نظر إلى العبد أصلا كان كمن قال: هو يقطع البطيخة بتحامل يده أو قصبة ~~ملساء من غير سكين، والذي يقول: إنه باشر بقدرته المهيأة للفعل بخلق الله ~~لها وتحريكها في ذلك الفعل كان كمن قال: إن السكين قطعت بالتحامل عليها، ~~بهذا أجرى سبحانه عادته في الناس، ولو شاء غير ذلك فعل، ولا يخفى أن هذا هو ~~الحق الذي لا مرية فيه، ثم علل ذلك بإحاطته بمشيئتهم قائلا: {إن الله} أي ~~المحيط علما وقدرة {كان} أي أزلا وأبدا {عليما حكيما *} أي بالغ العلم ~~والحكمة، فهو يمنع منعا محكما من أن يشاء غيره ما لم يأذن فيه، فمن علم في ~~جبلته خيرا أعانه عليه، ومن علم منه الشر ساقه إليه وحمله عليه، وهو معنى ~~{يدخل من يشاء} أي من علمه أهلا للسعادة، ليس بظالم {في رحمته} بحكمته ~~فييسر له اتخاذ السبيل الموصل إليه بأن يوفقه للعدل، ويعد له ثوابا جسيما. # ولما بشر أهل العدل بالفعل المضارع المؤذن بالاستمرار، ولم يجعله ماضيا ~~لئلا يتعنت متعنت ممن هو متلبس بالضلال فيقول: أنا لا أصلح لأنه ما أدخلني، ~~عطف عليه ما لأضدادهم في جملة فعلية بناها على الماضي إعلاما بأن عذابهم ~~موجود قد فرغ منه فقال: {والظالمين} أي وأهان العريقين في وصف المشي على ~~غير سنن مرضى كالماشي في الظلام فهو يدخلهم في نقمته وقد {أعد لهم} # PageV21P162 # أي إعدادا أمضاه بعظمته، فلا يزاد فيه ولا ينقص أبدا {عذابا أليما *} ~~فالآية من الاحتباك: ذكر الإدخال والرحمة أولا دلالة على الضد ثانيا، ~~والعذاب ثانيا دلالة على الثواب أولا، وسر ذلك أن ما ms5499 ذكره أولى بترغيب أهل ~~العدل فيه وإن ساءت حالهم في الدنيا، وبترهيب أهل الظلم منه وإن حسنت حالهم ~~في الدنيا، فقد رجع هذا الآخر المفصل إلى السعادة والشقاوة على أولها ~~المؤذن بأن الإنسان معتنى به غاية الاعتناء، وأنه ما خلق إلا للابتلاء، فهو ~~إما كافر مغضوب عليه، وإما شاكر منظور بعين الرضى إليه - فسبحان من خلقنا ~~ويميتنا ويحيينا بقدرته والله الهادي. # PageV21P163 # سورة المرسلات # وتسمى العرف. # مقصودها الدلالة على آخر الإنسان من إثابة الشاكرين بالنعيم، وإصابة ~~الكافرين بعذاب الجحيم، في يوم الفصل بعد جمع الأجساد وإحياء العباد بعد طي ~~هذا الوجود وتغيير العالم المعهود بما له سبحانه من القدرة على إنبات ~~النبات وإنشاء الأقوات وإنزال العلوم وإيساع الفهوم لأحياء الأرواح وإسعاد ~~الأشباح بأسباب خفية وعلل مرئية وغير مرئية، وتطوير الإنسان في أطوار ~~الأسنان، وإيداع الإيمان فيما يرضى من الأبدان، وإيجاد الكفران في أهل ~~الخيبة والخسران، مع اشتراك الكل في أساليب هذا القرآن، الذي عجز الإنس ~~والجان، عن الإتيان بمثل آية منه على كثرتهم وتطاول الزمان، واسمها ~~المرسلات وكذا العرف واضح الدلالة على ذلك لمن تدبر الأقسام، وتذكر ما دلت ~~عليه من معاني الكلام) بسم الله (الذي له القدرة التامة على ما يريد) ~~الرحمن (الذي له عموم الإنعام على سائر العبيد) الرحيم (الذي خص أهل رضوانه ~~بإتمام ذلك الإنعام وعنده المزيد. # PageV21P164 # لما ختمت سورة الإنسان بالوعد لأوليائه والوعيد لأعدائه، وكان # PageV21P164 # الكفار يكذبون بذلك، افتتح هذه بالإقسام على أن ذلك كائن فقال: ~~{والمرسلات} أي من الرياح والملائكة {عرفا *} أي لأجل إلقاء المعروف من ~~القرآن والسنة وغير ذلك من الإحسان، ومن إلقاء الروح والبركة وتيسير الأمور ~~في الأقوات وغيرها، أو حال كونها متتابعة متكاثرة بعضها في أثر بعض، من قول ~~العرب: الناس إلى فلان عرف واحد - إذا توجهوا إليه فأكثروا، ويقال: جاؤوا ~~عرفا واحدا، وهم عليه كعرف الضبع - إذا تألبوا عليه. # ولما كان العصوف للعواصف يتعقب الهبوب، عطف بالفاء تعقيبا وتسبيبا فقال: ~~{فالعاصفات} أي الشديدات من الرياح عقب هبوبها ومن الملائكة عقب شقها ~~للهواء ms5500 بما لها من كبر الأجسام والقوة على الإسراع التام {عصفا *} أي عظيما ~~بما لها من النتائج الصالحة. # ولما كان نشر الرياح للسحاب متراخيا عن هبوبها ومتباطئا في الثوران وكذا ~~نشر الملائكة لأجنحتها كما يفعل الطائر القوي في طيرانه، عطف بالواو ~~الصالحة للمعية والتعقب بمهلة وغيرها قوله: {والناشرات} أي للسحاب والأجنحة ~~على وجه اللين في الجو وللشرائع التي تنشر العدل بين الناس {نشرا *} وإذا ~~راجعت أول الذاريات ازددت في هذا بصيرة. # PageV21P165 # ولما كان السحاب يجتمع بعد الثوران من مجال البخارات ويتكاثف ثم يحمل ~~الماء، وكان ذلك - مع كونه معروفا - قد تقدم في الذاريات والروم وغيرهما ثم ~~بعد الحمل تضغط السحاب حتى يتحامل بعضه على بعض فتنفرق هناك فرج يخرج منها، ~~طوى ذلك وذكر هذا فقال بالفاء الفصيحة: {فالفارقات فرقا *} أي للسحاب حتى ~~يخرج الودق من خلاله وللأجنحة وبين الحق والباطل والحب والنوى - وغير ذلك ~~من الأشياء. # ولما كانت السحاب عقب الفرق ينزل منها ما في ذلك السحاب من ماء أو ثلج أو ~~برد أو صواعق أو غير ذلك مما يريده الله مما يبعث على ذكر الله ولا بد ~~والملائكة تلقي ما معها من الروح المحيي للقلوب، قال معبرا بفاء التعقيب ~~والتسبيب: {فالملقيات ذكرا *} أطلق عليه الذكر لأنه سببه إن كان محمول ~~السحاب أو محمول الملائكة، وقد يكون محمول الملائكة ذكر الله حقيقة، ولا ~~يخفى أنهما سبب لإصلاح الدين والدنيا. # ولما ذكر هذه الأقسام عللها بقوله: {عذرا أو نذرا *} وهما منصوبان على ~~الحال جمعان لعذر بمعنى المعذرة أو العاذر، والنذير بمعنى الإنذار أو ~~المنذر، أي كانت هذه منقسمة إلى عذر إن كانت ألقت # PageV21P166 # مطرا نافعا مريئا مريعا غير ضار كان بعد قحط فإنه يكون كأنه اعتذار عن ~~تلك الشدة، وإن كانت الملائكة ألقت بشائر فهي واضحة في العذر لا سيما إن ~~كانت بعد إنذار، وإلى نذر إن كانت ألقت صواعق أو ما هو في معناها من البرد ~~الكبار ونحوها، وكذا الملائكة، والكل سبب لذكر الله هو سبب لاعتذار ناس ~~بالتوبة، وسبب لعذاب ms5501 الذين يغفلون عن الشكر، ويستقبلون ذلك بالمعاصي أو ~~ينسبون ذلك إلى الأنواء. # ولما تمت هذه الأقسام مشتملة على أمور عظام منبهة على أن أسبابها من ~~الرياح والمياه كانت مع الناس وهم لا يشعرون بها كما أنه يجوز أن تكون ~~القيامة كذلك سواء بسواء، قال ذاكرا للمقسم عليه مؤكدا لأجل إنكارهم: ~~{إنما} أي الذي {توعدون} أي من العذاب في الدنيا والآخرة، ومن قيام الساعة ~~ومن البشائر لأهل الطاعة، وبناه للمفعول لأنه المرهوب لا كونه من معين مع ~~أنه معروف أنه مما توعد به الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم {لواقع ~~*} أي كائن لا بد من وقوعه وأسبابه عتيدة عندكم وإن كنتم لا ترونها كما في ~~هذه الأشياء التي أقسم بها وما تأثر عنها. # PageV21P167 # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: أقسم تعالى بالملائكة المتتابعين في ~~الإرسال، والرياح المسخرة، وولايته بالمطر والملائكة الفارقة بمائة بين ~~الحق والباطل، والملقيات الذكر بالوحي إلى الأنبياء إعذارا من الله ~~وإنذارا، أقسم تعالى بما ذكر من مخلوقاته على صدق الموعود به في قوله: {إنا ~~أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا} [الإنسان: 4] الآيات وقوله: {إنا ~~نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا} [الإنسان: 10] وقوله: {وجزاهم بما صبروا ~~جنة وحريرا} [الإنسان: 12] الآيات إلى {وكان سعيكم مشكورا} [الإنسان: 22] ~~وقوله: {ويذرون وراءهم يوما ثقيلا} [الإنسان: 27] وقوله: {يدخل من يشاء في ~~رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما} [الإنسان: 31] ولو لم يتقدم إلا هذا ~~الوعد والوعيد المختتم به السورة لطابقه افتتاح الأخرى قسما عليه أشد ~~المطابقة، فكيف وسورة {هل أتى على الإنسان} [الإنسان: 1] مواعد أخراوية ~~وإخبارات جزائية، فأقسم سبحانه وتعالى على صحة الوقوع، وهو المتعالي الحق ~~وكلامه الصدق - انتهى. # ولما كان من المعلوم أنهم يقولون استهزاء: متى هو؟ وكان وقته مما استأثر ~~الله بعلمه لأن إخفاءه عن كل أحد أوقع في النفوس وأهيب عند القعول، سبب عن ~~ذلك قوله ذاكرا ما لا تحتمله العقول لتزداد الهيبة ويتعاظم الخوف معبرا ~~بأدة التحقق: {فإذا النجوم} # PageV21P168 # أي على كثرتها {طمست *} أي أذهب ضوءها بأيسر أمر فاستوت مع ms5502 بقية السماء، ~~فدل طمسها على أن لفاعله غاية القدرة، وأعاد الظرف تأكيدا للمعنى زيادة في ~~التخويف فقال: {وإذا السماء} أي على عظمتها {فرجت *} أي انشقت فخربت السقوف ~~وما بها من القناديل بأسهل أمر {وإذا الجبال} أي على صلابتها {نسفت *} أي ~~ذهب بها كلها بسرعة ففرقتها الرياح، فكانت هباء منبثا فلم يبق لها أثر، ~~وذلك كما ينسف الحب، فزال ثبات الأرض بالأسباب التي هي الرواسي، لأن تلك ~~الدار ليست بدار أسباب. # ولما ذكر تغيير السماء والأرض، ذكر ما فعل ذلك لأجله فقال: {وإذا الرسل} ~~أي الذي أنذروا الناس ذلك اليوم فكذبوهم {أقتت *} أي بلغها الذي لا قدير ~~سواه بأيسر أمر ميقاتها الذي كانت تنتظره، وهو وقت قطع الأسباب وإيقاع ~~الرحمة والثواب للأحباب والنقمة والعقاب للأعداء بشهادتهم بعد جمعهم على ~~الأمم بما كان منهم من الجواب، وحذف العامل في «إذا» تهويلا له لتذهب النفس ~~فيه كل مذهب، فيمكن أن يكون تقديره: وقع ما توعدون فرأيتم من هذا الوعيد ما ~~لا يحتمل ولا يثبت لوصفه العقول، وعلى ذلك دل قوله ملقنا لما ينبغي # PageV21P169 # أن يقال: وهو {لأي يوم} أي عظيم {أجلت *} أي وقع تأجيلها به، بناه ~~للمفعول لأن المقصود تحقيق الأجل لا كونه من معين، وتنبيها على أن المعين ~~له معلوم أنه الله الذي لا يقدر عليه سواه، ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله ~~مبدلا من «لأي يوم» : {ليوم الفصل *} أي الذي إذا أطلق ذلك لم ينصرف إلا ~~إليه لأنه لا يترك فيه شيئا إلا وقع الفصل فيه بين جميع الخلق من كل جليل ~~وحقير، ثم هوله وعظمه بقوله: {وما أدراك} أي وأي شيء أعلمك وإن اجتهدت في ~~التعرف، ثم زاده تهويلا بقوله: {ما يوم الفصل *} أي إنه أمر يستحق أن يسأل ~~عنه ويعظم، وكل ما عظم بشيء فهو أعظم منه، ولا يقدر أحد من الخلق على ~~الوصول إلى علمه لأنه لا مثل له يقال عليه. # ولما هول أمره ذكر ما يقع فيه من الشدة على وجه الإجمال فقال: {ويل} أي ~~هلاك عظيم ms5503 جدا {يومئذ} أي إذ يكون يوم الفصل {للمكذبين *} أي بالمرسلات ~~التي أخبرت بذلك اليوم وغيره من أمر الله، والويل في الأصل مصدر منصوب ~~بإضمار فعله، عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات معناه، وقد كررت هذه ~~الجملة بعدة المقسم به وما ذكر هنا مما يكون في يوم الفصل من الطمس وما ~~بعده وهو تسعة # PageV21P170 # أشياء، وزادت واحدة فتكون كل جملة بواحدة من المذكورات، والعاشر للتأكيد ~~دلالة على أن لهم من الويل ما لا ينتهي كما أن الواحد لا ينتهي على أنها لو ~~كانت كلها لتأكيد الأول لكان ذلك حسنا، فإن من كذبك في أشياء كان من ~~البلاغة أن تقرره بواحدة منها ثم تقول له عند قيام الدليل «ويل لك» ثم تفعل ~~فيما بعده كله كذلك وتعيد عليه ذلك القول بعينه تأكيدا له وتحقيقا لوقوع ~~معناه دلالة على أن الغيظ قد بلغ منتهاه والفجور وانقطاع العذر لم يدع ~~موضعا للتنصل منه والبعد عنه، وذلك في كلام العرب شائع معروف سائغ. # ولما أقسم على وقوع الوعد والوعيد مطلقا أعم من أن يكون في الدنيا أو في ~~الآخرة لأنه قادر على كل ما يريد بأقسام دلت على القدرة عليه دلالة جلية، ~~أتبعه دلالة أجلى منها بما يشاهد من خراب العالم النفسي فقال منكرا على من ~~يكذب به تكذيبهم مع ما كان منه سبحانه إلى من كذب الرسل ومن آمن بهم: {ألم ~~نهلك} أي بما لنا من العظمة {الأولين *} أي إهلاك عذاب وغضب بتكذيبهم الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام كقوم نوح ومن بعدهم أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن، لم ~~ندع منهم أحدا. # ولما كان إهلاك من في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إن # PageV21P171 # لم ينقص عن إهلاك الأولين لم يزد، وكان جواب هذا التقدير: بلى قد ~~أهلكتهم، قال عاطفا على هذا الذي أرشد السياق إليه إرشادا ظاهرا جعله ~~كالمنطوق ما تقديره: نعم أهلكناهم {ثم} أي بعد إهلاكنا لهم. ولما كان الفعل ~~مرفوعا، علمنا أنه ليس معطوفا على «تهلك» ليكون تقديرا، بل هو إخبار ms5504 ~~للتهديد تقديره: نحن إن شئنا {نتبعهم الآخرين *} أي الذين في زمانك من كفار ~~العرب وغيرهم لتكذيبهم لك أو الذين قربوا من ذلك الزمان كأصحاب الرس وأصحاب ~~الفيل. # ولما هدد من واجه الرسل بالتكذيب تسلية لهم، سلى من قطعوه من أتباعهم مما ~~يجب وصله بهم من المعروف فقال مستأنفا منبها على الوصف الموجب لذلك ~~الإهلاك: {كذلك} أي مثل ذلك الإهلاك {نفعل بالمجرمين *} أي جميع الذين ~~يفعلون فعل أولئك الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل وهم عريقون في ذلك ~~القطع، وذلك مثبت لنا القدرة على جمعهم ليوم الفصل كما قدرنا على جمعهم ~~لوقت الإجرام وعلى فصلنا في الإهلاك والإنجاء بين مكذبي الأمم ومصدقيهم فلا ~~بد من إيجادنا ليوم الفصل: {ويل يومئذ} أي إذ يوجد {للمكذبين *} أي ~~بالعاصفات التي أهلكنا بها تلك الأمم تارة بواسطة القلب وإمطار الحجارة ~~وأخرى بواسطة الماء وتارة بالرجفة وتارة بغير واسطة. # PageV21P172 # ولما ذكر الإهلاك على ذلك الوجه الدال على القدرة التامة على البعث وعلى ~~ما يوعد به بعد البعث، أتبعه الدلالة بابتداء الخلق وهو أدل فقال مقررا ~~ومنكرا على من يخالف علمه بذلك عمله: {ألم نخلقكم} أي أيها المكذبون بما ~~لنا من العظمة التي لا تعشرها عظمة {من ماء مهين *} أي نطفة مذرة ذليلة، ~~وهو من مهن بالفتح، قال في القاموس: والمهين: الحقير الضعيف والقليل ~~{فجعلناه} أي بما لنا من العظمة بالإنزال لذلك الماء في الرحم {في قرار ~~مكين *} أي محفوظ مما يفسده من الهواء وغيره ومددنا ذلك لأجل التطوير في ~~أطوار الخلقة والتدوير في أدوار الصنعة {إلى قدر} أي مقدار من الزمان قدره ~~الله تعالى للولادة {معلوم *} أي عندنا من تسعة أشهر للولادة إلى ما فوقها ~~أو دونها لا يعلمه غيره. # ولما كان هذا عظيما ترجمه وبينه معظما له بقوله: {فقدرنا} أي بعظمتنا على ~~ذلك أو فجعلناه على مقدار معلوم من الأرزاق والآجال والأحوال والأعمال ~~{فنعم القادرون *} نحن مطلقا على ذلك وغيره، أو المقدرون في تلك المقادير ~~لما لنا من كمال العظمة بحيث نجعل ذلك ms5505 # PageV21P173 # بمباشرة من أردناه منه بطوعه واختياره. ولعل التعبير بما قد يفيد مع ~~العظمة الجمع لما أقام سبحانه في ذلك من الأسباب بالملائكة وغيرها، وفيه مع ~~ذلك ابتلاء للعباد الموحد منهم والمشرك: {ويل يومئذ} أي إذ كان ذلك ~~{للمكذبين *} أي بالناشرات التي نشرت تلك النفوس وكل ما يراد نشره وهم ~~يعلمون قدرتنا على ما ذكر وتقديره من ابتدائنا لخلقهم وغيره مما يفيد كمال ~~القدرة وهم يكذبون بالبعث ولا يقيسونه بمثله. ولما دل بابتداء الخلق على ~~تمام قدرته، أتبعه الدلالة بانتهاء أمره وأثنائه وما دبر فيهما من المصالح ~~فقال: {ألم نجعل} أي نصير بما سببنا بما لنا من العظمة {الأرض كفاتا *} أي ~~وعاء قابلة لجمع ما يوضع فيها وضمه جمعا فيه فتك وهدم، وهو اسم لما يكفت من ~~الحديد مثلا أي يغلف بالفضة ويضم ويجمع، كالضمام والجماع لما يضم ويجمع، أو ~~هو مصدر نعت به أو جمع كافتة، كصائمة وصيام أو جمع كفت وهو الوعاء، ولو ~~شئنا لجعلناها ناشرة لكم إذا وضعتم فيها كما تنشر النبات، وسنجعل ذلك إذا ~~أردنا البعث، ولما كان من المعلوم أنه حذف المفعول وهو لكم، أبدى حالة دالة ~~أيضا عليه فقال: {أحياء} أي على ظهرها في الدور وغيرها {وأمواتا *} أي # PageV21P174 # في بطنها في القبور وغيرها كما كنتم قبل خلق آدم عليه السلام. # ولما ذكر ما تغيبه من جبال العلم والملك وغيرهما، أتبعه ما تبرزه من ~~الشواهق إعلاما بأنه لو كان الفعل للطبيعة ما كان الأمر هكذا، فإنه لا يخرج ~~هذه الجبال العظيمة على ما لها من الكبر والرسوخ والثقل والصلابة وغير ذلك ~~من العظمة إلا الفاعل المختار، هذا إلى ما يحفظ في أعاليها من المياه التي ~~تنبت الأشجار وتخرج العيون والأنهار، بل أكثر ما يخرج من المياه هو منها، ~~وكذا غالب المنافع من المعادن وغيرها قال: {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة ~~{فيها} أي الأرض {رواسي} لولاها لمادت بأهلها، ومن العجائب أن مراسيها من ~~فوقها خلافا لمراسي السفن {شامخات} أي هي مع كونها ثوابت في أنفسها مثبتة ms5506 ~~لغيرها طوال جدا عظيمة الارتفاع كأنها قد تكبرت على بقية الأرض وعلى من ~~يريد صعودها، وتنكيره للتعظيم. # ولما كان من العجائب الخارقة للعوائد فوران الماء الذي من طبعه أن يغور ~~لا أن يفور لما له من الثقل واللطافة التي أفادته قوة السريان في الأعماق ~~وفي كون ذلك منه من موضع من الأرض دون آخر، وكونه من الجبال التي هي أصل ~~الأرض ومن صخورها غالبا دلالة ظاهرة على أن الفعل للواحد المختار الجبال ~~القهار لا للطبائع قال: {وأسقيناكم} أي جعلنا لكم بما لنا من العظمة شرابا ~~لسقيكم وسقي ما تريدون سقيه من الأنعام والحرث وغير ذلك {ماء} من لأنهار # PageV21P175 # والغدران والعيون والآبار وغيرها {فراتا *} أي عظيما عذبا سائغا وقد كان ~~حقيقا بأن يكون ملحا أجاجا لما للأراضي الممسكة له من ذلك. ولما كان في هذا ~~دلالة على ظاهرة على قدرته على البعث وغيره قال: {ويل يومئذ} أي يوم إذ ~~تقوم الساعة ليكون الفصل بين العباد فساقها مساق ما هو ثابت لا نزاع فيه ~~إشارة إلى أنه لا يكذب بها بعد ظهور الأدلة إلا من لا مسكة له {للمكذبين *} ~~أي الذين هم في غاية الرسوخ في التكذيب حتى كذبوا بما لنا في هذا من الفرق ~~الذي فرقنا به بين أرض وأخرى حتى جعلنا بعضها صالحا لانفراق أرضه عن الماء، ~~وبعضها غير صالح وجعلنا بعضها قابلا للجبال وبعضها غير قابل - إلى غير ذلك ~~من الفروق البديعة. # ولما وصلت أدلة الساعة في الظهور إلى حد لا مزيد عليه، وحكم على المكذبين ~~بالويل مرة، وأكد بثلاث، فكان من حق المخاطب أن يؤمن فلم يؤمن، أمر بما يدل ~~على الغضب فقال تعالى معلما لهم بما يقال لهم يوم القيامة إذ يحل بهم ~~الويل: {انطلقوا} أي أيها المكذبون {إلى ما كنتم} أي بما هو لكم كالجبلة ~~{به تكذبون *} عدما، وتجددون ذلك التكذيب مستمرين عليه. # PageV21P176 # ولما كان المراد زيادة تبكيتهم وتقريعهم والتهويل عليهم، كرر الأمر واصفا ~~ما أمروا بالانطلاق إليه فقال: {انطلقوا} هذا على قراءة الجماعة، وقراءة ~~رويس ms5507 عن يعقوب بصيغة الماضي للدلالة على تمام انقيادهم هناك، وأنه لا شيء ~~من منعه عندهم أصلا، وهي استئنافية لجواب من يقول: ما كان حالهم عند هذا ~~الأمر الفظيع؟ {إلى ظل} أي من دخان جهنم الذي سمي باليحموم لما ذكر في ~~الواقعة {ذي ثلاث شعب *} ينشعب من عظمه كما ترى الدخان العظيم يتفرق ذوائب، ~~وخصوصية الثلاث لأن التكذيب بالله وكتبه ورسله، فتعذبهم كل واحدة منها ~~عذابا يعلمون هناك لأي تكذيبة منها هي، أو لأن الحاجب عن أنوار القدس الحس ~~والخيال والوهم، أو لأن السبب فيه القوة الوهمية الحالة في الدماغ، ~~والغضبية التي في عين القلب، والشهوية التي في يساره، وقيل: تخرج عنق من ~~النار تكون ثلاث فرق: نار ونور ودخان، يقف النور على المؤمنين، واللهب ~~الصافي على الكافرين، والدخان على المنافقين، تكون كذلك إلى حين الفراغ من ~~الحساب، وقال الرازي: الشعب لهب وشرر ودخان. # PageV21P177 # ولما كان المبتادر من الظل ما يستروح إليه فظنوا ذلك، أزال عنهم هذا ~~التوهم على طريق التهكم بهم ليكون أشد في النكال فقال واصفا ل «ذي» : {لا ~~ظليل} أي من الحر بوجه من الوجوه. ولما كان ما انتفى عنه غزارة الظل التي ~~أفهمتها صيغة المبالغة قد يكون فيه نفع ما قال: {ولا يغني} أي شيئا من ~~إغناء {من اللهب *} أي هذا الجنس. # PageV21P178 # ولما بين أن هذا الظل في العذاب، وكان من المعلوم أنه لا يكون دخان إلا ~~من نار، قال مبينا أنه لو كان هناك ظل ما أغنى: {إنها} أي النار التي دل ~~عليها السياق {ترمي} أي من شدة الاستعار {بشرر} وهو ما تطاير من النار إذا ~~التهبت، واحدتها شرارة وهي صواعق تلك الدار {كالقصر *} أي كل شرارة منها ~~كأنها قصر مشيد من عظمها وقيل: هو الغليظ من الشجر، الواحدة قصر مثل جمر ~~وجمرة، وهي اسم جنس جمعي لم يستعمل إلا في جمع فهو شامل لكثير الجموع ~~وقليلها، وكذا كل ما فرق بين واحدة وجمعه التاء وليس بجمع لأنه ليس بجمع ~~سلامة وهو ظاهر ولا تكسير لأن ms5508 أوزانه معروفة وليس منها فعل وليس بجنس، فإنه ~~لا يشمل ما دون الجمع ومن عظمة شرارها تعرف عظمة جمرها. # PageV21P178 # ولما شبهه في عظمه، شبهه في لونه فقال: {كأنه جملات} جمع جمالة جمع جمل ~~مثل حجارة وحجر للدلالة مع كبره على كثرته وتتابعه واختلاطه وسرعة حركته، ~~ومن قرأ بضم الجيم فهو عنده جمع جمالة وهي الحبل الغليظ من حبال السفينة - ~~شبهه به في امتداده والتفافه، ولا تنافي فإن الشرر منه ما هو هكذا ومنه ما ~~هو كما تقدم {صفر*} جمع أصفر للون المعروف، وقيل: المراد به سواد يضرب إلى ~~صفرة كما هي ألوان الجمال. # ولما كان هذا أمرا هائلا كانت ترجمته: {ويل يومئذ} أي إذ يكون ذلك ~~{للمكذبين *} أي العريقين في التكذيب بإلقاء الذكر على الأنبياء للبشارة ~~والنذارة. # ولما دلت قراءة «انطلقوا» بالفتح على امتثالهم للأمر من غير أن ينبسوا ~~بكلمة، صرح به فقال دالا على ما هم فيه من المقت والغضب: {هذا} أي الموقف ~~الذي هو بعض مواقف ذلك اليوم، سمي يوما لتمام أحكامه، فلذا قال مخبرا عن ~~المبتدأ: {يوم لا ينطقون *} أي ببنت شفة من شدة الحيرة والدهشة في بعض ~~المواقف، وينطقون في بعضها # PageV21P179 # فإنه يوم طويل ذو ألوان - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما، أو لا ~~ينطقون بما ينفعهم لأنهم كانوا في الدنيا لا ينطقون بالتوحيد الذي ينفعهم. # ولما كانوا لا يقدرون على شيء ما إلا بإذن الله، وكان الموجع لهم عدم ~~الإذن، بني للمفعول قوله دلالة على عدم ناصر لهم أو فرج يأتيهم: {ولا يؤذن} ~~أي من آذن ما {لهم} أي في كلام أصلا، ولما كان المراد أنه لا يوجد لهم إذن ~~ولا يوجد منهم اعتذار من غير أن ينظر إلى تسببه عن عدم الإذن لئلا يفهم أن ~~لهم عذرا ولكنهم لم يبدوه لعدم الإذن، قال رافعا عطفا على «يؤذن» {فيعتذرون ~~*} فدل ذلك على نفي الإذن ونفي الاعتذار عقبه مطلقا، ولو نصبه لدل على أن ~~السبب في عدم اعتذارهم عدم الإذن فينقض المعنى. # ولما كان هذا ms5509 أمرا فظيعا ترجمه بقوله: {ويل يومئذ} أي إذ كان هذا الموقف ~~{للمكذبين *} أي العريقين في التكذيب بالإخبار بطمس النجوم فجعلت عقوبتهم ~~سكوتهم الذي هو ذهاب نور الإنسان ليكون كالطمس كذبوا به. # ولما ذكر حيرتهم ودهشتهم التي هي أمارة قول الحكم، وكانت # PageV21P180 # مواطن ذلك اليوم تسمى أياما لتمام الأحكام في كل مواطن منها، وتميزه بذلك ~~عما عداه، قال: {هذا} أي ذلك اليوم كله {يوم الفصل} أي بين ما اختلف فيه ~~العباد من الحق والباطل العالي والسافل؛ ثم استأنف قوله: {جمعناكم} أي يا ~~مكذبي هذه الأمة بما لنا من العظمة {والأولين *} أي الذين تقدم أنا ~~أهلكناهم، وقد كانوا أكثر منكم عددا وأعظم عددا لنفصل بين المتنازعين ونصلي ~~العذاب ونجزي بالثواب، وقد كان منكم من يقول: أنا أكفي عشرة من ملائكة ~~النار، ثم أشار إلى انقطاع الأسباب فقال مسببا عن ذلك: {فإن كان لكم} أي ~~أيها المكذبون على وجه هو ثابت من ذواتكم {كيد} أي مقاواة بنوع حيلة أو شدة ~~{فكيدون *} تقريع لهم على كيدهم لأوليائنا المؤمنين في الدنيا - بما مكنهم ~~به من الأسباب وتنبيه على أنه من آذى وليه فقد آذنه بالحرب على أنهم ~~عاجزون. # ولما كانوا أقل من أن يجيبوا عن هذا وأحقر من أن يمهلوا للكلام، قال ~~مترجما لحالهم بعد هذا الكلام منبها على أنهم لو عقلوا بكوا على أنفسهم ~~الآن لأنه لا حيلة إذ ذاك: {ويل يومئذ} أي # PageV21P181 # إذ يقال لهم هذا الكلام فيكون زيادة في عذابه {للمكذبين *} أي الراسخين ~~في التكذيب بأن السماء تفرج كما كانوا يكذبون بأنه يفصل بينهم بعد الموت. # ولما كان الواقع بعد الفصل قرار كل في داره، وكان قد بدأ بالمكذبين لأن ~~التحذير في السورة أعظم ففصلهم عن المصدقين فقال: انطلقوا - إلى آخره، ثنى ~~بأضدادهم الفريق الناجي المشار إليه في آخر الإنسان بقوله تعالى: {يدخل من ~~يشاء في رحمته} [الإنسان: 31] فقال مؤكدا لأجل تكذيب الكفار بتلك الدار ~~وبأن يكون المؤمنون أسعد منهم: {إن المتقين} أي الذين كانوا يجعلون بينهم ~~وبين كل ما يغضب الله ms5510 وقاية مما يرضيه لعراقتهم في هذا الوصف يوم القيامة ~~{في ظلال} هي في الحقيقة الظلال لا كما تقدم من ظل الدخان، ولا يشبهها أعلى ~~ظل في الدنيا ولا أحسنه إلا بالاسم، ودل على أنها على حقيقتها بقوله: ~~{وعيون *} لأنها تكون عنها الرياض والأشجار الكبار كما دل على أن ذلك الظل ~~المتشعب للتهكم بما ذكر بعده من أوصاف النار، فهذه العيون تبرد الباطن ~~وتنبت الأشجار المظلة كما أن اللهب يحر الظاهر والباطن ويهلك ما قرب منه من ~~شجر وغيره فلا يبقى ولا يذر. # PageV21P182 # ولما ذكر العيون، أتبعها ما ينشأ عنها فقال دالا على أن عيشهم كله لذة: ~~{وفواكه} ولما كان يوجد في فواكه الدنيا الدون، قال دالا على أن عيشهم كله ~~لذة وأنه ليس هناك دون: {مما يشتهون *} أي الرغبة. # PageV21P183 # ولما فهم من التعبير ب «في» أنهم متمكنون من هذا جميعه تمكن المظروف من ~~ظرفه، قال منبها على أنه أريد بالفاكهة جميع المآكل، وإنما عبر بها إعلاما ~~بأن كل أكل فيها تفكه ليس منه شيء لجلب نفع غير اللذة ولا دفع ضر: {كلوا} ~~أي مقولا لهم: تناولوا جميع المآكل على وجه التكفه والتلذذ لا لحفظ الصحة ~~فإنها حاصلة بدونه {واشربوا} أي من جميع المشارب كذلك فإن عيونها ليست من ~~الماء خاصة بل من كل شراب أكلا وشربا {هنيئا} ليس في شيء من ذلك توقع ضر، ~~وزاد في نعيمهم بأن جعل ذلك عوضا فقال: {بما كنتم} أي بجبلاتكم التي جبلتكم ~~عليها {تعملون *} أي في الدنيا من الأعمال الصالحة المبنية على أساس العلم ~~الذي أفاد التصديق بالجنة فأوجب دخولها كما أوجب # PageV21P183 # تكذيب المجرمين بالنار دخولهم إياها وعذابهم بها، وتكذيبهم بالجنة طردهم ~~عنها وحرمانهم لنعيمها جزاء وفاقا. # ولما كان ربما توهم متوهم أن هذا لناس معينين في زمن مخصوص - قال معلما ~~بالتعميم مؤكدا ردا على من ينكر: {إنا} أي بما لنا من العظمة {كذلك} أي مثل ~~هذا الجزاء العظيم {نجزي المحسنين *} أي كل من كان عريقا في وصف الإحسان ~~لسنا كملوك الدنيا، يعوقهم عن ms5511 الإحسان إلى بعض المحسنين عندهم بما يرونه ~~جزاء لهم بعض أهل مملكتهم لما لهم من الأهوية ولملوكهم من الضعف. # ولما كان هذا النعيم عذابا عظيما على من لا يناله قال: {ويل يومئذ} أي إذ ~~يكون هذا النعيم للمتقين المحسنين {للمكذبين *} أي الذين يكذبون بأن الجبال ~~تنسف فتكون الأرض كلها سهلة دمثة مستوية لا عوج فيها أصلا صالح للعيون ~~والاشجار والتبسط في أرجائها كيفما يريد صاحبها ويختار. # ولما ذكر نعيم أهل الجنة الذي لا ينقضي لأن لهم غاية المكنة فيه، وكان ~~ذلك آجلا، وكان المكذبون في اتساع في الدنيا، وتقدم قوله # PageV21P184 # تعالى {إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} [الطور: 7] وكان الشقاء متى وقع ~~بعد نعيم نسخه وعد النعيم - ولو كان كثيرا طويلا - قليلا، قال نتيجة لجواب ~~القسم ضد ما يقال للمتقين تسلية لهم وتحزينا للمكذبين بناء على ما تقديره: ~~إن المكذبين في هذه الدنيا في استدراج وغرور، ويقول لهم لسان الحال المعرب ~~عن أحوالهم في المآل توبيخا وتهديدا: {كلوا} أي أيها المكذبون في هذه ~~الدنيا {وتمتعوا} أي كذلك بمثل الجيفة، فإن المتاع من أسمائها كما مر غير ~~مرة عن أهل اللغة {قليلا} أي وإن امتد زمنه فإنه زائل مع قصر مدته في مدة ~~الآخرة، ولا يؤثر ذلك على الباقي النفيس إلا خسيس الهمة، قال الرازي، وقال ~~بعضهم: التمتع بالدنيا من أفعال الكافرين، والسعي لها من أفعال الظالمين، ~~والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين، والسكون فيها على حد الإذن والأخذ ~~منها على قدر الحاجة من أفعال عوام المؤمنين، والإعراض عنها من أفعال ~~الزاهدين، وأهل الحقيقة أجل خطرا من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها ~~وتركها. # ولما أحلهم هذا المحل الخبيث، وكان التقدير: فإنه لا بد من وقوع العذاب ~~بكم يوم الفصل، علل ذلك بقوله مؤكدا لأنهم ينكرون وصفهم بذلك: {إنكم مجرمون ~~*} أي عريقون في قطع كل ما أراد الله به أن # PageV21P185 # يوصل، فلا جائز أن تعاملوا معاملة المحسنين، فلذلك كانت نتيجة هذا {ويل ~~يومئذ} أي إذ تعذبون بأجرامكم {للمكذبين *} أي ms5512 بوصول الرسل إلى وقتها ~~المعلوم الذي كانت تتوعد به المجرمين في الدنيا حيث كذبوهم لأجل تمتعهم هذا ~~القليل الكدر، وعرضوا أنفسهم للعذاب الدائم المستمر. # ولما كان التقدير: فإنهم كانوا في دار العمل إذا قيل لهم آمنوا لا ~~يؤمنوا، عطف عليه قوله: {وإذا قيل لهم} أي لهؤلاء المجرمين من أي قائل كان ~~{اركعوا} أي صلوا الصلاة التي فيها الركوع، وأطلقه عليها تسمية لها باسم ~~جزء منها، وخص هذا الجزء لأنه يقال على الخضوع والطاعة، ولأنه خاص بصلاة ~~المسلمين، ولأن بعض العرب نفر عن الدين من أجله، وقال: لا أجبي لأن فيه - ~~زعم - إبرازا للاست فيكون ذلك مسبة، وكذلك السجود، قال في القاموس: جبى ~~تجبئة: وضع يديه على ركبتيه أو على الأرض أو انكب على وجهه، والتجبئة أن ~~تقوم قيام الركوع {لا يركعون *} أي لا يخضعون ولا يوجدون الصلاة فلذلك كان ~~وعيدهم، وفيه دلالة على أن الأمر للوجوب ليستحق تاركه العذاب وعلى أن ~~الكفار مخاطبون بالفروع {ويل يومئذ} # PageV21P186 # أي إذ يكون الفصل {للمكذبين *} أي بذلك الذي تقدم في هذه السورة أو بشيء ~~منه أو بغيره مما جاءت به الرسل، وقد كررت هذه الجملة بعدد أجزاء طرف القسم ~~أو أجزاء الجواب لتكون كل جملة منها وعيدا على التكذيب بواحد من تلك ~~الأجزاء، وتكون هذه الجملة العاشرة مؤكدة لتلك التسع، وتكملة لعدها ~~ومعناها، ومعلمة بأن الويل لهم دائما من غير انقضاء كما أن الواحد لا ~~انقضاء له. # ولما أعلم هذا أن لهم الويل دائما، ذكر أن سببه عدم الإيمان بالقرآن وأن ~~من لم يؤمن بالقرآن لم يؤمن بشيء أبدا، فقال مسببا عن معنى الكلام: {فبأي ~~حديث} أي ذكر يتجدد نزوله على المرسل به في كل وقت تدعو إليه حاجة {بعده} ~~أي بعد هذا القرآن الذي هو شاهد لنفسه عنه بصحة النسبة إلى الله تعالى من ~~جهة ما حاز من البلاغة في تراكيبه بالنسبة إلى كل جملة وبالنسبة إلى نظم ~~الجمل بعضها مع بعض، وبالإخبار بالمغيبات والحمل على المعالي والتنبيه على ~~الحكم وغير ذلك من ms5513 بحور العلم ورياض الفنون، فالله باعتبار ذلك هو الشاهد ~~بأنه كلامه {يؤمنون *} أي يجددون الإيمان بسببه بكل ما أتى به # PageV21P187 # النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث الذي الله شاهد بأنه ~~كلامه بما اشتمل عليه بعد إعجازه من الدلائل الواضحة، والمعاني الشريفة ~~الصالحة، والنظوم الملائمة للطبع والرقائق المرققة لكل قلب، والبشائر ~~المشوقة لكل سمع، فمن لم يؤمن به لم يؤمن بحديث غيره، فإنه لا شيء يقاربه ~~ولا يدانيه، فكيف بأن يدعي شيء يباريه أو يراقيه، ومثل هذا إنما يقال عند ~~مقاربة اليأس من الموعوظ والعادة قاضية بحلول العذاب إذ ذاك وإنزال البأس، ~~فهو من أعظم أنواع التهديد، فقد رجع آخرها على أولها في وعيد المكذبين، ~~وانطبق أولها على آخرها في إخزاء المجرمين - والله الهادي للصواب. # PageV21P188 # مقصودها الدلالة على أن يوم القيامة الذي كانوا مجمعين على نفيه، وصاروا ~~بعد بعث النبي (صلى الله عليه وسلم) في خلاف فيه مع المؤمنين ثابت ثباتا لا ~~يحتمل شكا ولا خلافا بوجه، لأن خالق الخلق مع أنه حكيم قادر على ما يريد ~~دبرهم أحسن تدبير، بنى لهم مسكنا وأتقنه، وجعلهم على وجه يبقى به نوعهم من ~~أنفسهم بحيث لا يحتاجون إلى أمر خارج يرونه، فكان ذلك أشد لإلفتهم وأعظم ~~لأنس بعضهم ببعض، وجعل سقفهم وفراشهم كافلين لمنافعهم، والحكيم لا يترك ~~عبيده وهو تام القدرة كامل السلطان يمرحون يبغي بعضهم على بعض ويأكلون خيره ~~ويعبدون غيره بلا حساب، فكيف إذا كان حاكما فكيف إذا كان أحكم الحاكمين، ~~هذا ما لا يجوز في عقل ولا خطر ببال أصلا، فالعلم واقع به قطعا، وكل من ~~اسميها واضح في ذلك بتأمل آيته ومبدأ ذكره وغايته) بسم الله (الحكيم العليم # PageV21P189 # الذي له جميع صفات الكمال) الرحمن (الذي ساوى بين عباده في أصول النعم ~~الظاهرة: الإيجاد والجاه والمال، وبيان الطريق الأقوام بالعقل الهادي ~~والإنزال والإرسال) الرحيم (الذي خص من شاء بإتمام تلك النعم فوفقهم لمحاسن ~~الأعمال لما أخبر في المرسلات بتكذيبهم بيوم الفصل وحكم على أن لهم بذلك ms5514 ~~الويل المضاعف المكرر، وختمها بأنهم إن كفروا بهذا القرآن لم يؤمنوا بعده ~~بشيء، افتتح هذه بأن ما خالفوا فيه وكذبوا الرسول في أمره لا يقبل النزاع ~~لما ظهر من بيان القرآن لحكمة الرحمن التي يختلف فيها اثنان مع الإعجاز في ~~البيان، فقال معجبا منهم غاية العجب زاجرا لهم ومنكرا عليهم ومتوعدا لهم ~~ومفخما للأمر بصيغة الاستفهام منبها على أنه ينبغي أن لا يعقل خلافهم، ولا ~~يعرف محل نزاعهم، فينبغي أن يسأل عنه كل أحد حتىالعالم به إعلاما بأن ما ~~يختلفون فيه لوضوحه لا يصدق أن عاقلا يخالف أمره فيه وأنه لا ينبغي التساؤل ~~إلا عما هو خفي فقال: # PageV21P190 # {عم} أي عن أي شيء - خفف لفظا وكناية بالإدغام، وحذف ألفه لكثرة الدور ~~والإشارة إلى أن هذا السؤال مما ينبغي أن يحذف، فإن لم يكن فيخفى ويستحى من ~~ذكره ويخفف {يتساءلون *} أي أهل مكة لكل من يسأل # PageV21P190 # عن شيء من القرآن سؤال شك وتوقف وتلدد فيما بينهم وبين الرسول صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين رضي الله عنهم، ولشدة العجب سمي جدالهم وإنكارهم ~~وعنادهم - إذا تليت عليهم آياته وجليت بيناته - مطلق سؤال. # ولما فخم ما يتساءلون عنه معجبا منهم فيه، بينه بقوله إعلاما بأن ذلك ~~الإيهام ما كان إلا للإعظام: {عن النبأ} أي من رسالة الرسول وإتيانه ~~بالكتاب المبين، وإخباره عن يوم الفصل، والشاهد بكل شيء من ذلك الله بإعجاز ~~هذا الحديث، وبوعده الجازم الحثيث. ولما كان في مقام التفخيم له، وصفه ~~تأكيدا بقوله: {العظيم *} مع أن النبأ لا يقال إلا لخبر عظيم شأنه، ففي ذلك ~~كله تنبيه على أنه من حقه أن يذعن له كل سامع ويهتم بأمره، لا أن يشك فيه ~~ويجعله موضعا للنزاع؛ وعظم توبيخهم بقوله: {الذي هم} أي بضمائرهم مع ~~ادعائهم أنها أقوم الضمائر {فيه مختلفون *} أي شديد اختلافهم وثباتهم ~~فبعضهم صدق وبعضهم كذب، والمكذبون بعضهم شك وبعضهم جزم وقال بعضهم: شاعر، ~~وبعضهم: ساحر - إلى غير ذلك من الأباطيل، وذلك الأمر هو أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذي ms5515 أهمه البعث بعد الموت اشتد التباسه عليهم وكثرت مراجعتهم ~~فيه ومساءلتهم عنه مع عظمه وعظم ظهوره، والعظيم لا ينبغي الاختلاف # PageV21P191 # فيه بوجه، فإن ذا المروءة لا ينبغي له أن يدخل في أمر إلا وهو على بصيرة ~~فكيف به إذا كان عظيما فكيف به إذا تناهى عظمه فكيف به إذا كان أهم ما يهمه ~~فإنه يتعين عليه أن يبحث عنه غاية البحث ويطلب فيه الأدلة ويفحص عن ~~البراهين ويستوضح الحجج حتى يصير من أمره بعد علم اليقين إلى عين اليقين من ~~حين يبلغ مبلغ الرجال إلى أن يموت فكيف إذا كان بحيث تتلى عليهم الأدلة ~~وتجلى لديه قواطع الحجج وتجلب إليه البينات وهو يكابر فيه ويماري، ويعاند ~~ويداري. # قال الإمام أبو جعفر بن الزبير: سورة النبأ أما مطلقها فمرتب على تساؤل ~~واستفهام وقع منهم وكأنه وارد هنا في معرض العدول والالتفات، وأما قوله: ~~{كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون} [النبأ: 4 - 5] فمناسب للوعيد المتكرر في ~~قوله: {ويل يومئذ للمكذبين} [المرسلات: 19] وكأن قد قيل: سيعلمون عاقبة ~~تكذيبهم، ثم أورد تعالى من جميل صنعه وما إذا اعتبره المعتبر علم أنه لم ~~يخلق شيء منه عبثا بل يعتبر به ويستوضح وجه الحكمة فيه، فعلم أنه لا بد من ~~وقت ينكشف فيه الغطاء ويجازي الخلائق على نسبة من أحوالهم في الاعتبار ~~والتدبر والخضوع لمن نصب مجموع # PageV21P192 # تلك الدلائل، ويستشعر من تكرار الفصول وتجدد الحالات وإحياء الأرض بعد ~~موتها، جرى ذلك في البعث واطراد الحكم، وإليه الإشارة بقوله: # {كذلك نخرج الموتى} [الأعراف: 57] وقال تعالى منبها على ما ذكرناه {ألم ~~نجعل الأرض مهادا} [النبأ: 6] إلى قوله: {وجنات ألفافا} [النبأ: 16] فهذه ~~المصنوعات المقصود بها الاعتبار كما قدم، ثم قال تعالى: {إن يوم الفصل كان ~~ميقاتا} [النبأ: 17] أي موعدا لجزائكم لو اعتبرتم بما ذكر لكم لعلمتم منه ~~وقوعه وكونه ليقع جزاؤكم على ما سلف منكم «فويل يومئذ للمكذبين» ويشهد لهذا ~~القصد مما بعد من الآيات قوله تعالى لما ذكر ما أعد للطاغين: {إنهم كانوا ~~لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا ms5516 وكل شيء أحصيناه كتابا} [النبأ: 27 - ~~29] ثم قال بعد: {إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا} [النبأ: 31 - 32] وقوله ~~بعد: {ذلك اليوم الحق} وأما الحياة الدنيا فلعب ولهو وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان، وقوله بعد: {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني ~~كنت ترابا} [النبأ: 40] انتهى. ولما كان الأمر من العظمة في هذا الحد قال ~~مؤكدا لأن ما اختلفوا فيه وسألوا عنه ليس موضعا للاختلاف والتساؤل بأداة ~~الردع، فقال تهديدا لهم وتوكيدا لوعيدهم: {كلا} أي ليس ما سألوا عنه ~~واختلفوا فيه بموضع اختلاف أصلا، ولا يصح أن يطرقه ريب بوجه من الوجوه ~~فلينزجروا عن ذلك وليرتدعوا قبل # PageV21P193 # حلول ما لا قبل لهم به. # ولما كان كأنه قيل: فهل ينطقع ما هم فيه؟ أجاب بقوله مهددا حاذفا متعلق ~~العلم للتهويل لأجل ذهاب النفس كل مذهب: {سيعلمون *} أي يصلون إلى حد يكون ~~حالهم فيه في ترك العناد حال العالم بكل ما ينفعهم ويضرهم، وهذا عن قريب ~~بوعد لا خلف فيه، ويكون لهم حينئذ عين اليقين الذي لا يستطاع دفاعه بعد علم ~~اليقين الذي دافعوه، وعظم رتبة هذا الردع والتهديد والزجر والوعيد بقوله: ~~{ثم كلا} أي أن أمره في ظهوره رادع عن الاختلاف في أمره {سيعلمون *} أي بعد ~~الموت بعد علمهم قبله ما يكون من أمره بوعد صادق لا شك فيه، ويصير حالهم ~~إذا ذاك حال العالم في كفهم عن العناد، وهم بين ذلول وذليل وحقير وجليل، ~~فأما من اخترناه منه للإيمان فيكون ذلولا، ومن أردنا شقاءه بالكفران فتراه ~~ناكسا ذليلا، ويشترك الكل بالذوق في حق اليقين، وقد كان هذا كما قال الجليل ~~بعد زمن قليل، عندما أوقعتهم أيام الله وأرغمت منهم الأنوف وأذلت الجباه، ~~وقراءة ابن عامر على ما قيل عنه بتاء الخطاب في الوعيد وأدل على الاستعطاف ~~للمتاب. # PageV21P194 # ولما حقق لهم أمره تحقيق من هو على غاية الوثوق بما يقول، دل على ذلك بما ~~لا يحتمل شكا ولا وقفة أصلا، فقال مقررا لهم ومنكرا عليهم التساؤل بما ندب ~~إليه من ms5517 التأمل وقرر به من النظر في باهر آياته وغرائب مخلوقاته التي ~~أبدعها من العدم دلالة تامة عظمية على كمال القدرة مع تمام الحكمة الموجب ~~للقطع بكل ما نبهت عليه الرسل من الشرائع والبعث والجزاء بادئا بما هم له ~~أشد ملابسة وهو الظرف: {ألم نجعل} أي بما لنا من العظمة {الأرض مهادا *} أي ~~فراشا لكم موطئا مذللا يمكن الاستقرار عليه لتتصرفوا فيها كما شئتم ~~{والجبال} أي تعرفون شدتها وعظمتها وعجزكم عن أقل شيء من أمورها {أوتادا *} ~~تثبتها كما أن البيت لا يثبت إلا بأوتاده، قال الأفوه الأودي: # والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد # وذلك لئلا تميد بكم فإنها معلقة على فضاء العلم ممسكة بيد القدرة، فلولا ~~الجبال لعظم ثقلها لأنها بمنزلة السفينة العالية الفارغة على متن البحر فهي ~~في غاية الحركة لا سيما إذا عظمت الريح فإنها حينئذ لا يستقر عليها قائم ~~ولا يثبت قاعد ولا نائم، فالجبال بمنزلة الأمتعة الثقيلة التي تنزلها في ~~الماء فتحفظ عن كثرة التقلب فكيف يصح بوجه أن يتوقف في إخبار # PageV21P195 # من هذه قدرته لا سيما إذا كان ذلك المخبر به مما ركز سبحانه أمره في ~~الفطر الأولى وقرر صحته في العقول التقرير الأوضح الأجلى. # ولما ذكر بما في الظرف الذي هو فرشهم من الدلالة على تمام القدرة، أتبعه ~~التذكير بما في المظروف وهو أنفسهم لتجتمع آيات الأنفس والآفاق فيتبين لهم ~~أنه الحق فقال: {وخلقناكم} أي بما دل على ذلك من مظاهر العظمة {أزواجا *} ~~طوالا وقصارا وحسانا ودماما وذكرانا وإناثا لجميع أصنافكم على تباعد ~~أقطارهم وتنائي ديارهم لتدوم أنواعكم إلى الوقت الذي يكون فيه انقطاعكم. # ولما ذكر ما هو سبب لبقاء النوع، ذكر ما هو سبب لحفظه من إسراع الفساد ~~فقال: {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة {نومكم} الذي ركبنا البدن على قبوله ~~{سباتا *} أي قطعا عن الإحساس والحركة التي أتعبتكم في نهاركم مع الامتداد ~~والاسترسال إراحة للقوى الحيوانية والحواس الجثمانية وإزاحة لكلالها مع أنه ~~قاطع لكمال الحياة، فهو مذكر ms5518 بالموتة الكبرى والاستيقاظ مذكر بالعبث، قال ~~الزجاج: السبات أن ينقطع عن الحركة والروح فيه. # PageV21P196 # ولما ذكر النوم، اتبعه وقته الأليق به مذكرا بنعمة الظرف الزماني بعد ~~التذكير بالظرف المكاني، فقال دالا بمظهر العظمة على عظمه: {وجعلنا اليل} ~~أي بعد ذهاب الضياء حتى كأنه لم يكن {لباسا *} أي غطاء وغشاء ساترا بظلمته ~~ما أتى عليه عن العيون كما يستره اللباس لتسكنوا فيه عن المعاش {وجعلنا ~~النهار} أي الذي آيته الشمس {معاشا *} أي وقتا للتقلب الذي هو من أسباب ~~التحصيل الذي هو من أسباب المعاش، وهو العيش ووقته وموضعه، مظهرا لما ستره ~~الليل، فالآية من الاحتباك: ذكر اللباس أولا دليلا على حذف ضده ثانيا ~~والمعاش ثاينا دليلا على حذف ضده أولا. # ولما ذكر المهاد وما فيه، أتبعه السقف الذي بدورانه يكون الوقت الزمان ~~وما يحويه من القناديل الزاهرة والمنافع الظاهرة لإحياء المهاد ومن فيه من ~~العباد فقال: {وبنينا} أي بناء عظيما {فوقكم} أي عاما لجميع جهة الفوق، وهي ~~عبارة تدل على الإحاطة {سبعا} أي من السماوات {شدادا *} أي هي في غاية ~~القوة والإحكام، لا صدع فيها ولا فتق، لا يؤثر فيها كر العصور ولا مر ~~الدهور، حتى يأتي أمر الله بإظهار عظائم المقدور. # ولما ذكر السقف: ذكر بعض ما فيه من أمهات المنافع فقال دالا بمظهر العظمة ~~على عظمها: {وجعلنا} أي مما لا يقدر عليه غيرنا # PageV21P197 # {سراجا} أي نجما منيرا جدا {وهاجا *} أي هو مع تلألئه وشدة ضيائه حار ~~مضطرم الاتقاد وهو الشمس، من قولهم: وهج الجوهر: تلألأ، والجمر: اتقد. # ولما ذكر ما يمحق الرطوبة بحرارته، أتبعه ما يطفىء الحرارة برطوبته ~~وبرودته فينشأ عنه المأكل والمشرب، التي بها تمام الحياة ويكون تولدها من ~~الظرف بالمهاد والسقف، وجعل ذلك أشبه شيء بما يتولد بين الزوجين من ~~الأولاد، فالسماء كالزوج والأرض كالمرأة، والماء كالمني، والنبات من النجم ~~والشجر كالأولاد فقال: {وأنزلنا} أي مما يعجز غيرنا {من المعصرات} أي ~~السحائب التي أثقلت بالماء فشارفت أن يعصرها الرياح فتمطر كما حصد الزرع - ~~إذا حان له أن ms5519 يحصد، قال الفراء: المعصر، السحابة التي تتحلى بالمطر ولا ~~تمطر كالمرأة المعصرة وهي التي دنا حيضها ولم تحض، وقال الرازي: السحائب ~~التي دنت أن تمطر كالمعصرة التي دنت من الحيض {ماء ثجاجا *} أي منصبا بكثرة ~~يتبع بعضه بعضا، يقال: ثجه وثج بنفسه. # ولما ذكر بدايته، أتبعها نهايته فقال: {لنخرج} أي بعظمتنا التي ربطنا بها ~~المسببات بالأسباب {به} أي الماء تسبيبا {حبا} # PageV21P198 # أي نجما ذا حب هو مقصوده لأنه يقتاته العباد، صرح به لأنه المقصود وبدأ ~~به لأنه القوت الذي به البقاء كالحنطة والشعير وغيرهما {ونباتا *} يتفكهون ~~ويتنزهون فيه وتعتلفه البهائم. ولما كان من المشاهد الذي لا يسوغ إنكاره أن ~~في الأرض من البساتين ما يفوت الحصر، عبر بجمع القلة تحقيرا له بالنسبة إلى ~~باهر العظمة ونافذ الكلمة فقال: {وجنات} أي بساتين تجمع أنواع الأشجار ~~والنبات المقتات وغيره {ألفافا *} أي ملتفة الأشجار مجتمعة بعضها إلى بعض ~~من شدة الري، جمع لف كجذع، قال البغوي: وقيل: هو جمع الجمع، يقال: جنة ~~لفاء، وجمعها لف - بضم اللام، وجمع الجمع ألفاف. وتضمن هذا الذي ذكره ~~المياه النابعة الجارية والواقفة، فاكتفى بذكره عن ذكرها، قال مقاتل: وكل ~~من هذا الذي ذكر أعجب من البعث. # PageV21P199 # ولما ذكر ما دل على غاية القدرة ونهاية الحكمة فدل قطعا على الوحدانية ~~لأنه لو كان التعدد لم تكن الحكمة ولم تتم القدرة، فأثمر المحبة لمن اتصف ~~بذلك، فأنتج للطائع الشوق إلى لقائه والترامي إلى مطالعة كمال نعمائه، ~~وللعاصي ما هو حقيق به من الخوف من لقائه ليرده ذلك # PageV21P199 # عن إعراضه وإبائه، أتبع ما أعلم أنه ما ذكره إلا للدلالة على النبأ ~~العظيم في لقاء العزيز الرحيم، فقال منتجا عما مضى من الوعيد وما دل على ~~تمام القدرة مؤكدا لأجل إنكارهم: {إن يوم الفصل} أي الذي هو النبأ العظيم، ~~وتقدم الإنذار به في المرسلات وما خلق الخلق إلا لجمعهم فيه وإظهار صفات ~~الكمال ليفصل فيه بين كل ملبس فصلا لا شبهة فيه ويؤخذ للمظلوم من الظالم ~~{كان} أي في علم الله ms5520 وحكمته كونا لا بد منه جعل فيه كالجبلة في ذوي ~~الأرواح {ميقاتا *} أي حدا يوقت به الدنيا وتنتهي عنده مع ما فيها من ~~الخلائق. # ولما ذكره، ذكر ما فيه تعظيما له وحثا على الطاعة فقال مبدلا منه أو ~~مبينا له: {يوم} ولما كان الهائل المفزع النفخ، لا كونه من معين، بنى ~~للمفعول قوله {ينفخ} أي من نافخ أذن الله له {في الصور} وهو قرن من نور على ~~ما قيل سعته أعظم ما بين السماء والأرض وهي نفخة البعث وهي الثانية من ~~النفخات الأرض كما مر في آخر الزمر، ولذلك قال: {فتأتون} أي بعد القيام من ~~القبور إلى الموقف أحياء كما كنتم أول مرة لا تفقدون من أعضائكم وجلودكم ~~وأشعاركم وأظفاركم وألوانكم الأصلية شيئا يجمعكم من الأرض بعد أن تمزقتم # PageV21P200 # فيها، واختلط تراب من بلي منكم بترابها وتراب بعضكم ببعض، وتمييز ذلك ~~وجمعه وتركيبه كما كان وإعادة الروح فيه يسير عليه سبحانه وتعالى كما فعل ~~ذلك كله من نطفة بعد أن فعله في آدم عليه السلام من تراب لا أصل له في ~~الحياة، حال كونكم {أفواجا *} أي أمما وزمرا وجماعات مشاة مسرعين كل أمة ~~بإمامها، روى الثعلبي وابن مردويه عن البراء رضي الله عنهم - وقال شيخنا ~~ابن حجر في ترجمة محمد بن زهير في لسان الميزان: إنه ظاهر الوضع - أن معاذا ~~رضي الله عنه سأل عن هذه الأفواج فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي ~~تحشر على عشرة أصناف: على صور القردة، وعلى صور الخنازير، وبعض منكسون ~~يسحبون على وجوههم، وبعض عمي وبعض صم بكم، وبعض يمضغون ألسنتهم، فهي مدلاة ~~على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعض منقطعة أيديهم ~~وأرجلهم، وبعض مصلوبون على جذوع من نار، وبعض أشد نتنا من الجيف، وبعض ~~ملبسون جبابا سابغة من قطرن لازقة بجلودهم، فسرهم بالقتات وآكلي السحت ~~وأكلة الربا والجائرين في الحكم والمعجبين بأعمالهم والعلماء # PageV21P201 # الذين يخالف قولهم فعلهم والمؤذين للجيران والساعين بالناس للسلطان، ~~والتابعين للشهوات المانعين حق الله تعالى والمتكبرين ms5521 خيلاء» . # ولما ذكر الآية في أنفسهم ذكر بعض آيات الآفاق، وبدأ بالعلوي لأنه أشرف ~~فقال بانيا للمفعول لأن المفزع مطلق التفتيح، ولأن ذلك أدل على قدرة الفاعل ~~وهوان الأمور عليه: {وفتحت السماء} أي شقق هذا الجنس تشقيقا كبيرا، وقرأ ~~الكوفيون بالتخفيف لأن التكثير يدل عليه ما سبب عن الفتح من قوله: {فكانت} ~~أي كلها كينونة كأنها جبلة لها {أبوابا} أي كثيرة جدا لكثرة الشقوق الكبيرة ~~بحيث صارت كأنها لا حقيقة لها إلا الأبواب. # ولما ذكر السقف، ذكر أقرب الأرض إليه وأشدها، فقال على طريقة كلام ~~القادرين أيضا: {وسيرت} أي حملت بأيسر أمر على السير {الجبال} على ما ~~تعلمون من صلابتها وصعوبتها في الهواء كأنها الهباء المنثور، وعلى ذلك دل ~~قوله: {فكانت} أي كينونة راسخة {سرابا *} أي لا نرى فيها إلا خيالا يتراءى ~~وهي سائرة تمر مر السحاب ثم تخفى لتناثر أجزائها كالهباء - يا لها من عظمة ~~تجب لها القلوب وتتعاظم الكروب. # PageV21P202 # ولما بين أن يوم الفصل هو النبأ العظيم بعد أن دل عليه وذكر ما فيه من ~~المسير، ذكر ما إليه من الدارين المصير، فقال بعد التذكير بما في الجبال من ~~العذاب بحزونتها وما فيها من السباع والحشرات والأشجار الشائكة والقواطع ~~المتشابكة وغير ذلك من عجائب التقدير مؤكدا لتكذيبهم: {إن جهنم} أي النار ~~التي تلقى أصحابها متجهمة لهم بغاية ما يكرهون {كانت} أي جبلة وخلقا ~~{مرصادا *} أي موضع رصد لأعداء الله ترصدهم فيها خزنة النار، فإذا رأوهم ~~كردسوهم فيها، ولأولياء الله ترصدهم فيها خزنة الجنة لإنجائهم من النار عند ~~ورودها أو هي راصدة بليغة الرصد للكفار حتى صارت مجسدة من الرصد لتجمع ~~أصحابها فلا يفوت منهم واحد كالمطعان لكثير الطعن، والمكثار للمبالغ في ~~الإكثار، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن على جسر جهنم سبعة مجالس يسأل عند ~~أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني فيسأل ~~عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث # PageV21P203 # فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة ms5522 جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم، فإن ~~جاء به تاما جاز إلى الخامس فيسأل عن الحج، فإن جاء به تاما جاز إلى السادس ~~فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع فينسأل عن المظالم، فإن ~~خرج منها وإلا قيل: انظروا فإن كان له تطوع تكمل به أعماله. فإذا فرغ انطلق ~~به إلى الجنة. # ولما كان درء المفاسد أولى من جلب المصالح، قدم ذكر المخوف فقال: ~~{للطاغين} أي المجاوزين لحدود الله {مآبا *} أي مرجعا ومأوى بعد أن كان ~~الله ذرأهم لها فكأنهم كانوا فيها ثم هيأهم للخروج منها والبعد عنها بفطرهم ~~الأولى، ثم بما أنزل الله من الكتب وأرسل من الرسل فكأنه بذلك أخرجهم منها، ~~ثم رجعوا إليها بما أحدثوا من التكذيب. # PageV21P204 # ولما ذكر مصيرهم إليها ذكر إقامتهم فيها فقال حالا من ضمير «الطاغين» : ~~{لابثين فيها} ولما كان جمع القلة يستعار للكثرة فكان الحقب يطلق على ~~الزمان من غير حد، ويطلق على زمان محدود، فقيل على ثمانين سنة، وعلى سبعين ~~ألف سنة، فكان السياق من تصدير السورة بالنبأ وبوصفه مع التعبير بالنبأ ~~العظيم وما بعد ذلك يفهم أن المراد # PageV21P204 # الدوام إن أريد ما لا حد له وأن المراد إن أريد المحدود جمع الكثرة، ~~وأكثر ما فسر به الحقب، وأنه للمبالغة لا التحديد، كان جمع القلة هنا غير ~~مشكل، فمن حمله على ما دون ذلك فكفاه زاجرا لم يضره التعبير به، ومن اجترأ ~~عليه واستهان به كان فتنة له كما كان حصر عدد الخزنة للنار بتسعة عشر فلم ~~يضر إلا نفسه، فلذلك عبر عن ظرف اللبث بقوله: {أحقابا *} أي دهورا عظيمة ~~متتابعة لا انقضاء لها على أن التبعير به - ولو حمل على الأقل وجعل منقضيا ~~- لا ينافي ما صرح فيه بالخلود لأنه أثبت شيئا ولم ينف ما فوقه، وعن الحسن ~~أنه قال: لا يكاد يذكر الحقب إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها من غير ~~انقضاء. # ولما كان المسكن لا يصلح إلا بالاعتدال والماء الذي هو حياة كل شيء، قال ~~ذاكرا ms5523 حال هذا اللبث: {لا يذوقون} أي ساعة ما فكيف بما فوق الذوق {فيها} أي ~~النار خاصة، وكأنه أشار بتقديمه إلى أنهم يذوقون في دار أخرى الزمهرير ~~{بردا} أي روحا وراحة لنفعهم من الحر أو مطلق البرد {ولا شرابا *} من ماء ~~أو غيره يغنيهم من العطش # PageV21P205 # على حال من الأحوال {إلا} حال كون ذلك الشراب {حميما} أي ماء حارا يشوي ~~الوجوه قد انتهى حره {و} حال كون ذلك الشراب مع حرارته، أو البر د {غساقا ~~*} أي عصارة أهل النار من القيح والصديد البارد المنتن، فالاستثناء على هذا ~~موزع الحميم من الشراب والغساق من البرد، فالحميم شرابهم في دولة السعير، ~~والغساق في دولة الزمهرير. # ولما حكم عليهم بهذا العذاب الذي لا يطاق، ذكر حكمته فقال إنه جزاهم بذلك ~~{جزاء وفاقا *} أي ذا وفاق لأعمالهم لأنهم كانوا يأخذون أموال الناس ~~فيحرقون صدورهم عليها ويبردون بها الشراب ويصفونه ويبخرونه، فهم يحرقون ~~الآن بعصارة غيرهم المنتنة، وكأنهم بعد الأحقاب - إن جعلت منقضية - يبدلون ~~عذابا غير الحميم والغساق، ثم علل عذابهم بقوله، مؤكدا تنبيها على أن ~~الحساب من الوضوح بحالة يصدق به كل أحد، فلا يكاد يصدق أن أحدا يكذب به فلا ~~يجوزه فقال: {إنهم كانوا} أي بما هو لهم كالجبلة التي لا تقبل غير ذلك فهم ~~يفسدون القوى العلمية بأنهم {لا يرجون} أي في حال من الأحوال ولو رأوا كل ~~آية {حسابا *} فهم لا يعملون بغير الشهوات، # PageV21P206 # فوافق هذا خلودهم في النار، وعبر عن تكذيبهم بنفي الرجاء لأنه أبلغ، وذلك ~~لأن الإنسان يطمع في الخير بأدنى احتمال. # ولما دل انتفاء رجائهم على تكذيبهم المفسد للقوة العلمية، صرح به على وجه ~~أعم فقال: {وكذبوا بآياتنا} أي على ما لها من العظمة الدالة أنها من عندنا ~~{كذابا *} أي تكذيبا هو في غاية المبالغة بحيث لو سمعوا أكذب الكذب ما ~~كذبوا به كما كذبوا بها، فكان تجريعهم لما لا يصح أن يشربه أحد - وإن جرع ~~منه شيئا مات في الحال من غير موت - لهم جزاء على تكذيبهم بالحوارق ms5524 التي ~~يجرعون بها الصادقين أنواع الحرق، وقرىء بالتخفيف للدلالة على أنهم كذبوا ~~في تكذيبهم. # PageV21P207 # ولما كان التقدير: فكل شيء جعلنا له وزانا، عطف عليه قوله: {وكل شيء} أي ~~مطلقا من أعمالهم وغيرها أو كل ما يقع عليه الحساب # PageV21P207 # {أحصيناه} ولما كان الإحصاء موافقا للكتابة في الضبط، أكد فعله بها فقال: ~~{كتابا *} فلا جائز أن نترك شيئا من الأشياء بغير جزاء، ويمكن تنزيل الآية ~~على الاحتباك وهو أحسن: دل فعل الإحصاء على حذف مصدره، وإثبات مصدر «كتب» ~~عليه أي أحصيناه إحصاء وكتبناه كتابا، وذلك الإحصاء والكتب لعدم الظلم. # ولما ذكر عذابه ووجه موافقته لجزائهم، سبب عن تكذيبهم ما يقال لهم بلسان ~~الحال أو المقال إهانة وزيادة في الجزاء على طريق الالتفات المؤذن بشدة ~~الخزي والغضب عليهم وكمال القدرة له سبحانه وتعالى فقال: ويجوز أن يكون ~~سببا عن مقدر بعد «كتابا» نحو: ليجازيهم على كل شيء منه، قائلا لهم على ~~لسان الملائكة أو لسان الحال: {فذوقوا} أي من هذا العذاب في هذا الحال بسبب ~~تكذيبكم بالحساب، وأكد ذوقهم في الاستقبال فقال: {فلن نزيدكم} أي شيئا من ~~الأشياء في وقت من الأوقات {إلا عذابا *} فإن داركم ليس بها إلا الجحيم كما ~~أن الجنة ليس بها إلا النعيم، فأفهم هذا أن حصول شيء لهم غير العذاب محال. # PageV21P208 # ولما ذكر جزاء الكافرين وأشعر آخره بكونه إخزاء، ذكر جزاء المؤمنين ~~المخالفين لهم فقال مستأنفا مؤكدا لتكذيب الكافرين به: {إن للمتقين} أي ~~الراسخين في الخوف المقتضي لاتخاذ الوقاية مما يخاف فوقوا أنفسهم من سخط ~~الله بما يرضيه من الأعمال والأقوال والأحوال {مفازا} أي فوزا وموضع فوز ~~وزمان فوز بالراحة الدائمة من جميع ما مضى ذكره للطاغين الذين هم أضدادهم، ~~وقد كشفوا أنفسهم للعذاب كل الكشف، ثم فسره أو أبدل منه على حذف مضاف أي ~~فوز: {حدائق} أي بساتين فيها أنواع الأشجار ذوات الثمار والرياحين لتجمع مع ~~لذة المطعم لذة البصر والشم، قد أحدقت بها الجدران وحوطت بها، قال ابن ~~جرير: فإن لم تكن بحيطان محدقة بها لم ms5525 يقل لها حديقة. وخص أشجار العنب ~~لطيبها وحسنها وشرفها وما فيها من لذة الذوق وعبر عن أشجارها بثمرتها ~~إعلاما بأنها لا توجد إلا موقرة حملا وأن ثمرتها هي جل منفعتها فقال: ~~{وأعنابا *} . # ولما ذكر المساكن النزهة المؤنقة المعجبة، ذكر ما يتمتع به وهو جامع ~~لألذاذ الحواس: البصر واللمس والذوق فقال: {وكواعب} أي نساء كعبت ثديهن ~~{أترابا *} أي على سن واحد من مس جلد واحد التراب قبل الأخرى، بل لو كن ~~مولودات لكانت ولادتهن في آن واحد. # PageV21P209 # ولما ذكر النساء ذكر الملائم لعشرتهن فقال: {وكاسا} أي من الخبر التي لا ~~مثل لها في لذة الذوق ظاهرا وباطنا وكمال السرور وإنعاش القوى. # ولما كانت العادة جارية بأن الشراب الجيد يكون قليلا، دل على كثرته دليلا ~~على جودته بقوله: {دهاقا *} أي ممتلئة. # ولما كانت مجالس الخمر في الدنيا ممتلئة بما ينغصها من اللغو والكذب إلا ~~عند من لا مروءة له فلا ينغصه القبيح، قال نافيا عنها ما يكدر لذة السمع: ~~{لا يسمعون فيها} أي الجنة في وقت ما {لغوا} أي لغطا يستحق أن يلغى لأنه ~~ليس له معنى أعم من أن يكون مهملا ليس له معنى أصلا، أو مستعملا ليس له ~~معنى موجود في الخارج وإن قل، أو له معنى ولكنه لا يترتب به كبير فائدة. ~~ولما انتفى الكذب بهذه الطريقة، وكان التكذيب أذى للمكذب، نفاه بقوله: {ولا ~~كذبا *} فإن هذه الصيغة تقال على التكذيب ومطلق الكذب، فصار المعنى: ولا ~~أذى بمعارضة في القول، مع موافقة قراءة الكسائي بالتخفيف فإن معناها كذبا ~~أو مكاذبة، وشدد في قراءة الجماعة لرشاقة اللفظ وموازنة «أعنابا وأترابا» ~~مع الإصابة لحلق المعنى من غير أدنى جور عن القصد ولا تكلف بوجه ما. # PageV21P210 # ولما كان العطاء إذا كان على المعاوضة كان أطيب لنفس الآخذ قال: {جزاء} ~~وبين أنه ما جعله جزاء لهم إلا إكراما للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه ~~سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء لأن أحدا لا يمكنه أن يوفي شكر نعمة من نعمه ~~فإن عمله من ms5526 نعمه فقال: {من ربك} أي المحسن إليك بإكرام أمتك بانواع ~~الإكرام، وفي {عطاء} إشارة إلى ذلك وهو بذل من غير جزاء {حسابا *} أي على ~~قدر الكفاية وإن فعل الإنسان منهم ما فعل وحسب جميع أنواع الحساب، ومن ~~قولهم: أعطاه فأحسبه - إذا تابع عليه العطاء وأكثره حتى جاوز العد وقال: ~~حسبي، لا يمكن أن يحتاج مع هذا العطاء وإن زاد في الإنفاق، واختير التعبير ~~به دون «كافيا» مثلا لأنه أوقع في النفس، فإنه يقال: إذا كان هذا الحساب ~~فما الظن بالثواب. # ولما ذكر سبحانه سعة فضله، وصف نفسه الأقدس بما يدل على عظمته زيادة في ~~شرف المخاطب صلى الله عليه وسلم لأن عظمة العبد على حسب عظمة السيد، فقال ~~مبدلا على قراءة الجماعة وقاطعا بالرفع على المدح عند الحجازيين وأبي عمرو: ~~{رب السماوات والأرض} أي مبدعهما ومدبرهما ومالكهما {وما بينهما} ملكا ~~وملكا. ولما شمل # PageV21P211 # ذلك العرش وما دونه، علله بقوله: {الرحمن} أي الذي له الإنعام العام الذي ~~أدناه الإيجاد، وليس ذلك لأحد غيره، فإن الكل داخل في ملكه وملكه، ولذلك ~~قال دالا على الجبروت بعد صفة الرحمة: {لا يملكون} أي أهل السماوات والأرض ~~ومن بين ذلك أصلا دائما في وقت من الأوقات في الدنيا ولا في الآخرة لا في ~~يوم بعينه: {منه} أي العام النعمة خاصة {خطابا *} أي أن يخاطبوه أو يخاطبوا ~~غيره بكلمة فما فوقها في أمرهم في غاية الاهتمام به بما أفاده التعبير ~~بالخطاب، فكيف بما دونه وإذا لم يملكوا ذلك منه فمن والكمل في ملكه وملكه؟ ~~وعدم ملكهم لأن يخاطبهم مفهوم موافقة، والحاصل أنهم لا يقدرون على خطاب ما ~~من ذوات أنفسهم كما هو شأن المالك. وأما غيره فقد يملكون أن يكرهوه على ~~خطابهم وأن يخاطبوه بغير إذن من ذلك الغير ولا رضى وبغير تملك منه لهم لأنه ~~لا ملك له، وإذا كان هذا في الخطاب فما ظنك بمن يدعي الوصال بالاتحاد - ~~عليهم اللعنة ولهم سوء المآب، ما أجرأهم على الاتحاد! وقال الأستاذ أبو ~~القاسم القشيري: كيف يكون ms5527 للمكون المخلوق والفقير المسكين مكنة تملك منه ~~خطابا أو تتنفس نفسا كلا بل هو الله الواحد الجبار. # PageV21P212 # ولما كان هذا ربما أفهم سد باب الشفاعة عنده سبحانه، وكان الكلام إنما ~~ينشأ من الروح، وكان الملائكة أقرب شيء إلى الروحية، أكد هذا المعنى مزيلا ~~ما قد يوهمه في الشفاعة سواء قلنا: إن الروح هنا جنس أم لا، فقال ذاكرا ظرف ~~«لا يتكلمون» {يوم يقوم الروح} أي هذا الجنس أو خلق من خلق الله عظيم الشأن ~~جدا، قيل: هو الملك الموكل بالأرواح أو جبرائيل عليه السلام، أو القرآن ~~المشار إليه بمثل قوله تعالى # {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} [القدر: 4] {وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] قاله ابن زيد {والملائكة} أي ~~كلهم، ونبه بالاصطفاف على شدة الأمر فقال: {صفا *} للقاء ما في ذلك اليوم ~~من شدائد الأهوال ولحفظ الثقلين وهم في وسط دائرة صفهم من الموج والاضطراب ~~لعظيم ما هم فيه، ثم زاد الأمر عظما بذكر العامل في لا يوم فقال: {لا ~~يتكلمون} أي من تقدم كلهم بأجمعهم فيه بكلمة واحدة مطلق كلام خطابا كان أي ~~في أمر عظيم أو لا، لا له سبحانه ولا لغيره أصلا ولا أحد منهم، ويجوز أن ~~يكون هذا حالا لهؤلاء الخواص فيكون الضمير لهم فغيرهم بطريق الأولى {إلا من ~~أذن له} أي في الكلام إذنا خاصا {الرحمن} أي الملك الذي لا تكون نعمه على ~~أحد من خلقه إلا منه {وقال صوابا *} فإن # PageV21P213 # لم يحصل الأمر إن لم يقع الكلام من أحد منهم أصلا، وهذا كالدليل على آية ~~الخطاب بأنه إذا كان الروح والقريب منه بهذه المثابة في حال كل من حضره كان ~~أحوج ما يكون إلى الكلام فما الظن بغيرهم؟ وهم في غيره كذلك بطريق الأولى ~~وغيرهم فيه وفي غيره من باب الأولى، وأما في الدنيا فإنه وإن كان لا يتكلم ~~أحد إلا بإذنه لكنه قد يتكلم بالخطأ. # ولما عظم ذلك اليوم بالسكوت خوفا من ذي الجبروت {وخشعت الأصوات للرحمن ~~فلا تسمع ms5528 إلا همسا} [طه: 108] أشار إليه بما يستحقه زيادة في عظمته فقال: ~~{ذلك} أي المشار إليه لبعد مكانته وعظم رتبته وعلو منزلته {اليوم الحق} أي ~~في اليومية لكونه ثابتا في نفسه فلا بد من كونه ولا زوال له ثوبتا لا مرية ~~فيه لعاقل وثابتا كل ما أثبته وباطلا كل ما نفاه. ولما قرر من عظمته ما ~~يعجز غيره عن أن يقرر مثله، وكان قد خلق القوى والقدر والفعل بالاختيار. ~~فكان من حق كل عاقل تدرع ما ينجى منه، سبب عن ذلك تنبيها على الخلاص منه ~~وحثا عليه قوله: {فمن شاء} أي الاتخاذ من المكلفين الذين أذن لهم {اتخذ} أي ~~بغاية جهده {إلى ربه} أي خالقه نفسه المحسن إليه أو رب ذلك اليوم باستعمال ~~قواه التي أعطاه الله إياها في الأعمال الصالحة {مآبا *} أي مرجعا هو ~~المرجع مما يحصل له فيه الثواب بالإيمان والطاعة، فإن الله جعل لهم قوة ~~واختيارا، ولكن لا يقدر أحد منهم على مشيئة شيء # PageV21P214 # إلا بمشيئة الله. # ولما قدم في هذه السورة من شرح هذا النبأ العظيم ما قدم من الحكم ~~والمواعظ واللطائف والوعد والوعيد، لخصه في قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب: ~~{إنا} على ما لنا من العظمة {أنذرناكم} أي أيها الأمة وخصوصا العرب بما مضى ~~من هذه السورة وغيرها {عذابا} ولما كان لا بد من إتيانه وكونه سواء كان ~~بالموت أو بالبعث، وكان كل ما تحقق إتيانه أقرب شيء قال: {قريبا} . # ولما حذر منه، عين وقته مشددا لتهويله فقال: {يوم ينظر المرء} أي جنسه ~~الصالح منه والطالح نظرا لامرية فيه {ما} أي الذي {قدمت يداه} أي كسبه في ~~الدنيا من خير وشر، وعبر بهما لأنهما محل القدرة فكنى بهما عنها مع أن أكثر ~~ما يعمل كائن بهما مستقلتين به أو مشاركتين فيه خيرا كان أو شرا. ولما كان ~~التقدير: فيقول المؤمن: يا ليتني قمت قبل هذا، عطف عليه قوله: {ويقول ~~الكافر} أي العريق في الكفر عندما يرى من تلك الأهوال متمنيا محالا: {يا ~~ليتني كنت} أي ms5529 كونا لا بد منه ولا يزول {ترابا *} أي في الدنيا فلم أخلق ~~ولم أكلف، أو في هذا اليوم فلم أعذب، والمراد به الجنس أو إبليس الذي تكبر # PageV21P215 # عن السجود لآدم عليه السلام المخلوق من التراب، وعظم نفسه بالحمد ~~والافتخار بكونه مخلوقا من نار، يقول ذلك عندما يرى ما أعد الله لآدم عليه ~~السلام ولخواص بنيه من الكرامة من النعيم المقيم، ولهذا المتكبر على خالقه ~~من العذاب الدائم الذي لا يزول، وعن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أن ~~الله تعالى يقتص يوم البعث للبهائم بعضها من بعض ثم يقول لها: كوني ترابا، ~~فتكون فيتمنى الكافر مثل ذلك. فقد علم أن ذلك اليوم في غاية العظمة وأنه لا ~~بد من كونه، فعلم أن التساؤل عنه للتعجب من كونه من أعظم الجهل، فرجع آخرها ~~على أولها، وانعطف مفصلها أي انعطاف على موصلها، واتصل مع ذلك بما بعدها أي ~~اتصال، فإن المشرف بالنزع على الموت يرى كثيرا من الأهوال والزلازل ~~والأوجال التي يتمنى لأجلها أنه كان منقطعا عن لدنيا ليس له بها وصال يوما ~~من الأيام ولا ليلة من الليال - والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب. # PageV21P216 # سورة النازعات # ونسمة الساهرة والطامة. # مقصودها بيان أواخر أمر الإنسان بالإقسام على بعث الأنام، ووقوع القيام ~~يوم الزحام وزلل الأقدام، بعد البيان التام فيما مضى من هذه السور العظام، ~~تنبيها على أنه وصل الأمر في الظهور إلى مقام ليس بعده مقام، وصور ذلك بنزع ~~الأرواح بأيدي الملائكة الكرام، ثم أمر فرعون اللعين وموسى عليه السلام، ~~واسمها النازعات واضح في ذلك المرام، إذا تؤمل القسم وجوابه المعلوم للأئمة ~~الأعلام، وكذا الساهرة والطامة إذا تؤمل السياق، وحصل التدبير في تقرير ~~الوفاق) بسم الله (الظاهر الباطن الملك العلام) الرحمن (الذيي عم بالإنعام) ~~الرحيم (الذي خص أهل ولايته بالتمام، فاختصوا بالإكرام في دار السلام. # PageV21P217 # لما ذكر سبحانه يوم يقوم الروح ويتمنى الكافر العدم، أقسم أول هذه بنزع ~~الأرواح على الوجه الذي ذكره بأيدي الملائكة عليهم السلام # PageV21P217 # على ما يتأثر عنه ms5530 من البعث وساقه على وجه التأكيد بالقسم لأنهم به مكذبون ~~فقال تعالى: {والنازعات} أي من الملائكة - كما قال علي وابن عباس رضي الله ~~عنهم - للأرواح ولأنفسها من مراكزها في السماوات امتثالا للأوامر الإليهة ~~{غرقا *} أي إغراقا بقوة شديدة تغلغلا إلى أقصى المراد من كل شيء من البدن ~~حتى الشعر والظفر والعظم كما يغرق النازع في القوس فيبلغ أقصى المد، وكان ~~ذلك لنفوس الكفار والعصاة كما ينزع السفود وهو الحديدة المتشعبة المتعاكسة ~~الشعب من الصوف المبلول، وعم ابن جرير كما هي عادته في كل ما يحتمله اللفظ ~~فقال: والصواب أن يقال: إن الله تعالى لم يخصص، فكل نازعة داخلة في قسمه - ~~يعني الاعتبار بما آتاها الله من القدرة على ذلك النزع الدالة على تمام ~~الحكمة والاقتدار على ما يريده سبحانه. # ولما ذكر الشد مبتدئا به لأنه أهول، أتبعه الرفق فقال: {والناشطات} أي ~~المخرجات برفق للأرواح أو لأجنحتها من محالها {نشطا *} أي رفقا فلا تدع وإن ~~كان رفيقا بين الروح والجسد تعلقا كما ينشط الشيء من العقال أي يحل من عروة ~~كانت عقدت على هيئة الأنشوطة، قال الفراء إنه سمع العرب يقولون: نشطت # PageV21P218 # العقال - إذا حللته، وأنشطت - إذا عقدت بأنشوطة - انتهى، والنشط أيضا: ~~الجذب والنزع، يقال: نشطت الدلو نشطا - إذا نزعتها. وقال الخليل: النشط ~~والإنشاط مدك الشيء إلى نفسك حتى ينحل، وكان هذا الأرواح أهل الطاعة، وكذلك ~~نزع النبات والإنساء والإنماء لكل ما يراد نزعه أو نشطه، فالذي قدر بعض ~~عبيده على هذا الذي فيه تمييز الأرواح من غيرها على ما لها من اللطافة وشدة ~~الممازجة قادر على تمييز جسد كل ذي روح من جسد غيره بعد أن صار كل ترابا ~~واختلط بتراب الآخر. # ولما ذكر نوعي السل بالشدة والرفق، ذكر فعلها في إقبالها إليه ورجوعها ~~عنه فقال: {والسابحات} أي من الملائكة أيضا في الجو بعد التهيؤ للطيران إلى ~~ما أمرهم الله به من أوامره من الروح أو غيرها {سبحا *} هو في غاية السرعة ~~لأنه لا عائق لها بل قد أقدرها الله ms5531 على النفوذ في كل شيء كما أقدر السابح ~~في الماء والهواء، ولذلك نسق عليه بالفاء قوله: {فالسابقات} أي بعد السبح ~~في الطيران إلى ما أمروا به من غمس الأرواح في النعيم أو الجحيم أو غير ذلك ~~مما أمروا به في أسرع من اللمح مع القدرة والغلبة لجميع ما يقع # PageV21P219 # محاولته {سبقا *} . # ولما بان بذلك حسن امثتالها للأوامر، بان به عظيم نظرها في العواقب فدل ~~على ذلك بالفاء في قوله: {فالمدبرات} أي الناظرات في أدبار الأمور وعواقبها ~~لإتقان ما أمروا به في الأرواح وغيرها {أمرا *} أي عظيما، ويصح أن يكون ~~للشمس والقمر والكواكب والرياح والخيل السابحة في الأرض والجو لمنفعة ~~العباد وتدبير أمورهم، وبعضها سابق لبعض، وبه قال بعض المفسرين، والجواب ~~محذوف إشارة إلى أنه من ظهور العلم به - بدلالة ما قبله وما بعده عليه - في ~~حد لا مزيد عليه، فهو بحيث لا يحتاج إلى ذكره فحذفه كإثباته بالبرهان ~~فتقديره: لتذهبن بالدنيا التي أنتم بها مغترون لنزعنا لها من حالها وتقطيع ~~أوصالها، فإن كل ما تقدم من أعمال ملائكتنا هو من مقدمات ذلك تكذيبا لقول ~~الكفار {ما هي إلا حياتنا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] ~~المشار إليه بتساؤلهم عنها لأنه على وجه الاستهزاء والتكذيب ولتقومن ~~الساعة؟ أو أنكم لمبعوثون بعد الموت وانتهاء هذه الدار؟ ثم لمجازون بما ~~عملتم بأسباب موجودة مهيأة بين أظهركم دبرناها وأوجدناها حين أوجبنا هذه ~~الحياة الدنيا وإن كنتم لا ترونها كما أن هذه الأمور التي أخبرناكم بها في ~~نزع الأرواح والنبات والمنافع موجودة بين أظهركم # PageV21P220 # والميت أقرب ما يكون منكم وهي تعمل أعمالها. والمحتضر أشد ما يكون صوتا ~~وأعظمه حركة إذا هو قد خفت وهمد بعد ذلك الأمر وسكت وامتدت أعضاؤه ومات، ~~وذهب عنكم قهرا وفات الذي فات كأنه قط ما كان، ولا تغلب في زمن من الأزمان، ~~بتلك الأسباب التي تعمل أعمالها وتمد حبالها وترسي أثقالها، وتلقي أهوالها ~~وأوجالها، وأنتم لا ترونها، فيالله العجب أن لا يردكم ذلك على كثرته عن أن ~~تستبعدوا على ms5532 قدرته تمييز تراب جسد من تراب جسد آخر. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أوضحت سورة النبأ حال الكافر في ~~قوله {يا ليتني كنت ترابا} [النبأ: 40] عند نظره ما قدمت يداه، ومعانيته من ~~العذاب عظيم ما يراه، وبعد ذكر تفصيل أحوال وأهوال، أتبع ذلك ما قد كان ~~حاله عليه في دنياه من استبعاد عودته في أخراه، وذكر قرب ذلك عليه سبحانه ~~كما قال في الموضع الآخر {وهو أهون عليه} [الروم: 27] وذلك بالنظر إلينا ~~ولما عهدناه، وإلا فليس عنده سبحانه شيء أهون من شيء {إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] فقال تعالى: {والنازعات غرقا} ~~[النازعات: 1] إلى قوله: {يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أئذا كنا عظاما ~~نخرة} [النازعات: 10 - 11] إذ يستبعدون ذلك ويستدفعونه {فإنما هي زجرة ~~واحدة} [النازعات: 13] أي صحية {فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 14] أي الأرض ~~قياما ينظرون # PageV21P221 # ما قدمت أيديهم ويتمنون أن لو كانوا ترابا ولا ينفعهم ذلك، ثم ذكر تعالى ~~من قصة فرعون وطغيانه ما يناسب الحال في قصد الاتعاظ والاعتبار، ولهذا أتبع ~~القصة بقوله سبحانه # {إن في ذلك لعبرة لمن يخشي} [النازعات: 26] انتهى. # ولما أقسم على القيام بتلك الأفعال العظام التي ما أقدر أهلها عليها إلا ~~الملك العلام. ذكر ما يكون فيه من الأعلام تهويلا لأمر الساعة لأن النفوس ~~المحسوسات نزاعة، فالغائبات عندها منسية مضاعة فقال ناصبا الظرف بذلك ~~المحذوف لأنه لشدة وضوحه كالملفوظ به: {يوم ترجف} أي تضطرب اضطرابا كبيرا ~~مزعجا {الراجفة *} أي الصيحة، وهي النفخة الأولى التي هي بحيث يبلغ - من ~~شدة إرجافها للقلوب وجميع الأشياء الساكنة من الأرض والجبال إلى نزع النفوس ~~من جميع أهل الأرض - مبلغا تستحق به أن توصف بالعراقة في الرجف، قال ~~البغوي: وأصل الرجفة الصوت والحركة. # ولما ذكر الصيحة الأولى، أتبعها الثانية حالا منها دلالة على قربها # PageV21P222 # قربا معنويا لتحقق الوقوع، ولأن ذلك كله في حكم يوم واحد، فصح مجيء الحال ~~وإن بعد زمنه من زمن صاحبه فقال: {تتبعها الرادفة *} أي الصيحة التابعة لها ~~التي يقوم ms5533 بها جميع الأموات وتجتمع الرفات، وتضطرب من هولها الأرض ~~والسماوات، وتدك الجبال ويعظم الزلزال، ويكون عنها التسيير بعد المصير إلى ~~الكثيب المهيل، ونحو ذلك من الأمر الشديد الطويل، قال حمزة الكرماني: روى ~~السدي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر ~~عليهم ماء من تحت العرش يدعى ماء الحياة فينبتون منه كما ينبت الزرع من ~~الماء، حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيها الروح ثم يلقى عليهم نومة فبينما ~~هم في قبورهم نفخ في الصور ثانية فجلسوا وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم ~~وأعينهم. # ولما ذكر البعث، ذكر حال المكذب به لأن السياق له، فقال مبتدئا بنكرة ~~موصوفة: {قلوب يومئذ} أي إذ قام الخلائق بالصيحة التابعة للأولى {واجفة *} ~~أي شديدة الاضطراب أجوافها خوفا تكاد # PageV21P223 # تخرج منها من شدة الوجيف، ولما وصفها بالاضطراب، وكان قد يخفى سببه لكونه ~~قد يكون عند السرور العظيم كما قد يكون عند الوجل الشديد، أخبر عنه بما ~~يحقق معناه فقال: {أبصارها} أي أبصار أصحابها فهو من الاستخدام {خاشعة *} ~~أي ذليلة ظاهر عليها الذل واضطراب القلوب من سوء الحال ولذلك أضافها إليها. # ولما وصفها بالاضطراب والذل، علله ليعرف منه أن من يقول ضد قولهم يكون له ~~ضد وصفهم من الثبات والسكون والعز الظاهر فقال: {يقولون} أي في الدنيا قولا ~~يجددونه كل وقت من غير خوف ولا استحياء استهزاء وإنكارا. {أإنا لمردودون} ~~أي بعد الموت ممن يتصف بردنا كائنا من كان {في الحافرة *} أي في الحياة ~~التي كنا فيها قبل الموت هي حالتنا الأولى، من قولهم: رجع فلان في حافرته، ~~أي طريقته التي جاء بها فحفرها أي أثر فيها بمشيه كما تؤثر الأقدام، ~~والحوافر في الطرق، أطلق على المفعولة فاعلة مبالغة وذلك حقيقته، ثم قيل ~~لمن كان في أمر فخرج منه ثم رجع إليه: رجع إلى حافرته، # PageV21P224 # وقيل: الحافرة الأرض التي هي محل الحوافر. # ولما وصف قلوبهم بهذا الإنكار الذي ينبغي لصاحبه أن يذوب منه خجلا إذا ~~فرط منه مرة واحدة، وأشار إلى ms5534 شدة وقاحتهم بتكريره، أتبعه التصريح بتكريرهم ~~له على وجه مشير إلى العلة الحاملة لهم على قوله وهو قولهم: {أإذا كنا} أي ~~كونا صار جبلة لنا {عظاما نخرة *} أي هي في غاية الانتخار حتى تفتتت، فكان ~~الانتخار وهو البلى والتفتت والتمزق كأنه طبع لها طبعت عليه، وهي أصلب ~~البدن فكيف بما عداها من الجسم، وعلى قراءة «ناخرة» المعنى أنها خلا ما ~~فيها فصار الهواء ينخر فيها أي يصوت. # PageV21P225 # ولما كان العامل في «إذا» مقدرا بنحو أن يقال: نرد إذ ذاك إلى حالتنا ~~الأولى ونقوم كما كنا؟ دل على هذا المحذوف قوله تعالى عنهم: {قالوا} أي مرة ~~من المرات: {تلك} أي الردة إلى الحالة الأولى العجيبة جدا البعيدة من العقل ~~في زعمهم {إذا} أي إذ نرد إلى حياتنا الأولى لا شيء لنا كما ولدنا لا شيء ~~لنا، ونفقد كل ما سعينا في تحصيله وجمعه وتأثيله {كرة} أي رجعة وإعادة ~~وعطفة {خاسرة *} أي هي لشدة خسارتنا فيها بما فقدنا مما حصلناه من الحال ~~والمآل # PageV21P225 # وصالح الخلال، عريقة في الخسارة حتى كأنها هي الخاسرة، ولعله عبر بالماضي ~~لأنهم ما سمحوا بهذا القول إلا مرة من الدهر، وأما أغلب قولهم فكان أنهم ~~يكونون على تقدير البعث أسعد من المؤمنين على قياس ما هم عليه في الدنيا ~~ونحو هذا من الكذب على الله. # ولما كان التقدير: نعم والله لتردن يا هؤلاء، إنما هذا الذي تقولونه كله ~~استبعاد منكم كما أنكم مقرون بسهولته لو عقلتم، أما من جهة القدرة فلأن ~~الابتداء أصعب من الإعادة وأنتم مقرون بالابتداء ولأن الاستبعاد إن كان من ~~جهة وقوع الظن بأن من صار ترابا يصير عوده محالا من جهة تعذر تمييز ترابه ~~من تراب غيره، فتمييز النازع والناشط من الملائكة للروح من الجسد أصعب من ~~ذلك بكثير، وكذا غير هذا مما تدبره الملائكة من الأمور، فكيف يصعب على ربهم ~~سبحانه شيء يسهل مثله عليهم، وأما من جهة العوائد فإن أحدا لا يدع رعية له ~~بغير حساب أصلا، وأما من جهة الوعد فقد ms5535 تقدم به، وليس من شيم الكرام فضلا ~~عن الملوك إخلاف الوعد ولا إقرار الظلم فلا تكذبوا بها ولا تستصعبوها، قال ~~مسببا عن هذا المقدر مهددا لأصحاب الشبهة المقلدين: {فإنما هي} أي القيامة ~~{زجرة *} أي صيحة بانتهار تتضمن الأمر بالقيام والسوق إلى المحشر والمنع من ~~التخلف {واحدة *} # PageV21P226 # عبر بالزجر وهو أشد من النهي لأنه يكون للعرض لأنها صيحة لا يتخلف عنها ~~القيام أصلا، فكان كأن لسان الحال قال عن تلك الصيحة: أيها الأجساد ~~البالية! انتهي عن الرقاد، وقومي إلى الميعاد، بما حكمنا به من المعاد، فقد ~~انتهى زمان الحصاد، وآن أوان الاجتناء لما قدم من الزاد، فيا ويل من ليس له ~~زاد! {فإذا هم} أي فتسبب عن هذه النفخة - وهي الثانية - أنهم فاجؤوا بغاية ~~السرعة كونهم أحياء قائمين {بالساهرة *} أي على ظهر الأرض البيضاء المستوية ~~الواسعة التي يجددها الله للجزاء فتكون سعتها كأنها قد ابتلعتهم على كثرتهم ~~التي تفوت العد، وتزيد على الحد، سميت بذلك لأن الشراب يجري فيها من ~~الساهرة وهي العين الجارية، أو لأن سالكها يسهر خوفا كما أن النوم يكون ~~آمنة، أو لأن هذه الأرض بالخصوص لا نوم فيها مع طول الوقوف وتقلب الصروف ~~الموجبة للحتوف. # ولما كانت قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع القبط أشبه شيء بالقيامة لما ~~حصل فيها من التقلبات والتغيرات وإيجاد المعدومات من الجراد والقمل ~~والضفادع على تلك الهيئات الخارجة عن العادات في أسرع وقت. وقهر الجبابرة ~~والمن على الضعفاء حتى كان آخر ذلك أن # PageV21P227 # حشر بني إسرائيل فنشطهم من القبط نشطا رقيقا كلهم وجميع ما لهم مع دوابهم ~~إلى ربهم وحشر جميع القبط وراءهم فنزعهم نزعا كلهم بحشر فرعون لهم بأصوات ~~المنادين عنه في أسرع وقت وأيسر أمر إلى هلاكهم كما يحشر الأموات بعد ~~إحيائهم بالصيحة إلى الساهرة، ثم كانت العاقبة في الطائفتين بما للمدبرات ~~أمرا أن نجا بنو إسرائيل بالبحر كما ينجو يوم البعث المؤمنون بالصراط، وهلك ~~فرعون وآله به كما يتساقط الكافرون بالصراط، وذلك أنه رأى فرعون وجنوده ~~البحر قد انفلق ms5536 لبني إسرائيل فلم يعتبروا بذلك ثم دخلوا فيه وراءهم، ولم ~~يجوزوا أن الذي حسره عن مكانه قادر على أن يعيده كما ابتدأه فيغرقهم ~~واستمروا في عماهم حتى رده الله فأغرقهم به كما أن من يكذب بالقيامة رأى ~~بدء الله له ولغيره وإفناءه بعد إبدائه ثم إنه لم يجز أن يعيده كما بدأه ~~أول مرة، وصل بذلك قوله تعالى جوابا لمن يقول: هل لذلك من دليل؟ مخاطبا ~~لأشرف الخلق إشارة إلى أنه لا يعتبر هذا حق اعتباره إلا أنت، مستفهما عن ~~الإتيان للتنبيه والحث على جمع النفس # PageV21P228 # على التأمل والتدبر والاعتبار مقررا ومسليا له صلى الله عليه وسلم ومهددا ~~للمكذبين أن يكون حالهم - وهم أضعف أهل الأرض لأنه لا ملك لهم - حكال فرعون ~~في هذا، وقد كان أقوى أهل الأرض بما كان له من الملك وكثرة الجنود وقوتهم ~~وسحرهم ومرودهم في خداعهم ومكرهم ورأى من الآيات ما لم يره أحد قبله، فلما ~~أصر على التكذيب ولم يرجع ولا أفاده التأديب أغرقه الله وآله فلم يبق منهم ~~أحدا وقد كانوا لا يحصون عددا بحيث إنه قيل: إن طليعته كانت على عدد بني ~~إسرائيل ستمائة ألف: {هل أتاك} أي يا أعلم الخلق {حديث موسى *} أي ما كان ~~من أمره الذي جددناه له حين أردناه فيكون كافيا لك في التسلية ولقومك في ~~الحث على التصديق والتنبيه على الاعتبار والتهديد على التكذيب والإصرار ~~{إذ} أي حين {ناداه ربه} أى المحسن إليه بإيجاده وتقريبه وتدبيره أمر ~~إرساله وتقديره {بالواد المقدس} أي المطهر غاية التطهر بتشريف الله له ~~بإنزال النبوة المفيضة للبركات، ثم بينه بقوله: {طوى *} وهو الذي طوى فيه ~~الشر عن بني إسرائيل ومن أراد الله من خلقه ونشر بركات النبوة على جميع أهل ~~الأرض المسلم بإسلامه، وغيره برفع عذاب الاستئصال عنه، فإن العلماء قالوا: ~~إن # PageV21P229 # عذاب القبر - أي عذاب الاستئصال - ارتفع حين أنزلت التوراة. # وهو واد بالطور بين أيلة ومصر. # ولما ذكر المناداة فسر ثمرتها بقوله مستأنفا منبها لأصحاب الشهوة ~~المعجبين المتكبرين، وقد أرشد السياق ms5537 إلى أن التقدير، ناداه قائلا: {اذهب ~~إلى فرعون} أي ملك مصر الذي كان استعبد بني إسرائيل ثم خوف من واحد منهم ~~فصار يذبح أبناءهم خوفا منه وهو أنت فربيناك في بيته لهلاكه حتى يعلم أنه ~~لا مفر من قدرنا، فكنت أعز بني إسرائيل، وكان سبب هلاكه معه في بيته بمرأى ~~منه ومسمع وهو لا يشعر بذلك ثم قتلت منهم نفسا وخرجت من بلدهم خائفا تترقب. # ولما أمره بالذهاب إليه، علله بما يستلزم إهلاكه على يده عليه الصلاة ~~والسلام إشارة له بالبشارة بأنه لا سبيل له عليه، ولذلك أكده لأن مثل ذلك ~~أمر يقتضي طبع البشر التوقف فيه فقال: {إنه طغى *} أي الحد وتجاوز الحد ~~فاستحق المقابلة بالجد، ثم سبب عن الذهاب إليه قوله {فقل} أي له تفصيلا ~~لبعض ما تقدم في «طه» من لين القول ولطف الاستدعاء في الخطاب: {هل لك} أي ~~ميل وحاجة {إلى أن تزكى *} أي تتحلى بالفضائل، وتتطهر من الرذائل، ولو ~~بأدنى أنواع التزكي: الطهارة الظاهرة والباطنة الموجبة للنماء والكثرة، ~~وإفهام الأدنى بما # PageV21P230 # يشير إليه إسقاط تاء التفعل المقتضي للتخفيف، وذلك بالإذعان المقتضي ~~للإيمان وإرسال بني إسرائيل، وقرأ الحجازيان ويعقوب بالتشديد أي تزكية ~~بليغة لأن من دخل في التزكي على يد كامل لا سيما بني من أولي العزم أوشك أن ~~يبلغ الغاية في الزكاء. # ولما أشار له الطهارة عن الشرك، أتبعها الأعمال فقال: {وأهديك} أي أبين ~~لك بعد التزكية بالإيمان الذي هو الأساس: كيف المسير {إلى ربك} أي الموجد ~~لك والمحسن إليك والمربي لك بتعريفك ما يرضيه من الأعمال وما يغضبه من ~~الخصال بعد أن بلغك في الدنيا غاية الآمال {فتخشى *} أي فيتسبب عن ذلك أنك ~~تصير تعمل أعمال من يخاف من عذابه خوفا عظيما، فتؤدي الواجبات وتترك ~~المحرمات وسائر المنهيات، فتصير إلى أعلى رتب التزكية فتجمع ملك الآخرة إلى ~~ملك الدنيا، فإن الخشية هي الحاملة على كل خير، والآمن هو الحامل على الشر. # PageV21P231 # ولما كان التقدير: فذهب إليه كما أمره الله تعالى، فقال له ذلك فطلب ms5538 ~~الدليل على صحة الرسالة واستبعد أن يختص عنه بهذه المنزلة العلية وقد رباه ~~وليدا {فأراه} أي فتسبب عن طلبه له أنه # PageV21P231 # دل على صدقه بأنه أراه {الآية} أي العلامة الدالة على ذلك {الكبرى *} وهي ~~قلب العصا حية أو جميع معجزاته {فكذب} أي فتسبب عن رؤية ذلك أنه أوقع ~~التكذيب بشيء إنما يقتضي عند رؤيته التصديق {وعصى *} أي أوقع العصيان، وهو ~~الإباء الكبير والتكبر عن امتثال ما دعي إليه مجموعا إلى التكذيب بعد إقامة ~~الدليل على الصدق وتحقق الأمر. # ولما كان التمادي على التكذيب ممن رأى وعرف الحق ولا سيما إذا كان كبيرا ~~مستبعدا جدا، أشار إليه بأداة التراخي مع دلالتها على حقيقة التراخي أيضا ~~فقال: {ثم أدبر} أي فرعون بعد المهلة والأناة إدبارا عظيما بالتمادي على ~~أعظم مما كان فيه من الطغيان بعد خطوب جليلة ومشاهد طويلة. حال كونه {يسعى ~~*} أي يعمل بغاية جهده عمل من هو مسرع غاية الإسراع في إبطال الأمر الرباني ~~بقلة عقله وفساد رأيه وأبى أن يقبل الحق {فحشر} أي فتسبب عن إدباره ساعيا ~~وتعقبه أنه جمع السحرة طوعا وكرها وزاد عليهم أيضا جنوده {فنادى *} أي في ~~المجامع {فقال} أي مناديه الذي لا يشك أنه عنه، # PageV21P232 # فكان قوله كقوله: {أنا} وقال حمزة الكرماني: قال له موسى عليه السلام: إن ~~ربي أرسلني إليك، لئن آمنت بربك تكون أربعمائة سنة في السرور والنعيم، ثم ~~تموت فتدخل الجنة، فقال: حتى أستشير هامان، فاستشاره فقال: أتصير عبدا بعد ~~ما كنت ربا تعبد، فعند ذلك بعث الشرط وجمع السحرة والجنود، فلما اجتمعوا ~~قام عدو الله على سريره فقال: أنا {ربكم الأعلى *} فكان هذا نداؤه يعني ~~كلكم أرباب بعضكم فوق بعض وأنا أعلاكم، ولا رب فوقي أصلا، وذلك لأن الإله ~~عنده الطبيعة، وهي مقسمة في الموجودات، فهم كلهم أرباب، ومن كان أعلى كان ~~أقعد في المراد، وهو كان أعلى منهم فقبحه الله ولعنه ولعن من تمذهب بمذهبه ~~كابن عربي وابن الفارض وأتباعهما حيث أنكروا المختار الملك القهار، ورسوله ~~المصطفى المختار، وتبعوا في ms5539 وحدة الوجود بعض الفلاسفة ثم الحلاج بعد فرعون ~~هذا الذي لم يصرح الله بذم أحد ما صرح بذمه، ولم يصرح بشقاء أحد ما صرح ~~بشقائه، كهذه الآية فإنها مصرحة بوقوع نكاله في الآخرة كما وقع في الدنيا، ~~وقوله تعالى: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين # PageV21P233 # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة هم المقبوحين} # [القصص: 40 - 42] إلى غير ذلك من الآيات البينات والدلائل الواضحات التي ~~لا تحصى وهي كثيرة، وأعظمها القياس البديهي الإنتاج {وإن فرعون لعال في ~~الأرض وإنه لمن المسرفين} [يونس: 83] {وإن المسرفين هم أصحاب النار} [غافر: ~~43] ويروى أن إبليس لما سمع منه قوله هذا قال: إني تجبرت على آدم فلقيت ما ~~لقيت، وهذا يقول هذا؟ وهذا دعاه إليه الكبر الناشىء من فتنة السراء التي ~~الصبر فيها أعظم من الصبر في الضراء، قال الإمام الغزالي في كتاب الصبر من ~~الإحياء: فالصبر على الطاعة شديد لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية وتشتهي ~~الربوبية، ولذلك قال بعض العارفين: ما من نفس إلا وهي مضمرة ما أظهره فرعون ~~من قوله {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] ولكن فرعون وجد له مجالا وقبولا ~~فأظهره إذ استحف فأطاعوه وما من أحد إلا وهو يدعي ذلك مع عبده وخادمه ~~وأتباعه وكل من هو تحت قهره وطاعته وإن كان ممتنعا من إظهاره، فإن امتعاضه ~~وغيظه عند تقصيرهم في خدمته لا يصدر إلا عن إضمار الكبر ومنازعة الربوبية ~~في رداء الكبرياء - انتهى. # PageV21P234 # ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم ما لام خادمه في شيء قط - والله ~~تعالى هو الموفق للصواب. # ولما أخبر سبحانه عنه بهذه الكلمة الشنعاء القادحة في الملك، وكان الملوك ~~لا يحتملون ذلك بوجه، سبب عنها وعقب قوله: {فأخذه الله} أي الملك الذي لا ~~كفوء له ولا أمر لأحد معه أخذ قهر وذل منكلا به مخذلا له: {نكال الآخرة} ~~فهو مصدر من المعنى، أي أخذ تنكيل فيها يكون مثلا يتقيد به ويتعظ كل من ms5540 ~~سمعه عن مثل حال فرعون، وقدمها اهتماما بشأنها وإشارة إلى أن عظمة عذابها ~~أعظم ولا يذوقه الإنسان إلا بكشف غطاء الدنيا بالموت، وتنبيها على أن المنع ~~من مثل هذه الدعوى للصدق بها أمكن، وليس ذلك للفاصلة لأنه لو قيل: «الأخرى» ~~لوافقت {والأولى *} أي ونكال الدنيا الذي هو قبل الآخرة فإن من سمع قصة ~~غرقه ومجموع ما اتفق له كان له ذلك نكالا مانعا من عمل مثله أو أقل منه، ~~قال الضحاك: أما في الدنيا فأغرقه الله تعالى وألقاه بنجوة من الأرض، أما ~~في العقبى فيدخله الله تعالى النار ويجعله ظاهرا على تل منها # PageV21P235 # مغلولا مقيدا ينادي عليه هذا الذي ادعى الربوبية دون الله انتهى. وأنا لا ~~أشك أن الحلاج وابن عربي وابن الفارض، وأتباعهم يكونون في النار تحتهم وتحت ~~آله يشربون عصارتهم، فإنهم ادعوا أنه ناج وصدقوه فيما ادعاه وادعوا لأنفسهم ~~وغيرهم مثل ما ادعاه تكذيبا للقرآن وإغراقا في العدوان، وزادوا عليه ~~بابتذال الاسم الأعظم الذي حماه الله من أن يدعيه أحد قبل إرسال النبي صلى ~~الله عليه وسلم فادعوا أنه يطلق عليهم وعلى كل أحد بل كل شيء، وأمارة هذه ~~الطائفة الخبيثة التي لا تتخلف أن تقول لأحدهم: العن فرعون الذي أجمع على ~~لعنه جميع الطوائف. # وهو مثل عندهم في الشرارة والخبث فلا يلعنه، وإن لعنه فبعد توقف. # ولما لخص سبحانه وتعالى ما مضى من قصصه في هذه الكلمات اليسيرة أحسن ~~تلخيص وأقربه مع عدم المخالفة لشيء مما مضى لأن المفصل موضع الاختصار أما ~~باعتبار النزول فإنه نزل أولا فكان تقريب القصص # PageV21P236 # للناس بالاقتصار على ما لا بد منه أولى ليستأنسوا به، وأما من جهة ~~الترتيب فلتذكيرهم بما مضى ليجتمع في المخيلة في أقرب وقت ويتذكر به ذلك ~~المبسوط، وختمه بأخذه هذا الأخذ الغريب أرشد إلى ما في القصة من العبرة، ~~مشيرا إلى استحضار ما مضى كله، فقال مؤكدا مقررا للمكذب ومنبها للمصدق: {إن ~~في ذلك} أي الأمر العظيم الذي فعله والذي فعل به {لعبرة} أي أمرا عظيما ~~يتعمد ms5541 الاعتبار به من معنى إلى معنى حتى يقع به الوصول إلى كثير من المعارف ~~{لمن يخشى *} أي من شأنه الخوف العظيم من الله لأن الخشية - كما تقدم - هي ~~أساس الخير، فأول العبور أن ينقل السامع حال غيره إليه فيتذكر بإنجاء بني ~~إسرائيل على ضعفهم منهم على قوتهم ثم بقوة ما حصل لهم من القهر من ذلك حتى ~~أوجب اتباعهم بالجنود ثم بفرق البحر ثم بإيرادهم إياه ثم بإغراقهم فيه كلمح ~~البصر لم يخرج منهم مخبر قدرة الله تعالى على إيراد الكفار النار وقهر كل ~~جبار وبجعل العصا حية وإخراج القمل والضفادع من الأرض وتحويل الماء دما # PageV21P237 # قدرته سبحانه وتعالى على ذلك السامع بالعذاب وغيره وعلى خصوص البعث - إلى ~~غير ذلك من العبر وواضح الأثر. # ولما ختم قصة فرعون - لعنه الله - بالعبرة، وكان أعظم عبرتها القدرة ~~التامة لا سيما على البعث كما هي مشيرة إليه بأولها وآخرها، والعقوبة على ~~التكذيب به لأن التكذيب به يجمع مجامع الشر والتصديق به يجمع مجامع الخير، ~~وكانوا يستبعدونه لاستبعاد القدرة عليه، وصل به ما هو كالنتيجة منه، فقال ~~مقررا مخاطبا لأصحاب الشبهة الشاكين موقفا لهم على القدرة منكرا عليهم ~~استبعادهم وذلك ملتفتا بعد تخصيص الخطاب به صلى الله عليه وسلم لما تقدم من ~~دقة فهمه وجلالة علمه صلى الله عليه وسلم إلى عموم الخطاب لوضوح هذا ~~البرهان لكل إنسان استعطافا بهم في توبيخ: {أأنتم} أي أيها الأحياء مع ~~كونكم خلقا ضعيفا {أشد خلقا} أي أصعب وأثقل من جهة التقدير والإيجاد {أم ~~السماء} على ما فيها من السعة والكبر والعلو والمنافع. # ولما كان الجواب قطعا: السماء - لما يرى من أعظمها لأن العالم الإنساني ~~مختصر العالم الآفاقي، ويزيد الآفاقي طول البقاء مع عدم التأثر، وصل به ~~قوله دليلا على قدرته على البعث لقدرته على ما هو أشد منه لأن الذي قدر على ~~ابتداء الأكبر هو على إعادة الأصغر أقدر، مبينا # PageV21P238 # لكيفية خلقه لها: {بناها *} أي جعلها سقفا للأرض على ما لها من العظمة، ~~ثم بين البناء بقوله: ms5542 {رفع سمكها} أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو سمنها ~~الذاهب في العلو رفيعا، قال في القاموس: السمك السقف، أو من أعلى البيت إلى ~~أسفله، أو القامة من كل شيء، وقال أبو حيان: السمك الارتفاع الذي بين سطح ~~السماء الذي يلينا وسطحها الذي يلي ما فوقها: {فسواها *} أي عدلها عقب ذلك ~~بأن جعلها مستوية لا شيء فيها أعلى من شيء ولا أخفض ولا فطور فيها، وأصلحها ~~بما تم به كمالها من الكواكب وغيرها، وجعل مقدار تخن كل سماء وما بين كل ~~سماءين وتخن كل أرض وما بين كل أرضين على السواء لا يزيد شيء من ذلك على ~~الآخر أصلا. # PageV21P239 # ولما كان كل من ذلك يدل على القدرة على البعث لأنه إيجاد ما هو أشد من ~~خلق الآدمي من عدم، أتبعه ما يتصور به البعث في كل يوم وليلة مرتين فقال: ~~{وأغطش} أي أظلم إظلاما لا يهتدي معه إلى ما كان في حال الضياء {ليلها} أي ~~بغياب شمسها فأخفى ضياءها بامتداد ظل الأرض على كل ما كانت الشمس ظهرت ~~عليه. وأضافه إليها لأنه يحدث بحركتها، وبدأ به لأنه كان أولا، والعدم قبل ~~الوجود # PageV21P239 # {وأخرج ضحاها *} بطلوع شمسها فأضاء نهارها، فالآية من الاحتباك: دل ب ~~«أغطش» على «أضاء» وبإخراج الضحى على إخفاء الضياء، ولعله عبر بالضحى عن ~~النهار لأنه أزهر ما فيه وأقوى نورا. # ولما بدأ بدلالة العالم العلوي لأنه أدل لما فيه من العجائب والمنافع مع ~~كونه أشرف، فذكر أنه أتقن السماء التي هي كالذكر، ثنى بأنه سوى ما هي لها ~~كالأنثى فقال: {والأرض} ولما كان المراد استغراق الزمان باستمرار الدحو، ~~حذف الخافض فقال: {بعد ذلك} أي المذكور كله {دحاها} أي بسطها ومدها للسكنى ~~وبقية المنافع بعد أن كان خلقها وأوجدها قبل إيجاد السماء غير مسواة بالفعل ~~ولا مدحوة. # ولما ذكر الدحو، أتبعه ما استلزمه من المنافع لتوقف السكنى المقصودة ~~بالدحو عليه فقال كالمبين له من غير عاطف: {أخرج منها} أي الأرض {ماءها} ~~بتفجير العيون، وإضافته إليها دليل على أنه فيها ms5543 {ومرعاها *} الذي يخرج ~~بالماء، والمراد ما يرعى منها ومكانه وزمانه. # ولما ذكر الأرض ومنافعها، ذكر المراسي التي تم بها نفعها فقال: {والجبال} ~~أي خاصة {أرساها *} أي أثبتها وأقرها ومع كونها ثابتة لا تتحول فإنه سبحانه ~~جعلها مراسي للأرض تكون سببا # PageV21P240 # لثباتها كما أن المراسي سبب لثبات السفينة. ولما كانت الإعادة واضحة من ~~تناول الحيوان المأكل والمشرب وغيرهما من المتاع فإنه كلما نقص منه شيء ~~تناول ما قدر له ليعود ذلك أو بعضه، قال منبها على أنه كل يوم في إعادة ~~بانيا حالا مما تقدم تقديره: حال كونها {متاعا} مقدرا {لكم} تتمتعون بما ~~فيها من المنافع {ولأنعامكم *} أي مواشكيم بالرعي وغيره. # ولما ذكر ما دل على البعث، أتبعه ما يكون عن البعث مسببا عنه دلالة على ~~أن الوجود ما خلق إلا لأجل البعث لأنه محط الحكمة: {فإذا جاءت} أي بعد ~~الموت {الطامة الكبرى *} أي الداهية الدهياء التي تطم - أي تعلو - على سائر ~~الدواهي وتغطيها فتكون أكبر داهية توجد، وهي البعث بالنفخة الثانية - كما ~~قاله ابن عباس رضي الله عنهما، والعامل في «إذا» محذوف تقديره: فصل الناس ~~إلى شقي وسعيد. # ولما كان الشيء لا يعرف قدره إذا كان غائبا إلا بما يكون فيه، قال مبدلا ~~منه: {يوم يتذكر} أي تذكرا عظيما ظاهرا - بما أشار إليه الإظهار {الإنسان} ~~أي الخلق الآنس بنفسه الغافل عما # PageV21P241 # خلق له {ما سعى *} أي عمل كله من خير وشر لأنه يراه في صحيفة أعماله، ~~والإخبار عن تذكره منبها على ما في ذلك اليوم من الخطر لأن أحدا لا يعمل ~~جهده في تذكره إلا لمحوج إلى ذلك وهو الحساب وتدوينه في صحيفة أعماله. # ولما أشار إلى الحساب ذكر ما بعده فقال: {وبرزت} أي أظهرت إظهارا عظيما، ~~وبناه للمفعول لأن الهائل مطلق تبريزها لا كونه من معين، مع الدلالة على ~~الخفة والسهولة لكونه على طريقة كلام القادرين {الجحيم} أي النار التي اشتد ~~وقدها وحرها {لمن يرى *} أي كائنا من كان لأنه لا حائل بين أحد وبين ~~رؤيتها، لكن الناجي لا ms5544 يصرف بصره إليها فلا يراها كما قال تعالى: {لا ~~يسمعون حسيسها} [الأنبياء: 102] . # ولما كان جواب «إذا» كما مضى محذوفا، وكان تقديره أن قسم الناس قسمين: ~~قسم للجحيم وقسم للنعيم، قال تعالى مسببا عنه مفصلا: {فأما من طغى *} أي ~~تجاوز الحد في العدوان فلم يخش مقام ربه، قال في القاموس: طغى: جاوز القدر ~~وارتفع وطغى: غلا في الكفر وأسرف في المعاصي والظلم، والماء: ارتفع. # PageV21P242 # ولما كان الذي بعد حدود الله هو الدنيا، صرح به فقال: {وآثر} أي أكرم ~~وقدم واختار {الحياة الدنيا *} بأن جعل أثر العاجلة # PageV21P242 # الدنية لحضورها عنده أعظم من أثر الآخرة العليا لغيابها، فكان كالبهائم ~~لا إدراك له لغير الجزئيات الحاضرة، فانهمك في جميع أعمالها وأعرض عن ~~الاستعداد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس فلم ينه نفسه عن الهوى. # ولما كان الإنسان مؤاخذا بما اكتسب، سبب عن أعماله هذه قوله مؤكدا ~~لتكذيبهم ذلك: {فإن الجحيم} أي النار الشديدة التوقد العظيمة الجموع على من ~~يدخلها {هي} أي لا غيرها {المأوى *} أي المسكن له - هذا مذهب البصريين أن ~~الضمير محذوف، وعند الكوفيين أن «أل» نائب عن الضمير - قاله أبو حيان. # ولما ذكر الطاغي، أتبعه المتقي فقال: {وأما من خاف} ولما كان ذلك الخوف ~~مما يتعلق بالشيء لأجل ذلك الشيء أعظم من ذكر الخوف من ذلك الشيء نفسه ~~فقال: {مقام ربه} أي قيامه بين يدي المحسن إليه عند تذكر إحسانه فلم يطغ ~~فكيف عند تذكر جلاله وانتقامه، أو المكان الذي يقوم فيه بين يديه والزمان، ~~وإذا خاف ذلك المقام فما ظنك بالخوف من صاحبه، وهذا لا يفعله إلا من تحقق ~~المعاد. # ولما ذكر الخوف ذكر ما يتأثر عنه ولم يجعله مسببا عنه ليفهم أن كلا منهما ~~فاصل على حياله وإن انفصل عن الآخر فقال: # PageV21P243 # {ونهى النفس} أي التي لها المنافسة {عن الهوى} أي كل ما تهواه فإنه لا ~~يجر إلى خير لأن النار حفت بالشهوات، والشرع كله مبني على ما يخالف الطبع ~~وما تهوى الأنفس، وذلك هو المحارم التي حفت بها النار فإنها بالشهوات، ms5545 قال ~~الرازي: والهوى هو الشهوة المذمومة المخالفة لأوامر الشرع. قال الجنيد: إذا ~~خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها، أي فأفاد ذلك أنه لم يؤثر الحياة ~~الدنيا، فالآية من الاحتباك: أتى بطغى دليلا على ضده ثانيا، وبالنهي عن ~~الهوى ثانيا دلالة على إيثار الدنيا أولا. ولما كان مقام ترغيب، ربط الجزاء ~~بالعمل كما صنع في الترهيب فقال وأكد لأجل تكذيب الكفار: {فإن الجنة} أي ~~البستان الجامع لكل ما يشتهي {هي} أي خاصة {المأوى *} أي له، لا يأوي إلى ~~غيرها، وهذا حال المراقبين. # PageV21P244 # ولما قسمهم هذا التقسيم المفهم أن هذا شيء لا بد منه، استأنف ذكر ~~استهزائهم تعجيبا منهم فقال: {يسئلونك} أي قريش على سبيل التجديد ~~والاستمرار سؤال استهزاء وإنكار واستبعاد: {عن الساعة} أي البعث الآخر ~~لكثرة ما تتوعدهم بها عن أمرنا. ولما كان السؤال عنها مبهما # PageV21P244 # بينه بقوله: {أيان مرساها *} أي في أي وقت إرساؤها أي وقوعها أو ثباتها ~~واستقرارها. # ولما كان إيراد هذا هكذا مفهما للإنكار عليهم في هذا السؤال، وكان من ~~المعلوم أنه يقول: إنهم ليسألونني وربما تحركت نفسه الشريفة صلى الله عليه ~~وسلم إلى إجابتهم لحرصه على إسلامهم شفقة عليهم، فطمه عن ذلك وصرح بالإنكار ~~بقوله: {فيم} أي في أي شيء {أنت من ذكراها *} أي ذكرها العظيم لتعرفها ~~وتبين وقتها لهم حرصا على إسلامهم، وذلك لا يفيد علمها، ثم عرفها بما لا ~~يمكن المزيد عليه مما أفادته الجملة التي قبل من أنه لا يمكن علمها لغيره ~~سبحانه وتعالى فقال: {إلى ربك} أي المحسن إليك وحده {منتهاها *} أي منتهى ~~علمها وجميع أمرها. # ولما كان غاية أمرهم أنهم يقولون: إنه متقول من عند نفسه، قلب عليهم ~~الأمر فقال: {إنما أنت} أي يا أشرف المرسلين {منذر} أي مخوف على سبيل الحتم ~~الذي لا بد منه مع علمك بما تخوف به العلم الذي لا مرية فيه {من يخشاها *} ~~أي فيه أهلية أن يخافها خوفا عظيما فيعمل لها لعلمه بإتيانها لا محالة ~~وعلمه بموته لا محالة وعلمه بأن كل ما # PageV21P245 # تحقق وقوعه فهو ms5546 قريب، وذلك لا يناسب تعيين وقتها فإن من فيه أهلية الخشية ~~لا يزيده إبهامها إلا خشية، وغيره لا يزيده ذلك إلا اجتراء وإجراما، فما ~~أرسلناك إلا للإنذار بها لا للإعلام بوقتها، فإن النافع الأول دون الثاني، ~~ولست في شيء مما يصفونك به كذبا منهم لأنا ما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين ولا أنت مبعوث لتحرير وقت الساعة وعلم عينه، وإنما قصره على من ~~يخشى لأن غيره لا ينتفع بإنذاره، فكان كأنه لم يحصل له الإنذار، ولهذا ~~المعنى أضاف إشارة إلى أنه عريق في إنذار من يخشى، وأما غيره فهو منذر له ~~في الجملة أي يحصل له صورة الإنذار لأنه منذره بمعنى أنه لا يحصل له معنى ~~الإنذار. # ولما أثبت أنه منذر، وكان أخوف الإنذار الإسراع، قال مستأنفا محقرا لهم ~~الدنيا مزهدا لهم فيها: {كأنهم} أي هؤلاء المنكرين لصحة الإنذار بها {يوم ~~يرونها} أي يعلمون قيامها علما هو كالرؤية ويرون ما يحدث فيها بعد سماع ~~الصيحة وقيامهم من القبور من علمهم بما مر من زمانهم وما يأتي منه {لم ~~يلبثوا} أي في الدنيا وفي القبور {إلا عشية} أي من الزوال إلى غروب الشمس. # ولما كانوا على غير ثقة من شيء مما يقولونه قال: {أو ضحاها *} أي ضحى ~~عشية من العشايا # PageV21P246 # وهو البكرة إلى الزوال، والعشية ما بعد ذلك، أضيف إليها الضحى لأنه من ~~النهار، ولإضافة تحصل بأدنى ملابسة، وهي هنا كونهما من نهار واحد، فالمراد ~~ساعة من نهار أوله أو آخره، لم يستكملوا نهارا تاما ولم يجمعوا بين طرفيه، ~~وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم ~~إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» وهذا تعبير لنا بما نحسه تقريبا لعقولنا وإن ~~كانت القاعدة أنه لا نسبة لما يتناهى إلى ما لا يتناهى على أن الكفار أيضا ~~يستقصرون مدة لبثهم، فكأنهم أصناف: بعضهم يقول: إن لبثتم إلا عشرا، وبعضهم ~~يقول: إن لبثتم إلا يوما، وبعضهم يتحير فيقول: اسأل العادين، أو أن تلك ~~أقوالهم، والحق من ms5547 ذلك هو ما أخبر الله به غير مضاف إلى أقوالهم من أن ما ~~مضى لهم في جنب ما يأتي كأنه ساعة من نهار بالنسبة إلى النهار الكامل كما ~~قال تعالى في سورة يونس عليه الصلاة والسلام {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا ~~إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم} [يونس: 45] على أن منهم من يقول ذلك ~~أيضا كما قال تعالى في سورة المؤمنين حين قال تعالى {كم لبثتم في الأرض عدد ~~سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين} [المؤمنون: 112 - 113] ~~وذلك بالنسبة إلى ما كشف لهم عن أنهم يستقبلونه مما لا آخر له أو أنهم لما ~~نزعتهم نفحة إسرافيل عليه الصلاة والسلام بيد القدرة من قبورهم غرقا # PageV21P247 # نزعا شديدا فقاموا ورأوا تلك الأهوال وعلموا ما يستقبلونه من الأوجال ~~استقصروا مدة لبثهم قبل ذلك لأن من استلذ شيئا استقصر مدته وهم استلذوا ذلك ~~وإن كان من أمر المر في جنب لهم عن أنهم لاقوه، فقد رجع آخرها بالقيامة على ~~أولها، والتف مفصلها بنزع الأنفس اللوامة على موصلها، واتصلت بأول ما بعدها ~~من جهة الخشية والتذكر فيا طيب متصلها، فسبحان من جعله متعانق المقاطع ~~والمطالع، وأنزله رياضا محكمة المذاهب والمراجع، والله سبحانه وتعالى هو ~~الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب. # PageV21P248 # سورة عبس # وتسمى الصاخة. # مقصودها شرح) إنما أنت منذر من يخشاها) [النازعات: 45] بأن المراد الأعظم ~~تزكية القابل للخشية بالتخويف بالقيامة التي قام الدليل على القدرة عليها ~~بابتداء الخلق من الإنسان، وبكل من الابتداء والإعادة لطعامه والتعجيب ممن ~~أعرض مع قيام الدليل والإشارة إلى أن الاستغناء والترف أمارة الإعراض وعدم ~~القابلية والتهيؤ للكفر والفجور، وإلى أن المصائب أمارة للطهارة والإقبال ~~واستكانة القلوب وسمو النفوس لشريف الأ " مال، فكل من كان فيها أرسخ كان ~~قلبيه أرق وألطف فكان أخشى، فكان الإقبال عليه أحب وأولى، واسمها عبس هو ~~الدال على ذلك بتأمل آياته وتدبر فواصله وغاياته، وكذا الصاخة النافخة ~~بشرها وشررها والباخة) بسم الله (الذي له القدرة البالغة والحكمة الباهرة) ~~الرحمن (الذي عم بنعمة الإيجاد الظاهرة ms5548 ثم بآيات البيان الزاهرة، ا) الرحيم ~~(الذي خص أولياءه بأن أتم نعمته عليهم، فكانت بهم إلى مرضاته سائرة. # PageV21P249 # لما قصره سبحانه على إنذاره من يخشى، وكان قد جاءه صلى الله عليه وسلم ~~عبد الله بن أم مكتوم الأعمى رضي الله تعالى عنه، وكان من السابقين، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين مجيئه مشتغلا بدعاء ناس من صناديد قريش إلى ~~الله تعالى، وقد وجد منهم نوع لين، فشرع عبد الله رضي الله عنه يسأله وهو ~~لا يعلم ما هو فيه من الشغل، يسأله أن يقرئه ويعلمه مما عمله الله فكره أن ~~يقطع كلامه مع أولئك خوفا من أن يفوته منهم ما يرجوه من إسلامهم المستتبع ~~لإسلام ناس كثير من أتباعهم، فكان يعرض عنه ويقبل عليهم، وتظهر الكراهة في ~~وجهه، لاطفه سبحانه وتعالى بالعتاب عن التشاغل عن أهل ذلك بالتصدي لمن شأنه ~~أن لا يخشى لافتتانه بزينة الحياة الدنيا وإقباله بكليته على ما يفنى، فقال ~~مبينا لشرف الفقر وعلو مرتبته وفضل أهل الدين وإن هانوا، وخسة أهل الدنيا ~~وإن زانوا، معظما له صلى الله عليه وسلم بسياق الغيبة كما قال سعد بن معاذ ~~رضي الله عنه لما حكم في بني قريظة: وعلى من ههنا - يشير إلى ناحية النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو معرض عنها حياء منه صلى الله عليه وسلم وإجلالا له: ~~{ ### | عبس # } أي فعل الذي هو أعظم خلقنا ونجله عن أن نواجهه بمثل هذا العتاب بوجهه ~~فعل الكاره للشيء من تقطيب الوجه بما له من الطبع البشري حين يحال بينه ~~وبين مراده، وآذن بمدحه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك خلاف ما طبعه عليه ~~سبحانه من رحمة المساكين ومحبتهم والسرور بقربهم وصحبتهم # PageV21P250 # بقوله {وتولى *} أي كلف نفسه الإعراض عنه رجاء أن يسلم أولئك الأشراف ~~الذين كان يخاطبهم فيتأيد بهم الإسلام ويسلم بإسلامهم أتباعهم فتعلو كلمة ~~الله لأجل {أن جاءه الأعمى *} الذي ينبغي أن يبالغ في العطف عليه وفي ~~إكرامه جبرا لكسره واعترافا بحقه في مجيئه، وذكره بالوصف للإشعار بعذره ms5549 في ~~الإقدام على قطع الكلام والبعث على الرأفة به والرحمة له، فكان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا رآه بعد ذلك قال: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي» ~~واستخلفه على المدينة الشريفة عند غزوه مرتين، قال أنس بن مالك رضي الله ~~عنه: ورأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سوداء رضي الله عنه. # ولما عرف بسياق الغيبة ما أريد من الإجلال، وكان طول الإعراض موجبا ~~للانقباض، أقبل عليه صلى الله عليه وسلم فقال: {وما يدريك} أي وأي شيء ~~يجعلك داريا بحاله وإن اجتهدت في ذلك فإن ذوات الصدور لا يعلمها إلا الله ~~تعالى {لعله} أي الأعمى {يزكى} أي يكون بحيث يرجى تطهره ونمو أحواله ~~الصالحة بما يسمع منك ولو على أدنى الوجوه بما يشير إليه إدغام تاء ~~الافتعال، وكذا قوله: {أو يذكر} أي أو يقع منه التذكر لشيء يكون سببا ~~لزكائه وتذكره ولو كان ذلك منه # PageV21P251 # على أدنى الوجوه المخرجة من الكفر فإن الخير لا يحقر شيء منه، وسبب عن ~~تزكيه وتذكره قوله: {فتنفعه} أي عقب تذكره وسببه {الذكرى *} وفي ذلك إيماء ~~إلى أن الإعراض كان لتزكية غيره وتذكره، وقراءة النصب على أنه جواب «لعل» . # ولما ذكر العبوس والتولي عنه فأفهما ضدهما لمن كان مقبلا عليهم، بين ذلك ~~فقال: {أما من استغنى *} أي طلب الغنى وهو المال والثروة فوجده وإن لم يخش ~~ولم يجىء إليك {فأنت له} أي دون الأعمى {تصدى *} أي تتعرض بالإقبال عليه ~~والاجتهاد في وعظه رجاء إسلامه وإسلام أتباعه بإسلامه وهم عتبة بن ربيعة ~~وأبو جهل وأبي وأمية ابنا خلف، وأشار حذف تاء التفعل في قراءة الجماعة ~~وإدغامها في قراءة نافع وابن كثير إلى أن ذلك كان على وجه خفيف كما هي عادة ~~العقلاء. # PageV21P252 # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه {إن في ذلك لعبرة لمن ~~يخشى} [النازعات: 26] وقال بعد {إنما أنت منذر من يخشاها} [النازعات: 45] ~~افتتحت هذه السورة الأخرى بمثال يكشف عن المقصود من حال أهل التذكر والخشية ~~وجميل الاعتناء الرباني بهم وأنهم وإن ms5550 كانوا في دنياهم ذوي خمول لا يؤبه ~~لهم فهم عنده سبحانه في عداد من اختاره لعبادته # PageV21P252 # وأهله لطاعته وإجابة رسوله صلى الله عليه وسلم وأعلى منزلته لديه «رب ~~أشعث أغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» ومنهم ابن أم مكتوم الأعمى ~~مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي بسببه نزلت السورة ووردت بطريق ~~العتب وصاة لنبيه صلى الله عليه وسلم وتنبيها على أن يعمل نفسه الكريمة على ~~مصابرة أمثال ابن أم مكتوم وأن لا يحتقر وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك، ~~ولكن التحذير من هذا وإن لم يكن وقع يشعر بعظيم الاعتناء بمن حذر، ومنه ~~قوله سبحانه {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] و {لا تدع مع الله إلها ~~آخر} [ص: 88] و {لا تمش في الأرض مرحا} [لقمان: 18] وهو كثير، وبسط هذا ~~الضرب لا يلائم مقصودنا في هذا التعليق، لما دخل عليه صلى الله عليه وسلم ~~ابن أم مكتوم سائلا ومسترشدا وهو صلى الله عليه وسلم يكلم رجلا من أشراف ~~قريش وقد طمع في إسلامه ورجاء إنقاذه من النار وإنقاذ ذويه وأتباعه، فتمادى ~~على طلبه هذا الرجل لما كان يرجوه ووكل ابن أم مكتوم إلى إيمانه فأغفل - ~~فورية مجاوبته وشق عليه إلحاحه خوفا من تفلت الآخرة ومضيه على عقبه وهلاكه # PageV21P253 # عتب سبحانه وتعالى عليه فقال: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله ~~يزكى أو يذكر} [عبس: 1 - 4] وهي منه سبحانه واجبة، وقد تقدم في السورة قبل ~~قول موسى عليه الصلاة والسلام {هل لك إلى أن تزكى} [النازعات: 18] فلم يقدر ~~له بذلك ولا انتفع ببعد صيته في دنياه ولا أغنى عنه ما نال منها وبارت مواد ~~تدبيره وعميت عليه الأنباء إلى أن قال {ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي ~~يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى} [القصص: 38] ~~{وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل} [غافر: 37] ~~فأنى يزكى؟ ولو سبقت له سعادة لأبصر من حاله عين ms5551 اللهو وللعب حين مقالته ~~الشنعاء {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين} [الزخرف: 52] . # ولما سبقت لابن أم مكتوم الحسنى لم يضره عدم الصيت الدنياوي ولا أخل به ~~عماه بل عظم ربه شأنه لما نزل في حقه {وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه ~~الذكرى} [عبس: 2 - 4] فيا له صيتا ما أجله بخلاف من قدم ذكره ممن طرد فلم ~~يتزك ولم ينتفع بالذكرى حين قصد بها # {إنما أنت منذر من يخشاها} [النازعات: 45] كابن أم مكتوم، ومن نمط ما نزل ~~في ابن أم مكتوم قوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذي يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه} [الكهف: 28] وقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه} [الأنعام: 52] فتبارك ربنا ما أعظم لطفه ~~بعبيده - اللهم لا تؤيسنا # PageV21P254 # من رحمتك ولا تقنطنا من لطفك ولا تقطع بنا عنك بمنك وإحسانك - انتهى. # ولما كان فعله ذلك فعل من يخشى أن يكون عليه في بقائهم على كفرهم ملامة، ~~بين له أنه سالم من ذلك فقال: {وما} أي فعلت ذلك والحال أنه ما {عليك} أي ~~من بأس في {ألا يزكى *} أصلا ورأسا ولو بأدنى تزك - بما أشار إليه الإدغام ~~- إن عليك إلا البلاغ، ويجوز أن يكون استفهاما أي وأي شيء يكون عليك في عدم ~~تزكيه وفيه إشارة إلى أنه يجب الاجتهاد في تزكية التابع الذي عرف منه ~~القبول. # ولما ذكر المستغني، ذكر مقابله فقال: {وأما من جاءك} حال كونه {يسعى *} ~~أي مسرعا رغبة فيما عندك من الخير المذكر بالله وهو فقير {وهو} أي والحال ~~أنه {يخشى} أي يوجد الخوف من الله تعالى ومن الكفار في أذاهم على الإتيان ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معاثر الطريق لعماه {فأنت عنه} أي خاصة ~~في ذلك المجلس لكونه في الحاصل {تلهى *} أي تتشاغل لأجل أولئك الأشراف # PageV21P255 # الذين تريد إسلامهم لعلو بهم الدين تشاغلا حفيفا بما أشار إليه حذف ~~التاء، من لهى عنه كرضى - إذا سلى وغفل وترك، وفي التعبير بذلك إشارة إلى ~~أن الاشتغال بأولئك لا فائدة ms5552 فيه على ما تفهمه تصاريف المادة وإلى أن من ~~يقصد الانسان ويتخطى رقاب الناس إليه له عليك حق عظيم، والآية من الاحتباك: ~~ذكر الغنى أولا يدل على الفقر ثانيا، وذكر المجيء والخسية ثانيا يدل على ~~ضدهما أولا، وسر ذلك التحذير مما يدعو إليه الطبع البشري من الميل إلى ~~الأغنياء، ومن الاستهانة بحق الآتي إعظاما لمطلق إتيانه. # ولما كان العتاب الذي هو من شأن الأحباب ملوحا بالنهي عن الإعراض عمن وقع ~~العتاب عليه، وكل من كان حاله كحاله والتشاغل عن راغب، صرح به فقال: {كلا} ~~أي لا تفعل ذلك أصلا فإن الأمر في القضاء والقدر ليس على ما يظن العباد ولا ~~هو جار على الأسباب التي تعرفونها بل هو من وراء علومهم على حكم تدق عن ~~أفكارهم وفهومهم: ثم علل ذلك فقال مؤكدا لإنكارهم ذلك، {إنها} أي القرآن، ~~ولعله أنث الضمير باعتبار ما تلي عليهم في ذلك المجلس من الآيات أو السور ~~{تذكرة} أي تذكرهم تذكيرا عظيما بما إن تأملوه شاهدوه في أنفسهم # PageV21P256 # وفي الآفاق، ليس فيه شيء إلا وهم يعرفونه لو أقبلوا بكليتهم عليه، فما ~~على المذكر بها غير البلاغ، فمن أقبل عليه فأهلا وسهلا، ومن أعرض فبعدا له ~~وسحقا. # ولما كان سبحانه قد خلق للإنسان عقلا واختيارا، ويسر أمر القرآن في الحفظ ~~والفهم لمن أقبل عليه، سبب عن ذلك قوله: {فمن شاء} أي ذكره بعد مشيئة الله ~~تعالى كما تقدم تقييده في القرآن غير مرة {ذكره *} أي حفظ القرآن كله وتذكر ~~ما فيه من الوعظ من غير تكرير ولا معالجة تحوج إلى الإعراض عن بعض المقبلين ~~الراغبين، وللإشارة إلى حفظه كله ذكر الضمير. # ولما كان التقدير: حال كون القرآن مثبتا أو حال كون الذاكر له مثبتا، قال ~~واصفا لتذكرة مبينا لشرفها بتشريف ظرفها وظرف ظرفها {في صحف} أي أشياء يكتب ~~فيها من الورق وغيره {مكرمة *} أي مكررة التكريم ومعظمة في السماء والأرض ~~في كل أمة وكل ملة {مرفوعة} أي عليه المقدار بإعلاء كل أحد لا سيما من له ~~الأمر ms5553 كله {مطهرة *} أي منزهة عن أيدي أهل السفول وعن قولهم # PageV21P257 # إنها شعر أو سحر ونحو ذلك، وعلق أيضا بمثبت بالفتح أو الكسر على اختلاف ~~المعنيين - قوله مبينا شرف ذلك الظرف لذلك الظرف إشارة إلى نهاية الشرف ~~للمظروف: {بأيدي سفرة *} أي كتبة يظهرون الكتابة بما فيها من الأخبار ~~الغريبة والأحكام العلية في كل حال، فإن كان ما تعلق به الجار بالفتح فهو ~~حقيقة في أنهم ملائكة يكتبونه من اللوح المحفوظ، أو يكون جمع سافر إما ~~بمعنى الكتاب أو المسافر أي القطع للمسافة أو السفير الذي هو المصلح لأنهم ~~سفراء بين الله وأنبيائه، وبهم يصلح أمر الدين والدنيا، وإن كان بالكسر فهو ~~مجاز لأن من أقبل على كتابة الذكر يكون مهذبا في الحال أو في المآل في ~~الغالب، وتركيب سفر للكشف {كرام} أي ينطوون على معالي الأخلاق مع أنهم ~~أعزاء على الله {بررة *} أي أتقياء في أعلى مراتب التقوى والكرم وأعزها ~~وأوسعها. # PageV21P258 # ولما كان الوصف بهذه الأوصاف العالية للكتبة الذين أيديهم ظرف للصحف التي ~~هي ظرف للتذكرة للتنبيه على علو المكتوب وجلالة مقداره وعظمة آثاره وظهور ~~ذلك لمن تدبره وتأمله حق تأمله # PageV21P258 # وأنعم نظره، عقبه بقوله ناعيا على من لم يقبل بكليته عليه داعيا بأعظم ~~شدائد الدنيا التي هي القتل في صيغة الخبر لأنه أبلغ: {قتل الإنسان} أي هذا ~~النوع الآنس بنفسه الناسي لربه المتكبر على غيره المعجب بشمائله التي ~~أبدعها له خالقه، حصل قتله بلعنه وطرده وفرغ منه بأيسر سعي وأسهله من كل من ~~يصح ذلك منه لأنه أسرع شيء إلى الفساد لأنه مبني على النقائص إلا من عصم ~~الله {ما أكفره *} أي ما أشد تغطيته للحق وجحده له وعناده فيه لإنكاره ~~البعث وإشراكه بربه وغير ذلك من أمره، فهو دعاء عليه بأشنع دعاء وتعجيب من ~~إفراطه في ستر محاسن القرآن التي لا تخفى على أحد ودلائله على القيامة وكل ~~شيء لا يسع أحدا التغبير في وجه شيء منها، وهذا الدعاء على وجازته يدل على ~~سخط عظيم وذم بليغ وهو وإن ms5554 كان في مخصوص فالعبرة بعمومه في كل من كفر نعمة ~~الله، روي أنها نزلت في عتبة بن أبي لهب غاضب أباه فأسلم ثم استصلحه أبوه ~~وأعطاء مالا وجهزه إلى الشام فبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كافر ~~برب النجم إذا هوى، وأفحش في غير هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~«اللهم أبعث عليه كلبا من كلابك» فلما انتهى إلى مكان من الطريق فيه الأسد # PageV21P259 # ذكر الدعاء فجعل لمن معه ألف دينار إن أصبح حيا فجعلوه في وسط الرفقة ~~والمتاع والرحال فأقبل الأسد إلى الرحال ووثب فإذا هو فوقه فمزقه فكان أبوه ~~يندبه ويبكي عليه وقال: ما قال محمد شيئا إلا كان، ومع ذلك فما نفعه ما عرف ~~من ذلك، فسبحان من بيده القلوب يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وكل ذلك من ~~هدايته وإضلاله شاهد بأن له الحمد. # ولما كان اكثر انصباب التعجيب منه ناظرا إلى تكذيبه بالساعة لأجل ظهور ~~أدلتها في القرآن جدا ولأنه توالت في هذه السور إقامة الأدلة عليها مما لا ~~مزيد عليه، شرع في إقامة الديل عليها بآية الأنفس من ابتداء الخلق في أسلوب ~~مبين لخسته وحقارته وأن من ألبسه أثواب الشرف بعد تلك الخسة والحقارة جدير ~~منه بالشكر لا بالكفر، فقال منبها له بالسؤال: {من أي شيء} والاستفهام ~~للتقرير مع التحقير {خلقه *} ثم أجاب إشارة إلى أن الجواب واضح لا يحتاج ~~فيه إلى وقفة أصلا فقال مبينا حقارته: {من نطفة} أي ماء يسير جدا لا من ~~غيره {خلقه} أي أوجده مقدرا على ما هو عليه من التخطيط {فقدره} أي هيأه لما ~~يصلح من الأعضاء الظاهرة والباطنة والأشكال والأطوار # PageV21P260 # إلى أن صلح لذلك ثم جعله في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن ثم الرحم ثم المشيمة، ~~أو هي على ما قال أهل التشريح ثلاثة أغشية: أحدها المشيمة تتصل بسرة الجنين ~~تمده بالغذاء، والثاني يقبل بوله، والثالث يقبل البخارات التي تصعد منه ~~بمنزلة العرق والوسخ في أبدان الكاملين، وأعطاه قدرة لما أراده منه {ثم} أي ~~بعد ms5555 انتهاء المدة {السبيل} أي الأكمل في العموم والاتساع والوضوح لا غيره، ~~وهو مخرجه من بطن أمه وطريقه إلى الجنة أو النار {يسره *} أي سهل له أمره ~~في خروجه بأن فتح فم الرحم وألهمه أن ينتكس، وذلل له سبيل الخير والشر، ~~وجعل له عقلا يقوده إلى ما يسر له منهما، وفيه إيماء إلى أن الدنيا دار ~~الممر، والمقصد غيرها وهو الأخرى التي تدل عليها الدنيا، ولذلك عقبه بقوله ~~عادا الموت من النعم لأنه لو دام الإنسان حيا مع ما يصل إليه من الضغف ~~والخوف لكان في غاية البشاعة والشماتة لأعدائه والمساءة لأوليائه على أن ~~الموت سبب الحياة الأبدية: {ثم} أي بعد أمور قدرها سبحانه من أجل وتقلبات # PageV21P261 # {أماته} وأشار إلى إيجاب المبادرة إلى التجهيز بالفاء المعقبة في قوله ~~{فأقبره *} أي جعل له قبرا فغيبه فيه وأمر بدفنه تكرمة له وصيانة عن ~~السباع، والإقبار جعلك للميت قبرا وإعطاؤك القتيل لأهله ليدفنوه، والمعنى ~~الامتنان بأنه جعل للأنسان موضعا يصلح لدفنه وجعله بعد الموت بحيث يتمكن من ~~دفنه، ولو شاء لجعله يتفتت مع النتن ونحوه مما يمنع من قربانه، أو جعله ~~بحيث يتهاون به فلا يدفن كبقية الحيوانات، فقد عرف بهذا أن أول الإنسان ~~نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة، فما شرفه ~~بالعلم إلا الذي أبدعه وصوره، وذلك موجب لأن يشكره لا أن يكفره. # ولما كانت مدة البرزخ طويلة، وكان البعث أمرا محققا غير معلوم الوقت ~~بالعين بغيره تعالى، عبر عن المعاني الثلاثة بأداتي التراخي والتحقق فقال: ~~{ثم إذا شاء} أي إنشاره {أنشره} أي بعثه من قبره كما كان في دنياه بزيادة ~~أنه على تركيب قوي لا يتهيأ فيه فراق الروح الجسد. # ولما كان إخباره بأنه مع الذي يسر له السبيل قد يفهم أنه لا يعمل إلا بما ~~يرضيه، نفى ذلك على سبيل الردع فقال: {كلا} أي ليرتدع هذا الإنسان الذي عرف ~~أن هذه حالاته أولا وآخرا واثناء ومخرجا # PageV21P262 # تارة من مخرج البول وأخرى من مخرج الحيض ومقبرا، ولينزجر ms5556 وليعرف، نفسه ~~بالذلة والخسة والحاجة والعجز، وليعرف ربه سبحانه بالعزة والعظمة والكبرياء ~~والفناء والقدرة على تشريف الحقير وتحقير الشريف، وبأنه سبحانه لا يلزمه ~~شيء فلا يلزم من تعريف هذا الإنسان السبيل وتمييزه له لأنه لا يفعل إلا ما ~~لا يعاتب عليه، فإنه لا يكون من الإنسان وغيره إلا ما يريده، وتارة يريد ~~هداه، وتارة يريد ضلاله، فقد يأمر بما لا يريده ويريد ما لا يأمر به ولا ~~يرضاه، ولذلك قال مستأنفا نفي ما أفهمه بتيسيره للسبيل من أن الإنسان يفعل ~~جميع ما أمره به الله الذي يسر له السبيل: {لما يقض} أي يفعل الإنسان فعلا ~~نافذا ماضيا {ما أمره *} أي به الله كله من غير تقصير ما من حين تكليفه إلى ~~حين إقباره بل من حين وجد آدم عليه الصلاة والسلام إلى حين نزول هذه الآية ~~وإلى آخر الدهر، لأن الإنسان مبني على النقصان والإله منزه التنزه الأكمل، ~~وما قدروا الله حق قدره، وأيضا الإنسان الذي هو النوع لم يعمل بأسره بحيث ~~لم يشذ منه فرد جميع ما أمره، بل أغلب الجنس عصاه وكذب بالساعة التي هي ~~حكمة الوجود، وإن صدق بها بعضهم كان تصديقه بها تكذيبا لأنه يعتقد أشياء ~~منها على خلاف ما هي عليه. # PageV21P263 # ولما ردعه بعد تفصيل ما له في نفسه من الآيات، وأشار إلى ما له من ~~النقائص، شرع يقيم الدليل على تقصيره بأنه لا يقدر على شكر نعمة المنعم ~~فيما له من المطعم الذي به قوامه فكيف بغيرها في أسلوب دال على الإنشار ~~بآيات الآفاق منبه على سائر النعم في مدة بقائه المستلزم لدوام احتياجه إلى ~~ربه فقال مسببا عن ذلك: {فلينظر الإنسان} أي يوقع النظر التام على كل شيء ~~يقدر على النظر به من بصره وبصيرته ومد له المدى فقال: {إلى طعامه *} يعني ~~مطعومه وما يتصل به ملتفتا إليه بكليته بالاعتبار بما فيه من العبر التي ~~منها أنا لو لم نيسره له هلك. # ولما كان المقصود النظر إلى صنائع الله تعالى فيه. وكانت أفعال ms5557 الإنسان ~~وأقواله في تكذيبه بالعبث أفعال من ينكر ذلك الصنع، قال سبحانه مفصلا لما ~~يشترك في علمه الخاص والعام من صنائعه في الطعام، مؤكدا تنبيها على أن ~~التكذيب بالعبث يستلزم التكذيب بإبداع النبات وإعادته، وذلك في أسلوب مبين ~~أن الإنسان محتاج إلى جميع ما في الوجود، ولو نقص منه شيء اختل أمره، وبدأ ~~أولا بالسماوي لأنه أشرف، وبالماء الذي هو حياة كل شيء، تنبيها له على ~~ابتداء خلقه: {أنا} أي على ما لنا من العظمة {صببنا الماء} أي الذي جعلنا ~~منه # PageV21P264 # كل شيء حي {صبا *} وثنى بالأرض التي هي كالأنثى بالنسبة إلى السماء فقال: ~~{ثم} أي بعد مهلة من إنزال الماء، وفاوتنا بينها في البلاد والنبات {شققنا} ~~أي بما لنا من العظمة {الأرض} بالنبات الذي هو في غاية الضعف عن شق أصعب ~~الأشياء فكيف بالأرض اليابسة المتكزرة جدا عند مخالطة الماء، وحقق المعنى ~~فقال: {شقا *} ثم سبب عن الشق ما هو كالتفسير له مبينا الاحتياج إلى النبات ~~بقوله: {فأنبتنا} أي أطلعنا على وجه الاتصال الموجب للتغذي والنمو {فيها} ~~بسبب الشق {حبا *} أي لاقتيات الإنسان وغيره من الحيوان كالحنطة والشعير ~~والرز وغيرها. # PageV21P265 # ولما كان الحب قوتا فبدأ به لأنه الأصل في القوام، عطف عليه ما هو فاكهة ~~وقوت فقال: {وعنبا} هو فاكهة في حال عنبيته وقوت باتخاذه زبيبا ودبسا وخلا. ~~ولما كان لذلك في بيان عجائب الصنع ليدل على القدرة على كل شيء فيدل على ~~القدرة على البعث فذكر ما إن أخذ من منبته قبل بلوغه فسد، وإن ترك اشتد ~~وصلح للادخار، واتبعه ما إن ترك على أصله فسد، وإن أخذ وعولج - صلح # PageV21P265 # للادخار، أتبعه ما لا يصلح للادخار بوجه فقال: {وقضبا *} وهو الرطب من ~~البقل وغيره، وهو يزيد على الماضيين بأنه فيه ما هو دواء نافع وسم ناقع، ~~وبأنه يقطع مرة بعد أخرى فيخلف، سمي بمصدر قضبه - إذا قطعه بحصد أو قلع. # ولما ذكر ما لا يصلح أن يؤكل إلا رطبا من غير تأخير، أتبعه ما لا يفسد ~~بحال لا ms5558 على أمه ولا بعد القطاف ويصلح بعد القطاف فيؤكل أو يعصر، فيكون له ~~دهن للاستصباح والإدهان والائتدام، وفيه تقوية للعظام والأعصاب ولا يفسده ~~الماء بوجه كما أن العنب يعصر فيكون منه دبس وخل وغيرهما، ومتى خالطه الماء ~~فسد، فقال: {وزيتونا} يكون فيه مع ما مضى حرافة وغضاضة فيها إصلاح المزاج. ~~ولما ذكر ما لا يفسد وشجره يصبر على البرد، أتبعه ما هو كالعنب يؤكل على ~~أمه ويقطع فيدخر، فهو جامع بين التحلي والتحمض بالخل والتفكه والتقوي ~~والتداوي للسم الناقع والسحر الصارع من عجوة المدينة الشريفة وغير ذلك من ~~ثمرة وشجرة، ولا يصبر شجره على البرد فقال: {ونخلا *} وكل من هذه الأشجار ~~مخالف للآخر في الشكل والحمل وغير ذلك مع الموافقة في الأرض والسقي. # PageV21P266 # ولما ذكر هذه الأشياء من الأقوات والفواكه لكثرة منافعها، وكانت البساتين ~~تجمعها وغيرها مع ما لها من بهجة العين وسرور النفس وبسط الخاطر وشرح القلب ~~قال: {وحدائق} جمع حديقة وهي الروضة ذات النخل والشجر، أو كل ما أحاط به ~~البناء وهي تجمع ذلك كله {غلبا *} جمع غلباء - بفتح الغين والمد، وهي ~~الحديقة ذات أشجار كثيرة عظام غلاظ طوال ملتفة الأغصان متكاثرة، مستعار من ~~وصف الرقاب، يقال: غلب فلان - كفرح أي غلظ عنقه، والغلباء أيضا من القبائل ~~العزيزة الممتنعة، ومن الهضاب المشرفة. # ولما ذكر ما يتفكه ويدخر جمع فقال: {وفاكهة} أي ثمرة رطبة يتفكه بها ~~كالخوخ والعنب والتين والتفاح والكمثرى والبرقوق مما يمكن أن يصلح فيدخر ~~ومما لا يمكن. ولما ذكر فاكهة الناس، ذكر فاكهة بقية الحيوان فقال: {وأبا ~~*} أي ومرعى ونباتا وعشبا وكلأ ما دام رطبا يقصد، من أب الشيء - إذا أمه. # ولما جمع ما يقتات وما يتفكه، فدل دلالة واضحة على تمام القدرة، ذكر ~~بالنعمة فيه قارعا بأسلوب الخطاب لتعميم الأفراد بعد سياق # PageV21P267 # العتاب للتصريح بأن الكل عاجزون عن الوفاء بالشكر فكيف إذا انضم إليه ~~الكفر فقال: {متاعا} وهو منصوب على الحال. ولما ذكر ما يأكله الناس وما ~~يعلف للدواب، وكان السياق هنا لطعام الإنسان، قال ms5559 مقدما ضميرهم: {لكم ~~ولأنعامكم *} بخلاف ما في السجدة وقد مضى، والأنعام بها يكون تمام الصلاح ~~للإنسان بما له فيها من النعم بالركوب والأكل والشرب والكسوة والجمال وسائر ~~المنافع، وذكر هذا ذكرا ظاهرا مشيرا إلى المعادن لأن منها ما لا يتم ما مضى ~~إلا به، وهي آلات الزرع والحصد والطبخ والعجن وغير ذلك، والملائكة المدبرة ~~لما صرفها الله فيه من ذلك، فدل ذلك على أن الوجود كله خلق لأجل منافع ~~الإنسان ليشكر لا ليكفر، ودلت القدرة على ذلك قطعا على القدرة على البعث. # PageV21P268 # ولما ذكر عجائب الصنع في الطعام، وكان ذلك يقطف فيعود لا سيما المرعى ~~فإنه يأتي عليه الخريف فينشف ثم يتحطم من الرياح ويتفرق في الأرض ثم يصير ~~ترابا ثم يبعث الله المطر فيجمعه من الأرض بعد أن صار ترابا ثم ينبته كما ~~كان، وكان ذلك مثل إحياء الموتى سواء، فتحقق لذلك ما تقدم من أمر الإنشار ~~بعد الإقبار، وكان # PageV21P268 # ذلك أيضا مذكرا بأمر أبينا آدم عليه الصلاة والسلام لما أمره الله بالأكل ~~من الجنة إلا من الشجرة التي نهاه عنها، فلما أكل منها أخرجه من الجنة ~~فسجنه في دار ليست بجنة ولا نار ولا غيرهما بل هي من ممتزج الدارين ~~وكالبرزخ بينهما، فيها ما يذكر بهذه وما يذكر بتلك، وفيها أمثلة الموجدات ~~كلها، قال مسببا عما ثبت به الإحياء للبعث إلى المحشر معبرا بأداة التحقق ~~لأن الساعة ممن لا بد منه ولا محيد عنه لأنها سر الكون فإن فيها حساب الذين ~~استخلفوا في هذا الوجود وأفيضت عليهم النعم التي أودعها فيه، وأشار إلى ~~أنهم عاجزون عن القيام بشكرها، وكثير منهم - بل أكثرهم - زاد على ذلك ~~بكفرها، فأوجب ذلك - ولا بد - حسابهم على ما فعلوا فيما استخلفوا فيه ~~واسترعوه كما هي عادة كل مسترع ومستخلف: {فإذا جاءت} أي كانت ووجدت لأن كل ~~ما هو كائن كأنه لاقيك وجاء إليك {الصآخة *} أي الصرخة العظيمة التي يبالغ ~~في إسماع الأسماع بها حتى تكاد تصمها لشدتها، وكأنها تطعن فيها لقوة وقعتها ~~وعظيم ms5560 وجبتها، وتضطر الآذان إلى أن تصيخ إليها أي تسمع، وهي من أسماء ~~القيامة، وأصل الصخ: الضرب بشيء صلب على مصمت. # PageV21P269 # ولما كان وصفها بما يقع فيها أهيب، قال مبدلا من «إذا» ما يدل على جوابها ~~من نحو: اشتغل كل بنفسه ولم يكن عنده فراغ ما لغيره: {يوم يفر المرء} أي ~~الذي هو أعظم الخلق مروءة: ولما كان السياق للفرار، قدم أدناهم رتبة في ~~الحب والذب فأدناهم على سبيل الترقي، وأخر الأوجب في ذلك فالأوجب بخلاف ما ~~في «سأل» كما مضى فقال: {من أخيه} لأنه يألفه صغيرا وقد يركن إليه كبيرا مع ~~طول الصحابة وشدة القرب في القرابة فيكون عنده في غاية العزة. # ولما كانت الأم مشاركة له في الإلف، ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم الأخ ~~وهو لها آلف وإليها أحن وعليها أرق وأعطف قال {وأمه} ولما كان الأب أعظم ~~منها في الإلف لأنه أقرب في النوع وللولد عليه من العاطفة لما له من مزيد ~~النفع أكثر ممن قبله قال: {وأبيه *} ولما كانت الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ~~ألصق بالفؤاد وأعرق في الوداد، وكان الإنسان أذب عنها عند الاشتداد، قال: ~~{وصاحبته} ولعله أفردها إشارة إلى أنها عنده في الدرجة العليا من المودة ~~بحيث لا يألف غيرها. # ولما كان للوالد إلى الولد من المحبة والعاطفة والإباحة - # PageV21P270 # بالسر والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره، ولذلك يضيع عليه رزقه وعمره قال: ~~{وبنيه *} وإن اجتمع فيها الصغير الذي هو عليه أشفق والكبير الذي هو في ~~قلبه أجل وفي عينه أنبل ومن بينهما من الذكر والأنثى. # ولما ذكر فراره الذي منعه قراره، علله فقال: {لكل امرىء} أي وإن كان أعظم ~~الناس مروءة {منهم يومئذ} أي إذ تكون هذه الدواهي العظام والشدائد والآلام ~~{شأن} أي أمر بليغ عظيم {يغنيه *} أي يكفيه - في الاهتمام بحيث لا يدع له ~~حصة يمكنه صرفها إلى غيره ويوجب له لزوم المغنى، وهو المنزل - الذي يرضيه ~~مع أنه يعلم أنه يتبعونه ويخاف أن يطالبوه لما هم فيه من الكرب بما لعله ms5561 ~~قصر فيه من حقوقهم. # ولما ذكر اليوم، قسم أهله إلى القسمين المقصودين بالتذكرة أول السورة، ~~فقال دالا على البواطن بأشرف الظواهر: {وجوه يومئذ} أي إذ كان ما تقدم من ~~الفرار وغيره {مسفرة *} أي بيض مضيئة بالإشراق والاستنارة، من أسفر الصبح - ~~إذا أشرق واستنار {ضاحكة} لما علمت من سعادتها {مستبشرة *} أي طالبة للبشر ~~وهو # PageV21P271 # تغير البشرة من السرور وموجدة لذلك، وهي بيضاء نيره بما يرى من تبشير ~~الملائكة، وذلك بما كانت فيه في الدنيا من عبوس الوجوه وتغيرها وشحوبها من ~~خشية الله تعالى وما يظهر من جلاله في الساعة كابن أم مكتوم رضي الله عنه ~~الذي كان يحمله خوف الساعة على حمل الراية في أشد الحروب كيوم القادسية ~~والثبات بها حتى يكون كالعمود، لا يزول عن مركزه أصلا ليرضي المعبود. # ولما ذكر أهل السعادة الذين هم المقبلون على الخير المصابون في أنفسهم ~~بما يكفر سيئاتهم ويعلي درجاتهم، ذكر أضدادهم فقال تعالى: {ووجوه} وأكد ~~بإعادة الظرف لإزالة الشبهة فقال: {يومئذ} أي إذ وجد ما ذكر {عليها} أي ~~ملاصقة لها مع الغلبة والعلو {غبرة *} أي اربداد وكأنه بحيث يصير كأنه قد ~~علاها غبار وهي عابسة حذرة وجلة منذعرة، وذلك مما يلحقها من المشقات وكثرة ~~الزحام مع رعب الفؤاد، وتذكر ما هي صائرة إليه من الأنكاد الشداد {ترهقها} ~~أي تغشاها وتقهرها وتعلوها {قترة *} أي كدورة وسواد وظلمة ضد الإسفار فهي ~~باكية عابسة مما كانت فيه في الدنيا # PageV21P272 # من الفرح واللعب والضحك والأمن من العذاب، فالآية من الاحتباك: ذكر ~~الإسفار والبشر أولا يدل على الخوف والذعر ثانيا، وذكر الغبرة ثانيا يدل عل ~~البياص والنور أولا، وسر ذلك أنه ذكر دليل الراحة ودليل التعب لظهورهما ~~ترغيبا وترهيبا. # ولما كان هذا الأمر هائلا، وكان الفاجر، لما علا قلبه من الرين وله من ~~القساوة، قليل الخوف من الأجل عديم الفكر فيما يأتي به غد لما غلب عليه من ~~الشهوتين: السبيعة والبهيمية بخلاف المتقي في كل ذلك، استأنف الإخبار زيادة ~~في التهويل فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {هم} أي ms5562 خاصة لا غيرهم ~~{الكفرة} أي الذين ستروا دلائل إلإيمان {الفجرة *} أي الذين خرجوا عن دائرة ~~الشرع خروجا فاحشا حتى كانوا عريقين في ذلك الكفر والفجور، وهم في الأغلب ~~المترفون الذين يحملهم غناهم على التكبر والأشر والبطر، فلجمعهم بين الكفر ~~والفجور جمع لهم بين الغبرة والقترة، كما يكون للزنوج من البقاعة إذا علا ~~وجوههم غبار ووسخ، فقد عاد آخرها على أولها فيمن يستحق الإعراض عنه ومن ~~يستحق الإقبال عليه - والله الهادي. # PageV21P273 # سورة التكوير # مقصودها التهديد الشديد بيوم الوعيد الذي هو محط الرحال، لكونه أعظم مقام ~~لظهور الجلال، لمن طذب بأن هذا القرآن تذكرة لمن ذكره في صحف مكرمة مرفوعة ~~مطهرة بأيدي سفرة، والدلالة على حقية كونه كذلك بأن السفير به أمين في ~~الملأ الأعلى مكين المكانف فيما هنالك والموصل بعه إلينا منزه عن التهمة ~~برئ من النقص لما يعلمونه من حاله قبل النبوة وما كانوا يشهدون له به من ~~أمره ولم يأتهم بعدها إلا بما هو شرف له وتذكير بما في أنفسهم وفي الآفاق ~~ومن الآيات، وذلك كاف لهم في الحكم بأنه صدق والعم اليقين بأنه حق، واسمها ~~التكوير أدل ما فيها على ذلك بتأمل الظرف وجوابه وما فيه من بديع القول ~~وصوابه، وما تسبب عنه من عظم الشأن لهذا القرآن) بسم الله (الواحد القهار) ~~الرحمن (الذي عمت نعمة إيجاده وبيانه الأبرار والفجار) الرحيم (الذي خص أهل ~~وداده بما أسعدهم في # PageV21P274 # دار القرار. # PageV21P275 # لما ختمت سورة عبس بوعيد الكفرة الفجرة بيوم الصاخة لجحودهم بما لهذا ~~القرآن من التذكرة، ابتدئت هذه بإتمام ذلك، فصور ذلك اليوم بما يكون فيه من ~~الأمور الهائلة من عالم الملك والملكوت حتى كأنه رأى عين كما رواه الإمام ~~أحمد والترمذي والطبراني وغيرهم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم برجال ثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن ~~ينظر إلى يوم القيامة رأي العين فليقرأ {إذا الشمس كورت} » [ ### | التكوير # : 1] فقال بادئا بعالم الملك والشهادة لأنه أقرب تصورا لما يغلب ms5563 على ~~الإنسان من الوقوف مع المحسوسات، معلما بأنه سيخرب تزهيدا في كل ما يجر ~~إليه وحثا على عدم المبالاة والابتعاد من التعلق بشيء من أسبابه: {إذا ~~الشمس} أي التي هي أعظم آيات السماء الظاهرة وأوضحها للحس. # ولما كان المهول مطلق تكويرها الدال على عظمة مكورها، بني للمفعول على ~~طريقة كلام القادرين قوله: {كورت *} أي لفت بأيسر أمر من غير كلفة ما أصلا، ~~فأدخلت في العرش - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما فذهب ما كان ينبسط من ~~نورها، من كورت العمامة - إذا لففتها فكان # PageV21P275 # بعضها على بعض وانطمس بعضها ببعض، والثوب - إذا جمعته فرفعته، فالتكوير ~~كناية عن رفعها أو إلقائها في جهنم زيادة في عذاب أهلها ولا سيما عبدتها، ~~أو ألقيت عن فلكها، من طعنه فكوره أي ألقاه مجتمعا، والتركيب للإدارة ~~والجمع والرفع للشمس، فعل دل عليه «كورت» لأن «إذا» تطلب الفعل لما فيها من ~~معنى الشرط، ولما كان التأثير في الأعظم دالا على التأثير فيما دونه بطريق ~~الأولى، أتبع ذلك قوله معمما بعد التخصيص: {وإذا النجوم} أي كلها صغارها ~~وكبارها {انكدرت} أي انقضت فتهاوت وتساقطت وتناثرت حتى كان ذلك كأنه ~~بأنفسها من غير فعل فاعل في غاية الإسراع، أو أظلمت، من كدرت الماء فانكدر، ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة ~~- في البحر ثم يبعث عليها ريحا دبورا فتضرمها فتصير نارا، وقال الكلبي ~~وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوما، لا يبقى نجم إلا وقع. # ولما بدأ بأعلام السماء لأنها أشهر وأعم تخويفا وإرهابا، وذكر منها اثنين ~~هما أشهر ما فيها وأعمها نفعا، أتبعها أعلام الأرض فقال مكررا للظرف لمزيد ~~الاعتناء بالتهويل: {وإذا الجبال} أي التي هي في العالم السفلي كالنجوم في ~~العالم العلوي، وهي أصلب ما في الأرض، # PageV21P276 # ودل على عظمة القدرة بالبناء للمفعول فقال: {سيرت *} أي وقع تسييرها بوجه ~~الأرض فصارت كأنها السحاب في السير والهباء في النثر لتستوي الأرض فتكون ~~قاعا صفصفا لا عوج فيها، لأن ذلك اليوم لا يقبل العوج في ms5564 شيء من الأشياء ~~بوجه. # ولما ذكر أعلام الجماد، أتبعه أعلام الحيوان النافع الذي هو أعز أموال ~~العرب وأغلبها على وجه دل على عظم الهول فقال: {وإذا العشار} أي النوق التي ~~أتى على حملها عشرة أشهر، جمع عشراء مثل نفساء، وهي أحب أموال العرب إليهم ~~وأنفسها عندهم لأنها تجمع اللحم والظهر واللبن والوبر، «روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مر في أصحابه بعشار من النوق حفل، فأعرض عنها وغض بصره فقيل ~~له: يا رسول الله! هذا أنفس أموالنا، لم لا تنظر إليها؟ فقال: قد نهاني ~~الله عن ذلك، ثم تلا {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا} [طه: 131] الآية» ولا ~~يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام السنة {عطلت *} أي تركت مهملة كأنه لا صاحب ~~لها مع أنها أنفس أموالهم، فكانت إذا بلغت ذلك أحسنت إليها وأعزتها واشتد ~~إقبالها عليها: وقالت: جاء خيرها من ولد ولبن، لأن الأمر، لاشتغال كل أحد ~~بنفسه، أهول من أن يلتفت أحد إلى شيء وإن عز. # ولما ذكر المقرعات الدالات على إرادة أمر عظيم، قرب ذلك # PageV21P277 # الأمر بإفهام أنه الحشر، ودل على عمومه بذكر ما يظن إهماله فقال: {وإذا ~~الوحوش} أي دواب البر التي لا تأنس بأحد التي يظن أنه لا عبرة بها ولا ~~التفات إليها فما ظنك بغيرها {حشرت} أي بعثت وجمعت من كل أوب قهرا لإرادة ~~العرض على الملك الأعظم والفصل فيما بينها في أنفسها حتى يقتص للجماء من ~~القرناء وبينها وبين غيرها أيضا حتى يسأل العصفور قاتله، لم قتله؟ قال ~~قتادة: يحشر كل شيء للقصاص حتى الذباب - انتهى. ولا يستوحش الوحش من الناس ~~ولا الناس من الوحوش من شدة الأهوال، وذلك أهول وأفزع وأخوف وأفظع، قال ~~القشيري: ولا يبعد أن يكون ذلك بإيصال منافع إليها جوازا لا وجوبا كما قاله ~~أهل البدع - انتهى. وكل شيء في الدنيا يحضر في تلك الدار، فإذا وقع الفصل ~~جعل الخبيث في جهنم زيادة في عذاب أهلها، والطيب في الجنة زيادة في نعيم ~~أهلها. # ولما أفهم هذا الحشر، ذكر ms5565 ما يدل على ما ينال أهل الموقف من الشدائد من ~~شدة الحر فقال: {وإذا البحار} أي على كثرتها {سجرت *} أي فجر بعضها إلى بعض ~~حتى صارت بحرا واحدا وملئت حتى كان ما فيها أكثر منها وأحمئت حتى كان ~~كالتنور التهابا وتسعرا فكانت شرابا لأهل النار وعذابا عليهم، ولا يكون هذا ~~إلا وقد حصل # PageV21P278 # من الحر ما يذيب الأكباد. # ولما ذكر من الآيات العلوية من عالم الملك اثنين ومن السفلية أربعة، ~~فأفهم جميع الخلق أن الأمر في غاية الخطر فتشوفت النفوس إلى ما يفعل، قال ~~ذاكرا لما أراد من عالم الغيب والملكوت، وهو أمور ستة على عدد ما مضى من ~~عالم الملك والشهادة ترغيبا في الأعمال الصالحة والقرناء الصالحين لئلا ~~يزوج بما يسوءه وابتدأ بما يناسب تكوير الشمس: {وإذا النفوس} أي من كل ذي ~~نفس من الناس وغيرهم {زوجت *} أي قرنت بأبدانها وجمع كل من الخلق إلى ما ~~كانت نفسه تألفه وتنزع إليه، فكانوا أصنافا كما قال تعالى # {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله} [الصافات: ~~22، 23] والتفاف الأزواج كالتفاف الشمس حتى يذهب نورها. # ولما صرح الأمر فكانت القلوب أحر من الجمر، ذكر ما هو المقصود الأعظم وهو ~~السؤال على وجه يفهم العموم فقال: {وإذا الموءودة} أي ما دفن من الأولاد ~~حيا بعد الولادة أو حصل تسبب في قتله قبل الولادة بدواء ونحوه، سميت موءودة ~~لما يوضع عليها من التراب # PageV21P279 # فيثقلها فيقتلها «وأدا» مقلوب «آدا» إذا أثقل، وإلقاؤها في البئر المحفور ~~لها قريب من انكدار النجوم وتساقطها. ولما كان هذا أهون القتل عندهم وكانوا ~~يظنون أنه مما لا عبرة به، بين أنه معتنى به وأنه لا بد من بعثها وجعلها ~~بحيث تعقل وتجيب وإن كان نفخ الروح فيها في زمن يسير فقال: {سئلت *} أي وقع ~~سؤالها عما يليق أن تسأل عنه، ثم قيل على طريق الاستئناف تخويفا للوالدين: ~~{بأي} أي بسبب أي {ذنب} يا أيها الجاهلون {قتلت *} أي استحقت به عندكم ~~القتل وهي لم تباشر سوءا لكونها لم تصل ms5566 إلى حد التكليف، فما ظنك بمن هو ~~فوقها وبمن هو جان، وسؤالها هو على وجه التبكيت لقاتلها، فإن العرب كانت ~~تدفن البنات أحياء مخافة الإملاق أو لحوق العار بهن، ويقولون: نردها إلى ~~الله هو أولى بها، فلا يرضون البنات لأنفسهم ويرضونها لخالقهم، وكان فيهم ~~من يتكرم عن ذلك ومن يفدي الموءودات ويربيهن، وليس في الآية دليل على تعذيب ~~أطفال الكفرة ولا عدمه، فإن الكافر الذي يستحق # PageV21P280 # الخلود قد يكون مستأمنا فلا يحل قتله، والأطفال ما عملوا ما يستحقون به ~~القتل، ويؤخذ من سؤال المؤدة تحريم الظلم لكل أحد وكف اليد واللسان عن كل ~~إنسان. # PageV21P281 # ولما دل هذا على عموم السؤال، ذكر ما ينشأ عنه مما يدل على النعيم أو ~~النكال فقال: {وإذا الصحف} أي الأوراق التي كتبت فيها أعمال العباد {نشرت ~~*} أي فرقت مفتحة تفتيحا عظيما على أربابها بأيسر أمر فتأتي السعيد في ~~يمينه من تلقاء وجهه على وجه يكون فيه بشارة له، وتأتي الشقي من وراء ظهره ~~وفي شماله بعد أن كانت طويت عند موته، ونشرها مثل تسيير الجبال وتطايرها، ~~فمن اعتقد أن صحيفته ثابتة فترديه أو تنجيه لم يضع فيها إلا حسنا من قول أو ~~عمل أو اعتقاد. # ولما ذكر ما يطلق وينشر، أتبعه ما يطوى ويحصر، ليبدو ما فوقه من العجائب ~~وينظر، فقال: {وإذا السماء} أي هذا الجنس كله، أفرده لأنه يعلم بالقدرة على ~~بعضه القدرة على الباقي {كشطت *} أي قلعت بقوة عظيمة وسرعة زائدة وأزيلت عن ~~مكانها التي هي ساترة له محيطة به، أو عن الهواء المحيط بسطحها الذي هو ~~كالروح لها كما يكشط الإهاب عما هو ساتر له ومحيط به مع شدة الالتزاق به ~~لأن ذلك يوم الكشف والإظهار {فكشفنا عنك غطاءك} [ق: 22] وكشطها # PageV21P281 # هو مثل انكشاف الناس عن العشار وتفرقهم عنها، فمن اعتقد زوالها أعرض عن ~~ربط همته بشيء منها وناط أموره كلها بربها. # ولما زالت الموانع ظهرت عجائب الصنائع التي هي غايات المطالب، ونهايات ~~الرغائب والرهائب، فقال: {وإذا الجحيم} أي النار الشديدة التأجج ms5567 والتي ~~بعضها فوق بعض والعظيمة في مهواة عميقة {سعرت *} أي أوقدت إيقادا شديدا ~~بأيسر أمر وقربت من الكافرين بغاية السرعة، فكان الأمر في غاية العسر، وذلك ~~قريب من نتيجة ما يحصل من الهول من حشر الوحوش. # ولما ذكر دار الأعداء البعداء ترهيبا، أتبعه دار المقربين السعداء ~~ترغيبا، فقال: {وإذا الجنة} أي البستان ذو الأشجار الملتفة والرياض المعجبة ~~{أزلفت *} أي قربت من المؤمنين ونعمت ببرد العيش وطيب المستقر، ودرجت ~~درجاتها وهيئت، وملئت حياضها ومصانعها، وزينت صحافها ونظفت أرضها وطهرت عن ~~كل ما يشين، وحسنت رياضها بكل ما يزين، من قول أهل اللغة، الزلف - محركة: ~~القربة والدرجة والحياض الممتلئة والزلفة: المصنعة الممتلئة والصحفة والأرض ~~المنكوسة، والزلف - بالكسر. الروضة، ومعنى هذا ضد سجر البحار، فالآية من ~~الاحتباك: ذكر التسعير أولا دال على ضده في الجنة ثانيا، # PageV21P282 # وذكر التقريب ثانيا دال على مثله أولا. # ولما كانت هذه الأشياء لهولها موجبة لاجتماع الهم وصرف الفكر عما يشغله ~~من زينة أو لهو أو لعب أو سهو، فكان موجبا للعلم بما يرجى نعيما أو يوجب ~~جحيما، وكان ذلك موجبا لتشوف السامع إلى ما يكون، قال تعالى كاشفا تلك ~~النعمة بالعامل في «إذا» وما عطف عليها: {علمت نفس} أي كل واحدة من النفوس، ~~فالتنكير فيه مثله في «ثمرة خير من جرادة» ودلالة هذا السياق المهول على ~~ذلك يوجب اليقين فيه {ما} أي كل شيء {أحضرت *} أي عملت وأوجدت، فكان أهلا ~~للحضور، وكان عمله لها سببا لإحضار القدير إياه لها في ذلك اليوم محفوظا لم ~~يغب عنه منها ذرة من خيره وشره، فلأجل ذلك كان لكل امرىء شأن يعنيه، فإنه ~~لا بد أن يكون في أعماله ما لا يرضيه وما يستصغره عن حضرة العلي الكبير، ~~فمن اعتقد ذلك رغب في أن لا يحضر إلا ما يسره، ورهب في إحضار ما يسوءه ~~فيضره، وجميع هذه الأشياء الاثني عشر المعدودة المذكورة في حيز «إذا» في ~~الآخرة بعد النفخة الثانية على ما تقدم في الحاقة أنه الظاهر، وأنه رواية ~~عن ابن عباس ms5568 رضي الله عنهما، لأن التهويل بعد القيام أنسب، وأدخل في الحكمة ~~وأغرب. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه {فإذا جاءت # PageV21P283 # الصاخة يوم يفر المرء من أخيه} [عبس: 33 - 34] الآيات إلى آخر السورة، ~~كان مظنة لاستفهام السائل عن الوقوع متى يكون؟ فقال تعالى: {إذا الشمس ~~كورت} [التكوير: 1] ووقوع تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال وتعطيل ~~العشار كل ذلك متقدم على فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه - إلى ما ذكر إلى ~~آخر السورة لاتصال ما ذكر في مطلع سورة التكوير بقيام الساعة، فيصح أن يكون ~~أمارة للأول وعلما عليه - انتهى. # ولما كان السياق للترهيب، وكان الأليق بآخر عبس أن يكون للكفرة، وكان ~~أعظم ما يحضره الكفرة من أعمالهم بعد الشرك التكذيب بالحق، وأعظمه التكذيب ~~بالقرآن، وذلك التكذيب هو الذي جمع الخزي كله للمكذب به في قوله {قتل ~~الإنسان ما أكفره} [عبس: 17] الذي السياق كله له، وإنما استحق المكذب به ~~ذلك لأن التكذيب به يوقع في كل حرج مع أنه لا شيء أظهر منه في أنه كلام ~~الله لما له من الرونق والجمع للحكم والأحكام والمعارف التي لا يقدر على ~~جمعها على ذلك الوجه وترتيبها ذلك الترتيب إلا الله، ثم وراء ذلك كله أنه ~~معجز، سبب عن هذا التهديد قوله مقسما بما دل على عظيم قدر المقسم عليه بترك ~~الإقسام بأشياء هي من الإجلال والإعظام في أسنى مقام: {فلا أقسم} أي لأجل ~~حقية القرآن لأن الأمر فيه غنى عن قسم لشدة ظهوره وانتشار نوره، ولذلك أشار ~~إلى عيوب تلحق هذه # PageV21P284 # الأشياء التي ذكرها والقرآن منزه عن كل شائبة نقص، لأنه كلام الملك ~~الأعلى فقال: {بالخنس *} أي الكواكب التي يتأخر طلوعها عن طولع الشمس فتغيب ~~في النهار لغلبة ضياء الشمس لها، وهي النجوم ذوات الأنواء التي كانوا ~~يعظمونها بنسبة الأمطار والرحمة - التي ينزلها الله - إليها، قالوا: وهي ~~القمر فعطارد فالزهرة فالشمس فالمريخ فالمشتري فزحل وقد نظمها بعضهم متدليا ~~فقال: # زحل اشترى مريخه من شمسه ... فتزهرت لعطارد أقمار # ثم أبدل منها أعظمها ms5569 فقال: {الجوار الكنس *} أي السيارة التي تختفي وتغيب ~~بالنهار تحت ضوء الشمس، من كنس الوحش - إذا دخل كناسه وهو بيته المتخذ من ~~أغصان الشجر، وقال الرازي: يكنس ويستتر العلوي منها بالسفلي عند القرانات ~~كما تستتر الظباء في الكناس، وقال قتادة: تسير بالليل وتخنس بالنهار فتخفى ~~ولا ترى، وروي ذلك أيضا عن علي رضي الله تعالى عنه، قال البغوي: وأصل ~~الخنوس الرجوع # PageV21P285 # إلى وراء والكنوس أن تأوي إلى مكانسها. وقال القشيري: إن ذلك غروبها، ~~وإنما نفى الإقسام بها لأنها وإن كانت عظيمة في أنفسها بما ناط بها سبحانه ~~من المصالح وأنتم تعظمونها وتغلون فيها لأن فيها نقائص الغيبوبة وانبهار ~~النور، والقرآن المقسم لأجله منزه عن ذلك، بل هو الغالب على كل ما سواه من ~~الكلام غلبة هي أعظم من غلبة ضياء الشمس لنور ما سواها من الكواكب، فلذلك ~~لا يليق أن يقسم بها لأجله. # ولما ذكر غيابها ففهم منه محله وهو النهار، ذكر محل ظهورها فأفهم الظهور ~~فقال: {واليل} أي الذي هو محل ظهور النجوم وزوال خنوسها وذهاب كنوسها {إذا ~~عسعس *} أي أقبل ظلامه، واعتكر سواده وقتامه، فظهرت الكواكب زهرا منثورا في ~~بيداء تلك الغياهب، فإن فيه نقصانا بالظلام وغير ذلك من الأحكام، وقيل: ~~معناه أدبر، وقيل: أظلم، وقيل: انتصف، وقيل: انقضى، وسعسع بمعناه فهو ما لا ~~يستحيل بالانعكاس، والآية من الاحتباك: ذكر خنوس الكواكب وكنوسها أولا يفهم ~~ظهورها ثانيا، وذكر الليل ثانيا يفهم حذف النهار أولا. # PageV21P286 # ولما كان ربما ظن ظان أن ما نقص بالظلام عن صلاحية الإقسام يتأهل ذلك ~~بزواله، قال نافيا لذلك: {والصبح} أي الذي هو أعدل أوقات النهار {إذا تنفس ~~*} أي أضاء وأقبل روحه ونسيمه، وأنسه ونعيمه، واتسع نوره، وانفرج به عن ~~الليل ديجوره، وذلك بعد إقبال الليل ثم إدباره أي لا أقسم به لأنه وإن كان ~~ذا نور ونعمة وحبور وبهجة وسرور فإن ذلك يتضاءل عن نور القرآن، وما فيه من ~~النعيم والرضوان، «وأين الثريا من يد المتناول» على أن تنفسه بالبرد ~~واللطافة تنسخه الشمس بالحر ms5570 والكثافة، وتنفس القرآن بنفحات القدس ونعيم ~~المواعظ والأنس لا ينسخه شيء. # ولما بين أن هذه الأشياء - التي لولاها لما طاب لهم عيش ولا تهنؤوا ~~بحياة، وهي من الفضل بحيث لا يعلمه إلا خالقها - تصغر عن أن يقسم بها على ~~شيء من فضائل القرآن لما له من عظيم الشأن الذي لا يطيق التعبير عنه ~~البيان، ويتضاءل دونه اللسان، قال مجيبا لذلك إخبارا عما هو محقق في نفسه ~~الأمر أعظم من تحقق هذه الأشياء المقسم بها، هاد إلى مصالح الدارين أكثر من ~~هدايتها، مبينا للسفيرين به الملكي والبشري عليهما الصلاة والسلام والتحية ~~والإكرام مؤكدا لما يستحقه السياق كما يستحقه مع ما لهم من الإنكار تنبيها ~~على ضعف عقولهم # PageV21P287 # وعظيم سفههم بعد أن أقسم بثلاثة أقسام، فإن نفي الإقسام بها بما ذكر من ~~نقائصها - كالإقسام - بها مع بيان أن المقسم عليه أعظم منها بما لا يقايس: ~~{إنه} أي هذا الذكر الذي تقدم في عبس بعض ما يستحق من الأوصاف الجميلة ~~والنعوت الجليلة {لقول رسول} وهو جبريل عليه الصلاة والسلام نحن أرسلناه به ~~إلى خير خلقنا وجعلناه بريدا بيننا وبينه لاقتضاء الحكمة ذلك، وهي أن يكون ~~خلاصة الخلق ذا جهتين: واحدة ملكية يتلقى بها من الملائكة عليهم السلام ~~لكون غيره من البشر لا يطيق ذلك، وأخرى بشرية يتلقى بها من المبعوث إليهم، ~~ومن المعلوم أن الرسول إنما وظيفته تبليغ ما أرسل به فهو سفير محض، والذي ~~أوحاه وإن كان قوله لكونه نطق به وبلغه من غير مشاركة شيطان ولا غيره هو ~~قول الله من غير شك لكونه معبرا عن الصفة القديمة النفسية، ولو كان قول ~~الرسول مستقلا به لما كان لوصفه بالرسالة مدخل فما كانت البلاغة تقتضي ذكره ~~بالوصف. # ولما بين بوصف الرسالة أنه ليس بقوله إلا لكونه مرسلا به ومبلغا له، وأنه ~~في الحقيقة قول من أرسله، وصفه بما أفهمه الوصف مما يوجب حفظه من غير تحريف ~~ما ولا تغيير أصلا بوجه من الوجوه، # PageV21P288 # وذلك ببيان منزلته عند الله ووجاهته وبيان قدره ونفوذ ms5571 كلمته فقال: {كريم ~~*} أي انتفت عنه وجوه المذام كلها وثبتت له وجوه المحامد كلها، فهو جواد ~~شريف النفس ظاهر عليه معالي الأخلاق بريء من أن يلم شيء من اللوم بساحته، ~~فلذلك هو يفيض الخيرات بإذن ربه على من أمر به العالمين، فيؤدي ما أرسل به ~~كما هو لقيامه بالرسالة قيام الكرام فلم يغير فيها شيئا أصلا ولا فرط حتى ~~يمكن غيره أن يحرف أو يغير، والكرم اجتماع كمالات الشيء اللائقة به. # PageV21P289 # ولما اقتضى هذا القوة، صرح به تأكيدا فقال: {ذي قوة} أي على ضبط ما أرسل ~~به بنفسه وعلى المدافعة للغير عن أن يدخل فيه شيئا من نقص، وأكد القوة ~~بقوله: {عند ذي العرش} أي الملك الأعلى المحيط عرشه بجميع الأكوان الذي لا ~~عندية في الحقيقة إلا له {مكين *} أي بالغ المكنة عنده عظيم المنزلة جدا ~~بليغ فيها فهو بحيث لا يتأتى منه تفريط ما في إبلاغ شيء مما أرسل به لأنه ~~لا يغيره الأحوال ولا يعمل فيه تضاد الشهوات، لأنه لا شهوة له إلا ما يأمر ~~به مرسله سبحانه وتعالى. # PageV21P289 # ولما كان المتمكن في نفسه قد لا يكون له أعوان، قال: {مطاع ثم} أي في ~~الملأ الأعلى فهم عليهم السلام أطوع شيء له، قال الحسن: فرض الله على أهل ~~السماوات طاعة جبريل عليه الصلاة والسلام كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. ولما كان ذلك يقتضي الأمانة، صرح بها فقال: {أمين *} ~~أي بليغ الأمانة فهو مصدق القول مقبول الأمر موثوق به في أمر الرسالة ~~وإفاضة العلوم على القلوب روحاني مطهر جوهرا وفعلا وحالا، ومن كان بهذه ~~الصفات العظيمة كان بحيث لا يأتي إلا في أمر مهم جدا لأن الملوك لا يرسلون ~~خواصهم إلا في مثل ذلك، ولذلك ائتمنه الله تعالى على رسالته. # ولما وصفه السفير الملكي وهو جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات ~~الخمس التي أزالت عن القرآن كل لبس، وكان وصفه بها إنما هو لأجل إثبات شرف ~~الرسول البشري الذي هو بين الحق وعامة ms5572 الخلق، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأن ما يقوله كلام الله حقا، وكانوا يصفونه بما هو في غاية النزاهة عنه وهم ~~يعلمون ذلك، أبطله مبكتا لهم بالكذب وموبخا بالبلادة بقوله زيادة في شرفه ~~حيث كان هو المدافع عنه: {وما صاحبكم} أي الذي طالت صحبته لكم وأنتم تعلمون ~~أنه # PageV21P290 # في غاية الكمال حتى أنه ليس له وصف عندكم إلا الأمين، وأعرق في النفي ~~فقال: {بمجنون *} أي كما تبتهونه به من غير استحياء من الكذب الظاهر مع ~~ظهور التناقض فعل ألأم اللئام، بل جاء بالحق وصدق المرسلين، فما القرآن ~~الذي يتلوه عليكم قول مجنون ولا قول متوسط في العقل بل قول أعقل العقلاء ~~وأكمل الكملاء، وهذا النفي المؤكد ثابت له دائما على سبيل الاستغراق لكل ~~زمان - هذا ما دل عليه الكلام لا ما قال الزمخشري أنه يدل على أفضلية جبريل ~~عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بقية الملائكة، فإنه ما سيق ~~لذلك ولا هو والله مما يرضي جبريل عليه السلام، قال الأصبهاني هنا: هذا يدل ~~على فضله وأما أنه يدل على أنه أفضل من جميع الملائكة ومن محمد صلى الله ~~عليه وسلم فلا يمكنه، وقال في قوله تعالى في البقرة: # {وملائكته ورسله} [البقرة: 285] : ولم يلزم من تقديم الملائكة في الذكر ~~تفضيلهم على الرسل، وأما تقديم جبريل على ميكائيل فليس ببعيد أن يكون للشرف ~~كما أن تخصيصهما بالذكر لفضلهما، وقال في النجم: ثم دنا جبريل من ربه عز ~~وجل، وهذا قول مجاهد يدل عليه ما روي في الحديث: «إن أقرب الملائكة إلى ~~الله عز وجل جبريل عليه السلام» - انتهى. ولو صح هذا الحديث # PageV21P291 # لكان فيه كفاية لكن لم أجده أصلا، وقال الأصبهاني في عم في قوله: {يوم ~~يقوم الروح} [النبأ: 38] عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو أعظم الملائكة ~~خلقا وأشرف منهم، وأقرب من رب العالمين - انتهى. فهذا كما ترى صريح في ~~تفضيل الروح، وقال السهيلي في غزوة بدر في كتابه الروض: ونزل جبريل عليه ~~السلام بألف من الملائكة ms5573 فكان في خمسمائة في الميمنة، وميكائيل عليه السلام ~~في خمسمائة في الميسرة، ووراءهم مدد من الملائكة لم يقاتلوا وهم الآلاف ~~المذكورون في سورة آل عمران، وكان إسرافيل عليه السلام وسط الصف لا يقاتل ~~كما يقاتل غيره من الملائكة عليهم الصلاة والسلام - انتهى. وهذا يدل على ~~شرف إسرافيل عليه السلام لأن موقفه موقف رئيس القوم وفعله فعله - والله ~~أعلم. # ولما كان المجنون لا يثبت ما يسمعه ولا ما يبصره حق الإثبات، فكان ~~التقدير بعد هذا النفي: فلقد سمع من رسولنا إليه ما أرسل به حق السمع، ما ~~التبس عليه فيه حق بباطل، عطف عليه الإخبار برفعه شأنه في رؤية ما لم يره ~~غيره وأمانته وجوده فقال: {ولقد رآه} أي المرسل إليه وهو جبريل عليه الصلاة ~~والسلام على صورته الحقيقية ليلة المعراج وبعرفات، جامعا إلى حس السمع حس ~~البصر {بالأفق المبين *} أي الأعلى الذي هو عند سدرة المنتهى، حيث # PageV21P292 # لا يكون لبس أصلا، ولا يكون لشيطان على ذلك المكان سبيل فعرفه حق ~~المعرفة، وقال البيضاوي: بمطلع الشمس الأعلى - يعني وهو مشرق الأنوار، ~~والأفق: الناحية التي تفوق وتعلو. # ولما انتفى ما يظن من لبس السمع وزيغ البصر، لم يبق إلا ما يتعلق ~~بالتأدية فنفى ما يتوهم من ذلك بقوله: {وما} أي سمعه ورآه والحال أنه ما ~~{هو على الغيب} أي الأمر الغائب عنكم في النقل عنه ولا في غيره من باب ~~الأولى {بضنين *} أي بمتهم، من الظنة وهي التهمة، كما يتهم الكاهن لأنه ~~يخطىء في بعض ما يقول، فهو حقيق بأن يوثق بكل شيء يقوله في كل أحواله، هذا ~~في قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب بالظاء، والمعنى في ~~قراءة الباقين بالضاد: ببخيل كما يبخل الكاهن رغبة في الحلوان، بل هو حريص ~~على أن يكون كل من أمته عالما بكل ما أمره الله تعالى بتبليغه. # ولما أثبت له الأمانة والجود بعد أن نفى عنه ما بهتوه به، وكان الجنون ~~أظهر من قول المجنون لأن بعض المجانين ربما تكلم الكلام # PageV21P293 # المنتظم ms5574 في بعض الأوقات فنفاه لذلك، وكان قول الكاهن أظهر من الكهانة، ~~نفى القول فقال: {وما هو} أي القرآن الذي من جملة معجزاته الإخبار ~~بالمغيبات، وأعرق في النفي بالتأكيد بالباء فقال: {بقول شيطان} . ولما كان ~~الشيطان لا ينفك عن الطرد لأن اشتقاقه من شطن وشاط، وذلك يقتضي البعد ~~والاحتراق، وصفه بما هو لازم له فقال: {رجيم *} أي مرجوم باللعن وغيره من ~~الشهب لأجل استراق السمع مطرود عن ذلك، لأن القائل له ليس بكاهن كما ~~تعلمون، وبقي مما قالوه السحر وهو لا يحتاج إلى نفيه لأنه ليس بقول، بل هو ~~فعل صرف أو قول مقترن به، والأضغاث وهي لذلك واضحة العوار فلم يعدها، فمن ~~علم هذه الأوصاف للقرآن والرسولين الآتيين به الملكي والبشري أحبه وأحبهما، ~~وبالغ في التعظيم والإجلال، وأقبل على تلاوته في كل أوقاته، وبالغ في السعي ~~في كل ما يأمر به والهرب مما ينهى عنه، ليحصل له الاستقامة رغبة في مرافقة ~~من أتى به ورؤية من أتى من عنده. # ولما لم يدع وجها يلبس به على من لا يعرف حاله صلى الله عليه وسلم، سبب ~~عنه قوله موبخا منكرا: {فأين تذهبون *} أي بقلوبكم عن # PageV21P294 # هذا الحق المبين يا أهل مكة المدعين لغاية الفطنة وقد علمتم هذا الحفظ ~~العظيم في الرسولين الملكي والبشري فمن أين يأتي ما تدعون من التخليط في ~~هذا الكتاب العظيم الذي دل على حفظه ببرهان عجزكم عن معارضة شيء منه؟ وهو ~~استضلال لهم واستجهال على أبلغ وجه في كل ما كانوا ينسبونه إليه بحيث صار ~~ضلالهم معروفا لا لبس فيه. # ولما كان الحال قد صار في الوضوح إلى أنه إذا نبه صاحبه بمثل هذا القول ~~نظر أدنى نظر، فقال من غير وقفة: لا أين، قال: {إن} أي ما {هو} أي القرآن ~~الذي أتاكم به {إلا ذكر للعالمين *} أي شرف للخلق كلهم من الجن والإنس ~~والملائكة وموعظة بليغة عظيمة لهم. ولما تشرف الوجود كله بإظهاره فيه نوع ~~تشرف، أطلق هذه العبارة. ولما كان الذي ثم شرفه المهتدي، فكان ms5575 الوعظ والشرف ~~إنما هو له في الحقيقة قال: {لمن شاء منكم} أي أيها المخاطبون {أن يستقيم ~~*} أي يطلب القوم ويوجده. # ولما كان ذلك ربما تعنت به المتعنت في خلق الأفعال، قال نافيا # PageV21P295 # لاستقلالهم ومثبتا للكسب: {وما تشاءون} أي أيها الخلائق الاستقامة {إلا ~~أن يشاء الله} أي الملك الأعلى الذي لا حكم لأحد سواه مشيئتكم، وإن لم ~~يشأها لم تقدروا على مشيئة، فادعوه مخلصين له الدين يشأ لكم ما يرضيه ~~فيوفقكم إليه، وعن وهب بن منبه أنه قال: الكتب التي أنزلها الله على ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بضع وتسعون كتابا قرأت منها بضعا وثمانين ~~كتابا فوجدت فيها: من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر - انتهى. # ومن تأمل هذه الآية أدنى تأمل علم أن كلام المعتزلة بعدها في القدر دليل ~~على أن الإنسان إذا كان له هوى لا يرده شيء أصلا {ومن يضلل الله فما له من ~~هاد} [الرعد: 33] . # ولما وصف نفسه سبحانه بأنه لا يخرج شيء عن أمره، أتبع ذلك الوصف بما هو ~~كالعلة لذلك فقال: {رب العالمين *} أي الموجد لهم والمالك والمحسن إليهم ~~والمربي لهم وهو أعلم بهم منهم، فلأجل ذلك لا يقدرون إلا على ما قدرهم ~~عليه، ويجب على كل منهم طاعته والإقبال بالكلية عليه سبحانه وتعالى وشكره ~~استمطارا للزيادة، فلهذه الربوبية صح تصرفه في الشمس وما تبعها مما ذكر # PageV21P296 # أول السورة لإقامة الساعة لأجل حساب الخلائق، والإنصاف بينهم بقطع كل ~~العلائق، كما يفعل كل رب مع من يربيه فكيف بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين! ~~فقد التقى طرفاها على أشرف الوجوه وأجلاها، وانتظم أول الانفطار بما له من ~~بديع الأسرار، فالتكوير كالانشقاق والتفطير، والانكدار مثل التساقط ~~والانتشار، والله سبحانه هو أعلم بالصواب. # PageV21P297 # سورة الانفطار # مقصودها التحذير من الانهماك في الأعمال السيئة اغترارا بإحسان الرب ~~وكرمه ونسيانا ليوم الدين الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير، ولا تغني ~~فيه نفس عن نفس شيئا، واسمها الانفطار أدل ما فيها على ذلك) بسم الله (الذي ~~له الجلال كما أن له الجمال) الرحمن ms5576 (الذي عم بالرحمة ليشكر فغر ذلك أهل ~~الضلال) الرحيم (الذي خص من أراد بالتوفيق لما يرضى من الخصال # PageV21P298 # ولما ختمت التكوير بأنه سبحانه لا يخرج عن مشيئته وأنه موجد الخلق ~~ومدبرهم، وكان من الناس من يعتقد أن هذا العالم هكذا بهذا الوصف لا آخر له ~~«أرحام تدفع وأرض تبلع ومن مات فات وصار إلى الرفات ولا عود بعد الفوات» ~~افتتح الله سبحانه هذه بما يكون مقدمة لمقصود التي قبلها من أنه لا بد من ~~نقضه لهذا العالم وإخرابه ليحاسب الناس فيجزي كلا منهم من المحسن والمسيء ~~بما عمل فقال: {إذا السماء} أي على شدة إحكامها واتساقها وانتظامها {انفطرت ~~*} # PageV21P298 # أي انشقت شقوقا أفهم سياق التهويل أنه صار لبابها أطراف كثيرة فزال ما ~~كان لها من الكرية الجامعة للهواء الذي الناس فيه كالسمك في الماء، فكما أن ~~الماء إذا انكشف عن الحيوانات البحرية هلكت، كذلك يكون الهواء مع الحيوانات ~~البرية، فلا تكون حياة إلا ببعث جديد ونقل عن هذه الأسباب، ليكون الحساب ~~بالثواب والعقاب. # ولما كان يلزم من انفطارها وهيها وعدم إمساكها لما أثبت بها ليكون ذلك ~~أشد تخويفا لمن تحتها بأنهم يترقبون كل وقت سقوطها أو سقوط طائفة منها ~~فوقهم فيكونون بحيث لا يقر لهم قرار، قال: {وإذا الكواكب} أي النجوم الصغار ~~والكبار كلها الغراء الزاهرة المتوقدة توقد النار المرصعة ترصيع المسامير ~~في الأشياء المتماسكة التي دبر الله في دار الأسباب بها الفصول الأربعة ~~والليل والنهار، وغير ذلك من المقاصد الكبار، وكانت محفوظة بانتظام السماء ~~{انتثرت *} أي تساقطت متفرقة كما يتساقط الدر من السلك إذا انقطع تساقطا ~~كأنه لسرعته لا يحتاج إلى فعل فاعل لقوة تداعيه إلى التساقط. # ولما كان إخباره بما دل على وهي السماء مشعرا بوهي الأرض لأنها أتقن منها ~~وأشرف إذ هي للأرض بمنزلة الذكر للأنثى، # PageV21P299 # وكان الانفعال ربما أوهم أن ذلك يكون بغير فاعل، صرح بوهي الأرض معبرا ~~بالبناء للمفعول دلالة على أن الكل بفعله، وأن ذلك عليه يسير، فقال مخبرا ~~بانفطار الأراضي أيضا ليجمع بين التخويف ms5577 بالمطل والترويع بالمقل: {وإذا ~~البحار} المتفرقة في الأرض وهي ضابطة لها أتم ضبط لنفع العباد على كثرتها ~~{فجرت *} أي تفجيرا كثيرا بزوال ما بينها من البرازخ الحائلة، وقال الربيع: ~~بفيضها وخروج مائها عن حدوده فاختلط بعضها ببعض من ملحها وعذبها فصارت بحرا ~~واحدا، فصارت الأرض كلها ماء ولا سماء ولا أرض فأين المفر. # ولما كان ذلك مقتضيا لغمر القبور فأوهم أن أهلها لا يقومون كما كان العرب ~~يعتقدون أن من مات فات، قال دافعا لذلك على نمط كلام القادرين إشارة إلى ~~سهولة ذلك عليه: {وإذا القبور} أي مع ذلك كله {بعثرت} أي نبش ترابها على ~~أسهل وجه عن أهلها فقاموا أحياء كما كانوا، فرأوا ما أفظعهم وهالهم وروعهم. # ولما كانت هذه الشروط كلها التي جعلت أشراطا على الساعة موجبة لعلوم ~~دقيقة، وتكشف كل واحدة منها عن أمور عجيبة، وكانت # PageV21P300 # كلها دالة على الانتقال من هذه الدار إلى دار أخرى لخراب هذه الدار، ناسب ~~أن يجيب «إذ» بقوله: {علمت نفس} أي جميع النفوس بالإنباء بالحساب وبما يجعل ~~لها سبحانه بقوة التركيب من ملكة للاستحضار كما قال تعالى: {فكشفنا عنك ~~غطاءك} والدال على إرادة العموم التعبير بالتنكير في سياق التخويف والتحذير ~~مع العلم بأن النفوس كلها في علم مثل هذا وجهله على حد سواء، فمهما ثبت ~~للبعث ثبت للكل، ولعله نكر إشارة إلى أنه ينبغي لمن وهبه الله عقلا أن يجوز ~~أنه هو المراد فيخاف: {ما قدمت} أي من عمل {وأخرت *} أي جميع ما عملت من ~~خير أو شر أو غيرهما، أو ما قدمت قبل الموت وما أخرت من سنة تبقى بعده. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة كأنها من تمام سورة التكوير ~~لاتحاد القصد فاتصالها بها واضح وقد مضى نظير هذا - انتهى. # ولما كان ذلك خالعا للقلوب، وكان الإنسان إذا اعتقد البعث قد يقول تهاونا ~~ببعض المعاصي: المرجع إلى كريم ولا يفعل بي إلا خيرا، أنتج قوله مناديا ~~بأداة البعد لأن أكثر الخلق مع ذلك معرض، منكرا سبحانه وتعالى ms5578 على من يقول ~~هذا اغترارا بخدع الشيطان إنكارا يهد # PageV21P301 # الأركان: {يا أيها الإنسان} أي البشر الآنس بنفسه الناسي لما يعنيه {ما ~~غرك} أي أدخلك في الغرة، وهي أن ترى فعلك القبيح حسنا أو ترى أنه يعفى عنك ~~لا محالة، وذلك بمعنى قراءة سعيد بن جبير والأعمش: أغرك - بهمزة الإنكار، ~~وتزيد المشهورة معنى التعجب {بربك} أي المحسن إليك الذي أنساك إحسانه ما ~~خلقت له من خلاص نفسك بعمل ما شرعه لك. # ولما كان التعبير بالرب مع دلالته على الإحسان يدل على الانتقام عند ~~الإمعان في الإجرام لأن ذلك شأن المربي، فكان ذلك مانعا من الاغترار لمن ~~تأمل، أتبعه ما هو كذلك أيضا ظاهره لطف وباطنه جبروت وقهر، فقال للمبالغة ~~في المنع عن الاغترار، {الكريم *} أي الذي له الكمال كله المقتضي لئلا يهمل ~~الظالم بل يمهله، ولا يسوي بين المحسن والمسيء والموالي والمعادي والمطيع ~~والعاصي، المقتضي لأن يبالغ في التقرب إليه بالطاعة شكرا له، وأن لا يعرض ~~أحد عنه لأن بيده كل شيء ولا شيء بيد غيره، فيجب أن يخشى شدة بطشه لأنه ~~كذلك يكون المتصف بالكرم لا يكون إلا عزيزا، فإنه يكون شديد الحلم عظيم ~~السطوة عند انتهاك حرمته بعد ذلك الحلم فإنه يجد أعوانا كثيرة على مراده، ~~ولا يجد المعاقب عذرا في تقصيره بخلاف اللئيم # PageV21P302 # فإنه لا يجد أعوانا فلا يشتد أخذه، فصار الإنكار بواسطة هذين الوصفين أشد ~~وأغلظ من هذه الجهة، ومن جهة أنه كان ينبغي أن يستحيي من المحسن الذي لا ~~تكدير في إحسانه بوجه، فلا يعصى له أمر ولا يفرط له في حق، ومع ذلك ففي ذكر ~~هذين الوصفين تلقين الحجة، قال أبو بكر الوراق: لو سألني لقلت: غرني كرم ~~الكريم وحلمه، وقال علي رضي الله عنه: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه، وقال ~~الإمام الغزالي في شرحه للأسماء: هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا ~~أعطى زاد على منتهى الرجا، ولا يبالي لمن أعطى ولا كم أعطى، وإذا رفعت حاجة ~~إلى غيره لا يرضى، ms5579 وإذا جفى عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذ به وإليه ~~التجأ، ويغنيه عن الوسائل والشفعاء. # ولما ذكر هذين الوصفين الدالين على الكمالين، بالجلال، دل عليهما تقريرا ~~لهما بإفاضة الجود في التربية بوصف الجمال بالإكرام لئلا يعتقد الإنسان بما ~~له من الطغيان أنه حر مالك لنفسه يفعل ما يشاء فقال: {الذي خلقك} أي أوجدك ~~من العدم مهيئا لتقدير الأعضاء {فسواك} عقب تلك الأطوار بتصوير الأعضاء ~~والمنافع بالفعل {فعدلك *} أي جعل كل شيء من ذلك سليما مودعا فيه قوة ~~المنافع التي خلقه الله لها، وعدل المزاج حتى قبل الصورة، والتعديل جعل ~~البنية # PageV21P303 # متناسبة الخلقة، وكذا العدل في قراءة الكوفيين بالتخفيف أي فأمالك عن ~~تشويه الخلقة وتقبيح الصورة، وجعلك معتدلا في صورتك، وكل هذا يقتضي غاية ~~الشكر والخوف منه إن عصى، لأنه كما قدر على التسوية يقدر على التشويه وغيره ~~من العذاب. # PageV21P304 # ولما أضاء بهذا إضاءة الشمس أنه عظيم القدرة على كل ما يريد، أنتج قوله ~~معلقا ب «ركب» : {في أي صورة} من الصور التي تعرفها والتي لا تعرفها من ~~الدواب والطيور وغير ذلك من الحيوان، ولما كان المراد تقرير المعنى غاية ~~التقرير، أثبت النافي في سياق الإثبات لينتفي ضد ما أثبته الكلام فيصير ~~ثبات المعنى على غاية من القوة التي لا مزيد عليها، فقال: {ما شاء ركبك *} ~~أي ألف تركيب أعضائك وجمع الروح إلى البدن، روى الطبراني في معاجمه الثلاثة ~~برجال ثقات عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إذا أراد الله جل اسمه أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ~~ماؤه في كل عرق وعصب منها، فلما كان اليوم السابع أحضر الله له كل عرق بينه ~~وبين آدم، ثم قرأ {في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 8] » فتحرر بهذا ~~الإنسان رقيق رقا لازما، ومن خلع ربقة ذلك الرق اللازم وكل إلى نفسه فهلك. # PageV21P304 # ولما أوضح سبحانه غاية الإيضاح الدليل على قدرته على الإعادة بالابتداء، ~~وبين تعالى أنه ما أوجب للإنسان، الخسار بنسيان ms5580 هذا الدليل الدال على تلك ~~الدار إلا الاغترار، وكان الاغترار يطلق على أدنى المعنى، بين أنه ارتقى به ~~الذروة فقال: {كلا} أي ما أوقعكم أيها الناس في الإعراض عمن يجب الإقبال ~~عليه ويقبح غاية القباحة الإعراض بوجه عنه مطلق الغرور {بل} أعظمه وهو أنكم ~~{تكذبون} أي على سبيل التجديد بتحدد إقامة الأدلة القاطعة وقيام البراهين ~~الساطعة {بالدين *} أي الجزاء الذي وظفه الله في يوم البعث، فارجعوا عن ~~الغرور مطلقا خاصا وعاما، وارتدعوا غاية الارتداع {وإن} أي والحال أن ~~{عليكم} أي ممن أقمناهم من جندنا من الملائكة {لحافظين *} لهم على أعمالكم ~~غاية العلو فهم بحيث لا يخفى عليهم منها جليل ولا حقير. # ولما أثبت لهم الحفظ، نزههم عن الزيادة والنقص فقال: {كراما} أي فهم في ~~غاية ما يكونون من طهارة الأخلاق والعفة والأمانة. # ولما ثبت الحفظ والأمانة بغاية الإبانة، وكان الحافظ ربما # PageV21P305 # ينسى قال: {كاتبين *} أي هم راسخون في وصف الكتابة يكتبونها في الصحف كما ~~يكتب الشهود بينكم العهود ليقع الجزاء على غاية التحرير. # ولما أفهم الاستعلاء والتعبير بالوصف إحاطة الاطلاع على ما يبرز من ~~الأعمال، صرح به فقال: {يعلمون} أي على التجدد والاستمرار {ما تفعلون *} أي ~~تجددون فعله من خير وشر بالعزم الثابت والداعية الصادقة سواء كان مبنيا على ~~علم أو لا، فكيف يكون مع هذا تكذيب بالجزاء على النقير والقطمير هل يكون ~~إحصاء مثاقيل الذر من أعمالكم عبثا وهل علمتم بملك يكون له رعية يتركهم ~~هملا فلا يحاسبهم على ما في أيديهم وما عملوه، ولأجل تكذيبهم بالدين أكد ~~المعنى المستلزم له وهو أمر الحفظة غاية التأكيد، والتعبير بالمستقبل يدل ~~على أنهم يعلمون كل ما انقدح في القلب وخطر في الخاطر قبل أن يفعل، وأما ما ~~لم يجر في النفس له ذكر فلا يعلمونه كما بينه حديث: # «ومن هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة» . # ولما كانت نتيجة حفظ الأعمال الجزاء عليها، أنتج ذلك بيان ما كانت ~~الكتابة لأجله تفريقا بين المحسن والمسيء الذي لا يصح في حكمة حكيم ولا ms5581 كرم ~~كريم غيره بقوله على سبيل التأكيد، لأجل تكذيبهم: {إن الأبرار} أي العاملين ~~بما هو واسع لهم مما يرضي الله # PageV21P306 # جلت قدرته {لفي نعيم *} أي محيط بهم لا ينفك عنهم ولا ينفكون عنه أصلا في ~~الدنيا في نعيم الشهود، وفي الآخرة في نعيم الرؤية والوجود في هذه الدار ~~معنى وفي الآخرة حسا، فكل نعيم في الجنة لهم من المنح الآجلة فرقائقه في ~~هذه الدنيا لهم عاجلة {وإن الفجار} أي الذي شأنهم الخروج مما ينبغي ~~الاستقرار فيه من رضا الله إلى سخطه {لفي جحيم *} أي نار تتوقد غاية التوقد ~~يصلون بها جحيم العقوبة الفظيعة كما كانوا في الدنيا في جحيم البعد ~~والقطيعة. # ولما كان السياق للترهيب، وصف عذاب الفجار فقال: {يصلونها} أي يغمسون ~~فيها كالشاة المصلية فيباشرون حرها {يوم الدين *} أي الجزاء على الأعمال ~~المضبوطة على مثاقيل الذر. ولما كان العذاب على ما نعهده لا بد أن ينقضي، ~~بين أن عذابه على غير ذلك فقال: {وما} أي والحال أنهم ما {هم عنها} أي ~~الجحيم {بغائبين *} أي بثابت لهم غيبة ما عنها في وقت ما، بل هم فيها ~~خالدون جزاء لأعمالهم وفاقا وعدلا طباقا حتى الآن في دار الدنيا وإن كانوا ~~لا يحسون بها إلا بعد الموت لأن الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا. # PageV21P307 # ولما علم أن الوعيد الأعظم يوم الدين، هول أمره بالسؤال عنه إعلاما بأنه ~~أهل لأن يصرف العمر إلى الاعتناء بأمره والسؤال عن حقيقة حاله سؤال إيمان ~~وإذعان لا سؤال كفران وطغيان، ليكون أقعد في الوعيد به فقال: {وما أدراك} ~~أي أعلمك وإن اجتهدت في طلب الدراية به {ما يوم الدين *} أي أي شيء هو في ~~طوله وأهواله وفظاعته وزلزاله. ولما كانت أهواله زائدة على الحد، كرر ذلك ~~السؤال لذلك الحال فقال معبرا بأداة التراخي زيادة في التهويل: {ثم ما ~~أدراك} أي كذلك {ما يوم الدين *} . # ولما بين أنه من العظمة بحيث لا تدركه دراية دار وإن عظم وإن اجتهد، لخص ~~أمره في شرح ما يحتمله العقول منه على سبيل ms5582 الإجمال دافعا ما قد يقوله بعض ~~من لا عقل له: إن كان انضممت والتجأت إلى بعض الأكابر وقصدت بعض الأماثل ~~فأخلص قهرا أو بشفاعة ونحوها، فقال مبدلا من «يوم الدين» في قراءة ابن كثير ~~والبصريين بالرفع: {يوم} وهو ظرف، قال الكسائي: العرب تؤثر الرفع إذا ~~أضافوا الليل واليوم إلى مستقبل، وإذا أضافوا إلى فعل ماض آثروا النصب {لا ~~تملك} أي بوجه من الوجوه في وقت ما {نفس} أي نفس # PageV21P308 # كانت من غير استثناء، ونصبه الباقون على الظرف، ويجوز أن تكون الفتحة ~~للبناء لإضافته إلى غير متمكن {لنفس شيئا} أي قل أو جل، وهذا وإن كان اليوم ~~ثابتا لكنه في هذه الدار بطن سبحانه في الأسباب، فتقرر في النفوس أن ~~الموجودين يضرون وينفعون لأنهم يتكلمون ويبطشون، وأما هناك فالمقرر في ~~النفوس خلاف ذلك من أنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه إذنا ظاهرا، ولا يكون لأحد ~~فعل ما إلا بإذنه كذلك، فالأمر كله له دائما، لكن اسمه الظاهر هناك ظاهر ~~واسمه الباطن هذا مقرر لموجبات الغرور. # ولما كان التقدير: فلا أمر لأحد من الخلق أصلا، لا ظاهرا ولا باطنا، عطف ~~عليه قوله: {والأمر} أي كله {يومئذ} أي إذ كان البعث للجزاء {لله *} أي ~~مختص به لا يشاركه فيه مشارك ظاهرا كما أنه لا يشاركه فيه باطنا، ويحصل ~~هناك الكشف الكلي فلا يدعي أحد لأحد أمرا من الأمور بغير إذن ظاهر خاص، ~~وتصير المعارف بذلك ضرورية، فلذلك كان الانفطار والزلازل الكبار، والإحصاء ~~لجميع الأعمال الصغار والكبار، وقد رجع أخرها كما ترى إلى أولها، والتف ~~مفصلها بموصلها - والله الهادي للصواب. # PageV21P309 # سورة المطففين # مقصودها شرح آخر الانفطار بأنه لا بد من دينونة العباد يوم التناد بإسكان ~~الأولياء أهل الرشاد دار النعيم، والأشقياء أهل الضلال والعناد غار الجحيم، ~~ودل على ذلك بانه مربيهم والمحسن إليهم بعموم النعمة، ولا يتخيل عاقل أن ~~أحدا يربي أحدا من غير سؤال عما حمله إياه وكلفه به ولا أنه لا ينصف بعض من ~~يربيهم من بعض، واسمها التطفيف أدل ما فيها ms5583 على ذلك) بسم الله (الذي له ~~الحكمة البالغة والقدرة الكاملة) الرحمن (الذي عم بنعمة الإيجاد والبيان ~~الشاملة) الرحيم (الذي أكرم حزبه بالتوفيق لحسن المعاملة. # PageV21P310 # ولما ختم الانفطار بانقطاع الأسباب وانحسام الأنساب يوم الحساب، وأبلغ في ~~التهديد بيوم الدين وأنه لا أمر لأحد معه، # PageV21P310 # وذكر الأشقياء والسعداء، وكان أعظم ما يدور بين العباد المقادير، وكانت ~~المعصية بالبخس فيها من أخس المعاصي وأدناها، حذر من الخيانة فيها وذكر ما ~~أعد لأهلها وجمع إليهم كل من اتصف بوصفهم فحلمه وصفه على نوع من المعاصي، ~~كل ذلك تنبيها للأشقياء الغافلين على ما هم فيه من السموم الممرضة المهلكة، ~~ونبه على الشفاء لمن أراده فقال: {ويل} أي هلاك ثابت عظيم في كل حال من ~~أحوال الدنيا والآخرة {للمطففين} أي الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون ~~حقوق الناس، وفي ذلك تنبيه على أن أصل الآفات الخلق السيىء وهو حب الدنيا ~~الموقع في جمع الأموال من غير وجهها ولو بأخس الوجوه: التطفيف الذي لا ~~يرضاه ذو مروءة وهم من يقاربون ملء الكيل وعدل الوزن ولا يملؤون ولا ~~يعدلون، وكأنه من الإزالة أي أزال ما أشرف من أعلى الكيل، من الطف، وهو ما ~~أشرف من أرض العرب على ريف العراق، ومنه ما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى ~~عنهما قال: كنت فارسا فسبقت الناس حتى طفت لي الفرس مسجد بني زريق - يعني ~~أن الفرس وثب حتى كاد يساوي المسجد، ويقال: طف الرجل الحائط - # PageV21P311 # إذا علاه، أو من القرب، من قولهم: أخذت من متاعي ما خف وطف، أي قرب مني، ~~وكل شيء أدنيته من شيء فقد أطففته، والطفاف من الإناء وغيره: ما قارب أن ~~يملأه، ولا يتم ملأه، وفي الحديث: «كلكم بنو آدم طف الصاع» ، أو من الطفف ~~وهو التقتير، يقال: طفف عليه تطفيفا - إذا قتر عليه، أو من الطفيف وهو من ~~الأشياء الخسيس الدون والقليل، فكأن التضعيف للإزالة على المعنى الأول كما ~~مضى، وللمقاربة الكثيرة على المعنى الثاني أي أنه يقار ملء المكيال مقاربة ~~كبيرة مكرا وخداعا حتى ms5584 يظن صاحب الحق أنه وفى ولا يوفي، يقال: أطف فلان ~~لفلان - إذا أراد ختله، وإذا نهى عن هذا فقد نهى عما نقص أكثر بمفهوم ~~الموافقة، وعلى المعنى الثالث بمعنى التقتير والمشاححة في الكيل، وعلى ~~المعنى الرابع بمعنى التنقيص والتقليل فيه، وكأنه اختير هذا اللفظ لأنه لا ~~يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشيء اليسير جدا، هذا أصله في اللغة ~~وقد فسره الله سبحانه وتعالى فقال: {الذين إذا اكتالوا} أي عالجوا الكيل أو ~~الوزن فاتزنوا - بما دل عليه ما يأتي، وعبر بأداة الاستعلاء ليكون المعنى: ~~مستعلين أو متحاملين {على الناس} أي خاصة بمشاهدتهم كائنين من كانوا لا ~~يخافون شيئا ولا يراعون أحدا، بل صارت الخيانة والوقاحة # PageV21P312 # لهم ديدنا، وهذا الفعل يتعدى بمن وعلى، يقال: اكتال من الرجل وعليه، ~~ويجوز أن يكون اختيار التعبير بعلى هنا مع ما تقدم للإشارة إلى أنهم إذا ~~كان لهم نوع علو بأن كان المكتال منه ضعيفا خانوه فيكون أمرهم دائرا على ~~الرذالة وسفول الهمة التي لا أسفل منها {يستوفون *} أي يوجدون لأنفسهم ~~الوفاء وهو تمام الكيل بغاية الرغبة والمبالغة في الملء، فكأنه ذكر ~~«اكتالوا» ولم يذكر «اتزنوا» لأنه لا يتأتى في الوزن من المعالجة ما يتأتى ~~في الكيل، ولأنهم يتمكنون في الاكتيال من المبالغة في استيفاء المؤدي إلى ~~الزيادة ما لا يتمكنون من مثله في الاتزان، وهذا بخلاف الإخسار فإن التمكن ~~بسببه حاصل في الموضعين فلذلك ذكرهما فيه. # ولما أفهم تقديم الجار الاختصاص فأفهم أنهم إذا فعلوا من أنفسهم لا يكون ~~كذلك، صرح به فقال: {وإذا كالوهم} أي كالوا الناس أي حقهم أي ما لهم من ~~الحق {أو وزنوهم} أي وزنوا ما عليهم له من الحق، يقال: اكتال من الرجل ~~وعليه وكال له الطعام وكاله الطعام، ووزنت الرجل الشيء ووزنت له الشيء، ~~ولعله سبحانه اختار «على» في الأول والمعدى إلى اثنين في الثاني لأنه أدل ~~على # PageV21P313 # حضور صاحب الحق، فهو في غيبته أولى، فهو أدل على المرون على الوقاحة، ~~فهما كلمتان لا أربع لأنه ليس بعد ms5585 الواو ألف جمع، قال البغوي: وكان عيسى بن ~~عمر يجعلهما حرفين يقف على كالوا ووزنوا ويبتدىء هم، قال أبو عبيدة: ~~والاختيار الأولى، قال البغوي: يعني أن كل واحدة كلمة لأنهم كتبوهما بغير ~~ألف باتفاق المصاحف، وقال الزمخشري: ولا يصح أن يكون ضميرا للمطففين لأن ~~الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أن المعنى: إذا أخذوا من الناس استوفوا ~~وإذا أعطوهم أخسروا، وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك: إذا أخذوا ~~من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو ~~كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر، والتعلق في إبطاله ~~بخط المصحف وأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابته فيه ركيك لأن خط ~~المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط - انتهى. ولا شك ~~أن في خط المصحف تقوية لهذا الوجه المعنوي وتأكيدا {يخسرون *} أي يوجدون ~~الخسارة بالنقص فيما يكيلون لغيرهم، والحاصل أنهم يأخذون وافيا أو زائدا ~~ويعطون ناقصا. # PageV21P314 # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه وتعالى في سورة الانفطار ~~{وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين} [الانفطار: 10] الآية وكان مقتضى ذلك ~~الإشعار بوقوع الجزاء على جزئيات الأعمال وأنه لا يفوت عمل كما قال تعالى: ~~{وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفا بنا حاسبين} # [الأنبياء: 47] أتبع الآية المتقدمة بجزاء عمل يتوهم فيه قرب المرتكب وهو ~~من أكبر الجرائم، وذلك التطفيف في المكيال والميزان والانحراف عن إقامة ~~القسط في ذلك، فقال تعالى: {ويل للمطففين} [المطففين: 1] ثم أردف تهديدهم ~~وتشديد وعيدهم فقال: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} [المطففين: 4 ~~- 5] ثم التحمت الآي مناسبة لما افتتحت به السورة إلى ختامها - انتهى. # ولما ذكر سبحانه وتعالى أنهم أدمنوا على هذه الرذائل حتى صارت لهم خلقا ~~مرنوا عليه وأنسوا به وسكنوا إليه، وكان ذلك لا يكون إلا ممن أمن العقاب ~~وأنكر الحساب، أنتج ذلك الإنكار عليهم على أبلغ الوجوه لإفهامه أن حالهم ~~أهل لأن يتعجب منه ويستفهم عنه وأن ms5586 المستفهم عن حصوله عندهم الظن، وأما ~~اليقين فلا يتخيل فيهم لبعد أحوالهم الجافية وأفهامه الجامدة عنه فقال ~~تعالى: {ألا يظن أولئك} أي الأخساء البعداء الأرجاس الأراذل يتجدد لهم وقتا ~~من الأوقات ظن أن لم يتيقنوا بما مضى من البراهين التي أفادت أعلى رتب ~~اليقين، # PageV21P315 # فإنهم لو ظنوا ذلك ظنا نهاهم إن كان لهم نظر لأنفسهم عن أمثال هذه ~~القبائح، ومن لم تفده تلك الدلائل القاطعة ظنا يحتاط به لنفسه فلا حس له ~~أصلا {أنهم} وعبر باسم المفعول فقال: {مبعوثون *} إشارة إلى القهر على أهون ~~وجه بالبعث الذي قد ألفوا مثله من القهر باليقظة بعد القهر بالنوم {ليوم} ~~أي لأجله وفيه، وزاد التهويل بقوله: {عظيم *} أي لعظمة ما يكون فيه من ~~الجمع والحساب الذي يكون عنه الثواب والعقاب مما لا يعلمه على حقيقته إلا ~~هو سبحانه وتعالى. # PageV21P316 # ولما عظم ذلك اليوم تحذيرا منه، وزاده تعظيما بأن أتبعه على سبيل القطع ~~قوله ناصبا بتقدير «أعني» إعلاما بأن الجحد فيه بأعين جميع الخلائق فهو ~~فضيحة لا يشبهها فضيحة: {يوم يقوم} أي على الأرجل {الناس} أي كل من فيه ~~قابلية الحركة، وذلك يوم القيامة خمسين ألف سنة لا ينظر إليهم سبحانه - ~~رواه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمرو رفعه ورجاله ثقات {لرب ~~العالمين *} أي لأجل حكم موجد الخلائق ومربيهم كلهم فلا ينسى أحدا من رزقه ~~ولا يهمله من حكمه ولا يرضى بظلم أحد ممن يربيه فهو يفيض لكل من كل بحكم ~~التربية، كل ذلك من استفهام الإنكار وكله الظن، ووصف اليوم بما # PageV21P316 # وصف وغير ذلك للإبلاغ في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه، وروى الحاكم من ~~رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه رفعه: «ما نقض قوم العهد إلا ~~سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله تعالى إلا فشا فيهم الفقر، ~~وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا ~~النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر» ومن طريق ~~عطاء بن ms5587 أبي رباح عن عبد الله بن عمرو مرفوعا نحوه، وللطبراني من طريق ~~الضحاك عن مجاهد وطاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا نحوه. # ولما أنهى سبحانه ما أراد من تعظيم ذلك اليوم والتعجيب ممن لم يفده ~~براهينه أن يجوزه والإنكار عليه، وكان مع ما فيه من التقريع مفهما للتقرير، ~~نفى بأداة الردع للمبالغة في النفي مضمون ما وقع الاستفهام عنه فقال: {كلا} ~~أي لا يظن أولئك ذلك بوجه من الوجوه لكثافة طباعهم ووقوفهم مع المحسوس دأب ~~البهائم بل لا يجوزونه، ولو جوزوه لما وقعوا في ظلم أحد من يسألون عنه في ~~ذلك اليوم المهول، وما أوجب لهم الوقوع في الجرائم إلا الإعراض عنه، وقال # PageV21P317 # الحسن رحمه الله تعالى: هي بمعنى حقا متصلة بما بعدها - انتهى. وهي مع ~~ذلك مفهمة للردع الذي ليس بعده ردع عن اعتقاد مثل ذلك والموافقة لشيء مما ~~يوجب الخزي فيه. # ولما أخبر عن إنكارهم، استأنف إثبات ما أنكروه على أبلغ وجه وأفظعه مهولا ~~لما يقع لهم من الشرور وفوات السرور، مؤكدا لأجل إنكارهم فقال: {إن كتاب} ~~وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال: {الفجار} أي صحيفة ~~حساب هؤلاء الذين حملهم على كفرهم مروقهم وكذا كل من وافقهم في صفاتهم فكان ~~في غاية المروق مما حق ملابسته وملازمته، وأبلغ في التأكيد فقال: {لفي سجين ~~*} هو علم منقول في صيغة المبالغة عن وصف من السجن وهو الحبس لأنه سبب ~~الحبس في جهنم أي إنه ليس فيه أهلية الصعود إلى محل الأقداس إشارة إلى أن ~~كتابهم إذا كان في سجن عظيم أي ضيق شديد كانوا هم في أعظم، قال ابن جرير: ~~وهي # PageV21P318 # الأرض السابعة - انتهى وهو يفهم مع هذه الحقيقة أنهم في غاية الخسارة ~~لأنه يقال لكل من انحط: صار ترابا ولصق بالأرض - ونحو ذلك، ثم زاد في هوله ~~بالإخبار بأنه أهل لأن يسأل عنه ويضرب إلى العالم به - إن كان يمكن - آباط ~~الإبل فقال: {وما أدراك} أي جعلك داريا وإن اجتهدت في ذلك {ما سجين *} أي ms5588 ~~أنه بحيث لا تحتمل وصفه العقول، وهو مع ذلك في أسفل سافلين ويشهده المبعدون ~~من الشياطين وسائر الظالمين، يصعد بالميت منهم إلى السماء فتغلق أبوابها ~~دونه فيرد تهوي به الريح تشمت به الشياطين. # وكل ما قال فيه: «وما أدراك» فقد أدراه به بخلاف «وما يدريك» . # ولما أتم ما أراد من وصفه، أعرض عن بيانه إشارة إلى أنه من العظمة بحيث ~~إنه يكل عنه الوصف، واستأنف أمر الكتاب المسجون فيه فقال محذرا منه مهولا ~~لأمره: {كتاب} أي عظيم لحفظه النقير والقطمير {مرقوم *} أي مسطور بين ~~الكتابة كما تبين الرقمة البيضاء في جلد الثور الأسود، ويعلم كل من رآه أنه ~~غاية في الشر، وهو كالرقم في الثوب والنقش في الحجر لا يبلى ولا يحمى. # ولما أعلم هذا بما للكتاب من الشر، استأنف الإخبار بما أنتجه # PageV21P319 # مما لأصحابه فقال: {ويل} أي أعظم الهلاك {يومئذ} أي إذ يقوم الناس لما ~~تقدم: ولما كان الأصل: لهم، أبدله بوصف ظاهر تعميما وتعليقا للحكم به فقال: ~~{للمكذبين *} أي الراسخين في التكذيب بكل ما ينبغي التصديق به. # ولما أخبر عن ويلهم، وصفهم بما يبين ما كذبوا به ويبلغ في ذمهم فقال: ~~{الذين يكذبون} أي يوقعون التكذيب لكل من ينبغي تصديقه، مستهينين {بيوم} أي ~~بسب الإخبار بيوم {الذين *} أي الجزاء الذي هو سر الوجود {وما} أي والحال ~~أنه ما {يكذب} أي يوقع التكذيب {به إلا كل معتد} أي متجاوز للحد في العناد ~~أو الجمود والتقليد لأن محطة نسبة من ثبت بالبراهين القاطعة أنه على كل شيء ~~قدير إلى العجز عن إعادة ما ابتدأه {أثيم *} أي مبالغ في الانهماك في ~~الشهوات الموجبة للآثام، وهي الذنوب، فاسود قلبه فعمي بنظر الشهوات التي ~~حفت بها النار عما عداها. # PageV21P320 # ولما أثبت له الإبلاغ في الإثم، دل عليه بقوله بأداة التحقق: {إذا تتلى} ~~أي من أي تال كان، مستعلية بما لها من البراهين {عليه آياتنا} أي العلامات ~~الدالة على ما أريد بيانها له مع ما لها من العظمة بالنسبة إلينا {قال} أي ~~من غير ms5589 توقف ولا تأمل بل بحظ نفس أوقعه # PageV21P320 # في شهوة المغالبة التي سببها الكبر: {أساطير الأولين *} أي من الأباطيل ~~وليست كلام الله، فكان لفرط جهله بحيث لا ينتفع بشواهد النقل كما أنه لم ~~ينظر في دلائل العقل. # ولما كان هذا قد صار كالأنعام في عدم النظر بل هو أضل سبيلا لأنه قادر ~~على النظر دونها، قال رادعا له ومكذبا ومبينا لما أدى به إلى هذا القول وهو ~~لا يعتقده: {كلا} أي ليرتدع ارتداعا عظيما ولينزجر انزجارا شديدا، فليس ~~الأمر كما قال في المتلو ولا هو معتقد له اعتقادا جازما لأنه لم يقله عن ~~بصيرة {بل ران} أي غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم للسماء والصدأ للمرآة، وجمع ~~اعتبارا بمعنى «كل» لئلا يتعنت متعنت، فقال معبرا بجمع الكثرة إشارة إلى ~~كثرتهم: {على قلوبهم} أي كل من قال هذا القول {ما كانوا} أي بجبلاتهم ~~الفاسدة {يكسبون *} أي يجددون كسبه مستمرين عليه من الأعمال الردية، فإن ~~كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، فيتراكم الذنب ~~على القلب فيسود، فلذلك كانوا يقولون مثل هذا الاعتقاد، بل هو شيء يسدون به ~~المجلس ويقيمون لأنفسهم عند العامة المعاذير ويفترون به عزائم التالين بما ~~يحرقون من قلوبهم - أحرق الله قلوبهم وبيوتهم بالنار - فإنهم لا ينقطعون في ~~عصر من الأعصار ولا يخشون من # PageV21P321 # عار ولا شنار، روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة ~~سوداء فإن تاب صقل منها، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال ~~الله سبحانه وتعالى» وقال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء: قد سبق أن ~~الإنسان لا يخلو في مبدأ خلقته عن اتباع الشهوات، وكل شهوة اتبعها الإنسان ~~ارتفع منها ظلمة إلى قلبه كما يرتفع عن نفس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآه ~~الصقيلة، فإن تراكمت ظلمة الشهوات صار رينا كما يصير بخار النفس في وجه ~~المرآة عند تراكمه خبثا، فإذا تراكم ms5590 الرين صار طبعا كالخبث على وجه المرآة ~~إذا تراكم وطال زمانه غاص في جرم الحديد وأفسده وصار لا يقبل التصقيل بعده، ~~وصار كالمطبوع من الخبث ولا يكفي في تدارك اتباع الشهوات تركها في المستقبل ~~بل لا بد من محو تلك الآثار التي انطبعت في القلب كما لا يكفي في ظهور ~~الصورة في المرآة قطع الأنفاس والبخارات المسودة لوجهها في المستقبل ما لم ~~يشتغل بمحو ما انطبع فيها من الآثار، وكما يرتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي ~~والشهوات فيرتفع إليه نور من الطاعات وترك الشهوات فتنمحي ظلمة المعصية ~~بنور الطاعة، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: # «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» . # PageV21P322 # ولما كان ادعاؤهم إنما هو قول قالوه بأفواههم لا يتجاوزها عظيما جدا، ~~أعاد ردعهم عنه وتكذيبهم فيه فقال: {كلا} أي ليس الأمر كما قالوا من ~~الأساطير لا في الواقع ولا عندهم فليرتدعوا عنه أعظم ارتداع. ولما كان قول ~~الإنسان لما لا يعتقده ولا هو في الواقع كما في غاية العجب لا يكاد يصدق، ~~علله مبينا أن الحامل لهم عليه إنما هو الحجاب الذي ختم به سبحانه على ~~قلوبهم، فقال مؤكدا لمن ينكر ذلك من المغرورين: {إنهم عن ربهم} أي عن ذكر ~~المحسن إليهم وخشيته ورجائه {يومئذ} أي إذ قالوا هذا القول الفارغ. ولما ~~كان المانع إنما هو الحجاب، بني للمفعول قوله: {لمحجوبون *} فلذلك استولت ~~عليهم الشياطين والأهوية، فصاروا يقولون ما لو عقلت البهائم لاستحيت من أن ~~تقوله، والأحسن أن تكون الآية بيانا وتعليلا لويلهم الذي سبق الإخبار به، ~~ويكون التقدير: يوم إذ كان يوم الدين، ويكون المراد الحجاب عن الرؤية، ~~ويكون في ذلك بشارة للمؤمنين بها. وقال البغوي: قال أكثر المفسرين: عن ~~رؤيته، وقال: إن الإمامين الشافعي وشيخه مالكا استدلا بهذه الآية على ~~الرؤية، وأسند الحافظ أبو نعيم في الحلية في ترجمة الشافعي أنه قال: في هذه ~~الآية دلالة على أن أولياءه يرونه على صفته، وقال ابن الفضل: كما حجبهم في ~~الدنيا عن توحيده حجبهم # PageV21P323 # في الآخرة عن رؤيته، وقال ms5591 الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ~~ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا. وقال القشيري: ودليل الخطاب يوجب ~~أن يكون المؤمنون يرونه كما يعرفونه اليوم انتهى. وفيه تمثيل لإهانتهم ~~بإهانة من يمنع الدخول على الملك. # ولما بين ما لهم من العذاب بالحجاب الذي هو عذاب القلب الذي لا عذاب أشد ~~منه، لأنه يتفرع عنه جميع العذاب، شرع يبين بعض ما تفرع عنه من عذاب القالب ~~مؤكدا لأجل إنكارهم معبرا بأداة التراخي إعلاما بعلو رتبته في أنواع العذاب ~~فقال: {ثم إنهم} أي بعد ما شاء الله من إمهالهم {لصلوا الجحيم *} أي لدخلو ~~النار العظمى ويقيمون فيها مقاسون لحرها ويغمسون فيها كما تغمس الشاة ~~المصلية أي المشوية. # ولما بين ما لهم من الفعل الذي هو للقلب والقالب، أتبعه القول بالتوبيخ ~~والتبكيت الذي هو عذاب النفس، وبناه للمفعول لأن المنكىء سماعه لا كونه من ~~معين، وإشارة إلى أنه يتمكن من قوله لهم كل من يصح منه القول من خزنة النار ~~ومن أهل الجنة وغيرهم لأنه لا منعة عندهم: {ثم يقال} أي لهم بعد مدة تبكيتا ~~وتقريعا وتنديما وتبشيعا: {هذا} أي العذاب الذي هو حال بكم {الذي كنتم} # PageV21P324 # أي بما لكم من الجبلات الخبيثة {به} أي خاصة لأن تكذيبكم بغيره بالنسبة ~~إليه لما له من القباحة ولكم من الرسوخ فيه والملازمة له (؟) {تكذبون *} أي ~~توقعون التكذيب به وتجددونه مستمرين عليه. # PageV21P325 # ولما كان هذا ربما أفهم أنهم يرون جميع عذابهم إذ ذاك، نفاه بقوله: {كلا} ~~أي ليس هو المجموع بل هو فرد من الجنس فلهذا عمل عليه الجنس وهو نزلهم ~~والأمر أطم وأعظم من أن يحيط به الوصف. ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب ~~الذي جره إليهم إقبالهم على الدنيا بادئا به لأن المقام من أول السورة ~~للوعيد وصوادع التهديد، أتبعه ما للمصدقين الذين أقبل بهم إلى السعادة ترك ~~الحظوظ وإعراضهم عن عاجل شهوات الدنيا، فقال مؤكدا لأجل تكذيبهم: {إن كتاب ~~الأبرار} أي صحيفة حسنات الذين هم في غاية الاتساع في شرح صدورهم، ms5592 واتساع ~~عقولهم وكثرة أعمالهم وزكائها وغير ذلك من محاسن أمورهم {لفي عليين *} أي ~~أماكن منسوبة إلى العلو، وقع النسب أولا إلى فعلي ثم جمع وإن كان لا واحد ~~له من لفظه كعشرين وأخواته، قال الكسائي: إذا جمعت العرب ما لا يذهبون فيه ~~إلى أن له بناء من واحد واثنين فإنهم يجمعون بالواو والنون في المذكر ~~والمؤنث - انتهى، فهي درجات متصاعدة تصعد إلى الله ولا تحجب # PageV21P325 # عنه كما يحجب ما للأشقياء بعضها فوق بعض إلى ما لا نهاية له بحسب رتب ~~الأعمال، وكل من كان كتابه من الأبرار في مكان لحق به كما أن من كان كتابه ~~من الفجار في سجين لحق به، قال الرازي في اللوامع: من ترقى علمه عن الحواس ~~والأوهام وفعله عن مقتضى الشهوة والغضب فهو حقيق بأن يكون عليا، ومن كان ~~علمه وإدراكه مقصورا على الحواس والخيال والأوهام وفعله على مقتضى الشهوات ~~البهيمية فهو حقيق بأن يكون في سجين. # ولما كان هذا أمرا عظيما، زاد في تعظيمه بقوله: {وما} أي وأي شيء {أدراك} ~~أي جعلك داريا وإن بالغت في الفحص {ما عليون *} فإن وصفه لا تسعه العقول ~~ويلزمه لعلوه فضاء مطلق واتساع مبين. ولما عظم المكان فعلمت عظمة الكتاب، ~~ابتدأ الإخبار عنه على سبيل القطع زيادة في عظمته فقال: {كتاب} أي عظيم ~~{مرقوم *} أي فيه أن فلانا أمن من النار فيا له من رقم ما أحسنه وما أبهاه ~~وما أجمله. # ولما عظمه في نفسه وفي مكانه، عظمه في حضاره فقال: {يشهده المقربون *} أي ~~يحضره حضورا تاما دائما لا غيبة فيه الجماعة # PageV21P326 # الذين يعرف كل أحد أنه ليس لهم عند كل من يعتبر تقريبه إلا التقريب من ~~ابتدائه إلى انتهائه هم شهود هذا المسطور وهم الملائكة يشيعونه من سماء إلى ~~سماء ويحفون به سرورا وتعظيما لصاحبه ويشهده من في السماوات من الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام والصديقين والشهداء والصالحين، فالآية مع الأولى من ~~الاحتباك: ذكر سجين أولا دال على الاتساع ثانيا، وذكر عليين والمقربين ~~ثانيا دال على أسفل سافلين ms5593 والمبعدين أولا. # ولما عظم كتابهم بهذه الفضائل، التفتت النفي إلى معرفة حالهم فقال شافيا ~~لعي هذا الالتفات مؤكدا لأجل من ينكر: {إن الأبرار} أي الذين هذا كتابهم ~~{لفي نعيم *} أي محيط بهم ضد ما فيه الفجار من الجحيم: ولما كان لا شيء ~~أنعم للإنسان من شيء عال يجلس عليه ويمد بصره إلى ما يشتهي مما لديه، قال ~~مبينا لذلك النعيم: {على الأرائك} أي الأسرة العالية مع هذا العلو المطلق ~~في الحجال التي يعيي الفكر وصفها لما لها من العلو من ترصيع اللؤلؤ ~~والياقوت وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر {ينظرون *} أي إلى ما يشتهون من ~~الجنان والأنهار والحور والولدان، ليس لهم شغل غير ذلك وما شابهه من ~~المستلذات. وقال الإمام القشيري: أثبت النظر ولم يبين المنظور إليه ~~لاختلافهم: منهم من ينظر إلى قصوره، ومنهم من ينظر إلى حوره، ومنهم ومنهم، # PageV21P327 # والخواص على دوام الأوقات إلى الله تعالى ينظرون كما أن الفجار دائما عن ~~ربهم محجوبون. # PageV21P328 # ولما وصف نعيمهم، أخبر أنهم من عراقتهم فيه يعرفهم به كل ناظر إليهم فقال ~~تعالى: {تعرف} أي أيها الناظر إليهم - هذا على قراءة الجماعة، وقرأ أبو ~~جعفر ويعقوب بالبناء للمفعول، وهو أدل على العموم {في وجوههم} عند رؤيتهم ~~{نضرة النعيم *} أي بهجته ورونقه وحسنه وبريقه وطراوته، من نضر النبات - ~~إذا أزهر ونور، وقال الحسن رحمه الله تعالى: النضرة في الوجه والسرور في ~~القلب. # ولما كانت مجالس الأنس لا سيما في الأماكن النضرة لا تطيب إلا بالمآكل ~~والمشارب، وكان الشراب يدل على الأكل، قال مقتصرا عليه لأن هذه السور قصار ~~يقصد فيها الجمع مع الاختصار قال: {يسقون} بانيا له للمفعول دلالة على أنهم ~~مخدومون أبدا لا كلفة عليهم في شيء {من رحيق} أي شراب خالص صاف عتيق أبيض ~~مطيب في غاية اللذة، فإنهم قالوا: إن الرحيق الخمر أو أطيبها أو أفضلها أو ~~الخالص أو الصافي، وضرب من الطيب. ولا شك أن العاقل لا يشرب # PageV21P328 # الخمر مطلقا فكيف بأعلاها إلا إذا كان مستكملا لمقدماتها من مأكول ms5594 ومشروب ~~وملبوس ومنكوح وغير ذلك، ولما كان الختم لا يكون إلا لما عظمت رتبته وعزت ~~نفاسته، قال مريدا الحقيقة، أو الكناية عن نفاسته: {مختوم *} أي فهو مع ~~نفاسته سالم من الغبار وجميع الأقذاء والأقذار. # ولما كان الختم حين الفك لا بد أن ينزل من فتاته في الشراب قال: {ختامه ~~مسك} وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن المراد بختامه آخر طعمه، فيحصل أن ~~ختامه في أول فتحه وفي آخر شربه المسك، وذلك يقتضي أن لا يكون يفتحه إلا ~~شاربه، وأنه يكون على قدر كفايته فيشربه كله، والعبارة صالحة لأن يكون ~~الختام أولا وآخرا، وهو يجري مجرى افتضاض البكر. ولما كان التقدير: فيه ~~يبلغ نهاية اللذة الشاربون، عطف عليه قوله: {وفي ذلك} أي الأمر العظيم ~~البعيد المتناول وهو العيش والنعيم والشراب الذي هذا وصفه {فليتنافس} أي ~~فليرغب غاية الرغبة بجميع الجهد والاختيار {المتنافسون *} أي الذين من ~~شأنهم المنافسة وهو أن يطلب كل منهم أن يكون ذلك المتنافس فيه لنفسه خاصة ~~دون غيره لأنه نفيس جدا، # PageV21P329 # والنفيس هو الذي تحرص عليه نفوس الناس وتتغالى فيه. والمنافسة في مثل هذا ~~بكثرة الأعمال الصالحات والنيات الخالصة. # ولما ذكر الشراب، أتبعه مزاجه على ما يتعارفه أهل الدنيا لكن بما هو أشرف ~~منه، فقال مبينا لحال هذا المسقي: {ومزاجه} أي يسقون منه والحال أن مزاج ~~هذا الرحيق {من تسنيم *} علم على عين معينة وهو - مع كونه علما - دال على ~~أنها عالية المحل والرتبة، والشراب ينزل عليهم ماؤها من العلو -، وقال حمزة ~~الكرماني: ماؤها يجري على الهواء متنسما ينصب في أواني أهل الجنة على مقدار ~~الحاجة، فإذا امتلأت أمسك، وهو في الشعر اسم جبل عال وكذا التنعيم وأصله من ~~السنام، ولذلك قطعها مادحا فقال: {عينا يشرب بها} أي بسببها على طريقة ~~المزاج منها {المقربون *} أي الذين وقع تقريبهم من اجتذاب الحق لهم إليه ~~وقصر هممهم عليه، كل شراب يريدونه، وأما الأبرار فلا يشربون بها إلا ~~الرحيق، وأما غيرهم فلا يصل إليها أصلا، وقال بعضهم: إن المقربين يشربون ms5595 من ~~هذه العين صرفا، والأبرار يمزج لهم منها والفرق ظاهر - هنيا لهم. # ولما ذكر سبحانه جزاء الكافر بالجحيم وجزاء المؤمن بالنعيم، # PageV21P330 # وكان من أجل النعيم الشماتة بالعدو، علل جزاء الكافر بما فيه شماتة ~~المؤمن به لأنه اشتغل في الدنيا بما لا يغني، فلزم من ذلك تفويته لما يغني، ~~فقال مؤكدا لأن ذا المروءات والهمم العاليات والطبع السليم والمزاج القويم ~~لا يكاد يصدق مثل هذا، وأكده إشارة إلى أن من حقه أن لا يكون: {إن الذين ~~أجرموا} أي قطعوا ما أمر الله به أن يوصل {كانوا} أي في الدنيا ديدنا وخلقا ~~وطبعا وجبلة {من الذين آمنوا} أي ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان {يضحكون ~~*} أي يجددون الضحك كلما رأوهم أو ذكروهم استهزاء بهم وبحالاتهم التي هم ~~عليها من علامات الإيمان في رثاثة أحوالهم وقلة أموالهم واحتقار الناس لهم ~~مع ادعائهم أن الله تعالى لا بد أن ينصرهم ويعلي أمرهم {وإذا مروا} أي ~~الذين آمنوا {بهم} أي بالذين أجرموا في أي وقت من الأوقات يستهزئون و ~~{يتغامزون} أي يغمز بعض الذين أجرموا بعضا لأذى الذين آمنوا. # PageV21P331 # ولما وصفهم في مواضع التردد والتقلب، وصفهم في المنازل فقال: {وإذا ~~انقلبوا} أي رجع الذين أجرموا برغبتهم في الرجوع وإقبالهم عليه من غير تكره ~~{إلى أهلهم} أي منازلهم التي هي عامرة # PageV21P331 # بجماعتهم {انقلبوا} حال كونهم {فاكهين *} أي متلذذين غاية التلذذ بما كان ~~من مكنتهم ورفعتهم التي أوصلتهم إلى الاستسخار بغيرهم، قال: ابن برجان: ~~وذكر عليه الصلاة والسلام: «إن الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا - كما بدأ، ~~يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر» وفي أخرى: يكون المؤمن فيهم أذل ~~من الأمة. وفي أخرى: العالم فيهم أنتن من جيفة حمار - فالله المستعان. # ولما ذكر مرورهم بهم، ذكر مطلق رؤيتهم لهم فقال: {وإذا رأوهم} أي رأى ~~الذين أجرموا الذين آمنوا {قالوا} أي عند رؤيتهم للذين آمنوا مؤكدين لأنهم ~~يستشعرون أن كل ذي عقل يكذبهم مشيرين إلى تحقيرهم بأداة القرب: {إن هؤلاء} ~~أي الذين آمنوا {لضالون *} أي عريقون في الضلال ms5596 لأنهم تركوا الدنيا لشيء ~~أجل لا صحة له {وما} أي والحال أنهم ما {أرسلوا} أي من مرسل ما {عليهم} أي ~~على الذين آمنوا خاصة حتى يكون لهم بهم هذا الاعتناء في بيوتهم وخارجها عند ~~مرورهم وغيره {حافظين*} أي عريقين في حفظ أعمال الذين آمنوا فما اشتغالهم ~~بهم إلى هذا الحد أن كانوا عندهم في عداد الساقط المهمل كما يزعمون فما هذه ~~المراعاة المستقصية لأحوالهم وإن كانوا في عداد المنظور إليه المعتنى به ~~فليبينوا فساد حالهم بوجه تقبله العقول # PageV21P332 # ويقوم عليه دليل أو ليتبعوهم وإلا فهم غير عارفين بمواضع الإصلاح وتعاطي ~~الأمور على وجهها فما أحقهم بقول القائل: # أوردها سعد وسعد مستمل ... ما هكذا تورد يا سعد الإبل # ولما كان لا نعيم أفضل من الشماتة بالعدو لا سيما إذا كانت على أعلى ~~طبقات الشماتة قال تعالى: {فاليوم} أي فتسبب عن هذا من فعلهم في دار العمل ~~أنه يكون في دار الجزاء {الذين آمنوا} ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان {من ~~الكفار} خاصة، وهم الراسخون في الكفر من عموم الذين أجرموا، في الحشر ~~والجنة سخرية وهزؤا، فإن الذين آمنوا لا يضحكون من عصاة المؤمنين لو رأوهم ~~يعذبون بل يرحمونهم لاشتراكهم في الدين {يضحكون} قصاصا وجزاء حين يرون ما ~~هم فيه من الذل سرورا بحالهم شكرا لله على ما أعطاهم من النجاة من النار ~~والنقمة من أعدائهم، قال أبو صالح: تفتح لهم الأبواب ويقال: اخرجوا، ~~فيسرعون فإذا وصلوا إلى الأبواب غلقت في وجوههم وردوا على أقبح حال، فيضحك ~~المؤمنون - انتهى. ويا لها من خيبة وخجلة # PageV21P333 # وسواد وجه وتعب قلب وتقريع نفس من العذاب بالنار وبالشماتة والعار، حال ~~كون الذين آمنوا ملوكا {على الأرائك} أي الأسرة العالية المزينة التي هي من ~~حسنها أهل لأن يقيم المتكىء بها {ينظرون *} أي يجددون تحديق العيون إليهم ~~كلما أرادوا فيرون ما هم فيه من الهوان والذل والعذاب بعد العزة والنعيم ~~نظر المستفهم {هل ثوب} بناه للمفعول لأن الملذذ مطلق مجازاتهم {الكفار} أي ~~وقع تثويب العريقين في الكفر أي ms5597 إعطاؤهم الثواب والجزاء على أنهى ما يكون، ~~فالجملة في محل نصب «ينظرون» {ما كانوا} أي نفس فعلهم بما هو لهم كالجبلات ~~{يفعلون *} أي بدواعيهم الفاسدة ورغباتهم المعلولة، فالجملة في موضع ~~المفعول، وقد علم أن لهم الويل الذي افتتحت السورة بالتهديد به لمن يفعل ~~فعل من لا يظن أنه يجازى على فعله، وآخرها فيمن انتقص الأعراض في خفاء، ~~وأولها فيمن انتقص الأموال كذلك، وجفاء العدل والوفاء، والله الهادي ~~للصواب، وإليه المرجع والمآب وإليه المتاب. # PageV21P334 # سورة الانشقاق # مقصودها الدلالة على آخر المطففين من أن الأولياء ينعمون والأعداء ~~يعذبون، لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث ولا بالعرض على الملك الذي أوجدهم ~~ورباهم كما يعرض الملوك عبيدهم ويحكمون بينهم فينقسمون إلى أهل ثواب وأهل ~~عقاب واسمها الانشقاق أدل دليل على ذلك بتأمل الظرف وجوابه الدلال على ~~الناقد البصير وحسابه) بسم الله (ذي الجلال والإكرام) الرحمن (الذي كملت ~~نعمته فشملت الخاص والعام) الرحيم (الذي أتمها بعد العموم على أوليائه ~~فأسعدهم بإتمام الإنعام. # PageV21P335 # لما ختمت التطفيف بأن الأولياء في نعيم، وأن الأعداء في جحيم ثوابا ~~وعقابا، ابتدأ هذه بالإقسام على ذلك فقال: {إذا السماء} أي على ما لها من ~~الإحكام والعظمة والحكمة الذي لا يقدر على مثلها غيره جلت قدرته {انشقت *} ~~أي فصارت واهية وفتحت أبوابا فتخربت وتهدمت، وذلك بعد القيام من القبور كما ~~مضى في الحاقة عن إحدى روايتي ابن عباس رضي الله عنهما {وأذنت} أي كانت # PageV21P335 # شديدة الاستماع والطواعية والانقياد على أتم وجه كمن له أذن واعية ونفس ~~مطمئنة راضية {لربها} أي لأمر المخترع لها والمدبر لجميع أمرها، وهي الآن ~~وإن كانت منقادة فانقيادها ظاهر لأكثر الخلق وهم المثبتة، وأما المعطلة ~~فربما نسبوا تأثيراتها إلى الطبائع والكواكب وأما عند الانشقاق فيحصل الكشف ~~التام فلا يبقى لأحد شبهة {وحقت *} بالبناء للمفعول بمعنى أنها مجبولة على ~~أن ذلك حق عليها ثابت لها، فهي حقيقة به لأنها مربوبة له سبحانه، وكل مربوب ~~فهو حقيق بالانقياد لربه، وهي لم تزل مطيعة له في ابتدائها وانتهائها، لكن ~~هناك يكون الكشف ms5598 التام لجميع الأنام. # ولما بدأ بالعالم العلوي لكونه أشرف لأنه أعلى مكانة ومكانا، ثنى بالسفلي ~~فقال تعالى: {وإذا الأرض} أي على ما لها من الصلابة والثخانة والكثافة، ~~وأشار بالبناء للمفعول إلى سهولة الفعل فيها عليه سبحانه وتعالى وسرعة ~~انفعالها مع كونه أعجب من انشقاق السماء فإنه ربما كان في الشيء لوهيه من ~~تطاول مرور الزمان عليه بخلاف المد فقال: {مدت} أي بسطت بسط الأديم ومطت ~~فامتطت فزيد في سعتها جدا بعد أن تمهدت فصارت دكاء فزالت جبالها وآكامها ~~وتلالها، فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا كما أن الأديم إذا مد كان كذلك فزال ~~تثنيه واتسع. # PageV21P336 # ولما كان الجلد جديرا بأنه إذا مد أن يبين عن كل ما فيه من غيره قال: ~~{وألقت ما فيها} أي أخرجت ما في بطنها من الأموال والكنوز والأموات إخراجا ~~سريعا كأنها تقذفه قذفا، وذلك أيضا كالبساط إذا نقض {وتخلت *} أي تعمدت ~~وتكلفت الخلو عن ذلك والترك له بغاية جهدها، أي فعل ذلك سبحانه فعلا كانت ~~الأرض كأنها فاعلة له على هذا الوجه، فصارت خلية عن كل شيء كان في بطنها، ~~وصار بارزا على ظهرها، ولما كان هذا ربما أوهم أنه بغير أمره سبحانه وتعالى ~~قال: {وأذنت لربها} أي فعلت ذلك بإذن الخالق لها والمربي وتأثرت في ذلك عن ~~تأثيره لا بنفسها، وفعلت فيه كله فعل السميع المجيب {وحقت *} أي وكانت ~~حقيقة بذلك كما أن كل مربوب كذلك وتكرير «إذا» للتنبيه على ما في كل من ~~الجملتين من عظيم القدرة، والجواب محذوف - لأنه في غاية الانكشاف بما دل ~~عليه المقام مع ما تقدم من المطففين وما قبلها من السور وما يأتي في هذه ~~السورة تقديره: ليحاسبن كل أحد على كدحه كله فليثوبن الكفار ما كانوا ~~يفعلون وليجازين أهل الإسلام بما كانوا يعملون. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم في الانفطار التعريف بالحفظة ~~وإحصائهم على العباد في كتبهم، وعاد الكلام إلى ذكر ما يكتب على البر ~~والفاجر واستقرار ذلك في قوله تعالى: {إن كتاب الأبرار ms5599 لفي # PageV21P337 # عليين} [المطففين: 18] وقوله: {إن كتاب الفجار لفي سجين} [المطففين: 7] ~~أتبع ذلك بذكر التعريف بأخذ هذه الكتب في القيامة عند العرض، وأن أخذها ~~بالأيمان عنوان السعادة، وأخذها وراء الظهر عنوان الشقاء إذ قد تقدم في ~~السورتين قبل ذكر الكتب واستقرارها بحسب اختلاف مضمناتها فمنها ما هو في ~~عليين ومنها ما هو في سجين إلى يوم العرض، فيؤتى كل كتابه فآخذ بيمينه وهو ~~عنوان سعادته، وآخذ من وراء ظهره وهو عنوان هلاكه، فتحصل الإخبار بهذه ~~الكتب ابتداء واستقرارا وتفريقا يوم العرض، وافتتحت السورة بذكر انشقاق ~~السماء ومد الأرض وإلقائها ما فيها وتحليها تعريفا بهذا اليوم العظيم بما ~~يتذكر به من سبقت سعادته والمناسبة بينة - انتهى. # ولما كان الجواب ما ذكرته، أتبعه شرحه فقال مناديا بأداة صالحة للبعد لأن ~~المنادى أدنى الأسنان بادئا بالأولياء لأن آخر التطفيف الذي هذا شرح له ~~إدخال السرور عليهم: {يا أيها الإنسان} أي الآنس بنفسه الناسي لربه. ولما ~~كان أكثر الناس منكرا للبعث أكد فقال: {إنك كادح} أي ساع وعامل مع الجهد ~~لنفسك من خير # PageV21P338 # أو شر، وأكثره مما يؤثر خدوشا وشينا وفسادا وشتاتا، منتهيا {إلى ربك} ~~الذي أوجدك ورباك بالعمل بما يريد معنى وبالموت حسا، وأشار إلى اجتهاد كل ~~فيما هو فيه وخلق له بالتأكيد بالمصدر فقال: {كدحا} أي عظيما {فملاقيه *} ~~أي فمتعقب كدحك لقاؤك لربك، وأنه ينكشف لك أنك كنت في سيرك إليه كالمجتهد ~~في لقائه اجتهاد من يسابق في ذلك آخر، وكل ذلك تمثيل لنفوذ إرادته ومضي ~~أقضيته بسبب الانتهاء إليه، وحقيقته تلاقي جزاءه وينكشف لك من عظيم أمره ما ~~ينكشف للملاقي مع من يلقاه بسبب اللقاء، وهذا أمر أنت ساع فيه غاية السعي ~~لأن من كان الليل والنهار مطيتيه أوصلاه بلا شك إلى منتهى سفره شاء أو أبى، ~~فذكر هذا على هذا النمط حث على الاجتهاد في الإحسان في العمل لأن من أيقن ~~بأنه لا بد له من العرض على الملك أفرغ جهده في العمل بما يحمده عليه عند ~~لقائه. # ولما كان من ms5600 المعلوم أن عبيد الملك إذا عرضوا عليه، كان فيهم المقبول ~~والمردود، بسبب أن كدحهم تارة يكون حسنا وتارة يكون سيئا، قال معرفا أن ~~الأمر في لقائه كذلك على ما نعهد، فمن كان مقبولا أعطي كتاب حسناته بيمينه ~~لأنه كان في الدنيا من # PageV21P339 # أهل اليمين أي الدين المرضي، ومن كان مردودا أعطي كتابه بشماله لأنه كان ~~في الدنيا مع أهل الشمال وهو الدين الباطل الذي يعمل من غير إذن المالك، ~~فكأنه يفعل من ورائه، فترجم هذا الغرض بقوله سبحانه وتعالى مفصلا للإنسان ~~المراد به الجنس جامعا للضمير بعد أن أفرده تنصيصا على حشر كل فرد: {فأما ~~من أوتي} بناه للمفعول إشارة إلى أن أمور الآخرة كلها قهر وفي غاية السهولة ~~عليه سبحانه وتعالى، وفي هذه الدار للأمر وإن كان كذلك إلا أن الفرق في ~~انكشاف ستر الأسباب هناك فلا دعوى لأحد {كتابه} أي صحيفة حسابه التي كتبتها ~~الملائكة وهو لا يدري ولا يشعر {بيمينه} من أمامه وهو المؤمن المطيع {فسوف ~~يحاسب} أي يقع حسابه بوعد لا خلف فيه وإن طال الأمد لإظهار الجبروت ~~والكبرياء والقهر {حسابا يسيرا} أي سهلا لا يناقش فيه لأنه كان يحاسب نفسه ~~فلا يقع له المخالفة إلا ذهولا، فلأجل ذلك تعرض أعماله فيقبل حسنها ويعفو ~~عن سيئها. # PageV21P340 # ولما كان هذا دالا على العفو، أتبعه ما يدل على الإكرام فقال: {وينقلب} ~~أي يرجع من نفسه من غير مزعج برغبة وقبول {إلى أهله} أي الذين أهله الله ~~بهم في الجنة فيكون أعرف بهم وبمنزله # PageV21P340 # الذي أعد له منه بمنزله في الدنيا. ولما كانت السعادة في حصور السرور من ~~غير قيد، بنى للمفعول قوله: {مسرورا *} أي قد أوتي جنة وحريرا، فإنه كان في ~~الدنيا في أهله مشفقا من العرض على الله مغموما مضرورا يحاسب نفسه بكرة ~~وعشيا حسابا عسيرا مع ما هو فيه من نكد الأهل وضيق العيش وشرور المخالفين، ~~فذكر هنا الثمرة والمسبب لأنها المقصودة بالذات، وفي الشق الآخر السبب ~~والأصل، وقد استشكلت الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي الله ms5601 عنها هذه الآية ~~بما «روي عنها في الصحيح بلفظين أحدهما» ليس أحد يحاسب إلا هلك «والثاني» ~~من نوقش الحساب عذب «قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت: يا رسول الله! أليس ~~الله يقول {فأما من أوتي كتابه} [الانشقاق: 8] الآية، فقال: صلى الله عليه ~~وسلم: إنما ذلك العرض» فإن كان اللفظ الأول هو الذي سمعته فالإشكال فيه ~~واضح، وذلك أنه يرجع إلى كلية موجبة هي «كل من حوسب هلك» والآية مرجع إلى ~~جزئية سالبة وهي «بعض من يحاسب لا يهلك» وهو نقيض، وحينئذ يكون اللفظ ~~الثاني من تصرف الرواة، وإن كان الثاني هو الذي سمعته فطريق تقدير الإشكال ~~فيه أن يقال: المناقشة في اللغة من الاستقصاء وهو بلوغ الغاية، وذلك في ~~الحساب # PageV21P341 # بذكر الجليل والحقير والمجازاة عليه، فرجع الأمر أيضا إلى كلية موجبة هي ~~«كل من حوسب بجميع أعماله عذب» وذلك شامل لكل حساب سواء كان يسيرا أو لا، ~~لأن الأعم يشمل جميع أخصياته، والآية مثبتة أن من أعطي كتابه بيمينه يحاسب ~~عليه ولا يهلك، والصديقة رضي الله عنها عالمة بأن الكتاب يثبت فيه جميع ~~الأعمال من قوله تعالى: {لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} [الكهف: 49] ~~ومن حديث الحافظين وغير ذلك، فرجع الأمر إلى أن بعض من يحاسب بجميع أعماله ~~لا يهلك، وحينئذ فالظاهر التعارض فسألت، فأقرها صلى الله عليه وسلم على ~~الإشكال وأجابها بما حاصله أن المراد بالحساب في الحديث مدلوله المطابقي، ~~وهو ذكر الأعمال كلها - والمقابلة على كل منها، وذلك هو معنى المناقشة، ~~فمعنى «من نوقش الحساب» من حوسب حسابا حقيقيا بذكر جميع أعماله والمقابلة ~~على كل منها، وأن المراد بالحساب في الآية جزء المعنى المطابقي وهو ذكر ~~الأعمال فقط من غير مقابلة، وذلك بدلالة التضمن مجازا مرسلا لأنه إطلاق اسم ~~الكل على الجزء، ولأجل هذا كانت الصديقة رضي الله تعالى عنها تقول بعد هذا ~~في تفسير الآية: يقرر بذنوبه ثم يتجاوز عنها - كما نقله عنها أبو حيان، ~~وعلى ذلك دل قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان ms5602 عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما: # PageV21P342 # «إن الله تعالى يدني المؤمن يوم القيامة فيضع كنفه عليه ويستره ثم يقول ~~له: أتعرف ذنب كذا - حتى يذكره بذنوبه كلها ويرى في نفسه أنه قد هلك، قال ~~الرب سبحانه: سترتها عليك في الدنيا، وأنا إغفرها لك اليوم» ولفظ «كنفه» ~~يدل على ذلك فإن كنف الطائر جناحه، وهو إذا وقع فرخه في كنفه عامله بغاية ~~اللطف، فالله تعالى أرحم وألطف {وأما من أوتي} أي بغاية السهولة وإن أبى هو ~~ذلك {كتابه} أي صحيفة حسابه {وراء ظهره *} أي في شماله إيتاء مستغرقا لجميع ~~جهة الوراء التي هي علم السوء لأنه كان يعمل ما لم يأذن به الله، فكأنه عمل ~~من ورائه مما يظن أنه يخفى عليه سبحانه، فكان حقيقا بأن تعل يمينه إلى ~~عنقه، وتكون شماله إلى وراء ظهره، ويوضع كتابه فيها، وهذا احتباك: ذكر ~~اليمين أولا يدل على الشمال ثانيا، وذكر الوراء ثانيا يدل على الأمام أولا، ~~وسر ذلك أنه ذكر دليل المودة والرفق بالمصافحة ونحوها في السعيد، ودليل ~~الغدر والاغتيال في الشقي {فسوف يدعوا} أي بوعد لا محالة في وقوعه أبدا ~~{ثبورا *} أي حسرة وندما بنحو قوله: واثبوراه، وهو الهلاك الجامع لأنواع ~~المكاره كلها لأن أعماله في الدنيا كانت أعمال الهالكين. # PageV21P343 # ولما كان ذلك لا يكون إلا لبلاء كبير، أتبعه ما يمكن أن يكون علة له ~~فقال: {ويصلى سعيرا *} أي ويغمس في النار التي هي في غاية الاتقاد ويقاسي ~~حرها وهي عاطفة عليه ومحطية به لأنه كان تابعا لشهواته التي هي محفوفة بها ~~فأوصلته إليها وأحاطت به. # ولما ذكر هذا العذاب الذي لا يطاق، أتبعه سببه ترهيبا منه واستعطافا إلى ~~التوبة وتحذيرا من السرور في دار الحزن، فقال مؤكدا تنبيها على أنه لا ~~ينبغي أن يصدق أن عاقلا يثبت له سرور في الدنيا: {إنه كان} أي بما هو له ~~كالجبلة والطبع {في أهله} أي في دار العمل {مسرورا *} أي ثابتا له السرور ~~بطرا بالمال والجاه فرحا به مخلدا إليه مترفا مع الفراغ والفرار ms5603 عن ذكر ~~حساب الآخرة كما قال في التي قبلها {وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا ~~فاكهين} [المطففين: 31] ، لا يحزن أحدهم لذنب عمله ولا لقبيح ارتكبه، بل ~~يسر بكونه يأتي له ذلك فهو يحاسب في الآخرة حسابا عسيرا، وينقلب إلى أعدائه ~~مغموما كسيرا، وقد بان أن الكلام من الاحتباك: ذكر الحساب اليسير الذي هو ~~الثمرة والمسبب أولا يدل على حذف ضده ثانيا، وذكر السرور في الأهل الذي هو ~~السبب في الثاني يدل على حذف ضده وهو سبب السعادة وهو # PageV21P344 # الغم ومحاسبة النفس في الأول، فهو احتباك في احتباك، ثم علل ثبات سروره ~~فقال مؤكدا تنبيها أيضا على أنه لا يصدق أن أحدا ينكر البعث مع ما له من ~~الدلائل التي تفوت الحصر: {إنه ظن} لضعف نظره {أن} أي أنه {لن يحور *} أي ~~يرجع إلى ربه أو ينقص أو يهلك # {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} ~~[الجاثية: 24] فلهذا كان يعمل عمل من لا يخاف عاقبة {بلى} ليرجعن صاغرا ~~ناقصا هالكا، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لأجل من ينكر: {إن ربه} أي الذي ابتدأ ~~إنشاءه ورباه {كان} أزلا وأبدا {به} أي هذا الشقي في إعادته كما كان في ~~ابتدائه وفي جميع أعماله وأحواله التي لا يجوز في عدل عادل ترك الحساب ~~عليها {بصيرا *} أي ناظرا له وعالما به أبلغ نظر وأكمل علم، فتركه مهملا مع ~~العلم بأعماله مناف للحكمة والعدل والملك، فهو شيء لا يمكن في العقل بوجه. # PageV21P345 # ولما أخبر سبحانه بإنكاره لما أتاه به الرسل من الحشر على وجه موضح ~~للدليل على بطلان إنكاره ولم يرجع، سبب عنه الإقسام على صحة ذلك لأنه ليس ~~عند النذير الناصح الشفوق بعد إقامة الأدلة إلا # PageV21P345 # بالإيمان على صحة ما قال نظرا منه للمنصوح وشفقة عليه، وكان ترك الحلف ~~على ما هو ظاهر أبلغ من الحلف لما في ذلك الترك من تنبيه المخاطب على النظر ~~والتأمل فقال: {فلا أقسم} أي أحلف حلفا عظيما هو كقاموس البحر بهذه الأمور ~~التي سأذكرها لما ms5604 لها من الدلالة على القدرة على الإبداء والإعادة، لا أقسم ~~بها وإن كانت في غاية العظم بما لها من الدلالات الواضحة لأن المقسم عليه ~~أجل منها وأظهر فهو غني عن الإقسام {بالشفق *} أي الضياء الذي يكون في ~~المغرب عقب غروب الشمس أطباقا حمرة ثم صفرة ثم كدرة إلى بياض ثم سواد، ~~وكذلك الليل أوله بياض بغبرة ثم تتزايد غبرته قليلا إلى أن يسود مربادا ~~فيوسق كل شيء ظلاما، سمي شفقا لرقته ومنه الشفقة لرقة القلب {واليل} أي ~~الذي يغلبه فيذهبه {وما وسق *} أي جمع في بطنه وطرد وساق من ذلك الشفق ومن ~~النهار الذي كان قبله والنجوم التي أظهرها وغير ذلك من الغرائب التي تدل ~~على أن موجده بعد أن لم يكن ومذهب ما كان به قادر على الإبداء والإعادة وكل ~~ما يريد {والقمر} أي الذي هو آيته {إذا اتسق *} أي انتظم واستوى واجتمع ~~كماله وتم أمره ليلة إبداره بعد أن كان قد غاب أصلا ثم بدأ هلالا خفيا ~~ضئيلا دقيقا ولم يزل يزداد حتى يتم ثم ينقص إلى أن يخفى # PageV21P346 # ثم يعود إلى حاله دليلا أظهر من الشمس على قدرة موجده كذلك على كل أمر من ~~الإبداء والإعادة. # ولما كانت هذه الأمور عظيمة جدا لا يقدر عليها إلا الله تعالى ولها من ~~المنافع ما لا يعلمه حق علمه إلا هو سبحانه وتعالى، وكل منها مع ذلك دال ~~على تمام قدرته تعالى على الذي يراد تقريره في العقول وإيضاحه من القدرة ~~التامة على إعادة الشيء كما كان سواء، ونفي الإقسام بها دليلا على أن ذلك ~~في غاية الظهور، فالأمر فيه غني عن الإقسام، قال في موضع جواب القسم مقرونا ~~باللام الدالة على القسم ذاكرا ما هو في الظهور والبداهة بحيث لا يحتاج إلى ~~تنبيه عليه بغيره ذكره: {لتركبن} أي أيها المكلفون - هذا على قراءة الجماعة ~~بضم الباء دلالة على حذف واو الجمع، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتحها ~~على أن الخطاب للانسان باعتبار اللفظ {طبقا} مجاوزا {عن طبق *} أي حالا ms5605 بعد ~~حال من أطوار الحياة وأدوار العيش وغمرات الموت ثم من أمور البرزخ وشؤون ~~البعث ودواهي الحشر بدليل ما كان لكم قبل ذلك سواء بتلك القدرة التي كونت ~~تلك الكوائن وأوجدت تلك العجائب سواء، فتكونون في تمكن الوجود في # PageV21P347 # كل طبق بحال التمكن على الشيء بالركوب، وكل حال منها مطابق للآخر في ذلك ~~فإن الطبق ما يطابق غيره، ومنه قيل للغطاء: طبق - لمطابقته المغطى، والطبق ~~كل ما ساوى شيئا ووجه الأرض والقرن من الزمان أو عشرون سنة، وكلها واضح ~~الإرادة هنا وهو بديهي الكون، فأول أطباق الإنسان جنين، ثم وليد، ثم رضيع ~~ثم فطيم، ثم يافع، ثم رجل، ثم شاب، ثم كهل، ثم شيخ، ثم ميت، وبعده نشر ثم ~~حشر ثم حساب ثم وزن ثم صراط ثم مقر، ومثل هذه الأطباق المحسوسة أطباق ~~معنوية من الفضائل والرذائل. # PageV21P348 # ولما ظهر المراد ولم يبق إلا العناد، سبب عن ذلك الإنكار عليهم والتوبيخ ~~والتقريع والتهديد، فقال معرضا عن خطابهم إلى الغيبة إيذانا باستحقاقهم ~~للأخذ إن لم يرجعوا: {فما لهم} أي وأي شيء لهؤلاء الذين أنزلنا عليهم هذا ~~الكتاب المعجز في أنهم {لا يؤمنون *} أي يوقعون الإيمان ويجددونه كل وقت ~~على الاستمرار بكل ما دعا إليه هذا الكتاب الذي خصهم بهم ملك الملوك وقد ~~وضحت الدلالة وقامت البراهين لا سيما دلائل القيامة هل هي إلا واحدة من هذه ~~الأطباق المنتقل إليها لأن من كان اليوم على حالة وغدا على أخرى جدير # PageV21P348 # بأن يعلم أن تدبيره إلى سواه، ومن لم يعلم ذلك فليس لجنونه دواء، ومن علم ~~أن تدبيره إلى سواء علم أن المشيئة في التدبير - إليه لا إلى نفسه، وقيل ~~لأبي بكر الوراق: ما الدليل على الصانع؟ قال: تحويل الحالات وعجز القوة ~~وضعف الأركان وقهر المشيئة، وفسخ العزيمة. {وإذا قرىء} أي من أي قارىء كان ~~{عليهم القرآن} أي الجامع لكل ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم الفارق بين كل ~~ملتبس من الحرام والحلال وغير ذلك {لا يسجدون *} أي يخضعون بالقلب ويتذللون ~~للحق بالسجود اللغوي فيسجدون ms5606 بالقالب السجود الشرعي لتلاوته لأنه ملك ~~الكلام، قد أبان عن معارف لا تحصر، مع الشهادة لنفسه بإعجازه أنه من عند ~~الله، ليس لهم في ذلك عذر إلا الجهل أو العجز، ولا جهل مع القرآن ولا عجز ~~مع القوة والاختيار. # ولما كان هذا استفهاما إنكاريا معناه النفي، فكان التقدير: إنهم لا ~~يؤمنون ولا عذر لهم في ذلك أصلا، أضرب عنه بقوله: {بل} ووضع الظاهر موضع ~~المضمر تعميما وتنبيها على الوصف الذي حملهم على التكذيب فقال: {الذين ~~كفروا} أي ستروا مرائي عقولهم الدالة على الحق {يكذبون *} أي بالقرآن وبما ~~دل عليه من # PageV21P349 # حقائق العرفان المعلية إلى أوج الإيمان بالواحد الديان {والله} أي والحال ~~أن الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما {أعلم} أي منهم أنفسهم {بما يوعون *} ~~أي يضعون في أوعية صدورهم من الكفر والعداوة بسبب الشهوات الشاغلة لهم وهي ~~حب الرئاسة وادعاء الألوهية الشاغلة لهم عن التدبر لهذا القرآن وعن شواهد ~~الموجودات. # ولما كان هذا موجبا لشديد الإنذار، وضع موضعه تهكما بهم وإعلاما بأن ~~الغضب قد بلغ منتهاه قوله: {فبشرهم} أي أخبرهم يا أفضل الخلق وأكملهم ~~وأعدلهم خبرا يغير إبشارهم {بعذاب أليم *} أي شديد الألم لشدة إيلامه، إن ~~كان لهم يوما من الأيام بشارة فهي هذه. # ولما أخبر عنهم بهذا الهوان، وكان قد عبر عنهم بأدنى الأسنان إشارة إلى ~~أن منهم من يقبل الإيمان، استثنى منهم فقال: {إلا الذين آمنوا} أي أقروا ~~بالإيمان {وعملوا} دلالة على صدق إيمانهم {الصالحات} . # ولما تقدم أن من حوسب عذب، وأن الناجي إنما يكون حسابه عرضا، علم أنه ليس ~~للأعمال دخل في الحقيقة في الأجر، وإنما المدار كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم على التغمد بالرحمة حتى في تسمية النعيم أجرا، # PageV21P350 # أسقط الفاء المؤذنة بالسبب تنبيها على ذلك بخلاف ما في سورة التين لما ~~يأتي من اقتضاء سياقها للفاء فقال: {لهم أجر} أي عظيم وثواب جزيل يعلمه ~~الله تعالى وهو التجاوز عن صغائرهم وسترها {غير ممنون *} أي مقطوع أو منقوص ~~أو يمتن عليهم به في الدنيا ms5607 والآخرة يؤتون ذلك في يوم الدين يوم تنشق ~~السماء وتمد الأرض ويثوب الكفار ما كانوا يفعلون، فقد رجع آخرها على أولها، ~~واعتلق مفصلها حق الاعتلاق بموصلها. # PageV21P351 # سورة البروج # مقصودها الدلالة على القدرة على مقصود الانشقاق الذي هو صريح آخرها من ~~تنعيم الولي وتعذيب الشقي بمن عذبه في الدنيا ممن لا يمكن في العادة أن ~~يكون عذابه ذلك إلا من الله وحده تسلية لقلوب المؤمنين وتثبيتا لهم على أذى ~~الكافرين، وعلى ذلك الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما) الرحمن (الذي عم الخلائق ~~عدلا وحلما) الرحيم (الذي خص أولياءه بإتمام النعمة عليهم عينا كما أظهره ~~رسما. # PageV21P352 # لما ختم تلك بثواب المؤمن وعقاب الكافر والاستهزاء به بعد أن ذكر أنه ~~سبحانه أعلم بما يضمر الأعداء من المكر وما يرومون من الأنكاد للأولياء ~~وتوعدهم بما لا يطيقون، وكانوا قد عذبوا المؤمنين بأنواع العذاب واجتهدوا ~~في فتنة من قدروا عليه منهم، وبالغوا في التضييق عليهم حتى ألجؤوهم إلى شعب ~~أبي طالب وغيره من ### | البروج # في البلاد، ومفارقة الأهل والأولاد، ابتدأ هذه بما أوقع بأهل الجبروت # PageV21P352 # ممن تقدمهم على وجه معلم أن ذلك الإيقاع منه سبحانه قطعا، ومعلم أن ~~الماضين تجاوزوا ما فعل هؤلاء إلى القذف في النار، وأن أهل الإيمان ثبتوا، ~~وذلك لتسلية المؤمنين وتثبيتهم، وتوعيد الكافرين وتوهيتهم وتفتيتهم، فقال ~~مقسما لأجل إنكارهم وفعلهم في التمادي في عداوة حزب الله فعل المنكر أن ~~الله ينتقم لهم بما يدل على تمام القدرة على القيامة: {والسماء} أي العالية ~~غاية العلو المحكمة غاية الإحكام {ذات البروج *} أي المنازل للكواكب ~~السيارة التي ركبها الله تعالى على أوضاع جعل في بعضها قوة التسبب للإبداء ~~والإعادة بالإنبات وفي بعضها قوة التربية كذلك، وفي الأخرى قوة الاستحصاد ~~بأسباب خفية أقامها سبحانه لا ترونها، غير أنكم لكثرة إلفكم لذلك صرتم ~~تدركون منه بالتجارب أمورا تدلكم على تمام القدرة، فنسبها بعضكم إلى ~~الطبيعة لقصور النظر في أسباب الأسباب وكلال الفكر عن النفوذ إلى نهاية ما ~~تصل إليه الألباب، فاستبدل بالشكر الكفر، واستدل بالآيات على ms5608 ضد ما تدل ~~عليه لجمود الذهن وانعكاس الفكر، والمراد بها المنازل الاثنا عشر: # PageV21P353 # الحمل - والثور - والجوزاء - والسرطان - والأسد - والسنبلة - والميزان - ~~والعقرب - والقوس - والجدي - والدلو - والحوت - وهي تقطعها الشمس في السنة، ~~أو هي الثمانية والعشرون التي يقطعها القمر في الشهر، وهي منازل الشمس هذه ~~الاثنا عشر بسير القمر في كل واحد منها يومين وثلثا، فذلك ثمانية وعشرون ~~يوما ويستسر ليلتين، فذلك شهر، وهو إشارة إلى أن الذي فصل السماء هذا ~~التفصيل وسخر فيها هذه الكواكب لمصالح الإنسان لا يتركه سدى، بل لا بد من ~~دينونته على ما يفعله من خير وشر شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة وتكون ~~فيها الثوابت وعظام الكواكب، سميت بروجا لظهورها، أو أبواب السماء فإن ~~النوازل تخرج منها، وأصل التركيب للظهور. # ولما كانت هذه الجملة من القسم دالة على البعث قال تصريحا: {واليوم ~~الموعود *} أي يوم القيامة الذي تحقق الوعد به وثبت ثبوتا لا بد منه بما دل ~~عليه من قدرتنا في مخلوقاتنا وأنا سببنا له أسبابا هي عتيدة لديكم وأنتم لا ~~ترونها ولا تحسون شيئا منها ولم تبينها لكم الرسل لقصور عقولكم عنها بأكثر ~~من الدلالة بالأسباب التي ألفتموها # PageV21P354 # على مثلها من غير فرق غير أنه وإن كان العقل لا يستقل به ولا يفقه منه ~~غير السماء للوعد به من الرسل فهو لا يحيله بعد سماعه. # ولما كان الجمع لأجل العرض، وكان العرض لا بد فيه من شهود ومشهود عليهم ~~وجدال على عهود، قال منكرا للإبهام للتعظيم والتعميم مثل {علمت نفس ما ~~أحضرت} [التكوير: 14] : {وشاهد} أي كريم من الأولياء {ومشهود *} أي في نفسه ~~من الأعيان والآثار الهائلة، أو عليه فإنه يوم تشهده جميع الخلائق، ويحضر ~~فيه من العجائب أمور يكل عنها الوصف، ويحضره الأنبياء الشاهدون وأممهم ~~المشهود عليهم، ولا تبقى صغيرة من الأعمال ولا كبيرة إلا أحصيت، وفي ذلك ~~أشد وعيد لجميع العبيد. # ولما كان جواب القسم على ما دل عليه مقصود السورة وسوابقها ولواحقها: ~~لنثوبن الفريقين الأولياء والأعداء، ولندينن كلا بما عمل، دل عليه بأفعاله ~~في ms5609 الدنيا ببعض الجبابرة فيما مضى، وفيما يفعل بجبابرة من كذب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال بادئا بمن عذب بعذاب الله في القيامة للبداءة في آخر ~~الانشقاق بقسم المكذبين وهم المحدث عنهم، معبرا بما يصلح للدعاء والحقيقة ~~تسلية للمؤمنين وتثبيتا لهم بما وقع لأمثالهم، وتحذيرا مما كان لأشكالهم: ~~{قتل} أي لعن بأيسر أمر # PageV21P355 # وأسهله من كل لاعن لعنا لا فلاح معه، ووقع في الدنيا أنه قتل حقيقة ~~{أصحاب الأخدود *} أي الخد العظيم، وهو الشق المستطيل في الأرض كالنهر، روي ~~أن ملكا من الكفار - وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان من حمير - من ~~ملوك اليمن، وكان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة، آمن في ~~زمانه ناس كثير، فخد لهم أخدودا في الأرض وسجره نارا وعرض من آمن عليه، فمن ~~رجع عن دينه تركه، ومن ثبت - وهم الأغلب - قذفه في ذلك الأخدود فأحرقه. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: وردت هذه السورة في معرض الالتفات ~~والعدول إلى إخبار نبي الله صلى الله عليه وسلم بما تضمنته هذه السورة من ~~قصة أصحاب الأخدود، وقد تقدم هذا الضرب في سورة المجادلة وسورة النبأ، ~~وبينا وقوعه في أنفس السور ومتونها وهو أقرب فيما بين السورتين وأوضح - ~~أنتهى. # ولما ذمهم سبحانه وتعالى، بين وجه ذمهم ببدل اشتمال من أخدودهم فقال: ~~{النار} أي العظيمة التي صنعوها لعذاب أوليائنا، وزاد في تعظيمها بقوله: ~~{ذات الوقود *} أي الشيء الذي نوقد به من كل ما يصلح لذلك من الحطب وغيره، ~~وعلق ب «قتل» قوله: {إذ هم} أي بظواهرهم وضمائرهم {عليها} أي على جوانب ~~أخدودها # PageV21P356 # {قعود *} أي يحفظونها ويفعلون مما يأمرهم ملكهم في أمرها من إلقاء الناس ~~وغيره فعل القاعد المطمئن الذي ليس له شغل غيرها {وهم على ما يفعلون} أي ~~خاصة بقوة دواعيهم إلى فعله ورغبتهم فيه من الفتنة بالعرض على النار وغيره ~~مكررين ذلك الفعل {بالمؤمنين} أي الراسخين في الإيمان الذي لم يثنهم العذاب ~~عنه {شهود *} أي يشهد بعضهم لبعض عند الملك أنه ms5610 لم يقصر فيما أمره به ~~ويشهدون يوم القيامة بما تشهد به عليهم أيديهم وأرجلهم على أنفسهم بهذا ~~الظلم، ويشهد بعضهم على بعض ويعادي بعضهم بعضا، ويحيل كل على الآخر طمعا في ~~النجاة. # PageV21P357 # ولما كان هذا الفعل العظيم لا يكون من عاقل إلا لسبب يليق به، بين أنه ~~إنما هو لسبب يبعد منه، فقال على طريقة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # {وما نقموا} أي أنكروا وكرهوا {منهم} من الحالات وكان دينا لهم ونقصا ~~فيهم {إلا أن يؤمنوا} أي يجددوا الإيمان مستمرين عليه {بالله} أي الملك ~~الأعلى الذي له جميع صفات الكمال. # PageV21P357 # ولما كان ربما أوهم ترك معالجته سبحانه لهم لكونهم يعذبون من آمن به لأجل ~~الإيمان به ما لا يليق، نفى ذلك بقوله واصفا له بما يحقق وجوب العبادة له ~~وتفرده بها: {العزيز} أي الذي يغلب من أراد ولا يغلبه شيء، فلا يظن إمكانه ~~من أهل ولايته لعجز، بل هو يبتليهم ليعظم أجورهم ويعظم عقاب أعدائهم ويعظم ~~الانتقام منهم {الحميد *} أي المحيط بجميع صفات الكمال، فهو يثيب من أصيب ~~فيه أعظم ثواب، وينتقم ممن آذاه بأشد العذاب، وقرر ذلك بقوله: {الذي له} أي ~~خاصة {ملك السماوات والأرض} أي على جهة العموم مطلقا، فكل ما فيهما جدير ~~بأن يعبده وحده ولا يشرك به شيئا. # ولما قدم سبحانه التحذير بالشاهد والمشهود، وأن الكافرين شهود على ~~أنفسهم، زاد في التحذير بأنه سبحانه أعظم شهيد في ذلك اليوم وغيره فهو لا ~~يحتاج إلى غيره، ولكنه أجرى ذلك على ما نتعارفه فقال: {والله} أي الملك ~~الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة {على كل شيء} أي هذا الفعل وغيره {شهيد *} ~~أي أتم شهادة لا يغيب عنه شيء أصلا، ولا يكون شيء ولا يبقى إلا بتدبيره، ~~ومن هو بهذه الصفات العظيمة لا يهمل أولياءه أصلا، بل لا بد أن # PageV21P358 # ينتقم لهم من أعدائه ويعليهم بعلائه، ولذلك قال مستأنفا جوابا لمن يقول: ~~فما فعل بهم؟ مؤكدا لإنكار الكفار ذلك: {إن الذين فتنوا} أي خالطوا ms5611 من ~~الأذى بما لا تحتمله القوى فلا بد أن يميل أو يحيل في أي زمان كان ومن أي ~~قوم كانوا {المؤمنين والمؤمنات} أي ذوي الرسوخ في وصف الإيمان. # ولما كانت التوبة مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان، عبر بأداة التراخي ~~فقال: {ثم لم يتوبوا} أي عن ذنوبهم وكفرهم. ولما كان سبحانه لا يعذب أحدا ~~إلا بسبب، سبب عن ذنبهم وعدم توبتهم قوله: {فلهم} أي خاصة لأجل كفرهم {عذاب ~~جهنم} أي الطبقة التي تلقى داخلها بغاية الكراهة والتجهم، هذا في الآخرة ~~{ولهم} أي مع ذلك في الدارين لأجل فتنتهم لأولياء الله {عذاب الحريق *} أي ~~العذاب الذي من شأنه المبالغة في الإحراق بما أحرقوا من قلوب الأولياء، وقد ~~صدق سبحانه قوله هذا فيمن كذب النبي صلى الله عليه وسلم بإهلاكهم شر إهلاك ~~مغلوبين مقهورين مع أنهم كانوا قاطعين بأنهم غالبون كما فعل بمن كان قبلهم، ~~فدل ذلك على أنه على كل شيء قدير، فدل على أنه يبدىء ويعيد. # PageV21P359 # ولما ذكر عقاب المعاندين بادئا به لأن المقام له، أتبعه ثواب العابدين، ~~فقال مؤكدا لما لأعدائهم من إنكار ذلك: {إن الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان ~~ولو على أدنى الوجوه من المقذوفين في النار وغيرهم من كل طائفة في كل زمان ~~{وعملوا الصالحات} تصديقا لإيمانهم وتحقيقا له. ولما كان الله سبحانه من ~~رحمته قد تغمد أولياءه بعنايته ولم يكلهم إلى أعمالهم لم يجعلها سبب ~~سعادتهم فلم يقرن بالفاء قوله: {لهم} أي جزاء مقاساتهم لنيران الدنيا من ~~نار الأخدود الحسية التي ذكرت، ومن نيران الغموم والأحزان المعنوية التي ~~يكون المباشر لأسبابها غيره سبحانه فيكون المقاسي لها مع حفظه للدين ~~كالقابض على الجمر {جنات} أي فضلا منه {تجري} وقرب منالها بالجار فقال: {من ~~تحتها} أي تحت غرفها وأسرتها وجميع أماكنها {الأنهار} يتلذذون ببردها في ~~نظير ذلك الحر الذي صبروا عليه في الدنيا ويروقهم النظر إليها مع خضرة ~~الجنان والوجوه الحسان الجالبة للسرور الجالية للأحزان. # ولما ذكر هذا الذي يسر النفوس ويذهب البؤس، فذلكه بقوله: {ذلك} أي الأمر ms5612 ~~العالي الدرجة العظيم البركة {الفوز} # PageV21P360 # أي الظفر بجميع المطالب لا غيره {الكبير *} كبرا لا تفهمون منه أكثر من ~~ذكره بهذا الوصف على سبيل الإجمال، وذلك أن من كبره أن هذا الوجود كله يصغر ~~عن أصغر شيء منه. # PageV21P361 # ولما كان لا يثيب ويعذب على هذا الوجه إلا من كان في غاية العظمة، قال ~~معللا لفعله ذلك دالا بذلك التعلل على ما له من العظمة التي تتقاصر الأفكار ~~دون عليائها، مؤكدا لما للأعداء من الإنكار: {إن بطش ربك} أي أخذ المحسن ~~إليك المدبر لأمرك أعداء الدين بالعنف والسطوة وغاية الشدة {لشديد *} أي ~~شدة يزيد عنفها على ما في البطش من العنف المشورط في تسميته، فهو عنف ~~مضاعف. # ولما كان هذا البطش لا يتأتى إلا لكامل القدرة، دل على كمال قدرته ~~واختصاصه بذلك بقوله مؤكدا لما لهم من الإنكار: {إنه} وزاد التأكيد بمبتدأ ~~آخر ليدل على الاختصاص فقال: {هو} أي وحده {يبدىء} أي يوجد ابتداء أي خلق ~~أراد على أي هيئة أراد {ويعيد *} أي ذلك المخلوق بعد إفنائه في أي وقت ~~أراده، وغيره لا يقدر على شيء من ذلك، وليس هذا الضمير بفصل لأنه لا يكون ~~إلا والخبر لا يكون إلا معرفة، أو شبيه بها في أنه لا يلحقه «أل» المعرفة ~~مثل خير منك، وأجاز المازني وقوعه قبل المضارع لمشابهته الاسم وامتناع دخول ~~«أل» عليه # PageV21P361 # فأشبه المعرفة، وقال: ولا يكون قبل الماضي لأن الماضي لا يشبه الاسم، قال ~~الرضي: وما قاله دعوى بلا حجة ومثل «ومكر أولئك هو يبور» ليس بنص في كونه ~~فصلا لجواز كونه مبتدأ بما بعده خبره، ونقض قوله في الماضي بقوله تعالى: ~~{وإنه هو أضحك وأبكى} [النجم: 43] . # ولما ذكر سبحانه بطشه، وكان القادر على العنف قد لا يقدر على اللطف، وإن ~~قدر فربما لم يقدر على الإبلاغ في ذلك، وكان لا يقدر على محو الذنوب ~~أعيانها وآثارها على كل أحد بحيث لا يحصل لصاحبها عقاب ولا عتاب من أحد ~~أصلا إلا من كان قادرا على كل شيء، قال مبينا ms5613 لجميع ذلك دليلا على أنه ~~الفاعل المختار، ومؤكدا لخروجه عن العوائد: {وهو} أي وحده {الغفور} أي ~~المحاء لأعيان الذنوب وآثارها إذا أراد بحيث لا يحصل لمن محا ذنبه كدر من ~~جهة ذلك الذنب أصلا {الودود *} أي الذي يفعل بمن أراد فعل المحب الكثير ~~المحبة فيجيبه إلى ما شاء ويلقي على صاحب الذنب الذي محاه عنه ودا أي محبة ~~كبيرة واسعة ويجعل له في قلوب الخلق رحمة، ومادة «ود» تدور على الاتساع كما ~~بينته في سورة الروم، وزاد الأمر تأكيدا بذكر ما # PageV21P362 # لا ينازع أصلا في اختصاصه به تشريفا له وتنبيها على أنه أعظم المخلوقات: ~~{ذو العرش} أي العز الأعظم أو السرير الدال على اختصاصه الملك بالملك ~~وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة، الذي به قوام الأمور {المجيد *} أي ~~الشريف الكريم العظيم في ذاته وصفاته الحسن الجميل الرفيع العالي الكثير ~~العطاء - هذا إذا رفع على أنه صفة ل «ذو» وكذا إن جر على أنه صفة للعرش في ~~قراءة حمزة والكسائي. # ولما كان الاختصاص يدل قطعا على كمال القدرة، أنتج ذكر هذه الاختصاصات ~~قوله: {فعال} أي على سبيل التكرار والمبالغة {لما يريد *} لا يؤده شيء من ~~الأفعال سواء كانت منسوبة إليه من غير واسطة أو نسبت في الظاهر إلى غيره. ~~ولما تمت الدلالة على أن بطشه شديد، قرره بما وجد من ذلك وذكره به تخويفا ~~وتسلية له لأن النظر في المحسوسات أمكن في النفوس فقال: {هل أتاك} أي يا ~~أعظم خلقنا {حديث الجنود *} أي اذكر ما أتاك مما حدث لهم من بطشنا وما وقع ~~بهم من سطواتنا لتكذيبهم رسلنا عليهم أفضل الصلاة والسلام بحيث صار حديثا ~~يتلى، وذكرا بين الخلق لعظمته لا يبلى، والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر ~~المعد للقتال والأعوان والمدينة، والكل ناظر إلى النجدة العظيمة والغلبة ~~الزائدة. # ولما كان المعلوم من السياق أن المراد من حديثهم ما حصل لهم # PageV21P363 # من البطش لتكذيب الرسل لا سيما في البعث الذي السياق له، وكان الواقع من ~~بيانه بآيات موسى وصالح عليهما الصلاة والسلام أبين ms5614 مما وقع بآيات غيرهم ~~ممن تقدم زمنه على هذه الأزمنة، وكانت أمة كل نبي من النبيين وأتباع فرعون ~~تحوي أصنافا من الخلق كثيرة، حكي أن طليعته يوم تبع بني إسرائيل وغرق كانت ~~ستمائة ألف، أبدل من «الجنود» إعلاما بأنهم أعداء الله قوله: {فرعون} وكذا ~~أتباعه الذين كانوا أشد أهل زمانهم وأعتاهم وأكثرهم رعونة في دعوى الإلهية ~~منه والتصديق منهم وكان هذا من عماوة قلوبهم مع ظهور علامات الربوبية ~~السماوية والأرضية، والرسوخ في التكذيب والسفه والخفة والطيش مع رؤية تلك ~~الآيات العظيمة على كثرتها وطول زمنها حتى دخل البحر على أمان من الغرق مع ~~أن خطر الغرق به في تلك الحالة لم يكن يخفى على من له أدنى مسكة من عقله ~~فأغرقه الله ومن معه أجمعين ولم يبق منهم أحدا، فلعنة الله عليه وعلى من ~~كان معه من أتباعه وأتباعهم الطائفة الاتحادية العربية الفارضية الذين يكفي ~~في ظهور كفرهم تصويبهم فرعون الذي أجمع على كفره جميع الفرق {وثمود *} ~~الذين حملتهم الخفة # PageV21P364 # على أن عقروا الناقة بعد رؤيتهم إياها تتكون من الصخرة الصماء غير مجوزين ~~أن الذي خرق العادة بإخراجها ذلك يهلكهم في شأنها، وقد جمع سبحانه بهما بين ~~العرب والعجم والإهلاك بالماء الذي هو حياة كل شيء والصيحة التي هي أمارة ~~الساعة، وإنما كانت آياتهما أبين لأن آية ثمود ناقة خرجت من صخرة صماء، ومن ~~آيات موسى عليه الصلاة والسلام إبداع القمل الذي لا يحصى كثرة من الكثبان، ~~وإبداع الضفادع كذلك والجراد وإحياء العصا مرة أخرى، ولا شك عند عاقل أن من ~~قدر على ذلك ابتداء من شيء لا أصل في الحياة فهو على إعادة ما كان قبل ذلك ~~حيا أشد قدرة. # ولما كان التقدير: نعم قد أتاني ذلك وعلمت من خبرهما وغيره أنك قادر على ~~ما تريد، ولكن الكفار لا يصدقونني، عطف عليه قوله: {بل الذين كفروا} أي ~~جاهروا بالكفر من هؤلاء القوم وغيرهم وإن كانوا في أدنى رتبة {في تكذيب *} ~~أي لما رأوا من الآيات لا مستند لهم فيه ms5615 وهو شديد محيط بهم لاتباعهم ~~أهواءهم وتقليدهم آباءهم، فهم لا يقدرون على الخروج من ذلك التكذيب الذي ~~صار ظرفا لهم بعد سماعهم لأخبار هؤلاء المهلكين ورؤية بعض آثارهم، وبعد ما ~~أقمت لهم من الأدلة على البعث في هذا القرآن المعجز، ولم يعتبروا # PageV21P365 # بشيء من ذلك لما عندهم من داء الحسد، فحالهم أعجب من حالهم فحذرهم مثل ~~مآلهم. # ولما كان هذا ربما أوهم أن تكذيبهم على غير مراده سبحانه وتعالى، قال ~~دافعا لذلك مؤكدا قدرته على أخذهم تحذيرا لهم وتسلية لمن كذبوه: {والله} أي ~~والحال أن الملك الذي اختص بالجلال والإكرام {من ورائهم} أي من كل جهة ~~يوارونها أو تواريهم، وذلك كل جهة {محيط *} فهو محيط بهم من كل جهة بعلمه ~~وقدرته، فهو كناية عن أنهم في قبضته لا يفوتونه بوجه كما أنه لا يفوت من ~~صار في القبضة بإحاطة العدو به من غير مانع، فهو سبحانه قادر على أن يحل ~~بهم ما أحل بأولئك، ولعله خص الوراء لأن الإنسان يحمي ما وراءه ولأنه جهة ~~الفرار من المصائب. # ولما كان من تكذيبهم، وهو أعظم تكذيبهم، طعنهم في أعظم آيات القرآن بأن ~~يقولوا: هو كذب مختلق، إنما هو أساطير الأولين، أي أكذوباتهم لا حقائق لما ~~يخبر به مع أنه قد أقام الدليل الأعظم لنفسه بنفسه بما له من الإعجاز على ~~أنه حق، قال معبرا بالضمير إيذانا بأنه # PageV21P366 # لعظمه في كل قلب لا غيبة له أصلا، ليس لأحد حديث إلا فيه، بانيا على ما ~~تقديره: ليس الأمر كما يزعم الكفار في القرآن: {بل هو} أي هذا القرآن الذي ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد {قرآن} أي ~~جامع لكل منقبة جليلة بالغ الذروة العليا في كل شرف {مجيد *} أي شريف كريم ~~ليس فيه شيء من شوائب الذم عزيز عظيم شريف عال جواد حسن الخلال وحيد في ~~نظمه ومعانيه المغيبة والمشاهدة حاو لمجامع الحمد ليس بقول مخلوق ولا هو ~~مخلوق بل هو صفة الخالق بل هو جواد بكل ms5616 ما يراد منه من المحاسن لمن صدقت ~~نيته وطهرت طويته، وعلت همته وكرمت سجيته، فهو يأبي له مجده أن يلم بساحته ~~طعن بوجه من الوجوه، ومجده تجريب أحكامه من بين عاجل ما شهد وآخل ما علم ~~بعالم ما شهد، فكان معلوما بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي ~~وما شهد له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه ~~وأشكاله، فكذب من قال إنه شعر أو كهانة أو سحر - أو غير ذلك من الأباطيل. # ولما وصفه في نفسه مما يأبي له لحاق شيء من شبهة، وصف محله في الملأ ~~الأعلى إعلاما بأنه لا يطرأ عليه ما يغيره فقال: {في لوح} # PageV21P367 # وهو كل صفيحة عريضة من خشب أو عظم أو غيرهما {محفوظ *} أي له الحفظ دائما ~~على أتم الوجوه من كل خلل ومن أن يصل إليه إلا الملائكة الكرام، قال حجة ~~الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب الموت من الأحياء: يعبر عنه تارة ~~باللوح، وتارة بالكتاب المبين، وتارة بإمام مبين، فجمع ما جرى في العالم ~~وما سيجري مكتوب فيه كتبا لا يشاهد بهذه العين، وليس مما نعهده من الألواح، ~~فلوحه تعالى لا يشبه ألواح خلقه كما أن ذاته تعالى لا تشبه ذوات خلقه، ~~ومثاله مثال قلب الإنسان في حفظ القرآن مثلا كلماته وحروفه، ولو فتش قلبه ~~لم يوجد فيه شيء ولا ينظر ذلك إلا نبي أو ولي يقرب من درجته - هذا معنى ~~كلام الإمام رحمه الله تعالى، وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن فحفظه من ~~التغيير والتبديل والتحريف وكل شبهة وريب في نظمه أو معناه كما أن البروج ~~محفوظة في لوح السماء المحفوظ، بل القرآن بذلك أولى لأنه صفة الخالق في ~~بيان وصفه لما خلق على الوجه الأتم الأعدل لأنه ترجمة ما أوجده الله سبحانه ~~في الوجود، فصح قطعا أنه لا بد أن يصدق في كل ما أخبر به، ومن أعظمه أنه ~~سبحانه يحشر الناس للدينونة بالثواب والعقاب كما دان من كذب أولياءه في ~~الدنيا # PageV21P368 # بمثل ذلك فأخذ أعداءه ms5617 وأنجى أولياءه، فرجع الختام منها على المبتدأ، ~~وتعانق الافتتاح بالمنتهى، فاقتضى ذلك تنزيه المتكلم به عن أن يترك شيئا ~~فضلا عن الأنفس بغير حفظ وعن كل ما لا يليق، وإثبات الكمالات له والأكمليات ~~بكل طريق - والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وإليه المهرب ~~والمتاب. # PageV21P369 # سورة الطارق # مقصودها بيان مجد القرآن فيب ضصدقه فيب الإخبار بتنعيم أهل الإيمان، ~~وتعذيب أهل الكفران، في يوم القيامة حين تبلى السرائر وتكشف المخبات ~~الضمائر عن مثقال الذر وما دون المثقال، مما دونته الحفطة الكرام في صحائف ~~الأ " مال، بعد استيفاء الآجال، كما قدر في أزل الآزال، من غير استعجال، ~~ولا تأخير عن الوقت المضروب ولا إهمال، واسمها الطارق أدل ما فيها على هذا ~~الموعود الصادق بتأمل القسم والمقسم عليه حسب ما اتسق الكلام إليه) بسم ~~الله (الذي له الكمال كله) الرحمن (الذي وسع الخلائق فضله وعدله) الرحيم ~~(الذي خص أولياءه بتوفيقه فظهر عليهم جوده وإحسانه وكرمهع وفضله. # PageV21P370 # لما تقدم في آخر البروج أن القرآن في لوح محفوظ لأن منزله محيط بالجنود ~~من المعاندين وبكل شيء، أخبر أن من إحاطته حفظ كل فرد من جميع الخلائق ~~المخالفين والموافقين والمؤالفين، # PageV21P370 # ليجازى على أعماله يوم إحقاق الحقائق وقطع العلائق، فقال مقسما على ذلك ~~لإنكارهم له: {والسماء} أي ذات الأنجم الموضوعة لحفظها من المردة لأجل حفظ ~~القرآن المجيد الحافظ لطريق الحق، قال الملوي: والمراد بها هنا ذات الأفلاك ~~الدائرة لا السماوات العلى بما جعل فيها من ليل ونهار ودورتهما ثلاثمائة ~~وستين درجة لا تتغير أبدا في هذه الدار بنقص ولا زيادة بنصف درجة ولا دقيقة ~~ولا ثانية ولا ما دون ذلك، بل كلما زاد أحدهما شيئا نقص من الآخر بحسابه ~~عرف ذلك من العقل والنقل والتجربة فعرف أنه يحفظ حفيظ حي لا يموت، قيوم لا ~~يغفل ولا ينام - انتهى. # ولما أقسم بالسماء لما لها من الشرف والمجد تنبيها على ما فيها من بدائع ~~الصنع الدالة على القدرة الباهرة. أقسم بأعجب ما فيها وهو جنس النجوم ثم ~~بأعربه وهو المعد ms5618 للحراسة تنبيها على ما في ذلك من غرائب القدرة فقال: ~~{والطارق} أي جنس الكواكب الذي يبدو ليلا ويخفى نهارا، ويطرق مسترقي السمع ~~فيبدد شملهم ويهلك من أراد الله منهم لأجل هداية الناس بالقرآن في الطرق ~~المعنوية وظهوره وإشراقه في السماء لهدايتهم في الطرق الحسية وهو في الأصل # PageV21P371 # لسالك الطريق، واختص عرفا بالآتي ليلا لأنه يجد الأبواب مغلقة فيحتاج إلى ~~طرقها، ثم استعمل للبادي فيه كالنجم. # ولما كان الطارق يطلق على غير النجم أبهمه أولا ثم عظم المقسم به بقوله: ~~{وما أدراك} أي عرفك يا أشرف خلقنا عليه الصلاة والسلام وإن حاولت معرفة ~~ذلك وبالغت في الفحص عنه {ما الطارق *} ثم زاده تهويلا بتفسيره بعد إبهامه ~~مرة أخرى بقوله تعالى: {النجم الثاقب *} أي المتوهج العالي المضيء كأنه ~~يثقب الظلام بنوره فينفذ فيه، يقال: أثقب نارك للموقد، أو يثقب بضوئه ~~الأفلاك فتشف عنه، أو يثقب الشيطان بناره إذا استرق السمع، والمراد الجنس ~~أو معهود بالثقب وهو زحل، عبر عنه أولا بوصف عام ثم فسره بما يخصه تفخيما ~~لشأنه لعلو مكانه. # ولما ذكر الذي دل به على حفظ القرآن عن التلبيس وعلى حفظ الإنسان، ذكر ~~جوابه في حفظ النفوس التي جعل فيها قابلية لحفظ القرآن في الصدور، ودل على ~~حفظ ما خلق لأجلها من هذه الأشياء المقسم بها على حفظ الإنسان لأنها إذا ~~كانت محفوظة عن أدنى زيغ وهي مخلوقة لتدبير مصالحه فما الظن به؟ فقال مؤكدا ~~غاية التأكيد لما للكفرة من إنكار ذلك والطعن فيه # PageV21P372 # {إن} بالتخفيف من الثقيلة في قراءة الجمهور أي أن الشأن {كل نفس} أي من ~~الأنفس مطلقا لا سيما نفوس الناس {لما عليها} أي بخصوصها لا مشارك لها في ~~ذاتها {حافظ *} أي رقيب عتيد لا يفارقها، والمراد به الجنس من الملائكة، ~~فبعضهم لحفظها من الآفات، وبعضهم لحفظها من الوساوس، وبعضهم لحفظ أعمالها ~~وإحصائها بالكتابة، وبعضهم لحفظ ما كتب لها من رزق وأجل وشقاوة أو سعادة ~~ومشي؟ ونكاح وسفر وإقامة، فلا يتعدى شيئا من ذلك نحن قسمنا نحن قدرنا، ms5619 فإن ~~قلت: إن الحافظ الملائكة، صدقت، وإن قلت: إنه الله، صدقت، لأنه الآمر لهم ~~والمقدر على الحفظ، والحافظ لهم من الوهن والزيغ، فهو الحافظ الحقيقي، ~~واللام في هذه القراءة هي الفارقة بين المخففة والنافية «وما» مؤكدة بنفي ~~صدر ما أثبتته الجملة، «وحافظ» خبر «إن» ويجوز أن يكون الظرف الخبر، و ~~«حافظ» مرتفع به، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد «لما» على أنها بمعنى ~~«إلا» و «إن» نافية بمعنى «ما» ، والمستثنى منه «كل نفس» وخبر النافية ~~محذوف تقديره: كائنة أو موجودة أو نحوهما، والمستثنى «نفس» موصوفة ب «عليها ~~حافظ» ويحتمل أن يكون حالا فمحله يحتمل # PageV21P373 # الرفع بأنه خبر النافي في هذا الاستثناء المفرغ عند بني نميم، والنصب ~~بأنه خبر عند غيرهم، أو حال من «نفس» ، لأنها عامة، والتقدير: ما كل نفس ~~موجودة إلا نفس كائنا أو كائن عليها حافظ، والنسبة بين مفهومي القراءتين أن ~~المشدد أخص لأنها دائمة مطلقة، والمخففة مطلقة عامة، ولا يظن أن المشددة ~~غير مساوية للمخففة، فضلا عن أن تكون أخص لأن حرف النفي دخل على «كل» وهو ~~من أسوار السلب الجزئي كما تقرر في موضعه فينحل إلى أن بعض النفوس ليس إلا ~~عليها حافظ وإنما كان لا يظن ذلك لأنها تنحل لما فيها من الحصر المتضمن ~~للنفي والإثبات إلى جملتين، إحداهما إثبات الحفظ للنفس الموصوفة والأخرى ~~سلب نقيضه عنها، لأنه من قصر الموصوف على الصفة. # ونقيض الكلية الموجبة الجزئية السالبة أي ليس كل نفس عليها حافظ والسالبة ~~الجزئية أعم من السالبة الكلية، فإذا نفيتها قلت: ليس ليس كل نفس عليها ~~حافظ فهو سلب السلب الجزئي، وإذا سلب السلب الجزئي سلب الكلي لما تبين أنه ~~أخف. وإذا انتفى الأعم انتفى الأخص فلا شيء من الأنفس ليس عليها حافظ، ~~فانحل الكلام إلى: لا نفس # PageV21P374 # كائنة إلا نفس عليها حافظ، وإن كان لفظ «ليس كل» من أسوار الجزئية لما ~~مضى، فصارت الآية على قراءة التشديد مركبة من مطلقة عامة هي «كل نفس عليها ~~حافظ» بالفعل. # ومن سلب نقيضها وهو الدائمة ms5620 المطلقة الذي هو «دائما ليس كل نفس عليها ~~حافظ» ورفعه بأن يقال: ليس دائما ليس كل نفس ليس عليها حافظ، أي ليس دائما ~~كل نفس ليس عليها حافظ، وذلك على سبيل الحصر وقصر الموصوف على الصفة، معناه ~~أن الموصوف لا يتعدى صفته التي قصر عليها، فأقل الأمور أن لا يتجاوزها إلى ~~عدم الحفظ، وذلك معنى الدائمة المطلقة وهو الحكم بثبوت المحمول للموضوع ما ~~دام ذات الموضوع موجودة، وهي على قراءة التخفيف مطلقة عامة أي حكم فيها ~~بثبوت المحمول للموضوع بالفعل وهو الجزء الأول مما انحلت إليه قراءة ~~التشديد، فمفهوم الآية في قراءة التشديد أخص منه في قراءة التخفيف، لأن كل ~~دائم كائن بالفعل، ولا ينعكس - هذا إذا نظرنا إلى نفس المفهوم من اللفظ مع ~~قطع النظر عن الدلالة الخارجية، وأما بالنظر إلى نفس الأمر فالجهة الدوام ~~فلا فرق، غير أنه دل عليها باللفظ في قراءة التشديد دون قراءة التخفيف ~~والله تعالى أعلم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى: لما قال الله # PageV21P375 # سبحانه وتعالى في سورة البروج {والله على كل شيء شهيد} [البروج: 9] ~~{والله من ورائهم محيط} [البروج: 20] وكان في ذلك تعريف العباد بأنه سبحانه ~~وتعالى لا يغيب عنه شيء ولا يفوته شيء ولا ينجو منه هارب، أردف ذلك بتفصيل ~~يزيد إيضاح ذلك التعريف الجملي من شهادته سبحانه وتعالى على كل شيء وإحاطته ~~به فقال تعالى {إن كل نفس لما عليها حافظ} [الطارق: 4] فأعلم الله سبحانه ~~وتعالى بخصوص كل نفس ممن يحفظ أنفاسها «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد» ~~ليعلم العبد أنه ليس بمهمل ولا مضيع، وهو سبحانه وتعالى الغني عن كتب ~~الحفظة وإحصائهم وشهادة الشهود من الأعضاء وغيرهم، وإنما كان ذلك لإظهار ~~عدله سبحانه وتعالى {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} [النساء: 40] ولا أقل من ~~المثقال، ولكن هي سنته حتى لا يبقى لأحد حجة ولا تعلق، وأقسم سبحانه وتعالى ~~على ذلك تحقيقا وتأكيدا يناسب القصد المذكور - انتهى. # ولما كان التقدير: لأنه لا بد له من ms5621 العرض على الخالق سبحانه وتعالى لأن ~~التوكيل بالإنسان لا يكون إلا لعرضه على الملك الديان صاحب الأمر والبرهان ~~ومحاسبته له على ما كان، كان التقدير: يحفظ أعمالها # PageV21P376 # ويكتبها ليحاسبها الملك على ذلك، فتسبب عنه قوله تعالى: {فلينظر} أي ~~بالبصيرة {الإنسان} أي الآنس بنفسه الناظر في عطفه إن كان يسلك في ذلك {مم} ~~أي من أي شيء، وبنى للمفعول العامل في من أمر بالنظر وهو قوله: {خلق *} ~~إعلاما بأن الدال هو مطلق الخلق، وتنبيها على تعظيم الفاعل بأن العلم به ~~غير محتاج إلى ذكره باللفظ لأنه لا يقدر على صنعة من صنائعه غيره، وأمر ~~الإنسان بهذا النظر ليعلم بأمر مبدئه أمر معاده، فإن من قدر على الابتداء ~~قدر على الإعادة قطعا، فإذا صح عنده ذلك اجتهد في أن لا يملي على حافظيه ~~إلا ما يرضي الله تعالى يوم عرضه على الملك الديان ليسره وقت حسابه. # ولما نبه بالاستفهام على أن هذا أمر جدا ينبغي لكل أحد أن يترك جميع ~~مهماته ويتفرغ للنظر فيه فإنه يكسبه السعادة الأبدية الدائمة، وكان الإنسان ~~- مع كونه ضعيفا عاجزا - لا ينفك عن شاغل ومفتر، فلا يكاد يصح له نظر، تولى ~~سبحانه وتعالى شرح ذلك عنه فأجاب الاستفهام بقوله: {خلق} أي الإنسان على ~~أيسر وجه وأسهله بعد خلق أبيه آدم عليه الصلاة والسلام من تراب، وأمه حواء ~~عليها السلام من ضلعه {من ماء دافق *} أي هو - لقوة دفق الطبيعة له - # PageV21P377 # كأنه يدفق بنفسه فهو إسناد مجازي، والدفق لصاحبه، أو هو مثل «لابن» أي ذي ~~دفق، والدفق صب فيه دفع، ولم يقل: ماءين - إشارة إلى أنهما يجتمعان في ~~الرحم ويمتزجان أشد امتزاج بحيث يصيران ماء واحدا. # ولما كان المراد به ماء الرجل وماء المرأة قال: {يخرج} وبعض بإثبات الجار ~~فأفهم الخروج عن مقره بقوله: {من بين الصلب} أي صلب الرجل وهو عظم مجتمع من ~~عظام مفلكة أحكم ربطها غاية الإحكام من لدن الكاهل إلى عجب الذنب {والترائب ~~*} أي ترائب المرأة وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة، وصوبه ابن ms5622 جرير، أو ~~ما ولي الترقوتين منه، أو ما بين الثديين والترقوتين أو أربعة أضلاع من ~~يمنة الصدر، وأربعة من يسرته، أو اليدان والرجلان والعينان، وعلى كل تقدير ~~شهوتها من أمامها وشهوة الرجل فيما غاب عنه من ورائه، ولو نزع الخافض لأفهم ~~أن الماء يملأ البين المذكور ولم يفهم أنه يخرج عن صاحبي البين، قال ~~البيضاوي: ولو صح أن النطفة تتولد # PageV21P378 # من فضل الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى تستعد لأن يتولد منها ~~مثل تلك الأعضاء، ومقرها عروق ملتف بعضها بالبعض عند الأنثيين، فلا شك أن ~~الدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها، ولذلك تشبهه ويسرع الإفراط في ~~الجماع بالضعف فيه وله خليفة وهو النخاع وهو في الصلب، وشعب كثيرة نازلة ~~إلى الترائب وهما أقرب إلى أوعية المني فلذلك خصا بالذكر. وقال الملوي: ~~فالذي أخرجه من ظروف عظام الصلب والترائب إلى أن صيره في محله من الأنثيين ~~إلى أن دفق واعتنى بعد ذلك بنقله من خلق إلى خلق بعد كل أربعين يوما إلى أن ~~صيره إنسانا يعقل ويتكلم ويبني القصور، ويهدم الصخور، قادر على بعثه. # ولما علم بالحفظ والخلق في الأطوار المشار إليها أنه خلق لأمر عظيم وهو ~~الحساب، وثبت بالقدرة على ابتدائه من هذا الماء وبتطويره في الحالات المشار ~~إليها بذكر الماء، المعلومة لكل أحد القدرة على الإعادة بلا فرق إلا كون ~~الإعادة على ما نعرف أسهل، وكان العرب ينكرونها، قال مؤكدا استئنافا لمن ~~يقول: قد نظرت في ذلك فمه: {إنه} # PageV21P379 # أي خالقه القادر على ما ذكر من شؤونه المدلول على عظمه ببناء «خلق» ~~للمفعول {على رجعه} أي رجع الإنسان بالعبث ورده إلى حالته الأولى وخلقه ~~الأول كما كان قبل الموت وعلى رد هذا الماء الدافق إلى مجاريه التي خرج ~~منها وحله إلى المائية بعد انعقاده عظما ولحما ودما {لقادر *} أي لثابتة ~~قدرته على ذلك أتم ثبات، فمن أيسر ما يكون عنده سبحانه وتعالى رده بعد ~~شيخوخته على عقبه بأن يجعله كهلا ثم شابا ثم طفلا ثم مضغة ثم علقة ms5623 ثم نطفة ~~ثم يدفعه إلى ذكر الرجل ورحم المرأة ثم إلى صلبه وترائبها وهو أهون عليه، ~~وذلك كقدرته على رده بالبعث، وعبر ب «أنه» ولم يقل: إن الله - مثلا لأنه ~~أقعد لأنه يقال لكل إنسان: من أخرجك على هذه الهيئة فصيرك على هذه الصفة؟ ~~فإذا قال: القادر على كل شيء بقدرته الكاملة، قيل له: وبتلك القدرة بعينها ~~يعيدك، ولو سمى له اسم غير الضمير لكان ربما قال: ليس هو خالقي. # PageV21P380 # ولما كان هذا يحرك السامع غاية التحريك لأن يقول: معتى تكون رجعه له؟ قال ~~مجيبا له: {يوم تبلى} وبناه للمفعول إشارة مع التنبيه على السهولة إلى أن ~~من الأمر البين غاية البيان أن الذي يبلوها # PageV21P380 # هو الذي يرجعها، وهو الله سبحانه وتعالى من غير احتياج إلى ذكره {السرائر ~~*} أي كل ما انطوت عليه الصدور من العقائد والنيات، وأخفته الجوارح من ~~الإخلال بالوضوء والغسل ونحو ذلك من جميع الجنايات، بأن تخالط السرائر في ~~ذلك اليوم، وهو يوم القيامة، من الأمور الهائلة ما يميلها فيحيلها عما هي ~~عليه فتعود جهرا بعد أن كانت سرا، فيميز طيبها من خبيثها ويجازى عليه ~~صاحبه. # ولما كان المانع من جزائه عند إظهار سرائره إما هو نفسه أو أحد ينصره، ~~قال مسببا عن إظهار ما يجتهد في إخفائه: {فما له} أي الإنسان الذي أخرجت ~~سرائره، وأعرق في التعميم والنفي فقال: {من قوة} أي يمنع بها نفسه من ~~الجزاء {ولا ناصر *} أي ينصره فيمنعه من نفوذ الحكم فيه. وليس الدفع إلا ~~بهذين الأمرين: قوة قائمة به أو قوة خارجة عنه. # ولما اشتملت هذه الجمل على وجازتها على الذروة العليا من البلاغة في ~~إثبات البعث والجزاء والوحدانية له سبحانه وتعالى إلى غير ذلك من بحور ~~العلوم، فثبت أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، فثبت أن # PageV21P381 # كل ما فيه حق مع منازعتهم في ذلك كله، اقتضى الحال الإقسام على حقيته ~~فقال: {والسماء} أي التي كان المطلع الإقسام بها ووصفها بما يؤكد العلم ~~بالعبث الذي الذي هو منبع العلوم والتقوى فعليه ms5624 مدار السعادة فقال: {ذات ~~الرجع *} التي ترجع بالدوران إلى الموضع الذي ابتدأت الدوران منه فترجع ~~الأحوال التي كانت وتصرمت من الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب والفصول ~~من الشتاء وما فيه من برد ومطر، والصيف وما فيه من حر وصفاء وسكون وغير ذلك ~~والنبات بعد تهشمه وصيرورته ترابا مختلطا بتراب الأرض وترجع الماء على قول ~~من يقول: إن السحاب يأخذه من البحر ويعلو به فيعصره في الهواء ثم يرده إلى ~~الأرض - وغير ذلك من الأمور الدال كل منها قطعا على أن فاعل ذلك قادر على ~~إعادة كل ما فني كما كان من غير فرق أصلا. # ولما ذكر الأمر العلوي بادئا به لشرفه، أتبعه السفلي فقال تعالى: ~~{والأرض} أي مسكنكم الذي أنتم ملابسوه ومعانوه كل وقت وملامسوه {ذات الصدع ~~*} أي التي تتصدع وتنشق فيخرج منها النبات # PageV21P382 # والعيون بدءا وإعادة دلالة ظاهرة على البعث، فجمع بالقسم العالم العلوي ~~الذي هو كالرجل والسفلي الذي هو كالمرأة، فكما أن الرجل يسقيها من مائه ~~فتصدع عن الولد، فكذلك السماء تسقي الأرض فتتصدع عن النبات وكما أنها تتصدع ~~عن النبات بعد فنائه وصيرورته رفاتا فيعود كما كان فكذلك تتصدع عن الناس ~~بعد فنائهم فيعودون كما كانوا بإذن ربها من غير فرق أصلا. # ولما كانت هذه كلها براهين قاطعة ودلائل باهرة ساطعة على حقية القرآن ~~وإتيانه بأعلى البيان، فكان من المستبعد جدا طعنهم في القرآن بعد هذا ~~البيان، قال تعالى منبها على ذلك بالتأكيد معبرا بالضمير إشارة لما مضى إلى ~~أنه المحدث عنه الآن، فهو الثابت في جميع الأذهان لا غيبة له عن شيء منها ~~أصلا {إنه} أي القرآن الذي أخبر بهذه الإخبارات التي هي في غاية الوضوح ~~وتقدم أنه مجيد وفي لوح محفوظ، وأن الكفرة في تكذيب به ولا سيما ما تضمن ~~منه الإخبار بالبعث: {لقول فصل *} أي جدا يراد به فصل الأمور، وله من ~~العراقة في الفرق بين الحق والباطل ما صار به يطلق عليه نفس الفصل، ثم أكد ~~الأمر لشدة إنكارهم وجحدهم وتغطيتهم الحق بالباطل ms5625 فقال: {وما هو} # PageV21P383 # أي القرآن في باطنه ولا ظاهره {بالهزل *} أي بالضعيف المرذول الذي لا ~~طائل تحته، فمن حقه ما هو عليه الآن من كونه مهيبا في القلوب معظما في ~~الصدور يرتفع به قارئه وسامعه عن أن يلم بهزل ويعلم به في أعين العامة ~~والخاصة. # ولما كان ثبات هذا على هذا الوجه مقتضيا ولا بد رجوعهم عن العناد، فكان ~~ذلك محركا للسامع إلى تعرف ما كان من أمرهم، استأنف قوله دلالة على بقائهم ~~على الإنكار وأكده تنبيها على أن بقاءهم على العناد - مع هذا مستبعد جدا ~~{إنهم} أي الكفار {يكيدون} أي بما يعملون في أمره من الحيل {كيدا *} في ~~إبطاله وإطفاء نوره بإثباتك أو إخراجك أو قتلك أو تنفير الناس عنك والحال ~~أنه لا قوة لهم أصلا على ذلك ولا ناصر لهم بوجه من الوجوه وسمي جزاؤه لهم ~~سبحانه كيدا مشاكلة، ولأنه خفي عنهم ومكروه إليهم فهو على صورة الكيد فقال: ~~{وأكيد} أي أنا بإتمام اقتداري {كيدا *} باستدراجي # PageV21P384 # لهم إلى توغلهم فيما يغضبني ليكمل ما يوجب أخذي لهم من حيث لا يشعرون. # ولما كان هذا معلما بأنهم عدم لا اعتبار بهم، قال مسببا عنه تهديدا لهم ~~يا له من تهديد ما أصعبه: {فمهل} أي تمهيلا عظيما بالتدريج. ولما كان في ~~المكذبين في علم الله من يؤمن فليس مستحقا لإيقاع مثل هذا التهديد، عبر ~~بالوصف المقتضي للرسوخ فقال: {الكافرين} أي فلا تدع عليهم ولا تستعجل لهم ~~بالإهلاك، فإنا لا نعجل لأنه لا يعجل بالعقوبة إلا من يخاف الفوت، حكي أن ~~الحجاج كان سجنه من رخام وأرضه من رصاص، فكان يتلون بتلون الأوقات، فوقت ~~الحر جهنم، ووقت البرد زمهرير، فمر به يوما فاستغاثوا فطأطأ رأسه لهم وقال: ~~اخسؤوا فيها ولا تكلمون، فأخذت الأرض قوائم جواده فرفع طرفه إلى السماء ~~وقال: سبحانك لا يعجل بالعقوبة إلا من يخاف الفوت، وانطلق من وقته، فإن ~~العجلة - وهي - إيقاع الشيء في غير وقته الأليق به - نقص فإنه لا يعجل إلا ~~من يكون ما يفعل المستعجل عليه ms5626 خارجا عن قبضته. # ولما كانت صيغة التفعيل ربما أفهمت التطويل، أكد ذلك مجردا للفعل دلالة ~~على أن المراد بالأول إيقاع الإمهال مع أن زمنه قصير بالتدريج ليطمئن ~~الممهل بذلك وتصير له به قوة عظيمة ودرته؟ وعزيمة # PageV21P385 # صادقة لأن ما يقولونه مما تشتد كراهة النفوس له، فلا يقدر أحد على ~~الإعراض عنه إلا بمعونة عظيمة: {أمهلهم} أي بالإعراض عنهم مرة واحدة بعد ~~التدريج لما صار لك على حمله من القوة بالتدريج - الذي أمرت به سابقا ~~{رويدا *} أي إمهالا يسيرا فستكون عن قريب لهم أمور، وأي أمور تشفي الصدور، ~~وهو تصغير «اروادا» تصغير ترخيم، قال ابن برجان: وهي كلمة تعطي الرفق، وهذا ~~الآخر هو المراد بما في أولها من أن كلا منهم ومن غيرهم محفوظ بحفظه مضبوطة ~~أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وأحواله، فإن ذلك مستلزم لأنه في القبضة، ~~فقد التقى الطرفان على أعظم شأن بأبين برهان، ووقع أول هذا الوعيد يوم بدر ~~ثم تولى نكالهم وتحقيرهم وإسفالهم إلى أن ذهب كثير منهم بالسيف وكثير منهم ~~بالموت حتف الأنف إلى النار، وبقي الباقون في الصغار إلى أن أعزهم الله بعز ~~الإسلام، وصاروا من الأكابر الأعلام، تشريفا وتكريما وتعظيما لهذا النبي ~~الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، والله تعالى هو أعلم بالصواب. # PageV21P386 # سورة الأعلى # وتسمى سبح # قال الملوي: وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحبها لكثرة ما اشتملت عليه ~~من العلوم والخيرات - مقصودهات إيجاب التنزيه للأعلى سبحانه وتعالى عن أن ~~يلحق ساحة عظمته شيء من شوائب النقص كاستعجال في أمر من إهلاك اللكافرين أو ~~غيره أو العجز عن البعث أو إهمال الخلق سدى يبغي بعضهم على بعض بغير حساب، ~~أو أن يتكلم بما لا يطابق الواقع أو بما يقدر أحد أن يتكلم بمثله كما أذنت ~~بذلك الطارق مجملا وشرحته هذه مفصلا، وعلى ذلك دل كل من اسمها سبح والأعلى) ~~بسم الله (الذي له العلي كله فلا نقص يلحقه) الرحمن (الذي عم جوده، فكل ~~موجود هو الذي أوجده وكل حيوان هو الذي يربيه ويرزقه) الرحيم (الذي ms5627 من كان ~~من حزبه فإنه يلزمه الطاعة وييسرها له ويوفقه. # PageV21P387 # لما تضمن أمره سبحانه في آخر الطارق بالإمهال النهي عن الاستعجال الذي هو ~~منزه عنه لكونه نقصا، وأشار نفي الهزل عن القرآن - إلى أنهم وصموه بذلك وهو ~~في غاية البعد عنه إلى غير ذلك مما أشير إليه فيها ونزه نفسه الأقدس سبحانه ~~عنه، أمر أكمل خلقة رسوله المنزل عليه هذا القرآن صلى الله عليه وسلم ~~بتنزيه اسمه لأنه وحده العالم بذلك حق علمه، وإذا نزه اسمه عن أن يدعو به ~~وثنا أو غيره أو يضعه في غير ما يليق به، كان لذاته سبحانه أشد تنزيها، ~~فقال مرغبا في الذكر لا سيما بالتنزيه الذي هو نفي المستحيلات لأن التخلي ~~قبل التحلي، شارحا لأصول الدين مقدما للإلهيات التي هي النهايات من الذات ~~ثم الصفات لا سيما القيومية ثم الأفعال على النبوات، ثم أتبع ذلك النبوة ~~ليعرف العبد ربه على ما هو عليه من الجلال والجمال، فيزول عنه داء الجهل ~~الموقع في التقليد، وداء الكبر الموقع في إنكار الحقوق، فيعترف بالعبودية ~~والربوبية، لا مثنيا عليه سبحانه بالجلال ثم الجمال فيعبده على ما يليق به ~~من امتثال أمره واجتناب نهيه تعظيما لقدره: {سبح} أي نزه وبرىء تنزيها ~~وتبرئة عظيمتين جدا قويتين شديدتين {اسم ربك} أي المحسن إليك بعد إيجادك ~~على صفة الكمال بتربيتك # PageV21P388 # على أحسن الخلال حتى كنت في غاية الجلال والجمال. # ولما كان الإنسان محتاجا في أن تكون حياته طيبة ليتمكن مما يريد إلى ~~ثلاثة أشياء: كبير ينتمي إليه ليكون له به رفعة ينفعه بها عند مهماته، ~~ويدفع عنه عند ضروراته، ومقتدى يربط به نفسه عند ملماته، وطريقة مثلى ~~ترتكبها كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم «رضيت بالله ربا وبمحمد صلى ~~الله عليه وسلم نبيا ورسولا وبالإسلام دينا» أرشده صلى الله عليه وسلم إلى ~~أن الانقطاع إليه أعلى الجاه، فقال واصفا لمن أمره بتسبيحه بإثبات ما له من ~~الواجبات بعد نفي المستحيلات كما أشار إليه «سبحانك وبحمدك» : {الأعلى *} ~~أي الذي له ms5628 وصف الأعلوية في المكانة لا المكان على الإطلاق عن كل شائبة نقص ~~وكل سوء من الإلحاد في شيء من أسمائه بالتأويلات الزائغة وإطلاقه غلى غيره ~~مع زعم أنهما فيه سواء، وذكره خاليا عن التعظيم وغير ذلك ليكون راسخا في ~~التنزيه فيكون من أهل العرفان الذين يضيئون على الناس مع كونهم في الرسوخ ~~كالأوتاد الشامخة التي هي مع علوها لا تتزحزح، وقد ذكر سبحانه # PageV21P389 # هذا المعنى معبرا عنه بجميع جهاته الأربع في ابتداء سور أربع استيعابا ~~لهذه الكلمة الحسنى الشريفة من جميع جهاتها. فابتدأ سورة الإسراء التي هي ~~سورة الإحسان ب «سبحان» المصدر الصالح لجميع معانيه إعلاما بأن هذا المعنى ~~ثابت له مطلقا غير مقيد بشيء من زمان أو غيره، ثم ثنى بالماضي في أول ~~الحديد والحشر والصف تصريحا بوقوع ما أفهمه المصدر في الماضي الذي يشمل أزل ~~الآزال إلى وقت الإنزال، ثم ثلث في أول الجمعة والتغابن بالمضارع لأن يفهم ~~مع ما أفهم المصدر والماضي دوام التجدد، فلما تم ذلك من جميع وجوهه توجه ~~الأمر فخصت به سورته، وقد مضى في أول الحديد والجمعة ما يتمم هذا. # ولما كان الإبداع أدل ما يكون مع التنزه على الكمال لا سيما النور الذي ~~هو سبب الانكشاف والظهور، مع أنه تفصيل لقوله «مم خلق» وهو أدل شيء على ~~البعث المذكور «في يوم تبلى السرائر» قال مبينا للفاعل الذي أبهمه لوضوحه ~~في «مم خلق» مرغبا في الفكر في أفعاله سبحانه وتعالى الذي هو السبب الأقرب ~~للسعادة بالدلالة عليه بما له من الجائزات بعد الترغيب في الذكر الذي هو ~~المهيىء للفكر: {الذي خلق} # PageV21P390 # أي أوجد من العدم أي له صفة الإيجاد لكل ما أراده لا يعسر عليه شيء ~~{فسوى} أي أوقع مع الإيجاد وعقبه التسوية في كل خلق بأن جعل له ما يتأتى ~~معه كماله ويتم معاشه، وعدل بين الأمزجة الأربعة الماء والهواء والنار بعد ~~أن قهرها على الجمع مع التضاد لئلا تتفاسد، وذلك بالعلم التام والقدرة ~~الكاملة دلالة على تمام حكمته وفعله بالاختيار. # وقال ms5629 الاستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه وتعالى مخبرا عن عمه ~~الكفار في ظلام حيرتهم {إنهم يكيدون كيدا} [الطارق: 15] وكان وقوع ذلك من ~~العبيد المحاط بأعمالهم ودقائق أنفاسهم وأحوالهم من أقبح مرتكب وأبعده عن ~~المعرفة بشيء من عظيم أمر الخالق جل جلاله وتعالى علاؤه وشأنه، أتبع سبحانه ~~ذلك بأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتنزيه ربه الأعلى عن شنيع اعتدائهم وافك ~~افترائهم، فقال {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] أي نزهه عن قبيح مقالهم، ~~وقدم التنبيه على التنزيه في أمثال هذا ونظائره ووقوع ذلك أثناء السور فيما ~~بين سورة وأخرى، وأتبع سبحانه وتعالى من التعريف بعظيم قدرته وعلي حكمته ~~بما يبين ضلالهم فقال {الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى} [ # PageV21P391 # الأعلى: 2 - 3] فتبارك الله أحسن الخالقين، وتنزه عما يتقوله المفترون - ~~انتهى. # ولما كان جعل الأشياء على أقدار متفاوته مع الهداية إلى ما وقع الخلق له ~~على أوجه متفاضلة مع التساوي في العناصر مما يلي التسوية، وهو من خواص ~~الملك الذي لا يكون إلا مع الكمال، أتبعه به بالواو دلالة على تمكن الأوصاف ~~فقال: {والذي قدر} أي أوقع تقديره في أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ~~ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها، وغير ذلك من أحوالها، فجعل البطش لليد ~~والمشي للرجل والسمع للأذن والبصر للعين ونحو ذلك {فهدى} أي أوقع بسبب ~~تقديره وعقبه الهداية لذلك الذي وقع التقدير من أجله من الشكل والجواهر ~~والأعراض التي هيأه بها لما يليق به طبعا أو اختيارا بخلق الميول ~~والإلهامات، ونصب الدلائل والآيات لدفع الشرور وجلب الخيور، فترى الطفل أول ~~ما يقع من البطن يفتح فاه للرضاعة، وغيره من سائر الحيوانات، يهتدي إلى ما ~~ينفعه من سائر الانتفاعات، فالخلق لا بد له من التسوية ليحصل الاعتدال، ~~والتقدير لا بد له من الهداية ليحصل الكمال. # ولما كانت دلائل التوحيد تارة بالنفس وتارة بالآفاق، ونبه بآيات النفس، ~~فلم يبق إلا آيات الآفاق، وكان النبات من آياتها # PageV21P392 # أدل المخلوقات على البعث قال: {والذي أخرج} أي أوقع إخراج {المرعى *} بما ~~أنزل من المعصرات فأنبت ms5630 ما ترعاه الدواب من النجم وغيره بدءا وإعادة، فدل ~~ذلك على تمام قدرته لا سيما على البعث لأنه سبحانه وتعالى أقدر على جمع ~~الأموات من الأرض بنفسه بعد أن تفتتوا من الماء على جمعه للنبات الذي كان ~~تفتت في الأرض وصار ترابا وإخراجه كما كان في العام الماضي بإذنه سبحانه ~~وتعالى وهو خلق من مخلوقاته. # ولما كان إيباسه وتسويده بعد اخضراره ونموه في غاية الدلالة على تمام ~~القدرة وكمال الاختيار بمعاقبة الأضداد على الذات الواحدة قال تعالى: ~~{فجعله} أي بعد أطوار من زمن إخراجه {غثاء} أي كثيرا، ثم أنهاه فأيبسه ~~وهشمه ومزقه فجمع السيل بعضه إلى بعض فجعله زبدا وهالكا وباليا وفتاتا على ~~وجه الأرض {أحوى *} أي في غاية الري حتى صار أسود يضرب إلى خضرة، أو أحمر ~~يضرب إلى سواد، أو اشتدت خضرته فصارت تضرب إلى سواد، وقال القزاز رحمه الله ~~في ديوانه: الحوة شية من شيات الخيل، وهى بين الدهمة والكمتة، وكثر هذا حتى ~~سموا كل أسود أحوى - انتهى. فيجوز أن يريد حينئذ أنه أسود من شدة يبسه ~~فحوته الرياح وجمعته من كل أوب # PageV21P393 # حيت تفتت، فكل من الكلمتين فيها حياة وموت، وأخر الثانية لتحملهما لأن ~~دلالتها على الخضرة أتم، فلو قدمت لم تصرف إلى غيرها، فدل جمعه بين الأضداد ~~على الذات الواحدة على كمال الاختيار، وأما الطبائع فليس لها من التأثير ~~الذي أقامها سبحانه فيه إلا الإيجابي كالنار متى أصابت شيئا أحرقته، ولا ~~تقدر بعد ذلك أن تنقله إلى صفة أخرى غير التي أثرتها فيه، وأشار بالبداية ~~والنهاية إلى تذكر ذلك، وأنه على سبيل التكرار في كل عام الدال على بعث ~~الخلائق، وخص المرعى لأنه أدل على البعث لأنه مما ينبته الناس، وإذا انتهى ~~تهشم وتفتت وصار ترابا، ثم يعيده سبحانه بالماء على ما كان عليه سواء كما ~~يفعل بالأموات سواء - من غير فرق أصلا. # ولما استوفى سبحانه وتعالى وصف من أمره صلى الله عليه وسلم بتسبيحه بما ~~دل على أوصاف جماله ونعوت كبريائه وجلاله، وشرح ما ms5631 له سبحانه من القدرة ~~التامة على الإبداع والهداية والتصرف في الأرواح الحسية والمعنوية بالنشر ~~والطي والقبض والبسط، فدل على تمام أصول الدين بالدلالة على وجوده سبحانه ~~على سبيل التنزل من ذاته إلى صفاته ثم إلى أفعاله فتم ما للخالق، أتبعه ما ~~للخلائق وبدأ بما لأشرف # PageV21P394 # خلقه المنزل عليه هذا الذكر تقديرا للنبوة التي بها تتم السعادة بالحقائق ~~الواصلة من الحق إلى عبده، التي بها يتم أمره من القوتين العلمية ثم ~~العملية بقبول الرسالة بعد التوحيد، لأن حياة الإنسان لا يتم طيبها إلا ~~بمقتدي يقتدى به من أقواله وأفعاله وسائر أحواله، ولا مقتدي مثل المعصوم عن ~~كل ميل الموجب ذلك الحب من كل ما يعرف حاله، والحب في الله أعظم دعائم ~~الدين، فقال معللا للأمر بالتسبيح للموصوف بالجلال والجمال دالا على أنه ~~يحيي ميت الأرواح بالعلم كما يحيي ميت الأشباح بالأرواح {سنقرئك} أي نجعلك ~~بعظمتنا بوعد لا خلف فيه على سبيل التكرار بالتجديد والاستمرار قارئا، أي ~~جامعا لهذا الذكر الذي هو حياة الأرواح بمنزلة حياة الأشباح، الذي تقدم أنه ~~قول فصل، عالما به كل علم، ناشرا له في كل حي، فارقا به بين كل ملتبس، وإن ~~كانت أميا لا تحسن الكتابة ولا القراءة، ولذلك سبب عنه قوله: {فلا تنسى *} ~~أي شيئا منه ولا من غيره ليكون في ذلك آيتان: كونك تقرأ وأنت أمي، وكونك ~~تخبر عن المستقبل فيكون كما قلت فلا تحرك به لسانك عند التنزيل لتعجل به ~~ولا تتعب نفسك فإن علينا حفظه في صدرك وإنطاق لسانك به. # PageV21P395 # ولما كان سبحانه وتعالى ينسخ من الشريعة ما يشاء بحسب المصالح تخفيفا لما ~~له بهذه الأمة من الرفق، قال لافتا القول إلى سياق الغيبة # PageV21P395 # إعلاما بأن ذكر الجلالة أعظم من التصريح بأداة العظمة: {إلا ما شاء الله} ~~أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله، أن تنساه لأنه نسخه، أو لتظهر عظمته في ~~أن أعظم الخلق يغلبه القرآن لأنه صفة الله فتنسى الآية أو الكلمة ثم تذكرها ~~تارة بتذكير أحد من آحاد أمتك ms5632 وتارة بغير ذلك. # ولما كان الفاعل لهذه الأمور كلها لا سيما الإقراء والحكم على ما يقرأ ~~بأنه لا ينسى إلا ما شاء منه إلا يكون لا محيط العلم، قال تعالى مصرحا بذلك ~~مؤكدا لأجل إنكار أهل القصور في النظر لمثله جاريا على أسلوب الغيبة معبرا ~~بالضمير إشارة إلى تعاليه في العظمة إلى حيث تنقطع أماني الخلق عن إدراكه ~~بما كثر من أفعاله: {إنه} أي الذي مهما شاء كان {إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40] . # ولما كان المراد بيان إحاطة علمه سبحانه وتعالى، وأن نسبة الجلي والخفي ~~من جهره بالقرآن وترديده على قلبه سرا وغير ذلك إليه على حد سواء، وكان ~~السياق للجلي، ذكرهما مصرحا بكل منهما مقدما الجلي # PageV21P396 # لأن هذا مقامه، وذكره بوصفه معبرا عنه بالاسم الدال على إحاطة علمه به ~~فقال: {يعلم الجهر} أي ثابت له هذا الوصف على سبيل التجدد والاستمرار في ~~الإقراء والقراءة وغيرهما. ولما ذكره باسمه ليدل على أنه يعلمه مطلقا لا ~~بقيد كونه جهرا، قال مصرحا بذلك: {وما يخفى *} أي يتجدد خفاؤه من القراءة ~~وغيرها على أي حالة كان الإخفاء، فيدل على علمه به إذا جهر به بطريق ~~الأولى. # ولما ذكر الإلهيات والنبوة وأشير إلى النسخ، أشار إلى أن الدين المشروع ~~له هو الحنيفية السمحة، وأنه سبحانه وتعالى لا يقيمه في شيء بنسخ أو غيره ~~إلا كان هو الأيسر له والأرفق، لأن الرفق والعنف يتغيران بحسب الزمان، فقال ~~مبينا للقوة العملية أثر بيانه للعلمية: {ونيسرك} أي نجعلك أنت مهيأ مسهلا ~~ملينا موفقا {لليسرى *} أي في حفظ الوحي وتدبره وغير ذلك من الطرائق ~~والحالات كلها التي هي لينة سهلة خفيفة - كما أشار إليه قوله: «كل ميسر لما ~~خلق له» ولهذا لم يقل: ونيسر لك، لأنه هو مطبوع على حبها. # ولما كمله صلى الله عليه وسلم وهيأه سبحانه وتعالى للأيسر ويسره غاية ~~التيسير، سبب عنه وجوب التذكير لكل أحد في كل حالة # PageV21P397 # تكميلا لغيره شفقة على خلق الله بعد لما له في ms5633 نفسه فإن لله ساعات له ~~فيها نفحات تقضى فيها الحاجات، وذلك لأنه قد صار كالطبيب الحاذق في علاج ~~المرضى فيقوم بنفع عباده لشكره بعد ذكره بإذن منه إشارة إلى أن التلميذ ~~يحتاج إلى إذن المشايخ وتزكيتهم، وإلى أن أعظم الأدواء أن يقتصر الإنسان ~~على ما عنده ولا يطلب الازدياد مما ليس عنده من خير الزاد فقال تعالى: ~~{فذكر} أي بهذا الذكر الحكيم، وعبر بأداة الشك إفهاما للإطلاق الكلي فقال: ~~{إن نفعت الذكرى *} أي إن جوزت نفعها وترجيته ولو كان على وجه ضعيف - بما ~~أشار إليه تأنيث الفعل بعد ما أفادته أداة الشك، ولا شك أن الإنسان لعدم ~~علمه الغيب لا يقطع بعدم نفع أحد بل لا يزال على رجاء منه وإن استبعده، ~~ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يدعو إلى الله تعالى وإن اشتد ~~الأمر، ولا يحقر أحدا أن يدعوه ولا ييأس من أحد وإن اشتد عليه، والأمر ~~بالإعراض عمن تولى ونحو ذلك إنما هو بالإعراض عن الحزن عليه ومن تقطيع ~~النفس لأجله حسرات ونحو ذلك. # ولما أمره بالتذكير لكل أحد، قسم الناس له إلى قسمين: قسم يقبل العلاج، ~~وقسم لا يقبله، إعلاما بأنه سبحانه وتعالى عالم بكل من القسمين # PageV21P398 # جملة وأفرادا على التعيين ولم يزل عالما بذلك، ولكنه لم يعين ابتلاء منه ~~لعباده لتقوم له الحجة عليهم بما يتعارفونه بينهم وله الحجة البالغة، فقال ~~حاثا على شكر الجوائح من العقل ونحوه والجوارح من القلب واللسان وغيرهما: ~~{سيذكر} أي بوعد لا خلف فيه ولو على أخفى وجوه التذكير - بما أشار إليه ~~الإدغام {من يخشى} أي في جبلته نوع خشية، وهو السعيد لما قدر له في نفسه من ~~السعادة العظمى لقبول الحنيفية السمحة فيذكر ما يعلم منها في نفسه فيتعظ، ~~فإن الخشية حاملة على كل خير فيتنعم بقلبه وقالبه في الجنة العليا ويحيى ~~فيها حياة طيبة من غير سقم ولا توى، دائما بلا آخر وانتهاء. # PageV21P399 # ولما ذكر من يحب حبه في الله ذكر من يبغض في الله، وعلامة ms5634 الحب الاقتداء، ~~وعلامة البغض التجنب والانتهاء والابتداع والإباء، فقال: {ويتجنبها} أي ~~يكلف نفسه وفطرته الأولى المستقيمة تجنب الذكرى التي نشاء تذكيره بها من ~~أشرف الخلائق وأعظمهم وصلة بالخالق. ولما كان هذا الذي يعالج نفسه على ~~العوج شديد العتو قال: {الأشقى *} أي الذي له هذا الوصف على الإطلاق لأنه ~~خالف أشرف الرسل فهو لا يخشى فكان أشقى الناس، كما أن من آمن به # PageV21P399 # أشرف ممن آمن بمن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام. # ولما ذكر وصفه الذي أوجب له العمل السيىء، ذكر جزاءه فقال: {الذي يصلى} ~~أي يباشر مباشرة الغموس بقلبه وقالبه مقاسيا {النار الكبرى *} أي التي هي ~~أعظم الطبقات وهي السفلى لأنه ليس في طبعه أن يخشى، بل هو كالجلمود الأقسى ~~لأنه جاهل مقلد أو متكبر معاند، أو المراد نار الأخرى فإنها أعظم من نار ~~البرزخ وأعظم من نار الدنيا بسبعين جزءا، فلهذا استحقت أن تتصف بأفعل ~~التفضيل على الإطلاق، والآية من الاحتباك: ذكر الثمرة في الأول وهي الخشية ~~دليلا على حذف ضدها من الثاني، وهي القسوة الناشئة على الحكم بالشقاوة، ~~وذكر الأصل والسبب في الثاني وهو الشقاوة دليلا على حذف ضده في الأول وهو ~~السعادة، فالإسعاد سبب والخشية ثمرة، والإشقاء سبب والقساوة ثمرة ومسبب، ~~وكذا ما نبعه من النار وما نشأ عنه، وسر ذلك أنه ذكر مبدأ السعادة أولا حثا ~~عليه، ومآل الشقاوة ثانيا تحذيرا منه، قال الملوي: ولا شك أن القرآن العظيم ~~على أحسن ما يكون من البراعة في التركيب وبداعة الترتيب # PageV21P400 # وكثرة العلوم مع الاختصار وعدم التكرار، فيكتفي في موضع بالثمرة بلا سبب ~~وفي آخر بالسبب بلا ثمرة لدلالة الأول على الثاني والثاني على الأول، فيضم ~~السبب إلى الثمرة والثمرة إلى السبب كما يطلق القضاء ويكتفى به عن القدر، ~~ويطلق القدر ويكتفى به عن القضاء، وكذلك يذكر الحكم ويتركان فيدل عليهما ~~فتذكر الثلاثة، ويظهر بمثال وهو أن من أراد إقامة دولاب يهندس أولا موضع ~~البئر بسهمه وترسه ومداره وحوضه الذي يصب فيه المار وجداوله التي ينساق ~~منها، ms5635 فهذا هندسة وتدبير وحكم وإرادة، فإذا صنع ذلك وأتمه سمي قضاء وإيجادا ~~وتأثيرا، فإذا ركب على الجبال قواديس تحمل مقدارا من الماء معينا إذا نزلت ~~إلى الماء أخذته، وإذا صعدت فانتهت وأرادت الهبوط فرغته فتصرف الماء من ~~جداوله إلى ما صنع له كان ذلك قدرا فهو النهاية، فمتى ذكر واحد من الثلاثة: ~~الحكم والقضاء والقدر، دل على الآخر. # ولما كان ما هذا شأنه يهلك على ما جرت به العادة في أسرع وقت، فإذا كان ~~من شأنه مع هذا العظم أنه لا يهلك كان ذلك دليلا واضحا على أنه لا يعلم كنه ~~عظمة مقدره إلا هو سبحانه وتعالى فأشار إلى ذلك بالتعبير بأداة التراخي ~~إعلاما بأن مراتب هذه الشدة في التردد # PageV21P401 # بين الموت والحياة لا يعلم علوها عن شدة الصلى إلا الله تعالى فقال: {ثم ~~لا يموت فيها} أي لا يتجدد له في هذه النار موت وإن طال المدى. # ولما كان من يدخل النار فلا تؤثر في موته قد يكون ذلك إكراما له من باب ~~خرق العوائد، احترز عنه بقوله: {ولا يحيى *} أي حياة تنفعه لأنه ما تزكى ~~فلا صدق ولا صلى. # ولما ثبت بهذا أن لهذا هذا الشقاء الأعظم، فكان التقدير: لأنه لم يزك ~~نفسه لأنه ما كان مطبوعا على الخشية، أنتج ولا بد قوله تعالى دالا على ~~الدين التكليفي وهو اجتناب واجتلاب، فجمع الاجتناب والاجتلاب بالتزكية ~~بالتبتل بالأبواب والملازمة للأعتاب بامتثال الأمر واجتناب النهي ~~بالمجاهدات المقربات إليه سبحانه وتعالى، المنجيات بعد ما حذر من المهلكات، ~~للمسارعة في محابه ومراضيه اجتماعا على العبادة الموصلة للخالق بعد حصول ~~الكمال والتكميل فإنه لا بد في الحياة الطيبة بعد الانتماء إلى ذي الجاه ~~العريض والاقتداء بمن لا يزيغ من الارتباط بطريقة مثلى يحصل بها الاغتباط ~~ليصل بها إلى المقصود ويعمر أوقاته بوظائفها لئلا يحصل له خلل ولا ضياع ~~لنفائس الأوقات ولا غفلة # PageV21P402 # يستهويه بها قطاع الطريق: {قد أفلح} أي فاز بكل مراد {من تزكى *} أي أعمل ~~نفسه في تطهيرها من فاسد الاعتقادات والأخلاق ms5636 والأقوال والأفعال والأموال ~~وتنمية أعمالها القلبية والقالبية وصدقة أموالها، وذلك هو التسبيح الذي أمر ~~به أول السورة وما تأثر عنه، من عمل هذا فهو الأسعد. # ولما كان أعظم الأعمال المزكية الذكر والصلاة قال تعالى: {وذكر} أي ~~بالقلب واللسان ذكر وذكر - بالكسر والضم {اسم ربه} أي صفات المحسن إليه ~~فإنه إذا ذكر الصفة سر بها فأفاض باطنه على ظاهره ذكر اللفظ الدال عليها، ~~وإذا ذكر اللفظ وهو الاسم الدال عليها انطبع في قلبه ذكر المسمى {فصلى *} ~~أي الصلاة الشرعية لأنها أعظم الذكر، فهي أعظم عبادات البدن كما أن الزكاة ~~أعظم عبادات المال، ومن فعل ذلك استراح من داء الإعجاب وما يتبعه من ~~النقائص الموجبة لسوء الانقلاب، وكان متخلقا بما ذكر من أخلاق الله في أول ~~السورة من التخلي عن النقائص بالتزكية، والتحلي بالكمالات بالذكر والصلاة ~~لأنه لعظمته لا يتأهل لذكره إلا من واظب إلى ذكر اسمه فلا يشقى فلا يصلى ~~النار الكبرى بوعد لا خلف فيه - فالآية من الاحتباك في # PageV21P403 # الاحتباك: ذكر أولا الصلى دليلا على حذف ضده ثانيا، وثانيا التزكية دليلا ~~على حذف ضدها أولا، وقد تكفل ذكر التزكية والذكر، والصلاة من أسباب التداوي ~~بالإنضاج ثم الأشربة ثم الأغذية، والآية صالحة لإرادة زكاة الفطر وتكبيرات ~~العيد وصلاته وإن كانت السورة مكية وفرض الصيام بالمدينة، لأن العبرة بعموم ~~اللفظ لإحاطة علمه سبحانه وتعالى بالماضي والحال والاستقبال على حد سواء؛ ~~قال الرازي في اللوامع: وتقدم زكاة الفطر على صلاة العيد، وكان ابن مسعود ~~رضي الله تعالى عنه يقول: رحم الله امرأ تصدق ثم صلى - ثم يقرأ هذه الآية، ~~وإن كانت السورة مكية، فإنه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما قال ~~تعالى: # {وأنت حل بهذا البلد} [البلد: 2] والسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح ~~- انتهى، وأخذه من البغوي، وزاد البغوي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يأمر ~~نافعا رضي الله عنه بنحو ما قال ابن مسعود رضي الله عنه، ويقول: إنما نزلت ~~هذه الآية في هذا. وروى البزار: «عن عوف ms5637 بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي ~~صلاة العيد ويتلو هذه الآية» وفي السند كثير بن # PageV21P404 # عبد الله - حسن له الترمذي وضعفه غيره - والله أعلم. # ولما كان التقدير: وأنتم لا تفعلون ذلك، أو وهم لا يفعلونه - على ~~القراءتين، عطف عليه قوله بالخطاب في قراءة الجماعة على الالتفات الدال على ~~تناهي الغضب، منبها على المعاملات بسبب التداوي الرابع وهو الاستفراغ بنفي ~~الرذائل والخبائث بالذم على ما ينبغي البراءة منه والحث على ما يتعين ~~تحصيله تحصيلا لحسن الرعاية: {بل تؤثرون} أي تختارون وتخصون بذلك على وجه ~~الاستبداد، أيها الأشقياء، وبالغيب على الأصل عند أبي عمرو {الحياة الدنيا ~~*} أي الدنية بالفناء الحاضرة، مع أنها شر وفانية، اشتغالا بها لأجل حضورها ~~كالحيوانات التي هي مقيدة بالمحسوسات، فاستغرق اشتغالكم بها أوقاتكم ومنعكم ~~عن ذكر اسم الله المنهي إلى ذكر الله والمهيىء له، وعن تزكية نفوسكم، ~~فأوقعكم ذلك في داء القبقب وهو البطن، والدبدب وهو الفرج، وحب المال المؤدي ~~إلى شر الأعمال، وتتركون الآخرة {والآخرة} أي والحال أن الدار التي هي غاية ~~الخلق ومقصود الأمر، العالية # PageV21P405 # المبرئة عن العبث، المنزهة عن الخروج عن الحكمة {خير} أي من الدنيا على ~~تقدير التسليم لأن فيها خيرا لأن نعيمها خالص لا كدر فيه بوجه {وأبقى *} أي ~~منها على تقدير المحال في الدنيا من أن تماديها إلى وقت زوالها تسمى بقاء، ~~لأن نعيم الآخرة دائم لا انقطاع له أصلا، وما كان باقيا لا يعادل بما يغني ~~بوجه من الوجوه، فمن علم ذلك - وهو أمر لا يجهل - اشتغل بما يحصل الآخرة ~~وينفي الدنيا بقسميها من الأعيان الحسية والشهوات المعنوية من الرعونات ~~النفسانية والمستلذات الوهمية، والآية من الاحتباك: ذكر الإيثار والدنو ~~أولا يدل على الترك والعلو ثانيا، وذكر الخير والبقاء ثانيا يدل على ضدهما ~~أولا، وسر ذلك أنه لا يؤثر الدنيء إلا دنيء فذكره أولا لأنه أشد في ~~التنفير، وذكر الخير والبقاء ثانيا لأنه أشد في الترغيب. # ولما ms5638 كانت هذه النتيجة - التي هي الفلاح بالتزكية وما تبعها - خالصة ~~الكتب المنزلة التي بها تدبير البقاء الأول، وصفها ترغيبا فيها بوصف جمع ~~القدم المستلزم للصحة بتوارد الأفكار على تعاقب الأعصار، لأن ما مضت عليه ~~السنون ومرت على قبوله الدهور تكون النفس أقبل للإذعان له وأدعى إلى ~~إلزامه، وأفاد مع القدم أن المنزل عليه صلى الله عليه وسلم ليس بدعا من ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام بل هو على # PageV21P406 # منهاجهم، فرد رسالته من بينهم لا يقول به منصف لا سيما وقد زاد عليهم في ~~المعجزات وسائر الكرامات بقوله مؤكدا لأجل من يكذب: {إن هذا} أي الوعظ ~~العظيم بالتسبيح الذي ذكر في هذه السور وما تأثر عنه من التزكية بالذكر ~~الموجب للصلاة والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، لأنه جامع لكل خير، ~~وهو ثابت في كل شريعة لأنه المقصود بالحكم فهو لا يقبل النسخ {لفي الصحف ~~الأولى *} فمن تبع هذا القرآن الذي هو في هذه الصحف الربانية فقد تحلى من ~~زينة اللسان بما ينقله من البيان الذي هو في غاية التحرير وعظم الشأن وما ~~يعلمه من المغيبات مما يكون أو كان، ونسيه أهل هذه الأزمان، فاستراح من ~~ضلال الشعراء والكهان، الموقعين في الإثم والعدوان، فإن القرآن جمع المديح ~~الفائق والنسيب الرقيق في وصف الحور والرحيق والفخر الحماسي والهجاء البليغ ~~لأعداء الله، والترغيب الجاذب للقلوب والترهيب والملح الخبرية والحدود ~~الشرعية - إلى غير ذلك من أمور لا تصل إليها الشعراء، ولا ينتهي إلى أدنى ~~جنابها بلاغات البلغاء. # ولما كان ذلك عاما خص من بينه تعظيما لقدر هذه الموعظة # PageV21P407 # أعظم الأنبياء الأقدمين، فقال مبدلا مشيرا إلى الاستدلال بالتجربة: {صحف ~~إبراهيم} قدمه لأن صحفه أقرب إلى الوعظ كما نطق به حديث أبي ذر رضي الله ~~تعالى عنه {وموسى *} ختم به لأن الغالب على كتابه الأحكام، والمواعظ فيه ~~قليلة، ومنها الزواجر البليغة كاللعن لمن خالف أوامر التوراة التي أعظمها ~~البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم، والإخبار بأنهم يخالفونها كما هو مذكور ~~في أواخرها مع أن ذكر النبيين عليهما ms5639 الصلاة والسلام على الأصل في ترتيب ~~الوجود والأفضلية، وقد حث آخرها على التزكي وهو التطهر من الأدناس الذي هو ~~معنى التنزه والتخلق بأخلاق الله بحسب الطاقة، وكان في إتيانه والتذكير به ~~إعلام بأن الله تعالى لم يهمل الخلق من البيان بعد أن خلقهم لأنه لم يخلقهم ~~سدى، لأن ذلك من العبث الذي هو من أكبر النقائص وهو سبحانه منزه عن جميع ~~شوائب النقص - فقد رجع آخرها على أولها، وكان تنزيه الرب سبحانه وتعالى ~~وتنزيه النفس أيضا غاية معولها - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع ~~والمآب. # PageV21P408 # سورة الغاشية # مقصودها شرح ما في آخر " سبح " من تنزيه الله سبحانه وتعالى عن العبث ~~بإثبات الدار الآخرة التي الغاشية مبدؤها، وذكر ما فيها للأتقى والأشقى، ~~والدلالة على القدرة عليها، وأدل ما فيها على هذا المقصود الغاشية - نعوذ ~~بالله من القلب الغاشي والبصيرة الغاشية، بئلا تكون الغاشية علينا بسوء ~~الأعمال ناشية) بسم الله (الذي له العظمة البالغة والحكمة الباهرة) الرحمن ~~(الذي له الفيض الأعلى والنعم الظاهرة) الرحيم (الذي اصطفى أولياء فأصلح ~~بواطن نعمهم حتى عادت ظاهرة طاهرة. # PageV22P001 # لما ختمت «سبح» بالحث على تطهير النفوس عن وضر الدنيا، ورغب في ذلك ~~بخيرية الآخرة تارة والاقتداء بأولي العزم من الأنبياء أخرى، رهب أول هذه ~~من الإعراض عن ذلك مرة، ومن التزكي بغير منهاج الرسل أخرى، فقال تعالى ~~مذكرا بالآخرة التي حث عليها آخر # PageV22P001 # تلك مقررا لأشرف خلقه صلى الله عليه وسلم لأن ذلك أعظم في تقدير اتباعه ~~وأقعد في تحريك النفوس إلى تلقي الخبر بالقبول: {هل أتاك} أي جاءك وكان لك ~~وواجهك على وجه الوضوح يا أعظم خلقنا {حديث الغاشية *} أي القيامة التي ~~تغشي الناس بدواهيها وشدائدها العظمى وزواجرها ونواهيها، فإن الغشي لا يكون ~~إلا فيما يكره. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم تنزيهه سبحانه عما توهم ~~الظالمون، واستمرت آي السورة على ما يوضح تقدس الخالق جل جلاله عن عظيم ~~مقالهم، أتبع ذلك بذكر الغاشية بعد افتتاح السورة بصورة الاستفهام تعظيما ~~لأمرها، فقال لنبيه صلى الله ms5640 عليه وسلم: «هل أتاك» يا محمد «حديث الغاشية» ~~وهي القيامة، فكأنه سبحانه وتعالى يقول: في ذلك اليوم يشاهدون جزاءهم ويشتد ~~تحسرهم حين لا يغني عنهم، ثم عرف بعظيم امتحانهم في قوله: {ليس لهم طعام ~~إلا من ضريع} مع ما بعد ذلك وما قبله، ثم عرف بذكر حال من كان في نقيض ~~حالهم إذ ذلك أزيد في الفرح وأدهى، ثم أردف بذكر ما نصب من الدلائل وكيف لم ~~يغن فقال: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} - الآيات، أي أفلا يعتبرون بكل ~~ذلك ويستدلون بالصنعة على الصانع ثم أمره بالتذكار - انتهى. # ولما هول أمرها بانبهامها وعمومها، زاد في التهويل بما ذكر من # PageV22P002 # أحوالها في تفصيل الناس إلى شقي وسعيد، وبدأ بالشقي لأن المقام لإنذار ~~المؤثرين للحياة الدنيا، وسوغ الابتداء بالنكرة التفصيل فقال: {وجوه} أي ~~كثيرة جدا كائنة {يومئذ} أي إذ تغشى الناس {خاشعة *} أي ذليلة مخبتة من ~~الخجل والفضيحة والخوف والحسرة التي لا تنفع في مثل هذا الوقت {عاملة} أي ~~مجتهدة في الأعمال التي تبتغي بها النجاة حيث لا نجاة بفوات دار العمل ~~فتراها جاهدة فيما كلفتها به الزبانية من جر السلاسل والأغلال وخوض الغمرات ~~من النيران ونحو ذلك كأن يقال له: أد الأمانة ثم تمثل له أمانته في قعر ~~جهنم، فتكلف النزول إليها ثم يحملها على عنقه ويصعد في جبال النيران حنى ~~إذا كاد أن يصل إلى أعلاها سقطت منه فيتكلف النزول إليها وهكذا، وهذا بما ~~كان يهمل العمل في الدنيا {ناصبة *} أي هي في ذلك في غاية التعب والدؤوب في ~~العمل والاجتهاد - هذه رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذلك ~~لأنهم لم يخشوا الله في الدنيا فلم يعملوا له فلم ينصبوا في طاعته أجسادهم ~~فاضطرهم في ذلك اليوم إلى أعظم مما أبوه في الدنيا مع المضرة دون المنفعة، ~~ويجوز أن يراد بها الذين تعبوا ونصبوا في الدنيا أجسامهم وهم على غير # PageV22P003 # دين الإسلام كالرهبان من النصارى بعد النسخ وزنادقة المتصوفة من الفلاسفة ~~وأتباعهم، بأن يكون (وجوه) مبتدأ و ms5641 (يومئذ) خبره أي كائنة يومئذ، ثم يقدر ~~ما بعده في جواب سؤال سائل يقول: ما شأنها؟ فأجيب بقوله خاشعة، أي في ~~الدنيا - إلى آخره، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء عنه. # ولما كان العذاب لا يكون إلا على ما يكرهه المعذب، دل على ذلك وعلى أنه ~~على أنهى ما يكون ببناء الفعل للمفعول في قراءة أبي عمرو ويعقوب وأبي بكر ~~عن عاصم فقال: {تصلى} أي يصليها مصل على أيسر وجه وأسهله بأمر من له الأمر ~~بأن يغمسها قهرا على وجه الإحاطة بها، والمعنى على قراءة الجماعة بالبناء ~~للفاعل: تدخل وتباشر بأن يدسها فيها أصحابها فيحيط بها من كل جانب وهو يدل ~~على غاية الذل لأن من فعل بنفسه هذا لا يكون إلا كذلك {نارا حامية *} ~~متناهية في الحر لأنها عملت بالجهل على خلاف ما حده لها نبيها فأخلت بركن ~~للعمل أو شرط لما استولى عليها من الغفلة التي أحاطت بها، فلم تدع لها ~~موضعا يصلح لدخول الرحمة منه. # ولما كان من في الحر أحوج شيء إلى ما يبرد باطنه، قال بانيا عند الكل ~~للمفعول جريا على قراءة أبي عمرو في الذي قبله: {تسقى} # PageV22P004 # أي يسقى كل من أذن له الملك في ذلك على أهون وجه وأيسره {من عين آنية *} ~~أي بلغت غايتها في الحر فنضجت غاية النضج فصارت إذا قربوها منهم سقط لحم ~~وجوههم، وإذا شربوا قطعت أمعاءهم مما شربوا في الدنيا من كاسات الهوى التي ~~قطعوا باستلذاذهم لها قلوب الأولياء. # ولما ذكر ما يسقونه على وجه علم منه أنه لا يلذذ ولا يروي من عطش، أتبعه ~~ما يطعمونه فقال حاصرا له: {ليس لهم} أي هؤلاء الذين أذابوا أنفسهم في ~~عبادة لم يأذن الله فيها {طعام} أصلا {إلا من ضريع *} أي يبيس الشبرق، وهو ~~شوك ترعاه الإبل ما دام رطبا، فإذا يبس تحامته، وهو سم، وقال في القاموس: ~~والضريع كأمير: الشبرق أو يبيسه أو نبات رطبه يسمى شبرقا، ويابسه يسمى ~~ضريعا، لا تقربه دابة لخبثه، أو ms5642 شيء في جهنم أمر من الصبر وأنتن من الجيفة ~~وأحر من النار، ونبات منتن يرمى به البحر، وقال الهروي في الغريبين وعبد ~~الحق في الواعي: الضريع: الشبرق، وهو نبات معروف بالحجاز ذو شوك، ويقال ~~شبرق ما دام رطبا، فإذا جف فهو ضريع، وقال القزاز في ديوانه: الضريع: يبيس ~~من يبيس الشجر، وقيل: هو يبيس الشبرق خاصة، وقيل: هو نبات أخضر يرمى به ~~البحر وهو منتن. # أبو حنيفة رحمه الله # PageV22P005 # تعالى: وهو مرعى لا تعقد عليه السائمة شحما ولا لحما وإن لم تفارقه إلى ~~غيره ساءت حالها. وقال ابن الأثير في النهاية: الضريع هو نبت بالحجاز له ~~شوك كبار، وقال: الشبرق نبات حجازي يؤكل وله شوك، وإذا يبس سمي الضريع. ~~وهذا ثوب مشبرق وهو الذي أفسد، وفي نسجه سخافة، وشبرقت الثوب أيضا: حرقته، ~~وقال في القاموس: الشبرق كزبرج: رطب الضريع واحده بهاء، قال البغوي رحمه ~~الله تعالى: قال مجاهد وقتادة وعكرمة: هو نبت ذو شوك لاطىء بالأرض، تسميه ~~قريش الشبرق، فإذا هاج سموه الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه، وهو رواية ~~العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما. ولا يمتنع في قدرة الله سبحانه وتعالى ~~أن يكون الغسلين إذا انفصل عن أبدان أهل النار صار على هيئة الشبرق المسمى ~~ضريعا، فيكون طعامهم الغسلين الذي هو الضريع، ويمكن أن يكون ذلك كناية عن ~~أقبح العيش ولا يراد به شيء بعينه - والله تعالى أعلم، قال الملوي: وسمي ~~ضريعا لأن الإنسان يتضرع عند أكله من خشونته ومرارته ونتنه. # PageV22P006 # ولما حصر أكلهم في هذا، وكان الضريع المعروف عند العرب قد يتصور متصور ~~أنه لو أكره شيء على أكله أسمنه أو سد جوعته، وكان الضريع المأكول لهم في ~~القيامة شوكا من نار كما ورد تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم نفى عند فائدة الطعام، فقال واصفا الضريع أو ~~الطعام المقدر بعد «إلا» بما يفهمه تحامي الإبل التي ترعى كل نابت وهي أعظم ~~الحيوانات إقبالا على أنواع الشوك له من ms5643 أنه ضر بلا نفع {لا يسمن} أي فلا ~~يشبع ولا يقوي لأنه يلزم ما يسمن، فعدمه يلازم عدمه. # ولما نفى عنه ما هو مقصود أهل الرفاهية وبدأ به لأن المقام له نفي ما ~~يقصد للكفاف فقال تعالى: {ولا يغني} أي يكفي كفاية مبتدئة {من جوع *} فلا ~~يحفظ الصحة ولا يمنع الهزال، والمقصود من الطعام أحد الأمرين، وذلك لأنهم ~~كانوا يأكلون الحرام الذي تنبت عليه لحومهم فيفسدها بفساده وتنمو به نفوسهم ~~فيخبثها بخبثه ويتغذون بالشبه أيضا ويباشرونها في جميع أوقاتهم ويباشرون ~~العلوم التي تظلم # PageV22P007 # القلوب كالفلسفة والشعر والسحر ونحو ذلك مما يجر إلى البدع. والآية من ~~الاحتباك: نفي السمن أولا يدل على إثبات الهزال ثانيا، ونفي الإغناء من ~~الجزع ثانيا يدل على نفي الشبع أولا، ومن جعل ذلك صفة الطعام أفسد المعنى ~~لأنه يؤول إلى: ليس لهم طعام منفي عنه الإسمان والإغناء، بل لهم طعام لا ~~ينفي عنه ذلك. # ولما ذكر الأعداء وقدمهم لما تقدم، أتبعه الأولياء فقال مستأنفا ذكر ما ~~لهم من ضد ما ذكر للأعداء: {وجوه يومئذ} أي إذ كان ما ذكر {ناعمة *} أي ذات ~~بهجة وسرور تظهر عليها النعمة والنضرة والراحة والرفاهية بضد تلك الناصبة، ~~لأن هؤلاء أتبعوا أنفسهم في دار العمل الدنيا وصبروا على التقشف وشظف العيش ~~{لسعيها} أي عملها للآخرة الذي كأنه لا سعي غيره خاصة لعلمها أنه منج ~~{راضية *} لما رأت من ثوابه تود أن جميع سعيها # PageV22P008 # في الدنيا كان لذلك بعد أن كان ذلك السعي الذي هو للآخرة كريها إليها في ~~الدنيا لا تباشره إلا بشق الأنفس. ولما ذكر السعي أتبعه ثوابه فقال: {في ~~جنة عالية *} أي في المكان العالي والمكانة العالية والأشجار والغرف وغير ~~ذلك بما صرفوا أنفسهم عن الدنايا ورفعوا هممهم إلى النفائس. # ولما كان ما كان من هذا لا يصفو، وفيه ما يكره من الكلام قال منزها لها ~~عن كل سوء: {لا تسمع} أي أيها الداخل إليها - على قراءة الجماعة، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بالبناء للمفعول وهو ms5644 أبلغ في النفي {فيها ~~لاغية *} أي لغو ما أو نفس تلغو أو كلمة ذات لغو على الإسناد المجازي، بل ~~المسموع فيها الذكر من التحميد والتمجيد والتنزيه لحمل ما يرى فيها من ~~البدائع على ذلك مع نزع الحظوظ الحاملة على غيره من القلوب بما كانوا ~~يكرهون من لغو أهل الدنيا المنافي للحكمة. # ولما وصف الجنة بأول ما يعتبر فيها وهو عدم المنغص، أتبعه ما يطلب بعده ~~وهو تناول الملتذات، وكان الأكل قد فهم من ذكر لفظ الجنة، ذكر المشروب لذلك ~~ولدلالته إذا كان جاريا على # PageV22P009 # زيادة حسن الجنة وكثرة ما فيها من النباتات المقيتة والمفكهة من النجم ~~والأشجار والري والأطيار، فقال لأنه ليس كل جنة مما نعرفه فيه ماء جار ~~بنفسه: {فيها} أي الجنة. ولما كان الماء الجاري صالحا لأن يقسم إلى أماكن ~~كثيرة، وحد قوله المراد به الجنس الشامل للكثير مقابلة لعين أهل النار في ~~دار البوار: {عين جارية *} أي عظيمة الجري جدا، فهي بحيث لا تنقطع أصلا لما ~~لأرضها من الزكاء والكرم وما لمائها من الغزارة وطيب العنصر، فهو صالح لأن ~~يعم جميع نواحيها أقاصيها وأدانيها وإن عظم اتساعها وتناءت أقطارها ~~وبقاعها، كما نراه يجري من ساق الشجرة الكبيرة جدا فيسقي جميع أغصانها ~~وأوراقها وثمارها، ويزيد على ذلك بأن جريه من أسفل إلى فوق، يجدبه جادب ~~الشوق ويسوقه أي سوق يقدره الخلاق العليم، والذي قدر على هذا كما هو مشاهد ~~لنا لا نشك فيه قادر على أن يجعل هذه العين - الصالحة للجنس ولو كانت واحدة ~~بالشخص - عامة لجميع مرافق الجنة تجري إلى خيامها ورياضها وبساتينها ~~ومصانعها ومجالسها ويصعدها إلى أعالي غرفها وإن علت، مقسمة بحسب المصالح، ~~موزعة على قدر المنافع، بغاية الإحكام بما كان لداخلها من الخضوع الذي يجري ~~منهم الدموع ويقل الهجوع ويكثر الظمأ والجوع. # PageV22P010 # ولما لم يبق بعد الأكل والشرب إلا الاتكاء، قال مفهما أنهم ملوك: {فيها} ~~معيدا الخبر قطعا للكلام عن الأول تنبيها على شرف العين لأن الماء مما لا ~~حياة بدونه {سرر} أي زائدة الحد ms5645 في العكثرة، جمع سرير وهو مقعد عال يجلس ~~عليه الملك ينقل إلى الموضع الذي يشتهيه، سمي بذلك لأنه يسر النفس، والمادة ~~كلها للسرور والطيب والكرم، ولذلك يطلق على الملك والنعمة وخفض العيش ~~{مرفوعة *} أي رفعها رافع عظيم في السمك وهو جهة العلو ليرى الجالس عليها ~~جميع ملكه وما نعم به وما شاء الله من غيره وفي القدر، لا كما تعهدونه في ~~الدنيا، بل ارتفاعها نمط جليل من مقدار عظمة رافعها الذي رفع السماء، ~~فالتنكير للتعظيم، وبنى الاسم للمفعول للدلالة على أنه ليس له من ذاتها إلا ~~الانخفاض، وأما ارتفاعها فبقسر القادر على كل شيء، وهذا يدل على أنها كسماء ~~لا عمد لها، قال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ألواحها من ذهب ~~مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة ما لم يجىء أهلها، فإذا أراد أن يجلس ~~عليها تواضعت له حتى يجلس عليها - ثم ترتفع إلى مواضعها - انتهى. وذلك بما ~~كانوا يتواضعون ويباشرون من مشاق العبادات على التراب ورث الأثواب. # PageV22P011 # ولما كان المستريح يحتاج إلى تكرار الشرب وما يشرب فيه قال: {وأكواب} جمع ~~كوب وهو إناء لا عروة له، فهو صالح للمناولة والشرب من كل جهة {موضوعة *} ~~أي ملآى وهي بحيث يسهل عليهم تناولها. # ولما كان من هو بهذه المثابة يحتاج إلى المساند والفرش الزائدة قال ~~تعالى: {ونمارق} أي مساند يستندون إليها، جمع نمرقة بالفتح والضم وهي ~~الوسادة {مصفوفة *} أي بعضها إلى بعض فهي في غاية الكثرة كأنها الروابي ~~المنضدة على بساط الأرض {وزرابي} أي بسط عريضة كثيرة الوبر كأنها الرياض ~~فاخرة ناضرة زائدة عن مواضع استراحاتهم، وهي جمع زربية {مبثوية *} أي ~~مبسوطة على وجه التفرق في المواضع التي لا يراد التنزه بها من مواضع ~~الرياحين النابتة والأشجار المتشابكة كما بسط سبحانه وتعالى أديم الأرض ~~ورصعه بأنواع النبات الفاخرة بما بسطوا أنفسهم في الدنيا للحق وألانوها له. # ولما أنهى سبحانه ما أراد من تصوير تلك الدار على ما يليق بهذه السور ~~القصار، وكانوا ينكرون غاية الإنكار فوبخهم بما يعصمهم # PageV22P012 # من الزيغ ms5646 عن العقائد الحقة في استفهام إنكاري مذكرا لهم بأمورهم في غاية ~~الوضوح في نفسها، لأن نزول هذه السور كان في أول الأمر قبل أن يتمرنوا على ~~المعارف تدل على قدرته على البعث وعلى قدرته على ما ذكر ما هذه الأمور التي ~~أودعها الجنان للذة الإنسان، وذلك لما في هذه الأمور التي ذكر بها سبحانه ~~من عجائب الصنع مع تفاوته في جعل بعضها ذا اختيار في الخفض والرفع، وبعضها ~~على كيفية واحدة لا قدرة له على الانفكاك عنها من علو أو سفول مع التمهد أو ~~التوعر، فقال مسببا عما مضى من الإخبار عن أحوال الفريقين في الآخرة وعن ~~قدرته على ما ذكر: {أفلا ينظرون} أي المنكرون من هذه الأمة لقدرته سبحانه ~~وتعالى على الجنة وما ذكر فيها والنار وما ذكر فيها - نظر اعتبار. # ولما كان لهم من ملابسة الإبل ما ليس لهم من ملابسة غيرها، وكانت فردة في ~~المخلوقات لا شبيه لها مع ما لها من كثرة المنافع كما قال الحسن رحمه الله ~~تعالى - مع أكلها لكل مرعى واجتزائها بأيسر # PageV22P013 # شيء لا سيما في الماء وطول صبرها عنه مع عظم خلقها وكبر جرمها وشدة ~~قوتها، فكانت أدل على تمام القدرة والفعل بالاختيار، قال منبها بذكرها على ~~التدبر في الآيات المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعا ~~بعد ما أشار إلى دلالتها على البعث في البروج بذكر ثمود بعد أن صرح به في ~~سورة سبحانه كما مضى بيانه في الموضعين ويأتي إن شاء الله تعالى في الفجر ~~والشمس، وأوضح التعبير عنها هنا بما يدل على الخلطة المميلة المحيلة ~~المناسبة لمعنى الغاشية بخلاف التعبير في سورة النحل بالأنعام لأنها سورة ~~النعم {إلى الإبل} ونبه على أن عجيب خلقها مما ينبغي أن تتوفر الدواعي على ~~الاستفهام والسؤال عنه بأداة الاستفهام، فقال بانيا للمفعول إشارة إلى أن ~~الدال هو التأمل في مجرد خلقها الدال على إحاطة علم الله وعظيم إحسانه ~~وقدرته تعالى وفعله بالاختيار وحسن تدبيره حيث خلقها لجر الأثقال إلى ~~البلاد النائية ms5647 فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة به من غير معين، منقادة لمن ~~اقتادها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار الثقال ترعى كل نبات وتحتمل العطش إلى ~~عشر فصاعدا ليتأتى بها قطع المفاوز، فهي سفن البر مع ما لها من منافع أخر، ~~قال البيضاوي: ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات # PageV22P014 # المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعا ولأنها أعجب ما ~~عند العرب - انتهى، وتنفعل للبسط وتجد في سيرها فتتأثر بالصوت الحسن جدا، ~~ومن عجائبها أنها لا تكذب أصلا فإنها لا تبرك عجزا عن الحمل - إلا وليس ~~فيها من القوى شيء، وليس فيها ما تعم كراهته إلا كثرة رغائها فلعله سبحانه ~~نفى عن الجنة اللغو لذلك، ولعله مثل العين الجارية وقربها بدرها، والسرر ~~المرفوعة التي حكى أنها تنخفض حتى يتمكن المنتفع بها من ظهورها ثم ترتفع به ~~بالسماء في علوها مع ما يعهدون من بروك الإبل للحمل والركوب ثم ارتفاعها ~~لتمام الانتفاع، وقرب نصب الأكواب بسنامها والنمارق ببقيتها حال بروكها، ثم ~~فصل ما دلت عليه الإبل من الأكواب بالجبال التي لا ترتقى مثل جبل السد، ~~والنمارق بالتي ترتقى، وبسط الزرابي بمهد الأرض، قال أبو حيان رحمه الله ~~تعالى: و {كيف} سؤال عن حال والعامل فيه {خلقت *} وإذا علق الفعل عما فيه ~~الاستفهام لم يبق الاستفهام على حقيقته. # ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا المخلوق المفرد الذي هو أدل ما يكون # PageV22P015 # على هذا القول بالطبيعة، أتبعه ذكر السماء ليتذكر السامع ذلك فيباعد من ~~يقول به فقال: {وإلى السماء} أي التي هي من جملة مخلوقاتنا {كيف رفعت *} أي ~~حصل بأيسر أمر رفعها من الذي خلقها بلا عمد على ما لها من السعة والكبر ~~والثقل والإحكام وما فيها من جبال الكواكب والغرائب والعجائب، فذلك دال على ~~القدرة التامة التي لا يشارك تعالى فيها أحد قل ولا جل على إيجاد الجنة ~~العالية وعلى رفع السرر فيها لأنه دل على الفعل بالاختيار ونفي حكم الطبيعة ~~حكما وحتما، وذلك دال على كمال قدرته تعالى على كل شيء. # ولما ذكر العالي من ms5648 الحيوان الملابس للانسان والعالي من الأكوان، أتبعه ~~أعلى الأرض فقال تعالى: {وإلى الجبال} أي الشامخة وهي أشد الأرض {كيف نصبت ~~*} أي كان نصبها من ناصبها عالية جدا على بقية الأرض بلا موجب فيها لذلك من ~~طبيعة ولا غيرها بل بفعل الفاعل المختار فهي راسخة لا تميل، فوضعها كذلك ~~على ما فيها من المنافع من المياه الجارية والأشجار المختلفة أعجب من وضع ~~الأكواب # PageV22P016 # والنمارق المزينة، وبها مع ذلك ثبتت الأرض وحفظت من الميد، واعتدل أمر ~~الكواكب في تقدير الليل والنهار باعتدال البلاد بالطلق بإعلاء بعضها قبل ~~بعض حتى كانت المطالع والمغارب على ترتيب مطرد ونظام محكم غير منخرم تقدر ~~به الأزمان والفصول والسنون والأيام والشهور - إلى غير ذلك من الأمور، ولا ~~يكون ذلك لها إلا بقاهر قادر مختار لا شريك له. # ولما كان الخفض لا يكون إلا بخافض قاهر كما أن الرفع كذلك قال تعالى: ~~{وإلى الأرض} أي مع سعتها {كيف سطحت *} أي اتفق بسطها من باسطها حتى صارت ~~مهادا موضوعا يمشي عليه بغاية السهولة، والقدرة على جعلها كذلك على ما هي ~~فيه من الزينة بناضر النبات وغير ذلك من الاختلافات دالة على الفعل ~~بالاختيار، وليست بدون القدرة على بث الزرابي في الجنة على اختلاف أشكالها ~~وصورها وألوانها. # ولما دل ما ذكر من عجائب صنعه في أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات ~~العلويات والسفليات على كمال قدرته على كل شيء، فدل على كمال قدرته - على ~~البعث وعلى كل ما ذكر أنه # PageV22P017 # يفعله في الجنة والنار، وكان الحث على النظر في هذه الأشياء باستفهام ~~إنكاري، وكان ذلك مفيدا لانتفاء النظر، قال سبحانه مسببا عنه: {فذكر} كل من ~~يرجى تذكره وانتفاعه بالتذكير يا أشرف خلقنا بما في غرائزهم وفطرهم من ~~العلم الأولى بما في هذه الأشياء وأمثالها مما يدل على صحة ما نزلنا عليك ~~ليدلهم على كمال قدرة الذي بعثك فينقادوا لك أتم انقياد لا سيما في اعتقاد ~~حقية البعث، ولا يهمنك كونهم لا ينظرون ولا يتطرفون، ولعل التذكير يوصل ~~المتذكر إذا أقبل عليه ms5649 بحسن رغبة إلى أن يعرف أن الإبل تشبه الأنفس ~~المطمئنة الذلولة المطيعة المناقدة، والسماء تشبه الأرواح القدسية ~~النورانية، والجبال تشبه العقول والمعارف الثابتة الراسخة، والأرض تشبه ~~البدن المشتمل على الأعضاء والأركان. # ولما كانت هذه السورة مكية من أوائل ما أنزل، وكان مأمورا إذ ذاك بالصفح ~~قال: {إنما أنت مذكر *} أي لا مقاتل قاهر # PageV22P018 # قاسر لهم على التذكر والرجوع، فلا عليك إن لم ينظروا ولم يتذكروا لأنه ما ~~عليك إلا البلاغ، ولذلك قال {لست} وأشار إلى القهر بأداة الاستعلاء فقال: ~~{عليهم} أي خاصة {بمصيطر *} أي بمتسلط، وأما غيرهم فسنسلطك عليهم عن قريب، ~~وقرأها الكسائي بالسين على الأصل. # PageV22P019 # ولما نفى عنهم تسلط الدنيا، وكان التقدير: فمن أقبل وآمن فإن الله ينعمه ~~النعيم الأكبر، قال مستدركا قسيمهم في صورة الاستثناء: {إلا} أي لكن {من ~~تولى} أي كلف نفسه المطمئنة وفطرته الأولى المستقيمة للإعراض {وكفر *} أي ~~وأصر على كفره، وأجاب الشرط بقوله مسببا عنه: {فيعذبه} أشد العذاب الذي لا ~~يطيقه أصلب الحديد ولا أشد الجبال {الله} أي الملك الأعظم بسبب تكبره على ~~الحق ومخالفته لأمرك المطاع ومرادك الذي كله الحسن الجميل، ولعله صوره وهو ~~منقطع بصورة المتصل بالتعبير بأداته إشارة إلى أن العذاب من الله عذاب منه ~~صلى الله عليه وسلم، لأن سببه تكذيبهم له، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ~~«ألا» بالفتح والتخفيف على أنها استفتاحية {العذاب الأكبر *} يعني عذاب ~~الآخرة، ويجوز أن يكون الاستثناء # PageV22P019 # متصلا فيكون المعنى: أن من أصر على الكفر يسلطه الله عليه فيقتله فيعذبه ~~الله في الدار الآخرة، ثم علل إخباره عنه عذابه في الآخرة بقوله مؤكدا لما ~~لهم من التكذيب: {إن إلينا} أي خاصة بما لنا من العظمة والكبرياء {إيابهم ~~*} أي رجوعهم وإن أبوا بالموت ثم بالبعث ثم بالحشر. # ولما كان الحساب متأخرا عن ذلك كله، وعظيما كما وكيفا، عظمه بأداة ~~التراخي فقال: {ثم إن} أكده لإنكارهم، وأتى بأداة دالة على أنه كالواجب في ~~أنه لا بد منه فقال: {علينا} أي خاصة بما لنا من القدرة والتنزه عن ms5650 نقص ~~العبث والجور وكل نقص، لا على غيرنا، لأن غيرنا لا قدرة له فقد تقدمنا فيه ~~بالوعود الصادقة، وأكدناها غاية التأكيد {حسابهم *} أي يوم القيامة على ~~النقير والقطمير، وغير ذلك من كل صغير وكبير، وذلك يكون في الغاشية يوم ~~ينقسم الناس قسمين: في دار هوان، ودار أمان، فقد التف آخرها بأولها، وتعانق ~~مفصلها بموصلها - والله الهادي للصواب وإليه المآب. # PageV22P020 # سورة الفجر # مقصودها الاستدلال على آخر الغاشية الإياب والحساب، وأدل ما فيها على هذا ~~المقصود الفجر بانفجار الصبح عن النهار الماضي بالأمس من غير فرق في شيء من ~~الذات وانبعاث النيام من الموت الأصغر وهو النوم بالانتشار يفي ضياء النهار ~~لطلب المعايش للمجازاة في الحساب بالثواب والعقاب) بسم الله (جامع العباد ~~بعد تمزيقهم بما له من العظمة) الرحمن (الذي عمهم بعد العموم بالإيجاد ~~بالبيان المهيئ من شاء للإيمان) الرحيم (الذي خص أولياءه بالرضوان المبيح ~~الجنان. # PageV22P021 # لما ختمت تلك بأنه لا بد من الإياب والحساب، وكان تغيير الليل والنهار ~~وتجديد كل منهما بعد إعدامه دالا على القدرة على البعث، وكان الحج قد جعله ~~الله في شرعه له على وجه التجرد عن المخيط ولزوم التلبية والسير إلى ~~الأماكن المخصوصة آية مذكرة بذلك قال: {و ### | الفجر # *} أي الكامل في هذا الوصف لما له من العظمة حتى كأنه لا فجر غيره، وهو ~~فجر يوم النحر الذي هو أول الأيام الآخذة في الإياب إلى # PageV22P021 # بيت الله الحرام بدخول حرمه والتحلل من محارمه وأكل ضيافته. # ولما ذكر هذا اليوم بما العبارة به عنه أدل على البعث لأنه ينفجر عن صبح ~~قد أضاء، ونهار قد انبرم، وانقضى، لا فرق بينه وبين ما مضى، عم فقال معبرا ~~بالمقابل: {وليال عشر *} هي أعظم ليالي العام. وهي آية الله على البعث ~~بالقيام إلى إجابة داعي الله تعالى على هيئة الأموات {والشفع} أي لمن تعجل ~~في يومين {والوتر *} أي لمن أتم - قاله ابن الزبير، وروى أحمد والبزار ~~برجال الصحيح عن عياش بن عقبة وهو ثقة عن جابر رضي الله عنه عن النبي ms5651 صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «العشر الأضحى، والشفع يوم الأضحى، والوتر يوم ~~عرفة» . # ولما كان تعاقب الليل والنهار أدل على القدرة وأظهر في النعمة، قال رادا ~~لآخر القسم على أوله، ومذكرا بالنعمة وكمال القدرة، لأن الليل أخفاهما سرى ~~وسرا، فهو أعظمهما في ذلك أمرا، لأن سير النهار ظاهر لسرايته بخلاف الليل ~~فإنه محوى صرفه فكان أدل على القدرة {واليل} أي من ليلة النفر {إذا يسر *} ~~أي ينقضي كما # PageV22P022 # ينقضي ليل الدنيا وظلام ظلمها فيخلفه الفجر ويسرى فيه الذين آبوا إلى ~~الله راجعين إلى ديارهم بعد حط أوزارهم، وقد رجع آخر القسم على أوله - ~~وأثبت الياء في يسري ابن كثير ويعقوب وحذفها الباقون، وعلة حذفها قد سأل ~~عنها المؤرج الأخفش فقال: اخدمني سنة، فسأله بعد سنة فقال: الليل يسرى فيه ~~ولا يسري، فعدل به عن معناه فوجب أن يعدل عن لفظه كقوله تعالى: {وما كانت ~~أمك بغيا} [مريم: 28] لما عدل عن «باغية» عدل لفظه فلم يقل: بغية - انتهى، ~~وهو يرجع إلى اللفظ مع أنه يلزم منه رد روايات الإثبات، والحكمة المعنوية ~~فيه - والله أعلم - من جهة الساري وما يقع السرى فيه، فأما من جهة الساري ~~فانقسامهم ليلة النفر إلى مجاور وراجع إلى بلاده، فأشير إلى المجاورين ~~بالحذف حثا على ذلك لما فيه من جلالة المسالك، فكان ليل وصالهم ما انقضى ~~كله، فهم يغتنمون حلوله ويلتذون طوله من تلك المشاهد والمشاعر والمعاهد، ~~وإلى الراجعين بالإثبات لما سرى الليل بحذافيره عنهم آبوا راجعين إلى ~~ديارهم فيما انكشف من نهارهم، وأما من جهة ما وقع فيه السرى فللاشارة إلى ~~طوله تارة وقصره أخرى، فالحذف إشارة إلى القصير والإثبات إشارة إلى الطويل ~~بما وقع من تمام سراه وما # PageV22P023 # وقع للسارين فيه من قيام وصف الأقدم بين يدي الملك العلام كما قال الإمام ~~تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى حيث قال مشيرا لذلك: # كم ليلة فيك وصلنا السرى ... لا نعرف الغمض ولا نستريح # الأبيات المذكورة عنه في المزمل، فقد انقسم الليل إلى ذي ms5652 طول وقصر، ~~والساري فيه إلى ذي حضر وسفر، فدلت المفاوتة في ذلك وفي جميع أفراد القسم ~~على أن فاعلها قادر مختار واحد قهار، ولذلك أتبعه الدلالة بقهر القهارين ~~وإبارة الجبارين، وأما «بغي» فذكرت حكمته في مريم. # ولما كان هذا قسما عظيما في ذكر تلك الليالي المتضمن لذكر المشاعر وما ~~فيها من الجموع والبكاء كما قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة: # وليلة جمع والمنازل من منى ... وهل فوقها من حرمة ومنازل # وفي تذكيره بالبعث ودلالته عليه دلالة عقلية واضحة بالإيجاد بعد الإعدام ~~مع ما لهذه الأشياء في أنفسها وفي نفوس المخاطبين بها من الجلالة، نبه على ~~ذلك سبحانه وتعالى بقوله: {هل في ذلك} أي المذكور مع ما له من علي الأمر ~~وواضح القدر {قسم} أي كاف مقنع {لذي} أي صاحب {حجر *} أي عقل فيحجره ويمنعه ~~عن الهوى في # PageV22P024 # درك الهوى، فيعليه إلى أوج الهدى، في درج العلا، حتى يعلم أن الذي فعل ما ~~تضمنه هذا القسم لا يتركه سدى، وأنه قادر على أن يحيى الموتى، قال ابن ~~جرير: يقال للرجل إذا كان مالكا نفسه قاهرا لها ضابطا: إنه لذو حجر - ~~انتهى، فمن بلغ أن يحجره عقله عن المآثم ويحمله على المكارم فهو ذو حجر. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ابتدأ سبحانه لمن تقدم ذكره وجها آخر من ~~الاعتبار، وهو أن يتذكروا حال من تقدمهم من الأمم وما أعقبهم تكذيبهم ~~واجترامهم فقال: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد} إلى قوله: {إرم ذات العماد} إلى ~~قوله: {إن ربك لبالمرصاد} أي لا يخفى عليه شيء من مرتكبات الخلائق ولا يغيب ~~عنه ما أكنوه {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} [الرعد: 10] فهلا اعتبر ~~هؤلاء بما يعاينونه ويشاهدونه من خلق الإبل ورفع السماء ونصب الجبال وسطح ~~الأرض، وكل ذلك لمصالحهم ومنافعهم، فالإبل لأثقالهم وانتقالهم، والسماء ~~لسقيهم وإظلالهم، والجبال لاختزان مياههم وأقلالهم، والأرض لحلهم وترحالهم، ~~فلا بهذه الأمور كلها استبصروا، ولا بمن خلا من القرون اعتبروا، {ألم تر ~~كيف فعل ربك بعاد} على ms5653 عظيم طغيانها وصميم بهتانها {إن ربك لبالمرصاد} ~~فيتذكرون # PageV22P025 # حين لا ينفع التذكر {إذا دكت الأرض دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء ~~يومئذ بجهنم، يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} - انتهى. # ولما كان التقدير كما هدى إليه السياق: ليبعثن كلهم صاغرين ثم ليحشرن ثم ~~ليحاسبن فيجازى كل أحد بما عمل، فإن آمنوا بذلك نجوا وإلا عذبهم الذي ثبتت ~~قدرته على العذاب الأكبر بعد العذاب الأدنى بسبب قدرته على البعث بسبب ~~قدرته على ما رأيتم من خلق الإبل والسماء والجبال والأرض على ما في كل من ~~العجائب بسبب قدرته على كل شيء، وهذا هو المقصود بالذات، حذف زيادة في ~~تعظيمه واعتمادا على معرفته بما هدى إليه من السياق في جميع السورة وما ~~قبلها. ولما طوى جواب القسم لإرشاد السياق إليه وتعويل المعنى عليه، ~~وتهويلا له مع العلم بأنه لا يكون قسم بغير مقسم عليه، وكان قد علمت القدرة ~~عليه مما أشير إليه بالمقسم به، أوضح تلك القدرة بأمر العذاب الأدنى - ~~للأمم الماضية، فقال مخاطبا لمن قال له في آخر تلك {فذكر إنما أنت مذكر} ~~[الغاشية: 21] تسلية له صلى الله عليه وسلم وإشعارا بأنه لا يتدبره حق ~~تدبره غيره، وتهديدا لمن كذب من قومه: {ألم تر} أي تنظر بعين الفكر يا أشرف ~~رسلنا فتعلم علما هو في التيقن به كالمحسوس بالبصر، وعبر # PageV22P026 # بالاستفهام إشارة إلى أن ما ندبه إلى رؤيته مما يستحق أن يسأل عنه: {كيف ~~فعل ربك} أي المحسن إليك بإرسالك ختاما لجميع الأنبياء بالأمم الماضية بما ~~شاركوا به هؤلاء من تكذيب الرسل وجعل محط نظرهم الدنيا، وعملوا أعمال من ~~يظن الخلود، وبدأ بأشدهم في ذلك وأعتاهم الذين قالوا: من أشد منا قوة؟ ~~فقال: {بعاد *} أي الذين بلغوا في الشدة أن قالوا: من أشد منا قوة؟ وقال ~~لهم نبيهم هود صلى الله عليه وسلم: {وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون} [الشعراء: ~~129] ودل على ذلك بناؤهم جنة في هذه الدنيا الفانية التي هي دار الزوال، ~~والقلعة والارتحال، والنكد والبلاء والكدر، والمرض والبؤس والضرر، فقال ms5654 ~~مبينا لهم على حذف مضاف: {إرم} أي أهلها وعمدتها، وأطلقها عليهم لشدة ~~الملابسة لما لها من البناء العجيب والشأن الغريب، ثم بينها بقوله: {ذات} ~~أي صاحبة {العماد *} أي البناء العالي الثابت بالأعمدة التي لم يكن في هذه ~~الدار مثلها، ولذا قال: {التي لم يخلق} أي يقدر ويصنع - بناه للمفعول إرادة ~~للتعميم {مثلها} يصح أن يعود الضمير على «عاد» باعتبار القبيلة، على «إرم» ~~باعتبار البلدة، وأوضح هذا بقوله معمما للأرض كلها: {في البلاد *} أي في ~~بنائها ومرافقها # PageV22P027 # وثمارها، وتقسيم مياهها وأنهارها، وطيب أرضها وحسن أطيارها، وما اجتمع ~~بها مما يفوت الحصر ويعجز القوى، ولا مثل أهلها الذين بنوها في قوة أبدانهم ~~وعظيم شأنهم وغير ذلك من أمورهم، وكان صاحبها شداد قد ملك المعمورة كلها ~~فتحيزها فبناها في برية عدن في ثلاثمائة سنة يضاهي بها الجنة على ما زعم - ~~قلوب ضلت وأضلت وأضلها باريها - قال أبو حيان: على أوصاف بعيد أو مستحيل ~~عادة أن يكون في الأرض مثلها، فلما تمت على ما أراد قصدها للسكن وعمره إذ ~~ذاك تسعمائة سنة، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة ~~من السماء فأهلكهم فكانوا كأمس الذاهب، وأخفى مدينتهم فلم يرها أحد إلا عبد ~~الله بن قلابة، خرج في طلب إبل ضلت له على زمن معاوية رضي الله عنه فوقع ~~عليها، ولما خرج منها وانفصل عنها خفيت عنه، وكان قد حمل معه بعض ما رأى ~~فيها من اللؤلؤ والمسك والزعفران فباعه، وسمع به معاوية رضي الله عنه فأرسل ~~إليه فحدثه، فأرسل، معاوية رضي الله عنه إلى كعب الأحبار فسأله عن ذلك ~~فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أشقر أحمر ~~قصير، على حاجبيه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم # PageV22P028 # التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذاك الرجل - ذكره شيخنا في تخريج ~~أحاديث الكشاف وقال: وآثار الوضع عليه لائحة، وقال جماعة منهم ابن عباس رضي ~~الله عنهما: الأوصاف كلها للقبيلة وهم عاد الأولى، واسمها ms5655 إرم باسم جدهم، ~~وكانوا عربا سيارة يبنون بيوتهم على الأعمدة على عادة العرب، ولم يخلق ~~مثلهم أمة من الأمم في جميع البلاد. # PageV22P029 # ولما بدأ بهؤلاء لأن أمرهم كان أعجب، وقصتهم أنزه وأغرب، ثنى بأقرب الأمم ~~إليهم زمانا وأشبههم بهم شأنا لأنهم أترفوا بما حبوا به من جنات وعيون ~~وزروع ونخل طلعها هضيم، فجعلوا موضع ما لزمهم من الشكر الكفر، واستحبوا ~~العمى على الهدى، مع ما في آيتهم، وهي الناقة، من عظيم الدلالة على القدرة ~~فقال: {وثمود الذين جابوا} أي نقبوا وقطعوا قطعا حقيقا كأنه عندهم كالواجب ~~{الصخر بالواد *} أي وادي الحجر أو وادي القرى، فجعلوا بيوتا منقورة في ~~الجبال فعل من يغتال الدهر ويفني الزمان، قال أبو حيان: قيل أول من نحت ~~الجبال والصخور والرخام ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة # PageV22P029 # كلها بالحجارة. # ولما ذكر القبيلتين من العرب، ذكر بعض من جاورهم من طغاة العجم لما في ~~قصتهم من العتو والجبروت مع ما حوته من الغرائب وخوارق العجائب لا سيما في ~~القدرة على البعث بقلب العصا حية وإعادتها جمادا مع التكرر، وبإيجاد ~~الضفادع والقمل من كثبان الأرض وغير ذلك فقال: {وفرعون} أي وفعل بفرعون {ذي ~~الأوتاد *} أي الذي ثبت ملكه تثبيت من يظن أنه لا يزول بالعساكر والجنود ~~وغيرهم من كل ما يظن أنه يشد أمره من الجنات والعيون والزروع والمقامات ~~الكريمة، فصارت له اليد المبسوطة في الملك. # ولما كان المراد بفرعون هو وجنوده لآن الرأس يكنى به عن البدن، لأنه ~~جماعة وبه قوامه، وصفه بوصف يجمع قومه وجميع من ذكر هنا فقال: {الذين} أي ~~فرعون وجنوده وكل من ذكر هنا من الكفرة من عاد وثمود وأتباعهم {طغوا} أي ~~تجاوزوا الحدود {في البلاد *} أي التي ملكوها بالفعل وغيرها بالقوة ~~{فأكثروا} عقب طغيانهم وبسببه {فيها الفساد *} بما فعلوا من الكفر والظلم ~~مما صار سنة لمن سمع به. # ولما كان ذلك موجبا للعذاب، سبب عنه قوله: {فصب} # PageV22P030 # أي أنزل إنزالا هو في غاية القوة {عليهم} أي في الدنيا {ربك} أي المحسن ~~إليك المدبر ms5656 لأمرك الذي جعل ما مضى من أخبار الأمم وآثار الفرق موطئا لهم ~~{سوط عذاب *} أي جعل عذابهم من الإغراق والرجف وغيرهما في وقته وتمكنه ~~وعلوه وإحاطته كالمصبوب في شدة ضربه ولصوقه بالمضروب وإسراعه إليه والتفافه ~~به كالسوط وفي كونه منوعا إلى أنواع متشابكة، وأصله الخلط، وإنما سمي هذا ~~الجلد المضفور الذي يضرب به لكونه مخلوط الطاقات بعضها ببعض، ولأنه يخلط ~~اللحم والدم، وقيل: شبه بالسوط ما أحل بهم في الدنيا إشعارا بالترديد ~~والتكرير إلى أن يهلك المعذب به وإيذانا بأنه بالقياس إلى ما أعد لهم في ~~الآخرة كالسوط إذا قيس إلى السيف، هذا سوط الدنيا وسيف الآخرة أشد وأحد ~~وأمضى، ثم علل أخذه لكل ظالم وانتقامه من كل مفسد بأنه رقيب، فقال ممثلا أن ~~العصاة لا يفوتونه مؤكدا تنبيها على أن أعمال من ينكر ذلك أو لا يخطر ~~بباله: {إن ربك} أي مولاك المدبر لأمر نبوتك {لبالمرصاد *} أي لا يفوته ~~شيء، بل هو قادر ومطلع على كل شيء اطلاع من يريده بالإقامة في مكان # PageV22P031 # الرصد وزمانه مع غاية الحفظ والرعي وهو قادر على ما يريد. # ولما ذكر سبحانه أن عادة هؤلاء الفرق كانت الطغيان، وذكر أن عادة الرب ~~سبحانه فيمن تولى وكفر أنه يعذبه كما هدد به آخر تلك، ودل على ذلك بما شوهد ~~في الأمم، وعلل ذلك بأنه لا يغفل، ذكر عادة الإنسان من حيث هو من غير تقييد ~~بهؤلاء الفرق عن الابتلاء في حالي السراء والضراء، فقال مشيرا إلى جواب ما ~~كانت الكفار تقوله من أنهم آثر عند الله من المسلمين لا يساعد عليهم في ~~الدنيا وتقلل الصحابة رضي الله عنهم من الدنيا مسببا عما مضى عطفا على ما ~~تقديره: هذه كانت عادة هؤلاء الأمم وعادة الله فيهم: {فأما الإنسان} أي ~~الذي أودع الحجر ليعقل هذه الأقسام وما يراد منه من اعتقاد المقسم عليه بها ~~وجبل على النسيان والأنس بنفسه والمحبة لها والرضى عنها. # ولما كان المقصود التعريف بحاله عند الابتداء، قدم الظرف الدال على ذلك ~~على الخبر ms5657 فقال: {إذا} وأكد الأمر بالنافي فقال {ما ابتلاه} أي عامله ~~معاملة المختبر بأن خالطه بما أراد مخالطة تميله وتحيله {ربه} أي الذي ~~أبدعه وأحسن إليه بما يحفظ وجوده ليظهر # PageV22P032 # شكره أو كفره {فأكرمه} أي بأن جعله عزيزا بين الناس وأعطاه ما يكرمونه به ~~من الجاه والمال {ونعمه *} أي بأن جعله متلذذا مترفا بما أعطاه غير تعبان - ~~بسببه {فيقول} سرورا بذلك وافتخارا: {ربي} أي الموجد لي والمدبر لأمري ~~{أكرمن *} أي فيظن أن ذلك عن استحقاق فيرتفع به {وأما} هو {إذا} وأكد على ~~نمط الأول فقال: {ما ابتلاه} أي ربه ليظهر صبره أو جزعه. # ولما كان قوله في الأول «فأكرمه ونعمه» كناية عن «فوسع عليه» قابله هنا ~~بقوله: {فقدر} أي ضيق تضييق من يعمل الأمر بحساب وتقدير {عليه رزقه} فهو ~~كناية عن الضيق كما أن العطاء بغير حساب كناية عن السعة، فجعله بمقدار ~~ضرورته الذي لا يعيش عادة بدونه، ولم يجعله فيه فضلا عن ذلك ولم يقل ~~«فأهانه» موضع «قدر عليه» تعليما للأدب معه سبحانه وتعالى وصونا لأهل الله ~~عن هذه العبارة لأن أكثرهم مضيق عليه في دنياه، ولأن ترك الإكرام لا ينحصر ~~في كونه إهانة {فيقول} أي الإنسان # PageV22P033 # بسبب الضيق: {ربي} أي المربي لي {أهانن *} فيهتم لذلك ويضيق به ذرعا، ~~ويكون ذلك أكبر همه. # PageV22P034 # ولما كان نسبة هذا إليه توبيخا وتقريعا لقصور نظره فإن الإقتار قد يؤدي ~~إلى سعادة الدارين، والتوسعة قد تؤدي إلى شقاوتهما، وهذا أكثر ما يوجد، قال ~~ردعا عن مثل هذا القول بأعظم أدوات الزجر معللا للتوسعة والإقتار: {كلا} أي ~~إني لا أكرم بتكثير الدنيا ولا أهين بتقليلها، لا التوسعة منحصرة في ~~الإكرام ولا التضييق منحصر في الإهانة والصغار، وإنما أتتهم الإهانة من حيث ~~إنهم لا يطيعون الله، وربما كان بالتوسعة، وربما كانت بالإقتار، فربما عصى ~~فوسع عليه إهانة له، وهذا لمن يريد سبحانه به الشقاء فيعجل له طيباته في ~~الدنيا استدراجا، وربما عصى فضيق عليه إكراما له لأن ذلك يكفر عنه، وفي ~~الصحيح في حديث أقرع وأبرص ms5658 وأعمى في بني إسرائيل شاهد عظيم لذلك. # ولما زجر عن اعتقاد أن التوسعة للاكرام والتضييق للاهانة، ذكر أن معيار ~~من جبل على حب الطاعة ومن جبل على حب المعصية بغض الدنيا وحبها، فقال معربا ~~عن كلام الإنسان في الشقين # PageV22P034 # وأفرد أولا لأنه أنص على التعميم وجمع ثانيا إعلاما بأن المراد الجنس ~~{بل} أي يستهينون بأمر الله بما عندهم من العصيان، فيوسع على بعض من جبل ~~على الشقاء إهانة له بالاستدراج ويضيق على بعض من لم يجبل على ذلك إكراما ~~له وردعا عن اتباع الهوى وردا إلى الإحسان إلى الضعفاء، وترجم هذا العصيان ~~الذي هو سبب الخذلان بقوله: {لا يكرمون} أي أكثر الناس {اليتيم *} بالإعطاء ~~ونحوه شفقة عليه ورحمة له لأنه ضعيف لا يرجى من قبله نفع بثناء ولا غيره. # ولما كان الإنسان لا يمنعه من حث غره على الخير إلا حب الدنيا إن كان ~~المحثوث أعظم منه فيدخره لحوائجه وإن كان مثله فإنه يخشى أن يقارضه بذلك ~~فيحثه على مسكين آخر، وكان الإحسان بالحث على الإعطاء أعظم من الإعطاء لأنه ~~يلزم منه الإعطاء بخلاف العكس، قال: {ولا يحضون} أي يحثون حثا عظيما لأهلهم ~~ولا لغيرهم {على طعام المسكين *} أي بذله له سخاء وجودا، فكانت إضافته إليه ~~إشارة إلى أنه شريك للغني في ماله بقدر الزكاة. # PageV22P035 # ولما دل على حب الدنيا بأمر خارجي، دل عليه بأمر في الإنسان فقال تعالى: ~~{ويأكلون} أي على سبيل التجديد والاستمرار {التراث} أي الميراث، أصله وراث ~~أبدلت الواو تاء، وكأنه عبر عنه به دلالة على أخذ الظاهر الذي تشير إليه ~~الواو، والتفتيش عن الباطن المشار إليه بمخرج التاء تفتيشا ربما أدى إلى ~~أخذ بعض مال الغير: {أكلا لما *} أي ذا لم أي جمع وخلط بين الحلال والحرام ~~فإنهم كانوا لا يؤرثون النساء ولا الصبيان ويأكلون ما جمعه المؤرث وإن ~~كانوا يعلمون أنه حرام ويقولون: لا يستحق المال إلا من يقاتل ويحمي الحوزة. # ولما كان ذلك قد يفعل عن ضرورة مع الكراهة قال ما هو صريح في ms5659 المقصود: ~~{ويحبون} أي على سبيل الاستمرار {المال} أي هذا النوع من أي شيء كان، وأكده ~~بالمصدر والوصف فقال: {حبا جما *} أي كثيرا مع حرص وشره، فصار قصارى أمرهم ~~النظر الدنيوي، ولم يصرفوا أنفسهم عن حبه إلى ما دعا إليه العقل الذي يعقل ~~النفس عن الهوى، والحجر الذي يحجرها عن الحظوظ، والنهية التي تنهاها عن ~~الشهوات إلى الإقبال على الله. # PageV22P036 # ولما كان السياق هاديا إلى أن التقدير: يحسبون أن ذلك يوفر أموالهم ويحسن ~~أحوالهم ويصلح بالهم، زجر عنه بمجامع الزجر فقال: {كلا} أي ما هكذا ينبغي ~~أن يكون الأمر، ثم استأنف ذكر ما يوجب ندمهم وينبههم من رقدتهم ويعرفهم أن ~~حب المال لا يقتضي نموه، ولو اقتضى نموه ما اقتضى إيجابه للسعادة فقال: {إذ ~~دكت الأرض} أي حصل دكها ورجها وزلزلتها لتسويتها فتكون كالأديم الممدود ~~بشدة المط لا عوج فيها بوجه، وأشار بالبيناء للمفعول إلى سهولة ذلك لأن ~~الأمر عظيم لعظمة الفاعل الحق، ولذلك قال: {دكا دكا *} أي مكررا بالتوزيع ~~على كل موضع نات فيها، فيكون لكل جبل وأكمة وثنية وعقبة دك يخصه على حدته ~~ليفيد ذلك أنه دك مبالغ فيه فتصير جبالها وأكمامها هباء منثورا ثم تستوي ~~حتى لا يكون فيها شيء من عوج، وهو كناية عن زلازل عظيمة لا تحملها الجبال ~~الرواسي فيكف بغيرها. # ولما دلت التسسوية على مجيء أمر عظيم، فإن العادة في الدنيا أن الطرق لا ~~تعم بالكنس أو الرش أو التسوية إلا لحضور عظيم كالسلطان، قال متلطفا ~~بالمخاطب من أواخر سورة البروج إلى هنا بذكر صفة الإحسان على وجه يفتت ~~أكباد أضداده، {وجاء ربك} أي أمر المحسن إليك بإظهار رفعتك العظمى في ذلك ~~اليوم الأعظم لفصل القضاء بين العباد # PageV22P037 # بشفاعتك {والملك} أي هذا النوع حال كون الملائكة مصطفين {صفا صفا *} أي ~~موزعا اصطفافهم على أصنافهم كل، صنف صف على حدة، ويحيط أهل السماء الدنيا ~~بالجن والإنس، وأهل كل سماء كذلك، وهم على الضعف ممن أحاطوا به حتى يحيطوا ~~أهل السماء السابعة بالكل وهم على الضعف من ms5660 جميع من أحاطوا به من الخلائق، ~~ومعنى مجيئه سبحانه وتعالى بعد أن ننفي عنه أن يشبه مجيء شيء من الخلق لأنه ~~سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا ~~صححنا العقد في ذلك في كل ما كان من المتشابه قلنا في هذا إنه مثل أمره ~~سبحانه وتعالى في ظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قدرته وقهره وسلطانه يحال ~~الملك إذا حضر بنفسه فظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بظهور ~~عساكره كلها خالية عنه، فمجيئه عبارة عن حكمه وإظهار عظمته وبطشه وكل ما ~~يظهره الملوك إذا جاؤوا إلى مكان، وهو سبحانه وتعالى شأنه حاضر مع المحكوم ~~بينهم بعلمه وقدرته، لم يوصف بغيبة أصلا أزلا ولا أبدا، فحضوره في ذلك ~~الحال وبعده كما كان قبل ذلك من غير فرق أصلا ولم يتجدد شيء # PageV22P038 # غير تعليق قدرته على حسب إرادته بالفصل بين الخلق، ولو غاب في وقت أو ~~أمكنت غيبته بحيث يحتاج إلى المجيء لكان محتاجا، ولو كان محتاجا لكان ~~عاجزا، ولو عجز أو أمكن عجزه في حال من الأحوال لم يصلح للالهية - تعالى ~~الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، وفي تكرير «صفا» تنبيه على ~~صرف المجيء عن حقيقته وإرشاد إلى ما ذكرت من التمثيل. # PageV22P039 # ولما كانت جهنم لا تأتي بنفسها لأنها لو أتت بنفسها لربما ظن أنها خارجة ~~عن القدرة بل تقودها الملائكة، فكلما عالجوها ذهابا وإيابا حصل للناس من ~~ذلك من الهول ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وكان المهول نفس المجيء بها لا ~~تعيين الفاعلين، لذلك بني للمفعول قوله: {وجاء} أي بأسهل أمر {يومئذ} أي إذ ~~وقع ما ذكر {بجهنم} أي النار التي تتجهم من يصلاها، روي أنه يؤتى بها لها ~~سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك، وهو كقوله تعالى: {وبرزت الجحيم ~~لمن يرى} [النازعات: 36] وأبدل من «إذا» توضيحا لطول الفصل وتهويلا قوله: ~~{يومئذ} أي إذ وقعت هذه الأمور فرأى الإنسان ما أعد للشاكرين وما أعد ~~للكافرين. # ولما ms5661 قدم هذه الأمور الجليلة والقوارع المهولة اهتماما بها # PageV22P039 # وتنبيها على أنها، لما لها من عظيم الموعظة، جديرة بأن يتعظ بها كل سامع، ~~ذكر العامل في ظرفها وبدله فقال: {يتذكر الإنسان} أي على سبيل التجديد ~~والاستمرار فيذكر كل ما كان ينفعه في الدنيا وما يضره فيعلم أن حبه للدنيا ~~لم يفده إلا خسارا، لا زاد بحبها شيئا لم يكتب له ولا كان ينقصه بذلها شيئا ~~كما كتب له أو بذلها، وإذا تذكر ذلك هان عليه البذل، وليست تلك الدار دار ~~العمل، فلذلك قال: {وأنى} أي كيف ومن أي وجه {له الذكرى *} أي نفع التذكر ~~العظيم فإنه في غير موضعه، فلا ينفعه أصلا بوجه من الوجوه لفوات دار العمل، ~~ولا يقع بذلك على شيء سوى الندم وتضاعف الغم والهم والآلام. # ولما كان الندم يقتضي أن يعمل الإنسان ما ينافيه، بين أنه ليس هناك عمل ~~إلا إظهار الندم فاستأنف قوله: {يقول} أي متمنيا المحال على سبيل التجديد ~~والاستمرار: {يا ليتني} وهل ينفع شيئا «ليت» {قدمت} أي أوقعت التقديم لما ~~ينفعني من الجد والعمل به {لحياتي *} أي أيام حياتي في الدنيا أو لأجل ~~حياتي هذه الباقية التي لا موت بعدها، ويمكن أن يكون سبب تمنيه هذا علمه ~~بأنه كان في الدنيا مختارا، وأن الطاعات في نفسها كانت ممكنة لا مانع له ~~منها في # PageV22P040 # الظاهر إلا صرف نفسه عنها وعدم تعليق ما أتاه الله من القوى بها. # ولما كان هذا غير نافع له، سبب عنه قوله: {فيومئذ} أي إذ وقعت هذه الأمور ~~كلها {لا يعذب} أي يوقع {عذابه} أي عذاب الله، أي مثل عذابه المطلق المجرد ~~فكيف بتعذيبه. ولما اشتد التشوف إلى الفاعل، أتى به على وجه لا أعم منه ~~أصلا فقال: {أحد *} . # ولما جرت العادة بأن المعذب يستوثق منه بسجن أو غيره، ويمنع من كل شيء ~~يمكن أن يقتل به نفسه، خوفا من أن يهرب أو يهلك نفسه قال: {ولا يوثق} أي ~~يوجد {وثاقه} أي مثل وثاقه فكيف بإيثاقه {أحد *} والمعنى أنه لا يقع ms5662 في ~~خيال أحد لأجل انقطاع الأنساب والأسباب أن أحدا يقدر على مثل ما يقدر عليه ~~سبحانه وتعالى من الضر ليخشى كما يقع في هذه الدنيا، بل يقع في الدنيا في ~~أوهام كثيرة أن عذاب من يخشونه أعظم من عذاب الله - وأن عذاب الدنيا بأسره ~~لو اجتمع على إنسان وحده لا يساوي رؤية جهنم بذلك المقام في ذلك المحفل ~~المهول دون دخولها - ولذلك تقدم خوفه على الخوف من الله، وبنى الكسائي ~~ويعقوب الفعلين للمفعول، والمعنى # PageV22P041 # على قراءة الجماعة ببنائها للفاعل: لا يعذب أحد عذابا مثل عذاب الله أي ~~لا يعذب أحد غير الله أحدا من الخلق مثل عذاب الله له، والحاصل أنه لا يخاف ~~في القيامة من أحد غير الله، فإنه ثبت بهذا الكلام أن عذابه لا مثل له، ولم ~~يذكر المعذب من هو فيرجع الأمر إلى أن المعنى: فيومئذ يخاف الإنسان من الله ~~خوفا لا مثل له، أي لا يخاف من أحد مثل خوفه منه سبحانه وتعالى، ويجوز أن ~~يكون الضمير في «عذابه» للإنسان، أي لا يعذب أحد من الزبانية أحدا غير ~~الإنسان مثل عذابه، وفي المبني للمفعول: لا يعذب عذاب الإنسان أحد لكن ~~يبعده أنه يلزم عليه أن يكون عذاب الإنسان أعظم من عذاب إبليس - ويجوز أن ~~يكون المعنى: إنه لا يحمل أحد ما يستحقه من العذاب كقوله تعالى: # {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] . # ولما علم أن هذا الجزاء المذكور لا يكون إلا للهلوع الجزوع المضطرب النفس ~~الطائش في حال السراء والضراء، الذي لا يكرم اليتيم ولا المسكين ويحب ~~الدنيا، وكان من المعلوم أن من الناس من ليس هو كذلك، تشوفت النفس إلى ~~جزائه فشفى عي هذا التشوف بقوله، إعلاما بأنه يقال لنفوسهم عند النفخ في ~~الصور وبعثرة ما في القبور للبعث والنشور: {يا أيتها النفس المطمئنة *} أي ~~التي هي في غاية # PageV22P042 # السكون لا خوف عليها ولا حزن ولا نقص ولا غبون، لأنها كانت في الدنيا في ~~غاية الثبات على كل ما أخبر به عن الدار الآخرة وغيرها ms5663 من وعد ووعيد وتحذير ~~وتهديد، فهم راجون لوعده خائفون من وعيده، وإذا كانت هذه حال النفس التي ~~شأنها الميل إلى الدنيا فما ظنك بالروح التي هي خير صرف {ارجعي} أي بالبعث ~~{إلى ربك} أي موعد الذي أوجدك ورباك تربية الموفقين، أو إلى بدنك حال كونك ~~{راضية} أي بما تعطينه. فلا كدر يلحقك بوجه من الوجوه أصلا كما كنت في دار ~~القلق والاضطراب مطمئنة ساكنة تحت القضاء والقدر سالكة سبيل الرضا إن حصل ~~ابتلاء بالتكريم والتنعيم أو التضييق والتغريم وثوقا بما عند الله {مرضية ~~*} عند الله وسائر خلقه، فلا شيء يكرهك بسبب ما كنت مطمئنة تعملين الأعمال ~~الصالحة تحت القضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره، ثم بين ما أجمل من الرجوع ~~فقال سبحانه: {فادخلي} أي بسبب هذا الأمر {في عبادي *} أي في زمرة الصالحين ~~الوافدين علي، الذين هم أهل للإضافة إلي، أو في أجساد عبادي # PageV22P043 # التي خرجت في الدنيا منها، وقراءة «عبدي» بالتوحيد للجنس الشامل للقليل ~~والكثير تدل على ذلك {وادخلي جنتي *} أي وهي جنة عدن وهي أعلى الجنان، قال ~~البغوي: قال سعيد بن جبير: مات ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف فشهدت ~~جنازته فجاء طائر لم نر على صورة خلقه، فدخل نعشه فلم نر خارجا منه، فلما ~~دفن تليت هذه الآية على شفير القبر فلم ندر من تلاها، وهذا الآخر هو أولها ~~على ما هو ظاهر المقسم عليه بالفجر من البعث المحتوم، الذي لولا هو لكان ~~خلق الخلق من العبث المذموم، المنزه عنه الحي القيوم، فسبحان الملك الأعظم ~~الذي هذا كلامه، علت معانيه عن طعن وشرفت أعلامه، وغر في ذروة الإعجاز ~~تركيبه ونظامه، «وأين الثريا من يد المتناول» . # PageV22P044 # سورة البلد # مقصودها الدلالة على نفي القدرة عن الإنسان، وإثباتها لخالقه الديان ن ~~بذكر المخلص منها، الموصل إلى السعادة في الآخرة، وهو ما هدى إليه ربه ~~سبحانه، وذلك هو معنى اسمها، فإن من تأمل أمان أهل الحرم وماهم فيه من ~~الرزق والخير على قلة الرزق ببلدهم - مع ما فيه غيرهم ممن هم ms5664 أكثر منهم ~~وأقثوى - من الخوف والجوع علم ذلك) بسم الله (الملك الواحد القهار) الرحمن ~~(الذي أسبغ نعمته على سائر بريته، وفاوت بينهم في عطيته، فكان كل ساخطا ~~لحالته في كبد ما يهمه في خاصته وعامته لحكم تعجز الأفكار) الرحيم (الذي خص ~~أهل ولايته بما يرضيه عنهم من أقضيته فيوصلهم إلى جنته وينجيهم من النار. # PageV22P045 # لما ختم كلمات الفجر بالجنة التي هي أفضل الأماكن التي يسكنها الخلق، لا ~~سيما المضافة إلى اسمه الأخص المؤذن بأنها أفضل الجنان، # PageV22P045 # بعد ما ختم آياتها بالنفس المطمئنة بعد ذكر الأمارة التي وقعت في كبد ~~الندم الذي يتمنى لأجله العدم، بعد ما تقدم من أنها لا تزال في كبد ابتلاء ~~المعيشة في السراء والضراء، افتتح هذه بالأمارة مقسما في أمرها بأعظم ~~البلاد وأشرف أولي الانفس المطمئنة، فقال مؤكدا بالنافي من حيث إنه ينفي ضد ~~ما ثبت من مضمون الكلام مع القطع بأنه لم يقصد به غير ذلك: {لا أقسم} أي ~~أقسم قسما أثبت مضمونه وأنفي ضده، ويمكن أن يكون النفي على ظاهره، والمعنى ~~أن الأمر في الظهور غني عن الإقسام حتى بهذا القسم الذي أنتم عارفون بأنه ~~في غاية العظمة، فيكون كقوله {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون ~~عظيم} [الواقعة: 86] {بهذا البلد *} أي الحرام وهو مكة التي لا يصل إليها ~~قاصدوها إلا بشق الأنفس، ولا يزدادون لها مع ذلك إلا حبا، الدال على أن ~~الله تعالى جعلها خير البلاد، وقذف حبها في قلوب من اختارهم من كل حاضر ~~وباد، لأنها تشرفت في أولها وآخرها وأثنائها بخير العباد، ولم يصفه بالأمن ~~لأنه لا يناسب سياق المشقة بخلاف ما في التين، فإن المراد هناك الكمالات. # ولما عظم البلد بالإقسام به، زاده عظما بالحال به إشعارا بأن # PageV22P046 # شرف المكان بشرف السكان، وذلك في جملة حالية فقال: {وأنت} يعني وأنت خير ~~كل حاضر وباد {حال} أي مقيم أو حلال لك ما لم يحل لغيرك من قتل من تريد ممن ~~يدعي أنه لا قدرة لأحد عليه {بهذا البلد *} فتحل ms5665 قتل ابن خطل وغيره وإن كان ~~متعلقا بأستار الكعبة، وتحرم قتل من دخل دار أبي سفيان وغير ذلك مما فعله ~~الله لك بعد الهجرة بعد نزول هذه السورة المكية بمدة طويله علما من أعلام ~~النبوة، أو معنى: يستحل أهله منك وأنت أشرف الخلق ما لا يستحلونه من صيد ~~ولا شجر، وكرر إظهاره ولم يضمره زيادة في تعظيمه تقبيحا لما يستحلونه من ~~أذى المؤمنين فيه، وإشارة إلى أنه يتلذذ بذكره، فقد وقع القسم بسيد البلاد ~~وسيد العباد، ولكل جنس سيد، وهو انتهاؤه في الشرف، فأشرف الجماد الياقوت ~~وهو سيده، ولو ارتفع عن هذا الشرف لصار نباتا ينمو كما في الجنة، وأشرف جنس ~~النبات النخل ولو ارتفع صار حيوانا يتحرك بالإرادة، فالحيوان سيد الأكوان، ~~وسيده الإنسان، لما له من النطق والبيان، وسيد الإنسان الرسل عليهم أفضل ~~الصلاة والسلام، لما لهم من عظيم الوصلة بالملك الديان، وسيدهم أشرف الخلق ~~صلى الله عليه وسلم الذي ختموا به لما فاق به من الفضائل التي أعلاها هذا ~~القرآن، فسيد الخلق # PageV22P047 # محمد بن عبد الله رسول الله أشرف الممكنات وسيدها لأنه وصل إلى أعلى مقام ~~يمكن أن يكون لها، ولو بقي فوق ذلك مقام يمكن للممكن لنقل إليه، ولكونه ~~أشرف كانت مكابدته أعلى المكابدات، يصبر على أذى قومه بالكلام الذي هو أنفذ ~~من السهام، ووضع السلاء من الجزور على ظهره الشريف - نفديه بحر وجوهنا ~~ومصون جباهنا وخدودنا - وهو ساجد، ووضع الشوك في طريقه، والإجماع على قصده ~~بجميع أنواع الأذى من الحبس والنفي والقتل بحيث قال صلى الله عليه وسلم # «ما أوذي أحد في الله ما أوذيت» . # ولما أفهمت هذه الحال أن القسم إنما هو في الحقيقة به صلى الله عليه ~~وسلم، كرر الإقسام به على وجه يشمل غيره فقال: {ووالد} ولما كان المراد ~~التعجيب من ابتداء الخلق بالتوليد من كل حيوان في جميع أمر التوليد ومما ~~عليه الإنسان من النطق والبيان وغريب الفهم وكان السياق لذم أولي الأنفس ~~الأمارة، وكانوا هم أكثر الناس، حسن التعبير بأداة ما ms5666 لا يعقل لأنها من ~~أدوات التعجيب فقال: {وما ولد *} أي من ذكر أو أنثى كائنا من كان، فدخل كما ~~مضى النبي صلى الله عليه وسلم فصار مقسما به مرارا، وكذا دخل أبواه إبراهيم ~~وولده إسماعيل # PageV22P048 # عليهما الصلاة والسلام وما صنعا وما صنع الله لهما بذلك البلد، ومعلوم أن ~~ذكر الصنعة تنبيه على صانعها، فالمقصود القسم بمن جعل البلد على ما هو عليه ~~من الجلال، وخص النبي صلى الله عليه وسلم بما خصه به من الإرسال، وفاوت بين ~~المتوالدين في الخصال، من النقص والكمال وسائر الأحوال، تنبيها على ما له ~~من الكمال بالجلال والجمال، ولعله خص هذه الأشياء بالإقسام تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وتثبيتا له على احتمال الأذى، إشارة إلى أن من كان قد حكم ~~عليه بأنه لا يزال في نكد، كان الذي ينبغي له أن يختار أن يكون ذلك النكد ~~فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ~~مكة المشرفة في أعظم شدة مما يعانيه من أذى الكفار في نفسه وأصحابه رضي ~~الله عنهم لعلو مقامه، فإن شدة البلاء للأمثل فالأمثل كما مضى مع أمره صلى ~~الله عليه وسلم بالصبر والصفح، وكل والد ومولود في شدة بالوالدية ~~والمولودية، وغير ذلك مما لا يحصى من الأنكاد البشرية، من حين هو نطفة في ~~ظلمات ثلاث في ضيق ممر ومقر ثم ولادة وربط في تابوت وفطام عن الإلف والأهل؟ ~~من المؤدب # PageV22P049 # والمعلم وتوبيخ من المشايخ ومعاندة من الأقران، ومن يتسلط عليه من ~~النسوان، مع أنه عرضة للأمراض، وسائر ما يكره من الأعراض والأغراض، ~~والفاقات والنوائب والآفات، والمطالب والحاجات، لا يحظى بهواه، ولا يبلغ ~~مناه، ولا يدرك ما اجتباه، ولا ينجو غالبا مما يخشاه، وتفاصيل هذا الإجمال ~~لا تحصى، ولا حد لها فتستقصى، إلى الموت وما بعده، فلذلك كان المقسم عليه ~~قوله: {لقد خلقنا} أي بما لنا من القدرة التامة والعظمة التي لا تضاهى ~~{الإنسان} أي هذا النوع {في كبد *} أي شدة شديدة ومشقة عظيمة محيطة ms5667 به ~~إحاطة الظرف بالمظروف، لو وكله سبحانه وتعالى في شيء منها إلى نفسه هلك، ~~ولولا هذه البلايا لادعى ما لا يليق به من عظيم المزايا، وقد ادعى بعضهم مع ~~ذلك الإلهية وبعضهم الاتحاد برب العباد - تعالى الله عن قولهم الواضح ~~الفساد، بما قرنه به سبحانه وتعالى من الموت والمرض وسائر الأنكاد، فعل ~~سبحانه ذلك ليظهر بما للعبد من الضعف والعجز - مع ما منحه به من القوى ~~الظاهرة والباطنة في القول والفعل والبطش والعقل - ما له سبحانه من تمام ~~العلم وشمول القدرة، وليظهر من خلقه له على هذه الصفة، علم جميع ما في ~~السورة، فعلم قطعا إنكار ظنه # PageV22P050 # لتناهي قدرته وتعالي عظمته، وفساد هذا الظن بشاهد العقل من حيث كونه ~~مصنوعا، وبشاهد الوجود من أجل أنه يسلك طريق الشر ولا يقدر على طريق الخير ~~إلا بالتوفيق، فعلم قطعا إعجاز السورة لأنه لا قدرة لمخلوق على أن يأتي ~~بجملة واحدة تجمع جميع ما وراءها من الجمل - هذا إلى ما لها من فنون ~~الإيجاز التي وصلت إلى حد الإعجاز، هذا إلى ما لبقية الجمل من الإعجاز في ~~حسن الرصف وإحكام التركيب والربط والمراعاة بالألفاظ للمعاني إلى غير ذلك ~~مما لا يبلغ كنهه إلى منزله سبحانه وعز شأنه، وعلم أن الإكرام والإهانة ~~ليستا دائرتين على التنعيم في الدنيا والتضييق كما تقدم شرحه في سورة ~~الفجر، ولأجل ما علم من كون الإنسان لا يزال في نكد وشدة ونصب من حث ~~احتياجه أولا إلى مطلق الحركة والسكون، وثانيا إلى المأكل والمشرب، وثالثا ~~إلى ما يترتب عليهما إلى غير ذلك مما يعيي عده ويجهل حده، توجه الإنكار في ~~قوله تعالى بيانا للأسباب الموقعة له في النكد، وهي شهوتان: نفسية وحسية، ~~والنفسية منحصرة في أربع: الأولى أنه يشتهي أن يكون كل من في الوجود في ~~قبضته فأشار إليها {أيحسب} # PageV22P051 # أي هذا الإنسان لضعف عقله مع ما هو فيه من أنواع الشدائد {أن لن يقدر} ~~ولما أكد بالفعلية وخصوص هذا النافي قدم الجار تأكيدا بما يفيد من الاهتمام ~~بالإنسان ms5668 فقال: {عليه} أي خاصة {أحد *} أي من أهل الأرض أو السماء فيغلبه ~~حتى أنه يعاند خالقه مع ما ينظر من اقتداره على أمثاله بنفسه وبمن شاء من ~~جنوده فيعادي رسله عليهم الصلاة والسلام ويجحد آياته. # PageV22P052 # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أوضح سبحانه وتعالى حال من تقدم ~~ذكره في السورتين في عظيم حيرتهم وسوء غفلتهم وما أعقبهم ذلك من التذكر ~~تحسرا حين لا ينفع التندم، ولات حين مطمع، أتبع ذلك بتعريف نبينا عليه أفضل ~~الصلاة والسلام بأن وقوع ذلك منهم إنما جرى على حكم السابقة التي شاءها ~~والحكمة التي قدرها كما جاء في الموضع الآخر {ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها} [السجدة: 13] فأشار تعالى إلى هذا بقوله {لقد خلقنا الإنسان في كبد} ~~أي أنا خلقناه لذلك ابتلاء ليكون ذلك قاطعا لمن سبق له الشقاء عن التفكر ~~والاعتبار {وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا} [الكهف: 57] فأعماهم ~~بما # PageV22P052 # خلقهم فيه من الكبد وأغفل قلوبهم فحسبوا أنهم لا يقدر عليهم أحد، وقد بين ~~سبحانه وتعالى فعله هذا بهم في قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم {ولا تطع من ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} [الكهف: 28] {ولو شاء ربك لآمن من في ~~الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] فأنت تشاهدهم يا محمد ذوي أبصار وآلات يعتبر ~~بها النظار {ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين} فهلا أخذ في خلاص نفسه، ~~واعتبر بحاله وأمسه، {فلا اقتحم العقبة} ولكن إذا أراد الله بقوم سوءا فلا ~~مرد له - انتهى. # ولما كان الإنسان لا يفتخر بالإنفاق إلا إذا أفضى إلى الإملاق، فعلم أن ~~مراد الإشارة إلى أن معه أضعاف ما أنفق من حيث إنه حقره بلفظ الإهلاك، ~~إشارة إلى الثانية والثالثة من شهواته النفسية وهما إرادته أن يكون له ~~الفخار والامتنان على جميع الموجودات، وإرادته أن يكون عنده من الأموال ما ~~لا تحيط به الأفكار ولا تحويه الأقطار - كما يشير إليه حديث «» لو أن لابن ~~آدم واد من ذهب «و» لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب «» علل ms5669 سبحانه وتعالى ~~جهله في حسابه # PageV22P053 # ذلك وما تبعه بقوله: {يقول} أي مفتخرا بقدرته وشدته: {أهلكت مالا لبدا *} ~~ولقصد المبالغة في كثرته جاءت قراءة أبي جعفر بالتشديد على أنه جمع لا بد ~~كركع وراكع فأفهمت أنه بحيث لا يحصى، بل لو جمع لم تسعه الأرض إلا بأن يكون ~~بعضه على بعض فلا يعد ولا يحد، أي وذلك قليل من الكثير الذي معي، قلدت به ~~أعناق الرجال المنن، واستعبدت به الأحرار في كل زمن، فصرت بحيث إذا دعوت ~~كثر الملبي، وإذا ناديت كثر المجيب، وإذا أمرت عظم الممتثل، وفاء لصنائعي ~~الماضية ورغبة في نعمي الباقية، فمن يستعصي علي ومن يخالف أمري، فضلا عن أن ~~يريد إخمال ذكري أو نقص قدري. # ولما كان الشيء لا يعني إلا إذا كان مجهولا ولو من بعض الجهات، أنكر عليه ~~هذا الظن على تقدير وقوعه فإنه لا يوصل إلى ما ظنه إلا به، بقوله مشيرا إلى ~~شهوته النفسية الرابعة، وهي أن تكون أموره مستورة فلا يظهر على غيه أحد ~~أصلا: {أيحسب} أي هذا الإنسان العنيد بقلة عقله {أن لم يره} أي بالبصر ولا ~~بالبصيرة في الزمن الماضي {أحد *} # PageV22P054 # أي في عمله هذا سره وجهره وجميع أمره، فينقص جميع ما عمل إذا أراد، وكل ~~ما فاته من آثار هذه الشهوات الأربع، وهو لا يزال فائتا له، كان من إرادة ~~تحصيله في نكد ومعاناة وكبد بحيث يرمي نفسه لتحصيله في المهالك، ولا يحصل ~~منه على ما يرضيه أبدا، وهذا كناية عن أنه يعمل من المساوىء أعمال من يظن ~~أنه لا يطلع عليه، فلذلك نبهه الله تعالى بأنواع التنبيه ليأخذ حذره ويحرز ~~عمره. # ولما أنكر عليه سبحانه وتعالى هذه النقائص قرره على ما أوجب شهوته الحسية ~~المتفرعة إلى أنواع بما يستلزم أن يكون فاعله له المان عليه به من بعض ~~فيضه، عالما بجميع أمره قادرا على نفعه وضره بنفسه وبمن أراد من جنده، فقال ~~مشيرا إلى ما يترتب على نظر العين الباصرة الجائلة في العالم الحسي ونظر ~~عين البصيرة الجائلة ms5670 في العالم المعنوي من شهوته أن يحصل على كل ما يراه ~~بعين باصرته ويعلمه بعين بصيرته من مليح، ويخلص من كل ما يراه من قبيح، ~~ومذكرا له بما كان يجب عليه من الشكر باستعمال هذه المشاعر فيما شرع له # PageV22P055 # وكفها عما منع الله منه: {ألم نجعل} أي بما لنا من العظمة التي لا يمكن ~~أحدا أن يضاهيها ولا يقرب منها {له عينين *} يبصر بهما وإلا لتعطل عليه ~~أكثر ما يريد، شققناهما وهو في الرحم في ظلمات ثلاثة على مقدار مناسب لا ~~يزيد إحداهما على الأخرى شيئا وقدرنا البياض والسواد أو الزرقة أو الشهلة ~~أو غير ذلك على ما ترون، وأودعناهما البصر على كيفية يعجز الخلق عن ~~إدراكها. # ولما قدره سبحانه على ما ينشأ عنه شهوتا تحصيل المليح ونفي القبيح، اتبع ~~ذلك ما ينشأ عنه شهوتا الأمر والنهي وأنواع الكمالات الكمالية فقال: ~~{ولسانا} أي يترجم به عما في ضميره {وشفتين *} أي يستران فاه ويعينانه على ~~الأكل والشرب وعلى النطق بفصاحة وبلاغة على حد معلوم لا يبلغه غيره، فيجتمع ~~له أمره ويصل إلى مقاصد جمة وأهوال مهمة، ولم يذكر السمع لأن الكلام ~~يستلزمه، والمعنى: ألسنا قادرين بالقدرة التي جعلنا له بها ما ذكر على أن ~~نجعل لغيره مثل ما جعلنا له وأكثر فيقاومه ويغلبه. # PageV22P056 # ولما كان لله تعالى على كل أحد في كل لمحة منة جديدة في إبقاء هذه الآلات ~~الثلاث، عبر فيها بالمضارع، ولما كانت النعمة في العقل إنما هي بهبته أولا ~~ثم بحمله به على الخير ثانيا، وكان أمره خفيا، وكان من المعلوم أن كل أحد ~~غير مهدي في كل حركاته وسكناته إلى ما يسعده، بل كان هذا المنكر عليه لم ~~يؤهل لطريق الخير، اختير له لفظ الماضي لذلك تحقيقا لكونه وجعله غريزة لا ~~تتحول وطبيعة لا تتبدل، بل هي غالبة على صاحبها، قائدة إلى مضارة أو محابة ~~ومسارة وإن كره، وهو السبب الذي يكون به الخلاص من شر تلك الأنكاد في دار ~~الإسعاد فقال تعالى: {وهديناه} أي بما آتيناه ms5671 من العقل {النجدين *} أي ~~طريقي الخير والشر، وصار بما جعلناه له من ذلك سميعا بصيرا عالما فصار ~~موضعا للتكليف، روى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، يا ~~أيها الناس إنما هما نجدان: نجد خير ونجد شر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم ~~من نجد الخير» قال المنذري: النجد هنا الطريق - انتهى. # PageV22P057 # وهو طريق في ارتفاع، عبر عن الخير والشر به لإعلائهما الإنسان عن رتبة ~~باقي الحيوان، ولأن الإنسان لا يختار واحدة منهما إلا بمعاناة وتكلف ~~كمعاناة من يصعد في عقبة، والنجد لغة الموضع العالي، والله تعالى يعلي من ~~أراد على ما شاء منهما بخلاف ما كان يقتضيه ظاهر حاله من أنه لا يحب تكلف ~~شيء أصلا، ولا يريد الأشياء تأتيه إلا عفوا، وذلك لأجل إظهار قدرته سبحانه ~~وتعالى، أما صعوبة طريق الخير فبما حفه به من المكاره حتى صار العمل به، مع ~~أن كل أحد يعشق اسمه ومعناه، أشد شيء وأصعبه، وأشقه وأتعبه، وأما صعوبة ~~طريق الشر فواضحة جدا مع أن الله يلزمه لمن أراد بتسهيله وتحبيبه وتخفيفه ~~وتقريبه مع أن كل أحد يكره اسمه وينفر من معناه، وجعل الله تعالى الفطرة ~~الأولى السليمة التي فطر الناس عليها من الاستقامة بحيث تدرك الشر وتنهى ~~عنه، وتدرك الخير وتأمر به، غير أن الشهوات والحظوظ تعالجها، والغالب من ~~أعانه الله، وإلى ذلك يشير حديث «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» وحديث «البر ~~ما اطمأنت إليه النفس # PageV22P058 # وانشرح له الصدر، والإثم ما حاك في الصدر وتردد في القلب وإن أفتاك الناس ~~وأفتوك» . # ولما كان معنى ما مضى أن هذا الإنسان عاجز وإن تناهت قوته، وبلغت الذروة ~~قدرته، لسبق قوله تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] وأنه معلوم ~~جميع أمره مفضوح في سره كما هو مفضوح في جهره، كما أشار إليه حديث جندب رضي ~~الله تعالى عنه عند الطبراني «ما أسر ms5672 عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها» # وحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عند أحمد وأبي يعلى «لو أن أحدكم يعمل ~~في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة يخرج عمله للناس» فهو موصول إليه مقدور ~~عليه، وأنه كان يجب عليه الشكر على ما جعل له سبحانه وتعالى من القوى التي ~~جعلها لسوء كسبه آلات للكفر، سبب سبحانه وتعالى عنه قوله تفصيلا للأشياء ~~الموصلة إلى الراحة في العقبى نافيا لفعلها عنه على سبيل الحقيقة دلالة على ~~عجزه: {فلا اقتحم} أي وثب ورمى بنفسه بسرعة وضغط وشدة حتى كان من شدة ~~المحبة لما يراه فيما دخل فيه من الخير. كأنه أتاه من غير فكر ولا روية بل ~~هجما {العقبة *} وهي طريق النجاة، والمقرر في اللغة أنها الطريق الصاعد في ~~الجبل المستعار اسمها لأفعال البر # PageV22P059 # المقرر في النفوس مريحة لا متعب، مع كونها أعظم فخرا وأعلى منقبة، لأنا ~~حجبناه عنها بأيدينا وعظيم قوتنا وعجيب قدرتنا، وذلك أن الخير لما كان ~~محببا إلى القلوب معشوقا للنفوس مرغوبا فيه لا يعدل عنه أحد، جعلناه في ~~بادىء الأمر كريها وعلى النفوس مستصعبا ثقيلا حتى صار لمخالفته الهوى كأنه ~~عقبة كؤود، لا ينال ما فيه من مشقة الصعود، إلا بعزم شديد وهمة ماضية، ونية ~~جازمة، ورياضة وتدريب، وتأديب وتهذيب، وشديد مجاهدة وعظيم مكابدة للنفس ~~والهوى والشيطان، بحيث يكون متعاطيه في فعله له كالرامي بنفسه فيه بلا روية ~~رمي العاشق له المتهالك عليه، فكان هذا سببا لأن هذا الجاهل بنفسه المتعدي ~~لطوره لم يختر لنفسه الخير بما أوتي من البصر الذي يبصر به صنائع الله، ~~والبصيرة التي يعرف بها ما يضره وما ينفعه شكرا لربه سبحانه وتعالى ويكون ~~ذلك لإحسانه إليه، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وهل جزاء النعمة إلا ~~الشكر، بل اختار الشر وارتكب الضر مع أنا هيأناه لكل منهما فبانت لنا ~~القدرة. واتضحت في صفاتنا العظمة، وتحقق له الضعف وظهر منه النقص والعجز، ~~فوجب عليه لعزتنا الخضوع، وإجراء مصون # PageV22P060 # الدموع وإظهار الافتقار والذل والصغار، لنقحمه ms5673 سبيل الجنة وننجيه من طريق ~~النار، ومن اقتحم هذه العقبة التي هي للأعمال الصالحة اقتحم عقبة الصراط، ~~فكانت سهولتها عليه بقدر مكابدته لهذه، واستراح من تلك المكابدات والأحزان ~~والهموم وصار إلى حياة طيبة كما قال الله تعالى {من عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} [النحل: 97] الآية، واقتحامها بأن يرتحل ~~من عالمه السافل إلى العالم العالي الكامل الذي ليس فيه إلا اللذة، وذلك هو ~~الاعتراف بحق العبودية، وتلك هي الحرية لأن الحر من خرج من رق الشهوات إلى ~~خدمة المولى، فصار طوع أمره في سره وجهره لا حظ لشهوة فيه ولا وصول لحظ ~~إليه، وذلك يكون بشيئين: أحدهما جذب والآخر كسب، فالمجذوب محمول. # والكاسب في تعب المجاهدات بسيف الهمة العالية مصول. # ولما بين أنه لا خلاص من النكد إلا بهذا الاقتحام، شرع في تفسير العقبة ~~بادئا بتهويل أمرها لعظيم قدرها، فقال معبرا بالماضي الذي جرت عادة القرآن ~~بأنه إذا عبر به شرح المستفهم عنه: {وما أدراك} أي أيها السامع لكلامنا، ~~الراغب فيما عندنا {ما العقبة *} أي إنك لم تعرف كنه صعوبتها وعظمة ثوابها، ~~فلما تفرغ القلب بالاستفهام عما لا يعرفه، وكان الإنسان أشهى ما إليه تعرف ~~ما أشكل عليه، فتشوفت النفوس إلى علمها، قال مشييرا إلى الأولى التي هي ~~العفة التي ثمرتها السخاء # PageV22P061 # وإصلاح قوة الشهوة معبرا بالفك الذي هو أدنى ما يكون من العتق لأنه ~~الإعانة فيه ولو بما قل كما ورد في حديث البراء رضي الله عنه «أعتق النسمة ~~وفك الرقبة» وعتقها أن تفرد بها، وفكها أن تعين في ثمنها، وفسر المراد بهذه ~~العقبة بما دل على معادل لا كما يأتي تعيين تقديره فإنها لا تستعمل إلا ~~مكررة قال: {فك} أي الإنسان {رقبة *} أي من الأسر أو الظلم أو الغرم أو ~~السقم شكرا لمن أولاه الخير وتنفيسا للكربة حبا للمعالي والمكارم لا رياء ~~وسمعة كما فعل هذا الظان الضال ولا لطمع في جزاء ولا لخوف من عناء {أو ~~إطعام} أي أوقع الإطعام لشيء له ms5674 قابلية ذلك {في يوم ذي مسغبة *} أي جوع عام ~~في مكان جوع وزمان جوع - بما أفهمه الوصف والصيغة، فكان لذلك يحمل على ~~الضنة بالموجود خوفا من مثل ما فيه المطعم فخالف النفس وآثر عليها اعتمادا ~~على الله {يتميا} أي إنسانا صغيرا لا أب له يرجى أو يخاف {ذا مقربة *} لا ~~يرجى بإطعامه إلا التودد لأقاربه للتكثير بهم مع أنه يجمع بذلك بين صدقة ~~وصلة وإن كان غنيا {أو مسكينا} # PageV22P062 # أي شخصا لا كفاية له {ذا متربة *} أي حاجة مقعدة له على التراب، لا يقدر ~~على سواه، فالآية من الاحتباك: ذكر القرب أولا يدل على ضده ثانيا، وذكر ~~المتربة ثانيا يدل على ضدها أولا، وسر ذلك أنه ذكر في اليتيم القرب المعطف، ~~وفي المسكين الوصف المرقق الملطف، فهو لا يقصد بإطعامه إلا سد فاقته، ودخل ~~فيه اليتيم البعيد والفقير من باب الأولى وإن كان أجنبيا. # PageV22P063 # ولما كانت هذه الأفعال خيرا في نفسها تدل على جودة الطبع وعلو الهمة وكرم ~~العنصر وإباء النفس إشارة إلى شدة حسنها لأنه لا يوفق لها إلا مخلص وإن كان ~~غير مستند إلى شرع وإلى ما يفيده من سلالة الطبع وسهولة الانقياد وإلى عظمة ~~الإيمان بالتعبير بأداة التراخي في قوله مشيرا إلى العقبة الثانية وهي ~~الحكمة المزكية للقوة النطقية: {ثم كان} أي بعد التخلق بهذه الأخلاق ~~الزاكية العالية النفيسة الغالية في حال كفره أو مبادىء إسلامه للدلالة على ~~صفار جبلته وجودة عنصره من الراسخين في الإيمان المعبر عنه بقوله: {من ~~الذين آمنوا} أي عند ما دعاه إليه الهادي، ولم تحمله حمية الأنف وشماخة ~~النفس # PageV22P063 # على الإباء عن أن يكون تابعا بعد ما كان متبوعا، وسافلا في زعمه إثر ما ~~كان رفيعا، بل سدد النظر وقوم الفكر فأيقن أنه يعلي نفسه من الحضيض إلى ما ~~فوق السهى، يرقيها في درج المعالي إلى ما ليس له انتهاء، {إن في ذلك لآيات ~~لأولي النهى} [طه: 54، 128] فحينئذ يعلم استقامة طبعه وكرم غريزته وعلي ~~همته وحسن نيته وجميل طويته وغزارة عقله وجلالة ms5675 نبله وفضله واستحقاقه ~~التقدم على الأعلام في الجاهلية والإسلام، ولذلك كان الصديق رضي الله تعالى ~~عنه أعلى الناس درجة بعد النبيين عليهم أفضل الصلاة والسلام والتحية ~~والإكرام، لأن هذه كانت أفعاله رضي الله تعالى عنه قبل الإسلام كما قال ابن ~~الدغنة حين وجده قد خرج من مكة المشرفة يريد الهجرة حين آذاه الكفار: إن ~~مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل ~~وتعين على نوائب الحق - كما قالت خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم حين رجع إليها ترجف بوادره من تجلي جبريل عليه الصلاة والسلام له ~~سواء، فلما سرب في رحيب مسربه، وشرب من صافي مشربه توفيقا من الله تعالى لم ~~يتلعثم حين دعاه إلى الدين ولا كانت عنده كبوة ولا تردد، ثم ترقى في درجات ~~الإسلام إلى أعلى مرام بحيث قال يوم الحديبية لعمر رضي الله عنهما حين أظهر ~~الكراهة للصلح ما # PageV22P064 # قال له النبي صلى الله عليه وسلم سواء حرفا بحرف من غير أن يكون حاضره أو ~~ينقل إليه كلامه، فسار حينئذ حائزا قصب السبق، لا مطمع في مداناته، فكيف ~~بلحاقه ومساواته، ولكماله وعظمته وجلاله لم يشرب قط خمرا، وكان إذا ليم على ~~ذلك في الجاهلية قال لعشراء: والله لو وجدت شيئا يزيد في عقلي لاشتريته ~~بجميع مالي فكيف أشتري بمالي ما يزيل عقلي. وتلك الأعمال لا تصح وإن كانت ~~ممدوحة في كل حال إلا بالإيمان، أما إن كانت بعده فواضح، وأما إن كانت قبله ~~فبانعطافه عليها كما قال صلى الله عليه وسلم: # «أسلمت على ما سلف منك من خير» . # ولما كان الإيمان معليا للإنسان عن درك الهوان إلى عظم الشأن، حاملا له ~~على محاسن الأعمال ومكارم الأفعال، وذلك أنه يقود إلى جميع شرائع الدين ~~العظيمة الشأن، وكانت موجبة للجهاد الأكبر من حيث مخالفتها للطبع، وكان ذلك ~~غير مقدور عليه إلا بالشجاعة وهي القوة الثالثة التي إذا هدئت أراحت، وكانت ~~لا تكون إلا بعظيم الصبر، وكان الصبر لمرارته ms5676 لا يدوم إلا بالتعاون قال ~~تعالى: {وتواصوا} # PageV22P065 # أي صبروا وأوصى بعضهم بعضا {بالصبر} في اقتحام عقبات الأعمال التي لا ~~يجوزها إلا أبطال الرجال من الأمر بالمعروف إلى ما دونه وإن كان فيه ~~الحتوف، فإن الشجاعة كما قيل صبر ساعة. # ولما كان الإنسان لا بد أن يعرض له من غيره من الخلاف ما يوجب قسوته ~~عليه، فكانت الرحمة من ثمرات الاصطبار المثمر للعدالة، وهي التوسط بين ~~مذمتي الإفراط والتفريط في الفسق والبله وهي العقبة الرابعة، قال مؤكدا ~~بإعادة العامل إشارة إلى قلة العاملين بها: {وتواصوا بالمرحمة *} أي الرحمة ~~العظيمة بحسب زمانها ومكانها بأن يوطنوا أنفسهم على كل ما يحمل على الرحمة ~~العظيمة التي توجب لهم الحب في الله والبغض فيه لأنهم كانوا قبل الإيمان ~~خالصين عن الرياء والإعجاب متهيئين للتزكية فزكاهم الإيمان، فصاروا في غاية ~~النورانية والعرفان. # ولما كان ذلك من معالي الأخلاق، وموجبات الفواق والوفاق، كانت نتيجته لا ~~محالة: {أولئك} أي العظماء الكبراء العالو المنزلة، ولم يأت بضمير الفصل ~~كما يأتي لأضدادهم ليخلص الفعل له سبحانه وتعالى من غير نظر إلى ضمائرهم ~~الدالة على جبلاتهم لأنه هو الذي جبلها، وأغنى عنه بالإشارة الدالة على علو ~~مقامهم وبعد مرامهم # PageV22P066 # {أصحاب الميمنة *} أي الجانب الذي فيه اليمن والبركة والنجاة من كل هلكة ~~بقسميهم من السابقين المقربين وأصحاب اليمين الأبرار، كما مضى شرحه في سورة ~~الواقعة. وهذا تعريض بذلك الذي أتلف ماله في المنافسة. والمشاققة ~~والمعاكسة. # ولما أرشد السياق لمعادلة {فلا اقتحم العقبة} إلى أن التقدير: ولا أحجم ~~عن المعطبة التي هي الأفعال الموجبة للمعتبة مع كونها متعبة، بل قطع من ~~يستحق الوصل ووصل من يستأهل القطع، ثم كان من الذين كفروا وتواصوا بالملأمة ~~واكتسبوا السيئات واتبعوا الشهوات وعاملوا بالقسوة، عطف عليه قوله: {والذين ~~كفروا} أي ستروا ما تظهر لهم مرائي بصائرهم من العلم. ولما كان الكفر ~~بالآيات من أسوأ أنواع الكفر لأنه كفر بما جعله الله علما على غيب عهده، ~~وهي جميع ما تدركه الحواس من الأقوال والأفعال الدالة على ذي الجلال ms5677 لأنها ~~دالة على الصفات الدالة على الموصوف بها الذي ظهر بأفعاله وبطن بعظيم ~~جلاله، قال: {بآياتنا} أي ما لها من العظمة بالإضافة إلينا والظهور الذي لا ~~يمكن خفاؤه {هم} أي خاصة لسوء ضمائرهم ولفساد جبلاتهم {أصحاب المشأمة *} أي ~~الخصلة المكسبة للشؤم والحرمان والهلكة فهؤلاء مشائيم على أنفسهم، وكفرهم ~~دال على فساد جبلاتهم فهو # PageV22P067 # يشير إلى أن من كان كفره أخف لم يكن جبليا، فيوشك أن يهدى فيكون من أصحاب ~~الميمنة. # ولما كان معنى هذا أنهم في الجانب الذي فيه الشؤم والهلكة، والبعد من كل ~~بركة، أنتج قوله: {عليهم} أي خاصة دون غيرهم {نار مؤصدة *} أي مطبقة الباب ~~مع إحاطتها بهم من جميع الجوانب - بما أفهمته أداة الاستعلاء ومع الضيق ~~والوعورة، وهذا لعمري أشد الضيق والكبد، والنصب والنكد فالملجأ منه إلى ~~الله الأحد، الواحد الصمد، وقد علم أن أوله هو هذا الآخر، فكان التقاطر ~~فيها مما تشد به الأيدي وتعقد عليه الخناصر - والله تعالى هو المرجو ~~للهداية إلى خير السرائر، وهو الهادي للصواب وإليه المرجع والمآب. # PageV22P068 # سورة الشمس # مقصودها إثبات تصرفه سبحانه وتعالى في النفوس التي هي سرج الأبدان، ~~تقودها إلى سعادة أو كيد وهوان ونكد، كما أن الشمس سراج الفلك، يتصرف ~~سبحانه في النفوس بالاختيار إضلالا وهداية نعيما وشقاوة # تصرفه سبحانه في الشمس بمثل ذلك من صحة واعتلال، وانتظام واختلال، وكذا ~~في جميع الأكوان، بما له من عظيم الشأن، واسمها الشمس واضح الدلالة على ذلك ~~بتأمل القسم والمقسم عليه بما أعلم به وأشار إليه) بسم الله (الذي هو الملك ~~الأعظم فله التصرف العام) الرحمن (الذي وسعت رحمته كل شيء فإليه الإنعام) ~~الرحيم (اللذي خص من شاء بالتوفيق فبنى إنعامه عليهمن على التمام. # PageV22P069 # لما أثبت في سورة البلد أن الإنسان في كبد، وختمها بأن من حاد عن سبيله ~~كان في أنكد النكد، وهو النار المؤصدة، أقسم أول هذه على أن الفاعل لذلك ~~أولا وآخرا هو الله سبحانه لأنه يحول بين المرء وقلبه وبين القلب ولبه، ~~فقال مقسما بما يدل على تمام ms5678 علمه # PageV22P069 # وشمول قدرته في الآفاق علويها وسفليها، والأنفس سعيدها وشقيها وبدأ ~~بالعالم العلوي، فأفاد ذلك قطعا العلم بأنه الفاعل المختار، وعلى العلم ~~بوجوب ذاته وكمال صفاته، وذلك أقصى درجات القوى النظرية، تذكيرا بعظائم ~~آلائه، ليحمل على الاستغراق في شكر نعمائه، الذي هو منتهى كمالات القوى ~~العملية، مع أن أول المقسم به مذكر بما ختم به آخر تلك من النار: {والشمس} ~~أي الجامعة بين النفع والضر بالنور والحر، كما أن العقول كذلك لا أنور منها ~~إذا نارت، ولا أظلم منها إذا بارت {وضحاها *} أي وضوئها الناشىء عن جرمها ~~العظيم الشأن البديع التكوين المذكر بالنيران إذا أشرقت وقام سلطانها ~~كإشراق أنوار العقول، والضحى - بالضم والقصر: صدر النهار حين ارتفاعه، ~~وبالفتح والمد: شدة الحر بعد امتداد النهار، وشيء ضاح - إذا ظهر للشمس ~~والحر. # ولما افتتح بذكر آية النهار، أتبعه ذكر آية الليل فقال: {والقمر} أي ~~المكتسب من نورها كما أن أنوار النفوس من أنوار العقول {إذا تلاها *} أي ~~تبعها في الاستدارة والنور بما دل على أن نوره من نورها من القرب الماحق ~~لنوره والبعد المكتسب له في مقدار ما يقابلها من جرمه، ولا يزال يكثر إلى ~~أن تتم المقابلة فيتم النور ليلة الإبدار # PageV22P070 # عند تقابلهما في أفق الشرق والغرب، ومن ثم يأخذ في المقاربة فينقص بقدر ~~ما ينحرف عن المقابلة، ونسبة التبع إليه مجازية أطلقت بالنسبة إلى ما ينظر ~~منه كذلك. # ولما ذكر الآيتين، ذكر ما هما آيتاه، وبدا بهما لأنه لا صلاح له إلا بهما ~~كما أنه لا صلاح للبدن إلا بالنفس والعقل فقال: {والنهار} أي الذي هو محل ~~الانتشار فيما جرت به الأقدار {إذا جلاها *} أي جلى الشمس بحلية عظيمة ~~بعضها أعظم من بعض باعتبار الطول والقصر والصحو والغيم والضباب والصفاء ~~والكدر كما أن الأبدان تارة تزكي القلوب والنفوس والعقول وتارة تدنسها، لأن ~~العقل يكون في غاية الصفاء والدعاء إلى الخير في حال الصغر ثم لا يزال يزيد ~~وينقص بحسب زكاء البدن في حسن الجبلة، أو نجاسته بسوء الجبلة، حتى يصير ms5679 ~~الشخص نورا محضا ملكا ناطقا إذا طابق البدن العقل فتعاونا على الخير، أو ~~يصير ظلاما بحتا شيطانا رجيما إذ خالف البدن العقل بسوء الجبلة وشرارة ~~الطبع. # ولما ذكر معدن الضياء، ذكر محل الظلام فقال: {والليل} أي الذي هو ضد ~~النهار فهو محل السكون والانقباض والكمون # PageV22P071 # {إذا يغشاها *} أي يغطي الشمس فيذهب ضوءها حين تغيب فتمتد ظلال الأرض على ~~وجهها المماس لنا، فيأخذ الأفق الشرقي في الإظلام، ويمتد ذلك الظلام بحسب ~~طول الليل وقصره كما يغطي البدن نور العقل بواسطة طبعه بخبثه ورداءة عنصره، ~~وذلك كله بمقادير معلومة، وموازين قسط محتومة، ليس فيها اختلال، ولا ~~يعتريها انحلال، حتى يريد ذو الجلال، ولم يعبر بالماضي كما في النهار لأن ~~الليل لا يذهب الضياء بمرة بل شيئا فشيئا، ولا ينفك عن نور بخلاف النهار، ~~فإنه إذا أبدى الشمس ولم يكن غيم ولا كدر جلى الشمس في آن واحد، فلم يبق ~~معه ظلام بوجه. # ولما ذكر الآيتين ومحل أثرهما، ذكر محل الكل فقال تعالى: {والسماء} أي ~~التي هي محل ذلك كله ومجلاه كما أن الأبدان محل النفوس، والنفوس مركب ~~العقول، ولما رقى الأفكار من أعظم المحسوسات المماسة إلى ما هو دونه في ~~الحس وفوقه في الاحتياج إلى إعمال فكر، رقي إلى الباطن الأعلى المقصود ~~بالذات وهو المبدع لذلك كله معبرا عنه بأداة ما لا يعقل، مع الدلالة بنفس ~~الإقسام، على أن له العلم التام، والإحاطة الكبرى بالحكمة البالغة، تنبيها ~~على أنهم وصفوه بالإشراك # PageV22P072 # وإنكار الحشر بتلك المنزلة السفلى والمساواة بالجمادات التي عبدوها مع ما ~~له من صفات الكمال التي ليس لغيره ما يداني شيئا منها، زجرا لهم بالإشارة ~~والإيماء عن ذلك ومشيرا إلى شدة التعجيب منهم لكونها أداة التعجب فقال: ~~{وما بناها *} أي هذا البناء المحكم الذي ركب فيه ما ذكره إشارة إلى ما ~~وراءه مما يعجز الوصف. # ولما ذكر البناء ذكر المهاد فقال: {والأرض} أي التي هي فراشكم بمنزلة ~~محال تصرفاتكم بالعقل في المعاني المقصودة {وما طحاها *} أي بسطها على وجه ~~هي فيه ms5680 محيطة بالحيوان كله ومحاط بها في مقعر الأفلاك، وهي مع كونها ممسكة ~~بالقدرة كأنها طائحة في تيار بحارها، وهي موضع البعد والهلاك ومحل الجمع - ~~كل هذا بما يشير إليه التعبير بهذا اللفظ إشارة إلى ما في سعي الإنسان من ~~أمثال هذا، قال أهل البصائر: وليس في العالم الآفاقي شيء إلا وفي العالم ~~النفساني نظيره، وانشدوا في ذلك: # دواؤك فيك وما تشعر ... وداؤك منك وتستنكر # وتحسب أنك جزء صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر # فالسماوات سبع كطباق الرأس التي تتعلق بالقوى المعنوية والحسية # PageV22P073 # كالذاكرة والحافظة والواهمة والمخيلة والمفكرة والحس المشترك وما هو ~~لمقاسم البصر في العين، ونظير الشمس الروح في إشراقه وحسنه، ونظير الليل ~~الطبع فإن ما به من نور فإنما هو من الروح كما أن الليل كذلك لا يكون نوره ~~إلا من الشمس بواسطة إفادتها للقمر المنير له والكواكب، ونظير النهار - ~~الذي هو نير في أصله ومتكدر بما يخيل له من السحب ونحوه - القلب وسحبه ~~الشكوك والأوهام النفسية، ونظير القمر في ظلمته بأصله وإنارته بالشمس ~~النفس، فإذا أكسبها القلب المستفيد من الروح النور أنار جميع البدن، وإذا ~~أظلمت أظلم كله، والأعضاء الباطنة كالكواكب يقوم بها البدن فينير له الوجود ~~بواسطة الروح والنفس، والأمطار كالدمع، والحر كالحزن، والبرد كالسرور، ~~والرعد كالنطق، والبرق كالملح، والرياح كالنفس - إلى غير ذلك من البدائع ~~لمن تأمل، والعالم السفلي سبع طباق أيضا، قال الملوي: «ونظيرها طبقة الجلد» ~~وهي ثلاث، وطبقة اللحم وطبقة الشحم # PageV22P074 # وطبقة العروق وطبقة العصب، والجبال كالعظام والمعادن منها المياه وفيها ~~العذب كالريق والملح كالدمع والمر كما في الأذن والمنتن منه كما في الأنف، ~~ومنه ما هو جار كالبول، ومنه ما هو كالعيون وهو الدم، والسيل كالعرق، ~~والمعادن المنطبعة كالحديد والرصاص هي وسخ الأرض وهي كالعذرة وما يخرج من ~~الجلد من خبث، والنبات كالشعور تارة تحلق كالحصاد وتارة تقلع كالنتف، ~~والحيوانات التي فيها كالقمل، وطيورها كالبراغيث، وعامر البدن ما أقبل منه، ~~وخرابه ما أدبر. # ولما أتم الإشارة إلى النفوس لأهل البصائر، صرح بالعبارة لمن دونهم ms5681 فقال ~~تعالى: {ونفس} أي أي نفس جمع فيها سبحانه العالم بأسره. ولما كانت النفوس ~~أعجب ما في الكون وأجمع، عبر فيها بالتسوية حثا على تدبر أمرها للاستدلال ~~على مبدعها للسعي في إصلاح شأنها فقال تعالى: {وما سواها *} أي عدلها على ~~هذا القانون الأحكم في أعضائها وما فيها من الجواهر والأعراض والمعاني ~~وعجائب المزاج من الأخلاط المتنافرة التي لاءم بينها بالتسوية والتعديل ~~فجعلها متمازجة # PageV22P075 # وقد أرشد السياق والسباق واللحاق إلى أن جواب القسم مقدر تقديره: لقد طبع ~~سبحانه وتعالى نفوسكم على طبائع متباينة هيأها بها لما يريد من القلوب من ~~تزكية وتدسية بما جعل لكم من القدرة والاختيار، وأبلغ في التقدم إليكم في ~~تزكية نفوسكم وتطهير قلوبكم لاعتقاد الحشر بما هو أوضح من الشمس لا شبهة ~~فيه ولا لبس لتنجو من عذاب الدنيا والآخرة بالاتصاف بالتقوى، والانخلاع من ~~الفجور والطغوى. # وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم في سورة البلد تعريفه تعالى ~~بما خلق فيه الإنسان من الكبد مع ما جعل له سبحانه من آلات النظر، وبسط له ~~من الدلائل والعبر، وأظهر في صورة من ملك قياده، وميز رشده وعناده {وهديناه ~~النجدين} [البلد: 10] {إنا هديناه السبيل} [الإنسان: 3] وذلك بما جعل له من ~~القدرة الكسبية التي حقيقتها اهتمام أو لم؟ وأنى بالاستبداد والاستقلال، ثم ~~{والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] أقسم سبحانه وتعالى في هذه السورة ~~على فلاح من اختار رشده واستعمل جهده وأنفق وجده {قد أفلح من زكاها} وخيبة ~~من غاب هداه فاتبع هواه {وقد خاب من دساها} فبين حال الفريقين وسلوك ~~الطريقين - انتهى. # ولما كان أعجب أمورها الفجور لما غلب سبحانه عليها من الحظوظ والشهوات، ~~وهي تعلم بما لها من زاجر العقل بصحيح النقل أن الفجور # PageV22P076 # أقبح القبيح، والتقوى لما أقام عليها من ملك العقل الملكي وغريزة العلم ~~النوراني أحسن الحسن، وتذوق أن الفجور أشهى شهي، وأن التقوى أمر شيء ~~وأصعبه، وأثقله وأتعبه، قال معلما أن هذا لا يقدر عليه سواه لأنه أعجب من ~~جميع ما مضى لأن البهيمة لا ms5682 تقدم على ما يضرها وهي تبصر ولو قطعت، والآدمي ~~يقدم على ما يضره وهو يعلم ويقاتل من منعه منه، فقال مسببا عما حذف من جواب ~~القسم: {فألهمها} أي النفس إلهام الفطرة السابقة الأولى قبل {ألست بربكم} ~~[الأعراف: 172] {فجورها} أي انبعاثها في الميل مع دواعي الشهوات وعدم الخوف ~~الحامل على خرق سياج الشريعة بسبب ذلك الطبع الذي عدل فيه ذاتها وصفاتها في ~~قسر المتنافرات على التمازج غاية التعديل {وتقواها *} أي خوفها الذي أوجب ~~سكونها وتحرزها بوقايات الشريعة، فالآية من الاحتباك: ذكر الفجور أولا دال ~~على السكون الذي هو ضده ثانيا، وذكر التقوى ثانيا دال على ضده، وهو عدم ~~الخوف أولا، وإلهامها للأمرين هو جعله لها عارفة بالخير والشر مستعدة ~~ومتهيئة لكل منهما؛ ثم زاد ذلك بالبيان التام بحيث لم يبق لبس، فزالت # PageV22P077 # الشبه عقلا بالغريزة والإلهام ونقلا بالرسالة والإعلام. ودل بالإضافة على ~~أن ذلك كله منسوب إليها ومكتوب عليها وإن كان بخلقه وتقديره لأنه أودعها ~~قوة وجعل لها اختيارا صالحا لكل من النجدين، وأوضح أمر النجدين في الكتب ~~وعلى ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام بعد ما وهبه لها من الفطرة القويمة ~~وأخفى عنها سر القضاء والقدرة وعلم العاقبة، فأقام بذلك عليها الحجة وأوضح ~~المحجة. # PageV22P078 # ولما كان من المعلوم أن من سمع هذا الكلام يعلم أن التقوى لا يكون إلا ~~مأمورا بها، والفجور لا يكون إلا منهيا عنه، فيتوقع ما يقال فيهما مما ~~يتأثر عنهما، قال تعالى: {قد أفلح} أي ظفر بجميع المرادات {من زكاها *} أي ~~نماها وأصلحها وصفاها تصفية عظيمة بما يسره الله له من العلوم النافعة ~~والأعمال الصالحة وطهرها على ما يسره لمجانبته من مذام الأخلاق لأن كلا ~~ميسر لما خلق له، والدين بني على التحلية والتخلية و «زكى» صالح للمعنيين ~~{وقد خاب} أي حرم مراده مما أعد لغيره في الدار الآخرة وخسر وكان سعيه ~~باطلا {من دساها *} أي أغواها إغواء عظيما وأفسدها ودنس محياها وقذرها ~~وحقرها وأهلكها بخبائث الاعتقاد ومساوىء الأعمال، وقبائح النيات والأحوال، ~~وأخفاها بالجهالة والفسوق، والجلافة والعقوق، ms5683 وأصل «دسى» دسس، فالتزكية أن ~~يحرص # PageV22P078 # الإنسان على شمسه أن لا تكسف، وقمره أن لا يخسف، ونهاره أن لا يتكدر، ~~وليله ألا يطفى، والتدسيس أقله إهمال الأمر حتى تكسف شمسه، ويخسف قمره، ~~ويتكدر نهاره، ويدوم ليله، وطرق ذلك اعتبار نظائر المذكورات من الروحانيات ~~وإعطاء كل ذي حق حقه، فنظير الشمس هي النبوة لأنها كلها ضياء باهر وصفاء ~~قاهر، وضحاها الرسالة وقمرها الولاية، والنهار هو العرفان، واليل عدم ~~طمأنينة النفس بذكر الله وما جاء من عنده، وإعراضها عن الانقياد لقبول ما ~~جاء من النبوة أو الولاية، والعلماء العاملون هم أولياء الله، قال الإمامان ~~أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما: إن لم تكن العلماء أولياء الله فليس ~~الله ولي - رواه عنهما الحافظ أبو بكر الخطيب، وهو مذكور في التبيان وغيره ~~من مصنفات النووي، ونظير السماء العزة والترفع عن الشهوات وعن خطوات ~~الشياطين من الإنس والجن، والأرض نظيرها التواضع لحق الله ولرسوله ~~وللمؤمنين فيكون بإخراجه المنافع لهم كالأرض المخرجة لنباتها، والتدسية ~~خلاف ذلك، من عمل بالسوء فقد هضم نفسه وحقرها # PageV22P079 # فأخفاها كما أن اللئام ينزلون بطون الأودية ومقاطعها بحيث تخفى أماكنهم ~~على الطارقين، والأجواد ينزلون الروابي، ويوقدون النيران للطارقين، ويشهرون ~~أماكنهم للمضيفين منازل الأشراف في الأطراف كما قيل: # قوم على المحتاج سهل وصلهم ... ومقامهم وعر على الفرسان # ولما كان السياق للترهيب بما دلت عليه سورة البلد وتقديم الفجور هنا، ~~وكان الترهيب أحث على الزكاء، قال دالا على خيبة المدسي ليعتبر به من سمع ~~خبره لا سيما إن كان يعرف أثره: {كذبت ثمود} أنث فعلهم لضعف أثر تكذيبهم ~~لأن كل سامع له يعرف ظلمهم فيه لوضوح آيتهم وقبيح غايتهم، وما لهم بسفول ~~الهمم وقباحة الشيم، وخصهم لأن آيتهم مع أنها كانت أوضح الآيات في نفسها هي ~~أدلها على الساعة، وقريش وسائر العرب عارفون بهم لما يرون من آثارهم، ~~ويتناقلون من أخبارهم {بطغواها *} أي أوقعت التكذيب لرسولها بكل ما أتى به ~~عن الله تعالى بسبب ما كان لنفوسهم من وصف الطغيان، وهو مجاوزة القدر ~~وارتفاعه ms5684 والغلو في الكفر والإسراف في المعاصي والظلم، أو بما توعدوا به من ~~العذاب العاجل وهي الطاغية التي أهلكوا # PageV22P080 # بها، وطغى - واوي يائي يقال: طغى كدعا يطغو طغوى وطغوانا - بضمها كطغى ~~يطغى، وطغي كرضي طغيا وطغيانا - بالكسر والضم، فالطغوى - بالفتح اسم، ~~وبالضم مصدر، فقلبت الياء - على تقدير كونه يائيا - واوا للتفرقة بين الاسم ~~والصفة، واختير التعبير به دون اليائي لقوة الواو، فأفهم أنهم بلغوا ~~النهاية في تكذيبهم، فكانوا على الغاية من سوء تعذيبهم. # ولما ذكر تكذيبهم، دل عليه بقوله: {إذ} أي تحقق تكذيبهم أو طغيانهم ~~بالفعل حين {انبعث أشقاها *} أي أشد ثمود شقاء وهو عاقر الناقة للمشاركة في ~~الكفر والزيادة بمباشرة العقر، وهو قدار بن سالف، أو هو ومن مالاه على ~~عقرها، فإن أفعل التفضيل إذا أضيف صلح للواحد والجمع {فقال لهم} أي بسبب ~~الانبعاث أو التكذيب الذي دل على قصدهم لها بالأذى، وأظهر ولم يضمر وعين ~~الإظهار بالجلالة إشارة إلى عظيم آيتهم وبديع بدايتهم ونهايتهم فقال: {رسول ~~الله} أي الملك الذي له الأمر كله، فتعظميه من تعظيم مرسله وهو صالح عليه ~~الصلاة والسلام وكذا الناقة، وعبر بالرسول لأن وظيفته الإبلاغ والتحذير ~~الذي ذكر هنا، ولذا قال مشيرا بحذف العامل إلى ضيق الحال عن ذكره لعظيم ~~الهول وسرعة التعذيب عند مسها بالأذى، وزاد في التعظيم # PageV22P081 # بإعادة الجلالة: {ناقة الله} أي الملك الأعظم الذي له الجبروت كله فلا ~~يقر من انتهك حرمته واجترأ على ما أضافه إليه، ولهذا أعاد الإظهار دون ~~الإضمار، والعامل: دعوا أو احذروا - أو نحو ذلك أي احذروا أذاها بكل اعتبار ~~{وسقياها *} أي الماء الذي جعله الله تعالى لها لسقيها وهو بئرها، فلا ~~تذودوها عن بئرها في اليوم الذي تكون فيه نوبتها في الشرب ولا تمسوها بسوء، ~~وكأنه صلى الله عليه وسلم فهم عنهم بعد مدة أنهم يريدون عقرها فكرر عليهم ~~التحذير {فكذبوه} أي أوقعوا تكذيبه بسبب طغيانهم وعقب أمره هذا الأخير فيما ~~حذر من حلول العذاب، أو تكون الفاء هي الفصيحة أي قال لهم ذلك فكانت بعده ~~بينه ms5685 وبينهم في أمرها أمور، فأوقعوا تكذيبه فيها كلها {فعقروها} أي بسبب ~~ذلك التكذيب بعضهم بالفعل وبعضهم بالرضا به {فدمدم} أي عذب عذابا تاما ~~مجللا مغطيا مطبقا مستأصلا شدخ به رؤوسهم وأسرع في الإجهاز وطحنهم طحنا مع ~~الغضب الشديد؛ قال الرازي: والدمدمة: تحريك البناء حتى ينقلب، ودل بأداة ~~الاستعلاء على شدته وإحاطته فقال: {عليهم} ودل على شدة العذاب لشدة الغضب ~~بلفت القول بذكر صفة الإحسان التي كفروها لأنه لا أشد غضبا ممن # PageV22P082 # كفر إحسانه فقال: {ربهم} أي الذي أحسن إليهم فغرهم إحسانه فقطعه عنهم ~~فعادوا كأمس الدابر {بذنبهم} أي بسببه. # ولما استووا في الظلم والكفر بسبب عقر الناقة بعضهم بالفعل وبعضهم بالرضا ~~والحث، قال مسببا عن ذلك ومعقبا: {فسواها *} أي الدمدمة عليهم فجعلها كأنها ~~أرض بولغ في تعديلها فلم يكن فيها شيء خارج عن شيء كما سوى الشمس المقسم ~~بها وسوى بين الناس فيها، وكذا ما أقسم به بعدها، فكانت الدمدمة على قويهم ~~كما كانت على ضعيفهم، فلم تدع منهم أحدا ولم يتقدم هلاك أحد منهم على أحد، ~~بل كانوا كلهم كنفس واحدة من قوة الصعقة وشدة الرجفة كما أنهم استووا في ~~الكفر والرضا بعقر الناقة وكل نفس هي عند صاحبها كالناقة قد أوصى الله ~~صاحبها أن يرعى نعمته سبحانه فيها فيزكيها ولا يدسيها، فإن الناقة عبارة عن ~~مطية يقطع عليها السير حسا أو معنى، وذلك صالح لأن يراد به النفس التي تقطع ~~بها عقبات الأعمال، والسقيا ما يعيش المسقي به، وهو صالح لأن يراد به الذكر ~~والعبادة، فمن لم يرع النعمة ويشكر المنعم فقد عقرها، فاستحق الدمدمة منه، ~~وكما أنه سوى بينهم في الدمدمة سوى بين المهتدين في النجاة {ولا} أي والحال # PageV22P083 # أنه لا {يخاف} في وقت من الأوقات أي ربهم، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما ويؤيده قراءة أهل المدينة والشام بالفاء المسببة عن الدمدمة والتسوية ~~وكذلك هي في مصاحفهم {عقباها *} أي عاقبة هذه الدمدمة وتبعتها فإنه الملك ~~الأعلى الذي كل شيء في قبضته لا كما يخاف ms5686 كل معاقب من الملوك فيبقى بعض ~~الإبقاء فعلم أنه سبحانه وتعالى يعلي أولياءه لأنهم على الحق، ويسفل أعداءه ~~لأنهم على الباطل، فلا يضل بعد ذلك إلا هالك، بصيرته أشد ظلاما من الليل ~~الحالك، وقد رجع آخرها على أولها بالقسم وجوابه المحذوف الذي هو طبع النفوس ~~على طبائع مختلفة والتقدم إليهم بالإنذار من الهلاك، ونفس القسم أيضا فإن ~~من له هذه الأفعال الهائلة التي سوى بين خلقه فيها وهذا التدبير المحكم هو ~~بحيث لا يعجزه أمر ولا يخشى عاقبة - والله الموفق للصواب. # PageV22P084 # سورة الليل # مقصودها الدلالة على مقصود الشمس، وهو التصرف التام في النفوس بإثبات ~~كمال القدرة بالاختيار باختلاف الناس في السعي مع اتحاد مقاصدهم، وزهي ~~الوصول إلى الملاذ من شهوة البطن والفرج وما يتبع ذكلك من الراحة، واسمها ~~الليل أوضح ما فيها على ذلك بتأمل القسم والجواب، والوقوع من ذلك على ~~الصواب، وأيضا ليل نفسه دال على ذلك لأنه على غير مراد النفس بما فيه من ~~الظلام والنوم الذي هو أخو الموت، وذلك مانع عن أكثر المرادات، ومقتضى ~~لأكثر المضادات) بسم الله (الذي له العظمة الظاهرة والحكمة الباهرة) الرحمن ~~(الذي شملت نعمته إيجاده وبيانه المتواترة) الرحيم (الذي خص من أراده بما ~~يرضيه، فجعله حامده وشاكره. # PageV22P085 # لما بين في الشمس حال من زكى نفسه وحال من دساها، وأوضح # PageV22P085 # في آخرها من مخالفة ثمود لرسولهم ما أهلكهم، فعلم أن الناس مختلفون في ~~السعي في تحصيل نجد الخير ونجد الشر، فمنهم من تغلب عليه ظلمة اللبس، ومنهم ~~من يغلب عليه نهار الهدى، فتباينوا في مقاصدهم، وفي مصادرهم ومواردهم، بعد ~~أن أثبت أنه هو الذي تصرف في النفوس بالفجور والتقوى، أقسم أول هذه بما يدل ~~على عجائب صنعه في ضره ونفعه على ذلك، تنبيها على تمام قدرته في أنه الفاعل ~~بالاختيار، يحول بين المرء وقلبه حتى يحمله على التوصل إلى مراده، بضد ما ~~يوصل إليه بل بما يوصل إلى مضاده، وعلى أنه لا يكاد يصدق الاتحاد في القصد ~~والاختلاف في السعي والتوصل، وشرح جزاء ms5687 كل تحذيرا من نجد الشر وترغيبا في ~~نجد الخير، وبين ما به التزكية وما به التدسية فقال: {واليل} أي الذي هو ~~آية الظلام الذي هو سبب الخبط والخلط لما يحدث عنه من الإشكال واللبس في ~~الأحوال والإهلال الموصل إلى ظلمة العدم، وهو محل الأسرار بما يصل الأخيار ~~ويقطع الأشرار: {إذا يغشى *} أي يغطي ما كان من الوجود مبصرا بضياء النهار ~~على التدريج قليلا قليلا، وما يدل عليه من جليل مبدعه، وعظيم # PageV22P086 # ماحقه ومطلعه {والنهار} أي الذي هو سبب انكشاف الأمور كالموت الذي يزيل ~~عن الروح علائق البدن فينجلي لها ما كانت فيه من القبائح، والجهر الذي يشرح ~~النفس بإزالة اللبس {إذا تجلى *} أي ظهر ظهورا عظيما بضياء الشمس، وأظهر ما ~~كان خفيا فلم يدع لمبصر شيئا من لبس، فمن كان يريد السر قصد الليل، ومن ~~أراد الجهر قصد النهار سواء كان من الأبرار أو من الفجار. # ولما ذكر المتخالطين معنى، أتبعهما المتخالطين حسا، فقال مصرحا فيهما بما ~~هو مراد في الأول، وخص هذا بالتصريح تنبيها على أنه لكونه عاقلا - عاقد ~~يغلط في نفسه فيدعي الإلهية أو الاتحاد، أو غير ذلك من وجوه الإلحاد {وما ~~خلق} وحكم التعبير بما الأغلب فيه غير العقلاء ما تقدم في سورة الشمس من ~~تنبيههم على أنهم لما أشركوا به سبحانه وتعالى ما لا يعقل نزلوه تلك ~~المنزلة وقد أحاط بكل شيء، وهو الذي خلق العلماء، وهم لا يحيطون به علما مع ~~ما يفيده «ما» من التعجب منهم في ذلك لكونها صيغة التعجب # PageV22P087 # {الذكر} أي حسا بآلة الرجل ومعنى بالهمة والقوة {والأنثى} حسا بآلة ~~المرأة ومعنى بسفول الهمة وضعف القوة وما دلا عليه من عظيم الاصطناع، وباهر ~~الاختراع والابتداع، فإنه دل فرقه بينهما وهما من غير؟ واحدة وهي التراب ~~على تمام قدرته المستلزم لشمول علمه وفعله بالاختيار، فالآية من الاحتباك: ~~ذكر أولا الصنعة دلالة على حذفها ثانيا، وثانيا الصانع دلالة على حذفه ~~أولا. # ولما ذكر ما هو محسوس التخالف من المعاني والأجرام، أتبعه ما هو معقول ms5688 ~~التباين من الأعراض فقال: {إن سعيكم} أي عملكم أيها المكلفون في التوصل إلى ~~مقصد واحد، ولذلك أكده لأنه لا يكاد يصدق اختلاف وجوه السعي مع اتحاد ~~المراد، وعبر بالسعي ليبذل كل في عمله غاية جهده {لشتى *} أي مختلف اختلافا ~~شديدا باختلاف ما تقدم، وهو جمع شتيت كقتلى وقتيل، فيكون الإنسان رجلا وهو ~~أنثى الهمة، ويكون أنثى وهو ذكر الفعل، فتنافيتم في الاعتقادات، وتعاندتم ~~في المقالات، وتباينتم غاية التباين بأفعال طيبات وخبيثات، فساع في فكاك ~~نفسه، وساع في إيثامها، فعلم قطعا أنه لا بد من محق ومبطل ومرض ومغضب لأنه ~~لا جائز أن يكون المتنافيان متحدين # PageV22P088 # في الوصف بالإرضاء أو الإغضاب، فبطل ما أراد المشركون من قولهم {لو شاء ~~الله ما عبدنا من دونه من شيء} [النحل: 35] الآية وما ضاهاها. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بين قبل حالهم في الافتراق، أقسم ~~سبحانه على ذلك الشأن في الخلائق بحسب تقديره أزلا {ليبلوهم أيهم أحسن ~~عملا} [لا يوجد ليبلوهم بالياء في لغتنا وإنما كما في الكهف آية 7: ~~لنبلوهم. . . وفي الملك آية 2: لنبلوكم. . . فقال تعالى: {إن سعيكم لشتى} ~~فاتصل بقوله تعالى {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} [الشمس: 10] إن ~~قوله تعالى {فأما من أعطى واتقى - إلى - العسرى} يلائمه تفسيرا وتذكيرا بما ~~الأمر عليه من كون الخير والشر بإرادته وإلهامه وبحسب السوابق قوله: ~~{فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 8] فهو سبحانه الملهم للإعطاء والاتقاء ~~والتصدق، والمقدر للبخل والاستغناء والتكذيب {والله خلقكم وما تعملون} ~~[الصافات: 96] {لا يسئل عما يفعل} [الأنبياء: 23] ثم زاد ذلك إيضاحا بقوله ~~تعالى «إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى} فتبا للقدرية والمعتزلة ~~{وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} [يوسف: ~~105]- انتهى. # ولما طابق بين القسم والمقسم عليه، ونبه بالقسم والتأكيد مع ظهور المسقم ~~عليه على أنهم في أمنهم مع التحذير كمن يدعي أنه لا فرق وأن مآل الكل واحد ~~كما يقوله أصحاب الوحدة - عليهم الخزي واللعنة شرع في بيان تشتتت المساعي ~~وبيان الجزاء لها، فقال مسببا ms5689 # PageV22P089 # عن اختلافهم ما هو مركوز في الطباع من أنه لا يجوز تسوية المحسن بالمسيء ~~ناشرا لمن زكى نفسه أو دساها نشرا مستويا إيذانا بأن المطيع فيه هذه الأمة ~~- ولله الحمد - كثير بشارة لنبيها صلى الله عليه وسلم: {فأما من أعطى} أي ~~وقع منه إعطاء على ما حددنا له وأمرناه به {واتقى *} أي وقعت منه التقوى ~~وهو اتخاذ الوقايات من الطاعات واجتناب المعاصي خوفا من سطواتنا {وصدق} أي ~~أوقع التصديق للمخبر {بالحسنى *} أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن الكلام من ~~التوحيد وما يتفرع عنه من الوعود الصادقة بالآخرة والإخلاف في النفقة في ~~الدنيا وإظهار الدين وإن قل أهله على الدين كله، وغير ذلك من كل ما وعد به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم سبحانه وتعالى، وعدل الكلام إلى مظهر العظمة ~~إشارة إلى صعوبة الطاعة على النفس وإن كانت في غاية اليسر في نفسها لأنها ~~في غاية الثقل على النفس فقال: {فسنيسره} أي نهيئه بما لنا من العظمة بوعد ~~لا خلف فيه {لليسرى *} أي الخصلة التي هي في غاية اليسر والراحة من الرحمة ~~المقتضية للعمل بما يرضيه سبحانه وتعالى ليصل إلى ما يرضى به من # PageV22P090 # الحياة الطيبة ودخول الجنة. # ولما ذكر المزكي وثمرته، أتبعه المدسي وشقوته فقال: {وأما من بخل} أي ~~أوجد هذه الحقيقة الخبيثة فمنع ما أمر به وندب إليه {واستغنى} أي طلب الغنى ~~عن الناس وعما وعد به من الثواب وأوجده بما زعمت له نفسه الخائبة وظنونه ~~الكاذبة. فلم يحسن إلى الناس ولا عمل للعقبى: {وكذب} أي أوقع التكذيب أن ~~يستحق التصديق {بالحسنى *} أي فأنكرها، ولما كان جامدا مع المحسوسات ~~كالبهائم قال: {فسنيسره} أي نهيئه بما لنا من العظمة وعد لا خلف فيه ~~{للعسرى *} أي للخصلة التي هي أعسر الأشياء وأنكدها، وهي العمل بما يغضبه ~~سبحانه الموجب لدخول النار وما أدى إليه، وأشار بنون العظمة في كل من نجد ~~الخير ونجد الشر إلى أن ارتكاب الإنسان لكل منهما في غاية البعد، أما نجد ~~الخير فلما حفه من المكاره، وأما ms5690 نجد الشر فلما في العقل والفطرة الأولى من ~~الزواجر عنه، وذلك كله أمر قد فرغ منه في الأزل بتعيين أهل السعادة وأهل ~~الشقاوة «وكل كما قال صلى الله عليه وسلم - ميسر لما خلق له» . # PageV22P091 # ولما كان أهل الدنيا إذا وقعوا في ورطة تخلصوا منها بأموالهم # PageV22P091 # قال: {وما يغني} أي في تلك الحالة {عنه} أي هذا الذي بخل وكذب {ماله} أي ~~الذي بخل به رجاء نفعه، ويجوز أن يكون استفهاما إنكاريا فيكون نافيا ~~للإغناء على أبلغ وجه {إذا تردى *} أي هلك بالسقوط في حفرة القبر والنار، ~~تفعل من الردى وهو الهلاك والسقوط في بئر. # ولما كان ربما قال المتعنت الجاهل بما له سبحانه وتعالى من العظمة التي ~~لا اعتراض لأحد عليها: ما له لا ييسر الكل للحسنى، استأنف جوابه مبينا من ~~ألزم به نفسه من المصالح تفضلا منه بما له من اللطف والكرم وما يفعله مما ~~هو له من غير نظر إلى ذلك بما له من الجبروت والكبر، فقال مؤكدا تنبيها على ~~أنه يحب العلم بأنه لا حق لأحد عليه أصلا: {إن علينا} أي على ما لنا من ~~العظمة {للهدى *} أي البيان للطريق الحق وإقامة الأدلة الواضحة على ذلك. # ولما بين ما ألزمه نفسه المقدس فصار كأنه عليه لتحتم وقوعه فكان ربما ~~أوهم أنه يلزمه شيء، أتبعه ما ينفيه ويفيد أن له غاية التصرف فلا يعسر عليه ~~شيء أراده فقال: {وإن لنا} أي يا أيها المنكرون خاصا بنا، وقدم ما العناية ~~به أشد لأجل إنكارهم لا للفاصلة، فإنه يفيدها مثلا أن يقال: للعاجلة ~~والأخرى، فقال: {للآخرة والأولى *} # PageV22P092 # فمن ترك ما بينا له من طريق الهداية لم يخرج عن كونه لنا ولم يضر إلا ~~نفسه ولنا التصرف التام، بما نقيم من الأسباب المقربة للشيء جدا، ثم بما ~~نقيم من الموانع الموجبة لبعده غاية البعد، فنعطي من نشاء ما نشاء ونمنع من ~~نشاء ما نشاء، ومن طلب منهما شيئا من غيرنا فال رأيه وخاب سعيه، وليس ~~التقديم لأجل الفاصلة، فقد ثبت بطلان هذا ms5691 وأنه لا يحل اعتقاده في غير موضع، ~~منها آخر سورة براءة، وأنه لا فرق بين أن يعتقد أن فيه شيئا موزونا بقصد ~~الوزن فقط ليكون شعرا، وأن يعتقد أن فيه شيئا قدم أو أخر لأجل الفاصلة فقط ~~ليكون سجعا، على أنه لو كان هذا لأجل الفاصلة فقط لكان يمكن أن يقال: ~~للأولى - أو للأولة - والأخرى مثلا. # ولما أخبر سبحانه وتعالى أنه ألزم نفسه المقدس البيان، وأن له كل شيء، ~~المستلزم لإحاطة العلم وشمول القدرة، شرح ذلك بما سبب عنه من قوله لافتا ~~القول إلى تجريد الضمير من مظهر العظمة للترقق بالمخاطبين في تبعيد الوهم ~~وتقريب الفهم فقال: {فأنذرتكم} أي حذرتكم أيها المخالفون للطريق الذي بينته ~~{نارا تلظى *} أي تتقد وتتلهب تلهبا هو في غاية الشدة من غير كلفة فيه على ~~موقدها أصلا # PageV22P093 # ولا أحد من خزنتها - بما أشار إليه إسقاط التاء، وفي الإدغام أيضا إشارة ~~إلى أن أدنى نار الآخرة كذلك، فيصير إنذار ما يتلظى وما فوق ذلك من باب ~~الأولى. # ولما كان قد تقدم غير مرة تخصيص كل من المحسن والمسيء بداره بطريق الحصر ~~إنكارا لأن يسوى محسن بمسيء في شيء، وكان الحصر ب «لا» و «إلا» أصرح أنواعه ~~قال: {لا يصلاها} أي يقاسي حرها وشدتها على طريق اللزوم والانغماس {إلا ~~الأشقى *} أي الذي هو في الذروة من الشقاوة وهو الكافر، فإن الفاسق وإن ~~دخلها لا يكون ذلك له على طريق اللزوم، ولذلك وصفه بقوله تعالى: {الذي كذب} ~~أي أفسد قوته العلمية بأن أعرض عن الحق تكبرا وعنادا فلم يؤت ماله لزكاة ~~نفسه {وسيجنبها} أي النار الموصوفة بوعد لا خلف فيه عن قرب - بما أفهمته ~~السين من التأكيد مع التنفيس، وتجنيبه له في غاية السهولة - بما أفهمه ~~البناء للمفعول {الأتقى *} أي الذي أسس قوته العلمية أمكن تأسيس، فكان في ~~الذروة من رتبة التقوى وهو الذي اتقى الشرك والمعاصي، وهو يفهم أن من لم ~~يكن # PageV22P094 # في الذروة لا يكون كذلك، فإن الفاسق يدخلها ثم يخرج منها، ولا ينافي ~~الحصر السابق. ms5692 # ولما ذكر ما يتعلق بالقوة العلمية، أتبعه ما ينظر إلى القوة العملية ~~فقال: {الذي يؤتي ماله} أي يصرفه في مصارف الخير، ولذلك بينه بقوله تعالى: ~~{يتزكى *} أي يتطهر من الأوضار والأدناس بتطهيره لنفسه وتنميتها بذلك ~~الإيتاء بالبعد عن مساوىء الأخلاق ولزوم محاسنها لأنه ما كذب وما تولى، ~~والآية من الاحتباك: ذكر التكذيب أولا دليلا على حذف ضده ثانيا، وإيتاء ~~المال ثانيا دليلا على حذف ضده أولا. # ولما كان الإنسان قد يعطي ليزكي نفسه بدفع مانه ومكافأة نعمه قال: {وما} ~~أي والحال أنه ما {لأحد عنده} وأعرق في النفي فقال: {من نعمة تجزى *} أي هي ~~مما يحق جزاؤه لأجلها. ولما نفى أن يكون بذلك قصد مكافأة، قال مبينا قصده ~~باستثناء منقطع: {إلا} أي لكن قصد بذلك {ابتغاء} أي طلب وقصد، ولفت القول ~~إلى صفة الإحسان إشارة إلى وصفه بالشكر فقال: {وجه ربه} # PageV22P095 # الذي أوجده ورباه وأحسن إليه بحيث إنه لم ير إحسانا إلا منه ولا عنده شيء ~~إلا وهو من فضله {الأعلى *} أي مطلقا فهو أعلى من كل شيء، فلا يمكن أن يعطي ~~أحد من نفسه شيئا يقع مكافأة له، وعبر عن المنقطع بأداة المتصل للإشارة إلى ~~أن الابتغاء المذكور كأنه نعمة ممن آتاه المال لأن الابتغاء - وهو تطلب رضا ~~الله - كان السبب في ذلك الإيتاء بغاية الترغيب، وقد آل الأمر بهذه العبارة ~~الرشيقة والإشارة الأنيقة مع ما أومأت إليه من الترغيب، وأعطته من التحبيب ~~إلى أن المعنى: إنه لا نعمى عليه لأحد في ذلك إلا الله، وعبر بالوجه إشارة ~~إلى أن قصده أعلى القصود فلا نظر له إلا إلى ذاته سبحانه وتعالى التي عبر ~~عنها بالوجه لأنه أشرف الذات، وبالنظر إليه تحصل الحياة والرغبة والرهبة، ~~لا إلى طلب شيء من دنيا ولا آخرة. # ولما كان هذا مقاما ليس فوقه مقام، قال تعالى بعد وعده من الإنجاء من ~~النار: {ولسوف يرضى *} أي بإعطاء الجنة العليا والمزيد بوعد لا خلف فيه بعد ~~المذلة في الحياة الطيبة - بما أشارت إليه أداة التنفيس ولا ms5693 بدع أن # PageV22P096 # يكون هذا الوعد على هذا الوجه الأعلى لأن الآية نزلت في أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه حين اشترى بلالا رضي الله عنه في جماعة من الضعفاء المسلمين ~~يؤذيهم المشركون فأعتقهم، فبين تعالى أنه مطبوع على تزكية نفسه فهو المفلح ~~كما ذكر في سورة الشمس، وأنه مخلص لإعطائه الضعفاء من الأيتام والمساكين ~~وإعتاقه الضعفاء في كل حال كما ذكر في سورة البلد، نقل البغوي رضي الله ~~تعالى عنه عن الزبير يعني ابن بكار أنه قال: كان أبو بكر رضي الله عنه ~~يبتاع الضعفاء فيعتقهم فقال له أبوه: أي بني! لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، ~~قال: منع ظهري أريد. وقال: إنه أعتق بلالا وأم عميس وزهرة فأصيب بصرها حين ~~أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت ~~الله، ما تضر اللات والعزى ولا تنفعان، فرد الله عليها بصرها، وأعتق ~~النهدية وابنتها وجارية بني المؤمل. وقال: إنه اشترى بلالا من أمية بن خلف ~~استنقاذا له مما كان فيه من العذاب # PageV22P097 # حين كان يشد يديه ورجليه وقت الهاجرة ويلقيه عريانا على الرمضاء ويضربه، ~~وكلما ضربه صاح ونادى: أحد أحد، فيزيده ضربا فاشتراه بعبد كان لأبي بكر رضي ~~الله عنه، كان ذلك العبد صاحب عشرة الآف دينار وغلمان وجوار ومواش وكان ~~مشركا، فلما اشتراه به وأعتقه قال المشركون: ما فعل هذا ببلال إلا ليد كانت ~~لبلال عنده، يعني فأنزل الله ذلك تكذيبا لهم. ومن أبدع الأشياء تعقيبها ~~بالضحى التي هي في النبي صلى الله عليه وسلم وفيها {ولسوف يعطيك ربك فترضى} ~~[الضحى: 5] إشارة إلى أنه أقرب أمته إلى مقامه صلى الله عليه وسلم ما عدا ~~عيسى صلى الله عليه وسلم لأنه الأتقى بعد النبيين مطلقا، وإلى أن خلافته حق ~~لا مرية فيه لأنه مما وعد النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرضيه وأنه لا ~~يرضيه غيره كما أنه أرضاه خلافته له في الصلاة ولم يرضه غيره حين نهى عن ~~ذلك بل زجر لما سمع قراءة غيره وقال: ms5694 «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر رضي ~~الله عنه» وقد رجع آخرها على أولها بأن سعي هذا الصديق رضي الله عنه مباين ~~أتم مباينة سعي ذلك الأشقى، وقال بعضهم: # PageV22P098 # إن المراد بذلك الأشقى أبو جهل، وأيضا فإن هذا الختم دال على أن من صفى ~~نفسه وزكاها بالتجلي بالنور المعنوي من إنارة ظلام الليل بما يجليه به من ~~ضياء القيام وغير ذلك من أنواع الخير يرضى بالنور الحسي بعد الموت - والله ~~الموفق للصواب. # PageV22P099 # سورة الضحى # مقصودها الدلالة على آخر الليل بأن أتقى الأتقياء الذي هو الأتقى على ~~الإطلاق في عين الرضا دائما، لا ينفك عنهع في الدنيا والآخرة، لما تحلى به ~~من صفات الكمال التي هي الإيصال للمقصود بما لها من النور المعنوي كالضحى ~~بما له من النور الحسي الذي هو أشرف ما في النهار وقد علم بهذا أن اسمها ~~أدل ما فيها على مقصودها) بسم الله (المعز لمن أراد، الكريم البر الودود ذي ~~الجلال والإكرام) الرحمن (الذي عمن بنعمته الإيجاد الخاص والعام) الرحيم ~~(الذي أعلى أهل وده فخصهم بإتمام الإنعام. # PageV22P100 # ولما حكم في آخر الليل بإسعاد الأتقياء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتقى الخلق مطلقا، وكان قد قطع عنه الوحي حينا ابتلاء لمن شاء من عباده، ~~وكان به صلى الله عليه وسلم صلاح الدين والدنيا والآخرة، وكان الملوان سبب ~~صلاح معاش الخلق وكثير من معادهم، أقسم سبحانه وتعالى بهما على أنه أسعد ~~الخلائق دنيا # PageV22P100 # وأخرى، فقال مقدما ما يناسب حال الأتقى الذي قصد به أبو بكر رضي الله عنه ~~قصدا أوليا من النور الذي يملأ الأقطار، ويمحو كل ظلام يرد عليه ويصل إليه، ~~مفهما بما ذكر من وقت الضياء الناصع حالة أول النهار وآخر الليل التي هي ~~ظلمة ملتف بساقها ساق النهار عند الإسفار: {والضحى *} فذكر ما هو أشرف ~~النهار وألطفه وهو زهرته، وأضوأه وهو صدره، وذلك وقت ارتفاع الشمس لأن ~~المقسم لأجله أشرف الخلائق، وذلك يدل على أنه يبلغ من الشرف ما لا يبلغه ~~أحد من الخلق. # ولما ms5695 ذكر النهار بأشرف ما فيه مناسبة لأجل المقسم لأجله، أتبعه الليل ~~مقيدا له بما يفهم إخلاصه لأنه ليس لأشرف ما فيه اسم يخصه فقال: {واليل} أي ~~الذي به تمام الصلاة؛ ولما كان أوله وآخر النهار وآخره وأول النهار ضوءا ~~ممتزجا بظلمة لالتفات ساق الليل بساق النهار، قيد بالظلام الخالص فقال: ~~{إذا سجى *} أي سكن أهله أو ركد ظلامه وإلباسه وسواده واعتدل فخلص فغطى ~~بظلامه كل شيء، والمتسجي: المتغطي، ومع تغطيته سكنت ريحه، فكان في غاية ~~الحسن، ويمكن أن يكون الأول مشيرا إلى ما يأتي به هذا الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من المحكم، والثاني مشيرا إلى المتشابه، وهذا الأربعة # PageV22P101 # الأحوال للنور والظلمة - وهي ضوء ممتزج بظلمة، وظلمة ممتزجة بضوء، وضياء ~~خالص وظلام خالص - الحاصلة في الآفاق في الإنسان مثلها، فروحه نور خالص، ~~وطبعه ظلام حالك، وقلبه نور ممتزج بظلمة النفس، والنفس ظلمة ممتزجة بنور ~~القلب، فإن قويت شهوة النفس على نورانية القلب أظلم جميعه، وإن قويت ~~نورانية القلب على ظلمة النفس صار نورانيا، وإن غلبت الروح على الطبع تروحن ~~فارتفع عن رتبة الملائكة، وإن غلب الطبع على الروح أنزله عن رتبة البهائم ~~كما قال تعالى: {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [الأعراف: 179] . # ولما أقسم بهذا القسم المناسب لحاله صلى الله عليه وسلم، أجابه بقوله ~~تعالى: {ما ودعك} أي تركك تركا يحصل به فرقة كفرقة المودع ولو على أحسن ~~الوجوه الذي هو مراد المودع {ربك} أي الذي أحسن إليك بإيجادك أولا، وجعلك ~~أكمل الخلق ثانيا، ورباك أحسن تربية ثالثا، كما أنه لا يمكن توديع الليل ~~للنهار بل الضحى للنهار الذي هو أشد ضيائه، ولا يمكن توديع الضحى للنهار ~~ولا الليل وقت سجوه له. # ولما كان ربما تعنت متعنت فقال: ما تركه ولكنه لا يحبه، فكم # PageV22P102 # من مواصل وليس بواصل، قال نافيا لكل ترك: {وما قلى *} أي وما أبغضك بغضا ~~ما، وحذف الضمير اختصارا لفظيا ليعم، فهو من تقليل اللفظ لتكثير المعنى، ~~وذلك لأنه كان انقطاع عنه الوحي مدة لأنهم ms5696 سألوه عن الروح وقصة أهل الكهف ~~وذي القرنين فقال: «أخبركم بذلك غدا» ، ولم يستثن، فقالوا: قد ودعه ربه ~~وقلاه، فنزلت لذلك، ولما نزلت كبر صلى الله عليه وسلم فكان التكبير فيها ~~وفيما بعدها سنة كما يأتي إيضاحه وحكمته آخرها، وقد أفهمت هذه العبارة أن ~~المراتب التقريبية أربع: تقريب بالطاعات ومحبة وهي للمؤمنين، وإبعاد ~~بالمعاصي وبغض وهي للكفار، وتقريب بالطاعات مخلوط بتبعيد للمعاصي وهي لعصاة ~~المؤمنين، وإعراض مخلوط بتقريب بصور طاعات لا قبول لها وهي لعباد الكفار. # وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما قال تعالى: {فألهمها فجورها ~~وتقواها} [الشمس: 8] ثم أتبعه بقوله في الليل: {فسنيسره} [الليل: 7 - 13] ~~وبقوله: {إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى} [الليل: 7 - 13] ، فلزم ~~الخوف واشتد الفزع وتعين على الموحد الإذعان للتسليم والتضرع في التخلص ~~والتجاؤه إلى السميع العليم، أنس تعالى أحب عباده إليه وأعظمهم منزلة لديه، ~~وذكر له # PageV22P103 # ما منحه من تقريبه واجتبائه وجمع خير الدارين له فقال تعالى: {والضحى ~~والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى} ثم عدد ~~تعالى عليه نعمه بعد وعده الكريم له بقوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وأعقب ~~ذلك بقوله: {فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر} فقد آويتك قبل ~~تعرضك وأعطيتك قبل سؤالك، فلا تقابله بقهر من تعرض وانتهار من سأل، وقد ~~حاشاه سبحانه عما نهاه عنه ولكنه تذكير بالنعم وليستوضح الطريق من وفق من ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أما هو صلى الله عليه وسلم فحسبك من تعرف ~~رحمته ورفقه {وكان بالمؤمنين رحيما} [الأحزاب: 43] {عزيز عليه ما عنتم حريص ~~عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة: 128] ثم تأمل استفتاح هذه السورة ~~ومناسبة ذلك المقصود ولذلك السورة قبلها برفع القسم في الأولى بقوله: ~~{والليل إذا # PageV22P104 # يغشى} [الليل: 1] تنبيها على إبهام الأمر في السلوك على المكلفين وغيبة ~~حكم العواقب، وليناسب هذا حال المتذكر بالآيات وما يلحقه من الخوف مما أمره ~~غائب عنه من تيسيره ومصيره واستعصامه به يحصل اليقين واستصغار درجات ~~المتقين، ثم لما لم ms5697 يكن هذا غائبا بالجملة # PageV22P105 # عن آحاد المكلفين أعني ما يثمر العلم اليقين ويعلي من أهل للترقي في ~~درجات المتقين، بل قد يطلع سبحانه خواص عباده - بملازمته التقوى والاعتبار ~~- على واضحة السبيل ويريهم مشاهدة وعيانا ما قد انتهجوا قبل سبيله بمشقة ~~النظر في الدليل، قال صلى الله عليه وسلم لحارثة: # «وجدت فالزم» وقال مثله للصديق، وقال تعالى: {لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 64] {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [فصلت: 30] فلم يبق في ~~حق هؤلاء ذلك الإبهام، ولا كدر خواطرهم بتكاثف ذلك الإظلام، بما منحهم ~~سبحانه وتعالى من نعمة الإحسان بما وعدهم في قوله: {يجعل لكم فرقانا} ~~[الأنفال: 29] و {يجعل لكم نورا تمشون به} [الحديد: 28] {أو من كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها} [الأنعام: 122] فعمل هؤلاء على بصيرة، واستولوا اجتهادا بتوفيق ربهم ~~على أعمال جليلة خطيرة، فقطعوا عن الدنيا الآمال، وتأهبوا لآخرتهم بأوضح ~~الأعمال {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16] {فلا تعلم نفس ما أخفي ~~لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] فلابتداء الأمر وشدة الإبهام والإظلام أشار ~~قوله سبحانه وتعالى: {والليل إذا يغشى} ولما يؤول إليه الحال في حق من كتب ~~في قلبه الإيمان وأيده بروح منه أشار قوله سبحانه وتعالى: {والنهار إذا ~~تجلى} ولانحصار السبل وإن تشعبت في طريقي {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ~~[التغابن: 2] {فريق في الجنة وفريق في السعير} [الشورى: 7] أشار قوله ~~سبحانه وتعالى: {وما خلق الذكر والأنثى} [الليل: 3] {ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين} [الذاريات: 49] {ففروا إلى الله} [الذاريات: 50] الواحد مطلقا، فقد ~~وضح لك إن شاء الله بعض ما يسر من تخصيص هذا القسم - والله أعلم، أما سورة ~~الضحى فلا إشكال في مناسبة في استفتاح القسم بالضحى لما يسره به سبحانه لا ~~سيما إذا اعتبر ما ذكر من سبب نزول السورة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان قد ms5698 ~~فتر عنه الوحي حتى قال بعض الكفار: قلى محمدا ربه، فنزلت السورة مشعرة عن ~~هذه النعمة والبشارة - انتهى. # ولما ذكر حاله في الدنيا بأنه لا يزال يواصله بالوحي والكرامة، ومنه ما ~~هو مفتوح على أمته من بعده روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أريت ما هو مفتوح على أمتي من بعدي كفرا ~~كفرا فسرني ذلك» فلما كان ذلك وكان ذكره على وجه شمل الدارين صرح بالآخرة ~~التي هي أعلى وأجل، # PageV22P106 # ولأدنى من يدخلها فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ~~فكيف بما له صلىلله عليه وسلم، فقال مؤكدا لذلك كما أكد الأول بالقسم بما ~~لهم فيه من الإنكار: {وللآخرة} أي التي هي المقصود من الوجود بالذات لأنها ~~باقية خالصة عن شوائب الكدر أو الحالة المتأخرة لك ليفهم منه أنه لا يزال ~~في ترق من علي إلى أعلى منه وكامل إلى أكمل منه دائما أبدا لا إلى نهاية ~~{خير} وقيد بقوله: {لك} لأنه ليس كل أحد كذلك {من الأولى *} أي الدنيا ~~الفانية التي لا سرور فيها خالص كما أن النهار الذي هو بعد الليل خير منه ~~وأشرف ولا سيما الضحى منه، وقد أفهم ذلك أن الناس على أربعة أقسام: منهم من ~~له الخير في الدارين وهم أهل الطاعة الأغنياء، ومنهم من له الشر فيهما وهم ~~الكفرة الفقراء، ومنهم من له صورة خير في الدنيا وشر الآخرة وهم الكفرة ~~الأغنياء، ومنهم من له صورة شر في الدنيا وخير في الآخرة وهم المؤمنون ~~الفقراء، قد قال: # الناس في الدنيا على أربع ... والنفس في فكرتهم حائره # فواحد دنياه مقبوضة ... إن له من بعدها آخره # وواحد دنياه مبسوطة ... ليس له من بعدها آخره # وواحد قد حاز حظيهما ... سعيد في الدنيا وفي الآخره # PageV22P107 # وواحد يسقط من بينهم ... فذلك لا دنيا ولا آخره # ولما ذكر سبحانه الدنيا والآخرة، ذكر ما يشملهما مما زاده من فضله، فقال ~~مصدرا بحرف الابتداء تأكيدا للكلام ms5699 لأنهم ينكرونه وليست للقسم لأنها إذا ~~دخلت على المضارع لزمته النون المؤكدة، وضم هذه اللام إلى كلمة التنفيس ~~للدلالة على أن العطاء وإن تأخر وقته لحكمة كائن لا محالة: {ولسوف يعطيك} ~~أي بوعد لا خلف فيه وإن تأخر وقته بما أفهمته الأداة {ربك} أي الذي لم يزل ~~يحسن إليك بوعد الدنيا ووعد الآخرة {فترضى *} أي فيتعقب على ذلك ويتسبب عنه ~~رضاك. وهذا شامل لما منحه بعد كمال النفس من كمال العلم وظهور الأمر وإعلاء ~~الدين وفتح البلاد ودينونة العباد ونقص ممالك الجبابرة، وإنهاب كنوز ~~الأكاسرة والقياصرة، وإحلال الغنائم حتى كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، ~~وشامل لما ادخره له سبحانه وتعالى في الآخرة من المقام المحمود والحوض ~~المورود، والشفاعة العظمى إلى غير ذلك مما لا يدخل تحت الحدود، وقد أفهمت ~~العبارة أن الناس أربعة أقسام: معطى راض، وممنوع غير راض، ومعطى # PageV22P108 # غير راض، وممنوع راض، وعن علي رضي الله عنه أنها أرجى آية في القرآن لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لا يرضى واحدا من أمته في النار. # PageV22P109 # ولما وعده بأنه لا يزال في كل لحظة يرقيه في مراقي العلا والشرف، ذكره ~~بما رقاه به قبل ذلك من حين توفي أبوه وهو حمل وماتت أمه وهو ابن ثمان ~~سنين، فتم يتمه من الأبوين قبل بلوغه لئلا يكون عليه - كما قال جعفر الصادق ~~- حق لمخلوق، فقال مقررا له: {ألم يجدك} أي يصادفك أي يفعل بك فعل من صادف ~~آخر حال كونه {يتيما فآوى *} ولما كان يلزم من اليتم في الغالب عدم العلم ~~لليتيم لتهاون الكافل، ومن عدم العلم الضلال، قال مبينا أن يتمه وإهماله من ~~الحمل على دينهم كان نعمة عظيمة عليه لأنه لم يكن على دين قومه في حين من ~~الأحيان أصلا: {ووجدك} أي صادفك {ضالا} أي لا تعلم الشرائع {ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان} [الشورى: 52] فأطلق اللازم وهو الضلال على الملزوم، ~~والمسبب على السبب، وهو عدم العلم، فكنت لأجل ذلك لا تقدم على فعل من ~~الأفعال لأنك ms5700 لا تعلم الحكم فيه إلا ما علمت بالعقل الصحيح والفطرة السليمة ~~المستقيمة من التوحيد وبعض توابعه، وهذا هو التقوى كما تقدم في الفاتحة، ~~ولم يرد به حقيقته وإنما أعراه من التعلق بشيء من الشرائع ونحوها بإعدام من ~~يحمله على ذلك ليفرغه # PageV22P109 # ذلك التأمل بنفسه فيوصله بعقله السديد إلى الاعتقاد الحق في الأصول ~~والوقوف في الفروع {فهدى *} أي فهداك هدى محيطا بكل علم، فعلمك بالوحي ~~والإلهام والتوفيق للنظر ما لم تكن تعلم. # ولما كان العيال يمنعون من التفرغ لعلم أو غيره قال: {ووجدك} أي حال كونك ~~{عائلا} أي ذا عيال لا تقدر على التوسعة عليهم أو فقيرا، قال ابن القطاع: ~~عال الرجل: افتقر، وأعال: كثر عياله. {فأغنى *} بما جعل لك من ربح التجارة ~~ثم من كسب الغنائم وقد أفهم ذلك أن الناس أربعة أقسام: منهم من وجد الدين ~~والدنيا، ومنهم من عدمهما، ومنهم من وجد الدين لا وجد الدنيا، ومنهم من وجد ~~الدنيا لا الدين. ولما ذكره بما أنعم عليه به من هذه النعم الثلاث أوصاه ~~بما يفعل في ثلاث مقابلة لها، فقال مسببا عنه مقدما معمول ما بعد الفاء ~~عليها اهتماما: {فأما اليتيم} أي هذا النوع {فلا تقهر *} أي تغلبه على شيء ~~فإنما أذقتك اليتم تأديبا بأحسن الآداب لتعرف ضعف اليتيم وذله، وفوق ذلك ~~كفالته وهي خلافة عن الله لأن اليتيم لا كافل له إلا الله، ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم كهاتين» - وأشار بالسبابة والوسطى. # PageV22P110 # ولما بدأ بما كان بداية له، ثنى بما هو نهاية له من حيث كونه يصير رأس ~~الخلق فيصير محط الرجال في كل سؤال من علم ومال، فقال مقدما له اهتماما به ~~إشارة إلى أنه جبر الخواطر واستئلاف الخلق من أعظم المقاصد في تمام الدين: ~~{وأما السائل} أي الذي أحوجته العيلة أو غيرها إلى السؤال {فلا تنهر *} أي ~~تزجر زجرا مهينا، فقد علمت مضاضة العيلة، بل أعطه ولو قليلا، أو رده ردا ~~جميلا، وكذا السائل في العلم. # ولما ذكر له تفصيل ms5701 ما يفعل في اليتيم والفقير والجاهل، أمره بما يفعل في ~~العلم الذي آتاه إياه إعلاما بأنه الآلة التي يستعملها في الأمرين الماضيين ~~وغيرهما لأنها أشرف أحوال الإنسان وهي أوفق الأمور لأن يكون مقطع السورة ~~لتوافق مطلعها فقال: {وأما بنعمة ربك} أي الذي أحسن إليك بإصلاح جميع ما ~~يهمك من العلم وغيره وبالهجرة ومبادئها عند تمام عدد آيها من السين وهي ~~إحدى عشرة {فحدث *} أي فاذكر النبوة وبلغ الرسالة فاذكر جميع نعمه عليك ~~فإنها نعم على الخلق كافة، ومنها إنقاذك بالهجرة من أيدي الكفرة وإعزازك ~~بالأنصار، وتحديثك بها شكرها، فإنك مرشد يحتاج الناس إلى الاقتداء بك، ويجب ~~عليهم أن يعرفوا لك ذلك ويتعرفوا مقدارك ليؤدوا # PageV22P111 # حقك، فحدثهم أني ما ودعتك ولا قليتك، ومن قال ذلك فقد خاب وافترى، واشرح ~~لهم تفاصيل ذلك بما وهبتك من العلم الذي هو أضوأ من ضياء الضحى وقد رجع ~~آخرها على أولها بالتحديث بهذا القسم والمقسم لأجله، وما للملك الأعلى في ~~ذلك من عميم فضله: ولقد امتثل صلى الله عليه وسلم وابتدأ هذا التحديث الذي ~~يشرح الصدور، ويملأ الأكوان من السرور، والنعمة والحبور، لأنه بأكبر النعم ~~المزيلة لكل النقم بالتكبير كما ورد في قراءة ابن كثير وفي رواية السوسي عن ~~أبي عمرو، واختلف القراء في ابتدائه وانتهائه ولفظه، فقال بعضهم: هو من أول ~~الضحى، وقال آخرون: من آخرها، وقال غيرهم من أول الشرح، فمن قال للأول لم ~~يكبر آخر الناس، ومن قال للآخر انتهى تكبيره بالتكبير في آخرها، وسببه أن ~~جبريل عليه الصلاة والسلام لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد فترة ~~الوحي، فتلا السورة عليه كبر مسرورا لما كان أحزنه من الفترة ومن قول ~~المشركين: قلاه ربه، وتحديثا بالنعم التي حباه الله بها في هذه السورة له ~~ولأمته # PageV22P112 # امتثالا لما أمر به واختلف عنهم في لفظه، فمنهم من اقتصر على «الله أكبر» ~~ومنهم من زاد التهليل فقال: «لا إله إلا الله والله أكبر» وهذا هو ~~المستعمل، ومنهم من زاد «ولله الحمد» والراجح قول من ms5702 قال: إنه لآخر الضحى ~~إسنادا ومعنى، لأنها وإن كانت هي السبب والعادة جارية بأن من دهمه أمر عظيم ~~يكبر مع أوله، لكن شغله صلى الله عليه وسلم بالإصغاء إلى ما يوحى إليه منعه ~~من ذلك، فلما ختمت السورة تفرغ له، فكان ذلك الوقت كأنه ابتداء مفاجأة ذلك ~~الأمر العظيم له، وزاد ما في السورة من جلائل النعم المقتضية للتحميد وما ~~في ذلك من بدائع الصنع الموجب للتهليل، وقد علم بذلك سبب من ظنه في أولها، ~~وأما من ظنه لأول الشرح فكونه كان في آخر الضحى، فإذا وصل بها «ألم نشرح» ~~ألبس الحال، وتعليق الأشياء بالأوائل هو الأمر المعتاد، وحكمته مع ما مضى ~~من سببه أن التهليل توحيده سبحانه وتعالى بالأمر، وامتناع شريك يمنعه من ~~شيء يريده من الوحي وغيره، والتكبير تفريده له بالكبرياء تنزيها له عن شوب ~~نقص يلم به من أن يتجدد له علم ما لم يكن ليكون ذلك سببا # PageV22P113 # لقطع من وصله بوحي أو غيره، والتحميد إثبات التفرد بالكمال له على إسباغ ~~نعمه، وفي ذلك أن هذه السورة آذنت بأن القرآن أشرف على الختام، لأن عادة ~~الحكماء من المدبرين تخفيف المنازل في الأواخر على السائرين كتخفيف أول ~~مرحلة رفقا بالمقصرين، فناسب الذكر بهذا عند الآخر لأن تذكر الانقضاء يهيج ~~مثل ذلك عند السالك، ولأن تقصير السور ربما أوهم شيئا مما لا يليق، فسن ~~التنزيه بتكبيره سبحانه وتعالى عن كل ما يوهم نقصا، وإثبات الكمال له ~~بالتوحيد منبه على الحث على تدبر ما في هذه السورة من الجمع للمعاني على ~~وجازتها وقصر آياتها وحلاوتها مع ما في ذلك من تخفيف التعليم، والتدريب على ~~الحفظ في المبادىء والتحبيب فيه والتهييم، والتحميد على إتمام النعمة على ~~غاية الإحكام من لدن حكيم عليم. # PageV22P114 # سورة الشرح # مقصودها تفصيل ما في آخر الضحى من النعمة، وبيان ان المراد بالتحديث ببها ~~هو شكرها بالنصب في عبادة الله والرغبة إليه بتذكر إحسانه وعظيم رحمته بوصف ~~الربوبية وامتنانه، وعلى ذلك دل اسمها الشرح) بسم الله (الذي جل ms5703 أمره ~~وتعالى جده ولا إله غيره فعظم ما له من إنعام) الرحمن (الذي أفاض جوده على ~~سائر خلقه لأنه ذو الجلال والإكرام) الرحيم (الذي إلى أهل حضرته بخاص رحمته ~~في مقامات الاختصاص إلى أعلى مقام. # PageV22P115 # ولما أمره صلى الله عليه وسلم آخر الضحى بالتحديث بنعمته التي أنعمها ~~عليه فصلها في هذه السورة فقال مثبتا لها في استفهام إنكاري مبالغة في ~~إثباتها عند من ينكرها والتقرير بها مقدما المنة ب ### | الشرح # في صورته قبل الإعلام بالمغفرة كما فعل ذلك في سورة الفتح الذي هو نتيجة ~~الشرح، لتكون البشارة بالإكرام أولا لافتا القول إلى مظهر العظمة تعظيما ~~للشرح. {ألم نشرح} أي شرحا يليق بعظمتنا # PageV22P115 # {لك} أي خاصة. # ولما عين المشروح له، فكان المشروح مبهما، فزاد تشوف النفس إليه ليكون ~~أضخم له، بينه ليكون بيانا بعد إبهام فيكون أعظم في التنويه به وأجل في ~~التعريف بأمره فقال: {صدرك *} أي نسره ونفرحه بالهجرة، فإن هذه السورة ~~مدنية عند ابن عباس رضي الله عنهما، ونجله ونعظمه ونخرج منه قلبك ونشقه ~~ونغسله ونملأه إيمانا وحكمة ورأفة وعلما ورحمة، فانفسح جدا حتى وسع مناجاة ~~الحق ودعوة الخلق، فكان مع الحق بعظمته وارتفاعه، ومع الخلق بفيض أنواره ~~وشعاعه، وقد كان هذا الشرع حقيقة مرارا، وكان مجازا أيضا بإحلال جميع ~~معانيه، وكل ذلك على ما لا يدخل تحت الوصف لا يعبر لكم عنه بأثر من أنه شق ~~بعظمتنا، فالعلم الذي شق به معرفة الله والدار الآخرة والدين والدنيا، ~~والحمة التي درت فيه هي وضع الشيء في محله، وإعطاء كل ذي حق حقه، وقرأ أبو ~~جعفر المنصور بفتح جاء «نشرح» وخرجها ابن عطية على التأكيد بالنون الخفيفة ~~ثم أبدل ألف من النون، ثم حذف النون تخفيفا، وقال أبو حيان بأن اللحياني ~~حكى في نوادره عن بعض العرب النصب بلم والجزم بلن، # PageV22P116 # وسره هنا أن الفتح في اللفظ مناسب غاية المناسب للشرح، ووجه قراءة ~~الجمهور أنه لما دل على الفتح بالشرح دل بالجزم على أنه مع ذلك رابط لما ~~أودعه من ms5704 الحكم ضابط له، هاد بما فيه من رزانة العلم، ووقار التقى والحلم، ~~قال ابن برجان: ففرق ما بين النبي والولي في ذلك أن النبي شرح صدره ظاهرا ~~فأعلى ظاهرا، والولي شرح ذلك منه باطنا فعلى به باطنا، والكافر ضيق ذلك منه ~~وأبقى بظلمته وحظوظ الشيطان منه فهو لا يستطيع قبول الهداية ولا الصعود في ~~معارج العبرة إلا على مقدار ما يستطيع الصعود في السماء {كذلك يجعل الله ~~الرجس على الذين لا يؤمنون} [الأنعام: 125] . # ولما كانت سعة الصدر بالعلم والحكمة هي الجمال باجتماع المحاسن، وكان ذلك ~~مع حمل ما يعني من أعظم النكد، وكان الجمال بجمع المحاسن لا يكمل إلا إذا ~~جمع إلى الجمال الجلال بانتفاء الرذائل، وكان الاستفهام الإنكاري إذا اجتمع ~~مع النفي صار إثباتا، لأنه نفي للنفي، قال عاطفا عليه ما لا يعطف إلا مع ~~الإثبات {ووضعنا} أي حططنا وأسقطنا وأبطلنا حطا لا رجعة له ولا فيه بوجه ~~بما لنا من العظمة، مجاوزا {عنك وزرك *} أي حملك الثقيل الذي لا يستطاع ~~حمله، ولذلك # PageV22P117 # وصفه بقوله: {الذي أنقض ظهرك *} أي جعله وهو عماد بدنك تصوت مفاصله من ~~الثقل كما يصوت الرحل الجديد إذا لز بالحمل الثقيل، وذلك هو ما دهمه عندما ~~أمر بإنذار قومه ومفاجأتهم بما يكرهون عن عيب دينهم وتضليل آبائهم وتسفيه ~~حلومهم في التدين بدين لا يرضاه أدنى العقلاء إذا تأمل شيئا من تأمل مع ~~التجرد من حظ النفس مع ما عندهم من الأنفة والحمية وإلقاء الأنفس في ~~المهالك لأدنى غضب، فقال: # «يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة» فخفف سبحانه وتعالى عنه ذلك بما ~~أظهر له من الكرامات وأيده به من المعجزات، وضمن له من الحماية إلى أمور لا ~~يحيط بها علما إلا الذي أيده بها {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] حتى ~~خف ذلك عليه، فصار أشفق أهله عليه يمنعه من بعض الإبلاغ ويمسك بثوبه لئلا ~~يخرج إلى النار فيقول لهم ذلك فيحصل له ما يكره فيجذب نفسه منه ويخرج إليهم ~~فيخبرهم كما وقع في أمر الإسراء ms5705 وغيره، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو ~~أن جبريل عليه الصلاة والسلام شق صدره فأخرج منه قلبه فشرحه وأخرج منه علقة ~~سوداء فأنقاه وغسله ثم ملأه علما وإيمانا وحكمة، يعني فصار يحتمل ما لا ~~يحتمله غيره، وخف عليه ما يثقل على غيره، # PageV22P118 # ولا شك أن ذلك وزر لغوي، وهو واضح، وشرعي بالمال على تقدير ترك الامتثال ~~اللازم للاستثقال، وقد أعاذه الله من ذلك. # وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: معنى هذه السورة من معنى السورة قبلها، ~~وحاصل السورتين تعداد نعمه سبحانه وتعالى عليه، فإن قلت: فلم فصلت سورة ألم ~~نشرح ولم ينسق ذكر هذه النعم في سورة واحدة، قلت: من المعهود في البشر فيمن ~~عدد على ولده أو عبده نعما أن يذكر له أولا ما شاهد الحصور عليه منها بسببه ~~مما يمكن أن يتعلق في بعضها بأن ذلك وقع جزاء لا ابتداء، فإذا استوفى له ما ~~قصده من هذا، أتبعه بذكر نعم ابتدائية قد كان ابتداؤه بها قبل وجوده كقول ~~الأب مثلا لابنه: ألم أختر لأجلك الأم والنفقة حيث استولدتك وأعددت من ~~مصالحك كذا وكذا، ونظير ما أشرنا إليه بقوله سبحانه لزكريا عليه الصلاة ~~والسلام {ولم تك شيئا} [مريم: 9] وقد قدم له {إنا نبشرك بيحيى} [مريم: 7] ~~والية {إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} وتوهم استبداد الكسبية في وجود الولد ~~غير خافية في حق من قصر نظره ولم يوفق فابتدىء بذكرها ثم أعقب بما لا يمكن ~~أن يتوهم فيه ذلك، وهو قوله: # {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} [مريم: 9] وله نظائر من الكتب وعليه جاء ~~ما ورد في هاتين السورتين - # PageV22P119 # والله أعلم - انتهى. # ولما شرفه في نفسه بالكمال الجامع للجلال إلى الجلال، وكان ذلك لا يصفو ~~إلا مع الشرف عند الناس قال: {ورفعنا} أي بما لنا من العظمة والقدرة ~~الباهرة {لك} أي خاصة رفعة تتلاشى عندها رفعة غيرك من الخلق كلهم {ذكرك *} ~~عند جميع العالمين العقلاء وغيرهم بالصدق والأمانة والحلم والرزانة ومكارم ~~الأخلاق وطهارة الشيم وانتفاء شوائب النقص حتى ما ms5706 كانت شهرتك عند قومك قبل ~~النبوة إلا الأمين، وكانوا يضربون المثل بشمائلك الطاهرة، وأوصافك الزاهرة ~~الباهرة، ثم بالنبوة ثم بالرسالة ثم بالهجرة، وبأن جعلنا اسمك مقرونا ~~باسمنا في كلمة التوحيد والإيمان والأذان والإقامة والتشهد والخطبة، فلا ~~أذكر إلا وذكرت معي، ومن الكرامة الظفر على أعدائك والكرامة لأوليائك، وجعل ~~رضاك رضاي وطاعتك طاعتي، وأمر ملائكتي بالصلاة عليك، ومخاطبتي لك بالألقاب ~~العلية والسمات المعزة المعلية من الرسول والنبي، ونحو ذلك على حسب ~~الأساليب ومناسبات التراكيب إلى غير ذلك من فضائل ومناقب وشمائل لا تضبط ~~بالوصف، قال الرازي: ثم جعل لأمته من ذلك أوفر الحظ، قيل: يا رسول الله، # PageV22P120 # من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا ذكروا ذكر الله» وفي حديث: «الذين إذا ~~رؤوا ذكر الله» وقال: «خياركم من تذكر الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ~~ويزهدكم في الدنيا عمله» فمنتهى قسمة الثناء أن خلط ذكره بذكره. # ولما ذكر هذه المآثر الشريفة التي هي الكمال، وكان الكمال لا يصفو إلا مع ~~مساعدة الأقدار، فإن الهمم إذا عظمت اتسعت مجالاتها، فإذا حصل فيها تعطيل ~~حصل فيها نكد حسبه، بين أنه أزال عنه العوائق في عبارة دالة على أن سبب ~~المنحة بهذه الكمالات هو ما كان صلى الله عليه وسلم فيه من الصبر على ~~الأكدار، وتجرع مرارات الأقدار، فقال مؤكدا ترغيبا في حمل مثل ذلك رجاء في ~~الإثابة بما يليق من هذه المعالي مبالغا في الحث على تحمله بذكر المعية ~~إشارة إلى تقارب الزمنين بحيث إنهما كانا كالمتلازمين مسببا عما مضى ذكره ~~من حاله من الضحى: {فإن} أي فعل بك سبحانه هذه الكمالات الكبار بسبب أنه ~~قضى في الأزل قضاء لا مرد له ولا معقب لشيء منه أن {مع العسر} أي هذا النوع ~~خاصة {يسرا *} أي عظيما جدا يجلب به المصالح ويشرح به ما كان قيده من ~~القرائح، فإن أهل البلاء ما زالوا ينتظرون الرخاء علما منهم بالفطرة الأولى # PageV22P121 # التي فطر الناس عليها أنه المتفرد بالكمال، وأنه الفاعل بالاختيار لنسمه ~~الكوائن بأضدادها، وقد أجرى سنته القديمة ms5707 سبحانه وتعالى بأن الفرج مع ~~الكرب، فلما قاسى صلى الله عليه وسلم مما ذكر في الضحى من اليتم الشديد ~~وضلال قومه العرب خاصة كلهم الذين ألهمه الله تعالى مخالفتهم في أصل الدين ~~بتجنب الأوثان، وفي فرعه بالوقوف مع الناس في الحج في عرفة موقف إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام، ومن العيلة ما لم يحمله أحد حتى كان بحيث يمتن سبحانه ~~وتعالى عليه بإنقاذه منه في كتابه القديم وذكره الحكيم، وكان مع تحمل ذلك ~~قائما بما يحق له من الصبر ويعلو إلى معالي الشكر «فيحمل» - كما قالت ~~الصديقة الكبرى خديجة رضي الله تعالى عنها - «الكل، ويقري الضيف، ويصل ~~الرحم، ويعين على نوائب الحق» . # ثم حمل أعباء النبوة فكان يلقى من قومه من الأذى والكرب والبلاء ما لم ~~يحمله غيره، بشره الله تعالى بأنه ييسر له جميع ذلك ويلين قلوبهم فيظهر ~~دينه على الدين كله، ويغني أصحابه رضي الله عنهم بعد عيلتهم، ويكثرهم بعد ~~قلتهم، ويعزهم بعد ذلتهم، ويصير هؤلاء المخالفون له أعظم الأعضاد، وينقاد ~~له المخالف أتم انقياد، ويفتح له أكثر البلاد، ليكون هذا العطاء في اليسر ~~بحسب ما كان وقع # PageV22P122 # من العسر، فإنه قضى سبحانه وتعالى قضاء لا يرتد أنه يخالف بين الأحوال، ~~دليلا قاطعا على أنه تعالى وحده الفعال، وأن فعله بالاختيار، لا بالذات ~~والإجبار. # ولما كان العسر مكروها إلى النفوس، وكان لله سبحانه وتعالى فيه حكما ~~عظيمة، وكانت الحكم لا تتراءى إلا للأفراد من العباد، كرره سبحانه وتعالى ~~على طريق الاستئناف لجواب من يقول: وهل بعده من عسر؟ مؤكدا له ترغيبا في ~~أمره ترقبا لما يتسبب عنه مبشرا بتكريره مع وحدة العسر وإن كان حمل كل واحد ~~منهما على شيء غير ما قصد به الآخر ممكنا فقال: {إن مع العسر} أي المذكور ~~فإنه معرفة، والمعرفة إذا أعيدت معرفة كانت غير الأولى سواء أريد العهد أو ~~الجنس {يسرا *} أي آخر لدفع المضار والمكاره، فإن النكرة إذا أعيدت نكرة ~~احتمل أن تكون غير الأولى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ms5708 «إنها غيرها» ~~فقال الحسن البصري: إن الآية لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين» وقد روى هذا من أوجه كثيرة، وروى عبد ~~الرزاق عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لو كان العسر في جحر ضب لتبعه ~~اليسر حتى يخرجه» وللطبراني عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لو كان # PageV22P123 # العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الآية، قال الحافظ نور الدين الهيثمي: وفيه أبو مالك النخعي وهو ضعيف، ~~ورواه الطبراني أيضا في الأوسط والبزار عن أنس رضي الله عنه بنحوه، قال ~~الهيثمي: وفيه عائذ بن شريح وهو ضعيف، وروى الفراء عن الكلبي عن أبي صالح ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم وهو ~~يضحك ويقول: # «لن يغلب عسر يسرين» وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن الحسن به مرسلا، ~~ومن طريقه أخرجه الحاكم والبيهقي في الشعب ورواه الطبري من طريق ابن ثور عن ~~معمر، ورواه ابن مردويه من طريق أخرى موصولا وإسناده ضعيف، وفي الباب عن ~~عمر ذكره مالك في الموطإ عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه أنه ~~بلغه أن أبا عبيدة رضي الله عنه حضر بالشام فكتب إليه كتابا فيه «ولن يغلب ~~عسر يسرين» ومن طريقه رواه الحاكم، قال ذلك شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث ~~الكشاف، وقال: وهذا أصح طرقه - انتهى، وهذا من جهة أن اليسر نكرة والعسر ~~معرفة، وقد اشتهر أن النكرة إذا أعيدت نكرة فالثاني غير الأول، والمعرفة ~~بالعكس، قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في أول تلويحه في الكلام على ~~المعرفة والنكرة: # PageV22P124 # الكلام فيما إذا أعيد اللفظ الأول إما مع كيفيته من التنكير والتعريف أو ~~بدونها، وحينئذ يكون طريق التعريف هو اللام أو الإضافة ليصح إعادة المعرفة ~~نكرة وبالعكس، وتفصيل ذلك أن المذكور أولا إما أن يكون نكرة أو معرفة، ms5709 وعلى ~~التقديرين إما أن يعاد نكرة أو معرفة فيصير أربعة أقسام، وحكمها أن ينظر ~~إلى الثاني، فإن كان نكرة فهو مغاير للأول، وإلا لكان المناسب هو التعريف ~~بناء على كونه معهودا سابقا بالذكر، إن كان معرفة فهو الأول حملا له على ~~المعهود الذي هو الأصل في اللام والإضافة، وذكر في الكشف أنه إذا أعيدت ~~النكرة نكرة فالثاني مغاير للأول وإلا فعينه فإن المعرفة تستغرق الجنس، ~~والنكرة تتناول البعض، فيكون داخلا في الكل سواء قدم أو أخر، وفيه نظر، أما ~~أولا فلان التعريف لا يلزم أن تكون للاستغراق بل العهد هو الأصل، وعند تقدم ~~المعهود لا يلزم أن تكون النكرة عينه، وأما ثانيا فلان معنى كون الثاني عين ~~الأول أن يكون المراد به هو المراد بالأول، والجزء بالنسبة إلى الكل ليس ~~كذلك، وأما ثالثا فإن إعادة المعرفة نكرة مع مغايرة الثاني للأول كثير في # PageV22P125 # الكلام، قال الله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب تماما} [الأنعام: 154] ~~إلى قوله: {وهذا كتاب أنزلناه} [الأنعام: 155] وقال تعالى: «اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو» [البقرة: 36] وقال تعالى: {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} [الأنعام: ~~165] إلى غير ذلك، وقال غيره: {أيسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء} [النساء: 153] ومنه قول الشاعر: # إذا الناس ناس والزمان زمان ... فإن الثاني لو كان عين الأول لم يكن في ~~الإخبار به فائدة - انتهى. # قال: واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن ~~القرائن وإلا فقد تعاد النكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: {وهو الذي في ~~السماء إله وفي الأرض إله} [الزخرف: 84] {وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ~~قل إن الله قادر على أن ينزل آية} [الأنعام: 37] {ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم ~~جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} [الروم: 54] يعني قوة الشباب، ومنه باب التأكيد ~~اللفظي، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: {وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك} إلى قوله: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من ~~قبلنا} [الأنعام: 156] وقال غيره: {فلا جناح عليهما أن يصلحا ms5710 بينهما صلحا ~~والصلح خير} [النساء: 128] المراد # PageV22P126 # بالنكرة خاص وهو الصلح بين الزوجين، وبالمعرفة عام في كل صلح جائز ~~{زدناهم عذابا فوق العذاب} [النحل: 88] فإن الشيء لا يكون فوق نفسه - ~~انتهى. قال: وقد تعاد المعرفة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: {وأنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب} [المائدة: 48] وقال غيره: ~~{قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء} [آل عمران: 26] الأول عام ~~والثاني خاص، {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60] الأول العمل ~~والثاني الثواب {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] الأولى ~~القاتلة والثانية المقتولة - انتهى، قال: وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم ~~المغايرة كقوله تعالى: {أنما إلهكم إله واحد} [الكهف: 110] ومثله كثير، ~~والمعرفة مثل النكرة في حالتي الإعادة معرفة والإعادة نكرة في أنها إن ~~أعيدت معرفة كان الثاني هو الأول، وإن أعيدت نكرة كان غيره، ثم مثل بالآية ~~التي هنا، وقال: وهذا مبني على أن تنكير {يسرا} للتفخيم وتعريف العسر ~~للعهد، أي العسر الذي أنتم عليه أو الجنس أي الذي يعرفه كل أحد، فيكون ~~اليسر الثاني مغايرا للأول بخلاف العسر - انتهى. وقال في الكشاف: وأما ~~اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفا عن منكر ~~تناول بعضا غير البعض الأول بغير الإشكال. # PageV22P127 # ولما علم من هذا أن المواد تكون بحسب الأوراد الشداد لما على الممدود من ~~الشكر، ولما علم للشاكر من الوعد بالمزيد، قال مسببا عما أعطاه من اليسر ~~بعد ذلك العسر ندبا له إلى الشكر وإعلاما بأنه لا ينفك عن تحمل أمر في ~~الله: {فإذا فرغت} أي بما آتاك من اليسر يسر من جهادك الذي أنت فيه في وقت ~~المخاطبة بهذا الكلام مما يوجب عسرا في المآل أو الحال، وعقبه العسر في أي ~~موضع كان لا سيما عند دخول الناس في الدين أفواجا، أو من العبادة الثقيلة ~~العظيمة بسماع الوحي وتحمله، أو من الغرض بالتيسير الذي بشرناك به {فانصب ~~*} أي بالغ في التعب بعبادة أخرى من التسبيح والاستغفار، أو النفل لمن ~~أولاك هذا المعروف ms5711 {وإلى ربك} أي المحسن إليك بما ذكر في هاتين السورتين ~~خاصة {فارغب *} أي بالسؤال لأنه القادر وحده كما قدر على تربيتك فيما مضى ~~وحده، لأنه المختص بالعظمة، فلا قدرة أصلا إلا لمن يعطيه ما يريده منها، ~~والرغب شعار العبد دائما في كل حال أي افعل ذلك {ألم نشرح لك صدرك؟} فقد ~~اتصل هذا الآخر بالأول اتصال المعلول بالعلة، ولاءم ما بعدها بذلك أيضا ~~بعينه # PageV22P128 # ملاءمة الشمس بالأهلة، وآخر هذه السورة مشير إلى الاجتهاد في العبادة عند ~~الفراغ من جهاد الكفار في جزيرة العرب بعد انقضاء ما يوازي عدد آي هذه ~~السورة من السنين بعد الهجرة، وهي ثمان، رغبة في الأخرى التي هي خير من ~~الأولى، إشارة إلى قرب الأجل بما أشارت إليه سورة النصر - كما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى. # PageV22P129 # (سورة التين) # مقصودها سر مقصود) ألم نشرح (وذلك هو إثبات القدرة الكاملة وهو المشار ~~إليه باسمها، فإن في خلق التين والزيتون من الغرائب ما يدل على ذلك، وكذا ~~فيما أشير إليه بذلك من النبوات، وضم القسم إلى المقسم عليه وهو الإنسان، ~~الذي هو أعجب ما في الأكوان، واضح في ذلك) بسم الله (الملك الأعظم الذي لا ~~نعبد إلا إياه) الرحمن (الذي عم بنعمته إيجاده وبيانه جميع خلقه أسفله ~~وأعلاه وأدناه وأقصاه) الرحيم (الذي خص من بينهم أهل وده بما يرضاه، وأردى ~~من عداهم وأشقاعه. # لما ذكر سبحانه وتعالى في تلك السورة أكمل خلقه وما كمله به، وختمها ~~بالأمر بتخصيصه سيحانه وتعالالى بالرغبة إليه، فكان (صلى الله عليه وسلم) ~~يقوم حتى تورم قدماه ويبذل الجهد لمولاه في كل ما يرضاه، ذكر في هذه أنه ~~سبحانه وتعالى كما جعل ذاته # PageV22P130 # أكمل ذوات المخلوقات خصه بأن جعل نوعه (صلى الله عليه وسلم) أكمل الأنواع ~~وهو الإنسان، وأصله أعظم الأصول هو إبراهيم (صلى الله عليه وسلم) ، وبلده ~~أفضل البلاد وهي مكة، وأن من عاداه بمنابذة شرعه أسفل الخلق، وأن له سبحانه ~~وتعالى تمام القدرة، وهو فاعل بالاختيار، يعلي من يشاء ويسفل من يشاء، ~~فمنزلتها ms5712 من آخر تلك منزلة العلة من المعلول، وأقسم فيها بأشياء أشار بها ~~إلى شرفها في أنفسها وفي عجيب صنعها وشرف البقاع التي يكون بها إيماء إلى ~~ما شرفها به مما أظهر بها من الخير والبركاات بسكنى الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم أجمعين والصالحين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فكانت مهاجر ~~إبراهيم ومولد عيسى وأكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسام ومنشأهم، وكان منها ~~مظهر نبوة موسى، ومظهر نبوة اسماعيل عليهما الصلاة والسلام وولده خاتم ~~الأنبياء الكرام، عليه أفضل الصلاة والسلام، ومكان البيت الذي هو قواتم ~~للناس، وهدى للعالمين، إلى غير ذلك من الإشارات الظاهرات والدلالات ~~الواضحات على تمام قدرته وفعله بالاختيار، لأنه يعلي من يشاء من العقلاء ~~وغيرهم من البقاع وغيرها على أحسن تقويم، ويسفل من يشاء من ذلك كله إلى ~~أسفل سافلين. # PageV22P131 # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه سورة موضحة ومتممة للمقصود في ~~السورتين قبلها، فبان لك أن الصورة الإنسانية بظاهر الأمر - مما هي عليه من ~~الترتيب والإتقان - قد كانت تقتضي الاتفاق بظاهر ارتباط الكمال بها من حيث ~~إلها في أحسن تقويم، والافتراق يبعد في الظاهر، فكيف افترق الحكم واختلف ~~السلوك، فمن صاعد بالاستيضاح والإمتثال، ونازل أسفل سافلين فضلا عن ترقي ~~بعض درجات الكمال، فإذا ليس يرقى من خص بمزية التقريب إلا لأنه نودي من ~~قريب فأسرع في إجابة مناديه وأصاخ، وما اعتل بحاديه فسل من واضحات السبيل ~~ما رسم له، وبنى على ما كتب له من ذلك عمله) ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) ~~[السجدة: 13] فعلى العاقل المنصف في نفسه أن يعلم أن كلا ميسر لما خلق له ~~فيضرع إلى خالقه في طلب الإخلاص " من وجد خيرا فليحمد الله " فأوضحت هذه ~~السورة ان ما أعطى الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) وخصه به من ضروب ~~الكرانمات وابتدأه من عظيم الآلاء مما تضمنته السورتان إلى ما منحه من خير ~~الدارين وما تضمنه. قسمه له سبحانه وتعالى أنه ما ودعه ولا قلاه من ~~الملاطفة والتأنيس ودلائل الحب والتقريب - كل ذلك فضلا ms5713 منه سبحانه وتعالى ~~وإحسانا لا لعمل # PageV22P132 # تقدم يستوجب ذلك أو بعضه، ولو تقدم عمل لم يقع إلا بمشيئته، وتوفيقه ~~وإرادته، ولا يستوجب أحد عليه شيئا، وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء، فقال ~~سبحانه وتعالى منبها على ما وقع الإيماء إلى بعضه) لقد خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم (ومع ذلك لا ينفعه وقوع صورته الظاهرة في عالم الشهادة على أكمل ~~خلق ولأتم وضع بل إذا لم يصحبه توفيق وسبقته سعادة من خالقه ولم يجعل له ~~نور يمشي به لم ير غير نفسه ولا عرف إلا أبناء جنسه، فقصر نظره على أول ما ~~شاهد، ووقف عند ما عاين من غير اعتياد يحده إلى تحقق مآله وتبين جحاله أنه ~~لم يكن شيئا مذكورا، فلما قصر وما أبصر اعتقد لنفسه الكمال، وعمي عن ~~المبتدأ والمآل، فصار أسفل سافلين حيث لم ينتفع بالآيات نظره، ولا عرف ~~حقيقة خبره) أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نظفة فإذا هو خصيم مبين وضرب ~~لنا مثلا ونسي خلقه) [يس: 87 - 87] ثم قال تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات (فهم الذين هداهم ربهم) بإيمانهم (فجروا بسببه من خلقه في أحسن ~~تقويم ن واستوضحوا الصراط المستقيم، واستبصروا فأبصروا، ونظروات فاعتبروا. ~~وقالوا: ربنا الله ثم استقاموا، فلهم أجر غير ممنون - انتهى. # PageV22P133 # ولما كان ### | التين # أحسن الفواكه تقويما فيما ذكروا من فضيلته، وهو مع كونه فاكهة شهية حلوة ~~جدا - غذاء يقيم الصلب وقوت كالبر وسريع الهضم، ودواء كثير النفع يولد دما ~~صالحا وينفع الرئة والكلى ويلين الطبع ويحلل البلغم ويزل رمل المثانة ويفتح ~~سدد الكبد والطحال، فكان جامعا لجميع منافع المتناولات من الغذاء والتفكه ~~والتحلي والتداوي، فهو كامل في مجموع ما هو فيه من لذة طعمه وكثرة نفعه، ~~وكونه كفاكهة الجنة بلا شائبة تعوق عن أكله من صنوان يتعب أو نوى يرمى، مع ~~أنه ينتفع به رطبا ويابسا، وهو مع ذلك في سرعة فساده وسوء تغيره أسفلها ~~رتبة وأردؤها مغبة، فهو كالفطرة الأولى في مبدئه سهولة وحسنا وقبولا لكل من ~~الإصلاح والتغير، كآخر ms5714 الهرم عند نهايته في عظيم تغيره بحيث إنه لا ينتفع ~~بشيء منه إذا تغير، وغيره من الفواكه إذا فسد جانب منه بقي آخر فكان في هذا ~~كالقسم للسافل من الإنسان أقسم الله تعالى به فقال: {والتين} بادئا به لأن ~~القسم المشار به إليه أكثر، فالاهتمام به أكبر. # ولما كان الزيتون في عدم فساد يطرقه أو تغير يلحقه، وفيه الدسومة ~~والحرافة والمرارة، وهو إدام ودواء مع تهيئه للنفع # PageV22P134 # بكل حال في أكله بعد تزييته والتنوير بدهنه والادهان به لإزالة الشعث ~~وتنعيم البشرة وتقوية العظم وشد العصب وغير ذلك من المنافع مع لدنه وما ~~يتبع ذلك من فضائله الجمة كالمؤمن تلاه به فقال: {والزيتون *} ولما كان مع ~~ذلك مشارا بهما إلى مواضع نباتهما وهي الأرض المقدسة من جميع بلاد الشام ~~إيماء إلى من كان بها من الأنبياء والتابعين لهم بإحسان لا سيما إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام الذي كانت مهاجره فأحياها الله تعالى بعباده وتردد ~~الملائكة إليه بالوحي ومن بعده أولاده الذين طهرها الله بهم من الشرك ~~وأنارها بهم بالتوحيد، وختمهم بعيسى عليه الصلاة والسلام أحد أولي العزم ~~المشرف بكونه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا أفضل الصلاة ~~والسلام، وكانت الكناية بالشجرتين عن البلد المراد به سكانه أبلغ من ~~التصريح بالمراد من أول وهلة، ساقه على هذا المنهج العزيز، ولم يبق ممن لم ~~يسكنها من أشرافهم إلا موسى وهارون وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، ~~فأشار إلى الأولين بقوله معبرا بما يدل على أحسن التقويم لأن الطور الجبل ~~ذو النبت من النجم والشجر المثمر وغيره: {وطور} أي جبل المكان المسمى بهذا ~~الاسم. # PageV22P135 # ولما كان الكلام في التقويم، كان المناسب له صورة جمع السلامة فقال ~~تعالى: {سينين *} أي وما كان بالجبل ذي النبت الحسن الذي كلم الله فيه موسى ~~عليه الصلاة والسلام من لذيذ المناجاة وعجائب المواعدة وحكم الكلام مع أن ~~فيه من الأشجار والأماكن ما يكن من الحر والبرد، وفيه لخلوه وحسنه وعلوه ~~جمع الخاطر للمتفرد وطمأنينة النفس للتخلي للعبادة والتحصن ms5715 مما يخشى لعلوه ~~وصعوبته، وفيه ما يصلح للزرع من غير كلفة، وفيه ما يأكله الناس والدواب مع ~~الماء العذب والفناء الرحب والمنظر الأنيق، وسنين وسيناء - اسم للموضع الذي ~~هذا الجبل به، وأشار سبحانه وتعالى إلى الأخيرين من أولاد إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام ختاما للقسم بأكمل المقسم به كما جعل المنزل عليه ذلك الذي ~~هو ختام الرسل أكمل النوع المقسم لأجله ليكون في البدء بما يرد بعد حسن ~~التقويم الى الفساد والختم بما هو أشرف المذكورين بكل اعتبار طباق حاز أعلى ~~الأسرار: {وهذا البلد} أي مكة، صرح هنا بهذين المكانين ترشيحا لأن المراد # PageV22P136 # بالأولين مواضع نبتهما مع تلك الإشارة اللطيفة بذكر اسميهما إلى ~~مناسبتهما للمقسم من أجله {الأمين *} أي الذي يأمن فيه من حل به من البشر ~~والطير والوحش، فكان بذلك كالرجل الأمين الذي يأتمنه آخر على نفسه وما يعز ~~عليه فيؤديه إليه ويوقره عليه، وأمانته شاملة لكل ما يخشى حتى الفقر ~~والعيلة والجوع وتغير الدين بعد تقرره مع أن به البيت الذي جعله الله هدى ~~للعالمين وقياما للناس فهو مدار الدين والدنيا، وكان به من الأسرار بالوحي ~~وآثاره ما لم يكن في بلد من البلاد، وذلك إشارة إلى أنه تعالى كما جعل ~~النبي المبعوث منه في آخر الزمان في أحسن تقويم جعله في أحسن تقويم البلدان ~~إذ كان آمنا من غير ملك مرهوب - والناس يتخطفون من حوله، وهو محل الأنس ~~بالناس كما أن الذي قبله محل الأنس بالانفراد، وهو مجمع المرافق ومعدن ~~المنافع ومحل ذوي الوجاهة دينا ودنيا، ومحل الرفعة والمناصب مع ما حازه ~~المكانان من تنزل الكتب السماوية وإشراق الأنوار الإلهية الدينية فيهما، ~~وفي ذلك تخويف لهم بأنهم إن لم يرجعوا عن غيهم أخافه إخافة لم يخفها بلدا ~~من بلاد العرب # PageV22P137 # فيكونون بذلك قد ردوا أسفل سافلين في البلد، كما ردوا في الأخلاق بالشقاق ~~واللداد. # ولما كان هذا القسم مع كونه جامعا لبدائع المصنوعات التي هي لما ذكر من ~~حكمها دالة على كمال علم خالقها وتمام قدرته جامعا لأكثر ms5716 الذين آمنوا، وكان ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام لكونه أباهم مذكرا مرتين بالأرض المقدسة من ~~القدس ومكة، فتوقع أكمل الخلق وأفطنهم المخاطب بهذا الذكر المقسم عليه علما ~~منه ببلوغ القسم إلى غايته واستوائه على نهايته، أجيب بقوله تعالى محققا: ~~{لقد خلقنا} أي قدرنا وأوجدنا بما لنا من العظمة الباهرة والعزة الغالبة ~~القاهرة {الإنسان} أي هذا النوع الذي جمع فيه الشهوة والعقل وفيه الأنس ~~بنفسه ما ينسيه أكثر مهمه، ولهذا قالت الملائكة عليهم الصلاة والسلام # {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} [البقرة: 30] لأنهم علموا أنه ~~إذا جمع الغضب والشهوة إلى العقل جاءت المنازعة فيتولد الفساد من الشهوة ~~والسفك من الغضب {في أحسن تقويم *} أي كائن منا روحا وعقلا أو أعم من ذلك ~~بما جعلنا له من حسن الخلق # PageV22P138 # والخلق بما خص به من انتصاب القامة وحسن الصورة واجتماع خواص الكائنات ~~ونظائر سائر الممكنات بعد ما شارك فيه غيره من السمع والبصرة والذوق واللمس ~~والشم الجوارح التي هيأته لما خلق له حتى قيل إنه العالم الأصغر كما مضى ~~بسط ذلك في سورة الشمس ثم ميزناه بما أودعناه فيه بما جعلناه عليه من ~~الفطرة الأولى التي لا تبديل لها من الطبع الأول السليم الذي هيأناه به ~~وقويناه بقدرتنا لقبول الحق، وبمثل ما قلته في حمل الآية على الفطرة الأولى ~~قال الأصفهاني في تفسير {كان الناس أمة واحدة} [البقرة: 213] في البقرة، ~~وقال ابن برجان هنا: مفطور على فطرة الإسلام الدين القيم، ثم لما منحناه به ~~من العقل المدرك القويم، فكما جعلنا له شكلا يميزه عن سائر الحيوان منحناه ~~عقلا يهديه إلى العروج عن درك النيران إلى درج الجنان بالإيمان والأعمال ~~الصالحة البالغة نهاية الإحسان، بدليل من فيه من الأنبياء الذين أكملهم ~~محمد على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام والتابعين له بإحسان ~~الذين ملؤوا الأرض علما وحكمة ونورا، قال البغوي: خلقه سبحانه وتعالى مديد ~~القامة يتناول مأكوله بيده مزينا # PageV22P139 # بالعقل والتمييز - انتهى، والعقل هو المقصود في الحقيقة من الإنسان لأن ~~من أسمائه اللب، ومن ms5717 المعلوم أن المقصود من كل شيء لبه وهو الشرع كما مضى ~~في آخر النساء، والظاهر أن عقول الناس بحسب الخلق متقاربة وأنها إنما ~~تفاوتت بحسب الجبلة فبعضهم جعل سبحانه وتعالى عنصره وجبلته في غاية الفساد ~~فلا تزال جبلته تردي على عقله فيتناقص إلى أن يصير إلى أسوأ الأحوال، فكل ~~ميسر لما خلق له، وبعضهم يصرف عقله بحسب ما هيأه الله له إلى ما ينجيه، ~~وبعضهم يصرفه لذلك إلى ما يرديه، لأنك تجد أعقل الناس في شيء وأعرفهم به ~~أشدهم بلادة في شيء آخر، وأغباهم في شيء أذكاهم في شيء آخر - فاعتبر ذلك، ~~وبذلك انتظم أمر الخلق في أمر معاشهم بالعلوم والصنائع والأحوال - والله ~~الهادي، وهذه الآية تدل على أن الله سبحانه وتعالى منزه عن التركيب والصورة ~~لأنه لو كان في شيء منهما لكان هو الأحسن لأن كل صفة يشترك فيها الخلق ~~والحق فالمبالغة للحق كالعالم والأعلم والكريم والأكرم - قاله الأستاذ أبو ~~القاسم القشيري في تفسيره، وصيغة «أفعل» لا تدل على ما قاله الزنادقة، وإن ~~عزي ذلك # PageV22P140 # إلى بعض الأكابر من قولهم: ليس في الإمكان أبدع مما كان، لأن الدرجة ~~الواحدة تتفاوت إلى ما لا يدخل تحت حصر كتفاوت أفراد الإنسان في صوره ~~وألوانه، وغير ذلك من أكوانه وبديع شأنه، وقد بينت ذلك في تصنيف مفرد لهذه ~~الكلمة سميته: تهديم الأركان من «ليس في الإمكان أبدع مما كان» ، وأوضحته ~~غاية الإيضاح والبيان، وجرت فيه فتن تصم الآذان، ونصر الله الحق بموافقة ~~الأعيان، وقهر أهل الطغيان، ثم أردفته بكتاب «دلالة البرهان على أن في ~~الإمكان أبدع مما كان ثم شفيت الأسقام، ودمغت الأخصام، وخسأت الأوهام، ~~بالقول الفارق بين الصادق والمنافق، وهو نحو ورقتين في غاية الإبداع في قطع ~~النزاع، ويمكن أن تكون صيغة أفعل مفيدة بالنسبة إلى شيء أراده الله بحيث إن ~~نتفطن له نحن لأن من المجمع عليه عند أهل السنة وصرح به الأشعري وغيره في ~~غير موضع من كتبهم أن الله تعالى لا تتناهى مقدوراته، وممن صرح بما صرح به ms5718 ~~الأشعري وأكثر في الإمام حجة الإسلام الغزالي في كتبه الإحياء وغيره ولا ~~سيما كتابه» تهافت الفلاسفة «وبين أن هذا من قواعدهم لنفيهم صفة الإرادة ~~وقولهم بأن فعله بالذات، وبين فساد ذلك، # PageV22P141 # وأنه سبحانه وتعالى قادر على اختراع عالم آخر وثالث متفاوتة بالصغر ~~والكبر، وعلى كل ممكن، وعرف أن الممكن هو المقدور عليه، وأنه يرجع إلى ~~المقدور عليه أيضا ممكن، وعرف الممتنع بانه إثبات الشيء مع نفيه، وإثبات ~~الأخص مع نفي الأعم، وإثبات الاثنين مع نفي الواحد، وقال: وما لا يرجع إلى ~~ذلك فهو ممكن، فدخل فيه عالم أبدع من هذا العالم - والله الموفق لما يريد. # ولما كان الإنسان مع هذه المحاسن قد سلط الله سبحانه وتعالى عليه شهوات ~~وهيأ طبعه لرذائل وأخلاق دنيئات، وأهوية وحظوظ للأنفس مميلات، وكان أكثر ~~الخلق بها هالكا لتتبين قدرة الله سبحانه وتعالى، لم يستثن بل حكم على ~~الجنس كله بها كما حكم عليه بالتقويم، فقال تعالى دالا بأداة التراخي على ~~أن اعوجاجه بعد ذلك العقل الرصين والذهن الصافي المستنير في غاية البعد ~~لولا القدرة الباهرة والقوة القاسرة القاهرة: {ثم رددناه} أي بما لنا من ~~القدرة الكاملة والعلم الشامل، فعطل منافع ما خلقناه له فضيع نفسه وفوت ~~أساب سعادته ونكسناه نحن في خلقه، فصار بالأمرين في خلقه وخلقه نفسا وهوى ~~أو أعم # PageV22P142 # من ذلك بالنكس {أسفل سافلين *} أي إلى ما تحت رتبة الجمادات المستقذرات، ~~فصار يعمل الأعمال السيئات المقتضية بعد حسن الجمع لغاية الشتات، أما رده ~~في خلقه فبأن سلطنا عليه الشهوات التي ركبناها في النفوس، وجعلناها داعية ~~إلى كل بؤس، فغلبت على عقله فأعمته حتى أوردته الموارد، وأوقعته في المهاوي ~~والمعاطب، حتى أنه ليركب كثيرا من أموره وهو قاطع بأنه باطل شنيع، لا يقدم ~~على مثله عاقل، فصار يعبد من دون الله ما هو دون البشر بل ومطلق الحيوان ~~مما لا ضر فيه ولا نفع، وصار يركب الظلم والعدوان والإفك والبهتان، وما لا ~~يحصى بالعد من أنواع الفواحش والعصيان، ويظلم أبناء جنسه وغيرهم، ويجتهد في ms5719 ~~الفجور، ويتصرف بما لا يشك هو في أنه لا يقره عليه من له أدنى نظر ممن ~~يلزمه أمره ويعنيه شأنه، فصار بذلك أحط رتبة من البهائم بل من أدنى الحشرات ~~المستقذرات لأنها وإن كانت لها شهوات إلا أنها ليس لها عقل تغطيه بها وتطمس ~~نوره بظلامها، فلا تنسب إلى أنها فوتت شيئا لعدم تكليفها لعدم العقل الموجب ~~للشرف، وأما هو فاستعمل ما خلقناه له من الآلات، وما فضلناه به من ~~الكمالات، # PageV22P143 # في غير ما خلقناه له فاستحق العذاب المهين، ثم يموت من غير مجازاة على ~~شيء من ذلك أو على كثير منه، فلا بد في الحكمة حينئذ من بعثه، وله بعد ~~البعث عند ربه على ذلك عذاب مقيم، وأما في خلقه فبالهرم حتى صار بعد تلك ~~القوى ضعيفا، وبعد ذلك العز ذليلا مهينا، وبعد ذلك العلم الغزير والفكر ~~المنير لا يعلم شيئا، وصار يستقذره وينكره من كان يألفه ويستعطره، وقال ابن ~~برجان: أما رده في طريق الديانة فبالكفر والتكذيب، وأما فيما سبيله الجزاء ~~فبالمسخ في دار البرزخ وتحويل صورته إلى ما غلب عليه خلقته وعمله في الدنيا ~~من الدواب والهوام والبهائم، وفي الآخرة تزرق عيناه ويشوه خلقه، وقال ~~الإمام أبو العباس الأقليشي في شرح «المقدم المؤخر» من شرحه للاسماء ~~الحسنى: إن الله تعالى خلقه. # أي الإنسان - أولا في أحسن تقويم، ثم ركبه في هذا الجسم الذي يجذبه إلى ~~أسفل سافلين، فإن قدم عقله على هواه صعد إلى أعلى عليين، وكان من المقربين ~~المقدمين، وإن قدم هواه هبط إلى إدراك الجحيم، وكان من المبعدين المؤخرين. # PageV22P144 # ولما حكم بهذا الرد على جميع النوع إشارة إلى كثرة المتصف به منهم، وكان ~~الصالح قليلا جدا، جعله محط الاستثناء فقال: {إلا الذين آمنوا} أي بالله ~~ورسله فكانوا من ذوي البصائر والمعارف، فغلبنا بلطفنا عقولهم بما دعت إليه ~~وأعانت عليه الفطرة الأولى على شهواتهم، وحميناهم من أرذل العمر، فكانوا ~~كلما زدناهم سنا زدنا أنوار عقولهم ونقصنا نار شهواتهم بما أضعفنا من إحكام ~~طبائعهم وتعلقهم بهذا العالم، ms5720 وأحكمنا من مدارك أنوار الحق وإشراقاته منهم، ~~وأعظمنا من قوى أرواحهم. # ولما كان الإنسان قد يدعي الإيمان كاذبا قال: {وعملوا} أي تصديقا لدعواهم ~~الإيمان {الصالحات} أي من محاسن الأعمال من الأقوال والأفعال ثابتة الأركان ~~على أساس الإيمان، محكمة بما آتيناهم من العلم غاية الإحكام، متقنة غاية ~~الإتقان، فإنا حفظناهم - وقليل ما هم - بما كملناهم به وشرفناهم على جميع ~~الحيوانات وسائر من سواهم فلم نمكن منهم الشهوات ولا غيرها، وأقمناهم على ~~ما اقتضاه منهاج العقل، فتبعوا الرسل بسبب إبقائنا لهم على الفطرة الأولى ~~في أحسن تقويم، لم يدنس محياها بشهوة ولا حظ ولا هوى، فسهل انقيادهم، ~~فأداهم ذلك إلى العدل # PageV22P145 # والنصفة والإحسان، وجميع مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولم يزيغوا عن ~~منهاج الرسل في قول ولا عمل، فالآية كما ترى من الاحتباك: حذف أولا بما ~~أفهمته الآية عمل السيئات، وثانيا الإبقاء على أصل الخلق في أحسن تقويم على ~~الفطرة الأولى، ليكون نظمها في الأصل {ثم رددناه أسفل سافلين} بعمل السيئات ~~فله على ذلك عذاب مهين {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فإنا أبقيناهم ~~على الفطرة الأولى في أحسن تقويم. # ولما كان السياق لمدح المؤمنين، حسن أن يعد أعمالهم التي تفضل عليهم بها ~~سببا كما من عليهم به من الثواب فقال: {فلهم} أي فتسبب عن ذلك أن كان لهم ~~في الدارين على ما وفقوا له مما يرضيه سبحانه وتعالى {أجر} أي عظيم جدا وهو ~~مع ذلك {غير ممنون *} أي مقطوع أو يمن عليهم به حتى في حالة المرض والهرم ~~لكونهم سعوا في مرضاة الله سبحانه وتعالى وعزموا عزما صادقا أنهم لا ينقصون ~~من أعمال البر ذرة ولو عاشوا مدى الدهر، وذلك الأجر جزاء لأعمالهم فضلا منه ~~بالأصل والفرع حتى أنهم إذا عجزوا بالهرم كتب لهم أجر ما كانوا يعملون في ~~حال الصحة، ولمن تابع هواه في السفول عذاب عظيم لأنه رد أسفل سافلين. # PageV22P146 # ولما ثبت بهذا أنه لا يجوز في الحكمة تركهم بغير جزاء مع ما يشاهد من ظلم ~~بعضهم لبعض معاندة لما يقتضيه ms5721 قويم العقل الذي لا شك فيه، فكان ذلك بحيث لا ~~يرضاه أحد منهم ولا يقر مخلوق عبيدا في ملكه على مثله بأن يبغي بعضهم على ~~بعض فيهملهم بل لا بد أن يحجز بينهم أو يأخذ للمظلوم من الظالم، ولو كان ~~ذلك المالك أقل الناس وأجهلهم فكيف إن كان عاقلا فكيف إن كان حاكما فكيف إن ~~كان لا يخاف أحدا فكيف إن كان عدلا مقسطا قد ثبتت إحاطة علمه وقدرته سبحانه ~~وتعالى، حسن كل الحسن أن يكون ذلك سببا للإنكار على من يظن أن الله يهمل ~~عباده من الحكم بينهم لمجازاة كل من المطيع والعاصي بما عمل مع ما ترى من ~~ظلم بعضهم لبعض، وأن الظالم قد يموت قبل القصاص، فقال مسببا عن الوعد بما ~~أفصح به الكتاب من إثابة المؤمنين الذي طالما بغى عليهم الظلمة، وانتقصهم ~~حقوقهم الفسقة، والوعيد بما أفهمه الخطاب لعتاب المجرمين الذين طالما بغوا ~~على غيرهم: {فما} أي فتسبب عن إقامة الدليل على تمام القدرة وعلى بغي ~~العبيد بعضهم على بعض أنه يقال لك تصديقا لك فيما أخبرت به من أن # PageV22P147 # الله سبحانه وتعالى يبعث الخلائق بعد موتهم ليجازي كلا بما عمل وإنكارا ~~على من كذبك: ما {يكذبك} أي أي شيء ينسبك إلى الكذب يا أشرف الخلق وأكملهم ~~نفسا وأتقاهم عرضا وأطهرهم خلقا وخلقا، وعبر ب «ما» إشارة إلى أن الكذب ~~بهذا مع هذا الدليل القطعي الذي تضمنته هذه السورة في عداد ما لا يعقل بل ~~دونه {بعد} أي بعد مشاهدة بغي بعض الناس على بعض استعمالا لحال النكس، ~~وأعراه من الجار إشارة إلى أن من آمن قبل الغرغرة واتصل إيمانه ذلك بموته ~~كان ممن له أجر غير ممنون {بالدين *} أي الجزاء لكل أحد بما يستحقه على ~~سبيل العدل والإنصاف لأجل تلك الأعمال التي غلبت فيها الحظوظ على العقول، ~~فوقع بها من الظلم والأذى ما لا يسع عاقلا من العباد أن يحسن عنده ترك ~~فاعلها من غير جزاء حتى كان أكثر أفعال العباد ظلما، ومن شأن الملوك ms5722 ~~الإنصاف بين عبيدهم ورعاياهم، فكيف بالله سبحانه وتعالى الذي شرع لعباده ~~ذلك، وقد ثبت بما له من هذا الخلق العظيم، على هذا النظام المحكم والمنهاج ~~الأقوم أنه الحكيم، الذي لا حكيم غيره، العليم الذي لا عليم سواه. # PageV22P148 # ولما صح أن تارك الظالم بغير انتقام والمحسن بلا إكرام ليس على منهاج ~~العدل الذي شرعه الله تعالى، حسن جدا تكرير الإنكار بقوله سبحانه وتعالى: ~~{أليس الله} أي على ما له من صفات الكمال، وأكده بالجار في قوله: {بأحكم ~~الحاكمين *} أي حتى يدع الخلق يهلك بعضهم بعضا من غير جزاء، فيكون خلقهم ~~عبثا، بل هو أحكم الحاكمين علما وقدرة وعدلا وحكمة بما شوهد من إبداعه ~~الخلق ومفاوتته بينهم، وجعل الإنسان من بينهم على أحسن تقويم، فلا بد أن ~~يقيم الجزاء ويضع الموازين القسط ليوم القيامة فيظهر عدله وحكمته وفضله، ~~وهذا الآخر هو أولها قسما من جهة النبوات التي ظهر بها حكمه وحكمته، ومقسما ~~عليه من حيث إن الخلق في أحسن تقويم يقتضي العدل لا محالة، والرد أسفل ~~سافلين يتقاضى الحكم حتما لأجل ما يقع من الظلم والتشاجر بين من استمر على ~~الفطرة القويمة ومن رد لأسفل سافلين، وقد اشتملت هذه السورة على وجازتها ~~على جميع مقاصد التوراة إجمالا، وزادت الدلالة على الآخرة، وذلك أن قسمها ~~هو قوله في التوراة «أتانا ربنا من سيناء وشرق بنا من جبل ساعر، وظهر لنا ~~من جبال فاران» والخلق في أحسن تقويم هو خلق آدم عليه الصلاة والسلام # PageV22P149 # المذكور في أولها وخلق زوجه وما يحتاجان إليه من السماء والأرض، وخلق ~~الأصفياء من أولادهما وما جاؤوا به من الخير، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~هو ما فيها من الشرائع والأحكام، وقوله بعد ما تقدم من المعبر بالمقسم عنه ~~«معه ربوات الأطهار عن يمينه أعطاهم وحببهم إلى الشعوب، وبارك على جميع ~~أطهاره» والرد أسفل سافلين هو ما ذكر أولها من العصاة من قابيل ومن بعده ~~إلى آخرها، على ما أشار إليه من عصيان بني إسرائيل الموجب للعنهم، فقد ~~اكتنفت بأول التوراة ms5723 وآخرها وأوسطها، وابتدأ بآخرها لأنه في النبوات، وهي ~~أهم المهم لأنها المنجية من شر قطاع الطريق، وآخرها أدل ما فيها على ~~النبوات لا سيما الثلاث العظام - المشار إليه بقسم هذه السورة - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بالغيب. # PageV22P150 # سورة العلق # وتسمى إقرأ. # مقصودها الأمر لا سيما للمقصود بالتفضيل في سورة التين بعبادة من له ~~الخلق والأمر، شكرا لأحسانه واجتنابا لكفرانه ن طمعا في جنانه وخوفا من ~~نيرانه، لما ثبت أنه يدين العباد يوم المعاد، وكل من اسميها دال على ذلك ~~لأن المربي يجب شكره، ويحرم غاية التحريم كفره، على أن " اقرأ " يشير إلى ~~الأمر، " والعلق " يشير غلى الخلق، و" اقرأ " يدل على البداية وهي العبادة ~~بالمطابقة، وعلى النهاية وهي النمجاة يوم الدين باللازم، والعلق يدل على كل ~~من النهاية ثم البداية بالالتزام، لأن من عرف أنه مخلوق من دم عرف أن خالقه ~~قادر على إعادته من تراب، فإن التراب أقبل للحياة من الدم، ومن صدق ~~بالإعادة عمل لها، وخص العلق لأنه مركب الحياة، ولذلك سمي نفسا) بسم الله ~~(الذي له صفات الكمال فاستحق التفرد بالإلهية) الرحمن (الذي عمت نعمته ~~فاستوج بالشكر من سائر البرية) الرحيم (الذي وفق من شاء # PageV22P151 # من خواصه لما أنالهم به المواهب السنية والعطايا الوفية. # PageV22P152 # لما أمره سبحانه وتعالى في الضحى بالتحديث بنعمته، وذكره بمجامعها في ~~{ألم نشرح} فأنتج ذلك إفراده بما أمره به في ختمها من تخصيصه بالرغبة إليه، ~~فدل في الزيتون على أنه أهل لذلك لتمام قدرته الذي يلزم منه أنه لا قدرة ~~لغيره إلا به، فأنتج ذلك تمام الحكمة فأثمر قطعا البعث للجزاء فتشوف السامع ~~إلى ما يوجب حسن الجزاء في ذلك اليوم وبأي وسيلة يقف بين يدي الملك الأعلى ~~في يوم الجمع الأكبر من خصال الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فأرشد إلى ذلك ~~في هذه السورة، فقال بادئا بالتعريف بالعلم الأصلي ذاكرا أصل من خلقه ~~سبحانه وتعالى في أحسن تقويم وبعض أطواره الحسنة والقبيحة تعجيبا من تمام ~~قدرته سبحانه وتعالى وتنبيها على تعرفها وإنعام النظر فيها، ms5724 وقدم الفعل ~~العامل في الجار والمجرور هنا لأنه أوقع في النفس لكونها أول ما نزل فكان ~~الأمر بالقراءة أهم: {اقرأ} وحذف مفعوله إشارة إلى انه لا قراءة إلا بما ~~أمره به، وهي الجمع الأعظم، فالمعنى: أوجد القراءة لما لا مقروء غيره، وهو ~~القرآن الجامع لكل خير، وأفصح له بأنه لا يقدر # PageV22P152 # على ذلك إلا مبعونة الله الذي أدبه فأحسن تأديبه، ورباه فأحسن تربيته، ~~فقال ما أرشد المعنى إلى أن تقديره: حال كونك مفتتحا القراءة {باسم ربك} أي ~~بأن تبسمل، أو مستعينا بالمحسن إليك لما له من الأسماء الحسنى والصفات ~~العلى بما خصك به في {ألم نشرح} أو بذكر اسمه، والمراد على هذا بالاسم ~~الصفات العلى، وعبر به لأنه يلزم من حسن الاسم حسن مدلوله، ومن تعظيم الاسم ~~تعظيم المسمى وجميع ما يتصف به وينسب إليه، قالوا: وهذا يدل على أن القراءة ~~لا تكون تامة إلا بالتسمية، ولكونه في سياق الأمر بالطاعة الداعي إليها ~~تذكر النعم لم يذكر الاسم الأعظم الجامع، وذكر صفة الإحسان بالتربية الجامع ~~لما عداه وتأنيسا له صلى الله عليه وسلم لكونه أول ما نزل حين حبب إليه ~~الخلاء، فكان يخلو بنفسه يتعبد بربه في غار حراء، فجاءه جبرائيل عليه ~~الصلاة والسلام بخمس آيات من أول هذه السورة إلى قوله «ما لم يعلم» ولهذا ~~السر ساقه مساق البسملة بعبارة هي أكثر تأنيسا في أول الأمر وأبسط منها، ~~فأشار إلى الاسم الأعظم بما في مجموع الكلام من صفات الكمال، وأشار إلى ~~عموم منة الرحمن بصفة الخلق المشار إلى تعميمها بحذف المفعول، وإلى خصوص ~~صفة الرحيم بالأكرمية التي من شأنها # PageV22P153 # بلوغ النهاية، وذلك لا يكون بدون إفاضة العمل بما يرضي، فيكون سببا ~~للكرامة الدائمة، وبالتعليم الذي من شأنه أن يهدي إلى الرضوان، وأشار إلى ~~الاستعاذة بالأمر بالقرآن لما أفهمه قوله سبحانه وتعالى: # {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة} [الإسراء: ~~45]- أي من شياطين الإنس والجن- {حجابا مستورا} [الإسراء: 45] وقوله تعالى: ~~{فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} ms5725 [النحل: 98] . # ولما خصه تشريفا بإضافة هذا الوصف الشريف إليه، وصفه على جهة العموم ~~بالخلق والأمر إعلاما بأن له التدبير والتأثير، وبدأ بالخلق لأنه محسوس ~~بالعين، فهو أعلق بالفهم، وأقرب إلى التصور، وأدل على الوجود وعظيم القدرة ~~وكمال الحكمة، فكانت البداءة به في هذه السورة التي هي أول ما نزل أنسب ~~الأمور لأن أول الواجبات معرفة الله، وهي بالنظر إلى أفعاله في غاية الوضوح ~~فقال: {الذي خلق *} وحذف مفعوله إشارة إلى أنه له هذا الوصف وهو التقدير ~~والإيجاد على وفق التقدير الآن وفيما يكون، فكل شيء يدخل في الوجود فهو من ~~صنعه ومتردد بين إذنه ومنعه وضره ونفعه. # PageV22P154 # ولما كان الحيوان أكمل المخلوقات، وكان الإنسان أكمل الحيوان وزبدة مخضه، ~~ولباب حقيقته وسر محضه، وأدل على تمام القدرة لكونه جامعا لجميع ما في ~~الأكوان، فكان خلقه أبدع من خلق غيره، فكان لذلك أدل على كمال الصانع وعلى ~~وجوب إفراده بالعبادة، خصه فقال: {خلق الإنسان} أي هذا الجنس الذي من شأنه ~~الأنس بنفسه وما رأى ما أخلاقه وحسه، وما ألفه من أبناء جنسه. # ولما كانت العرب تأكل الدم، وكان الله تعالى قد حرمه لأنه أصل الإنسان ~~وغيره من الحيوان وهو مركب الحياة، فإذا أكل تطبع آكله بخلق ما هو دمه، قال ~~معرفا بأنه سبحانه وتعالى بنى هذه الدار على حكمة الأسباب مع قدرته على ~~الإيجاد من غير تطوير في تسبيب: {من علق *} أي خلق هذا النوع من هذا الشيء ~~وهو دم شديد الحمرة جامد غليظ، جمع علقة، وكذا الطين الذي يعلق باليد يسمى ~~علقا، وهم مقرون بخلق الآدمي من الأمرين كليهما، فالآية من أدلة إمامنا ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه على استعمال المشترك في معنييه، ولعله عبر به ~~ليعم الطين فيكون - مع ما فيه من الإشارة إلى بديع الصنعة - إشارة إلى حرمة ~~أكل ما هو أصلنا من الدم والتراب قبل أن يستحيل، فإذا # PageV22P155 # استحال وصف بالحلال لأن الاستحالات لها مدخل في الإحلالات في النكاح ~~وغيره، واحمرار النطفة ليس استحالة لأنها كانت حمراء قبل ms5726 قصر الشهوة لها، ~~وربما ضعفت الشهوة عن قصرها فنزلت حمراء، فإذا تحول الدم لحما صار إلى جنس ~~ما يحل، وكذا إذا تحول التراب بمخالطة الماء تمرا أو حبا حل. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم {فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين} [التين: 7 ~~- 8] وكان معنى ذلك: أي شيء حمل عل هذا بعد وضوح الأمر لك وبيانه وقد نزهه ~~سبحانه وتعالى عن التكذيب بالحساب وأعلى قدره عن ذلك، ولكن سبيل مثل هذا ~~إذا ورد كسبيل قوله تعالى: # {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] وبابه، وحكم هذا القبيل واضح في حق ~~من تعدى إليه الخطاب وقصد بالحقيقة به من أمته صلى الله عليه وسلم من حيث ~~عدم عصمتهم وإمكان تطرق الشكوك والشبهة إليهم، فتقدير الكلام: أي شيء يمكن ~~فيه أن يحملكم على التوقف أو التكذيب بأمر الحساب، وقد وضح لكم ما يرفع ~~الريب ويزيل الإشكال، ألم تعلموا أن ربكم أحكم الحاكمين؟ أفيليق به وهو ~~العليم الخبير أن يجعل اختلاف أحوالكم في # PageV22P156 # الشكوك بعد خلقكم في أحسن تقويم؟ أفيحسن أن يفعل ذلك عبثا؟ وقد قال ~~تعالى: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا} [ص: 27 - ولكن ~~قراءتنا - وما خلقنا السماء - لا بالجمع] فلما قرر سبحانه العبيد على أنه ~~أحكم الحاكمين مع ما تقدم ذلك من موجب نفي الاسترابة في نوع الحق إذا اعتبر ~~ونظر، ووقعت في الترتيب سورة العلق مشيرة إلى ما به يقع الشفاء، ومنه يعلم ~~الابتداء والانتهاء، وهو كتابه المبين، الذي جعله الله تعالى تبيانا لكل ~~شيء وهدى ورحمة وبشرى للمحسنين، فأمر بقراءته ليتدبروا آياته فقال {اقرأ ~~باسم ربك} مستعينا به فسوف يتضح سبيلك وينتهج دليلك {تبارك الذي نزل ~~الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] وأيضا فإنه تعالى ~~أعلم عباده بخلقه الإنسان في أحسن تقويم {ثم رددناه أسفل سافلين} [التين: ~~5] وحصل منه على ما قدم بيانه افتراق الطرفين وتباين القائلين، كل ذلك ~~بسابق حكمته وإرادته {ولو شئنا لآتينا كل ms5727 نفس هداها} وقد بين سبحانه لنا ~~أقصى غاية ينالها أكرم خلقه وأجل عباده لديه من الصنف الإنساني، وذلك فيما ~~أوضحت السورتان قبل من حال نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم وجليل وعده ~~الكريم له في قوله {ولسوف يعطيك ربك فترضى} [الضحى: 5] وفضل حال ابتداء ~~{ألم نشرح} على تقدم سؤال {رب اشرح} [طه: 25] إلى ما أشارت إليه آي ~~السورتين من خصائصه الجليلة، وذلك أعلى مقام يناله أحد ممن ذكر، فوقع تعقيب ~~- ذلك بسورة # PageV22P157 # تضمنت الإشارة إلى حال من جعل في الظرف الآخر من الجنس الإنساني، وذلك ~~حال من أشير إليه من لدن قوله تعالى: {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى} إلى ~~قوله: {كلا لا تطعه} ليظهر تفاوت المنزلتين وتباين ما بين الحالتين، وهي ~~العادة المطردة في الكتب، ولم يقع صريح التعريف هنا كما وقع في الظرف ~~الآخرة ليطابق المقصود، ولعل بعض من لم يتفطن يعترض هنا بأن هذه السورة من ~~أول ما أنزل فكيف يستقيم مرادك من ادعاء ترتيبها على ما تأخر عنها نزولا، ~~فنقول له: وأين غاب اعتراضك في عدة سور مما تقدم بل في معظم ذلك، وإلا ~~فليست سورة البقرة من المدني، ومقتضى تأليفنا هذا بناء ما بعدها من السور ~~على الترتيب الحاصل في مصحف الجماعة إنما هو عليها وفيها بعد من المكي ما ~~لا يحصى، فإنما غاب عنك نسيان ما قدمناه في الخطبة من أن ترتيب السور ما هي ~~عليه راجع إلى فعله عليه الصلاة والسلام أكان ذلك بتوقيف منه أو باجتهاد ~~الصحابة رضي الله عنهم على ما قدمناه، فارجع بصرك، وأعد في الخطبة نظرك، ~~والله يوفقنا إلى اعتبار بيناته وتدبر آياته، ويحملنا في ذلك على ما يقربنا ~~إليه بمنه وفضله - انتهى. # ولما أتم سبحانه ما أراد من أمر الخلق وهو الإيجاد بالأسباب # PageV22P158 # بالتدريج، أخذ في التنبيه على عالم الأمر وهو الإبداع من غير أسباب، فقال ~~مكررا للأمر بالقراءة تنبيها على عظم شأنها وتأنيسا له صلى الله عليه وسلم ~~ومسكنا لروعه ومعلما أن من جاءه الأمر من قبله ms5728 ليس كأربابهم: {اقرأ} ولما ~~كان قد قال صلى الله عليه وسلم عند هذا الأمر إخبارا بالواقع كما يقول لسان ~~الحال لو لم ينطق بلسان المقال: ما أنا بقارىء، فكان التقدير: فربك الذي ~~رباك فأحسن تربيتك وأدبك فأحسن تأديبك أمرك بالقراءة وهو قادر على جعلك ~~قارئا، عطف عليه قوله: {وربك} أي يكون التقدير: والحال أن الذي خصك ~~بالإحسان الجم {الأكرم *} أي الذي له الكمال الأعظم مطلقا من جهة الذات ومن ~~جهة الصفات ومن جهة الأفعال، فلا يلحقه نقص في شيء من الأشياء أصلا لأن ~~حقيقته البعيد عن اللوم الجامع لمساوىء الأخلاق، فهو الجامع لمعالي ~~الأخلاق، وليس غيره يتصف بذلك، فهو يعطيك ما لا يدخل تحت الحصر، وأشار إلى ~~أن من ذلك أنه يفيض على أمته الأمية من العلم والحظ ما لم يفضه على أمة ~~قبلها على قصر أعمارهم، فقال مشيرا إلى العلم التعليم، مشعرا بوصفه سبحانه ~~بالمنح بالعلم إلى ترتيب الحكم بالأكرمية على هذا الوصف الناقل للإنسان من ~~الحال العقلي السافل إلى هذا الحال # PageV22P159 # العالي الكامل {الذي علم} أي بعد الحلم عن معاجلتهم بالعذاب والعقاب جودا ~~منه من غير مانع من خوف عاقبة ولا رجاء منفعة {بالقلم *} أي الكتابة به. ~~ولما نبه بذلك على ما في الكتابة من المنافع التي لا يحيط بها غيره سبحانه ~~وتعالى، لأنها انبنت عليها استقامة أمور الدنيا والدين في الدنيا والآخرة، ~~وهي كافية في الدلالة على دقيق حكمته تعالى ولطيف تدبيره، زاد ذلك عظمة على ~~وجه يعم غيره فقال: {علم} أي العلم الضروري والنظري {الإنسان} أي الذي من ~~شأنه الأنس بما هو فيه لا ينتقل إلى غيره بل ينساه إن لم يلهمه ربه إياه ~~{ما لم يعلم *} أي بلطفه وحكمته لينتظم به حاله في دينه من الكتاب والسنة ~~ودنياه من المعاملات والصنائع، فيفيض عليه من علمه اللدني الذي لا سبب له ~~ظاهر ما يعرف به ترتيب المقدمات بالحدود والوسطى، فيعلم النتائج، وما يعرف ~~به الحدسيات، وذلك بعد خلق القوى ونصب الدلائل وإنزال الآيات، ولو كان ذلك ms5729 ~~بالأسباب فقط لتساوى الناس في مدة التعليم وفي أصل المعلوم كما تساووا في ~~مدة الحمل وأصل الإنسانية، وقد ذكر سبحانه مبدأ الإنسان ومنتهاه بنقله من ~~أخس الحالات إلى أعلاها تقريرا لربوبيته وتحقيقا لأكرميته، # PageV22P160 # قال الملوي: ولو كان شيء من العطاء والنعم أشرف من العلم لذكره عقب صفة ~~الأكرمية - انتهى، وفي ذلك إشارة إلى مزيد كرم العلماء بالتعليم، وفي الآية ~~الإشارة إلى مطالعة عالمي الخلق والأمر، قال الرازي، وفي كل من العالمين ~~خصوص وعموم - انتهى، فالمعنى أنه يعلمك أيها النبي الكريم وإن كنت أميا لا ~~تعلم الآن شيئا كما علم بالقلم من لم يكن يعلم، فتكون أنت - بما أشارت إليه ~~صفة الأكرمية على ما أنت فيه من الأمية - أعلم من أهل الأقلام - وأعلى من ~~كل مقام سام. # ولما كان الدم أكثر الأخلاط وأشدها هيجانا، فإن مرضه لا يشبهه شيء من ~~أمراض بقية الأخلاط، وكان مع ذلك سريع البرء إن أصيب علاجه وعولج بأمر قاهر ~~أقوى منه، وكان العلم قرين الغنى في الأغلب، وكان زلة العالم تفوق زلة ~~غيره، قال معرفا بعد التعريف بالإلهيات بأمر النفس مبينا لقسم الإنسان ~~المردود أسفل سافلين مقررا لحاله، ورادعا له عن ضلاله: {كلا} أي ارتدع أيها ~~العالم عن الطغيان إن نلت الغنى حقا {إن الإنسان} أي هذا النوع الذي هو ~~نوعك ومن شأنه الأنس بنفسه والنظر في عطفه {ليطغى *} أي من شأنه - إلا من ~~عصمه الله سبحانه - أن يزيد على الحد الذي لا ينبغي له مجاوزته كما يزيد ~~الخلط الدموي، وأكده لما لأكثر الخلق من التكذيب به فإنه لا طاغي يقر بأنه ~~طغى {أن} أي لأجل أن {رآه} أي علم الإنسان نفسه # PageV22P161 # علما وجدانيا {استغنى *} أي وجد له الغنى، هذا هو الطبع الغالب في ~~الإنسان متى استغنى عن شيء عمي عن مواضع افتقاره، فتغيرت أحواله معه، ~~وتجاوز فيه ما ينبغي له الوقوف عنده «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» ومن ~~كان مفتقرا إلى شيء كان منطاعا له كما في حديث آخر أهل النار خروجا منها ms5730 ~~يقسم لربه أنه لا يسأل غير ما طلبه، فإذا أعطيته واستغنى به سأل غيره حتى ~~يدخل دار القرار، ولعله نبه بهذا على أن هذه الأمة المحتاجة ستفتح لها ~~خزائن الأرض فيطغيها الغنى كما أطغى من قبلها وإن كانوا هم ينكرون ذلك كما ~~قال صلى الله عليه وسلم حين بشرهم بالفتوحات وقال: «إنه يغدى على أحدكم ~~بصفحة ويراح عليه بأخرى ثم قال لهم: أنتم اليوم خير أم يومئذ، فقالوا: بل ~~يومئذ، نتفرغ لعبادة ربنا، فقال: بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ، قال صلى ~~الله عليه وسلم: والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن يبسط عليكم ~~الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما ~~أهلكتهم» # أو كما قال صلى الله عليه وسلم. # ولما كان لا دواء لذلك مثل تذكر الجزاء، قال معرفا أن # PageV22P162 # الإنسان لا يزال مفتقرا إلى مولاه في حياته ومماته وغناه وفقره، محذرا له ~~سوء حالاته مؤكدا لأجل إنكارهم ذلك: {إن إلى ربك} أي المحسن إليك بالرسالة ~~التي رفع بها ذكرك، لا إلى غيره من التراب ونحوه {الرجعى *} أي الرجوع ~~الأعظم الثابت الذي لا محيد عنه، أما في الدنيا فلا محيد عن الإقرار به، ~~فإنه لا يقدر أحد على شيء إلا بتقديره، وأما في الآخرة فبما أثبت في برهانه ~~في سورة التين، فيحاسب الناس بأعمالهم، ويجازي كل أحد بما يستحق من ثواب أو ~~عقاب، ففيه وعيد للطاغي وتحقير - لغنى ينقطع. # ولما أخبر بطغيانه وعجل بذكر دوائه لأن المبادرة بالدواء لئلا يتحكم ~~الداء واجبة، دل على طغيانه مخوفا من عواقب الرجعى في أسلوب التقرير لأنه ~~أوقع في النفس وأروع للب لأن أبا جهل قال: «لئن رأيت محمدا يعفر وجهه ~~لأفضخن رأسه بصخرة، فجاء ليفعل ما زعم فنكص على عقبيه ويبست يداه على حجره ~~فسئل عما دهاه، فقال: إن بيني وبينه لهولا وأجنحة، وفي رواية: لخندقا من ~~النار، وفي رواية: لفحلا من الإبل، فما رأيت مثله، ولو دنوت منه لأكلني» ~~وأصل الحديث في صحيح مسلم عن أبي ms5731 هريرة رضي الله عنه، فقال: {أرءيت} تقدم # PageV22P163 # في الأنعام أن هذا الفعل إذا لم يكن بصريا كان بمعنى أخبر، فالمعنى: ~~أخبرني هل علمت بقلبك علما هو في الجلاء كرؤية بصرك {الذي ينهى *} أي على ~~سبيل التجديد والاستمرار. # ولما كان أفحش ما يكون صد العبد عن خدمة سيده، قال معبرا بالعبودية منكرا ~~للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال العبودية: {عبدا} أي من العبيد ~~{إذا صلى *} أي خدم سيده الذي لا يقدر أحد أن ينكر سيادته بإيقاع الصلاة ~~التي هي وصلته به، وهي أعظم أنواع العبادة لأنها مع كونها أقرب وصلة إلى ~~الحق انقطاع وتجرد بالكلية عن الخلق، فكان نهيه له عن ذلك نهيا عن أداء ~~الحق لأهله حسدا أو بغيا، فكان دالا على أن من طبع أهل كل زمان عداوة أهل ~~الفضل وصدهم عن الخير لئلا يختصوا بالكمال. # PageV22P164 # ولما كان هذا أمرا خارجا عن الحد في الطغيان، وكان السؤال إنما هو عن ~~رؤية حاله في نهيه العبد عن الصلاة، لا عن رؤية ذاته، فتشوف السامع إلى ~~معرفة ذلك الحال، كرر التقرير بزيادة التعجيب من حاله والتحذير، فقال مكررا ~~العامل زيادة في التأكيد وبيانا لأن هذا في الحقيقة أول السؤال عن الحال: ~~{أرءيت} أي أخبرني عن حاله {إن كان} أي هذا الناهي، وعبر بأداة الاستعلاء ~~إشارة إلى أنه في غاية الثبات والتمكن فقال: {على الهدى *} أي الكامل # PageV22P164 # في الهداية فكف عن نهي هذا المصلي عن خدمة مولاه الذي هو معترف بسيادته ~~وإن ادعى كذبا أن له شريكا كما أنه لا ينهى عن السجود للأصنام. # ولما ذكر ما لعله يكون عليه في تكميل نفسه، ذكر ما لعله يعانيه من إنجاء ~~غيره فقال: {أو أمر} أي ذلك الناهي {بالتقوى *} أي التي هي عماد الدين، وهي ~~عمارة الباطن بالنور الناشئة عن الهدى، وعمارة الظاهرة لذلك، المترشحة من ~~عمارة الباطن، الموجب لذلك، فأمر هذا المصلي بملازمة خدمة سيده المجمع على ~~سيادته، ولا شك في توحيده بالربوبية بالإقبال على ما يرضيه من أفعال ~~العبادة، ليكون ذلك ms5732 وقاية لفاعل من سخطه فيأمن الهلاك، والجواب محذوف ~~تقديره: ألم يكن خيرا له فليتدبر كل أمر من أموره فلا يقدم عليه حتى يعلم ~~بالدليل أنه هدى وتقوى. # ولما كان التقدير حتما كما هدى إليه السياق ما قدرته من جواب السؤالين، ~~بنى عليه قوله زيادة في التوبيخ والتعجيب والتقريع استفهاما عن حال لهذا ~~الناهي مناف للحال الأول معيدا الفعل إيضاحا لذلك: {أرءيت} أي أخبرني أيها ~~السامع ولا تستعجل {إن كذب} أي أوقع هذا الناهي التكذيب بأن المصلي على ~~الهدى بخدمة سيده # PageV22P165 # المتفق على سيادته، فكان بذلك مرتكبا للضلال الذي لا شك في كونه ضلالا، ~~ولا يدعو إليه إلا الهدى. # ولما كان المكذب قد لا يترك من كذبه، أشار إلى أن حال هذا على غير ذلك ~~فقال: {وتولى *} أي وكلف فطرته الأولى بعد معالجتها الإعراض عن قبول الأمر ~~بالتقوى، وذلك التولي إخراب الباطن بالأخلاق السيئة الناشئة عن التكذيب ~~وإخراب الظاهر بالأعمال القبيحة الناشئة عن التكذيب، والجواب محذوف تقديره: ~~ألم يكن ذلك التولي والتكذيب شرا له لأن التكذيب والتولي من غير دليل شر ~~محض، فكيف إذا كان الدليل قائما على ضدهما. # ولما عجب من حالته البعيدة عن العقل مع نفسه ومع أبناء جنسه، أنكر عليه ~~معجبا من كونه يعلم أنه ليس بيده شيء، المنتج لأنه مراقب وحاله مضبوط غاية ~~الضبط وينسى ذلك، فقال ذاكرا مفعول «أرءيت» الثاني وهو لا يكون إلا جملة ~~استفهامية: {ألم يعلم} أي يقع له عمل يوما من الأيام {بأن الله} أي وهو ~~الملك الأعلى {يرى *} أي له صفتا البصر والعلم على الإطلاق، فهو يعلم كل ~~معلوم ويبصر كل مبصر، ومن كان له ذلك كان جديرا بأن يهلك من يراه على ~~الضلال والإضلال وينصر من يطيع أمره على كل من يعاديه، وإنما جاء هذا ~~الاستفهام الإنكاري على هذا الوجه لأنهم يعترفون بكل ما أنكر عليهم # PageV22P166 # فيه ويلزمهم بما يفعلون من عداوة النبي صلى الله عليه وسلم أن يكونوا ~~منكرين له، وذلك هو عين التناقض الذي لا أشنع عندهم منه، هذا ms5733 ويمكن، وهو ~~أحسن، أن تنزل الآية على الاحتباك فيقال: لما كان السؤال عن حال الناهي لأن ~~الرؤية علميه لا بصرية، فتشوف السامع إلى معرفتها، وكان للناهي حالان: طاعة ~~ومعصية، بدأ بالأولى لشرفها على الأسلوب الماضي في التقرير على سبيل ~~التعجيب فقال: «أرءيت» أي أخبرني «إن كان» الناهي ثابتا في نهيه هذا متمكنا ~~«على الهدى» أي الكامل «أو» كان قد «أمر» في ذلك الأمر أو في أمر ما من ~~عبادة الأوثان وغيرها «بالتقوى» وحذف جواب السؤال عن هذا الحال لدلالة جواب ~~الحال الثاني عليه، وهو ألم يعلم بأن الله يرى كل ما يصح أن يرى، فينهى عنه ~~إن كان مكروها ولا يقر عليه ويحاسب به ليزن هذا الناهي أفعاله بما شرعه ~~سبحانه من الدليل العقلي والسمعي فيعلم أهي مما يرضيه ليقره عليه كما يقر ~~سائر ما يرضيه أو يسخطه فيمنعه منه. # ولما ذكر ما يمكن أن يكون عليه حال الناهي من السداد، ذكر ما يمكن أن ~~يكون عليه من الفساد، فقال مقررا معجبا معيدا العامل لزيادة التعجيب على ~~النمط الأول: «أرأيت إن كذب» أي هذا الناهي بالحق في وقت النهي - ولما كان ~~لا يلزم من التكذيب التولي # PageV22P167 # قال: «وتولى» أي عن الدين بنهيه هذا، فكان على الضلال والهوى متمكنا في ~~ذلك بحيث إنه لا يصدر عنه فعل إلا فاسدا «ألم يعلم بأن الله يرى» فيحاسب ~~نفسه بما أرشد إليه سبحانه من البراهين فيعلم أن ما هو عليه من الرشد إن ~~كان الله يقره عليه ويمكنه منه أو الغواية إن كان ينهاه عنه ولا يقره عليه، ~~كما فعل بهذا الذي أقسم: ليرضخن رأس هذا المصلي، وأقدم عليه بصخرته وهو عند ~~نفسه في غاية القدرة على ذلك بزعمه فمنعه الله منه ورده عنه فرجع على عقبيه ~~خاسئا ظاهرا عليه الجبن والرعب وغيرهما مما يتحاماه الرجال، ويأنف منه ~~الضراغمة الأبطال، والاحتباك هنا بطلب «أرءيت» جملة ليس هو من التنازع لأنه ~~يستدعي إضمارا والجمل لا تضمر، إنما هو من باب الحذف لدليل، فحذف الكون على ms5734 ~~الضلال ثانيا لدلالة الكون على الهدى عليه أولا، وحذف «ألم يعلم بأن الله ~~يرى» أولا لدلالة ذكره آخرا عليه. # ولما كان هذا الخبيث معرضا عن هذا العلم الذي هو معترف به كله، وإنما كان ~~إعراضه لما عنده من الحظوظ والشهوات الموقعة له - # PageV22P168 # بحكم الرد أسفل سافلين - إلى رتبة البهائم، أتى بأعظم أدواث الردع فقال: ~~{كلا} أي ليس عنده علم بشيء من ذلك لسفول رتبته عن رتبة البهائم ولا في يده ~~شيء من الأشياء، فهو لا يقدر على شيء مما رامه من الأذى، فليرتدع عن تعاطي ~~ذلك لأنه لا يضر إلا نفسه. # ولما كان نفي العلم عنه يوهم أنه في عداد الغافلين الذي لا ملامة عليهم، ~~بين أن انتفاء العلم عنه ليس عن غفلة يعذر صاحبها، إنما هو عن تهاون بالخير ~~ورضى بالعمى والتقليد، فهو من قسم الضال الذي فرط في استعمال القوة العلمية ~~المذكور في الفاتحة، فاستأنف الإخبار عنه في جواب من يقول: فما يفعل به؟ ~~معبرا بأداة الشك إقامة له ولغيره في محل الرجاء لانتهائه إبقاء للتكليف ~~ومؤكدا لأنهم منكرون: {لئن لم ينته} أي يفتعل هذا الناهي لهذا العبد المطيع ~~فيقف ويكف عما هو فيه من نهيه وتكذيبه وتوليه. # ولما كان الحال غير محتاج إلى أكثر من التأكد لإيقاع الفعل، عبر بالحقيقة ~~ولم ينقلها إشارة إلى أن هذا الناهي أقل من أن يحتاج فيه إلى فعل شديد، بل ~~أقل نفحة من العذاب تكفي في إهلاكه، وما كان أصل التأكيد إلا تطيببا لقلوب ~~الأولياء وتكذيبا للأعداء فقال: # PageV22P169 # {لنسفعا} أي والله لنأخذن ونقبضن قبضا وأخذا بشدة وعنف مع الجر والاجتذاب ~~واللطم والدفع والغيظ أخذ من يعض مأخوذه ويذله ويسود وجهه ويقذره {بالناصية ~~*} أي بالشعر الذي في مقدم رأسه وهو أشرف ما فيه، والعرب لا تأنف من شيء ~~أنفتهم من أخذ الناصية، وإذا انتهكت حرمة الأشرف فما بالك بغيره، واستغنى ~~بتعريف العهد عن الإضافة. # ولما كان من المعلوم أن من صار في القبضة على هذه الهيئة المهينة المزرية ~~فهو هالك، اغتنى به ms5735 عن أن يقول: ولنسحبنه بها على وجهه إلى النار، ووصفها ~~بما يدل على ذلك فقال مبدلا لأن البدل وصف بما قربه من المعرفة: {ناصية} أي ~~عظيمة القبح {كاذبة} أي متعمدة للكذب {خاطئة *} فهي صادر عنها الذنب من ~~الكذب وغيره من غير تعمد، فأغلب أحوالها على غير صواب تارة عن عمد وتارة عن ~~غير عمد، وما ذاك إلا لسوء جبلة صاحبها حتى كاد لا يصدر عنه فعل سديد، ~~ووصفها بما هو لصاحبها على الإسناد المجازي مبالغة في تكذيبه في أنه لا ~~يقدر على منع المهتدي أو إذلاله أو شيء من أذاه إلا إن أذن له صاحب الأمر ~~كله فيما يكون سببا لزيادة رفعته، وفي العدول عن الحقيقة، كأن يقال: ناصية ~~كاذب خاطىء، بالإضافة إلى هذا المجاز، # PageV22P170 # من الجزالة والفخامة والجلالة ما لا يخفى. # ولما كان هذا هو غاية الإهانة، وكان الكفار إنما يقصدون بأعراضهم الشماخة ~~والأنفة والعز عن أن يكونوا أتباعا أذنابا، وإنما عزهم بقومهم، وأقرب من ~~يعتز به الإنسان أهل ناديه، وهم القوم الذين يجتمعون نهارا ليحدث بعضهم ~~بعضا ويستروح بعضهم إلى بعضهم لما عندهم من التصافي لأنهم لا يتركون ~~أشغالهم نهارا ويجتمعون لذلك إلا عن ذلك، قال تعالى مسببا عن أخذه على هذا ~~الوجه المزري: {فليدع} أي دعاء استغاثة {ناديه *} أي القوم الذين كانوا ~~يجتمعون معه نهارا يتحدثون في مكان ينادي فيه بعضهم بعضا من أنصاره وعشيرته ~~ليخلصوه مما هو فيه، والذي نزلت فيه هو أبو جهل، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا. # ولما كان كأنه قيل: فلو دعا ناديه يكون ماذا؟ قال: {سندع} أي بوعد لا خلف ~~فيه {الزبانية *} أي الأعوان الموكلين بالنار ليجروه إليها، وهم في الأصل ~~الشرط، الواحد زبنية كهبرية، من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسبة، أصلها ~~زباني والتاء عوض عن الياء، وهم كل من عظم خلقه، واشتد بطشه، وقد اجتمعت ~~المصاحف العثمانية على حذف الواو من هذا الفعل خطأ، ولا موجب لحذفه من ~~العربية لفظا، # PageV22P171 # وكأن المعنى ms5736 في ذلك - والله أعلم - أن لا يظن أنهم دعوا لرفعة لهم في ~~ذواتهم يستعان بهم بسببها لأن معنى الواو عند الربانيين العلو والرفعة، ~~إشارة إلى أنهم لا قوة لهم إلا بالقوي العزيز، أو يقال: إن الحذف دال على ~~تشبيه الفعل بالأمر ليدل على أن هذا الدعاء أمر لا بد من إيقاع مضمونه، ومن ~~إجابة المدعوين إلى ما دعوا إليه، وأن ذلك كله يكون على غاية الإحكام، ~~والاتساق بين خطه ومعناه والانتظام، لا سيما مع التأكيد بالسين، الدال على ~~تحتم الاتحاد والتمكين، أو يكون المعنى: إنا ندعوهم بأيسر دعاء وأسهل أمر، ~~فيكون منهم ما لا يطاق ولا يستطاع دفاعه بوجه، فكيف لو أكدنا دعوتهم وقوينا ~~عزمتهم. # ولما كان الذي تقدم نهي الناهي للمصلي والسفع بناصيته إن لم ينته وأمره ~~بدعاء ناديه، وكان الحكم في الأول أنه لا يجيبه إلى ترك الصلاة، وفي الثاني ~~أن الناهي لا ينتهي عن عصيانه بالتهديد وأنه لا يفيده دعاء ناديه، فالكل ~~منفي، حسن كل الحسن الإتيان بأداة الردع فقال: {كلا} أي لا يقدر على دعاء ~~ناديه ولا ينتهي عن أذاه للمطيع بالتهديد فليرتدع عن كل من ذلك. # ولما كان كأنه قيل: فما أفعل؟ قال معرفا أن من علم أن # PageV22P172 # طبع الزمان وأهله الفساد، وجب عليه الإقبال على شأنه والإعراض عن سائر ~~العباد {لا تطعه} أي في نهيه لك عن الطاعة بالصلاة أو غيرها. # ولما كان نهيه عن الصلاة التي هي عماد الدين، وكانت الصلاة يعبر عنها ~~بالسجود لأنه - مع أنه جزؤها - هو أشرفها، وهو أيضا يطلق على مطلق العبادة، ~~قال تعالى مشيرا إلى النصر له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه على كل من ~~يمنعهم عبادته: {واسجد} أي دم على صلاتك وخضوعك بنفسك وجدد ذلك في كل وقت. ~~ولما كان السجود أقرب مقرب للعبد إلى الله قال: {واقترب *} أي اجتهد بسرك ~~في بلوغ درجة القرب إلى ربك والتحبب إليه بكل عبادة لا سيما الصلاة فإنه ~~أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وقد شرح هذا المقام ms5737 كما تقدم في ~~الفاتحة قوله صلى الله عليه وسلم «أعوذ بعفوك من عقوبتك» فإن هذه الجملة ~~أفادت - كما قال الإمام الغزالي في كتاب الشكر - مشاهدة أفعال الله فقط، ~~فكأنه لم ير إلا الله وأفعاله، فاستعاذ بفعله من فعله، قال: ثم اقترب ففني ~~في مشاهدة الأحوال، وترقى إلى مصادر الأفعال، وهي الصفات، فقال: «أعوذ ~~برضاك من سخطك» وهما صفتان، ثم رأى ذلك نقصانا في التوحيد # PageV22P173 # فاقترب وترقى من مقام مشاهدة الصفات إلى مشاهدة الذات فقال «وأعوذ بك ~~منك» فرارا منه إليه من غير رؤية فعل وصفة، ولكنه رأى نفسه فارا منه إليه ~~ومستعيذا ومثنيا ففني عن مشاهدة نفسه إذا رأى ذلك نقصانا فاقترب فقال «أنت ~~كما أثنيت على نفسك لا أحصي ثناء عليك» فقوله: «لا أحصي» خبر عن - فناء ~~نفسه وخروجه عن مشاهدتها، وقوله: «أنت كما أثنيت» بيان أنه المثني والمثنى ~~عليه، وأن الكل منه بدأ وإليه يعود، وأن كل شيء هالك إلا وجهه، فكان أول ~~مقامه نهاية مقامات الموحدين وهو أن لا يرى إلا الله وأفعاله فيستعيذ بفعل ~~من فعل، فانظر إلى ماذا انتهت نهايته إذا انتهى إلى الواحد الحق حتى ارتفع ~~من نظره ومشاهدته سوى الذات الحق، ولقد كان صلى الله عليه وسلم لا يرقى من ~~مرتبة إلى أخرى إلا ويرى الأولى بعدا بالإضافة إلى الثانية، فكان يستغفر ~~الله من الأولى، ويرى ذلك نقصا في سلوكه وتقصيرا في مقامه، وإليه الإشارة ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم ~~والليلة سبعين مرة» فكان ذلك لترقيه إلى سبيعن مقاما بعضها يعد نقصا لنقص ~~أوائلها وإن كان مجاوزا أقصى غايات مقامات الخلق، ولكن كان نقصانا بالإضافة ~~إلى أواخرها، فكان استغفاره لذلك. # PageV22P174 # ولما قالت عائشة رضي الله عنها: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر، فما هذا البكاء في السجود وما هذا الجهد الشديد؟ قال: «أفلا أكون ~~عبدا شكورا» معناه: أفلا أكون طالبا للمزيد في المقامات، فإن الشكر سبب ~~الزيادة حيث قال تعالى ms5738 {ولئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم: 7] انتهى. وهو على ~~ما ترى من النفاسة فمن أكثر من الدعاء في سجوده فقمن أن يستجاب له، والصلاة ~~لا تكون إلا بالقراءة فإذا فعلت ذلك احتجبت عن الأغيار بحجاب منيع، فازددت ~~صفاء وصنت حالك عن الغير - كما يرشد إليه ما في صحف إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام «ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه - ~~والله أعلم» فقد رجع آخرها إلى الأول، على أحسن وجه وأجمل وأكمل - والله ~~الهادي. # PageV22P175 # سورة القدر # مقصودها تفصيل الأمر الذي هو أحد قسمي ما ضمنه مقصود " اقرأ " وعلى ذلك ~~دل اسمها لأن الليلة فضلت به، فهو من إطلاق المسبب على السبب، وهو دليل لمن ~~يقول باعتبار تفضيل الأوقات لأجل ما كان فيها، كما قال ذلك اليهودي في ~~اليوم الذي نزل فيه قوله تعالى) اليوم أكملت لكم دينكم) [المائدة: 3] ~~وأفرده الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على ذلك وأعلمه أنه صار ~~لنا عيدين: عيدا من جهة كونه يوم عرفة، وعيدا من جهة كونه يوم جمعة) بسم ~~الله (الذي جل أمره وتنزه ذاته) الرحمن (الذي عمت رحمته فبدعت صفاته) ~~الرحيم (الذي خص أهل التوحيد بإتمام النعمة فاختصت بهم جناته. # PageV22P176 # لما ذكر الله سبحانه وتعالى كتابه في هذا الذكر العربي المعجز، ذكر ~~إنزاله مستحضرا في كل قلب، كان ذلك مغنيا عن إعادته بصريح اسمه، فكان متى ~~أضمره علمه المخاطب بما في السياق من القرائن الدالة عليه، وبما له في ~~القلب من العظمة وفي الذهن من الحضور لا سيما في هذه # PageV22P176 # السورة لافتتاح العلق بالأمر بقراءته، وختمها بالصلاة التي هي أعظم ~~أركانها، فكانت دلالتها عليه دلالة هي في غاية الوضوح، فكان كأنه قال: ~~واقترب بقراءة القرآن في الصلاة، فكان إضماره أدل على العظمة الباهرة من ~~إظهاره، لدلالة الإضمار على أنه ما تم شيء ينزل غيره فهو بحيث لا يحتاج إلى ~~التصريح به، قال مفخما له بأمور: إضماره، وإسناد إنزاله إليه، وجعل ذلك في ~~مظهر العظمة، وتعظيم وقت إنزاله المتضمن لعظمة البلد ms5739 الذي أنزل فيه - على ~~قول الأكثر، والنبي الذي أنزل عليه، مؤكدا لأجل ما لهم من الإنكار، {إنا} ~~أي لما لنا من العظمة {أنزلناه} أي هذا الذكر كله من اللوح المحفوظ إلى بيت ~~العزة من السماء الدنيا مرتبا هذا الترتيب الذي جمع الله الأمة المعصومة ~~عليه، وهو الموجود الآن، وكذا كان إنزال أول نجم منه، وهو أول السورة ~~الماضية إنزالا مصدقا لأن عظمته من عظمتنا بما له من الإعجاز في نظمه، ومن ~~تضاؤل القوى عن الإحاطة بعلمه، وأول ما أنزل منه صدرها إلى خمس آيات منها ~~آخرها «ما لم يعلم» على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مجاور في هذا الشهر ~~الشريف بجبل حراء من جبال مكة المشرفة، ثم صار ينزل مفرقا بحسب الوقائع حتى ~~تم في ثلاث وعشرين سنة، وكلما نزل منه نجم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم # PageV22P177 # بترتيبه في سورته عن أمر الله تعالى حتى تم في السور على ما هو عليه الآن ~~ما هو عليه في بيت العزة. # ولما عظمه بما ذكر، زاده عظما بالوقت الذي اختار إنزاله فيه ليكون طالعه ~~سعيدا لما كان أثره حميدا فقال: {في ليلة القدر *} أي الليلة التي لها قدر ~~عظيم وشرف كبير، والأعمال فيها ذات قدر وشرف، فكانت بذلك كأنها مختصة ~~بالقدر فلا قدر لغيرها. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ورد تعريفا بإنزال ما تقدم الأمر ~~بقراءته لما قدمت الإشارة إلى عظيم أمر الكتب، وأن السلوك إليه سبحانه إنما ~~هو من ذلك الباب، أعلم سبحانه وتعالى بليلة إنزاله وعرفنا بقدرها لنعتمدها ~~في مظان دعائنا وتعلق رجائنا ونبحث في الاجتهاد في العمل لعلنا نوافقها وهي ~~كالساعة في يوم الجمعة في إبهام أمرها مع جليل قدرها ومن قبيل الصلاة ~~الوسطى، ولله سبحانه في إخفاء ذلك أعظم رحمة، وكان في التعريف بعظيم قدر ~~هذه الليلة التعريف بجلالة المنزل فيها، فصارت سورة القدر من تمام ما تقدم ~~ووضح اتصالها - انتهى. # ولما علم من السياق تعظيمها بعظمة ما أنزل فيها وبالتعبير عنها بهذا، قال ~~مؤكدا ms5740 لذلك التعظيم حثا على الاجتهاد في إحيائها لأن # PageV22P178 # للإنسان من الكسل والتداعي إلى البطالة ما يزهده في ذلك: {وما أدراك} أي ~~وأي شيء أعلمك وأنت شديد التفحص {ما ليلة القدر *} أي لم تبلغ درايتك وأنت ~~أعلم الناس غاية فضلها ومنتهى علي قدرها على ما لك من سعة العلم وإحاطة ~~الفكر وعظيم المواهب. # ولما ثبتت عظمتها بالتنبيه على أنها أهل لأن يسأل عن خصائصها، قال ~~مستأنفا: {ليلة القدر *} أي التي خصصناها بإنزالنا له فيها {خير من ألف شهر ~~*} أي خالية عنها أو العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة ~~القدر، وذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، قالوا: وهي مدة ملك بني أمية ~~سواء، وتسميتها بذلك لشرفها ولعظيم قدرها، أو لأنه يفصل فيها من أم الكتاب ~~مقادير الأمور، فيكتب فيها عن الله حكم ما يكون من تلك الليلة إلى مثلها من ~~العام المقبل، من قولهم: قدر الله على هذا الأمر يقدره قدرا، أي قضاه، وهي ~~الليلة المرادة في سورة الدخان بقوله تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} ~~[الدخان: 4] وذكر الألف إما للمبالغة بنهاية مراتب العدد ليكون أبلغ من ~~السبعين في تعظيمها أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر شخصا من مؤمني بني ~~إسرائيل لبس السلاح مجاهدا في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون منه ~~فتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطاهم الله سبحانه وتعالى ليلة من قامها # PageV22P179 # كان خيرا من ذلك، وأبهمها في العشر الأخير من شهر رمضان في قول الجمهور ~~على ما صح من الأحاديث ليجتهدوا في إدراكها كما أخفى ساعة الإجابة في يوم ~~الجمعة والصلاة الوسطى في الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، ورضاه في سائر ~~الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وقيام ~~الساعة في الأوقات ليجتهدوا في كل لحظة حذرا من قيامها، والسر في ذلك أن ~~النفيس لا يوصل إليه إلا باجتهاد عظيم إظهارا لنفاسته وإعظاما للرغبة فيه ~~وإيذانا بالسرور به، لكن جعل السورة ثلاثين كلمة سواء يرجح أنهم السابعة ~~والعشرون التي وازاها قوله ms5741 هي - كما نقل عن أبي بكر الوراق. # ولما عظمها، ذكر وجه العظم ليكون إعلاما بعد إبهام وهو أوقع في النفس ~~فقال مستأنفا: {تنزل} أي تنزلا متدرجا هو أصلا على غاية ما يكون من الخفة ~~والسرعة بما أشار إليه حذف التاء {الملائكة} أي هذ النوع العظيم الذي هو ~~خير كله {والروح} أي جبريل عليه الصلاة والسلام، خصه بيانا لفضله أو هو مع ~~أشراف الملائكة أو هو خلق أكبر من الملائكة أو هو أمر تسكن إليه نفوس ~~العارفين ويحصل به اليمن والبركة {فيها} وأشار إلى خفاء ذلك التنزل بإسقاط ~~تاء التنزل مع ما تقدم من الإشارات، ودل على زيادة البركة في # PageV22P180 # ذلك التنزل وعظيم طاعة الملائكة بقوله: {بإذن ربهم} أي بعلم المحسن إليهم ~~المربي لهم وتمكينه، وتنزلهم إلى الأرض أو السماء الدنيا أو تقربهم من ~~المؤمنين، متبدىء تنزلهم {من كل أمر *} أي الأمور الكلية التي يفرقون فيها ~~بإذن الله تفاصيل الأمور التي يريدها سبحانه في ذلك العام في أوقاتها من ~~تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل، أو من أجل تقدير كل شيء يكون في تلك ~~السنة، وعبر عن الشيء بالأمر إعلاما بأنهم لا يفعلون شيئا إلا بأمره. # ولما ذكر سبحانه هذه الفضائل، كانت النتيجة أنها متصفة بالسلامة التامة ~~كاتصاف الجنة - التي هي سببها - بها، فكان ذلك أدل على عظمتها فقال تعالى: ~~{سلام} أي عظيم جدا {هي} أي ما هي إلا سلامة وخير ليس فيها شر، ولا يزال ~~ذلك السلام والبركة فيها {حتى} أي إلى {مطلع الفجر *} أي طلوعه ووقت طلوعه ~~وموضع طلوعه، لا يكون فيه شر كما في غير ليلتها، فلا تطلع الشمس في صبيحتها ~~بين قرني الشيطان إن شاء الله تعالى، وذلك سر قراءة الكسائي بالكسر - والله ~~أعلم، واختير التعبير ب «حتى» دون «إلى» ليفهم أن لما بعدها حكم ما قبلها، ~~فيكون المطلع في حكم الليلة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن جبريل عليه ~~الصلاة والسلام ينزل ليلة القدر في كوكبة من الملائكة ومعه لواء أخضر يركزه # PageV22P181 # فوق الكعبة، ms5742 ثم يفرق الملائكة في الناس حتى يسلموا على كل قائم وقاعد ~~وذاكر وراكع وساجد إلى أن يطلع الفجر، فمن تأمل هذه السورة علم منه ما ~~للقرآن من العظمة فأقبل عليه بكليته يتلوه حق تلاوته كما أمر في سورة ~~«اقرأ» فأمن من غير شك من هول يوم الدين المذكور في التين، ومن تلاوته بحقه ~~تعظيم ليلة القدر لما ذكر من شرفها، وذلك جاز إلى الحرص عليها في كل السنة، ~~فإن لم يكن ففي كل رمضان، فإن لم يكن ففي جميع ليالي العشر الأخيرة منه، ~~ليكون له من الأعمال بسبب فضلها ومضاعفة العمل فيها ما لا يحصيه إلى الله ~~تعالى بحيث إنه ربما يكون خيرا من عمل من اجتهد فيما قبلنا ألف سنة، ورجوع ~~آخرها بكون هذا التنزل في ليلة القدر على أولها في غاية الوضوح لأن أعظم ~~السلام فيها نزول القرآن، ولعل كونها ثلاثين كلمة إشارة إلى إن خلافة ~~النبوة التي هي ثلاثون سنة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم التي آخرها ~~يوم نزل أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنهما فيه عن الخلافة لمعاوية ~~رضي الله عنه في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين هي كليلة القدر في ~~الزمان، وما بعدها كليالي العام فيه الفاضل وغيره، وتلك المدة كانت لخمسة ~~خلفاء أشارت إليهم حروف الكلمة الأخير منها، فالألف لأبي بكر رضي الله عنه # PageV22P182 # وهي في غاية المناسبة له، فإن الربانيين قالوا: هو اسم للقائم المحيط ~~الأعلى الغائب عن مقامه لكنها الحاضر معه وجودا كالروح، وكذا كان رضي الله ~~عنه حاضرا مع الأمة بوجوده وهو غائب عنهم بتوجهه، وجميع قلبه إنما هو مع ~~الله عز وجل، واللام لعمر رضي الله عنه وهي شديدة المناسبة له فإنها صلة ~~بين باطن الألف وظاهر الميم الذي هو لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه للتمام، ~~وكذلك فعل - وصل بين السيريتن وصلا تاما بحيث وصل ضعف الصديق في بدنه وقوته ~~في أمر الله بقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتظم به الأمر ms5743 انتظاما ~~لا مزيد عليه، والفاء لعثمان رضي الله تعالى عنه وهو إشارة لبدء خلوص منته ~~لتنقل بمزيد أو نقص، وآيته الفطرة الأولى، وآيتها المحسوسة اللبن أول خروجه ~~إذا أصابه أقل شيء من الهواء الممدود غيره، وكذلك الفطرة إذا أصابها أقل ~~شيء من الهوى المقصود غيرها، وكذا كان حاله رضي الله تعالى عنه، حصلت له ~~آفات الإحسان إلى أقاربه الذي قاده إليه قويم فطرته حتى حصلت له الآفات ~~الكبار رضي الله عنه، والجيم لعلي رضي الله عنه وهو إشارة إلى الجمع، ~~والإجمال الذي يحصل عنده عنا وهو أنسب الأمور له رضي الله تعالى عنه فإنه ~~حصل به الجمع بعد # PageV22P183 # الافتراق العظيم بقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه شهيدا ~~مظلوما، وحصل به الإجمال لكن لم يتم التفصيل بسبب ما حصل من العناد، والراء ~~إشارة إلى الحسن رضي الله تعالى عنه وهي تطوير وتصيير وتربية، وهي لكل مرب ~~مثل زوج المرأة وسيد العبد، ولذلك فعل رضي الله عنه لما رأى الملك يهلك ~~بقتل المسلمين رباه بنزوله عن الأمر لمعاوية، فكان كالسيد أذن لعبده وربي ~~أمره به، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم سيدا - رضي الله عنهم أجمعين، ~~والله أعلم بالصواب. # PageV22P184 # سورة البينة # سورة الإعلام بأن هذا الكتاب القيم من علو مقداره وجليل آثاره أنه كما ~~أنه لقوم نور وهدى فهو لآخرين وقر وعمى، فيقود إلى الجنة دار الأبرار، ~~ويسوق إلا النار دار الأشقياء الفجار، وعلى ذلك دل كل من اسمائها " الذين ~~كفروا " " والمنفكين " بتأمل الآية في انقسام الناس إلى أهل الشقاوة وأهل ~~السعادة) بسم الله (الذي له العلو المطلق فلا يخرج شيء عن مراده) الرحيم ~~(الذي عم بنعمة إيجاده وبيانه جميع عباده) الرحيم (الذي خص أهل وداده ~~بالأعمال الصالحةى المتكلفة بإنجاء العامل بها وإسعاده. # PageV22P185 # لما أخبر سبحانه وتعالى أن الليلة الشريفة التي صانها بنوع خفاء في تنزل ~~من يتنزل فيها وفي تعيينها لا تزال قائمة على ما لها من تلك الصفة حتى يأتي ~~الفجر الذي يحصل به غاية البيان، أخبر ms5744 أن أهل الأديان سواء كان لها أصل من ~~الحق أم لا لم يصح في العادة الجارية على حكمة الأسباب في دار الأسباب أن ~~يتحولوا عما هم فيه إلا بسبب عظيم # PageV22P185 # يكون بيانه أعظم من بيان الفجر، وهو القرآن المذكور في القدر والرسول ~~المنزل عليه ذلك فقال: {لم يكن} أي في مطلق الزمان الماضي والحال ~~والاستقبال كونا هو كالجبلة والطبع، وهذا يدل على ما كانوا عليه قبل ذلك من ~~أنهم يبدلون ما هم عليه من الكفر أو الإيمان بكفر أو بدعة ثم لا يثبتون ~~عليه لأن ذلك ليس في جبلاتهم، وإنما هو خاطر عارض كما هو محكي عن سيرتهم من ~~بعد موسى عليه الصلاة والسلام لما كانت تسوسهم الأنبياء عليهم السلام كما ~~دل على بعض ذلك قوله تعالى: {فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا} ~~[المائدة: 71] وكذا المشركون كانوا يبدلون دين إسماعيل عليه الصلاة والسلام ~~ولا ينفصلون عنه بالكلية، وتارة يعبدون الأصنام، وتارة الملائكة، وأخرى ~~الجن، ولم يكونوا يثبتون على حالة واحدة ثباتا كليا مثل ثباتهم على الإسلام ~~بعد مجيء البينة ونسيانهم أمور الجاهلية بالكلية حتى نسوا الميسر، فلم يكن ~~أحد من أولادهم يعرف كيفيته وكذا السائبة وما معها وغيرها ذلك من خرافاتهم ~~{الذين كفروا} أي سواء كانوا عريقين في الكفر أم لا. # ولما كان العالم أولى باتباع الحق وأشد جرما عند فعل ما يقتضي اللوم، بدأ ~~بقوله: {من أهل الكتاب} أي من اليهود والنصارى الذين كان أصل دينهم حقا، ~~فألحدوا فيه بالتبديل والتحريف والاعوجاج # PageV22P186 # في صفات الله تعالى، ثم نسخه الله تعالى بما شرع من مخالفته في الفروع ~~وموافقته في الأصول فكذبوا {والمشركين} أي بعبادة الأصنام والنار والشمس ~~ونحو ذلك ممن هم عريقون في دين لم يكن له أصل في الحق بأن لم يكن لهم كتاب ~~{منفكين} أي منفصلين زائلين عما كانوا عليه من دينهم انفكاكا يزيلهم عنه ~~بالكلية بحيث لا يبقى لهم به علقة، ويثبتون على ذلك الانفكاك، وأصل الفك ~~الفتح والانفصال لما كان ملتحما، من فك ms5745 الكتاب والختم والعظم - إذا زايل ما ~~كان ملتصقا ومتصلا به، أو عما في أنفسهم من ظن اتباع الحق إذا جاءهم الرسول ~~المبشر به بما كان أهل الكتاب يستفتحون به والمشركون يقسمون بالله جهد ~~أيمانهم {لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم} [فاطر: 42] فيصيروا ~~بذلك أحزابا وفرقا {حتى} أي إلى أن {تأتيهم} عبر بالمضارع لتجدد البيان في ~~كل وقت بتجدد الرسالة والتلاوة {البينة *} أي الآية التي هي في البيان ~~كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي إلا ظهورا وضياء ونورا، وذلك هو ~~الرسول وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب سواء كان التوراة أو الإنجيل ~~أو الزبور # PageV22P187 # أو الفرقان، ولذلك أبدل منها قوله: {رسول} أي عظيم جدا، وزاد عظمته بقوله ~~واصفا له: {من الله} أي الذي له الجلال والإكرام {يتلوا} أي يقرأ قراءة ~~متواترة ذلك الرسول بعد تعليمنا له {صحفا} جمع صحيفة وهي القرطاس والمراد ~~ما فيها، عبر بها عنه لشدة المواصلة {مطهرة *} أي هي في غاية الطهارة ~~والنظافة والنزاهة من كل قذر بما جعلنا لها من البعد من الأدناس بأن الباطل ~~من الشرك بالأوثان وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها ~~وأنها لا يمسها إلا المطهرون، وقراءته وإن كان أميا لمثل ما فيها قراءة ~~لها. # ولما عظمه بأن وصف صحفه التي هي محل المكتوب بالطهارة، بين سبب ذلك فقال: ~~{فيها} أي تلك الصحف {كتب} جمع كتاب أي علوم هي لنفاستها حقيقة بأن تكتب ~~{قيمة *} أي هي في غاية الاستقامة لنطقها بالحق الذي لا مرية فيه ليس فيها ~~شرك ولا عوج بنوع من الأنواع، فإذا أتتهم هذه البينة انفكوا وانفكاكهم أنهم ~~كانوا مجتمعين قبل هذا، أهل الكتاب يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم لما ~~عندهم من البشائر الصريحة به، والمشركون يقولون: لئن جاءنا نذير لنكونن ~~أهدى من إحدى الأمم، ويقولون: نحن # PageV22P188 # نعرف الحق لأهله ولا ندفعه بوجه، فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بما لا شبهة فيه تفرقوا، فبعضهم آمن وبعضهم كفر. # وقال الإمام أبو ms5746 جعفر بن الزبير: هي من كمال ما تقدمها لأنه لما أمره ~~عليه الصلاة والسلام بقراءة كتابه الذي به اتضحت سبيله وقامت حجته، وأتبع ~~ذلك بالتعريف بليلة إنزاله وتعظيمها بتعظيم ما أهلت له مما أنزل فيها، أتبع ~~ذلك بتعريفه صلى الله عليه وسلم بأن هذا الكتاب هو الذي كانت اليهود تستفتح ~~به على مشركي العرب وتعظم أمره وأمر الآتي به، حتى إذا حصل ذلك مشاهدا لهم ~~كانوا هم أول كافر به، فقال تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة - إلى قوله: وذلك دين القيمة} وفي ~~التعريف بهذا تأكيد ما تقدم بيانه مما يثمر الخوف وينهج بإذن الله التسليم ~~والتبرؤ من ادعاء حول أو قوة، فإن هؤلاء قد كانوا قدم إليهم في أمر الكتاب ~~والآتي به يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، وقد كانوا إليهم في ~~أمر الكتاب والآتي به يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، وقد كانوا ~~يؤملون الانتصار به عليه الصلاة والسلام من أعدائهم ويستفتحون بكتابه، فرحم ~~الله من لم يكن عنده علم منه كأبي بكر وعمر وأنظارهما رضي الله عنهم ~~أجمعين، وحرم هؤلاء الذين قد كانوا # PageV22P189 # على بصيرة من أمره وجعلهم بكفرهم شر البرية، ورضي عن الآخرين ورضوا عنه، ~~وأسكنهم في جواره ومنحهم الفوز الأكبر والحياة الأبدية وإن كانوا قبل بعثه ~~عليه الصلاة والسلام على جهالة وعمى، فلم يضرهم إذا قد سبق لهم في الأزل ~~«أولئك هم خير البرية» انتهى. # ولما كان التقدير: فإذا أتتهم انفكوا، فلقد تفرق المشركون بعد إتيانك ~~وأنت البينة العظمى إليهم إلى مهتد وضال، والضال إلى مجاهر ومساتر، وكذا ~~أهل الكتاب، ثم ما اجتمع العرب على الهدى إلا من بعد ما جاءتهم البينة، عطف ~~على هذا الذي أفهمه السياق قوله معلما بزيادة القبح في وقوع الذنب من ~~العالم بإفرادهم بالتصريح عن المشركين: {وما تفرق} أي الآن وفيما مضى من ~~الزمان تفرقا عظيما {الذين} ولما كانوا في حال هي أليق بالإعراض، بنى ~~للمفعول قوله: {أوتوا الكتاب} أي عما كانوا عليه ms5747 من الإطباق على الضلال أو ~~الوعد باتباع الحق المنتظر في محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا كان فعلهم في ~~عيسى صلى الله عليه وسلم من قبل، فاستمر بعضهم على الضلال وبالغ في نقض ~~العهد والعناد، ووفى بعض بالوعد فاهتدى، وكان تفرقهم لم يعد تفرقا إلا زمنا ~~يسيرا، ثم اجتمعوا فلم يؤمن منهم من يعد # PageV22P190 # خلافته لباقيهم تفرقا لكونه قليلا من كثير، فلذلك أدخل الجار فقال: {إلا ~~من بعد} وكان ذلك الزمن اليسير هو بإسلام من أسلم من قبائل العرب الذين ~~كانوا قد أطبقوا على النصرانية من تنوخ وغسان وعاملة وبكر بن وائل وعبد ~~القيس ونحوهم وكذا من كان تهود من قبائل اليمن وأسلم، ثم أطبق اليهود ~~والنصارى على الضلال فلم يسلم منه إلى من لا يعد لقلته مفرقا لهم {ما} أي ~~الزمن الذي {جاءتهم} فيه أو مجيء {البينة *} فكان حالهم كما قال سبحانه ~~{وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} ~~[البقرة: 89] وقد كان مجيء البينة يقتضي اجتماعهم على الحق، لا تفرقهم فيه، ~~وكأنه أشار إلى المشركين بالعاطف ولم يصرح بذكرهم لأنهم كانوا عكس أهل ~~الكتاب لم يتفرقوا إلا زمنا يسيرا في أول الأمر، فكان الضال منهم أكثر، ثم ~~أطبقوا على الهدى لما لهم من قويم الطبع ومعتدل المزاج، فدل ذلك على غاية ~~العوج لأهل الكتاب لأنهم كانوا لما عندهم من العلم أولى من المشركين ~~بالاجتماع على الهدى، ودل ذلك على أن وقوع اللدد والعناد من العالم أكثر، ~~وحصوله الآفة لهم من قوة ما لطباعهم من كدر النقص بتربيته وتنميته # PageV22P191 # بالمعاصي من أكل السحت من الربا وغيره من الكبائر والتسويف بالتوبة، ~~فألفت ذلك أبدانهم فأشربته قلوبهم حتى تراكم ظلامها، وتكاثف رينها وغمامها، ~~فلما دعوا لم يكن عندهم شيء من نور تكون لهم به قابلية الانقياد للدعاء. # PageV22P192 # ولما كان حال من ضل على علم أشنع، زاد في فضيحتهم فقال: {وما} أي فعلوا ~~ذلك والحال أنهم ما. ولما كان المقصود بروز الأمر المطاع، لا تعيين الآمر، ~~قال ms5748 بعد وصف الصحف بأنه ثبت أنها قيمة بانيا للمفعول: {أمروا} أي وقع أمرهم ~~بما أمروا به ممن إذا أطلق الأمر لم يستحق أن ينصرف إلا إليه، في تلك الكتب ~~التي وجب ثبوت اتباعها وأذعنوا له {إلا ليعبدوا} أي لأجل أن يعبدوا {الله} ~~أي الإله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد غيره بأن يوجدوا عبادته ويجددوها ~~في كل وقت، والعبادة امتثال أمر الله تعالى كما أمر على الوجه المأمور به ~~من أجل أنه آمر، مع المبادرة بغاية الحب والخضوع والتعظيم، وذلك مع ~~الاقتصاد لئلا يمل الإنسان فيخل أو يحصل له الإعجاب فتفسد عبادته، حال ~~كونهم {مخلصين} أي ثابتا غاية الثبات إخلاصهم {له الدين} بحيث لا يكون فيه ~~شوب شيء مما يكدره من شرك جلي ولا خفي بأن # PageV22P192 # يكون الامتثال لكونه أمر لرضاه لا لشي من نفع ولا دفع، ويكون ذلك على ~~الصواب، فإن كثيرا من العاملين يكون مخلصا، ويكون بناؤه بغير أساس صالح، ~~فلا ينفعه بل يكون وبالا عليه، فإنه ضيع الأصل كالرهبان وكذا كثير ممن ~~يعتقد ولاية شخص وهو لا يعرف أن يميز بين الولي والعدو والمكرم والمستدرج، ~~وحقيقة الإخلاص بأنه إفراد الحق في الطاعة بالقصد مع نسيان الخلق في ~~الأعمال والتوصل إليه بالتوقي من ملاحظتهم مع التنقي عن مطالعة النفس برؤية ~~العبد نفسه عبدا مأمورا لا يريد ثوابا، جاعلا كل شيء وسيلة إلى الله، ~~وعلامته عدم رؤية العمل، ويعرف ذلك بالخوف وعدم الالتفات إلى طلب الثواب، ~~وبالحياء منه لكونه يرى أنه ما قام بحق السيد على ما ينبغي كما قال تعالى: ~~{يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: 60] قال ~~القشيري: ويقال: الإخلاص تصفية العمل من الخلل، وقال الرازي: الإخلاص النية ~~الصافية لأن النية دائمة، والعمل ينقطع، والعمل يحتاج إلى النية، والنية لا ~~تحتاج إلى العمل، ولأجل ما أفهمه التعبير بالاسم من التمكن والثبات أكده ~~بقوله: {حنفاء} أي في غاية الميل # PageV22P193 # مع الدليل إلى القوم بحيث لا يكون عندهم اعوجاج أصلا، بل مهما حصل أدنى ~~زيغ ms5749 عرضوه على الدليل فمالوا معه بما لهم من الحنف فقادهم إلى الصلاح ~~فصاروا في غاية الاستقامة، وتلك هي العبادة الإحسانية، وأصل الحنف في ~~اللغة: الميل، قال الملوي: وخصه العرف بالميل إلى الخير، ولذا سمي الأحنف ~~بن قيس لميل في رجليه إلى داخل من جهة القدام إلى الوراء، وسموا الميل إلى ~~الشر إلحادا، فالحنيف المطلق الذي يكون متبرئا عن أصول الملل الخمس: اليهود ~~والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، وعن فروعها من جميع النحل إلى ~~الاعتقادات الحقة، وعن توابعها من الخطايا والسيئات إلى العمل الصالح وهو ~~مقام التقى، وعن المكروهات إلى المستحبات وهو المقام الأول من الورع، وعن ~~الفضول شفقة على خلق الله وهو ما لا يعني إلى الذي يعني، وهو المقام الثاني ~~من الورع، وعما يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد، فالآية جامعة لمقامي ~~الإخلاص الناظر أحدهما إلى الحق، والثاني إلى الخلق، فالإخلاص لمقام ~~المشتغل بالمصفى له لأنه إفراد الحق بالقصد في الطاعة، والخوف لمقام ~~المشتغل بالمصفى منه لأنه الميل عن سائر المخلوقات إلى الله تعالى وإلى ما ~~يرضيه. # PageV22P194 # ولما ذكر أصل الدين، أتبعه الفروع، فبدأ بأعظمها الذي هو مجمع الدين ~~وموضع التجرد عن العوائق فقال: {ويقيموا} أي يعدلوا من غير اعوجاج ما، ~~بجميع الشرائط والأركان والحدود {الصلاة} لتصير بذلك أهلا لأن تقوم بنفسها، ~~وهي التعظيم لأمر الله تعالى. # ولما ذكر صلة الخالق، أتبعها وصلة الخلائق فقال: {ويؤتوا الزكاة} أي بأن ~~يحضروها لمستحقيها شفقة على خلق الله إعانة على الدين، ولكنهم حرفوا ذلك ~~وبدلوه بطباعهم المعوجة، وتدخل الزكاة عند أهل الله في كل ما رزق الله من ~~عقل وسمع وبصر ولسان ويد ورجل ووجاهة وغير ذلك - كما هو واضح من قوله ~~تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3 - والأنفال: - 3] . # ولما كان هذا دينا حسنا بينا فضلوا عنه على ما عندهم من الأدلة، زاد في ~~توبيخهم بمدحه فقال: {وذلك} أي والحال أن هذا الموصوف من العبادة على الوجه ~~المذكور الذي هو في غاية العلو والخير {دين القيمة *} أي الملة أو النفوس ~~أو الكتب التي ms5750 لا عوج فيها، وهو على الأول من إضافة الموصوف إلى الصفة، وعن ~~الخليل أنه قال: هو جمع قيم، والقيم والقائم واحد، والمعنى دين القائمين ~~لله تعالى بالتوحيد، ودل على ما قدرته في أمر المشركين بذكرهم في نتيجة ما # PageV22P195 # مضى في قوله مؤكدا لأجل إنكارهم: {إن الذين كفروا} أي وقع منهم الستر ~~لمرائي عقولهم بعد صرفها للنظر الصحيح فضلوا واستمروا على ذلك وإن لم ~~يكونوا عريقين فيه {من أهل الكتاب} أي اليهود والنصارى {والمشركين} أي ~~العريقين في الشرك، ودل بالإتيان بالوصف هنا والفعل في أولئك - والله أعلم ~~- على أن المشرك يرجع عن شركه ويؤمن إن لم يكن عريقا في الشرك بخلاف أهل ~~الكتاب متى تلبس أحد منهم بكفر لا يرجع عنه وإن كان تلبسه به على أضعف ~~الوجوه، وكذا كل من ينسب إلى علم ولا سيما إن كان بليدا متى عرضت له شبهة ~~بعد رجوعه عنها، فلذلك جمع بينهم في قوله: {في نار جهنم} أي النار التي ~~تلقاهم بالتجهم والعبوسة تكون عذابا لأجسامهم {خالدين فيها} أي يوم القيامة ~~أو في الحال لسعيهم في موجباتها، واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب ~~التساوي في النوع بل يختلف بحسب اشتداد الكفر وخفته. # ولما كان معظم السياق للعبادة والترغيب فيها من القراءة والسجود ~~والانفكاك عن الكفر، لم يذكر التأبيد بلفظه، بل اكتفى بما دل عليه وقال في ~~نتيجة ما مضى: {أولئك} أي البعداء البغضاء {هم} أي خاصة بما لضمائرهم من ~~الخبث {شر البرية *} أي الخليقة الذين أهملوا # PageV22P196 # إصلاح أنفسهم، وفرطوا في حوائجهم ومآربهم، وهذا نار لأرواحهم حين ينادى ~~عليهم به. # ولما ذكر الأعداء وبدأ بهم، لأن السياق لذم من جمد من المألوف وترك ~~المعروف، أتبعه الأولياء فقال مؤكدا لما للكفار من الإنكار: {إن الذين ~~آمنوا} أي أقروا بالإيمان من الخلق كلهم الملائكة وغيرهم {وعملوا} أي ~~تصديقا لإيمانهم {الصالحات} أي هذا النوع، ولما كان نعيم القلب أعظم، قدمه ~~على نعيم البدن إبلاغا في مدحهم فقال: {أولئك} أي العالو الدرجات {هم} أي ~~خاصة {خير البرية *} . # ولما ms5751 خصصهم بالخيرية، ذكر ثوابهم، فقال ذاكرا جنة أبدانهم معظما لهم ~~بالتعبير عن إنعامه عليهم بلفظ الجزاء المؤذن بأنه مقابلة ما وصفوا به: ~~{جزاؤهم} أي على طاعاتهم، وعظمه بقوله: {عند ربهم} إليهم المربي لهم وأي ~~المحسن {جنات عدن} أي إقامة لا تحول عنها {تجري} أي جريا دائما لا انقطاع ~~له. ولما كان عموم الماء مانعا من تمام اللذة، قرب وبعض بقوله: {من تحتها} ~~أي تحت أرضها وغرفها وأشجارها {الأنهار} . # ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال: {خالدين فيها} ولما كان النظر ~~إلى الترغيب في هذا السياق أتم حثا على اتباع الدليل # PageV22P197 # المعروف، والمفارقة للحال المألوف، أكد معنى الخلود تعظيما لجزائهم ~~بقوله: {أبدا} . # ولما كان هذا كله ثمرة الرضا، وكان التصريح به أقر للعين لأنه جنة الروح، ~~قال مستأنفا أو معللا: {رضي الله} أي بما له من نعوت الجلال والجمال {عنهم} ~~أي بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق. ولما كان الرضا إذا كان من ~~الجانبين، كان أتم وأعلى لهم قال: {ورضوا عنه} لأنهم لم يبق لهم أمنية إلا ~~أعطاهموها مع علمهم أنه متفضل في جميع ذلك، لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقدره ~~أحد حق قدره، فلو أخذ الخلق بما يستحقونه أهلكهم، وأعظم نعمه عليهم ما من ~~عليهم به من متابعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك كان سببا لكل ~~خير. # ولما كان ذلك ربما ادعى أنه لناس مخصوصين في زمان مخصوص، قال معمما له ~~ومنبها على الوصف الذي كان سبب أعمالهم التي كانت سبب جزائهم: {ذلك} أي ~~الأمر العالي الذي جوزوا به {لمن خشي ربه *} أي خاف المحسن إليه خوفا يليق ~~به، فلم يركن إلى التسويف والتكاسل، ولم يطبع نفسه بالشر بالجري مع الهوى ~~في التطعم بالمحرمات بل كان ممن # PageV22P198 # يطلب معالي الأخلاق فيستفتي قلبه فيما يرضي ربه، فكان تواتر إحسانه يزيده ~~خوفا فيزيده شكرا، فإن الخشية ملاك الأمر، والباعث على كل خير، وهي ~~للعارفين، قال الملوي ما معناه: إن الإنسان إذا استشعر عقابا يأتيه أو ~~خسرا، ms5752 لحقته حالة يقال لها الخوف وهي انخلاع القلب عن طمأنينة الأمن وقلقه ~~واضطرابه لتوقع مكروه، فإن اشتد سمي وجلا لجولانه في نفسه، فإذا اشتد سمي ~~رهبا لأدائه إلى الهرب، وهي حالة المؤمنين الفارين إلى الله ومن غلب عليه ~~الحب لاستغراق في شهود الجماليات لحقته حالة تسمى مهابة إذ لا ينفك عن خوف ~~إبعاد أو صد لغفلة أو ذلة، ومن غلب عليه التعظيم لاستغراق في شهود ~~الجلاليات صار في الإجلال، ووراء هذا الخشية # {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] فمن خاف ربه هذا الخوف ~~انفك من جميع ما عنده مما لا يليق بجنابه سبحانه، ولم يقدح في البينة ولا ~~توقف فيها، وما فارق الخوف قلبا إلا خرب، فكان جديرا بأن يقدح في كل ما أدى ~~إلى العمارة، وقد رجع آخر السورة على أولها بذلك، وبتصنيف الناس صنفين: صنف ~~انفك عن هوى نفسه فأنجاها، وصنف استمر في أسرها فأرداها، وقد ذكرت في ~~«مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور» سر تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأبي رضي الله عنه بقراءة هذه السورة عليه بخصوصها، وحاصله # PageV22P199 # أن سبب تخصيصه بذلك أنه وجد اثنين من الصحابة رضي الله عنهم قد خالفاه في ~~القراءة فرفعهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهما فعرضا عليه فحسن ~~لهما، قال: فسقط في نفسي من التكذيب أشد مما كان في الجاهلية، فضرب صلى ~~الله عليه وسلم في صدري ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فرقا، ثم قص علي ~~خبر التخفيف بالسبعة الأحرف، وكانت السورة التي وقع فيها الخلاف النحل ~~وفيها أن الله يبعث رسوله صلى الله عليه وسلم يوم البعث شهيدا، وأنه نزل ~~عليه الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة، وأنه نزل عليه روح القدس بالحق ~~ليثبت الذين آمنوا، وأن اليهود اختلفوا في السبت، وسورة {لم يكن} على قصرها ~~حاوية إجمالا لكل ما في النحل على طولها بزيادة، وفيها التحذير من الشك بعد ~~البيان، وتقبيح حال من فعل ذلك، وأن حاله يكون كحال الكفرة من أهل الكتاب ~~في ms5753 العناد، فيكون شر البرية، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليه رضي ~~الله عنه تذكيرا له بذلك كله على وجه أبلغ وأخصر ليكون أسرع له تصورا فيكون ~~أرسخ في النفس وأثبت في القلب وأعشق للطبع، فاختصه الله بالتثبيت وأراد له ~~الثبات، فكان من المريدين المرادين لما وصل إليه قلبه ببركة ضرب النبي صلى ~~الله عليه وسلم لصدره من كشفه الحجب ونفي الشياطين والنظر إلى سبحات القدس # PageV22P200 # وشهود تلك الحضرة الشماء، وصيرورته إلى أن يكون أصفى الصحابة رضي الله ~~عنهم مراقبة لتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم بما يتذكر من الأمر الشريف ~~بتخصيصه بذلك، فيصير كلما قرأ هذه السورة الجامعة غائبا عن تلاوة نفسه ~~مصغيا بأذني قلبه إلى روح النبوة يتلو عليه ذلك فيدوم له حال الشهود الذي ~~وصل إليه بسر تلك الضربة. # ولثبوته في هذا المقام قال صلى الله عليه وسلم: «أقرؤكم أبي» رواه أحمد ~~والترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه وهو صحيح ورواه بعضهم مرسلا، ~~ومما فيه ولم أذكره في المصاعد سنة التواضع حتى لا يمنع أحدا ما يراه من ~~علوه من القراءة على من هو دونه فإنه ما منع أكثر أهل الكتاب من الإسلام ~~إلا رؤية ما كانوا عليه من العلم بكتب الله وسنن الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام وجهل العرب بذلك، فنظروا إلى ما كان ولم ينظروا إلى الحالة الراهنة ~~الآن، فحلق الحسد أديانهم وسلبهم إيمانهم، وصاروا أشقى الناس - كما نبه ~~عليه أول السورة - نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة - ~~آمين. # PageV22P201 # سورة الزلزلة # مقصودها انكشاف الأمور، وظهور المقدور أتم ظهور، وانقسام الناس في الجزاء ~~في دار البقاء إلى سعادة وشقاء، وعلى ذلك دل اسمها بتامل الظرف ومظروفه، ~~وما أفاد من بديع القدر وصروفه) بسم الله (المحيط بكل شيء قدؤرة وعلما) ~~الرحمن (الذي عم الخلق بنعمته الظاهرة قسما) الرحيم (الذي أتم النعمة على ~~خواصه حقيقة واسما، عينا ورسما. # PageV22P202 # لما ختم تلك بجزاء الصالح والطالح في دار البقاء على ما أسلفوه في مواطن ~~الفناء، ذكر ms5754 في هذه أول مبادىء تلك الدار وأوائل غاياتها، وذكر في القارعة ~~ثواني مبادئها وآخر غاياتها، وأبلغ في التحذير بالإخبار بإظهار ما يكون ~~عليه الجزاء، فقال معبرا بأداة التحقق لأن الأمر حتم لا بد من كونه: {إذا} ~~. # ولما كان المخوف ### | الزلزلة # ولو لم يعلم فاعلها، وكان البناء للمفعول يدل على سهولة الفعل ويسره جدا، ~~بنى للمفعول قوله: {زلزلت الأرض} أي حركت واضطربت زلزلة البعث بعد النفخة ~~الثانية بحيث يعمها ذلك # PageV22P202 # لا كما كان يتفق قبل ذلك من زلزلة بعضها دون بعض وعلى وجه دون ذلك، وعظم ~~هذا الزلزال وهوله بإبهامه لتذهب النفس فيه كل مذهب، فقال كاسرا الزاء لأنه ~~مصدر، ولو فتحها لكان اسما للحركة، قال البيضاوي: وليس إلا في المضاعف. ~~{زلزالها *} أي تحركها واضطرابها الذي يحق لها في مناسبته لعظمة جرم الأرض ~~وعظمة ذلك اليوم، ولو شرح بما يليق به لطال الشرح، وذلك كما تقول: أكرم ~~التقي إكرامة وأهن الفاسق الشقي إهانة، أي على حسب ما يليق به. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: وردت عقب سورة البرية ليبين بها حصول ~~جزاء الفريقين ومآل الصنفين المذكورين في قوله: {إن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين} - إلى قوله: {أولئك شر البرية} وقوله: {إن الذين آمنوا} ~~- إلى آخر السورة. ولما كان حاصل ذلك افتراقهم على صنفين ولم يقع تعريف ~~بتباين أحوالهم، أعقب ذلك بمآل الصنفين واستيفاء جزاء الفريقين المجمل ~~ذكرهم فقال تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم} إلى آخر السورة ~~- انتهى. # PageV22P203 # ولما كان الاضطراب العظيم يكشف عن الخفي في المضطرب قال: {وأخرجت} وأظهر ~~ولم يضمر تحقيقا للعموم فقال: {الأرض} أي كلها {أثقالها} أي مما هو مدفون ~~فيها كالأموات والكنوز التي كان أمرها ثقيلا على الناس، وهو جمع ثقل ~~بالكسر، وذلك حين يكون البعث والقيام متأثرا ذلك الإخراج عن ذلك الزلزال، ~~كما يتأثر عن زلزال البساط بالنفض إخراج ما في بطنه وطيه وغضونه من وسخ ~~وتراب وغيره، وما كان على ظهرها فهو ثقل عليها لأنها يعطيها الله قوة إخراج ~~ذلك كله كما ms5755 كان يعطيها قوة أن تخرج النبت الصغير اللطيف الطري الذي هو ~~أنعم من الحرير فيشق الأرض الصلبة التي تكل عنها المعاول والحديد، ويشق ~~النواة مع ما لها من الصلابة التي تستعصي بها على الحديد فينفلق نصفين ~~وينبت منها ما يريده سبحانه وتعالى، ويفلق قشر الجوز واللوز ونوى الخوخ ~~وغيره مما هو في غاية الصلابة كما نشاهده، ويخرج منه الشجر بشق الأرض على ~~ضعفه ولينه وصلابتها وبكونه على ظهرها حتى يصير أغلظ شيء وأشده، وكذا الحب ~~سواء، فالذي قدر على ذلك هو سبحانه وتعالى # PageV22P204 # قادر على تكوين الموتى في بطن الأرض وإعادتهم على ما كانوا عليه كما يكون ~~الجنين في البطن ويشق جميع منافذه على التحذير من السمع والبصر والفم وغير ~~ذلك من غير أن يدخل إلى هناك بيكار ولا منشار، ثم يخرج من البطن، فكذا ~~إخراج الموتى من غير فرق، كل عليه هين - سبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه. # ولما كان الإنسان إذا رأى هذا عجب له ولم يدرك سببه لأنه أمر عظيم فظيع ~~يبهر عقله ويضيق عنه ذرعه، عبر عنه بقوله: {وقال الإنسان} أي هذا النوع ~~الصادق بالقليل والكثير لما له من النسيان لما تأكد عنده من أمر البعث بما ~~له من الأنس بنفسه والنظر في عطفه، على سبيل التعجب والدهش أو الحيرة، ~~ويجوز أن يكون القائل الكافر كما يقول: {من بعثنا من مرقدنا} [يس: 52] ~~فيقول له المؤمن: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [يس: 52] {ما لها *} ~~أي أي شيء للأرض في هذا الأمر الذي لم يعهد مثله. # ولما طال الكلام وأريد التهويل، أبدل من «إذا» قوله معرفا للإنسان ما سأل ~~عنه: {يومئذ} أي إذ كان ما ذكر من الزلزال # PageV22P205 # وما لزم عنه ونصبه وكذا ما أبدل منه بقوله: {تحدث} أي الأرض بلسان الحال ~~بإخراج ما في بطنها من الموتى والكنوز وغيرها على وجه يعلم الإنسان به لم ~~زلزلت ولم أخرجت، وأن الإنذار بذلك كان حقا، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ~~تحدث بلسان المقال. {أخبارها *} أي التي زلزلت ms5756 وأخرجت ما أخرجت لأجلها، وكل ~~شيء عمل عليها شهادة منها على العاملين فتقول: عمل فلان كذا وكذا - تعدد ~~حتى يود المجرم أنه يساق إلى النار لينقطع عنه تعداد ذلك الذي يلزم منه ~~العار، وتشهد للمؤمن بما عمل حتى يسره ذلك، فيشهد للمؤذن كل ما امتد إليه ~~صوته من رطب ويابس. # ولما كان من المقرر أنه لا يكون شيء إلا بإذنه تعالى، وكان قد بنى ~~الأفعال لما لم يسم فاعله، فكان الجاهل ربما خفي عليه فاعل ذلك قال: {بأن} ~~أي تحدث بسبب أن {ربك} أي المحسن إليك بإحقاق الحق وإزهاق الباطل لإعلاء ~~شأنك {أوحى} وعدل عن حرف النهاية إيذانا بالإسراع في الإيحاد فقال: {لها *} ~~أي بالإذن في التحديث المذكور بالحال أو المقال. # ولما أخبر تعالى بإخراج الأثقال التي منها الأموات، اشتد التشوف # PageV22P206 # إلى هيئة ذلك الإخراج وما يتأثر عنه، فقال مكررا ذكر اليوم زيادة في ~~التهويل: {يومئذ} أي إذ كان ما تقدم وهو حين يقوم الناس من القبور {يصدر} ~~أي يرجع رجوعا هو في غاية السرعة والاهتداء إلى الموضع الذي ينادون منه لا ~~يغلط أحد منهم فيه ولا يضل عنه {الناس} من قبورهم إلى ربهم الذي كان لهم ~~بالمرصاد ليفصل بينهم {أشتاتا *} أي متفرقين بحسب مراتبهم في الذوات ~~والأحوال من مؤمن وكافر، وآمن وخائف، ومطيع وعاص. # ولما ذكر ذلك، أتبعه علته فقال بانيا للمفعول على طريقة كلام القادرين: ~~{ليروا} أي يرى الله المحسن منهم والمسيء بواسطة من يشاء من جنوده أو بغير ~~واسطة حين يكلم سبحانه وتعالى كل أحد من غير ترجمان ولا واسطة كما أخبر ~~بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم {أعمالهم *} فيعلموا جزاءها أو صادرين عن ~~الموقف كل إلى داره ليرى جزاء عمله، ثم سبب عن ذلك قوله مفصلا الجملة التي ~~قبله: {فمن يعمل} من محسن أو مسيء مسلم أو كافر {مثقال} أي مقدار وزن {ذرة ~~خيرا} أي من جهة الخير {يره *} أي حاضرا لا يغيب عنه شيء منه لأن المحاسب ~~له الإحاطة علما وقدرة، فالكافر يوقف على # PageV22P207 # أنه ms5757 جوزي به في الدنيا أو أنه أحبط لبنائه على غير أساس الإيمان، فهو ~~صورة بلا معنى ليشتد ندمه ويقوى حزنه وأسفه، والمؤمن يراه ليشتد سروره به. # ولما ذكر الخير، أتبعه ضده فقال: {ومن يعمل} أي كائنا من كان {مثقال ذرة ~~شرا} أي من جهة الشر {يره} فما فوقه، فالمؤمن يراه ويعلم أنه قد غفر له ~~ليشتد فرحه، والكافر يراه فيشتد حزنه وترحه، والذرة النملة الصغيرة أو ~~الهباءة التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من الكوة، وقد رجع آخرها على ~~أولها بتحديث الأخبار وإظهار الأسرار، وقد ورد في حديث الأعرابي أن هذه ~~السورة جامعة لهذه الآية الأخيرة، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إنها أحكم ~~آية في القرآن، وكان رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم يسميها الفاذة ~~الجامعة، ومن فقه ذلك لم يحقر ذنبا وإن دق لأنه يجتمع إلى أمثاله فيصير ~~كبيرا كما قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «إياك ومحقرات ~~الذنوب، فإن لها من الله طالبا» وروي كما ذكرته في كتابي «مصاعد النظر في ~~الإشراف على مقاصد السور» في حديث « # PageV22P208 # إنها تعدل نصف القرآن» وفي حديث آخر أنها تعدل ربع القرآن، ولا تعارض، ~~فالأول نظر إليها من جهة أن الأحكام تنقسم إلى أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، ~~وهذه السورة اشتملت على أحكام الآخرة إجمالا، وزادت على القارعة بإخراج ~~الأثقال وأن كل أحد يرى كل ما عمل، والثاني نظر إليه باعتبار ما تضمنه ~~الحديث الذي رواه الترمذي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ~~بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر» فاقتضى ~~هذا الحديث أن الإيمان بالبعث الذي قررته هذه السورة ربع الإيمان الكامل ~~الذي دل عليه القرآن، وأيضا فأمر الدين أربعة أجزاء: أمر المعبود، وأمر ~~العبيد، وأمر العبادة، وأمر الجزاء، فهذه السورة تكفلت بأمر الجزاء، وسورة ~~الكافرون ربع لأنها في أمر العبادة على وجه ms5758 الخصوص والخفاء وإن كانت على ~~وجه التمام والوفاء، وسورة النصر ربع لأنها لأمر العبادة على وجه العموم ~~والجلاء والظهور والعلاء - والله الهادي للصواب وإليه المآب. # PageV22P209 # سورة العاديات # مقصودها اإعلام بأن أكثر الخلق يوم الزلزلة هالك لإيثار الفاني من العز ~~والمال على الباقي عند ذي الجلال، المدلول عليه بالقسم وه والعاديلت ~~والمقسم عليه وما عطف عليه، وقد علم أن اسمها أدل شيء على ذلك لما هدى إليه ~~القسم والمقسم عليه: (بسم الله (الذي له الأمر كله فلا يسأل عما يفعل) ~~الرحمن (الذي عم بنعمة إيجاده وبيانه فنعمته أتم نعمة وأشمل) الرحيم (الذي ~~خص خلص عباده بتوفيقه فأتم نعمته عليهم وأكمل. # PageV22P210 # لما ختم الزلزلة بالجزاء لأعمال الشر يوم الفصل، افتتح هذه ببيان ما يجر ~~إلى تلك الأعمال من الطبع، وما ينجر إليه ذلك الطبع مما يتخيله من النفتع، ~~موبخا من لا يستعد لذلك اليوم بالاحتراز التام من تلك الأعمال، معنفا من ~~أثر دنياه على أخراه، مقسما بما لا يكون إلا عند أهل النعم الكبار الموجبة ~~للشكر، فمن غلب عليه الروح شكر، ومن غلب # PageV22P210 # عليه الطبع - وهم الأكثر - كفر فقال: {والعاديات} أي الدواب التي من ~~شأنها أن تجري بغاية السرعة، وهي الخيل التي ظهورها عز وبطونها كنز، وهي ~~لرجل وزر ولرجل أجر، فمن فاخر بها ونادى بها أهل الإسلام وأبطره عزها حتى ~~قطع الطريق وأخاف الرفيق كانت له شرا، ومن جعلها في سبيل الله كانت له ~~أجرا، ومن حمل عليها ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها وكانت له سترا، ~~وإنما أقسم بها ليتأمل ما فيها من الأسرار الكبار التي باينت به أمثالها من ~~الدواب كالثور مثلا والحمار ليعلم أن الذي خصها بذلك فاعل مختار واحد قهار، ~~فالقسم في الحقيقة به سبحانه. # ولما كانت دالة على الضابحات بالالتزام، قال ناصبا به أو ب «تضبح» مقدرا: ~~{ضبحا *} والضبح صوت جهير من أفواهها عند العدو الشديد، ليس بصهيل ولا ~~حمحمة ولا رغاء وهو النفس، وليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب ~~والثعلب، وأصله للثعلب ms5759 واستيعر للخيل، وحكاه ابن عباس رضي الله عنهما فقال: ~~أح أح، أو الضبح عدو دون التقريب. # PageV22P211 # ولما ذكر عدوها، أتبعه ما ينشأ عنه، فقال عاطفا بأداة التعقيب لأن العدو ~~بحيث يتسبب عنه ويتعقبه الإيراء: {فالموريات} أي المخرجات للنار بما يصطك ~~من نعلها بالأحجار، لا سيما عند سلوك الأوعار. # ولما كان الإيراء أثر القدح قال: {قدحا *} أي تقدح ضربا بعنف كضرب الزند ~~ليوري النار، ونسب الإيراء إليها لإيجادها صورته وإن لم يكن لها قصد إليه. # ولما ذكر العدو وما يتأثر عنه، ذكر نتيجته وغايته فقال: {فالمغيرات} أي ~~بإغارة أهلها عليها على العدو والإغارة والركض الشديد لإرادة القتل والنهب. ~~ولما كانت الإغارة الكائن عنها الثبور والويل أروع ما تكون في أعقاب الليل ~~قال: {صبحا *} أي ذات دخول في الصباح. # ولما كان الأعداء حال الإغارة يكون مختلفا تارة يمينا وتارة شمالا وتارة ~~أماما وتارة وراء بحسب الكر والفر في المصاولة والمحاولة تارة أثر الهارب، ~~وأخرى في مصاولة المقبل المحارب، فينشأ عنها الغبار الكثير لإثارة الهواء ~~له واصطدام بعضه ببعض لتعاكسه بقوة الدفع من قوائمها وما تحركه منه، وكان ~~المقسم به منظورا فيه إلى ذاته ونتيجة القسم منظورا فيها إلى الفعل بادىء ~~بدء مع قطع النظر بالأصالة عن الذات، عطف على اسم الفاعل بعد حله إلى أن ~~وصلتها فقال: # PageV22P212 # {فأثرن به} أي بفعل الإغارة ومكانها وزمانها من شدة العدو {نقعا *} أي ~~غبارا مع الاعناق والصياح والزجر بالعنق حتى صار ذلك الغبار منحبكا ومنعقدا ~~عليها. # ولما كان المغير يتوسط الجمع عند اختلال حالهم فيفرق شملهم لأنهم متى ~~افترقوا حصل فيهم الخلل، ومتى اختلفوا تخللهم العدو ففرق شملهم قال: {فوسطن ~~به} أي بذلك النقع أو الفعل والوقت والموضع {جمعا} أي وهو المقصود ~~بالإغارة، فدخلت في وسط ذلك الجمع لشجاعتها وقوتها وطواعيتها وشجاعة ~~فرسانها. # ولما أقسم بالخيل التي هي أشرف الحيوان كما أن الإنسان المقسم لأجله أشرف ~~ما اتصف منه بالبيان، وتجري به أفكاره كخيل الرهان، وتقدح المعاني تارة ~~مقترنة بأشرف اللمعان، وأخرى بأخس ما يقع به ms5760 الاقتران، من الزور والبهتان، ~~والإلحاد والطغيان، وتغير منه ثواقب الأذهان، تارة على شبه الخصوم ~~بالبرهان، وأخرى بما يغير به من الشبه الملتبسة في وجوه المعاني الحسان، ~~وينثر تارة المعاني الصحيحة على أهل الطغيان، # PageV22P213 # من ذوي البدع والكفران، وأخرى الفاسدة على حزب الملك الديان، وتتوسط تارة ~~جمع أولي الطغيان، وأخرى جمع أولي الإيمان، وكانت الإغارة في الغالب لأجل ~~قهر المغار عليهم على أموالهم عدوانا إن كان ذلك في غير الجهاد، وإن كانت ~~في الجهاد فقل من يخلص في ذلك الحال، فيكون عمله ليس إلا لله كما أشار إليه ~~الحديث القدسي: «إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه» قال مجيبا ~~للقسم بذكر المقسم عليه حاكما على النوع باعتبار عد المخلص لقلته عدما، ~~مؤكدا لما لهم من تكذيب ذلك فإن كل أحد يتبرأ من مثل هذا الحال: {إن ~~الإنسان} أي هذا النوع بما له من الأنس بنفسه والنسيان لما ينفعه {لربه} أي ~~المحسن إليه بإبداعه ثم إبقائه وتدبيره وتربيته {لكنود *} أي كفور نكد لسوء ~~المعاملة حيث يقدم بما أحسن به الله إليه من الصافنات الجياد وبما آتاه من ~~قوة الجنان والأركان على ما نهاه عنه، ومصدره الكنود بالضم وهو كفران ~~النعمة، فالمراد هنا - بالتعبير عنه بهذه الصيغة التي هي للمبالغة - من ~~يزدري القليل ولا يشكر الكثير، وينسى كثير النعمة بقليل المحنة، ويلوم ربه ~~في أيسر نقمة، وقال الفضيل بن عياض: هو من أنسته # PageV22P214 # الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، والشكور ضده. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: أقسم سبحانه على حال الإنسان بما هو ~~فقال: «إن الإنسان لربه لكنود» أي لكفور، يبخل بما لديه من المال كأنه لا ~~يجازي ولا يحاسب على قليل ذلك وكثيره من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وكأنه ما ~~سمع بقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره} {وإنه لحب الخير} أي المال {لشديد} لبخيل، {وإنه على ذلك لشهيد} فإن ~~الله على ذلك لمطلع فلا نظر في أمره وعاقبة مآله ms5761 {إذا بعثر ما في القبور ~~وحصل ما في الصدور} أي ميز ما فيها من الخير والشر ليقع الجزاء عليه {إن ~~ربهم بهم يومئذ لخبير} لا يخفى عليه شيء من أمرهم {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} - انتهى. # ولما كان إقدام الإنسان على الظلم عجبا، فإذا كان يشهد على نفسه بالظلم ~~كان أعجب، قال مؤكدا لما لأكثر الخلق قبل البعث والمحاققة من إنكار كفرانه: ~~{وإنه} أي الإنسان {على ذلك} أي الكنود العظيم حيث أقدم على مخالفة الملك ~~الأعظم المحسن مع الكفر لإحسانه # PageV22P215 # {لشهيد *} لأنه مقر إذا حوقق بأن جميع ما هو فيه من إحسان ربه وبأن ربه ~~نهاه عن المخالفة، أو أنه لا أمر عنده منه بما فعل، وأنه لا ينبغي لعاقل أن ~~يتحرك بحركة يمكن أن يكرهها الملك الذي هو في خدمته ولا شيء له إلا منه ~~بغير إذنه، وأنه إن تحرك بغير ذلك كان كافرا لإحسانه مستحقا لعقابه، لا ~~يقدر على إنكار شيء منه. # ولما كان من العجائب أن يكفر أحد إحسان المنعم، وهو شاهد على نفسه، ذكر ~~الحامل له على ذلك حتى هان عليه فقال: {وإنه} أي الإنسان من حيث هو مع ~~شهادته على نفسه بالكفر الذي يقتضي سلب النعم {لحب} أي لأجل حب {الخير} أي ~~المال الذي لا يعد غيره لجهله خيرا {لشديد *} أي بخيل بالمال ضابط له ممسك ~~عليه، أو بليغ القوة في حبه لأن منفعته في الدنيا وهو متقيد بالعاجل الحاضر ~~المحسوس مع علمه بأن أقل ما فيه أنه يشغله عن حسن الخدمة لربه وهو معرض عن ~~الدين حيث كانت منفعته آجلة غائبة مع علمه بأن المعرف بما يرضى من خدمة ربه ~~الحاث عليها الداعي إليها فهو لحب عبادة الله ضعيف متقاعس، وكان حبه الخير ~~يقتضي عنه الشكر الذي يتقاضى الزيادة، ولا يتخيل أن شديدا عامل في الحب لأن ~~ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها، وإنما ذلك المتقدم دليل على المعمول ~~المحذوف. # PageV22P216 # ولما كان المال فانيا لا ينبغي ms5762 لعاقل أن يعلق أمله به فضلا عن أن يؤثرة ~~على الباقي، نبهه على ذلك بتهديد بليغ، فقال مسببا عن ذلك معجبا، موقفا له ~~على ما يؤول إليه أمره: {أفلا يعلم} أي هذا الإنسان الذي أنساه أنسه بنفسه. # ولما كان الحب أمرا قلبيا، لا يطلع عليه إلا عالم الغيب، وكان البعث من ~~عالم الغيب، وكان أمرا لا بد منه، وكان المخوف مطلق كونه، لم يحتج إلى ~~تعيين الفاعل، فبنى للمفعول قوله مهددا مؤذنا بأنه شديد القدرة على إثارة ~~الخفايا، معلقا بما يقدره ما يؤول إليه أمره من أن الله يحاسبه ويجازيه على ~~أعماله، وأنه لا ينفعه مال ولا غيره، ولا ينجيه إلا ما كان من أعماله ~~موافقا لأمر ربه مبنيا على أساس الإيمان واقعا بالإخلاص: {إذا بعثر} أي ~~أثير بغاية السهولة وأخرج وفرق ونظر وفتش بغاية السهولة. # ولما كان الميت قبل البعث جمادا، عبر عنه بأداة ما لا يعقل فقال: {ما في ~~القبور *} أي أخرج ما فيها من الموتى الذين تنكر العرب بعثهم فنشروا ~~للحساب، أو من عظامهم ولحومهم وأعصابهم وجلودهم وجميع أجسامهم، وقلب بعضه ~~على بعض حتى أعيد كل شيء منه على ما كان عليه، ثم أعيدت إليه الروح، فكان ~~كل أحد على ما مات عليه. # PageV22P217 # ولما كان المخوف إنما هو ما يتأثر عن البعث من الجزاء على الأعمال ~~الفاسدة قال: {وحصل} أي أخرج وميز وجمع فعرف أنه معلوم كله بغاية السهولة ~~كما أشار البناء للمفعول {ما في الصدور *} أي من خير أو شر مما يظن مضمره ~~أنه لا يعلمه أحد أصلا، وظهر مكتوبا في صحائف الأعمال، وهذا يدل على أن ~~النيات يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها. # ولما كان علم ما في الصدور أمرا باهرا للعقل، قال جامعا نظرا إلى المعنى ~~لما عبر عنه بالإفراد بالنظر إلى اللفظ، لأن العلم بالكل يلازمه العلم ~~بالبعض بخلاف العكس مؤكدا إشارة إلى أنه مما لا يكاد يصدق، معللا للجملة ~~المحذوفة الدالة على الحساب: {إن ربهم} أي المحسن إليهم بخلقهم ms5763 وزرقهم ~~وتربيتهم وجعلهم أقوياء سويين {بهم} قدم هذا الجار والمجرور لا للاختصاص، ~~بل للاشارة إلى نهاية الخبر. ولما كانت الخبرة للإحاطة بالشيء ظاهرا ~~وباطنا، وكان يلزم من الخبرة بالشيء بعد كونه بمدد طوال الخبرة به حال كونه ~~من باب الأولى قال: {يومئذ} أي إذ كانت هذه الأمور وهو يوم القيامة {لخبير ~~*} أي محيط بهم من جميع الجهات عالم غاية العلم ببواطن أمورهم، فكيف # PageV22P218 # بظواهرها جواهر وأعراضا، أقوالا وأفعالا، خفية كانت أو ظاهرة، سرا كانت ~~أو علانية، خيرا كانت أو شرا، ومن المعلوم أن فيها الظلم وغيره، ومنهم ~~المحسن وغيره، فلأجل علمه سبحانه بذلك غاية العلم يحاسبهم لئلا يقع ما ~~ينافي الحكمة وهو أن تستوي الحسنة والسيئة، فالقصد بالقيد وتقديم الظرف ~~الإبلاغ في التعريف بأنه سبحانه وتعالى محيط العلم بذلك كما إذا قيل لك: ~~تعرف فلانا؟ فقلت: ولا أعرف إلا هو، فإن قصدك بذلك أن معرفتك به في غاية ~~الإتقان، لا نفي معرفة غيره، وفيه إشعار بأن كل أحد يعرف غاية المعرفة في ~~ذلك اليوم أنه سبحانه وتعالى عالم بأحواله لا ذهول له عن شيء من ذلك كما ~~يقع في هذه الدار من أن الإنسان يعمل أشياء كثيرة وهو غافل عن أن ربه ~~سبحانه مطلع عليه فيها، ولو نبه لعلم، فلإحاطته سبحانه وتعالى بجميع ~~أحوالهم كان عالما بأن الإنسان لربه لكنود، وقد رجع آخرها إلى أولها، وتكفل ~~مفصلها بشرح مجملها - والله الهادي للصواب. # PageV22P219 # سورة القارعة # مقصودها إيضاح يوم الدين بتصوير ثواني أحواله في مبدئه ومآله، وتقسيم ~~الناس فيه إلى ناج وهالك، واسمها القارعة واضح في ذلك) بسم الله (الملك ~~الأعلى) الرحم، (الذي عمت نعمة إيجاده وبيانه جميع الورى) الرحيم (الذي خص ~~أهل حزبه بالتوفيق لما يجب ويرضى. # PageV22P220 # لما ختم العاديات بالبعث ذكر صيحته فقال: { ### | القارعة # *} أي الصيحة أو القيامة، سميت بها لأنها تقرع أسماع الناس وتدقها دقا ~~شديدا عظيما مزعجا بالأفزاع، والأجرام الكثيفة بالتشقق والانفطار، والأشياء ~~الثابتة بالانتثار. # ولما كانت تفوق الوصف في عظم شأنها وجليل سلطانها، عبر عن ذلك وزاده ms5764 عظما ~~بالإلهام والإظهار في موضع الإضمار مشيرا بالاستفهام إلى أنها مما يستحق ~~السؤال عنه على وجه التعجيب والاستعظام فقال: {ما القارعة} وأكد تعظيمها ~~إعلاما - # PageV22P220 # بأنه مهما خطر ببالك من عظمها فهي أعظم منه فقال: {وما أدراك} أي وأي شيء ~~أعلمك وإن بالغت في التعرف، وأظهر موضع الإضمار لذلك فقال: {ما القارعة *} ~~أي أنك لا تعرفها لأنك لم تعهد مثله. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال الله سبحانه وتعالى: «أفلا يعلم ~~إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور» كان ذلك مظنة لأن يسأل: متى ذلك؟ ~~فقيل: يوم القيامة الهائل الأمر، الفظيع الحال، الشديد البأس، والقيامة هي ~~القارعة، وكررت تعظيما لأمرها كما ورد في قوله تعالى {الحاقة ما الحاقة} ~~[الحاقة: 1 - 2] وفي قوله سبحانه: {فغشيهم من اليم ما غشيهم} [طه: 78] ثم ~~زاد عظيم هوله إيضاحا بقوله تعالى {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث} ~~والفراش ما تهافت في النار من البعوض، والمبثوث: المنتشر {وتكون الجبال ~~كالعهن المنفوش} والعهن: الصوف المصبوغ، وخص لإعداده للغزل إذ لا يصبغ ~~لغيره بخلاف الأبيض فإنه - لا يلزم فيه ذلك، ثم ذكر حال الخلق في وزن ~~الأعمال وصيرورة كل فريق إلى ما كتب له وقدر - انتهى. # ولما ألقى السامع جميع فكره إلى تعرف أحوالها، قال ما تقديره: تكون {يوم ~~يكون} أي كونا كأنه جبلة {الناس} أي الذين حالهم # PageV22P221 # النوس على كثرتهم واختلاف ذواتهم وأحوالهم ومراتبهم ومقاديرهم وانتشارهم ~~بعد بعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور {كالفراش} أي صغار الجراد لأنها ~~تتفرش وتتهافت على النار، أو هو طير غير ذلك لا دم له، يتساقط في النار ~~وليس ببعوض ولا ذباب، وقال حمزة الكرماني: شبههم بالفراش التي تطير من هنا ~~ومن هنا ولا تجري على سمت واحد وهي همج يجتلبها السراج، وقال غيره: وجه ~~الشبه الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما ~~تتطاير الفراش، وكثرة التهافت في النار وركوب بعضهم بعضا - وموج بعضهم في ~~بعض من شدة الهول كما قال تعالى {كأنهم جراد منتشر} [القمر: ms5765 7] {المبثوث *} ~~أي المنتشر المتفرق. # ولما كانت الجبال أشد ما تكون، عظم الرهبة بالإخبار بما يفعل بها فقال ~~تعالى: {وتكون الجبال} على ما هي عليه من الشدة والصلابة وأنها صخور راسخة ~~{كالعهن} أي الصوف المصبغ لأنها ملونة كما قال تعالى: # {ومن الجبال جدد بيض وحمر} [فاطر: 27] أي وغير ذلك {المنفوش *} أي ~~المندوف المفرق الأجزاء الذي ليس هو بمتلبد شيء منه على غيره، # PageV22P222 # فتراها لذلك متطايرة في الجو كالهباء المنثور حتى تعود الأرض كلها لا عوج ~~فيها ولا أمتا. # ولما كان اليوم إنما يوصف لأجل ما يقع فيه، سبب عن ذلك قوله مفصلا لهم: ~~{فأما من ثقلت} أي بالرجحان. ولما كانت الموزونات كثيرة الأنواع جدا، جمع ~~الميزان باعتبارها فقال: {موازينه *} أي مقادير أنواع حسناته باتباع الحق ~~لأنه ثقيل في الدنيا واجتناب الباطل، والموزون الأعمال أنفسها تجسدا ~~وصحائفها {فهو} بسبب رجحان حسناته {في عيشة} أي حياة تتقلب فيها، ولعله ~~ألحقها الهاء الدالة على الوحدة - والمراد العيش - ليفهم أنها على حالة ~~واحدة - في الصفاء واللذة وليست ذات ألوان كحياة الدنيا {راضية *} أي ذات ~~رضى أو مرضية لأن أمه - جنة عالية {وأما من خفت} أي طاشت {موازينه *} أي ~~بأن غلبت سيئاته أو لم تكن له حسنة لاتباعه الباطل وخفته عليه في الدنيا ~~{فأمه} أي التي تؤويه وتضمه إليها كما يقال للأرض: أم - لأنها تقصد لذلك، ~~ويسكن إليها كما يسكن إلى الأم، وكذا المسكن، وهو يفهم أنه مخلوق منها غلب ~~عليه طبع الشيطان لكون العنصر الناري أكثر أجزائه، وعظمها بالتنكير ~~والتعبير بالوصف المعلم بأنه لا قرار لها فقال: {هاوية *} أي نار نازلة ~~سافلة جدا فهو بحيث لا يزال يهوي فيها نازلا وهو في عيشة ساخطة، فالآية من ~~الاحتباك، ذكر العيشة أولا دليلا على حذفها ثانيا، وذكر # PageV22P223 # الأم ثانيا دليلا على حذفها أولا. # ولما كانت مما يفوت الوصف بعظيم أهوالها وشديد زلزالها، جمع الأمر فيها ~~فقال منكرا أن يكون مخلوق يعرف وصفها: {وما أدراك} أي وأي شيء أعلمك وإن ~~اشتد تكلفك {ما هيه *} أي الهاوية لأنه لم ms5766 يعهد أحد مثلها ليقيسها عليه، ~~وهاء السكت إشارة إلى إن ذكرها مما يكرب القلب حتى لا يقدر على الاسترسال ~~في الكلام أو إلى - أنها مما ينبغي للسامع أن يقرع بهذا الاستفهام عنها ~~سمعه فيسكت لسماع الجواب وفهمه غاية السكوت ويصغي غاية الإصغاء. # ولما هولها بما ذكر، أتبعها ما يمكن البشر معرفته من وصفها فقال {نار ~~حامية *} أي قد انتهى حرها، هذا ما تتعارفونه بينكم، وأما التفاصيل فأمر لا ~~يعلمه إلا الله تعالى، وهذا نهاية القارعة، فتلاؤم الأول للآخر واضح جدا ~~وظاهر - والله أعلم. # PageV22P224 # سورة التكاثر # مقصودها التصريح بما أشارت إليه العاديات من أن سبب الهلاك يوم الجمع. ~~الذي صورته القارعة. الجمع للمال، والإخلاد إلى دار الزوال، واسمها واضح ~~الدلالة على ذلك) بسم الله (ذي الجلال والإكرام) الرحمن (الذي عم بالإنعام، ~~بالبيان - بعد الاتهام، والإيجاد بعد الإعدام) الرحيم (الذي خص أهل وده ~~بدوةام نعمتهم بالإتمام. # PageV22P225 # ولما أثبت في القارعة أمر الساعة، وقسم الناس فيها إلى شقي وسعيد، وختم ~~بالشقي، افتتح هذه بعلة الشقاوة ومبدأ الحشر لينزجر السامع عن هذا السبب ~~ليكون من القسم الأول، فقال ما حاصله: انقسمتم فكان قسم منكم هالكا لأنه ~~{ألهكم} أي أغفلكم إلا النادر منكم غفلة عظيمة عن الموت الذي هو وحده كاف ~~في البعث على الزهد فكيف بما بعده { ### | التكاثر # *} وهو المباهاة والمفاخرة بكثرة الأعراض الفانية من متاع الدنيا: المال ~~والجاه والبنين ونحوها مما هو شاغل عن الله، فكان ذلك موجبا لصرف الهمة ~~كلها إلى الجمع، فصرفكم ذلك إلى اللهو، فأغفلكم # PageV22P225 # عما أمامكم من الآخرة والدين الحق وعن ذكر ربكم وعن كل ما ينجيكم من ~~سخطه، أو عن المنافسة في الأعمال الموصلة إلى أعلى الدرجات بكثرة الطاعات، ~~وذلك كله لأنكم لا تسلمون بما غلب عليكم من الجهل الذي سببه شهوة النفس وحب ~~الراحة فخفت موازينكم، وحذف هذا الشيء الملهو عنه لتعظيمه والدلالة على أنه ~~ليس غيره مما يؤسف على اللهو عنه. # ولما كانوا ينكرون البعث، ويعتقدون دوام - الإقامة في القبور، عبر ~~بالزيارة إشارة إلى أن البعث ms5767 لا بد منه ولا مرية فيه، وأن اللبث في البرزخ ~~وإن طال فإنما هو كلبث الزائر عند مزوره في جنب الإقامة بعد البعث في دار ~~النعيم أو غار الجحيم، وأن الإقامة فيه محبوبة للعلم بما بعده من الأهوال ~~والشدائد والأوجال، فقال: {حتى} أي استمرت مباهاتكم ومفاخرتكم إلى أن {زرتم ~~المقابر *} أي بالموت والدفن، فكنتم فيها عرضة للبعث لا تتمكنون من عمل ما ~~ينجيكم لأن دار العمل فاتت كما أن الزائر ليس بصدد العلم عند المزور، لا ~~يمكثون بها إلا ريثما يتكمل المجموعون بالموت كما أن الزائر معرض للرجوع # PageV22P226 # إلى داره وحل قراره، فلو لم يكن لكم وازع عن الإقبال على الدنيا إلا ~~الموت لكان كافيا فكيف والأمر أعظم من ذلك؟ فإن الموت مقدمة من مقدمات ~~العرض، قال أبو حيان: سمع بعض الأعراب الآية فقال: بعث القوم للقيامة ورب ~~الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم، وروى ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد ~~العزيز أنه قرأها ثم قال: ما أرى المقابر إلا زيارة، ولا بد لمن زار أن ~~يرجع إلى بيته، إما إلى الجنة أو إلى النار. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم ذكر القارعة وعظيم أهوالها، ~~أعقب بذكر ما شغل وصد عن الاستعداد لها وألهى عن ذكرها، وهو التكاثر بالعدد ~~والقرابات والأهلين فقال: {ألهاكم التكاثر} وهو في معرض التهديد والتقريع ~~وقد أعقب بما يعضد ذلك وهو قوله {كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون} ثم ~~قال: {كلا لو تعلمون علم اليقين} وحذف جواب «لو» والتقدير: لو تعلمون علم ~~اليقين لما شغلكم التكاثر، قال صلى الله عليه وسلم: # «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» الحديث، وقوله تعالى ~~«لترون الجحيم» جواب لقسم مقدر أي والله لترون الجحيم، وتأكد بها التهديد ~~وكذا ما بعد # PageV22P227 # إلى آخر السورة - انتهى. # ولما كان الاشتغال بالتكاثر في غاية الدلالة على السفه لأن من المعلوم ~~قطعا أن هذا الكون على هذا النظام لا يكون إلا بصانع حكيم، وكان العقلاء ~~المنتفعون بالكون في غاية التظالم، ms5768 وكان الحكيم لا يرضى أصلا أن يكون عبيده ~~يظلم بعضهم بعضا ثم لا يحكم بينهم ولا ينظر في مصالحهم علم قطعا أنه يبعثه ~~ليحكم بينهم لأنه كما قدر على إبدائهم يقدر على إعادتهم، وقد وعد بذلك ~~وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، فثبت ذلك ثبوتا لا مرية فيه ولا مزيد عليه، ~~وكان الحال مقتضيا لأن يردع غاية الردع من أعرض عما يعنيه وأقبل على ما لا ~~يعنيه، فقال سبحانه معبرا بأم الروادع، وجامعة الزواجر والصوادع: {كلا} أي ~~ارتدعوا أتم ردع وانزجروا أعظم زجر عن الاشتغال بما لا يجدي، فإنه ليس ~~الأمر كما تظنون من أن الفخر في المكاثرة بالأعراض الدنيوية ولم تخلقوا ~~لذلك، إنما خلقتم لأمر عظيم، فهو الذي يهمكم فاشتغلتم عنه بما لا يهمكم - ~~فكنتم لاهين كمن كان يكفيه كل يوم درهم فاشتغل بتحصيل أكثر، وكذا من ترك ~~المهم من التفسير واشتغل بالأقوال الشاذة أو ترك المهم من الفقه واشتغل ~~بنوادر الفروغ وعلل النحو وغيرها وترك # PageV22P228 # ما هو أهم منه مما لا عيش له إلا به. # ولما كان الردع لا يكون إلا عن ضار يجر وبالا وحسرة، دل على ذلك بقوله ~~استئنافا: {سوف} أي بعد مهلة طويلة يتذكر فيها من تذكر {تعلمون *} أي يتجدد ~~لكم العلم بوعد لا خلف فيه بما أنتم عليه من الخطإ عند معاينة ما يكشفه ~~الموت ويجر حزنه الفوت من عاقبة ذلك ووباله. # ولما كان من الأمور ما لو شرح شأنه على ما هو عليه لطال وأدى إلى الملال، ~~دل على أن شرح هذا الوعيد مهول بقوله مؤكدا مع التعبير بأداة التراخي ~~الدالة على علو الرتبة: {ثم كلا} أي ارتدعوا ارتداعا أكبر من ذلك لأنه {سوف ~~تعلمون *} أي يأتيكم العلم من غير شك وإن تأخر زمنه يسيرا بالبعث. # ولما كان هذا أمرا صادعا، أشار إلى أنه يكفي هذه الأمة المرحومة التأكيد ~~بمرة، فقال مرددا للأمر بين تأكيد الردع ثالثا بالأداة الصالحة له ولأن ~~تكون لمعنى - حقا كما يقوله ائمة القراءة: {كلا} أي - ليشتد ارتداعهم عن ms5769 ~~التكاثر فإنه أساس كل بلاء فإنكم {لو تعلمون} أيها المتكاثرون. # ولما كان العلم قد يطلق على الظن رفع مجازه بقوله: {علم اليقين *} أي لو ~~يقع لكم علم على - وجه اليقين # PageV22P229 # مرة من الدهر لعلمتم ما بين أيديكم، فلم يلهكم التكاثر ولضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون - فحذف هذا الجواب بعد حذف ~~المفعول للتفخيم فهو إشارة إلى أنه لا يقين غيره، والمعنى أن أعمالكم أعمال ~~من لا يتيقنه، قال الرازي: واليقين مركب الأخذ في هذا الطريق، وهو غاية ~~درجات العامة، وأول خطوة الخاصة، قال عليه الصلاة والسلام: «خير ما ألقي في ~~القلب اليقين» وعلم قبول ما ظهر من الحق وقبول ما غاب للحق والوقوف على ما ~~قام بالحق، والآية من الاحتباك: ذكر الإلهاء أولا وحذف سببه وهو الجهل ~~لدلالة الثاني عليه، وذكر ثانيا العلم الذي هو الثمرة وحذف ما يتسبب عنه من ~~عدم اللهو الذي هو ضد الأول، وزاد في التفخيم لهذا الوعيد بإيضاح المتوعد ~~به بعد إبهامه مع قسم دل عليه بلامه، فقال: {لترون} أي بالمكاشفة وعزتنا، ~~ولا يصح أن يكون هذا جوابا لما قبله لأنه محقق {الجحيم *} أي النار التي ~~تلقى المعذبين بها بكراهة وتغيظ وعتو وشديد توقد، فالمؤمن يراها وينجو منها ~~سواء خالطها أم لا والكافر يخلد فيها. # ولما كان هذا توعدا على التكاثر لأنه يقتضي الإعراض عن الآخرة # PageV22P230 # فيوقع في غمرات البلايا الكبار، أكد فقال مفخما له بحرف التراخي: {ثم ~~لترونها} وعزة الله، ورقي العلم عن رتبة الأول فقط فقال تعالى: {عين اليقين ~~*} أي الرؤية التي هي نفس اليقين، وذلك هو المعاينة بغاية ما يكون من صفاء ~~العلم لكونه لا ريبة فيه فإن المشاهدة أعلى أنواع العلم، قال الرازي: وهو ~~المغني بالاستدراك عن الاستدلال، وعن الخبر بالعيان، وخرق الشهود حجاب - ~~العلم - انتهى. ويجوز أن يكون هذا الثاني بالملامسة والدخول، فالمؤمن وارد ~~والكافر خالد. # ولما كان من أهول الخطاب التهديد برؤية العذاب، زاد في التخويف بأنه لأجل ~~أن يكون ما يعذب به العاصي عتيدا، فإذا أوجب ms5770 السؤال النكال كان حاضرا لا ~~مانع من إيقاعه في الحال، ولو لم يكن حاضرا كان لمن استحقه في مدة إحضاره ~~محال، فقال مفخما بأداة التراخي: {ثم} أي بعد أمور طويله عظيمة مهولة جدا ~~{لتسئلن} وعزتنا {يومئذ} أي إذ ترون الجحيم {عن النعيم *} أي الذي أداكم ~~التكاثر إليه حتى عن الماء البارد في الصيف والحار في # PageV22P231 # الشتاء هل كان استمتاعكم به على وجه السرف لإرادة الترف أو كان لإرادة ~~القوة للنشأة إلى الخير فلم يخرج عن السرف، فالمؤمن المطيع يسأل سؤال ~~تشريف، والعاصي يسأل سؤال توبيخ وتأفيف، ولام النعيم قد تكون لمطلق الجنس ~~وإليه يشير حديث أبي هرير رضي الله عنه عند الترمذي وغيره أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ضاف أبا الهيثم بن التيهان مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ~~فأطعمهم بسرا ورطبا وسقاهم ماء باردا وبسط لهم بساطا في ظل، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # «إن هذا من النعيم الذي تسألون عنه: ظل بارد ورطب طيب وماء بارد» وقد ~~يكون للكمال فيكون من أعلام النبوة كما في حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه ~~عند أحمد من وجه حسن إن شاء الله أنهم قالوا عند نزولها: أي نعيم وإنما هما ~~الأسودان: التمر والماء، وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر، قال: «إن ذلك ~~سيكون» له شاهد عند الطبراني عن ابن الزبير رضي الله عنهما، وعند الطبراني ~~أيضا عن الحسن البصري مرسلا، فقد التحم آخرها بأولها على وجه هو من ألطف ~~الخطاب، وأدق المسالك في النهي عما يجر إلى العذاب، لأن العاقل إذا علم أن ~~بين يديه سؤالا عن كل ما يتلذذ به علم أنه يعوقه # PageV22P232 # ذلك في زمن السؤال عن لذاذات الجنة العوال الغوال، فكان خوفه من مطلق ~~السؤال مانعا له عن التنعم بالمباح فكيف بالمكروه فكيف ثم كيف بالمحرم؟ ~~فكيف إذا كان السؤال من ملك تذوب لهيبته الجبال؟ فكيف إذا كان السؤال على ~~وجه العتاب؟ فكيف إذا جر إلى العذاب؟ فتأمل كلام خالقك ما ألطف إشاراته ~~وأجل عباراته، ms5771 في نذاراته وبشاراته - والله أرحم. # PageV22P233 # (سورة العصر) # قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: إنها سورة لو لم ينزل إلى الناس ~~إلا هي لكفتهم، وهو معنى قول غيره: " إنها شملت جميع علوم القرآن، مقصودها ~~تفضيل نوع الإنسان المخلوق من علق، وبيان خلاصته وعصارته وهم الحزب الناجي ~~يوم السؤال عن زكاء الأعمال بعد الإشارة إلى أضدادهم، والإعلام بما ينجي من ~~الأعمال والأحوال بترك الفاني والإقبال على الباقي لأنه خلاصة اتلكون ولباب ~~الوجود، واسمها العصر واضح في ذلك فإن العصر يخلص روح المعصور ويميز ~~صفاوته، ولذلك كان وقت هذا النبي الخاتم الذي هو خلاصة الخلق وقت العصر، ~~وكانت صلاة العصر أفضل الصلوات، وبيان اشتمالها على علوم القرآن تنزيل ~~جملتها على ما قال الغزالي: إن القرآن كالبحر الذي فيه جزائر # PageV22P234 # بها معادن ستة، منها أربعة مهمة: مهمان منها هما ياقوت أفخر فأحمره للعلم ~~بالله، وأخضره لصفاته، وأزرقه لأفعاله، وزمرد أخضر هو العلم باليوم الآخر ~~وما فيه، ومهمان أولهما در أنضر وهو العلم بالعبادات المقربة إليه سبحانه ~~وتعالى، وثانيهما مسك أذفر، وهو العلم بالعبادات التي بها تهيأ العبادات، ~~ومتمان وهما درياق أكبر وهو العلم بإزاحة الشكوك، والشبه والأوهام لأنها ~~سموم ومهلكة للدين، وعنبر أشهب وهو الاعتبار بمن هلك باجتناب ما كان سبب ~~هلاكه، والاقتفاء بمن نجا باتباع ما كان سبب نجاته، فالجملة الأولى للعنبر ~~لأن فيها شم روائح الهالك وضده الناجي، وبدئ بها لأن درء المفاسد مقدم على ~~جلب المصالح، والجملة الثانية للياقوت بصفاته الثلاث والزمرد، والثالثة ~~للدر والمسك، وهخما عبادات مقصودة، وعادات وسيلة إليها ممدودة، والرابعة ~~للدرياق لأن الشبه والشكوك إنما هي من أوهام عاطلة وخيالات باطلة، والخامسة ~~وسيلة إليها ومتمة لها لأن معرفة ذلك واجتنابه لا يكون إلا ببذل الجهد في ~~الصبر) بسم الله (الذي كل شيء هالك إلا وجهه) الرحمن (الذي عم بالنعمة البر ~~والفاجر فليس شيء شبهه) الرحيم (الذي خص بإتمام النعمة أولياءه، فكانوا ~~للدهر غرة ولأهله جبهة. # PageV22P235 # لما كانت لذة هذه الدنيا الظاهرة التنعم بما فيها من المتاع، وكان ms5772 ~~الإنسان مسؤولا بما شهد به، ختم التكاثر عن ذلك النعيم متوعدا برؤية ~~الجحيم، فكان ساكن هذه الدار على غاية الخطر، فكان نعيمه في غاية الكدر، ~~قال دالا على ذلك بأن أكثر الناس هالك، مؤكدا بالقسم والأداة لما للأغلب من ~~التكذيب لذلك إما بالمقال أو بالحال: {و ### | العصر # *} أي الزمان الذي خلق فيه أصله آدم عليه الصلاة والسلام وهو في عصر يوم ~~الجمعة كما ورد في الحديث الصحيح في مسلم، أو الصلاة الوسطى أو وقتها الذي ~~هو زمان صاحب هذا الشرع الذي مقداره فيما مضى من الزمان بمقدار وقت العصر ~~من النهار أو بعضه، أو زمان كل أحد الذي هو الخلاصة بالنسبة إليه تنبيها له ~~على نفاسته إشارة إلى اغتنام إنفاقه في الخير إشفاقا من الحشر، أو وقت ~~الأصيل لأنه أفضله بما يحويه من الفراغ من الأشغال واستقبال الراحة والحصول ~~على فائدة ما أنفق فيه ذلك النهار، وبما دل عليه من طول الساعة وربح من كان ~~له فيها بضاعة باختتام الأعمال وتقوض النهار، والدال على البعث، أو جميع ~~الدهر الذي أوجد فيه سبحانه وتعالى المخلوقات وقدر فيه المقدورات بما ظهر ~~فيه من العجائب الدالة على ما لله # PageV22P236 # تعالى من العز والعظمة الداعي إلى صرف الهمة إليه وقصرها عليه: {إن ~~الإنسان} أي هذا النوع الذي هو أشرف الأنواع لكونه في أحسن تقويم كما أن ~~العصر خلاصة الزمان، والعصر يكون لاستخراج خلاصات الأشياء {لفي خسر *} أي ~~نقص بحسب مساعيهم في أهوائهم وصرف أعصارهم في أغراضهم لما لهم بالطبع من ~~الميل إلى الحاضر والإعراض عن الغائب والاغترار بالفاني أعم من أن يكون ~~الخسر قليلا أو جليلا بحسب تنوع الناس إلى أكياس وأرجاس، فمن كان كافرا كان ~~في كفران، ومن كان مؤمنا عاصيا كان في خسران إن كان بالغا في المعصية وإلا ~~كان في مطلق الخسر، وهو مدلول المصدر المجرد، وفي هذا إشارة إلى العلم ~~بالاحتياج إلى إرسال الرسل لبيان المرضي لله من الاعتقادات والعبادات ~~إيمانا وإسلاما وإدامة لذلك ليكون فاعله من قبضة اليمين وتاركه ms5773 من أصحاب ~~الشمال. # وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما قال تعالى: {ألهاكم التكاثر} وتضمن ~~ذلك الإشارة إلى قصور نظر الإنسان وحصر إدراكه في العاجل دون الآجل الذي ~~فيه فوزه وفلاحه، وذلك لبعده عن العلم بموجب الطبع {إنه كان ظلوما جهولا} ~~[الأحزاب: 72] أخبر سبحانه أن ذلك شأن الإنسان بما # PageV22P237 # هو إنسان فقال {والعصر إن الإنسان لفي خسر} فالقصور شأنه، والظلم طبعه، ~~والجهل جبلته، فيحق أن يلهيه التكاثر، ولا يدخل الله عليه روح الإيمان {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى آخرها، فهؤلاء الذين # {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] انتهى. # ولما كان الحكم على الجنس حكما على الكل لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا ~~ذلك، وكان فيهم من خلصه الله سبحانه وتعالى مما طبع عليه الإنسان بجعله في ~~أحسن تقويم، وحفظه عن الميل مع ما فيه من النقائص، استثناهم سبحانه وتعالى ~~لأنهم قليل جدا بالنسبة إلى أهل الخسر فقال دالا بالاستثناء على أن النفوس ~~داعية إلى الشر مخلدة إلى البطالة واللهو، فالمخلص واحد من ألف كما في ~~الحديث الصحيح {إلا الذين آمنوا} أي أوجدوا الإيمان وهو التصديق بما علم ~~بالضرورة مجيء النبي صلى الله عليه وسلم به من توحيده سبحانه وتعالى ~~والتصديق بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولعل حكمة التعبير بالماضي ~~الحث على الدخول في الدين ولو على أدنى الدرجات، والبشارة لمن فعل ذلك ~~بشرطه بالنجاة من الخسر. # PageV22P238 # ولما كان الإنسان حيوانا ناطقا، وكان كمال حيوانيته في القوة العملية ~~للحركة بالإرادة لا بمقتضى الشهوة القاسرة البهيمية قال تعالى: {وعملوا} أي ~~تصديقا بما أقروا به من الإيمان {الصالحات} أي هذا الجنس، وهو اتباع ~~الأوامر واجتناب النواهي في العبادات كالصلاة والعادات كالبيع فكانوا بهذا ~~مسلمين بعد أن كانوا مؤمنين فاشتروا الآخرة بالدنيا فلم يلههم التكاثر، ~~ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية فلم يلقهم شيء من الخسر. # ولما كان الإنسان بعد كماله في نفسه بالأعمال لا ينتفي عنه مطلق الخسر - ~~إلا بتكميل غيره، وحينئذ يكون وارثا لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~بعثوا ms5774 للتكميل، وكان الدين لا يقوم، وإذا قام لا يتم إلا بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر الناشىء عن نور القلب، ولا يتأتى ذلك إلا بالاجتماع، قال ~~مخصصا لما دخل في الأعمال الصالحة تنبيها على عظمه: {وتواصوا} أي أوصى ~~بعضهم بعضا بلسان الحال أو المقال: {بالحق} أي الأمر الثابت، وهو كل ما حكم ~~الشرع بصحته فلا يصح بوجه نفيه من قول أو عمل أو اعتقاد أو غيره من فعل أو ~~ترك، فكانوا محسنين، والتكميل في القوة العملية باجتلاب الخيور. # PageV22P239 # ولما كان الإنسان ميالا إلى النقصان، فكان فاعل ذلك الإحسان معرضا للشنآن ~~من أهل العدوان، وهم الأغلب في كل زمان، قال تعالى: {وتواصوا} لأن الإنسان ~~ينشط بالوعظ وينفعه اللحظ واللفظ {بالصبر} أي الناشىء عن زكاة النفس على ~~العمل بطاعة الله من إحقاق الحق وإبطال الباطل والنفي له والمحق وعلى ما ~~يحصل بسبب ذلك من الأذى باجتناب الشرور إلى الممات الذي هو سبب موصل إلى ~~دار السلام، فكانوا مكملين للقوة العملية حافظين لما قبلها من العلمية، ~~وذلك هو حكمة العبادات فإن حكمة الشيء هي الغاية والفائدة المقصودة منه، ~~وهي هنا أمران: خارج عن العامل وهو الجنة، وداخل قائم به وهو النور المقرب ~~من الحق سبحانه وتعالى، واختير التعبير بالوصية إشارة إلى الرفق في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، واستعمال اللين بغاية الجهد، والصبر هو خلاصة ~~الإنسان وسره وصفاوته وزبدته وعصارته، الذي لا يوصل إليه إلا بضغط الإنسان ~~لنفسه وقسرها على أفعال الطاعة وقهرها على لزوم السنة والجماعة حتى يصير ~~الصبر لها بالتدريب عادة وصناعة، فقد عانق آخرها أولها، وواصل مفصلها ~~موصلها، # PageV22P240 # وهي أربع عشرة كلمة تشير إلى أن في السنة الرابعة عشرة من النبوة يكون ~~الإذن في الجهاد الذي هو رأس الأمر بالمعروف بالفعل لإظهار الحق وهي سنة ~~الهجرة التي تم فيها بدره، وعم نوره وقدره، وجم عزه ونصره، فإذا ضممت إليها ~~أربع كلمات البسملة كانت موازية في العدد لسنة خمس من الهجرة، وكان فيها ~~غزوة بدر الموعد وغزوة الأحزاب، وقد وقع فيهما أتم ms5775 الصبر من النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم ممن وافقه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم لإظهار الحق ~~والصواب، فإنهم في بدر خذلوا من ركب عبد القيس أو من نعيم بن مسعود وموافقة ~~المنافقين وخوفوا حتى كاد يعمهم الرعب والفشل، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # «والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد» وأنزل الله فيها {الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا} [آل عمران: ~~173] الآيات، وفي الأحزاب زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وأسفرت عاقبة ~~الصبر فيها عما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذهابهم: «الآن نغزوهم ولا ~~يغزوننا» فإذا ضممت إليها الضمائر الأربعة أشارت إلى سنة تسع، وقد كانت ~~فيها غزوة تبوك وهي غزوة العسرة لما كان # PageV22P241 # فيها من الشدة التي أسفرت عاقبة الصبر فيها عن إقبال الوفود، بفخامة العز ~~والجدود وتواتر السعود، بلطف الرحيم الودود، وبذلك كان نور الوجود، وتواتر ~~الفضل والجود من الإله المعبود - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه خيار ~~الوجود. # PageV22P242 # سورة الهمزة # مقصودها بيان الحزب الأكبر الخاسر الذي أهاه التكاثر، فبانت خسارته يوم ~~القارعة الخافضة الرافعة، واسمها الهمزة ظاهر الدلالة على ذلك) بسم الله ~~(الذي له تمام العز وهو الحكم العدل) الرحمن (الذي عم ظاهر نعمته أهل البخل ~~وأولي البذل) الرحيم (الذي أتم نعمته على من شاء من عباده فخصهم بالفضل. # PageV22P243 # لما بين الناجين من قسمي الإنسان في العصر، وختم بالصبر، حصل تمام التشوف ~~إلى أوصاف الهالكين، فقال مبينا لأضلهم وأشقاهم الذي الصبر على أذاه في ~~غاية الشدة ليكون ما أعد له من العذاب مسلاة للصابر: {ويل} أي هلاك عظيم ~~جدا {لكل همزة} أي الذي صار له الهمز عادة لأنه خلق ثابت في جبلته وكذا ~~{لمزة *} والهمز الكسر كالهزم، واللمز الطعن - هذا أصلهما، ثم خصا بالكسر ~~من أعراض الناس والطعن فيهم، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة: ### | الهمزة # الذي يشتم الرجل علانية، ويكسر عينيه عليه ويهمز به، واللمزة الذي # PageV22P243 # يعيب الناس سرا - انتهى. وقال البغوي: وأصل الهمز ms5776 الكسر والعض على الشيء ~~بالعنف، والذي دل على الاعتياد صيغة فعل بضم وفتح كما يقال ضحكة للذي يفعل ~~الضحك كثيرا حتى صار عادة له وضرى به، والفعلة بالسكون للمفعول وهو الذي ~~يهمزه الناس ويلمزونه، وقرىء بها وكأنه إشارة إلى من يتعمد أن يأتي بما ~~يهمز به ويلمز به فيصير مسخرة يضحك منه - والله أعلم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه وتعالى {إن الإنسان لفي ~~خسر} أتبعه بمثال من ذكر نقصه وقصوره واغتراره، وظنه الكمال لنفسه حتى يعيب ~~غيره، واعتماده على ما جمعه من المال ظنا أنه يخلده وينجيه، وهذا كله هو ~~عين النقص، الذي هو شأن الإنسان، وهو المذكور في السورة قبل، فقال تعالى ~~{ويل لكل همزة لمزة} فافتتحت السورة بذكر ما أعد له من العذاب جزاء له على ~~همزه ولمزه الذي أتم حسده، والهمزة العياب الطعان واللمزة مثله، ثم ذكر ~~تعالى ماله ومستقرة بقوله: {لينبذن في الحطمة} أي ليطرحن في النار جزاء له ~~على اغتراره وطعنه - انتهى. # ولما كان الذي يفعل النقيصة من غير حاجة تحوجه إليها أقبح حالا # PageV22P244 # وكان المتمول عندهم هو الرابح، وهم يتفاخرون بالربح ويعدون الفائز به من ~~ذوي المعالي، قال مقيدا ل «كل» بالوصف مبينا الخاسر كل الخسارة: {الذي جمع} ~~ولما كان مطلق الجمع يدل على الكثرة جاء التشديد في فعله لأبي جعفر وابن ~~عامر وحمزة والكسائي، وخلت تصريحا بما علم تلويحا ودلالة على أن المقصود به ~~من جعل الدنيا أكبر همه، والتخفيف لمن عداهم اكتفاء بأصل مدلوله بخلاف عدد، ~~فإن مجرده يكون لما قل، ولهذا أجمعوا على التضعيف فيه: {مالا} أي عظيما، ~~وأكد مراد الكثرة بقوله: {وعدده} أي جعله بحيث إذا أريد عدده طال الزمان ~~فيه وكثر التعداد، أو ادخره وأمسكه إعدادا لما ينوبه في هذه الدنيا ~~المنقضية، وزاده قيدا آخر في بيان حاله فقال: {يحسب} لقلة عقله {أن ماله} ~~أي ذلك الذي عدده {أخلده *} أي أوصله إلى رتبة الخلد في الدنيا، فأحب ذلك ~~المال كما يحب الخلود، ويجوز أن يكون ms5777 ذلك كناية عن أنه عمل - بانهماكه في ~~المعاصي والإعراض عن الله عز وجل والإقبال على التوسع في الشهوات والأعراض ~~الزائلات - عمل من يظن أنه لا يموت، ويجوز أن يكون استئنافا، وفيه تعريض ~~بأنه لا يفيد الخلد إلا الأعمال الصالحة المسعدة # PageV22P245 # في الدار الآخرة. # ولما كان هذا الحسبان لشدة وهيه وبيان ضعفه لا يحتاج إلى إقامة دليل على ~~فساده، اكتفى فيه بأداة الردع الجامعة لكل زجر فقال: {كلا} أي لا يكون ما ~~حسبه لأنه لا يكون له ما لا يكون لغيره من أمثاله بل يموت كما مات كل حي ~~مخلوق. # ولما كان كأنه قيل: فما الذي يفعل به بعد الموت؟ قال مقسما دالا باللام ~~الداخلة على الفعل على القسم: {لينبذن} أي ليطرحن بعد موته طرح ما هو خفيف ~~هين جدا على كل طارح كما دل عليه التعبير بالنبذ وبالبناء للمفعول {في ~~الحطمة *} أي الطبقة من النار التي من شأنها أن تحطم أي تكسر وتهشم بشدة ~~وعنف كل ما طرح فيها فيكون أخسر الخاسرين، وعبر بها في مقابلة الاستعداد ~~بالمال الحامل على الاستهانة بالخلق، قال الأستاد أبو الحسن الحرالي: ~~فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى باسم من أسمائها من نحو جهنم فيما يكون ~~مواجهة ومن نحو الحطمة فيما يكون جزاء لقوة قهر واستعداد بعدد، ونحو ذلك في ~~سائر أسمائها، وعظم شأنها سبحانه وتعالى بقوله: {وما أدراك} أي وأي شيء ~~أعلمك ولو بمحاولة منك للعلم واجتهاد في التعرف مع # PageV22P246 # كونك أعلم الخلق {ما الحطمة} أي ما الدركة النارية التي سميت هذا الاسم ~~لهذه الخاصية فإنه ليس في الوجود الذي شاهدتموه ما يقاربها ليكون مثالا ~~لها، ثم فسرها بقوله: {نار الله} أي الملك الأعظم الذي عدل المشركون عنه ~~إلى شركائهم، فعظمة هذه النار من عظمته، وانتقامه من نقمته {الموقدة *} أي ~~التي وجد وتحتم إيقادها بإيقاده، ومن الذي يطيق محاولة ما أوقده؟ فهي لا ~~يزال لها هذا الاسم ثابتا. # ولما وصف الهامز الهازم، وصف الحاطم فقال تعالى: {التي} ولما كان لا يطلع ~~على أحوال الشيء ms5778 إلا من قبله علما قال: {تطلع} اطلاعا شديدا {على الأفئدة ~~*} جمع فؤاد وهو القلب الذي يكاد يحترق من شدة ذكائه، فكان ينبغي أن يجعل ~~ذكاءه في أسباب الخلاص، واطلاعها عليه بأن تعلو وسطه وتشتمل عليه اشتمالا ~~بالغا، سمي بذلك لشدة توقده، وخص بالذكر لأنه ألطف ما في البدن وأشده تألما ~~بأدنى شيء من الأذى، ولأنه منشأ العقائد الفاسدة ومعدن حب المال الذي هو ~~منشأ الفساد والضلال، وعنه تصدر الأفعال القبيحة. # PageV22P247 # ولما كان الاطلاع على الفؤاد مظنة الموت، وفي الموت راحة من العذاب، أشار ~~إلى خلودهم فيها وأنهم لا يموتون ولا ينقطع عنهم العذاب، فقال مؤكدا لأنهم ~~يكذبون بها: {إنها} وأشار إلى قهرهم وغلبتهم فقال: {عليهم} وآذن بسهولة ~~التصرف في تعذيبهم وانقطاع الرجاء من خلاصهم بقوله معبرا باسم المفعول: ~~{مؤصدة *} أي مطبقة بغاية الضيق، من أوصدت الباب - إذا أطبقته. # ولما كانت عادتهم في المنع من التصرف أن يضعوا خشبة عظيمة تسمى المقطرة ~~فيها حلق توثق فيها الرجل، فلا يقدر صاحبها بعد ذلك على حراك، قال مصورا ~~لعذابهم بحال من ضمير «عليهم» : {في} أي حال كونهم موثقين في {عمد} بفتحتين ~~وبضمتين جمع عمود {ممددة *} أي معترضة كأنها موضوعة على الأرض، فهي في غاية ~~المكنة فلا يستطيع الموثق بها على نوع حيلة في أمرها فهو تأكيد ليأسهم من ~~الخروج بالإيثاق بعد الإيصاد، وهذا أعظم الويل وأشد النكال، فقد رجع آخرها ~~إلى أولها، وكان لمفصلها أشد التحام بموصلها - والله الموفق للصواب، وإليه ~~المرجع والمآب. # PageV22P248 # سورة الفيل # مقصودها الدلالة على آخر الهمزة من إهلاك المكاثرين في دار التعاضد ~~والتناصر بالأسباب، فعند انقطاعها أولى لأختصاصه سبحانه وتعالى بتمام ~~القدرة دون التمكن بالمال والرجال، واسمها الفيل ظاهر الدلالة على ذلك ~~بتأمل سورته، وما حصل في سيرة جيشه وصورته) بسم الله (الذي له الإحاطة ~~فقدرته في كل شيء عاملة) الرحمن (الذي له النعمة الشاملة) الرحيم (الذي ~~يختص أهل الاصطفاء بالنعمة الكاملة. # PageV22P249 # لما قدم في الهمزة أن كثرة الأموال المسببة بالقوة بالرجال ربما أعقبت ~~الوبال، دل عليه في هذه ms5779 بدليل شهودي وصل في تحريقه وتغلغله في الأجسام ~~وتجريفه إلى القلوب في العذاب الأدنى كما ذكر فيما قبلها للعذاب الأكبر ~~الأخفى، محذرا من الوجاهة في الدنيا وعلو الرتبة، مشيرا إلى أنها كلما عظمت ~~زاد ضررها بما يكسبه من الطغيان حتى ينازع صاحبها الملك الأعلى، ومع كونه ~~شهوديا فللعرب ولا سيما ### | قريش # به الخبرة التامة، فقال مقررا منكرا على من يخطر له خلاف ذلك: # PageV22P249 # {ألم تر} أي تعلم علما هو في تحققه كالحاضر المحسوس بالبصر، وذلك لأنه ~~صلى الله عليه وسلم وإن لم يشهد تلك الوقعة فإنه شاهد آثارها، وسمع ~~بالتواتر مع إعلام الله له أخبارها، وخصه صلى الله عليه وسلم إعلاما بأن ~~ذلك لا يعلمه ويعمل به إلا هو صلى الله عليه وسلم ومن وفقه الله الحسن ~~اتباعه، لما للإنسان من علائق النقصان، وعلائق الحظوظ والنسيان، وقرىء «تر» ~~باسكان الراء، قالوا جدا في إظهار أثر الجازم، وكان السر في هذه القراءة ~~الإشارة إلى الحث في الإسراع بالرؤية إيماء إلى أن أمرهم على كثرتهم كان ~~كلمح البصر، من لم يعتن به ويسارع إلى تعمده لا يدركه حق إدراكه. # ولما كان للناظر في الكيفية من التدقيق والوقوف على التحقيق في وجوه ~~الدلالات على كمال علم الله وقدرته وإعزاز نبيه بالإرهاص لنبوته والتمكين ~~لرسالته لتعظيم بلده وتشريف قومه ما ليس للناظر إلى مطلق الفعل قال: {كيف} ~~دون أن يقول: ما {فعل} أي فعل من له أتم داعية إلى ذلك الفعل، وفعل الرؤية ~~معلق عن «كيف» لما فيه من معنى الاستفهام فلا يتقدم عامله عليه، بل ناصبه ~~فعل، وجملة الاستفهام في موضع نصب بالفعل المعلق {ربك *} أي المحسن إليك # PageV22P250 # ومن إحسانه إحسانه إلى قومك بك وبهذه الواقعة الخارقة للعادة إرهاصا ~~لنبوتك كما - هو معلوم من أخبار الأنبياء المتقدمين فيما يقع بين أيدي ~~نبواتهم من مثل ذلك ليكون مؤيدا لادعائهم النبوة بعد ذلك، وفي تخصيصه صلى ~~الله عليه وسلم بالخطاب والتعبير بالرب مع التشريف له والإشارة بذكره ~~التعريض بحقارة الأصنام التي سموها أربابا لهم، يعلم ms5780 ذلك منهم علم اليقين ~~من آمن، ومن استمر على كفره فسيعلم ذلك حق اليقين عندما يسلط الله عليهم ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بالبلد الحرام، ويحلها له على أعلى حال ومرام ~~{بأصحاب الفيل *} أي الذين قصدوا انتهاك حرمات الله سبحانه وتعالى فيخربوا ~~بيته ويمزقوا جيرانه بما أوصلهم إلى البطر من الأموال والقوة التي من عليهم ~~سبحانه وتعالى بها، فحسبوا أنها تخلدهم فبان أنها توردهم المهالك ضد ما ~~حسبوه، وهم الحبشة الذين كانوا غلبوا على بلاد اليمن، بنى أميرهم وهو أبو ~~يكسوم أبرهة بن الصباح الأشرم بيعة بصنعاء وسماها القليس وزن قبيط، وأراد ~~أن يصرف إليها - فيما زعم - حج العرب، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلا - ~~يعني تغوط ولطخها به، فأغضب ذلك الأشرم # PageV22P251 # فسأل فقيل له: نرى الفاعل من أهل البيت الذي بمكة - فحلف: ليهدمن الكعبة، ~~ومن عجائب صنع الله أنه ألهمه سبحانه وتعالى تسميتها هذا الاسم الذي هو ~~مشتق من القلس الذي أحد معانيه أنه ماء خرج من الحلق ملء الفم، فهو مبدأ ~~القيء الذي هو أخو الغائط الذي آل أمرها إليه، فكان سبب هلاكها بهلاك ~~بانيها، وذلك أنه غضب من ذلك فخرج بجيشه لهدم بيت الله الكعبة ومعه أفيال ~~كثيرة منها فيل عظيم اسمه محمود، فقاتله بعض العرب فهزمهم وقتل منهم، فلما ~~دوخهم دانوا له، فلما وصل إلى المغمس خرج إليه عبد المطلب جد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فعرض عليه ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم، وقيل: بل ~~كانت طلائعه أخذت له مائتي بعير فطلبها منه فقال: قد كنت أعجبتني حين ~~رأيتك، فزهدت فيك حين تكلمني في مائتي بعير، وتترك كلامي في بيت هو دينكم ~~وفي عزكم؟ فقال: أنت وذاك، فرد عليه إبله فساقها ومضى، وأمر قريشا أن ~~يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في # PageV22P252 # الجبال، وأتى عبد المطلب الكعبة فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول: # يا رب لا أرجو لهم سواكا ... فامنعهم أن يقربوا قراكا # - وقال: # لا هم إن المرء يم ... نع رحله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم ms5781 ... ومحالهم عدوا محالك # جروا جميع تلادهم ... في الفيل كي يسبوا عيالك # عمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك # إن كنت تاركهم وكع ... بتنا فأمر ما بدا لك # ثم ترك الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه فلما أصبح أبرهة تهيأ للدخول إلى ~~الحرم وعبأ جيشه وقدم الفيل فبرك فعالجوه فلم تفد فيه حيلة، فوجهوه إلى غير ~~الحرم فقام يهرول فوجهوه إلى الحرم فبرك، وكان هذا دأبه في ذلك اليوم ~~فبينما هم كذلك إذا أرسل الله تعالى عليهم طيرا أبابيل، كل طائر منها في ~~منقاره حجر، وفي رجليه حجران، الحجر منها أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة، ~~فرمتهم بها، فكان الحجر منها يقع في رأس الرجل فيخرج من دبره فهلكوا جميعا، ~~وأهل مكة ومن حضر من العرب في رؤوس الجبال - ينظرون إلى صنع الله تعالى بهم ~~وإحسانه إليهم - أي أهل مكة - وكان ذلك إرهاصا لنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فإن ذلك كان # PageV22P253 # عام مولده، وقال حمزة الكرماني: وفي رواية: يوم مولده، وكأنه كان سببا ~~لضعفهم حتى ذهب سيف بن ذي يزن إلى كسرى وأتى منه بجيش فاستأصل بقيتهم - كما ~~هو مشهور في السير، ومأثور في الخبر، ووفدت قريش لتهنئته بالنصرة عليهم، ~~وكان رئيسهم عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، وبشره سيف بأنه يولد ~~له ولد اسمه محمد فأعلمه بأن ولد وأن أباه توفي، فأخبره سيف بأنه النبي ~~المبعوث في آخر الزمان، وأن يثرب مهاجره، وأنه لو علم أنه يعيش إلى زمن ~~بعثته لأتى يثرب وجعلها قراره حتى ينصر النبي صلى الله عليه وسلم بها - ~~ويظهر نبوته. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة الهمزة ذكر اغترار من ~~فتن بماله حتى ظن أنه يخلده وما أعقبه ذلك، أتبع هذا أصحاب الفيل الذين ~~غرهم تكاثرهم، وخدعهم امتدادهم في البلاد واستيلاؤهم حتى هموا بهدم البيت ~~المكرم، فتعجلوا النقمة، وجعل الله كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل، أي جماعات متفرقة، ترميهم بحجارة من سجيل حتى استأصلتهم وقطعت ~~دابرهم فجعلهم كعصف ms5782 مأكول، وأثمر لهم ذلك اغترارهم بتوفر حظهم من الخسر # PageV22P254 # المتقدم - انتهى. # ولما قرره بالكيفية تنبيها على ما فيها من وجوه الدلالة على مقدمات ~~الرسالة، أشار إلى تلك الوجوه مقدما عليها تقريرا آخر جامعا لقصتهم ومعلما ~~بغصتهم فقال: {ألم يجعل} أي بما له من الإحسان إلى العرب لا سيما قريش ~~{كيدهم} أي في تعطيل الكعبة بتخريبها وبصرف الحج إلى كنيستهم على زعمهم وقد ~~كان كيدهم عظيما غلبوا به من ناوأهم من العرب {في تضليل *} أي مظروفا ~~لتضييع عما قصدوا له من نسخ الحج إلى الكعبة أولا ومن هدمها ثانيا وإبطال ~~وبعد عن السداد وإهمال بحيث صار بكونه مظروفا لذلك معمورا به لا مخلص له ~~منه، وهذا مشير إلى أن كل من تعرض لشيء من حرمات الله كبيت من بيوته أو ولي ~~من أوليائه أو عالم من علماء الدين وإن كان مقصرا نوع تقصير وقع في مكره، ~~وعاد عليه وبال شره «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» وإلى أن من جاهر ~~بالمعصية أسرع إليه الهلاك بخلاف من تستر، وإلى أن الله تعالى يأتي من يريد ~~عذابه من حيث لا يحتسب ليدوم الحذر منه ولا يؤمن # PageV22P255 # مكره ولو كان الخصم أقل عباده، لم يخطر للحبشة ما وقع لهم أصلا ولا خطر ~~لأحد سواهم أن طيورا تقتل جيشا دوخ الأبطال ودانت له غلب الرجال، يقوده ملك ~~جبار كتيبته في السهل تمشي ورجله على القاذفات في رؤوس المناقب. # ولما كان التقدير: فمنعهم من الدخول إلى حرم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~فضلا عن الوصول إلى بلده الرسول صلى الله عليه وسلم، عطف عليه أو على ~~«يجعل» معبرا بالماضي لأنه بمعناه وهو أصرح والتعبير به أقعد قوله؛ {وأرسل} ~~وبين أنه إرسال عذاب بقوله: {عليهم} أي خاصة من بين من كان هناك من كفار ~~العرب، وأشار إلى تحقيرهم وتخسيسهم عن أن يعذبهم بشيء عظيم لكونهم عظموا ~~أنفسهم وتجبروا على خالقهم بالقصد القبيح لبيته فقال تعالى معلما بأنه سلط ~~عليهم ما لا يقتل مثله في العادة: {طيرا} وهو ms5783 اسم جمع يذكر على اللفظ، ~~ويؤنث على المعنى، وقد يقع على الواحد، ولذلك قال مبينا الكثرة {أبابيل *} ~~أي جماعات كثيرة جدا متفرقة يتبع بعضها بعضا من نواحي شتى فوجا فوجا وزمرة ~~زمرة، أمام كل فرقة منها طير يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، ~~قال أبو عبيدة: يقال: جاءت # PageV22P256 # الخيل أبابيل من هاهنا وهاهنا، وهو جمع إبالة بالكسر والتشديد وهي الحزمة ~~الكبيرة - شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها، وفي أمثالهم: ضغث على ~~إبالة، أي بلية على أخرى. # ولما تشوف السامع إلى فعل الطير بهم، قال مستأنفا: {ترميهم} أي الطير ~~{بحجارة} أي عظيمة في الكثرة والفعل، صغيرة في المقدار والحجم، كان كل واحد ~~- منها في نحو مقدار العدسة، في منقار كل طائر منها واحد وفي كل رجل واحد. # ولما كان الشيء إذا كان مصنوعا للعذاب كان أشد فعلا فيه قال: {من سجيل *} ~~أي طين متحجر مصنوع للعذاب في موضع هو في غاية العلو كما بين في سورة هود ~~عليه الصلاة والسلام، قال حمزة الكرماني: قال أبو صالح: رأيت تلك الحجارة ~~مخططة بالحمرة. ولما تسبب عن هذا المرمى هلاكهم، وكان ذلك بفعل الله سبحانه ~~وتعالى القادر على ما أراد لأنه الذي خلق الأثر قطعا لأن مثله لا ينشأ عنه ~~ما نشأ من الهلاك، قال: {فجعلهم} أي ربك المحسن إليك بإحسانه إلى # PageV22P257 # قومك لأجلك بذلك {كعصف مأكول *} أي ورق زرع وقع فيه الأكال وهو أن يأكله ~~الدود ويجوفه لأن الحجر كان يأتي في الرأس فيخرق بما له من الحرارة وشدة ~~الوقع كل ما مر به حتى يخرج من الدبر ويصير موضع تجويفه أسود لما له من ~~النارية، أو أكل حبة فبقي صفرا منه أو كتبن أكلته الدواب وراثته، ولكنه جاء ~~على ما عليه آداب القرآن كقوله تعالى: {كانا يأكلان الطعام} [المائدة: 75] ~~وهذا الإهلاك في إعجابه هو من معاني الاستفهام التقريري في أولها، فقد ~~تعانق طرفاها، والتف أخراها بأولاها - والله أعلم بمراده. # PageV22P258 # سورة قريش # مقصودها الدلالة على ضد ما دلت عليه الفيل بأن ms5784 إهلاك الجاحدين المعاندين ~~لإصلاح المقربين العابدين، وهو بشارة عظيمة لقريش خاصة بإظهار شرفهم في ~~الدارين، واسمها قريش ظاهر الدلالة على ذلك، والتعبير بقريش دون قومك أو ~~الحمس مثلا ونحوه دال على أنهم يغلبون الناس أجمع بقوة كما يدل عليه الاسم، ~~وبغير قوة كما دل عليه ما فعل لأجلهم من قصة الفيل: (بسم الله (ذي السبحات ~~والحمد فله جميع الكمال) الرحمن (ذي النعم العامة بالإيجاد والبيان فهو ذو ~~الأفضال) الرحيم (ذي الانتقام بالإبعاد والاختصاص بمن يشاء بالإسعاد ~~بالتقريب والإجلال. # PageV22P259 # لما كان ما فعله سبحانه - من منع هذا الجيش العظيم - الذي من قوته طاعة ~~أكبر ما خلق الله من الحيوان البري فيما نعلمه له - من دخول الحرم الذي هو ~~مظهر قدرته ومحل عظمته الباهرة وعزته والمذكر بخليله عليه الصلاة والسلام # PageV22P259 # وما كان من الوفاء بعظيم خلته - كرامة لقريش عظيمة ظاهره عاجلة حماية لهم ~~عن أن تستباح ديارهم وتسبى ذراريهم لكونهم أولاد خليله وخدام بيته وقطان ~~حرمه ومتعززين به ومنقطعين إليه، وعن أن يخرب موطن عزهم ومحل أمنهم وعيشهم ~~وحرزهم، ذكرهم سبحانه وتعالى ما فيه من النعمة الآجلة إكراما ثانيا بالنظر ~~في العاقبة، فقال مشيرا إلى أن من تعاظم عليه قصمه، ومن ذل له وخدمه أكرمه ~~وعظمه: {لإيلاف قريش *} أي لهذا الأمر لا غيره فعلنا ذلك وهو إيقاعهم ~~الإيلاف وهو ألفهم لبلدهم الذي ينشأ عنه طمأنينتهم وهيبة الناس لهم، وذلك ~~ملزوم لألفهم أولا في أنفسهم، فإذا كان لهم الألف بحرمهم بما حصل لهم من ~~العز والمكنة به بما دافع عنهم فيه مع ما له من بعد الآفات عنه، وكان لهم ~~الألف بينهم، فكان بعضهم يألف بعضا، قوي أمرهم فألفوا غيرهم أي جعلوه يألف ~~ما ألفوه إياه أي سنوه له وأمروه به، أو يكون اللام متعلقا بفعل العبادة ~~بدلالة {فليعبدوا} أي ليعبدونا لأجل ما أوقعنا من ألفهم وإيلافهم، وعلى ~~التقديرين الألف علة للعبادة أو لما يوجب الشكر بالعبادة، وفي هذا إشارة ~~إلى تمام قدرته سبحانه وتعالى وأنه إذا أراد شيئا يسر سبببه لأن # PageV22P260 # التدبير ms5785 كله له يخفض من يشاء وإن عز، ويرفع من يشاء وإن ذل، ليثمر اعتقاد ~~ذلك حبه والانقطاع لعبادته والاعتماد عليه في كل نفع ودفع، وقريش ولد النضر ~~ابن كنانة واسمهم واسم قبيلتهم مشتق من القرش والتقرش وهو التكسب والجمع، ~~يقال: فلان يقرش لعياله ويقترش أي يكتسب، وقال البغوي: وقال أبو ريحانة: ~~سأل معاوية ابن عباس رضي الله عنهما: لم سموا بهذا؟ فقال: لدابة تكون في ~~البحر هي أعظم دوابه، يقال لها القرش، لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا ~~أكلته، وهي تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى، قال: وهل تعرف العرب ذلك في ~~أشعارها؟ قال: نعم، وأنشد للجمحي: # وقريش هي التي تسكن البحر بها ... سميت قريش قريشا # سلطت بالعلو في لجة البحر على ... سائر الجيوش جيوشا # وقال الزمخشري: هي دابة عظيمة تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار، والتصغير ~~للتعظيم - انتهى. وقيل: سموا بذلك لتجمعهم إلى الحرم بعد تفرقهم، فإن القرش ~~- كما تقدم - الجمع، وكان المجمع لهم قصيا، والقرش أيضا الشديد، وقيل: هو ~~من تقرش الرجل - إذا تنزه عن مدانيس # PageV22P261 # الأمور، ومن تقارشت الرماح في الحرب - إذا دخل بعضها في بعض. # والمادة كلها للشدة والاختلاط، والتعبير بهذا الاسم لمدحهم. وكما أجرى ~~سبحانه وتعلى مدحهم على الألسنة جعلهم موضعا للمدح، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة ~~واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم» وقال صلى الله عليه وسلم: ~~«الأئمة من قريش» قال العلماء: وذلك أن طيب العنصر يؤدي إلى محاسن الأخلاق، ~~ومحاسن الأخلاق تؤدي إلى صفاء القلب، وصفاء القلب عون على إدراك العلوم، ~~وبإدراك العلوم تنال الدرجات العلا في الدنيا والآخرة، وصرف الاسم هنا على ~~معنى الحي ليكون الاسم بمادته دالا على الجمع، وبصرفه دالا على الحياة ~~إشارة إلى كمال حياتهم ظاهرا وباطنا، قال سيبويه في معد وقريش وثقيف: صرف ~~هذه الأحياء أكثر، وإن جعلتها اسما للقبائل - يعني فمنعتها - فجائز حسن، ~~والذي يدل على تعلق اللام بفعل دلت عليه ms5786 الفيل أن السورتين في مصحف أبي رضي ~~الله عنه سورة واحدة من غير # PageV22P262 # فصل، وأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة رويا عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون ~~قال: صلى بنا عمر رضي الله عنه المغرب فقرأ في الأولى بالتين والزيتون، وفي ~~الثانية ألم تر كيف ولئيلاف قريش. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لاخفاء في اتصالهما أي أنه سبحانه ~~وتعالى فعل ذلك بأصحاب الفيل ومنعهم عن بيته وحرمه لانتظام شمل قريش، وهم ~~سكان الحرم وقطان بيت الله الحرام، وليؤلفهم بهاتين الرحلتين فيقيموا بمكة ~~وتأمن ساحتهم - انتهى. # ولما علل بالإيلاف وكان لازما ومتعديا، تقول: آلفت المكان أولفه إيلافا ~~فأنا مؤلف وآلفت فلانا هذا الشيء أي جعلته آلفا له، وكان الإتيان بالشيء ~~محتملا لشيئين ثم إبدال أحدهما منه أضخم لشأنه وأعلى لأمره، أبدل منه قوله: ~~{إلافهم} أي إيلافنا إياهم {رحلة الشتاء *} التي يرحلونها في زمنه إلى ~~اليمن لأنها بلاد حارة ينالون بها متاجر الجنوب {والصيف *} التي يرحلونها ~~إلى الشام في زمنه لأنها بلاد باردة ينالون فيها منافع الشمال، وهم آمنون ~~من سائر العرب لأجل عزهم بالحرم # PageV22P263 # المكرم المعظم ببيت الله والناس يتخطفون من حولهم، ففعل الله تعالى ~~بأصحاب الفيل ما فعل ليزداد العرب لهم هيبة وتعظيما فتزيد في إكرامهم لما ~~رأت من إكرام الله تعالى لهم فيكون لهم غاية التمكن في رحلتهم، والرحلة ~~بالكسر هيئة الرحيل، وقرىء بالضم وهي الجهة التي يرحل إليها، وكانوا ~~معذورين لذلك لأن بلدهم لا زرع به ولا ضرع، فكانوا إذا ضربوا في الأرض ~~قالوا: نحن سكان حرم الله وولاة بيته، فلا يعرض أحد بسوء، فلولا الرحلتان ~~لم يكن لهم مقام بمكة، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف، وأول ~~من سن لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف، وكان يقسم ربحهم بين الغني والفقير حتى ~~كان فقيرهم كغنيهم، وفي ذلك يقول الشاعر: # قل للذي طلب السماحة والندى ... هلا مررت بآل عبد مناف # الرائشين وليس يوجد رائش ... والقائلين هلم للإضياف # والخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يكون فقيرهم كالكاف ms5787 # القائلين بكل وعد صادق ... والراحلين برحلة الإيلاف # عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف # PageV22P264 # سفرين سنهما له ولقومه ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف # وتبع هاشما على ذلك إخوته، فكان هاشم يؤلف إلى الشام وعبد شمس إلى ~~الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وكان تجار قريش يختلفون إلى ~~هذه الأمصار بحبال هذه الإخوة - أي عهودهم - التي أخذوها بالأمان لهم من ~~ملك كل ناحية من هذه النواحي، وأفرد الرحلة في موضع التثنية لتشمل كل رحلة ~~- كما هو شأن المصادر وأسماء الأجناس، إشارة لهم بالبشارة بأنهم يتمكنون عن ~~قريب من الرحلة إلى أي بلد أرادوا لشمول الأمن لهم وبهم جميع الأرض بما ~~نشره الله سبحانه وتعالى من الخير في قلوب عباده في سائر الأرض بواسطة هذا ~~النبي الكريم الذي هو أشرفهم وأعظمهم وأجلهم وأكرمهم. # ولما كان هذا التدبير لهم من الله كافيا لهمومهم الظاهرة بالغنى والباطنة ~~بالأمن، وكان شكر المنعم واجبا، فإذا أنعم بما يفرغ المنعم عليه للشكر كان ~~وجوبه عليه أعظم، سبب عن الإنعام عليهم بذلك قوله: {فليعبدوا} أي قريش على ~~سبيل الوجوب شكرا على هذه النعمة خاصة إن لم يشكروه على جميع نعمه التي لا ~~تحصى لأنهم يدعون # PageV22P265 # أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم عن الكفران {رب هذا البيت *} أي الموجد ~~له والمحسن إلى أهله بتربيتهم به وبحفظه من كل طاغ، وتأثيره لأجل حرمته في ~~كل باغ، وبإذلال الجبابرة له ليكمل إحسانه إليهم وعطفه عليهم بإكمال إعزازه ~~لهم في الدنيا والآخرة وجعل ما داموا عابدين له موصولا بعز الآخرة، فتتم ~~النعمة وتكمل الرحمة، والمراد به الكعبة، عبر عنها بالإشارة تعظيما إشارة ~~إلى أن ما تقدم في السورة الماضية من المدافعة عنهم معروف أنه بسببه لا ~~يحتاج إلى تصريح، وأن ذلك جعله متصورا في كل ذهن حاضرا مشاهدا لكل مخاطب، ~~وفي هذا التلويح من التعظيم ما ليس للتصريح، ثم وصف نفسه الأقدس بما هو ~~ثمرة الرحلتين ومظهر لزيادة شرف البيت فقال تعالى: {الذي أطعمهم} أي قريشا ~~بحمل الميرة إلى مكة بالرحلتين ms5788 آمنين من أن يهاجوا، وبإهلاك الذين أرادوا ~~إخراب البيت الذي به نظامهم، إطعاما مبتدئا {من جوع *} أي عظيم فيه غيرهم ~~من العرب، أو كانوا هم فيه قبل ذلك لأن بلدهم مهيأ لذلك لأنه ليس بذي زرع، ~~فهم عرضة للفقر الذي ينشأ عنه الجوع، فكفاهم ذلك وحده ولم يشركه أحد في ~~كفايتهم، فليس من الشكر إشراكهم في عبادته ولا من البر بأبيهم إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام # PageV22P266 # الذي دعا لهم بالرزق ونهى أشد النهي عن عبادة الأصنام، ولم يقل: أشبعهم ~~لأنه ليس كلهم كان يشبع، ولأن من كان يشبع منهم طالب لأكثر مما هو عنده # «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» . # ولما ذكر السبب في إقامة الظاهر، ذكر السبب في إقامة العيش بنعمة الباطن ~~فقال: {وآمنهم} أي تخصيصا لهم {من خوف *} أي شديد جدا من أصحاب الفيل ومما ~~ينال من حولهم من التخطف بالقتل والنهب والغارات وبالأمن من الجذام بدعوة ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومن الطاعون والدجال بتأمين النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وعن ذلك تسبب الاتحاف بما خصهم به من الإيلاف، فعلم أن آخرها ~~علة لأولها، ويجوز أن يكون إلفهم للبلد وقع أولا فحماه الله لهم مما ذكر، ~~فيكون ذلك مسببا عن الإلف فيكون أولها علة لآخرها، فقد التقى الطرفان، ~~والتأم البحران المغترفان، وكما التقى آخر كل سورة مع أولها فكذلك التقى ~~آخر القرآن العظيم بأوله بالنسبة إلى تسع سور هذه أولها إذا عددت من الآخر ~~إليها، فإن حاصلها المن على قريش بالإعانة على المتجر إيلافا لهم بالرحلة ~~فيه والضرب في الأرض بسببه # PageV22P267 # واختصاصهم بالأمر بعبادة الذي من عليهم بالبيت الحرام وجلب لهم به ~~الأرزاق والأمان، ومن أعظم مقاصد التوبة - المناظرة لهذه بكونها التاسعة من ~~الأول - البراءة من كل مارق، وأن فعل ذلك يكون سببا للألفة بعد ما ظن أنه ~~سبب الفرقة، وذكر مناقب البيت ومن يصلح لخدمته، والفوز بأمانه ونعمته، ~~والبشارة بالغنى على وجه أعظم من تحصيله بالمتجر وأبهى وأبهر، وأوفى وأوفر، ~~وأزهى وأزهر، وأجل وأفخر، بقوله تعالى: {ما ms5789 كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله شاهدين على أنفسهم} الآيات، [التوبة: 17] وقوله تعالى: {وإن خفتم عيلة ~~فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة: 28] فعلم بهذا علما جليا أنه شرع ~~سبحانه في رد المقطع على المطلع من سورة قريش الذين أكرمهم الله بإنزال ~~القرآن بلسانهم وأرسل به النبي صلى الله عليه وسلم إليهم كما أكرمهم ببناء ~~البيت في شأنهم، وتعظيمه لغناهم وأمانهم، ومن أعظم المناسبات في ذلك كون ~~أول السورة التي أخذ فيها في رد المقطع على المطلع شديد المشابهة للسورة ~~المناظرة لها حتى أن في كل منهما مع التي قبلها كالسورة الواحدة فإن براءة ~~مع الأنفال كذلك حتى قال عثمان رضي الله تعالى عنه إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم توفي # PageV22P268 # ولم يبين أمرها، فلم يتحرر له أنها مستقلة عنها، ولذلك لم يكتب بينهما ~~سطر بسم الله الرحمن الرحيم، وكانت هذه التي من الآخر مقطوعا بأنها مستقلة ~~مع ما ورد من كونها مع التي قبلها سورة واحدة في مصحف أبي رضي الله تعالى ~~عنه، وقراءة عمر رضي الله عنه لهما على وجه يشعر بذلك كما مضى إشارة إلى أن ~~الآخر يكون أوضح من الأول، ومن أغرب ذلك أن السورتين اللتين قبل سورتي ~~المناظرة بين أمريهما طباق، فالأولى في الآخر وهي الفيل أكرم الله فيها ~~قريشا بإهلاك أهل الإنجيل، والأولى في الأول وهي الأنفال أكرمهم الله فيها ~~بنصر أهل القرآن عليهم بإهلاك جبابرتهم، فكان ذلك سببا لكسر شوكتهم وسقوط ~~نخوتهم المفضي إلى سعادتهم، وعلم أن البراءة وغيرها إنما عمل لإكرامهم ~~لأنهم المقصودون بالذات وبالقصد الأول بالإرسال والناس لهم تبع كما أن جميع ~~الرسل تبع للرسول الفاتح الخاتم الذي شرفوا بإرساله إليه صلى الله عليه ~~وسلم، وكان عدد التسع مشيرا إلى أن قريشا أهل لأن يتصلوا بعروج الأسرار في ~~الملكوت إلى الفلك التاسع، وهو العرش الذي هو مقلوب الشرع، فهم يصعدون ~~بأسرار الشرع - التي من أعظمها الصلاة - من الأسفل إلى الأعلى # PageV22P269 # من الطرفين معا كما أنه يتنزل عليهم بالبركات من الجانبين، وإذا ضممت ms5790 ~~التسع الأولى إلى الأخرى كانت ثمان عشرة، فكانت مشيرة إلى ركعات الصلوات ~~مضموما إليها الوتر، وإلى ظهور الدين ظهورا كاملا على غالب أقطار الأرض كما ~~كان في سنة ثمان وعشرين، وهي الثامنة عشر من موت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وذلك في أثناء خلافة عثمان رضي الله عنه فإنه كان فيها قد تمزق ملك كسرى ~~وضعف جدا، وكذا ملك الروم مع ما كان من زوال أمر القبط بالكلية، ومن بديع ~~الإشارات أيضا أنك إذا نظرت إلى نزول براءة وجدته سنة تسع من الهجرة في ~~غزوة تبوك وعقب الرجوع منها، فكان كونها تاسعة ونزولها في السنة التاسعة ~~مشيرا إلى كون الدين يظهر على كل مخالف بعد تسع سنين، وهي السنة الثامنة من ~~موت النبي صلى الله عليه وسلم في وسط خلافة الفاروق حين ظهر المسلمون على ~~الفرس والروم، فقتلوا رجالهم، وانتثلوا أموالهم، كما كان قد ظهر عند نزولها ~~على عباد الأوثان من العرب، ومن الغريب أن قصة الفيل كانت سنة مولد النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فهي قبل النبوة بأربعين سنة بعدد كلمات السورتين: ~~الفيل وقريش، فإن الفيل ثلاث وعشرون وقريش سبع عشرة، وذلك - والله أعلم - ~~إشارة إلى أن ابتداء الأمن - بإهلاكهم والإشباع بنهب ما كان معهم من ~~أموالهم ومتاعهم - كان لمولده صلى الله عليه وسلم # PageV22P270 # وتشريف الوجود بوجوده، ويكون ذلك ظاهرا كما كان السبب - الذي هو وجوده ~~صلى الله عليه وسلم - ظاهرا، وإلى أن وسطه يكون بنبوته صلى الله عليه وسلم، ~~ويكون ذلك باطنا كما أن السبب - وهو الوحي باطن، ثم كان أمن الصحابة رضي ~~الله تعالى عنهم في السنة الثامنة الموازية لعدد كلمات البسملتين على يد ~~النجاشي ملك الحبشة الذين كان الأمن أولا بإهلاكهم، وإذا ضممت إليها أحد ~~عشر ضميرا - سبعة في الفيل وأربعة في قريش - كانت تسعا وخمسين توازيها إذا ~~حسبت من المولد سنة ست من الهجرة، وفيها كانت عمرة الحديبية وهي الفتح ~~السببي الخفي، وإلى ذلك أشار صلى الله عليه وسلم بقوله في بروك ناقته ~~الشريفة حين ms5791 بركت فقالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: خلأت القصوى - أي ~~حرنت: # «ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل» وفيها نزلت سورة الفتح، فكان سبب الأمن ~~العظيم والغنى، وعقبها في سنتها كان البعث إلى ملوك الأمصار، وفتح خيبر ~~وانبساط ذكر الإسلام في جميع الأقطار، وكذا كان عقبها قبل عمرة القضية ~~إسلام عمرو بن العاص على يد النجاشي لما سأله أن يعطيه عمرو بن أميه الضمري ~~رضي الله عنه # PageV22P271 # ليقتله، وذلك حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي رضي الله ~~عنهما يدعوه إلى الإسلام فأنكر النجاشي ذلك على ابن العاص وشهد للنبي صلى ~~الله عليه وسلم بالرسالة وأمره بأن يؤمن به، ففعل فكان ملك الحبشة بدعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم ناجيا هاديا، وإلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~داعيا، عكس ما كان لملك الحبشة بمولده صلى الله عليه وسلم من أنه كان ~~هالكا، وإلى الجحيم هاويا، وإن حسبت من سنة بنيان الكعبة في الخامسة ~~والعشرين من مولده صلى الله عليه وسلم كانت السنة التاسعة والخمسون هي ~~الحادية والثلاثون بعد الهجرة، وهي سنة استئصال ملك الفرس بقتل آخر ملوكهم ~~يزدجرد، والفرس هم الذين أزالوا الحبشة عن بلاد اليمن وطهروا منهم أرض ~~العرب، ولعل قسمة السورتين إلى ثلاث وعشرين وسبع عشرة إشارة إلى أن هذا ~~المولد الشريف الذي حرست الكعبة بمولده صلى الله عليه وسلم وحصل الأمن ~~والعز ببركته تبنى الكعبة وتجدد بعد بضع وعشرين سنة من مولده، قالوا: كان ~~بنيانها وسنه خمس وعشرون سنة، فلعله كان في آخر الرابعة والعشرين، ولعل قصة ~~الفيل كانت وله نحو سنة من حين الولادة، وبه حين البنيان ألف الله بين قريش ~~بعد أن كانوا تنافروا أشد المنافرة وتعاقدوا على الحرب في أمر الحجر # PageV22P272 # الأسود من يضعه في موضعه حتى أصلح الله بينهم به صلى الله عليه وسلم ~~فوضعه بيده الشريفة في ثوب، وأمرهم فأمسكت جميع القبائل بأطرافه، ثم رفعوه ~~حتى وازوا به موضعه فأخذه هو صلى الله عليه وسلم فوضعه في مكانه، فكان ~~الشرف له ms5792 خاصة في الإصلاح والبنيان، وتشير مع ذلك إلى أنه يبقى في النبوة ~~ثلاثا وعشرين سنة، ثم يتوفاه الله سبحانه وتعالى بعد أن جعل الله كيد جميع ~~الكفرة في تضليل من عباد الأوثان والفرس والروم وغيرهم بما فتح الله عليه ~~من جزيرة العرب التي ألف الله بها بين كلمتهم حتى انسابوا على غيرهم فما ~~وافقهم أحد ناوشوه القتال وساوموه النضال والنزال، ولعل الإشارة بكون قريش ~~سبع عشرة كلمة إلى أنه صلى الله عليه وسلم بعد سبع عشرة سنة من بنيان البيت ~~يبعثه الله سبحانه وتعالى لأمر قريش بالعبادة التي أجلها الصلاة التي ~~أعظمها الفرائض التي هي سبع عشرة ركعة شكرا لنعمة من آمنهم من خوف وأطعمهم ~~من جوع بأعظم العبادة، وإلى أن ابتداء ألفة قريش بالقوة القريبة من الفعل ~~بعد الشتات العظيم الظاهر وجعل كيد الكفار في تضليل يكون في السنة السابعة ~~عشرة من النبوة، وذلك سنة أربع من الهجرة فإن فيها كان إجلاء بني النضير من ~~اليهود # PageV22P273 # من المدينة الشريفة وإخلاف قريش الموعد في بدل الموعد وهنا منهم عن لقاء ~~جيش النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بعد بيسير غزوة الأحزاب، ولذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافهم: # «الآن نغزوهم ولا يغزونا» يعني أن نخوة الشيطان منهم وحمية الجاهلية أخذت ~~في الاضمحلال لانتهاء قوتهم في الباطل الذي كان سبب عزهم الظاهري الذي هو ~~الذل في الباطن، وكان ذلك ابتداء عزهم في الباطن الذي هو ذلهم لأهل الإسلام ~~في الظاهر، وفي أثر الأحزاب كانت غزوة بني قريظة، فإذا ضممت إلى الكلمات ~~الضمائر الأربعة كانت إحدى وعشرين توازيها سنة ثمان من الهجرة وهي سنة ~~الفتح الأعظم الذي وقعت به الألفة العظمى بين قريش وأمنهم وغناهم الذي ~~وعدهم الله به في السورة المناظرة لها - وهي براءة - باتئلاف جميع العرب ~~وانبعاثهم لاجتماع كلمتهم إلى جهاد الفرس والروم والقبط وأخذهم لبلادهم، ~~وانتثالهم لكنوزهم وتحكمهم في نسائهم وأولادهم، فسبحان من هذا كلامه، ~~وتعالى شأنه وعز مرامه. # PageV22P274 # سورة الماعون # وتسمى الدين وتسمى أرأيت والتكذيب. # مقصودها ms5793 التنبيه على أن التكذيب بالبعث لأجل الجزاء أبو الخبائث، فإنه ~~يجزئ المكذب على مساوئ الأخلاق ومنكرات الأ " مال حتى تكون الاستهانة ~~بالعظام خلقا له فيصير ممن ليس له خلاق، وكل من اسمائها الأربعة في غاية ~~الظهور في الدلالة على ذلك بتأمل السورة لتعرف هذه الأشياء المذكورة، فهي ~~ناهية عن المنكرات بتصريحها، داعية إلى المعالي بإفهامها وتلويحها) بسم ~~الله (الذي تعالت عظمته عن كل شائبة نقص فكان له كل كمال) الرحمن (الذي عمت ~~نعمته المحسن والمسئ فغمر الكل بالنوال) الرحيم (الذي خص أولياءه بإتمام ~~النعمة فحباهم بنعيم الاتصال. # PageV22P275 # لما أخبر سبحانه وتعالى عن فعله معهم من الانتقام ممن تعدى حدوده فيهم، ~~ومن الرفق بهم بما هو غاية في الحكمة، فكان معرفا بأن فاعله لا يترك الناس ~~سدى من غير جزاء، وأمرهم آخر قريش بشكر نعمته بإفراده بالعبادة، عرفهم أول ~~هذه أن ذلك لا يتهيأ إلا بالتصديق # PageV22P275 # بالجزاء الحامل على معالي الأخلاق الناهي عن مساوئها، وعجب ممن يكذب ~~بالجزاء مع وضوح الدلالة عليه بحكمة الحكيم، ووصف المكذب به بأوصاف هم منها ~~في غاية النفرة، وصوره بأشنع صورة بعثا لهم على التصديق وزجرا عن التكذيب، ~~فقال خاصا بالخطاب رأس الأمة إشارة إلى أنه لا يفهم هذا الأمر حق فهمه ~~غيره: {أرأيت} أي أخبرني يا أكمل الخلق {الذي يكذب} أي يوقع التكذيب لمن ~~يخبره كائنا من كان {بالدين *} أي الجزائي الذي يكون يوم البعث الذي هو محط ~~الحكمة وهو غاية الدين التكليفي الآمر بمعالي الأخلاق الناهي عن سيئها، ومن ~~كذب بأحدهما كذب بالآخر: ولما كان فعل الرؤية بمعنى أخبرني، المتعدي إلى ~~مفعولين، كان تقدير المفعول الثاني: أليس جديرا بالانتقام منه. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت السور المتقدمة من الوعيد لمن ~~انطوى على ما ذكر فيها مما هو جار على حكم الجهل والظلم الكائنين في جبلة ~~الإنسان ما تضمنت كقوله: {إن الإنسان لربه لكنود} {إن الإنسان لفي خسر} ~~{يحسب أن ماله أخلده} وانجر أثناء ذلك مما تثيره هذه الصفات الأولية ما ذكر ms5794 ~~فيها أيضا كالشغل # PageV22P276 # بالتكاثر، والطعن على الناس ولمزهم والاغترار المهلك أصحاب الفيل أتبع ~~ذلك بذكر صفات قد توجد في المنتمين إلى الإسلام أو يوجد بعضها أو أعمال من ~~يتصف بها وإن لم يكن من أهلها كدع اليتيم، وهو دفعه عن حقه وعدم الرفق به، ~~وعدم الحض على طعام المسكين، والتغافل عن الصلاة والسهو عنها، والرياء ~~بالأعمال والزكاة والحاجات التي يضطر فيها الناس بعضهم إلى بعض، ويمكن أن ~~يتضمن إبهام الماعون هذا كله، ولا شك أن هذه الصفات توجد في المتسمين ~~بالإسلام، فأخبر سبحانه وتعالى أنه من صفات من يكذب بيوم الدين ولا ينتظر ~~الجزاء والحساب، أي إن هؤلاء هم أهلها، ومن هذا القبيل قوله عليه الصلاة ~~والسلم «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا» وقوله عليه الصلاة والسلام «لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» وهذا الباب كثير في الكتاب والسنة، وقد ~~بسطته في كتاب «إيضاح السبيل من حديث سؤال جبريل» فمن هذا القبيل عندي - ~~والله أعلم - قوله تعالى: {أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم} ~~أي أن هذه الصفات من دفع اليتيم وبعد الشفقة عليه، وعدم الحض على إطعامه ~~والسهو عن الصلاة والمراءاة بالأعمال ومنع الحاجات إن # PageV22P277 # هذه كلها من شأن المكذب بالحساب والجزاء لأن نفع البعد عنها إنما يكون إذ ~~ذاك، فمن صدق به جرى في هذه الخصال على السنن المشكور والسعي المبرور، ومن ~~كذب به لم يبال بها وتأبط جميعها، فتنزهوا أيها المؤمنون عنها، فليست من ~~صفاتكم في أصل إيمانكم الذي بايعتم عليه، فمن تشبه بقوم فهو منهم، فاحذروا ~~هذه الرذائل فإن دع اليتيم من الكبر الذي أهلك أصحاب الفيل، وعدم الحض على ~~إطعامه فإنما هو فعل البخيل الذي يحسب أن ماله أخلده، والسهو عن الصلوات من ~~ثمرات إلهاء التكاثر، والشغل بالأموال والأولاد، فنهى عباده عن هذه الرسائل ~~التي يثمرها ما تقدم والتحمت السور - انتهى. # ولما كان المراد بهذا الجنس، وكان من المكذبين من يخفي تكذيبه، عرفهم ~~بأمارات تنشأ من عمود الكفر الذي صدر به ويتفرع ms5795 منه تفضحهم، وتدل عليهم وإن ~~اجتهدوا في الإخفاء وتوضحهم، فقال مسببا عن التكذيب ما هو دال عليه: {فذلك} ~~أي البغيض البعيد من كل خير {الذي يدع} أي يدفع دفعا عنيفا بغاية القسوة ~~{اليتيم *} ويظلمه ولا يحث على إكرامه لأن الله تعالى نزع الرحمة من # PageV22P278 # قلبه، ولا ينزعها إلا من شقي لأنه لا حامل على الإحسان إليه إلا الخوف من ~~الله سبحانه وتعالى، فكان التكذيب بجزائه سببا للغلظة عليه. # ولما كانت رحمة الضعفاء علامة على الخير، ولذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين» كانت ~~القسوة عليهم علامة على الشر، وكان من بخل باللين في قاله أشد بخلا بالبذل ~~من ماله، قال معرفا لأن المكذب ينزله تكذيبه إلى أسفل الدركات، وأسوإ ~~الصفات الحامل على شر الحركات: {ولا يحض} أي يحث نفسه وأهله ولا غيرهم حثا ~~عظيما يحمى فيبعث على المراد {على طعام المسكين *} أي بذله له وإطعامه إياه ~~بل يمقته ولا يكرمه ولا يرحمه، وتعبيره عن الإطعام - الذي هو المقصود - ~~بالطعام الذي هو الأصل وإضافته المسكين للدلالة على أنه يشارك الغني في ~~ماله بقدر ما فرض الله من كفايته، وقد تضمن هذا أن علامة التكذيب بالبعث - ~~إيذاء الضعيف والتهاون بالمعروف، والآية من الاحتباك: الدع في الأول يدل ~~على المقت في # PageV22P279 # الثاني: والحض في الثاني يدل على مثله في الأول. # ولما كان هذا حاله مع الخلائق، أتبعه حاله مع الخالق إعلاما بأن كلا ~~منهما دال على خراب القلب وموجب لمقت الرب، وأعظم الإهانة والكرب، وأن ~~المعاصي شؤم مهلك، تنفيرا عنها وتحذيرا منها، فسبب عنه قوله معبرا بأعظم ما ~~يدل على الإهانة: {فويل} ولما كان الأصل: له - بالإضمار والإفراد، وكان ~~المراد ب «الذي» الجنس الصالح للواحد وما فوقه. # وكان من يستهين بالضعيف لضعفه يعرض عما لا يراه ولا يحسه لغيبته، وكان من ~~أضاع الصلاة كان لما سواها أضيع، وكان من باشرها ربما ظن النجاة ولو كانت ~~مباشرته لها على وجه الرياء أو غيره من الأمور ms5796 المحيطة للعمل، عبر بالوصف ~~تعميما وتعليقا للحكم به وشقه من الصلاة تحذيرا من الغرور، وإشارة إلى أن ~~الذي أثمر له تلك الخساسة هو ما تقدم من الجري مع الطبع الرديء، وأتى بصيغة ~~الجمع تنبيها على أن الكثرة ليست لها عنده عزة لأن إهانة الجمع مستلزمة ~~لإهانة الأفراد من غير عكس فقال: {للمصلين *} ولما كان الحكم إنما هو على ~~ذات الموضع من غير اعتبار لوصفه بالفعل علم أن المقصود إنما هو من كان ~~مكلفا بالصلاة لأن من كان متلبسا بها مثل قوله صلى الله عليه وسلم « # PageV22P280 # لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» فلذلك وصفهم بقوله: {الذين هم} أي ~~بضمائرهم وخالص سرائرهم. ولما كان المراد تضييعهم قال: {عن} دون في ~~{صلاتهم} أي هي جديره بأن تضاف إليهم لوجوبها عليهم وإيجابها لأجل مصالحهم ~~ومنافعهم بالتزكية وغيرها {ساهون *} أي عريقون في الغفلة عنها وتضييعها ~~وعدم المبالاة بها وقلة الالتفات إليها، ويوضح ذلك أن ابن مسعود رضي الله ~~عنه قرأ «لاهون» وفائدة التعبير بالوصف الدلالة على ثبوته لهم ثبوتا يوجب ~~أن لا يذكروها من ذات أنفسهم أصلا، ولذلك كشفه بما بعده، روى البغوي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الآية فقال: «هو إضاعة الوقت» وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه قال: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا ~~ويصلونها إذا حضروا مع الناس. # ولما كان من كان بهذه الصفة لا نظر له لغير الحاضر كالبهائم، قال دالا ~~على أن المراد بالسهو ههنا تضييعها عند الانفراد بالترك حسا ومعنى وعند ~~الاجتماع بالإفساد في المعنى: {الذين هم} أي بجملة سرائرهم {يرآؤن *} أي ~~بصلاتهم وغيرها يرون الناس أنهم يفعلون الخير ليراهم الناس فيروهم الثناء ~~عليهم والإحسان إليهم ولو بكف ما هم # PageV22P281 # يستحقونه من السيف عنهم، لا لرجاء الثواب ولا لمخوف العقاب من الله ~~سبحانه وتعالى، ولذلك يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس. # ولما كان من كان بهذه الصفة ربما فعل قليل الخير دون جليله رياء، بين ~~أنهم غلب عليهم الشح حتى أنهم مع كثرة الرياء ms5797 منهم لم يقدروا على أن يراؤوا ~~بهذا الشيء التافه، فانسلخوا من جميع خلال المكارم، فقال إبلاغا في ذمهم ~~إشعارا بأن أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله: {ويمنعون} أي على تجدد ~~الأوقات، وحذف المفعول الأول تعمما حتى يشمل كل أحد وإن جل وعظمت منزلته ~~ولطف محله من قلوبهم تعريفا بأنهم بلغوا من الرذالة دركة ليس وراءها للحسد ~~موضع {الماعون} أي حقوق الأموال والشيء اليسير من المنافع مثل إعارة التافه ~~من متاع البيت التي جرت عادة الناس أن يتعاوروه بينهم، ويمنعون أهل الحاجة ~~ما أوجب الله لهم في أموالهم من الحقوق، والحاصل أنه ينبغي حمل ذلك على منع ~~ما يجب بذله مثل فضل الكلأ والماء والزكاة ونحوه ليكون موجبا للويل، وعلى ~~الزكاة حمله علي وابن عمر رضي الله عنهما والحسن وقتادة، قال العلماء: هو ~~مأخوذ من المعن، # PageV22P282 # وهو في اللغة الشيء اليسير، ولذلك فسره بعضهم بالماء وبعضهم بما يعار من ~~المتاع نحو القدر والفأس. # والدلو، وبعضهم بالزكاة لأنه لا يؤخذ من المال على وجه الزكاة إلا شيء ~~يسير جدا بالنسبة إليه، وقيل: هو كل عطية أو منفعة، وقال قطرب: هو فاعول من ~~المعن، والمعن: المعروف، وقال أبو عبيدة: الماعون في الجاهلية العطاء ~~والمنفعة وفي الإسلام الزكاة، وقال الهروي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~هو العارية - ذكر هذا الأستاذ عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي، وقال ابن ~~جرير: وأصل الماعون من كل شيء منفعته. فدل ذلك على أنهم بلغوا نهاية ~~التكذيب باستهانتهم بأعظم دعائم الدين واستعظامهم لأدنى أمور الدنيا، وهذا ~~الآخر كما ترى هو الأول لأن الذي جر إليه هو التكذيب، ومن منع هذه الأشياء ~~التافهة كان جديرا بأن يمنع ورود الكوثر في يوم المحشر، وكما التقى آخرها ~~بأولها التقت السورة كلها مع مناظرتها في العدد من أول القرآن، وذلك أنه قد ~~علم أن حاصل هذه السورة الإبعاد عن سفساف الأخلاق ورديها ودنيها من التكذيب # PageV22P283 # بالجزاء الذي هو حكمة الوجود المثمر للإعراض عن الوفاء بحق الخلائق وطاعة ~~الخالق، والانجذاب مع النقائص إلى ms5798 الاستهانة بالضعيف الذي لا يستهين به إلا ~~أنذل الناس وأرذلهم، والرياء الذي لا يلم به إلا من كان في غاية الدناءة، ~~فكان ذلك موجبا للميل إلى أعظم الويل، وفي ذلك أعظم مرغب في معالي الأخلاق ~~التي هي أضداد ما ذكر في السورة وكلا الأمرين موجود في الأنفال المناظرة ~~لها في رد المقطع على المطلع على أتم وجه، ليكون ذلك إشارة إلى أنها شارحة ~~لهذا ففيه الإيماء إلى ملاحظتها عند قراءتها، انظر إلى قوله تعالى: {الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا} [الأنفال: 4] ~~الآية {وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} [الأنفال: 32] الآية ~~{وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] {والذين كفروا ~~إلى جهنم يحشرون} [الأنفال: 36] الآية {فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] الآية ولقد انطبقت السورة ~~بمعانيها وتراكيبها العظيمة ونظومها ومبانيها على الأراذل الأدنياء ~~الأسافل، وأحاطت برؤوسهم بعد كلماتها مفردة قبل حروفها، وأدارت عليهم كؤوس ~~حتوفها من نوافذ الرماح بأيدي # PageV22P284 # جنودها ومواضي سيوفها، وذلك أن عدة كلماتها خمس وعشرون كلمة فإذا ~~اعتبرتها من أول سني النبوة وازت السنة الثانية عشرة من الهجرة، وذلك أواخر ~~خلافة الصديق رضي الله عنه، وفيها لم يبق على يده أحد من المصلين الذين ~~ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أو منعوا الزكاة، ~~فتبين أنهم ما كانوا يصلون في حياته صلى الله عليه وسلم ويزكون إلا رياء ~~الناس فعل الأدنياء الأنجاس حتى حل بهم الويل بأيدي جنود الصديق الذين ~~جاؤوهم بالرجل والخيل فمزقوهم عن آخرهم، ولم تمض تلك السنة إلا وقد فرغ ~~منهم بالفراغ من بني حنيفة باليمامة وأطراف بلاد اليمن من أهل النجير ببلاد ~~كندة والأسود العنسي من صنعاء، وما مضت سنة ست عشرة الموازية لعدد الكلمات ~~بالبسملة - وذلك في أوائل خلافة الفاروق - حتى زالوا من جميع جزيرة العرب ~~وهم مشركو العرب ومتنصروهم ومتمجسوهم الذين كانوا بنواحي العراق والشام ~~والبحرين فأسلم أكثرهم، وذهب الباقون إلى بلاد الروم، فحل ms5799 الويل بالمرائين ~~من أهل الصلاة فإنهم الذين أتى إليهم نبيهم صلى الله عليه وسلم بالصلاة ~~فأعرضوا عنها والناس لهم تبع، ولم يصح في هذه السورة اعتبار الضمائر لأن ~~الدين في هذا الحد كان قد ظهر على # PageV22P285 # كل ظاهر، إلى حد لا إضمار فيه بوجه ولا عائق له ولا ساتر، وكما أنه لا ~~حاجة إلى الرمز بالضمائر، لما دقت له في الخافقين من البشائر، على رؤوس ~~المنابر والمنائر، فكذلك لم يناسب بعد الوصول إلى هذا الحال المكشوف، ~~للإيماء بالدلالة بإعداد الحروف - والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع ~~والمآب. # PageV22P286 # سورة الكوثر # وتسمى النحر. # مقصودها المنحة بكل خير يمكن أن يكون، واسمها الكوثر واضح في ذلك وكذا ~~النحر لأنه معروف في نحر الإبل، وذلك غاية الكرم عند العرب) بسم الله ~~(الملك الأعظم الجواد الأكرم الذي لا لفائض فضله) الرحمن (الذي شمل الخلائق ~~بجوده وفاوت بينهم في صوب وبله) الرحيم (الذي خص حزبه بالاهتداء بهديه ~~والاعتصام بحبله. # PageV22P287 # لما كانت سورة الدين بإفصاحها ناهية عن مساوىء الأخلاق، كانت بإفهامها ~~داعية إلى معالي الشيم، فجاءت ### | الكوثر # لذلك، وكانت الدين قد ختمت بأبخل البخلاء وأدنى الخلائق: المنع تنفيرا من ~~البخل ومما جره من التكذيب، فابتدئت الكوثر بأجود الجود. العطاء لأشرف ~~الخلائق ترغيبا فيه وندبا إليه، فكان كأنه قيل: أنت يا خير الخلق غير متلبس ~~بشيء مما نهت عنه تلك المختتمة بمنع الماعون: {إنا} بما لنا من العظمة # PageV22P287 # وأكد لأجل تكذيبهم: {أعطيناك} أي خولناك مع التمكين العظيم، ولم يقل: ~~آتيناك، لأن الإيتاء أصله الإحضار وإن اشتهر في معنى الإعطاء {الكوثر *} ~~الذي هو من جملة الجود على المصدقين بيوم الدين. # ولما كان كثير الرئيس أكثر من كثير غيره، فكيف بالملك فكيف بملك الملوك، ~~فكيف إذا أخرجه في صيغة مبالغة فكيف إذا كان في مظهر العظمه، فكيف إذا بنيت ~~الصيغة على الواو الذي له العلو والغلبة فكيف إذا أتت إثر الفتحة التي لها ~~من ذلك مثل ذلك بل أعظم، كان المعنى: أفضنا عليك وأبحناك من كل شيء من ~~الأعيان والمعاني من ms5800 العلم والعمل وغيرهما من معادن الدارين ومعاونهما ~~الخير الذي لا غاية له، فلا يدخل تحت الوصف، فأغنيناك عن أن تؤثر بذلك أو ~~توفر مالك بجلب نفع أو دفع ضر، ومنه النهر الذي في الجنة ويسقي المؤمنين من ~~الحوض الممدود منه في المحشر الذي مثاله في الدنيا شريعته صلى الله عليه ~~وسلم التي عراها وأسبابها عدد النجوم الذين هم علماء أمته المقتدى بهم، فقد ~~اجتمع لك الغبطتان: أشرف العطاء من أكرم المعطين وأعظمهم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما نهى عباده عما يلتذ به من # PageV22P288 # أراد الدنيا وزينتها من الإكثار والكبر والتعزز بالمال والجاه وطلب ~~الدنيا، أتبع ذلك بما منح نبيه مما هو خير مما يجمعون، وهو الكوثر وهو ~~الخير الكثير، ومنه الحوض الذي ترده أمته في القيامة، لا يظمأ من شرب منه، ~~ومنه مقامه المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون عند شفاعته العامة ~~للخلق وإراحتهم من هول الموقف، ومن هذا الخير ما قدم له في دنياه من تحليل ~~الغنائم والنصر بالرعب والخلق العظيم إلى ما لا يحصى من خيري الدنيا ~~والآخرة مما بعض ذلك خير من الدنيا وما فيها إذ لا تعدل الدنيا وما فيها ~~واحدة من هذه العطايا {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما ~~يجمعون} [يونس: 58] ومن الكوثر والخير الذي أعطاه الله كتابه المبين، ~~الجامع لعقل الأولين والآخرين، والشفاء لما في الصدور. # ولما كمل له سبحانه من النعم ما لا يأتي عليه حصر مما لا يناسب أدناه ~~نعيم الدنيا بجملتها، قال مبينا له منبها على عظيم ما أعطاه # {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا} [الحجر: 88] إلى قوله {ورزق ربك خير وأبقى} ~~فقد اضمحل في جانب نعمة الكوثر الذي أوتي كل ما ذكره الله تعالى في الكتاب ~~من نعيم أهل الدنيا وتمكن من تمكن منهم، وهذا أحد # PageV22P289 # موجبات تأخير هذه السورة، فلم يقع بعدها ذكر شيء من نعيم الدنيا ولا ذكر ~~أحد من المتنعمين بها لانقضاء هذا الغرض وتمامه، وسورة الدين آخر ما تضمن ~~الإشارة إلى ms5801 شيء من ذلك كما تقدم من تمهيد إشاراتها، وتبين بهذا وجه ~~تعقيبها بها - والله تعالى أعلم - انتهى. # ولما أعطاه ما فرغه به للعبادة وأكسبه غنى لا حاجة معه، سبب عنه قوله ~~آمرا بما هو جامع لمجامع الشكر: {فصل} أي بقطع العلائق من الخلائق بالوقوف ~~بين يدي الله في حضرة المراقبة شكرا لإحسان المنعم خلافا للساهي عنها ~~والمرائي فيها. # ولما أتى بمظهر العظمة لتكثير العطاء فتسبب عنه الأمر بما للملك من ~~العلو، وكان أمره صلى الله عليه وسلم تكوينيا لا إباء معه، وقع الالتفات ~~إلى صفة الإحسان المقتضي للترغيب والإقبال لما يفيد من التحبيب، مع التصريح ~~بالتوحيد، وإفادة أن العبادة لا تقع إلا شكرا فقال تعالى: {لربك} أي المحسن ~~إليك بذلك سرا وعلنا مراغما من شئت فلا سبيل لأحد عليك {وانحر *} أي أنفق ~~له الكوثر من المال على المحاويج خلافا لم يدعهم ويمنعهم الماعون لأن النحر ~~أفضل نفقات # PageV22P290 # العرب لأن الجزور الواحد يغني مائة مسكين، وإذا أطلق العرب المال انصرف ~~إلى الإبل، ولذا عبر عن هذا المراد بالنحر ليفهم الزجر عما كانوا يفعلونه ~~من الذبح للأوثان، ومن معناه أيضا أظهر الذل والمسكنة والخشوع في الصلاة ~~بوضع اليمنى على اليسرى تحت النحر هيئة الذليل الخاضع، وقد قابل في هذا ~~أربعا من سورة الدين بأربع، وهي البخل بالإعطاء، وإضاعة الصلاة بالأمر بها، ~~والرياء بالتخصيص بالرب، ومنع الزكاة بالنحر. # ولما أمره باستغراق الزمان في عبادة الخالق، والإحسان إلى الخلائق بأعلى ~~الخلائق، علله بما حاصله أنه لا شاغل له ولا حاجة أصلا تلم به فقال: {إن ~~شانئك} أي مبغضك والمتبرىء منك والمستهين بك مع ما أوتيت من الجمال، ~~والخصال الفاضلة والكمال {هو} أي خاصة {الأبتر *} أي المقطوع من أصله ~~والمقطوع النسل والمعدم والمنقطع الخير والبركة والذكر، لا يعقبه من يقوم ~~بأمره ويذكر به وإن جمع المال، وفرغ بدنه لكل جمال، وأنت الموصول الأمر، ~~النابه الذكر، المرفوع القدر، فلا تلتفت إليهم بوجه من الوجوه، فإنهم أقل ~~من أن يبالي بهم من يفرغ نفسه للفوز بالمثول في ms5802 حضراتنا الشريفة، # PageV22P291 # والافتخار بالعكوف في أبوابنا العالية المنيفة، لك ما أنت عليه، ولهم ما ~~هم فيه، فالآية الأخيرة النتيجة لأن من الكوثر علو أمره وأمر محبيه وأتباعه ~~في ملكوت السماء والأرض ونهر الجنة وسفول شأن عدوه فيهما، فقد التف كما ترى ~~مفصلها بموصلها، وعرف آخرها من أولها، وعرف أن وسطاها كالحدود الوسطى ~~معانقة للأولى بكونها من ثمارها، ومتصلة بالأخرى لأنها من غايات مضمارها، ~~وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلا، لم يبق لأحد من مبغضيه ذكر بولد ولا ~~تابع، ولا يوجد لهم شاكر ولا مادح ولا رافع، وأما هو صلى الله عليه وسلم ~~فقد ملأت ذريته من فاطمة الزهراء الأرض، وهم الأشرف مع مبالغة الملوك في ~~قتلهم، وإخلاء الأرض من نسلهم، خوفا من شرفهم العالي على شرفهم، ورفعتهم ~~بالتواضع الغالب لصلفهم، وإذا راجعت آية # {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله} [الأحزاب: 40] من ~~الأحزاب علمت أن توفي بنيه عليهم السلام قبله من إعلاء قدره ومزيد تشريفه ~~بتوحيد ذكره، وأما اتباعه فقد استولوا على أكثر الأرض وهم أولو الفرقان، ~~والعلم الباهر والعرفان، ويؤخذ منها أن من فرغ نفسه لربه أهلك عدوه وكفاه ~~كل واحد منهم، وقد علم # PageV22P292 # أن حاصل هذه السورة المن عليه صلى الله عليه وسلم بالخير العظيم الذي من ~~جملته النهر الماد من الجنة في المحشر المورود لمن اتبعه، الممنوع ممن تأبى ~~عنه وقطعه، وأمره بالصلاة والنحر للتوسعة على المحاويج، والبشارة بقطع دابر ~~أعدائه ونصر جماعة أوليائه، كما أن من مقاصد الأعراف المناظرة لها في رد ~~المقطع على المطلع تهديد الظالمين بالإهلاك في قوله {وكم من قرية أهلكناها} ~~[الأعراف: 4] ، وتصوير ذلك بذكر مصارع الماضين لمخالفتهم الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام والأمر بالصلاة وستر العورة وما يقصد بالنحر بقوله: {خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا} الآيات [الأعراف: 31] ، وذكر من يمنح ~~ماء الجنة ومن يمنعه بقوله تعالى: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أو ~~أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} الآيات [الأعراف: 50] ، وقوله ~~تعالى: {ورحمتي وسعت ms5803 كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم} ~~[الأعراف: 157] هذا ما يتعلق بتفسير تراكبيها وجملها، وتأويل تفاصيلها ~~ومجملها، وكذا نظيرتها في مبادىء أمرها ومكملها، ثم إن هذه السورة عشر ~~كلمات في الكتابة إشارة إلى أن تمام بتر شانئه يكون مع تمام السنة العاشرة ~~من # PageV22P293 # الهجرة، وكذا كان، لم تمض السنة الحادية عشر من الهجرة وفي جزيرة العرب ~~إلا من يرى أشرف أحواله بذل نفسه وماله في حبه، وإذا أضفنا إليها الضميرين ~~المستترين كانت اثنتا عشرة، وفي السنة الثانية عشرة من النبوة بايعه صلى ~~الله عليه وسلم الأنصار على منابذة الكفار، وإذا أضيف إلى العشرة الضمائر ~~البارزة الخمسة كانت خمس عشرة، فتكون إشارة إنه صلى الله عليه وسلم عند ~~تمام السنة الخامسة عشر من نبوته يبسط يده العالية لبتر أعدائه وكذا كان في ~~وقعة بدر الرفيعة القدر، ففي ضمائر الاستتار كانت البيعة وهي مستترة، وفي ~~الضمائر البارزة كانت بدر وهي مشتهرة، وإذا أضيف إلى ذلك الضميران ~~المستتران كانت سبع عشرة، وفي السنة السابعة عشرة من نبوته كانت غزوة بدر ~~الموعد، وفى فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالوعد في الإتيان إلى بدر ~~للقاء قريش للقتال ومقارعة الأبطال، فآذنهم الله فلم يأتوا، وإنما اعتبر ما ~~بعد الهجرة من أحوال النبوة عندما عدت الكلمات الخطية العشر لكونها أقوى ~~أحوال النبوة كما أن الكلمات الخطية أقوى من الضمائر وإن اشترك الكل في اسم ~~الكلمات، فلذلك أخذ تمام البتر للشانىء وهو ما كان في السنة الحادية عشرة ~~من هلاك أهل الردة وثبات العرب في صفة الإسلام، ولما ضمت الضمائر البارزة # PageV22P294 # الخمسة - التي هي أقرب من المستترة - إلى الكلمات الخطية وأضعف من ~~الكلمات الخطية اعتبر من أول السورة لمناسبة ما كان من ضعف الحال فيما كان ~~قبل الهجرة، فوازى ذلك السنة الثانية من الهجرة التي كانت فيها غزوة بدر ~~الكبرى، وهي وإن كانت من العظم على أمر بالغ جدا لكنها كانت على وجه مخالف ms5804 ~~للقياس، فإن حال الصحابة رضي الله عنهم كان فيها في غاية الضعف، ولكونها ~~أول ما وقع فيه النصر من الغزوات لم تكن نفوس المخالفين مذعنة لأن ما بعدها ~~يكون مثلها، فإذا ضم إلى ذلك الضميران المستتران - وهما أضعف من البارز - ~~انطبق العدد على سنة غزوة بدر الموعد في سنة أربع، وهي وإن كانت قوية لكون ~~قريش ضعفوا عن اللقاء لكن كان حالها أضعف من بدر التي وقع فيها القتال ~~وأستر، وكون كلماتها الخطية والاصطلاحية التي هي أبعاض الكلمات الخطية سبع ~~عشرة مؤذن بأن الأمر في {فصل} مصوب بالذات بالقصد الأول إلى الصلوات الخمس ~~التي هي سبع عشرة ركعة، وأن من ثابر عليها كان مصليا خارجا من عهدة الأمر، ~~فإذا قصدت في السفر بما اقتضته صفة التربية بالإحسان نقصت بقدر عدة # PageV22P295 # الضمائر سوى الذي وفى الأمر بها لأن الأمر الناشىء عن مظهر العظمة لا ~~يليق فيه التخفيف بنفسه كلمة الأمر، وإذا أضفنا إليها كلمات البسملة ~~الأربعة كان لها أسرار كبرى من جهة أخرى، وذلك أن الكلمات الخطية تكون أربع ~~عشرة إشارة إلى أن ابتداء البتر للأضداد يكون بالقوة القريبة من الفعل ~~بالتهييء له في السنة الرابعة عشرة من النبوة، وذلك عام الهجرة، فإذا أضفنا ~~إليها الضمائر البارزة التي هي أقرب إلى الكلمات الخطية وهي خمسة كانت تسع ~~عشرة، وفي السنة التاسعة عشرة من النبوة وهي السادسة من الهجرة كان الفتح ~~المبين على الشانئين الذي أنزل الله فيه سورة الفتح، فإذا أضفنا إليها ~~الضميرين المستترين كانت إحدى وعشرين وهي سنة ثمان من الهجرة سنة الفتح ~~الأكبر الذي عم العلم فيه بأن الشانىء هو الأبتر، وإذا اعتبرت حروفها ~~المتلفظ بها كانت أربعة وأربعين حرفا، فإذا ناظرتها بالسنين من أول حين ~~النبوة كان آخرها سنة إحدى وثلاثين من الهجرة، وهي سنة البتر الأعظم لشانئه ~~الأكبر الذي مزق كتابه، وكان مالكا لبلاد اليمن، وهو قدر كبير من بلاد ~~العرب وكذا لغيرهم مما قارب بلاده، وكانت قريش تجعله من عدادهم كما مضى ~~بيانه في سورة الروم ms5805 وهو كسرى ملك الفرس، # PageV22P296 # ففيها كان انقراض ملكهم بقتل آخر ملوكهم يزدجرد، كما أنك إذا اعتبرت ~~كلماتها الخطية مع الضمائر البارزة التي هي كلمات اصطلاحية دون ما استتر - ~~فإن وجوب استتاره منع من عده - كانت تسع عشرة كلمة، فإن اعتبرت بها ما بعد ~~الهجرة وازت وقت موت قيصر طاغية الروم في سنة تسع عشرة من الهجرة أهلكه ~~الله، وقد تجهز إلى قتال العرب بالإسكندرية بنفسه، وأمر ألا يتخلف عنه أحد ~~من الروم فكسر الله بموته شوكة الروم، واستأسدت العرب عند ذلك، فكانت ~~الأحرف مشيرة إلى بتر الشانىء من الفرس، والكلمات مشيرة إلى بتر الشانىء من ~~الروم والفرس أولى بإشارة الأحرف لأنهم ليسوا بذوي علم، والروم بالكلمات ~~لأنهم أهل علم، والكلمات أقرب إلى العلم، وإذا اعتبرت أحرف البسملة اللفظية ~~كانت ثمانية عشر حرفا، فإذا جعلتها سنين من أول النبوة كان آخرها سنة خمس ~~من الهجرة، وفيها كانت غزوة الأحزاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~انصرافهم منها # «الآن نغزوهم ولا يغزونا» فهو أول أخذ الشانىء في الانبتار، وإذا اعتبرت ~~الأحرف بحسب الرسم كانت تسعة عشر آخرها سنة ست، وهي عمرة الحديبية سنة ~~الفتح السببي وهو الصلح الذي نزلت فيه سورة الفتح وسماه الله فتحا، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه أعظم الفتح» # PageV22P297 # فكان سبب الفتح الأعظم بخلطة الكفار لأهل الإسلام بالصلح، فأسرعوا إلى ~~الإسلام بالدخول فيه لما رأوا من محاسن الدين وإعجاز القرآن، فكانوا يوم ~~الفتح عشرة آلاف بعد أن كانوا قبل ذلك بسنتين يوم الحديبية ألفا وأربعمائة ~~- والله الموفق، هذا يسير من أسرار هذه السورة وقد علم منه من إعجازها ما ~~يشرح الخواطر ويبهج النواظر، لأنه يفوق حسنا على الرياض النواضر، وعلم أيضا ~~جنون الخبيث المسخرة مسيلمة الكذاب - عليه اللعنة والتباب، وله سوء المنقلب ~~والمآب، حيث قال في معارضتها: إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وهاجر، إنا ~~كفيناك المكابر أو المجاهر، لأنه كلام، مع أنه قصير المدى، ركيك اللحمة ~~والسدى، غريق الساحة والفنا في الهلك والفنا، ليس فيه غنى، ms5806 بل كله نصب ~~وعنا، هلهل النسج رث القوى، منفصم العرى، مخلخل الأرجا، فاسد المعنى ~~والبنا، سافل الألفاظ مر الجنى، لأن العلل منافية للمعلولات، والشوامل ~~منافرة للمشمولات، ثم رأيت في دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني أن ~~الوسطى من قال: العاهر وجاهر فإن كان بالدين لم يمنع الصدح بالباطل، وذلك ~~لا يرضى به عاقل، وإن كان بالحرب كان على النصف لكل من تدبر فعرف، ولا نص ~~فيه على الغلب بمطلوبيه، ولا طلب # PageV22P298 # مع نقص الجود على كل تقدير، الذي هو المقصود للغني والفقير، والمأمور ~~والأمير، هذا مع الإغارة على الأسلوب والحذو على المعهود غير محاذ # {في القصاص حياة} [البقرة: 179] في إسقاط «القتل أنفى للقتل» بالرشاقة مع ~~الوجازة، والعذوبة مع البلاغة، في إصابة حاق المعنى بما يقود إلى السماح ~~بالنفس، ويحمل على المبادرة إلى امتثال الأمر، والأولى من سخيف عقل الخسيف، ~~وأكله؟ إلى الخلق مع نقصان المعنى السار للإسرار والأخرى مهملة لذوي الشبه ~~والستر مع ما فاتها من قصر الخسار وخصوص التبار إلى ما حوت من بيان الكذب ~~البتار للأعمار المخرب للديار تصديقا للنبي صلى الله عليه وسلم البار بأيدي ~~صحابته الأخيار، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار - فسبحان من علا فعلا كلامه ~~كل كلام والسلام والحمد لله على كل حال. # PageV22P299 # سورة الكافرون # وتسمى الإخلاص والمقشقشة. # مقصودها إثبات مقصود الكوثر بالدليل الشهودي على منزلها كامل العلم شامل ~~القدرة لأنه المنفرد بالوحدانية، فلذلك لا يقاوي من كان معه، ولذلك لما ~~نزلت قرأها (صلى الله عليه وسلم) عليهم في المسجد أجمع ما كانوا، وهذا ~~المراد بكل من أسمائها. أما الكافرون فمن وجهين، ناظر إلى إثبات، وناظر إلى ~~نفي، أما المثبت فمن حيث أنه إشارة إلى تأمل جميع السورة من إطلاق البعض ~~على الكل، وأما النافي فمن جهة أنهم إنما كفروا بإنكار ما هو مقصودها إما ~~صريحا كالوحدانية وتمام القدرة، وإما لزوما وهو العم فإنه يلزم من نقص ~~القدرة نقصه، وأما الإخلاص فلأن من اعتقد ذلك كان مؤمنا مخلصا برئيا من كل ~~شرك وكل كفر، ms5807 وأما القشقشة فلأنها أبرأت من كل نفاق وكفر، من قولهم: تقشقشت ~~قروحه - إذا تقشرت للبرء، وعندي أنه من الجمع أخذا من القش الذي هو تطلب ~~المأكول من ههنا وههنا فإنها جمعت # PageV22P300 # جميع أصول الدين، فأثبتتهعا على أتم وجه، فلزم من ذلك أنها جمعت جميع ~~أنواع الكفر فحذفتها ونفتها، وقد تقدم تمام توجيه ذلك في براءة فأمرهما ~~دائر على الإخلاص، ومن المعلوم أن من أخلص لله كان من أهل ولايته حقا، فحق ~~له ما يفعل الولي مع وليه، ولذلك - والله أعلم - سنت قراءتها مع) قل هو ~~الله أحد (في ركعتي الفجر ليجوز فاعل ذلك بالبراءة من الشرك والاتصاف ~~بالتوحيد أول النهار ثمرة ما ورد أن من صلى الصبح كان في ذمة الله، ومن كان ~~كذلك كان جديرا بأن ينال ما أشارت إليه السورتان اللتان بين سورتي الإخلاص ~~من الفتح له والنصر والخيبة لعدوه والخسر والحسرة: (بسم الله (المحيط علما ~~وقدرة، فهو الواحد الذي لا يستطيع أحد أن يقدر قدره) الرحمن (الذي عم برحمة ~~البيان من أوجب عليهم شكره) الرحيم (الذي خص أهل وده فالتزموا نهيه وأمره. # PageV22P301 # لما أخبره في الكوثر أن العريق في شنآنه عدم، وجب أن يعرض عنه ويقبل ~~بكليته على من أنعم عليه بذلك، فقال معلما له ما يقول ويفعل: {قل} ولما كان ~~شائنه أعرق الخلق في الضلال والبعد من الخير، قال مناديا له بأداة البعد ~~وإن كان حاضرا معبرا بالوصف # PageV22P301 # المؤذن بالرسوخ: {يا أيها الكافرون} أي الذين قد حكم بثباتهم على الكفر ~~فلا انفكاك لهم عنه فستروا ما تدل عليه عقولهم من الاعتقاد الحق لو جردوها ~~من أدناس الحظ، وهم كفرة مخصوصون وهم من حكم بموته على الكفر بما طابقه من ~~الواقع، وبما دل عليه التعبير بالوصف دون الفعل، واستغرقت اللام كل من كان ~~على هذا الوصف في كل مكان وكل زمان، وإنما عبر بالجمع الذي هو أصل في القلة ~~وقد يستعار للكثرة إشارة إلى البشارة بقلة المطبوع على قلبه من العرب ~~المخاطبين بهذا في حياته صلى الله ms5808 عليه وسلم وإشارة إلى حقارة الكافر وذلته ~~وإن كان كثيرا - كما يشير إليه جعل كل كلمة منها بحرف من الكوثر كما سيأتي، ~~وفي مناداتهم بهذا الوصف الذي يسترذلونه في بلدتهم ومحل عزهم وحميتهم إيذان ~~بأنه محروس منهم علما من أعلام النبوة. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما انقضى ذكر الفريقين المتردد ذكرهما ~~في الكتاب العزيز من أوله إلى آخره على اختلاف أحوال كل فريق وشتى درجاتهم، ~~وأعني بالفريقين من أشير إليه في قوله سبحانه وتعالى: {اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} فهذا طريق أحد الفريقين، وفي قوله: {غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} # PageV22P302 # إشارة إلى طريق من كان في الطرف الآخر من حال أولئك الفريق إذ ليس إلا ~~طريق السلامة أو طريق الهلاك {فريق في الجنة وفريق في السعير} [الشورى: 7] ~~{فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] والسالكون طريق السلامة فأعلى ~~درجاتهم مقامات الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم يليهم أتباعهم من ~~صالحي العباد وعلمائهم العاملين وعبادهم وأهل الخصوص منهم والقرب من أحوال ~~من تنسك منهم، ورتبتهم مختلفة وإن جمعهم جامع وهو قوله: {فريق في الجنة} ~~وأما أهل التنكب عن هذا الطريق وهم الهالكون فعلى طبقات أيضا، ويضم جميعهم ~~طريق واحد فكيفما تشعبت الطرق فإلى ما ذكر من الطريقين مرجعهما، وباختلاف ~~سبل الجميع عرفت آي الكتاب وفصلت، ذكر كله تفصيلا لا يبقى معه ارتياب لمن ~~وفق، فلما انتهى ذلك كله بما يتعلق به، وتداولت بيانه الآي من لدن قوله بعد ~~أم القرآن {هدى للمتقين} [البقرة: 2] إلى قوله: {إن شانئك هو الأبتر} أتبع ~~ذلك بالتفاصيل والتسجيل فقال تعالى: {قل يا أيها الكافرون} فبين سبحانه أن ~~من قضي عليه بالكفر والوفاة عليه لا سبيل له إلى خروجه عن ذلك، ولا يقع منه ~~الإيمان أبدا # {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا # PageV22P303 # ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} [الأنعام: 111] ولو أنهم بعد عذاب ~~الآخرة ومعاينة العذاب والبعث وعظيم تلك الأهوال وسؤالهم الرجوع إلى الدنيا ~~وقولهم: {ربنا فارجعنا نعمل ms5809 صالحا غير الذي كنا نعمل} [السجدة: 12] فلو ~~أجيبوا إلى هذا ورجعوا لعادوا إلى حالهم الأول {ولو ردوا لعادوا لما نهوا ~~عنه} [الأنعام: 128] تصديقا لكلمة الله وإحكاما لسابق قدره {أفمن حق عليه ~~كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} [الزمر: 19] فقال لهم: {لا أعبد ما ~~تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} إلى آخرها، فبان أمر الفريقين وارتفع ~~الإشكال، واستمر كل على طريقه {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] {إن ~~عليك إلا البلاغ} [الشورى: 48] فتأمل موقع هذه السورة وأنها الخاتمة لما ~~قصد في الكتاب يلح لك وجه تأخيرها - والله أعلم - انتهى. # ولما كان القصد إعلامهم بالبراءة منهم من كل وجه، وأنه لا يبالي بهم بوجه ~~لأنه محفوظ منهم، قال مؤذنا بصدق خبره تعالى آخر الكوثر من حيث إنه مع ~~الجزم بالمنابذة لا يستطيعون له نوع مكابدة نافذة، بادئا بالبراءة من جهته ~~لأنها الأهم: {لا أعبد} أي الآن ولا في مستقبل الزمان لأن {لا} للمستقبل و ~~{ما} للحال، كذا قالوا، وظاهر عبارة سيبويه في قوله: {لن} نفي لقوله ~~{سيفعل} {ولا} لقوله: {يفعل} ، ولم يقع: # PageV22P304 # أنها تقع للمضارع الذي لم يقع سواء كان في غاية القرب من الحال أم لا، ~~كما نقلته عنه في أول البقرة عند {ولن تفعلوا} [البقرة: 24] على أن نطقنا ~~بهذا الكلام لا يكاد يتحقق حتى يمضي زمن فيصير مستقبلا، فلذا عبر ب «لا» ~~دون «ما» بشارة بأنه سبحانه يثبته على الصراط المستقيم، ولا يظفرهم به - ~~علما من أعلام النبوة. # ولما كان في معبوداتهم ما لا يعقل، وكان المقصود تحقير كل ما عبدوه سوى ~~الله، عبر ب «ما» فقال: {ما تعبدون *} أي الآن وفي آتي الزمان من دون الله ~~من المعبودات الظاهرة والباطنة بوجه من وجوه العبادة في سر ولا علن لأنه لا ~~يصلح للعبادة بوجه. # ولما بدأ بما هو الأحق بالبداءة وهو البراءة من الشرك، والطهارة من وضر ~~الإفك، لأنه من درء المفاسد، فأبلغ في ذلك بما هو الحقيق بحاله صلى الله ~~عليه وسلم، وكانوا هم يعبدون الله تعالى على ms5810 وجه الإشراك، وكانت العبادة مع ~~الشرك غير معتد بها بوجه، نفى عبادتهم له في الجملة الاسمية الدالة على ~~الثبات لا في الفعلية الدالة على نفي كل قليل وكثير من حيث إن الفعل نكرة ~~في سياق النفي فقال: {ولا أنتم عابدون} أي عبادة معتدا بها بحيث يكون أهلا ~~لأن تكون وصفا ثابتا. # PageV22P305 # ولما كانوا لا نزاع لهم في أن معبوده عالم، وكانت «ما» صالحة للإطلاق ~~عليه سبحانه وتعالى، عبر فيه أيضا بها لأن ذلك - مع أنه لا ضرر فيه - أقرب ~~إلى الإنصاف، فهو أدعى إلى عدم المراء أو الخلاف - فقال: {ما أعبد *} أي ~~الآن وما بعده لأن معبودي - وله العلم التام والقدرة الشاملة - أبعدكم عنه ~~فلا مطمع في الوفاق بيننا. # ولما كان ما نفى عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل فيه الماضي، وكان ~~عدم المشاركة بوجه من الوجوه في زمن من الأزمان أدل على البراءة وأقعد في ~~دوام الاستهانة، وكانوا يعدون سكوته صلى الله عليه وسلم عنهم فيما قبل ~~النبوة عبادة، وكانوا غير مقتصرين على عبادة أصنامهم التي اتخذوها، بل إذا ~~خرجوا من الحرم فنزلوا منزلا نظروا لهم حجرا ليستحسنوه فيعبدونه، فإن لم ~~يروا حجرا جمعوا شيئا من تراب وحلبوا عليه شيئا من لبن وعبدوه ما داموا في ~~ذلك المنزل، وكان ذلك من أشد ما يعاب به من جهة عدم الشباب وأنه لا معبود # PageV22P306 # لهم معين، قال منبها على ذلك كله: {ولا أنا عابد} أي متصف بعبادة {ما ~~عبدتم *} أي فيما سلف، لم يصح وصفي قط بعبادة ذلك من أول زمانكم إلى ~~ساعاتنا هذه، فكيف ترجون ذلك مني وأنا لم أفعله ولا قبل النبوة ولا كان من ~~شأني قط. # ولما كان هو صلى الله عليه وسلم ثابتا على إله واحد لم يعبد غيره ولم ~~يلتفت يوما لفت سواه، وكان قد انتفى عنه بالجملتين هذه الماضية التي أول ~~السورة أن يعبد باطلهم حالا أو مآلا، وأن يكون عبده قبل ذلك، وكان ربما ظن ~~ظان أن النفي عنهم إنما هو لعبادة ms5811 معبوده في الحال، نفى ذلك في الاستقبال ~~أيضا علما من أعلام النبوة مع تأكيد ما أفادته الجملة الماضية جريا على ~~مناهيج العرب في التأكيد قطعا لآمالهم منه على أتم وجه وآكده لأنه على وجه ~~لا يقدرون عليه لما تفيده كل جملة مع التأكيد من فائدة جديدة مهمة، فقال: ~~{ولا أنتم عابدون} أي عبادة هي لكم وصف معتد به في الحال أو الاستقبال. # ولما لم يكن قبل البعث مشهورا عندهم بعبادة الله سبحانه وتعالى، عبر بما ~~لا يتوجه لهم إليه إنكار، وهو المضارع الذي ظاهره # PageV22P307 # الحال أو الاستقبال مرادا به ما يشمل الماضي لما ذكر أبو حيان وغيره في ~~سورة الحج عند {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} [الحج: 25] من أنه ~~يطلق المضارع مرادا به مجرد إيقاع الفعل من غير نظر إلى زمان معين، فقال: ~~{ما أعبد *} أي وجدت مني عبادته واتصفت بها الآن وفي ماضي الزمان ومستقبله ~~اتصافا يعتد به. # ولما كان ذلك كله، وبدأ النفي في الجمل السابقة بالمنسوب إليه صلى الله ~~عليه وسلم إيذانا بالاهتمام ببراءته منهم، أنتج قطعا مقدما لما يتعلق بهم ~~على وجه اختصاصهم به تأكيدا لما صرح به ما مضى من براءته منهم: {لكم} أي ~~خاصة {دينكم} أي الذي تعلمون أنه لا أصل له يثبت عليه، ولا دليل يرجع بوجه ~~إليه، لا أشارككم فيه بوجه ولا ترجعون عنه بوجه بل تموتون عليه موتا لبعضكم ~~حتف الأنف والآخرين قتلا على يدي بالسيف {ولي} أي خاصة {دين *} من واسع ~~روضة الإسلام إلى أعلى مقام: مقام الإيقان والإحسان، وأنتم تعلمون - لو ~~جردتم عقولكم عن الهوى وأخلصتم أفكاركم من الحمية والإبا - أنه كله دليل ~~وفرقان ونور وحجة وبرهان، لا تشاركونني فيه بوجه، ولا تقدرون على ردي عنه ~~أصلا، فكانت هذه علما # PageV22P308 # من أعلام النبوة من حيث إنه مات منهم ناس كثير بعد ذلك على الكفر وأتم ~~الله له هذا الدين، فصدق سبحانه فيما قال، وثبت مضمون الكوثر بأكمل ~~استدلال، وأما من آمن بعد ذلك فليس مرادا لأنه لم ms5812 يكن عريقا في وصف ~~الكفران، ولا راسخا في الضلال والطغيان، فأسعده وصف الإسلام والإيمان، وساق ~~الجمل كلها غير مؤكد إشارة إلى أنها من الوضوح في حد لا خفاء به أصلا، ولا ~~شك أن آخرها الذي هو اختصاص كل بدينه هو أولها الذي أفاد أنه لا يعبد ~~معبودهم ولا يعبدون معبوده فصار آخرها أولها، ومفصلها موصلها - هذا هو الذي ~~دل عليه السياق، وليس فيه إذن في الكفر ولا منع عن الجهاد ليحتاج إلى نسخ، ~~ومن أعظم الدلائل إعجازها وجمعها للمعاني في إشارتها وإيجازها أن حاصلها ~~قطع رجاء أهل الكفران من أن يقاربهم النبي صلى الله عليه وسلم في أن يعدل ~~بربه أحدا في زمن من الأزمان، وذلك من أعظم مقاصد المناظرة لها في رد الآخر ~~على أول الأنعام لأنها السادسة في العد من الأول، كما أن هذه السادسة في ~~العد من الآخر {أغير الله اتخذ وليا} [الأنعام: 14] {أفغير الله ابتغي ~~حكما} [الأنعام: 114] {أغير الله أبغي ربا وهو # PageV22P309 # رب كل شيء} [الأنعام: 164] إلى غير ذلك من الآيات، والفواصل والغايات، ~~هذا ما يتعلق بمعاني تراكيبها ونظومها على ما هي عليه وتراتيبها وسياقاتها ~~وأساليبها، وكلماتها الخطية سبع وعشرون إلى أربع كلمات البسملة إحدى ~~وثلاثون إلى أربعة ضمائر مستترة خمس وثلاثون إلى تسعة بارزة، فتلك أربع ~~وأربعون كلمة الضمائر منها ثلاثة عشر هي مدة الإقامة بمكة المشرفة قبل ~~الهجرة لأنها في الخفاء كالضمائر في خزائن السرائر، ولا سيما الأربع الأول ~~منها الموازية لضمائر الاستتار وغير الضمائر إحدى وثلاثون المناظر لها من ~~السنين سنة إحدى وثلاثين، وهي سنة قتل يزدجرد ملك الفرس أكفر الكفرة من أهل ~~ذلك الزمان وأعتاهم، وموافقة كلماتها في العدة لأحرف الكوثر مشيرة إلى أن ~~اليسير من أتباعه صلى الله عليه وسلم أكثر وأكبر من كثير شانئيه وأضداده ~~وحاسديه، وقد دل على ذلك شاهد الوجوه في يوم الفتح والمسلمون عشرة آلاف، ~~والكفار من قريش وممن حولهم لا يحصون كثرة، وقد كان فعلهم في ذلك اليوم ما ~~شهد به اعتذار حماس الذي كان يعد ms5813 امرأته أن يخدمها بعض المسلمين في قوله ~~وقد فر هاربا ولم يستطع أن يغلق وراءه، بل قال # PageV22P310 # لها: أغلقي بابي، فقالت له: أين ما كانت تعدني به؟ فقال: # إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه # واستقبلتهم بالسيوف المسلمه ... يقطعن كل ساعد وجمجمه # ضربا فلا يسمع إلا غمغمه ... بهم تهيب خلفنا وهمهمه # لم تنطقي باللوم أدنى كلمه ... هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~أوصاهم ألا يقاتلوا إلا من بدأهم بالقتال. وهذا مع ما كان من أهل الإسلام ~~حين قصدهم الكفار يوم الخندق والمشركون في عشرة آلاف وهم لا يبلغون ربعهم ~~ولا مدد لهم ممن حولهم ولا ناصر إلا الله، بل جاءتهم الأعداء - كما قال ~~الله تعالى: {من فوقهم ومن أسفل منهم} [الأحزاب: 10] {وما زادهم إلا إيمانا ~~وتسليما} [الأحزاب: 22] وإلى هذا أيضا أشار بلوغ عدد كلمات النصر خطيها ~~واصطلاحيها ظاهرها ومستترها إلى عدد كلمات الكافرون الخطية، فذلك رمز إلى ~~أن أضعف أهل الإسلام لا يضعف عن مقاومة أهل الكفر وأرسخهم في كل صفة يريدها ~~- والله هو الموفق. # PageV22P311 # سورة النصر # وتسمى التوديع. # مقصودها الإعلام بتمام الدين اللازم عن مدلول اسمها النصر، اللازم عنه ~~موت النبي (صلى الله عليه وسلم) ، اللازم عنه العلم بأنه ما برز إلى عالم ~~الكون والفساد إلا لإعلاء كلمة الله تعالى وإدحاض كلمة الشيطان - لعنة الله ~~تعالى عليه - اللازم عنه أنه (صلى الله عليه وسلم) خلاصة الوجود، وأعظم عبد ~~للولي الودود، وعلى ذلك أيضا دل اسمها التوديع وحال نزولها وهو أيام ~~التشريق من سنة حجة الوداعه) بسم الله (الذي له الأمر كله، فهو العليم ~~الحكيم) الرحمن (الذي أرسلك رحمة للعالمين، فعمهم بعد نعمة الإيجاد بأن بين ~~لهم إقامة لمعاشهم ومعادهم بك طريق النجاة غاية البيان، بما أنزل عليك من ~~معجز القرآن الذي من سمعه فكأنما سمعه من العلي العظيم) الرحيم (الذي خص من ~~أراده بالإقبال به إلى حزبه وجعله من أهل قربه بلزوم الصراط المستقيم. # PageV22P312 # لما دلت التي قبلها على أن الكفار قد صاروا ms5814 إلى حال لا عبرة بهم فيه ولا ~~التفات ولا خوف بوجه منهم ما دام الحال على المتاركة، كان كأنه قيل: فهل ~~يحصل نصر عليهم وظفر بهم بالمعاركة، فأجاب بهذه السورة بشارة للمؤمنين ~~ونذارة للكافرين، ولكنه لما لم يكن هذا بالفعل إلا عام حجة الوداع بعد فتح ~~مكة بسنتين كان كأنه لم يستقر الفتح إلا حينئذ، فلم ينزل سبحانه وتعالى هذه ~~السورة إلا في ذلك الوقت وقبل منصرفه من غزوة حنين، فقال تعالى تحقيقا لأنه ~~ينصر المظلوم ويعلي دينه ويمهل ولا يهمل، فإنه لا يعجزه شيء، حثا على ~~التفويض له والاكتفاء به، مقدما معمول «سبح» تعجيلا للبشارة: {إذا} . # ولما كانت المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها، يسوقها ~~إليها سائق القدرة، فتقرب منها شيئا فشيئا، كانت كأنها آتية إليها، فلذلك ~~حصل التجوز بالمجيء عن الحصول فقال: {جاء} أي استقر وثبت في المستقبل بمجيء ~~وقته المضروب له في الأزل، وزاد في تعظيمه بالإضافة ثم بكونها اسم الذات فق ### | ال: {نصر # الله} أي الملك الأعظم الذي لا مثل له ولا أمر لأحد معه على جميع الناس ~~في كل أمر يريده. # ولما كان للنصر درجات، وكان قد أشار سبحانه بمطلق الإضافة # PageV22P313 # إليه ثم بكونها إلى الاسم الأعظم إلى أن المراد أعلاها، صرح به فقال: ~~{والفتح *} أي المطلق الصالح لكل فتح الذي نزلت فيه سورته بالحديبية مبشرة ~~له بغلبة حزبه الذين أنت قائدهم وهاديهم ومرشدهم، لا سيما على مكة التي بها ~~بيته ومنها ظهر دينه، وبها كان أصله، وفيها استقر عموده، وعز جنوده، فذل ~~بذلك جميع العرب، وقالوا: لا طاقة لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم، فعزوا ~~بهذا الذل حتى كان ببعضهم تمام هذا الفتح، ويكون بهم كلهم فتح جميع البلاد، ~~وللإشارة إلى الغلبة على جميع الأمم ساقه تعالى في أسلوب الشرط، ولتحققها ~~عبر عنه ب {إذا} إعلاما بأنه لا يخلف الوعد ولا ينقص ما قدره وإن توهمت ~~العقول أنه فات وقته، وإيذانا بأن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء ليحصل لمن ~~علم ذلك الإخلاص ms5815 والخوف والرجاء، فأشعرت العبارة بأن الوقت قد قرب، فكان ~~المعنى: فكن مترقبا لوروده ومستعدا لشكره. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كمل دينه واتضحت شريعته واستقر أمره ~~صلى الله عليه وسلم وأدى أمانة رسالته حق أدائها عرف عليه صلى الله عليه ~~الصلاة والسلام نفاد عمره وانقضاء أجله، وجعلت له على ذلك # PageV22P314 # علامة دخول الناس في دين الله جماعات بعد التوقف والتثبط {حكمة بالغة فما ~~تغني النذر} [القمر: 5] {لو شاء الله لجمعهم على الهدى} # [الأنعام: 35] وأمر بالإكثار من الاستغفار المشروع في أعقاب المجالس وفي ~~أطراف النهار وخواتم المآخذ مما عسى أن يتخلل من لغو أو فتور، فشرع سبحانه ~~وتعالى الاستغفار ليحرز لعباده من حفظ أحوالهم ورعي أوقاتهم ما يفي بعلي ~~أجورهم كما وعدهم {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته} [الأنعام: ~~115] وقد بسطت ما أشارت إليه هذه السورة العظيمة - وكل كلام ربنا عظيم - ~~فيما قيدته في غير هذا، وأن أبا بكر رضي الله عنه عرف منها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نعيت إليه نفسه الكريمة على ربه وعرف بدنو أجله، وقد ~~أشار إلى هذا الغرض أيضا بأبعد من الواقع في هذه السورة قوله تعالى: {اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ~~وسورة براءة وأفعاله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع لكن لم يبلغنا ~~استشعار أحد من الصحابة رضي الله عنهم تعيين الأمر إلا من هذه السورة. وقد ~~عرفت بإشارة براءة وآية المائدة تعريفا شافيا، واستشعر الناس عام حجة ~~الوداع وعند نزول براءة ذلك لكن لم يستيقنوه وغلبوا رجاءهم في حياته صلى ~~الله عليه وسلم، ومنهم من توفي، فلما نزلت {إذا جاء نصر الله والفتح} ~~استيقن أبو بكر رضي الله عنه ذلك # PageV22P315 # استيقانا حمله على البكاء لما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~انتهى. # ولما عبر عن المعنى بالمجيء، عبر عن المرئي بالرؤية فقال: {ورأيت} أي ~~بعينيك {الناس} أي العرب الذين كانوا حقيرين عند جميع الأمم، فصاروا بك هم ~~الناس - كما دلت ms5816 عليه لام الكمال، وصار سائر أهل الأرض لهم أتباعا، ~~وبالنسبة إليهم رعايا، حال كونهم {يدخلون} شيئا فشيئا متجددا دخولهم مستمرا ~~{في دين الله} أي شرع من لم تزل كلمته هي العليا في حال إباء الخلق - بقهره ~~لهم على الكفر الذي لا يرضاه لنفسه عاقل - ترك الحظوظ، وفي حال طواعيتهم ~~بقسره لهم على الطاعة، وعبر عنه بالدين الذين معناه الجزاء لأن العرب كانوا ~~لا يعتقدون القيامة التي لا يتم ظهور الجزاء إلا بها {أفواجا *} أي قبائل ~~قبائل وزمرا زمرا وجماعات كثيفة كالقبيلة بأسرها أمة بعد أمة كأهل مكة ~~والطائف وهوازن وهمدان وسائر القبائل من غير قتال في خفة وسرعة ومفاجأة ~~ولين بعد دخولهم واحدا واحدا ونحو ذلك لأنهم قالوا: أما إذا ظفر بأهل الحرم ~~وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل الذين لم يقدر أحد على ردهم فليس لنا ~~بهم يدان. فتبين أن هذا القياس المنتج هذه النتيجة البديهية بقصة أصحاب ~~الفيل ما رتبه الله إلا إرهاصا لنبوته وتأسيسا لدعوته فألقوا بأيديهم، ~~وأسلموا قيادهم حاضرهم وباديهم. # PageV22P316 # ولما كان التقدير: فقد سبح الله نفسه بالحمد بإبعاد نجس الشرك عن جزيرة ~~العرب بالفعل، قال إيذانا بأنه منزه عن النقائص التي منها إخلاف الوعد، وأن ~~له مع ذلك الجلال والجمال، معبرا بما يفيد التعجب لزيادة التعظيم للمتعجب ~~منه ليثمر ذلك الإجلال والتعظيم والتذلل والتقبل لجميع الأوامر، ويفهم أمره ~~تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بالاشتغال بخاصة نفسه بدنو أجله، وأن ~~اشتغاله بالناس قد انتهى، لأن الدين قد كمل فلم يبق له صلى الله عليه وسلم ~~شغل في دار الكدر: {فسبح} أي نزه أنت بقولك وفعلك بالصلاة وغيرها موافقة ~~لمولاك فيما فعل، وزد في جميع أنواع العبادة، تسبيحا متلبسا {بحمد} أي ~~بكمال وإجلال وتعظيم {ربك} أي الذي أنجز لك الوعد بإكمال الدين وقمع ~~المعتدين، المحسن إليك بجميع ذلك، لأنه كله لكرامتك، وإلا فهو عزيز حميد ~~على كل حال، تعجبا لتيسير الله من هذا الفتح مما لم يخطر بالبال، وشكرا لما ~~أنعم به سبحانه وتعالى عليه ms5817 من أنه أراه تمام ما أرسل لأجله، ولأن كل حسنة ~~يعملها أتباعه له مثلها. # ولما أمره صلى الله عليه وسلم بتنزيهه عن كل نقص، ووصفه تنزلا # PageV22P317 # عن غيب الغيب إلى الغيب بكل كمال مضافا إلى الرب تدليا إلى مشاهدة ~~الأفعال، وصل إلى نهاية التنزل من الخالق إلى المخلوق مخاطبا لأعلى الخلائق ~~كلهم فأمره بما يفهم العجز عن الوفاء بحقه لما له من العظمة المشار إليها ~~بذكره مرتين بالاسم الأعظم الذي له من الدلائل على العظم والعلو إلى محل ~~الغيب الذي لا مطمع في دركه ما تنقطع الأعناق دونه ليفهم عجز غيره من باب ~~الأولى، فقال معلما بأن من كماله أن يأخذ بالذنب إن شاء ويغفر إن شاء وإن ~~عظم الذنب، ليحث ذلك على المبادرة إلى التوبة وتكثير الحسنات وحسن الرجاء: ~~{واستغفره} أي اطلب غفرانه إنه كان غفارا إيذانا بأنه لا يقدر أحد أن يقدره ~~حق قدره كما أشار إلى ذلك الاستغفار عقب الصلاة التي هي أعظم العبادات ~~لتقتدي بك أمتك في المواظبة على الأمان الثاني لهم، فإن الأمان الأول - ~~الذي هو وجودك بين أظهرهم قد دنا رجوعه إلى معدنه في الرفيق الأعلى والمحل ~~الأقدس الأولى، وكذا فعل صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «سبحانك لا أحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» ودخل يوم الفتح مكة مطأطئا رأسه حتى إنه ~~ليكاد يمس واسطة الرحل تواضعا لله سبحانه وتعالى إعلاما لأصحابه رضوان الله ~~تعالى عليهم أجمعين أن ما وقع # PageV22P318 # إنما هو بحول الله، لا بكثرة مع معه من الجمع، وإنما جعلهم سببا لطفا منه ~~بهم، ولذلك نبه من ظن منهم أو هجس في خاطره أن للجمع مدخلا بما وقع من ~~الهزيمة في حنين أولا، وما وقع بعد من النصرة بمن ثبت مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهم لا يبلغون ثلاثين نفسا ثانيا، فالتسبيح الذي هو تنزيه عن ~~النقص إشارة إلى إكماله الدين تحقيقا لما كان تقدم به وعده الشريف. # والاستغفار إشارة إلى أن عبادته صلى الله عليه وسلم التي ms5818 هي أعظم ~~العبادات قد شارفت الانقضاء، ولا يكون ذلك إلا بالموت، فلذلك أمر ~~بالاستغفار لأنه يكون في خاتمة المجالس والأعمال جبرا لما لعله وقع فيها ~~على نوع من الوهن واعترافا بذل العبودية والعجز. # ولما أمر بذلك فأرشد السياق إلى أن التقدير: وتب إليه، علله مؤكدا لأجل ~~استبعاد من يستبعد مضمون ذلك من رجوع الناس في الردة ومن غيره بقوله: {إنه} ~~أي المحسن إليك غاية الإحسان بخلافته لك في أمتك، ويجوز أن يكون التأكيد ~~لأجل دلالة ما تقدم من ذكر الجلالة مرتين على غاية العظمة والفوت عن ~~الإدراك # PageV22P319 # بالاحتجاب بإرادته الكبرياء والعز والتجبر والقهر مع أن المألوف أن من ~~كان على شيء من ذلك كان بحيث لا يقبل عذرا ولا يقبل نادما {كان} أي لم يزل ~~على التجدد والاستمرار {توابا *} أي رجاعا بمن هذب به الشيطان من أهل رحمته ~~فهو، الذي رجع بأنصارك عما كانوا عليه من الاجتماع على الكفر والاختلاف ~~والعداوات فأيدك بدخولهم في الدين شيئا فشيئا حتى أسرع بهم بعد سورة الفتح ~~إلى أن دخلت مكة في عشرة آلاف، وهو أيضا يرجع بك إلى الحال التي يزداد بها ~~ظهور رفعتك في الرفيق الأعلى ويرجع عن تخلخل من أمتك في دينه بردة أو معصية ~~دون ذلك إلى ما كان عليه من الخير، ويسير بهم أحسن سير، فقد رجع آخر السورة ~~إلى أولها لأنه لولا تحقق وصفه بالتوبة لما وجد الناصر الذي وجد به الفتح ~~والتحم مقطعها أي التحام بمطلعها، وعلم أن كل جملة منها مسببة عما قبلها، ~~فتوبة الله على عبده نتيجة توبته باستغفاره الذي هو طلب المغفرة بشروطه، ~~وذلك ثمرة اعتقاده الكمال في ربه، وذلك ما دل عليه إعلاؤه لدينه، وقسره ~~للداخلين فيه على الدخول مع أنهم أشد الناس شكائم وأعلاهم # PageV22P320 # همما وعزائم، وقد كانوا في غاية الإباء له والمغالبة للقائم به، وذلك هو ~~فائدة الفتح هو آية النصر، وقد علم أن الآية الأخيرة من الاحتباك: دل ~~بالأمر بالاستغفار على الأمر بالتوبة، وبتعليل الأمر بالتوبة على تعليل ~~الأمر بالاستغفار، ms5819 وعلم أن السورة أشارة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم ~~بالحث على الاستغفار الذي هو الأمان الثاني، ومن شأنه أن تختم به الأعمال ~~والمجالس بعد ما أشار إليه إعلامها بظهور الدين على الدين كله ونزولها في ~~أوسط أيام التشريق من حجته عليه أفضل الصلاة والسلام سنة عشر كما ذكرته في ~~كتابي «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» وكتابي «الاطلاع على حجة ~~الوداع» وذلك بعد نزول آية المائدة - التي هي نظيرتها في رد المقطع على ~~المطلع - في يوم عرفة # {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ~~[المائدة: 3] ومن المعلوم أنه لا يكون في هذه الدار كمال إلا بعده نقصان، ~~ولذلك سماها النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وخطب الناس فيها، فعلمهم ~~أمور دينهم وأشهدهم على أنفسهم وأشهد الله عليهم # PageV22P321 # بأنه بلغهم، وودعهم وقال: لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وأشار ~~إلى ذلك أيضا بالتوبة وإلى وقوع الردة بعده صلى الله عليه وسلم ورجوع من ~~ارتد إلى أحسن ما كانوا عليه من اعتقادهم في الدين وثباتهم عليه بقتل من ~~كان مطبوعا على الكفر المشار إليهم بقوله تعالى: {ولو أسمعهم} [الأنفال: ~~23]- أي إسماع قهر وغلبة وقسر - {لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 23] فكان ~~وجودهم ضررا صرفا من غير منفعة وقتلهم نفعا لا ضرر فيه بوجه، ولأجل إفهامها ~~حلول الأجل للإيذان بالتمام بكى العباس رضي الله تعالى عنه - وفي رواية: ~~ولده عبد الله - عند نزولها فسأله النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «نعيت ~~إليك نفسك» فقال: إنه لكما تقول. كما بكى عمر رضي الله عنه عند نزول آية ~~المائدة، وعلل بهذا - والله الهادي، وقد ظهر بهذا أن حاصلها الإيذان بكمال ~~الدين ودنو الوفاة لخاتم النبيين، والنصر على جميع الظالمين الطاغين ~~الباغين، وذلك من أعظم مقاصد المائدة، المناظرة لهذه في التطبيق بين ~~البادئة والعائدة، كما أشار إليه قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [ # PageV22P322 # الأنعام: 3] وقوله تعالى: {ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ~~الله هم الغالبون} [المائدة: 56] وقوله تعالى: ms5820 {لله ملك السماوات والأرض ~~وما فيهن وهو على كل شيء قدير} [المائدة: 120] ومن أعظم لطائف هذه السورة ~~ودقيق بدائعها ولطيف منازعها أن كلماتها تدل بأعدادها على أمور جليلة ~~وأسرار جميلة، فإنها تسع عشرة كلمة، وقد كان في سنة تسع عشرة من الهجرة موت ~~قيصر طاغية الروم، وذلك أن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لما فتح ~~الإسكندرية قال قيصر: لئن غلبونا على الإسكندرية لقد هلكت الروم، فتجهز ~~ليباشر قتالهم بنفسه، فعندما فرغ من جهازه صرعه الله فمات وكفى الله ~~المسلمين شره، وذل الروم بذلك ذلا كبيرا، واستأسدت العرب، وفي هذه السنة ~~أيضا فتح الله قيسارية من بلاد الشام فلم يبق بالشام أقصاها وأدناها عدو، ~~وفرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، وكان فيها أيضا فتح جلولاء، من بلاد فارس، ~~وكان فتحها يسمى فتح الفتوح، لأن الفرس لم ينجبروا بعده، هذا إن عددنا ما ~~يوازي كلماتها من سنة الهجرة، وإن عددنا من سنة نزول السورة في سنة عشر فقد ~~فتحت سنة تسع وعشرين من الهجرة - وهي التاسعة عشرة من نزولها - # PageV22P323 # مدينة اصطخر، واشتد ضعف الفرس، وأمر ملكهم يزدجرد واجتهاده في الهرب من ~~العرب حتى قتل سنة إحدى وثلاثين من الهجرة بعد ذلك بسنتين، وذلك هو العد ~~الموازي لعد كلماتها ظواهر وضمائر مع كلمات البسملة، وإذا نظرت إلى ما هنا ~~من هذا وطبقت بينه وبين ما ذكر في سورة الفتح من مثله زاد عجبك من باهر هذه ~~الآيات - والله الموفق، ثم إنك إذا اعتبرت اعتبارا آخر وجدت هذه السورة كا ~~دلت بجملتها على انقضاء زمن النبوة بموت النبي صلى الله عليه وسلم دلت ~~بمفردات كلماتها على انقضاء خلافة النبوة لتمام ثلاثين سنة كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في ~~صحيحه عن سفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنه # «خلافة النبوة ثلاثون، ثم يؤتي الله الملك من يشاء» وذلك أنك إذا عددت ~~كلماتها مع البسملة كانت باعتبار الرسم ثلاثا وعشرين كلمة، وذلك مشيرا ms5821 إلى ~~انقضاء الخلافة التي لم تكن قط خلافة مثلها، وهي خلافة الفاروق عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه باستشهاده في ذي الحجة سنة ثلاثة وعشرين من الهجرة، ~~فإذا ضممت إلى ذلك الضمائر البارزة وهي خمسة، والمستترة وهي ثلاثة، فكانت ~~أحدا وثلاثين، # PageV22P324 # وحسبت من حين نزول السورة على النبي صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة سنة ~~عشر كان ذلك مشيرا إلى انقضاء خلافة النبوة كلها بإصلاح أمير المؤمنين ~~الحسن بن علي رضي الله عنهما في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك عند ~~مضي ثلاثين سنة من موت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة عشر ~~من الهجرة لا تزيد شهرا ولا تنقصه، وإن أخذت الضمائر وحدها بارزها ومستترها ~~دلت على فتح مكة المشرفة بعينه، فإنها - كما مضى - ثمانية وقد كان الفتح ~~سنة ثمان من الهجرة، ومن لطائف الأسرار وبدائع الأنظار أنها تدل على السنين ~~بحسب التفصيل، فالبارز يدل على سنة النصر والظهور على قريش لأنهم المقصودون ~~بالذات لأن العرب لهم تبع، والمستتر يدل على ضد ذلك، وشرح هذا أنه لما كانت ~~قد خفقت في السنة الأولى من الهجرة رايات الإسلام في كل وجه، وانتشرت أسده ~~في كل صوب، وانبثت سراياه في كل قطر، أشار إليها التاء في {ورأيت} التي هي ~~ضميره صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ما يختص بفهمه من البشارة. ولما كان في ~~السنة الثانية بغزوة بدر من واضح الظفر وعظيم النصر ما هد قلوب الكفار، وشد ~~قلوب الأنصار في سائر الأمصار، وأعلى لهم القدر، أشار إلى ذلك واو {يدخلون} ~~، ولما حصل في السنة الثالثة ما لم يخف من المصيبة في غزوة أحد التي ربما ~~أوهمت بعض من لم يرسخ نقصا، أشار إلى ذلك # PageV22P325 # الضمير المستتر في {فسبح} ، ولما كان الخبر في الرابعة بأجلاء بني النضير ~~وإخلاف قريش للوعد في بدر جبنا وعجزا حيث وفى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه رضي الله تعالى عنهم شجاعة وقوة بحول الله وانقلبوا، منها بنعمة من ~~الله ms5822 وفضل لم يمسهم سوء، أشار إلى ذلك الكاف في {ربك} ولما كان في الخامسة ~~غزوة الأحزاب أشار إليها المستتر في {واستغفره} ولما كان في السادسة عمرة ~~الحديبية التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم فتحا، أنزل الله فيها سورة ~~الفتح لكونها كانت سببا للفتح، فكان ذلك علما من أعلام النبوة، ولبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيها إلى الملوك يدعوهم إلى الله تعالى أشار إلى ذلك ~~الضمير البازر في {واستغفره} وأكد قوته كونه للرب تعالى، ولما كان في ~~السابعة غزوة خيبر وعمرة القضاء أشار إليها الضمير الظاهر في {إنه} ولما ~~كان ضمير {كان} لله، وكان له سبحانه حضرتان: حضرة غيب وبطون، وحضرة شهادة ~~وظهور، وكانت حضرة الغيب هي حضرة الجلال والكبرياء والعظمة والتعالي، وحضرة ~~الشهادة حضرة التنزل بالأفعال والاستعطاف بالأقوال، كانت الحضرتان للنصر، ~~وكانت حضرة الغيب أعظمهما نصرا وأشدهما أزرا، فلذلك كان ضمير الاستتار دالا ~~على الفتح الأكبر بالانتصار على السكان والديار بسطوة الواحد القهار، على ~~أنا إذا نظرنا إليه من حيث كونه جائز البروز كان البارز فله حكمه - فسبحان ~~من شمل علمه، ودقت حكمته فنفذ حكمه. # PageV22P326 # سورة المسد # مقصودها البت والقطع الحتم بخسران الكافر ولو كان أقرب الخلق إلى أعظم ~~الفائزين، اللازم عنه أن شارع الدين له من العظمة ما يقصر عنه الوصف، فهو ~~يفعل ما يشاء لأنه لا كفو - له أصلا، حثا على التوحيد من سائر العبيد ولذلك ~~بين سورة الإخلاص المقرون بضمان النصر وكثرة الأنصار، واسمها تبت واضح ~~الدلالة على ذلك بتأمل السورة على هذه الصورة) بسم الله (الجبار المتكبر ~~المضل الهاد) الرحمن (الذي عم الولي والعدو بنعمة البيان بعد الإكرام ~~بالإيجاد) الرحيم (الذي خص بالتوفيق أهل الوداد. # PageV22P327 # لما قدم سبحانه وتعالى في سورة النصر القطع بتحقيق النصر لأهل هذا الدين ~~بعد ما كانوا فيه من الذلة، والأمر الحتم بتكثيرهم بعد الذي مر عليهم مع ~~الذلة من القلة، وختمها بأنه التواب، وكان أبو لهب - من شدة العناد لهذا ~~الدين والأذى لإمامة النبي صلى الله عليه وسلم سيد ms5823 العالمين مع قربه منه - ~~بالمحل الذي لا يجهل، بل شاع واشتهر، وأحرق الأكباد # PageV22P327 # وصهر، كان بحيث يسأل عن حاله إذ ذاك هل يثبت عليه أو يذل، فشفى غل هذا ~~السؤال، وأزيل بما يكون له من النكال، وليكون ذلك بعد وقوع الفتح ونزول ~~الظفر والنصر، والإظهار على الأعداء بالعز والقهر، مذكرا له صلى الله عليه ~~وسلم بما كان أول الأمر من جبروتهم وأذاهم وقوتهم بالعدد والعدد، وأنه لم ~~يغن عنهم شيء من ذلك، بل صدق الله وعده في قوله سبحانه وتعالى {قل للذين ~~كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جنهم وبئس المهاد} [آل عمران: 12] وكذبوا فيما ~~كانوا فيه من التعاضد والتناصر والتحالف والتعاقد، فذكر تعالى أعداهم له ~~وأقربهم إليه في النسب إشارة إلى أنه لا فرق في تكذيبه لهم بين القريب ~~والبعيد. وإلى أنه لم ينفعه قربه له ليكون ذلك حاملا لأهل الدين على ~~الاجتهاد في العمل من غير ركون إلى سبب أو نسب غير ما شرعه سبحانه، فقال ~~تعالى معبرا بالماضي دلالة على أن الأمر قد قضى بذلك وفرغ منه، فلا بد من ~~كونه ولا محيص: {تبت} أي حصل القطع الأعظم والحتم الأكمل، فإنها خابت وخسرت ~~غاية الخسارة، وهي المؤدية إلى الهلاك لأنه لا نجاة إلا نجاة الآخرة، وجعل ~~خطاب هذه السورة عن الله ولم يفتتحها ب «قل» كأخواتها لأن هذا أكثر # PageV22P328 # أدبا وأدخل في باب العذر وأولى في مراعاة ذوي الرحم، ولذلك لم يكرر ذكرها ~~في القرآن، وأشد في انتصار الله سبحانه وتعالى له صلى الله عليه وسلم وأقرب ~~إلى التخويف وتجويز سرعة الوقوع. # ولما كانت اليد محل قدرة الإنسان، فإذا اختلت اختل أمره، فكيف إذا حصل ~~الخلل في يديه جميعا، قال مشيرا بالتثنية إلى عموم هلاكه بأن قوته لم تغن ~~عنه شيئا، ولأن التثنية يعبر بها عن النفس، ومشيرا بالكنية وإن كان يؤتى ~~بها غالبا للتشريف إلى مطابقة اسمه لحاله، ومجانسته الموجبة لعظيم نكاله: ~~{يدا أبي لهب} فلا قدرة له على إعطاء ولا منع، ولا على جلب ولا دفع، وإشارة ms5824 ~~إلى أن حسن صورته لم تغن عنه شيئا من قيبح سيرته لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» # لأنه إنما كني بهذا لإشراق وجهه وتوقد وجنتيه، ولأنها أشهر، فالبيان بها ~~أقوى وأظهر، والتعبير بها - مع كونه أوضح - أقعد في قول التي هي أحسن. لأن ~~اسمه عبد العزى وهو قبيح موجب للعدول عنه غيرة على العبودية أن تضاف إلى ~~غير مستحقها. # PageV22P329 # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة وإن نزلت على سبب خاص وفي ~~قصة معلومة فهي مع ما تقدمها واتصل بها في قوة أن لو قيل: قد انقضى عمرك يا ~~محمد، وانتهى ما قلدته من عظيم أمانة الرسالة أمرك، وأديت ما تحملته وحان ~~أجلك، وأمارة ذلك دخول الناس في دين الله أفواجا، واستجابتهم بعد تلكؤهم، ~~والويل لمن عاندك وعدل عن متابعتك وإن كان أقرب الناس إليك. فقد فصلت سورة ~~{قل يا أيها الكافرون} بين أوليائك وأعدائك، وبان بها حكم من اتبعك من ~~عاداك، ولهذا سماها عليه الصلاة والسلام المبرئة من النفاق، وليعلم كفار ~~قريش وغيرهم أنه لا اعتصام لأحد من النار إلا بالإيمان، وأن القرابات غير ~~نافعه ولا مجدية شيئا إلا مع الإيمان {لكم دينك ولي دين} {أنتم بريئون مما ~~أعمل وأنا بريء مما تعملون} [يونس: 41] ، {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض} [التوبة: 71] وههنا انتهى الكتاب بجملته - انتهى. # ولما كان ربما خص التباب بالهلاك، وحمل على هلاك اليدين حقيقة، وكان ~~الإنسان لا يزول جميع منفعته بفوات يديه وإن كان قد يعبر بهما عن النفس، ~~قال مصرحا بالمقصود: {وتب} أي هو بجملته بتمام الهلاك والخسران، فحقق بهذا ~~ما أريد من الإسناد إلى اليدين # PageV22P330 # من الكناية عن الهلاك الذي لا بقاء بعده، والظاهر أن الأول دعاء والثاني ~~خبر، وعرف بهذا أن الانتماء إلى الصالحين لا يغني إلا إن وقع الاقتداء بهم ~~في أفعالهم لأنه عم النبي صلى الله عليه وسلم. # ومادة «تب» و «بت» - الجامعة بجمع التاء والباء للسببين الأدنى الباطني ms5825 ~~والأعلى الظاهري - تدور على القطع المؤدي في أغلب أحواله إلى الهلاك، لأن ~~من انقطع إلى الأسباب معرضا عن مسببها كان في أعظم تباب، وربما كان القطع ~~باستجماع الأسباب، فحصل العوز بالمقاصد والمحاب، قال ابن مكتوم في الجمع ~~بين المحكم والعباب: التب والتباب: الخسار، وتبا له - على الدعاء، وتبا ~~تبيبا - على المبالغة، قال الإمام أبو عبد الله القزاز: كأنك قلت: خسرانا ~~له، وهو المصدر، نصب نصب سقيا له، قال ابن دريد: وكأن التب المصدر والتباب ~~الاسم، والتبب والتباب والتبيب: الهلاك، والتتبيب النقص والخسار، وكل هذا ~~واضح في القطع عن الخير والفوز، قال: والتاب: الكبير من الرجال، والأنثى ~~تابة، وقال القزاز: إذا سألت الرجل عن المرأة قلت: أشابة هي أم تابة، أي أم ~~عجوز فانية، ومعلوم أن كبر السن مقرب من القطع والهلاك، والتاب: الضعيف، ~~والجمع أتباب - هذلية، وحمار # PageV22P331 # تاب الظهر - إذا دبر، وجمل تاب كذلك نادرة، ولا شك أن الدبر والضعف هلاك ~~في المعنى. # وتب: قطع مثل بت، أي بتقديم الموحدة ووقعوا في تبوب منكرة، وهو بتبة أي ~~بحالة شديدة، والتبي - بالفتح والكسر: ضرب من تمر البحرين، قيل: هو رديء ~~يأكله سقاط الناس، وأتب الله قوته: أضعفها، وتببوهم تتبيبا: أهلكوهم، ~~وتبتب: شاخ، وكل ذلك واضح في القطع بالهلاك والخسار، والتبوب يعني بالضم: ~~ما انطوت عليه الأضلاع كالصدر والقلب، وهذا يحتمل الخير والشر، فإن القلب ~~إذا فسد فسد الجسد كله، وإذا صلح صلح الجسد كله، فيكون حينئذ القطع، بالفوز ~~والنجاة، أو لأن انطواء الأضلاع عليه قطعة عن الخارج، واستتب الأمر: تهيأ ~~واستوى. وقال القزاز: ويقال: هذه العلة لا تستتب في نظار هذا القول، أي لا ~~تجري في نظائره، كأنه من باب الإزالة إذ إن السين لما جامعت حرف السببين ~~آذنت بالنجاح والفوز والفلاح، فإنها حرف تدل على الاستيفاء في الإنباء عن ~~الشيء والتتمة والألفة، وأحسن من هذا أنها إذا جرت في النظائر أوضحتها ~~وكشفت معانيها ففصلتها وأبانتها وقطعتها عن غير النظائر بما أزالت من ~~الإلباس بها، والذي يحقق معاني التب ويظهر # PageV22P332 # أنه ms5826 يؤول إلى القطع مقلوبه، وهو البت - بتقديم الموحدة التي هي السبب ~~الظاهر الذي هو أقوى من حيث إنه لا يتحقق إلا بكمال السبب الباطني، يقال: ~~بت الشيء يبته بتا، وأبته: قطعه قطعا مستأصلا، وبت هو يبت وبيت بتا وانبت، ~~ولعله استوى فيه المجرد والمزيد في التعدية دلالة على أن ما حصل بالمجرد من ~~القطع هو من الكمال بحيث لا مزيد عليه، وكذا استوى القاصر مجردا ومطاوعا مع ~~المتعدي في أصل المعنى. وصدقه بتة: بتلة باينة من صاحبها، وطلقها ثلاثا بتة ~~وإبتاتا، أي قطعا لا عود فيه، ولا أفعله البتة - كأنه قطع فعله، قال ~~سيبويه: وقالوا: قعد البتة - مصدر مؤكد، ولا يستعمل إلا بالألف واللام، وبت ~~عليه القضاء بتا وأبته: قطعه، وسكران ما يبت كلاما وما يبت أي ما يقطعه، ~~قال القزاز: يبت من أبت، ويبت من بت، وسكران بات: منقطع عن العمل بالسكر، ~~وأبت يمينه: أمضاها، أي قطعها عن الحنث، وبتت هي: وجبت وحلت بتا وبتة ~~وبتاتا، وكل ذلك من القطع، وأبت بعيره، أي قطعه بالسير، والمنبت في الحديث: ~~الذي أتعب دابته حتى عطب ظهره فبقي منقطعا به، وقال القزاز: هو الذي أتعب # PageV22P333 # دابته حتى قطع ظهرها فبقي منبتا به، أي منقطعا به، وبت عليه الشهادة ~~وأبتها: قطع عليه بها وألزمه إياها، وبت عليه القضاء وأبته، قطعه، والبات: ~~المهزول الذي لا يقدر أن يقوم - كأنه قد انقطعت قوته، وفي الحديث «لا صيام ~~لمن لم يبت الصيام من الليل» # فمعناه: يوجبه، أي يقطعه على نفسه قبل الفجر، من أبت عليه الحكم - إذا ~~قطعه، وروي: يبت، من بت - إذا قطع، وكلاهما بمعنى، وهما لغتان فصيحان. وروي ~~في حديث «من لم يبت» من البيات، وأحمق بات: شديد الحمق - كذا قاله الليث، ~~وقال الأزهري: هو تاب - بتأخير الموحدة، والبت: كساء غليظ مهلهل مربع أخضر، ~~وقيل: هو من وبر وصوف، والجمع بتوت، والبتات أي بالتخفيف: متاع البيت ~~والزاد، كأن ذلك يقطع صاحبه عن الحاجة، وبتتوه: زودوه، أو أن ذلك من ~~الإزالة لأنه صلة لصاحبه ورفد ms5827 لأن الاستقراء حاصل بأن كل مادة لها معنى ~~غالب تدور عليه وفيها شيء لإزالة ذلك المعنى، وفلان على بتات أمر - إذا ~~أشرف على فراغه، فإنه ينقطع حينئذ، وتقول: طحنت بالرحى بتا - إذا ابتدأت ~~الإدارة عن يسارك، كأنه دال على القطع بتمام العزيمة لأن ذلك أقوى للطاحن ~~وأمكن، وانبت الرجل: انقطع ماء ظهره، ويقال: # PageV22P334 # هذا حبل بت: إذا كان طاقا واحدا، كأنه لما كان كذلك فكان سهل القطع أطلق ~~عليه القطع مبالغة مثل عدل، وقد انبت فلان عن فلان - إذا انقطع وانقبض. # ولما أوقع سبحانه الإخبار بهلاكه على هذا الوجه المؤكد لما كان لصاحب ~~القصة وغيره من الكفار من التكذيب بلسان حاله وقاله لما له من المال ~~والولد، وما هو فيه من القوة بالعدد والعدد، زاد الأمر تحققا إعلاما بأن ~~الأحوال الدنيوية لا غناء لها فقال مخبرا، أو مستفهما منكرا {ما أغنى} أي ~~أجزى وناب وسد {عنه} أي عن أبي لهب الشقي الطريد المبعود عن الرحمة مع ~~العذاب {ماله} أي الكثير الذي جرت العادة بأنه ينجي من الهلاك. # ولما كان الكسب أعم من المال، وكان المال قد يكسب منافع هي أعظم منه من ~~الجاه وغيره، وكان الإنسان قد يكون فائزا ولا مال له بأمور أثلها بسعيه ~~خارجة عن المال، قال مفيدا لذلك مبينا أنه لا ينفع إلا ما أمر الله به {وما ~~كسب *} أي وإن كان ذلك على وجه هائل من الولد والأصحاب والعز بعشيرته التي ~~كان يرضيها باتباع # PageV22P335 # النبي صلى الله عليه وسلم في المحافل يؤذيه ويكذبه وينهى الناس عن تصديقه ~~مع أنه كان قبل ذلك يناديه بالصادق الأمين، وكان ابنه عتبة شديد الأذى ~~للنبي صلى الله عليه وسلم حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم سلط ~~عليه كلبا من كلابك» فكان أبو لهب يعرف أن هذه الدعوة لا بد أن تدركه، فلما ~~حان الأمر وكان قد آن ما أراد صاحب العز الشامخ، سبب له أن سافر إلى الشام ~~فأوصى به أبوه الرفاق لينجوه رغم من هذه الدعوة، فكانوا ms5828 يحدقون به إذا نام ~~ليكون وسطهم، والحمول محيطة به وهم محيطون بها والركاب محيطة بهم، فلم ~~ينفعه ذلك بل جاء الأسد فتشمم الناس حتى وصل إليه فاقتلع رأسه ولم ينفع ~~أباه ذلك، بل استمر على ضلاله لما سبق في علم الله تعالى حتى كانت وقعة بدر ~~فلم يخرج فيها فلما جاء الفلال كان منهم ابن أخيه أبو سفيان بن الحارث ~~فقال: هلم يا ابن أخي فعندك الخبر: فقال نعم! فوالله ما هو إلا أن لقيناهم ~~فمنحناهم أكتافنا يفتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا، ومع ذلك والله ~~مللت الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئا - ~~أي ما تبقيه - # PageV22P336 # ولا يقوم لها شيء، قال أبو رافع غلام العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ~~وكان جالسا في حجرة في المسجد يبري نبلا، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ~~وكنا نكتم إسلامنا، فما ملكت نفسي أن قلت: تلك والله الملائكة، قال: فرفع ~~أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، قال: وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم ~~برك علي يضربني وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل - يعني سيدته - زوجة ~~العباس رضي الله عنها إلى عمود الحجرة - أي الخيمة - فضربته به ضربة فلقت ~~في رأسه شجة منكرة وقالت: استضعفته أي عدو الله إن غاب عنه سيده، فقام ~~موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال أو ستا حتى رماه الله بالعدسة ~~فقتله وما نفعه إبعاده عن الخطر بتخلفه عن بدر، والعدسة بثرة تشبه العدسة ~~تخرج في مواضع من الجسد من جنس الطاعون تقتل غالبا، قال القزاز: كانت تعدي ~~في الجاهلية قلما يسلم منها أحد، تقول: عدس الرجل فهو معدوس، كما تقول: طعن ~~فهو مطعون - إذا أصابه الطاعون - انتهى. # ولأجل تشاؤم العرب بها ترك أبو لهب من غير دفن ثلاثا # PageV22P337 # حتى أنتن ثم استأجروا بعض السودان حتى دفنوه، ويقال: إنهم حفروا له حفرة ~~بعيدة عنه من شدة نتنه ثم دفعوه بخشب طوال حتى رموه فيها ورجموه بالحجارة ~~والتراب من بعيد ms5829 حتى طموه، فكان ذلك سنة في رجمه فهو يرجم إلى الآن، وذلك ~~من أول إعجاز هذه الآيات أن كان سبة في العرب دون أن يغني عنه شيء مما يظن ~~أنه يغني عنه. # ولما أخبر سبحانه وتعالى بوقوع هذا التبار الأعظم به، وكان لا عذاب يداني ~~عذاب الآخرة، بينه بقوله: {سيصلى} أي عن قرب بوعد لا خلف فيه {نارا} أي ~~فيدس فيها وتنعطف عليه وتحيط به. # ولما كان المقصود شدة نكايته بأشد ما يكون من الحرارة كما أحرق أكباد ~~الأولياء، وكانت النار قد تكون جمرا ثم تنطفىء عن قرب قال: {ذات لهب *} أي ~~لا تسكن ولا تخمد أبدا لأن ذلك مدلول الصحبة المعبر عنها ب «ذات» ، وذلك ~~بعد موته وليس في السورة دليل قاطع على أنه لا يؤمن لجواز أن يكون الصلي ~~على الفسق، فلا دليل فيها لمن يقول: إن فيها التكليف بما علم أنه محال ~~ليكون قد كلف بأن يؤمن وقد علم # PageV22P338 # أنه حكم بأنه لا يؤمن، وإن كان الله قد حقق هذا الخبر بموته كافرا في ~~الثانية من الهجرة عقب غزوة بدر وهي الخامسة عشرة من النبوة، لكن ما عرف ~~تحتم كفره إلا بموته كافرا لا بشيء في هذه السورة ولا غيرها، ومن الغرائب ~~أن الكلمات المتعلقة به في هذه السورة خمس عشرة كلمة، فكانت مشيرة إلى سنة ~~موته بعد أن رأى تبابه في وقعة بدر وغيرها بعينه، فإذا ضممنا إليها كلمات ~~البسملة الأربع وازت سنة ست من الهجرة، وهي سنة عمرة الحديبية سنة الفتح ~~السببي التي تحقق فيها تبابه وخساره عند كل من عنده إيمان بالغيب ودفع ~~للريب، فإذا ضممت إليها الضميرين البارزين اللذين هما أقرب إلى الكلمات ~~الاصطلاحية من المستترة وازت سنة ثمان من الهجرة التي كان فيها الفتح ~~الحقيقي، فتحقق عند قريش كافة ما أنزل فيه في هذه السورة، فإذا ضممت إليها ~~الضمائر الثلاثة المستترة وازت سنة إحدى عشرة على أنك إذا بدأت بالضمائر ~~المستترة حصلت المناسبة أيضا، وذلك أنها توازي سنة تسع وهي سنة الوفود ms5830 التي ~~دخل الناس فيها في الدين أفواجا وحج فيها بالناس أبو بكر الصديق رضي الله ~~تعالى عنه أميرا، ونودي # PageV22P339 # في الموسم ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، فتحققت خيبة أبي لهب عند ~~كل من حضر الموسم لا سيما من كان يعلم دورانه وراء النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتكذيبه له من مسلم وغيره، فإذا ضممنا إلى ذلك الضميرين البارزين وازت ~~سنة إحدى عشرة أول سني خلافة الصديق رضي الله عنه التي فتحت فيها جميع ~~جزيرة العرب بعد أن لعب الشيطان بكثير من أهلها. # فرجعوا بعد أن قتل الله منهم من علم أنه مخلوق لجهنم، وتحقق حينئذ ما ~~لأبي لهب من التباب والنار ذات الالتهاب عند العرب كافة بإيمانهم عامة في ~~السنة الحادية عشرة من الهجرة بعد مضي ثلاث وعشرين سنة من النبوة، واستقر ~~الأمر حينئذ، وعلم أن الدين قد رسخت أوتاده وثبت عماده، وأن الذي كان يحميه ~~في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قد حماه بعده وهو سبحانه حي لا يموت ~~وقادر لا يعجزه شيء، وعدد كلمات السورة ثلاث وعشرون وهي توازي سنة حجة ~~الوداع سنة عشر، فإنها السنة الثالثة والعشرون من المبعث وفيها كمل الدين ~~ونزلت آية المائدة. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان قد أيس أن ~~يعبد بأرض العرب، # PageV22P340 # فتحقق كل الناس لا سيما من حضر الموسم تباب أبي لهب الذي كان يدور في تلك ~~المشاهد وراء النبي صلى الله عليه وسلم يكذبه ويؤذيه # {إن في ذلك لعبرة} [آل عمران: 13 - والنور: 44] . # ولما أخبر سبحانه وتعالى عنه بكمال التباب الذي هو نهاية الخسار، وكان ~~أشق ما على الإنسان هتك ما يصونه من حريمه حتى أنه يبذل نفسه دون ذلك لا ~~سيما العرب، فإنه لا يدانيهم في ذلك أحد، زاده تحقيرا بذكر من يصونها معبرا ~~عنها بما صدرها بازرا صورة وأشنعها، فقال مشيرا إلى أن خلطة الأشرار غاية ~~الخسار، فإن الطبع وإن كان جيدا يسرق من الردىء، فكيف إذا كان رديئا وإن ~~أرضى الناس بما ms5831 يسخط الله أعظم الهلاك {وامرأته} أي أم جميل أخت أبي سفيان ~~بن حرب أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي مثل زوجها في التباب والصلي من ~~غير أن يغني عنها شيء من مال ولا حسب ولا نسب، وعدل عن ذكرها بكنيتها لأن ~~صفتها القباحة وهي ضد كنيتها، ومن هنا تؤخذ كراهة التلقيب بناصر الدين ~~ونحوها لمن ليس متصفا بما دل عليه لقبه، ثم وصفها بما أشار إليه ذنبها ~~وأكمل قبيح صورتها فقال: {حمالة الحطب} أي الحاملة أقصى ما يمكن حمله من ~~حطب # PageV22P341 # جهنم بما كانت تمشي به وتبالغ فيه من حمل حطب البهت والنميمة الذي تحمل ~~به على معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وشدة أذاه وإيقاد نار الحرب ~~والخصومة عليه صلى الله عليه وسلم، من قول الشاعر: # من البيض لم تصطد على ظهر لأمه ... ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب # أراد النميمة، وعبر بالرطب للدلالة على زيادة الشر بما فيه من التدخين ~~وشبهت النميمة بالحطب لأنها توقد الشر فتفرق بين الناس كما أن الحطب يكون ~~وقودا للنار فتفرقه، وكذا بما كانت تحمل من الشوك وتنثره ليلا في طريق ~~النبي صلى الله عليه وسلم لتؤذيه، وكانت تفعله بنفسها من شدة عداوتها ~~وتباشره ليلا لتستخفي به لأنها كانت شريفة، فلما نزلت سورة صورتها بأقبح ~~صورة فكان ذلك - أعظم فاضح لها، وقراءة عاصم بالنصب للقطع على الشتم تؤدي ~~أن امرأته مبتدأ وأن الخبر {في جيدها} أي عنقها وأجود ما فيها - هو حال على ~~التقدير الأول {حبل} كالحطابين تخسيسا لأمرها وتحقيرا لحالها {من مسد} أي ~~ليف أو ليف المقل أو من شيء قد فتل وأحكم فتله، من قولهم: رجل ممسود الخلق، ~~أي مجدوله - وقد رجع آخرها على أولها، فإن من كانت امرأته مصورة بصورة ~~حطابة على ظهرها حزمة حطب معلق # PageV22P342 # حبلها في جيدها فهو في غاية الحقارة، والتباب والخساسة والخسارة وحاصل ~~هذه السورة أن أبا لهب قطع رحمه وجار عن قصد السبيل واجتهد بعد ضلاله في ~~إضلال غيره، وظلم الناصح له ms5832 الرؤوف به الذي لم يأل جهدا في نصحه على ما ~~تراه من أنه لم يأل هو - جهدا في أذاه واعتمد على ماله وأكسابه فهلك وأهلك ~~امرأته معه ومن تبعه من أولاده، ومن أعظم مقاصد سورة النساء المناظرة لها ~~في رد المقطع على المطلع التواصل والتقارب والإحسان لا سيما لذوي الأرحام، ~~والعدل في جميع الأقوال والأفعال، فكان شرح حال الناصح الذي لا ينطق عن ~~الهوى، وحال الضال الذي إنما ينطق عن الهوى - قوله تعالى: # {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم} [النساء: 26] وختمها ~~إشارة إلى التحذير من مثل حاله، فكأنه قيل: يبين الله لكم أن تضلوا فكونوا ~~كأبي لهب في البوار، وصلي النار - كما تبين لكم، فكونوا على حذر من كل ما ~~يشابه حاله وإن ظهر لكم خلاف ذلك، فأنا أعلم منكم، والله بكل شيء عليم ~~«والحمد لله رب العالمين» . # PageV22P343 # (سورة الإخلاص) # وتسمى الأساس والمقشقشة وقل هو الله أحد. # مقصودها بيان الحقيقة الذات الأقدس ببيان اختصاصه بالاتصاف بأقصى الكمال ~~للدلالة على صحيح الإعتقاد للإخلاص في التوحيد بإثبات الكمال، ونفي الشوائب ~~النقص والاختلال، المثمر لحسن الأقوال والأفعال، وثبات اللجاء والاعتماد في ~~جميع الأحوال، وعلى ذلك دل اسمها الإخلاص الموجب للخلاص، وكذا الأساس ~~والمقشقشة، قال في القاموس: المقشقشتان الكافرون والإخلاص أي المبرئتان من ~~النفاق والشرك كما يقشقش الهناء الجرب، الهناء: القطران، وقال الإمام عبد ~~الحق في كتابه الواعي: كما يبرئ المريض من علته إذا برئ منها - انتهى. وهو ~~مأخوذ من القش بمعنى الجمع، فسميتا بذلك لأنها تتبعنا النفاق بجميع أنواعه، ~~وكذا الشرك والكفر فجمعتاله ونفتاه بذلك لأنها تتبعنا النفاق بجميع أنواعه، ~~وكذا الشرك والكفر فجمعناه ونفتاه عن قارئهما حق القراءة، وقد تقدم الكلام ~~على هذا الاسم مبسوطا في براءة وكذا اسمها " قل هو الله أحد " دال على ~~مقصوزدها بتأمل جميع السورة وما دعت إليه من # PageV22P344 # معاني التبرئة اليسيرة الكثيرة، وهذه السورة أعظم مفيد للتوحيد في ~~القرآن، قال الرازي: والتوحيد مقام يضيق عنه نطاق النطق لأنك إذا أخبرت عن ~~الحق فهنالك مخبر ms5833 عنه ومخبر به مجموعهما، وذلك ثلاث، فالعقل يعرفه ولكن ~~النطق لا يصل إليه سئل الجنيد عن التوحيد فقال: معنى تضمحل فيه الرسوم ~~وتتشوش فيه العلوم ويكون الله كما لم يزل وقال الجنيد أيضا: أشرف كلمة في ~~التوحيد ما قاله الصديق رضي الله عنه: سبحانه من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى ~~معرفته إلا بالعجز عن معرفته) بسم الله (الذي له جميع الكمال بالجلال ~~والجمال) الرحمن (الذي أفاض منت طوله على جميع الموجودات عموم الأفضال) ~~الرحيم (الذي خص أهل وداده من نور الإنعام بالإتمام والإكمال. # لما كانت الكوثر علة للنهي عما تضمنه التكذيب من مساوئ الأفعال، وعلم بها ~~أنه (صلى الله عليه وسلم) مختص بالخير المستلزم لأن شائنه هو الأبتر، فكان ~~موضع السؤال عما يفعل مع الشانئين من معاركه أو متاركة، جاءت الكافرون ~~للمتاركة لقلة أهل الدين إذ ذاك، إشارة إلى أن هذه الدار مبنية على ~~الأسباب، فعلم بالكافرون أن الشانئ مما لا يعبأ به، فتحركت النفس إلى سؤال ~~عن وقت الصلاحية # PageV22P345 # للمعاركة بعد هذه التاركة، وما يترتب على المعاركة من قهر الشانئ بالفعل، ~~فجاءت سورة النصر لذلك الإشارة إلى أنه مما لا يسأل عنه بمتى، لتغبير ذلك ~~في وجه الإحسان في التسليم، وإنما يسأل عما يفعل عندوعه من الإحسان في ~~التعبد، معبرا بأداة التحقق إعلاما بأنه آت لا محالة، فالسؤال عن وقته ليس ~~من دأب السائرين، ولما ظهرت ذخائر هذه الكنوز بدقائق تلك الرموز، وما انضم ~~إليها من القرائن الظاهرة، استحضرت حال أبي لهب لما كان فيه مع قرابته ~~القريبة من شدة العناد، والاجتهادج العظيم في كل ما يضاد أشرف العباد واشتد ~~التشوف إلى اتقلاب حاله إذا ذاك هل يكون بما ختمت به النصر من التوبة أو ~~بخذلانه وانقلابه بأعظم الخيبة والحوبة؟ فجاءت سورته لذلك بينا لأنه غلب ~~عليه الشقاء فنزل به في دركاته مانعا من معالي درج الارتقاء، فلما بين ~~سبحان بذلك إهلاكه عدوه (صلى الله عليه وسلم) ، وختم بأعدى أعدائه فحكم ~~بهلاكه، وهلاك زوجه هلاكا لا جبر له على ms5834 وجه مبين أنه في أدنى دركات ~~الحقارة، وأعظم أنواع الخسارة، فرقص الفكر طربا من هذه الأمور، وسكر اللب ~~من عجائب المقدور، واهتز # PageV22P346 # السامع غاية الاهتزاز إلى وصف الفاعل لذلك الذي هو خارج عن طوق البشر، ~~وخارق للعوائد، وهو إظهار شخص واحد على الناس كافة مع شدة عداوتهم له، جاءت ~~الإخلاص كاشفة لما ثبت من العظمة لولي النبي (صلى الله عليه وسلم) سبحانه ~~وتعالى الذي أمره بهذا الدين وفعل له هذه الأمور - العظيمة الموجبة لمن له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لئلا يستبعد عليه سبحانه وتعالى شيئا من ذلك ~~ولا غيره، وإن تمثيل جميع ما يأم ربه كلائنا ما كان وكائنا فيه ما كان على ~~أن يوجه كان موافقة لأمره وطاعة له ومنبئة للاعتقاد الحق الذي أوجب هذه ~~النصرة، واردة على جميع فرق الضلال، هذا في انعطاف الآخر على الأول بالنسبة ~~إلى السور - من أعظم المناسبات في ذلك بالنظر إلى الآيات أنه سبحانه شرح ~~بالفيل وما بعدها من السور آيات الفاتحة كلها ثم - من أول البقرة إلى آية ~~التوحيد، فأشار بالفيل إلى استجماعه لصفات الكمال بأن له الحمد بما حرس من ~~بيته من الملوك ووحماه من كيد الجبابرة وأحسن التربية لقريش الذين هم أشرف ~~العالمين وبصلاحهعم صلاح بلدتهم أم القرى، وبصلاحها صلاحها فدل ذلك " لى ~~أنه يدين # PageV22P347 # العباد يوم التناد، ولذلك أعطى رأس الهداة الدين الذي أفرده العبادة ~~ولاستعانة بالكوثر، وهداه إلى الصراط المستقيم وأعاذه من طريق الكافرين ~~المعاندينوالضالين، وأشار أول البقرة إلى دخول المتقين - الذين الكتاب هدى ~~لهم - في الدين أفواجا وإن أغنى أهل الكفر وأعتاهم سواء عليهم الإنذار ~~وعدمه في لانه لا يؤمن وهو أبو لهب ومن سار بسيره من 0 مجاهر ومساتر ويعمهم ~~الخسار، ويشملهم الهلاك والتبار، بحكم الواحد القهار المأمور بعبادته ~~وتوحيده في الآية الجامعة لدعوات التوحيد) يا أيها الناس اعبدوا ربكم) ~~[البقرة: 21] المتصف بما في سورة الصمد التي لم ينزل في وصفه مثلها، فتم ~~الدين عند ذلك بما له سبحانه من كمال الأوصاف، وجلال النعوت ms5835 بالجبروت ~~والألطاف فلم يبق إلا تعويذ أهل الدين من أن يدخل عليهم خلل، أو يلحقهم نزع ~~أو زلل، فختم بالمعوذتين لذلك، والله المسؤول في الإنعام بعائد السؤل لكل ~~سالك. # PageV22P348 # ولما كان المقصود من القرآن دعوة العباد إلى المعبود، وكان المدعو إلى ~~شيء أحوج ما يكون إلى معرفته، وكان التعريف تارة للذات وتارة للصفات وتارة ~~للأفعال، وكانت هذه الأمة - # PageV22P348 # أشرف الأمم لأن نبيها أعلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان هي ~~الختام، أشبع الكلام في تعريفه سبحانه في القرآن، وأنهى البيان في ذلك إلى ~~حد لا مزيد عليه ولم يقاربه في ذلك كتاب من الكتب السالفة، ولكنه لما كان ~~الكبير إذا تناهى كبره عزت معرفة ذاته، وكان الله تعالى هو الأكبر مطلقا، ~~وكانت معرفة ذاته - كما أشار إليه الغزالي في الجواهر، والفخر الرازي في ~~كتبه - أضيق ما يكون مجالا وأعسره مقالا، وأعصاه على الفكر منالا، وأبعده ~~عن قبول الذكر استرسالا لأن القرآن لا يشتمل من ذلك إلا على تلويحات ~~وإشارات أكثرها رجع إلى ذكر التقديس المطلق كقوله تعالى {ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير} [الشورى: 112] وإلى التعظيم المطلق كقوله {سبحانه وتعالى ~~عما يصفون} فكام القياس أن يقتصر على ذلك مع التعريف بالصفات والأفعال، لكن ~~لما كانت هذه الأمة في الذروة من حسن الأفهام مع ما نالته من الشرف، حباها ~~سبحانه وتعالى بسورة الإخلاص كاملة ببيان لا يمكن أن تحتمل عقول البشر ~~زيادة عليه، وذلك ببيان أنه ثابت ثباتا لا يشبهه ثبات على وجه لا يكون ~~لغيره أصلا، وأنه سبحانه وتعالى منزه عن الشبيه والنظير والمكافىء والمثيل، ~~فلا زوجة له ولا ولد، ولا حاجة بوجه # PageV22P349 # إلى أحد، بل له الخلق والأمر، فهو يهلك من أراد ويسعد من شاء، فقال آمرا ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم ليكون أول كلمة فيها دالة على رسالته ردا على من ~~كذبه في خاصة نفسه وعلى البراهمة القائلين: إن في العقل غنى عن الرسل. ~~ويكون البيان جاريا على لسانه صلى الله عليه وسلم ليكون إلى فهم الخلق عنه ~~لتلك ms5836 الصفات العلى أقرب لما لهم به من المجانسة: {قل} أي يا أكرم الخلائق ~~ومن لا يفهم عن مرسله حق الفهم سواه، وإطلاق الأمر بعدم التقييد بمقول له ~~يفهم عموم الرسالة، وأن المراد كل من يمكن القول له سواء كان سائلا عن ذلك ~~بالفعل أو بالقوة حثا على استحضار - ما لرب هذا الدين - الذي حاطه هذه ~~الحياطة ورباه هذه التربية - من العظمة والجلال، والكبرياء والكمال، ففي ~~الإطلاق المشير إلى التعميم رد على من أقر بإرساله صلى الله عليه وسلم إلى ~~العرب خاصة، ويدل على أن مقول القول لا ضرر فيه على أحد فإن ظواهره مفهومة ~~لكل أحد لا فتنة فيها بوجه، وإنما تأتي الفتنة # PageV22P350 # عند تعمق الضال إلى ما لا - يحتمله عقله. # ولما كان أهم المقاصد الرد على المعطلة الذين هم ضرب ممن يقول {نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] أثبت وجوده سبحانه على أتم ~~الوجوه وأعلاها وأوفاها وأجلاها بما معناه أن حقيقته ثابتة ثباتا لا يتوجه ~~نحوه شك بوجه من الوجوه، فقال مكاشفا للأسرار - فإنه لا يمكن غيبته عنها ~~أصلا - وللوالهين: {هو} فابتدأ بهذا الاسم الشريف الذي هو أبطن الأسماء ~~إشارة إلى أنه غيب الغيب بالنظر إلى ذاته كالألف، وإلى أنه واجب الوجود ~~لذاته - وأن هويته ليست مستفادة من شيء سواها ولا موقوفة على شيء سواها، ~~فإن كل ما كانت هويته مستفادة من غيره أو موقوفة عليه فمتى لم يتعبر غيره ~~فلم يكن هو هو، وما كانت هويته لذاته فهو هو سواء اعتبر غير أو لم يعتبر، ~~فإذا لا يستحق هذا الاسم غيره أصلا على أن الهاء بمفردها مشيرة - بكونها من ~~أبطن - الحلق إلى أنه هو الأول والباطن المبدع لما سواه، والواو - بكونها ~~من أظهر حروف الشفة - إلى أنه الآخر والظاهر، وأن إليه المنتهى، وليس وراءه ~~مرمى، وأنه المبدىء المعيد - كما يشير إلى ذلك تكرير الواو في اسمها، وإلى ~~أنه محيط بكل شيء لما # PageV22P351 # فيها من الإحاطة. # ولما كان وجوده سبحانه لذاته، ولم يكن مستفادا من غيره، فإن ما ms5837 استفيد ~~وجوده من غيره كان ممكنا، كان لا يمكن شرح اسمه الذي هو هو، لا اسم لحقيقة ~~غيره يقوم من جنس ولا نوع ولا فصل لأنه لا جنس له ولا نوع له ولا سبب يعرف ~~به، والذي لا سبب له لا يمكن معرفته إلا بلوازمه، واللوازم منها سلبية ~~ومنها إضافية ومنها قريبة ومنها بعيدة، والتعريف بالإضافية وبالقريبة أتم ~~من التعريف بالسلبية وبالبعيدة، لأن البعيد كالضاحك الذي هو بعد المتعجب ~~بالنسبة إلى الإنسان لا يكون معلولا لشيء بل معلولا لمعلوله، وبالجمع بين ~~السلبية والإضافية أتم من الاقتصار على أحدهما، فلذلك اختير اسم جامع ~~للنوعين ليكون التعريف أتم، وذلك هو كون تلك الهوية إلها، فاختير لذلك اسم ~~دال عليها وهو مختص غير مشترك، وهو أول مظاهر الضمير كما أن الهمزة أول ~~مظاهر الألف، ولهذا قال بعضهم: الاسم الأعظم آخر الظواهر من الأسماء، ولهذا ~~كانت كلها صفات له وهو أول البواطن، فقال مكاشفا للأرواح # PageV22P352 # وللموحدين: {الله} أي الموجود الذي لا موجود في الحقيقة سواه! هو المسمى ~~بهذا الاسم، واختير هذا الاسم للإخبار عنه لدلالته على جميع صفات الكمال: ~~الجلال والجمال ولأنه اسم جامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، وهو أقرب ~~اللوازم إلى الهوية الهوية لأنه لا لازم لها أقرب من وجوب الوجود الذي هو ~~مقتضى الذات على ما هي عليه من الصفات، لا بواسطة شيء آخر، وبواسطة وجوب ~~وجوده كان مفيضا باختياره الإيجاد على كل شيء أراده، ومجموع الوجوب الذي هو ~~سلب وحده الإيجاد الذي هو اختيار للجود بإضافة الوجود وإضافة للإلهية التي ~~جمعتها الجلالة، وهي أقرب اللوازم إلى الذات الأقدس، ودل التعبير به على ~~أنه لا مقوم للهوية من جنس # PageV22P353 # ولا غيره ولا سبب، وإلا لكان العدول عنه إلى التعريف باللازم قاصرا، وعلى ~~أن إلهيته على الإطلاق لجميع الموجدات، فكان شرح تلك الهوية باللازم أبلغ ~~البلاغة وأحكم الحكمة، لأنه - مع كونه هو الحق - مشيرا إلى ما ذكر من ~~الدقائق. # ولما ذكرت الذات التي لا سبب لها ولا مقوم من جنس ونوع وغيره أصلا ms5838 بل هي ~~مجرد وحدة وتنزه عن تركب لا كثرة لها ولا اثنينية بوجه، وعرفها باسم جامع ~~الأنواع السلوب والإضافات اللازمة له هو أقرب اللوازم إليها، فانشرح وجودها ~~المخصوص على ما هو عليه، فكان ذلك تعريفا كاملا لأن تعريف ما لا تركب فيه ~~باللوازم القريبة في الكمال كتعريف المركبات بمقوماتها، فإن التعريف البالغ ~~هو أن يحصل في النفس صورة مطابقة للمعقول، وكانت الزيادة في الشرح مطلوبة ~~لأنها أكمل لا سيما في الأمور الباطنة الخفية، أتبع ذلك باسم سلبي إشارة ~~إلى أن النظر في هذه الدار إلى جانب الجلال ينبغي كونه أعظم، وذلك الاسم ~~قربه من الجلالة كقربتها من الهوية، فإنه دال على الوحدة الكاملة المجردة ~~وهو متنزل الجلالة كما أنها متنزل الهوية، وهو كما أن الجلالة لم يقع فيها ~~شركة أصلا قد ضاهاها في أنه لا شركة لغيره تعالى فيه عند استعماله مفردا ~~بمعناه الحقيقي إلا أن في النفي إشارة إلى أن كل ما عداه سبحانه عدم، فقال ~~مكاشفا للقلوب وللعارفين مكذبا للنصارى القائلين بالأب والابن وروح القدس، ~~ولليهود القائلين بأنه جسم، وللمجوس الذين يقولون # PageV22P354 # بأنه اثنان: نور يخلق الخير، وظلام يخلق الشر، وللصابئة الذين يعبدون ~~النجوم، وللمشركين القائلين بإلهية الأصنام، مخبرا خبرا آخر، أو مبدلا من ~~الجلالة، أو مخبرا عن مبتدأ محذوف: {أحد} وهو لأجل كونه خاصة في الإثبات ~~حال الانفراد به تعالى معرفة غني عن «آل» المعرفة، وهو أعرق في الدلالة على ~~صفات الجلال كما أن الجلالة أعرق في الدلالة على صفات الكمال لأن الواحد ~~الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما ~~كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة ~~الكاملة والحكمة التامة المقتضية للألوهية من غير لزوم دور ولا تسلسل من ~~جهة تركب أو غيره، وقرىء بإسقاط «قل» هنا وفي المعوذتين مع الاتفاق على ~~إثباتها في الكافرون ونفيها في تبت، ولعل الحكمة أن الكافرون مخاطبة للكفار ~~بما بين مشاققة ومتاركة، فناسب الحال أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم، ~~وتبت معاتبة ms5839 عم الرسول صلى الله عليه وسلم وتوبيخه فلا يناسب أن يكون ذلك ~~من النبي صلى الله عليه وسلم، والباقيات ما بين توحيد وتعوذ، # PageV22P355 # فناسب أن يؤمر بتبليغه وأن يدعو به، ورتب الأحدية على الإلهية دون العكس، ~~لأن الإلهية عبارة عن استغنائه عن الكل، واحتياج الكل إليه، وكل ما كان ~~كذلك كان واحدا مطلقا، وإلا لكان محتاجا إلى أجزائه، فالإلهية من حيث هي ~~تقتضي الوحدة، والوحدة لا تقتضي الإلهية، وعبر به دون «واحد» لأن المراد ~~الإبلاغ في الوصف بالوحدة إلى حد لا يكون شيء أشد منه، والواحد - قال ابن ~~سينا - مقول على ما تحته بالتشكيك، والذي لا ينقسم بوجه أصلا أولى ~~بالواحدية مما ينقسم من بعض الوجوه، والذي ينقسم انقساما عقليا أولى مما ~~ينقسم بالحس والذي ينقسم بالحس وهو بالقوة أولى من المنقسم بالحس بالفعل، ~~وإذا ثبت أن الوحدة قابلة للأشد والأضعف. # وأن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك كان الأكمل في الوحدة الذي لا يمكن ~~أن يكون شيء آخر أقوى منه فيها، وإلا لم يكن بالغا أقصى المرام، والأحد ~~جامع لذلك دال على الواحدية من جميع الوجوه، وأنه لا كثرة هناك أصلا، لا ~~معنوية من المقومات من الأجناس والفصول ولا بالأجزاء العقلية كالمادة ~~والصورة، ولا حسية بقوة ولا فعل كما في الأجسام، وذلك لكونه سبحانه منزها ~~عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال ~~والألوان وسائر وجوه التثنية التي تثلم الوحدة الكاملة الحقة # PageV22P356 # اللائقة بكرم وجهه وعز جلاله أن يشبهه شيء أو يساويه لأن كل ما كانت ~~هويته إنما تحصل من اجتماع أجزاء كانت هويته موقوفة على حصول تلك الأجزاء، ~~فلا يكون هو هو لذاته بل لغيره، فلذا كان منزها عن الكثرة بكل اعتبار، ~~ومتصفا بالوحدة من كل الوجوه، فقد بلغ هذا النظم من البيان أعظم شأن، ~~فسبحان من أنزل هذا الكلام ما أعظم شأنه وأقهر سلطانه، فهو منتهى الحاجات، ~~ومن عنده نيل الطلبات، ولا يبلغ أدنى ما استأثره من الجلال والعظم والبهج ~~أقصى نعوت الناعتين وأعظم وصف الواصفين، ms5840 بل القدر الممكن منه الممتنع أزيد ~~منه هو الذي ذكره في كتابه العزيز، وأودعه وحيه المقدس الحكيم، وبالكلام ~~على معناه ومعنى الواحد تحقق ما تقدم، قال الإمام أبو العبا الإقليشي في ~~شرح الأسماء: فمن أهل اللسان من ساوى بينهما جعلهما مترادفين، فمنهم من ~~قال: أصل أحد واحد سقطت منه الألف ثم أبدلت الهمزة من الواو المفتوحة، ~~ومنهم من قال: ليس أصله واحد وإن كانا بمعنى واحد، بل أصله وحد - من الوحدة ~~- يحد فهو وحد - مثل حسن يحسن فهو حسن - من الحسن، أبدلت الواو همزة، وأما ~~من فرق بينهما فمنهم من قال: أحد اسم على حياله لا إبدال فيه ولا تغيير، ~~ومنهم من قال: أصله وحد، أبدلت الواو همزة - انتهى، وقد استخلصت # PageV22P357 # الكلام على الاسمين الشريفين من عدة شروح للأسماء الحسنى وغيرها منها شرح ~~الفخر الرازي والفخر الحرالي وغيرهما، قالوا: الواحد الذي لا كثرة فيه بوجه ~~لا بقسمة ولا بغيرها مع اتصافه بالعظمة ليخرج الجوهر الفرد وهو أيضا الذي ~~لا يتثنى، أي لا ضد له ولا شبيه، فهو سبحانه واحد بالمعنيين على الإطلاق لا ~~بالنظر على حال ولا شيء، قال الإمام أبو العباس الاقليشي في شرح الأسماء: ~~هذه حقيقة الوحدة عند المحققين، فلا يصح أن يوصف شيء مركب بها إلا مجازا، ~~كما تقول: رجل واحد، ودرهم واحد، وإنما يوصف بها حقيقة ما لا جزء له ~~كالجوهر الفرد عند الأشعرية غير أنك إذا نظرت فوجدت وجوده من غيره علمت أن ~~استحقاقه لهذا الوصف ليس كاستحقاق موجده له، وهو أيضا إنما يوصف به ~~لحقارته، وموجده سبحانه موصوف به مع الاتصاف بالعظمة، فاتصافه بالوحدة على ~~الإطلاق، واتصاف الجوهر بالنظر إلى عدم التركب من الجسم مع أن صحة اتصافه ~~بأنه جزء يزيل عنه حقيقة ذلك، والوحدة أيضا بالنظر إلى المعنى الثاني وهو ~~ما لا نظير له لا تصح بالحقيقة إلا له سبحانه، وكل ما نوعيته في شخصيته ~~كالعرش والكرسي والشمس والقمر يصح أن يقدر لها نظائر، وله معنى ثالث وهو ~~التوحد بالفعل والإيجاد، فيفعل كل ms5841 ما يريد من غير توقف على شيء، والفرق بين ~~هذا الوجه والذي قبله أن الأول ناظر إلى نفي إله ثان، وهذا ناف لمعين ~~ووزير، وكلاهما وصف ذاتي سلبي، والحاصل أن # PageV22P358 # النظر الصحيح دل على أن لنا موجدا واحدا بمعنى أنه لا يصح أن يلحقه نقص ~~القسمة بوجه من الوجوه وبمعنى أنه معدوم النظير بكل اعتبار، وبمعنى أنه ~~مستبد بالفعل مستقل بالإيجاد ومتوحد بالنصع متفرد بالتدبير، قضى بهذا شاهد ~~العقل المعصوم من ظلمة الهوى وكثافة الطبع، وورد به قواطع النقل ونواطق ~~السمع، ولهذا كان من أعظم الحق دعاؤه سبحانه لجميع الخلق، وكانت دعوة رسوله ~~الخاتم صلى الله عليه وسلم للخلق كافة، وقال الإمام حجة الإسلام أبو حامد ~~الغزالي في آخر شرحه للأسماء في بيان رد الأسماء الكثيرة إلى ذات واحدة ~~وسبع صفات: الأحد المسلوب عنه النظير، وقال في الشرح المذكور: الواحد هو ~~الذي لا يتجرى ولا يتثنى، أما الذي لا يتجزى فكالجوهر الواحد الذي لا ينقسم ~~فقال: إنه واحد - بمعنى أنه لا جزء له، ولذلك النقطة لا جزء لها، والله ~~تعالى واحد - بمعنى أنه يستحيل تقدير الانقسام في ذاته، وأما الذي لا يتثنى ~~فهو الذي لا نظير له كالشمس مثلا فإنها وإن كانت قابلة للانقسام بالوهم ~~متحيزة في ذاتها لأنها من قبيل الأجسام فهي لا نظير لها إلا أنه يمكن أن ~~يكون لها نظير، وليس في الوجود موجود يتفرد بخصوص وجوده تفردا لا يتصور أن ~~يشاركه فيه غيره أصلا إلا الواحد المطلق أزلا وأبدا، والعبد إنما يكون ~~واحدا إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير في خصلة من خصال الخير، وذلك ~~بالإضافة إلى أبناء جنسه # PageV22P359 # وبالإضافة إلى الوقت إذ يمكن أن يكون في وقت آخر مثله، وبالإضافة إلى بعض ~~الخصال دون الجميع، فلا وحدة على الإطلاق إلا لله تعالى، وقال الإمام محمد ~~بن عبد الكريم الشهرستاني في مقدمة كتابه الملل والنحل: واختلفوا في الواحد ~~أهو من العدد أم هو مبدأ العدد وليس داخلا في العدد، وهذا الاختلاف إنما ~~ينشأ من ms5842 اشتراك لفظ الواحد، فالواحد يطلق ويراد به ما يتركب منه العدد، فإن ~~الاثنين لا معنى له إلا واحد، تكرر أول تكرير، وكذا الثلاثة والأربعة، ~~ويطلق ويراد به ما يحصل منه العدد، أي هو علته ولا يدخل في العد أي لا ~~يتركب منه العدد، وقد تلازم الواحدية جميع الأعداد لا على أن العدد تركب ~~منها بل وكل موجود فهو جنسه أو نوعه أو شخصه واحد يقال: إنسان واحد، وشخص ~~واحد، وفي العدد كذلك فإن الثلاثة في أنها ثلاثة واحدة، فالواحدة بالمعنى ~~الأول داخلة في العدد، وبالمعنى الثاني علة العدد، وبالمعنى الثالث ملازمة ~~للعدد، وليس من الأقسام الثلاثة قسم يطلق على البارىء تعالى معناه: فهو ~~واحد لا كالأحاد أي هذه الوحدات والكثرة منه وجدت ويستحيل عليه الانقسام ~~بوجه من وجوه القسمة - انتهى، وهو واحد أيضا بنفسه لا بالنسبة إلى ثان بوجه # PageV22P360 # من الوجوه، وقال بعضهم: الواحد يدل على الأزلية والأولية، لأن الواحد في ~~الأعداد ركنها وإظهار مبدئها، والأحد يدل على بينونته من خلقه في جميع ~~صفاته ونفي أبواب الشرك عنه، فالأحد بني لنفي ما ذكر معه من العدد، والواحد ~~اسم لمفتتح العدد، وقال الإمام أبو حاتم محمد بن مهران الرازي في كتابه ~~الزينة، قال بعض الحكماء: إنما قيل له سبحانه «واحد» لأنه عز وجل لم يزل ~~قبل الخلائق متوحدا بالأزل لا ثاني معه ولا خلق، ثم أبدع الخق، فكان الخلق ~~كله مع احتياجه إليه سبحانه محتاجا بعضه إلى بعض ممسكا بعضه بعضا متعاديا ~~ومتضادا ومتشاكلا ومزدوجا ومتصلا ومنفصلا، واستغنى عز وجل عن الخلائق فلم ~~يحتج إلى شيء فيكون ذلك الشيء مقرونا به لحاجته إليه ولا ناواه شيء فيكون ~~ذلك الشيء ضدا له نصرا به، فيكون ذلك الضد والقرين له ثانيا، بل توحد ~~بالغنى عن جميع خلقه لأنه كان قبل كل شيء، والأولية دلت على الوحدانية، ~~فالواحد اسم يدل على نظام واحد يعلم باسمه أنه واحد ليس قبله شيء: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # PageV22P361 # والواحد من العدد في الحساب ms5843 ليس قبله شيء، بل هو قبل كل عدد وهو خارج عن ~~العدد، والواحد كيفما أدرته لم يزد فيه شيء ولم ينقص منه شيء، تقول: واحد ~~في واحد بواحد - فلم يزد على الواحد شيء، فدل على أنه لا شيء قبله، وإذا دل ~~على أنه لا شيء قبله دل على أنه محدث الشيء، فإذا دل على أنه محدث الشيء دل ~~على أنه مغني الشيء، وإذا كان مغني الشيء دل على أنه لا شيء بعده، فإذا لم ~~يكن قبله شيء ولا بعده شيء فهو المتوحد بالأزل، يعني فهو الواحد الذي لا ~~نظير له فهو الأحد، قال: فلذلك قيل: هو واحد وأحد، وقلنا: إن الأحد هو اسم ~~أكمل - أي أعم - من الواحد، ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد، ~~جاز في المعنى أن يقوم له اثنان أو ثلاثة فما فوقها، وإذا قلت: فلان لا ~~يقوم له أحد، فقد جزمت بأنه لا يقوم له واحد ولا اثنان ولا ما فوقهما، فصار ~~الأحد أكمل من الواحد، وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد، تقول: ليس في ~~الدار واحد، يجوز أن يكون واحدا من الدواب أو الطير أو الوحش أو الإنس، ~~فكان الواحد يعم الناس وغير الناس، وإذا قلت: ليس في الدار أحد، فهو مخصوص ~~للآدميين دون سائرهم، والأحد ممتنع من الدخول في الضرب وفي العدد وفي ~~القسمة # PageV22P362 # وفي شيء من الحساب، وهو منفرد بالأحدية، والواحد منقاد للعدد والقسمة ~~وغيرها داخل في الحساب، تقول: واحد واثنان وثلاثة، فهذا وإن لم يكن من ~~العدد فهو علة العدد، وداخل في العدد، لأنك إذا ضربت واحدا في واحد لم يزد، ~~واثنان هو جذر الحساب، وتقول في القسمة، واحد بين اثنين أو ثلاثة، لكل واحد ~~من الاثنين نصف، ومن الثلاثة ثلث، فهذه القسمة، والأحد ممتنع من هذا، لا ~~يقال: أحد واثنان ولا أحد في أحد ولا أحد في واحد ولا في اثنين أو ثلاثة، ~~والواحد وإن لم يتجزأ من الواحد فهو يتجزأ من الاثنين والثلاثة فما فوقهما، ~~تقول: جزء ms5844 واحد من جزأين أو ثلاث فما فوقها، ولا يجوز: جزء أحد من جزأين ~~فما فوقهما، وقد سمى الله نفسه واحدا أحدا ووصف نفسه بالوحدانية والأحدية، ~~فالواحد نعت يلزمه على الحقيقة لأنه كان قبل ولا ثاني معه، والثاني خلال ~~الواحد، فهو واحد لاتحاده في القدم، والخلق اثنان لاقترانه بالحدث لأن ~~الحدث ثان للقدم، وبه ظهرت التثنية، فالواحد هو الأحد في ذاته فهو لا شيء ~~قبله ولا من شيء ولا في شيء ولا على شيء ولا لشيء ولا مع شيء، فيكون ذاك ~~الشيء ثانيا معه بل هو الواحد منشىء والأشياء كلها له، # PageV22P363 # وهو المتحد بذاته ممتنع من أن يكون له شيء ثانيا بوجه من الوجوه والخلق ~~كله له، وإن كان يسمى بالواحد، أو كانت هذه الصفة قد لزمت جميع الأشياء في ~~وجه فإنها تزول عنها في وجه. # كما قيل: إنسان واحد وفرس واحد وبعير واحد، وكذلك يقال لسائر الأشياء، ~~وهذه صفة تلزمها في اللفظ، والمسمى لا يخلو من معان كثيرة مجتمعة فيه ~~كالجسم والعرض، وهو واحد مجموع من أشياء متفرقة، وكل شيء لا يخلو من ازدواج ~~وتضاد وتشاكل وحد وعد، وهذه الصفات كلها تنفي عنه معنى الأحدية والواحدية، ~~وفي الواحد عن العرب لغات كثيرة، يقال: واحد وأحد ووحد ووحيد وحاد وأحاد ~~وموحد وأوحد - وهذا كله راجع إلى معنى الواحد، وإن كان في ذلك معان لطيفة ~~ولم يجىء في صفة الله عز وجل إلا الواحد والأحد، قلت: والوحيد على بعض ~~الإعرابات في المدثر، قال: وكلها مشتقة من الواحد، وكأن ذلك مأخوذ من الحد. ~~كأن الأشياء كلها إليه انتهاؤها وهي محدودة كلها غيره عز وجل وهو محدود، بل ~~هو غاية المحدودين وغاية الغايات لا غاية له، والأحد يجيء في الكلام بمعنى ~~الأول وبمعنى الواحد، فإذا جاء بمعنى الأول وبمعنى الواحد جاز # PageV22P364 # أن يتكلم به في الخبر كقولك: هذا واحد أحد، والعرب كانت تسمي يوم الأحد ~~في الجاهلية أولا، وقولك «يوم الأحد» دليل على أنه اليوم الأول من الأسبوع، ~~والاثنين دليل على أنه اليوم الثاني، ms5845 وفي التوراة أن الله عز وجل أول ما ~~خلق من الأيام «يوم الأحد» قلت: يمكن أن يكون معنى يوم الأحد يوم الله، ~~أضيف إليه لكونه أول مخلوقاته من الأيام، فلما أوجد الثاني سمي يوم ~~الاثنين، لأنه ثاني يوم الأحد، قال: وضد الواحد اثنان، وضد الأحد الآخر، ~~قال الله تعالى: {قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا} [يوسف: 36] ثم قال في ~~ضده «وقال الآخر» فهذا دليل على أن معنى قولهم «يوم الأحد» اليوم الأول: ~~لأنهم قالوا لما بعده اثنان، ولم يقولوا: الآخر، لأن الأحد إذا لم يكن ~~بمعنى الأول فضده الآخر، وإذا كان الأحد بمعنى الأول جاز الخبر والجحد، ~~وإذا لم يكون بمعنى الأول وكان بمعنى الواحد جاز في الخبر وجاز في الجحد، ~~قال الله تعالى: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه} [الكهف: 19] فهذه من الخبر، ~~فإذا لم يكن أحد بمعنى الأول وبمعنى الواحد لم يجز أن يتكلم به إلا في ~~الجحد، تقول: ما جاءني أحد، ولا يجوز: جاءني أحد، وكلمني أحد، قال الله ~~تعالى في معنى الجحد {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} [البلد: 5] وأحد يستوي # PageV22P365 # فيه المذكر والمؤنث، قال الله تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد من ~~النساء} # [الأحزاب: 32] وواحد لا يستوي فيه المذكر والمؤنت حتى يدخل فيه الهاء ~~فيقال «واحدة» لا يجوز «كواحد من النساء» وأحد يكون بمعنى الجمع، تقول ~~العرب: يظل أحدنا الأيام لا يأكل، بمعنى كلنا لا يأكل، فاحتمل معنى الواحد ~~والجماعة - انتهى، فالواحد من الأسماء الثبوتية الإضافية، يكون في أصل ~~اللغة بالنسبة إلى ثان هو نصفه، وثالث هو ثلثه، وهكذا هو صفة الله تعالى ~~بمعنى المتوحد في الاتصاف بالألوهية حتى لا يقبلها غيره بوجه، فلا شريك له، ~~والأحد من النعوت السلبية، بل هو مجمعها، هو أحد في نفسه لا يقبل العدد ولا ~~التركيب بوجه لا بالقسمة ولا بغيرها سواء نظر إليه بالنسبة إلى الغير أو ~~لا، فهو متمحض للسلب، فهو وصف راجع إلى نفس الذات بمعنى أنه كامل في ذاته ~~لا يؤثر في مفهومه النظر إلى شيء أصلا، ms5846 والفرد ناظر إلى نفي العدد، فافترقت ~~الأوصاف الثلاثة وإن كانت متقاربة في المعنى. # وقال الإمام أبو الخير القزويني الشافعي في كتابه «العروة الوثقى في أصول ~~الدين» ناقلا عن بعض من فرق بينه وبين الواحد: إن الأحد اسم لنفي ما يذكر ~~معه، وعن بعضهم أنه الذي لا يجوز له التبعيض لا فعلا ولا وهما، فهو أحد ~~بذاته وأحد بصفاته، وتوحيد الله تعالى # PageV22P366 # لنفسه علمه بأنه واحد، وإخباره بذلك وتوحيد العبد له علمه بذلك مع إقراره ~~به، وقال الإمام فخر الدين الرازي في شرح الأسماء الحسنى: فالله سبحانه ~~وتعالى أحد في ذاته، أحد في صفاته، أحد في أفعاله، أحد لا عن أحد غير ~~متجزىء ولا متبعض، أحد غير مركب ولا مؤلف، أحد لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئا، ~~أحد غني عن كل أحد - انتهى، وهذا معنى ما نقله المعربون عن ثعلب أنه فرق ~~بينهما بأن واحدا يدخله العدد، وأحد لا يدخله ذلك، يقال: الله أحد، ولا ~~يقال: زيد أحد، لأن الأحد خصوصية الله تعالى، زيد يكون منه حالات، ونقض ~~عليه بالعدد المعدد المعطوف، يقال: أحد وعشرون واثنان وعشرون، ورد بأن أحدا ~~فيه بمعنى واحد، وقال الإمام فخر الدين في شرح الأسماء: إنه اختص به ~~البارىء سبحانه، أما الواحد فيحصل فيه المشاركة، ولهذا السبب أعري من لام ~~التعريف لأنه صار نعتا لله عز وجل على الخصوص، فصار معرفة، وقال الأزهري: ~~سئل أحمد بن يحيى عن الأحاد هل هي جمع أحد، فقال: معاذ الله ليس للأحد جمع، ~~ولا يبعد أن يقال إنه جمع واحد كالأشهاد جمع شاهد - انتهى، وقال الإقليشي ~~في شرح الأسماء: الأحد هو الذي ليس بمنقسم ولا متجزىء، # PageV22P367 # فهو على هذا اسم لعين الذات، فيه سلب الكثرة عن ذاته، فتقدس بهذا الوصف ~~عن صفات الأجسام القابلة للتجزي والانقسام، والنقطة والجوهر الفرد عن مثبته ~~- يعني من المتكلمين، والجوهر البسيط عند مدعيه - يعني من الفلاسفة، وإن ~~كانت هذه لا تتجزى ولا تنقسم وإنها مخالفة للبارىء تعالى في أحديته، أما ~~النقطة فعرض عند بعضهم إذ ms5847 هي عبارة عن طرف الخط، وإذا كان الخط عرضا ~~فالنقطة أولى بالعرضية، وأما الجوهر الفرد فإنه وإن كان لا ينقسم فهو مقدر ~~بجزء، وكل ما قدر بجزء فلا يخلو من الأكوان وهو كيفما كان على رأي من أثبته ~~من المتكلمين وإن كانوا في أوصافه متنازعين فلا يخلو من الأعراض، وأما ~~الجوهر البسيط عند من أثبته فوجوده عندهم ليس عينه إذا اثنينيته غير ~~ماهيته، وما هو بهذا الوصف عندهم ففيه اثنينية، ففارق البارىء سبحانه ~~وتعالى بأحديته هذه الموجودات كما فارق بذاته الأجسام، فوجوده عن ذاته ~~وليست صفاته تعالى مغايرة لذاته، وأما الواحد فهو وصف لذاته، فيه سلب ~~الشريك والنظير عنه، فافترقا - يعني بأن الأحد ناظر إلى نفس الذات، والواحد ~~إلى أمر خارج عنها، وقال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات: الأحد فيما ~~يدعوه المشركون إلها من دونه لا يجوز # PageV22P368 # أن يكون إلها إذ كانت إمارات الحدث من التجزي والتناهي قائمة فيه لازمة ~~له، والبارىء سبحانه وتعالى لا يتجزى ولا يتناهى، فقد مر أن الأحد خاص ~~بالله سبحانه وتعالى: إنه لا فرق في إطلاقه عليه سبحانه وتعالى بين تعريفه ~~وتنكيره لأنه معرفة في نفسة، فطاح اعتراض من قال من الملحدين: الجلالة ~~معرفة وأحد نكرة لا ينعت به. # وعلى تقدير التسليم يجوز جعله بدلا كما تقدم ولا مانع من إبدال النكرة من ~~المعرفة مثل لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة، قال صاحب كتاب الزينة: وعلى هذه ~~القراءة - أي قراءة التنكير - أجمعت الأمة، وروى قوم عن أبي عبد الله بن ~~جعفر بن محمد الصادق أنه قرأ قل هو الله أحد الله الواحد الأحد الصمد، وقال ~~الإمام أبو الحسن الحرالي في شرح الأسماء الحسنى: الأحد اسم أعجز الله ~~العقول عن إدراك آيته في الخلق إثباتا فلم تستعمله العرب مفردا قط أي وهو ~~بمعناه الحقيقي لا بمعنى واحد ولا بمعنى أول مثلا إلا في النفي لما علموا ~~أنه مفصح عن إحاطة جامعة لا يشذ عنها شيء، وذلك مما تدركه العقول والحواس ~~في النفي ولا تدركه في الإثبات فيقولون: ما ms5848 في الدار أحد - نفيا لكل ولا ~~يسوغ في عقولهم أن يقولوا: في الدار أو في الوجود أحد -، إذ لا يعقل عندهم ~~ذات إنسان هي جامعة لكل إنسان، فلما ورد عن # PageV22P369 # الله اسمه في القرآن تلقاه المؤمنون بالإيمان وأحبت قلوبهم سورة ذكره ~~لجمعها لما لا يحصى من ثناء الرحمن وهي أحد الأنوار الثلاثة في القرآن، ~~القرآن - نور # {ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52] ونور نوره ~~سورة ذكر الأحد في ختمه وآية الكرسي في ابتدائه وسورة يس التي هي قبله في ~~محلها منه واحد مبين عن اسم الله الذي هو بكل شيء محيط، لا يتطرق إليه شرك ~~في حق ولا باطل، وهو واحد مبين عن اسم الإله الذي لا يصح فيه الشرك حقا، ~~وقد يتطرق إليه باطلا {واتخذوا من دون الله آلهة} [يس: 74] وذلك لأن الواحد ~~يضائف الثاني، وأحد جامع محيط لم يبق خارج عنه فيضايفه يعني أن مفهومه ناظر ~~إلى كونه سبحانه وتعالى الآن كما كان في الأزل وحده، فإن الخلق فان فهو في ~~الحقيقة عدم، وكأنه ما كان لإحاطته به وكونه في قبضته وطوع مشيئته، فلا ~~خارج يكون مضايفا له لأنه لا يضايف الشيء إلا مناظر لمساواة أو مباراة ~~بمعاندة أو غيرها، فالكل بالنسبة إليه عدم {إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر: ~~30] {كل من عليها فان} [الرحمن: 26] {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] ~~هذا مراده بدليل سابقه ولاحقه فلا شبهة فيه لأهل الوحدة عليهم الخزي ~~واللعنة، قال: والوحدة # PageV22P370 # من الواحد هي حد النهاية، والغاية مما هي وحدته، وما دون الوحدة التي هي ~~الغاية ثانية ودونه وجماع إحاطات كل ذلك أعلى وأدنى هي الأحدية التي لا يشذ ~~عنها شاذ ولا يخرج عنها خارج، فمن الأسماء معلوم لخليفة من خليقته بما ~~أتاهم منه كالرحيم والعليم، ومنها ما يعجز عنه خلافتهم كالأسماء المتقدمة ~~من اسمه المحصي، ولكن ينال مثلا من قولهم، ومنها ما لم ينله العلم ولا ~~أدركت مثله العقول وهو اسمه الأحد، فالله هو الأحد الذي لا أحد إلا ms5849 هو - ~~انتهى، وقال الإمام أبو الحكم بن برجان في شرح الأسماء الحسنى: وهو - أي ~~الأحد - أصل لباب الوحدة، يدل على محض الوحدة، ألا ترى أنه ناف يأتي معه، ~~إذا قلت: لم يأتني أحد، انتفى الاثنان، ولا تقول: جاءني أحد كما تقول! ~~جاءني واحد، لأن واحدا تزول عنه الواحدية بضم ثان إليه بخلاف الأحدية فإنها ~~لازمة الواحد لا يفارقه حكمها بعد ضم الثاني بل لها من جهة محفوظة عليها ~~يظهر ذاك بالأشفاع والأوتار، فإنك تقول ما جاءني أحد، فتنتفي الأشفاع كما ~~تنتفي الأوتار، وهذا دليل على زيادة شرفه فإن الاسم كلما غمضت دلالته ~~وتعذرت معرفته عن الأفهام وعزب عن العقول علمه كان ذلك دليلا على قربه من ~~الاسم الأعظم - انتهى، # PageV22P371 # وقال بعض العارفين في كشف معنى الأحد ورتبته: إن الذات الأعظم غيب محض ~~والأحد أول تعيناتها، ولذلك بدىء بالهمزة التي هي أول تعينات الألف التي هي ~~لهيب محض وذلك سر مخالفتها للأحرف في أن كل حرف يدل على مسماه أول حروف ~~اسمه إلا الألف لكونها غيبا، فكان أول اسمها الهمزة التي هي أول تعيناتها، ~~والهمزة لكونها مرقى إلى غيب الألف كان أول اسمها أيضا غير دال على مسماها. # ثم بعد التعيين بالأحدية الشاملة المستغرقة يتنزل إلى الإلهية ثم منها ~~إلى الواحدية، ولذلك ابتدىء الواحد بالواو التي هي وصلة إلى ما فيه من ~~الألف الذي هو غيب، فإن الواحد مرقى إلى فهم الإله، والإله مرقى إلى تعقل ~~الأحد، والأحد مرقى إلى التعبد للذات الأقدس الأنزه، ومن اعتقد أحديته ~~سبحانه وتعالى، أنتج له ذلك حبه وتعظيمه، وهو توحيد الألوهية لأن التفرد ~~بذلك يقتضي الكمال والجمال - والله الموفق. # قال الإمام جعفر بن الزبير: لما انقضى مقصود الكتاب العزيز بجملته عاد ~~الأمر إلى ما كان، وأشعر العالم بحالهم من ترددهم بين عدمين {ثم الله ينشىء ~~النشأة الآخرة} [العنكبوت: 20] فوجودهم منه سبحانه وتعالى وبقاؤهم به وهم ~~وجميع ما يصدر عنهم من أقوالهم وأفعالهم # PageV22P372 # كل ذلك خلقه واختراعه، وقد كان سبحانه وتعالى ولا عالم ولا زمان ولا ms5850 ~~مكان، وهو الآن على ما عليه كان، لا يفتقر إلى أحد ولا يحتاج إلى معين، ولا ~~يتقيد بالزمان، ولا يتحيز بالمكان، فالحمد لله رب العالمين، أهل الحمد ~~ومستحقه مطلقا، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه المصير {قل هو ~~الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} هو الموجود ~~الحق، وكلامه الصدق، {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب والدار الآخرة ~~خير للذين يتقون} [العنكبوت: 64] فطوبى لمن استوضح آي كتاب الله، وأتى ~~الأمر من بابه وعرف نفسه ودنياه، وأجاب داعي الله ولم ير فاعلا في الوجود ~~حقيقة إلا هو سبحانه وتعالى والحمد لله رب العالمين، ولما كمل مقصود ~~الكتاب، واتضح عظيم رحمة الله به لمن تدبر واعتبر وأناب، كان مظنة ~~الاستعاذة واللجأ من شر الحاسد وكيد الأعداء فختم بالمعوذتين من شر ما خلق ~~وذرأ وشر الثقلين - انتهى. # ولما تم البيان لهويته سبحانه وتعالى على هذا الوجه الذي أنهاه بالأحدية ~~المعلمة بالتنزه عن القسمة والنظير، وكان بيان القرآن بالغا أقصى نهايات ~~البيان، وكان الأحد من النعوت المتوغلة في السلب، وكانت الشركة تقع في ~~التعبير به في النفي وهو بمعناه الحقيقي وتقع # PageV22P373 # فيه بالإثبات والسلب على حد سواء، أو دلالته على الكمال والإضافة أكمل، ~~وبناه على الاسم الأعظم الذي هو آخر الأسماء الظاهرة وأول الأسماء الباطنة، ~~ولم يقع فيه شركة بوجه دفعا لكل تعنت، وإشعارا بأن لم يسم به لم يستحق ~~الألوهية، وأخلى الجملة عن عاطف لأنها كالنتيجة للأولى والدليل عليها، فقال ~~مكاشفا لنفوس المؤمنين وللعلماء معيدا الاسم ولم يضمر لئلا يظن تقيد بحيثية ~~غيب أو غيرها: {الله} أي الذي ثبتت إلهيته وأحديته، لا غيره {الصمد} الذي ~~تناهى سؤدده المطلق في كل شيء إلى حد تنقطع دونه الآمال، فكان بحيث لا ~~يحتاج إلى شيء وكل شيء إليه محتاج، وتنزه عن الجوفية فلم تدن من جنابه بفعل ~~ولا قوة لأنه تنزه عن القسمة بكل اعتبار مع العظمة التي لا يشببها عظمة، ~~فكان واحدا بكل اعتبار، وذلك هو ms5851 مفهوم الأحدية عبارة وإشارة، فكان مصمودا ~~إليه في الحوائج أي مقصودا لأجلها، فهو الموصوف بهذا الاسم على الإطلاق، ~~وبكل اعتبار، فكان موجدا للعالم لأن العالم مركب بدليل المشاهدة فكان ممكنا ~~فكان محدثه واجبا قديما، نفيا للدور والتسلسل المحالين، وخلقه له بالقدرة ~~والاختيار # PageV22P374 # لأنه لو كان بالطبع والإيجاب لكان وجوده مع وجوده لأن العلة لا تنفك عن ~~المعلول، فيلزم من قدم البارىء عز وجل قدم العالم، ومن حدوث العالم حدوث ~~البارىء جل وعز، وذلك جمع بين النقيضين وهو محال، وقصر الصمدية عليه لأن ~~اشتداد الألف لحاجة الشيء إلى غيره ربما كان موجبا لخفاء اختصاصه به، ولم ~~يقصر الأحدية إما للتنبيه على أن ذلك لشدة ظهوره غني عن التأكيد، وإما ~~استئلافا لهم لئلا ينفروا قبل سماع تمام السورة على أنه بظهور قصر الصمدية ~~التي أحد معنييها لازم الأحدية ظهر الاختصاص بالأحدية، قال العلماء رحمهم ~~الله تعالى: والصمد من صمد إليه - إذا قصده، وهو كالأحد، بني على هذا الوزن ~~لأنه لا تلحقه المضارعة ولا تدن منه المشابهة لأنه اسم خاص فهو السيد ~~المصمود إليه، وهو أيضا الذي لا جوف له ولا رخاوة بوجه فيه، لأن الأجواف ~~وعاء، وكل وعاء محتاج إلى موعيه، يقال: شيء مصمد، أي صلب، وحجر صمد: أملس ~~لا يقبل الغبار ولا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء، قال ابن قتيبة: وهو على ~~هذا الدال فيه مبدله من التاء وهو المصمت، وهو أيضا العالي الذي تناهى ~~علوه، تقول العرب لما أشرف من الأرض: صمد - بإسكان الميم، وبناء صمد أي # PageV22P375 # معلى، فهو على التفسير الأول من الصفات الإضافية بمعنى أنه سيد لكل ~~موجود، والكل محتاجون إليه في ابتداء إيجادهم وفي تربيتهم، فهم يصمدون إليه ~~في الحوائج ويقصدون إليه في جميع الرغائب، وهو غني على الإطلاق، وذلك هو ~~اتصافه بصفات الإلهية، قال الإقليشي فعلى هذا أي أنه الذي يلجأ إليه ويعتمد ~~عليه لتناهي سؤدده - يتشعب من صفة الصمد صفات السؤدد كلها من الجود، والحلم ~~وغير ذلك وإذا قلنا: إن الصمد العالي تشعبت ms5852 منه صفات التعالي كلها من العزة ~~والقهر والعلو ونحوها - انتهى، وقد روى البيهقي رحمة الله تعالى بسنده عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما في قوله «الصمد» قال: هو السيد الذي كمل في سؤدده، ~~والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل ~~في حلمه، والغني الذي كمل في غناه، والجبار الذي كمل في جبروته، والعالم ~~الذي قد كمل في علمه، والحكم الذي قد كمل في حكمه، وهو الذي كمل في أنواع ~~الشرف والسؤدد وهو الله عز وجل، هذه صفته لا تنبغي إلا له، # PageV22P376 # ليس له كفوء، وليس كمثله شيء، فسبحان الله الواحد القهار وقال أبو العباس ~~بن تيمية الحنبلي في كتابه «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» : ~~أجمع سلف الأمة وأئمتها أن الرب سبحانه وتعالى بائن من مخلوقاته، يوصف بما ~~وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا ~~تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل بوصف من صفات الكمال دون صفات النقص، ونعلم ~~أنه ليس كمثله شيء ولا كفوء له في شيء من صفات الكمال كما قال الله تعالى: ~~{قل هو الله أحد الله الصمد} - إلى آخرها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~الصمد إلى آخر ما مضى عنه، وقال ابن مسعود رضي الله عنه وغيره: هو الذي لا ~~جوف له، والأحد الذي لا نظير له. # فاسمه الصمد يتضمن اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه، واسمه الأحد ~~يتضمن أنه لا مثل له، وقال الحرالي: الصمد - يعني بالسكون: - التوجه ~~بالحاجات إلى ملي بقضائها لا يحتاج إلى سواه، فلذلك يكون الصمد سيدا لا ~~يساد، السيد الله - انتهى، وعلى التفسير الثاني: هو من النعوت السلبية، فهو ~~دال على نفي الماهية التي تعنت بها فرعون لاقتضائها المقومات المستلزمة ~~للحاجة إلى ما به التقويم، وعلى # PageV22P377 # إثبات الهوية المنزهة عن كل شائبة نقص، فإن كل ما له ماهية كان له جوف ~~وباطن، وهو تلك الماهية، وهو ما لا باطن له، وهو موجود فلا جهة ولا ms5853 اعتبار ~~في ذاته إلا الوجود، فهو واجب الوجود غير قابل للعدم، وقد علم بهذا أنه ~~جامع لما ذكر فيما قبله، فإن هذا التفسير الثاني يتشعب منه من الأسماء ما ~~ينظر إلى نفي التركيب كالأحد ونحوه وهذان التفسيران الأول والثاني جامعان ~~لجميع ما فسر به ولما عسى أن يقال فيه سبحانه من صفات الكمال، ونعوت العظمة ~~والجلال، فمن كان مصمودا إليه في جميع الحاجات ومتعاليا عن كل سمت حدث ~~وشائبة نقص كان موجدا لكل ما يريد من نفع وضر ونافع وضار قادرا على حفظ ما ~~يريد، وكان معلوما كالشمس أنه لا شريك له، وأنه هو وحده المستحق للعبادة ~~لاحتياج الكل إليه الاحتياج المطلق وغناه عنهم الغنى المطلق، وتفرده بصفات ~~الكمال والانقطاع عن قرين وإلى الصمدانية ينتهي التوجه وهو الإقبال ~~بالكلية، وهي ترد على الفلاسفة القائلين بتدبير القول، والصابية القائلين ~~بتدبير النجوم، وعلى غيرهم من كل من ادعى تدبيرا لغير الله سبحانه وتعالى، ~~ومن اعتقد # PageV22P378 # صمديته المقتضية لكمال الذات والصفات وشمول التدبير، أنتج له كمال ~~التفويض والتوكل وهو توحيد الربوبية، وهذه الأسماء الأربعة مشيرة إلى ~~مقامات السائرين ومرامات الحائرين والجائرين، فالمقربون نظروا إلى الأشياء ~~فوجدوا كل ما سواه سبحانه وتعالى معدوما بالذات، فكان ذكرهم «هو» وأصحاب ~~اليمين نظروا إلى وجود الممكنات فعينوا مرادهم وميزوا مذكورهم بالجلالة، ~~وأصحاب الشمال جوزوا الكثرة في الإله فاحتاجوا في تذكيرهم إلى الوصف ~~بالأحدية والصمدية وهي رادة على أهل الاتحاد أعظم رد، فإنهم يقولون: إن ~~الإله هو هذا العالم، وهو منقسم بالحس فضلا عما عداه ومحتاج أشد احتياج. # ولما انتهى بيان حقيقته سبحانه وتعالى، وأنه غير مركب أصلا، وبين سبحانه ~~بصمديته المستلزمة لوحدانيته أن الكل مستند إليه ومحتاج إليه، وأنه المعطي ~~لوجود جميع الموجوات، والمفيض للجود على كل الماهيات فلا يجانس شيئا ولا ~~يجانسه شيء، ولا يكون له نظير في شيء من ذلك. وكان ربما تعلق بوهم واهم أن ~~تولد غيره عنه يكون من تمام سؤدده المعبر به عن قدرته، بين أن ذلك محال ~~لاقتضائه الحاجة مما لا ms5854 تعلق له بالقدرة لأن القدرة من شأنها أنها لا تتعلق ~~بالمحال، وهذا # PageV22P379 # محال، لأنه سبحانه صمد، فكان ذاك بيانا للصمدية في كلا معنييها، فقال من ~~غير عاطف دالا على انتفاء الجوف الذي هو أحد مدلولي «صمد» مكاشفا للعقلاء ~~شارحا لأنه لا يساويه شيء من نوع يتولد عنه ولا جنس يولد هو عنه، ولا غير ~~ذلك يوازيه في وجود ولا غيره {لم يلد} أي يصح ولم ينبغ بوجه من الوجوه أن ~~يقع تولد الغير عنه مرة من المرات، فكيف بما فوقها لأن ذلك مستلزم للجوف ~~وهو صمد لا جوف له، لأن الجوف من صفات النفس المستلزم للحاجة وهو مستغن ~~بدوامه في أبديته عمن يخلفه أو يعينه لامتناع الحاجة والفناء عليه، فهو رد ~~على من قال: الملائكة بنات الله أو عزير أو المسيح أو غيره. # ولما بين أنه لا فصل له، ظهر أنه لا جنس له، فدل عليه بقوله: {ولم يولد} ~~لأنه لو تولد عنه غيره تولد هو عن غيره كما هو المعهود والمعقول، فهو قديم ~~لا أول له بل هو الأول الذي لم يسبقه عدم، أن الولادة لا تكون ولا تتشخص ~~إلا بواسطة المادة وعلاقتها، وكل ما كان ماديا أو كان له علاقة بالمادة، ~~كان متولدا عن غيره فكان لا يصح أن يتولد عنه شيء لأنه لا يصح أن يكون هو ~~متولدا # PageV22P380 # عن غيره لأنه لا ماهية له ولا اعتبار لوجوده سوى أنه هو، فهويته لذاته، ~~ومن كانت هويته لذاته لم يصح بوجه أن يتولد عن غيره لأنه لو تولد عن غيره ~~لم يكن هو هو لذاته، ولا يكون أحدا حقيقيا ولا صمدا، فينتفي من أصله، ولا ~~يكون له من ذاته إلا العدم، فقد تبين أنه واجب الوجود، فوضح كالشمس أنه ليس ~~ماديا لأنه غير محتاج بوجه، فلا يصح أن يتولد عنه غيره، لأنه لم يصح أن ~~يتولد هو عن غيره، ومن كان كذلك لم يكن له مثل، فلا يصح بوجه أن يساويه شيء ~~ليصح أن يقوم مقامه فيما بين ما ms5855 انتفى في الأول والآخر، فدل على ذلك إتماما ~~لشرح حقيقته المعبر عنها بهو بقوله: {ولم يكن} أي لم يتحقق ولم يوجد بوجه ~~من الوجوه ولا بتقدير من التقادير {له} أي خاصة {كفوا} أي مثلا ومساويا ~~{أحد} على الإطلاق، أي لا يساويه في قوة الوجود لأنه لو ساواه في ذلك لكانت ~~مساواته باعتبار الجنس والفصل، فيكون وجوده متولدا عن الازدواج الحاصل من ~~الجنس الذي يكون كالأم، والفصل الذي يكون كالأب، وقد ثبت أنه لا يصح بوجه ~~أن يكون في شيء من الولادة، لأن وجوب وجوده لذاته، فانتفى أن يساويه شيء في ~~قوة وجوده، فانتفى قطعا أن يساويه أحد في # PageV22P381 # شيء من قوة أفعاله، فعطف هاتين الجملتين على الجملة التي قبلها لأن ~~الثلاث شرح الصمدية النافية لأقسام الأمثال، فهي كالجملة الواحدة، وقدم ~~الظرف في الثالثة لأن المقصود الأعظم نفي المكافأة عن الذات الأعظم، فكان ~~أهم «وكفوا» حال من أحد. # ويجوز أن يكون «كان» ناقصة ويكون «كفوا» خبرها، وسوغ خبريته تخصيصه ب ~~«له» كما قالوا في «إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله» وقد وضح أن هذه ~~السورة أعظم مبين للذات الأقدس بترتيب لا يتصور في العقل أن يكون شيء ~~يساويه، وكلمات لا تقع في الوهم أن يكون شيء يساويها أو يساوي شيئا منها، ~~فأثبت أولا حقيقته المحضة وهويته بأنه هو، لا اسم لتلك الحقيقة من حيث هي ~~إلا ذلك، فعلم أنه واجب الوجود لذاته لا لشيء آخر أصلا، ثم عقب ذلك بيانا ~~له بذكر الإلهية التي هي أقرب اللوازم لتلك الحقيقة وأشدها تعريفا. # ولما اقتضت الإلهية الوحدة لأنها عبارة عن الاستغناء المطلق واحتياج ~~الغير إليه الاحتياج المطلق، دل عليها بالأحد، ودل على تحقيق معنى الإلهية ~~والواحدة معا بالصمدية لما لها من المعنيين: وجوب الوجود بعدم الجوف وجودا ~~أو تقديرا والسيادة المفيضة لكل وجود على كل # PageV22P382 # موجود وجودا لا يشبه وجوده سبحانه: # «وأين الثريا من يد المتناول» ... «الأمر أعظم من مقالة قائل» # وبين المعنيين كليهما بعدم صحة التوليد منه وله وعدم المساوي، فمن ms5856 أول ~~السورة إلى آخر الأسماء في بيان حقيقته سبحانه وتعالى ولوازمها الأقرب ~~فالأقرب ووحدتها بكل اعتبار، ومن ثم إلى آخرها في بيان أن لا مساوي له لأنه ~~لا جنس له ولا نوع حتى يكون هو متولدا عن شيء أو يكون متولدا عنه شيء، أو ~~يكون شيء موازيا له في الوجود، وبهذا القدر حصل تمام معرفة ذاته، وأنه لا ~~يساويه شيء في قوة وجوده فلا يساويه في تمام أفعاله بدلالة شاهد الوجود ~~الذي كشف عنه والشهود بنصر نبيه صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو أبا لهب ~~وجميع الكافرين الشانئين وحده وهم ملء الأرض ويخبرهم مع تحاملهم كلهم عليه ~~أنهم مغلوبون، وأنه أتاهم بالذبح لأن لمن أرسله الإحاطة الكاملة بجميع ~~الكمال، وقد كان الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم، فقد صدقت مقالاته، ~~فثبتت إلى الخلق كافة رسالاته، وثبت مضمون جميع السورة بما ثبت # PageV22P383 # من هذه الأدلة المشهورة، والبراهين القاطعة المنصورة، وقد ثبت أنه صمد ~~بما دل على أحد معنييه الذي هو انتفاء الجوفية بعدم التولد، وعلى المعنى ~~الآخر الذي هو بلوغ المنتهى من السيادة بعدم المكافىء فبان أنه هو لذاته ~~فلا إله غيره، فانطبق آخرها على أولها، والتحم أي التحام مفصلها بموصلها، ~~فعلم أنه هو هو لا غيره بزيادة أنه الأحد ولا أحد حقا غيره، ومن تحقق آخرها ~~أقبل بكليته إليه سبحانه، فلم يلتفت إلى غيره لأن الكل في قبضته، وقد نقلت ~~في كتابي مصاعد النظر عن الإحياء للإمام الغزالي رحمة الله تعالى عليه في ~~شيء من أسرار هذه السورة كلاما هو في غاية النفاسة. # وروى الترمذي عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن المشركين قالوا: يا ~~محمد انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى: قل هو الله أحد إلى آخرها، قال: لأنه ~~ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وأن الله تعالى لا يموت ~~ولا يورث، ولم يكن له كفوا أحد - انتهى. ومن كان كذلك فهو الجامع للأسماء ~~الحسنى والصفات العلى كلها، وعلم أن حاصلها ms5857 تنزيه المعبود عن أن يكون له ~~مجانس، أو يكون له مكافىء، والرد على كل من يخالف في شيء من ذلك، وأعظم ~~مقاصد آل عمران المناظرة لها # PageV22P384 # في رد المقطع على المطلع، المفتتحة بالحي القيوم، المودعة أوضح الأدلة ~~على كفر من كفر بالله سبحانه وتعالى لا سيما من ادعى أن عيسى عليه الصلاة ~~والسلام إله أو أنه ولد له سبحانه وتعالى وكذا غيره الدلالة على بطلان مذهب ~~من ادعاه إلها وعلى أن عيسى عليه الصلاة والسلام عبد من عبيده أوجده على ما ~~أراد كما أوجد من هو أغرب حالا منه وإبطال قول من ادعى فيه غير ذلك. ولما ~~عرفت هذه السورة حقيقة الذات أتم تعريف، وكان الغرض الأقصى من طلب العلوم ~~بأسرها معرفة ذاته سبحانه وتعالى وصفاته وكيفية صدور الأفعال عنه وكان ~~القرآن العظيم كفيلا بجميع هذه العلوم، وكانت هذه السورة منه قد تكفلت ~~بجميع ما يتعلق بالبحث عن الذات على سبيل التعريض والإيماء، وكانت معادلة ~~لثلث القرآن وهي ثلث أيضا باعتبار آخر وهو أن الدين اعتقاد، وفعل لساني ~~يترجم عن الاعتقاد، وفعل يصحح ذلك، وهي وافية بأمر الاعتقاد بالوحدانية ~~الذي هو رأس الاعتقاد، وباعتبار أن مقاصده كلها محصورة في بيان العقائد ~~والأحكام والقصص، وهذه # PageV22P385 # السورة على وجازتها قد اشتملت على جميع المعارف الإلهية والرد على من ~~ألحد فيها، ولأجل أن هذا هو المقصود بالذات الذي يتبعه جميع المقاصد عدلت ~~في بعض الأقوال بجميع القرآن، وحاصل شرح هذه السورة العظمى أنه سبحانه ~~وتعالى دل على الذات الأقدس بالهوية، وعبر عنها بالضمير إشارة إلى نفي ~~الماهية التي غلظ أو غالط فيها الكفور الأعظم فرعون - لعنة الله عليه وعلى ~~أتباعه أهل الإلحاد، وأنصاره وأشياعه من أهل الاتحاد، ودل على ذلك بالاسم ~~الأعظم المجمع عليه ودل عليه بالوحدة الجامعة للغنى، النافية للكثرة ~~الموجبة لحاجة، ودل عليها بالصمدية النافية للجوفية المثبتة للسيادة ~~الخفية، ودل على أول معنييها بانتفاء الولادة منه وله، الدالان على نفي ~~الجنس للقوم والفصل المقسم، ودل على الثاني بعدم المكافىء، ودل على ms5858 هذا ~~العدم بأفعاله العظيمة المشاهدة التي أشار قطعا ترتيب السور بما انتهى إليه ~~وضع هذه السورة في هذا الموضع إلى استحضارها. # وتأمل ما كان منها من تربية هذا الدين بنصر نبيه الذي أرسله صلى الله ~~عليه وسلم لإقامته، وسلط الكافرين - وهم ملء الأرض - على أذاه، وجعل أعظمهم ~~له أذى أقربهم إليه نسبا عمه أبا لهب الذي كان يتبعه في تلك المشاهد ~~والقبائل، ويلزمه في تلك المواسم والمعاهد والمحافل، يصرح بتكذيبه كلما دعى ~~الناس إلى الحق، ويواجه بما هو أشد الأشياء على النفس كراهة وأشق، فكانت ~~تلك الشهرة عين الرفعة # PageV22P386 # والنصرة، لأن الشيء، إذا خرج عن حده انقلب إلى ضده، فإنه إذا تناهت شهرته ~~ثم بان بطلانه أو صحته رجعت شهرته بكونه باطلا أو صحيحا أعظم منها لو لم ~~يتقدمها شهرة بغير ذلك، فانقلبت النصرة، وعظمت الكثرة، فجلت المعاونة، ~~وزالت المباينة، وحصل الوفاق، وزال الشقاق، فدل هذا الفعل الأعظم من صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وهو وحده، وكذب المعاندين وهم من لا يحصيهم إلا ~~الله في كل ما قال، وجميع ما قالوا على عزته سبحانه وتعالى بكونه نصر عبده ~~على ذلك الوجه الخارق للعادة وعلى حكمته بما سلطهم به عليه حتى أسرعت ~~الشهرة وعمت النصرة، فعلم بتلك المشاهدة أنه العزيز الحكيم كما دلت عليه ~~سورة التوحيد المناظرة لهذه في رد المقطع على المطلع، وهي آل عمران ~~المناظرة لهذه في الدلالة على التوحيد والمحاججة لمن ادعى أن له صاحبة ~~وولد، فعلم قطعا أنه لا كفوء له، فعلم أنه لا يصح أصلا أن يلد ولا أن يولد، ~~فبطلت قطعا دعوى إلهية عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره ممن ادعى فيه ~~الولدية بالأحدية لما تقتضيه الولادة من المادة المقتضية للكثرة، الموجبة ~~للحاجة، وعظم البيان بما دل عليه الاسم الأعظم من الإجماع بما تقتضي ~~الإلهية، ولا إجماع على غيره، وجل الأمر وانقطع # PageV22P387 # النزاع بما دل عليه الضمير من وجوب الوجود النافي لما سواه من كل موجود - ~~والله الهادي، فلقد أبانت السورة على أعظم الوجوه أن ms5859 مرسله صلى الله عليه ~~وسلم أجل موجود وأشرف حقيقة وأنفس معلوم، وأعظم ذات، وذلك يستلزم نفي كل ما ~~لا ينبغي، وحصول كل ما ينبغي استلزاما لا يقبل الانفكاك، كالفردية في ~~الوتر، والزوجية في الشفع، وتفصيل ذلك بعشرة أشياء تبسط على كلمات السورة ~~على الترتيب: الأول أنه تعالى له الوجود الذي ما مثله فليس هو كالممكنات ~~المسبوقة بالعدم والمنقطعة بالانعدام، والمنصرمة في الدوام، بل هو أزلي لا ~~أول له أبدي لا آخر له، قيوم لا انصرام له، الثاني أن له السبوحية الآبية ~~على نفع كل نقص وعيب، الثالث أن له القدوسية المشتملة على الاتصاف بكل ~~كمال، من جلال وجمال وتعال، الرابع أن له العظمة والجلالة عن أن يكون عرضا ~~أو كالأعراض، أو جوهرا أو كالجواهر، أو جسما أو كالأجسام، الخامس أن له ~~العلو عن أن يحل في شيء أو يحل فيه شيء أو يتحد بشيء أو يتحد به شيء، ~~السادس أنه تعالى له الغنى عن الموجد كالرب والموجب كالأب والمفيد أي لشيء ~~من الكمالات، السابع أنه تعالى له الوحدانية التي ليس فيها شبيه # PageV22P388 # أي في صفاته، ولا مثيل أي في نوع ولا نسب أي كالقرابة، الثامن أنه تعالى ~~له الفردانية التي لا يصح فيها شرك، لا في الملك - بكسر الميم، ولا في ~~الملك - بضمها، ولا في التدبير، ولا في التأثير، التاسع أنه تعالى له ~~الكبرياء المنافية لفوت كمال أو كمال كمال، العاشر أنه تعالى له العزة ~~المنافية لأن يكون له ضد - وهو المفسد لما يفعله، أو ند - وهو الموجد لمثل ~~ما يوجده، وتنزل هذه العشرة على السورة واضح لمن تأمل الكلام وتدبره، ~~وابتدأ سبحانه السورة بالضمير قبل الظاهر بعد التصريح بالنصر والفتح وخسارة ~~أهل الكفر بخسارة أبي لهب الذي هو أعلاهم وأعزهم إشارة إلى أن من صحح باطنه ~~باسم الله تعالى نصر وفتح له - كما يشير إليه تعقيب الأمر في آخر سورة ~~البقرة بالرغبة إليه في النصر على الكافرين بقوله # {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] فإنه ترجمة أول ms5860 هذه ~~السورة التالية للنصر والكافرون سواء بالضمير والاسم الأعظم والتوحيد ~~الأعظم المقرون بدليل وهو القيومية، فقد بين آخر السورة الذي هو نتيجتها ~~ورد مقطعها على مطلعها أنه أحد حاضر في كل زمن لا يغيب أصلا، ولا أحد ~~يكافئه أو يشابهه، لأنه لم يتولد عنه شيء ولا تولد # PageV22P389 # هو عن شيء، لأنه صمد لا جوف له مطلقا لا في ذاته بالفعل، ولا بحيث يجوزه ~~الوهم لأنه أحد محيط بكل شيء لأنه هو الله المحيط بجميع صفات الكمال ~~والجمال، وهو غيب محض لأنه لا يقوى غيره على معرفته إلا باللوازم من الصفات ~~المعقولة تقريبا، والأفعال المشاهدة آثارها، وهو هو الذي هو - مع كونه غيب ~~الغيب - مستحضر في كل لب، لا يظهر بغيب عن أحد بما له من الآثار، التي ملأت ~~الأقطار، ولذلك استحق التسمية ب «هو» ولم يستحقها غيره لحضوره لكل قلب ~~وغيبة غيره بكل اعتبار، لأنه ليس للغير من ذاته إلا الغيبة بالعدم، وأما هو ~~فهو الواجب وجوده، وهو الذي أوجد غيره، وركز في كل قطرة ذكره، لما له ~~سبحانه من الكمال، ولغيره من شدة الحاجة إليه والاحتلال، فكان سبوحا قدوسا ~~جامعا بين الوصفين لأنه ممدوح بالفضائل والمحاسن، التقديس مضمر في صريح ~~التسبيح، والتسبيح مضمر في صريح التقديس، وقد جمع الله سبحانه وتعالى ~~بينهما في هذه السورة بالأسماء التي جلاها أولها، فهو صريح التقديس، ومن ثم ~~إلى آخرها صريح التسبيح، # PageV22P390 # والأمران راجعان إلى إفراده وتوحيده ونفي التشريك والتشبيه عنه، وذلك هو ~~الجمع بين الإثبات والنفي على تهييج ما وقع في كلمة الإخلاص ليعلم أن ~~الإثبات لا يكمل إلا بصيانته عن كل ما يتضمن مخالفته، لكن كلمة الإخلاص ~~تركبت من نفي ثم إثبات، وسورة الإخلاص من إثبات ثم نفي، فأولها إثبات ~~وآخرها نفي، وآخر الإثبات الصمد، فهو جامع بين الأمرين فإنه جمع كل صفة لا ~~يتم الخلق إلا بها «لأن أحد مدلوليه» في اللغة: السيد الذي يرجع إليه، ~~فاقتضى ذلك إثبات صفات الكمال التي بها يتم اتساق الأفعال ونفي كل صفة ينزه ms5861 ~~عنها، لأن ثاني مدلوليه في اللغة: الذي لا جوف له، وذلك يتضمن نفي النهاية ~~ونفي الحد والجهة والجسم والجوهر، لأن من اتصف بشيء من ذلك لم يستحل اتصافه ~~بالتركيب ووجود الجوف، فقررت هذه الكلمة وجوب المعرفة بالنفي والإثبات ~~ليميز بين الحق والباطل، لأن من لم يتحقق صفاء الباطل لم يتقرر له المعرفة ~~بالحق، ولذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين يسألون النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الحق لصحة الاعتقاد والمعرفة، وعن الباطل والشر ~~للتمكن من مجانبته حتى قال حذيفة رضي الله تعالى عنه # «وكان الناس يسألون # PageV22P391 # النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر» وذلك لأن من لم ~~يعرف الشر يوشك أن يقع فيه، وأن ما خالفت كلمة الشهادة في الترتيب لأن تلك ~~أتت للإدخال في الدين، والأليق بمن كان خارجا أو ضعيفا - وهم الأكثر - نفي ~~الباطل أولا ومحوه من لوح القلب ليأتي إثبات الحق فيه وهو فارغ فيقر فيه، ~~فلما نفت أولا كل غير كان سببا للمجانبة والبعد عن حضرات القدس، ثم أثبتت ~~الذات الأقدس والمسمى الأشرف الأنفس، أكدت سورة الإخلاص لأنها للكمل الذين ~~تخلقوا بما قبلها من السور، هذا الإثبات عند استحضاره، وشهود الجميل من ~~آثاره، ثم ختمت بنفي الأغيار، ليكون بذلك تجلى ختام الأعمار، عند الرجوع ~~إلى الآثار، بالعرض على الواحد القهار، وقد بين بهذه السورة أنه طريق بين ~~الخلق والأمر، فلما فتح الخلق بمتشابه خلق آدم عليه الصلاة والسلام لأن ~~المتشابه ما خرج عن أشكاله، وختمت أقسامه الأربعة بمتشابه خلق عيسى عليه ~~الصلاة والسلام - كما تقدم عند # PageV22P392 # {إن الله اصطفى} [آل عمران: 33] في آل عمران المناظرة لهذه السورة، لذلك ~~فتح الأمر بعد أم الكتاب بمتشابه الحروف المقطعة، وختم دون المعوذتين ~~اللتين هما في الحال المرتحل كالمقدمة، والافتتاح بالتعوذ لأم الكتاب ~~بمتشابه هو سورة الإخلاص، وكان متشابه أوله متشابها من جميع وجوهه، لا يمكن ~~أحدا أن يقول فيه قولا مقطوعا به أو مظنونا ظنا راجحا، ومتشابه آخره لا ~~يقنع فيه بدون ms5862 القطع في أوله فيما كلفنا أمره في هذه الدار وهو أصول الدين، ~~ووراء ذلك ما لا يدركه أحد من الأبرار ولا المقربين، وهو الذات الأقدس، فمن ~~رجع متشابه الخلق فوق منزلته كفر، ومن وضع متشابه الأمر عن رتبته العلية ~~كفر، وجعل آخره أجلى من أوله من بعض الوجوه إشارة إلى ترقية الموفق في ~~أمره، وأنه في الآخر يكون أجلى انكشافا وأوضح معرفة، وتلاه بالتعوذ إشارة ~~إلى سؤال الاعتصام في شأنه، والحفظ التام في مضمار عرفانه، وكرر بالتثنية ~~لأجل الإحاطة بأمري الظاهر والباطن، والتأكيد تنبيها على صعوبة المرام، ~~وخطر المقام. # ولما افتتح القرآن بسورة مشتملة على جميع معانيه، ختم بسورتين # PageV22P393 # يدخل معناهما، وهو التعوذ، ويندب ذكره في جميع أجزائه ومبانيه، وفي ذلك ~~لطيفة أخرى عظيمة جدا، وهي أنه لما علم بالإخلاص تمام العلم وظهور الدين ~~على هذا الوجه الأعظم، فحصل بذلك غاية السرور، وكان التمام في هذه الدار ~~مؤذنا بالنقصان، جاءت المعوذتان لدفع شر ذلك، وقد انقضى الكلام على ما يسره ~~الله تعالى من كنوز معاني سورة الإخلاص بحسب التركيب والنظم والترتيب، وبقي ~~الكلام على ما فتح الله به من أسرارها في الدلالة على مقصود السورة بالنظر ~~إلى كلماتها مفردة ظواهر وضمائر ثم حروفها، ففيها من الأسماء الحسنى ~~والصفات العلى، التي أسس عليها بنيانها، وانبنت عليها أركانها، خمسة هي ~~العشر من كلمات آية الكرسي كما أن الصلوات المكتوبات خمس وهي خمسون في أم ~~الكتاب «الحسنة بعشر أمثالها» فمن لطائف إشاراتها أنها كدعائم الدين الخمس، ~~فالضمير مشير إلى تصحيح ضمير القلب بالإيمان، وصحة القصد والإذعان، حتى ~~يقوم بناء العبادة، والاسم الأعظم إشارة إلى أن ذلك التصحيح لأجل التأله ~~بالخضوع للإله الحق باستحضار اسمه الأعظم كما أن الصلاة أعظم عبادات البدن، ~~هذا للتهيئة في الدخول في العبادة، ثم إن الدخول فيها شرطه أحدية التوجه ~~تحقيقا للصدق في صحة العزم # PageV22P394 # عليها كما أن الزكاة تكون مصدقة للإيمان، وذلك التوحيد في التوحيد يكون ~~لأجل الصدق في التأله بما يشير إليه إعادة الاسم الأعظم كما هو ms5863 شأن الحاج ~~الأشعث الأغبر المتجرد، ويكون ذلك التأله باستحضار افتقار العابد إلى ~~المعبود وتداعيه إلى الهلاك بكل اعتبار لأنه أجوف، وغنى المعبود على ~~الإطلاق بما يشير إليه الاسم الإضافي الصمد كما هو شأن الصائم في عبادته، ~~واستحضاره لحقارته وشدة حاجته، ولجلالة مولاه، وتعاليه في غناه، فمن صحت له ~~هذه الدعائم الخمس كانت عبادته في الذروة العليا من القبول، وإلا كان لها ~~اسم الحصول من غير كثير محصول - والله الموفق، وكونها خمس عشرة كلمة إشارة ~~إلى أنهم في السنة الخامسة عشرة من النبوة يعلمون - بغلبة قهره وسطوة ~~سلطانه وتأييده للمستضعفين من حزبه، وتقويته لهم في وقعة بدر في السنة ~~الثانية من الهجرة - أن مرسله لا كفوء له بعلم شهودي لا يقدر أحد على ~~تكذيبه ودفعه، فيقوم به دليل الإخلاص، ولات حين مناص، وإذا ضممت إليها ~~الضمير الواجب الاستتار في {قل} كانت ست عشرة إشارة إلى أنه في السنة ~~السادسة عشرة من النبوة وهي الثالثة من الهجرة في غزوة أحد يكون الظاهر ~~فيها اسمه تعالى الباطن، فإنه كان فيها من المصيبة ما هو مذكور في السير ~~تفصيله من قتل سبعين من الصحابه رضي الله تعالى عنهم منهم # PageV22P395 # حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد أن ظهر فيها النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أول النهار، ظهورا بينا حتى كانت هزيمة الكفار، لا شك فيها - كما ~~قال الله تعالى # {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم} [آل ~~عمران: 152]- الآيات، ثم أخفى الله ذلك في إزالة الكفار في أثناء النهار، ~~فهزم الصحابة رضي الله تعالى عنهم حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~منهم إلا نفر يسير جدا أكثر ما ورد في عددهم أنهم يقاربون الأربعين وهو ~~ثابت بهم - صلى الله عليه وسلم - في نحر العدو وهم نحو من ثلاثة آلاف فيهم ~~مائتا فارس يحاولهم ويصاولهم يشتملون عليه مرة ويفترقون عنه أخرى ms5864 ليعلم أن ~~الناصر إنما هو الله سبحانه وتعالى وحده، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن من المواطن ما نصر في غزوة أحد، ~~وقال أبو سفيان ابن حرب يوم إسلامه في عام الفتح للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~ما قاتلتك من مرة إلا ظهرت علي، أظن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا. # ولكن الذي ظهر منها ما كان في آخر النهار من ظهور الكفار، فأخفى الله ~~تعالى نصره لنبيه صلى الله عليه وسلم فيها باسمه الباطن إلا على أرباب ~~البصائر، فما علم ذلك إلا بوجه خفي جدا مناسبة # PageV22P396 # للضمير الباطن الواجب الاستتار، وإذا ضممت إلى ذلك الضميرين المستترين ~~الجائزي الظهور، فكانت الكلمات بذلك ثماني عشرة، كان إشارة إلى أن في السنة ~~الثامنة عشرة من النبوة - وهي الخامسة من الهجرة دلالة عظيمة على أنه لا ~~كفوء له يوجب الإخلاص على وجه هو أجلى مما كان في غزوة أحد وإن كان فيه نوع ~~خفاء، وذلك في غزوة الأحزاب وبني قريظة حين رد الله الكفار بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا بعد أن كانوا في عشرة آلاف مقاتل غير بني قريظة، يقولون: إنه ~~لا غالب لهم، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا قاهرا لهم ~~بريح وجنود لم يروها، وأمكن من بني قريظة، وكان الله قويا عزيزا، وذلك في ~~شوال وذي القعدة سنة خمس من الهجرة، فإذا ضممت إليها الضمير الآخر البارز ~~بالفعل في «له» فكانت تسع عشرة، كانت إشارة إلى مثل ذلك على وجه أجلى في ~~عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، فإنه كان فيها الفتح السببي ~~الذي أنزل الله سبحانه وتعالى فيه سورة الفتح، وكان فيها من دلائل ~~الوحدانية # PageV22P397 # أمور كثيرة توجب الإخلاص، وإن كان في ذلك نوع خفاء مناسبة للضمير وإن كان ~~بارزا بالفعل، فقد خفي على كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين حتى ~~نبههم النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا ضممت إليها كلمات البسملة ms5865 الأربع ~~كانت ثلاثا وعشرين توازي السنة العاشرة من الهجرة، وهي الثالثة والعشرون من ~~النبوة، وفيها كان استقرار الفتح الأكبر والإخلاص الأعظم بنفي الشرك وأهله ~~من جزيرة العرب لحجة الوداع التي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: «إن ~~الشيطان - قد أيس أن يعبد في أرض العرب» ولذلك توفى الله تعالى نبيه صلى ~~الله عليه وسلم عقبها بعد إظهار الدين وإذلال الكافرين وإتمام النعمة، وقام ~~سبحانه بنصر الأمة وحده بعد أن مهد أسباب النصر بنبيه صلى الله عليه وسلم ~~حتى علم قطعا في الردة وأحوالها، وموج الفتنة وأهوالها، وغلبة رعبها على ~~القلوب وزلزالها، في ذلك الاضطراب الشديد، أنه الإله وحده الذي لا كفوء له ~~لحفظ الدين في حياة نبيه صلى الله عليه وسلم وبعده، وكذا فيما بعد ذلك من ~~فتوح البلاد، وإذلال الملوك العتاة الشداد، مع ما لهم من الكثرة والقوة ~~بالأموال والأجناد، والتمكن العظيم في البلاد، وجعل النصر عليهم بأهل الضعف ~~والقلة # PageV22P398 # آية في آية، ودلالة بالغة في ظهورها الغاية، وإذا سلكت طريقا آخر في ~~الترتيب في الكلمات الخطية والاصطلاحية دلك على مثل ذلك بطريق آخر، وذلك أن ~~تضم إلى الكمات الخمس عشرة كلمات البسملة الأربع لتكون تسع عشرة فنوازي سنة ~~ست من الهجرة، وذلك سنة عمرة الحديبية التي سماها الله تعالى فتحا، وأنزل ~~فيها سورة الفتح لكونها كانت سبب الفتح الذي هو عمود الإخلاص، فإذا ضممت ~~إليها الضمير المستتر كانت عشرين، فوازت سنه سبع التي كانت فيها عمرة ~~القضاء، فأظهر الله فيها الإخلاص على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم بين ~~أظهر المشركين في البلد الذي كان بعثه منه وفيه على وجه ظهر فيه أنه لا ~~كفوء له، ولكن كان ذلك بوجه خفي، فإذا ضممت إليها الضميرين المستترين ~~الجائزي البروز كانت اثنتين وعشرين موازية لسنة تسع سنة الوفود ودخول الناس ~~في دين الله أفواجا، فالإلهية من حيث هي تقتضي الوحدة، والوحدة لا تقتضي ~~الإلهية، وعبر به دون الواحد لأن المراد الإبلاغ في الوصف بالوحدة إلى حد ~~لا يكون شيء ms5866 أشد منه، والواحد - قال ابن سينا - مقول على ما تحته من ~~التشكيك، والذي لا ينقسم بوجه أصلا أولى بالوحدانية مما ينقسم من بعض ~~الوجوه، # PageV22P399 # والذي ينقسم انقساما عقليا أولى مما ينقسم بالحس، والذي ينقسم بالحس وهو ~~بالقوة أولى من المنقسم بالحس بالفعل، وإذا ثبت أن الوحدة قابلة للأشد ~~والأضعف وأن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك كان الأكمل في الفعل الذي لا ~~يمكن أن يكون شيء آخر أقوى منه فيها وإلا لم يكن بالغا أقصى المرام، والأحد ~~جامع لذلك دال عل الواحدية من جميع الوجوه، وأنه لا كثرة هناك أصلا، لا ~~معنوية من المقولات من الأجناس والفصول ولا بالأجزاء العقلية كالمادة ~~والصورة، ولا حسية بقوة ولا فعل كما في الأجسام، وذلك لكونه سبحانه وتعالى ~~منزها عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء ~~والأشكال والألوان وسائر الوجوه وجوه التشبيه التي تثلم الوحدة الكاملة ~~الحقة اللائقة بكرم وجهه وعز جلاله أن يشبهه شيء أو يساويه شيء لأن كل ما ~~كانت هويته أن تحصل من اجتماع آخر كانت هويته موقوفة على تلك الأجزاء فلا ~~يكون هو هو لذاته بل لغيره، فلذا كان منزها عن الكثرة بكل اعتبار ومتصفا ~~بالوحد من كل الوجوه، فقد بلغ هذا النظم من البيان أعظم شأن، فسبحان من ~~أنزل هذا الكلام ما أعظم شأنه وأقهر سلطانه! فهو منتهى الحاجات، ومن عنده ~~نيل الطلبات، ولا يبلغ أدنى ما استأثره من الجلال والعظمة والبهجة أقصى ~~نعوت الناعتين، وأعظم وصف الواصفين، بل القدر الممكن منه الممتنع أزيد منه ~~هو الذي ذكره في كتابه العزيز، وأودعه وحيه المقدس الحكيم، وبالكلام على ~~معناه والمعنى الواحد تحقق ما تقدم، قال الإمام أبو العباس الاقليشي في شرح # PageV22P400 # الأسماء الحسنى، فمن أهل اللسان من ساوى بينهما جعلهما مترادفين، ومنهم ~~من قال: أصل «أحد» واحد، أسقطت منه الألف، ثم أبدلت الهمزة من الواو ~~المفتوحة مثل حسن يحسن فهو حسن - من الحسن، أبدلت الواو همزة، وأما من فرق ~~بينهما فمنهم من قال: «أحد» على حياله، لا إبدال فيه ms5867 ولا تغيير، ومنهم من ~~قال: أصله وحد - أبدلت الواو همزة - انتهى. # وقد استخلصت الكلام على الاسمين الشريفين من عدة شروح للأسماء الحسنى ~~وغيرها، منها شرح الفخر الرازي والفخر الحرالي وغيرهما - قالوا: الواحد ~~الذي لا كثرة فيه بوجه لا بقسمة ولا بغيرها مع اتصافه بالعظمة ليخرج الجوهر ~~الفرد وهو الذي لا يتثنى، أي لا ضد له ولا شبيه، فهو سبحانه وتعالى واحد ~~بالمعنيين على الإطلاق لا بالنظر إلى حال ولا شيء، قال الإمام أبو العباس ~~الاقليشي في شرح الأسماء الحسنى: هذه حقيقة الوحدة عند المحققين فلا يصح أن ~~يوصف شيء مركب بها إلا مجازا كما تقول: رجل واحد ودرهم واحد، وإنما يوصف ~~بها حقيقة ما حراك له كالجوهر عند الأشعرية غير أنك إذا نظرت فوجدت وجوده ~~من غيره علمت أن استحقاقه لهذا الوصف ليس كاستحقاق موجده له، وهو أيضا إنما ~~يوصف به لحقارته، وموجده سبحانه وتعالى موصوف به مع اتصافه بالعظمة، ~~فاتصافه بالوحدة على الإطلاق، والاتصاف بالجوهر بالنظر إلى عدم التركيب من ~~الجسم مع صحة اتصافه بأنه جزء يزل عنه حقيقة ذلك، والوحدة أيضا بالنظر إلى ~~المعنى الثاني - وهو ما لا نظر له - لا تصح بالحقيقة إلا له سبحانه # PageV22P401 # وتعالى، وكل ما نوعيته في شخصيته كالعرش والكرسي والشمس والقمر يصح أن ~~يقدر لها نظائر، ولها معنى ثالث وهو التوحيد بالفعل والإيجاد، فيفعل كل ما ~~يريد من غير توقف على شيء، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول ناظر ~~إلى نفي إله ثان، وهذا ناف لمعين ووزير، وكلاهما وصف ذاتي سلبي، والحاصل أن ~~النظر الصحيح دل على أن لنا موجدا واحدا بمعنى أنه لا يصح أن يلحقه نقص ~~لقسمته بوجه من الوجوه، وبمعنى أنه معدوم النظير بكل اعتبار، ومعنى أنه ~~مستبد بالفعل مستقل بالإيجاد ومتوحد بالصنع منفرد بالتدبير، قضى بهذا شاهد ~~العقل المعصوم من ظلمة الهوى وكثافة الطبع، وورد به قواطع النقل ونواطق ~~السمع، ولهذا كان من أعظم الخلق دعاؤه سبحانه وتعالى لجميع الخلق، وكانت ~~دعوة رسوله الخاتم صلى الله عليه ms5868 وسلم للخلق كافة، وقال حجة الإسلام أبو ~~حامد الغزالي في آخر شرحه للأسماء الحسنى في شرحه في بيان رد الأسماء ~~الكثيرة إلى ذات الواحد وسبع صفات الأحد المسلوب عنه النظير، وقال في الشرح ~~المذكور: الواحد هو الذي لا يتجزى ولا يتثنى، أما الذي لا يتجزى فكالجوهر ~~الذي لا ينقسم فيقال عنه: إنه واحد - بمعنى أنه لا جزء له، وكذلك النقطة لا ~~جزء لها، والله تعالى واحد بمعنى أنه يستحيل تقدير الانقسام في ذاته، وأما ~~الذي لا يتثنى فهو الذي لا نظير له كالشمس مثلا فإنها - وإن كانت قابلة ~~للانقسام بالوهم - متحيزة في ذاتها لأنها من قبيل الأجسام فهي لا نظير لها ~~إلا أنه يمكن لها نظير، وليس في الوجود موجود يتفرد بخصوص وجوده تفردا # PageV22P402 # لا يتصور أن يشاركه فيه غيره أصلا إلا الواحد المطلق أزلا وأبدا، والعبد ~~إنما يكون واحدا إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير في خصلة من خصال الخير، ~~وذلك بالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع، فلا وحدة على الإطلاق إلا لله ~~سبحانه وتعالى، وقال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في مقدمة كتاب الملل ~~والنحل: واختلفوا في الواحد أهو من العدم أم مبدأ العدد وليس داخلا في ~~العدد، وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اشتراط لفظ الواحد أيضا، فالواحد يطلق ~~به ويراد به ما يتركب منه العدد، فإن الاثنين لا معنى له إلا واحد تكرر أول ~~تكرير وكذا الثلاثة والأربعة، ويطلق ويراد به ما يحصل منه العدد الذي هو ~~علة، ولا يدخل في العدد الذي لا يتركب منه العدد، وقد يلازم الواحدية جميع ~~الأعداد لا على أن العدد يتركب بها بل وكل موجود فهو جنسه أو نوعه أو شخصه ~~واحد، يقال: إنسان واحد، وفي العدد أنه لا كفوء له ولكن كان ذلك بوجه خفي، ~~فإذا ضممت إليها الضميرين المستترين الجائزي البروز كانت اثنين وعشرين ~~موازية لسنة تسع سنة الوفود ودخول الناس في الدين أفواجا، وحجة أبي بكر رضي ~~الله عنه وتطهير المسجد الحرام من نجس الإشراك بالبراءة ms5869 من المشركين وزجرهم ~~عن أن يحج بعد ذلك العام مشرك، ونهيهم عن قربانهم المسجد الحرام لأنهم نجس، ~~وانتشار الإخلاص في أغلب بلاد العرب، وذلك أجلى مما مضى مناسب # PageV22P403 # لما دل عليه، وفيه نوع خفاء عند من كان بقي من المشركين، وإذا ضممت إليها ~~الضمير الآخر البارز بالفعل كانت ثلاثا وعشرين توازي سنة حجة الوداع سنة ~~عشر، وهي التي تم فيها الإخلاص ولم يحج بها مشرك، وأيس الشيطان فيها أن ~~يعبد في جزيرة العرب، وفي ذلك - لكون الكلمة ضميرا - نوع يسير في الخفاء ~~بما دل عليه بعد ذلك من الردة، وكان ذلك أنسب الأشياء بالكلمة المتحملة ~~لذلك الضمير وهي له، هذا ما يسره الله من أسرار كلماتها بحسب الأعداد، وأما ~~حروفها فمن الأسرار العظيمة أنه صفة الله، وأن حروفها مع البسملة بالنظر ~~إليها من حيث اللفظ وكذا من حيث الرسم ستة وستون حرفا، وكذا عدة حروف ~~الجلالة الملفوظة وكذا المرسومة بحساب الجمل، فكل ما دعت إليه هو مدلول هذا ~~الاسم الأعظم، وهذه العدة إذا أخذت من أول مولد النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان آخرها منطبقا على سنة موت صديقه الأكبر الذي سبق غيره بما وقر في صدره ~~وهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وذلك دلالة على أنه لا يوازيهما أحد في ~~الإخلاص، وأنهما وصلا فيه إلى الرتبة العليا، وإن كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعلى الخلق فيه، وفي ذلك أيضا دلالة على أنه لا كفوء له لأنه نفى ~~الإشراك # PageV22P404 # بحذافيره من جميع جزيرة العرب بعد أن كانوا مطبقين عليه، وأطلقهم سبحانه ~~وتعالى على من يليهم من ملوك الأمم حتى أظهر الله بهم الدين - وقد كانوا ~~أذل الأمم - على الدين كله، ونفوا جبابرة الملوك صغرة بعد أن كان عندهم أنه ~~لا غالب لهم، وحروفها الملفوظة هي بعدد كلمات - آيات التوحيد، وهي آية ~~الكرسي أعظم آية في القرآن، وذلك خمسون حرفا إلا واحدا هو ألف {كفوا} الذي ~~هو مرسوم غير ملفوظ، وهو الدال على الضمير الذي هو غيب الغيب، فهو ms5870 غيب - من ~~جهة عدم اللفظ به، ووجود وظهور من جهة شاهد الرسم ومسموع الاسم، كما أن ~~الذات غيب محض من جهة الحقيقة يدرك بمشاهدة الأفعال، ومسموع الأسماء العوال ~~- والله الهادي من الضلال. # PageV22P405 # سورة الفلق # مقصودها الاعتصام من شركل ما انفلق عنه الخلق الظاهر والباطن، واسمها ~~ظاهر الدلالة على ذلك) بسم الله (الذي له جميع الحول) الرحمن (الذي استجمع ~~كمال الطول) الرحيم (الذي أتم على أهل وداده جميع النول بالسلام من علي ~~القول. # لما افتتح سبحانه وتعالى هذا الذكر الحكيم بالهداية في قوله تعالة) اهدنا ~~الصراط المستقيم (وبالهداية والتقوى التي هي شعار التائب في قوله تعالى: ~~(هدى للمتقين) [البقرة: 2] وذلك أول منازل الساترين، وختم بتقرير أمر ~~التوحيد على وجه لا يتصور أن يكون أكمل منه وتقرير الإخلاص فيه كما يشعر به ~~الأمر ب) قل (وذلك هو نهاية المقامات عند العارفين، فتم بذلك الدين، وانتهى ~~سير السالكين، وختم الإخلاص المقررة لذلك بأنه تعالى لا كفوء له، فتوفرت ~~الدواعي على الانقطاع إليه والعكوف عليه # وألقت عصاها واطمأن بها النوى ... كما قر عينا بلإياب المسافر # PageV22P406 # أمر بالتعوذ برب هذا الدين، موافقة لإياك نعبد وإياك نستعين، من # PageV22P406 # شر ما يقدح فيه بضرر في الظاهر أو في الباطن وهم الخلائق حتى على الفنا ~~في الغنا، وبدأ بما يعم شياطين الإنس والجن في الظاهر والباطن، ثم اتبع بما ~~يعم القبيلين ويخص الباطن الذي يستلزم صلاحه صلاح الظاهر، إعلاما بشرف ~~الباطن على وجه لا يخل بالظاهر، وفي ذلك إشارة إلى الحث على معاودة القراءة ~~من أول القرآن كما يشير إليه قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن} [النحل: 98]- ~~أي أردت قراءته - {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] فقال ~~تعالى: {قل} أي لكل من يبلغه القول من جميع الخلائق تعليما لهم وأمرا، ~~فإنهم كلهم مربوبون مقهورون لا نجاة لهم في شيء من الضرر إلا بعصمته سبحانه ~~وتعالى، فعلى كل منهم أن يفزع أول ما تصيبه المصيبة إلى مولاه القادر على ~~كشفها تصحيحا لتوكله فإنه يرتقي بذلك إلى حال الرضا بمر القضاء، ms5871 ولا يأخذ ~~في الاعتماد على جلادته وتدبيره بحوله وقوته فإنه يشتد أسفه ولا يرد ذلك ~~عنه شيئا: {أعوذ} أي أستجير وألتجىء وأعتصم وأحترز. # ولما كان هذا المعنى أليق شيء بصفة الربوبية لأن الإعاذة من المضار أعظم ~~تربية قال: {برب الفلق *} أي الذي يربيه وينشىء منه ما يريد، وهو الشيء ~~المفلوق بإيجاده ظلمة العدم كالعيون التي فلقت بها ظلمة # PageV22P407 # الأرض والجبال، وكالأمطار التي فلقت بها ظلمة الجو والسحاب، وكالنبات ~~الذي فلقت به ظلمة الصعيد، وكالأولاد التي فلقت بها ظلمة الأحشاء، وكالصبح ~~الذي فلقت به ظلمة الليل، وما كان من الوحشة إلى ما حصل من ذلك من ~~الطمأنينة والسكون والأنس والسرور إلى غير ذلك من سائر المخلوقات، قال ~~الملوي: والفلق - بالسكون والحركة كل شيء انشق عنه ظلمة العدم وأوجد من ~~الكائنات جميعها - انتهى. وخص في العرف بالصبح فقيل: فلق الصبح، ومنه قوله ~~تعالى: {فالق الإصباح} [الأنعام: 96] لأنه ظاهر في تغير الحال ومحاكاة يوم ~~القيامة الذي هو أعظم فلق يشق ظلمة الفنا والهلاك بالبعث والإحياء، فإن ~~القادر على ما قبله بما نشاهده قادر عليه، لأنه لا فرق، بل البعث أهون في ~~عوائد الناس لأنه إعادة، كذا سائر الممكنات، ومن قدر على ذلك قدر على إعاذة ~~المستعيذ من كل ما يخافه ويخشاه. # ولما كانت الأشياء قسمين: عالم الخلق، وعالم الأمر، وكان عالم الأمر خيرا ~~كله، فكان الشر منحصرا في عالم الخلق خاصة بالاستعاذة فقال تعالى معمما ~~فيها: {من شر ما خلق *} أي من كل شيء سوى الله تعالى عز وجل وصفاته، والشر ~~تارة يكون اختياريا من العاقل الداخل تحت مدلول «لا» وغيره من سائر الحيوان ~~كالكفر والظلم ونهش السباع # PageV22P408 # ولدغ ذوات السموم، وتارة طبيعيا كإحراق النار وإهلاك السموم. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: قد أشير، أي في الكلام على ارتباط ~~الإخلاص - إلى وجه ارتباطها آنفا، وذلك واضح إن شاء الله تعالى - انتهى. # ولما كان عطف الخاص على العام يعرف بأن ذلك الخاص أولى أفراد العام بما ~~ذكر له من الحكم، وكان شر الأشياء ms5872 الظلام، فإنه أصل كل فساد، وكانت شرارته ~~مع ذلك وشرارة السحر والحسد خفية، خصها بالذكر من بين ما عمه الخلق لأن ~~الخفي يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان فيكون أضر. ولذا قيل: شر العداة ~~المداجي، وكانت مادة «غسق» تدور على الظلام والانصباب، فالغسق - محركة: ~~ظلمة أول الليل، وغسقت العين: أظلمت أو دمعت، واللبن: انصب من الضرع، ~~والليل: اشتدت ظلمته، والغسقان - محركة: الانصباب، والغاسق: القمر، وكأنه ~~سمي به لسرعة سيره وانصبابه في البروج ولأنه ليس له من نفسه إلا الإظلام، ~~والثريا - إذا سقطت - والله أعلم، قال في القاموس: لكثرة الطواعين والأسقام ~~عند سقوطها، والذكر - إذا قام، كما قاله جماعة وروي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، # PageV22P409 # وهو سبب للجهل الذي هو ظلام كله، فقال تعالى: {ومن شر غاسق} أي مظلم بارد ~~منصب ظلامه وبرده سواء كان أصلا في الظلام حسيا أو معنويا أو كان حاملا ~~عليه مثل الذكر إذا قام لما يجر إليه من الوساوس الرديئة لغلبة الشهوة ~~واستحكام سلطان الهوى، ومثل القمر لما يحدث منه من الرطوبات المفسدة ~~للأبدان وغير ذلك انصبابا له غاية القوة كانصباب ما يفيض عن امتلاء في ~~انحدار، ونكره إشارة إلى أنه ليس كل غاسق مذموما - والله أعلم. # ولما كان الشيء الذي اتصف بالظلام يكثف فيشتد انصبابه وأخذه في السفول ~~إلى أن يستقر ويستحكم فيما صوب إليه مجتمعا جدا كاجتماع الشيء في الوقبة ~~وهي النقرة في الصخرة، وكان الظلام لا يشتد أذاه إلا إذا استقر وثبت، قال ~~معبرا بأداة التحقق: {إذا وقب *} أي اعتكر ظلامه ودخل في الأشياء بغاية ~~القوة كمدخول الثقيل الكثيف المنصب في النقرة التي تكون كالبئر في الصخرة ~~الصماء الملساء، وهذا إشارة إلى أنه يسهل علاجه وزواله قبل تمكنه، وفي ~~الحديث «لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها» يعني صلاة المغرب، وفيه # PageV22P410 # عند أبي يعلى أنه قال لعائشة رضي الله تعالى عنها عن القمر: «تعوذي بالله ~~من شر هذا الغاسق إذا وقب» وأكثر الأقوال أنه الليل، خص بالاستعاذة لأن ~~المضار فيه ms5873 تكثر ويعسر دفعها، وأصل الغسق الظلام، ويلزم منه الامتلاء، ~~وقيل: إن الامتلاء هو الأصل، وأصل الوقوب الدخول في وقبة أو ما هو كالوقبة ~~وهي النقرة. # ولما كان السحر أعظم ما يكون من ظلام الشر المستحكم في العروق الداخل في ~~وقوبها. لما فيه من تفريق المرء من زوجه وأبيه وابنه، ونحو ذلك، وما فيه من ~~ضنى الأجسام وقتل النفوس، عقب ذلك بقوله تعالى: {ومن شر} . # ولما كان كل ساحر شريرا بخلاف الغاسق والحاسد، وكان السحر أضر من الغسق ~~والحسد من جهة أنه شر كله، ومن جهة أنه أخفى من غيره، وكان ما هو منه من ~~النساء أعظم لأن مبنى صحته وقوة تأثيره قلة العقل والدين ورداءة الطبع وضعف ~~اليقين وسرعة الاستحالة، وهن أعرق في كل من هذه الصفات وأرسخ، وكان ما وجد ~~منه من جمع وعلى وجه المبالغة أعظم من غيره عرف وبالغ وجمع وأنث ليدخل فيه ~~ما دونه من باب الأولى فقال تعالى: {النفاثات} أي النفوس الساحرة سواء كانت ~~نفوس الرجال أو نفوس النساء أي # PageV22P411 # التي تبالغ في النفث وهو التفل وهو النفخ مع بعض الريق - هكذا في الكشاف، ~~وقال صاحب القاموس: وهو كانفخ وأقل من التفل، وقال: تفل: بزق، وفي التفسير ~~عن الزجاج أنه التفل بلا ريق، {في العقد *} أي تعقدها للسحر في الخيوط وما ~~أشبهها، وسبب نزول ذلك أن يهوديا سحر النبي صلى الله عليه وسلم فمرض كما ~~ياتي تخريجه، فإن السحر يؤثر بإذن الله تعالى المرض ويصل إلى أن يقتل، فإذا ~~أقر الساحر أنه قتل بسحره وهو مما يقتل غالبا قتل بذلك عند الشافعي، ولا ~~ينافي قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] كما مضى بيانه في ~~المائدة، ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه مسحور، ~~فإنهم ما أرادوا إلا الجنون أو ما يشبهه من فساد العقل واختلاله، والمبالغة ~~في أن كل ما يقوله لا حقيقه له كما أن ما ينشأ عن المسحور يكون مختلطا لا ~~تعرف حقيقته. # ولما كان أعظم حامل ms5874 على السحر وغيره من أذى الناس الحسد، وهو تمني زوال ~~نعمة المحسود: # وداريت كل الناس إلا لحاسد ... مداراته عزت وشق نوالها # وكيف يداري المرء حاسد نعمة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها # قال تعالى: {ومن شر حاسد} أي ثابت الاتصاف بالحسد معرق # PageV22P412 # فيه، ونكره لأنه ليس كل حاسد مذموما، وأعظم الحسدة الشيطان الذي ليس له ~~دأب إلا السعي في إزالة نعم العبادات عن الإنسان بالغفلات. # ولما كان الضار من الحسد إنما هو ما أظهر وعمل بمقتضاه بالإصابة بالعين ~~أو غيرها قال مقيدا له: {إذا حسد *} أي حسد بالفعل بعينه الحاسدة، وأما - ~~إذا لم يظهر الحسد فإنه لا يتأذى به إلا الحاسد لاغتمامه بنعمة غيره، وفي ~~إشعار الآية الدعاء بما يحسد عليه من نعم الدارين لأن خير الناس من عاش ~~محسودا ومات محسودا، ولمن لم يلق بالا للدعاء بذلك ويهتم بتحصيل ما يحسد ~~عليه ضحك منه إبليس إذا تلا هذه الآية لكونه ليس له فضيلة يحسد عليها، ~~ولعله عبر بأداة التحقيق إشعارا بأن من كان ثابت الحسد متمكنا من الاتصاف ~~به بما أشعر به التعبير بالوصف تحقق منه إظهاره، ولم يقدر على مدافعته في ~~الأغلب إلا من عصم الله تعالى، وقد علم بكون الحسد علة السحر - الموقع في ~~القتل الذي هو أعظم المعاصي بعد الشرك وفي الشرك، لأنه لا يصح غاية الصحة ~~إلا مع الشرك - أن الحسد شر ما انفلق عنه ظلام العدم، والشاهد لذلك غلبته ~~على الأمم السالفة وتحذير الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس # PageV22P413 # منه بشهادة هاديها صلى الله عليه وسلم، أخرج الإمام أحمد وأبو داود ~~الطيالسي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: # «دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، ألا والبغضاء هي الحالقة، لا ~~أقول: إنها تحلق الشعر ولكن تحلق الدين» وفي الباب عن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما وابن مسعود رضي الله عنه، وأعظم أسباب الحالقة أو كلها الحسد، ~~فعلم بهذا رجوع آخر السورة على أولها، وانعطاف مفصلها ms5875 على موصلها، ومن أعيذ ~~من هذه المذكورات انفلق سماء قلبه عن شمس المعرفة بعد ظلام ليل الجهل، ~~فأشرقت أرجاؤه بأنوار الحكم، إلى أن يضيق الوصف له عن بدائع الكشف: # هناك ترى ما يملأ العين قرة ... ويسلي عن الأوطان كل غريب # فينقطع التعلق عما سوى الله بمحض الاتباع والبعد عن الابتداع بمقتضى {قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] وقد بطل بالأمر ~~بالاستعاذة قول الجبرية: إنا كالآلة لا فعل لنا أصلا، وإنما نحن كالحجر لا ~~يتحرك إلا بمحرك، لأنه لو كان هو المحرك لنا بغير اختيار لم يكن للأمر ~~فائدة، وقول القدرية: إنا نخلق أفعالنا، وقول الفلاسفة: إنه - # PageV22P414 # إذا وجد السبب والمسبب حصل التأثير من غير احتياج إلى ربط إلهي كالنار ~~والحطب، لأنه لو كان ذلك لكانت هذه الأفعال المسببات إذا وجدت من فاعليها ~~الذين هم الأسباب، أو الأفعال التي هي الأسباب، والمسببات التي هي الأبدان ~~المراد تأثيرها أثرت ولم تنفع الاستعاذة، والشاهد خلافه، وثبت قول الأشاعرة ~~أهل السنة والجماعة أنه إذا وجد السبب والمسبب توقف وجود الأثر على إيجاد ~~الله تعالى، فإن أنفذ السبب وجد الأثر، وإن لم ينفذه لم يوجد، والسورتان ~~معلمتان بأن البلايا كثيرة وهو قادر على دفعها، فهما حاملتان على الخوف ~~والرجاء، وذلك هو لباب العبودية، وسبب نزول المعوذتين على ما نقل الواحدي ~~عن المفسرين رحمة الله عليهم أجمعين والبغوي عن ابن عباس وعائشة رضي الله ~~عنهم «أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فدبت إليه ~~اليهود فلم يزالوا به حتى أخذه مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم وعدة ~~أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم ~~اليهودي، فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر شعر رأسه، ويرى أنه ~~يأتي النساء ولا يأتيهن، يذوب ولا يدري ما عراه، فبينا هو نائم ذات يوم ~~أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه # PageV22P415 # والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ ~~قال: طب، ms5876 قال: وما طب؟ قال: سحر، قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم ~~اليهودي، قال: وبما طبه؟ قال: بمشط ومشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة ~~ذكر تحت راغوفة في بئر ذروان - بئر في بني زريق، والجف: قشر الطلع، ~~والراغوفة: حجر في أسفل البئر يقوم عليه المائح، فانتبه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال لعائشة رضي الله عنها:» يا عائشة! أما شعرت أن الله أخبرني ~~بدائي! ثم بعث عليا والزبير وعمار بن ياسر رضي الله عنهم فنزحوا البئر كأنه ~~نقاعة الحناء، ثم نزعوا الصخرة وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان ~~مشطه، وإذا وتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر «فأنزل الله سبحانه ~~وتعالى سورتي المعوذتين، وهما إحدى عشرة آية: الفلق خمس والناس ست، فجعل ~~كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة حتى انحلت ~~العقدة الأخيرة فقام كأنما نشط من عقال، وجعل جبرائيل عليه الصلاة والسلام ~~يقول:» بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن حاسد وعين والله يشفيك «فقالوا: # PageV22P416 # يا رسول الله! أفلا نأخذه فنقتله؟ فقال:» أما أنا فقد شفاني الله، وأكره ~~أن أثير على الناس شرا «وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم أتى البئر بنفسه ~~ثم رجع إلى عائشة رضي الله عنها فقال:» والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ~~لكأن نخلها رؤوس الشياطين، فقلت له: يا رسول الله! «أهلا أخرجته؟ فقال:» ~~أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرا «ويجمع بأنه أتاها ~~صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة فلم يخرجه ثم إنه وجد بعض الألم فأرسل ~~إليه، فأخرجه فزال الألم كله، وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما ~~فعله حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه، ثم قال:» أشعرت يا ~~عائشة أن الله تعالى قد أفتاني فيما استفتيته فيه «، قلت: وما ذاك يا رسول ~~الله، قال:» أتاني ملكان « # فذكره، ms5877 وروى النسائي في المحاربة من سننه وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن ~~منيع وعبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم والبغوي في تفسيره كلهم ~~عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كان رجل يدخل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم # PageV22P417 # فأخذ له فسحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى لذلك أياما ~~فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: # «إن رجلا من اليهود سحرك، عقد لك عقدا في بئر كذا وكذا، أو قال: فطرحه في ~~بئر رجل من الأنصار، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستخرجوها فجيء ~~بها فحلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال» فما ذكر ذلك لذلك ~~اليهودي ولا رآه في وجهه قط، وفي رواية: فأتاه ملكان يعوذانه فقعد أحدهما ~~عند رأسه والآخر عند رجله فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: كأن الذي يدخل ~~عليه عقد له وألقاه في بئر، فأرسل إليه رجلا، وفي رواية: عليا رضي الله ~~عنه، فأخذ العقد فوجد الماء قد اصفر، قال: فأخذ العقد فحلها فبرأ، فكان ~~الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر له شيئا ولم ~~يعاتبه فيه، وهذا الفضل لمنفعة المعوذتين كما منح الله به رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فكذا تفضل به على سائر أمته، وروى أبو داود والترمذي وقال: حسن ~~صحيح - والنسائي مسندا أو مرسلا - قال النووي: بالأسانيد # PageV22P418 # الصحيحة - عن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثة مرات ~~- يكفيك كل شيء» والأحاديث في فضل هذه السور الثلاث كثيرة جدا، وجعل ~~التعويذ في سورتين إشارة إلى استحباب تكريره، وجعلتا إحدى عشرة آية ندبا ~~إلى تكثيره في تكريره، وقدمت الفلق التي خمس آيات مع ما مضى المناسبات لأن ~~اقترانها بسورة التوحيد أنسب، وشفعها بسورة الناس ms5878 التي هي ست آيات أنسب، ~~ليكون الشفع بالشفع، والابتداء بالوتر بعد سورة الوتر، وحاصل هذه السورة ~~العظمى في معناها الأبدع الأسمى الاستعاذة بالله بذكر اسمه {الرب} المقتضي ~~للإحسان والتربية بجلب النعم ودفع النقم من شر ما خلق ومن السحر والحسد، ~~كما كان أكثر البقرة المناظرة لها في رد المقطع على المطلع لكونها ثانية من ~~الأول كما أن هذه ثانية من الآخر في ذكر أعداء النبي صلى الله عليه وسلم ~~الحاسدين له على ما أوتي من النعم، وفي تذكيرهم بما منحهم من النعم التي ~~كفروها، وأكثر ذلك في بني إسرائيل الذين كانوا أشد الناس حسدا له صلى الله ~~عليه وسلم، وكان من أعظم ما ضلوا به السحر المشار إليه بقوله تعالى: # PageV22P419 # {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] حتى قال: ~~{فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} إلى أن قال: {ود كثير من ~~أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم} [البقرة: ~~109] وكان السحر من أعظم ما أثر في النبي صلى الله عليه وسلم من كيدهم حتى ~~أنزل فيه المعوذتان، وكان الساحر له منهم، وقد انقضى ما يسر الله من الكلام ~~على انتظام معانيها بحسب تركيب كلماتها، وبقي الكلام على كلماتها من حيث ~~العدد، فيما تشير إليه من البركات والمدد، هي ثلاث وعشرون كلمة إشارة إلى ~~أنه صلى الله عليه وسلم في السنة الثالثة والعشرين من النبوة يأمن من أذى ~~حاسديه، وذلك بالوفاة عند تمام الدين ويأس الحاسدين من كل شيء من الأذى في ~~الدين والدنيا، وخلاص النبي صلى الله عليه وسلم من كل كدر، فإذا ضممت إليها ~~الضمائر وهي خمسة كانت ثماني وعشرين، وهي توازي سنة خمس عشرة من الهجرة، ~~وذلك عند استحكام أمر عمر رضي الله عنه في السنة الثانية من خلافته ببث ~~العساكر وإنفاذه إلى ملك الفرس والروم وتغلغل هيبته في قلوبهم وتضعضع الفرس ~~بغلب العرب على رستم أكبر أمرائهم، والروم بغلبهم على ماهان أعظم رؤسائهم، ~~فاضمحل أمر المنافقين والحاسدين، وأيسوا # PageV22P420 # من ms5879 تأثير أدنى كيد من أحد من الكائدين، فإذا ضم إليها أربع كلمات البسملة ~~كانت اثنتين وثلاثين، إذا حسبت من أول النبوة وازتها السنة التاسعة عشرة من ~~الهجرة، وفيها كان فتح قيسارية الروم من بلاد الشام، وبفتحها كان فتح جميع ~~بلاد الشام، لم يبق بها بلد إلا وهي في أيدي المسلمين، فزالت عنها دولة ~~الروم، وفيها أيضا كان فتح جلولاء من بلاد فارس وكان فتحا عظيما جدا هد ~~أجنادهم وملوكهم، ولذلك سمي فتح الفتوح، وحصل حينئذ أعظم الخزي للفرس ~~والروم الذين هم أحسد الحسدة، لما كان لهم من العزة والقوة بالأموال ~~والرجال، وإن حسبت من الهجرة وازتها سنة انقراض ملك أعظم الحسدة الأكاسرة ~~الذين شقق ملكهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل إلى عامله باذان - ~~الذي كان استخلفه على بلاد اليمن - يأمره أن يغزو النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه يقتله سبحانه في ليلة ~~سماها، فلما أتت تلك الليلة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم رسل باذان بذلك، ~~فرجعوا إلى باذان فأخبروه فقال: إن كان صادقا فسيأتي الخبر في يوم كذا، ~~فأتى الخبر في ذلك اليوم بصدقه صلى الله عليه وسلم # PageV22P421 # فأسلم باذان ومن معه من الأبناء الذين كانوا في بلاد اليمن لم يتخلف منهم ~~أحد، وأوفد منهم وفدا على النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وتولى الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهم والله أعلم. # PageV22P422 # سورة الناس # مقصودها الاعتصام بالإله الحق من شر الخلق الباطن، واسمها دال على ذلك ~~لأن الإنسان مطبوع على الشر، وأكثر شره بالمكر والخداع، وأحسن من هذا أنها ~~للاستعاذة من الشر الباطن المأنوس به المستروح إليه، فإن الوسسة لا تكون ~~إلا بما يشتهي، والناس مشتق من الأنس، فإن أصله أناس، وهو أيضا اضطراب ~~الباطن المشير إليه الاشتقاق من النوس، فطابق حينئذ الاسم المسمى، ومقصود ~~هذه السورة معلول لمقصود الفقاتحة الذي هو المراقبة، وهي شاملة لجميع علوم ~~القرآن التي هي مصادقة الله ومعاداة الشيطان ببراعة الختام وفذلكة ms5880 النظام، ~~كما أن الفاتحة شاملة لذلك لأنها براعة الاستهلال، ورعاية الجلال والجمال، ~~فقد اتصل الآخر بالأول اتصال العلة بالمعلول، والدليل بالمدلول، والمثل ~~بالممثول، والله المسؤول في تيسير السؤل، ت وتحقيق المأمول، فإنه الجواد ذو ~~الطول، وبه يستعان وعليه التكلان: (بسم الله (المحيط علما بكل # PageV22P423 # باطن كإحاطته بكل ظاهر) الرحمن (الذي عمت نعمته كل باد وحاضر) الرحيم ~~(الذي خص أولياءه بإتمام النعمة عليهم في جميع أمورهم الأول منها والأثناء ~~والآخر. # PageV22P424 # لما جاءت سورة الفلق للاستعاذة من شر ما خلق من جميع المضار البدنية ~~وغيرها العامة للإنسان وغيره، وذلك هو جملة الشر الموجود في جميع الأكوان ~~والأزمان، ثم وقع فيها التخصيص بشرور بأعيانها من الفاسق والساحر والحاسد، ~~فكانت الاستعاذة فيها عامة للمصائب الخارجة التي ترجع إلى ظلم الغير، ~~والمعايب الداخلة التي ترجع إلى ظلم النفس ولكنها في المصائب أظهر، وختمت ~~بالحسد فعلم أنه أضر المصائب، وكان أصل ما بين الجن والإنس من العداوة ~~الحسد، جاءت سورة ### | الناس # متضمنة للاستعاذة من شر خاص، وهو الوسواس، وهو أخص من مطلق الحاسد، ويرجع ~~إلى المعايب الداخلة اللاحقة للنفوس البشرية التي أصلها كلها الوسوسة، وهي ~~سبب الذنوب والمعاصي كلها، وهي من الجن أمكن وأضر، والشر كله يرجع إلى ~~المصائب والمعايب، فقد تضمنت السورة كالفلق استعاذة ومستعاذا به ومستعاذا ~~منه وأمرا بإيجاد ذلك، فالأمر: {قل} والاسعتاذة {أعوذ} والمستعاذ به هو # PageV22P424 # الله سبحانه وتعالى، لكن لما كانت صفة الربوبية من صفات كماله سبحان أليق ~~بالحماية والإعانة والرعاية والخلق والتدبير والتربية والإصلاح، المتضمن ~~للقدرة التامة والرحمة الواسعة، والإحسان الشامل والعلم الكامل، قال تعالى: ~~{برب الناس *} أي أعتصم به أي أسأله أن يكون عاصما لي من العدو أن يوقعني ~~في المهالك، قال الملوي: والرب من له ملك الرق وجلب الخيرات من السماء ~~والأرض وإبقاؤها، ودفع الشرور ورفعها، والنقل من النقص إلى الكمال، ~~والتدبير العام العائد بالحفظ والتتميم على المربوب، وخص الإضافة ~~بالمزلزلين المضطربين في الأبدان والأديان من الإنس والجان لخصوص المستعاذ ~~منه، وهو الأضرار التي تعرض للنفوس العاقلة وتخصها، بخلاف ms5881 ما في الفلق فإنه ~~المضار البدنية التي تعم الإنسان وغيره. # وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: وجه تأخرها عن شقيقتها عموم الأولى ~~وخصوص الثانية، ألا ترى عموم قوله {من شر ما خلق} وإبهام # PageV22P425 # {ما} وتنكير {غاسق} و {حاسد} والعهد فيها استعيذ من شره في سورة الناس ~~وتعريفه ونعته، فبدأ بالعموم ثم أتبع بالخصوص ليكون أبلغ في تحصيل ما قصدت ~~الاستعاذة منه، وأوفى بالمقصود، ونظير هذا في تقديم المعنى الأعم ثم إتباعه ~~بالأخص بتناول الدقائق والجلائل قوله سبحانه وتعالى {بسم الله الرحمن ~~الرحيم} في معنى الرحمن ومعنى الرحيم واحد لا في عموم الصفة الأولى وكونها ~~للمبالغة، وقد تعرض لبيان ذلك المفسرون ولذلك نظائر - انتهى. # ولما كان الرب الملك متقاربين في المفهوم، وكان الرب أقرب في المفهوم إلى ~~اللطف والتربية، وكان الملك للقهر والاستيلاء وإظهار العدل ألزم، وكان الرب ~~قد لا يكون ملكا فلا يكون كامل التصرف، اقتضت البلاغة تقديم الأول وإتباعه ~~الثاني، فقال تعالى: {ملك الناس *} إشارة إلى أن له كمال التصرف ونفوذ ~~القدرة وتمام السلطان، وإليه المفزع وهو المستعان، والمستغاث والملجأ ~~والمعاد. # ولما كان الملك قد لا يكون إلها، وكانت الإلهية خاصة لا تقبل شركا أصلا ~~بخلاف غيرها، أنهي الأمر إليها وجعلت غاية البيان فقال: # PageV22P426 # {إله الناس *} إشارة إلى أنه كما انفرد بربوبيتهم وملكهم لم يشركه في ذلك ~~أحد، فكذلك هو وحده إلههم لا يشركه في إلهيته أحد، وهذه دائما طريقة القرآن ~~يحتج عليهم بإقرارهم بتوحيدهم له في الربوبية والملك على ما أنكروه من ~~توحيد الإلهية والعبادة، فمن كان ربهم وملكهم فهم جديرون بأن لا يتألهوا ~~سواه ولا يستعيذوا بغيره كما أن أحدهم إذا دهمه أمر استعاذ بوليه من أبناء ~~جنسه واستغاث به، والإله من ظهر بلطيف صنائعه التي أفادها مفهوم الرب ~~والملك في قلوب العباد فأحبوه واستأنسوا به ولجؤوا إليه في جميع أمورهم، ~~وبطن احتجابا بكبريائه عن أن يحاط به أو بصفة من صفاته أو شيء من أمره، ~~فهابته العباد ودعاهم الحب إلى الوله شوقا إلى لقائه، وزجرتهم الهيبة ms5882 ~~فجزعوا خوفا من طرده لهم عن فنائه، وكرر الاسم الظاهر دون أن يضمر فيقول ~~مثلا: {ملكهم} {إلههم} تحقيقا لهذا المعنى وتقوية له بإعادة اسمهم الدال ~~على شدة الاضطراب المقتضي للحاجة عند كل اسم من أسمائه الدال على الكمال ~~المقتضي للغنى المطلق، ودلالة على أنه حقيق بالإعادة قادر عليها لبيان أنه ~~المتصرف فيهم من جميع الجهات وبيانا لشرف الإنسان ومزيد الاعتماد بمزيد ~~البيان، ولئلا يظن أن شيئا من هذه الأسماء يتقيد بما أضيف إليه الذي قبله ~~من ذلك الوجه، # PageV22P427 # لأن الضمير إذا أعيد كان المراد به عين ما عاد إليه، فأشير بالإظهار إلى ~~أن كل صفة منها عامة غير مقيدة بشيء أصلا، واندرج في هذه الاستعاذة جميع ~~وجوه الاستعاذات من جميع وجوه التربية وجميع الوجوه المنسوبة إلى المستعيذ ~~من جهة أنه في قهر الملك بالضم، وجميع الوجوه المنسوبة إلى الإلهية لئلا ~~يقع خلل في وجه من تلك الوجوه تنزيلا لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذات ~~إشعارا بعظم الآفة المستعاذ منها، ولم يعطف بالواو لما فيها من الإيذان ~~بالمغايرة، والمقصود الاستعاذة بمجموع هذه الصفات الواقعة على ذات واحدة ~~حتى كأنها صفة واحدة، وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب على حد ~~سواء، فلا فعل لأحد إلا وهو خلقه سبحانه وتعالى وهو الباعث عليه، وأخر ~~الإلهية لخصوصها لأن من لم يتقيد بأوامره ونواهيه فقد أخرج نفسه من أن ~~يجعله إلهه وإن كان في الحقيقة لا إله سواه، ووسط صفة الملك لأن الملك هو ~~المتصرف بالأمر والنهي، وملكه لهم تابع لخلقه إياهم فملكه من كمال ربوبيته، ~~وكونه إلههم الحق من كمال ملكه، فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه، وملكه ~~يستلزم إلهيته وتقتضيها، وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد ~~الإيمان، وتضمنت معاني أسمائه الحسنى، فإن # PageV22P428 # الرب هو القادر الخالق إلى غير ذلك مما يتوقف الإصلاح والرحمة والقدرة ~~التي هي معنى الربوبية عليه من أوصاف الجمال، والملك هو الآمر الناهي المعز ~~المذل - إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى العظمة والجلال، وأما الإله ~~فهو الجامع لجميع صفات الكمال ms5883 ونعوت الجلال، فيدخل فيه جميع الأسماء ~~الحسنى، فلتضمنها جميع معاني الأسماء كان المستعيذ جديرا بأن يعوذ، وقد وقع ~~ترتيبها على الوجه الأكمل الدال على الوحدانية، لأن من رأى ما عليه من ~~النعم الظاهرة والباطنة، علم أن له مربيا، فإذا تغلغل في العروج في درج ~~معارفه سبحانه وتعالى علم أنه غني عن الكل، والكل إليه محتاج، وعن أمره ~~تجري أمورهم، فيعلم أنه ملكهم، ثم يعلم بانفراد بتدبيرهم بعد إبداعهم أنه ~~المستحق للإلهية بلا مشارك له فيها، فقد أجمع القراء في هذه السورة على ~~إسقاط الألف من {ملك} بخلاف الفاتحة كما مضى لأن الملك إذا أضيف إلى ~~{اليوم} أفهم اختصاصه بجميع ما فيه من جوهر وعرض، وأنه لا أمر لأحد معه ولا ~~مشاركة في شيء من ذلك، وهو معنى الملك - بالضم، وأما إضافة المالك إلى ~~الناس فإنها تستلزم أن يكون ملكهم، فلو قرىء به هنا لنقص المعنى، وأطبقوا ~~في آل عمران على إثبات الألف في المضاف وحذفها من المضاف # PageV22P429 # إليه لأن المقصود بالسياق أنه سبحانه وتعالى يعطي الملك من يشاء ويمنعه ~~من يشاء، والملك - بكسر الميم - أليق بهذا المعنى، وأسرار كلام الله سبحانه ~~وتعالى أعظم من أن تحيط بها العقول، وإنما غاية أولي العلم الاستدلال بما ~~ظهر منها على ما وراءه، وأن باديه إلى الخافي يشير. # ولما أكمل الاستعاذة من جميع وجوهها التي مدارها الإحسان أو العظمة أو ~~القهر أو الإذعان والتذلل، ذكر المستعاذ منه فقال: {من شر الوسواس *} هو ~~اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، والمراد بالموسوس، سمي بفعله ~~مبالغة لأنه صفته التي هو غاية الضراوة عليها كما بولغ في العادل بتسميته ~~بالعدل، والوسوسة الكلام الخفي: إلقاء المعاني إلى القلب في خفاء وتكرير، ~~كما أن الكلمة الدالة عليها «وس» مكررة، وأصلها صوت الحلي، وحديث النفس، ~~وهمس الكلاب، ضوعف لفظه مناسبة لمعناه لأن الموسوس يكرر ما ينفثه في القلب ~~ويؤكده في خفاء ليقبل، ومصدره بالكسر كالزلزال كما قال تعالى: {وزلزلوا ~~زلزالا شديدا} [الأحزاب: 11] وكل مضاعف من الزلزلة والرضرضة معناه متكرر، ~~والموسوس من ms5884 # PageV22P430 # الجن يجري من ابن آدم مجرى الدم - كما في الصحيح، فهو يوسوس بالذنب سرا ~~ليكون أجلى، ولا يزال يزينه ويثير الشهوة الداعية إليه حتى يواقعه الإنسان، ~~فإذا واقعه وسوس لغيره أن فلانا فعل كذا حتى يفضحه بذلك، فإذا افتضح ازداد ~~جرأة على أمثال ذلك لأنه يقول: قد وقع ما كنت أحذره من القالة، فلا يكون ~~شيء غير الذي كان، وشره التحبيب إلى الإنسان بما يميل إليه طبعه حتى يشاكله ~~في رذيلة الطبع وظلمة النفس، فينشأ من ذلك شرور لازمة ومتعدية أضرها الكبر ~~والإعجاب اللذان أهلكا الشيطان، فيوقع الإنسان بها فيما أوقع نفسه فيه، ~~وينشأ من الكبر الحقد والحسد يترشح منه بطر الحق - وهو عدم قبوله، ومنه ~~الكفر والفسوق والعصيان، وغمص الناس - وهو احتقارهم المعلوم من قول الشيطان # {أنا خير منه} [الأعراف: 12] ومنه تنشأ الاستهانة بأولياء الله تعالى ~~بترك احترامهم ومنع حقوقهم والاعتداء عليهم والظلم لهم، ويترشح من الحقد ~~الذي هو العداوة العظيمة إمساك الخير والإحسان وبسط اللسان واليد بكل سوء ~~وإيذاء، ويترشح من الحسد إفساد ذات البين كما يشير إليه {ما نهاكما ربكما ~~عن هذه الشجرة} [الأعراف: 20] الآية والكذب والمخادعة كما عرف به {وقاسمهما ~~إني لكما لمن # PageV22P431 # الناصحين فدلاهما بغرور} [الأعراف: 21] ويترشح عن الإعجاب التسخط للقضاء ~~والقدر كما آذن به {قال أأسجد لمن خلقت طينا} [الإسراء: 61] ومقابلة الأمر ~~بالعلم بما أشعر به {لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال} [الحجر: 33] ، ~~واستعمال القياس في مقابلة النص بما هدى إليه {أنا خير منه} [الأعراف: 12] ~~الآية، واستعمال التحسين والتقبيح بما أفهمه {لم أكن لأسجد لبشر خلقته من ~~صلصال من حمإ مسنون} والإذلال وهو الجرأة على المخالفات فينشأ عن ذلك شرور ~~متعدية، وهي السعي في إفساد العقائد والأخلاق والأعمال والأبدان والأرزاق، ~~ثم لا يزال يتحبب إلى الإنسان بما يميل إليه طبعه من هذه الخبائث وهو ~~يوافقه فيها حتى يصير له أخلاقا راسخة، فيصير رديء الطبع فلا ينفع فيه ~~العلاج، بل لا يزيده إلا خبثا كإبليس، ومن كان أصله طيبا واكتسب ما يخالفه ~~بسبب عارض ms5885 كان ممكن الإزالة كالعلاج كما وقع لآدم عليه الصلاة والسلام. # ولما كان الملك الأعظم سبحانه لم ينزل داء إلا أنزل له دواء، وكان قد جعل ~~دواء الوسوسة ذكره سبحانه وتعالى، فإنه يطرد الشيطان وينير القلب ويصفيه، ~~وصف سبحانه وتعالى فعل الموسوس عند استعمال الدواء إعلاما بأنه شديد ~~العداوة للإنسان ليشتد حذره منه وبعده عنه فقال: {الخناس *} أي الذي عادته ~~أن يخنس أي يتوارى ويتأخر # PageV22P432 # ويختفي بعد ظهوره مرة بعد مرة، كلما كان الذكر خنس، وكلما بطل عاد إلى ~~وسواسه، فالذكر له كالمقامع التي تقمع المفسد، فهو شديد النفور منه، ولهذا ~~يكون شيطان المؤمن هزيلا كما ورد عن بعض السلف أن المؤمن ينفي شيطانه كما ~~ينفي الرجل بعيره في السقر، قال البغوي: له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر ~~الإنسان، ويقال: رأسه كرأس الحية واضع رأسه على يمين القلب يحدثه، فإذا ذكر ~~الله خنس، وإذا لم يذكر الله رجع ووضع رأسه - خزاه الله تعالى. # ولما ذكر صفة المستعاذ منه، ذكر إبرازه لصفته بالفعل فقال: {الذي يوسوس} ~~أي يلقي المعاني الضارة على وجه الخفاء والتكرير بحيث تصل مفاهيمها من غير ~~سماع، وأشار إلى كثرة وسوسته بذكر الصدر الذي هو ساحة القلب ومسكنه فقال: ~~{في صدور الناس *} أي المضطربين إذا غفلوا عن ذكر ربهم، فإنها دهاليز ~~القلوب منها تدخل الواردات إليها، وذلك كالقوة الوهمية فإن العقل يساعد في ~~المقدمات الحقة المنتجة للأمر المقطوع به، فإذا وصل الأمر إلى ذلك خنست ~~الواهمة ريثما يفتر العقل عن النتيجة فترة ما، فتأخذ الواهمة # PageV22P433 # في الوسوسة وتقبل منها الطبيعة بما لها بها من مجانسة الظلمة الوهمية، ~~والناس - قال في القاموس: يكون من الإنس ومن الجن، جمع إنس أصله أناس جمع ~~عزيز أدخل عليه أل - انتهى، ولعل إطلاقه على هذين المتقابلين بالنظر إلى ~~النوس الذي أصله الاضطراب والتذبذب فيكون منحوتا من الأصلين: الانس والنوس، ~~ومن ثالث وهو النسيان. # ولما كان الذي يعلم الإنسان الشر تارة من الجن وأخرى من الإنس، قال مبينا ~~للوسواس تحذيرا من شياطين الإنس كالتحذير من ms5886 شياطين الجن، مقدما الأهم ~~الأضر، ويجوز أن يكون بيانا ل «الناس» ولا تعسف فيه لما علم من نقل ~~القاموس: {من الجنة} أي الجن الذين في غاية الشر والتمرد والخفاء {والناس ~~*} أي أهل الاضطراب والذبذبة سواء كانوا من الإنس أو الجن، فيكون المعنى أن ~~الجن مسلط بعضهم على بعض كما هم مسلطون على الإنس أو الجن، فيكون المعنى أن ~~الجن مسلط بعضهم على بعض كما هم مسلطون على الإنس، فيدخل شيطان الجن في ~~الجني كما يدخل في الإنسي ويوسوس له - قاله البغوي عن الكلبي، وقال: ذكر عن ~~بعض العرب أنه قال: جاء قوم من الجن فوقفوا فقيل: من أنتم؟ قالوا: أناس من ~~الجن، قال: وهذا معنى قول الفراء. # PageV22P434 # وقد ختمت السورة بما بدئت به، والمعنى الثاني أوفق برد آخرها على أولها ~~فإنه يكون شرحا للناس الذين أضيفت لهم الصفات العلى، والخواطر الواردة على ~~الإنسان قد تكون وسوسة، وقد تكون إلهاما، والإلهام تارة يكون من الله بلا ~~واسطة، وتارة يكون بواسطة الملك، ويكون كل منهما في القلب، والوسوسة تارة ~~من الشيطان، وأخرى من النفس، وكلاهما يكون في الصدر، فإن كان الإنسان ~~مراقبا دفع عن نفسه الضار، وإلا هجمت الواردات عليه وتمكنت منه ويتميز خير ~~الخواطر من شرها بقانون الشرع على أن الأمر مشكل، فإن الشيطان يجتهد في ~~التلبيس، فإن وافق الشرع فلينظر، فإن كان فعله ذلك الحين أولى من غير تفويت ~~لفضيلة أخرى هي أولى منه بادر إليه وإن كان الخاطر دنيويا وأدى الفكر إلى ~~أنه نافع من غير مخالفة للشرع زاد على شدة تأمله الاستشارة لمن يثق بدينه ~~وعقله، ثم الاستخارة لاحتمال أن تتوافق عليه العقول، ويكون فيه خلل لتقصير ~~وقع في النظر، وقد جعل بعضهم قانون الخاطر الرحماني أن ينشرح له الصدر ~~ويطمئن # PageV22P435 # إليه النفس، والشيطاني والنفسي أن ينقبض عنده الصدر وتقلق النفس بشهادة ~~الحديث النبوي في البر والإثم، ويعرف الشيطاني بالحمل على مطلق المخالفة، ~~فإن الشيطان لا غرض له في مخالفة بعينها، فإن حصل الذكر زال ذلك، والنفساني ~~ملزوم ms5887 شيء بعينه سواء كان نفعا أو ضرا، ولا ينصرف عنه بالذكر، وقد يكون ~~الشيطان إنسيا من أزواج وأولاد ومعارف، وربما كان أضر من شيطان الجن، ~~فدواؤه المقاطعة والمجانبة بحسب القدرة، ومن أراد قانونا عظيما لمن يصاحب ~~ومن يجانب فعليه بآية الكهف # {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28] وكما رجع مقطعها على مطلعها كذلك كان من ~~المناسبات العظيمة مناسبة معناها للفاتحة ليرجع مقطع القرآن على مطلعه، ~~ويلتحم مبدؤه بمرجعه على أحسن وجه، كما تقدم بيان ذلك من سورة قريش إلى هنا ~~سورة سورة، فنظر هذه السورة إلى الفاتحة والتحامها بها من جهة أن الفاتحة ~~اشتملت على ثلاثة أسماء: الله والرب والملك، وزادت بكونها أم القرآن ~~بالرحمن الرحيم، لاشتمالهما على جميع النعم الظاهرة والباطنة التي تضمنتها # PageV22P436 # صفة الربوبية، وسورة الناس على الرب والملك والإله الذي هو الأصل في اسم ~~الجلالة، واختصت الفاتحة بالاسم الذي لم يقع فيه شركة أصلا، فلما تقرر في ~~جميع القرآن أنه الإله الحق، وأنه لا شركة لغيره في الإلهية يحق بوجه من ~~الوجوه كما أنه لا شركة في الاسم الأعظم الذي افتتح به القرآن أصلا بحق ولا ~~بباطل، ختم القرآن الكريم به معبرا عنه بالإله لوضوح الأمر وانتفاء اللبس ~~بالكلية، وصار الاختتام مما كان به الافتتاح على الوجه الأجلى والترتيب ~~الأولي، وبقي الاسمان الآخران على نظمهما، فيصير النظم إذا ألصقت آخر الناس ~~بأول الفاتحة «إله ملك رب الله رب - رحمن رحيم ملك» إعلاما بأن مسمى الأسم ~~الأعظم هو الإله الحق، وهو الملك الأعظم لأنه له الإبداع وحسن التربية ~~والرحمة والعامة والخاصة، وحاصل سورة الناس الاستعاذة بهذا الرب الموصوف من ~~وسوسة الصدر المثمرة للمراقبة كما أن حاصل سورة الفاتحة فراغ السر من ~~الشواغل المقتضي لقصر الهمم عليه سبحانه وتعالى والبقاء في حضرته الشماء ~~بقصر البقاء عليه والحكم بالفناء على ما سواه، وذلك هو أعلى ms5888 درجات ~~المراقبة، فإذا أراد الحق إعانة عبد حمله على الاستعانة بالاستعاذة فيسر ~~عليه صدق التوكل، فحينئذ يصير # PageV22P437 # عابدا صادقا في العبودية فيكون إلهه سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر ~~به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وينبغي أنه كلما زاده سبحانه ~~وتعالى تقريبا ازداد له عبادة حتى ينفك من مكر الشيطان بالموت كما قال ~~تعالى لأقرب خلقه إليه محمد صلى الله عليه وسلم # {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر: 99] ومن نقص من الأعمال شيئا ~~اعتمادا على أنه وصل فقد تزندق، وكان مثله مثل شخص في بيت مظلم أسرج فيه ~~سراجا فأضاء، فقال: ما أوقدت السراج إلا ليضيء البيت فقد أضاء، فلا حاجة لي ~~الآن إلى السراج، فأطفأه فعاد الظلام كما كان، وقد ندب النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى افتتاح القرآن بعد ختمه كما أشار إليه اتصال المعنى بما بينته، ~~وسمي ذلك الحال المرتحل، وكأن القارىء ذكر بالأمر بالاستعاذة إرادة افتتاح ~~قراءته، فكأنه قيل: استعذ يا من ختم القرآن العظيم لتفتتحه، وكأنه لما ~~استعاذ بما أمر به في هذه السورة قيل له: ثم ماذا تفعل؟ فقال: أفتتح، أو ~~أنه لما أمر بالاستعاذة قال: ماذا أفعل؟ فقيل: افتتح بسم الله الرحمن ~~الرحيم الذي تجب مراقبته عند خواتم الأمور وفواتحها، لأنه لا يكون أمر إلا ~~به، أو أن البسملة مقول القول في {قل} على سبيل من {أعوذ} أو بدل من {برب ~~الناس} وكأنه أمر بالتعوذ، والتسمية أمر بالدفع # PageV22P438 # والجلب، وذلك لأنه لما أمر بهذا التعوذ - وكان قد قال سبحانه {فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] علم أن المراد ابتداؤه ~~بالقرآن فنسبتها إلى الفاتحة نسبة المعلول إلى علته، فكأنه قيل: استعذ بهذا ~~الرب الأعظم الذي لا ملك ولا إله غيره لأن له الحمد، وهو الإحاطة بكل شيء، ~~فهو القادر على كل شيء، فهو القاهر لكل شيء في المعاد وهو الملجأ والمفزع ~~لا إله إلا هو، فإن الاسم هو الوصف والمراد به الجنس، فمعنى بسم الله أي ~~بوصفه ms5889 أو بأوصافه الحسنى، والحمد هو الثناء بالوصف الجميل، فكأنه قيل: أعوذ ~~برب الناس بأوصافه الحسنى لأن له الحمد وهو جميع الأوصاف الحسنى فإن البدء ~~فيه يحتاج إلى قدرة، فله القدرة التامة، أو إلى علم فالعلم صفته، أو كرم ~~فكذلك، والحاصل أنه كأنه قيل: تعوذ به من الشيطان بما له من الاسم الذي لم ~~يسامه فيه أحد لكونه جامعا لجميع الأسماء الحسنى أي الصفات التي لا يشوبها ~~نقص خصوصا صفة الرحمة العامة التي شملتني أكنافها، وأقامني إسعافها، ثم ~~الرحمة الخاصة التي أنا أجدر الناس باستمطارها # PageV22P439 # لما عندي من النقص المانع لي منها والمبعد لمن اتبع الحظوظ عنها، فأسأله ~~أن يجعلني من أهلها، ويحملني في الدارين بوصلها، لأكون من أهل رضاه، فلا ~~أعبد إلا إياه، ولك أن تقرر الاتصال والالتحام بوجه آخر ظاهر الكمال بديع ~~النظام فتقول: لما قرب التقاء نهاية الدائرة السورية آخرها بأولها ومفصلها ~~بموصلها اشتد تشاكل الرأسين، فكانت هذه السور الثلاثة الأخيرة مشاكلة ~~للثلاث الأول في المقاصد، وكثرة الفضائل والفوائد: الإخلاص بسورة التوحيد ~~آل عمران، وهو واحد، والفلق للبقرة طباقا ووفاقا، فإن الكتاب الذي هو مقصود ~~سورة البقرة خير الأمر، فهي للعون بخير الأمر، والفلق للعوذ من شر الخلق ~~المحصي لكل خير، وفي البقرة # {أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67] {يعلمون الناس السحر} ~~[البقرة: 102]- الآيات، {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم ~~كفارا حسدا من عند أنفسهم} [البقرة: 109] الآية، والناس للفاتحة، فإنه إذا ~~فرغ الصدر الذي هو مسكن القلب الذي هو مركب الروح الذي هو معدن العقل كانت ~~المراقبة، فكان ذلك بمنزلة تقديس النفس بالتوحيد والإخلاص، ثم الاستعاذة من ~~كل شر ظاهر ومن كل سوء باطن للتأهل لتلاوة سورة المراقبة بما دعا إليه ~~الحال المرتحل وما بعدها # PageV22P440 # من الكتاب، على غاية من السداد والصواب، وكأنه اكتفى أولا بالاستعاذة ~~المعروفة كما يكتفي في أوائل الأمور بأيسر مأمور، فلما ختم الختمة جوزي ~~بتعوذ من القرآن، ترقية إلى مقام الإحسان، فاتصل الآخر بالأول أي اتصال بلا ~~ارتياب، واتحد ms5890 به كل اتحاد - إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب، هذا ما يسره ~~الله من مدلولات نظومها وجملها، بالنسبة إلى مفهوماتها وعللها، وبقي النظر ~~إلى ما يشير إليه أعداد كلماتها، بلطائف رموزها وإشاراتها، فهي عشرون كلمة ~~توازيها إذا حسبت من أول النبوة سنة عمرة القضاء وهي السابعة من الهجرة، ~~بها تبين الأمن مما وسوس به الشيطان سنة عمرة الحديبية من أجل رؤيا النبي ~~صلى الله عليه وسلم لدخول البيت والطواف به، فإذا ضممت إليها الضمائر ~~الثلاث كانت ثلاثا وعشرين فوازت السنة العاشرة من الهجرة وهي سنة حجة ~~الوداع وهي القاطعة لتأثير وسواس الشيطان الذي كان في أول السنة الحادية ~~عشرة عند موت النبي صلى الله عليه وسلم إلى العرب بأمر الردة، فأعاذ الله ~~من شره بهمة الصديق رضي الله تعالى عنه حتى رد الناس إلى الدين وأنزل به ~~وسواس الشياطين المفسدين، فانتظمت كلمة المسلمين # PageV22P441 # تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع «إن الشيطان قد أيس ~~أن يعبد في جزيرة العرب بعد اليوم» فإذا ضممت إليها كلمات البسملة صارت ~~سبعا وعشرين توازي سنة استحكام أمر عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه ~~الذي ما سلك فجا إلا سلك الشيطان فجا غيره، وذلك سنة أربع عشرة من الهجرة، ~~هذا بالنظر إلى كلماتها، فإن نظرت إليها من جهة الحروف كانت لها أسرار كبرى ~~من جهة أخرى، منها أن كلماتها مع كلمات الفاتحة انتظمت من ستة وعشرين حرفا ~~وهي ما عدا الثاء المثلثة والزاء الظاء المعجة من حروف المعجم التسعة ~~والعشرين كل واحدة منهما من اثنين وعشرين حرفا اشتركتا في ثمانية عشر منها، ~~واختصت كل واحدة منهما بأربعة: الفاتحة بالحاء والطاء المهملتين، والضاد ~~والغين المعجمتين، والناس بالجيم والخاء والشين المعجمتين والفاء، وقال ابن ~~ميلق: سقط من الفاتحة سبعة أحرف «ثج خز شظف» ، انتهى، فلعل في ذلك - والله ~~أعلم - إشارة إلى أن - تكامل نزول القرآن من أوله إلى آخره في عدد الحروف ~~التي اشتمل عليها كل من سورتي أوله وآخره من السنين وذلك ms5891 اثنان وعشرون، ~~والثالثة والعشرون سنة القدوم على منزله # PageV22P442 # الحي القيوم سبحانه وتعالى ما أعظم شأنه، وأعز سلطانه، وأقوم برهانه. # وقال مؤلفه رحمه الله تعالى: وهذا تمام ما أردته من نظم الدرر من تناسب ~~الآي والسور، ترجمان القرآن مبدي مناسبات الفرقان، التفسير الذي لم تسمع ~~الأعصار بمثله، ولا فاض عليها من التفاسير على كثرة أعدادها كصيب وبله، ~~فرغته في المسودة يوم الثلاثاء سابع شعبان سنة خمس وسبعين وثمانمائة، ~~بمسجدي من رحبة باب العيد بالقاهرة المغرية، وكان ابتدائي فيه في شعبان سنة ~~إحدى وستين، فتلك أربع عشرة سنة كاملة، وفرغته في هذه المبيضة عصر يوم ~~الأحد عاشر شعبان سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة، بمنزلي الملاصق للمدرسة ~~البادرائية من دمشق، فتلك اثنتان وعشرون سنة بعدد سني النبوة الزاهرة ~~الأنيسة العلية الطاهرة المباركة الزكية، ولولا معونة الله أضحى معدوما، أو ~~ناقصا مخروما، فإني بعد ما توغلت فيه واستقامت لي مبانيه، فوصلت إلى قريب ~~من نصفه، فبالغ الفضلاء في وصفه # PageV22P443 # بحسن سبكه وغزارة معانيه وإحكام رصفه، دب داء الحسد في جماعة أولي النكد، ~~والمكر واللدد، يريدون الرئاسة بالباطل، وكل منهم من جوهر العلم عاطل، مد ~~ليل الجهل فيهم ظلامه، وأثار نقع السفه على رؤوسهم سواده وقتامه، صوبوا ~~سهام الشرور، والأباطيل وأنواع الزور، فأكثروا التشييع بالتشنيع، والتقبيح ~~والتبشيع، والتخطئة والتضليل، بالنقل من التوراة والإنجيل، فصنفت في ذلك ~~الأقوال القويمة، في حكم النقل من الكتب القديمة، بينت فيه أن ذلك سنة ~~مستقيمة، لتأييد الملة الحنيفية العظيمة، وأخرجت بذلك نص الشافعي، وكلام ~~النووي والرافعي، واستكتبت على الكتاب: العلماء الأنجاب، فكتبوا ما أودعته ~~«مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور» فأطفأ الله نارهم، وأظهر عوارهم، ~~وشهر خزيهم وعارهم، ثم قاموا في بدعة دائم المعروف، فصنفت فيها القول ~~المعروف، وبينت مخالفتهم للكتاب والسنة، ووقوعهم في عين الفتنة، وخرقهم ~~لأعظم الجنة، وصريح نص الشافعي ونقول العلماء، فكانوا كمن ألقم الحجر أو ~~ملىء فمه بالماء، ثم قاموا في فتنة ابن الفارض، وكلهم معاند معارض، # PageV22P444 # وألبوا علي رعاع الناس، فاشتد شعاع البأس، فكادوا أن يطبقوا ms5892 على ~~الانعكاس، وصوبوا طريق الإلحاد، وبالغوا في الرفع من أهل الاتحاد، ولجوا ~~بالخصام في العناد، وأفتوا بمحض الباطل، وبثوا السم القاتل، إلا ناسا قليلا ~~كان الله بنصرهم على ضعفهم كفيلا، فسألتهم سؤالا، جعلهم ضلالا جهالا، ~~فتداولوه فيما بينهم وتناقلوه وعجزوا عن جوابه بعد أن راموه أشد الروم، ~~وحاولوه فظهر لأكثر الناس حالهم، واشتهر بينهم ضلالهم، وغيهم الواضح ~~ومحالهم، وصنفت في ذلك عدة مصنفات، بانت فيها مخازيهم وظهرت المخبآت، منها ~~«صواب الجواب للسائل المرتاب» ومنها «القارض لتكفير ابن الفارض» ومنها ~~«تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض» ومنها «تنبيه الغبي على تكفير ابن ~~عربي» ومنها «تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد» أنفقت فيها عمرا ~~مديدا، وبددوا فيها أوقاتي - بددهم الله تبديدا، وهدد أركانهم وأعضادهم ~~تهديدا، وقرعتهم بالعجز عن الجواب، الكاشف للارتياب، صباحا ومساء، وإعادة ~~وإبداء، فحملهم التقريع، والتوبيخ والتبخيع، على كتابة جواب، لم يخل من ~~ارتجاج واضطراب، وشك # PageV22P445 # وارتياب، بينت أن جامعه أخطأ في جميعه الصواب، وكفر في أربعة مواضع كفرا ~~صريحا، وكذب في ثمانية فصار بذلك جريحا، بل هالكا طريحا، فأطلت بذلك ~~التقريع، والتوبيخ والتبشيع، فذلت أعناقهم، وضعف شقاقهم، وخفي نفاقهم، غير ~~أنه حصل في كل واحدة من هذه الوقائع، من الشرور وعجائب المقدور، ما غطى ~~ظلامه الشموس الطوالع. # وطال الأمر في ذلك سنين، وعم الكرب حتى كثر الأنين، والتضرع في الدعاء ~~والحنين، وثبت الله ورزق الصبر والأناة حتى أكمل هذا الكتاب، على ماتراه من ~~الحسن والصواب. # وقد قلت مادحا للكتاب المذكور، بماابان عنه من عجائب المقدور، وغرائب ~~الأمور، شارحا لحالي، وحالهم وظفر آمالي، وخيبة آمالهم من مجزوء الرجز، ~~وضربه مقطوع، والقافية متواتر مطلق مجرد، مسميا له ب (كتاب لما) لأن جل ~~مقصوده بيان ارتباط الجمل بعضها ببعض حتى أن كل جملة تكون آخذة بحجزة ما ~~أمامها متصلة بها، وذلك هو المظهر المقصود من الكلام وسره ولبابه، الذي هو ~~للكلام بمنزلة الروح وبيان معاني المفردات، وكل جملة على حيالها بمنزلة ~~الجسد، فالوح هو المقصود الأعظم يدرك ذلك من يذوق # PageV22P446 # ويفهم، ms5893 ويسري ذهنه في ميادين التراكيب ويعلم، و (لما) طرف يراد بها ثبوت ~~الثاني مما دخل عليه بثوبت الأول على غاية المكنة بمعنى أنها كالشروط تطلب ~~جملتين يلزم لذلك الملزوم، فتم الكتاب في هذا النظم ب (لما) لأني أكثرت من ~~استعمالها فيه لهذا الغرض: # هذا كتاب لما لم المعاني لماغدت بحور علمه تمد مدا جما بشرت من يحسده بأن ~~يموت غما فإن قصدي صالح جاهدت فيه الهما فربنا يقبله كيفية وكما فبالذي ~~أردته لقد أحاط علما كابدت فيه زمنا من حاسدي ما غما عدوا سنين عددا يسقون ~~قلبي السما وكم دهوني مرة وكم رموني سهما وأوسقوا قلبي أذى وأوسعوني ذما ~~وكم بغوني عثرة فما رأوا لي جرما وفتروا من قاصدي همهمة وعزما # PageV22P447 # وأوعدوهم بالأذى وأوهنوهم رجما ألقى إذا اشتد لظى أذى إذا هم رجما ألقى ~~إذا الليل دجا وبالبلا ادلهما أذاهم وظلمهم بدعوة في الظلما أستصرخ الله ~~بهم أقول يا اللهما يا رب إني جاهد فارفرج إلهي الغما لا ذنب لي عندهم إلا ~~الكتاب لما جرت ينابيع الهدى منه فصارت يما صنعته وفي بحو رعلمه ما طما وقد ~~علا تركيبه وعاد يحلو نظما عملته نصيحة لمن يحب العلما أودعته فرائدا يرقص ~~منه الفهما تجلو العمى من لطفها وتسمع الأصماخص نفيس علمها وللأناسي عما ~~تنطق من تغنى بها ... وإن يكونوا بكما # أفعالها جليلة ... أعيذها بالأسما # سهل ربي أمره ... علي حتى تما # PageV22P448 # في أربع وعشرة من السنين صما قال لسان عدها دونك بدرا تما وليس يلغي ~~ناقصا يا صاحبي يوما أعيذه بالمصطفى من شر وغد ذما ومن حسود قد غدا من أجله ~~مهتما فليس يبغي ذمه إلا بغيضا أعما كفاه ربي شرهم وزان منه الأسما ورد في ~~تدبيرهم تدميرهم والغرما وردهم بغيظهم لما ينالوا غلما وزاده سعادة ولازمته ~~النعما # قال ذلك منشبه أحوج الخلائق إلى عفو الخالق أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن ~~حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي رحمه الله تعالى قائلا: ~~الحمد لله رب العالمين وصلى الله على ms5894 سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # وكان الفراغ من هذا الجزء على يد أقل عبيد الله وأحوجهم إلى لطف الله ~~وعفوه عبد الكريم بن علي بن محمد المحولي الشافعي نزيل بلد الله الحرام - ~~غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين -. . . # بمكة المشرفة في يوم السبت المبارك الساجس والعشرين من شهر صفر الخير سنة ~~أربع وأربعين وتسعمائة، وقد تجاوز سني الآن خمسة وسبعين عاما - أسأل الله ~~حسن الخاتمة والثبات على دين الإسلام والوفاة بأحد حرميه بمنه، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العي العظيم. # قال ذلك منشبه أحوج الخلائق إلى عفو الخالق أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن ~~حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي رحمه الله تعالى قائلا: ~~الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # وكان الفراغ من هذا الجزء على يد أقل عبيد الله وأحوجهم إلى لطف الله ~~وعفوه عبد الكريم بن علي بن محمد المحولي الشافعي نزيل بلد # PageV22P449 # الله الحرام - غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين -. . . بمكة ~~المشرفة في يوم السبت المبارك السادس والعشرين من شهر صفر الخير سنة أربع ~~وأربعين وتسعمائة، وقد تجاوز سني الآن خمسة وسبعين عاما - أسأل الله حسن ~~الخاتمة والثبات على دين الإسلام والوفاة بأحد حرميه بمنه، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وقال بعض تلامذة المصنف وهو العرس خليل بن موسى المقرىء مادحا للكتاب ~~المذكور المسمى ب «لما» : # برهان دين الله أضحى موضحا ... أسرار قول الله في القرآن # وأتى بما ترك الورى من بعده ... تمشي الورا أبدا مدى الأزمان # فمن ادعى نسجا على منواله ... فقد ادعى ms5895 ما ليس في الإمكان # وإذا المفسر رام يوما أنه ... بمثاله يأتي بلا إذعان # قلنا له فسر وقايس بعد ذا ... ولنا الدليل عليك بالبرهان # وكان الفراغ من نسخ هذا النصف الأخير من الكتاب المسمى ب «لما» مناسبات ~~القرآن العظيم على من أنزل عليه أفضل الصلاة والسلام في # PageV22P450 # الليلة الثالثة عشرة من شهر جمادى الأولى من شهور سنة سبع وتسعين وألف ~~على يد أحقر العباد، وأحوجهم إلى مغفرة ربه الجواد، محمد بن أحمد البدرشيني ~~بلدا، الشافعي مذهبا، مصليا ومسلما على أفضل وأكمل وأجمل خلق الله محمد بن ~~عبد الله بن عبد المطلب وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأهل بيته الطيبين ~~الطاهرين صلاة وسلاما دائمين متلازمين بدوام ملك الله ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل آمين آمين. # إن تلق عيبا فلا تعجل بسبك لي ... إني امرؤ لست معصوما من الزلل ~~PageV22P451 ms5896